تفسير باطني لآيَّة المائدة

القسم الأوَّل

أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم

توكلت على الله رب العالمين

وصلّى الله على خير خلقه محمَّد وآله أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

أود ولليوم الثالث باللغة الحديثة، أن أتحدث بشيء خارج المادة الفقهيَّة، وحيث أن الحديث عنوانه العام هو العيد، فنتحدث عن ما يمكن بيانه من تفسير الآية الكريمة التي ورد فيها لفظ العيد ولعله هو اللفظ الوحيد الوارد في القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أن ينَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ, قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأوَّلنَا وَآخِرِنَا وَآيَّة مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأنتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ الله -جل جلاله- إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أحدا مِنْ الْعَالَمِينَ). ([1])

الحقيقة ليس المقصود هو بيان المعاني اللغويَّة لألفاظها وإنَّما أن ندخل في باطنها ولو بمقدار إصبعين، مثلاً من جملة الا شكَّالات التي ترد أن الحواريين (رضوان الله عليهم) مهما كان حالهم على كلِّ حال أنا لا أحسن بهم الظن جيداً, لأنَّ أكثرهم زلق وبشر بالثالوث غير المقدَّس بعد ارتفاع المسيح سلام الله عليه، على كلِّ حال، لكنه المهم أن الظاهر منهم في ذلك الحين أنهم ناس طيبين وأخبار ومن خاصة الخلق ومُرَبَّون على يدي هذا النبي الكريم الذي هو من أوَّلي العزم، إذن كيف يشكّون مثل هذا الشك الواضح الصريح والمصرَّح به في الآية (هل يستطيع ربك) بمعنى أنه تشكيك في القدرة الإلهيَّة, فما هو الجواب؟ في الحقيقة الجواب يكون على أشكال منها التشكيك -لو صحَّ التعبير- في مقابل التشكيك، التشكيك بمستوى هؤلاء إنما ندعيه أو يدَّعيه المسيحيون أنهم من أوَّلياء الله ومن أفاضل الخلق, ليس بصحيح, صح فيهم هكذا, ربما أقلّهم هو هكذا, ولكنه ليس كلهم ولا دليل في الآية على أن كلهم قالوا هذا الكلِّام، لا، أكثرهم قالوا هذا الكلِّام وأكثرهم فاسد, والفاسد منهم قال هذا الكلِّام وانتَهى الحال, فلذا يقول بعد ذلك: (اتقوا الله) يعني أنهم غير متقين فضلاً عمّا فوق التقوى من المراتب.

الجواب الثاني: طبعاً بعد التنزل عن الجواب الأوَّل واعتبار أن القائلين كانوا من أوَّلياء الله ومن المقربين، حينئذ لا يصح أن يكون تشكيكاً في قدرة الله سبحانه وتعالى، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، فيأتي الجواب الثاني والثالث، وفي هذا الجواب الثاني نقول أو يقال بأنَّهُ سؤال عن الإستحقاق، لأنَّ الله تعالى لا يعمل إلا ما هو مستحق للعبد، أما ما هو زائد، فمقتضى القاعدة أنه غير معطى للعبد يُحرم منه العبد، لأنَّه أكثر من الإستحقاق لا يتحمله العبد، فنستطيع أن نقول نحواً من المجاز أنه غير داخل في القدرة الإلهيَّة، لأنما هو داخل في القدرة الإلهيَّة هو النظام الماشي وهو الإعطاء بقدر الإستحقاق، وأمّا الزائد فكأنه غير قادر عليه رب العالمين، مثلاً من باب أنه ملتزم بعدم فيضه على العباد (هل يستطيع ربك) يعود إلى السؤال عن قابليَّة القابل يعني الإستحقاق، وأننا هل مستحقين أن ينزل علينا مائدة من السماء، أو أننا غير مستحقين لذلك ونحو ذلك من الكلِّمات فحينئذ يترتب وإن كان بيان اللغة يكون سَمِجاً كان يمكن بيانه بلفظ آخر، لكنه على كل حال والسماجة ليس للقرآن وإنَّما القرآن ناقل وناقل الكفر ليس بكافر كما يعبرون محل الشاهد ليس هذا.

الجواب الثالث: أنَّ ربَّك لا يراد به الله سبحانه وتعالى لأنَّ رب كل شيء هو مالكه والمسيطر عليه ونحو ذلك، الله هو رب العالمين أكيداً فيما إذا كان وصلنا إلى مرتبة هي المسيطرة على كلِّ عالم الإمكان، فذاك هو الله سبحانه وتعالى، وأمّا إذا نُسِبَ إلى شخص ما، ربي أو ربك أو ربه صح رب العالمين هو ربه أكيداً، لأنَّه هو أيضاً من ضمن العالمين ولكن دون هذه المرتبة أيضاً يوجد أرباب بهذا المعنى، الروح العليا لكلِّ إنسان هي ربه، الباطن رب الظاهر بمعنى من المعاني، فرب المسيح هو باطنه العالي الذي مثلاً عند الله سبحانه وتعالى وذاك الباطن فعّال بطبيعة الحال إن كان العقل الفعال يسمى فعال، فذاك أيضاً فعال فــ(هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أن ينَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ) بهذا المعنى، فليس تشكيكاً في القدرة الإلهيَّة وإنَّما تشكيك في قدرة هذا المستوى من الوجود، وليس كفراً على كل حال وان كان عندنا واضح الصحة وواضح القدرة، ولكنه ليس كفراً بالآخرة. هل يكون تشكيكاً في فاعليَّة الفاعل؟ يعني هل أنك وصلت إلى تلك الدرجة التي تستطيع بها أن تحرِّك المرتبة إلى العمل وإنزال الفيض؟ أو لا أنتَ لم تَصِل إلى تلك المرتبة التي تستطيع أن تحرك تلك المرتبة لإنزال الفيض، على كلِّ حال فحمل الكلِّام -أي كلام الحواريين ولا أقول حمل الآية وإنَّما حمل مضمون الآية على الصحة من هذه الناحيَّة- ممكن.

الفقرة الثانيَّة من الحديث: أننا نسأل عن نوعيَّة هذه المائدة، طبعاً بالروايَّة أنها مائدة فيها سمك وفيها خبز وغيره، هذا جواب لأهل الدنيا ولأهل المادة أو لأهل التصورات المتدنيَّة، وهو لا يعني أن هذا منفي أنا أريد أن أنفيه، بل للقرآن ظاهر وباطن وكل منهما صادق في الحقيقة، وليس أن بيان الباطن هو نفي للظاهر، بل هو إثبات لهما معاً، فهذه مائدة وتلك مائدة أيضاً، كما في بعض خطب أمير المؤمنين g أن الله تعالى بهذا المضمون: (حرر مائدة فيها أطائب الطعام وكذا وكذا)، ولكن أهل الدنيا اعرضوا عنها واتفقوا على جيفة، أنها تلك هي الجيدة وليست هذه المائدة الحقيقيَّة هي الجيدة. بالمعنى الظاهري هذا مجاز، ليست الآخرة هي المائدة وليست الدنيا هي جيفة، ولكنه بالمعنى الباطني أو الواقعي هو حقيقة. الآخرة هي مائدة والدنيا هي جيفة ليس أكثر من ذلك، فلذا أيضاً ربما ورد في بعض الأخبار أنا لا اعرف سندها: (ما معاويَّة إلا كلبة تعاوي الكلاب) أو شيء من هذا القبيل ، ووصف الإنسان بكونه كلب ليس حقيقياً بالمعنى المادي، ولكنه حقيقياً بالمعنى المعنوي أكيداً، لأنَّه عين النجاسة حقيقة وإن لم يكن كذلك بحسب الحكم الفقهي أو الظاهري والله العالم. فالمائدة حسب الأطروحة التي أريد أن اطرحها إنما هي مائدة معنويَّة وليست مائدة طعام مما يؤكل عادة من الطعام الدنيوي، أما سنخ تلك المائدة المعنويَّة مجهولة، لأنَّه أي مائدة يتفضل بها الله سبحانه وتعالى أي عطاء من عطائه يتفضل به – أنعم الله وجدّاً كافي – (قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) بحسب ظاهرها أنه لماذا تشككون بالقدرة الإلهيَّة أصبحوا متقين، كفوا عن هذا الحديث، لا، بحسب هذه الأطروحة الجديدة، مإذا يصبح؟ أنه يعطيهم رأس الخيط لنزول المائدة، يعطيهم السبب والعلة أنكم أوجدوا السبب لنزول المائدة حتى تنزل المائدة، لأنه وإن كان هي ليست لطيفة، الله تعالى لا يعطي مجاناً أو بدون مقابل، لا بد من سبب لوجود العطاء، أو بالتعبير الآخر أنه إجعلوا أنفسكم مستحقين حتى تنزل عليكم الفوائد والأنوار والوصول إلى درجة الإستحقاق يحتاج إلى مقدمات بطبيعة الحال، فحينئذ أوَّل مقدماتها وإن كان هي مقدمات عاليَّة إلى حد ما، لكنه من أوائلها الحصول على درجات التقوى، أنتَ إذا لم تكن متَّقياً
– إذن واصل حسابك، إذهب وابحث على ما ينفعك – وأمّا أن تريد الفوائد الخاصة من الله سبحانه وتعالى والموائد الخاصة من الله بدون أن تكون متقياً ليس لها معنى، فأنتَ إبدأ برأس الخيط الذي هو التقوى حتى تأتيك المائدة (قال اتقوا الله) يعني رأس الخيط وأوَّل الأسباب لمجيء المائدة هي تقوى الله سبحانه وتعالى. (قَالَ اتَّقُواْ الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) طبعاً لا ينال التقوى إلا المؤمن، لأنَّه هذه الدرجات لا بد من السير فيها الإسلام ثم الإيمان ثم الورع ثم التقوى، ولكلٍ منها عشر درجات لا حاجة الآن إلى الدخول فيه، فالمهم أنه لا يصل الفرد إلى أي درجة إلا بعد أن يكون قد وصل إلى ما قبلها – الطفرة مستحيلة – أو لا أقل خارجة عن النظام الإلهي الاعتيادي، فان كنتم مؤمنين إتقوا الله أوَّلاً درجة الأيمان ثم درجة التقوى ثم الحصول على المائدة وليست المسألة -بالجملة أو مجانيَّة أو بدون قيد أو مفتوحاً حبلها- ليس بصحيح وإنَّما إمشوا على النظام لكي تحصلوا على النتائج، وإذا مشينا بهذا الممشى, نعرف أن الجواب ليس خاصاً بالحواريين، وإنَّما طبعاً عام لكلِّ الناس، لكلِّ الخلق بمعنى من المعاني أو لكلِّ البشر أو لكلِّ الأجيال لا أقل، أنه لا تحصلون على الموائد الخاصة إلا بالتقوى، ولن تحصلوا على التقوى إلا بالإيمان، وهذا ينبغي أن يكون صحيحاً، ولن تحصلوا على الإيمان إلا بالإسلام، وهذا أيضاً ينبغي أن يكون صحيحاً وليس أكثر من ذلك (اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وأنا لاحظت –بالآخرة أنا محدود مهما يكن من أمر صفر أو تحت الصفر محل الشاهد- في حدود اطلاعي قلت أحياناً هذا المعنى وأقوله, لأنَّني معتقد به أن النتائج الحسنة الرئيسيَّة المعطاة في القرآن لعنوانين فقط (الصابرين) و (المتقين), الصبر موعود بكثرة في القرآن وبتركيز على حسن نتائجه, لأنَّ الله تعالى يعلم مقدار صعوبة في الحقيقة جل جلاله, أي صعوبته على النفس الأمارة بالسوء, لأنَّه مباشرة ضد النفس الأمارة بالسوء أكيداً، وقهر للنفس الأمارة بالسوء أكيداً، والشيء الآخر هو التقوى (الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)([2]), (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)([3]), ونحو ذلك من الأمور, وهذا معناه أحد أمرين يعني كلا الأمرين:

أوَّلاً: أن العاقبة الحقيقة ليست لمن دون التقوى, يعني أي شخص يكون دون التقوى حتى لو كان ورعاً إلا أنه لم يصل إلى درجة التقوى على تقدير التفريق بينهما كما هو الصحيح لا يصل إلى العاقبة الحقيقة بل يبقى مستحقاً للتأنيب وجر الإذن بمعنى من المعاني, أما في الدنيا أو أما في الآخرة, يحتاج إلى تمحيص في النهايَّة هذه واحدة.

الثانيَّة: أنا أعتقد – على كلِّ حال ولو كأطروحة انظر لها أنتَ ووجدانك- أن الصابرين والمتّقين نفس الشيء وليس شيء آخر، هو صح عنوانان متباينان بالمنطق واللغة والحوزة, لا، عملياً نستطيع أن نقول أنه من بلغ إلى درجة الصبر حقيقة فهو مُتَّقِي, كل صابر فهو مُتَّقِي وكل مُتَّقِي فهو صابر أكيداً, لأنَّه بمعنى من المعاني أحد درجاته تُنتج الآخر ثم يُنتج صاحبه ثم يُنتج صاحبه بالتدريج أحدهما عِلَّة إلى الآخر بحسب المستويات إلى أن يصل الإنسان إلى الصبر المحض والتقوى المحضة وهذا جدّاً كافي وهو هذا الذي يوعد بالتركيز من كلا الجانبين على انه له النتائج الحسنة وإلا – سبحان الله لاحظوا – إذا كان صابراً غير متقي ليس له تلك النتائج الحسنة, وإذا كان متقياً غير صابر كأنه لا يحتمل انه يكون متقياً أصلاً, لأنَّه بالأساس لا تنال التقوى إلا بالصبر, إذن فلا بد من التركيب أو الدمج بينهما حتى نحصل أو يحصل الفرد على النتائج المطلوبة بطبيعة الحال.

(قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا) هذا بالمصادر موجود أنه أبرزوا هم أيضاً عندهم مقدار من التفكير مهما كانوا مُتدنِّين، مهما أسأنا الظن بهم أو أحسنّا الظن بهم بغض النظر عن ذلك، بالآخرة عندهم درجة من التفكير لا بأس به, فيقول المفسرون أنهم أعطوا أربعة فوائد لنزول المائدة (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ).

وكذلك –سبحان الله- عدة فوائد ربما ثلاثة أو أربعة عدَّدها عيسى بن مريم (رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأوَّلنَا وَآخِرِنَا وَآيَّة مِنْكَ – ورزق منك – وَارْزُقْنَا– أي المائدة – وَأنتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ), فصارت سبعة فوائد لنزول المائدة, الفائدة الأوَّلى لا أقل التي في كلام الحواريين، بمقدار ما يسع الوقت (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا) على تقدير كونها ماديَّة ليس به إشكال, هذا هو المطابق للظاهر, وعلى تقدير كونها معنويَّة فلكلِّ شيء أكله المناسب له – أي الحصول عليه بمعنى من المعاني – ويعبرون بالتنفيذ أي تمشي المادة بالدم ويكون مقوياً ومؤيداً للحياة وسبباً للنشاط, فكما أن الأمور الماديَّة والبروتين والفيتامينات التي تمشي في الجسم أو في الدم, فتؤثر مثل هذه الآثار الجسميَّة أو الماديَّة, كذلك العطاء الروحي يكون في الروح طبعاً بالملكة المناسبة له في الإنسان, والإنسان فيه ملكات ما شاء الله – محل الشاهد – وأيضاً يؤثر ذاك الأثر، يؤثر أثر الأكل, كأنه أكل وكما لو أكل، يؤثر الأثر المادي كذلك لو حصل على العطاء المعنوي أيضاً يؤثر ما يشبه هذا الأثر من النشاط ومن القوة ومن القدرة على الطاعة في جانبها الروحي، (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) في الحقيقة إطمئنان القلوب له أحد تفسيرين نفسه هذا الذي في الآية الآخرى بالنسبة إلى إبراهيم j – محل الشاهد – تفسير أن يكون الاطمئنان طرفه هو الأعلى، والتفسير الآخر أن يكون الاطمئنان طرفه هو الأسفل، في الحقيقة أردأ التفسيرين هو الأوَّل، أننا مثلاً نطمئن بصدق الرسالة نطمئن بأصول الدين نطمئن بوجود الله، طرفه الأعلى بهذا المعنى، لا، التفسير الآخر أن طرفه هو الأسفل تطمئن من البلاء الظاهري والباطني، لأنَّ الإنسان بالآخرة، في وجل ووحشة من أي بلاء أمام الله سبحانه وتعالى، البلاء الدنيوي يخوِّفه حتى لو كان هو صابر بالآخرة يوجد هناك تشكيك بشكل من الأشكال وصعوبة، فيطمئن، وكذلك البلاء الباطني الوسوسة ونحو ذلك من نفسٍ أمارة بالسوء والشهوات والرغبات المحرمة وغير المحرمة والمنحرفة، تطمئن أي تنقطع ويحصل اطمئنان حقيقي عند نزول العطاء أي عند نزول المائدة, نتيجة من نتائج نزول المائدة إطمئنان القلوب من البلاء الظاهري والباطني, أما البلاء الباطني فينقطع أو يقل إلى درجة يطمئن بها القلب, والبلاء الظاهري لا نقول ينقطع, الدنيا هي دار بلاء باستمرار وإنَّما يحصل منه الصبر ويطمئن منه القلب، أنا لا أخاف يا ربي أتى البلاء أو لم يأتِ، أنا لا أعتني به أصلاً وجوده كعدمه، المهم هو انه أنتَ ترضى عنّي فقط، فيطمئن القلب (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)([4]) ما حاجة إلى الدنيا بما فيها ومن فيها وخيرها وشرها. (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) نعم نحن لو فسرناها بالتفسير الآخر من التفسير الأوَّل أنه تطمئن القلوب بما فوقها لا بما تحتها بأصول الدين بمعنى من المعاني الذي هو الإشكال أيضاً الرئيسي على إبراهيم لا، بل تطمئن القلوب بما هو أسفل منها لا بما هو أعلى منها، فيرتفع الإشكال عن كلتا الآيتين –محل الشاهد ليس هذا- لكن لو فسرناها بالإطمئنان بما فوقها، حينئذ كأنَّما يكون بمنزلة تكاد تطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا، أي تطمئن قلوبنا بصدق رسالتك ونعلم أن قد صدقتنا، كأنَّما تكرار، فالجواب هنا أما أن نقول أن الاطمئنان معنى مباين للعلم بالصدق، هذا الذي فسرناه لا ربط له بالعلم بالصدق، يعني الإطمئنان جانب نفسي أو قلبي والعلم جانب عقلي وإدراكي وهذا لا ربط له بهذا وانتَهى الحال، وأمّا أن نفسره باختلاف المرتبة، الإطمئنان مرتبة والعلم أزيد من الإطمئنان وأعلى من الإطمئنان أيضاً يحصل، ليس فقط نطمئن، بل يحصل العلم بالصدق وهذا له باب وجواب، لكن يبقى الإشكال الآخر من قبيل (هل يستطيع ربك)، هؤلاء يبدو أنهم كثيراً متسافلين إلى درجة عجيبة -كأنَّما يشكِّكون بنبوة نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام- (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) يبدو أنه قبل نزول المائدة لا يعلمون أنه قد صدقهم، في الحقيقة هذا يمكن تفسيره بما هو أعلى وبما هو أسفل، والتفسير الأدنى هو الأوَّل وهذا الذي يرد عليه الإشكال، أنه أنا أشكّك بما هو أعلى، الذي هو النبوة أو ما فوق النبوة والعياذ بالله – له باب وجواب -، حينئذ هذا الذي يحصل، لا، إنما بما هو أسفل لأنَّه ماذا؟: نبي على العين والرأس وصاحب معجزات، وسبب للمعجزات وكل شيء ومقرب وعظيم عند الله، لكنه غير صادق، الصداقة الصادقة والصديق الصادق من هو؟ الذي يضر نفسه لينفعك.

وَمَنْ: إذا ريب الزمان صدعك

شَتَّتَ شمل نفسه ليجمعك

– قل لا ، سبحان الله – هذا هو الصديق الصادق, فالصدق بهذا المعنى أنا عبرت عنه أنه الصدق متعلق بالأسفل – أي بالعلاقة الإجتماعيَّة -، وليس بالأعلى الذي هو العلاقة مع الله سبحانه وتعالى (أن قد صدقتنا) أي صدقت العلاقة معنا ورعايتنا، ولا تعرض عنا بعنوان أنا مع الله ولا دخل لي بكم سبحان الله يعني هل نمد رجلنا بالشمس نحن متعلقون بك فإذا أنزلت علينا مائدة من السماء إذن نعلم أنك صدقتنا أي انه علاقتك بنا حميمة ونفعتنا، وأمّا إذا كان ما أنزلت علينا مائدة من السماء، إذن قد أهملتنا وهجرتنا وتكون قد ظلمتنا بمعنى من المعاني ومن هنا كان كأنه بنحو إلزامي لعيسى j بأنَّه يدعو لنزول المائدة. ونكمل إذا ناسب غداً.

القسم الثاني

أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم

توكلت على الله رب العالمين

وصلّى الله على خير خلقه محمَّد وآله أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

كأنه بعض النفوس راغبة بالاستمرار بشرح الآية الكريمة.

الخطوة الأولى التي ينبغي أن نتخذها الآن، أننا فهمنا أن المسألة لا تخص الحواريين وإنَّما تخص الإستحقاق لكلِّ شخص مستحق تنزل عليه الهبات الإلهيَّة، معنى ذلك أن الحواريين عبارة عن أصحاب مرتبة معينة من الكمال معلومين عند الله، نحن لا نعلم كمال تلك المرتبة كل من يصل إليها يمر بمثل هذه التجربة لو صحَّ التعبير.

نتحول إلى طرف ثاني وهو أن عيسى بن مريم أيضاً نجرِّدُه عن الخصوصية فيجرد الحواريين عن الخصوصيَّة، فعيسى بن مريم أيضاً نجرده عن الخصوصية، لأنَّه من قبيل نقول أستاذهم أو موجههم أو هاديهم أو شيخهم باصطلاح السلوكيين، ونحن نعتبر أن كل هذا ليس في الإنسان في نفسه وإنَّما في باطن النفس 1:36أكون مسؤولاً عن تعيين الأشخاص، لأنَّ النفس فيها ملكات متُعَدِّدة فكل واحد منها ممكن أن نسميه بهذا الاسم.

الخطوة الأوَّلى هنا: أننا نفهم من مريم درجة من درجات النفس التي عادة تسمى بالنفس الأمارة بالسوء وليست كلها أمارة بالسوء أو قل هي ليست أمارة بالسوء فقط. وإنَّ في النفس عمل كثير منه الأمر بالسوء وقد تكون النفس طيبة وصالحة إلى حد جيد, فتكون مريم، أما تمثيلها بالمرأة فواضح, لأنَّه النفس عبارة عن مجموعة الشهوات والفعاليات الدنيويَّة التي هي كيان المرأة قائم على ذلك, وتمثيلها أيضاً بمريم من ناحيَّة أخرى وهو صلاحهاـ ينتج من النفس أحياناً أيضاً بفضل الله سبحانه وتعالى كمال معين أو ملكة معينة متكاملة, ليس متكاملة مطلقة، متكاملة إلى حد يحس به صاحبه, فيكون إبن هذه النفس – عيسى بن مريم – رب هذا المجموع من هو؟ هو العقل بطبيعة الحال أعلى من هذه المستويات كلها العقل المجرَّد المتكامل لدى الفرد. الحواريون من هم؟ مجموعة ملكات مُتدنِّية – نستطيع أن نسميها مُتدنِّية نسبياً في النفس – فلذا هم شملوا بِتدنِّيهِم، فيها وسواس وفيها مشاكل وزائدة وناقصة (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أن ينَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ) الكلِّمة تصدر من مثل هذا المستوى, فيطلبون من الجهات المتكاملة من النفس أن تطلب من العقل أن يطلب من الله تنزيل هباته الخاصة والكلِّ يستفيد – طبعاً النفس بمجموعها بكل ملكاتها تستفيد – من الهبات الخاصة, فاستطعنا أن نجرد الخصوصيَّة بشيء آخر 5:11.

الخطوة الآخرى: أننا نقول مهما فسرنا الحواريين وغيرهم أن العطاء ينزل بالإستحقاق مع وجود الإستحقاق, تأتي عبارة الشيخ المظفر التي أذكرها باستمرار (الله تعالى كريم لا بخل في ساحته), فإذا وجد الموضوع مستحقاً يفيض عليه – هو طبعاً يقوله في الأمور التكوينيَّة -, أن العلة حينما تتم يطلب المعلول بلسان حاله الوجود وهو تام الإستحقاق باعتبار أنه العلة تامة و (الله تعالى كريم لا بخل في ساحته) – تأتي هذه الكلِّمة أكيد وهذا صحيح – و (قادر لا قصور في قدرته, وعالم لا قصور في علمه), نأتي للمطلب كله من جميع الجهات فيفيض عليه الوجود – أي على المعلول – فيوجد إستجابة للدعاء الواقعي بلسان الحال، نفس الشيء يكون بالنسبة إلى الإستحقاق كل استحقاق هو هكذا وليس فقط استحقاق المعلول لوجود العلة أو قل كل هذه الأشياء هي من سنخ المعلولات أما ماديَّة أما معنويَّة فيفيض عليك، إذن ما الحاجة إلى دعاء عيسى بن مريم، هو هذا سبب كافي أننا نَتَّقِي الله والتقوى هي مجلبة أو السبب أو المقتضي لأجلِ الإفاضة وأنتَهى الحال لا حاجة إلى الدعاء الزائد، لأنَّ (الله تعالى كريم لا بخل في ساحته) بتعبير آخر (علمك بحالي يغني عن مقالي) وأنتَهى الحال. في الحقيقة جواب ذلك له أحد تفسيرين: – تقريباً هذا تفسير متدني ويوجد تفسير أعلى منه – التفسير المتدني يقول أن الإستحقاق هنا منتفي في هذا المورد منتفي – صح كبروياً الفيض يلحق الإستحقاق – لكن هنا لا يوجد استحقاق، ذلك لماذا؟ لأنَّه يقول (اتَّقُواْ الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وهذا واضح بالدلالة السياقيَّة نستطيع أن نسميها أنهم ليسوا مؤمنين أو جملة منهم ليسوا مؤمنين، فإذا كانت المقدمة غير موجودة النتيجة أيضاً غير موجودة، إذا كان الايمان غير موجود التقوى غير موجودة، فإذا التقوى غير موجودة الإفاضة غير موجودة، إذن هذا الباب إنسدَّ ، فانفتح الباب الثاني وهو الدعاء، الطلب إلى المعجزة أن لطفاً بغير استحقاق ينزل، جيد بالآخرة الله تعالى لاستحقاق عيسى بن مريم يفيض على الحواريين، له باب وجواب هذه واحدة.

والجواب الثاني أننا نوحد – شيء معقول ويمكن استشفافه أو نأخذه من عبارة الشيخ المظفر – أن المعلول يطلب بلسان حاله الإفاضة، فالإستحقاق هو الدعاء هذا هو بعينه ليس شيئاً آخر، فإن لم يكن دعاء باللفظ فهو الدعاء بلسان الحال وهذا جدّاً كافٍ سبحان الله ليس شيء من الباطن قابل للإنكار، أريد أن أذكركم بهذا الشيء الموجود السيِّد الحكيم (قدس الله روحه الزكيَّة) في بطون القرآن شرح كفايَّة الأصول لابد كلكم رأيتموه، أن شيخ فلان ما أعرف إسمه، في الأول من شهر رمضان تعطيل فلا بأس بشيء من التفسير فقال: أريد أن أشرح لكم آية وهو يذكرها، فحضر في بحثه فضلاء الحوزة يومئذ يذكر منهم اثنين لعله أفضلهم السيِّد إسماعيل الصدر والشيخ النوري صاحب المستدرك، فشرح الآية أوَّل ليلة فاستوضحوه – أي المعنى – يعني وجدوه، وعجبوا من عدم انتِقالهم إليه! فضلاء مشار إليهم بالبنان أهل غفلة وذهول عن الأمور الباطنيَّة وعجبوا من عدم انتِقالهم إليه هذا أنتَهينا منه أتى في الليلة الثانيَّة بَيَّن معنى جديداً استوضحوه وعجبوا من عدم انتِقالهم إليه إلى ثلاثين ليلة، ثلاثين باطن متدرج بَيَّنه لهم باستحقاقهم، هو يدري أن هؤلاء مستحقين لمثل هذه العطايا، فكان هو واسطة فيض من الله سبحانه وتعالى إليهم. أما ما هي هذه المعاني؟ لا أحد يقولها، هم أيضاً كأنما نسوها لا تبلغ إلى الناس حرام أن تبلغ إلى الناس, لأنَّ الناس ليسوا على استحقاقها طبعاً لم تكتب ولم تنشر أصلاً لأنَّ الأئمَّة أعطونا رأس الخيط، أن القرآن له سبع بطون أو سبعين بطن أما أنه وراء هذا المطلب ما هو؟ لا نستطيع أن نحصلَ عليه دونه خرط القتاد، (قالوا نريد أن نأكل منها) هذه الخطوة الأخرى طبعاً إضافة إلى ما قلناه (وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا) وهذه قد شرحناه (ونكون عليها من الشاهدين) كأنَّما الشهادة وظيفة نستطيع أن نقول ضروريَّة في الكون, فلذا (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)([5]) أن تكونوا شهداء على الخلق أي المؤمنين شهداء على الخلق, المتشرعة يفهمون البشر – على كلِّ حال- هو يقول شهداء على الخلق ويكون الرسول عليكم شهيداً أكبر منهم بمراتب أعلى, يعني فحينئذ مإذا يصير؟ يصير هو الشهيد على الشهيد, الشاهد على الشاهد – محل الشاهد – فالشهادة ضروريَّة تؤدى بالآخرة حينما يقف الخلق بين يدي الله بمعنى من المعاني يؤدون الشهادة إلى الله سبحانه وتعالى أن فلاناً فعل كذا و فلاناً فعل كذا فلان ترك و فلان فعل و فلان قال… الخ, حينئذٍ هذه الشهادة عامة نستطيع أن نقول كما أن الرحمة عامة وخاصة كذلك الشهادة عامة وخاصة, فهذه الشهادة عامة لكن يوجد شهادات خاصة كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته كذلك ماذا؟ (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)([6]) طيب هذا الراعي أو الإمام نستطيع أن نقول شاهد على مأموميه, لكن ليس على كلِّ الخلق بل على مأموميه أي على المعتقدين به والتابعين له ربما حتى السيِّد محمَّد الصدر مبتلي بالشهادة أو أبتلي بالشهادة في يوم ما أمام الله عليكم أو على أي واحد – محل الشاهد ليس هذا – فهذه شهادة خاصة أي تخص ماذا؟ يخطر في بالي روايَّة من زمان رأيتها: (يأتي شخص – بحسب مضمون الروايَّة – إلى أمير المؤمنين g فيقول له: أنا من أصحابك فيقول له أنا ما أعرفك ولو كنت من أصحابي لعرفتك – ما مضمونه – فلا يدخل ضمن الشهادة), لأنَّه لا يعرفه أي ليس شاهداً عليه, لأنَّه حقيقة في علم الله وثبوتاً ليس من أصحابه, فالشهادة الناتجة من الإمامة ومن الولاية ومن التبعيَّة غير موجودة نعم أمير المؤمنين شاهد بالمعنى عام أكيداً, فهذا المورد من موارد الشهادة خاصة, (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أنه نزلت وإذا شهدوا في الحقيقة يترتب عليها آثار وضعيَّة طبعاً – أي أمام الله سبحانه وتعالى – من قبيل أنه ردود فعلهم تجاه شهادتهم ما هو؟ وتجاه المشهود عليه ما هو؟، فلذا يقول (فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً) مرَّة ردود فعل صالحة ومرَّة ردود فعل طالحة غير مرضيَّة لله سبحانه وتعالى، ومرَّة شُكر أنه خير ما فعلت شكراً لك، أنزلت علينا هذه الهبة، ومرَّة لهو وغفلة يأكلوها وينسون كما هو أغلب الناس كذلك شأن النفس طبعاً هي بهذا الشكل، إذا كان قسَّمنا الحواريين بالنفس تأكلها وتنسى اعتيادي، وقد يكون كفراً أيضاً بها زيادة إما شكر إما وسط إما كفر أي كفر بالنعمة، قال عيسى بن مريم يدعو إما عين ما سبق إما غير ما سبق على وجوه التفسير. سبحان الله لاحظوا هم قالوا: (هل يستطيع ربك) هو قال (اللهمَّ ربنا) ما قال ربي بطبيعة الحال الحق معه، لأنَّ الروح العليا وإن كان فيها فائدة لكن إنما تفعل بإرادة الله الذي هو رب العالمين الذي هو ربها ورب العالمين وأنا حينما أطلب – وإن كانت العبارة غير لطيفة – حينما أتسول، ما أتسول من نفسي وإنَّما اطلب مباشرة من الله الذي هو لانهائي القدرة ولا نهائي العلم، بالآخرة الواحد مهما كان فهو محدود، فحينما أطلب من غير المحدود مباشرة هم قالوا (هل يستطيع ربك) كأنَّما هذا حد إدراكهم هذا مبلغهم من العلم. لكنه هو لا، مبلغه من العلم أكثر مباشرة اتجه إلى الله سبحانه وتعالى (اللهمَّ ربنا – الذي هو رب الجميع – أنزل علينا مائدة من السماء) طبعاً معنى ذلك ماذا؟ هذا أيضاً ينبغي أن نلتفت إليه وان نستفيد منه في الحقيقة، وهو أن الدعاء لا يكون إلا لمصلحة إذا كان الإنسان واعياً, واعياً إلهياً يعني لا يدعو إلا لأجلِ مصلحة حقيقيَّة وإلا خير له أن يغلق فمه, الدعاء طبعاً بهذا المعنى إذا كان من العوام أو اعتيادي سوف يتخذ دعاءه نحو اعتراض على الله سبحانه وتعالى: لماذا هذا الشيء أنا أريد أن تغيره. أو إرادة ما لا يريده الله سبحانه وتعالى وهذا هو من الشرك الخفي المبتلى به كل الناس, فالدعاء لا يكون إلا لمصلحة حقيقيَّة، وبتعبير آخر إذا كان على هذا المستوى من الارتفاع على مستوى الأنبياء والمعصومين يحتاج إلى إذن من الله سبحانه وتعالى أنه أنتَم ادعوا، وإلا أنا أفعل وأنتَ لا تريد جل جلالك ليس له معنى، إنما يفعل ما يريد الله (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)([7]) فقد شفع لهم، إذن المسألة مرضيَّة لله سبحانه وتعالى إما أن نقول هم مرضيين على أحد التفاسير، وإمّا أن نقول الدعاء مرضي لله سبحانه وتعالى. وإلا لم يكن من مورد الدعاء ولا أقل أنه نقول إذا تنزلنا عن كل ذلك أنه وجد مصلحة في الدعاء، لإقامة الحجة على الحواريين الذين بحسب ظاهر الآية أنهم ليسوا مؤمنين أو قليلي الإيمان أو قليلي اليقين، ولقلة اليقين أيضاً تخطر في بالي رواية: أنه أمير المؤمنين g
-بحسب الروايَّة- جاءه شخص شكا إليه الحاجة فقال له: احضر لي حجارة من الأرض، حصاة أو شيء، فقال له أمير المؤمنين g حولها ذهباً. قال: يا أمير المؤمنين لا أستطيع أن أحولها إلى ذهب. فقال له: أقسم عليها باسمي. فأقسم عليها باسمه فتحولت ذهباً، فقال له: إقطع منها حاجتك. فقال له: لا أستطيع أن اقطع منها حاجتي، – حجر وتحول إلى قطعة معدن كيف تُقطَع فقال له: أقسم عليها باسمي فأقسم عليها باسمه وأخذ حاجته ووضعها في جيبه فقال له: أرجِعها صخرة. فقال له: أنا لا أستطيع أن أرجعه، فقال له: يا قليل اليقين أقسم عليها باسمي. – أنتَ جوابك مرتين بعد تريد أكثر – فاقسم عليها باسمه وألقاها على الأرض) طبعاً رجعت حصاة فرماها، فــ(يا قليل اليقين) بالتأكيد قليل اليقين هذا الرجل. (اللهمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأوَّلنَا وَآخِرِنَا) (من السماء) – الآن نمسكها – لماذا أن عيسى بن مريم عين المصدر لله سبحانه وتعالى أن يكون من السماء، من أين يريد الله أن يأتي به لا بأس لماذا من السماء؟ ربما أخرجه من الأرض ربما جاء به من المشرق من المغرب، في الحقيقة هذا فيه جهتان حسب فهمي لا أقل لا حاجة إلى أكثر من جهتين.

الجهة الأوَّلى: أنه المطلوب جهة العلو – السماء جهة علو قدس الله روح الشهيد الثاني يقول: السماء جهة العلو – نحن نريد العطيَّة تأتي من فوق، والفوق في عالم المعنى له كثير من المعاني، الجانب الأعلى هو الجانب النوراني، والجانب الأسفل هو الجانب الظلماني، فإذن هو يريد من عالم النور هبة، فالحقُّ معه من هذه الناحية حينما قال من السماء.

الجهة الثانيَّة: في حدود فهمي أن عيسى g يدرك أن فوق السماء شيئاً، ان السماء ليست هي نهايَّة الكون وإنَّما توجد مدارج عاليَّة ودرجات عليا فوق السماء بكثير أعلى من السماء بحيث لا يقاس بالسماء أصلاً، -فسبحان الله- إذا جاءت الهبة من مدارج علياً جدّاً سوف لن يتحملها الحواريون تضرهم أكثر مما تنفعهم، لأنَّه لا يناسب استحقاقهم يموتون ربما مثلاً أو أي شيء يصير بهم أو يُجنُّون أو يكفرون, المهم على أنه تضرهم ضرراً بليغاً، كذلك تفعل المواعظ بأهلها، كما مات هذا الرجل في نفسه, على كلِّ حال -محل الشاهد- يجب أن لا تصل المواهب من العالم عالي جدّاً وإنَّما من عالم متدني عالم نوراني، لكنه نسبياً بسيط نستطيع أن نسميه وهو السماء، إئتِ لنا من السماء ولا تأتي لنا مما هو أعلى منه ذاك مضر، ربما من قبيل نقول إذا عيسى بن مريم يتحدث عن نفسه، أنا أتحمله لكنه الهبة إنما هي للحواريين، والحواريون لا يتحملون – فأتِ لنا من السماء – والله تعالى يعلم طبعاً كل ذلك لكنه حسب الظاهر لأجلِ بيان ذلك إعلامياً نستطيع أن نسميه باللغة الحديثة لأجليس أنه هم يسمعون، (رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا) بطبيعة الحال المواهب الإلهيَّة دائماً هي العيد هي الفرح الحقيقي (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ) ([8]) ليس (إن الله – تعالى – لا يحب الفرحين) ([9]) هذا أيضاً أنا لم أقله في خطبة الجمعة يوجد فرح راجح ويوجد فرح مرجوح, فالفرح الدنيوي هو المرجوح, والفرح الآخروي هو الراجح، وهذا من سنخ الفرح الآخروي وإن كان ليس في الآخرة حقيقة – أي من سنخ المعنى وليس من سنخ المادة – لأنَّ الآخرة من قبيل القول من سنخ عالم المعنى، إذن فهذا من سنخ عالم الآخرة، (تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأوَّلنَا وَآخِرِنَا وَآيَّة مِنْكَ) تعال إئتِ بأوَّلنا وآخرنا من هم؟ أنا الذي كنت أفهم منه أنه تكون لنا عيداً وفرحاً لأوَّلنا وآخرنا – كيف هذا؟- أي أنها معجزة ثابتة لكلِّ أتباع المسيح g إلى يوم القيامة، بكل أجيالهم من زمان الحواريين إلى يوم القيامة، ويوجد بالقرآن إشعار على أنه المسيحيين يبقون إلى يوم القيامة، فإذا أوجد بينهم الحرب كذا إلى يوم القيامة يوجد في القرآن، معنى ذلك أنهم يبقون إلى يوم القيامة موجودين اليهود والمسيحيين لا يؤمنون حتى بصاحب الزمان سلام الله عليه، قسم منهم وليس كلهم طبعاً – محل الشاهد -، فتبقى حجة لهم أو حجة عليهم إلى يوم القيامة وهذا تفسير ظاهري طيب (لأوَّلنا وآخرنا) أي أتباع المسيح g أو نقول أنه لأوَّلنا وآخرنا أي من المؤمنين الذين هم على حق دائماً أيضاً صحيح، وهذا أوضح وذلك لوضوح (لاحظوا) لوضوح أن المسيحيين الآن نسوا هذه الآية لا يوجد إشارة في التوراة أو الإنجيل أو الكتب أو حتى إرتكازهم المتشرِّعي لو صحَّ التعبير على أيَّة حال، أن شيئاً من هذا قد حدث كأنَّما لم يحدث، فإذا لم يحدث إذن نسي فلا يبقى لأوَّلنا وآخرنا، لأنَّ الآخر أهمل هذه الجهة وتناساها وذهبت من باله بالمرَّة وإنَّما فقط عيد لأوَّلنا وليس لآخرنا، فحينئذ يختص بأهل الحق بالمؤمنين لأوَّل المؤمنين وآخر المؤمنين.

القسم الثالث

أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم

توكلت على الله رب العالمين

وصلّى الله على خير خلقه محمَّد وآله أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كأنه وافقت الاستخارة على الإستمرار بشرح الآية وإلا تقريباً أعتبر نفسي خائناً للمادة الفقهيَّة ومؤخراً لها مدة أسبوع كامل على كلِّ حال.

قال عيسى بن مريم (اللهمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأوَّلنَا وَآخِرِنَا) عيداً أي سروراً وبهجة باصطلاح علماء الباطن، البهجة بنور الله سبحانه وتعالى، وكما أننا نعرف، أو هكذا طرحنا أطروحة أن العيد قد يكون عاماً أو شخصياً، فهنا كل من يرى هذه البهجة وكل من ينال هذه البهجة حاله حالة عيد طبعاً كأن عنوان العيد معنى إنتزاعي من دون الشيء الثبوتي، الذي ينزل في الحقيقة ليس هو عين ما ينزل، قد تكون بهجة وحدها لها باب وجواب لا، وإنَّما ينزل عطاء معنوي ملازم أو علّة للبهجة، يكون علّة للبهجة، الإنسان يبتهج بالعطاء بمقدار نورانيته وارتفاعه مثلاً نستطيع القول.

بقيت تفاسير أخرى لقوله (لأوَّلنا وأخرنا) لأنَّ ضمير الجمع إلى من يعود؟ هل هو يعود إلى أتباع المسيح إلى يوم القيامة كما هو الوجه الأوَّل، أو إلى أهل الحق كما هو على الوجه الثاني؟ لا، قد يكون عيد للحواريين فقط، لأنَّهم يتكلمون عن نفسهم (أنزل علينا) أي على الحواريين عيسى والذين معه ، أوَّلنا وآخرنا يأكلون من هذه المائدة، ما المفروض ذلك بالتأكيد ليس كذلك فبمقدار ما هو مورد نزول المائدة يكون العيد (عيداً لأوَّلنا وآخرنا) والتفسير الظاهري انه يصل خبره فيُعيّدون من باب الذكرى كما أنا قلت في خطبة الجمعة إلا أن الذكرى ليست عيداً، العيد هو نفس مناسبة السرور في الحقيقة، هل مناسبة السرور تكون لكلِّ الناس ليس مناسباً، وبحسب الظاهر أيضاً ليس كل الناس يأكلون من هذه المائدة أكيداً لا ظاهراً ولا باطناً، فإذن العيد الحقيقي لا يكون لأوَّلنا وآخرنا بذاك المعنى للحواريين له باب وجواب، يكون عيداً لأوَّلنا وآخرنا، إذا كان المقصود من أوَّلنا وآخرنا هم الحواريون, فهم في نفس المجلس تحت قبة صغيرة تلزمهم, لا, إنما أوَّلنا وآخرنا في المقامات أنتَ إبدأ بالعد من فوق واحد أهم من الآخر (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)([10]) حتى النبيين الحواريين مفضل بعضهم على بعض بأيِّ درجة من الدرجات ليس مهم، فمن هذه الناحيَّة أما تبدأ بالعد من فوق، وأمّا تبدأ بالعد من أسفل أيهم تعتبره أوَّل لا يهم وإن كان هو طبعاً الأشرف يعد الأوَّل الأسبق, وآخرنا الذي هو بالتحت، تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخرنا بالآخرة كل واحد ينال من هذا العطاء بمقدار استحقاقه، وينال من هذه البهجة بمقدار استحقاقه أو بأكثر من استحقاقه في الحقيقة كما قررنا فيما سبق، هذا أيضاً يصير. وإذا عمّمناه أكثر وقلنا أنه المقصود ليس خصوص الحواريين بل طبقة معينة من ذوي الكمال، أيضاً هذه الطبقة مختلفة في داخل درجاتها المنظورة، فحينئذ أيضاً (لأوَّلنا وآخرنا) تكون لنا عيداً (وآية منك) طبعاً بحسب الظاهر أنها معجزة وهي فعلاً معجزة، وأنا قلت أن كل شيء إنما هو بإرادة الله، بمعنى آخر وبتفسير آخر أن كل شيء هو معجزة، لكنه مع ذلك – وكل شيء له قانون الله تعالى يسيره بقانون حتى الباطن، الباطن والظاهر كله بقانون وبنظام لا يتخلف ولا طرفه عين – الله تعالى يستطيع أن يجعله يتخلف يزيد عليه أو ينقص حسب المشيئة (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)([11]) جل جلاله المهم ليس هذا، الآية هي العلامة طبعاً والدلالة وليست هي المعجزة، كل معجزة آية وهذا صحيح وليست كل آية معجزة، وفي كل شيء له آية حتى هذه المنصة وهذه اللاقطة هل هي معجزة، لا إنما هي آية، آيات الله بقدر أنفاس الخلائق بقدر الخلائق كلها، فليست كل آية معجزة وإنَّما كل معجزة آية والموجود هنا إنما هو الأعم الذي هو لفظ الآية (وآية منك) أي بالآخرة دلالة من الدلالات جل جلاله طبعاً دلالاته كثيرة وإذا كانت الدلالة خاصيَّة نستطيع أن نقول أو باطنيَّة نستطيع أن نقول تكون أوضح بطبيعة الحال أوضح دلالةً وأكثر تقريباً أي دفعاً نحو القُرب للعبد لله سبحانه وتعالى (وَآية مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، فإذا كانت آية تكون من قبيل تأييد وتسديد وتوفيق
– نستطيع أن نسميه – للعبد وهذا أيضاً ينبغي أن يكون أكيداً ، وإذا فهمنا منها معنى كلياً فهي تنزل على كثير يعني على عدد من الناس وتنزل على أي فرد ربما أكثر من مرَّة، أنا في بعض الكتابات شيخ- الظاهر هو عنده شمة بالباطن – يقول: أنه مثل هذه الدلالات والتسديدات توجد في اليوم عدة مرات – جزاه الله خيراً يبدو أنه يلاحظ ويتعمق بالملاحظة جزاه الله خيراً، لكن أنا أعتقد أن مجرَّد كتابته والتصريح به هو خطأ إثباتاً خطأ، أما ثبوتاً ممكن بالآخرة لأي من عباد الله الذين هم محل التسديد الإلهي قد يكون الإنسان في عمره مرَّة أو قد يكون في عمره مرتين وقد يكون في اليوم مرَّة وقد يكون في اليوم مليون مرَّة كلها يصير بإذن الله كله يصير ليس فعلاً، أي ممكن أن يقع بالآخرة كل واحد حسب استحقاقه وأزيد من استحقاقه بقليل مثلاً بمقدار ما يتحمل. 8:7(وَارْزُقْنَا وَأنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) هذا رزق أنا حسب فهمي للمشهور أنه عين المطلوب أي أرزقنا المائدة التي دعوناك أن تُنزَل علينا أو أن تُنزِلها علينا، أرزقنا المائدة وأنتَ خير الرازقين، وهو الفهم المتعارف – نستطيع أن نسميه – يمكن في مقابل ذلك أن نطرح أطروحة أخرى (وارزقنا الزيادة) كما في قوله تعالى (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)([12]) أننا لا نكتفي بهذا المقدار من العطاء بل أرزقنا أيضاً إضافة إلى هذا المائدة شيئاً آخراً من عطائك اللامتناهي، أنه في الدعاء – وان كان بعيد العهد – (إن أوَّلياءه لا يقرّون على حال ولا يكتفون بعطاء، دائماً يطمعون بالمزيد من الله سبحانه وتعالى) ، فكذلك طبعاً عيسى g من جملة أوَّلياء الله الذي يطمعون بالمزيد والمائدة مزيد طبعاً، دعاء للمزيد أكيداً، ولكنه وراء المزيد مزيد ووراء المزيد مزيد إلى ما لا نهاية، لكن إلى ما لا نهاية ليس بحساب فاعليَّة الفاعل، لأنَّه جل جلاله لا متناهي وإنَّما بحسب حساب قابليَّة القابل لا يعطى إلا بمقدار ما يتحمله وبمقدار ما يستحق من ناحيَّة أخرى. (وَارْزُقْنَا وَأنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يوجد هكذا إشكال عام سمعته من بعض الناس وقد يخطر في البال أنه هل هناك رازق غير الله سبحانه وتعالى؟ حتى الله تعالى يكون خير الرازقين فيها إعتراف ضمني بالدلالة الإلتزاميَّة على أنه هناك رازق غير الله سبحانه وتعالى وإلا لما صح الجمع (لاحظوا) من هم الرازقون سبحان الله لا يوجد إلا رازق واحد، لكن المستشكل لم يكن يتكلم بهذه الصفة بقوله أرحم الراحمين وهو أيضاً نص قرآني من هو الراحم غير الله سبحانه وتعالى لا يوجد راحمون كثيرون حتى يكون هناك راحمين حتى يكون الله خيرهم.

يجاب ذلك نظراً إلى الفهم العرفي، وأن هناك راحمين كثيرين ورازقين كثيرين ومدبرين كثيرين…الخ، وحينئذ الله تعالى خيرهم أكيداً وانتَهى الحال. في مقابل ذلك أنه لا يهم لو أن زيداً وعمراً يتكلمون هذا الكلِّام على العين والرأس، لكن من الذي يقوله الآن؟ النبي المعصوم الذي هو من أنبياء أولي العزم عالي المقام جدّاً وهو يدرك أكيداً أنه ليس هناك رازق إلا الله سبحانه وتعالى، فكيف يقول خير الرازقين حينئذ يقال في مقابل ذلك في جوابه أنه هذا لأجلِ – نستطيع أن نسميه – حفظ الظاهر أو أخذاً –سامعين- بنظر الاعتبار -أو بلغتي- درجة من درجات التقيَّة، بهذا الشكل، أو كلِّم الناس على قدر عقولهم بالآخرة، لأنه هكذا لما يتحمله الناس – له باب وجواب – لكن لا، الجواب الآخر الذي يرد في حدود ما نفهم والله العالم، أيضاً – لكلِّ باطن باطن – أن الله تعالى وإن كان هو الفاعل الوحيد لكلِّ شيء صح هذا الرزق والتدبير والرحمة والعذاب والغضب من قبيل ما نقول باصطلاح النفس الأمارة بالسوء من الجيد والسيِّئ كله بيده جل جلاله، لكنه جعل أبواباً (أنتَم أبواب الله وأمناء الله أوامر الله تنزل إليكم وتصدر من بيوتكم) – قل لا – ففي طول الله باللغة الفلسفيَّة أو في المرحلة المتنزِّلة عن الله سبحانه وتعالى مرحلة واحدة ننظر العلل العليا التي لأرواح المعصومين سلام الله عليهم، كل الخلق موكول إليهم – قل لا – رازقين ومدبرين ومحيين ومميتين كلهم، الأسماء الحسنى بيدهم وهم يتصرفون بها, فإذن يوجد رازقين. بمشيئة الله يوجد رازقين، بمشيئة الله يوجد راحمين، وهكذا بمشيئة الله يوجد مدبرين الله تعالى يلحظهم, لأنَّه هو الذي سواهم سبحان الله وهذا ما يعلمه أيضاً بمعنى من المعاني لا نعلم درجة الإنكشاف لعيسى سلام الله عليه، لكنه يعلم ذلك بكلِّ تأكيد إجمالاً أو تفصيلاً، فمحل الشاهد، الله تعالى خير منهم أكيداً إذن هو خير الرازقين وأرحم الراحمين وخير المدبرين وإلى آخره (نور كل نور ومدبر الأمور وباعث من في القبور) لأنَّ الأنوار كثيرة وهو نورها، نور النور (قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) هكذا القراءة المشهورية مُنزِلُها أو مُنَزِّلُها، بالآخرة أن الشيء المشهوري من جانب آخر أن التنزيل والإنزال يختلف مضموناً، الإنزال هو الدفعي، والتنزيل هو التدريجي فلذا في القرآن، كل القرآن الكريم مرَّة يقول: (أنزل) ومرَّة يقول: (نَزَّل) والمراد بالتنزيل التدريجي الذي هو تدريج نزول الآيات على النبي k طيلة 25 سنة أو نحو ذلك، والإنزال هو الدَّفعي على قلب محمَّد k في أوَّل البعثة أو قبل البعثة أحياناً، فلنقل مُنَزِّلُها لو كان المراد دفعياً كما هو المشهور هي المائدة المشهوريَّة لو صحَّ التعبير أو الماديَّة لو صحَّ التعبير نزلت دفعيَّة، كان فيها سمك وخبز وخضروات، وطبعاً إثبات الباطن لا يقتضي نفي الظاهر كله صادق، أنا هكذا أقول. فلذا للقرآن سبعين باطن كله صادق ظاهره صادق والبطن الأوَّل صادق والثاني صادق إلى ما لا نهاية – محل الشاهد ليس هذا – هذا سيكون ماذا ؟ حينما نقرأ مُنَزِّلُها بمعنى آخر سوف ينفي الفهم الظاهري يكون هناك مناقشة في الفهم الظاهري أنه لو كانت ماديَّة، أو لو كان المقصود منها السفرة الماديَّة والطعام المادي لقال مُنْزِلُها ولم يقل مُنَزِّلُها، ولكنه قال منَزِّلُها إذن فليس المقصود بالقياس الاستثنائي، أي ليس المقصود الشيء المادي، وإنَّما الشيء المعنوي الذي ينزل تدريجاً بطبيعة الحال ودائماً ينزل تدريجاً أكيداً، وينزل تدريجاً على مختلف المستويات، سواء كان قليلاً أو كثيراً, قليلاً أو كثيراً في الافراد لو صحَّ التعبير، أو قليلاً أو كثيراً بالمستوى، أيضاً كله ينزل تدريجاً وطبعاً أفراده لا تنزل تدريجاً لأنَّ الجزئيَّة تنزل علينا 17:4, لكن التكامل بالآخرة تدريجي إذا لاحظنا الكلِّي أو مجموعة الافراد أو مجموعة المقامات طبعاً هي تدريجيَّة من حين ما يولد الإنسان إلى حين ما يموت في دار التربية التي هي دار الدنيا أو دار التكامل ودار الطاعة ودار الاستغفار ودار الأنبياء ودار الرسل, من هذه الناحيَّة الدنيا مقدسة أكثر تقديساً من الآخرة هناك تذهب (بطّال) لا طاعة لك, أما هنا لا دار عمل، نعم الذي كَدَّرَها هم الآخرون الفَسَقَة والفَجَرَة وذنوب المذنبين، الدنيا لا ذنب لها الله تعالى خلقها كتكوين, وهي كتكوين دار طاعة وليست دار معصيَّة, قال الله تعالى
-لأن الخطاب لله- (اللهمَّ ربنا)، فيُجِيبُه جل جلاله والمتلقِّي هو عيسى g ولا أعتقد أن الحواريين سمِعوا هذا الوحي بهذا المستوى الرفيع لا أعتقد أنه يسمعه غيره نفس النبي g ليس للحواريين مستوى السماع بطبيعة الحال ليس هكذا، وإنَّما هو قال: بلغته طبعاً وهذا ترجمة للغته العبريَّة أنه (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُم) في حين أن المروي باستفاضة نستطيع أن نقول، باستفاضة ولو نسبيَّة أن أهل البيت سلام الله عليهم يعني أهل الكساء أهل البيت الخمسة سلام الله عليهم أو قل الأربعة غير النبي k كانوا يسمعون الوحي الذي ينزل على النبيk موجود هكذا استفاضة 18:51 ما دام النبي حياً وأحياناً ينزل عليه الوحي ويكونوا إلى جنبه فاطمة الزهراء h أو علي g أو
الحسن g ليس ببالي أن الحسين وارد، لكن هذا ما رأيته في جملة من الروايات يسمعون الوحي لماذا؟ لأنَّهم عالين، لهم استحقاق سماع الوحي ويذهب الحسن يبلغ أباه أنني هكذا سمعت ويبلغ أمه أنه هكذا سمعت – محل الشاهد – وأمّا الحواريون ليسوا بمستوى أهل الكساء سلام الله عليهم، فأين الثريا وأين الثرى -وإن كان ليس لطيفة نكمل البيت- وأين معاوية من علي عليكم نفسنا لكن لا، أرزقنا وعيداً لنا لأوَّلنا وآخرنا عليكم من باب المقابل نفس مؤدى الخطاب مؤدى ضمير الجمع وكلاهما جمع طبعاً يعني وهذا ينبغي أن يكون واضحاً أن الملحوظ نفس الطبقة مهما فسرناه على أيَّة حال (فَمَن يَكْفُرْ– بالإدغام طبعاً – بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أحداً منَ الْعَالَمِينَ) يوجد مثل هذا الشيء وان كان الآية لم تخرجها (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) ([13]) ويكونوا كذا وكذا فيها بعد ذلك أنه (فمن يكفر) يكون فيه كذا وكذا، في حين أنه أنا قلت في موسوعة الإمام المهدي أنه في ذلك الحين في أرجح الظنون والأطروحات أنه كله لا يحصل، تبقى هداية من حين ظهور صاحب الأمر ليس من حين لحظة ظهوره، وإنَّما استباب الإيمان يكون بعد جهوده سلام الله عليه إلى يوم القيامة، هذا هو الأرجح مهما طال الزمن أو قصر، فمن يكفر ليس له معنى في الحقيقة هذا هنا أيضاً نفس الشيء إذا نزلت المائدة والعطاء بعد مورد الكفر ما هو؟ في الحقيقة هذا يفسر بعدة تفسيرات.

أوَّلاً أنه مجرَّد تحذير (جرت إذن) أنه أنتَم لاحظوا أنفسكم في النهايَّة الإنسان مختار يستطيع أن يكفر نظرياً يستطيع أن يكفر والعياذ بالله فأنتَم شدوا الحبل على أنفسكم الأمارة بالسوء أكثر فلاحظوا أنفسكم في القليل والكثير حتى تكونون مطمئنين من هذه الناحيَّة، أي زَلَّة أي كفر والعياذ بالله هذه نتيجته (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أحداً مِّنَ الْعَالَمِينَ).

والشيء الآخر الذي هو لعله أوضح. وذلك لأنَّ الجواب الأوَّل مبني على أن نحمل الكفر على الكفر الاعتيادي من قبيل الكفر بأصول الدين إنكار الله أو إنكار رسول الله لا, الكفر بالنعمة (كل الناس في خطر إلا العلماء, والعلماء في خطر إلا العاملين, والعاملين في خطر إلا المخلصين), وهكذا فالكفر بالنعمة لماذا؟, لأنَّه العطاء سيكون عجب ويكون أنا أنا، كما أنه يعطي كل الأجيال هذا المعنى أنه صار ولياً من أوَّلياء الله فيدوس على الرقاب وعلى الرؤوس بعنوان انه مقرَّب إلى الله سبحانه وتعالى، ملعون ليس أكثر من ذلك ويهبط طبعاً ينزل ويُلعن وهو لا يدري أنه ملعون هذا يكون حاله حال إستدراج في الحقيقة – محل الشاهد ليس هذا – يكفر بالنعمة أي يشعر باستقلاليتها وأنه هي صفة له بغض النظر عن الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله كفر أكيداً ومستحق للعقاب أكيداً. أريد أن انهي الآية في نهايَّة الوقت (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أحداً منَ الْعَالَمِينَ) معناه أنه بحسب ظاهر الآية أنه يكون شر الخلق على الإطلاق, فيستحق عذاباً، وأعذبه يدل على الفعليَّة وليس على مجرَّد الإستحقاق, والفعليَّة تلازم الإستحقاق لأنَّه حاشى لله أن يعذب أكثر من الإستحقاق يعطي يثيب أكثر من الإستحقاق يصير أما أن يعذب أكثر من الإستحقاق لا يصير طبعاً ظلم والله تعالى (لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحداً)([14]) – محل الشاهد – فيدل على الفعليَّة فإذن هو يستحق أكثر من أي خلق (أحداً منَ الْعَالَمِينَ) وليس من البشر فقط حتى إبليس عليه اللعنة – يوجد مثل هذا الشيء – أن المتطرِّفين جدّاً في العناد هكذا يكونون, أنا لا أريد أضرب أمثلة على كلِّ حال ربما تعرفونها – محل الشاهد ليس هذا -, فهذا الإنسان الذي نزلت عليه النورانيَّة يصبح أشدُّ عذاباً من الكلِّ يا سبحان الله, كأنَّما غير محتمل حبيبي، مباشرة يقفز من فوق إلى أسفل السافلين على الإطلاق ممكن بقدرة الله واستحقاقه لا نستبعد إلى هذه الدرجة, لكنه مع ذلك لا يخلو من بُعد الظن الراجح على عدمه24:52، فمن هنا يحتاج إلى تفسير آخر، التفسير الآخر التفسير بسنخ العذاب سوف أعذبه عذاباً من سِنخٍ لم يمر على شخص من العالمين وهذا له باب وجواب، لأنَّ أسناخ العذاب لعلها فوق حد الإحصاء لا أقول لا متناهيَّة لا، ولكنه فوق حد الإحصاء وبمعنى من المعاني كل واحد عذابه يختلف عن الآخر بحكمةِ وقدرة الله يختلف باختلاف الأفراد وباختلاف المستويات و…الخ، فكل واحد له فردٌ من العذاب وهذا الفرد لعله من سنخٍ آخر غير عذاب عمر وغير عذاب بكر وغير عذاب سعيد وغير عذاب مجيد مثلاً، فإذن يختلف سنخاً فيصدق (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أحداً مِّنَ الْعَالَمِينَ) أي لا أُنزِلُه على أي شخص إلا أنتَ، لأنَّه أنتَ تستحق عذاباً من هذا السنخ لا من غيره وبحسب الحكمة والدِّقَّة التي يعلمها الله سبحانه وتعالى، وجزاكم الله خير.

([1]) سورة المائدة: 5/ 112- 115.

([2]) سورة الأعراف: 7/ 128.

([3]) سورة طه: 20/ 132.

([4]) سورة الرعد 13/28.

([5]) سورة البقرة: 2/ 143.

([6]) سورة الإسراء: 17/ 71.

([7]) سورة الأنبياء: 21/28.

([8]) سورة يونس: 10/58.

([9]) سورة القصص: 28/76.

([10]) سورة البقرة: 2/253.

([11]) سورة الرحمن: 55/29.

([12]) سورة ق: 50/35.

([13]) سورة القصص: 28/5.

([14]) سورة الكهف: 18/ 49.