أعوذُ باللهِ من الشيطانِ اللَّعينِ الرَّجيم
توكَّلتُ على اللهِ ربِّ العالمين
وصلّى اللهُ على خيرِ خلقِهِ محمَّدٍ وآلِهِ أجمعين
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
كأنه ينبغي التعطيل غداً، لأنَّي بحسب الحجَّة الشرعيَّة أعتقد أنه يوم الغدير، وكذلك التعطيل بعد غدٍ احتراماً لاحتمال كونه كذلك، بقول من يقول بكونه كذلك، ويوم الأربعاء أيضاً يومٌ واحدٌ ليس فيه زيادة مؤونةٍ فيبقى الدرس أسبوعاً كاملاً قبل محرَّمٍ من السبت إلى الأربعاء إن شاء الله – محلُّ الشاهد – أنه في هذا اليوم أيضاً لما كان يوماً واحداً أيضاً ليس فيه مؤونة درسٍ أو لا ينبغي أن تكون فيه مؤونة درس، وإنَّما ألحقه بالشاكلة التي كان عليها أمس.
في الحقيقة لمّا قلتُ بأنَّه الإنسان ينبغي أن يبدأ بنفسه فيعرف الله لكي يكون حكيماً كما يقول الشاعر، فالآن بهذه الأمور لا أخاطب غير نفسي إذا كان الناس فهموا ما هو أوسع من ذلك أو ما يمكن أن ينطبق عليَّ وعلى غيري فبها ونعمت، وإلا المسألة خاصَّةٌ بي ولا أدَّعي أنها تشمل غيري، في الحقيقة أنَّ الإنسان حينما ينظر إلى نفسه يجد أشكالاً من الضعف في نفسه, الإنسان يدَّعي القوَّة, ولكنه ضعيفٌ غاية الضعف بالوجدان والحسّ, ولكنه في الحقيقة، أدَّعي لنفسي أني قويٌّ ولكنَّه الحال خلاف ذلك وهو أني ضعيفٌ غاية الضعف، ومع ذلك أُكابر وأُماطل على أنه أنا قويٌّ ولست ضعيفاً، في الحقيقة الأمارات والدلائل على ضعفي كثيرة:
أولاً: الضعف أمام الشهوات التي أُوقِعُها طرفاً للمزاحمة مع المستحبّات، وأحياناً مع الواجبات, يعني إن قلت لنفسي أنه أنا لا أتبع الشهوات إلا بمقدار الضرورة يُجاب ذلك بأنَّهُ: لا، لو كانت بمقدار الضرورة لكانت الشريعة مقدَّمةً على الشهوة بمستحبّاتِها وواجباتِها, مع العلم أنك تقدِّم الشهوة على الشريعة بمستحبّاتِها وواجباتِها، فلو فرضنا مثلاً من جملة الأمثلة البسيطة جدّاً أنه حينما يؤذِّن المؤذِّن الإنسان لا يصلي، وإنَّما يأكل، وكذلك المغرب، حينما يؤذن المؤذن لا يصلي، وإنَّما يأكل، فيقدِّم المصلحة الدنيويَّة على المصلحة الأخرويَّة، وكثيرين يقدِّمون المصلحة الدنيويَّة حتى على الواجبات والمحرَّمات فضلاً عن المستحبّات والمكروهات، وكذلك أنا ضعيفٌ تجاه الشيطان الرجيم، تجاه وسوسة الشيطان ضعيفٌ غاية الضعف، وذلك لأكثر من وجهٍ واحد:
أولاً: إنني إذا علمت كما يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)([1]) فأنا أضعف من الضعيف، لأنَّ الشيطان ضعيفٌ وأنا أيضاً ضعيفٌ أمام الشيطان. إذن فأنا بالغٌ في الضعف ومتطرِّفٌ في الضعف لو صحَّ التعبير، إذن ماذا لي من القوَّة، إما بكوني أعرفه وأطيعه وهذا ما يحدث كثيراً، وإمّا لأنَّي أتوهم أنه ليس كذلك، أنَّ هذا ليس من الشيطان، وإنَّما هو نتاج حكمةٍ وعقلٍ وعدلٍ ونحو ذلك، ولكنه في الواقع حينما تمخض مخاضه لا تجده شيئاً، هواءٌ في شبك، إنما هو خدعٌ الشيطاني، مقدِّمةٌ من مقدِّمات هذه البراهين التي أسطِّرها لنفسي الشيطانية، والنتيجة تتبع تلك المقدِّمات مع شديد الأسف، شيءٌ آخر أني ضعيفٌ أمام النساء أكيداً، وأستطيع أن أقولَ بأنَّ أغلب أو لعلَّه فوق الـ95% من الرجال ضعفاءُ أمام النساء, لأنَّ كيد النساء (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)([2]) أقوى من الشيطان في الحقيقة، كيد الشيطان ضعيفٌ وكيد النساء عظيمٌ, فإذا كنت أنا ضعيفاً في الحقيقة أمام الضعيف, فكيف لا أكون ضعيفاً تجاه العظيم, والقوي, والشديد, والمكر الذي يمكرنه والأمور الأخرى التي من قبيل أنَّ أغلبهنَّ لا ورع لهنَّ ولا تقوى ولا تَفَقُّه, فمن هذه الناحية الرجل يقع بين حدَّي السكين، مع ذلك هو يحاول أن يتبع هوى نسائه من قبيل زوجته أو بناته أو عماته أو أخواته أو أيِّ شيءٍ من هذا القبيل، مع العلم أنه على القاعدة. أي طالب سواءً كان ذكراً أو أنثى إن طابق كلامه القواعد نطبق كلامه ونحترمه, وإن خالف كلامه القواعد نعصيه، لا, وإنَّما الإنسان عبد عبده، لماذا؟ لأنه بحسب الأصل (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء)([3]) بهذا المعنى أنَّ المرأة يملكها الرجل ملكاً جنسياً واقتصادياً واجتماعياً, لكنه هي تملكه فيكون عبداً لعبده، لماذا لا ، ليس هذا عيباً، لأنَّه ينبغي أن نتكلم بصراحةٍ، ضعيفٌ أيضاً أنا تجاه الآمال في الدنيا والآخرة، تجاه جلب الخير في الدنيا والآخرة، وتجاه دفع الشرِّ في الدنيا والآخرة، ضعيفٌ، صح أنا أحاول ولكن كثيراً ما أفشل، جلب الخير في الدنيا في الحقيقة ليس بيدي وإنَّما أوَّلاً بيد الأسباب، وثانياً بيد مسبب الأسباب، فكثيراً ما – كما يقول المثل – (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن) ونحو ذلك من الأمور، فإذا جرت الرياح بما لا أشتهي ولا أريد ماذا يكون الحال، ينبغي أن أعترف بضعفي وقلة حيلتي وأني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وإنَّما التدبير بيد مدبر الأمور، وكذلك هل أني أستطيع أن أدفع البلاء الدنيوي عن نفسي، لعلي أستطيع بمقدارٍ ما, الإنسان الرشيد يدبر نفسه بمقدار ما يستطيع, ولكنه إذا كان لا يستطيع يأتيه دائماً من بلاءٍ من مرضٍ أو فقرٍ أو أيِّ شيءٍ آخر, فحينئذ ماذا يفعل؟ ينبغي أن يسلم بضعفه، هذا دليل ضعفه ولو كان قوياً لما ابتلى بطبيعة الحال, ولن يكون قوياً لأنَّه إنما الإنسان يكون قوياً بالله سبحانه وتعالى, فإذا قال أنا قويٌّ أي بالإرادة الإستقلاليَّة أوكَلَهُ الله إلى إرادته وإلى عمله وإلى نفسه فيفشل بطبيعة الحال ويبتلي بالسوء بدل أن يبتلى بالخير, فمن هذه الناحية أيضاً يكون الإعتراف بالضعف ضرورياً، فخير الدنيا لا يمكن جَلبُه أي كلُّه أو أغلَبُه, وكذلك شرُّ الدنيا لا يمكن دفعُه أي كلُّه أو أغلبه، وإذا كان هذا البسيط المتناهي والقصير المدَّة أنا لا أسيطر عليه ولا قادر عليه, فكيف بالشيء الذي هو كبيرٌ وأساسيٌّ وعظيمٌ الذي هو خير الآخرة وشرُّ الآخرة, طبعاً أنا أقلُّ من أن أكون قادراً على ذلك، وأحقر من أن أكون قادراً على ذلك، وأجهل من أن أكون قادراً على ذلك, ليس بمعنى العجز التكويني الذي ينفي التكليف بطبيعة الحال لا, لكنه بمعنى أنه إنما يكون من قبيل هذا الذي في الخبر أنه: (لا يعملنَّ عاملٌ ولا يطمعنَّ طامعٌ
-ما مضمونه- إلا بعملٍ معه رحمة), الرحمة وحدها لا تأتي بدون عمل, والعمل لا يفيد بدون رحمة, لأنَّ الله تعالى غير مجبورٍ على أن يعطي حتى العاملين, ليس بواجبٍ أن يعطي, والحكم العقليُّ العمليُّ في شيءٍ واحدٍ وهو قبح أن يكون الإنسان محسناً ويعاقب, معاقبة المحسن هذا قبيح, أما إثابة المحسن ليست ضروريَّةً، لا يعاقبه ولا يُثيبه، لا يعطيه الآخرة، ليس بواجبٍ أن يعطيه ثواباً عظيماً, لا, مع ذلك هو يعطي, ويعطي, ويعطي, (ولدينا مزيد), (ولدينا مزيد)([4]) إلى ما لا نهاية, هذا إنما هو من الرحمة, وليس من العمل، الإنسان يعمل في الدنيا ليبلغ ثمانين سنةً، يذهب منها وقت النوم ويذهب منها وقت الصغر ويذهب منها وقت الطعام ويذهب منها وقت الشهوات، ماذا يبقى منها للعبادة إلا أقلُّ القليل، مع ذلك يُخلَّد في الجنة مادامت السموات والأرض، فلذا يقول الإمام سلام الله عليه: (إذا نظرت إلى نفسي فزعت، وإذا نظرت إلى رحمتك طمعت) في الحقيقة هذا كلُّه بالرحمة، العمل إنما هو جزءٌ ضئيلٌ، وإنَّما هو بتوفيق الله سبحانه وتعالى، لو أنَّ الإنسان قدَّم عمله لله يقول له أنا أعطيتك هذا العمل، إنما عملتَ بالإحساس الذي أنا أعطيته، والفرصة التي أعطيتها، والمكان والزمان والإمكانيات التي أنا أعطيتها، وأأتِ بشيءٍ أنا لم أعطِك، لا يوجد شيءٌ، تنقطع الحجَّة بطبيعة الحال. إذن فأعمال الدنيا والآخرة أنا في غاية الضعف منها.
الشيء الآخر الذي أنا ضعيفٌ عليه، دفعُ هذا الشعور الضالِّ وهو شعورٌ موجود, لعلَّه لدى كلِّ الناس إلا من عصم ربِّي, وهو الشعور بالأنانية والتكبر، بالآخرة إلى متى الإنسان يبقى في هذا الترتيب؟ يبقى يدَّعي لنفسه ما لا يستحقُّ وما ليس أهلاً له لماذا؟ ينبغي للإنسان من قبيل المثال (أن يمدَّ رجله على قدر بساطه): (رحم الله من عرف قدره ولم يَتعدَّ طوره) ذلك يستحقُّ الرحمة, وأمّا الذي لم يعرف قدره، بالَغَ في قدره فغير مستحقٍّ للرحمة بطبيعة الحال، يقال له (إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً, كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)([5]) سيِّئُهُ قيدٌ احترازيٌّ ولكنه قليلٌ جدّاً 99% منه سيِّئ وواحدٌ بالمائة منه صحيحٌ من قبيل أنَّ التكبر على المتكبر عبادةٌ ونحو ذلك من الأمور، وإلا من قبيل ما نقول عامَّة هذه الظواهر أو الأساليب أو النشاط كله باطلٌ إلا ما نَدَر، إلا ما خرج بالإستثناء وهو قليلٌ، يعني سيِّئُه هو الأعمُّ الأغلب، وصحيحُهُ وحَقُّهُ هو النادر، لكنه كان لا بد لله أن يُقيِّمَه، حتى لا يكون هناك إطلاقٌ لصورٍ خارج الإستثناء لا أكثر ولا أقلّ، وإلا هي نفس الشيء (إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) أنا بأيِّ مقدار حجمي ليس عشرة أمتار فضلاً عن عشرة كيلومترات ليس هكذا، فمن هذه الناحية إن قلت أنني أتكبَّر لا بجسمي، جسمي كجسم أيِّ إنسانٍ بل كجسم أيِّ حيوان، الحيوانات أيضاً تأكل وتمشي وتنظر وتشمُّ وتسمع… إلخ، فأنا فضلي على الحيوانات ما هو؟ وإنَّما أتكبر بعقلي، لأنَّه عندي علمٌ وعندي عقل وعندي درايةٌ وعندي استنتاجٌ وعندي ذاكرةٌ ونحو ذلك من الأمور، هذا أتكبر فيه، هل أنا الوحيد في ذلك أو كلُّ الناس هكذا بطبيعة الحال، كلُّ الناس هكذا بحسب المقتضي، لا يكون من ليس هكذا إلا من خرج بدليلٍ لو صحَّ التعبير، واحد مجنونٌ أو نحو ذلك أو سفيهٌ أو قاصرٌ له بابٌ وجواب، وأمّا الأسوياء من الناس فأنا وهم كأسنان المشط ليس لي عليهم فضيلة، إذن فأنا أتكبر بإنسانيتي وكلنا بشرٌ ليس لي عليك حقٌّ ولا لك عليَّ حقٌّ من هذه الناحية، إن قلت لا، أنا أيضاً لي مزيَّةٌ زائدةٌ وهو أنني تعبت على نفسي بأيِّ طريقٍ كان، تعبت على نفسي مالياً أو تعبت على نفسي علمياً أو تعبت على نفسي إيمانياً، كلُّ هذا أنا فعلته، فإذا كان أنا فعلته إذن أنا مجاهدٌ، إذن أنا منتجٌ، إذن أنا مستحقٌّ للمدح والثناء، فرجع الإشكال جمعاً كما يعبر الشيخ الأنصاري، في الحقيقة هذا أيضاً واردٌ، لا أقل من أنَّ الله يستطيع أن يحول دون ذلك (يقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)([6]) لا يتوفَّر له المعلِّم الذي يعلمه أو لا تتوفَّر له الفرصة التي يحصل فيها المال، أو لا يحصل فيها الإيمان، أو لا تقوم عليه الحجَّة الكاملة، ونحو ذلك من الأمور، كلُّ ذلك ممكنٌ، إذن فجميع الخصائص التي أنا حصَّلتُ فيها هذا الشيء ليست المقتضي مائة بالمائة، وفَّرها الله سبحانه وتعالى، لعله إرادتي الجزء الأخير من العلَّة التي هي جزءٌ ضئيلٌ من العلة، هذا منتسبٌ لي بمعنى من المعاني على أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمرٌ بين أمرين، وإلا المطالب كلها ليست كذلك، الصفات كلها ليست لي، وإنَّما قائمةٌ بالله، ودائمةٌ بالله لا أكثر ولا أقلّ، فمن هذه الناحية يستطيع الله أن يسحبها في أيِّ وقتٍ، فلذا أنا شعرت، وهذا الشعور موجودٌ عند كثيرين في داخل الحوزة وخارجها حتى كان مثلاً جملةٌ من متعلقينا هكذا يشعر بنفسه أنه هو الحافظ لأسرته، أنه هو الرازق لأسرته، أنه هو الرأس لأسرته، والشريف في أسرته ونحو ذلك من الأمور، بمعنى من المعاني أستميحه العذر، أنَّ هذا كلَّه من الشرك، الشرك الخفيِّ طبعاً، وليس الشرك الجليَّ والعياذُ بالله، لا، الإنسان إذا نسب إلى نفسه هذه الأمور. سبحان الله أنتَ الرازق أو الله الرازق؟ أنتَ الحافظ أو الله الحافظ؟ ليس له معنى أن تنسب إلى نفسك ما الله مختصٌّ به، فإذا كنت تنسب إلى نفسك الأمور التي تسبِّبها له بابٌ وجواب، لكن لا بينه وبين نفسه يقول ماذا؟، فلذا مثلاً افترضوا أنَّ احتمال سطو اللصوص على البيت موجودٌ وهو يحاول أن يسيطر على البيت ويحضِّر ما هو ضروريٌّ للدفاع ويقفل الأبواب ويسهر طول الليل لأجلِ ماذا؟ إنه أنا دافعت إنما نجا البيت من السطو بجهدي وجهودي وجهادي، إذن أنتَ ملعونٌ أو أنا ملعونٌ إذا ادَّعيت ذلك، في حين أنه ما سُطِيَ على البيت بقي البيت سالماً، إنه هذا الوهم الذي كان احتمال السطو عليه لم يحدث ولو سُطِيَ على البيت لكنت أنا أوَّل الفاشلين، لأنَّهم يأتون بمكرٍ وخديعةٍ وسلاح… إلخ، فمن هذه الناحية يدَّعي لنفسه كيت وكيت سوف يكون أوَّل الكاذبين على رأس القائمة، الكذب أشكالٌ وهذا منه ومن أهمِّه, فمن هذه الناحية أحسن شيءٍ أنَّ الإنسان يرفع يده تسليماً لله سبحانه وتعالى أنه لا, أنا ضعيفٌ من جميع الجهات، أيّ شيءٍ أيّ خصوصيَّةٍ لا توجد, هذا كلُّه وهمٌ, وإن كان
– جلَّ جلالُه – هذا الوهم مُبيَّنٌ أقرَّه وأقرَّ الأسباب في القرآن الكريم وأقرَّ الأوصاف, لأجلِ أن يكلِّمنا على قدر عقولنا, من قبيل هذا الذي أفهمه من قوله تعالى (وَلَهُم ما يَدَّعُونَ)([7]) أنه أنا أدَّعي أني عندي علمٌ وعندي قدرةٌ وعندي عقلٌ وعندي استنتاجٌ وعندي اجتهادٌ، لا يهمّ، أنتَ لك بالرغم من أنه كله هِباتُهُ لا أكثر ولا أقلّ، ليس لي منها شيءٌ, أيضاً أكثر من ذلك أدّعي أنَّ لي حسناتٍ أستحقُّ بها الجنة (أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنة) – هل يوجد أفضل من هذا الشيء – هذا كله من الرحمة، يتنازل ليرحمني, الجواب الأوَّل أنه ليس لك حسناتٌ تنزلنا كما بالتنزل البرهاني, أنه لك حسناتٌ ولكنَّ هذه الحسنات أنا أعطيتك إيّاها. تنزلنا أنه أنا لم أعطها ولكن أنتَ فعلتها, إذن أنتَ اذهب بها إلى الجنة, تنزُّلٌ بعد تنزُّلٍ بعد تنزُّلٍ إلى أن ينتج الإستحقاق, وإلا في حقِّ المطلب أنا صفرٌ لا أكثر ولا أقلّ، لا، بل أكثر من ذلك أنا أستحقُّ جهنَّم لماذا؟ لأنَّه أنا قلت أكثر من مرَّةٍ كثيراً، وهذا مطلبٌ مهمٌّ لو كررته ألف مرَّةٍ لما كان حديثاً، وهو أنَّ الذنب القليل إنما هو عصيانٌ للكمال المطلق لله اللامتناهي في تدبيره وفي نعمته وفي رحمته وفي خلقته وفي قدرته، إذن فيكتسب الذنب صفةً أخلاقيَّةً لامتناهيةً من الجريمة عقلاً أو دقَّةً، إذن فأستحقُّ عقاباً لا متناهياً على ذنبٍ صغيرٍ على قتل ذبابة، فكيف على شيءٍ كثيرٍ جدّاً، مثلاً الإعتداء على جماعةٍ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فمن هذه الناحية ماذا يكون الحال؟ تكون حالتي أنَّه العقوبة التي أستحقُّها أكثر مما أتصوَّر وأكثر مما أتحمَّل، فلذا يقول أمير المؤمنين سلام الله عليه: (إرحموا أجسادكم فإنكم لا تتحمَّلون عذاب القبر) فإذا كان عذاب القبر أنا لا أتحمَّله فكيف بعذاب جهنَّم الذي لا تقوم له السماوات والأرض، هذا أيضاً معنى موجودٌ ولربما لا تغفلون عنه, أنَّ الجنة خُلقت لإبراز رحمة الله، لإبراز عظمة رحمة الله, أنه من الكثرة إلى حدٍّ عجيبٍ بحيث تبهر الخلق كلهم حتى خير الخلق لا يهمّ, ولكنَّ جهنَّم خُلقت لأجلِ إبراز عظمة إنتقام الله سبحانه وتعالى، وأنه من الصعوبة ومن الألم، بحيث لا تقوم له السموات والأرض, أعظم حتى من السماء السابعة، أنا أتكلم عن علمٍ وعمدٍ، أمشي له برجلي حاشا لله, مع العلم أنه هنا أنا أعطيت الفرصة, الله أتى بي حتى أتكامل نحو الكمال، نحو النور، نحو الجنة، نحو الصحة, على أن أهمل ذلك إهمالاً وأقول: (من قام من قبره مُعَذَّب) أنه نعم رحمة الله واسعةٌ، الشفاعة موجودةٌ، الرحمة موجودةٌ, فيجب أن أجعل نفسي مستحقاً حتى أنال كلَّ ذلك، ليس المسألة بالجملة, ربما أنه عاملني بعدله ولم يعاملني برحمته, ربما وهذا أنا أستحقه. إن عاملني برحمته فهذا خارجٌ عن استحقاقي, فلذا من الضروريِّ دائماً أن يتعادل الخوف والرجاء في قلب المؤمن. إن شاء الله نبقى إلى يوم السبت ونبدأ بالمادة الفقهية إلى يوم الأربعاء إذا بقيت الحياة.
([1]) سورة النساء: 4/ 76.
([2]) سورة يوسف: 12/ 28.
([3]) سورة النساء: 4/ 34.
([4]) سورة ق: 50/ 35.
([5]) سورة الإسراء: 17/ 37-38.
([6]) سورة يس:36/82.
([7]) سورة يس:36/ 57.