أعوذُ باللهِ من الشيطانِ اللَّعينِ الرجيم
توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين
وصلّى اللهُ على خيرِ خلقِه محمَّدٍ وآلِه أجمعين
بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
كأنه في مناسبات العطل تحلو وترجح الأمور غير الفقهيَّة، لأنَّه حتى إذا كان على ذلك فمعهم حقٌّ أنهم يعظون في أوَّل الموسم الدراسيّ، ويعظون في آخر الموسم الدراسيّ، والحوزة طبعاً مهما كانت تحسن الظنَّ بنفسها فهي محتاجةٌ إلى موعظةٍ، ابتداءاً من أعلى واحدٍ وانتهاءاً بأدنى واحد، وكلُّ الخلق محتاجٌ إلى موعظة، إلا أنَّ الموعظة لا تؤثِّر على نسقٍ واحد، كأنه وإن كان لعلَّه تسامحٌ في التعبير، ولكنه نستطيع أن نقول أنَّ الله تعالى يتوقَّع منا أن نتَّعظ بموعظةٍ واحدةٍ ليس أكثر من ذلك، كلمةٌ واحدةٌ قابلةٌ أن تقلب شخصيَّة الإنسان وسلوك الإنسان، فلماذا هذا التكرار الكثير وهذه العِبَر الكثيرة وهذه الحالات التي نمرُّ عليها ونحن عنها غافلون، لا تفيدنا حبيبي، نبقى على مستوى المكر والخداع وحبِّ الدنيا، لماذا؟ والمثل يقول وإن كان هو محليٌّ (كثرة الطرق يفتح الملحوم) الحديد إذا ضربوه يتفطَّر ويتكسَّر، ولكنَّ النفس الأمّارة بالسوء لا يفيد بها حتى الضرب، لكننا كمتدينين ينبغي أن نتنَّظف من أنفسنا الأمّارة بالسوء، لا نجعل إلهنا هوانا بطبيعة الحال، لا نعبد النفس الأمّارة بالسوء، وإذا كنا على رأس المشركين في حين أننا ندَّعي أننا على رأس الموحِّدين – محلُّ الشاهد – أنه توجد قصصٌ أكثر من واحدةٍ في تأثير الكلمة الواحدة، الإنسان إذا كان قلبه طيباً نسبياً، قابلٌ لأن تؤثِّر فيه كلمة واحدة, يقال أنَّ المرحوم السيد محمَّد سعيد الحبوبيu شاعرٌ طبعاً في شبابه، شاعرٌ وله ديوانُ شعرٍ ضخمٌ وإلى الآن هو موجودٌ – محلُّ الشاهد ليس هذا-، وكانوا سابقاً في ذلك الحين يعتكفون بمسجد الكوفة، فهو – ماذا يشتغل؟ – بدون عملٍ يقضي هناك ثلاثة أيّامٍ بلياليها، يشتغل بشعره، يصلح شعره، في يومٍ ما، دخل عليه أيضاً كأنه أحد المعتكفين، لكنه كان إنساناً أخلاقياً، على كلِّ حالٍ من النعم أنَّ الإنسان يرزق إنساناً أخلاقياً فيسمع موعظته، أي يتعظ بموعظته وإلا كلنا نسمع، لا تسمعون أي لا تفهمون، أو لا تتعظون، أو لا تطيعون، وإلا في السماع حتى الحيوانات أيضاً تسمع، المهمُّ أنه قال له كلمةً واحدة: (هل أصلحتَ نفسَك كما أصلحتَ شِعرَك) انقلب سيد محمَّد سعيد الحبوبي من رجلٍ كذائيٍّ إلى رجلٍ كذائيٍّ، ومات وهو متقشِّفٌ متبرِّئٌ من الدنيا وما فيها ومن فيها (قدس الله روحه الزكيَّة)، إنقلب من عالم اللفظ إلى عالم المعنى، كذلك قصَّةٌ أخرى أكثر إجمالاً في ذهني، المهمُّ على أنَّه شخصاً ما، أيضاً لربَّما له فضيلةٌ حوزويَّةٌ وكذا، كان خارجاً من إحدى الحمّامات العامَّة لتوِّه خارجاً نظيفاً -محلُّ الشاهد-، فصادفه أيضاً من النعم شخصٌ من الأخلاقيين، قال له: (هل نظَّفْتَ نفسَك كما نظَّفتَ بدنَك)؟. فحينئذٍ ماذا يصير؟ سوف ينظِّف نفسَه، أنَّه نفسي –سبحان الله- أكثر وسخاً من بدني وأكثر أهميَّةً تنظيفها أمام ربِّي, فلماذا أنا أهتمُّ ببدني ولا أهتمُّ بنفسي؟ فلأهتمَّ بالإثنين معاً، له بابٌ وجواب, وأمّا أهمل نفسي وأهتمُّ ببدني, فهذه هي الجريمة الشنعاء؟ كذلك قضيَّة بشر الحافي تعرفونها كلُّكم، أنه لو كان عبداً لأطاع مولاه: (سَيّدُكِ حرٌّ أم عبدٌ؟ قالت له: طبعاً حرٌّ، قال لها: نعم، لو كان عبداً لأطاع مولاه)، أثَّرت به كلمةٌ واحدةٌ، فعجباً أنه أنا لا أتحدَّث عن غيري، أحتاج إلى (كولنك نحن كنا نسميه أو طخماخ) يضرب على الرأس، كما أنَّ الفيل يقال أنه هذا الذي راكب الفيل وموجِّه الفيل من هذا القبيل يضرب على رأس الفيل حتى يسير بهدوءٍ، فهل يحتاج الفرد إلى شيءٍ من هذا القبيل حتى يتَّعظ، هذا سوء توفيق، أنَّ الإنسان لا يتَّعظ إلا بالضرب، لا يتَّعظ إلا مثلاً بشيءٍ من هذا القبيل، بجنايةٍ عليه لا، لماذا؟ نتَّعظ ونحن في راحة، نتَّعظ ونحن في هداية، نتَّعظ ونحن في دنيا، صح أنا لا أقول أنه نعرض عن الدنيا بالمعنى الآخر من قبيل أنَّ ناساً خرجوا من بيوتهم وأموالهم وحفروا قبورهم وجلسوا في قبورهم ينتظرون الموت، ليس إلى هذه الدرجة، نأكل ونشرب بنعمة الله، ولكنه ندرك أنَّها نعمة الله، حاضر دائماً، لا أنه: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)([1]) لا، هذا هو الشرك وهذا واردٌ في القرآن في موردين، أحدهما عن قارون، والآخر عمَّن يقول ذلك عن شخصٍ كلِّيٍّ، وكلنا، الخلق كلها تقول ذلك: أنه أوتيته على علمٍ عندي، سواءٌ العلم أو المال أو الجاه أو الشهرة أو التأليف أو أي شيء، إنما أوتيته على علمٍ عندي، أيُّ شخصٍ منا لا يقول ذلك في حين أنها كلَّها من نعم الله سبحانه وتعالى وليس لي في ذلك ناقةٌ ولا جمل، ولا قدر شعرة ولا قدر ذرَّة، فمن هذه الناحية إذا نسبناها لله، كلُّ شيءٍ يستقر في مكانه. نحن ليس لنا وظيفةٌ إلا نسبتها لله سبحانه وتعالى، وأهمُّ شيءٍ أنه راقبِ اللهَ في كلِّ أعمالك، فإن لم تكن تراه فهو يراك، أنتَ إذا كنتَ من قبيل أنه تدخل امرأةٌ مكشوفة الشعر في الحرم تسأل هذا السؤال، وإن كان قلَّما يتيسَّر سؤاله أنه لو كان أمير المؤمنين حياً بحيث تشعرين أنه يراكِ هل تدخلين هكذا؟ لا طبعاً، تتحجب وتتلفلف وتخجل وتلفُّ حتى وجهها. أمير المؤمنين مات سلام الله عليه، وهو ليس بميِّتٍ ولكن افترضوا أنه مات،-لا يهمُّ طبيعياً أنه مات- ولكنَّ الله حيٌّ لم يمت وهو أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقوى الأقوياء، وذو انتقام، وذو عقابٍ شديد، هذا أيضاً ننساه لا يجوز حبيبي، لا بد أن يبقى هذا في فكرك، وإذا ظلمنا أنفسنا أو ظلمنا الآخرين في الحقيقة يكون فيها وكسة من هذه الناحية أمام الله سبحانه وتعالى، وبمعنى آخر أننا ظلمنا الله سبحانه وتعالى، وإن كان الله منيعاً من هذه الناحية، يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)،([2]) ولكنه بحسب درجةٍ من درجات إدراك العقل العمليِّ أننا ظلمناه، لماذا؟، لأنَّنا لم نشكر نعمه، لم نوقِّر عظمتَه، لم نُعْطِ له هيبتَه وحقَّه، إذن فهو المظلوم (اللهمَّ أنتَ المظلوم وأنا الظالم)، فإذن جريمتنا لامتناهيةٌ لأنَّ الظلم سرى إلى الوجود اللامتناهي، وإذن أنا هو الشرُّ المطلق، لأنَّني ظلمت الكمال المطلق في الحقيقة، وكلُّ من ظلم الكمال المطلق إذن هو شرٌّ مطلق، فهل نرضى لأنفسِنا أن نكون شروراً مطلقةً، في حين أننا ندَّعي لأنفسنا درجةً من الكمال، ولكنه يبدو أنَّ حتى هذا غير موجود، لأنَّه لو كان موجوداً لحسَّنتُ عملي في حين أنه أنا على غير استعدادٍ أن أحسِّن عملي، في حدود ما أعتقد، فإنَّ الشرَّ يسري أسرع من الخير، أنَّه شخصاً يصادق صديقاً، شخصٌ ساذجٌ ليس شراً، ليس سيئاً جدّاً يصادق صديقاً أو صديقينِ سيئينِ لا يبيت ليلتين أو ثلاثةً إلا أن يكون مثله لا يحتاج إلى أربعين يوم, لكن بالعكس, كيف, أما هذا لماذا؟، هذا واضحٌ لماذا؟، لأنَّه هؤلاء موافقون مع نفسه الأمارة بالسوء ففوراً تتحرَّك وتطيع الأوامر الرديئة بطبيعة الحال، وتطيع الشهوات وتنجرف، كما انجرف ملايين الناس
-محلُّ الشاهد- لكنَّ العكس صعبٌ وهو أنَّ الهدى يؤثِّر لماذا؟ لأنَّه مثلاً واحدٌ، أيضاً إفترضوا ساذجٌ، أو إفترضوا لديه شيئاً من الشرِّ، صادق أصدقاء طيبين هل بين ليلتين وثلاثة يتّعظ ويتحسَّن، إن كان موفَّقاً من قبيل سيد محمَّد سعيد الحبوبي لماذا لا؟ إذا كان عاقلاً مثل سيد محمَّد سعيد الحبوبي لماذا لا؟ إذا كان طيب القلب مثل سيد محمَّد سعيد الحبوبي لماذا لا؟. لا بأس، ليس هذا محالاً أو مستبعداً. السيِّد محمَّد سعيد الحبوبي ليس بمعصومٍ، هو واحدٌ منا لا أكثر ولا أقلّ، ولعلَّه في حينه لم يكن حتى بلغ درجة الإجتهاد، نحن لا نعلم أنه في أيِّ عمرٍ هكذا حصل من سنيِّ حياته (قدس الله روحه)، فمن هذه الناحية ممكن، ولكنه مع ذلك المقتضي موجودٌ والمانع موجودٌ، ما هو المقتضي؟ وهو الموعظة والهداية، والهداية الإلهيَّة موجودةٌ، ربما في فرض المسألة أنَّ أصدقاءَ جيدين عنده أو معلماً جيداً عنده أو شيئاً من هذا القبيل، فالمقتضي موجودٌ والآيات الكونيَّة كثيرةٌ أيضاً تقتضي الهداية، أي واحد منا، أنتَ لماذا تطلب مني الموعظة، والموعظة في كلِّ شيءٍ، في النملة، والفراشة، والدجاجة، والهدهد، كله، كله، ضع يدك على أيِّ شيءٍ حتى على مسجد الرأس، حينئذٍ مع ذلك المانع موجودٌ وهو النفس الأمّارة بالسوء، فينبغي أن تنقمع النفس الأمّارة بالسوء، وتُعصَى حتى يكون المقتضي موجوداً والمانع مفقوداً، حتى يؤثر المقتضي أثره، وإلا فالمزاحمة موجودةٌ والحرب سِجالٌ بين الحقِّ والباطل أيضاً في الظاهر، وأيضاً في الباطن، وأيضاً في الكون كلِّه، ما دام هناك باطل فالحقُّ موجودٌ، وما دام هناك حقٌّ موجودٌ فالباطل موجودٌ, إلا أن يشاء ربي شيئاً، ربما في مكانٍ ما وزمانٍ ما ينتهي هذا، ولكنه حسب المعروف الذي نستحقُّه دائماً هو هكذا، فالمهمُّ على أنه أنا رأيت أكثر من واحدٍ، جماعة أنصفوا من أنفسهم، قد لا يكون هؤلاء الجماعة من يخطر في أذهانكم، أنصفوا من أنفسهم وأصلحوا حالهم لمّا عاشروا أناساً طيبين، كان لديه مكرٌ، وكان لديه حيلةٌ، وكانت لديه حتى سرقةٌ، وكان لديه كذبٌ، وكانت لديه غيبةٌ، فانصلح حاله، فيأتي ويقول لي: أنا أرى أنه مثلاً فلان قال كذا، وفلان هكذا تصرَّف، أتعجَّب أنَّ هذا كيف لا يريد المصلحة لنفسه، معنى ذلك أنه إلتفت، إنفتحت عينه، لم تكن عينه مفتوحةً نحو الهدى كان أعمى (وَمَن كَانَ فِي هـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخرةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)([3])، ليس أعمى ولكنه أعمى، ليس أطرش ولكنه أطرش، ليس مشلولاً ولكنه مشلول، سبحان الله يصدق الحمل ويصدق السلب أي دنيوياً صالح، ولكنه أخروياً غير صالح، كلُّ هذه الملكات الموهوبة من الله سبحانه وتعالى لا يستعملها في سبيل رضاه، في حين إنما أعطانا إياها لطاعته، وليس أعطاها ظلماً، إنما هنا نحن أرسلنا الله تعالى وأيَّدنا بكلِّ هذه التأييدات الخَلْقيَّة وغير الخَلْقيَّة من أجل كمالنا ولا يحصل على شيء، فالله تعالى غنيٌّ عن العالمين لا تضرُّه ذنوب عباده ولا تفيده طاعات عباده ولكنه لأجلِنا، يريد الله لنا الدار الآخرة، والدار الآخرة -وأنا قبل يومٍ أو يومين في بحث التفسير- قلت بأنه يعني بها مراتب الجنة لا يعني بها النار، الدار الآخرة هنا قد يستشكل أنَّ الدار الآخرة فيها نارٌ، ليس بهذا المعنى، هل يريد لنا النار؟ لا, وإنَّما الدار الآخرة على سعتها ليست إلا الجنة, جهنَّم تمثل مثلاً واحداً بالمائة من الدار الآخرة أي تسقط أهميَّتُها عن نظر الإعتبار، عامَّة الدار الآخرة هي خيرٌ، هي نورٌ، وليس فيها شرٌّ، فمن هذه الناحية يريد لنا الدار الآخرة، ولكنه مع ذلك نحن نريد الدنيا، لأنَّه يوجد ثقلٌ معلَّقٌ هنا، هذا الثقل ينبغي أن نقطع حبله، فإذا سقط الثقل خفَّت الروح وصَعدَت. هو في الحقيقة بمعنى من المعاني حبلٌ واحدٌ مربوطٌ بالعقل، بالنفس، أما شخصٌ آخر يأتي ويقول أنه لا، حبال الدنيا كثيرةٌ، ربما بالملايين، لأنَّ كلَّ حاجةٍ أنا مربوطٌ بها في الحقيقة، مربوطٌ بهذه الحاجة، ومربوطٌ بهذه الصداقة، ومربوطٌ بهذا العلم، ومربوطٌ بهذا المال… إلخ. إذن، فحبال الدنيا كثيرةٌ صح مائة بالمائة، ولكنها ترجع إلى حبلٍ واحدٍ لأنَّها كلَّها رغبات النفس، فإذا النفس إنقطعت وعُصِيت كلُّ الحبال تفشل وهي في مكانها – فلتذهب الدنيا على الدنيا العفا – تسقط أهميَّتُها سواءٌ هي سقطت حقيقةً أو تكويناً أم لا. هذا غيرُ مهمّ، وإنَّما أهمِّيتُها حبُّ الدنيا، اللهمَّ أخرج حبَّ الدنيا من قلبنا (اللهمَّ لا تجعل الدنيا مبلغ همِّنا وغاية علمِنا)، وإلا الدنيا لا بد منها، نحن نعيش في الدنيا، ومن النعم أن نعيش في الدنيا لكي نهتدي ولكي نتكامل ولكي نتَّبع أسلوب الأنبياء والمعصومين ونتخذ ولاية أمير المؤمنين وولاية الأولياء هدفاً، ولكنه في الحقيقة الحياة الدنيا ليست كذلك، الحياة الدنيا في القرآن هي الحياة الدنيَّة هي أنزل مراتب العيش هي لا إنسانيَّةٌ بحسب الطبيعة، ولا دينيَّةٌ بحسب الطبيعة، فهل هذا هو الأفضل، نحن حينما ندَّعي أننا هداةٌ للناس ينبغي أن نبدأ بأنفسِنا.
إبدأ بنفسِكَ فانهَها عن غَيِّها
فإذا انتَهت عنهُ فأنتَ حكيمُ
وإلا إذا لم تنتهِ عنهُ فأَخْلِقْ بالناس أن يكونوا أسوأ بطبيعة الحال، أنَّه فلانٌ يكذب وهو عالمٌ: (إذا فسد العالِم فسَدَ العالَم)، أكيداً وحقهم الناس ليسوا متفقهين إلى هذه الدرجة ولا متورعين إلى هذه الدرجة –كلمةٌ تأتي بهم وكلمةٌ تذهب بهم-، فمن هذه الناحية ينبغي أنه نبدأ بأنفسنا، فإذا بدأنا بأنفسنا وأصلحناها نستطيع إصلاح الآخرين، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه، كيف أنه تستطيع أنتَ أن تهدي الناس في حين أنه أنتَ لست عندك الهداية المطلوبة، ليس له معنى تناقض في التصوُّر وعملٌ لا تدرك نتائجه، وإنَّما الإنسان ينبغي أن يبدأ بنفسه فلا يضرُّ الآخرين، أوَّل خطوةٍ هو عدم الإضرار بالآخرين، وعدم المكر بالآخرين، وعدم الكذب على الآخرين، وخداع الآخرين، من جملة الأدوار الرئيسيَّة في الحوزة هي هذه مُضافاً إلى بعض الأمور الأخرى، ولكنه من الأدوار الرئيسيَّة هي هذه على كلِّ المستويات، في يومٍ ما واحد ممَّن أعرف – هناك في البراني- يقول لي أنتَ طيب القلب، قلت له إن شاء الله بحسب فضل ربي، ولكنه أنا أخاف أنني إذا أدخلت إصبعي في الدواة تخرج سوداء، وفعلاً يعني حينما الإنسان يرى ردود فعلٍ ضدَّه موجودةً ماذا سوف يفعل، لا تكون المشابكة إلا بالمشابكة بطبيعة الحال، لكن لا، إذا الكلُّ تركوا المشابكة وتورَّعوا وتجرَّدوا لله سبحانه وتعالى، فلسنا إلا أولياء (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ)([4]) لا أكثر ولا أقلّ، فبعد الآن لا حاجة للمشاجرة والمصالحة، كلُّ شيءٍ يجلس في مكانه، لكننا ينبغي أن نذكر الله أوَّلاً وأخيراً: (يا أبا ذرٍّ إجعل كلَّ أعمالِك بنيَّةٍ) بقصد، أي بقصدٍ، بقربة، وانظر أنَّ الله تعالى هل يجيز أن أتنفَّس هذا النفس أم لا؟، هل يجيز أن آكل هذه اللقمة أم لا؟، هل يجيز أن أنظر هذه النظرة أم لا؟، هل يجيز أن أسير هذا القدم أم لا؟، وهكذا، فإذا كان الإنسان على هذا المستوى فأكرمْ به وأنعمْ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
([1]) سورة القصص: 28/ 78.
([2]) سورة البقرة: 2/57.
([3]) سورة الإسراء: 17/72.
([4]) سورة التوبة: 9/71.