الدعاة الصامتين

أعوذُ بالله من الشيطانِ اللَّعين الرَّجيم

توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين

وصلّى اللهُ على خير خلقِه محمَّدٍ وآله أجمعين

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

أنا كنت أفكِّر بالعودة إلى المادَّة الفقهيَّة، لولا سؤالٌ وقع بعد الدرس بالأمس
-ليس بالأمس بالأمس التحصيلي- فمن هذه الناحية, كان بالأرجح ورأيت أن هذا أحجى وهو أنني أناقش هذا السؤال علناً –لو صح التعبير-, لأنه كأنه ورد عن المعصومين سلام الله عليهم: (كونوا لنا دعاةً صامتين), وبتعبيرٍ آخر كونوا لنا دعاةً بأعمالكم, ولربما يقال: لا بأقوالكم، وهذا يدعم ما أسميه بلغتي الحوزة الصامتة. سواءٌ على مستوى عالٍ أو على مستوى دانٍ والحقُّ معهم, لأنَّهم أخذوا بتعاليم المعصومين سلام الله عليهم، وأنهم كانوا لهم دعاةً بأعمالهم، ولم يكونوا لهم دعاةً بأقوالهم، وهذا هو جانبٌ مطلوبٌ في الشريعة الإسلاميَّة, فلم يقصِّروا من هذه الناحية. أريد أن أجيب عن هذه الجهة طبعاً، لعلَّ الجواب الدنيويَّ هو شيءٌ آخر لا أستطيع أن أقولَه، لكن أناقشه فقط من الناحية النظريَّة.

أوَّلاً: أننا لو أخذنا هذا المطلب على إطلاقه لكان خلاف الحجَّة القائمة بالكتاب الكريم, وعلى القاعدة: (إنَّ ما خالف قولُ ربِّنا زخرفٌ باطلٌ. لم نقله إضرب به عرض الجدار), وهذا فيه رواياتٌ كثيرةٌ ولا يحتاج إلى رواياتٍ حاشاهم أن يقولوا شيئاً على خلاف القرآن، ومع ذلك وردت فيه الروايات, فمن هذه الناحية إذا أخذنا هذا الكلام على إطلاقه كان واضحاً فيه نفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إطلاقاً، وفي أيِّ ظرفٍ من الظروف حتى في غير ظرف التقيَّة ومع الإمكان, وهذا مضافاً إلى أنه مخالفٌ لضرورة الدين فضلاً عن ضرورة الفقه, مخالفٌ أيضاً لظاهر القرآن الكريم، بل أكثر من ظاهره واقع القرآن الكريم، أتلو عليكم بعض الآيات التي تدلُّ على ذلك مع الإلتفات إلى هذه النكتة، وهو أنه إن قلت (لاحظوا) إن قلتَ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حصَّتان، حصَّةٌ عمليَّةٌ وحصَّةٌ قوليَّة، يعني كونوا لنا دعاةً صامتين أي أأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر بهَديكم وعملكم وصلاتكم وصومكم وليس بالنُّطق، أي النهي عن المنكر والأمر بالمعروف شفاهاً أو مطابقةً، وإنَّما بالعمل فقط، هذا حصَّةٌ وتطبيقٌ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا جدّاً كافٍ، قد أطعنا الأوامر الموجودة في القرآن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالأمر بالأمر بالمعروف والأمر بالنهي عن المنكر بعملنا وإن لم نطبقه بأقوالنا، جزانا الله خير جزاء المحسنين أي الحوزة الصامتة، في الحقيقة هذا له أكثر من جواب، أذكر له جواباً واحداً، ضروريٌّ الآن أنتم واعين وتلتفتون إليه أنَّ العمل ليس أمراً ولا نهياً، ليس مصداقاً بالحمل الشايع لا لهذا ولا لهذا، أما كونه هكذا عرفاً وعقلائياً فهو أوضح من الشمس وأَبْيَن من الأمس، لا، أريد أن أقولَ خطوةً أخرى بسيطةً وواضحةً أنَّ العمل أعمُّ من الوجوب، أنَّ العمل يدلُّ على عدم الحرمة، أعمّ من الوجوب والإستحباب والإباحة والكراهة، والترك يدلُّ على عدم الوجوب، أعمّ من الإستحباب والإباحة والكراهة والحرمة، فليس أمراً أصلاً، لا يدلُّ لا بالدلالة المطابقيَّة ولا بالدلالة الإلتزاميَّة على الوجوب لكي يكون أمراً ولا على الإستحباب أيضاً لكي يكون أمراً، مثلاً نختلف في صيغة (إفعل) أنها لجامع الرجحان أي أعمّ من الوجوب والإستحباب مثلاً لكن هذه لا، حتى أعمّ من الوجوب والإستحباب، إما للوجوب، إما للإستحباب، إما للإباحة، إما للكراهة، لأنَّ المكروه أيضاً نطبقه وأيُّ ضيرٍ في ذلك (لاحظوا) فالعمل لا يتضمَّن إطلاقاً معنى الأمر كما لا يتضمَّن الترك معنى النهي أبداً، فليس مصداقاً من هذه الناحية، فإذا اقتصرنا على العمل عصينا، عصينا وبوضوحٍ وعلى الإطلاق، إذا كنا على الإطلاق والعياذ بالله، تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (حتى يُوَلَّى عليكم شراركم ثمَّ تدعون فلا يُستَجاب لكم) المهم ليس هذا. (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) ([1])وهي دالَّةٌ على الوجوب الكفائيِّ بوضوحٍ، واضحٍ جدّاً.

أوَّلاً: (ولتكن) أمرٌ ليس من صيغة (إفعل) بالضبط، ولكنها من ملحقات صيغة (إفعل) وأنا أقول أنه موضوعٌ للوجوب، أو أنه ظاهرٌ بالإطلاق، أو ظاهرٌ بأيِّ سببٍ آخر، أو بالدليل العقليِّ على أيَّة حال، المهمُّ على أنَّ مشهور المتأخرين الأصوليين كلهم مطبقون على ظهور صيغة (إفعل) وملحقاتها بالوجوب، هذا منتهين منه، وكذلك أمة أي أمة ماذا؟ أي بنحو الوجوب الكفائي، ليس كلكم على الإطلاق، ليس له معنى هذا، وإن كان هذا أحسن طبعاً، هذا لا ينافي الزائد، ليس له مفهوم مخالفة، لكنَّ الواجب الواجب أنه بمقدار اللازم، بمقدار الكفاية هكذا، هذا ضروريٌّ، هذا واجب (ولتكن منكم أمَّة) بمقدار الكفاية لهداية الناس أجمعين، وليس خمسة ولا ستة ولا مئة ولا ألفاً بطبيعة الحال، لأنَّه طبعاً نحن نعرف أنَّ الغرض الدينيَّ أوسع من ذلك بكثير – محلُّ الشاهد – وقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوليَاءُ بَعْضٍ يَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أولئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ([2]) ، من هذا القبيل وإن كان كتابتي غير واضحة، -محل الشاهد- فهنا قد يقال: نحن ما علينا من هذه الآية وهذا السياق بالتعيين لا يدلُّ على الوجوب له بابٌ وجواب، لكنه له جوابٌ في الحقيقة، وهو أنه يقال ألنَّ هذا واقعٌ في سياق الواجبات وليس واقعاً في سياق المستحبّات (لاحظوا) أوَّل ما بدأ بهذا الشكل (بعضهم أولياء بعض) ليس له دخلٌ بالموضوع، أوَّل شيءٍ (يَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ) متى كانت الصلاة غير واجبةٍ، إنما هي واجبة (ويؤتون الزكاة) أيضاً واجبةٌ ويطيعون الله – لا تلك أعمُّ من الواجب والمستحبِّ لا يهم – إذن فالأكثر أو السياق الغالبيُّ في هذا الشيء هو كونه واجباً، واقعٌ في سياق الواجب فيتعين بحسب القرينة المتصلة أن يكون واجباً بعد ذلك يقول (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أكبر ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)([3])، هذه نتائج هذه الأمور –بهذا الشكل- أولئك سيرحمهم الله ويعطيهم جناتٍ ورضواناً لأنَّهم يقومون بعباداتهم الشخصيَّة وعباداتهم الغيريَّة وكذلك يقومون بعباداتهم التعبديَّة وعباداتهم الماليَّة (الذين يؤتون الزكاة) وقوله جلَّ جلالُه (يَابُنَيَّ أَقِم الصَّلاَةَ وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور)([4]) (أأمر) صيغة أمر، وانهَ عن المنكر، ولكنه لا يحتمل أن يكون – وإن كان هذا من حديث لقمان g – خاصاً بما قبل الإسلام، وهذا أيضاً من الضروريات (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) والصبر على ما أصابك أيضاً ليس من المستحبات، وإنَّما من الواجبات، لأنَّه يقابله الإعتراض على الله سبحانه وتعالى، والإعتراض على الله من المحرَّمات قطعاً، لأنَّ غير الصابر هو المعترض ليس أكثر، إذا لم يعترض إذن فهو صابر، فالفرق بينهما فرق الضدين أو النقيضين في الحقيقة وكذلك سبحان الله (ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور) يذكرنا بوضوح يعني – الظاهر أنه مقصود هذا يذكرنا بالأنبياء أولي العزم وهم الخمسة إلا آدم طبعاً، (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)، بالرغم من أنه يعني فيه سوء أدبٍ لآدم g, لكنَّه الأنبياء الرئيسيين بعده كلهم أولو العزم من الرسل, موجود في القران فـ (مِنْ عَزْمِ الأمور) أي من الصفات التي اتَّصف بها الأنبياء أولو العزم, والمأمور هنا ليس من الأنبياء أو من أولي العزم لا لقمان ولا إبنه, لكنه يقول له أنتَ تشبه بالصبر والتضحية – نستطيع أن نقول – بالأنبياء أولي العزم, والأنبياء أولو العزم لم يكونوا حوزةً صامتةً حبيبي، ولو كانوا حوزةً صامتةً لما اهتدى أحدٌ، كَتَبتُ الآية التي بعدها، أيضاً تداوي لو صحَّ التعبير – أنا لا أريد أن أعلق عليها كثيراً – تداوي أيضاً داءً من أدواء الحوزة طبعاً, تداويها ليس بصفتها حبراً على ورقٍ، وإنَّما تطبيقها العمليّ (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)([5]) ولا ترضى طبعاً الحوزة، لا يرضى واحدٌ منا ولا المؤمنون طبعاً وإن شاء الله كلهم مؤمنين أنه لا يحبهم الله لأنَّهم يتصفون بالخيلاء والفخر والعياذ بالله, ومن المعلوم أنَّ الصمت ضد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – هذه الخطوة الأخرى – يعني أي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما بنحوٍ نتصوره ضداً خاصاً وإمّا أن نتصوره ضداً عاماً، والضدُّ الخاصُّ دائماً ملازمٌ للضدِّ العامِّ – مثلاً أيِّ شيء – تترك الصلاة وتقرأ نسخة الكفاية، إذن كِلا الأمرين موجودٌ أيضاً، الضدُّ الخاصُّ الذي هو قراءة الكفاية وأيضاً الضدُّ العامُّ الذي هو ترك الصلاة، فأنتَ إذا دخلت في الكلام عن (الحمُّص والبصل) فقد تركت الأمر بالمعروف ودخلت في هذا الكلام، إذن فضدٌّ عامٌّ وضدٌّ خاصٌّ، وكلُّ ضدٍّ خاصٍّ ملازمٌ لضدٍّ عام للواجب ولنحو ذلك من الأمور، إذن فمن حيث الضدُّ العامُّ كما هو مشهور المتأخرين وأنا أختاره أيضاً أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه العامِّ بطبيعة الحال.

الجهة الأولى: ماذا كانت؟ أنَّ إطلاق هذا الحديث كما يراد الإستشهاد به مخالفٌ للكتاب الكريم وهذا قطعيٌّ نستطيع أن نقول.

الجهة الثانية: إننا لو أخذنا بإطلاق هذه الروايات حصلت لنا نتيجتان باطلتان قطعاً, بإطلاق هذه الروايات بمعنى أنه فقط إقتصرنا على الأعمال الصالحة وقفلنا فمنا بقُفْلٍ. أولاً: عدم وجوب الجواب مع حصول السؤال الذي هو القدر المتيقَّن من وجوب الفتوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أنه إذا حصل السؤال وجب الجواب. نعم, إذا لم يحصل السؤال، هذا هو محلُّ الخلاف، مثلاً استُحِبَّ الأمر بالمعروف, أما عند السؤال فالجواب واجبٌ, إذا أخذنا بهذا الإطلاق والإقتصار على الأعمال الصالحة فقط يبدو أنَّ الجواب غير واجب – من أين أتيت بأنَّ الجواب واجب – يمكن إجراء أصالة البراءة حتى عن وجوب الجواب، وهو مما لا يقول به أحدٌ, كأنَّما المسألة إجماعيَّةٌ والقدر المتيقَّن من الوجوب هذا.

ثانياً: تكاثر المحرَّمات – النتيجة الثانية لإطلاق هذا العمل – تكاثر المحرَّمات في المجتمع، كما قد حصل فعلاً في كثيرٍ من الأجيال بما فيها جيلنا المعاصر بدون أن تتصدى الحوزة للنهي عنه, ومن أوضح مصاديقه وأوسع مصاديقه مسؤوليَّة العشائر في ذمَّة الحوزة, أنا صح عَتَبتُ على العشائر ولكنها غير معتوبٍ عليها إلى حدٍّ ما, لأنَّها تحصل عندها مشاكل ولا يجدون حوزةً, لا يجدون حوزةً عملياً كأنَّما لا توجد حوزةٌ لحلِّ مشاكلهم والنظر في قضاياهم وجرائمهم التي تحصل, طبعاً تحصل أكيداً ليسوا معصومين, فمن هذه الناحية يتصدون أهل الحلِّ والعقد فيهم الذين ليس لهم ولايةٌ وليس لهم تفقُّهٌ وليس لهم تورُّعٌ لحلِّ هذه المشاكل على أهوائهم والأشياء التي تناسب في نظرهم, إلى حدٍّ ما الحق معهم كما يقال هذا الكلام، أنه إذا كان لا يوجد قاضٍ عادلٌ واقتصر الأمر في أخذ الحقِّ على القاضي الظالم يجوز الرجوع إلى القاضي الظالم, فليكن رئيس العشيرة قاضياً ظالماً وانتَهى الحال, -سبحان الله- وإنَّما المسؤوليَّة على المراجع, علينا وعلى أمثالنا في الحقيقة، ولم يقل أحدٌ من الأوَّل، ربما مائة سنة أو أكثر أنَّ هذا باطلٌ وأنَّ هذا ليس بصحيحٍ كفُّوا عنه ولماذا تتزوجون زيجات فيها زنى والعياذ بالله ونحو ذلك من الأمور, امرأة فصليَّة وغير ذلك من الأمور على كلِّ حال، هذا واحد, ولعله أوضح المشاكل، وإلا هي ما شاء الله كما نعلم جميعاً.

الجهة الثالثة: في مناقشة هذه النصوص في أنفسها وسبب صدروها، إذا كان المطلب هكذا وهذا واضح، فلماذا قال الأئمة: كونوا لنا دعاةً صامتين، لماذا قالوا أنه يعني أُتركوا الأمر بالمعروف، حينئذٍ لا بد أن – يعني أنا على الأقلِّ – أكون مسؤولاً عن إيجاد وجه – لا أقول عذراً والعياذ بالله لا -، حكمةٍ من كلام الإمام سلام الله عليه، أو لكلام الإمام سلام الله عليه، مع التسليم أو التنزُّل والتسليم بصحَّة السند ولا أعلم أنَّ هذه الرواية معتبرةٌ، لا أعتقد أنها معتبرةٌ على كلِّ حال.

أوَّلاً: أنها مقيَّدةٌ بالأدلة المعارضة لها متى تحقَّق موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, متى تحقَّق موضوع الولاية العامَّة أو الخاصَّة, متى تحقَّق موضوع الجهاد, ونحو ذلك من الأمور وهو كثيرٌ في الفقه, يخصِّص هذه الموادّ, أنه ليس فقط العمل الصالح، وحده يكفي, لا بد من الكلام، إنما يحلِّل الكلام ويحرِّم الكلام –سبحان الله-, وليست المسألة في هذه الرواية خاصَّةً بالمعاملات وإن كانوا يفهمون منها المعاملات جزاهم الله خيراً, القدر المتيقَّن من المعاملات, لكنه إنما يحلِّل الكلام ويحرِّم الكلام, طيب أنا الجاهل كيف يحرِّم عليَّ ما أنا أجهل حرمته، وكيف يجب عليَّ ما أنا أجهل وجوبه إلا أنه يُبَلَّغ لي, وإلا يصير عقاباً بلا بيان, إنما يجب عليَّ بعلمي أي بإبلاغي طبعاً أكيداً.

ثانياً: أنها لا يحتمل أن يراد بها الوجوب، أنه (كونوا) طبعاً هي صيغة افعل أيضاً ظاهرةٌ بالوجوب, لكن لا يحتمل أن يراد بها الوجوب، وإلا نقض واحد لا حاجة إلى الأكثر، تفاصيله طبعاً من الناحية الفقهيَّة بسيطةٌ جدّاً، وإلا لزم أن يكون العمل المستحبُّ واجباً لأن دعاةً صامتين أي بالواجبات والمستحبات أي الأعمال الواجبة والأعمال المستحبة أكثر من ذلك, أنا أقول أنَّه المقصود هي الأعمال المستحبة فقط, لأنَّ دعاةً صامتين أي أمام المذاهب الأخرى, والمذاهب الأخرى من هذه الناحية لا تحمل هم الواجبات، المفروض بكلِّ المتشرِّعة أن يكونوا قائمين بالواجبات، وإنَّما دعاة صامتين بالتجمل بالمستحبات والهدي والورع ونحو ذلك من الأمور. إذا كان المطلب هكذا, فحينئذٍ تكون كالنصِّ بالإستحباب وليس بالوجوب, إن كان المقصود – تَنَزَّلنا وقلنا – إن كان المقصود الأعمّ من الواجب والمستحبِّ فيكون الأمر أيضاً جامع الرجحان الأعمُّ من الوجوب والإستحباب وانتَهى الحال.

ثالثاً: أن نقدر الظروف التي حصلت فيها وقالوها سلام الله عليهم في عصرهم سلام الله عليهم، وكلُّ ما يماثله في العصور أيضاً هو قاعدةٌ عامَّةٌ وكبرى – على العين والرأس، وكلُّ ما قالوه على العين والرأس – لكنه في ظرفٍ يماثله وليس في ظرفٍ آخر لا يماثله وهو التقيَّة المكثَّفة التي كان يعيشها الأئمة b وأصحابهم حين يتعذَّر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينئذٍ يكون البديل الأفضل هو العمل الصالح أنَّه الإنسان المؤمن بهديِه يكون وبحُسن عمله وعلاقاته وإنسانيته وغَيرِيَّتِه للآخرين، وتواضعه للآخرين، يكون ممدوحاً ومثالاً للآخرين، أي للمذاهب الأخرى، حتى يُقال أنَّ جعفر بن محمَّد – هكذا كأنَّما في الراوية – سلام الله عليه هو إمامكم وهو مثالكم، هو معلِّمُكم –محل الشاهد-.

رابعاً: إننا نحتفظ بهذه الجهة: وهي أنَّ هذه الجملة مقابلةٌ للجماعة، لأبناء العامَّة من علمائهم ومتفقهيهم ومتورِّعيهم باصطلاحهم… إلخ، نأتي إلى أبناء العامَّة إذا أمرناهم بالمعروف أو نهيناهم عن المنكر – ليس لها موردٌ أصلاً – لأنَّه نحن ليس أمرنا نافذاً عليهم، ولا أمرهم نافذاً علينا، من هذه الناحية تأتي قاعدة (لا أمر لمن لا يطاع) يعني
-تغلق فمك أفضل لك-، إن تتكلَّم تضع نفسك في ورطةٍ ليس أكثر من ذلك، أمرٌ بالمعروف سالبةٌ بانتفاء الموضوع، نهيٌ عن المنكر سالبةٌ بانتفاء الموضوع، ماذا يبقى؟ واضحٌ أنه يبقى العمل الصالح والهدي السليم الكريم، كونوا لنا دعاةً بأفعالكم أو دعاةً صامتين، لأنَّه لا موضوع للكلام فيمن لا يطيعكم، أنتم ناقشوا في أصول الدين من لم يكن على دينكم، لا تناقشوا في فروع الدين.

خامساً: أيضاً لتفسير هذه الرواية، المراد الجمع بين القول والعمل والنهي عن الإقتصار على القول وترك العمل والعياذ بالله، يوجد ناسٌ مهرِّجين – نستطيع أن نسميهم – أو مداحين لأنفسهم أو مداحين لمذهبهم، حينما ترجع إليه تراه هو لا يطبِّق شيئاً مما يقول أو قليلاً مما يقول والعياذ بالله، في حين أنَّ سيرة الأنبياء والأوصياء ليست كذلك (وَمَا أريد أَنْ أُخَالِفَكُمْ– بهذا المضمون – إلى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) ([6])، أنه أنا أوَّل المطبقين، أنا أوَّل المؤمنين، أيُّ واحدٍ من الأنبياء والأوصياء هو كذلك، فحينئذٍ ماذا يصير؟ يصير أنه القول مع العمل، وليس أنه قولٌ بلا عمل، إصمتوا عن القول الزائد – من قبيل وإن كان هي ليست لطيفةً – هراءٍ أو هذربةٍ أو نحو ذلك، لا، اقتصروا على القليل من القول مع كثيرٍ من العمل، هذا هو الأفضل بطبيعة الحال.

سادساً: الجهة الأخرى أيضاً لفهم هذه النصوص، بطبيعة الحال سلام الله عليهم معصومون ولكنَّ أصحابهم غير معصومين أكيداً، الذي ليس بمعصومٍ يصدر منه التقصير والزائدة والناقصة والخطأ والنسيان من قبيل هذا الذي يقول له يناقش على ما ببالي مع هشام بن الحكم يقول له بأنَّهُ أنا أناقش صاحبك لا يغضب مني، أنتَ لماذا تغضب مني؟ ونحو ذلك من الكلمات، كثيرٌ مثل هذه الأشياء وما خفي علينا أكثر، أصحابهم لم يكونوا على المستوى الكامل المتوقَّع منهم، خاصَّةً الطبقة الثانية من أصحابهم، أنا لا أقصد الطبقة الأولى رضوان الله عليهم -محلُّ الشاهد ليس هذا-، حينئذٍ يكون غَمٌّ في قلب الأئمَّة سلام الله عليهم، لأنَّ الإعتراض على أصحابهم كأنه اعتراضٌ عليهم، يسري بمعنى من المعاني وإن كان بالخطأ من ذمِّ أصحابهم إلى ذمِّهم لأنَّهم هم المربُّين، فإذا كان أصحابهم بهذا الشكل، فإذن هم مقصِّرين والعياذُ بالله، فلذا يقول مثلاً بحسب المضمون أنه يكون أصحاب جعفر بن محمَّد سلام الله عليه على مستوى المسؤوليَّة وعلى مستوى الهدي والصلاح والكمال والعمل الصالح – وليس أنه أنتَ يتقدم بك العمر ولا تعرف أن تصلي صلاةً كاملةً وصحيحة، هذا مؤسفٌ من أصحاب جعفر بن محمَّد سلام الله عليه، وهكذا وهكذا -، فمن هذه الناحية كونوا لنا دعاةً صامتين أي حسِّنو أعمالكم وهديكم وصلاحكم وإنسانيتكم. حتى يمدحوكم – هل نأكل الذمَّ والحجارة باستمرار، هل هذا جيدٌ لنا ولكم – ونحو ذلك من الكلمات، وجزاكم الله خير جزاء المحسنين.

([1]) سورة آل عمران: 3/104.

([2]) سورة التوبة: 9/71.

([3]) سورة التوبة: 9/72.

([4]) سورة لقمان: 31/17.

([5]) – سورة لقمان: 31 / 18

([6]) سورة هود: 11/88.