لقاء الحنانة الأول

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
توكلتُ على الله ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّدٍ وآله الطاهرين
السلام على إخواننا المؤمنين ورحمة الله وبركاته
لا يخفى على الإخوان أعزَّهم الله ما تحتلُّه النجف ومرجعيَّتها من الأهميَّة, بما لها من التأثير الفعليِّ في العالم الإسلامي, وسعي الغرب دائماً لتقويض هذه المرجعيَّة لما يشعر نحوها من الخطر على مصالحه الإستعماريَّة، وهذا الحوار الذي نقدِّمه اليوم هو أحد مصاديق مظالم تلك المؤامرة التي كانت ولا تزال اليد الإستعماريَّة من ورائها, وهو حوارٌ صريحٌ يكشف المظلوميَّة والمؤامرة التي شاركت فيها جهاتٌ عديدةٌ من الداخل والخارج على أحد مراجعنا العظام وهو السيِّد محمَّد الصدر (دام ظله) الذي عرف منذ نشأته بورعه وتقواه وغزارة علمه, فضلاً عن دماثة خلقه, كيف لا يكون هكذا وهو في بيت العلم والمعرفة الذي لا يخفى على المؤمنين مكانتُه. وهذا الحوار صريحٌ لإظهار أكثر الحقائق التي كانت مخفيَّةً, ولإلجام الأفواه التي طالما سعت لتهديم تلك المرجعيَّة الرساليَّة التي قام بها السيِّد محمَّد الصدر (دام ظله) وليتبيَّن للمؤمنين بعض فصول هذه المؤامرة, والآن مع سماحة السيِّد محمَّد الصدر (دام ظلُّه).
(سؤال) المعروف أنَّ ولادتكم كانت في نفس يوم ولادة الرسول الأعظم – أي في 17 ربيع الأوَّل -, فمتى كان ارتداؤكم للزيِّ الحوزويِّ ومن عمَّمكم؟.
(جواب) شيخنا جزاكم الله خيراً. على كلِّ حالٍ أنا أولاً أشكر الفرصة التي أتاحها لي الشيخ محمَّد النعماني (الله يطيل عمره) المهمُّ أنه من الصحيح بالضبط أني مولودٌ في 17 من شهر ربيع الأوَّل من سنة 1362 للهجرة, والمشهور عند المتشرِّعة أنَّ النبي ولد في نفس هذا التاريخ من الشهر, وإن كان الشيخ الكليني يقول إنه في يوم الثاني عشر إلا أنه خلاف المشهور. طبعاً، ولدتُ وكان جدِّي لأمي أحد مراجع الدين العظام في النجف الأشرف وهو الشيخ محمَّد رضا آل ياسين ، ولدتُ في كنفه، وكان والدي أيضاً من فضلاء الحوزة ومن طلاب الشيخ محمَّد رضا  وكذلك من طلاب الشيخ النائيني والسيِّد أبو الحسن الأصفهاني -محل الشاهد- وولدتُ أيضاً في النجف
-ولله الحمد- بلد أمير المؤمنين سلام الله عليه, وسبحان الله أدخلني والديَّ المدرسة الرسميَّة الصفَّ الأوَّل الإبتدائي طبعاً, ثمَّ في الصفِّ الخامس الإبتدائي. في الحقيقة في أوَّل السنة حصلت لي حمى وهكذا انقطعت عن المدرسة حوالي أسبوع أو أقل أو أكثر على كلِّ حال, فنهاني والدي عن أن أذهب إلى المدرسة، قال لي: انقطع عن المدرسة وتعمَّم. وفعلاً فصَّلنا الزيَّ وصار اليوم السابع عشر من ربيع الأوَّل نفس يوم ولادة الرسول وولادتي وولادة الإمام الصادق سلام الله عليه, وقام هو الرجل بدون أيِّ احتفالٍ ولا زائدة ولا ناقصة أصلاً من دون حضور أيِّ شخصٍ في نفس الدار التي هي دار العائلة, عمَّمَني بيده الشريفة جزاه الله خيراً وقدَّس الله روحه وانتَهى الحال, وكان طبعاً يشعر بالمسؤوليَّة على أن يعيِّن لي أساتذةً حوزويين ليتكفَّلوا لي الدراسة الأوَّليَّة في ذلك الحين.
(سؤال) هل كان ارتداء العِمَّة أو الزيِّ الحوزويِّ بداية دخولكم للمعترك الحوزويّ؟
(جواب) حبيبي أنا لم أدخل المعترك الحوزوي, أنا إرتدائي الزيَّ كان ابتداء درسي في الحوزة وهذا صحيح, ولا زلت الحمد لله أنا من دارسي الحوزة – لو صحَّ التعبير- ولكنه لم أدخل المعترك الحوزوي، لأنَّه أنا طبعي كان ولربما مازال إلى حدٍّ ما وإن كان مكبوت طبعاً هذه الأيام, لأنَّ المصلحة تقتضي خلافه, لكنني عموماً أكره الإتصال بالمجتمع وكثرة الناس وكثرة المناسبات, ففي صغري وشبابي وقسم كبيرٍ من حياتي كنت منعزلاً, يعني جهد الإمكان أتصل بالناس, أقل المجزي, بمقدار ما هو طبعاً تدريسٌ ودراسةٌ وبعض المناسبات القليلة, مثلاً مجالس الفاتحة وشيءٌ من هذا القبيل, وإلا فأنا منعزل, فلذا مثلاً أنا ليس لي هناك أيُّ اتصالٍ إطلاقاً بالعشائر التي هي تملأ العراق وتملأ جنوب العراق ووسطه, كما إنه لم أكن أهتمُّ أيَّ اهتمامٍ معتدٍّ به بالمرجعيات, ماذا يفعلون أنا لا يخصُّني, الله تعالى أسقطها عن ذمَّتي, وإن كان طبعاً أنا كنت أحتاط من ناحية تكليفي الشخصيِّ حينما أسمع بعض النقاشات حول بعض المرجعيات, ولكنها لا تمتُّ لي بصلة, وطبعاً هذا أيضاً إلى حدٍّ ما مشيٌ على مسلك والدي من أنه هو أيضاً كان بعد وفاة جدي الذي كان يخدمه ويوزِّع له راتب, لكن حينما توفي جدي الشيخ محمَّد رضا انقطع عن المرجعيات، فضَّل البقاء وحده من دون الإنتساب إلى مرجعٍ معينٍ فلذا أنا أيضاً فضلت البقاء وحدي من دون الإنتساب إلى مرجعٍ معين, يعني أنَّ كلا الخطين إلتقيا في نفسي وتصالحا, أوَّلاً إنه ليس لي خلق المجتمع ككلٍّ, وليس لي خلق المرجعيات ككلٍّ، وليس لي خلق أن أدخل في المعمعة, وإن قلتَ قُلتُ والإشكالات التي يثيرها بعض المراجع بعضهم على بعض, هذا كلُّه كنت منقطعاً عنه بالمرَّة, لكن طبعاً لن يستمرَّ هذا طويلا أكيداً, لأنَّني في فترةٍ من حياتي على أيَّة حالٍ طبعاً تتلمذت على يد السيِّد محمَّد باقر الصدر  وبالرغم طبعاً من أنَّني حاولت أن أسير على نفس الإرتكاز, وهو الإبتعاد عن المرجعيات, أعتبره هو مرجعي, لكنَّ الخلاف بين المرجعيات لم أتدخَّل فيه, والمجتمع ككلٍّ أيضاً لم أتدخَّل فيه، وإنَّما نعم أدرس عنده وأحترمه وأطبِّق آراءه ونحو ذلك من الأمور, ربما يتوجه ضدَّه إشكالٌ أو هو يوجه إشكالاً إلى شيءٍ من هذا القبيل, أنا لا أتدخل فيه, يوجد في طلابه من يقوم بهذه المهمَّة, وأنا الحمد لله مكفي المؤونة من هذه الناحية, طبعاً أنا أسمع بالإشكالات وأطبقها بيني وبين الله كشيء, يعني لوازم شرعيَّةً أتخذها وأتبناها, ولكنه أمشي بها أو أوصل خبراً أو أيَّ شيءٍ لا, لا, ليس هذا من مسلكي, لأنَّه طبعياً أنا أنفر من هذه الأمور, طبعاً إلى أن توليت أنا المرجعيَّة, لا طبعاً حينما أكون أنا في الوجه مضطرٌّ إلى أن أناقش, لأنَّه يجب عليَّ بحسب المصلحة العامَّة, لأنَّني إنما تصدَّيتُ للمرجعيَّة لتكليفي الشرعيّ, أني وجدت هناك نواقص, ووجدت هناك مظالم, ووجدت هناك إهمالات كثيرةً في الحوزة وفي الشيعة عموماً, وجدت مصلحةً, لعلَّ الله تعالى يجعلني سبب لشيءٍ من هذا القبيل, نفعٍ بشكلٍ من الأشكال, وإصلاح وتدارك ما سبق، فالمهمُّ أنَّ تكليفي الشرعيَّ اقتضى أوَّلاً الإتصال الكثير بالمجتمع, ودفنت ذاك الإحساس في نفسي – كأنَّما – غير موجودٍ وكذلك الشيء الآخر الذي حصل وهو أنه دخلت في معمعة الحوزة وفي معمعة المجتمع وفي معمعة المرجعيات لو صحَّ التعبير, والله هو المنقذ على أيَّة حال.
(سؤال) متى كان التحاقكم بكليَّة الفقه, وكم كان عمركم في حينه, ومن كان معكم, ومتى كان التخرُّج؟
( جواب) والدي صديقٌ مع جمعيَّة منتدى النشر قديماً, طبعاً جمعيَّة منتدى النشر ليس عنواناً وإنَّما عبارةٌ عن الشيخ محمَّد رضا المظفر والسيِّد محمَّد تقي الحكيم والسيِّد هادي الفياض والشيخ محمَّد تقي الإيرواني وفلانٍ وفلانٍ من وجهاء الحوزة وفضلائها, وكلهم مشهودٌ لهم بالإعتبار والصحَّة, فكان أن أسسوا ذلك قبل ولادتي على أيَّة حالٍ جمعيَّة منتدى النشر للطبع والنشر, وخدمة المذهب و… إلخ, فكان والدي صديقاً لهم, أكثر من ذلك، الخطوة الأخرى أنه يعتبر عضواً في المجلس العامِّ للجمعيَّة, حسب الظاهر يجتمعون كلَّ ثلاث سنين أو نحو ذلك لانتخاب الأعضاء الإداريين, فكان والدي يدعى في كلِّ مرَّةٍ بـ (كارت) ويعطي رأيه ويصوتون بالتصويت السرِّي, على أيَّة حالٍ
– محل الشاهد ليس هذا -, فكان يحسن الظنَّ على أية حالٍ بالشيخ محمَّد رضا والسيِّد محمَّد تقي, وعلى العموم بجمعيَّة منتدى النشر كأنه يعتبر نفسه منها إلى حدٍّ ما, وإن كان هو أيضاً ليس منها بهذا المعنى الكامل على كلِّ حال, ولكنه كان مرتبطاً بها بشكلٍ من الأشكال, فكان أفضل شيءٍ عنده أن يدفع ابنه لهم, والرجل الشيخ محمَّد رضا المظفر جزاه الله خيراً أعطى تسهيلات – أنا أستطيع أن أقولَ لك مائةً بالمائة – في سبيل دخولي, والذي في بالي(الآن غير موجودة) كانت هناك مكتبةٌ لصيقةٌ بالصحن, وكان فيها الشيخ محمَّد رضا ووالدي وأنا, ومجرَّد أن سألني الشيخ محمَّد رضا سؤالين أو ثلاثةً كامتحان دخولٍ لا أكثر ولا أقل, وقال لوالدي لا يهم فليأتِ غداً ويبدأ الدوام, فدخلت في كليَّة الفقه, وكان ذلك في التأريخ الميلادي – طبعاً أنا ومع شديد الأسف وإن كنت ضدَّ التأريخ الميلاديِّ جدّاً كما يعلم الجميع هنا ولكنه الشيء الذي أستطيع تحديده على الأغلب هو التأريخ الميلاديُّ، المهمُّ ليس هذا طبعاً – هي قبل ثورة 14 تموز 1958م, بحيث حدثت ثورة 14 تموز 1958م وأنا في الصف الأوَّل, أنا في بالي، يعني أنه في حوالي سنة 1957م سُجِّلت, ولكن الصفَّ الأوَّل اعتُبِر صفاً تمهيدياً, وذلك لأنَّه كان هناك صعود ونزول وتوسطات للحكومة العراقيَّة في حينها على الإعتراف بكليَّة الفقه, كانت تسمى كليَّة منتدى النشر, لكنه فعلاً حصل الإعتراف وسميت كليَّة الفقه, ونحن دخلنا في الصفِّ الثاني, فاعتبر صفاً أوَّلاً واعتبر الصفُّ الذي قضيناه وخسرناه صفاً تمهيدياً فقضيت خمس سنواتٍ في كليَّة الفقه وليس أربعة, على أيَّة حال وتخرجت سنة 1964م والدرجات موجودةٌ, وحسب الظاهر كان المعدَّل العامُّ لكلِّ درجاتي 84 على ما أتذكَّر, وكان هناك جماعةٌ تخرَّجوا أشهرهم الشيخ أحمد الوائلي (الله يديمه), والسيِّد مصطفى جمال الدين  وجماعةٌ آخرون, أيضاً لبنانيون وفيهم إيرانيون وفيهم عراقيون على أيَّة حال, الشيخ محمود الكوثراني مثلاً من جملة اللبنانيين, سيد أحمد شوقي الأمين من جملة اللبنانيين, الشيخ مسلم الجابري خطيبٌ عراقيٌّ طبعاً مُفَوَّه وطيِّبٌ توفي , سبحان الله لم يستفد من تخرُّجِه شيئاً, تخرج بدرجةٍ طيبة, ولكنه بعد تخرجه بأقل من شهرٍ أصيب بالسرطان ومات, وأنا زرته في مرضه على أيَّة حالٍ يفعل الله ما يشاء, وطبعاً بعد الكلية كان المتوقَّع أن أمشي بالممشى الأكاديميِّ الحكوميِّ ولكنني رفضت, كانت الفرصة موجودةً أني أُحَصِّل الماجستير والدكتوراه كما مشى هؤلاء وغيرهم طبعاً, ولكنه لم أفعل ذلك بطبيعة الحال, أنا في اليوم الثاني أو الثالث ذهبت إلى السيِّد محمَّد تقي الحكيم الذي هو أستاذي في أربع سنواتٍ أو خمس سنواتٍ, ليس بعيداً, محلُّ الشاهد ليس هذا, قلت له أريد بحثاً بالمكاسب, قال لي: لا يهمُّ, أي ليس درساً رسمياً, وإنَّما بحثٌ -أي بالإصطلاح الحوزوي- ليس أكثر من ذلك, وفعلاً بدأ بالمكاسب المحرَّمة يدرسنا فترة من الزمن أنا وجماعة إلى أن انقطع الدرس, وكنت أنا طبعاً في خلال الحوزة، يعني في خلال الكلية قرأت اللمعة والألفيَّة والكذا، مشينا ممشىً حوزوياً أيضاً ولكنه مضافٌ إلى اللغة الإنكليزيَّة والتاريخ الحديث والقديم والرياضيات… إلخ. محل الشاهد تفضلوا.
(سؤال) في أيِّ سنةٍ بدأتم بحضور البحث الخارج؟.
(جواب) في الحقيقة بعد تخرُّجي من كليَّة الفقه شرعت بالكفاية والمكاسب, الآن قلت المكاسب عند السيِّد محمَّد تقي, وبعد ذلك حضرت عند الشيخ صدرا البادكوبي (قدس الله روحه) كان من فضلاء الحوزة, وشيبة صالحة وصديقاً لسلفي الصالح من الأسرة وغير الأسرة, توفي رحمه الله، على كلِّ حالٍ، من بادكوبة التي هي كانت في حينه تحت السيطرة السوفيتية, الآن باكو يسمونها, محل الشاهد فالشيخ صدرا البادكوبي من الفضلاء, وكان يدرس بالفارسيَّة طبعاً, وأنا كنت أحضر وأفهم, وكان دائماً يصبح عصبياً ليس على الطلاب, وإنَّما من سوء فهم العبارة, كان يصبح عصبياً, حقَّه, محل الشاهد, فبعد ردحٍ من الزمن ربما سنة أو سنة ونصف أو سنتين ليس في بالي قال لي السيِّد محمَّد باقر الصدر : إنه بعد يومين أو ثلاثةٍ ندخل في موضوع المفاهيم من بحث الخارج -الذي هو يُدَرِّسُه- فأنتَ لا بأس أن تحضر ولو كتجربة. فقلت له: أحضر ولماذا لا, فاستمررت من ذلك الوقت إلى آخر حياته, حضرت بحث خارج دورةً ونصفاً أو أكثر, دورةً وثلاثة أرباع في الأصول, حضرت لأنه بدأت بالمفاهيم اعتيادي الآن قلت، فَدَرَّسَ فانتَهى من هذه الدورة وبدأت دورةً أخرى ووصل إلى المفاهيم وأنا عنده, فصارت دورةً طبعاً، وأيضاً استمرَّ أكثر من ذلك إلى ردحٍ من الزمن إلى أن منعته الظروف على أية حال, فهذا تاريخ حضوري, ربما مثلاً نستطيع أن نقول 1966 أو 1965م لم يتأخر الحال كثيراً, وكنت أجمع في أوَّل درسي ما بين السطوح العالي وما بين الخارج إلى أن اكتفيت بالخارج تدريجاً.
(سؤال) ما هي أشهر البحوث التي حضرتموها؟
(جواب) طبعاً هو أستاذي الرئيسيُّ هو السيِّد محمَّد باقر الصدر, وبعد حضوره ربما بأقل من سنةٍ قيل لي – الآن أنا بالضبط هذا التأريخ نسيته – أنه سوف يبدأ السيد الخوئي بدورة جديدة من أوَّلها -معقول البدء بدورة جديدة قليل!!- فذهبت وحضرت, وأيضاً بقيت فيها إلى جميعها تقريباً أو تحقيقاً, فكان أيضاً من هذه الناحية أستاذي وهو رجلٌ محقَّقٌ وذكيٌّ أكيداً, وسبحان الله حينما جاء -وهذا أيضاً تاريخه مضبوط- حينما جاء السيِّد الخمينيُّ إلى العراق بعد إخراجه من إيران في حينها, على أيَّة حالٍ أعلنوا في الحوزة أنه سوف يبدأ درس المكاسب من كتاب البيع وليس المكاسب المحرَّمة, أي القسم الثاني من المكاسب، وأنا حضرت, وكان يدرِّس في مسجد الترك الذي هو يسمى بمسجد الشيخ الأنصاري في سوق الحويش– محل الشاهد – ويتكلَّم بالفارسيَّة طبعاً, لم يتكلم عربي إطلاقاً, بالرغم من أنَّه بعض مؤلفاته عربيَّة، وهو يعرف العربيَّة ويفهم العربيَّة وحسب فهمي يستطيع أن يدرِّس وأن يتكلَّم بالعربيَّة ولكنه لم ولن يتكلَّم !! لماذا؟ الله العالم، ربما أنه يخاف شيئاً من الخطأ الذي يُخِلُّ بشأنه, والله العالم, يعني تفسيره الإجتماعيُّ كان هو هذا وإلا لماذا لا يتكلَّم العربيَّة؟ على أيَّة حال !! فكان يدرِّس بالفارسية وأنا أكتب خلال الدرس باللغة العربيَّة, وموجودةٌ كتابتي الآن, وفي حينه أيضاً مررنا ببحث ولاية الفقيه الموجود في المكاسب, وطبع أيضاً بعنوان الحكومة الإسلاميَّة, طبع أوَّلاً باللغة الفارسيَّة ثمَّ ترجم وطبع باللغة العربيَّة وأنا عندي تقريراته من جملة كتابة المكاسب وبقيت إلى آخره إلى أن قطع الدرس وذهب إلى فرنسا, على أي حال !! بقي الشخص الآخر الذي حضرت عنده, طبعاً في حينه كانت – نستطيع أن نقول- أعمُّ مرجعيَّةٍ وأوسع مرجعيَّةٍ للسيد محسن الحكيم -على أيَّة حال – ولم يكن في حينه (مستمسك العروة الوثقى) كاملاً طبعُه, ربما الجزء الأوَّل صادرٌ أو جزءان, وهو مستمرٌّ بالبحث والكتابة, وبعد ذلك أنهوه, فكان في كتاب المضاربة يتحدث في بحث الخارج, وذهبت إلى مسجد الطوسي, يرقى المنبر ضدَّ القبلة ووجهه إلى الخارج, ويحضر نخبةٌ جيدةٌ, ويتكلَّم طبعاً من دون مكبِّر, في ذلك الحين استعمال المكبر محظور – هذا كيف يصير؟!, وكذا وركوب السيارة محظور!, على كل حالٍ محلُّ الشاهد ليس هذا – وأيضاً كان مثلاً من جملة مميِّزاتِه أنه إذا صار آخر الدرس يقف الخادم ويخرج ساعته وينظرها طويلاً حتى يفهم السيِّد على أنَّ الدرس إنتَهى, فعلاً هو كان ينهي ما بيده من مطلبٍ وينتهي, حضرت ربما شهراً ونصفاً أو شهرين أو شهرين ونصفاً فوجدت أنَّ المطلب ليس على ما ينبغي لي, لم أُحَصِّل منه شيئاً فلماذا أحرم عمري بالشيء الذي لا ينفعني، من يستفيد فليحضر، ومن لا يستفيد ليس بالضروريِّ حضورُه، وهذا طبعاً المحذور الذي عند بعض الطلبة مثلاً، إذا لم يحضر ربما تحصل بعض المضاعفات أو كذا, أنا لا أخاف منهم لأنَّهم لا يستطيعون أن يقطعوا راتبي, ولا يستطيعون أن يحتقروني, لا فرق عندي، أنا أحضر باختياري, أو أنسحب باختياري, بالنسبة إلى كلِّ المراجع هكذا, فمن هذه الناحية أنا انسحبت, لماذا؟ لأنَّي لم أستفد منه استفادةً حقيقيَّة, المهمُّ, فأيضاً بالآخرة كشيء تأريخي سُجِّلَ السيِّد محسن الحكيم كأستاذٍ من أساتذتي !! لا يهمُّ, أقبل, على قلَّة ما حضرت عنده, ولم أحضر خارج عند شخصٍ آخر لأنَّه أنا أعتقد أنه لا أقل أنَّ هذين المدرسين (قدس الله روحيهما) الخوئي والصدر بالحقيقة أعلم الموجودين, كانت هناك قرائنُ كثيرةٌ بعضها تحت التجربة, وبعضها تحت النقل، وبعضها تحت الحدس, وبعضها تحت الإحساس, أنه لا يوجد هناك أعلم من هذين الشخصين, وطبعاً السيِّد محمَّد باقر هو الأعلم المطلق، فالمهمُّ على أنه أنا كنت من هذه الناحية طيِّب القلب, لأنه أنا أحضر عند أعلم الموجودين على الإطلاق, وقد حضرت دورةً كاملةً عند أعلم الموجودين على الإطلاق, أما الباقون غير مهم أراهم أو لا أراهم, أسمع منهم أو لا أسمع منهم لا يوجد فرق, – وما بين كلامك – هذه النقطة أنه بما أنهم أعلم الموجودين إذن فكلُّ ما عند السابقين عندهم موجودٌ مع زيادةٍ, طبعاً مع تحقيقاتهم الخاصَّة بهم, إذن فأنا سوف أستوعب التأريخ العلميَّ والعقليَّ في الحقيقة لعلم الأصول مع زياداتهم, وسوف أستطيع في المستقبل كما ربما الآن أستطيع إذا درست الخارج سوف أذكر آراءهم وأناقشهم, وفعلاً تطبق الآن هذا المعنى بحمد ربِّي.
(سؤال) متى حصل لك اليقين بأنَّك مجتهدٌ ومن أين حصلت عليه؟
( جواب) في يومٍ ما, لا أتذكَّر تأريخه بالضبط تقريباً 1977م أو 1978م, اجتمع جماعةٌ من الأصدقاء الورعين الواعين من الفضلاء لم يكونوا كثيراً, عددهم 5 أو 6 ربما لا يصلون إلى 10, قالوا لي نريدك أن تدرسنا بحث خارج, درِّسنا خارج فقه, فقلت لهم: لا بأس لماذا جاءوني ولم يذهبوا إلى الآخرين؟ وكان يوجد جماعةٌ فضلاء بدرجةٍ جدّاً معقولة, لا أقل من السيد كاظم الحائري طبعاً كان موجود وأيضاً مشهور وأيضاً محبوب، وليس أنه تقولون كذا وكذا من هذه النماذج. لكنه مع ذلك لم يذهبوا إليه وإنَّما جاءوني.
-محل الشاهد – فقلت لهم ندرس المختصر النافع لأنَّه فقهٌ كاملٌ ومختصر, فنمرُّ خلال سنتين أو خلال خمس سنين على استدلالاتٍ كاملةٍ لفقهٍ كاملٍ وبسرعة, إذا بدأنا بالشرائع أو العروة الوثقى أو أيِّ نصٍّ آخر فسوف يكون جدّاً من دون فائدة, وربما لا نستطيع أن نعبر الطهارة والصلاة, هذا لا نعبر بسرعة, يبدو بل بالتأكيد، سمعت وهو أيضاً قال لي السيِّد محمَّد باقر الصدر (قدس الله روحه) أنهم جاءوني – يبدو أنهم ذهبوا إليه واستأذنوه – في أنه نريد أن نحضر خارج عند السيِّد محمَّد الصدر فما رأيك؟ فقال فرحت كثيراً وباركت لهم وقلت لهم جزاكم الله خيراً. هو قال لي – وهذا أيضاً ينبغي أن يقال أنه – أنتَ جرِّب نصيبك، أنت بالنسبة لك أوَّل مرَّةٍ يصلح كتجربة, وفعلاً كان صادقاً فيما يقول, واستمرَّ الدرس ليس كثيراً ربما شهرين أو ثلاثة, مسألتين أو ثلاثة أو أربع من كتاب الطهارة, طبعاً مشينا فيها– محل الشاهد ما هو -قبل مسألة الكُرِّ أو كذا, كانت في بالي, فوجدت المسألة أني مجتهدٌ لأنَّ الإجتهاد عبارةٌ عن استنباط الأحكام الشرعيَّة من أدلَّتها التفصيليَّة التي هي الكتاب والسنة, والآن أنا – يعني في ذلك الحين – أنظر إلى الكتاب والسنة وأستطيع استنباط الحكم الشرعيّ, فلماذا أنا لست بمجتهد, سبحان الله, فعلمت باجتهادي في ذلك الحين. قد أكون مجتهد قبل ذلك أنا لا أدري, ولكنه هذا الذي انكشف, وكانت هذه التجربة هي المحكَّ الرئيسيَّ الذي علمت به وإلى الآن عليه.
(سؤال) متى بدأ مشـروع الموسوعة ((موسوعة الإمام المهدي)) وعلى ماذا اعتمدتم بها, وهل من الممكن اعتبارها دليلاً على اجتهادكم, لأنَّكم قد ناقشتم بتحليلٍ قيِّمٍ كثيراً من الروايات, وهو عمل الفقهاء في البحث الخارج؟
(جواب) في الحقيقة أنا تقريباً أستطيع أن أقولَ منذ طفولتي – لعله كان عمري 15 سنة ونحو ذلك – اطلعت على كتابٍ صغيرٍ اسمه المهدي للسيد صدر الدين الصدر الذي هو عمُّ والدي, مختصر يقدم له مقدمة يقول بأنهُ وقع كلامٌ في مجلسٍ من المجالس أنه المهدي سلام الله عليه هل ورد في كتب العامَّة أخبارٌ عنه أم لا؟ فبحثت فوجدت أنه نعم أخبار المهدي موجودةٌ كثيراً في كتب العامَّة, فخصِّص الكتاب له, أي هدفه ضبط وحصر أخبار العامَّة الواردة في المهدي سلام الله عليه, وسماه بالمهدي – اسم الكتاب المهدي –من حينها كان نادر النسخة وإلى الآن هو نادر النسخة, من منكم رآه؟ لا يوجد, محلُّ الشاهد ليس هذا, مطبوعٌ طبعةً واحدةً ومنتهي, ففكرت بإعادة طبعه وتخريج رواياته, هذه واحدة, وثانياً ترجمة الأسماء الواردة فيه من رواةٍ وغير رواة, وهذه المهمة ليست سهلةً, ومتى صحَّ عندي العزم؟ أيضاً لا أدري, أكيداً بعد تخرجي من كليَّة الفقه أكيداً, فكنت أذهب إلى مكتبة أمير المؤمنين التي هي مكتبة الشيخ الأميني, وكان الشيخ عبد الحسين الأميني حياً يرزق, وأحياناً أراه وأتكلم معه (قدس الله روحه)، شيبةٌ صالحةٌ, جامعٌ لكثيرٍ من الشرائط, مهابٌ فاضلٌ مدققٌ دائرة معارف في ذهنه, ولكنَّ لهجته تركيَّةٌ يقلب القاف كافاً (قدس الله روحه) هذا مستطاعه طبعاً, فمشيت فيه والآن هو موجودٌ في دفتر, همشت كثيراً من الروايات, وكثيراً من التراجم, ولم أكملها سبحان الله، هي هذه النقطة, انكشف لي من المراجع التي رجعت إليها, والمصادر التي اعتمدت عليها, أنَّ المسألة أوسع بكثيرٍ جدّاً من هذا الكتاب الذي ألَّفه السيِّد صدر الدين, ولا بد من البحث عن الكثير من النقاط التي هي محلُّ سؤالٍ وشبهةٍ بالنسبة إلى الإمام المهدي سلام الله عليه, فعزمت على أنه – ولا زالت إلى حد ما هذه الفكرة قائمة – أنه أكتب مجموعةً من الكتب أناقش فيها كلَّ الأسئلة المحتملة التي يمكن أن تخطر على الذهن تجاه الإمام سلام الله عليه, وطبعاً ليست المسألة عشوائية وإنَّما لا بد من حصر كلِّ مجموعة أسئلةٍ في كتاب, أسئلة متشابهة تخص موضوعاً، تاريخ الغيبة الصغرى يعني أنه الأسئلة التي تمتُّ إلى الغيبة الصغرى بصلة, إلى ولادته, وإلى غيبته, وإلى نوابه, ونحو ذلك من الأمور, تاريخ الغيبة الكبرى الذي هو نعيشه بتحليلٍ يعرفه من قرأ الكتاب, ثمَّ بعد ذلك ما يخصُّ ظهوره سلام الله عليه أنه ما الذي يحدث, وما الذي يعمل, وما الذي يقول, وفلسفة ذلك اجتماعياً ودينياً؟ فمن من المتشرِّعة يعرفه؟ لعله ولا واحد, كتبت تأريخ ما بعد الظهور طبقاً لهذا الذي نقوله, وبالنسبة إلى اليوم الموعود الذي هو الرابع, في الحقيقة أنا قلت لأكثر من واحد: إنَّ اليوم الموعود بمنزلة الكبرى, وتاريخ ما بعد الظهور بمنزلة الصغرى. أي إنَّ اليوم الموعود يعطي القاعدة العامَّة, وتاريخ ما بعد الظهور يعطي التطبيق لا أكثر ولا أقل -محل الشاهد- فبالنسبة إلى اليوم الموعود طرحت أطروحةً, وهي طبعاً الأطروحة الدينيَّة, وربما يذهب إليها بعض الآخرين, أنه البشريَّة تصير إلى يومٍ سعيدٍ عادلٍ في المستقبل, وكان هناك مذهبان يريان هذا المعنى, يعني كشيء رئيسي نحن طبعاً الإمامية والماركسيَّة التي تؤمن بأنَّ الطور الأعلى من الإشتراكيَّة إذا طُـبِّق في المجتمع يكون هو السعادة والعدل, فمن هذه الناحية صار بنائي على مناقشة المقدِّمات الماركسيَّة من أوَّلها إلى آخرها, وفعلا حوالي 300 صفحة أو 400 صفحة من الكتاب على ضخامته مُكَرَّسٌ لمناقشة الماركسيَّة. وشيء آخر وهو أنه كتاب فلسفتنا كان صادراً فعلاً وكنت أعلم أنَّ الماركسيين ردُّوا على بعض مطالب السيِّد, ليس بالتسمية وإنَّما يذكروها كمطالب ويناقشوها, فأنا حرصت على أنه آخذ أجوبتهم وأجيب عليها في اليوم الموعود, يعني أنَّ المناقشات الماركسيَّة في اليوم الموعود خطوةٌ متقدمةٌ بعد فلسفتنا, لا يمكن لفلسفتنا أن يتكفلها في الحقيقة وهي أكثر تفصيلاً, وأيضاً نصوص الماركسيين بألفاظهم ذكرتها, وليس بفهمي طبعاً, السيِّد في فلسفتنا يتكلم كأنَّما هو الذي يتكلم, لا أنا قلت وسبحان الله حينما طبع ذكره بعواميد ضيقة, بأنَّهُ هذه هي نصوص الروايات عن المعصومين, وكذلك نصوص الماركسيين، وكذلك نصوص أخرى كلها مفروزةٌ في الحقيقة, وثمَّ استنتجت النتيجة التي أريدها, وهي أنَّ اليوم الموعود إنما هو من اختصاصنا – أي من اختصاص الله سبحانه وتعالى – وليس من اختصاص من يؤمن بالماديَّة وينكر وجود الله سبحانه وتعالى, بقي الفقرة الأخرى من السؤال، وهو أنه هل يدلُّ على الإجتهاد, أو لا يدلُّ على الإجتهاد؟ في الحقيقة هذا كلامٌ أقدم مني, لأنَّ الرجل (قدس الله روحه الزكيَّة) عنده فلسفتنا, وعنده اقتصادنا في جزئين, وعنده كيت وعنده كيت, فكان يسأل الناس من حينه, أنه هل هذه الأمور بحيث أنه تدلُّ على اجتهاده أم لا؟ أنا كنت أجيب بهذا الجواب: إنَّ المستوى الذهنيَّ الذي يستطيع إنتاج مثل هذه المطالب, والتفكير على هذا المستوى, قادرٌ على أن يستنتج هناك أيضاً بنفس هذا المستوى, صحيحٌ هي مطالب لا فقهيَّة ولا أصوليَّة ولا شرعيَّة نستطيع أن نسميها, وإن كان هي طبعاً دينيَّةً بالمعنى الأعمّ, ولكنه بهذا المعنى لا تدلُّ بالدلالة المطابقيَّة أو الظهوريَّة لا تدلُّ على الإجتهاد, وهذا صحيح, ولكنَّه المستوى الذهنيَّ الذي ساعد على ذلك حتماً يساعد على المستوى الذي يسموه بالإجتهاد في الفقه والأصول أكيداً, فأنا كنت أدافع عن أستاذي السيِّد الصدر بهذا الدفاع, فإذا كنتم تدافعون عني بهذا الدفاع أيضاً إشكاله صحيح, إن شاء الله الفكرة صحيحة في نفسها.
(سؤال) سيدنا نرجع من جديدٍ إلى السيِّد أبي جعفر, متى بدأت العلاقة مع السيِّد أبي جعفر رحمه الله؟
(جواب) كأنه هذا السؤال منسدّ، أنا تعجبت من كتابته هنا, لأنَّ السيِّد أبا جعفر ابن عمي, ومن العشيرة, وجيراننا هناك بالعمارة( ), وإن كان هذا في المنطقة التي هدمت بعد ذلك, جيراننا اللصيق سنين ربما 10 سنوات أو 15 سنة, والتزاور تقريباً يوميٌّ, وهو أستاذي هذا الذي رويته قبل قليل, من أنَّه بعد التخرج من كليَّة الفقه بشيءٍ بسيطٍ ربما شهر أو شهرين أنا بدأت عنده الكفاية, ثمَّ بدأت عنده بحث الخارج, فالعلاقة أستطيع أن أقولَ بمعنى من المعاني منذ ولادتي إلى وفاته ليس أكثر, لأنه لو كان شخصاً خارج العشيرة بالإمكان السؤال, ولكن ليس بالإمكان السؤال حينما يكون ابن عمي, وأيضاً يعيش في النجف معي, وأيضاً لنفس الهدف الحوزوي, أيضاً, إذن فنحن واحدٌ أو سيّان أو متساويان بهذا المعنى, وليس هو غيري بذلك المعنى طبعاً.
(سؤال) هل كان السيِّد الخميني (رحمة الله عليه) مجرَّد أستاذ لكم في المكاسب أو أكثر من ذلك؟
(جواب) أستاذ في المكاسب جزاه الله خيراً, وكان هو يتعب نفسه في التحقيق, ولكنه أكثر من ذلك ماذا يُتوقَّع, لأنَّه يوجد هناك أمران له ضلعٌ فيهما, أحدهما ما يسمى بالوعي الإسلامي ومشى فيه حتى أسَّس الدولة والتي لا زالت, والثاني ما يسمى بالعرفان أو علوم الباطن, وهذه أيضاً له فيها يد, أما العرفان فلم آخذ منه شيئاً, أنا أستاذي شخصٌ آخر, ولكنه طبعاً بالنسبة إلى المسلك الإجتماعي, أو ما يسمى بالوعي الإسلامي لم آخذ منه مشافهةً ولا شيء, وإنَّما بالآخرة أخباره السارَّة تصل وتؤثر طبعاً, ليس أكثر من ذلك, كما تؤثر على أيِّ شخصٍ آخر, فمن هذه الناحية نستطيع أن نقول إنه أخذت منه كما أخذ منه الآخرون ليس أكثر من ذلك.
(سؤال) أين كنتم بعد الأحداث التي وقعت على السيِّد محمَّد باقر الصدر وما جرى عليكم فيها, وما هي معاناتكم في ذلك الوقت؟
(جواب) ربما من الصعب تحديدها, طبعاً كلانا نسكن النجف, وكلانا بمعنى من المعاني جهةٌ واحدةٌ مترابطان أسرياً واجتماعياً وحوزوياً ومرجعياً, لكنه سبحان الله أنا كنت أحاول أن أكون في تقيَّةٍ أكثر منه ومن أصحابه, وهو إن شاء الله معذور, مجتهدٌ معذور, إن أخطأ فله كِفلٌ واحدٌ من الثواب, وإن أصاب له كفلان, والشهادة أيضاً رفعته إلى أعلى عليين, ولكنه هو كان يمشي أكثر منِّي, أنا أحاول أن أُوضِح اجتماعياً وأمام الآخرين بأنَّهُ أنا ليس عليَّ شيء من هذا الذي يعمله, ربما مثلاً يشتهر عنه أنه عنده حزبٌ معارض, أو أيُّ شيءٍ آخر, أو اجتماعاتٌ, أو أيُّ شيءٍ, أنا لا دخل لي بها إطلاقاً, أنا عليَّ بدرسي, ليس أكثر من ذلك, فمن هذه الناحية يعني يقيناً أو اطمئناناً أنني سَلِمْتُ من كثيرٍ من النتائج, بالرغم من أنَّه هو وكثيرين عديدين عدداً معتداً به على أيَّة حالٍ أتى عليهم الدهر على أيَّة حال, ولكنه أنا أمامك سلمت, لانطباعٍ أنا سبّبت له وهو أنه عليَّ بدرسي فقط, صح أنا بيني وبين الله مقتنعٌ بأمورٍ لا دخل للناس لها, ولكنه الشيء الذي أؤديه أني أحافظ على نفسي, ليس حباً بنفسي وإنَّما حباً بالحوزة, التي أستطيع أن أنفعها, وحباً بالشيعة الذين أستطيع أن أنفعهم, ليس أكثر من ذلك, وإلا هي ما أحسن الشهادة على أيَّة حالٍ ولكنه ليست الشهادة دائماً مطلوبة, فلذا السيِّد لو كان موجوداً لنفع الناس, ذهب برجله للشهادة، هو فاز ولكننا خسرنا, فأنا مثل هذه الخسارة لا أريد أن تحدث بالنسبة لي, وبالنسبة إلى غيري, لعلي أني أستطيع أن أؤدي ما في ذمَّتي أمام الله سبحانه وتعالى.
(سؤال) متى بدأت المراقبة عليكم؟ ومن رسمها عليكم؟ وهل ساهمت الحوزة في إثارة شيءٍ عليكم باعتباركم الوحيد من عائلة الشهيد بهذه الدرجة العلميَّة؟
(جواب) في الحقيقة في تلك الليلة حينما أُخِذَ والدي لدفن جسد السيِّد (قدس الله روحه) ورجع حوالي نصف الليل, محلُّ الشاهد ليس هذا, وجدنا صباحاً شخصاً قريباً من الباب على بعد عدَّة أمتار, لماذا؟ نعرف لماذا, حتى لا تكون هناك صيحةٌ نسائيَّةٌ أو رجاليَّةٌ أو تعزيةٌ أو بكاءٌ أو شيءٌ من هذا القبيل, محلُّ الشاهد أنه هذا بدء المراقبة ولم يبقَ طويلاً, إلى أن تأكدوا بعدم وجود أيِّ شيءٍ ذهبوا, ولكنه مع ذلك أنا كنت في تقيَّةٍ مكثفةٍ جدّاً, لعله أشدُّ تقيَّةً من كلِّ العراقيين, بالرغم من أنَّهم كلَّهم في تقيَّة, ولكنه أنا كنت أشد منهم جميعاً, يعني من قبيل أنني مثلاً أمشي في الصحن الشريف وأنا مطأطئ الرأس وأسبِّح, حتى أنه أنا أمشي بدربي جدّاً, حتى أنه ليس بالإحتمال بل باليقين لا يسلِّم عليَّ أحد, ولا يسأل عن أحوالي أحد, ولا أحضر درس أحد, ولا يحضر درسي أحد, وهذا الوضع كما هو معلومٌ يُضَيِّق على الجانب الإقتصادي, الجانب الإجتماعي فليذهب لكنه اللقمة التي تأكلها, تأكلها في راحة, على كلِّ حال الله تعالى كان يرزق من بعض القلوب الطيبة, ولكنه لم يكن يدخل داري سنةً كاملةً من أشخاصٍ من خارج الأسرة, يعني نستطيع أن نقول بل حتى عدد من الأسرة وإلى الآن هم لا يدخلون داري, كما هو معلوم، أنتَ تعرفهم هؤلاء الساكنين في الكاظميَّة وأضرابهم, ولكنه يوجد من يأتي, قليلٌ من الأسرة يعني, وأمّا من خارج الأسرة فلا طبعاً, في هذا الشارع أيضاً راقبوا حوالي ثلاث سنواتٍ أو ثلاث سنواتٍ ونصفاً, لأنَّ المنطقة فيها معمَّمين طبعاً، السيِّد حسين بحر العلوم, والسيِّد علي البعاج, والسيِّد فلان الحكيم وهو كاسبٌ عمامته صغيرةٌ, وأيضاً آخرون وأنا, فالمهمُّ على أنه صادف أو تعمدوا على كلِّ حالٍ هنا بنايةٌ حكوميَّةٌ هي بالأصل مدرسةٌ اتخذوها كدائرةٍ للأمن أمام باب دارنا, وكانوا يضعون كراسي في الرصيف ويجلسون ردحاً من النهار يتكلَّمون ويضحكون, طبعاً ما هي نتيجتها نحن جالسون وساكتون في تقيَّةٍ ألف بالمائة, وليس مائة بالمائة, هناك كان الدكان الذي بقربنا، أحياناً أخرج, الشيء الوحيد، أنا طبعاً كنت أشتغل في البيت, كنت وليس الآن, كنت أعاون زوجتي, فكان من جملة المهامِّ التي لا تستطيعها النساء أن ألقي القمامة ليلاً, فأخرج لأرى هذا الدكان ما هو؟ يعني كأنَّما غالق الباب وباقي مفتوح من على الأرض متراً, وهناك في داخل الدكان ضوءٌ أحمر, وقد أخرج وجهه وجالس في الداخل, يعني موقفٌ رهيبٌ جدّاً بالرغم أنه ليس له نتيجةٌ مضرةٌ الآن ولله الحمد, على كلِّ حالٍ انقضت برحمة ربي بالخير على كل حال, واستمرَّ الحال على هذا, أنا أقول لك طبعاً إلى نهاية الحرب الإيرانيَّة, طبعاً هو السيِّد قتل في 1980ميلادي بالضبط, و 1988ميلادي أيضاً انتَهت الحرب الإيرانيَّة فهل أنا نجوت من المراقبة؟ ربما هذه المراقبة المركَّزة لم تكن موجودةً في ذلك الزمان في الثمانية والثمانين, ولكنه مع ذلك أنا كنت أحترس, وأحسن طريقةٍ لأجلِ نجاتي أن لا أغير من أسلوبي شيئاً سنةً على سنة, وطبعاً جهاتٌ حوزويَّةٌ معينةٌ أكيداً, والشيخ يقصدها أكيداً, كانت تنفخ في هذه النار أكيداً, لأجلِ إبعاد الناس عني, ويُكفَوْن شري الحوزويَّ أكيداً, لأنَّه إذا كان أنا تقدمت, قبضت حقوقاً, أو وزعت رواتب, أو سُئِلتُ سؤالاً فقهياً, أو دَرَّست أو نحو ذلك من الأمور أو القليل من ذلك… حوالي سنة 1989 أو 1990 كنت أصلي جماعةً ولكن مختصرة, أوَّلاً ليس فيها عمامةٌ إطلاقاً بعض كسبة النجف يصلون ورائي, وثانياً أنهم يقولون أنها مصيدة, يعني ماذا؟ يعني الذي يأتي يصلي لا يبيت عند أهله, مصيدة إنما الحكومة ساكتةٌ عن صلاة الجماعة حتى تشاهد من يصلي ومن لا يصلي, وأنتم احذروا فلذا لم يأتِ أيُّ أحدٍ من الحوزة.
• وهذا الشيء يشاع في الحوزة؟
(السيد الشهيد) نعم بطبيعة الحال يعرفه حتى جملةٌ من الموجودين الآن, وأنا أعلم مصدره ما هو, وهو حوزويٌّ أكيداً, وكنت على هذا إلى أن أغمض السيِّد الخوئي عينيه, ثمَّ انقلبت الصفحة إلى الجانب الآخر على كلِّ حال تفضلوا.
(سؤال) في هذه الفترة، ما هو الإنجاز العلميُّ لكم؟
(جواب) هذا لطيف, هذا السؤال إرتحت له حينما قرأته, لأنَّه كنت جليس داري, صحَّ هذا الذي يقال بأنَّهُ إقامةٌ إلزاميَّةٌ أو جبريَّةٌ لا توجد, ولكنها بمنزلة الجبريَّة فعلاً, أنا كنت أخرج ربما كلَّ يومين أو ثلاثة إلى السوق العصريِّ القريب لأتسوَّق لعائلتي, وأنزل بالشهر مرَّة أقبض راتب الخوئي, وأزور أمير المؤمنين وأرجع, وأيضاً يراقبونني أين أذهب, محلُّ الشاهد فأنا جليس داري, إحدى النساء من أقاربي قالت لي ألا تضيق ذرعاً من البيت, فقلت لها عبادة, لأنَّه فيها رضا الله سبحانه وتعالى ليس أكثر, سبحان الله خطر في بالي أن أكتب ما وراء الفقه, كتبته من أوَّلِهِ إلى آخرِه في خلال فترة, وكان وقتٌ كثيرٌ عندي, فكنت أكتب والله تعالى وفَّق لإنهائه في هذه الفترة, على كلِّ حال إنجاز إن شاء الله أن يكون معتداً به لكنه هذا الطبع موجود فيه, وليعرف الناس في الحقيقة بأنَّهُ كتبته بالطبع النفسي الموجود في ذلك الحين, أي بتقيَّةٍ مكثفةٍ ألف بالمائة، لو كنت في طبعٍ آخر كهذا الطبع الذي الآن أملكه, شيءٌ من قوة القلب موجودةٌ بعون ربي, أو كنت في مكانٍ آخر كلبنان لكتبت ما وراء الفقه بلغةٍ أخرى, ولكنه هذا هو, إنا لله وإنا إليه راجعون, لأنَّني كتبته بلغةٍ في الإمكان أن تجازَ ويطبع في العراق, وفعلاً أُجيز وطُبع في العراق, ولا يمكن بلغةٍ فيها توسُّعٌ في التقيَّة لو صحَّ التعبير أن يجاز طبعاً, فكنت اُعَبِّر بأمورٍ رمزيَّةٍ وكذا وكذا في سبيل أن نمررها, وفعلاً هي مُرِّرَت على كلِّ حالٍ بفضل ربي, وأحياناً وإن كان ليس لي وقتٌ أفكر أني أصوغ ما وراء الفقه باللغة الأخرى المتوقَّعة من أوَّله إلى آخره, لا لن يكون، ولكنه ليعرفوا أنه أنا لم أتكلم ما أريد أو كما ينبغي, بالرغم من أنه إنجازٌ طيِّب, ولكنه أنا من هذه الناحية آسف وكنت مضطراً لذلك, لأنه تحت الضغط النفسي الشديد في أن أكتب بهذا المقدار لا أكثر.
(سؤال) سيدنا طبعة دار الأضواء لما وراء الفقه سمعنا أنكم تأخذون عليها بعض المآخذ, فما رأيكم بذلك؟
(جواب) الحاج جعفر الدجيلي من وجهاء النجف, وشَيَبَة النجف, وطيب, وخَيِّر, وصديقٌ قديم, ويحسن بي الظنّ, وذهب هناك وافتتح دار الأضواء, واستفاد الرجل وأولاده أيضاً استفادوا, كلُّ هذا ليس فيه إشكال, وحينما أخبر على أنه عندي ما وراء الفقه صار ممنوناً, واستمرَّ بطبعه, ولكن المآخذ الرئيسيَّة أنها كثيرة الخطأ, طبعاً أنا بعيدٌ عن بيروت, وبُعد المسافة وكذلك صعوبة النقل والإنتقال, وصعوبة نقل التصحيح وأخذه ورده, حتى أنه طبع الجزء الأوَّل وربما الجزئين الأوَّلين بدون أن يرسل تصحيحه إلينا, وطبع الثلاثة الأخيرة بدون أن يرسل تصحيحها إلينا, فقلت إلى صهره: انقل سلامنا له وقل له نحن بعد الآن لا نرسل لك أيَّ كتاب, مع احترامي له, والإخلاص القديم إن شاء الله لا زال موجوداً, ولكنه من ناحية الطباعة انقطعت العلاقة, أنا لا أريد أن أرسل له كتاباً لأنه هو يجتهد في تصحيحه, في حين أنه المفروض أنَّ المؤلف هو الذي يُتعِب نفسه في ذلك على كلِّ حال.
(سؤال) المعروف أنكم في فترة الثمانينات كما سمعنا قبل قليل كنتم بعيدين عن الساحة الإجتماعيَّة والحوزويَّة, ما الذي دعاكم إلى الظهور؟
(جواب) في الحقيقة أنا كما قلت كان في ودِّي أن أبقى بعيداً عن الساحة الإجتماعيَّة, ولكنه أيضاً أُأَرِّخ مع شديد الأسف في التأريخ الميلادي, حوالي 1982 أو 1983 ميلادي جاءني من يقول يوجد اتجاهٌ اجتماعيٌّ ولكنه خفيٌّ, وهو الإشكال على ما أُسميه (ببراني)( ) الخوئي تصدر منهم أعمالٌ لا يرضاها الناس, الآن بينهم وبين الله صحيح أو باطل أنا لا علاقة لي, ولكنَّه كثيرين من المنتقدين له موجودين إلى حدٍّ يستشكلون بتقليدهم للسيِّد الخوئي, جاءوني وقالوا لي بأنه نحن نستشكل, وهذا لا ينافي الذي قلته أنه لم يكن يدخل داري أحد. إنما الإتصال نسائيٌّ وليس رجالياً, واحدةٌ أو اثنتان من النساء ليس أكثر, ولكنه أدري أنه عددٌ من العوائل المتورعة المتفقهة الواعية، هذه الإشكالات تفهمها على حق فهمي, فقالوا لي: نحن تركنا تقليد الخوئي فماذا نفعل؟ (لاحظوا) هذا الكلام قلَّما قلته, ولكنه ينبغي أن يقال على أيَّة حال, السيِّد السبزواري في ذلك الحين لم يكن له وجودٌ, أي كمرجعٍ لا يوجد, وأنا لم أكن رأيت وجهه, ولم أكن أعلم بوجوده كمرجعٍ, كمدرسٍ للبحث الخارج موجودٌ في النجف، أكثر من هذا لا, ولا تصديه للمرجعيَّة, وإلا الأخبار أيضاً لم تكن تصلني كثيراً, ربما تصدَّى للمرجعيَّة وأنا لا أعلم لأنَّي جليس الدار, على أية حالٍ لم يكن للسيد السبزواري وجودٌ معتدٌّ به, وهذا طبعاً في حياة الخوئي وليس بعد ذلك، ولكنه هؤلاء شكُّوا بتقليدهم أصلاً، فأنا قلت في نفسي أني لم يكن لي (خُلق لهم)، وقلت أن السيد السبزواري لم يكن معروفاً، وأنا لم أكن أعرفه، الخوئي أيضاً هذا حاله, ولا يوجد مجتهدون آخرون معتدٌّ بهم, إلى من أقول لهم؟ قلدوا فلاناً وفلاناً، إنما هم من أصحاب الخوئي يتركون الخوئي ويتصدون للمرجعيَّة! فقلت لهم قلدوني, فعرضت نفسي من ذلك الحين, طبعاً عرض نفسـي ليس سهلاً, يحتاج إلى شيءٍ من التوسُّع, وسبحان الله في ذلك الحين – الأمن كانوا موجودين-( ) فالتوسُّع كان بأقلِّ مقدارٍ مُجزِئ ليس أكثر من ذلك, فكانت تأتي بعض الأسئلة بين فترةٍ وأخرى, ليس بنحو الإستفتاء, يعني السيِّد فلان وتوقيع وإسم لا, مجرَّد سؤال ومجرَّد جواب, حصل ذلك كثيراً, يعني بشكلٍ لا بأس به, كذلك ربما مثلاً بين الفينة والفينة دفع حقوق أو أي شيء, وكلما هدأ الزمان عليَّ يزداد هذا المعنى بالتدريج, حتى اتصل مثلاً الشيخ محمَّد اليعقوبي والآخرون, وحصل توسُّعٌ بالتدريج, وطبعاً التأريخ الحديث لي شيءٌ آخر, بدأ بعد وفاة الخوئي وكذلك الشيء الأساسي منه أنه بدأ بعد وفاة السيِّد السبزواري, هذا صنعه الله سبحانه وتعالى, الموت والحياة يشكِّل منعطفاً حقيقياً بالنسبة إلى أيِّ مرجعٍ يموت سلفه فهو يتولى, ولو كان سلفه حياً لما استطاع أن يتولى, ليس أنا فقط وإنَّما أي واحد.
(سؤال) كان لي سؤالٌ يبدو أنني لم أذكره وهو أنه بدأتم بتقليد من؟ إلى أن اجتهدتم طبعاً؟.
(جواب) التقليد من المشكلات لأن هذا الوعي الذي نُشِرَ بفضل ربي سيقولون هو منتسبٌ لي, أنا لا أنسب لي شيئاً, كله بفضل ربي, أنه تحديد الأعلميَّة, وتحديد الصفات وكذا, لم يكن موجوداً كما تعلمون, كأنَّما – رفع ووضع – تقلد من تشاء, الشيء الذي يهواه قلبك ويرجحه تقلده, هذا عالمٌ وغيره عالم, كثير من الفروع في الحقيقة نشرت, ووعى عليها الناس, ولم تكن موجودةً, مثلاً مشكلات مجهول المالك, ومشكلات التركة التي لم تخمس و… إلخ, وكثيرٌ من هذه الأشياء, وحتى هذا الشيء الحمد لله حصل حتى لو توفيت هذا الوعي يبقى موجوداً, محلُّ الشاهد قيل لي في حينها – بعد بلوغي طبعاً – كان الشيخ محمَّد رضا آل ياسين متوفى, وأنا عمري ثمان سنوات في 1370 هجري و 1950 ميلادي, كان عمري ثمان سنوات ولست قابلاً للتقليد, إلى أن بلغت أرشدني أبي إلى أخيه الشيخ مرتضى آل ياسين, قال لي قلِّده. فبقيت على تقليده فترة, لربما فترة عدَّة سنوات, إلى أن حضرت بحث السيِّد الخوئي, رأيت أنه لا نسبة بين السيِّد الخوئي والشيخ مرتضى آل ياسين كمستوى, الشيخ مرتضى مجتهدٌ ولكن (حبيبي) لا أصول له, من جملة مجموعةٍ من العلماء قليلي الأصول, يهتمون بالفقه ويقولون – الأصول ما هي والتعليقات الزائدة ما هي, ولماذا ننهي حياتنا بأمورٍ ما أنزل الله بها من سلطان – ومن هذا الكلام, إذن لا أصول له, أنا حضرت استمعت لا أقل كمستمعٍ كنت صغيراً أقرأ السطوح فكان أبي يصحبني إلى بحث الخارج للشيخ مرتضى, وأسمع منه يعرض الروايات ويفهمها ويعلِّق عليها… إلخ, جزاه الله خير، جيد, ولكن لا ربط له بالمسالك الأصوليَّة والتعليقات العقليَّة. وبعد فترةٍ قلدت السيِّد الخوئي, ثمَّ ثَبُتَ بالحسِّ واليقين أنَّ الأعلم هو الرجل، السيِّد محمَّد باقر (قدس الله روحه), فانتقلت إليه أيضاً بقيت فترةً إلى أن ثبت اجتهادي فتركت التقليد والحمد لله, واعتمدت على الله ونفسي لو صحَّ التعبير.
(سؤال) بعد أن تصديتم للتقليد شُنَّت حملةٌ شعواء عليكم من قبل مجموعةٍ لها باعٌ طويلٌ في الحوزة, يتهمونكم بأنكم عميلٌ للحكومة بعد أن كنتم قبل هذه الفترة – أي فترة التصدي – يعتبرونكم أنفسهم من أشدِّ أعداء الدولة, وينبغي التفرق عنكم, فما هو السبب؟
(جواب) لعله ظاهر السبب أنهم يريدون بصراحةٍ ووضوح, وإن لم يكن ذلك قالوه بلسانهم ولكن بلسان حالهم, إنَّ كلَّ شيءٍ في الحوزة وفي النجف وفي التشيع عموماً أزِمَّته بيدهم يفعلون ما يشاءون ولا من يشاء غيرهم, كلُّ من يتصدى لأن يقول أو يرفع صوته بقليلٍ أو كثيرٍ أو يناقش، السيفُ المعنويُّ موجود, لا يبقى له رأسٌ, ولا رجلٌ, فالسيف المعنويُّ كان موجهاً لي في سبيل أن يتخلصوا مني بكلِّ صورة, لأنه يتوسمون مني قدرة, أي يتوسموني شراً عليهم, وأنا طبعاً ابن عمِّ السيِّد محمَّد باقر, وهم عانوا في الحقيقة من الضغط المرجعي الموجود, والخلاف ما بين مرجعيَّة السيِّد محمَّد باقر والسيِّد الخوئي, فمن هذه الناحية أنا وريثه الشرعيُّ بهذا المعنى, فينبغي أن يدفنوني تحت التراب لا أكثر ولا أقلّ, فكان أحسن أطروحةٍ أوَّليَّةٍ لهم أنَّ هذا لا ينبغي الإتصال به, لأنَّ على داره مشنقةً, كلُّ من يتصل به, أو يدرس عنده أو يدرسه أو يأخذ منه مالاً, أو يدفع له مالاً, أو يأخذ منه ورقةً و…. إلخ, أو يزوره أو يسلم عليه في الصحن( ) ينبغي أن يحذر, يحذر, يحذر, فَرَّقوا الناس عني إلى حدِّ هذا الذي شرحته, قلت قبل قليلٍ أيضاً أنَّ هذا الوضع بقي إلى حين ما غمضت عين السيِّد الخوئي، انقلبت الصفحة, إلى هذه الصفحة أيضاً هو أسلوبٌ آخر لتفريق الناس عني بالضبط, وذلك أنه أنا عميل, إما استخبارات, إما أوقاف، إمّا ضابط, وإمّا مرجع جعلتني بغداد لأجلِ مقابل السيِّد السبزواري حتى لا يكون هناك مرجعٌ فارسيٌّ بل عربيٌّ وعراقيٌّ, ونحو ذلك من الكلمات, حرام الإتصال بي لا يرضي الله سبحانه وتعالى بطبيعة الحال لأنَّه عميلٌ والعميل شيطان, والشيطان في جهنَّم وساءت مصيراً. أيضاً فَرَّقوا الناس عني واستطاعوا لولا أنَّ الله تعالى كفاني بالتدريج, أن أُكفى هذه المهمة, ولعله ربما في بعض الأسئلة خارج العراق لا زال جملةٌ من الناس مرتكزاً عندهم هذا الأمر, وأرجو من الله تعالى أن يغسل قلوبهم من ذلك, في الحقيقة أنا لم يكن في حينه عندي دفاع, طبعاً كنت في تقيَّةٍ مكثفةٍ كما شرحت قبل قليل, بأيِّ لسانٍ أقول, أو بأيِّ جريدة أنشر, أو بأيِّ إذاعةٍ أقول أو بأيِّ تلفزيونٍ أصرِّح, أو بأيِّ مؤتمرٍ صحفيٍّ أنه لا لست هكذا, أنا يُكذب عليَّ, أنا لا أرغب بذلك, أنا بريءٌ من ذلك, هل أستطيع أن أقولَ؟ طبعاً لا أستطيع أن أقول بطبيعة الحال. والناس يعتبروني كأنني
– ولربما حتى في خارج العراق – أني فرحان مرتاحٌ وأرتب أثراً على هذا الموضوع, وماشٍ بالممشى بدفعٍ من الحكومة العراقيَّة, وبتأييدٍ من الحكومة العراقيَّة, في حين أنه كله أنا عشته بأعصابي وبقلبي وإنا لله وإنا إليه راجعون, حتى أنه قلت وسبحان الله حينما أصبح فرقٌ قليلٌ بالجوِّ أتى إليَّ واحدٌ وقال لي: أنه أنا مستغيبك وأسبُّك كثيراً. فقلت له: جزاك الله خير جزاء المحسنين نِعمَ ما تفعل, لأنَّك تريد أن ترضي الله سبحانه وتعالى, وأنتَ قلبك الواقعيُّ مثل قلبي, وإن كان أنتَ سببتني لأنَّي أنا إنسان سيّئ, سبني أكثر لأنَّني إنسانٌ سيئ, إذا كنتُ إنساناً سيئاً فأزد من سبي يرحمك الله, قال لي: لا, وكذا. أنظر، توجد حادثةٌ بسيطةٌ جدّاً كنت قبل ثلاث أو أربع سنواتٍ أزور في الحضرة( ) قبل أن أصلي المغرب أذهب إلى الخلف, هذه المنطقة التي يصلون فيها الناس صلاة الزيارة, فيأتون ويسألونني أحياناً بعض الأسئلة, شخصٌ أتى وسأل لا أتذكَّر ماذا كان يسأل فقلت له: إنَّ الله فوقك وجهنَّم تحتك يجب أن تفعل، فذهب, فكان هناك شابٌّ ليس في أواسط الشباب, في أوائل الشباب, ربما عمره عشرون سنةً سمع مني هذه الكلمة. طيب هذا الذي الله فوقه وجهنَّم تحته يكون عميلاً للدولة؟ ليس لها معنى قال لي: أنا لم أكن أصلي خلفك إلى هذه الليلة, أنا هذه الليلة أصلي خلفك, وعلمت أنَّ هذه العبارة أثَّرت به سبحان الله, لأنَّ الذي قلت هو (عفو الخاطر), ليس لأجلِ شيء, لأجلِ إستفتاء, شخصٌ سؤالٌ فقهيٌّ عنده ليس أكثر, المهمُّ بدأ بحسن الظنَّ بي هكذا بالتدريج جزاهم الله خير, الإخوان حاولوا أن يقلصوا المطلب بالتدريج.