الدراجي: قال الإمام الصادق () استعينوا بالكتمان في قضاء حوائجكم وهذا ما طَبَّقَه سماحة السيد في مجال كتابته للشعر ولكن برنامج أعلام خدموا أهل البيت يكشف ولأول مرة هذا السر أسوة بأجداده والسلف الصالح كالشريف الرضي والمرتضى والسيد محمد سعيد الحبوبي قدس الله أسرارهم فلنسمع من سماحة المرجع وهو يتألق شاعراً بما يختاره لنا.
السيد الشهيد: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين في الحقيقة الشيء الذي أستطيع أن أقدمه أولاً: أن تاريخ الأسرة أكثره شعر لو صح التعبير كثير من رجالنا ونسائنا ينظمون الشعر. السيد صدر الدين جد الأسرة شاعر وعنده المنظومة الرباعية، أحفاده الذين هم على مستوى أجدادي واحد منهم جدي السيد محمد مهدي الصدر, واحد منهم عم والدي أخوه السيد صدر الدين الصدر الذي كان طالباً في قم توفى رحمه الله من زمان كلاهما شاعر، جدي لأمي الشيخ محمد السيد محمد رضا آل ياسين ينظم الشعر جيداً، أخوه الشيخ مرتضى آل ياسين ينظم الشرع جيداً وربما حسب الظاهر أشعر آل ياسين لأن شعره قوي وجَزل إلى درجة معتد بها جداً، إبن أخيه الشيخ محمد حسن خالي الأبوي أيضاً شاعر مشهور.
الدراجي: وإبنه كذلك.
السيد الشهيد: وإبنه الدكتور محمد حسين آل ياسين أيضاً شاعر مشهور، وكثير من نساءنا أيضاً بما فيها والدتي وأمها وأم أبي وكذلك أخت السيد محمد باقر الصدر قدس الله روحيهما، وأخريات أو آخرين، كلهم هكذا على ذلك الغرار، كذلك السيد محمد هادي إبن السيد على الصدر من الفخذ الآخر من الصدر أيضاً شاعر وعنده كثير من الشعر، إبنه السيد حسين أيضاً شاعر وعنده كثير من الشعر، فأنا ولدت بطبيعة الحال مضافاً إلى الجو الأسري للشعر كذلك الجو الحوزوي للشعر، وكذلك الجو الأدبي الذي كنت أنا في أول شبابي طبعاً أراجع كثيراً من الكتب على مختلف المستويات، ومختلف الحقول والمهارات لو صح التعبير أيضاً راجعت من الشعر كثيراً.
الدراجي: وجو كلية الفقه كذلك؟
السيد الشهيد: جو كلية الفقه إلى درجة معتد بها أيضاً كذلك، المهم على أنه قرأت في حينه لكثيرين: المتنبي ومحمد مهدي الجواهري وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير ومصطفى جمال الدين، وآخرين من شعراء داخل النجف وخارج النجف، سامع أنا من أبَوَيَّ: لعله أول بيت شعر أنا قلته لم يكن عمري أكثر من سنتين إلى ثلاث سنين طبعاً باللغة العامية، لأنه في ذلك الحين هذا يحتاج إلى قصة طريفة بسيطة: في ذلك الحين كان الراء عَليَّ صعباً ألفظُهُ لاماً، فكان هناك عندي جدي الشيخ محمد رضا وكنت طبعاً أنا وأبي وجماعة بمنزلي نعيش دائماً. فأُرسِل كان هناك خَدَمَةٌ مأجورين يعني لأجل الحاجة العائلية، فأحدهم يسمى حسن علي -محل الشاهد- أنه تقول والدتي أنه في يوم ما أُرسِل هذا حسن علي للكاظمية لبعض الأشغال البسيطة فتقول أنه أنت جالس فابتسمت وقلت:
حسن علي حسن علي
رايح للكاظم يشتِلي
فهذا هو هو.
الدراجي: موزون.
السيد الشهيد: وبعد ذلك تقريباً حينما صار عمري بالثمان سنين كان أيضاً من أنغام الطفولة أن قلت:
إنني أهوى قصوراً ومروراً في حياتي
إنني أهوى مرادي ومرادي لا يصيرُ
طبعاً طفل أكيد..
الدراجي: يعني عمرك ثمان سنوات؟
السيد الشهيد: ولعل هذه موجودة عدة أبيات قلتها ربما في الرابعة عشر أو الخامسة عشر كنت، يعني مصاب بشيء من السعال ونحو ذلك، أخذني أبي إلى طبيب في بغداد وقلت أبيات فيها هذا الشيء:
شَددنا الرِّحالَ إلى الكاظمين
وعُدنَا وكم رُشدُنا زائدُ
طوينا البراري وجُبنَا القِفَار
وغيرَ الذي قَد قصدنا له
لشـيءٍ وكان هوَ الراشدُ
وإن كان ذا عزةٍ كاسِدُ
إلى أن يقول:
وزُرنا ودُرنا حوالي الضـريح
رجعنا وإيمانُنَا زائدُ
ذهبنا لصَدرِيَ عند الطبيبِ
رجاءَ دواءٍ لنا فائدُ
طبعاً فيه لحن أكيد ولكنه قيسوه بعمري
وماذا يفيـــــــد إذا ما الطبـــيبُ
كأمثالنــــــــــــا بشـرٌ فاســــــدُ
ألا ما رجوتُ سوى الكاظِمَين
ولستُ سوى فَضلهم قاصدُ
رأينا أقاربنـــــــــــا مـــــــــــدةً
وعُدنا وقَلبي لهـــــــم حامدُ
وكم فِيهــــــِــمُ عالمٌ نابـــــــــِهٌ
وكـــــــم فيهِمُ خيِّرٌ راشـــــدُ
إلى آخرهِ ….
الدراجي: هذا بعمر الأربع عشر سنة؟
السيد الشهيد: نعم، بعد ذلك طبعاً توالت الأشعار وكان يغلب في الحقيقة على شعري أكيداً قضية التشاؤم، يعني من قبيل القول أنه الضيق بآلام الدنيا وبلاء الدنيا كله تقريباً من هذا القبيل، ولكنني ينبغي أن أقرأ لكم بعض ما هو جَزل في شعري: منها هذا الذي قلته في أبي. في الحقيقة حينما انتهيت من هذه القصيدة قرأتها على والدي قال والدي هذا الشعر سوف يخلدني وقالت والدتي يا ليت هذا الشعر كان فِيَّ. أقرأ لكم المقطع الأول هو طويل على كل حال حوالي خمسة وسبعين بيتاً، المهم:
أبي يا عَظيمَ المجدِ والمجدُ مُقبلُ
ومن هو في أُفْقِ المكــــــــارم أوَّلُ
ويا غُرَّة الشمس المضيئة في الضُّحى
ويا بدرَ تَمٍّ للعُلى ليسَ يأفــُـــــــلُ
بك افتخر المجدُ العظيمُ مَهابةً
فَفضلك مِن جَمِّ الفضائل أفضلُ
وفاخَرَ فيك العصـر سابقَ عهدِه
وآتيَهُ والفخر بالحقِّ يَجمـُـــــــــــلُ
سَطعتَ فَحوَّلتَ الدُّجى بارِقَ الضُّحى
بأنوارِ قُدسٍ بين جَنبَيكَ تَحمِـــــلُ
وأذعَنَتِ الأيامُ والدَّهرُ والوَرَى
بِمجدٍ لهُ هامُ السماواتِ مَنزِلُ
سموتَ عُلاً ما الفرقدان وما السُّهى
وأَخفِض بها إن قَارَنَ المُتأَمِّلُ
سبقتَ الورى شَأواً وعِزَّاً وسُؤدَداً
وصافحتَ آفاقاً لها ليسَ تأمَلُ
ولا غَروَ يا ليثَ المكارمِ والعُلا
وخيرَ بَنِي الدُّنيا لو المرء يَعقِلُ
شَأَوتَ بِقُدسِ النَّفسِ والطُّهرِ والعُلا
إلى مَوقِفٍ يَكبُو بهِ المُتَعَجِّلُ
إلى الله في نور الهداية خالدٌ
وفي ومضات السـرمدية مِشعَلُ
لكي تُحرِقَ النفسَ العظيمةَ في التُّقَى
وقلباً لرفعِ الحقِّ والخيرِ يَعمَلُ
فلو وُزِّعَ الخيرُ الذي أنتَ أهلُهُ
على الناسِ قد نالُوا الذي هو أفضَلُ
ولو قَبَسُوا التَّقوَى إذاً لَرأيتَهُم
بمسجدِِهم صَلُّوا وصامُوا وأقبلُوا
ولَو وُزِّعَت آياتُ زُهدِكَ بينَهُم
لَمصُّوا الحَصَـى حُبَّاً بِهِ وتَبَتَّلُوا
فَقَد فُزتَ بالقَدْحِ المُعَلَّى مَكَارِماً
وأَعزِزْ بِهِ مَجداً مِنَ الله يَنزِلُ
المهم على أنه بعد ذلك حصل لي من قبيل أنه نقول شيء من الحال بالعبادة والإتصال بالله والعطاء المعنوي أمام الله سبحانه وتعالى فتَحوَّل كثير من شعري إلى الجانب العِرفاني وقلت في ذلك عدداً من القصائد والمقطوعات ليست قليلة، ولربما تَحَصَّل الآن بعضها على أي حال.
الدراجي: إذا كان هناك لأهل البيت عندكم مناسبة؟
السيد الشهيد: في أهل البيت بالضبط لا يوجد شيء. هذا في أمير المؤمنين سلام الله عليه طبعاً هو مجرد ماذا؟
الدراجي: تخميس
السيد الشهيد: نعم
أنتَ الرفيعُ الذي فوقَ السُّهى طَلَعَا
فانْحَطَّ كُلُّ رَفِيعٍ دُونَه هَلَعَــــــــا
بِنُورِهِ كُلُّ نُورِ الكَــــــــــونِ قَد لَمعَا
أنتَ العَليُّ الذي فَوقَ العُلا رُفِعَا
بِبَطنِ مَكَّةَ وَسطَ البَيتِ إِذ وُضِعَا
سطوعُ نُورِكَ مَا شَيءٌ بِحَابِسِهِ
وإن أبَى كُلُّ جِلفٍ مِن مُمَارِسِهِ
وَليسَ غَيرُكَ للعَليَا بِفَارِسِهِ
وأنتَ بَابٌ تَعالى شَأنُ حَارِسِهِ
بغيرِ رَاحةِ رُوحِ القُدْسِ مَا قُرِعَا
وأنتَ نُقطَةُ بَاءِ الحَمدِ قَد عُلِمَا
وأنتَ نَفسُ رَسِولِ اللهِ قَد وُسِمَا
سَبقتَهُ نحوَ مِعراجِ السَّمَا عِظَمَا
وأنتَ ذاكَ البَطِينُ المُمتَلِي حِكَمَا
مِعشارُها فَلَكُ الأفلَاكِ مَا وَسِعَا
آلائُكَ الغُرُّ فِي ضَافِي تَعَدُّدِهَا
تُحَافِظُ العُلْوَ والسُّفْلَى بِمُفرَدِهَا
مِن نُورِ رَبِّكَ تَزهُو فِي تَوَقُّدِهَا
وأنتَ نُقطَةُ بَاءٍ مَعْ تَوَحُّدِهَا
بها جَميعُ الذي فِي الذِّكرِ قَدْ جُمِعَا
وحُبُّكَ الرِّبحُ إِذ يَنجُو الكِرَامُ بِهِ
وَقُرْبُكَ القُدْسُ إِذ يَعلُو العِظَامُ بِهِ
وَحُكمُكَ الصِّدقُ إِذ تُعطَى السِّهَامُ بِهِ
وأَنتَ وَالحَقُّ يَا أقضـَى الأَنَامُ بِهِ
غَداً عَلى الحَوضِ حَقَّاً تُحـشَرَانِ مَعَا
بِحُبِّكَ الرُّوحُ والأَعمَالُ قَد رَجُحَتْ
حَتَّى ارتَقَتْ وَبِيَ الأنوارُ قَدْ لَمحَتْ
وَكُلُّ غَائِرَةٍ في النَّفسِ قَدْ كُبِحَتْ
وأنتَ أنتَ الذي آثارُهُ مَسَحَتْ
هَامَ الأَثِيرِ فَأبدَى رَأسَهُ الصَّلَعَا
يا مَن يَرَاهُ حُسَاماً مَا دَرَيتَ بِهِ
أوِ الغُضَنفَرُ يَوماً مَا أتَيتَ بِهِ
بِقُوَّةِ اللهِ نَصْـرٌ قَد حُبِيتَ بِهِ
حَكَّمْتَ في الكُفرِ سَيفاً لَو هَوَيْتَ بِهِ
يَوماً عَلى كَبِدِ الأَفلَاكِ لَانْخَلَعَا
المهم هذه صورة من هذا الشعر . هذا أيضاً لي شعر في تواريخ أولادي كثير، بعضه حقيقةً جَزل وأنا لا أريد أن أروي شعري المتدنِّي، وإنما كل واحد له شعر متدنِّي وشعر عالي وإنما أقرأ لكم جملة من الأبيات الجَزلَة، في الحقيقة هذا من جملة الشعر الجزل الذي قلته بذكرى كان عمر أول أولادي مصطفى سنة واحدة، الذكرى الأولى لميلاده.
الدراجي: في أي سنة بالضبط؟ 1965؟
السيد الشهيد: أي 15/12/1965، 19/8/1385.
حيَّتكَ سابِغَةُ النَّعماءِ تنتـشرُ
وفي رُبَى حقلِكَ الفَوَّاح تزدهرُ
وسَلَّمَ الصُّبحُ نَشواناً يُغرِّدُ في
حَقلِ الهَنا ولهُ في جَوِّهِ وَتَرُ
وطافتِ الشمسُ في أَبهى أشعَّتِها
مَدارَ أفقِكَ يَقفُو إِثرَها القَمرُ
وأَرسَلَت من خُيوطِ الضَّوءِ أحزمةً
ليعبَقَ النُّورُ في الدنيا ويَنتـشرُ
وغَرَّدَ البُلبُلُ النَّشوان أغنيةً
للدَّوحِ كي تَزدَهِي في جَوِّهِ صُوَرُ
حَيَّتكَ عَاماً مِنَ البُشـرَى بِهِ انطَلَقَت
أشِعَّةُ الحُبِّ فِي الأكوانِ تَزدهِرُ
عامٌ مِنَ الوِدِّ والإخلاصِ مَنبَعُهُ
ومِن مَعينِ شُعاعِ الشَّوقِ مُعتَصَـرُ
عَامٌ بهِ أنزَلَ الرَّحمنَ رَحمتُهُ
عَلى قُلوبٍ بها النِّيرانُ تَستعِرُ
كانَتْ مِنَ الوَجْدِ والأشواقِ قَد تَعِبَتْ
وِمِن لَظَى غُلِّهَا للفَجرِ تَنتظِرُ
ما ذاقتِ الحُلوَ واسْتَجلَتْ مَلامِحَهُ
أو جاءَها مِن سَنَا أنوارِهِ أَثَرُ
بالوَجدِ بالبُؤسِ بالحِرمانِ قَد صَبَرَت
بالنُّورِ للحُبِّ لِلإِعتَاقِ تَفتَقِرُ
طَالَ الزَّمانُ عَلى يومٍ بِهِ صَبَرَتْ
والخَيرُ حَتماً يَرَاهُ النَّاسُ إِن صَبَرُوا
حَتى إذا جِئتَها والقَلبُ مُنغَلِقٌ
وفَوقَهُ مِن طُمَى أيَّامِهِ ضَرَرُ
صَبا إليكَ وفَاحتْ مِن أَزَاهِرِهِ
لأجلِ حُبِّكَ نَفحٌ وَازدَهَت صُوَرُ
وفَتَّحَ القَلبُ مَا قَد كَانَ أغلَقَهُ
لِبَسمَةِ الفَجرِ فَوقَ الأُفقِ يَنتَـشِرُ
أقرأ لكم قصيدة أخرى هذه أيضاً لا تَقصُر عن تلك، في ذكرى ميلاده الثالثة وفيها إشارة إلى مولاي صاحب الزمان سلام الله عليه لأن مصطفى مولود في شعبان وصاحب الزمان أيضاً مولود في شعبان.
يا شهرَ شَعبانُ كُلُّ الخير تُدنِيهِ ( لاحظوا هذه القافية صعبة) ..
يا شَهرَ شَعبانُ كُلُّ الخيرِ تُدنِيهِ
وعُنصُـرَ الشَّـرِ والحِرمَانِ تُقصِيهِ
ويَزدَهِي أُفقُكَ الدَّاجِي بِنُورِ هُدَىً
مِن مَنبَعِ الحَقِّ قَد دَرَّتْ سَوَاقِيهِ
قَد جِئتَ بالنِّعمَةِ الكُبرَى تُقَدِّمُهَا
فَأَزهَرَ الحَقلُ واخضَـرَّتْ حَوَاشِيهِ
وعَطَّرَ الَجوَّ فَوَّاحَاً بِزَنبَقِهِ
مِن دَيمَتَينِ غَدَت طَلَّاً تُسَاقِيهِ
مِن جَدوَلَينِ أَفَاضَا نِعمَةً وَهَنَاً
فَأَبهَجَ القَلبُ واخضَـرَّت فَيَافِيهِ
( المقصود هاتين الولادتين طبعاً )
وبَدَّلَ البُؤسَ أُنسَاً والضَّنَا فَرَحَاً
والدَّمعَ شَدواً وَصَعبَ العَيشِ هَادِيهِ
وليسَ مُستَغرَباً أن تَغتَدِي أُفُقَاً
لمـشرِقَينِ أَطَلَّا فِي مَغَانِيهِ
شَمسٌ وَبَدرٌ أَنارَا الدَّربَ فِي حَلَكٍ
فَأَمرَعَ الأَمَلَ السَّارِي عَلى تِيهِ
شَمسٌ بِها أشرَقَ الإِسلامُ أَجمَعُهُ
وَأزهَرَ الدَّهرَ مَاضِيهِ وَآتِيهِ
لهُ على الكَونِ نُورٌ لا انجِلَاء لَهُ
وَمَوكِبٌ يُرشِدُ الضُّلَّالَ هَادِيهِ
هُوَ المُرَجَّى لِيَومِ الحَقِّ ثَورَتُهُ
كَصَفعَةِ الفَجرِ فَوقَ اللَّيلِ تُردِيهِ
ويَجمَعُ الشَّملَ للحَقِّ الطَّرِيدِ إلى
مَا أَدلَجَ الرَّكبَ قَفرَاً ضَلَّ حَادِيهِ
هُوَ المُرَجَّى لِقَمعِ الظُّلمِ مِن بَـشَرٍ
بِنُورِ دِينِ إِلَهِ الخَلقِ يَهدِيهِ
ويَنشُـرُ العَدلَ صِرْفَاً فِي مَرَابِعِهِ
فَيَبهَجُ الكَونَ طُرَّاً مِن أيَادِيهِ
فَانظُر لمِقدَارِ شَوقِ القَلبِ فِي وَلَهٍ
لِطَلعَةِ الفَجرِ يَعلُو فِي دَياجِيهِ
والبَدرُ مَأمَلُهُ أيضاً ومَأرَبُهُ
وَوَمضَةٌ قَد تَمشَّت فِي مَآقِيهِ
والبَدرُ غَايةُ ما يَبغِيهِ مِن شَرَفٍ
كَي يَغتَدِي لِهَوَسْ ثُمَّارِ سَاجِيهِ
أن يَقبَسَ النُّورَ مِن شَمسٍ بِهِ ائْتَلَقَتْ
مَهمَا مَشَت فِي السَّمَا أُفقَاً مَشَى فِيهِ
هُمَا عَلى القَلبِ صِنوَا مَأمَلٍ أَلِقٍ
إِن جَفَّ مَنبَعُهُ أو فَرَّ سَاقِيهِ
كِلاهُمَا قَبَسٌ لِلحَقِّ مُدَّخَرٌ
أَسْعِدْ بِتَابِعِهِ أَخْفِضْ بِشَانِيهِ
هُمَا سَمِيَّا رَسُولِ اللهِ مَا اختَلَفَا
إِلا بِمَا يَسَّـرَ الإِنسَانُ بَارِيهِ
هذه هي الفقرة الأولى
الدراجي: أحسنت بارك الله بك.
الدراجي: ما هي نشاطاتكم الحالية في الحوزة بصفتكم تمثلون المرجعية في النجف الأشرف؟
السيد الشهيد: في الحقيقة أول ما أذكر، أذكر صلاة الجماعة التي الآن أنا متكفِّلُها في الحرم الحيدري الشريف ظهراً وليلاً، كانت هذه الصلاة وأنا صغير يتكفَّلُها جدي الشيخ محمد رضا آل ياسين قدس الله روحه، وكان يصلي صيفاً في الطارمة، القسم المسمى بالطارمة من الحرم الحيدري الشريف، وشتاءاً في الرَّوَاق قرب المدخل الرئيسي، ثم لما أخَذَهُ المرض وتقاعد في البيت أمر والدي بالخروج إلى الصلاة. فيومئذٍ هي في وقت واحد وهو وقت المغرب وليس في وقتين، ثم لما مرِض والدي أيضاً وكُلُّ حيٍ إلى زوال على أية حال خَوَّلَني بإقامة صلاة الجماعة في نفس المكان.
الدراجي: تتذكَّرون في أي عام؟
السيد الشهيد: بحدود 1983أو 1984 ميلادي، وحصل في صلاة الجماعة طبعاً تَقَطُّعات، إلا أنها من حوالي ثلاث أو أربع سنوات هي مُلتَزَمٌ بها، وأضيف إليها طبعاً خلال هذه المدة المتأخرة صلاة الظهر أيضاً أصبحت أذهب ظهراً وليلاً.
تدريسي عصراً الذي هو في علم الأصول، قبل المغرب بساعة، وطبعاً هو بالتوقيت الزوالي يختلف من الشتاء إلى الصيف، وفي كل فترة نغيره -محل الشاهد- وفي كلا الدرسين حقيقة طلاب مشهود لهم بالصحة والفضل وإن كان هناك طلاب أيضاً أشكال، لأنه يحضرون بمختلف المقاصد الحوزوية والدنيوية، ولكن جماعة من المخلصين والمتعلِّمين حقيقةً يحضرون ويستفيدون ويكتبون، وخاصة بحث الأصول أستطيع أن أقول وإن كان هو الآن أقل عدداً من طلاب بحث الفقه، ولكنه أكثر فضلاً تقريباً كلهم مائة بالمائة فضلاء ومخلصين وتاعبين على أنفسهم، ومن هذه الناحية أحد أدلة مستواي، حينما أدعي لنفسي أني الأعلم لأن هؤلاء الفضلاء في الحقيقة حضروا عند كثيرين، عند كل العلماء، الحوزة فيها حرية فكر من هذه الناحية، أنا لا أستطيع أن أمنعهم أن يحضروا أي درس، وبعد حضورهم درسي ودرس غيري لمدة كافية من الزمن ربما سنتين أو ثلاثة وسمعونا جميعاً وشهدوا بأعلميَّتي وقلَّدوني ودَعَوا لي فلماذا لم يدعوا لغيري، إن كان غيري أعلم، مثلاً من جملة الشواهد على ذلك قضية منهج الصالحين، لأن منهج الصالحين أنا طورته عن منهاج الصالحين للسيد الخوئي قدس الله روحه بعدة مميزات منها: إضافة الموضوعات الحديثة الكثيرة الموجودة كمُلحق في كل جزء، وهذا موجود ومطبوع وموزَّع. المهم، المزية الثانية: أنني في الحقيقة قسمت المسائل التي قد تكون في نفس الصفحة أو صفحة أو أقل أو أكثر إلى مسائل صغيرة، لتسهيل التناول، كل واحد يتناول قسماً أو منطقة خاصة من المسألة لو صح التعبير. والشيء الآخر الذي فعلته هو أنك تجد في منهاج الصالحين للخوئي مسألة ذات حكم وموضوع اعتيادي، أنا جئت ففصلته قلت إذا كان الموضوع كذا فحكمه كذا، وإن كان كذا فحكمه كذا، وإن كان كذا، ربما تفصيل من شقَّين أو من ثلاثة شُقوق، أو من أربعة احتمالات أو شقوق كل ذلك ممكن. حينئذٍ تجد أو يجد المتَفَقِّه حينما يلتفت إلى هذه النقطة أنَّ المسألة صحيحة لماذا أن الخوئي لم يذكر هذه التفاصيل فإن كان قد التفتَ إليها ولم يذكرها إذن فهو مقصر، وإن لم يكن قد التفت إليها فهو قاصر، وعلى كلا التقديرين أنا أكون قد مشيت بالفِكر الإمامي خطوة معتد بها بعون الله.
وكما يقول الشاعر:
إذا كُنتَ لا تَدرِي فَتِلكَ مُصيبَةٌ
أو كُنتَ تَدرِي فَالمصِيبَةُ أعظَمُ
وكذلك هذا مما ينبغي أن أقوله: أن من جملة الدلائل على أعلميتي على الخوئي الذي أدعيه لنفسي أني طبعاً من طلاب السيد محمد باقر قدس الله روحه وأنا قلت في المجلس السابق لهذا التصوير على أنه هو أعلم أهل زمانه، لأنه خط في الأصول خطة لا تشبه أي خطة إطلاقاً. وفي الإمكان الآن مقارنة المطبوع من تقريرات الخوئي وتقريرات السيد بشكلٍ كافي لأجل معرفة الفرق بين المستويين محل الشاهد أنني حضرتأكثر من دورة أصولية، دورة وكسر من علم الأصول، يعني دورة وربع تقريباً أو نحو ذلك، وكل طلابه وكثير من طلابه كانوا من مختلف الجنسيات،ولكنهم فضلاء ومخلصين ومتحمسين له قدس الله روحه -ليس هذا محل الشاهد وإنما محل الشاهد- أنه جملة قليلة من الطلاب كانوا هم المتلقِّين لعِلمِه الحقيقي والأعمق الذي كان هو مقصوده وقلَّما يستطيع الطالب أن يُحصِّل المقصود الأساسي لأستاذه بطبيعة الحال، فإن شاء الله أكون أنا واحد من هؤلاء الذين حصلوا مقاصد السيد تحصيلاً كاملاً. ومن هنا الصراط القويم أنا طبعته وكان الخوئي موجود في حال حياته صدرت الطبعة الأولى الزرقاء في الحقيقة، لماذا؟ لأنني كنت أقول بأنني أعلم من الخوئي لأن السيد محمد باقر أعلم وكل من تَلقَّى علمه حقَّ التَّلقِّي فهو أعلم. وجملة من طلاب السيد أبو جعفر هكذا، أعلم من الخوئي. فإذن أنا أقول بوجوب تقليد الأعلم، ومع ذلك طبعت الرسالة إذن أنا واثق بأني أعلم. وإن شاء الله هذه الأمور التي استجدت من المطبوعات والدروس وغيرها تبرهن على ذلك بطبيعة الحال.
الدراجي: مولانا المعروف عن سماحتكم مجدد الحوزة ما هي أبرز النقاط التجديدية بالنسبة للطلبة في الوقت الحاضر؟
السيد الشهيد: في الحقيقة مولانا، أنا لا أستطيع أن أحرز لنفسي هذه الصفة وإنما كله بفضل الله سبحانه وتعالى، في الحقيقة طبعاً تعلمون أنه الحوزة تضاءلت جداً، وقلَّ سُكَّانها لو صح التعبير والمتَّصفين بها والدارسين تحت إشرافها لم يَبقَ إلا قليل تحت مرجعية الخوئي لا أكثر ولا أقل. قبل حوالي عشر سنوات ونحو ذلك، ولكنه بفضل ربي في الحقيقة إستطاع كثير من الشباب، التعمُّم والدراسة والمشي مشياً صالحاً، وإن كان جملة منهم ليسوا بمعصومين، ولكنه كثير منهم صالحين ومدبرين لأمور الدراسة ولأمور المجتمع ولأمور الحوزة، وكذلك لأمور العوام وإمامة الجماعة والإتصال بالناس على أحسن ما يرام، وهذا جهد مضاعف ومشترك بين كثيرين منا يعني في داخل الحوزة في الحقيقة، وليس هذا جهداً خاصاً بي وإنما نعم أنا تكفلت أمرين أحدهما الإشراف على المدارس الدينية التي هي مسكن الطلبة، ومنع من ليس له أهلية أن يسكن فيها إلا بتوثيقات وشهادات وبأمور يتكفلها والشيء الآخر الرئيسي في الموضوع أنني جعلت هناك نظام حوزوي للتعمُّم أن الشخص الذي يريد أن يدخل إلى الحوزة ويتعمم نقبل منه ذلك بتوثيقين من أئمة الجماعة الموثوقين، ثم يمتحن إمتحانين امتحان في الأخلاق وامتحان في الفقه فإن نجح في كلا الامتحانين قبلناه وإلا رفضناه.
السيد الشهيد: سماحتكم هو من المراجع الذين يتصفون بكثرة التأليف فبعد استعراضنا للكتب المطبوعة، ما هي تعليقاتكم حول المخطوطات؟
السيد الشهيد: في الحقيقة أنا أستطيع أن أقول أكثر كتبي قد طبعت والحمد لله بتوفيق ربي، على أي حال جملة منها في العراق، وجملة منها استطعنا إرسالها إلى لبنان وطبعت، وموسوعة الإمام المهدي رفضت هنا وطبعت في لبنان، كذلك حديث حول الكذب، والغيبة، والبداء، أيضاً رفضت هنا وطبعت في لبنان، وكذلك أضواء على ثورة الحسين عليه السلام رفضت هنا وطبعت في لبنان، الآن تحت الطبع لم تصل نسختها إليَّ، المهم على أنه أكثر كتبي مطبوعة فعلاً، ولكنه لا يخلو من مخطوطات، يعني أغلب المخطوطات إنما هي من كتابات الشباب وليست جديدة، أنا الآن أحاول أن أكتب مثلاً في بحثي في الفقه، وبحثي في الأصول، والجزء الثاني من فقه الأخلاق، ونحو ذلك من الأمور، وكذلك الجزأين الأخيرين من ما وراء الفقه، الذي هو التاسع والعاشر تحت الطبع ولم يباشَر حقيقةً في طبعه ولكنه سوف يباشَر خلال الأيام الآتية إن شاء الله، الآن هو باعتباره مخطوطاً التاسع والعاشر الذي التاسع يتكون من نهايات الفقه الذي هو كتاب القضاء والحدود والديات والتعزيرات. والجزء العاشر يتكفل مستدركات الفقه التي نُسِي أو أُهمِل ذكرها في الأجزاء التسعة الأولى يذكر كمستدرك في الجزء العاشر، فيها قواعد فقهية من قبيل قاعدة الميسور ونحو ذلك، وفصل مثلاً عن الساعة التوقيت الغروبي والتوقيت الزوالي وأيهما أفضل وطريقة ضبط الساعة على وجه الكرة الأرضية ونحو ذلك من الكلمات، كثير فيه إن شاء الله يصدر وترونه وكذلك عندي كتب مخطوطة تمثل مقالات أو بحوث سابقة أهمها لعله أسميته (اللمعة في حكم صلاة الجمعة) رحمه الله السيد إسماعيل أخو السيد محمد باقر، عقد في شهر رمضان تدريساً خاصاً بشهر رمضان، باحث فيه أمام عدد من طلاب قليل، كنت أنا واحد منهم عن حكم صلاة الجمعة هل هي واجب تعييني، أو واجب تخييري، أو حرام كما يقول بعضهم على خلاف المشهور، أو نحو ذلك من الأمور، واستدل على ذلك باستدلالات تفصيلية من الكتاب والسنة ونحو ذلك، فهذا ما حصل فعلاً. وأنا كتبته ولا زالت الكتابة عندي وتعليقاته، أيضاً بعثتها له وعلق عليها بعض التعليقات بخطه، ولا زال خطه محفوظاً عندي وخطه معروف له مزية خاصة -سبحان الله- فالمهم أنه هذا أيضاً من جملة المخطوطات المحفوظة التي قلما ذكرتها للآخرين. من جملتها أنه أنا في شبابي كنت يعني محتاج إلى بعض الإطلاعات، في الحقيقة إبن هشام الباب الأول من المغني، من كتابه (مغني اللبيب) في معاني الحروف والأدوات كما تعلمون ربما، فحينئذٍ هذا بابٌ كبير وفيه كثير من الزيادات والاستدلالات والأمثلة والزائدة والناقصة، أنا لخَّصتُه وحذفت كل هذه الأمور، ذكرت المحصِّل المختصر جداً، ولكنني استعرضت كل الأدوات والحروف التي هو إستعرضها، والآن لا زال عندي، أسميته باسم طفولي على كل حال ولكنه طريف (الكتاب الحبيب مختصر مغني اللبيب) وربما مجموع هذا الباب خمسين صفحة أو ستين صفحة ليس أكثر ولكنه لا زال ينفعني مثلاً: إنما وأنما وإما ونحو ذلك من الحروف ما هي معانيها؟ كم موارد ترد؟ ونحو ذلك من الأمور، إن وأن وإلى آخره. كل هذه أمور لا بد من الفحص فيها لغوياً ونحوياً الآن هذا محل حاجة. فلخصته لأجل هذه الغرض ويوجد بعض الكتابات البسيطة الأخرى.
الدراجي: مولانا لا تفوتنا الفرصة، توصياتكم للشباب وللمسلمين عامة.
السيد الشهيد: في الحقيقة في مثل هذه الظروف التي يحاول في الحقيقة أهم أهداف الاستعمار الغربي هو ماذا؟ هو صرف المسلمين والشيعة بالخصوص عن دينهم، لأنه وجد أن التقليل العددي للبشر لا يُجدي عن طريق الحروب ونحو ذلك، وإنما يُجدي الشيء الأكثر هو حملهم على الأهواء والشهوات والإنحرافات فمن هذه الناحية هذا موجود، حينئذٍ أحسن شيءٍ وموقفٍ يتخذه الفرد لنفسه: هو مطالعة الكتب الأساسية في أصول الدين، وأصول المذهب، من قبيل مؤلفات السيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ عبد الحسين الأميني، ومحمود أبو رية، وعبد الفتاح عبد المقصود، ومحمد التيجاني، والسيد عبد الله شبر، وآخرين. وكذلك كتب التفسير القديمة والحديثة، وكذلك بعض كتب العقائد، من قبيل فلسفتنا، من قبيل عقائد الإمامية، من قبيل أصل الشيعة وأصولها، ونحو ذلك من الأمور. ولربما مؤلفاتي أيضاً تدخل في هذا الصدد، ولربما مؤلفات أخرى. الحقيقة أن النجف منبع للفكر الأصيل، ولا ينبغي أن يُقاس عليها جملة من الكتيبات التي صدرت أخيراً، والتي لا قيمة لها، لا الشباب والمفكرين والمثقفين ينبغي أن يقيسوا النجف بمفكريها وبمحققيها، وليس بتوافهها لو صح التعبير. وفي الحقيقة في الختام أنا أشكر الأستاذ شكراً جزيلاً على هذه الفرصة، حقيقة هي فرصة فوق الشكر وفضله كثير أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. وأنا إن شاء الله إن كنت من أهل الدعاء وممن تستجاب دعوته سوف أدعو له بكل خير في الدنيا والآخرة. في مضان الإجابة ولا يجعلني الله مقصراً بخدمته والحمد لله على حسن ظنه بي في الحقيقة، وإلا أنا أقل من ذلك، الله تعالى يعلم ماذا في النفس من أسواء من النفس الأمارة بالسوء، ولكنه الله تعالى يتفضل بكشف الحسن وستر القبيح جل جلاله، وهذا ما مَنَّ به عليَّ والحمد لله رب العالمين.
الدراجي: أحسنتم. في ختام هذا الحديث الشيِّق الممتع النافع للأجيال الإسلامية المفيد للشباب وللمسلمين نتوجه بالشكر الجزيل لسماحة المفكر الإسلامي الكبير والمرجع الأعلى السيد محمد صادق الصدر، ونرجو لكم أن قضيتم وقتاً ممتعاً مع هذا الحديث الشيِّق النّافع.