بحثٌ حولَ الشَّيْطان

بحثٌ حو ْلَ الشَّيْطان

القسمُ الأوَّل

أعوذُ بالله من الشَّيطان اللعين الرَّجيم

توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين

وصلّى اللهُ على خيرِ خلقِهِ محمَّدٍ وآلِهِ أجمعين

بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

حصل سؤالٌ بالأمس عن شيءٍ من الموضوع الذي كنتُ أتكلم عنه، وحسب الظاهر أنه سؤالٌ يخطر في البال عموماً، فيحسن عرضه والجوابُ عليه، ولا ينبغي أن تكونَ الحوزة العلميَّة أو أفراد الحوزة لا أقل أو بعض أفراد الحوزة عاجزين عن الجواب عنه كما هو حسب الظاهر الغالب، لماذا خلق الله الشيطان؟ هذه الجرثومة وضعها بين أولاد آدم لماذا؟ الله كان في غنى عن ذلك، وأولاد آدم كانوا في غنى عن ذلك، لو لم يخلق الله الشيطان لكنا أروعَ بكثير. جواب ذلك من عدَّة وجوهٍ، كتبتُ لكم عدداً من الوجوه, لكنه يوجد هناك وجهٌ دِقِّيٌّ أستطيع أن أسميه يُدرَك بالحدس لا بالبرهان, ولكنك لا تستطيع أن تقول أنه لا أو كلا, لأنَّ فيه كبرى نطبِّقها على صُغْراه. الكُبْرى تقول أنَّ كلَّ المخلوقات مترابطةٌ فيما بينها بمكانها وزمانها ومرتبتها وتجرُّدِها ومادِّيَّتِها. كلُّ المخلوقات مترابطة، فهناك علاقاتٌ بين أيِّ مخلوقٍ وأيِّ مخلوقٍ مهما تباعدا زماناً ومكاناً، أو قل، سواءاً تقاربا زماناً أو تباعدا, سواءاً تقاربا مكاناً أو تباعدا, سواءاً تقاربا رتبةً أو تباعدا, سواءاً تقاربا سنخاً, أو تباعدا بمعنى من المعاني، أحدها يحتاج إلى الآخر في وجوده, ولولا وجود هذا المجموع لما وجد المجموع, أما بأيِّ برهانٍ تبرهن عليه، أنا غير مسبوق، على أنه برهانٌ فلسفيٌّ أو منطقيٌّ يدلُّ عليه, ولكنه بالحدس يكون هذا صحيحاً إن صحَّت هذه الكُبْرى, على أيِّ حالٍ كان إبليس واحداً من صغرياتها، معنى ذلك أنه لولا وجود إبليس لما وجد المجموع، لما خلق شيءٌ، لماذا؟، لأنَّه يتوقَّف عليه ويحتاج إليه كلُّ الكون، كما أنه يحتاج إلى محمَّد الصدر ويحتاج إلى الشيخ فلان، ويحتاج إلى مسجد الرأس([1])، ويحتاج إلى محمَّدٍ ويحتاج إلى عليٍّ، تتوقَّف كلُّ الأشياء على كلِّ الأشياء بما فيها فلانٌ وفلانٌ من أعداء الله وأعداء رسول الله، ولكنَّ كلَّ واحدٍ في مرتبته، وكلَّ واحدٍ حسب استحقاقِه واستحقاق الآخرين. فالمهم على أنه إذا صدقت هذه الكُبْرى، فصُغراها محرزةٌ أكيداً. يوجد هناك جوابٌ أيضاً أنا لم أذكره هنا، توجد روايةٌ، وفي بالي أني في يومٍ من الأيّام رأيتها في بعض المصادر، أنَّ جماعةً كان مرسلاً لهم نبيٌّ – طبعاً قبل الإسلام بكثيرٍ، الله العالم في أيِّ وقتٍ؟ – فأجمعوا أمرهم في يومٍ فذهبوا إلى هذا النبيِّ فقالوا له: سلامٌ عليكم، عليكم السلام. أنتَ اطلب من ربك أن يحجب عنا الشياطين لا أن تموت، لا وإنَّما يبعدها عنا جميعاً. النبيُّ أيضاً دعاؤه مستجابٌ، فقال: يا الله أبعد الشياطين عن هذه القرية، جاء الليل وناموا، استيقظ النبيُّ صباحاً، خرج إلى الشارع، فلم يرَ أحداً، لم يجد أحداً بالأصل، البيوت خاليةٌ فضلاً عن الشوارع، مشى إلى أن وصل إلى المقبرة أو الجبّانة حسب الإصطلاح، رأى أنَّ كلَّ شخصٍ حافرٌ قبرَه وجالسٌ فيه، وأنَّ الدنيا لا تساوي شيئاً وأنهم ينتظرون موتهم، لماذا؟, لأنَّ الشياطين مغلولةٌ، فلزم خراب المجتمع، فقال ربي رُدَّ الشياطين، فاستيقظوا على أنفسهم وقالوا لماذا نحن جالسون على التراب، ونحن نسينا عملنا ونسينا عوائلنا ونسينا أولادنا، وتصرَّفوا مباشرةً كأنَّما نشطوا بالحال وذهبوا إلى حال سبيلهم، لماذا؟، لأنَّ النفس هي التي تشتغل، والنفس صديقة للشيطان والعياذ بالله، هذا أيضاً أذكره، لكنني أذكر الآن أجوبةً من جنسٍ آخر.

الجوابُ الأوَّل –لو صح التعبير-: إنَّ هذا السؤال أو هذا الكلام وهو أنَّ الشيطان لماذا وجد؟ – ناشئٌ من الإعتقاد – بأنَّ وجود الشيطان سوءٌ, والله تعالى خيرٌ ولا يوجد سوءاً أو شراً, في هذا الجواب نقول: أنَّ وجود الشيطان خيرٌ لنفسه، كلُّ شيءٍ من المخلوقات هو خيرٌ لنفسه كائناً ما كان، بشر، ملائكة، جنّ، جماد، نبات، حيوان, كلهم هكذا خيرٌ لنفسه, وجوده خيرٌ من عدمه وأشرف من عدمه, وهذا ينبغي أن يكون مسلَّماً, فإذا خطونا خطوةً أخرى في نفس الجواب لا حاجة إلى عنوانٍ جديدٍ وهو أنَّ إبليس تكامل, انتَفع من وجوده ذلك, وتكامل وعَبَد الله ردحاً طويلاً من الزمن لعله بعبادةٍ لم يعبدها إلا النوادر, كما في بعض الروايات صلّى ركعتين في ألف سنةٍ ونحو ذلك من الأمور حتى وصل إلى مرتبة الملائكة، أصبح ملكاً فعلاً يصدق عليه بالحمل الشائع أنه ملكٌ بدليل أنه (قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ)([2]) فإذا كان خاصاً بالملائكة, فإبليس غير مشمولٍ للأمر، وإذا كان غير مشمولٍ للأمر لأنَّه من الجنِّ غير مشمول بالأمر، إذن فحقُّه أن لا يسجد، لم يعْصِ, لأنَّ الأمر لم يتوجَّه إليه, لأنَّ الخطاب لم يتوجَّه إليه فلنأخذه فقهيَّاً أو أصوليَّاً, إذن فهو ليس في ذمته شيءٌ حتى يطيعه, لأنَّه يقول أنا لست من الملائكة، وإنَّما الملائكة مأمورون. جوابه من قبل الله – لو صحَّ التعبير – أنه لا، أنتَ من الملائكة فيجب عليك السجود, فإن قال أنا من الجنِّ لا من الملائكة، يقول لا، هذا الجهد الذي بذلته والعبادة التي بذلتها والإخلاص الذي بذلته في ذلك الحين ربّاكَ حقيقةً وتكويناً من كونك جنيّاً إلى كونك ملكاً, فأنتَ الآن بالحمل الشايع وخارجاً ملكٌ, فتكون مشمولاً لما أُمِرَ به الملائكة من السجود ونحو ذلك من الأمور, إذن فالمقصود ليس قصة آدم، وإنَّما أنه تكامل وجوده تفاعل وتأكَّد نتيجةً لجهاده الذي نسمِّيه الآن سلوكه من قبيل بعض الناس يسمونه وسلك هذا الطريف ووصل إلى مراتب عالية, ولكنه طبعاً مراتب محدودةٌ ولو كان وصل إلى المراتب العالية حقيقةً لما أمكن الرجوع, لأنَّ رحمة الله تعالى أعلى من ذلك (أنتَ أرحم من أن تضيع من ربيته أو تشرِّد من آويته أو تسلم إلى البلاء من كفيته ورحمته) -محلُّ الشاهد- لكنه لا, هذه الدرجة لم يصلها إبليس، لم يُقصَد بهذا المعنى، أوكل إلى نفسه في لحظة هيجان شهوته والعياذ بالله، وكلُّ واحدٍ منا جربها -محلُّ الشاهد- أنَّ وجوده خيرٌ ومستفيدٌ من هذا الخير فعلاً، ولولا هذا الوجود لما استطاع أن يعبد الله، ولما استطاع أن يستفيد من الكمال, لأنَّه يلزم من عدمِه عدمه, وهذا أيضاً ينبغي أن يكون واضحاً.

الجواب الثاني: وفي بالي أنه واردٌ في الروايات، وإن كان أيضاً أنا بعيدٌ العهد عن المصادر, أيضاً نطبق عليه الكبرى, حسب فهمي أنها صحيحةٌ وإلى حدٍّ ما يمكن إقامة البرهان عليها، أنَّ أشخاصاً مثلاً يحجُّون من أجل التجارة، حينئذٍ يذهب يوم القيامة ويقول: يا ربي أين ثوابي، أنا حججتُ لك؟ يقال له: أنتَ أخذتَ ثوابك وهو مطلوبك، وهو أرباحك التجاريَّة، أنتَ لم تكن تطلب في الحجِّ إلا الأرباح التجاريَّة وقد حصلت، وكان في الإمكان أن لا تحصل, وأنا يَسَّرتها، وهذا ثواب من يصلي صلاة الليل, لأجلِ سعة الرزق فيقول: يا ربي أين ثواب صلاة الليل؟ فيقال له: أنا وسَّعت عليك رزقك كما تطلب وهو هذا ثوابك والآن معناها ذمتي فارغةٌ من ثوابك في الآخرة, وهكذا من يطلب ثواباً في غير رضا الله أو في غير الجنة أو شيء من هذا القبيل يعطى اعتيادي يعطى على عمله ثواباً، وليس له ثواب آخر, وهذا أنا طبعته في بعض مؤلفاتي وإن كان هو له درجةٌ من السريَّة, لكنَّه السرَّ لا زال محفوظاً, لأنَّ من لا يستحقُّه لا يفهمه أو يستنكره ويكذِّب السيِّد محمَّد الصدر جزاه الله خيراً, هذا أصلح له -محلُّ الشاهد- هذا صغرى الشيطان وفيه روايةٌ وهذه الرواية أيضاً تدلُّ بعد التنزيل عن الصوفيَّة على القاعدة، عَبَدَ الله وسَلَكَ وتصاعد، هذا بلاء؟ ليس بلاءً؟ لا بد من ثوابه, الله تعالى بمقتضى الرحمة أن يعطيه ثوابه مسؤولٌ عن هذه الجهة. مسؤول عن أي جهة؟ أن يعطيه طلبه بصلاة الليل أطلب سعة الرزق في الحجّ، أطلب التجارة… إلخ, يعطيه طلبه، ما هو طلبه؟ طلب أمرين، أعطاه كثوابٍ على عمله أوَّلاً طول العمر (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{36} قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ{37} إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)([3]) ثواباً له على ما عَمِل وليس له ثوابٌ آخر, فليسمع إذا كان موجوداً هنا, والشيء الآخر التَّسلُّط على قلوب بني آدم وعلى نفوس بني آدم أيضاً (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أجمعين, إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)([4]) وليس المخلِصين, فإذا قلتَ: إنَّ المخلِصين متسلِّطٌ عليهم إبليس بالرغم من أنهم يدَّعون أكثر من ذلك, المهم، فهذه أطروحةٌ في الجواب أنه أُعطِيَ ذلك من أجل ثوابه، وكان مستحقاً لذلك، وإنَّما يعطى بمقدار طلبه، وهذا هو طلبه.

الجواب الثالث: أنَّ السؤال إنما حصل مثلاً, وإن كان نستطيع أن نسميه الإعتراض على الله سبحانه وتعالى إنما حصل إستيائاً من تسلُّطِه علينا, وإلا لو كان يأكل ويمشي نحن لا يهمُّنا, فمن هذه الناحية نجيب أنَّ تسلُّطَه علينا كان في الحقيقة مُعِدُّهُ وشرطُه هو قابليَّة النفس لإطاعة الشيطان، وأخذ هوى الشيطان كما تأخذ الساحبة الحليب أو الماء – محلُّ الشاهد ليس هذا – هذه القابليَّة وهذا هو الجواب: إنَّ هذه القابليَّة خيرٌ في النفس، وليس شراً، واضح, لأنَّ هذه القابليَّة عبارةٌ عن أيِّ شيء؟ عبارةٌ عن الشهوات المركوزة في النفس، حاجة الطعام، وحاجة الجنس، وحاجة الكيت والكيت والكيت… والأمور الضروريَّة وغير الضروريَّة، وكلُّنا نحسُّ بها, هل وجود الشهوات سوءٌ محْضٌ؟ حبيبي لولا الشهوات لما عاش الإنسان، إنما نعيش في المجتمع، وتراني وأراك بالشهوات، ولولا الشهوات لانقطع العمل كلُّه, ولعله حتى طاعة الله أيضاً تنقطع, فوجود الشهوات ضروريٌّ في النفس حتى يعيش الإنسان كإنسان، إذن وجودها خيراً محضاً وليس شراً إطلاقاً. وهي التي سببت قابليَّة النفس لإطاعة الشيطان لا أكثر ولا أقل.

الجواب الرابع: أنَّ تسلُّط الشيطان على أولاد آدم امتحانٌ لهم, أي بالإمتحان الإلهيِّ المعنويّ، بالجيل السابق ما كان يفهمون هذا المعنى سبحان الله
-المتشرعة- امتحان ماذا؟ امتحان، مدارس موجودةٌ، أما امتحانٌ إلهيٌّ لا، في هذا الجيل وعوا هذا المعنى، حتى العوامُّ جملةٌ منهم, طبقةٌ تفهمه – محلُّ الشاهد – هذا الإمتحان أيضاً ليس عبثاً، وإنَّما لكي يَمِيزَ الناس (ما كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أنتَم عَلَيْهِ -ما مضمونه- حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب)([5]) أو في كلامٍ آخر (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)([6]) وفي كلامٍ آخر، أنَّ الإمتحان سبب التكامل في طريق الله سبحانه وتعالى, كالذهب يذوب بالنار لكي تخرج منه الأجسام الصلبة الغريبة عنه ويتصفّى مائة بالمائة، وينصقل مائة بالمائة ونحو ذلك من الأمور أو كسر بالمائة, المهمُّ أنه يتصفى ولو في الجملة, وهذا أيضاً بنصِّ القرآن، يعني تقريباً يستفاد من القرآن (لعلَّهم يتفكَّرون)([7]) (لعلَّهم يتذكَّرون)([8]).

أوَّلاً: ينظرون في آيات الله الكونيَّة والآفاقيَّة والأنفسيَّة. وثانياً: أنه يرسل عليهم البلاء ( لعلَّهم يتذكَّرون) و (لعلَّهم يتفكَّرون)، وبالتجربة أنَّ النفس الإنسانيَّة تعرف الله عند البلاء، حتى ولو اعترضت عليه تعرف الله، لكن هي في هذا المخاض (ملحدة حبيبي)، ملحدة، عملياً لا تذكر الله إطلاقاً، لكنه عند البلاء لماذا تقولون –يا ربي دخيلك- (حَتَّى إذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)([9])… إلخ.(ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ)([10]) إذن فالبلاء مُقرِّب. أضيف خطوةً أيضاً ذوقيَّةً تقبلوها أَو لا تقبلوها إنا لا دخل لي، أنَّ الكمالَ كمالان:

كمالٌ عالٍ وكمالٌ سافلٌ، كمالٌ في عالم النور وكمالٌ في عالم الظلمة، والبلاء سببٌ لكلا الكمالين. أنتَ كمؤمنٍ يعبد الله، وأحمد الله أيضاً على الإيمان، يكمِّلنا من جهة الأعلى، وفلانٌ وفلانٌ يكملهم في الكمال الذي يطلبونه، وهو تمرُّسٌ حقيقيٌّ في عالم الظلام والظلم والخطيئة، ولماذا؟ أيضاً نتيجةً للبلاء في هذه الدنيا، توصل إلى تلك النتيجة، وهذه من معاجز الدنيا، ليس هناك عالمٌ إلا هذا الذي يوصل إلى مثل هذه النتائج الغريبة – محلُّ الشاهد -، فإذا كان للبلاء هذه النتائج الطيبة واللطيفة، أو هي لطيفةٌ على كلِّ الجهتين، المؤمن يلتذُّ بإيمانه ورُقيِّه، وذاك أيضاً يلتذُّ بتكاملِه ، الساحر يلتذُّ بتكاملِه.. إلخ ، والفاسق يلتذُّ بتكاملِه. فمن هذه الناحية ماذا يكون الحال إذن تنتج خيراً لهذا ولهذا بمعنى من المعاني، وإن كان خيراً وهمياً لبعض الناس –محل الشاهد- فهذه ككبرى منتهين منها كأنها صحيحة، وبالتأكيد صحيحة، إذن الشيطان صغراها، ومن أهمِّ أجزائها الشيطان أكيداً لماذا؟ لأنَّ البلاء -لاحظوا- لأنَّ البلاء بوجوده الواقعيّ، كشيءٍ مثلاً حاصلٍ إفترضه الحصار على العراق أو قلة الموارد أو قلة الرزِّ مثلاً، أي شيء كوجود واقعيٍّ ليس له ربطٌ بي، وإنَّما البلاء لا، الإنعكاس النفسي وردّ الفعل النفسي هو البلاء الحقيقي، حينئذٍ يكون له ردُّ فعلٍ عقليّ حتى يتكامل الإنسان، الصراع الباطنيُّ بين جنود الشيطان وجنود الله هو البلاء الحقيقيّ، شرطه ومُعِدُّهُ هو الذي نسميه بلاءً دنيوياً وليس هو، هو، نعم، هو بالحمل الشايع لماذا؟، لأنَّه سببه القريب وإنَّما البلاء هنا، فإذا علمنا أنَّ الشيطان يجري منا مجرى الدم ويؤيد الإعتراض ضد هذا البلاء، أي الإعتراض على الله وقلة الصبر، يدعو إلى الفقر وإلى الفسق، فلنتخلص من هذا البلاء، يعني ألا تستطيع أن تسرق، لتأكل وتشرب وتلبس.. إلخ، هذا الذي تعرفونه ولا تعرفونه، إذا كان المطلب هكذا، إذن أنا كيف أصير مؤمناً، دونه خرط القتاد كما يعبر الشيخ الأنصاري قدس الله روحه. خيرٌ لك من أن تدمي يدك بخرط القتاد من أن تنجح بالإمتحانات القانونيَّة المتتابعة فضلاً عن الضرب بـ(الكلنك) باستمرارٍ لا يهم، كالميت بين يدي الغسّال افعل ما شئت يا ربَّ العالمين (إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى) وَزِد، خذ حتى ترضى، أبو ذرٍّ ماذا يقول؟: (اللهمَّ تعلمُ أني أحبُّ لقاءك. ما هي أوَّلها. أُخنق خنقتك، فإنك تعلمُ أني أحبُّ لقاءك).

يكفي إلى هنا ونكمل غداً، لأنَّه يومٌ واحدٌ عن الغدير لا بأس منه.

القسمُ الثاني

أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرَّجيم

توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين

وصلّى اللهُ على خير خلقِه محمَّدٍ وآله أجمعين

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

كما أنَّ المؤمن بالمعنى المتكامل أفضل من المَلَك، من جنس الملائكة, كذلك الفاسق والكافر أسوأ من الشيطان، هذه الحقيقة الثانية: الحقيقة الأولى في محلِّها لا أريد التعرُّض لها وإن كان هي حسب حدسي أنَّ كليهما صحيحٌ مائة بالمائة -محلُّ الشاهد ليس هذا- الآن أريد التعرُّض إلى المعنى الثاني في الحقيقة الثانية، لأنَّ الكلام عن الشيطان، فالكافر والفاسق والظالم المتمرِّس في المحرَّمات أسوأ من الشيطان لعدَّة أمورٍ ثابتةٍ قطعاً للشيطان أي من نقاط القوَّة والجودة, ويفقدها هؤلاء البشر. شياطين الإنس، مثلاً: أنَّ شياطين الإنس أحياناً يوجد منهم نماذج لم يذكر الله طرفةَ عينٍ في حياتِه, والشيطان ذكر الله ردحاً من حياته. شياطين الإنس لم يعبدوا الله طرفةَ عينٍ في حياتهم، لم يطيعوا الله طرفةَ عينٍ في حياتهم, الشيطان أطاع الله ردحاً طويلاً من حياته.

شياطين الإنس لم يُوحِ لهم الله شيئاً ولم يكلمهم بشيءٍ. الشيطان خاطب الله وسمع منه الجواب (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ{37} إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)([11]), حبيبي هذا جوابه بعد فسقه وبعد أن أبى عن السجود وليس حال صلاحه، خاطبه الله وهو فاسق, فليخاطب شخصاً فاسقاً من البشر، لا، هذا أحقر من أن يخاطبه الله بشيء. الشيطان حَسَدَ آدم لكن أنا قلت لكم وأقول بأنَّهُ لم يحسده على أمورٍ دنيويَّةٍ بل على أمورٍ معنويَّة، لا أقلّ من مجرَّد الإلتفات إلى أنَّ الدنيا بتمامها لم تكن موجودة، في حين أنه نحن نتحاسد على أيِّ شيء؟ على ما هو أقلُّ من ذلك بكثير, على حطام الدنيا وجيفتها لا أكثر ولا أقلّ، الشيطان ليس بكافر، هو مؤمن بالله سبحانه وتعالى أكيد. لم يكفر بالله طرفة عين بمعنى من المعاني، صح هو سوف أذكر أنه فاسق من أكثر الفسقة تطرفاً ،صح، لكنه كافر، أو مشرك ينكر التوحيد، أو ملحد ينكر وجود الله، ليس الأمر كذلك. لم يثبت ذلك لا في كتاب ولا في سنة بل ثبت خلافه، مع العلم أن شياطين الإنس هكذا، فيهم هكذا، وفيهم هكذا، وفيهم هكذا، الشيطان لو صح التعبير له هدف دنيوي واحد، وإن كان هو تحديداً هو مصاديق وحصص تتعدد إلى كثير، لكنه له جمع واحد وهو إضلال بني آدم، ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر وما شابه….الخ، أما شياطين الإنس، لهم هذا الهدف طبعاً، لهم هذا الهدف بعينه، أنه أنت يا صديقي لا عليك من هؤلاء الكذائيين إنهم أناس يتطهرون، تعال أنا أدلك على الدنيا الواسعة والعلم والنور والفضاء والكيت والكيت، له هدف يخرجنا من ديننا ودنيانا. الشيطان له هدف واحد لو صح التعبير، في حين أنه شياطين الإنس لهم أهداف كثيرة كلها جملة وتفصيلاً مبرهن على عدم صحتها.

الخطوة الأخرى التي أريد أن ألتفت إليها، الشيطان يقول ما لا يعلم، لإن إغواءه ليس بنحو القضية الإنشائية وإنما بنحو القضية الإخبارية، كثيرٌ منهم لا أقلّ، أو نقول أنه نحو القضيَّة الإخباريَّة والإنشائيَّة. الآن نظري إلى الإخباري، حسب قابليتك أو قابليتي أو قابليَّة أيِّ فردٍ يخبرني أنَّ الله غير موجود, أو أنه يُشَكُّ في وجوده، ألا يقول ذلك؟ يقول، مع العلم هو مؤمنٌ بالله وسامعٌ لكلام الله، يقول ما لا يفعل، مثلاً يشكِّك بالنبوة، يشكِّك بالقرآن، يشكك بيوم القيامة، مع العلم أنه يعتقد بيوم القيامة (إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ إلى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم) هذه واحدة.

وثانياً: ورد أيضاً في الروايات أنه حتى الشيطان يطمع برحمة الله, وذلك بأنَّهُ يقول له ما مضمونه: (أنك تفي بوعدك بإدخالي في جهنَّم, ولكنك لم تعدْني بالخلود في جهنَّم, فأنا أطمع بك وبرحمتك أن تخرجني ولا تجعلني خالداً في جهنم) هذه رواية, وإذا كان لا يعتقد بجهنَّم – ما هذا الكلام – سالبةٌ لانتفاء الموضوع, إذن فهو يعتقد بالمعاد ويشكِّكني بالمعاد, ويعتقد بالله ويشكِّكني بالله, ويعتقد بتوحيده ويشكِّكني بتوحيده, ونحو ذلك من الأمور. شيءٌ آخر أيضاً بنفس المضمون أنه يلعب أيضاً بفروع الدين كما يلعب بأصول الدين، حاصله بأنَّهُ يجند, الصلاة واجبةٌ عليَّ أو على أيِّ واحدٍ من البشر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)([12]) ثمَّ يقول لي ويحاول أن يقنعني بأنَّ الصلاة غير واجبةٍ عليك, أو أنَّ الصوم غير واجبٍ عليك, أو كيت، أو كيت، أو كيت, أنَّه المحافظة على الأموال خيرٌ من دفع الخمس والزكاة والصدقات، وحفظ مصالح الفرد خيرٌ من قضاء حوائج الآخرين و … إلخ, فينهى عن الواجبات ويصدُّ عن المستحبّات و … إلخ, بهذا الشكل, فمن هذه الناحية هو دائم الحرام، هناك إن قلت مع جوابه: حسب فهمي أنه لم يلتفت إليه أحد, لم أسمع عن أحدٍ التفت إليه لا أقلِّ، إن قلت: أنه حينما قال إبليس لله (لأُغْوِيَنَّهُمْ أجمعين, إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)([13]) لم ينهه الله سبحانه وتعالى عن ذلك، قال له بلسان حاله ربما أنه اذهب وافعل ما شئت, إذنٌ ولو ضمنياً, وكان مستطيعاً أن ينهاه ولم ينهه, إذن فعمله مباحٌ. ربما جملةٌ من الصوفيَّة حتى هذا أيضاً يستنتجوه, إذن فهو بنهيه وصدِّه عن المعروف وأمره بالمنكر هو لم يعمل حراماً, أنا المكلَّف الذي تورَّطت بالحرام, لا، أنا هذا أنكره, كلانا تورَّط بالحرام, أما هو فبصدِّه عن المعروف وترغيبه بالمنكر وكذلك صدُّه حتى عن أصول الدين (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس) فإن أضلَّ الله بك رجلاً واحداً أو جماعة, كل البشر أو أكثرية البشر ماذا تكون النتيجة؟, مسؤوليتها أين؟ (كسرته وعليك جبره) أي يا إبليس كما أنه أنا إذا كسرت واحداً وأضللته ولو بشُبهةٍ صغيرةٍ أتحمل مسؤوليته, كذلك كلُّ عاقلٍ مختارٍ كذلك, وإبليس عاقلٌ ومختارٌ أكيداً, فمن هذه الناحية يتحمل هذه المسؤوليَّة بالتأكيد, فحينئذٍ أنَّ عمل إبليس محرَّمٌ، لماذا؟, لأنَّه هكذا, فإن قلت أيضاً كأنه دفاعاً عن ذاك الذي قلته لماذا لم ينهه الله سبحانه وتعالى؟ في الحقيقة جوابه أنه لا يحتاج إلى نهيٍ, لأنَّه المطلب على القاعدة حرامٌ، أنه تَحدٍّ لله وتَحدٍّ لخِلقَة الله العالية التي هي خِلقَة آدم، هذه واحدة.

وثانياً: أنه أمرٌ بما نهى الله ونهيٌ عما أمر الله وهذا كله حرام، ليس عليَّ فقط بل على كلِّ المخلوقين. لو جبرائيل عمل هذا العمل لسقط, ليس فقط الشيطان, فمن هذه الناحية على القاعدة حرامٌ، مع الإلتفات إلى نكتةٍ وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يصرِّح به, لم يصرِّح بالنَّهي, لأجلِ أن يوكله إلى نفسه، إعتمد على القاعدة العامَّة وتركه على حال سبيله, وجعل حبله على غاربه, كما يعبِّرون، أنه تكوينياً إفعل ما شئت لكي تنال إستحقاقك, كما أنه أعطى الحريَّة لو صحَّ التعبير إلى شياطين الإنس والفَسَقة والآخرين كذلك, أعطى الحريَّة له، لم يُصرِّح له بالنهي بمعنى من المعاني، إكتفى أنه الشيطان من هذه الناحية مُلتفتٌ أنه يعمل حراماً, وهذا يكفي. كما أنَّ واحداً منا ملتفتٌ إلى أنه يعمل حراماً, وهذا يكفي.

الشيء الآخر الذي أريد الإلفات إليه، قضيَّة ما ورد أو حسب تفسير ما ورد أنه يجري من أولاد آدم أو منا مجرى الدم في العروق, أي يؤثر فينا كتأثير الدم، وكذلك كما أنَّ الدم سائرٌ وسائلٌ ومتحركٌ من أعلانا إلى أسفلنا، من قمَّة الرأس إلى أسفل القدم، ومن أقصى اليمين إلى أقصى الشمال لو صحَّ التعبير, كذلك إبليس له مثل هذا التأثير، طبعاً الإقتضائي على من يعطي نفسه لإبليس -محل الشاهد ليس هذا فقط- وإنَّما حسب فهمي والله العالم أنَّه له سلطةً على النفس، وسلطةً على القلب، وسلطةً على الذهن, وليس له سلطةٌ على العقل، كما أنه ليس له سلطةٌ على الروح التي فوقنا. الآن أريد أن أعطي صورةً موضوعيَّةً يعني لبحث الموضوع عن الفرق بين هذه العناوين, النفس هي التي طبعاً نعرفها بآثارها لا بوجودها وإن كنا نعلم بها علماً حضورياً, لكنَّ علماً حصولياً لا يوجد هو الذي نستفيد منه، واحد كان يقول لي: العلم الحضوريُّ خطأ, وإنَّما العلم الحصوليُّ هو الصحّ, هذا كلام الغافلين – محل الشاهد ليس هذا -, فالنفس هي سبب الشهوات، الجوع والعطش والجنس ونحو ذلك من الأمور وغيرها, والقلب هو سبب العواطف، كالحبِّ والبغض ومثلاً أي شيءٍ من هذا القبيل والغضب والرضاء والفرح, والذهن هو سبب التفكير والنسيان، كل شيءٍ موجود في الذهن, إذن أنا أفكر فيه, الصورة الذهنيَّة التي تحدَّث عنها الشيخ المظفَّر وكلُّ المناطقة والنسيان إذا كان شيئاً ما موجودٌ فيه، فهو النسيان. والعقل، العقل النظريُّ إدراك ما ينبغي أن يُعلم, والعمليُّ إدراك ما ينبغي أن يُعمل, حسب فهمي أنَّ الثلاثة الأولى مُسَيطَرٌ عليها، النفس بالدلالة المطابقية مسيطر عليها, لأنَّه هناك إتحاد سنخيَّة ما بين النفس وما بين إبليس حتى لعلَّه جملةً أو بعض أهل المعرفة يقولون أنه هي عينه وليست غيره, القلب أيضاً مسيطَرٌ عليه، في الحقيقة إنما يسيطر على المصاديق وليس على الكُبريات, نستطيع أن نسمي الجوع كبرى وهذا الطعام الذي هو دواؤه وسدُّ حاجته صغرى, وجود الجوع ليس بيدي ولكنه يحثُّني على أكل الطعام الحرام ونحو ذلك من الأمور, وكثير ملايين الأمثلة الأخرى، الذهن هذا نعرفه تعبُّديٌّ (وَمَا أَنسَانِيهُ إلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)([14]) ليس بالتجربة إلا لمن يعيشها ويلتفت إليها, هذا بابٌ آخر إذن, فبِيَدِه النسيان وكذلك بيده التذكير, أي التسبيب إلى تذكر فكرة, أليس أنه يؤثر في النفس أنها ترغب إلى الحرام فتستخدم الذهن لأجلِ الوصول إلى الحرام, وهذا يكفي.

أمّا العقل في حدود فهمي أنه ليس له أثرٌ مباشرٌ علي, والذهن غير العقل، الذهن أو التفكير معلولٌ العقل, وليس هو العقل، القوة الدرّاكة للكلِّيات النظريَّة والعمليَّة لا شغل لي بها، السماء لا يدخلها الشياطين يُرجَمون بالنار لكن له تسبيبٌ بالواسطة إليه أكيداً, فلذا نجد أنَّ شياطين الإنس يستخدمون عقولهم بأدقِّ ما يستطيعون في سبيل تمشية شهواتهم الشيطانيَّة لا أكثر ولا أقلّ, وأنا أيضاً كذلك، وأنتَ أيضاً كذلك, لكنه في حدود مستواهم, المتشرِّعة شكلٌ وغير المتشرِّعة شكلٌ -محلُّ الشاهد ليس هذا- فهو يستخدم قاعدةً معينةً أنا أدركها، وهو أنَّ العقل والنفس لها تجاوبٌ وتبادلٌ ونشاط. أنَّ العقل يمكن أن يؤثِّر على النفس, والنفس تستطيع أن تؤثِّر على العقل، فالشيطان له بابٌ من هذه الناحية, وهو أن يؤثِّر على النفس, والنفس تؤثِّر على العقل, أو مثلاً هو يؤثِّر على القلب، والقلب يؤثِّر على النفس, والنفس تؤثِّر على العقل, بالنتيجة له طريقٌ إلى العقل، وليس منسدّاً بابُه. نعم, في مقابل ذلك أنَّ العاقل الذي يعرف جملةً من الحقائق له قوة إرادةٍ ضدَّ هذا المعنى, هذا بابٌ آخر, لأنَّه كما أنَّ النفس تؤثِّر على العقل فتستعبده, كذلك العقل يؤثِّر على النفس فيستعبدها, وهذا أيضاً قلَّما يلتفت إليه الناس. بعض العارفين كان يقول بأنَّهُ تصبح خادمةً أي تعين على طاعة الله وترغَب حقيقةً بالزهد مثلاً والبعد عن الدنيا، وتشمئزُّ حقيقةً مما يخالف ذلك, أليس الإشمئزاز من شغل النفس, فإذا كانت النفس تبقى أمّارةً بالسوء على طول الخطِّ إذن فهي بلاءٌ دائمٌ، لا فكاك منه, لا، تصبح طاهرةً، وإذا أصبحت طاهرةً تصبح خادمةً للعقل, لا أنَّ العقل خادمٌ لها, إذا أصبح العقل خادماً لها, فهو خادم خادمه وذليل ذليله، في حين أنَّه مقتضى القاعدة التكامليَّة هي أنَّ النفس تخدم العقل، ومن أجل ذلك خلقها الخالق جلَّ جلاله وليس العكس، كما هو متعارفٌ عليه.

المطلب الآخر الذي وددت التعرُّض له، قضيَّة الأمر (يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء)([15]) هذه واحدةٌ, والثانية (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)([16]) مشركو طاعةٍ, أي تطيعون الله من ناحيةٍ وتطيعون الشيطان من ناحية, فهو شرك طاعةٍ بل أكثر من ذلك, وهذا أيضاً اسمه شركٌّ في القرآن، من أهمل طاعة الله بالمرَّة وأخذ بطاعة الشيطان تماماً أيضاً يسمى شركاً، لأنَّه ليس له في اللغة شيءٌ آخر، نحن يستحقُّ أن نسميه ملحداً أو مُعطِّلاً، أي مُعطِّلاً لطاعة الله تماماً، فله بابٌ وجوابٌ -محلُّ الشاهد ليس هذا- فهناك أمرٌ يتوجَّه من الشيطان أو نهيٌ يتوجَّه من الشيطان، وهذا الأمر والنهي الإنشائيين لهما طاعةٌ ولهما عصيان، الكلام ليس في الطاعة والعصيان إذا كان الأمر أمراً والنهي نهياً، فيطاع ويعصى، لكنه يوجد احتمال أنَّ هذا إنما هو أمرٌ ونهيٌ مجازيٌّ وليس حقيقة هكذا، أمر ونهي مجازي لماذا؟, لأنَّه لا يقول لي إشرب الخمر ولا يقول لي لا تُصلِّ ولا تَتصدَّق ولا تُخمِّس ولا تُزكِّ حتى تكون طاعةٌ وحتى تكون معصية، أعصي الشيطان، لا هذه تعبيراتٌ صحيحةٌ مائة بالمائة لكنها ليست من الإستعمال الحقيقي، بل من الإستعمال المجازي، هو يُزيِّن لي الهوى ويعطيني هِمَّةً لتنفيذ هواي وأهدافي الشخصيَّة والدنيويَّة والمحرَّمة، هذا كلُّ ما في الموضوع، ليس له قابليَّةٌ أكثر من ذلك، فإطاعته، يعني التعبير أننا نطيع الشيطان، كالتعبير بأننا نطيع الهوى، فهل أنه أطعنا الهوى، بمعنى الإطاعة الفقهيَّة لم نُطِع الهوى، لأنَّ الهوى لم يأمرنا بهذا المعنى الإنشائي. نعم، هو أمرنا بمعنىً أخلاقي، والشيطان أيضاً أمرنا بمعنىً أخلاقي، أما إذا أردنا أن نأخذها من الناحية الفقهيَّة فلا هذا صدر منه أمرٌ ولا نهيٌ ولا هذا صدر منه أمرٌ ولا نهيٌ، ولكنه إنما هو مجازيٌّ. نعم، إذا دخلنا إلى مستوى الأخلاق أو مستوى الباطن ولو قدماً واحداً نشعر حقيقةً أنه أمرنا ونهانا، وكذلك أنَّ الهوى والشهوات أيضاً تأمر وتنهى، والشيطان يَزيد هذا الأمر أهميَّةً وفاعليَّةً حتى يصبح والعياذ بالله -كما أنَّ المؤمن لا تأخذه في الله لومة لائم- يصبح الفرد الفاسق لا تأخذه في الهوى والشهوات والشيطان لومة لائم، ولماذا لا، في الحقيقة كلُّ واحدٍ وهِمَّتهُ وكل واحد واستحقاقه لا أكثر ولا أقلّ، فلينظر السيِّد محمَّد الصدر أيَّ الطريقين هو أهدى سبيلاً. جزاكم الله خير جزاء المحسنين.

([1]) مسجد الرأس: أي المسجد الملاصق للحرم العلوي والذي كان في جهة رأس أمير المؤمنين g وكان المكان الذي يلقي فيه دروسه.

([2]) سورة البقرة: 2/ 34.

([3]) سورة الحجر: 15/ 36-38.

([4]) سورة الحجر: 15/ 39-40.

([5]) سورة آل عمران: 3/ 179.

([6]) سورة الأنفال: 8/ 42.

([7]) سورة الأعراف: 7/ 176.

([8]) سورة البقرة: 2/ 221.

([9]) سورة يونس: 10/22.

([10]) سورة الإسراء: 17/67.

([11]) سورة الحجر: 15/ 37-38.

([12]) سورة الأعراف: 7/ 158.

([13]) سورة الحجر: 15/39-40.

([14]) سورة الكهف: 18/ 63.

([15]) سورة النور: 24/ 21.

([16]) سورة الأنعام: 6/ 121.