مَوعِظةٌ حَولَ طَاعَةُ الله

أعوذُ باللهِ من الشيطانِ اللَّعينِ الرَّجيم

توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين

وصلّى اللهُ على خير خلقِهِ محمَّدٍ وآلِهِ أجمعين

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

كأني منذ فترةٍ لم أتعرَّض إلى أمرٍ خارج المادَّة الفقهيَّة، فوددتُ الآن أن أتعرَّض إلى شيءٍ من ذلك، أنا كنت مقتنعاً إلى مدَّةٍ قريبةٍ أنَّ خطب الجمعة كافيةٌ في الموعظة للحوزة وغير الحوزة، ولكن طبعاً هذا قابلٌ للمناقشة، لأنَّ التركيز في الدرس أو شبه الدرس سوف يكون أكثر، ونحن نعرف أنَّ الموعظة في داخل الحوزة ينبغي أن تختلف عنها في خارج الحوزة، وخطبة الجمعة مهما تكن هي في خارج الحوزة، وليست في داخل الحوزة، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، وأنتم لا أدري تلاحظون أو لا؟ وهذه فكرةٌ قلَّما يُتَطَرَّقُ إليها، أنَّ فرص الطاعة لله سبحانه وتعالى ليست متوفِّرةً على حدٍّ سواءٍ للناس أو قل للمخلوقين عموماً والبشر خصوصاً، لزيدٍ من الناس فرصُهُ مثلاً عشرة، عمر إثنى عشر، سعيدٍ عشرين، أنا لا أقول أنه يُتَصرَّفُ في كلِّها تصرُّفاً حسناً، مجرَّد المقتضي أو الفرصة باللغة الحديثة، مثلاً وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، أنَّ المجتهد له فرصةٌ في طاعة الله بصفته مجتهداً يفقدها طبعاً كلُّ غير المجتهدين وهم أكثر البشريَّة –سبحان الله- مثلاً الغنيُّ له فرصةٌ في طاعة الله بصفته متموِّلاً، في حين أنَّ الفقير ليس له فرصةٌ في طاعة الله من هذه الناحية والعكس أيضاً صحيح، سبحان الله الفقير له فرصةٌ في طاعة الله وهو الصبر والرضا وكذا، غير موجودةٍ في الغنيِّ وهكذا، كلُّ واحدٍ له فرصُهُ الخاصَّة به، وبعضه نستطيع القول أنَّ هذا يتوفَّر في بعض الأفراد أكثر، وبعضه يتوفَّر في بعض الأفراد أقلّ…إلخ، أما أنه تنزل المسألة إلى حيِّز التطبيق حقيقةً، فهذا لا يدخل في ضمن كلامي، إنما هو كلُّ واحدٍ حسب اختياره، ونستطيع أن نقول حسب وعيه وشعوره بالمسؤوليَّة أمام الله سبحانه وتعالى ليس أكثر من ذلك، إذا لاحظنا هذا الشيء فنستطيع أن نقول أنَّ فرص طاعة الله سبحانه وتعالى بالنسبة إلى الحوزة أكثر من أيِّ مجموعةٍ أخرى على الإطلاق، وهذا من النِّعَم في الحقيقة، من النِّعَم الجسيمة من الله سبحانه وتعالى، أنَّ اقتضاء الطاعة المعطى إلى الحوزة أكثر بكثيرٍ من اقتضاءات الطاعة المعطاة لأيِّ واحدٍ من البشر من مسلمٍ وكافرٍ وسنيٍّ وملحدٍ وغنيٍّ وفقيرٍ ومريضٍ وصحيحٍ لا توجد فرصةٌ أخرى ذهبيَّةٌ أحسن منها للحصول على مدارج الآخرة وحسن الثواب في الحقيقة, لكنه طبعاً – هذا أيضاً ينبغي أن يؤخذ بنظر الإعتبار – أنه كلَّما كثرت الفرص كانت المسؤوليَّة أزيد من قبيل هذا الذي قلته أكثر من مرَّة، كان بعض أساتذتي يقول: (نضعه على المزلق ونقول له لا تزلق). أنا أزيد على ذلك أنه نأتي بمزلقٍ أوَّلاً أملس، وثانياً (عليه زيتٌ) ونضعه عليه ونقول له: لا تزلق. ليس مزلقاً خشناً بحيث يمكن التمسُّك به، ولكن فيه اقتضاء الزلق مائة بالمائة, لأنَّه الحمد لله هذا الزيتُ موجودٌ في داخل النفس، وهو النفس الأمّارة بالسوء إن لم أكن أريد الزلق فأزلق على كلِّ حال، وكلما كانت المسؤوليَّة أزيَد كان الزلق احتماله أكثر و (إذا فسد العالِم فسد العالَم) بطبيعة الحال -محلُّ الشاهد -, فالفرص المعطاة للحوزة كثيرةٌ ربما بمعنى من المعاني فوق حدِّ الإحصاء، ولكنه أنا كتبت لكم هنا عشرة عناوين عامَّةٍ ليس على نحو الحصر أيضاً، من فرص الطاعة والثواب لرجل الدين عموماً وللحوزة عموماً، بل يمكن أن نتساءل أنه ما هي الفرصة غير المفتوحة للحوزة؟
-بمعنى من المعاني – وإن كان إلى حدٍّ ما به تجوُّزٌ أو شيءٌ من المجاز، إنَّ كلَّ فرص الطاعة مفتوحةٌ للحوزة ليس هناك فرصة طاعةٍ غير مفتوحةٍ للحوزة إلا نادراً، أنا لا أقول لا، يوجد بعض الأمور التي هي غير مفتوحةٍ – لها بابٌ وجواب – ربما إنَّ صاحب الزمانg يتكفلها، هو الذي مفتوحةٌ له كلُّ فرص الطاعة على الإطلاق، لكنَّ هذا لا يعني أنه بالتقريب كلُّ فرص الطاعة مفتوحةٌ للحوزة ودائماً، سبحان الله، وإنَّما تغلق لأنَّها قصرت فتُمتَحَن وتُعاقَب – فتُجرُّ أذنها بالإغلاق – وإلا بمقتضى القاعدة الطبيعيَّة أنها دائماً موجودةٌ، ولولا التقصير لبقيت موجودةً باستمرارٍ ولكثرت باستمرار، ولكنه خوفٌ طبعاً حينما يكونون غير معصومين من أكبر واحدٍ إلى أصغر واحدٍ -ماذا يريد أن يصير الإنسان- لأنَّها مسؤوليَّةٌ جدّاً كبيرةٌ فتحتاج إلى دقَّةٍ جدّاً كبيرةٍ، وليس واحدٌ منا حتى سيِّد محمَّد الصدر بدقيقٍ إلى هذه الدرجة، وإنَّما لا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها، لكنَّ الأثر الوضعيَّ يصير، الخطأ ينتج أثراً وضعياً بكلِّ تأكيد، سواءٌ رضينا أم أبينا، إفترضوا أننا معذورون تكليفاً أمام الله سبحانه وتعالى – محلُّ الشاهد – ، العشرة ما هي: نحمل عنها فكرةً ولو مختصرةً نسبياً والوقت لا يسع طبعاً.

أوَّلاً: العبادة الشخصيَّة. وهذا موجودٌ طبعاً لكلِّ واحدٍ منا على مستوى الواجبات، وعلى مستوى المستحبّات، وعلى مستوى المكروهات, سنقول أنَّ المحرَّمات كلَّها توصُّليَّةٌ على العين والرأس، ولكنها مع ذلك إن تُركَت قربةً إلى الله أيضاً هي عبادةٌ, وإذا كانت المسألة أكثر طبعاً القدم الآخر أننا نجعل كما في الرواية, كأنما رسول الله a يقول لأبي ذرٍّ: (اجعل كلَّ عملِك بنيَّةٍ), أي قربةً إلى الله سبحانه وتعالى حتى الأكل وشرب الماء، مثلاً زيارة الصديق إذا كان ليس بنيَّةٍ – قف – لا حاجة إلى العمل الذي ليس بنيَّةٍ, لأنَّه فيه طلباً للدنيا, كله بنيَّةٍ وإلا فلا, أو أنه من قبيل الدقَّة الأخرى أنه (إذا كنت لا ترى الله فهو يراك), فأنتَ دائماً باستمرارٍ اذكر الله بهذا المعنى: (فإن لم تكن تراه فهو يراك) وهو فوقك ومسيطرٌ عليك ومدبِّرٌ لأمرك…… إلخ، إن لم تكن تخاف جهنَّم، ربما جملةٌ منهم يثقون بطاعاتهم على العين والرأس، ولكنه (تنافسوا في درجات الجنان) يوجد بها روايةٌ أنه: (كلكم في الجنة، ولكن تنافسوا في درجاتها) فهل واحدٌ منا ما يتنافس في درجات الجنان، وهل أنَّ درجات الجنان تُنال بهذا الذي نحن فيه حاشا لله هذا ليس عدلاً، ربما رحمة بدون استحقاق جل جلاله ممكن أن يعطيها، أما الإستحقاق غير موجودٍ إلا أن نغيِّر من أنفسنا تغييراً جذرياً بطبيعة الحال.

والقدم الآخر في العبادة هذا أيضاً موجودٌ ما مضمونه أنه إجعل الباطن والظاهر كلَّه مكرَّساً لله حتى أفكارك مكرَّسةً لله وحتى قلبك وحبك وبغضك وكراهتك وميلك كله مكرّساً لله سبحانه وتعالى, فهل سيد محمَّد الصدر وزيد وعبيد هكذا، أو لا طبعاً يكونون من المتقين (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)([1])، أما إذا لم يكن متقياًَ فليس له عاقبةٌ، طبعاً أنا مُعَبِّر بهذا التعبير أكثر من مرَّةٍ أنه يُغَسَّل بالحمّام الحارِّ ثمَّ يدخل إلى الجنة حتى ينظف – لا يجوز أن يدخل الجنة قذراً -, فهل يرضى واحدٌ منا أو غيرنا أن يدخل في جهنَّم مقدِّمةً للجنة كأنَّما ضلَّةٌ في عقله وقصورٌ في تفكيره أكيداً، مضافاً إلى أنه لا يتحمَّل من جهنَّم ولا طرفة عينٍ، يستغيث ولا يغاث على كلِّ حال.

ثانياً: حسن العلاقات مع الآخرين في طاعة الله, وهذا أيضاً واضحٌ سواءٌ في داخل الحوزة أو في خارج الحوزة, وسواءٌ على المستويات الإعتياديَّة الفقهيَّة, نستطيع أن نسميها، بمعنى أنه لا تظلم أحداً حقيقةً, لا تظلم أحداً, لأنَّ الظلم حرامٌ عموماً، لا أقول بكلِّ درجاته، ولكنَّه مسحته العامَّة – نستطيع أن نسميها – أو غالب أفراده أو 99% منه حرامٌ بطبيعة الحال، هذا من هذه الناحية أو الأكثر من ذلك وهو قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصلحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)([2]) إخوة يعني ماذا؟ أي إخوة في الله سبحانه وتعالى، وإخوة في الإيمان، وليس هذا مجازاً (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) أنتَ إذا لم تشعر (لاحظوا) إذا لم تشعر أنك أخٌ لصاحبك، ففي المسألة يوجد نقصٌ، وإلا لو كان أنتَ على حقِّ الإيمان، وهو على حقِّ الإيمان، إذن أنتم أخوةٌ وتعلمون أنَّ الله تعالى قال في القرآن هكذا، أما إذا لم تكونوا إخوةً حقيقةً إذن يوجد نقصٌ، أما أنتَ لست مؤمناً، وأمّا زيدٌ أو عمروٌ ليس مؤمناً يوجد نقصٌ في أحدكما أو نقصٌ في كليكما، وإلا لو كان الإيمان بدرجةٍ معتدّاً به موجوداً في كلا القلبين وفي كلا النفسين، فلماذا لا تكونوا إخوةً إنما ينصُّ القرآن على أنكما أخوين وليس أخوين فقط-سبحان الله- وإن كان هذا هي الصورة الظاهريَّة التي أعلنها رسول الله k، آخى بين اثنين اثنين، هذا هو الذي يتحمل المجتمع، هذا أقصى ما كان يتحمَّل المجتمع, وإلا في الحقيقة إذا كانوا كلُّهم مؤمنين، مليون واحد، مليون أخ, ولماذا لا, كلهم إخوةٌ وعلى مستوى واحدٍ وعلى مستوى مؤكَّدٍ ومشددٍ، وكلُّ واحدٍ من المليون مستعدٌّ أن يضحِّي في سبيل أيِّ واحدٍ من الباقين بنفسه ونفيسه، ولماذا لا، سبحان الله، على كلِّ حالٍ نفترض أنَّ بالمليون مبالغةً لأنَّ الوضع العالميَّ الآن لا يتحمَّل هذا الكلام، ليكن مائة، قصدي أنه ليس بالضرورة أن يكون الأخوة اثنين، فليكونوا عشرةً، فليكونوا خمسين، المهمُّ أنَّ الإنسان أخٌ في الإيمان لكلِّ المؤمنين، لكنَّه الشبهة مصداقيَّةٌ في الحقيقة وليست مفهوميَّةً، يعني أنَّ الإيمان هل هو موجودٌ هنا، هل هو السيِّد محمَّد الصدر من المؤمنين لكي يكون أخاً للمؤمنين، هذا هو المؤسف، درجة إيمانه هل وصلت إلى درجةٍ يشعر حقيقةً بالأخوَّة مع سائر المؤمنين أم لا، وإلا الكبرى واضحةٌ ونصٌّ، ومن ضروريات الدين، ونصُّ القرآن الكريم، أنا لا أريد أن أطيل، فكرتُ على أنه (فَأصلحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) أيضاً فيها نحوٌ من الإشكال، كيف يكونون أخوةً بهذا الترتيب ويختلفون، معناه أنَّ الإختلاف دليل النقص، والنقص دليلٌ على قلَّة الإيمان، وقلَّة الإيمان تنتج عدم الأخوَّة، وعدم الأخوَّة يعني أنه لا إيمان لهم بالدرجة المطلوبة، -يعني إيماناً ربما إيماناً بالجنسيَّة أو إيماناً بالتلفظ، أما إيمانٌ قلبيٌّ حقيقيٌّ يبدو أنه ليس هكذا-، فلماذا يختلفون (فَأصلحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) في الحقيقة هذا مجاز، إما أن نقول: أنهم ليسوا بإخوةٍ حقيقةً وإنَّما إخوةٌ ظاهراً، ليسوا إخوةً في الله، وإنَّما إخوةٌ في المجتمع أو في ظاهر الإسلام – له بابٌ وجواب – وإما أن نقول شيئاً آخر وهو أنهم يختلفون في أمورٍ يقتنعون بها أمام الله، كلُّ واحدٍ يجد رأيه هو الصحيح في طاعة الله، لكنه بالآخرة في بعض مقدِّماته اشتباهٌ، لا بد أنَّ أحدهما مشتبهٌ أو كلاهما مشتبهٌ، وإلا فالإختلافُ ثبوتاً لا يمكن بطبيعة الحال، لأنَّه الأمر الواقع واحدٌ لا يتعدَّد، والله تعالى هو الفاعل له والجاعل له – محلُّ الشاهد – فحينئذٍ أصلحوا بين أخويكم أي أقنعوا – بمعنى من المعاني وإن كان فيه تسامحٌ – أقنعوا الضالَّ منهما والمتوهِّم منهما أن يعود إلى الحقيقة التي يؤمن بها الآخر، وليس بمعنى حاربوه أو أقتلوه أو عوِّقوه أو إضربوه، ليس بهذا الشكل، أصلحوا، هذا يشبه تلك الآية الكريمة (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصلحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحداهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أمر اللَّهِ) ([3]) ماذا يقال هنا – توجد كلمةٌ كبيرةٌ – أنه سمى الباغي مؤمناً فكيف مؤمناً حال بغيه سبحان الله، لا هذا إما أن نحمله في الحقيقة على المجاز ليس مؤمناً أو نقول أنه مؤمنٌ قبل بغيه، وقد خرج عن الإيمان ببغيه بطبيعة الحال لأنَّ – هذه الرواية موافقةٌ لحدسي على ضعف سندها أنه (إذا وقع السيف بيننا وبينكم فأنتم أمَّةٌ ونحن أمة) لا يمكن أنَّه إثنين يقع السيف بينهما وهما معاً على الإيمان، مستحيل، هذا يقوله واحد لجيش بني أميَّة المحارب للحسين قبل الحرب طبعاً، قبل وقوع القتال, يقول لهم (إذا وقع السيف بيننا وبينكم فأنتم أمَّة) -أنتم اختاروا- إما نحن مسلمون وإمّا أنتم مسلمون، وحيث أنَّ القدر المتيقَّن أنَّ الحسين وأنصاره هم مسلمون, إذن فأولئك كفرة – محلُّ الشاهد – فقبل أن يقع السيف هو مؤمنٌ، لا يهم له بابٌ وجواب، أما بعد أن وقع السيف ميئوس من إيمانه بطبيعة الحال، وذاك الحلُّ الذي قلناه في الآية الكريمة -له بابٌ وجواب- ضعيفٌ جدّاً، وهو أنه نقول نعم وقع السيف وكلاهما يتقرب إلى الله بالقتال، صعبةٌ جدّاً إلى هذه الدرجة، لا يوجد قناعةٌ إلا على مستوى الجنون، أما بالدقَّة لا يحتمل أنهما يختلفان في الإيمان، ومع ذلك يتقاتلون، نعم، قد يختلفان في الإيمان دون هذه الرتبة
– لها بابٌ وجواب – أما تصل المسألة إلى القتال، صعبةٌ جدّاً.

ثالثاً: (وهي فرصةٌ مفتوحةٌ للجميع, ولكنه طبعاً في الحوزة أوضح جدّاً وهي تلقِّي العلوم الدينيَّة، علوم أهل البيت سلام الله عليهم، وهي نعمةٌ عظيمةٌ موجودةٌ في أيِّ واحدٍ منا وفي كثيرين من خارج الحوزة أيضاً من المتفقهين، نفس التفقه هو نعمةٌ في الحقيقة, ولماذا لا, لكنَّ النعمة التي – الآن نتقدم شبراً أو قدماً – نراها مختصةً بالحوزة لا يمكن لغيرها أن ينالها وهي فرصة الإجتهاد, الإجتهاد نعمة، العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء, فكلَّما كان العلم أكثر كانت النعمة أزيد والنور أزيد، هذه واحدة.

والشيء الثاني هذا العلم إذا أصبح ملكةً لا يحتمل زواله ويمثِّل شخصيَّة الإنسان، وكلُّ عقليَّة الإنسان وكلُّ عمل الإنسان وإن كانت العبارة فيها تسامحٌ، كله نوراً يصبح، أي كلُّه علماً يصبح, في الحقيقة الذي هو حقيقة المجتهدين بهذا الترتيب، لا تقولوا هذا الكلام، أنه العلم عُرِض هذا الإشكال، وأجبت عليه أنه: (العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء) ليس كلُّ علمٍ طبعاً (لاحظوا) لا, وإنَّما بعض العلوم، وإلا مثلاً السحر علمٌ وعلم الحروف والسيمياء والميمياء هذه ليست نوراً يقذفه الله في قلب من يشاء، وكذلك العلوم التي هي من قبيل العلوم الطبيعيَّة الصِّرفة التي هي دنيويَّةٌ صِرفةٌ، الطبُّ والكيمياء والفيزياء والفلك والجيولوجيا وأيُّ شيءٍ من هذا القبيل أيضاً ليست نوراً يقذفه الله في قلب من يشاء، في الحقيقة هذا له عدة أجوبةٍ منها أن يقال بأننا نقول أنَّ كلَّ علمٍ نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء، كلُّ علمٍ وأيُّ ضررٍ من ذلك من حيث المعرفة, المعرفة أكمل من عدمها، كلُّ قضيَّةٍ مهما صغرت أو كبرت هي علم، القناعة بها هي علمٌ وهي كمالٌ, وإنَّما النقص في العمل, النقص في القصد, النقص في الإخلاص, أما من زاوية العلم ككمالٍ عقليٍّ هو نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء حتى لو كان السحر, تعلُّم السحر ليس بحرام، ونحو ذلك من الأمور, فإذن لا يختلف علمٌ عن علمٍ من هذه الناحية, وإنَّما نعم, يختلف العالم والعياذ بالله لو صحَّ التعبير، هذا يطلب به الدنيا، وهذا يطلب به الآخرة، ونحو ذلك من الأمور.

الجواب الثاني أن يقال أنَّ العلم علمٌ واحدٌ هو الذي (هو نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء)، كلُّ هذا نخرجه, وإن كانت العبارة غير لطيفة – نأخذه ونرميه في القمامة – وإنَّما علمٌ واحد, العلم بالله، ذاك النور الذي يقذفه الله في قلب من يشاء ما هو؟ لا يعرفه إلا أهلوه العلم بالله, الله تعالى لا يُعلَّم، لأنَّ ذاته مستحيل الإطلاع عليها على كلِّ حال, نضعه على جانب، هذا من الأسرار, لكنه بالمقدار المتيسر والمتوفر السعي إليه ونصب النفس له, نحن مثلاً بمعنى من المعاني مطلوبٌ من عندنا الكمال, فإذن العلم بالله هو الذي نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء وليس كل علم، وليس أيَّ علمٍ آخر مهما كان حتى لو كان الفقه والأصول.

الشيء الآخر: أنه لا, أننا نقول: العلم المرضيُّ لله نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء, خلاف الإطلاق، أين القرينة على ذلك, جوابه أنه يوجد مثل هذا الشيء، ذلك لأنَّ القائل من هذا القبيل هو الإمام سلام الله عليه، هل يفضل العلوم الدنيويَّة أو يشمل كلامه العلوم الدنيويَّة والضالَّة والتي لا إخلاص فيها، والتي كذا والتي كذا لا يحتمل, إنما هو قرينةٌ ارتكازيَّةٌ متشرعيَّةٌ، وكذلك يبني عليها المتكلم والسامع من أنَّ العلم المرضيَّ لله سبحانه وتعالى هو النور الذي يقذفه الله في قلب من يشاء – محلُّ الشاهد – إذن يشمل الشرعيات وأصول الدين وكلَّ هذه الأمور وأصول الفقه والمنطق والتفسير مثلاً والفلسفة الإلهيَّة الصحيحة ولماذا لا, وعلم الكلام الإلهيِّ الصحيح لو صحَّ التعبير، كلها علومٌ مرضيَّةٌ لله إن شاء الله, فإذا كان هكذا فهي كلها – أيُّ أحدٍ منها وأيُّ مسألةٍ منها- درجةٌ من درجات النور، يقذفه الله في قلب من يشاء، وهذه فرصةٌ في الحقيقة، أيضاً أقول بأنَّها مفتوحةٌ للحوزة، وكثير صعبةٌ بالنسبة إلى غيرها أكيداً، أيُّ واحدٍ منا في الإمكان أن ينال هذا أو أيَّ شيءٍ مما يمكنه من ذلك، في حين أنه بالنسبة إلى من كان خارج الحوزة أو – وإن كانت هي أصعب على أيَّة حال – لم تكن لغته عربيَّةً لا يستطيع أن يفهم العربيَّة إطلاقاً، لأنَّه أغلب المصادر إنما هي عربيَّةٌ، الكتاب والسنة عربي، وكذلك طبعاً ليس بمسلمٍ أو ليس بشيعيٍّ أو كذا أو كذا بطبيعة الحال، هذا أيضاً له عدة موانع عن تأثير هذا المقتضي، لكن (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أن تلْكُمُ الْجَنَّةُ – إذا كانوا أخلصوا وإلا ليست بدون قيد – أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ([4]) – محلُّ الشاهد -، فالفرصة من هذه الناحية والموانع مرتفعةٌ كثيراً، المقتضي موجودٌ والشرط موجودٌ والمانع أيضاً إن شاء الله مرفوعٌ، إنما المانع الوحيد هو الباطن، هو القدرة الشخصيَّة أو القدرة الباطنيَّة، ربما يكون هناك أشياءٌ غير مستحسنةٍ في الباطن، وإلا أيضاً نستطيع أن نقول بأنَّ المانع مفقودٌ وإذا كان المانع مفقوداً فتمت العلة للحوزة بأن تعلم كثيراً من الأمور التي لا يتيسر لغيرها العلم بها.

فالخطوة الأخرى: أيضاً هنا بالضبط وهو أنه نستطيع أن نقول أنَّ كلَّ هذه العلوم المرضيَّة لله سبحانه وتعالى – هل فكرتم بذلك – فيها إجتهاد، كلُّ هذه العلوم فيها إجتهاد, صح نحن نقول أن الإجتهاد في الفقه أو في الأصول أو في فروع الدين لا يهم, هذا الإجتهاد موضوعٌ لحكمٍ شرعيٍّ بجواز التقليد، صح، ولذا أعلنت مسألته واستمرت، وجيلاً بعد جيلٍ يبنون عليه, لكنَّ الإجتهاد في الفلسفة مثلاً أو الإجتهاد بالنحو مثلاً أو الإجتهاد بعلم الكلام مثلاً لا أثر له, لكنه فيه إجتهاد. أنه يحصل هناك ملكةٌ ونابعيَّةٌ ورأيٌ ونحو ذلك من الأمور بحيث يثبت جدارته الكاملة والقدرة على المناقشة ولماذا لا, هذا يصير وهذا يصير وكله يصير, وهذه فرصةٌ أيضاً مفتوحةٌ للحوزة وغير مفتوحةٍ لغيرها ويؤيد ذلك، هذه أيضاً نقطةٌ أيضاً قلما يُلتَفت إليها, لكنه بعض أساتذتي (قدس الله نفسه الزكيَّة) مثلاً سألوه في يومٍ ما, أنا أيضاً قلته في بعض المواعظ، وإن كان قليلاً قلته أنه إذا توقفت فتوى – فتوى يعني ماذا؟ أي فهم ظهور القرآن أو
ظهور السنة – على رأي الكسائي أو سيبويه أو الفراء أو فلان أو فلان ماذا يفعل الفقيه؟ تعلمون ماذا أجاب؟ قال يجب أن يكون مجتهداً في تلك المسألة النحويَّة ويبني على قناعته واطمئنانه لا أنه يتعبد بهؤلاء الموتى الذين غير معلوم ماذا فحصهم، ماذا عملهم، ماذا إخلاصهم، ماذا مذهبهم, سبحان الله لا يجوز التعبد بأيِّ واحدٍ من هذه المدارس, مجتهدٌ وليس إلا, أي في النحو أي في علوم البلاغة أي في أيِّ شيءٍ من هذا القبيل من المقدِّمات التي تتوقَّف عليها الفتوى, وليس بالضرورة أن يكون مجتهداً مطلقاً، يعني مجتهد في كلِّ مسائل النحو لا, يجتهد في هذه المسألة ويُحصِّل فيها رأيه ويُفتي على طِبقها ولا يجوز غير ذلك, لكنَّ النقطة أنه قال: لا توجد ولا مسألةٌ فقهيَّةٌ تتوقف على هذه الإجتهادات، هذا بنعمة الله وإلا كان ينبغي أن نفتح باب الإجتهاد. يعني ماذا؟ ندرس حقيقةً هو مفتوحٌ باصطلاح العامّة، ولكنه ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مجتهداً في كلِّ هذه العلوم بالإجتهاد المطلق، لكنه لا يتوقف على ذلك، نادراً ما يوجد شيءٌ من هذا القبيل أنَّه مسألةً تتوقَّف على ذلك، لأنَّ أغلبها هي مسائل من الواضحات أو ضروريات النحو، نستطيع أن نقول رفع الفاعل ونصب المفعول والحال وكلها موجودة، يعني التدقيقات النحويَّة والصعوبات النحويَّة الموجودة في القرآن الكريم ليست في آيات الأحكام، وإنَّما في موارد أخرى بطبيعة الحال من أخبار الأنبياء والمواعظ العامة وأشياء أخرى والتأريخ –محل الشاهد- فهذا من هذه الناحية، والفرصة هذه هي النعمة التي أشير إليها الآن، الفرصة متاحةٌ حقيقةً في الحوزة العلميَّة لتلقِّي كلِّ هذه العلوم بالدقَّة, لكنه فليَرَ السيِّد محمَّد الصدر وغير السيِّد محمَّد الصدر أنه هو على مستوى المسؤوليَّة من هذه الناحية أو لا, حينئذٍ من قبيل في يومٍ ما قلت في خطبة الجمعة أنه أنا لا أسأل ولا واحدٍ منكم, وإنَّما فليرجع إلى تفكيره بينه وبين الله أنه هل صلّى الليل قبل أن يأتي، هل اغتسل غسل الجمعة قبل أن يأتي، طبعاً أنا أدري ربما 99% أو أكثر سوف يجيبون لا, فالآن أيضاً كلُّ واحدٍ بينه وبين الله يرى نفسه مقصِّراً أو لا, ونفس الإلتفات إلى التقصير هي طاعةٌ لا تقل بأنَّهُ أنا كذا وكذا, لا, ليست خلَّةً في احترامك الدنيويّ، احترامك على العين والرأس، تعال دوس على خدي وعلى لحيتي وعلى عمامتي لا يهم وأنا بخدمتك, ولكنه بينك وبين الله لا تستطيع أن تدوس على الله ولا على رسول الله ولا على أمير المؤمنين، هم موالينا وإن رغمنا, فمن هذه الناحية ينبغي أن يحصلوا من عقولنا شيئاً, ومن قلوبنا شيئاً, وهم لا يستفيدون، وإنَّما نحن الذي نستفيد في الحقيقة, لا يكون سيد محمَّد الصدر ظالماً إلى هذه الدرجة، كلما يقلُّ الظلم ولو بالنسبة الدقيَّة يكون أفضل عند الله, وهذا كلنا نعلمه, ولكننا لسنا دائماً على مستوى الشعور, الغفلة هي المسيطرة مع شديد الأسف، نكمل غداً إن شاء الله.

([1]) سورة الاعراف: 7 /128.

([2]) سورة الحجرات: 49/10.

([3]) سورة الحجرات:49/9.

([4]) سورة الأعراف:7/43.