لقاء الحنانة الثالث

(سؤال) سماحة السيِّد هل هناك إضافةٌ على السؤال الأخير الذي وجهناه إليكم حول السلوك والعرفان.
(جواب) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.
كان في ودِّي أن أضيف شيئاً لتنوير الرأي العامِّ حول الموضوع, وحاصله كأنني على ما ببالي أشرت في المجلس السابق إلى أنَّ المجتمع كان ينفر من هذا الشيء إلى درجةٍ عجيبة, إلى حدِّ أنَّ المتخذ لهذا المسلك يضطرُّ إلى أن يبقى في داره ولا يرى أحداً ولا يراه أحدٌ تقريباً، لكن سبحان الله, الله تعالى هو الذي وفق للتسبيب إلى إيمان الناس بمشروعيَّة هذا المسلك, وذلك أنه ظهر متُعَدِّدون من المشهود لهم بالوثاقة والعلم لهم هذا المسلك, أحدهم السيِّد روح الله الخميني في الحقيقة حينما كان في النجف أنا لم يكن عملي ذلك فلذا لم أكن أدرك ذلك بوضوح, ولكنه طبعاً أنا أفهم اللغة الفارسيَّة, وكنت أسمع خطاباته باللغة الفارسيَّة من إذاعة إيران بالرغم من أنَّه طبعاً الإتجاه العامُّ هو اجتماعيٌّ وسياسيٌّ نستطيع أن نسميه, ولكنه في عين الوقت ما بين آونةٍ وأخرى وخاصةً حينما يأتي ذكر الأئمة سلام الله عليهم وفضائلهم وتمجيدهم كان هناك يشير إلى أمورٍ عرفانيَّةٍ وباطنيَّةٍ معتدٍّ بها, فعُرف على أيَّة حال, أنا عرفت وآخرين متُعَدِّدين ربما ممن يُعرَفون أو لا يُعرَفون عرفوا أنَّ هذا السيِّد (الله يقدس روحه) عنده على ما يعبرون شمة عرفان, ثمَّ جاء السيِّد عبد الأعلى السبزواري  عنده عرفان, وإلى الآن نذكر جلسته التي لا يغادرها دائماً لا أقل أمام الناس, أنا لا أعرف حياته الخاصة أنه يجلس جلسة التشهد بالرغم من كِبَرِ سِنِّه, يعني في الحقيقة هو لم يبقَ إلا عظم لو صحَّ التعبير, ولكنه مع ذلك يتكلف هذه الجلسة ويسكت, لا يمكن أن يبدأ أحداً بحديثٍ إطلاقاً بل حتى إذا سئل لا يطيل بالجواب, يجيب أقل المجزي, وهذا إنما يكون كما يعبرون من عُلوِّ روحياته, مضافاً إلى شيءٍ آخر أيضاً موجودٍ وهو تفسيره. تفسيره أيضاً فيه كثيرٌ من الأمور الباطنيَّة بطبيعة الحال بالرغم من أنَّه أيضاً جزاه الله خيراً غطاها بمسحةٍ ظاهريَّة, ولكنَّه الجنبة الباطنيَّة فيه واضحةٌ جدّاً, المهم أنه ثمَّ جاء ثالث القوم, وإن كان أنا لا أريد أن أكرر الشقشقيَّة وهو (داعيكم) أنا أيضاً يدَّعي الناس أنه لي جنبةٌ باطنيَّةٌ ويختلفون في تفسيرها ومقدارها, ولا يعرف مقدارها إلا الله سبحانه وتعالى, حتى أنا لعله لا أعرفها, وإنَّما الذي يعرفها هو علام الغيوب جلَّ جلاله, وكلُّ من يدَّعي معرفتها إنما يدَّعي معرفتها من زاويته ومقدار إدراكه واستحقاقه, وأيضاً أنا أستطيع أن أقولَ أنَّ جماعة من المثقفين, وخاصةً من المثقفين دينياً جزاهم الله خيراً يحسنون الظنَّ بي, ولا يحتمل أن يكون اتجاهي الباطنيُّ باطلاً والعياذ بالله, فمن هذه الناحية أيضاً صار هناك قرينةً على صحة الإتجاه الباطني, لكن مع ذلك أكرر على أنه الشيء الذي حذرت منه في الجلسة السابقة أحذر منه وحتى أنه أصبح في ضرري, كصاحب باطنٍ إجمالاً أصبح في ضرري, لأنَّهم أصبحوا يشيعون أموراً ما أنزل الله بها من سلطان, وهم لا يتورعون أن يكون الله لا ينزل بها من سلطان, يكفي أنه هم سلاطين أهوائهم وآرائهم وعقولهم على كلِّ حال محل الشاهد هذه جهة أردت أن أبينها.
والجهة الأخرى التي أردت أن أبينها أتى شخصٌ هنا في يومٍ ما, وسأل فقال أنه يقال عنك أنك –وإن كانت هذه العبارة ليست لطيفةً – أنك الزعيم الأوحد لمسلك العرفان في العراق قلت له لا, لا يوجد مثل هذا الشيء فقلت له تعرف فلاناً وفلاناً وفلاناً من العوام والحوزة وشيبة الحوزة وغيرهم, سميت له جماعةً ممن لا أرتبط بهم بصلةٍ لهم مشايخ آخرين سابقين (قدس الله أسراهم), وأنا لست واحداً منهم, نعم هذه الصيحة التي حصلت لو صحَّ التعبير, أو الموجة التي حصلت, مشى بها بعض طلابي غفر الله لنا ولهم على أيَّة حال, بحيث على أنه كان يعبر واحد بأنَّهُ يسري هذا المطلب في الناس سريان النار في الهشيم, أنا قلت له أسفي, تشبيهه بالنار جيدٌ لأنَّه في الحقيقة في نار جهنَّم, الله تعالى لا يريد وجود الباطن عند كلِّ الناس وإلا لكان أولى الناس بإعلان الباطن المعصومون والنبي  لماذا لم يربُّوا الناس على الباطن ونحن نربي على الباطن, مضافاً إلى قوله تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)( ) كلُّ شخصٍ نأتي به ونرميه إلى الباطن, هذا سلوكٌ منيع من قبل الأئمة سلام الله عليهم, أنا وجدت روايةً في كتب في ما سبق أنها تقول: ((لا تقل هذا أخي وهذا ابن عمي وهذا صديقي)), وأنا آسف لكذا وكذا من مسلكي لا, لا تأسف, الله تعالى لا يحسبها لك, وإنَّما الشيء الذي يحصل هو أنه إذا وجدت نقطة الهداية في قلبه هو يبحث عنك, وليس أنتَ الذي تبحث عنه, فإن بحث عنك فتجاوب معه, له باب وجواب وجزاك الله خيراً لأنَّه رد السائل جريمة, ولكنه بدون سؤال أنتَ تذهب إليه وتقول له تعال واهتدِ إنما هذه وظيفة الأمر بالمعروف صح, ولكنه الأمر بالمعروف الباطني لا, نشجبه بالخط الأحمر, نعم في السؤال لا بأس, لكن حتى السؤال الآن أصبح فاشلاً لأنَّه يأخذه هذا الهوى ويأتي به, إنما قصد الأئمة الشيء الذي يوجد تلقائياً في باطن النفس من الهدى هو سوف يقوم ويبحث عن السؤال ذاك صح, وهو مائة بالمائة هو مستحقٌّ للدرجة التي جاء من أجلها.
والشيء الآخر الذي وددت الإشارة إليه أنَّ هنا فرقاً بين هذا العرفان الذي ذكرته من قبل هؤلاء السادة (قدس الله أسرارهم) والصوفيَّة، طبعاً بغضِّ النظر عن المذهب والدين، أنَّ التصوف في العالم موجودٌ في مختلف الأديان والمذاهب إلا الماديين طبعاً, الماديين ليس لهم تصوف, ولكنَّ مختلف الأديان سواءٌ كانت سماويَّةً أو أرضيَّةً فيها تصوف, البوذيين والمسيحيين وكثيرٌ آخرين عندهم شيءٌ من هذا القبيل, وكذلك بعض إتجاهات وأنحاء الفلسفة اليونانيَّة القديمة كسقراط وإفلاطون وآخرين أيضاً كانوا متجهين باتجاه التصوف, لكنه في الحقيقة أنا الذي أفهمه أنَّ التصوف يختلف, عن الشـيء الذي نلتزم به الآن أكيداً من أكثر من جهة, وإن كان حسب فهمي القاصر على أنَّ الهدف الرئيسيَّ الذي هو الهدف حسب ما يقال في الحكمة العليا, هدفٌ لكلِّ الكون وهو أنه إليه المنتهى وإليه الرجعى وإنا لله وإنا إليه راجعون, هذه المضامين يلتزم بها الخلق تكويناً ويلتزم بها المتصوفة والعارفون إلتفاتاً وعقلاً وتعقلاً, لكنه مع ذلك الإختلاف في الأساليب، والنتائج تختلف كثيراً, ومن أهمها عدة أمورٍ منها أنَّ التصوف الشيعيَّ الإمامي أو العرفان الشيعي الإمامي يرتبط بالأئمة سلام الله عليهم لأنَّه علي  سيد العارفين, وخطبه في نهج البلاغة هي الخطب الرئيسيَّة من هذا الموضوع, ومنه يتسلسل العرفان إلى الموالين والذين لهم الولاية الحقَّة, أي معرفة أمير المؤمنين على واقعه, وليس للمذاهب الأخرى ولا للأديان الأخرى مثل هذا الإستحقاق, وكلُّ من لا يرتبط بالولاية بهذا المعنى فمن الصعب جدّاً أن نصحح معرفته لله بطبيعة الحال, ولا وصوله إلى النتيجة المطلوبة بطبيعة الحال, ومن هنا تحصل النتيجة الثانية وهو أنه أنا حسب فهمي أنَّ الواصلين إلى النتيجة الحقيقيَّة من المذاهب الأخرى والأديان الأخرى عدمٌ أو كالعدم يعني صفر, أغلبهم يدورون في فلكٍ باطنيٍّ واسعٍ ولم يصلوا إلى المطلوب الحقيقي. صح عندهم باطن ولربما باطنٌ كثير, ولربما يرفعك وينزلك بكلماته, ولكنه ليس له تلك النتيجة التي نتوخاها والتي يريدها الله سبحانه وتعالى لأوليائه, ومن جملة النتائج أو الفروق في الحقيقة بين المسلكين المشيخة وقضيَّة الخلقة والطيِّ هذه التي موجودةٌ في التصوف عندنا غير موجودة, أنا أحترم المشيخة لأمرين أوَّلاً للإتصال بالمعصومين سلام الله عليهم, والشيء الثاني لتوجيه الطلاب، أنَّ هذا السالك ينبغي أن لا يرتبك حاله وأن لا يضلَّ ترتيبه, وإنَّما ينظمه الشيخ ويرتبه, هو أعلم بدائه وبدوائه, هذا له باب وجواب أما أكثر من ذلك فلا, أنا قرأت في مصادرهم من قبيل إحياء علوم الدين للغزالي, وكذلك الفتوحات المكيَّة لابن عربي وغيرها, يربطون الفرد في الحقيقة بالشيخ ربطاً محكماً جداً بمعنى من المعاني كالربط برسول الله صلى الله عليه وآله، بل أكثر وأكثر من ذلك أنه حتى إذا مات الشيخ بقي الطالب كأنَّما يتصل به روحياً ويأخذ منه أوامر روحية على كلِّ حال, أما أنا لا أقول ذلك إطلاقاً ولا أنصح بذلك إطلاقاً, وإنَّما أقول بأنه إذا كان يعني تكامل الفرد بمرتبةٍ معينةٍ من التكامل أقول له أنتَ غنيٌّ عني إذهب فليكن التوجيه ذاتياً لك, وليس مني, فمن هذه الناحية لا يرتبط بشيخٍ في الحقيقة في أكثر زمان تربيته, لا يرتبط بشيخٍ ولا حاجة إلى ارتباطه بشيخٍ مجرَّد أخذ همه الرئيسي وهدفه الرئيسي من شيخه الذي عَرَّفَه على هدف المعصومين سلام الله عليهم أكثر من ذلك لا, المهم أنه يوجد عدة فروقٍ وصفاتٍ مغايرةٍ من قبيل أنهم – المتصوفة – في الحقيقة إلى حدٍّ ما يتجوزون أكثر من اللازم في بعض الأمور, من قبيل أنهم يتجوزون في الغناء, ويتجوزون في الرقص, الرقص الصوفي عندهم شيءٌ رئيسيٌّ بطبيعة الحال, في حين أنه ليس عندنا شيءٌ, لم ينصح أحدٌ من أهل الباطن من الإماميَّة بشيءٍ من الرقص, ولا بشـيءٍ من الغناء بطبيعة الحال, وكذلك لم ينصح واحدٌ منا والحمد لله بما يسمى بـ(الدرباشة) وإدخال السيوف في الجسم, هذا أيضاً أنا أعتبره من الخرافات في الحقيقة ولا دخل له أصلاً بالعرفان الحقيقي, العرفان الحقيقيُّ بريءٌ منه ويعتبر بمنزلة الضلال بالنسبة إليّ, صح هو بمعنى من المعاني باطناً لأنَّ الباطن رقعةٌ واسعة, حتى السحرة بمعنى من المعاني هم من أهل الباطن, فهل نمجِّد الفرد لمجرَّد كونه من أهل الباطن, إذن كنا على ضلال, كما أنَّ أهل الظاهر على حقٍّ وعلى ضلال, كذلك أهل الباطن على حقٍّ وعلى ضلال, فينبغي للإنسان أن يكون نقاداً من هذه الناحية.
(سؤال) سماحة السيِّد هل تؤمنون بالتجديد في الحوزة العلميَّة؟ وهل إنَّ جامعة الصدر التي افتتحت حديثاً هي مثالٌ لذلك؟
(جواب) الحوزة تربَّت على الجهة التقليديَّة كما نعلم, على الفقه والأصول, وبتعبير بعضهم على أحكام الحيض والإستحاضة والنفاس والتخلي ونحو ذلك من الأمور, وهذا الإتجاه طبعاً لا يخدم المجتمع, ولا يخدم الدين, ولا يخدم المذهب, لأنَّ حاجات الفرد وحاجات المجتمع في كلِّ جيلٍ في الحقيقة وليس فقط في الجيل الحاضر ولا في جيل المستقبل أكثر من ذلك بكثير, وهدف الله سبحانه وتعالى لو صحَّ التعبير من إنزال الشريعة وإنزال الكتب وجود الفقه والعقائد وغير ذلك ليس هو هذا بالتعيين, وإن كان هذا محترماً جزاهم الله خيراً, ولكنه ليس هذا فقط, بل كثيرٌ من الأمور مثلاً من جملة الأمور أنه: ((من لم يهتمَّ بأمور المسلمين فليس بمسلم)) فإذا كان الشخص مشغولاً ونستطيع أن نقول قاضي كل عمره في هذه الفقهيات البسيطة, إذن هو لا يهتمُّ بأمور المسلمين, فينبغي أن لا يكون مسلماً, في حين يوجد هناك أيضاً حاجاتٌ أخرى من قبيل أنَّ هناك شُبُهاتٍ, طبعاً من مصادر كثيرةٍ في العالم مسيحيَّةٍ ويهوديَّةٍ وماديَّةٍ ووجوديَّةٍ وماركسيَّةٍ. وكثير أفكار عجيبة غريبة في العالم كلُّها طبعاً في ضلال, طيب أنتَ كيف تستطيع أن تناقشها إذا لم تعرفها أوَّلاً, وإذا لم تعرف ردَّها ثانياً, وإذا لم تعرف كيف توصلها إلى الآخرين ثالثاً, كلُّ هذا ضروريٌّ بطبيعة الحال، وإذا لم يكن إذن نحن فاشلون، لأنَّه على العموم الله سبحانه وتعالى في شريعته الإسلاميَّة وضع جواباً لكلِّ سؤال، وحقاً لكلِّ ضلال, فإذا أنا وأنتَ والحوزة العلميَّة كلها فاشلةٌ فمن هو الذي يكون رابح إذن, إذن هم الرابحون, أهل الضلال هم الرابحون, وليس أنا وأنتَ وهذا هو الشيء الرئيسـيُّ من التقصيرات التي قصرها، ليس الجيل السابق فقط بل عدَّة أجيالٍ عاشتها الحوزة بدون نتيجةٍ تقريباً, لا يكون هناك إلا القليل ممن ينفع مثل هذا النفع, على كلِّ حالٍ كان أنا مثلما تفضَّل الشيخ أنه لعله أحد أهدافي الرئيسيَّة للتصدي للمرجعيَّة تغيير الواقع الشيعي, في الحقيقة, الذي مُمِضٌّ في الحقيقة والذي عاشه الجيل الذي أنا رأيته على أيَّة حالٍ والجيل الذي أنا أراه الآن على أيَّة حال, السابقين رحمهم الله ذهبوا إلى ربهم – محلُّ الشاهد – فتكليفي في حدود قدرتي أن أبذل جميع إمكاناتي لأجلِ جميع من يستطيع أن يستفيدَ مني لو صحَّ التعبير عقلياً أو اجتماعياً, أو قضاء حوائج أو أي شيء, فمن هذه الناحية كما يعبر السيِّد الخميني  في إحدى خطبه: (مَنْ خَادِمَ شُمَا هَستَمْ). يعني أنا خادمٌ لكم, جزاه الله خيراً، هذا أيضاً فيه شمَّة الباطن, لأنَّه لا يعتبر لنفسه (كشخة) وأنا أنا أو كذا لا, هو إنما يعتبر نفسه إنما نافع للناس, وبتعبيره خادم للناس, ولا ينبغي أن يكون العالم والمتفقِّه والمتورِّع أكثر من ذلك, إنما هو خادمٌ للناس, ويوجد مثلٌ أيضاً سبحان الله: (رئيس القوم خادمهم). أي نافعهم ليس أكثر من ذلك, ومن قال إنني أكثر من ذلك، إذا كان الإمام سلام الله عليه يقول: ((أنا كالذرَّة أو دونها)). من هو إذن من دون الإمام, وطبعاً أنا مهما كنت لا أساوي شيئاً أمام الإمام زين العابدين الذي يقول هذا الكلام, إذن أكون دون هذا المستوى, وكذلك من قبيل قول أمير المؤمنين سلام الله عليه: ((لوجدتم دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز)) دنياكم هذه، طبعاً الدنيا نعرفها بأموالها وبنينها وبهرجتها ورئاستها ومرؤوسها وشهرتها وكتبها ومؤلفاتها, هو لا يقول كعفطة عنز لا, لا, أزهد عندي من عفطة عنزٍ، وهو يعلم ما هي الدنيا التي يتحدث عنها بطبيعة الحال, بدليل على أنه – وان كان أنا لا أحفظ كلامه  بالتفصيل – ((لو شئت لاهتديتُ إلى نسائج القزِّ)), وكذا وكذا فمن هذه الناحية مع ذلك يقول: ((هي أزهد عندي من عفطة عنز)) سلام الله عليه, هو سيد العارفين وأزهد الزاهدين, فلا أقل أننا يكون لنا شرارةً بسيطةً أو لا أقول أنه ضوء شمعةٍ تجاه هذا السراج الضخم في قلوبنا, أنه نعتبر ونهتدي بكلامه سلام الله عليه, وفي الحقيقة الشيء الذي تُوجِدُهُ التربية الحوزويَّة, لو أنَّ الإنسان دخل إلى الحوزة ورآها حقَّ رؤيتها لرآها أنها ليست على ما يرام, أكبر شيءٍ وأهمُّ شيءٍ هو الأنانيَّة التي تتربّى مع تربِّي العلم, الإنسان يرتقي علمياً في الحوزة, أو قل عقلياً في الحوزة، ويرتقي نفسياً وأنانياً أيضاً في الحوزة, وهذا هو الشيء الباطل الرئيسيُّ الذي يمنع الفرد مهما كانت درجته الحوزويَّة عن التقدم دنيوياً وإلهياً أو دنيوياً وأخروياً, أما الله تعالى كما في بعض النصوص لا يدخل متكبراً في عالم الملكوت, وكذلك لا ينفع دنيوياً، لأنَّه كلُّ الأشياء من قبيل يقولون إنا أنزلناه في ليلة القدر( ) وفي أمان الله, لا يقضي حاجات المحتاجين, ولا يستطيع أن يركض لرفع اضطرار المضطرِّين بطبيعة الحال، فمن هذه الناحية يفشل في الحقيقة دنيوياً وأخروياً, وهو لا يفشل دنيوياً, ظاهره الصلاح وظاهره العظمة وظاهره السيطرة ولكنَّه نتائجه وخيمةٌ بطبيعة الحال, وهذا أيضاً من جملة التطويرات التي أنا مُتَوَخٍّ لها وماشٍ من أجلها, فمثلاً من جملة نتائجه ولا أعلم أنا في بالي قد أشرت إلى هذا المعنى أو لا. أنا قلت بإنه إذا طلب شخصٌ من مدرسٍ أن يدرسه, فإن كان التدريس في نفعه ويشتهر أنه مدرس (لمعة) إذن يقبل, وإذا كان هو متكبراً وعظيماً وفاضلاً وكأنَّما يشعر من الذلة أن يدرس (لمعة) إذن لا يقبل, إذن فهذا هو التكبر بعينه, وكان من مصداق ذلك أن طبقته على نفسي, وإن كان لا حاجة إلى المدح, وإنَّما هو لمجرَّد العبرة، مَن مِنَ المراجع دَرَّس كفاية, لا يوجد, لماذا؟ لأنَّه من العيب أن الإنسان يدرس خارج ويدرس كفاية, ولكنه مع ذلك أنا ضحيت ودَرَّست كفاية ولازال الدرس ساري المفعول بالنصف الأوَّل من الجزء الأوَّل, لازلنا وإن شاء الله إذا بقيت الحياة نستمرُ- محل الشاهد – فإذا كانت هناك حاجةٌ كما وجدت حاجة, لأنَّه الكفاية لا تدرس من قبل الأكفاء, الأكفاء لا يُدَرِّسون, وغير الأكفاء غير قابلين للتدريس, وأنا أعلم أنَّ الأكفاء لماذا لا يُدرسون على كلِّ حال ينبغي غضُّ النظر عنها وليس كشف كلِّ الأشياء, فمع ذلك أنا دَرَّست كفاية, وإذا بقيت الحياة وبقي الوقت كما نأمل من رحمة الله سبحانه وتعالى, أنني إذا انتهيت من الكفاية فسوف أبدأ درس المكاسب, لأنَّه لتدريس المكاسب أيضاً جديرٌ لا يوجد, فمن هذه الناحية من الضروريِّ أن يحصل هذا الشيء, وطبعاً أنا قلت أيضاً ربما في الجلسات السابقة أنه من هدفي إيجاد مرجعيَّةٍ صالحةٍ وعادلةٍ حقيقيَّةٍ وقاضيةٍ لحوائج الناس تترفع عن الماديات وعن الدنيويات – محل الشاهد ليس هذا- ألا يجب أن يكون واحد أو اثنين أو عشرة يصيرون مجتهدين, مرجع بلا اجتهاد هل يصير, الآن دعنا عن الأعلم, ربما يكون قاضي لحوائج الناس وهو ليس بأعلم له باب وجواب, لكنه من الضروريِّ أن يكون مجتهداً, فكيف نصنع مجتهدين, المعمل الذي يصنع المجتهدين غير موجود, وإذا كان أنا لم أشارك وفلان لم يشارك وفلان لم يشارك إذن كلُّ الناس سوف تتربى تربية الجهالة, صح نعرف الشيء الذي ينفع العوامّ, ونخطب خطب الجمعة, وفي أمان الله ندير ظهرنا ونذهب لا حبيبي, نخطب خطب الجمعة جزاهم الله خيراً ولكنَّه الإجتهاد هو الذي يحفظ التشيُّع, والذي يحفظ المذهب, والذي يقضي الحاجات العامَّة الإجتماعيَّة حقيقةً ويركِّز نستطيع أن نقول العاصمة الدينيَّة الرئيسيَّة والتي هي النجف بيده فمن هذه الناحية يحتاج إلى صناعة, وهذه الصناعة لا تكون إلا بالتربية العقليَّة والنفسيَّة والروحيَّة بأشكالها, وإلا إذا كانت تربية عقلية فقط إذن ينشأ كما نشأ الآخرون, ينشأ وهو لا يقضي حوائج الناس, وإنَّما يشعر بذاته, فحينئذٍ ينبغي بحسب المسؤوليَّة الإلهيَّة الموجودة أننا نربيه عقلياً ونربيه نفسياً, وأنا نصحت يعني مائة بالمائة, نصحت بمقدار أقصى إمكاني أنَّه أيها الشباب جزاكم الله خيراً ضعوا رأسكم في الكتاب, هم أيضاً يبذلون إمكانهم لكنه: ((على المرء أن يسعى بمقدار جهده وليس عليه أن يكون موفقاً)). لا أنا ولا هم, والمهمُّ أننا بذلنا جهدنا وأفرغنا مسئولياتنا, وإذا كانوا هم كذلك شكر الله مساعيهم، أما الشخص الذي ليس كذلك فالله تعالى فوقه وجهنَّم تحته, وليس أنا بل الله تعالى لا يعذره ومحمَّد وعلي لا يعذرانه لأنَّه في الحقيقة إنما هو مقصرٌ في بمستقبل مذهبه ومستقبل حوزته ليس أكثر من ذلك.
(سؤال) سيدنا الذي يطلع على المناهج الدراسيَّة لجامعة الصدر الدينيَّة يقول إنَّ السيِّد محمَّد الصدر كما يسمى بالحوزة دائرة معارف, ونرى منهاج جامعة الصدر أيضاً كأنها دائرة معارف, فهل هذا ضمن تخطيطكم كان؟
(جواب) في الحقيقة جامعة الصدر مع احترامي لها لو صحَّ التعبير جاءت على سبيل الصدفة, وعلى سبيل رغبة جماعةٍ من الشباب جزاهم الله خيراً لتربية الآخرين, أما أنا فليس مختصاً بجامعة الصدر, صح هو الرجل أحد أولادي السيِّد مقتدى بحيث على أنه يسألني ويستشيرني بجملةٍ من الأمور بما فيها الأمور المنهجيَّة أو العقليَّة والإجتماعيَّة والإقتصاديَّة هذا صحيح, ولكنه لا أعتبرها الكلَّ في الكلِّ, الكلُّ في الكلِّ هي الحوزة ككلٍّ وليس فقط هؤلاء مثلاً الثلاثون نفراً أو الخمسون نفراً الموجودون كطلابٍ في جامعة الصدر هم الذي ينبغي أن يتربوا دون غيرهم لا, أنا ينبغي أن أتربى والشيخ ينبغي أن يتربى والسيِّد ينبغي أن يتربى والكمال لا متناهٍ وغير منقطع, وكلما وصل الإنسان إلى كمالٍ يستحقُّ الكمال الذي بعده, ففي الحقيقة أنا أيضاً ليس هذا الذي تفضل الشيخ أنه أنا دائرة معارف أو مجموعة حقائق ليس كذلك, أنا في الحقيقة تعبت على نفسي بمقدار ما أتمكن وسبحان الله, الله تعالى يوفق, هذا الذي لاحظه بعض الناس وهو أنَّه أيَّ سؤالٍ يتوجه لي أستطيع أن أجيبه، وهذا فيه مبالغةٌ بطبيعة الحال, أنا مثلاً أجيب بمقدار ما هو متيسرٌ من علوم الدين، مثلاً آية قرآنيَّة أو تأريخ أو شيء من هذا القبيل, لكن سبحان الله أنا الآن ينبغي أن أظهر عيوبي حتى لا يعطيني الناس أكثر من اللازم, إنما يعطونني استحقاقي, مثلاً كثيرٌ من الأمور في الأنساب أنا لا أعرفها، الرياضيات المعمقة أنا لا أعرفها, أنا أعرف من الرياضيات العمليات الأربعة في الأعداد الصحيحة والكسور الإعتياديَّة أكثر من هذا لا أعرف, أما الأمور بالإصطلاح العلميَّة كالفيزياء والكيمياء ونحو ذلك من الأمور أيضاً لم أدرسها ولم أعرفها, نعم هناك ما يسمى بفلسفة الفلك وفلسفة الفيزياء هذا أنا فكرت فيه كثيراً, وجملةٌ من الأمور أيضاً أستطيع أن أقولَها لأنَّه أنا اعتبر الفيزياء والفلك وكذلك الكيمياء نتائج لقواعد عامةٍ نستطيع أن نقولها, أو قوانين كليَّةً سنها الله سبحانه وتعالى في خلقه، فمن هذه الناحية هذه النتائج تدلُّ على قوانينها العامة, فما هي تلك القوانين طبعاً هؤلاء الماديون باصطلاح علماء الفيزياء والكيمياء والفلك هم مشغولون بهذه الأمور, بالنتائج التي سميتها كنتائج ويدرسونها في الأكاديميات, هذا أيضاً واضح. ولكنهم ينسون تدبير الله وفعل الله وحكمة الله, ولكنه نحن كمؤمنين لا ينبغي أن ننسى هذه الأمور, وفي الحقيقة كلُّ شيءٍ من هذه الأمور ناتجٌ من فلسفةٍ معينة, مثلاً من جملة الأمور التي انتَشـرت عندهم هي (الباراسيكولجي) ومن قبيل الكون السالب, من قبيل الثقب الأسود الذي هو بابٌ يخرج منه الشـيء المادِّيُّ إلى الكون اللامادِّي, أشياء من هذا القبيل, وكذلك الأمور التي يقولونها أنَّ العقل أقصـى ما تصدر منه لعله 1 % وأمّا الـ 99 % الأخرى لا زالت مخفيَّةً لا نعلم مقدار طاقاتها, فإذن الله قد أرشدهم على طريق الحقِّ ولكنهم لم يتبعوا الحق, وإن شاء الله لا يهتدون لأنَّهم لا يستحقون الهداية, لا يهتدي إلا من هداه الله واستحقَّ الهداية بينه وبين الله سبحانه وتعالى, وأمّا الظالمون والمعتدون فيزيدهم إثماً حتى لو كانوا شاعرين, هذا إنما يكون حُجَّةً عليهم يوم القيامة – محل الشاهد – ففلسفة الفيزياء من هذه الناحية ضروري الإطلاع عليها, وفي حدود فهمي القاصر – ففلسفة الفيزياء من هذه الناحية شيءٌ لا يمكن البرهنة عليه – متعمقاً في الرياضيات بظاهرها أو بنتائجها في الحقيقة ولم يأخذوا بواقعها الحقيقي, فكلُّ شيءٍ له واقع. أنا في بالي كخطبة أنا ألقيها ولكنه يدلُّ على شيء – بالإصطلاح – بالدلالة الإلتزاميَّة كتاب دار السلام للشيخ النوري يذكر فيه مناماتٍ من أوَّله إلى آخره، مناماتٍ تفصيليَّةً من قصص, أنا لفت نظري منامٌ واحدٌ يقول رجل – من الجيل السابق ويبدو أنه مدققٌ في الرياضيات التي كانت في زمنه بشكلٍ معمقٍ جدّاً -: أنا ذكيٌّ بالرياضيات وأدبر كلَّ تفاصيلها وكان عندنا في الهندسة مسألةٌ معينةٌ مستحيلةٌ فيقول: وأنا في المنام رأيت أمير المؤمنين , 32:30 قال لي أنَّه هذا الشيء عندكم مستحيل, قال: نعم سيدي, قال له: تعال أرسمه لك فرسمه على ورقةٍ وأنا –هو يقول – استخدمت أقصـى إمكاني وعلمي في الرياضيات – في المنام – وحسبت حساباً دقيقاً فبان 100 % صحيح, فاستيقظت فوراً أثناء الليل وانتَهى الطيف، يقول قمت إلى طرف السطح – نائمين هم في السطح صيفاً – فرسمته على الأرض رسماً بسيطاً حتى يبقى حينما أستيقظ صباحاً أحسبه من جديدٍ وتكون هذه فلتة, أن هذا المستحيل أصبح ممكناً
– لاحظوا – ويقول رجعت لأنام, ولما استيقظت صباحاً لم أجده لأنَّ التراب الريح قد سَفَت به، محل الشاهد, إذن هناك عقلٌ أعلى من كلِّ مدقِّقي الرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء يدرك ما لا ندرك, حينما نقول أنه أولئك الذين هم عظمة الكون وخير الخلق يدركون الحقائق لا نقول مجازاً أنهم يعرفون أشياء في الحقيقة نعجز عن تطبيقها وعن إدراكها وعن فهم حقها من باطلها, المهم على أنه ينبغي أنَّ العلوم الشهيرة في الأرض تكفكف من غلواء تكبرها, في الحقيقة هؤلاء أيضاً لهم التكبر في العلم, وأوربا متكبرةٌ بعلومها بطبيعة الحال, مُضافاً إلى أسلحتها وأموالها وضلالها, لكنَّ المهم أنه أيضاً متكبرةٌ بعلومها, و في الحقيقة تغزو الناس بعلومها، وأنا أقول بأنه إذا مشينا خطوةً واحدةً أعلى من تلك العلوم فضلاً عما إذا مشينا أمتاراً وأميالاً سوف نجد أن هذا كله بمنزلة الهواء في شبك, إنما يصحُّ في رتبته وليس يصحُّ في الرتب العليا بطبيعة الحال, يكفي هذه المناقشة أنا ناقشتها طبعاً أنا – من قبيل القول على كلِّ حال – أنا في النجف ما هي قيمتي, وأنشتاين هو في ألمانيا أو في بريطانيا ملأ العالم بحسِّه, محلُّ الشاهد ليس هذا, يقول لك أنَّهُ ليس هناك في الطبيعة سرعةٌ أسرع من سرعة الضوء, أنا فكرت بشيءٍ بسيطٍ ليس أكثر من ذلك وحاصله بأنَّهُ افترض فوتوناً ضوئياً أو جزيئاً ضوئياً انتَقل في جهة, وجزيئاً ضوئياً انتَقل إلى الجهة المضادَّة فماذا سوف يكون محصل ومعدل الفرق بينهما, سوف يكون محصل الفرق بينهما سرعة الضوء × سرعة الضوء (قل لا, سبحان الله) فمن هذه الناحية كأنه وحسب اصطلاحهم لو كان مشاهد على أحد الفوتونين يراقب الفوتون الآخر فسوف يراه يسير بضعف سرعة الضوء, ولربما أكثر بمعنى من المعاني, وإنما كلُّ السرع باصطلاح أنشتاين نسبيَّة, وهذه أيضاً من السرع النسبيَّة, وهي موجودةٌ في عالم الطبيعة وأسرع من سرعة الضوء, فلماذا يقول أنَّه السرعة منحصرةٌ بسرعة الضوء, هذا كأنَّما ليس بصحيح.
(سؤال) سبق وأن سألناكم عن مدى علاقتكم بالسيِّد أبي جعفر رحمة الله عليه, والآن نسألكم عن مدى علاقتكم بعائلة السيِّد أبي جعفر؟
(جواب) طبعاً عائلة السيِّد أبي جعفر منّا، إنما نحن أولاد عم القريبين جدّاً, وبمعنى من المعاني جيران ليس أكثر من ذلك, دارهم قريبةٌ من دارنا, وعلاقتهم حميمةٌ بنا, وكذلك – سبحان الله – أنا خطبت لأولادي بنات السيِّد أبي جعفر, والآن ثلاثة من بناته زوجاتٌ لثلاثةٍ من أولادي, وكذلك جزاه الله خيراً ابنه السيِّد جعفر نفسه في الحقيقة بذل من نفسه كثيراً في سبيل فلنقل مصلحتي أو مصلحة الدين الذي يراها فِيَّ على أيَّة حال, ونستطيع أن نقول أنه هو من أخصِّ أصحابي الآن أو من المعتمد عليهم جزاه الله خيراً, فمن هذه الناحية العلاقة قديمةٌ وحديثةٌ ومستمرَّةٌ بطبيعة الحال, وكذلك نساؤنا أيضاً متصلين بنسائهم, المهمُّ أسرةٌ واحدةٌ ليس أكثر من ذلك, يعني في الحقيقة آل الصدر فخذين، الفخذ الآخر آل سيد هادي ونحن آل سيد إسماعيل, هم من آل سيد إسماعيل أي من فخذنا وأولاد عمنا المقربين إلى حدِّ أنَّ السيِّد محمَّد باقر نفسه ووالدي أولاد عمٍّ, بمعنى أنَّ أبواهم أخوان من أبٍ وأمٍّ, فمن هذه الناحية ليست المسألة بعيدةً, ومن نعم الله سبحانه وتعالى أنه برز السيِّد  في هذه الأسرة, من نعم الله طبعاً على المجتمع وعلى الأسرة وعليَّ بالتعيين, لأنَّه في الحقيقة لعله لو لم يكن من الأسرة، كان هناك شيءٌ من المصاعب في أن أجعله هو أستاذي الرئيسي, ولكنه لما يكون من الأسرة ويفتح قلبه لي ويقربني بمعنى من المعاني جزاه الله خيراً وقدس الله روحه يكون المسألة لها معنى آخر ومدى آخر, وأنا تلقيت نوعين من المعارف عنه، كمقدمةٍ توضيحيَّةٍ أستطيع أن أقول: أن المعارف الرئيسيَّة التي نستطيع أن نقول يهتمُّ بها الدين إنما هي ثلاثةٌ بالعناوين العامة بالإصطلاح الأصولي, الشريعة بما فيها الفقه والأصول, وكذلك ما يسمى بالوعي الإسلامي الذي هو إصلاح المجتمع, وكيت وكيت من الأمور التي يعرفونها ونعرفها, ولا حاجة إلى تفاصيل, والعرفان أو الأمور الباطنيَّة العليا، فخطين من هذه الخطوط الثلاثة كان هو المحلِّق فيها والزعيم فيها, الزعيم الواقعي, بغضِّ النظر عن السمعة والشهرة كان هو أعلم أهل زمانه في الفقه والأصول وكذلك أوعى أهل زمانه في الأمور الإجتماعيَّة و في مصلحة المؤمنين والمغايرة والمزايلة – لو صحَّ التعبير – مع الآخرين, فمن هذه الناحية هو لم يقصر وأنا كلا الأمرين تلقيته منه وليس من غيره نعم تلقيت العرفان من طريق آخر, لأنَّه هو لم يكن طريقه طريق الباطن أصلاً، وكان إلى حدٍّ ما يحاول أن ينفي الباطن وأنَّه فهم الشريعة فهمٌ ظاهريٌّ فقط وأنَّ الفهم الباطنيَّ قابلٌ للمناقشة ونحو ذلك من الأمور إلا أنَّ الله تعالى وفقني ووفق آخرين من العلماء الذين سميتهم إلى أنه يمشون بهذا الطريق، هو معذور على كل حال، هو مجتهدٌ فإن كان مخطئاً يثاب بثواب واحد وإن كان مصيباً يثاب بثوابين. لكنه حسب الظاهر أنه لم يكن هكذا, وأنا أعلم انه لماذا لم يكن هكذا، كان يرى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك، أنا قلت أكثر من مرَّة: أنه حينما نجابه الماديين والمسيحيين واليهود والبوذيين مثلاً, ونريد بمعنى من المعاني هدايتهم, وإنَّما (يَهْدِي الله مَن يَشَاءُ)( ) لا نجابههم بالعرفان, مثلاً نرغمه على صلاة الليل, ونرغمه على الجلوس بالحضرة ثلاث أو أربع ساعات, لا, لا يوجد من مثل هذا الشيء, ينبغي أن نجابهه بمستوى الوعي الإسلامي, بمستوى الهداية الإجتماعيَّة العامَّة ليس أكثر من ذلك, هذه هي مفاهيم الإسلام المعلنة, والتي تصلح عملياً للإنتشار ما بين البشر ليس أكثر, فلذا كان يحاول أن يبعد العرفان عن نفسه أو عن عقله, لو صحَّ التعبير من أجل هداية الناس, لأنَّه هذا هو الذي يصلح لهداية الناس وليس العرفان, العرفان علاقةٌ بين العبد وربه, أنتَ أصلح نفسك كما يوفقك الله إليه, وأمّا قضيَّة الهداية العامة فليس أننا نكلف الناس ما لا يطيقون, ونقول لهم ما لا يعقلون, هذا ليس مقتضى الحكمة بطبيعة الحال, فمن هذه الناحية حسب الظاهر حسب قناعتي أنه كان لا يلتزم بهذا الشكل من التصـرف والإعتقاد.
(سؤال) المعروف عن علماء الشيعة وحسب السيرة أنهم ضد الأنا فنرى من سماحتكم هذا الإتجاه فما سرُّ هذه المقالة؟
(جواب) يبدو أنَّ السؤال فيه مقدمةٌ أو حقيقةٌ مخفيَّةٌ ما أردتم التصريح بها, وذلك بأنني قلت أنا الأعلم, وهذا تصريحٌ بالأنا, والتصريح بالأنا باطلٌ, إذن فكلامي أنا الأعلم باطلٌ, هكذا قال الناس بمعنى من المعاني جزاهم الله خيراً, لا بأس الأنا ساقطٌ في الحقيقة, وأوَّل المسقطين هم أهل الباطن, فالذي يقول أنا في الحقيقة إذن لا باطن له, له دنيا وليس له آخرة, ولكنه في الحقيقة أنا بعض المقدمات العقليَّة والنفسيَّة حَدَت بي ذلك, ولولا تلك المقدمات لكان هذا باطلاً وأولى أن أسكت عنه من أن أقولَه أوَّلاً، أنني قلت في الجلسات السابقة أنني مدركٌ بصراحةٍ وحسٍّ وجود نقائص ومظالم وصعوباتٍ في الحوزة خاصةً وفي التشيع عامةً, لا بد من السيطرة عليها وتنظيفها بمقدار ما هو ممكن, فقلت بأنَّه إذا الله تعالى سألني في يوم القيامة أنه لماذا لم تكن سبباً لإصلاح هذه المصاعب وتنظيف هذه الأوساخ – لو صحَّ التعبير – أقول له يا ربي أنا بذلت نفسي بمقدار ما أستطيع, حينئذٍ هذه العمليَّة التي أنا أتوخاها بأيِّ أسلوبٍ تكون؟ أجلس في بيتي وأغلق الباب أم أتصدى للناس لأجلِ أن أقولَ أنه أنا نافعٌ لكم بمقدار جهدي بطبيعة الحال؟ ينبغي أن أتصدى للناس ، حينئذ أنا في حينه قبل ثلاث سنوات أو أربع سنوات أو أكثر من ذلك كنت وإن كان هو الإعتماد الكلِّي على الله سبحانه وتعالى، لكن بمعنى من معاني الأسباب إنما أعتمد على نفسي, لأنَّه الناس لا زالوا متفرقين عني, والدعايات كلها ضدي, ولا أحد يدعو لي, ولا أحد يفهمني, ولا أحد يستطيع أن يتصل بي, فشعرت بالتكليف الشرعيِّ أن أقدم نفسي للمجتمع, ليس أكثر فلذا المرَّة الرئيسيَّة أو الوحيدة التي قلت أنا هي هذه، لأنَّني أريد أن أُعَرِّف الناس ما أعتقده في نفسي, وأنا صالحٌ لنفعهم في الحقيقة, ولأجلِ درء مصاعبهم ومظالمهم بمقدار ما أتمكن, ولولا ذلك لكان اللازم هو السكوت – إن كنت أعلم أو لست بالأعلم الله تعالى علام الغيوب والعالم بما في النفوس – ليس أكثر من ذلك, وإذا كان ليس له نتيجةٌ فالسكوت أفضل, إلا أنه مع ذلك أنا توخيت النتائج الصالحة التي فكرت فيها, فمن هذه الناحية قلت ذلك, مع العلم أنه أنا في حدود فهمي أنني لو كنت قلت ذلك بلسان المقال فالآخرون يقولونه بلسان الحال في الحقيقة, لأنَّه كلُّ من يُصدِّر رسالةً عمليَّةً، أيضاً يقول أنا مجتهدٌ بلسان الحال, لأنه صَدَّر رسالة عملية ويقول أنا أعلم لأنَّه يكتب فيها أنه يجب تقليد الأعلم, إذن فهو أعلم لأنَّه إذا كان يجب تقليد الأعلم وهو يقول للناس قلدوني وهو ليس بأعلم إذن هو مقصرٌ في فتوى نفسه, إذن فهو من أهل جهنَّم, إنما يُحمل على الصحَّة فيما إذا كان أنه يقول بلسان الحال أنه هو الأعلم, إذن كلُّ واحدٍ من المراجع من السلف الصالح والخلف الصالح كلهم يقولون بلسان حالهم أنه هو الأعلم, إلا النادر الذي لا يشترط تقليد الأعلم – هذا بابٌ آخر – لكنَّ المشهور عموماً – الظاهر من زمنٍ معتدٍّ به في الأجيال السابقة وإلى العصر الحاضر – وجوب تقليد الأعلم, إما فتوى وإمّا احتياط وجوبي –محل الشاهد- فكلُّ من يقول بذلك إنما يقول هو الأعلم, لكنهم يتورعون لأجلِ أن لا يكون هناك ضدهم مثل هذا الإنطباع السيِّـئ, إنما يظهرون ذلك بلسان الحال, لكنَّ الذي أفهمه, أن الظروف التي سادت عليَّ غير الظروف التي سادت على الآخرين بطبيعة الحال, تختلف جذرياً, هم من أوَّل أمرهم عندهم أصدقاء, وعندهم معارف, وعندهم معتقدون ومحسنو الظنِّ بهم, فيدعون لهم بعنوان أنَّ السيِّد فلان أو الشيخ فلان أعلم, أو تقليده مجزئ, ونحو ذلك من الأمور, أما أنا لا, الله تعالى مَنَّ عليَّ في الفترة الأخيرة بوجود الشباب الصالح جزاهم الله خيراً أما قبل ذلك فكنت يداً وحيدةً تقريباً بل تحقيقاً, لأنه بعد – نستطيع أن نقول – أن فقست البيضة, يعني أنه كنت جليس داري, وخرجت من داري أمام الجمهور لم يكن معي أحدٌ في الحقيقة, فمن هذه الناحية شعرت بتكليفي الشرعيِّ أن أقولَ هذه العبارة ليس أكثر من هذا.
(سؤال) أمرتم قبل مدَّةٍ ليست بالبعيدة بوجوب إقامة صلاة الجمعة في عموم العراق, فما هو السبب الذي دعاكم لذلك في هذا الوقت بالخصوص؟.
(جواب) طبعاً أنتَ تعلم أنه أنا لم آمر بهذا الأمر بالتعيين, أنه
– من قبيل – أيها المتشرعة أقيموا صلاة الجمعة, أنا لم أقل بذلك, وإنَّما أعطيت تعليماتٍ لو صحَّ التعبير أو أوراقاً مكتوبةً وموقعةً لأشخاصٍ معينين أنه أنتَ جزاك الله خيراً حيث أنه نعرف منك الورع والتقوى أقم صلاة الجمعة, وصلى إلى الآن حوالي الخمسة وثلاثين شخصاً موكلاً لهم هذا المعنى, وهو مطلبٌ في نفسه صحيحٌ وليس بنحو القاعدة العامة, وليس من مصلحة المذهب أنه كلُّ من يريد أن يقيم الجمعة يقيمها لا, لا, يصبح المجتمع غير مرتب, فليس من المصلحة إطلاقاً, وفيه مفسدةٌ بكلِّ تأكيد – محلُّ الشاهد ليس هذا – ماذا تظنون, وماذا يظنُّ السامعون, بأنني لو أمرت بذلك قبل سنتين, أو قبل ثلاث سنين, هل إستجاب الناس هذه الإستجابة؟ بطبيعة الحال لم يكونوا يستجيبون بوضوح قليل, أنَّني لم أكن بهذه الشهرة, ولم أكن بهذه الأهميَّة الإجتماعيَّة, وكذلك كان التيار ضدي حوزوياً, وخارج الحوزة قوياً بشكلٍ معتدٍّ به جدّاً, ولا حاجة إلى زيادةٍ في الإيضاح, فمن هذه الناحية لم يكن لي أمر مطاع و ((لا أمر لمن لا يطاع)) لكنه هذه النتائج التي الآن تحت اليد – في الحقيقة – هي أوَّل فرصةٍ نستطيع أن نقول دنيوياً أنني اكتسبت بها القوَّة التي أستطيع بها إقامة هذه الشعائر, وإقامة الصلاة التي كانت مهملةً من قبل الأجيال السابقة والمراجع السابقين, لا أقلَّ في العراق, فمن هذه الناحية هذه أوَّل فرصةٍ, وأنا أتمنى أن لا تكون هي آخر فرصةٍ, يعني أنا حتى أودُّ – والجماعة يسمعون – أنني أقول أنني حتى إذا مُتُّ – أنا لا أعلم متى أموت, ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت, وبأيِّ تأريخٍ تموت – أنا لا أقول بأنه أتركوا صلاة الجمعة, لا بل إستمروا بصلاة الجمعة, في الحقيقة من النقاط المؤسفة التي يصعب جدّاً تلافيها, بل الآن عملياً لا يمكن تلافيها, أنَّ المرجعيَّة تقوم بواحد, إذا مات هذا الواحد اندثر هو وآراؤه, يعني هو راح, ولكنَّ أفكاره العامة إجمالاً ونشاطه ونفعه للناس, أي ليس له بديلٌ مماثلٌ, في حين أنه أنا كررت أيضاً أنني أريد أن أربي بديلاً مماثلاً لو صحَّ التعبير, ولربما أحسن مني, ولربما أحسن مني بكثير, أنا ما هي قيمتي, لكن العمدة نفع التشيع, ونفع المجتمع, ونفع الحوزة, فالمهم أنه جهة صلاة الجمعة لا تتوقف على البديل المماثل, أنتَم يا أئمة الجمعة ابقوا مستمرين على إمامة الجمعة, وكذلك أنتَم لا تكونوا كما سمعت من العديدين أيضاً, ولربما بعضهم متحمسين لهذا الأمر, أنه إذا مات السيِّد محمَّد الصدر نترك عمائمنا ونذهب لنصبح كسبةً في بلادنا, لا حبيبي إذن تعطون الفرصة لمن أفسدوا أن يفسدوا في الحقيقة, لا أقول أكثر من ذلك في داخل الحوزة وفي خارجها لا, أنتم ابقوا كأناسٍ صالحين على الساحة الحوزويَّة, وعلى الساحة الإجتماعيَّة, لماذا؟ لأنه لا أقل أنه تمثلون خطي, والذي إن شاء الله فيه رضا الله سبحانه وتعالى, أما أن تفرغوا الحوزة من جديد, كما كانت فارغةً قبل أربع أو خمس سنوات أو أكثر أو أقلّ, إذن أين أصبحت مسؤوليتكم لا,لا, إبقوا من أجل حفظ ولاية أمير المؤمنين, أنا ليس لي أثر, أنا من قبيل المثل الذي يقول (الماء يأخذ سهمه, والتراب يأخذ سهمه) لكنه الدين لا يذهب, والله تعالى حيٌّ لا يموت, فمن هذه الناحية ينبغي حفظ هذا الطريق جهد الإمكان, إذا قهرتم من شيءٍ من سببٍ داخليٍّ أو سببٍ خارجيٍّ هذا بابٌ آخر, تكونون فارغي الذمَّة, معذورين, ولكنه في حدود الإمكان أن لا تفعلوا ذلك, كثيرٌ من الأمور والظواهر التي وجدت في الإمكان أن تبقى, أما بعض الأمور بالضرورة سوف تبقى من قبيل هذه الأفكار الجديدة, يعني مسلك العرفان إفترضوا أن أقول حقه وباطله وسوف يبقى, حتى لو مات السيِّد محمَّد الصدر وكذلك الأفكار الواعية الفقهيَّة, أشياء بسيطةٌ جدّاً, من قبيل الصلاة في مجهول المالك, الصلاة في الأموال غير المخمسة, وكثير من الفروع من هذا القبيل, والفروع الحديثة الأخرى التي إنما هي بعون ربِّ العالمين أوَّل من وعى الشيعة عليها إنما كان من قبلي, فمن هذه الناحية هذه الأمور أيضاً سوف تبقى, وسوف يضطرُّ المراجع الآخرين الباقين في الساحة يومئذٍ إلى أنه يواكبون هذه الجهة, لكن مع ذلك يكون قضاء حاجة الناس ورفع المظالم سوف يتنازل بطبيعة الحال, فإنما تبقون لأجلِ حفظ مصلحة التشيع ليس أكثر من ذلك, هذا ضروريٌّ, مائة بالمائة ضروري.
(سؤال) ما هي توجيهاتكم ونصائحكم للجمع المؤمن في خارج العراق أو لعموم المؤمنين.
(جواب) في الحقيقة حبيبي ربما يكون في بعض الكلام الذي قلته أيضاً شيءٌ من النصيحة, ولكنه مع ذلك أستطيع أن أقولَ ما يرضي الله سبحانه وتعالى, وإن كان أنا أعتقد بأنَّ التوجيه والنصيحة يختلف من واحدٍ إلى واحد، ليس أنه نفس ما تنصح به زيداً تستطيع أن تنصح به عمرو وبكر وخالد وسعيد لا, وإنَّما كلُّ واحدٍ يحتاج إلى توجيهٍ معين, من قبيل – كمثلٍ وليس بالتحديد – أنَّ ما تقوله بشبهات الماركسيين غير ما تقوله بشبهات المسيحيين, وغير ما تقوله بشبهات البوذيين, كذلك الإتجاهات تفصيليَّةٌ موجودةٌ في داخل التشيع وفي خارج التشييع, وحتى في داخل الحوزة لكلِّ مقامٍ مقالٌ, لكن على العموم, هذا إنما هو منبر – لو صحَّ التعبير – إنما هو منبرٌ عامٌّ وليس لطبقةٍ معينةٍ في الحقيقة, التوجيهات منقسمةٌ إلى قسمين, لو صحَّ التعبير, في داخل الحوزة أو توجيهات حوزويَّة ولا أقول لأهل الحوزة لا, وإنَّما لفهم الحوزة، كيف ينبغي أن نفهم الحوزة هذا من جهة, وكذلك توجيهات عامة, التوجيهات العامة في الحقيقة تنحصـر بطاعة الله سبحانه وتعالى، كلُّ واحدٍ ينبغي أن يكون متورعاً في دينه جدّاً كافي، متورعاً في دينه كما يقول في الحكمة أنه: ((خَفِ الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فهو يراك)) وكذلك يتمسك بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه, وحبِّ الحسن والحسين وفاطمة الزهراء, ونحو ذلك من الكلمات, 57:23وأحسن شيء سالم هو قلبياً، جزى الله خيراً, من يلتزم بها, لكنه أحسن شيءٍ يمكن قبضه حسياً من سلوك أيِّ فردٍ هو يلاحظه في نفسه أنه يلتزم بكلِّ الواجبات ويرتدع عن كلِّ المحرمات, ومن هذه الناحية لا أقل أنه لا تأخذه في الله لومة لائم, بحيث على أنه يدعوه شخصٌ أو أيُّ ضغطٍ مهما قلَّ أو كثر ما لم يدخل في ظرف التقيَّة, أو الضرر أو العسر والحرج الشديد, هذا بابٌ ثانٍ, لكن هو في حدود ما هو ممكنٌ لا يترك واجباً, ولا يفعل حراماً إطلاقاً, لا في عينه, ولا في أذنه, ولا في فمه, ولا في مشية قدمه, ولا في حركة يده, أي شيء, أي شيء, ولا في علاقته وتصرفه مع الآخرين, أو مع الدولة, أو مع الله، أو مع عائلته, أو مع أولاده, أو مع البائع, أو مع المشتري, أو أي شيء إلا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى, وهذا ليس سهلاً, ولكنه إنما يكون المؤمن الصالح نموذجاً من هذا القبيل, وإذا كان الإنسان وجد نفسه على غير ذلك فإنما هو مخادعٌ في الحقيقة (بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ, وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)( ) المعاذير لا تخدع بها الله سبحانه وتعالى, ربما أنك تخدعني بها, أو تخدع صاحبك, أو عائلتك, ولكنه لا تستطيع أن تخدع الله سبحانه وتعالى, أصلح نفسك بكلِّ صورة (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)( ), أمر نفسك أولى أو أمر ربك أولى جلَّ جلاله, أي هذا الذي يقول (اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)( ) لا، الله إلهك وليس هواك إلهك, فمن هذه الناحية التزم بطاعة الله تُكْفَ من الشر, ألست تريد أن تكون من الناجين في الدنيا وفي الآخرة, هذا يكفي بأنَّهُ تسير في مثل هذا الطريق اللطيف الذي سار عليه أصحاب المعصومين سلام الله عليهم, ولا أقول المعصومين, وإن كان هم أولى من غيرهم, لكنه تقول أنهم معصومين, ونحن لا نستطيع أن نكون مثلهم, طيب مثلاً على العين والرأس, ولكنَّه أصحابهم ليسوا كذلك, هل سلمان الفارسي, وأبو ذر, وعمار, وزرارة, وفلان وفلان معصومون؟ ليسوا معصومين, مع ذلك كانوا مقربين من المعصومين, ومن خاصة المعصومين, فمن هذه الناحية ما ألطف أن نكون من أمثالهم, الطريق مفتوحٌ, وليس طريقاً باطنياً حتى يكون صعباً, وإنَّما هو طريق الحياة الإعتياديَّة, فرقه أنه تلاحظ الله في القليلة والكثيرة, وفي النظرة والنفس والكلمة والسماع وأي شيء, أي شيء في علاقاتك في نفسك, أو في عقلك, أو في أصدقائك, أو في عائلتك, أو أي شيء آخر, ليس أكثر من ذلك, جدّاً يكفي, وأمّا بالنسبة إلى الفهم الحوزوي يعني كيف يجب أن تُفهَم الحوزة في الحقيقة, أنا جملةٌ من الأشياء لا أستطيع أن أقولَها, لأنَّني أعتبر أنه أنا في تقيَّة, والتقيَّة واجبةٌ عليّ, ولكنه في حدود ما هو ممكنٌ أن يقال أن تجعل الحوزة هي الأميرة الرئيسيَّة في الدين, وليس الدين كما يفهمه العوام, كما ليس الدين كما يفهمه مثلاً أهل الظلم, وليس الدين كما يفهمه أهل المسالك القديمة أو نحو ذلك من الأمور, كلُّ ذلك لا, وإنَّما الإنسان الذي يسلك أحد هذه المسالك الثلاث التي قلتها يفهم الدين كما يرضي الله سبحانه وتعالى, فينبغي أن يتوقَّع من الحوزة ما يرضي الله سبحانه وتعالى, سواءٌ كان من المرجع أو من المجتهد عموماً, أو من الفضلاء عموماً, أو من الحوزة عموماً, فبمعنى آخر إذا كانت الحوزة على مستوى المسؤوليَّة, – وإن شاء الله ستكون وليست الآن على كلِّ حالٍ على مستوى المسؤوليَّة – فهي التي تكون أهلاً لنصرة الدين, وأهلاً لحسن الظنِّ بها من قبل التشيع عموماً, ومن قبل العالم عموماً, ولماذا لا, أليس أنَّ العالم عموماً حتى البوذيين وحتى المسيحيين وحتى الماديين يحسنون الظنَّ بالنبي  بنبي الإسلام, ويحسنون الظنَّ بأمير المؤمنين, ويحسنون الظنَّ بالحسين سلام الله عليه, فلنكن نحن أيضاً عند حسن الظنِّ لمذهبنا وللآخرين وللبشر أجمعين, والمفروض في الحوزة أن تكون كذلك, والمفروض بفهم الحوزة أن تُفهَم من هذه الجهة, وإلا لا قيمة لها, مجرَّد أنه تدفع لها الحقوق ولا تعلم أنَّ المال أين يصرف هذه مجهوليَّةٌ، مفسدةٌ شديدة, المفروض أن تكون يد المرجع أمينةً في صرف المال, لكنك ينبغي أن تتأكَّد, المرجع الذي ترجع إليه هل يده أمينةٌ حقيقةً بينك وبين الله في صرف هذا المال أو لا, وتتوخى القرائن والنتائج التي توصل إليها مرجعك لو صحَّ التعبير, فمن هذه الناحية لا تعتمد على من تحسن به الظنَّ لمجرَّد الهوى, أو لمجرَّد الميل النفسي, أو لأمورٍ أخرى اجتماعيَّةٍ أو حوزويَّةٍ أو نحو ذلك من الأمور في الحقيقة، هذا مما يكثر فيه الدسُّ أكيداً, وهناك جهاتٌ كثيرةٌ داخليَّةٌ وخارجيَّةٌ تستطيع أن تدسَّ, وما أسهل أن تدسَّ, وأنتَ تعلم أنه ما أسهل للشخص من قبيل أن يدخل في السلك الدينيّ, أو يلفَّ العمامة على رأسه, وما أسهل أن يدَّعي المدَّعي شيء ليس له, وهذه هي الخطورة الحقيقيَّة في الدين, فمن هذه الناحية أنا أنصح الشيعة عموماً أن لا يضعوا أقدامهم الدينيَّة – لو صحَّ التعبير – على ركنٍ هارٍ, بل على ركنٍ وثيقٍ وعروةٍ وثقى, حتى يفوزوا في الدنيا والآخرة, الحوزة ليست واحدةً وإنما هي مذاهب متُعَدِّدةٌ وكذلك اتجاهاتٌ وآراء مختلفةٌ من داخلها وخارجها, فمن هذه الناحية ينبغي الحذر جدّاً من تمكين شخصٍ, ثمَّ بعد ذلك يوجب أن نقول أنَّ هذا فيه نقائص وكذا, فما أصبرنا على النار, نحن في الحقيقة إنما أَعَنَّا على ضرر أنفسنا في الحقيقة, حينما نكون قد دعمنا من لا يستحقُّ الدعم في الحقيقة, وإن شاء الله كلهم يخدمون الدين, هذا صحيح, وإن شاء الله كلهم محمولون على الصحة, ولكن مع ذلك ينبغي الحذر, يعني المؤسسات الدينيَّة والأفراد, وخاصةً يعني المعنونين إن كانوا رؤساء عشائر أو تجاراً أو نحو ذلك من الأمور, أو لهم زعامةٌ رسميَّةٌ في بلادهم, أو أي شيء, لا ينبغي أن يكونوا من هذه الناحية مغفلين, فليكونوا مدققين, وكلما دققوا إنما يرضون الله سبحانه وتعالى بذلك.
(سؤال) في ختام هذا اللقاء نتقدم بالشكر الجزيل لسماحة آية الله العظمى المرجع الديني السيِّد محمَّد الصدر (دام ظله الوارف) على إجابته التفصيليَّة لكل الأسئلة التي قُدِّمَت إليه, نسأل الله أن يجعله علماً وعزاً وفخراً للأمة الإسلاميَّة جمعاء, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(جواب) أنا أيضاً أقول كلاماً, هو أنه حقيقةً أنا أجد أنَّه جماعةً من الشباب, كأنهم – وإن كان هذه العبارة ليست لطيفةً – كأنهم خُلِقُوا من أجلي, يرون أنه بذل أنفسهم مائة بالمائة, ألف بالمائة في سبيل هذه اللحمة أو الدم والعظم العجيبة الغريبة كأنه شيءٌ واجب دينيٌّ يرضاه الله سبحانه وتعالى جزاهم الله خيراً، هذا بتوفيق ربي أنه وُجِدَت جماعةً حقيقة يقدمون أنفسهم رخيصةً في سبيل المفاهيم التي سمعوها والتي جملة منها في مؤلفاتي، منهم الشيخ ( ) جزاه الله خيراً، حقيقة كأنَّما خُلق لأجلِ طاعة الله يعني يجد طاعة الله منحصرةٌ في آرائي وتقليدي واتجاهي وأنا أقلُّ البشر وأذنب المذنبين, على كلِّ حالٍ إن كان الإمام يقول أنه هو كالذرة أو دونها, إذن فأنا هو الظلمة الحقيقيَّة والعدم الكامل, ولكنهم جزاهم الله خيراً الذي أنا أقول أنَّ في هذه رواية أنه: الله تعالى يجعل حسن الظنِّ في ذهن الآخرين به, فهذا من النعم عليّ, أنه حسن ظنهم بي, وكذلك من النعم عليهم, لأنَّهم يستطيعون عن هذا الطريق أن يخدموا دينهم, ويخدموا أنفسهم ويتكاملوا, وليس أنا, أنا سوف أذهب لكن هو يبقى متكاملاً والسيد يبقى متكاملاً, والشيخ يبقى متكاملاً, أي يفوز في الدنيا والآخرة, وليس عيون السيِّد محمَّد الصدر في التعيين لها شأن أبداً, وإنَّما الشيء الذي ينفعهم, لهم جيد, والشيء الذي أنا بذلت نفسي من أجله في الحقيقة إنما هو للآخرين, وليس أنا, إنما هي أفكارٌ وفق الله تعالى لأجلِ تناولها ونشرها وإلا المسألة أنه أنا لست بشيء, على كلِّ حالٍ جزاه الله خيراً وحياه الله من هذه الناحية التي وفقني لأجلِ بيان هذه الكلمات على أنها مختصرةٌ وطبعاً كلما تكلمت أكثر لعله تنكشف حقائق أكثر, ولكنه ليس هناك من الحقائق ما ينبغي كشفها بعد أن تكون مؤلفاتي كثيرةً, وإذا بقيت الحياة أبقى باذلاً جهدي في التأليف وغير ذلك بالتدريج, فإذا كان الناس أيضاً الشيعة نقّادة وفاهمين وواعين يستطيعون أن يصلون بالتدريج, ولكنه هذا أيضاً توفيق فوق التوفيق, أنه أولاً أنا أوفق إلى أن أقولَ كلمتي, ويوفق الآخرون أنه يفهمون ما أقول, وليس لأجلِي أنه يفهمون ما أقول, وأنه لأجلِ مذهبهم, ولأجلِ أنفسهم, ليس أكثر, وإنَّما أنا واسطةٌ من قبيل أنبوبٍ يلقى فيه الماء من اتجاهٍ ويخرج من الإتجاه الآخر ليس أكثر من ذلك, وإنَّما النفع الحقيقيُّ لله أوَّلاً, وللمعصومين سلام الله عليهم ثانياً, من قبيل – أن أقولَ – يدعون أنَّ الحوزة إنما أوجدتها أنا,لا, أنا ما أوجدتها في الحقيقة وإنَّما الله تعالى هو الذي أحياها بعد الممات, كثيرٌ من الظروف لم يكن لي يدٌ فيها إطلاقاً إنما الله تعالى وَفَّقَ لها, وَوُجِدَت, وإنَّما بالصدفة تقارن وجود السيِّد محمَّد الصدر مع وجودها, لعله لو كان آخرون أيضاً من هذا القبيل، لكان أيضاً تقارن وجودهم مع وجودها, وكذلك هِمَّة الشباب الواعي في أن يلتحق بالحوزة ويدرس العلم الدينيّ, هذا أيضاً ضروريٌّ وواضح الإتجاه, وليس أنا الذي أوجدته (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)( ). فالمهم على أنه يعني مجموعة القرائن والملابسات هي التي أوجدت ذلك, وما قيمة السيِّد محمَّد الصدر بعد كلِّ هذا التيار الإلهي اللطيف، من قبيل هذه الكلمة التي قيلت في أمير المؤمنين سلام الله عليه, مضمونه أنه: ((ما أقول في شخصٍ اجتمع أعداؤه على كتم فضائله, واجتمع أصدقاؤه على كتم فضائله – أعداؤه حقداً وأصدقاؤه تقيَّةً، كلاهما كتم فضائله – وانتَشر بين هذا وهذا ما ملأ الخافقين)) سلام الله عليه, فمن هذه الناحية أيضاً المضادّات التي نحن نعيشها أكثر من حدِّ الإحصاء, لكنه مع ذلك لطف الله أكثر من حدِّ الإحصاء, بأضعافٍ مضاعفة, بلطف ربي, والحمدُ لله ربِّ العالمين وصلّى الله على خير خلقة محمَّدٍ وآله أجمعين.