شرحُ بعضِ فقراتِ زيارةِ أمينِ الله

أعوذُ باللهِ من الشيطان الرَّجيم

توكَّلتُ على الله ربِّ العالمين

وصلّى الله على خير خلقِه محمَّدٍ وآله أجمعين

بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

إنني أودُّ تكثير الحصص الدراسيَّة وتكثير المحاضرات لو صحَّ التعبير, لأجلِ نفع المجموع في الحقيقة, فهذا الذي تعوَّدت عليه الحوزة من كثرة العطل, أنا أريد أن أغيِّرها عن علمٍ وعمد, وطبعاً من قبيل ما يقول المثل (اليد الوحدة لا تصفِّق) وإنَّما يحتاج إلى التعاون, فإذا أنا أعلنت وجود الدراسة ولم يأتِ الطالب, فماذا سوف يحصل, سوف يحصل أنه خائنٌ لجهتين على الأقلّ, خائنٌ لي, لأنَّني بالآخرة مهما أكن فإني أستاذه بمعنىً من المعاني, والخيانة للأستاذ باطلة.

وثانياً: خائنٌ للمصلحة العامَّة, وذلك لأنَّ مصلحة الحوزة بتكثير الدرس, أحسن من أنه تنقضي سنةٌ كاملةٌ والمطلب لم يبين إلا من زاويةٍ مختصرةٍ جدّاً ومهملة, والإنسان يقضي وقته في الشوارع أو في أمورٍ أخرى عائليَّةٍ أو نحو ذلك من الأمور, لا, ينبغي إعطاء الحوزة أهميَّتها والإسراع في تعليمها وتعلُّمِها والتعب عليها, لأنَّنا في ضيقٍ من هذه الناحية, في ضيقٍ عالمياً من هذه الناحية, إنما نحتاج إلى أن نتعب حتى نُنتِج, فعلى أي حال، فيكون التغيُّب من هذه الناحية إهمالاً في الحقيقة, وهو إهمالٌ لا أعتقده مُغتفراً على أيّ حال, مع ذلك أنا فكرت في هذا اليوم أن لا أعطي مادَّةً فقهيَّةً وإنَّما أعطي شيئاً من الأفكار العامَّة، طبعاً أحسن نصٍّ يمكن الإستفادة منه هو ما نقرأه في الزيارة (اللهمَّ فاجعل نفسي مطمئنةً بقدرك، راضيةً بقضائك، مولعةً بذكرك ودعائك، مُحِبَّةً لصفوة أوليائك، محبوبةً في أرضك وسمائك، صابرةً على نزول بلائك، شاكرةً لفواضل نعمائك، ذاكرةً لسوابغ آلائك، مشتاقةً إلى فرحة لقائك، متزوِّدةً التقوى ليوم جزائك، مستنَّةً بسنن أوليائك، مفارقةً لأخلاق أعدائك، مشغولةً عن الدنيا بحمدك وثنائك).

أنا أجد، وإن كان هذا لا يخلو من غرابةٍ وطرافةٍ، أنَّ الأشياء لا تظهر إلا بأضدادِها، لا تظهر إلا بالإلتفات إلى صورة سلبها وانتفائها، فصورة السلب من هذه الناحية مصوراً الإنسان كيف يصبح إنساناًَ سيئاً أو متطرِّفاً في الضلالة والغواية والعمى ونحو ذلك، حينئذٍ في الإمكان أن نقلب هذه الأوصاف، فنقول: (اللهمَّ اجعل نفسي قلقةً بقدرك، ساخطةً على قضائك، قاليةً لذكرك ودعائك، مبغضةً لصفوة أوليائك، مرفوضةً في أرضك وسمائك، متمرِّدةً عند نزول بلائك، منكرةً لسوابغ نعمائك، نافيةً لسوابغ آلائك، غافلةً عن فرحة لقائك، معرضةً عن التقوى ليوم جزائك، مفارقةً لسنن أوليائك، مُستنَّةً بأخلاق أعدائك، مشغولةً بالدنيا عن حمدك وثنائك) فطبعاً أهل الدنيا هم على العموم هكذا، فالمفروض أنَّ الحوزة العلميَّة لا تكون من أهل الدنيا أو لا يكون أفرادها في الحقيقة من أهل الدنيا بهذا المعنى، على أيِّ حال، الشيء الذي أردت أن أبحثه من النصّ، نقطتان لا أدري يدرك الوقت لها أم لا، لأنَّه يقول اللهمَّ فاجعل نفسي مطمئنةً بقدرك راضيةً بقضائك، هذا له عدَّة معانٍ طبعاً.

نأخذ المعنى الأوَّل: (مطمئنة بقدرك)، لها عدَّة معانٍ، أي أنَّ القدر الموجود في الدنيا والبلاء الموجود في الدنيا أطمئنُّ له وأرضى به، وهو هذا المعنى المشهوريُّ طبعاً (مطمئنة بقدرك راضية بقضائك), لكنه أحسن جوابٍ عليه وأوضح جوابٍ عليه، على أنَّ الفقرتين تكونان بمعنىً واحدٍ ويكون هذا بمنزلة التكرار والتأكيد وليس بمعنيين، (مطمئنة بقدرك راضية بقضائك)، فالمشهور أو المتشرِّعة – نستطيع أن نقول، أو البسطاء من المتشرِّعة ، نستطيع أن نقول – يفهمون من الإطمئنان والرضا معنى واحداً، ويفهمون من القدر والقضاء معنى واحداً، منتهين منها إذن مجرَّد تكرار نفس الموضوع ونفس المحمول، وهذا طبعاً على خلاف الدقَّة من ناحيةٍ، وعلى خلاف البلاغة من ناحية.

المعنى الثاني: (اللهمَّ فاجعل نفسي مطمئنةً بقدرك)، أي أنَّ القدر الموجود في الدنيا والبلاء الموجود في الدنيا ينتج لي معلولاً ونتيجةً، أنَّ نفسي تصبح مطمئنةً, لأنَّ البلاء يكون ردُّ فعله على شكلين كما نعلم، إما أن أتطرَّف إلى جانب الضلال وأزداد اعتراضاً وعتوّاً، وإمّا أن أتطرَّف -لو صحَّ التعبير- إلى جانب الإيمان واليقين، هذا نتيجة بلاء الدنيا، ليس الله سبحانه وتعالى يرسله بسببٍ آخر حسب فهمي – والله العالم – فحينئذٍ إذا كان الإسلام من طرف الإيمان واليقين وأقلاً ندعو أن يجعلنا الله أو نكون من طرف الإيمان واليقين، فحينئذٍ ماذا يصير؟ يصير على أنَّه بلاء الدنيا وقدر الله سبحانه وتعالى يكون سبباً لاطمئناني، لأنَّها حينما تصعد في درجات اليقين ولو صعوداً ليس عالياً، نقول صعوداً معتدّاً به، تَطمئنُّ طبعاً، والإطمئنان مقامٌ بالآخرة من المقامات المعتدِّ بها، وإنَّما ينتج من تمحيص الدنيا وبلائها بطبيعة الحال.

المعنى الثالث: أننا نلتفت إلى صفة الإطمئنان نطلبه من الله، فماذا يصبح المعنى؟ اللهمَّ قدِّر لي الإطمئنان، إجعل نفسي مطمئنةً بقدرك، قدِّر لي الإطمئنان، فليكن من فقرات قدرك أنَّه نفس فلانٍ ابن فلان تكون مطمئنةً، هذا أيضاً شيءٌ لطيفٌ في النفس مطمئنة بقدرك، أي بسبب قدرك، أي قدِّر لي الإطمئنان في الحقيقة.

(راضيةً بقضائك)، هذا أيضاً له عدَّة معانٍ، مرَّة نرجعه إلى معنى الفقرة الأولى الذي هو فهم المتشرِّعة أو المشهور، أنَّ القضاء هو القدر والحوادث التي تحصل في الدنيا، أمّا الحوادث التي تحصل مفرحةً لي ومرغوبةً لي ليس بها إشكال، بَعد أدعُوا لها ليس لها معنى، وإنَّما الشيء الذي يُدعَى له هو الخلاف هو الحوادث التي لا تكون مرغوبةً لي، يكون فيها ألمٌ ويكون فيها صعوبةٌ وعسرٌ وحرجٌ، فحينئذٍ اللهمَّ اجعل نفسي راضيةً بها، وهذا نفسه التكرار في الفقرة الأولى، والفقرة الثانية، الشيء الآخر أو المعنى الآخر لــ(راضية بقضائك)، أنَّ القضاء هنا نفهمه بالمعنى التشريعيّ، وهي الشريعة والأوامر والنواهي، أيضاً أحياناً امتثالها يكون صعباً، لأنَّ فيها مقدِّماتٍ من التضحيات الدنيويَّة بطبيعة الحال، الذي يريد شيئاً يضحِّي بشيءٍ طبعاً يفوِّت شيئاً، فمن هذه الناحية ينبغي أن يفوِّت شيئاً من الدنيا في سبيل الحصول على شيءٍ من الطاعة والإمتثال، ومن ثمَّ الحصول على شيءٍ من الآخرة، خذ من ممرك لمقرك، فحينئذٍ (راضية بقضائك)، أي صابرة على أوامرك ونواهيك، هذا الذي يقول أن الصبر على ثلاثة أقسام منها، الصبر على الواجبات، ومنها الصبر عن المحرَّمات، فهذا يدخل في ضمنِها.

المعنى الرابع: أن تكون راضية – أنَّ النفس تكون راضيةً – باعتبار قضائك للرضا لها، طبعاً هذا إن قلت أن يشبه ذاك المعنى أنَّ (مطمئنة بقدرك) أي بسبب قدرك, (راضيةً بقضائك) أي بسبب قضائك، فأيضاً تشابه المعنيان، وليس أحسن من المعنى المشهوري من هذه الناحية، في الحقيقة هذا جوابه أنه يفرق محمولاً وموضوعاً، أما الموضوع فباعتبار تعدُّدِه، الإطمئنان غير الرضا، أما أنَّ المتشرعة يقولون أنَّ الإطمئنان هو الرضا، أي الإطمئنان في مقابل القلق، والرضا في مقابل الإعتراض والتمرُّد وهذا غير هذا، وكلاهما يُطلب من الله سبحانه وتعالى، أن الإنسان يطمئنَّ إلى الأمور المعنويَّة ويرضى أيضاً بالأمور المعنويَّة، وكلاهما عاطفتانِ صحيحتانِ ومتكاملتانِ ومطلوبتانِ، محمولاً أيضاً يختلف، وهو أننا أيضاً نزعم متشرَّعياً أو بسطاء المتشرِّعة أنَّ القدر والقضاء شيءٌ واحد، لا، أيضاً شيئان، القدر هو الحد، والقضاء هو الحتم، أي إعطاء الحد أمره لكي يوجد، هذا قضاءٌ، (كن) هذا قضاءٌ، لكن (كن) كيف يكون طوله وعرضه متراً أو سنتمتراً هذا قدره بالتحديد، فبقدرك أعطني الإطمئنان، وبقضائك أعطني الرضا، وبتعبيرٍ آخر أنه في الحقيقة لا يؤثر في عالم الخلق إلا اجتماع القدر والقضاء، يقضي ما هو مقدَّرٌ طبعاً وما هو محدودٌ يحصل وما هو محدودٌ حتى يصير، الحدُّ وحده بدون أمرٍ بالوجود ليس له معنى لا يؤثر يعني القدر وحده لا يؤثر، والقضاء وحده بدون حدٍّ أيضاً لا معنى له، وإنَّما يتزامنان ويتلابسان -لو صحَّ التعبير- لكي يوجد شيءٌ في الخارج، ويرجع المعنى إلى (اللهمَّ اجعل نفسي مطمئنةً بسبب قدرك وقضائك، وكذلك إجعلها راضيةً بسبب قدرك وقضائك)، فلذا نحن نشعر أنه لو قَلَبَ هذان المطلبان، (اللهمَّ اجعل نفسي مطمئنةً بقضائك، راضيةً بقدرك) أيضاً يصير، لماذا؟ لأنَّه القدر وحده ما يعمل، والقضاء وحده أيضاً لا أثر له، وإنَّما يجتمعان، فحينما اجتمعا أدعو أن يجتمعا لجعل كلتا الصفتين في نفسي وهو الإطمئنان والرضا، وبعد ذلك أتعرَّض إلى هذه الجهة، لأنَّه يقول (محبوبةً في أرضك وسمائك)، كم يتمنى الإنسان أنَّ نفسه أو هو في الحقيقة يكون محبوباً في الأرض والسماء، فكيف أفكِّر أو تفكِّر أو تفكِّرون، مهما يكن أنَّ الإنسان يكون محبوباً في الأرض والسماء، شيءٌ لطيف، يمكن أن نتحدث عن ذلك بشيءٍ من التفصيل، في الحقيقة الإنسان الورع أو التقيُّ أو الجامع للشرائط -لو صحَّ التعبير- فاعلٌ للواجبات، مرتدعٌ عن المحرَّمات، وبتعبير المتشرِّعة: العادل يكون محبوباً بطبيعة الحال، يكون محبوباً في الأرض ويكون محبوباً في السماء، في الحقيقة جهات الحبِّ فيه متُعَدِّدةٌ، أنا وجدت عبارةً كأنه مجلَّة أخذت عدة تصريحاتٍ أو كلماتٍ من جماعةٍ بمناسبة عيد الأمّ، فواحدٌ في الحقيقة عِبرَة تكلم قال: بأنه أمي رضيت مني محاسني ومساوئي، في حين أنَّ الناس لم يرضوا مني إلا محاسني. مثلاً محلُّ الشاهد أنَّ المحاسن التي يرضاها الناس على مستوياتٍ مختلفة، فإذا كان الإنسان صالحاً له عدة أشكال من المحاسن كلها يرضاها الناس ويرضاها الله سبحانه وتعالى، من ناحيةٍ إنسانيَّة، الشفقة على الآخرين هذه واحدة، ومن الناحية الدينيَّة الإلتزام بالواجبات والإرتداع عن المحرَّمات، من ناحية قضاء حوائج المحتاجين والسعي في قضاء حوائج المحتاجين، واحد كان يقول لك: إذا لم يكن عندك صدقةٌ لا أقلَّ من الوجه البشوش أمام الآخرين، يعني أمام مَن يطلب منك من قبيل واحد صاحب حاجة، أما تسعى فيها، وأمّا أي شيء لكنه لا تجابهه بوجهٍ عبوسٍ ونحو ذلك. والشيء الأهمُّ في الحوزة ليس هو كلَّ ذلك وإنَّما هو عدم الإضرار بالآخرين, لأنَّنا ربما نستطيع أن نقول أننا تعودنا على الإضرار ببعضنا البعض، مجرَّد قطع دابر هذه العادة تجعل الحوزة فاضلة, وهذا يكفي، وهذا على مختلف مستويات الحوزة في الحقيقة، وهذا موجود, ولكنه ينبغي الإعراض عنه والتَّبَرِّي منه أمام التأريخ -لو صحَّ التعبير- وأمام الله سبحانه وتعالى، لأنَّه إنما اجتمعت الحوزة لهدفٍ واحدٍ في الحقيقة وليس لعدة أهداف، لأجلِ ولاية أمير المؤمنين ودين محمَّدk، فنتعارك على أيِّ نتيجةٍ، إذن نُخِلُّ بدين محمَّدٍ وولاية أمير المؤمنين ونحن نعلم عن علمٍ وعمدٍ وليس عن جهلٍ وغفلة، حينئذٍ هذا المحبوب في الأرض من جملة إماراته أن يكون محبوباً في الأرض، أن يشهد أربعون مؤمناً بصلاحه وأنه لا يعلمون منه إلا خيراً، مرَّةً نفهم من هذه الشهادة مجرَّد التعبُّد، إذهب وإبحث عن أربعين مؤمناً وخذ منهم توقيعاً، حبيبي هؤلاء يشهدون زوراً أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، أنا جاءتني عدَّة أسئلةٍ أنه كيف نقول في صلاة الميت: اللهمَّ إنا لا نعلم منه إلا خيراً، ونحن نعلم منه شراً ولو واحداً ولو إجمالاً بالعلم الإجماليّ, كيف نقول أنه لا نعلم منه إلا خيراً، هذه ليست شهادةً حبيبي، ولا شهادة واحد، أو إذا كانت شهادةً فهي ليست شهادة للمؤمنين، وإنَّما لأربعين كاذباً مزوِّراً وإن كان ظاهره مؤمناً -محلُّ الشاهد- إذا شهد أربعون من المؤمنين الصادقين الذين ذممهم فارغةٌ من هذه الناحية أمام الله سبحانه وتعالى، أنه ماذا؟ أننا لا نعلم منه إلا خيراً, حقيقةً لا يعلمون منه إلا خيراً, أربعون واحداً، إذن فهو من عباد الله الصالحين, لكنه إذا كنا نجامل، حتى في هذا نجامل، يعني في الحقيقة نخدع أنفسنا ولا نستطيع أن نخدع الله سبحانه وتعالى، فإذن ماذا تكون النتيجة سوى أننا مزورون هكذا، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) أي متحابُّون، محبوبة في أرضك، هنا المؤمنون إنما يعيشون على سطح هذه الأرض، وينبغي أن يكونوا إخوةً أي متحابِّين في الحقيقة، أي إنه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) لماذا قال، إنما بعنوان أنهم ليسوا أعداءً كما قد يتخيل بعضهم أو كما قد توحي بذلك نفوسهم الأمّارة بالسوء، لو تكاشفتم لتدابرتم، نحو ذلك،لا، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصلحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ([1]) متحابون متعاونون (يسعى بذمَّتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم)، في الحقيقة إخوةٌ ومتحابون، مرَّةً نأخذها بحسب الظاهر، ومرَّةً نأخذها بشكلٍ حقيقيٍّ، مثلاً فإنّا أيضاً نخدع أنفسنا والعياذ بالله، نقول أننا نحبُّ أمير المؤمنين، نحبُّ الحسين، نحبُّ صاحب الأمر سلام الله عليه أو أي واحد من الأئمة، هل حقيقةً نحبُّه؟ هل سألت نفسك أنك تحبُّ المعصومين حباً حقيقياً كما تحبُّ أباك وأمَّك وولدك وأخاك ونحو ذلك، أكثر من ذلك أو لا، في الحقيقة إذا حصل هناك ضررٌ يعني أضرَّك أبوك أو أضرَّتك أمُّك أو أضرَّك ولدك أو أخوك قد تبقى تحبُّه، لماذا، لأنَّه من العشيرة، وهذا ليس مهماً، شيءٌ ذهب هواءً في شبكٍ ونحو ذلك من الأمور، ولكن إذا أضرَّك المعصوم سلام الله عليه لأبغضته في حين أنه يتوقَّع منك أنه ليس الأمر كذلك (إنَّ من يحبُّني لو ضربته على خيشومِه أو على أمِّ رأسِه أن يبغضني لما أبغضني) – لاحظوا – فهل أنا كذلك، فهل أنتَ كذلك، هل سألنا أنفسنا، هذا وكذلك بالعكس أنَّ من يبغضني لو ضربته على أمِّ رأسه على أن يحبَّني ما أحبَّني، لأنَّه ذاك متطرِّفٌ إلى جنب الضلال والغواية والعياذُ بالله،- محلُّ الشاهد – هذا مجرَّد مقدِّمة، المسألة للدين ليست فقط هكذا، حبُّ المعصومين محروز, حبُّ المؤمنين بعضهم بعضاً أيضاً كذلك. المفروض أنَّ المؤمنان يتحابّان، بحيث على أنه أيضاً نفس هذه الفلسفة نقدِّمها حتى لو ضرب الواحد الآخر على خيشومِه أيضاً لا يبغضه، لأنَّه يعلم أنَّه مؤمنٌ، إلا أن تكون الضربة بعنوان أنه ليس بمؤمنٍ، هذا شيءٌ آخر وكما هو الغالب، لكنه إذا كان ضربني قربةً إلى الله، فجزاه الله خير جزاء المحسنين، إذن أنا قلبي معه وإن كان جسدي أو دمي يسيل، ولكنَّه قلبي معه، لأنَّ قلبي مع الله، وهذا أيضاً قلبه مع الله وضربني لأنَّ قلبه مع الله، يتخيَّل أني إنسانٌ سيِّئ فضربني، جزاه الله خيراً، أنا إذا إنسانٌ سيِّئ فأنا أضرب نفسي أيضاً، وسبحان الله (محبوبة في أرضك) ليس بالضرورة من قبل المؤمنين أيضاً، لأنَّ المؤمنين – أيضاً هذه المرحلة كأنَّما انتَهينا منها – أنه يحبُّ بعضُهم بعضاً، لا، المؤمنون يحبُّهم غيرُ المؤمنين أيضاً، فالمؤمن يمشي عدل، ينفع الناس يحبُّه الناس كلهم، من مؤمنين ومن فسقةٍ ومن آخرين على مذاهب أخرى أو على أديانٍ أخرى،لا، هو ممدوحٌ على كلِّ حال، (محبوبة في أرضك) أي كل أرضك تحبُّه، كلُّ سكّان أرضك يحبونه، لا بأس بذلك، لكننا نلاحظ على أنَّ المؤمن محبوبٌ من قبل كلِّ الناس، لكن العكس لا، إنَّ الإنسان المؤمن يحبُّ كلَّ الناس، له بابٌ وجوابٌ يعني ككلِّيٍّ، وأمّا يحبُّ التفاصيل، أنَّ الشخص هذا أحبُّه لذاته، إذن أحبُّ فسقه، إذن يكون إعانة على الإثم والعياذ بالله، يكون حراماً، لكنه من هذه الجهة لا، كمالٌ للفاسق أن يحبَّ المؤمن، ونقصٌ للمؤمن أن يحبَّ الفاسق -لاحظوا- ، كلمةٌ أيضاً، وإن كان قد تقولون بضيق الوقت، (محبوبة في أرضك وسمائك)، في الحقيقة، المؤمن لا يحبُّه فقط إخوتُه المؤمنون، بل يحبُّه من في السماء أيضاً، مؤمنوا الجنِّ إخوةٌ مع مؤمني الأنس سواءٌ علمنا أو غفلنا، الملائكة كلهم المقرَّبين يحِبُّون المطيعين، يحِبُّون المؤمنين، يدعون لهم – سبحان الله -، يدعون لمن في الأرض، طبعاً يدعون للمؤمنين، إن دَعَوا لغير المؤمنين، فإنما يدعون لهم بالهداية في الحقيقة، وإلا لا يدعون لهم بالضلال، فإنما أنتَ تحصِّل دعوة الملائكة فيما إذا كنتَ مؤمناً، كذلك أنا أو أي واحد، يحبُّهم المعصومون، كما أننا نحبُّ أمير المؤمنين إن شاء الله، أيضاً كما نحبُّه هو أيضاً يحبنا وإنَّما (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى) ([2]) ماذا يعني؟ يعني أنَّه الشفاعة لا تنالُ إلا من رضي عنه اللهُ سبحانه وتعالى، أي من ارتضى لله سبحانه وتعالى، فهذا مرضيٌّ لله، وإذا كان مرضياً لله يكون محبوباً للمعصومين، وإذا كان محبوباً للمعصومين أو من قبل المعصومين شفعوا له، أنالوه شفاعتهم، لا يشفعون إلا لمن أحبُّوا، ولن يحبُّوا إلا من يرضاه الله، هنا لا تقولوا أنَّ هذه الشفاعة للمُذنب، وكيف أنَّ المُذنب يرضاه الله سبحانه وتعالى, طبعاً هذا في الميزان يوضع إذا زادت حسناته على سيئاته مُحِيَت سيئاته بالشفاعة, يعني إذا زادت حسناته على سيئاته رضي عنه الله سبحانه وتعالى ثمَّ تتلاشى سيئاته بالشفاعة, وإذا كانت سيئاته أكثر وكانت صفته العامَّة أنه ليس بمؤمنٍ أو فاسقٌ أو منافقٌ,لا, طبعاً لا ينال الشفاعة أبداً، ويأخذ استحقاقه هناك في الآخرة، بل محبوبة لله سبحانه وتعالى، في أرضك وسمائك هو يختصر على السماء، والسماء طبعاً من الخلق، والخلق غير الله سبحانه وتعالى،لا، هذا لأجلِ (كلِّم الناس على قدر عقولِهم)، في الحقيقة، كما أنها محبوبةٌ للخلق أيضاً محبوبةٌ للخالق، وهذا ما نتمنّاه حقيقةً وإلا:

إذا رَضيتْ عَليَّ بنو قُشَيْرٍ رأيت الناس كلهم عباداً

([1]) سورة الحجرات: 49/10.

([2]) سورة الأنبياء: 21/28.