رسائل ومقالات
إشراقات أدبية
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثالث
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أكمل خلق الله الحبيب المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آله الهداة الميامين حجج الله على الخلق أجمعين.
وبعد ..
الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم هو مجموعة المقالات الأدبية التي كتبها الشهيد السعيد السيد محمد الصدرH في فترات مُبكّرة من حياته العلمية وهو لم يتجاوز العقد الثاني من عمره الشريف.. وقد عالج فيها موضوعات مختلفة في الفكر الديني والأدب الإسلامي والقصص القرآني، والقصص الرمزية، إضافة إلى تعليقات نقديّة على بعض الكتب الأدبية المعروفة آنذاك لكُتّاب كبار أمثال توفيق الحكيم، وسيد قطب، وطه حسين، وعباس محمود العقّاد .
ومما يجدر الإلتفات إليه أن هذه المقالات كُتِبَت بلغة أدبية بليغة
ــــــــ[3]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وصياغات فكرية هادفة وتميّزت بأسلوبها المبتكر الذي يحافظ على عمق الفكرة الدينية مع سلاسة الألفاظ وسبكها ووضوح في بيانها ودلالاتها .
وقد قامت هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدرH بجمعها وتحقيقها علمياً وإثبات مصادرها وإخراجها فنّياً ثمّ إلحاقها بموسوعة مؤلّفات السيد الشهيدH.
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدرH
ــــــــ[4]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[5]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
في القرآن حكم، وفي القرآن أمثال، وفي القرآن إرشادٌ وتوجيه، وفيه قصصٌ وتأريخ، وفيه نظمٌ وقوانين لمختلف جوانب الحياة. وهو حين يتناول البشريّة بالتنظيم والتوجيه، نراه يرقى بها – إن هي اتّبعت أوامره ونواهيه- إلى أوج الأخلاق الفاضلة، وأقصى درجات كمالها المنشود. وحين يتناول العقائد الإسلاميّة بالاستدلال والتوضيح، نراه يأتي بما يوافق الفطرة البشريّة، وما يجده الإنسان منطبعاً في أصل كيانه وجبلّة وجوده من الاعتقاد بوجود إلهٍ حكيمٍ مدبّرٍ لهذا الكون، وأنَّه واحدٌ لا شريك له.
وهو حين يقصّ القصص ويذكر حوادث التأريخ، نراه يختار الحوادث التي تحتوي على العبرة والعظة، ويرويها بأروع شكلٍ يهزّ النفس ويحرّك الضمير ويدعوه إلى الاتّعاظ والاسترشاد. وحين يتناول القرآن الأمثال والحكم، نراه يأتي بالأُمور المألوفة بين الناس، وما يجده الإنسان بداهة في نفسه، نحو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(1)، فهو يأخذ أُسلوب الطبيعة البشريّة في التفكير والمعاش والحياة الاجتماعيّة والعقائد، ويجعل منها قاعدةً لأمثاله وحكمه،
ــــــــ[7]ـــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 73.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
لأجل أن يحسّ الفرد أنَّ هذا السلوك شرٌّ يجب اجتنابه، وأنَّ ذلك السلوك خيرٌ ينبغي فعله، نحو قوله عزّ من قائل: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}(1).
وإنَّ هذه الطريقة الفذّة في العرض والتحليل لهي من دلائل إعجاز القرآن ورقيّه عن مستوى الأُسلوب البشريّ، ودليلٌ واضحٌ على حكمة الإسلام البالغة، ووجهة نظره الصائبة، وحسن تقديره للأُمور.
وما دام الإسلام هو الدين الحقّ، وما دام الله هو الحقيقة الكبرى في هذا الكون، وما دامت أوامره ونواهيه قد وُجّهت إلى البشر لأجل سعادتهم ورفاههم، فإنَّ هذه الأوامر يجب أن تطاع، وإنَّ هذه النظم ينبغي أن تطبّق؛ لأنَّها نظمٌ واردةٌ من الحقيقة الكبرى والوجود السرمديّ الخالد الكامل من جميع جهات الكمال، من الله عزّ وجلّ؛ ولأنَّ هؤلاء البشر الذين وُجّهت إليهم هذه الأوامر والنواهي وُوضعت من أجلهم النظم، إنَّما هم أُناسٌ مخلوقون من قِبَل واضع هذا التشريع، وهو الذي أسبغ عليهم نعمه ووهبهم من الملكات والمواهب ومن طرق العيش الكريمة ما يسّر لهم الحياة وجمّلها في عيونهم، أفليس الأجدر بهم أن يطيعوا هذه الأوامر، أداءً لواجب الشكر لهذا المنعم العظيم؟
ونرى القرآن يضرب الأمثال المتعدّدة المؤثّرة والعميقة الدلالة، في وجوب إطاعة الله تعالى مهما كلّف الأمر، وكيف أنَّ أوامره عزّ وجلّ تُؤثّر في
ــــــــ[8]ـــــ
(1) سورة هود، الآية: 9-11.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
النفوس المؤمنة والضمائر الخيّرة، وتهيمن على مشاعرها بشكلٍ يهوِّن عليها في سبيل امتثالها وتطبيق الأوامر الإلهيّة، كلَّ زخارف الحياة الزائلة، بل كلّ عزيزٍ ونفيسٍ مهما غلا ومهما عزّ.
من تلك الأمثال قصّة إبراهيم خليل الرحمن على نبيّنا وآله وعليه السلام، حين أمره الله عزّ وعلا امتحاناً لإيمانه واختباراً لقوّة عقيدته ولأجل أن تظهر كرامته للناس ويبقى مغزاها العظيم خالداً مع الدهر، أمره أن يذبح ابنه. وقد أدرك إبراهيم حين توجّه الأمر إليه أنَّ هذا الأمر صادرٌ إليه من المولى العظيم الذي لا ينبغي لأحدٍ مخالفته، ولا يجمل الخروج عن أوامره، ولو اصطدم امتثالها بأثمن العواطف وأقربها إلى النفس، فلا ينبغي أن تقف عاطفة الأبوّة حائلاً دون امتثال أمر الله عزّ وجلّ؛ فإنَّ هذه العاطفة والولد المذبوح نفسه ليسا إلَّا من نفحات فضله، ونعمةً من نعمائه.
وقد نجح إبراهيم في هذا الامتحان الإلهيّ نجاحاً باهراً، وحاز الإعجاب الخالد الذي لا يمكن أن تمحوه الدهور، وحاز أكثر من ذلك، رضاء الله عنه وقربه منه، وذلك غاية ما يصبو إليه إنسانٌ يدرك ذلك المقام العظيم.
ونستعرض قصّة الذبح فصلاً فصلاً، فنجد في بدايتها إبراهيم وقد أخذت الرهبة الإلهيّة بمجامع قلبه، وأشرق في نفسه نور الإيمان، وانصهر قلبه في العنصر الإلهيّ الطاهر، فهو يريد أن يتوجّه إلى الله، أن يذهب إليه، رغم كلّ العقبات وكلّ المكدّرات التي تقف في طريقه، رغم تكذيب قومه لأقواله، وسخريتهم منه، واعتدائهم عليه، فما ينبغي أن تكون هذه العقبات سدّاً مانعاً عن التوجّه إلى الكمال المطلق والحقيقة الخالدة، إلى الله عزّ وعلا، فهو يردّد
ــــــــ[9]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بخشوع: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}(1)، إنّي ذاهب إلى ربّي لأجل أن يفيض على قلبي مزيداً من الإيمان ومزيداً من الجمال ومزيداً من النور، هذا النور وهذا الجمال الذي كان قد أحسّ إبراهيم بنشوته وبلذيذ طعمه منذ نعومة أظفاره، عندما نفى أن تكون الشمس والقمر والكواكب أرباباً، وإنَّما لكلِّ هذه الأُمور خالقٌ مدبّرٌ، خلقَها وعيّنَ لها وظيفتها في حياتها، فهي دائبةٌ على إطاعة أمره، والقيام بوظيفتها الموكلة إليها خير قيام، وكذلك ينبغي أن يكون إبراهيم أيضاً.
ثُمَّ يتوجّه إبراهيم إلى الله عزّ وجلّ بالدعاء، فقد شعر أنَّه قد أصبح في القرب الإلهيّ في مرتبةٍ يستجاب فيه دعاؤه، وتقضى به سائر طلباته، وهو يتوجّه إليه عزّ وجل بأعزّ الأماني في نفس الإنسان، وأقربها إلى قلبه {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ}(2).
هكذا يتمتم إبراهيم بخشوع، فما ينبغي أن يبقى الإنسان بدون ذريّة، فهي تعينه على أُمور حياته وتجبر ضعفه عند هرمه، وتبقى له ذكراً وحياةً ثانيةً بعد موته. ولكن وفي نفس الوقت، لا ينبغي أن يكون الولد إلَّا صالحاً، فليس في الولد الفاسد أيّة فائدة إن لم يكن مليئاً بالمضارّ والمفاسد، ولن يستطيع الوالد أن يجني في تربيته هذه الثمرات المرجوّة من الذريّة الصالحة المخلصة.
ومن ثَمَّ نرى إبراهيم يتوجّه إلى ربّه ضارعاً بأن يهبه ولداً من الصالحين؛ فإنَّ لله عزّ وجلّ اليد الطولى في صلاح الإنسان وفساده، فهو الذي يشرف على تكوين نفسه وخلق غرائزه، وهو الذي يوفّقه للخير والعمل الصالح أثناء
ــــــــ[10]ـــــ
(1) سورة الصّافات، الآية: 99.
(2) سورة الصّافات، الآية: 100.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
حياته، وويل للأب إذا كانت نفس الولد شرّيرةً توّاقةً إلى الظلم والاعتداء، أو عاش الولد في بيئةٍ فاسدة، فاكتسب من شرورها وأوضارها، وهل تنفع جهود الوالد بعد ذلك في إصلاح ابنه؟ إذن، فينبغي أن يتوجّه الإنسان إلى الله عزّ وجلّ ليجعل ولده صالحاً، وهكذا توجّه إبراهيم.
حينئذٍ يستجيب له الله عزّ وجلّ؛ لمدى قربه منه ومدى خشوعه في السؤال، ولأنَّه يعلم أنَّ هذا الطلب صادرٌ عن قلب إبراهيم من دون تدليس ولا مراء، فيبشّره بغلامٍ حليم، متّصفٍ بالصفات الكاملة الفاضلة، على ما يطلب أبوه ويريد.
ويولد ذلك الولد المأمول، قرّة عين أبيه، ويبدأ إبراهيم بتربيته ورعايته، وبذل الجهد والمال في سبيل راحة ابنه وسعادته، وفي سبيل تنشئته نشأةً صالحةً ترضي الله عزّ وجلّ، وتنتج ولداً بارّاً يتّصف بالأخلاق الفاضلة وينفع المجتمع بعد أبيه، ويذكر الناس أباه بكلِّ خيرٍ على تنشئته لمثل هذا الولد الصالح، ويدعو له هذا الولد الصالح ويقرّب القربات لله عزّ وجلّ في سبيل مضاعفة رضاء الله تعالى على والده. كلّ تلك المكارم لا يمكن أن تُقال من الولد الفاسد السقيم الضمير. إذن، فلابدَّ لإبراهيم من مضاعفة الجهد في سبيل هدايته إلى طريق الصواب، وإنارة الطريق أمامه لكي يسير معه إلى الحقيقة الكبرى، إلى الله عزّ وجلّ.
ونشأ الولد تحت رعاية أبيه في ذلك الجوّ المشبع بالخشوع لله تعالى والضراعة إليه والتوكّل عليه، فامتزج هذا الجوّ بنفسه وصار جزءاً من لحمه ودمه، وجزءاً من ضميره، وصار الولد صورةً أُخرى لأبيه في التوجّه إلى الله تعالى والإيمان به والتوكّل عليه، وصار يقوم بما يقوم به أبوه من أعمالٍ عباديّةٍ
ــــــــ[11]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
يتقرّب بها إلى الله جلّ وعلّا.
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}(1). عندما يشبّ الولد ويترعرع وينضج مواهبه وتكمل عناصر نفسه، وتبلع ثقافته الدينيّة الإلهيّة أوجها في الرسوخ والارتفاع، يريد الله بحكمته البالغة أن يمرّ الأب وأن يمرّ الابن بامتحانٍ عسير، عسير جدّاً، بلغ من عسره أنَّه يصطدم بأنبل العواطف في نفس إبراهيم وأعمقها، بعاطفة الأبوّة، تلك العاطفة التي هاجت في نفسه عند توجّهه إلى الله تعالى، وكان الدعاء الأوّل الذي توجّه به عند ذهابه إلى ربّه ليهديه، وعسير أيضاً على إسماعيل؛ لأنَّه ينافي حياته ويسلب منه نفسه.
يريد الله تعالى أن يوجّه إليهما هذا الامتحان لا لهوانهما عليه، ولا لقلّة إيمانهما، فما من شأن ذوي النفوس الضعيفة والإيمان المتزلزل أن يُوجّه إليهما مثل هذا الامتحان العسير، ولن يستطيعوا أن ينجحوا فيه، بل إنَّما يوجّهه إليها لعظم درجتهما عنده ولمدى قربهما منه عزّ وعلا، ولمدى كفاءتهما الدينيّة، وإخلاصهما له عزّ وجلّ، ولأنَّ الله تعالى يعلم قابليّتهما على تلقّي مثل هذا البلاء المبين، ويعلم أنَّهما سوف يخرجان منه منتصرَين ناجحَين.
وهو يُريد امتحانهما لا لأجل أن يعلم هو بإيمانهما؛ لأنَّه غنّيٌ عن ذلك، وعالمٌ بحقائق النفوس ودخائل الضمائر، بل ليكشف أمام الملأ حقيقة إيمانهما، وليظهر أمام الناس مكرمةً من مكارم عقيدتهما.
وهو مجرّد امتحان؛ فإنَّ الله – عزّ اسمه- لا يُريد في واقع الأمر أن يفجع إبراهيم بابنه وإسماعيل بنفسه، ومن ثَمَّ نراه قد تدارك الأمر قبل وقوعه، ولكنّه امتحان؛ لأجل سبر أغوار إيمانهما وجسّ نبض عقيدتهما، ومن شأن
ــــــــ[12]ـــــ
(1) سورة الصّافّات، الآية: 102.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الممتحن أن يكون عالماً بالجواب الصحيح سلفاً، ومن شأنه أيضاً أن لا ينتفع من الجواب، وإنَّما المنتفع منه هو الممتحَن نفسه.
وغاية الفرق بين الامتحان الإلهيّ والامتحانات المعهودة بيننا: أنَّ الممتحَن منّا عالمٌ بأنَّ السؤال امتحانيٌّ لا يُراد منه الطلب الحقيقيّ، أمّا الامتحان الإلهيّ فلابدَّ أن يبدو بمظهر الجدّ؛ لكي يثمر ثمرته المطلوبة(1)، ويبدو هذا واضحاً إذا تصوّرنا أنَّ إبراهيم كان عالماً سلفاً بأنَّ هذا الأمر امتحانيٌّ صرف، وأنَّ الله تعالى لا يُريد له أن يذبح ابنه واقعاً، ماذا يكون موقفه حينئذٍ؟
ينام إبراهيم في يومٍ من الأيّام، فيرى في المنام أنَّه يذبح ابنه، ذلك الولد الذي بلغ معه السعي، وبذل في سبيل تربيته من التضحيات الشيء الكثير، فيجلس مرتبكاً فزعاً، ثُمَّ يفكّر قليلاً فيجد نفسه أمام أمرٍ إلهيٍّ موجّهٍ إليه بذبح ابنه؛ وذلك لأنَّه نبيٌّ معصوم، وليس من شأن المعصوم أن يحلم بحلمٍ كاذب؛ لأنَّ روحه يقظةٌ دائماً ومتّصلةٌ بالله دائماً، وليست الرؤيا الكاذبة إلَّا مِن قِبل الشيطان، ولا سبيل للشيطان إلى روحه القدسيّة، فلابدَّ أن تكون هذه الرؤيا صادرةً من الله عزّ وجلّ، وما يصدر من الله تعالى حقيقةٌ لا مراء فيه.
إذن، فلابدَّ أن يتحقّق حلمه، مهما كلّفه الأمر ومهما أدّى ذلك إلى بذل التضحيات؛ لأنَّه أمرٌ من الله عزّ وعلا، وأمر الله واجب الامتثال.
ــــــــ[13]ـــــ
([1]) يمكن تلخيص الفرق بينهما بحسب الاصطلاح العلميّ للفقهاء، بأنَّ الممتحَن منّا يعلم بأنَّ المصلحة تتعلّق بنفس إصدار الأمر فقط دون متعلّقه، في حين لابدَّ أن تبدو الامتحانات الإلهيّة بمظهر أنَّ المصلحة متعلّقةٌ بالمتعلّق؛ لتثمر حكمتها المرجوّة (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّه مأُمورٌ بذبح ابنه، هذه هي الحقيقة التي اكتشفها إبراهيم. إنَّه ابنه الصالح الذي بذل في سبيله كلّ مجهوده؛ لأجل أن يسعد، ولأجل أن يكمل، ولأجل أن تتّسع مداركه وثقافته، ولأجل أن يقرب من الله ويملأ قلبه توحّده والخشوع إليه. وتكلّلت كلّ هذه المساعي بالنجاح بفضل الله ومنّه، وتحقّق أمل إبراهيم، فهل من الصالح أن يذبح ابنه؟ وهل من المحبّب إلى نفسه أن يقطف هذه الزهرة الغضّة الجميلة ويحرمها من الحياة، ويقطعها بيديه عن عمدٍ وتفكير؟ أيّ يدٍ مجرمة تقوم بهذا العمل!!
ولكنّه أمر الله عزّ وعلا، ولابدَّ من تنفيذ أمره؛ فإنَّ كلّ هذه إنَّما هي نعمٌ قد حصلت في يد إبراهيم مِن قِبل الله عزّ وجلّ، وهو صاحب الاختيار المطلق في إبقائها لديه وسلبها عنه، وقد اختار الله تعالى سلبها، فلتكن مشيئته، ولتتحقّق إرادته، فما ينبغي للعبد الصغير أن يخالف مولاه الكبير، ولن تكون مجرمةً تلك اليد التي تطيع أمر الله تعالى.
وهنا يذهب إبراهيم إلى ولده حاملاً معه الخبر الرهيب؛ لينظر ماذا يرى، فالأمر متعلّقٌ به أكثر من أيّ شخصٍ آخر، كما أنَّه لا ينبغي تنفيذ الأمر دون أخذ رأيه فيه، لا لأجل أن يكون رأيه هو الحكم الفصل في الموضوع، فما وراء أمر الله تعالى حكمٌ فصل، بل لأجل الاستيناس برأيه وأخذ المشورة منه، ولئلّا يفاجأ بذبحه على حين غرّة، وفي ذلك سيرٌ على أحسن طرق التربية الصحيحة.
ولم يتلعثم إبراهيم، ولم ترتجف الكلمات على شفتيه، فأمر الله فوق كلّ اعتبار، بشكلٍ قاطع لا يقبل الشكّ والتردّد، وابتدر ابنه قائلاً: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}(1).
ــــــــ[14]ـــــ
(1) سورة الصّافّات، الآية: 102.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ويفاجأ الولد، ويجفل، وتأخذ على كيانه الرهبة، ويعتقل لسانه عن النطق لحظة، فهذا أبوه، أبوه الذي أولده وربّاه، وتعهّده بأحسن تربية، يجابهه بهذا القول الرهيب. إنَّه يحاول بقوله هذا أن يمسك السكين ويقطع رقبته، يا للهول لم يبقَ من حياته إلَّا دقائق معدودات! وانحبس نفسه في صدره، وتتابعت دقّات قلبه، وضاقت عليه آفاق ذهنه، فما الذي ينبغي أن يفعله تجاه هذا الأب القاسي! أينبغي قتله والحقد عليه أو إسماعه ما لا ينبغي من الكلام؟
كلا، فنفس إسماعيل المؤمنة لا تقبل بكلِّ ذلك، وفكّر لحظةٍ. إنَّه يعلم أنَّ والده نبيٌّ معصوم، وأنَّ رؤياه لا يمكن أن تكون إلَّا صادقةً وإلَّا صادرةً من الله عزّ وجلّ، وأمراً ينبغي عليه امتثاله. إذن، فأبوه لم يقصد قتله ولم يتعمّد ذبحه، وإنَّما جاء إليه كاتماً عواطفه، مسلّماً أمره إلى الله عزّ وعلا، ليبلغه الأمر الإلهيّ الرهيب، وقد تفضّل أبوه عليه بإخباره بالنبأ لأخذ المشورة منه، ما الذي ينبغي أن يكون الرأي، بعد أن أمر الله عزّ وجلّ بذبحه، وهو يعلم أنَّ هذه الاستشارة من والده ليست إلَّا صورةً ظاهريّةً للاستيناس وتبادل الآراء، أليس هناك إلَّا رأيٌ واحدٌ لا محيص عنه، ولو كلّفه ذلك حياته؟!
وفي غمرة الإحساس بدبيب الموت وتصوّر آلام الذبح الرهيبة من ناحية، والتسليم لأمر الله وتفويض الإرادة إليه تعالى من ناحيةٍ أُخرى، فما ينبغي أن يظنّ الإنسان بشيءٍ حتّى ولو كان نفسه حيال أمر الله عزّ وجلّ، فهو المتفضّل بها على الفرد وهو صاحب التصرّف بها كما يشاء، وقد أراد الآن أن يسلبها منه، فليكن ما أراد، ولتنفّذ مشيئة الله عزّ وجلّ، وخرج الصوت ضعيفاً ومتكسّراً، قائلاً: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ
ــــــــ[15]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الصَّابِرِينَ}(1). فالصبر هو الذريعة في أمثال هذه المواقف الرهيبة، ولن يكون الصبر إلَّا بمشيئةٍ من الله العليّ العظيم.
ولم يتردّد إبراهيم ولم يتردّد ابنه لحظة، في الاستسلام لأمر الله تعالى، والخضوع إلى إرادته. بادر الأب بعد أن سمع موافقة ابنه على هذا الأمر الرهيب، تلك الموافقة التي طالما تمنّاها من ابنه، وهي التي دعا أن يرزقها الله ابنه قبل أن يأتي ولده إلى دار الدنيا، حين قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ}(2)، وهي الموافقة التي سعى إبراهيم في غرسها في نفس ولده وتغذيتها في ضميره، الموافقة على أمر الله عزّ وجلّ مهما صعب الامتثال ومهما قامت في طريقه العقبات.
بادر الأب إلى السكّين فأخذها، واستصحب ابنه إلى الصحراء ليذبحه، وانقاد الولد معه، ومشيا وقد أسلما أمرهما إلى الله العليّ العظيم.
وأتت اللحظة الرهيبة {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}(3). أضجع الوالد ولده على التراب على أحد جانبيه، ثُمَّ أمسك بمجامع قلبه، وحاول أن يجمع شتات أفكاره، وأن يُوقف من تيّار أنفاسه المتتابعة، ثُمَّ كانت لحظة مروّعة جمع فيها إبراهيم جميع ما رزقه الله عزّ وجلّ من الصبر والجلد، والإيمان والثقة بالله تعالى والتسليم لأمره، وأدنى السكين من رقبة ولده الذبيح.
كانت روحهما في ذلك الحين أقرب ما تكون إلى الله عزّ وجلّ، فهو الذي يُتوجَّهُ إليه ويُتَوكَّلُ عليه في مثل هذه الشدائد المرعدة، وهو الذي من
ــــــــ[16]ـــــ
(1) سورة الصّافّات، الآية: 102.
(2) سورة الصّافّات، الآية: 100.
(3) سورة الصّافّات، الآية: 103.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أجله استسلما لهذا العمل الرهيب، وهو الملجأ الوحيد في مثل هذه اللحظات الحاسمة في حياة الإنسان. وكانت عناية الله عزّ وجلّ ترقبهما عن كثب، وتستعرض أفعالهما وأقوالهما، وما يدور في قلبيهما من العواطف والأفكار.
إنَّهما قد امتثلا الآن أمر الله، واستسلما إليه، وضحّيا بكلِّ شيءٍ في تنفيذ إرادته، وهذا هو الذي يريده الله أن يقع، وأن يتّضح للبشر، ليبقى لهما مكرمةً خالدة، لا تبليها الدهور، ولا تذهب بجدّتها الأيّام. وقد حصل كلّ ذلك، وقد أثمرت الحكمة الإلهيّة أحسن الثمر، وقد نجح هذان الشخصان بالامتحان خير نجاح.
إذن، فينبغي تدارك الأمر قبل فوات الأوان، قبل أن تدخل السكّين في رقبة إسماعيل الذبيح.
وفي غمرة توجّه إبراهيم إلى الله تعالى واستسلامه الكامل إليه؛ في تلك اللحظة الرهيبة، سمع النداء، إنَّه نداءٌ واردٌ من الله عزّ وعلا، إنَّه يعرف هذا الصوت تماماً، فطالما ما سمع أمثاله، وخشع إبراهيم وأصغى مليّاً لتلقّي الوحي الإلهيّ {…… يَا إِبْرَاهِيمُ * قَد صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا…..} (1)، جعلتَ الرؤيا حقيقةً واقعةً ونفّذتها كما ينبغي أن تنفَّذ؛ لأنَّك تعلم أنَّها ليست مجرّد رؤيا وإنَّما هي أمرٌ الهيّ {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(2) ، إنَّنا نجزي المحسنين بتوفيقهم إلى طاعة الله تعالى كما قد أطعته أنتَ الآن. وإنَّ جعل هذه الملكة القدسيّة الإلهيّة، التي تستهين بكلِّ شيءٍ في سبيل إطاعة أمر الله والتقرّب إليه عزَّ وجلَّ، جزاءً لهُ من أفضل الجزاء وأوفر الجزاء، وأولاه بأن ينال صاحبه السعادة والخلود.
ــــــــ[17]ـــــ
(1) سورة الصّافّات، الآية: 104-105.
(2) سورة الصّافّات، الآية: 105.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عرف إبراهيم في تلك اللحظة، أنَّ العناية الإلهيّة قد راقبت عمله، وشكرت له سعيَه وصلابته في عقيدته، وأنَّ ما يُريده الله عزَّ وجلَّ منه قد انتهى، وعليه الآن أن يكفّ عن عمله الرهيب.
وإذا بالكون الضيّق قد اتّسعت آفاقه في عين إبراهيم، وإذا السعادة تغمر قلبه، والشكر لله تعالى يملأ كيانه. إنَّه لم يذبح ابنه، إنَّ ابنه الآن قد قام من رقدته التي حسبها أبديّة، ليستأنف شمَّ نسيم الحياة.
ولكن رغم كمال المقصود من الأمر الإلهيّ، وتماميّة الامتحان الرهيب الذي وجّه إلى هذين الشخصين، وخروجهما منه بنجاحٍ منقطع النظير .. رغم ذلك، فإنَّ الرؤيا الإلهيّة لا ينبغي أن تكذَّب، والأمر الإلهيّ لا ينبغي أن يُهدر، لابدَّ أن يذبح إبراهيم شيئاً إن لم يذبح ولده، ليتحقّق قسمٌ من الرؤيا على الأقلّ، وليكون الذبح فداءً لحياة إسماعيل الذي ضحّى به في سبيل إطاعة أمر الله عزّ وجلّ.
{وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}(1). حضر الروح الأمين جبرئيل×، حاملاً معه كبشاً ضخماً مكتنزاً لحماً وشحماً، وحاملاً معه أيضاً تحيّات الله عزّ وجلّ وسلامه على إبراهيم وعلى إسماعيل، وأمره أن يذبح الكبش عوض ولده. ورفع إبراهيم السكّين من فوق عنق ولده، بعد أن أحرز رضاء الله عزّ وجلّ وقبوله لهذا الامتثال الرائع لأمره الرهيب، وبعد أن أحرز أنَّ الله تعالى لا يريد ذبح ابنه واقعاً، بل كان أمره امتحاناً وتجربة، وقد نجحت التجربة.
إذن، فلا ينبغي له أن يستمرّ في ذبح ولده العزيز. ولكن عليه أن يمتثل أمر الله تعالى، هذا الأمر الجديد؛ لكي تتمّ إرادة الله تعالى على أحسن وجه
ــــــــ[18]ـــــ
(1) سورة الصّافّات، الآية: 107.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وأفضله، ومال إبراهيم على الكبش فذبحه.
هكذا تتّجه النفوس المؤمنة إلى الله، وهكذا تنصهر في بوتقته، وهكذا تطيع أوامره ونواهيه عزّ وعلا. وهكذا ضرب إبراهيم وإسماعيل مثلاً رائعاً خالداً في التضحية من أجل تنفيذ إرادة الله تعالى وإطاعة أمره. وقد أبقى الله عزّ وعلا لهما ذكراً خالداً في قرآنه الكريم، ليجعل منهما موعظةً للبشر، عسى أن تلين القلوب القاسية، وتتّعظ النفوس الجاهلة، وترجع النفوس النافرة إلى حضيرة القدس الإلهيّ، إلى هدى الله عزّ وجلّ، إلى الحقّ، إلى الإسلام.
{سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ … كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ … إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}(1)(2).
الاثنين 24/8/1382- 21/1/1963
محمّد الصدر
النجف الأشرف – العراق
ــــــــ[19]ـــــ
([1]) سورة الصّافّات، الآيتان: 109-111.
(2) نشرت في مجلّة الأضواء، العدد المزدوج الخاصّ بالقرآن الكريم: العددين السابع والثامن لشهري رمضان وشوال، السنة الثالثة: سنة 1382. النجف الأشرف، الجمهوريّة العراقيّة (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[21]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّ الحكمة الإلهيّة، بعد أن رأت قصور العقل البشريّ عن إدراك واقع المصالح البشريّة وحقيقة السعادة الإنسانية، ورأت قصور تفكيرهم عن الآفات الرحبة، والأجواء اللانهائيّة الواسعة التي تريدها لهم، ورأت ارتباط أفكارهم وأذهانهم ضمن محسوساتهم ومرئيّاتهم وفي حدود حياتهم، بحيث يصعب عليها إدراك الكون الروحي الرحيب حيث السعادة والخلود، إلّاَ بتأييدٍ إلهيٍّ عظيم.
ومن ثَمَّ فقد رأت الحكمة الإلهيّة أنَّ عليها في سبيل الأخذ بيد هذا البشر القاصر إلى المستقبل الأفضل، وفي سبيل قيادته إلى شاطئ السعادة والسلام، عليها أن تتصدّى لتوجيهه وإرشاده لتدلّه على الطريق وتعلّمه ما هو صلاحٌ أو انحطاطٌ وفساد.
وعليه بادرت إلى إنزال الشرائع وبعث الرسل وإصدار التوجيهات والتعاليم.
ولكن الحكمة الإلهيّة إذ توجّه إلى البشر هذه التعاليم، وإذ تطلب منهم اتّباع أوامرها ونواهيها، لكي يصلوا إلى ذلك المقام العظيم الذي أعدّته لهم؛ لا يمكن أن تدع البشر هملاً إن شاء أطاع وإن شاء تمرّد، فإنَّها بذلك لن تستطيع
ــــــــ[24]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إحراز وصوله ولا ضمان سعادته، تماماً كالطفل حين يجد في نفسه أنّه من الجميل إدخال يده في النار لما يرى فيها من الضوء الوهّاج، في حين إنَّه في عين الوقت يجب ردعه عنه بشدّةٍ وعنف؛ لكي يرتدع ولكي لا يقع في النتيجة المؤلمة التي يجهلها. والبشر بما له من عقلٍ وتفكير، لأصغر من الطفل بالنسبة إلى أبويه، إذا قيس إلى حكمة وقدرة خالقه العظيم.
ومن ثَمَّ بادرت الحكمة الإلهيّة – ضماناً لإطاعته واتّباعه [أي: لإطاعة الإنسان واتّباعه] تعاليمها وإرشاداتها- إلى وضع الثواب والعقاب على اتّباع تعاليمها وعصيانها؛ لكي تزيد الحافز النفسي لدى الإنسان في اتّباع هذه التعاليم.
وجعلت في سبيل إيضاح استحقاق الفرد للثواب والعقاب – إتماماً لإقامة الحجّة عليه- قانوناً عامّاً في امتحانٍ عسيرٍ على الفرد أن يجتازه؛ لكي يحصل على الثواب أو العقاب بجدارةٍ واستحقاق، ولكي يعاقب بما أتى به من جريمةٍ وفساد.
وذلك أنَّ كلّ مذهبٍ وكلّ فكرة – بما فيها التعاليم الإلهيّة- تمرّ بمراحل طويلة أثناء وجودها بين ظهراني هذه البشريّة، من حيث سعتها وضيقها، ومن حيث انتصارها واندحارها، فإنَّ تقبُّل الناس للفكرة ومدى تفهّمهم لمحتوياتها ومتطلّباتها، يختلف باختلاف الزمان واختلاف المكان واختلاف ما يحمل الناس من طبائع، وما يحملون من عقائد وأفكارٍ مسبقة.
فإنَّ للمذهب – مادام موجوداً- أشخاصاً مخلصين له، مؤمنين بعقيدته، متحمّسين لفكرته، متفانين في الدفاع عنه والذّب عن حياضه. كما أنَّ فيه أشخاصاً آمنوا به إيماناً سطحيّاً يخلو من اليقين الراسخ والإخلاص
ــــــــ[24]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
والاندفاع. كما أنَّ في المذهب أُناساً آخرين، وردوا عليه وأظهروا له الولاء والتأييد، وهم في واقع أمرهم مناوئون له ساعون في سبيل هدمه وتقويض صرحه، كما أنَّ لكلِّ مذهبٍ أعداء ومناوئين بالصراحة وعلى المكشوف، على اختلافٍ في درجة الحماس والاندفاع.
وللحوادث التي تقع للمذهب أو لأعدائه عند بثّ الدعوة ونشرها، الأثر الكبير في تقرير مصير الكثير من البشر الذين يعيشون جوّها ويتقلّبون في حوادثها، وبخاصّة أولئك الحائرين المذبذبين الذين يركضون وراء مصالحهم، ويبحثون عن مشتهيات نفوسهم.
فقد أثبت علم الاجتماع أنَّ >المواقف< يمكن أن تتغيّر (100%)، فترى شخصاً يقف موقف المؤيّد المتحمّس لمذهبٍ من المذاهب، وإذا به قد انقلب بعد برهةٍ إلى عدوٍّ من أعدائه متحمّسٍ لمذهبٍ آخر مضادّ.
وليس ذلك إلّاَ في حدود ما تقرّره مصالحه من ناحية، ودرجة فهمه للمذاهب من ناحيةٍ أُخرى، كما أنَّ الحوادث ونقاط الضعف والقوّة في أعمال الدعاة، لها الأثر الكبير في هذا الانقلاب السريع.
وكلّما كانت المصلحة أهمّ في نظر الفرد، وكلّما كان مغزى الحادثة أعمق، كان الفرد أشدّ اندفاعاً إلى الجهة التي يقرّرها على ضوء فهمه للحياة.
وهذا أمرٌ بشريٌّ عامّ، نابعٌ من داخل النفس البشريّة، ومن أعزّ غريزة لديها، هي غريزة >حبّ الذات<. فإنَّ كلّ فردٍ لا يحبّ ولا يعتقد ولا يفكّر ولا يؤيّد إلّاَ ما تراه نفسه جميلاً، وما يأتي إلى ذهنه حاملاً معه بريقاً يخلب لبّه ويُعجب نفسه. وغاية ما للحوادث الجارية من عمل، أنَّها تضفي بريقاً في عين بعض الأفراد على بعض الأُمور، وتسلب البريق من أعين آخرين تجاهها.
ــــــــ[25]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وتشخيص الفرد لموقفه من المذهب المعيّن أو الفكرة الخاصّة، ولما تقتضيه مصلحته تجاهها، وما إذا كانت نفسه تهشّ لها أو تنفر منها، كلّ ذلك يتحدّد في حدود ظروف الشخص الخاصّة والعامّة، وفي حدود عادات وتقاليد وعقائد مجتمعه، وفي حدود فهمه لوجهة نظر المذهب ولوجهات نظر الآخرين من ذوي المذاهب الأُخرى، ويتوزّع الناس بهذا الشكل على درجاتٍ كثيرةٍ بين المذاهب المختلفة في سلّمٍ طويل طويل.
والتعاليم الإلهيّة لا تخرج عن هذا القانون البشريّ العامّ؛ فإنَّها ليست إلّاَ مذهباً من المذاهب، تحمل وجهة نظرٍ خاصّة، وفلسفةٍ معيّنة للكون والحياة، فمن الطبيعي أن يختلف فهم الناس لها وفهمهم لمعتقدات أعدائها، وفهمهم لنتيجة الموازنة بينهما، وفهمهم لمصالحهم الخاصّة في اتّباع أيّ مذهبٍ وسلوك أيّ طريق.
ومن الطبيعي أن يتوزّع الناس على هذا الأساس في درجات الإخلاص والتشكيك والعداء، على درجاتٍ مختلفة في سلّمٍ طويل، وأن تختلف مواقفهم بالنسبة إلى العقائد الإلهيّة، وأن يؤثّر مجرى الحوادث في تغييرها وتطويرها، بل وفي قلبها وتبديلها.
والحوادث إذ تقرّر موقف هؤلاء الناس نحو المذهب المعيّن، إنَّما تقرّر بذلك طريقة تفكيرهم وطريقة فلسفتهم للحياة، وطريقة فهمهم لأنفسهم وللآخرين ولحوادث الزمان؛ فإنَّ الإنسان كلّما ازداد إيمانه بالمذهب وازداد اقتراباً عقائديّاً منه، استطاع أكثر فأكثر أن يفكّر وأن يفهم الحياة على أُسلوبه وطريقته، وكلّما ازداد ابتعاداً عنه، ابتعدت وجهة نظره عن المشابهة.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وقد أدركت الحكمة الإلهيّة ببعد نظرها ودقّتها البالغة، وجود هذا المعنى في البشر، ووجدت أنَّه خير طريقٍ لامتحان مدى إيمان الشخص بتعاليمها وإرشاداتها ومقدار اطمئنانه إلى عقائدها وأفكارها.
فإنَّه وإن كان المؤمن المطيع مستحقّاً للثواب، والعاصي المتمرّد مستحقّاً للعقاب، إلّاَ أنَّه ينبغي أن تبرهن الحوادث على عمق الإيمان أو قوّة العداء، لكي ينال كلّ منهما جزاءه باستحقاق. فكلّما كان المؤمن أصلب عقيدة تجاه مرجفات الزمان وتبدّل الأحوال، كان مستحقّاً للثواب أكثر فأكثر، وكلّما كان العداء كذلك، كان العدوّ مستحقّاً للعقاب والتنكيل أكثر فأكثر.
وعن هذا الطريق يتّضح للعيان، مقدار إيمان الشخص بتعاليم دينه واطمئنانه إليه وإطاعته لأوامره ونواهيه، ومدى ثبات موقفه هذا من هذه العقيدة، كما يتّضح مقدار عداء الأعداء، ومدى حقدهم عليه ونيلهم منه؛ قال الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}(1).
بل إنَّ فائدة هذا الامتحان والتمحيص لا تقتصر على إيضاح موقف الفرد للناس بل إنَّ الموقف ليتّضح للفرد نفسه؛ فإنَّ الحوادث وطرق التفكير قد تسوق الفرد إلى مواقف لم تكن بحسبانه، ولم يحلم في يومٍ من الأيّام بارتيادها والوصول إليها.
إذن، فتغيّر درجة الإيمان بتغيّر موقف الفرد من العقيدة الإلهيّة أمرٌ واقعيّ، والله تعالى لا يجزي بالثواب والعقاب إلّاَ بعد علمه عزّ وجلّ باجتياز
ــــــــ[27]ـــــ
(1) سورة آل عمران، الآيتان: 141-142.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الفرد لهذا الامتحان، وتمحيصه لإيمانه وعقيدته به.
ويكون الفرد بعد اجتياز الامتحان أهلاً لكلّ إكرامٍ وثواب، إذا أثبت إيمانه وإخلاصه، ولكلِّ عقابٍ وعذاب إذا أثبت كفره وعناده.
ونحن نستطيع أن نجد قصصاً كثيرة في القرآن الكريم، كأمثلةٍ حيّة على هذا الامتحان الإلهي الرهيب، مرّت به البشريّة في تاريخها الطويل، حيث تعرّضت لحوادث معيّنةٍ أثّرت في كميّة يقينها بعقيدتها وفي أُسلوب إيمانها، فظهر المؤمن واضح الإيمان، والكافر واضح الكفر. وبهذا تكون البشريّة قد تعرّضت إلى هذا القانون البشريّ العامّ من حيث تعلم أو لا تعلم.
والقصص القرآني أُورد للقيام بكثيرٍ من الأغراض الدينيّة الإسلاميّة، فيمكنك أن ترى أن القصّة الواحدة قد قامت بعدّة أغراض، وأوحت عدّة مفاهيم إلى قارئها والمتدبّر في مداليل آياتها، وما ذلك إلّاَ ليفكّر الإنسان ويعتبر فيتّعظ وينزجر، وتكون هذه القصص له عوناً في إيمانه وفي عقيدته، وفي عمله الدائب في سبيل دينه الحنيف.
فمن هذه القصص قصّة طالوت وجالوت التي رواها الله تعالى في سورة البقرة (246ـ 251)(1).
ــــــــ[28]ـــــ
([1]) {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وذلك أنَّ بني إسرائيل ظلّوا من بعد وفاة نبيّهم الأكبر موسى بن عمران (على نبيّنا وآله وعليه السلام)، ظلّوا مؤمنين به، مطيعين لتعاليمه، مخلصين لعقيدته وهداه. ويبدو واضحاً لِـمَن تدبّر هذه القصّة في القرآن، أنَّ حوادث القصّة قد وقعت من بعد موسى بقليل، فلا زال موسى ماثلاً في أذهانهم واعظاً محذّراً، ولا زال كلامه ذا رنين أخّاذ في آذانهم، لم يمكن للأيّام أن تمحوه أو أن تطمس آثاره.
ولم تكن العناية الإلهيّة قد أهملتهم أو ألقت حبل عقيدتهم على غاربهم، وإنَّما أرسلت لهؤلاء الناس نبيّاً محليّاً يذكّرهم بعقيدتهم ويوجّههم نحو إيمانهم ويحلّ مشاكلهم، ويسير بهم على نفس النهج الذي سار عليه النبي موسى× في غضون مدّة نبوّته.
فكانوا يرجعون إلى هذا النبيّ في حلّ مشاكلهم وتذليل صعابهم، وكلّما
ــــــــ[29]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عنّ لهم أمر وألمّ بهم خطب.
وكان أن ابتُلي هؤلاء القوم بملكٍ ظالمٍ مستبدٍّ، يُدعى (جالوت)، يكفر بعقيدتهم وبنبيّهم، ويضطهدهم ويهين كرامتهم ويسفك دماءهم، وكانت أوامره الظالمة وأحكامه الصارمة تأتي من وراء حدود بلدتهم، من بلدةٍ أُخرى مجاورةٍ، اعتبرها الملك عاصمةً لملكه، فكان أن ذاقت هذه البلدة منه الأمرّين، ونادوا بالويل والثبور بعد أن أقضّ مضاجعهم وأهدر كرامتهم ودماءهم.
وعلى مدى الزمان لم يمكن لهذا الألم أن يبقى متحمَّلاً، ولهذا الظلم أن يظلّ متجرَّعاً؛ فإنَّ لكلِّ ظلمٍ نهاية، ولكلِّ مظلومٍ ثورة، ولا يمكن أن تستكين هذه البلدة المؤمنة للذلّ والاستعباد.
وعليه فكان أن اجتمع وجهاء البلدة ومفكّروها، ليتشاوروا بينهم فيما ينبغي أن يفعلوه تجاه هذا الملك الظالم والمستبدّ الجائر؛ لإنقاذ بلادهم من براثن هذا الظلم والطغيان.
ولم يكن ثمّة بينهم من رأيٍ سوى أن يستعدّوا لقتاله، وأن يذهبوا إليه بجيشٍ كبير ليقضوا عليه في وكره، ويتخلّصوا من ظلمه وشرّه، فلم يكن هؤلاء ليقبلوا بالحلول الوسطى والمنازعات الكلاميّة التي قد تقصر وقد تطول، كما أنَّهم يعلمون أنَّ الملك لن يمكن أن يسمع لهم أو يخضع لأقوالهم، إنَّه لن يفهم إلَّا لغة السلاح، تلك اللغة العالميّة الرهيبة.
وقد أدركوا بفطرتهم الدينيّة أنَّ قتل هذا الملك المستبدّ والقضاء على سلطانه، إنَّما هو حربٌ مقدّسة، وجهادٌ في سبيل الله تعالى ولإعلاء كلمة الحقّ. فإنّه ملكٌ كافرٌ مستبدّ، يحاول من أجل إرضاء كفره وضلاله، ومن أجل إشباع شهوات نفسه، أن يقضي على المؤمنين، وأن يحارب دين الله الذي أرسله ــــــــ[30]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
لعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم.
فكان هذا الفهم لوجهة هذه الحرب التي عزموا عليها، خير مساعدٍ على مزيدٍ من الإخلاص ومزيدٍ من الاندفاع والحماس في طريق الجهاد؛ فإنَّ كلّ مؤمنٍ يعلم ما أُعدّ للشهداء عند الله من كرامة، وما وعدهم به من زلفى وحسنِ مآب، وإنَّ كلّ مؤمنٍ ليتشوّق إلى هذا الثواب شوقاً شديداً، ويزداد إخلاصاً يوماً فيوماً، في بذل الغالي والرخيص، في سبيل الحصول عليه.
وحيث إنَّ الأمر الذي عزموا عليه، من الأُمور المهمّة والقضايا الكبرى، إذن فقد أدركوا أن ليس لهم أن يستقلّوا برأيٍ أو يجزموا بأمرٍ قبل أن يشاوروا نبيّهم في ذلك، ويستضيئوا بنور رأيه وحكمته.
وذهب القوم إلى نبيّهم، ذلك الملك الشعبي غير المتوّج، الذي كان يحكم أُمّته بالعدل والرحمة لا بالظلم والتعسّف، والذي يكنّ له كلّ فردٍ من أفراد شعبه المؤمن كلّ ولاءٍ وإخلاص، وكلّ محبّةٍ واحترام.
ذهبوا إليه فشكوا إليه حالهم، وبسطوا أمامه مشكلتهم، وأطلعوه على عزمهم، وأعلموه أنَّ عزمهم على قتاله ثابت، وهمّتهم في سبيل اقتلاع جوره وظلمه مخلصةٌ وعميقة، وليس لهم في ذلك من خيرٍ أو ضرر؛ فإنَّ القتال إنَّما هو في سبيل الله ولإعلاء كلمة الحقّ، والمقاتل في سبيل الله لا ينتظر إلَّا إحدى نتيجتين، كلتاهما عزيزةٌ عليه، محبّبةٌ إلى قلبه، إمّا النصر وإمّا الشهادة.
ولم يبق عليه إلَّا أن يعيّن لجيشهم قائداً، ولجحفلهم المؤمن موجّهاً، و{قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}(1)، والمقصود بالملك هو القائد المحنّك العارف الذي يستطيع أن يدبّر أمرهم ويقودهم في هذا القتال
ــــــــ[31]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 246.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
المقدّس، ويسير بهم نحو الانتصار على هذا الملك المستبدّ الظالم.
ويستمع نبيّهم إلى شكواهم، ويتفهّم مطلبهم، فقد كان قلبه من هذا الظلم والتعسّف أشدّ ألماً وأكثر حرقة، وإنَّه ليؤيّدهم في مطلبهم ويرى رأيهم، في ضرورة قتل الملك جالوت والإجهاز على استبداده عن طريق حملةٍ مقدّسة تقاد في سبيل الله عزّ وجلّ.
إلَّا أنَّه فكّر قليلاً، إنَّه يعرف تماماً أنَّ في قومه هؤلاء مشكّكين ومنافقين لا تقوم عقيدتهم على إيمان، ولا حماسهم على أساس، وإنَّما هم مداجون قد أخذت عليهم كيانهم موجة الاندفاع، فحضروا إليه ضمن هذه الجماعة يرجون تعيين قائدهم للقتال في سبيل الله، وهم أبعد ما يكونون عن القتال وعن سبيل الله.
إذن، فلا ينبغي أن يبقى هؤلاء القوم في ضمن الجيش المحارب الذي سوف يفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وسوف يحظى برضاء الله تعالى والخلود في ثوابه الأبدي.
إنَّ وجود مثل هؤلاء ضمن الجيش يبعّد طريق النصر ويزيد الجهد ويثبّط العزم؛ لأنَّهم بجهلهم سوف يخلقون له المتاعب وسوف يثبّطون عزمه عن القتال، وليس أضرّ على الجيش من تثبيط العزم وتقليل الحماس والاندفاع.
وقد قال الله تعالى في مثل هؤلاء: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(1).
وعليه، فلابدَّ من وضعهم تحت الامتحان، ولابدَّ من اختبارهم اختباراً بعد اختبار؛ ليظهر شكّ المشكّكين، ويثبت إيمان المؤمنين، ولئلّا يحظى بالفوز
ــــــــ[32]ـــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 47.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عند الله تعالى إلَّا مَن هو أهلٌ له على وجه التحقيق.
لابدَّ لهؤلاء أن يمرّوا بالامتحان الإلهي، ذلك الامتحان الرهيب الذي جعله الله تعالى سنّته في خلقه، يوجّهه إلى البشر في كلِّ زمانٍ ومكان.
وحينئذٍ يبادرهم نبيّهم بهذا القول، جاسّاً لنبضهم، مستجلياً لدرجة حماسهم واندفاعهم في سبيل عقيدتهم وإيمانهم؛ قال لهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا}(1)، سألهم: أليس من المحتمل أيُّها القوم أن تنكلوا عن القتال وتفرّوا عن الزحف المقدّس، بعد أن يكتبه الله عليكم ويوجبه في ذمّتكم؟
ولقد كانت فراسة نبيّهم فيهم صادقة؛ فإنَّ هذا الجمع لم يكن خالياً في الواقع من نفوسٍ مريضة، وضمائر متحلّلةٍ سقيمة، وإيمانٍ ضعيف، بل إنَّ أكثرهم كان كذلك، على اختلافٍ في درجات الضعف، كما أثبتت التجارب ذلك في مستقبل الأمر.
إلَّا أنَّ الحماس والتصميم على العزم، كان لا زال هو الجوهر السائد بينهم، لما لاقوا وما زالوا يلاقون من ملكهم المستبدّ من ويلاتٍ ودماء، كما أنَّ المشكّكين المرجفين لم يكونوا قد واجهوا الواقع بعد، ولم يذوقوا تعب السير ولا حرّ السيف.
لذا فقد جاء جوابهم حاسماً جازماً متسالماً عليه من قبل الجميع؛ إذ {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}(2)، ما لنا لا نقاتل والقتال إنَّما هو في سبيل الله، وضدّ ملكٍ مستبدٍّ معتدٍ على دين الله، ولماذا
ــــــــ[33]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 246.
(2) سورة البقرة، الآية: 246.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
لا نقاتل وقد ذقنا منه الأمرّين، وأُخرجنا من ديارنا وأبنائنا …؟
والإخراج من البلاد لمّا كان ملازماً للتفرقة بينهم وبين أوطانهم المألوفة، ومنعهم من التصرّف فيها والتمتّع بها ، كنّى به عن مطلق التصرّف والتمتّع؛ ولذا نسب الإخراج إلى الأبناء أيضاً، كما نسب إلى البلاد(1).
إلَّا أنَّ هذا الجواب الحاسم الجازم لم يكن صادراً من الجميع عن إيمانٍ عميقٍ وإخلاصٍ حقيقيٍّ راسخ، وإنَّما انجذبوا إلى هذا القول تحت طائل الحماس العامّ الشديد، في حين ليس الشخص الضعيف الإيمان المزعزع الضمير على استعدادٍ للقتال في سبيل الله، ولا يمكن أن يعني في جوابه هذا ما يقول.
لذا نرى أنَّ الكثير منهم في نهاية الأمر: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(2)، كما سوف نرى في نهاية المطاف.
سمع نبيّهم جوابهم الحازم الجازم، وأخذه على ظاهره من قوّة الإيمان وشدّة الاندفاع؛ فإنَّ كلّ فردٍ مسؤولٌ عن كلامه، ويدان بمقتضى ظاهره، أمّا الواقع فالله أعلم به.
إذن لم يبق عليه، بعد تأكّده من استبسالهم في سبيل الله، إلَّا أن يجعل لهم قائداً محنّكاً قديراً عارفاً بأساليب قيادة الجيش وتوجيهه وبثّ الإخلاص الديني وروح الاندفاع في سبيل الله في قلبه.
ــــــــ[34]ـــــ
([1]) تفسير الميزان (للسيّد الطباطبائي) 2: 299 (منه+).
(2) سورة البقرة، الآية: 246.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا أنَّه يعلم تماماً أنَّ مثل هذه المهمّة العظيمة ينبغي أن لا يستقلّ فيها برأيٍ، ولا أن يجزم فيها بأمر، وإنَّما وجد الحكمة في ذلك وغاية الصواب، هو أن توكل المسألة إلى الله تعالى، إلى خالق البشر والمطّلع على سرائر قلوبهم وحقائق أفكارهم، إلى الحكمة الإلهيّة اللانهائيّة؛ فإنَّ الخالق عزّ وجلّ أعرف بالشخص المخلص المؤمن الصالح للاضطلاع بهذه المهمّة الكبرى وهذا العمل الجليل.
وعليه، فقد بادر نبيّهم إلى الله عزّ وجلّ ليعرف منه الرأي وليهديه إلى طريق الصواب وحسن الاختيار. وألهمه الله تعالى أثناء هذا الاتّصال الروحي المباشر اسم القائد العظيم الذي يصلح لذلك، إنَّه (طالوت)، ذلك الشخص المؤمن المخلص والخبير الحكيم، الذي يمكنه قيادة الجيش في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الحقّ والإجهاز على ذلك الملك الغاشم الظلوم.
عندئذٍ التفت نحوهم {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}، وعيّنه قائداً لقيادة جيش الإيمان الذي تطلبون تكوينه، فهو الصالح لذلك وصاحب الأهليّة والقابليّة، وفي فحوى هذا الجواب توبيخٌ خفيّ؛ إذ فيه تنبيهٌ بما فات منهم، إذ قالوا لنبيّهم: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ}(1)، ولم يقولوا: اسأل الله أن يبعث لنا ملكاً ويكتب لنا القتال(2).
وهنا نرى بوادر امتحانٍ الهيٍّ آخر لمقدار إيمان هؤلاء القوم وإخلاص عقيدتهم؛ فإنَّ في كلِّ حركةٍ يتحرّكها الفرد أو قولٍ يقوله، دلالةً على سنخ تفكيره ومقدار اعتقاده برأيه. ويبدو أنَّهم هم الذين ورّطوا أنفسهم في هذا
ــــــــ[35]ـــــ
([1]) سورة البقرة، الآية: 246.
(2) نفس المصدر [أي: الميزان في تفسير القرآن للسيّد الطباطبائي]: 300 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الامتحان، ولقد كانوا في غنى عنه لو كانوا قد سكتوا وسلّموا الأمر إلى الله ورضوا باختياره تعالى طالوت لهم ملكاً وقائداً.
إلَّا أنَّ ضعف الإيمان والتشكيك وحبّ المناقشة في كلّ شيءٍ والنقار عليه، يجرّ إلى هذا وإلى أسوأ من هذا. إنَّهم أشكلوا و{قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ}(1). فهم يعرفون طالوت جيّداً؛ فإنَّ طالوت ليس بالشخص النكرة القابع في أحد زوايا المجتمع، وإنَّما هو شخصٌ معروفٌ لديهم متميّز الصفات في أذهانهم.
هم يعرفونه جيّداً ويعرفون أنفسهم جيّداً أيضاً، ويعرفون مدى شرف أنفسهم وعراقة نسبهم، على شرف طالوت وعراقة نسبه. فهم يعلمون بوضوحٍ أنَّهم من أبناء أحد بيتين: بيت النبوّة، وبيت الملك في بني إسرائيل، وهما بيتان مفتخران بموهبة النبوّة والملك. ولم يكن طالوت من بيت الملك، ولا من بيت النبوّة(2).
إذن، فكيف يكون ملكاً عليهم وقائداً لهم، وكيف يعطونه الولاء ويطيعون أوامره ويتبعون توجيهاته، في حين إنَّهم – على ما يرون- أحقّ بالملك منه، وأجدر بتولّي زمام مقاليده.
وطالوت أيضاً – في نظر هؤلاء- لا يصلح للقيادة من جهةٍ أُخرى، هي ضيق ذات يده (وقد كان طالوت فقيراً)(3)، في حين إنَّ القائد أو الملك لابدَّ أن يكون – على ما يتصوّرون- في سعةٍ من المال يتصرّف فيه كيف يشاء.
ــــــــ[36]ـــــ
([1]) سورة البقرة، الآية: 247.
(2) تفسير الميزان (للسيّد الطباطبائي) 2: 300 (منه+).
(3) تفسير الميزان (للسيّد الطباطبائي) 2: 300 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وفي هذا الاعتراض نظرةٌ مادّيّةٌ ضيّقة، كما أنَّ في الاعتراض الأوّل نظرةً طبقيّةً فاسدة؛ فإنَّهم لم يفكّروا بأنَّ القائد إنَّما يكون قائداً بعدله وحكمته وصواب تدبيره، وبإخلاص جيشه له وتفانيهم في إطاعة أوامره، وليس لأيٍّ من الاعتبارات التي ذكروا دخلاً في أهليّة القيادة، بالإضافة إلى أنَّه معيّن من قبل الله تعالى، والله تعالى يعلم واقع المصالح ولا يحقّ لهم الاعتراض.
والذي نستطيع أن نتبيّنه من سياق القصّة، أنَّ الذين تصدّوا للطعن على الاختيار الإلهي ومناقشته، إنَّما هم أُولئك الشكّاكون المرجفون الذين أثبتت التجارب بعد ذلك زيف إيمانهم وضعف عقيدتهم على ما سنتبيّن، ولم يكن الإشكال وارداً من الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان وأيّدهم بروحٍ منه، كما أثبتت التجارب ذلك أيضاً.
والاعتراض على الحقّ الصريح فاسدٌ دائماً وغير منطقيّ على طول الخطّ، وناشئ من عدم تفهّم بعض جوانب المسألة على وجهها الصحيح، [و]ناشئ من النظر إلى الموضوع بعينٍ واحدةٍ وإغلاق الأُخرى عن حقائق ومقدّماتٍ لها التأثير الكبير في تغيير مجرى التفكير البرهاني، ممّا يجهله الشخص أو يحاول تجاهله.
ولكن مع ذلك، ورغم ركّة الاعتراض، شعر النبيّ أنَّه يجب عليه الردّ، لأجل إفحامهم وإلزامهم وإثبات الحجّة عليهم؛ فإنَّ الحقّ يجب أن يعلو، وكلمة الله يجب أن تسود، وهذا الإشكال وإن كان واهياً إلَّا أنَّه قد سمعه من هؤلاء القوم مَن لا يدرك جوانب الضعف فيه، فلعلّه يرسخ في ذهنه ويؤثّر في إيمانه بعقيدته. إذن فينبغي الإسراع إلى اجتثاث أُصوله من أفكار هؤلاء بالحجّة والبرهان الحقّ الصريح.
ــــــــ[37]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
[فقال×]: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ}(1)، وهذا ردٌّ على الاعتراض الأوّل، وهو أنَّكم إنَّما تشعرون بالعلوّ عليه؛ لأنَّ الله اصطفى بيوتكم للنبوّة والملك، والآن وقد اصطفاه عليكم واختاره لكم لكي يتولّى قيادتكم للنبوّة والملك، فلستم أحقّ بالملك منه إذن.
{وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}(2)، وهذا ردٌّ على الاعتراض الثاني منهم على فقره؛ فإنَّ المال ليس هو المدار في تفضيل الشخص والحكم عليه، ولا في حسن سياسته وتدبيره، وإنَّما المدار في التفضيل – وبخاصّة في القائد- إنَّما هو فيما يتوفّر فيه من ملكاتٍ نفسيّة وقدرات جسميّة، وطالوت قد توفّر فيه كلّ ذلك، فقد آتاه الله بسطةً في العلم، [أي]: العلم بالعقيدة والإيمان، والعلم بأساليب القيادة وطرق الحقّ والسير إلى النصر، وآتاه الله أيضاً بسطةً في الجسم، بمعنى: القدرة الجسميّة على قيادة جيشه وتنفيذ ما يقرّره ممّا يراه صالحاً لهم.
ثُمَّ يعطيهم نبيّهم في آخر ردّه على الاعتراض قاعدةً عامّة، يمكن أن تسدّ أمامهم مواطن الإشكال وتفهمهم حقيقة الأمر، إن فهموا هذه القاعدة على وجهها الصحيح؛ وذلك أنَّ الله تعالى هو صاحب التدبير في خلقه {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُْ}(3)، ويختار من عباده حسب ما يرى من المصلحة في حكمته الأزليّة اللانهائيّة، وليس لنا حقّ الاعتراض على الاختيار الإلهي البالغ درجة القطع ومرحلة التنفيذ {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(4).
ــــــــ[38]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 247.
(2) سورة البقرة، الآية: 247.
(3) سورة البقرة، الآية: 247.
(4) سورة البقرة، الآية: 247.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا أنَّ نبيّهم ظلّ يرى مخائل الشكّ والتردّد مرتسمةً على وجوه البعض منهم، كأنَّهم لم يسمعوا ما قاله ولم يفهموه، وما ذلك إلَّا لأنَّ درجة تلقّي النفوس ومقدار فهمها للكلام يتحدّد بحدود آفاقها الذهنية ومداركها العقليّة ومسبقاتها الفكريّة.
فربّ كلامٍ يبدو صحيحاً واضحاً عند بعض، ويبدو فاسداً مبهماً عند آخرين.
وقد أثبت الله تعالى في كتابه الكريم هذه الظاهرة في عديد من آياته، كقوله عزّ من قائل: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}(1). وعليه، فمرض القلوب – والمقصود به زيغ الأفكار وانحرافها عن طريق الحقّ- مانعٌ عن تفهّم الكلام على وجهه الصحيح، في حين ترى الذين آمنوا، أولئك الذين يتّصفون بصحّةٍ في القلوب وسلامةٍ في الضمير واستقامةٍ في التفكير، لا يتفهّمون الكلام على وجهه الصحيح فحسب بل يجعلون مدلوله دليلاً آخر على صحّة عقيدتهم وإيمانهم، فيزدادون عند سماعه إيماناً ويقيناً.
إذن، فقد شعر نبيّهم أنَّه لابدَّ له من إقامة دلالةٍ واضحةٍ أمام الجميع على صحّة قوله، وعلى تأييد تنصيب الله تعالى لطالوت ملكاً عليهم وقائداً لجيشهم؛ لكي يقيم الحجّة عليهم بشكلها النهائي، ولئلّا يبقى مجالٌ لشكٍّ أو جدال.
وليس هناك إلَّا المعجزة، تحدث فتختم الجدال وتوضّح الحقّ الصريح.
ــــــــ[39]ـــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 31.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هكذا فكّر نبيّهم، ولكنّه يعلم أنَّه لن يستطيع أن يعيّن لهم المعجزة ولا أن يقوم بها بانفراده من دون الاتّصال بالمنبع الإلهي واسترفاد القدرة والتوفيق منه.
وعليه، وفي غمرةٍ من السأم والضجر من هذا اللدد وهذه الطبيعة المشاكسة التي اتّصف بها قومه، توجّه إلى الله عزّ وجلّ لكي يعيّن له المعجزة المناسبة ويعطيه القدرة على تنفيذها.
والذي يمكن أن يقال في المقام: أن نبيّهم كان يعلم ما في طبيعة قومه من حبّ الاعتراض والجدل، وما في قلوبهم من الشكّ، لذا فقد عيّن المعجزة من قبل عند اتّصاله بالله تعالى في خصوص تعيين القائد الذي طلبوه.
وبهذا نعرف أنَّ المعجزة كانت قد تعيّنت لدى النبيّ، ولا تحتاج إلى توجّهٍ إلى الله جديد.
وعلى كلِّ حال، فقد تمَّ تعيين الآية من قبل الله تعالى، وفهمها النبيّ، فالتفت إلى قومه وقال لهم: {…إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ}(1).
إنَّ علامة تعيين الله لطالوت وتنصيبه ملكاً عليكم وقائداً لجيشكم، هو {أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ}. والذي يبدو أنَّ هذا التابوت كان معروفاً لبني إسرائيل، معهوداً لديهم، وليس هو إلَّا صندوقاً معيّناً كان النبيّ موسى وأخوه هارون‘ يجمعان فيه ما كتباه من الوحي الإلهي. فكان ما جُمع في هذا الصندوق من الوحي يورِث لقارئه السكينة، تلك السكينة والاطمئنان التي يتّصف بها المؤمن القويّ الاعتقاد، الذي لا تلعب بنفسه الشكوك، ولا تأكل فكره الأوهام، إنَّها سكينة اليقين والاطمئنان إلى الحقّ الصريح، في قبال ما
ــــــــ[40]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 248.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
يحدثه الشكّ في النفس من حيرةٍ وتردّد.
والمعجزة في هذا الأمر، هو أن {تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ} إليكم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
وحدثت المعجزة وانقطعت حجّة القوم، وبدا واضحاً أنَّ طالوت منصوبٌ من قبل الله تعالى عليهم قائداً؛ لما يتمتّع به من ملكات، ولما زاده الله تعالى من البسطة في العلم والجسم. فخضع هؤلاء القوم وأذعنوا ولم يردّوا بكلام. ولم يكن على الذي بقي شاكّاً متردّداً لمدى كفره ونفاقه ومرض نفسه، إلَّا أن ينسحب من هذا الجمع ويتنازل عن طلبه، فما هو أهلٌ للقتال في سبيل الله، تحت راية هذا القائد العظيم.
إذن لم يبق من الأمر شيء، إلَّا أنَّ يتجمّع الجيش تحت إمرة قائده ويخرج لقتال الملك الجائر جالوت، في سبيل الله العليّ العظيم.
وتجمّع الجيش تحت إمرة قائده طالوت وتأهّب للخروج، واستعدّ للسير إلى الملك الظالم في عاصمته؛ للقضاء عليه في وكره، وقطع منبع ظلمه من مصدره.
ولم يكن للملك في ذلك الزمان القديم شبكة استخبارات، ليمكنه أن يعرف ما قد يقع في البلد المجاور، فكانت الحوادث تحدث والمؤامرات تحاك وهو مطمئنٌّ إلى غفلته وقصر نظره؛ فإنَّه لم يكن لديه من حيلةٍ إلَّا أن يُنصّب على المدينة عاملاً يرضاه ويطمئنّ إليه، ثُمَّ هو يوكل أمر تلك المدينة إليه، يخالط أهلها ويعلم بمشاكلها ويدبّر أمرها، وكان العمّال في الغالب مخلصين للملك، متفانين في خدمته، ينفّذون أوامره ويطبّقون سياسته.
ــــــــ[41]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا أنَّه قد يتّفق أن يخونه العامل على مدينةٍ معيّنة، ويتواطأ مع أعدائه، أو قد يتّفق أن تضعف سلطة العامل على المدينة ويُغلب على أمره من قبل جماعةٍ متمرّدةٍ ولا يستطيع المقاومة. وعلى كلا الفرضين، فإنَّ سلطة الملك تنعدم في تلك المنطقة، ولا يبقى له أيّ سيطرةٍ عليها؛ لأنَّ سلطته إنَّما كانت مركّزةً في ذلك العامل وقد افتقده.
ولابدَّ أن يكون أحد هذين الأمرين قد حصل لعامل الملك على تلك المدينة، فإمّا أن يكون قد اتّفق مع الثوار أو أنَّه ضعف عن مقاومتهم، وإن كان الاحتمال الثاني أقرب إلى الذوق لمن تأمّل في جوّ القصّة، وعرف طبيعة عمّال الملوك وطبيعة الثوّار.
وكان بين المدينتين نهرٌ لابدَّ للجيش أن يجتازه في أثناء سيره إلى العاصمة. وقد كان هذا النهر محطّاً لامتحانٍ إلهيٍّ جديد، لم يفز فيه هذه المرّة إلَّا القليل.
وذلك، أنَّه لمّا كان الله تعالى يعلم باحتواء هذا الجيش على مختلف المستويات من حيث الإيمان ورسوخ العقيدة في أفراده، فهناك المؤمن الصحيح المطمئّن بدينه وعقيدته، والمتفهّم للسبيل الذي يسلكه والوجهة المقدّسة التي يسير فيها، وهناك المنافق الشكّاك المستعدّ لأن يبيع دينه بأبخس الأثمان، لم يعرف اليقين إلى قلبه طريقه، ولا العقيدة إلى عقله مسلكاً، كما أنَّ في الجيش مستوياتٍ أُخرى من الإيمان بين هاتين الدرجتين الشيء الكثير.
ولم يكن الله عزَّ وجلّ يريد أن يفوز بالشهادة إلَّا كلّ مخلصٍ منيبٍ متفانٍ في سبيل ربّه وفي سبيل هدفه المقبل عليه. كما أنَّه يعلم بأنَّ المشكّكين المرجفين
ــــــــ[42]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إذا كانوا بين أفراد الجيش فإنَّهم سوف يزيدون الجهد ويعقّدون المشاكل ويثبّطون العزم. وهذا شرّ داءٍ يمكن أن يبتلي به أيّ جيشٍ في العالم، وخاصّة ذلك الجيش العقائدي، الذي يكون العنصر الرئيسي في توجيهه وقيادته هو إيمان أفراده بعقيدتهم وهدفهم، وإخلاصهم لدينهم وقائدهم.
بل إنَّ ذلك لا يصدق على الجيش فحسب، وإنَّما يرد في جميع الحركات الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة وما شاكل؛ فإنَّ وجود المشكّكين المرجفين، المندسّين في صفوف الحركة، المتلبّسين بثيابها، والناطقين بلسانها، يكونون خطراً عظيماً عليها، بل إنَّهم أشدّ خطراً عليها من خطر أعدائها ومناوئيها بالصراحة والمكشوف.
إذن، فيجب تمييز هؤلاء الأفراد في هذا الجيش، وفصلهم عنه، والاستغناء عن خدماتهم؛ لكي تُتجنّب أضرارهم، وتُكفى مؤونة شرّهم. وهذا الفصل والتمييز لا يكون إلَّا بامتحانٍ الهيٍّ رهيب، ممّا جعله الله سنّته في خلقه؛ لتمييز المؤمن من الكافر، والصادق من الكاذب.
لذا فقد كان على القائد طالوت، أن ينفّذ هذا الامتحان الإلهيّ؛ لكي يظهر بوضوحٍ وأمام الجميع، مدى إيمان كلّ فردٍ من أفراد جيشه، ومدى رسوخ عقيدتهم، وتفهّمهم لمقصدهم.
وكان هذا النهر عندما وردوا إليه، خير ميدانٍ لتنفيذ الامتحان، فإنَّ الطريق طويلٌ والشمس محرقة، والتعبُ بادٍ بوضوحٍ على كلِّ فردٍ من أفراد الجيش، والعطشُ آخذٌ بخناقهم، وهم بحاجةٍ شديدة إلى الارتواء من هذا النهر وإرواء دوابّهم منه. وهذه حاجة بايولوجيّة شديدة التأثير، تدفع صاحبها إلى العمل على مقتضاها بقوّةٍ وعنف، وأن يستسهل في سبيلها كلّ
ــــــــ[43]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
صعب، وأن يضرب من أجلها كلّ مانع أو رادعٍ عرضَ الجدار. لذا فإنَّ الفرد يحتاج في سبيل كفكفة جماح هذه الحاجة إلى أعصابٍ قويّة، وإيمانٍ راسخ، وعقيدةٍ سليمةٍ صلبة، بحيث يستطيع الفرد أن يدرك [أنَّ] المحافظة على عقيدته سليمةً راسخةً أعظمُ بكثيرٍ من أهمّية ارتوائه من الماء، وإيفاء هذه الحاجة المادّيّة المحضة.
ومن هذا المنطلق بالذات ينبع الامتحان الإلهيّ؛ فإنَّ الحكمة الإلهيّة حيث إنَّها تعلم بوجود مصالح كبرى، روحيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّة، ينبغي للإنسان أن يجعلها هدفَه في الحياة، وأن يكرّس جهدَه لنيلها والوصول إليها، ومن ثَمَّ ينبغي له أن يضحّي في سبيلها ويبذل كلّ غالٍ ورخيص من أجلها.
وعليه، فقد أُنزلت التعاليم والإرشادات، لكي تقود البشر إلى هذه المصالح والأهداف.
ولمّا كان العمل لنيل تلك المصالح العليا مشوباً ببذل جهدٍ ووقتٍ ومال، اعتبرت الحكمة الإلهيّة أنَّ هذا البذل شيءٌ مستحسنٌ وثمنٌ رخيصٌ لقاء نيل تلك الأهداف، ومن ثَمَّ جاءت تعاليمها – التي هي في الحقيقة طرق ووسائل إلى نيل تلك المصالح الكبرى- جاءت وهي لا تخلو من لزوم التضحية بالوقت والجهد والمال، وقد تبدو معارضةً لبعض الحاجات البايولوجيّة الجسميّة للإنسان. ولكنّ المفروض في المتديّن العميق الإيمان، الذي جعل تلك المصالح هدفاً لحياته، أنَّه يرضى ببذل أيّ مقدارٍ من التضحية في سبيل نيلها والحصول عليها.
أمّا ذلك الفرد المشكّك الذي لا يعتقد بوجود تلك المصالح، وليس على استعدادٍ لبذل الرخيص، فضلاً عن الغالي، في سبيلها، قد جعل لحياته أهدافاً
ــــــــ[44]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مادّيّةً ضيّقة، من الحصول على المال والسمعة و السيطرة، فهذا شخصٌ في نظر الحكمة الإلهيّة ضيّق التفكير، قليل البصيرة، بعيدٌ عن واقع الكون الذي يعيش فيه، لم ينظر إلى مستقبله، ولم يحسب له أيّ حسابٍ، ولم يعمل في سبيله شيء.
وعليه، وفي اللحظة التي يأتي فيها وقت العمل، يأتي وقت الامتحان أيضاً؛ إذ يظهر بجلاءٍ مَن هو الذي على استعدادٍ للتضحية وخوض غمار الواجب بحماسٍ وإخلاص، لكي يحصل في النهاية على نتائجه الكبرى ومصالحه المهمّة التي شرع العمل من أجلها، كما يظهر بوضوحٍ ذلك الشخص المتقاعس الكسول الذي لا تهمّه تلك المصالح، ولا يهمّه إطاعة أمر ربّه العليّ العظيم، والذي أخلد إلى الدنيا وما فيها من إغراءٍ مادّيٍ وضيع.
وعليه، فقد جاء هذا الامتحان الإلهيّ رمزاً جميلاً عن هذا المعنى بالذات؛ فإنَّ الجهاد وبذل النفس في سبيل الله، من أعظم الأعمال الإلهيّة، وليس كلّ شخصٍ أهلاً لها أو قابلاً لتحمّل مسؤوليّتها. ومن ثَمَّ اختبر صبرهم على هذه العقبة الصغيرة. فمَن صبر عليها، أمكنه الصبر في الجهاد ومجابهة الكفر في سبيل الله، أمّا مَن لم يصبر عليها، فكيف يمكنه أن يصبر على العقبة الكبرى هناك؟
لقد وقف طالوت قائدهم المحنّك، أمام إشباع إحدى حاجاتهم البايولوجيّة المهمّة، وهي العطش، لكي يعرف مدى تفضيلهم إطاعة أوامر الشرع المقدّسة على قضاء الحاجات الجسميّة المادّيّة الضيّقة.
وذلك أنَّه {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}(1)، أي: خرج بهم {قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ
ــــــــ[45]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 249.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
غُرْفَةً بِيَدِه}(1). فقد نهى أصحابه عن الشرب من النهر، وقرّر: أنَّ مَن يشرب من النهر فليس منّي، أي: ليس من عقيدتي ومذهبي وليس من المخلصين لي. ومن لم يطعمه فإنَّه منّي، أي: ممّن يشاركني العقيدة ويبادلني الإخلاص، إلَّا مَن اغترف غرفة بيده، وهذا قسمٌ ثالث، يمثّل درجةً متوسّطةً من درجات الإيمان والإخلاص، حيث خرج من القسم الأوّل العاصي للأمر، المتمرّد على التعاليم، كما أنَّه لم يدخل في القسم الثاني المنقاد المخلص المطيع الذي يفضّل مصالحه الحقيقيّة على مصلحته المادّية، بل إنَّ هذا القسم الثالث ممّن يحبّ الإيمان ويعتقد به، إلَّا أنَّه لا يستطيع مكافحة حاجته الجسميّة مدّةً طويلة، فقد يتعرّض إيمانه للخطر ويقع بالمخالفة مرغماً، فيندرج في القسم الأوّل بدون استحقاق.
لذا فقد أجاز طالوت لهذا القسم أن يشرب كفّاً واحدةً من الماء يغترفه من النهر.
وفي هذا التقسيم الثلاثي لدرجات الإيمان دقّةٌ وعمقٌ ومطابقةٌ لواقع البشر، أكثر ممّا قد يبدو لأوّل وهلةٍ من صحّة التقسيم الثنائي؛ من حيث إنَّ الشخص إمّا أن يكون مؤمناً أو غير مؤمن، ولا شيء غير ذلك. فإنَّ الواقع
– على ما سبق أن أشرنا إليه في مقدّمة هذه القصّة- أنَّ للإيمان بأيّ مذهبٍ كان، درجاتٍ مختلفةً كثيرةً تتعدّد بتعدّد مستويات التفكير واختلاف المجتمعات والثقافات، وأشكال الطبائع والأفكار.
ووردوا على النهر، وبدأ التنفيذ الفعلي لهذا الامتحان الإلهيّ الرهيب، حيث رجع كلّ فردٍ إلى قرارة نفسه ليوازن بين أهمّية شرب الماء في نظره
ــــــــ[46]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 249.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وبين أهمّيّة إطاعة قائده والحصول على رضاء ربّه. ولم يمرّ إلَّا برهةٌ صغيرة، إلَّا وقد ظهرت النتائج بوضوحٍ وبشكلٍ ملموسٍ ينظره الجميع ويراقبه الجميع.
انثال القسم الأكبر منهم على النهر، فشربوا حتّى ارتووا وحملوا الماء فسقوا دوابّهم، واحتفظوا بكميّة أُخرى من الماء لتكون معهم في هذا الطريق الطويل. وبذلك يكونون قد أشبعوا حاجاتهم الجسديّة وأراحوا أبدانهم تلك الراحة الوقتيّة الزائلة التي تُعقب الندم والحسرة الأبديّة، وتُبعد الفرد عن مصالحه الحقيقيّة عن الاتّصال بمنبع النور الوهّاج السرمديّ الاشتعال، عن رضاء الله عزّ وجلّ.
واحتفظ قسمٌ آخر منهم، وهم القسم الأقلّ عدداً، الأقوى إيماناً والأشدّ إخلاصاً لربّهم ولقائدهم ولعقيدتهم، احتفظوا بالعطش في أفواههم وفي التعب في أجسامهم، وأعرضوا عن الشرب من النهر، حرصاً على أن يكونوا من قائدهم طالوت مماثلين له بالعقيدة، متبادلين معه الإخلاص، وحرصاً على أن يرضوا ضمائرهم المؤمنة، وينالوا منزلة القربى من الله العليّ العظيم.
وكان هناك قسمٌ ثالث، هو القسم الأوسط الذي توقّع قائدهم وجوده عندما سمح لهم بالاغتراف. لم يكن هذا القسم ليستطيع تحمّل العطش والتعب، ولكنّه في نفس الوقت لم يكن يرضى بأن يغضب ربّه ويعاند قائده، ولذا فقد اغتنم فرصة هذا الاستثناء، ورضي بهذا الحلّ الوسط الذي يسّره لهم قائدهم الحكيم. وعليه، فقد مال كلّ فردٍ منهم على النهر وشرب منه مقدار ما تحمل كفّه من الماء واكتفى به.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وانتهت قصّة الشرب، وقد شرب مَن شرب، وأعرض مَن أعرض، ولم يبقَ على الجيش إلَّا أن يعبر النهر مستمرّاً في السير إلى غرضه المقدّس المنشود.
عندئذٍ بادر قائدهم طالوت إلى القسم الأوّل من الجند، ممّن شرب حتّى ارتوى، ورضى ببيع دينه بدنياه، فأخرجه من الجيش واستثناه من الزحف المقدّس؛ لأنَّه لم يستطع الصبر على حرّ العطش، فكيف يصبر على حرّ السيف؟ ولم يطع هذا الأمر الامتحاني البسيط، فكيف يستطيع إطاعة الأوامر الإلهيّة الكبرى. خيرٌ له وللجيش أن لا يدخل هذا القسم في الحرب، وأن يرجع إلى بلدته فرحاً بلذّته المادّية التي حصل عليها!
واستعدّ الباقون للعبور، بقيادة قائدهم المحنّك المؤمن (طالوت)، مكوّنين من القسمين الآخرين، وهم: الذين لم يشربوا، والذين اكتفوا بغرفةٍ من اليد.
{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}(1)، استمرّوا في المسير، حتّى وصلوا إلى عاصمة الملك الظالم (جالوت).
وهناك وفي تلك اللحظة، واجهوا الواقع وجهاً لوجه، ولم يبق في الموضوع أيّ زيفٍ أو احتيال. وعرفوا أنَّهم سوف يلاقون الجيش العظيم الذي يحرس الملك في عاصمته ويحميه، ذلك الجيش الذي يفوقهم كثيراً من حيث العدّة والعدد، وبخاصّة بعد أن فقدوا قبل عبورهم للنهر قسماً كبيراً من جيشهم حين أمرهم قائدهم بالانصراف.
وفي هذه اللحظة فقط، برز امتحانٌ الهيٌّ آخر، هو الامتحان الإلهيّ
ــــــــ[48]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 249.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الأخير، وهو أشقّ الامتحانات السابقة وأكثرها رهبةً وعمقاً؛ إذ يقصد به الإيضاح النهائي للعقائد، والفرز الحقيقي بين المؤمن المعتقد والمشكّك الضالّ.
فقد تشبّثت أسباب الحياة بقسمٍ من هذا الجيش، وملأت عليهم كيانهم رهبة الموت، تحت وابلٍ من ضربات جيش الملك العرمرم الكثيف. وأيسوا من النصر وأيسوا من النجاة، وشعروا بقلّة عددهم وضعف عدّتهم.
وعندئذٍ لم يجدوا مناصاً من التصريح بما يدور في نفوسهم المضطربة من المخاوف والوساوس والأوهام، وإن كان هذا التصريح يُضعف معنويّة الجيش ويثبّط عزمه، ويوحي له بالضعف وبُعد النصر. إلَّا أنَّهم حين ملأ عليهم كيانهم الخوف والرهبة لم يتصوّروا أنَّ في الجيش من لا يرهب ولا يخاف، أو أنَّ فيه مَن هو مستعدٌّ للإقدام على القتال، بالإضافة إلى ما في نفوس هؤلاء من ضعفٍ في الإيمان وقلّةٍ في الإخلاص. وعليه فقد انطلقت الكلمات من أفواههم راجفةً خائفة: {قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}، ولسنا نملك القوّة التي يمكننا أن نسيطر بها على هؤلاء وننتصر عليهم.
ولم يكن هذا القسم الخائف من الجيش، إلَّا ذلك القسم الضعيف الإيمان الذي رأيناه في الامتحان الإلهيّ السابق، إنَّه لم يستطع أن يتحمّل عطشه وهو على النهر، ولم يستطع أن يكافح حاجته الجسميّة البايولوجيّة، واكتفى في إطاعة قائده العظيم بالحلّ الوسط الذي يسّره له. ومثل هذه الدرجة من الإيمان لم تكن كافيةً للجندي المحارب أن يتقدّم ويقاتل عدوّه الجبّار بجيشه الجرّار، وإنَّما كان ذلك بحاجةٍ إلى درجة من الإيمان أعلى، ومرتبةٍ من الإخلاص والتفاني في سبيل الله أرقى وأعظم.
ــــــــ[49]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وكان لهذا القسم ما تمنّى؛ إذ بادر القائد الحكيم وأخرجه من ميدان القتال؛ إذ أدرك بوضوحٍ نقطة الضعف فيه، وأن ليس من الحكمة في شيءٍ استخدام مثل هؤلاء المشكّكين المرجفين في الجيش العقائدي المقدِم في سبيل الله لقتال الكفر والضلال.
إذن، فمن المصلحة إخراجهم والاستغناء عن خدماتهم.
وبقي القسم الأقلّ عدداً، الأكثر إيماناً وإخلاصاً واندفاعاً، لم تثبّط عزمهم الأقوال، ولم تقلّل هممهم ضروب الامتحانات، ولم يضعف من إقدامهم في سبيل دينهم وعقيدتهم قلّةُ عددهم وعدّتهم، وخروج قسمٍ كبير منهم. فقد فضّلوا عقيدتهم على كلِّ اعتبار، ورفعوها فوق كلّ ميزان، يجدون العمل الإلهيّ هو الهدف الأسمى والغاية القصوى من حياة الفرد على هذه الأرض، وما قيمة هذه الحياة بما فيها من بهارج مادّيةٍ ومغرياتٍ وضيعةٍ تجاه الكمالات الروحيّة والخلود الأبدي في رضاء الله تعالى التي يبغون الحصول عليها عن طريق الاستشهاد في سبيل الله العليّ العظيم.
سمع هؤلاء المؤمنون ذلك الإرجاف الدنيء، فلم يرعهم ولم يقلّل من عزمهم واندفاعهم، وإنَّما وقع منهم موقع الاستغراب والاستنكار، كيف يمكن أن يفكّر الفرد بهذا الأُسلوب المادّي المنحطّ، وكيف يتّضع الأُفق الذهني ودرجة إيمانه وعقيدته إلى هذا الدرك السافل الوضيع، بحيث لا يودّ الاستشهاد في سبيل الله ولا الحصول على رضاه والخلود في جنانه.
ومن ثَمَّ لم يكن على هؤلاء المؤمنين إلَّا أنَّ يجيبوهم بالإنكار ويفحموهم بالحجّة، فما ينبغي للقول الباطل أن يبقى بلا جواب، ولا للمؤمن المخلص أن
ــــــــ[50]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
يبقى ساكتاً عن الحقّ.
إنَّهم يدركون بوضوحٍ أنَّ العنصر الحقيقيّ الرئيسيّ لانتصار الجيش، وبخاصّة الجيش المؤمن المقاتل في سبيل الله، ليس هو إلَّا إيمانه وإخلاصه، وإلَّا اندفاعه في الطريق السائر فيه وتفانيه في سبيله، فبالإيمان وقوّة العقيدة والإخلاص يمكن الفوز على أيّ عددٍ من الجيش مهما كان عظيماً ومالكاً للسلاح والعتاد؛ فإنَّ الإيمان قوّةٌ روحيّةٌ معنويّةٌ يتصاغر أمامها أيّ اعتبارٍ مادّيٍ ضيّق. وهم يعلمون أنَّ جيش الملك جيشٌ لا يملك من العقيدة والإيمان شيئاً، ولا يعرف لحياته هدفاً ولا غاية. إذن، فسوف يكونون لقمةً سائغةً بيد قوّة الإيمان واندفاع العقيدة والإخلاص.
هذا، بالإضافة إلى تأييد الله وتوفيقه؛ فإنَّهم يعلمون أنَّهم قد خرجوا في سبيله وابتغاء مرضاته، ولنصر عقيدته ودينه {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ}(1)، مؤمنين به متفهّمين لمقصدهم السامي النبيل {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(2).
وعليه، فقد جاء جواب هؤلاء المؤمنين المخلصين قويّاً جازماً {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(3)، والظنّ هنا بمعنى القطع واليقين، والإيمان العميق بلقاء الله تعالى والفوز لديه، ذلك الإيمان الذي له في مثل مقامهم هذا، الأثر الكبير في دفع الفرد المؤمن نحو الجهاد، والتفاني في سبيل الله.
قالوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ ــــــــ[51]ـــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 40.
(2) سورة الروم، الآية: 47.
(3) سورة البقرة، الآية: 249.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الصَّابِرِينَ}(1)، إنَّ حجّتهم الآن مادّيةٌ محسوسة، يمكن لأيّ فردٍ شكّاك أو معارض أن يفهمها وأن يلمسها، والحجّة المادّية الملموسة هي التي تجدي أمام الشُكّاك المرجفين الذين يدورون في فلك المادّة ويتخبّطون في حيّز المحسوسات.
فليس على أولئك الشُكّاك إلَّا أن يرجعوا في أذهانهم إلى ما يعرفونه من التاريخ وما ورثوه من أخبار حوادث الدهر ووقائع البشر، ليجدوا أنَّ هناك قانوناً إلهيّاً كونيّاً عامّاً نافذ المفعول في جميع مراحل التاريخ، ألا وهو فوز الإيمان على الضلال، والعقيدة على الشكّ، والعزم على التردّد، وأنَّ صغر جيش الإيمان وقلّة عدده وعدّته غير ضائرٍ فيه بشيءٍ، بعد أن كان متسلّحاً بإيمانه وإخلاصه، متوكّلاً على ربّه، لا يحارب إلَّا قوماً لا تربطهم عقيدةٌ ولا يدفعهم إيمان {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ}(2).
هذا هو القانون الكونيّ الإلهيّ العامّ، والذي طُبّق في جميع وقائع الحروب التي كان فيها الطرفان من هذا القبيل، وهي كثيرةٌ جدّاً على مدى التاريخ. إذن، فليس على هؤلاء المشكّكين إلَّا أن يرجعوا لحوادث التأريخ ليروا {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}(3).
وكان على هذا الجيش أن يُحرز لنفسه العنصر المهمّ الآخر للنصر الأكيد، إلى جانب ما يحملونه في نفوسهم من إيمانٍ واندفاع، ألا وهو تأييد الله وتوفيقه لهم وتسديده لخطاهم، وربطه على قلوبهم، لئلّا تغلبهم جوانب الضعف في
ــــــــ[52]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 249.
(2) سورة الحشر، الآية: 14.
(3) سورة البقرة، الآية: 249.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
نفوسهم في مثل هذه الساعات المحرجة فيفكّروا في خوفٍ أو فرار.
إنَّ التأييد الإلهيّ هو الدواء الناجع الوحيد، ضدّ مثل هذه الاحتمالات الرهيبة.
لذا نراهم أنَّهم {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(1).
وكانت العناية الإلهيّة تستعرض عن كثبٍ أعمالهم وأقوالهم، وتبارك لهم جهادهم وتفانيهم، وتستجيب لهم دعاءهم، وتمدّهم بالتأييد والتسديد.
فهذا القتال، وإن بدا بالنظر المادّي الضيّق غير متكافئٍ من ناحية الكثرة في جيش الملك، إلَّا أنَّه في حقيقته غير متكافئٍ من الناحية الأُخرى؛ فإنَّ في أحد المعسكرين قوماً لا يملكون إلَّا أنفسهم وأسلحتهم، وفي المعسكر الآخر قوم يحملون إيمانهم وإخلاصهم واندفاعهم في سبيل الله، ويتترّسون بالقوّة الإلهيّة والتأييد الربّاني، وكيف لا يفوز مَن [كان] الله موفّقه ومسدّده.
وعليه، فلم يمض زمانٌ طويل إلَّا وقد ظهرت النتيجة الطبيعيّة المتوقّعة، وهي انتصار هذا الجيش المؤمن الصابر على جيش الملك الظالم (جالوت) {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ}(2) وتمَّ النصر المبين.
وهم لم يهزموهم فحسب، وإنَّما تكلّل نصرهم بنصرٍ آخر، مهمّ وجوهريّ بالنسبة إلى حركتهم الثوريّة المؤمنة، ذلك النصر الذي كانوا يتطلّبونه من أوّل الأمر، (والذي) إنَّما خرجوا من أجله وعلى أمل الحصول عليه، ألا وهو قتل الملك (جالوت) والقضاء على حياته إلى جانب القضاء على
ــــــــ[53]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية:250.
(2) سورة البقرة، الآية: 251.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مُلكه وسيطرته. وقد حدث ذلك بالفعل؛ فإنَّ هذا الجيش المؤمن استطاع قتل الملك نفسه على يد أحد أفراده المخلصين فقد {قَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ}، وبذلك بلغ الهدف ذروته وأحرز الجيش النصر النهائي المبين. وبذلك نجوا من تعسّفه واستبداده وظلمه.
وهنا فقط تبدو في القصّة شخصيّةٌ جديدة، هي إحدى شخصيّات هذا الجيش المؤمنة المكافحة المتفانية في سبيل نصرة دينها وتأييد عقيدتها، تبدو هذه الشخصية هنا لحظةً لتختفي مرّة أُخرى في خضمّ آي القرآن الكريم، إلَّا أنَّ هذا البروز البسيط وحده كان كفيلاً بأن يخلّد إلى الأبد اسم قاتل الملك جالوت والمجهز على رمز الكفر والاستبداد.
إنَّه ليس شخصاً عاديّاً من هذا الجيش المؤمن فحسب، وإنَّما هو من المقرّبين الأبرار، إنَّه داوود، ذلك الرجل الفذّ العظيم، الذي {آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ}(1).
هكذا يضرب هذا القرآن دستور إسلامنا الخالد، الأمثال ويقصص القصص؛ لكي يوضّح الحقّ ويدلّ على النهج الصالح القويم، والطريق السليم الذي يريد للبشريّة أن تسلكه لتفوز بالسعادة والخلود، ولكي يساعد الفرد المؤمن في إيمانه ويدلّه على نقاط الضعف والقوّة في نفسه. وما على هذا الفرد إلَّا أن يفكّر وإلَّا أن يتدبّر آي القرآن الكريم، وقد قال الله عزّ وجلّ {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(2).
ــــــــ[54]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 251.
(2) سورة محمّد، الآية: 24.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وأنَّ يفهم منها ما تشير إليه من عبرٍ وعظات، وما ترمز إليه من معانٍ جليلةٍ وتوجيهاتٍ سامية؛ لكي يطبّقها على نفسه وعلى أُسرته وعلى مجتمعه، ولكي يفهم الحياة وهذا الكون كلّه، من الناحية التي يريده القرآن أن يفهمها، تلك الناحية التي جاء بها نبيّنا الكريم’؛ ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم(1).
محمّد الصدر
ــــــــ[55]ـــــ
(1) نشر هذا البحث في مجلة الأضواء الإسلاميّة، في عددها المزدوج الثامن والتاسع والعاشر، السنة الرابعة، بتاريخ: 1964م.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[57]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كان موكب السحاب الأسود الثقيل المتلبّد بطبقات الظلام، يجرّ قدميه فوق أمواج الزمان ببطءٍ شديد، شامخاً بأنفه، مُدلاً على سواد لونه وتشويه وجهه.
كان السحاب متراكماً كثيفاً، وكان أسود فاحماً، وكان صامتاً صمت القبور، مظلماً ظلامها، لا يتخلّله رعدٌ ولا برق، ولا يشقّ عنان هذا الجوّ الموحش الرهيب قطعٌ من صوت، أو قطراتٌ من نور، وكان ثقيلاً لا تزحزحه الرياح، قاتماً لا يشفّ عن ضوء.
وفجأة، وفي غمرةٍ من الكمد العميق، وفي طبقاتٍ من الظلام الصفيق والصمت الموحش، أومض الأُفق الإلهيّ ومضةً برّاقةً متألّقة، أومض ليبدّد هذا السحاب المتراكم، وهذه الظلمة العفنة، وليدفن سوادها الفاحم البغيض في أعماق القبور.
وكان هذا الوميض مشرقاً جميلاً، وكان أبيض ناصعاً يستهوي العقول ويخلب البصائر، وكان هذا الوميض الإلهي أيضاً البذرة الأُولى التي أُلقيت في تراب الزمن وفي سويداء بعض القلوب؛ ليجني الناس منها على اختلاف لغاتهم واختصاصاتهم ثمراً جنيّاً طيّباً سائغاً للآكلين.
وما إن أومض الوميض، حتّى ارتعدت فرائص الظلام، وانحلّت
ــــــــ[59]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الأربعاء: 10/1/1382هـ – 13/6/1962م (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كتائبه، ولاذت بالفرار.
وبعد هنيئةٍ من الزمن، كان الوميض قد أصبح شمساً ساطعةً قد صعدت إلى كبد السماء، لتنشر على البشريّة جمعاء الصفاء والإخاء والمحبّة والسلام. صعدت هذه الشمس فأحالت الصحراء حقلاً، والجدول الجافّ رويّاً، والسحاب الأسود المتجهّم أبيض لامعاً، وفتحت بذلك للبشريّة تأريخاً جديداً ترفل فيه بالعدل والإخلاص.
وكان هناك في زوايا الوجود، عند سلال المهملات وفي الكهوف المظلمة، عيون عشت عن أن تنظر إلى هذا النور المتألّق، وقلوب سود كلّت عن أن تستنشق هذا النسيم العليل، فكانت حجر عثرة في سبيل انتشار هذا النور كما ينبغي له، وكما يريد له من تفضّل بإذكاء أواره، وجرّت بذلك على البشريّة ويلاتٍ وويلات، لا زالت ترزح تحت عبئها الثقيل.
ولكنّها تحت هذا الضوء الساطع الكشّاف، لم تستطع أن تبدو كما تريد، وإلَّا لسبّبت لنفسها الهلاك، ولجرفها النور بتيّاره فأحالها هشيماً تذروه الرياح. ومن ثَمَّ فقد أسبغ على نفسه أكثر السحاب الأسود القاتم ثوباً أبيض جميلاً، وأحاط نفسه بستارٍ من الغشّ والتمويه، وأصبح بذلك مزيجاً عجيباً ومزعجاً من النور والظلام. وكان هناك سحابٌ أسود لم يزدد بإشراق الشمس عليه إلَّا تجهّماً وسواداً، ومن ثَمَّ فقد اضطرّ إلى التفرّق والاختباء في خرائب البوم وفي شعاب الجبال.
وحاول الظلام وناضل في سبيل هدفه الأعلى ومقصده الأسمى الذي لا زال يقدّسه ويحنُّ إليه، منذ أن أومض ذلك النور المتألّق الجميل، ألا وهو إطفاء جذوة هذه الشمس الساطعة التي أظهرت زيفهم ونبشت ما في
ــــــــ[60]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
صدورهم وخالفت هواهم وسعت ضدّ مقاصدهم ومصالحهم.
وما إن ثنيت له الوسادة، ورأى وهو في مضيقه الذي رزح فيه منذ إشراق النور، ثقباً يستطيع منه سحب الهواء إلى رئتيه الخائرتين، حتّى أخذ بالتنفّس العميق وبالحركة المستمرّة وبالإبراق والإرعاد، وكانت أنفاسه عفنةً نتنة، تنشر في الجوّ المتألّق غباراً كدراً وسحاباً معتماً.
واستمرّ جيش الظلام ينفث من منخريه حمماً حمراء ودخاناً أسود، حتّى اختنقت الأنفاس وانتشر الظلام في طبقات الجوّ، وصعب رؤية الضوء من وراء حجب الظلام. وحجب هذا الظلام المتراكم أجزاء كثيرة كانت مشرقةً وضّاءة، ففصلها عن نبع نورها القويم، فاستحالت مظلمةً قاتمة، تحمل ما كانت تحمله من الصفات قبل أن يومض الفجر الجديد، وأتاح للنفاق أن ينزع عنه ثوبه الأبيض وينزل إلى ميدان النضال أسود فاحماً كما يريد لنفسه، وكما كان قبل أن يغلّه الضوء بقيوده الثقال.
وخرجت أيضاً عفاريت الظلام التي كانت مختبئةً في شعاب الجبال لتسهم حسب مصالحها في محاربة هذا النور القويم.
وعندئذٍ، وبعد أن عمل الظلام عمله، وألقى جميع ما في جعبته من نبال، لم تجد الشمس – ممثّلةً في الحسين عليه أفضل التحية والسلام- بُدّاً من النزال ضدّ جحافل الظلام وطبقات السحاب الأسود لتكشفه عن النور وليبدو النور للناظرين، كما كان متألّقاً وضّاءً جميلاً، مهما كلّفها ذلك من النفس والنفيس، فجمعت حولها قطع النور التي لا زالت مضيئةً مشرقةً ومخلصة للحقّ القويم، وقادتهم إلى ساحة القتال، إلى سيل الدماء وطريق الموت، لتطرد بغي الظلام الغائم، ولتلقي في روع الكون دروساً عظيمة في
ــــــــ[61]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
التضحية في سبيل النور والحقّ والإسلام.
وكان موكب النور قليلاً في عدده ضعيفاً في عدّته، ولكنّه كان ساطعاً في نوره، صلباً في عقيدته، مخلصاً بإيمانه، لا يُؤثر عمىً على هدىً، ولا ضلالاً على رشاد، قد رأى طريق الحقّ وأخذ بلبّه النور الوهّاج، فاجتلبه إليه اجتلاباً وشدّه إليه شدّاً محكماً، وما إن رأى قوى الظلام وعفاريت الليل تعيث في الأرض فساداً وتنشر فيها حمماً ودخاناً، حتّى راعه هذا المنظر الرهيب، وآسفه أن يحتجب هذا الضوء الوهّاج الذي يحمل للبشريّة بين طياته السعادة والخلود، والتي تعبت هي نفسها عليه في سبيل انتشاره وسطوعه، وآلمه أن تُحرم منه الإنسانيّة، في حين إنَّه قد جاء خصّيصاً لإنقاذها من قوى الجور والظلام ومن الأدران والأوحال.
لذا فقد شعر كلّ فردٍ منهم بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقه، وميّزها تمييزاً واضحاً، فجاء إلى ساحة القتال ممتلئاً إخلاصاً وإيماناً، ليبذل نفسه في سبيل هذا المقصد السامي، وليريق دمه من أجل هذا الهدف العظيم. فكان الفرد منهم يسابق إخوانه إلى الموت ليفديهم بنفسه أوّلاً، وليشارك قبلهم في هذه التضحية الكريمة ثانياً. بل لو كان لكلِّ منهم نفسٌ غير نفسه، وقدرةٌ فوق قدرته، لبذلها طائعاً مختاراً عن طيب نفسٍ، وسرور ضمير.
وانكشف الصراع الدمويّ الرهيب، فتأمّلت الأعين نتائجه وفحصت مخلّفاته، نظر السحاب الأسود الثقيل خلال عينه العمياء، ومدّت عفاريت الظلام رؤوسها إلى ميدان القتال لترى النتاج.
ماذا يمكنها أن ترى مثل هذه المخلوقات اللعينة الرجيمة التي أطفأ الظلام نور بصرها، وقتل ضميرها، وأسكر ألبابها، لقد رأت بين يديها من
ــــــــ[62]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
موكب النور أجساماً مضرّجة، وأشلاءً مقطّعةً مبعثرة، ورؤوساً محمولة على الرماح، وجثثاً ملقاةً على رمل الصحراء، فملأت أُفق نفسها نشوة النصر، وأحسّت بالفرح والسرور يغمرها، وبالشماتة تملؤها خلال هذا النصر الكبير – التي حسبت أنَّها أحرزته- ولهذا التقدّم السريع لإطفاء نور الشمس المبين.
أمّا السحاب الأبيض وقطع النور التي لا زالت مشرقةً متألّقة، فقد رأت نفسها – رغم ما يملك عليها نفسها من الأسى، وما تفيض به عينها من الدموع- منتصرةً عزيزة، رافعة الرأس، تائهةً على قوى الظلام، تملؤها الثقة بالنفس، ويتفجّر في صدرها الإيمان، وما لها لا تكون كذلك بعد أن وضعت ثورة الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام لبنةً جديدةً في صرح النور الشامخ، وفي سبيل الحقّ القويم، وبعد أن نكصت قوى الشرّ والطغيان وعفاريت الليل على عقبيها، وأدبرت ظهرها، وأعطت رجلها للريح تحاول الفرار.
ورأى السحاب الأبيض المتألّق أيضاً أنَّه قد تلقّى دروساً بليغةً وعميقة، تنفذ إلى سويداء القلب وفي باطن الضمير، في المحبّة والتعاطف والإيثار، وفي الأنفة والعزّة والإباء، وفي الوفاء والإيمان والإخلاص، وأوّلاً وأخيراً في التضحية في سبيل النور الإلهيّ الذي بسطه على أرضه، ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ورأى أيضاً قيمة هذا النور الوضّاء، و[الذي] ينبغي أن يبذل في سبيل نشره وإعلاء كلمته كلّ نفس ونفيس، ورأى شراسة الظلام، واكفهرار وجهه، وسواد قلبه، وخبث طويّته، وما يكنّ في جنانه من الحقد الدفين على الحقّ المبين.
ورأى السحاب الأبيض نفسه أيضاً مندفعاً وراء هذه الطليعة الصالحة التي ألقت ما على كاهلها من الواجب، وسلّمته إلى أجيالها المقبلة، في هالةٍ من
ــــــــ[63]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الإجلال والتقديس؛ لأجل أن تسعى نحو ما سعت إليه من هدفٍ، وتضحّي في سبيل ما ضحّت من أجله من الحقّ، وتتّجه دوماً نحو الشمس الساطعة الوهّاجة التي لا يشوبها غبار ولا ظلام؛ لتمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
محمّد الصدر
ــــــــ[64]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[65]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
لا يبدو هناك شيءٌ معيّن، يهزّ النفس ويسيطر على مشاعرها كالأدب؛ فإنَّ للنفس البشريّة ذوقاً جماليّاً حسّاساً، تدرك به المناطق الحسّاسة التي تعجّ بالجمال في هذا الكون، فتشرب من منهلها العذب وتتملّى إشعاعها المنير.
وليست هذه الحاجة الجماليّة بأقلّ أهمّيّةً – على الإطلاق- من أيّ حاجةٍ بايلوجيّة أو عقليّة أو نفسيّة في الإنسان، فإنَّها أيضاً بدورها تطلب الإشباع، شأنها في ذلك شأن أيّ غريزةٍ أُخرى. وعلى الإنسان أن يطيع هذا النداء في حدود السلوك العادل الصحيح، فيشبعها ممّا في هذا الكون من نقاطٍ يتمركز فيها الجمال. وبإشباعها يستطيع الإنسان أنَّ يتخلّص من زحمة الأعمال وتراكم المسؤوليّات، وأن يصعد بنفسه إلى الأُفق العاطفيِّ الأشقر الرقراق، فينطلق في لحظاتٍ حالمةٍ من الزمن مع ملذّات نفسه المحلّلة، يستنشق خلالها ضياء الكون الكبير.
ومن هنا نستطيع أن نعرف بوضوحٍ أنَّ عدم إشباع هذه الغريزة الجماليّة في النفس يعني – بشكلٍ مباشر- الجديّة في العمل أكثر من المعتاد، والدوران في دائرة مفرغةٍ من المسؤوليّات والارتباطات، بحيث قد تؤثّر أثرها السيّئ على النفس وتُحدث فيها أمراضاً نفسيّة أو عقليّة غير محمودة العاقبة.
([1]) [تاريخ كتابة البحث] 13/3/1384- 23/7/1962 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
والأدب هو أهمّ وسيلةٍ لإشباع هذه الفطرة الجماليّة في النفس في حدود التعاليم الإسلاميّة.
فنحن إذ نريد أن نسقط من اعتبارنا أدوات اللذّة المفسدة التي تؤدّي إلى الدعارة والإخلال بالعقيدة والأخلاق، وإلى مخالفة قوانين الإسلام كالموسيقى والرقص والغناء، لا نجد بعد ذلك من أساليب إشباع هذا الذوق الحسّاس إلَّا أحد أمرين:
أحدهما: إشباعها عن طريق النظر المباشر إلى مباهج الطبيعة واستخلاص نقاط الجمال فيها، وهذا ما حثّ عليه الإسلام كثيراً كما في قوله عزّ وجلّ: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً}(1). على أن يدرك الفرد بوضوحٍ أنَّ ما يُدركه من جمال الكون هو من خلق وترتيب خالقٍ قادرٍ حكيم.
وثانيهما: هو الأدب. ومن الواضح أنَّ الأدب هو الأُسلوب الاجتماعي البنّاء الوحيد لإشباع هذه اللذّة.
وبهذا نكون نحن كمسلمين، في أشدّ الحاجة إلى إشباع غريزتنا الجماليّة عن طريق الأدب الإسلامي البنّاء.
ونعني بالأدب الإسلامي: كلّ أدبٍ احتوى على طريقةٍ معيّنةٍ في التصوير والتعبير تلذّ له الغريزة الجماليّة في الإنسان، إذا كان مقيّداً في الحدود
ــــــــ[68]ـــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 191.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
العامّة لتعاليم الإسلام، بمعنى: كونه متماشياً لما نهى الإسلام عن نشره في المجتمع من أفكارٍ فاسدةٍ منحرفة، وعقائد إلحاديّة، ومثيراتٍ للفتنة بين المسلمين، أو للشهوة المحرّمة في النفس. ويكون الأديب حرّاً في هذه الحدود العامّة في أن يكتب ما يشاء، ويتبع وحيه الأدبي إلى حيث يريد.
والذي ينبغي أن يلاحظ بهذا الصدد: أنَّ هذا ليس من الالتزام في الأدب في شيء. وإنَّما هو محاولةٌ بناّءةٌ من الإسلام في الرقيّ بالأدب نحو الأفضل وتنزيهه عن المفاسد والأدران، والاحتراس عن أن يكون أداةً هدّامة في المجتمع الإسلامي.
ويكون الأديب بعد ذلك، حرّاً في أن يتناول أيّ موضوعٍ يشاء، بأيّ أُسلوب يريد، وبأيّ مستوىً يهديه إليه فكره ويقوده إليه ذوقه.
أمّا الأدب الملتزم، فهو شيءٌ وراء ذلك. إنَّه تقيّد الأديب بأن لا يكتب إلَّا من خلال مذهبٍ معيّن، أو فكرةٍ معيّنة، وتجنيد الأدب للدعوة للمذهب والتبشير به، وأخذ المذهب بنظر الاعتبار في كلِّ نتاجٍ أدبيٍّ يصدر عن الأديب. ولا شكّ في أنَّ هذا النوع من الالتزام الأدبيّ يقيّد الحريّة الأدبيّة ويضع عليها من القيود أكثر ممّا تتحمّل وتطيق، مع أنَّ الأدب لا يزدهر ولا يأتي غضّاً جنيّاً ملذّاً إلَّا خلال الحريّة المطلقة، وإلَّا أصبح النتاج الأدبيّ جافّاً قاتماً متكلّفاً لا يحمل من الروح الأدبيّة الوقّادة والمشاعر الحسّاسة شيئاً، وبالتالي فهو ليس أدباً وإنَّما هو نوعٌ منحطٌّ من الكلام.
إذن، فينبغي أن نغلق باب الأدب الملتزم، ونقرأ على روحه الفاتحة؟!
ولكنّنا إذا استطعنا أن نتميّز بوضوحٍ مواطن الحريّة ومواطن التقييد في
ــــــــ[69]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
النتاج الأدبي، أمكننا أن نعرف أنَّ هناك بعض الحالات يكون فيها الأدب الملتزم هو مقتضى الانسياق مع الحريّة الأدبيّة المطلقة.
وذلك: أنَّ الحريّة التي يجب أن تتوفّر في الأدب إنَّما هي حرية العواطف في أن تأخذ مجراها الطبيعي، والإحساسات في أن تعبّر عن نفسها كما تشاء، والوحي الأدبي في أن ينزل كيف يريد؛ لكي يكون بذلك النصُّ الأدبيُّ نتاجاً أدبيّاً راقياً يهزّ النفس ويخاطب الضمير ويُشبع الذوق الأدبي الجمالي لدى النفس البشريّة، وليس لأحدٍ في حدود ذلك، ولا للأديب نفسه، أن يفرض أيّ حدٍّ أو قيد مقيتين على عواطفه ووحيه، ولا أن يغيّر من نتاجها شيئاً وإلَّا سقط نتاجه سقطةً مؤلمة لا قيام بعدها، وكان بذلك مخالفاً لقانون الحريّة الأدبيّة المطلق.
إذن، فالأديب مقيّدٌ بأن لا يقيّد الحريّة، وملزمٌ بأن لا يسير [إلَّا] على هداها ويستجيب لمتطلّباتها.
وعن هذا الطريق يبرز مقصودنا.
فإنَّ عواطف الأديب وأحاسيسه ووحيه الأدبي قد تتّجه في بعض الحالات اتّجاهاً تلقائيّاً نحو الدعوة إلى مذهبٍ معيّن والانتصار إلى فكرةٍ معيّنة، وذلك عندما يتشبّع الكيان النفسي للأديب بالمذهب ويتشرّب في عقله وضميره، ويقتنع اقتناعاً وجدانيّاً عميقاً بصحّة وجهة نظره، وضرورة نشره والدفاع عنه.
عندئذٍ وفي تلك اللحظة الحاسمة يكون مقتضى قانون الحريّة الأدبيّة هو أن يتقيّد الأديب بما يوحيه إليه ذوقه الأدبي وما تعجّ به عواطفه من أحاسيس وانفعالات، ولا يكون لأيّ أحدٍ – بما في ذلك الأديب نفسه- أن يضع أمام
ــــــــ[70]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
نتاجه أيّ نوعٍ من الحدود والقيود.
إذن، فالأديب الملتزم في مثل هذه الحالة، وعندما يكون الأديب ملتزماً بنفس طبعه الأدبي، يكون منسجماً مع الحريّة الأدبيّة المطلقة.
فإذا صحّ لدينا ذلك، عرفنا بوضوحٍ موقف الأديب الإسلامي من الأدب الملتزم؛ فإنَّ هذا الأديب بصفته مسلماً يعتنق الإسلام عقيدةً ونظاماً قد انصهر كيانه النفسي في بوتقته المقدّسة وتكوّن لديه ضميرٌ إسلاميٌّ مرهف، واستضاءت عواطفه وأحاسيسه وأفكاره بنور الإسلام، وأحلّ عقيدته المقدّسة جزءاً غالياً من نفسه، وفي عين الوقت يؤدّي حاجة الإسلام إلى النشر والتبليغ، وافتقار المجتمع الإنساني إلى تطبيق قوانينه العادلة واتّباع تعاليمه القويمة.
عندئذٍ لا شكّ تتّجه عواطفه وأحاسيسه بشكلٍ تلقائيٍّ لا شعوريّ، اتّجاهاً إسلاميّاً، ويصطبغ جميع نتاجه الأدبي بصبغة الإسلام، ويكون مقتضى الحريّة الأدبيّة حينئذٍ متابعة ما تفرضه عليه عواطفه وأحاسيسه من النهج الإسلاميّ السليم، وألَّا توضع أمامها الحدود والقيود.
وبهذا نعرف بوضوحٍ كيف أنَّ الإسلام بسيطرته الروحيّة العقائديّة الفعّالة على نفوس الأفراد في المجتمع الإسلامي، يستطيع أن يجعل من كلِّ أديبٍ فيه أديباً إسلاميّاً ملتزماً، التزاماً تلقائيّاً لا تقييد فيه ولا حدود، ينطلق بعواطفه وأحاسيسه مع ما يتطلّبه الإسلام من تعاليم، وما يتجّه إليه من أهداف.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وحين ننظر من زاويةٍ أُخرى، نجد أنَّ الداعية الإسلامي لا يستطيع امتثال أوامر الإسلام بنشره وتبليغه كما في قوله عزّ من قائل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ}(1) إلَّا بالأدب الإسلامي الملتزم.
فإنَّ على الداعية الإسلامي بحسب تعاليم الإسلام – وكما تنطق به هذه الآية أيضاً- مسؤوليّةً مزدوجةً في الدعوة إلى الإسلام:
إحداهما: مسؤوليّة المحافظة التامّة على تطبيق القانون الإسلامي في المجتمع المسلم، وعدم صدور المخالفات والمحرّمات الإسلاميّة من أيّ فردٍ من الأفراد، وهذه هي مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيتهما: مسؤوليّة الدعوة، دعوة غير المسلمين والمنحرفين عن الإسلام إلى الدخول في الإسلام واعتناقه عقيدةً ونظاماً؛ لكي يفوزوا بالمصالح الكبرى والكمال العظيم الذي أراده الإسلام لهم.
والإسلام دينٌ عالميٌّ موجّهٌ إلى البشر أجمعين؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم الصراط المستقيم. ومن ثَمَّ يتحمّل الداعية الإسلامي مسؤوليّةً كبرى عن نشر تعاليم الإسلام في سائر أقطار الأرض، وعرض ما في قوانين الإسلام من عدلٍ ورفاه، وما في عقيدة الإسلام من سكينةٍ واطمئنان، أمام أعين البشر أجمعين؛ لكي يتسنّى للداعية بشكلٍ مُرْضٍ، السير نحو الهدف الإسلامي الكبير، من نشره في العالم كلّه.
ــــــــ[72]ـــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 104.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
والداعية، في كلِّ هذه الأهداف الكبرى محتاجٌ إلى الأدب الملتزم؛ فإنَّ تبليغ الأحكام الإسلاميّة والدعوة إلى الدين الحنيف وعرض قوانينه العادلة لا يكون إلَّا بالكتابة والكلام، وكلٌّ منهما ينبغي أن يكون له أُسلوبٌ أدبيٌّ شيّقٌ ملذّ، تميل إليه النفوس وترضى به غريزة الجمال؛ لكي يكون دافعاً للأفراد إلى الإصغاء له والتأثّر به، ليستطيع الداعية أن يجني بذلك، من الثمرات الإسلاميّة، أضعاف ما يجنيه بالأُسلوب الجافّ من الكلام العديم العاطفة والحرارة والحياة.
وذلك لأنَّ الغالبيّة العظمى من البشر لا يميلون بطبعهم إلى البحوث النظريّة المعقّدة التي تحتاج إلى التأمّل والتفكير، وإنَّما يميلون بطبعهم وبما يحملون من فطرةٍ جماليّةٍ حسّاسة، إلى الأساليب السهلة الملذّة التي تنتشر عادةً على صفحات الصحف والمجلّات وفي الكتب الأدبيّة المبسّطة؛ وما ذلك إلَّا لأنَّهم يكرهون العناء الذهني، ويجدونه تعباً إضافيّاً فوق أتعابهم في الحياة، وإنَّما يريدون أن يمتّعوا نفوسهم بالنصوص السهلة الملذّة في لحظات راحتهم، تلك اللحظات الثمينة التي ينتزعونها من الزمن انتزاعاً. فيطالعها العامل بعد الفراغ من عمله، والموظَّف عند انتهاء دوامه، والتاجر عندما يريد أن ينتزع نفسه من مسؤوليّات المال، فيجد فيها كلُّ فردٍ منهم ما يُؤنس النفس ويبرّد الغليل، ويشبع حسّ النفس للجمال.
إذن، فلا يمكن أن يصل الداعية الإسلامي إلى ضمائر هؤلاء والتأثير على نفوسهم، إلَّا باستغلال هذا الطبع الذي يحملونه وانتهاج هذا الأُسلوب المبسّط، لإيصال صوت الإسلام إلى هؤلاء لكي يستطيع أن يجد أذناً صاغيةً في أكبر عددٍ من الناس، ويتمكّن من مسايرة البشر على مختلف المستويات.
ــــــــ[73]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فكما ينبغي نشر البحوث النظريّة عن الإسلام – لكن لا تخفى قواعده الرئيسيّة، وقوانينه بشكلهما العلمي المركّز عن كلِّ طالبٍ ووارد- ينبغي أيضاً أخذ الأُسلوب الأدبيّ السهل المبسّط بنظر الاعتبار.
ولكن ما هو الأدب الإسلاميّ الملتزم؟
ونحن بالطبع لا يمكن أن نُعطي للأدب تعريفاً محدّداً، وإنَّما صاحب الحقّ الوحيد في أن يعرّف الأدب هو الأدب نفسه، فهو الذي يعبّر عن نفسه ويعطي لها حقّ الحياة.
وإنَّما نستطيع أن نحمل فكرةً موجزةً عن الأدب الإسلاميّ الملتزم، إذا عرفنا أنَّ الداعية الإسلامي حين ينظر إلى المجتمع وما فيه من مشاكل وآلام، وما تسود فيه من تقاليد وأفكار، وما يتّصف فيه أفراده من مستوى في الثقافة والفكر، يعيش ذلك كلّه بحسّه وعقله ونفسه، ويمتزج به امتزاج الفاحص المتفهّم، ويكون له في حسّه الأدبيِّ خميرةٌ حيّةٌ ناضجةٌ تعجّ بالعاطفة والحياة.
عندئذٍ فقط يمسك القلم، لينطلق مع تيّار وحيه الأدبي إلى حيث يقوده في هذا الطريق، مصوّراً الواقع المؤلم على أنَّه مؤلم، وعارضاً للمشاكل على أساس كونها مشاكل تحتاج إلى الحلول القويّة الحاسمة، متطرّقاً في هذا الصدد إلى ما يضعه الإسلام من حلول، وما يقوله من تعاليم وإرشادات لكي ينشر العدل والرفاه في ربوع المجتمع الإنساني.
وممّا هو غنيٌّ عن البيان – بعد ذلك- لمن يعرف معنى النتاج الأدبي الصحيح، وما يمكن أن تتفجّر عنه روح الأديب من عواطف وأحاسيس، وبخاصّة بعد أن عرفنا أنَّ الأديب الإسلامي ملتزمٌ بطبعه، لا يجد في الالتزام
ــــــــ[74]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
حدّاً لحريّته الأدبيّة، غنيٌّ عن البيان أن نشير إلى [أنَّ] هذا الأدب الإسلامي يكون أدباً مليئاً بالحيويّة والإحساس، وملذّاً لغريزة الجمال في الإنسان كأحسن ما يكون الالتذاذ.
إنَّ هذا الأدب الإسلامي لن يعدو أن يكون مقالةً أدبيّةً ملذّة، أو قصيدةً رائعة، أو قصّةً أو أُقصوصةً جميلتين أو مسرحيّةً لطيفة، أو نقداً أدبيّاً أو اجتماعيّاً بنّاء، إلى غير ذلك من الأساليب التي يمكن للأديب أن يتّخذها في نتاجه الأدبي، مستجيباً في ذلك لما تمليه عليه أساليب أحاسيسه ووحيه.
كما لا يعدو الأُسلوب الأدبي أن يكون من الأدب الواقعي، أو الأدب الرمزي أو الأدب الساخر مثلاً، إلى غير ذلك من أساليب الأدب المتعدّدة.
وبالجملة ينبغي أن يأخذ الأديب الداعية الإسلامي حريّته المطلقة من هذه الناحية؛ لكي يستطيع أن ينتج للمجتمع الإسلامي نتاجاً أدبيّاً ملذّاً حسّاساً، وهو في عين الوقت نتاجٌ إسلاميٌّ عقائديٌّ توجيهيٌّ عظيم.
وممّا ينبغي معرفته والتأكيد عليه في هذا الصدد: أنَّ التأثير والإيحاء العاطفي اللاشعوري أقوى وأعمق بكثيرٍ من التأثير الشعوري. وعلى ذلك، فليس من اللازم على الأديب الداعية وهو ينتج أدباً إسلاميّاً، أن يركّز كلّ كلمةٍ من كلماته إلى الدعوة المباشرة، والمجابهة الشعوريّة الحادّة للقارئ؛ فإنَّ ذلك من شأن البحوث النظريّة العلميّة، لا من شأن الأدب الفيّاض بالحياة.
ــــــــ[75]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وإنَّما على الداعية الأديب حين يتناول موضوعاً أدبياً بالبحث، أو يبدأ بسرد قصّةٍ أو مسرحيّة، أو بوصف إحدى اللحظات الجميلة في الحياة، [أو] مقطوعةٍ شعريّةٍ رائعة، ليس عليه – في خلال ذلك- أن يتقيد بشيءٍ سوى الحدود الإسلاميّة العامّة، التي أشرنا إليها في الفقرة الثالثة من هذا البحث.
أمّا التأكيد على الدعوة إلى الإسلام والتنويه بما في قوانينه من عدالة، وما في امتثال أوامره ونواهيه من سعادةٍ وكمال، أمّا هذا كلّه فهو إنَّما يكون بالإيحاء اللاشعوري الذي يتضمّنه النصّ الأدبي الإسلامي؛ وذلك بجعل خاتمة المطاف نتيجةً إسلاميّة، أو جعل أحد أبطال القصّة أو المسرحيّة شخصاً إسلاميّاً، أو بحلِّ المشكلة الرئيسيّة في الموضوع على أساسٍ إسلامي، وذلك لا يستدعي في كثيرٍ من الحالات أكثر من إشارةٍ مختصرة، قد لا تعدو أن تكون بيتاً من قصيدة، أو فصلاً من قصّة، يُعرض بلباقةٍ وحسن أُسلوب.
ونستطيع بذلك أن نجد القارئ في النهاية مقتنعاً اقتناعاً لا شعوريّاً عميقاً وهو لا يزال متمثّلاً للجوّ الأدبي في النصّ الذي قرأه، بما للإسلام من فضلٍ في تذليل المصاعب وحلّ المشاكل العاطفية والاجتماعيّة التي عرضها النصّ الأدبي الإسلامي.
وهذه هي النتيجة الكبرى التي نتوخّاها من الأدب الإسلامي الملتزم.
ولقد كان الأدب الإسلامي الملتزم بحاجةٍ إلى أضعاف هذا الحديث؛ لكي نتفهّمه على وجهه الصحيح، ولكي نستزيد منه ما وسعنا أن نستزيد؛
ــــــــ[76]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
لمدى أهمّيّته البالغة في بناء المجتمع الإسلامي المنشود.
ولكن حسب هذا البحث أن يكون ذكرى، و{إِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(1)(2).
محمّد الصدر
ــــــــ[77]ـــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 55.
(2) نشر هذا المقال في العدد الأوّل والثاني من مجلّة الأضواء الإسلاميّة في السنة الخامسة، بتاريخ: 1384هـ -1964م.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[79]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كن أديباً كما يشاء الأدب ومسلماً كما يشاء الإسلام ثُمَّ اكتب ما شئت.
في لحظةٍ مِن أعقد لحظات المسلمين وأولاها بالعناية والاهتمام، وفي ساعةٍ افتقر فيها المسلمون إلى مَن يعرّفهم الإسلام ويرشدهم إلى هواه، سمعنا صوت الأخ الفاضل المجاهد السيّد محمّد بحر العلوم مرتفعاً يطالب الأُدباء المسلمين بأدبٍ إسلاميٍّ ملتزم، يتعهّدون فيه بتجنيد قواهم الأدبيّة وأقلامهم الحرّة التي تنبض بالحياة، في سبيل نشر الأفكار الإسلاميّة، وتفجير طاقاته بأُسلوبٍ رائعٍ جميل، وببسط فنّيٍّ سليم.
كانت هذه صيحة حقٍّ انطلقت من فم مخلصٍ قصد خدمة الإسلام وإبداء المشورة للمفكّرين المسلمين؛ لأجل أن يسعوا متكاتفين في سبيل إعلاء كلمة الإسلام وإطلاع الجماهير المسلمة بحقيقة دينهم، وما فيه من حقائق وطاقات. فكانت فكرةً رائعة، ومشروعاً فعّالاً للسير في هذا السبيل؛ لأنَّه أقصر الطرق وأسهلها لنيل هذه الغاية النبيلة.
ولكنّ الزمان تصرّم وطال سيره، وانقضى على تلك الدعوة أكثر من العام ونصف العام، ولم نرَ إلَّا الشيء القليل النادر ممّا دعا إليه حفظه الله تعالى؛
ــــــــ[81]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الاثنين: 20/2/1382هـ – 23/7/1962م (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ممّا دفعني إلى أن أُجدّد النداء وأكرّر على مسامع المسلمين تلك الكلمة، كلمة الحقّ.
إنَّ كلَّ مفكّرٍ إسلاميٍّ يعلم أنَّ الإسلام دينٌ عامٌّ شامل، خَاطَبَ البشريّة في كلِّ مكانٍ وزمان، فقد خاطب العامّة كما خاطب الخاصّة، وخاطب الجهلاء كما خاطب المثقّفين، وخاطب الفقراء كما خاطب الأغنياء، فليس من الصحيح إذن أن يقتصر المفكّر الإسلاميّ بالدعوة إلى دين الله على نفسه وخاصّته، بل إنَّ الواجب الإسلاميّ المقدّس يحتّم عليه أن ينشر الدعوة في كلِّ مكانٍ يوجد فيه مكلّفون باتّباع الأوامر الإسلاميّة.
إذن، فلابدَّ أن يصل صوت المفكّر الإسلامي إلى الجماهير وأن يهزّ نفوسهم، وأن يحملهم على العمل في سبيل دين الله القويم. يجب أن يفهم كلّ فردٍ منهم، ما في الإسلام من طاقاتٍ عظمى، وقوانين دقيقة، لابدَّ أن يفهم ذلك: التاجر في محلِّ تجارته، والتلميذ في مدرسته، والمعلِّم أثناء إلقاء محاضرته، والطبيب في عيادته، والموظّف في دائرته، ويجب أن يفهم ذلك: الفلّاح في حقله، والعامل في معمله، والنجّار والحدّاد والبنّاء وما إليهم، كلٌّ حسب حظّه من الثقافة والتفكير.
لابدَّ أن يفهم كلّ هؤلاء وغير هؤلاء، حقيقة دين الله الذي أنزله لعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم؛ ليستطيع المفكّر الإسلامي أن يدّعي لنفسه حينئذٍ أنَّه قد أدّى بعض ما تتطلّبه رسالته الإسلامية التي حملها على عاتقه بوصفه مفكّراً إسلاميّاً.
لابدَّ أن يفهم كلّ فردٍ من هؤلاء أنَّ الإسلام قد ساهم من قريبٍ أو من بعيدٍ مساهمةً فعليّةً وفعّالةً ببناء العمل الذي يحترفه، وأنَّه قد صعد بعمله هذا
ــــــــ[82]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلى أقصى مرتبةٍ يمكن أن يبلغها من الكمال، وأنَّ للإسلام رأياً صائباً وقانوناً عادلاً في كلِّ عملٍ يقوم به الإنسان، وأيّ قولٍ يقوله مهما كان تافهاً أو مهمّاً في أيّ مرفق من مرافق الحياة.
وهذا الفهم ليس هو الغاية القصوى في نفسه، بل هو دعوةٌ إلى العمل، ونداءٌ إلى تطبيق أوامر الإسلام.
إذن، فلابدَّ أن تحدث في نفس كلِّ فردٍ الحماسةُ الدينيّةُ اللازمةُ التي تدفعه إلى امتثال هذه التعاليم وتطبيق النظام الإسلاميّ في مجريات حياته وجزئيّات أعماله، فبدون هذه الحماسة لا يمكن أن ينبض لأحدٍ عرقٌ أو يخفق قلب، وهذه الحماسة لا يمكن أن تحدث أو تتأجّج إلَّا إذا شعر كلّ شخصٍ منهم أنَّ الإسلام حبيبٌ إلى نفسه، وجميلٌ في نظره، وأنَّه يوافق مصلحته ويطابق هوى نفسه، وإلَّا فإنَّ الشخص منهم ليس مستعدّاً إذا جدّ الجدّ وحانت ساعة العمل، والجماهير المسلمة على ما هي عليه في الحال الحاضر من الانحطاط الدينيّ والثقافيّ، ومن الأثرة وحبّ الذات، ليس مستعدّاً أن يضحّي بأيّ شيءٍ مهما كان تافهاً، في سبيل أمانٍ برّاقةٍ تشعُّ بأيدي جماعةٍ من المسلمين.
كيف إذن، يمكننا أن نصل إلى هذه الغاية النبيلة؟
إنَّ الإسلام بحرٌ لا يمكن أن ينضب معينه، لا أن يناله الجفاف من كثرة السقاية والشرب، وهو كفيلٌ بمصلحة هذه الجماهير بجميع أقوالها وأفعالها، وكفيلٌ بإصلاح نفوسهم وإسعاد قلوبهم لو تفهّموه وعقلوه. غاية الأمر أنَّ هذه الطاقات العالية والأفكار النيّرة مختزنةٌ في بطون الكتب الضخمة ضمن عباراتٍ مغلقة، وأوجه رأيٍ غامضة، جادت بها أفكار المختصّين بالبحث
ــــــــ[83]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
حول الفقه الإسلامي واستنباط شرائعه وأحكامه، وليس عليهم في ذلك من غضاضة؛ لأنَّه لابدَّ لكلِّ علمٍ من اصطلاحاتٍ وقواعد يسلك بها إلى النجاح طريقاً لاحباً.
ولكنّ هذا – بالطبع- ممّا لا يصلح للنشر أمام العامّة، ولا مما يتقبّله أذهان الجمهور، إذن فنحن – بكلِّ بساطة- لسنا بحاجةٍ إلَّا إلى إبراز هذه الكنوز إلى النور، وعرضها أمام الرأي العامّ بشكلٍ زاهٍ قشيب، يلفت الأنظار ويلذّ النفوس، بشكلٍ يوافق جميع المستويات ويماشي مختلف العقليّات، ليستطيع الإسلام أن يسير جنباً إلى جنبٍ، مع الآراء العالميّة الكبرى، وأن يفوقها بجدارته وحصافة رأيه في يومٍ من الأيّام.
وهنا تبرز أمامنا جليّةً واضحة، فائدةُ الأدب الإسلاميّ الملتزم، ومدى خدمته الفعّالة في مصلحة الإسلام والمسلمين، ولابدّ لنا في هذا المقام أن نقف لحظاتٍ لنتميّز معالم هذا الأدب الذي ندعو إليه.
بين يدينا هذه الجماهير، نراها لا تأنس إلَّا بهذا الأُسلوب السهل المبتذل، الذي تنشره المجلّات والصحف والكتب الصغيرة المبسّطة، وتنطق به الإذاعات ومحطّات التلفزة، مشفوعةً بالصور الخلّابة في أغلب الأحيان. ففي هذه الأساليب ما يريحها أثناء الاسترخاء، بعد الكدح من أجل الحياة، ويسلّيها بعد التفكير المضني، ويقتل وقتها بسهولةٍ ويسر. أمّا ما يبعث على التأمّل والتفكير، فهو يفقد هذه المميّزات ويدعو إلى التعب وبذل كميّةٍ من الطاقة الذهنيّة، إن كان في هذه الجماهير أفرادٌ تحاول أن تقرأه وأن تفهمه.
وقد كان هذا الأُسلوب السهل المبسّط، هو المسلك الرئيسيّ في الدعاية لمختلف المبادئ ووجهات النظر المادّيّة والإلحادية والاستعماريّة التي إنَّما
ــــــــ[84]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
تقصد الشرّ والدمار. فإذا كانت الجماهير بصفاء نفسها وخلوّ ضميرها، ترى أكاسرة الوحوش جميلةً خلّابة، بمجرّد صورة ملوّنة أو صوتٍ رقيق، فما أحرى ما أن ترى في الإسلام أضعاف ذلك الجمال إذا اتَّبع نفس الأُسلوب في دعوته.
قد يكون النتاج الأدبيّ(1) الذي قاله حسّان بن ثابت ودعبل الخزاعي والكميت دفاعاً عن شريعة سيّد المرسلين’ أدباً إسلامياً ملتزماً، حاولت نشرة الأضواء(2) المجاهدة أن تتّبع نفس أُسلوبه، وأن تنادي إلى الإسلام بنفس طريقته، ولكنّها – وياللأسف- كانت غافلةً أو أنَّها تغافلت عن أنَّ هؤلاء الشعراء إنَّما خاطبوا جماهير زمانهم، وتكلّموا معهم على الطريقة التي يفهمونها، وبالفكرة التي يسيغونها، وكانت هذه القصائد حينئذٍ مؤثّرةً وفعّالة، تحمل شحنةً موجبةً إسلاميّةً قويّة، وتغافلت عن أنَّ عليها أن تخاطب جماهير القرن الرابع عشر الهجري، وتتكلّم على طريقتهم وبالأُسلوب الذي يفهمونه ويلذّون له، كما كانت جماهير القرون الإسلاميّة الأُولى تفهم حسان ودعبل وتلذّ لهما؛ لتنال الأضواء مثل ما نالا من الإعجاب والإصغاء.
فقد أخذ الذهن البشري مساراً آخر، ولبس ثوباً مختلفاً تمام الاختلاف عن تلك الثياب، وقد أصبحت تلك الأشعار كنوزاً، وأصبحت أمثالها
ــــــــ[85]ـــــ
([1]) في هذا إشارةٌ إلى ما ذكره السيّد بحر العلوم (حفظه الله) تعالى في مقاله. راجع المقال في مجلّة النجف الغرّاء، العدد السابع، السنة الرابعة (منه+).
(2) وهي: مجلّة (الأضواء) التي تشرف عليها اللّجنة التوجيهيّة لجماعة العلماء، وكان صاحب الامتياز فيها: العلّامة المجاهد الشهيد الشيخ كاظم الحلفي+. وقد صدر العدد الأوّل منها بتاريخ: الجمعة 15/ذي الحجّة/1379 – 10/حزيران/1960.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
المستحدثة ممّا ينبو عنها الذوق وتمجّها الإذن، ولا يرغب الإنسان بالبدء بقرائتها، فضلاً عن أنَّه يستطيع إتمامها والاستفادة منها.
لن يفيدنا مقالٌ جامدٌ صلب، كأنَّه يشرح أعقد النظريّات العلميّة وأدقّها، معتمداً في الدعوة إلى دين الله القويم على تكرار كلمة الإسلام عدداً ربّما فاق العشر مرّات في المقال الواحد، ذاكراً أنَّه يدعو إلى السعادة والفوز في الدنيا والآخرة.
إنَّ الذي تدعو إليه هذه المقالات والكتب صحيح جدّاً، وهو مستمدٌّ من صميم الإسلام ومقتبسٌ من معينه الثرّ، ولكنّه لا يمكن أن ينفذ إلى ذهن الجماهير الذين ألقى الله تعالى هدايتهم بعد أنبيائه وأوصيائه عليهم الصلاة والسلام على هؤلاء المؤلّفين والكتّاب.
فعلى الكاتب الإسلامي اليوم إن كان يريد أن يشبع اندفاعه نحو الدعوة الإسلاميّة، وأن يرضي إخلاصه للإسلام، وأن يبرئ ذمّته من رسالة الإسلام الخالدة، عليه أن ينظر في صميم الحياة في الأوضاع العامّة والأوضاع الخاصّة، أن يجالس مختلف الطبقات ليطّلع على مستواهم الثقافيّ والفكريّ، وليتفهّم مشاكلهم ووجهات نظرهم، وأن ينزل إلى أغوار نفوسهم ليرى محتوياتها وما تزخر به من الآمٍ وآمال، وليشخّص في النهاية الأُسلوبَ الصحيح الذي يمكن أن يصل به صوته إلى قلوبهم ليهزّها ويحييها، ثُمَّ ليجلس بعد ذلك ليكتب أدباً فيّاضاً بالحياة جميلاً رائعاً تعشقه النفس وتلذّ له الأذن، فيكون بهذا قد عالج الواقع الإسلاميّ المتداعي من ناحية، وأوصل صوته إلى الجماهير المسلمة من ناحيةٍ أُخرى، وأنتج نتاجاً أدبيّاً بالمعنى الصحيح من ناحيةٍ ثالثة.
ــــــــ[86]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أرجو أن لا يُحمل هذا الكلام على الدعوة إلى سدّ باب البحوث الإسلاميّة الدقيقة والمقالات الفكريّة العميقة؛ فإنَّ كلا النوعين ضرورةٌ إسلاميّة لا محيص عنها في سبيل نشر الدعوة والتنويه بها، ولكنّ المخاطب بكلٍّ من النوعين غير المخاطب بالنوع الآخر، والغلط الفاحش يكمن في نشر المقالات الفكريّة في محلٍّ يقصد به إقناع الجماهير.
إذا وجد المفكّر الإسلاميّ حاجةً ورغبةً لأن يعرض الإسلام بجميع جوانبه وأفكاره على الجمهور المسلم، فلن تنفعه الدعوة عن طريق الأُسلوب التجريديّ الجافّ، بل عليه أن يسكب في إنتاجه روحاً ويجري في دمائه حياةً تجعله ثمرةً يانعة هي أهلٌ للاقتطاف.
وما على الأديب الذي يربأ بنفسه عن الأُسلوب المبتذل، ذلك الأُسلوب الذي يحتاج إلى كتّاب آخرين، إلَّا أنَّ يستجيب لنداء الأدب بجميع مستلزماته ومقوّماته، خيالاً وتصويراً وفكرةً وأُسلوباً، قصّةً كان النتاج أم قصيدةً أم مقالاً اجتماعيّاً أم أدبيّاً، وحتّى إن كان غزلاً أو وصفاً أو مديحاً أو رثاءً – مثلاً- وبعد أن يتمّ له النتاج وتتميّز معالم شخصيّته، يشير إشارةً يسيرةً في غضون كتابته أو قصيدته إلى موضع الإسلام من بحثه، ورأيه في المشكلة التي يعالجها أو الموضوع الذي يتناوله، هذه الإشارة كفيلةٌ بأن تحوّل النتاج إلى نتاجٍ إسلاميٍّ فيّاضٍ بالحياة، محبّبٍ إلى النفوس، ولن يجد الأديب أنَّه قد خسر أيّ شيء، بل إنَّه قد ربح ربحاً أبديّاً خالداً، حيث يأخذ الإسلام بيد أدبه إلى حيث المجد والخلود. وفي الدعوة الإسلاميّة القدرة والقابليّة على احتضان هذا الحقل من حقول المعرفة بين ذراعيها الحنون ضمن ما تحتضن من حقول المعرفة وحقول الحياة، ثُمَّ يكون النتاج عندئذٍ بحثاً إسلاميّاً تسيغه النفس بل
ــــــــ[87]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
تشتاق إليه ويقتنع به العقل، بل يُطلب منه المزيد.
ليس لي – بالطبع- أن أقترح على الأُدباء شيئاً، وما هي حدود تفكيري حتّى أملي عليهم الآراء، كما أنَّه لا ينبغي أن يقيّد الأدب بأيّ قيدٍ يخلّ بفعاليّاته؛ فإنَّه لا ينشط ولا يزدهر إلَّا تحت ظلّ الحريّة، والحريّة المطلقة، ولكنّه اقتراح رأيتُ أنَّه لا يخلّ بطبيعة الأدب الحرّة، كما أنّه من ناحيةٍ أُخرى نداءٌ مخلصٌ لنحصل على أدبٍ إسلاميٍّ مجيد، ولنوصل صوت الإسلام إلى الجماهير المسلمة المتعطّشة إلى معرفة الإسلام، وإلى امتثال أوامر الإسلام. والله وليّ التوفيق.
محمّد الصدر
ــــــــ[88]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[89]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أضفى جوّ الليل البهيم على هذه الغابة الكثيفة الشجراء، جوّاً أسود فاحماً، يوحي لما فيها من نبات وحيوان، بالوحشة والروعة، ويغيّر فيها ما كانت تعجّ به من أوجه نشاط الحياة أثناء النهار، يغيّره إلى نوعٍ من الصمت العميق والسكون الموحش الدفين.
فلم يعد يسمع خلال هذه الغابة المترامية الأطراف إلَّا ما تحدثه يد الأشجار من حفيفٍ خفيف، يلامس أوتار الأُذن برقّةٍ وفتور، عندما تلاعبها أنامل النسيم الهادئة، وإلَّا ما يُسمع من أجنحة طيور الليل، وهي تغادر مكامنها إلى حيث مطالب الرزق.
وإلَّا وقع أقدام وحشٍ هائم، لم يتطرّق النوم إلى عينيه من شدّة الجوع، فمشى خلال الليل البهيم باحثاً عمّا يسدّ به رمقه من ضعفاء الحيوان.
في هذا الليل وتحت أُفق هذا الجوّ الساكن، كانت تضطجع فوق العشب الوثير، وتحت مجموعةٍ ملتفّةٍ رائعةٍ من الأشجار الباسقة، لبوةٌ مريضة، تجمع حولها أشبالها، وتئنّ بين الحين والآخر من وطأة الألم، وتستوحي من ذلك الجوّ الهادئ الرهيب مزيداً من الوحشة والألم والكسل.
وكانت أوصال الألم تستشري في إهابها بنشاطٍ صامت، وتمشي بأعصابها بهمّةٍ هادئة، مستمدّةً من ذلك الليل البهيم حيويّةً متزايدة، ونشاطاً منقطع النظير.
ــــــــ[91]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الخميس: 23/10/1384 – 24/2/1965 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
آلام اللبوة تتزايد شيئاً فشيئاً، ولواعجها تثقل عليها باستمرار، وآهاتها وأنينها يزداد تتابعاً، ويتأكّد عمقاً. فمرّة ينطلق منها الزفير انطلاق المتفجّر الثائر، وأحياناً يخرج من بين أشداقها خروج اليائس الصامت. وهي بين الحالتين مستسلمةٌ إلى العشب لا تعرف ملجأً ولا تعلم دواء.
وإذ رأى أشبالها ما في أُمّهم [من] ألمٍ ممضّ، وما تعانيه من وحشةٍ وحسرة، وما تكابده من مرضٍ أليم، توجّهوا إليها بخشوعٍ وأدب، راجين منها أن تسمح لهم بالبحث لها عن طبيبٍ في أرجاء هذه الغابة الكبيرة؛ لعلّه يستطيع تشخيص دائها وتعيين دوائها، ويكون على يديه شفاؤها العاجل السريع، وإن استلزم الحال إيقاظه من نومه وإزعاجه في أحلامه.
وحين رأت الأُمّ الرؤوم مبلغ حنوّ أشبالها ولوعتهم عليها، شكرت لهم عواطفهم، وأثنت على حسن كرمهم، وأذنت لهم بالذهاب.
لم يغب الأشبال إلَّا برهةً من الزمن، جاؤوا بعدها ومعهم أرنبٌ عجوز، ينطّ بين العشب ببطءٍ وتثاقل، قد خالط النوم عينيه، وأزعج التعب رجليه.
واقتربوا منها، وانحنى الأرنب بأدبٍ واحترام، مسلّماً على اللبوة الأُمّ، فرحّبت به، وشكرت له سعيه، وأذنت له بالجلوس.
وإذ ضمّهم ذلك المجلس، ابتدر أكبر أبنائها بالكلام، محاولاً تعريف هذا الضيف القادم لأُمّه، فذكر أنَّه أرنبٌ صالح، معروفٌ بالتقوى والورع، وبطهارة النفس وصفاء الضمير، إلى جانب دقّةٍ في النظر، وسعةٍ في التفكير، واطّلاعٍ واسع على علوم الطبّ.
وطلب هذا الشبل من أُمّه أن تسمح للطبيب أن يشخّص ما بها من داء، ويعيّن ما تشكوه من آلام؛ لعلّه أن يصف لها الدواء الناجع الصحيح.
ــــــــ[92]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وبعد أن جسّ الأرنب نبضها ونظر إلى لسانها، واستمع إلى دقّات قلبها، انسحب بهدوء، وجلس مرةً أُخرى في مكانه الأوّل. ثُمَّ تأوّه آهةً صغيرةً تحمل ما يريد أن يبديه تجاه هذه اللبوة المريضة من شفقةٍ ورحمة.
ثُمَّ قال لها: إنَّك يا سيّدتي في صحّةٍ وعافيةٍ ولا داء فيك، ولا يحتوي جسمك على تشنّج أو التهاب أو اضطراب، وإنَّما الذي تحسّينه وتشكين منه، إن سمحت لي بذكره، إنَّما هو خمولٌ أصابك، وكسلٌ ألمَّ بكِ منذ أيّام، منعكِ عن ممارسة نشاطك الاعتيادي في الحياة، وأدّى بك إلى عدم تناول المقدار الطبيعي لك من الطعام والشراب، فأنتجَ ما تجدينه من ألمٍ ووحشة.
وإنّي سوف لن أصف لك دواءً تستعملينه، ولا عقّاراً تصنعينه، وإنَّما الذي أعتقده أنَّ أنجع الأدوية بالنسبة إليك هو أن تقومي بنفسك، شيئاً فشيئاً بفعاليات الحياة، وتباشري عملك الطبيعي فيها، وتقومي بما تتطلّبه منك من واجبات، وما لك عندها من حقوق.
واتّبعي أحسن الطرق التي توصلك إلى حقوقك والقيام بواجباتك؛ لكي تستطيعي أن تتناولي من ثمار جهدك التي تغرسينها بيدك، فاكهةً شهيّةً ناضجة، لا يشوبها ألم، ولا تختلط بها حسرةٌ ووحشة.
وإنّي أعدك، أنَّك بمجرّد أن تذوقي الثمار الشهيّة التي تقطفينها من بساتين عملك، فإنَّ داءك سوف يزول، وستبرئين تماماً من هذه الشكاة.
ما إن سمعت اللبوة من الأرنب الطبيب هذا الكلام، حتّى تغيّر وجهها عليه، ولاعبت ملامحها مسحةٌ من العبوس والاشمئزاز.
ثُمَّ قالت له: دع عنك فلسفتك هذه جانباً، كيف تنصحني بالحركة وممارسة النشاط، وأنت على ما تراني عليه من المرض والذبول؟
ــــــــ[93]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فأجابها الأرنب: إنَّني قد أدّيتُ لكِ النصيحة، وقمت بالواجب أمام ربّي وضميري، ولك فيما قلتُ مِن الشفاء ما تطلبين لو كنت تعلمين.
فقالت له بحدّة وعبوس: اذهب فقد خالط الشيب عقلك أيَّها الأرنب العجوز. وحاولت أن تضربه بمخالبها ولكنّها لم تقوَ على القيام، وفرّ الأرنب من بين يديها هارباً.
بقيت اللبوة عندئذٍ تئنّ تحت ضغط الألم الثقيل وتتقلّب على فراش المرض الأليم في ذلك الليل الموحش الرهيب، تقتات من آلامها مرّ الطعام وتتجرّع من وحشتها أكؤس العلقم والصاب، وازداد وجد الأشبال على أُمّهم الطريحة، وتضاعفت لوعتهم على ما تعاني من ألمٍ وحسرة. واستأذنوها بعد برهةٍ صغيرةٍ للتجوّل في هذه الغابة المظلمة مرّةً أُخرى لعلّهم أن يجدوا طبيباً آخر أبعد نظراً وأعمق فكراً من ذلك الأرنب العجوز، لعلّه أن يوفّق إلى الإسراع بها إلى أملها الكبير في الشفاء العاجل الجميل.
وجاس الأشبال مرّةً أُخرى خلال الغابة الشجراء، باحثين بما أُوتوا من خبرةٍ وجهد عن طبيبٍ جديد.
ولم يمرّ على اللبوة زمانٌ طويل، إلَّا ورأت أشبالها عائدين، وبصحبتهم ثعلبٌ شابٌّ قويّ، تقفز من عينيه علائم المكر والدهاء، وتنطق حركاته بالحيويّة والنشاط، وتدلّ ملامحه على ما في نفسه من نزوات الشباب.
واقتربوا منها، وأقعى الثعلب عن قرب، وأبدى تحيّةً مقتضبةً باحترامٍ للّبوة المريضة، ثُمَّ استأذنها بمباشرة أعماله كطبيب، فأذنت له.
أطال الثعلب الفحص، وقلَّب المريضة ظهراً لبطن، وتأكّد في فحصه عدّة مرّات، وكان بين الفينة والفينة، يفتر عن الفحص؛ ليفكّر ويتدبّر.
ــــــــ[94]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وعندما انتهى، رفع رأسه بدهاء ومكر، وهزّ رأسه هزّةً خفيفة، توحي للّبوة أنَّه مشفقٌ عليها رحيمٌ بها، ثُمَّ ابتدرها بالكلام قائلاً:
إنَّني آسف، إذ أخبرك أنَّ بدنك محتوٍ على عدد من الأمراض الجسيمة، والعلل الخطيرة، من اضطرابٍ في القلب وتضخّمٍ في الكبد وقرحةٍ في المعدة، وهذه الأمراض تحتاج إلى طول في العلاج، وكثرةٍ في الدواء، وإلى إنفاق زمانٍ طويلٍ في النوم المريح الخالي من ممارسة أيّ نشاط.
وإنَّه ينبغي لكِ أن لا تفكّري في شؤون الحياة، وأن لا تحملي بين جنبيك همومها وآلامها وتتعبي على تحصيل لقمة العيش فيها، وإنَّما دعي ذلك إلى أشبالك الكرام، الساهرين على راحتك وحسن مداراتك.
وإنَّني واصفٌ لك بعض الأدوية المساعدة لكِ في شفائك، والموصلة إليكِ صحّتكِ، بأسرع وقتٍ وأسهل طريق، وإنَّي سوف أتعهّدك بين الفينة والفينة بالزيارة والفحص والإرشاد.
وبعد أن كتب لها قائمة الأدوية في ورقة، ودّعها بحفاوةٍ وإكرام، وذهب إلى حال سبيله.
ومن ثَمَّ تصدّى الأشبال إلى تحصيل الدواء وجمعه من أطراف الغابة، واستخلاصه من النباتات المتعدّدة والمعادن المختلفة. وأنفقوا في ذلك وقتاً طويلاً، حتّى كادت الشمس أن ترسل أشعّتها الدافئة بعد ذلك الليل البهيم، على أشجار الغابة الباسقة؛ لتكسوها روعةً وجمالاً، وتجعلها سرّاً وفتنةً للناظرين.
عاد الأشبال بعد ذلك العناء الطويل إلى أُمّهم الطريحة، ليقدّموا لها الدواء الذي أحضروه، فوجدوا أنَّ حالها قد ساء، وصحّتها قد تنازلت، وقد استشرى بها المرض أكثر فأكثر، فسلّموا عليها بأدبٍ واحترام، ونظروا إليها
ــــــــ[95]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بحسرةٍ وألم، وأسرعوا بإعطائها شيئاً من الدواء الذي حملوه.
وتناولت اللبوة الدواء، ثُمَّ التفتت إليهم، وحاولت جاهدة أن تغتصب من بين آهاتها المتواصلة، وقتاً كافياً لأن تقول: آه، لو كنت قد أطعت الأرنب العجوز، ومارست حقّي في الحياة، شيئاً فشيئاً منذ المساء السابق، إذن لم أكن لأصل إلى هذا الموقف الأليم.
ولو كنت قد سلكت الطريقة الفضلى في الحياة، ومارست حقوقي وواجباتي باتّزان لما وصلت إلى هذه النتيجة الرهيبة، ولانقشعت عنّي حجب الوحشة، وانزاح عنّي الألم إلى غير رجعة.
فإنَّ النشاط الدائب البنّاء، في سبيل تطبيق منهج الحياة القويم، والوصول إلى ثماره الناضجة الشهيّة، بكدّ اليمين وعرق الجبين، خيرٌ على كلّ حال، من الاستسلام إلى الكسل، والإعراض عمّا تعجّ به الحياة من حقوقٍ وواجبات، والاكتفاء بشرب الدواء بوحشةٍ وحسرة، على فراش المرض الرهيب.
وليس هذا الدواء الذي تجرّعته الآن، بمشورة ذلك الثعلب الماكر، إلَّا الطريق المحتوم إلى الهلاك، وإلى مغادرة الحياة، فقد أخطأ تشخيص الداء ووصف الدواء، وما أظنني إلَّا مفارقتكم بعد قليل.
ونصيحتي الأخيرة إليكم: أنَّكم إذا مرضتم يا أشبالي الأعزّاء في يوم من الأيَّام، فارجعوا إلى ذلك الأرنب العجوز، أو إلى مَن يسير على شاكلته في العمل والتفكير، وحذار أن يخطر في أذهانكم الرجوع إلى مثل ذلك الثعلب الماكر الشرّير.
ــــــــ[96]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[97]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هناك في طرفٍ من أطراف هذه الصحراء القاحلة المترامية الأطراف، التي تنعب فيها البوم وتعوي فيها الثعالب والذئاب، وتشرق عليها شمس الضحى فتحيل حصباءها إلى جمارٍ لاهبة، وأحجارٍ متّقدةٍ تقتل الطير وتمنع السير… في أحد أطرافها جبلٌ صغيرٌ مطلٌّ على شعبةٍ من شعب الصحراء، مخضوضرة الجناب بتلك الخضرة الصحراويّة اليابسة والنباتات الشوكيّة المحدّدة.
قد رقدتْ في بعض ظلاله وفي كهفٍ من كهوفه، ضبيةٌ نحيفةٌ بادية الشحوب متغيّرة اللون، تشكو منذ الأمس ألماً ألمّ بها، وداءً حلّ بإهابها وأخذ بمجامع نفسها، فكانت راقدةً بهدوءٍ مستسلمةً إلى أنغام الألم، وهي تسري في إهابها الغضّ، وتعتصر بأصابعها القويّة منها القلب والأمعاء. وكانت تستوحي من سكون الصحراء ووحشتها ورهبتها ما يضاعف عليها آلامها ويعطي المرض نشاطاً ملحوظاً وغلياناً محسوساً. كما كانت تحسّ من لفح الهجير وقلّة الزاد والماء، ما يزيد قوّتها ضعفاً وجسمها نحولاً ولونها شحوباً.
ولم يكن يمكنها أن تأنس بشيءٍ أو تجد السلو عن آلامها بأيّ أمل، لولا وجود ابنيها الضبيين الشابّين اليافعين، اللذين بدآ استقبال الحياة بأملٍ واسع، وصدرٍ منفتحٍ ونشاطٍ دائب. وكان أحدهما أشدّ قلباً وأمضى إرادةً وأوسع
ــــــــ[99]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الأحد: 10/1/1386- 1/5/1966 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أملاً، وكان الآخر أكثر هدوءاً وأرقّ قلباً وأبعد نظراً. وكان يدعى الأوّل منها (رائداً) والآخر (مريداً).
ولم يكن لهما من العمل في ذلك الحين، إلَّا السهر على راحة أُمّهما والعمل عل تمريضها، والجدّ في سبيل قضاء حوائجها والقيام بمتطلّباتها … وبعد أن مضى يومٌ كاملٌ من حين استقبلت أُمّهما هذا الضيف الثقيل والمرض الشديد، في زمنٍ لم تذق فيه طعم الراحة ولون النوم … لم يكن لهذين الولدين من بدٍّ سوى أن يرجوا أُمّهما بأن يُحضرا لها الطبيب؛ لعلّ الصحّة طوع بنانه، والشفاء ملك يديه، ولم يكن للأُمّ بدٌّ أيضاً سوى الرضا والتسليم لهذا الاقتراح الشفيق … ونزلت الفكرة إلى حيّز العمل والتنفيذ.
… بقي مريدٌ مع أُمّه الطريحة يرعى شؤونها ويكفل لها مصالحها، وذهب رائدٌ بنشاطه المتحفّز وإرادته المنطلقة، يبحث في أرجاء الصحراء عن الطبيب … وبعد لأيٍ وجهدٍ، وجد ثعلباً عجوزاً بادي النحول يطلّ الذكاء ويقفز الدهاء من وراء نظّارتيه السميكتين، قد اشتهر بين أصحابه بالحذق في علوم الطبّ، والبراعة في وصف الدواء … وانفتح برؤيته أمام رائد بابٌ من الأمل الجديد، وتكلّل جهده بالنجاح.
قابل رائدٌ الثعلبَ بابتسامةٍ جميلةٍ تصحبها تحيّةٌ لطيفة، حاول أن يضمّنها أكبر ما يستطيع من المجاملة والتودّد أمام هذا الثعلب الجافي العجوز… ورجاه بلطفٍ أن يذهب بصحبته لعيادة أُمّه الطريحة التي تأكل إهابها الأمراض وتسري في أعصابها الآلام، المستلقية في ذلك الطرف من الصحراء.
ولم يكن من الثعلب إلَّا أن ابتسم بخبثٍ وبشكلٍ باهت مقتضب، وأوجد هزّةً خفيفةً في رأسه، وتمتم بين شفتيه: إنَّني على استعدادٍ للذهاب
ــــــــ[100]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
معك، إذا جعلت أُجرتي دجاجتين كاملتين.
… ابتلع رائدٌ ريقه من مثل هذا الجفاء، ومن هذا الطلب الثقيل، من أين يستطيع إحضار دجاجتين ليشبع بهما نهم هذا الثعلب الماكر؟ … إلَّا أنَّه مضطرّ … وما حيلة المضطرّ إلَّا ركوبها …
إنَّ أُمّه تنتظره قيد الفراش على أحرّ من الجمر … وليس من الصحيح أن يستمرّ بها المرض أكثر ممّا هو عليه الآن … كما أنَّه ليس من المؤكّد أنَّ في استطاعته الحصول على طبيبٍ آخر لو رفض المعاملة مع هذا الثعلب الطبيب … أمّا الدجاجتان … فسوف تحضران … مادام في بدنه نشاط، وفي قلبه عزمٌ وإرادة.
ومن ثَمَّ حاول إبقاء ارتسام الابتسامة على شفتيه … وتدحرجت من فيه كلمةٌ واحدةٌ هي: نعم.
… ولم تمض برهةٌ إلَّا وقد صارا بين يدي الأُمّ المريضة … ولاحظها ولدها وقد ازداد شحوبها وتتابع أنينها، وصعب وقع الحرّ على بدنها، وإذ دخلا أبدى الثعلب تحيّةً مقتضبة، أجابه عليها (مريد) الضبي المجاور لأُمّه إجابةً خفيفةً مع ابتسامةٍ صغيرة، وتمتمت الأُمّ صوتاً خافتاً يشبه الأنين.
وإذ انتهى من الفحص جلس الثعلب .. واستعدّ للكلام، وأصبح الولدان آذاناً واعية لتلقّي ما سوف يقول. فذكر لهما بلهجةٍ حازمةٍ أنَّ أُمّهما تشكو التهاباً في الأمعاء، وأنَّ عنده دواءً ناجعاً لذلك. ثُمَّ التفت إلى رائد وأردف بحزم: إنَّني سوف أحضر لأُمّك هذا الدواء، بشرط أن أجد الدجاجتين جاهزتين عند رجوعي إلى هنا … ولم يكن لرائد من بدٍّ إلَّا أن جمع شتات بأسه وإرادته، وأجابه بصوت واثق: كن مطمئنّاً يا دكتور.
ــــــــ[101]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وإذ يذهب الطبيب، يلتفت مريدٌ نحو رائد مؤنّباً قائلاً: ما هذا الشرط الذي تورطّتَ به مع هذا الثعلب الماكر، وكيف يمكنك إحضار الدجاج له، وهل يوجد في هذه الصحراء على سعتها أيّ أثرٍ للدجاج؟
… وفهم رائد أنَّه لابدَّ أن يقف من القضيّة موقف الحازم الجادّ، وأن يلتزم بالشرط الذي قطعه على نفسه إلى نهاية الشوط، وليكن في سبيل ذلك ما يكون ومن ثَمَّ … فقد أجاب أخاه بكلّ حزمٍ وتأكيد: لم يكن من ذلك بدّ، لم يكن من الإنصاف أن ندَع أُمّنا تهلك تحت وطأتي السقام والهجير، مهما غلا الثمن. وسوف أُحضر له الدجاج على أيّ حال.
فقال مريد: ألم يكن من الممكن أن تتّفق معه على أيّ شرطٍ آخر أقرب منالاً وأسهل حصولاً؟
فقال رائد: لم يكن الموقف يسمح بذلك، ولم يكن الثعلب متقبّلاً للمناقشة والجدل، وعلى كلِّ حال، فإنَّني الآن ذاهبٌ للبحث عن الدجاج، لإحضاره قبل مجيئه بالدواء .. وابق أنت مع أُمّنا في الانتظار.
ومضت ساعةٌ من الوقت، بطيئة السير، شاحبة الظلال.. ظهر بعدها الثعلب العجوز، وهو يحمل قنّينة الدواء، ويجرّ قدميه نحو الكهف ببطء وتثاقل، وإذ وصل إليهم لم يُلقِ من التحيّة إلَّا شيئاً قليلاً … راح بعدها يتلفّت حواليه بدهشةٍ وانزعاج، ويدير برأسه في أرجاء المكان … وفي لحظةٍ نطّت الكلمات من فيه بحدّة وحرارة، نحو مريد: أين الدجاجتان، ألم يأت بهما أخوك؟
فأجابه مريدٌ باستسلام: لقد ذهب ليُحضرهما، فصاح الثعلب الماكر: على أيّ حال.. لن تشرب أُمّك هذا الدواء، قبل إحضار الدجاجتين، فهزّ
ــــــــ[102]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مريدٌ رأسه مستسلماً وقال وهو يحمل نفسه على الهدوء: لعلّه يأتي عن قريب. فردّ الثعلب بنفس اللهجة: إذن سأنتظره، وسأبقى هنا حارساً لدوائي إلى حين مجيئه.
ومضت ساعة أُخرى ثقيلة الأقدام شاردة الذهن … واهية القوى … بين التوجّس والأمل … ظهر بعدها رائد يشتدّ في سيره راكضاً في قلب الصحراء، ولم يزل يقترب شيئاً فشيئاً حتّى استطاع الحاضرون أن يروا بوضوح أنَّه لا يحمل أيّ شيء، وأنَّ أمارات الحزن والخيبة قد انطبعت على محيّاه، بالإضافة إلى خطوط التعب والإرهاق.
وهنا صرّ الثعلب بأسنانه وهزّ رأسه بعنفٍ قائلاً: يا له من خائن.. وحين حاول مريدٌ أن يجمع ما تبعثر من تفكيره وقوّته علّه يستطيع الجواب .. دخل رائدٌ وهو يلهث من التعب فألقى على أُمّه التحيّة، بشكلٍ متهدّج لاهث، وسأل عن تطوّر حالها باقتضاب .. وهو يرى نظرات الثعلب تعاجله الكلام، فقال: إنَّني جلت في طول الصحراء وعرضها، فلم أجد للدجاج أيّ عينٍ أو أثر، فلو تفضّل الدكتور بالرضاء بأيّ شيءٍ آخر يقترحه، لكان حسناً.
إلَّا أنَّ الثعلب صرّ على أسنانه من جديد، ونظر إلى رائد شزراً وقال: ما أخونَك من ضبي.. ألم تقدّر موقفك من أوّل الأمر، إنَّني لا أعدل بالدجاج شيئاً ولا أرضى به بدلاً، يكفيك أنَّني قنعت منك باثنتين، وصحبتك إلى أُمّك قبل استلامها، ثُمَّ هزّ رأسه وأردف قائلاً: أمّا الآن فإنَّي أُريدهما كأُجرةٍ على الفحص، ولن تشرب أُمّك هذا الدواء ما لم تحضرهما.
وتفصّد رائد عرقاً، ولم يحر جواباً، واستسلم في صمت، وبادله أخوه نظرات العتاب واللوم .. وساد المكان صمتٌ موحش في انتظار ما يأتي به
ــــــــ[103]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
المستقبل من حوادث وحلول.
واستمرّ هذا الصمت برهة، صاخب العواطف، متصارع الأفكار.. نطق بعدها الثعلب قائلاً: ما هذا الصمت؟ هل سوف تغمطون عليّ حقّي وتأكلون أجري، لن يكون هذا أبداً. امض بنا أيّها الخشف، إلى الأسد سيّد الغاب، لأحاكمك لديه وأرى نظره فيك. وفي غمرة وقع الصدمة وقوّة الدهشة في ذهن هذين الولدين الشابّين اليافعين، لم يجد رائد بدّاً من أن يستردّ قوّته ويجمع شظايا نشاطه وينادي بمجامع نفسه نحو العمل والإرادة؛ إذ الأمر أمره، ويجب أن يتعهّد به إلى آخر المطاف.
وهنا نظر رائد في عيني الثعلب بقوّةٍ وعزم، قائلاً بكلِّ إصرار: قبلت تحدّيك.. هيا بنا إليه.. أمّا أنت يا أخي فابق مع أُمّنا حتّى أرجع إليكم، إلَّا أنَّ مريد أجاب بإصرار: إنَّني سأذهب معك لأراقب تطوّرات الموقف، أمّا أُمّنا فسندعها في كنف رحمة خالقها العظيم، وما عليها من بأس.
وبعد أن استأذن الضبيان أُمّهما وودّعاها.. خرج الثلاثة قاصدين الغابة البعيدة التي تحدّ الصحراء من إحدى جوانبها. وبعد لأيٍ وصلوا إلى الغابة وفحصوا عن عرين الأسد حتّى وجدوه، فاستأذنوا ودخلوا، فوجدوه جالساً قد أحاط به جمعٌ من أنواع الحيوان.
وإذ دخلوا عليه، وحيّوا الأسد بأدبٍ واحترام، وأجابهم بابتسامةٍ هادئةٍ طبعها على شدقيه، تقدّم الثعلب الطبيب نحو الأسد، فشرح له ظلامته، وطلب منه إمّا إلزام الضبي بإحضار الدجاجتين، أو معاقبته بالشكل الذي يقتضيه النظام.
… وبعد أن انتهى الثعلب من كلامه، أمره الأسد بالتنحّي إلى أحد
ــــــــ[104]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الجوانب، والتفت إلى رائد وطلب منه أن يقول ما عنده، فذكر للأسد أنَّه بحث عن الدجاج فلم يجده، ولو كان قد وجده لكان قد أعطاه للثعلب، ولشربت أُمّه الدواء.
… استمع الحاضرون إلى كلام الخصمين.. وأصبح الجميع بانتظار الكلمة النهائيّة التي تصدر عن الأسد في سبيل تذليل هذه العقبة وردّ الحقّ إلى نصابه.
إلَّا أنَّه لم يكن من الأسد، بعد أن سمع كلام رائد، إلَّا أن رسم على شفتيه ابتسامةً خفيفة، وقال: الأمر سهل يا بنيّ، تستطيع أن تحصل على الدجاج من بعض بيوت الفلّاحين الموجودة في الطرف الآخر من الغابة.
ارتاح الثعلب الطبيب وحرّك أُذنيه، وصمت الحاضرون، وبقي الضبيان الأخوان جامدين في مكانهما، وقد ذهب بكلٍّ منهما عاصفةٌ من التفكير… إلَّا أنَّ أرنباً من الحاضرين لم تُرق له فكرة الأسد، ولم يستصوب نظره، فتقدّم بين يديه بخضوعٍ وأدب، واستأذن في الكلام، وبعد أن سمع الإذن، تنحنح الأرنب وقال: سيّدي، إنَّ أداء الحقّ لأحدٍ لا يكون بغمط حقّ الآخرين، وليس صحيحاً أن يسرق هذا الضبي دجاجاً ليجعله أُجرةً للطبيب … وحملق الأسد في هذا الأرنب الجريء ونظر إليه شزراً، وقال: إنَّ نظامنا وتقاليدنا في هذه الغابة تجيز ذلك، وما المانع أن نحكم على طبق النظام… ورفع إذ ذاك يده لكي يضرب الأرنب بمخلبه، إلَّا أنَّ الأرنب نطّ من بين يديه وأسرع بالهرب والاختفاء.
أمّا رائد فقد قال بعزمه ونشاطه المعهود: حقّاً تقول أيّها السيّد العظيم، وسأسلّم للثعلب حقّه بعد قليل، فلينتظرني قريباً من العرين.. ثُمَّ انحنى
ــــــــ[105]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بأدبٍ وودّع باختصارٍ وأسرع بالخروج. واضطرّ أخوه أن يجري وراءه لكي يعرف وجهته.
وحين صارا في أكناف الغابة، ناداه قائلاً: إلى أين تذهب يا رائد، أليس من الأفضل أن تصطاد من هذه الغابة بعض الدجاج الوحشي وتذهب به إلى الثعلب، فإنَّه خير لك من السرقة التي لا تعرف عواقبها، وليس لك في بيوت الفلّاحين خبرةٌ مسبقة، إلَّا أنَّ رائداً أجابه بعزم وإصرار: ليس في هذه السرقة أيّ ظلمٍ بعد أن أجازها النظام وأمر بها سيّد الغاب، وأمّا بيوت الفلّاحين فسوف احتال لها وأترصّد عليها، حتّى نظفر بالنتيجة بأقرب وقتٍ وأسهل طريق، فقال مريد بلهجة اليائس: افعل ما شئت أمّا أنا فلن أعينك في شيء، سوف أنتظرك خارج البيوت.. وادخل أنت إلى حظائر الدجاج.
.. وكان الطريق قد وصل بهم في ذلك الحين إلى قرب تلك البيوت، فقبع مريدٌ في زاوية تكشف له عن تحرّكات أخيه… أمّا رائد فقد أمعن النظر والفحص في مجموعة من البيوت، ولم تمض إلَّا برهة، قفز بعدها إلى داخل بيتٍ رآه يحتوي على حظيرة للدجاج.
… انتشر لهذه القفزة صوتٌ عالٍ، جلجل في الهواء، ووصل إلى مسامع مريد وهو قابع في زاويته، فوضع يده على مجامع قلبه وهزّ رأسه بصمت، ولم يلبث أن رأى سكّان البيت وقد خرجوا للبحث عن مصدر الصوت.. فوجدوا ضبياً قد ألقى بنفسه في حضائرهم.. يا للعجب.. إنَّه ضبيٌ شابٌّ يانع، يصلح لحمه لأنواع من المطبوخات .. ويكفي الأُسرة لعدّة أيّام.
ورأى مريد يد أحدهم تصوّب نحوه شيئاً وتطلق عليه منه قذيفةً من نار، ويقع رائد على الأرض قتيلاً … وتُقبل الأُسرة بفرحٍ ونهم؛ لكي تجرّ
ــــــــ[106]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الفريسة الباردة إلى داخل الدار.
شاهد مريد كلّ هذا بحرقةٍ وصمت.. ثُمَّ هزّ رأسه بأسف، وانطلق يعدو نحو أُمّه ووصلها بعد برهةٍ من الزمان، فوجدها لا زالت لاصقةً بالأرض.. وهي على أحرّ من الجمر، بانتظار معرفة مصير ولديها العزيزين. ودخل مريدٌ كاسف البال يبدو عليه آثار الحزن والتعب.. وإذ رأته الأُمّ وحده على هذه الحالة، شعرت بأنَّ وراءه ما يسوء.. فأحفته(1) السؤال عن أخيه. فشرح لها تمام ما وقع باقتضاب، وأضاف بلهجةٍ يختلط فيها الحزن بالعزم والإيمان: لقد قلت له ودللته على الحقّ، إلَّا أنَّه لم يرد لنفسه إلَّا ذلك.
فأجابت الأُمّ بشيءٍ من الارتياح: مَن ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق.
ــــــــ[107]ـــــ
(1) أي: بالغت في السؤال. راجع لسان العرب 14: 187، فصل الحاء المهملة.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[109]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الاهتمام بادٍ على وجه هذا الرجل الأعرج، وعلامات الجدّ والتوثّب باديةٌ على أساريره، وانساقت الكلمات من بين شفتيه حارّةً مؤثّرة.
– منعتموني الخروج إلى بدر، فلا تمنعوني الخروج إلى أُحد.
إلَّا أنَّ قومه يبقون على الإصرار الثقيل:
– أنت رجلٌ أعرج، ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبيّ’، وفي شهادة أولادك ما يكفيك.
– بَخٍّ، أيذهب أولادي إلى الجنّة، وأنا أجلس عندكم؟
ويبادر باهتمامه الثوريّ المؤمن، ليأخذ الطريق إلى حيث توجد (درقته) ليلبسها استعداداً للجهاد المقدّس، متمتماً بخشوع:
– اللهمّ لا تردّني إلى أهلي خائباً.
ويستمرّ قومه على إصرارهم الثقيل، فتبعوه بخطواتٍ قاتمة، ليقعدوه، وليفلّوا من عزمه، ويفتّتوا إخلاصه. ولكنه يواجه هذا التيّار صامداً مخلصاً لا تأخذه في الله لومة لائم.
ويتوجّه إلى رسول الله’ وهو قائد الغزوات، وحبيب المسلمين، وقوله الفصل في كلِّ خلاف، ويقطع الطريق باندفاعه وتأجّجه، لا ببطئه وعرجه، ويواجه النبيّ’، لينزل في قلبه الكبير بلغة الإيمان الصارم، ــــــــ[111]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
احتجاجه الشديد على هذا التيّار المقيت:
– يا رسول الله! إنَّ قومي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك. والله إنّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنّة.
– أمّا أنت فقد عذرك الله ولا جهاد عليك.
فيأبى هذا الرجل إلَّا عن الانفتاح على الأفق الرحب الخالد، أُفق الشهادة، ويصرّ على رأيه بالخروج إلى الجنّة، فيلتفت رسوله الله’ إلى قومه:
– لا عليكم أن تمنعوه، لعلّ الله يرزقه الشهادة. وانفرجت أسارير الرجل، لقرب الغاية وبلوغ الهدف، وأخذ القوم برأي رسول الله’ وخلّوا عنه.
واندفع الرجل في طريق الشهادة، إلى ساحة الموت، يذرعه بعرجته ويذلّـلُه بهمّته وإيمانه، محدّثاً نفسه بتلهّفٍ مخلص:
– أنا والله مشتاقٌ إلى الجنّة.
وكان ابنه يعدو في أثره، حيث خرّا صريعين في ساحة الجهاد الإسلامي المقدّس، فأشرقا نجمين في سماء الشهادة، وأداء المسؤوليّة الإسلاميّة، فكانا أحياء عند ربّهم يرزقون.
وكان لزوجته أمّ أولاده، موقفٌ مخلص كبير، نذكره في القسم الثاني إن شاء الله تعالى(1).
الأحد: 22/7/1389- 5/10/1969
([1]) راجع أُسد الغابة 5: 215، وما بعدها، وشرح نهج البلاغة 14: 261، وما بعدها، قصّة غزوة أُحد (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الصباح الكئيب يشرق ببطءٍ حزين، وسكونٍ رهيب، على هذه الأرض الطيّبة التي ملأت مسامعها بالأمس صليل السيوف وضوضاء الرجال… الجثث مكوّمة على الأرض تنعى نفسها بصمتٍ وخمول، عسى أن تمتدّ إليها أنامل الرحمة فتوارى تحت الصعيد.
ويبدو من بعيدٍ شبحٌ أسود يتسنّم جملاً، يجدّ السير مع الفجر ويسابق الزمن، ويطلّ على القتلى وجهٌ تعلوه الكآبة ويشدّه الإيمان.. ويتلفّت بحماسٍ واهتمام.. عساه يرى الأعزّاء الذين ودّعتهم هذه المرأة لخوض هذه المعركة المقدّسة، لكي يكونوا من جنود الله الأمناء… إنَّ هذا القلب لم يجب ولم يتلجلج.. كان عند وداعهم مؤمناً صامداً.. ولا زال مؤمناً صامداً… إنَّ زوجها وولدها وأخاها.. وإن خسرتْهم في العاجل.. إلَّا أنَّها ربحتْهم في نهاية المطاف.
زجرت الجمل فبرك… وامتدّت يداها المطمئنّتان بكلِّ خشوعٍ إلى الجثث العزيزة، فحملتها معها على الجمل.. إنَّها الآن تشعر بالقرب إليهم.. قرب الجسد وقرب العقيدة وقرب العمل.
ومضت فترة.. امتلأ الفسيح خلالها بالنساء الواردات المتفرّجات، الباحثات في القتلى، والمتطلّعات في الأخبار… إنَّ هذه المرأة الصابرة لا يهمّها من أمرهنّ شيئاً، فقد أدّت مهمّتها على خير وجه… إنَّها تريد المدينة لكي تدفنهم هناك.
وبينما هي تريد المسير .. إذ أخرجها من وجومها وانصرافها.. صوتٌ
ــــــــ[113]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
قريب.. إنَّه صوت عائشة زوجة النبيّ المظفّر الذي قاد هذه المعركة المقدّسة… جاءت بين النساء المستطلعات، وابتدرتها عائشة:
– عندك الخبر.. فما وراءك.
والتفتت المرأة المجاهدة الصابرة، إنَّ أهمّ خبرٍ عندها هو انتصار الإسلام في هذه المعركة الكبرى (أُحد).. ونجاة قائدها الكبير من القتل بعد ما حدث فيها من خيانة بعض الجنود.. أمّا خبر هذه الجثث العزيزة، فليس مهمّاً، وبادرت المرأة إلى الجواب بكلِّ حزم:
– خير، أمّا رسول الله’ فصالح. وكلّ مصيبة بعده جلل.
– فمَن هؤلاء؟
– أخي وابني وزوجي.
– فأين تذهبين بهم؟
– إلى المدينة أقبرهم… (حَلْ حَلْ) تزجر بعيرها.
وهنا حدث ما لم يكن متوقّعاً… إنَّها أمرت بعيرها بالسير، فبرك. وظنّت عائشة أنَّه عاجزٌ عن السير لثقل حمله.
فقالت: لثقل ما حمل.
– ما ذاك به. لربّما حمل ما يحمله البعيران، ولكنّي أراه لغير ذلك.
فزجرته فقام.. فلمّا وجّهته إلى المدينة برك.. فوجّهته إلى أُحد فأسرع..
إذن، فالموقف مجهول، يكتنفه سرٌّ خفيٌّ لابدَّ فيه من الرجوع إلى رسول الله’ لكي يفسّره.. فإنَّه المرجع [في] كلّ أمرٍ مهمّ … وتوجّهت المرأة إلى النبيّ’.. تشكو حال جملها وخيبة أملها في دفن أعزّائها في المدينة..
فقال النبي’: إنَّ الجمل لمأمور.. هل قال عمرو شيئاً؟
ــــــــ[114]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– نعم.. إنَّه (يعني زوجها الأعرج) لمّا توجّه إلى أُحد استقبل القبلة ثُمَّ قال: اللهمّ لا تردّني إلى القبلة وارزقني الشهادة.
– فلذلك الجمل لا يمضي. إنَّ منكم يا معشر الأنصار مَن لو أقسم على الله لأبرّه .. منهم عمرو بن الجموح.. يا هند، ما زالت الملائكة مظلّة على أخيك من لدن قُتل إلى الساعة.. ينظرون أين يدفن.
ولم يكتفِ النبيّ’ بهذه التعزية الرقيقة للمرأة الصابرة المجاهدة… إنَّ القائد ينبغي أن يلحظ كلّ جنوده بعين الرحمة والعطف… مكث’ حتّى كبّروا.
ثُمَّ قال: يا هند: قد ترافقوا في الجنّة جميعاً.. عمرو بن الجموح بعلك.. وخلّاد ابنك.. وعبد الله أخوك.
– يا رسول الله، فادعُ الله لي .. عسى أن يجعلني معهم(1).
الأربعاء: 14/10/1389- 23/12/1969
ــــــــ[115]ـــــ
([1]) راجع أُسد الغابة 5: 215، وما بعدها، وشرح نهج البلاغة 14: 261، وما بعدها، قصّة غزوة أُحد (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[117]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
جاءني وقد بسط يديه وتهدّلت شفتاه ونبتت في رأسه عيناه، وقد أصبحت أذناه أُذنَي حمار، وقد غطّى جسمه وبر.
كان وجهه متلبّداً يعلوه صدأٌ باهت، وعيناه ضيّقتان، ومنخراه واسعان، وحدقتاه مضطربتان، وكانت رجلاه دقيقتين تخطّان الأرض خطّاً، ويكاد يخرّ من فوقهما، كقطرةٍ من ماء.
وطافت عيناه في وجهي، وأخذ يتذرّع جسمي جيئةً وذهاباً، لعلّها تستطيع أن تعلو أسواره، وتفتّش أعماقه، ثُمَّ حرّك رأسه كخروفٍ يريد النطاح، ثُمَّ بذل جهداً في فتح فمه وإدارة لسانه مستنجداً بالكلام ليتفضّل عليه بالخروج، ولكنّه عجز عن أن يتقيّأ الكلام.
وبعد محاولةٍ جمعتُ بها شظايا نفسي وشتات تفكيري، بعد أن بعثرها هذا المنظر الغريب، حاولتُ اختراق عينيه لأطّلع على ما تختزنه نفسه من الأفكار بدون حاجةٍ إلى الكلام، فرأيتهما تطلّان على بئرٍ عميق تختلط فيها أنواع المياه وتسبح في أمواجها عديدٌ من الأسماك، ولو أنَّني حاولت أن أغرق
ــــــــ[119]ـــــ
([1]) [كتب بتاريخ] الجمعة: 7/11/1381 – 13/4/1962(منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
نفسي في هذا البئر لجرفني تيّاره ولأصبحت وجبةً شهيّةً لأسماكه. إذن، فلأحترس ولأحذر، ولأمتح(1) وأنا على حافّة البئر دلواً دلواً.
برقت عيناي وعلت وجهي ابتسامةٌ جامدة، وأظهرتُ في نظراتي السرور والاطمئنان، لعلي آكل وجبةً من لحم السمك المقليّ، الذي لا يعدو أن يكون خبيثاً نتناً ولكنّي سأبتلعه على كلّ حال، وبعد أن أمطرته طلاً خفيفاً سرت في جسمه ظلال الطمأنينة، وارتعد رعدةً خفيفة.
وفي غمرة كان فيها رأسه مدلّىً أمامه، ويداه معقودتان وراءه، وظهره محدودبٌ كالهلال، ارتفع بوجهه قليلاً، ووجّه نحوي نظرةً متواضعة.
ثُمَّ أخذ الماء يتدفّق من خرم صغير، وحينئذٍ أحسستُ بحرارته تكوي بدني، إنَّه ماءٌ قد بلغ درجة الغليان. ليت شعري كيف تعيش فيه الأسماك؟ ولكنّني ابتلعت ريقي وخنقت ما كاد يطفح من عاطفتي، وتكلّفت الابتسام وأصخت السمع.
وبدأ الماء يتزايد وحرارته تتزايد، وبدأت الدموع تنهمر من عينيه ويداه تتحرّكان يميناً وشمالاً، وإلى فوق وإلى أسفل، ووجهه يستدير إلى كلِّ جهةٍ وهو يشرح ما حلّ به من البلاء، طالباً أن أغسل وَبَرَه بالماء والصابون، وأن أحرث حقله المجدب وأزرعه.
وقد وجدتني حينئذٍ مقيّداً بسلاسل من الضرورة ومن الألم، ودار ذهني في مختلف الآفاق، والتطمت الأمواج في رأسي، حتّى كادت تغرقني، ولكنّ ألم الحريق أرجعني إلى انتباهي وعرّفني بمكاني. لقد وجدتني قادراً على قتل الأسماك التي عاثت في نفس هذا المسكين الفساد، وحرث حقله الذي أتى
ــــــــ[120]ـــــ
(1) متح البئر: انتزع ماءها.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عليه الجفاف، فلماذا لا أفعل؟
وما إن حدّدتُ موقفي حتّى دحرجتُ من فمي شيئاً من الكلام الذي حاولتُ أن يكون بارداً جميلاً، تهدأ به نفسه، ويأنس به نظره، وفي غمرةٍ من يأسه ورجائه، وألمه وأمله، مدّ نحوي يداً باردة يريد شكري على ما وعدته من الخير وما أديّته من الجميل، ومددتُ نحوه يداً حاولتُ أن أشعره بحرارتها، وسرتْ بينهما حركة، ثُمَّ ودّع وانصرف.
بعد انقضاء أيّامٍ أنستني غمرة الأعمال خلالها عدّتها، كنتُ فيها نهباً للعمل المضني في قطع شراك ذلك المسكين ورأب صدعه، سمعتُ طرقاً يحوم حول باب الدار، وكانت عدّة طرقاتٍ قويّةٍ رتيبة، وكنت بعدها أحاول فتح الباب.
وسادت فترة سكونٍ، طاف نظري خلالها بهذا الصنم العتيد الماثل بفم الدار، وتبادلنا النظرات، فوجدته ينظر إليّ كأنَّه ناظرٌ إلى حبّةٍ من الخردل، بعد أن عانى منه الشيء الكثير، ومن منخريه تسرّب السلام ووصل متهادياً إلى أُذني، فصكّها صكّاً، وكان الجواب – على رغمي- جافّاً متكلّفاً.
ثُمَّ مدّ نحوي ببطءٍ وتكبّر، يداً جامدةً غليظة، وبادلته المصافحة مبادلةً حاولتُ أن تظهرَ بأجمل ممّا رأيتُ منه.
وبدون أيّ استئذانٍ دخل الدار، واختار مقعده، ثُمَّ تهالك عليه كأنَّه قرد عجوز. وبعد مدّة عزّ عليه فيها أن يكلّمني، برزت الكلمات من فمه بطيئةً ثقيلة، كأنَّه ينحتها من جبل، وكان أن تقيّأ هذه الكلمات: إنَّني أشكرك رغم أنَّك لم تعمل من أجلي إلَّا الشيء اليسير، وبالرغم من أنَّ عملك كان ناقصاً
ــــــــ[121]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومخطئاً، وإنَّما أنا الذي أكملته وأنا الذي ضمنت خروجي من البلاء، وأنا الذي أصلحتُ ما أفسدتَه بيديك. ولكنّي أشكرك على كلِّ حال.
وحملقتُ في وجهه متفرّساً، وسرتْ في بدني رعدةٌ خفيفة، إنَّه هو لا شكّ في ذلك، ولكنّه قد أصبح شخصاً آخر بفضل مجهودي الضائع. فسبحان محوّل الأحوال.
محمّد الصدر
ــــــــ[122]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[123]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[125]ـــــ
(1) كذا في الأصل، واسم الكتاب (يوميّات نائب في الأرياف).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذلّ وكبّره تكبيراً.
أرجو ملاحظة ما يلي:
وملاحظة ما يلي أيضاً: إن هذه الكتب التي وجّهت عليها هذه النظرات ليست مختارة جُزافاً بل إنه قد عيّنها مدرّس الأدب في كلية الفقه للصف الثاني لسنة 1959-1960م، الموافق 1379هـ، وطلب أن نكتب حول خمس كتب من عشر، خمس وعشرون صفحة، وفرض عليها 25% من المعدّل النهائي لدرس الأدب العربي في السنة القادمة.
ــــــــ[127]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّ نظرةً حقيقيّةً عميقةً في (مسرح المجتمع)(1) فيها كثيرٌ من العسر
ــــــــ[128]ـــــ
([1]) للكاتب والأديب المصريّ توفيق الحكيم (1898-1987م)، وهو من روّاد الرواية والكتابة المسرحيّة العربيّة، ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث، كانت مسرحيّته >أهل الكهف< في عام 1933م حدثاً هامّاً في الدراما العربيّة، فقد كانت تلك المسرحيّة بدايةً لنشوء تيّارٍ مسرحيّ عُرف بالمسرح الذهني؛ لصعوبة تجسيدها في عملٍ مسرحيّ. وهو يُعدّ أوّل مؤلِّف استلهم في أعماله المسرحيّة موضوعاتٍ مستمدّةً من التراث المصريّ عبر عصوره المختلفة، سواء أكانت فرعونيّة أو رومانيّة أو قبطيّة أو إسلاميّة.
ولد توفيق إسماعيل الحكيم – والذي اشتهر باسم (توفيق الحكيم )- في 9 أكتوبر 1898، لأبٍ مصريّ من أصلٍ ريفيّ يشتغل في سلك القضاء في قرية (الدلنجات)، إحدى قرى مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، ولأُمٍّ تركيّة أرستقراطيّة. التحق بمدرسة دمنهور الابتدائيّة حتّى انتهى من تعليمه الابتدائي ، ثُمَّ ألحقه أبوه بمدرسة حكوميّة في محافظة البحيرة حيث أنهى الدراسة الثانويّة.
انتقل إلى القاهرة لمواصلة الدراسة الثانويّة في مدرسة محمّد علي الثانويّة، وحصل على شهادة الباكالوريا عام 1921م، انضمّ إلى كليّة الحقوق ليتخرّج منها عام 1925م.
تُرجمت له أعمال كثيرة ونُشرت بالفرنسيّة والإنجليزيّة والأسبانيّة.
تقلّد العديد من المناصب، ونال أرفع الجوائز: قلادة الجمهوريّة عام 1957م، وجائزة الدولة في الآداب عام 1960م، ووسام الفنون من الدرجة الأُولى، وقلادة النيل عام 1975م، والدكتوراه الفخريّة من أكاديميّة الفنون عام 1975م.
أُطلق اسمه على: فرقة مسرح الحكيم في عام 1964 وحتّى عام 1972، ومسرح محمّد فريد اعتباراً من عام 1987م.
توفّي توفيق الحكيم في 27 يوليو سنة 1987م عن عمرٍ بلغ تسعين عاماً، وترك تراثاً أدبيّاً رفيعاً وثروة هائلة من الكتب والمسرحيّات التي بلغت نحو 100 مسرحيّة و62 كتاباً. راجع كتاب توفيق الحكيم (لإسماعيل أدهم وإبراهيم ناجي).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
والحرج، وأمّا النظرة السطحيّة فلا تعدو أن تكون جافّةً وتافهة.
ولكنّ نظرتي هذه على الكتاب لن تقتصـر على الظواهر والسطوح، ولكنّها أيضاً لن تكون مفصّلةً وطويلة، فهي لن تطول عن بعض صفحات.
لقد استطاع مؤلِّفه الأديب أن يصوّر بصورةٍ دقيقةٍ وعميقةٍ وبأسلوبٍ جذّابٍ طريفٍ، جهاتٍ عديدةً من جهات المجتمع، وطبعاً لا يقصد منه إلَّا المجتمع المصريّ بالذات، المجتمع الذي ترعرع فيه ونما، وترعرع فيه قلمه
– أيضاً- ونما.
لقد استطاع أن يعبّر مؤلِّفه بدقيق التصوير وجميل التعبير، استطاع أن يشـرح لنا بخياله الخصب وفكره النقّاد وقلمه السيّال، جهاتٍ تعطينا من العبرة أمراً عظيماً، ومن العظمة شيئاً كثيراً، ممّا يقسـرنا أو يقسـر المجتمع المصـريَّ- على الأقلِّ- على التفكير في حالهم وتدبّر أخلاقهم. ولكنّه – على كلِّ حال- حريٌّ وذو قابليّة أن يكون عِظَةً للمتّعظين وتبصرةً للمبصرين على وجه هذه الكرة الأرضيّة، فمهما تغايرت طبائع الناس لن تتعدّى قدراً مشتركاً بينهم موجوداً بصورةٍ مركّزة في هذا الكتاب.
فليس إذن (مسرح المجتمع) مجرّد تسلية تفزع إليها للترفيه وقتل الوقت
ــــــــ[129]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
في قراءةٍ قد تعتقدها غير مجديةٍ وغير نافعة.
بل إنَّه يحتوي إلى جانب تسليته الشيِّـقة ونكتته الظريفة، على جانبٍ عظيمٍ من دقيق التصوير وحصيف التفكير، فقد جاء هذا الكتاب سهماً موجَّهاً إلى قلب أوضاع مجتمعه الفاسدة وعاداته الكريهة التي تتمشدق بها طغمته الحاكمة حينئذٍ، وحفنةٍ من أذنابها، بزَهوٍ وجبروتٍ على الجمّ الغفير من العمّال والكادحين؛ لتمتصَّ دماءهم وتستنزف جهودهم.
وقد جاء الكتاب أيضاً سهماً موجّهاً إلى بعض العادات الفاسدة والطبائع المعوجَّة والطرق الرخيصة التي يتبنَّاها بعض الأشخاص في سبيل تنفيذ أغراضهم الضيّقة والوصول إلى مآربهم الدنيئة، فأشعرهم بِخِسَّتِها ووضاعتها؛ لعلّهم يحاولون السير في طريق النور، والتَّنكُّب عن جادّة الظلمة والفساد.
ولكنّه – مع الأسف- لم يسرد في هذا الكتاب بين سؤالٍ وجواب وقيل وقال إلَّا مساوئ المجتمع ومفارقاته، وسوء عادات أهله وأعضائه، أمّا الجهات الجليلة الجميلة اللامعة البرَّاقة فقد عافها، وأشاح بوجهه عنها، لماذا؟.. طبعاً الجواب معروف، وهو أنَّ أيّ إنسانٍ نظرتَه لا تجد فيه إلَّا النظر إلى الجانب الأسود من حياة الآخرين إن لم تكن حياته هو أيضاً، فالزلَّة والخطأة هي التي تبقى راسخةً في الذهن، أمّا الحسنات فتذهب أدراج الرياح إذا تناقضت مع تلك الزلَّة، فكأنَّ السيِّئات هي التي تُذهِبُ الحسنات ولا العكس.
فمهما كان للمجتمع من فضائل وحسناتٍ، وحضارةٍ وتقدُّمٍ ورُقِيّ، فإنَّها تُقْذَف كالكرة بعيداً، إذا كان هناك شيءٌ في المجتمع يسمّى: إيماناً بالجنّ
ــــــــ[130]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
(ت: 12)(1)(2)، أو اعتقاد بأخذ الثأر (ت: 21)(3)، أو امرأة موظّفة، لا يمكنها الجمع بين البيت والدائرة (ت: 3)(4)، أو رجل يؤدّي به حبّ المال إلى قتله(ت: 6)(5).
وقد اقتصر في الأعمّ الأغلب على هذا النوع من التمثيليّات النقديّة، ولكنَّنا قد ننظر نظرةً فاحصةً في الكتاب، فنرى عرضاً لصفحةٍ من الدفاع المقدّس عن الوطن في (ميلاد بطل ت: 5)(6)، وصفحةٍ من الفلسفة الإلهيّة التي تُؤمن بوجود البارئ عزّ وعلا، وبأنَّه عالمٌ بالحاضر والماضي والمستقبل على حدٍّ سواء، وأنَّ العباد مـخيـَّرون في أعمالهم لا مسيـَّرون، وذلك في تمثيليّة (المخرج ت: 9)(7).
ــــــــ[131]ـــــ
([1]) ت = تمثيليّة (منه+).
(2) راجع مسرح المجتمع: 345، وما بعدها، (12) من وحي المعتقدات الشعبيّة، بيت النمل، تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(3) راجع مسرح المجتمع: 763، وما بعدها، (21) من وحي العادات الريفيّة، أغنية الموت، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(4) راجع مسرح المجتمع: 63، وما بعدها، (3) من وحي الحركة النسويّة، النائبة المحترمة، تمثيليّة في منظرين.
(5) راجع مسرح المجتمع: 123، وما بعدها، (6) من وحي رجال الأعمال وصراع الأجيال، اللّص، قصّة تمثيليّة في أربعة فصول.
(6) راجع مسرح المجتمع: 107، وما بعدها، (5) من وحي حرب فلسطين، ميلاد بطل، تمثيليّة في منظرين.
(7) راجع مسرح المجتمع: 277، وما بعدها، (9) من وحي السينما والدين، المخرج، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وقد استعمل المؤلِّف في هذا الكتاب خياله وطارَ بهِ في جَوِّهِ الهادئ الواسع، مستنشقاً من نسيمه ومتقلِّباً في نعيمه، فظهرت لنا من تحت قلمه قصص جميلةً وحوادث لطيفة، حاول أن يمثِّل بها المجتمع فيجعل أبطالها كأنَّهم أعضاء فيه، وأقوالهم كأنَّها صادرة عنه، ولكنّها- ومهما يكن من أمر- لا تمثّل، ولا يمكن أن تمثّل، إلَّا خياله الخصب وفكره الرَّحب.
وقد مَثَّلَ المؤلِّف في هذا الكتاب الأدب التمثيليّ بأروع صورِه، وعرضه بأزهى أشكاله، متَّخِذاً له صوراً مركَّزة، وأفكاراً محدَّدة، لا حائرةً ولا مردَّدة. يلوكُ قلمه المعاني كأنَّها لقمةٌ سهلةٌ، أو عجينةٌ سلسةٌ، أو طينةٌ رطبةٌ، هدفه الأسمى في كلِّ تمثيليّةٍ هو أن يؤدّي المغزى حقّه، ويؤدّيه إلى سامعه معزَّزاً بالحجج، مدعَماً بالبراهين.
ولذا فقد انقادت المعاني بين يديه، وانسابت أمام عينيه، يتصـرَّف بها كما يشاء أن يتصرَّف، ويفعل كما يحلو له أن يفعل. فنجده يُحبك خيوط القصّة كما يريدها أن تُـحبَك، وينسجها كما يشاء أن تُنسَج، بحيث تنسجم في أن يظهر المغزى الذي يريده في آخر لحظةٍ من قراءتها.
وهذا ممّا يجعل تمثيليّته مجرّد قصّةٍ فلسفيّة، لا يمكن أن تحدث في الحياة الاعتياديّة إلَّا على أيدي الممثّلين السينمائيّين؛ وذلك لأنَّ هذه الحياة التي نعيشها لا تنطبق إلَّا مع هذا البيت(1):
ما كلُّ ما يتمنّى المرء يدركُهُ |
| تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن |
ــــــــ[132]ـــــ
(1) هذا البيت لأبي الطيّب المتنبّي، راجع نهاية الأرب في فنون الأدب (للنويريّ) 3: 105.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وهذا ممّا لا ينطبق وواقع هذه التمثيليّات كما مضت الإشارة إليه.
وليس في أغلب حياتنا التي نحياها معنىً ولا مغزى، أو لا مغزى لها على الأقلّ، فأيّ فصول حياتنا تحدَّدت أقواله وتميّزت أفعاله، بحيث يظهر لنا منها في الأخير ما يسمّى (المغزى)؟
وهذا ممّا لا يحدث إلَّا نادراً في تاريخ البشريّة، فإن كان الأُستاذ المؤلِّف قصد هذه الحالات الشاذَّة، فلماذا فرض كتابه على أنَّه (مسـرح المجتمع)؟
وإن كان قصد الحوادث الاجتماعيّة والأخلاق الاعتياديّة، فقد ظهر ممّا قلنا سابقاً: بأنَّ هذه أحوال شاذَّةٌ لا يقاس عليها.
يخرج من ذلك، التمثيليّات التي لا مغزى لها، وإنَّما يقصد منها معناها فقط، مثل تمثيليّة (اللصّ)(1)، والتمثيليّات التي يُعرَف مغزاها من منطوقها، مثل: (العشّ الهادئ)(2)، و(الرجل الذي صمد)(3)، و(أعمال حرّة)(4).
ونحن قد نرى أنَّنا حين نعيش جلسةً واحدةً في حياتنا اليوميّة مع شخصٍ غريب علينا، يمكن لنا أن نعرفه وأن نفهمه. ولكنّك إذا قرأت – مثلاً –
ــــــــ[133]ـــــ
(1) راجع مسرح المجتمع: 123، وما بعدها، (6) من وحي رجال الأعمال وصراع الأجيال، اللّص، قصّة تمثيليّة في أربعة فصول.
(2) راجع مسرح المجتمع: 473، وما بعدها، (17) من وحي الحياة الفنيّة، العشّ الهادئ، قصّة تمثيليّة في أربعة فصول.
(3) راجع مسرح المجتمع: 615، وما بعدها، (19) من وحي تيّار المجتمع، الرجل الذي صمد، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(4) راجع مسرح المجتمع: 363، وما بعدها، (13) من وحي الأداة الحكوميّة، أعمال حرّة، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الفصل الرابع وحده (من وحي المجتمع والعلم الحديث)(1)، فهو وإن كان شيّقاً أكثر من سوابقه لمـَن ألَـمَّ بالقصّة من أطرافها، ولكنّه لا يمكنك أن تفهم منه إلَّا الشـيء النزر القليل إذا قرأته مستقلاً عن فصوله الثلاثة السابقة؛ لأنَّه مرتبطٌ بها ربطاً محكماً، ومشدودٌ إليها شدّاً وثيقاً.
ولكنّ المفروض- إذا كانت هذه التمثيليّات تُـمثِّل الحياة وتنطبق على الواقع- أن لا يعدو أيّ فصلٍ من فصولها إلَّا أن يكون كجلسةٍ نجلسها مع أيِّ شخصٍ غريب.
وممّا يخرج بها أيضاً عن التصوير الواقعيّ لحياة الإنسان المألوفة ومعيشته الاعتياديّة، شيئان مهمّان لاحظتهما على هذه التمثيليّات، أمّا أحدهما فتتَّصف به جملةٌ منها:
وهو الأُسلوب الذي يسـرد به المكالمات التلفونيّة التي قد تقع بين أبطال الرواية، فيجعل كلام الطرف الذي يذكره في التمثيليّة واضحاً ومفهوماً، مع أنَّنا نجد أنَّنا إذا أصغينا إلى أحد طرفي المكالمة التلفونيّة وليس لنا سابق عهدٍ بفحواها، فسوف لن نفهم منها إلَّا الشيء القليل، بل قد لا يزيد بعضهم على تكرار ألفاظ الإيجاب أو السلب على مدى المكالمة.
وهو مُضطـرٌّ إلى ذلك اضطراراً للضـرورة التي تُلجِئُهُ إلى تفهيم فحوى المكالمات التلفونيّة بين أبطال روايته لدى القارئ.
أمّا الثاني، فهو خاصٌّ بتمثيليّة (لو عرف الشباب)(2)، حيث سرد فيه
ــــــــ[134]ـــــ
(1) راجع مسرح المجتمع: 641، وما بعدها، الفصل الرابع، (20) من وحي المجتمع والعلم الحديث، لو عرف الشباب، قصّة تمثيليّة في أربعة فصول.
(2) المصدر السابق.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
حلماً طويلاً لأحد الشيوخ العاجزين، رأى فيه أنَّه قد تفتَّحت في نفسه زهور الشباب، وتمشَّت به روحه اليانعة، بفضل دواءٍ له هذه الخاصيّة العجيبة.
والعادة تقضـي بأن يكون الحالم موجوداً على مدى الحلم؛ لأنَّه هو صاحب الحلم، وهو الذي يرى وهو الذي يتخيَّل، أمّا أنَّ الحلم تجري حوادثه والحالم غير حاضر، كما حدث في الصفحات الأُولى من الفصل الثالث من هذه الرواية(1)، فهذا ممّا لا يمكن حدوثه في الحياة الاعتياديّة.
ونحن نستطيع أن نُقسِّم تمثيليّات الكتاب الإحدى والعشـرين من حيث إصلاحها للفاسد وتقويمها للمعوجّ، إلى ثلاثة أقسام:
فهي إمّا أن يُقصَدُ منها إصلاح عيبٍ وخللٍ اجتماعيّين، أو شخصيّين، أو أنَّه لا يُقصَد منها إصلاح أيّ عيبٍ أو خلل.
ونستطيع أن نستنتج من بين القسمين الأوّلَين قسماً رابعاً مركَّباً، وهو عيب يظهر لأوّل وهلةٍ للعيان على أنَّه عيبٌ شخصيّ، ولكنّه بلحاظ أنَّ المرتكبين له ذوو عددٍ وكثرة في المجتمع، كان عيباً اجتماعيّاً.
فأمّا التمثيليّات التي تصف العيوب الشخصيّة:
فمثل (أُريد أن أقتل ت: 2)(2)، و(الحبّ العذري ت: 15)(3)، ــــــــ[135]ـــــ
(1) راجع مسرح المجتمع: 706، وما بعدها، (20) من وحي المجتمع والعلم الحديث، لو عرف الشباب، قصّة تمثيليّة في أربعة فصول، الفصل الثالث.
(2) راجع مسرح المجتمع: 35، وما بعدها، (2) من وحي الطبائع البشريّة، أُريد أن أُقتل، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(3) راجع مسرح المجتمع: 415، وما بعدها، (15) من وحي النماذج البشريّة، الحبّ العذريّ، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
و(ساحرة ت: 14)(1)، و(عمارة المعلّم كندوز ت: 10)(2).
وأمّا التي تصف العيوب الاجتماعيّة، فمثل: (الجياع ت: 16)(3)، و(أغنية الموت ت: 21)(4)، و(بيت النمل ت: 12)(5)، و(مفتاح النجاح ت: 18)(6).
وأمّا التمثيليّات التي يُقصَد منها وصف عيوب شخصيّة اجتماعيّة ومن ثَمَّ السعي إلى إصلاحها: فمثل (أصحاب السعادة الزوجيّة ت:4)(7)، و(بين يوم وليلة ت: 1)(8)، و(النائبة المحترمة ت: 3)(9)، و(أعمال حرّة ت: 13)(10).
وأمّا التي لم تتعرّض لأيّ عيبٍ أو خلل، فإمّا أنَّ المؤلِّف قد ذكرها وهو في
ــــــــ[136]ـــــ
(1) راجع مسرح المجتمع: 387، وما بعدها، (14)، من وحي الحوادث الجارية، ساحرة، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(2) راجع مسرح المجتمع: 299، وما بعدها، (10) من وحي أخلاق الحرب، عمارة المعلّم كندوز، تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(3) راجع مسرح المجتمع: 447، وما بعدها، (16) من وحي الحياة العصريّة، الجياع، تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(4) راجع مسرح المجتمع: تقدّم تخريجها.
(5) راجع مسرح المجتمع: تقدّم تخريجها.
(6) راجع مسرح المجتمع: 593، وما بعدها، (18) من وحي الأخلاق والوصوليّة، مفتاح النجاح، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(7) راجع مسرح المجتمع: 85، وما بعدها، (4) من وحي الحياة الزوجيّة، أصحاب السعادة الزوجيّة، تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(8) راجع مسرح المجتمع: 9، وما بعدها، (1) من وحي أخلاق المجتمع، بين يوم وليلة، قصّة تمثيليّة في منظرين
(9) تقدّم تخريجها.
(10) تقدّم تخريجها.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
سياق ذكر فضيلةٍ من الفضائل الاجتماعيّة، فهي مثل: (ميلاد بطل ت: 5)(1)، و(الرجل الذي صمد ت: 19)(2)، أو أنَّها مجرّد حادثة قد تقع في المجتمع لها معناها ومغزاها، فمثل: (الـمُخرِج ت: 9)(3)، و(لو عُرِفَ الشباب ت:20)(4)، و(اللصّ ت: 6)(5)، و(العشّ الهادئ ت: 17)(6).
وحرصاً على استيعاب جميع التمثيليّات، لابدَّ لنا أن نذكر أنَّه بقي ممّا لم نذكر منها ثلاثة: (أُريد هذا الرجل ت: 7)(7)، و(عرف كيف يموت ت: 8)(8)، و(الكنز ت: 11)(9)، وفي الحقيقة أنَّني لم أستطع أن أتبيَّن رأي المؤلِّف في المغزى الذي تدلّ عليه، أيراه خيراً أم يقصد منه سوءاً؟
فلذا لم أستطع إلحاقها بأيّ واحدٍ من الأقسام الأربعة السابقة.
وقد نرى أنَّ الأُستاذ المؤلِّف أدخل في رواياته أشخاصاً أنعم عليهم
ــــــــ[137]ـــــ
(1) تقدّم تخريجها.
(2) تقدّم تخريجها.
(3) تقدّم تخريجها.
(4) تقدّم تخريجها.
(5) تقدّم تخريجها.
(6) تقدّم تخريجها.
(7) راجع مسرح المجتمع: 235، وما بعدها، (7)، من وحي حريّة المرأة، أُريد هذا الرجل، تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(8) راجع مسرح المجتمع: 253، وما بعدها، (8)، من وحي الصحافة والسياسة، عرف كيف يموت، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
(9) راجع مسرح المجتمع: 323، وما بعدها، (11) من وحي المال والحبّ، الكنز، قصّة تمثيليّة في فصلٍ واحد.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بلفظ (البك)، أو (الباشا) في تمثيليّاتٍ متعدّدة(1)، وبَوَّأَهم المناصب العالية والأموال الطائلة. وقد كدتُ أن أنسبه إلى الخطأ لولا علمي بما تستتبعه هذه الارستقراطيّة السوداء من تَفسُّخٍ وتَرَهُّلٍ في حياة أصحابها الداخليّة، وعظمةٍ وتكبُّرٍ على الأغلبيّة الساحقة من الناس، يستثمرون جهودهم، ويمتصُّون عرق جبينهم ونقود جيوبهم، ثُمَّ لا يكون لهؤلاء المساكين ما يمسكون به رمقهم أو ما يقيهم حرّ الصيف وبرد الشتاء، فضلاً عن الحياة الحرّة الكريمة.
ونحن إذا نظرنا إلى جوّ الكتاب التأريخي الذي صدر فيه وما كان في زمنه الفاروقي البغيض، من مفارقاتٍ كثيرة، وجرائم شنيعة، تُرتَكَب بحقِّ هؤلاء البؤساء، نجد كيف أنَّ الكتاب جاء في الحقيقة والواقع ثورةً على أُمورٍ متعدّدة، ومفاسد مستشرية، من تَضَخُّم الألقاب والأموال، والتَّحَكُّم في رقاب الناس.
والواقع أنَّ كلَّ هذه التمثيليّات (الحكيمة)، هي نموذجٌ من نماذج الأدب الرفيع، وفضيلة من فضائل القلم الـحُرّ المجيد!…
الجمعة 30/12/1379- 24/6/1960م
محمّد الصدر
النجف – العراق
ــــــــ[138]ـــــ
(1) كما في تمثيليّة اللصّ، وعرف كيف يموت، والحبّ العذري، وغيرها.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّ النظرة الحقيقيّة العميقة التي نطلقها بهدوءٍ وسكون على هذا الكتاب العجيب وعلى أدبه العامِّيّ اللّطيف، هذا الكتاب الجائش بالصـرامة، الثائر على الظلم والطغيان، المتحدّي لأوضاع المحاكم والحكَّام…
لتعطينا رغم هدوئها وسكونها، ورغم جبينها الرطب وأهدابها الذابلة، العِبرةَ تلو العِبرة، والعِظَة تلو العظة، والذكرى تلو الذكرى؛ لأنَّنا ننظر من خلال هذه المذكّرات إلى فجائع الظلم والطغيان، وإلى اضطهاد الشعب الساذج الآمن، وإلى قتل العدل والإنصاف بالجملة على مسـرح محاكم تلك البلاد.
ونرى شرحاً مفصَّلاً لهذا الريف البائس القابع في زاويةٍ من زوايا البلاد، أو في منطقةٍ من هذا البرّ اللانهائي.
فنرى كيف أنَّ الحكّام المستبدّين يُمهِّدون في ذلك الريف الآمن الوادع، للجريمة طريقاً لاحباً مهيعاً، يدخله القرويّ البائس، مُندفعاً فيه اندفاعاً، ومُضطرّاً إليه اضطراراً.
فنحن لا نرى لسلب أموال هذا الشعب واستثمار جهوده وغمط
ــــــــ[139]ـــــ
(1) كذا في الأصل، واسم الكتاب (يوميّات نائب في الأرياف).
(2) للكاتب والأديب المصري توفيق الحكيم. وقد تقدّمت ترجمته.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
حقوقه على حساب حفنةٍ من الحكّام الجائرين والطغاة المستبدّين، نتيجةً سهلةً سائغة، ولا نهايةً مُوجعةً بائسةً إلَّا الجوع، وإلَّا فقدان لقمة العيش التي هي رمز البقاء على مسرح هذه الحياة.
ونحن أيضاً لا نرى للجوع هذه الآفة الكبرى وهذه الطامَّة العظمى التي يكيلها هؤلاء الحكّام الذين لا يملكون مسكةً من ضمير، ولا شعاعاً من عدلٍ أو إنصافٍ، على هذا الشعب البائس المسكين نتيجةً سائغة، كأموال الشعب الجائع في بطون حكّامه، إلَّا الجريمة.
هذه الجريمة التي يندفع الجائع المسكين إليها اندفاعاً، ويضطرّ إلى ارتكابها اضطراراً؛ لأنَّه يملك جوفاً خالياً يُلِحُّ عليه أن يملأهُ ولو بكسـرة خبز يابسةٍ أو بلحم مِيتةٍ عَفِنَة، وهو بدوره أيضاً لا يملك حتّى هذه الكسـرة أو هذه الميتة، فيضطرّ إلى السطو على أموال غيره من الناس؛ ليُسكِت إلحاح هذا الجوف الخائر، ويطفئ جذوة هذا الجوع البائس، وفي ذلك قد قال أبو ذرٍّ عليه الرحمة والرضوان: (عجبتُ لمـَن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه)(1).
ثُمَّ إنَّنا لا نجد نتيجةً لهذه السرقة، التي هي في واقع أمرها في منتهى التحفُّظ، إلَّا ابتزاز الأموال من جيوب هؤلاء المتَّهمين الجائعين، الماثلين أمام محاكم الجور والفساد؛ وذلك لأنَّ التُّهَم تُرشَق بهم بدون أيّ حجةٍ أو دليل، ويستمعون إلى الحكم بغرامة خمسين قرشاً بدون أيّ دفاعٍ أو احتجاج.
ــــــــ[140]ـــــ
(1) هذه المقولة من المقولات المشهورة عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، ويبدو أنَّها غير واردة في المصادر المتقدّمة، وإنَّما اشتهرت نسبتها إليه على ألسنة المتأخّرين، فراجع مثلاً: في ظلال نهج البلاغة 4: 283.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ونحن نستطيع أن نَتبيّن الوَقع العظيم لهذه الخمسين في نفس هذا القرويّ البائس، الذي صوَّرها لنا بقوله: (خمسين قرش! وحياة راسك أنا ما وقعت عيني على صنف النقديّة من مدّة شهرين)(1).
فهو إذن، ويا للبؤس والشقاء، لم يَرَ النقود التي هي رمز الحياة وسرّ البقاء بأمّ عينيه منذ شهرين قد تَصرَّمَا عليه بالجوع والفقر والمرض.
ولكن هل ترى إلى أين سوف تعود هذه الخمسين التي ودّعت صاحبها حين ودّعته السعادة والهناء وطيب العيش؟!
إنَّها ستعود إلى المكان الذي عادت إليه أموال الكادحين وأعمال العاملين، من جيوب تلك الطغمة الفاسدة من الحكّام الـمُستبدِّين والخَوَنة الجائرين.
إذن، فقد رجعت الحلقة الدائرة إلى أوّل دورها، حيث سيضطرّ هذا البائس الفقير إلى ارتكاب الجريمة مراراً وتكراراً؛ ليعوِّض عن هذه القروش الخمسين التي ابتزَّتـها منه هذه الطغمة الفاسدة ظلماً وعدواناً.
ثُمَّ إنَّه سوف يحاكَم أمامهم ويحاكَم، على كلِّ سرقةٍ، ويُـحكَم عليه بدون أيّ تَدَبُّرٍ أو تَرَيُّث، في كلِّ محاكمة منها، بغرامة الخمسين قرشاً التي سوف تضطرُّه بدورها إلى السرقة مرةً أُخرى، وهكذا… .
وكان أَولى بهؤلاء الناس البَطِرِين الجشعين أن يوفِّروا لشعبهم السُّبُل الحرّة الكريمة لكسب العيش وإطفاء جَذوة الجوع، وبذلك سوف تقبر إلى الأبد مسالك الجريمة وطرق الفساد.
ولن يكلّفهم ذلك سوى شيءٍ هَيِّن بسيط، هو الانصراف عن ابتزاز
ــــــــ[141]ـــــ
(1) يوميّات نائب في الأرياف: 56.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الأموال، والطمع بما في جيوب البائسين، فهذا وحده هو الكفيل بأن يُـجلِس القاضي على المنصَّة طول يومه نائماً أو مستيقظاً ولا يرى وجه أيّ متّهم أو متّهمة؛ لأنَّ كلّ فردٍ من أفراد هذا الشعب قد انصرف عن الجريمة إلى ما هو الأفضل وعن الرذيلة إلى ما هو الأحسن.
ويحسن بنا أن ننظر إلى هذه العبارة ونحن في مجالنا هذا، حيث يصوِّر لنا فيها موقع العدل والإنصاف من القلوب الغليظة والضمائر الـمُتَحَجِّرَة، حين يقول: (ذلك أنَّ >العدل< و>الشعب<… إلخ، كلمات لم يَزَل معناها غامضاً عن العقول في هذا البلد، كلمات كلّ مُهمّتها أن تكتب على الورق وتُلقَى في الخطب كغيرها من الألفاظ والصفات المعنويّة التي لا يحسّ لها وجود)(1).
ثُمَّ لا تكتفي هذه المذكّرات أن تشرح لنا كيفيّة الحكم بالإعدام على العدل والإنصاف في هذه المحاكم القضائيّة الجائرة، بل إنَّنا نرى فيها أيضاً إلى جنب هذه المآسي القضائيّة السوداء، مآسيَ أُخرى قد تكون أدهى منها وأَمَرّ، هي مآسي الانتخابات ومهازل صناديق الاقتراع.
وكيف أنَّ هذا الشعب البائس القانط الذي يريد رغم جهله وقُصْـر نَظَرِهِ أن يساهم بانتخاب من يُـمثّله في مجلس الأُمّة، يُحرَم قسراً بالحديد والنار من هذا الحقّ السائغ الطبيعيّ الذي وهبَتْه له لائحة حقوق الإنسان لهيئة الأُمم المتّحدة، وجميع القوانين الديمقراطيّة.
وهذا ما نراه واضحاً من كلام المأمور الذي يطلِقُهُ بوجه حَفنةٍ قذرةٍ من العُمَد، هذه الحفنة القذرة التي هي الحاكم المباشر للشعب، يأكلون من ماله ويتقلَّبون في نعيمه: (فَتّح عِينك يا عُمْدَة أنت وهو. مرشح الحكومة في
ــــــــ[142]ـــــ
(1) يوميّات نائب في الأرياف: 146.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الانتخابات لازم ينجح، أنا نفضت يدي وأنتم أحرار! مفهوم؟
فأجابوا في صوت واحد: مفهوم يا حضرة البك)(1).
أمّا هؤلاء الشعب الذين يَتُوقون إلى الحريّة ويطالبون بالديمقراطيّة؛ ليطمئنّوا إلى ممثّليهم، وتَركَنُ إليهم نفوسهم، ويعرفون بهم مصيرهم، أمّا هؤلاء فهم المشاغبون الذين خاف منهم أحد العُمَد حين تلقَّى ذلك الأمر الصارم فقال في تردُّد: (فيه يا جناب البك جماعة مشاغبين أقويا كلمتهم مسموعة)(2)، وطبعاً لا يمكن أن نتوقّع من هذا المأمور القذر غير التَّنكيل بهم وتشتيت شملهم، حين أجابه بشيءٍ من الشدّة والحزم (وقال له: المشاغبين اتركهم لي أنا !)(3).
ونرى أيضاً أنَّ أمثَلَهم طريقة، وأقربهم بزعمه إلى حريّة الانتخابات وديمقراطيّة الاقتراع، هو في الحقيقة والواقع، أبعدهم نظراً وأخبثهم ضميراً وأسقمهم وجداناً، فنراه حين يصف لنا طريقته في حريّة الانتخابات متمشدقاً، كأنَّه يصف جنّةً من جنات النعيم، فيقول: (دي دايماً طريقتي في الانتخابات: الحريّة المطلقة، أترك الناس تنتخب على كيفها، لغاية ما تتمّ عمليّة الانتخابات، وبعدين أقوم بكلِّ بساطة شايل صندوق الأصوات وأرميه في التـرعة، وأروح وأضَع مطرحه الصندوق اللي احنا موضَّبينه على مهلنا)(4).
ــــــــ[143]ـــــ
(1) يوميّات نائب في الأرياف: 99.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) يوميّات نائب في الأرياف: 120.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومن هنا نرى المدى الذي بلغته الحياة الانتخابيّة في تلك الأرياف البائسة من التَرَدِّي والانحلال في ذلك العهد الفاروقيّ البغيض، الذي تتحكّم به الألقاب وتتصرّف به الأموال.
ولكنَّنا قبل أن نختم هذه النظرة السريعة، نريد أن نعرف هل انتهت مع ذلك العهد، في ذلك الريف المصريّ البائس، مآسي القضاء ومهازل الانتخابات، أم أنَّها لا تزال موجودةً لحدِّ الآن؟!…
الثلاثاء 4/1/1380هـ – 28/6/1960م
محمّد الصدر
ــــــــ[144]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ها هي خيوط الضوء اللّامعة البرّاقة، التي ترسلها شمس (النقد الأدبي) (1) باسمةً مشـرقةً في بُطءٍ ولِينٍ واسترخاء، كأنَّها نائمةٌ على الأُفق تحلم
ــــــــ[145]ـــــ
([1]) لسيّد قطب إبراهيم حسين الشاربي (1906- 1966م)، وهو أديب ومفكّر إسلاميّ مصريّ، ولد بقرية موشة بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، وبها تلقّى تعليمه الأوّلي وحفظ القرآن الكريم، ثُمَّ التحق بمدرسة المعلّمين الأوّليّة (عبد العزيز) بالقاهرة، ونال شهادتها والتحق بدار العلوم وتخرّج عام 1933م. عمل بوزارة المعارف بوظائف تربويّة وإداريّة، انضمّ إلى حزب الوفد المصريّ لسنوات وتركه على أثر خلاف عام 1942م. وابتعثته الوزارة إلى أمريكا لمدّة عامين وعاد عام 1950م. وفي عام 1950م انضمّ إلى جماعة الإخوان المسلمين، وحوكم بتهمة التآمر على نظام الحكم وصدر الحكم بإعدامه، وأعدم عام 1966م.
مرّت حياة سيّد قطب في مرحلتين: مرحلة النشاط الأدبي، ومرحلة العمل الإسلاميّ. وقد بدأت الأُولى منذ كان طالباً بدار العلوم، فنشر العديد من المقالات النقديّة في المجلّات والصحف عن العقّاد والرافعي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وجمع بعضها في كتابه (كتب وشخصيّات) (1946م)، وكانت له معاركه النقديّة الحادّة، كما أصدر ديوان شعر بعنوان الشاطئ المجهول (1935م)، وكتاب طفل من القرية (1946م)، وهو سيرة ذاتيّة من وحي كتاب الأيّام لطه حسين. وفي هذه المرحلة أيضاً أصدر كتاب النقد الأدبي أُصوله ومناهجه (1948م)، تميّز بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، وفيه برزت بدايات نظريّته في كتابه في ظلال القرآن.
وفي المرحلة الأدبيّة ظهرت بواكير اهتماماته الإسلاميّة، فنشر مقالة التصوير الفنّي في القرآن في مجلّة المقتطف (1939م)، ثُمَّ ما لبث أن عاد إلى الفكرة ذاتها، فاتّسع بها وأصدر: التصوير الفنّي في القرآن (1945م)، ومشاهد القيامة في القرآن (1947م)، وهما دراسة جماليّة بلاغيّة جديدة في الإعجاز البياني للقرآن.
وأمّا المرحلة الإسلاميّة، فقد جمعت بين العمل الإسلامي والكتابة الإسلاميّة، وفيها نشر كتاب في ظلال القرآن (1951 – 1964م) في ثلاثين جزءاً، جمع فيه خلاصة ثقافاته الفكريّة والأدبيّة وتأمّلاته القرآنيّة العميقة، وآرائه في واقع العالم الإسلامي خاصّة، والأوضاع الإنسانيّة في العالم المعاصر. وكانت فكرة الظلال والقيم التعبيريّة ركيزةً هامّة في هذا الكتاب. كذلك أصدر طائفةً من الكتب الإسلاميّة ذات طابعٍ خاصّ، منها: العدالة الاجتماعيّة في الإسلام (1949م)، والسلام العالمي والإسلام (1951م)، ومعالم في الطريق. وقد بلغت مؤلّفاته حوالي ستة وعشرين كتاباً. راجع كتاب سيّد قطب والأُصوليّة الإسلاميّة (لشريف يونس).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بذكرى ماضيها المشحون بالذكريات، المملوء بالغَثِّ والسَّمين، فقد رأت هذه الأشعّة التي لا تزال تتراقص على شفار الأُفق ولم تصعد في السماء إلَّا قليلاً، لقد رأت منذ العصور الأُولى وهي تمرُّ من خلال نفوس الأُدباء وقلوب الشعراء وأفكار الملهِمين، مشاهد كثيرة، وجالت في عوالم متعدّدة، أطلعتنا فيها على جميل الكلام وقبيحِهِ، وحُلوِ اللفظِ ومُرِّهِ، ولطيف المعنى وسخيفِهِ.
ولكن هذه الشمس الناصعة الوهّاجة لا تزال في أوّل بزوغها، ولا تزال في مهدها تحتاج إلى ما يسبغه عليها أصحاب القلم والقريحة من العطف والرعاية، وما يُضفون عليها من الحبِّ والحنان؛ فإنَّ حنان الأبوين كلّما طابت ألفاظه ورَقَّت مشاعره، كلّما رَفَّت السعادة بجناحيها الوادعين على طفلهما الصغير المتلهِّف للرعاية، المشتاق للحبِّ والحنان.
ــــــــ[146]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وقد كان (النقد الأدبي) عند أدباء القرون السالفة لا يقوم على قاعدة، ولا يخضع لمنهاج، ولا يَتَّسِمُ بتنظيم، وكان الذكيُّ الفَطِنُ من الأُدباء مَن يملك نَفْساً فَوّاحةً وفكراً يجول في مروج الخيال، ويغوص في بحار المعاني والألفاظ، هو الذي يستطيع أن يجعل نقده الأدبي في أيّ موضوعٍ من مواضيع العلم والعاطفة والحياة، مُرَكِّزاً على نقاطٍ معيّنة، سائراً على منهاجٍ مرسومٍ وطريق واضح مفهوم.
فكان لزاماً على شخصٍ بحّاثةٍ أديب، ونابغةٍ مُطَّلِعٍ مثل الأُستاذ القطب، الذي كان سعيه في هذا الميدان محلّ كلّ شكر وتقدير، فكان لزاماً عليه أن يطرق هذا السبيل، ويحمل عن إخوانه هذا العِبْءِ الثقيل، ويَدلَّـهم على المنهل العذب والمنهج الصحيح والأُصول الثابتة في النقد الأدبي النَّزِيه.
وقد أجاد وأبدع في وضع أُسُس النقد الأدبي في أُصول ومناهج لو اتُّبِعَت وطُبِّقَت على جميع تراثنا الأدبي الكبير لأضافت إليه تراثاً عظيماً وأدباً غزيراً.
ولعلّ الأُستاذ المؤلِّف أوّل مَن طَرَقَ هذا الباب على هذا النحو من الدقّة والتنظيم، وكلَّف نفسه هذا العمل الشاقّ الـمُتعِب، فلذا قد ظهر على كتابه مسحةٌ من الضَّعْف؛ لأنَّ الفنّ أو العلم إن لم تتناوله أيدي الباحثين بالبحث والتدقيق، وتكثر حوله البحوث والكتب وتتعدّد حوله النظريّات، لا يمكن أن يشتدّ ساعده ولا أن يقوى ظهره. ونرى هذا الضعف عندما نقرأ الكتاب، فلا نجد إلَّا رأي المؤلِّف في مجموع هذا الكتاب، سوى نظريّات متفرّقة وآراء مبعثرة أشار إليها إشارةً طفيفة ثُمَّ كَالَ عليها كمّيّةً من (النقد الأدبي)! حيث ذهبت بعدها أدراج الرياح.
ــــــــ[147]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وممّا يستلفت النظر في أحد آرائه الفَذَّة، ويبعث على العُجب والتساؤل قوله: (فالشاعر الذي يصلنا بالكون الكبير، والحياة الطليقة من قيود الزمان والمكان، بينما هو يعالج المواقف الصغيرة، واللحظات الجزئيّة والحالات المنفردة، هو الشاعر الكبير. على نحو ما مَثَّلنا في طاغور، والخيام، والجامعة.
والشاعر الذي يصلنا بالكون والحياة لحظات متفرّقات، يتّصل فيها بالآباد الخالدة والحياة الأزليّة، أو بالحياة الإنسانيّة خاصّة والطبيعة البشريّة، هو الشاعر الممتاز على نحو ما نجد في ابن الرومي والمتنبّي والمعرّي.
والشاعر الذي يصدق في التعبير عن نفسه، ولكن في محيطٍ ضَيِّق، وعلى مدى قريب، ولا نَنْفُذ وراءه إلى إحساسٍ بالحياة شاملٍ، ولا إلى نظرةٍ كونيّةٍ كبيرة، هو شاعر محدود…)(1).
فنرى مِن هذا كيف صَنَّفَ المؤلِّف الشعراء إلى طبقاتٍ وطوائف، كلّما ارتفع بأحدهم المكان واتَّسعت به الطاقة، كلّما قَلَّ مثيلُهُ ونَدُرَ نظيرُهُ.
فهذا التحديد الدقيق للعاطفة، واشتراط أن تكون هذه العاطفة مُصوِّرَةً لآمال الإنسانيّة جميعاً وآلامها ومعتقداتها وأحلامها، هو – في الواقع- قتلٌ لأكبر كميّةٍ عظمى من تراثنا الأدبي الخالد، وغُبنٌ لحقوق أعبق الأفكار وأنصع القرائح في شعرائنا السابقين.
ثُمَّ إنَّ هذه الجهة في الواقع تقوم على مجرّد الفرض والخيال وذوق الناقد الأدبيّ الخاصّ؛ لأنَّ وصف الحادثة الضعيفة إن كان يُعَبِّر عما تُكِنُّه البشـريّة من الآلام والآمال، كما في القطعة التي نقلها عن (طاغور) في أوائل الكتاب والتي يقول فيها:
ــــــــ[148]ـــــ
(1) النقد الأدبي أُصوله ومناهجه: 58، فنون العمل الأدبي: الشعر.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
(- لقد اشتدّ ظلام الليل، وأقفر الطريق، وتألّق الحباحب بين أوراق الشجر.
– مَن عساك تكون! يا مَن تتبعني في خطوات متلصّصة، صامتة؟
– آه! لقد عرفت، أنَّك تُريد أن تسرق منّي كلَّ أرباحي.
– لن أخيب ظنّك!
– لأنّي ما زلت أملك شيئاً؛ لأنَّ حظّي لم يسلبني كلّ شيء)(1).
والتي وصفها الأُستاذ المؤلِّف بـ(أنَّ لحظات مع هذا >الإنسان< في هذا العالم الراضي كالفردوس، الناعم كالأحلام، لهي عمرٌ جديد، وكونٌ جديد)(2).
والتي لا أظنّ الشاعر عنى بها غير نفسه، وتوجَّعَ بها إلَّا من لصوص حارته، وتفاءَلَ رغم العِبء الثقيل إلَّا لإرضاء ضميره، واعتقاده أنَّ حظّه لم يسلُبه كلَّ شيء، والتي إن صوّرتْ كوناً أو عالماً أو حياةً جديدة، فكما تُصوِّر ذلك هذه الأبيات الخالدة(3):
لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ |
| فَكُلُّهُمُ يَصِيرُ إِلَى ذَهَابِ |
ــــــــ[149]ـــــ
([1]) النقد الأدبي أُصوله ومناهجه: 16، العمل الأدبي. نقلاً عن: ترجمة لطفي شلش في مجموعةٍ سمّاها >رعاة الحبّ<، واسمها الذي وضعه طاغور >البستاني<.
(2) النقد الأدبي أُصوله ومناهجه: 17، العمل الأدبي.
(3) هذه الآبيات لأبي العتاهيّة، راجع الأغاني (لأبي الفرج الأصفهاني) 4: 307.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فأيُّ إنسانٍ في هذا العالم لم يَمُت وأنَّه لا يمكن أن يموت؟ وأيّ نَفَس لم ينقطع؟ وأيّ دار لم تصبح بعد جدتها طَلَلاً تُنشدُ عليه الأشعار وتتغَزَّل به القرائح؟ وأيّ شجاعٍ قدير مقدام هابه الموت وخافَ من سطوته وقوّته؟
وإنَّ هذا العالم الذي يصوّره لنا الأُستاذ المؤلِّف والذي لا يبدأ بالمهد ولا ينتهي باللحد! لم يأتِ على لسان شعرائنا العرب قليلاً ولا كثيراً – حسب ما يظهر من الكتاب- لأنَّ (طاغور) و(الخيّام) لم ينظّما في اللّغة العربيّة في يومٍ من الأيّام، فالأوّل من شعراء الهند، والثاني من شعراء الفرس؛ ولأنَّ الترجمة مهما كانت دقيقةً ورصينةً لا يمكن أن تحمل من اللّغة الأُولى إلَّا فكرتها، أمّا جرس ألفاظها وإيقاع حروفها – الذي بنى عليه المؤلِّف نظريّةً كبرى في هذا الكتاب- فسوف تبقى في مكانها مرتاحةً وادعة!
ثُمَّ إنَّ (طاغور) غير مسلم العقيدة، و(الخيّام) غير مسلم المبدأ؛ حيث لم يصدع (الخيام) بالإسلام في أدبه وأشعاره. في حين إنَّ المؤلِّف نفسه هو الذي احتفظ للإسلام بالفضل الأكبر في صياغة العمل الأدبيّ وبلورة أفكاره. فما قيمة أدب مَن لا يعتقد به كدينٍ أو كمبدأ؟ ثُمَّ إنَّه كيف لم يولّد الإسلام شعراء يتّصلون اتّصالاً مباشراً ودائماً بالكون والحياة؟ وهل في هذا الكون وهذه الحياة أُفقٌ أوسع من أُفق الإسلام، وكونٌ أكبر من كونه؟
وهو الدين الوحيد الذي أعطى الحياة أُذُناً واعيةً وصدراً رحباً، وامتدَّ بفروعه حتّى بلغ الاعتقاد بالقوّة الحكيمة المدبِّرة الأزليّة الأبديّة التي تتصرّف في هذا الكون وتدبّر شؤونه وتنظّم معيشته، وامتدّ بجذوره حتّى تناهى إلى سمعه أنين الجائعين ودعاء المظلومين وحشرجة المهمومين.
ثُمَّ إنَّه ما بال الشعراء الإسلاميّين كابن الرومي والمتنبّي والمعرّي الذين
ــــــــ[150]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
يلامسون ذلك النبع الكبير لحظةً دون لحظة، ورشفةً دون رشفة.
إنَّ الذي نراه منهم عندما يلامسون ذلك النبع وهذه الحياة، لا نجد فيه ما يَمُتُّ إلى الإسلام ومعتقداته ونُظُمه بقليلٍ ولا كثير؟ ولعلَّ العلّة لذلك – في الحقيقة- أنَّهم لامسوا النبع الكبير للحياة ولم يلامسوا النبع الكبير للإسلام، فقد اكتفوا منه بالقليل، كما اكتفوا بالقليل من التصوير الواقعيّ لحياة الإنسان في غالب حياتهم الشعريّة.
ونحن لن نختلف مع المؤلِّف في أنَّ الأدب الذي يصوّر أحلام البشـريّة وآلامها ومعتقداتها ورموزها، قليلٌ في الأدب العربي وغير الأدب العربي؛ وذلك لأنَّ الشعراء المدرِكين لهذا الواقع الدقيق قلائل لا يُعَدُّون حتّى بالأصابع. ولكن الذي أقصده أنَّ نُدرَة هؤلاء الشعراء من ناحية، وكثرة مَن دونهم من ناحيةٍ أُخرى، سوف يؤدّي [إلى] إنكار نتاج هذه الكثرة الساحقة من الأُدباء، والتَّجهُّم له وغمط حقّه، لسببٍ بسيط هو أنَّه لا يتّصل بالنبع الكبير! إلى ظلمٍ فاحشٍ وجرمٍ أدبيٍّ عظيم.
ثُمَّ إنَّ هذا الكون الكبير والحياة الطليقة من قيود الزمان والمكان، لن تبقى إلَّا وهماً من الأوهام، وفكرةً من الأفكار، عندما ينحدر التفكير إلى الدرك الأسفل، وينحصر في عصبيّاته المغرية التي أعمته وأضلَّته.
فقد نقل الأُستاذ المؤلِّف من كتاب (بشّار) للأُستاذ المازني فقرة قال فيها: (….. وممّا يجري مجرى الخبر الأسبق أنَّ صديقاً قال له وهو يمازحه: >إنَّ الله لم يذهب ببصر أحد إلَّا عوّضه بشيء، فما عوّضك..؟<، قال >الطويل العريض<، قال: >وما هذا؟<، قال: >لا أراك ولا أمثالك من الثقلاء<، ثُمَّ قال: >يا هلال؟ أتطيعني في نصيحةٍ أخصّك بها<، قال: >نعم< قال: >إنَّك كنت
ــــــــ[151]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
تسـرق الحمير زماناً، ثُمَّ تُبتَ وصِرت رافضيّاً، فعُد إلى سرقة الحمير، فهي والله (؟!) خير لك من الرفض!)(1).
حيث نرى فيها الأمر العظيم من التهجُّم الـمشين المقرون بالسخريّة اللاذعة والجريمة المنكرة على فرقةٍ إسلاميّةٍ تنزّهت يدها عن محاربة النبيّ’ وأولاده، وارتفع شأنها إلى ولائهم وإطاعة أوامر الله ورسوله فيهم.
وحيث قد أخطأ >بشّار< بعقليّته القديمة وأفكاره الضَيِّقة في الاعتراض على هذا المذهب الإسلاميّ العظيم، وأخطأ الأُستاذ المازني في نقل ذلك على صفحات كتابه، فما الذي حدا بالأُستاذ المؤلِّف الذي يعرف من قوانين الإسلام ونُظُمه شيئاً كثيراً ويتذّرع بذوق القرن العشـرين، ويستنير بنور الكهرباء والذرّة أن يهبط معهما إلى هذا الدرك الأسفل وهذا المستوى الوضيع؟ وهو الداعي إلى الانطلاق بالأفكار من الآفاق الضَيِّقة والنظرات المحدودة.
ثُمَّ إنَّ هناك نظريّةً أُخرى تبنّاها وركّز عليها بحثه في مختلف أنحاء كتابه، تدور حول إيقاع الألفاظ وجرسها وموسيقاها، حيث تُـحدِثُ الألفاظ ظلالاً ومشاعر في نفس الأديب والسامع، تسمو على معانيها اللّغويّة، وذلك ليصوِّر
ــــــــ[152]ـــــ
(1) النقد الأدبي أُصوله ومناهجه: 217- 218، المنهج النفسيّ.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بها لنا الأديب درجة انفعاله الشعريّ النفسيّ حول أيّ أمرٍ من الأُمور.
وفي ذلك يقول: (ووظيفة الأديب حينئذٍ أن يهيِّئ للألفاظ نظاماً ونَسَقاً وجوّاً يسمح لها بأن تُشِعّ أكبر شحنتها من الصور والظلال والإيقاع، وأن تتناسق ظلالها وإيقاعاتها مع الجوِّ الشعوريّ الذي تريد أن ترسمه، وألَّا يقف بها عند الدلالة المعنويّة الذهنيّة)(1) الجامدة.
وتصادفنا هذه النظريّة متلبِّسة صوراً مختلفة في كثير من بحوث الكتاب، فنراها في (العمل الأدبيّ)(2)، وفي (القيم الشعوريّة)(3)، و(التعبيريّة)(4)، وفي غالب (فنون العمل الأدبيّ)(5). ونجدها أيضاً في كلِّ من (المنهج النفسـيّ)(6)، و(الفنيّ)(7) من (مناهج النقد الأدبي)(8).
أمّا في (المنهج المتكامل)(9)، فنجد تكراراً لنظريّته عن اتّصال الشاعر بالنبع الكبير!
ومن طريف ما رواه عن كتابه (التصوير الفنّيّ في القرآن)(10)، كمثالٍ على جرس الألفاظ وإيقاعاتها، هذه الفقرات:
(تسمع الأُذن كلمة (اثَّاقلتم) في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}(11)؟ فيتصوّر الخيال ذلك
ــــــــ[153]ـــــ
(1) النقد الأدبي أُصوله ومناهجه: 39، القيم التعبيريّة.
(2) المصدر السابق: 9، وما بعدها.
(3) المصدر السابق: 22، وما بعدها.
(4) المصدر السابق: 34، وما بعدها.
(5) المصدر السابق: 54، وما بعدها.
(6) المصدر السابق: 184، وما بعدها.
(7) المصدر السابق: 117، وما بعدها.
(8) المصدر السابق: 114، وما بعدها.
(9) المصدر السابق: 225، وما بعدها.
(10) النقد الأدبي أُصوله ومناهجه: 40، القيم التعبيريّة.
(11) سورة التوبة، الآية: 38.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الجسم الـمُثَّاقل يرفعه الرافعون في جهدٍ فيسقط من أيديهم في ثقلٍ؛ إنَّ في هذه الكلمة (طنّاً) على الأقلّ من الأثقال… وتقرأ {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ}(1)، فترتسم صورة التَّبطئة في جرس العبارة كلّها، وفي جرس (لَيُبَطِّئَنَّ) خاصّة، وإن اللّسان ليكاد يتعثّر وهو يتخبّط فيها حتّى يصل ببطءٍ إلى نهايتها) (2).
ويقول في نفس الكتاب أيضاً: (وقد يشترك الجرس والظلّ في لفظٍ واحد، مثل: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً}(3)، فلفظ الدَّع يصوّر مدلوله بجرسه وظلّه جميعاً. وممّا يلاحَظ هنا أنَّ (الدَّعّ) هو الدفع في الظهور بعنف، وهذا الدفع في كثيرٍ من الأحيان يجعل المدفوع يخرج صوتاً غير إراديّ، صوت عين مشدّدة ساكنة، هكذا (آعّ)، وهو في جرسه أقرب ما يكون إلى جرس (الدعّ)(4).
ومن هنا نعلم أنَّ الأُستاذ القطب يتصوّر أنَّ لكلِّ نفسٍ على السواء خيالاً شاعريّاً واسعاً، وأُفقاً فكريّاً كبيراً، يخترق به مداليل الألفاظ اللغويّة، حيث ينظر وراءها إلى الظلال والإيقاع.
ويرى أنَّ هذه الظلال والإيقاعات منفصلةٌ ومباينةٌ لمعاني ألفاظها اللغويّة – وإن كانت مرتبطةً بها ارتباطاً وثيقاً- ولكن هل كان من الممكن أن يبقى لها نفس الظلّ والإيقاع لو فرضت جملةً أو موضوعةً لمعنىً لغويٍّ آخر؟
وحيث إنَّه يعزّ علينا ويؤسفنا حقّاً أن نعترض على هذا الفيلسوف
ــــــــ[154]ـــــ
(1) سورة النساء، الآية: 72.
(2) التصوير الفنّي في القرآن: 91- 92، التناسق الفنّي.
(3) سورة الطور، الآية: 13.
(4) التصوير الفنّي في القرآن: 95، التناسق الفنّي.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الأديب والناقد العبقريّ والباحث الإسلاميّ، وأن نُثِيرَ أيّ ملاحظة أو استفهام حول نظريّاته العميقة وآرائه الدقيقة، فسنغلق أعيننا عن هذه (النظرة) وننهي هذا البحث، رغم ما يمكننا أن نكتبه من الملاحظات الأُخرى حول بعض الموضوعات المختلفة، راجياً ألَّا يكون فيما كتبته (إيقاعاً) خشناً أو (جرساً) ثقيلاً.
والله من وراء القصد.
ــــــــ[155]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّ النظرة الحقيقيّة في هذا الكتاب(1) تُنتِج الاعتقاد بهذه الحقيقة
ــــــــ[157]ـــــ
( ) أي: كتاب (مع أبي العلاء في سجنه) لطه حسين (1889م- 1973م)، ولد في قرية الكيلو قريبة من مغاغة، إحدى مدن محافظة المنيا في الصعيد الأوسط المصريّ، وما مرَّ على عيني الطفل أربعة من الأعوام حتّى أصيبتا بالرمد، ما أطفا النور فيهما إلى الأبد، وكان والده حسين عليّ موظفاً صغيراً رقيق الحال في شركة السكّر، أدخله أبوه كتّاب القرية للشيخ محمّد جاد الربّ، لتعلّم العربيّة والحساب وتلاوة القرآن الكريم، وحفظه في مدّة قصيرة أذهلت أُستاذه وأترابه ووالده الذي كان يصحبه أحياناً لحضور حلقات الذكر، والاستماع عشاءً إلى قصص عنترة بن شداد، وأبو زيد الهلالي.
في سنة 1902م دخل طه حسين الأزهر للدراسة الدينيّة، والاستزادة من العلوم العربيّة، فحصل فيه ما تيسّر من الثقافة، ونال شهادته التي تخوّله التخصّص في الجامعة، لكنّه ضاق ذرعاً فيها، فكانت الأعوام الأربعة التي قضاها فيها- وهذا ما ذكره هو نفسه- وكأنَّها أربعون عاماً؛ وذلك بالنظر إلى رتابة الدراسة، وعقم المنهج، وعدم تطوّر الأساتذة والشيوخ وطرق وأساليب التدريس.
في الأزهر تلقّى العلم على يد عددٍ من الأساتذة والمشايخ، أبرزهم حسين المرصفي، والشيخ مصطفى المراغي، والشيخ محمّد بخيت، والشيخ عطا، والشيخ محمّد عبده، وقد أعجب بادئ الأمر كثيراً بآراء هذا الأخير واتّخذه مثالاً في الثورة على القديم والتحرّر من التقاليد.
في الجامعة المصرية تتلمذ على يد كلّ من أحمد زكي في دروس الحضارة الإسلاميّة،
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[158]ـــــ
وأحمد كمال باشا في الحضارة المصريّة القديمة، والمستشرق جويدي في التاريخ والجغرافيا. أمّا في الفلك فتتلمذ على كرنك نللينو، وفي اللّغات السامية القديمة على المستشرق ليتمان، وفي الفلسفة الإسلاميّة على سانتلانا، وفي تاريخ الحضارة الشرقيّة القديمة على ميلوني، والفلسفة على ماسينيون، والأدب الفرنسي على كليمانت.
أمّا في جامعة باريس فدرس التاريخ اليوناني على غلوتسس، والتاريخ الروماني على بلوك، والتاريخ الحديث على سيغنوبوس، وعلم الاجتماع على أميل دوركايم، وقد أشرف هذا ومعه بوغليه على أُطروحته عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعيّة، بمشاركة من بلوك وكازانوفا.
لما عاد إلى مصر سنة 1919م عُيّن طه حسين أُستاذاً للتاريخ اليوناني والروماني في الجامعة المصريّة، وكانت جامعة أهليّة، فلمّا ألحقت بالدولة سنة 1925م عيّنته وزارة المعارف أُستاذاً فيها للأدب العربي، فعميداً لكليّة الآداب في الجامعة نفسها، وذلك سنة 1928م، لكنّه لم يلبث في العمادة سوى يوم واحد؛ إذ قدّم استقالته من هذا المنصب تحت تأثير الضغط المعنويّ والأدبي الذي مارسه عليه الوفديون، خصوم الأحرار الدستوريّين الذي كان منهم طه حسين.
دعا طه حسين إلى نهضة أدبيّة، وعمل على الكتابة بأسلوبٍ سهلٍ واضحٍ مع المحافظة على مفردات اللّغة وقواعدها، ولقد أثارت آراؤه الكثيرين، كما وُجّهت له العديد من الاتّهامات، ولم يبال طه بهذه الثورة ولا بهذه المعارضات القويّة التي تعرّض لها، ولكن استمرّ في دعوته للتجديد والتحديث، فقام بتقديم العديد من الآراء التي تميّزت بالجرأة الشديدة والصراحة، فقد أخذ على المحيطين به ومن الأسلاف من المفكّرين والأدباء طرقهم التقليديّة في تدريس الأدب العربي، وضعف مستوى التدريس في المدارس الحكوميّة، ومدرسة القضاء وغيرها.
أُخذ على طه حسين دعوته إلى الأَوْرَبة، كما أُخذ عليه قوله بانعدام وجود دليل على وجود النبيّين إبراهيم وإسماعيل فضلاً عن زيارتهما الحجاز ورفعهم الكعبة، سالكاً بذلك المنهج الديكارتي في التشكيك، ويقول في هذا الصدد: للتوراة أن تحدّثنا عن
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الناصعة، وهي أنَّ مؤلِّفه لغزٌ يحاول حلّ لغزٍ، وفيلسوفٌ يحاول فهم فيلسوفٍ، وأديبٌ يحاول نقد أديبٍ، ولكن فلسفتهما من جنسٍ خاصّ، وأدبهما من جنسٍ خاصّ أيضاً. والإنسان لا يمكنه أن يتذرَّع بما تذرَّعا به من أدبٍ وفلسفةٍ إلَّا أن يكون مثلهما أعمى، منصرفاً إلى نفسه، يملي على صاحبه حرفاً حرفاً وكلمةً كلمةً بدون أن يعلم ماذا يكتب صاحبه على الورق.
وهذه الفلسفة التي أشرت قبل قليل إلى أنَّهما يشتركان بها بأحد وجوه الاشتراك، لا تَـمُتُّ إلى ما يتدارسه الناس من الإلهيّات والطبيعيّات أو البحث عن حقائق الأشياء الذاتيّة، وإنَّما هي منبثقةٌ من صميمهما مُشَعّةٌ من نفسيهما، وذلك باشتراكهما بآفةٍ واحدة، وأنَّهما لم يريا من عالم الـمُبصـِرين ما يقوّمان به فلسفتهما في الحياة. ولكنّهما لم يشتركا بأسلوب هذه الفلسفة وماهيّتها؛ على ما يظهر من الكتاب.
فنحن نتمتّع في أوّل فصلٍ من فصول هذا الكتاب بأديب القرن العشـرين وأديب القرن العاشر، ونقضـي معهما دقائق لذيذةً نشوى، وهما يتناجيان ويتطارحان الحديث حول آفتهما المشتركة وما تركته من أثرٍ بليغ في فلسفتهما في الحياة. فنجد أنَّ فيلسوف القرن العاشر عابسٌ مُكفَهرّ، يجد الدنيا شرّاً في شرّ، والحياة فيها ثقلٌ على ثقل، وينظر إلى الدنيا من خلال سجونه ــــــــ[159]ـــــ
إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدّثنا عنهما، ولكن هذا لا يكفي لصحّة وجودهما التاريخيّ.
كما انتُقد لمساندته عبد الحميد بخيت إمام الأزهر في فتوى جواز الإفطار في نهار رمضان لمـَن يجد أدنى مشقّة. واتُّهم بالكفر والإلحاد. راجع كتاب: طه حسين العقل والدين (لعبد الرزاق عبد).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الثلاثة، متجهّمةً له عابسةً بوجهه، هذه السجون الثلاثة التي عَبَّر عنها بقوله(1):
أَرَانِي في الثَّلَاثَةِ مِنْ سُجُونِي |
| فَلَا تَسْأَلْ عَنِ الْخَبَرِ النَّبِيثِ |
أمّا فيلسوف القرن العشرين، فنجده ضاحكاً مستبشـراً تتّسع ابتسامته كلّما سمع صوت ذلك الشيخ في بيتٍ أو قصيدةٍ من (اللزوميّات)(2)، أو فقرةٍ من (الفصول والغايات)(3)، وينفتح قلبه للنسيم الرطب، والهواء العذب، والأغاريد الجميلة، والعرف اللطيف.
والواقع أنَّ الدكتور طه حسين بوصفه بطلاً من أبطال الأدب العربي المعاصر، وبوصفه مشتركاً مع أبي العلاء المعرّي(4) في آفةٍ واحدة، فهو إذن
ــــــــ[160]ـــــ
([1]) اللزوميّات 1: 188، فصل الثاء. وفيه: >وكونِ النفْسِ في الجسدِ الخبيثِ<.
(2) وهو ديوان شعريّ ضخم للمعرّي.
(3) للمعرّي أيضاً. وهو عبارة عن مجموعةٍ من المواعظ. وهو من أكثر كتبه إثارةً للجدل. ويفترض بعض العلماء أنَّ المعرّي كتبها لإثبات أنَّ لغة القرآن ليست معجزة، إلَّا أنَّه ليس كلّ العلماء يتّفقون مع هذا التفسير.
(4) أبو العلاء المعرّي (363- 449 ه – 973- 1057م)، أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخيّ المعرّي: شاعرٌ فيلسوف. وُلد ومات في معرّة النعمان. كان نحيف الجسم، أصيب بالجدريّ صغيراً فعمي في السنة الرابعة من عمره. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. ورحل إلى بغداد سنة 398 هـ، فأقام بها سنةً وسبعة أشهر. وهو من بيت علمٍ كبير في بلده. ولمـّا مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه. وكان يحرّم إيلام الحيوان، ولم يأكل اللّحم خمساً وأربعين سنة. وكان يلبس خشن الثياب. أمّا شعره وهو ديوان حكمته وفلسفته، فثلاثة أقسام: (لزوم ما لا يلزم)، ويعرف باللزوميّات، و( سقط الزند)، و(ضوء السقط)، وقد تُرجم كثيرٌ من شعره إلى غير العربيّة، وأمّا كتبه فكثيرةٌ وفهرسها في معجم الأدباء.
وقال ابن خلكان: من تصانيفه كتاب (الأيك والغصون) في الأدب يربى على مئة جزء. وله (تاج الحرّة) في النساء وأخلاقهن وعظاتهن، أربع مئة كرّاس، و(عبث الوليد) شرح به ونقد ديوان البحتري، و(رسالة الملائكة) صغيرة، وهي مقدّمتها، ثُمَّ نشر المجمع العلمي الرسالة كاملةً، و(شرح ديوان المتنبّي) جزآن، تمَّ نسخهما سنة 1059ه ، في خزانة الشيخ محمّد طاهر بن عاشور بتونس. و(رسالة الغفران) من أشهر كتبه، و(ملقى السبيل) رسالة، و(مجموع رسائله)، و(خطبة الفصيح) ضمّنها كلّ ما حواه فصيح ثعلب، و(الرسائل الإغريقيّة)، و(الرسالة المنبجية)، و(الفصول والغايات) الجزء الأوّل منه، و(اللامع العزيزي)، في مخطوطات جامعة الرياض، وهو شرح لديوان المتنبّي، ألَّفه لعزيز الدولة فاتك بن عبد الله (240 ورقة)، ولكثير من الباحثين تصانيف في آراء المعرّي وفلسفته. راجع الأعلام (للزركليّ) 1: 157، ومعجم المؤلِّفين 1: 290.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الأديب الوحيد الذي يمكن أن نعدُّه أهلاً لدراسة أبي العلاء ومعرفة نفسيّته ونظرته إلى الحياة.
وهو الوحيد أيضاً الذي يمكن أن يجعل حلّه لهذا اللغز حلاً مقبولاً ومصيباً كبدَ الحقيقة إلى حدٍّ كبير.
والكتاب لمـَن تعمَّق به ليس إلَّا دراسة نفسيّة للخواطر والمشاعر والآلام والآمال التي تدور في رأس ذلك الشيخ المسكين متناقضةً صاخبة، دراسةً صادرة (عن القلب الذي يحبُّ ويرحم، ويعطف لا عن العقل الذي يُـمَحِّص ويُـحلّل، ويقسو في التمحيص والتحليل)(1).
ثُمَّ يفترض الدكتور على ضوء الحقائق التأريخيّة الواردة عنه، مبرّراتٍ
ــــــــ[161]ـــــ
(1) مع أبي العلاء في سجنه: 25.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
لأوضاعه الشاذّة وفلسفاته المتناقضة، ولكنّه يتحدّث إلينا (عن صديقٍ لا يُرجى نفعه ولا يُتَّقَى شَرُّه)(1).
ولكن هل اهتدى الدكتور في سبر أغوار ذلك اللغز أم أنَّه تاه وضلّت به السبيل؟ والظاهر أنَّه عرف شيئاً وغابت عنه أشياء كثيرة، فهو يفترض في عدّة مواضع افتراضاتٍ تدور حول مختلف أُمور ذلك الشيخ، ولكنّه يهمل حتّى الافتراض في أشياء أُخرى كثيرة.
وممّا يحضـرني من افتراضاته في أبي العلاء: الكلام الطويل العريض الذي برهن به على (أنَّ اللزوميّات ليست نتيجة العمل، وإنَّما هي نتيجة الفراغ)(2). وافتراضه أنَّه يُنكِر العلّة الغائيّة في خلق هذا العالم، على ضوء كلامٍ لأبي العلاء يقرِّر فيه أنَّ في إمكان خالق هذا الكون أن يركِّب الإنسان والطبيعة بشكلٍ آخر، فربط بينه وبين الفلسفة الأبيقوريّة قسراً.
ولكنَّنا لا نكاد نجد في مطاوي الكتاب ذكر أيّ مبرّرٍ على نحو الحقيقة أو الافتراض لجانب من الجوانب المهمّة في الفلسفة العلائيّة، وهو تناقض أفكاره وتضارب آرائه في أقواله وأشعاره.
ولعلّي أتوفّق الآن إلى شرح نظريّةٍ من رأيي الخاصّ، تفـسِّر تناقض فلسفة أبي العلاء المعرّي واعتراضه على الأنبياء، بما يدلُّ على الشكِّ بأقوالهم وتعاليمهم، بل على اليقين بالعدم في بعض الأحيان.
فالفلسفة العلائيّة حول المعتقدات الدينيّة إنَّما نشأت وترعرعت بين آراء المذاهب المختلفة والأقوال المتضاربة حول أيِّ أمرٍ من أُمور الكلام أو الفلسفة أو أُصول الدين وفروعه، وكلّ هذه الآراء لا يَمُتُّ إلى الحقّ والصواب
ــــــــ[162]ـــــ
(1) مع أبي العلاء في سجنه: 31.
(2) مع أبي العلاء في سجنه: 101.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بطريقٍ مُبهم ولا لاحب، وإنَّما هي آراءٌ وأفكارٌ استحدثها العقل الإنسانيّ القاصر، بعد أن قطع نفسه عن مصدر الوحي والتنـزيل وعن خلفاء الله في أرضه، وحججه على خلقه، استحدثها لإرضاء عصبيّاته، وإشباع شهواته، وإغراء البسطاء، والتمويه على العامّة لتفريقهم عن مصدر سعادتهم وخيرهم.
وهذه الآراء المتضاربة والمذاهب المتحاربة لا تُوَرِّثُ لمـَن اطّلع عليها إلَّا الشكّ والشبهة، وإلَّا الانغماس بالحيرة والضلال؛ وذلك لاحتشادها بالأقوال الباطلة والحقائق المزيّفة التي تُهلِكُ سالكها وتُضِلُّ طارقها.
وكانت هذه المذاهب المتعدّدة والأفكار المشتّتة لا يغفلها الحرب فيما بينها عن مقارعة الحقّ ومصارعة الوحي والتنـزيل، وتشويه آرائه عند العامّة والخاصّة والبسطاء والمفكّرين، فكانت الدعاية المغرضة والإشاعات المسمومة لا تزال تنطلق من تلك المدافع الناريّة على أنَّ دين العترة الطاهرة ومذهب مَن تمسّك بهم ولجأ إليهم، مليءٌ بالأباطيل محشوٌّ بالمفتريات {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(1).
فكان من الحقِّ أن تتيه الفلسفة العلائيّة بين الخِضَمِّ الأكبر من الأباطيل والضلال، ولا تعلم أيّ طريقٍ تسلك، ولا من أيّ سبيلٍ تنجو، وهي لم تطّلع على الحقِّ الصريح والحقيقة المجرّدة وأقوال الله ورسوله’ بصورةٍ واضحة؛ لأنَّها كانت أمامه مطموسة المعالم من جرّاء الدعايات التي يطلقها أهل الضلال والفساد(2).
ــــــــ[163]ـــــ
([1]) سورة الصف، الآية: 8.
(2) وهو يحسبهم – كلّهم- على حقٍّ فيما يدّعون من المذاهب التي يدينون بها أو الدعايات التي يطلقونها (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وكان من الحقِّ ألَّا نعجب لفلسفته المتناقضة وآرائه المشتّتة التي يبديها بين حينٍ وآخر شعراً أو نثراً، بل العجب – في الواقع- يجب أن ينصبّ على كيفيّة اتّحاد كميّة من الشعر والنثر في المعنى عنده، بل كان يجب أن يختلف أبو العلاء في كلِّ بيتٍ ينظمه وكلّ فقرةٍ يقولها، فيُبدِي في كلِّ واحدةٍ رأياً من الآراء ومذهباً من المذاهب؛ وذلك لأنَّ الشخص المطَّلع على تلك المذاهب المختلفة بأساليبها المتناقضة وآرائها المتباينة، كلّما كان متعمّقاً فيها بصورةٍ أكبر، مع ابتعاده عن الحقِّ وضلاله عن الحقيقة، كلّما كان طريق الشكّ إلى قلبه أسهل، والحيرة في مذاهبه أدعى.
وكان من الحقِّ أيضاً لأبي العلاء المعري أن يَتَّهم الأنبياء بصورةٍ بذيئة، ويعترض عليهم بصورةٍ منكرة، لا أنَّ الأنبياء هم أهلٌ لذلك ولا أنَّ أبا العلاء صادف الحقيقة فصدف عنها وعافها؛ بل لأنَّ آراء الأنبياء التي يحفظها فكره ويجول بها خاطره، والتي استغنى بها عن حضور الأُستاذ قبل العشـرين من عمره، إنَّما هي آراءٌ مبتورة، وأفكارٌ مشوَّهة، لا يمكن أن يعلم حقّها من ضلالها، ولا صدقها من كذبها. فلا المسلمون ولا النصارى ولا اليهود استطاعوا أن يوصلوا إلى أبي العلاء فلسفة أنبيائهم بصورةٍ ناصعة، ولا استطاع أبو العلاء نفسه أن يخترق حجب الضباب الكثيفة ليطَّلِع على النور من مصدره.
ومن الحقِّ أيضاً لفلسفة أبي العلاء الحائرة، ألَّا تجد في أيّ دينٍ من الأديان أو أيّ مذهبٍ من المذاهب ما يُرضي فضولها ويجيب على سؤالها ويشفي غليلها بصورةٍ مُقنِعة ومُرضِية.
ومن حقّها إذن أن تعترض على المذاهب والأديان وتستفهم استفهاماً إنكاريّاً من مختلف هذه المذاهب حول أيّ أمرٍ من الأُمور، ساخرةً منها منكرةً عليها.
ــــــــ[164]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فكان من الحقِّ – بعد كلِّ ذلك- أن يستخدم أبو العلاء عقله الوحيد وفكره المجرَّد؛ ليَزِنَ به مختلف الآراء ويجيب به على مختلف المسائل، ويعتمد عليه في كلِّ مُعضلةٍ ومُشكلة، وكلّ رأيٍ وفلسفة، ويجعله الموصل الأكبر لطريق الهداية والرشاد.
ومن الحقِّ أيضاً – نتيجةً لذلك- أن يضلّه عقله الإنسانيّ القاصر ضلالاً جديداً، ويفتح أمامه طريقاً آخر يوصله إلى الشكِّ والشبهة والضلال، وإن كانت الفلسفة العلائيّة التي تدور في حلقة مُفرَغَة من الأوهام والأباطيل، إنَّما هي فلسفةٌ (لا أدريّة)، فلسفةُ شكٍّ وتردُّد، وليست فلسفةَ يقين وجزم، وفي هذا ما يفتح أمام عين أبي العلاء المغمضة طريقاً آخر نحو الأوهام الـمُخَرِّبة والآراء المضلِّلة.
كلّ هذا إذا أضفناه إلى سخط أبي العلاء على نفسه وحياته وعبوسه بوجه دنياه وإضماره السوء لكلِّ أوضاع هذه الدنيا الوضيعة، وهذه الأعراض الزائلة، فينتج لدينا الرضا والاقتناع بأنَّ أبا العلاء كان من حقّه أن يقول(1):
وَقَدْ غَلَبَ الأَحْيَاءَ في كِلِّ وِجْهَةٍ |
| هَوَاهُمْ وَإنْ كَانُوا غَطَارِفَةً غُلْبا |
ومن هذه الأبيات أيضاً نرى أنَّه لم يَبقَ لأبي العلاء من تلك المذاهب المضلِّلة والآراء المختلفة، سوى الاعتراف بالله تعالى؛ لأنَّه القدر المشترك الوحيد بين ما اطَّلَعَ عليه من مذاهب وأديان، مع اختلافهم في أُمورٍ كثيرة حول هذا المبدأ الوحيد أيضاً. هذا مع استناد هذا المبدأ إلى الفطرة والعقل
ــــــــ[165]ـــــ
(1) اللزوميّات 1: 91، الباء المفتوحة مع اللام.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
اللذين يتمتّع أبو العلاء بمسكةٍ منهما.
وكان من الحقِّ أيضاً- نتيجة لكلا العاملين- أن يقبع أبو العلاء في بيته ويضيف إلى سجينه سجناً ثالثاً وإلى نفسه همّاً جديداً ويأساً قاتلاً، وأن يضيق من التعليم والإملاء وجلوسه مجلس المعلّم أمام حفنةٍ من التلاميذ(1)، فيقول(2):
وَمَاذَا يَبْتَغِي الـْجُلَسَاءُ عِنْدِي |
| أَرَادُوا مَنْطِقِي وَأرَدْتُ صَمْتِي |
ويقول(3):
أمَا لِـي فِيمَا أَرَى رَاحَةً |
| مَدَى الدَّهْرِ مِنْ هَذَيَانِ الآمَالِ |
وذلك ليشيح بوجهه عن هذه المذاهب المتضاربة، ويعزف عن الإدلاء برأيه في مضمار الآراء المختلفة، وينجي نفسه من الأخلاق الوضيعة والعادات الدنيئة والحروب الدمويّة التي نتجت عن اختلاف هذه المذاهب وتضاربها.
ولعلّ هذا يبدو واضحاً إذا أضفنا إليه عامل الأنانيّة الشديدة التي كان يتمتّع أبو العلاء بقسطٍ وافرٍ منها، فيما يبدو.
أمّا الدكتور طه حسين فأراد أن يعزو جميع هذه المفارقات إلى سجنه الثالث (السجن الفلسفيّ)، وإلى قوّة إرادته وكثرة اعتماده على عقله، ولعلّ في هذا شيئاً من الحقيقة، إلَّا أنَّ هذه العوامل أسبابٌ متفرّعةٌ عن أسبابٍ ونتائج تشعّبت منها نتائج.
ولعلّ بحث الدكتور طه حسين هذا حول أبي العلاء، والذي حاول فيه ــــــــ[166]ـــــ
([1]) لأنَّه لا يعلم ما يبديه لهم من الآراء؛ حيث إنَّه لا يطمئنّ حتّى لأحكام عقله المجرّد (منه+).
(2) اللزوميّات 1: 176، التاء المكسورة مع الميم.
(3) اللزوميّات 2: 252، اللام المكسورة مع الميم.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أن يصوّر لنا أفكاره وفلسفته ونظرته إلى الحياة، وحاول تبرير كلّ ذلك وتفسيره بصورةٍ مُقنِعَةٍ له مُرضِيَةٍ لفضوله.
لعلّ هذا البحث إنَّما يصلح لتصوير نفسيّة أبي العلاء التي نتجت عن العاهة المشتركة بينهما، حيث يشاطره أحاسيسه حولها بشكلٍ من الأشكال. ولكنّه لا يصلح لتصوير فلسفة أبي العلاء الدينيّة والعقائديّة أو رأيه في الناس والمجتمع، وسبب انبثاق هذه الفلسفة عنه. إلَّا إذا لاحظنا الحقائق التأريخيّة والأبيات والفقرات العلائيّة التي ذكرها.
أمّا التعليقات والتخمينات والحواشي التي أضفاها عليه وعاش بها مع أبي العلاء مدّةً من الزمن، فهي لا تعدو حتّى عند الدكتور نفسه إلَّا أن تكون مُـحتمِلَةً للواقع ومُقترِبَةً من الصدق والإنصاف، لا أنَّها مصيبةٌ كبد الحقيقة ومُستمَدَّةٌ من ضوء الواقع.
وإنَّني لا يمكن بدوري أن أزعم لنفسـي أو لأيّ أحدٍ من الناس، أنَّ ما ذكرته عن أبي العلاء هو الحقيقة المجرَّدة والواقع الناصع والحقّ الصـريح، ولكنّه ترجيح يَقرُبُ في نفسي من اليقين، ورأيٌ أُدلِيهِ في مضمار الآراء، لعلّه قد أصاب الواقع، ولعلّه قد أخطأه في الحقيقة ونفس الأمر.
الثلاثاء 18/1/1380- 12/7/1960م
محمّد الصدر
النجف – العراق
ــــــــ[167]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كنت أتّهم الدكتور طه حسين بالإسهاب بالكلام والإسفاف إلى الحواشي والتذويق بدون أيّ داعٍٍ جوهريّ في معناه أو غَرَضِهِ.
وإذا بي أجد العقّاد(1)، وهو ذو فلسفةٍ أعمق، ومقدرةٍ أكثر على التَّطويل
ــــــــ[168]ـــــ
([1]) عباس محمود العقّاد (1889م- 1964م) ولِدَ في مدينة أسوان بصعيد مصر، ونشأ في أُسرةٍ كريمة، وتلقّى تعليمه الابتدائيّ بمدرسة أسوان الأميريّة، وحصل منها على الشهادة الابتدائيّة سنة (1903م) وهو في الرابعة عشرة من عمره.
وفي أثناء دراسته كان يتردّد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدبٍ وعلم، فأحبّ الفتى الصغير القراءة والاطّلاع، فكان ممّا قرأه في هذه الفترة >المسْتَطْرَف في كل فنّ مستظرف< للأبشيهي، و>قصص ألف ليلة وليلة<، وديوان البهاء، وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربيّة والإفرنجيّة، وبدأ في نظم الشعر.
ولم يكمل العقّاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائيّة، بل عمل موظّفاً في الحكومة بمدينة قنا سنة (1905م)، ثُمَّ نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (1907م) وعمل في القسم المالي بمديريّة الشرقيّة، وفي هذه السنة توفّي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقرّ بها.
ضاق العقّاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أملٌ في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتّجه إليها، وكان أوّل اتّصاله بها في سنة (1907م) حين عمل مع العلّامة محمّد فريد وجدي في جريدة الدستور اليوميّة التي كان
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[169]ـــــ
يصدرها، وتحمّل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأوّل حتّى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير.
وبعد توقّف الجريدة عاد العقاد سنة (1912م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنّه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيّد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيّد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترةً مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثُمَّ عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (1917م) وكانت تَصْدُر بالإسكندريّة، ثُمَّ تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (1919م) واشتغل بالحركة الوطنيّة التي اشتغلت بعد ثورة 1919م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعاً عن حقوق الوطن في الحريّة والاستقلال، وأصبح الكاتب الأوّل لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأُخرى، ودخل في معارك حاميةٍ مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأُمّة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة.
وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (1923م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، ولمع اسمه، وذاع صيته وانْتُخب عضواً بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنصّ إحداهما على أنَّ الأُمّة مصدر السلطات، والأُخرى أنَّ الوزارة مسؤولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقّاد من تحت قبّة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلاً: إنَّ الأُمّة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه. وقد كلّفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (1930م) بتهمة العيب في الذات الملكيّة.
وظل العقّاد منتمياً لحزب الوفد حتّى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة (1935م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقلّ بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روز اليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلّة الأزهر.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
والإسهاب والدوران حول الخطوط الناعمة الصغيرة، والإعراض عن الخطِّ العريض في الموضوع. وليس هذا الأُسلوب خالياً من لذَّةٍ في بعض الأحيان، خاصّةً من مثل الدكتور طه حسين والأُستاذ العقّاد؛ حيث تسمو الروح إلى رفيع شأوهم، وتقتبس من ساطع نورهم، وكلّ لفظةٍ من ألفاظهم هي- في الحقيقة والواقع- آيةٌ من آيات الجمال على رغم بساطتها وخِفَّتِها، بل لعلّ هذا
ــــــــ[170]ـــــ
كَتَبَ العقّاد عشرات الكتب في موضوعاتٍ مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللّغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكّرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القويّة في مصر.
ووضع في الدراسات النقديّة واللغوية مؤلّفات كثيرة، أشهرها كتاب: الديوان في النقد والأدب، وكتاب ابن الرومي حياته من شعره، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللّغة الشاعريّة، والتعريف بشكسبير.
وله في السياسة عدّة كتب يأتي في مقدّمتها: الحكم المطلق في القرن العشرين، وهتلر في الميزان، وأفيون الشعوب، وفلاسفة الحكم في العصر الحديث، والشيوعية والإسلام، والنازيّة والأديان، ولا شيوعيّة ولا استعمار.
وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعيّة والنظم الاستبداديّة، ويمجّد الديمقراطيّة التي تكفل حريّة الفرد، الذي يشعر بأنَّه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقّق له مزيّة، وهو يُعِدُّ الشيوعيّة مذهباً هدَّاماً يقضي على جهود الإنسانيّة في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحيّة الحيوانيّة إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حريّة الفكر وحريّة الضمير. راجع كتاب أنا- سيرة قلم (للعقاد نفسه)، المجموعة الكاملة، المجلّد الثالث، السيرة الذاتيّة.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الجمال الرائع إنَّما هو مُسبَّبٌ من هذه البساطة وهذه الخِفَّة مع بُعدِ الغَور وعمق المعنى، واستخدام العقل والخيال في وقتٍ واحد.
ولكنّني- بالطبع- أجهل سبب تعلّق جملةٍ من الأدباء بأسلوب التَّطويل والإسهاب، خاصّة ممّن يكون التطويل في كلامهم لا يؤدّي إلَّا إلى شيءٍ من السأم والملال.
فمن المحتمل أنَّهم إنَّما يقصدون إشعار القارئ بهذه اللّذة وإثارة مشاعره وأحاسيسه النفسيّة بالنكتة الظريفة والخاطر العابر.
ولكن الذي لا إشكال فيه أنَّ القارئ عندما يتوجّه بالقراءة إلى أيّ فصلٍ من الفصول أو مقالةٍ من المقالات، إنَّما يقصد منها (الخطّ العريض) والمعنى الجوهريّ. فمن المؤسِف حقّاً أنَّه حينما يأتي إلى آخر الفصل لا يجد بين يديه من المعنى الجوهريّ إلَّا شيئاً قليلاً بسيطاً بالنسبة لما صَبَّهُ الأديب في الفصل من المعاني الشعريّة والحواشي الخياليّة.
وهذا إذا أردنا أن نفرِّط في حسن الظنِّ بالأُدباء والمتأدِّبين، ونغالي في تقديرهم. ولكن باستطاعتنا أن ندّعي أنَّهم إنَّما يطلبون التَّطويل ويقصدونه بإلحاحٍ وإصرار؛ لأنَّه غاية، لا لأنَّه وسيلة، غاية لتسويد الورق وضخامة الكتاب، وذلك ليحمل الكتاب أكبر كميّةٍ ممكنةٍ من الشأن والأُبّهة في عيون الناظرين.
وهذا قائمٌ على الزعم أنَّ الفخر بضخامة الكتاب وإن كان ملازماً لضحالة المعنى ورداءته، وهذا – مع الأسف- نظريّةٌ شائعةٌ كثيرة الاستعمال. نرى من أثرها أنَّ المؤلِّف إن لم يجد السُّمْك الـمُرضي من كتابه، أكثَرَ من الفهارس والأوراق البيضاء.
ولعلّ في هذا كمّيّةً كبيرةً من سوء الظنّ والإجحاف بالأُدباء والمتأدّبين،
ــــــــ[171]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كما كان في ذلك الرأي مغالاةٌ في حسن الظنِّ والتقدير. ولكن باستطاعتنا أن نتحدّى الأُدباء في أن يُثبِتُوا لنا بالدليل الـمُقنِع، بلسانهم أو لسان حالهم أنَّهم لم يقصدوا ذلك من التطويل والإسهاب في الكلام.
ولعلّ واقع الأمر أنَّ الأديب كلّما كَثُرَ أدبه قويت انفعالاته، كالتاجر كلّما كَثُرَ ماله كَثُرَت مشترياته. حتّى ليحار (التاجر الكبير) ماذا يشتري وفي أيّ سوقٍ يدخل، وحتّى أنَّه ليتمنّى أن يشتري الأرض وما فيها، و(هَوَس الشـراء) إنَّما هو تابعٌ لـ (ميزانيّة التاجر) نفسه، فكلّما كَثُرَ ماله كَثُرَ شراؤه.
ولعلّ هذه هي النظرة الواقعيّة التي يجب أن نوجّهها إلى الأُدباء، فهم بحكم غريزتهم الأدبيّة وانفعالاتهم النفسيّة مجبورون جبراً على الإكثار من الكلام والتطويل فيه وتكثير مواضيعه، ليوفّوا هذه الغريزة وليشبعوا هذه الشهوة، حتّى ليخلق الأديب في هذا المضمار أشياء كثيرةً من العدم ويصوغ دُرَراً من التراب.
فـ(ضرورة الصدور) بالنسبة للأديب شيءٌ ضروريّ، بل جوهريٌّ وذاتيٌّ بالنسبة لإنشائه وإنشاده.
فالأديب مهما بلغ من الحذق والبراعة، لا يمكن أن يكتب شيئاً جميلاً، ولا أن يصوغ ذهباً إبريزاً إلَّا إذا انكشفت أمام نفسه آفاق الجمال، وشَمَّ (بأنفه) عرف الحبّ والحياة، بحيث يستطيع أن يملأ جوهرته ضوءاً وقصيدته حياةً، وفقراته روحاً ونشاطاً.
(ففي بعض الحالات يكون الانفعال من التَّوهُّج والحرارة والإشراق، بحيث يغمر إحساس الأديب ويجعله في شبه نشوةٍ أو نصف غيبوبة)(1).
ــــــــ[172]ـــــ
([1]) النقد الأدبي: 38 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فهذا التوهّج والإشراق مهما قَلَّ في نفس الأديب، لابدَّ وأن يأخذ بزمام نفسه إلى حيث يريد لا إلى حيث يريد الأديب بدون أن يشعر أو يختار، فينطلق الأديب على سجيّته كالشهاب الثاقب، وهو رهن خياله وفكره غير مختار، ولا يمكن أن يكون مختاراً فيما يكتبه أو ينظمه. فالطول والقصر إذن رهن خيال الأديب وليس رهن الأديب نفسه.
فنحن نجد العقّاد في هذا الكتاب، وقد انفعل بابن الرومي(1) وشعره انفعالاً قويّاً، مدّعياً أنَّ ديوانه يمثّل حياته وأحاسيسه كلّها؛ لأنَّ ابن الرومي
– حسب ما يدّعيه- كان يَنظِمُ شعراً كلّ لحظةٍ يعيشها من حياته.
ــــــــ[173]ـــــ
([1]) ابن الروميّ (221- 283ه – 836- 896 م)، عليّ بن العباس بن جريج، أو جورجيس الروميّ، أبو الحسن: شاعر كبير، من طبقة بشّار والمتنبي، روميّ الأصل، كان جدّه من موالي بني العباس، وُلد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل: دسّ له السمّ القاسم بن عبيد الله (وزير المعتضد)، وكان ابن الروميّ قد هجاه. قال المرزباني: لا أعلم أنَّه مدح أحداً من رئيس أو مرؤوس إلَّا وعاد إليه فهجاه، ولذلك قلّت فائدته من قول الشعر وتحاماه الرؤساء وكان سبباً لوفاته. وكان ينحل مثقالاً الواسطي أشعاره في هجاء القحطبي وغيره، قال المرزباني أيضاً: وأخطأ محمّد بن داود فيما رواه لمثقال من أشعار ابن الروميّ التي ليس في طاقة مثقال ولا أحد من شعراء زمانه أن يقول مثلها غير ابن الروميّ. له ديوان شعرٍ في ثلاثة أجزاء، وقد بوشر طبعه، واختصره كامل الكيلاني، وسمّى المختصر: ديوان ابن الروميّ، ولأحمد بن عبيد الله الثقفيّ (ت: 319) كتاب (أخبار ابن الروميّ والاختيارات من شعره)، ولعبّاس محمود العقّاد (حياة ابن الروميّ)، ولعمر فروخ (ابن الروميّ)، ومثله لمدحت عكّاش، ولحنا نمر، وللمستشرق رفون جست ( Rhuvon Guest ) كتاب (حياة ابن الروميّ) بالإنجليزيّة. الأعلام (للزركليّ) 4: 297.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فهو يمثِّل مختلف أدوار هذه الحياة التي عاشها ومختلف مشاعره والحوادث التي صادفها خلال هذه الأدوار، وهو يمثّل أيضاً ذوقه أمام المجتمع وأمام الناس وأمام مجالس اللهو ومساجد العبادة، وأمام كلّ شيءٍ حتّى ذوقه في الطعام.
ولكن هل أصاب العقّاد في دراسته هذه لابن الرومي؟
فنحن نعلم أنَّ الشعراء {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ*وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}(1)، وأنَّ الأبيات التي ينظِمها الشاعر لا يمكن أن تكون إلَّا فكرةً وردت في مخيّلته أو خاطِرَة مَرَّت على ذهنه في وقت نَظمِهِ. ولهذا يمكن الزعم أنَّ شعر الأديب لا يمثّل حياته الخارجيّة بقليلٍ ولا كثير؛ لأنَّ هذه الفكرة أو الخاطرة إنَّما هي أشياء (ذاتيّة) ولا اتّصال لها بالواقع الخارجيّ (الموضوعيّ)، ولا يمكن أن تَدُلَّ عليه؛ فإنَّه حين يصف الموز- مثلاً- ويدَّعي بأنَّ البلع يكاد أن يدفعه إلى القلوب، يحتمل أنَّه وصفه وهو يكرهه أشدّ الكره ويشمئزّ منه أكبر اشمئزاز، وهذا المدح إنَّما هو مجرّد فكرة طرأت على فكره الفيّاض بالخيال العبق ونفسه الفوّاحة.
ولكن يمكن أن يُقال – كما قال الأُستاذ العقّاد-: إنَّه إنَّما يصف الموز أو السمك؛ لأنَّه يحبّه، ولأنَّه يرغب أن يأكله بصورةٍ واقعيّة، وإنَّما ينعى الشباب؛ لأنَّه يشتاق إليه اشتياق آيسٍ من اللقاء، وكذلك غيره من الأُمور.
ويمكننا أيضاً أن نتّخذ بين هذين السبيلين المتضادّين سبيلاً ثالثاً وسطاً، وهو أن يُقال:
إنَّ ما اتّصل من نتاجه الأدبيّ، وما يمثّل انفعالاته النفسيّة شعراً أو نثراً،
ــــــــ[174]ـــــ
(1) سورة الشعراء، الآيتان: 225- 226.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بقضيّةٍ تأريخيّةٍ أو بذمِّ شخصٍ أو مدحه- بدون الطمع بالعوض- أو أيّ حاجةٍ اعتياديّةٍ من حاجات هذه الحياة، فهو لابدَّ أن يكون صادراً عن هذه الحاجة ومنبثقاً منها وممثّلاً لواقعها الخارجيّ (الموضوعيّ)، بالإضافة إلى انفعاله النفسيّ (الذاتيّ).
أمّا مدح الموز والسمك واللوزينج، ووصف مجالس اللهو ومحراب العبادة، وما ذكر في شعره من أنَّه (يغربل في مشيه)، أو أنَّ أوصافه بالصورة المعيّنة الفلانيّة، أو أنَّ الأحدب الذي يتشاءم منه كمَن صفع في قفاه وهو لا يزال ينتظر الثانية بخوفٍ وارتجاف، وغير ذلك من الخيالات الشعريّة والانفعالات النفسيّة، لا يمكن أن تعدو كونها واحدةً من هذه الخواطر، أو انفعالاً من هذه الانفعالات التي لا تدلّ على ما وراء نفس صاحبها بقليلٍ ولا كثير.
فرضاً عن أنَّ مثل هذا الشعر الذي صاحب كمّيّةً من الانفعال لابدَّ وأن يصاحب معه كمّيّةً كبيرةً من المبالغة والتضخيم للوقائع، وتصغير الكبير وتكبير الصغير، ممّا يجعل الصورة مع ما فيها من لَذَّةٍ وحُسْن (مُشوَّهة) لا تدلُّ على الواقع.
هذا من ناحية ابن الرومي نفسه، أمّا من ناحية المؤلِّف الأُستاذ العقّاد، فإنَّنا نراه وهو ينظر من خلال هذا الكتاب إلى ابن الرومي نظرة الحبّ والشفقة والرحمة، بل نظرة الإجلال والتقدير، كأنَّه يظنّ أنَّه حين قال هذا الشعر، قاله وهو يعني كلّ ما يلازمه ويدلّ عليه. فهو يحاسب شعره العذب وخياله الخصب على كلِّ كلمةٍ يلفظها وكلّ بيتٍ ينظِمُه، في حين إنَّ الأبيات التي قالها لا تخلو إمّا أن تكون عن طمعٍ أو خوفٍ أو خاطرةٍ خياليّةٍ، أو غير
ــــــــ[175]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ذلك ممّا يكتنفها من التشبيهات والكنايات، ولا يبقى لدينا من شعره إلَّا النـزر القليل الذي يمكن لنا أن نزعم أنَّه يمثّل حياته ويدلّ على معيشته.
فمن كلّ هذا نرى أنَّ الأُستاذ العقّاد لم يُصِب إلَّا في هذا النـزر القليل من الشعر، ومن أخباره التاريخيّة التي وردت عنه – مع فرض صحّتها- فكان صوابه نزراً قليلاً أيضاً.
وقد يتوجّه السؤال بأنَّه: لماذا يُـخضِع الأُدباء الـجُدُد مَن يَدرُسُونه من قدمائهم لمقاييسهم الجديدة ومناهجهم الحديثة؟
فهذا المنهج الأدبيّ الحديث الذي يقوم على أنَّ قيمة الأدب إنَّما هو بمقدار ما يحمل من التصوير والإشراق والانفعال النفسيّ، وبمقدار ما تتحمّل ألفاظه من نقل الانفعال من المؤلِّف إلى نفس القارئ. هذا المنهج منهجٌ حديث، ونظامٌ جديد لم يكن ابن الرومي ولا أمثال ابن الرومي، ولا مَن بزغ نجمه بعد عصره، يعرفه أو يمكنه أن يطَّلِعَ عليه، وإنَّما هو من بنات أفكار أُدباء القرن العشرين.
ولم يكن في ذلك القرن إلَّا أمثال ابن المعتزّ(1) الذي يُنسَب إليه (علم
ــــــــ[176]ـــــ
([1]) ابن المعتزّ (247- 296ه – 861- 909م)، عبد الله بن محمّد المعتزّ بالله ابن المتوكّل ابن المعتصم ابن هارون العباسي، أبو العباس: الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة.
ولد في بغداد، وأولع بالأدب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم. وصنّف كتباً، منها: الزهر والرياض، والبديع، والآداب، والجامع في الغناء، والجوارح والصيد، وفصول التماثيل، وحلي الأخبار، وأشعار الملوك، وطبقات الشعراء. وجاءته النكبة من حيث يسعد الناس، آلت الخلافة في أيّامه إلى المقتدر العباسي، واستصغره القوّاد فخلعوه، وأقبلوا على صاحب الترجمة، فلقّبوه: المرتضي بالله، وبايعوه بالخلافة، فأقام يوماً وليلة، ووثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه. وعاد المقتدر فقبض عليه وسلّمه إلى خادمٍ له اسمه (مؤنس) فخنقه. وللشعراء مراثٍ كثيرة فيه. وله ديوان شعر في جزأين. وممّا كتب في سيرته: >ابن المعتز وتراثه في الأدب< لمحمّد خفاجة، و >عبد الله ابن المعتز أدبه وعلمه< لعبد العزيز سيّد الأهل. الأعلام (للزركليّ) 4: 118- 119، ابن المعتز.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
البديع) القائم على التزويق اللفظي المحض، الذي لابدَّ له من أن يُطبَّق في كلام كلّ أديب من معاصريه أو المتأخّرين عنه، وإن كان على حساب الخيال الشعريّ الجميل والانفعال النفسيّ المشرق.
فمن أين لهم إذن إخضاع >ابن الرومي< وأمثاله من الشعراء لهذه المقاييس الجديدة؟ على أساس أنَّ ديوان كلّ شاعرٍ كبير هو نسخةٌ للدنيا والحياة، بل للعالم والكون غير نسخة الشاعر الآخر، إلَّا أنَّ هذه المقاييس الحديثة بديهيّة التطبيق لكلٍّ من الأُدباء قديمهم وحديثهم على السواء.
أم لأنَّهم يستطيعون أن يحملوا نتاج أُدبائهم القدماء حملاً على هذا المنهج الجديد.
لا نعلم!
الأربعاء 26/1/1380هـ – 20/7/1960م
محمّد الصدر
النجف – العراق
ــــــــ[177]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كتبت إلى أستاذ الأدب مع هذه النظرات ما يلي:
إلى سيادة أستاذنا (الحكيم) دام تأييده:
بعد التحية المعاطرة والسلام، أرجو أن تتفضلوا بملاحظة ما يلي:
إنني توخّيت في كتاباتي هذه ما يلي:
1- أن تدل على أنني قد قرأت الكتاب بحيث تدل على أنني لم أكن مستطيعاً أن أكتب مثلها لو لم أقرأ الكتاب، ولذا حاولت أن أشير إلى مواضع متفرّقة من الكتاب المبحوث عنه في مناسبات عديدة.
2- أن يكون كل واحدة منها بحث أو مقالة مستقلّة غير مرتبطة بما حولها.
3- أن يبدو من الكتابة أنني لم أطّلع في وقت ما على غير هذا الكتاب المعيّن فلذا لم أستشهد بأيّ كلام أتيت به من خارج نطاق الكتب الخمسة.
4- أن لا أنظر إلى المؤلّف إلّا في كتابه المبحوث عنه وكأني لم أقرأ له غيره وفي هذا شيء من التخلّص من تبرير التناقض أو الإختلاف الذي قد يقع به المؤلّف في غضون مؤلّفاته المتعدّدة.
5- أن لا تكون نظراتي مقتصرة على الحواشي والظواهر بل نافذة إلى الأعماق السحيقة والمعاني الدقيقة مهما أمكن.
6- أن أنتقد بشدّة كل ما هو (هيكل مقدّس) حتى أحسب نفسي قد حطّمته، وذلك ليخرج القارئ من بين ذلك التقديس وهذا النقد بشيء وسط.
2/2/1380هـ – محمد الصدر – النجف- العراق
ــــــــ[178]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[179]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّه مثل… مجرّد مثل… نبع خلال الكلام، وتلاشى بعد برهةٍ من الزمن، ولم يبق له إلَّا أثرٌ في الذهن، وصورةٌ في الخطّ.
وهذا هو شأن الأمثال على نحو العموم.
إلَّا أنَّ المثل العبقريّ، الذي ارتفع عن مستوى الأمثال العامّ، ذلك المثل الذي حلّق في أجواء الحكمة ونزل إلى أغوار الدقّة والصدق، فكان قوله نوراً، وقراءته هدىً، وفهمه إيماناً.
مثلٌ يفتح أمام الإنسان في أوّل الحديث صورةً لواقعه المؤلم ليراها، وليصدّق أنَّها تحكيه، وأنَّ هذا هو واقعه بعينه، واقعه الذي عاشه في غضون حياته، وأثناء معاشراته وتصرّفاته.
والمثل إذ يعرض هذا الواقع يعرضه على أنَّه واقعٌ مؤلمٌ فاسدٌ يجب أن يزول، ويجب أن يتحرّر منه الإنسان، وأن يرتفع عن مستواه. إنَّه واقعٌ شاذٌّ خطرٌ يجب تحويله.
وهنا، وفي هذه النقطة بالذات، يغلق المثل هذه الصورة المؤلمة، ليفتح أمامك صورةً رائعةً شيّقةً للواقع كما ينبغي أن يكون، وللمجتمع الأفضل المثاليّ في عقائده وأفكاره وأخلاقه، ذلك المجتمع الذي ينبغي أن يسود
ــــــــ[181]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث]: 7/ذي الحجّة/1383 – 19/نيسان/1964 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
البشريّة لكي تستطيع أن تحلم حينئذٍ بالوصول إلى الكمال.
وليس على الإنسان بعد استيعابه لكلتا الصورتين، إلَّا أن يُحسن المقارنة والفهم، وإلَّا أن يفكّر وأن يهتدي.
وعندئذٍ ينقضي المثل، ويتلاشى جرسه خلال السطور، إلَّا أنَّ صداه يظلّ يرنّ في الأذن، ويجول في الذهن مرّةً من الزمن، حتّى تهضمه النفس، ويختمه في العقل. وعندئذٍ يثمر الهدى والإيمان والعقيدة الراسخة والإخلاص.
إنَّ هذا هو شأن مثَل القرآن، بما يستجمعه من إعجازٍ ودقّةٍ في التعبير والتصوير، وفي العرض والتحليل.
وهذا الذي سوف نقرأه ليس إلَّا مثلاً من الأمثال؛ فإنَّ القرآن لا يريد أن يُعترف له بأكثر من ذلك، حين يقول لرسول الإسلام العظيم’: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً}(1)، إلَّا أنَّه مثلٌ قرآنيّ، والمثل القرآني بما فيه من دقّةٍ وحكمة، عبارةٌ عن لوحةٍ رائعة، وقصّةٍ مثيرة تستهوي النفس وتلذّ الخاطر، وتتضمّن إلى جانب ذلك: الهداية إلى الحقّ، وتعيّن نقطة الصواب، تلك النقطة المنوّرة المشرقة التي ما حاد عنها إنسانٌ إلَّا تاه، وما أعرض عنها عقلٌ إلَّا فسد.
فنحن نستطيع أن نتميّز بوضوحٍ في هذا المثل القرآني الكريم، الأثر السيّئ الذي يُحدثه تكدّس المال لدى الإنسان من بطرٍ وشره، ومن كبرياءٍ وغرور، ومن نسيانٍ للعقيدة وإعراضٍ عن الإيمان، تلك الصفات السيّئة التي
ــــــــ[182]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 32.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
تجرّ صاحبها إلى هوّة الفساد، وتحرمه من الجمال والنور الذي ينتظره في ذلك الأُفق السامي الذي هبط عنه.
كما نستطيع أن نرى فيه مدى حرارة الإيمان وعمقه، ومدى دقّته وبُعد نظره، وما هي آثاره النفسيّة والعقليّة والخلقيّة على الفرد. ذلك الفرد الذي يرى أنَّ هذا الجوهر الثمين الذي يضمّه قلبه بين جوانحه من العقيدة والإيمان، خيرٌ من ملء الدنيا ذهباً وفضّةً ومغريات، وأنَّ الكمال الروحي العظيم والاطمئنان النفسي الجميل، الذي يقوده إليه الإيمان، أمرٌ لا يمكن أن يقاس بأيّ ثمنٍ معلوم.
كما أنَّنا نسمع في هذا المثل بوضوحٍ النغمةَ المعيّنةَ التي يخلفها كلّ من الموقفين في كلام الإنسان، والأُسلوب الخاصّ الذي تعكسه طريقة التفكير والحياة على الكلام، فنجد كيف يتّضع الكلام الصادر عن تلك الصفات السيّئة، على حين يرتفع كلام الإيمان إلى مستوى النور الإلهيّ الفسيح الذي يغمر الكون بإشراقه.
إذن، فهيّا معي إلى استعراض هذه القصّة الرائعة والمثَل الحِكمي القرآني الدقيق؛ لعلّنا نستطيع أن نقتبس شيئاً من أنواره، وأن نستشعر طمأنينة الإيمان التي يريد القرآن أن يلقيها بهذا المثَل إلى قلوب ذوي الألباب.
يرفع الستار في مفتتح القصّة عن رجلين.
يمثّل هذان الرجلان الإنسان بجميع ما فيه من قوى وملكات، وما تعجّ في ذهنه من أفكار، وما يمكن أن تؤثّر عليه من مؤثّرات؛ فإنَّ حياة
ــــــــ[183]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الإنسان بما فيها من ملامح، وبما تتضمّنه من أفكار، وبما تقتضيه من سلوك، وما يصادفه الإنسان في أثنائها من عوائق أو محفّزات، وما يرى من غيره من تصرّفٍ أو يسمع من أفكار، كلّ ذلك له الأثر الكبير في بلورة شخصيّة الإنسان وخلق سلوكه وضغطه بالقالب الذي تقتضيه.
وكذلك كان الرجلان؛ فإنَّهما رغم تساويهما في الإنسانيّة، نراهما قد اختلفا اختلافاً كبيراً، وتباينا من حيث التفكير والسلوك، قد مثّل كلٌّ منهم جانباً من جوانب الحياة، راسماً ما يمكن أن تطبعه حوادثها في شخصيّة الإنسان من أثرٍ عميق.
مثّل أحد الرجلين جانب الحياة المادّي، بما فيه من تهالكٍ على اللذّة وعبادةٍ للشهوة وتكالبٍ على المال وعلى بهارج الدنيا وملذّاتها، وبما تستدعيه هذه الأُمور، من تفاهةٍ في الشخصيّة وسطحيّةٍ في التفكير وضعفٍ في العقيدة واغترارٍ بالحياة، وكبرياءٍ فارغةٍ بما يملك من مالٍ وعقارٍ وضياع، إلى آخر هذه القائمة الطويلة، ممّا تسبّبه الحياة المادّيّة المحضة للإنسان من شرٍّ وفساد، وما تلفّ به المادّة قلبه وبصيرته من أغشيةٍ صفيقة، لا يستطيع معها تمييز الأُفق الرحب المليء بالنور الوضّاء، ذلك النور الذي سوف يصافحه محيّياً بمجرّد أن يكسر الغشاء ويتحرّر من هذا الضيق القاتل المقيت.
وبذلك يكون الرجل المادّي مصداقاً واضحاً لقوله عزّ وجلّ: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}(1)، فإنَّه ليس هذا السدّ ولا ذاك الغشاء إلَّا عبارةً عن تأثير الأُفق المادّي على الإنسان ودورانه في بوتقة محسوساته، بحيث لا يمكنه أن يرقى ببصره إلى الكون الروحيّ الرحيب.
(1) سورة يس، الآية: 9.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ويبدو هذا الرجل مغروراً متكبّراً، ببستانين نضرين، جعلهما الله له، مليئين بمختلف الزروع والأشجار، وبأنواع الأزهار والأثمار. فالأرض خضراء تطرّزها الورود وتعبق فيها الرياحين وينتشر في أرجائها موسيقى عذبة من أفواه البلابل والعصافير، ويعلوها سقوفٌ خضراء من شجر العنب، تتدلّى منها الثمار ناضرةً شهية. أمّا النخل فإنَّه يحوط الأرض من جوانبها.
فكانت هذه الأرض لوحةً فنيّةً رائعة، أبدعتها يد بارئها العظيم، فيها الرواء للذوق الفنّي، وتفريحٌ للقلب، ونشاطٌ للإنسان، وأُنسٌ للضمير بما تضفيه على النفس من روعةٍ وجمال.
وكان هذان البستانان – بما فيهما من روعةٍ وجمال- متجاورين، يفصل بينهما نهرٌ جارٍ، جعله الله تعالى لكي يزيد الأرض رواءً، والزرع نظرةً وجمالاً. فكان هذان البستانان يمثّلان لوحةً واحدة، هي من أجمل ما خلق الله من جمال الطبيعة الساحر الفتّان.
ولم تكن دنيا هذا الرجل الإقطاعي مقتصرةً على هذين البستانين، وإنَّما كان له إلى جانب ذلك، دارٌ كبيرةٌ تضمّ أُسرةً كبيرةً وأولاداً عديدين، وخدماً وحشماً وأصدقاء ومقرّبين. أولئك الأصدقاء الذين جلبهم رنين المال وأغراهم بريقه، فجاءوا إليه حيث يكون؛ لكي يعيشوا في كنفه ويقضوا حقبةً من أعمارهم في جواره، فهو كعبتهم التي حولها يدورون، وهدفهم الذي إليه يسعون.
فكان هذا الإقطاعي يقضي معهم أوقاتاً مادّية سوداء، يتمتّعون خلالها بقتل الوقت، وباللعب بالقيم، وتحدّي الفضيلة والأخلاق.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أمّا الرجل الآخر، فيمثّل جانب الإيمان بما فيه من اطمئنانٍ وسكينةٍ ووقار، ومن تواضعٍ وزهدٍ وصدق، ومن حكمةٍ وسدادٍ ورشاد، ومن توكّلٍ على الله عزّ وجلّ وإيكالِ جميع الأُمور إلى مدبّرها العليّ العظيم. إلى جانب ما يستلزمه الإيمان من رحمةٍ بالإنسان وعطفٍ عليه، وتوقانٍ إلى أن يهتدي ويرشد، وأن يعمّ في ربوعه الصلاح والوفاق.
وكان يؤسفه على وجه الخصوص حال أولئك الأغرار الجهلاء المنحرفين، الذين سيطرت على شعورهم بهارج الحياة وأعمتهم عن رؤية الحقّ واستنشاق نسيم الخلود، فقد كان يرى هذا المؤمن أنَّ هؤلاء قومٌ أغرار مخدوعون، نتج حالهم ذلك من الجهل بالقيم العليا والتعاليم الإلهيّة والأخلاق الفاضلة، والتغابي عنها والإعراض عن مقتضياتها. ولا يحتاجون في سبيل إعادتهم إلى الصراط السويّ إلَّا إلى إفهامهم حقيقة التعاليم الإلهيّة، ونقاط العدالة والسموّ فيها، ثُمَّ لا حاجة إلى أكثر من ذلك؛ فإنَّ مَن يعرف التعاليم الإلهيّة على واقعها، يُؤمن بها، من دون حاجةٍ إلى مقدّمةٍ أو دليل.
إنَّ دليل ذلك نورٌ موجودٌ في أعماق النفس منبثقٌ من فطرتها وجبلّتها، لا يمكن للإنسان مكابرته وإنكاره، إلَّا أنَّه قد تحول الحجب المادّية الثقيلة بين الإنسان وبين الاتّصال بفطرته وتلمّس حقيقة وجدانه، تلك الحجب التي أثقله بها الأُفق المادّي الذي انحرف نحوه، وانجرف أمام بهارجه ومغرياته.
ولا يحتاج الداعي في سبيل هدايته إلَّا إلى تنبيهه إلى ذلك النور وإفساح المجال أمامه؛ لكي يستطيع أن يشقّ حجابه المادّي، ويتمكّن من الدخول إلى
ــــــــ[186]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ذات نفسه، ويتلمّس جذوة الإيمان فيها. وهو بمجرّد أن يلمس هذه الجذوة، فإنَّها سوف تطفح إلى الشعور، وتصبح شعلةً وهّاجةً تضيء أرجاء النفس بالعقيدة والإيمان.
وقد كان بين هذين الرجلين رابطةٌ مّا ومعرفةٌ خاصّة، لعلّها ناشئةٌ من السكنى في منطقةٍ واحدة، أو كون المؤمن مستأجراً لأحد الدور التي يملكها الإقطاعي.
وكان هذا المؤمن – على عادته في الرحمة بالمنحرفين- يأسف كثيراً على إسراف الإقطاعي على نفسه، وعبادته لشهواته، ودورانه في حلقةٍ مفرغةٍ من أمواله. وكم كان يتمنّى لو عرف طريق الحقّ واتّبع نهج الصواب، واستطاع تحطيم حجابه المادّي الضيّق [و]تلمّس النور الفطري في داخل نفسه.
وعليه، فقد كان يرى هذا المؤمن على نفسه واجباً دينيّاً في أن ينتهز أقرب فرصة، لكي يتوجّه بالنصح والإرشاد إليه، لعلّه أن يلتفت إلى واقع حاله وإلى قبيح أعماله، فيرتدع ويثوب إلى الحقّ والرشاد.
ويعتقد هذا المؤمن أنَّه بذلك سوف يفوز بمصالح كثيرة، فإنَّه سوف يطهّر نفس هذا الشخص من الدنس العالق بها، والصدأ الذي علاها. كما أنَّه سوف يخلّص المجتمع من بؤرة الفساد، [التي] قد خلقها هذا الرجل بمجونه وفسقه، ولعلّه يستطيع أن يحوّلها إلى بؤرة إيمانٍ وتقوىً وعقيدة. كما أنَّه من ناحيةٍ أُخرى يكون قد خدم عقيدته، ودعا إلى إيمانه بربّه، وإلى تعاليمه العادلة، وأرضى خالقه وضميره.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وفي أيّام الربيع الهانئة الوادعة الجميلة، التي تبهج القلوب وتسرّ النفوس، بما يرسمه الله عزّ وعلا، على الكون من جمالٍ طبيعيٍّ فتّان. في ذلك الفصل الراقص الرائع الذي يمتلئ به الأُفق بالخضرة والقلب بالفتنة، كانت بساتين هذا الإقطاعي قد بلغت أوج الجمال وغاية الزينة والسحر، وقد أخرجت جميع ما تستطيعه من الزرع والنخل والأعناب، والفواكه والأزهار {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا}(1)، أي: لم تدع شيئاً من النبات إلَّا أخرجته، ولم تبخس منه شيئاً.
في يومٍ من أيّام هذا الربيع الفاتنة، بدا للإقطاعيِّ أن يتنزّه في الحقول الخضراء، وأن يملأ عينيه من هذا الجمال، وصدره من الهواء العذب العليل. حتى إذا ما وصل بالتمشّي إلى بستانه، جلس فيه بعض الوقت.
إلَّا أنَّه لم يشأ أن تخلو نزهته من رفيقٍ؛ فإنَّ المصاحبة من مميّزات النزهة الرئيسيّة، التي لا توجد لذّتها الحقيقيّة بدونها؛ فإنَّ النفس البشريّة على طبق ما تفهمه من مقاييس اللذّة والجمال، لا ترى في التمشّي المنفرد تلك الفائدة والنشوة التي يجدها الإنسان إذا كان مصاحباً لرفيقٍ صديق.
ومن ثَمَّ عُرضت أمام الإقطاعي مشكلةُ تعيين هذا الرفيق، فهو يعلم بوضوحٍ أنَّ الرفيق المطلوب الذي تستكمل به النزهة متعتها، ينبغي أن يكون على جانبٍ من العقل والفكر، عارفاً بمزايا الأُمور وبطرق الأخذ بالحديث وبأساليب التسلية بمختلف الأفكار، كما أنَّه يعلم بوضوحٍ أن ليس في مَن حوله من الأصحاب والأصدقاء، إلَّا كلّ غبيٍّ وسخيفٍ ومنحرفٍ لا يعرف
ــــــــ[188]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 33.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا الشهوة ولا يعبد إلَّا المال، خلوٍ من الثقافة والتفكير والشعور النيّر الصحيح.
إذن، فمَن ينبغي أن يكون الرفيق له؟
وفجأة تطفر إلى ذهنه صورة صاحبه المؤمن، إنَّه الشخص الوحيد الذي يعرف اجتماع شرائط النزهة فيه، فقد عهده عاقلاً وقوراً، يوحي منظره بالاطمئنان، وكلامه بقوّة العقيدة والإيمان. ومن ثَمَّ صحّ عزمه على أن يدعو هذا المؤمن ليصاحبه في نزهته المرتقبة.
ومن ثَمَّ أرسل عليه فحضر، وعرض عليه الفكرة، فرحّب شاكراً.
وفرح بذلك في سرّه. فقد علم أنَّه سوف ينفرد به في هذه النزهة، وسوف يكون ذلك خير فرصةٍ ثمينةٍ لتنفيذ هدفه فيه، والقيام بواجبه الديني الكبير، لعلّه يستطيع أن يهدي قلبه إلى الإيمان، وأن يتمكّن من إشعال جذوة النور في نفسه، واستئصال جذور الشكّ والفساد.
واستعدّا للخروج… ثُمَّ خرجا… وبدآ بالسير قاصدين بستان الإقطاعي على حسب الخطّة المرسومة. وصارا ينتقلان من جمالٍ طبيعيٍّ، إلى سحرٍ أخّاذ، إلى فتنةٍ رائعة، يتبادلان خلالها طرائف الكلام ولذيذ الحديث.
والكلام – كما هو معروف- عنوان الشخصيّة وصورتها الناطقة، التي تنطبع فيها جهات القوّة والضعف وجوانب النقص والكمال في نفسيّة الإنسان، على طبق الأصل وبشكلٍ موضوعيٍّ مستقيم؛ فإنَّ الإنسان بما يحمل من أفكارٍ وعقائد، وبما يتّصف به من درجةٍ في العاطفة والذكاء، وبما يسير
ــــــــ[189]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عليه من أُسلوبٍ في الحياة، ذلك الأُسلوب الذي يميّزه عن غيره ويحدّد معالم شخصيّته المنفردة عن سائر شخصيات البشر، ذلك الأُسلوب الذي يراه بحسب نظره الخاصّ صحيحاً ومستقيماً، ويضفي عليه من غريزة (حبّ الذات) الشيء الكثير .. كلّ ذلك ينطبع في كلامه انطباعاً واضح القسمات.
وعلى طبق هذا القانون كان هذان الرجلان، حيث كان يميل كلٌّ منهما إلى التحدّث عمّا تجيش به نفسه من أفكار، وما تضمّه حياته من أحداث. ومن ثَمَّ كان كلام الرجل المؤمن حاملاً لصفات صاحبه، من الطمأنينة والوقار والعقيدة والإيمان، يضفي على الجوّ مسحةً رائعةً من النور الإلهيّ الشامل، على حين كان حديث الإقطاعي منحصراً في وصف لذائذه وشهواته، ودائراً في فلك عجرفته الفارغة وشخصيّته التافهة.
ولحظ المؤمن بوضوحٍ على لهجة الإقطاعي، ما فيها من تكبّرٍ واغترارٍ بالمال والعقار والأصدقاء. وقد كان صاحبنا يؤمن بعمق، أنَّ الإيمان هو الجوهر الوحيد الذي ينبغي أن يعتزّ به وأن يسمو الفرد على أساسه، وأن تقام القيمة الحقيقيّة للفرد من خلاله، وأنَّ الصداقة على أساس الإيمان والأخوّة في الله هي الأخوّة الخالدة الصادقة، التي لا يمكن أن تقصمها علائق المادّة، أو أن تؤثّر عليها طوارق الحدثان، وأنَّ المال النافع لصاحبهِ الباعث له على الفخر والاعتزاز، هو المال الذي يُبذَل في سبيل الحقّ والعقيدة وفي سبيل العلم والعمل الصالح؛ دون تلك الصداقة التي تقوم على أساس اللذّة وإطاعة الشهوات وعبادة المال، ودون ذلك المال الذي يُبذل في سبيل ذلك؛ فإنَّ كلّ ذلك يتلاشى بتلاشي اللذائذ المؤقّتة، وينقضي بتصرّم الزمان، ويكون سبباً لضعة الإنسان وانحطاطه، دون عزّته وكرامته.
ــــــــ[190]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومن ثَمَّ حاول هذا المؤمن – وهو في سبيل تطبيق خطّته- أن يُفهم الإقطاعي هذا المعنى الجليل، وأنَّ تكبّره بالمال والنعم المادّية، تكبّرٌ فارغٌ مقيت؛ فإنَّه إنَّما تكون العزّة والكرامة بحقيقة الإيمان والعقيدة.
إلَّا أنَّ هذا المؤمن كان بكلامه ذلك، يطرق على حديدٍ بارد، فليس لدى هذا الإقطاعي عقلٌ يفهم به هذه الأُمور، ولا تفكيرٌ يهضمها، إنَّ ذهنه وأفكاره كلّها منحصرةٌ في أمواله وأولاده وأصدقائه وممتلكاته، ولا شيء غير ذلك، وهذا هو الذي يرى أنَّه ينبغي أن يفتخر به ويعتزّ.
وقد كان هذا الحجاب المادّي الصفيق الذي يحجبه عن منبع النور الإلهي، لا زال قويّاً كثيفاً، لم تقوَ كلمات الإيمان هذه على تحطيمه، أو إحداث ثغرةٍ فيه.
ومن ثَمَّ لم يجد الإقطاعي لكلام صاحبه المؤمن معنىً يفهمه ويعقله، إلَّا كون المؤمن يفتخر عليه، وأنه إنَّما يقرّر هذا القانون العامّ للتقييم، لكي يكون هو بمقتضاه أعظم منه، من حيث كونه مالكاً لجوهر الإيمان دونه.
وقد استنكر الإقطاعي في ذهنه هذه الفكرة واستبشعها، ورأى أنَّها حطٌّ من كرامته، وإهانةٌ موجّهةٌ إليه؛ إذ كيف يجرؤ هذا الشخص الفقير أن يدّعي العلوّ عليه، وهو ما هو عليه من الكبر والعزّة بالأموال والأصحاب والخدم والأعوان، وليت صاحبه يفاخره بأمرٍ معلومٍ لديه، محسوسٍ له، مقنعٍ لضميره، بل إنَّه ليفتخر عليه بشيءٍ فذّ لا يجد له أيّ معنى، ولا يرى له شخصاً أو يسمع صوتاً، إنَّه شيءٌ اسمه الإيمان، ذلك الشيء الذي طالما تردّد على أُذنيه، إلَّا أنَّه رغم إعطائه بعض التفكير لم يستطع أن يعرف له معنىً محدداً في يومٍ من الأيّام. إذن، فكيف يمكن أن يكون مثل ذلك ميزاناً واقعيّاً للتقييم.
ــــــــ[191]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ولم يجد الإقطاعي بُدّاً، بعد تلك الطعنة النجلاء على عزّته وكبريائه، من الإفصاح عمّا يجول في ذهنه من أفكار، إفهاماً لصاحبه المؤمن أنَّه كان على خطأ في رأيه، وأنَّ المقياس الحقيقي للحياة ليس هو ما ذكره، وإنَّما هو المكاثرة بالأموال والأولاد وبهارج العيش.
ومن ثَمَّ تدحرجت الكلمات من فمه بصفاقةٍ وسخف، فقال لصاحبه وهو يحاوره: أنا أكثر منك مالاً وولداً، وأجدر أن أكون بذلك عزيزاً كريماً.
واستمرّ الرجلان يسيران بين أحضان الطبيعة، يغرقان في جمالها، وينقلبان بين أكنافها، ويستنشقان نسيمها الرطب العليل. حتّى وصلا إلى هدفهما المقصود وهو بستان الإقطاعي، الذي كان أحسن جنّةٍ مرّا بها في هذه النزهة الجميلة.
إلَّا أنَّ انطباع هذه المناظر الطبيعيّة الرائعة، في نفس كلِّ واحد من هذين الرجلين، كان مختلفاً جدّاً، ومبايناً عمّا هو في نفس الآخر؛ فإنَّ الإنسان إنَّما ينظر إلى الواقع الخارجي من خلال نفسه، وبمنظار ذهنه الخاصّ، وعلى مقدار ما يتحمّله أُفق تفكيره وأُسلوب حياته. ويحاول أن يملي على محسوساته أفكاره الخاصّة ويطبع عليها مفاهيمه المعيّنة. وإن كان هذا الأُسلوب من الفهم لا ينفع في أغلب الأحوال إلَّا شخصه، بل قد يضرّه (أحياناً) أيضاً، وقد لا يكون له من المميّزات سوى كونه راضياً به معترفاً بصحّته وصدقه.
وهذا هو الذي حصل بالضبط بالنسبة إلى هذين الشخصين. فقد كان المؤمن – بما يحمل بين جنبيه من عقيدةٍ إلهيّةٍ وإيمانٍ راسخ، وفي حدود ما
ــــــــ[192]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
انصهرت به نفسه من أفكارٍ، وامتزج مع دمه من معتقدات- كان ينظر إلى الكون من خلال هذا المنظار ويحاول أن يفهمه ضمن هذه الحدود.
إنَّه ليرى الطبيعة بما لها من جمالٍ فاتن، وتنسيقٍ دقيق، إنَّما هي من صنع يدٍ قادرةٍ حكيمة، أحكمت صنعها ودبّرت أمرها وأحسنت خلقها، وأنَّ في كلِّ ورقةٍ ووردةٍ وثمرة، وفي كلِّ عصفورٍ صادح، وبلبلٍ مغرّد، وشجرةٍ مثمرة، ونسيمٍ عليل، أكثر من آيةٍ ودليل، على وجود مبدعها ومكوّنها؛ فإنَّها لم تكن لتوجد لولا ما أفاضه عليها من فضلٍ وإحسان، وما رزقها من تدبيرٍ وإحكام.
وبالاختصار: فإنَّ هذه الطبيعة الجميلة التي يعيشها هذا المؤمن، إنَّما هي لوحةٌ فنيّةٌ رائعةٌ رسمتها يد بارئها القدير بدقٍّة وإتقان.
وعليه، فقد كان هذا المؤمن في نزهةٍ وجدانيّة روحيّة، كما هو في نزهةٍ مادّيّة، يتفكّر في خلق الله عزّ وجلّ طبقاً لقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ}(1).
أمّا الإقطاعي، ذلك الرجل الذي يحمل بين جنبيه فكراً مادّيّاً، وعقيدةً متفسّخة، ونفساً توّاقة إلى المال والشهوات، فهو ينظر إلى الطبيعة بعينٍ أُخرى، عينٍ تقتصر على الظواهر وعلى ما تحسّه وتلمسه، ولا تستطيع – بما عليها من أثقال وأغشية- أن تغور إلى الحقائق، ولا أن تدقّق في العلل والنتائج.
فهو يرى أنَّ الجمال الطبيعي بما فيه من روعةٍ وسحرٍ باقٍ إلى الأبد، غير قابلٍ للزوال والفناء، فقد كانت الطبيعة هكذا ولا تزال، وستبقى على نفس المنوال أزليّةً أبديّةً بدون أن تحتاج في وجودها إلى خالق، ولا في تدبيرها إلى منظّم.
ــــــــ[193]ـــــ
(1) سورة الروم، الآية: 8.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وقد أيّدت هذه الأفكار في ذلك الحين، وأذكت أوارها، النشوة النفسيّة العارمة التي كان يعيشها في تلك اللحظات السعيدة الحالمة، تلك النشوة التي يضفيها عليه جمال الطبيعة العظيم، بالإضافة إلى إحساسه بأنَّه مالكٌ له، مسيطرٌ عليه، قادرٌ على التصرّف فيه وتطويره، وأنَّ له الحقّ الكامل بالأخذ بأكبر قسطٍ من التكبّر والعجرفة على أساسه.
وجلس الرجلان في ركنٍ جميلٍ من أركان الجنّة الواسعة، وانطلقت نفساهما تجول بين ما فيها من جمال، وما تحتويه من سحرٍ وجلال.
وفي غمرة ذلك السرور الطاغي والنشوة اللذيذة، جالت في ذهن الإقطاعي أفكارٌ وأفكار. وكانت كلّ أفكاره مؤيدةً لما يملكه من عجرفةٍ جوفاء، وتفاهةٍ في الشخصيّة، وقصورٍ في التفكير، فكّر الإقطاعي في هذا الجمال الطبيعي، وفكّر في أرضه، وفكّر في أمواله وأصدقائه، وفكّر في عقيدته وفي ما سبق أن سمعه من دعاة الدين من كلام. وكانت أفكاره جميعاً تصدر من خلال أُفقٍ مادّي ضيّقٍ يقيس الأشياء بمصالحه الشخصيّة ومحسوساته المباشرة.
ففي تلك اللحظة التي كانت نفسه طافيةً فوق أُفقٍ أشقر جميل، ذلك الأُفق الذي حبكت سداه اللذّة ولحمته النشوة، ذلك الأُفق الذي يجد فيه المؤمن نعمةً من أنعم بارئه الكريم، ونفحةً من نفحات قدسه الفيّاضة.
في تلك اللحظة كانت الأفكار المادّية تجول في ذهنه بقوّةٍ وعنف، وتلحّ عليه إلحاحاً شديداً، وكان الإقطاعي مرحّباً بها، فرحاً بوجودها، مطمئنّاً إليها.
ــــــــ[194]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عندئذٍ، وفي تلك اللحظات التي يحلو بها جميل الكلام، وتستعذب فيها طرائف الحديث، لم يرَ هذا الإقطاعي بدّاً من أن يصرّح بذات نفسه، ويعرب عمّا في ذهنه لصاحبه المؤمن، علّه يتمكّن من إذلال كبريائه بإيمانه، وترفّعه بعقيدته، تلك الكبرياء وذلك الترفّع الذي لمسهما منه وهو في طريقه إلى جنّته، كما أنَّه يستطيع بذلك أن يعزّز كبرياء نفسه، ويستدلّ بدليلٍ جديد، على استحقاقها لما هي فيه من العجرفة الفارغة.
إنَّه يعرف أنَّ صاحبه مؤمنٌ مخلص، قد تشبّعت نفسه بنور الإيمان واطمأنّتْ إلى اليقين، كما أنَّه لم يفتْه تذكّر بعض معتقداته من وجود الخالق جلّ وعلا، وفناء العالم وقيام الساعة، تلك المعتقدات التي لم يفكّر الإقطاعي أن يسمح لها لأن تعرف إلى ذهنه طريقاً أو إلى قلبه سبيلاً، محتجباً ضدّها بأكداس المال وأغشية المادّة الصفيقة التي تمنعه من الوصول إلى هذا المرتقى الرفيع.
وحيث إنَّه يعرف أنَّ الكلام مع كلِّ شخصٍ ينبغي أن يكون في حدود ما يحمله المخاطب من أُفقٍ ذهنيّ، ومن أُسلوبٍ في التفكير والتعبير. إذن، فقد فكّر بأن يجعل كلامه مناقشةً مباشرةً لمعتقدات صاحبه المؤمن، وأن يحاول الاستدلال جهده على بطلانها، جاعلاً الأفكار المادّية هي البرهان الرئيسيّ على ذلك.
وفي غمرة من السرور، بدا الإقطاعي وكأنَّه حالمٌ يبعث بنظره إلى الأُفق البعيد، قد أخذ عليه جمالُ الطبيعة جميعَ جوانب نفسه واستولى على ذهنه، وبدا وكأنَّه يفكّر في شيءٍ جديد، شيءٍ يدور على لسانه يريد التصريح به. وأصاغ صاحبه المؤمن إليه ليسمع. عندئذٍ برزت الكلمات تتهادى بين طيّات الهواء بنشوةٍ
ــــــــ[195]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وفتور، حتّى إذا ما وصلت إلى أُذن المؤمن سمعه يقول: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا}(1).
قالها الإقطاعي ولم يرعَ عواطف صاحبه المؤمن وعقيدته، كما لم يلتفت إلى وجوب مجاملة الجليس وحسن مخالطته، وإنَّما ألقاها صخرةً صمّاء لم يفكّر بنتائجها، ولم يعرف مدى تأثيرها.
فهو يرى، بما كان يعيشه في تلك اللحظات من نشوةٍ نفسيّةٍ عارمة، ضيّقت عليه أُفقه المادّي، وأعمته عن الحقيقة، وجعلته يخبط في الظلام، يرى بأنَّ هذا الجمال الطبيعي غير قابلٍ للزوال إلى الأبد، وأنَّ هذه الجنّة الغنّاء بما فيها من روعةٍ طبيعيّةٍ وسحرٍ ستبقى بلا انقطاع.
وهذا في نفسه أمرٌ مضحك، وواضح البطلان، حتّى للشخص المادّيِّ التفكير، الدنيويّ العقيدة، فإنَّه لا أقلّ من الاعتراف بالموت وتقلّبات الزمان وأنَّ هذه الجنّة سوف يمرّ عليها زمان مهما طال، تكون بعده خارجةً عن ملكه أو معدومة النبات بالكليّة. إلَّا أنَّ الغفلة وقصور التفكير وتفاهة الشخصيّة، لا يُستغرب منها مثل ذلك.
إلَّا أنَّ هذا الأمر المضحك، يحتوي ضمناً على أمرٍ آخر يشترك فيه هذا الإقطاعيّ مع سائر المادّيين، وهو القول بقدم المادّة، والقول بذلك وإن لم يكن يستلزم على الحقيقة نكران الخالق القدير عزّ شأنه، إذا كان الشيء القديم ممكناً أيضاً ومحتاجاً إلى علّةٍ خالقة، ولا يختلف في ذلك عن الحادث في شيء، إلَّا أنَّ هذا القول قد أصبح شعاراً مادّياً يتمسّك به ذووه، ويصرّون عليه إصراراً شديداً، فإنَّهم بعد أن أنكروا الخالق، لم يجرؤوا على القول بأنَّ الكون وُجد من
ــــــــ[196]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآيتان: 35-36.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
العدم صدفةً دفعةً واحدة على تنظيمه المعهود، لعلمهم أنَّ هذا ممّا تستنكره العقول، فالتجأوا إلى فرض أزليّة المادّة وعدم قابليّتها للفناء؛ لكي يبرّروا وجود الكون من العدم، ولم يعلموا أنَّهم بذلك وقعوا في عدّة محاذير، فليست هذه الأزليّة في المادّة ممّا يخضع لمعمل العالم الطبيعي ولا لإحساسه، فكيف يستطيع دعوى ذلك، وهو إنَّما أنكر الخالق لنفس هذا السبب.
إذن، فليعترف بالخالق إلى جانب اعترافه بقدم المادّة؛ فإنَّه ليس أبعد منها عن الحسّ وعن مدركات الحياة المعهودة.
كما أنَّ هذا القول لا يفيدهم في الإنكار، بعد أن كان القديم محتاجاً إلى العلّة كالحادث، بعد اشتراكهما في صفة الإمكان. كما أنَّ هذا القول من ناحيةٍ ثالثة، وقوعٌ بالمحذور نفسه، ورجوعٌ إلى ما حاولوا الهرب منه في دائرةٍ مفرغة. فإنَّه لم يبقَ بعد الاعتراف بقدم مبدأ الموجودات إلَّا معرفة صفات المبدأ، والبرهنة على أنَّه يجب أن يكون حكيماً قادراً عالماً حيّاً مريداً مختاراً، وليس ذلك على أهل الحقّ بعزيز.
فالإقطاعي، وإن لم يكن يعرف هذه التفاصيل، إلَّا أنَّه يتخيّل أنَّ قوله بقدم المادّة ملازمٌ لإنكار الخالق عزّ وعلا، وكفر نعمته، وأنَّه ملازمٌ لإنكار البعث في يوم القيامة وإنكار الحساب والعقاب والثواب، لذا فقد استنتج من مقدّمته المادّية القائلة بخلود الجمال الطبيعي، بأنَّه لا يظنّ الساعة قائمة.
ولوازم هذه المقدّمة، ليست أحسن منها حظّاً في الانحطاط وضيق النظر، فإنَّه إنَّما يتفوّه بها مَن اقتصر على النظر إلى حدوده الضيّقة ودار في فلكه المادّيّ المقيت، ولم ينظر إلى النور المشرق في الكون الرحيب، ذلك النور الإلهيّ الذي تنطق به كلّ ورقةٍ في هذه الجنّة وكلّ ثمرةٍ وكلّ طير.
ــــــــ[197]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ثُمَّ أردف الإقطاعي المتعجرف، وكأنَّه في موقف جدلٍ عنيف: إنَّه على تقدير التنازل عمّا قاله، وافتراض قول المؤمنين بوجود الخالق وقيام الساعة صحيحاً، فإنَّ هذا الإقطاعي لن يجد على ما يعتقده – إذا رجع إلى ربّه يوم القيامة- إلَّا كلّ خير، وسوف يتوفّر لديه هناك ما هو خيرٌ من جنّته هذه على كلِّ حال.
وكأنَّ الإقطاعي يريد أن يستنتج من هذا الكلام، أنَّه سعيدٌ ولن يرى إلَّا الخير على كلِّ حال، سواء كان معتقد المؤمنين صادقاً أو كاذباً، فإنَّه إذا كان كاذباً، كما هو يراه، وإذا كانت المادّة خالدةً والنعيم الدنيوي أزليّ البقاء، إذن فسوف يبقى متمتّعاً به متقلّباً في أكنافه إلى الأبد، وإذا كان قولهم صادقاً فهو لن يرى يوم القيامة من خالقه العظيم إلَّا الخير.
ولعلّ اعتقاده هذا ناشئٌ من اعتقاده – ولو بشكلٍ لا شعوري- بأنَّ الله تعالى خيرٌ محض، ولا يمكن أن يصدر منه إلَّا الخير، ويستحيل صدور العقاب منه، غافلاً عن أنَّ معنى كونه خيراً محضاً، أنَّه حكيمٌ ومريدٌ، وأنَّه عادلٌ يستحيل عليه الظلم، وليس من العدل ولا الخير أن يثيب المذنب الكافر به، المتمرّد على تعاليمه، ومن هنا كان جعل العقاب أحد الحكم الإلهيّة العميقة في الدقّة والإتقان.
اندهش المؤمن واستاء وتكدّر عليه صفو نفسه، عند سماعه هذا الكلام المنحرف من هذا الإقطاعي العنيد. إنَّه المؤمن الذي يعيش الآن في نشوةٍ روحيّةٍ غامرة، كما يعيش في النشوة المادّيّة، إنَّه يرى في كلِّ نفسٍ من أنفاس الطبيعة، وكلّ ورقةٍ من أوراقها وزهرةٍ من أزهارها، دلائل وبراهين على صدق معتقده وإيمانه.
ــــــــ[198]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هذا المؤمن يجد نفسه الآن يجابه مثل هذا القول الحادّ القارس الذي يقابل معتقده وجهاً لوجه، ويحاول أن يستدلّ ضدّه.
إنَّه ليعلم بوضوحٍ أنَّ كلّ ما قاله الإقطاعي ليس إلَّا مكابرةً واضحةً على الوجدان والضمير، وليس ناتجاً إلَّا عن الاقتصار في التطلّع إلى الكون من خلال المنظار المادّي الضيّق الذي وضعه الإقطاعي على عينيه، بإسرافه على نفسه وإغراقه بالفساد والرذيلة، كما أنَّ هذا القول مصداقٌ واضحٌ لكفر العبد لنعمة مولاه وتمرّده عليه، مع أنَّ المولى – عزّ وعلا- هو المنعم عليه، وهو مستحقّ لكلِّ شكرٍ وثناء، وكلّ إخلاصٍ وإيمان.
ومن هنا رأى المؤمن أنَّ فرصته الذهبيّة قد حانت، وأنَّه لا يمكنه أن يضيّعها بحال، فإنَّه قد لا يجد مثلها بعدئذٍ.
فإنَّه وجد أنَّ واجبه الديني يقتضي عليه بإصرارٍ ووضوح، أن يردّ على هذا الافتراء الفاضح، بعد أن أفصح هذا الإقطاعيُّ عن مكنون سرّه، وأعلن الكفر والجحود، ولم يكتفِ بالإشارة والتلميح وفحوى الخطاب الذي كان يكتفي به قبل ذلك. إذن، فلا ينبغي أن يكتفى معه بالإشارة والتلميح بل ينبغي أن يقوم المؤمن بواجب التوجيه الديني والإرشاد بصراحةٍ وقوّةٍ ووضوح، ويجب أن يلقم هذا الإقطاعيَّ المتعجرف حجراً لا يعود بعده إلى مثل هذا الكلام.
ومن هنا اندفع المؤمن بحرارةٍ وقوّة نحو الجواب على كلام الإقطاعيّ، غير مبالٍ بما يمكن أن يترتّب على ذلك من ضررٍ قد يمسّه منه؛ فإنَّ الواجب الديني فوق كلّ اعتبار، كما أنَّ الصدمة التي أصابت ضمير هذا المؤمن من هذا الكلام الجارح، أغفلته عن التفكير في مثل هذه العواقب، بل وحتّى على
ــــــــ[199]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فرض عقاب الإقطاعيّ له، فإنَّه سوف يرى عليه من ربّه العليّ العظيم من الثواب الشيء الكثير.
و{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}(1).
فقد رأى المؤمن أن يلفت نظر الإقطاعي أوّلاً إلى أقرب شيءٍ إليه وألصقه بنفسه، هو نفسه بالذات وكيانه ووجوده، كرجلٍ من الرجال يفكّر ويعمل ويملك المال والعقار والأصدقاء، ويستنشق نسيم الحياة، ويستطيع أن يتمتّع بكلِّ ذلك وأن يجني ثمراته كما يريد.
إنَّ كلَّ هذا متوقّفٌ على وجوده الشخصي في الخارج، ذلك الوجود الذي هو من فيض الله وإحسانه وفضله، ذلك الوجود الذي يدلّ بكلِّ جزءٍ من أجزائه وبجميع معالمه وتفاصيله، على قدرة خالقه العظيم وحكمته البالغة.
وما رأيك بهذا الذي أفاض على الشخص نفسه ووهبه ذاته، وجعله شاعراً بوجوده متمتّعاً بكيانه، إنَّها أعظم النعم على الإطلاق في هذا الكون الفسيح، فإذا كان قد وهبه إلى جانب ذلك فكراً ثاقباً أو مالاً جسيماً أو حياة سعيدة، فذلك مزيد فضلٍ وإحسان.
ما رأيك في هذا المنعم العظيم كيف ينبغي أن يطاع وكيف ينبغي أن يزجى له أقصى الشكر وغاية الحمد والثناء، فضلاً عن أن يعتَرف به أو يصدَّق بوجوده. بل إنَّ هذا المؤمن ليرى أنَّه من حقّ خالق النفس على النفس، أن تفنى هذه النفس في سبيله، وأن تكرّس حياتها على طاعته ومرضاته.
ــــــــ[200]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 37.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إذن ما أفظع هذا الكفر والجحود الذي صدر من هذا الإقطاعي، وهذا الإنكار المباشر لربّه ولتعاليمه وإرشاداته، ذلك الربّ القادر العظيم الذي خلقه من ترابٍ ثُمَّ من نطفةٍ ثُمَّ سوّاه رجلاً.
والمقصود من خلق الإنسان من التراب: أنَّ الجسم مكوّنٌ من نفس الموادّ التي تتكوّن منها القشرة الأرضية، كما أنَّ نموّه وصحّته منوطةٌ بما يخرج من الأرض من النبات وما ينمو عليه من حيوان.
فالإنسان من التراب وإلى التراب؛ ولذا صحّ جعل التراب المرحلة الأُولى من مراحل خلق الفرد، على أساس كونه المادّة الأساسيّة في تكوين جسمه.
وأمّا المرحلة الثانية للخلق، فهي النطفة واعتبار النطفة مرحلةً ثانية، مع أنَّها المبدأ الأوّل لخلق الإنسان، يعود إلى أنَّها بدورها مكوّنةٌ من التراب ومخلوقةٌ منه بطريقٍ غير مباشر، ذلك التراب الذي اعتبر المرحلة الأُولى في الخلق.
والنطفة، ذلك الماء اللزج المهين، الذي لا يزيد في نفسه شرفاً، على أيّ من فضلات الإنسان، نراه يتطوّر ويتطوّر، ويعبر المراحل إثر المراحل، فيصبح جنيناً ثُمَّ طفلاً، ثُمَّ صبيّاً ثُمَّ رجلاً، حاملاً لجميع صفات الإنسانيّة من قلبٍ وفكرٍ وعمل، مفتوحةٌ أمامه باب الآمال ومدارج الطموح.
كلّ هذه المراحل – بما فيها من تطوّراتٍ دقيقة وتفاصيل- إنَّما هي آيةٌ من أوضح الآيات على قدرة خالقها وحكمته، وعلى صواب تدبيره وحسن اختياره؛ كما قال الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}(1). فما كانت كلّ هذه المراحل لتوجد وكلّ هذه الدقّة لتكونَ، نتيجةً للصدفة العمياء، وبشكلٍ عفويّ لا أثر للقدرة والاختيار فيه.
ــــــــ[201]ـــــ
(1) سورة التين، الآية: 4.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إذن، فما أولى الخالق العظيم بالشكر والامتنان، وبالعقيدة والإيمان.
ومن هنا نرى هذا المؤمن يعنّف الإقطاعي على كفره بخالقه، وجحوده لنعمته عليه بنفسه ووجوده، وبما يحفّ هذا الوجود من مالٍ وعقار، وأصدقاء وأعوان، وقدرةٍ على التمتّع بكلِّ هذه الأُمور، وتفكيره بتدبيرها وتطويرها.
ويستنتج هذا المؤمن من دليله هذا، برهاناً جديداً على صدق معتقده وصواب إيمانه، وأنَّه لا يمكنه أن يوافق الإقطاعي على هذا الكفر والجحود الذي بدر منه، وإنَّما هو يقف على النقيض منه في الإخلاص لله والتوجّه إليه والتوكّل عليه.
ولذا نراه قد أردف قائلاً: {لَكِنَّا} أي: لكن أنا {هُوَ اللَّهُ رَبِّي}، وهذه هي النتيجة الطبيعة للدليل الذي أقامه {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}.
وهذه أيضاً نتيجة طبيعيّة أُخرى لذلك الدليل بعينه، فإنَّه لا يمكن كما تحكم به فطرة العقل، أن يصدر ذلك الخلق المنظّم الدقيق من خالقين، وأن يقوم بتدبير الكون قوّتان، وإلَّا آل إلى الخراب والفساد؛ لأنَّهما إن كانا مستقلّين بالإرادة، كما هو مقتضى فرض كونهما إلهين، فسوف يختلفان في الرأي؛ حيث يريد أحدهما إيجاد شيء، ويريد الآخر عدمه، فيلزم اجتماع النقيضين، أي: اجتماع الوجود والعدم في شيءٍ واحدٍ في عين الوقت، وهو من المحالات العقليّة البديهيّة، كما أنَّه عند اختلاف الرأي وانشقاق عصا الاتّفاق يتبعثر الكون ويسوء النظام ويستحيل أن يبقى بهذا الكمال وهذه الدقّة في التنظيم والترتب.
كما أنَّ هذا القول من المؤمن يحتوي على إشارةٍ واضحة، إلى تعنيف
ــــــــ[202]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الإقطاعي من ناحيةٍ أُخرى، هي كون الإقطاعي قد أشرك في كلامه السابق بالله عزّ وجلّ، على حين قد أقام المؤمن دليلاً على بطلان الشرك وصحّة التوحيد.
وإنَّما كان الإقطاعي مشركاً؛ لأنَّه مخلصٌ للمادّة متهالكٌ عليها، جاعلٌ إيّاها هدفه الأسمى ومثَلَه الأعلى، يعبدها ويقدّسها ويقوم بخدمتها بحرارةٍ وإخلاص. بالإضافة إلى أنَّه اعتبر هذا الموجود المقدّس عنده أمراً أزليّاً أبديّاً غير قابلٍ للزوال.
وهذا الأُسلوب من النظر إلى المادّة، يجعل الفرد مشركاً للمادّة مع الله تعالى في العبادة والتقديس والإخلاص، وهذا هو عين الشرك بالله العليّ العظيم، تماماً كما قال في كتابه الكريم: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}(1).
فإنَّ مرتبة الحبّ الإلهي ينبغي أن تبقى في قلب المؤمن محفوظة، لا يشاركها في مرتبتها شيءٌ، وذلك هو التوحيد الإلهيّ الصحيح. أمّا إذا ضعف الحبّ الإلهيّ في النفس أو انعدم، وبرز أمرٌ آخر من داخل النفس يحاول أن يسيطر على إحساسها ويستولي على حبّها وتقديسها، ممّا لا يمتّ إلى الجانب الإلهيّ بصلة، فإنْ رَضِيَ الفرد بذلك فقد أشرك الله تعالى في إخلاصه وحبّه مع أمرٍ آخر، الذي هو لا يعدو أن يكون أحد مخلوقاته، وأمراً متواضعاً حقيراً إذا نسب إلى الوجود اللانهائيّ العظيم، سواء كان هذا الأمر هو المادّة أو الشهوات أو الأغراض المنحرفة، أو غير ذلك من الأُمور.
(1) سورة البقرة، الآية: 165.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إذن، فهذا المؤمن المخلص ليرى بوضوح، متفرّعاً على ما قاله: أنَّ هذا الإقطاعي لا ينبغي له أن يكفر بالله العليّ العظيم، ولا أن يجحد نعمته، ولا أن يشرك به شيئاً في الإخلاص والإيمان والحبّ؛ فإنَّ جميع هذه النعم التي يتقلّب خلالها ليست إلَّا من رزق الله تعالى وإفاضته وحسن توفيقه له.
إذن، فينبغي أن يشكر الله ويحمده، ويتوجّه إليه ويتوكّل عليه، ويذكره عند رؤية أيّ نعمةٍ من نعمه، أو تذكّر أيّ فضل من آلائه.
لذا نرى صاحبنا المؤمن يعقّب كلامه مع الإقطاعي قائلاً: {وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ}(1) كان؛ فإنَّ هذه الجنّة إنَّما وُجدت بفضل الله ومشيئته، ولم تكن لتوجد لولا إرادته وفضله {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ}(2) أمام طوارق الحدثان وحوادث الزمان.
فإنَّ هذا هو الأجدر بك – يا إقطاعيّ- أن تكونه، أمام نعم الله عليك وحسن توفيقه لك.
كما أنَّ صاحبنا المؤمن يرى بعمق، أنَّ المادّة لا يمكن أن تكون هي الضابط الكلّي للتكبّر والعزّة، فإنَّ الموازين الروحيّة والعقليّة هي الأجدر بأن تكون كذلك؛ فإنَّ هذه الموازين هي الأطول بقاءً والأعمق أثراً، إنَّها هي الموازين الحقيقيّة الخالدة التي لا يمكن أن تتغيّر إلَّا نحو السموّ والارتفاع.
ــــــــ[204]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 39.
(2) سورة الكهف، الآية: 39.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أمَّا المادّة، فهي بالرغم ممّا فيها من جمالٍ وسحر، وما تتضمّنه من بهارج ومغريات، وما تسبّبه من لذّةٍ ونشوة، فإنَّها فانيةٌ زائلة، غير قابلةٍ للبقاء الطويل، فضلاً عن أن تكون أمراً أزليّاً أبديّاً. فإنَّه حتّى على تقدير القول بقدم المادّة، إلَّا أنَّ الأمر الذي يفتخر به الإقطاعي ويتكبّر على أساسه – وهو المال والجمال- أمرٌ زائل لا محالة بالوجدان، ومتصرّمٌ بانقضاء الزمان.
فكيف يمكن أن يكون هذا الأمر المتحوّل الزائل ميزاناً حقيقيّاً صحيحاً، لشرف المرء وعزّته وكرامته.
بل يمكن أن يُقال أكثر من ذلك، فإنَّ النعمة قد تزول عن الغنيّ، ويتلبّس بها الفقير، فيتّضع الأوّل ويصعد الثاني، بهذا المقياس الضيّق المقيت. فإذا تبدّل الحال مرّةً أُخرى، انعكس الميزان … وهلمّ جرّا. إذن، فألف سلام على الأذواق والعقول.
لذا نرى هذا المؤمن يعقّب كلامه للإقطاعي قائلاً: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا}(1)، أي: بالرغم من أنَّك تراني الآن أقلّ منك مالاً وولداً {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ}(2)، وهذا أمرٌ محتملٌ، وليس على قدرة الله وحسن توفيقه بعزيز، وحينئذٍ فأكون خيراً منك، لو أخذنا بمقياسك المادّي الضيّق.
أمَّا أرضك العامرة، بما فيها من جمالٍ طبيعيٍّ فاتن، فإنَّه يهلكها ويفنيها بقدرته جلّ وعلا {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا} آفةً {مِنْ السَّمَاءِ}(3) كالصاعقة أو
ــــــــ[205]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 39.
(2) سورة الكهف، الآية: 40.
(3) سورة الكهف، الآية: 40.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الإعصار، والمقصود من إرساله من السماء كونه يأتي من جهة العلوّ في قبال كونه نابعاً من باطن الأرض، كالبركان أو حادثاً على سطحها كالفيضان والحريق {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا}(1)، أي: أرضاً ملساء يزلق عليها الإنسان، وهو كناية عن انعدام أيّ شيءٍ من النبات فيها.
وعندئذٍ سوف تكون أنت أحطّ منّي بحسب مقياسك، وسوف لن تستطيع أن تفخر عليّ بأيّ شيء.
وهذا أيضاً محتمل الوقوع، بل مؤكّده. فإنَّ هذا المؤمن يعتقد بما عنده من عقيدةٍ وإيمانٍ إلهيّ، وبما يعلمه من تجارب السابقين في تاريخ البشريّة الطويل، بأنَّ الجحود إذا بلغ إلى هذه المرتبة العظمى من الصلابة والرسوخ ومن العناد والتمرّد، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يبقي صاحبه على حاله سادراً في غيّه، وإنَّما لا محالة يسلب نعمته منه ويقتطعها من يده، وبذلك فإنَّ الجاحد يرى عقابه في الدنيا قبل الآخرة.
وما ذلك إلَّا لأنَّ مثل هذا الشخص المعاند، لم يعد أهلاً لتلقّي النعمة والتقلّب بالفضل الإلهي؛ فإنَّ الشخص الذي هو أهلٌ لبقاء النعمة وزيادتها، إنَّما هو من تعهّدها بالشكر والثناء على المنعم المتفضّل عزّ وعلا، طبقاً للقانون الذي قرّره عزّ وجلّ في قوله في كتابه الكريم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(2).
وفي الحقيقة أنَّ الإقطاعي كان بحاجةٍ – في سبيل التفاته إلى نفسه،
ــــــــ[206]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 40.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 7.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومعرفته لربّه، وخروجه عن غيّه- إلى مثل هذه الرجّة العنيفة. فقد كان بالغاً مبلغاً من التحجّر والجمود، بحيث لا يمكن أن يؤثّر فيه الكلام ولا الوعظ والإرشاد مهما كان بالغ التأثير قويّ النبرة، فإنَّ للكلام مرتبةً من التأثير يقف عند نهايتها، ولا يمكنه أن يؤثّر في مثل هذا الشخص أو أن يكسر حجابه المادّي الصفيق، بعد أن استحال هذا الحجاب إلى عمىً في عينيه وصمم في أُذنيه عن رؤية الحقّ وسماع صوته، فكان مصداقاً واضحاً لقوله عزّ من قائل: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}(1).
وإنَّما يحتاج مثل هذا الشخص إلى صدمةٍ قويّة، تصيب مصالحه الشخصيّة بالضرر، وشهواته وأمواله بالتلف والانحطاط، صدمة تأتي بعد الوعظ والإرشاد والإنذار، وتكون كنتيجةٍ لها وأثرٍ من آثارها، بحيث يعلم الجاحد بوضوح أنَّه إنَّما أُصيب بها لأجل جحوده وكفره.
إنَّ مثل هذه الصدمة فقط يمكنها أن تعيد هذا الجاحد إلى رشده والصواب إلى ذهنه، وتكون له دليلاً على سوء مسلكه السابق وقبح عقيدته، كما تبرهن له على صحّة الإيمان وصدق عقيدة المؤمنين.
لذا فإنَّ الإقطاعي لم يعر – وهو في غمرة تلك النشوة والسرور- إذناً صاغيةً لحديث صاحبه المؤمن، على ما فيه من حكمةٍ بالغةٍ وتهديدٍ شديد، ولم يفكّر أن يسمح لها أن تدخل في ذهنه لحظةً من الزمان، بل لعلّه أنال صاحبه
ــــــــ[207]ـــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 171.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
المؤمن بعض المكروه نتيجة هذا الكلام الصريح معه.
إلَّا أنَّ الحكمة الإلهيّة التي كانت تستعرض حال هذين الرجلين ومحاورتهما عن كثب، رأت لزوم تطبيق هذا القانون الذي أدركه المؤمن وأعرب عنه، وأنَّه قد حان الوقت لإنزال العقاب على هذا الإقطاعيّ المتعجرف، وخاصّة بعد أن سمع الموعظة البالغة ولم يعر لها أذناً صاغية.
ولم يمضِ بعد انفضاض تلك الجلسة زمانٌ طويل إلَّا {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}، فقد تناهى إلى سمع ذلك الإقطاعي احتراق نباته وتلف أرضه، وتكدّس الزرع فوق الأرض ذابلاً مصفرّاً.
{فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} أسفاً {عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا}(1) من المال والعناية؛ فإنَّ كلّ ذلك يبدو الآن ولا أهمّية له ولا أثر، بعد أن هلك نباته وأصبحت أرضه {خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}(2) أي: سقطت عروش العنب بما تحمل من كروم على وجه الأرض.
وقد أثّرت هذه الحادثة على شعوره تأثيراً عظيماً، وأخذت مصيبته بمجامع نفسه. وفي غمرةٍ من تلك الحال فقط اضطرّ الإقطاعيّ أن يسمح لفكره بأن يجول، ولعقله بأن يفكّر، فإنَّ هذه الحادثة لم تذهب سدىً، وإنَّما قد أنتجت نتيجتها المطلوبة، وهي حمله على التدبّر والتفكير، بعد أن كسرت أُفقه المادّي وحطّمت حجابه الصفيق.
ــــــــ[208]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 42.
(2) سورة الكهف، الآية: 42.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وفكّر الإقطاعي في كلِّ شيء، فكّر في أرضه وفيما كانت عليه من روعةٍ وجمال، وفي حاله، وفيما كانت تتّصف به من كفرٍ وجحود، وفي صاحبه وما صدر عنه من وعظٍ وإرشاد، وفي نبوءته نبوءة الإيمان التي تحقّقت، وكأنَّه كان يقرأ القدر من وراء الغيب.
إنَّه لم يكن قبل ذلك ليسمح لنفسه حينئذٍ أن تتفهّم وأن تُدرك، أمّا الآن فينبغي له أن ينظر فيمعن النظر، وأن يفكّر فيحسن التفكير: أنَّ هذه الحادثة – بما تحمل في طيّاتها من ألم، وما تتّصف به من خسران- لم تكن لتقع لولا جحوده لأنعم ربّه، وإعراضه عن ذكره والتوكل عليه، فلو كان شخصاً مؤمناً شاكراً -كما نصحه صاحبه أن يكون- لكان الآن متمتّعاً بأرضه، مسروراً بجمالها.
إذن ينبغي له أن يصغي إلى الوعظ والإرشاد، وأن يحاول أن يتفهّمه وأن يتّعظ به، قبل أن ينزل به عقابٌ أشدُّ من ذلك وأدهى، وينبغي له أن يتوب ويثوب، وأن يحاسب نفسه {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ}(1).
عندئذٍ أطلق في الهواء زفرةً طويلة، تحمل من المعاني الشيء الكثير، وهو يتمتم بحرقةٍ وأسف: {وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}(2).
{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ}(3) في تلك الحادثة المؤلمة {فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ}(4) ويدفعون مصيبته عنه؛ فإنَّ إرادة الله فوق كلّ إرادة، وهي حكمٌ تكوينيٌّ
ــــــــ[209]ـــــ
(1) سورة الروم، الآية: 43.
(2) سورة الكهف، الآية: 42.
(3) سورة الكهف، الآية: 43.
(4) سورة الكهف، الآية: 43.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
واجب التنفيذ، ولا حيلة لأحدٍ في دفعه {وَمَا كَانَ}(1) هو نفسه في تلك الحادثة ضدّ إرادة الله {مُنتَصِرًا}(2).
{هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}(3)(4).
محمّد الصدر
النجف – العراق
ــــــــ[210]ـــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 43.
(2) سورة الكهف، الآية: 43.
(3) سورة الكهف، الآية: 44.
(4) نشر هذا البحث في مجلّة النجف، العدد الخامس، من السنة السادسة، بتاريخ: 1966م.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[211]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أراني أُمسك القلم وأحاول الكتابة؛ لأنَّ فكرةً تجول الآن في ذهني، وآسف عليها إن أهملتها أن تذهب أدراج الرياح.
ربّما كانت هذه الفكرة وليدة ساعةٍ أو وليدة بضع دقائق، وقد تكون فكرةً حدثت في ذهني منذ أمس، وبقيت أقلّبها على وجوهها حتّى الآن. وقد تكون الفكرة لها جذورٌ عميقةٌ في الشعور أو في اللاشعور منذ أُسبوع أو منذ شهر. لكن لا تهمّنا مدّة الحمل وإنَّما تهمّنا ساعة الميلاد.
تبدأ الفكرة في رأسي بظلّ لا شعورٍ خفيفٍ ينتشر في كياني، يستحيل أن أتميّزه على التفصيل من أوّل وهلة، أراها على الرغم من هذا الغموض تملأ عليّ نفسي وتملك مجامع ذهني، حتّى لأبدو شارد الذهن وكأنّي لا أرى ما أمامي.
ثُمَّ تبدأ الفكرة بالظهور شيئاً قليلاً، من تأثير بعض العوامل المجهولة، فأستطيع حينئذٍ أن أرى شيئاً من خطوطها العريضة، أرى عينيها اللتين تبرقان في الظلام، ولا أستطيع أن أتميّز جسمها على الإطلاق. إنَّني حينئذٍ أدرك أنَّ هذه فكرةٌ شاعريّةٌ أو فكرةٌ دينيّة، أو فكرةٌ اجتماعيّة، وهي شاعريّةٌ في أغلب الأحوال، وإن كانت تتّسم بغير ذلك من السمات؛ لأنَّ عواطف الوجدان شاعريّةٌ بذاتها، ولا يمكن أن يهزّها غير الشعر. وعلى كلِّ حال فإنَّني أدرك أنَّها
ــــــــ[213]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الأحد: 12/2/1382هـ – 15/7/1962م (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فكرةٌ محترمةٌ جديرة بالبقاء، يعزّ عليّ جدّاً أن تتلاشى في نفسي وتبتلعها أمواج ذهني، وبخاصّة إذا كنتُ أنا الذي وأدتُها بيدي المجرمة. وهي فكرةٌ إن كتبتها على الورق فستبقى دهراً طويلاً، ستبقى ليرى الناس مدى فكري واتّساع أُفق ذهني ومقدار ثقافتي ومميّزات إنتاجي، ثُمَّ يهزؤون منيّ، أو يُعجبون بي، أو يترحّمون عليّ.
إذن، فلابدَّ لهذه الفكرة أن تظهرَ وأن تتبلورَ أكثر فأكثر، لأستطيع تسجيلها، وإلَّا فإنَّني الآن لست بمستطيعٍ ذلك، وهي لا زالت على هذه الدرجة من الغموض.
ويقبض ذهني على رأس الخيط، هذا الجزء الضئيل الذي طفا على الشعور، ويحاول جرّ الخيط إلى الهواء الطلق ليستطيع أن يجني من ثماره. وهنا تختلف الأفكار المتولّدة بعضها عن بعض، فربّما تكون الفكرة من الغموض والإبهام والإيغال في اللاشعور، بحيث يصعب جرّها وقد يستحيل. وربّما تكون متشعّبة الأطراف كثيرة الأغصان والأوراق، بحيث لا يمكن للعين أن تلمّ بأطرافها، أو أنَّها لا تكون عند الكتابة فكرةً واضحةً محدّدة، أو أن تكون كتابتها من الطول، بحيث إنَّ هناك احتمالاً راجحاً أن تفلت هذه الفكرة في أثناء السباق من يد الذهن وتغرق مرّةً أُخرى في اللاشعور (مكمنها الأمين)، ومن ثَمَّ لا أستطيع الاستمرار في الكتابة مرّةً أُخرى.
وتحدث هذه الظاهرة تحت تأثير بعض العوامل، منها سأم الكاتب من طول ما يكتب أو عدم رضائه التامّ على الفكرة أو على الألفاظ التي صُبّت بها، أو عدم رضائه على كمال نضجها ووضوحها، أو اعتقاد الكاتب أنَّها سوف لن تكون له أثراً مشرّفاً، أو أنَّها تحدث تحت تأثير بعض العوامل الخارجية، وعلى
ــــــــ[214]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كلِّ حال فإنّي أضطرّ إلى أن أهملها إهمالاً.
وقد تكون الفكرة من ناحيةٍ ثالثة، سهلة الانقياد، جميلة المنظر، يحرص عليها الذهن حرصاً شديداً، ويبدأ على اسم الله تعالى بجرّها شيئاً فشيئاً إلى مرحلة الشعور.
ومن الملاحظ أنَّه لا توجد هناك فكرةٌ تقفز على أثر هذا السحب فجأةً من اللاشعور إلى الشعور، وإذا بها واضحةً للعيان بجميع تفاصيلها، بل يختلف الحال في الأفكار، فربّما انقادت الفكرة بسهولة، واستطاع ذهني أن يمليها على قلمي إملاءً، وربّما كانت الفكرة صعبة الانقياد غامضة التفاصيل، يحتاج الفكر في تفصيلها وتحليلها إلى جولاتٍ وجولات.
وعلى كلِّ حال، فإنَّ الذهن يبدأ بإدخال أصابعه فيما استطاع إخراجه من اللاشعور، ليستطيع تحليله وتصنيفه، وهو في نفس الوقت لا يزال يسحب ما تبقّى من الفكرة في اللاشعور بأصابعه الأُخرى. ويبدأ بالتبويب والتفصيل ووضع كلّ قسمٍ في موضعه الخاصّ من القالب العامّ للفكرة.
ومن الملاحظ أن ليس كلّ فكرة تقبل التقسيم الواضح المركّز، وحينئذٍ يعمل الذهن غاية ما يستطيع عمله من ذلك، ويبقى ما تخلَّف من الفكرة غامضاً، يضفي على الفكرة الشاعريّة روعةً وجمالاً، وعلى الفكرة الخطابيّة سوءاً وتعقيداً. كما أنَّ من الملاحظ أنَّ من الأفكار ما لا يرضى أن يخرج جميعه من اللاشعور، بل يعمل الذهن جهده لسحب الفكر، فتنسحب أوّلاً، ثُمَّ إذا بها قد وقفت عند حدٍّ يعلم الذهن أنَّه ليس نهاية المطاف، وعندئذٍ ينظر الذهن، فإن كان فيما خرج إلى اللاشعور كمّيةٌ صالحةٌ للتسجيل، أملاها على القلم، وإلَّا أرخى قبضته عنها لتقفز إلى اللاشعور قفزاً.
ــــــــ[215]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ثُمَّ يبدأ الذهن بتمييز نوعيّة الفكرة ليرى ما إذا كانت شاعريّةً أم خطابيّة، فرحةً أم حزينة، رقيقةً أم خشنة، وما إن يتمّ الذهن هذه المهمّة إلى أقصى حدٍّ مستطاع، [حتّى] يبدأ بتخيّر القالب الذي ينبغي أن تُصبّ فيه هذه الفكرة، هل هو الشعر أو النثر. فإن كان الشعر، فأيّ بحرٍ تكون به أجمل ولها أنسب، وإن كان نثراً فأيّ أُسلوبٍ بها أليق، وتتمّ هذه العمليّة بلحظاتٍ قصار، بحيث إنَّني بمجرّد أن أجد الفكرة قد ظهرت في مرحلة الشعور أجد معها ما يناسبها من الأساليب، كأنَّها كانت تحملها معها عندما برزت إلى الوجود.
ومن الملاحظ أنَّ بعض الأفكار تكون من القوّة والفعاليّة بحيث إنَّها تخرج إلى الشعور بنفسها لا تحتاج إلى مَن يسحبها من مكمنها، كما أنَّها هي التي تبوّب نفسها وتختار الأُسلوب الذي ينبغي أن توضع فيه، والأُسلوب في مثل هذه الحالة يغلب أن يكون شعراً، ثُمَّ هي تملي على صاحبها الألفاظ إملاءً، وتصبح يد الكاتب آلة طيّعةً وكأنَّها مُسيّرةٌ بقوّةٍ خفيّةٍ من وراء الغيب.
ثُمَّ يبدأ الذهن – بعد تلك المراحل التي سردناها آنفاً- بتخيّر الألفاظ، فأحسُّ وكأنَّ شخصاً يضع في ذهني عبارةً تلو عبارة، وجملةً إثر جملة، ومقطعاً بعد مقطع، وغالباً ما تكون هذه الجمل مبعثرة التنظيم، تحتوي على بعض المعاني من أوّل الفكرة، وعلى شيءٍ من الملاحظات من وسطها، وعلى شيءٍ من الأفكار من آخرها – مثلاً- كما أنَّها تختلط بما لم يصبّ في قالب الألفاظ بعدُ، بحيث يصعب تمييزها عن بعضها في بعض الأحيان.
وأرى في بعض الأحيان أنَّ الذهن يلجأ إلى الألفاظ في المواضع المعقّدة من الفكرة، أو في المواضع الغامضة التي يختلط فيها الشعور باللاشعور، فمن
ــــــــ[216]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هذه الأفكار الغامضة ما يقبل الإظهار بالألفاظ، وتكون هذه الألفاظ في أغلب الأحيان غامضةً أيضاً، ومنها ما لا يقبل الإظهار بالألفاظ، بحيث قد يوجب ذلك القضاء على الفكرة نهائيّاً؛ لأنَّ الذهن يحسّ أنَّ الفكرة لن تكون مستقيمةً بدون هذه الأفكار، وما دامت هذه الأفكار تأبى الخروج إلى عالم الواقع، إذن فالأولى إهمال الفكرة.
وبعد تلك المراحل، وبعد أن تكون الفكرة قد كمل نضجها، وتخيّرت بعض ألفاظها، واتّضحت إلى أكبر حدٍّ مستطاع، أجد نفسي مندفعاً نحو الورق والقلم لأُسجّل ما يدور في خلدي، ثُمَّ ليبقى معرفةً معروضةً أمام الناظرين مدى الدهر، وتذكاراً لهذا المسكين، بعد أن يكون هشيماً تذروه الرياح.
وتبدأ مرحلةٌ جديدة، وكأنَّها منقطعةٌ تمام الانقطاع عن تلك المراحل السابقة كلّها؛ لأنَّني أبدأ – حين أبدأ بالكتابة- باستعراض الفكرة جزءاً جزءاً، فأنظر إلى أُمورٍ فيها لم أكن شاهدتها من قبل، كما أنظر إلى ألفاظ لم أكن أتوقّعها، ولا يفوتني في بدء الكتابة أن أتميّز رأسها ليكون هو أوّل ما يكتب على الورقة، وما أن أطرح رأسها على الورق حتّى يبدأ الجزء الشعوري بالنزول، هذا النزول الذي لا صعود بعده. وفجأة وفي الوقت المناسب جدّاً، أرى أجزاءً من الفكرة كانت لا تزال متحصّنةً باللاشعور ضدّ الهجوم الذهني عليها، أراها تنزل إلى الورق طيّعةً مختارة، وكأنَّها تطلب العفو عن العناد الذي سلف، وتشيع في نفسي لكلِّ هذه المفاجآت دهشةً مختلطةً بسرورٍ خفيّ، وبنشوة نصرٍ أخفى، وأستمرّ في الكتابة.
وربّما، وفي مطاوي انهماكي في الكتابة، تأتي إلى ذهني أفكارٌ من اليمين
ــــــــ[217]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
والشمال، تمّت إلى الفكرة الأصلية بسببٍ قريبٍ أو بعيدٍ، وهذه الأفكار قد تكون صادرةً من الذاكرة تبعاً لقانون تداعي المعاني، أو من المخيلة أو الواهمة، أو صادرةً من الذهن نفسه على سبيل الاستطراد. وعلى كلِّ حال فإنّي أنظر إليها، فإن وجدتها جميلةً تزيد روعةً وجمالاً كتبتها، وإلَّا أهملتها.
وما إن أصل إلى نهاية المقال حتّى يكون ذهني قد نضب من الفكرة تماماً، كأنَّ كلّ جزء يُكتب منها يتبخّر من الذهن ليذهب إلى مكانٍ مجهول، ولا وسيلة إلى استعادته إلَّا قراءة المكتوب.
ثُمَّ أبدأ بقراءة المقال أو الشعر، فأجد أمامي ثمرةً يانعةً جديدة، قد استقبلت الهواء في أوّل أيّامها، ثمرةً هي جزءٌ من نفسي، نابعةٌ عنها نتيجة لكدّ يمينها وعرق جبينها. واستمرّ في القراءة، فأجد كلّ ما كتبته صحيحاً وجميلاً، وأجد نفسي أفهمه فهماً دقيقاً، بحيث إنَّي أعرف بالضبط لماذا وضعت هذا اللفظ هنا بدل غيره، ولماذا جئت بهذه العبارة، مع أنّي كنتُ مستطيعاً أن أكتب غيرها، وهذا فهمٌ يفوق – على ما اعتقده حينئذٍ- أيّ فهمٍ يتوجّه إلى هذا النتاج من أيّ فردٍ من البشر مهما كان متبحّراً في الموضوع ذاته، وحتّى هو أقوى من فهمي له، بعد أن تتلاشى الفكرة من ذهني وتدخل عالم العدم.
وبعد هنيئة تكون الكتابة قد سجّلت في الدفتر وقلبي مطمئنٌّ إليها، يجد أنَّه قد أثمر ثمرةً طيّبة، وأضاف إلى هذا الوجود شيئاً جديداً.
محمّد الصدر
ــــــــ[218]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[219]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إيهٍ يا محمّد الصدر …
أيُّها الجسم الضئيل الذي أضناه الزمان، واللون الحائل الذي ذهبت بجدّته شمس الظهر المحرقة، والأُفق الضيّق الذي أدهشته الألوان المتراقصة.
أيُّها الحشرة الصغيرة المتراقصة على أنغام الأوهام، الدائرة حول شعلة السراج الضئيل، المتلصّصة للبريق الخافت الذي يلوح من الأُفق البعيد.
أيُّها القارب الصغير الملقى في غمار مياه البحر العاتية، المُساق إلى شاطئٍ بعيد المنال، لم يره ولا يريد الوصول إليه.
أيُّها الإنسان المضني عمره في لهيب النار المتأجّجة، والمذيب نفسه في تيّار الظلام المتدفّق من بين براثن الوحوش الكاسرة.
أيُّها القطرة الضئيلة الواقفة على أعتاب الأبديّة، المتطّلعة إلى أُفق الخلود، الناظرة إلى النور اللامع الذي يشرق به وجه اللانهاية.
إيهٍ، يا محمّد الصدر …
كم كنت أرجو وأنت تحبو في أحضان الأيّام، وتتقاذفك أمواج الزمان إلى حيث تريد وحيث لا تريد، وتجرّك حبال المقادير إلى حيث العمق السحيق، أن أنشر فوق رباك بعض الظلال؛ لتقيك حرّ الشمس المحرقة، وأن أسقط في فمك اللاهث قطراتٍ من نور؛ لتروي شيئاً من غليلك، لعلّي أصل إلى بعض
ــــــــ[221]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] السبت: 15/4/1382هـ – 15/9/1962م (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
خدمتك فأحيل أرضك خضراء، وسماءك زرقاء، وسحابك أبيض ناصعاً.
كم كنتُ أرجو وأنت تسعى بملء رجليك إلى الكمال، وتلتفت بصفحة وجهك إلى نور الأبديّة الوهّاج، وتشير بكلتا يديك إلى المثل الأعلى القابع على قمّة الوجود، لعلّك تنال شيئاً من ثماره، وأن تشرب قطعةً من مائه، أن أمهّد لك الطريق، وأن أكنس من تحت قدميك العوائق والأشواك، وأن أكون لك ناقةً هادئةً وادعة، تحملك بِدَعَةٍ وأمان، من حضيضك السافل إلى هدفك المنشود، لتقابل ذلك الضوء الباهر، بروحك وعقلك وجنانك، وجهاً لوجه، وتقطف من أزهاره وتقبس من لهيبه، ما شاء لك قلبك من القطف والاقتباس.
ولكنّني عندما أنظر إلى ذلك الطريق الطويل المليء بالمتاعب والمصاعب، الشديد القسوة والوعورة، ذلك الطريق الذي تعزف بين جنباته الجنّ وترنّ الشياطين، وتتراكض العفاريت، وتتصارع فيه قوى الضوء والظلام، وتتحارب فيما بينها حرباً سجالاً تزهق فيها النفوس وتسيل فيها الدماء.
عندما أتميّز خطورة الطريق ووعورته الشديدة، وعندما أعرف أنَّه طريقٌ قد ابتلع ملايين الضحايا، وأضنى ملايين النفوس، وأبلى كثيراً من الأفكار والأجساد، أجد أنَّني أقصر من أن أقوم بهذه المهمّة، وأضعف من أن أحمل هذا العبء الثقيل، وعندئذٍ فقط أرفع يدي إلى السماء لاتّصل مباشرة بالمنبع الفيّاض، رافعاً صوتي بالدعاء.
وكم كنتُ أرجو يا محمّد الصدر وأنت حائرٌ بين أبدٍ لا أوّل له، وبين أزلٍ لا نهاية له، قابعٌ خلال ذلك بين يدي الفناء، تعتصر ضرعه الجافّ،
ــــــــ[222]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وتأكل من ثماره المرّة، وتتحرّك في سجنه المظلم الضيّق، أن أحملك على كتفَي الفضاء، وأضعك بين يدي النور الأبديّ، حيث الحريّة المطلقة، وحيث السعادة والخلود.
وإذ أجد أنَّ لهذا السجن الصغير المظلم قفلاً لا يفتح، وجداراً لا يهدم، وظلاماً يصعب أن يدخله بصيص ضوء، وأن يوصل بينه وبين الفضاء الرحب الفسيح؛ لأنَّه مقيّدٌ بقوانين صارمةٍ مفروضةٍ عليه من قبل الأبديّة فرضاً، فهو يرزح في نيرها دهراً طويلاً، ولن يستطيع الإنسان الخلاص منه بدون أن يهبه شيئاً ليشتري به مآربه، ذلك أنَّه لا يستطيع هذا السجن أن يضيّق الخناق إلَّا على هذا الجسد البالي، فإن كان لك ذلك الكرم الحاتمي فضع بين يديه هذه الهديّة المتواضعة ليصبّ عليها من سياطه ما يشاء، واذهب متحرّراً إلى حيث تريد.
كم كنتُ أرجو حين أراك طامحاً إلى اقتطاف ثمار الأفكار، متولّهاً بارتشاف قطراتٍ من البحر العظيم، بحر المعرفة الفيّاض، مشتاقاً إلى الغوص فيه، والذهاب مع أمواجه المتلاطمة إلى حيث ما تحملك الأمواج، وحين أراك في سبيل ذلك تعتصر ذهنك اعتصاراً، وتختلس الوقت من بين يديك اختلاساً، وتحدّق في أسطر الكتاب بعينٍ حائرة فاغرة، قد أضناها التأمّل وأجهدها التفكير.
وحين تفوز بمعرفةِ ما قرأت، وينقشع عن نفسك بعض ظلام الجهل، وتسري في أعصابك نشوة النصر، وفي ذهنك لذّة المعرفة، وفي نفسك فرحٌ راقصٌ مضيءٌ لهذا النصر المبين، ثُمَّ تلتفت حولك بشراهةٍ متزايدةٍ تطلب المزيد، لعلّك أن ترى كتاباً تقرأه أو فكراً تمتصّه، ولكنّك تصطدم بحجرٍ صلدٍ
ــــــــ[223]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
سميك، حين لا ترى حولك إلَّا الفضاء، كم كنتُ أرجو أن أكون لك سفينة الأمان تحملك إلى الشاطئ البعيد.
ولكنّني عندما أجد أنَّ هذا البحر الذي تطمح إليه لا ساحل له ولا قعر، وأنَّني لن أستطيع أن أبلغ بك إلى النهاية، أبذل جهدي في الابتعاد بك في عرض البحر ما أمكنني الابتعاد، ولا أملك في البقيّة إلَّا الدعاء.
كم كنتُ أرجو حين أراك تكافح أمواج الحياة بيدين خائرتين، وتعالجها بقدمين مجهدتين، وتنظر في يأسٍ إلى نهاية البحر وكأنَّك تنظر إلى المستحيل، وحين أرى الأمواج العاتية تنقلك فوقها من موجةٍ إلى موجة، ومن صورةٍ إلى صورة، وتتراقص فوق رأسك المياه، ويتضاحك استهزاءً بك وجه البحر، وحين أراك تجمع أوصال ذهنك المتعب؛ لعلّك تعتصر منه قطرة ماءٍ زلال، وحين تحفّز همّتك تريد الوثوب؛ لعلّك تجد منفذاً للخلاص. عندئذٍ أتمنّى أن أكون لك قربةً منفوخةً تمنع عنك الغرق، وسفينةً هادئةً تحملك إلى شاطئ الأمان.
ولكنّني عندما أرى قوّة الأمواج، أجد أنَّها تُغرق أيّ سفينةٍ تمخرها، وتتحدّى أيّ قوّةٍ تصارعها، مهما كانت من العزم والثبات، إلَّا أن تكون قوّةً مقتبسةً من الأزل القديم، فأبتهلُ عندئذٍ ضارعاً إلى الله بالدعاء العريض.
إيهٍ، يا محمّد الصدر …
أيُّها المسكين المناضل، وحيداً وسط الظلام الكثيف، المكلّف نفسه بثقب الجدار السميك، أرجو وقد مضت حقبٌ من الأعوام، وتصرّمت حزمةٌ من الأيّام، وسقطت منك إلى الأبد السحيق قطرةٌ لن تعود، أرجو أن أكون قد ساعدتُك في هذا الجهاد الطويل، وخفّفتُ عنك هذا العبء الثقيل، وإلَّا
ــــــــ[224]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فإنّني أرفع كلتا يديّ إليك، أستميح منك العفو والغفران.
ما أراني إلَّا وقد أجرمتُ في حقّك جرماً لا يُغتفر وذنباً لا ينمحي، ولا تذهب بجدّته الأيّام؛ لأنَّني وبعد هذه الحقب الطويلة من الزمان، والعمل المضني في سبيل المثل الأعلى، أنظر فأجد نفسك لا تزال ملفوفةً بتلك الحجب القاتمة، ولا تزال راكدةً في ذلك القعر المظلم العميق الذي حاولتُ أن أنتشلها منه.
إذن – وياللأسف الشديد- قد فني الزمان دون الفائدة المرجوّة، وتوالت الأيّام قبل أن نصل إلى الأمل الكبير.
عفواً، فما أراني قد بذلتُ خلال تلك الأيّام غاية مجهودي في الوصول بك إلى حيث تريد، بل تجاهلتُ وتباطأتُ وغرّني الأمل وبرقتْ أمام عيني الأماني، وملك على كياني التسويف؛ لأنَّني لا أزال في أوّل الطريق، ولم أصل بعدُ إلى الأُفق الرحيب، الذي تنطفئ فيه هذه الشموع أمام شمس النهار المشرقة الحنون.
ولكنّني كنتُ أعمل جاهداً متقلّباً بين هذه الأمواج، لا أملك عنها منصرفاً، ولا فيها ناصراً، حتّى توالت الأيّام وتصرّمت زمر الأعوام، وبدأت اليقظة تدبّ في الهشيم، والعين تتفتّح بعد نومٍ عميق، والأماني والأوهام تقذف تباعاً في بئرٍ عميق، وحين فتحتُ عيني لم أجد إلَّا الخسارة والاضمحلال، فلا أنا ملكتُ الأماني واستضأت بنورها الخافت الضئيل، ولا أنا قد وصلت إلى الهدف المنشود واتّصلت باللانهائيّة المطلقة الكاملة من جميع جهات الكمال.
فإن تعفُ عنّي وتغفر لي، فذلك نبع زلالٍ نابعٍ من عينك الثرّة السمحة،
ــــــــ[225]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وإن تجدّد عتبك وتأنيبك، فمن حقّك القول ما شاء لك قلبك أن تقول، ولنجدّد العزم في السير على الطريق الطويل، فلا زالت أقدامنا سليمة، وقوانا موفورة، وسأبقى عوناً لك حتّى آخر نفسٍ في حياتي، أجاهد في سبيل خيرك وسعادتك.
ونحن في هذا النضال المرير لن نحصل إلَّا على إحدى الحسنيين، فإمّا أن نحيى حياةً طيّبةً تظلّها لذّة العمل وتشيع بها بهجة الأمل، ونأكل فيها من ثمار جهودنا المتواصلة، أو نسلم الروح معاً في هدوءٍ ودعة، فنذهب شهيدين متحدّيين قوى الطغيان وعناصر الزمان وأهواء الشيطان، ونكون في ذمّة الله متحرّرين منطلقين من القيد الثقيل الذي فرضته علينا الأيّام، مجدّدين العزم في السير إلى كمالنا المنشود.
محمّد الصدر
ــــــــ[226]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[227]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مضت على تلك الأيّام سنون، وانقضت دهور، وتبدّلت أرضي غير أرضي وسماواتي. لقد أصبحتُ شخصاً آخر لا يحمل من ملامح ذلك الشخص الغضّة الطريّة شيئاً قليلاً ولا كثيراً، ولا يفكّر على طريقة تفكيره، ولا يتصرّف بالشكل الذي كان يتصرّف، فهو لا يحمل منه إلَّا الروح، ذلك الأساس الراسخ العميق الذي يرافق الإنسان من مبدأ وجوده إلى عدمه، والذي به يتشخّص الشخص ويشار إليه على أنَّه كائنٌ إنسانيٌّ منظّم، فهذا الشخص الحالي يحمل بين جنبيه تلك الروح الوثّابة التي بقيت خطوطها الرئيسيّة راسخةً لم يستطع أن ينالها الزمن بمسّه القاسي، وإن كان جزءاً كبيراً من هذه الروح قد تحوّل وتبدّل، ولم يبق منه إلَّا أطلالٌ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.
تلك أيّام قضيناها بين يدي الدهر، بعد أن ألقت بنا المقادير في أحضانه الفضفاضة، وكان جبراً علينا أن نبقى نواكب الزمن أيّامه ولياليه وشهوره وأعوامه، لكي نصل معه إلى حيث يريد، فلا الزمن يفتر عن المسير أو يملّ أو يتعب، ولا نحن نستطيع الترجّل لحظةً عن ظهر هذه الدابّة الدؤوب. وبذلك فقد قضينا مرغمين ما يجب أن نقضيه في مثل هذه السنين المتطاولة.
لقد سبق أن دخلنا الدنيا لا نحمل إلَّا القابليّة والاستعداد، ولا نحمل
ــــــــ[229]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الجمعة: 26/10/1382- 23/3/1962 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا البراءة والإخلاص، ولكن وبمجرّد أن لاقينا مسّ الزمان الأليم انطلقنا ننشج نشيجاً مرّاً كأنَّنا نعلم ما نحن مقدمون عليه من الدنيا والآخرة. ثُمَّ وفي لحظاتٍ قصار، أصبحنا بين قطعتي رحى الزمان، وتحت ثقل قوانينه الصارمة التي لا تغفر ولا تتجاوز ولا ترحم ولا تحابي، فانتقلنا بين الأيّام والشهور، من حادثةٍ إلى حادثة، وعجيب إلى أعجب، وهكذا بدأ القدر يغلي إيذاناً بنضج الطعام.
لم يكن باستطاعتي أن أصل إلى هذا الوقت إلَّا بعد أن أقضي هذه السنوات، ولم يكن باختياري أن أمرّ بهذه السنوات ولا بالحوادث التي رأيتها فيها، ولكنني الآن وبعد أن خسرت هذه المجموعة المهمّة من السنين، أقابل هذه الورقة وأجرّ قلمي فوق وجهها الشاحب، لعلّي استطيع أن أجترّ بعض ذكريات تلك الأيّام الحالمة التي قضيتها – حسبما أدّعي لنفسي في الوقت الحاضر- بين رَوحٍ وريحان وجنة نعيم.
حين كنتُ أسمع من تغريد الطيور صوتاً موسيقيّاً مطرباً، ومن حفيف الأشجار وخرير المياه لحناً جميلاً جذّاباً، وأرى في الأزهار والأثمار والنجوم والبساتين وحتّى السحاب وحتّى البراري، حياةً كونيّةً متراقصةً لا يكدّرها شرٌّ ولا قبح، وحين كنتُ أرى في مرّ النسيم وضوء القمر وفي ضوء الشمس وبريق السحاب عناصر للخير والجمال ولنشر النور والسعادة …
حين كانت نفسي صافيةً من الأحزان، وضميري خالياً من الأحقاد، وعقلي خالياً من اعتبارات الناس ومن تعقيدات العلوم والفلسفة، وكياني مخلوقٌ نوريٌّ ملائكيٌّ لا تحيط به الأوهام ولا تدرك سرّه العقول…
حين كنتُ أطير مع نسيم الخيال إلى أجواز الفضاء فأجمع من هذه
ــــــــ[230]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الأصقاع اللامتناهية أشخاصاً وحوادث وعجائب وغرائب، أقضي في تخيّلها الساعات، فأبني لنفسي قصوراً وأنبت أشجاراً وأشرق شمساً وقمراً، ثُمَّ إذا بلغتُ من ذلك أربي، نزلت من ذلك الفضاء الرحب، فودّعني بسلامٍ عاطرٍ فوّاح، وسلّمني إلى عالم الواقع، ولم يكن الواقع بأخفّ وأعذب – في أكثر الأحيان- من عالم الخيال، إنَّه خيال بشكلٍ من الأشكال.
ولكن هل من الصحيح أنَّ عهد الطفولة عهد براءةٍ وبساطة، وعهد صفاءٍ وجمال، كما يريد الكبار أن يصوّروه. إنَّ الكبار عندما يتحدّثون عنه فإنَّهم ينسبونه إلى حياتهم الحاضرة، فيبدو برّاقاً جميلاً، ولكنّ الحزن على مراتب، وأنَّ الألم شيءٌ نسبيٌّ في هذا العالم، ولقد غفلوا على أنَّ للطفل آلامه وآماله وغضبه ورضاه الذي يهتمّ به ويأخذ عليه مجامع نفسه، تماماً كما يأخذ على الكبار غضبهم ورضاهم، عليهم مجامع أنفسهم.
إنَّني أُريد أن أتحدّث عن ذلك الزمان حديث منصفٍ واقعيٍّ لا يحابي ولا يجامل، ولا يقدّم عهد الكبر على عهد الصبا بالأفضليّة والاحترام، فلكلٍّ من العهدين محاسنه ومساوئه، ولكلٍّ هفواته وأخطاؤه. ولئن كان الطفل يخطئ جهلاً فإنَّ الرجل يخطئ وهو عالم، ولئن أخطأ عن جهلٍ وغفلة فهو طفل، وإن كان في الكهولة أو ريعان الشباب.
أُريد أن أتحدّث عن ذلك العهد الجميل، ولكنّي لا أعلم عن أيّ جزءٍ منه أتحدّث؛ لأنَّه عهدٌ طويلٌ مترامي الأطراف، وكلّ جزءٍ منه في زمان، ورأت كلّ سنةٍ منه حوادث وعواطف لم تعهدها في السنين السابقة. ولقد مرّ الزمان وازدادت كثافة هذا الحاجز الصفيق الذي يفصلني عن تلك العهود، وصرت أنظر إليها وكأنَّها عهدٌ واحد، بل وكأنَّها لحظةٌ من زمان، وحتّى كأنَّها لم تمرّ بي
ــــــــ[231]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
في يومٍ من الأيّام. فلولا هذه الذكريات الضعيفة المتداخلة المختلطة لشككت أنَّني كنتُ طفلاً.
سلام الله عليك يا مَن كنتَ تعيش في تلك العهود الزاهرة وتلك السنين الغابرة، فإنَّك وإن لم تكن تشعر بذلك، كنتَ أسعد منّي حالاً وأخفّ عبئاً، وأقلّ مسؤوليّاتٍ وأكثر مرحاً وانطلاقاً. لقد كنتَ بجهلك الرقيق وعقلك الصغير تحسّ وكأنَّ جميع هذا الكون بيتك، وجميع ما فيه مخلوقٌ لك، وموجودٌ لإسعادك والترفيه عنك، لقد كنت ترى في هذا الكون جوهراً إلهيّاً منوّراً يملأ نفسك بالسعادة، ويغرقها انشراحاً وانطلاقاً، وما تلاشى هذا الجوهر ولكنّك أنتَ الذي تلاشيت.
لقد كنتَ تملك عمراً هو عبارةٌ عن عددٍ من السنين قد ضاعت الآن وذهبت إلى غير رجعة، ولقد كان بإمكانك أن تستغلّ هذا العمر الثمين بالعمل والعلم المثمرين، لترتقي نفسك في درجات الكمال ولتخدم مجتمعك خير ما تستطيع من خدمات، ولكن لا، لم تكن تستطيع ذلك، فتلك حدودك وذلك مقدار عقلك وفهمك، وتلك هي الحياة التي عشتها حتّى أفنيتها وأفنتك، والحمد لله ربِّ العالمين.
وسأسرد للقارئ بعض جوانب تفكيري في تلك العهود، ليعرف أنّي كنتُ حتّى في ذلك الحين فيلسوفاً مفكّراً، وأنَّ هذه الفلسفة لم تزل بخطوطها العريضة موجودةً إلى الآن، وإن كان الزمان قد عاث في معالمها طويلاً، بل إنَّ هذه الفلسفة هي التي كانت عندي يوم كنتُ في طريق التكوين، فهي التي نمت عليه نفسي، واكتمل في كنفه تفكيري وعقلي. ولئن كنت والقارئ أشترك في الاعتقاد بأنَّها فلسفةٌ صبيانيّة، ولكنّها كانت في وقتها هي الفلسفة
ــــــــ[232]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
التي أعرف بها الكون وأفسّر بها الوجود، ولقد كانت صادقةً كلّ الصدق بالنسبة إلى تكويني وعقلي، وبالنسبة إلى ظروفي ومجتمعي.
أُنظر لترى عجباً، فما أظنّك قبل اليوم سمعت بطفلٍ فيلسوف، ولكن ما عشتَ أراك الدهرُ عجباً. أُنظر لترى آرائي ومدى انسجامها ومقدار تناقضها وارتباكها، ومدى ارتباطها بالحياة، ومدى حكايتها عن الواقع الملموس.
لقد كنتُ وأنا طفلٌ شخصاً يشعر بوجوده، ويحسّ بكيانه على أساس أنَّه شخصٌ محترمٌ، له رأيه وله وجهة نظره، وله أُسلوبه وطريقته في الحياة. فلئن كان للكبار مثل ذلك، فإنَّه لا يمنع على الإطلاق أن يكون للصغار مثله، ومن ثَمَّ كنتُ أقوم بما أقوم به باطمئنانٍ وعزمٍ أكيد، واعتقادٍ راسخٍ بصواب الفعل ووجهة النظر.
إنَّها وجهة نظرٍ محترمةٌ لا يحقّ للكبار على الإطلاق مناقشتها أو الاعتراض عليها. ألستُ قد توصّلت إليها بعد تفكير وتأمّل، وبعد أن أكون قد ألممت بالمسألة من جميع أطرافها، ونظرتُ إلى مصلحتي في ضمن هذه الأطراف؟ فلماذا يشعر الكبار بأنَّ لهم حقّ الاعتراض على مخططات الصغار، وحقٌ هدم ما يبنون من الأعمال؟ ولقد يصادف أن أرى ضغطاً من الكبار على تركي أو فعلي لبعض الشؤون، فإنّي أبدأ بالتوّ بالموازنة بين تحمّلي للضغط وبين مصلحة الفعل الذي أنوي القيام به، وأيُّها وجدتُه راجحاً فعلته. فإنَّني أرى الفعل راجحاً وأحسّ تجاهه من الكبار بضغطٍ شديد أحسّ لقاءه بالضعف وعدم القدرة على المقارعة، فإنَّني حينئذٍ أنصاع مجبوراً مرغماً وفي نفسي الشيءُ الكثير.
ــــــــ[233]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أمّا مرجّحات الفعل في نظري، فهي الأُمور التي تكون أقرب إلى راحتي ومتعتي، وأقلّ جهداً وكلفةً بالنسبة إليّ، أو تكون مقدّمةً وتمهيداً لبعض الأعمال المهمّة التي أنوي القيام بها، أو يكون العمل ممّا أشعر به في أثنائه قلّة سيطرة الأب على حياتي لحظةً من الزمن.
لقد كنتُ أرى للصغار شأنهم ومنزلتهم واستحقاقهم للاحترام والتبجيل، لماذا يُحتقرون ويُهانون، ويخاطبون بشكلٍ مختلف عمّا يخاطب به الكبار، ويرى الكبار الحقّ في توجيه الأوامر والنواهي إليهم ولو كان الشخص غريباً طارئاً على الأُسرة، في حين إنَّني أرى الكبار يحترم بعضهم بعضاً ويتحدّث بعضهم إلى بعضٍ بسكونٍ وهدوء، وبكلِّ جدٍّ وإخلاص، لا يجرؤ أن يوجّه أحدهم إلى الآخر أمراً قاسياً أو أن يصيح في وجهه مهدّداً.
وكنتُ أرى تلك المعاملة المحاباتيّة التي يعامَل بها الصغار، إحساساً من الكبار بالعظمة أكثر ممّا ينبغي لهم، وخروجاً بالتكبّر عن أطوارهم، وعليه فطالما كنتُ أفكّر أن كم يكون جميلاً لو احتُرم الناس على حدٍّ سواء بدون تفضيلٍ في العمر ولا في العلم ولا في المنزلة الاجتماعيّة، فالناس كلّهم سواء، فيجب أن يعاملوا بصورةٍ متساوية.
كنتُ أرى أنَّ للأطفال رأيهم ونظريّاتهم في الحياة، ووجهات نظرهم في الأُمور، وأنَّها لتستحقّ أن تكون نظريّاتٍ محترمةً ونافذة المفعول، ولم أكن أرى ما يرى الكبار من حقٍّ لأنفسهم من احتقارها والنيل منها. ولقد كنتُ أعجب لماذا لا يعير الكبار الاهتمام الكافي إلى نظريات الصغار [مثل] اهتمامهم بنظريّاتهم الخاصّة، مع أنَّ كلتا النظريّتين نابعةٌ عن إمعان تفكيرٍ وطول تدبير.
وكنت أنسب ذلك أيضاً إلى جنون العظمة الذي ابتلي به الكبار تجاه
ــــــــ[334]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الصغار المساكين المظلومين، ولطالما فكّرتُ – وربَّما قلته أكثر من مرّة- أنَّ النظريّة الواحدة التي يراها الشخص، لن يقيم لها الناس وزناً إذا عرضها عليهم وهو صغير السنّ حديثاً، وسوف يرفضونها ويهملونها ظلماً وعدواناً، ولكنَّهم – ويالحماقتهم وسفاهتهم- سوف يقبلون نفس النظريّة بمجرّد أن ينشرها الشخص بعد أن يكبر، وسوف يتلقّونها منه بكلِّ سرورٍ وارتياح، وليس ذلك إلَّا لمجرّد هذا العمر الذي أُضيف إليه، بحيث أصبح فرداً من هؤلاء الكبار.
لقد كنتُ أفكّر، وكنتُ أستنتج، وكنت أتوصّل في تفكيري إلى أشياء كثيرة، أحسبها صحيحةً كلّ الصحّة، وعميقةً كلّ العمق، وقد يصادف أن أكتب بعضها ويضيع أكثرها في طيّات اللاشعور. وكم كنتُ أتمنّى أن أنشر هذه الأفكار تحت ضوء الشمس ليقرأها الناس وليصبح اسمي معروفاً بينهم يشار إليه بالبنان، ولكن كنتُ أقرأ في بعض المطبوعات التي لا أتذكّر الآن نوعها ولا كاتبها، أنَّ الأديب والكاتب والعالم في بلادنا المتخلّفة يصعب عليه النشر وبثّ أفكاره النافعة المفيدة، لمصاعب الطباعة ولقلّة المال، ولعدم وجود شركة منظّمة للنشر والتوزيع، إلى آخر هذه الأسباب المسطّرة.
ومن ثَمَّ يضطرّ الأديب والشاعر، ويضطرّ الكاتب والعالم، إلى تكديس نتاجات تفكيره وزبدة عقله على الرفّ بدون أن ترى الشمس وبدون أن يعرف من خبرها أحد.
حينئذٍ أقول لنفسي: إنَّني أعيش مع هؤلاء الأُدباء البؤساء في هذه البلاد المتخلّفة، ولي أُسوةٌ حسنةٌ بهم في بقاء نتاجي الفكري والأدبي على الرفّ بدون طباعة أو نشر، أليسوا هم – على ما يعتقد بهم الكبار من رجاحة تفكيرٍ
ــــــــ[235]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وحسن نظر- لم يستطيعوا ذلك، فإنَّي على ما أرى من الأزدراء والاحتقار أولى منهم وأجدر بالضياع.
ولكنّني رغم ما كنتُ أشعر به نحو الكبار من حقدٍ دفين، بأنَّهم مرضى بجنون العظمة تجاه الصغار بدون استحقاقٍ وأهليّة، فقد كنت أشاركهم الزعم بأنَّهم فعلاً أحسن من الصغار وأبعد نظراً وأدقّ فكراً، وأقبل منهم ادّعاءهم هذا، وأحمل معاملتهم المحاباتيّة للصغار على ما هي عليه من الجدّ، وأنَّها لابدَّ أن تكون ناشئةً من سببٍ عميقٍ، هو الأفضليّة الحقيقيّة، والفرق الشاسع بين الصغار والكبار.
وعليه، فقد كنتُ أنظر إليهم على أساس أنَّهم أشخاصٌ عقلاءُ مفكّرون، يعلمون كثيراً ممّا لا أعلم، ويحيطون بأُمورٍ أجهلها وأعجز عن إدراك كنهها، ومن هنا كنتُ أتهيّب من الرجال وأخشى الخروج إلى المجتمعات، لئلّا يأخذوا على جسمي الصغير أو رأيي القاصر أو صوتي الضعيف، انتقاداً أو منقصةً على عادتهم من معاملة الصغار ممّا لا أرضاه لنفسي، بالإضافة إلى أنّني في غنىً عن هذه الانتقادات إذا تجنّبتهم وهجرتهم، وكنتُ كذلك فعلاً، ولقد أثّر هذا الهجران في حياتي ولا زال مؤثّراً إلى الآن، رغم تبدّل الجوّ الطفولي القديم.
وعطفاً على هذا الاعتقاد الأكيد في الكبار، وحسن الظنّ بتفكيرهم ووجهة نظرهم، كنتُ اعتقد أنَّ كلَّ ما يطبع من الكتب والمجلّات والصحف، أمرٌ صحيحٌ صادقٌ لا ريب فيه، ولم أكن أتصوّر أنَّ في العالم كتاباً واحداً أو مجلّةً أو جريدةً تحوي زوراً وإفكاً وبهتاناً، أليس الكبار هم الذين أصدروها وقاموا بكتابتها وترتيبها؟
ــــــــ[236]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومن ثَمَّ كنتُ أحترم الكتب احترام تبجيل وتقدير، وأحسّ كأنَّ الكتاب كنزُ علمٍ لا يفنى.
وعليه فقد كنتُ أؤمن بما أقرؤه وأفهمه إيماناً قطعيّاً، مهما كان محتوى ذلك الكلام، وأمّا ما لا أفهمه من الأُمور السياسيّة والاجتماعيّة، فهي أُمورٌ عظمى قام بها نفرٌ من المفكّرين الأفذاذ ممّن لا يُسبر غورهم ولا يُفهم كنههم، ولا يمكن تقدير غاياتهم.
أمّا القصص، فقد كنتُ أقرأها وأتمثّل القائمين بها، وأفترض لهم شخصيّاتٍ ووجوداً. أمّا إذا كانت القصّة مصوّرة، فإنَّي لا أتردّد بأن أفترض أنَّ القائم بالقصّة هو بعينه صاحب الصورة، وإن كانت الصورة من رسم القلم، والقصّة من نسج الخيال.
ولكن ومن عجيب الأمر، ولعلّ ذلك من اعتيادي قراءة القصص على أساس أنَّها خياليّة، فقد كنتُ لا أعتقد أنَّ للتصاوير – وإن كانت فوتوغرافيّة- واقعاً ملموساً، وأنَّ هذه الصور تحكي أماكن وأشخاصاً موجودين على هذه الأرض فعلاً، وأنَّه من الممكن أن نعنون باسمهم خطاباً ونلقيه بالبريد، فإنَّه سيصل إليهم حتماً، بل إنَّ شأن أصحاب الصور الفوتوغرافيّة شأن الصور القلميّة في درجة التجسيم والتخيّل، فكلاهما كنتُ أعيشهما في الخيال، ولا أعقل لهما واقعاً على هذه الأرض.
أكتفي الآن بهذا المقدار من آرائي الفلسفيّة التي كنتُ أعتقدها في صغري؛ فإنَّني إذا أعانتني ذاكرتي وأردتُ أن أسرد الجميع، فإنَّه لن تكفيه المجلدات فإنَّ النفس الإنسانيّة أعمق من أن يسبر غورها قلم، أو أن يحيط بها كلام، مهما كانت صغيرةً وقاصرة.
ــــــــ[237]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ولابدَّ أنَّك لمحت من مجموع هذه الأفكار أنَّها أفكار شخصٍ كان يستطيع القراءة والكتابة على الأقلّ. إذن، فهي أفكارٌ مبعثرةٌ كانت تدور في ذهني وأنا في أغلب الظنّ في السابعة إلى الرابعة عشرة من عمري، أردتُ أن أعرضها عليك لأعتبر منها وتعتبر، ولترى الجوّ الذي كنتُ أعيشه، ولتعرف أنَّ من الأطفال مَن هو فيلسوف، بل إنَّ الفلسفة بهذا المعنى ترافق كلّ إنسان في جميع أطواره وأحواله، فما في الإنسانيّة شخصٌ لا فكر له ولا وجهة نظر عنده، حتّى الأطفال وحتّى المجانين.
ولئن كنّا نعتقد أنَّ وجهات نظرنا أصوب وأقرب إلى الحقيقة، فإنَّ لهم آلامهم وآمالهم ورضاهم وسخطهم وراحتهم وتعبهم وحزنهم وفرحهم، تلك العواطف المختلفة التي تمرّ بهم كما تمرّ بنا، وتملأ عليهم كيانهم كما تملأ علينا كياننا، وتكون موضوع اهتمامهم كما تكون موضوع اهتمامنا، ولكنّ الذنب الوحيد لهم أنَّهم مختلفون عنّا، فلماذا لا يكون الذنب لنا أنَّنا مختلفون عنهم؟!!
محمّد الصدر
ــــــــ[238]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[239]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
السلام عليك يا محمّد الصدر ورحمة الله وبركاته.
إليك يا محمّد الصدر أوجّه خطابي هذا، عسى أن ينال قسطاً من رضاك وقسطاً من تفكيرك، وعسى أن يوقظ في نفسك شيئاً من الذكريات الجميلة الباسمة، وشيئاً [من] الآلام الحادّة اللاذعة، وشيئاً آخر من العبرة والعظة.
لست أدري بِمَ أُلقّبك وبِمَ أُثني عليك؛ لأنَّني لا أعلم مقدارك الاجتماعي أو العلمي أو النفسي أو العقلي عند قراءتك لهذه السطور، بل لستُ أعلم أينبغي منّي ذلك لك أم لا ينبغي، كلّ الذي أعلمه أنَّك الآن تقرأ وتجيل النظر في هذه الكتابة المتواضعة التي كتبها شخصٌ أصغر منك سنّاً بقليلٍ أو كثير، ليضفي عليك سمات العالم المجهول والمستقبل المأمول، ليُسمعك كلماتٍ قد تُعدّها غضّاً من قدرك، أو أعلاءً لشأنك، أو وعظاً لك وإرشاداً.
إنَّك حرٌّ يا عزيزي بما تحكم به على هذه السطور، وأنا حرٌّ بدوري فيما أكتب لك من الكلام؛ فإنَّك مهما تكن قد كبرت، ومهما تكن قد عظمت، ومهما وسع تفكيرك وأُفق نفسك، فلستَ أعزّ منّي قدراً، ولا أكبر شأناً فيما بيني وبينك – لا فيما بيننا وبين الناس- فإنَّك من حيث رضيتَ أَم أبيتَ: أنا وأنا أنت، رضيتُ أم سخطتُ، ألستُ حاملاً نفس اسمك، ألستُ بذرةً نميتَ منها، وجسراً عبرتَ عليه، ألستَ تتكلّم بنفس نبرتي وبنفس فكرتي؛ فإنَّني
ــــــــ[241]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابته] الاثنين: 22/4/1381 – 2/10/1961 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أرى لنفسي حقّاً في أن أتكلّم معك ما أشاء من الكلام، [و]ليس لك حقّ الاختيار فيه، وإنَّك لتشعر الآن أنّك مسلوب الاختيار حقيقةً بالنسبة إليه؛ لأنَّك لا تستطيع أن تصحّح من أغلاطي في هذا الإنشاء، وهذا الإملاء، وإلَّا ارتفعت هذه المعنويّة الجميلة التي تربط حاضرك بماضيك. وأرى من الحقّ لنفسي أن أتكلّم معك كلاماً لم تسمعه من أحدٍ غيري، ولم تعهده من أيّ شخصٍ سواي، ولا يهمّني أن يُرضيك أو يغضبك.
قد يكون من واجبي – يا عزيزي- أن أعتني بإنشائي وأنمّق إملائي ليصل إليك جميلاً منسّقاً، كما أعتني به إذا أردتُ أن أعرضه على أيّ رجلٍ له مثل سنّك ومنزلتك.
ولا أنكرك أنّني سأبذل – وأنّني قد بذلت- بعض الوسع لأعتني بإنشائي وإملائي، ولكن لا لأجلك ولا لأجل أنَّه سوف يقع بين يديك؛ لأنَّك لا تُخجلني ولن تستطيع أن تُخجلني، بل لأجل الآخرين ولاحتمال أن يقع بيد شخصٍ آخر غيرنا يمكن أن نعدّه ثالثاً، ويمكن أن نعدّه ثانياً إن شئت.
تحيّتي إليك يا محمّد، واحترامي وسلامي، مهما تكن منزلتك، ومهما يكن علوّك أو هبوطك. إنَّ كاتب هذه السطور قد مات وقد ذهب به الدهر إلى غير رجعة، وقد جاء بك بدله لتقوم مقامه، ولترث نفسه وعلمه ومتاعه، ولتعمل عمله على هذه الدنيا البسيطة المترامية الأطراف، بل لتعمل أعمالاً لم يكن مستطيعها على أكثر المظنون. وإنَّك لتدرك هذا الآن بصورةٍ جليّةٍ واضحة، ولكن كاتب هذه السطور أيضاً لا زال حيّاً يُرزق، يشمّ الهواء وينظر الضياء، ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويفكّر ويعتبر؛ وليس أدلّ على ذلك منك وأنت لازلت تقرأ هذه السطور؛ لأنَّك نتيجة حياته التي امتلأت
ــــــــ[242]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بالحوادث أنواعاً، والجميل والقبيح ألواناً، ومن المرّ والحلو طعوماً مختلفة، ولكنّني على كلِّ حال أسعد منك حظّاً؛ لأنَّني أحمل معي عمراً قد خسرته راغماً، وأحتفظ بيني وبين أجلي بسنين قد ذهبتْ منك إلى غير رجعة ولا أوبة، فلا أسف عليها، وتعساً لها من سنين غدّارةٍ خائنة. ولكن تأسّ يا عزيزي بغيرك، واعتبر بمَن حولك، فهذه سنّة الله تعالى في خلقه {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}(1).
كم أحببت – يا عزيزي محمّد- أن أتحدّث إليك وأن أسمع منك، لأعرف ما صرت إليه من الكدر أو الصفو، أو من الصحّة أو السقم، أو من الغنى والفقر، أو غير هذه من عوارض الزمان وطوارق الحدثان، لولا أنَّ حجاباً كثيفاً من الزمن يحول بين رؤية أحدنا صاحبه وسماعه منه. ولا أظنّ أنَّك من الشوق مثلي بمكان لتسمع صوتي وترى شخصي كما أشتاق أن أراك وأن أتحدّث إليك، لأنَّك مررت بهذه المراحل التي لا زلتُ أمرّ بها، وأنوءُ بثقلها حتّى سئمتها، ولعلّك لا تتمنّى أن تعود إليها أو تسمع عنها خبراً أو ترى لها شبحاً.
ولا أكذبك – ولستُ مستطيعاً أن أكذبك- أنَّ هذا منوطٌ بالحال التي تمرّ بها الآن، وأرجو مخلصاً أن تكون أحسن حالاً منّي (ومَن أخلص مِن نفسك إليك)، فإن كانت حالك أحسن مِن حالي، فإنَّك لن تتمنّى أن تعود إلى الحال الذي وفّقك الله أن تتخلّص منها ورزقك حياةً أفضل وأجمل، وأمّا إذا كنت أنا أحسن منك حالاً – لا قدّر الله تعالى- فإنَّك لابدَّ أن تنشد هذا البيت من الشعر:
ربّ يومٍ بكيت منه فلمّا…………….جاءني غيره بكيتُ عليه
ــــــــ[243]ـــــ
(1) سورة فاطر، الآية: 43.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وتضحك منّي لأنَّني كنتُ متبرّماً من حياتي التي تحسب الآن أنَّها كانت سعادةً ونعيماً.
عزيزي محمّد الصدر، لعلّ في سماع صوت الماضي شيئاً من التسلية والأنس، وشيئاً من الضيق والسأم، وشيئاً من العبرة والعظة، وهذه الأُمور هي التي دعتني أن أكتب إليك هذا الخطاب لتتذوّقَ هذه العواطف، ولتمرّ نفسك بهذه الأجواء برهةً قصيرة من الزمن، ولتذكر الماضي وتمعن فيه النظر. وليس أحسن من استذكار الماضي واقتداء حسناته واجتناب سيّئاته.
ولا أخفيك أنَّ عندي سبباً غير هذه الأسباب دعاني للكتابة إليك، إنَّه سببٌ ربّما رجع عليك ببعض العبرة، وهو سببٌ يمسّني أكثر ممّا يمسّك، ويعود عليّ بأكثر مما يعود عليك، وهو التخفيف من هذا الحجاب الزمنيّ الكثيف، ومحاولة خرقه أو إزالته، ولا أقلّ من أن أتصوّر أنَّك ستقرأ كتاباً موجّهاً إليك منّي في زمنٍ قادم.
أُريد أن أنصحك بعدّة نصائح، وأن أملي عليك عدداً من المواعظ الواردة من السلف الصالح، ومن غير الواردة، لعلّك تستضيءُ بها في ظلمة حياتك، وإنّي لأعتقد أنَّك لن تعدو إلَّا أن تكون مثلي سامعاً للنصائح غير منتبهٍ إليها، معتبراً بالمواعظ غير عاملٍ بما تتطلّبه من عمل.
ولكن ماذا يمكنني أن أقول وأنت تعرف هذه المواعظ كلّها أو أكثر منها – إن لم تكن ألهتْك الدنيا بزخرفها وجرفتْك بتيّارها، لا سمح الله تعالى ولا قدّر- وتنظر إليها بشكلٍ أعمق وأدقّ، وستهزأ بي إذ أحاول التطاول على مقامك الذي تحسب أنَّه رفيعٌ وعظيم، وسوف تنظر إلى مستوى نفسي وأنا أكتب هذه السطور حقيراً متواضعاً لعلّك تسأم حتّى من إتمام هذا الخطاب.
ــــــــ[244]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ولكن يجب عليك أن تستمرّ في قراءته لتقضي مآربي منك ومن إيحاء بعض العواطف – كالعبرة مثلاً- في نفسك، ومن إرغام الدّهر على أن أوصل صوتي إليك، سواءٌ كنت راضياً أم كارهاً. وأستمدّ العون من الله تبارك وتعالى على ذلك؛ فإنَّي أرجو أن يكون لك في هذا الخطاب عبرةٌ لا تعدلها عبرة، وعظةٌ ليس مثلها عظة، لعلّ نفسي – وأنا أكتب هذه السطور- لا يمكن أن تتصوّرها أو أن تصل إلى ذروتها.
عزيزي محمّد الصدر، اعتاد الناس في كتابة الخطابات أن يسألوا أحوال المخاطب وأن يطلبوا منه الجواب، فإمّا يكتب إليهم كما كتبوا وإمّا أن يحضر بنفسه عندهم ليراهم ويروه، ولكن – ويا للأسف الشديد- ليس إلى ذلك من سبيل في مثل هذا الخطاب؛ لأنَّني أدرك أنّك شخصٌ مجهول من قبلي، وأنَّك سوف تحدث في المستقبل، ولا يمكنني أن أسمع لك صوتاً أو أرى لك شخصاً، حتّى أعبر حفنةً من السنين وأخسر جزءاً من العمر. وتدرك أنت الآن أنَّني شخص اضمحلَّ مع اضمحلال الماضي وزال بزواله، فلا أثر له الآن لتتحدّث إليه أو لتراه، ولا يمكنك ذلك بأيّ حالٍ من الأحوال.
وعلى كلِّ حال، فإنَّني أرجو أن تكون في صحّةٍ جيّدة وحياةٍ سعيدةٍ، وخفّةٍ من الذنوب، وقلّةٍ من العيوب، وكثرةٍ من العلم والعمل الصالح لله تعالى، وللمجتمع الإسلامي.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
نفسك المخلصة لك
محمّد الصدر
ــــــــ[245]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[247]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أيُّها العقل، أرفع بكلتا يديَّ إلى مقامك السامي العظيم، سلامي الوافر العاطر مشفوعاً بالتبجيل والاحترام.
بك – أيُّها العقل- أحيى وأعيش، ومن مائدتك أتناول، وعلى بابك ألقي رحلي، واعتماداً على فطنتك ألقي بنفسي في خضمّ الحياة، أضرب الأمواج، أسبح مع الأسماك، وأسعى إلى ما تضعه أمامي جميلاً برّاقاً، وأبتعد عمّا تريني إيّاه أسود قبيحاً، بواسطتك متحتُ(2) من بئر المعرفة، ودخلتُ في بطون الكتب، وأكلت من ثمار العلم، ولمحتُ ضوء الحقيقة الوهّاج.
بك اقتبستُ من مختلف العلوم والفنون، وبواسطتك تفتّحتْ نفسي عن مختلف الأزهار والثمار، وبفضل نورك حدّدتُ موقفي في زحمة الآراء، وضبطتُ سلوكي في معترك الحياة. ثُمَّ من أجلك – أيُّها العقل- يدخلني الناس في زمرتهم ويخاطبونني بكلامهم، ويحبونني بالحقوق، ويفرضون عليّ الواجبات، وبك يحترمني محترمهم، ويحتقرني محتقرهم، ويشاطرني الحياة أفرادٌ منهم.
ــــــــ[249]ـــــ
([1]) [كتب بتاريخ] الجمعة: 29/10/1381- 6/4/1962 (منه+).
(2) في المصباح المنير: المتح: الاستقاء، وهو مصدر (متحت) الدلو، من باب نفعٍ إذا استخرجتها، والفاعل (ماتح) و(متوح). المصباح المنير (للفيومي) 2: 562، مادّة (المتح)، وأُنظر أيضاً: لسان العرب 2: 270، فصل الدال المهملة.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إنَّني لستُ شخصاً سواك، إنَّني إن أحببتُ حياتي فإيّاك أحبّ، وإن استنشقت هواء الحياة العليل، فمن أجلك أستنشقُ، وإن أكلتُ من طيّبات الفواكه ولفظت حنظلها، فمن أجلك آكل وألفظ، وإن ركبت سفن المعارف وجُبتُ آفاق العلوم، فبك ومن أجل تثقيفك وتوسيع آفاقك، وإن ناضلت في سبيل العيش وغنّيت حول ضوء السراج الضئيل، فمن أجلك أُناضل، ولك أغنّي.
أنت – أيُّها العقل- كنزي الثمين الذي لا يمكن أن يسطو عليه اللصوص أو يعتدي عليه المعتدون، أنت الذي لا تنقصه النفقة ولا يتعبه الاستعمال، ولا يعلوه الصدأ عند الإهمال. صحّتك صحتي، وسقمك سقمي، والمعتدي عليك معتدٍ على حياتي، ومحترمك محترمٌ لي، ومكرمٌ لنفسي وعواطفي.
فلولاك لما شممتُ عبير الحياة، ولا ذقتُ طعم الثمار، ولا رأيتُ نور الحقّ، ولا تجنّبتُ مزالق الأوحال، ولـما دارت بي الشمس في فلكها ولا ابتسم لي القمر، ولا عبستْ بوجهي الشياطين. ولولا وجودك لابتلعتني الأمواج وسفتْ على أطلالي الرياح، وانكسر في يدي المحراث، ولداس الناس على جسدي بأقدامهم وابتسامةُ النصر مرتسمةٌ على شفاهم، ولأصبحتُ لقمةً صغيرةً سائغةً لضواري السباع، تأكلني ثُمَّ تلعق شفتيها بنهمٍ ولذّةٍ وسرور.
بك – أيُّها العقل- أسير في طريق الخير والسعادة نحو شاطئ الأبديّة والخلود، وبك أقطع شراك الشياطين وأقف أمام جماح العواطف، وأخنق صرير العواصف. لولاك لبنى الجهل في نفسي بيتاً واسعاً وأثّثه بالسوء والشرّ، وزيّنه بالخطيئة والذنوب، فأنت صاحب الزمام، تُحسِنُ التصرّف وتجيد
ــــــــ[250]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
التدبير، بعزمٍ وتصميمٍ أكيد.
فمن أجل هذا أهديك إكباري وإعجابي واحترامي وتقديري، فأنا أُكبر مقامك الرفيع الذي أرى به الحقّ حقّاً فأتّبعه، وأرى الباطل باطلاً فأجتنبه، فأتّجه به نحو الله تعالى، وأسير في طريق الحقّ، وأرى به نور الحقيقة. وإنّي لمعجب بقولك السديد ومنطقك السليم ونظرك الثاقب وسيفك الصارم، وإني لأحترم ما تحتويه من جواهر العلوم ولآلئ المعارف، وما تستطيعه من إشراق النور وحرث الأرض وبذر الحبّ وإثمار الفواكه، وما تتحكّم فيه من التذكّر والإدراك والتفكير، وتدبير السلوك وتنظيم الإحساس. وإنّي لأقدّر لك فضلك في نصحي وهدايتي وإضاءة ظلمات الفضاء أمامي، وتوجيهي نحو الخير والسلوك الصحيح، وتجنيبي مزالق الأهواء وعثرات العواطف.
ولكن يعزّ عليّ أن تكون المرآة التي أرى بها وجوه الشياطين، كما أرى بها وجه القمر، أو أن أسمع بواسطتك النواح والبكاء، كما أسمع تغريد البلابل وزغردة الطيور، أو أن أذوق بواسطتك مرارة الشقاء والألم، كما أذوق لذيذ الطعوم. يعزّ عليّ أن تكون مصدر بلائي وشقائي، كما أنَّك مصدر سعادتي وسروري.
ولكن الذي يهوّن وخز الأشواك، ويخفّف ألم السياط، أنَّك أنت الذي تتحمّلها، وبك أدرك مرارتها، ثُمَّ بك أستطيع حلّ معضلها، والخلاص من شراكها. فأنت الذي تعرف سبيل الخروج وتبسطه أمامي واضحاً واسعاً، وتجعل هذه الآلام حافزاً على الإبداع والتجديد، وتجنّب ما سواها من أنواع الشقاء، وأنت الذي تقتبس من لظى سياطها موعظةً وعبرةً تنفعك في تجنّب مثيلاتها أو تخفيف وطأتها في مستقبل الأيّام.
ــــــــ[251]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلى اللقاء – أيُّها العقل- فإنّني أحاول أن أختم رسالتي هذه عارفاً لفضلك، مقرّاً بجميلك. ولكن الذي يبدو أنَّني لا أستطيع فراقك ولا أتمكّنه؛ لأنَّ أزهارك قد نبتت على أرضي، ورسخت جذورها في أعماقي، وستبقى متحدّيةً موج الرياح وطوارق الأيّام، ولا يمكنني أن أُفارقك ولا يمكنك أن تفارقني ما دمتَ صحيحاً معافى تفيض النور والخير، ولن تستطيع وداعي في حياتي ولا عند موتي؛ لأنَّني سأفقد عند الممات جسدي ولن أفقد عقلي. إذن، فسأودعك على هذه السطور محتفظاً بك بين جنبيّ، معتزّاً بك، مفاخراً بوجودك.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
ودم لمخلصك الأمين محمّد الصدر
ــــــــ[252]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[253]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مقالة رمزيّة ترسم واقع حياتي كما أُريد أن أتصوّره
(يقرأ هذا المقال بصورةٍ متقطّعة وبلهجةٍ توحي بالوحشة)
يا للهول … ما هذا المكان .. الذي جرّتني إليه قدمي .. من حيث لا أدري … إنَّها صحراء … صحراء قاحلة … موحشة .. رهيبة … أقف فيها وحيداً … فريداً … لا أجد فيها .. أمامي.. ولا حين ألتفت حوالي … أو أحدّ بصري .. إلى الأُفق البعيد … أحداً أسمع صوته … أو أرى شكله … ليشاطرني هذه الوحشة … الرهيبة … ويُذهِب عني هذا السأم … المرّ… ويُخرجني من هذا السكون … هذا الصمت … المخيف.
ما لي … لا أرى إلَّا هذه الصخور … وهذا الحصى … القابع على هذه الأرض … الرمليّة الفسيحة … هذه الصخور .. التي أشبعتها أشعّة الشمس … من وهجها …. وسقاها المطر …. وهبّت عليها الرياح … والعواصف … منذ آلاف السنين … فلم تزد … إلَّا بريقاً ولمعاناً … وإلَّا حرارة ووهجاً… ولعلّ أحداً … لم يسبق له … أن طرق هذه الصحراء… ومشى في هذا الطريق … المضلّل… فيما سبق من الدهور … ولكنّي أنا الذي … صرت فيه … ولا يمكنني الخروج منه.
إنَّها … وحشةٌ رهيبة … ومكانٌ مخيف … يهلع له القلب … ويطفر منه
ــــــــ[255]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابتها] الاثنين: 15/4/1381هـ – 25/9/1961م (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الفؤاد … إذ لا يمكن … أن يرى …. في هذا المكان … غير الموت … هذا الموت المحقّق .. الذي لا يمكن الفرار منه … جوعاً وعطشاً … إذن فلابدَّ من الخروج .. ولابدَّ من أن أُلاقي … من أن أُلاقي أحداً …. ليقول لي شيئاً … مهما كان تافهاً…. ليكون ماءً على جمر وحشتي … وإطفاءً للظى… خوفي… ورهبتي.
ولعلّني … التفتُّ الآن .. لأرى… ولكن ما الذي أرى … لا أدري … بل الذي أدري .. أنَّه … لا يوجد … في هذا المكان … في هذا المكان الموحش .. الفسيح .. شيءٌ يُرى … شيءٌ يطيب برؤيته … خاطري… وينعش نفسي … ولكن… لعلّ هذا الشيء الذي تخيّلت رؤيته … إنَّما هو وهمٌ من الأوهام … سوف يذهب أدراج الرياح … ولكنّني لا زلت أرى … ماذا أرى … هذه… ويا للأمل الكبير … حشائش صحراويّة … جافّة … باهتة اللون … خشنٌ مسّها .. قبيحٌ منظرها … يكسو فروعها الشوك… ولكنّها … ويا لصلابة عودها … تنمو … في هذه الأرض .. الجافّة … وبين هذه الصخور … المتراكمة … وهذه الرمال .. المنتشرة … إنَّها قويّة … لا يمكن أن تقطعها الرياح … ولا أن … يجتثّها الأعاصير .. إنَّها .. صامدةٌ في هذه الصحراء … صمود وحدتي … ووحشتي … وراسخةٌ … في هذا المكان الرهيب … رسوخ هذا الانفراد .. الموحش … المخيف.
إنَّه … بصيص نور … ضعيف .. من الأمل … بأن أرى هذه الأعشاب… الصحراويّة … لعلّها تشاطرني الوحدة … وتشاطرني … الكلام .. وتعينني على هذا الانفراد … وتُذهب .. عنّي … بعض ما أجد في نفسي .. من الهواجس … والأفكار … فإنَّني وإيّاها … نرتبط معاً … برباط
ــــــــ[256]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هذه الوحدة … الموحشة … ونعيش متجاورين … في هذه الصحراء .. الواسعة … وفي هذا … الصمت الرهيب.
ما لي … لعلّ الوحدة … أفقدتني حسن تفكيري … وأثّرت .. على .. أعصابي … وأصابتي بذهول .. ووجوم … وإلَّا فلماذا … أرجو من هذه الأعشاب … الشوكيّة اليابسة … أن ترفّه عن وحدتي … وتُذهب عنّي … هذه الوحشة … وهذا السأم الطويل … وإنَّما هي مخلوق .. مثلي.. لا يملك لنفسه .. نفعاً .. ولا ضرّاً … ولكن .. ما العمل .. وما هو وجه التفكير … وهذا هو كلّ ما يمكنني أن أقوم به … وأن أتشبّث به … في هذه الصحراء .. الموحشة … وبين وهج الرمال .. وأصوات .. الرياح؟
بلّ لعلّها … تنفعني … لأنَّه … ويا للخطب الفضيع .. لابدَّ للجوع … أن يمرّ بي … فلا يخرج منّي … إلَّا بعد أن يأخذ … مُبتغاه … أو حياتي .. ولابدَّ .. أن يعصر بطني … ويقضّ مضجعي .. وفي سورة هذا … الجوع … العارمة … لابدَّ لي … أن أذهب … إلى هذه النباتات … الشوكيّة … لأحاول .. أن أجد فيها .. .. قوتي … وأن .. آخذ منها … طعامي … إذ لا يوجد … في هذه الصحراء … الواسعة … الموحشة .. شيءٌ غيرها … ولكن .. هل ستجود عليّ … بحاجتي … أو تسخو لي … بمرادي … أم أنَّها … سوف تتمرّد … عليَّ … وسوف … تغلي الثمن في وجهي … في وجه هذا المحتاج … الفقير … وتشحّ بالسلعة … لنفسها … دون القيمة … المطلوبة؟
ولكن .. هل ستنتهي … حاجتي … بعد الانتهاء … من هذه الأكلة الشهيّة .. المليئة باللذّة … والنشوة؟ … إنَّني سأظمأ… وسأحتاج … إلى الماء … ليبلّ غلتي … ويروي عطشي … ويهضم طعامي … ولكن أين؟
ــــــــ[257]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أين أجد هذا الماء … أين يمكن … أن أجد الماء … أفي هذه الصحراء … الجافّة … القاحلة … أم في .. هذه الصخور … الملتهبة … أم … من هذه الأعشاب … الشوكيّة … التي أشرفت على نهايتها … بعدما بسطت … عليها مائدتي … ولكن … لعلّني… أتمكّن أن أصبر … أن أتريّث … حتّى يأتي الشتاء … وتنزل الأمطار … وتبتلّ الأرض … ويخرج … الحشيش .. فآكل ما أشاء … وأشرب … ما أشاء .. ولكن … ويا للحلم الجميل … لا يمكنني ذلك … لأنَّني في حاجة … ملحّة إلى الماء … والعطشُ … آخذٌ بخناقي … وقابضٌ عليَّ … أَزمّة قلبي … وإن لم أشرب … الماء … في الوقت القريب … جفّ حلقومي … وتقطّعت أمعائي … وزهقت حياتي … إنَّ هذا العطش هذا … العطش الممضّ … مثل ذلك الجوع … لابدَّ بعد أن استقرّ في جوفي … وأخذ مكانه … من بطني … أن يأخذ … ما يطلبه … منّي … أو يخرج … ولكن .. بحياتي.
إذن … أين المهرب … أين المفرّ … أيّ طريق يمكنني أن أسلك … وإلى أيّ جهة … أذهب … لأجد الريّ … ولترتفع عنّي … هذه الوحشة … القاتلة .. ليذهب العطش .. الذي يُلهب جوفي … ولعلّي أتخلّص من هذا السكون … الرهيب الذي … يصفر في أذني … فأجد لصفيره … وقعاً مؤلماً … على نفسي … والتفت رأسي … واستدار بدني … إلى كلّ النواحي … ونحو كلّ الجهات … أين يمكنني … أن أجد … هذا الأمل العظيم … الجميل … الذي ما زال … يراودني … وإذا ببصري يقع … يقع … على شيءٍ … شيءٍ رقصتْ له نفسي … وهلّلت … له أسارير وجهي … إنَّه … الماء … نعم … هناك ماء … ولكن … ويا للأسف … موجودٌ في الأُفق البعيد … لا
ــــــــ[258]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
يمكن الوصول … إليه … إلَّا بعد رحلةٍ … شاقّة … متعبة … قد أرتمي خلالها … صريعاً … من العطش … أو من التعب … ولكن … لابدَّ من الذهاب … لأشرب الماء.
ولكن … ويا للهول … ويا للبؤس والشقاء … وبعد كلّ هذا الجهد … المتواصل … أرى الماء … أرى الماء يبتعد … كلّما تقدّمت إليه … ويهرب … أمامي … كلّما أحثّ الخطى … كي أدنو منه … فهل … يمكنني … بعد هذا العطش الشديد … والتعب … الممضّ … أن أصل إليه … وأروي به … قلبي الملتهب … أو أن أصل … إلى شخص … يدلّني على … الماء … ويخفّف عنّي … ألم هذه الوحدة … القاسي … أم … أنَّ قدمي … سوف يقودني … في نهاية هذا الطريق … الطويل … إلى تلك الحفرة … الحفرة المظلمة … المقفلة الأبواب … وسأسقط فيها … من حيث أدري … ولا أدري … هذه الحفرة … التي تفقد شيئاً كثيراً … من مميّزات هذه الصحراء … مع اشتراكهما … بالوحشة والرهبة … والسكون …
محمّد الصدر
ــــــــ[259]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[261]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
كان مركب الصيد الشراعي يتهادى في اطمئنانٍ وهدوء، على صفحة البحر الجميل الهادئ، في جوٍّ رائقٍ صافٍ، والأمواج تعبث بأسفله عبثاً رفيفاً يزيده اطمئناناً وثقةً بنفسه، وأشعّة الشمس الناصعة تصافح الماء، فتُحدث فيه بريقاً رائعاً جميلاً يزيد من جمال هذا الجوّ وحسنه.
وفجأةً أخذ الموج يتدافع ويتلاطم، ويرتفع الماء وينخفض بشكلٍ يعوق المركب عن السير، وظهر الغضب على وجه البحر، واحمرّت عيناه، وتطاولت ألسنة الماء الغليظة، شامخةً في الهواء، قائلةً: يبدو أنَّك أيُّها الهواء تتحدّاني، وتريد أن تدّعي لنفسك فضل تسيير المركب دوني. ولكنّ الحقيقة هي أنَّني أنا الذي أسير بالمركب و أوجّهه، وأنا الذي أحمله على ظهري فيسير هادئاً سعيداً.
وإذا بوجه الهواء يحمرّ ويبدو عليه الغضب، وتسرع أرجله راكضةً في الجوّ، ويُطلق صفير التهديد حنقاً من ذلك الضدّ المنافس. وقال: ما لك أيُّها البحر تعتدي على جارك وتتطاول على صاحبك، فتغمط حقّه وتكذب عليه، وإنّي لأرجو ألَّا تكرّر مثل هذا الزور من القول؛ فإنَّني أنا الذي أسير بالمركب إلى حيث يريد، وأوجّهه الوجهة التي يقصدها فيصل إليها آمناً سالماً، وليس لك في هذا العمل نصيب.
ــــــــ[263]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابتها] السبت: 20/4/1381 – 30/9/1961(منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فعبس البحر، وتجهّم وجهه، وارتفعت أيديه تضرب الهواء بقوّةٍ وعنف، وقال: لستُ معتدياً ولا مزوّراً، وإنَّما أنت الذي تتحدّاني وتعتدي عليّ لتدّعي لنفسك ما لا تتّصف به، إنَّني مقتنعٌ بصواب قولي وسداد منطقي.
فازداد غضب الهواء وحنقه، واستمرّ يصفر بصوتٍ أعلى ممّا كان عليه من قبل، وتطاير الشرر من عينيه، وصاح بالبحر: أتتحدّاني أيّها البحر اللئيم، وتنكر فضلي؟! إنَّك أهون من ذلك وأحقر؛ لأنَّني أستطيع أن أُقيم دليلاً حاسماً على صدق قولي من شهادة سكّاني، فهل تقبل بهذه الشهادة؟
فاربدّ وجه البحر وازداد تلاطم أمواجه، وارتفعت أيديه تضرب الهواء ضرباً مبرحاً، واندلعت ألسنته قائلة: افعل ما بدا لك، أقم ما شئت من شهودك، إنَّني لن أصدّق لك دعواك؛ لأنَّ عندي من سكّاني شهوداً يدحضون حجّتك، ويردّون دعواك عليك.
فركضتْ أرجلُ الهواء يميناً وشمالاً، وصعدت ونزلت، ودارت دوراناً اجتمع خلالها عددٌ من طيور البحر، واقتربت الطيور من هذا البحر الهائج المتلاطم؛ ليؤدّوا شهادتهم بقربه.
ثُمَّ صفر الهواء وزمجر وقال بكبرياءٍ وحدّة: هؤلاء هم شهودي، فسلهم أيُّها البحر لينبئوك بالصواب، ويثبتوا لك صدق قولي، وكذب دعواك، وظلم اعتدائك.
فعضّ البحر شفتيه، وقارب بين حاجبيه، ونظر إلى الهواء وشهوده نظرة احتقار وازدراء، وقال: بل اطلب أنت الكلام منها، فإنَّني أعلم أنَّني على حقٍّ من أمري، وأنَّك أنت المحتال المخادع.
فازدادت عيني الهواء جحوظاً، وازداد وجهه عبوساً واكفهراراً، وصاح
ــــــــ[264]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بالطيور: تكلّمي أيَّتُهَا الطيور، أثبتي حقّي الصحيح الواضح، وصفي لهذا البحر المجنون كيف أنَّني أنا الذي أسير بالسفن وأدفع المراكب، ولولاي ما استطاع البحر نقلها قدماً واحداً.
فاضطربت الطيور في هذا الجوّ المكفهرّ العابس، وهذا البحر المتلاطم، وقالت بذلّة واستسلام: إنَّ كلّ الذي نعلمه يا سيّدي أنَّ هذا المركب ينفعنا بمروره في هذا المكان بما نستطيع التقاطه من مخلّفات موائد راكبيه، ولكنّه يحرمنا من كمّيةٍ كبيرة من السمك بما يصطاده منه عند مروره.
وعندئذٍ اشتدّ عبوس البحر وأرعد وأزبد، وتوالت ضرباته القويّة لخصمه العنيد، وصاح في وجهه: أُنظر أيُّها الخبيث إلى شهود الزور الذين أقمتهم، إنَّها لا تعرف ما تقوله، إنَّ لديّ شهوداً عدولاً صادقين، يعلمون الحقيقة على وجهها، ويعلمون ثبوت حقّي وبطلان دعواك.
وركضت الأمواج وتلاطمت، وهاج البحر وماج، وإذا كثيرٌ من السمك يجتمع تحت سطح الماء ويرسل فقاعاتٍ متتابعةً سرعان ما تختفي تحت هذا الموج الهادر.
ثُمَّ التفت البحر بوجهه العابس المكفهرّ إلى خصمه وقال له بغلظةٍ وكبرياء: هؤلاء هم شهودي، فسَلْ عن حقّي الذي تُحاول إنكاره وتريد الاعتداء عليه، سلهم ليوضّحوا لك: كيف أنَّ الصدق إنَّما هو في قولي، وأنَّ الحقّ في جانبي، وأنَّك معتدٍ أثيم.
فضرب الهواء صفحةَ وجه خصمه ضرباتٍ قويّةً متتابعة، وازدادت سرعة جريه واحمرار وجهه، وقال بحنَق وجفاء: سَلْهم أنت فإنَّني أعلم صدق قولي وأنَّك كاذبٌ خادعٌ محتال.
ــــــــ[265]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فتلاطم البحر، وهدر الموج، وقال للسمك: اذكري أيّتها الشهود العادلة الصادقة لهذا الخصم السفيه العنيد، صدق قولي وثبوت حقّي، وألقمي فاه حجراً لئلّا يعود بعدها إلى الكلام، بيّني كيف أنَّني أنا الذي أحمل المراكب وأنقلها إلى حيث تريد.
فأرسلت الأسماك وهي تعلو وتهبط وتتدافع في طيّات الأمواج العاتية فقاعاتٍ تحتوي على صوتٍ يحمل الجواب. وصعدت هذه الفقاعات بطيئةً متثاقلةً لتصل إلى سطح الماء. فضربها البحر بيدٍ قويّة، فانفجرت هذه الفقاعات، وإذا بالصوت الذي تحتويه ينتشر في الهواء قائلاً: كلّ الذي نعلمه أنَّ هذا المركب يأخذ منّا عندما يأتي إلى هذه المنطقة آلافاً من الضحايا، ولكنَّنا لا نعدم منه بعض الطعام الذي يلقيه إلينا ركّابه.
وعندئذٍ زمجر الهواء وعربد وجحظت عيناه من الغضب وصاح بالبحر محنقاً:
أبهذه الشهود التي لا تعرف ما تقول، أبهذيان هذه الشهود تهدّدني وتفتخر عليّ وتريد أن تُثبت حقّك أيُّها الكذّاب الحقير، إنَّ دعواك واضحة التزوير والبهتان، وإنَّني أنا الصادق، والحقّ ثابتٌ لي بدون أيّ جدلٍ وأيّ شكّ.
فهاج البحر هياجاً عنيفاً واكفهرّ وجهه اكفهراراً وتدافعت أمواجه بقوّةٍ وعنف. وازدادت ضرباته لخصمه، بأيديه العريضة قوّةً وعنفاً، وقال بصوت الحانق المعتزّ بنفسه: إنَّ حقّي ثابتٌ لا يمكن الشكّ فيه على رغم ما تزعم وما تدّعي، وليس أدلّ على ذلك من أنَّني أستطيع ابتلاع هذا المركب بمَن فيه، فلا تستطيع نقله شبراً واحداً.
وارتفعت الأمواج المتلاطمة في الهواء، ثُمَّ انخفضت، وإذا بالبحر يفتح فمه الواسع الكبير وتتباعد شفتاه الغليظتان فيتدحرج بينهما هذا المركب
ــــــــ[266]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الشراعي البائس. ثُمَّ انطبقت الشفتان وظهرت على وجه البحر علائم اللذّة والانشراح ودلائل نشوة النصر.
محمّد الصدر
النجف – العراق
ــــــــ[267]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[269]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
… آه.. آه… مَن أنا… وأين أنا … ما هذا المكان الذي أنا فيه الآن … ولماذا أنا مستلقٍ في هذا المكان الموحش المظلم، وحيداً، فريداً؟ كيف جرّتني إليه قدمي .. ومن أين أتيت إليه .. وما هذا القماش الخشن الملفوف حولي .. وما هذا الحجر الموضوع تحت خدّي.. وما هذه الروح الضئيلة الرقيقة التي تنبض بين جنبيّ يكاد التراب أن يعصرها والظلمة أن تأخذ بخناقها؟
… آه … بدأتُ أشعر شيئاً فشيئاً … بدأتُ أستردّ وعيي وذاكرتي كما تسري النار في الهشيم أو الروح في العود اليابس.. إنَّني كنتُ قبل لحظاتٍ مريضاً ملقىً على الفراش يكابد من سكرات الموت وآلامه أمراً عظيماً… وكان أهلي … وكانت زوجتي … وكان أولادي وبناتي حولي أجمعين ساهرين … قد انطفأ في قلوبهم الأمل في حياتي، وعرفوا أنَّ حيني قد حان، وأنَّني سأفارقهم وسأفارق الدنيا كلّها عمّا قليل … فكانوا يكفكفون عن أعينهم دموعاً تكاد تسيل؛ لئلّا يحزنني منظر بكائهم، ولأجل أن أُفارق الحياة وأنا أحسبهم سعداء، لا يكدّر دهرهم سوءٌ أو حزن.
وقد كنت قبل هذا الوقت بقليلٍ، أعتصر الألفاظ من روحي اعتصاراً، وأكابد في إخراجها آلاماً … لكي أنصح أهلي وأوصيهم بما أراه خيراً لهم في
ــــــــ[271]ـــــ
([1]) [تاريخ كتابتها] الأربعاء: 2/5/1381 – 11/10/1961 (منه+).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
حياتهم بعدي، وكانوا هم يعانون في سماعها عناءً شديداً .. كنتُ أعرفه من وجوههم. وكان واضحاً أنَّ قلوبهم لا تفكّر في الألفاظ التي يقذفها فيَّ، وإنَّما تفكّر في هذا الشبح الملقى أمامهم وهو ينازع سكرات الموت، وكنت ألاحظ أنَّ صوتي المتقطّع الخافت لا يمكنه أن يدخل في آذانهم، بل إنَّ أقصى ما يمكنه من العمل هو أن يقرع ظاهر آذانهم ويرتدّ.
كنتُ أتكلّف الكلام لأجل أن يتمّم أولادي الأعمال التي بدأتها، وأن يحصلوا على الآمال التي طمعتُ فيها، وأن يجنوا ثمرات ما أتممتُ صنعه من عملٍ في غضون حياتي الطويلة … ولأجل أن يسعدوا في مستقبل حياتهم لئلّا يضيق بهم العيش ويستبدّ بهم الشقاء.
… ولكن … ورغم ما بذلتُ لهم من النصح، وما أجهدتُ نفسي به من أجلهم من أعمال .. أراهم ألقوا بي في هذا القبر الضيّق وتركوني فوق هذا التراب، وفي هذا الظلام والوحشة، بعد أن وجدوني جثّةً لا تسمن ولا تغني من جوع.
قذفوني بعيداً حين أيسوا من خيري، وأمنوا من شرّي، وانقطع عنهم حسني وقبيحي … تركوني هنا وذهبوا بعد أن أهالوا التراب عليّ بظهور أكفّهم مسترجعين … وهل تنفعني الحولقة أو الاسترجاع … ذهبوا ليمخروا عباب هذه الحياة التي كنتُ أحياها، وليناضلوا من أجل الآمال التي كنتُ أناضل من أجلها، وليقصدوا نحو السراب الذي قتلني السعي إليه.
… آه … ما أضيق هذا القبر! وما أقسى هذه الوحشة! وما أدكن هذه الظلمات المتراكمة! … وما أخشن هذا الملبس والمسكن! … إنَّهم نقلوني إلى هذا القبر المملوء بالتراب دون طعامٍ أو شرابٍ أو هواءٍ، أو شخصٍ آنس معه،
ــــــــ[272]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أو عملٍ أقوم به .. تركوني هنا وحدي لأقتات عند جوعي من هذا التراب، وأشرب عند ظمئي من الظلام، وأتنفّس من وحدتي ووحشتي وانفرادي، وذهبوا ليتقلّبوا بأنواعٍ من نعيم العيش ولذيذ الحياة … فما أشدّ القسوة في قلوبهم! وما أضعف الرحمة في نفوسهم!
ما أجمل تلك الحياة التي كنتُ أعيشها! وما أطيب ذلك الهواء الذي كنت أتنفّسه! وما ألذّ ذلك الطعام الذي كنتُ آكله! وما أحلى تلك الآمال التي كنت أسعى نحوها وأبذل لها من مالي وعمري الشيء الكثير! .. وما أطيب الحزن الذي كان يمتلك عليّ قلبي، إن أنا عجزت عن نيل بعض تلك الآمال! … إنَّني استطيع الآن أن أتميّز – بصورةٍ أوضح وأجلى- السعادة التي كنتُ أعيش في ربوعها في الحياة … فقد كنتُ أستطيع أن أتنفّس وأن أتكلّم وأن أقرأ وأكتب، وأن أفرح وأحزن، وقد كنتُ أستطيع أن أعتدي على كلِّ من يقف حجر عثرةٍ أمام آمالي وأحلامي، وأن أحبّ وأرحم مَن أشاء؛ لأنَّه أسدى إليَّ في سبيل آمالي ما يقرّبني نحوها خطوةً أو خطوات، كنتُ أضحك وكنتُ أتكلّم هازلاً حيناً وجادّاً أحياناً، وربّما كنتُ أُحاول قتل الوقت في بعض الأحيان، غافلاً عن أنَّ هذا الوقت الذي أقتله عن طيب قلبٍ لن يعود إليّ، وأنَّني سوف أخسره إلى الأبد.
لعلّني قد أسرفت في الشوق إلى الحياة التي كنتُ فيها، فهل كانت من الأهمّيّة بهذا المحلّ الذي أُريد أن أضعها فيه .. إنَّها لم تكن إلَّا أحلاماً باهتة، وآمالاً ضيّقة، وظلالاً منتقّلة، وسعادةً زائلة، قد تخلّصتُ منها عندما دبّتْ في نفسي اليقظة واطّلعتُ على الحقيقة، وجرى فوق أعصابي دبيب اليقين. صحيح أنَّها كانت نعمةً زالت عنّي، وسعادة حُرمتُ منها، ولكنني لا أحسبها
ــــــــ[273]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا أهلاً لهذا الزوال، ولا أحسبني إلَّا أهلاً لأن أُحرم منها، وأن أُسجن في هذا القبر الرهيب.
فما كانت أيّامي إلَّا أوهاماً وخيالاً، وآمالاً عراضاً، لا يمكنني أن أصل أو أن أحقّق إلَّا الشيء القليل ممّا تتطلّبه .. كانت نفسي ترجو وتلحّ في الرجاء، وتطلب وتلحف في الطلب، وكنتُ أمتطي جناح الآمال إلى الآفاق البعيدة والنجوم النائية، وكنتُ أركب في سبيل تنفيذ هذه الآمال المكاره، وأتجشّم الأهوال، وأحاول تذليل المصاعب مهما كلّفني ذلك جهداً أو مالاً أو عمراً، ومهما ألزمني ذلك بأن أعتدي على من يقف سدّاً أمام آمالي، أو أن اختلس الأموال وأزوّر الكلام وأغمط حقوق الناس وأذكّرهم بما لا يحبّون، حتّى إذا ما تمكّنت من تحقيقها أو الاقتراب منها، عشتُ لحظاتٍ جميلات، في الحلم الذي تحقّق بعد ذلك الجهد الطويل، والذي كان يراودني مُنذ زمنٍ بعيد، ثُمَّ أجد أنَّ الوضع الذي كافحت من أجل الوصول إليه ناقصٌ محتاجٌ إلى التغيير والتطوير، ومحتاجٌ إلى عددٍ ضخم آخر من الآمال والأحلام؛ لأملأ بها قاموسي مرّةً أُخرى، ولأبذل في سبيلها جهداً ومالاً آخر، ولأخسر عمراً؛ لعلّها أن تسدّ هذا النقص الجديد.
والآن … وبعد أن انفتحتْ أمامي أبواب الحقيقة واليقين، عرفتُ أنَّها كانت آمالاً زائفة وأحلاماً برّاقةً لا تحتوي على شيءٍ يمكنه أن يعود عليّ بالنفع في هذا الوقت الحرج، ولم يكن ذلك منّي إلَّا قصرَ نظر، وغفلةً عن عواقب الأُمور.
وأنَّ هذه الآمال لا يمكن أن تساوي ما كنتُ أتجشّمه في سبيلها من المصاعب، وما كنتُ أنفقه من أجلها من أموال، وما كنتُ أرتكبه لها من
ــــــــ[274]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الموبقات … إذن، فقد أنفقتُ عمري فيما لا خير فيه … فيا للخسارة .. ويا للندامة …
وعرفتُ شيئاً آخر أكثر أهمّيّةً وأبعد أثراً في نفسي وأنا سجين هذا القبر الضيّق، وأَدعى بأن أدعو منه بالويل والثبور، وأن أستشعر عليه الخسارة والندامة. عرفتُ أنَّ آمالي لم تكن فقط آمالاً زائفة ضيّقة، بل كانت على ذلك قاتلةً فتّاكة؛ لأنَّها هي التي جرّتني إلى هذا المكان، وهي التي ساقتني إلى هذه الوحدة وهذه الظلمة والوحشة، ولولاها لكنتُ الآن أتنفّس الهواء وأعيش مع الناس. وهي التي ستلاحقني أيضاً بضررها إلى هذا المكان؛ لأنَّني سأُحاسَب بعد قليلٍ عن الأعمال التي قمتُ بها في غضون حياتي، وعن الأقوال التي قلتُها، وعن الأموال التي بذلتها. وهل يُوجد عندي من الأعمال غير التعدّي على الآخرين؟ ومن الأقوال غير الكذب والغيبة والنميمة؟ ومن الأموال غير المجلوب بالسرقة والاختلاس؟ … وهل يمكن الإنكار في هذا المكان الرهيب، وتحت الحساب الدقيق؟ .. وهل يمكن الاعتذار؟ … آه…
ليتني كنتُ أستطيع الخروج من هذا القبر المظلم الضيّق إلى الحياة الدنيا، لا لأتنفس الهواء، ولا لأتكلّم مع مَن يؤنسني ويُذهب عنّي هذه الوحشة، بل لأجل أن أنصح الأحياء الغافلين في أن يقلّلوا من طموح آمالهم، ويقصروا آمالهم على ما ينفعهم في قبرهم وعند وحشتهم ووحدتهم، وأن لا يذهبوا بآمالهم بعيداً، فهي أقلّ أهمّيّة ممّا يظنّون، وأبسط ممّا يتخيّلون، وأن يتزوّدوا من تقوى الله تعالى، فإنَّ خير الزاد التقوى، وأن يخلصوا نيّتهم إليه، فهم فقراء لعفوه ورحمته في هذه العزلة وفي هذه الظلمة. وهذا هو الشيء الوحيد الذي يرجى به النجاة في هذا المأزق، والفوز في الحساب، ولكن لا يمكنني أن أراهم
ــــــــ[275]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إلَّا بعد أن تقضي عليهم آمالهم وتنقلهم إلى قبورهم … حينئذٍ يحتمل أن أراهم ولكن بعد أن يقع المحذور، ويفوت زمن النصح والإرشاد.
إنَّ هذه الآمال التي سعيتُ إلى نيلها بخفّةٍ ونشاطٍ، وفرحٍ وابتهاج، هي التي قتلتْني، وهي التي جعلتْني متحمّلاً لمسؤوليتها في هذا المكان المظلم الضيق…
إنَّني الآن في راحةٍ واطمئنان بالقياس إلى ما سوف أُلاقي من المصاعب والأهوال … آه … ما هذه الحركة العنيفة؟ وما هذه الأصوات المرعبة؟ .. إنَّ الملكين قد جاءا لمحاسبتي على أعمالي. فويلٌ لي من حسابهم، وويل لي من العذاب.
محمّد الصدر
النجف – العراق
ــــــــ[276]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
جريمة في وادي السلام
ــــــــ[277]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
(اقرأوا المقدمة في الآخر)
ــــــــ[279]ـــــ
([1]) وجدنا هذه القصة مكتوبة بخط السيد الشهيدH في دفتر خاص ضمن مخطوطاته الخاصة وتم إلحاقها بهذا الكتاب في هذه الطبعة.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هناك في إيران في مدينة كبيرة كان فيها بيت يدل عليه مظاهر الثراء والعظمة ولكنه ليس قصراً، وكان في ذلك البيت زوجان وابن، أما الرجل فواضح الشهامة والإقدام مؤمن يعلم الحرام والحلال، أما امرأته بعكسه فجبانة ولا تعرف الحرام والحلال إلا مثل الطيف.
– كيف حالكِ؟ أين كنتِ؟ لقد غبتِ عنِّي كثيراً.
هكذا خاطب صاحب الدكان الفاسق العاشق (نورية خانم) الزوجة المذكورة زوجة (قاسم أغا) الزوج المذكور، وكان اسم صاحب الدكان (غلام حسين)، وكان قد عشقها وجزم بأن يأخذها بأي وسيلة، فأجابته (نورية خانم):
– كنّا -أعني أنا وزوجي- منهمكين في إعداد أسباب السفر إلى الحج.
– سمعتُ أنكِ لا تحبين مثل هذه الفرائض الصعبة، أليس كذلك؟
– نعم، ولكن زوجي أصرَّ عليَّ.
– والآن ماذا تريدين يا خانم. فلما أجابته قال:
-أهنأكِ الله بهذه الأسباب (المتاع)- وقبِلَ حجّكِ… ها.. وهل تأخذين
ــــــــ[281]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ابنكِ معكِ؟
– لا.
– وأين يظل؟
– عند عمّه.
– حسناً، فإن عمّه حسن الخلق طيّب النفس، والآن في داعة الله.
– في أمان الله.
وذهبت المرأة إلى زوجها وقد اشترت ما يلزمها احتياجه وحجته ثم قال الزوج:
– في الغَد الذهاب إلى الحجاز ثم إلى مكة إن شاء الله.
– لا بل بعد غَد لأني في هذا اليوم وهذه الليلة أريد أن أودع ولدي وفي عصر غَد أبعث بإبني إلى عمّه ثم نذهب بعد غَد.
وقبل أن يجيب الأب قال الابن (لا أرضى أن تذهبوا لأي مكان ولا بد من حيلة لأمنعكما).
فضحك الوالدان، وقال الأب يجيب زوجته:
– حسناً، قد رضيت.
ولكنه ما إن أتمّ كلمته حتى أحسَّ بطعنة إصبع وراء ظهره فقفز من غير اختياره ثم استرجع توازنه وأدار وجهه فرأى ابنه يركض من بين يديه ــــــــ[282]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فضحك ضحكة مملوءة غضباً وقال: اسمع يا بني لولا الفراق لكان آخر التلاق.
قال الولد بثبات: هذه حيلتي وسوف أكملها.
فضحك الأب ضحكة دَوَت، ثم قال: ليست هذه حيل يا أحمد.
* * *
صار المساء وفرشت الأم الفرش للنوم عليها ثم ذهبت تعدّ العشاء فما أن انتهت وفرشت السفرة حتى جاء الأب يقول:
– لقد أكملت أسباب سفرنا عند الحكومة (يعني باسصبرط(1) وشبهه).
فقالت الزوجة متظاهرة بالفرح: أحقيقة تقول؟ بشَّرك الله بالخير.
فجاء الأب والأم والابن أي قاسم أغا ونورية خانم وأحمد فتعشوا والإبن يتكلم ويسأل أين تذهبان يا أبويّ؟ وكيف؟ وهما يجيبانه إجابة هزلية مرة وجدية مرة أخرى إلى أن قال: ولكنني لا أرضى إلا أن أذهب معكما.
الأم- ولكننا سنودعك عند عمّك.
الأب- نعم ونذهب كما وصفنا لك ونجيء.
الابن- وتتركاني؟ ما أقسى قلبيكما يا والديَّ.
فضحكا ضحكة حزينة، قال الأب: ولكن نريد أن نؤدي فريضة الحج التي فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين.
ــــــــ[283]ـــــ
(1) باسبورت (جواز السفر).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فطأطأ رأسه (أي الابن أحمد) بانكسار، فقال الأب: هكذا يخضع الناس لله عز وجل.
* * *
– أهلاً وسهلاً، شرّفتم، تفضلوا.
بهذا الكلام استقبل العم أم ابن أخيه فقالت (وبكم) ثم دخلت في غرفة الاستقبال، فقال لها: ماذا تريدين قولي فإني حاضر؟
– أودع إبني أحمد هذا عندك حتى نجيء من الحج إن شاء الله.
فظهرت على وجه أقا محمد (العم) إمارات الدهشة وقال: كيف؟ وهل تذهبون إلى الحج؟
قالت: نعم، في غَد إن شاء الله تعالى.
– عجباً، لماذا لم تخبروني؟
– نعم، لم نخبرك ونرجوك العذر من هذا.
– والآن أتريدين أن آوي ابنك عندي حتى تجيئوا؟ فإنني ممنون.
– نعم لا عليك مِنّة.
ثم ودّعت ابنها وعمّه وقالت: وسيودّعكم زوجي معي إن شاء الله وخرجت.
فلما دخلت الدار ابتدرها زوجها قائلاً: ألا تسيرين إلي لنسافر فقد ــــــــ[284]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أعددت ما يلزمنا.
– لا، بل غَداً، فقبِل.
* * *
– أهلاً وسهلاً، تفضلوا.
هكذا خاطب أقا محمد أخاه وزوجة أخيه حين ذهبا إليه ليودعوه فقالوا: لا، لا نتفضل بل نودع من الباب ونخرج.
ولكن الإبن جاء فقبّلاه وهما يبكيان، والأم أشد بكاءً وودعا العم وخرجا.
* * *
ما إن خرجت نورية خانم من غلام حسين حتى قام وأقفل دكانه وراح توّاً إلى بعض رفقائه الفجار وقال: فلنحج لشيء.
– لأي شيء.
– لسرقة نورية خانم زوجة قاسم أغا منه.
– فقالوا نِعمَ الرأي، ثم أعدوا وخرجوا وكان يوم خروجهم يوم خروج قاسم أغا وزوجته، فما أن توغلا في المسير متجهين نحو العراق حتى
ــــــــ[285]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
أخذتهما الدهشة ما أن رأيا سيارة بها غلام حسين وبعض رجال، وإذا بها تتجه نحوهم حتى صارت السيارتان تسيران في صفٍ واحدٍ فابتدر غلام حسين قاسم أغا قائلاً: (إننا نحج معكم حجتكم مقبولة إن شاء الله) فقال: (ولماذا لم تخبرنا يا غلام حسين)؟
– لأننا لم نرَ داعياً من إخبارك.
– أهلاً، من أين أنتما؟
– من إيران.
– من أي بلدة من إيران؟
– من بلدة (…).
– أهلاً وسنعدّ غرفة لكم هنا… عبد اللطيف خادم الفندق عُدّ(1) الغرفة الفلانية لنزول هذين الضيفين.
– ممنون.
وبعد فترة جاء عبد اللطيف وهو يقول: (قد حضّرتها سيدي، فليدخلا).
– يا لك من خادم حازم.. تفضلا أيها الضيفان.
ودخلا فندق بغداد.
ــــــــ[286]ـــــ
(1) أي جهزها.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وما أن استقرا في الجلوس حتى دخل غلام حسين عليهما وكانت الدهشة قد أخذتهما حين سلّم فلم يسمعا.
فغضب أو أظهر الغضب وقال: (لِمَ لم تسمعوا سلامي؟)
فرفع قاسم أغا رأسه وقال: وعليك السلام يا خير مستهام (عاشق).
– ولماذا تعدّني من المستهامين وإني لم أحب امرأة؟
فقال قاسم أغا محاولاً تغيير مجرى الكلام:
– ولكنك كيف علمت أنّا هنا وقد فارقناك ما قبل باب البلدة.
– قد علمت من الناس.. ولكن أي وقت تخرجون من بغداد؟
– في الغد إن شاء الله.
تحادثا قليلاً وخرج.
أما هما فباتا تلك الليلة وخرجا من الصباح الباكر متّجهين إلى النجف، ولم يجدا في طريقهما أثراً لغلام حسين وأصحابه حتى بلغا النجف.
* * *
– أهلا وسهلاً بصديقي القديم غلام حسين.
ثم أدخله (محمود أغا) إلى غرفته وكانت مكتبة صغيرة، فأدخله فيها، فلما استقر به الجلوس رأى كتابا ًخفيف الوزن والحجم فأخذه فإذا به قد كتب فيه العبارة الآتية:
ــــــــ[287]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
في الحج: يتبرع التاجر (…) بـ(…) ديناراً ليحج به مائتا واحد، فمن يريد أن يحج فليجئ إلى التاجر (المذكور اسمه) ليسجل اسمه ثم يأخذ (…) ديناراً ويخرج بعد الامتحان.
* * *
ففرح فرحاً شديداً لهذه المناسبة اللطيفة وقال لصديقه أغا محمود:
– ما هو هذا الامتحان؟
– الامتحان به شروط:
الأول: أن يكون عراقياً، فقاطعه غاضباً:
– كفى، كفى.
– لماذا يا صديقي؟
– لو كان للتاجر عقل لما أعطى الغرباء الملكية (…)
– إنه ذكي وعاقل وشروطه تنمّ عن فطنة وذكاء.
– فاذكر لي إذن باقي شروطه.
– الثاني: ألا يكون طفلاً.
– لست طفلاً والحمد لله، وبعد.
– الثالث: ألا يكون امرأة.
– ولست امرأة، وبعد.
ــــــــ[288]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– الرابع: ألا يكون أبلهاً ولا مجنوناً.
– ولست أبلهاً ولا مجنوناً والحمد لله، وبعد.
– وأن يكون عراقياً كما ذكرتُ، ولا يقبل غريباً.
– هل تَمَّت شروط هذا التاجر الكافر.
– نعم ولكن هو يقول: (من خدعنا ننخدع به) (الذي وصل إلي بالقرائن).
– إذن كيف أخدعه لكي آخذ الكمية؟ فهو يرضى بالخدعة.
– اذهب هناك ودقّ الباب فيخرج عليك خادمه أو أي أحد غيره ومن المستحيلات أن يخرج هو وإن خرج فإنك ترجع خائباً هذا وأنت متنكراً بالزي العراقي.
– وحين أدخل ماذا أفعل؟
– أدخل وانظر ماذا يمتحنك به، وماذا يعطيك إياه.
– إذن فلأذهب الآن، في أمان الله.
وقام متجهاً نحو الباب.
– في داعة الله وأمانه.
وخرج غلام حسين بعد أن أودع أسبابه عند صديقه واتجه إلى التاجر المذكور، وأما أصحابه فجلسوا في فندق.
* * *
تركنا قاسم أغا وزوجته لم يدخلا النجف بعد، فلما دخلا ذهبا إلى أقرب ــــــــ[289]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فندق وباتا فيه، ولكنهما لم يقفا على أثر غلام حسين، وفي غد يوم مجيئهما ذهبا إلى صحن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.
ثم زارا وخرجا ثم طافا في مدينة النجف، وهكذا كل يوم ولكنهما لم يبقيا يومين وسافرا.
* * *
– من أنت؟ ماذا تريد؟
– أنا من أهل البصرة وأريد التاجر (……).
وذهب الخادم ليخبر سيده بأن واحداً من أهل البصرة يريده ووقف غلام حسين المتنكر وراء الباب ينتظر الجواب فجاء الخادم بعد مشوار ليقول لغلام حسين.
– تفضل.
فدخل غلام حسين على التاجر فوجده جالساً على كرسي وأمامه منضدة عالية عليها أوراق كثيرة، فحيا وحُيّي ودخل وجلس على كرسي أمامه فسأله التاجر: أضيفٌ أنت أم حاج؟
– كل الذي يدخل الدار من غير أهله ضيف، ولكنني حاج.
– إذن تريد أن أعطيك المبلغ المعيّن لتحج به.
– نعم.
ــــــــ[290]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– تعال سجل اسمك وبلدتك واسم عشيرتك واسم محلتك في بلدتك ورقم دارك هنا وهناك.
فوقع غلام حسين في حيرة إذ لم يعرف أن يغير اسمه واسم عشيرته واسم محلته ورقم داره هنا وهناك، ماذا يعمل؟ ولكنه قام واتجه نحو التاجر وكتب:
(اسمي هشام الصليبي وهذا اسمي واسم عشيرتي ومحلتي العشار في البصرة إذ العشار محلة من محلات البصرة، و 87/5 رقم داري هنا و75/60 هناك)، ثم قام وجلس على كرسيه.
فأعطاه المبلغ وخرج وهو فرحان.
* * *
أما التاجر فبعث في اليوم التالي رجلين يسألانه سؤالاً مشروطاً فذهبا إلى الدار المرقمة 87/5 ودقا بابها فخرج عليهم صبي في العاشرة فسألاه:
– هل هذا بيت هشام الصليبي البصراوي؟
سألاه هذا للتحقق ولكنهما كانا متحققين من صدق غلام حسين إذ خدعوا بكذبه.
فدهش الطفل المسكين وذهب إلى أبيه يستدعيه ليتكلم مع هذين.
وذهب الطفل وقال لأبيه: رجلان بالباب.
ــــــــ[291]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– ما يريدان؟
– يقولان هنا بيت هشام الصليبي؟
– قل لهما ليس هنا بيته.
فركض الابن (الطفل) إلى الرسولين وقال لهما:
– قلت لأبي ولكن قال لي ليس هنا بيته.
– فليجيء أبوك لنسأله.
فركض الطفل إلى أبيه وناداه: بابا، بابا (بلغة الأطفال).
فجاء الأب فوجد الرسولين واقفين بالباب فقال لهما ماذا تريدان؟
– هنا بيت هشام الصليبي؟
– لا.
– هو الذي قال إن داره مرقومة 87/5 وهذا رقم داركم هذه، فأخذ الفضول هذا الشيخ مبلغاً عظيماً فقال:
وما قصته؟
– جاء إلى التاجر (…) يطلب الكمية الخاصة ليذهب للحج فقال له التاجر سجل اسمك واسم عشيرتك واسم محلتك في بلدتك، فقاطعه الشيخ قائلاً: أهو ليس من النجف؟
– لا، هو كما زعم من البصرة.
– إذن كيف يزعم أن داره هنا؟ هذا متناقض.
– لم يزعم هذا إلا أنه زعم أنه نزل ضيفاً في هذه الدار….
ــــــــ[292]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فأجاب عن اسمه واسم عشيرته هشام الصليبي واسم محلته العشار في البصرة، إذ العشار محلة من محلات البصرة وأجابه حين سأله عن رقم داره هنا 87/5 وعن داره هناك 75/60.
– يا له من كذاب!
– يجب أن نبحث عنه لنعاقبه، والآن مع السلامة.
– في أمان الله.
وذهب الرسولان إلى مرسلهما التاجر وقالا له (إنه كذاب أشر).
– لماذا؟
– ليست هذه داره.
– عجيب، وإذن ليس هذا اسمه.
– نعم، من الصواب أن نقول أنه غريب واحتال علينا ليأخذ المال.
* * *
تركنا قاسم أغا وزوجته نورية خانم في الطريق إلى مكة فوصلا إلى الطائف ثم إلى المدينة(1) وزارا قبر النبيJ وقُبّة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين والبقيع ثم ذهبوا إلى مكة وحجوا ولكنهما لم يجدا أي أثر لغلام حسين ثم رجعا.
* * *
ــــــــ[293]ـــــ
([1]) [أي] نذكر المدن الكبار فقط (منهH).
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
قال أحد الرسولين للتاجر هذا فأجابه: إذن ما اسمه؟
– لا أعلم.
– فيجب أن نبلغ الأمر إلى المحكمة.
* * *
– أهلاً بالصديق الوفي، ماذا جرى؟
– نعم جرى كل شيء فإنه سرق من مالي كذا مقداراً.
– مبلغ فادح، مَنْ اللصّ؟
فحكى له قصة غلام حسين معه، فقال القاضي: يا له من لصّ.
ثم قال له: سنبحث عنه، ثم ودّع التاجر القاضي وذهب.
أما القاضي فأرسل يطلب جميع من أخذ منه مال يحج به بحجة أنه إذا جاء يعطيه كمية من المال.
* * *
أما غلام حسين فرجع إلى صديقه محمود أغا وهو فرحان بما أخذه من التاجر من مال، فهنئه صديقه بها، فوعده أنه بعد أربعة أيام سيرحل للحج، وبعد يومين رأى في الجريدة أن التاجر (…) يأمر أن يجيء كل من أخذ منه مالاً ويعطيه إذا جاء كمية من المال، ففرح وذهب إلى التاجر ودقّ بابه، فخرج
ــــــــ[294]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عليه خادمه، فقال له: أنا هشام الصليبي واستأذن لي لأدخل، فراح ورجع وقال له: أدخل، فدخل. فقال له التاجر: إمشِ، ثم قام وتوجّه به إلى المحكمة.
* * *
فلما وصلا إلى بناية المحكمة قال له التاجر إبقَ مع الحارس لأدخل، فوقف ودخل التاجر وقال: لقد عملت برأيك وأتيت باللصّ.
– أين هو؟
– في الباب.
– أدخله.
فخرج التاجر إلى غلام حسين وقال له: (السيد جعفر القاضي يدعوك)
– ماذا يريد مني؟
– أدخل وانظر.
فدخل، فقال له القاضي: هل تريد محامي؟
فذعر غلام حسين وأظهر البَلَه وقال: محامي، محامي، من هو المحامي؟
قال القاضي: أنت سرقت من هذا كذا مقداراً من المال.
فرأى غلام حسين أن لا فائدة من البَلَه والعقل أفضل فقال: لم أسرق مالاً أبداً.
التاجر: ألم تأخذ مني مالاً بالحيلة؟
ــــــــ[295]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هو: لا بل أريد أن أحج.
التاجر: بل الحيلة.
هو: ولماذا؟
التاجر: أرسلت إليك لأسألك سؤالاً مشروطاً وقد زعمت أن دارك هي المرقومة 87/5 فأرسلت اثنين يسألانك وإذا بك كذّاب، فاحمرّ وجه غلام حسين خجلاً وغيضاً ثم قال: لا بل هي داري، فتعالوا معي لتروها، وذهب بهم إلى تلك الدار ودقّ بابها فخرج ذلك الولد وقال: ماذا تريدون؟
وما أن وقعت عينه على غلام حسين حتى صاح: بابا، بابا، صديقك غلام حسين في الباب، فأراد غلام حسين نهره من ذلك القول، لأنه لا يريد أن ينفضح، ولكنه رجع عن رأيه لأنه ظن أنه سيؤكد عليه بأنه هو فينفضح أكثر من هذا، ولكن الصبي ذهب وجاء بأبيه فعانق غلام حسين فتقدم نحوه جندي (نحو أبي الولد) وقال له أنَزَل عندك هذا؟ قال: لا ولكنه صديقي ولكن لماذا تسألون؟ فقاطعه غلام حسين لا تسألهم وسأتكلم معك في أوقات أخر، ثم ودّعه ورجع إلى المحكمة، فجلس أمام القاضي والمرسلون واقفين.
فقال القاضي: ماذا فهمتم من أمر هذا المجرم؟
– إن اسمه غلام حسين وإنه صديق صاحب تلك الدار، ولما سألناه هل هو نزل عندك؟ قال: لا.
– وماذا بعد ذلك؟
– لم نستنبط أكثر من هذا.
ــــــــ[296]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
فأبدى القاضي تأسفه وقال: إئتوني بالصديق (يعني صديق غلام حسين)، والتاجر.
* * *
أما التاجر لما رجع من المحكمة لم يعمل شيئاً يُذكر فقد اعتمد على القاضي سيد جعفر، إلى أن جاءوا يستدعوه فذهب فوجد صديق غلام حسين وهو (أعني غلام حسين) والقاضي وبعض رجال، ولكن التاجر لم يعرف صديق غلام حسين فسأل القاضي عنه فحكى له القصة، فأخذ يردد مندهشاً: غلام حسين، غلام حسين، صديق هذا، عجيب، فقال القاضي لصديق غلام حسين: ما اسمك؟
– فاضل الشجرواتي.
– ماذا تعرف عن هذا ومن أي بلد هو؟ قال من غير تأني:
– من إيران.
– ما اسمه؟ وكذلك قال من غير تأني:
– غلام حسين كما علمتم.
– وما اسم عشيرته؟
– العشيرة (… الفلانية…).
فسكت القاضي ولم يسأل والتفت إلى غلام حسين وقال: دافع عن نفسك يا كذاب.
فقال غلام حسين وصوته يتقطّع خوفاً: إن… ج… ج…. جناب … الت… الت… التاجر قال من … خ… خدعنا ننخدع به.
ــــــــ[297]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
قال التاجر مَنْ أدراك بهذا؟ فوقع غلام في حيرة فإذا أجاب تتضح كذبته في تغيير مسكنه إذ أن صديقه الذي نزل عنده هو الذي قال هذا له وإذا سكت في هذا الموقف الحرج يخاف أن يوجسون خيفة منه، فقال: أما وأنت تقول كيف علمت هذا؟ فإني علمته من عبد من عبيد الله، ولكن القاضي قاطعه قائلاً: أما يا تاجر أنك إن قلت هذا فهذا فرية.
– لم أشرط الخديعة إلى هذا الحد.
* * *
قال القاضي: لا. أطلقوا سراح هذا المسكين.
وحاكم القاضي التاجر، وحكم عليه ستين يوماً أن يضل في الحبس وأعمال شاقّة.
* * *
– أهلاً، لماذا أبطأت ألم يعطك التاجر المبلغ لرواحك عنده؟ وما سبب مناداته لك؟
فقص غلام حسين على صديقه محمود أغا الخبر أو القصة، ثم استراح قليلاً وقال: يجب أن أذهب إلى أصدقائي الذين هم بالفندق.
– نِعمَ الرأي.
ثم قام غلام حسين وذهب.
* * *
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
(مجلس الفجار)
أهلاً وسهلاً بصديقنا القديم، أضيف أنت أم سائل أم مخبر؟
– سائل ومخبر والذي نزل الدار غير صاحبها ضيف.
– تفضل إذن يا غلام حسين وسلنا وأخبرنا يا ضيفنا.
فدخل غلام حسين فوجدهم يكرعون الخمر، فاستعوذ من هذا إذ ليس هو كافراً إلى هذا الحد وإن صار فكر سرقة نورية خانم في فكره.
– أهلاً وسهلاً ما أسئلتك وما أخبارك؟
– تفهمون أسئلتي من سياق حديث خبري.
– إذن فما خبرك؟
– قد ذهبت نورية خانم إلى الحج مع زوجها وحين تجيء يجب أن نسرق نورية من زوجها.
– ألا تذهب إلى الحج؟
– لا. وأراد غلام حسين تغيير سياق الحديث لئلا يفهموا قضيته مع التاجر، فأردف قائلاً: ولكن ما الحيلة لاختطافها؟
– أعمل فكرك.
– أقول أن نسرقها في مكان خالٍ.
– نِعمَ الرأي، وبعدها كيف(1)؟
– إن وادي السلام أخلى مكان فلا بد أنهما يذهبان إلى هناك مرة أو ــــــــ[299]ـــــ
(1) أي ماذا نفعل.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مرتين فإن علمت ذهبت ومعي اثنان منكم ونُكتّف الزوج ونأخذ المرأة.
صاح الجميع: نحن حاضرون، إختر منا.
– لا حاجة من الاختيار الآن فإني أجيء في الوقت الذي أعلم فيه أنهما في وادي السلام أو غَداً يذهبا أو بعد غَد.
– حسناً رأيك.
ثم تحادثوا قليلاً وخرج غلام حسين من غرفة أصحابه ثم من الفندق وذهب إلى صديقه محمود أغا ولكنه لم يتكلم معه في التآمر وانتظر مجيء الزوجين من الحج.
* * *
– أهلاً وسهلاً تفضلوا… عبد اللطيف حضّر غرفة فقد جاء الحاجان من مكة.
فذهب عبد اللطيف وحضّر غرفة وبعد هنيئة جاء عبد اللطيف ليقول: قد حضّرت الغرفة فليدخلا.
ودخل قاسم أغا ونورية خانم زوجته فندق بغداد الذي نزلا به وقت مجيئهما من إيران فباتا فيه ثم سافرا غَد يوم وصولهما له إلى النجف.
وفيما هما متجهان نحو الفندق الذي نزلا به في وقت مجيئهما من إيران لاقاهما غلام حسين، إذ كان كل يوم يجلس في باب البلدة ينتظر سيارات
ــــــــ[300]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الحجاج ولم يجد قاسم أغا وزوجته إلا في هذا اليوم، فقرب منهما وحياهما فردا التحية، ثم تحادثا قليلاً وافترقا.
* * *
– أهلاً وسهلاً بغلام حسين، هل أنت ضيف أم مخبر أم سائل؟
– كما قلت لكم كل من دخل الدار غير أهلها فهو ضيف وفي غير ذلك فأنا مخبر وسائل.
– ما خبرك؟
– قد جاءت نورية خانم وزوجها.
– عجيب إذن ماذا تريد؟
– أن أختار ثلاثة ونذهب ويكفي اثنان.
– اختر.
فاختار ثلاثة ثم تغدوا وذهبوا وانتظروا حتى المساء ولكن لم يجيئا.
* * *
أما هما فبعد أن استراحا ذهبا وزارا الحرم الشريف (وكان يوم ورودهما السادس عشر من محرم الحرام)، وعادا وفي غد ذهبا إلى الوادي (وادي السلام) ليستنشقا الهواء، فوجدا غلام حسين وثلاثة معه وسلما عليهم ثم استأنفا سيرهما فتبعهما غلام حسين وأصحابه إلى أن وصلا إلى مقبرة صغيرة فجلسا فيها فاختفى غلام حسين وأصحابه وراء الجدار وإن استقرا في الجلوس تشاودوا ودخلوا فجأة فذهب اثنان ومعهما حبل ثم كتّفا الرجل
ــــــــ[301]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وجاء غلام حسين وصديقه على المرأة ثم (ز ن ا)جريمة(1) وهي تصيح أيا عدو يا غلام حسين وعدو الله فاجتمع الناس فعلموا أنه فعل بها أسوء فعل فتلجلجوا فهرب هو وصاحبه ولم يستطع الآخران الهرب فقبضوا عليهما فأفشيا سرهما أي أقرّا واشتهر الأمر في النجف بسرعة البرق فهاجت النجف وماجت وقبض على صاحب غلام حسين وهرب غلام حسين إلى إيران.
* * *
– لماذا فعلتم هذه الجريمة؟
فأقروا له بكل شيء، فقال القاضي: ما علامة صدقكم.
– لماذا فعلتم هذه الجريمة؟
– هل ترضى أن نقرّ لك؟
– نعم تكلموا.
– نحن من أهل إيران.
ــــــــ[302]ـــــ
([1]) كتبH كلمة زنا باسلوب الحروف المقطعة (ز ن ا) ثم كتب فوقها كلمة (جريمة) في إشارة إلى الجريمة التي وقعت ويعبر ذلك عن لفتة أخلاقية عظيمة حيث أنهH يستقبح أن يكتب الكلمة كما هي وهو في ذلك السن المبكر مما يدل على طهارة روحه وصفاء نفسه.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– من أي مدينة؟
– من المدينة (…)
– ما اسم كل واحد منكم؟
– الأول (…) والثاني (…) والثالث (…)
– يقولون لكم شريك هرب، فمن هو وما اسمه؟
– نعم، اسمه غلام حسين وهو الذي ارتكب الجريمة، فدق القاضي السيد جعفر الجرس فجاء الخادم، فقال القاضي له: فليأتيني (…)، فجاء فقال له: تعقّبوا غلام حسين.
* * *
أما غلام حسين فلم يكد يريد عبور الحدود حتى أخذوه وأُرجع إلى النجف وأدخل على القاضي، وكان يوم دخوله على القاضي يوم عشرون من محرم الحرام، ولكن ما لم يجلس حتى دقت الباب ودخل رجل ودار بينه وبين القاضي الحوار الآتي: قال القاضي ما تريد؟
* * *
– أريد إخبارك بشيء.
– ماذا؟
– إن العلماء يطلبون أن تعاقبوا المجرمين على الحكم الشرعي.
ــــــــ[302]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– لا يصير(1) فإنا نتبع القانون.
– إذن ماذا أقول للعلماء؟
– قل لهم قولي واتيني ردهم.
فذهب وجاء بعد الظهر ليقول للقاضي: لقد أتيت بالخبر.
– ما هو الخبر؟
– العالم (…) قل له -يعني لك يا قاضينا- أن يعاقب على مقياس الشرع وكذلك بضع علماء آخرين.
– والباقي ماذا قالوا؟
– أما الباقي فرضوا بالقانون إلا أنه يعاقبون بأقسى عقوبة فرضت.
– قل لهم في هذا اليوم يرد المتصرف ويأمر.
وقبل أن يخرج من الباب رأى سيارة تقف أمام باب المحكمة وينزل منها متصرّف كربلاء الذي يحكم بأمر الملك اللواء الكربلائي، ونزل من سيارته ودخل فتخلّف رسول العلماء ليرى ماذا يأمر، فوقف له القاضي (للمتصرف) أحداً ما ثم واجه القاضي المتصرف بقول العلماء فقال سأكتب رسالتين رسالة للعلماء الذين يريدون مشيئة القانون ورسالة للعلماء الذين يريدون مشيئة حكم الشرع، ثم أنشأ يكتب أما الرسالة للعلماء في الأول فهي:
إلى أسيادي العلماء أشكركم على احترام القانون والحكومة وأرجو العذر بأني لا أستطيع الخروج عن القانون وسأعذبهم بأقسى عقوبة قانونية
ــــــــ[304]ـــــ
(1) أي: لا يمكن ذلك.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
تقتضي لهؤلاء المجرمين ولا أستطيع أن أعمل أكثر من هذا وأرجو العذر والسلام.
وأما الرسالة للعلماء الذين يريدون حكم الشرع فهي:
إلى أسيادي العلماء أشكركم على حب الله ورسوله وشريعة رسوله التي بلغها إلينا وهي الإسلام.
وأما أنا فلا أستطيع أن أعمل بأمركم لأني مقيد بسلاسل القانون الغليظة كما تعلمون وأرجو العذر منكم والسلام.
فلما أتم كتابتهما أعطاهما إياه وأفهمه -أي الرسالتين- لأي الفريقين.
فذهب الرسول وجلس القاضي والمتصرف يتحادثان فقرّ رأيهما أن يعملا بما يجمع عليه العلماء من عقاب فإن كان قانونياً عملا عليه وإن لم يكن قانونياً أعطوهم بيد الشعب لينكلوا بهم بما يريدون.
فصدر أمر العلماء موحداً أن نريد حكماً قانونياً فعذبوهم وعاد الزوجان إلى إيران.
(وهذه هي عاقبة المجرمين الخونة)
انتهت بعونه تعالى جل شأنه
القصصي محمد الصدر
ــــــــ[305]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بسمه تعالى
إليك أيها القارئ
إني جعلت للكتاب (هذه القصة) رموزاً وحلها.
هذه الجريمة التي جعلتها في صورة (رومان)(1) وقعت في النجف الأشرف التي أنا أسكن بها وقد سمعت بها فَراقَ لي أن أؤلف قصة أغيّر فيها أسمائهم إذ أنا لا أعرف أسمائهم فلاحظوا إن كنتم تعرفون.
وهذه الجريمة وقعت في النجف ومجرموها نجفيون ولكني جعلت المجرمين من إيران والمجرم الخاص واحد سميته (غلام حسين) والمجرمين عليهم(2) من إيران حقيقة.
([1]) يقصد (فرمان) وهو لفظ فارسي معناه «أمر أو حكم أو دستور موقع من السلطان«.
(2) اللذين وقع عليهم الجرم.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الرمز الثالث: تغيّر العدد
إن عدد الأبطال لا أعلم عددهم ولكنني جعلتهم بهذا العدد.
إن أكثر الأبطال شخصيات خيالية
تجدون في رأس كل صفحة عنواناً فتدهشون وحق لكم أن تدهشوا فإن العناوين ليست أولها في كل رأس صفحة وفي هذا الرمز وحله ليست كل العناوين التي تجدوها هي رأس حادثة إلا التي تجدون في طرفيه هذه العلامة -(…)-
لقد حللت لك أيها القارئ الرموز وبقى أن تقرأها، وبقى شيء آخر أيضاً وهو أن تعرف أن عمري لا يتجاوز الثانية عشرة ولكنني أعرف (الحمد لك يا ربي).
المؤلف
محمد الصدر
ــــــــ[307]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
القصة الحقيقية كما سمعتها:
كنا عند أحد أصدقاء أبي فصار الحديث عن هذه الجريمة المشينة، فكنت لم أفهم في أول الأمر معنى حديثهم، ولكنني فهمت بعد ذلك أن حاجين جاءا من أيران وحجا وهما زوج وزوجة ذهبا إلى بعض المقابر بعد المجيء من الحج إلى النجف فهجم عليهم أربعة أو ثلاثة رجال فراح نفر وقيدوا الرجل وذهب نفر على المرأة.. فدافع الرجل فضربه بالسيف على رأسه وبعدها عرفت أن المجرمين أب وابن وصاحب، أما الأب فسمعت من الذي قال لي أنهم أب وابن وصاحب أنه حكم على الأب 3 سنوات والابن 13 سنة ولم يقل لي كم سنة حكم عليه، وسمعت أنه حكم عليهم أقسى حكم فرض على المجرمين في مثل هذه الجريمة، وسمعت أنهم من المعدان(1) الأقوياء، ثم سمعت أنهما ذهبا إلى إيران، ورأيت أن في الليلة التي في عصرها صارت الجريمة لم يُصلِّ أئمة الحرم صلاة الجماعة في المغربية هذه والمباحثون لم يباحثوني.
ــــــــ[308]ـــــ
(1) ليس من سكنة المدينة.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مسرحية الأجرة
ــــــــ[309]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
(المنظر الأول)
(المكان): غرفة متداعية في خان بُنيَ لسكن الفقراء والشحاذين الذين لا مؤوى لهم ولا ملجأ فكان هذا الخان (خير) ملجأ وأحسنَ مَسكنٍ لهؤلاء البؤساء الذين قست عليهم يدُ الدهر بصنوفٍ من الآلام والمصائب.
(الزمان): قد مضى هزيعٌ(2) من الليلِ حيثُ رجع الشحّاذين والعُمّال إلى غرفهم في ذلك الخان كلٌّ قد حمل معه ما قسمه له ربه من رزقه الحلال الطيب
(الأشخاص) شحّاذ وزوجته يسكنان منذ شهورٍ في هذه الغرفة المتداعية:
– رجع الشحاذ إلى الخان بعد الانتهاء من شحذه طول النهار البارد وتحت الزوابع والأمطار رجع وفي يده رغيفين وقليل من تمرٍ هو كل ما سيأكلانه هذه الليلة من رزق.
– الناس يا زوجتي بخلاء…بخلاء جداً.. فقد بُحَّ صوتي من النداء فيهم
ــــــــ[311]ـــــ
([1]) وجدنا هذه القصة مكتوبة بخط السيد الشهيدH في دفتر خاص ضمن مخطوطاته الخاصة وتم إلحاقها بهذا الكتاب في هذه الطبعة.
(2) الهَزيعُ من اللَّيل: نحو الثُّلث أَو الرُّبع الأَوَّل منه.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وإستجلاب عواطفهم واستبزاز بعض ما عندهم لما يرون عليَّ من الفقر والمسكنة ولكن.. أين الضمير الذي يدعو الناس إلى الإحسان يا زوجتي وأين الكرم الذي امتاز به أجدادنا حتى افتخر بهم الأبناء وضاهوا بهم الأمم.. ان النقود عند الناس عزيزة.. عزيزة جداً يا زوجتي على صاحبها.
(وهي لم ترَ الخبز والتمر بعدُ) – هذه مقدمةٌ على ما يظهر لتقول انك لم تأتِ بشيء نأكله.. قلت ذلك لتُرضيني.. لا بأس فأنا راضية ان هذه ليلة واحدة من الليالي الكثيرة التي بقينا بها طاوين البطن بدون عشاء.. ليس هذا ما يؤسف فكم بقينا كذلك ليالٍ متعددة.. أليسَ كذلِكَ يا زوجي.
– لا يا زوجتي هذه رغيفين وتمر قد اشتريته بما حصلت عليه مما قسم لنا من الرزاق.. الحمد لله هذه الليلة -على كل حال- خير من الليالي التي نمانها طاوين بلا عشاء.
– الحمد لله.. انه رزقٌ من اله يا زوجي يجب إذاً علينا لا نُنكره
– الذنب ذنب الأغنياء يا زوجتي.. الأغنياء.. ويل الأغنياء، يبيتون ملئى بطونهم، وثيرة فرشهم صحيحة أجسامهم هادئٌ روعهم. وهم غافلون عن وجود الجائعين والمرضى والخائفين الذين لا طعام لهم ولا ملجأ.
– صدقت يا زوجتي الناس غلاظ بخلاء لا يُقَدِّرونَ لِلفَقيرِ فَقرَه وانه قَدْ مَدَّ إليهم يَدَهُ مُحتاجاً تحتَ هذا المطر وفي هذا البرد القارِس وعرَّفهم بنفسهِ لِئَلا يكون عليهِ حُجَّةً.. ولكنها يا زوجتي طبائع البشر، فأشكر الله وَهاتِ الطعام لِنأكُله والحمد لله رب العالمين.
– شكراً للهِ يا زوجتي هاكِ الطعام لنأكُله على رغم الأغنياء..
ــــــــ[311]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
((سِتَار))
(المنظر الثاني)
(المكان): نفس الغرفة
(الزمان): منتصف الليل وكل من الزوجين تَدَثَّرَ بما لَديهِ من الثيَّاب المُهمَلة والملابِس الخلقة وقد استعدا للنوم.
– الزوج لا يستطيع أن ينام انه قلق انه يفكر ويقول بصوتٍ خافِت مُتَقَطِّع:
– ما هذا البرد. آه. بردٌ شديد. يا ويلتي في هذه الليلة. قلقٌ. بردٌ. فَقْرٌ. جوعٌ. مرضٌ- يتنهد تنهدة مكظومة- لك الحمد يا ربي لعلَّ في هذا الخانِ مَنْ هوَ أقسى منِّي عيشاً وأَردأ مني حالاً وأشد برداً وأكثر مرضاً لك الحمد يا ربي. لك الحمد.
– يصمت لحظة ويُجيل فكره في آفاق رحبة واسعة – وهذه زوجتي وهي بجنبي لعلها أتعس مني حالاً. أو لعلَّني أتعس منها حالاً. لا أعلم- تتابع أنفاسه ويعلوا شخير صدره لمدةٍ قليلة- الذنب ذنب الفقر. كل هذه المصاعب والآلام قد جرها عليَّ الفقر. والفقر وحده. لو لا الفقر لاشتريت ما يدفئني ويدفأ زوجتي. لو لا الفقر لذهبت إلى الطبيب لشفاء أمراضي. ولو لا
ــــــــ[313]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الفقر لأعطيت الأجرة الشهرية التي يتقاضاها مني صاحب الخان. ولكن.. وغداً أول الشهر الجديد وليس في جيبي فلسٌ واحد. عندنا بكرة بلا شك مشادة كلامية عنيفة مع صاحب الخان. ثم تكون الغلبة له في النهاية بلا شك. اما أنا واما زوجتي فسنخرج من هذا الخان ونجلس على قارعة الطريق. لا بأس. فسنتخلص من وجه هذا الطمّاع. ولكن. أين نلتجئ- ثم يحاول أن يختم إفطاره بعد أن وصلت إلى هذه الخاتمة السيئة ويحاول النوم وتفشل المحاولة – لا أستطيع أن أنام، لا بد أن أفكر في ملجئ. مكان يلمني وزوجتي فلا تنهشنا كلاب الطرقات في الليل ولا ينهبنا اللصوص ولا يسطو علينا قطاع الطريق. ولكن. لا بد للمكان الجديد المشؤوم من فلوس. المال هو الأول والأخير. أينما حصل المال وتجمعت الدراهم كانت السعادة وكان الهناء. هيهات. هيهات. غداً سنُلقى في الطرقات كالقاذورات ونكون نهباً للطلاب وهذا الصَلف أسبوعاً واحداً حتى أستجدي له المبلغ وأدفعه له. ولكنه. ولكنه كلبٌ. كلبٌ متوحشٌ ضاري. وإنني من أين أقتات ومن أين تقتات زوجتي خلال الأسبوع. انه درهمٌ واحد. درهم فقط. ما أيسره على الأغنياء، وما أعسره على الفقراء -ثُمَّ يقول بلهجةٍ صارِمَة عادةً- ليس للأغنياء إنصاف ولا مروءة ولا ضمير ولا إنسانية، تهمهم بطنهم ودراهمهم وراحتهم ولا يهمهم المحتاجين ولا الفقراء ولا أصحاب العوز والحاجة
– ينهد بشدة- انهم مترفون حول مغانيهم ومآكلهم ومشاربهم ودفئهم ونحن بهذا
ــــــــ[314]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
البرد والجوع والمرض – ثمَُّ يصيح غاضباً – ويلٌ للأغنياء، آه من الأغنياء. -ومن جرّاء صيحته هذه رأى زوجته تتقلب بالفراش – زوجتي، زوجتي – يناديها – لا لن أوقضها لعلها الآن دافئة وإذا تحركت يسري بها البرد. البرد. بل لعلها آخر ليلة تنام بهذا المقدار من الدفئ فأنا على يقين إننا لن نبقى هنا ليلةً أخرى. اننا سنخرج. سنخرج صاغرين بلا راحم ولا معين إلا الله – وينطق لفظ الجلالة بضخامة وقوة.
ــــــــ[315]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
((سِتار))
(المنظر الثالث)
(المكان): نفس الغرفة المتداعية.
(الزمان): في الصباح – جلس الزوجان يأكلان الفطور المكوَّن من فضل ما أكلاه ليلاً من الخبز والتمر-.
– زوجتي ان كسرة خبزٍ وتمر نأكلها هذا الصباح في غرفةٍ آمنة خير من ألف لون من الطعام مع الخوف والهلَع.
– تجيب زوجته بشيء من الشك والتعجب والخوف – ماذا تقول يا زوجي نحن والحمد لله في أمان…أين الهلع.
– هذا اليوم يا زوجتي هو أول الشهر الجديد الذي يحل على الأغنياء بالمال والبركة والسعادة وعلينا بالفقر والمسكنة والشقاء…هذا هو أول الشهر يا زوجتي وصاحب الخان سيُطالب بالأجرة بعد قضينا عند الشهر الماضي كله.. سيطالبني بها وليس في جيبي فلسٌ واحد
– زوجته في لهفة – إذن ماذا…يجب أن نسأله مهلة أسبوع حتى نجمع ما نستجدِ به ما تتمكن من مال ندفعه إليه
– لا يا زوجتي انه صَلف… صَلفٌ جداً لا تمكن معه المعاملة سيخرجنا من هذا المكان كما يخرج الفار الميت من المصيدة وسيقذف بنا في
ــــــــ[316]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الطريق…وسنبقى في الطريق طول عمرنا.
– زوجته في تعجب وذلة – طول عمرنا…إلا يوجد في قلبه مقدار مثقال ذرة من الإنصاف والمروءة.. اسأله يا زوجي وجرب.
– ومن أين نعيش خلال الأسبوع إذا أعطينا ما حصلنا عليه لهذا الطماع.
– لا تبتئس الرزق على الله يا زوجي فلعل الله يرزقنا خلال هذا الأسبوع ما يكفي للأمرين.
– لا يا زوجتي ليس من الأغنياء مَنْ عنده مقدار ذرة من الإنصاف والمروءة، انهم لا يهمهم جوع الفقراء إذا صحوا، ولا أرق الفقراء إذا ناموا، هذه أوصاف الأغنياء يا زوجتي.
– زوجته في ذلة- لا يا زوجي ليس على ما تظن، فلعلّ هناك من يرحمنا ويدخلنا في مأمن ولو بأجرة ندفعها إليه.
– آه للأجرة…لولا الأجرة لبقينا هنا.. في هذا المأمن.. في هذه الغرفة المظلمة المتداعية.. ولكن.. ولكن يجب عليكِ أن تجمعي ما تبعثر من أثاثنا استعداداً لمغادرة الخان.
– لا يا زوجي، ليس الحال على ما تظن انك واهم فسنبقى هنا وإن لم يرضَ صاحب الخان ببقائنا فسوف نذهب إلى محلٍّ آمنٍ آخر.
– الحقيقة مُرّة يا زوجتي، إنها على ما أظن وفوق ما أظن: أنت الواهمة.
ــــــــ[317]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
((سِتار))
(المنظر الرابع)
(المكان): في وسط ذلك الخان.
(الزمان): بعد الانتهاء من أكل الفطور.
– خرج الزوج لقضاء بعض حوائجه فلقيه صاحب الخان-
– سلامٌ عليكم.
– الفقير بامتعاض – عليكم السلام.
– هذا هو أول الشهر جعله الله سعيداً على الجميع وهذا هو موعد دفع أجرة الشهر الفائت فهاتها.
– كيف يجعله الله سعيداً على الجميع وأنا فردٌ من المجموع ليس في جيبي فلسٌ واحد.
– هذه مقدمة للمماطلة حسب ما يظهر.. اعلم أنك يجب أن تدفع
– بحدّة- يجب تدفع وإلّا…
– الفقير بلهجة اليائس: رجائي منك أن تهلني أسبوعاً واحداً حتى أستجدي المبلغ وأدفعه لك وإلا فإنني لا أستطيع الآن دفع فلسٍ واحد.
– صاحب الخان مستمرٌ في حدَّته التي يستعملها مع كل الفقراء والمحتاجين: سأُخرِجُكَ إنْ لم تدفع. أُخرِجُكَ في هذه الساعة وأُلقي ما عندك
ــــــــ[318]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
من الأثاث في الطريق أَسَمِعْت؟
– الفقير بذلة- افعل ما بدا لك.. أَخرِجْنِي من الخان فَليسَ في جيبي فلسٌ واحد.
– صاحب الخان يزداد حدّة- يجب أن تدفع.. يجب أن تدفع وإلا فاخرج في هذه الساعة وبدون انتظار انني لا أتحَمَّل المماطلة.
– الفقير مستمر على ذلته وتخاذله- لي الله افعل ما بدا لك أطرد كما تشاء فالذنب ذنب الفقر لا ذنبك… فليس سوى انني سأُلقى في الطريق وأكون وزوجتي نهباً للصوص والكلاب وقطاع الطريق.. لا بأس.. فَلِيكن كل هذا.. انني أنتظر كل ذلك مِمَنْ لا رحمة له – يقول الكلمة الأخيرة بشيءٍ من الحِدّة.
– أَتَسُبني يا حقير؟ إنني لا أعرف الرحمة. : لا بد أن تخرج.. لا بد أن تخرج.
ــــــــ[319]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
((ستار))
(النهاية)
-تعليقة خفيفة- وخرج الفقير المسكين وزوجته البائسة يجُرّان ورائهما ذيول الفقر والجوع والمرض والخوف ليذوقا على قارعة الطريق شتّى المصاعب والآلام والأهوال، وكثيرين مثله كانوا لقمة سائغة لجشع الأغنياء، هذه هي نهايته الحتمية، وهذه هي حادثة واحدة من آلاف الحوادث التي تقع أمامنا وخلفنا وعن يميننا وشمالنا، انها حوادث تطبع على جبين المجتمع عار وخزي لا يمحيه إلا استيقاظ الضمير وانبثاق المعرفة.
تأليف وكتابة محمد الصدر
24/2/1379 – 29/8/1959 يوم السبت
ــــــــ[320]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومن يتبع غير الإسلام دينا
فَلن يقبل منه
ــــــــ[321]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(2).
صَدَقَ اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيم
أيها الإخوان الأفاضل:
إنَّ الإسلام بتعاليمه القويمة وإرشاداته السديدة وحكمته البالغة قد أبانَ للإنسانية طرق رشادها ومسالك نجاتها والسبيل الذي ينجيها من
ــــــــ[323]ـــــ
([1]) وجدنا هذا البحث مكتوب بخط السيد الشهيدH في دفتر خاص ضمن مخطوطاته الخاصة وتم إلحاقها بهذا الكتاب في هذه الطبعة..
(2) المؤمنون: 1-11.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم ومن الحرور إلى الظل ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾(1) ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(2).
وقد أبدعَ الإسلام بتعاليمه وسارَ فيها نهجاً يواكب نهج الحقيقة والفطرة والعقل. فهو إذ يبحث أي موضوع من مواضيع هذه الحياة أو أي شأن من شؤونها أو أي طرفٍ من أطرافها فإنه يأتي بأدقِّ القوانين وأفضل السُّنَن وأكمل التشريعات لخير الإنسانية جمعاء.
وهو حين يبحث في الإلهيّات وطرق إثبات الخالق وتوحيده وتنزيهه عن أوصاف الممكنات مع إسناد كل ما يليق بقدسيِّ ذاته، وخالص وحدانيته من الكمال، يأتي بالأدلة الدقيقة الجارية على وفق الفطرة الأوّلية السليمة.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾(3).
ويقول في صفاته تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(4).
ــــــــ[324]ـــــ
(1) هود: 24.
(2) الملك: 22.
(3) الطور: 35-36.
(4) الحشر:23-24.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
وعندما يُبدِي نصائحه لخير الإنسانية وسعادة البشرية وصالح النظام العام فإنه يأتي بالتعاليم القويمة والإرشادات السديدة التي تكفل ذلك في الدارين وتيسّرها في النشأتين.
فالدين الإسلامي يحثُّ على المحبّة والوِئام ونبذ التحاقُد والخصام ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(1)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾(2).
وهو يأمر بالبِرِّ والإحسان إلى الوالدين لِما لهما من الشأن والحقّ على أولادهما: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَـهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَـهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَـهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾(3).
وكذلك هو يوصي بالإحسان إلى مَنْ سِواهما مِمَن يتّصل بالإنسان بقرابةٍ أو جِيرةٍ أو مُصاحَبَة أو غير ذلك من الروابط الاجتماعية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ
ــــــــ[325]ـــــ
(1) آل عمران: 103.
(2) الحجرات: 11.
(3) الإسراء: 23-24.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾(1).
وهو الدين القيِّم الذي يأمر بالعفو: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(2) وينهى عن الاعتداء: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(3) وهو الدين الذي يأمر بإصلاح ذات البين: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾(4) وينهى عن التجسُّس والغيبة: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَـحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾(5).
وهو الدين القَيِّم الذي يتّبع في الأموال حداً وسطاً فينهى عن كنزها وادّخارها: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(6) وينهى أيضاً عن الإسراف والتبذير فيها: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾(7) ويأمر بانتهاج الحدّ الوسط: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾(8).
ــــــــ[326]ـــــ
(1) النساء: 36.
(2) البقرة: 237.
(3) البقرة: 178.
(4)الأنفال: 1.
(5) الحجرات: 12.
(6) التوبة: 34.
(7) الإسراء: 27.
(8) الإسراء: 29.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
هذه – أيها الإخوان الأفاضل – نبذة مختصرة من الأمثلة على قوانين الإسلام الصائبة ونواميسه الصحيحة وقواعده الدقيقة التي ارتفع بها على غيره من الأديان والمبادئ، وحلَّقَ بها إلى سماءِ الحقيقة والواقع والعدل والإنصاف والمساواة.
﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ﴾(1).
هذا وبعد كل هذه التشريعات التي استهدفها الإسلام لخير البشر ومصلحة الإنسانية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾(2). فمن حقه أن يطلب من الناس جميعاً أَلّا يتبعوا غير الإسلام ولا يستضيئوا إلا بنوره ولا يهتدوا إلا بهُداه لأنه المنهج الوحيد الذي يقودهم إلى سعاداتهم ويوصلهم إلى خيرهم والخلود في جنانهم. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾(3).
ومن الحق أن يُلزَم كُلُّ إنسانٍ غير غافل عن آخرته وغير عابد للمادة وغير منجرف وراء الهوى وغير ساعٍ وراء الشهوات واللَّذات أن يُلزَم من قِبَل عقله السليم وضميره الحيّ المستقيم في أَلّا يتبع إلا الإسلام ولا يهتدي إلّا بهُداه ولا يسير إلّا تحت لواه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾(4).
ــــــــ[327]ـــــ
(1) الطارق: 13-14.
(2) آل عمران: 85.
(3) الآية السابقة.
(4) آل عمران: 83.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ومن الحق أيضاً – بعد كلّ ذلك – انَّ مَنْ لا يؤمن بدين الله في الشريعة الإسلامية: ﴿مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾(1) وأنَّ: ﴿أَعْمَالُـهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾(2)، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهَ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(3).
أيها الإخوة الأفاضل:
إننا قد وُعِدْنا على لسان نبيناo وعلى لسان الأئمة الأطهارD باضمحلال الإيمان وتقلُّص فَيْء الإسلام وتهدُّم أركان الدين على أيدي شِرار خلق الله.
فقد ورد عن رسول اللهo أنه قال: (يأتي على الناس زمان بطونهم آلهتهم ونسائهم قبلتهم ودينهم دنانيرهم وشرفهم متاعهم لا يبقى من الإيمان إلّا إسمه ولا من القرآن إلا درسه ومساجدهم معمورة، وقلوبهم خراب عن الهدى) إلى آخر الرواية.
إن مثل هذه الروايات – أيها الإخوان- لَتَعطينا أيّ عبرة وأيّ عِظَةٍ فما
ــــــــ[328]ـــــ
(1) الأعراف: 176.
(2) النور: 39.
(3) التوبة: 24.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
علينا بعد سماعها إلّا الرجوع إلى أنفسنا وإلى الأحداث التي تدور حولنا لنعرف مدى انطباق مثل هذه الروايات على زماننا ووصفها لحاضرنا.
نحن إذن مكلّفون – أيها الإخوة – تكليفاً منبثقاً من صميم الإسلام ونابعاً من عينة الثَرَّةِ ومستمَدّاً من نورِه الوَضّاء، مكلّفون بالسعي إلى إحياء الإسلام وإعلاء كلمة الحق ونشر الدين واليقين بين صفوف المسلمين.
ونحن بعد أن تسلّحنا بالعلم وتدرّعنا باليقين بفضل هذه الكلّية العظيمة أصبح لِزاماً عليناً وواجباً عينياً على كلّ فرد منّا أن يسير في هذا السبيل ويجعله هدفه الأسمى وغايته القصوى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(1).
إلى العمل.. إلى العمل – أيها الإخوان -في سبيل الله وعلى مِلّةِ رسول الله فالعمل هو البلسم الشافي مِن سِقام الهوى والضّلال والمنقذ من هُوَّة الكفر والإلحاد.
إن هذا الجحفل الجرّار من الكفر والضّلال، ومن الغرائز الحيوانية، والشهوات الشيطانية، وغرور الدنيا وزِبرِجِها، والغفلة عن الآخرة وعذابها، كان وما يزال هدفها الأسمى وغايتها القصوى في تحقيق أعزِّ أمانيها وأعظم مطالبها هو ضرب الإسلام والتعدّي على الله ودين رسول الله والنور الذي أُنزِل بين يديه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
ــــــــ[329]ـــــ
(1) آل عمران: 104.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾(1)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾(2).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد الصدر – النجف الأشرف
الجمهورية العراقية
ألقيت في قاعة المحاضرات في كلية الفقه التابعة لجمعية منتدى النشر بتاريخ 12/11/1959م – 11/4/1379 هـ يوم الخميس
وقد ألقيت من قِبَلِ كاتبها أمام تلاميذ الصف الثاني والصف الأول. وكان هو من طلاب الصف الثاني.
ــــــــ[330]ـــــ
(1) التوبة: 32-33.
(2) الصف: 10-13.
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
* القرآن الكريم
* نهج البلاغة
* الصحيفة السجاديّة
ــــــــ[331]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
المفيد – بيروت، الطبعة الأُولى، 1413 هـ.
ــــــــ[332]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
بن الحسن الطوسي، وشرح الشرح: للّعلامة قطب الدين محمّد بن محمّد أبي جعفر الرازي، الطبعة الأُولى: 1383 ش، الناشر: نشر البلاغة، إيران- قم.
ــــــــ[333]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
1405هـ، بدون ط.
ــــــــ[334]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[335]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[336]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[337]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[338]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[339]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الشهرزوريّ، تحقيق: الدكتور نجفقلي حبيبي، الطبعة الأُولى: 1425هـ، الناشر: مؤسّسة الحكمة والفلسفة الإيرانيّة، طهران – إيران.
ــــــــ[340]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[341]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[342]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الفكر الإسلامي، الطبعة الأُولى: شعبان المعظّم 1419هـ قم.
ــــــــ[343]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
1987م، الناشر: دار الشروق، القاهرة- مصر.
ــــــــ[344]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[345]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الطبع: 1342 هـ، طبع بمطبعة التوفيق الأدبيّة بمصر، الناشر: مكتبة الخانجي – القاهرة، بلا ط.
ــــــــ[346]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
(تراجم وسير) يحتوي على: ابن الرومي، أبو العلاء، الطبعة الثانيّة: 1411 هـ – 1991م، الناشر: دار الكتاب اللبناني، بيروت – لبنان، دار الكتاب المصري القاهرة.
ــــــــ[347]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
إعداد وتحقيق: لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرH، الطبعة الأُولى المحقّقة لهذه الموسوعة: 1429هـ، الناشر: دار الصدر، إيران – قم.
ــــــــ[348]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
تأليف: الشيخ مرتضى البروجرديّ، الطبعة الثانية: 1426هـ – 2005م، الناشر: مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي، إيران- قم.
ــــــــ[349]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[350]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
ــــــــ[351]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
1422هـ – 2001م.
ــــــــ[352]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
– 1990م، الناشر: دار الشروق، القاهرة.
ــــــــ[353]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيتF، الطبعة الثانية: 1414هـ قم.
ــــــــ[354]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدرH………..3
قصّة من القرآن الكريم (قصّة التضحية الخالدة)……..7
طالوت قائد جيش الإيمان (الامتحان الإلهي)……..23
في ذكرى انتصار الحسين× في أرض كربلاء ……..59
حول الأدب الإسلامي الملتزم……..67
أين الأدب الإسلامي الملتزم……..81
قصة رمزية من الأدب الإسلامي الملتزم: النصيحة الأخيرة……..91
قصة رمزية من الأدب الإسلامي الملتزم: قصّة دجاجتين……..99
قصة من التأريخ الإسلامي……..111
مواقف اجتماعية (لقد أصبح شخصاً آخر)……..119
نظرات سريعة في كتب خمس
النظرة الأُولى: نظرة في (مسرح المجتمع)……..128
النظرة الثانية: نظرة في (مذكرات نائب في الأرياف)……..139
النظرة الثالثة: نظرة في (النقد الأدبي)……..145
النظرة الرابعة: نظرة في كتاب (مع أبي العلاء في سجنه)……..157
ــــــــ[]ـــــ
إشراقات أدبية- الجزء الثالث، السيد محمد الصدر
النظرة الخامسة: نظرة في كتاب (ابن الرومي)……..168
حول هذه النظرات……..178
نبوءة الإيمان……..181
النزول الذي لا صعود بعده أو (ميلاد فكرة)……..213
في سبيل الخلود……..221
ذكريات من فلسفة الصبا……..229
خطاب إلى المستقبل……..241
أيها العقل……..249
أعشاب صحراوية……..255
(شفتان من الماء)……..263
الآمال القاتلة: (أفكار ميت حديث الدفن)……..271
جريمة في وادي السلام……..279
مسرحية الأجرة…… 311
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه……323
مصادر الكتاب (رسائل ومقالات) بأجزائه الثلاثة……..331
الفهرس ……..355