أعوذُ بالله من الشيطانِ اللَّعينِ الرَّجيم
توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين
وصلّى اللهُ على خير خلقِه محمَّدٍ وآله أجمعين
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
كأنه بعد أن اقتنعنا أو تحقَّقنا من أنَّ العيد هو يوم الفرح بحصول الهدف، أيَّ شيءٍ الإنسانُ يستهدفُه خاصّاً أم عامّاً يكون حصولُه عيداً، لأنَّه بلغتي الأخرى فتحٌ مبين، لأنَّه توفيقٌ على أيَّة حال، سواءً كان دنيويّاً أو أخرويّاً – محلُّ الشاهد- أنَّ حصول الهدف لا يكون بمعجزةٍ, نحن لسنا أهل المعاجز, إنما يكون بسببه أو بأسبابه, فلو لم يُحَصِّل الفرد أسبابه لم يحصل الهدف أكيداً، فلذا يقول الشاعر.
ومن طَلَبَ العلى من غير جِدٍّ
أضاعَ العمْرَ في طَلَبِ المُحالِ
وكذلك حينما يقال في الحكمة أو في الحديث أنَّه شخصاً ما، غير مستجاب الدعاء وهو أنه يحبس نفسه في بيته ويقول اللهمَّ ارزقني، أو الزوج يدعو على زوجته بالهلاك وهو يستطيع أن يطلِّقها ويتخلَّص منها – محلَّ الشاهد ليس هذا -، فحينئذٍ الأسباب ضروريَّةٌ بالتأكيد، كأنَّه الله سبحانه وتعالى أخذ ذلك بنظر الإعتبار فضلاً عن المراتب التي أدنى من هذا المستوى، مثلاً هذا الذي قلناه من أنَّ عيد الفطر مسبوقٌ بتركيز العبادة صحيح، يعني أنَّ السبب للعيد موجودٌ وهو تركيز العبادة, صُمْنا وتعبَّدْنا في ليلة القدر وفي شهر رمضان, ثمَّ كما في بعض الروايات أنه تُوزَّع الجوائز -حسب المضمون- في ليلة العيد على الصائمين والمتعبِّدين، فقبض تلك الجوائز المعنويَّة عيدٌ بعد تحصيل سببها، وتحقيق سببها وهو هذه الأمور التي حصلت بعونه سبحانه وتعالى, وكذلك الحجُّ أيضاً بمعنىً آخر تُوزَّع الجوائز المعنويَّة على الحجّاج في عيد الأضحى، ويكون ساعة أو يوم قبض تلك الجوائز عيداً بطبيعة الحال, لماذا؟ لأنَّه العيد الحقيقيَّ، هو العيد المعنويُّ، أو العيد الذي فيه تكاملٌ معنويٌّ، أو تحصيل رضاء الله سبحانه وتعالى، إذن، فالأسباب أخذتها الشريعة بنظر الإعتبار بطبيعة الحال، وكذلك الموارد الأخرى أيضاً ينبغي أن يقاسَ عليها مثلاً لعلَّه أهمّ، وما هو أوفقُ بالتقيَّة على أيَّة حالٍ من الإعجاب، وألصق بحياتنا هو هدف الإجتهاد لكلِّ واحدٍ منا، ولا يخفانا أنَّ هدف الإجتهاد هدفٌ عظيمٌ وحصوله عيد، لأنَّه في الحقيقة هبةٌ من الله سبحانه وتعالى كما ورد: (العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء)، في قلب المستحقّ, فالقلب يكون مستحقاً للعلم فيقذف العلم, والعلم مراتبُ طبعاً منها الإجتهاد بحيث الإنسان يكون له نابعيَّةٌ وقدرةٌ على التفكير والإستنتاج من الكتاب والسنَّة بالشكل المتعارف والمعروف ولا أقول بالشكل المشهور, لا, الإجتهاد على أشكال، وكلٌّ بحسب مزاجه بطبيعة الحال، لا يهمّ, لأنَّه ينتج قناعةً واطمئناناً بالحكم الظاهريِّ، وهذا يكفي
-محلُّ الشاهد ليس هذا- المهمُّ أنَّ القدرة على الإستنتاج ضروريَّةٌ، الذي أسميها بالنابعيَّة بتوصيلٍ إلى المجهول كما يعبِّر الشيخ المظفَّر في المنطق، والتوصُّل إلى المجهول فيه لذَّةٌ، فكبراه عيدٌ وصغراه عيدٌ، أي حصول ملكة الإجتهاد ونسميها بالكبرى، أي منظوراً ككلٍّ أو كذلك استنتاج كلِّ مسألةٍ مسألة، أيضاً هي بحسن التوفيق تكون بمنزلة العيد، فمن هذه الناحية هذا العيد يحتاج إلى مقدِّمات، ومقدِّماته ليس إلا الإشتغال بالعلم والعمل الصالح، لأنَّ القلب لا يكون أهلاً لقذف العلم إلا بسببه، الذي هو تحصيل مقدِّماته، أي الحصول على مقدِّماته وإنجاز مقدِّماته باللغة الأخرى وبطبيعة الحال. عرفنا ونعرف ما للإجتهاد من نتائج، أو قل هو ضروريٌّ أو أكثر من ضروريٍّ للمجتمع, نتائج خاصَّة وعامَّة، والمجتمع بدون مجتهدين, أو قُل البشريَّة بدون مجتهدين لا شيء ملحقةً بالعدم، تكون ضالَّةً ومضلِّةً – وإن كان مو لطيف تساوي (ﮔـحف ) أو تساوي حذاء عتيق- إنما شأنها في الحقيقة بالمجتهدين, وكلَّما كثر المجتهدون وكثر المفكِّرون يكون شأنها أعظم، وليس بمجتهدٍ واحد, صح مسألة الأعلم على جهة, لكنَّه تعدُّدَ المجتهدين حتى لو كانوا ألفاً حتى لو كانوا عشرة آلافٍ حتى لو كانت كلُّ الحوزة مجتهدةً، كلُّ أفرادها مجتهدين, هذا من لطف الله سبحانه وتعالى على المذهب وعلى الدين وعلى الإنسانيَّة بطبيعة الحال، ونحن نعلم أنَّ الأمم على العموم إنَّما تفتخر بمفكِّريها من قبيل: بالفيزياء والكيمياء وحتى الأدب وحتى الشعر وحتى أيِّ شيءٍ من الأمور التي تنفع بشرياً وإنسانياً، وعلى قمَّة ذلك العلم الدينيُّ بطبيعة الحال، علوم أهل البيت سلام الله عليهم. إذن، فالتعمُّق إلى هذه الدرجة في علوم أهل البيت ضروريٌّ، لأنَّ المجتهد يختلف عن غيره بأمرين أو بأكثر من أمرين، فَتواه تكون حُجةً وقضاؤه يكون حجةً وولايته تكون حجةً إذا قلنا هذا على نطاق المجتهد أو لطبقةٍ من المجتهدين – محلُّ الشاهد ليس هذا – في حين غيره لا يكون كذلك بطبيعة الحال، لا فتواه حجةٌ ولا قضاؤه حجةٌ ولا ولايته حجةٌ، والبشريَّة طبعاً من قبيل القول قاصرةٌ ومقصِّرةٌ بطبيعة الحال, الذنوب فيها والعيوب والخلافات وأشياء كثيرةٌ تحتاج إلى تعديلٍ وإلى تقويمٍ وإلى عدلٍ, تعديلٍ بمعنى إقامة العدل فيها وهذا لا يكون إلا بفتوى حقيقيَّةٍ وقضاءٍ حقيقيٍّ وولايةٍ حقيقيَّةٍ, وهذا لا يكون إلا بالإجتهاد، أوَّل درجاته هو الإجتهاد, أما أنه تستطيع أن تعمل شيئاً من ذلك بدون اجتهادٍ, فهذا دونه خرطُ القتاد ولا يمكن أصلاً، إنما يتبوَّأ مقعده من النار إذا فعل ذلك وليس بحجَّةٍ ولا يجب إطاعته حتى لو كان من أفضل فضلاء الحوزة ما لم يحصل على درجة الإجتهاد. فالمهمّ، على أنَّه الإجتهاد من هذه الناحية ضروريٌّ أكثر من ضروريٍّ، وطبعاً نحن نعلم بالقاعدة العامَّة أنَّه الإجتهاد إنما هو واجبٌ كفائيٌّ وليس واجباً عينياً، ولكنَّه هذا الواجب الكفائيَّ قد ينقلب أو يكون بمنزلة الواجب العينيّ، قلَّ طارقوه أو قلَّ المتصفون به بطبيعة الحال أقلّ من الحاجة بكثير، والآن الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه، هو أقلُّ من الحاجة بكثير، فمن هذه الناحية يتعيَّن على كلِّ المكلَّفين – طبعاً أنا من هذه الناحية خارج قوس-، وكذلك كلُّ مجتهدٍ هو خارج قوس، فعل الرجل ما بيده، ماذا يفعل أكثر من هذا، إنما التكليف على غير المجتهدين بأن يصبحوا مجتهدين، فهذا هدفٌ واجبٌ بغضِّ النظر عن أن يكون عيداً، صح هو عيدٌ، ولكنه نأخذه من ناحية التكليف الشرعيّ وشغل ذممكم به في الحقيقة، فمقدِّمة الواجب، إما أن نقول واجبةٌ كما هو الصحيح والمشهور، وإمّا أن نقول ضروريَّةٌ عقلاً، وهو أسبابه، اجتهاد بدون سببٍ لا يمكن. أيضاً نكرِّر هذا البيت.
ومن طَلَبَ العُلى من غيرِ جِدٍّ
ليس لها معنى أصلاً، إما بجدٍّ وجدّ كثير في الحقيقة وليس قليلاً، لأنَّه يحتاج إلى أن لا يقول في دين الله بغير علمٍ، أو يقضي بدون علمٍ والعياذُ بالله، لأنَّه حتى لو غضضنا النظر عن عقاب الآخرة، فإنه يكون مفسداً في الدنيا وغير عادلٍ وظالماً في الدنيا، صح هو يتخيل أنه ممَّن يحسنون صنعاً، إلا أنه ليس ممَّن يحسنون صنعاً، إنما تطبيق العدالة الحقيقيَّة لا أقل أنه تطبيق الحكم الظاهريِّ المتوصَّل إليه بدليلٍ معتبرٍ، نستطيع أن نسميه هذا الذي بيدنا في عصر الغيبة على أيَّة حال، أما العدل الموجود في اللوح المحفوظ لا نناله على كلِّ حال -ليس هذا محلَّ الشاهد-، (فإذن هو التصرُّف الفرديُّ والإجتماعيُّ بدون اجتهادٍ شرٌّ في الدنيا كما هو شرٌّ في الآخرة أو هو شرٌ في الدنيا قبل أن يكون شراً في الآخرة, في حين أننا نتمنى الخير في الدارين، وكلَّ ما تقَرُّ به العين. والحوزة الشريفة إنما هذا هو شغلها وهو أنها تنيل المجتمع أقصى ما تستطيع من العدل والإحسان والرحمة, وذلك لا يكون إلا بالإجتهاد، والإجتهاد لا يكون إلا بمقدِّماته. المهمُّ على أنَّه هذه المقدِّمات وبما فيها هذه المقدِّمة التي هي الإجتهاد يحتاج إلى تضحية, وهي لا بد منها، يعني أنا مقصودي أنها موجودةٌ على مختلف المستويات، وعلى مختلف الطبقات الحوزويَّة – لو صحَّ التعبير- أو الإدراكات الحوزويَّة، أيٌّ منهم هو مضطرٌّ لأن يضحِّي بما هو أدنى لأجلِ الحصول على ما هو أفضل، أو ما هو خيرٌ، أو على ما هو أولى وأوجب، يضحِّي بالداني للحصول على العالي، وهذا موجودٌ على مختلف المستويات, يعني إن قلت أن هذا العمل الذي بدأناه أو بدَأتُه ما أسمِّيه بالحوزة الناطقة, فيه تضحيةٌ كثيرةٌ ومصاعبُ وإحتمالاتٌ شديدةٌ في النتائج الوخيمة، كما يخاف منه القسم الآخر من الحوزة, جوابه هذا: أنَّه هذا يحتاج إلى تضحيةٍ وهذا يحتاج إلى تضحيةٍ وكلُّ عمل الدين يحتاج إلى تضحية, وما دام هناك باصطلاح طبقاتٍ من المفكِّرين, أن هناك صراعٌ بين الحقِّ والباطل, أو باللغة الأخرى أنه ما دامت الدنيا بيد أهل الضلال عموماً, فطبعاً الدين يحتاج إلى تضحية, وإقامة الدين قليلاً أو كثيراً إنما هو هدف الحوزة، حتى الفتوى الواحدة هي إقامة الدين، ولو في موردٍ واحدٍ سبحان الله, فمهما قلَّ أو كثر إقامةُ الدين مطلوبٌ وعلى كلِّ حالٍ هي تحتاج إلى تضحية, فمن هذه الناحية ماذا نفعل؟ أيُّ عملٍ دينيٍّ ليس فيه تضحية؟ فإذا كانت التضحية لا بد منها، فطبعاً الله تعالى – نستطيع القول – استحباباً أو وجوباً لعلَّه أقرب إلى الوجوب, أنه كلَّما الإنسان أدّى التضحية أكثر أمام الله سبحانه وتعالى أو إحتمالات التضحية أكثر سيكون أثوَب أو أرضى لله سبحانه وتعالى, شخصٌ ما مثلاً يضحِّي بتأجيل وجبة طعامه ساعةً, شخصٌ ما يضحِّي بتأجيل وقتِ منامِه ساعةً، لا, التضحيات على أشكالٍ أخرى بالنفس والنفيس لا بأس أنا ما هي قيمتي أمام الله سبحانه وتعالى وإن كان هي ليست بلطيفةٍ لا يقاس, لكن على أيَّة حالٍ لستُ أثمنَ من المعصومين، من أمير المؤمنين والحسين وموسى بن جعفر وآخرين على كلِّ حالٍ وأيٌّ منا هو كذلك, سبحان الله, فإذا كان الضرر نال المعصومين سلام الله عليهم, فلينَل أيَّ واحدٍ منا, وإذا كنا قد أعطينا الفرد صار الآن شيئاً معتدّاً به لن يزول بزوالي (لن يزول بزوالي) ولن يستطيع أحدٌ أن يزيله بزوالي, إذا ذهبت فميراثي موجودٌ، بمعنى آخر الحوزة الناطقة أوجدت مذهباً ناطقاً ووعياً ناطقاً وهذا مستمرٌّ بعون الله سواءٌ كان السيِّد محمَّد الصدر موجوداً أو غير موجود، في حين أنَّ الحوزة الأخرى أوجدت مجموعةً من الغفلة والذُّهول والنسيان والتسامح, فإذا كان العالِم هو يتسامح ويتناسى, فكيف بالشيعة وبالمسلمين، أيضاً يتسامحون ويتناسون بطبيعة الحال، فهذه الفروع الجديدة التي أُعلِنَت أخيراً كلها كانت منسيَّةً ليس لها وجودٌ ،لا في الرسائل العمليَّة ولا في الإرتكازات المتشرَّعيَّة، وسبحان الله هو أنا الوحيد الذي قلت في بعض الأحيان: (دعوا الناس على غفلاتهم) حتى هذا الكلام لم يكن موجوداً، علماً أنَّ هذه الرواية ضعيفةٌ أكيداً، لم يكن موجوداً في ذلك الحين، فما كانت الأعذار حينما يسكتون، لم يكن موجوداً، (دعوا الناس على غفلاتهم) ليس إذناً بالسكوت وإسقاطاً لمشروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنا أقول إلى الآن طبعاً، فمن هذه الناحية كان الواجب ذممهم مشغولة ولا زالت ذممهم مشغولةً، فالذي توفِّي قدس الله روحه الزكيَّة، لكن أنا أخاطب الأحياء، أنا وصلني مثلاً كلامٌ أنه لا يهمُّ سيِّد محمَّد الصدر، هكذا يقول ناقل والله العالم، والعهدة عليه: أن السيِّد محمَّد الصدر لا يهم جزاه الله خيراً مثلاً نافعٌ وعالمٌ وأعلم ومفكِّر … إلخ، ولكنه ينتقدنا كثيراً أي ما أسميه بالحوزة الصامتة فليذهب، أنا أسكت صح، ولكنَّ الله موجودٌ، إذا كان الله موجوداً وساكتاً عنهم أي ذممهم فارغةٌ اتجاهه، إذا أنا أتكلم أو لا أتكلم مثل الكلب الذي ينبح لا يهمّ، وإنَّما إذا كانت ذممهم غير فارغةٍ تجاه الله وتجاه التكليف الشرعيّ، لا، إذن هم غير معذورين فليحسبوا حسابهم, أنهم معذورون أمام الله سبحانه وتعالى حقيقةً أم لا, الفرق بيني وبينهم هذا الشيء الذي فعلته هل هم مسؤولون عنه ليس على كثرته نصفه, ربعه, عشره, هم مسؤولون عنه أم لا. باختصارٍ شديدٍ فإن لم يكونوا مسؤولين عنه إذن أنا غير مسؤول عنه، إذن أنا خاطئ, لا, – وطبعاً الأذهان تختلف والعقول تختلف – حسب القواعد الشرعيَّة التي أدركها أنها واجبةٌ عليَّ وعلى غيري ومن مسؤولية الحوزة كلها, إذن فذممنا كلنا مشغولةٌ بأمثال هذه الأمور الإجتماعيَّة والإصلاحات الإجتماعيَّة لو صحَّ التعبير, فإذا كانت ذممهم مشغولةً أمام الله سبحانه وتعالى وغير معذورين, إذن سواءٌ أنا تكلَّمت أو سَكَتُّ، حتى لو سكتُّ فإنما أسدُّ أنفي على رائحةٍ نتنة, ولكنه بالآخرة الرائحة موجودةٌ، إنما مسؤوليتهم في الدنيا والآخرة، أمام الله سبحانه وتعالى, فإذن العتب، ليس أنا العاتب, إنما ربك هو العاتب, الله تعالى فوقهم وجهنَّم تحتهم.- هم أحرار- أنا أيضاً الله تعالى فوقي وجهنَّم تحتي، فإذا قصرت بما أدركه من التكاليف أكون مستحقاً للعقاب بطبيعة الحال، وأيُّ واحدٍ من عندنا سواءٌ كانت التكاليف الشخصيَّة أو التكاليف العامَّة إذا قصَّر أيضاً يكون محلاً للعقاب، فمن هنا يكون توجيه نصيحةٍ أو رجاء إلى أنه يشعرون بشيءٍ من ذلك، يشعرون بشيءٍ من المسؤوليَّة تجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنا سبحان الله قدمتُ هذا الشيء الذي قدمته من أنَّه التضحية لا بد منها، احتمالات البلاء واحتمالات السوء لا بد منها، ولا ينبغي أنَّ الإنسان يشعر بالأنانيَّة إلى هذه الدرجة، صح هو لا ينبغي أن يتورَّط باحتمالاتٍ قاسية، التقيَّة واجبةٌ بطبيعة الحال, وأنا لم أسقط وجوب التقيَّة كما يزعمون, وإنَّما التقيَّة لها موضوعٌ ولها محمولٌ, متى وجد موضوعُها وجد محمولُها سواءٌ على السيِّد محمَّد الصدر أو غير السيِّد محمَّد الصدر، وهو أمام أمرين أنَّ المحتمل راجحٌ والإحتمال راجحٌ للضرر، وأنتم متفقِّهون، تفهمون هذه اللغة, فإن كان شيءٌ من هذا القبيل فالتقيَّة واجبةٌ, وفعلاً أنا أقف يجب على أيِّ واحدٍ أن يقف, وأمّا إذا كان ليست المسألة هكذا إما الإحتمال ضعيفٌ وإمّا المحتمل ضعيفٌ وإمّا كلاهما موجودٌ، وإنَّما من يظن واحد بالمليون، احتمالٌ تحليليٌّ دقِّيٌّ من الخوف أو من الضرر سبحان الله كما هو الأعمُّ الأغلب في الكثير من الأمور النافعة الدقيقة – نستطيع أن نسميها -, فمن هذه الناحية لماذا التقصير فيها، إنما الخجالة أمام الله سبحانه وتعالى وأنا خارج قوس، أنا لست صاحب الشريعة والعياذ بالله، وإنَّما الله تعالى صاحب الشريعة الحقيقيّ، كما وإن كان هي على كلِّ حالٍ لطيفةً، هذا شيءٌ معروفٌ أنه يقال للمسيحيين أنه أنتم البابا مولاكم، أما نحن لا حتى رسول الله ليس مولانا، وإنَّما الله مولانا ونفتخر أنَّ الله مولانا، وليس كذلك بحسب تعبيري أنه ليس سيبويه مولانا ولا الزمخشري ولا السيوطي، وإنَّما الله تعالى مولانا ونحو ذلك من الأمور، والله تعالى هو الذي هدانا (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ) ([1]) -محلُّ الشاهد-، ففي موردٍ ليس فيه تقيَّةٌ لا يكون العذر موجوداً، يعني المقتضي للتكليف موجودٌ كما هو واضحٌ وكما هو مفروضٌ على أية حال، والمانع وهو التقيَّة مفقودٌ كما هو مفروضٌ أيضاً، انتَهينا، إذن ينبغي على الإنسان أن يمشي، فإذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا مورد التقيَّة، يقومون لا يلزم، أما أنَّ الإنسان يبذل أقلَّ من إمكانه وربما أقلَّ من إمكانه بكثير، سبحان الله غير معذور (غير معذور) إنما يبذل أقصى إمكانه، يبذل كلَّ إمكانه، لأنَّه إنما خلق لذلك، إنما خلقه لله سبحانه وتعالى أي لخدمة دين الله سبحانه وتعالى، فإذا بذل أقلَّ من إمكانه فقد قصَّر أمام الله سبحانه وتعالى، تماماً من قبيل أنَّه الإنسان – وإن كان نحن إن شاء الله قائمين بالواجبات ومرتدعين عن المحرَّمات – لكنه إذا قلَّلنا من المستحبّات أو من التوقَّعات الشخصيَّة -نستطيع أن نسميها- نعترف بالتقصير أمام الله سبحانه وتعالى، أنه أنا مثلاً اليوم لم أصلِّ نافلة الصبح وأنه أنا لم أغتسل غسل الجمعة وأنه أنا لم أقرأ دعاء كميل، نعترف بالتقصير بالآخرة, بتقصيرٍ ما, لكنَّ هذا تقصيري الشخصيُّ، وهو أدنى التقصيرين في الحقيقة, لكنَّ التقصير الأهمَّ هو التقصير في الأمور التي تنفع بها نفسك وتنفع بها غيرك, التقصير الإجتماعيُّ الذي هو المهمُّ وليس مستحباً بل هو واجبٌ, وإن لم يكن واجباً بالوجوب العينيِّ فهو واجبٌ بالوجوب الكفائي، بل هو بالأصل كفائيٌّ ومتحوِّلٌ إلى الوجوب العينيّ, لأنَّ القائمين به أقلُّ من المطلوب، وأقلُّ من الحاجة، وأقلُّ من المقدار الممكن، فما أحسن أن تكون الحوزة بمجموعها يداً واحدةً في الحقيقة, حينئذٍ نغيِّر في تأريخ الحوزة, ولا أقول أغيِّر تأريخ البشريَّة, أنا أقلُّ من ذلك, إنما هو بيد الله أساساً وبيد صاحب الزمان سلام الله عليه, ولكنه مع ذلك نحن نستطيع أن نغيِّر شيئاً معتدّاً به، إذا حصل الإتفاقٌ في الحوزة بين المراجع وغير المراجع, وأنا طبعاً تعلمون وهذا ليس من الجديد بأنَّهُ أكون أوَّل الداخلين وآخر الخارجين -لو صحَّ التعبير– لا يهمُّ وفي أيِّ مكانٍ وفي أيِّ زمان, ولكنه أنا لا أريد أن أسيء الأدب كما يقول الشاعر والعياذُ بالله.
لقد أسمعْتَ لو ناديتَ حيّاً
ولكنْ لا حياةَ لـمنْ تُنادي
الحوزة كلُّ أفرادها إن شاء الله أحياءٌ ومفكرون وشاعرون بمسؤوليتهم. فلماذا يكون شيءٌ من الجفاء أو التجافي، إذا كانوا هم على حقٍّ، فليأتوا ويقنعوني حتى أكون مثلهم، لا بأس إذا كان في هذا فراغ ذمَّةٍ مائة بالمائة، فما أحسن أن ننجوا من البلاء الدنيويِّ في سبيل الحصول على الثواب الأخروي، لا، أنا أقول أنه (الدنيا والآخرة ضرَّتانِ لا تجتمعان)، فإما دنيا وإمّا آخرة والخوف وزيادة التقيَّة هي دنيا أمنٍ وأمانٍ وأكلٍ وراحةٍ وحرٍّ في الشتاء ودفءٍ في الصيف واللبس الحسن، تذهب الآخرة وتزول تذهب ولا ترجع تزول، فيقال لهم (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا)([2]) فإذا أضيف إلى ذلك الشبهات أنه لعله أحياناً أفتى بغير علمٍ، أحياناً نسي، أحياناً جهل، أحياناً زلق، وما أكثر ما يفعل غير المعصوم من ذلك، كلٌّ منا غير المعصوم، حينئذٍ يكون زيادةً في قلَّة الآخرة لا أقول أكثر من ذلك، في حين أنه هنا لا في الجهة الأخرى أنَّ الإنسان إذا بذل أقصى إمكانه وليس أقصى إمكانه بالمعنى العقليّ، لا، أقصى إمكانه بالمعنى العرفيِّ أو بالمعنى الفرديِّ لا يهم، المهمُّ أن يمشي، أن يكون هذا هدفه، وهو نفع نفسه ونفع الآخرين، فحينئذٍ ماذا يصير؟ يصير أنَّ الدنيا تُسلَب منه، صح هذا ظاهر الحياة الدنيا، أنَّ السيِّد محمَّد الصدر عنده موارد، وعنده مسجدٌ، وعنده بيتٌ، لكنه كما يقول أحد الأشخاص قال لي أنه حينما أمشي معك أشعر بشيءٍ من العُجْبِ في داخل نفسي، فقلت له لا أنتَ أنظر إلى الجانب الآخر أنَّ الرصاصة متى تخترق رأسك، إحتمالٌ قائم، فأنتَ إذا كنت تريد الدنيا فتقف هذا الموقف الذي هو إحتمال ولو 1% أن تخترق الرصاصة رأسك، لا، فهذه الإحتمالات توجب أنَّ الدنيا زائلةٌ، موجودةٌ حقيقةً، لكنها زائلةٌ دقِّياً وروحياً، ليس لها وجودٌ، لو كان لها وجودٌ لانسحبنا -سبحان الله- ولأكلنا وشربنا ونمنا، والله تعالى يعلم هذه الحالة من أين تأتي، وأنا لا أستطيع أن أقدِّم الطاعة إلى الله سبحانه وتعالى، لكن هذا أقصى ما أستطيع أن أقدِّمه على أيَّة حال، وهو قليلٌ جدّاً، إذا كان مقتل الحسين سلام الله عليه قليلاً في نظر زينب وفي نظر المتشرِّعة، فكيف بالسيِّد محمَّد الصدر أو غير محمَّد الصدر -محلُّ الشاهد- فهذا الشيء الذي ينبغي لأيَّ واحدٍ منا تقديم مصاعب وتضحية، لا يهم، إن شاء الله لا تصل إلى النفس والنفيس، يضحِّي بشيءٍ بسيطٍ، بقطرة عرقٍ أو بسهرة ليلٍ أو بطعامٍ أو بمنامٍ في سبيل الآخرين، ليس في سبيل نفسك، وأنتَ الذي تثاب، لأنَّ الظالم يبدأ فيظلم نفسه، والعادل يبدأ فيُحسِن إلى نفسه في الحقيقة قبل غيره أكيداً، فأنتَ أَحسِن إلى نفسك على الأقلِّ إذا كنت أنانيّاً والعياذُ بالله، فابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها، وإنفعها بنفع الآخرين، وليس بنفعها فقط، هي لها مفهوم الشرط لا عن الزيادة، سبحان الله، لا، أنفع نفسي وأنفع الآخرين، ما أحسن ذلك سبحان الله، وجزاكم اللهُ خيرَ جزاءِ المحسنين.
([1]) سورة الأعراف: 7/43.
([2]) سورة الاحقاف: 46 /20.