شذرات من فلسفة تأريخ الحسين (ع)
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر(قدس سره)
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية
بخط الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
صورة أخرى من النسخة الخطية
بخط الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
صورة أخرى من النسخة الخطية
بخط الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية
بخط الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
المقدمة(1)
في حدود فهمي: أن هذه الدروس تصلح أن تكون تكملة لكتابي أضواء على ثورة الحسين، وإلى ساعة متأخرة كنتُ أحسبها ليست ذات منهج معين، وإنما عبارة عن مجموعة أسئلة على غرار درس التفسير، حيث يُعرَض السؤال ثم يُجاب عليه، مع نقطة ضعفٍ توجد هنا، وذلك أنّ درس التفسير مرتب على ترتيب آيات القرآن، بينما نجد أن هذا الدرس ليس كذلك.
وإذا كانت هذه الأمور التي أقولها الآن تكملة لكتاب (الأضواء)، فقد تحدثنا هناك عن كبرى وصغرى، أي قاعدة عامة وتطبيق للقاعدة العامة: والتي تستوعب حوالي أكثر من نصف الكتاب، وذلك في إعطاء فكرة عن أن نحمل المعصومين وأصحاب المعصومين على الصحة، بغض النظر عن إعطاء مصالح معينة لأفعالهم واحدةً واحدة، أي يُمكن حملهم على الصحة، لأنّهم تربية رسول الله، أو لأنّهم ملهمون ونحو ذلك. فأي شيء شككنا فيه من ذلك فإنما هو لقصورنا وذنوبنا وتقصيرنا وليس لجهة نقص فيهم والعياذ بالله.
ــــــ[9]ـــــــ
( ) هذه المقدمة مقتبسة من المحاضرة الأولى للسيد الشهيد عندما شرع بإلقاء بحوث هذا الكتاب.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هذه المقدمة كقاعدة عامة وإذا سلّمت فبها، كأنما وقَّعنا لهم على ورقة بيضاء، وكل ما يريدون أن يفعلوه فليفعلوه فنحن نحملكم على الصحة وجزاكم الله خيراً.
لكن التطبيق أيضاً تحتاج إليه بعض النفوس الضعيفة، وذلك لأنّه قد يأتي السؤال بقوة في الذهن أو بتطرف أو بإصرار أنّه لماذا صار بهذه الصورة؟ حينئذٍ يحتاج إلى الجواب.
في أحد الطبعات كان مكتوباً أن مؤلف الكتاب أجاب عن جُلّ الأسئلة التي تُثار عن قضية الإمام الحسين، أنا لستُ عابثاً حينما تركت بعض الأسئلة، لربما يصعب جوابها أمام العوام، وإنّما ذكرتُ أشهَر الأسئلة، وأوضحها جواباً وليست كلها كذلك، ربما أنّ شيئاً ما غير قابل للتفسير، أو أنا لا أعرف تفسيره على أقل تقدير، فالذي أعرفه أقوله.
والأمر هنا كذلك، إنّما أعرض السؤال الذي أستطيع أن أجيب عليه، وأمّا أن أعرض سؤالاً لا أستطيع الإجابة عليه(1)، فإن مثل ذلك يثير الشبهات في أذهان السامعين، فيفهمون السؤال ولا يفهمون جوابه. فمن الذي يكون متورطاً غيري؟
فمن هذه الناحية يحرم إثارة الشبهات التي لا جواب عليها. وليست واردة بدرجة من الأهمية، والأسئلة سوف تكون على تقدير صحة الروايات أو على تقدير التنزّل عن بعض الروايات، وأكثرها روايات تاريخية، فإننا لو حسبناها في الميزان الفقهي لا تكون معتَبَرةً، فمن هذه الناحية أسهل شيء أن نفرغ ذهننا عن الشبهات
ــــــ[10]ـــــــ
( ) عدم الاستطاعة قد يكون سببه قصور السامع أو القارئ في فهم الجواب، فالأولى الإعراض عن إثارة الشبهة أو السؤال أصلاً.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ونقول: إنّ هذا ضعيف السند وانتهى الحال. والأصل عدم صدوره، فنتخلص من أصل المشكلة.
لكن مع ذلك يُوجَد بعض الأمور معقولة، أي إنّها قابلة للتفسير دينياً أو عقلائياً أو عرفياً أو بدرجة من درجات الباطن، فإذا كان الأمر كذلك نستطيع أن نتنزّل عن عدم اعتبار السند أو ضعف السند، ونقول: لو كان هذا القول أو هذا العمل موجوداً فتفسيره كذا وكذا، لأنّه إذا لم يكن عنده تفسيره فحينئذٍ ينبغي أن نُحرِصُها، لأنّها تكون من قبيل إثارة الشبهات.
ــــــ[11]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[12]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
نصرة الحسين
ورد: “من سمع واعيتنا فلم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار”(1).
يرد على ظاهره إشكال رئيسي يتسجّل بالالتفات إلى مقدمات:
المقدمة الأولى: أنهم قالوا في اللغة(2): إن الواعية هي الصراخ إلى الميت، تقول سمعت الواعية في داره، وهي لا تحصل إلا بعد الموت، فواعية الحسين وأصحابه لا تكون إلا بعد استشهادهم.
المقدمة الثانية: أن النصر المتوقع له إنما يكون حال حياته وحال حربه مع جيش الأعداء أو قبل ذلك، وليس بعده، إذ لا معنى للنصر بعد الموت الذي يكون قد حصل.
المقدمة الثالثة: أن المفهوم من قوله: (ولم ينصرنا) يعني في المستقبل بعد أن يسمع الواعية، ثم لا يحصل منه النصر فيكون معاقباً بالنار.
ومن المعلوم أن النصر بعد وقوع الموت والشهادة متعذر بل هو بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، إذن يكون هذا وهو ميت محالاً ولا معنى له.
ــــــ[13]ـــــــ
( ) أنظر: الأمالي للشيخ الصدوق, ص219، البحار, ج27, ص204، والرواية وردت بلفظ: “فلم يجبنا”. والإجابة بمعنى النصرة.
(2) أنظر: تاج العروس, ج10, ص394.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ويمكن الجواب على ذلك بعدة مستويات:
المستوى الأول: التنزّل عن المقدمة الأولى، فإن الواعية في اللغة كما هي الصراخ على الميت هي أيضاً مجرد الصراخ وإن لم يكن على ميت.
قال ابن منظور(1): (والوعَى والوغى بالتحريك الجَلبة والأصوات وقيل الأصوات الشديدة… والواعية كالوعَى).
وقال الأزهري: (الواعية والوعى والوغى كلها الصوت، والواعية الصارخة كأنه يُستعمل مصدراً أو اسم فاعل. وقيل: الواعية الصراخ على الميت لا فعل له).
إذن فالأصل هو مطلق الصراخ، وإنما خصّوه بما يكون على الميت من باب أنه أكثر الأفراد وأشهرها، ومعه فيمكن أن نفهم من الحديث الشريف معنى الصراخ أو الاستغاثة والاستنصار، لأن الاستغاثة غالباً لا تكون إلا بالصراخ. وقد صدر منه: “هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله”، فمن كان يستطيع أن يستجيب لاستغاثته واستنصاره حال حياته -سواء قبل الحرب وخلالها- كان واجباً عليه المبادرة لذلك وإلا أكيداً هو في النار.
وهو أمر مطابق للقواعد فقهياً وعقائدياً، ولا يحتاج الحسين إلى بيانه ولكنه بيّنه إيضاحاً وتنبيهاً للغافل وغير الملتفت، وكذلك لإقامة الحجة على الجيش المحارب له، فإنهم بطبيعة الحال يكونون مصداقاً لذلك، بل هم المخاطبون بالمباشرة وباقي الناس يبلغهم النداء بالنقل والرواية، ومن الواضح تاريخياً أنهم لم يستجب
ــــــ[14]ـــــــ
( ) لسان العرب, ج15, ص397.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
منهم أحد إلا الحر الرياحي(1) وربما معه ولده وخادمه لا أكثر.
المستوى الثاني: التنزل عن المقدمة الثالثة: فإن قوله (ولم ينصرنا) وإن كان ظاهراً بالاستقبال في نفسه كما هو مقتضى طبيعة الأمر كأنه قال: إذا سمعت واعيتنا فانصرنا. إلا أنه لما كان يلزم منه اللغوية -بعد التنزل عن الأجوبة الأخرى- فإنه يمكن صرفه إلى معنى الماضي وخاصةً مع وجود حرف (لم) الذي يفيد الماضي، يعني: ولم يكن قد نصرنا خلال حربنا واستغاثتنا. وهو أمرٌ مطابق للقواعد.
فيكون المعنى: من سمع واعيتنا بعد الشهادة ولم يكن قبل ذلك قد نصرنا أكبّه الله في النار.
المستوى الثالث: بالتنزل عن المقدمة الثانية: وهي التي تقول: بأن النصر المتوقع والمطلوب إنما يكون في حال حياة الحسين وأصحابه، أي نصرهم ضد الجيش المقابل لهم.
وبالرغم من أن هذا النصر من القدر المتيقن إلا أنه ليس الفرد المنحصر أو المعنى الوحيد، بل النصر يمكن في أي وقتٍ حتى بعد الشهادة وحتى الآن وحتى في المستقبل. فيكون المعنى: مَنْ سمع واعيتنا -أي بحصول الشهادة للحسين وأصحابه- فيجب عليه أن (ينصرنا) في أي زمان ومكان بمقدار ما يستطيع وما يتيسر له من إمكانيات.
والنصر أيضاً ليس منحصراً بالقتال، بل وإن كان هو القدر المتيقن منه، إلا أنه يمكن أيضاً بإطاعة أوامره وتطبيق شريعته التي قُتل من أجلها وضحّى في سبيلها،
ــــــ[15]ـــــــ
( ) أنظر: الإرشاد, ج2, ص100، البحار, ج45, ص11.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وكذلك لهداية الآخرين نحو أهدافه وكشف زيف أعدائه ونحو ذلك. وكذلك تطبيق الإصلاح الذي استهدفه وذكره في بعض خطبه(1).
ومن هنا يكون كل من يأخذ بثأر الحسين فهو ناصر له بلا إشكال كالمختار الثقفي والإمام المهدي بل حتى الحاكم الظالم كالحجاج الثقفي فإنه منتقم من أعداء الحسين من حيث لا يعلم ولا يُريد كما في الحديث: «الظالم جندي أنتقم به وأنتقم منه».
وهذا الحديث بهذا المعنى يدل على وجوب الانتصار للحسين والأخذ بثاراته في كل جيل وعلى كل المستويات.
ولكن يحول دون ذلك أمران بعد غض النظر عن السند:
الأمر الأول: إن كان المراد هو الانتصار للحسين في كل جيل: الانتصار بالمعنى الأعم وهو الطاعة، كان منوطاً ذلك بنوعية الحكم الشرعي المتعلق بها، فالواجبات يجب تطبيقها والمستحبات يستحب وهكذا، ولا يحتمل أن يكون نصر الحسين في المستحبات واجباً.
الأمر الثاني: إن كان المراد من الانتصار للحسين الحرب. فإن ذلك يكون منوطاً بأمرين:
1- وجود المصلحة.
2- وجود التمكّن.
ــــــ[16]ـــــــ
( ) وهو قوله: “وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي رسول الله”، أنظر: البحار, ج44, ص329.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ولا يبعد القول أن هذا غير متوفر في أغلب الأجيال. نعم، لو أحس أي واحد بوجود الشرائط لديه في أي مكان أو زمان وفي أي جيل أمكن القول بوجوب ذلك، وخاصةً وأننا قلنا: إن مقتضى القواعد ذلك ولا يحتاج معه إلى البحث عن صحة السند.
بقي الإلماع إلى أمر, وهو: إن هذا الوجوب مهما فسرناه متوقف على مقدمتين أشارت الرواية إلى واحدة وأهملت الأخرى، لأنه تقييد عقلي موجود لسائر الأحكام بل كل الأحكام الشرعية مقيدة بهذين القيدين، وهما:
1- العلم.
2- القدرة أو التمكن.
فمع عدم العلم يكون الجهل، والجاهل معذور في الجملة سواء كان جاهلاً بالحكم أو بالموضوع، والرواية أشارت إلى العلم بالموضوع “مَنْ سمع واعيتنا”، والجهل يكون عذراً سواء كان في ذلك الزمن أو في أي زمن أو أي مكان، يعني: أن من لم يسمع واعيتنا فهو معذور ولا يكبه الله سبحانه في النار. وهو الأمر الذي قلنا إنه أشارت إليه الرواية.
ومع عدم القدرة يكون العجز والعاجز معذور لا محالة. وهذا أيضاً لا يختلف فيه من كان في ذلك الحين أو كان في أي زمان أو مكان، فمثلاً هذا الذي دعا لنصرة الحسين في حياته وخرج من البصرة قاصداً نصرته فوصله خبر مقتله(1) يكون معذوراً ومأجوراً.
ــــــ[17]ـــــــ
( ) أي: يزيد بن مسعود، أنظر مثير الأحزان لابن نما الحلي, ص17، البحار, ج44, ص337.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إن قلت: إن بعض الأحكام الشرعية ليست بذلك المستوى من الأهمية، بحيث يستصرخنا الحسين لأجلها، فإن الاستنصار والاستصراخ للأهم الأهم منها، وأما الباقي فإنه موكول إلى تطبيق الأحكام الشرعية.
قلنا: إن أوضح جواب على ذلك، أنه قد ورد ما مضمونه: (أنظر من تعصي)(1)، فإن الذنب يكتسب أهمية بقدر المعصي وليس بقدر العاصي، والله سبحانه لا نهائي وحق الطاعة له. وحق الطاعة للانهائي لا نهائي، والمعصية تكتسب مسؤولية أخلاقية لا متناهية، وحتى لو كانت في أقل المعاصي وأصغرها.
إذن، كل حكم فقهي مشمول لاستنصار الحسين. فعلى الإنسان أن يطبق أوامر الله تعالى صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، ظاهرها وباطنها، مُهمها وبسيطها. فطاعة الله تعالى بتلك الأهمية بحيث أن الحسين على عظمته يُقتل في سبيلها، ويداس تحت أقدام الحيوانات. فكل تلك المصائب التي حصلت في عرصة كربلاء إنما هي قربان بسيط وقليل بإزاء طاعة الله تعالى، وتطبيق منهجه، وتحقيق أهدافه ومصالحه الواقعية التي ذخرها الله لنا.
ــــــ[18]ـــــــ
( ) تحف العقول لابن شعبة الحراني, ص5.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بمن قبله ومن بعده ومن معه
علاقة الحسين بمن قبله
في ربط ثورة الإمام الحسين بما قبلها، يميل البعض من المفكرين ممن يريد إثبات وعيه وإخلاصه إلى القول بترابط حلقات التاريخ عموماً أو تاريخ المعصومين خصوصاً، وأن الأئمة نفذوا مخططاً واحداً مشتركاً مدروساً ومتفقاً عليه بينهم، ولو كان أي منهم في محل الآخر لفعل نفس فعل الآخر.
ثم يذكرون لذلك المخطط وجوهاً وأطروحات مستندة إلى ما استطاعوا فهمه من مجموعة الأقوال والأفعال الصادرة من المعصومين وغيرهم، لأن الآخرين في مثل ذلك بما فيهم الأعداء مما يجب أخذه بنظر الاعتبار.
ولكن هذا قابل للمناقشة من عدة وجوه محتملة:
الوجه الأول: أننا لا ننفي وجود الترابط بين كل حلقات التاريخ وكل حلقات تاريخ الأئمة وهذا ما طبقناه في كتابنا (اليوم الموعود)(1)، وسميناه بالتخطيط الإلهي لليوم الموعود، وذكرنا له هناك أطروحة محتملة.
إلا أننا في هذا الوجه من المناقشة نقول: إن هذا الترابط وإن كان واقعياً
ــــــ[19]ـــــــ
( ) موسوعة الإمام المهدي, اليوم الموعود, ص530 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومبرهَناً، إلا أنه مما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ونحن لا نستطيع أن نفهم الواقعيات وكُنه علم الله سبحانه، لأننا محجوبون وبعيدون عن الواقعيات، فخير لنا أن نتجنب الخوض في أمثال هذه الأمور.
جوابه: لأمرين:
الأمر الأول: أننا إن كنا بعيدين عن ذلك، فإن الأئمة يعلمون بالواقعيات حسب تعليم الله لهم، إذن فهم كانوا يسيرون ويتصرفون حسب المخطط المدروس الذي يبدأ ببعثة النبي وينتهي أو لا ينتهي بظهور الإمام والذي يستهدف نصر الحق باستمرار بالمعنى الذي هم يفهمونه من النصر.
إذن, فهذا العلم ليس مختصاً بالله سبحانه بل هو مُبلَّغ إلى المعصومين بالإلهام، وأما نفيه بالمرة أو الاستدلال على عدمه، فهو غير ممكن للجزم بوجود قوانين عامة إلهيّة تحكم التاريخ من ناحية، ووجود مصالح عامة وخاصة بشرية تحكم المجتمع، مع العلم اليقيني إن المصالح تتحدد بما قبلها وبما بعدها من الأمور والحوادث مما يعلمه الله سبحانه، فلولا وجود خريطة معلومة له سبحانه من المصالح، كان العمل لغواً عشوائياً، وهو محال على الله سبحانه وعلى المعصومين.
الوجه الثاني: إن غاية ما نستطيع أن نستدل عليه هو أن المعصومين عملوا بتكاليفهم الشرعية في المصالح الفردية والعامة التي واجهوها، تلك التكاليف التي يعرفونها من الله سبحانه ولم يقصروا حاشا لهم في ذلك، وهذا هو الذي يفسر لنا ما قلناه من أنه لو كان أي واحدٍ منهم في الزمان المعيّن لَعمل نفس العمل، ولو تبادلوا
ــــــ[20]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
في زمن الوجود لسار تاريخهم على نفس هذا المسير المعهود، لأن الموضوع للتكليف يكون محرزاً وأي واحدٍ منهم يدركه فيعمله.
والمقصود أن هذا يكفي لتفسير عمل المعصومين وهو الذي يدركه عوام المتشرعة، ولا حاجة إلى افتراض علمهم بما وراء ذلك أو أسبابه من المصالح الواقعية والتخطيط الذي هو في علم الله سبحانه، ومعه فإذا لم يكن الأئمة عالمين بذلك فنحن أولى بعدم العلم به.
جوابه: لعله من الصحيح أن تصرفاتهم وأقوالهم يكفي تفسيرها ذلك… ولكن هذه الكفاية لا تلازم عدم علمهم بما وراؤه وبأسبابه ومصالحه وخاصةً بعد أن برهنا على بعض المقدمات في محله:
منها: أنه إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك(1).
ومنها: أن لهم ولاية تكوينية وتصرف في الكون عموماً بما فيها الفترة التي عاشوها من الدنيا.
ومنها: أنهم خير الخلق على الإطلاق، فما يكون عند الأدنى يكون عند الأعلى مع زيادة.
فإذا قال قائل: إن هذا المخطط الإلهي يعلمه جبرئيل أو ميكائيل أو فلك
الأفلاك ونحوه، فالإمام خيرٌ منهم جميعاً. إذن, فهو أولى بالمعرفة.
نعم، الدليل المباشر دلَّ على تعرّف الإمام سنوياً على الحوادث من ليلة القدر إلى ــــــ[21]ـــــــ
( ) الكافي, ج1, ص257، الاختصاص للشيخ المفيد, ص286، البحار, ج26, ص57.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مثلها في العام الذي يلي(1)، ولكن هذا لا ينفي علمه بما هو أوسع من ذلك(2).
وإذا كان المعصومون عالمين بذلك -كما هو المظنون والمؤكد- انسدَّ ما قاله المستشكل من أنهم إذا لم يكونوا عالمين به فنحن أولى بعدم العلم. بل يكونون عالمين فعلياً وغيرهم عالمٌ به إمكاناً واقتضاءً.
وإذا كان هذا المخطط التاريخي العام موجوداً في علم الله سبحانه وعلم المعصومين كان في إمكان غيرهم التعرّف عليه أو على أهم خصائصه أو جوانبه أو على بعض الذي كان على أقل تقدير.
نعم, يبقى هذا منوطاً بأمرين:
أحدهما: مقدار استفادته من الكتاب والسُنّة، فإن السُنّة هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، فهي داخلة تكويناً في هذا المخطط، إلا أن ما يمكن استناده بنحو واضح ومطابقي منها قليل.
الأمر الثاني: مستوى الفرد المفكّر الذي يحاول الفهم والاستفادة، لوضوح أن الناس يختلفون بكل خصائصهم عقلياً ونفسياً وروحياً وثقافياً واجتماعياً، مما يجعل النتائج عندهم مختلفة لا محالة، وهذا من مصاديق ما يُقال في الباطن: بأن الواقع إذا مرَّ من خلال النفس أو إذا اختلط بالنفس أصبح متدنياً بمقدارها أو مختلطاً بصفاتها.
ومن هنا تجد أن نفس الشيء الواقعي عندما يصدر من أي شخص فإنه يختلف عن الشخص الآخر، ومن هنا اختلفت الأطروحات والنتائج التي توصّل إليها
ــــــ[22]ـــــــ
( ) أنظر: شرح أصول الكافي للمازندراني, ج6, ص17.
(2) أنظر: الكافي, ج1, ص257.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المفكرون. والمحاولات ليست كثيرة العدد إلا أنها كثيرة الاختلاف، فمثلاً بعضهم يميل إلى فهم تاريخ المعصومين كقطعة واحدة، وبعضهم يميل إلى تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، وبعضهم يميل إلى تقسيم كل حياة إلى عدة أقسام فيكون المجموع عشرات الأقسام وهكذا.
مضافاً إلى اختلافهم في فلسفة وأسباب التاريخ والأقوال والأعمال التي قام بها المعصومون وأعداء المعصومين وغيرهم.
مضافاً إلى مستوى النظر إلى المعصومين أنفسهم كقادة دنيويين أو دينيين أو معصومين أو خير الخلق ونحو ذلك.
مضافاً إلى أسلوبه في فهم النقل التاريخي فيما يُقبَل من زاوية وما يُرفَض.
مضافاً إلى اختلاف مذهب المؤرخ والفيلسوف وذلك لعوامل كثيرة، منها: اختلاف فهم المفكر للمعصومين أنفسهم، وفهمه لأعدائهم وفهمه للمجتمع وفهمه لقاعدة عامة منطبقة على تواريخ محددة أو غير محددة وتقَصّيه للنّقول التاريخية المتعارضة أحياناً أو في كثير من الأحيان.
ونحن الآن لا حاجة لنا إلى إعطاء قانون عام أو فلسفة موحدة لأعمالهم أو للتاريخ، وقد فرغت ذمتي من ذلك بعد أن أعطيت صورة واضحة منه في (اليوم الموعود)(1).
وإنما يكفينا هنا مجرد إدراك ترابط العلل والمعلولات في علم الله وعلم المعصومين قطعاً.
ــــــ[23]ـــــــ
( ) موسوعة الإمام المهدي, اليوم الموعود, ص764 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فقد قال شخص(1): إن العشر سنين السابقة على الظهور فيها إعداد للظهور.
قلت: نعم، إلا أن هذا الإعداد يحتاج إلى سبب وهي العشر سنين السابقة عليه وهكذا إلى أن يصل إلى صدر الإسلام بل إلى آدم، مع ملاحظة بعض العلاقات وإلقاء بعض الضوء عليها بمقدار ما هو مستنتج ومفهوم من الكتاب والسُنّة.
ــــــ[24]ـــــــ
( ) يعني والده السيد محمد صادق الصدر.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بمن قبل الإسلام
علاقة الحسين بمن قبل الإسلام:
1- إنه جزء من الإسلام فعلاقة الإسلام بما قبله أو علاقة النبي بالأنبياء السابقين تكفي إجمالاً لتفسير علاقة الحسين بهم، وأوضح أطروحة في ذلك كونه المربّي الأخير للبشرية بعد أن اكتسبت البشرية ذروة ثقافتها العملية (في العقل العملي) وأصبحت قابلة عقلياً ونفسياً لتلقّي العدل الظاهر أو الشرعي الكامل على يد خير الخلق.
2- إن الحسين مدافع عن عقيدة التوحيد وعن طاعة الله سبحانه، وهذا ثابت ومشترك بين الإسلام وما قبله، كما قال الله سبحانه قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاء(1) بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّـهِ…(2) الخ.
3- إننا نؤمن بدليل ضمني مكتوم وحدسي قطعي أن الأنبياء السابقين
ــــــ[25]ـــــــ
( ) مشتركة (منه).
(2) آل عمران: 64.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مسؤولون عن ولاية أهل البيت، والقرآن نصَّ على أنهم مسلمون في عدد من آياته: فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(1)، والإسلام في جانبه الحق مربوط بذلك، ومن هنا ورد: أن قسماً منهم على الأقلّ كانوا يعلمون بالتاريخ المستقبل الذي يحصل لأهل البيت فمن ذلك ما ورد: من أن موسى والخضر حين اجتمعا كان من جملة ما ذكراه مصائب الحسين وما يحدث له في طف كربلاء وبكيا طويلاً لذلك. ومن ذلك ما ورد من قول لوط: أَوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ(2)، لم يكن إلا تمنياً لوجود القائم المهدي(3)، وأنه هو المراد بالركن الشديد، يعني يأوي إلى قوة الإمام المهدي ضدّ أعدائه.
ومن ذلك: وجود التبشيرات الصريحة والرمزية والضمنية في التوراة والإنجيل عن وجود الإسلام وعن وجود الحسين ووجود المهدي، وهناك كتب مؤلفة في ذلك عديدة منها مؤلفات من العامة والخاصة وليس الآن محل ذكرها.
ــــــ[26]ـــــــ
( ) البقرة: 132.
(2) هود: 80.
(3) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق, ص673، البحار, ج12, ص170.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بنبي الإسلام
علاقاته (سلام الله عليه) بالنبي عديدة جداً, نذكر منها:
علاقته به من ضروريات الدين وضروريات التاريخ وإنما نريد أن نأخذ بعض النصوص والتصريحات منهما معاً فيما يخصّ هذه العلاقة:
قال الحسين: “إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ولكن خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردَّ عليَّ أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين”(1).
وقال: “لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلاءه فيوفينا أجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله لُحمته بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تقرُّ بهم عينه ويُنجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى”(2).
وقال: “أيها الناس انسبوني مَنْ أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل
ــــــ[27]ـــــــ
( ) البحار, ج44, ص329.
(2 (مثير الأحزان لابن نما الحلي, ص29، البحار, ج44, ص367، اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس, ص38.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألستُ ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدِّق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أوليسَ حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليسَ جعفر الطيّار عمي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة”(1).
وقال: “ألا ترى إلى هذا الدين لا يُعمَل به وإلى المنكر لا يُتناهى عنه، وأن الدين لعق على ألسنتهم فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديانون”(2).
وأما كلمات رسول الله فقد ورد أنه بكى على مقتل الحسين(3) وبكى له عليّ أمير المؤمنين(4) وفاطمة الزهراء(5)، وبكى أمير المؤمنين كفّي العباس حين ولادته، وأنه قال -ما مضمونه-: (إن الحسن والحسين عيناني والعباس يدي، فأذبُّ بيدي عن عيني. وإني أعدّه لنصرة ولدي في طف كربلاء)(6).
وإن الحسين حين كان صغيراً صعد على ظهر جده حال سجوده وهو إمام جماعة في المسجد فبقي الرسول ساجداً والجماعة كلها ساجدة إلى أن نزل
ــــــ[28]ـــــــ
( ) مثير الأحزان لابن نما الحلي, ص37، تاريخ الطبري, ج4, ص322، إعلام الورى بأعلام الهدى, ج1, ص458.
(2) تحف العقول, ص245.
(3) البحار, ج36, ص349، الأمالي للشيخ الطوسي, ص367.
(4) البحار, ج44, ص266.
(5) البحار, ج43, ص249، الأربعون حديثاً للماحوزي, ص364.
(6) أنظر: نحوه في عمدة الطالب لابن عنبة, 357.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
باختياره عن ظهره(1).
وهذا له معنى ظاهري وباطني: أما الباطني فمن الأسرار، وأما الظاهري فللإعلام بأهميته (سلام الله عليه) لدى جده إلى حدّ يتعب في سبيله ويُتعِب الناس في سبيله. فإن في إطالة السجود صعوبة.
وورد عنه: “أحبهما وأحب من يحبهما”(2).
وورد: “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”(3). يعني سيدا أهل الجنة لأنهم كلهم شباب. وهما خير الناس على الإطلاق بعد الثلاثة الآخرين من أصحاب الكساء.
وورد: “الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”(4). لعلمه بأن أحدهما لن تتوفر له ظروف الحرب فيقعد عنها والآخر تتوفر له ظروفها فيقوم بها، والمهم وثاقتهما في نظر رسول الله بحيث لا يختلف عنده أنهما قاما أو قعدا، يعني أن ما يريانه المصلحة هو الحق والصحيح.
ــــــ[29]ـــــــ
( ) أنظر: كتاب سليم بن قيس, ص367.
(2) البحار, ج27, ص106. ج109 ص74، كامل الزيارات, ص112.
(3) من لا يحضره الفقيه, ج4, ص179، عيون أخبار الرضا, ج1, ص36، الأمالي للشيخ الصدوق, ص112.
(4) علل الشرائع, ج1, ص211، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب, ج3, ص163، البحار, ج43, ص291.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وورد: “الحسن والحسين ولداي من صلب علي”(1).
وهذا يعني أن انتساب الحسن والحسين إلى النبي بالبنوة الحقيقية له، ومن هنا قال: (ولداي) ولم يقل ابناي، لأن البنوة قد تكون مجازية في حين إن الولاية واضحة في الحقيقة، فليس انتسابهما إليه عن طريق الزهراء فقط بل بالمباشرة، وهذه مزية لم تعطَ أحد من الخلق، ويمكن الاستدلال عليها بالقرآن الكريم: أَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ(2)، فزوج فاطمة هو نفس رسول الله وأبو الحسنين هو نفس رسول الله، إذن فرسول الله هو أبو الحسن والحسين. ولذا كان يسمى ابن رسول الله وكذلك ذريته المعصومون، وهذا معنى يسري في ذريته إلى يوم القيامة.
وهو اختلافه عن العباس ومحمد بن الحنفية وغيرهم، فإنهم علويّون وأشراف بل هم من الصُلب المباشر لعلي وهذا مهم جداً، إلا أنهم لم يرد فيهم: (ولداي) كما ورد في الحسنين، كما إنهما ليسا من أولاد الزهراء، ولذا تقل أهميتهم عن الحسنين تماماً.
نعم, يأتي قيد الدليل القرآني: أَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ إلا أن هذا على خلاف الارتكاز المتشرعي تماماً، ويمكن إعطاء سبب هذا الارتكاز حدساً بأن نقول: إن لعلي جانبان: استقلالي وفنائي في رسول الله، فقد ولد الحسنين بالجانب الفنائي فأصبحوا أولاد رسول الله مباشرةً. وقد ولد الآخرين بالجانب الاستقلالي
ــــــ[30]ـــــــ
( ) القواعد والفوائد للشهيد الأول, ج1, ص156، نضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري, ص98، عوالي اللئالي, ج1, ص390.
(2) آل عمران: 61.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يعني بصفته مغايراً له. وحتى لو شملهم فإنهم ليسوا من ذرية الزهراء فيكونون دونهم شرفاً. بل هذا يشمل حتى أولاد فاطمة نفسها كزينب ومحسن. فإنه لم يرد فيهم ما ورد في الحسنين، وبحسب هذه العلاقة أنهم قد ولدهم أمير المؤمنين بالجانب الاستقلالي لا الفنائي حتى لو كانوا من الزهراء، وبالنتيجة فقد ولد كل أولاده بالجانب الاستقلالي إلا الحسنين.
فَعلي له جهتان: استقلالية وفنائية, والاستقلالية مفهومة في الدنيا والآخرة وبها تزوج الزهراء وأولد الحسن والحسين ولادة دنيوية إلا أن أنوارهم متعلقة بنور الفناء ومن هنا كانوا منه.
فإن قُلتَ: فبأي دليل تقول: إنهما ولدهما بالجانب الفنائي مع أن ولادتهما من الزهراء لا تختلف عن غيرهما؟
قُلنا: بعدة أدلة:
منها: ما سبق من قوله: “ولداي من صلب علي”. وشهرتهما إنهما ابنا رسول الله حتى كان أحدهما ينادى به.
مضافاً إلى أهميتهما البالغة في نظر رسول الله مما لم يعطِ لأحد من أولاد علي ولا فاطمة أنفسهما.
على أنه يمكن القول إن مميزات الحسين أكثر من مميزات الحسن، مثل ما ورد: “الشفاء في تربته، واستجابة الدعاء تحت قبته، والأئمة التسعة من ذريته”(1).
ــــــ[31]ـــــــ
( ) أنظر: وسائل الشيعة, ج14, ص537، مناقب آل أبي طالب, ج3, ص235، عِدّة الداعي لابن فهد الحلي, ص48.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مضافاً إلى أنه وفّق إلى نوع من الشهادة لم يُرزق غيره منها بما فيهم أبوه وأخوه. لولا وجود الدليل على أن “أبوهما خير منهما”(1) لقلنا إنه خير من أبيه، ولكن ليس إلى ذلك من سبيل.
فكل الأئمة -غير أمير المؤمنين والمهدي- قُتِلوا قتلاً اعتيادي ولم يوفّقوا للجهاد حتى الحسن، وحتى لو قلنا بالرجعة فإنهم يرجعون ليحكموا لا ليجاهدوا.
ولم يوعد أي منهم بأن له مقامات عالية لا ينالها إلا بالشهادة. نعم، هذا بالمعنى الأعم الواسع شامل لهم جميعاً بل شامل لكل شهيد، ولكن لم يصرّح به إلا لأخصّ الشهداء وسيدهم الحسين، وليس أحد شاء الله في نسائه أن يراهُنَّ سبايا على أقتاب المطايا، أو أن يُقتل ابنه الرضيع على يده أو أن تدوس الخيل صدره وظهره أو أن يُقتل جائعاً عطشانا سواه، وأهمية الجوع والعطش عند الموت أمام الله سبحانه واضحة عندما أرادها أمير المؤمنين لنفسه حين قال: “إن هي إلا ثلاث وأود أن ألقى ربي خميصاً”(2). وأرادها العباس لنفسه حين ألقى الماء ولم يشربه(3). وهذا ما ذكرناه في (الأضواء)(4).
ــــــ[32]ـــــــ
( ) البحار, ج39, ص90، الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي, ج1, ص210، علل الشرائع, ج1, ص174، عيون أخبار الرضا, ج1, ص36.
(2) أنظر: المسترشد للطبري الإمامي, ص367، شرح الأخبار, ج2, ص291، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد, ج19, ص187.
(3) أنظر: شرح الأخبار, ج3, ص192، مقتل الحسين لأبي مخنف, ص179.
(4) أضواء على ثورة الحسين, ص99.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مضافاً إلى رواية أخرى في فضل الحسين وعلاقته بالنبي.
وهو أنه الوحيد من الخلق كلهم ومن أولاد الزهراء خاصة رضع من إصبع رسول الله. وأنا لا أحفظ الرواية بالدقة ولا أعرف مصدرها إلا أن مضمونها كما يلي: (إنه لما ولِد الحسن أتاه النبي وأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وقال للزهراء: لا ترضعيه إلى أن أرجع ثم خرج. فتأخر النبي فبكى الحسن برهة من الزمن، فأخذها ما يأخذ النساء أي من الشفقة وأرضعته.
ولما ولِد الحسين جاء جده أيضاً، وأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لها: لا ترضعيه إلى أن أرجع. فلم ترضعه إلى أن رجع رسول الله. حينئذٍ أقبل النبي فوضع إبهامه في فم الحسين. فارتضع الحسين من إبهام النبي)(1).
وهي واضحة في تفضيل الحسين على الحسن بحسب القدر الإلهي.
وقوله: (فأخذها ما يأخذ النساء)، أي من الشفقة هذا بحسب الظاهر. وهو قول الراوي، وإلا لو كانت كذلك لأخذها نفس الشيء مرةً أخرى، لأن الاحتمال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. وإنما ذلك حسب ما رأته (سلام الله عليها) من المصلحة والحكمة الواقعية.
أمّا الإشكال حول إرضاع الزهراء للحسن.
ــــــ[33]ـــــــ
( ) أنظر نحوه في المناقب, ج3, ص209، البحار, ج43, ص254.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فجوابه:
1- ضعف سند الرواية.
2- أن كل واجب يسقط حال الضرورة وقد شعرت بالضرورة.
3- أنه لم يكن واجباً وإنما كان ترجيحاً.
4- أنها تلقّت هذا بالإلهام بإرضاعه لأن ذلك استحقاقه. والإلهام مقيّد لأمر الرسول.
ــــــ[34]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بالزهراء
وهذا الخبر كما يدل على علاقة الحسين بالرسول يدل على علاقته بالزهراء (سلام الله عليها). مضافاً إلى اختصاص الزهراء بحديث الإطعام(1) وقد روى القرآن في ذلك: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً(2)، وهذا بلسان حالهم لا بلسان مقالهم ولو قالوه بلسانهم لفشلوا.
وكذلك هي مختصة برواية حديث الكساء(3) وهو مُشار إليه حتى في كتب العامة وله أهمية عالية ولو كان هناك أي واحد من الخلق لا من البشر فقط يستحق الدخول تحت الكساء لقدّر الله ذلك، ولكن لا يوجد.
ودليله أمران: أن رسول الله منع أم سلمة من الدخول وقال لها: “أنتِ على
ــــــ[35]ـــــــ
( ) أنظر: عيون أخبار الرضا, ج1, ص205، أمالي الصدوق, ص329، روضة الواعظين للنيسابوري, ص160، الإرشاد, ج1, ص178.
(2) الإنسان: 8 – 9.
(3) أنظر: كتاب سليم بن قيس, ص298، الكافي, ج1, ص287، الطرائف لابن طاووس, ص116، تفسير القمي, ج1, ص18، خصائص الوحي المبين, ص17، التفسير الصافي للفيض الكاشاني, ج1, ص463.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
خير”(1). في حين هي عظيمة ومهمة والحسين قد أعطاها تراباً من تراب كربلاء، ومع ذلك فقد مُنعت.
وأما جبرائيل فقد دخل وحصل على الإذن، إلا أنه واضح فيه عدّة أمور:
1- إنه دخل بطلبه(2) وليس تلقائياً كالآخرين.
2- أنه دخل مفتخراً وليس غيره كذلك ويتضح من ذلك أنه أدنى من مراتبهم لأنه يقول: سادساً.
3- أن المسألة تعم الخلق أجمعين لا أنها تخص البشر ولو عرف جبرائيل أنها تخص الموقف البشري لما طلب الدخول، ثم أن الكساء هو كساء رسول الله ولأنه هو أول من دخل تحته، والثاني أمير المؤمنين ثم الحسن ثم الحسين ثم الزهراء، ثم جبرائيل.
ــــــ[36]ـــــــ
( ) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق, ص278، أمالي الشيخ الطوسي, ص565، البحار, ج35 ص219، المعجم الكبير للطبراني, ج3, ص54، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني, ج2, ص96، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر, ج14, ص141، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي, ج3, ص368.
(2) وذلك حينما قال جبرئيل لرسول الله بحسب الرواية: “السلام عليك يا رسول الله, العلي الأعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والإكرام ويقول لك: وعزتي وجلالتي إني ما خلقت سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحية، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فَلَكاً يسري، إلا لأجلكم ومحبتكم، وقد أذِنَ لي أن أدخل معكم، فهل تأذن لي يا رسول الله؟ فقال رسول الله: وعليك السلام يا أمين وحي الله، إنه نعم قد أذِنت لك”.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فقد تقول إنه بترتيب الأفضلية؟ وهذا منقوض بأمرين:
الأمر الأول: أن الحسن ليس بأفضل من الحسين إن لم يكن العكس صحيحاً وإن كان ظاهراً إمامه في فترة حياته.
الأمر الثاني: تأخر الزهراء في الدخول مع أنها أفضل من ولديها أكيداً، وإنما حصل ذلك لأنها المضيفة والواقعة حدثت في دارها فكان من الطبيعي لها أن تتواضع وتتأخر.
ــــــ[37]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
آية القربى
ثم أنه يشمل الزهراء والحسين معاً الآيات النازلة بأهل البيت، منها آية الإطعام السابقة ومنها آية المودة في القربى وهي قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1)، وهي تُعبّر عن أجر رسول الله وهي مسؤولية هامة أخلاقية وقانونية في أعناق المسلمين جميعاً ولم يفوا بها حق الوفاء.
أمّا الإشكال من حيث فهم الولاية من المودّة في القربى مع أنها ظاهرة فقط بالودّ وهو الحب.
فجوابه:
1- الحب وحده لا يكفي ما لم تكن ولاية، وإلا فكل المسلمين يدّعون الحب للأئمة مع إنهم غير موالين، وما هو سبب النجاة هو الولاية وليس الحب، وما نتوقع أن يكون أجر الرسول هو يكون سبباً للنجاة وليس غيره.
2- أن الحب الحقيقي ملازم مع الولاية ومتساويان، كما قال الشاعر: “ان المحب لمن يُحب مطيع” (2).
ــــــ[38]ـــــــ
( ) الشورى: 23.
(2) أنظر: وسائل الشيعة, ج15, ص308. فقد روى بسنده عمن سمع أبا عبد الله الصادق يقول: “ما أحب الله من عصاه”, ثم تمثّل فقال:
“تعصي الإله وأنت تُظهر حبه لو كان حبك صادقاً لأطعته
هذا محال في الفعال بديع إن المحب لمن يُحب مطيع”
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وكما قال تعالى في الآية: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ(1)، فالمهم أن يكون الحب أكثر من كل ذلك ومن الدنيا وما فيها، وهو الذي نرتب عليه الطاعة والولاية والنجاة.
3- أن المطلوب ليس هو الحب بل الولاية والطاعة فلو حصل ذلك حقيقةً من دون حب كفى وإلا هلك، فلا يُراد من الآية إلا الولاية، وإنما وردت بعنوان المودّة، لأنه أقرب إلى الفهم العرفي، وحسب: «كلّم الناس على قدر عقولهم».
ــــــ[39]ـــــــ
( ) التوبة: 24.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
آية التطهير
وهي قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا(1).
معنى أهل البيت
وبهذه المناسبة أود أن أعطي صورة عن معنى (أهل البيت)، وهو لفظ قرآني ملزم لكل المسلمين:
أولاً: أنه معنى إضافي حذف طرفه في الآية وفيه أطروحتان:
الأطروحة الأولى -وهي المشهورة-: أهل بيت رسول الله أو أهل بيت النبي.
الأطروحة الثانية: -مفترضة- وهي: أهل بيت الله سبحانه.
وأنا أريد أن أقيم القرائن على نفي الأولى وتعين الثانية.
أما القرائن على نفي الأولى: فإن البيت في اللغة الأصلية هو ما تسميه الآن بالغرفة أو الحجرة ويسمون الخيمة بيتاً أيضاً باعتبار المشابهة.
ــــــ[40]ـــــــ
( ) الأحزاب: 33.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما المجموع فيسمى داراً لأن الحائط يدور على سائر المرافِق والأسرة كلها.
ويظهر أن للنبي في داره عدّة غرف بعدد زوجاته، يأوي في كل ليلة إلى واحدة، ولم يثبت إطلاقاً أنه كانت له غرفة خاصة به بل يكتفي بالموجود في غرفة زوجاته وهي ذات النوبة.
فإن قُلتَ: إنه تزوج زوجات متعددات بعد خديجة الكبرى، وأما معها فكانت هي معه فقط، ومعه فقد يكون له بيت مستقل يعني غرفة فيصدق عليها أنها بيت رسول الله.
قُلنا: نعم، إلا أن الآية نزلت بعد ذلك بكثير، في وقت تعدد زوجاته والمهم معرفة الوضع وانطباقه على وقت نزول الآية، لا في التاريخ السابق، وفي حدود فهمي أن خديجة ماتت ثم تزوج المتعددات ثم ولِد الحسن والحسين ثم نزلت الآية.
كما أنه ينبغي الالتفات إلى أن دار رسول الله كانت في حركة دائمة منذ وفاة خديجة إلى حين وفاته من حيث الزواج، فلربما كانت تضيق على عدد زوجاته، ويكفي أن نلتفت إلى أنه توفى عن تسع حرائر بالعقد الدائم -يعني عن تسع زوجات- فهل كان في داره تسع غرف؟ كلا طبعاً وربما يُسْكِن عدّة زوجات في غرفة واحدة. والمهم إنه -مع هذا الحال- لا يمكن أن تكون له غرفة مستقلة.
كما ينبغي الالتفات أنه على فرض وجود غرفة مستقلة له فهي خاصة به لا يسكنها أحد غيره، ولا أقل أن تكون نسبة غيره إليها مجازية جزماً كائناً من كان،
ــــــ[41]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حتى فاطمة وعلي، فنحن أمام مجاز بكل تأكيد يعني بكل محتملات الفهم في الآية، ولا أقل يدور الأمر بين اعتبارهم أهل بيت النبي لحبه لهم أو أهل بيت الله لحبه لهم، ودرجاتهم العالية عنده، وهذا أولى لأن النسبة إلى الله دائماً هي الأولى.
فإن قُلتَ: تسمى الدار بيتاً مجازاً.
قُلنا: المجاز يحتاج إلى قرينة وهي غير موجودة. وأعتقد إن هذا المعنى كان مستسقى لغةً ومن ديدن الجهلاء كما لو سميت الحسينية مسجداً أو العكس.
إذن, ما هو الذي يصدق عليه أنه بيت رسول الله؟
1- ليس الدار مجموعاً، لأنها لا تُسمى بيتاً.
2- ولا أية غرفة من غرف زوجاته، لأنها غير خاصة به.
3- ولا غرفته الخاصة به، لأنه لم يكن له غرفة خاصة به، ولو كان له ذلك لما شاركه فيها أحد.
4- ولا أي بيت أو دار أخرى، كبيت فاطمة أو دار علي فضلاً عن غيرهما.
فإن قُلتَ: فإن لفظ أهل البيت يراد به تمثيل وجود رسول الله كالخيمة على أهله، وهو تمثيل عرفي فمن يكون تحت هذه الخيمة فهو من أهل البيت.
قُلنا: يمكن المناقشة في ذلك:
1- أن هذا معنى مجازي والحمل على المعنى الحقيقي أولى، ولا يوجد عندنا معنى حقيقي لبيت رسول الله.
2- أن خيمته المعنوية غير خاصة بالمعصومين بل شاملة لسائر المسلمين
ــــــ[42]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والمؤمنين. فانتفى هذا المعنى وإنما أكدوا عليه لأنه المناسب مع العقول.
فإن قُلتَ: فإن نسبة البيت إلى الله سبحانه أيضاً مجازي.
قُلنا: نعم, لاستحالة الوجود المادي والمحدود.
فإن قُلتَ: فإذا دارَ الأمر بين هذين المعنيين المجازيين لا يتعين أحدهما إلا بقرينة.
قُلنا: نعم، وإذا دارَ أمر شيء بين نسبته إلى الله ونسبته إلى المخلوقين تعينت نسبته إلى الله، ومورد الكلام منه.
فإن قُلتَ: فإن بيت الله المعنوي شامل لكل الخلق وليس خاصاً بأحد.
قُلنا: نعم, إلا أنه يختلف باختلاف المستويات والدرجات. وتستطيع أن تجعل لكل مجموعة بيتاً خاصاً بهم. فأخصُّ الخلق أجمعين هم الأحقّ بالبيت الخاص بهم، وهم الخمسة أهل الكساء فقط.
يبقى هناك احتمالان رئيسيان معروضان لا بد من مناقشتهما:
الاحتمال الأول: أن يكون المراد زوجات النبي أو معنى يشملهن، لأنهن ساكنات في بيته.
وقد ظهر جوابه:
1- أنه غرفة واحدة ليست غرفته إلا مجازاً ولا في قرينة عليه ولا تفضيل لإحداهن على الأخرى من هذه الناحية لتساويهن في الزوجية.
2- لم يثبت أنه كان له غرفة خاصة به، ولو اختصت به أو اختص بها لكان كذباً
ــــــ[43]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
نسبة زوجاته إليها.
3- أننا بعد أن قرّبنا أن المراد به بيت الله سبحانه، خرج الزوجات, لأنهن لسن بالمستوى الخاص المطلوب بل فيهن نقاط ضعف كثيرة، ولم يدّع أحد عصمتهن، ويمكن ان تقول على بعضهن أو الكثير منهن إنهن من عوام الناس وإنما تزوجهن لمصالح خاصة بهن، مضافاً إلى أمور أخرى مثل قوله: “من منكن ذات الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب”، إلى أخر ما تعرف بهذا الصدد.
الاحتمال الثاني: ورود الأئمة التسعة من أولاد الحسين في ضمن أهل البيت وإن لم يكونوا معاصرين لرسول الله، وهو اتجاه متشرعي شيعي قوي، وفيه نقطة قوة وهو أن نقول: إن الأئمة من نور واحد يعني متساوون في الفضل مع الحسن والحسين فما كان لأحدهم يستحقه الآخر منهم، إلا أنه قابل للمناقشة، فإن الدليل العقلي والنقلي قائم على أن الحسنين أفضل من كل الباقين غير علي وفاطمة، ولم يرد في الباقين إنهما “ولداي” أو “ريحانتاي” ونحو ذلك.
ويبعده أمور أخرى، منها:
1- إنهم لم يعاصروا رسول الله ولم يرَوه ولم يدخلوا بيته ولا لحظة.
2- إن ظاهر الآية الخطاب لمجموع مخاطَبين موجودين كلهم وملتفتين في وقت النزول، والباقون لم يكونوا موجودين.
فإن قُلتَ: فإننا قلنا: إن المراد بيت الله لا بيت رسول الله.
قُلنا: نعم، وهذا أدل بأصحاب الكساء لأنهم الأفضل.
ــــــ[44]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إن قلت: “سلمان منّا أهل البيت” والتسعة أولى منه فيكونون من أهل البيت.
قُلنا: فيه مستويان من الكلام:
الأول: أننا فهمنا من (أهل البيت) أهل بيت الله، فيكون سلمان والمعصومون التسعة مثل ذلك.
الثاني: أننا لا نستطيع أن نفهم ذلك من الآية الكريمة لاختصاصها بالبيت الأعلى وهي درجة لا يُشاركهم فيها أحد لا سلمان ولا غيره، وإنما نفهمه من الروايات وفي طول إثبات إمامتهم كما نفهم حال سلمان أيضاً منها، فمن الصحيح القول إن سلمان أدنى من كل المعصومين، وإنما هو تنزيل وإلحاق اقتضاه وصوله أقل المجزي من ذلك المقام العالي، فإذا كان هو كذلك كان أمثاله ومن هم أعلى منه كذلك، ولكن لن يدخلوا في درجة أهل الكساء.
وبتعبير آخر: أننا نفهم من الآية الأهل المطلق لا مطلق الأهل ليشمل غيرهم، وهو أيضاً خلاف ما دل على أنها نزلت في الخمسة لا يشاركهم فيها أحد، فلا يندرج سلمان في الآية.
فإن قُلتَ: فإن المعصومين التسعة إذا خرجوا عن مضمون الآية موضوعاً خرجوا محمولاً أيضاً وهو الحكم عليهم بالتطهير.
قُلنا: نعم إذا أردنا الدلالة المطابقية والمباشرة، وإنما نحتاج في ذلك إلى ضم قرينة خارجية لإلحاقهم بالبيت الإلهي في درجتهم الحقيقية المناسبة لهم، كالدليل على عصمتهم الذاتية والدليل على إمامتهم ونحوه.
ــــــ[45]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومن هنا يتعذر العكس وهو الاستدلال بالآية على عصمتهم بل نستدل بعصمتهم على كونهم مشمولين بالآية، ونستدل على عصمتهم بإمامتهم ونستدل على إمامتهم بالنصّ عليهم. وبعد شمولهم بالآية والتطهير يمكن أن نقول: إنهم من أهل البيت على مقدار مستواهم من الوجود.
إن قلت: إننا بعد أن قربنا أن المراد (بيت الله) سبحانه فهذا العنوان منطبق عرفاً ومتشرعياً على المسجد الحرام والكعبة الشريفة خاصة، والألف واللام في قوله: (أهل البيت) أظهر بالعهدية، فهي عهد إليه. وكذلك قرينة قوله تعالى: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرَامَ(1)، وقوله: الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ(2)، فالمراد ذلك وليس البيت المعنوي كما سبق، والبيت المعنوي مجازي وهذا المعنى حقيقي ومتسالم على فهمه.
قُلنا: إن المسجد الحرام والكعبة ليس فيها ساكنون إطلاقاً فنسبته إليها تكون مجازية، كما إنها ليس لها مالكون لأنه وقف، ولأنه البيت العتيق, أي لا يكون مملوكاً لغير الله تعالى بل تستحيل للكعبة. والأهل أما بمعنى الساكنون والمالكون وكلاهما متعذر. إلا أن يراد أولياؤها وحكامها والمشرفون عليها، وحتى لو كان كذلك فنختار خير الخلق للإشراف عليه، لأنه خير بقعة من بقاع الأرض، فالمرأة أيّاً كانت لا يمكن أن تكون كذلك كما لا دليل عليه من كتابٍ ولا سُنَّة ولم يدّعيه أحد، كما أن أي شخص حصلت منه الذنوب فكذلك. إلا من برهنّا على عصمتهم وقال الكل بصلاحهم ونزاهتهم وفضلهم وهو المطلوب.
ــــــ[46]ـــــــ
( ) المائدة: 97.
(2) البقرة: 127.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فيدور الأمر بين مجازين: مجاز في البيت ومجاز في الأهل. يعني أهلٌ مجازيون إلى بيت حقيقي هو الكعبة. وأهلٌ حقيقيون إلى بيت مجازي هو البيت الإلهي المعنوي. ومن الطبيعي أن نختار الثاني بحسب الفهم المتشرعي والعرفاني.
مضافاً إلى أن الثاني أهم بكثير وهو مقتضى التطهير الكامل كما دلت الآية.
مضافاً إلى إمكان الجمع بينهما، من حيث إننا قلنا في (فلسفة الحج)(1) و(ما وراء الفقه)(2) إن الكعبة رمز مادي للتوحيد أي لله عزَّ وجل، وبذل التقديس والطاعة لها بذله له. إذن, بيت الله المعنوي له رمز مادي وهو الكعبة، إذن فالمنتسب إلى أحدهما منتسب إلى الآخر حقيقة وإن لم يكن ساكناً فيه. أو قل: إن الكعبة كما هي رمز للتوحيد فهي في نفس الوقت والمرتبة رمز لرموز التوحيد وحامليه الحقيقيين فكأن الساكن في التوحيد ساكن في الكعبة التي هي رمزه.
مضافاً إلى إمكان القول: بعد التسليم بأن المراد بيت الله الحرام أن المراد من أهله من يستحقون عليه الإشراف واليد والسلطة، فإذا علمنا إن البيت الحرام أشرف بقاع الأرض بعد غض النظر عن المعصومين فلا يستحق السلطنة عليه إلا خير الخلق وليس إنساناً عادياً، وهم ليسوا إلا أصحاب الكساء ومَن رضوا عليه من بعدهم.
وفي الميزان عدد من الروايات من العامة تنص على اقتران نزول الآية بحادثة الكساء وهي كثيرة مستفيضة أو متواترة.
ــــــ[47]ـــــــ
( ) فلسفة الحج ومصالحه في الاسلام, ص35.
(2) ما وراء الفقه, ج2, ق2, ص103.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قُلتَ: فإن فيها أيضاً مكرراً مثل أن يقول: “اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهِب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً”(1). ويقول في زيارة الجامعة: “يا أهل بيت النبوة”(2)، فنسبهم إليه، وأنت تقول إن المراد بيت الله سبحانه.
قُلنا: لا منافاة بين الأمرين غاية الأمر أننا نستفيد من الآية أنهم أهل بيت الله ومن المرويات أنهم أهل بيت الرسول، مضافاً إلى أنه لم يكن من الممكن للرسول أن يقول ذلك لأنه فوق مستوى الفهم العام.
وفي بعض الروايات عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: “نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ… الخ”(3).
وهذا يُخرِج أي أحد من الآخرين بما فيهم زوجاته وبما فيهم التسعة المعصومين المتأخرين من أولاد الحسين، وإنما نعتبرهم من أهل البيت باعتبار الدليل على إمامتهم كما سبق. ولن يكونوا في نفس المنزلة لأن البيت الإلهي درجات وهو رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ(4).
فإن قُلتَ: فإن هذه الروايات تعتبر دليلاً على تفسير الآية ومن حق السُنّة الشريفة أن تفسر القرآن.
ــــــ[48]ـــــــ
( ( الخلاف للشيخ الطوسي, ج4, ص157، إيضاح الفوائد لابن العلامة, ج1, ص7، الذكرى للشهيد الأول, ص5، المغني لابن قدامة, ج6, ص553، الخصال للشيخ الصدوق, ص561، أمالي الصدوق, ص559، كفاية الأثر للخزاز القمي, ص66.
(2) من لا يحضره الفقيه, ج2, ص610، وسائل الشيعة, ج14, ص391، المحتضر, ص119.
(3) البحار, ج35, ص222، خصائص الوحي المبين لابن بطريق, ص106.
(4) غافر: 15.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
قُلنا: نعم, من حقها ذلك، لكن يمكن إنكار ذلك في هذا المورد لأنه لا يتحصل من الروايات أن مقصود الله من (أهل البيت) هو ذلك، نعم هم أهل بيت النبي ولو مجازاً، ولو كان الأمر منحصراً لحملنا عليه وهو في رأي المتشرعة منحصر لعدم التفاتهم إلى ما قلناه. ومن الطبيعي أن كونهم أهل بيت النبي لا ينافي كونهم أهل بيت الله، وليس في الرواية مفهوم مخالفة نافٍ لذلك، فإنه من مفهوم اللقب الرديء الذي لا نقول به.
ولو كانت شاملة للزوجات أو خاصة بهن لكانت مشمولة لقوله -وهو خبر متواتر بين الفريقين-: “ألا إني تارك فيكم الثِقلين أحدها كتاب الله من اتبعه كان على هدى ومن تركه كان على ضلالة، ثمَّ أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي”(1) ثلاث مرات. ولم يقل بشمولها للزوجات أحد فيلزم من بطلان التالي بطلان المقدّم. وإنما يذكر باعتبار علمه بظلمهم بعده. ولم تُظلم بعده إحدى زوجاته إطلاقاً، وهذا أيضاً من بطلان التالي ببطلان المقدّم.
ولو كان المراد بيت الرسول بحيث يمكن إدراج زوجاته معه. إذن, فلا بد من إخراجه هو بنفسه، لأنه لا يصدق عليه، لأنه من أهل بيته عرفاً، وإنما الأهل ذووه ومتعلقوه لا هو. إذن, فأهل البيت هم زوجات النبي دون النبي وهذا ــــــ[49]ـــــــ
( ) أنظر: الخلاف للطوسي, ج1, ص28، شرح أصول الكافي للمازندراني, ج6, ص120، دلائل الإمامة للطبري الإمامي, ص20، كشف المحجة لابن طاووس, ص25، البحار, ج30, ص588، فضائل الصحابة لابن حنبل, ص22، السنن الكبرى للنسائي, ج5, ص51، المعجم الكبير للطبراني, ج5, ص182، رياض الصالحين للنوري, ص211.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
قطعي العدم ولم يقل به أحد، فتنتفي هذه الأطروحة.
فإن قُلتَ: فإنه أولى بهذه الصفة لأنه خيرهم.
قُلنا: كلا, بل هو خارج تكويناً ولغةً كما أنك إذا قلت: أولاد آدم، لم يشمل آدم. ولو قلت: آل النبي، لم يشمل النبي. ولو قلت: بني تميم، لم يشمل جدهم تميم نفسه.
وقال تعالى: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ رَحْمَةُ اللَّـهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(1)، وفيها تحية لأهل البيت (سلام الله عليهم).
فإن قُلتَ: إن القرينة المتصلة تقتضي أن يكون المراد أهل بيت إبراهيم، لأن المخاطَب زوجته.
قُلنا: يُجاب على مستويات:
أولاً: إن القرينة المتصلة على نفيه وهو الاستنكار عليها بأنها تعجب من أمر الله ومن يكون هكذا لا يكون مستحقاً لمستوى أهل البيت أكيداً، فيكون هذا دخولاً في سياقٍ آخر وهو المطلوب. ومن المحتمل أنه نتيجة لتغيّر مَحالّ الآيات وهو حاصل كثيراً وهو غير التحريف في القرآن الذي هو معنى النقيصة، حيث تعمدوا جعل آية التطهير في سياق الحديث عن الزوجات وهذه الآية في سياق الحديث عن أهل إبراهيم، فإنما يُراد بها أهل الكساء (سلام الله عليهم).
ثانياً: أن نفهم ذلك بالفهم التجزيئي للقرآن الكريم وهو الذي لا يُقيم للقرائن وزناً.
ــــــ[50]ـــــــ
( ) هود: 73.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثالثاً: إننا لو تنزلنا عن ذلك أمكننا أن نفهم أطروحات أخرى غير أنهم: أهل بيت النبي وأهل بيت الله، وإنما هم أهل بيت إبراهيم، لأنه أبو المسلمين وأبو النبي هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ(1)، والنبي أولى بإبراهيم. وغير ذلك من وجوه الأهمية والعظمة له، غاية الأمر إننا نحتاج هنا إلى مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن يُراد ببيت إبراهيم البيت المعنوي لا المادي.
المقدمة الثانية: أن يُراد بأهله أهم من يمكن فيه ذلك وهم ليسوا سكانه السابقين كزوجته وغيرها وإنما هم أيضاً أهل الكساء، إلا أن هذا غير ممكن، لأن (أهل بيت) أقل من صاحب البيت وهذا غير محتمل.
فإن قُلتَ: فإن المعصومين الأربعة عشر يمكن إدراجهم في ذلك وكلهم يستحقون ذلك.
قُلنا: نعم, إلا أن هذا لا يُنافي وجود رتبة خاصة بأهل الكساء (سلام الله عليهم).
والاطروحة الأخرى المحتملة: أن يكونوا أهل بيت -بعد التنزل عن الأطروحات السابقة- (علي)، وهذا أيضاً يحتاج إلى مقدمتين:
الأولى: ما عرفناه من أنه لا يوجد لرسول الله بيت ينتسب الآخرون إليه.
الثانية: قرينية حديث الكساء وهو نصَّ بأن أهل الكساء هم الخمسة، كما أنه نصَّ في نزول الآية فيهم.
ــــــ[51]ـــــــ
( ) الحج: 78.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومعه, فنحن تاريخياً نعرف أن حادثة الكساء حدثت في بيت علي وأن الأربعة منهم هم أهل بيت علي نفسه، ولا يبقى إلا النبي وهو أولى بانطباق الصفة عليه منهم، لأنه خيرهم، ومعه يخرج زوجات النبي يقيناً لأنهن لسن ساكنات في بيت علي، كما إننا يمكن أن ندخل التسعة المعصومين مجازاً في الدرجة الثانية بعد أهل الكساء، وأنا أعتقد أن بيت علي بيت واحد أي غرفة واحدة يسكنون كلهم فيها (في المدينة) ويُقرّب ذلك طريقة زواجه (سلام الله عليه) ومقدار الزهد المدقع الذي تزوج به, وإنما اكتسب أهميته معنوياً لا دنيوياً.
فإن قُلتَ: فما حال سلمان.
قُلنا: هو من أهل البيت إلحاقاً وتنزيلاً أياً كان البيت المقصود.
معنى الطهارة في آية التطهير
وأما صفة الطهارة في آية التطهير فهي الطهارة المطلقة المناسبة لمستوى خير الخلق. ونحن لا نعلمها أكيداً، وإنما نحتاج إلى أن نحمل فكرة عنها من خلال مقدمتين:
المقدمة الأولى: إن خِلقة البشر عموماً فيها خير وشر، كما دلَّ عليه قوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(1)، وقوله: “وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر” بما فيه من خير وشر، فالشر مركوز في النفس البشرية وجداناً وعياناً.
ــــــ[52]ـــــــ
( ) البلد: 10.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
بل بمعنى آخر؛ فإن عالم الإمكان كله لا يخلو من شر وحَدٍّ وقصور وتقصير، بمعنى دقي أو عقلي أو باطني، لا أقل فَهِمَ معنى الاستقلالية لنفسه وللأسباب أيضاً. وهو كذب صريح وباطل كامل(1)، وكل ذلك وعلى كل المستويات ما يُراد تطهير أهل البيت عنه، بعد أن كانوا بمقتضى خلقتهم الأصلية ينبغي أن يكونوا متصفين به لأنهم من البشر ومن عالم الإمكان.
فإن قُلتَ: فإن المراد تطهير أرواحهم لا أبدانهم وهي مطهرة أصلاً.
قُلنا: نعم, إلا أن المراد أن الأرواح البشرية مخلوطة بالخير والشر وليس البدن أيضاً، فالمراد على كِلا التقديرين هو الروح.
فإن قُلتَ: إذن لا تكون خلقتهم كخلقة البشر.
قُلنا:
أولاً: نسلّم بذلك، ولذا يقول: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ(2)، والبشر الاعتيادي لا يوحى إليه.
ثانياً: إن المراد من التطهير ليس تغيير الخلقة وإلا أوجب ذلك نقصاً لا كمالاً وقد خُلِق البشر في أحسن تقدير فضلاً عن المعصومين، وإنما المراد دفع نتائجها وآثارها وكبح نشاطها الذي هو معنى العصمة الواجبة وهو اختلافهم عن الباقين.
ــــــ[53]ـــــــ
( ) أي: ان البعض لنقصه وتدنيه وجهله يرى لنفسه الاستقلالية في وجوده عن الله سبحانه وتعالى، أو يرى للأسباب الطبيعية نحواً من الاستقلالية عنه جل وعلا، وهذا كله على خلاف الواقع فهو ادعاء كاذب وقول باطل لا محالة.
(2) الكهف: 110.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قُلتَ: فما مزيتهم عن الباقين ولماذا حصل لهم دون غيرهم؟
قُلنا: لمزيتين نعرفهما على الأقل:
الأولى: أنه اقتضت الحكمة الأزلية خلق الكون بشكل هرمي كلما صعدنا قَلّ العدد أو كلما نزلنا ازداد، وذلك لضبط العلل العليا في الكون وترتيبه، وإلا فنحن نؤمن بالصادر الأول من دون إيمان بقاعدة أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد. لأن مقتضى الحكمة وجود الصادر الأول، فالمهم أن تلك الموجودات الأولى والعليا هي أرواح المعصومين وهي أفضل المخلوقات والأقرب في تسلسل العلل إلى الله سبحانه، وهي الفاعلة في الكون، فكأنه مقتضى الحكمة تطهيرها لمنعها من الخيانة رحمةً بها ورحمةً بمعلولاتها ونتائجها.
المزية الثانية: قول: (بَلَى) في يوم الميثاق فإن النفوس اختلفت في المبادرة إلى الجواب، فكان أول واحد هو النبي وبعده باقي أهل الكساء وهكذا الأقل فالأقل.
فإن قُلتَ: لماذا أجابوا قبل غيرهم؟
قُلنا: هذا باختيارهم ووعيهم ومعرفتهم.
ولا يبعد القول: أن التطهير حاصل مسبقاً. إذن, لا يوجد مانع يوجب التأخير بينما هو يوجد في الآخرين، والآية الكريمة أعربت عن طهارة قديمة لا في عصر نزول الآية وإلا وجب أن نقول بعدم طهارتهم قبل ذلك أو عدم عصمتهم، وكل ذلك باطل.
المقدمة الثانية: المفعول المطلق المؤكِّد للتطهير، فإنه يدل على دلائل عديدة, منها:
ــــــ[54]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
عمق التطهير وسعته، ومنها: العظمة والقدرة على إيجاده لأنه تبديل الماهية تقريباً أو مجازاً وهذا أمرٌ ليس بسهل، أو قل: هو التطهر المطلق لا مطلق التطهير وهذا أمرٌ عظيم لهم.
لا يُقال كما عليه المتشرعة: إنه تطهير في الأعمال يعني يوفقكم للأعمال الحسنة ويردعكم عن الأعمال القبيحة. فإنه يُقال: إن كان ذلك بالإرادة التكوينية لزم الجبر، والإرادة التكوينية هي ظاهر الآية، وإن كان بنحو الإرادة التشريعية فهو عام لكل أحدٍ ولا يلزم منه التطهير إلا بالطاعة مع أنهم مطهّرون بالخلقة.
نعم، الأفعال معلولة للتكوين الباطني، فإذا كان هذا التكوين طاهراً كانت الأفعال طاهرة، وطهارتها باختيارهم كاستعمال الذكي ذكاءه والانبساطي كلامه والغضوب عنفه، فإن كل ذلك باختيارهم ولذا يتحملون مسؤوليته أمام الله والعقل.
يبقى شيء في الآية قلَّما يُلتفت إليه، وهو أنها قالت: (لِيُذْهِبَ) ولم تقل (أن يُذْهِب)، والمراد أن الله يريد شيئاً لكم لكي يكون هو سبب التطهير، إلا إذا قلنا اللام استعملت بمعنى (أن) هنا تقول: زيدٌ يريد ليذهب يعني: (أن يذهب). وهو معقول على أي حال وقد قَبِله المشهور ارتكازاً، ولكن لو تنزلنا عنه فلنا أن نتساءل عن ذلك الشيء.
جوابه: أحد أطروحات: منها: الطاعة، ومنها: التكاليف المشددة، ومنها: التكاليف الأشد، كالتي تكون خاصة بالنبي كما يظهر اختياره من صاحب
ــــــ[55]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الميزان). إلا إنه يلزم منه عدم وجود الطهارة إلا بعد حصول الطاعة بأي واحد من المستويات، وهذا مطلوب في نفسه وصحيح وجيد، إلا أنه ينافي عصمتهم الذاتية وولادتهم على العصمة، أو قل عصمة أرواحهم قبل أبدانهم.
وعندئذٍ ستكون الأفعال سبباً لزيادة الطهارة وزيادة العصمة كما سميناه من تكامل ما بعد العصمة(1)، ويتوقف ذلك على أحد طرق:
الطريق الأول: أن يكون المقدّر هو الهدف الذي تحصل الطهارة من أجله كالذي سبق من حكمته تعالى في ترتيب الكون ونحو ذلك.
الطريق الثاني: أن يكون المقدّر أصل الإيجاد، يعني يريد إيجادكم ليُطهركم.
الطريق الثالث: أن يكون المقدّر قربهم إلى الله سبحانه(2).
الطريق الرابع: ان يكون المقدّر هو الأفعال كما مال إليه المشهور.
لكن لا يُراد بها الأفعال الاعتيادية كالتي فهمها المشهور بل أمور أخرى.
منها: صفاء النيّة بدرجة عالية وهو متحقق في أرواحهم ويصلح سبباً للتطهير.
ومنها: نيّة الخير والعدل والسداد، وفي الخبر: “نيّة المؤمن خير من عمله”. وهم أولى.
ومنها: الأعمال التكوينية التي تفعلها أرواحهم في الكون منذ خلقتها السابقة وهي مستمرة بذلك إلى الآن وإلى المستقبل.
ــــــ[56]ـــــــ
( ) موسوعة الإمام المهدي, تاريخ الغيبة الكبرى, ص536.
(2 ) الدرجة التكوينية العالية، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قُلتَ: فإن القرآن الكريم بعضه قرينة على بعض، وظاهر ما سبق هذه الآية هو وجود تكاليف صعبة كقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ(1)، فلذا أراد الله إقناعهن بذلك فأبرز الحكمة من هذه التكاليف، وهو إنه إنما كلّفهم بها لتترتّب عليها الطهارة.
جوابه:
1- ما قلناه من الشك في قرينية هذه الآيات السابقة، للشك أصلاً في إمكان وجود هذه الآية الكريمة هنا.
2- تغيير الضمير فإنه قال: (عَنْكُمُ) ولم يقل (عنكنّ)، ولو أراد التكاليف الجامعة بالأزواج لقال (عنكنّ)، كما قال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ(2)، إذن يظهر بوضوح أن المخاطب شخصٌ آخر غيرهنَّ، فلا توجد لأفعاله ذكر في الآيات السابقة لتكون قرينة.
3- إن في الآية تركيزاً على التطهير واهتماماً واضحاً به منه: الحصر بـ(إِنَّمَا)، وقال في الميزان: (إن الحصر حصران: حصر الإرادة بالطهارة وحصر الطهارة هو البيت).
ومنها: المفعول المطلق، ومنها: التكرار وهو إذهاب الرجس والطهارة، وهذه الأمور مجموعاً لا تكون بالأفعال مهما كثرت، بل بإرادة الله سبحانه المباشرة.
نعم، الأفعال تُنتج تطهيراً بمقدارٍ ما إلا أنه قليل، ولو بقي الحال عليه لكان
ــــــ[57]ـــــــ
( ) الأحزاب: 33.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
العبد من الخاسرين، ولذا قيل: “القدم الأول من العبد والباقي من الرب”. وقال: “يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ”. وقال: “خذني إليك بجذبة توصلني إليك”. وقال: “يا من ما جعل طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته”.
إذن, فالعبد عاجز عن ذلك تماماً، وإنما كل ذلك بالفيض الإلهي والرحمة المباشرة.
مضافاً إلى أنه لو كانت الزوجات مشمولات لنال الصالحات منهنّ ذلك كخديجة الكبرى وأم سلمة، مع العلم اليقيني بعدمه بل هن كغيرهن في عدم التطهير، بل دلالته الخبرية وهو إبعادها عن الكساء على أنه لم يقل بذلك أحد، فإذا علمنا أن نتيجة هذا التطهير هو العصمة لزم القول بعصمتهن أو دلالة القرآن الكريم على ذلك، ولم يقل بذلك أحد، فيعرف منه بطلان التالي بطلان المقدّم.
مقارنة بين التطهير وإذهاب الرجس
ثمَّ أن الآية الكريمة أخذت في جانب المحمول عنوانين:
أحدهما: إذهاب الرجس.
ثانيهما: التطهير المؤكد والمركّز. فهل هما يعودان إلى معنى ذلك، بحيث يكون ثانيهما إيضاحاً لأولهما؟
ويقرَّب ذلك بأن الرجس نحوٌ من القذارة، والطهارة إزالة القذارة، فإذهاب الرجس هو التطهير، والتطهير هو إذهاب الرجس، وهما متلازمان متساويان، بل
ــــــ[58]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أحدهما عين الآخر، فإن الإذهاب هو التطهير منه، كالمترادفين ويكون الثاني إيضاحاً للأول.
وبإزاء ذلك توجد عدّة أطروحات تدل على المغايرة بينهما:
منها: اختلاف درجات الطهارة والبدء يكون بالأدنى والانتهاء بالأعلى، فالإذهاب هو الأدنى والتطهير هو الأعلى وهذا لا يتم بمجرده، لأنه حصل لهم دفعةً لا تدريجاً.
ومنها: إن أحدهما بمنزلة الموضوع والآخر بمنزلة المحمول، فكل من يذهب عنه الرجس يطهر والموضوع متقدّم رتبةً لا زماناً، وفاعلية الفاعل إما في إيجاد الموضوع أو فيهما معاً.
ومنها: إن أحدها تكويني وهو إذهاب الرجس والآخر انتزاعي وهو التطهير، وهو متأخر عنه رتبة يعني من يذهب عنه الرجس نسميه طاهراً أو مطهراً.
إلا إنه لا يتم، لأن فيه إقراراً أن الجهة التكوينية واحدة وهو إذهاب الرجس في حين إن الآية ظاهرة بالتعدد فيقتضي التعاطف(1).
ومنها: إن الاختلاف بينهما باختلاف المتعلق، فإننا أشرنا إلى أن الشرور في الكون على مستويين وكلاهما على مستوى المقتضي لا العلة التامة:
ــــــ[59]ـــــــ
( ) لأن الآية تقول: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا، فعُطِف التطهير على إذهاب الرجس. فكلاهما موجودان ومؤثران ومنتجان لا أننا نقول بأن التطهير نتيجة لإذهاب الرجس.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
1- شرور وجودية.
2- شرور عدمية بمقتضى أصل الخلقة.
فإن كل مخلوق أو ممكن محدود، وإزالة الشرور الوجودية هي إذهاب الرجس والآخر هو التطهير.
ومنها: إن الاختلاف في جانب العلة والمعلول، فإذهاب الرجس عن جانب العلة يعني تطهير الروح من الشرور والأدناس, والتطهير يعني تطهير الأفعال.
وعلى أي حال؛ فمهما قلنا من أمر فإننا إنما نفهم المعنى المطلق منها -يعني التطهير المطلق- لا مطلق التطهير، وإن كانت الآية صادقة على كل المستويات لا أنها لن تكون مزية لأهل البيت، في حين إن سياقها كالنصّ في ذلك، والتطهير المطلق هو الإذهاب المطلق.. هو المناسب مع تلك المنزلة العليا التي لا يشاركهم فيها أحد.
معنى الرجس
ما هو الرجس؟ في حدود ما مشينا عليه من سلسلة التفكير يصفو له معنيان:
1- الشر المركوز أساساً في الخلقة في جانب الخير كما قالت الآية: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن(1).
2- آثار هذا الحال ونتائجه غير المحمودة من عصيان وعيوب وذنوب.
أما الأول: فغير زائل بل يستحيل زواله، لأنه من تبدّل الخلقة وليس في
ــــــ[60]ـــــــ
( ) البلد: 10.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المصلحة زواله، لأنهم عندئذٍ لا يكونون متفهّمين للشر أو قل إنه يستلزم نقص الخلقة، كالملائكة فيهم عقل بلا شهوة، ومن هنا كانت خلقتهم أقل من خلقة البشر، فإذا كان الرجس هو هذا، إذن نحتاج إلى تقدير مضاف، يعني آثار الرجس أو نتائجه ونحو ذلك، وهو خلاف الأصل.
وأما محل الثاني: بأن يكون المراد به رأساً النتائج، فهي ذاهبة لا محالة فيصدق الدلالة المطابقية ولا تحتاج إلى تقدير.
ويمكن تقريب الوجه الثاني بأن المراد من الرجس ما يتنجس به الطبع الإنساني معنوياً أو سلوكياً أو عقلياً ونحو ذلك. وهذا ليس إلا نتائج السوء وليس السوء الخلقي. فإنه مما لا يوجب النجاسة وإنما يوجب فقط كمال الخلقة، فوجوده أصلاً خير وإنما تأثيره شر ونجاسة. ولذا أتصف الكثيرون بالعصمة وبالولاية وبالقرب ولم يضرّ ذلك بهم، بل هو نافع لهم، لأنه سوف يكون سبباً لعصيانه ومن ثمَّ سبباً لكمالهم وارتفاعهم في درجات اليقين.
الاستدلال على العصمة بالتطهير
بقيت كلمة لا بد منها لبيان الملازمة بين التطهير والعصمة، لتكون الآية دالة بالملازمة الواضحة على العصمة باللازم بالمعنى الأخص كما سيتضح.
وتقريب ذلك يكون بعدّة أساليب:
الأسلوب الأول: دنيوي، وذلك بأن يُقال: إن الفرد كلما كان أكثر إيماناً بمذهبه
ــــــ[61]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أو دينه وعقيدته كالرأسمالية والشيوعية أو الوجودية فضلاً عن الأديان كالمسيحية واليهودية، وكلما كان أكثر تحمساً لها وعملاً في سبيل تطبيق أهدافها كان معصوماً من جهة نظرها ومن جهة الواجبات والمحرمات التي يكون هو مسؤولاً عنها تجاهها.
وهذا أمر مجرب ولا بد أن يؤمن به الجميع، ولذا نجد المتحمس إلى أي عقيدة على استعداد أن يتحمل القتل وسائر المصاعب في سبيلها، فكيف لا يتحمل بطاعتها وتطبيق مستلزماتها وأهدافها على نفسه أو غيره، فيكون معصوماً من وجهة نظرها. وهذا واضح التطبيق.
والصغرى في محل كلامنا, فإن المعصومين عامة وأهل البيت خاصة هم من أعظم المتحمسين إلى طاعة الله والملتزمين بتطبيق الدين وأهداف سيد المرسلين.
الأسلوب الثاني: أن نتكلم بنفس الطريقة ولكن بأسلوب عقلائي، فكما أن الحال في العقائد هكذا، فإن الأهداف الشخصية العقلائية أيضاً هكذا لكل ما يحبه الفرد ويُكرّس حياته من أجله، كخدمة الأبوين مثلاً أو التجارة أو السياحة أو تعلم اختصاص معين، فتراه يكرّس كل وقته ويضحي بكل مصالحه ويلاحظ ذلك الهدف في الصغيرة والكبيرة، فيكون معصوماً عن القيام بأي أمر يُخالف ذلك أو يضاده أو ترك أي عمل يكون مقرباً له وفي صالحه.
الأسلوب الثالث: أن الأسلوبين الأولين لو صحّا فإنما سببهما واحد، وهو وجود الإخلاص تجاه الشيء فمع وجود الإخلاص وجدت الهمة ومع تصاعد الهمة
ــــــ[62]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
توجد العصمة، والصغرى هنا أيضاً محرزة في أهل البيت (سلام الله عليهم)، وهي وجود الإخلاص العالي جداً لديهم تجاه الله سبحانه وتجاه شريعته.
الأسلوب الرابع: أن السبب الرئيسي للذنوب والعيوب والتجاوزات الصادرة من البشر إنما هو النفس الأمارة بالسوء، والأمر بالسوء ناشئ من الرجس الموجود فيها، فإذا انقمع وانقطع زالت كل آثاره ونتائجه، فإذا حصل ذلك بشكل كامل وشامل حصلت العصمة لا محالة.
فإن قُلتَ: فإن هذا أمر ليس خاصاً بالمعصومين بالذات بل يشمل المعصومين بالعَرض وهم الأتقياء والأولياء والكُمَّلْ من البشر، فإنهم لا يصلون إلى هذه المراتب إلا بعد انقطاع شهواتهم ونزواتهم لا محالة.
قُلنا: نعم، إلا أن المراتب تختلف أكيداً، ومن المسلّم والمُجمَع عليه بين المسلمين بل الجميع على أن مرتبة هؤلاء (سلام الله عليهم) أعلى وأجَلْ وأفضل من جميع مَن اتصفوا بالعصمة، فإذا كان الفرد في مرتبة معينة عالية جداً من التطهير كان معصوماً بالذات، وإنما كانت عصمته واجبة، لأنها بإرادة خاصة من الله سبحانه، كما هو نصّ هذه الآية الكريمة.
الأسلوب الخامس: مستوى التكوين: وهو الالتفات إلى أن وجودهم أعلى وأقرب إلى الله سبحانه من الناحية التكوينية والمعنوية، لأنهم خير الخلق والعلل العليا للكون بالأسلوب (الهَرمي) الذي ذكرناه، ومن كانت هذه حاله كان طاهراً وكان معصوماً وكان مؤيَّداً ومُسدَّداً أيضاً من قِبَل الله سبحانه، إلى غير ذلك من
ــــــ[63]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
النتائج التي قد لا تخطر على بال.
فإن قُلتَ: فإن الروح العليا معصومة بلا شك والكلام ليس فيها بل في الوجود الدنيوي للفرد المعصوم.
قُلنا: ما دام هذا الوجود يمثل تلك الروح فيكون معصوماً بعصمة روحه.
فإن قُلتَ: إن الوجود الدنيوي للفرد ليس دائماً يمثل الروح العليا بل عند الوصول إليها والشعور بها -وهو لا يكون إلا بالجهاد والسلوك- فيكون حدوث العصمة متأخراً.
قُلنا: نعم, هذا في العصمة الثانوية، وأما في الأولية فمن الممكن القول: إن الروح مفتوحة من الأول للفرد والعصمة موجودة منذ الولادة. وذلك بعدة تقريبات:
التقريب الأول: إن عَظمة تلك الأرواح بحيث لا تتخلف فَتَحْيا منذ حلولها في الجسم وهو جنين بخلاف سائر الأرواح التي هي أدنى.
التقريب الثاني: إننا نفهم ذلك من الآية الكريمة نفسها إنها تقيد الضمير إلى الشخص نفسه لا إلى مرحلة حياته والضمير ينطبق عليه منذ ولادته إلى موته.
التقريب الثالث: إن بعض المعصومين تولّوا المسؤولية دون البلوغ كالجواد ولا يحتمل ذلك بدون العصمة فلا يحتمل تأخيرها إلى حين البلوغ كما لا يُحتمل اختصاصه بها، لأن الآخرين مثله في المستوى و«الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد»، فضلاً عن أهل الكساء الذين هم أفضل منه.
ــــــ[64]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
التقريب الرابع: ما ورد من المميّزات لهم حال طفولتهم، وهي مروية عن الجميع وإن لم يتولّوا الإمامة، كالذي ورد عن المهدي: “لا تطلب أثراً بعد عين”(1). وما ورد عن أحدهم: “إن لله سبحانه في عالم قدرته بحاراً فيها أسماك تصادها بزاة الملوك لتختبر بها أولاد الأنبياء”(2)، وورد عن أبي الفضل أنه قال واحد ولم يقل اثنان. وما ورد من قضية الحسن إنه كان يستمع الوحي وينقله إلى أمه. وورد عن الحسين من صعوده على ظهر جده.
بقي الكلام في أمرين:
1- في درجة العصمة.
2- في العصمة عن الخطأ والنسيان.
الأمر الأول: أننا قلنا في مناسبات سابقة(3) إن المعصومين إنما هم معصومون عن الذنوب والعيوب العامة التي يتصف بها سائر الناس ويُكلّفون بها في الشريعة الظاهرية، فهم معصومون منها، لأنهم يرونها بوضوح شديدة القبح والصعوبة أمام الله سبحانه بحيث يتركونها بقناعتهم واختيارهم، وهي فعلاً قبيحة كذلك وإنما نحن لا نراها كذلك لتدنّينا وبُعدنا عن الواقعيات.
وهي من الجميع قبيحة ومنهم أقبح، ولذا يكونون أولى وأوضح في تركها ومن ثمَّ بالاتصاف بالعصمة منها.
ــــــ[65]ـــــــ
( ) أنظر: كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق, ص384، البحار, ج25, ص24.
(2) أنظر: البحار, ج5, ص92، كشف الغمة للأربلي, ج3, ص136، ينابيع المودة, ج3, ص125.
(3) أنظر: رفع الشبهات عن الأنبياء، الشبهة (1), ص22.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لكننا إذا سرنا مع هذه القاعدة وتعدّينا هذه المرحلة الظاهرية العامة للتكليف ولاحظنا للتكاليف والتوقعات الخاصة بهم، فمقتضى القاعدة أنهم ليسوا معصومين عنها، بل هم محتملو التورط فيها لو صح التعبير.
ومن هنا صحّت نسبة الذنوب إلى المعصومين عموماً، وقد سميناها في كلماتنا السابقة بالذنوب الدقيّة(1)، وهي التي تناسب تكاليفهم التي تناسب مستواهم والتي يعرفونها تجاه الله سبحانه.
وبذلك نستطيع ان نفسر أمرين على الأقلّ:
أحدهما: نسبة الذنوب إلى الأنبياء في القرآن الكريم كآدم ويعقوب ويونس، بل حتى خير الخلق محمد بن عبد الله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ…(2).
ثانيهما: الاعترافات والإقرارات بالذنوب في الأدعية الواردة عن المعصومين فإنها متواترة في الجملة، ولها عدّة تفاسير، أوضحها وأقربها إلى الوجدان أنها تعبير آخر عن حالهم بينهم وبين الله يعني أنه استغفار يقيني لا لمجرد التعليم. ولكنهم لا يذكرون ما هي تفاصيل ذنوبهم، ولا يُحتمل أن تكون من الذنوب الخاصة فتخصص بالذنوب الخاصة.
إلا أننا نستطيع أن نقول: إن مستويات العصمة أيضاً تختلف، فكلما كان المعصوم أعلى كان التوقع منه أدق وأكثر، ومن ثمَّ كان معصوماً عن المستويات التي هي أدنى منه، وإن لم تكن هي مستويات للتكاليف العامة، فيكون معصوماً منها
ــــــ[66]ـــــــ
( ) أنظر: رفع الشبهات عن الأنبياء، الشبهة (35), ص66.
(2) الفتح: 2.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومن غيرها، ولكنه -مع ذلك- غير معصوم بالنسبة إلى التوقعات الخاصة (سلام الله عليه) كائِناً مَنْ كان.
وأحسن مثال لذلك: إن المؤمن الاعتيادي والمتورع بالشكل الكافي يمكن أن نعتبره معصوماً عن الذنوب الواضحة الضرورية كالزنا وشرب الخمر وقتل المؤمن والسرقة، ولكنه غير معصوم من الذنوب التي تُناسبه كالكذب والغيبة وأكل حق الإمام بغير وجه شرعي وهكذا.
ومنه قصة الشريفين المرتضى والرضي حيث يقال: إنه قدّمَ لهما أبوهما كتاب وقال: “أهديه لأحدكما ممن لم يعمل حراماً طول عمره”. فقال كل منهما: “لم أعمل حراماً”. فقال: “فإني أقدمه لمن لم يخطر على باله أنه يفعل الحرام”. فسكت أحدهما وقال الآخر: “إني لم يخطر في بالي ذلك”. فأعطاه له.
وعلى ما أتذكر كأنه تقول القصة: إنه سكت الرضي ونطق المرتضى (رضوان الله عليهما).
ــــــ[67]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[68]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بأخيه الحسن
وأما علاقته مع أخيه الحسن والحديث هنا أيضاً لا ينبغي ان يقع من الناحية الأسرية، وإنما ينبغي أن يقع في نقطتين:
الأولى: في إمامته عليه.
والثانية: فيما قاله المفكرون المتأخرون من الإمامية من أن صلح الحسن كان مقدمة لثورة الحسين. فهل هذا صحيح أم لا؟
في إمامة الحسن على أخيه الحسين
النقطة الأولى: إنه لا شك أن الحسن السبط تولى الإمامة بعد أبيه وهذا معنى يعترف به الخاصة والعامة. فقد كان في تلك الفترة هو الإمام المفترض الطاعة على كل البشر حتى أخيه الحسين.
وهنا قد يأتي الإشكال: بأن الحسن ليس خيراً من الحسين بل هما مثلان فكيف يصبح إماماً عليه لأن الإمام لا بد أن يكون هو الأفضل؟
وجواب ذلك من عدّة وجوه:
ــــــ[69]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الوجه الأول: النقض بسائر الأئمة فإننا نعرف أنهم متساوون تقريباً ومن نورٍ واحد، ومع ذلك فإن الإمام هو الأب ما دام حياً بما فيه ابنه الذي بعده، فكما نقول هنا نقوله هناك.
فإن قُلتَ: إنه يختلف باعتبار الأبوّة وهي منتفية مع هذين الأخوين.
قُلنا: ولاية الأبوّة وإن كانت شريفة إلا أنها بسيطة ومُتدنية بإزاء ولاية الإمامة، فإذا قَبُح جعل المثيل إماماً لم يختلف في ذلك الأب أم غيره.
الوجه الثاني: الطعن بالقاعدة العقلية من حيث أن ما هو القبيح هو جعل المفضول إماماً على الفاضل، وهذا لم يحدث في المعصومين وأما جعل المثيل إماماً فهو مما لا يستنكره عقلٌ ولا عقلاء ولا شرع.
الوجه الثالث: إن القاعدة العقلية إنما تنفذ في مورد عدم الأهلية فإذا كان المفضول متدنياً جداً قَبُحَ جعله إماماً على مَنْ هو أرفع منه بدرجةٍ عالية، وأما مع حفظ الأهلية كما هي متوفرة فعلاً في أهل البيت عامة وفي الحسن والحسين خاصة، فلا مانع من جعل المفضول إماماً فضلاً عن المثيل.
الوجه الرابع: إننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجوه السابقة أمكن القول بنفي الولاية ووجوب الطاعة في هذا المورد، وأنه إمام على كل البشرية إلا الإمام الذي بعده، ونحن لا نعلم وجه العلاقة الحقيقية بينهما، ولم يحصل في التاريخ أنه أمره فامتَثَلَ أو عَصى، ومن الناحية العملية لا هذا يأمر ولا هذا يعصي أخذاً من محل فهم مميزات الأدب الكامل تجاه صاحبه.
ــــــ[70]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن كل ما ثبت في الشريعة أن الإمام المتأخر يبقى صامتاً حال إمامة المتقدّم، لا أنه له الولاية الفعلية عليه.
الوجه الخامس: أن يُقال: إن الإمام المتقدم دائماً خيرٌ من الإمام المتأخر، لا باعتبار أصل وجوده بل باعتبار ما ورد من: أن المتأخر يعلم ما عند المتقدّم عندما تصل روحه إلى التراقي. فينتقل ما عنده إلى مَنْ بعده. إذن, فالثاني في حال الأول لا يعلم ما عند الأول، فالأول أفضل من هذه الناحية، فتتعيّن له الإمامة والولاية. وهذا صحيح لو سلّمنا بهذا، وفيه بعض الروايات.
الوجه السادس: أن نتنزل عن كل ما سبق ونقبل بالإمامة والولاية الفعلية للمتقدم على المتأخر ما دام حيّاً، وهما مثيلان في المستوى الإلهي، فهذا نقبله لثبوته بالتعبّد الشرعي، بعد أن لم يكن قبيحاً عقلاً، فقد اقتضته الحكمة لمصالح لا يعلمها إلا الحكيم المطلق.
الوجه السابع: إنه نحو امتحان للإمام المتأخر تجاه طاعة الله سبحانه بما فيهم الحسين تجاه الحسن، في أن يجد نظيره ومثيله في المستوى آمراً عليه وولياً على حياته ومماته، ويجب عليه القبول والرضا بأمر الله سبحانه ورسوله(1).
ــــــ[71]ـــــــ
( ( شبهة إن الحسين أفضل من الحسن: أنا لم أقل ذلك. كل ما دلَّ عليه قولي: إن للحسين مزايا معنوية ليست موجودة للحسن، وهذا لا يعني أن الحسين أفضل، لأنه من الممكن أن تكون للحسن مزايا ليست للحسين، ككونه أكبر منه وأقدم في الإسلام والإيمان وإمام له بعد أبيهما وواجب الطاعة بالنسبة إليه، مضافاً إلى تصانيف أخرى وردت في بعض الروايات كالكرم والهيبة، مضافاً إلى الأخبار الدالة على تساويهما كقوله: =
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هل أن صلح الحسن كان مقدمة لثورة الحسين؟
النقطة الثانية: في ما قاله المفكرون المتأخرون من الإمامية -حتى لعله الآن أصبح من الضروريات في الفكر الشيعي- بأن صلح الحسن مقدمة لثورة الحسين.
فهل الأمر في ذلك صحيح، وما هو الوجه في هذه المقدمية؟
وينبغي الالتفات هنا إلى أننا لسنا مضطرين -حسب القواعد الشرعية المعروفة- أن نقول بهذه المقدمية، بل يكفي فيه ما عليه المسلك التقليدي الإمامي القديم، من أن كل منهما رأى المصلحة في مكانه وزمانه المعينين أن يقوم بما قام به، وإن المصلحة تلقّاها بالإلهام عن ربّه أو بالأمر من جده رسول الله، وقد أجازهما في ذلك حين قال: “الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”(1).
ــــــ[72]ـــــــ
=”سيدا شباب أهل الجنة” و”إمامان قاما أو قعدا”. والله تعالى يُعطي مزايا تكون ظاهرة في بعض دون بعض, مع العلم أن أسبابهما موجودة لدى الجميع.
مضافاً إلى القول: إنهما حيث كانا متساويين فالمزية المعنوية الموجودة عند أحدهما موجودة عند الآخر ضمناً, إلا إنها ظاهرة في واحد وخفيّة في الآخر, (منه).
( ) علل الشرائع, ج1, ص211، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب, ج3, ص163، البحار, ج43, ص291.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إذن, فكل منهما قد أدى المصلحة الوقتية التي رآها في زمانه بغض النظر عن الآخر.
وخاصةً إذا التفتنا إلى أن هذه المقدمية إنما يصح قولها إذا أحرزنا ردود الفعل والتصرفات من قِبَل جميع الناس من أصدقاء وأعداء وآخرين، بحيث تحصل كما حصلت فعلاً، مع أن هذا بالأكيد لم يكن محرزاً في عصر الإمام الحسن بما فيه حصول يزيد على الخلافة وغير ذلك كثير.
فإن قُلتَ: إنه كان معلوماً في علم الله سبحانه وكان يعلمه الحسن.
قُلنا: نعم. إلا أنه يمنع عن ذلك مانعان:
أحدهما: الاختبار المعقد للإنسان من أصدقاء وأعداء ولا نقول بالجبر.
ثانيهما: بالبداء، فإنه على ذلك قد تحصل حوادث غير متوقعة.
فإن قُلتَ: فإن الفكرة العامة للمجتمع كانت واضحة في زمن الحسن وإنه سوف تؤدي نتائجه إلى مقتل الحسين وثورته، ومن هنا أوجد صُلحه.
قُلنا: هذا نظر إلى المصالح الدنيوية والجانب الظاهري من المجتمع، ولا شك إن الإمام الحسن نظره أعمق من ذلك، وإذا تعمقنا أكثر لم نعرف كيف ستكون النتيجة.
فإن قُلتَ: فإن لكل سببٍ سبباً وسبب السبب وهكذا، فيتعيّن أن يكون صلح الإمام الحسن واقعاً في سلسلة علل ثورة الحسين.
قُلنا: نعم، إلا أن هذه العلل غير خاصة بذلك بل تولي يزيد للخلافة من جملة عللها وكذلك إصراره على أخذ البيعة منه وكذلك تعيينه لعبيد الله بن زياد وغير ــــــ[73]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ذلك كثير كارتداد أهل الكوفة عن مسلم.
مضافاً إلى أن هذا أمر كان يمكن إدراكه حين حركة الحسين أو بعدها وأما قبلها فلم يكن متيسراً.
وهل في الإمكان القول: بأن الحسن صالح معاوية لأجل أن يتسبب إلى مقتل أخيه بعد عشر سنوات مثلاً.
فإن قُلتَ: فإنه كان يعلم بوجود المصالح العظيمة التي تترتب على حركته وثورته، ومن هنا كان راضياً بمقتل الحسين، كما أن الحسين كان راضياً بمقتل نفسه، فلا يبعد أن يكون قد فعل ذلك من أجل ذلك.
قُلنا: نعم، إلا أن هذا الوجه غاية ما يثبت بالعلم به والرضا به، وأما تسبيبه العَمدي من أجل ذلك فقط فلا. بل كان من أجل المصالح الوقتية في زمانه ولو قلنا بالتسبيب فإنما هو جزء العلّة التكوينية في مجموع التسبيبات التي أدت إلى مقتله، فإن لكل شيء علّة على أية حال.
فإن قُلتَ: إنه لولا صلح الإمام الحسن لما حصلت ثورة الحسين، وإذا لم تحصل هي لم تحصل نتائجها المحمودة التي رأيناها بعد ذلك.
قُلنا:
أولاً: إننا لا نعلم بذلك، فلعل المجتمع كان يحتاج إلى ثورة الحسين ولو لم يصالح الحسن معاوية.
ثانياً: إن هذا الصلح وإن كان قد حصل إلا أنه لم ينتج شيئاً معتداً به، لأن
ــــــ[74]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
معاوية لم يلتزم به، فإذا لم ينتج شيئاً فكيف تقول إنه مقدمة لحركة الحسين.
ثالثاً: لو تنزلنا وقَبِلنا: أنه لولا صلح الحسن لم تحصل ثورة الحسين.
فقد نقول: إنه لا بأس أن لا تحصل ثورة الحسين, فيبقى الحسين وينفع الناس، وتترتب على ذلك مصالح أخرى كما تترتب على وجود سائر الأئمة.
فإن قُلتَ: إنه لو لا صلح الحسن لقُتل كل الشيعة ولأجل ذلك حصل الصلح، وإذا قُتلوا لم تحصل ثورة الحسين لكونها سالبة بانتفاء الموضوع، ولم تحصل أية نتائج خير بعد ذلك.
قُلنا: هذا وإن كان مشهورياً ومركوزاً إلا أنه لا دليل عليه:
أولاً: إننا نرى أن معاوية نقض العهد ولم يستطع مع ذلك قتل كل الشيعة.
ثانياً: إن الله سبحانه هو الحافظ لهم بصفتهم ممثلين للحق وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1).
ثالثاً: إن المظنون أن يكون المراد من الصلح تقليل الظلم عما هو موجود لا دفع الزائد، فإن معاوية كان ذكياً ويدرك أن الزائد ليس في مصلحته.
مضافاً إلى أمر آخر مهم: وهو يتوقف على مقدمة حاصلها: إن لكل من هذين الإمامين الجليلين أهداف في عملهما بلا شك أو بتعبير آخر: إن لله سبحانه الأهداف في ذلك. أما هما فإنما عملا بتكليفهما الشرعي الخاص بهما. لنيل طاعة الله ورضا الله.
ــــــ[75]ـــــــ
( ) الحجر: 9.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإذا لاحظنا النسبة بين مجموعة الأهداف أو قل بين الهدفين نرى أنه في الإمكان جعلهما على ثلاثة مستويات:
واحد منها يصلح أن يكون صلح الحسن مقدّمة لثورة الحسين واثنين منها لا يصح.
المستوى الأول: أن يكون الهدفان متباينين لا ربط لأحدٍ بالآخر فلا يصلح أن يكون أحدهما مقدمة للآخر. كما هو الحال على التصور المشهور للهدفين وأن هدف الإمام الحسن كان هو حفظ الشيعة وعنصر الحق وإلا لأبادهم معاوية ولا أقل من أنه كان يقتل الحسن والحسين معاً فيندثر الحق على وجه الأرض. وكان هدف الحسين هو إبراز أهمية الدين وإمكان التضحية له بهذا المقدار العظيم. فأحدهما غير الآخر ومُباين له.
المستوى الثاني: أن يكون الهدفان متساويان أحدهما عين الآخر. فلا يصلح أن يكون أحدهما مقدمة للآخر بدليل على أنه لو كان العكس لصلحت المقدمية أيضاً. كل ما في الأمر أن أحدهما قبل الآخر وجوداً في خلقة الله سبحانه. وقد تشاركا لإيجاد هدف واحد فقط. وهذا ينطبق على عدَّة أهداف محتملة, مثل: فضح خيانة ولا إنسانية الفكر الأموي أو كل أعداء الحق على مدى التاريخ. وبذلك يفشل الخصم على مدى التاريخ عن كسب الأنصار عن طريق الجدل النظري. وسيكون الحق النظري في جانبهما بوضوح ما لم يكن الفرد طالباً للدنيا.
ومثل: أن يكون هدفهما معاً لإبراز أهمية الدين بدرجة عالية بحيث لا يعتني
ــــــ[76]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
بآرائه بالأمور الشخصية مهما كانت واضحة اجتماعياً ودنيوياً. كالتنازل إلى الأعداء من ناحية أو الإبادة من ناحيةٍ أخرى. وهما أقوى الحوافز الدنيوية التي قد تقع حَجر عثرة دون انتصار الدين خلال الأجيال. وليس في العقل ما يحتمل أن يكون أهم منهما. فقد تصدى سبطا رسول الله بأنفسهما لدحض هذا الاحتمال.
وهذا لا يعني المقدمية، فلو كان العكس حاصلاً لأمكن حصول نفس الهدف.
المستوى الثالث: أن يكون هدف الإمام الحسن سِنخُ هدفٍ يصلح أن يكون إعداد أو استعداد أو مقدمة لثورة الحسين.
وهذا الحال أيضاً ينطبق على بعض الأطروحات:
مثل: أن يكون هدف الإمام الحسن حفظ الشيعة أو قل حفظ أكبر عددٍ ممكن منهم وعندئذٍ تم حفظهم بالصلح فاستطاع الإمام الحسين أن يقدمهم في ثورته.
وهذا هو أوضح الاتجاهات التي تتحدث عن المقدمية. ولكن يمكن الجواب عنه، فإن هذا صحيح لو كان الصلح قد انطبق فعلاً، أما بعد أن رفضه معاوية فلا معنى لحصوله.
فإن قُلتَ: فإن الإمام الحسن قد سعى بمقدار وسعه وإمكانه لأجل ذلك وهو معاهدته المعروفة، وليس في وسعه أخذ القبول الكامل والمستمر من خصمه.
قُلنا: نعم، ولكن ذلك لا يكفي للمقدّمية، لوضوح أن هدف الإمام ينبغي أن يحصل لتحصل نتيجته وهو ثورة الحسين. وأما إذا حصلت الخيانة ولم يحصل الهدف. إذن, فهذه المقدّمية لم تحصل عملياً وإن حاولها الحسن.
ــــــ[77]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومنها: تقوية إيمان المؤمنين من قِبَل الإمام الحسن لأجل أن يحصل جيل متكامل يستطيع أن يجاهد بين يدي الحسين.
وهذا النحو من الفهم له نحوان من الانطباق: انطباق مطابقي وانطباق التزامي.
أما الانطباق المطابقي: فهو ظاهر القائل بذلك، من حيث أنه يرى أن الصلح بنفسه أوجب زيادة درجات الإيمان للمؤمنين في المجتمع بحيث أعدَّ لثورة الحسين.
إلا أن هذا قابلٌ للمناقشة من جهات:
1- إنه عهد اجتماعي وليس موعظة إيمانية ليلزم منه ذلك.
2- إنه لو كان منطبقاً ومتنفّذاً لصَحَّ، ولكنه لم ينطبق إطلاقاً.
3- إنه لو كان أثَّرَ في هداية الناس لنجحت ثورة الحسين دنيوياً ولما خانه الشيعة في الكوفة ولما خانوا مسلم بن عقيل. وقالوا لأفرادهم: “ما شأنك والدخول بين السلاطين”(1). وكل ذلك لم يحصل، إذن فلم يكن هو الهدف الحقيقي للإمام الحسن لاستحالة تخلّف الهدف الحقيقي المقصود كما قلنا في كتاب (الأضواء)(2).
وأما الإنطباق الالتزامي: فباعتبار أنه أوجد بعض الأمور التي أوجبت زيادة البلاء عند المؤمنين كَردِّ فعل معاكس من قِبَل المعسكر المضاد ونحو ذلك. وكل بلاء دنيوي فهو موجب لتكامل البعض لا أقلّ. فقد حصل الإعداد في التكامل لثورة الحسين عن هذا الطريق.
ــــــ[78]ـــــــ
( ) أنظر: الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم, ج4, ص37.
(2) أضواء على ثورة الحسين, ص64.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وجوابه:
1- إنه ليس هو المقصود للقائلين بالإعداد بلا شك.
2- إن هذا الإعداد غير خاص به بل كل الحوادث المضادة للمؤمنين والتي كانت تحدث يومئذٍ كفيلة بذلك ابتداءً بيوم السقيفة فما بعده من قتل الزهراء وقتل الحسن وغير ذلك.
إذن, صحَّ ما قلناه من أننا غير مضطرين للإيمان بهذه المقدّمية.
أو قل إنها مما لا برهان عليها من كتاب ولا سنّة ولا إجماع ولا عقل.
ولكننا مع ذلك لا نستطيع نفيها إذ لا برهان على عدمها أيضاً. فتبقى أطروحة محتملة طيبة على أية حال.
ونستطيع أن نطبّق احتمال ذلك على كل الأهداف التي ذكرناها في المستويات الثلاثة السابقة.
أولاً: إذا كان هدف الحسن حفظ الشيعة عن الإبادة، فيمكن أن يكون الغرض له نصرتهم للحسين. إما بمعنى أن لا يبيدوا جميعاً فتكون حركة الحسين سالبة بانتفاء الموضوع أو بمعنى أن يبقى منهم عدد كبير ينصر الحسين في طفِّ كربلاء.
ثانياً: وإن كان هدف الإمام الحسن فضح المعسكر الآخر، كما هو هدف الحسين، كما قلنا في أطروحة سابقة، فالأول منهما يكون مقدّمة للآخر. وإن صحَّ أنه لو كان العكس لكانت ثورة الحسين مقدّمة لصلح الحسن. إلا أن
ــــــ[79]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الحسن ما دام مخلوقاً في الجيل الأسبق إذن فله المقدّمية والإعداد.
ثالثاً: نقول نفس الشيء فيما إذا كان هدفهما معاً إبراز أهمية الدين وعظمته إزاء تحمّل العناوين الدنيوية والنتائج الصعبة.
رابعاً: أن يكون هدف الإمام الحسن تربية إيمان المؤمنين به ليُشاركوا في ثورة الحسين. وقد حصل في البعض وهذا يكفي. ونحن نعلم أن عمق الإيمان لا يمكن أن يحصل للكثيرين إلا نادراً.
وهذا الذي أمكن أن يحصل هو صادق سواء أردنا به التوجيه والموعظة أو كان هو الامتحان وردّ الفعل المعاكس كما أشرنا.
أطروحات أخرى للمقدمية
وهناك أطروحات أخرى للمقدّمية نستطيع أن نسمّيها سلبية لم يذكرها المشهور:
أولاً: أن يُقال إن صلح الحسن أوجب ردّ فعل في معسكر الآخر وزيادة في الظلم والاضطهاد بحيث حصلت المصلحة في نظر الحسين لبدء حركته.
ثانياً: أن يُقال: إن الامتحان الإلهي الذي أوجده صلح الحسن وإن أوجب قوة الإيمان لدى البعض إلا أنه أوجب ضعف الكثيرين بل في عدد ممن كان يعدّ نفسه من الخاصة والموالين. ومن هنا ضعف إيمان الشيعة نسبياً، فحصلت المصلحة لثورة الحسين ليُريَهم أهمية الدين والإيمان.
ــــــ[80]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثالثاً: إن صلح الحسن كان -ظاهراً- نحواً من التنازل لمعاوية بالملك والإمامة، كما عليه المسلك التقليدي لدى العامة حيث يعتبرون الحسن إماماً خامساً لكنه تنازل إلى معاوية وانقطعت إمامته.
إذن سيكون ذلك القرار للمسلك العام للخلافة المُدعاة لمعاوية وأمثاله. أو قل إقراراً لخلافة الأمويين. وإن لم يكن ذلك مقصوداً حقيقةً. فحصلت المصلحة لثورة الحسين في أن يبرهن عملياً على شجب ذلك وإنكاره.
رابعاً: إن صلح الحسن ربما أوجب ظاهراً أن الموالين للأئمة ضعفاء ومتخاذلين إلى حد يكونون على استعداد للمصالحة مع عدوهم بالرغم من كونهم يعتقدونه معتدياً ظالماً. فاقتضت المصلحة للحسين إثبات التجربة بخلاف ذلك يقيناً.
فهذا هو الكلام عن علاقة الحسين بمن قبله.
ــــــ[81]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[82]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بمن معه
وأما علاقة الحسين بِمَن معه فأول سؤال يتسجّل بهذا الصدد، وهو سؤال مشهور: إنه كان هناك أناس صالحون مشهودٌ لهم بالوثاقة أحياء عند واقعة الطف. ومع ذلك لم يحضروا. ومقتضى القاعدة أن يكونوا مشمولين لقوله: “من سمع واعيتنا فلم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار”. مع أنهم لا يُحتَمل فيهم ذلك لمدى إيمانهم وإخلاصهم.
ويسمي الفكر التقليدي بهذا الصدد عبد الله بن جعفر (الطيار) زوج زينب بنت علي على المشهور والمنقول. ومحمد بن الحنفية وميثم التمار والمختار الثقفي.
ويُجيب الفكر التقليدي بأنهم جميعاً كانوا معذورين عن الحضور:
أما عبد الله بن جعفر فكان أعمى, والأعمى يسقط عنه الجهاد.
وأما محمد بن الحنفية فقد كان ضعيف الساعدين لا يستطيع أن يضرب بالسيف، وربما نُقِل أنه كان قوياً فأصابته عين فضعف فكان حال واقعة الطف ضعيفاً(1).
ــــــ[83]ـــــــ
( ) الأنوار العلوية, ص438.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما ميثم والمختار فكانا مسجونين بسجن عبيد الله بن زياد في الكوفة(1)، حيث قام بحملته ضد مسلم بن عقيل وأصحابه. فكان من ذلك سجن هذين المُؤمِنَين.
أقول: أما أصل العذر فهو محرز ولا ينبغي المناقشة فيه. كما أن عدم مشاركتهم في واقعة الطف بالرغم من وجودهم في ذلك العصر، فهو من القطعيات. ولا يُحتَمل أنهم شاركوا ولم يصل الخبر. لأن خبرهم وصل بوجودهم بعد واقعة الطف كميثم الذي صُلب في وقتٍ متأخر عن ذلك الحين والمختار الذي أخذَ بثأر الحسين.
ولكن مع ذلك يمكن المناقشة بالمبرر السابق التقليدي. بعد الالتفات إلى أن هؤلاء الأربعة على قسمين: اثنين منهم بالمدينة وهما عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية، واثنين منهم بالكوفة وهما المختار وميثم. فلكل مجموعة حديثها الخاص بها.
ــــــ[84]ـــــــ
( ) ذوب النضار لابن نما, ص69.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أما الاثنان اللَّذان في المدينة
فلا يحتمل أنهما لم يعلما بحركة الحسين. بل كانا معاً ممن تحدث مع الحسين في عدم الخروج.
إلا أن وجه العذر في عدم خروجهم معه أحد أمور:
الأول: العذر المذكور سابقاً.
الثاني: إن الحسين كلّفهما بالبقاء بالمدينة بالوكالة عنه لتصريف حاجات المؤمنين ريثما يرجع أو يرجع الإمام الذي بعده. وهذا وإن لم يثبت بدليلٍ معتبر إلا أنه راجحٌ، لأنهما كانا أكثر الموجودين من بني هاشم وجاهةً وعمراً وتفقّهاً.
الثالث: إنهما وإن علِما بخروج الحسين إلا أنهما لم يكونا يتوقعان ما حصل من النتائج. وهذا أمرٌ مظنون وإن لم يكن أكيداً. ولا أقلَّ أنهما يسلّيان أنفسهما باحتمال نجاح الحسين في حركته (دنيوياً) وعدم مقتله وخاصة إنهم يجهلون عزمه الأكيد على الذهاب على نحو من التخطيط للانتصار على الصعيد المادي والدنيوي.
ولم يكن المفروض أن يأخذ الحسين معه كل المؤمنين على الإطلاق لمجرد احتمال حصول حاجته إليهم بعد ذلك.
وأما حين يقوى احتمال مقتله بعد حادثة الحر الرياحي. فلم يصل الخبر إلى المدينة وكانوا جاهلين ومعذورين عن ذلك. وحتى لو فرضنا وصوله، لم يكونوا
ــــــ[85]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يدركون الذهاب إليه مع صعوبة وسائط النقل. كما لم يكونوا يعلمون منطقة تواجده لكي يصلوا إليه.
إلا أن هذا الوجه قابل للخدش من زاوية أن مقتله كان مظنوناً بل أكيداً(1). فقد خرج من المدينة. كما أن المفروض خروج جميع المؤمنين معه ولذا نجده يقول: “خُطَّ الموت على ابن آدم مخَطَّ القلادة على جيد الفتاة… -إلى أن قال-: ألا مَن كان باذلاً فينا مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحلٌ غداً مصبحاً إن شاء الله”(2). وقوله: (فليرحل) أمرٌ إلزامي عام لكل المؤمنين والمفروض بهم الطاعة كما أن المفروض بكل واحد منهم أن يكون باذلاً مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه. إلا أنهم في الواقع قليلون.
ومن هنا, يجب على هذين الرجلين وغيرهما أن يخرجوا معه فيسقط هذا الوجه للعذر ويبقى الوجهان السابقان.
ــــــ[86]ـــــــ
( ) أنظر: المحتظر لابن سليمان الحلي, ص41، البحار, ج44, ص364، اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس, ص40.
(2) شرح الأخبار للقاضي المغربي, ج3, ص146، المسائل العكبرية للشيخ المفيد, ص71، مثير الأحزان لابن نما الحلي, ص29.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما الاثنان اللذان في الكوفة
المختار الثقفي
فالظاهر أن العذر فيه صحيح لمشاركته فعلاً لمسلم بن عقيل في حركته. ونحن نسمع من التاريخ أن مسلماً نزل أولاً في دار المختار الثقفي ثمَّ انتقل إلى دار هانئ بن عروة بعد مجيء عبيد الله بن زياد باعتباره أقوى عشيرةً وأنصاراً وسلاحاً.
وعلى أي حال، فمن الطبيعي أن يُسجن فيمن سُجِنَ بعد مقتل مسلم(1). ولم تُكتَب الشهادة للمختار كما كُتِبَت لهاني لكونه أقل مشاركة منه. في حين أن لهانئ اليد الطولى في الدفاع عنه وإخفائه في داره. ولو لم يكن مسلم يخرج لصلاة الجماعة بالتزام لكان دار هانئ خير مَعقلٍ له.
ولكن الناس تفرّقوا عنه وهو في المسجد خلال صلاة الجماعة فأوقعوه في حرج وضرورة بالغين.
وقد تلكمنا في (الأضواء)(2) عن المبرر لتفرقهم عنه مع أننا نعلم أن فيهم المؤمنين والمخلصين.
ــــــ[87]ـــــــ
( ) أنظر: الأعلام للزركلي, ج7, ص192.
(2) أضواء على ثورة الحسين, ص183 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما ميثم التمار
فمشاركته لحركة مسلم ضعيفة باعتبار عدم وجود اسمه خلالها، مع وصول عددٍ معتدٍ به من الأسماء من كِلا العسكرَين، وهو أمر يجعل احتمال ذلك ضعيفاً ومن ثَمَّ فالنتيجة المذكورة له تكون ضعيفة أيضاً وهو كونه مسجوناً في سجن ابن زياد بعد حركة مسلم بن عقيل ومن ثَمَّ يكون التمسك بهذا العذر له ضعفاً.
إلا أنه ممن يتعين حمله على الصحة وعلى التصرف المشروع لِما نعرف من إخلاصه وارتفاع شأنه وخاصةً في المنقول من تصرفه خلال شهادته ومن ثم تكون لعذره أطروحات أخرى:
الأطروحة الأولى: أن المشهور وإن كان: أن شهادة ميثم بعد واقعة الطف إلا أن الخبر في ذلك ضعيف، فلعله قُتِل قبل ذلك، كما قُتل جماعة من المؤمنين كحجر بن عدي وغيره، ومعه لم يكن حياً حين واقعة الطف ليُشارك فيها.
الأطروحة الثانية: أنه بالرغم من اشتهار حركة الحسين يومئذٍ في المنطقة بين مكة والمدينة والكوفة والبصرة، إلا أن ميثماً كان في الأعراب في منطقة نائية لا تصلها الأخبار. وهي أطروحة محتملة سمعتها من بعض الفضلاء السابقين، ولعل أفضل ما فيها أنها الوجه الرئيسي لإمكان حمله على الصحة بعد سقوط الوجوه الأخرى. وعلى أي حال فهي تكفي للاحتمال المُبطل للاستدلال ضده، وإن لم نكن نستطيع أن نُثبتها تاريخياً.
الأطروحة الثالثة: إن ميثماً كان ممن يعلم علم المنايا والبلايا، ولا أقل أنه
ــــــ[88]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كان يعلم السبب في مقتل نفسه ويرويه عن سيده وإمامه أمير المؤمنين، وكان يسقي الشجرة أو النخلة التي أشار إليها بأنه يُصلب عليها وكان يقول لها: “خُلقتِ لي وخُلِقتُ لكِ”(1).
وعندئذٍ فهو يعلم إنه في قضاء الله وقدره الحتمي أن يكون موته هنا في محله الموعود، ولا يحتمل أن يكون في كربلاء ولا في أي مكانٍ آخر، فكان طيب القلب من هذه الناحية معتمداً على بشارة أمير المؤمنين له بالشهادة. ولا تفرق الشهادة في نظره بين هذه وهذه، وخاصةً إذا التفتنا إلى احتمال انه لم يسمع قول الحسين: “مَنْ سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار”، مع العلم إن هذه الجملة قالها في كربلاء أمام الجيش المُعادي فكيف تصل إلى مسامع ميثم وأضرابه في الكوفة؟ إلا بعد أن يكون الحسين قد قُتِل، أو قل إن عاطفته تجعله منشدّاً إلى ولاية أمير المؤمنين خاصة دون غيره من الناس حتى أولاده، وربما يرى الفرق بينهم كبيراً فلا يرى لهم أهمية بإزاء عظمة الولاية العلوية، مضافاً إلى أنه إن حصل له أي ذنب بالتخلف عن الحسين فقد غُسل في شهادته، مضافاً إلى ما يروى: “حب عليّ شجرة من تمسك بغصن من أغصانها نجى”(2). وقوله: “حبُّ علي حسنة لا تضر معه سيئة”(3)، وقد كان ميثم من أوضح مصاديق المحبين له. نعم لو
ــــــ[89]ـــــــ
( ) أنظر: روضة الواعظين للنيسابوري, ص288، خصائص الأئمة للشريف الرضي, ص45.
(2) أنظر: شرح الأخبار للقاضي المغربي, ج1, ص223.
(3) كتاب الأربعين للماحوزي, ص105، ينابيع المودة للقندوزي, ج2, ص75.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
تنزلنا عن كل ذلك لم يكن علم المنايا والبلايا عذراً عن التخلف عن ركب الحسين.
الأطروحة الرابعة: مضافاً إلى وجه آخر وهو أنه يعرف بتكليفه الخاص بعدم الخروج لنصرة الحسين بالإلهام، كما قلنا بأن الخاصة من المؤمنين يأتيهم الإلهام من الله سبحانه، وهو تكليف خاص به وعذرٌ خاص به شخصياً. ولعل المصلحة فيه هو نفوذ نبوءة الإمام أمير المؤمنين في شهادته. والاحتمال قاطع للاستدلال.
ــــــ[90]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بِمَنْ بعده
والآن نتحدث عن علاقة الإمام الحسين بِمَنْ بعده، أو قل علاقتهم به بعد أن يكون قد فارق الدنيا من الناحية العملية، غير أن العلاقة المعنوية والعاطفية تبقى موجودة ومتأججة في القلوب على مدى التاريخ، وهي إحدى المزايا العظيمة والعجيبة التي وهبها الله سبحانه للحسين، لشهادته وصبره. وأعتقد إنها موهوبة له بإرادة خاصة من قِبَل الله عزَّ وجل، يعني أنها نحوٌ من أنحاء المعجزة، ويكفي أن نلتفت إلى أن سمعته الطيبة مما يشهد لها كل البشر على الإطلاق من مختلف أديانهم وثقافاتهم وطبقاتهم إلا مَنْ شذَّ وهم قِلّة، أما الشيعة الموالون فلهم في ذلك خصوصية زائدة كما نُقل عن النبي أنه قال: “له في القلوب حرارة لن تنطفي إلى يوم القيامة”(1).
وهذه من النعم عليه وعلى شيعته وعلى كل فرد منهم، لأنها باب لهم يدخل منها إلى طاعة الله وتنفيذ شعائر الدين، ولولا هذه الحرارة لأهمل الشيعة أمر الحسين وتسامحوا فيه بصفته أحد المستحبات التي يجوز تركها، ولا أقل أن شأنه في ذلك يكون كشأن غيره من الأئمة، في حين قلنا في (الأضواء)(2): إن كل مجلس
ــــــ[91]ـــــــ
( ) مستدرك الوسائل للنوري, ج10, ص3118.
(2) أضواء على ثورة الحسين, ص88.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
عزاء لأي إمام لا يكون جميلاً وجامعاً للشرائط ما لم يقترن بذكر الحسين. كما أنني قُلت: إن الإحساس الخاص يؤيد ذلك ولذا نجد العاطفة في العشرة الأولى من محرم تتصاعد فعلاً في القلب ويميل الفرد إلى البكاء وإيجاد هذه الشعائر بشدة وهِمّة. وهو أمر عجيب ليس له تفسير إلا تأييد الله سبحانه وعنايته.
ــــــ[92]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الحركات التي حصلت بعد ثورة الحسين
وعلى أي حال، فالظاهر أن أول الحركات التي حصلت بعد ثورة الحسين وانتسبت إليه فعلاً اثنان: حركة المختار الثقفي وحركة التوابين. فلا بد أن نحمل عنهما فيما يلي فكرة كافية.
حركة التوابين
وحسب نقل التاريخ فإن حركة التوابين حصلت قبل حركة المختار سنة خمس وستين، أي بعد واقعة الطف بأربع سنوات، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، وكان هدفهم إزالة عبيد الله بن زياد عن الكوفة وإسقاطها بأيديهم(1)، إلا أن هدفهم المعنوي أرفع وهو نيل الشهادة للتكفير عن الذنب الذي يشعرون به من أنهم تركوا نصرة الحسين، ولم تبقَ حركة التوابين طويلاً واستطاع المعسكر المعادي أو الدولة يومئذٍ من السيطرة على الحال والإجهاز على التوابين وقُتِلَ سليمان بن صرد وأصحابه(2).
ــــــ[93]ـــــــ
( ) أنظر: البحار, ج45, ص358، تاريخ الطبري, ج4, ص426.
(2) أنظر: ذوب النضار لابن نما الحلي, ص73، البحار, ج45, ص355، تاريخ اليعقوبي, ج3, ص257.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وهذا المعنى ثابت تاريخياً، وإنهم اتفقوا فيما بينهم لأجل ذلك جزاهم الله خيراً، وسليمان بن صرد من المخلصين والمتعاونين مع مسلم بن عقيل ولكنه لم يوفق لأن يكون مع الحسين ولا نعلم السبب فيه.
ــــــ[94]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حركة المختار
وأما حركة المختار فبدأت بعد حركة التوابين مباشرةً، وهي أوسع وأقوى وبدأت في العام الذي يليه سنة ست وستين، حتى باشر المختار الحكم واستطاع أن يقاتل أهل الشام وأن يستدعي بقتلة الحسين فرداً فرداً ما استطاع إليه سبيلاً ويقتلهم بنفس الطريقة التي فعلوا فيها، ومنهم عمر بن سعد وحرملة بن كاهل وغيرهم(1).
وبحسب فهمي فإن الحكمة تقتضي ذلك، يعني ضعف مركز التوابين لينالوا الشهادة كما طلبوها، ولو كانوا أقوياء لما استشهدوا، وقوة حركة المختار ليستطيع أن يباشر الانتقام الفعلي من قتلة الحسين، وإلا فمن الواضح أن جمعهم والبحث عنهم ومباشرة قتلهم مع كون الدولة الرئيسية إلى جانبهم وهو حكم الأمويين ليس بالأمر السهل ولا يستطيع ضعفاء الناس القيام به.
في إخلاص المختار وهل أنه من الكيسانية(2)؟
تبقى كلمة فيما قد يُثار من التشكيك في إخلاص المختار. وأن حركته فيها إشكالان:
ــــــ[95]ـــــــ
( ) أنظر: أمالي الطوسي, ص240، ذوب النضار لابن نما الحلي, ص101، البحار, ج45, ص333.
(2) الكيسانية: هم الذين يؤمنون بإمامة محمد بن الحنفية ومهدويته.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أحدهما: أنه اعتمد في أخذ الإذن من محمد بن الحنفية وليس من السجاد (سلام الله عليه)، وبذلك اتُّهِم أنه من الكيسانية الذين يؤمنون بإمامة محمد بن الحنفية ومهدويته على ما في بعض النقول(1).
وثانيهما: أنه حاكم طالب للدنيا بدليل أنه لم يسلّم حكمه لأهل الحق بما فيهم زين العابدين (سلام الله عليه).
وهنا ينبغي النظر إلى عدة مستويات:
المستوى الأول: انه لا شك أنه مخلص بدرجةٍ معتدٍ بها، فشارك مسلم حركته وأعانه على أهدافه، وهو يعلم إن من نتائج ذلك السجن أو القتل، لأن الحكم الحقيقي لم يكن بيدهم بل بيد أعدائهم، ثم هو تحمّل السجن عدّة سنوات، ثم هو طالب بثأر الحسين ولم يكن ذلك شكلياً، لأنه لو كان كذلك لما كانت هناك همّة لقتل قَتَلة الحسين، مع أنه كان متحمساً لهذه الجهة ومهتماً بها، مضافاً إلى أنه قُتلَ في سبيل عمله، ولو كان طالباً للدنيا لكان في الإمكان أن يصالح أو يهادن أو يتنازل أو يختفي على أقل تقدير ولم يفعل.
المستوى الثاني: أن الإمام السجاد كان بعد مقتل أبيه في تقيّة مكثفة ووضع دنيوي لا يُحسد عليه، ولم يكن في نظره من المصلحة أن يُصرح بأي شيء سياسي أو اجتماعي طول حياته حفاظاً على البقية الباقية من أهل البيت، وأنه يكفي ما أُريق من دمائهم في كربلاء، وإذا كان للحسين هذا المقدار من الأنصار
ــــــ[96]ـــــــ
( ) أنظر: من لا يحضره الفقيه, ج4, ص543، شرح أصول الكافي, ج8, ص9، شرح الأخبار للقاضي المغربي, ج3, ص315.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والتابعين.. قلنا: يستطيع السجاد أن يجد مثل عددهم، وأمامه عهد الحسن مثالاً، بحيث اضطر من الناحية الدنيوية أن يصالح معاوية، وهو إنما اضطر إلى ذلك بصفته قائداً لمعسكر ورئيساً لحركة، فالأفضل للسجاد أن لا يكون في مثل هذا الموقع حتى لا يضطر إلى إيجاد الصلح مع حاكم زمانه أيّاً كان، بل يستقر في بيته ويخدم دينه في حدود التقية المكثفة ولم يقصّر في ذلك (سلام الله عليه).
وهذا المعنى مانع أكيد وشديد في أن يأذن للمختار بالحركة والانتقام من قَتَلة الحسين، بحيث يقول المختار عَلناً بين الناس، ولربما أن الاتصال بينهما خاص وقد أفهمه السجاد عدم وجود المصلحة في جوابه وإذنه، أو أنه أَذِنَ له وأمرهُ بالكتمان، أو أنه هو الذي وجّهه إلى محمد بن الحنفية وإعلان رأيه، غير أن مما يبعد ذلك أنهما لم يلتقيا، لأن المختار بالكوفة والسجاد بالمدينة ولم يرِد أن المختار ذهب إلى المدينة، ولكن ينقض ذلك بسؤال ابن الحنفية، فإنه أيضاً في المدينة، وقد تمّ الاتصال بالمراسلة حسب المنقول، فيمكن أن يكون كذلك للسجاد(1).
وحيث إنه يتعين اجتماعياً ودينياً في نظر المختار أن تكون حركته مستندة إلى واحد من العلويين أو من أهل البيت، فكان محمد بن الحنفية هو أوجه الناس عمراً وفقهاً وورعاً في إعلان اسمه في الإذن بهذه الحركة بدلاً عن السجاد، وهذا التبرير التقليدي الموروث وأنا أعتقد بصحته.
نعم، لا يتعيّن على المختار استئذان أحد إطلاقاً بعد عجزه عن أخذ الإذن من
ــــــ[97]ـــــــ
( ) أنظر: شرح الأخبار, ج3, ص315، أمالي الطوسي, ص242، ذوب النضار لابن نما الحلي, ص53، ص95.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
السجاد أو عجزه عن إعلان ذلك. إلا أن هذا تابع لقناعة المختار في ذلك الحين وما وجد من المصلحة في ذلك. فكأنه يرى أن أهمية حركته منوطة بأخذ الإذن من أحد العلويين، وأن أهمّهم هو ابن الحنفية.
وأما علاقته بابن الحنفية أكثر من ذلك، فلم تثبت إطلاقاً. بمعنى أنه يعتبره إماماً مفترض الطاعة، أو أنه يعتبره هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. بل نحن نجله عن ذلك، ويكفي معاشرته للمخلصين السابقين عليه في وعيه وثقافته الدينية، كمسلم بن عقيل وغيره. ومن هنا فمن غير المحتمل أن يكون كيسانياً.
على أنه من المحتمل القول بأن مذهب الكيسانية كذب، بمعنى أنه لم يحصل لأحد إطلاقاً. وإنما هو نبز الأعداء ضدّ مذهب الإمامية، ولو حصل ذلك لوصل الخبر إلى محمد بن الحنفية. ولو وصل الخبر إليه لكذّبه بنفسه وانتهى الحال. وأما رضاه بالإمامة فهو بعيد جداً، مع أنه من تربية المعصومين ويعلم أن الإمامة منوطة بشروط عظيمة في عللها ومعلولاتها، لا تتوفر فيه.
مضافاً إلى أنه مسبوق لا محالة بالأخبار الدالة على وجود اثني عشر إماماً بعددهم وأسمائهم وهو ليس منهم. كما أنه مسبوق بنص الحسين على ولده السجاد بالإمامة، وكل ذلك يمنع الظن برضاه بذلك.
ثم أنه قد ورد خبر عن تحكيم الحجر الأسود في إمامته وإمامة السجاد، وأن الحجر شهد للإمام السجاد(2)، وهذا أمر معقول ولا يدل على اعتقاد ابن
ــــــ[98]ـــــــ
(1) أنظر: الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي, ص60، بصائر الدرجات, ص522، الكافي للكليني, ج1, ص348.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الحنفية بذلك. بل هو لمجرد الإعلام لإمامة السجاد لكي لا يتخيل أحد أن محمد بن الحنفية وهو أكبر عمراً من السجاد مستحق للإمامة.
إذن، فلم يثبت أن أحداً من المسلمين أو من الشيعة كان كيسانياً إطلاقاً. نعم، ينسب شعر إلى كثير عزة -على ما أتذكر- بمضمون اعتقاده(1):
ألا أن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليـس بهم خفاء
فسبطٌ سبط إيمان وبرّ وسبطٌ غيّبته كربلاء
وسبطٌ لا تراه العين حتى يقود الخيل يقدمه اللواء
تغيب لا يرى عنهم زماناً برضوى عنده عسل وماء(2)
وهذا مضافاً إلى احتمال الوضع والدسّ فيه، بل لعل كثير عزة قاله لأجل الدسّ. ليس فيه أن هذا الرابع المشار إليه هو محمد بن الحنفية. بل هو المهدي صاحب الزمان، وليس في الكلام ما يدل عليه إلا قوله: “علي والثلاثة من بنيه” يعني الصُلبيين. إلا أن ذلك غير متعيّن كما هو واضح. فإن الإمام المهدي أيضاً من أولاد علي وفاطمة وإن محمد بن الحنفية ليس بسبط رسول الله فتعيّن في صاحب الزمان.
ــــــ[99]ـــــــ
( ) أنظر: شرح الأخبار, ج3, ص297، الفصول المختارة للشيخ المفيد, ص299، الصراط المستقيم, ج2, ص268، البحار, ج37, ص4، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر, ج54, ص322.
(2) تاريخ الأدب العربي: الدكتور شوقي ضيف، العدل الإسلامي، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وهو ليس سبطاً فيدور الأمر بين المجاز في بَنيه والمجاز في سبط. والأول أولى عرفاً. وأما الثاني فنادر عرفاً.
وهكذا يتضح أن الاعتقاد بمهدوية محمد بن الحنفية أيضاً من الدسّ والمجعولات لا أكثر ولا أقل.
ولو فرض أن أحداً كان معتقداً بها فقد اندثرت في مهدها، بتكذيب محمد بن الحنفية نفسه، أو عدم انصياعه لهم وحماسه لمصلحتهم على الأقل.
وكذلك للعلم والفضائل التي كانت تنتشر عن المعصومين كالسجاد والباقر، مما يجعل عدول الشيعة إليهم لا عنهم. وربما كانت مثل هذه الأفكار خطرت في ذهن البعض ثم تاب عنها. لا أننا نقول: إنها فرقة كانت موجودة، وإنما انقرضت بموت أصحابها، فإن ذلك خرافة ودسّ في التاريخ لا أكثر.
فإذا لم يكن للفرقة الكيسانية وجود حقيقي في التاريخ، أو محل وجودهم على أقل تقدير -لو كان لها وجود ضعيف- فمن غير المحتمل انتساب المختار إليها.
على أنه ليس من مصلحته إعلان ذلك، بمعنى إعلان إمامة ابن الحنفية دون السجاد. وإنما هو فقط اعتمد على إذِن ابن الحنفية في حركته. وهذا ثابت تاريخياً في الجملة.
ــــــ[100]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لماذا لم تَجِب التقية على محمد بن الحنفية؟
وأما أنه لماذا لم يتخذ محمد بن الحنفية مسلك التقية:
أولاً: لعل الإمام أمره بذلك أمراً إلزامياً خفياً.
ثانياً: أنه رأى مصلحة عامة كبيرة في ما يريد المختار أن يفعله مقدمة على مصلحة التقية وخاصة إذا التفتنا إلى عظم مصيبة الحسين.
ثالثاً: أنه في نقطة قوة دنيوياً أكثر من السجاد، فإنه لم يحارب الأمويين ولم يحضر كربلاء ولم يعلن العداء لهم بشكل إعلاني واضح، فمن الراجح أن لا يثير حفيظة الدولة ضدّه.
رابعاً: إنه بعد مضي هذا العدد من السنين كخمس سنين أو ست، وتبدل الخليفة الأموي لم يبقَ محاربة قتلة الحسين مجابهة صريحة للدولة. وهي مجابهة ولكنها ليست بهذه الأهمية والوضوح. كأنما يراد مطاردتهم كأشخاص والانتقام منهم.
وهذه نقطة قوة كانت لمحمد بن الحنفية، في حين كان السجاد يحترس منها بعنوان: أن هؤلاء وإن لاحظناهم كأشخاص، إلا أنهم أصدقاء الدولة وموالوها من ناحية، وكانوا منفذين لأمرها ورغبتها في قتالهم للحسين. إذن فمجابهتهم هي مجابهة للدولة ولو ضمناً، وهذا ما ينبغي السكوت عنه.
بخلاف محمد بن الحنفية الذي لم يعلن الحرب ضدّ الدولة إطلاقاً لا سابقاً ولا لاحقاً. فقد يكون معذوراً من جهة الدولة أن يدافع عن حق أخيه الحسين وليس هو عن الحسين ببعيد.
ــــــ[101]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
طلبه للدنيا وعدم تسليمه الحكم للإمام
وأما عن قضية طلبه للدنيا وعدم تسليمه الحكم للإمام:
أولاً: إن كل منصب ديني فهو محتمل للدنيا ومحتمل للآخرة. بل الأمر هكذا في كل أمور الدنيا مما يمكن قصد القُربة فيه. فيمكن للنفس الأمارة بالسوء أن تدخل شهواتها. كما يمكن للأعداء أن يطعنوا ويناقشوا. وهم طبعاً يريدون إفشال كل قادة الشيعة من معصومين وغيرهم، والإعلام ضدّهم. ونحن إذا طَعنَّا بالمختار فقد أعنَّا أعداءنا على أنفسنا.
ثانياً: إن الإخلاص الذي وصفناه للمختار يتعيّن معه طلب الآخرة دون الدنيا.
ثالثاً: إننا أقمنا على ذلك قرائن حالية -لو صح التعبير- ولو أقمنا قرائن متتالية لتعذّر سوى رواية واحدة صحيحة فيها: “رحم الله عمنا المختار”(1).
لكنه على أي حال لم يرَ أحد المعصومين إطلاقاً، لأنه كان يعيش في الكوفة وهم في المدينة ولا نعلم معاصرته لزمان أميره علي في الكوفة ولعله كان طفلاً لا يفهم. ولما لم يكن بتربية المعصومين، إذن فمن الممكن أن يكون بحسب درجة تفقهه ودرجة إيمانه الروحي ليس بالمستوى العالي جداً والمتوقع، ولكن هذا لا ينافي إخلاصه على أي حال.
ــــــ[102]ـــــــ
( ( أنظر: طرائف المقال للسيد علي البروجردي, ج2, ص587، البحار, ج45, ص386، ذوب النضار لابن نما الحلي, ص144، رجال ابن داود لابن داود الحلي, ص277.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حول ثورات العلويين
والآن ينبغي أن نبدأ بإعطاء الفكرة العامة بعلاقة حركة الحسين بالتحركات ضدّ الظلم عموماً، وخاصة التحركات التي حصلت من أولاده وأولاد عمه (الحسنيين والحسينيين)، فإنها علاقة وشيجة بلا شك وأشهرهم زيد بن علي وهو ابن السجاد العامل بالتقية.
وخاصة حينما يسمعون قول الحسين: “ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”(1)، أو يسمعون قوله: “والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد”(2)، وغير ذلك من الكلمات التي تلهب الحماسة في نفوسهم لتحمّل الأذى والموت والشهادة في سبيل رفع الظلم عن المجتمع، أو التقليل منه حسب الإمكان. وقد أعطى مثالاً واضحاً وواسعاً وعظيماً للتضحية في سبيل الدين والحق.
ولا يحول دون ذلك -شرعاً- إلا ما كان يصرّح به المعصومون من وجوب التقية وأن التقية “ديني ودين آبائي” و”لا دين لمن لا تقية له” و”أن التقية درع المؤمن الحصينة”.
ــــــ[103]ـــــــ
( ) البحار, ج44, ص329.
(2) البحار, ج45, ص7.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومن هنا نستطيع أن نفهم أن ذرية علي على قسمين: قسم هادئون وهم المعصومون، وقسم ثوار وهم عديدون جداً بالعشرات مذكورون في مقاتل الطالبيين وغيرهم، فلا بد من الكلام أولاً في موقفهم من التقية، وثانياً: موقفهم من العنوان الذي كانوا يعلنونه يومئذٍ: وهو الرضا من آل محمد.
ويمكن النظر إلى هذه الحركات عموماً في عدة مستويات:
المستوى الأول: إنه يندر منهم من يكون موالياً للدولة يومئذٍ من أمويين وعباسيين، فإن العاطفة من الجهتين كانت منافية لذلك وكانت الدولة تتعمد إبعادهم عن كراسي الحكم من وزارة وقضاء وبيت مال أو ولاية على الحكم. وأنت إذا استعرضت التاريخ لم تجد منهم أحداً في ذلك إلا النادر جداً.
وهذا ما كان يشعر به الموالون طبعاً كما يشعرون بكون أساس الدولة قائم على الظلم, وتصرفها قائم على الظلم, وكلما كان كذلك لا حاجة أو لا يجوز التعاون معها والانخراط في سلكها. نعم, قد نسمي البعض القليل ممن أتّهم بذلك كأبي السرايا إبراهيم بن الإمام الكاظم وجعفر بن الإمام الهادي ولا يحتاج الآن إلى الدفاع عنهم فإنهم قلّة وغير معصومين.
المستوى الثاني: إنه من الممكن القول إن ظاهر أكثر الحركات بل كلها إلا النادر، ليس هو إقامة الحق والعدل، بل هو القيام ضدّ الظالم ومحاولة تقليله والكفكفة منه، وذلك:
أولاً: بعد يأسهم عن تجاوب المعصومين معهم.
ــــــ[104]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثانياً: بعد يأسهم عن إسقاط الدولة ككل.
إذن, فهم أمام واقعٍ مرّ لا يقتضي أكثر من ذلك.
المستوى الثالث: إنه توجد أطروحة راجحة ومشهورة وذكرناها في (تاريخ الغيبة الصغرى)(1) ، أن اتجاهات هؤلاء العلويين مع المعصومين تختلف ونعرف ذلك من خلال دعوتهم إلى الرضا من آل محمد فهو مخلص للمعصومين ومن لم يكن كذلك فلا، وإن هذا العنوان مذكور لأجل تجنب ذكر الإمام في زمانهم باسمه لكي لا يُحرجوه أو لكي لا يتخذ موقفاً صريحاً ضدهم.
المستوى الرابع: إن بعضهم مارس الحكم فعلاً في زمنٍ قليل أو كثير ولعل أطولهم عمراً في الحكم هو الحسن (صاحب طبرستان)(2)، وكذلك الداعي الذي قيل فيه:
لا تقل بشرى ولكن بشريان غرة الداعي وعيد المهرجان
حيث مارس الولاية والقضاء وحكم المجتمع عدة سنوات إلى أن أسقطه جيش الدولة، وكذلك المختار وغيره، ولئن كان يُحتمل إجازة المختار فإنه لا يُحتمل إجازة الباقين، فيكون تصرفهم ذلك من قلّة الورع والتفقه.
ــــــ[105]ـــــــ
( ) أنظر: تاريخ الغيبة الصغرى, ص102 وما بعدها.
(2) وهو الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الملقب بالداعي إلى الحق قام بثورته في طبرستان سنة 250 وسيطر عليها إلى أن توفي سنة 270. أنظر البحار, ج43, ص314، الأعلام للزركلي, ج2, ص191، تاريخ الطبري, ج7, ص429 وما بعدها، سير أعلام النبلاء, ج13, ص136.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ويمكن تعميم ذلك للجميع حتى الذين قُتلوا ولم يوفّقوا للحكم لأنه كانت نيتهم إنهم ينتصرون ويحكمون بنفس الطريقة لا محالة.
المستوى الخامس: إن تهمة طلب الدنيا موجودة على الجميع، إلا أنها من الصعب أن تُحمل على الكثير منهم، باعتبار احتمال مقتلهم، وخاصةً أولئك الذين كان احتمال انتصارهم ضعيفاً وهم يعلمون ذلك، وهم أكثر الثوار بطبيعة الحال.
المستوى السادس: لا يوجد من المتحركين من العلويين من ادّعى المهدوية حسب علمي، ولكن يوجد من غير المتحركين كمحمد النفس الزكية، وقصته في مقاتل الطالبيين مشهورة، وكان أبوه يُدافع عن مهدويته، وكان يتخفّى ويُرسل أصحابه، وكان بذلك يُزاحم إمامة المعصومين حتى قُتِل. وهناك من غير العلويين ممن ادّعى المهدوية أو حاول أن ينسبها إلى نفسه ولو احتمالاً وأوضحهم المهدي العباسي، فإنه إنما سُمي بذلك للإشعار بهذا اللقب.
المستوى السابع: إن بعض الثوار كان فعلاً على اتصال بالمعصومين ولعلهم أذِنوا لأمثال هؤلاء سراً، لأجل وجود مصلحة أكيدة في التحرك الشيعي ضدّ الظلم من حيث لا يكون انتسابه إلى المعصومين موجوداً.
ومن أوضح مصاديقهم: زيد بن علي، فإنه ابن إمام وأخو إمام، ويحيى إبنه, و(صاحب فخ)(1) الذي كان في غاية القدس والتقوى، وتُمثَل واقعته بطف كربلاء لا
ــــــ[106]ـــــــ
( ) وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وقد كانت ثورته في زمن الإمام الكاظم ضد ملك بني العباس. أنظر مقاتل الطالبيين, ص285 وما بعدها، شرح الأخبار, ج3, ص327، عمدة الطالب لابن عنبة, ص183.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يفرق عنها إلا بشخصية الحسين.
المستوى الثامن: إن بعض هؤلاء -وهي النسبة الأقل- كان ممن يخبرهم المعصومون بشهادتهم، وفي مقدمة (الصحيفة السجادية) ما يدل على ذلك، ومعناه أنهم خرجوا للشهادة لا لطلب الدنيا ولا الحكم وإنما للثورة ضدّ الظلم أولاً، وللشهادة ثانياً، وبإمضاء المعصومين ثالثاً.
المستوى التاسع: روي عن زيد بن علي هذه الرواية بمضمون أنه سُئل عن الأعلم هو أو محمد بن علي الباقر. فأجاب: «ان عندي علم وعنده علم وهو يعلم كل ما أعلم ولا أعلم كل ما يعلم»(1). أو نحو ذلك. وهو وإن كانت شهادته له بالأعلمية إلا إنه جواب فيه التفاف وتعمّد بعدم التصريح، فما السبب في ذلك؟ وإذا كان زيد نفسه هكذا وهو المعاصر والمعاشر للمعصومين فكيف بغيره، وليس من المعيب عليهم أن يكونوا دون المعصومين، حتى لو عرف الناس ذلك، وعلى كل حال؛ فلو صحّت هذه الرواية وأمثالها فإنما يُراد بها الإعلام أي حفظ السمعة العالية للفرد القائد لهذه الحركة أو تلك.
وهو بالعنوان الثانوي وإن كان معقولاً وذا مصلحة وقتية، إلا انه بالعنوان الأولي يصعب استساغته شرعاً.
المستوى العاشر: إنه يمكن القول: إن الإمام زين العابدين بالرغم من سلوك مسلك التقية المكثف وعدم التعرض للجهاز الحاكم، إلا أن عاطفته بينه وبين
ــــــ[107]ـــــــ
( ) أنظر: مقدمة الصحيفة السجادية, ص15.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ربه لم تكن كذلك بطبيعة الحال دنيوياً، فضلاً عن الجانب الأخروي. ومن هنا يمكن القول: إنه قدَّم ولده زيداً للجهاد ضدّ الدولة ورفع الصوت بمعاداتها وشجبها، ومع ذلك فهو لم يتخلَّ عن مسلكه ذاك ولم يدعمه بصراحة. إلا أنه كان يستطيع أن ينهاه ولو نهاه لانتهى، ولكنه سكت عنه على أقل تقدير.
إلقاء النفس في التهلكة
وأما عن إلقاء أنفسهم بالتهلكة وعدم عملهم بالتقية، مع أن جُلَّهم بل كُلهم لا يأتي فيهم الجواب الذي ذكرناه في (الأضواء)(1) عن الحسين من أنه تلقّى الأمر بذلك من جده أو من الإلهام، وأصحابه تلقّوا الأمر منه وهذا يكفي. وبالرغم من أننا قلنا هناك: إن خاصة الأئمة كان لهم إلهام كمسلم والعباس إلا أن جُلّهم بل كلّ هؤلاء ليسوا كذلك، إلا أنه من الممكن أن يقال عدّة أمور:
أولاً: إن دليل التقية الآن مشتهر وأما في ذلك الحين فلم يكن معروفاً، فكان الفرد منهم يعمل بالتقية حسب اختياره أو عدم ذلك.
ثانياً: إن حكم التقية في الشريعة مخيّر بين التقية والتضحية وليست التقية بعنوانها واجبة ولذا «إنه استعجل الجنة».
وجوابه: أن هذا المورد لا ينطبق على حال هؤلاء، فإن ذلك فيمن دخل تحت البلاء والضغط لا مَنْ يسير في هذا الطريق باختيار نفسه.
ــــــ[108]ـــــــ
( ) أضواء على ثورة الإمام الحسين, ص47 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثالثاً: إنه مُقَرّ من قِبَل المعصومين، لأن تلك الحوادث كانت تحدث في زمنهم وهم لا ينهون عنها، إذن فهي ممضاة، إلا أن هذا غير تام إلا فيمن استأذن فأذِنوا له، ولم يحصل ذلك ظاهراً. وأما مَنْ لم يستأذِن فلم يكونوا ينهونه عن الحركة لعدّة أسباب:
منها: بُعد الطريق عنه.
ومنها: إيكاله إلى عمله والوصول إلى نتائجه التي يريدها لنفسه.
ومنها: «دعوا الناس على غفلاتهم».
ومنها: إنه كان في رضاهم أن يكون جماعة يحصل منهم ذلك بدون أن يكونوا بأنفسهم قد قاموا به.
ومنها: إنهم لو نهوا لكان نصرةً للدولة ظاهراً، وهو مما لا يقصدونه وليس له انطباع حَسِن.
رابعاً: إن الفرد منهم كان يستعظم الهدف الذي يريده ويُقدّمه في التزاحم على حكم التقية مثل التوابين والمختار، ويمكن أن نعمم ذلك لكل من دعا إلى الرضا من آل محمد بعنوان أنه يعتقد أن هدفه هو إرجاع الحق إلى أهله لو وفّق إلى النجاح، ومنها: حصول مفسدة اجتماعية كبيرة يكون الإقدام ضدّها ضرورياً في نظر الفرد، وأما الآخرون فلا.
ــــــ[109]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[110]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بزين العابدين وزينب بنت علي
والآن ينبغي أن نتحدث عن علاقة الحسين بزين العابدين وزينب بنت علي.
وهذا شامل لحال حياته -أعني في واقعة الطف- وبعد شهادته -أعني الدور الذي أدّياه بعد ذلك-.
علاقة الحسين بزين العابدين
ونبدأ بالإمام زين العابدين (سلام الله عليه)، فالأسئلة التي ترتبط ببحثنا هذا كما يلي:
لماذا حضر واقعة الطف مع العلم إنه كان مريضاً؟
السؤال الأول: لماذا حضر واقعة الطف مع العلم إنه كان مريضاً لا يجب عليه الجهاد؟ فمن المعقول أن يُترَك في المدينة المنورة كما بقي محمد بن الحنفية وعبد الله بن جعفر وغيرهما؟
ــــــ[111]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
جواب ذلك من عدة وجوه:
أولاً: إنه ربما مَرِضَ خلال السفر ولم يحملوه مريضاً من المدينة، وليس له فرصة الرجوع بطبيعة الحال.
ثانياً: إنه صَحِبهم ليحصل على ثواب المؤازرة لأبيه وإمامه الحسين في مصاعبه وبلائه وإن لم يشاركه في شهادته.
ثالثاً: إن النتيجة كانت معلومة للحسين فقد أخذه ليكون الرجل الوحيد في الركب بعد الشهادة ويمارس الإشراف والولاية عليهم.
رابعاً: إن النتيجة كانت معلومة للحسين فقد أخذه ليكون اللسان الناطق بعده ويمارس الدور الإعلامي المكثف الذي مارسه فعلاً، ولولا هذا الدور الإعلامي لانطمست ونُسيت قضية الحسين وطبعاً كان المخطط لها أن تبقى ولا تُنسى، وقد تكفّل لها اثنان رئيسيان هما السجاد وزينب (سلام الله عليهما).
قول الحسين لأخته: “أرجعيه لكي لا ينقطع نسل آل محمد”
والسؤال الثاني: بما ورد عن الحسين انه قال لأخته: “ارجعيه -أو امنعيه- لكي لا ينقطع نسل آل محمد”، ويُراد بهم المعصومون، وإلا فنسل آل محمد حُفِظ في الأطفال الذين تفرّقوا في البلاد، كالحسن المثنى وأولاد مسلم وربما في بعض أولاد العباس، ولكن المفروض أن السجاد إذا خرج للقتال فإنه يُقتل لا محالة وإذا قُتِل انقطع نسل المعصومين، في حين أنه في علم الله تعالى أن يولِّها
ــــــ[112]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
اثني عشر إماماً معصوماً عقباً بعد عقب، ولا يمكن انفصال الأبوة منهم، ولذا قال الحسين قولته تلك.
يرد عليه: أن المروي إن الإمام الباقر كان في واقعة الطف موجوداً، بمعنى إن الإمام السجاد كان متزوجاً وله ولده الأكبر وهو محمد الباقر(1)، إذن, فإذا قُتِل الإمام زين العابدين لم تنقطع سلسلة المعصومين لوجود الإمام الباقر على سطح الأرض.
وجوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: إننا يمكن أن ننفي ولادته على أي حال قبل واقعة الطف، فإن الخبر ضعيف وشهرته المتأخرة لا تقتضي مطابقته للواقع، وعلى أي حال فهذا يحتاج إلى بحث تاريخي لا يدخل ضمن منهجنا.
الوجه الثاني: إن المراد بقاء الإمام السجاد ليمارس الإمامة بعد أبيه الحسين، فإننا وإن كنّا نعلم إنه لا فرق في أهل البيت بين الكبير والصغير إلا أنه من الصعب تحمّل الشيعة يومئذٍ قبولهم بإمامة الباقر وهو ابن سنتين أو ثلاث، فلا بد من بقاء السجاد كشخص كبير يمكن الاعتراف به اجتماعياً(1).
كما يمكن أن نلتفت إلى أنه لا يمكن تأجيل ممارسته الإمامة عدّة سنوات ريثما يكبر الباقر، لأن المجتمع في أتمّ الحاجة إلى الإمام. كما يمكن أن نلتفت إلى أنه
ــــــ[113]ـــــــ
( ) ولِد الإمام الباقر أبو جعفر محمد بن علي سنة 57، أنظر: مصباح المتهجد للشيخ الطوسي, ص801، مسار الشيعة للشيخ المفيد, ص56، البحار, ج46, ص213، جواهر الكلام, ج20 ص88، الكافي للكليني, ج1, ص472، روضة الواعظين للفتال النيسابوري, ص207.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لو حصل ذلك ولم يبقَ أحد يشير إليه أو يدعو له بعد موت جده وأبيه، فإن كل إمام قد نصَّ عليه الإمام الذي قبله.
وأما في هذه الصورة فسوف ينقطع النص، وهي مسألة خطرة ينبغي التخطيط لإزالتها، كما حصل. وهو أمر سهل لم يكن يحتاج أكثر من المحافظة على حياة الإمام زين العابدين ليمارس نشاطه ويُشير إلى إمامة ولده الباقر بعد حين.
الوجه الثالث: إنه يراد الحفاظ على حياة الإمام السجاد لكي يمارس الدور الذي يمارسه بعد شهادة الحسين، وهو دور إعلامي ضروري لبقاء أمر الحسين، ولن تستطيع زينب ولا الباقر الصغير ممارسة نفس الدور بالضبط، لعدّة فروق بينهما:
1- إنها ليست بمستواه العلمي والروحي وليست معصومة بالذات.
2- إنها امرأة وهي دون مستوى الرجل في اعتقاد المجتمع في ذلك الحين، فغاية ما يحصل أن امرأة قد دافعت عن الحسين وأبرزت أهدافه وهو مما لا تحصل منه هذه النتيجة التي حصلت من بيانات الإمام السجاد.
إن قلت: إن هذا لا يصدق معه عدم انقطاع نسل أهل البيت، مع وجود اثنين من المعصومين -أعني السجاد وابنه الباقر-، كما هو المفروض في هذا الوجه.
قُلنا: يُجاب بأحد وجهين:
الوجه الأول: الطعن بسند هذه الرواية التي أثارت الإشكال، ونقول إن السجاد لم يحاول الجهاد إطلاقاً لكونه معذوراً ولم ينهه أبوه عن ذلك، فإنها رواية
ــــــ[114]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ضعيفة، ويكفي أن نلتفت إلى أن الخطاب فيها موجهاً إلى زينب وليس إلى السجاد، مع أن مقتضى القاعدة العكس، وهو يدل على تدني فهم مَنْ وضعها.
الوجه الثاني: إن المراد من انقطاع النسل ليس الانقطاع المادي أو النَسبي بل الانقطاع المعنوي بأحد الأشكال التي ذكرناها فيما سبق, من حيث إن استمرار وجود الإمام السجاد كان ضرورياً لممارسة الإعلام بعد الحسين, وممارسة الإمامة بعده ما دام ولده صغير, وممارسته الإشارة إلى ولده بعده، وكل ذلك سوف ينقطع تماماً لو قُتل السجاد ويُنسى الحسين ويُنسى الباقر نفسه، إذن فالمراد من الحفظ هو الحفظ المعنوي وليس المادي.
بكاء السجاد
والسؤال الثالث: الذي قد يرد إلى الذهن في تفسير ما روي من أنه كان كثير البكاء بعد واقعة الطف حتى كان يمزج طعامه وشرابه بالدموع ويذكر أباه وشهادة مَنْ معه بكل مناسبة ونحو ذلك.
مع العلم إننا يمكن أن نلتفت إلى أمرين:
الأول: أن المعصومين ليس لهم عواطف دنيوية وأسرية ضيقة وإنما نفوسهم طاهرة مطهرة معلّقة في الملأ الأعلى وتحت العرش تُسبح الله وتُمجده، فهم لا يحسون إلا بالله ولا يقدمون بأهمية شيء إلا الله سبحانه.
ــــــ[115]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الثاني: أننا قلنا في (الأضواء)(1) إن ثورة الحسين موجِبة للاستبشار في أكثر من جهة:
أ- لأنها أوجبت السعادة الأبدية والحقيقية للحسين وأصحابه وأهل بيته.
ب- أن فيها رضا الله ورضا رسوله تكويناً وتشريعاً، فليس لنا ولا لأي أحد أن يأبى ما يُرضي الله ورسوله، وهذا ما يدركه المعصومون بما فيهم السجاد.
نعم، ما حصل من مظالم يعاتب ويعاقب عليها فاعلوها، فهذا أمرٌ مفروغ عنه لأنهم كانوا حاقدين ومندفعين نحو الباطل، حتى إنها أوجبت زوال النفع الديني والدنيوي الذي كان يمكن للحسين وسائر أهله وأصحابه القيام به لو لا شهادتهم.
وعلى أي حال فنقول في هذا السؤال: إن الجانب الآخر في حركة الحسين ومهمته أقوى وأعمق، فلا يكون هناك موجِب للبكاء، ولا أقل من وجود البكاء القليل وليس المستمر إلى هذه الدرجة وقد قال الشاعر: (وسيضحك الباكون بعدك).
وجوابه: أن هذا كله صحيح لو لاحظنا هدف الحسين نفسه في ثورته فإنه كان قاصداً للمقامات العالية الموعودة له بالشهادة، وهذا يكفي وهو موجِب للاستبشار لحسن توفيقه بالحصول على كل ذلك.
إلا أننا ينبغي أن نلاحظ هدف الله سبحانه من قيام ثورة الحسين أو قل من توجيه الأمر إليه بالقيام بهذه الحركة، وبحسب ما نعرف فإن ذلك مربوط بمصلحة
ــــــ[116]ـــــــ
( ) أضواء على ثورة الحسين, ص109.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الأجيال الآتية من المسلمين بعد واقعة الطف، يعني أنه قُتِل من أجل هدايتنا ومصلحتنا.
إذن, فلا بد من التخطيط إلهياً لإنجاز هذه المصلحة بكل سبب، وقد كان أولى من يقوم بهذه المهمة على الإطلاق هو الإمام السجاد الذي هو ابنه والمتحمّل مهام الإمامة بعده، والإمامة إنما هي منصب من أجل الدين والمذهب لا أكثر.
وهذا يتوقف على تحريك جانبين أساسيين في النفوس لكي تتكامل: جانب العقل وجانب النفس، فإذا تمت السيطرة عليهما بعون الله تعالى فقد تمّ الأمر وأصبح الفرد من المهتدين، ولا يمكن الاكتفاء بإحدى الجهتين دون الأخرى، لأنه يستلزم نقصاً كبيراً جداً، ومن ثمَّ لا يترتب ما هو المطلوب من الهداية للفرد والمجتمع والأجيال.
أما الجهة العقلية: فقد مارسها وغذّاها السجاد بخطبه في الكوفة والشام وتعاهدها بعده المعصومون بكثير من الأقوال والتوجيهات.
وأما الجهة النفسية: فالأمر الرئيسي والأفضل على الإطلاق هو توجيه المجتمع إلى البكاء، والنفس إنما هي مركز العواطف, والعواطف مشروعة ومفهومة اجتماعياً لدى الجميع، والعواطف الصعبة أكثر تأثيراً في التربية من العواطف السهلة أو المفرحة، ومن هنا كانت المصلحة للدين والمذهب تقتضي الاتجاه نحو البكاء، وقد قلنا في (الأضواء)(1) إنه هو السبب الأولي في التربية.
ــــــ[117]ـــــــ
( ) أضواء على ثورة الحسين، البكاء على الأموات: رابعاً، ص136.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين عليه السلام
وقد كان أولى من يقوم بذلك وأن يبدأه هو الإمام السجاد وليس النساء, لأن بكاء النساء في نظر المجتمع أمر متدني ومؤقت ومفروض، وإنما لا بد أن يقوم بذلك الرجال، وأن يتصدى له شخص عظيم وزعيم مثل السجاد (سلام الله عليه) ليشتد بالتدريج بين الناس كي يكون سبباً للتربية والتكامل في الأجيال.
الهداية والمعارضة مستمرة في كل جيل مع بقاء الظلم والظالمين على وجه الأرض بل حتى للشخص نفسه, أي ظلم النفس الأمارة بالسوء، وعندئذٍ -كأنما- تكتسب معنى مشتركاً, أعني الهداية والمعارضة. إلا أنه ربما الثاني أسبق رتبة من الأول لأن الهدم أسبق من البناء.
وأما بكاء النساء كالزهراء وزينب والرباب وغيرها فهو مشاركٌ كِلا الهدفين، ولكن قد يقال: إنه لا ينطبق على زينب ما قلناه عن السجاد من عدم العاطفة إلا أن ننظر إلى رواية إن سكينة مستغرقة في الله وزينب خيرٌ منها. إذن, تعرف ذلك.
ولم يكن البكاء له مُحرجاً أو سبباً لمخالفة التقية بل كان أمراً اعتيادياً باعتبار انتساب الشهداء إليه أباً وأخاً ونحو ذلك. نعم، لو لم يكونوا منتسبين له لكان في ذلك وجهاً للحذر والتقية، ولكن هذا جعله في نقطة قوة من هذه الناحية، لأنه من الطبيعي اجتماعياً أن يبكي كل أحد أهله.
وهو لا يبكي على رجل اعتيادي أو على حركة أو شهادة طارئة، وإنما يقضُّ بكل دمعة مضاجع الأمويين وعروشهم، وبالتالي كل المظالم التي خرج الحسين لقمعها وشجبها وإصلاحها إلى يوم القيامة.
ــــــ[118]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وهذا لا يحصل ببكاء يوم أو يومين بل بممارسة ذلك طول عمره، ولم يقصّر في ذلك (سلام الله عليه)، حيث يعرفه كل الناس بهذه الصفة حتى عُدَّ من البكّائين الأربعة من البشر كلهم(1).
ونفس هذه الفكرة موجودة بمعناها العام للزهراء فكان اللازم إعلامياً ممارسة ذلك الدور المأساوي أيضاً للحق المهتضم لأبيها وزوجها وبنيها.
وهم لم يكونوا غافلين عن ذلك ولذا شكوا ذلك إلى علي، فإما أن تبكي ليلاً أو نهاراً، وقطعوا الشجرة التي كانت تستظل بها، وأخرجوها من المدينة لكي لا يسمعوا صوتها، وهذا يدل على أنها كانت تنوح بصوتٍ عالٍ.
وحتى بَنى لها أمير المؤمنين بيت الأحزان قرب البقيع خارج المدينة يومئذٍ وكان لا بد من أن يستمر البكاء طول عمرها وإلى آخر حياتها القصيرة كما كان لا بد للسجاد ذلك.
يبقى السؤال من حيث أننا لو سرنا بهذا الاتجاه لكان البكاء إعلامياً محضاً: ولا يمكن للبكاء أن يكون إعلامياً إلا إذا كان متصنّعاً فهل كان بكاؤهم متصنّعاً؟
وهذا ما أجبناه في (الأضواء)(2) من أن الله سبحانه لأجل الحكمة التي يعلمها في خلقه يجعل في النفوس عواطف جياشة ومستمرة، والمفروض بالفرد التجاوب معها والسير باتجاهها وخاصة إذا كان يعرف المصلحة في ذلك، وأولى مَنْ يكون كذلك
ــــــ[119]ـــــــ
( ) أنظر نحوه في مناقب آل أبي طالب, ج3, ص104، البحار, ج43, ص35.
(2) أضواء على ثورة الحسين, ص110- 111.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هو السجاد. نعم لو أوكل الفرد إلى طبيعته الشخصية لكان يميل إلى ترك البكاء والراحة في حين يريد الله غير ذلك لمصلحة الأجيال جيلاً بعد جيل.
وبهذا أيضاً نفسر وجود هذه العاطفة لديهم مع أنه لا ينبغي أن تكون لديهم عواطف من أي نوع، فإنها من صنع الله سبحانه الذي أتقن كل شيء صنعه.
ينبغي السؤال عن مقدار اتصاله بالله سبحانه وتعالى وكيف يستطيع أن يجمع بين ذكر الله سبحانه محضاً وذكر أبيه وأخيه وأهل بيته، مع أن ذلك يكون حجاباً لديه من الذكر فيكون مرجوحاً لا راجحاً.
وهذا من سنخ السؤال عن أمير المؤمنين، كيف تصدّق في المحراب أو في الصلاة والصدقة تكون حجاباً له؟
وله عدة أجوبة:
أولاً: إن أمير المؤمنين وسائر المعصومين يكونون من القرب إلى الله والارتفاع في الدرجات العلى بحيث لا يكون هذا وأمثاله حجاباً لهم. نعم, هو حجاب في الأفراد العاديين وليس في المعصومين، كما قال الشاعر:
يسقى ويشرب لا تلهيه سكرته عن الشراب ولا يلهيه عن الكأس
ثانياً: إن السجاد (سلام الله عليه) أدنى مستوى من أمير المؤمنين وكلما كان الفرد أدنى كان تكليفه أقل، فهو لا يكلّف بتكليف مَنْ هو أعلى منه، إذن فمن الممكن القول بأن أمير المؤمنين يعاتب على هذا المقدار من الحجاب لو كان حجاباً، وأما السجاد فلا. وإذا لم يكن معاتباً عليه إذن فهو محظ الطاعة
ــــــ[120]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والثواب، لأنه أحد الطاعات الظاهرية العظيمة بكل تأكيد.
ثالثاً: إن الأئمة عموماً كانوا مبتلين بحفظ الظاهر ومعاشرة الناس، وكان واجبهم ذلك فاللازم لهم تحمّل الحجاب لو كان حجاباً والعصيان لو كان عصياناً، أو قل هو من الذنوب الدقّية الواجبة عليهم بحسب تكليفهم الدقّي الخاص بهم أيضاً.
كل ذلك تضحيةً منهم في سبيل الآخرين من هدايتهم وقضاء حوائجهم وضمان طاعاتهم لله عزَّ وجل، والله سبحانه أمر الأئمة بذلك لأجل ذلك وعليهم التنفيذ، كما أمر رسول الله بالرسالة والتبليغ.
ومعه يتضح أنه لا فرق في ممارسة الدنيا والمجتمع بين عمل وعمل، والبكاء إنما هو نحوٌ من النشاط الواجب عليهم (سلام الله عليهم)، سواء كان حجاباً أم لم يكن.
وعلى أي حال فالمتشرعة الذين يسألون هذا السؤال بعنوان: أن البكاء حجاب للسجاد، عليهم أن يفسروا سائر تصرفاته بل وتصرفات المعصومين بل ورسول الله، فما قالوه هناك فليقولوه هنا، فإنها جميعاً من هذه الجهة ذات اتجاه واحد.
وأما كلامه في التوجّع والتفجّع على واقعة الطف فهي للجانب الإعلامي المستمر والذي فيه كِلا الهدفين أيضاً.
وقد وجدت في بعض كتب التراجم من العامة في ذكر السجاد ومناقبه: إنه كان حافظاً لأسرار الله ويستدل على ذلك بقوله(1):
ــــــ[121]ـــــــ
( ) راجع ينابيع المودة, ج1, ص76، طرائف المقال, ج2, ص603، كتاب الأربعين للماحوزي, ص345.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
اني لأكتم من علمي جواهره كي لا يضل أخو جهلٍ فيفتتنا
يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت مِمَن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
واستمرت هذه العلاقة مع الحسين خلال عصر الأئمة كلهم، وكانت تُنتج كِلا الهدفين: البعد عن الظلم والظالمين والقرب من رب العالمين. والروايات في ذلك ناطقة وطافحة.
إذن, فالعلاقة مع الإمام الحسين استمرت في تلك الأجيال، أما المعصومون فتصرفوا تجاهها بما يوافق التقيّة التي يؤمنون بها، وأما غيرهم فتصرفوا باتجاهها بدون تقيّة.
ــــــ[122]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
العقيلة زينب بنت علي
الأمر الآخر الذي أريد الدخول به من الأمور المرتبطة بالحسين التعرض إلى الأمور المرتبطة بأخته العقيلة زينب بنت علي، فإن عدداً من الأسئلة تخامر الذهن بالنسبة إليها يُحسن عرضها ومحاولة الجواب عليها.
وأول سؤال يواجهنا في هذا الصدد عن أصل وجودها، فإنه قد يستشكل حتى من هذه الجهة، ويقول المستشكل بأنها لم يوجد لها ذكر قبل واقعة كربلاء. ومن هنا فمن الراجح أن تكون شخصية وهمية وأن الحوادث المنسوبة إليها إما مكذوبة وحاصلة من نساء عديدات ونحو ذلك، وقد حُصِرت في شخصية نسوية واحدة من قِبَل بعض المفكرين الشيعة القدماء لزيادة المصائب تطبيقاً لما ورد: “إنه من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة”(1). يعني حتى بالسبب الكاذب حسب ما يفهمون من إطلاق هذه العبارات أو باختلاف شخصيات وهمية.
ويدعم السائل سؤال بعدّة أمور:
الأول: أنه لم يرد تاريخ ولادتها ولا حوادث الولادة بينما وردت بالنسبة إلى الحسن والحسين شقيقيها.
ــــــ[123]ـــــــ
( ) أنظر: مثير الأحزان, ص5، كامل الزيارات, ص209.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثانياً: لم يرِد لها ذكر في عائلة علي وفاطمة خلال وجودهم في المدينة المنورة، فمثلاً خلال حادثة التصدق بالأقراص في ثلاثة أيام لا يأتي لزينب ذكر.
ثالثاً: لم يرِد لها ذكر مع وفاة أمها الزهراء، وهناك عدّة روايات تتحدث عن وفاتها ليس فيها ذكر زينب إطلاقاً. وماذا فعلت عند الوفاة وماذا فعلت بعدها، بينما أن الحسن والحسين مذكوران.
رابعاً: لم يرِد نقلها من المدينة إلى الكوفة حين استوطن أمير المؤمنين الكوفة بينما كان الحسنان معه أكيداً.
خامساً: لم يرِد ذكرها خلال معيشتهم في الكوفة.
سادساً: لم يرِد ذكرها عند وفاة أبيها وبعدها، مع أن الروايات في ذلك متوفرة وتذكر التفاصيل جميعاً.
سابعاً: لم يرِد ذكرها في زمن إمامة أخيها الحسن إلى حين وفاته وبعد وفاته، وكذلك في حروبه وغير ذلك.
ثامناً: لم يرِد ذكرها في إمامة الحسين وجميع إرهاصات ومقدمات واقعة الطف، وإن كان الشعراء في مثل ذلك يتعرضون لها إلا أن المهم ليس هو الشعر بل النقل والرواية التاريخية.
تاسعاً: لم يذكر لها شخص حين سَفر الحسين إلى كربلاء إلى حين وصوله، بل حتى ما قبل البدء بالحرب وإنما ذكرت خلال الحرب وما بعدها بعد أمور تأتي.
عاشراً: تحدّث التاريخ إجمالاً واحتمالاً عن زواجها بعبد الله بن جعفر وذريتها
ــــــ[124]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الذين قُتلوا في الطف ولم يرد في ذلك خبر أكيد.
حادي عشر: من الواضح لدى الأجيال المتأخرة أنها مدفونة في الشام إلا أن هذا ليس أكيداً أيضاً -أعني في حدود هذا السؤال- فنحن لا نعلم كحجة شرعية تاريخ وفاتها ولا محلِّ وفاتها ولا موضع قبرها.
فلم يرد عنها في المدينة إلا خبر واحد هو وصية الزهراء لها في أن تقبّل الحسين في صدره، وتشمّه في نحره إذا رأته وحيداً فريداً. وهو نحو من تأييد الزهراء لموقف ولدها الحسين أرسلته باليد الأمينة.
ولم يرد فيها في الكوفة إلا رواية واحدة أيضاً وهي إن أمير المؤمنين كان يذهب بها إلى المسجد ليلاً ويطفئ القناديل لكي لا يرى الرجال خيالها(1).
فما هو الرأي الحاسم مع كل هذه التفاصيل؟
أولاً: نصوص التاريخ لوجودها أصلاً، وهي مذكورة في المصادر القديمة، فإنهم بعد كل ترجمة للإمام يذكرون وفاته وحوادثها ثم يذكرون ما لديه من الأولاد والبنات. قال علي بن عيسى الأربلي في (كشف الغمة)(2): قال المفيد: «أولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى، الحسن والحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكنّاة أم كلثوم أمهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين محمد خاتم النبيين»، إلى آخر ما قال.
ــــــ[125]ـــــــ
( ) وفيات الأعيان, ص436.
(2) كشف الغمة, ج2, ص67.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثم قال: «وقال كمال الدين بن طلحة (الفصل الحادي عشر) في ذكر أولاده، -إلى أن قال-: الإناث: زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى وأم الحسن ورملة الكبرى أم هاني وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى ورقية وفاطمة… الخ».
وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك وذكروا فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين: «كان سِقطاً فالحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم هؤلاء الأربعة من الطهر البتول فاطمة بنت رسول الله». إلى آخر ما قال. وقد وجدت ما ينقله(1) عن المفيد في الإرشاد ولعله أقدم نص تاريخي شيعي مضبوط واصل إلينا.
ويقول عمر رضا كحالة في (أعلام النساء)(2): «زينب بنت علي بن أبي طالب(3) شقيقة الحسن والحسين… -ثم يقول عنها-: سيدة جليلة ذات عقل راجح ورأي وفصاحة وبلاغة ولدت قبل وفاة جدها بخمس سنين وتزوجت بابن عمها عبد الله بن جعفر فولدت محمداً وعلياً وعباساً وأم كلثوم وعوناً الأكبر، وحدّثت عن أمها فاطمة بنت محمد وأسماء بنت عميس، وروى عنها محمد بن عمرو وعطاء بن السايب وفاطمة بنت الحسين بن علي، وصحبت زينب أخاها الحسين لما التقى بجيش عبيد الله بن زياد، فأظهرت من الجزع وشدة الألم ما يُفتت الأكباد». ثم يذكر
ــــــ[126]ـــــــ
( ) كشف الغمة, ج2, ص67.
(2) أعلام النساء, ج2, ص91، وما بعدها, ط دمشق.
(3) يقول في الهامش، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كثيراً من حوادث الطف وما بعده عدّة صفحات مما يرتبط بها بصلة.
ثمَّ يقول في الهامش: «(السيدة زينب) لمحمود الببلاوي». وفي (الإصابة) رواية عن ابن الأثير أنها ولدت في حياة النبي ولم يذكر سنة ولادتها.
ثمَّ قال في آخر كلامه: «ويُنسب إليها في مصر مسجدها وفي سنة 1173هـ جُدِّد بناؤه، وتوفيت نحو سنة 65هـ ودفنت بقناطر السباع بمصر ويُزار ويُتبرك به». ومصادره: (تاريخ الطبري)، (بلاغات النساء) لطيفور. (الكامل) للمُبرّد. (الإصابة) لابن حجر. (إسعاف الراغبين) لمحمد الصبان. (تاريخ ابن عساكر). مضافاً إلى مصدرين حديثين ذكرهما في الهامش: هما (السيدة زينب) لمحمود الببلاوي و(الأعلام) للزركلي.
وقال خير الدين الزركلي في (الأعلام)(1): «زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب شقيقة الحسن والحسين، تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فولدت له بنتاً فتزوجها الحجاج بن يوسف، وحضرت زينب مع أخيها الحسين وقعة كربلاء، وحُمِلت مع السبايا إلى الكوفة ثم إلى الشام، وكانت ثابتة الجنان رفيعة القدر فطينة فصيحة لها أخبار».
ويقول في الهامش عن مصادره: (الإصابة).. و(نسب قريش)… وعرّفها زينب الكبرى. و(طبقات ابن سعد)، و(الدرر المنثور) و(جمهرة الأنساب)، وليس في هذه المصادر ما يُشير إلى مكان وفاتها أو دفنها. ويقول علي مبارك في (الخطط التوفيقية): «تعليقاً على المتداول من أن صاحبة الترجمة هي المدفونة في الحي المعروف الآن باسمها
ــــــ[127]ـــــــ
( ) الأعلام, ج3, ص66.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
في القاهرة، ولم أرَ في كتب التاريخ أن السيدة زينب بنت علي (رضي الله عنهما) جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات».
أقول: وأيضاً لا تذكر هذه المصادر دفنها في الشام أيضاً.
وقال ابن الأثير في (الكامل) ذكر نسبه وصفته ونساءه وأولاده: «كان آدم شديد الأدمة ثقيل العينين عظيمهما ذا بطن أصلع عظيم اللحية كثير شعر الصدر إلى القصر أقرب، وقيل: كان فوق الربعة وكان ضخم عضلة الذراع دقيق مستدقها ضخم عضلة الساق دقيق مستدقها، وكان من أحسن الناس وجهاً ولا يغير شيبه كثير التبسم، وأما نسبه فهو علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
وهو أول خليفة أبواه هاشميان ولم يلِ الخلافة إلى وقتنا هذا من أبوين هاشميين غيره وغير الحسن ولده، ومحمد الأمين فإن أباه هارون الرشيد وأمه زبيدة ابنة جعفر بن المنصور.
وأما زواجه فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، وكان له منها الحسن والحسين، وقد ذُكِر أنه كان له منها ابن آخر يُقال له: محسن، وأنه توفي صغيراً، وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، ثمَّ تزوج بعدها أم البنين بنت حزام الكلابية فولدت له العباس وجعفراً وعبد الله وعثمان، قُتلوا مع الحسين بالطف ولا بقية لهم غير العباس».
ــــــ[128]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ويقول محمد فريد وجدي في (دائرة المعارف الإسلامية)(1): «هي زينب بنت علي بن أبي طالب كانت من فضليات النساء وجليلات العقائل، كانت مع أخيها الحسين بن علي في واقعة كربلاء، فلما قُتِل الحسين وكثير من أهل بيته وسَلِم الباقون أخذهم قائد يزيد عمرو بن سعيد(2) إلى ابن زياد والي العراق وهذا وجّههم إلى يزيد فلما مَثلوا بين يديه أمر برأس الحسين فأبرز في طست فجعل ينكث ثناياه بقضيب في يده وهو يقول:
يا غراب البين أسمعت فقل إنما تذكر شيئاً قد فُعِل
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا: يا يزيد لا تُشل
فجزيناهم ببدر مثلها وأقمنا ميل بدر فاعتدل
لست للشيخين إن لم أثأر من بني أحمد ما كان فعل
والمشهور:
لست من خندف ان لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل
وهو أكثر أداءً للمعنى.
وفي الإرشاد:
قد قتلنا القوم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل
ــــــ[129]ـــــــ
( ) دائرة المعارف, ج4, ص795 وما بعدها, ط دائرة معارف القرن العشرين.
(2) سعد، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حذف منها:
لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
في (مقتل الحسين) وفي (الإرشاد) للمفيد نسبته إلى ابن الزبعرى، وهو غير مستقيم معنوياً لأنه لا يوجد أي ارتباط لابن الزبعرى ببدر والانتقام من البدريين، وإنما ينطبق الشعر فقط على حوار يزيد في واقعة الطف، وكان يزيد شاعراً له شعر غير هذا أيضاً فلا يبعد أن تكون الأبيات له قالها بنفس المناسبة.
(لا تُشل) دعاء ليزيد في أن لا تبلى يده بالشلل، لا تقرأه بالسين المهملة إلا بفتحتين، فإن هذا قراءة من لا يفهم.
وهو نحو تبرير لفعلته الشنيعة بحيث يضطر إلى الخروج من الإسلام بعدها.
وقد ذكر بعض الأعزة أطروحة نسبة الأبيات إلى ابن الزبعرى زوراً بقصد معين لعله إخراج يزيد عن الشهادة بالكفر، مع كونه خليفة المسلمين. إلا أننا نلاحظ أن المصادر الإمامية نسبته أيضاً إلى ابن الزبعرى كـ(الإرشاد) وغيره.
فإن قلت: إنهم نقلوا ذلك من مصادر العامة من دون تأمل.
قلنا: نعم, إذا وصل بهم عدم التأمل إلى هذه الدرجة التي لا يلتفتون بها إلى القرينتين المتصلة، ونحن نُجِلُّ الشيخ المفيد عن ذلك، إلا أن يكون نقله من باب التقية وهو يعلم عدم إمكان النسبة.
قال في (الكنى والألقاب): «ابن الزبعرى بكسر الزاي وفتح الموحدة وسكون العين اسمه عبد الله وهو أحد شعراء قريش، كان يهجو المسلمين ويحرض عليهم
ــــــ[130]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كفار قريش، وهو الذي يقول في غزوة أحد:
يا غراب البين أسمعت فقل إنما تندب شيئاً قد فعل
الأبيات…
وهي التي تمثّل بها يزيد لما جيء برأس الحسين والأسارى من أهل بيته… وكان ابن الزبعرى يهجو النبي ويعظم القول فيه، وقصته في الفرث والدم في أبو طالب مشهورة، فهرب يوم فتح مكة ثم رجع إلى رسول الله واعتذر فقبل عذره فقال ابن الزبعرى فيه أبيات كثيرة يعتذر فيها:
إِنّي لمُعتَذِرٌ إِلَيكَ مِن الَّذي أَسدَيتُ إِذ أَنا في الضَلالِ أَهيمُ
فَاِغفِر فِدَىً لَكَ وَالِداي كِلاهُما زَلَلي فَإِنَّكَ راحِمٌ مَرحومُ
وَلَقَد شَهِدتُ بِأَنُّ دينَكَ صادِقٌ حَقٌّ وَأَنكَ في العِبادِ جَسيمُ»
أقول: وإذا أمكن تفسير البيت يخرج الخزرج يوم أُحُد، فإنه لا يمكن تفسير ورود اسم يزيد بنفسه في الشعر. مضافاً إلى سياق الانتصار في الأبيات وهو ما كان يشعر به يزيد وأما في أُحُد فلم يحصل الانتصار لهم بل حصل لجيش النبي وإن كان صعباً. فلا يستطيع ابن الزبعرى أن يقول في أُحُد: «وأقمنا ميل بدر فاعتدل».
ولا أن يقول: «لبني أحمد ما كان فُعِل»، لأن بني أحمد لم يكونوا قد وجِدوا في ذلك الحين أو كانوا أطفالاً, ولله في خلقه شؤون.
فانبرت له زينب بنت علي وكانت في الأسرى فقالت له: “صدق الله ورسوله يا يزيد: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّـهِ وَكَانُوا بِهَا
ــــــ[131]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يَسْتَهْزِئُونَ(1)”. ثم يذكر كلامها وخطبتها كاملة ثم يذكر خطبة أم كلثوم.
ثم يقول بعد ذلك: «زينب: هي السيدة زينب بنت الحسين بن علي بن أبي طالب كانت من كرائم العقائل وشريفات الكرائم، ذات تقى وطهر هاجرت إلى مصر توفيت بها، ولها قبر يُزار في القاهرة».
ــــــ[132]ـــــــ
( ) الروم: 10.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المصادر التي ذكرت زينب
ونقل في هامش مقتل الحسين للمقرم(1) وصفها بذلك عن الطبري في تاريخه, ج6, ص89، وابن الأثير في الكامل, ج3, ص158، وفي (المعارف) لابن قتيبة: «أما زينب الكبرى بنت فاطمة كانت عند عبد الله بن جعفر وولدت له أولاداً».
وللكاتبة المصرية الملقبة ببنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن) كتاب كامل في ترجمتها يسمى (بطلة كربلاء)، وبنفس الاسم للكاتب المصري المسيحي جرجي زيدان في ضمن مجموعة قصصه المعروفة: روايات التاريخ الإسلامي، التي مزج فيها بين الواقع والخيال، وظني الأرجح أن جناب الشيخ باقر شريف القرشي أيضاً له كتاب بهذا الخصوص وهو يُتعِب نفسه في الرجوع إلى المصادر القديمة إتعاباً كاملاً.
والظاهر أنه جاء ذكرها الحسِن وبعض تفاصيل أمرها في عدد لا يستهان به من كتب العامة والخاصة بغض النظر عن واقعة الطف، كـ(العقد الفريد) لابن عبد ربه و(مقاتل الطالبيين) و(معالي السبطين) و(المعارف) لابن قتيبة، (البداية والنهاية) لابن كثير وغيرها، وهو عدد كافٍ جداً لإثبات التواتر بوجودها (سلام الله عليها).
المستوى الثاني: المصادر التي ذكرتها في واقعة الطف، وقد سمعنا بعضها فيما
ــــــ[133]ـــــــ
( ) مقتل المقرم, ص308, ط بيروت.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
سبق من كتب العامة، وأذكر لكم الآن قائمة أخرى، وهي كل الكتب التي تعرضت إلى شرح واقعة كربلاء أو بعضها أو بعدها، عموماً كنقل تاريخي، كـ(مثير الأحزان) لابن نما و(مقتل الحسين) للخوارزمي و(الإرشاد) للمفيد و(تذكرة الخواص) لابن الجوزي و(رياض الأحزان) للقزويني و(ينابيع المودة) للقندوزي و(مروج الذهب) للمسعودي و(مدينة المعاجز) للبحراني و(العوالم) للبحراني و(المنتخب) للطريحي و(مقتل أبي مخنف) و(المناقب) لابن شهر آشوب و(المناقب) للخوارزمي و(نور الأبصار) للشبلنجي و(وفيات الأعيان) لابن خلكان.
المستوى الثالث: الارتكاز المتشرعي -لو صح التعبير- عن وجودها وهو التلقي جيلاً بعد جيل ذكرها وذُكِر موقفها والمراثي التي ذُكِرت فيها. والشعراء والخطباء الذين ذكروها بالآلاف جيلاً بعد جيل ولم نجد في ذلك مشككاً أو مناقشاً أو نافياً من العلماء والمفكرين والمتشرعين والمتورعين، وهذا التواتر موجود قطعاً من عصر الأئمة (سلام الله عليهم)، وهو أمرٌ كافٍ في إثبات أصل وجودها.
وأما المستوى الرابع: وهو إن ما فرضناه مسلَّماً من أن ذكرها لم يرد في ما قبل حادثة الطف إطلاقاً فليس صحيحاً، بل هناك روايات متفرقة بهذا الخصوص غير أننا سنذكر ذلك عند التعرف على مناقشة تلك الوجوه واحدة واحدة.
ــــــ[134]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
خلو الحوادث والروايات عن ذكر اسمها
بقي علينا الكلام في الأمر الآخر: وهو خلو بعض الحوادث أو الروايات التاريخية الواصلة إلينا من ذكر اسمها أو وجودها، مع العلم إنه كان من المناسب ذكرها حتماً.
ويكون ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: أ ن مقتضى التعارف الاجتماعي الدنيوي والديني لمجتمعات الشرق وخاصة المتقدمة منها في صدر الإسلام وخاصة لدى المتشرعين والمتورعين، فضلاً عن المعصومين، أن ظاهر المجتمع بيد الرجال وليس للنساء فيه نصيب، وإنما لهن مجتمعهن وعلاقاتهن الخاصة، والمهم أن المرأة ينبغي أن تنفصل تماماً عن مجتمع الرجال ولا تكون تحت الأضواء ولا النقول التاريخية، ويكون وجودها كعدمها إثباتاً، لا يعرف أحد عنها شيء إلا خاصتها الذين يعيشون في بيتها وأسرتها، وأما الآخرون فينبغي أن يبقون جاهلين بها حتى بولادتها وطفولتها وشبابها، ما لم تقتض حاجة ماسة أو ضرورة دينية أو دنيوية إلى ذلك، وإلا فمقتضى القاعدة تركيز الفصل بين مجتمع النساء ومجتمع الرجال.
ومن الواضح أن النقل التاريخي إنما يحصل في مجتمع الرجال، فمن الطبيعي أن يكون خالياً عن ذكر النساء كائنة من كانت إلا أقل القليل، ولم يكن الحال على ما هو
ــــــ[135]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
عليه الآن من بروز النساء واختلاطهن بالرجال وتجولهن في الشوارع والمشارع والأسواق فضلاً عما هو أكثر من ذلك, أعاذنا الله من كل سوء.
فبطبيعة الحال ينتج ذلك الكتم والتعتيم على كل أخبار النساء من قِبَل المعصومين إلا في حدود ما اقتضت المصلحة نشره.
ومما يشير إلى ذلك قول من يقول: “إني جاورتهم عشرين سنة، فلم أسمع لزينب اسماً ولم أرَ لها ظلاً”(1)… أو نحو ذلك، وكذلك الرواية التي تقول: «إن أباها أمير المؤمنين كان يُخرجها إلى المسجد في الليل فيُطفئ القناديل لكي لا يراها الرجال».
فإن قلت: كما ينحو له الآن ما يسمى بالوعي الإسلامي، بأن الأمر في الدين ليس كذلك، بل الدين فتح فرص العمل ومشاركة الرجل في العمل وفي الحياة وفي الدوائر وفي المحافل، وبدون ذلك تكون المرأة عضواً أشل غير منتج وغير كافل لمصلحة المجتمع.
وهذا يُجاب عليه: إن مسلك الصيانة مسلك إيجابي أخلاقي وليس لزومياً، وحاشا للدين أن يعاتب أي شخص اتخذ هذا المسلك له أو لأهله، وأدل دليل على ذلك ما روي عن الزهراء حين سألها أبوها عن أفضل صفة للمرأة، قالت: “أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل”(1). أي من لا يكون من المحارم، فلو كان الأمر اختيارياً للمرأة لم يكن في المجتمع عاتب، ولا بأس عندئذٍ أن يتمحض المجتمع للرجال، لوجود الوعي الإلهي لدى النساء بالانصراف دون الوعي الإسلامي بالاختلاط.
ــــــ[136]ـــــــ
( ) وفيات الأئمة, ص435.
(2) مناقب آل أبي طالب, ج3, ص119، البحار, ج43, ص84.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
نعم, هذا الاختلاط الذي يذكروه جائز وليس بحرام ولا هو واجب كما إنه ليس العلامة الرئيسية للمجتمع المتدين، ومن الممكن القول: إن الدرجة الأقل من المتدينين منهم أصحاب اليمين يمكن أن يجتهدوا إلى ذلك، وأما بالدرجة العليا منهم وهم الأولياء والمقربين فليس لهم هذا الاتجاه.
فلو تصورنا المجتمع المسلم المطابق للقواعد الفقهية كان لا بد أن نتصور مشاركة المرأة فيه، وأما لو تصورنا المجتمع على مستوى المتقين أو المجتمع المعصوم بنحو آخر لم نجد مشاركة المرأة فيه، يعني بمقدار ما تختلط بالرجال، ولكن لا بأس بعملها الخاص بها أو في الموارد التي لا يحصل الاختلاط.
نعم، مقتضى المصلحة الآن، أعني حين يكون الفكر الإسلامي مقابلاً ومضاداً للفكر الأوربي المادي والدنيوي والمختلط، لا يكون بالإمكان القول بأن هذا الاختلاط ممنوع مائة بالمائة، بل ينبغي أن نَعِد المرأة بالخير والرفاه والعمل، ونحن على صواب لأن نساءهم إنما سيكونن متدينات على المستوى الأول، ولا نتوقع منهن أن يطفرن في الدين إلى المستوى العالي.
وإلا فإن نساءهم اللاتي يدّعينَ التدين العالي أيضاً معزولات عن الرجال وهُنَّ راهبات الأديرة والمتمسكات بالدين.
وهذا يشبه من بعض النواحي جانب الزهد في الشريعة، فإنه بالرغم من استحبابه بضرورة الدين، كما إنه هو الظاهرة العامة لدى وجود مجتمع المتقين، إلا أنه ليس من المصلحة في مجتمعنا المعاصر الإعلان العام عنه، بل ينبغي القول بأن تطبيق الدين الإسلامي يقتضي الرفاه والراحة وزيادة معدل الدخل القومي والفردي، ونحن
ــــــ[137]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
صادقون، لأجل ترتيب الناس الآخرين بالدين، وهم أهل دنيا لا يعرفون من الزهد شيئاً بل ينفرون بمجرد ذكره وهم على غير استعداد لتطبيقه.
وعلى العموم, فإن الجهات الأخلاقية العالية من الحقائق الدينية بما فيها علم الباطن وغيره، لا تعطى إلا لأقل القليل ممن يكون على استعداد لتطبيقها واستحقاق لفهمها وفهم نتائجها، أما الإعلان العالمي المعاصر للدين -لو صح التعبير- فلا ينبغي أن يكون كذلك.
ونحن نعلم أن كِلا النحوين من الدين هو صادق ومطابق للحق، كل ما في الأمر أن الطبقة أو المستوى الذي خوطبت به هذه المجموعة من التعاليم غير الطبقة التي خوطبت به المجموعة الأخرى.
ولا شك أن مجتمع الأئمة المعصومين والذين كانوا في صدر الإسلام، أعني المجتمع الخاص بهم وبعوائلهم، كانوا يحاولون فيه تطبيق الجانب الآخر للدين على أنفسهم رجالاً ونساءً كل واحد منهم حسب ما يرى من المصلحة لنفسه وعائلته، وهذا هو السر الذي ندركه للصيانة المكثفة التي أرادها الأئمة لنسائهم. وقد طبقوا ذلك على كل نسائهم إلا ما اقتضت المصلحة بخلافه، ومن هنا يكون من الطبيعي أن لا يوجد ذكر معتد به لولادة أي واحدة من النساء أو طفولتها أو شبابها أو شيبها بل حتى وفاتها، ما لم يتسرب الخبر على سبيل الصدفة، أو تكون هناك مصلحة في اتصال المرأة بالناس -أعني مجتمع الرجال-، كاتصال الزهراء بهم في فترة من حياتها واتصال زينب كذلك، ولا ينبغي أن يقول المجتمع: إنكم تطبقون علينا الدرجة الأدنى من الدين، فإننا نقول إن هذا هو استحقاقكم وتحملكم بدليل
ــــــ[138]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أنكم ترفضون ما نَصِفه لكم ولا تعتبرونه من الدين وترغبون بممارسة الدنيا بكل جوانبها، فإذا قبلتم منا ما نقول فأبدأوا بالعمل على بركة الله سبحانه.
وبعون الله إذا استطعتم التكامل، يمكنكم أن تطبقوا درجات أعلى من الدين.
فإن قلت: فإن الزهراء تختلف عن ذلك، حيث نجد إن الإعلام عليها كثير والأضواء عليها مسلطة ومركزة، وهو على خلاف القاعدة المذكورة.
قلنا جوابه:
أولاً: إن القاعدة المذكورة تقول: أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل. وهو لا ينافي الجانب الإثباتي أو الإعلاني، فانه لم يقل: أن لا يعرف خبرها رجل. نعم, هذا هو اللازم الغالب لذلك وليس الدائم.
ثانياً: إن من المصلحة التركيز على شخصية الزهراء (سلام الله عليها)، ومن هنا كانت خارجة عن هذه القاعدة أساساً طول حياتها تقريباً، بالرغم من أنها هي التي قالت: أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل. إلا أنه ما من عام إلا وقد خص وقد خرجت غالب حياتها بالتخصيص.
حتى أنها كانت تتصل بالرجال، كما ورد: أن سلمان الفارسي يدخل عليها يومياً أو بدون استئذان والشيخين دخلا عليها، وهي أيضاً خرجت إلى الباب لترى مَن الطارق فحصل الاعتداء عليها وانكسر ضلعها، وهي التي خطبت في المسجد وكذلك هي خرجت على الباب عند المطالبة بالقضيب الممشوق وكذلك هي
ــــــ[139]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
خرجت على الباب وقالت للطارق: “تلك الخشية من خشية الله”(1). وغيرها.
وهذا له تفسيرات عديدة غير ذلك أيضاً، منها: اقتضاء حالها المعنوي ذلك، وهو القيام بما تكره من باب جهاد النفس. أو قل: التضحية بهذه المرتبة من الصون المركَّز وهبة الله سبحانه، كمن يضحي بالعزلة في سبيل الله.
ونلاحظ أنه ليس غير الزهراء بهذه المثابة، حتى زينب إلا في وقت سبيها ووجودها في الكوفة وفي الشام، وإلا فهي قبل ذلك وبعد ذلك أيضاً اتخذت مسلك الصون المركّز، وأما في تلك الفترة فهي قد أدت مسؤوليتها أمام الله سبحانه باعتبار اقتضاء المصلحة والضرورة لذلك.
المستوى الثاني: لتفسير قلّة ورود اسم زينب (سلام الله عليها) قبل واقعة الطف، إن ذلك حصل على سبيل الصدفة، فإن الأئمة كانوا يُجيبون بمقدار السؤال، فإذا لم يقع السؤال لم يحصل الجواب، كما أن المؤرخين كانوا يتفحصون بمقدار إمكانهم، فإذا لم يعرفوا الخبر لم يرووه في التاريخ.
وهذا أكيد إلا أنه راجع في الواقع إلى الوجه الأول. إذ لولا وجود تعمّد الكتمان والابتعاد عن المجتمع، لما حصل ذلك ولو فرضنا أن نساء المعصومين نازلات إلى السوق ونحو ذلك والمسجد وغيره لحصل الاتصال لهن كثيراً ولحصل النقل عنهن كثيراً كعائشة وأم سلمة بعد النبي، كما أنه لو كان ديدن المعصومين النقل عن نسائهم الحوادث والملابسات لحصل النقل أيضاً، إذن فالتعمد واضح في كل ذلك.
ــــــ[140]ـــــــ
( ) أنظر: أمالي الصدوق, ص138، المناقب, ج1, ص389، البحار, ج41, ص12.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المستوى الثالث: إنه لم يحصل في حياة المرأة ما يكون ملفتاً للنظر ومستحقاً للنقل إلا القليل، وهذا ثابت لنوع النساء بخلاف الرجال، فإن أكثر ما يقومون به يستحق النقل حسناً كان أم سيئاً، وعلى أي حال ما لا يستحق النقل من الحياة الاعتيادية لا يُنقل من رجل كان أو امرأة.
ونساء المعصومين كنَّ يعشن حياة فردية تقريباً في أمور العائلة والتزويج والأولاد والعبادة، مضافاً إلى أن الكثير منهن كنَّ متعبدات بشكل مكثف مما يسبب انصرافهن عن الناس أو أنهن يعتبرن الانصراف عن الناس عبادة، ومن شواهد ذلك ما ورد من أن شخصاً خطب سَكينة بنت الحسين من أبيها فقال له ما مضمونه: (إنها لا تنفعك لأنها مستغرقة في الله).
ولعلهن يلتقين قليلاً حتى بالنساء فضلاً عن الرجال، وليس هناك وضوح تاريخي بكثرة التقائهن بالنساء إلا في التقاء الزهراء بنساء المهاجرين والأنصار وقد ألقت عليهن خطبتها الثانية(1).
وأما ما قد يتخيله أنصار الوعي الإسلامي من أن هداية الرجال على الرجال وهم المعصومون وأضرابهم في ذلك الحين، وهداية النساء على النساء وهُنَّ نساء المعصومين، وهذا يستلزم كثرة ورود النساء على النساء ككثرة ورود الرجال على الرجال.
إلا أن هذا مما لم يثبت كبرى وصغرى، ونريد بالكبرى: إن الأئمة ما كانوا
ــــــ[141]ـــــــ
( ) راجع دلائل الإمامة للطبري الإمامي, ص125، مناقب أهل البيت للشيراوني, ص423، بلاغات النساء, ص19.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مطبقين لهذه الفكرة ولا مؤمنين بها، وهي إن هداية النساء للنساء، ونقصد بالصغرى: أنهم كانوا يسمحون لنسائهم بذلك.
وإنما كان النساء في مسائلهم ومشاكلهم يرجعون إلى رجالهم كي يسألوا المعصومين أو يذهبوا إلى المعصومين أنفسهم، ولا أقول إنهم لا يذهبون إلى نسائهم أحياناً إلا أن هذا قليل على أي حال وليس بالسعة المطلقة.
كما لا أقول إن الأمر بالمعروف خاص بالرجال دون النساء، فإنه شامل للجنسين ولكل مكلف بالإسلام مع اجتماع شروطه. ولكن التحرك أوسع من هذا النطاق, أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النطاق المستحب، بمعنى التصدي للتدريس أو الوعظ أو تبليغ الأحكام الشرعية أو خطبة الجمعة ونحو ذلك لا يكون بالارتكاز المتشرعي وسلوك المتشرعة جيلاً بعد جيل إلا بيد الرجال.
والأحكام الشرعية من هذه الناحية تدعمهم فالمرأة ممنوعة من الصلاة بالرجال وإن كانت عادلة ومن القضاء وإن كانت فاضلة ومن التقليد وإن كانت مجتهدة، وصوتها وحركتها تثير الشهوة غالباً.
مضافاً إلى أن منطوق الآية الكريمة خاص بالرجال: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1)، (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) والقوم هم الرجال. بدليل قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ(2).
ــــــ[142]ـــــــ
( ) التوبة: 122.
(2) الحجرات: 11.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كما أن السيرة الصاعدة إلى زمان الأئمة تؤيد ذلك, يعني عدم تصدي النساء للدراسة أو الوعظ أو خدمة المجتمع، إلا ما ورد: من أنه في زمان المهدي تُدرّس النساء القرآن كما أُنزل في مسجد الكوفة. وهذا معناه أن المستوى العالي من التطور الإيماني يقتضي ذلك دون المستوى الاعتيادي أو الداني، لأنه في المستويات المتدنية تختلف الأهداف الجنسية والشهوية والدنيوية مع الهدف الحق، بخلافه في المستويات العليا.
ــــــ[143]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الحديث عن سبب تغيّب زينب
عن الحوادث التي حدثت في أسرتها
وبعد هذه الجولة نعود إلى السؤال الذي سبق أن طرحناه عن وجود زينب (سلام الله عليها). وقد أثبتنا وجودها أصلاً. وكذلك السبب في قلة الخبر الموجود عنها قبل واقعة الطف.
وبقي علينا الحديث عن سبب تغيّبها عن هذه الحوادث التي حدثت في أسرتها خلال ذلك التاريخ كموت أبيها وأمها وأخيها ونحو ذلك.
وكذلك بعض الأجوبة العامة التي تعمّ غالب الحالات وأجوبة خاصة ببعضها.
أما الأجوبة العامة فكما يلي:
أولاً: في الإمكان كأطروحة إنها خلال بعض تلك الحوادث لم تكن ساعتها موجودة، لأنها كانت في سفر أو في بيت جدها رسول الله أو بيت أخيها الحسن ونحو ذلك، ثم إنها أقبلت بعد حصول الوفاة.
ثانياً: إن هذه المناسبات مظنة نوعية لحضور الرجال ومن ثم لم تخرج من غرفتها تحت أصعب الظروف.
ــــــ[144]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثالثاً: إنها قد تكون موجودة ولكنها لم تُذكر في الرواية، كما لم يذكر غيرها من النساء احتراماً لموقف أهل البيت، وإنما يذكرون فقط الأشخاص الرئيسيين الذين ينبغي نقل كلامهم دون أفعالهم ونحو ذلك.
رابعاً: إن هذا الأسلوب موجود في الأساليب القصصية فلربما مشى عليه الرواة عن عمد أو عن غير عمد، وهو حدوث شخصية مهمة في آخر الأمر لم تكن قد ذُكِرَت قبل ذلك، وفي القرآن وغيره عدد من هذا الأسلوب، كما في قوله تعالى: وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ(1)، وقوله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ(2)، ومساعدة الشيطان اليهود في قتل زكريا بعد أن دخل في جذع شجرة أجوف(3). وغيرها.
والأمر هنا يمكن أن يكون كذلك، فإن هذه الشخصية وهي زينب تذكر في مورد الأهمية والتركيز لا في غيره احتراماً لها وصوناً لذكرها عن الابتذال.
خامساً: إن المروي أنها ولدت للعام السادس أو الخامس للهجرة، إذن فهي كانت طفلة عند وفاة جدها وعند وفاة أمها وولادة أخويها وإسقاط الجنين وكذلك لدى التصدق على الأسير والمسكين، والطفلة لا تذكر في التاريخ. نعم، كانت عند وفاة أبيها وأخيها كبيرة، ونتوقع أن يكون لها دور قليل أو كثير، وسنجد بعد قليل أنه قد روي وجودها في كل ذلك، بالرغم من قلّته، تلك القلّة الناتجة من الأسباب السابقة.
ــــــ[145]ـــــــ
( ) البقرة: 251.
(2) يوسف: 25.
(3) أنظر: زاد المسير لابن الجوزي, ج5, ص7.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما الأجوبة الخاصة في الموارد:
أولاً: ما ورد: أنها إذا أرادت أن تزور المسجد في الكوفة أو في المدينة وفي رواية إذا أرادت أن تزور قبر جدها يذهب أبوها بنفسه ويخفت ضوء القناديل لكي لا يراها أحد الرجال(1).
وما نُقل عن (العقد الفريد) في قصة طويلة وفيها: أن رجلاً خطبها من أبيها، فزَجَره لوضاعته، ويبدو أنه الأشعث بن قيس. وما نُقل من زواجها بعبد الله بن جعفر فإنه زواج مبكر والظاهر إنه كان في حياة أبيها.
وما روي من إنها كانت ضمن المشيعين في الليل لنعش أمها الزهراء، وأذِنَ أمير المؤمنين للمشيعين بالانصراف فانصرفوا وألقت زينب بنفسها على قبر أمها.
وما روي من أنها روت عن أمها (سلام الله عليها) بعض الروايات حتى عُدَّت من رواة أمها(2)، ولا أقل أنها ردَّت الوديعة للحسين عن والدتها، وهي قولها: “فقبّليه ــــــ[146]ـــــــ
( ) وفيات الأئمة, ص436.
(2) قال كحالة: وحدّثت عن أمها فاطمة بنت محمد وأسماء بنت عميس وروى عنها محمد بن عمرو وعطاء بن السايب وفاطمة بنت الحسين، (منه). [أنظر معجم رجال الحديث, ج24, ص219، المجدي في أنساب الطالبيين لعلي بن محمد العلوي, ص18. وفي ذلك يقول المؤلف النقدي:
روت عن أمها الزهرا علوماً بها وصلت إلى حد الكمال
مقاماً لم يكن تحتاج فيه إلى تعليم علم أو سؤال
ونالت رتبة في الفخر عنها تأخرت الأواخر والأوالي
فلولا أمها الزهراء سادت نساء العالمين بلا جدال]
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
في صدره وشميه في نحره”.
وما روي عن دخولها على أخيها الحسن حال احتضاره، وفي الرواية أنه أمر برفع الطشت الذي كان فيه الدم لكي لا تراه زينب(1).
وما روي من وجودها عند خروج قافلة الحسين من المدينة متوجهة إلى كربلاء، وقد ورد ما مضمونه: إن العباس هو كفيل هذه الحملة ومع عدم وجوده فالكفيل هي زينب.
إذن، فالنقل كثير لِمَن يبحث ويدقق، وإنما الظاهر إنما أصبح كذلك أمام الجاهلين والغافلين، بل يكفي هذا أيضاً لإثبات وجودها فإنها مورثة للاطمئنان مجموعاً وخاصة إذا ضممناها إلى روايات الطف حصل التواتر بوجودها لو غضضنا النظر عن الأدلة السابقة.
مضافاً إلى أننا ينبغي أن نلتفت إلى أكثر الكتب التي أحرقت وأتلفت خلال التاريخ عن عمد وغير عمد، فإنها تعدل مئات الألوف، ولعل فيها كثير من الأخبار والروايات التي ضاعت فعلاً، ومن جملتها ما نتوخى الحصول عليه من بعض أخبار أهل البيت عموماً وزينب خصوصاً.
وأما عن قبرها فقد قال كحالة: «ويُنسب إليها في مصر مسجدها وفي سنة 1173 جُدد بناؤه وتوفيت نحو سنة 65 للهجرة ودفنت بقناطر السباع بمصر ويُزار للتبرك به، ويُنسب لها شعر في رثاء أخيها الحسين: وهو مشهور ولم أكن أعرف قائله وكُنت أحسب انه منسوب إلى الجن».
ــــــ[147]ـــــــ
( ( وفيات الأئمة, ص436.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ويقول فريد وجدي: إنه لزينب بنت الحسين:
ماذا تقولون لو قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمِ
ــــــ[148]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حول سكينة بنت الحسين
بقي أن نشير إلى نقض واحد مؤسف جداً ذكرته المصادر العامة والظاهر أن أول من تورط به هو أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني) وتابعه الكثيرون ومنهم كحالة في (أعلام النساء) وغيره، حين ذكروا أنها كانت تجتمع بالشعراء والمغنين وتحضر الحفلات ونحو ذلك، مما هو دسّ قطعي ضدّ المعصومين وذريتهم وشيعتهم.
قال كحالة في (أعلام النساء)(1): «سكينة(2) بنت الحسين بن علي بن أبي طالب. سيدة جليلة ذات نبل ومقام رفيع كانت تجالس الأجلّة من قريش وتجتمع إليها الشعراء والأدباء والمغنون فيحتكمون إليها فيما انتجته قرائحهم، فَتُـبَين لهم الغث
ــــــ[149]ـــــــ
( ) أعلام النساء, ج2, ص202 وما بعدها, ط دمشق.
(2) أنا أعتقد أن اسمها ليس مصغّراً كما يلفظه العامة والمشهور، وإنما هو مكبَّر (سَكِينة) مأخوذاً من القرآن الكريم: فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ (الفتح: 26)، يعني هي السَكينة القرآنية تشبيهاً، وأما المُصغر فهو أنثى الحمار بنص اللغويين، وعن ابن منظور في لسان العرب. وهذا مما يجهله المثقفون والمتفقهون من الناس مع الأسف ولا يحتمل أن الحسين يجهله، فإما ان يكون قد سمى ابنته هكذا [لأجل] التواضع أو سماها (سكينة) مكبراً مأخوذاً عن القرآن الكريم، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
من السمين وتُناقش المخطئ مناقشة علمية فيتعتع بخطئه ويقر لها بالفضل وقوة الحجة وسعة الاطلاع، فمن ذلك أنه اجتمع بالمدينة راوية جرير وراوية كثير وراوية نُصَيب وراوية جميل وراوية الأحوص، فادّعى كل رجل منهم أن صاحبه أشعر ثم تراضوا بسكينة بنت الحسين، فأتوها فأخبروها فقالت لصاحب جرير…» إلى آخر القضية.
قال: «وفي رواية أنه اجتمع في ضيافة سَكينة بنت الحسين: جرير والفرزدق وجميل والنُصيب، فمكثوا أياماً، ثم أذنت لهم فدخلوا، فقعدت بحيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، فأخرجت إليهم جارية لها وضيئة، وقد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق. فقال الفرزدق ها أنا ذا. قالت: أنت القائل… الخ».
ثم يذكر قصصاً كثيرة باجتماعها بعمرو بن أبي ربيعة وابن سريج والغريض وكثيراً آخرين، ويذكر أنها تزوجت بعدة أزواج.
ويقول: «وكانت سَكينة عفيفة سلِمة برِزة من النساء، ظريفة مزّاحة، قيل لها: أمك فاطمة يا سَكينة وأنت تمزحين كثيراً وأختك لا تمزح. فقالت: لأنكم سميتموها باسم جدتها المؤمنة فاطمة وسميتموني باسم جدتي التي لم تُدرك الإسلام». تعني آمنة بنت وهب أم رسول الله.
وقد اكتفى السيد المقرم في مقتل الحسين بأن أجاب بالرواية المنقولة: «إنها مستغرقة في الله تعالى ولا يحتمل أن تجتمع هذه الصفة مع تلك الصفة» حتى أنه رفض اعطاءها لرجل واحد فكيف تختلط برجالٍ كثيرين.
ــــــ[150]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إلا أن نقطة الضعف في ذلك هو ضعف الرواية بإزاء استفاضة النقل من ذلك الطرف، فإن كحالة يذكر بعد كل ترجمة مصادرها ويذكر بعد ترجمة سكينة بنت الحسين حوالي عشرين مصدراً، وهذا يكفي في الاستفاضة فلا تقاومه تلك الرواية.
إلا أن الذي يهوّن من تلك المصادر عدّة أمور:
1- أن كل المصادر متأخرة وإنما المصادر القريبة منها قليلة لعلها ليست أكثر من أربعة: الطبري وابن الأثير في (الكامل) والمسعودي و(الأغاني) لأبي فرج الأصفهاني، ومن الواضح انه لم يذكر ذلك إلا في الأغاني، أما المصادر الأخرى فلم تتعرض إلى هذه الجهة وإن ذكرت ترجمتها فليس هناك تواتر ولا استفاضة.
2- أنها كلها من مصادر العامة ولا يحتمل أن يذكر ذلك مصدر شيعي إطلاقاً.
3- أن الدسّ المتعمد الذي بات مدعوماً من قِبَل الدولة في القرون الأولى كان كثيراً، فليس من الغريب أن يقولوا هذا وأكثر من هذا، لأجل أن يفضحوا المعصومين باعتقادهم.
ومن الغريب أن أبو الفرج الأصفهاني له (الأغاني) وله (مقاتل الطالبيين) ويبدو في كل كتاب على شكل آخر غير الشكل الذي يبدو فيه على الكتاب الآخر، فبينما يبدو في مقاتل الطالبيين متورعاً متديناً غير متعصب بل يحب أهل البيت، يبدو في الأغاني صاحب خلاعة ومجون وتأييد للآثمين والمغنين ولوضع المحرمات.
وسبحان الله فقد توفّق كتابه مقاتل الطالبيين لأن يكون مصدراً رئيسياً للتاريخ بخلاف الأغاني فإنه أهمله الناس من كل المذاهب، لأنه في الحقيقة أضر بكل المذاهب. فمثلاً, لنا أن نقول: إنك إن صدقت بالكتاب في سَكينة بنت الحسين وجَبَ أن
ــــــ[151]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
تُصدّق أن فلان وفلان ممن يقدسونهم ويوالونهم لا أقل من الخلفاء الأمويين والعباسيين واحداً واحداً، إلى عصر الراغب نفسه، فكيف يكونون مقدسين وخلفاء رسول الله، ومن هنا أهملوا الكتاب كمصدر تاريخي بينما عملوا بالمقاتِل) وعملت به كل الطوائف والأديان -لو صح التعبير- لأنه أقدم كتاب ضبط الثوّار في عصر المعصومين.
4- أن كحالة يريد أن يوهم أن كل مصادره تعرضت لهذه الأمور التي ذكرها بينما الأمر يختلف جداً، والأمر يحتاج إلى فحص كل تلك المصادر على كل حال ولا يتيسر ذلك بسهولة.
5- أنه لم يوجد من الرجال من أولاد الأئمة الصلبيين ممن يتصف بالغناء والمجون إلا واحد فقط وهو جعفر الكذّاب، من خلال رواية واحدة ضعيفة، وأما من النساء فلم يحصل إطلاقاً إلا في هذا المورد فمقتضى الإلحاق بالأعم الأغلب هو تكذيب هذه الروايات.
6- إن تربية الأئمة أشدُّ تركيزاً وأكثر عمقاً من أن تفلت بهذا المقدار، فلا يُحتمل انهم تركوا التربية ولا يُحتمل أنها لم تؤثر.
فإن قلت: فكيف بأبي السرايا وجعفر وغيرهم من القلائل المنحرفين؟
قلنا: يُجاب بأكثر من جواب:
الجواب الأول: هذا مما دلَّ الدليل على خبث النفس ووجود المانع من قبول التربية، على أن جعفر وردت توبته وورد النصّ على قبولها، ولذا يُسمى جعفر ــــــ[152]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
التوّاب بدل الكذّاب(1).
الجواب الثاني: أننا لو تنزلنا عن سائر الأئمة لا نستطيع أن نتنزل عن الحسن والحسين اللذَين هما خير من الباقين، فإن تصورنا أن بعضهم فشلت تربيتهم وحاشاهم فإننا لا نستطيع أن نتصور ذلك في الحسن والحسين.
الجواب الثالث: أننا سمعنا ما سبق من مسلكهم في الصيانة المكثفة لنسائهم فكيف تستطيع بعض النساء أن تكون كذلك يعني ضد هذه الصيانة، إلا أن تبيع دينها وشرفها بأبخس الأثمان وتُفتَضح، ولوصل خبرها إلى المصادر الشيعية فضلاً عن المصادر السُنّية، مع أنه لم يصل.
7- (من الأجوبة الرئيسية): أننا نتساءل هل إن ذلك كان في حياة أبيها الحسين أو بعدها أو في كِلا الحالين؟
ونقول: إنه لا يحتمل ذلك في كِلا الحالين، وإن كان سياق كلامهم إنه كان بعده، ونحن نتكلم على كِلا التقديرين.
أما في حياة أبيها وإشرافه ومراقبته فهو غير محتمل، لأنه لو فرضنا حصول شيء من ذلك، فسوف تواجه بمنع صارم لا محالة.
وأما بعده فالنساء قضت كل أعمارهن تقريباً بل تحقيقاً بالبكاء والنوح على واقعة الطف وشهدائها، فالسيدة سَكينة هل كانت مع الباكيات أو بدونهن؟ إن كانت مع الباكيات كما هو الأمر الواقع فلا معنى لأن تكون باكية ومزّاحة في عين الوقت. وإن لم تكن معهن يعني كانت هي مزّاحة وأخواتها وعماتها وغيرهن
ــــــ[153]ـــــــ
( ) أنظر: الأعلام للزركلي, ج2, ص340.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
باكيات، فهذا هو العار نفسه، وإسقاط المصلحة الدينية الخاصة والعامة التي كان يعرفها الجميع من أسرتها في وجوب إعلان مصيبة الحسين ومظلوميته في المجتمع ومعارضة الدولة القاتلة له بذلك.
8- أن الأئمة كانوا معها طول حياتها، علي والحسن والحسين وزين العابدين والباقر وربما طال العمر بها إلى زمن إمامة الإمام الصادق، ولا شك أن الأئمة كلهم كان لهم اهتمام خاص بصيانة أسرهم وكثافة الستر في نسائهم فلا يحتمل أن يكون شيئاً ما يفلت بهذه السعة والوضوح وهم لا يعلمونه أو أنهم يعلمونه ويسكتون عنه أو أنهم يعلمون ولا يستطيعون تغييره، كل ذلك غير مُحتمَل لأن الضغط على امرأة منهم ليس مخالفاً للتقية لكي يتركوه.
9- في حدود المصادر المتوفرة من الجماعة لم أستطع أن أجد ذكراً فيما إذا كانت سَكينة حاضرة واقعة الطف أو في السبايا ليكون ذلك قرينة أيضاً على نفي الحال المنسوبة إليها دنيوياً.
إلا أن ابن الجوزي في تذكرة الخواص يقول: «وكان في السبايا الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين وهي أم سَكينة بنت الحسين، وكان الحسين يحبها حباً شديداً وله فيها أشعار منها:
لعمرك إنني لأحبُّ داراً تحلّ بها سَكينة والرباب
أحبهما وأبذل فوق جهدي وليس لعاذلٍ عندي عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً حياتي أو يُغيّبني التراب
ــــــ[154]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فخطبها يزيد والأشراف من قريش(1)، فقالت: والله لا كان لي حمواً آخر بعد ابن رسول الله، وعاشت بعد الحسين سنة ثم ماتت كمداً ولم تستظل بسقف».
فإذا كانت الأم كذلك فكيف يصحّ أن نتصور أن البنت كانت متطرفة إلى الجانب الآخر -لو صح التعبير- وخاصة بعد أن اعتبرت عبرة عظيمة جداً من مقتل أبيها وموت أمها، وجميع ما حدث في الطف من رزايا.
10- إنه في الزيارة الجامعة(2) يقول: “السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ وَمَهْبِطَ الوَحْي وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزَّانَ العِلْمِ وَمُنْتَهى الحِلْمِ وَأصُولَ الكَرَمِ وَقادَةَ الاُمَمِ وَأَوْلِياءِ النِّعَمِ وَعَناصِرَ الأَبْرارِ وَدَعائِمَ الأَخْيارِ وَساسَةَ العِبادِ وَأرْكانَ البِلادِ وَأبْوابَ الإيْمانِ وَأمَناءَ الرَّحْمنِ وَسُلالَةَ النَّبِيِّينَ وَصَفْوَةَ المُرْسَلِينَ وَعتْرَةَ خِيرَةِ رَبِّ العالَمِينَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى أَئِمَّةِ الهُدى وَمَصابِيحِ الدُّجى وَأعْلامِ التُّقى وَذَوِي النُّهى وَأولِي الحِجى وَكَهْفِ الوَرى وَوَرَثَةِ الأنْبِياءِ وَالمَثَلِ الاَعْلى وَالدَّعْوَةِ الحُسْنى وَحُجَجِ اللَّـهِ عَلى أهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرةِ وَالأُولى وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى مَحالِّ مَعْرِفَةِ الله وَمَساكِنِ بَرَكَةِ الله وَمَعادِنِ حِكْمَةِ الله وَحَفَظَةِ سِرِّ الله وَحَمَلَةِ كِتابِ الله وَأوْصِياء نَبِيِّ الله وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ الله وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى الدُّعاةِ إِلى الله وَالأدِلاء عَلى مَرْضاةِ الله وَالمُسْتَقِرِّينَ فِي أمْرِ الله وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ الله وَالمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ الله والمُظْهِرِينَ لأَمْرِ الله وَنَهْيِهِ وَعِبادِهِ المُكْرَمِينَ الَّذِينَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلونَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ”.
ــــــ[155]ـــــــ
( ) يعني الرباب بعد مقتل الحسين، (منه).
(2) من لا يحضره الفقيه, ج2, ص610، عيون أخبار الرضا, ج1, ص305، مستدرك الوسائل, ج10, ص416، المختصر لابن سليمان الحلي, ص119، البحار, ج99, ص127.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومن يكونون هكذا لا يُحتَمل فيهم أن يكون بعض نسائهم هكذا.
11- إن هناك قصة ترويها المصادر القديمة عندهم وعندنا، وهي المرأة التي كانت لا تتكلم إلا بالقرآن، وهي قصة طويلة نسبياً لم أستطع الحصول عليها على عجالة، وفي آخرها أننا سألنا عن هذه المرأة فتبين أنها فضة خادمة علي وفاطمة(1).
وما كانت كذلك إلا لأنها تجد الحديث الاعتيادي محل إشكال ومورد للحرمة والضلال وهي حافظة للقرآن كلّه وذكية في اختيار آياته، فقد فضلت أن تحتاط لنفسها أمام الله سبحانه ولا تتحدث إلا بالقرآن.
-ومحل الشاهد- إنها إنما كانت كذلك باعتبار تربيتها في الدار المقدسة التي كان فيها المعصومون، وهي طارئة من خارجها وليست من النسب الشريف.
ومن ذلك ما روي أن الإمام زين العابدين كان يشتري العبيد ويبقيهم عنده سنة ثم يعتقهم ويعطيهم مالاً ليعيشوا به(2)، والمهم أنهم خلال مدة السنة يحملون من الفقه والورع من الإمام وأسرته ما الله أعلم به.
وكذلك ما ورد: من أن السجانين للإمام الكاظم، كان الفرد منهم يُعاشره أياماً قليلة فيُصبح متهجداً عابداً زاهداً(1)، حتى أنهم أرسلوا له امرأة خليعة لكي
ــــــ[156]ـــــــ
( ) أنظر: مناقب آل أبي طالب, ج3, ص121، البحار, ج43, ص86.
(2) أنظر: البحار, ج46, ص103، وسائل الشيعة, ج10, ص317، إقبال الأعمال لابن طاووس, ج1, ص443.
(3) أنظر: البحار, ج48, ص241، الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي, ص460.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
تخدمه وتُغويه فأصبحت أيضاً زاهدة عابدة(1)، فإذا كان الحال في الأفراد العاديين حصول الهداية لهم بشيء قليل من معاشرة الأئمة فكيف برجالهم ونسائهم وأطفالهم وتحت تربيتهم وتركيزهم.
12- أننا نستطيع أن نفهم الشعر المنسوب إلى الحسين والموجود في مصادرهم فَهماً معنوياً بعد أن نكون برَّأنا ساحة الحسين عن العاطفة الدنيوية والأسرية، وإن كل مؤمن وخاصةً المعصوم إنما يحب في الله ويبغض في الله، ولا يحتمل فيه غير ذلك، وهو يقول:
أحبهما وأبذل كل جهدي وليس لعاتب عندي عتاب
ولا يحتمل أنه (سلام الله عليه) أن يُحب في الله امرأة تعمل المحرمات وتعاشر الرجال المغنين، وتكون مزّاحة غير شاعرة بمصالح المجتمع ومصالح أهل البيت وهي مصلحة أبيها وذويها وليست بعيدة عنها.
13- إننا بعد التنزل عن كل الوجوه السابقة، لو فرضنا هذه السيدة العظيمة حرة في تصرفها وغير منصاعة لتعاليم أبيها وتعاليم أسرتها، ومن الصعب السيطرة عليها -كما عبّر بعضهم- وقد مارست هذه الأمور المنسوبة إليها فعلاً.
إذن سنتوقع بكل تأكيد وجود ردّ فعل مضاد لها، وإعلام للناس واضح إن هذه المرأة عاصية ومنحرفة وإننا من أعمالها بُرءاء، لا أنهم يسكتون عنها بالرغم من تصرفها الفاضح وفعلها الشائن وارتكابها للمحرمات على ما هو المروي. فإن سكوتهم غير محتمل فإنه ليس موافقاً للتقية وليس فيه مصلحة ثانوية وخاصة وهي
ــــــ[157]ـــــــ
( ) راجع البحار, ج48, ص238، مناقب آل أبي طالب, ج3, ص415.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
من أسرتهم ولا يُخاف جانبها عليهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، مع العلم أن ردّ الفعل بالنسبة إلى كثير من حوادث المجتمع موجود خلال تاريخ المعصومين فكيف لا يكون ردّ الفعل موجوداً بالنسبة إلى هذه السيدة؟ لو كانت قد صدرت منها هذه الأعمال والأقوال، وحيث أن ردّ الفعل غير موجود قطعاً ولم يرد إلينا ولا بمصدر ضعيف في كل مصادر المسلمين، إذن يتعيّن أن تكون هذه الأمور غير صادرة عنها وأنها مكذوب عليها.
14- إننا لو تنزلنا عن كل الوجوه السابقة ولن نتنزل، ولكننا في مرحلة من التفكير لو تنزلنا، فإنما نستطيع أن ننسب إليها الأمور التي توافق القواعد الشرعية وننفي عنها ما تُخالفها.
أولاً: مسألة الحجاب وأن لا يراها الرجال وإن سمعوا صوتها، وهذا منصوص في بعض الكتب، كالذي سمعناه عن كحالة: «بأنها جلست حيث تراهم ولا يرونها».
ولكن يخالفه ما روي في بعض كتبهم(1) من أنها كانت تصفف شعرها بشكل معين حتى قيل: الطُرَّة السكينية. وظاهر السياق أنها كانت تبرز أمام الرجال سافرة بهذا الشكل، وهو مستحيل أو ما هو بمنزلة المستحيل.
ثانياً: تجنبها الغناء. فإننا إن تنزلنا وقَبِلنا رغبتها بالشعر، فلن نستطيع أن نقبل برغبتها بالغناء، فإنه محرم في الشريعة عند كل أهل المذاهب وخاصة ما يميل به إلى الجنس والمجون.
ولكننا ينبغي أن نلتفت إلى أن الغناء إنما يكون غناء حقيقةً وعرفاً إذا قرئ أو
ــــــ[158]ـــــــ
( ) الأعلام للزركلي, ج3, ص106.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أدي على طريقته الخاصة بالترجيع ونحوه، وأما وجوده اللفظي المكتوب أو المقروء بدون ترجيع فليس غناء، وإنما هو شعر اعتيادي، وخاصة في ذلك العصر كانوا يلتزمون الغناء الفصيح ولم يكن للغات الدارجة العامية أثر.
المهم: إن أبيات الشعر الغنائية ليست غناء، وإنما هي شعر وناظمها شاعر وليس بمغني، وإنما المغني هو من يؤديها على الطريقة سواء هو الذي نظمها أو غيره.
إذن فمن الممكن كأطروحة: إنهم حين قالوا: إنها تجتمع بالشعراء والمغنّين، يريدون من المغنين الشعراء الذي ينظمون الأشعار الغنائية، كابن سريج والنُصَيب، ويريدون من الشعراء مَن لا يكون في شعره ذلك كجرير والفرزدق، ولا يُراد أنها كانت تحضر فعلاً الأداء الغنائي، فإنه محرم في الشريعة ولا يحتمل صدوره منها.
ثالثاً: إنها تجتمع بالرجال والنساء وتنبسط معهم في الكلام وتقبل منهم اتجاهاتهم ورغباتهم وأذواقهم، ليس من أجل الدنيا كما يظهره سياق كلام هذه المصادر بل من أجل هدايتهم بشكلٍ وآخر قليلاً أو كثيراً، لعل كلمة من الحكمة أو بيت فيه عِبرة أو موعظة فيها هداية تؤثر في بعض القلوب الساهية وفي بعض الأذهان الخاوية والعقول اللاهية.
وكلما كان الفرد أكثر غفلة وأقل اهتماماً بالدين كان أحوج إلى التنبيه والإلتفات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخاصةً وأن هذه الطبقة من الناس ليسوا ملحدين بل يدّعون الإسلام والالتزام، ففي الإمكان أخذهم من حيث يدّعون وهدايتهم من حيث لا يشعرون.
ــــــ[159]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مضافاً إلى مصلحة ثانوية أخرى أغفلتها المصادر وهي إن هذه الطبقات التي كانت تتصل بها وتتصل بهم، إذا لم يحصل هناك من يُرحب بهم ويحتضنهم من هذا الجانب وهي الأسرة العلوية فسوف يكونون متمحضين في ذلك الجانب الفاسق الكافر، وستكون كل علاقاتهم مشبوهة، فمن الراجح -في حدود هذه الأطروحة- أن يكون بعض أهل بيت النبوة مَنْ يُرحب بهم ويحتضنهم ويتجاوب معهم ويفتح لهم قلبه ولسانه، لكي يكون للمجتمع علاقات من كِلا السنخين بدلاً من تمحضها بالجانب الآخر، وبطبيعة الحال فإن مورد الكلام هو ذلك, أعني أن السيدة سكينة هي علوية وبنت الحسين مباشرة وإمامية المذهب بطبيعة الحال، وإن كانت المصادر العامة تريد إعطاء انطباع آخر عن مذهبها بدون صراحة.
وهذا معناه: أنها -في حدود هذه الأطروحة- قد استقبلت هذه الطبقات من مختلف المذاهب والأهواء، وإنما تستطيع ذلك إذا سكتت عن المناقشات المذهبية والتعصبات العاطفية بمقدار ما تجد فيه المصلحة، فيكون من الراجح في حدود هذه الأطروحة أن يتصلوا بامرأة شيعية علوية مشهورة، ويحسنوا بها الظن [ويعتمدوها] فإن ذلك من نفعهم في الدنيا والآخرة. بدلاً عن أن يتمحض اتصالهم بأطراف أخرى مشبوهة ومعروفة.
وخاصة مع الالتفات إلى صعوبة اتصالهم بالمعصومين مباشرةً من عدّة جهات:
1- لاختلاف المذهب.
2- لاختلاف المسلك.
ــــــ[160]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
3- لتهيّبهم لهم.
4- ربما لا يجد هؤلاء رغبة من قِبل المعصومين في زيارتهم.
5- أن المعصومين لم يكونوا يتجابون مع وجدانهم الغنائي والدنيوي ولا ينبسطون معهم في الكلام فيحتاجون إلى مثل ذلك.
وقد وجدوا في هذه السيدة الجليلة المضحية المجاهدة ضالتهم المنشودة، بناءً على هذه الأطروحة.
ثمَّ إنه ذكر بعض الأعزة إشكالين أذكرهما مع جوابهما:
الإشكال الأول: أن يُقال: إن السجاد أوكلها إلى زوجها مصعب بن الزبير ولم يناقش في تصرفاتها لأنها متزوجة وزوجها أولى بها.
وجواب ذلك من وجوه:
أولاً: أنه إذا كان قد بلغ الحال بها حدّ الفضيحة كما هو مقتضى هذه الأمور المروية، كان لا بد للسجاد من منعها وإلّا سرى الأمر إليه نفسه ومن ثم إلى الدين.
ثانياً: إنه إن لم يستطع أن يكفها عن عملها فلا أقل أن يُعلن البراءة منها ومن عملها.
ثالثاً: أنه لم يرَ في عملها شيئاً شائناً ومخالفاً للدين لكي ينهى عنه.
رابعاً: أنه إنما لم يرد عنه النهي لأن كل هذه الأقاويل كاذبة عنها.
الإشكال الثاني: إن استماعها إلى المغنين يكون إعانة على الإثم وهو حرام، وهذا إنما يصح بعد التنزل عن الجهات التي تقتضي نفي الأمر أصلاً، فإن تنزلنا وقبلناه في
ــــــ[161]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الجملة. كان الجواب الرئيسي عندئذٍ: هو إنها تقصد هدايتهم وإسماعهم كلمة الحق ولا أقل أنهم يصبحون متصلين بالأسرة العلوية المطهرة ويكون فيها من يستقبلهم ويتجاوب معهم.
فإن قُلتَ: كيف وهي تعلم أنهم مغنون؟
قُلنا: نعم، وإن كثيراً من أمور الدنيا بل كلها قابلة للحمل على معنيين: إلهي وشيطاني، وهذا منها، وكل واحدٍ يُحشر على نيّته كما ورد(1)، فإذا استطعنا أن نَحمِل هذه السيدة العظيمة على حُسن النيّة واستهداف مرضاة الله تعالى كفى في أن لا يكون هدفها الإعانة على الإثم بل تخليصهم من الإثم وهذا يكفي(2).
ــــــ[162]ـــــــ
( ) أنظر: المقنع للشيخ الصدوق, ص364، رسائل الشهيد الثاني, ص109، كتاب الغيبة للنعماني, ص16.
(2) لا يخفى أن هذا المستوى من الكلام بناءً على أن آخر العلاج الكي، فالأجوبة السابقة التي نفت حصول مثل هذه الأفعال كافية ووافية، ولكن مع حصول العناد والإصرار من الخصم على أنها حصلت فعلاً، فتأتي هذه الأجوبة قطعاً للنزاع وحملاً لها على الصحة حتى مع فرض حصول شيء من ذلك.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الفقهاء والعلماء بالحسين
الآن نتعرض إلى علاقة الفقهاء والعلماء بالحسين جيلاً بعد جيل، ونتعرض تحت هذا العنوان إلى المفاهيم والأحكام التي يمكن ان تُستنتج من حركة الحسين وثورته ومقتله في واقعة الطف، وهي أحكام ليست بالكثيرة، وإنما أهمهما حكمان: أحدهما عقائدي، والآخر فقهي.
المفاهيم والأحكام التي يمكن ان تُستنتج من حركة الحسين
أما الحكم العقائدي
فهو يتكون من فقرتين إحداهما إيجابية والأخرى سلبية.
أما الفقرة الإيجابية: فإن الدين يستحق, أو بتعبير آخر: أن طاعة الله سبحانه وتعالى تستحق أن يقدّم لها كل هذه الأمور مهما عظمت أهميتها وقدسيتها من مال وجهد ونفس ونفيس ونساء وأطفال ورجال وشيب وشبان على ما حدث فعلاً في حادثة الطف.
فإذا عطفنا على ذلك قول زينب الكبرى: “اللهم تقبل منا هذا القربان
ــــــ[163]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
القليل”(1)، على ما في بعض الروايات من وجود صفة (القليل) تعرف المستوى الذي يدركونه من أهمية العظمة الإلهية، بحيث تكون حادثة الطف بكل تفاصيلها وبأعلى أثمانها وهو تقبل الحسين لنفسه كمعصوم وكإمام مفترض الطاعة يكون قليلاً تجاه تلك العظمة اللامتناهية وذلك النور الأزلي القديم.
ولو حذفنا صفة القليل أمكن تفسيرها بتفسير آخر: وهو إنهم يدركون تدني شأنهم عن عظمة الله عزَّ وجل إلى حد من المحتمل أن لا يلتفت الله إليهم -لو صح التعبير- ولا يتقبل منهم أعمالهم ولا يهتم بشأنهم.
فإنهم -حسب الفكرة- من الضآلة بحيث لا يستحقون الالتفات والقبول، ولذا تضع زينب يديها تحت القربان المقدس لكي تقدمه تقديماً حسناً أمام الله سبحانه طامعةً برحمته الواسعة في أن يتقبل هذا القربان برحمته لا بالاستحقاق، وتدعو بذلك: “اللهم تقبل منا هذا القربان”، وكما ورد في بعض الأدعية: “اللهم افعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله”(1).
وهذا معناه بوضوح أنه ليس هناك أي إعجاب بالعمل أو أي شعور بأهميته، بالرغم من أهميته وإنما هو -حسب الفكرة- تقديم قليل وضئيل ومستحق للرفض من قِبَل عظمة الله اللامتناهية. وقد ورد أنه: “لا ينجي إلا عمل مع رحمة”(2). أما ــــــ[164]ـــــــ
( ) الكبريت الأحمر, ج3, ص13, نقلاً عن مقتل المقرم, ص307.
(2) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي, ص420.
(3) وهو مقطع من خطبة لرسول الله والتي ورد فيها: “معاشر الناس، قد حان مني خفوف من بين أظهركم، فمن كان له عندي عدة فليأتني أعطه إياه، ومن كان له عليَّ دين فليخبرني به.=
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
العمل وحده بدون رحمة تجعله مقبولاً مبروراً، فليس من المنجيات.
إلا أن الفكرة الأخرى أيضاً صحيحة، وهو إننا نجد أن الله سبحانه يقبل الطاعات عن عباده مهما كانت قليلة وضئيلة، حتى قال بعض العارفين: إنك لو نقلت هذه القشة من هنا -من أجله- إلى هنا لما نسيها الله تعالى لك ولجزاك الله عليها خيراً، وذلك لمدى الرحمة الواسعة اللانهائية التي تجعل الأمر مع شيء من الإخلاص بمنزلة الضروري، واليأس من رحمة الله تعالى حرام حقيقي، فلذا يطمع في رحمته أكثر العصاة والكفار حتى إبليس(1)، وباب التوبة مفتوح طول العمر مهما كان الإنسان متطرّفاً في الكفر أو في الفسق والفجور.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يكون موقف زينب هكذا، كأنها تشك في قبول العمل مع أن الرحمة الشاملة توجب اليقين بالقبول؟
قلنا: هذا من توفيق الله سبحانه لها، حيث يجعل في ذهنها الحال الذي يقتضي ذلك، وذلك لنفي العُجب بالعمل والاعتداد بالنفس، الأمر الذي يسقط به العمل حتماً أمام الله سبحانه، فإذا انتفى العُجب حقيقة حصل الشعور بالضآلة حقيقةً، وأما
ــــــ[165]ـــــــ
=معاشر الناس، ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيراً أو يصرف به عنه شراً إلا العمل. أيها الناس، لا يدّعي مُدعٍ ولا يتمنى مُتَمنٍّ، والذي بعثني بالحق لا ينجي إلا عمل مع رحمة ولو عصيت لهويت، اللهم هل بلّغت؟”. الإرشاد للمفيد, ج1, ص182، البحار, ج22, ص467، إعلام الورى للطبرسي, ج1, ص264.
( ) روي عن الإمام الصادق انه قال: “إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك تعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته” الأمالي للشيخ الصدوق, ص274، بحار الأنوار, ج7, ص287.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إذا حصل ذلك حصل الشعور بعدم الاستحقاق الذاتي للقبول.
إذن, فالملاحظ هنا من قِبَلها (سلام الله عليها) هو نفي الاستحقاق الذاتي للعمل، لا الرحمة الواسعة، وإنما الرحمة مثبتة في نظرها لوضوح أنها ترجوها فعامل القبول طبقاً لها، لكي يقترن العمل بالرحمة فيكون منتجاً.
فهذه فكرة عن الجانب الإيجابي عن حركة الحسين.
وأما الجانب السلبي: فهو عدم إعطاء قيمة عليا لأي عمل ديني أو دنيوي تجاه القياس بحركة الحسين مهما عظم وجلّ سواء كان من سنخه أو من سنخٍ آخر يكون في نفع الدين ومصلحته.
أو قل بتعبيرٍ آخر: إنه إذا كان الاستحقاق الذاتي للعمل تجاه الله سبحانه أخلاقياً غير موجود حتى في واقعة الطف، فكيف يكون موجوداً فيما هو أهون منه وأدون.
أو بتعبير آخر: أن العُجب حيث إنه غير موجود وغير جائز بهذا العمل العظيم الذي لعله أعظم أعمال المعصومين فكيف يحصل العُجب أو يجوز بالنسبة إلى غيره.
وقد قال بعض أهل المعرفة: إذا قال الخالق للمخلوق أعطني شيئاً منك. فغاية ما يستطيع المخلوق أن يقول في جوابه: أعطيك نفسي. فيجيب الخالق: نفسك أنا وهبتها لك، فأعطني شيئاً آخر منك بحيث لا يكون متعلقاً بي ولا هبةً مني. فينقطع كلام العبد.
ــــــ[166]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وهنا ينتج إن التضحيات مهما جلّت ليست شيئاً معتداً به أو قابلاً للذكر أمام الله سبحانه، فضلاً عن التضحيات البسيطة والاحتمالات الضعيفة بما قد يشعر به الفرد في حياته الاعتيادية من التضحية لله سبحانه وتعالى، ولذا قال الشاعر:
أنستْ رزاياكم رزايانا التي سلفت وهوّنت الرزايا الآتية
فمهما كانت التضحية عظيمة بالنفس والنفيس كشهادة الشهيد الأول والشهيد الثاني وهدم قبور المعصومين في البقيع وغير ذلك، فإنها لا تقاس بعظمة الحسين فضلاً عن عظمة الله سبحانه، بل حتى عمل الإمام المهدي بعد ظهوره سوف لن يكتسب الأهمية ذاتها، وقد قال بعض أهل المعرفة: إن أصحاب الحسين أفضل من أهل بدر وأصحاب المهدي، لأن هؤلاء أقبلوا على الموت عالمين به يقيناً، وغيرهم ليس كذلك بل كان احتمال النجاة موجوداً.
فهذه فكرة كافية نسبياً عن الحكم العقائدي وهو الأول مما يمكن أن تستنتجه من واقعة الطف.
أما الحكم الفقهي
إنه قد يُقال بأننا نستطيع أن نستنتج من حركة الحسين حكماً عاماً، وهو ارتفاع حكم التقية وجواز القيام بمثل ذلك لكل أحد ممن يتيسر له ذلك، باعتبار إن عمل الحسين من السنّة القطعية وهي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، فيكون حجة على كل المسلمين بل البشر أجمعين.
ــــــ[167]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومثل ذلك قد يُقال: إن شخصاً ما إذا قدّم لك السم لكي تتناوله فإنه يجوز لك أن تأخذه وتشربه، لأن عدداً من المعصومين فعل ذلك ومجموع المنقول عن ذلك بمنزلة التواتر، فيكون من السنّة القطعية بحيث لا يحتاج إلى الفحص عن السند والدلالة.
وجواب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: أننا إنما نستطيع أن نعتبر العمل حجة عامة للجميع فإذا استطعنا أن نجرده عن خصوصية الشخصية أو قل أن نفهم أن الإمام إنما فعله أو قاله بصفته واحداً من المسلمين أو لتعليم سائر المسلمين بالقيام به فعندئذٍ يكون وظيفة عامة لهم جميعاً.
وأما مع الاختصاص أو قل احتمال الاختصاص، فليس الأمر كذلك. والاحتمال دافع للاستدلال، فلا نستطيع أن نستنتج عموم التكاليف.
والصغرى لهذه القاعدة محرزة في بعض أعمالهم (سلام الله عليهم)، لأننا نحتمل أن بعض ما قاموا به إنما هو تكليف خاص بهم، إما لأنه يخصّ الإمام شخصياً أو يخصّ طبقة المعصومين بالذات -لو صح التعبير- ولا يتعداهم إلى من سواهم، وهم أعلم بما فعلوا، ولا بد من حملهم على الصحة بكل صورة، وأما الاقتداء بهم من تلك النواحي، فلا يصلح ذلك للاستدلال الفقهي به لدخول الاحتمال المبطل للاستدلال.
المستوى الثاني: أننا لو تنزلنا عن المستوى الأول فيمكن القول أيضاً بعدم إمكان
ــــــ[168]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
التجريد عن الخصوصية وتعميم الحكم، باعتبار أن لأعمالهم مصالح معينة هم يدركونها, أو قل موضوعات معينة بالاصطلاح الفقهي هم يعرفونها, فإذا تحقق ذلك الموضوع في أي مكان أو زمان أمكن الاقتداء بأعمالهم فيه جوازاً أو وجوباً، ولكن إحراز تحقق الموضوع أو المصلحة مُشكِل، وخاصة بعد الالتفات إلى احتمال أنهم يدركون من تفاصيله ما لا ندرك، ولم يعطونا عن ذلك أمراً معتداً به من الإيضاح لنعمل عليه، فيكون هذا الأمر ساقطاً عن ذممنا، ومورداً للقواعد العامة الشرعية الأخرى أو الأصول العملية.
المستوى الثالث: أننا نعرف اختلاف ردود الفعل من قِبَل الأئمة تجاه المظالم التي كانت تحصل في زمنهم فالنبي وأمير المؤمنين والحسين كانوا محاربين وباقي المعصومين كانوا مسالمين أو قل كانوا عاملين بالتقية والهدنة ومنتظرين أمر الله سبحانه بالفرج كما قيل: “ودولتنا في آخر الدهر تظهر”.
فمع وجود هذا الاختلاف في ردود الفعل، والمفروض أن كليهما حجة وسنّة، فإي منهما نتبع ومنهج مَن نُطبق؟ ولا يمكن تطبيق كِلا المنهجين لأننا سنقع عندئذٍ في تهافت.
إذن, فمثل هذه السنّة ستتعارض من حيث دلالتها على العموم وتتساقط وعندئذٍ تنتفي دلالتها على العموم, أي شمول التكليف للغير، ويبقى مورد التكليف مشمولاً للقواعد العامة أو الأصول العملية.
المستوى الرابع: أن مقتضى إطلاقات أدلة التقية هو وجوبها على كل حال، ما
ــــــ[169]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
دام موضوعها باقياً وهو قوة الظلم والظالمين في العالم.
أما بعنوان جواز الفرار من الزحف إذا كان المعسكر المعادي أكثر من الضعف من جيش المسلمين، وإما بعنوان عدم احتمال التأثير احتمالاً معتداً به وإنما فقط نخسر شيئاً من النفوس والأموال بدون مقابل.
مع الالتفات إلى أن المسلك العام للمعصومين كان على التقية بلا شك، سوى هذه الحوادث المستثناة، حتى إن أمير المؤمنين جلس في داره عشرين سنة وقال: “فأجريتها على ما أجريا”(1)، وكذلك ردّ على طلب الزهراء (سلام الله عليها) حين قالت له كما هو مروي: “يا بن أبي طالب اشتملت شملة الجنين وجلست حجرة الظنين… الخ”. ولم يحرك ساكناً في ذلك الحين إلى الوقت الذي وجد فيه المصلحة لوقوع الحرب.
والحسين أيضاً كان في تقية قبل واقعة الطف، ومن دلائل ذلك: إن والي المدينة المنورة حين طلب منه البيعة ليزيد لم يرفض بصراحة، وإنما طلب منه المهلة إلى غد ليجتمع الناس وقال: “سنصبح وتصبحون”(2).
وكذلك انتظاره إلى أن وصل إليه من الكوفيين اثنا عشر ألف كتاب وكان يمكنه الاكتفاء بالأقل، فإن عشرة أو عشرين كافٍ في ذلك، ونحن نعلم أن خبر الثقة الواحد كافٍ في الشبهات الموضوعية وهذا منها.
ــــــ[170]ـــــــ
( ) مقطع من زيارة أمير المؤمنين يوم الغدير.
(2) حيث قال: “نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة والبيعة” مثير الأحزان, ص14، البحار, ج44, ص325، اللهوف لابن طاووس, ص17.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وكذلك إرساله لمسلم بن عقيل للفحص في الكوفة وعدم مبادرته للذهاب إليها بنفسه، فإنه لمزيد الحرص والتأكد والتجنب من التورط في الدم، مع علمه أنها كانت في ذلك الحين مخلصة له ومتجهة إليه، وذلك قبل أن يصرفها عبيد الله بن زياد عن همتها ويغيّر اتجاهها.
وكذلك خطبته الأولى(1) في الطف أمام معسكر الأعداء وهو يعلم أنهم قاتلوه على كل حال، وذلك لأمرين: أحدهما مرتبط بهم والآخر مرتبط به.
أما الأمر المرتبط بهم: فهو حصول أحد أمرين: إما هدايتهم إذا تابوا، أو إقامة الحجة عليهم إذا أصرّوا.
وأما الأمر المربوط به: فهو ما أسميه بالتقية أو درجة منها، يعني التجنب عن التورط في الدماء مهما أمكن.
ولكنه حينما رأى منهم الإعراض عن الحق والإصرار على الباطل خطبهم خطبته الثانية، وهي تختلف اختلافاً جذرياً عن الأولى وتعتبر بمنزلة إعلان الحرب أمامهم، لأنه يصفهم بها بكل عظيمة.
ــــــ[171]ـــــــ
( ) وقد ورد فيها: “ايها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما هو لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تُعطوا النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّـهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ” (الأعراف: 196). مقتل الحسين لأبي مخنف, ص116، تاريخ الطبري, ج4, ص322.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يقول فيها: “ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلِم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئيّ السّنَن.
ويحكم، أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون، أجل والله غدر فيكم قديم وشِجَت عليه أُصولكم وتأزّرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة شجى للناظر وأكلة للغاصب.
ألا وإنّ الدّعيّ(1) بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين بين السّلة(2) والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت، واُنوف حميّة ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”(3).
وبذلك يكون قد رفع حكم التقية وآذن بالحرب.
ــــــ[172]ـــــــ
( ) الدعي: المتهم في نسبه والذي يدّعي غير أبيه, أقرب الموارد, ج1, ص373, مجمع البحرين, ج1, ص144 (بتصرف).
(2) السِلّة: سل الشيء من الشيء سلا: انتزعه واخرجه في رفق، كسل السيف من الغمد. أقرب الموارد, ج1, ص535, مجمع البحرين, ج5, ص398 (بتصرف).
(3) مثير الأحزان, ص40، البحار, ج45, ص83، اللهوف لابن طاووس, ص59.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الإمام المهدي بعد ظهوره بالحسين.
وأما علاقة الإمام المهدي بعد ظهوره بالحسين. وهما معاً من الأئمة الاثني عشر (سلام الله عليهم) المعصومين بالذات ومفترضي الطاعة ومن أصحاب الولاية العامة التكوينية والتشريعية على الكون عامة والبشر خاصة، ومنه ما ورد عن الإمام المهدي من: “إن نفعه حال غيبته كالشمس إذا حجبها السحاب”(1). فهو يمثّل نفسه بالشمس والغيبة بالسحاب، وهو سحاب متحرك سرعان ما يزول وتطلع الشمس ويعرفها الناس أجمعين، ويمثّل نفعه وتأثيره في أداء المسؤولية بتأثير الشمس في الأرض، ولولاها لما وِجِدَ نهار، وليس هذا فقط بل لما عاش إنسانٌ ولا حيوان ولا نبات على وجه الأرض، فهي (معه) في اصطلاح الفلسفة لابتداء وجود هذه الأمور لاستمرارها، وكذلك هو (معه) لأصل وجود ذواتهم بالولاية التكوينية ولتدبير أمورهم بالولاية التشريعية، وكِلاهما لديه كما هي لدى آبائه (سلام الله عليهم).
ــــــ[173]ـــــــ
( ) فقد ورد عنه: “وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب”. كمال الدين للشيخ الصدوق, ص485، الغيبة للشيخ الطوسي, ص292، الاحتجاج للطبرسي, ج2, ص284، الخرائج والجرائح, ج3, ص1115، البحار, ج52, ص92، كشف الغمة, ج3, ص340.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وقد ورد(1) أنه يطأ فرشهم ويحضر مواسمهم، حتى ما إذا ظهر قال البعض إني قد رأيته قبلاً، يعني رأيته ولم أعرف أنه المهدي، ولو كان قد عرفه إنه المهدي لما قال هذا الكلام.
وظاهر بعض الروايات(2) أنه يزور قبور المعصومين ويحج في كل سنة بطيِّ الأرض ويحضر في مسجد السهلة والكوفة والقدس، كما أنه يحضر المواسم يعني المناسبات العامة للمواليد.. يعني المجالس التي تقام لذكر آبائه بما فيها مجالس الحسين، ويستشهد لذلك برواية وردت عن الإمام الصادق يقول فيها -ما مضمونه-: إني كنت حاضراً ذلك المجلس(3) فيتعجب الراوي ويقول ما رأيتك يا بن رسول الله، فيجيب الإمام: “ألم تعثر بثوب أبيض حين خروجك من المجلس؟” فقال: “نعم”. قال: “هو ثوبي”.
إلا أن الذي ينبغي أن نلتفت إليه: هو أن الارتكاز المتشرعي يقتضي أنه يحضر المجالس التي تقام للمناسبات الدينية.
وأما أنا فأقول: إنه يحضر المجالس المخلصة فقط دون سواها، فما كان فيها من الشرك الخفي تركه لا محالة، كحب الدنيا والسمعة والمال ونحو ذلك، وما أقل ذلك على أي حال.
كما أنه (سلام الله عليه) لا ينقذ كل متورط بل خصوص من يُخلص في دعائه
ــــــ[174]ـــــــ
( ) أنظر: البحار, ج52, ص154.
(2) أنظر: نحوه في البحار, ج52, ص156.
(3) الذي يتحدث عنه الراوي، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وندائه، وأما الذي لا يخلص أو الذي لا يدعو فلا إنقاذ له، ومن هنا نجد الروايات في إنقاذ المتورطين قليلة نسبياً إلا أنها موجودة بالعشرات، انظروا المصادر بعنوان: (من رآه في غيبته الكبرى).
والحضور المتصور له في المناسبات وغيرها يمكن على ثلاثة أشكال غير متكاذبة, يعني في الإمكان تحققها جميعاً خلال الزمان كل واحد حسب استحقاقه:
الشكل الأول: الحضور الروحي فقط، ومحصله هو الحب العقلي والميل النفسي لما يقع، وبطبيعة الحال فهم يميلون إلى طاعة الله تعالى وكل من يقوم بها، إذن فهم يكونون معه بشكلٍ وآخر.
وأنا سمعت عدّة مرات من عدد من الخطباء يقسم أن الزهراء حاضرة في هذا المجلس، يُشير إلى المجلس الذي يتحدث فيه أو يقول: أنا أعتقد أنها حاضرة. وأما أنا فأعتقد أنه يتزلف بذلك لصاحب المجلس, وإلا فالمعصومين لا يحضرون إلا مع الإخلاص الكامل. وهل أحرز الإخلاص الكامل لدى صاحب المجلس؟
والمهم الآن أن نلتفت إلى أن الزهراء إنما تحضر بالحضور الروحي لا بالحضور الجسدي، ولذا يتصورها المتشرعة تنزل من عليائها من فوق لا أنها تدخل من الباب كما يدخل الآخرون.
فهنا قد يكون حضور المهدي روحياً كحضور الزهراء.
وأما الشكلين التاليين فيحتاجان إلى مقدمة، وحاصلها: أننا قلنا في (تاريخ
ــــــ[175]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الغيبة الكبرى)(1) إن الغيبة يمكن أن تكون على نوعين غير متنافيين، يعني يمكن الجمع بينهما، خفاء الشخص وخفاء العنوان، ونريد بخفاء الشخص أنه يكون حاضراً غير مرئي, ونريد بخفاء العنوان أن يكون ظاهراً مرئياً، ولكنه بصفة أخرى مثل الحاج سعيد الخياط -مثلاً-، ولا نعلم أنه المهدي.
الشكل الثاني: فشكل حضوره أيضاً يمكن أن يكون بنحو أطروحة خفاء الشخص، يعني يدخل المجلس وهو غير مرئي، وهذا غير الحضور الروحي الذي تحدثنا عنه.
الشكل الثالث: كما يمكن أن يكون بنحو أطروحة خفاء العنوان فأنت تقول: جاءني الحاج سعيد الخياط، الذي لا تعلم أنه المهدي.
وكذلك بأحد هذين الأطروحتين والأسلوبين يمكن أن يحضر سائر المناسبات وزيارات قبور آبائه والحج وغيره. كما يمكنه أن يقوم بسائر أعماله المتعلقة بمسؤوليته.
وقد قلنا في المصدر المذكور: إن الأغلب من وضع الإمام حسب ما نفهم هو أطروحة خفاء العنوان، يعني أن يعيش في المجتمع غير معروف الهوية والواقع، ما لم تقتضِ مصلحة غيبته أو ظهوره حصول خفاء الشخص أو أطروحة خفاء الشخص فيختفي لدفع الضرر عنه أو نحو ذلك. وذلك لأجل نظرية عامة قلناها هناك وقد كتبتُ موسوعة الإمام المهدي طبقاً لها, تقول: «إن المعجزة لا تحدث إلا عندما تقتضي مصلحة الهداية ذلك بإذن الله سبحانه».
ــــــ[176]ـــــــ
( ) موسوعة الإمام المهدي, تاريخ الغيبة الكبرى, ص41 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإذا لم تقتضِ المصلحة ذلك فلا حاجة إلى المعجزة، وهذا يترتب عليه نتائج كثيرة جداً، فالنبي حارب بدون معجزة في انتصاره، وكذلك أمير المؤمنين وكذلك الحسين وكذلك المهدي بعد ظهوره.
ومنه أيضاً أطروحة خفاء الشخص لا تحدث إلا بالمعجزة فإن لم يكن هناك مصلحة للمعجزة لم تحدث تلك الأطروحة, وأمكن القول: بأن الإمام المهدي يعيش في المجتمع كفرد عادي, كل ما في الأمر أنه مجهول الصفة أو مجهول العنوان.
إلا أنني بعد ذلك حاولت إعادة النظر في هذه القاعدة العامة، لأنني إنما كنت أعتقد بها لأنني سمعتها من أسلافي لا لقيام الدليل عليها حقيقةً، وهي لها منحى (مادي) إلى حدٍ ما، لأن قائلها يتصور أن الأصل الأهم هو: أن نفرض القوانين الكونية الاعتيادية ولا يمكن نقضها أو إبطالها إلا لحادثٍ مهم أو قل لضرورة، فإذا لم تحصل ضرورة كانت القوانين الكونية هي السارية المفعول، أو قل بلغة علم الأصول: إن الأصل عدم المعجزة عدا ما استثني ولم يستثنَ إلا مورد الهداية الذي هو مورد ضرورة بقاعدة اللطف.
إلا أنني التفت بعد ذلك وقد ذكرت هذا في (اليوم الموعود)(1)، إن القوانين الكونية غير متحققة إلا في الذهن ولا يوجد في الخارج شيء اسمه القانون الكوني وإنما الموجود في الخارج هو الجزئيات فقط, والذهن ينتزع حتى ما نسميه بقانون الجاذبية أو غيره، والصورة الذهنية يستحيل أن تؤثر في الخارج.
ــــــ[177]ـــــــ
( ) موسوعة الإمام المهدي, اليوم الموعود, ص95 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وإنما كل ذلك يحدث حسب إرادة الله تعالى وتأثير العلل العليا الفاعلة المدبرة، وهم (قوانين القوانين) حسب ما عبّر السيد أبو جعفر(1)، فإذا كان المطلب كذلك إذن لا يختلف ما يقع في الخارج بين أن يكون بإدراكنا طبيعياً أو معجزة في كونه بإرادة الله وتأثير العلل العليا.
وقد كنت أقول لبعض طلابي: إن كل شيء يحدث بمعجزة، إلا أننا اعتدنا على بعض الأشياء فحسبناها قوانين طبيعية ولم نعتد على البعض الآخر فحسبناها خرقاً للقوانين.
نعم الهداية من موارد إمكان المعجزة ولعلها ألطف مكانٍ لها، ولذا يقوم الأنبياء والأوصياء بمعاجزهم لإثبات صدق مناصبهم هدايةً للناس إلا أن بين الهداية والمعجزة عموماً من وجه، فقد يكون مورد الهداية بدون معجزة وقد تحدث المعجزة لأمر آخر غير الهداية.
إن قلت: فإن اختفاء الإمام بعد لقائه إنما هو بمعجزة للحماية لا للهداية.
قلنا: بل للحماية والهداية معاً. لأنه هذه الحماية لأجل بقائه إلى يوم الظهور وحصول هداية الناس للحق، مضافاً إلى هداية الشخص الذي يراه بنفسه، مضافاً إلى كونها امتحاناً للموالين وقد ورد: “إن أولياءه لا يشكّون ولو علم إن أولياءه يشكّون ما غيّبه طرفة عين”.
إذن, لماذا لم يستعمل النبي وأمير المؤمنين والحسين والمهدي المعجزة في قتال
ــــــ[178]ـــــــ
( ) السيد محمد باقر الصدر.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أعدائهم؟ ذلك له نظام آخر داخل في نسق التدبير العادل الكامل الذي يدبّر الله تعالى به خلقه وكونه وكثير من فقراته مجهولة لدينا، وهي من الأسرار التي لا يعرفها إلا خاصة الخلق والراسخون في العلم.
والشيء المعروف لدى خاصة المتشرعة ما قاله القرآن الكريم: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(1)، لأجل ذلك لم يكثروا من وجود المعجزة، لكي يكون الإيمان ممحصاً ليُصبح مخلصاً وإلا فالإيمان السهل الساذج لا يكون ممحصاً فلا يمكن أن يكون مخلصاً، فينسد باب التكامل الأعلى.
ومن زاويةٍ أخرى قريبة يمكن أن نقول: إن الأشياء تُعرف بأضدادها. فإذا عاش الفرد الإيمان والعدل ورآه طبيعياً ساذجاً لم يعرف قدره ولا نعمة الله عليه، وإنما المهم أن يقارن حسّياً بين العدل والظلم والصلاح والفساد ليستطيع أن يقول بإخلاص: الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّـهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(2).
إذن, فمن الصحيح أن الأصل هو قلّة المعجزة، وأن الله يريد أن يُري الناس الأشياء سائرة على الطريق الطبيعي الاعتيادي، فمثلاً إذا أراد الله استجابة الدعاء أحدث له سبباً لا أنه يستجيب بالمعجزة وبحسب تعبير السيد(3): «انها تتميّع في الطريق».
ــــــ[179]ـــــــ
( ) الأنفال: 42.
(2) الأعراف: 43.
(3) السيد الشهيد محمد باقر الصدر.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قلت: فإنه يظهر من الكتاب والسنّة أن المعجزات كانت تظهر قبل الإسلام أكثر من حدوثها بعده، مع العلم أن المناسب هو العكس لأننا نعرف ارتفاع شأن قادة الإسلام عن القادة السابقين.
جوابه من وجوه:
أولاً: إنه لا دليل على ذلك، كل ما في الأمر أن المعجزات منقولة عن العصور السابقة على الإسلام، وأما إذا لاحظنا نسبتها إلى الزمان والمكان الذي وقعت خلاله وهو مكان واسع جداً وزمان طويل جداً، لما وجدنا لها نسبة عالية إطلاقاً.
ثانياً: إننا يمكن أن ندّعي بقناعة على أن المعجزات مستمرة الحدوث نسبياً، كل ما في الأمر أننا نتغافل عنها أو نحاول نسيانها أو تفسيرها بالسبب الطبيعي، نعم, المعاجز المعلنة في عصر الإسلام قليلة، إلا أن أصل وجود المعجزة بغض النظر عن إعلانها متوفر.
ثالثاً: إن هناك تعمّداً في الحكمة الإلهية لتقليل المعجزة بعد الإسلام لكي ينال كل شخص استحقاقه، فإذا كانت له قابلية الفسق أو الكفر أو نحو ذلك، لتأخذ طريقها تماماً، فلعله إذا رأى المعاجز الكثيرة أن يتوب أو يؤمن إلا أن المصلحة لا تقتضي ذلك، بل ينبغي أن يؤخذ الإيمان من أي فرد صعباً وببطء وليس سهلاً، كما قال تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(1)، يعني: ولكننا لا نفعل ذلك.
ــــــ[180]ـــــــ
( ) الشعراء 4.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قلت: فإن هذا بنفسه ينطبق على ما قبل الإسلام أو قل ينطبق على البشر أجمعين، فلماذا كانت المعجزات قبل الإسلام أكثر لو قَبِلنا بذلك وتنزلنا عن الوجهين السابقين؟
جوابه:
انه يمكن القول: إن مستوى البشرية كان مختلفاً جداً من حيث إن (الطبع العام) -لو صح التعبير- كان متدنياً، يندرج في ذلك تدني ذكائهم وثقافتهم وضعف نفوسهم ومستوياتهم الروحية والمعنوية، مضافاً إلى تدني دعوة أنبيائهم عن دعوة الإسلام، وتكون النتيجة أنهم بمنزلة السفهاء لو حصل قياسهم إلى البشرية بعد الإسلام فإنهم أكثر وعياً وعقلاً وثقافة وصبراً عموماً, سواء كانوا مسلمين أم لم يكونوا، وهذا من أهم الأسباب التي ندركها لنسخ الشرائع السابقة، لأنها لا تصلح لتربية الأجيال الواعية المتأخرة، وخاصة بعد أن أدت تلك التعاليم وطبقتها في تربية البشرية وانتهت، وأما من بقي على تلك الأديان، فهو جاهل من هذه الناحية، لأنه يتخذ الدين البسيط طريقاً للتربية المعمقة وهو مستحيل، لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون.
وعندئذٍ يمكننا أن ندرك أن التبليغ للسفيه وأضرابه ينبغي أن يكون أوضح وأشد تركيزاً من التبليغ لغيره، ولذا اقتضى ذلك زيادة المعجزات، خذ إليك مثلاً: إن إعلام الطفل أو الأطفال يحتاج إلى كلام أطول وأوضح وإلى وسائل إيضاح ورسومات ونحو ذلك، في حين يكون الكبير مستغنياً عنها بوضوح.
ــــــ[181]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فمن الممكن القول إن عصور ما قبل الإسلام تمثل دور طفولة البشرية في حين يمثل الإسلام زمان رشد البشرية ونضجها، ومن هنا احتاج العنصر السابق إلى المعجزات.
لا يُقال: هل يمكن أن تدخل البشرية في درجة النضج في زمن قصير نسبياً هو زمن البعثة؟
قلنا: كلّا، لم يحصل ذلك بل التكامل تدريجي وبطيء حصل على أيدي الأنبياء السابقين جميعاً، مضافاً إلى أنحاء البلايا الدنيوية التي مرّت بها البشرية وشاركت في التربية.
غير أن الله تعالى يعلم أنها قد بلغت النضج الكامل عند بعثة الرسول، ومن نتائج ذلك في محل حديثنا إنها كانت قريبة من النضج منذ زمن بعثة عيسى إلى زمان الإسلام. ومن هنا يمكن القول بقلّة حصول المعجزة خلال هذه الفترة أيضاً.
إن قلت: كيف يكون المهدي خائفاً؟
قلنا:
1- إن الخوف عنوان انتزاعي من حاله الاجتماعي, يعني أنه يُقتل كما قُتِل آباؤه.
2- إن احتمال القتل عليه عالٍ جداً لأن الظَلَمة يعلمون بأنه موعود بالنصر.
3- إنه لا يخاف من الناس بل من الله تعالى وهو الذي أمره بالتقية “أبي أبو محمد أمرني بالتقية” وهي غير الخوف.
ــــــ[182]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
4- إنه يخاف الله فقط ولا يهمه كل ذلك وإنما هذه الأمور تكون من تدبير الله تعالى.
إن قلت: فما الفرق بين المعجزة والسحر؟
قلنا: من وجوه:
1- إن السحر ناتج من القوانين الوسطى, والمعجزة من القوانين العليا.
2- إن المعجزة قد لا يكون من المحتمل صدورها من الساحر.
3- إننا ننظر إلى مقول الفرد المدعي للمنصب فإن كان صالحاً قلنا عمله معجزة وإلا فسحر.
4- إن المعجزة لا تكون ضرورية إلا للذين لم يؤتوا العلم أما الذين أوتوا العلم فيعلمون أنه الحق من ربك، وهم قليلون، فإن وجدناهم خاضعين خضعنا بخضوعهم، والظاهر إن اعتماد الإمام المهدي على أمثال هؤلاء بعد نجاحهم في تمحيصات الغيبة الكبرى.
فهذا هو موجز عن علاقة الإمام المهدي بالحسين في عصر غيبته.
مع ما انجرّ إليه الكلام من متعلقات وتفاصيل.
وأما علاقته به بعد ظهوره، فأهم ما يواجهنا أولاً من ذلك: إن المروي أن من جملة شعاراته (سلام الله عليه): «يا لثارات الحسين». فهو يعلن من أول أمره ارتباطه وولاءه للحسين وهذا المعنى له منشئان: ثبوتي وإثباتي.
أما الثبوتي: فهو إن الدعوة المهدوية في حقيقتها عين تلك الدعوة والمنشأ ذات
ــــــ[183]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المنشأ وليس مختلفاً إطلاقاً وإن هدف الحسين في حركته هو هدف المهدي في حركته، وهي إقامة الطاعة الكاملة لله عزَّ وجل على وجه الأرض.
وأما المنشأ الإثباتي: فهو الاستفادة الإعلامية لكسب الرأي العام إلى صالحه، من حيث أن الحسين هو أوضح أشكال الحق المهتضم والمظلوم ولا يوجد في البشرية من ينتقده أو لا يأسف على مقتله إلا القليل القليل، ومن ثمَّ ستكون نصرة الحسين من أعظم الشعارات الإسلامية التي توجب النصر والتقدّم في حركة المهدي، وحقه ثابت على مختلف المستويات.
خذ إليك مثلاً: إن أي اتجاه في البلاد الإسلامية سواء كان شعبياً أو حكومياً محقاً كان أم مبطلاً، ينبغي له أن يعلن مناوأته لإسرائيل وثلبها والطعن في وجودها لكي يكون له حسن التوفيق وكسب الرأي العام لصالحه، باعتبار أن هذا هو الهدف المشترك والمسلَّم بين جميع المسلمين، ولكن ماذا لو لم تكن إسرائيل موجودة، ماذا كان يقول الناس وكيف تتكلم وسائل الإعلام. الله العالم.
وعلى أي حال فنصرة الحسين حق وعداء اليهود حق، ومن المحتمل أيضاً بل من المؤكد اتخاذ المهدي شعار عداء اليهود بل مبادرته لقتالهم والقضاء عليهم، وهذا ما ورد في كتب الفريقين.
وفي بعض الروايات أنه يتتبعهم تحت كل حجر ومدر، حتى يقول الحجر هذا تحتي يهودي فاقتله(1).
ــــــ[184]ـــــــ
( ) فتح الباري لابن حجر, ج6, ص450، الآحاد والمثاني للضحاك, ج2, ص449، المعجم الأوسط للطبراني, ج4, ص246، الفايق في غريب الحديث للزمخشري, ج2, ص430، كنز=
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أسئلة حول أخذ المهدي بثارات الحسين
تبقّى بعض الأسئلة حول نصرة الحسين أو قل أخذ المهدي بثاراته:
أولاً: أن يقال: كيف يحصل ذلك مع أن قتلة الحسين قد ماتوا قبل سنين طويلة ولا وجود لهم على وجه الأرض لكي ينتقم منهم، مضافاً إلى أن التوابين والمختار الثقفي قد بادروا للانتقام منهم في ذلك الحين، ولا حاجة إلى التكرار ولو أمكن التكرار.
جوابه عدّة أمور:
الأول: أن الاتجاه القرآني قائم على اعتبار أخذ مجموعة من الناس والنظر إليهم كوحدة ومخاطبتهم بهذا اللحاظ، فمثلاً سورة البقرة تحتوي على خطاب إلى بني إسرائيل عدّة مرات بعنوان: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ(1)… وغيره، وهي تعتبر المجموع مجموعاً واحداً فتقول: وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى(2)، في حين إنه أنزله على
ــــــ[185]ـــــــ
=العمال للمحقق الهندي, ج14, ص315، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر, ج2, ص225، غريب الحديث لابن قتيبة, ج1, ص73، صحيح البخاري, ج3, ص232، مسند أبي يعلي, ج9, ص393، كتاب الفتن للمروزي, ص347، مسند أحمد, ج2, ص122، صحيح مسلم, ج8, ص188، سنن الترمذي, ج3, ص345.
( ) البقرة: 40.
(2) الأعراف: 160.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أجيالهم السابقة، ويقول: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا(1)، وإنما قتلها السابقون. ويقول: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ(51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(2)، ويقول: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ(3)، وغير ذلك. وإنما حصل كل ذلك في أجيال سابقة.
وليس ذلك جزافاً، لأن القوم أنفسهم يشعرون بالوحدة فيما بينهم، فكأن ما حصل في أي جيل قد حصل في كل جيل، وكأن المتأخرين كانوا حاضرين مع المتفرجين، وكلهم بني إسرائيل كوحدة متكاملة، فكذلك كل قوم تجمعها وحدة معينة مستمرة في أجيال عديدة مثل العشيرة أو الدين أو المذهب وغير ذلك، كبني هاشم أو بني أمية أو الشيعة أو السُنّة أو اليهود أو غيرهم.
إذن فقتلة الحسين بلحاظ هذه الوحدة موجودون إما بعنوان العشيرة وهم بنو أمية أو بعنوان المذهب أو بأي عنوان آخر.
الثاني: الاتجاه القائل: “الراضي بفعل قوم أو شخص كفاعله”(4). ويُراد بذلك الرضا بالسيئات، فمن رضي بالسيئة فهو كفاعلها يعني مثله من جميع الجهات، فهو
ــــــ[186]ـــــــ
( ) البقرة: 72.
(2) البقرة: 51- 52.
(3) البقرة: 61.
(4) أنظر: تفسير القمي, ج1, ص157، التفسير الصافي للفيض الكاشاني, ج1, ص517، فرائد الأصول للشيخ الأنصاري, ج1, ص48.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يستحق القصاص من ضمن ما يستحق من أشياء.
الثالث: أنه يوجد في كل جيل طبقة من الناس المتطرفين في الظلم بحيث لو كان الحسين موجوداً لقتلوه وهم على استعداد فعلاً أن يفعلوا شيئاً كواقعة الطف، يعني أن مستواهم النفسي والعقلي والاجتماعي مناسب لذلك المستوى، إذن فالقصاص يأتي على هذه الجريمة وهي الحفاظ على هذا المستوى المتدنّي وعدم التوبة والخروج منه.
الرابع: إن كل ذلك من الأجوبة على اعتبار أن المهدي يقتل عدداً من الناس بعنوان أنهم قتلة الحسين وهذا مما لم يثبت، وإنما المراد بتلك الشعارات مجرد الإشارة إلى اتحاد الطريق والهدف بينه وبين الحسين.
الخامس -كأطروحة-: أن من المحتمل أنه يُخرِج قتلة الحسين من قبورهم ويُحييهم ويقتلهم من جديد، وإن لم أجد ذلك في رواية محددة. نعم، من المحتمل أنه توجد رواية مناسبة للقول بالرجعة، وأنه عند رجعة الحسين فإنه يُعطى هذه الصلاحية فيستخرج قتلته ويقتلهم بنفسه، وإن كانت هذه الرواية على تقدير وجودها فهي ضعيفة، ويُراد بها التشفي والانتقام، ونحن نُجِلُّ المعصومين عن هذا المستوى إلا أن يُراد به مصالح ثانوية مناسبة مع هداية أهل ذلك العصر الذي تحدث فيه هذه المعجزة وما بعده.
السادس: إنه وردت رواية معتبرة السند من روايات الرجعة، إنه: “يرجع مَنْ محَّضَ الإيمان محضاً ومَنْ مَحَّضَ الكفر محضاً”(1).
ــــــ[187]ـــــــ
( ) البحار, ج53, ص14.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والمفهوم متشرعياً أن الرجعة تكون في عصر ظهور ووجود الإمام المهدي، فإن حدثت بعده فلا كلام لنا الآن، ولكن إن صحَّ هذا الفهم المتشرعي فمعناه أنه يظهر أو يعود أهل الإيمان العالي من أجل المشاركة والمعاونة في إحياء الحق وإماتة الباطل وإقامة دولة الحق ومباشرة تطبيق الإسلام على وجه الأرض كلّه.
وفهم المتشرعة على أن الذي يرجع هم أهل الحق بعد الإسلام لا قبله، ومقتضى القاعدة ذلك للنضج والرشد الذي يتصفون به، مما لا يتصف به السابقون. ولكن إطلاق الرواية يقتضي العموم والشمول، فلا يبعد أن شخصاً أو عديدين إذا كان في المصلحة الاستفادة منهم فإنهم أيضاً يرجعون إلى الدنيا.
وعلى أي حال فقد وردت رواية كمصداق لهذه القاعدة تقول -ما مضمونه-: إنه يرجع سلمان وحذيفة وعمار وأبو ذر وأضرابهم(1)، يعني مِمَّنْ محَّضوا الإيمان محضاً. كما أن المفهوم متشرعياً أمران:
الأمر الأول: أنه يعود ممَّن محَّض الكفر محضاً ممَّن هم بعد الإسلام لا قبله.
الأمر الثاني: أنهم يعودون ليس من أجل مباشرة الحياة الاعتيادية فعلاً ليمكن ممارسة الحكم، وإنما لأجل التنكيل بهم والانتقام منهم، وكِلا الأمرين مناسبين مع الطبع لا حاجة إلى مناقشتهما، ويكفي أن نلتفت إلى أن المهدي في غنى عن أن يجمع حوله ألوفاً من الكفار والمنحرفين الموجودين في طول البشرية.
وإنما يخرج جماعة كنماذج مهمة ويمارس قتلهم لأجل وجود الحكمة والمصلحة.
ــــــ[188]ـــــــ
( ) بحار الأنوار للمجلسي, ج52, ص346.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وعلى أي حال فمن هذه القاعدة يمكن أن نفهم إمكان أن يرجع بعض شهداء كربلاء أيضاً باعتبارهم مِمَّنْ محَّض الإيمان محضاً ليمارسوا طاعة الله والإعانة على طاعة الله، وليخدموا المهدي ودين المهدي كما قدّموا للحسين ودين الحسين.
وفي المقابل يمكن أن نفهم أنه يرجع إلى الدنيا بعض أعداء الحسين في واقعة الطف، يعني من المتحمسين والمتطرّفين ضدّه، ولم يكونوا كلهم كذلك كما قلنا في (الأضواء)(1). ولكن بعضهم كان كذلك، كـ(شمر بن ذي الجوشن وحرملة بن كاهل وعمر بن سعد) وآخرين.
إذن، فقد توصّلنا مرة أخرى لكونهم يعودون إلى الدنيا ليمارس المؤمنون قتلهم والتنكيل بهم، من حيث ليس لهم قوة الدفاع ولا حمل السلاح. وربما يمارس ذلك هؤلاء المؤمنون من أهل الطف أنفسهم.
ــــــ[189]ـــــــ
( ) أضواء على ثورة الحسين، الأساس الثالث، ص96.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مناقشة القصاص من قتلة الحسين على يد المهدي
فإن قلت: بأنه يلزم من ذلك أخذ القصاص عدّة مرات من أي شخص منهم، وهو خلاف العدل الإلهي. وقد حصل القصاص من قِبَل المختار الثقفي ولا يمكن أن يتكرر.
قلنا: هذا فيه عدّة أجوبة:
الجواب الأول: إن القصاص يجب أن يكون من ولي الدم أو مَن يأذن له ولي الدم، وولي دم الحسين بالأصل هو رسول الله وبالمرتبة الثانية المعصوم الذي يكون موجوداً في عصره، ومن الواضح أن المختار كان متبرّعاً بعمله ولم يأخذ إذناً بحسب الظاهر من ولي الدم الفعلي الذي هو الإمام السجاد (سلام الله عليه)، ومن هنا فقصاصه منهم ليس بحجة وإن كان مجرد انتقام إلهي معجَّل لهؤلاء القوم المتطرفين.
ومن هنا يتعيّن أن يُنزِل القصاص أحد المعصومين، وحيث لم يُنزله أحد من السابقين منهم إذن يتعين أن يُنزله المهدي.
الجواب الثاني: أننا في الفقه نعمل مفاضلة بين القاتل والمقتول فإذا هدد شخصٌ شخصاً على قتل ثالث وكان الثالث أشرف من الثاني عند الله لم يجز قتله، وإنما يقدِّم نفسه. وهذا يعني إن القصاص لدى قتل الشرفاء والكبراء عند الله يكون أعظم
ــــــ[190]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأهم ولكن المتيسر هو القتل مرة واحدة فإن حصل إمكان أن يحصل مراراً متعددة لم يكن ذلك مخالفاً للعدل. نعم، هو مخالف للرحمة الإلهية إلا أنه قد تقتضي الحكمة عدم نزول الرحمة أحياناً لمصالح نجهلها لو صدقت هذه الروايات.
الجواب الثالث: أن هذا يحصل بالمعجزة بمشيئة الله سبحانه، فإذا علمنا إنه هو المريد لذلك، فذلك:
أولاً: نعلم إنه موافق للحكمة والعدل وإلا لم يوجد.
ثانياً: أنه يرضى به تشريعاً وإلا لما مكَّن أولياءه من ذلك، فكيف نسأل عن احتمال أن يكون حراماً.
وليس هذا قصاصاً من غير القاتل بل من القاتل نفسه، فلا إشكال من هذه الناحية.
وأنا وجدت في سنين سابقة رواية تقول: إنه يؤتى بقتلة الحسين يوم القيامة فيقتلهم كلهم ثمَّ يُحييهم الله له فيقتلهم وهكذا يفعل بهم خمسين ألف مرة. وهذا نحوٌ من العذاب الأخروي لهم مضافاً إلى عذاب جهنم وبئس المصير.
فإن قلت: فإن الموت هناك مختلف.
قلنا:
1- إنه صحيح على القول بالحشر الجسماني.
2- إنه على معنى أنه يذوق ألماً شديداً كألم الموت.
3- إنه ما من عام إلا وقد خُص، فإذا كان المؤمنون لا يذوقون الموت إلا الموتة
ــــــ[191]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الأولى والكافرون يذوقون الموت مرتين إلا ما خرج بدليل فليكن هذا دليلاً على تعدد الموت بالنسبة إلى بعض البشر.
ثالثاً: إننا نحتمل في هذه العمليات التي تقع في الدنيا والآخرة أن تكون بالنسبة إلى البعض ممن كان في المعسكر المعادي في واقعة الطف أن تخفف ذنوبه عقابه، بل قد توجب له درجة من الغفران، لأنه في دنياه لم يكن متطرفاً في الفساد وإنما أعان الظالمين بوجوده فقط.
وقد ورد في رواية -ما مضمونه-: (إن الله تعالى يجعل الموت على الفرد صعباً لكي يغفر ذنوبه فيُدخله الجنة. فإن بقيت له ذنوب شدد عليه عذاب القبر. فإن بقيت له ذنوب شدد عليه موقف يوم القيامة). كل ذلك لكي لا يُلقيه في جهنم، فإنَّ جهنم أعلى من كل تصور وتحمّل كل هذه الآلام خيرٌ من لحظةٍ فيها، وأما أن يدخله الله سبحانه إلى الجنة مع ذنوبه وعيوبه فهذا مما لا يمكن إلا بعد التنظيف الكامل، كذلك الحال في هؤلاء.
وعلى أي حال فمن الممكن أن تكون هذه العمليات يوم القيامة موجبة لشيء من هذا القبيل بالنسبة إلى بعضهم، فتكون من الرحمة لا من النقمة.
ــــــ[192]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حوادث الظهور
وقد ورد: إنه يخطب بين الركن والمقام في ليلة ظهوره بعد صلاة العشاء، حين يكون قد اجتمع له ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من خاصته، ويقول في خطبته -ما مضمونه-: (من حاجّني في آدم فأنا أولى بآدم ومن حاجّني بنوح فأنا أولى بنوح ومن حاجّني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم -إلى أن يأتي إلى جده رسول الله-: ومن حاجّني بمحمد فأنا أولى بمحمد ومن حاجّني بعلي فأنا أولى بعلي ومن حاجّني بالحسن فأنا أولى بالحسن ومن حاجّني بالحسين فأنا أولى بالحسين).
وهكذا يُعدد آباءه إلى أن يقف على أبيه العسكري. ولا نعلم ماذا يقول بعد ذلك في خطبته، ولكن يكون بهذا قد استوعب كل الأديان والمذاهب الرئيسية في العالم وإنه هو دون غيره الأولى عند الله والأقرب إلى الله منهم جميعاً. فيكون معنى حاجّني يعني قدَّم لي الحجة على صحة كلام فلان من هؤلاء بقصد إنه خير من المهدي ولا يكون للمهدي حجة بإزائه.
فجوابه: إن الأمر ليس بيد هذا المجادل وإنما بيد المهدي نفسه فإنه أولى بهؤلاء جميعاً من كل الناس، لأن الناس إنما تابعوهم واحتموا بهم لمقاصد مختلفة ليست كمقصد المهدي وهي تطبيق النتيجة التامة الموعودة لكل هذا الخط من الأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين.
ــــــ[193]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فليس من حق الأديان السابقة أن تناقش فإنه أولى بموسى من اليهود وأولى بعيسى من النصارى، كما ليس من حق المذاهب الأخرى أن تناقش، فإنه أولى منهم برسول الله، كما ليس من حق الشيعة أن يناقشوا مهما كان مسلكهم ومذهبهم، فإنه أولى بعلي والحسن والحسين وسائر المعصومين من أبنائهم منهم جميعاً، وكل ما للشيعي من فخر هو أنه كان متمسكاً بولاية المعصومين والمهدي هو الولي الحقيقي الفعلي الذي يجب التمسك به والانضواء تحت لوائه، وهو الوريث الحقيقي والكامل لما لديهم من علم ومواهب وكمال وأهداف.
ــــــ[194]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
علاقة الحسين بالشعراء
نتعرض إلى تأثير الحسين في الشعر عموماً، حتى نسب إلى الأديب المصري المعروف الدكتور طه حسين قوله: «لا زال الشعر رافضياً». التأكيد أنه لو لا ثورة الحسين لما كان كذلك.
ومعنى ذلك أن أفضل الشعراء في اللغة العربية هم الشعراء الإماميون الاثنا عشرية بتأثر مذهبهم في ذلك فعلاً، فبالرغم من أننا نجد فطاحل من الشعراء العرب من الأديان الأخرى والمذاهب الأخرى سواء في صدر الإسلام أو العصر الحديث، إلا أن الشعر الشيعي يتميز بمزايا لا يمكن للآخرين الاتصاف بها أو السير باتجاهها أو حتى نكرانها.
ــــــ[195]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
دعبل الخزاعي
ونتعرض إلى دعبل الخزاعي، ولديوان دعبل عدّة طبعات منها بتحقيق الشيعة(1) ومنها بتحقيق السنّة(2)، وقد وجدت السنّي يعتبر دعبلاً رجل هزل ومُجون، كما يعتبر أن شعره مقسّم ثلاثة أقسام: بعضه محرز الانتساب إليه، وبعضه مشكوك، وبعضه منتحل، يعني معلوم عدم الانتساب إليه. ويعتبر قصيدته التائية المشهورة من المشكوك وأنها محاولة من الشيعة لاعتباره شيعياً، وإلا فالأمر يختلف في نظره كثيراً، كما هو يتورط بأحد أبياتها التي يقول فيها: (وقبرٌ بطوس يا لها من مصيبة). مع العلم أنه لم يكن في حياة الإمام الرضا قبرٌ هناك. هل هو مدسوس في القصيدة؟ أم يدل على كذب القصيدة ككل؟ أم كان هناك قبر مجهول صاحبه؟ كل ذلك لنفي العقيدة الشيعية بعلم الإمام وأنه من التنبؤ الصادق بالمستقبل، لأنه حتماً قرأ الرواية إلا أنه أخذها مُسلَّمة الكذب.
وفي حدود فهمي أن بعض الشيعة خلال الأجيال كانوا يتقربون إلى الله بإيجاد إضافات إلى الأشعار المسموعة والموروثة اتِّباعاً لنفس هدف الشاعر الذي هو نظيف وفيه هدى وموعظة، ولا يعلمون أن هذا من الكذب الحرام، لأنها تكون منسوبة إلى الشاعر نفسه وهو خطأ.
ــــــ[196]ـــــــ
( ) الشيعي: عبد الصاحب الدجيلي، (منه ).
(2) والسُنّي: عبد الكريم الأشتر والدكتور محمد يوسف نجم، (منه ).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وطبقاً لذلك قد أُزيد في عدّة قصائد:
منها: قصيدة الفرزدق في مدح الإمام السجاد، ومن علامات ذلك: إنه اختلف في أولها هل هو قوله: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته)(1). أم قوله: (يا سائلي أين حلَّ الجود والكرمُ)(2).
وقيل غير ذلك لا أحفظه. والمناسب مع قصتها هو الأول لا محالة، لأنه جواب قوله: (مَنْ هذا)(3).
وأزادوا أيضاً في القصيدة التي أولها: (شيعتي ما إن شربتم عذب ماءٍ فاذكروني). حتى ذكروا مقتل الحسين وحوادث الطف كلها فيها. مما يستحيل صدوره عادة عن الحسين، ونحن نستدل على تحريف التوراة بأدلة، منها: إن فيها ذكر موت موسى ودفنه، فكيف يكون ذلك قد نزل وحياً على موسى نفسه أو كتبت في عصره؟ فإما أن يكون كله مدسوس أو بعضه.
وكذلك أزادوا في القصيدة التي يرثى بها مسلم بن عقيل -وهي الحائية- التي يقول فيها:
وسحباً تُجَر بأسواقهم ألستَ أميرهم البارحة
وأزادوا في القصيدة المنسوبة إلى الإمام الهادي، ولعلها لا تزيد أصلاً على
ــــــ[197]ـــــــ
( ) كما في مستدرك الوسائل, ج10, ص394، شرح الأخبار للقاضي المغربي, ج3, ص264، الإرشاد, ج2, ص151.
(2) كما في مناقب آل أبي طالب, ج3, ص306، البحار, ج46, ص125.
(3) أنظر: الاختصاص للشيخ المفيد, ص191.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
عشرة أبيات، في حين جعلوها طويلة والتي أولها:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
ولا أعتقد أنها للإمام الهادي، وإنما تنسب في المصادر إلى شاعر معيّن لا يحضرني اسمه، وقد استشهد بها الإمام الهادي في مجلس شراب المتوكل(1).
وأزادوا كذلك في قصيدة دعبل وهي بالأصل طويلة إلا أن أبياتها واضحة الاختلاف في الرصانة والركاكة، فمن الراجح أن نقول: أن الركيك فيها ليس لدعبل بل هو من المدسوس. ومن علامات ذلك أنها أيضاً اختلف في أولها في عدّة اختلافات لا احفظها، والمشهور(2) أن أولها:
مدارس آياتٍ خلت من تلاوةٍ ومنزل وحي مقفر العرصات
فالمهم أخذ الحذر التاريخي من هذه الناحية، والبناء على صحة النسبة من مصادرها الموثوقة أو على تلك الأبيات التي تتواجد في كل المصادر دون تلك الأبيات التي تذكرها بعض المصادر دون بعض.
وهذا نتيجة لأن الطبع والنشر لم يكن موجوداً فيما سبق فقد أصبح الدس والزيادة فيها سهلاً والنسبة إلى الشاعر ميسوراً.
وأنا رأيت بعض كتب المشجرات والأنساب المخطوطة فيها إضافات بخط جديد ممن كان يرغب بإضافة نسبه إلى الكتاب، بعنوان أن المؤلف هو الذي ذكره،
ــــــ[198]ـــــــ
( ) أنظر: البحار, ج50, ص211، البداية والنهاية لابن كثير, ج11, ص20.
(2) راجع عيون أخبار الرضا, ج1, ص294، روضة الواعظين, ص227، مستدرك الوسائل, ج10, ص394، الإرشاد, ج2, ص263، البحار, ج49, ص147.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فيُخيّب الله ظنّه لكونه معروفاً باختلاف الخط.
وعلى أي حال، فقصيدة دعبل قد شاركت فعلاً في أهداف الحسين إعلاماً وهداية ومعارضة، وتعرّض دعبل إلى ظهور صاحب الأمر وأقرّه الإمام الرضا(1)، وواضح من سياق الرواية أن دعبلاً لم يكن يحدد أنه هو الإمام الثاني عشر كما نحدده الآن وإنما سمع به إجمالاً(2).
وحسب فهمي إن إعلان هذا العدد بصراحة على المجتمع كان مخالفاً للتقية منذ يوم السقيفة إلى عصر دعبل وما بعده، وإنما عرفنا ذلك بصراحة عند حصول الاثني عشر أنفسهم، وأما خلال عصر الأئمة فقد كانت هناك محاولة لكتمه، ومن هنا كان الشيعة الذين يعيشون في البعد عن الإمام يجهلون ذلك، وقد كان دعبل على هذه الصفة أيضاً، وقد كانت صفة الشيعي يومئذٍ إنه يؤمن بإمامة أمير المؤمنين ووِلده إلى الإمام المعاصر له، يعني يؤمن بالولاية إجمالاً لا تفصيلاً.
ومن ذلك ما ورد(3): أن شخصاً يقول للإمام الرضا: أنت المهدي. يعني هل أنت المهدي، فيُجيب -ما مضمونه-: (كلنا مهديون ولكن لست الذي يملؤها قسطاً وعدلاً).
وقد كان الأئمة مضطرين تحت ظروف التقية المكثفة إلى بقاء هذا الجهل في
ــــــ[199]ـــــــ
( ) وذلك عندما قال:
خروج إمامٍ لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات
أنظر عيون أخبار الرضا, ج1, ص297.
(2) أنظر: المصدر المذكور في نفس الجزء والصفحة.
(3) أنظر: نحوه في شرح الأخبار, ج3, ص379.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أوساط شيعتهم وإنما يقومون بتزريق الحقائق بالتدريج البطيء فقد لا يتوفّق العديدون إلى الحصول على بعض تلك الحقائق.
وحسب فهمي فإن قصيدة دعبل ليست على نفس المستوى من الجودة بل فيها أكثر من مستوى، ويمكن أن نعزو ذلك إلى عدّة أسباب:
أولاً: الدسّ، فما كان ضعيفاً فهو مدسوس وما كان قوياً فهو له. إلا أن هذا مما لا يمكن أخذه على إطلاقه بمعنى أن نحكم على كل بيت بالدسّ لمجرد ضعفه.
ثانياً: ضعفه الشعري نسبياً إذ لا شك أن الكميت والفرزدق فضلاً عن المتنبي والشريف الرضي خير منه، والشعر معلول للنفس ولا يمكن أن يزيد على مستوى الشاعر بحاله، وأستطيع أن أشبهه بأبي العتاهية من هذه الناحية، فإن شعره أغلبه سهل إلا أنه ليس بممتنع. ويحضرني قوله:
فاسمع لقول ناصح يُدعى أبا العتاهية.
ثالثاً: صعوبة القافية عنده مع إرادة التطويل بالقصيدة وعدم تكرر الكلمات، طبعاً مع إرادة ضغط معاني معينة خلال السياق، فقد تبدو بعض الأبيات متكلّفة أو دون بعض الكلمات يصعب تخريجها لغوياً، كل ذلك لحفظ الوزن والقافية أو قل لضرورة الشعر كما يعبرون.
وعلى أي حال نسمع في تلك الرواية لقصيدة دعبل أن الإمام الرضا كان قد جمع نساءه أيضاً وراء الستر للاستماع والبكاء، والرجل كان واسع النظر لم يقتصر على بعض تاريخ الأئمة بل ذكر مصائبهم وفضائلهم حسب ما يفهمها كلها، كقوله:
ــــــ[200]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أرى فيأهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات
وقوله:
أفاطم لو خُلتِ الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات
وقوله:
وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في الغرفات
ولم يكن الإمام الجواد قد دفن في ذلك الحين إلى جنب جده الكاظم، وقد تعرّض دعبل في قصيدته إلى بعض الثوّار العلويين وقد أقرّه الإمام الرضا على ذلك، والظاهر أنه تعرّض إلى الأشخاص الذين يحرز إخلاصهم ووثاقتهم في حركتهم وشهادتهم، ولعله خص الشهداء الحسينيين بالذكر إما باعتبار كون الرضا حسينياً وهم أولاد عمه، أو باعتبار زيادة الإخلاص فيهم كما سبق حيث يقول:
قبور بكوفان وأخرى بطيبة وأخرى بفخٍ نالها صلواتي
وقبر بأرض الجوزجان محله وقبر بباخمرى لدى الغربات
وقبرٌ ببغداد لنفسٍ زكيةٍ تضمنها الرحمن في الغرفات
وقد تخيل جامع الديوان السُنّي أنه محمد بن عبد الله بن الحسن، وهو من السادة الحسنيين(1). ولكن المراد به هو موسى بن جعفر. وإنما عبّر عنه بالنفس الزكية
ــــــ[201]ـــــــ
( ) هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب, وكان يلقب بالنفس الزكية, ثار ضد المنصور العباسي وقُتِل. أنظر مقاتل الطالبيين, ص157، شرح الأخبار, ج3, ص322.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
عرفاً وليس اصطلاحاً، ولا دليل على أن ابن الحسن هذا مدفون ببغداد.
ثمَّ يقول:
وقبرٌ بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ تردد بين الصدر والحجبات
وأنا أحفظها:
ألَحَّت على الأحشاء بالزفرات.
وقال المعلق السنّي: وتقول بعض مصادر الشيعة: إن الإمام (علي الرضا) هو الذي ألحق هذا البيت والبيت السابع عشر بالقصيدة حين أنشده إياها دعبل، ونلاحظ أن (ياقوتاً) عدَّ البيت السابع عشر صحّ عنده من القصيدة وأورده فيها.
أقول: وهو قوله:
إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً يفرج عنا الهمّ والكَرَبات
إلا أن نسبة هذا البيت إلى الرضا نفسه فهو من الدسّ، وإنما تنسب مصادر الشيعة البيت الخامس عشر فقط إليه، وإنه قائم على الغيب والتنبؤ بالمستقبل الذي يستحيل على دعبل العلم به، وأما قضية المهدي القائم فكان أمراً مشهوراً في ذلك الحين لا يخفى على دعبل وغير دعبل، ونستطيع أن نتحدّى القائل بالإتيان لنا بالمصدر الشيعي الذي ينسب هذا البيت إلى الرضا نفسه.
ــــــ[202]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المتنبي
والمتنبي الذي شهد له الجميع أنه أشعر العرب يمكن القول بأنه شيعي وإن كتاب (الملاح) وإن كان فاشلاً في هدفه الرئيسي وهو إثبات كونه ولداً للمهدي محمد بن الحسن، إلا أن أدلته تثبت كونه شيعياً، ومن ذلك أنه يقول: إنه كان هناك مدارس خاصة لا يدخلها إلا الشيعة أو الهاشميون ونحو ذلك قد درس فيها المتنبي في أول أمره فعلاً، وكذلك جملة من أبيات الافتخار التي يقولها، تعطي انتسابه إلى الدوحة الهاشمية، وأما علويته فلم تثبت تفصيلاً.
إلا أنه وإن كان شيعياً هاشمياً إلا أنه رجل دنيوي ومتكبر متمدح في نفسه إلى درجة عالية، ومرافق الملوك لأجل الحصول على السمعة والمال، ولا يشعر بدينه وتشيّعه مع شديد الأسف، حتى لا تجد له أي بيت ينصر به الدين والمذهب أو يمدح شخصاً لتدينه.
ولعل أهم بيتين في الافتخار ما أحفظه:
أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي أَيَّ مَجَالٍ أَرتَقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ اللـ ـهُ وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
وهو واضح من عدم خوفه من أي عظيم حتى عظمة الله سبحانه، كما إنهم
ــــــ[203]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
استشكلوا عليه بها أن قوله: (وما لم يخلق). شامل لذات الله نفسه. فكأنه يرى نفسه أعلى من الله سبحانه، ويحتقره بقوله: (مُحتَقَرٌ في هِمَّتي). فإن اعتذر معتذر: بأنه لا يقصد ذلك، وإنما يقصد العلم والعلماء وأضرابهم، فيكونون محتقرين في نظره، والشعر نصَّ في ذلك لا يمكن الاعتذار فيه.
ــــــ[204]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
شوقي
كما إنه من الممكن القول بأن شوقي أمير الشعراء شيعي، وعلى أي حال فهو ليس مصري الأصل ولا على مذهب الجماعة، ولا يوجد له نسب في مقدمة ديوانه والظاهر أنه هو الذي تعمد إخفاءه، والذي يقوله الثقاة إنه تركي الأصل علوي المذهب -يعني مِمَن يعتقد بإلهية علي-، فهو من هذه الجهة إن لم يكن شيعياً فهو يقدس ويحترم علياً إجمالاً كما تحترمه الشيعة وتقدسه، أو قل: إن مذهبه أقرب إلى التشيع من التسنن وإن كان هو رجلاً دنيوياً من شعره وليس له إلا قصيدة واحدة في مدح النبي(1) وكل أشعاره الأخرى للدنيا والشيطان.
( ) قصيدة أحمد شوق في مدح الرسول:
وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ
وَالـعَـرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي وَالـمُـنـتَـهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ
وَحَـديـقَـةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا بِـالـتُـرجُـمـانِ شَـذِيَّةٌ غَنّاءُ
وَالـوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلاً مِن سَلسَلٍ وَالـلَـوحُ وَالـقَـلَـمُ البَديعُ رُواءُ
نُـظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ فـي الـلَـوحِ وَاِسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ
ــــــ[205]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
اِسـمُ الـجَـلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ أَلِـفٌ هُـنـالِـكَ وَاِسمُ طَهَ الباءُ
يـا خَـيـرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً مِـن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
بَـيـتُ الـنَـبِـيّينَ الَّذي لا يَلتَقي إِلّا الـحَـنـائِـفُ فـيهِ وَالحُنَفاءُ
خَـيـرُ الأُبُـوَّةِ حـازَهُـم لَكَ آدَمٌ دونَ الأَنــامِ وَأَحــرَزَت حَـوّاءُ
هُـم أَدرَكـوا عِـزَّ النُبُوَّةِ وَاِنتَهَت فـيـهـا إِلَـيـكَ الـعِزَّةُ القَعساءُ
خُـلِـقَـت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها إِنَّ الـعَـظـائِـمَ كُفؤُها العُظَماءُ
بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت وَتَـضَـوَّعَـت مِـسكاً بِكَ الغَبراءُ
وَبَـدا مُـحَـيّـاكَ الَّـذي قَسَماتُهُ حَـقٌّ وَغُـرَّتُـهُ هُـدىً وَحَـيـاءُ
وَعَـلَـيـهِ مِـن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ وَمِـنَ الـخَـلـيلِ وَهَديِهِ سيماءُ
أَثـنـى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ وَتَـهَـلَّـلَـت وَاِهـتَـزَّتِ العَذراءُ
يَـومٌ يَـتـيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ وَمَـسـاؤُهُ بِـمُـحَـمَّـدٍ وَضّاءُ
الـحَـقُّ عـالي الرُكنِ فيهِ مُظَفَّرٌ فـي الـمُـلـكِ لا يَعلو عَلَيهِ لِواءُ
ذُعِـرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت وَعَـلَـت عَـلـى تيجانِهِم أَصداءُ
وَالـنـارُ خـاوِيَةُ الجَوانِبِ حَولَهُم خَـمَـدَت ذَوائِـبُها وَغاضَ الماءُ
وَالآيُ تَـتـرى وَالـخَـوارِقُ جَمَّةٌ جِــبـريـلُ رَوّاحٌ بِـهـا غَـدّاءُ
نِـعـمَ الـيَـتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ وَالـيُـتـمُ رِزقٌ بَـعـضُهُ وَذَكاءُ
فـي الـمَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ وَبِـقَـصـدِهِ تُـسـتَـدفَعُ البَأساءُ
بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم يَـعـرِفـهُ أَهـلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ
ــــــ[206]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يـا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا مِـنـهـا وَمـا يَـتَعَشَّقُ الكُبَراءُ
لَـو لَـم تُـقِـم ديناً لَقامَت وَحدَها ديـنـاً تُـضـيءُ بِـنـورِهِ الآناءُ
زانَـتـكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ يُـغـرى بِـهِـنَّ وَيـولَعُ الكُرَماءُ
أَمّـا الـجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ وَمَـلاحَـةُ الـصِـدّيـقِ مِنكَ أَياءُ
وَالـحُـسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ مـا أوتِـيَ الـقُـوّادُ وَالـزُعَماءُ
فَـإِذا سَـخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى وَفَـعَـلـتَ مـا لا تَـفعَلُ الأَنواءُ
وَإِذا عَـفَـوتَ فَـقـادِراً وَمُـقَدَّراً لا يَـسـتَـهـيـنُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِــمـتَ فَـأَنـتَ أُمٌّ أَو أَبٌ هَـذانِ فـي الـدُنيا هُما الرُحَماءُ
وَإِذا غَـضِـبـتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ فـي الـحَـقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ
وَإِذا رَضـيـتَ فَـذاكَ في مَرضاتِهِ وَرِضـى الـكَـثـيـرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ
وَإِذا خَـطَـبـتَ فَـلِـلمَنابِرِ هِزَّةٌ تَـعـرو الـنَـدِيَّ وَلِـلقُلوبِ بُكاءُ
وَإِذا قَـضَـيـتَ فَـلا اِرتِيابَ كَأَنَّما جـاءَ الـخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ
وَإِذا حَـمَـيـتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو أَنَّ الـقَـيـاصِـرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ
وَإِذا أَجَـرتَ فَـأَنـتَ بَـيتُ اللَهِ لَم يَـدخُـل عَـلَـيهِ المُستَجيرَ عَداءُ
وَإِذا مَـلَـكـتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها وَلَـوَ اَنَّ مـا مَـلَكَت يَداكَ الشاءُ
وَإِذا بَـنَـيـتَ فَـخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً وَإِذا اِبـتَـنَـيـتَ فَـدونَـكَ الآباءُ
وَإِذا صَـحِـبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّماً فـي بُـردِكَ الأَصـحابُ وَالخُلَطاءُ
وَإِذا أَخَـذتَ الـعَـهـدَ أَو أَعطَيتَهُ فَـجَـمـيـعُ عَـهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ
ــــــ[207]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وَإِذا مَـشَـيـتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ وَإِذا جَـرَيـتَ فَـإِنَّـكَ الـنَـكباءُ
وَتَـمُـدُّ حِـلـمَـكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً حَـتّـى يَـضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ
فـي كُـلِّ نَـفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ وَلِـكُـلِّ نَـفـسٍ فـي نَداكَ رَجاءُ
ــــــ[208]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
شعراء آخرون
يبقى عندنا مشاهير الشعراء غير هذين هم من الشيعة أكيداً وبضرورة التاريخ كالكميت الأسدي والشريف الرضي والصاحب بن عبّاد والسيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي والجواهري والفرطوسي(1) وهو أيضاً شارك في الباب الذهبي بقصيدة عينية(2) رائعة لعلها خير شعره إطلاقاً وهي موجودة في ديوانه وفيه ما يدل على أنه يقدسها ويقدمها بصفتها أفضل حسناته، وله ملحمة أهل البيت وهي حوالي خمسة وعشرون ألف بيت في تاريخ المعصومين، طبعت في لبنان في سبعة أجزاء ــــــ[209]ـــــــ
( ) الشاعر الشيخ عبد المنعم الفرطوسي.
(2) والقصيدة هي:
نشيـدي وأنت لـه مطلعُ من الشمس يعنو له مطلعُ
وقـدرك أرفعُ إنّ الثنـاءَ وإن جلَّ قـدراً به يرفع
ومجدك جاوز أفقَ الخلود سمـواً ونـفسك لا تقنـع
فقصّر عنه رفيفُ الطموح وكـادت قوادمـه تنـزع
وأرجـع باليـأس روّاده وفي مثل مجدك من يطمع
وأنّـى يطاول نجم عـلي ختـامُ الخلود بـه يشرع
ومجـدُ الامامةِ وترٌ يضم لمجـد النبوة إذ يشفع
ديوان الفرطوسي، ج1, ص33-34.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
نظمها في أواخر حياته، وأولها:
هاك قلبي مضرجاً بدمائي قطعاً في سلاسل من ولائي(1)
ــــــ[210]ـــــــ
( ) والقصيدة هي:
هاك قلبي مضرجاً بدمائي قطعاً في سلاسل من ولائي
هي من منبع العقيدة وحيٌ لم يكدّر منه معين الصفاء
وهي أغلى من كلّ عقد نفيس ذهبيٍ مهما ارتقى في الغلاء
جوهر من معادن القدس باقٍ أين منه أعراض دار الفناء
نفحات من الهداية تذكو عبَقاً من شمائل الأزكياء
بدئت بالتوحيد وهو أساسٌ واستطالت بالعدل خير بناء
وتجلّت فيها نبوة حقٍّ شُفعت في إمامة الأوصياء
وتلاها المعاد فهي اُصولٌ خمسة في شريعة الحنفاء
ودليل الإعجاز في ذكر طه يقتفيها وعصمة الأنبياء
وبإثر التفويض والجبر أمر بين بينٍ يأتي ومعنى البداء
وسواها من التوابع ممّا تقتفي نهجها بخير اقتفاء
وجميع الأركان وهي فروع الـ ـدين فيها بانت بغير خفاء
وتراءت كبائر الإثم فيها وسواها صغائر الأخطاء
وعليها باليمن رفرف أمناً من حياة النبي خير لواء
وحياة السبطين بعد عليّ والبتول الصديقة الزهراء
وعليّ وباقر العلم والصا دق قولاً وكاظم الصلحاء=
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وهي بوزن وقافية واحدة كلها.
والشيخ عبد المهدي مطر(1)، والسيد مصطفى جمال الدين(2) وعشرات غيرهم.
ــــــ[211]ـــــــ
=والرضا والجواد ثم عليّ وابنه ثم قائم الأُمناء
قد تبدّت منها النجوم اهتداءً وأماناً لنا بخير سماء
أهل بيت الهدى أئمة حق ألسن الصدق خيرة الأولياء
والأدلاّء لا يحيدون زيغاً بالبرايا عن منهج الإهتداء
ومصابيح حكمة قد أضاءت بسناها مدارك الحكماء
كل نجم للخلق منهم إمامٌ يقتدى فيه أحسن الإقتداء
أذهب الله عنهم الرجس طهراً واصطفاهم بأكرم الإصطفاء
أنا مولىً لهم محبٌ وهذي آية الحبّ من كتاب ولائي
وهي تُهدى لفاطم وعليّ وبنيها وخاتم الأصفياء.
(1) وهو أستاذي في كلية الفقه باللغة العربية وممن شارك بالاحتفال بالباب الذهبي بقصيدته الرائعة ولعلها خير شعره والتي مطلعها:
لَعلِع بِبابِ عليٍ أيُّها الذَّهبُ
إلا أنه على ما قيل كان مناصراً للحراك الشيوعي الذي حصل بعد ثورة الرابع عشر من تموز ووقّع على البرقية المناصرة لهم في ضمن أربعين واحداً من الحوزة، (منه).
(2) والسيد مصطفى جمال الدين، شعره جيد ينحو نحو الاتجاه الرمزي، كما هو الحال الغالب في الشعر الحر. ولديه بحث رصين في تعدد الشعر الحر ودحض حجج المتمسكين به والمدافعين عنه، وقد كان زميلي في نفس الصف من الدورة الأولى من كلية الفقه وصورتي وصورته مثبتة في العدد المطبوع من مجلة النجف بين الخريجين من الدورة الأولى، وله قصيدة رنانة بمناسبة
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[212]ـــــــ
افتتاح جامعة النجف الدينية، ينحو بها المنحى الرمزي، أحفظ منها بيتين:
اصعدي لا يرعك درب عسير فجناحاك عزمة وشعور
إلى أن يقول في نهاية المقطع الأول:
واكتشافها النبع الغزير إذا أمحل (صدح) صرح الآمال نبع غزير
وهو من أسرة اخبارية المذهب ويدلنا على ذلك أيضاً ما كتبه في مقدمة ديوانه من أن الحوزة في النجف خلال عصر شبابه كانوا على شكل (شِلل) أو جماعات وكان أكبرهم وأكثرهم علماً وثقافة يعتبر هو الوجه المهم، وكان الوجه (للشِلة) التي هو فيها هو الشيخ محمد بن زين الدين (أدام الله عزه)، وهو كما نعلم ناشئ من نفس المنشأ إلا أن المظنون وخبر الثقة قائم على أنه اختار المسلك الأصولي في السنين الأخيرة من عمره، وعلى أي حال فهو موضوعي من هذه الناحية جداً وغير متعصب بل يدعم الحوزة الأصولية حيثما وجدت والعمل الديني الأصولي والمراجع الأصوليين ولا أثر للإخبارية في أدبه وشعره ولا في تصرّفه، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
محمد مهدي الجواهري
بالرغم من أن محمد مهدي الجواهري الذي لا زال حياً وهو يقرب المائة عام دنيوي أيضاً وفاسد في عقيدته وسلوكه، ومناصر للملحدين في شعره وحياته، وكذلك فإن ديوانه يحتوي على كثير من الغزل بمعشوقات أوربيات أحبَهُنَّ ونظم فيهن، كما أن فيه قصيدة صغيرة في ذم الحوزة ويقول: (إن فيهم لاطة وزناة).
وبالرغم من كل ذلك فإن قصيدته في الحسين وخاصةً المقطع الأول منها هي خير شعره هو، كما أنها خير ما قيل في الحسين على الطريقة الفكرية الحديثة، وأعتقد أن فيها توفيقاً إلهياً مع الالتفات أنه قالها منذ شبابه حين كان معمماً في الحوزة ولم يكن متدنّساً بالآثام التي طرأت عليه بعد ذلك، ولعل خير ما فيها قوله:
كأن يداً من وراء الضريح حمراء مبتورةَ الإصبع
تمد إلى عالم بالخنوع والذل ذي شرق مُترع
لتُبدل منه جديب الضمير بآخر معشوشبٍ مُترع(1)
ــــــ[213]ـــــــ
(1) والقصيدة هي:
فِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ
وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ الطُّفوف وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ
وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[214]ـــــــ
وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ فَـذَّاً، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ
تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ
تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ
وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ
وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ
كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ حمراءَ مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ
تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ
تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ
لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ
وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ
تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ
ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ
ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[215]ـــــــ
تعاليتَ من “فَلَـكٍ” قُطْـرُهُ يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ
فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي
ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ
ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ
ويا غُصْنَ “هاشِـمَ” لم يَنْفَتِحْ بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ
ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ
يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ
وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ
تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي
وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ بِنَقْلِ ” الرُّوَاةِ ” ولم أُُخْـدَعِ
وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ
وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ من ” مُرْسِلِينَ ” ومنْ “سُجَّـعِ”
ومِنْ “ناثراتٍ” عليكَ المساءَ والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي
وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ
لعلَّ لِذاكَ و”كَوْنِ” الشَّجِيّ وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ
يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن بلونٍ أُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ
وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي
صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ
ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ
أريدُ الحقيقةَ في ذاتِهَـا بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والبيت الأول منها يعطي صورة خيالية جبارة ليد الحسين اليمنى المبتورة الإصبع والمخضبة بالدماء.
ــــــ[216]ـــــــ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ
وأنْ تَتَّقِي -دونَ ما تَرْتَئـِي- ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ الأَكْهَلِيـنَ إلى الرُّضَّـعِ
وخيرَ بني الأمِّ مِن هاشِمٍ وخيرَ بني الأب مِنْ تُبَّـعِ
وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ كَانُـوا وِقَـاءَكُ، والأذْرَعِ
وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ
تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ
وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ
وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ والطَّيِّبِيـنَ ولم يُقْشَـعِ
إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ
وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ الجدودِ إلى الشَّكِّ فيما معي
إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ مِنْ مبدأٍ بِدَمٍ مُشْبَـعِ
فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي
وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ وفَيْضَ النُّبُوَّةِ، مِـنْ مَنْبَـعِ
تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ تَنَزَّهَ عن (عَرَضِ) المَطْمَـعِ.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وواضح أيضاً في الأبيات أنه يمجّد الحسين باتجاه دنيوي للإصلاح وإحياء الضمائر الميتة ورفع المظالم عن المجتمع، وليس فيه شمة إلهية أو أخروية، كما أنه ليس فيه اتجاه إلى البكاء والتفجع إلا ما يماشي غرضه ولكن جانب الإخلاص والعاطفة فيه موجود أكيداً، في مثل قوله:
وماذا أأروع من أن يكون لحمكَ وقفاً على المبضع
وتُطعم للموت خير البنين من الأكهلين إلى الرضَّعِ
وعلى أي حال, فمن الواضح إن الحسين يفهمه كل شخص بمقدار مستواه وثقافته وقناعته، وكل ذلك كان خيراً ونعمة، وكان مؤثراً في إيجاد الهمة نحو التمرد على الظلم والتضحية بالنفس والنفيس في سبيل إيجاد العدل حسب اختلاف مستويات إدراك هذا العدل.
حتى من الممكن القول: إن كل الثورات والتمردات في التاريخ حتى إلى العصر الحاضر بل والمستقبل مستندة بشكل واضح أو غامض إلى ثورة الحسين بعد أن أعطت الأمثولة العليا في ذلك.
حتى من يكون على مستوى الدنيا أو على مستوى الإلحاد أو من أديان أخرى، فإنه لا أقل إنه يعرف الحسين كقائد وكمصلح وكمضحي في سبيل إقامة الحق والعدل إجمالاً وهذا يكفي في التحريف نحو الهدف.
ــــــ[217]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[218]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
من نصروا الإسلام من خارجه
ويوجد هناك عدد لا يستهان به من الشعراء والمفكرين ممن نصروا الإسلام نصراً قليلاً أو كثيراً أخص منهم بالذكر: غاندي, أو المهاتما غاندي(1)
ــــــ[219]ـــــــ
( ) المهاتما: لقب ديني عندهم، وقد كان واضح الزهد مشهوراً بزيه غير المخيط. حتى قالوا له: هل تذهب بزيك هذا إلى قصر (برمنكهام) في بريطانيا؟ فقال: نعم. وهناك صورة لمخلفاته بعد وفاته، وهي أشياء قليلة تعد بالأصابع. ويقال إن طرحه الرئيسي فيها هو أن يكون الإنتاج وطنياً لا أجنبياً، وينقض عليه بزجاجات نظاراته. وهذا لا شك أنه كان يقوله، إلا أنه لا يمنعه من لبس المخيط. فاختياره لهذا الزي إنما هو للزهد فقط أو قل للآخرة لا الدنيا. ثم هزاله وقلّة طعامه هل كان لدفع الاستعمار أيضاً؟. كلا، وكذلك كان يمشي حافياً ودخل قصر (برمنكهام) حافياً.
وهذه المقومات لا تذهب سدى، وقد وجدت في الصفحتين الأخيرتين من ترجمة كتابه: (تجاربي عن الحقيقة) وأغلبه ذو صفة تاريخية وسياسية تمثل تفاصيل عمله في الهند، إلا إنه في الصفحتين الأخيرتين يبشر بالحب الإلهي، وإن الفرد غاية مناه أن يصل إلى الحب الإلهي. ولعله كان يحارب الإنكليز والاستعمار من وجهة نظر دينية وليس دنيوية فقط.
ورأيه في الإسلام وقادته حسن، وإن كان ذلك لا يصدق على التفاصيل. بدليل أنه اجتمع مع (محمد علي جناح) وهو سياسي شيعي عندهم، فلم يتفق معه على نتيجة، وانقضى الاجتماع بدون اتفاق، لأنه ينصر طائفته طبعاً.
وهو بوذي، والبوذيون يقدسون البقر، وقد نقل عن غاندي أنه قال: إن البقرة أحسن من أمي،
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وليوبولد فايس الذي أسلم وسمى نفسه محمد أسد(1)، وهو نمساوي وله عدّة
ــــــ[220]ـــــــ
لأني أستفيد من حليبها ولحمها وجلدها وعظمها، وأما أمي فليست كذلك. وأنا أجلُّه أن يقول ذلك, ولعلّه قاله لمجرد الإعلام. وإلا فمن يبشر بالحب الإلهي لا يمكن أن يبشر بحب البقر. ونحن نسمع قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ (البقرة: 93), فلا يجتمع حب العجل مع الحب الإلهي, وما دام الحب الإلهي موجوداً إذن فحب العجل منتفٍ, (منه,).
( ) ومحمد أسد -هذا- له أفكار طريفة وكثيرة، منها: ما ذكرناه في (ما وراء الفقه) [ج2, ق2, ص102 وما بعدها]: من أن التوحيد أجَلّ من أن يجعل له مثال زخرفي، وإنما المهم هو الهيبة والرصانة. فقمت أتأمل حكمة الصانع الذي اختار للتوحيد مكعباً من حجر.
ويقول: إني جُلت في مختلف البلاد الإسلامية فوجدت الأذان المعلن على المنابر بوتيرة واحدة وطريقة مشتركة، كأنه يجعل ذلك إشارة إلى وحدة المسلمين في الطريقة والهدف مهما اختلفت مذاهبهم وتباعدت بلدانهم. إلا أنه يذكر في الطريق إلى مكة (عبد العزيز آل سعود) ومقابلاته معه، ويذكره باحترام ولا ينتقده بقليل ولا بكثير.
وفي كتاب آخر له يتحدث عن إمكان جعل وزراء غير مسلمين في دولة إسلامية. لأن مقتضى الديمقراطية عند تعدد الجاليات هو ذلك. ثم يستشكل بأن ولي الأمر يجب أن يكون مسلماً، والوزير ولي أمر فيجب أن يكون مسلماً. ويجيب بأن الأمر ليس بالضرورة كذلك، بل يمكن أن نعطيه صفة لا يكون فيها ولياً للأمر.
وقد يشفع له أن يقال: إن ولي الأمر الذي يجب أن يكون مسلماً هو الحاكم الشرعي الأعلى، أما من دونه فليس بولي. ولولا آية في القرآن الكريم لقبلنا هذه النتيجة. وهي قوله تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً. وتسلط الوزير على حصته من الحكم نحو من السبيل بلا شك وتمام الكلام في محله، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مؤلفات لنصرة الفكر الديني أظهرها: (الطريق إلى مكة). وروجيه كارودي الشيوعي الفرنسي الذي أسلم وألّف كتابه: (البديل). يعني البديل عن الحضارة الأوربية.
وكذلك (بولس سلامة) في ملحمته الشعرية المعروفة ويصرح فيها أنه إنما نظمها رجاء الشفاء من مرضه المُزمن متشفعاً بالنبي وآله، وهو يتعرض لتاريخ أهل البيت على الطريقة الشيعية ويذكرهم ويمدحهم وخاصة أصحاب الكساء ومنهم الحسين.
كذلك (انطوان بارا) صاحب كتاب (الحسين في الفكر المسيحي)، فإنه كاتب منصف مجَّد الحسين ورثا له وقارنه بالمسيح كما يعتقد به، لأنه يرى مقتله وشهادته فقد قارن بين الشهادتين، ولم ينكر من تاريخنا شيئاً حتى مسألة تكلم الرأس الشريف الذي يُعَد من المعجزات، والمعروف بالماديين وغير المسلمين عموماً أن يكذّبوه دائماً لاتجاههم النفسي والعقائدي.
ولا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد الكاتب المسيحي اللبناني المشهور جورج جرداق في موسوعته الشهيرة: (علي صوت العدالة الإنسانية). حتى قال بعض المفكرين من الشيعة: إنه يفضل علياً على الرسول. في حين أن فخر علي هو اتباع الرسول.
وأنا أقول: إنه لم يقل فيه إلا ما يعرف وهو أعلى مما قاله بكثير. وأقول: إننا نأخذ منه الحق وندع الباطل. وأقول: إننا نطبق القاعدة التي نعرفها أن ما عند الأدنى عند الأعلى وزيادة. فما كان لعلي كان لمُحمد. ولا أعتقد إن هذا يخفى على جورج جرداق ولو ارتكازاً(1).
ــــــ[221]ـــــــ
( ) ولعلك تقول: إن منهم الكاتب المصري جرجي زيدان في قصصه المشهورة عن التاريخ الإسلامي والتي مزج فيها الواقع بالخيال، وهو يبدأ مما قبل الإسلام في تاريخ مصر والمغرب=
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كما لا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد الشاعر المعروف المعاصر عبد الرزاق عبد الواحد، فانه صابئي بل يُقال: إنه رجل دين عظيم عندهم ولعله شيخهم على الإطلاق، ومهما قلنا في جنبته الدينية والدنيوية فإن قلبه منجر حقيقة باتجاه الإسلام وأهل البيت وله قصائد مشهورة(1) في هذا الصدد قديماً وحديثاً، وهو من يعرف الإسلام بصفته شيعياً أو قل إنه لو أسلم لتشيع ولم يتبع أي مذهب آخر.
ــــــ[222]ـــــــ
=وسوريا والجزيرة العربية, ويتسلسل في قصصه ماراً بتاريخ الأمويين والعباسيين حتى يصل إلى الانقلاب العثماني والتمهدي. وهو: محمد بن عبد الله الذي ادّعى المهدوية في السودان ولا زالت ذريته موجودة، فهم: الصادق والمهدي وآخرون والكبار منهم رجال دين ودعاة إلى الدين، ويذكر تاريخه، والرجل -أعني جرجي زيدان- قد تعب في ذلك حقاً وخاصة في عرضه الأدبي ومزج الواقع بالخيال.
إلا أنني لا أعتقد أن غرضه ديني إطلاقاً، بل هو مزيج من الدنيا والمسيحية، أما الدنيا: فحب الشهرة والمال، وقد حصل عليهما من قصصه. وأما المسيحية: فالتأكيد بالتأثير المسيحي والوجود المسيحي في المجتمع المسلم، فهو يتتبع كل من نقل عن وجوده من المسيحيين من رجال دين وأطباء وأديرة وصوامع ويحاول أن يركز على ذلك تفصيلاً.
نعم, يمكن أن تحصل منه كما تحصل من غيره فَلَتات في مصلحة الإسلام والتشيع، لولا وضوح مزج الواقع بالخيال ولا تعرف أن ما ذكره هل هو من الواقع أو الخيال، وعلى أي حال فلا أحسب أنه كان متعصباً ضدّ الإسلام وإلا لما كتب هذا التاريخ وشهد بوثاقة عدد من الشخصيات الإسلامية، إلا أنه طبعاً تعرّض للتاريخ الإسلامي على طريقة التاريخ العام وليس على طريقة التاريخ الإمامي، ولذا لا نجد لذكر أئمتنا بعد الحسين ذكراً معتداً به، وأما علي والحسين فيشهد بفضلهم كل أحد، (منه).
( ) وقصيده المشهورة هي:
حسيراً أسيراً كسيراً ظمي
قدِمتُ وعفوك عن مقدمي
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[223]ـــــــ
سلام لمثواك من محرم
قدمت لأحرم في رحبتيك
ين مناراً إلى ضوءه أنتمي
فمذ كنت طفلاً رأيت الحسـ
ين ملاذا بأسواره أحتمي
ومذ كنت طفلاً وجدت الحسـ
ين رضاعاً وللآن لم أفطم
ومذ كنت طفلاً عرفت الحسـ
وإن كنت مختضباً بالدم
سلام عليك فأنت السلام
بما ديس من صدرك الأكرم
وأنت الدليل إلى الكبرياء
يا من من الذبح لم يعصم
وإنك معتصم الخائفين
لاقي به الموت كي تسلمي
لقد قلت للنفس هذا طريقك
فما فيه للروح من مخرم
وخضت وقد ضفر الموت ضفراً
على الموت في زرد محكم
وما دار حولك بل أنت درت
حتى بصرت وحتى عمي
من الرفض والكبرياء العظيمة
وأبقاك نجماً من الأنجم
فمسَّك من دون قصد فمات
هل الموت في شكله المبهم
ليوم القيامة يبقى السؤال
أم خادم القدر المبرم
هو القدر المبرم اللا يرد
وبرعمه طبت من برعم
سلام عليك حبيب النبي
وفزت بمعياره الأقوم
حملت أعز صفات النبي
كما خيروه فلم تثلم
دلالة أنهم خيروك
جبين ولم تلتفت ولم تندم
بل اخترت موتك صلت الـ
للألاءها كالأخ التوأم
وما دارت الشمس إلا وأنت
حواليك في ذلك المضرم
سلام على آلك الحوم
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[224]ـــــــ
عن صدرك الطاهر الأرحم
وهم يدفعون بعري الصدور
ما غاص فيهم من الأسهم
ويحتضنون بكبر النبيين
كشمسين في فلك أقتم
سلام عليهم على راحتين
وتجري الدماء من المعصم
تشع بطونهما بالضياء
بلألاءها مرتقى مريم
سلام على هالة ترتقي
مخضبة بالدم العندم
طهور متوجة بالجلال
أمام تفجعها الملهم
تهاوت فصاحة كل الرجال
بصوت بأوجاعه مفعم
فراحت تزعزع عرش الضلال
لمادت بأحرفها اليتم
ولو كان للأرض بعض الحياء
ومقحمه جل من مقحم
سلام على الحر في ساحتيك
سلام
وحجم تمزقه الأشهم سلامٌ عليه بحجم العذاب
عتب الشغوف به المغرم
سلام عليه وعتب عليه
وعمرك يا حر لم تلجم
فكيف وفي ألف سيف لجمت
ولو كنت وحدي لم أحجم
وأحجمت كيف وفي ألف سيف
عليك دوائرهم يا دمي
ولم أنتظرهم إلى أن تدور
ولو أن أرسانهم في فمي
لكنت انتزعت حدود العراق
فما نال منه بنو ملجم
لغيرت تأريخ هذا التراب
سلام على (الحر) وعيا أضاء وزرقاء من ليلها المظلم
أطلّت على ألف جيل يجيء وغاصت إلى الأقدَام الأقدُمِ
فأدركت الصوت.. صوت النبوّة وهو على موته يرتمي
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[225]ـــــــ
فما ساومت نفسها في الخسار ولا ساومتها على المغنم
ولكن جثت وجفون الحسين ترفُّ على ذلك المجثم
يا مشرعاً قط لم يعجم
ويا سيدي يا أعز الرجال
إذا قيل يا ذا الفقار احسم
ويا بن الذي سيفه ما يزال
سرت بين كفك والمحزم
تحس مرؤة مليون سيف
وتنكر زعمك من مزعم
وتوشك أن.. ثم ترخي يديك
وأينك من ذلك الضيغم
فأين سيوفك من ذي الفقار
عظمت لدى الله من مسلم
عليُ عليَ الهدى والجهاد
وأغنى امرئ معدم
وليس ببيتك من درهم
فداء لجوعك من أبكم
ويا أكرم الناس بعد النبي وجهاً
ملكت الحياتين دنيا وأخرى
فدى لخشوعك من ناطق
مزيجاً من الدم والعلقم
قدمت وعفوك عن مقدمي
ونفس أبت أن أقول إكظم
وبي غضض جل أن أدريه
فتياره كله في دمي
كأنك أيقظت جرح العراق
خذيني وللنفس لا تهزمي
ألست الذي قال للباترات
عليهم سوار على المعصم
وطاف بأولاده والسيوف
وصاح على موته اقدمي
فضجت بأضلعه الكبرياء
شداد على القهر لم نشكم
كذا نحن يا سيدي يا حسين
سواترنا قط لم تهدم
كذا نحن يا آية الرافدين
فإنا وكلنا إلى الأظلم
لأن ضج من حولك الظالمون
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[226]ـــــــ
فقد خاننا من له ننتمي
واحدهُم صار كالأرقم
وان خانك الصحب والأصفياء
بنو عمّنا.. أهلنا الأقربون
فنحتار من أيها نحتمي تدور علينا عيون الذئاب
كباراً على لؤمها الألأم
لهذا وقفنا عراة الجراح
يلألئ في الحلك الأعتم
فيا سيدي يا سنا كربلاء
وتزفر بالوجع الملهم
تشع منائره بالضياء
سينهل من وِردِه الزمزم
ويا عطشاً كل جدب العصور
سلام لأرضك من ملثم
سأطبع ثغري على موطئيك
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
من نصروا المذهب من خارجه من حيث لا يعلمون
وممن نصروا المذهب من خارجه فهذا تارة يكون من حيث لا يعلمون، فإذا قصدنا ذلك كان كلهم تقريباً كذلك من القدماء والمحدثين إلا النواصب والمتعصبين، فإنهم جميعاً يحملون فكرة جيدة جداً عن المعصومين، ولا يذكرونهم إلا بكل خير، بل حتى أمثال ابن حجر في (الصواعق المحرقة على أهل البدع والزندقة)، ويقصد الشيعة، المهم إن الأمر واضح أنه ضد الشيعة وليس ضدّ أئمتهم ولا يذكرهم إلا بالإكبار والإجلال.
ومن هنا تكون كثير من كتبهم حاوية على أصناف من الأخبار يمكن الاستدلال بها لنصرة المذهب، وتكون حجة عليهم من حيث الاعتماد على هذه الكتب وهؤلاء الرواة من قبلهم في الأمور الأخرى كالفقه والتاريخ والعقائد وغيرها، ويكفينا مثالاً كتاب (فضائل الخمسة في الصحاح الستة). وأسلوبه وإن لم يكن منهجياً ولكنه يُعرّفنا بالأخبار الواردة في الصحاح الستة وهي أعلى كتب الجماعة على الإطلاق في الحديث، مما يدل على فضائل وكرامات ومدح أصحاب الكساء الخمسة، وهم أعلى جماعة في نظرنا على الإطلاق.
تصوروا أن البخاري(1) الذي يعدل القرآن عندهم لم يروِ عن الإمام
ــــــ[227]ـــــــ
( ) صحيح البخاري.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الصادق ولا حديثاً واحداً، وروى عن الزهراء حديثين أو نحو ذلك، أيضاً فيه ما يكفي لفضائل المعصومين عن رسول الله، وكذلك حادثة وفاته وقولهم إن النبي ليهجُر وكذلك كثير من الأخبار الواردة كالبشارة عن المهدي.
وفي صحيح مسلم يوجد كل ذلك مع زيادة الأخبار (الأئمة الاثنا عشر): “يكون من بعدي اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أسمعها فقلت لأبي ماذا قال؟ قال: كلهم من قريش”(1). ولها أسناد كثيرة في الكتاب إلى حد الاستفاضة وهي لا تنطبق إلا على المعصومين لأن كل أطروحة أخرى تفشل كالخلافة الأولى أو الأموية أو العباسية أو الفاطمية أو العثمانية، وهذا ما يعلمه مفكروهم. فلذا يجيبون بوجود خلفاء متفرقين بين هؤلاء، ويعدون جماعة كالأربعة وعمر بن عبد العزيز والمهتدي وغيرهم حتى يصير العدد ثمانية أو تسعة، ثم يقولون إننا نضيف المهدي الذي يأتي في مستقبل الزمن ومع ذلك قصّر العدد عن المطلوب، فيقولون: بأنه ربما يأتي أناس مصلحون يتولّون الخلافة في المستقبل ونحن لا نعلم.
إلا أن هذا الفهم إن قبلناه رغم عجزه فإنه خلاف ظاهر الحديث من جهتين:
الأولى: أن ظاهر حصولهم بعد النبي مباشرة وليس بزمانٍ بعيد.
الثانية: أن ظاهره إن حصولهم بشكل متقارب فيما بينهم وليسوا متباعدين إلى هذه الدرجة، فتبقى هذه الأطروحة وهماً من الأوهام مضافاً إلى كونها غير تامة في
ــــــ[228]ـــــــ
( ) فقد ورد في صحيح مسلم: عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي فسمعته يقول: “إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة” قال: ثم تكلم بكلام خفيَ عليَّ. قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش. صحيح مسلم, ج6, ص3.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
نفسها، فينحصر الحال في المعصومين (سلام الله عليهم) الذين نؤمن بإمامتهم، وصحيح مسلم عندهم يلي البخاري في الأهمية وكل أخباره بل كل أخبار الكتب المسماة بالصحاح الستة حجة ومعتبرة، فهم من هذه الناحية ينحون منحى الإخباريين من الشيعة في الاعتماد بصحة هذه الكتب الأربعة جميعاً.
ــــــ[229]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[230]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
من نصروا المذهب من خارجه عن علم وعمد
وأما من نصروا المذهب من خارجه عن علم وعمد فهم عديدون وإن كانوا قليلين نسبياً. أخص منهم بالذكر الشيخ محمود أبو ريّة صاحب كتاب (شيخ المضيرة)، وكتاب ينتقد به البخاري ويبين زيفه لا أتذكر عنوانه(1).
وعبد الفتاح عبد المقصود صاحب كتاب (علي بن أبي طالب)، فإنه وإن كان فيه بعض الأمور إلا أن نصرته للحق واضحة جزاه الله خيراً.
أما الذين أعلنوا تشيعهم فعديدون وهناك كتاب عنوانه: (لماذا اخترت المذهب الإمامي). يسرد فيه جماعة من هؤلاء ومن أشهر هذا الصنف الأنطاكي وله ملحمة شعرية مطولة في مدح أهل البيت وذكر تاريخهم.
والدكتور محمد التيجاني السماوي (أعزه الله)، وواضح من كتابه: (ثم اهتديت). كيف مرّ بالمشكلة الدينية وكيف خرج منها منتصراً للحق جزاه الله خيراً.
وكنت أقول فيه ولا زلت أقول: إنه خير من الذين كتبوا في نصرة المذهب من الشيعة كالسيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ عبد الحسين الأميني وغيرهم، لأنه قد يقال: إن هذا الفرد أو ذاك إنما هو شيعي ومن الطبيعي أن يدافع الفرد عن ــــــ[231]ـــــــ
( ) كتاب: أضواء على السُنّة المحمدية.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مذهبه، إلا أن التيجاني مرّ بالمشكلة حقيقة وترك مذهبه وانتقل إلى مذهبنا وحَسُن تشيعه ودافع عنه، ولا زال يدافع ويعقد الندوات لذلك، إلا أن تقليده وميله الحوزوي الله أعلم بحقيقته.
ــــــ[232]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
طلب البيعة ليزيد
السؤال الآخر الذي يمكن عرضه بصددنا هذا: ما يقول التاريخ من طلب والي المدينة من الحسين خلال الليل -استعجالاً بالأمر من قِبَل الوالي- البيعة ليزيد بعد موت معاوية، قال: «ولما استقر المجلس بأبي عبد الله، نعى الوليد إليه معاوية ثم عرض عليه البيعة ليزيد. فقال: “مثلي لا يُبايع سراً”. فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فكان أمراً واحداً. فاقتنع الوليد منه لكن مروان ابتدر قائلاً: إن فارقك الساعة ولم يُبايع لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجل حتى يبايع أو تضرب عنقه.
فقال الحسين: “يا بن الزرقاء أنتَ تقتلني أم هو! كذبت وأثمت”.
ثمَّ أقبل على الوليد وقال: “أيها الأمير إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع مثله. ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة”»(1).
ــــــ[233]ـــــــ
( ) أنظر: البحار, ج44, ص325، البداية والنهاية, ج8, ص157.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فأغلظ الوليد في كلامه وارتفعت الأصوات فهجم تسعة عشر رجلاً قد انتضوا خناجرهم وأخرجوا الحسين إلى منزله قهراً»(1).
وقوله: يا بن الزرقاء -يعلق السيد المقرم-: إنه في (تذكرة الخواص) كانت جدة مروان من البغايا. وفي (كامل ابن الأثير): كان الناس يعيّرون ولد عبد الملك بن مروان بالزرقاء بنت وهب، لأنها من المومسات ومن ذوات الرايات. وفي تاريخ ابن عساكر: جرى كلام بين مروان وعبد الله بن الزبير فقال له عبد الله: وإنك لههنا يا بن الزرقاء. وفي (تاريخ الطبري): كان مروان بن محمد بن الأشعث يقول: لم يزل بنو مروان يعيَّرون بالزرقاء، وإن بني العاص من أهل (صفورية).
ثمَّ يبدأ السيد المقرم بالاعتذار عن صدور مثل هذه الصفة عن الحسين وهو معصوم. مع أنه خلاف الأدب الشرعي(2).
ويُجيب بعدة أجوبة، يُستفاد من كلامه:
1- هو معصوم ولا بد لنا من التسليم للمعصوم في كل ما يفعله ويقوله.
2- إن مقتضيات أحوال ذلك الزمن كانت تقتضي ذلك. ولم يفصل فيه.
3- إن مثل هذا النبز صادر عن الجليل جلَّ وعلا في كتابه الكريم حيث يقول في سورة القلم: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم(3). والزنيم في اللغة الدَعي في النسب اللصيق به(4)، فإذا جاز من الله جاز من غيره.
ــــــ[234]ـــــــ
( ) راجع مناقب آل أبي طالب, ج3, ص240.
(2) مقتل المقرم, هامش ص130, ط بيروت.
(3) القلم: 13.
(4) أنظر: لسان العرب, ج12, ص276.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قُلتَ: فإن الله سبحانه قال ذلك بصفته الخاصة به ولا يشمل غيره.
قُلنا: كلا. بل قال بصفته متكلماً فقط وذلك من عدة وجوه:
الأول: انه لا بد من فهم العموم ما لم يثبت الاختصاص به وفي مورد كلامنا لم يثبت شيء من هذا القبيل.
ثانياً: إنه كما أن لنا برسول الله أسوة حسنة كذلك لنا بالله أسوة حسنة وكل ما فَعَلَ أو قالَ قلنا أن نفعله أو نقوله إلا ما خرج بدليل. وفي الخبر: “تخلقوا بأخلاق الله”(1).
فإن قُلتَ: فإن الله تعالى لا يجب عليه إطاعة الأحكام الشرعية لأنه هو الآمر بها لا المأمور.
قُلنا: نعم, ولكن كثيراً من الأحكام مطابقة للعدل والحكمة والله تعالى عادل حكيم فيُطبقها بهذه الصفة، ومنه اتضح أن مقتضى الأدب الشرعي هو الكف عمّن لا يستحق الشتم وأما من يستحقه فلا. وهذا معنى ثابت باستمرار ولا دخل لمقتضيات ذلك الزمن في ذلك، كما هو ظاهر عبارة السيد المقرم. بل هو من مقتضيات كل زمن.
إلا أن السيد المقرم كان ينبغي أن يُلاحظ ما هو أهم من ذلك، لأن لهجة مروان لم تكن لهجة مجاملة بل لهجة تهديد، ومعناه كونه متطرفاً في الضلال وهاوياً لقتل الحسين، ومن هنا كان أهلاً لذلك بكل وضوح.
ــــــ[235]ـــــــ
( ) البحار, ج58, ص129.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومثله قالت السيدة زينب بنت علي ليزيد بن معاوية: “يا بن الطلقاء”(1)، لأنَّ رسول الله في فتح مكة كفَّ عن المنافقين ولم يقتلهم وقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”(2)، وكان فيهم أبو سفيان جد يزيد، ومن هنا صَدَقَ عليه أنه ابن الطلقاء.
ولو كان السيد المقرم قد التفت إلى السؤال الذي سنذكره لكان أولى، وهو إنه لماذا لم يصرح الحسين من أول الأمر بعدم المبايعة، وإنما قال: “مثلي لا يبايع سراً فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فكان أمراً واحداً”.
وجواب ذلك من عدّة مستويات:
المستوى الأول: إنه ليس فيه أي إشعار بوقوع المبايعة من قِبَل الحسين صباحاً علناً، كل ما في الأمر هناك توقع لعرض المبايعة عليه، وليس هناك ظهور في كلامه بإنه يوجد توقع لرد الفعل الإيجابي بالنسبة إلى هذا العرض.
المستوى الثاني: إنه إلى هذا الحد يريد الحسين إيجاد شيء من المجاملة والتقية أمام حاكم البلد، لأجل التجنب من المواجهة واحتمال اتساع الضرر وإراقة الدماء.
ولكن لما سمع التهديد من مروان، اعتبر أن المواجهة قد حصلت من طرف الخصم فلا بد من التصريح بما يُكنّه في نفسه الشريفة من كلام المبايعة فقال: “مثلي لا يُبايع مثله”.
ــــــ[236]ـــــــ
( ) البحار, ج45, ص134، بلاغات النساء, ص21، اللهوف لابن طاووس, ص106.
(2) منتهى المطلب للعلامة الحلي, ج2, ص937، مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي, ج4, ص113، تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي, ج4, ص119، وسائل الشيعة, ج15, ص158، السنن الكبرى للبيهقي, ج9, ص118، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي, ج5, ص242.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المستوى الثالث: كأطروحة أن الحسين يكون في هذا المجلس الليلي المنعزل أمام هذين الخصمين العنيدين أضعف موقفاً، فإذا تأجل الأمر إلى الصباح وأمام جمهور الناس بما فيهم وجهاء المدينة وعلماؤها كان هو في نقطة قوة، لأن العديد من الحاضرين عندئذٍ سيكونون إلى جهته ويقبلون منه التبرير الكامل لعدم المبايعة.
المستوى الرابع: أنه قد يكون قد أسرَّ في نفسه أنه إذا اجتمع الناس غداً فسوف يصرّح لهم بحرمة المبايعة وينهاهم عنها، وهذا ما لا يستطيعه في المجلس الليلي المنعزل، ولا أقل أنه حين يرى الناس رفضه للمبايعة في نفسه، فإنهم سيأخذون طرفه ويتركون المبايعة المطلوبة منهم من قِبَل الحاكم.
وعلى أي حال فمن المعلوم أنه بعد أن صرّح الحسين بعدم المبايعة في ذلك المجلس لم يكن للوليد أمل بمبايعته أمام الناس فلم يحصل الاجتماع المقترح، وترتب على ذلك بأن عموم أهل المدينة وآخرين كثيرين لم تؤخذ منهم البيعة ليزيد إطلاقاً.
وترتب على ذلك أن الحسين حين أراد الخروج إلى الكوفة صحبه الكثيرون، لأنهم لا يملكون عهداً تجاه الحاكم الأموي وهو المبايعة، ولكن تفرقوا عنه بالتدريج إلى أن لم يبقَ معه إلا الخاصة الذين قدَّر الله لهم الفوز بالشهادة.
وقوله: “يا بن الزرقاء، أنتَ تقتلني أم هو، كذبت وأثمت”. له ظهور بالاستشمام بظهر الغيب أن قاتله ليس هو أحدهما بل غيرهما، كما قد حصل فعلاً.
ومراده بقوله: (كذبت). هو ذلك وتدل عليه القرينة المتصلة وهي قوله: (أنت تقتلني أم هو). فمراده تكذيب القتل خاصة.
ــــــ[237]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فإن قُلتَ: إنه إنشاء لا إخبار والإنشاء لا يصدق عليه الصدق والكذب.
قُلنا: هو دال على الإخبار بالملازمة، لأنه لو نفّذ الوليد أمر مروان لكان الوليد قائله (إخباراً)، وهو إخبار كاذب، لأنه غير مطابق للواقع، أما الإثم فقد حصل من [أن] يُقتل المؤمن البريء، بل أكثر من ذلك لأنه إمام مفترض الطاعة.
ولا يُراد به تكذيب نبوءته التي كانت صادقة في نفسها لأنها مما حصل فعلاً. وهو قوله: “إن فارقك الساعة ولم يُبايع لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بيننا”. وقد حصل.
ــــــ[238]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
نصيحة عبد الله بن الزبير
وقال المؤرخون(1) خلال هذه الحادثة: (ووضح لابن الزبير ما عزم عليه الحسين من ملاقاة الوالي في ذلك الوقت. فأشار عليه بالترك حذار الغيلة. فعرفه الحسين القدرة على الامتناع وصار إليه الحسين في ثلاثين من مواليه وأهل بيته وشيعته شاكين السلاح وهم الذين أنقذوه في نهاية المجلس حين أغلظ الوليد في كلامه وارتفعت الأصوات، فهجم تسعة عشر رجلاً قد انتضوا خناجرهم وأخرجوا الحسين إلى منزله قهراً).
وسيكون هو وعبد الله بن عمر من الذين ينصحون الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة خوفاً عليه، فماذا كانت وجهة نظرهم مع العلم أنهم لا يتخوفون عليه حقيقةً بل يختلف مسلكهم عن مسلكه اجتماعياً واقتصادياً ومذهبياً.
وجواب ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: الحفاظ عليه لأجل الحفاظ على سعة المعارضة ضدّ الحكم الأموي الذي كانوا يمثلونه يومئذٍ، فإنه لو حصل قتل الحسين فتضعف المعارضة في رأيهم ويقلّ عدد المعارضين المشهورين.
ــــــ[239]ـــــــ
( ) أنظر نحوه في البحار, ج44, ص325، المناقب, ج3, ص240.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الوجه الثاني: أنه لو حصل قتل الحسين بالرغم من قوته اجتماعياً ورسوخ حبه في الناس، فسوف يسري احتمال حصول ذلك بالنسبة إليهم أيضاً.
الوجه الثالث: أنهم وإن لم يتفقوا معه في الكثير من القضايا إلا أنهم لعلهم يفكرون في الإمكان الاستفادة منه أو من أصحابه في تدابير كثيرة محتملة ضدّ الحكم الأموي سواء كان ذلك عند تمثيل دور المعارضة أو لدى الحصول على الهدف. ومن هنا كان في المصلحة بالنسبة إليهم -وهي مصلحة دنيوية- بقاء الحسين حياً وعدم تعريض نفسه للقتل.
الوجه الرابع: أنهم خافوا احتمال السيطرة على العراق، فإنه إذا استجاب إلى الكتب التي وصلته من الكوفة وذهب إليها وأصبح أميراً عليهم، فسوف لن يكون لهم وجود معتدٍ به بعد ذلك.. بل قد يأمر بقتلهم.
وهذا الوجه يتوقف على أن هؤلاء لم يكونوا ملتفتين إلى رجحان الظن بقتله، كما عليه الناس عادة وبلّغه في خطبته قائلاً: “كأني بأوصالي هذه تُقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء.. لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم”(1). غير أن هذه الخطبة متأخرة زماناً عن ذلك الموقف، واحتمال سيطرته على العراق موجود على أي حال ولو بمقدار 50% أو نحو ذلك، وأخبار السيطرة على مسلم بن عقيل في الكوفة لم تكن قد وصلت إلى ذلك الحين، فمن المعقول أساساً أن يحتملوا ذلك وأن يحولوا دون حصوله.
ــــــ[240]ـــــــ
( ) البحار, ج44, ص367، مثير الأحزان لابن نما, ص29.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الوجه الخامس: ومن الأطروحات المحتملة ما ذكره بعض الأعزة من أنهم أرادوا إبقاءه في مكة لكي يُقتل بعد أن كانوا مسبوقين بدس الجماعة الذين يريدون اغتياله في الحرم المكي. ليبقى الحسين في المدينة منعزلاً ولا يتورطون بإمارته وسعة ملكه.
ــــــ[241]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[242]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كتب أهل الكوفة
والأمر الآخر: إنهم قالوا(1): وفي مكة وافته كتب أهل الكوفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة يسألونه القدوم عليهم، لأنهم بغير إمام ولم يجتمعوا مع النعمان بن بشير في جمعة ولا جماعة، وتكاثرت عليه الكتب حتى ورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب واجتمع عنده من نوبٍ متفرقة اثنا عشر ألف كتاب، وفي كل ذلك يشددون الطلب وهو لا يجيبهم. وآخر كتاب ورد عليه من شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطارد.
وفيه: «إن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعَجل العَجل يا بن رسول الله فقد اخضرَّ الجناب وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار». وهذه التفاصيل لا يحتمل حملها على معناها المطابقي، وإنما تُحمل على الرمز لأمور معينة اقتضت المصلحة عدم التصريح بها، وإن معناها أن الأمور معدّة ومتهيئة لاستقبالك، وأما أنها رموز منَعَت التقية عن التصريح بها.
فإن قُلتَ: إنهم لم يكونوا في ذلك الحين في تقية.
ــــــ[243]ـــــــ
( ) أنظر: مثير الأحزان لابن نما, ص16.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
قُلنا: نعم من حيث الهدف وأما من حيث التفاصيل فلا.
فإن قُلتَ: فإنها تحتوي على مجابهة كاملة لقولهم (جندٌ لك) يعني محاربين للكيان القائم، وهو معنى أنهم ليسوا في تقية من أية جهة.
قُلنا: نعم كأطروحة، وحينئذٍ تسقط هذه الأطروحة فنتحول إلى الأطروحات الأخرى.
«فأقدم إذا شئت فإنما تقدم على جند لك مجندة».
ويمكن أن يكون حول ذلك بعض الأسئلة:
لماذا لم تأتِ مثل هذه الكتب من غير الكوفة كالبصرة؟
السؤال الأول: إنه لماذا لم تأتِ مثل هذه الكتب من غير الكوفة كالبصرة، فإن الوارد في التاريخ أنها جميعاً جاءت من الكوفة أو قل من منطقة الكوفة.
جوابه: أن الكوفة كانت عاصمة الحكم العلوي ردحاً من الزمن وترتبت على يَد أمير المؤمنين وفيها مخلصين متحمسين له، كما أن فيها محبين له، وكل الشعب هناك يتذكر أيام السعادة التي عاشها بين يدي الإمام.
وهذه الصفة لم تكن حتى للبصرة، فإن البصرة مرَّ فيها الإمام أياماً خلال حرب الجمل وصلى فيها جماعة إلا أنه مُقامٌ غير طويل أولاً، ولم يعاشر الناس فيها ويمارس الخطب وتوزيع الأموال ونحو ذلك مما كان يفعله حال استقراره، لأنه كان مشغولاً بالحروب.. ومن ثمَّ لم يحمل الناس هناك عنه نفس الفكرة التي حملها عنه الكوفيون.
ــــــ[244]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وإذا لم يكن الحال في البصرة كذلك ففي غيرها أولى.
وذكر بعض الأعزة وجهاً آخر: وهو إن البصرة كان واليها عبيد الله بن زياد، فكانت تخاف منه، لأنه قاسٍ في حكمه وواضح العداء والنصب لأهل البيت.
فإن قُلتَ: فإنه إنما اشتدت قسوته في الكوفة تلافياً لما حصل من الحركة العلوية بقيادة مسلم بن عقيل في مصلحة الحسين ولم يكن مثل ذلك في البصرة، وليس من المعروف أنه كان قاسياً في الحكم بالبصرة.
قُلنا: إنهم هناك كانوا يعرفون اتجاهه وذوقه وموقفه الاجتماعي، فلو كان قد حصل في البصرة من الحركة الإيمانية ما حصل في الكوفة لكان ردّ فعله تجاهها هو نفسه الذي فعله في الكوفة.
فإن قُلتَ: فإنه فعل ذلك في الكوفة، لأنه مخول بذلك من قِبَل الحاكم الأموي، ولم يكن مخولاً بذلك من قِبله في البصرة.
قُلنا: نعم, إلا أنه إنما خوّله بذلك نتيجة للحركة الإيمانية، فإذا حصل مثلها في البصرة فأحسب أن التخويل موجود وما أسرع ما يصل إليه.
لماذا بادرت الكوفة لدعوة الحسين ولم تبادر قبل ذلك؟
السؤال الثاني: أنه ما الذي حدث في الكوفة في ذلك الحين وقد بادرت بكل مفكريها ووجهائها وشعبها إلى دعوة الحسين إليهم ولم تبادر قبل ذلك؟
جوابه: أن هذا يحتاج إلى مقدمتين إحداهما محرزة والأخرى محتملة:
ــــــ[245]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المقدمة الأولى -وهي المحرزة-: أنهم لم يكونوا يستطيعون ذلك خلال حكم معاوية، لمدى سيطرته ومكره واستعداده للتنكيل بهم كما فعل بخاصة أصحاب الإمام علي كحجر بن عدي الطائي وغيره ممن قُتل بعد وقعة صفين(1)، فكانت قسوته في الحكم مسببة لدرجة مكثفة من التقية والحذر.
وإنما انفتحت الفرصة بعد موته مباشرةً، كأنَّ حجراً ثقيلاً أزيل عن صدور الأمة، وقد اختلف وضع المجتمع بموته، وضعفت دولة الأمويين بحكم يزيد، ولا أحد يحسن به الظن، كما لم يكن يزيد إلى ذلك الحين قد مارس شيئاً من القسوة التي مارسها بعد ذلك كوقعة الحرة وغيرها، وإنما المعروف عنه انه مشغول بشهواته وقيانه وخمره، ومثل هذا النموذج لا يستطيع ممارسة الحكم القوي كما كان عليه معاوية.
إذن فمن المناسب جداً أن يبدأ من جديد وجود الحكم العادل المحبوب للناس حكم أهل البيت (سلام الله عليهم) متمثلاً بالحسين.
المقدمة الثانية -وهي المحتملة-: أن هذا الأمر يحتاج في المجتمع إلى تحريك لا أنه يوجد في نفسه على سبيل الصدفة، ولم يرد في التاريخ أنه من هو أول مَنْ حركه، ومن هنا كان الأمر مجهولاً، غير أننا نعلم أن في الكوفة مخلصين متحمسين واتجاهاً علوياً قوياً يعتبر أقوى الاتجاهات على الإطلاق في ذلك المجتمع، بالرغم من أنه لا يخلو أي مجتمع من اتجاهات مختلفة ومستويات متباينة إلا أن الاتجاه العلوي كان هو الأقوى حتماً.
ــــــ[246]ـــــــ
( ) أنظر: شرح الأخبار, ج2, ص171.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ولم تخنس الكوفة إلا في عهد عبيد الله بن زياد، ونراها بعد أن أنقذها الله تعالى منه قد احتضنت التوابين، بل أن أكثر التوابين هم منها، كما احتضنت المختار الثقفي الآخذ بالثأر، وكانت عاصمته إلى أن تسلطت عليها القسوة الأموية من جديد متمثلة بالحجاج الثقفي. وعلى أي حال، فقد كانت هذه الكتب نتيجة طبيعية لهذا الاتجاه القوي، بعد زوال المانع ووضوح ضعف الحكم المعادي.
لماذا يتوقف أمر الحسين على الذهاب إلى الكوفة
السؤال الثالث: لماذا يتوقف أمر الحسين على الذهاب إلى الكوفة بل كان يستطيع أن يُعلن نفسه حاكماً على المنطقة التي هو فيها، وهي منطقة الحجاز بما فيها مكة والمدينة، ثم يستطيع أن يتصرف من نقطة قوة ضد الحكم الأموي كما تقتضيه الأحوال.
جواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنه لم يكن من المناسب جداً أن يبدأ الناس بذلك ويُعلن نفسه أميراً، لأن أسهل ما يُقال ضدّه عندئذٍ كونه محباً للإمارة وطالباً للدنيا، فالأمر كان متوقفاً على وجود المبادرة من غيره والطلب إليه في ذلك، في حين لم يحدث شيء من هذا القبيل.
الوجه الثاني: أن المجتمع في الحجاز لم يكن كالمجتمع في الكوفة أكيداً، فإن الحجاز قد عاشر الخلافة الأولى على طولها وعاشر العلماء والمفكرين والرواة
ــــــ[247]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والقصاصين المؤيدين لها من طبقة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
والمهم أن هذا الاتجاه كان قوياً هناك شعباً وحكومة لو صح التعبير، والناس وإن حملوا فكرة طيبة عن أهل البيت وذرية رسول الله إلا أنهم لن يُحدِّثوا أنفسهم بتمكينهم من الحكم، لما يعرفونه منهم من تطبيق الحق والعدل، الأمر الذي يكسر بالتدريج مصالحهم الدنيوية ويؤدي إلى تشتت شملهم وتصدع حالهم، بخلاف الكوفة التي كانت علوية بطبعها.
الوجه الثالث: أننا نعرف أن في الحجاز قادة مشاهير معارضين للحكم الأموي وللحسين أيضاً، وأشهرهم عبد الله بن الزبير، وهذا معناه أن أي واحد منهم -سواء منهم على مستوى التأثير الفكري أو العسكري- استطاع التغلغل في المجتمع واكتساب الثقة به والشهادة بمشروعية وجوده بل وجود المتحمسين له والمدافعين عنه، قلوا أو كثروا.
وهذا معناه أن منطقة الحجاز مجتمع مختلط من هذه النواحي اختلاطاً كبيراً وصعباً، ولا يمكن للحسين الانفراد به أو السيطرة عليه سيطرة تامة، إلا بالمعجزة التي لم تكن مفروضة في نشر الحق وإقامة العدل.
وخاصةً بعد أن نلتفت إلى أن أسلوب الحكم يومئذٍ لم يكن على أسلوب الحكومات الحديثة من الأجهزة والاموال والمعدات، كما لا يستطيع الحسين -حسب فهمي- أن يتعامل مع أعدائه خصوصاً ومع المجتمع عموماً عن طريق القسوة والسيطرة المكثفة, وإنما عليه أن يتعامل معه بالأخلاق والتواضع والمرحمة،
ــــــ[248]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وهي صفات لا تفيد حقيقةً في قيادة المجتمع المختلط وغير الكفؤ.
ومن ثم سنجد أن الإمام المهدي لا يتعامل مع المجتمع بالمجاملة والرحمة وإنما بالقسوة والشدة والتركيز، لكي يستطيع أن يكون جدياً حقيقةً في إقامة دعائم الحق والعدل وإقامة حكم الله في الأرض.
لماذا استجاب لهم مع علمه بكذبهم وخداعهم
السؤال الرابع: أنه لماذا استجاب لهم مع علمه بكذبهم وخداعهم -بغض النظر عن علم الإمامة الخاص- فإن جملة منهم كان واضح النفاق يومئذٍ كشبث بن ربعي وحجّار بن أبجر وعمرو بن الحجاج وآخرين، ونحن نعلم أنهم أصبحوا في معسكر الأعداء ضدّه في واقعة الطف، في المستقبل القريب.
فكان يقتضي الفهم الاجتماعي المعمق الالتفات إلى ذلك وعدم الاستجابة له إطلاقاً، وخاصةً إذا ضممنا الفهم المتشرعي تاريخياً من أن المحرك الأساسي لحركة الحسين هو الكتاب الأخير الذي استلمه، ومن المعلوم لدينا الآن إن الموقعين عليه كلهم من المنافقين والمعادين، وقد يكون فيهم مَنْ هو يهودي الأصل كعزرة بن قيس، ومن الصعب أن نتصور ان اليهودي يحسُن إسلامه، فإنما كان ذلك مصيدة للحسين ليس إلا.
جواب ذلك: إننا ينبغي أولاً أن نأخذ مُسلَّماً إنه ليس العلّة الأخيرة هو الكتاب الأخير، وإنما ذلك كان على سبيل الصدفة. نعم, اهتم به المؤرخون ونقلوا مضمونه، وهذا لا يعني أنه أهم في نظر الحسين من الكتب الأخرى ولا يعني اهتمامه
ــــــ[249]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
بالموقعين فيه أكثر من اهتمامه بالكتب الأخرى وإنما الاهتمام الحقيقي -حسب فهمنا- مُنصبّ على كثرة الكتب فقط، بحيث يصدق أكيداً أن الكوفة كلها كتبت إليه، وإذا دعته الكوفة كلها وأظهرت إسناده واستعدادها للدفاع عنه، كان ذلك -موضوعاً- كافياً للحكم الشرعي بوجوب الحركة.
فمن هنا يمكن القول إن الذي دعاه إلى الحركة أحد أمور:
الأول: تمامية الحكم الشرعي في نظره بوجوب إقامة حكم الله في الأرض، ولو على منطقة محدودة، بعد تحقق موضوعه وهو دعوة الكوفيين له.
الثاني: أن هناك ردّ فعل سيء سوف يحصل إذا لم يذهب.
أما من الله سبحانه، وهو غضبه بصفته آمراً بهذا الحكم الشرعي، أو من الناس، وأنه متقاعس وجبان والفرصة انفتحت له ولم يذهب، لأن خبر هذه الكتب انتشر حتماً في المجتمع والذين يأتون بالكتب يذهبون ويتحدثون عنها في الكوفة وفي مكة وفي المدينة وفي أي مكان، وكذلك مرسلوها. ويكفينا وجود هذه الشائعة -إذا وجدت- في الكفة نفسها ونحن نعلم إنها إذا كانت ضدّ الحسين فستكون ضدّ الدين والمذهب، وهذا ما لا يُريده الحسين بطبيعة الحال.
الثالث: أنه ذهب ليُجرب حاله ومباشرته للحكم، فإن استتب له الأمر بتوفيق الله سبحانه فهو المطلوب، وإلا أمكن التفكير بأمرٍ آخر، الله يعلم أنه ماذا سوف يكون عندئذٍ. ونحن نعلم من موقف الحسين أنه سوف يختار أشد الاحتمالات من التصرف رضاءً لله سبحانه.
الرابع: أنه إن كان المعلن ظاهراً هو ذهابه إلى الكوفة، إلا أنه لم يكن قاصداً لها،
ــــــ[250]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ولم يكن له أمَل الوصول إليها، وإنما كان قاصداً إلى كربلاء، أي إلى موضع شهادته التي أُمِرَ أن يسير فيها ونحوها أمراً شرعياً، مضافاً إلى أنه قاصد للمقامات العالية التي لن ينالها إلا بالشهادة وكل هذه الأمور لا ربط لها بالكوفة ولا بكتب الكوفيين.
فإن قُلتَ: فإن الأئمة من ذريته أصبح لديهم وضوح لهذه الفكرة -كما نعبر عرفياً- وهو ضرورة وجود أصحاب مخلصين كاملين لا تأخذهم في الله لومة لائم، وإلا فَهُم لا يتحركون ولا يُشهرون السلاح.
وعلى هذا المضمون عدّة روايات منها قوله: “لو كان لي بعدد هذه الغنيمات رجالٌ لقمت بالسيف”(1). وقوله لرسول الثورة الخراسانية: «هل فيكم مثل هذا”. قال: لا. قال: “فأنا أرفض الاستجابة لكم”(2). ونحو ذلك.
ــــــ[251]ـــــــ
(2) ونص الرواية عن الإمام الصادق: “لو أن لي عدد هذه الشويهات -وكانت أربعين- لخرجت” جواهر الكلام ج21 ص397.
( ) والرواية هي: حدّث إبراهيم عن أبي حمزة عن مأمون الرقي قال: كنت عند سيدي الصادق إذ دخل عليه سهل بن حسن الخراساني فسلم عليه ثم جلس، فقال له: “يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة وأنتم أهل بيت الإمامة. ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف”؟ فقال له: “أجلس يا خراساني رعى الله حقك.. -ثم قال-: يا حنيفة أسجري التنور” فسجرته، حتى صار كالجمرة وأبيض علوه. ثم قال: “يا خراساني قم فاجلس في التنور”، فقال الخراساني: “يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار أقلني أقالك الله”. قال: “قد أقلتك”. فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق: “ألق النعل من يديك واجلس في التنور”. قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور. وأقبل الإمام يحدث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها. ثم قال: “قم يا خراساني وأنظر=
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فهل كان يعلم الحسين ذلك أم لا؟ فإن لم يعلم كان على خلاف عصمته، وإن كان يعلم كان على خلاف حركته، فلماذا تحرك؟
جوابه:
أولاً: أن هذا مبني على الوجوه الأخرى غير طلب الشهادة، وأما إذا كان غرضه الشهادة انسدّ السؤال.
ثانياً -بعد التنزل عن الوجه الأول-: أنه كان محرزاً وجود عدد كافٍ من المدافعين المخلصين في الكوفة، وإن كان فيهم غيرهم أيضاً، وهذا كافٍ لتحقيق موضوع الحكم الشرعي بوجوب الحركة، كما في ابن عروة وميثم التمار والمختار الثقفي وحبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة وآخرين كلهم ممن استشهد في سبيل الله بعد ذلك وأثبت جدارته من هذه الناحية.
وبتعبيرٍ آخر: أنه كان في الكوفة بقدر هذه الغنيمات من الأصحاب المخلصين الكاملين، إذن فيجب القيام بالسيف، طبقاً للرواية التي قالها حفيده الصادق.
ثالثاً: إنه يمكن القول بأن موضوع الحكم الشرعي يتحقق بما دون ذلك، وقد تحقق له الموضوع وتنجّز في ذمته الوجوب، لأن الكثرة لها دخل في الدفاع، فإذا كانت تحت قيادة رشيدة ومعصومة أمكن أن تؤتي أُكُلَهَا وتنتج نتائجها.
ــــــ[252]ـــــــ
=ما في التنور”. قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً فخرج إلينا وسلم علينا. فقال له الإمام: “كم تجد بخراسان مثل هذا؟” فقلت: “ولا واحداً”, فقال: “لا والله ولا واحداً؟ أما إنا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا نحن أعلم بالوقت”. المناقب, ج3, ص363، البحار, ج47, ص123.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أمور لا ينقلها الخطباء على منابرهم
قال المؤرخون: «فقال مروان للوليد: عصيتني. فوالله لا يمكنك على مثلها. قال الوليد: ويح غيرك(1) يا مروان، اخترت لي ما فيه هلاك ديني، أقتُل حسيناً إن قال: لا أُبايع. والله لا أظن امرأً يحاسب بدم الحسين إلا كان خفيف الميزان يوم القيامة، ولا ينظر إليه الله ولا يُزكيه وله عذابٌ أليم»(2).
«وعتبت أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام امرأة الوليد عليه، لِما جرى منه مع الحسين، فاعتذر بأنه بدأ بالسب. قالت: أنسبه وانسب أباه إن سبَّك. فقال: لا أفعل أبداً»(3).
وظاهر (لا أفعل أبداً) إنه لا يسبّه أبداً، لا أنه لا ينسبه أبداً، بحيث يكون هذا تعنتاً بموقفه والتزاماً بشتمه.
أقول: وهذه الفقرة وأمثالها مما لا ينقلها الخطباء على منابرهم لأجل ان فيها جنبة من الحق وقائلها من أهل الباطل، وهم -أعني الخطباء- يريدون أن يُبرزوا أعداء
ــــــ[253]ـــــــ
( ) وهو تعظيم لمروان, أي: لا أقول لك ويحك وإنما أقولها لغيرك.
(2) أنظر: البحار, ج44, ص325، اعلام الورى للطبرسي, ج1, ص435، الإرشاد, ج2, ص33.
(3) هذه العبارة ينقلها المقرم في مقتله, ص131 عن ابن عساكر, ج4, ص328 ولم يذكر اسم الكتاب.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الحسين وأعداء المعصومين على أنهم باطلٌ صِرف ليس لديهم أية جنبة من الحق مهما قلّت، يبرزونهم شياطين خالصين في كل أقوالهم وأفعالهم.
مع العلم أن هذا مخالف للواقع غالباً لأمرين:
الأمر الأول: وجود ذلك في كثير من أهل الباطل، منها: هذه الرواية عن الوليد، ومنها: بكاء عمر بن سعد على الحسين(1)، ومنها: كتاب هؤلاء المنافقين إلى الحسين كحجّار بن أبجر ورهطه وهو أشهر كتب الكوفة، مع انَّ حجّار بن أبجر أصبح قائد كتيبة ضدّ الحسين في كربلاء، ومنها: قول معاوية في بعض خطبه: «إني ما قاتلتكم لِتُصلوا أو تصوموا وإني أعلم أنكم تفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وإني عاهدت الحسن بأمور وها هي تحت قدمي»(2).
فهم يحذفون قوله: (وإني أعلم إنكم تفعلون ذلك). لأن فيه نحواً من العذر لهذا الطاغية.
الأمر الثاني: أن النفس الإنسانية خلقها الله تعالى تميل إلى الخير والشر معاً، وكل مجموعة من سلوك الفرد إنما هو ناشئ من هذا ومن هذا معاً، قال الله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن(2)، والناس مختلفون تماماً في انصياعهم لهذا العامل أو ذاك، فمنهم من يكثر خيره ومنهم من يكثر شره على درجات مختلفة ومتباينة تبايناً شديداً.
وليس أعداء الحسين في استثناء من ذلك، كما إنهم ليسوا كلهم على غرار
ــــــ[254]ـــــــ
( ) أنظر: البحار, ج45, ص55، تاريخ الطبري, ج4, ص345.
(2) الإرشاد, ج2, ص14، مقاتل الطالبيين, ص45.
(3) البلد: 10.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
واحد في التطرف تجاه الشر، وإن وجد فيهم من يكون كذلك فعلاً كيزيد بن معاوية وشمر بن ذي الجوشن، فإن جانب الخير قد يموت في نفس الإنسان تماماً إذا بلغ ذروته في درجات التكامل الأدنى، كما أن جانب الشر قد يموت تماماً إذا بلغ الفرد ذروته في درجات التكامل الأعلى.
فالمهم أن الدرجات الوسطى ذات التذبذب بين الخير والشر هم أكثر البشر، وهم موجودون في كِلا المعسكرين: معسكر الحق ومعسكر الباطل. فبينما تجد الفرد أكثر تصرفه على الحق، تجد فيه شيئاً من الباطل، وبينما تجد الفرد أكثر تصرفه على الباطل، تجد فيه شيئاً من الحق. وهذا ضروري وواضح من أي فرد بصفته ناتجاً من رسوخ كِلا الجانبين في نفسه.
والمهم الآن: أننا كمفكرين وباحثين ينبغي لنا أن نكون موضوعيين ومتجردين لدى البحث عن أي إنسان، فننسب له كل أفعاله وأقواله، ولا نُنكر منها شيئاً لمجرد الغرض في أنفسنا، فإن ذلك من الكذب ولا يحسن أمام الله ولا أمام التاريخ والإنسانية.
بل الأمر أكثر من ذلك، فقد نستفيد من كلمات الحق التي قالها الآخرون فمثلاً نقول: إنه شهد بحرمة قتله الأعداء، كما قال الوليد. أو بكى عليه الأعداء كما بكى عمر بن سعد. أو أن نستشهد بفضائل أهل البيت الموجودة في كتب الجماعة وهكذا.
نعم، غرض الخطباء في كتم ذلك هو تحصيل الدمعة عند العوام وهذا هدف طيب في نفسه، باعتباره مصداقاً لقوله: “من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له
ــــــ[255]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الجنة”(1). مع العلم أنهم لو نقلوا جوانب الإنصاف القليلة الموجودة لدى بعضهم لتعجب منها العوام وانقطع بكاؤهم.
وأنا أقول: إن هذا صحيح إلا أنه لا يُنافي إننا في الأبحاث الدقيقة والموضوعية ينبغي أن نذكر كِلا الجانبين ونُعطي كِلا الحقّين، وإلا لم نكن نحن منصفين وكان حذفه بمنزلة الشهادة بعدمه وهو كذب، ولا أقل إذا لم يكونوا هم من المنصفين أننا نحن نكون من المنصفين.
ــــــ[256]ـــــــ
( ) أنظر: كامل الزيارات, ص209.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هدف يزيد في قتل الحسين
الآن نتكلم عن هدف يزيد في قتل الحسين، وهو متحقق ومحتمل في عدة أمور:
إباء الحسين عن مبايعة يزيد
الأمر الأول: وهو أشهرها: إباء الحسين عن مبايعة يزيد، وهو الشعار الذي كان يرفعه الجيش المعادي في كربلاء، وإنك لو بايعت يزيداً ووضعت يدك في يده كففنا عنك.
الأمر الثاني: ما ذكره يزيد في شعره، وهو الانتقام لقتلى بدر وأُحُد أعداء رسول الله، كما أكلت جدّته هند كبد حمزة سيد الشهداء، بقوله:
قد قتلنا القَرم من أشياخهم وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدل.
فهو حقد قديم نَفَّس عنه في أول حصوله على الملك والخلافة.
الأمر الثالث: إن هناك حركة علوية كانت منذرة بالاتساع والتغلغل في المجتمع، بدءاً بكتب الكوفيين ومروراً على سيطرة مسلم بن عقيل على الكوفة
ــــــ[257]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وانتهاءً بتوجه الحسين إليها، وقد يكون منتهياً بالحكم العلوي الحسيني الذي يجهلون حده وأمره من حيث النشاط والمكان والزمان، والذي سيكون معادياً لهم وقاضياً عليهم وقاسياً في معاملتهم، إذن فيجب من جهة نظرهم القضاء عليه في مهده واجتثاث أثره قبل حدوثه وصعوده. وهذا ما فعلوه.
ولكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يعلنوا ذلك للمجتمع بصراحة، لأن كل أحد من حقه الطموح والسيطرة كما تشاء له رغباته، وليس من حق أحد أن يمنعه إلا أن يكون مدافعاً عن ملكه، وأقل ما يقول في الحسين إنه يريد الملك وليس في هذا محذور دنيوياً ولا قانونياً بل ولا دينياً. وقد أراد الملك من هو قبله كمعاوية ويزيد نفسه، بل ونبي الإسلام أيضاً من وجهة نظر هؤلاء الساقطين، لأنه يقول:
لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
وهو يعني أن رسول الله أراد بادعاء النبوة مجرد السيطرة وحب الملك والزعامة، وهو بذلك يمثل جده أبا سفيان حين قال: «تقاسموها يا بني أمية فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنة ولا نار»(1).
ــــــ[258]ـــــــ
( ) والرواية تقول: فلما دخل عثمان رحله (بعد الشورى والبيعة له) دخل إليه بنو أمية حتى امتلأت بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة. أنظر السقيفة وفدك للجوهري, ص78، كتاب الأربعين للقمي الشيرازي, ص215، مناقب أهل البيت للشيراوني, ص407، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد, ج9, ص53.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إذن، فإرادة السيطرة مهما كانت دوافعها مشروعة في نظرهم فليكن الحسين كذلك على أسوأ تقدير، إذن فعمله مشروع، فلماذا ينبغي قتاله والإجهاز عليه، ومن هنا لم يكونوا يستطيعون أن يُعلنوا ذلك في المجتمع صراحة وأنهم يمنعون الحسين عن الملك والسيطرة، بأننا نريد أن نمنع الحسين من السيطرة على الكوفة بالحق، فجعلوا شعارهم أخذ البيعة ليزيد.
ومن الواضح أنه لو بايع ليزيد لم يستطع السيطرة على الكوفة أيضاً، فقد خيّروه بين أمرين كِلاهما في مصلحتهم إما القتل وإما البيعة “بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة”(1)، يعني البيعة.
فإن حصلت البيعة فبها ونعمت من وجهة نظرهم، وقد خاب الحسين واستسلم وانطفأ نوره واندرس أثره، وإن لم يُبايع فلا ينبغي أن يمارس نشاطه المأمول ويصل إلى هدفه المنشود، وإنما لا بد من قتله والإجهاز على حركته.
ومن هنا نعرف أنه لا تنافي بين تلك الأهداف الثلاثة لأعداء الحسين بل كلها صحيحة في نظرهم، وكلها قد فكروا بها فعلاً وأبرزوها بوضوح.
وكان مقتل الحسين سبباً لتحققها جميعاً في نظرهم لولا أن الله سبحانه نصر الحق بحركة التوابين وحركة المختار الثقفي.
ــــــ[259]ـــــــ
( ) كما ورد ذلك عن الإمام الحسين. الاحتجاج, ج2, ص24، البحار, ج45, ص83، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر, ص319، اللهوف لابن طاووس, ص59.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أن الأمر يتم لأعداء الحسين بمقتله
فلماذا فعلوا فعلتهم الشنعاء بكل قساوة في كربلاء؟
والسؤال الآخر التابع لذلك: إنه من الواضح أن الأمر يتم لأعداء الحسين بمقتله شخصياً ولا حاجة إلى قتل غيره، لأنه هو الذي يأبى أن يبايع وهو الأمير المتوقع على الكوفة وهو أبرز المعادين للحكم يومئذٍ، وهذا ما أدركه الحسين حين قال: “إنهم يطلبون قتلي فلو قتلوني لم يطلبوا غيري”(1).
فلماذا فعلوا فعلتهم الشنعاء بكل قساوة في كربلاء، فزادوا في القتل واستفحل الظلم وتعددت المظالم والمصائب، فماذا كان غرضهم في ذلك.
وهذا يمكن تفسيره في مرحلتين:
المرحلة الأولى: في قتل الأصحاب وبني هاشم الذين قُتلوا قبله.
وهنا، من الواضح أنهم لم يكن يمكنهم أن ينالوا الحسين بسوء ما دام واحد من هؤلاء موجوداً، وخاصةً مع نظام الحرب وتقاليدها الشائعة عندهم.
ومن هنا كان ولا بد -من وجهة نظرهم- قتل الجميع ليصلوا إلى قتل الحسين.
ــــــ[260]ـــــــ
( ) أمالي الشيخ الصدوق, ص220.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المرحلة الثانية: ما حصل بعد مقتله. لأنهم بمقتله بلغوا المراد الدنيوي، فلماذا فعلوا الأمور الأخرى، وهي فضائع وفضائح كثيرة كحرق الخيام وسرقة النساء وقطع الرؤوس ودوس جسد الحسين بحوافر الخيل، وكل واحد منها يملأ الكون مصاعب وعجائب.
وهذا لا تفسير له اجتماعياً وسياسياً، ولكنه ناشئ من الحقد الدفين والفعل الأعمى لكي يزيد العوض في نظرهم على المعوض.
فليت شعري بأن أشياخه في بدر قُتِلوا بدون عطش ولا دوس ولا حرق ولا نهب، ولكنهم بالمقابل فعلوا ذلك كله، لكن هذا يتوقف على أن الموجودين في جيش يزيد من بني أمية يشعرون بشعور يزيد فورياً بحيث يريدون الانتقام لقتلى بدر وأُحد كما يريد يزيد، أو إن الأمر أو الاتفاق قد حصل على ذلك مسبقاً، وكلاهما بعيد.
ولكن الأمر بذلك كان بيَد مَنْ! وهل كان مخططاً منذ زمن أو إنه حصل البت به وقتياً؟
من الأكيد أننا لا نستطيع أن ننسبه إلى يزيد مباشرة، وهو جالس في الشام لا يعلم بالتحديد ما الذي يجري في الكوفة وفي كربلاء. نعم، يمكن نسبته إلى عبيد الله بن زياد، والظاهر أن عليه بعض المرويات(1)، مع العلم أنه لم يكن في طف كربلاء
ــــــ[261]ـــــــ
( ) فقد بعث ابن زياد إلى ابن سعد كتاباً وكان من جملة ما جاء فيه: فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليَّ سلماً، وإن أبوا فأرجِف عليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قُتِل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره. روضة الواعظين, ص183، الإرشاد, ج2, ص88، مناقب آل أبي طالب, ج3, ص247، البحار, ج44, ص390.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ليوجه إليهم الأوامر مباشرةً بهذا الخصوص.
فإما أن نقول: إنه أمر مُبيّت ومُتَّفقٌ عليه سلفاً بين عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وأضرابهم، وإما أن نقول: إنه كتب إليه بذلك في وقتٍ متأخر، وإما أن نقول: إنه من عمر بن سعد نفسه الذي كان يعتبر هو قائد الجيش الأعلى المعادي للحسين، فعله زيادة في النكاية أولاً، وزيادة في القرب من أعداء الله عبيد الله بن زياد ويزيد، ولم يوفقه الله سبحانه إلى ذلك وسلّط عليه من يقتله على فراشه.
ــــــ[262]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
تقديم النصيحة للحسين
ثمَّ إنه توجد ظاهرة بالنسبة إلى المؤمنين الذين نصحوا الحسين بعدم التوجه إلى العراق، بل يمكن أن يُقال إنها أكثر من ظاهرة، بما فيهم محمد بن الحنفية(1) وعمر الأطرف بن أمير المؤمنين(2) وأم سلمة(3).
منها: أنه لا معنى لنصح الحسين وإعطائه الرأي دون ان يسألهم ويطلب المشورة، فإنه من الممكن أن يُقال: إن كل وجيه أو عظيم في المجتمع لا معنى لنصيحته، ما لم يأذن هو أو يطلب المشورة والحسين لم يأذن ولم يطلب، فإنها سوء أدب من ناحية وحمل له على الغفلة وعدم التأمل في الأمور من ناحية ثانية، والمفروض أنه أرشدهم وأعلمهم وأبعدهم نظراً، فما قيمة الصغير تجاه الكبير والسفيه تجاه الرشيد، ولعل من نتائج ذلك عدم أخذ الحسين برأي الناصحين على الإطلاق لأن المصلحة التي يعلمها مما لا يمكن التنازل عنها لأحد.
ومنها: إن جملة من هؤلاء الناصحين يعلمون بحصول الشهادة في قضاء الله وقدره
ــــــ[263]ـــــــ
( ) كما في مناقب آل أبي طالب, ج3, ص240، تاريخ الطبري, ج4, ص253.
(2) كما في اللهوف لابن طاووس, ص19.
(3) كما في البحار, ج44, ص331، ينابيع المودة, ج3, ص60.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وقد رووا أو سمعوا عن رسول الله ذلك، فكيف يتصورون إمكان الحيلولة دون حدوث ما قضى الله وقدَّره في علمه الأزلي الثابت، إن هذا مما لا يمكن.
وجواب ذلك على أكثر من مستوى:
الأول: إن الباعث لهم من النصيحة إنما الشفقة عليه والحب له من ناحية، وتصور المجتمع خالياً منه وما يحتمل أن تحصل فيه من مفاسد ومظالم من ناحية أخرى.
الثاني: إنهم لا يريدون الحيلولة دون قضاء الله وقدره، فإننا الآن بعد حصول الحادثة نعلم أنها كانت مقضية لا بد منها في علم الله تعالى، وأما قبلها فلم يكن هذا واضحاً، كل ما في الأمر إنها كانت مسموعات عن رسول الله وأمير المؤمنين وهم صادقون بطبيعة الحال، إلا أن أمثال هذه الاخبارات قد يدخل فيها البداء، فإذا كتب الله النجاة للحسين فقد حصل البداء ولا محذور من ذلك، وبذلك نعلم أن الحادثة لم تكن في قضاء الله المحتوم بل كانت في لوح المحو والإثبات الذي يمكن أن يطرأ عليه التغير والتبدل والبداء.
فقبل وقوع الحادثة لم يكونوا يعلمون أنها من القضاء المحتوم ولعلها من لوح المحو والإثبات، فتَحمُلَهم الشفقة عليه على أن يبادروا للنصح على أمل ورجاء المطلوبية أن يكون في الإمكان رفع اليد عنها وحصول البداء فيها، وهذا موقف مشروع في نفسه جزاهم الله خيراً.
ومنها: إن الشيعة عموماً لم يكونوا يحملون الفكرة التي نحملها الآن عن الأئمة المعصومين وإن الواحد منهم مفترض الطاعة ومعصوم عن الخطأ والنسيان، بل
ــــــ[264]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مجرد كونه مشاراً إليه من قِبَل رسول الله وممدوحاً من قِبَله وهو ابن رسول الله وابن بنته ونحو ذلك، وهذا عليه دلائل كثيرة من الروايات، ومعه يكون موضع النصيحة في نظرهم موجوداً.
ومنها: إن الحسين إذا كان زعيماً وعظيماً في أسرته ومواليه إلا أنه لم يكن يرتب هذا الأثر على نفسه، بل كان متواضعاً كجده رسول الله يخاطب الصغير والكبير ويقضي حاجة القريب والبعيد، ولا يحتشمه أحد ولم يعاتب على فعل ويتحمل كثيراً من أمثال هذه الكلمات بسعة صدر وصبر عظيمين، إلى حد أصبح لا يحتشمه الآخرون وخاصة وهم يحسبون أنهم مقربون عنده ومن أقاربه أو يحسبون أنهم مشاهير في المجتمع مثله كأعدائه الذين نصحوه.
قالت أم سلمة: «لا تُحزنِّي بخروجك إلى العراق فإني سمعت جدك رسول الله يقول: “يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرضٍ يُقال لها كربلاء”، وعندي تُربَتك في قارورة دفعها إليَّ النبي»(1).
وإلى هنا يكون حصول البلاء محتملاً، ولكن لننظر في الجواب: فقال الحسين: “يا أماه وأنا أعلم أني مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً وقد شاء الله عزَّ وجل أن يرى حرمي ورهطي مشردين وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً”(2).
وهذا معناه أن القضاء الحتمي نافذ في ذلك قطعاً، ومع ذلك قالت أم سلمة:
ــــــ[265]ـــــــ
( ) البحار, ج44, ص331.
(2) نفس المصدر السابق.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
«واعجباً فأنى تذهب وأنت مقتول»(1). وكان ينبغي لها أن تقول: واعجباً كيف لا تذهب، فإن ذهابك حتمي.
قال: “يا أماه إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غد، وما من الموت والله بُدّ، وإني لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه والساعة التي أُقتل فيها والحفرة التي أُدفَن فيها كما أعرفك وأنظر إليها كما أنظر إليك، وإن أحببت أن أريك مضجعي ومكان أصحابي”(2).
فطلبت ذلك فأراها تربة أصحابه (المستقبلية) ثم أعطاها من تلك التربة وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة فإذا رأتها تفور دماً تيقَّنت قتله، وفي اليوم العاشر بعد الظهر نظرت إلى تلك القارورتين فإذا هما يفوران دماً(3).
أقول: الظاهر إن الأُولى دفعها رسول الله إليها وهي تربة الحسين والثانية دفعها الحسين إليها وهي تربة أصحابه.
كما إن الظاهر أنه أراها مضجعه يعني قبره الذي يُدفن فيه وليس الأرض التي يُدفن فيها. وهذا معناه أنه أمرٌ مستقبلي كُشف بالمعجزة.
ونلاحظ قوله: “وإني أنظر إليها كما أنظر إليك”. وهذا إنما يحصل لدى حصول سببه وهو الالتفات والطلب من قِبَل الحسين، كما أن الحسين ربما بشر لما يحصل عند حصول سببه وهو اللقاء معها أم سلمة مثلاً، وليس ذاك حاصل دائماً وإلا
ــــــ[266]ـــــــ
( ) أنظر: الهداية الكبرى للخصيبي, ص203، الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي, ص331.
(2) البحار, ج44, ص331.
(3) أنظر: الهداية الكبرى, ص203، الثاقب في المناقب, ص332.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كان مخلاً بمقام الحسين، أما بعنوان عدم الرضا ببلاء الدنيا. أو بعنوان الحجاب عن ذكر الله سبحانه.
وقد كان السيد أبو جعفر(1) ملتفتاً إلى أن الحسين أجاب كل واحد من ناصحيه بما يُناسب حاله وقناعاته، وهو أعلم بحال المخاطِب له، فأم سلمة اعتذر إليها بوجود القضاء الحتمي ومحمد بن الحنفية اعتذر له بأنه رأى جده رسول الله في المنام فأمره بذلك(2). وأجاب عبد الله بن عمر بذكر مقتل يحيى وقال: “أما علمت إن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس تسعين نبياً ثم يبيعون ويشترون كأنهم لم يصنعوا شيئاً فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام”.
والذي أحسبه أن المحصل في كل الأجوبة واحد بالرغم من اختلافها بالدلائل المطابقة وهو متكون من أمرين:
الأول: الإشارة إلى أن ذلك من القضاء المحتوم.
الثاني: أنه عازمٌ على عدم البيعة والخروج إلى العراق.
مضافاً إلى أننا ينبغي أن نلتفت إلى أن جلسته قد حصلت كل مرة مع واحد من هؤلاء، فهل من الممكن أنها اقتصرت على هذه الكلمات القليلة التي نقلها المؤرخون أو أن الحديث فيها قد طال فعلاً، وماذا قال الحسين غير ذلك؟ الله العالم.
إذن فلا نستطيع أن نجزم بالفرق الجوهري بين أقواله.
ــــــ[267]ـــــــ
( ) السيد الشهيد محمد باقر الصدر.
(2) الرواية ليست كذلك، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هذا, وفي التاريخ وضوح بعذر محمد بن الحنفية عن الخروج معه، منها قول الحسين له: “وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم لا تخفي عني شيئاً من أمورهم”. ولم ينقل التاريخ أنه فعل ذلك ولعله لم يتمكن منه.
وكذلك وصيته إليه قبل خروجه من المدينة، فإنها واضحة الدلالة الإلتزامية على وجوب بقائه وليس جوازه فقط.
وعلى أي حال فما سمعته قبل عدة سنين من بعض الخطباء من أنه كان معذوراً لأنه كان قوي الساعدين فأصيب بالعين فضعفت ساعداه لا حاجة إليه مضافاً إلى أنها رواية ضعيفة وبعيدة الصدق.
ــــــ[268]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كتاب الحسين إلى البصرة
قال التاريخ: وفي مكة كتب الحسين نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس(1) بالبصرة وهم: مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمرو بن عبيد بن معمر، يدعوهم إلى نصرته وإمامته. وهي حركة معتدٍ بها في مقام المعارضة وإثبات الوجود، إلا أنه لم يستجب أحد منهم إلا واحد وهو يزيد بن مسعود حيث جمع الجيش وسار بهم فلم يُدرك النصرة، فسلَّم المنذر بن الجارود العبدي رسول الحسين إلى ابن زياد، فصلبه عشية الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة، وأما الأحنف فإنه كتب إلى الحسين: “أما بعد فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون”(2).
وقد كتب يزيد بن مسعود جوابه إلى الحسين بالموافقة، فلما قرأ الحسين كتابه قال: “ما لك، آمنك الله من الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر”. ولما تجهز ابن مسعود إلى المسير بلغه قتل الحسين فاشتدَّ جزعه وكان أسفه لفوات الأمنية من السعادة بالشهادة.
ــــــ[269]ـــــــ
( ) الأخماس ليس لها ربط بالستة (منه).
(2) أنظر: مثير الأحزان لابن نما, ص17.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مهمة مسلم بن عقيل
ثم إن الحسين كتب كتاب الجواب إلى أهل الكوفة، وتجدونه في المصادر(1)، وأعطاه إلى مسلم بن عقيل ليَحمله إلى الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللُطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل له بذلك.
فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله وودع أهله واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلّا الطريق وعطشوا فمات الدليلان من العطش، وقالا لمسلم: هذا الطريق إلى الماء.
وفي مقتل المقرم تركهما ومضى على الوصف ولم يسعه حملهما لأنهما على وشك الهلاك.
ــــــ[270]ـــــــ
( ) ونص الكتاب بحسب الروايات هو: “بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد: فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم -وكانا آخر مَن قدِم عليَّ من رُسُلكم- وقد فهمتُ كلّ الذي قصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبِل لعلَّ الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أنْ يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإنْ كتب أنّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قَدِمت عليَّ به رُسُلكم وقرأتُ في كتبكم، أقدِم عليكم وشيكاً إنْ شاء الله، فلعَمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب القائم بالقسط والدائن بالحقّ والحابس نفسَه على ذلك لله، والسّلام”، البحار, ج44, ص334.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فكتب مسلم إلى الحسين(1): “إني أقبلت إلى المدينة واستأجرت دليلين فضلّا الطريق واشتد عليهما العطش فماتا، وأقبلنا إلى الماء فلم نَنجُ إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء(2) بمكان يُدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فإن رأيتَ أعفيتني وبعثتَ غيري”. فكتب إليه الحسين: “أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إليَّ إلا الجبن فامض في وجهك والسلام”.
حول الدليلينِ اللذين ماتا وتركهما مسلم بن عقيل
فهنا إشكالان:
الأول: حول الدليلين اللذين ماتا وتركهما مسلم بن عقيل، والرواية مجملة أنه تركهما قبل موتهما أم بعده، وعلى كِلا التقديرين لا يكون هذا جائزاً، أما إذا كان قد تركهما في حياتهما فيجب عليه إنقاذهما من العطش والهلاك، واما إذا كان قد تركهما بعد موتهما فيجب عليه تجهيزهما ودفنهما.
وجوابه: أن هذا سؤال من لا يعرف الحال في تلك الصحراء المترامية الأطراف، التي لا أول لها ولا آخر كما يُقال، ولِكِلا الحالين جوابه.
ــــــ[271]ـــــــ
( ) وهذا ما حذفه المقرم، (منه).
(2) قال المقرم: ونجا مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس، وهذا دال على اطلاعه على الكتاب، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أما إذا كان قد تركهما قبل موتهما، فله أكثر من جواب:
أولاً: ما ذكره المقرم، حيث قال: «وغاية ما وضح للدليلين العلائم المفضية إلى الطريق لا الطريق نفسه، ولم تكن المسافة بينهم وبين الماء معلومة وليس لهما طاقة على الركوب بأنفسهما ولا مردفين مع آخر، وبقاء مسلم معهما إلى منتهى الأمر يقضِ هلاكه ومن معه، فكان الواجب الأهم التحفظ على النفوس المحترمة بالمسير لإدراك الماء، فلذلك تركهما في المكان»(1).
ثانياً: عدم استطاعته جلب الماء إليهما لليقين أنهما لو رجع إليهما فقد ماتا.
ثالثاً: إنهما رضيا بمغادرته فقد سقط حقهما في ذلك وفدياه بأنفسهما، غير أن ما ذكره المقرم(2) من وجود آخرين معه خلاف الظاهر بل الظاهر أنه بقي وحده وتوجه إلى الماء وحده.
وأما إذا كان تركهما بعد موتهما، فتغسيلهما وتكفينهما ودفنهما متعذر تماماً، ونقلهما إلى مكان آخر أشد تعذراً.
فإن قُلتَ: فإنه يمكن أن يُيممهما ويدفنهما.
قُلنا: هذا يأخذ منه الجهد والوقت والعطش. وهو كان مشرفاً على الهلاك من الحر والعطش مثلهما إلا أنه أقوى قليلاً، فلم يكن من المعقول أن يمارس ذلك كله، لا أقلّ أنه محتاج إلى حفر القبر وهو مجهد جداً.
ــــــ[272]ـــــــ
( ) مقتل الحسين للمقرم, ص146, ط بيروت.
(2) نفس المصدر السابق.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مضافاً إلى أن الدفن لأجل حجب الجسدين عن الناس. ومعلوم ان الجسدين في هذه الصحراء الواسعة لا ضرر فيه على أحد وسوف يسرع إليهما الجفاف تحت الشمس المحرقة أو تأكلهما الحيوانات، فلا يكون أحد متضرراً.
تشاؤم مسلم بن عقيل
والسيد المقرم وان لم ينقل التشاؤم من قِبَل مسلم كما نقله ابن الأثير إلا انه نقل شيئاً يدعمه، ويدل على أن مسلم لديه مثل هذا الفهم والاتجاه، يعني يتفاءل ويتشاءم من بعض الأشياء، وقد لا يكون هذا الأمر اختيارياً.
قال المقرم: «ولما قرأ مسلم الكتاب سار من وقته ومرَّ بماءٍ لِطَي فنزل عليه ثم ارتحل، فإذا رجل يرمي ظبياً حين أَشرَف (ظَهَر) له فصرعه، فتفاءل بقتل عدوه»(1).
أقول: هذا من الصعب فهمه هكذا:
1- إنه لم يكن يعلم أنه سيحصل بينه وبين عدوه قتال، وليس في الكتاب الذي يحمله إشارة إلى ذلك.
2- إن العكس هو الصحيح، فإن الغزالة رمز الخير والعطاء ويُستفاد من لحمها وجلدها، إذن، فمن الراجح أن تكون رمزاً عنه هو، فيكون قتلها رمزاً عن قتله لا عن مقتل عدوه. وهذا بالنسبة إليه من التشاؤم لا من التفاؤل.
وعلى أي حال فمن يتفاءل يمكن أن يتشاءم فلا تكون تلك القصة ببعيدة من
ــــــ[273]ـــــــ
( ) نفس المصدر السابق, ص147.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هذه الناحية، وإن لم ينقلها المقرم وبالتأكيد أنه رآها في المصادر ولم ينقلها حفاظاً لسمعة مسلم بن عقيل.
والجواب على ذلك من عدة وجوه:
الأول: تكذيب هذه الحادثة والاستعفاء عن الذهاب نتيجة للتشاؤم. فإنه موجود في المصادر العامة وغير موجود في المصادر الخاصة، فلعله من الدسّ الذي حصل ضدّ أهل البيتوتابعيهم.
الثاني: أن النفس فيها من كِلا الجانبين الهدى والضلال، فكما قد يوجد من جانب أهل الضلال ما يكون من جانب الهدى قد يوجد من جانب أهل الهدى ما يكون إلى جانب الضلال. وهو ليس ضلالاً وإنما هو من جنس حب الذات أو حب الدنيا وخوف الموت، وهو ارتكازي لدى الفرد، إلا إنه قد يكون مضاداً للهدف والحق كما في هذه الحالة.
ومثلها قول مسلم بن عقيل في الكوفة حين قيل له: “إن مَنْ يطلب ما تطلب لا يبكي إذا نَزَلَ به ما نَزَلَ بك”. قال: “ما على نفسي بكيت وإن كنت لا أريد لها طرفة عين تلفاً، ولكني أبكي على أهلي المقبلين من بعدي”(1). مما يدل على أن هذا الحال كان يستيقظ في نفس مسلم بن عقيل بين الحين والحين.
الثالث: أن التشاؤم قد يحصل اليقين بالنتيجة وهماً أو حقيقةً ولم يكن مسلم بن عقيل متوهماً لأن ما حصل في النتيجة هو حق فعلاً.
ــــــ[274]ـــــــ
( ) أنظر: مقاتل الطالبيين, ص66، الإرشاد, ج2, ص59، البحار, ج44, ص353، تاريخ الطبري, ج4, ص280.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومعناه: أن من هذا التشاؤم حصل له اليقين من فشله دنيوياً وعدم حصول الخير في وجهته تلك، الأمر الذي يؤدي إلى فشل مهمته التي أرسله الحسين لأجلها، وبالتالي سيعود الفشل إلى الحسين وإلى الدين في النتيجة، فيكون الأولى أن يُبادر إلى الاستعفاء عن ذلك. ولا أقلّ من المبادرة إلى السؤال من الحسين عن الاستمرار كما حصل فعلاً.
وأما قوله: «اعفيتني وبعثت غيري». فالشيء الذي أفهمه إن التشاؤم يرتفع بالتبديل، أو قل إن التشاؤم على خصوص مسلم، فإرسال غيره خالٍ من التشاؤم، فمن المنطقي أن يُرسل الحسين شخصاً يخلو من احتمال الفشل الدنيوي، وهو خير للحسين وللدين أيضاً، لو أخذنا هذا التشاؤم بنظر الاعتبار. ولذا قال مسلم بلسان الناصح المؤدب: «فإن رأيت اعفيتني وبعثت غيري».
ولم يكن يجوز لمسلم بن عقيل أن يسكت بعد أن حصل الاطمئنان من الفشل الدنيوي.
فإن قُلتَ: فإنه يعلم أن الحسين يعلم بذلك.
قُلنا:
أولاً: لا دليل على أنه يعلم به لأن مستويات المعصومين لم تكن ظاهرة بين أجيال الشيعة إلى ذلك الحين.
ثانياً: إنه إن كان يعلم بذلك فهو يعلم أن ذلك العلم لا يستعمله في الظاهر وإنما يتصرف بصفته جاهلاً به، فلا بد أن يجعله عالماً ظاهراً به.
ــــــ[275]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما جواب الحسين فهو لم يقل به إنك جبان، وإنما كلامك ذلك يمكن أن يُحمل على الجُبن أو هو مظنة الجُبن. أو قل: لو صدر من غيرك لكان محمولاً عليه.
فلذا يقول: “خشيت أن لا يكون حملك”.
وهذا معناه أمران:
الأول: الظن المستفاد من (خشيت) بل هو لا يدل على الظن الفعلي بل الاقتضائي، وهو المظنة كما يعبرون.
ثانياً: الانحصار (ما حملك إلا) فلو لم يكن منحصراً لما كان عيباً، ولربما يكون هو الجانب الأولى والأوفق في نفسه ويكون إلى الجانب الأهم في الاستعفاء هو مصلحة الدين ولكن لا بأس أن تقتضي مصلحة الدين نجاته من المصاعب أو من القتل. نعم, لو كان الجُبن وحده حمله على ذلك لكان ضعفاً شديداً أو عيباً.
مضافاً إلى ان الحسين يعلم بجهة التشاؤم وأنها قد تأتي بغير اختيار ولم يكذّبه في ذلك، ولكن كان العتب عليه هو إن المتوقع منه تحمّل التبعات وإن حصل التشاؤم، وأما التوهم بأنها ستكون ضدّ الدين فهو ليس بصحيح، لأن الهدف الديني الحقيقي يتوقف على حصول مثل هذه الأمور لا على نفيها، نعم تأسيس الحكم الثابت يُنافيه، ولم يكن الحسين مستهدفاً ذلك ولم يكن مسلم يعلم بذلك.
وواضح من الجواب إنه يريد تجنب التعرض للتشاؤم سلباً أو إيجاباً، حتى لا يفهم الناس منه الإقرار له، ويكفينا عدم ردّه إن كان في مقام البيان.
مثاله مثال يونس الذي ذنبه إنه لم يجد قدر الكفاية مع فرق في نقطة ضعف وفي نقطة قوة:
ــــــ[276]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أما نقطة الضعف: فلأنه لم يصبر قبل استلام العمل بخلاف يونس فإنه بعده.
وأما نقطة القوة: فلأنه حصل العفو عنه بسرعة ولذا أمر الحسين أن يذهب ولو لم يكن معفواً عنه لطُرد والعياذ بالله، وأما يونس فاحتاج إلى البلاء في الحوت لكي يغفر له ويُرسله إلى مائة ألفٍ أو يزيدون.
دخول مسلم بن عقيل الكوفة
قالوا(1): «ولخمس خلون من شوال دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان شريفاً في قومه كريماً عالي الهمة مقداماً مجرباً قوي النفس شديداً على أعداء أهل البيت، له عقل وافر ورأي مصيب خصوصاً بقواعد الحرب والغلبة على العدو، كأنه مارس التجارب فحَنَّكته أو لابس الخطوب فهَذَّبته، انقطع إلى آل الرسول الأقدس فاستفاد منهم أدباً جماً وأخلاقاً فاضلة وناصَحَ لهم في السر والعلانية».
قالوا(2): «ولما بلغ مسلم بن عقيل خطبة بن زياد ووعيده، وظهر حال الناس خاف أن يؤخذ غيلة فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى دار هانئ بن عروة المذحجي، وكان شديد التشيع ومن أشراف الكوفة وقرائها وشيخ مراد وزعيمها
ــــــ[277]ـــــــ
( ) أنظر: روضة الواعظين, ص173، الإرشاد, ج2, ص41، البحار, ج44, ص335، واللفظ المذكور في المتن في أغلب هذه النصوص التاريخية هو للمقرم في مقتله.
(2) راجع: الإرشاد, ج2, ص45، البحار, ج44, ص341.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألفاً.
وكان من خواص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حضر حروبه الثلاثة وأدرك النبي وتشرف بصحبته، وكان له يوم قتله بضع وتسعون سنة».
وليس عشوائياً أن يختار مسلم أمثال هؤلاء لأنهم الأخلص والأقوى والأشهر والاستناد إليهم قوة في وقت الحاجة، كما أن استنادهم إليه قوة له لا أقلّ إثباتاً أي أمام المجتمع والناس.
مضافاً إلى جهة أخرى: وهي إن كل هذه الأمور تحتاج إلى تمويل لا يقوم بها مُضيّف فقير وإن كان مؤمناً، وواضح أن مسلم لم يحمل معه من الحجاز لا زاد ولا راحلة ولا مال، وإنما وصل في غاية الصعوبة إلى العراق، فيحتاج مَنْ يموّله في مهمته وحركته، فكان له المختار وهانئ وغيره خير عون في ذلك.
هذا, ومسلم لم يكن رأى الكوفة قبل ذلك، ولكنه حين دخلها لأول مرة لم يكن يتلدد في شوارعها كما تلدد فيها بعد أن تركه الناس، وإنما الذي حصل أنه كان يعرف سماعاً عن أناس معينين بما فيهم المختار الثقفي، فهو يسأل عن داره ويقصده وهذا يكفي.
ونلاحظ أن الحسين ترك الإشارة له إلى ذلك، وأنه ينزل في أي بيت، وذلك لعدّة مبررات يمكن أن تكون مجتمعة:
أولاً: الاعتماد على خبرة مسلم الشخصية وهي كافية جداً في ذلك.
ــــــ[278]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثانياً: أنه يتعمد أن لا يذكر اسم شخص معين لكي لا تكون هناك نتائج محمودة أو غير محمودة بالنسبة إليه، فمثلاً حين دخل النبي المدينة لأول مرة لم يذكر اسم أحد وإنما حين دُعيَ إلى البيوت ذكر أن ناقته مأمورة فبركت إلى جنب بيت أبي أيوب الأنصاري والذي كان فقيراً لا يُطيق شيئاً من المسؤوليات، فقد كان إخفاء اسمه متعمداً، كما أن اختياره فقيراً متعمداً لإظهار المعجزة في تسيير الأمور. وأما في الكوفة فاختياره غنياً وقوياً متعمداً أيضاً، وفي كِلا الحالين فدرجة الإخلاص متعمدة ومُخَطط لها أيضاً، لوضوح انه لو نزل عند شخص غير مخلص لما استطاع التحرك على ما يرام، سواء قصدنا بذلك النبي أو مسلماً.
ثالثاً: إن المظنون أنهما -أعني الحسين ومسلم- اتفقا على العنوان الذي يسير فيه في الكوفة ويقصده -أعني دار المختار الثقفي-، إلا أن احداً منهما لم يُصرح في ذلك بشيء حفظاً للمصلحة العامة.
وقد حصل سؤال من قِبَل بعض الأعزة، وهو إن الحسين أوصى مسلماً بكتمان أمره، فكيف يستوثق من الرسول حين أرسل معه طلب الاستعفاء. وهل كان هذا إلا تصريحاً بالأمر؟
جوابه:
أولاً: إن الرسول بصفته تلك يكون أحياناً لا يقرأ الرسالة ولا جوابها.
ثانياً: إنه ليس في الرسالة ولا جوابها ما يدل على الأمر أصلاً. فإن مسلم يقول: «فقد تطيّرت من وجهي هذا فإن رأيت أن تعفيني وتُعيّن غيري»(1). وأما ما هو وجهه
ــــــ[279]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومهمته فلا زال مكتوماً، وأما الحسين فيُجيبه: “فامض لوجهك والسلام”. وهو أيضاً كذلك.
قالوا(1): ووافت الشيعة مسلماً في دار المختار بالترحيب وأظهروا له من الطاعة والانقياد ما زاد في سروره وابتهاجه، فعندما قرأ عليهم كتاب الحسين قام عابس بن شبيب الشاكري(2) وقال: “إنني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في نفوسهم ولا أغرك بهم، والله إني أحدثّك عما أنا موطّن عليه نفسي، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلنَّ معكم عدوكم ولأضربنَّ بسيفي دونكم حتى ألقى الله ولا أريد بذلك إلا ما عند الله”.
وقال حبيب بن مظاهر(3): “قد قضيتَ ما في نفسك بواجز من قولك، وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو، على مثل ما أنت عليه”.
وقال سعيد بن عبد الله الحنفي مثل قولهما.
وأقبلت الشيعة يبايعونه حتّى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفاً، وقيل بلغ خمساً وعشرين ألفاً، وفي حديث الشعبي بلغ مَن بايعه أربعين ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسين مع عابس بن شبيب الشاكري، يخبره باجتماع أهل الكوفة على طاعته
ــــــ[280]ـــــــ
( ) راجع الإرشاد, ج2, ص41، البحار, ج44, ص335.
(2) وهو ممن قُتل مع الحسين في الطف، (منه).
(3) وهو ممن قُتل في الطف أيضاً، وقد يسأل البعض عن مدى موقفه من مسلم فهذا دليله، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وانتظارهم لقدومه وفيه يقول: “الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي”.
وكان ذلك قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين ليلة، وانظم إليه كتاب أهل الكوفة وفيه: “عجّل القدوم يا بن رسول الله، فانّ لك بالكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر”.
ــــــ[281]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[282]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
البيعة
فهنا فكرة البيعة وهي مسح اليد باليد، وهي طريقة ظاهرية تدعم الجهة الباطنية للإيمان، وكان العربي إذا أعطى عهداً وفى، حتى إنهم قالوا للزهراء لو كنا نعلم ما تقولين ما بايعناه، ولكننا بايعناه ولا نستطيع أن نتراجع. فهو يُعطي الوفاء لأية بيعة يكون قد أعطاها باختياره.
وقد أقرها الإسلام ومشى عليها النبي في بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(1)، وقال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ(2).
وواضح من الآية أن يد رسول الله تكون هي العليا ويد الآخر تكون هي السفلى، كما أن يد رسول الله هي تكون ثابتة ويد الآخر متحركة إلا أن جهة الحركة تختلف، والظاهر أنها ينبغي أن تكون باتجاه جسم الولي وليس بالاتجاه المضاد كما تدل عليه الرواية لبيعة الرضا في زمن المأمون(3). وليست البيعة على شكل
ــــــ[283]ـــــــ
( ) الفتح: 10.
(2) الفتح: 8.
(3) فقد ورد في الرواية: وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس، برأي المأمون في علي بن موسى=
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المصافحة على أي حال، وهي بالرغم من أهميتها الاجتماعية ونصّ القرآن عليها وفعل المعصومين بما فيهم النبي وأمير المؤمنين بعد الخليفة الثالث والإمام الحسن بعد أبيه ومسلم بن عقيل والإمام الرضا وما ورد عن المهدي، إلا أن الفقه والفقهاء لم يعتنوا بها كثيراً، وإنما بقيت لمجرد الإعلام. وذلك لعدة نقاط:
منها: أن بين البيعة الظاهرية والبيعة الباطنية وهو الاعتقاد بهؤلاء عموماً من وجه، فقد يجتمعان كما في حبيب بن مظاهر الأسدي وعابس بن شبيب الشاكري، كذلك قد يفترقان فيأتي المنافق فيبايع، فهل تُقبَل بيعته ثبوتاً!؟ وأما إثباتاً فتكون مجرد تغرير وخدعة قد يترتب عليها نتائج غير محمودة.
ــــــ[284]ـــــــ
= وأنه قد ولاه عهده وسماه الرضا، وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الآخر، على أن يأخذوا رزق سنة.
فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القُوّاد والحُجّاب والقضاة وغيرهم في الحضرة, وجلس المأمون ووضع الرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه, وأجلس الرضا عليهما في الحضرة وعليه عمامة وسيف, ثم أمر ابنه العباس بن المأمون أن يبايع له أول الناس, فرفع الرضا يده فتلقّى بها وجه نفسه وببطنها وجوههم, فقال المأمون: أبسط يدك للبيعة, فقال له الرضا: “إن رسول الله هكذا كان يبايع” فبايعه الناس ويده فوق أيديهم, ووضِعت البدر وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا وما كان المأمون في أمره. الإرشاد, ج2, ص261. وأنظر: البحار, ج49, ص146. ومناقب آل أبي طالب, ج3, ص473.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ومن ناحية أخرى: أنه يمكن الاكتفاء بالبيعة الباطنية وهو الإخلاص والولاء وعليه العمدة، فمثلاً إذا كان شخص بعيداً آلاف الأميال فهل يكلّف أن يأتي إلى الإمام فيُبايعه؟ والنساء وهكذا. وماذا يقول أبناء العامة في ذلك؟ جزماً لا يجب. وإنما سيصبح صاحبهم أيّاً كان خليفة، مجرد أنه بايعه جماعة قد يكونون مائة ألف، فيكون حجة وولياً على عدّة ملايين لم تبايعه ولم تعرفه.
وعلى أي حال فالبيعة وإن اختصت الآن بمسلك أبناء العامة فإنهم أكثر اعتقاداً بها منا، إلا أنها عندنا ممكنة ومُلزِمة لصاحبها. نعم, عدمها يدل على عدم الولاء كما أن وجودها لا يدل على الولاء، ولنا في وجودها أسوة حسنة برسول الله والمعصومين فليس لنا أن نُنكرها أصلاً.
وإن كان الصحيح هو النصّ رغماً على الناس ويُفرَض عليهم سواء بايعوا أم لا.
وهو على أي حال مسلك إعلامي جيد جداً من الناحية الاجتماعية والدينية، وقد سار عليه مسلم بالرغم من أننا نلاحظ انه ليس في كتاب الحسين ذلك، وبالرغم من أن المبايعة له واضحة بانها ليست له وإنما ينظرونه ممثلاً للحسين فهي مبايعة للحسين عن طريقه، وأيٌّ منها حصل فهو المطلوب.
ــــــ[285]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[286]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
استعجال حضور الحسين إلى الكوفة
ثمَّ إن في هذه الكتب إشارة إلى استعجال حضور الحسين إلى الكوفة، وهي ضرورة واقعية أدركوها، لأنهم يتحسبون بالظن ما حصل مستقبلاً من استفحال أمر الظالمين، ولو كان الحسين قد دخل الكوفة في ذلك الحين لتمَّ الأمر ولَتَغيَّر تاريخ الإسلام إلى العصر الحاضر، ولكن لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(1).
والذي يظهر أن كل من يبايع يُسجَّل اسمه ويذهب(2). إلا أن الذي يبدو بوضوح أن هؤلاء يفكرون بتفكير والحسين يُفكر بتفكير آخر، فهؤلاء يفكرون بتفكير اجتماعي والحسين يفكر بالشهادة، وما كان أسهل عليه أن يركب الفرَس وحده أو في نفرٍ قليل ويصل الكوفة بيومين أو ثلاثة ويدخلها قبل عبيد الله بن زياد، إلا أنه أثقل رحله بالنساء والأطفال والرجال بعنوان أنه يأخذ جيشاً كبيراً من المدينة إلى الكوفة، فثقلت حركته ولم يستطع الوصول إلا بعد فوات الأوان، لأن الجيش مهما كان يحتاج إلى طعام وشراب ومنام وخيام وغير ذلك كثير، والمفروض أن كل ــــــ[287]ـــــــ
( ) الأنفال: 42.
(2) حتى أحصى ديوانه اثنا عشر ألف رجل، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هذه الأمور لا تكون إلا بالمعجزة، وهو لم يُبطئ بالذهاب عبثاً إلا لأنه رأى أن نفعه ونفع الآخرين بشهادته أعظم من حُكمِه، وبيدنا أمران:
أحدهما: محسوس, وهو النفع الذي حصل بشهادته في الدنيا والآخرة.
والآخر: محتمل كأطروحة وهو إن الحكم الذي كان من الممكن أن يكون ليس في وقته ولا الناس مستحقون له ولا يتحملونه ولا يقومون بمسؤوليته. ومن أوضح نتائجه أنه من الممكن أن ينقلب ويزول ويأخذه الظالمون من أيديهم، في حين إن المفروض بالحكم الحق إذا حصل أن لا يزول إلى يوم القيامة، بحيث يكون هو الوارث للأرض ومَنْ عليها، ومن هنا ورد: “ودولتنا في آخر الدهر تظهر”(1).
لأن الله سبحانه يوفر لها علل البقاء والاستمرار وتكون قد أخذت موقعها الحقيقي من الكون في حدود الحكمة الإلهية، أما التعجيل قبل ذلك فليس بمُستحسن بالتأكيد.
مضافاً إلى إمكان القول بأن البلاء الدنيوي يقلّ في ذلك الحين أو يكون من نوع آخر في حين يكون البشر محتاجون إلى هذا النوع من البلايا التي نراها في عصورنا الحاضرة، وهو الموجب لكمالهم لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(2)، فإذا تسبب الحسين أو غير الحسين إلى تغيير ذلك فقد تسبب إلى تغيير
ــــــ[288]ـــــــ
( ) روي هذا البيت عن الإمام الصادق وهو قوله:
“لكل أناس دولة يرقبونها ودولتنا في آخر الدهر تظهر”
أمالي الشيخ الصدوق, ص578، روضة الواعظين, ص212، البحار, ج51, ص143.
(2) الأنفال: 42.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ما في الحكمة الإلهية من نفع البشر، وبالتالي فقد أضرَّ بالبشر وحاشاه.
وكذلك إذا تصورنا أن هذه البلايا تكون إعداداً للظهور المخطط في قضاء الله وقدره ووجود المؤمنين العاملين للمهدي، فإذا تغيّر ذلك كان على خلاف مصلحة الظهور.
وعلى أي حال فأية أطروحة ممكنة تكون مسقطة للاستدلال بخطأ الحسين حينما تباطأ عن الذهاب إلى الكوفة، وكذلك كما برهنَّا في (الأضواء)(1) انه لم يرجع حين وصل إليه مقتل مسلم بن عقيل، وذلك قبل أن يُجعجِع به الحرُّ الرياحي بعدّة أيام.
ــــــ[289]ـــــــ
( ) أضواء على ثورة الحسين، الهدف السادس: الاستجابة لأهل الكوفة: رابعاً، ص79.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[290]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
اختيار يزيد لعبيد الله بن زياد
قالوا: «فساء هذا جماعة ممَّن لهم هوى في بني اُميّة منهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، فكتبوا إلى يزيد يخبرونه بقدوم مسلم بن عقيل وإقبال أهل الكوفة عليه وأنّ النّعمان بن بشير لا طاقة له على المقاومة»(1).
أقول: وكأن هذا الكتاب سرياً لم يعلم به جماعة مسلم ولا مسلم نفسه والوقت عندهم متوفر، لأنه ليس المفروض انفضاض الجمع في أيام أو أشهر.
قالوا: «فأرسل يزيد على سرجون(2) مولاه يستشيره، وكان كاتبه وأنيسه، فقال سرجون: عليك بعبيد الله بن زياد. قال: إنّه لا خير عنده، فقال سرجون: لو كان معاوية حيّاً وأشار عليك به أكنت تولّيه؟ قال: نعم. فقال: هذا عهد معاوية إليه
ــــــ[291]ـــــــ
( ) أنظر: روضة الواعظين, ص173، الإرشاد, ج2, ص42، البحار, ج44, ص336.
(2) ورد في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر, ج2, ص161: (سرجون بن منصور الرومي كاتب معاوية وابنه يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان, ذكره أبو الحسين الرازي في تسمية كتاب أمراء دمشق وذكر أنه كان نصرانياً فأسلم). فهو كان مسيحياً ولكنه لم يثبت إسلامه، وكان هؤلاء يستعملون هذا النحو من الأشخاص لخدمتهم وتمشية مصالحهم.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
بخاتمه، ولم يمنعني أنْ أعلمك به إلا ببغضك له فأنفذه إليه(1). وعزل النّعمان بن بشير، وكتب إليه: أمّا بعد فإنّ الممدوح مسبوب يوماً، وإنّ المسبوب يوماً ممدوح، وقد سمى بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأول:
رُفِعتَ وجاوزتَ السَّحاب وفوقه فمالَكَ إلا مرقبُ الشمسِ مَقعَدُ»
وأمره بالاستعجال على الشخوص إلى الكوفة ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو يقتله أو ينفيه(2). وفي بعض الروايات: “إني ضممت إليك العراقَين”، يعني ولاية الكوفة زيادةً على البصرة(3).
وأثر اليهود والنصارى أمسى واضحاً في المجتمع المسلم وكيف ان الخلافة الظالمة كانت تستخدمهم وتعتمد عليهم وليس في التاريخ أنهم دخلوا الإسلام بل كانوا يعتمدون عليهم كونهم نصارى وهم يعلمون أنهم يريدون السوء بالإسلام، بل كانت الخلافة عميلة إلى ملك الدولة البيزنطية بمقدار فهم الدولة يومئذٍ، ورواية تغيير النقد وغضب ملك الروم.
ومن الطريف أن أمثال هؤلاء كانوا يعملون عند هذه النماذج وينصرونهم وينصحونهم، وكانوا ضد الشيعة وضد ولاية أمير المؤمنين منذ ذلك الحين وإلى كل حين بصفتهم أعدى الأعداء لهم ولمخدوميهم، من حيث أنهم لا يتفقون معهم في دين ولا دنيا في حين أن تلك النماذج تتفق معهم في الدنيا إن لم تتفق في الدين، وهم
ــــــ[292]ـــــــ
( ) أنظر: روضة الواعظين, ص173، الإرشاد, ج2, ص42، البحار, ج44, ص336.
(2) روضة الواعظين, ص174، الإرشاد, ج2, ص43، البحار, ج44, ص337.
(3) أنظر: نحوه في اللهوف لابن طاووس, ص153، المناقب, ج3, ص242.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يعلمون أن هؤلاء قد أسقطوا الدين وأخذوا بالدنيا، والنصارى واليهود أيضاً قد أسقطوا الدين وأخذوا بالدنيا.
ويوجد هناك مبرر آخر للسيطرة على الشيعة وهو أنهم يضرونهم في الدنيا، وفي دولهم الرئيسية مع احتمال توسع أمرهم، ويضرونهم في الدين إذ يحاولون جادين إخراج النصارى واليهود عن دينهم وإدخالهم في الإسلام، مع شيء آخر: وهو إنهم يضرونهم بالهدف، واليهود والنصارى لهم هدف ديني وهو في ذهن اليهود أوضح، وها هنا قد تجد أنهم أشد عملاً له من النصارى، والتوراة ناطقة بذلك، وهي مفسرة بسيطرة أهل الحق، إلا أنهم يطمعون بها ويعلمون أننا أيضاً نطمع بها، كما يعلمون أن الحق معنا، فهم يريدون أن يدفعوا إرادة الله في مستقبلنا وهو مستحيل.
والدولة البيزنطية حسب معهودي مؤسسة بعد المسيح بحوالي ثلاثة مائة سنة، أي قبل الإسلام بحوالي ثلاثمائة سنة، فكانت في عصر صدر الإسلام موجودة وفي عصر الأمويين والعباسيين إلى عصر الحروب الصليبية، بل لعلها كانت مستمرة إلى زمان محمد الفاتح الذي سقطت القسطنطينية على يده.
وهي في حينها أقوى دول العالم، وكان الخلفاء يخافون منها ويمتثلون لأوامرها، وكان هناك قيصر روسيا لا أحد يشعر بأهميته لأنه أقل حركة وأضعف أمراً، ونلاحظ أن الجيوش الأموية والعباسية كانت تحارب الدولة البيزنطية في مستعمراتها وليس في داخل بلادها كلبنان وقبرص وكريت وشمال أفريقيا، ولم يصدف ولا مرة أن حاولوا الدخول إلى اليونان أو إيطاليا أو رومانيا عن طريق البحر الأبيض المتوسط.
ــــــ[293]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يبقى موردان للنقض:
أحدهما: دول أوربا الشرقية التي كانت ساقطة بيد المسلمين إلى عهد متأخر حين سقطت بيد الإفرنج في الحرب العالمية الأولى وتخلت عنها الخلافة العثمانية.
فقد يقال: إنها أخذت من الدولة البيزنطية وهي مناطق رئيسية.
قُلنا: كلا:
1- إنها مناطق مستعمرة وليست رئيسية وليس للدولة الأصلية جيوش كافية فيها.
2- إنها إنما أخذت من قيصر روسيا لا من قيصر روما، يندرج في ذلك ما كان في غرب موسكو ويوغسلافيا وجيكوسلوفاكيا وجنوبها كأذربيجان وداغستان وغيرها.
النقض الثاني: دخول الأندلس.
جوابه:
1- أنه لم يؤخذ من الدولة البيزنطية لأن حكمها لم يكن واصلاً إلى هناك.
2- لو سلمناه فإنه أمر خاص بالقائد الذاهب إلى هناك.
3- أنهم كانوا يتوقعون نتائج طيبة جداً كما حصل فعلاً.
ثم إن الفتح الإسلامي كان في أكثر العصور المتأخرة تجارة محضة، فيقول: ذهب فلان فخرَّب وقتل وغَنِم ورجع. ثمَّ يصف المؤرخون الأموال التي جلبها ويترك الشعب الذي خربه في مجاعة وعوز بدون أن يفكر مَنْ يحكم فيه بالعدل والإسلام، وهذا هو الديدن مئات السنين وهو دليل واضح على طلب الدنيا وعدم الإخلاص في العمل.
كذلك تحالف الدولة العثمانية مع ألمانيا الهتلرية.
ــــــ[294]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
حول كتاب يزيد لابن زياد
وقوله: ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو يقتله أو ينفيه. يعني حسب ما يرى عبيد الله من المصلحة، فقد أهدر دمه إلا أنه لم يعيّن قتله فيكون تعيين قتله من عنديات ابن زياد، والسبب الرئيسي لذلك هو صمود مسلم فلو كان قد تنازل لبقي حياً ذليلاً، ولكنه مات عزيزاً. ومن ذلك قوله: “السلام على مَنْ اتبع الهدى”. فقال له الحرس: ويحك سلّم على الأمير. قال: ما هو لي بأمير. قال له عبيد الله: سلّمت أم لم تسلّم فإنك مقتول(1). لأنه رأى في تلك اللحظة ومن لحن كلامه وصلابته بالحق وعدم استعداده التنازل.
وحسب فهمي فإن فكرته هي أنه يجب أن يسير في الطريق الذي سار به إلى نهايته، ولا تجب عليه التقية التي يدفع بها عن نفسه الموت, أو قل لا يجب عليه أن يتحمل الذلة التي يدفع بها الموت عن نفسه.
وذلك لأكثر من مصلحة:
أولاً: المصلحة العامة للدين وللحسين، إذ يُقال: إن رسول الحسين قد خانه وإنه كان ضعيفاً قد تأخذه في الله لومة لائم، فلماذا أرسله الحسين وهو
ــــــ[295]ـــــــ
( ) البحار, ج44, ص357، اللهوف لابن طاووس, ص35.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يعرفه على هذه الصفة، ولكنه لم يكن كذلك.
ثانياً: مصلحته الخاصة بالشهادة ونيل المقامات العليا.
وبذلك ينتفي في نظره حكم التقية لوجود الجهة الأهم أكيداً.
وبذلك نستطيع أن نقارن بين حالة استعفائه السابقة وحالة صموده اللاحقة، فإن حالة استعفائه السابقة -لو صحت- لم يكن فيها خطر على المصلحة العامة لأنه لم يكن قد واجه المجتمع ولا أعداء الله سبحانه، أما حينما يكون هناك خطر على المجتمع وعلى الدين فلا بد من الصمود.
قالوا: “فتعجّل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن الجارود وشريك الحارثي وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمائة رجل انتخبهم من أهل البصرة”(1).
وهذا يدل على أن البصرة شاركت في قتل مسلم وقتل الحسين وليس الكوفة فقط، وقد شاركت قبل ذلك في قتال علي يوم الجمل، ومن الصحيح أن الجيش المعادي كانوا كلهم عراقيين، إلا القوّاد فإنهم حجازيون، وأما من بني أمية فلم يكن فيهم أحد على الإطلاق. نعم, إنما كان هواهم في بني أمية أو كما حدث خارجاً عن التخويف والترغيب ونحو ذلك.
قالوا: «فجدَّ في السير وكان لا يلوي على أحد يسقط من أصحابه حتى أنّ شريك بن الأعور سقط في أثناء الطريق، وسقط عبد الله بن الحارث رجاء أن يتأخر
ــــــ[296]ـــــــ
( ) راجع روضة الواعظين, ص174، الإرشاد, ج2, ص43.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ابن زياد من أجلهم فلَم يلتفت ابن زياد إليهم مخافة أن يسبقه الحسين إلى الكوفة.
ولما ورد القادسية سقط مولاه مهران، فقال له ابن زياد: إن أمسكت على هذه الحال فتنظر القصر فلك مائة ألف، فقال: والله لا أستطيع، فتركه عبيد الله ولبس ثياباً يمانيّة وعمامة سوداء وانحدر وحده»(1).
كأنه ترك رجاله خارج الكوفة، وهذا من الغريب إذ لعله يواجَه بالسلاح فيكون مضطراً إلى المقابلة، فكان من الضروري أن يدخل مع أصحابه، إلا أنه كأنه اكتفى بالتنكر فان فيه سلامته، ومن المعلوم أنه ليس أحد في أهل الكوفة سيعرفه وخاصةً في زيّه التنكري.
وأما دخوله مع رجاله فسيعرف البعض من أهل الكوفة بعض رجاله حتماً، فلا يكون ذلك في مصلحته وهو لا زال في أول الطريق تماماً لعمله.
وهو لا يريد أن يواجه أهل الكوفة بالقتال مباشرةً لأنه سيكون في الطرف الأضعف فيفشل، وإنما لا بد من السيطرة على الوضع بالغيلة ولم يكن يظن أنهم يحسبوه الحسين ولو دخل مع رجاله لحسبوه أيضاً إلا أنه مجرد زي تنكري، لكي لا يُعرَف فترك رجاله لكي لا يُعرَف، والتنكر والتخويف ونحو ذلك مما صنع.
ــــــ[297]ـــــــ
( ) أنظر: تاريخ الطبري, ج4, ص267، إعلام الورى للطبرسي, ص437.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[298]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
دخول ابن زياد الكوفة
قالوا: «وانحدر وحده، وكلَّما مرَّ (بالمحارس) ظنوا انه الحسين فقالوا: مرحباً يا بن رسول الله، وهو ساكت فدخل الكوفة مما يلي النجف»(1). لماذا؟ هل ذلك على وجه الصدفة أو أن طريقه اقتضى ذلك أو إنه فكر في مصلحة تقتضي ذلك حسب المواصفات والتقارير التي يعرفها إجمالاً.
قالوا: «واستقبله الناس بهتاف واحد: مرحباً يا بن رسول الله. فساءه هذا الحال، وانتهى إلى (قصر الإمارة) فلم يفتح النعمان باب القصر وأشرف عليه من أعلى القصر يقول: ما أنا بمؤدٍ إليك أمانتي يا بن رسول الله. فقال له ابن زياد: افتح فقد طال ليلك. فسمعها رجل وعرّفه للناس: أنه ابن زياد ورب الكعبة، فتفرقوا إلى منازلهم.
وعند الصباح جمع ابن زياد الناس في الجامع الأعظم وخطبهم وحذرهم ومنّاهم العطية، وقال: أيُّ عريف وجد عنده أحد من بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا صُلِبَ على باب داره»(2).
ــــــ[299]ـــــــ
( ) تاريخ الطبري, ج4, ص268، مثير الأحزان, ص19.
(2) أنظر: تاريخ الطبري, ج4, ص268، البحار, ج44, ص341، الإرشاد, ج2, ص45.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أقول: ولم يكن لأمير المؤمنين(1) إلا مسلم بن عقيل، إلا أنه لم يذكر اسمه حفاظاً على سمعته وحاله أولاً. ولكي يكون التهديد عاماً لكل مُتبع لمسلم، ومن الناحية العملية فإنه لا يقصد بغية أمير المؤمنين حقيقةً وإنما بغيته هو، وهنا ينسب إلى ذلك باعتباره قد ولاه على البلد، فيكون التهديد عاماً.
وماذا يملك ملوك الدنيا إلا التطميع والتخويف وإلا فإنهم لا يملكون القلوب حقيقةً، لكن يجب أن لا تأخذه في الله لومة لائم وإلا كان مظنة الانحراف والفساد، من أي شيء وخاصة في مثل الضغط الذي أوجده ملك عبيد الله بن زياد.
ولم يكن في أهل الكوفة إلا نفر قليل جداً ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، وإنما اتبعوا مسلماً في ظرف السلامة والحرية وأما مع الضغط فمن الصعب البقاء على البيعة، فلو كان نقض البيعة عيباً عند العرب فهم الآن مستعدون أن يبيعوا هذا الشرف بأرخص الأثمان لكي يحافظوا على حياتهم.
قالوا: ولما وضح الأمر لابن زياد وعرف أن مسلماً مختبئ في دار هانئ بن عروة دعا أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث وعمر بن الحجاج وسألهم عن انقطاع هانئ، قالوا: الشكوى تمنعه(2).
أقول: يدل على أن هانئاً كان يلازم الذهاب ربما أسبوعياً إلى عبيد الله بن زياد، ولا أعتقد أن لذلك خصوصية به وإنما بصفته أميراً على الكوفة وهو أحد كبرائها ويريد حفظ مصالحه ومصالح عشيرته اقتصادياً واجتماعياً، فكان يزور باستمرار من
ــــــ[300]ـــــــ
( ) ويقصد به يزيد الأموي، (منه).
(2) راجع الإرشاد, ج2, ص47.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
يكون والياً على الكوفة سواء كان النعمان بن بشير أو عبيد الله بن زياد أو غيرهما، لأنه مضطر أن يجامل الدولة حفاظاً على دنياه.
إلا أن المسألة الآن اختلفت كثيراً وأصبح فيها هدف ديني جليل وأصبح عبيد الله بن زياد عدو هذا الهدف، فيجب تركه مهما كانت النتائج وذلك حينما انتقل مسلم إليه، فهل كان هانئ يذهب إلى عبيد الله بن زياد حال كون مسلم في دار المختار.
كلا، لأن عبيد الله لم يكن أميراً على الكوفة يومئذٍ.
ونحن نستطيع أن نتصور المدة فإن مسلم انتقل إلى دار هانئ بعد ورود ابن زياد بأيام، فإذا كان هانئ قد قطع الذهاب إلى قصر الإمارة عند ورود مسلم عليه، إذن فهو لم يذهب إلا مرةً واحدة أو لم يذهب إطلاقاً.
وجواب ذلك من وجوه:
1- فإما أن نكذب الرواية بسبعة وعشرين يوماً ونقول إن المسألة طالت لمدة شهر بحيث كانت له فرصة الزيارات.
2- وإما أن نقول بتكذيب هذه الرواية (انقطاعه عنا)، وإنه إنما قتله بحيلة أخرى.
3- وإما أن نعتبر الانقطاع اعتبارياً أو اقتضائياً، يعني حيث من عادته الذهاب إلى الأمراء.
4- ما قاله بعض الأعزّة من أن شريك الأعور كان صديقاً لعبيد الله بن زياد
ــــــ[301]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وعرف الأخير أنه نازل في بيت هانئ، وسمعنا عنه أنه سقط لكي يتخلّف عبيد الله بن زياد وسمعنا عنه أنه هو الذي حاول قتل ابن زياد غيلة، وقد كان مخلصاً في تشيّعه، إلا أن هذا الوجه لا يتم لأنه ينبغي أن يدعو شريكاً الأعور وليس هانئ ولا أقل أن يدعوهما معاً.
قال المقرم(1) عن تاريخ الطبري: «ولبث شريك بعد ثلاثة أيام ومات فصلى عليه ابن زياد ودفن بالثوية، ولما وضح لابن زياد إن شريكاً كان يحرض على قتله قال: والله لا أصلي على جنازة عراقي أبداً، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكاً».
5- إنها مجرد حيلة لاستدعائه.
6- إن ذلك باعتبار أننا نفهم من الانقطاع الاتصال السابق، فإذا لم نفهم ذلك انسدَّ السؤال، وبقي الفهم على الانقطاع الأزلي.
7- إن زياد ابن أبيه كان والياً على الكوفة حوالي ثلاث سنوات من سنة (49) إلى ثلاث وخمسين، فمن المحتمل أن ابنه عبيد الله كان معه وكان متصلاً بوجهاء الكوفة بما فيهم هانئ نفسه، وهذا يُفسر معرفته بطرق الكوفة، ويقول ابن الأثير: إنه خطب فحصبوه، ومات في الكوفة سنة 53(2)، وذهب عبيد الله إلى معاوية فأرسله والياً إلى خراسان(3). وهذا يفسر أنه لماذا وَعد عمر بن سعد مُلك الري، لأنه مطّلع عليه وله فيه معرفة ومعارف.
ــــــ[302]ـــــــ
( ) مقتل الحسين للمقرم, ص153 ط بيروت.
(2) الكامل, ج3, ص341.
(3) نفس المصدر السابق, ص345.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
والظاهر أنه لم يذهب إطلاقاً، لأننا سمعنا أن عبيد الله بن زياد كشف عن حقيقة هدفه في اليوم الثاني من مجيئه، فمن المستحيل أن هانئ يمكن أن يجامله أو يعامله، فإن فرضنا أنه ذهب إليه مرة فإن وقته لا يسمح بالذهاب إليه مرات عديدة.
فقولهم: إنه أرسل هذه الجماعة وسألهم عن انقطاع هانئ, إنما هو كلام فارغ يُراد به الإعداد للشر لا أكثر ولا أقلّ، لأنه لم يكن قد ذهب هانئ لكي ينقطع، ولا أقلّ أنه لم يكن قد عوّده الذهاب الكثير لكي يعتب عليه بالانقطاع، وليس وجود عبيد الله بن زياد في الكوفة أكثر من حوالي شهر أو أقل، وقد سمعنا أن أخذ البيعة لمسلم كانت قبل مقتله بتسعة وعشرين يوماً، وكل هذه الحوادث حصلت خلال هذه المدّة، ولم يكن عبيد الله بن زياد موجوداً في الكوفة خلال بيعة مسلم، وإن كان من المظنون أن هذا الرقم مبالغ في قلّته، لأنه مهما يكن الحال فليس الزمان طويلاً، فإننا غاية ما نستطيع أن نعرفه ضعف هذه المدة وهي أيضاً غير كافية لاعتياد ذهاب هانئ إلى ابن زياد.
قالوا: فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه على باب داره كل عشية(1). وهي عادة موجودة عند كثير من الطبقات في كثير من المدن، ويستقبلون بعض أصدقائهم في الشارع باعتبار أن داخل البيت لا يساعد على ذلك، فبالتأكيد أن هانئاً ومسلماً كانوا يستقبلون الناس في الفسحة التي أمام دار هانئ، فإنه بالتأكيد لا يجلس وحده وإنما مع مسلم وآخرين وأصلاً إن عبارة (يجلس)(2) يعني يجلس
ــــــ[303]ـــــــ
( ) أنظر نحوه في الإرشاد, ج2, ص47.
(2) وذكروا عن الإمام الحسن أنه إذا جلس على باب داره أو في الطريق وقف كل المارة ولم يمشوا إجلالاً له، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لاستقبال الناس ولا يُراد بها الجلوس كيف كان. نعم, لو لم يكن للفرد أصدقاء أو ضيوف جلس وحده، ولم يكن هانئ كذلك بطبيعة الحال بصفته شيخ مراد ومضيّف مسلم بن عقيل فلا ينبغي أن نأخذ الأمر بسذاجة كما يأخذه المتشرعة.
ــــــ[304]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
اعتقال هانئ
قالوا: «فركب هؤلاء الجماعة إليه وسألوه المسير إلى السلطان فإن الجفاء لا يحتمله وألحّوا عليه»(1). طبعاً هم لا يعلمون بل لا يظنون بظنٍ معتدٍ به النتيجة التي حصلت فوراً وهو أنه سُجِن فوراً ولم يعد إلى داره، وأنه قُتل على أثر ذلك، كما أن هانئاً نفسه لم يكن يظن ذلك وكان له ثقة بعشيرته فإنه إذا صاح: وامذحجاه, تداعت له الآلاف وأنقذته في أي موقف كان، وإذا كان شيء ينبغي أن يفكر به ابن زياد فليس في الزيارة الأولى وليس غيلة، كما أن هذه الزيارة للمجاملة ستقلل غضب الدولة وابن زياد عليه وستفتح له غض النظر وحرية التصرف ومن ثم سيكون هذا في مصلحته ومصلحة مسلم بن عقيل أيضاً، ومن ثم في مصلحة الدين والمذهب، إلا أن ابن زياد كان أذكى من ذلك وأقسى من كل ذلك وقد غدر به من أول مرة.
قالوا(2): «فركب بغلته ولما طلع عليه قال ابن زياد: أتتكَ بِحائِنٍ رجلاه». وحائن: يعني حان حينه وقَرُب موته، وهو دال على عزمه على قتله. والتفت إلى شريح القاضي(3) وقال:
ــــــ[305]ـــــــ
( ) أنظر: الإرشاد, ج2, ص47.
(2) نفس المصدر السابق.
(3 ) وهو منصّب من قِبَل الدولة للقضاء في الكوفة، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أريد حباءه(1) ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
وهو البيت الذي تمثّل به أمير المؤمنين تجاه ابن ملجم، وكلاهما من مراد فوقع في محله، والبيت يُنسب لعمرو بن معد يكرب قالها في ابن اخته(2)، ولا نعلم صلته بقبيلة مراد، إلا ان نحمل (مراد) هنا على المعنى اللغوي، أو هو من مراد على أية حال.
وأمير المؤمنين كان صادقاً فيما قال، فقد كان يعتني بابن ملجم بصفته أحد أصحابه كما كان حاله قبل ذلك، إلا أن عبيد الله كان كاذباً في ذلك فلم يكن قد أضمر الخير لهانئ ولا طرفة عين، فقوله: (أريد حباءه) غلط أكيداً.
قالوا(3): ثم التفت إلى هانئ وقال: أتيت بابن عقيل إلى دارك وجمعت له السلاح. ــــــ[306]ـــــــ
( ) والحباء: ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به. والحباء: العطا. لسان العرب, ج14, ص162. إلا أن ابن الأثير ذكرها بقوله: (أريد حياته).
(2) وهو بيت من قصيدة لعمرو بن معد يكرب حسب ما وردت نسبتها إليه من قِبَل ابن الأثير في أسد الغابة, ج4, ص134 ويقول فيها:
أعاذل عدتي بدني ورمحي وكل مقلص سلس القيادِ
أعاذل إنما أفنى شبابي إجابتي الصريح إلى المنادي
مع الأبطال حتى سل جسمي وأقرع عاتقي حمل النجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي ويفنى قبل زاد القوم زادي
تمنى أن يلاقيني قبيس وددت وأينما مني ودادي
فمن ذا عاذري من ذي سفاه يرود بنفسه شر المراد
أريد حياته ويرد قتلي عذريك من خليلك من مراد
(3) أنظر: الإرشاد, ج2, ص48، البداية والنهاية, ج8, ص166.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فأنكر عليه هانئ. وإذ كثر الجدال دعا ابن زياد معقلاً. ففهم هانئ ان الخبر قد أتاه من جهته. فقال لابن زياد: إن لأبيك عندي بلاءً حسناً وأنا أحب مكافأته، فهل لك في خير تمضي أنت وأهل بيتك إلى الشام سالمين بأموالكم فإنه جاء مَن هو أحق بالأمر منك ومن صاحبك.
فقال ابن زياد: والله لا تفارقني حتى تأتيني به. قال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه.
فإن قُلتَ: هذه عبارة احتقار فلماذا قالها هانئ؟
قُلنا:
1- إنها قد تكون نقلاً بالمعنى والتغيير من الرواة.
2- إنها لغة عامة تُقال على كل أحد، وقد تستعمل للاحتقار، كقول معاوية: وها هي تحت قدمي. وقد تستعمل للتحصين، والعبارة لذلك منحصرة بذلك، و«تحت ذيلي ما كشفت الذيل عنه»، كما ورد في بعض سفراء الحجة. وكلهم إنما يتكلم باللغة العامة والعرفية.
3- إن تحت القدم يعتبر أقوى مناطق الفرد أو سيطرته فيكون ثقل جسمه عليه، وهو عبارة عن حمايته الكاملة.
4- إن تحت القدم -بعكس السابق- يعتبر أسهل الأمور تسليماً وذلك بخطوة واحدة عنه وهي سهلة، فهو بالرغم من أن التخلي عنه سهل جداً إلا أنني لا أسلّمه لك.
ــــــ[307]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فأغلظ له ابن زياد وهدده بالقتل. فقال له هانئ: إذن تكثر البارقة حولك(1)، وهو يظن أن (مراد) تمنعه، فأخذ ابن زياد بظفيرته وقنّع وجهه بالسيف حتى كسر أنفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته، وحبسه عنده.
وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئاً قُتِل وكانت أخته روعة -وفي رواية رويحة- تحت هانئ(2) وهي أم يحيى بن هاني، فأقبل في جمع من مذحج وأحاط بالقصر.
فلما علم به ابن زياد أمر شريح القاضي أن يدخل على هانئ ويُعلِمهم بحياته، قال شريح: لما رأى هانئ صاح بصوت رفيع: يا للمسلمين إن دخل عليَّ عشرة أنقذوني. فلو لم يكن معي حميد بن أبي بكر الأحمري وهو شرطي لأبلغت أصحابه مقالته، ولكن قلت إنه حي. فحمد الله عمرو بن الحجاج وانصرف بقومه(3).
ــــــ[308]ـــــــ
( ) يعني: لَمعان السيوف، (منه).
(2) يعني: زوجته, وهو يدل على أهمية الرجل دينياً ومع ذلك فقد كان أحد القواد في الجيش الأموي ضدّ الحسين، (منه).
(3) الإرشاد, ج2, ص50.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
هانئ بن عروة في نظر إبن الأثير
هنا نقرأ فصل (نهضة مسلم) من مقتل المقرّم. وكله مشروح في (الكامل)(1) إلا أنه شرح أسلوب التخذيل ولم يذكر الصلاة في المسجد، نعم كانوا في المسجد ناس كثيرون من أتباع مسلم فقط.
ثم نقول: إنه مفهوم بوضوح من الكامل أنه جعل هانئاً رجل دنيا وإنه إنما قُتِل في سبيل تقاليده الاجتماعية والعشائرية فلا يكون شهيداً، وإنما الشهيد هو الذي قُتل لكي تكون كلمة «لا إله إلا الله» هي العليا.
وجوابنا على ذلك عدة أمور:
أولاً: إن هذا نقل بالمعنى أو تحريف وإن الواقع غير ذلك، وهو تحريف متعمّد، لأنه في مصلحة الجماعة في الغض من شأن أهل الحق.
فإن قُلتَ: إنه كان كذلك فلماذا لم يغض من شأن مسلم.
قُلنا: انه فعل ذلك أحياناً إلا أنه لم يستطع لوضوح شأن مسلم بشكل أجلَّ وأعلى من هانئ بكثير كما هو واضح، وإنما شأن هانئ بشأن مسلم لا أكثر.
ثانياً: إنه يمكن -بعد التسليم بصحة النقل- أن يحمل كله على الصحة.
ــــــ[309]ـــــــ
( ) ج3, ص391.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كلام هانئ كان من أجل إقناع الرأي العام لعشيرته والكوفة وأكثرهم غير متدين (لا شعورياً) على الأقل.
هانئ وجد مسلماً جالساً أمام باب داره ومع ذلك أجاره وليس في داخل داره(1) ولا يجب بالقانون العشائري أن يُجيره ومن دلائل ذلك إن طوعة حاولت طرده قبل أن تعرفه، فإنه لم يدخل دارها وإنما على بابها.
هل كان هانئ منقطعاً عن مسلم حال كونه في دار المختار؟ كلا، ولكن عبيد الله لم يكن موجوداً فكان له مجال للإنكار وذهابه إلى دار المختار يعني إخلاصه السابق الديني وليس العشائري.
أما الكراهة في أن يكون مسلم في داره فباعتبار الشعور بثقل المسؤولية الدينية الملقاة على عاتقه واعتبارها شديدة الصعوبة ولعلها تؤدي إلى القتل. مع العلم أنه كان في حلٍّ منها وبريء الذمة منها لو لم يكن قد قصده، فهذا الكُره تعبير آخر عن الهيبة لتلك المسؤولية.
وأما قوله: “ضيفي” ونحو ذلك، فإنه إنما يتكلم بلغة المجتمع لكي يُلقي الحجة على ابن زياد أولاً، ولا يُفهِمهُ اتجاهه الديني ثانياً. ولو أفهمه بالجهة الحقيقية لما اقتنع ابن زياد.
ثالثاً: اننا نعرف هانئ (رضوان الله عليه) كان متقدماً في السن وقوياً في الحق، ومن أصحاب النبي وقد شارك أمير المؤمنين في حروبه، ثم هو كان مستعداً
ــــــ[310]ـــــــ
( ) على هذه الرواية، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
للموت في سبيل أهل الحق. ويكفينا أن نلتفت إن ضيفه لو كان من أهل الباطل لكان يمكنه أن يجعل هناك مبرراً للقبض عليه، بأن يخدعه بالخروج من بيته أو يُرسله لحاجة ونحو ذلك، فإذا خرج تمّ القبض عليه وبرئت الذمة منه، ولكنه لم يفعل ذلك تجاه مسلم وفداه بحياته.
ــــــ[311]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[312]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
تفرق أصحاب مسلم بن عقيل
الأسباب المحتملة للتفرّق:
1- الليل, وهو وقت الراحة.
2- عدم وجود مسلم بينهم ليعطي الأوامر بل رأى المصلحة بقاءه في مركزه.
3- عدم إمكان اتفاق قادة الفرق على التصرف المشترك.
4- أن إلتحاق العسكر اختياري وليس قهرياً إكراهياً.
5- التخذيل.
6- التطميع.
7- التخويف بالجيش الوافد من الشام.
8- قول الأشراف, وهم وجهاء الكوفة.
9- التثبيط من قِبَل الناس أنفسهم.
10- تكذيب هذا النقل التاريخي كله وإيكال القتل إلى أسباب مجهولة.
ولا يعلمون مقدار تحصين القصر -ونحن نعلم من المؤرخين- وإنما علموا به في وقت متأخر فمقتضى الحذر وأخذ كل الأمور بنظر الاعتبار عند المجازفة.
لم تكن هناك خطة مدروسة بل أمر ارتجالي، وعدم التفات المهاجمين إلى الباب الخلفي [للقصر] حتى كثر الدخول والخروج منه وهم لا يعلمون، مضافاً إلى انعدام
ــــــ[313]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
التجسس والمراقبة لهم على ابن زياد والقصر, في حين كان التجسس من هذه الناحية موجوداً(1).
والملحوظ بوضوح أن مسلم لم يتابعه أحد من أعدائه، ولكن لماذا تركه الخاصة ولم يؤوه في دار أحدهم، أو يخرجوه من الكوفة ولم يكن في ذلك الحين قد حصل أمر ابن زياد في التشدد ضده، بحيث اضطر في نهاية مسيره إلى بيت طوعة، والظاهر أنه على نحو الصدفة، لأنه وجدها واقفة بالباب فكلمها وطلب منها جرعةً من الماء، وداعيه هو اللجوء إلى دارها من حيث لا تعلم.
والجواب عن خذلان الأصحاب: أما بالطعن بسند النقل التاريخي أو الاعتراف بالتقصير لهؤلاء، فإنهم لم يكونوا معصومين. نعم, من حصلت له الشهادة بعد ذلك فهو مغفور له وأما من علم به ولم يتحرك إطلاقاً فهو مذنب.
ومن الواضح جداً حسب هذا النقل التاريخي أن مسلماً لم يطلب إجارته من أي أحد من الناس لا من أصحابه ولا غيرهم، لأنه لا يريد امتنان أحد منهم، مضافاً إلى حصول الاطمئنان بالشهادة, مضافاً إلى طلب الشهادة، مضافاً إلى أنه ربما تسبيب إلى إنزال الشر عليه -يعني على من يطلب منه- فيكون مسؤولاً أمام الله سبحانه، مضافاً إلى سقوط الأسباب والاتكال محضاً على الله سبحانه.
ــــــ[314]ـــــــ
( ) يقول المقرم: ولما صاح من في القصر: يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم وجربتموهم. فتفرق هؤلاء، حتى أن الرجل يأتي أخاه وابنه وابن عمه، فيقول له: انصرف. والمرأة تأتي زوجها فتتعلق به حتى يرجع. فصلى مسلم بن عقيل العشاء في المسجد ومعه ثلاثون رجلاً، ثم انصرف نحو كندة ومعه ثلاثة ولم يمض إلا قليلاً وإذا لم يشاهد من يدله على الطريق. فنزل عن فرسه ومشى متلدداً في أزقة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجه.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
استجارة مسلم بن عقيل في بيت طوعة
وأما دار طوعة(1) فيعتبره مسلم هبة من الله سبحانه، لأنه جاء صدفة باللغة الدنيوية، واستجارته في بيتها له معناه لأنه بعيد حسب الظاهر عن عيون القوم وبعيد عن السياسة باللغة الحديثة، وهو لم يطلب منها إلا استجارة ليلة واحدة وفي الصباح يُدبرها مُدَبّر الأمور ويُحمد القوم السُرى.
وطبعاً كان مسلم لا يعلم أن ابنها عميل للسلطة أو يمكن أن يبلّغ عنه.
فإن قُلتَ: فلماذا لم يحسب مسلم حسابه ذلك ولو احتمالاً.
قُلنا: لم يكن له بديل غيره. أما بيوت أصحابه فلم يكن يعرف الطريق إليها، مضافاً إلى ما قلناه من أنهم لم يطلبوا منه ذلك فكيف يدخل عليهم رغماً عنهم، وأما خروجه إلى البرية ليلاً وحده أشد خطراً وهو لا يعرف الطرقات والشوارع الرئيسية وليس له مقصد معين يقصده، وليس في الأطراف إلا الرعاة والفلاحين، ولا توجد ــــــ[315]ـــــــ
( ) أنظر: قصة طوعة عليها الرحمة في روضة الواعظين, ص175، الإرشاد, ج2, ص54، المناقب, ج3, ص244، مثير الأحزان, ص23، البحار, ج44, ص350، أنساب الأشراف للبلاذري, ص81، تاريخ الطبري, ج4, ص277، البداية والنهاية, ج8, ص166، مقتل أبي مخنف, ص45، إعلام الورى, ج1, ص442، اللهوف لابن طاووس, ص34، الكامل لابن الأثير, ج3, ص394.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مدينة كبيرة إلا البصرة وهي بعيدة جداً مضافاً إلى كونها ليست أقل خطراً من الكوفة عليه.
مضافاً إلى إمكان التعرف عليه من (المحارس) وإن لم يكن قد أُمروا فورياً بالقبض عليه، إلا أنهم يعلمون ما يجري في داخل الكوفة، فلربما منعوه عن الخروج أو قتلوه ونحو ذلك، وهذا احتمال وارد سواء عرفوه أو عرَّفهم نفسه أو لم يكن ذلك.
ــــــ[316]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
قصة طوعة وصحتها
وهنا يحسن الالتفات إلى أني وجدت في بعض كتب الشيخ أسد حيدر صاحب كتاب (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة)، وفي ما يلي في كتابه حول تاريخ الحسين.
يقول فيه ما مؤداه: وسواء صحّت قصة طوعة أو لم تصح، كأنه يريد بصراحة أن يشكك فيها وهو ليس بالفرد الاعتيادي بل هو مدقق وذكي.
وما يمكن أن يكون سبباً في ذلك عدّة أمور محتملة:
أولاً: أحدها ضعف سند النقل.
جوابه:
1- أنه ليس بضعيف، لأنه وارد في الكتب القديمة وفي الكامل لابن الأثير والإرشاد للمفيد على ما أتذكر وغيرهما.
2- أننا إن قلنا بضعف مثل هذا النقل لزمنا القول بضعف النقل لكثير من النقول التاريخية الأخرى، فإنها ليست أقوى منه سنداً مع أنه يعتمد عليها في كتابه.
3- مضافاً إلى وجود نقاط قوّة أخرى كقرائن على حصول أول الحادثة وهو محاربة مسلم في دار طوعة أو قريباً منها، فكيف حصل لو لم يكن مسلم قد التجأ إليها؟
ــــــ[317]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ثانياً: أنه لعله حمل أصحابه الخاصة على الصحة وأنهم دعوه إلى بيوتهم ولم يلجأ إلى غيرها، وإنما حورب هناك وقُتِل.
جوابه: وهذا غير محتمل، لأننا عرفنا إنه ما دُعي إلى ذلك ولا طَلب ذلك، ولو كان قد حدث لما انتهى إلى نفس النتيجة، لأنه لم يصل الخبر إلى ابن زياد ولأمكن مرة أخرى محاولة الكَرة للثورة وجمع الأصحاب، مع أنه لم يحصل فيكون قرينة على أن كل ذلك لم يحصل.
ثالثاً: لعله يدّعي أن مسلماً حينما جهز الجيش حارب وحورب وقُتل.
جوابه: إن هذا غير محتمل، لأنه خلاف نصّ الكتب القديمة المعتمدة. وقد قالوا: «إنه لم يكن لابن زياد جيش يحارب به إلّا ثلاثة عشر شرطياً».
فالظاهر أن حادثة طوعة متحققة.
ــــــ[318]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
طوعة ورفض إجارة مسلم
وقد يخطر بالبال أنها كان يجب عليها أن ترفض إجارته لأحد أسباب:
السبب الأول: أنها امرأة أجنبية، فينبغي لها أن تحذر من كل رجل.
جوابه: إنها لم تدخله إلى أن استوثقت من حقيقته، وكذلك من قوله: “لعلّي مُجازيك مستقبلاً”.
السبب الثاني: أن انفراد الأجنبي حرام في نفسه وهذا ما حصل في دار طوعة وكان حراماً عليها أو عليهما.
جوابه:
أولاً: هي لم تكن متفقهة وملتفتة إلى هذا الحكم الشرعي، وأما هو فلم يكن يعلم بالصغرى(1) فلعل في البيت ثالث، وإلى الآن نحتمل أن بالبيت ثالث ولو طفل صغير.
ثانياً: الضرورة الراهنة بعد التعب الطويل وتهديده بالقتل وهو إن لم يكن قد بلغه ذلك بصراحة، إلا أن الموقف يقتضي ذلك بوضوح، فهو في حدّ الضرورة القصوى.
ــــــ[319]ـــــــ
( ) أي: لم يعلم أن ما هو عليه الآن من حال هو تطبيق موضوع لهذا الحكم الشرعي.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
السبب الثالث: إنها كانت تعلم إن ولدها عميل القصر، فكان عليها أن تعتذر من مسلم بذلك وإن إدخاله إلى بيتها خطرٌ عليه وليس فيه استجارة عملياً.
جوابه:
أولاً: أنها عامية وبسيطة ولا تدرك هذه الأمور أو أنها يمكنها أن تغفل عنها وتنساها من أدنى ملابسة، وهذه هنا موجودة وهي أنها تشعر أن مسلماً من أهل البيت ومن أقرباء أمير المؤمنين فيجب عليها إدخاله دارها على كل حال.
ثانياً: لعلها لم تكن تعلم بعلاقة ولدها بالقصر، ولم يخبرها عن ذلك. وأما قصة كتم ذلك عنه فليس لأجل علمها بذلك بل لأجل زيادة الحيطة والحذر، ولذا أخبرته بعد أن أخذت منه المواثيق.
ثالثاً: أنها لو كانت تعلم بذلك، إلا أن العلاقات تختلف فلعلها علاقة لا تقتضي ذلك، وهي لم يصلها الخبر بالتهديد والوعيد الذي قاله ابن زياد لكل أهل الكوفة.
رابعاً: أنها ظنت أنها بالمواثيق والأيمان تسيطر على ابنها وقد حملته على ذلك فعلاً وأعطاها ما تريد فعلاً، إلا أن ذلك لم يؤثر فيه.
وإذا نُظِر إلى السبب النفسي الذي حمل ابنها على إيصال الخبر، وهو طبعاً رجل لا دين له ولا دنيا، عدّة أمور غير متنافية:
1- خوفه من سوء العاقبة الدنيوية التي هدد بها ابن زياد ورأى أن أحسن طريقة هو الإفشاء بمحل وجوده.
2- إنه لم يكن هو الذي أجار مسلماً وإنما أجارته أمه، فهو من هذه الناحية ــــــ[320]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
غير مسؤول عنه، فيمكنه أن يعطي الخبر في حدود فهمه.
3- إنه يدور أمره بين ثلاثة احتمالات لا رابع لها: إما بقاءه فيحدث تهديد ابن زياد, وإما إخراجه فيكون من الخيانة للاستجارة وهي مقيتة في المجتمع وفيها سمعة سيئة، وإما تسليمه للسلطة أو للسلطان، وقد اختار هذا الشق باعتبار إن حساب الدولة غير حساب غيرها، وقد سمعنا قولهم: (وإنما تسلمه للسلطان).
4- إنه كان عميلاً فعلاً وذا علاقة طيبة بالقصر ومن هنا قام بوظيفته تلك أو أراد أن يتزلف إليهم.
أقول: هذا غير متعين لأن الأسباب السابقة كافية لا أقل من الخوف مع عدم الشعور بالمسؤولية الدينية، وعمالته إنما تثبت بنصّ المؤرخين ونحن لم نجد إلى الآن دليلاً عليها.
5- إنه سلّمه طمعاً بالجائزة، حيث قال ابن زياد: “إن من يأتي به فله ديّته”(1) وهي ليست كمية قليلة من المال، فحين وجد مسلماً عنده اعتبر ذلك فرصة ذهبية له وأن الدنانير رزق مجاني ساقه الله إليه، وما قيمة مسلم وغير مسلم بإزاء الذهب الفتّان!!
ولا يمكن أن نعتذر عنه بأنه لعله سلَّمه وهو شاكّ بحصول مقتله، فلعله يسلمه من هذه الناحية، ولا يكون عليه بأس.
لأن جواب ذلك:
1- إنه ليس له تسليمه على كل حال حتى لو لم يعلم بعدم مقتله.
ــــــ[321]ـــــــ
( ) الإرشاد, ج2, ص57، مقاتل الطالبيين, ص68.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
2- إن ابن زياد كان قد خطب خطبته وقال تهديده ومن هنا كان موقفه واضحاً.
3- إننا لو غضضنا النظر عن ذلك فقد كان الموقف المتأزم يُنذر بالخطر فعلاً، وكان مقتل مسلم معلوم الوقوع وليس مشكوكاً.
ــــــ[322]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مسلم وحربه مع المهاجمين
أما حربه الانفرادية مع المهاجمين: فالظاهر أنه كان بلا جواد، كما أنهم كانوا بدون خيل:
1- لأنهم لم يكونوا يتوقعون ما وقعت منه من المقاومة.
2- إن من تقاليد الحرب أن يكون خصمه نظيره فهما معاً بجواد أو بدون جواد. ولا يعلم أن يكون أحدهما راجلاً والآخر راكباً مضافاً إلى تعذر هذا الشيء حقيقةً.
وأما ما قد يُقال: من أنه يجب عليه التسليم سلمياً حفاظاً على حياته.
فإنه يُقال: إنما حاربهم لعدة وجوه:
1- طلباً للشهادة, وفي بعض كلامه ما يدل على ذلك.
2- إنه من العار الدنيوي أن يشتهر أن مسلماً سلَّم سلمياً لعدوه.
3- إنه خلاف المصلحة الدينية ومصلحة الحسين كذلك أيضاً.
4- إنه علم إنه مقتول على كل حال وإن سالَم ففعل ما هو خيرٌ له في الدنيا والآخرة وهو القتال.
ــــــ[323]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
ــــــ[324]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
القاء القبض على مسلم
وأما إلقاء القبض عليه فسببه واضح لأنها كانت حرباً انفرادية لم يشاركه أحد فيها إطلاقاً، فمن الطبيعي أن ينهار مهما كان شجاعاً ومقداماً، لأنهم بالمئات وهو واحد، ومَثَله في ذلك مثل الحسين حين انفراده وفناء جيشه، وهذا موقف يُرسله الله لخاصة خلقه لكي يبتلي صبرهم وثباتهم على الحق، وقد وفّوا به أفضل الوفاء.
وعلى أي حال فلسنا بحاجة إلى أطروحات أخرى للقبض عليه، مثل: أنهم خدعوه، فحاشا لله أن يُخدع، أو أنهم حفروا له حفيرة فسقط فيها، فهذا في نفسه غير محتمل، وهل كان حفر الحفيرة في لحظة وبدون وقت وعمل وأدوات؟ بحيث يخفى على الناس وعلى مسلم، وكيف غطوها؟ بحيث يشابه سطحها الأرض، فإن كان حصل ذلك فإنما يحصل بأيام ولا أقل من ساعات، وأما أنه يحصل في ربع ساعة أو خمس دقائق وخلال الحرب مع مسلم فهو غير محتمل.
ونحن نلاحظ بهذا الصدد شيئاً من التهافت في النقل التاريخي، حيث قيل: واشتد القتال فاختلف مسلم وبكير بن حمران الأحمري بضربتين، ضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السيف إلى السفلى وفصلت لها ثنيتان، وضربه مسلم
ــــــ[325]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
على رأسه ضربة منكرةً وأخرى على حبل العاتق حتى كادت ان تطلع إلى جوفه فمات.
وقيل: فأتاه بالماء وكلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دماً.
وفي الثانية: ذهب ليشرب فامتلأ القدح دماً وسقطت فيه ثناياه فتركه وقال: لو كان من الرزق المقسوم لشربته.
فهل سقطت ثناياه خلال القتال أم حين شرب الماء في الأسر؟
وهناك قالوا: وفصلت لها ثناياه, والمظنون أن المراد بهما السقوط. نعم، لو كان المراد بهما الارتخاء لكان له وجه: إنهما ارتختا أولاً ثمَّ سقطتا ثانياً.
وقد اعترضنا على ذلك في كتابنا (أضواء على ثورة الحسين)(1)، وإنه كيف يمكن أن يحاول مسلم شرب الماء المتنجس، وكان الاعتذار الأخير هناك أنه يريد أن يعرض حاله السيء أمام عبيد الله بن زياد وما فعله أصحابه خلال قتاله، وهذا وجهٌ وجيه لو كان شرب مسلم الماء أمام عبيد الله بن زياد. كما كان تفكيري يومئذٍ وفهمي من التاريخ.
إلا أنه واضح من مقتل المقرم أنه لم يكن أمامه، وهل يحتمل أنه يوصف له بعد ذلك، فالظاهر أن هذه الحادثة كلها من الدسّ، وهي منقولة على أي حال عن الطبري وهو ليس محمولاً على الصحة.
ــــــ[326]ـــــــ
( ) أضواء على ثورة الحسين، طلب مسلم بن عقيل للماء، ص162 وما بعدها.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وصية مسلم بن عقيل
قالوا: «ثمّ طلب مسلم أن يوصي إلى بعض قومه فأُذِن له ونظر إلى الجلساء فرأى عمر بن سعد، فقال له: إنَّ بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، ويجب عليك نجح حاجتي وهي سرّ. فأبى أن يمكّنه من ذكرها (خوفاً من ابن زياد)، فقال ابن زياد: لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه بحيث يراهما ابن زياد، فأوصاه مسلم أن يقضي من ثمن سيفه ودرعه ديناً استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمائة درهم وأن يستوهب جثته من ابن زياد ويدفنها وأن يكتب إلى الحسين بخبره. فقام عمر بن سعد (فوراً) إلى ابن زياد وأفشى كل ما أسره إليه. فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن»(1).
وفي ذلك بعض الأسئلة: لعل أوضحها على الإطلاق أنه اختار عمر بن سعد لكي يكون وصياً مع ما عليه من خبثٍ وفسق، ويكفينا أنه أصبح قائد الجيش المضاد للحسين في عرصة الطف.
أولاً: إننا ينبغي أن نلتفت إلى أن المستقبل في ذلك الحين كان مجهولاً ولم يكن أحد يعرف حتى عمر بن سعد نفسه أنه سيكون القائد للجيش المعادي
ــــــ[327]ـــــــ
( ) أنظر: الإرشاد, ج2, ص61.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
للحسين، وإنما هو مجرد رجل من غير الموالين للحق ومن الموالين للسلطان.
ثانياً: إن له معه قرابة فكان أمل مسلم أن يصون له قرابته.
ثالثاً: لعله وجده في السن أو في الرشد الاجتماعي قابلاً لذلك.
رابعاً: إنه كان من المتعذر لمسلم أن يختار حقيقة أي فرد أو أن يدعو من خارج القصر أي شخص فإنه يخاف عليهم، وإنما عليه أن يختار من الحاضرين فقط، فقد وجده أفضل من يُحتمل فيه ذلك وكل الباقين ليسوا حتى بهذه الدرجة من الاستحقاق.
خامساً: ما ذكره السيد المقرم(1) من أنه أراد أن يكشف إلى الكوفيين سوء سريرة ابن سعد وهذا ما حصل فوراً حتى لابن زياد، وحيث نسمعه يقول فيه بالرغم من أنهم من أصحابه: “ولكن قد يؤتمن الخائن”.
سادساً: إن وجهة الامتحان الإلهي فيها فقط كونه سراً، وإلا فالمصلحة تقتضي إيصالها إلى واحدٍ معين بغض النظر عن كونها سراً. وهي ليست سراً، ويكون هذا الواحد هو غير ابن زياد، ولعل هذه الصفة من سوء النقل التاريخي، ومن القرائن أنها ليست سراً إنه لم يحصل لها أي ردّ فعل سيّء ولا عام ولا خاص يعني من قِبَل عبيد الله بن زياد.
ومن المطمأن به إنه لم يؤدّ ولا واحد من هذه الوصايا بالتأكيد، وإفشاء السر أمام عبيد الله يكفي قرينة على ذلك.
ــــــ[328]ـــــــ
( ) مقتل الحسين للمقرم, هامش ص162, ط بيروت.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لماذا لم يؤدِّ مسلم بن عقيل دَينه
والسؤال الآخر في ذلك: إنه لماذا لم يؤدِّ دَينه قبل ذلك؟
جوابه:
1- إنه لم تحصل له هذه الفرصة، وفي المثل: يرى الحاضر ما لا يرى الغائب.
2- إن دَينه لم يكن قد حلَّ وقته أو لم يكن مطالباً به.
ويكفي الاحتمال لدفع الاستدلال، كما يكفي حمل مسلم على الصحة.
والسؤال الآخر: إنه لم يسمِ الدائن فكيف يؤدّي وصيه الدين؟
جوابه:
1- إنه خاف عليه من ذكر اسمه في ذلك المجلس.
2- إنه يستطيع أن يأتي ويطالب بدينه بعد أن يعرف أن مسلماً جعل هذا الرجل وصياً له، وعندئذٍ يعرفوه وإن لم يطالب سقط الدين.
والسؤال الآخر: لماذا لم يحفظ تركته لورثته وهو أيضاً يعلم بمجيء الحسين فيكفي أن تُسلّم التركة إلى الحسين ليقسمها بين الورثة، ونحن نعلم أن له زوجة وبنت وأولاد قُتِلوا في الطف بدون عقب؟
جوابه: إنه من الواضح فقهياً ومتشرعياً وجوب أداء الدين قبل تقسيم التركة،
ــــــ[329]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
فكان من حق مسلم بل من واجبه ذلك، نعم لو بقي من الدين بقية وجب دفعها إلى الورثة، لكن يبدو أن المسألة كانت اطمئنانية له بأن لا يزيد منها مقدار معتدٍ به، كما له أن يسكت عن الزائد فيأكله عمر بن سعد مقابل جهده في أداء دينه.
والسؤال الآخر: إنه لماذا لم يوصل خبر (فشله الدنيوي وسيطرة الظالمين عليه) إلى الحسين قبل ذلك، يعني قبل تورطه وإلقاء القبض عليه؟
وهذا واضح الجواب: لأننا لو لاحظنا وجدان مسلم لوجدنا أنه كان يأمل الفوز إلى حين القبض عليه، وما دام يأمل الفوز لا معنى لأن يخبر الحسين بفشله، لأنه لا يعتقد أنه فاشل، ولعله كان يحتمل ذلك حتى بعد دخوله في دار طوعة، ونحن لا نعلم ماذا كان يفكر باتصاله بأصحابه من هناك لو سنحت الفرصة له أو أنه يخرج من الكوفة ويجمع المال والرجال ويدخلها منتصراً، وعلى أي حال فوجود مثل هذا الأمل يمنع إخبار الحسين بخلافه، والاحتمال مبطل للاستدلال.
والسؤال الآخر: إنه هل كان من الممكن لعمر بن سعد أن يوصل الخبر إلى الحسين, والحسين في ذلك الحين كان في طريق العراق ولم يكن في المدينة؟
جوابه: إن هذا كان مجهولاً عمن كان في الكوفة حتى مسلم، بحيث أن المفروض أن الحسين باقٍ في المدينة إلى تلك الساعة وبعد ذلك، ولا يعلم أحد هنا حدود تحركاته ولا ردّ فعله تجاه رسالة مسلم بن عقيل إليه.
فإن قلت: فإن مسلماً قال -كما في بعض الروايات-: «لا أبكي لنفسي وإن
ــــــ[330]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كنت لا أريد لها طرفة عين تلفاً وإنما أبكي أهلي المقبلين عليَّ: الحسين وأصحابه»(1).
وهذا يدل على علم مسلم بإقبال الحسين نحو الكوفة؛ نحو العراق.
قلنا: إن قوله: (المقبلين). يعني اقتضاءً لا علّية وفعلاً، يعني من شأنهم الإقبال, لأنهم وصلهم كتاب مسلم بطلبهم ولم يصلهم الردّ بخلاف ذلك، فمن شأنهم أن يُقبلوا بغض النظر عن زمان ومكان ذلك.
فإن قلت: فإن المفروض بالحسين الإسراع في المجيء، ولو كان قد أسرع لكان الآن في الطريق، وقد طلبوا منه الإسراع فعلاً، فقد يحصل الاطمئنان لمسلم في كون الحسين في الطريق وليس في المدينة.
قلنا: إن كان ذلك كما هو المظنون بالأمر بإيصال الخبر إليه يعني: أنه يبحث عن محل وجوده على كل حال ويحاول الوصول إليه بكل صورة وإخباره عن الحال، لعله يترك التوجه إلى العراق أو يمكنه أن يتوجه إلى أي مكانٍ آخر.
وعلى أية حال استطاع مسلم في أقصى إمكانه المتوفر تلك الساعة أن يفرغ ذمته من حيث إيصال الخبر إلى الحسين ولم يكن يستطيع أكثر من ذلك بالتأكيد، ولكن من الواضح تاريخياً أن عمر بن سعد لم يعمل ذلك، وإنما وصل الخبر إلى الحسين عن أحد طريقين: إما بالمعجزة حين أجاب سلام مسلم قائلاً: “عليك السلام يا غريب كوفان”. وإما بالسبب الطبيعي وهو الفرزدق ورفيقه حيث قالا له:
ــــــ[331]ـــــــ
( ) مقاتل الطالبيين, ص66، الإرشاد, ج2, ص59، البحار, ج44, ص353، تاريخ الطبري, ج4, ص280.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
“لم نخرج من الكوفة إلا ورأينا جثة مسلم وهانئ تُجرّ بالحبال في أزقة الكوفة”، فبكى وترحم على مسلم. ولكنه لم يعزم على تغيير مقصده(1).
قالوا: ثم التفت ابن زياد إلى مسلم وقال: يا بن عقيل. أتيت الناس وهم جمع ففرقتهم(2).
قال: كلّا لست أتيت لذلك، ولكن أهل المصر زعموا(3) أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب(4).
قال ابن زياد: ما أنت وذاك، أوَ لَمْ نكن نعمل فيهم بالعدل؟
فقال مسلم: إنّ الله لَيعلم أنّك غير صادق، وأنّك لتقتل على الغضب والعداوة وسوء الظنّ.
فشتمه ابن زياد وشتم علياً وعقيلاً والحسين(5).
فقال مسلم: أنت وأبوك أحقّ بالشتم، فاقضِ ما أنت قاضٍ يا عدوّ الله.
ــــــ[332]ـــــــ
( ) أنظر: مقاتل الطالبيين, ص73.
(2) بل الأمر بالعكس جاءهم وهم متفرقون فجمعهم، ولو كان المقصد أنهم مجتمعون على حبّ بني أمية ففرقهم عنهم، لأنه كذب صريح، (منه).
(3) من باب تلطيف العبارة وهو غير كاذب لأن الزعم أعم من المطابقة للواقع وعدمه، (منه).
(4) 1- هذا بلسان الحسين.
2- هذا الزعم بلسان حالهم لأفعالهم، (منه).
(5) نقلاً عن الكامل والطبري، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مقتل مسلم بن عقيل
قالوا: فأمر ابن زياد رجلاً شامياً أنْ يصعد به إلى أعلى القصر(1). وفي مقاتل الطالبيين(2) إنه طلب بُكير بن حمران الذي ضربه مسلم على رأسه وعاتقه، فجاءه فأمره بذلك ليُحقق فيه شفوته. في حين إنه في مقتل المقرم أنه مات(3).
وعلى أية حال فدَعوتُه تدل على عدّة أمور:
1- إنه حي إلى ذلك الحين.
2- إن ضربته خفيفة بحيث لم تؤثر في نشاطه وقد كانت حدثت في نفس اليوم.
3- يُعرف من سياق هذه الرواية إنه الوحيد الذي ضربه مسلم، إذ لو كان ضرب غيره لم يكن أي ترجيح بينهما أو بينهم. اللهم إلا أن يُقال: إن الباقين قتلى أو مجروحين جروحاً بالغة، وهذا هو الوحيد الذي جروحه خفيفة، ولو كان أكثر من واحد جروحه خفيفة لكان التفضيل بينهم -أيضاً- صعباً من قِبَل ابن زياد، إلا ان نقوم بتكذيب الرواية والطعن في سندها.
ــــــ[333]ـــــــ
( ) أنظر: الإرشاد, ج2, ص63.
(2) مقاتل الطالبيين, 67.
(3) مقتل المقرم, ص159, ط بيروت.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
إلا أن يدعى لزيادة ولائه لبني أمية أو زيادة قوته في قطع الرقبة، حيث فصل رأسه عاجلاً.
وحيث يدور الأمر بين الروايتين فالظاهر إن بقاءه حياً هو الأوكد لوجوده في مقاتل الطالبيين بخلاف مقتله بضربة مسلم، فإنه ينقلها المقرم من الخوارزمي، وهو أضعف.
وكذلك قوله: “فأمر ابن زياد رجلاً شامياً أن يصعد إلى أعلى القصر ويضرب عنقه”، هو أيضاً منقول عن الخوارزمي، اللهم إلا أن نقول إن أصل بكير بن حمران من الشام. ومهما يكن من أمر فالمسألة واضحة إذ يسلطون على الفرد من أضداده الدينيين أو الدنيويين، وكذلك الجيش في ضرب المجتمع.
قالوا: أن يصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه، ويرمي رأسه وجسده إلى الأرض(1).
والظاهر أن الكلام أمام مسلم وكأنه زيادة في النكاية والفضيحة باعتقادهم.
ماذا كان غرض ابن زياد في الأمر برميه؟
جوابه:
1- الشدة في النكاية والانتقام، كأنه في نظره لم يكن القتل كافياً بل لا بد من إضافة شيء إليه.
ــــــ[334]ـــــــ
( ) أنظر: مقاتل الطالبيين, ص67، الإرشاد, ج2, ص63.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
2- الزيادة في الفضيحة والبهذلة.
3- الزيادة في الشعور بالانتصار والارتياح عن التخلص من مسلم كما لو كان قد ألقاه في الأزبال وحاشاه.
4- الزيادة في الإعلان عن قتله وتسليمه إلى أصحابه مقتولاً مهاناً في نظره.
5- الزيادة في إخافة الآخرين وإرهابهم، حتى إنه ربما أثّر في عدم خروج مذحج لإنقاذ هانئ والدفاع عنه، لما يعرفون ويرون من قسوة ابن زياد.
فأصعدوه إلى أعلى القصر وهو يُسَبّح الله ويهلله ويكبره(1). ويقول: “اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا وكذبونا”(2).
وتوجه نحو المدينة وسلّم على الحسين. وفي بعض الروايات إن الحسين سمع سلامه وأجابه بصوت مسموع: “وعليك السلام يا غريب كوفان”. إلا أن المقرم لم يروِها ولو كانت في مصدر معتمد لرواها.
وأشرف به الشامي على موضع الحذائين وضرب عنقه ورمى برأسه وجسده إلى الأرض، ونزل مذعوراً، فقال له ابن زياد: ما شأنك؟ قال: رأيت ساعة قتله رجلاً أسود سَيّء الوجه حذائي عاضّاً على إصبعه، ففزعتُ منه. فقال ابن زياد: لعلّك دُهشت(3).
ــــــ[335]ـــــــ
( ) ولم يمانع ويحوج نفسه إلى السحب أو إلى الذلة المتزايدة، فإنه يعلم أنه مقتول لا محالة، (منه).
(2) وهو يعني أهل الكوفة وليس عبيد الله بن زياد، (منه).
(3) البحار, ج44, ص357، اللهوف, ص36.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أقول: وهذا أول أشكال العقوبة، وهو لا يستحق التوفيق للتوبة.
وهي:
1- إقامة حجة على ابن زياد وغيره وعلى الفاعل أيضاً إنه قد عمل عملاً سيئاً جداً.
2- تأنيب وعقوبة للفاعل.
3- إنه يعطى على سوء عمله علامةً يتذكرها طول عمره.
4- إنه نحو من التنبيه من الله سبحانه على ضرورة التوبة والرجوع إلى مسلك ومذهب ابن عقيل نفسه باعتبار أن المسلك الذي يؤدي إلى هذه النتيجة مسلك سيء لا بد من التخلص منه وتبديله.
والموقف يدل على الإشارة إلى السوء أكيداً: بسواد وجهه وعضه على إصبعه فإنه دليل عرفاً على الندم، وإذا فعله الآخر دل على التأنيب وإن هذا مما ينبغي أن يندم منه.
وعادة تكون الصورة ثابتة غير متحركة كما إن أمثال هذه الموجودات لا تتكلم، وإنما تعطي بيانها وتؤدي غرضها بالإشارة، وهو العض على الإصبع. وهو أمر ليس بالبعيد ففي كتب التاريخ ان المعتضد العباسي الذي بدأ الخلافة في بغداد بعد سامراء، وكان قوياً قاسياً في معاملة الناس، وهو الذي أخذ الاعتراف من أحد السراق وقتله قتلة متميزة غريبة. وهو الذي أرسل للفحص في دار الإمام العسكري، وهو كان يرى الشبح بأزياء مختلفة في كل مرة، وكان يأمر بإغلاق
ــــــ[336]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الأبواب وإقامة الحراس عليها ومع ذلك يرى الشبح ويتكرر ذلك عنده كثيراً(1). وقد فسرنا ذلك في (تاريخ الغيبة الصغرى)(2) بأنه نتيجة تأنيب الضمير.
ونقول هنا: انه: أما هو دليل من الله له على ذنوبه وعيوبه، وإما هو إذلال له من حيث لا يستطيع التخلص بعد أن كان قد عظّم نفسه في المجتمع تعظيماً كبيراً.
والإنسان قابل لأن يتواضع:
1- برؤية نتائج من قبله.
2- برؤية عظمة الخلق.
3- بوقوف الذباب عليه.
4- يضعفه أمام الأمراض والبلايا.
في حين إن أمثال هؤلاء كـالمعتضد وأضرابه لم يكن يتعظ بمثل ذلك لا يُعير له أهمية فيُبليه الله سبحانه بمثل ذلك زيادة في التنبيه، وإنما هو رحمةً به لإمكان توبته ولكنه من قساوة القلب بحيث لا يستحق التوبة.
وأما نوعية هذه الأشباح فلا ينبغي السؤال عنها. هل هو من الجن أو من الملائكة أو خلق آخر من خلق الله سبحانه، المهم أنه خلق مطيع يؤدي غرضه.
وأما جواب ابن زياد: (لعلك دهشت). فقد أخذه على نحو التساهل وعدم الالتفات إلى أهميتها.
ــــــ[337]ـــــــ
( ) أنظر: البداية والنهاية, ج11, ص88.
(2)موسوعة الإمام المهدي، تاريخ الغيبة الصغرى, ص337.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وأما لماذا لم يُلقِ القبض أو القتل على خاصة مسلم كمسلم بن عوسجة وأبي ثمامة الصائدي وكثيرين غيرهم، مع أن معقل كان يأتي بأخبارهم جميعاً(1)؟
ومن أدلة عدم إلقاء القبض عليهم التحاقهم بركب الحسين ولو كانوا مسجونين لما استطاعوا.
جوابه:
1- إنه ربما ألقي القبض على جماعة بدون ذكرهم في التاريخ.
2- إن هناك بعض النقول تقول عن عدد منهم إنه سُجِن في بيته كما وجدته في (سفير الحسين)(2) ذكره بدون مصدر، وهو ما يسمى بالإقامة الجبرية، ولعله لم يكن لابن زياد سجن مُعدّ للسجناء، ولذا سجن هانئ في غرفة في القصر.
3- إن الله سبحانه أنجاهم وأعمى أبصار الظالمين عنهم، وخاصة بعد أن عملوا بالتقية جزماً وأخفوا وجوههم عن التجوّل بين الناس.
ــــــ[338]ـــــــ
( ) الإرشاد, ج2, ص45.
(2) للشيخ عبد الواحد بن أحمد المظفري النجفي.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مقتل هانئ
قالوا: «ثمّ أخرج هانئ إلى مكان من السوق يُباع فيه الغنم وهو مكتوف»(1).
أقول: لأنه بعد مقتل مسلم يكون كل شيء قد انتهى ظاهراً، وصفا الجو لابن زياد والحكم الأموي، كل ما في الأمر أنه ينبغي التخلص من العدو الآخر وهو هانئ بن عروة وتأخر مقتله عن مقتل مسلم معقول جداً، وإن كان يمكن القول بأنه لمجرد الصدفة، لأنهم لم يلتفتوا قبل مقتل مسلم إلى مقتل هانئ، وأما حين أريق الدم فلا ينبغي الاقتصار على مسلم بل ينبغي أن تصفو الساحة لهم من كل الأعداء المتحمسين ضدّهم وأهمهم هانئ، وظاهر النقل التاريخي أنه قد حصل ذلك في نفس اليوم.
قالوا: «فجعل يصيح: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، وامذحجاه وأين منّي مذحج. فلمّا رأى أحداً لا ينصره جذب يده ونزعها من الكتاف وقال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه».
وهذا موقف جليل وجريء قلَّما يقفه المحكومون، فإنهم غالباً يُسلمون بالنتيجة ويدفعون أنفسهم مجاناً إلى القتل، مع أنه في إمكانه أن يفعل الكثير ما دام الموت أمامه ــــــ[339]ـــــــ
( ) أنظر: الإرشاد, ج2, ص64، مثير الأحزان, ص26، اللهوف, ص36.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
على كل حال وإنما هي موتة واحدة.
والظاهر أن المقاصد في ذلك تختلف، [فمنها]:
1- التسليم لأمر الله.
2- الشعور بالضعف والذلة أمام السيطرة الأخرى.
3- خوف البهذلة مع اليقين بعدم النجاة.
4- عدم السلاح عنده قد يؤثر في أي شيء يقوم به.
5- خوف المضاعفات والألم المتزايد، فإن الموت المقبل عليه قد يكون أسهل من بعضها.
وعلى أية حال فنحن نلاحظ بوضوح من التاريخ إن مسلماً لم يناقش كما ناقش هانئ وصاح. وإنما صعد مسلم باختياره تسليماً لأمر الله وقضائه.
فإن قلت: فإن هانئ كان يستنهض عشيرته، ومثل هذا النداء يعتبره سبباً لمجيء الآخرين للدفاع عنه، في حين لم يأتِ أحد، لأن المسألة ليست عشائرية، وإنما هي بيد السلطان، ولا طاقة لأحد على السلطان في نظرهم، ولكنه من ناحيته كان يحتمل الاستجابة وإن كان احتمالاً ضعيفاً.
قلنا: نعم، بهذا المقدار أراد أن يستغل الجانب العشائري إلى جنب الحق المهتَضم وليس فقط لنجاة نفسه، والدليل على أنه لم يكن ينظر إلى الجانب العشائري محضاً ما قاله بعد ذلك مطالباً بالسلاح للدفاع عن نفسه، إذ لو كان الجانب العشائري وحده مطلوباً له لسكت. ولم تسقط الأسباب في نظره
ــــــ[340]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وليس له تسليمٌ بفشل الدين أو انه يعمل بالظاهر والعادة.
قالوا: «وقيل له: مدّ عنقك، فقال: ما أنا بها سخي وما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه بالسّيف مولى لعبيد الله ابن زياد تركي يُقال له رشيد، فلم يصنع فيه شيئاً فقال هانئ: إلى الله المعاد اللهمَّ إلى رحمتك ورضوانك، ثمّ ضربه اُخرى فقتله»(1).
وليس في الرواية أنه قطع رأسه، نعم أرسل ابن زياد رأسيهما إلى الشام(2)، ولكن لعله قُطِع بعد الوفاة كما قُطِعت رؤوس الأصحاب في واقعة الطف.
قالوا: «وهذا العبد قتله عبد الرحمن بن الحصين المرادي رآه المرادي مع عبيد الله بالخازر»(3).
ولم يذكر مناسبة قتله فلعله مع التوابين أو المختار أو بسبب شخصي، وهذه النقطة منقولة من تاريخ الطبري (4) فلا بد من مراجعتها.
وكانت هذه الطبقة حاقدة على المجتمع من ناحية وعلى أهل الحق من ناحية أخرى، وتشعر بمسؤولية العبودية لمولاها وتنفذ له كل طلباته مهما كانت.
قالوا: «وأمر ابن زياد بسحب مسلم وهاني بالحبال من أرجلهما في الأسواق (5)،
ــــــ[341]ـــــــ
( ) الإرشاد, ج2, ص64.
(2) الإرشاد, ج2, ص65.
(3) أنساب الأشراف للبلاذري, ص83، مقتل الحسين لابي مخنف, ص57.
(4) تاريخ الطبري, ج4, ص284.
(5) أنظر الإرشاد, ج2, ص74، البحار, ج44, ص373.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وصلبهما بالكناسة منكوسين(1)»(2).
والكناسة: المنطقة التي تجتمع فيها الأزبال من المدينة، وفي ذلك زيادة على احتقارهما، كأنه ألقى جثتيهما في الأزبال، وكذلك النكس في الصَلب زيادة في الاحتقار، وقد صُلِب جماعة من أهل البيت كذلك، كزيد بن علي ويحيى وغيرهم. ونصّ التاريخ على بعضهم أنهم مصلوبون عراة زيادةً في النكاية، ولكنه لم ينصّ ذلك في مسلم وهانئ.
قالوا(3): وأنفذ الرأسين إلى يزيد، فنصبهما في درب من دمشق، وكتب معهما إلى يزيد كتاباً، وأجابه يزيد على كتابه يمدحه فيه ويشكره، وفيه يقول: «وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن علي قد توجّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة، وهذا الحسين قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان وبلادك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمّال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تعبد العبيد، فأمّا أنْ تحاربه أو تحمله إليَّ».
ــــــ[342]ـــــــ
( ) نقلاً عن المقرم نسبها إلى مناقب آل أبي طالب, ج2, ص21، مقتل الخوارزمي, ج1, ص215. أنظر مقتل المقرم, ص164, ط بيروت.
(2) كما عبّر الشاعر الشعبي:
مصيبتهم مصيبة هدم الاجبال شفت مسلم يجرونه بالأحبال
يعني مسلم، فيكون مفاده استنكار الكبرى وإنه لا يجوز جر أي مسلم على هذا النحو فكيف بأشرافهم وأوليائهم. (منه).
( ) أنظر الإرشاد, ج2, ص65، البحار, ج44, ص359.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
وليس في النقل التاريخي انه أرجع رأس مسلم وهانئ إلى مدافن الجسدين، ومن البعيد أن تحصل فرصة لذلك، بخلاف رأس الحسين فإنه توجد هناك روايات وأقوال معتدٍ بها على رجوعه إلى مدفنه في كربلاء(1). والظاهر أن الإمام زين العابدين هو الذي أخذه من يزيد وأرجعه معه إلى كربلاء وألحقه بالجسد عند مرورهم إلى كربلاء.
تبقى مجرد أطروحة: إن السجاد أخذ الرأسين معه ضمن الرؤوس إلا أنه لا بد أن يُنْقَل أنه جاء إلى الكوفة لدفنهما ولم يُنقَل ذلك، وأما لدفن مسلم فهو مُهمَل في التاريخ وقد بحثت في الكتب المتوفرة عندي بما فيها تاريخ الكوفة وموسوعة العتبات المقدسة وغيرها فلم أعثر على شيء، وهو في كتب تواريخ العامة والخاصة غير مشار إليه كالإرشاد وكشف الغمة ومقتل المقرم ومقتل بحر العلوم والكامل والطبري وأضرابهم. نعم, يمكن أن يوجد في كتابين هما: (مراقد المعارف) لحرز الدين و(مشاهد العترة الطاهرة)، وقد بحثت عنهما في المكتبة فلم أجدهما، وكذلك (سفير الحسين) لعبد الواحد المظفر.
ونقل بعض الإخوان بأن عبيد الله بن زياد حرص على دفن مسلم وهانئ قرب باب قصر الإمارة ليكون قبرهما أيضاً دليلاً على قوّته وجبروته، وانه كلما دخل داخل أو خرج خارج من قصر الإمارة رآه للعبرة. وأنا لأول مرة أسمع هذه الفكرة ولا أعلم مصدرها، وإن كانت من الناحية التطبيقية تكاد تكون صحيحة لقرب قبر
ــــــ[343]ـــــــ
( ) أنظر: رسائل المرتضى, ج3, ص130، جواهر الكلام, ج20, ص93، أمالي الصدوق, ص232.
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
مسلم من قصر الإمارة كما نعلم، وآثاره موجودة إلى الآن وهي قريبة جداً، ونفس الكلام تقريباً يُقال بالنسبة إلى هانئ.
وبطبيعة الحال نحن لا نُجِلُّ ابن زياد الذي فعل هذه الأفاعيل أن يدفن الرجُلين بدون تغسيل ولا تكفين، لأنه لا يهتم بأحكام الدين ولو اهتم أحياناً فإنما يهتم لمصلحة نفسه وأصحابه لا لمصلحة أعدائه.
فإن قلت: فإنهما من الشهداء، والشهيد لا يغسّل ولا يكفّن بل يُصلّى عليه ويدفن بثيابه.
قلنا: هذه القاعدة لا تنطبق على مسلم وهانئ، فإن من شروطها قيام حرب فِعلية بين جيشين وأن يموت المقتول خلال القتال، وكِلا الأمرين لم يكن له وجود يومئذٍ. نعم، هم شهداء أكيداً بل من أعظم الشهداء ولكن ليس بذلك المعنى.
ــــــ[344]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
المختار وعدم مطالبته بدم مسلم
تبقى الإشارة إلى مطلب واحد وهو ان المختار الثقفي حين حركته طالب بدم الحسين ولم يطالب بدم مسلم، مع أنه أيضاً في الكوفة ولم يكن قد مضى على مسلم زمان طويل، وكان كل من في الكوفة يتذكر مسلماً.
وهذا له عدّة مبررات, منها:
1- إن قضية مسلم من ضمن قضية الحسين. فإذا طالب المختار بقضية الحسين فقد طالب بقضية مسلم، لأنها واحدة لا تنفصل.
وكما لم يذكر اسم مسلم لم يذكر اسم حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وأضرابهم، لأن قضيتهم واحدة مع الحسين، فذِكر الحسين يكفي عن الجميع.
2- إن ذكر الحسين هو الذي يجمع الناس والهمة ويكون له الصولة والجولة دون غيره كما هو واضح، والمهم أن يذكر مفرداً دون شريك لكي يؤثر هذا الأثر.
3- إن ذكر الحسين يُنسي ذكر الآخرين مهما كانوا، وإنما قَتل المختار رجال بني أمية لأنهم أعداء الحسين وليس لأنهم قتلوا الآخرين.
كما يقول الشاعر:
ــــــ[345]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
أمست رزياكم رزايا التي سلفت وهونت الرزايا الآتية
ومصائب الأيام تبقى برهةً وتزول وهي إلى القيامة باقية
4- إنه من قال إن المختار ذكر الحسين وحده، وإن كانت العبارة مشهورياً (يا لثارات الحسين)، لكن هذا لم يثبت بطريق معتبر بل لعلها: (يا لثارات الحسين وأصحابه وأهل بيته). وعلى العموم فحركة المختار كانت تريد أن تستوعب كل من يمتّ إلى الحسين بصلة، وخاصة جميع من قُتِل في واقعة الطف، بل تشمل مسلماً وهانئاً أيضاً.
ولا ينبغي أن ننسى أن مسلماً له مع المختار تاريخ، لأنه نزل في داره في أول حركته، ومن المستحيل أن ينسى المختار مثل هذا التاريخ.
بهذا ينتهي الكلام عن مسلم رسول الحسين(1). وطبعاً هذا الذي قلناه لا يخلو من نقص، لأننا حذفنا ما كنا ذكرناه في كتابنا (أضواء على ثورة الحسين)، وبضم بعضها إلى بعض يكمل المطلب وعلينا من الآن فصاعداً أن نعرج على ذكر الحسين في سفره وفي واقعة الطف…
ــــــ[346]ـــــــ
( ) رسول الحسين ونِعمَ الرسول إليهم عن العترة الطاهرة، (منه).
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
الفهرس
المقدمة 9
نصرة الحسين 13
علاقة الحسين بمن قبله ومن بعده ومن معه 19
علاقة الحسين بمن قبله 19
علاقة الحسين بمن قبل الإسلام 25
علاقة الحسين بنبي الإسلام 27
علاقة الحسين بالزهراء 35
آية القربى 38
آية التطهير 40
معنى أهل البيت 40
معنى الطهارة في آية التطهير 52
مقارنة بين التطهير وإذهاب الرجس 58
معنى الرجس 60
الاستدلال على العصمة بالتطهير 61
علاقة الحسين بأخيه الحسن 69
ــــــ[347]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
في إمامة الحسن على أخيه الحسين 69
هل أن صلح الحسن كان مقدّمة لثورة الحسين؟ 72
أطروحات أخرى للمقدمية 80
علاقة الحسين بمن معه 83
أما الاثنان اللَّذان في المدينة 85
وأما الاثنان اللَّذان في الكوفة 87
المختار الثقفي 87
وأما ميثم التمار 88
علاقة الحسين بمَنْ بعده 91
الحركات التي حصلت بعد ثورة الحسين 93
حركة التوابين 93
حركة المختار 95
في إخلاص المختار وهل أنه من الكيسانية؟ 95
لماذا لم تجب التقية على محمد بن الحنفية؟ 101
طلبه للدنيا وعدم تسليمه الحكم للإمام 102
حول ثورات العلويين 103
إلقاء النفس في التهلكة 108
علاقة الحسين بزين العابدين وزينب بنت علي 111
علاقة الحسين بزين العابدين 111
ــــــ[348]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لماذا حضر واقعة الطف مع العلم إنه كان مريضاً؟.. .111
قول الحسين لأخته: “أرجعيه لكي لا ينقطع نسل آل محمد ” 112
بكاء السجّاد 115
العقيلة زينب بنت علي 123
المصادر التي ذكرت زينب 133
خلو الحوادث والروايات عن ذكر اسمها 135
الحديث عن سبب تغيّب زينب عن الحوادث التي حدثت في أسرتها 144
حول سَكينة بنت الحسين 149
علاقة الفقهاء والعلماء بالحسين 163
المفاهيم والأحكام التي يمكن أن تُستَنتج من حركة الحسين 163
أما الحكم العقائدي 163
أما الحكم الفقهي 167
علاقة الإمام المهدي بعد ظهوره بالحسين 173
أسئلة حول أخذ المهدي عليه السلام بثارات الحسين 185
مناقشة القصاص من قتلة الحسين على يد المهدي 190
حوادث الظهور 193
علاقة الحسين بالشعراء 195
دعبل الخزاعي 196
المتنبي 203
ــــــ[349]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
شوقي 205
شعراء آخرون 209
محمد مهدي الجواهري 213
مَنْ نصروا الإسلام من خارجه 219
مَنْ نصروا المذهب من خارجه من حيث لا يعلمون 227
مَنْ نصروا المذهب من خارجه عن علم وعمد 231
طلب البيعة ليزيد 233
نصيحة عبد الله بن الزبير 239
كتب أهل الكوفة 243
لماذا لم تأتِ مثل هذه الكتب من غير الكوفة كالبصرة؟ 244
لماذا بادرت الكوفة لدعوة الحسين ولم تبادر قبل ذلك؟ 245
لماذا لم يتوقف أمر الحسين على الذهاب إلى الكوفة؟ 247
لماذا استجاب لهم مع علمه بكذبهم وخداعهم؟ 249
أمور لا ينقلها الخطباء على منابرهم 253
هدف يزيد في قتل الحسين 257
إباء الحسين عن مبايعة يزيد 257
أن الأمر يتم لأعداء الحسين بمقتله فلماذا فعلوا فعلتهم الشنعاء بكل قساوة في كربلاء؟ 260
تقديم النصيحة للحسين 263
ــــــ[350]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
كتاب الحسين إلى البصرة 269
مهمة مسلم بن عقيل 270
حول الدليلين اللذين ماتا وتركهما مسلم بن عقيل 271
تشاؤم مسلم بن عقيل 273
دخول مسلم بن عقيل الكوفة 277
البيعة 283
استعجال حضور الحسين إلى الكوفة 287
اختيار يزيد لعبيد الله بن زياد 291
حول كتاب يزيد لابن زياد 295
دخول ابن زياد الكوفة 299
اعتقال هانئ 305
هانئ بن عروة في نظر ابن الأثير 309
تفرق أصحاب مسلم بن عقيل 313
استجارة مسلم بن عقيل في بيت طوعة 315
قصة طوعة وصحتها 317
طوعة ورفض إجارة مسلم 319
إلقاء القبض على مسلم 325
وصية مسلم بن عقيل 327
ــــــ[351]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين
لماذا لم يؤدِّ مسلم بن عقيل دَينه 329
مقتل مسلم بن عقيل 333
مقتل هانئ 339
المختار وعدم مطالبته بدم مسلم 345
الفهرس 347
ــــــ[352]ـــــــ
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين