أصول علم الأصول
تأليف
آية الله العظمى
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله)
بسم الله الرحمن
الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
وبعد؛
ليس خفيّاً عنكم بأنَّ ذلك المرجع العظيم والولي الصالح هو الذي سار منذ صغره قدس سره نحو التكامل العلمي والجهادي، حتّى اعتلى كرسيّ المرجعيّة الناطقة؛ ليكون زعيمها بلا منازع في أعلميّته.
فقد سطّر ومُنذ شبابه أجمل ملاحم التأليف في شتّى المواضيع، الحوزوي منها وغير الحوزوي. وما بين أيدينا هو نتاج رائع من نتائج علم الأُصول الذي خطّ فيه أرقى الكلمات التي تُنبئ عن شخصيّةٍ ذات مستقبل باهر وأعلميّة جليّة.
وقد ناقش في هذا الكتاب أكابر أساتذته وغيرهم من علماء الأُصول، وعلى رأسهم السيّد الشهيد الأوّل قدس سره؛ ليكون بحثاً متكاملاً يُرفد به المكتبة الأُصوليّة الإسلاميّة بكتابٍ عال المستوى ينهل منه طلاب الحوزة بكافّة مستوياتهم، ألا وهو: أُصول علم الأُصول.
فعلى الرغم من أنَّ لهذا الكتاب مستواه العلمي الرفيع، إلا أنَّه قد
ــــــــــــ[5]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
جعله بأسلوب يستطيع أكبر عدد ممكن أن يستفيد منه كأغلب كتبه، بل كلّها.
فجزاه الله خير جزاء المحسنين. وجعلنا وإياكم ممّن سار على دربه.
وأُكرّر شكري الجزيل لكلِّ القائمين على هذا العمل المبارك، وتقبل الله عملهم بأحسن القبول.
مقتدى الصدر
19/محرّم/1433
ــــــــــــ[6]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
وبعد؛
غير قليلٍ ما كُتب في مباحث علم أُصول الفقه؛ حيث إنَّ أساطين علمائنا قد أثروا المكتبة الإسلاميّة في مجالاتٍ كثيرةٍ من المعارف الدينيّة، ومنها علم الأُصول خاصّة. فقد بحثوا بما لا مزيد عليه من أبحاثٍ وتشقيقاتٍ معمّقة في هذا المجال. إلا أنَّ كتابات السيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره لها ميزةٌ خاصّة. فما من علمٍ كتب فيه إلَّا وجاء بشيءٍ جديد، كما يلحظ في كتاباته العمق والدقّة والتفريع في الأبحاث.
تناول قدس سره في هذا الكتاب القيّم أربعة من مباحث مقدّمات علم أُصول الفقه، وهي: تعريف علم الأُصول وموضوعه وتقسيماته، وكذا شيئاً من مبحث الوضع.
ومن جملة خصائص هذه المباحث أنّه قدس سره ذكر أكثر كلمات المشاهير في هذا الفنّ ثُمَّ ناقشها بالتفصيل، وأضاف ما يتبنّاه من رأيٍ في هذا المجال.
ــــــــــــ[7]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ومن الملاحظ أيضاً: أنَّ هذه المباحث كان من المقرَّر الاستمرار بها -كما يُفهم من بعض كلماته- إلا أنَّ الأقدار لم تشأ، ولا ندري فلعلَّ أبحاثاً أُخرى ملحقة لم نوفَّق للاطّلاع عليها.
نسأل الله السداد بالقول والفعل، إنَّه نعم الوكيل.
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
ــــــــــــ[8]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
موجز عن حياة آية الله العظمى السيد الشهيد محمد الصدر قدس سره
نسبه الشريف
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره إلى الإمام موسى بن جعفر(ع) في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها.
فهو محمّد بن محمّد صادق بن محمّد مهدي بن إسماعيل بن صدر الدين (الذي سمّيت أُسرة آل الصدر باسمه) بن صالح بن محمّد بن إبراهيم شرف الدين (جدّ أُسرة آل شرف الدين)، بن زين العابدين بن نور الدين بن علي نور الدين بن الحسين بن محمّد بن الحسين بن علي بن محمّد بن تاج الدين (أبو سبحة) بن محمّد شمس الدين بن عبد الله بن جلال الدين بن أحمد بن حمزة الأصغر بن سعد الله بن حمزة الأكبر بن أبي السعادات محمّد بن أبي محمّد عبد الله (نقيب الطالبيّين في بغداد) بن أبي الحرث محمّد بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي طاهر بن أبي الحسن محمّد المحدّث بن أبي الطيّب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى (أبو سبحة) بن إبراهيم المرتضى بن الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم(ع).
ولادته ونشأته
ولد قدس سره في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ .ق، أي: يوم
ــــــــــــ[9]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المولد النبوي الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين قدس سره، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني قدس سره، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر قدس سره لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي(ص) دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى(ص)، فكان الولد الوحيد لهما.
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة قدس سره. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه – بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة- يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة إلا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(1).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر قدس سره، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل قدس سره، وله بنتان تزوجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر قدس سره.
ــــــــــــ[10]ــــــــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 24
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
نشأته العلمية
بدأ قدس سره الدرس الحوزوي في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزوي وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر قدس سره، ثمَّ على يد السيّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العاملي، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم قدس سره والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني قدس سره.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ. دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر قدس سره.
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم قدس سره.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني قدس سره.
4. علوم اللغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر قدس سره.
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات غير الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبي في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه.
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1383 هـ. ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه.
ــــــــــــ[11]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي الحكيم قدس سره وقد كان لدراسته عند هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل شخصيته العلمائية ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته أنفسهم، ثمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبي قدس سره، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر قدس سرهفقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي قدس سره فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني قدس سره فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم قدس سره فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر قدس سره فقهاً.
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني قدس سره، وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ــــــــــــ[12]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلمي أمرين:
الأوّل: اطّلاعه قدس سره على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئي والسيّد الخميني والسيّد الحكيم. وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ من حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
إجازته في الرواية
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملاّ محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني قدس سره) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوري صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر قدس سره، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين قدس سره، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة قدس سره، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم قدس سره، والسيّد حسن الخرسان قدس سره، والسيّد عبد الأعلى السبزواري قدس سره، والدكتور حسين علي محفوظ رحمه الله.
ــــــــــــ[13]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
اجتهاده
أُجيز بالاجتهاد من قبل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره في سنة 1398 هـ .ق (وكان عمره آنذاك 36 سنة)، حيث اتّفق أنَّ جملة من الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلالي كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورة فقهيّة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسي قدس سره، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلاب.
ثمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد قدس سره إلى إلقاء البحث الفقهي بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس الملاصق للحرم العلوي الشريف، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد أبحاثه في كلّ يوم كالتالي:
أوّلاً: البحث الفقهي صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصولي عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
ــــــــــــ[14]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنية في يومي الخميس والجمعة من كلّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات – أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا قدس سره أُسلوباً مغايراً لأُسلوب سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجة لعاملين نفسي وعقلي: أمّا العامل النفسي: فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في النصف [الثاني] من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه أقلّ أهمّيّة أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع
ــــــــــــ[15]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<(1).
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباع آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد قدس سره جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وبالاقتراب منه قدس سره يتّضح سلوكه العرفاني الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة، والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت(ع)، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم يكن يرضى أن تقبّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛ لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى قائلاًً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون
ــــــــــــ[16]ــــــــــــ
(1) منّة المنان في الدفاع عن القرآن: 18، المقدّمة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثير من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه قدس سره يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
وقد امتاز قدس سره بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر.
مرجعيته الصالحة وقيادة الأُمة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر قدس سره ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفري، ولم يبق منها إلا صُبابة لا تروي من ظمأٍ، ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلا
ــــــــــــ[17]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
تصدّيه قدس سره؛ لأنَّه أفضل علاج ناجع لأخطر قضيّة عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي والحوزوي على وجه الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحات بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الديني مقوّمات أساسية: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروري لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فأنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه قدس سره يمثّل امتداداً للخطّ المرجعي الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمّر؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلمي – الفقهي والأُصولي والمعرفي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلّبه ويقتضيه.
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتداد لخطّ ومدرسة أهل
ــــــــــــ[18]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
البيت(ع)، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر الثاني قدس سره جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه قدس سره لم يكن فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علوم فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه قدس سره المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلا أنَّ ما قام به قدس سره وما بذله من جهود جبّارة لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ــــــــــــ[19]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى كافّة أنحاء العراق لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلا أنَّه قدس سره استطاع – وبفترة زمنية قياسيّة – ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه قدس سره حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة، ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
كما سعى إلى تربية طلاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربية إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورة طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ لها من إمكانات مادّيّة،
ــــــــــــ[20]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلامي رفيعٍ، فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره مؤلّفات كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
أولاً: مؤلفاته
1- منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة أجزاء.
2- بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعيّ للقرآن الكريم.
3- فوز الأنام في أدعية الليالي والأيّام.
4- ما وراء الفقه، في خمسة عشر مجلداً.
5- بيان الفقه، وهو بحثٌ استدلاليّ في سبعة أجزاء.
6- حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء.
7- مبحث ولاية الفقيه.
8- مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء.
9- الفكرة الحيّة في حكم حلق اللحية.
10- الكلمة التامّة في الولاية العامّة.
11- الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام.
ــــــــــــ[21]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
12- الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
13- تعليقة على (بعض كتب) شرائع الإسلام للمحقق الحلي أبو القاسم نجم الدين بن جعفر بن الحسن.
14- تعليقة على الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية (في أحكام القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات) للشيخ زين الدين الجبلي العاملي.
15- تعليقة على الرسالة العملية كتاب الحج من (العروة الوثقى) للسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي قدس سره.
16- تعليقة على (مستحدثات المسائل) للسيد الخوئي قدس سره.
17- تعليقة على الرسالة العمليّة (مناسك الحج) للسيد الخوئي قدس سره.
18- تعليقة على الرسالة العمليّة (منهاج الصالحين) للسيد الخوئي قدس سره.
19- تعليقة على تكملة منهاج الصالحين للسيد الخوئي قدس سره.
20- تعليقة على الرسالة العمليّة (وسيلة النجاة) للسيّد أبي الحسن الأصفهاني قدس سره في جزئين.
21- تعليقة على رسالة السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره (الفتاوى الواضحة) في جزئين.
22- منهج الصالحين، وهو رسالة عمليّة موسّعة في خمسة مجلّدات.
23- مسائل وردود في خمسة أجزاء (بمجلدين).
ــــــــــــ[22]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
24- الصراط القويم، وهو رسالة عمليّة مختصرة,
25- الرسائل الاستفتائيّة.
26- فقه الطب.
27-فقه الفضاء، وهو رسالة عمليّة في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
28- فقه العشائر.
29- فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عمليّة في المسائل المستحدثة أيضاً.
30- مناسك الحجّ.
31- الزكاة بين السائل والمجيب.
32- الصوم بين السائل والمجيب.
33- الخمس بين السائل والمجيب.
34- الطهارة بين السائل والمجيب.
35- مسائل في الحجاب.
36- فقه المجتمع.
37- مختصر أحكام الصلاة.
38- مسائل في حرمة الغناء.
39- موارد جواز النظر.
40- فقه الدماء الثلاثة.
41- منهج الأُصول، في سبعة أجزاء.
ــــــــــــ[23]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
43- أصول علم الأُصول.
44- موسوعة الإمام المهديّ عجل الله فرجه، وتحتوي على:
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
جـ . تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادّي والدينيّ.
هـ . هل الإمام المهديّ جل الله فرجه طويل العمر.
45- الإمام المهدي المنتظر، مختصر موسوعة الإمام المهدي.
46- المهدي عليه السلام للسيد صدر الدين الصدر قدس سره/ تحقيق.
47- أضواء على ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
48- شذرات من فلسفة الإمام الحسين عليه السلام.
49- رفع الشبهات عن الأنبياء عليهم السلام.
50- تعليقات على كتاب (الشيعة والسنّة)لإحسان إلهي ظهير.
51- أشعة من عقائد الإسلام.
52- الإجازات عن الأئمة الهداة.
53- حبّ الذات وتأثيره في السلوك الإنساني.
54- الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الحجم البعيد. بحث فيزيائيّ.
55- فقه الأخلاق جزئين.
56- رسائل ومقالات طبع بثلاث أجزاء، جزئين منها بعنوان اشراقات فكرية والثالث بعنوان اشراقات أدبية.
ــــــــــــ[24]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
57- مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيّدنا الشهيد قدس سره.
58- الكتاب الحبيب (مختصر مغني اللبيب).
59- خطب الجمعة لصلاة الجمعة.
60- مواعظ ولقاءات في جزئين.
61- نظرات إسلاميةٌ في إعلان حقوق الإنسان.
62- الاسرة في الإسلام.
63- فلسفة الحجّ ومصالحه في الإسلام.
64- حديث حول الكذب.
65- بحث حول الرجعة.
66- كلمة في البداء.
67- الرد على الشبهات من السنة والآيات.
ثانياً: تقريراته
1- كتاب الطهارة للسيد محمد باقر الصدر قدس سره في عشرة أجزاء.
2- محاضرات في علم أصول الفقه للسيد محمد باقر الصدر قدس سره في خمسة وعشرين جزءاً.
3- تقريرات في علم أصول الفقه للسيد الخوئي قدس سره في اثنا عشر جزءاً.
4- كتاب البيع للسيد الخميني قدس سره في اثنا عشر جزءاً.
5- محاضرات أساتذته في كليّة الفقه في تسعة أجزاء.
ــــــــــــ[25]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
6- دروس في شرح كفاية الأصول، من أبحاث السيد محمد باقر الصدر قدس سره.
7- اللّمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد إسماعيل الصدر قدس سره.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني قدس سره بالفقه المعاصر، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة الاغتيال
كان من عادة السيّد قدس سره أنْ يجلس في مكتبه (البرانيّ) بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعه ولداه – السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل (قدّس سرهما)- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
ــــــــــــ[26]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد قدس سره.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شانه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
الثامن عشر من ذي الحجّة 1432- 14/11/2011
ــــــــــــ[27]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
صورة الصفحة الأولى من الكتاب بخط السيد الشهيد قدس سره
ــــــــــــ[28]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
صورة الصفحة ما قبل الأخير من الكتاب بخط السيد الشهيد قدس سره
ــــــــــــ[29]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
صورة الصفحة الأخيرة من الكتاب بخط السيد الشهيد قدس سره
ــــــــــــ[30]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المقدمة
بسمه تعالى شأنه العزيز
– 1 –
كلمات في تأريخ علم الأُصول(1)
لا أعتقد أنَّ الفكرة المتأخّرة التي يدافع عنها البعض، من زيادة العتب على علماء الإماميّة المتأخّرين في التوسّع والتعمّق في دراسات وأبحاث علم أُصول الفقه، لا أعتقد أنَّها فكرة تامّة الصّحة على المستوى القواعدي العامّ. بل ستجد من خلال كلامنا هذا ضرورة وجود علم الأُصول والتوسّع في بحوثه من أجل التعمّق في فهم الفقه الإسلامي، ومن ثَمَّ في التربية الفرديّة والاجتماعيّة على وجه العموم.
ــــــــــــ[31]ــــــــــــ
(1) تعود أصل هذه المقدّمة إلى تاريخ 1398هـ حيث كُتبت مقدمة لكتاب (المدخل إلى علم أُصول الفقه الجعفري) لمؤلّفه الشيخ يوسف عمرو، وصدّرنا بها هذا الكتاب زيادةً في الفائدة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
– 2 –
ليست العبارة الموروثة القائلة (ما من واقعة إلَّا ولها حكم)(1) آيةً في كتاب الله العزيز، ولا تستفاد من إحدى آياته الكريمة، ولكنّها وبالرغم من ذلك أكيدة الصحّة؛ لأنَّها تعبّر عن فحوى عدد من الأخبار(2) التي تؤكّد عموم الأحكام الشرعيّة في الإسلام، كما أنَّها مورد إجماع علماء المسلمين أجمع, فإنَّهم ليس فيهم – على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم- مَن يشكّ في نقص الشريعة وتخلّفها عن أيّ واقعةٍ أو حادثة. ومن هنا يمكن القول بوضوح بأنَّ علماء المسلمين تسالموا على شمول الشريعة، وعموم أحكام الإسلام لكلِّ الوقائع والحوادث في كلِّ مكان وزمان. وثُمَّ (ما من واقعة إلا ولها حكم).
كما أنَّ هذه العبارة هي مورد إدراك العقل القطعي بصحّتها؛ لوضوح أنَّ شمول الشريعة لكلِّ الوقائع لطف إلهي واللطف واجب، على ما برهنوا
ــــــــــــ[32]ــــــــــــ
(1) قد تعرّض جملة من الأعلام لذكر هذه العبارة، أُنظر على سبيل المثال: الفصول الغرويّة في الأُصول الفقهيّة: 406، فصل: لا خلاف في عدم تصويب المختلفين في العقليّات، فرائد الأُصول 1: 247، خبر الواحد.
(2) هذه العبارة (ما من واقعة إلَّا ولها حكم) من المتسالم على فحواها عند علماء الطائفة، وهي مستفادةٌ من أخبار أهل البيت عليهم السلام، نحو ما ورد عن النبي (ص) أنَّه قال: >يا أيّها الناس ما من شيءٍ يقربكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلَّا وقد أمرتكم به، وما من شيءٍ يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلَّا وقد نهيتكم عنه<. الكافي للكليني 2: 74، باب الطاعة والتقوى.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
عليه في علوم العقائد الإسلاميّة(1). كما أنَّ إدراك سعة الرحمة الإلهيّة وعموم الكرم اللانهائي مع إدراك سعة العلم الإلهي اللانهائي بالمصالح الواقعيّة للمخلوقين والقدرة الإلهيّة على وضع التشريع المناسب لهم, إنَّ إدراك كلّ ذلك يجعل هذه الفكرة مُتعيّنة الصحّة. فإذا أدركنا أنَّ الرحمة الإلهيّة والعلم الإلهي والقدرة الإلهيّة أزليّة ولا نهائيّة(2) – كما هو المبرهن عليه من خلال الأساس الإسلامي الذي تنطلق منه- تكون هذه الفكرة أكثر من قطعيّة وأكثر من ضروريّة.
– 3 –
وليس شمول الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة لكلِّ الوقائع أمراً مستأنفاً أو قولاً مكرّراً, وإنَّما يعتبر هو الأساس الرئيسي لتربية الفرد والمجتمع، ومن ثَمَّ تربية البشريّة جمعاء، تربيتها المناسبة التي تسير بها حثيثاً نحو كمالها المنشود.
وهذه التربية الواسعة المعمّقة لا يمكن أن تنجح إلَّا بعد استيعاب التشريع لكلِّ مناحي الحياة ولكلِّ تصرّفات الأفراد، ولكلِّ القوانين الخاصّة
ــــــــــــ[33]ــــــــــــ
(1) أُنظر: النكت الاعتقاديّة (للشيخ المفيد): 35، الفصل الثالث في النبوّة، المسلك في أُصول الدّين (للمحّقق الحلّي): 191، في حقيقة الإمامة ووجوبها، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (تحقيق الآملي): 445، المسألة الثانية عشرة: في اللطف وماهيّته وأحكامه.
(2) راجع تفصيل ذلك في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (تحقيق الآملي): 404، الفصل الثاني: في صفاته تعالى.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والعامّة؛ لوضوح أنَّ بعض الحقول يستلزم نقصانها فيه، ومن ثَمَّ عجز البشريّة عن الوصول إلى الكمال المنشود.
وليس الحكم الشرعي، أو مسائل الحلال والحرام أُموراً تعبديّة أو نفسيّة أو عناوين مثاليّة، وإنَّما تُعبر بمجموعها عن منهجٍ تربويٍّ عادلٍ كاملٍ موضوع بين يدي البشريّة من أجل إيصالها إلى الكمال.
كلّ ما في الأمر أنَّ هذا المنهج لا يمكن أن ينتج نتائجه المطلوبة إلَّا بالإطاعة والتطبيق، حينما ينزل إلى حياة الفرد والمجتمع. فلو طبقّه البشر لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
وأمّا لو بقيت الشريعة حبراً على ورق، إذاً فسوف يخسر البشر بالضرورة نتائجها الكبرى، ويعجزون عن الوصول إلى كمالهم المنشود.
ومن ثَمَّ تعرف أنَّ الله تبارك وتعالى وفّرَ للبشريّة الأُطروحة التشريعيّة العادلة الكاملة، التي توصلها إلى الكمال مع تجاوب البشر معها وانشدادهم عاطفيّاً وعقليّاً باتجاهها وتنفيذهم لها في عالم الحياة؛ بخلاف ما لو انعكس الأمر، فإنَّها عندئذٍ ستكون بشريّة خاسرة ذات حظوظ عاثرة من حيث علمت أو لم تعلم.
– 4 –
ولكن ما معنى هذه الفكرة الأساسيّة: ما من واقعة إلّاَ ولها حكم؟!
إنَّنا بشكلٍ واقعيّ وأساسيّ، يمكن أن نفهمها على الشكل التالي: إنَّ نبيَّ الإسلام(ص) حامل الأُطروحة العادلة الكاملة إلى الناس من قبل الربِّ الرحمن الرحيم، قد أطْلع البشريّة – على وجه العموم- على الأحكام
ــــــــــــ[34]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
العامّة الشاملة لكلِّ الوقائع على الإطلاق، والقابلة للاستمرار والانطباق في كلِّ مكانٍ وزمانٍ إلى مدى عمر البشريّة الطويل.
ولم يبقَ حكم تحتاجه البشريّة في حاضرها ومستقبلها إلاَ وبلّغه؛ بدليل نصّ القرآن على إكمال الدّين وإتمام النعمة في أواخر حياة هذا النبيّ الكريم(ص)(1).
وهذا ما يسمّى في مصطلح الفقهاء بالحكم الواقعي(2).
ومن هنا يتبرهن: أنَّ الأحكام الواقعيّة الإسلاميّة تشمل الوقائع كلّها منذ صدر الإسلام وإلى نهاية البشريّة.
ولكن من أين يمكننا أن ننال تلك الأحكام الواقعيّة؟ فإنَّ هذه الأحكام قد لا تكون متوفّرة بوضوحٍ لكلِّ أحد، مع بُعد المكان وطول الزمان عن مركز التشريع، ومع إمكان التشكيك في مضمون الحكم وشكل الواقعة التي يمرّ بها الفرد والمجتمع.
وكلّما طال الزمن وزادت الحوادث وتجدّدت وقائع الحياة, كانت المشاكل التشريعيّة أطول وأزيد.
ــــــــــــ[35]ــــــــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا…. سورة المائدة، الآية: 3.
(2) الحكم الواقعي: هو كل حكم لم يفترض في موضوعه الشكّ في حكمٍ شرعيّ مسبق، وهو ما يقابل الحكم الظاهري الذي هو كلّ حكمٍ افترض في موضوعه الشكّ في حكم شرعيّ مسبق. راجع في هذا المجال دروس في علم الأُصول 2: 12، الحكم الواقعي والظاهري.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وهنا يواجهنا الفقه على مستوى الفكر الإسلامي العامّ. إذن فالفقه هو المرآة الصالحة للكشف عن الأحكام الواقعيّة التي جاء بها الإسلام لتربية البشر، وهو الذي يسعفنا بالجواب عن كلِّ مشكلةٍ لدى بُعد الزمان والمكان عن عصر التشريع، وهو الميدان الصالح لتنفيذ الفكرة القائلة: ما من واقعة إلّاَ ولها حكم, ومن هنا تبرز بوضوح أهميّة الفقه.
– 5 –
لم يكن المجتمع – في الأغلب- خلال عصر التشريع بحاجة إلى قواعد عامّة يستند عليها في استكناه الحكم الشرعي, بعد أن كان في إمكانه السؤال المباشر والمعرفة الحسيّة بالحكم. ولم يكن يحول دون هذه المعرفة إلَّا بعض الشكوك التطبيقيّة التي قد تحدث للإنسان في حياته الفرديّة، كالشكِّ في دخول وقت الصلاة مثلاً. أمّا مجموعة الأحكام بالمقدار الذي يحتاجه المجتمع آنئذٍ، فقد كانت متوفّرة بصراحة ووضوح خلال عصر التشريع. بل لعلَّ المجتمع يومئذٍ لم يكن بالمستوى الفكريّ اللائق لتلقّي القواعد العامّة؛ لوضوح أنَّ تطبيق القواعد العامّة على مواردها يحتاج إلى ذوق رفيع واعتياد طويل، لم يكن المجتمع قد مرّ به يومذاك، بل كان الفرد- في الأعمّ- يسأل عن موضع حاجته, ثُمَّ يذهب ليطبّق الجواب تطبيقاً صرفيّاً من دون فحصٍ عن أيِّ دليل آخر من الكتاب والسنّة، ممّا نعرف الآن ضرورته في علمي الفقه والأُصول.
ولكن بالرغم من ذلك، كانت القواعد العامّة تُزرق بأناةٍ وحكمة مع عدد أجوبة الأسئلة، ولعدد من الأفراد الأذكياء المفكّرين، حيث عرف
ــــــــــــ[36]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
أمثال هؤلاء أنَّ الفرد >لا ينبغي له أن ينقض اليقين بالشكّ<(1)، و>أنَّ كلّ شيءٍ لك طاهر حتّى تعلم أنَّه نجس<(2)؛ لتكون هذه القواعد العامّة وأمثالها هي الركيزة الأساسيّة في استكناه الأحكام الشرعيّة حين يبتعد المجتمع عن عصر التشريع، ذلك البعد الذي كان يجب أن يكون.
وكانت هذه القواعد العامّة هي النموذج الأوّل والأمثل لما سُمّي بعد ذلك بعلم الأُصول, وكانت هي المصداق الرئيسيّ الصحيح للقول: بأنَّ علم الأُصول في المذهب الإمامي أسبق من أقدم مصدر أُصولي لدى مفكّري علماء العامّة(3)، كما هو مسطور بكلِّ وضوح في مباحث هذا الكتاب(4).
وقد كان قادة الإسلام على مستوى إدراك هذه القضيّة, أعني: مرور المجتمع بظلام البعد عن التشريع حقبة طويلة من الزمن, كما كان هؤلاء القادة على مستوى إيفاء هذه الحاجة وسدّ هذه الثغرة، وإنقاذ الأُمّة من
ــــــــــــ[37]ــــــــــــ
(1) إشارة إلى قوله عليه السلام: >ولا ينقض اليقين بالشكَّ<. أُنظر الكافي (للكليني) 3: 353، باب السهو في الثلاث والأربع، مَن لا يحضره الفقيه 1: 61، ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه.
(2) راجع تهذيب الأحكام 1: 422، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات.
(3) راجع في هذا المجال ما ذكره فخر الشيعة الإماميّة والمرجع الأكبر السيّد حسن الصدر قدس سره في كتابه >الشيعة وفنون الإسلام<: 78، الفصل الخامس: في تقدّم الشيعة في علم أصول الفقه.
(4) أي: كتاب: >المدخل إلى أُصول الفقه الجعفري<.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الحيرة خلال تلك الفترة.
وقد كانت القواعد العامّة التي تلقي الضوء الكاشف عن الأحكام الشرعيّة إحدى الخطوات الرئيسيّة في هذا الطريق.
– 6 –
وابتدأ عصر البعد عن التشريع بزوال قادة الإسلام عن مسرح المجتمع, ودخلت البشريّة في هذا الظلام الرهيب الذي يحمل بين طيّاته نقاط ضعفه العصيبة والرئيسيّة, والتي يهمّنا منها ما يلي:
أوّلاً: تعذّر توجيه السؤال إلى أحد قادة الإسلام مباشرةً؛ لعدم توفّرهم بين الناس.
ثانياً: يتفرّع عن ذلك تعذّر الوصول إلى الحكم الواقعي الإسلامي، إلَّا ما كان موروثاً على مستوى اليقين, كضروريّات الدّين.
وهذا المقدار لا يكفي لسدِّ بعض الحاجة فضلاً عن استيعاب الجميع.
ثالثاً: تجدّد الحوادث والوقائع، ممّا لم يرد فيه نصٌّ واضح طبقاً لتعقّد الحياة جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر.
رابعاً: وجود التعارض بين مضامين السنّة المنقولة عن قادة الإسلام.
خامساً: وجود التعارض بين ظاهر القرآن الكريم، وعدد ما نقل في السنّة الشريفة.
سادساً: وجود المفاهيم المتعدّدة والمتعارضة للقرآن الكريم والتي يدعمها كلّ قوم بالشواهد والقرائن.
سابعاً: وجود اتجاهات معمّقة نسبيّاً مضرّة بأصل العقيدة تشكيكاً
ــــــــــــ[38]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ومناقشةً وطعناً.
ثامناً: وجود الخلافات المذهبيّة الإسلاميّة المعروفة.
تاسعاً: وجود اتّجاهات منحرفة للمستوى المعروف الظاهر من الشريعة، والتي تمثّل – في الأغلب – اتجاهات منحرفة في الفكر الإسلامي.
عاشراً: التشكيك التطبيقي الذي كان موجوداً مُنذ عصر التشريع، والذي يواجهه الفرد في عدد من وقائع حياته، كالشكِّ في دخول وقت الصلاة، كما سبق أن مثّلنا.
إلى غير ذلك من المصاعب التي لا ينبغي بأيِّ حالٍ أن تحول دون تطبيق المنهج الإسلامي في التربية والتكامل. فإنَّ أيّ شيءٍ في المجتمع أو في الكون لا ينبغي أن يحول دون هذه التربية، ودون وصول البشريّة إلى الكمال.
– 7 –
وكان لابُدَّ للعلماء من الوقوف بوجه كلِّ هذه النقاط الرهيبة، وملء كلّ الفراغات وسدّ الحاجات لكي يواكبوا خطّ التربية الإسلاميّة، وليطبّقوا طاعة الله سبحانه في الأرض. لكن من دون أن يستعملوا الهوى أو أن يحيدوا عن التقوى في وضع الحلول وسدّ الحاجات. وكانت هذه مهمّة عليا ورئيسيّة خرج منها علماؤنا منتصرين صامدين.
كيف سيعرفون الحكم بدون سؤال أحد قادة الإسلام؟
كيف سيعملون بالحكم في الوقائع المتجدّدة بدون نصٍّ واضح؟
وكيف سيفهمون الحكم في موارد التطبيقات المشكوكة؟
وكيف سيحلّون التعارض بين أشكال السنّة الواردة وبين ظاهر
ــــــــــــ[39]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الكتاب والسنّة؟
وكيف سيواجهون الحملات المضادّة من مختلف الجهات؟
وقد كانت القواعد العامّة المفهومة من الكتاب والسنّة، هي المنقذ الرئيسي في هذا الصراع, إنَّها تلك القواعد التي سبق أن سنّها قادة الإسلام لأجل هذا العصر الرهيب بالذّات؛ لتنقذ المجتمع وأفراده ممّا يعانيه من ظلام.
وعن هذا الطريق تصدّى علماؤنا بكلِّ جدٍّ ومثابرة لمواجهة الصعاب في التفسير والعقيدة والفقه والجدل المذهبي والاختلاف وغير ذلك من العلوم. واصطلحوا على تسمية القواعد العامّة التي تساعد على معرفة الأحكام الشرعيّة – بالخصوص- بـ(علم الأُصول) أو (علم أُصول الفقه)، انطلاقاً من أنَّ هذه القواعد تُعتبر أصلاً أو أساساً يمكن أن تُفهم منه الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة، التي تمثّل الفقه بمجموعه. إذن فكلّ قاعدة تعتبر أصلاً فقهيّاً نستنتج منه مجموعة ضخمة من الأحكام, ويكون مجموع القواعد (أُصولاً) للفقه بمجموعه بطبيعة الحال.
ومن هنا اكتسب علم الأُصول أهمّيّةً من جديد, أهمّيّته المضاعفة في عصر الظلام, واستمرّ خطّ التربية الإسلاميّة، لم ينقطع عن العطاء في عالم الحياة.
– 8 –
وقد كانت الفترة الأُولى في هذا العصر، وربّما لحقبةٍ غير قليلة(1)
ــــــــــــ[40]ــــــــــــ
(1) يبدأ بأوّل عصر الغيبة الصغرى ويبقى مستمرّاً إلى زمن ابن إدريس الحلي قدس سره، ولكنه لم يبقَ بعده طويلاً. (منه قدس سره).
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
متميّزة بكثرة ما ورد من نصوص السنّة الشريفة، متمثّلاً في المصادر الموروثة عن عصر التشريع، والتي تعدّ بالآلاف أو بعشرات الآلاف, بحيث كان الفرد لا يحتاج إلى عناءٍ شديد في الفحص عن دليل الحكم الشرعي الذي يحتاجه أو يحاول معرفته, بل الأمر أكثر من ذلك. فإنَّ الفرد ليستطيع أن يجد على الحكم الواحد عدداً وافراً من الروايات المرويّة في هذه المصادر. ومن هنا كان الاعتماد الرئيسيّ في معرفة الأحكام يومئذٍ على التواتر أو الاستفاضة في الأخبار، ولم يكونوا بحاجةٍ إلى استعمال الخبر الواحد أو التعمّق في القواعد العامّة لنيل الحكم الشرعي.
ومن هنا ظهر الاتجاه القائل بإلغاء الخبر الواحد عن إمكان الاستدلال به على الحكم الشرعي أساساً. ولماذا الاستدلال بهذا الشكل الظنّي، مع إمكان الاعتماد على اليقين القطعي في الحكم، ذلك اليقين المستفاد من الاستفاضة والتواتر.
وأهمّ مَن أبرز هذا الرأي من علماء الحقبة التي وصلنا إليها السيّد المرتضى قدس سره(1) والشيخ بن إدريس الحلّي قدس سره(2). ويظهر من كلام السيّد المرتضى أنَّ هذا الاتّجاه كان هو المشهور بين العلماء(3)، ولعلّه المتسالم
ــــــــــــ[41]ــــــــــــ
(1) أُنظر: رسائل الشريف المرتضى 1: 21 وما بعدها، الكلام في حجّيّة الواحد وعدمه.
(2) أُنظر: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 1: 46، مقدّمة المؤلّف.
(3) راجع رسائل الشريف المرتضى 1: 21 وما بعدها، الكلام في حجّيّة خبر الواحد وعدمه.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
على صحّته يومئذٍ.
وهذا هو الذي يفسّر ضعف التوجّه إلى علم الأُصول وقلّة التأليف فيه، وقلّة التدقيق في الروايات الدالّة على القواعد العامّة.
وهذا هو الذي يفسّر لنا ما قاله علماؤنا الأخباريّون المتأخّرون: من أنَّ علماءنا المتقدّمين – أعني: في الفترة التي نتحدّث عنها- كانوا أخباريّين ولم يكونوا أُصوليّين(1). غير أنَّ موقفهم هو الذي عرفناه من عدم الحاجة الماسّة إلى الدخول في تفاصيل هذا العلم. وليس موقفهم هو الاتّجاه الأخباري في رفضه أو الظفر فيه؛ بدليل وجود المؤلّفات العديدة فيه من قبل تلك الفترة، كالشيخ الطوسي قدس سره والسيّد المرتضى قدس سره نفسه، وقد أخرجوا في موسوعاتهم كالكافي والتهذيب، تلك الروايات الحاملة للقواعد العامّة الأُصوليّة.
لقد كان هذا العصر من هذه الجهة مشابهاً لعصر التشريع، فكما كان عصر التشريع قليل الاعتماد على القواعد – لوضوح الأحكام الشرعية وضوحاً حسيّاً ناتجاً عن إمكان السؤال المباشر من قادة الإسلام أنفسهم – فكذلك يقلّ اعتماد هذا العصر الذي وصلنا إليه على القواعد العامّة؛ باعتبار وضوح الأحكام وضوحاً حسيّاً عن طريق الاستفاضة والتواتر بالأخبار.
ــــــــــــ[42]ــــــــــــ
(1) راجع تفصيل ذلك: في الفوائد المدنيّة: 70، ترجمة صاحب الفوائد، والحدائق الناظرة 1: 169، المقدمة الثانية عشر: في نبذ أحوال المجتهدين والأخباريّين.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وهذا هو أحد الفروق الرئيسيّة بين هذا العصر والعصر الذي سوف يليه في علوم الأُمّة عامّة وعلم الأُصول خاصّة.
– 9 –
ومرّت الأُمّة بعصور الانحلال والضياع الاجتماعي، عصور هجمات التتار والمغول ثُمَّ الحروب الصليبيّة، حيث استهدفت الهجمات الفاجرة فيما استهدفته، الاعتداء على التراث الإسلامي المقدّس المتمثّل في مصادر التأريخ والحديث والعقائد وغيرها. فقد تَمَّ في تلك الحقبة إحراق وإتلاف العديد من المكتبات العامرة الحاشدة بمئات الآلاف من الكتب. وبذلك ضاعت عشرات الآلاف من الحقائق في التفسير والحديث والتأريخ وسائر المعارف, وانطمرت أسماء المئات من الرجال والرواة والمؤلّفين وأهل الفكر والأدب وأهل السيف والقلم. ودخلت الأُمّة في عصر بعيد عن عصر التشريع بعداً معمّقاً وحقيقيّاً.
وبذلك تأكّدت نقاط الضعف لعصر الظلام، بل قد أُضيفت إليها نقاط جديدة, أهمّها – فيما نبغي [الإشارة إليه]- تلف التراث السابق, ومن ثمَّ انقطاع ما كان يحسّ به العلماء السابقون من إمكان تحصيل الاستفاضة والتواتر عند الاستدلال على حكمٍ من الأحكام.
وبذلك ارتفعت أهمّيّة القواعد العامّة، أو قل علم الأُصول ارتفاعاً عالياً؛ لأنَّه أصبح حاملاً للثقل الأكبر من الأدلّة على مجموع الأحكام الشرعيّة.
ولعلَّ أقدم وأعمق من التَفَت إلى ذلك من علماء تلك الفترة (المحقّق
ــــــــــــ[43]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الحلّي) صاحب (المعتبر) و(شرائع الإسلام) وغيرهما, حيث كتب في علم الأُصول، وطبّقه في الفقه بشكلٍ تفصيليٍّ معمّق. وتبعه على ذلك العلّامة الحلّي ابن المطهّر, حيث كتب في علم الأُصول أكثر من كتاب، وكان كتابه (القواعد) وغيره خير دليلٍ على عمق استعمال القواعد العامّة في استكناه الأحكام الشرعيّة. ومشى خطّ علمائنا على هذا الطريق, وتكثّرت المؤلّفات في علم الأُصول، وتعمّق الشعور بأهمّيّته. وكان هذا هو الأُسلوب العامّ فترة من الزمن.
– 10 –
ثُمَّ وجد طريقان متعاكسان، يبدو أنَّهما ناتجان عن قناعة أحدهما بوفرة الأخبار الواردة عن قادة الإسلام، وقناعة الآخر بشحّتها:
الطريق الأوّل: هو الطريق الذي شعر علماؤه ومفكّروه بوفرة الأخبار وكثرتها بشكلٍ يُغني عن الاعتماد على القواعد العامّة. وذلك بعد أن تبرهن لديهم صحّة كلّ ما جاء في الأُصول الأربعمائة والكتب الأربعة من الأخبار(1).
ــــــــــــ[44]ــــــــــــ
(1) منهم المحدّث الاسترآبادي كما ذكر في (الفوائد المدنيّة): 371، الفصل التاسع: في تصحيح أحاديث كتبنا. وقد ذكر اثني عشر وجهاً في الاستدلال على صحّة أحاديث الكتب الأربعة. ومنهم أيضاً الحرّ العاملي كما ذكر في (وسائل الشيعة) 30: 191، وما بعدها، الفائدة السادسة: في ذكر شهادة جمع كثير من علمائنا بصحّة الكتب المذكورة وأمثالها….
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وهذا الاتجاه هو الذي سُمّي بـ(الأخباري)؛ لاعتماده في معرفة الأحكام الشرعيّة على الأخبار دون القواعد العامّة.
وبذلك أصبح موقفهم مشابهاً من هذه الناحية لعلماء الفترة الأُولى الذين كانوا يشعرون بتوفّر الأخبار وعدم الحاجة إلى الاعتماد على القواعد.
غير أنَّ أُولئك كانوا مصيبين في اتّجاههم؛ لأنَّ عصرهم كان يناسب ذلك بالضرورة؛ لأنَّهم عاشوا عصر توفّر المصادر الحديثيّة والتاريخيّة قبل حملات المهاجمين، وإحراق المكتبات. ولكن هؤلاء – أعني: الأخباريّين- أصبحوا على خطأٍ؛ لأنَّ المكتبات كانت قد أُتلفت والتراث قد ضاع عن الاستدلال على الأحكام الشرعيّة, لم يبقَ أيّ طريقٍ كافٍ للاستدلال عليها إلاَ الأخبار الضعيفة والدلالات البعيدة.
ولعلّ الأفضل لو كانوا قد أدركوا:
أوّلاً: أنَّ القواعد العامّة الأُصوليّة ليست من بنات أفكار العلماء، وليست غريبة على الشريعة المقدّسة الغرّاء، بل هي منها بالصميم؛ بدليل ورودها في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة. وقد أسّسها قادة الإسلام أنفسهم من أجل تطبيقها في مثل هذا العصر المظلم؛ لتكون هي المنقذ الرئيسيّ من الجهل والحيرة، والدليل الرئيسيّ على معرفة الأحكام الشرعيّة.
ثانياً: أنَّ الحكم بصحّة كلِّ ما ورد في الكتب الأربعة، حكم يحتاج إلى الدليل. فإنَّ وثاقة المؤلّفين- وهي أمر واضح وأكيد- لا يعني صحّة كلّ ما أوردوه في كتبهم، بل يبقى كلّ خبرٍ قابلاً للمناقشة من حيث رواته الآخرين، ومن حيث مدى دلالة كلماته على الحكم الشرعي المطلوب.
ــــــــــــ[45]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وإنَّما سجّل هؤلاء المؤلّفون هذه المجموعة من الأخبار حفظاً لها عن الضياع، وتسليماً لها بأيدي الأجيال المقبلة، على أن يكون بيد تلك الأجيال حقّ التمحيص والتمييز, لا على أن يشهد المؤلّف بصحّة كلّ ما أورده من الأخبار في كتابه.
الطريق الثاني: وهو – على ما يبدو- ناشئٌ من الشعور الوجداني بقلّة الأخبار التي يمكن الاستدلال بها على الأحكام الشرعيّة، بعد أن أصبح تحصيل الاستفاضة والتواتر على الحكم الشرعي متعذّراً، وكان الخبر الواحد الصحيح قليل الوجود بين الأخبار. وليست أخبار الكتب الأربعة – فضلاً عن سائر المصادر- ممّا يمكن أخذه بشكلٍ مسلّم الصحّة وبدون مناقشة. إذن فلم يبقَ من الأخبار الدالّة على الحكم الشرعي بشكلٍ صحيح وأكيد إلا النزر القليل.
ومن هنا تضاعفت أهمّيّة القواعد العامّة وأهمّيّة علم الأُصول، ممّا حدا بهؤلاء إلى التدقيق فيه أكثر وأكثر. أليس هو دليلهم الرئيسيّ ومفزعهم الأخير في معرفة أحكام الإسلام؟ الأمر الذي سبّب في أذهان هؤلاء إلى إدخال المطالب الفلسفيّة والمنطقيّة في علم الأُصول.
أليست الفلسفة هي أعمق العلوم وأحراها بإدراك الحقائق؟
إذن فالحريّ بنا أن نفهم علم الأُصول فهماً فلسفيّاً؛ لعلّنا ننال منه حقائق الأحكام الشرعيّة في عصر الضياع والظلام، وبذلك أصبح علم الأُصول فصلاً من فصول الفلسفة أو كاد.
وهذا هو الاتّجاه الذي مشى عليه الأُصول حقبة طويلة من
ــــــــــــ[46]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الزمن(1)، بحيث كان يصعب التخلّص من هذا الاتجاه، فكان اللاحقون يبنون على مسلك السابقين، وكأنَّ المفارق لهذا الاتّجاه كان يتكلّم عن علم آخر غير علم الأُصول.
– 11 –
وبالرغم من أنَّ أهمّيّة علم الأُصول لم تضعف، بل ازدادت وضوحاً ورسوخاً، كيف وإنَّ الزمن يزداد بعداً عن عصر التشريع، والوقائع الجديدة تتواتر وتتكاثر، والحاجة إلى القواعد العامّة تزداد تدريجاً في استكناه الأحكام الشرعيّة؛ غير أنَّ المفكّرين المتأخّرين، أصبحوا يدركون الخطأ في تحويل علم الأُصول إلى فلسفة, كيف وأنَّ الكتاب والسنّة والقواعد العامّة كلّها ألفاظ لغويّة ينبغي أن تُفهم فهماً عقلائيّاً لا فهماً عقليّاً دقيّاً. ومن هنا أصبح الاتّجاه المتأخّر هو الفهم الأُصولي الناتج عن الفهم العرفي والسيرة العقلائيّة مع محاولة الابتعاد عن العقليّة الفلسفيّة.
ولم يكن هذا الاتّجاه الأُصولي الجديد بمقتض لضحالة هذا العلم أو ضيق مباحثه، بل بقي على سعته وعمقه وشموله، كلّ ما في الأمر أنَّه قد انسحبت منه النظريّات الفلسفيّة لفهم الكون والحياة، وأُبدلت بنظريات ناتجة عن فهم الكتاب والسنّة فهماً عرفيّاً لغويّاً طبيعيّاً.
ــــــــــــ[47]ــــــــــــ
(1) ليس لهذه الفترة مبدأ ومنتهى حدّيان؛ باعتبار نسبيّة التطوّر الفكري الأُصولي. لكنّها على العموم تبدأ بعد الوحيد البهبهاني قدس سره وتنتهي بحوالي عصر الشيخ الأنصاري قدس سره كما سيأتي (منه قدس سره).
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وبالرغم من أنَّ هذا الاتّجاه – أعني: التقليص من الفلسفة- أصبح واضحاً في رسائل الشيخ الأنصاري قدس سره وكفاية الآخوند الخراساني قدس سره, إلا أنَّ أوضح مَن ظهر ذلك على يديه اثنان من طلاب الآخوند, هما: الشيخ ضياء الدين العراقي في (مقالاته), والشيخ محمد حسين النائيني في (فوائد الأُصول).
ولا زال هذا الاتجاه هو الساري المفعول بين أكثر العلماء إلى العصر الحاضر, وهو لا يمثّل – إلى حدِّ الآن- حقبة طويلة من الدهر، بل لا يكاد يزيد على الخمسين عاماً إلا قليلاً.
وقد يستثنى من ذلك المنهج الذي سلكه سيّدنا الأُستاذ آية الله الصدر في علم الأُصول، حيث طبّق نظريّات حساب الاحتمالات التي أسّسها في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) على علم الأُصول. فكان بذلك مشابهاً لاتخاذ المنحى الفلسفي في علم الأُصول، في المنهج الأُصولي الأسبق. غير أنَّ فروقاً كبيرة تبقى بين ذلك المنحى الفلسفي وبين ما انتجه سيّدنا الأُستاذ في هذا العلم. ويمكننا أن نلّخص أهمَّ الفروق فيما يلي:
أوّلاً: أنَّ النظريات الفلسفيّة حين طُبّقت على علم الأُصول استوعبت جميع أبحاثه؛ لأنَّ المفكّر الأُصولي يفكّر بروحٍ فلسفيّةٍ وباستمرار. فلا تكاد تقع في علم الأُصول على بحثٍ خالٍ من الفلسفة أو التطبيقات الفلسفيّة.
على حين أنَّ نظريّات حساب الاحتمالات لم تستوعب كلّ أبحاث علم الأُصول، بل لها أبوابها الخاصّة التي يصحّ تطبيقها فيها؛ بينما تبقى الأبواب الأُخرى على ذمّة أشكالٍ أُخرى من الاستدلال, وسوف لن تكون
ــــــــــــ[48]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الأبواب التي تستعمل فيها هذه النظريّات ممثّلة لأغلب علم الأُصول فضلاً عن مجموعه.
ثانياً: أنَّ النظريّات الفلسفيّة حين طُبّقت على علم الأُصول أخرجته تماماً عن طريقه الطبيعي الساذج الذي بناه المحقّق الحلّي قدس سره والعلّامة الحلّي قدس سره، وأصبح ألغازاً عقليّة، شأنه في صعوبة الفهم وعسر الهضم شأن جملة من مباحث الفلسفة المعقّدة والمعمّقة.
على حين وجد سيّدنا الأُستاذ(1) علم الأُصول وقد عاد إلى سالف طبعه واتّخذ الشكل العرفي الطبيعي، فلم يخرج به عن هذا المنحى حتّى تطبيقات حساب الاحتمالات، فضلاً عمّا سواها من الأبحاث. فنراه في علم الأُصول يقتصر على النتائج الوجدانيّة الواضحة لحساب الاحتمالات, متجنّباً الدخول في التعقيدات البرهانيّة عليها؛ باعتبار توفّرها في مصدرٍ آخر, هو كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء).
إلى فروق أُخرى لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
وإلى هنا تمّت لدينا صورة مصغّرة عن تأريخ علم الأُصول، الذي يشارك في بناء الفقه، المشارك بدوره في التربية الإسلاميّة التي تدفع بالبشريّة إلى مدارج الكمال.
– 12 –
وبهذا السير في تأريخ علم الأُصول تنتج عندنا أكثر من ثمرة:
ــــــــــــ[49]ــــــــــــ
(1) أي: آية العظمى السيّد الشهيد المحقّق محمد باقر الصدر قدس سره.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الثمرة الأُولى: صحّة ما قلناه في الفقرة الأُولى من هذا البحث, وهو لا صحّة للفكرة المتأخّرة القائلة بخطأ التوسّع والتعمّق في مطالب علم الأُصول؛ لوضوح أنَّ التوسّع والتعمّق كلّما كان أكثر كانت معرفة الأحكام الشرعيّة -أو قل الاطّلاع على الفقه الإسلامي- أقرب وأسرع, في عصر ازداد فيه البعد عن عصر التشريع، ويزداد فيه تعقّد الحياة باستمرار. وبهذا التوسّع والتعمّق يستطيع علم الأُصول، ومن ثمَّ علم الفقه أن يقول: (ما من واقعة إلا ولها حكم), تماماً كما كانت الشريعة الواقعيّة التي جرّبها النبي(ص) تستطيع أن تقول. وبه تستطيع التربية الإسلاميّة للفرد والمجتمع أن تشقّ طريقها في تيّار الظلام وغمار المصاعب والشبهات، وتستطيع أن تسير بالفرد والمجتمع نحو كماله المنشود، تماماً كما كانت الشريعة الواقعيّة تستطيع أن تسير.
الثمرة الثانية: أنَّه لعلنا نستطيع أن نفهم كتاب هذا الأخ الجليل والعلّامة المفضال، الذي نقدّم له على ضوء هذا البحث الموجز، فإنَّه والحقّ يُقال، قد أتعب نفسه بصدقٍ وإخلاص في التعمّق والتدقيق لإطلاع القارئ على صورةٍ واضحةٍ وصحيحةٍ عن تاريخ علم الأُصول، خالية عن مصاعب المصطلحات وعن شوائب الانحراف، وقد أجاد في ذلك وأفاد. وقد أحرزت ذلك بالمباشرة بعد أن أحسن الأخ العلّامة الشيخ يوسف محمد عمرو بيّ الظنّ فأطلعني على مخطوطته, وهو يجد أنَّ في اطلاعي عليها بعض الفائدة.
وقديماً قيل: وعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة.
ــــــــــــ[50]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فوجدته الصورة الصحيحة الواضحة لتأريخ علم الأُصول.
غير أنَّه كتابٌ واسعٌ متعدّد الأبواب والجهات، ولا يخلو في بعض فصوله من استطرادات ذات أهمّيّة، ممّا يجعل القارئ غارقاً في خضمِّ الهموم الدينيّة والاجتماعيّة قبل الحصول على تاريخ علم الأُصول, الأمر الذي يجعل القارئ محتاجاً إلى خلاصةٍ مجملة توصله إلى هذا التأريخ بسرعة وإيجاز.
وأرجو من الله سبحانه أن يكون هذا البحث صالحاً لأن يكون هو تلك الخلاصة المجملة المطلوبة.
كما أرجو منه وهو الرحيم الكريم أن يمدّ الإسلام والمسلمين بنصره وتأييده وتسديده، إنَّه وليّ كلّ توفيق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
النجف الأشرف
28/رجب/1398هـ
محمّد الصدر
ــــــــــــ[51]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ــــــــــــ[52]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
تعريف علم الأصول
ــــــــــــ[53]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
تمهيد [تعريف علم الأصول]
لابدَّ لنا في أوّل كلامنا هذا من المرور على تعريف علم الأُصول لكي نكون على بيّنةٍ من أمرنا فيما قصدناه من موضوع الكلام؛ لأنَّ موضوعه ليس إلا علم الأُصول، فما هو هذا العلم؟
وإنَّ أدلَّ دليلٍ على معرفته هو تعريفه إذا كان جامعاً للشرائط فاقداً للموانع، ومن هنا احتجنا إليه.
وقد عُرّف علم الأُصول بعدّة تعاريف لابدَّ لنا من استعراضها وتمحيصها.
التعريف الأوّل : وهو المنسوب إلى المشهور
الظاهر أنَّه هو مشهور الأُصوليّين المتقدّمين والمتوسّطين دون المتأخّرين:
[التعريف]: إنَّ علم الأُصول هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي، أو لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة(1).
وكلتا العبارتين متشابهة المحصّل، على كلامٍ يأتي.
ــــــــــــ[55]ــــــــــــ
(1) انظر: قوانين الأُصول:5، المقدّمة في تعريف أُصول الفقه، هداية المسترشدين1: 97، تعريف أُصول الفقه، والفصول الغروية في الأُصول الفقهيّة:9، تعريف أُصول الفقه، وفرائد الأُصول 3: 18، الإشكال في كون الاستصحاب من المسائل الفرعيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التعمّق في فهم تعريف المشهور
وإذا أردنا التعمّق في فهم هذا التعريف، فلابدَّ لنا من ملاحظته فقرة فقرة.
فقد أُخذ أوّلاً: عنوان العلم. وهذا اللفظ وإن كان له عدّة محتملات في معناه، إلّاَ أنَّ ما يفيدنا فوراً أمران:
أوّلاً: العلم مقابل الظّن, بمعنى: حصول اليقين بالقواعد المشار إليها في التعريف.
ثانياً: العلم، وهو: الفنّ المبوّب, كعلم النحو والفقه والفيزياء والكيمياء وغيرها، بصفته صورة لفظيّة عن واقع تلك العلوم.
وكلا الأمرين لا يناسبان هذا التعريف.
أمّا الأمر الأوّل وهو اليقين, فهو وإن كان يناسبه استعمال الباء فيه في قولهم: العلم بالقواعد، غير أنَّه من المعلوم أنَّ اليقين لا يحصل في كثيرٍ من الموارد بالنتيجة، بل يبقى الأمرُ على مستوى الظّن الرّاجح، مع وجود احتمالات الخلاف.
فإن قيل: فإنَّنا يمكن أن نقصد بالعلم ما يعمّ الطريق المعتبر, أو ما يسمّى بالعلم والعلمي، فتكون النتيجة معلومة الصّحة على أيّ حال. ومن هنا قيل: ظنيّة الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم(1).
ــــــــــــ[56]ــــــــــــ
(1) أُنظر: قوانين الأصول:9، المقدّمة في تعريف أُصول الفقه، مستند الشيعة (للنراقي) 17: 21، ورود الإذن من الحجج عليهم السلام، وإثنا عشر رسالة (للداماد)4: 24، ظنيّة الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم، وفرائد الأُصول1: 112، وجوه الطريقيّة، كفاية الأُصول: هامش ص405، استصحاب الكلّي القسم الثالث، وانظر أيضاً: جواهر الكلام40: 23، اشتراط إذن الإمام في ثبوت الولاية.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
قلنا: إنَّ هذا غير مفهومٍ من لفظ العلم المأخوذ في التعريف، بل المتبادر منه حصول اليقين القاطع به, وهو ما لا يحصل غالباً، والاقتصار على موارد حصوله اقتصار على الموارد الأقلّ.
فإن قيل: إنَّ العلم وإن لم يحصل في النتيجة، إلّاَ أنَّه يحصل في المقدّمات. والكلام في التعريف ليس عن النتيجة التي هي الحكم الشرعي، بل عن المقدّمات, وهي القواعد الممهّدة لاستنباطه.
قلنا: لا يفرّق في ذلك – كما هو غير خفيٍ على مَن مارس علمي الفقه والأُصول- فإنَّ القواعد نفسها أيضاً مأخوذة في الأعمّ الأغلب عن طريق الدليل العلمي وليس عن طريق العلم.
فإن قيل: فإنَّ الدليل على هذه القواعد يقينيّ وهذا يكفي.
قلنا: يرد عليه:
أوّلاً: إنكار يقينيّة الدليل, إلاَ بحسب نتيجته التي هي العلم بفراغ الذمّة، وإلّاَ فإن لاحظنا الدليل نفسه والقواعد الناتجة منه لم نجد العلم متعلّقاً بها.
ثانياً: أنَّه يلزم منه صرف تعلّق العلم من القواعد -كما هو ظاهر التعريف- إلى الدليل القائم عليها, وهو ممّا لا يناسب سياق التعريف.
هذا إذا أردنا بالعلم المعنى الأوّل(1) وهو اليقين.
ــــــــــــ[57]ــــــــــــ
(1) أي: الأمر الأوّل.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
أمّا إذا أردنا به المعنى الثاني(1) وهو الفنّ المبوّب، كان وجهه أنَّ علم الأُصول أيضاً كسائر العلوم فنّ مبوّب, إلاَ أنَّه ينافي أخذ الباء في التعريف في قولهم: العلم بالقواعد؛ إذ لا مجال لها هنا عرفاً. بل إمّا أن يقال: علم القواعد, وإمّا أن يحذف لفظ العلم ويقال: علم الأُصول هو القواعد الممهّدة … الخ، وكلاهما لم يقل بهما المشهور.
فإن قيل: إنَّنا يمكن أن نقصد من العلم المأخوذ في التعريف كلا معنيي العلم: اليقين والعلم المبوّب، فيرتفع الإشكال؛ لأنَّ استعمال الباء يكون صحيحاً من حيث أخذ العلم بمعنى اليقين في التعريف.
قلنا: إنَّ المستشكل إمّا أن يريد من ذلك عنوان أحدهما أو عنوان كليهما.
أمّا الأوّل فهو عين الإشكال من حيث بقاء الترديد بين الأمرين وعدم وضوح الرؤية, فيكون بمنزلة الفرد المردّد.
وأمّا الثاني فيرد عليه أمران:
الأوّل: أنَّه كما يكون جامعاً لشرائط كلا الأمرين، يكون مورداً للإشكالات التي ذكرناها على كلا العنوانين.
والثاني: أنَّ المطلوب الرئيسيّ لهذا الاقتراح لا يحصل, وهو صحّة دخول الباء؛ فإنَّه يبقى غير مناسب ما لم يتمحّض معنى العلم باليقين, وهو خلاف مفروض المستشكل.
ــــــــــــ[58]ــــــــــــ
(1) أي: الأمر الثاني.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثُمَّ يقال في التعريف: بالقواعد, يعني: العلم بالقواعد الممهّدة. والقاعدة من كلِّ شيءٍ أسفله القويّ.
ومنه قوله تعالى: {الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ}(1)، يعني: أُسسه التي يقوى بها البناء(2). ومنه سمّيت القواعد العلميّة بذلك باعتبارها الأُسس القويّة التي يقوم عليها التفكير في أيِّ علم.
والقواعد في علم الأُصول هي الكبريات التي يمكن أن تنتج معرفة الحكم الشرعي بما يسمّى بعمليّة الاستنباط, وسيأتي بعض الكلام في ذلك.
وللقواعد العلميّة أو العقليّة نحوان من الثبوت:
النحو الأوّل: القواعد بشكلها الاثباتي المعروف، يعني: للمطّلعين على العلم الخاصّ بها أو المجال المختصّ.
النحو الثاني: الوجود الثبوتي أو الواقعي للقواعد، وهذا الوجود غير متوقّف على العلم, وإنَّما هو ثابت, سواء وجد له مدرك أم لا.
فإذا علمنا أنَّه لا فرق في هذا الوجود بين القواعد التكوينيّة والقواعد التشريعيّة، كلّ بحسبه من الوجود الواقعي، أمكن القول: بأنَّ جميع القواعد لا تتوقّف ثبوتاً على العلم, بل هي موجودة ومؤثّرة, سواء علم بها الناس أم لم يعلموا.
ــــــــــــ[59]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 127.
(2) أُنظر: كتاب العين1: 143، باب الثلاثي الصحيح، مادّة (قعد)، معجم مقاييس اللّغة 5: 109، كتاب القاف، مادّة (قعد)، لسان العرب3: 361، فصل القاف، مادّة (قعد).
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ومن هنا نستطيع أن نتصوّر لكلِّ علمٍ ثبوتاً واقعيّاً سابقاً رتبة على إدراك المدركين بما في ذلك العلوم الشرعيّة، كالفقه والأُصول. فإنَّ الفقه عبارة عن الأحكام الواقعيّة الثابتة في اللوح المحفوظ. والأُصول عبارة عن القواعد التي نتجت منها تلك الأحكام في العلم الإلهي في عالم المحو والإثبات.
ومن هنا لا يقال: إنَّ الأحكام الثبوتيّة الواقعيّة ثابتة في الرتبة السابقة على القواعد، وهي غير مستنتجة منها.
فإنَّه يقال: إنَّ ذلك في مرحلة العلم الإلهي الأزلي.
وأمّا في عالم المحو والإثبات، فلا بعُد في كونها ناتجة عنها ومتفرّعة عليها, ونسبتها إليها نسبة العلّة أو المقتضي إلى المعلول؛ لأنَّ هذا العالم عالم متغيّر قابل للاستنتاج.
ولعلّه لهذا أشار التعريف إلى العلم بالقواعد، يعني: تلك الثابتة في المرتبة السابقة على العلم. إلاَ أنَّ مرادنا: أنَّ ذاك الوجود السابق يكفي في تصوّر الوجود الواقعي للعلم المصطلح، ولا حاجة إلى تحصيل العلم به أو تحصيل صور ذهنيّة عنه كما هو ظاهر التعريف، وإنَّما لابدَّ لنا من معرفته إثباتاً مقدّمة لإيجاد الطّاعة المطلوبة؛ لأنَّ القواعد بوجودها الواقعي لا تنفع إثباتاً في الاستنتاج.
ومعه يمكن القول: إنَّ هذه الصورة المكتوبة أو تلك من العلوم, بما فيها علم الأُصول، إنَّما هي النسخة الاثباتيّة للقواعد الثبوتيّة، وليست هي الوجود الرئيسيّ للقواعد أو للعلم المصطلح. كما يمكن القول: بأنَّه كما تَمَّ
ــــــــــــ[60]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
البرهان على أنَّ العوالم الرئيسيّة الملحوظة عادةً ثلاثة: عالم الخارج وعالم الذهن وعالم الواقع, فإنَّ لأيِّ علمٍ وجود حقيقي في كلِّ هذه العوالم. أمّا وجوده الخارج فبالكتابة والصوت، وأمّا وجوده الذهني فبالإدراك، وأمّا وجوده الواقعي فهو عالم الثبوت أو نفس الأمر، كما اصطلحوا عليه.
ومن كلِّ ما قلناه يمكن المناقشة في القيد الآخر المأخوذ في التعريف، وهو (الممهّدة) بصيغة المفعول، ويراد بها التأسيس والإيجاد بعد أن لم تكن.
وفي حدود ما سطّرناه: أنَّ الوجودات الثلاثة السابقة كلّها لا تحتاج إلى تمهيدٍ ولا إيجاد، بل هي موجودة في المرتبة السابقة على فعل أيّ فاعل. أمّا عالم الواقع فواضح. وأمّا عالم الذهن فباعتبار أنَّه إنَّما يكون صادقاً بمقدار ما هو مطابق للواقع، فهو صورة عنه وليس فيها استنتاج، ومثله الوجود الخارجي الكتبي أو الصوتي.
وإنَّما تبدأ الحاجة إلى الاستنتاج وتمهيد القواعد في طول الضعف عن الاطّلاع على الواقع والشكِّ في محتوياته ومداليله، وهو أمر آخر خارج عن حقيقة العلم.
مضافاً إلى إمكان مناقشات أُخرى يمكن توجيهها:
منها: أنَّ العلم المصطلح إذا كان هو القواعد أو العلم بها، إذن فتمهيدها وإيجادها أو الاستدلال على صحّتها سوف يكون خارجاً عن العلم.
وبتعبير آخر: إنَّ عللها ومعلولاتها معاً تكون خارجة, وهذا بظاهره ممّا يلتزم به المشهور؛ لأنَّ علل هذه القواعد هي المقدّمات التصوريّة أو
ــــــــــــ[61]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التصديقيّة للعلم وليست من العلم نفسه، كما أنَّ معلولات هذه القواعد هي الأحكام الشرعيّة، يعني: علم الفقه وليس الأُصول.
غير أنَّ كلا الأمرين قابل للمناقشة:
أمّا من جهة العلل، فباعتبار وضوح أنَّ التأليف الاستدلالي في علم الأُصول كهذا الكتاب وكتب كثيرة غيره، لا شكَّ في صدق حمل علم الأُصول عليه بالحمل الشايع جزماً، عرفاً واصطلاحاً لدى سائر المؤلّفين. فإذا كان الاستدلال على القواعد خارجاً عن العلم أصبحت هذه التأليفات لا تحتوي على شيءٍ من علم الأُصول إلَّا قليلاً جدّاً، فتأمّل.
وأمّا من جهة المعلولات، فالأمر وإن كان كذلك غالباً؛ إلّاَ أنَّ عدداً من نتائج قواعد علم الأُصول تستعمل في استدلالات علم الأُصول نفسه, كحجّيّة الظواهر التي تستعمل لفهم أخبار حجّيّة خبر الواحد, أو حجّيّة السيرة التي تستعمل لاعتبار هذا الخبر. فهل نكون قد استعملنا الاستدلالات الفقهيّة لاستنتاج القواعد الأُصوليّة؟
ومن جملة المناقشات الواردة على هذه الفقرة من التعريف:- أعني: (الممهّدة)- أنَّ الملتزم بالتعريف لم يهتمّ بتعيين الفاعل الذي تَمَّ له تمهيد هذه القواعد.
فإن قلت: إنَّه لا محالة هو الشارع الإسلامي المقدّس.
قلنا: هذا صحيح في الجملة, إلاَ أنَّه من المعلوم للممارس أنَّه ليس السبب المنحصر في إيجاد تلك القواعد، بل يضمّ إليه أُمور أُخرى كالعقل بقسميه, والعقلاء والإجماع أحياناً. إذن فالتمهيد لم يصدر من مصدر واحد
ــــــــــــ[62]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
لكي يُؤخذ مسلّم الصحّة.
فإن قلت: فإنَّ كلّ تلك الأدلّة راجعة إلى حكم الشارع المقدّس.
قلنا: كلّا, فإنَّ العقل بقسميه: العملي والنظري ثابت في المرتبة السابقة عليه, فلئن صدق ذلك في مثل السيرة والإجماع فهو لا يصدق في العقل.
والمشهور قراءة (الممهّدة) بصيغة المفعول.
وأمّا قراءتها بصيغة الفاعل, فيكون الأمر بها أسوأ؛ لأنَّ القواعد تكون ممهّدة بواسطة علّة أُخرى لاستنباط الحكم الشرعي, ولا تكون العلّيّة مباشرة بينهما، وهو خلاف المقصود وخلاف الصحيح أيضاً.
وأمّا قوله في التعريف (لاستنباط) فنبدأ باللام أوّلاً: الذي يكون مع مدخوله جارّاً ومجروراً، فأين يمكن أن يكون متعلّقاً ؟ له أحد احتمالين:
أوّلاً: أنَّ متعلّقه هو اسم المفعول الذي قبله، وهو (الممهّدة) كما هو ظاهر اللفظ.
ثانياً: أنَّ متعلّقه القواعد؛ باعتبار أنَّها هي التي تقع في الاستنباط لا التمهيد لها.
وحيث كان ظاهر اللفظ هو تعلّق الجار والمجرور باسم المفعول، فيكون التعبير مجازيّاً في أن يكون التمهيد تمهيداً لاستنباط الحكم الشرعي؛ بل هو تمهيد للقواعد، والقواعد منتجة للحكم الشرعي.
إذن فالتمهيد للحكم الشرعي مجازٌ وليس بحقيقة.
فإن قلت: إنَّ الممهّد هو القواعد بنصِّ التعريف وليس غيرها.
ــــــــــــ[63]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
قلنا: نعم، إلاَ أنَّ التعريف ينصُّ على أنَّ تمهيدها لأجل الاستنباط وليست القواعد نفسها. فقد نسب الفعل إلى غير ما هو له، وهو معنى المجاز، وهذا يكون واضحاً إذا التفتنا إلى عدم إمكان عود الجار والمجرور إلى القواعد؛ لبعده اللفظي أوّلاً، ولعدم كونه مشتقّاً ثانياً.
وأمّا مادّة الاستنباط: فأصلها وحقيقتها إخراج الماء الباطني من الأرض. ومن الواضح أنَّ (استنبط) في حروفها عكس (استبطن)، يعني: وصل إلى الباطن، والتعاكس قد يؤثّر في الاستعمالات اللغويّة.
وهو اصطلاحاً: استخراج واستنتاج التفاصيل والصغريات من القواعد العامّة، ومن ذلك استنتاج الحكم الشرعي من القواعد العامّة التي تخصّه.
ونحن إذا نظرنا إلى وضع الاستعارات في هذا التعريف وجدناها لا تخلو من تهافتٍ أو تنافر، وهي لفظ (القواعد) و(الممهّدة) و(الاستنباط)، الأمر الذي يحدونا إلى الاعتقاد بأنَّ هذه الألفاظ استعملت في التعريف بشكلٍ اصطلاحيٍّ خالصٍ غير مربوطٍ باللغة إطلاقاً؛ وإلّاَ لأمكن أن يقال بدل الاستنباط: استنتاج أو استخراج(1) أو معرفة أو علم، أو ما يؤدّي مؤدّاه. وعدم متابعة الوضع اللغوي أوقعهم في التهافتات الذوقيّة التالية:
أوّلاً: التهافت بين القواعد والممهّدة، فإنَّ القواعد هي الأُسس القويّة للبناء، والتمهيد هو تسطيح الأرض لسهولة المشي عليها؛ ليكون الكون
ــــــــــــ[64]ــــــــــــ
(1) راجع كتاب العين:7 439، باب الطاء والنون والباء معهم، مادّة (نبط) لسان العرب7: 410، فصل النون، مادّة (نبط).
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
عليها مريحاً كالمهد للطفل. ومن الواضح عندئذٍ أنَّ التمهيد إنَّما يكون للطريق وليس للأُسس والقواعد.
ثانياً: التهافت بين القواعد والاستنباط لما عرفنا من أنَّ الاستنباط عبارة عن استخراج الماء من باطن الأرض، والتعبير به عن استخراج الأحكام لطيفٌ، إلاَ أنَّ مثل هذا الاستخراج يكون عادةً من بئرٍ محفورة لا من أُسس البناء القويّة.
ثالثاً: التهافت بين التمهيد والاستنباط.
فإنَّ صدق التمهيد على تسهيل استخراج الماء من الباطن – بما في ذلك الحفر وعلله ومعلولاته – أمرٌ بعيد في الذوق اللغوي.
رابعاً: أنَّ الاستنباط لا يكون إلّاَ من باطن الأرض. وأمّا أخذ الماء من ظاهرها فلا يصدق عليه ذلك قطعاً.
ومعنى ذلك: أنَّه ينبغي قصر معنى الاستنباط على استنتاج الأحكام الشرعيّة النظريّة التي تحتاج في إثباتها إلى مقدّمات مطولّة تخفى عن الأفراد الاعتياديّين, ولا يمكن أن تشمل استنتاجات الأحكام السهلة، كوجوب الصلاة عند الزوال ووجوب الحجّ عند الاستطاعة ونحو ذلك، فإنَّ هذا يكون بمنزلة أخذ الماء من ظاهر الأرض لسهولته، ولا يصدق عليه الاستنباط.
فهل يعني ذلك: أنَّنا نخصّ الاستنباط بالاستنتاج الأُصولي الصعب, ونصرفه عمّا هو سهل؟ هذا خلاف الضرورة والوجدان؛ بأنَّ كثيراً من المسائل الفقهيّة السهلة مأخوذة من مقدّمات وقواعد أُصوليّة؛ وإن عمّمنا
ــــــــــــ[65]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الاستنباط لكلّ ذلك كما هو مفروض الأُصوليّين، كان ذلك بعيداً عن المعنى اللغوي قطعاً، كما أوضحنا.
وأمّا قوله في التعريف: الحكم الشرعي، يعني: الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي، فبغضّ النظر عن إشكالاتٍ تأتي, فإنَّنا نخصّ الاستشكال هنا بالألف واللام الجنسيّة الداخلة على (الحكم) والظاهرة في أنَّ كلّ الأحكام الشرعيّة لا يمكن أن تعرف إلّاَ بالاستنباط من القواعد الأُصوليّة، وهذا غير صحيح قطعاً؛ لأنَّ عدداً من الأحكام معتدّ به غير مستنبط من الأُصول، وذلك مثل ضروريّات الدّين، والأحكام المربوطة بأُصول الدين كبرى وصغرى، كوجوب الإيمان بالإسلام أو بالقرآن ونحو ذلك, فإنَّها أحكام شرعيّة منجّزة على أيِّ حال.
ولعلّه لهذا بدّلوا التعريف من قولهم: الحكم الشرعي إلى قولهم: الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.
فإنَّ المراد بالفرعيّة ما لا يتعلّق بأُصول الدّين أو المذهب، وهذا وإن كان قابلاً للمناقشة؛ لأنَّه مجرّد اصطلاح؛ فإنَّ الأحكام في طبيعتها وحقيقتها واحدة، وعلم الكلام إنَّما يتكفّل البرهان على الكبرى, وأمّا وجوب الإيمان بها والإذعان لها فهو فقهيٌّ, لا يختلف عن غيره من الأحكام.
إلّاَ أنَّنا لو تنزّلنا وأخرجناه بقيت لدينا ضروريّات الدّين, وهي غير مستنتجة من قواعد علم الأُصول.
فإن قيل: إنَّها قليلةٌ نسبيّاً.
قلنا: نعم, ولكن المبالغة في قلّتها بلا وجهٍ، بل هي كثيرةٌ نسبيّاً, وإن
ــــــــــــ[66]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
كانت الأحكام الأُخرى أضعافها, فإنَّه يمكن تقسيم الضروريّات إلى عدّة أقسام:
القسم الأوّل: ما كان حكماً ثابتاً بنصِّ القرآن – لا بظاهره فقط – كوجوب الصلاة والزكاة والحجّ وردّ التحيّة.
القسم الثاني: ما كان حكماً ثابتاً بالسيرة القطعيّة المتّصلة بعصر المعصومين (سلام الله عليهم) كالقنوت, والتكبير, والتسليم في الصلاة, والموقفين في الحجّ, ورمي الجمرات فيه ونحو ذلك، ممّا يكون ثبوته في السيرة أوضح من ثبوته في الأخبار بكثير.
القسم الثالث: موضوعات عدد من الأحكام الشرعيّة كالأوقات الثلاثة للصلاة، ووقت الصوم الواجب والحجّ وغيرها، فإنَّها ثابتة بالضرورة الدينيّة.
القسم الرابع: ترتّب الأحكام على هذه الموضوعات، كقولنا: إذا زالت الشمس فصلّ.
إلى غير ذلك من الموارد.
والمتحصّل ممّا قلناه عن الاستنباط في التعريف: أنَّ قواعد علم الأُصول لا تتكفّل بيان كلّ الأحكام الشرعيّة. وما تتكفّله لا يختلف فيه الصعب عن السهل, وكلا الأمرين بعيدان عن التعريف.
فإنَّ الأوّل: ينبغي أن يكون مانعاً له، في حين هو جامع له.
والثاني: ينبغي أن يكون جامعاً له, في حين هو مانع له, كما أوضحنا.
ثُمَّ إنَّ هناك قسماً من الإشكالات الأُخرى -على هذا التعريف
ــــــــــــ[67]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المشهوري- وقعت في كلمات الأُصوليّين، يحسن أن نستعرضها لنرى مقدار ورودها عليه.
الإشكالات الواردة على تعريف المشهور في كلمات الأُصوليّين ومناقشاتها
الاستشكال الأوّل: النقض بالمبادئ من سائر العلوم, فإنَّها خارجة عن علم الأُصول, مع أنَّها داخلة في التعريف المشهوري، كالمبادئ اللغويّة كظهور لفظ الصعيد, والمبادئ الرجاليّة والنحويّة والصرفيّة والمنطقيّة وغيرها, فإنَّها جميعاً من المقدّمات الدخيلة في الاستنباط، مع أنَّها خارجة عن علم الأُصول قطعاً.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا الإشكال وإن كان وارداً على التعريف بنصّه المعروف، إلاَ أنَّ قيد (فقط) يخرج ذلك كلّه كما سنوضّح. فإنَّ القواعد المنطقيّة والنحويّة والرجاليّة وغيرها لم توضع لاستنباط الحكم الشرعي فقط, بل لها فوائد أُخرى في مختلف مجالات المعرفة، في حين إنَّ القواعد الأُصوليّة قد مهّدت وأسّست من أجل استنباط الحكم الشرعي فقط.
وبذلك يندفع الإشكال.
الوجه الثاني: أنَّ الشيخ النائيني قدس سره أضاف قيد الكبرويّة(1)، بمعنى: أن تقع هذه القواعد كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي، وبذلك تخرج قواعد سائر العلوم؛ لأنَّها تقع صغريات في ذلك القياس.
ــــــــــــ[68]ــــــــــــ
(1) أُنظر: فوائد الأُصول1-2: 19، تعريف علم الأُصول وبيان موضوعه، المائز بين المسألة الأُصوليّة والقاعدة الفقهيّة، أجود التقريرات1: 3، تعريف علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وهذا الوجه وإن كان صحيحاً بالنسبة إلى سائر العلوم, إلّاَ أنَّه لا يتمّ في جميع القواعد الأُصوليّة، فإنَّ عدداً منها تقع صغرى في قياس الاستنباط، كصيغة (افعل) ومفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة، وبعض الأُمور العقليّة، كاجتماع الأمر والنهي والقطع التفصيلي والإجمالي.
الاستشكال الثاني: أنَّ هناك من المباحث الأُصوليّة ما لا دخل له في الاستنباط قطعاً، كبعض المباحث اللغويّة كالمعاني الحرفيّة، وبعض المباحث العقليّة كاتّحاد الطلب والإرادة.
غير أنَّ ذلك إنَّما يتوجّه إلى الترتيب الفعلي لعلم الأُصول لا على التعريف؛ إذ ليس في مفروض التعريف الاعتراف بكلّ ما كتبه الأُصوليّون من مباحث, وإن كانت زائدة فعلاً عن الحاجة الفقهيّة.
الاستشكال الثالث: أنَّ التعريف المشهوري لا يشمل الأُصول العمليّة؛ لأنَّها غير محرزة للحكم، في حين إنَّ المراد من استنباط الأحكام الوارد في التعريف: إحرازها ومعرفتها.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ المراد من التعريف ليس هو معرفة الأحكام الشرعيّة بأنفسها، وإن كان ظاهره ذلك. ولكن المراد هو النظر إلى معلولات الأحكام, وهو إفراغ الذمّة تجاهها، واعتبارها بمنزلة المطاعة والمطبّقة فعلاً، وإن لم تكن كذلك واقعاً.
ومن الواضح أنَّ الأُصول غير المحرزة تؤدّي إلى إفراغ الذمّة تجاه الحكم، وإن لم تؤدّ إلى معرفته بوجه.
ــــــــــــ[69]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
إلاَ أنَّ هذا الوجه لا يتمّ؛ باعتباره خلاف ظاهر التعريف, مضافاً إلى كونه غير مرادٍ لواضعه، وكأنَّ واضعه لم يلتفت إلى وجود الأُصول العمليّة غير المحرزة.
الوجه الثاني: أنَّ المراد بالحكم الشرعي الوارد في التعريف ما يشمل نتائج الأُصول غير المحرزة، ليس بما هي مفرغة للذمّة فقط, كما في الوجه السابق، بل بما هي أحكام شرعيّة، فإنَّ الأحكام الشرعيّة كما قد تكون واقعيّة قد تكون أيضاً ظاهريّة ثابتة في طول الشكِّ في الواقع, كما قد تكون ثابتة في طول انعدام العلم والعلمي, كما قد تكون ثابتة في طول صحّة دليل الانسداد، وهكذا.
فإن قال المشهور: إنَّ جملةً من هذه ليست من قبيل الأحكام الشرعيّة.
قلنا: أوّلاً: إنَّها منها؛ باعتبار أنَّ للشارع المقدّس في كلِّ مرتبةٍ من مراتب التفكير أحكاماً وقوانين يتمّ بها تدبير تلك المرتبة.
وثانياً: إنَّها وإن لم تكن أحكاماً، إلاَ أنَّها وظائف عمليّة تجاه الشريعة، وهذا المفهوم شامل للأحكام الشرعيّة وغيره ممّا هو مفرغ للذمّة، فيكون أعمّ من الأحكام لا مبايناً لها، كما عليه المرتكز المشهوري.
إذن فسوف يصلح التعريف مع تبديل الحكم الشرعي الوارد فيه بالوظيفة الشرعيّة.
الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية، من إضافة قيد معيّن على التعريف، وهو قوله: أو التي ينتهى إليها في مقام العمل(1).
ــــــــــــ[70]ــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:9، تعريف علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والمشهور قراءة الفعل هنا بصيغة المجهول، ويمكن أن يقرأ بصيغة المعلوم, ويكون الفاعل هو الفقيه أو الأُصولي, أو الضمير الذي يعود إلى أحدهما لبّاً.
ويمكن أن يستشكل على هذا الوجه بعدّة أُمور:
أوّلاً: أنَّ استعمال حرف (أو) هنا ليس في محلّه؛ لأنَّها تعطي الترديد بين الأمرين، كقولنا: جاء زيدٌ أو عمرو، وهذا يعني أنَّ أحد الأمرين دخيل في علم الأُصول وليس كليهما، إمّا القواعد الاجتهاديّة أو القواعد الفقاهتيّة، مع العلم أنَّ المراد الجمع بينهما, وأنَّ علم الأُصول يشملهما معاً. ولو كان صاحب الكفاية قد استعمل الواو لكان أحجى وأفضل، فقال: والتي ينتهى إليها في مقام العمل.
ثانياً: أنَّ حرف العطف (أو) يعطي جامعاً انتزاعيّاً، هو مفهوم أحدهما، مع أنَّ المراد في التعريف إيجاد جامع وحداني بين جميع المباحث الأُصوليّة، سواء كان حقيقيّاً أو انتزاعيّاً، ولا يكفي فيه عنوان أحدهما كما هو واضح.
ثالثاً: أنَّ قوله: (والتي) معطوفة على أيِّ شيء؟
فيه محتملات:
المحتمل الأوّل: أن تكون معطوفة عل الممهّدة، فيكون المعنى: والقواعد التي ينتهى إليها في مقام العمل.
إلاَ أنَّه من المسلّم أنَّ العطف يقتضي التباين في الحكم بين المتعاطفين. وبذلك نفقد صفة التمهيد لهذا السنخ الثاني من القواعد، مع أنَّه يُعتبر
ــــــــــــ[71]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
عنصراً رئيسيّاً مقصوداً للواضع, وإن لم تكن ممهّدة فكيف حصلت؟
المحتمل الثاني: أن تكون معطوفة على القواعد، وهذا أسوأ من السابق؛ إذ بمقتضى التباين بين المتعاطفين لا تكون الأُصول العمليّة مصداقاً للقواعد أصلاً، وهذا خلاف الوجدان أوّلاً، وخلاف مقصود الواضع أيضاً.
وعلى هذا التقدير لا يكون لاسم الموصول (التي) تفسيرٌ معيّن في لفظ التعريف، فكأنَّه قال: علم الأُصول هو التي ينتهى إليها في مقام العمل، مع أنَّه يصلح أن يكون صفةً لموصوفٍ ما، وليس هو القواعد كما أشرنا. فينبغي أن يقال: أو الأُمور أو الأُصول التي … الخ, مع أنَّ التعريف خالٍ منه.
المحتمل الثالث: أن تكون معطوفة على الاستنباط، ويكون مقتضى التباين بين المتعاطفين هو أن لا تكون الأُصول العمليّة من سنخ الاستنباط، وهو أمر مقصود لصاحب الكفاية.
إلاَ أنَّه لا يتمّ؛ لأنَّ معناه يكون: أنَّ علم الأُصول هو القواعد الممهّدة التي ينتهى إليها في مقام العمل.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنَّ مقتضى العطف تكرار العامل, وقد عطفناها على الاستنباط كما هو المفروض, والعامل فيه هو اللام بنصِّ التعريف.
فلابدَّ من تكراره في المعطوف، كقولنا: أو التي ينتهى إليها … الخ، وهذا لا محصّل له كما هو واضح.
ــــــــــــ[72]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثانياً: أنَّ هذه القواعد لا ينتهى إليها، بل تقع خلال قياس استنباط الحكم الظاهري العملي، مع [أنَّ] الانتهاء هو الحصول على النتيجة النهائيّة، بل ما بعدها وهو تطبيقها في مقام العمل، ولو كان قد قال: التي يرجع إليها أو يعوَّل عليها أو يؤخذ بها، لكان أفضل.
ثالثاً: ممّا يُستشكل به على إضافة صاحب الكفاية: أنَّه ما المراد من قوله: أو التي ينتهى إليها في مقام العمل، فإنَّ معناه اللغوي – لا شكّ – أوسع ممّا هو مطلوبه؛ فإنَّ سائر الأحكام الشرعيّة ينتهى إليها في مقام العمل.
فإن تنزّلنا واستثيناها فذلك على معنى استثناء الأحكام الناتجة عن الأمارات والإبقاء على الأحكام الناتجة من الأُصول. إذن فرجع الأمر في التعريف إلى عنوان الأُصول العمليّة، ومعنى ذلك: أخذ عنوان الأُصول في تعريف علم الأُصول، وهو من الدور الواضح.
وقد يجاب عن هذا الإشكال دفاعاً عن الشيخ صاحب الكفاية بعدّة أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ المراد من هذه الفقرة التي أضافها في ذيل التعريف توسعة مفهوم الحكم المأخوذ في التعريف إلى الحكم الواقعي والظاهري؛ لكي يكون شاملاً لكلِّ المباحث الأُصوليّة، بخلاف ما لو قصرناه على الحكم الظاهري(1).
ــــــــــــ[73]ــــــــــــ
(1) أُنظر: نهاية الدراية1: 17-18، تعريف علم الأصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
إلاَ أنَّ هذا الأمر لا يتمّ؛ لأنَّ التوسعة وإن حصلت بذلك، إلّاَ أنَّها لا تشمل كلّ المباحث الأُصوليّة المتعارفة مع ذلك؛ لخروج الأُصول العقليّة بذلك، كالتخيير العقلي وغيره، فإنَّه ليس من الأحكام أصلاً، لا الواقعيّة ولا الظاهريّة، مع كونه مبرئاً للذمّة أمام الشارع المقدّس.
الأمر الثاني: أخذ قيد علله ومعلولاته، يعني: الحكم الشرعي في التعريف توصّلاً إلى الشمول لكلِّ المباحث المطروقة، فيكون مبحث القطع من علله، ويكون مبحث اجتماع الأمر والنهي من معلولاته.
وأمّا البحث عن أقسام الظواهر وأقسام الطرق كالإجماع وخبر الواحد، فهو بحث عن نفس الحكم الشرعي؛ لأنَّ البحث فيها عن حجّيتها.
إلّاَ أنَّ هذا الأمر لا يتمّ؛ لعدم كون هذه المباحث عللاً ومعلولات للحكم حقيقة، بل العلّة الحقيقيّة هو حكم الشارع المقدّس والمعلول هو الطّاعة والتطبيق. وأمّا القطع فهو علّة العلم به والتعرّف عليه، أو قل: وصول الحكم إلينا، وأمّا نسبته إلى نفس الحكم فمن الواضح أنَّه يكون في المرتبة المتأخّرة عنه فيقع في طرف المعلولات لا العلل، كاجتماع الأمر والنهي, وإن لم يكونا معاً من المعلولات حقيقةً.
الأمر الثالث: توسعة معنى الاستنباط إلى التنجيز والتعذير, بحيث لا يختصّ باستنباط الحكم بما هو حكم(1).
ــــــــــــ[74]ــــــــــــ
(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه1: 11، تعيف علم الأُصول (شبهة ودفع)، بحوث في علم الأُصول1: 21، تمهيد، مدى شمول التعريف للأُصول العمليّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والتوسعة بذلك وإن كانت حاصلة، إلاَ أنَّه ينقض بأُمور:
أوّلاً: النقض بالتنجيز والتعذير العقليّين, إلّاَ أن يراد ما يعمّهما.
ثانياً: النقض بالتخيير العقلي لدى دوران الأمر بين المحذورين, فإنَّ ما يختاره المكلّف عندئذٍ بعينه خالٍ من التنجيز والتعذير الشرعي والعقلي معاً, إلاَ أن يراد التعذير العقلي عن غير المعيّن أو عن الجامع الانتزاعي، وهو عنوان أحدهما.
ثالثاً: النقض بمورد معيّن، وهو ما إذا كان الحكم الواقعي هو الجواز, وكان الأصل مثبتاً للإلزام بشكلٍ مخالف للواقع, فهذا الأصل ليس منجّزاً ولا معذّراً؛ لأنَّ الأُصول إنَّما تكون منجزّة ومعذّرة عن الواقع, والإباحة أو الجواز لا معنى لتنجيزها وتعذيرها.
فإن قلت: فإنَّ الحال يشمل كلّ ما دلّ على الإباحة.
قلنا: كلا، فإنَّ ما دلّ على الإباحة معذّر عن احتمال الحرمة، وهو في محلّ الكلام دالٌّ عليها.
فإن قلت: فإنَّ الدليل في محلِّ الكلام منجّزٌ للإلزام.
قلنا: هذا من قبيل تنجيز الدليل لمدلوله، وهو معنى عامٌّ لكلِّ الأدلّة, وهو خلاف مصطلح الأُصوليّين، وإنَّما مرادهم تنجيز الواقع والتعذير عنه. فإذا كان الواقع هو الإباحة لم تكن صالحة للتنجيز والتعذير بما دلَّ على الحكم الإلزامي، كما هو مفروض.
رابعاً: النقض بموردٍ آخر، هو ما إذا كان الحكم الواقعي هو الإباحة أو عدم الإلزام، وكان الأصل دالاً على عدم الإلزام أيضاً؛ إذ لا معنى
ــــــــــــ[75]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
للتنجيز والتعذير إلاَ في الإلزام.
فإن قلت: فإنَّه يكون معذّراً عن احتمال الحرمة.
قلنا: نعم، إلّاَ أنَّه تعذير إثباتي، وليس فيه من جهة الثبوت شيءٌ؛ لفرض أنَّ احتمال الحرمة غير مطابق للواقع.
ومن الواضح أنَّ الإثبات المخالف للثبوت ليس له قيمة واقعيّة.
ــــــــــــ[76]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
النقض بالقواعد الفقهية
هناك نقضٌ مشهوريٌ على التعريف المشهوري السابق لعلم الأُصول بالقواعد الفقهيّة(1)؛ باعتبار أنَّها داخلة في التعريف، مع أنَّها ينبغي أن تكون خارجة عنه؛ لعدم تسجيلها فعلاً في علم الأُصول, بل هي مبحوثة في علم الفقه، ولذا سمّيت بالقواعد الفقهيّة، كقاعدة الفراغ والتجاوز, وما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده, وقاعدة اليد, وقاعدة الطهارة وغير ذلك.
وقد تصدّى عدد من الأُصوليّين المتأخّرين إلى الجواب عن هذا النقض ببيانات وتفاصيل ينكشف من خلالها الفرق الأساسي بين القواعد الأُصوليّة والقواعد الفقهيّة. ونحن ذاكرون فيما يلي بعض الأجوبة:
الجواب الأوّل: للشيخ النائيني قدس سره(2) من حيث إنَّ القاعدة الفقهيّة بنفسها تلقى إلى العامّي أو المقلِّد – بالكسر- دون القاعدة الأُصوليّة، فإجراء القاعدة الفقهيّة بيد العامي، كقاعدة الطهارة والفراغ وغيرهما،
ــــــــــــ[77]ــــــــــــ
(1) أُنظر: بدائع الأفكار (للرشتي):2، تعريف علم الأُصول، غاية المسؤول (للأردكاني):4، تعريف علم الأُصول.
(2) أُنظر: فوائد الأُصول4: 309، الفصل الثالث من المقام الثالث، الأمر الثاني: في ضابط المسألة الأُصوليّة، أجود التقريرات2: 345، المبحث الرابع في الاستحباب، الجهة الثالثة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
بخلاف القاعدة الأُصوليّة، فإنَّ إجراءها بيد المجتهد, كالاستصحاب وحجّيّة خبر الواحد.
إلا أنَّ هذا الجواب لا يتمّ؛ لعدّة أُمور:
أوّلاً: أنَّ بعض القواعد الفقهيّة لا تلقى إلى العامي؛ بل يتكفّل جريانها المجتهد, كالاحتياط الحكمي وأخبار مَن بلغ.
ثانياً: أنَّ بعض القواعد الأُصوليّة تلقى إلى العامي، كالبراءة والاستصحاب الموضوعيِّين، مع أنَّهما قاعدتان أُصوليّتان، ولا تنحصر أُصوليّتهما بحال جريانهما في الأحكام.
الجواب الثاني: للسيّد الأُستاذ قدس سره (1): من حيث إنَّنا لو نظرنا إلى نسبة القواعد الأُصوليّة إلى الأحكام الشرعيّة نجدها أنَّها للتوسيط، أي: جعلها واسطة في التعرّف على الحكم، بخلاف القواعد الفقهيّة، فإنَّها للتطبيق، أي: لمجرّد تنفيذ الحكم, كالحكم بالصحّة باعتبار التجاوز أو الفراغ.
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لأنَّ كثيراً من المسائل الأُصوليّة من باب التطبيق، وخاصّة ما يجري منها في الشبهات الموضوعيّة، كما مثّلنا في النقض على الجواب الأوّل.
ثانياً: أنَّ بعض القواعد الفقهيّة للتوسيط لا للتطبيق؛ لأنَّ المستنتج منها حكم كلّي لا جزئي، كأخبار مَن بلغ, وأخبار جواز نقل الحديث
ــــــــــــ[78]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 13، الفرق بين المسائل الأُصوليّة والقواعد الفقهيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
بالمعنى, وقاعدة اليد الجارية في الشبهات الحكميّة، كيد القاصر وحيازته، إلى غير ذلك.
الجواب الثالث: إنَّ القواعد الفقهيّة بنفسها جعلٌ شرعي، لا أنَّها يستنتَج منها الجعل الشرعي، بخلاف القواعد الأُصوليّة، فإنَّها ممّا يستنتَج منها الحكم الشرعي(1).
إلّاَ أنَّ هذا ممّا لا يتمّ؛ لأنّه:
أوّلاً: يمكن أن يقال: إنَّ مرجع ذلك إلى الجواب الثاني نفسه؛ لوضوح أنَّ قولهم: إنَّ القاعدة الأُصوليّة ممّا يستنتَج منها الحكم الشرعي(2)، هو بعينه قولهم: إنَّها واسطة في إثبات الحكم الشرعي(3)، فإنَّه لا يراد بالتوسيط إلّاَ الاستنتاج.
كما أنَّ قولهم: إنَّ القاعدة الفقهيّة هي بنفسها حكم شرعي(4) يوازي قولهم هناك: إنَّها للتطبيق(5)؛ إذ ليس بعد الحكم الشرعي إلاَ التطبيق
ــــــــــــ[79]ــــــــــــ
(1) راجع بحوث في علم الأُصول1: 25، النقض على التعريف بالقواعد الفقهيّة.
(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 16، الأمر الثاني: في تعريف علم الأُصول، الركيزة الثانية.
(3) راجع نهاية الدراية1: 294، كون المسألة أُصوليّة.
(4) راجع شرح العروة الوثقى (للسيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره)4: 123، فوع اختلاف الشاهدين.
(5) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 13، الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والطّاعة.
ثانياً: أنَّ كثيراً من القواعد الأُصوليّة بنفسها جعلٌ شرعي, كحجّيّة خبر الواحد والظواهر, وحجّيّة الاستصحاب والبراءة.
ثالثاً: أنَّ عدداً من القواعد الفقهيّة يستنتَج منها حكم كلّي، كما مثّلنا فيما سبق، مضافاً إلى بعض الفروع, ومنها: ما إذا كان في أداء الدّين خوفٌ على النفس أو العسر والحرج، فإنَّه يجوز تأخيره.
الجواب الرابع: لأُستاذنا الصدر قدس سره: من حيث إنَّ القواعد الأُصوليّة تعمّ الفقه كلّه، بخلاف القواعد الفقهيّة، فإنَّها تختصّ ببعض أبواب الفقه دون بعض؛ إذ من الواضح أنَّ قاعدة الاستصحاب وحجّيّة خبر الواحد والمفاهيم وغيرها، تشمل كلّ أبواب الفقه، بخلاف قاعدة الطهارة فإنَّها لا مورد لها في المعاملات، وقاعدة: ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، فإنَّه لا مورد لها في العبادات وهكذا.
وقال: إنَّ القواعد الأُصوليّة هي القواعد المشتركة في الاستدلال الفقهي, على أن يؤخذ موردها لا بشرط من حيث المادّة، إلّاَ الأوامر والنواهي، فإنَّها محدّدة من حيث المادّة، ونسبة الأُصول إلى الفقه نسبة المنطق إلى سائر العلوم، فهو (منطق الفقه)(1).
وبذلك يخرج بحث الصحيح والأعمّ, وكذلك مبحث المشتقّ عن مباحث علم الأُصول؛ لأنَّهما لم يُؤخذ موردهما لا بشرط من حيث المادّة؛
ــــــــــــ[80]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 26: التعريف الخامس، التعريف المختار.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
لأنَّ الصحيح والأعمّ مورده العبادات، والمشتقّ مورده المشتقّات.
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: فيما يخصّ المشتقّ, فإنَّه إن أراد عنوان المشتقّ، فهو لا بشرط من حيث المادّة؛ لوضوح أنَّ كونه مشتقّاً ليس له مادّة بل هيئة. ثُمَّ إنَّه استثنى الأوامر والنواهي من أجل إدخالها في علم الأُصول. فإذا كان مثل هذا الاستثناء اختياريّاً لكلِّ ما لا يشمله التعريف فليكن الاستثناء شاملاً للمشتقّ أيضاً.
هذا إن أراد عنوان المشتقّ، وإن أراد مشتقّاً بعينه، فمن الواضح أنَّه غير مقصود للأُصوليّين.
ثانياً: هل يراد من شمول القواعد الأُصوليّة لأبواب الفقه شمولها لها جميعها أم بعضها, فإن أراد كلّ الفقه خرجت مباحث القطع؛ لوضوح عدم وجود القطع في كثيرٍ جدّاً من مسائله، وكذلك مباحث العلم الإجمالي؛ لعدم وجوده أيضاً في أغلبها، وكذلك مباحث الضدّ ومقدّمة الواجب وغيرها؛ إذ لا معنى لشمولها لغير مواردها.
وإن أراد شمولها لبعض الفروع الفقهيّة إجمالاً- غايته أنَّها لا تختصّ ببابٍ معيّن كالعبادات أو المعاملات- دخل في الأُصول عدد من القواعد الفقهيّة, كالتقليد والاحتياط الموضوعي وأصالة الصحّة وغيرها.
ثالثاً: النقض بالقواعد المنطقيّة، فإنَّها تكون جميعاً مندرجة في علم الأُصول؛ لانطباق تعريفه عليها، [و] لأنَّها شاملة لكلِّ الفقه، وقد أُخذت لا بشرط من حيث المادّة، ولم يذكر قيداً في تعريفه يخرجها.
ــــــــــــ[81]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
رابعاً: لماذا عبّر بدخلها في الاستدلال الفقهي, ولم يعبّر بدخلها في الحكم الشرعي؟ مع أنَّنا لم نتّفق إلى الآن على تعريف معيّن للفقه، ما هو: أمجموع الأحكام الشرعيّة الواقعيّة, أم الأعم من الظاهريّة, أم الأعم من العقليّة وهكذا؟ فيكون تعريف علم الأُصول منوطاً بتعريف علم الفقه، فإذا لم يكن تعريف الفقه معروفاً لم يكن تعريف علم الأُصول معروفاً.
ثُمَّ نَقَضَ بعض أساتذتنا على تعريفه للقاعدة الأُصوليّة(1)، بأنَّه: يلزم منه خروج مسألة وثاقة الراوي عن علم الأُصول, مع أنَّها لا شكَّ [في] كونها أُصوليّة؛ وذلك: لأنَّها أُخذت بشرط شيءٍ من حيث المادّة، وهي وثاقة الراوي.
وأجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأوّل: أنَّه إن كان المراد من المسألة الأُصوليّة التعرّض إلى راوٍ معيّن، فإنَّها ستكون بشرط شيءٍ من حيث المادّة، وأمّا إذا لم يكن المراد ذلك بل مطلق الراوي لم تكن بشرط شيءٍ.
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّ الشيء المقصود من قولنا: لا بشرط شيءٍ أو بشرط شيءٍ، إن كان هو الحكم فهو لا بشرط، وإن أراد أيّ عنوانٍ بذاته فهو بشرط شيءٍ؛ لتقييده بوثاقة الراوي، وعدم تقييده براوٍ معيّنٍ لا يجعله مجرّداً عن هذه الخصوصيّة.
الجواب الثاني: أنَّ وثاقة الراوي أُخذت فيما قبل القياس الأخير من
ــــــــــــ[82]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 30، عدم شمول التعريف لغير مسائل علم الأصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
القياسات المنتجة للحكم، ومعناه: أنَّه لا بأس أن تكون بشرط شيءٍ، في حين أنَّ مقدّمات القياس الأخير لابدَّ أن تكون لا بشرط.
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّه تقييد مستأنف؛ لأنَّ تعريف القاعدة إن تَمَّ كان شاملاً لكلِّ الأقيسة المنتجة للحكم، وإن تَمَّ هذا التقييد لزم أخذه في تعريفها، ولم يكفِ أخذه في مناطها؛ لأنَّ المناط نفسه ينبغي أن يدخل في التعريف.
ثُمَّ إنَّ السيّد الأُستاذ قد نقض على تعريفه السابق بعدّة نقوض، يحسن بنا استعراضها وبيان جوابه لها، مع الإلماع إلى صحّة الجواب وعدمه:
أوّلاً: النقض بالبراءة والاحتياط الشرعيّين؛ فإنَّهما للتطبيق لا للتوسيط، بمعنى: أنَّها تنطبق على مواردها الصغرويّة، لا أنَّها تقع في قياس الاستنباط(1).
وأجاب عنه: بأنَّها تقع في طريق الاستنباط بمعنى أعمّ؛ وذلك لأنَّ المراد به ليس خصوص استنباط الأحكام الواقعيّة، بل يعمّ التنجيز والتعذير عن الواقع(2). وهذا موجود في محلِّ الكلام.
وجوابه: أنَّه إن تَمَّ في الشبهات الحكميّة، فهو لا يتمّ في الشبهات الموضوعيّة، فإنَّ الاحتياط فيها ليس لأجل تنجيز حكمٍ واقعي؛ بل لأجل اليقين بفراغ الذمّة والخروج عن العهدة.
وبتعبير آخر: إنَّه منجّز بمجرّد الاحتمال، وهذا لا يكفي لصدق
ــــــــــــ[83]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 17-18، شبهة ودفع.
(2) أُنظر: المصدر السابق.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التوسيط والاستنباط.
ثُمَّ قال: إنَّنا لو تنزّلنا وقبلنا عدم وقوعهما في طريق الاستنباط، فلا نقبل خروجهما من علم الأُصول؛ لكونهما ممّا ينتهي إليه أمر المجتهد في مقام الإفتاء لدى اليأس من الظفر بالدليل الاجتهادي، بخلاف القواعد الفقهيّة، فإنَّها أحكامٌ كليّة إلهيّة مستنبطة لمتعلّقاتها وموضوعاتها فقط(1).
وجوابه: إنَّ هذا من الغرائب منه قدس سره؟!
أمّا من ناحية البراءة والاحتياط، فإنَّهما أيضاً أحكام كليّة إلهيّة مستنبطة من دليلها، وإلاَ لما جازت الفتوى على طبقها.
وأمّا من ناحية القواعد الفقهيّة فقد تقع في طريق استنباط الفتوى، كما سبق أن مثّلنا، فتكون أولى بالصفة الأُصوليّة من البراءة والاحتياط على هذا المسلك.
ثُمَّ ذكر السيّد الأُستاذ أنَّه يشترط في المسألة الأُصوليّة أن تقع وحدها في طريق الاستنباط بلا ضمّ كبرى أُصوليّة أُخرى؛ وذلك إخراجاً لمسائل كثيرة من مختلف العلوم – كالمنطق واللغة والنحو وغيرها- تدخل في الاستنباط، ولكنّها تحتاج إلى ضمّ كبرى أُصوليّة إليها(2).
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا المقدار من الاستدلال لا يكفي -كما هو ظاهر-
ــــــــــــ[84]ــــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
(2) انظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 16، الفرق بين المسائل الأُصوليّة ومسائل بقيّة العلوم، الركيزة الثانية.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
لجعل النتيجة المطلوبة حقّاً، وإخراجها عن مجرّد الاقتراح، ولو كان الأمر في التمييز بين المسائل الأُصوليّة وغيرها منحصراً بما قال لهان الأمر، إلَّا أنَّنا عرفنا لها وجوهاً أُخرى قد سبق بعضها ويأتي الباقي بعونه تعالى.
الوجه الثاني: أنَّ هناك من المسائل – التي لا ينبغي إخراجها عن علم الأُصول- لا تكفي وحدها لاستنباط الفتوى، كالأُصول العقليّة، فإنَّ قاعدة الاشتغال معلولة لقاعدة تنجيز العلم الإجمالي وليست عينه كما هو واضح.
الوجه الثالث: إن كان المراد انفراد القاعدة في الاستنباط في قياس منطقيٍّ واحد لتمّ الأمر بعد التنزّل عن الوجوه السابقة، إلّاَ أنَّ قياساً واحداً لا يكفي للاستنباط كما هو معلوم، فإنَّ النتيجة إنَّما تخرج بعدّة أقيسة. ومن الواضح أنَّ عدداً من الكبريات والقضايا ترد فيها ويحتاج كلّ قياس, أو بالأخصّ القياسان الأخيران المنتجان للحكم إلى كبرى أُصوليّة، فقد انضمّت قاعدتان أُصوليّتان إلى بعضهما لإنتاج نتيجة واحدة, كحجّيّة خبر الواحد ووجوب مقدّمة الواجب, أو حجّيّة ظواهر الكتاب وظهور الأمر في الوجوب وغيرها كثير.
وبعد أن ذكر السيّد الأُستاذ رأيه هذا نقض على نفسه بثلاثة نقوض:
النقض الأوّل: بمسألة اجتماع الأمر والنهي
فإنَّه بناءً على الامتناع نحتاج إلى ضمّ قواعد باب التعارض(1).
ــــــــــــ[85]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 17 -18، شبهات ودفوع، الشبهة الأُولى.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وأجاب على ذلك: أنَّه يكفي في المسألة الأُصوليّة استقلالها في الاستنباط على أحد الاحتمالين لا على كلا الاحتمالين. وضمّ قواعد باب التعارض إنَّما يكون بناءً على أحد الاحتمالين, وهو القول بالامتناع دون احتمال القول بالإمكان(1).
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّنا على كلا الاحتمالين نحتاج إلى ضمِّ مسألة أُصوليّة، أمّا على القول بالامتناع فكما قال. وأمّا على القول بالإمكان فنحتاج إلى ضمِّ مسألة إمكان الترتّب؛ إذ لولا فهم الترتّب بين الخطابات الشرعيّة لا يكون القول بالإمكان المشار إليه منتجاً، بل يعود الحال إلى الامتناع لا محالة.
النقض الثاني: بمسألة الضدّ؛
لأنَّ الأثر لا يترتّب على نفس الملازمة لتكون مسألة أُصوليّة.
وأمّا حرمة الضدّ فهي وإن كانت ثابتة بثبوت الملازمة، إلّاَ أنَّها حرمة غيريّة لا تقبل التنجّز.
وأمّا فساد الضدّ العبادي، فلا يثبت بهذه المسألة الأُصوليّة وحدها، بل يحتاج إلى ضمّ مسألة أُخرى أُصوليّة، وهي أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد(2).
ــــــــــــ[86]ــــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 18-19، شبهات ودفوع، الشبهة الثانية.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وأجاب عن ذلك: بكفاية أحد طرفي الاحتمال في المسألة، وهي مسألة الضدّ في ترتّب الأثر على المسألة باستقلالها بلا ضمّ مسألة أُخرى, وهي هنا صحّة العبادة بناءً على عدم الملازمة(1).
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ؛ لوضوح أنَّ صحّة العبادة بهذا المقدار صحّة حيثيّة، يعني: من هذه الجهة أنَّ صحّتها الفعليّة من سائر الجهات, فيحتاج إلى ضمِّ العلم أو العلمي به، وكلاهما يبحثان في علم الأُصول، مضافاً إلى ثبوت أصل عباديّتها بكبرى أُصوليّة.
النقض الثالث: بمسألة مقدّمة الواجب
وذلك من جهتين:
أوّلاً: أنَّها مسألة فقهيّة يبحث فيها عن وجوب مقدّمة الواجب.
وأجاب عنه: أنَّ البحث في الأُصول عن الملازمة بين الأمر بالشيء ووجوب مقدّمته، وهذا متين.
ثانياً: أنَّ وجوب المقدّمة وجوب غيري، والوجوب الغيري غير قابل للتنجيز، ولا أثر له بعد حكم العقل بلا بدّيّة إيجاد المقدّمة توصّلاً لامتثال الواجب(2).
وأجاب عن ذلك باختصار: أنَّ لمقدّمة الواجب أثرٌ يأتي لدى
ــــــــــــ[87]ــــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 19، شبهات ودفوع، الشبهة الثالثة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التعرّض إلى الباب المختصّ به(1).
هذا ولدى رجوعنا إلى الباب المختصّ به وجدنا أنَّه قدس سره ذكر لها ثماني ثمرات محتملة، ونفاها جميعاً(2).
ومعه فلا بدّ أن تكون خارجة عن حيّز المسائل الأُصوليّة.
تعريف العراقي
وعرّف المحقّق العراقي قدس سره علم الأُصول، بإعطاء ضابط للمسألة الأُصوليّة، فيكون العلم الجامع لهذه المسائل هو العلم المطلوب، وذلك أنَّ المسألة الأُصوليّة عنده: هي المسألة المثبتة للحكم الشرعي كصيغة إفعل، أو نحو تعلّقه بموضوعه دون غيره، ككلمة الصعيد(3).
مناقشة تعريف العراقي
إلا أنَّه لا يتمّ؛ لإمكان النقض بالمفاهيم ومباحث الإطلاق والعموم، فإنَّه لكلِّ ذلك مفاهيم لغويّة عامّة في أنفسها.
فإن قلت: فإنَّها دالّة على الحكم الشرعي ومثبتة له.
قلنا: نعم, إلا أنَّ شأنَي الإطلاق والعموم أوسع من ذلك, فلا [يكون] القيد المأخوذ في التعريف, وهو قوله (دون غيره) متحقّقاً.
ــــــــــــ[88]ــــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
(2) راجع محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)2: 434-442، آثار الواجب النفسي والغيري، ثمرة النزاع في المسألة.
(3) أُنظر: مقالات الأُصول1: 54، المقالة الأُولى، غرض مسائل علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فإن قلت: فكيف يكون الإطلاق خارجاً, مع العلم أنَّ مقدّمات الحكمة تقتصر على إثبات الحكم الشرعي؛ لأنَّ المراد بالمتكلّم فيها خصوص الشارع المقدّس.
قلنا: بل هي أعمّ من ذلك, فإنَّها تجري في أيِّ إطلاقٍ, سواء كان مدلوله شرعيّاً أم عرفيّاً, وافتراض كون الشارع المقدّس هو المتكلّم, باعتبار حاجتنا الشرعيّة إلى ذلك, وإلَّا فالأمر أوسع من ذلك.
فإن قلت: إنَّ مفاد الإطلاق هو ثبوت الحكم الشرعي, كـ(أحلَّ الله البيع)، وليس له تعرّض إلى أمر آخر فيدخل في التعريف.
قلنا: إنَّ هذا صغرى للإطلاق، وإنَّما يبحث في الأُصول عن كبراه.
فإن قلت: إنَّنا نبحث عن حجّيّة الإطلاق شرعاً، وهذا يكفي.
قلنا: بل نبحث عن دلالته عرفاً ليكون صغرى لحجّيّة الظهور.
إذن فليس دائماً يكون متصدّياً لإثبات الحكم الشرعي صغرويّاً، الذي هو المبحوث عنه في باب الإطلاق والعموم.
هذا مع إمكان النقض على التعريف بما سبق النقض به على غيره, كالمباحث العقليّة واللغويّة والقواعد الفقهيّة، فإنَّ منها: ما لا يكون دخيلاً في الحكم الشرعي أصلاً، كالمباحث اللغوية, كالمعنى الحرفي.
ومنها: ما لا يكون مثبتاً للحكم الشرعي بل العقلي.
ومنها: ما لا يكون مثبتاً للحكم, بل للتنجيز والتعذير كالأُصول العمليّة.
ومنها: ما يكون مثبتاً للحكم الشرعي وإن لم يعتبروه من علم
ــــــــــــ[89]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الأُصول كالقواعد الفقهيّة.
التعريف المختار
علم الأُصول: هو القواعد الخاصّة بتحديد الامتثال أو الطّاعة أو الوظيفة.
فالقواعد: هي الكبريات التي يبرهن على صحّتها ومشروعيّتها ودخلها في الاستنباط في علم الأُصول.
وقولنا: (الخاصّة), يعني أنَّها خاصّة بالتحديد المشار إليه، وبذلك تخرج سائر العلوم التي قد يكون لها دخل في الاستنباط, سواء كانت طبيعيّة أو إنسانيّة، بما في ذلك التفسير والرجال؛ لأنَّ كلّ ذلك ذو منفعة أوسع من الفقه. فمثلاً: علم الرجال قد ننظر إليه كتأريخٍ أو مقدّمةٍ لتوثيق رواياتٍ غير فقهيّة المضمون، وهكذا.
وهذه القواعد ثبوتيّة لها نحو من الواقعيّة في نفس الأمر بالنحو المناسب مع التشريع؛ لأنَّها قواعد تشريعيّة بطبيعة الحال. وأمّا التحديد الناتج منها فهو إثباتي، فإنَّ التحديد الناتج واقعاً وإن كان ثبوتيّاً، إلَّا أنَّ معرفتنا به ضروريّة للتعرّف على الحكم الشرعي.
إذن فلابدَّ من العلم بتلك القواعد إثباتاً لمعرفة التحديد الإثباتي منها. وسيأتي بعد قليل أنَّنا- مع ذلك- لا نحتاج إلى إضافة لفظ العلم، كما أضاف المشهور.
والمراد بـ(التحديد): هو التعرّف على الحدِّ، فإنَّ لكلِّ شيء تكويني من الخلق حدّاً تكوينيّاً من طوله وعرضه ولونه ووزنه وغير ذلك, ممّا
ــــــــــــ[90]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
يناسب حاله. ولكلِّ شيءٍ تشريعيّ حدّ تشريعيّ يناسبه, ككونه من أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة, أو هو الجامع بين بعضها دون بعض, أو كونه من الأحكام الوضعيّة، أو أنَّه يخصّ جميع المكلّفين أو خصوص الرجال أو خصوص النساء أو خصوص الصلاة أو خصوص الحجّ وهكذا.
ويدخل في التحديد رتبته التشريعيّة ككونه مدلولاً عليه بالأمارة أو الأصل الشرعي أو الأصل العقلي وغير ذلك.
ومن هنا يتّضح أنَّ استعمال مفهوم التحديد هنا أولى من استعمال كلمة الاستنباط المتعارفة، لعدّة أسباب, أهمها:
أنَّ مفهوم الاستنباط يختصّ بالتعرّف على الحكم الشرعي ولا يشمل نتائج الأُصول العمليّة من التنجيز والتعذير, فضلاً عن القواعد العقليّة إلّاَ بعناية، بخلاف التحديد فإنَّه يشملها جميعاً باعتبار ما شرحناه من أنَّ نحو ثبوت الحكم ورتبته مصداق من التحديد، وإن لم يكن حكماً حقيقةً, بل كان لمجرّد إثبات فراغ الذمّة أمام الله سبحانه وعدم استحقاق العقاب.
فمن الممكن القول أنَّ بين الاستنباط والتحديد عموماً مطلقاً، فكلّ استنباط تحديد ولا عكس. ونحن بحاجة – في تعريف علم الأُصول- إلى استعمال المفهوم الأعمّ، وهو التحديد.
هذا مضافاً إلى ما عرفناه, أنَّ استعمال مفهوم الاستنباط في هذا المجال مجازي وليس بحقيقي؛ لأنَّ حقيقته هو استخراج الماء من باطن الأرض، بخلاف مفهوم التحديد؛ فإنَّه جعلُ الحدّ, وكذلك هو التعرّف على الحدِّ المجعول؛ فإنَّه التحديد الإثباتي الذي نحتاج إليه فقهيّاً، والحدّ كما يكون في
ــــــــــــ[91]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التشريع يكون في التكوين كما عرفنا.
ثُمَّ إنَّنا إذا قارنّا هذا التعريف بالتعاريف السابقة كان علينا أن نذكر القيود المهمّة المأخوذة فيها لنرى سبب امتناعنا عن ذكرها في التعريف المختار، وذلك ضمن الفقرات التالية:
أوّلاً: إنَّنا لا نحتاج إلى القول بأنَّ علم الأُصول هو العلم بالقواعد, بل هو ذات القواعد بوجودها الواقعي, إلا أنَّ العلم بالقواعد إنَّما يكون ضروريّاً للاستفادة منها إثباتاً.
وهذا يعني أنَّ علم الأُصول ككلِّ علمٍ له وجودٌ واقعي ثابت في المرتبة السابقة على العلم بوجوده المكتوب أو المنطوق، نسبته إليه كنسبة المعنى إلى الكلام.
ثانياً: إنَّنا لا نحتاج إلى القول بدخل القواعد الأُصوليّة في كلِّ الفقه، كما عليه بعض أساتذتنا(1), بل لا بأس أن تكون القاعدة الأُصوليّة خاصّة ببعض الفقه كمسألة أنَّ النهي عن العبادة ينتج فسادها, بل وإن كان لا يرد إلا في أندر الموارد، كالدوران بين المحذورين، وهكذا.
ثالثاً: إنَّنا لا نحتاج إلى قيد كون القواعد >بشرط لا< من حيث المادّة، كما عليه بعض أساتذتنا أيضاً(2)، لأنَّه إنَّما أخذها لتعميم المسألة الأُصوليّة لكلِّ الفقه، لأنَّها لو كانت مقيّدة بأيّة مادّة، فإنَّها تختصّ بها لا محالة، وهذا
ــــــــــــ[92]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم الأُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمد الصدر قدس سره)1: 26: التعريف الخامس: التعريف المختار.
(2) راجع المصدر السابق.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
يلازم الاختصاص بالباب الفقهي المختصّ بتلك المادّة.
فإذا اعترفنا بإمكان اختصاص القاعدة الأُصوليّة ببعض الفقه أمكننا الاستغناء عن هذا القيد.
رابعاً: إنَّنا لا نحتاج إلى قيد كون القاعدة الأُصوليّة حكماً إلهيّاً كليّاً؛ إذ إنَّ هذا المفهوم بمعناه الشامل يعمّ الحكم الواقعي والظاهري والعملي، إلَّا أنَّه يُخرج الأُصول العقليّة, فإنَّها ليست حكماً شرعيّاً بأيّ حال، وإن كانت مستتبعة في طولها للقطع بفراغ الذمّة.
ومن هنا كان لابدَّ من ترك هذا القيد لإدخال الأُصول العقليّة, بل مطلق ما هو مربوط بالعقل, كحجيّة القطع ووجوب مقدّمة الواجب وحرمة الضدّ، على تقدير نفيهما شرعاً وتعيّنهما عقلاً.
خامساً: إنَّنا لا نحتاج إلى قيد (في علله ومعلولاته), يعني: الحكم الشرعي, سواء كان ظاهريّاً أم واقعيّاً ولا حتّى العقلي؛ لأنَّه علّة الحكم الشرعي ثبوتاً هو إرادة المولى, وإثباتاً هو الدليل، ومعلولاته هو الفتوى أو الامتثال, وكلّه خارج عن حيّز علم الأُصول. فإنَّ حجّيّة خبر الواحد من علم الأُصول، إلَّا أنَّ الدليل الدالّ عليه من مقدّماته التصديقيّة, ونحو ذلك نقوله في الحكم العقلي.
ثُمَّ علينا الآن شرح القيد الآخر المأخوذ في تعريفنا, وهو (الامتثال) و(الطاعة) و(الوظيفة)، فإنَّ فيها مرحلتين من الكلام(1):
ــــــــــــ[93]ــــــــــــ
1- لم نعثر على (المرحلة الثانية) فيما بين أيدينا من أبحاثه قدس سره.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المرحلة الأُولى: الكلام عن معناها، فإنَّنا لا يخلو إمّا أن نعتبرها متّحدة المعنى أو مختلفة، فإن كانت متّحدة المعنى أمكن الاكتفاء بلفظٍ واحد منها أيّاً كان, وترك الباقي لفرض تشابهها في المؤدّى، وإن كانت مختلفة في المعنى كان لابدَّ من سردها كلّها.
والجامع بينها: أنَّها جميعاً واقعة في معلولات القواعد الأُصوليّة؛ لأنَّ هذه القواعد إنَّما تراد لاستنتاج الحكم لا من أجل معرفته بنفسه, بل لأجل تطبيقه في مقام الامتثال.
إذن فالقواعد الأُصوليّة وإن كان معلولها الأصلي هو معرفة الحكم أو الفتوى, إلا أنَّ معلولها الحقيقي أو النهائي أو المطلوب هو معلول فقهي وهو الطاعة والامتثال, أو قل: إنَّ الغرض النهائي للفقه والأُصول غرض واحد.
وإنَّما اخترنا ذلك من أجل [أنَّ] ذكر الحكم الشرعي في التعريف – كما فعل المشهور- لا يستوعب علم الأُصول. فلو كانت الفتوى هي بيان الحكم الشرعي. إذن فالقواعد العقليّة لن تنتج الفتوى، وما الذي نستطيع أن نسمّيها عندئذٍ؟
إذن فلابدَّ من النظر إلى نتائج هذه المرحلة، أعني: الأحكام الشرعيّة أو العقليّة الناتجة من القواعد الأُصوليّة، وهو النظر إلى عالم الامتثال.
أمّا الامتثال فهو تطبيق الحكم الشرعي في عالم الخارج، ومثله الطاعة، إلَّا أنَّها قد تتضمّن معنى أوسع من ذلك, وهو الانقياد لدى عدم وجود الحكم حقيقةً.
ــــــــــــ[94]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
كما أنَّ الوظيفة لها معنى أشمل – كما هو معلوم- يعمّ نتائج الأُصول العمليّة والعقليّة معاً.
فإن قلت: فإنَّه يمكن الاقتصار على مفهوم الوظيفة من حيث شمولها لكلِّ تلك الأُمور.
قلنا: نعم، وكان في ودّي ذلك, لولا أنَّها اصطلاحٌ لدى الأُصوليين المتأخّرين، يختصّ بما ذكرناه من نتائج الأُصول العمليّة والعقليّة.
فإن قلت: فإنَّ (الطاعة) بالمفهوم الذي سمعناه أوسع من (الامتثال), فيمكن الاستغناء بها عنه.
قلنا: نعم، لولا أنَّ (الامتثال) قابل للانطباق على تطبيق الأحكام الوضعيّة مضافاً إلى التكليفيّة، في حين إنَّ (الطاعة) لا تكون كذلك. إذن فبين المفهومين عموماً من وجه.
فإن قلت: فإنَّنا يمكن أن نعطي للامتثال أو الطاعة معنى يشمل طاعة الأُصول العمليّة والعقليّة، ويمكن الاستغناء بها عندئذٍ عن مفهوم الوظيفة الذي ذكرناه.
قلنا: هذا مع إمكانه صحيح، إلَّا أنَّه غير ممكن عرفاً ولا اصطلاحاً.
فإن قلت: فإنَّ من جملة ما يقع في طرف معلولات القواعد الأُصوليّة: العصيان، فلماذا أهملنا ذكره؟
فإنَّ الفرد مع اشتغال الذمّة إمّا أن يفعل فيمتثل أو أن يترك فيعصي، وهو معنى يمكن تعميمه أيضاً للأحكام التكليفيّة والوضعيّة معاً، وأنَّ مَن لم يرتّب الأثر على الحكم الوضعي، فإنَّه يعتبر عاصياً له، وإن كان عاصياً
ــــــــــــ[95]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
بالمباشرة للأحكام التكليفيّة الملازمة له.
قلنا: إنَّ العصيان وإن وقع في مرتبة معلولات الأحكام بديلاً عن الامتثال أو الطاعة أو تطبيق الوظيفة, إلا أنَّ الهدف من تحديد قواعد الأُصول ومن معرفة الأحكام فقهيّاً ليس هو العصيان بل هو الامتثال والطاعة لا محالة.
فإن قلت: فإنَّنا من خلال التعريف أدخلنا الامتثال والطاعة في علم الأُصول، مع أنَّها خارجة عنه أكيداً, بل هي متأخرة رتبة عن علم الفقه، فضلاً عن علم الأُصول.
قلنا: هذا يحتوي على عدم الالتفات التفصيلي إلى المراد. فإنَّنا قلنا أنَّ علم الأُصول هو القواعد التي تحدّد ذلك، أعني: الامتثال والوظيفة، وليس أنَّه هو الامتثال والوظيفة.
وقد أشرنا غير بعيدٍ: أنَّ معلولاته خارجة عن حقيقته, وليست معلولاته إلَّا مثل هذه العناوين.
وبهذا التعريف يمكن أن تندرج كلّ مباحث علم الأُصول، كالأوامر والمفاهيم والإطلاق والعموم والمباحث العقليّة والأُصول العمليّة، ومباحث العلم الإجمالي وأصالة الاشتغال والتخيير العقلي، فضلاً عن مبحث النهي عن العبادة ومبحث النهي عن الضدّ.
نعم، يخرج عن حيّز الأُصول ما لا أثر له أصلاً في الفقه أو في الطاعة والامتثال، كالبحث عن حقيقة الوضع أو حقيقة المعنى الحرفي، أو عن وضع المركّبات, أو مبحث اتّحاد الطلب والإرادة, ومبحث النسخ،
ــــــــــــ[96]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والبحث عن موضوع العلوم عامّة، وموضوع علم الأُصول خاصّة، إلى غير ذلك.
وأمّا مبحث الصحيح والأعمّ فيتوقّف اندراجه في علم الأُصول بوجود أثرٍ له في عالم الامتثال، وكذلك مبحث المشتقّ ومبحث القطع، وأمّا مبحث الاجتهاد والتقليد, فإنَّه مبحثٌ فقهيٌ بكلِّ تأكيد، وإن ألحقه البعض بالأُصول(1).
نعم، نحتاج إلى زيادات في علم الأُصول لم يذكرها مشهور المتأخّرين بالرغم من كونها دخيلة أو محتملة الدخل في الامتثال، أمثال حجّيّة السيرة العقلائيّة، وحجّيّة الارتكاز المتشرّعي، وحجّيّة القياس، ونحو ذلك.
كما أنَّه لا ينبغي إهمال المستقلّات العقليّة, يعني: قاعدة (ما حكم به العقل حكم به الشرع), فإنَّها محتملة الدخل أيضاً.
فإن قلت: فإنَّ المشهور ذكر خصوص ما كان واضح الدخل في ذلك, وأهمل ما هو محتمل, فمجرّد احتمال دخله لا يبرّر بحثه وجعله جزءاً من علم الأُصول.
ــــــــــــ[97]ــــــــــــ
(1) كالعلّامة الحلي قدس سره في مبادئ الأصول: 239، الفصل الثاني عشر: في الاجتهاد، والشيخ حسن قدس سره في المعالم: 238، المطلب التاسع في الاجتهاد والتقليد، والشيخ البهائي قدس سره في زبدة الأُصول: 159، المنهج الرابع في الاجتهاد والتقليد، والشيخ الآخوند قدس سره في كفاية الأُصول: 480، الخاتمة: الاجتهاد والتقليد، والشيخ العراقي قدس سره في مقالات الأصول2: 489، خاتمة في الاجتهاد والتقليد، المقالة السادسة والعشرون.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
[قلنا:] إلا أنَّ هذا لا يتمّ نقضاً وحلاً:
أمّا النقض: فعدد من الأبواب التي ذكروها لمجرّد احتمال دخلها، وقد توصّل جملة منهم إلى أنَّه لا أثر لها أصلا، كالصحيح والأعمّ ومقدّمة الواجب ومبحث الضدّ والمشتقّ وغيرها.
وأمّا الحلّ: فإنَّ مقتضى الاحتياط في الدّين والبحث الدقيق عن الحكم الشرعي هو الفحص عن كلِّ ما هو محتمل الدخل في الحكم الشرعي, وليس الاقتصار على ما هو أكيد؛ لأنَّ أصل حقّ الطاعة متوقّف عليه، وهو النجاة من الخطر المحتمل أو عن استحقاق العقاب.
فإن قلت: فإنَّنا سلّمنا ذلك، لكن ما هو الشأن في كلِّ ما هو خارج يقيناً عن ذلك، كالقياس وأضرابه، فينبغي أن يخرج عن علم الأُصول.
قلنا: هذا لا يتمّ نقضاً وحلاً:
أمّا النقض: فلأنَّ المشهور بحث في مباحث معلومة الزيادة عن الحاجة والدخل، كالأمثلة السابقة التي ذكرناها، بما فيها الوضع والمعنى الحرفي واتّحاد الطلب والإرادة وغيرها.
وأمّا الحلّ: فلأنَّ اليقين المشار إليه بالعدم إنَّما ينشأ بعد البحث والتحليل وإقامة الدليل، وليس موجوداً لكلِّ أحدٍ بالضرورة، فلابدَّ إذن من عرضه والاستدلال على نفيه.
هذا، ولكنّنا هنا بالرغم من كلِّ ما ذكرناه نرغب بالمشي على موضوعات كفاية الأُصول، وإن عرفنا ورود بعض الإشكالات عليها، يعني: أنَّ المنهج الذي عرفناه وسنزيده توضيحاً في الفصل الآتي لا نجعل
ــــــــــــ[98]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
في هذه الدورة الأُصوليّة عليه سيرنا، وإنَّما نسير على الطريق التقليدي المتعارف, حتّى ما إذا كرّرنا الدورة, أو كرّرها غيرنا أمكنه العمل بالمنهج الجديد لعلم الأُصول، بحذف ما هو زائد وإدراج ما هو ناقص.
فإن قلت: فإنَّه بالإمكان الاكتفاء بدل العناوين الثلاثة الواردة في التعريف بعنوانٍ واحد مُغنٍ عنها جميعاً, وهو فراغ الذمّة، فإنَّ فراغها تجاه التكاليف الواقعيّة هو المطلوب، وهو الذي يترتّب على كلِّ تلك العناوين.
قلنا: هذا صحيح، ولكن تبقى مع ذلك بعض الإشكالات:
أوّلاً: أنَّ فراغ الذمّة متأخّر رتبة عن تلك العناوين، فمن الأفضل أخذ ما هو متقدّم في التعريف.
ثانياً: أنَّه على خلاف المصطلح المشهوري.
ثالثاً: أنَّه أعمّ من المطلوب، فإنَّه كما يترتّب على امتثال القواعد الأُصوليّة يترتّب على الفقه والتفسير ونحوها من العلوم التي تتضمّن شيئاً من المسؤوليّة الشرعيّة.
ــــــــــــ[99]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ــــــــــــ[100]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
تقسيم أبواب علم الأصول
يعتقد جملة من الأُصوليّين المتأخّرين: أنَّ من الأفضل ترتيب أبواب علم الأُصول وتقسيمه تقسيماً منطقيّاً صحيحاً(1)؛ وذلك أنَّنا في أيّ علم لا ينبغي لنا أن نذكر أبوابه بشكلٍ مشوّش ومشتّت، بل إنَّنا لو التفتنا لوجدنا له بالدقّة نظاماً خاصّاً يسير عليه، فيتعيّن أن ننظّم أبوابه بذلك النظام، وهذا معنى يشمل أكثر العلوم بل كلّها، بما فيها علم الأُصول.
وهذه القاعدة وإن كانت قابلة للمناقشة في بعض تفاصيلها، إلَّا أنَّه ممّا لا ينبغي إنكاره: أنَّ من الأفضل تطبيق ذلك إلى حدِّ الإمكان، فإنَّه خير من العدم, أي: من التشويش الذي يضلّل المؤلّف والقارئ معاً.
وقد حصل للأُصوليّين المتأخّرين عدّة أشكال من الترتيب, يعتبر كلّ منها اقتراحاً أو أُطروحةً في إمكان ترتيب علم الأُصول بالشكل المقترح.
ومن هنا قد تكون تلك الأُطروحة قابلة للمناقشة، ممّا يؤدّي إلى رجحان تغيير الترتيب.
ونحن فيما يلي نذكر بعض الأُطروحات، ثُمَّ نجد أنَّها قابلة للمناقشة أم لا؟ ثُمَّ ندخل في المعنى المختار لترتيب علم الأُصول:
ــــــــــــ[103]ــــــــــــ
(1) وهو مختار المحقّق الكبير آية الله العظمى الشيخ محمّد حسين الأصفهاني قدس سره، وتلميذه آية الله العلّامة المحقق الشيخ محمّد رضا المظفّر قدس سره، راجع أُصول الفقه1: 52، تقسيم أبحاث علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
تقسيم الآخوند الخراساني
الأُطروحة الأُولى: ترتيب الكفاية، حيث قسّم مباحث علم الأُصول أساساً إلى قسمين: مباحث الألفاظ والمباحث العقليّة. ويراد بمباحث الألفاظ: كلّ قياسٍ دخلت فيه مقدّمة ظهوريّة صغرى أو كبرى، سواء كانت الأُخرى ظهوريّة أم عقليّة. ويراد بالمباحث العقليّة: ما يقابل ذلك, وهو كلّ قياس تخلو مقدّماته من الاستدلال بالظهور, بل تكون كلّ المقدّمات عقليّة محضة.
ثُمَّ قسّم كلّ قسم من هذين إلى أقسامه المعروفة(1).
مناقشة تقسيم الآخوند الخراساني:
إلا أنَّ هذا التقسيم قابل للمناقشة من عدّة جهات:
أوّلاً: أنَّه يحتوى على مباحث غير أُصوليّة قطعاً، كما عرفنا في تعريف علم الأُصول، كموضوعات العلوم والوضع والمعنى الحرفي واتّحاد الطلب والإرادة وغيرها.
ثانياً: أنَّ غالب المباحث العقليّة فيها مقدّمات ظهوريّة، كالبحث عن حجّيّة الظهور أو ظواهر الكتاب أو خبر الواحد أو البراءة الشرعيّة أو
ــــــــــــ[104]ــــــــــــ
(1) يتضح ذلك من خلال مقاصد الكفاية وفصولها. راجع على سبيل المثال: المقصد الأوّل من الكفاية، مبحث الأوامر:59، والمقصد الثاني، مبحث النواهي:147، والمقصد الثالث: 191، والمقصد الرابع: مبحث العامّ والخاصّ:215، والمقصد الخامس: مبحث المطلق والمقيّد:243، والمقصد السادس: مبحث الأمارات: 257، وهكذا.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الاستصحاب. فكيف أمكنه إدراج هذه المباحث ضمن المباحث العقليّة؟
ثالثاً: أنَّ البحث في كثير من موضوعات مباحث الألفاظ عقليّ خالص، كالبحث عن بساطة المشتقّ أو الواجب المعلّق أو الشرط المتأخّر، وكذلك الملازمة بين الأمر بالشيء وحرمة ضدّه أو وجوب مقدّمته.
رابعاً: إلحاق باب الاجتهاد والتقليد بالأُصول مع أنَّه فقهيّ محض.
خامساً: إهمال البحث في عدد من المباحث التي ينبغي إلحاقها بعلم الأُصول، ممّا حذفه المشهور، كالبحث عن حجّيّة السيرة بأنواعها والقياس بأقسامه.
تقسيم العلامة المظفر
الأُطروحة الثانية: ترتيب الشيخ المظفر قدس سره في أُصوله(1)، حيث قسّم علم الأُصول إلى أربعة أقسام، هي: مباحث الألفاظ ومباحث الملازمات العقليّة ومباحث الحجّة ومباحث الأُصول العمليّة. وزاد في بحث الملازمات على الأُسلوب المشهور، البحث في المستقلّات العقليّة، كما زاد في مباحث الحجّة البحث في القياس.
مناقشة تقسيم العلّامة المظفر
وهذا الترتيب وإن كان أدقّ في الجملة من سابقه، إلاَ أنَّه -مع ذلك- يواجه جملة من الإشكالات:
ــــــــــــ[105]ــــــــــــ
(1) أُنظر: أُصول الفقه1: 7، المدخل، تقسيم أبحاثه.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
أوّلاً: أنَّ مثل هذا التقسيم يحتاج إلى تعريف كلّ قسم بشكلٍ كامل؛ لئلّا يلزم منه -ولو احتمالاً- تداخل الأقسام أو شمول عناوين بعضها لما ذكره في القسم الآخر.
ثانياً: أنَّ الترتيب الداخلي لكلِّ قسم – أعني: الحصص المندرجة فيه- غير مرتّبة ترتيباً منطقيّاً، بل مذكورة على منهج المشهور.
ثالثاً: أنَّ التقسيم الرباعي اختياري؛ باعتبار اندراج كلّ الموضوعات المبحوثة مشهوريّاً فيها، وليس بنحو القسمة الحاصرة.
رابعاً: أنَّه قدس سره أدخل في علم الأُصول ما ثبت أنَّه لا دخل له في الاستنباط، ولا يندرج في التعريف قطعاً، كالوضع والمعنى الحرفي والمشتقّ وغيرها.
خامساً: أنَّه زاد في علم الأُصول ما لا ينبغي إدراجه فيه، وهي المستقلّات العقليّة، لو قلنا أنَّه لا يندرج فيه إلّاَ ما ثبت أثره فعلاً؛ لأنَّ الصحيح هو عدم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
سادساً: أنَّه ذكرَ من الأدلّة التي يمكن الاستدلال بها خارج نطاق علمائنا، ذكر القياس فقط، وترك الأدلّة الأُخرى, كالمصالح المرسلة وسدّ الذرائع ومذهب الصحابي وغيرها، مع أنَّ الملاك فيها واحد، وهو احتمال دخلها في الاستدلال, وكون الحديث في القياس أكثر فائدة لا يبرّر الاقتصار عليه.
سابعاً: ذكرَ الدليل العقلي في مباحث الحجّة، في حين أنَّه أنسب ببحث المستقلّات العقليّة كما هو واضح لمَن يفكّر.
ــــــــــــ[106]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثامناً: كان اللازم التعبير بالأمارات بدل مباحث الحجّة، فإنَّ الأمارات هي التي تثبت لوازمها، وأمّا معنى الحجّة فهو أعمّ من ذلك.
تاسعاً: التعادل والتراجيح لفظ خاطئ لغويّاً؛ إذ لم يرد جمع الترجيح على تراجيح.
والمهم الآن أنَّه يشمل معارضة أي دليلين, كالأمارتين أو الأصلين أو الأصل مع الأمارة، فلماذا اقتصر على أحدها متابعة للمشهور؟
عاشراً: الحديث عن النسخ استطرادي أكيداً.
إلى غير ذلك من الإيرادات.
تقسيم أستاذنا الصدر
الأطروحة الثالثة: ترتيب وتقسيم أُستاذنا الصدر لعلم الأُصول(1), ويمكن أن نعرضه كما يلي:
إنَّ الحكم إمّا معلوم تفصيلاً أو معلوم إجمالاً أو غير معلوم أصلاً، وعلى الأخير إمّا أن يكون الدليل عليه محرز أو لا يكون محرزاً، والدليل المحرز إمّا أن يكون شرعيّاً أو عقليّاً، والشرعي إمّا أن يكون لفظيّاً كالمفاهيم, أو لبيّاً كالإجماع، والدليل العقلي هو الملازمات العقليّة بأنواعها, كملازمة الأمر بالشيء لوجوب مقدّمته أو لحرمة ضدّه.
ــــــــــــ[107]ــــــــــــ
(1) راجع بحوث في علم الأُصول1: 57، تمهيد: تقسيم علم الأُصول، المقترح في تقسيم علم الأُصول، ودروس في علم الأُصول3: 37، وما بعدها، الحكم الشرعي وتقسيماته.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والدليل غير المحرز هو الأُصول العمليّة، وقد ذكر فيها: مباحث البراءة والعلم الإجمالي, ودوران الأمر بين المحذورين, وبين التعيين والتخيير, وكذلك الاستصحاب.
ثُمَّ ذكر صور التعارض بين الأدلّة مطلقاً، يعني بكلِّ أصنافها.
مناقشة تقسيم أُستاذنا الصدر
ويمكن المناقشة في هذه الأطروحة بعدّة أُمور:
أوّلاً: أنَّه ذكر القطع عدّة مرّات: مرّة في مبحث القطع، ومرّة في الأسباب التي توجب القطع كالتواتر والإجماع المحصّل, ومرّة في العلم الإجمالي، خلال عنوان الأُصول العمليّة.
ثانياً: أنَّه ذكر العلم الإجمالي مرّتين، مرّة مع القطع وأُخرى مع الأُصول العمليّة.
ثالثاً: أنَّ مبحث القطع إن كان يشمل كلّ أسبابه، إذن فهو يشمل جميع أبحاث الملازمات العقليّة، مع أنَّ المفروض خلاف ذلك مشهوريّاً، وهو أيضاً لا يعترف به.
وبتعبير آخر: إن كان المطلوب في مبحث القطع الاقتصار على عنوانه. إذن فينبغي إخراج كلّ أسبابه حتّى التواتر والإجماع، وإن كان يشمل الحديث عن أسبابه دخلت مباحث الملازمات.
رابعاً: أنَّه ذكر أُموراً لا دخل لها في الاستنباط, كما عرفنا مكرّراً, مثل: المعنى الحرفي ومداليل الجمل الخبريّة والإنشائيّة ووضع الهيئات.
خامساً: أنَّه تأثّر بالمنهج المشهوري؛ أنَّه ذكر الواجب المشروط
ــــــــــــ[108]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والواجب المعلّق والتوصلي والتعبّدي والتخييري في مبحث مقدّمة الواجب، مع أنَّها جميعاً لا ترتبط به حقيقة؛ بل ينبغي كتابتها بعناوين مستقلّة.
سادساً: أنَّه ترك مبحث المشتقّ بعنوان لأنَّه لا أثر له في الاستنباط، مع أنَّه دخيل احتمالاً، وكلّ ما كان كذلك لزم ذكره؛ لأنَّ الشقّ الآخر للاحتمال هو كونه دخيلاً في الاستنباط، هذا مع العلم أنَّه ذكر أُموراً لا دخل لها قطعاً فيه كما أشرنا.
سابعاً: أنَّه ترك بحث النواهي بلا مبرّر، مع وضوح دخله في الاستنباط.
ثامناً: أنَّه لم يرتّب كثيراً من أبحاثه – بل كلّها- بأسلوب حاصر بالقسمة الحاصرة المنطقيّة. وأوضح ما جاء مشوّشاً من هذه الناحية: الأُصول اللفظيّة والأُصول العمليّة.
التقسيم المقترح لمباحث علم الأُصول
الحصر المقترح: الدليل إمّا أن يكون موجوداً أو أن لا يكون موجوداً، فإن كان موجوداً فهو إمّا قطعي أو غير قطعي، والدليل القطعي إمّا منتج للقطع التفصيلي أو للقطع الإجمالي أو العلم الإجمالي.
والدليل غير القطعي إمّا عقلي أو شرعي، والشرعي إمّا لفظي أو غير لفظي، واللفظي إمّا مباشر أو غير مباشر (وهو المفاهيم), والمباشر إمّا له محركيّة أو لا، وما له محركيّة إمّا أمر (وهو الأوامر) أو نهي (وهو النواهي)، وما ليس له محركيّة إمّا له شمول أو ليس له شمول، وما له شمول فشموله
ــــــــــــ[109]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
إمّا بمقدّمات الحكمة (وهو الإطلاق) أو بأدوات العموم (وهو العموم) وما ليس له شمول، فإمّا أن يكون بيّن المعنى (وهو المشتقّ) أو لا يكون بيّن المعنى (وهو المجمل).
والدليل الشرعي غير اللفظي (وهو اللبّي) إمّا ناتج من عمل العقلاء (وهو السيرة العقلائيّة) وإمّا من المتشرّعة (وهو سيرة المتشرّعة) أو ارتكاز أحد الاثنين، أو ناتج من العلماء، وهم إمّا خاصّة (وهو الإجماع) أو أشمل من ذلك (وهو إجماع علماء المسلمين).
والدليل العقلي إمّا مباشر أو غير مباشر، والمباشر إمّا مدرَك بالعقل النظري (كاشتراط القدرة في التكليف) أو بالعقل العملي (كالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع) أو غير مباشر, والأخير إمّا بحث عن الواجب نفسه أو عن مقدّمته أو عن ضدّه.
والمقدّمة إمّا للوجوب أو للواجب، ومقدّمة الواجب إمّا متقدّمة عليه أو مزامنة له أو متأخّرة عنه، كما أنَّ المقدّمة قد تصدق قبل فعليّة الوجوب وقد تصدق بعدها، فالأخير هو المقدّمة المتعارفة، والأُولى هي المقدّمات المفوّتة.
وأمّا عند عدم الدليل، فإمّا أن يكون للشيء حالة سابقة أو لا، فالأوّل مجرى للاستصحاب، والثاني مجرى للبراءة العقليّة أو الشرعيّة.
والأُصول إمّا ساذجة أو متعارضة، والتعارض إمّا بين طرفين متساويين أو غير متساويين، والمتساويين إمّا محصوران (وهو الشبهة المحصورة للعلم الإجمالي) وإمّا غير محصورين (وهو الشبهة غير
ــــــــــــ[110]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المحصورة)، أو بين حكمين متضادّين (وهو الدوران بين المحذورين). وغير المتساويين إمّا ارتباطيّان أو لا، وعلى الثاني يكون من دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر الاستقلاليّين، كما قد يكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
فهذا هو حاصل التقسيم, وبه أسقطنا ما ينبغي إخراجه عن علم الأُصول، وهو ما لا ارتباط له قطعاً بفراغ الذّمة، كما سبق أن ذكرناه.
ويمكن ملاحظة أنَّ التقسيم كان بلحاظ الدليل، ولكن يمكن أن يقال: إنَّه تقسيم غير منحصر، بل يمكن أن يكون بلحاظ الموضوع، فإذا اخترنا أنَّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة – وسيأتي التعرّض لذلك – أمكن تقسيم الحال إلى فرض وجودها تارةً وإلى فرض عدمها أُخرى.
فمورد عدمها هو مورد الأُصول العمليّة التي قد تكون شرعيّة وقد تكون عقليّة، ومورد وجودها يلحقها الحكم الخاصّ بها، كالبحث عن ظواهر الكتاب أو عن حجيّة خبر الواحد وهكذا.
وكذلك يقع الكلام في فرض تعارضها، إلى آخر التقسيم.
كما يمكن التقسيم من حيث الهدف، وهو تشخيص الوظيفة. فإنَّ الوظيفة إمّا أن تكون حكماً واقعيّاً أو ظاهريّاً أو عقليّاً، أو لا يوجد حكم إطلاقاً، والحكم الواقعي إمّا معلوم تفصيلاً أو إجمالاً، والحكم الظاهري إمّا أن يقع الكلام عنه كبرى أو صغرى، فالكبرى مثل حجّيّة الظواهر وحجّيّة خبر الواحد، والصغرى ما كان صغرى لذلك؛ كالمفاهيم والإطلاق
ــــــــــــ[111]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والعموم والأوامر والنواهي. وإذا انعدم الدليل كان مورد الأُصول العمليّة، وهي إمّا محرزة أو غير محرزة، وغير المحرزة إمّا شرعيّة أو عقليّة.
تَمَّ الحديث عن صور التعارض بين الأدلّة.
وبذلك يمكن أن نعرف أنَّ تقسيم علم الأُصول – بل أيّ علم- لا ينبغي أن يقع من وجهٍ واحد، بل يمكن أن يكون على وجوه مختلفة، وكلّها تقع صحيحة، بشرط أن تكون من وجهة تسلسلها وانقسامها ذات شرطين:
أوّلاً: أن تكون بنحو القسمة الحاصرة.
وثانياً: أن تكون الأقسام جامعة مانعة، فلا تدخل في العلم ما ينبغي إخراجه، ولا تخرج ما ينبغي إدخاله.
ــــــــــــ[112]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
موضوع علم الأصول
[هل لعلم الأصول موضوع أم لا؟]
ممّا ينبغي وقوع الكلام فيه مقدّمة لما هو الهدف الآن, وهو الدخول في أبواب علم الأُصول، وهو ما خاض فيه – فعلاً- الأُصوليون وخاصّة المتأخّرون منهم، هو البحث عن موضوع هذا العلم، وأنَّه هل له موضوع أم لا؟
وإن كان له موضوع فما هو؟
وينبغي أن يقع الكلام في الكبرى والصغرى معاً.
ونعني بالكبرى حاجة العلوم عموماً إلى موضوعٍ، كما نعني بالصغرى الحديث عن تعيين موضوع علم الأُصول بالذّات.
هل لكلِّ علم موضوع أم لا؟
أمّا الحديث في الكبرى: وهي أنَّه هل لكلِّ علم موضوع أم لا؟
وقد استدلّوا لذلك ببعض الأدلّة نسردها ونشير إلى ما يمكن أن يكون حولها من مناقشة:
الدليل الأوّل(1): أنَّ لكلِّ علم غرضاً،
وهو في علم الأُصول استنباط الحكم الشرعي، وفي النحو صون الكلام من الخطأ وهكذا، وهو غرض واحد كلّي، فيحتاج إلى علّة كليّة واحدة هي الموضوع، وهذا الموضوع لا
ــــــــــــ[115]ــــــــــــ
(1) ورد هذا الدليل في جملةٍ من كتابات الأعلام، أُنظر على سبيل المثال: بدائع الأفكار (للرشتي):30، بحوث علم الأُصول1: 37، تمهيد: موضوع العلم، محاضرات في أُصول الفقه 1: 16، الأمر الثالث في بيان موضوع العلم.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
يمكن أن يتعدّد اعتماداً على القاعدة القائلة: إنَّ الواحد لا يصدر إلاَ من الواحد(1). فوجود الغرض يكشف عن وجود جامع كلّي بين موضوعات مسائل ذلك العلم؛ إذ لو كانت موضوعاته متباينة للزم وجود الواحد الكلّي من كثرات كليّة متعدّدة، وهو خلف القاعدة، فإنَّها كما تشمل الواحد الشخصي تشمل الواحد الكلّي أيضاً.
جواب أُستاذنا الصدر عن الدليل الأوّل:
وأجاب عنه أُستاذنا الصدر: بأنَّ أغراض العلوم تتصوّر على مرتبتين:
المرتبة الأُولى: مرتبة التدوين والتعليم، فإنَّ كلّ من يدرس علماً أو يدوّنه لابدَّ أن يكون له غرض في ذلك، ولا ينبغي أن يكون نظر البرهان إلى ذلك؛ لأنَّه غرض يختلف من شخصٍ إلى آخر، فقد يتعلّق غرضه بدراسة أو تدوين نصف العلم، وقد يتعلّق غرضه بدراسة العلم كلّه، وقد يتعلّق بدراسة علوم متعدّدة، مع أنَّ الغرض واحد. ولا يوجد لهذه المرتبة غرض
ــــــــــــ[116]ــــــــــــ
(1) ذُكر في الأبحاث الفلسفيّة: أنَّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد. وقد حاول بعض الأصوليّين الاستدلال بهذه القاعدة لإثبات ضرورة وجود موضوعٍ خاصٍّ لكل علم تدور حوله مسائل ذلك العلم. بتقريب: أنَّ لكلِّ علم غرضاً واحداً مرتّباً على مسائله. والغرض الواحد لابدَّ أن يصدر من واحد، لا من متعدّد. فلابدَّ من وجود وحدة نوعيّة بين الموضوعات المختلفة لمسائل العلم الواحد، وهذه الوحدة النوعيّة هي ما يعبّر عنه بموضوع العلم. أُنظر الحكمة المتعالية2: 204-209، شرح المنظومة، قسم الحكمة:132، ونهاية الحكمة:165، الفصل الرابع: في أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
نوعي لكي نطبّق عليه قاعدة: أنَّ الواحد لا يصدر الّاَ من الواحد.
المرتبة الثانية: مرتبة القواعد المدوّنة بوجودها الواقعي النفس الأمري في اللوحِ المناسب لها.
فإنَّ هذه القواعد يترتّب عليها أثرٌ واحد كلّي هو المسمّى بغرض العلم, بقطع النظر عن أغراض الأشخاص.
ولذا قالوا: إنَّ الغرض من علم النحو صون الكلام عن الخطأ، إلا أنَّه يتبادر إلى ذهن الإنسان: أنَّ هذه القواعد ليس لها أثرٌ بوجودها الواقعي، ولا يترتّب عليها صون اللسان، فكيف يطبّق عليها قاعدة: إنَّ الواحد لا يصدر إلا من الواحد.
ولأجل الجواب على ذلك تقريبان لإثبات أنَّ هناك غرضاً كليّاً مترتّباً على القواعد بوجودها الواقعي:
التقريب الأوّل: إنَّ الغرض من القواعد النحويّة ليس هو صون اللسان فعلاً, بل التمكّن من الصون.
وبتعبير آخر: إنَّها جزء العلّة فيه، والأجزاء الأُخرى راجعة إلى علم الإنسان بها وإرادته لتطبيقها.
إلا أنَّ هذا التقريب لا ينفعنا في تطبيق البرهان؛ لأنَّ المراد بالغرض هل هو واقع الصيانة أو عنوانها؟ فإن كان المراد واقعها، وهو أن يقول في مسألة الفاعل: ضرب زيد, وفي مسألة المفعول: ضرب زيداً، فهما متباينان، فلم نحصل ـ إذن ـ على أثر واحد كلّي لكي يكون مصداقاً لقاعدة: إنَّ الواحد لا يصدر إلا من واحد.
ــــــــــــ[117]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وإن كان الغرض هو عنوان الصيانة, وهو غرضٌ مشترك بين أبواب العلم، إلَّا أنَّه استند إليها لا باعتباره جامعاً ذاتيّاً للقواعد النحويّة، بل باعتباره وصفاً عرضيّاً مشتركاً بينهما، وباعتبار كونها عقلائيّة ومقبولة بين أهل اللغة(1).
لا يقال: إنَّ الغرض الواقعي وإن لم يوجد في النحو، لكنّه يوجد في العلوم الأُخرى.
فإنَّه يقال: إنَّه يكفينا نفي القضيّة الكليّة، فإنَّه ما دام غير موجود في النحو فهو غير موجود في العلوم الأُخرى.
التقريب الثاني: إنَّ الغرض من القواعد النفس الأمريّة ليس هو أن يُوجد الكلام الصحيح خارجاً، بل الغرض هو أن يصحّ الكلام في نفسه، سواء نطق به إنسان خارجاً أم لا، وهذا ممّا يترتّب حتماً على القواعد النحويّة، وتكون علّة تامّة له.
وهذا التقريب أيضاً لا ينفع، فإنَّ صحّة الكلام لا معنى لها إلَّا مطابقة الكلام مع القاعدة النحويّة. والمطابقة نسبة قائمة بين القاعدة والكلام الخارجي، ومعه لا معنى لأن يُبرهن على وحدة الموضوع بوحدة الغرض.
وبتعبير آخر: إنَّ النسبة تتقوّم بطرفيها، فهناك نسب عديدة بعدد القواعد، وهي تابعة بعددها وكليّتها لأطرافها، فإن كان هناك جامع بين الأطراف كان بين النسب جامع، وإلا فلا، فلا معنى لأن يبرهن على
ــــــــــــ[118]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 37- 40، وما بعدها، الجهة الثانية: في موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المطابقة بين القواعد وموضوعاتها الخارجيّة بوحدة الغرض بأن تكون هي برهاناً على أنَّ طرفها أمرٌ واحد كلّي(1).
مناقشة أصل الدليل
ويمكن الجواب على أصل هذا الدليل بوجوه أُخرى:
الوجه الأوّل: الطعن في انطباق قاعدة: إنَّ الواحد لا يصدر إلا عن واحد، على محلّ الكلام. وإن سلّمناها في الموارد الأُخرى، فإنَّها إن صدقت فإنَّما تنطبق على الموارد التكوينيّة دون الموارد الاختياريّة، مع أنَّ موارد تطبيق قواعد العلوم اختياريّة وليست تكوينيّة، فتكون خارجة عن مدلول القاعدة. وهذا التفصيل في القاعدة موكولٌ إلى محلّه من الفلسفة.
الوجه الثاني: أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ قواعد العلوم -بما فيها علم الأُصول- قواعد واقعيّة نفس الأمريّة، وكذلك تطبيقاتها الفقهيّة، كما سبق أن قلنا، كلّ ما في الأمر أنَّ وجودها النفس الأمري لا أثر له بالنسبة إلى المكلّفين إلا بعد علمهم به، مع أنَّ قانون: إنَّ الواحد لا يصدر إلا من واحد، قانون خارجي، يعني: لا يمكن صدور الواحد من الكثير في الخارج، فاختلف عالم القواعد عن عالم هذا القانون، فلا يكون مؤثّراً فيها.
فإن قلت: فإنَّ الأُمور الواقعيّة – كاستحالة اجتماع الضدّين- تؤثّر في الخارج مع اختلاف العوالم.
قلنا: نعم، لكن العكس لا مورد له, وهو تأثير الخارج في عالم الواقع؛
ــــــــــــ[119]ــــــــــــ
(1) راجع المصدر السابق.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
لأنَّه من قبيل تأثير العالم الأضعف بالعالم الأعلى أو الأقوى.
الوجه الثالث: أنَّنا لو سلّمنا تأثير القانون المشار إليه في الواحد بالشخص، فإنَّنا لا نسلّمه في الواحد بالنوع. [و] يكفي مثالاً له: السواد الذي يحدث في الورقة عند الاحتراق، فإنَّه من مقولةٍ غير مقولة الحرارة، مع أنَّه أثّر فيها ذلك. والقواعد العلميّة من هذا القبيل، يعني: واحدة بالنوع لا بالشخص، فلا تكون مشمولة لذلك القانون.
الوجه الرابع: أنَّ التطبيق الفقهي للقواعد ليس معلولاً لها – إطلاقاً- في الخارج، وإنَّما علّته هو إرادة واختيار الإنسان الذي يقوم بتطبيقها، ونسبة المورد إلى القواعد ليست نسبة المعلول إلى العلّة, بل نسبة المصداق إلى الكلّي. من قبيل أن نقول: كلّ مفعول به منصوب, وهذا مفعول به، إذن فهذا منصوب.
إن قلت: فإنَّ عنوان (صون اللسان عن الخطأ) ليس مصداقاً للقاعدة, بل هو معلول لها.
قلنا: إنَّه يجاب ذلك بأكثر من جواب:
أوّلاً: إنَّ عنوان (الصون) عنوانٌ منتزع في طول التطبيق، ومعلول له؛ إذ لولا التطبيق لما حصل الصون، لا أنَّه معلول للقاعدة ابتداءً.
ثانياً: إنَّ عنوان (الصون) عنوانٌ انتزاعي، فعالمه هو عالم الذهن، وهو لا يناسب عالم القواعد الذي هو عالم الواقع أو عالم الخارج، ومع تعدّد العوالم تنتفي العليّة والمعلوليّة كما أسلفنا؛ لأنَّ ذلك فرع السنخيّة، وهي غير موجودة مع اختلاف العوالم.
ــــــــــــ[120]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الدليل الثاني – على الكبرى-: وهي أنَّ لكلِّ علم موضوعاً(1):
إنَّ التمايز بين العلوم بالموضوعات، فلابدَّ أن يفرض لكلِّ علم موضوع، ولولا ذلك لم يكن متميّزاً عن سائر العلوم.
ففرض كونه علماً هو فرض كونه ذا موضوع.
ويمكن أن يجاب عنه بجوابين:
جواب الآخوند الخراساني عن الدليل الثاني:
الجواب الأوّل: ما ذكره صاحب الكفاية: من أنَّه يلزم أن يكون لكلِّ باب موضوع خاصّ به، فباب الفاعل موضوعه الفاعل وباب المفعول به موضوعه المفعول به، وهكذا(2).
مناقشة كلام الآخوند الخراساني:
ويمكن أن يُستشكل على ذلك بإشكالين:
الإشكال الأوّل: إنَّ موضوعات الأبواب هل هي متباينة أم داخلة تحت موضوع كلّي واحد؟
فإن كانت متباينة استحال أن تكون موضوعاً لعلمٍ واحد لدى المشهور، بل سيكون كلّ باب علماً مستقلاً، وإن كانت داخلة تحت موضوع كلّي واحد، كان ذلك الموضوع هو موضوع العلم. وليس موضوعات الأبواب التفصيليّة.
الإشكال الثاني: ما ذكره أُستاذنا الصدر، وهو: أنَّ مَن يقول بتمايز
ــــــــــــ[121]ــــــــــــ
(1) راجع شرح المطالع:18.
(2) أُنظر: كفاية الأُصول:8، موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
العلوم بالموضوعات لا يقصد به أيّ موضوعٍ كيفما اتّفق، ليرد الإشكال, بل يقصدون الموضوع الذي لا تكون عوارضه الذاتيّة عوارض ذاتيّة لموضوعٍ أعمّ منه, وإلّاَ لم يصلح أن يكون موضوعاً للعلم. فمثلاً: عنوان (الفاعل) موضوع متميّز عن المفعول، إلا أنَّ عوارضه الذاتيّة لموضوع أعمّ منه, وهو الكلمة، ولذا لا يمكن جعل عنوان الفاعل موضوعاً للعلم(1).
إذن فلا مجال لهذا النقض من قبل صاحب الكفاية.
هذا، ويمكن بالدّقّة إرجاع الإشكالين إلى إشكال واحد مشترك، كما هو معلوم لمن يفكّر.
الجواب الثاني: إنَّ هذا الدليل يحتوي على مصادرة على الموضوع؛ وذلك لأنَّه أخذ مسلّماً أنَّ التمايز بين العلوم إنَّما يكون بالموضوعات دون غيرها، وهذا هو محلّ الكلام؛ لأنَّنا إذا لم نتبيّن لحدِّ الآن أنَّ لكلِّ علم موضوعاً, فكيف نعرف أنَّ تمايز العلوم بالموضوعات؟
استحالة وجود الموضوع
هذا، وقد تحدّث جماعة من الأُصوليّين عن استحالة وجود الموضوع لأيّ علم، وأنَّ البرهان قد قام على هذه الاستحالة.
كلمات الأعلام في بيان وجه استحالة وجود الموضوع
وقد استدلّوا على ذلك بمستويين من الاستدلال.
ــــــــــــ[122]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 41، الجهة الثانية: موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المستوى الأوّل: استحالة وجود الموضوع لكلِّ علم عموماً.
المستوى الثاني: استحالة وجود الموضوع لعلم الفقه خاصّة.
أمّا في المستوى الأوّل: فقد قالوا : إنَّ أهم العلوم وأعمّها يستحيل أن يكون بين موضوعاتها جامع نوعي أو مقولي، فكيف بسائر العلوم(1).
وأهم العلوم وأعمّها هو الفلسفة والمنطق، فإنَّه لا جامع بين الوجود والعدم وبين الإمكان والامتناع وبين اللانهاية والمحدود وبين الواجب والممكن، ونحو ذلك.
كلام السيّد الخوئي في المقام ومناقشته
وأمّا في المستوى الثاني: فقد قُرّب في كلمات السيّد الأُستاذ بتقريبين(2):
التقريب الأوّل: أنَّنا إذا لاحظنا علم الفقه فسنجد أنَّ محمولاته كلّها أحكام شرعيّة اعتباريّة، و الجامع بين الأُمور الاعتباريّة لا يكون إلَّا اعتباريّاً، ولا يمكن أن يكون حقيقيّاً. إذن فلا يمكن أن نتصوّر قضيّة جامعة محمولاً وموضوعاً لعلم الفقه.
إلا أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأكثر من إشكال:
ــــــــــــ[123]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 41، موضوع علم الأُصول، المقالة الثانية: قيام البرهان على عدم وجود موضوع لكلِّ علم، محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)25:1، الأمر الثالث، في بيان موضوع العلم وعوارضه الذاتيّة وتمايز العلوم.
(2) أنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 23، وما بعدها، موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
أوّلاً: إنَّ الجامع بين الأحكام وإن سلّمنا كونه اعتباريّاً – الذي هو بمنزلة المحمول في الفقه- إلا أنَّه لا يلازم عدم وجود الجامع المقولي بين الموضوعات؛ إذ يمكن أن يكون الموضوع المقولي ذا محمولٍ اعتباري.
ثانياً: إنَّه يمكن النقاش في كون وجود الحكم وجوداً اعتباريّاً بعد أن كانت حقيقته قائمة بالإرادة النفسيّة التشريعيّة القائمة في نفس المولى.
ثالثاً: ما ذكره أُستاذنا الصدر من أنَّ الاعتبار له حيثيّتان: حيثيّة نفس الاعتبار، وحيثيّة المعتـبَر – بالفتح- والأمر الأوّل حقيقي والثاني اعتباري وهمي. والجامع المطلوب في المقام ليس بلحاظ حيثيّة المعتبَر، بل بلحاظ حيثيّة الاعتبار, وهي أُمور حقيقيّة قائمة في نفس المولى, ناشئة من اهتماماتٍ وملاكاتٍ حقيقيّة، وهي أُمور حقيقيّة يتصوّر بينها وجود جامع حقيقي(1).
وهذا الوجه إن رجع إلى الوجه الذي قبله كان صحيحاً، وإلا أمكنت المناقشة فيه من حيث إنَّ نسبة المعتبَر إلى الاعتبار إمّا هو العينيّة أو هو المعلوليّة، وعلى كلا التقديرين يستحيل أن لا يكون مقوليّاً، أمّا على العينية فواضح؛ لأنَّ الأمر الاعتباري لا يكون عين المعنى الحقيقي، وأمّا على المعلوليّة فواضح أيضاً؛ لضرورة الاتحاد في السنخيّة بين العلّة والمعلول. فإذا اختلفت السنخيّة استحالت العليّة.
التقريب الثاني – لعدم وجود الجامع بين موضوعات علم الفقه-: ما
ــــــــــــ[124]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 42، الجهة الثانية: موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
يتحصّل أيضاً من كلمات السيّد الأُستاذ(1) حيث يقال: إنَّ موضوعات هذا العلم من مقولات مختلفة، ويستحيل أن يكون بين المقولات المتعدّدة جامع ماهوي واحد، فإنَّ بعضها من مقولة الجوهر كالدم، وبعضها من الكيف المسموع كالقراءة، وبعضها من الوضع كالركوع، وبعضها من الأُمور العدميّة كالتروك. فتصوير الجامع بينها يلزم منه تصوير الجامع بين مقولتين عاليتين كالوضع والكيف، أو الجامع بين الوجود والعدم، وهو غير معقول. فإن تَمَّ البرهان على أنَّه لا جامع ماهوي بين مقولة الجوهر والمقولات العرضيّة، ولا بينها أنفسها، كما لا جامع بين المقولات والأُمور الانتزاعيّة. ولو كان هناك جامع، لكان جامعاً انتزاعيّاً لا مقوليّاً؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.
والأمر أولى في علم الأُصول؛ إذ لا جامع بين الضدّين ولا بين الأوامر والنواهي، ولا بين العامّ والخاصّ وبين المطلق والمقيّد، وبين الأدلّة المحرزة وغير المحرزة، ولا بين المعلوم والمشكوك, ولا ما بين ما له حالة سابقة وما ليس له وهكذا.
فإن قلت: إنَّ هذا خاصٌّ غير عامٍّ، فلئن كان علم الفقه وعلم الأُصول كذلك، فإنَّه لا يلزم أن يكون كلّ علم كذلك، فلربما كان من العلوم ما له جامع ماهوي بين موضوعاته.
قلنا: يمكن الجواب على ذلك بأكثر من وجه:
ــــــــــــ[125]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 23، وما بعدها، موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الوجه الأوّل: أنَّ أعلى العلوم – وهو الفلسفة- لا يوجد جامع بين موضوعاته، فكيف بما هو دونها.
الوجه الثاني: أنَّنا لو قبلنا تنزّلاً إمكان وقوع ذلك، إلا أنَّ همّنا الآن البحث والفحص عن علمي الفقه والأُصول، وقد عرفنا تعذّر الجامع فيها.
جواب السيّد الشهيد الصدر ومناقشته
وقد أجاب أُستاذنا الصدر على هذا التقريب الثاني(1): أنَّ تصوير الموضوع الجامع للعلم هل هو الجامع بين موضوعاته بحسب تدوينها خارجاً أم بحسب وجوداتها الواقعيّة؟
أمّا بحسب التدوين: فيتعذّر فرض الموضوع الكلّي للعلم لا للفقه فقط, بل للفلسفة أيضاً؛ لأنَّ موضوعها هو الموجود, بينما (الموجود) يقع في كثير من مسائل الفلسفة محمولاً، كقولنا: العقل موجود، والواجب موجود، ومع ذلك لم يستشكل الفلاسفة والأُصوليّون بوجود موضوعٍ كلّي للفلسفة.
وهذا معناه عدم النظر إلى الموضوعات بحسب تدوينها الخارجي.
وهذا بخلاف ما إذا أخذنا الوجود الواقعي للموضوعات، حيث نقول: إنَّ الوجود قد يكون واجباً وقد يكون ممكناً، وقد يكون جوهراً وقد يكون عرضاً وقد يكون […](2)، وهكذا، فتصبح هذه الأُمور محمولاً
ــــــــــــ[126]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 43، الجهة الثانية: موضوع علم الأُصول.
2- الكلمة غير واضحة في الأصل
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
للموجود، وإن دوّنت على أنَّ الموجود محمول لها، فإنَّ التدوين قد ينشأ من سلائق لغويّة وغيرها.
وكذلك الحال في علم اللغة, فإنَّ موضوعه في التدوين هو فعل المكلَّف، فلا يعقل انطباقه على الأعيان الخارجيّة كالدم والميتة. وأمّا موضوعه في الواقع فهو الحكم الشرعي، ونسبته إليه كنسبة الوجود إلى الجوهر والعرض، فيقال: إنَّ الجوهر موجود، يعني: أنَّ الوجود متعيّنٌ بوجودٍ جوهري. وهنا يقال أيضاً: إنَّ الصلاة واجبةٌ، يعني: أنَّ الوجوب متعيّن بالصلاة، وكلّ مسائل الفقه هي بحث في تعيينات الحكم الشرعي، كما أنَّ الفلسفة بحث في تعيينات الوجود.
إلا أنَّ مثل هذا البيان لا يمكن أن يتمّ لأُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ هذه المفارقة التي فرضت بين الواقع والتدوين لأيّ علم، وهذا التغاير بينهما هل هو صحيح أم لا؟ فإن كان أمراً صحيحاً، إذن فالتدوين كاذب؛ لأنَّه يعطي صورة غير مطابقة عن الواقع الذي يتحدّث عنه، ويكون الاعتماد الكلّي على الواقع دون التدوين، وإن كان أمراً غير صحيح، فهو خلف افتراض تلك المفارقة, بل كانت هناك مطابقة لا مفارقة. ومع المطابقة فالمفروض أنَّ الواقع مطابق للتدوين، فإذا كان الإشكال وارداً على التدوين كان وارداً على الواقع أيضاً، يعني لا يمكن أن يكون هناك جامع بين موضوعات العلم واقعاً.
الأمر الثاني: أنَّ همّ الأُصوليّين في معرفة الجامع بين الموضوعات هو أن يكون جامعاً ماهويّاً مقوليّاً، لا جامعاً انتزاعيّاً، والحكم الشرعي إذا
ــــــــــــ[127]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
سلّمنا أنَّه جامع بين موضوعات الفقه، فإنَّما هو جامع انتزاعي وليس مقوليّاً.
فإن قلت: فإنَّ واقع الحكم الشرعي يرجع إلى إرادات المولى، وهي التي يجب طاعتها حقيقة، وهي أُمور مقوليّة.
قلنا: هذا وإن كان صحيحاً، إلا أنَّه لا يكون موضوعاً لعلم الفقه، بل موضوعه ـ لو تَمَّ ـ فإنَّما هو الحكم الشرعي بوجوده الخطابي، وهو بهذا الوجود انتزاعي وليس مقوليّاً.
الأمر الثالث: أنَّه لا جامع بين أفراد الحكم الشرعي، وهو الحرمة والوجوب أو الإلزام والزجر, وكذلك المستحبّ والمكروه، وكذلك نسبة الإباحة إلى أيّ الأحكام الأربعة الأُخرى، فإنَّ فصولها متناقضة، ولا جامع بينها.
ومن هذا يتّضح أنَّ مفهوم الحكم الشرعي إن صلح جامعاً، فإنَّما هو بصفته انتزاعيّاً لا بصفته واقعيّاً.
فإن قلت: إنَّ الفرق بين الحرمة والوجوب هو تعلّق الإلزام بالفعل أو الترك, فبقي معنى الإلزام واحداً.
قلنا: إنَّ الإلزام يتحدّد بطرفه، وطرفه هو الفعل والترك، وهما نقيضان.
وبتعبير آخر: إنَّ الإلزام بمنزلة الجنس، والجنس وحده غير مقوّم للماهيّة ما لم ينضمّ إلى الفصل، فإذا كان الفصلان نقيضان كانت الماهيّتان متناقضتين.
ــــــــــــ[128]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الأمر الرابع: إذا صدق كلّ ذلك بالنسبة إلى الفلسفة والفقه، فإنَّنا لا نسلّم صدقه في علم الأُصول؛ فإنَّه أوضح في التناقض أو التضادّ أو التنافر بين موضوعاته كما سبق أن قلنا.
كلام السيّد الشهيد الصدر في وحدة الموضوعات ومناقشته
ثُمَّ قال أُستاذنا الصدر: إنَّه لا إشكال أنَّ كلَّ علمٍ من العلوم له وحدة صار بها علماً على حدة، كما لا إشكال أنَّ وحدته سابقة على التدوين.
وهذه الوحدة لابدَّ أن تنشأ من أحد أُمورٍ ثلاثة: إمّا الموضوع أو المحمول أو الغرض.
فإن نشأت وحدته من وحدة الموضوع فقد تبيّن المطلوب، وهو أنَّ لكلِّ علمٍ موضوعاً.
وإن نشأت من وحدة المحمول، فهذا المحمول هو موضوع العلم؛ لأنَّنا لا نريد بالموضوع إلَّا ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة. ففي الفلسفة مثلاً لا جامع بين الجوهر والعرض، ولكن هناك جامع بين وجود الجوهر ووجود العرض.
وإن نشأت الوحدة من وحدة الغرض، فهذا الغرض إن كان من سنخ النسب، إذن فلا يعقل وحدته إلا بوحدة طرفه، فيرجع إلى وحدة الموضوع أو المحمول. وإن كان أمراً حقيقيّاً خارجيّاً معلولاً للقضايا، كالصحّة والمرض في علم الطبّ، فإنَّ مسائله كلّها تلحظ باعتبار دخلها في ذلك، فموضوعه هو الصحّة، والبحث فيه عن أسبابها ومواقعها. وكذلك في الفلسفة العالية، فإنَّه يبحث في سببه الأقصى، وهو الواجب. والفلاسفة
ــــــــــــ[129]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
حين قالوا: إنَّ لكلِّ علمٍ موضوعاً، لم يريدوا أكثر من ذلك(1).
إلا أنَّ هذا البيان قابل للمناقشة؛ لأنَّه يحتوي على محاولةٍ لإرجاع العناوين الثلاثة -الموضوع والمحمول والغرض- إلى أنَّ كلّها موضوعات للعلم.
وبتعبير آخر: إنَّه إرجاع الأخيرين إلى الأوّل، وفي هذا تسامح غريب.
أمّا الموضوع فقد ثبت عدم وجوده؛ لاستحالة وجود الجامع بين عدد من العناوين كما سبق.
وأمّا المحمول، فهو ليس موضوعاً للأدلّة والقياسات؛ لأنَّ كلّ الأدلّة هي من قبيل المحمول لذلك الموضوع. وإن جعلنا كلّ محمولٍ موضوعاً، أمكن ترامي الموضوعات والمحمولات في سلسلةٍ طويلةٍ نخرج بها عن ذلك العلم، بل أنَّنا نخرج عنه بمجرّد أن نجعل محمولاته موضوعات. فإنَّ محمولات كلّ علم إنَّما تصلح أن تكون موضوعات في غيره من العلوم، لا في نفس العلم.
وأمّا الغرض فإن صحّ أنَّ به وحدة العلم، فإنَّه ينفي الوحدة بالموضوع كما هو محلّ الكلام. ومن الواضح أنَّ الغرض بوجوده الحقيقي والخارجي متأخّر رتبة عن العلم، في حين إنَّ الموضوع متقدّم رتبة عليه. فإن جعلنا الغرض موضوعاً كان من تأخير المتقدّم وهو مستحيل.
ــــــــــــ[130]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 44، الجهة الثانية: موضوع علم الأُصول، تحقيق في المقدمة الأُولى.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
مضافاً إلى أنَّ في كون الغرض من سنخ النسب – كما احتمله- تسامحاً واضحاً؛ لأنَّ الغرض – أعني: واقع الغرض- معنى اسمي واستقلالي في ذاته، ولذا يكون تصوّره قبل الفعل ووجوده بعده، وهو ما سمّي بالعلّة الغائيّة. ولو كان نسبة لما كان تصوّره مستقلاً ولا وجوده كذلك، وإنَّما كان احتمال ذلك مجرّد تطويل الطريق، ولم يمثّل له بأيّ مثال.
على أنَّ الموضوعات في الفقه والأُصول متباينة والمحمولات كذلك.
وأمّا الأغراض فهي متباينة بتباين المحمولات؛ لأنَّ لكلِّ محمول غرضاً يناسبه، فغرض الوجوب هو الفعل، وغرض الحرمة هو الترك. ولا جامع بين الوجوب والحرمة، ولا بين الفعل والترك.
فإن قلت: إنَّه يجمع بينهما عنوان الوظيفة، وهو عنوانٌ أخذناه في تعريف علم الأُصول, فلا مانع من جعله موضوع العلم وركن وحدته.
قلنا: هذا يجاب بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ ما هو الوظيفة هو محمولاتٌ للعلم وليست موضوعات.
وبتعبير أدّق: إنَّها من قبيل المتعلّق، وهو فعل المكلّف. ويستحيل أن يكون فعل المكلّف موضوعاً, بل الموضوع سابق عليه بالضرورة، كالزوال بالنسبة إلى الصلاة.
الأمر الثاني: إنَّ عنوان الوظيفة جامع انتزاعي, بل اصطلاحي، وكذلك استعملناه في التعريف، وليس جامعاً حقيقيّاً لمجموع موضوعات الأبواب، كما هو محلّ الكلام.
ــــــــــــ[131]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ومعه، فإذا تعذّرت وحدة العلوم بالموضوعات والمحمولات والأغراض، فالذي يمكن أن يقال: أن يكون للعلم وحدة عرفيّة ناشئة من تشابه أو تسانخ عرفي بين الأبواب والفصول والاصطلاحات، وطرق البحث والموضوعات، وإن لم تكن هذه متشابهة بالدقّة العقليّة الحقيقيّة. فإنَّ للعرف تسامحاً واضحاً في إدراك الأُمور، ولا شكّ أنَّه يجد لكلِّ علمٍ من العلوم المتعارفة والمتصوّرة شكلاً مستقلاً عن العلوم الأُخرى, ويُدرك لها مغزى وموضوعاً ولغة مستقلّة، وهذا يكفي في تمايز العلوم.
غير أنَّ فيه خسارةً من جهةٍ أُخرى، وهو عدم إمكان تعيين الاستطراد في العلم، والاستطراد هو الخروج عن الموضوع أو عن الغرض، وهو ممنوع في العلوم الدقيقة والرصينة، إلا أنَّ هذا إنَّما يمكن تعيينه في طول وحدة الموضوع أو الغرض، وأمّا مع تعذّرهما فقد لا يكون التعرّض في العلم إلى بعض الأُمور الجانبيّة استطراداً؛ لمدى المشابهة بينها وبين صلب العلم. نعم، قد يكون الفرق فارقاً جدّاً، بحيث يراه العرف خارجاً عن العلم، فذاك ما هو خارج فعلاً.
وينبغي أن نلتفت في هذا الصدد: أنَّ ما ثبت عدمه أو استحالته لحدِّ الآن هو وحدة الموضوع أو المحمول أو الهدف في العلوم المدوّنة المعروفة فعلاً بين البشر، بما فيها الفلسفة والحكمة المتعالية. ولكن هذا لا يعني عدم إمكان تأسيس علم أو علوم يُلتزم فيها بموضوعٍ واحد أو محمولٍ واحد أو غرضٍ واحد، مع حذف الباقي أو التصريح بكونه استطراداً خارجاً عن العلم، بل يمكن ذلك في العلوم السائدة المعروفة الآن، غير أنَّه يلزم من
ــــــــــــ[132]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ذلك تجزئتها إلى قسمين أو أقسام، فمثلاً يكون الحديث عن الوجود هو الأصل في الفلسفة، والحديث عن العدم استطراداً، كما يكون الحديث عن الوظيفة العمليّة الناتجة عن الأُصول العمليّة هي الأصل في علم الأُصول، ويكون الحديث عن الظواهر اللغويّة عموماً استطراداً، أو أن ينقسم إلى علمين, لكلِّ بابٍ من هذين البابين علم مستقلٍّ، إلَّا أنَّه كما ترى خلاف العادة الجارية.
حديث المشهور عن موضوعات العلوم
قسّم مشهور الأُصوليّين الواسطة في الاتّصاف إلى قسمين:
واسطة في العروض وواسطة في الثبوت(1).
فالواسطة في العروض، هي: الواسطة المتّصفة، كالحركة في السفينة، فإنَّها حركةٌ لها ولراكبها.
والواسطة في الثبوت، هي: الواسطة غير المتّصفة, كالحركة في إثبات الحرارة للجسم.
وهناك الواسطة في الإثبات، وهي الواسطة في العلم كالقياس.
ــــــــــــ[133]ــــــــــــ
(1) راجع هداية المسترشدين1: 110، موضوع علم الفقه ومبادئه ومسائله، الفصول الغرويّة:10، المقدمة، كفاية الأُصول:185، تنبيهات مسألة الإجماع، التنبيه الثالث، مقالات الأُصول1: 48، المقالة الأُولى: ما يتعلق بالعلم وموضوعه، فوائد الأُصول1: 20، تفسير العرض الذّاتي والعرض الغريب، أُصول الفقه2: 416، المسألة الخامسة، المبحث الأوّل: النهي عن العبادة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وقالوا: إنَّ العرض إمّا أن يلحق الشيء لذاته, كعروض الإدراك للإنسان أو لجزئه المساوي, كعروض الفصل للنوع أو لجزئه الأخصّ، كعروض النوع للجنس، أو للخارج المساوي، كعروض الخاصّة للنوع، أو لجزئه الأعمّ, كعروض الجنس للنوع، أو للخارج الأعمّ, كعروض خاصّة الجنس للنوع، أو للخارج الأخصّ, كعروض خاصّة النوع للجنس(1).
وحيث قال صاحب الكفاية قدس سره إنَّ موضوع كلّ علم، هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، وهو ما كان بلا واسطة في العروض(2).
فقوله: (بلا واسطة في العروض) يدخل ثلاثة من الأُمور السابقة ويخرج أربعة.
فيدخل ما يعرض على الشيء لذاته أو للذّاتي وهو الجزء المساوي, والجزء الأخصّ والأعمّ، ويخرج ما هو عرضي وهو الخارج المساوي والأخصّ والأعمّ، أو العرض الغريب كالواسطة في العروض، كمثال السفينة المتحرّكة بالإنسان.
قالوا: وهذا لا ينطبق إلاَ على المعقولات كالفلسفة، وتكون عوارض العلوم الأُخرى كالعوارض الغريبة الخارجة عن الذّات؛ فإنَّ الرفع لا يعرض للفاعليّة بل للكلمة، والفاعليّة علّة في الثبوت لا في العروض. والمهم أنَّ الفاعليّة ونحوها أُمور انتزاعيّة وليست ذاتيّة، كما أنَّ محمولاتها
ــــــــــــ[134]ــــــــــــ
(1) راجع هداية المسترشدين1: 108، موضوع علم الفقه ومبادئه ومسائله، الفصول الغرويّة:10، المقدمة.
(2) أُنظر كفاية الأُصول:7، المقدمة في بيان أُمور.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وهي الرفع أو مطلق الإعراب, كالنصب والجرِّ ليست ذاتيّة, بل هي بحسب ما نطق به العرب أو ما جعله الشارع المقدّس(1) ونحو ذلك.
ويمكن المناقشة في ذلك بأن يقال: إن كان المراد من عدم الواسطة في العروض حقيقة العروض بدليل صحّة الحمل، كما لو قيل: الإنسان ناطق أو ضاحك، فكلّ تلك الأقسام داخلة لصحّة الحمل فيها جميعاً، ما عدا ثبوت الذّات لذاتها، فإنَّه ليس من العروض.
وإن كان المراد الذّاتي في باب الكليّات، فيدخل فيها ما كان ذاتيّاً ويخرج عروض الخاصّة والغريب بكلِّ أنواعه.
كما يمكن القول: بعدم العروض على الواسطة فيها جميعاً، بل العروض بسببها.
تقسيم المحقق العراقي
وهو ألطف التقسيمات في هذا الصدد، وهو: أن يكون العارض أو المحمول على أحد أنحاء:
النحو الأوّل: أن يكون ذاتيّاً في باب الكليّات, كالجنس والفصل.
النحو الثاني: أن يكون ذاتيّاً في باب الماهيّات، خارجاً عنها لازماً لها، كالحرارة للنار.
ــــــــــــ[135]ــــــــــــ
(1) أُنظر تفصيل ذلك في الجوهر النضيد:212، تعليقة الحكيم السبزواري على الأسفار1: 32، شرح المطالع:18، وفوائد الأُصول1: 20، وما بعدها، تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله، عناية الأُصول1: 4، موضوع العلم.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
النحو الثالث: أن يكون ثابتاً بواسطة تعليليّة وهي الواسطة في الثبوت, كمجاورة النار التي هي سبب لوجود الحرارة في النار.
وهذه الحيثيّة التعليليّة تارةً تكون مساوية، وأُخرى أعمّ، وثالثة أخصّ.
وعلى هذه الأنحاء: يكون العرض ذاتيّاً؛ لأنَّه عارضٌ على معروضه بالدّقة.
النحو الرابع: أن يكون عارضاً بحيثيّة تقييديّة وهي الواسطة في العروض، على أن يكون – أي: الواسطة- جزءاً تحليليّاً من الواسطة، كعروض أعراض النوع وهي الخاصّة على الجنس.
النحو الخامس: أن يكون العروض بواسطةٍ هي جزء الموضوع, كعروض أعراض الجنس على النوع.
النحو السادس: أن تكون الواسطة تقييديّة, وهي الواسطة في العروض، وتكون مباينةً ذاتاً مع ذيها متّحدة معه وجوداً، كإعراض الفصل بالنسبة إلى الجنس، وإعراض الجنس بالنسبة إلى الفصل.
النحو السابع: أن تكون الواسطة في العروض مغايرة ذاتاً ووجوداً، كالسرعة بالنسبة إلى الجسم.
ثُمَّ قال: إنَّ المناط في الذاتيّة إمّا عالم الحمل وإمّا عالم العروض.
أمّا بالنسبة إلى الحمل، فيصبح كلّه ذاتيّاً إلا الأخير. وأمّا بالنسبة إلى العروض، فالثلاثة الأخيرة عرضيّة؛ إذ لا عروض حقيقة.
والثلاثة الأُولى ذاتيّة. وأمّا القسم الرابع، فهو عروض
ــــــــــــ[136]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ضمني للجنس بواسطة النوع، فإن قلنا بكفايته في العروض كان العروض ذاتيّاً، وإلا فهو غريب.
ثُمَّ استظهر: أنَّ المهمّ هو(1) العروض الاستقلالي، ولا استقلال في النحو الرابع فيكون غريباً(2).
مناقشة المحقّق العراقي في تقسيم العوارض
ويمكن المناقشة فيما قال بما يلي:
أوّلاً: إنَّه تقسيم مشوّش وغير حاصر بالقسمة العقليّة, بل من الواضح أنَّه يضيف إلى كلِّ قسمٍ ما يراه مناسباً من القيود، وهذا النحو من التقسيم لا يكون مقبولاً بالدقّة؛ إذ لعلّ هناك أقساماً أُخرى لها أحكام أُخرى.
ثانياً: إنَّه يتّضح من تقسيمه أنَّه يعتبر المحمول ذاتيّاً حين تكون واسطته واسطةً في الثبوت, وغريباً حين تكون واسطته واسطةً في العروض، مع أنَّ هذا ليس مجرّد اصطلاح, بل أمر تكويني؛ لأنَّ واسطة الثبوت غير متّصفة, وواسطة العروض متّصفة، وهذا معنى يناسب كلاً من الذاتي والعرضي معاً، وليس الأمران بمتلازمين عقلاً.
ثالثاً: إنَّه يتّضح من تقسيمه أنَّه يعتبر الجهة التعليليّة هي الواسطة في الثبوت، والجهة التقييديّة هي الواسطة في العروض، مع أنَّ الجهتين
ــــــــــــ[137]ــــــــــــ
(1) العروض لا الحمل، وأنَه العروض الاستقلالي لا الضمني (منه قدس سره).
2- راجع نهاية الأفكار1: 13، الأمر الأوّل: في بيان تعريف العلم وموضوعه، شرح العرض الذّاتي.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
اصطلاحٌ أُصولي, والواسطتان اصطلاح منطقي. ومن الأكيد أنَّ كلتا الواسطتين تندرجان في الجهة التعليليّة؛ لأنَّ كلتيهما من قبيل العلّة أو جزئها، سواء كانت متّصفة أم لا، ولا يراد بالجهة التقييديّة إلَّا القيد, كتقييد الرقبة بالمؤمنة، فالإيمان جهة تقييديّة للرقبة، وهو أمر لا ينطبق على كلتا الواسطتين.
فإن قلت: إنَّه ينطبق على الواسطة في العروض؛ لأنَّها متّصفة, أي: مقيّدة بالعروض عليها، فتكون تقييدية.
قلنا: يراد بالتقييد هنا: تقييد المعروض بجهة عروضه، يعني: أن تكون الواسطة في العروض قيداً لا مقيّداً، وهي وإن كانت قيداً أحياناً إلا أنَّ لها نحواً من العليّة، فيصحّ النظر إليها من حيث كونها جهة تعليليّة لا تقييديّة.
وبتعبير آخر: إنَّها من ناحية العرض نفسه تعليليّة خالصة.
رابعاً: إنَّه يميّز بين الحمل والعروض, مع أنَّهما متلازمان دائماً، فما ثبت فيه العروض صحّ حمله وبالعكس. ومن هنا نجد صحّة الحمل في الأقسام السبعة كلّها، حتّى الأخير؛ لصحّة الحمل فيه. وليس معنى صحّة الحمل كون المحمول عرضاً ذاتيّاً ولا يصحّ في غير الذّاتي كما هو واضح, بل يصحّ في كلا الحالين.
خامساً: إنّه قدس سره يعتبر العروض الذّاتي ما يعرض بنفسه أو بواسطةٍ في الثبوت والعروض, والعرضي ما يعرض بواسطةٍ في العروض، وهذا وإن كان مشهوريّاً إلا أنَّه ليس دقيقاً؛ لأنَّ الذّاتي هو لازم الوجود أو لازم
ــــــــــــ[138]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الماهيّة، سواء عرض بلا واسطة أو عرض بواسطةٍ في الثبوت أو بواسطةٍ في العروض، وغيره ليس بذاتي أيضاً بكلِّ هذه الأقسام.
فينبغي تمييز الذّاتي عن غيره في المرتبة السابقة على ملاحظة العروض ووسائطه، لا في المرتبة المتأخّرة عنها.
تقسيم الشيخ النائيني
قال ما مؤدّاه: إنَّ العارض تارةً يعرض بلا واسطة شيءٍ أصلاً، كإدراك الكليّات العارض للنفس الناطقة، فلا إشكال في كونه من العوارض الذاتيّة، فإنَّ المعروض فيها هي نفس الحقيقة من دون تدخّلٍ لشيءٍ آخر.
وإن كان العروض بواسطة أمرٍ آخر، فتارةً يكون ذلك الأمر داخليّاً كالجنس والفصل، وأُخرى خارجيّاً، فإن كان فصلاً، فلا إشكال في كون عوارضه من العوارض الذاتيّة أيضاً؛ فإنَّ فعليّة النوع وتحصّله بفصله. وإن كان جنساً فقد وقع فيه الخلاف والإشكال من جهة عدم كونه ما به فعليّة النوع فلا يكون عارضاً ذاتيّاً للنوع، ومن جهة تقوّم النوع به ولو باعتبار أنَّه جزؤه بالقوّة، والحقّ هو الثاني.
والإشكال عليه: بأنَّ عوارض الجنس لو كانت ذاتيّة لزم تداخل جملة من العلوم في تمام مسائلها، فإنَّ الموضوع في علم النحو مثلاً هي الكلمة والكلام، وموضوع مسائله الفاعل والمفعول وغير ذلك. فلو فرضنا أنَّ جميع ما يعرض للجنس هي من العوارض الذاتيّة. إذن لابدَّ أن يبحث في علم النحو عن جميع ما يعرض لمسائله، فيلزم إدخال جميع المسائل الأدبيّة فيه.
ــــــــــــ[139]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
مدفوعٌ: بأنَّ الموضوع حيث قيّد بحيثيّة الإعراب أو البناء, فكلّ عارض له دخل في الحيثيّة المذكورة يبحث عنه في علم النحو لا كلّ عارضٍ ذاتي(1).
إشكال السيّد الخوئي في المقام والإيراد عليه
وقد استشكل في ذلك سيّدنا الأُستاذ: من حيث إنَّ الخلاف إنَّما هو في كون ما يعرض للجنس هو ذاتي للنوع أو غير ذاتي، لا في كون عارض نوع ذاتيّاً للنوع الآخر, وإن فرض كون عوارض النوع ذاتيّة للجنس أيضاً(2).
ويرد عليه:
أوّلاً: أنَّ هذه الكبرى التي ذكرها لا صغرى لها في كلام الشيخ النائيني، من حيث إنَّه قصد من العلوم الأدبيّة جنس ما يرتبط باللغة من العلوم، لا خصوص أنواع معيّنة من هذا الجنس.
ثانياً: أنَّ فرض كون عوارض النوع ذاتيّة للجنس وعوارض الجنس ذاتيّة للنوع، إذن تكون عوارض أحد النوعين ذاتيّة للنوع الآخر بواسطة ثبوتها للجنس.
ــــــــــــ[140]ــــــــــــ
(1) أنظر: فوائد الأُصول1: 25، المقدّمة: في بيان نبذة مباحث الألفاظ، الكلام في بيان موضوعه، الجهة الأُولى، أجود التقريرات1: 4، تعريف علم الأُصول، المائز بين العوارض الذاتيّة والعرضيّة.
(2) أجود التقريرات1: هامش ص4، تعريف علم الأُصول، المائز بين العوارض الذاتيّة والعرضيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
مناقشة الميرزا النائيني في تقسيم العوارض
إلا أنَّه يرد على كلام الشيخ النائيني:
أوّلاً: أنَّ التقييد بحيثيّة الإعراب لا يكفي؛ لعدم صحّة حمل سائر محمولات العلوم على موضوعات علم النحو؛ باعتبار بُعد فرض كونها ذاتيّة لها.
ثانياً: كأنَّه أخذ مسلّماً أنَّ حيثيّة الإعراب والبناء ذاتيّة للكلمة، وهو أوّل الكلام.
ولو ضممنا بين هذين الإشكالين، كان التقييد بهذه الحيثيّة من تقييد الذّاتي بغير الذّاتي، وهو غير مقبول في دفع إمكان حمل محمولات العلوم الأدبيّة الذّاتيّة على موضوع علم النحو، وهو الكلمة؛ لأنَّ الجهة الذّاتيّة لا تنتفي بالتقييد العرضي كما هو واضح.
ثُمَّ قال الشيخ النائيني: وأمّا الخارجي، فإمّا أن يكون مبايناً أو أعمّ أو أخصّ أو مساوياً، لا كلام في كون عوارض الأوّلين من العوارض الغريبة، وأمّا عوارض الأخصّ أو المساوي فيحتاج إلى تحقيق الحال(1).
وهذا منه قدس سره محلُّ إشكال؛ لأنَّنا إن أردنا من العرض الخارجي ما لم يكن ذاتيّاً، فكلّ أقسامه تصبح كذلك، وإن قصدنا منه الزائد على الذّات، فسوف يكون بعض أقسام الأعمّ ذاتيّاً إذا كان لازماً للماهيّة، كالحرارة للنار، وليست كلّ أقسامه غريبة كما أخذه مسلّماً.
ــــــــــــ[141]ــــــــــــ
(1) أجود التقريرات1: 5، تعريف علم الأُصول، المائز بين العوارض الذاتيّة والعرضيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثُمَّ قال: أمّا عوارض الأخصّ، فالمشهور أنَّها غريبة, وبذلك يُشكل على كون محمولات العلوم ذاتيّة لموضوعاتها؛ لأنَّها إنَّما تعرض لموضوعات المسائل أوّلاً وبالذّات, وبواسطتها تعرض لموضوعات العلوم(1).
وجوابه: إنَّنا حيث قيّدنا الموضوع بالحيثيّة المذكورة، كان انطباق موضوع العلم على مسائله بنحو العينيّة، بحيث يحمل عليها بالحمل الشايع الصناعي.
وبهذا التقييد بالحيثيّة تندفع الشبهة الناشئة من أعميّة موضوعات المسائل عن موضوع العلم، كمباحث الألفاظ بالقياس إلى الأدلّة الأربعة، بناءً على أنَّ عوارض الجنس للنوع من العوارض الغريبة.
وجه الاندفاع: أنَّ موضوعات المسائل وإن كانت أعمّ بحسب الظاهر، إلَّا أنَّ البحث عنها مقيّد بحيثيّة خاصّة، وهو ورودها في الكتاب والسنّة، ولم يكن عروض المحمولات بتلك الحيثيّة، فلا يلزم أعميّة الموضوعات من تلك الجهة المبحوث عنها، وإن كانت أعمّ من الجهة الأُخرى.
أقول: وأوضح إشكال على ذلك: أنَّ نسبة مباحث الألفاظ بالقياس إلى الأدلّة الأربعة – أو بتعبير آخر: خصوص الكتاب والسنّة- ليست هي نسبة الجنس إلى النوع؛ إذ لا يوجد أعميّة لا من هذا الجانب بالخصوص ولا من ذاك، بل بينهما عموم من وجه، كما هو ظاهر؛ لوضوح أنَّ مباحث
ــــــــــــ[142]ــــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الألفاظ تشمل غير الكتاب والسنّة، كما أنَّ الكتاب والسنّة تشمل غير مباحث الألفاظ.
مضافاً: إلى أنَّ التقييد بالحيثيّة لا يكون اختياريّاً بحال، فكلّ موضوع وجدناه أعمّ، قيّدناه بحيثيّة خاصّة. فلو وجدنا موضوع العلم أخصّ من موضوع مسائله، قيّدنا موضوع المسائل كالذي قاله في تقييد الكلمة بحيثيّة الإعراب، ولو وجدنا العكس قيّدنا موضوع العلم، وهكذا.
هذا مضافاً إلى أنَّ تقييد مباحث الألفاظ بما ورد منها في الكتاب والسنّة لا يكفي؛ لوضوح أنَّ ما هو الوارد هناك أعمّ من التشريع، كالوعظ وقصص الأنبياء وغيرها. وقد حُقّق في محلّه من علم الأُصول عدم حجيّة الأوامر والنواهي وغيرها في غير التشريع الذي هو مورد الحجّيّة والتنجيز والتعذير(1).
ثُمَّ قال قدس سره أيضاً: وأمّا عوارض الأمر الخارجي المساوي المنتهي إلى الذّات ولو بوسائط, كعروض إدراك الكليّات الذي هو لازم الفصل على الإنسان المستتبع لعروض التعجّب المستتبع لعروض الضحك، فقد وقع فيها الخلاف والإشكال(2).
ــــــــــــ[143]ــــــــــــ
(1) راجع على سبيل المثال بحوث في علم الأُصول2: 15، وما بعدها، دلالات مادّة الأمر، الجهة الثانية: في اعتبار العلوّ أو الاستعلاء في الأمر.
(2) فوائد الأصول1: 21، تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله، الكلام في بيان موضوعه، أجود التقريرات1: 8، تعريف علم الأُصول، المبادئ التصوريّة والتصديقية والأحكامية.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فنقول: أمّا العارض الأوّل فلا واسطة له حتّى يقال أنَّها واسطة في الثبوت أو العروض، وأمّا الثاني وهو التعجّب لكونها واسطة ثبوتيّة؛ لأنَّ الواسطة عارضة بلا واسطة، وأمّا العارض الثالث وهو الضحك فله واسطة في العروض، فإنَّ واسطة عروضه تحتاج إلى واسطة أُخرى في الثبوت أيضاً.
فالميزان: أنَّ العارض إن احتاج إلى واسطة مباشرة, فالواسطة في الثبوت وإلاَ ففي العروض.
أقول: وكأنَّ الشيخ النائيني هنا يريد أن يغيّر اصطلاح الفلاسفة. فبعد أن كانت الواسطة في الثبوت عندهم هي الواسطة غير المتّصفة, والواسطة في العروض هي المتّصفة، وهذا ما سبق أن أخذ به في كلماته السابقة، رجع الآن ليغيّر الاصطلاح نفسه، فيجعل ذا الواسطة الواحدة المباشرة واسطة في الثبوت, والأكثر واسطة في العروض، سواء كانت الوسائط متّصفة أم لا، ومن المعلوم أن تغيير الاصطلاح ممّا لا محصّل له.
مضافاً إلى أنَّه في كلامه هذا وإن أشار إلى محلِّ الخلاف لكن لم يذكر وجهه، ولو ذكر وجهه لما انتهى الأمر إلى ما قال، فمثلاً إذا كان الخلاف في أنَّ الوسائط في الأمثلة التي ذكرها هل هي في الثبوت أم في العروض؟ فمعناه الخلاف في أنَّها هل هي متّصفة أم لا؟ ومعه لا يكون تغيير الاصطلاح جواباً شافياً.
فإنَّ خلافهم في أنَّ واسطة ما أفي الثبوت هي أم في العروض؟ إنَّما هو خلاف في صغرى المسألة لا في كبراها، حتّى يكون جوابه وارداً.
ــــــــــــ[144]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
هذا مضافاً إلى أنَّ ذاك الاصطلاح ممّا جرى عليه التسالم والإجماع بين الفلاسفة وأهل الفنّ، فالانفراد بتغيير الاصطلاح بلا موجب.
هذا، ولو تنزّلنا عن هذا الذي قلناه، لم يكن ما أورده عليه السيّد الأُستاذ وارداً.
حيث قال: إنَّ الميزان في الواسطة في الثبوت هو أن يكون الواسطة علّة لثبوت العارض لمعروضه، سواء كانت الوسائط متعدّدة أم غير متعدّدة، والتفصيل بين احتياج الواسطة إلى واسطة أُخرى وعدمه بلا وجه(1).
والوجه في الاندفاع: أنَّ الميزان الذي ذكره ليس بميزان؛ لأنَّه يحتوي على إهمال للاصطلاح السائد، فإنَّ كلاً من الواسطة في العروض والواسطة في الثبوت هما علّة لثبوت العارض لمعروضه. فعلى ما قاله: قد اندرجت الواسطة في العروض في مفهوم الواسطة في الثبوت، مع أنَّهم مثلّوا بوضوحٍ: أنَّ الواسطة المتّصفة هي في العروض، كالسفينة بالنسبة إلى الراكب، وهي تتّصف بالحركة، وغير المتّصفة هي واسطة في الثبوت، كالمجاورة في انتقال الحرارة، فإنَّ المجاورة غير متّصفة بالحرارة، ولكنّها علّة في ثبوتها في الآخر.
ثُمَّ قال الشيخ النائيني: إنَّه يمكن أن يقال: إنَّ هذا العارض مع الواسطة في العروض أيضاً من الأعراض الذاتيّة؛ لانتهائه إلى الذّات
ــــــــــــ[145]ــــــــــــ
(1) أجود التقريرات1: هانش ص8، تعريف علم الأُصول، المبادئ التصويريّة والتصديقيّة والأحكاميّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
بالآخرة. كما يمكن أن يقال: إنّه من العوارض الغريبة؛ باعتبار أنَّه لم يعرض لا لنفس الذّات ولا بواسطة في الثبوت، لكن الحقّ هو الأوّل(1).
وفي هذا الكلام وجوه من النظر:
أوّلاً: إنَّ الانتهاء إلى الذّات بواسطة أو وسائط لا يعني كونه ذاتيّاً؛ لوضوح إنَّ كلّ العوارض تنتهي إليها، حتّى مثل الضحك والقيام والكتابة، ممّا هو مسلّم العرضيّة.
ثانياً: إنَّه ليس كلّ ما كان مُنتهٍ إلى الذّات بواسطةٍ في الثبوت كان ذاتيّاً، سواء قصدنا من هذه الواسطة ما هو الاصطلاح أو ما قاله الشيخ نفسه، فمثلاً: أنَّ الضحك يثبت للإنسان بصفته ناطقاً لا بصفته حيواناً، وهو واسطة في الثبوت بكلا الاصطلاحين, كما هو واضح لمَن يفكّر.
ثالثاً: أنَّه ليس كلّ ما هو منتهي إلى الذّات بواسطةٍ في العروض، فهو عرضيّ بكلا الاصطلاحين أيضاً، أمّا على اصطلاح المشهور فواضح, كالإدراك الثابت بسبب النطق، فإنَّ النطق واسطة في العروض بصفته متّصفاً؛ لأنَّه ليس إلا القدرة على الإدراك، وأمّا على اصطلاحه – وهو ما ثبت بواسطتين فأكثر- فإنَّه وإن كان الأغلب هو أن يكون عرضيّاً، إلَّا أنَّ إمكان الذاتيّة عنه غير بعيد.
ــــــــــــ[146]ــــــــــــ
(1) أجود التقريرات1: 8، تعريف علم الأُصول، المبادئ التصوريّة والتصديقيّة والأحكاميّة، فوائد الأُصول1: 21، تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله، الكلام في بيان الموضوع.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ما أفاده المحقّق النائيني من تقييد تمايز العلوم بالحيثيّة وجوابه
ثُمَّ قال الشيخ النائيني >قدّس الله روحه<: وبه ينقدح القول في تمايز العلوم، أي: بالحيثيّة في الموضوع أو بالعرض، ولولا الحيثيّة لكانت العلوم متداخلة؛ لأنَّ الكلمة لها عوارض متعدّدة، يبحث في كلِّ علم عنها(1).
وجواب ذلك: إنَّنا يمكن أن نقتصر في البحث في كلّ علمٍ على العرض الذّاتي، وليست كلّ العوارض ذاتيّة كما هو واضح، بل لا يمكن أن يكون العرض الذّاتي إلا واحداً، على القاعدة المشهوريّة وهي المناسبة بين العلّة والمعلول، ولولا ذلك لم ينفع قيد الحيثيّة؛ لأنَّها أمرٌ – عارض أوّلاً واختياريّ ثانياً- نستطيع إيجاده وحذفه، ولا أقلّ أنَّ واضع العلم يستطيع ذلك، إلا إذا ارتبطت الحيثيّة بالغرض فيعود تمايز العلوم بالأغراض، فهذا الموضع الذّاتي – مثلاً- له حصص متعدّدة، كلّها تكون ذاتيّة بطبيعة الحال، وكلّ منها مرتبطة بغرضٍ أو أنَّها علّة له، فيكون بحث ذلك الموضوع من حيث تلك الحصّة علماً برأسه.
وما يقال: إنَّ الموضوع أسبق رتبةً من الغرض، فلا يكون الغرض بمجرّده سبباً في تمايز العلوم.
جوابه: أوّلاً: أنَّ الغرض ليس متأخّراً رتبةً عن الموضوع؛ لأنَّه عبارة عن العلّة الغائيّة، وهي وإن كانت بوجودها الخارجي لاحقة، لكنّها
ــــــــــــ[147]ــــــــــــ
(1) أُنظر: فوائد الأصول1: 24، وما بعدها، تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله، المائز بين العلوم بعضها من بعض، أجود التقريرات1: 4، وما بعدها، المائز بين العوارض الذاتيّة والعرضيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
بوجودها الذهني سابقة, بل قد تكون أسبق من الموضوع نفسه.
ثانياً: إنَّنا لو تنزّلنا عن ذلك المعنى تعذّر تمايز العلوم بالموضوع وحده كما عرفنا، فنصير إلى التمييز بالغرض، وإن كان متأخّراً.
كلام الآخوند في المقام وجوابه
لا يقال: -كما قال في الكفاية(1)-: إنَّ هذا يلزم منه تداخل علمين في تمام مسائلهما، مع وجود غرضين متلازمين في الترتّب على جميع المسائل.
جوابه: أوّلاً: أنَّ هذا ممتنع عادة.
ثانياً: إنَّنا يمكن أن نسلّم عندئذٍ أنَّهما علم واحد لا علمان.
ثالثاً: إنَّه مع تعدّد الغرض يتعدّد العلم وإن كانا متلازمين متساويين.
رابعاً: إنَّه مع تعدّد الموضوع يتعدّد العلم وإن اتّحد الغرض.
والمختار في هذا الصدد أنَّه لا يوجد عرض ذاتي إلَّا ما كانت صفته الذاتيّة في المرتبة السابقة عن عروضه، وهي كونه لازم الوجود أو لازم الماهيّة، ولا يمكن أن تتحدّد الذاتيّة باعتبار الواسطة التي تكون سبباً للاتّصاف بالعرض، فلو لم يكن العرض ذاتيّاً بذلك المعنى, ولكنّه أصبح عارضاً بواسطةٍ في الثبوت لا بدون واسطة أصلاً، لم يصبح بمجرّد ذلك ذاتيّاً، فربط ذاتيّة الأعراض باعتبار وسائطها قول مستأنف.
فإن قلت: إنَّ هذا اصطلاح آخر للذّاتي غير ذلك.
ــــــــــــ[148]ــــــــــــ
(1) راجع كفاية الأُصول:7، المقدمة في بيان أُمور، الأمر الأوّل: تعريف موضوع العلم.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
قلنا: أوّلاً: إنَّ هذا ممّا يرد في كلمات الأُصوليّين المتأخّرين، وليس له في كلمات قدمائهم ولا الفلاسفة والمتكلّمين أيُّ أثرٍ.
ثانياً: إنَّ هذا الاصطلاح الثاني إن كان ناجحاً في مسألة تمايز العلوم لأمكن الأخذ به، ولكنّنا سمعنا الإشكال عليه من مختلف المحقّقين، وبعضها إشكالات واردة، فأصبح هذا الاصطلاح بلا موجب.
ولو سلّمنا هذا الاصطلاح فإنَّه لا دليل على انحصار البحث في أيّ علمٍ عن العوارض الذاتيّة لموضوعه، لو سلّمنا أنَّ له موضوعاً واحداً. بل يمكن أن يبحث في العلم عن أيِّ جهةٍ من جهات ذلك الموضوع.
فإن قلت: إنَّه يلزم على ذلك تداخل عدد من العلوم.
قلنا: يحول دون ذلك التمايز العرفي بين العلمين كما سبق أن قلنا.
هذا, ولا دليل أيضاً على أنَّ العرض الذّاتي ما كان بلا واسطةٍ في العروض، بل ما كان ذاتيّاً في المرتبة السابقة على العروض, كما قلنا قبل قليل.
كما لا دليل على أنَّ لكلِّ علمٍ موضوعاً واحداً بنحو الكبرى، بحيث لا يمكن أن يتعدّاه. ومن هنا لا يبقى دليلٌ على أنَّ تمايز العلوم بالموضوعات.
وأمّا التمايز بالمحمولات فغير محتملٍ؛ لأنَّ لكلِّ بابٍ من أبواب العلم الواحد محمولاً مستقلاً، أو عدّة محمولات، وقد يتعذّر وجود جامع ماهوي بين تلك المحمولات.
وأمّا التمايز بالأغراض فقد سبق أن تحدّثنا عنه واستشكلنا فيه.
ــــــــــــ[149]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وخلصنا إلى القول بأنَّ المهم في الوحدة في العلم والتمايز بين العلوم هو الوحدة العرفيّة لا الوحدة الدقيّة بأيّ وجه، لا يخرج عن ذلك -كما سبق- حتّى علم الفلسفة فضلاً عن غيره من العلوم.
موضوع علم الأُصول تطبيقيا
كلام المحقّق القمي والسيّد الشهيد الصدر في المقام وجوابه
قال المحقّق القمي وأُستاذنا الصدر: إنَّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة بما هي(1)، أي: بحدِّ ذاتها لا بما هي أدلّة.
ونقطة القوّة في ذلك: هي أنَّنا نحتاج إلى أدلّةٍ مسبقة على علم الأُصول لكي نثبت بها صحّة موضوعه، لا أن نستدلّ بمسائله نفسها على صحّته، وإلا لزم الدور، والأدلّة الأربعة (غير الإجماع) صالحة لذلك؛ لأنَّ حجّيتها مبحوثة في المرتبة السابقة – على علم الأُصول- في الفلسفة وعلم الكلام.
إلاَ أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لأنَّ معناه: أنَّ هذه الأدلّة موضوع لعلم الكلام وليس لعلم الأُصول، ويكون محمولها هناك هو الحجّيّة ووجوب الطاعة.
ثانياً: أنَّ حجّيّتها صفة انتزاعيّة وليست حقيقة ماهويّة, سواء في علم الكلام أو الأُصول، مع أنَّهم يبحثون عن جامع ماهوي بين موضوعاته
ــــــــــــ[150]ــــــــــــ
(1) راجع قوانين الأُصول:5، المقدمة في تعريف علم أُصول الفقه، محاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 69، موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ومحمولاته.
وما قيل: من أنَّ الحجيّة تثبت للأدلّة بلا واسطة في العروض.
وإن كان صحيحاً، إلا أنَّه إنَّما يناسب مرادهم في العروض الحقيقيّة المقوليّة، لا في العروض الانتزاعيّة.
ثالثاً: خروج أكثر مباحث علم الأُصول عن الموضوع المقترح، فإنَّ البحث فيها ليس عن عوارض الأدلّة الأربعة، كالبحث عن الاستلزامات العقليّة، كمقدّمة الواجب وبحث الضدّ.
وكذلك البحث عن حجّيّة الظهور وحجّيّة ظواهر الكتاب واختصاص الخطاب بالمشافهين، ونحو ذلك.
وكذلك البحث في التعادل والترجيح، فإنَّها بحثٌ في تعارض الخبر الحاكي لا عن السنّة نفسها.
وكذلك البحث عن حجّيّة خبر الواحد، فإنَّها بحثٌ عن حجيّة الخبر الحاكي عن السنّة وليس عنها، ونحوه البحث عن حجّيّة السيرة والإجماع وغيرها، بصفتها دالّة على فعل المعصوم أو تقريره.
ونحن بعد أن توصّلنا إلى عدم ضرورة وجود الموضوع وعدم ضرورة كون محمولات العلم ذاتيّة لموضوعه، نكون في غنى عن ذلك. فالمحمولات في علم الأُصول وإن لم تكن ذاتيّة للأدلّة الأربعة إلا أنَّها مرتبطة بها بشكلٍ ما، والأدلّة الأربعة موضوع لها ولو بالواسطة. فالسنّة وإن لم تكن هي موضوع الحجّيّة إلا أنَّها كذلك بواسطة الخبر الحاكي. وكذلك الكتاب الكريم إلَّا بواسطة ظواهره أو بواسطة عموم خطاباته
ــــــــــــ[151]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
للمشافهين وغيرهم.
وكذلك الحال في الأوامر والنواهي بما هي مستفادة من بعض الأدلّة الأربعة، وكذلك قواعد الأُصول العمليّة بما هي مستفادة منها، وهكذا.
وبالتالي: فإنَّنا سبق أن قلنا بكفاية الوحدة العرفيّة للعلم، وليس بالضرورة ثبوت الوحدة في الموضوع أو المحمول أو الغرض، وهذا ثابتٌ في علم الأُصول بكلِّ تأكيد.
ومن الممكن القول: بأنَّ الأدلّة الأربعة كلّها موضوعات يبحث عن حجّيّتها في علم الكلام وليس في الأُصول، لا يستثنى من ذلك حتّى الإجماع، فإنَّ حجّيّته كلاميّة وليست أُصوليّة، وبحثه في علم الأُصول إنَّما هو بحث كلامي وليس أُصوليّاً.
ونحن إذا نظرنا إلى تعريفنا لعلم الأُصول, وهو القواعد الخاصّة بتحديد الوظيفة، علمنا أنَّ كلّ قاعدة من هذا القبيل هي أُصوليّة موضوعاً ومحمولاً، كما سبق أن شرحنا حول التعريف مفصّلاً.
فإن قلت: إنَّ هذا المقدار من النظر يُدخل العلوم السابقة على علم الأُصول في هذا العلم، كالمنطق واللغة وعلم الكلام، فإنَّها أيضاً دخيلة في تحديد الوظيفة الشرعيّة.
فجوابه: إنَّنا قلنا في شرح التعريف: بأنَّ هذا يدفعه قولنا: القواعد الخاصّة، فإنَّ قواعد اللغة والمنطق وغيرها عامّة وليست خاصّة، يعني: تشمل الحكم الشرعي وغيره.
هذا ونحن لم نأخذ في التعريف أن تكون لهذه القواعد موضوع
ــــــــــــ[152]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
واحد، بل لابدَّ أن تتعدّد الموضوعات بعدّد القواعد، وكذلك المحمولات والأغراض.
مضافاً إلى أمرٍ قلّما التفت إليه المشهور، وهو أنَّ الأدلّة الأربعة هي موضوعات أربعة، وليست واحداً، فإذا توخّينا وجود موضوع واحد لكلِّ علم لم يوجد ذلك في علم الأُصول.
فإن قلت: فإنَّه يمكن النظر إلى الأدلّة الأربعة كشيءٍ واحدٍ, كعنوان أحدها أو عنوان مجموعها.
قلنا: إنَّ البحث في علم الأُصول -بغضِّ النظر عما سبق- يقع عن كلِّ واحدٍ منها استقلالاً, وليس عن أحدها المعيّن ولا غير المعيّن، ولا عن المجموع كمجموع.
إذن فما يمكن من النظر الموحّد إلى الأدلّة الأربعة غير ممكن.
ثُمَّ إنَّه بعد أن لم يتمَّ لهم كون الموضوع هو الأدلّة الأربعة في أنفسها، قالوا: إنَّ الموضوع هو هذه الأدلّة بوصف الدليليّة أو بما هي أدلّة(1).
وقد استشكل في ذلك سيّدنا الأُستاذ: بأنَّ لازم ذلك خروج المسائل الأُصوليّة عن علم الأُصول، وكونها من مباديه، كمباحث الحجج
ــــــــــــ[153]ــــــــــــ
(1) راجع كفاية الأُصول:8، موضوع علم الأُصول، أصول الفقه3: 11، المقصد الثالث: مباحث الحجّة، ومحاضرات في علم أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 68، وما بعدها، مناقشة القول بجعل الأدلّة الأربعة موضوعاً لعلم الأُصول، محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض) 1: 43، موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والأمارات، ومباحث الاستلزامات العقليّة والأُصول العمليّة، الشرعيّة والعقليّة، ومبحث حجّيّة العقل وظواهر الكتاب، بل مبحث التعادل والترجيح، ما عدا مباحث الألفاظ صغرويّاً.
فإنَّ كبرى حجّيّة الظهور مسلّمة عند الكلّ، وإنَّما الكلام في صغرياتها، كالبحث عن ظهور الأمر والنهي، فإنَّه بحث عن عوارض الدليل بما هو دليل(1).
ويرد على ذلك: أنَّه لو تمَّ له إخراج سائر المباحث، فإنَّ أصالة الظهور وصغرياتها أيضاً تكون خارجة.
أمّا أصالة الظهور نفسها فباعتبار أنَّ موضوعها مطلق الظهور وليس خاصّاً بالأدلّة. وقد اعترف السيّد الأُستاذ ضمناً بخروجها. ولذا قال بأنَّها مسلّمة(2)، يعني: أنَّها لا تحتاج إلى بحث في علم الأُصول، مع أنَّ الأُصوليّين بحثوها بالرغم من كونها خارجة عن موضوعه، وإذا خرج العامّ خرجت حصصه، وهي صغريات الظهور للأوامر والنواهي، وغيرها من مباحث الألفاظ، فإنَّها جميعاً أعمّ ممّا ورد في الأدلّة.
فإن قلت: كما قال الشيخ النائيني قدس سره، بأنَّ البحث فيها من حيثيّة ورودها في الكتاب والسنّة(3).
ــــــــــــ[154]ــــــــــــ
(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 33، موضوع علم الأُصول.
(2) أُنظر: المصدر السابق.
(3) راجع أجود التقريرات1: 7، تعريف علم الأُصول، المائز بين العوارض الذاتيّة والعرضيّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
قلنا: إنَّها من هذه الحيثيّة لا ظهور لها أصلاً، وإنَّما ظهورها ثابت في مجال اللغة العامّ، فإن نفينا ذلك أو غضضنا النظر عنه، لم يبق عندنا دليل على الظهور.
وبتعبير آخر: إنَّ ظهورها ثابت (لا بشرط) عن ورودها في الأدلّة، وليس لها ظهور خاصّ حينما تكون (بشرط شيءٍ) من هذه الناحية.
لأجل ذلك ونحوه التجأ الشيخ الأنصاري قدس سره إلى القول بأنَّ البحث عن حجّيّة الخبر الواحد بحث عن ثبوت السنّة – التي هي قول المعصوم وفعله وتقريره- به، وكذلك التعادل والترجيح باعتبار تشخيص ما هو المعتبر منها في طول التعارض(1).
وقد أجاب صاحب الكفاية عن ذلك: بأنَّ ذلك من قبيل الثبوت بنحو مفاد كان التامّة، في حين إنَّ البحث في كلِّ علم يكون عن عوارضه بنحو كان الناقصة(2).
فإن قيل: إنَّ مرادنا الثبوت التعبّدي للخبر بنحو كان الناقصة.
قلنا: هذا من عوارض الخبر لا من عوارض السنّة الواقعيّة.
وممّا يمكن أن يورد على جواب صاحب الكفاية أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ الثبوت التعبّدي، وإن كان من عوارض الخبر أوّلاً وبالذات، إلا أنَّه من عوارض السنّة ثانياً وبالعرض؛ لأنَّه بحثٌ عن ثبوت السنّة تعبّداً بالخبر، فرجع العارض إليها.
ــــــــــــ[155]ــــــــــــ
(1) راجع فرائد الأُصول1: 238، حجيّة الخبر الواحد، إثبات الحكم الشرعي.
(2) أُنظر: كفاية الأُصول:8، موضوع علم الأُصول.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الأمر الثاني: ما قاله السيّد الأُستاذ من أنَّ هذا الجواب يتمّ في مسألة خبر الواحد فقط دون غيرها من المسائل(1). فماذا يمكن أن يقال في غيرها إذن؟
أقول: سرُّ حديث صاحب الكفاية عن ذلك هو اختصاص كلام الشيخ الأنصاري به، وليس مراده إعطاء الضابط العامّ لجميع علم الأُصول.
الأمر الثالث: ما ذكره الشيخ النائيني قدس سره من أنَّ هذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في أنَّ معنى السنّة هل يشمل الخبر أم لا؟(2) بمعنى: أنَّ الخبر هل هو سنّة أم لا؟
فإن اخترنا الإيجاب كان الثبوت التعبّدي من عوارض السنّة.
أقول: يعني أنَّ بحث عوارض حصّته طوليّة من السنّة.
إلا أنَّ الشيخ النائيني قال: إنَّ ما قاله الشيخ الأنصاري قدس سره أيضاً لا يتمّ؛ لأنَّ ثبوت السنّة بخبر الواحد هل يراد به الثبوت الواقعي أو الثبوت التعبدي؟ فإن أُريد به الواقعي فهو غير محتمل؛ لكونه ليس من عللها التكوينيّة كما هو معلوم، وإن أُريد به الثبوت التعبّدي، فهو من عوارض الخبر لا من عوارض السنّة(3).
ــــــــــــ[156]ــــــــــــ
(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 36، موضوع علم الأُصول.
(2) راجع فوائد الأُصول1: 28، تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله، الجهة الثالثة: موضوع علم الأُصول.
(3) أُنظر: فوائد الأُصول3: 157، الفصل الرابع: حجيّة خبر الواحد، أجود التقريرات2: 101، فصل: وممّا ثبت حجّيّته بالخصوص بالخبر الواحد.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
أقول: قد تحصّل جواب ذلك، فإنَّ لنا أن نختار الثبوت التعبّدي, ونختار مع ذلك كونه من عوارض السنّة ثانياً وبالعرض.
ثُمَّ إنَّ صاحب الكفاية ذهب إلى وجود جامعٍ مقولي شامل لموضوعات علم الأُصول ومسائله، ولا يلزم من وجوده إمكان التعرّف عليه أو تحصيل مفهومٍ واضح عنه، بل يكفي إدراكه إجمالاً.
إلا أنَّ هذا ممّا لا محصّل له، فإنَّنا عرفنا ممّا سبق أنَّ مثل هذا الجامع غير موجود، بل هو مستحيل حتّى في الفلسفة فضلاً عن علم الأُصول.
إذن فلا يمكن العلم بوجوده لا تفصيلاً ولا إجمالاً، وإنَّما ما يحتمل وجوده هو الجامع الانتزاعي المفهومي بين موضوعات مسائله، وهو المعنى المتحصّل من تعريفه، كما سبق.
ويمكن أن نحاول فيما يلي إرجاع موضوعات مسائل علم الأُصول إلى الأدلّة الأربعة، حيث يرجع البحث عن القطع التفصيلي والعلم الإجمالي إلى العقل، وكذلك الاستلزامات كمقدّمة الواجب والضدّ، وكذلك البراءة العقليّة، كلّ ما في الأمر رجوعها إلى حكم العقل العملي وسائرها إلى حكم العقل النظري.
وإرجاع البحث عن ظواهر الكتاب ونحوها إلى الكتاب، وإرجاع البحث عن حجّيّة خبر الواحد والسيرة العقلائيّة بما فيها السيرة على حجّيّة الظواهر، وكذلك أصالة البراءة الشرعيّة إلى السنّة، من حيث كونها قول المعصوم وفعله وتقريره.
والسيرة ترجع إلى التقرير, وسائرها إلى سائرها. وأمّا البحث عن
ــــــــــــ[157]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الإجماع فهو خاصّ بمفهومه بصفته أحد الأدلّة، وإن كان في حقيقته راجع إلى السنّة أيضاً.
وأمّا رجوع بحوث المفاهيم والأوامر والنواهي والمطلق والمقيّد والعامّ والخاصّ والمجمل والمبيّن إلى الكتاب والسنّة معاً، فهو واضح.
إلا أنَّ هذا لا يتمّ للمشهور؛ لورود عدّة إشكالات على مسلكهم:
أوّلاً: إنَّ مفاهيم الأدلّة الأربعة، والكتاب والسنّة والإجماع والعقل ونحوها، هل هي مفاهيم مقوليّة أم ذاتية؟
ثانياً: إنَّ محمولاتهما وهي الأحكام التكليفيّة والوضعيّة هل هي مقوليّة أم انتزاعيّة واعتباريّة؟
ثالثاً: إنَّ طروّ المحمولات على الموضوعات هل يكون بلا واسطة أم بواسطة في الثبوت أم بواسطة في العروض؟ مع العلم أنَّ الواسطة في الثبوت التي يتوخّاها المشهور إنَّما يريدها واسطة مقوليّة، مع أنَّ ذلك يثبت في الطرفين المقوليّين لا في الطرفين الاعتباريّين أو الانتزاعيّين. فإذا كانت الموضوعات في علم الأُصول أو المحمولات أو إحداها في أيِّ مسألة غير مقوليّة، لم يمكن وجود الواسطة المقوليّة بينهما.
ــــــــــــ[158]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الوضع
حقيقة الدلالة الوضعية
وينبغي أن يقع الكلام أوّلاً عن معناه؛ لأنَّه في الحقيقة مجرّد اصطلاح ليس له منشأ انتزاع في اللغات. كلّ ما في الأمر أنَّنا نرى الألفاظ لها معانٍ، وكلّ الناس يعرفون اللغات، كلّ منهم حسب لغته، ولكن الغالبيّة العظمى منهم لا يعرفون معنى الوضع لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشايع.
ويكفينا في تقريب ذلك إلى الذهن: أنَّ الحيوانات لها نحو من اللغات؛ لأنَّها أُمّم بنصِّ القرآن الكريم، وكلّ منهم {قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}(1)، وأنَّ الله تعالى أوحى إلى النحل (2). وقد احتمل بعض المفسّرين أنَّ للحيوانات أنبياء من أصنافها(3).
ويمكن أن يستدلّ على ذلك بظاهر آيتين، إحداهما: ما ينصّ على أنَّهم أُمّم أمثالكم، والأُخرى ما ينصّ على أنَّه {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}(4), والحيوانات أُمم، إذن فقد خلا فيها نذير، وهو النبي عليهم.
ــــــــــــ[161]ــــــــــــ
(1) سورة النور، الآية:41.
(2) إشارةً إلى قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ، سورة النحل، الآية:68.
(3) راجع تفصيل ذلك في (الميزان في تفسير القرآن) 7: 75، وما بعدها، كلام في المجتمعات الحيوانية (بحث قرآني.
(4) سورة فاطر، الآية:24.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
وكلّ هذه الماهيّات المتكثّرة لا تكون إلا بالتفهيم والتفهّم المتوقّف على وجود لغة مهما كانت بسيطة.
إذن فالحيوانات لها لغات، مع أنَّها لا تعلم بالوضع, لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشايع، يعني: لا مفهوم الوضع الاصطلاحي ولا واقعه.
وكذلك الحال في الأطفال عند نطقهم بالكلام، بل قبل ذلك، يعني: بمجرّد أن يبدأ الطفل بفهم الكلام، فإنَّه أيضاً لا يعلم بالوضع لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشايع.
ومن هنا نشعر أنَّ اصطلاح الوضع أصبح ساقطاً عن الأهميّة، ولا حاجة إلى إتعاب النفس، كما فعل سائر الأُصوليّين المتأخّرين، إلى فهم معناه وجعل تعريف معيّن له، وإنَّما هو اصطلاح متأخّر لم يكن له في المتقدّمين أثر.
حاجة المعاني إلى اللّغة
كلام الماديّين في حاجة المعاني إلى اللّغة ومناقشته
وإنَّما ينبغي أن يقع الكلام في أمرين:
الأمر الأوّل: حاجة المعاني إلى اللغة، أو قل حاجة التفكير إليها وعدمها. حيث قال الماديّون: إنَّ المعاني لا تكون إلّاَ بلغةٍ حتّى في باطن الذهن، ولا يمكن للإنسان أن يفكر إلا بلغة(1).
وهذا الأمر وإن كان غالبيّاً إلاَ أنَّه ليس دائميّاً؛ لأنَّه منقوض بعدّة
ــــــــــــ[162]ــــــــــــ
(1) ينظر كتاب (المنطق):37، الباب الأوّل: مباحث الألفاظ.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
موارد واضحة, تتوفّر فيها الصورة الذهنيّة من دون أن تتوفّر اللغة:
المورد الأوّل: الذاكرة، فإنَّه طالما يتذكّر الإنسان أموراً لا يعرف أسمائها, أو لا يهتمّ بمعرفة أسمائها, أو يغفل عن التصدّي لذلك في دخيلة نفسه.
المورد الثاني: الحسّ، فإنَّ ما ينتقل من الخارج عن طريق الحواسّ الخمس إلى النفس يخلو بكلِّ تأكيد عن اللغة، وإنَّما يحتاج الفرد من أجل استحضار اللغة إلى تجديد اللحاظ والفكرة في المرتبة المتأخّرة عن الحسّ.
المورد الثالث: الحيوان، فإنَّ المادّي ينفي أن تكون له لغةً أصلاً. ونحن وإن سبق أن أثبتنا له شيئاً من اللغة، إلاَ أنَّها ـ بكلِّ تأكيد ـ ضيّقة ومنحصرة وليست موسّعة ولا معمّقة.
مع أنَّ الحيوان – بكلِّ تأكيد- يفكّر بمقدار حاجاته، ولذا نراه يقصد الماء عند العطش, ويقصد الطعام عند الجوع, ويفكّر بالهرب عند الخوف. ومن الواضح أنَّ هذه العواطف وحدها لا تنتج هذه النتائج بدون إدراك الأمر والتفكير فيه. فالذي يحسّ بالجوع قد يموت جوعاً بدون أن يعلم أنَّ الطعام هو سبب حياته, ويعلم مكان وجود الطعام وأُسلوب الحصول عليه وهكذا. فكيف ومن أين يحصل كلّ هذا التفكير للحيوان؟
حاجة التفاهم إلى اللّغة
الأمر الثاني:- الذي ينبغي أن يقع الكلام فيه- حاجة التفاهم إلى اللغة، في مقابل عدم حاجته لذلك أحياناً بأُسلوب تناقل الأفكار، إمّا قهراً حيناً وإمّا اختياراً حيناً آخر.
ــــــــــــ[163]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
غير أنَّ هذا الأُسلوب نادرٌ في عالم الطبيعة، وليس له بديل آخر غير التفاهم باللغة، إذن فيحتاج التفاهم إلى لغةٍ، كما هو عرفي وغالبي.
ومن هنا اقتضت الحكمة الإلهيّة إيجاد هذا الإبداع في النفس، أعني: الإبداع اللغوي، بمقدار حاجة الفرد المتكلّم، أعني: بمقدار حاجة الإنسان تارةً وبمقدار حاجة الحيوان أُخرى. وحيث كانت حاجات الإنسان أضعاف حاجات الحيوان لمدى الاختلافات الأساسيّة في الخلقة الجسديّة والإدراك والفروق، فمن هنا كانت لغة الحيوان ضيّقة شديدة المحدوديّة، وكانت لغة الإنسان واسعة، وفي الإمكان أن تكون متشعّبة ومعمّقة.
وهذا الإبداع خلقٌ من خلق الله سبحانه وتعالى، وهو قابليّة الإنسان على اللغة، بغضِّ النظر عن كونه سبحانه هو الواضع أو غيره، ولو نظرنا إلى الحيوان لوجدنا أنَّه سبحانه أبدع ذلك في أنفسهم قابليّةً وفعلاً، إلا أنَّه بطريق خاصٍّ وقاهر، يكفي بحاجات الحيوان نفسه.
وهو سبحانه أبدع قابليّة إدراك الحروف والأعداد في العقل الإنساني، واحتمالات الحروف في تراكيبها وتقلّباتها وحركاتها لا متناهية، غير أنَّ جملةً من هذه الاحتمالات غير عرفيّ وغير عمليّ، كما لو فرضنا وجود كلمة من مئةٍ أو من ألف حرفٍ مثلاً، إلاَ أنَّ المفروض في الحكمة: أن التراكيب اللغويّة تعبّر عن كلِّ شيءٍ على الإطلاق, كما في الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين(ع):
وَأنْتَ الكِتَابُ المُبِينُ الَّذِي بِأَحْرُفِهِ يَظْهَرُ المُضْمَرُ(1).
ــــــــــــ[164]ــــــــــــ
(1) أُنظر: ديوان الإمام علي عليه السلام:72.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فإذا أقمنا برهاناً في الفلسفة على أنَّ الأشياء أو الأفكار غير متناهية، إذن نحتاج إلى كلمات لا متناهية للتعبير عنها، غير أنَّ اللغة المتعارفة بأيّ لسان كان، إنَّما هي لأجل حفظ الحاجات المتعارفة لا أكثر.
ثُمَّ هل هناك تفكير بدون لغة؟ بغضِّ النظر عن فهم الماديّين، لا شكَّ أنَّه نادر، إلا أنَّه ممكن على أي حالٍ فيما ذكرناه من الحسِّ والذاكرة والحيوان، وكذلك في الملائكة، من حيث لم يثبت توقّف إدراكهم على التفكير.
وكذلك الحال في الخلق الصامت، الذي نسمّيه بالجماد، والذي ينسب إليه القرآن الكريم ـ وهو الصادق الأمين والحجّة الكبرى على كلِّ المسلمين ـ أشكالاً من النطق كقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}(1)، وقوله تعالى عن الأرض: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}(2)، وقوله عن السماوات والأرض: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}(3).
إذن فالتفكير باللغة مجرّد عادة، ولو تصاعد إدراك الإنسان إلى مراتب عالية من المعاني ليس لها وضع لغوي، ولا يمكن فهمها بالألفاظ، لأمكن التفكير بها بدون لغة.
ثُمَّ إنَّه هل يوجد نطق باطني في داخل نفس الإنسان قبل النطق
ــــــــــــ[165]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية:44.
(2) سورة الزلزلة، الآيتان: 4-5.
(3) سورة فصّلت، الآية:11.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
اللفظي أو بدونه أم لا؟
لا شكَّ في تحقّق وجوده، وهو بمنزلة مرحلة الثبوت، والنطق الظاهري بمنزلة الإثبات، أو قل: إنَّ مرحلة الثبوت تلك تكون بمنزلة العلّة أو جزء العلّة لمرحلة الإثبات، الذي هو النطق بالكلام بصفته أحد الأفعال الاختياريّة التي تحتاج في وجودها إلى مبادئ الاختيار.
ولعلّ الشاعر عندما قال البيت الشعري المشهور، إنَّما عنى ذلك، وهو قوله:
إنَّ الكلامَ لفِي الفُؤادِِ وإنَّما جُعلَ اللّسان على الفؤادِ دليلاً(1)
وقد استغلّه بعض الكلاميّين لإثبات الكلام النفسي لله سبحانه(2)، وهو أمر باطل؛ لأنَّه يلزم منه القول بتعدّد القدماء، وهنا ليس محلّ بحث المسألة الكلاميّة، غير أنَّ مرادنا أنَّ ذلك وإن استحال على الخالق سبحانه، إلاَ أنَّه ممكن للمخلوقين. والبرهان الكلامي الموجود في حقِّ الخالق سبحانه لا يتأتّى في المخلوقين، وطالما الإنسان -أيُّ إنسان- يشعر أنَّه يحدّث نفسه أو يتحدّث في دخيلة نفسه بدون اللجوء إلى النطق إطلاقاً.
ــــــــــــ[166]ــــــــــــ
(1) يُنسب هذا البيت إلى الأخطل، أُنظر: البيان والتبيّين1: 187، باب شعر وغير ذلك من الكلام ممّا يدخل في باب الخطب.
(2) راجع تفصيل ذلك في شرح المقاصد4: 151، المبحث السادس: في أنَّه متكلّم، الاستدلال على قدم الكلام، شوارق الإلهام1: 415، الفصل الخامس: عشاوة وهميّة وإزاحة عقليّة.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
توقف فهم الاقتران بين الألفاظ والمعاني على فهم تاريخ آدم
ثُمَّ إنَّه يتوقّف فهم الاقتران بين الألفاظ والمعاني على فهم تاريخ آدم(ع)، فإنَّ فيه ثبوتاً عدّة محتملات:
المحتمل الأوّل: ما هو ظاهر القرآن الكريم من وجود آدم(ع) متكاملاً في الإنسانيّة بما فيه النطق اللغوي، وبه فهم قوله تعالى: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ}(1).
المحتمل الثاني: أن يكون آدم موجوداً، لكن بشكلٍ ناقصٍ غير متكاملٍ، وهو ما عليه بعض التصوّرات التي تدعمها الأفكار الماديّة، من وجود ما يسمّى (بمجتمع ما قبل التفكير)، على افتراض أنَّ آدم(ع) كان قبله وهم من ذريّته، إذن فينبغي أن يتّصف بصفته.
المحتمل الثالث: أن لا يكون آدم موجوداً أصلاً، وهذا ما يدعمه ما يسمّى بمذهب النشوء والارتقاء, الذي يرى أنَّ الإنسان ناشئ من أصل حيواني. فأصل الإنسان هو الحيوان وليس آدم(ع)(2).
ولا ينبغي أن نكون الآن بصدد البرهنة على تفاصيل هذه المحتملات؛ لأنَّ له مجالاً آخر في علوم الشريعة. ويكفينا الآن دليلاً على المحتمل الأوّل كونه موافقاً لظاهر القرآن الكريم الذي هو حجّة معتبرة في
ــــــــــــ[167]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:35.
(2) راجع تفصيل ذلك كلّه، في ما كتبه الأُستاذ توفيق مفرج عن (علم الحياة ومذهب النشوء والارتقاء) في مجلّة الهلال، العدد الثامن: 465.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
نفسه. وإنَّما المهم الآن هو الكلام عن نشوء اللغة على هذه التقادير والمحتملات.
أمّا على المحتمل الأوّل الموافق لظاهر القرآن، فيتعيّن أن لا يكون الوضع مستنداً إلى الخلق، وإنَّما هو إيداع من الخالق جلّ جلاله في النفس قوّة وفعلاً. ونقصد من القوّة إيداع القابليّة على التفاهم باللغة، ومن الفعليّة حصول التفاهم فعلاً بها بتسديد من الله سبحانه وتعالى.
ولا يتوقّف ذلك على فهم هذا المعنى من قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}(1)، ليقال: إنَّه قد لا يكون المراد بالأسماء في الآية: اللغات؛ بل لأنَّ وجود آدم(ع) كمتكلِّم بلغةٍ كان متحقّقاً قبل وجود المجتمع وقبل حصول الذريّة لديه أساساً.
فمن غير المحتمل أن نتصوّر للغة واضعاً بشرياً، كما أنَّه من غير المحتمل تاريخيّاً كون آدم نفسه هو الواضع، فيتعيّن بالضرورة أن يكون الله سبحانه هو الواضع.
أمّا أنَّ آدم نطق أيّ لغة، فهذا غير مهمّ فعلاً، وإن كان الآن المتعارف منعقداً على أنَّه نطق العربيّة، ولعلّ ذلك ناشئٌ من عدِّة تقريبات ظنيّة:
أوّلاً: أنَّ النقل تاريخيّاً هو ذلك في الجملة، حتّى أنَّهم نسبوا إليه أبيات شعريّة باللغة العربيّة في رثاء ولده(2).
ــــــــــــ[168]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:31.
(2) أُنظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام2: 220، باب ما جاء عن الرضا عليه السلام، في أوّل مَن قال الشعر.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ثانياً: أنَّه كان في الجنّة ولغة أهل الجنّة هي العربيّة.
ثالثاً: أنَّ القرآن الكريم نقل كلامه بلغته العربيّة، مع عدم احتمال الترجمة لدى النقل القرآني.
وكلّ هذه التقريبات قابلة للمناقشة في الجملة، ولكن الدخول في تفاصيلها يخرجنا عمّا نحن بصدده.
هذا على المحتمل الأوّل في تاريخ آدم(ع)، وأمّا بناءً على المحتملين الأخيرين, إذن يتعيّن أن تكون اللغة ناشئة من القوانين الطبيعية الملحوظ فيها كلّ من الظروف الخارجيّة التي عاشها الإنسان الأوّل. ومن طبيعة الإنسان ومقدار ادراكاته يومئذٍ، ومعه يتعيّن أن تكون اللغة الأُولى لغة صوتيّة بسيطة حاصلة لمجرّد التفهيم بأقلِّ المجزئ، ولم يكن فيها اشتقاق ولا حروف ولا هيئات ولا جمل.
وهذه اللغة الصوتيّة ناشئة من تكرار أو تقليد الأصوات المسموعة للدلالة عليها أو على مصادرها، ويمكن أن نذكر من مصادرها ما يلي:
أوّلاً: تقليد الأصوات الطبيعيّة, كصوت الريح أو المطر أو سقوط الحجر.
ثانياً: تقليد أصوات الحيوانات أيّاً كان نوعها.
ثالثاً: تقليد أو تكرار الأصوات الطبيعيّة للإنسان نفسه، كالأنين لدى المرض, والصياح عند الألم.
رابعاً: استعمال الإشارة مقترنة بالصوت، وهذا الاقتران ليس جعليّاً بل طبيعي، كأنَّ المتكلّم يشير إلى حجم ما يتحدّث عنه أو إلى مكانه أو إلى
ــــــــــــ[169]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
حركته ونحو ذلك.
ولمَّا رأى الإنسان أنَّ هذا بمجرّده لا يكفي، حاول أن يخالف بين أصواته، بمعنى: أن يجعلها مختلفة ومتعدّدة ودقيقة نسبيّاً، كالتفريق – مثلاً- بين صوت الأسد وصوت الفرس وصوت الثعلب وصوت الهرّة، وهكذا.
وإلى هنا لم يكن يوجد حروف محدّدة أو كلمات متميّزة، وإنَّما هي أصوات واردة مورد أصلها الطبيعي، وكان الأهم في التفهيم يومئذٍ عدّة أُمور:
أوّلاً: الإشارة إلى الغير.
ثانياً: الإشارة إلى المتكلِّم نفسه.
ثالثاً: مشاهدة ردّ الفعل لدى السامع.
رابعاً: استخدام الذاكرة كمساعد على التفهيم.
خامساً: الحدس في فهم هذه اللغة البسيطة.
وكلّ ذلك ونحوه اقترانات ذهنيّة طبيعيّة وليست وضعاً لغويّاً ولا إنشاءً جعليّاً.
وإنَّما احتاج المجتمع إلى اقتران جعلي لدى تعدّد الحاجات وتكثّرها, واقتضاء الضرورة إلى التوسّع في اللغة.
وكان تعدّد اللغات وانشعابها، بانشعاب المجتمعات وانقسامها، من حيث إنَّ المجتمع الواحد إذا انقسم يبقى القسمان يتكلّمان نفس اللغة ردحاً من الزمن، ولكن يحصل خلال السنين تطوّر قهري في لغة كلٍّ من المجتمعين، وخاصّة مع الحال القديم من تعذّر الاتّصال وانقطاع وسائط النقل، حتّى يبلغ الحال إلى درجة أنَّه لو التقى فردان من هذين المجتمعين فإنَّهما لا يستطيعان
ــــــــــــ[170]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التفاهم، وبذلك تكون اللغتان قد استقلّتا تماماً عن اللغة الأُم.
وبهذا ونحوه يتّضح ما في استدلال الشيخ النائيني على أنَّ الواضع هو الله سبحانه، حيث استدلّ عليه باستحالة أن يكون الواضع بشريّاً واحداً(1)، كما عليه الفكرة الموروثة المشهوريّة(2).
إذن فيتعيّن أن يكون الواضع هو الله سبحانه.
ونحن وإن وافقناه بالاستحالة المذكورة، إلّاَ أنَّ نفيها لا يعيّن ذلك، بل يتعيّن الجامع بين النحوين من الوضع اللغوي، هما: الجعل التعييني من قبل الله سبحانه، والجعل التعيّني من قبل المجتمع, على النحو الذي ذكرناه، اللهم إلا أن نضمّ له: أنَّ هذا الجعل المفروض قائمٌ على أحد المحتملين السابقين في تاريخ آدم(ع) وهما غير محتملين عمليّاً؛ لأنَّهما مخالفان لظاهر القرآن الكريم، ولولا ذلك لم يكن الاحتمال مردّداً بين الأمرين ليكون نفي أحدهما ملازماً لإثبات الآخر.
الدلالة الذاتية
وهي من المحتملات التي عرضها بعض أهل اللغة لتفسير دلالة الألفاظ على المعاني، بزعم أنَّها دلالة ذاتيّة لا تحتاج إلى وضع وجعل(3 ).
وقد تسرّب هذا البحث إلى علم الأُصول، وبحثه الأُصوليّون
ــــــــــــ[171]ــــــــــــ
(1) أُنظر: فوائد الأُصول1: 30، المبحث الأوّل: في الوضع.
(2) راجع على سبيل المثال: مقالات الأُصول1: 59، المقالة الثانية: حقيقة الوضع.
(3) راجع تفصيل ذلك كلّه في: إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل:68، العلامة في التراث: دراسة استكشافيّة، الثاني: العلاقية بين الدّال والمدلول على مستوى الألفاظ.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المتأخّرون على طرقهم الخاصّة(1 ).
وما يمكن أن تقرّب به هذه الدلالة عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: وجود المناسبة الذوقيّة بين اللفظ والمعنى، بحيث يستشعر السامع من اللفظ ماهيّة المعنى بالحمل الشايع، فلفظ الذلّة ذليلٌ, ولفظ الرذيل رذيلٌ، ولفظ العظيم عظيمٌ، ولفظ الكريم كريمٌ، فهو دالٌّ على معناه بالضرورة والوضوح، حتّى كأنَّ اللفظ متّصف بنفس الوصف.
وجواب ذلك: أنَّ هذا وإن سُلّم بالنسبة إلى بعض الألفاظ فهو بكلِّ تأكيد لا يشمل الجميع، بل لا يشمل الأكثر، بل لا يتّصف بمثل هذه المناسبة الذوقيّة إلَّا القليل من الألفاظ، وحتّى هذه الألفاظ ونحوها إنَّما تأتي مناسبتها من الاعتياد عليها وكثرة التداول لها والتركيز عليها, وليس لأمرٍ خاصٍّ باللفظ بما هو بكلِّ تأكيد.
هذا مضافاً إلى الالتفات إلى اللغات المتعدّدة. فهل الألفاظ في كلِّ لغةٍ هكذا؟ أم أنَّ هذه الظاهرة منحصرة في اللغة العربيّة، والجانب الأحقّ للمدّعي أن يقول أنَّها موجودة في جميع اللغات؛ لأنَّ ألفاظها جميعاً موضوعة لمعانيها، والمفروض أنَّ الوضع اللغوي مفسّر بمثل هذه المناسبة الذوقيّة. إذن فكلّ اللغات لها مناسبة ذوقيّة.
وإذا انتهت الدعوى إلى ذلك قلنا: إنَّ هذا غير محتملٍ من عدَّة جهات:
ــــــــــــ[172]ــــــــــــ
(1) أُنظر: الفصول الغرويّة:23، فصل الوضع، نهاية الأفكار1: 23، الأمر الثاني: في الوضع، فوائد الأُصول1: 31، وما بعدها، المبحث الأوّل: في بيان ماهيّة الوضع والموضوع له إلى أربعة أقسام
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
أوّلاً: إنَّه إن كان له وجود فهو خاصّ بأهل اللغة ولا يعمّ غيرهم، مع أنَّ الأمر الذاتي لا يختلف إدراكه بين البشر.
ثانياً: يلزم أن تكون عدّة ألفاظ من عدّة لغات، أو من كلِّ اللغات مناسبةً مع نفس المعنى، وهو كما ترى.
ثالثاً: إنَّ غير أهل اللغة يجدون أنَّ ألفاظ تلك اللغة صعبة وسمجة وغير مريحةٍ، ومعناه عدم المناسبة بين ألفاظها ومعانيها، مع أنَّ الذاتي ينبغي أن يكون إدراكه متساوياً للناس.
الأمر الثاني: – للاستدلال على الدلالة الذاتيّة- الترجيح بلا مرجّح، إذ يقال: إنَّ نسبة أيّ لفظ إلى أيِّ معنى بحسب النظر الأوّلي واحدة، فلماذا اختصّ اللفظ المعيّن بالمعنى المعيّن؟ فإنَّ ذلك من الترجيح بلا مرجّح، ما لم ينقطع ذلك بالقول بالدلالة الذاتيّة على المعنى.
ويجاب ذلك: أنَّ القاطع للترجيح بلا مرجّح إن كانت هي الدلالة الذاتيّة فقط، لتمّ البرهان، إلاَ أنَّها ليست منحصرة كما هو ظاهر، بل يقابلها الترجيح بوضع الواضع.
فإن قلت: فإنَّ نفس الكلام يأتي في الواضع نفسه؛ لأنَّ ترجيحه لبعض الألفاظ دون بعض بلا مرجّح، إلَّا باعتبار الدلالة الذاتيّة.
قلنا: إنَّه ترجيح اختياري، وقد ثبت في الفلسفة أنَّ استحالة الترجيح بلا مرجّح إنَّما يثبت في الفاعل القهري لا في الفاعل الاختياري(1).
ــــــــــــ[173]ــــــــــــ
(1) راجع المطالب العالية من العلم الإلهي3: 112، الفصل الثاني: في حكاية دلائل المتكلّمين، في كونه تعالى عالماً.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الأمر الثالث: إنَّ الألفاظ علّة للدلالة على المعاني، ومن هنا جاء اصطلاح الدلالة الذاتيّة.
وقد أجاب السيّد الأُستاذ على ذلك: بأنَّ العلّيّة هل هي على نحو العلّيّة التامّة أو على نحو المقتضي؟
فإن ادُّعي أنَّها على نحو العليّة التامّة، فهو غير محتمل؛ لأنَّه يلزم منه فهم كلّ أحد لكلِّ لغةٍ. وإن كان بنحو المقتضي فهو وإن كان قابلاً للبحث احتمالاً, إلا أنَّه ممّا لا دليل عليه(1).
وجوابنا على هذا الكلام، تارةً مع احتمال العلّيّة وأُخرى مع احتمال الاقتضاء.
أمّا على احتمال العلّيّة، فهو احتمالٌ ساقطٌ لا يمكن التفوّه به, ومجرّد إثارته أمر سمج، وذلك:
أوّلاً: إنَّ ذلك ممّا لم يدّعه أحد، وإنَّما مرادهم منها المناسبة الذوقيّة التي سبق أن شرحناها.
ثانياً: إنَّه يلزم أن يكون اللفظ الواحد علّة لعدّة معانٍ، باعتبار وضعه لها في لغاتٍ مختلفة، فيكون الشيء الواحد علّة لمعلولاتٍ متعدّدة، وهو خلاف القاعدة المشهوريّة: إنَّ الواحد لا يصدر عنه إلَّا الواحد.
ثالثاً: إنَّه يلزم أن يكون المعنى الواحد معلولاً لألفاظ مختلفة، إمّا باعتبار الترادف في لغةٍ واحدة أو باعتبار تعدّد اللغات، وهذا أيضاً مخالف لنفس القاعدة المشهوريّة.
ــــــــــــ[174]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 38، الأمر الرابع: في الوضع.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
رابعاً: إنَّه يلزم عدم التناسب بين العلّة والمعلول؛ لأنَّ اللفظ والمعنى من مقولتين مختلفتين، وهذا أمرٌ سارٍ بين جميع الألفاظ والمعاني؛ لأنَّ المعنى دائماً صورة ذهنيّة, حتّى لو كان المراد بها الألفاظ نفسها، في حين إنَّ اللفظ المستعمل هو من مقولة أُخرى، فلا يصلح أن يكون علّة للمعنى.
هذا إذا كان المراد من العلّيّة العلّيّة التامّة.
وأمّا إذا كان المراد بها وجود المقتضي، فجوابه:
أوّلاً: إنَّ المقتضي هو الجزء الرئيسي من العلّة، أو الجزء الحقيقي منها، وهو الذي ينسب إليه حقيقة وجود المعلول، مع وجود الشرط وعدم المانع، إذن فلابدَّ من وحدته ومناسبته مع معلوله طبقاً للقاعدة المشهوريّة المذكورة، وهو غير متوفّر كما سمعنا.
ثانياً: إنَّ أقصى المراد من المقتضي قابليّة اللفظ للدلالة على المعنى، وهذه القابليّة ليس معناها وجود المقتضي، بل عدم المانع، وإنَّ اللفظ ليس >بشرط لا< من هذه الناحية، في حين إنَّ المقتضي يعني كونه >بشرط شيءٍ< من جهة المعنى، وهو أمرٌ غير محتمل في أيِّ لفظ ومعنى، فالعلّيّة الاقتضائيّة منتفية قطعاً.
كلام آخر حول الوضع
بعد أن اختار الشيخ النائيني قدس سره أنَّ الواضع هو الله سبحانه، بيّن أنَّ معنى ذلك أن يلهم كلّ قوم على اختلافهم أن يتكلّموا بلفظٍ مخصوص عند إرادة معنى مخصوص، وهذا ليس أمراً تكوينيّاً حتّى يحتاج إلى سبب, كما أنَّه
ــــــــــــ[175]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ليس أمراً تشريعيّاً حتّى يحتاج إلى وحيٍ وإرسال رسل(1).
اعترض عليه السيّد الأُستاذ: إنَّنا لا نتعقّل الوسط بين التكوين والتشريع؛ لأنَّ الأمر إمّا اعتباري أو غيره.
فالاعتباري هو التشريعي وغيره التكويني، ولا واسطة(2).
وجوابه: أنَّ هذا غير تامٍّ لا في علل هذا الأمر ولا في معلولاته.
أمّا في علله فلوجود الواقعيّات النفس الأمريّة، وهي غير داخلة في التكوين؛ لأنَّ المراد بالتكوين عالم الخلق وهو عالم الخارج. وأمّا عالم الواقع أو نفس الأمر فليس تكويناً بهذا المعنى. وأمّا في معلولاته، فلوجود أُمور غير اعتباريّة ولا تكوينيّة كالإضافيّات والانتزاعيّات.
اللّهم إلا أن يراد بالتكوين الإرادة التكوينيّة, وبالتشريع الإرادة التشريعيّة، ولا ثالث لهما؛ لأنَّ الإرادة إمّا أن تتعلّق بفعل النفس فهي تكوينيّة، وإمّا أن تتعلّق بفعل الغير فهي تشريعيّة، ولا واسطة, إلَّا أنَّ السيّد الأُستاذ لم يبيّن ذلك، ولو بيّنه لكان أولى. وعلى أيِّ حالٍ فإن بيّن ذلك اخترنا أنَّ الله سبحانه أوجد اللغة بالإبداع التكويني.
ولكن لا نقول ذلك – كما قال الشيخ النائيني- بثبوت الإلهام في كلِّ قوم، بل بخصوص آدم(ع) طبقاً لظاهر القرآن الكريم، كما سبق أن بيّنّا، ثُمَّ تطوّرت اللغات عن هذه اللغة الأُولى طبقاً للقوانين الطبيعيّة. فالشيخ النائيني وإن كان مصيباً في نفي كون الأمر تشريعيّاً, إلا أنَّ نفي كونه أمراً
ــــــــــــ[176]ــــــــــــ
(1) أُنظر: فوائد الأُصول1: 30، المبحث الأوّل: في الوضع.
(2) أُنظر: محاضرات في أُصول (للفيّاض)1: 41، الأمر الرابع: مبحث الوضع.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
تكوينيّاً بلا موجب، بل هو خلق من سائر الخلق، كما أنَّه مع إمكان أن يكون استمرار اللغات حسب القوانين الطبيعيّة، فلا ضرورة إلى افتراض الإلهام في كلِّ جيل إلى كلِّ أشكال الناس من صالحين وطالحين.
مناقشة السيّد الخوئي لشيخه النائيني وجوابه
وقد ناقش السيّد الأُستاذ شيخه النائيني: بأنَّه لو كان الله هو الواضع لكان واضعاً الألفاظ لمعانيها دفعةً واحدةً وفي زمانٍ واحد، إلاَ أنَّ هذا خلاف الوجدان؛ إذ من المؤكّد حصول الوضع تدريجاً حسب حاجات الناس. فقد كانت الحاجات في زمن آدم (ع) قليلة، فكانت اللغة ضيّقة، ثُمَّ كلّما اتّسعت الحاجات والمجتمعات وضعوا لغةً بمقدار ما يتّسق به نظامهم. وليست اللغات من الكثرة بحيث لابدَّ من إيكالها إلى الله مباشرةً، ويتعذّر فيها الوضع البشري(1).
جواب ذلك:
أوّلاً: إنَّه لا يلزم أن يكون الله واضعاً للغة دفعةً واحدةً، ولا دليل على ذلك، بل يمكن القول إنَّه وضعٌ تدريجي مع حاجات الكلام.
ثانياً: إنَّنا لو سلّمنا الوضع الدفعي، فذلك في آدم وحده دون غيره. ولكن بما أنَّ الشيخ النائيني قال: بأنَّ الله واضع كلِّ اللغات في كلِّ الأزمنة، إذن يرد عليه الإشكال, بعد التنزّل عن الجواب الأوّل، غير أنَّنا قلنا باختصاص الوضع الإلهي في آدم (ع)، فلا يضرّ أن يكون دفعيّاً، كما يمكن أن يكون تدريجيّاً حسب حاجات آدم (ع) وأهله.
ــــــــــــ[177]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للفيّاض)1: 42، الأمر الرابع: في الوضع.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
حقيقة الوضع
ينبغي التساؤل أوّلاً حول ما إذا كان الحال يختلف في معنى الوضع وحقيقته، لو لاحظنا أقسامه أم لا.
فإنَّنا عرفنا أنَّ له أقساماً ثلاثة كلّها ناجزة وصحيحة، كلّ حسب رتبته من الوجود:
القسم الأوّل: الوضع التعييني الإلهي، وذلك بالنسبة إلى اللغة الأُولى التي يتعذّر وجودها بدونه، سواء كان طرفها واحداً كآدم (ع) أو متعدّداً كمجتمع.
القسم الثاني: الوضع التعيّني الاجتماعي، وهو ما كان بعد ذلك وإلى العصر الحاضر، والذي ترتبط به تعدّد اللغات وتطوّرها.
القسم الثالث: الوضع التعييني الشخصي، كوضع أسماء الأعلام للأشخاصّ والأمكنة والمخترعات وغيرها كثير.
إذن فأسباب الوضع وأقسامه تختلف، إلا أنَّ ذلك لا يلازم اختلاف المسبّب، فإنَّ كلّ هذه الأسباب تنتج معلولاً واحداً بالنوع، هو الوضع الذي سوف نقول تعريفه، وهي وإن اختلفت بالنوع إلَّا أنَّ عملها واحد, وهو ربط اللفظ بالمعنى المنتج للوضع. والعلّة إنَّما هو هذا العمل وليس العامل، وهذا العامل واحد بالنوع، كما هو واضح.
بتعبير آخر: أنَّ أشخاص الواضعين وإن اختلفوا بالنوع، إلَّا أنَّه يصدق عليهم عنوان كلّي واحد، هو (الواضع) الذي هو العلّة في الوضع.
فإن قلت: إنَّنا إذا لم نسلّم بقاعدة الوحدة النوعيّة بين العلّة والمعلول، فلا إشكال، وإن سلّمنا لم يكف عنوان الواضع؛ لأنَّه عنوان انتزاعي،
ــــــــــــ[178]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
والعلّة الحقيقيّة إنَّما هو شخص الواضع، وهو مختلف نوعاً.
قلنا: لو سلّمنا بتلك القاعدة، فإنَّها إنَّما تسري في العلل والمعلولات الحقيقيّة لا في الانتزاعيّات والاعتباريّات، والأمر هنا من هذا القبيل؛ لأنَّ مفهوم الوضع انتزاعي ونتيجة الوضع اعتباريّة، فلا تسري عليها القاعدة.
فإن قلت: بأنَّ شخص الواضع هو العلّة حقيقة.
قلنا: يجاب ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: إنَّ العلّة قد تختلف بالحيثيّة، وشخص الواضع إنَّما هو علّة للوضع من حيثيّة كونه واضعاً، فرجع الأمر إلى الأمر الاعتباري.
الوجه الثاني: إنَّ قاعدة الوحدة في الصّفة بين العلّة والمعلول لو سلّمناها، فإنَّما هي باعتبار أنَّ الأردأ لا ينتج الأشرف، يعني: أنَّ الأمر الاعتباري لا ينتج أمراً حقيقيّاً، وهذا أكيد وواضح، إلا أنَّ العكس ممكن، والمورد من مصاديقه، كما أنَّ إيجاد الأشخاص للمعاملات من مصاديقه أيضاً.
المختار في تعريف الوضع وحقيقته
ثُمَّ إنَّ حقيقة الوضع وتعريفه في نظرنا: أنَّه الاقتران الجعلي الدلالي الكامل، ونشرح مرادنا فيما يلي لفظاً لفظاً:
فالاقتران من باب تداعي المعاني الذهني بين اللفظ والمعنى. وقانون تداعي المعاني مسجّل في المنطق وعلم النفس وثابت بالتجربة، ومن موارده أنَّ الذهن إذا تذكّر العلّة تذكّر المعلول، وإذا تذكّر الضدّ تذكّر ضدّه، وإذا تذكّر المثيل تذكّر مثيله، وهكذا.
ففي هذا الاقتران يحصل نفس الشيء، وهو أنَّه إذا تذكّر اللفظ تذكّر
ــــــــــــ[179]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
المعنى، وبذلك يحصل فهم مقصود المتكلّم من قبل السامع؛ لأنَّ كلام المتكلّم يذكّر السامع باللفظ، فيتذكّر السامع المعنى، ويعلم أنَّ هذا التفكير هو مقصود المتكلّم، فيحصل الفهم.
وهذا الاقتران الذهني جعلي, يعني: أنَّه ناشئٌ من جعل الواضع وقرنه الاعتباري بين اللفظ والمعنى، وافتراض هذا الجعل ممّا نحتاجه بطبيعة الحال، بعد نفي العلاقة الذاتيّة أو الماهويّة أو الذوقيّة بين الألفاظ والمعاني كما سبق. فإنَّ تلك العلاقة لو كانت موجودة لما احتاج الوضع إلى جعل, أو بتعبير آخر: لما احتاج اللفظ إلى وضع، ولكنّها غير موجودة في الحقيقة كما سبق أن برهنا. إذن يتعيّن المصير إلى الجعل.
وهذا الجعل يتّفق مع الجعل التشريعي من ناحية, ويختلف عنه من ناحيةٍ أُخرى. أمّا مورد الاتّفاق، فباعتبار كونهما معاً من سنخ الجعل الاعتباري، وهو الربط الاعتباري بين شيئين, هما في الوضع: اللفظ والمعنى، وفي التشريع: الأمر والمأمور به، أو قل: الإلزام الناتج من الأمر والمأمور به.
وأمّا مورد الاختلاف، فإنَّ التشريع فيه محركيّة إلى العمل؛ لأنَّه يحتوي على إرادة تشريعيّة متعلّقة بفعل الغير. وأمّا في مورد الوضع فلا محركيّة أصلاً، فهو من هذه الناحية بمنزلة الأحكام الوضعيّة لا التكليفيّة، غير أنَّ الأحكام الوضعيّة لا يكون لها أثر عملي إلَّا باعتبار استتباعها للتكليف، بخلاف الجعل الوضعي للغة، فإنَّ أثره العملي ينتج من الحاجة إلى التفاهم بلغة.
ولعلّ ممّا يقرّب اتفاقهما سنخاً، اتّحاد العنوان من حيث إنَّ كليهما يسمّى بالوضع، وهو اتّحاد يدلّ على أنَّ واضع الاصطلاحين كان يدرك
ــــــــــــ[180]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فكرة التقارب بينهما بشكل واعٍ أو بشكلٍ لا شعوري.
وأمّا كونه اقتراناً دلاليّاً فهو قيد لإخراج الاقتران غير الدلالي بطبعه، كالاقتران بين العلّة والمعلول، والمقدّمة وذي المقدّمة، وكذلك تخرج الاقترانات الجعلّية غير الدلاليّة. فإنَّ الاقترانات غير الدلالّية قد تكون تكوينيّة كالعلّة والمعلول، وقد تكون جعلّية كالعقود والايقاعات مع نتائجها، وكذلك المقدّمة التشريعيّة مع ذيها، فكلّ ذلك يكون خارجاً عن التعريف إذا قلنا: الاقتران الجعلي الدلالي.
وكذلك تخرج عنه الاقترانات الدلالّية غير الجعليّة، كالأُمور التكوينيّة، كدلالة الدخان على النار أو المطر على وجود السحاب أو الصيحة على وجود الألم؛ فإنَّها ليست دلالات جعليّة.
فإن قلت: إنَّك قلت: إنَّها تخرج باعتبارها اقترانات غير جعليّة، ومثّلنا له بالعلّة والمعلول وهذا منها.
قلنا: كان ذلك بلحاظ عالم الثبوت للاقتران العلّي، وهذا باعتبار ملاحظة عالم الإثبات منها.
ثُمَّ إنَّه لابدَّ أخيراً من قيد (الكامل)؛ لأنَّ الاقتران الدلالي قد يكون كاملاً، كما في الاستعمالات الحقيقيّة، وقد يكون ناقصاً كما في الاستعمالات المجازّية.
وهذا الكمال والنقص إنَّما يُحسّ به وجداناً في داخل النفس، وبمقداره يحصل التمييز بين الحقيقة والمجاز.
وهذا القيد نستفيد منه غالباً في طرف المعلول، وهو طرف السامع، لا في طرف العلّة، وهو طرف الواضع؛ لأنَّنا إن أحرزنا العلّة – وهو الجعل
ــــــــــــ[181]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الوضعي- كفى في حمل اللفظ على المعنى الحقيقي، إلا أنَّ الأغلب ليس كذلك، كما في وضع الله سبحانه وتعالى، وكذلك وضع المجتمع؛ إذ يبقى السامع شاكّاً في أنَّه متى تبلغ العلقة والاقتران بين اللفظ والمعنى درجة الكمال الوضعي، وهل خرج اللفظ من المجاز الشايع إلى الحقيقة أم لا؟ فمتى حكم الوجدان بالاقتران الكامل، كان ذلك علاقة الوضع.
بعض الإشكالات على التعريف المختار وجوابها
وهناك بعض الإشكالات يمكن أن تورد على التعريف, نذكر أهمّها مع جوابه:
الإشكال الأوّل: أنَّ الوضع قد لا ينتج المعنى الحقيقي، وإنَّما ذلك خاصّ بأسماء الأجناس، أمّا وضع الأعلام الشخصيّة ونحوها، فهو ممّا لا يقال له معنى حقيقيّاً.
جوابه: إنَّ اصطلاح المعنى الحقيقي ليس مسحوباً على كلِّ معنى وضعي، وهذا إنَّما هو قصور في الاصطلاح، وإلّاَ ففي الواقع أنَّ كلّ معنى وضعي فإنَّ استعماله له يكون استعمالاً حقيقيّاً، وإن لم يصطلح عليه ذلك، كوضع الحروف والهيئات والمشتقّات واختصاصه بمورد الاصطلاح، وهو أسماء الأجناس بلا موجب، بعد توفّر الاقتران الدلالي الكامل في الجميع.
الإشكال الثاني: أنَّه لا يوجد على مستوى اللغة دالّ غير جعلي، بل الدلالات اللغويّة كلّها جعليّة، ومعه لا حاجة إلى التقييد بالجعلي، بل يكفي قيد الدلالي للإشارة إلى كونه لغويّاً، فينحصر بالجعلي.
جوابه: أنَّ الدلالات غير منحصرة باللغويّة، بل تعمّ التكوينيّة، وهي
ــــــــــــ[182]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
غير جعليّة، كما سبق، فاحتاج الأمر إلى التقييد بالجعلي لإخراجها.
الإشكال الثالث: أنَّ المعنى المجازي، وهو ما يكون له اقتران غير كامل، لا يحتاج إلى وضع، أو هو خالٍ من الوضع، فلا يحتاج التعريف إلى قيد (الكامل)؛ لأنَّ كلّ وضع فهو كامل، وما ليس بكاملٍ فهو مجاز، والمفروض أنَّ التعريف خاصٌّ بالوضع، ومن هنا يكفي معنى الوضع عن معنى الكمال.
وجوابه: أنَّه بعد الاعتراف بالتساوي بين الوضع والاقتران الكامل، فهذا يعيّن ضرورة اندراجه في التعريف؛ لوضوح أنَّ عنوان الوضع غير مندرج فيه ليكون مغنياً عن قيد (الكامل)؛ لأنَّ الوضع هو المعرَّف (بالفتح) فلا يمكن أن يكون معرِّفاً (بالكسر).
الإشكال الرابع: أنَّ التسبيب الاقتراني بين اللفظ والمعنى الناشئ من تداعي المعاني، إنَّما هو تسبيب بين الكليّين، يعني: بين كلّي اللفظ وكلّي المعنى، لا بين الجزئيّين.
وهذا الإشكال إنَّما عرضناه لزيادة إيضاح التعريف، وإلّاَ فهو ليس إشكالاً على الحقيقة؛ لأنَّ الاقتران حاصل بين الكلّيّين؛ إذ لا معنى له بين الجزئيّين ولا يفيد الغرض أصلاً, إلّاَ أنَّ التسبيب بين الجزئيّين لامتناع العلّيّة بين الكليّين؛ لأنَّ العلّيّة تكون دائماً في عالم الخارج وهو عالم الجزئيّات، ولا تتحقّق فيه الكليّات.
وإذا كان الاقتران بين الكلّيّين والتسبيب بين الجزئيّين، فهذا هو معنى الوضع العامّ (وهو الاقتران الكلّي) والموضوع له الخاصّ (وهو التسبيب الجزئي)، وهذا وإن لم يطابق هذا المعنى الاصطلاحي تماماً إلا أنَّه من قبيله
ــــــــــــ[183]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
على أيّ حال.
الإشكال الخامس: أنَّ التسبيب إلى تداعي المعاني أو إلى الفهم إنَّما هو إثباتي وليس ثبوتيّاً؛ لأنَّنا لا نريد من الإثبات إلَّا العلم والفهم اصطلاحاً، والمورد مصداق له، في حين إنَّ ظاهر التسبيب الذي عرضناه فيما سبق أنَّه ثبوتي.
وجواب ذلك: أنَّ التسبيب وإن أنتج الفهم، إلَّا أنَّه تسبيب ثبوتي، أي: واقعي. وإنَّما جهة التسبيب الإثباتي حاصلة في المرتبة المتأخّرة عن ذلك, وهو كشف المعنى عن معناه، وذلك: أنَّ التسبيب السابق رتبةً هو تسبيب اللفظ للصورة الذهنيّة للمعنى، وهو تسبيب واقعي، والتسبيب المتأخّر رتبةً هو تسبيب الصورة الذهنيّة للكشف عن معناه وفهمه، وهو تسبيب إثباتي، فكان الخلط بينهما منتجاً للإشكال.
الإشكال السادس: أنَّ التسبيب أصبح بين اللفظ والصورة الذهنيّة, وهما من سنخين مختلفين، فيكون على خلاف القاعدة للتسانخ بين العلّة والمعلول، فإنَّ اللفظ من عالم الخارج والصورة من عالم الذهن.
وجوابه من وجوه، بعد فرض التسليم بالقاعدة:
الوجه الأوّل: أنَّ التسبيب ليس بين اللفظ والمعنى، بل بين الصورة الذهنيّة للفظ والصورة الذهنيّة للمعنى في ذهن السامع، فاتّحدت السنخيّة.
الوجه الثاني: أنَّ الصورة الذهنيّة بلحاظ كونها موجوداً قائماً بحياله، هي من عالم الخارج، وإن وجدت في الذهن، فإنَّ الذهن جزءٌ من عالم الخارج وليس منفصلاً عنه، فاتّحدت السنخيّة أيضاً، وإنَّما يفرّق الذهن عن الخارج فيما تكشف عنه الصور الذهنيّة من معانٍ، فتلك المعاني المكشوفة
ــــــــــــ[184]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
هي ذهنيّة بالحمل الشايع، وإن كانت خارجيّة بدورها بالحمل الأوّلي، مادامت مأخوذة عن الخارج.
حديث أستاذنا الصدر عن الوضع
إنَّه في باب الانتقال من إدراك شيءٍ إلى تصوّر شيءٍ يوجد قانون تكويني, هو أنَّ الإحساس يوجب تصوّر المحسوس.
وهناك قانونان ثانويّان يحكمان على هذا القانون:
أحدهما: أنَّ الإنسان إذا لم يحسّ بالشيء، لكنّه أحسّ بمشابهه أو بصورته المرسومة، فإنَّه يتذكّر ذا الصورة.
ثانيهما: أنَّ الإنسان إذا أحسّ بأمرٍ مقترن بذلك الشيء اقتراناً شديداً، فإنَّه ينتقل ذهنيّاً إليه، كالزئير للأسد، والصهيل للخيل، ونحوه.
وهذا الاقتران يكون لإحدى خصوصيّتين:
الأُولى: خصوصيّة ناشئة من كثرة الاقتران، فنرى النوفلي دائماً يروي عن السكوني، فإذا تذكّرنا السكوني نتذكّر النوفلي.
الثانية: خصوصيّة ناشئة من الشدّة في التأثير، كما لو ذهب شخص إلى بلد ومرض فيه مرضاً شديداً، فكلّما تصوّر ذلك البلد تذكّر نوع المرض الذي ابتُلي به(1)(2).
ــــــــــــ[185]ــــــــــــ
(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (للسيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره)1: 104، التحقيق في حقيقة الوضع.
(2) هذا ما وجدناه من هذا البحث الشريف: نسأل الله أن يوفّقنا للعثور على بقيّة الأبحاث، إنَّه سميع الدعاء.
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
ــــــــــــ [185]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فهرس المصادر
القرآن الكريم
1. اثنا عشر رسالة، المحقّق الداماد، طبعة حجريّة، بخط أحمد النجفي الزنجاني.
2. أجود التقريرات، السيّد الخوئي قدس سره، تقريراً لأبحاث الشيخ النائيني قدس سره ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1419 هـ.
3. إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل، نصر حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي، الطبعة السابعة: 2005م.
4. أُصول الفقه، الشيخ محمّد رضا المظفر، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
5. بحوث في شرح العروة الوثقى، السيّد محمد باقر الصدر قدس سره، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، الطبعة الأُولى: 1391 هـ – 1971 م.
6. بحوث في علم الأُصول، تأليف آية الله السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي، تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيّد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره الناشر: مؤسّسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، الطبعة الرابعة: 1431هـ 2010م.
7. بدائع الأفكار، للميرزا الرشتي، طبعة حجريّة.
ــــــــــــ[187]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
8. البيان والتبيّين، الجاحظ، دار ومكتبة الهلال، 1423هـ، بيروت لبنان.
9. تهذيب الأحكام، الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدس سره، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1390 هـ.
10.جواهر الكلام، محمّد حسن النجفي قدس سره، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوجاني، الطبعة الثانية: 1365 هـ، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.
11. الجوهر النضيد، العلامة الحلّي، تحقيق: بيدار، منشورات بيدار، قم، الطبعة الثالثة: 1427 هـ.
12. الحدائق الناضرة، المحدّث الشيخ يوسف البحراني قدس سره، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
13. الحكمة المتعالية في شرح الأسفار العقليّة الأربعة، محمّد إبراهيم الشيرازي، تعليق: عدّة من الأعلام، دار إحياء التراث، الطبعة الثالثة 1981 م.
14. دروس في علم الأُصول (الحلقة الثالثة)، للسيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره، تنقيح وإعداد: عبد الجواد الإبراهيمي، الطبعة الأُولى: 1428هـ ، الناشر: مؤسّسة انتشارات دار العلم، قم- إيران.
15. دروس في علم الأُصول (الحلقة الثانية)، للسيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره، تنقيح وإعداد: عبد الجواد الإبراهيمي، الطبعة الرابعة: 1428هـ ، الناشر: مؤسّسة انتشارات دار العلم، قم- إيران.
ــــــــــــ[188]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
16. ديوان الإمام علي(ع)، اعتنى به: عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة: 1466 هـ- 2005 م.
17. رسائل الشريف المرتضى، الشريف المرتضى قدس سره، تحقيق: مهدي الرجائي، تقديم وإشراف: السيّد أحمد الحسيني، دار القرآن الكريم، قم، 1405 هـ.
18. زبدة الأُصول، الشيخ بهاء الدين العاملي، تحقيق: فارس حسون كريم، مدرسة ولي عصر(ع) العلميّة بقم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1423 هـ – 1381 ش.
19. السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، أبي جعفر محمّد بن إدريس الحلّي قدس سره، تحقيق: لجنة التحقيق بمؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الثانية: 1410 هـ.
20. شرح المطالع، طبع الكتبي النجفي، حجري.
21. شرح المقاصد، مسعود بن عمر التفتازاني، تحقيق وتعليق: د. عبد الرحمن عميرة، منشورات الشريف الرضي، قم، الطبعة الأُولى: 1409 هـ.
22. شرح المنظومة، الملّا هادي السبزواري قدس سره، نشر ناب، طهران، 1413هـ .
23. شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام، فياض لاهيجي، انتشارات مهدوي، أصفهان، بلا ط.
24. الشيعة وفنون الإسلام، تأليف المرجع الديني الأكبر آية الله السيّد
ــــــــــــ[189]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
حسن الصدر قدس سره، الطبعة الرابعة: 1396 هـ- 1976 م، دار العلم للطباعة.
25. عناية الأُصول في شرح كفاية الأُصول، السيّد مرتضى الحسيني اليزدي الفيروزآبادي، منشورات الفيروزآبادي، قم، الطبعة السابعة: 1385-1386.
26. عيون أخبار الرضا(ع)، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي قدس سره، صحّحه وقدم له وعلّق عليه: الشيخ حسين الأعلمي، الطبعة الأُولى: 1404هـ – 1984م، لبنان – بيروت.
27. غاية المسؤول، حسين بن محمّد إسماعيل الأردكاني الحائري اليزدي، الشهير بالفاضل الأردكاني، من دون تفاصيل.
28. فرائد الأُصول، الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري قدس سره، إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، الطبعة الأُولى: 1419 هـ، مجمع الفكر الإسلامي.
29. الفصول الغرويّة في الأُصول الفقهيّة، الشيخ محمّد حسين بن عبد الرحيم الطهراني الحائري قدس سره، دار إحياء العلوم الإسلاميّة، قم، 1363 ش- 1404 هـ.
30. فوائد الأُصول، من إفادات الشيخ النائيني قدس سره، تأليف: الشيخ محمّد علي الكاظمي الخراساني قدس سره، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1404 هـ.
31. الفوائد المدنيّة، المولى محمّد أمين الأسترآبادي قدس سره، تحقيق: الشيخ
ــــــــــــ[190]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
رحمة الله الرحمتي الآراكي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1424 هـ.
32. قوانين الأُصول، الميرزا القمي قدس سره، طبعة حجريّة.
33. الكافي، محمد بن يعقوب الكليني قدس سره، صحّحه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة: 1388 هـ.
34. كتاب العين، للخيل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: الدكتور مهدي مخزومي والدكتور إبراهيم سامرائي، الطبعة الثانية: 1410هـ ، الناشر: هجرت، قم- إيران.
35. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلامة الحلّي قدس سره، صحّحه وقدّم له وعلّق عليه: الشيخ حسن زاده الآملي، الطبعة السابعة: 1417 هـ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
36. كفاية الأُصول، الآخوند الخراساني، محمّد كاظم، تحقيق: مؤسّسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، قم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1409هـ .
37. لسان العرب، لابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمّد بن مكرّم، تحقيق: أحمد فارس صاحب الجوائب، الطبعة الثالثة: 1414هـ ، بيروت- لبنان.
38. مبادئ الوصول إلى علم الأُصول، العلامة الحلّي، تحقيق وتعليق: عبد الحسين محمّد علي البقال، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الثالثة:
ــــــــــــ[191]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
1404 هـ.
39. مجلّة الهلال، العدد الثامن، السنة التاسعة عشرة، 2/ جمادي الأوّل 1329.
40. محاضرات في علم أُصول الفقه، آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر قدس سره، تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيّد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، تحت الطبع.
41. المدخل إلى أُصول الفقه الجعفري، يوسف محمد عمرو، قدّم له سماحة السيّد محمّد الصدر، دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، الطبعة الأُولى: 1401 هـ -1981 م.
42. مستند الشيعة، العلّامة الفقيه المولى أحمد بن محمّد مهدي النراقي قدس سره، تحقيق: مؤسّسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، مشهد المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1415 هـ، نشر: مؤسّسة آل البيت(ع) في قم المقدّسة.
43. المسلك في أُصول الدّين، نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسين (المحقّق الحلّي) قدس سره، تحقيق: رضا الاستادي، مجمع البحوث الإسلاميّة، إيران – مشهد، الطبعة الأُولى: 1414 هـ- 1373 ش.
44. المطالب العالية من العلم الإلهي، فخر الدين الرازي، تحقيق: د. حجازي سقا، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأُولى: 1407 هـ- 1987 م.
45. معالم الدين وملاذ المجتهدين، الشيخ جمال الدين الحسن نجل الشهيد
ــــــــــــ[192]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الثاني، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، تحقيق: لجنة التحقيق.
46. معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريّا، تحقيق: عبد السلام محمّد هاروف، الطبعة الأُولى: 1404هـ .
47. مقالات الأُصول، المحقّق الأُصولي الكبير، آية الله العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي، تحقيق: الشيخ محسن العراقي، والسيّد منذر الحكيم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأُولى: 1414 هـ.
48. مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمي الصدوق قدس سره، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الثانية.
49. الميزان في تفسير القرآن، تأليف:العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي قدس سره، منشورات: جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة – قم المقدسة. بلا ط.
50. النكت الاعتقاديّة، الشيخ المفيد قدس سره، الطبعة الثانية: 1414 هـ – 1993 م، دار المفيد، بيروت- لبنان.
51. نهاية الأفكار، تقرير بحث آقا ضياء الدين العراقي قدس سره، للشيخ محمد تقي البروجردي النجفي قدس سره، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
52. نهاية الدراية، الشيخ محمّد حسين الغروي الأصفهاني قدس سره، تحقيق وتصحيح وتعليق: مهدي أحدي أمير كلائي، الناشر: سيّد الشهداء،
ــــــــــــ[193]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
قم- إيران، الطبعة الأُولى: 1374 ش.
53. هداية المسترشدين، آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني قدس سره، تقديم: مهدي مجد الإسلام النجفي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة.
54. وسائل الشيعة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي قدس سره، تحقيق: مؤسّسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، الطبعة الثانية: 1414 هـ، قم المقدّسة.
ــــــــــــ[194]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
فهرس الكتاب
مقدّمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) ..5
مقدّمة هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر ..7
موجز عن حياة آية الله العظمى.. …9
السيد الشهيد محمد الصدر قدس سره.. …9
نسبه الشريف. ….9
ولادته ونشأته …..9
نشأته العلمية …..11
إجازته في الرواية. ….13
اجتهاده …..14
صفاته وسجاياه …..16
مرجعيته الصالحة وقيادة الأُمة …..17
آثاره وتصانيفه الثمينة …..21
جريمة الاغتيال …..26
منهجنا في التحقيق …..27
المقدمة …..31
كلمات في تأريخ علم الأُصول …..31
تعريف علم الأصول
تمهيد …..55
ــــــــــــ[195]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
التعريف الأوّل : وهو المنسوب إلى المشهور …..55
التعمّق في فهم تعريف المشهور …..56
الإشكالات الواردة على تعريف المشهور في كلمات الأُصوليّين ومناقشاتها.68
النقض بالقواعد الفقهية …..77
النقض الأوّل: بمسألة اجتماع الأمر والنهي …..85
النقض الثاني: بمسألة الضدّ؛ …..86
النقض الثالث: بمسألة مقدّمة الواجب …..87
تعريف العراقي …..88
مناقشة تعريف العراقي …..88
التعريف المختار …..90
تقسيم أبواب علم الأصول
تقسيم الآخوند الخراساني …..104
تقسيم العلامة المظفر. ….105
مناقشة تقسيم العلّامة المظفر 105
تقسيم أستاذنا الصدر …..107
مناقشة تقسيم أُستاذنا الصدر …..108
التقسيم المقترح لمباحث علم الأُصول …..109
موضوع علم الأصول
مناقشة أصل الدليل …..119
استحالة وجود الموضوع …..122
كلمات الأعلام في بيان وجه استحالة وجود الموضوع …..122
كلام السيّد الخوئي في المقام ومناقشته …..123
جواب السيّد الشهيد الصدر ومناقشته …..126
كلام السيّد الشهيد الصدر في وحدة الموضوعات ومناقشته …..129
حديث المشهور عن موضوعات العلوم …..133
تقسيم المحقق العراقي …..135
مناقشة المحقّق العراقي في تقسيم العوارض …..137
تقسيم الشيخ النائيني …..139
إشكال السيّد الخوئي في المقام والإيراد عليه …..140
مناقشة الميرزا النائيني في تقسيم العوارض …..141
ما أفاده المحقّق النائيني من تقييد تمايز العلوم بالحيثيّة وجوابه …..147
كلام الآخوند في المقام وجوابه …..148
موضوع علم الأُصول تطبيقيا …..150
كلام المحقّق القمي والسيّد الشهيد الصدر في المقام وجوابه …..150
الوضع
حقيقة الدلالة الوضعية …..161
حاجة المعاني إلى اللّغة …..162
كلام الماديّون في حاجة المعاني إلى اللّغة ومناقشته …..162
حاجة التفاهم إلى اللّغة …..163
توقف فهم الاقتران بين الألفاظ والمعاني على فهم تاريخ آدم …..167
ــــــــــــ[197]ــــــــــــ
أصول علم الأصول، السيد محمد الصدر
الدلالة الذاتية …..171
كلام آخر حول الوضع …..175
مناقشة السيّد الخوئي لشيخه النائيني وجوابه …..177
حقيقة الوضع …..178
المختار في تعريف الوضع وحقيقته …..179
بعض الإشكالات على التعريف المختار وجوابها …..182
حديث أستاذنا الصدر عن الوضع …..185
فهرس المصادر …..187
فهرس الكتاب …..195