بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، تحت ضلال أشعة هذه القبة الشريفة لمولانا أمير المؤمنين الإمام علي صلوات الله عليه نشأت عبقريات ومواهب وإبداعات خَدَمَتْ أهل البيت، هذه المواهب والإبداعات التي توزَّعت بين الفِقه والشِّعر والأدب ومختلف العلوم، ويسُرُّ برنامج أعلام خدموا أهل البيت أن يستضيف هذه المواهب في حلقات عديدة ونبدأ هذه الحلقة بسماحة آية الله العظمى السيد محمد الصدر دام ظله الشريف فتعال معي أخي المشاهد المؤمن الكريم في رحلة جميلة إلى رحاب السيد محمد الصدر.
الدراجي: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين أيها المشاهد المؤمن الكريم بالاعتزاز والتقدير يسر برنامج أعلام خدموا أهل البيت أن يستضيف شخصية مرموقة وعلم بارز من أعلام الحوزة الشريفة ومفكر وكاتب إسلامي مُجدِّد أنه سماحة آية الله العظمى السيد محمد الصدر دام ظله الشريف إسمح لنا عزيزي المشاهد الكريم بساعتين من وقتك وأنت تتفيَّأ بضلال بركات جهاده العقائدي المقدس، وتتعرف على ملامحٍ مضيئة من حياته المليئة بالجهاد والإبداع وتقوى الله فأهلا ومرحباً بسماحة زعيم الحوزة الشريفة…
السيد الشهيد: جزاكم الله خير جزاء المحسنين.
الدراجي: ولادتكم كانت مباركة فهي صادفت يوم 17 ربيع الأول مولد الرسول القائد محمد (ص) ومولد الإمام جعفر الصادق (ع) نرجو أن تحدثنا سماحتكم عن الولادة والنشأة في هذا البيت العريق
السيد الشهيد: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين في الحقيقة ينبغي أن أبدأ بالشكر للأستاذ محمد الدراجي جزاه الله خير على همَّته أولاً وخدمة دينه ثانياً، وحسن ظنه بهذا العبد الخاطئ ثالثاً، وأكرر تحيتي العطرة وجزاه الله خير جزاء المحسنين وأدعوا له بالخير في الدارين وبكل ما تَقَرُّ به العين، إن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. في الحقيقة الآن ولادتي ونُبَذ كثيرة من ترجمتي لو صح التعبير موجودة ومطبوعة في كثير، هي عدة مطبوعات، وليس من جديد ما أضيفه، في الحقيقة أنا ولدت في النجف الأشرف في بيت جدي آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين الذي كان في ذلك العيد قد عادت إليه الزعامة والمرجعية بعد السيد أبو الحسن الأصفهاني فكان في ذلك الحين هو المرجع الرئيسي في النجف الأشرف وفي الحوزة العلمية وكان ذلك سنة 1362هـ -1943م في 17 ربيع الأول القمري و23 آذار الشمسي. والبيت الذي وُلدت فيه الآن مهدوم في ضمن الشوارع التي فُتحت خلال هذا الزمان الطويل في محلَّة العِمارة إلى جانب ما بين الصحن الشريف وصافي صفا -محل الشاهد- تربَّيت في حضن أبي السيد محمد صادق الصدر وجدي الشيخ محمد رضا آل ياسين وطبعاً كان جدي لأبي السيد محمد مهدي الصدر قد تُوُفِّي قبل ولادتي بعدة سنوات، أنا لم أره ولكني رأيت جدي لأمي وهو الشيخ محمد رضا، وبقيت معاصراً له حوالي سبع سنين ونصف أو ثمان سنين إلى أن توفي في السبعين الهجرية التي هي الخمسين الميلادية، ودخلت المدرسة الابتدائية في حينه مدرسة السلام التي الآن أيضاً لا وجود لها، في شارع السور قرب مغتسل (بئر عليوي) وإلى الآن موجود على أية حال، وقضيت فيها أربع سنوات وكسر، أي شهرين أو ثلاثة من الصف الخامس وبعد ذلك في بالي على أنني أصبت بالحمى وانقطعت عن المدرسة حوالي نصف شهر أو أكثر وكان والدي يُصِرُّ على عدم الرجوع إلى المدرسة. وإذا كان عمري حينما دخلت إلى المدرسة سبع سنوات ثم أربع سنوات فهذا يكون 11 سنة، فحينما كان كأنما في ذلك الحين شهر محرم وصفر -محل الشاهد- وأنا مولود في 17ربيع، كان يصر والدي على أنه يُلبِسني العِمامة المباركة في 17 ربيع من تلك السنة وفعلاً فعل ذلك، جزاه الله خير وعَيَّنَ لي أساتذة من جملتهم سيد طالب الرفاعي، ومن جملتهم شيخ حسن طراد العاملي، ومن جملتهم شيخ محمد تقي الأيرواني، فَدرست فترة من الزمن وهو طبعاً أيضاً كان أيضاً يُدرِّسُني المبادئ إلى أن في الحقيقة شُرِعَ من قِبَل جمعية منتدى النشر في فتح (كان في ذلك الحين إسمها كلية منتدى النشر) ثم سميت بكلية الفقه ووالدي كثير الصداقة والالتزام مع جمعية منتدى النشر حتى كان يعتبر نفسه أحد المؤسسين العامِّين هكذا هو يقول أو الأعضاء العامين في الجمعية وكان يُدعى في كل سنة إلى شيء يشبه المؤتمر كثيرين يحضروه لأجل إنتخاب الهيئة التنفيذية التي هي الجمعية عدة نَفَر ثمانية أو عشرة يمثلون الجمعية بالانتخاب السري بالأوراق وكذا -محل الشاهد- هو كان يحضر، وأيضاً يكتب معهم على ما في بالي سبحان الله، وأنا كنت أذهب معه وأنا طفل. فكان صداقته حميمة مع شيخ محمد رضا المظفر والسيد هادي الفياض والسيد محمد تقي الحكيم والشيخ محمد تقي الأيرواني وآخرين، هم كانوا أعضاء الجمعية، الأعضاء العموميين لا أقل في الجمعية وشيخ أحمد الوائلي ومتعددين هكذا، واحد منهم فالمهم أنه في يوم ما ذهبت معه، أيضاً البناية الآن مهدومة وكانت ملاصقة للصحن الشريف إلى جنب السوق الكبير، في الحقيقة أمام السوق الكبير نستطيع أن نسمِّيها تقريباً، فهناك في المكتبة كان الشيخ محمد رضا جالس فسألني بعض الأسئلة كإمتحان قَبُول ووافق على قبولي وانتهى الحال. وداومت سنة، ثم أعتُبِر هذا الصف تمهيدياً، لأنه بعد ذلك استطاعت جمعية منتدى النشر من تحصيل إجازة الحكومة العراقية في العهد الملكي بإسم (كلية الفقه) وبدأ الصف الأول من جديد -سبحان الله- كأنني درست في الصف الأول مرتين، وفي الحقيقة بقيت في كلية الفقه خمس سنوات وليس أربع سنوات، لأنه من ذلك الحين إلى أربع سنوات أخرى كان اللازم الإستمرار فيها، في الحقيقة أنه تعبت فيها على نفسي لأنه أنا حينما مثلاً في أول شبابي أو قبل دخولي إلى كلية الفقه لم أكن أحس بالمسؤولية العلمية بالمعنى الذي فهمتُه عند دخولي كلية الفقه، فحينما دخلت كلية الفقه عرفت أن هناك مسؤولية وضرورة للدرس الحقيقي والفهم الحقيقي والأداء الحقيقي، وهذا ما لم أكن ملتفتاً إليه قبل ذلك، والشيء الآخر الذي حصَّلتُه في كلية الفقه والحق يقال: سرعة الكتابة لأنه لا يوجد مصادر ، يأتي مدرس (علم الإجتماع) دكتور حاتم الكعبي يجلس على المنصَّة عدة (فايلات) يقرأها سريعاً وينهض يخرج هكذا، نحن بماذا نمتحن، ليس له معنى، لا بد من مادة، وتأتي أسئلة، ونكون مسؤولين عن الأجوبة ونحن لا نعلم، ليس إنصافاً حبيبي، فأنا كنت مضطر إلى أنه أُحَضِّر قلم وورقة وأكتب بسرعة شديدة كلام علم الاجتماع ومواد أخرى أيضاً مضافاً إلى ذلك، ربما في الفقه وربما في علم النفس وربما شيء من ذلك هو الانكليزي أو شيء من هذا القبيل كله كنت أضبطه في الجملة فتعودت على الكتابة السريعة. والشيء الآخر أنه أيضاً وهذا طبعاً غير موجود في الحوزة كان فيها علوم غير حوزوية نستطيع أن نقول كعلم الاجتماع وعلم النفس والرياضيات والانكليزي، ولا أدري ربما يكون هناك أشياء أخرى، فألممت بها إلماماً نستطيع أن نقول معتداً به إلى حدٍ ما، وهذا ما لا يتيسر وجوده في الحوزة وكان من الصعب جداً أنه نتصور أنني ألتحق بالإعدادية أو الكلية الاعتيادية أو الأكاديمية، لا، وإنما هذا الشيء الذي حصل ولو لم أكن قد دخلت كلية الفقه لما حصلت على شيء من هذا القبيل. فالمهم على أنه أستطيع أن أقول حقيقةً أن كلية الفقه بمعنى من المعاني ذات فضل عليَّ وإنما الفضل أولاً لله، وثانياً لهؤلاء المشرفين الذين هم الشيخ محمد رضا والسيد محمد تقي الحكيم بشكل أساسي، وكان المدير الأساسي هو السيد هادي الفياض، أيضاً يعني له شيء من النَّفع، ولكنه ليس كهذين العَلَمَيْن الله يجزيهم ألف خير محل الشاهد وتخرجت بحوالي 1964 ميلادية فبدأت المكاسب والكفاية، المكاسب قسم منها على أية حال درسني السيد محمد تقي الحكيم، أيضاً في نفس البناية كنت أذهب في كل يوم وندرس، وأما الكفاية درسني السيد محمد باقر قدس الله روحه، ثم بعد حين قال لي بأنه أنت تستطيع أن تحضر درس الخارج الذي هو يدرسه، يعني (الذي أنا أدرسه كما عبارته) فتجرب أنك تفهم أو لا تفهم -محل الشاهد- فحضرت وفهمت وكتبت واستمر الحال إلى أن انتهى من الدورة أي دورة علم الأصول في الحقيقة، البحث الخارج أصولي كان وليس فقهياً، وأنا طبعاً من ذلك الحين كنت أفضل علم الأصول ولا زلت أفضل علم الأصول لأنه هو البحث العقلي الحقيقي والذي هو الأساس أيضاً لدروس الفقه كلها.
الدراجي: ما زلتم أنتم تحبون الأصول كثيراً فمَن الأساتذة العباقرة في هذا العلم ؟
السيد الشهيد: الآن؟
الدراجي: لا الذين درسوكم أو الذين مضوا في العقود الثلاثة.
السيد الشهيد: في الحقيقة لا نستطيع أن نقول أن الأصول الرئيسي في الحوزة العلمية المتأخرة بدأ بالشيخ مرتضى الأنصاري قدس الله روحه وبعده صاحب الكفاية بالكفاية نفسها وبعده الشيخ محمد حسين النائيني وكان في عصره اثنان آخران أيضاً فحلان في الأصول الشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني ثم بعدهما أو بعدهم في الحقيقة ليس إلا السيد الخوئي وبعده السيد محمد باقر وبعده طلابه الذين هُم أنا كررت أكثر من مرة الرئيسيين ثلاثة السيد محمود الهاشمي والسيد كاظم الحائري وداعيكم.
الدراجي: هنا في زمن ولادتكم كان شائع الشعر الذي يؤرخون به الولادة فما هو الشعر الذي أُرِّخت به؟
السيد الشهيد: أنا حسب توفيقي من الله أنه في كثير من المناسبات قال الشعراء فِيَّ أشعاراً حتى في ولادتي حسب النقل أنها جاءت بعد ستة عشر سنة من زواج والديَّ وذهبا إلى الحج ودعوا الله في الحج على أنه يرزقا ولداً صالحاً وكذلك المنقول أشياء عظيمة، المنقول عن جدي السيد محمد مهدي جدي لأبي أنه كان يدعو لأبنه السيد محمد صادق الذي هو أبي: رزقك الله ولداً صالحاً، نعم على كل حال رزقه ولد أما صالح أو لا هذا في علم الله سبحانه وتعالى -محل الشاهد- أنه كانت ولادتي نستطيع أن نقول: بهجة للأسرة وللعشيرة وللأصدقاء والمعارف. فقيل في ذلك أشعار جملة منها لا أحفظها لكن هذين البيتين أو الثلاثة أحفظها ..
ألا هيــا بنا هيـــــــا
نهني المجـــد والعليــــــا
بمولودٍ له هتفــت
جميــــع النــــاس فليحيى
وأنها مقطوعة من خمس أو ست أبيات..
الدراجي: لمن كانت؟..
السيد الشهيد: لا أتذكر.. وكذلك…
محمدٌ ولأَنتَ زَهرتُنَا التي عَبَقَت
فَعَطَّرَتِ القُلُوبُ شَذَاهَا
على كل حال المهم أنه ذاكرتي قد لا تُسعِفُني ربما إذا وجدت بعض المكتوب في أوراقي ربما أستطيع قراءته بالتدريج.
الدراجي: لقد تشرف سماحة ولي أمر المسلمين بأن يكون المرجع الوحيد الذي يقيم صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، وقد مضى أكثر من سبع أشهر على ممارسة هذه الشعيرة الواجبة فما هي الأبعاد المضيئة لهذه الصلاة؟ وما هي توصياتكم بهذا الخصوص؟
السيد الشهيد: صلاة الجمعة أثبتت صحتها وأثبتت جدارتها وأثبتت نفعها وأنها ذات تأثير إجتماعي وديني ومن جميع الجهات لم يأتِ منها إلا الخير والصلاح يكفي أن خطباء الجمعة الذين هم يزيدون على سبعين فرداً الآن، الذين هم أئمة جمعة وخطباء جمعة نفس الشيء طبعاً -محل الشاهد- أنهم أفواه مفتوحة لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحثُّ على طاعة الله وإنتقاد العصيان والأوضاع السيِّئة والأخلاق المتدنية في المجتمع هذا طبعاً موجود أكيداً. والشيء الآخر على أنه أنا أيضاً قُلت في خطبة خاصة بالذكرى السنوية للجمعة على أنه: الذي حدث هنا لم يحدث على وجه الأرض وفي كل التاريخ، ربما من أول البشرية بل بالتأكيد من صدر الإسلام إلى الآن لم يحدث، لأن أيُّ صلاة جمعةٍ حدثت وجزاه الله خير الذي فعلها، ولكنه لم تكتسب هذه الأهمية والشَّرفِية التي حصلت في النجف وفي وسط وجنوب العراق. الحقيقة أنا أيضاً قلت: هذه ينبغي أن تُعَد من النِّعم الخاصة وليست من النعم العامة، لأنه الله تعالى حفانا بها بلطفه جل جلاله فالمهم على أنه فوائدها للإسلام عموماً وللمذهب خصوصاً كبيرة، وللحوزة على وجه أخص كبيرة جداً، حتى يعني أريد أن أقول سواءاً كان ممن يؤيد محمد الصدر أو لا يؤيد السيد محمد الصدر المهم على كلا التقديرين نالَهُ حتى تلك الحصة أو تلك المجموعة التي لا تؤيدني أيضاً هي تبركت وتشرفت بصلاة الجمعة من حيث تريد أو لا تريد في الحقيقة لأن الشأن هو شأن الدين وليس شأني خاصة أو شأن أفراد أو جماعات، وإنما شأن الدين والمذهب عموماً وفي الحقيقة نستطيع أن نقول فيها إنتصاراً لولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه، وأنا من حيث التوصيات توجد كثير من التوصيات في الحقيقة أهمها أن عدد من الموجودين في الحوزة يؤسف أنهم لا يحضرون الجمعة وكذلك جملة من الوكلاء وأئمة الجماعة في الأطراف أيضاً يؤسف أنهم لا يحضرون الجمعة ولو كانوا قد حضروا الجمعة لكانت أهمية صلاة الجمعة أكثر ولكان تركيزها أشد، وحتى في الإمكان أن تستعمل كورقة اجتماعية في مصالح كثيرة إستخبارية ولكنهم كيف تستطيع أن تتحدث مع من لا يطيع (لا أمر لمن لا يطاع) وأن الشيطان أصمَّهُم وأعمى أبصارهم أنا ماذا بيدي، ولكنني أنا عرضت ما هو ممكن على أية حال. وأنا من جهة أخرى أيضاً أوصيت باستمرار صلاة الجمعة من ناحية الزمان، معناها أنه حتى إذا الله تعالى قضى بموتي في يومٍ من الأيام أنا لا أرضى بقطع صلاة الجمعة ينبغي أن تكون فريضةً معتادة وتقليدية ومستقرة ما شاء الزمان وما دار الزمان وليس منوطةً بحياة مرجع معين، ولا بسنة معينة، ولا بمكان أو زمان، لأنه إنما هي فريضة دينية عامة ليس أكثر ولا أقل.
الدراجي: جزاكم الله خير. يعتبر سماحة السيد محمد الصدر من أكثر المراجع تأليفاً وإفتائاً في طرح الفكر الإسلامي في العصر الحاضر، وقد ركز سماحته على منقذ البشرية جمعاء القائد المنتظر الإمام المهديعج فكيف يوضح لنا سماحته بدايات هذا العشق الطاهر والتلاصق الروحي مع أنوار نهضة الإمام المهدي وما قدم وسيقدم لهذه النهضة العظيمة؟
السيد الشهيد: في الحقيقة الإرتباط بالإمام سلام الله عليه، له في الجانب النفسي والعقلي، له أول وآخر. أما أوله فهو تأليف موسوعة الإمام المهدي سلام الله عليه وطبعاً من يؤلِّف كتاباً يكون مرتبطاً روحياً ونفسياً بتأليف ذلك الكتاب وهذا ينبغي أن يكون واضحاً ومجرباً، فأنا عشت ربما سنين في مواكبة تاريخ المهدي وأفكار المهدي، وتحليل العناصر الموجودة في فكرة المهدي، وكثير من هذه الأمور الموجودة في هذه الكتب الأربعة المطبوعة ولربما الأجزاء التي تلي والتي بعضها لا زال مخطوطاً وبعضها لا زال فكرةً على أية حال. المهم على أنني خضت ذلك طويلاً وكان هو الشيء الأساسي الذي ربطني به سلام الله عليه والشيء الآخر الذي هو أهم، أهم بكثير من كتابي إنما هو المصلح إنما هو يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، هو القائد الرئيسي الذي يخرجنا من بلاء الدنيا ومظالمها والحرمان الذي نعانيه والقطيعة الإقتصادية والإجتماعية، وغير ذلك التي يعانيها الشيعة في مختلف بلاد العالم. إنما هو الأمل الرئيسي بعد الله سبحانه وتعالى في أن يُنقذنا من هذه الجهات كلها والشيء الرئيسي أيضاً الموجود في هذه الأيام وفي الحقبة الأخيرة من السنين, الإستعمار بشكله القديم وبشكله الحديث وبشكله الإقتصادي وبشكله الإجتماعي وبشكله الذهني أو العقلي أو التأثير الأخلاقي وهذا كله فساد في فساد، حتى قيل بأنه هذه الأجهزة الحديثة والأقمار الاصطناعية أصبحت وجه الكرة الأرضية كالقرية الصغيرة بيد أمريكا وأمريكا هي زعيمة المادية والإنحراف في العالم في الحقيقة، من الذي يخلِّصُنا من هذا الإنحراف والمادية كلنا عاجزون بمعنى من المعاني وإن كان نطبِّق بمقدار ما هو واجبنا الشرعي، وأما أن نقوم بنفس المهمة وهي الإنقاذ الحقيقي والعام لوجه الكرة الأرضية من هذه المظالم، فهذا لا يقدر عليه إلا صاحبها عجل الله فرجه. ومن هنا طبعاً نتمنى أكيداً، لماذا؟ لأننا نتمنى أن نكون في عافية من البلاء بكل بالتأكيد.
الدراجي: مولانا.. الغيبة الكبرى والغيبة الصغرى في أي عام ألفتموه؟
السيد الشهيد: ما بين 1976 إلى 1980الميلادي، في الحقيقة هو تاريخها الأصلي أنني أطلعت في أوائل شبابي على كُتيِّب نستطيع أن نسميه ليس كبير حوالي مائتان أو مائتان وعشرون صفحة لعمي لأبي السيد صدر الدين الصدر، الذي كان أحد مراجع إيران في حينه -محل الشاهد ليس هذا- إسمه (المهدي) يكرِّس فيه جَهده على ذكر الروايات التي رُويت عن طريق أبناء العامة في المهدي سلام الله عليه، بهذه المناسبة كتب كتاباً ومصادره موجودة عنده -محل الشاهد ليس هذا- فأنا في حينها مِلتُ إليه وقلت بأنه فَلأُحقِّقُهُ، أُرجِع المصادر إلى الكتب الأصلية، وكذلك أُترجِم كُلَّ مَن فيه من شخصيات من رواة وغير رواة ونحو ذلك. وموجودة كثير يعني مشيت في هذا الصدد إلا أنه تركته في النتيجة، لماذا؟ لأنه فحصي في هذا الصدد أوجَدَ عندي إطِّلاع عام على أن المسألة أعمق من ذلك وأوسع من ذلك وتحتاج إلى بحث كثير، فمن هذه الناحية أنا بدأت أكتب بالمباشرة لماذا أعتمد على كتاب غيري، فمن هذه الناحية كتبت هذه الأربع كتب التي هي ليست الكل في الكل في موضوع الإمام المهدي, ربما يصل التأريخ المقترح أو الفكرة إلى إثنا عشر كتاباً، عشرة إلى إثنا عشر كتاباً، في كل ما يرتبط بالإمام المهدي سلام الله عليه، لكنه أشغلتني الشَّواغل وتحوَّلت إلى تأليف ما وراء الفقه وغير ذلك، وانتهى ذلك الحال، والآن لا أستطيع طبعاً الاستمرار بموسوعة الإمام المهدي ولكنه أيضاً في نفس الوقت أنا قلت ولا زلت أقول أنه يمكن إيكالها إلى أي شخصٍ آخر يُؤَلِّفُها جزاه الله خير أي واحد من المفكرين والقادرين على ذلك أن يُمسكُها ويكتب الأجزاء المتأخرة عنها وسبحان الله أشرت أيضاً أن الأخ الأستاذ محمد الدراجي بالنسبة إلى الشعر الذي جمعه في الإمام المهدي يصلح أن يمثل جزءاً مما كنت عازم على إيجاده وعلى كتابته من الشعر المختص بالمهدي سلام الله عليه.
الدراجي: مولانا (ما وراء الفقه) كتابٌ يخرج النقل وسمعنا مؤخراً أنه فاز بجائزة أفضل كتاب إسلامي في المعارض الإسلامية الكبرى في إحدى الدول الإسلامية فما هو تسليطكم الضوء على هذا الكتاب ليتعرف المشاهد الكريم على أن هذا الكتاب لماذا فاز؟
السيد الشهيد: في الحقيقة الآن قبل قليل سمعت منك هذا النبأ، أنا لم أعلم ولم يقل به أحد ولكنه في بالي على أنه حينما دفعته إلى دار الأضواء في بيروت أنتم لاحظوا المقدمة التي كتبها طابع الكتاب الذي هو وحيد جابر الدجيلي بهذا المضمون: (الكتاب الطريف) لماذا كان طريفاً ونادراً لأن موضوعه لم يُطرق..لم يطرقه الفقهاء فيما سبق.. لم يطرقه إطلاقاً طارق وإنما هو يمثل في الحقيقة قاعدة عامة لكل الأشياء التي ترتبط بالدين والفقه مما ليس بفقه ليس من قبيل الفقه من قبيل الرياضيات والطب والفلك والكيمياء والفيزياء وغير ذلك كثير جداً وكذلك الأدب والأشعار والقصص….
الدراجي: يواكب العصر الحديث..
السيد الشهيد: بمعنى من المعاني ينبغي أن يواكب كل عصر وليس هذا العصر أنا هذا الكتاب كتبته كنماذج أو أطروحات تمثل الفكرة العامة وليس كشيء قطعي (أن هذا وليس غيره) لا، أي واحد يستطيع أن يتابع الأمور التي ترتبط بالفقه من خارجه (الذي هو معنى ما وراء الفقه) كل شيء يرتبط بالفقه من خارجه، والتي لم تكن الحياة العلمية التقليدية في الحوزة أو المتعارفة في الحوزة تلتفت إليه أصلاً، لم تكن تلتفت إليه، فكان هذا كأنما في أنظار الناس فتحاً مبيناً، هو إعتيادي هو مماشاة لسير الزمن وضرورة الزمن ليس أكثر من ذلك لكنهم جزاهم الله خيراً إعتبروه فتح فكري جديد على كل حال هذا من فضل ربي -محل الشاهد- على أنه أنا الذي أعتبره: أنه مفتاح لبابٍ كبير ينبغي أن يستمر جيلاً بعد جيل حسب حاجات كل مجتمع وكل جيل وكل مكان وكل زمان، لأنه في كل مكان وزمان توجد مجموعة من الأشياء مربوطة بالدين وليست هي في الدين حقيقةً، وإنما هي دنيوية تحتاج إلى حكمٍ ديني فمن هذه الأمور يُستنبَط معنى ما وراء الفقه، فمن هذه الناحية أنا جَمَعت في فصوله كثير من الحديث عن هذا الشيء، من قبيل الحيوانات المحللة والمحرمة قائمة، في الحقيقة قاموس عن الحيوانات المحللة والمحرمة، مثلاً الكلام في الخمر وفي الكحول وفي مثلاً هذه الأشياء كثيرة مثلاً الهلال، التَّطويق، أوقات الصلاة، كيفيات التعرف على أوقات الصلاة، على الزوال، على المغرب، على الفجر، هذه أمور قَلَّما تُطرَق أو تُطرَق بشكل نادر و بشكلٍ غير مُلفِت للنظر في كثير أو في بعض الموسوعات كالجواهر والمستمسك وغير ذلك أما التركيز عليها فلم يكن موجوداً، وفي الحقيقة الكتب التي صدرت بعد ما وراء الفقه أيضاً هي تحمل فكرة ما وراء الفقه يوجد شيء من هذا القبيل، من قبيل المواقيت الإسلامية التي أنا قدمت له لمحمد إلياس، وكذلك الرياضيات والفقيه للشيخ محمد اليعقوبي.