منهج الأصول
الجزء الأول
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الأول
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فهذه ملخصات عمّا كنت ألقيته في الدرس الاستدلالي (الخارج) في علم الأصول، وهو لا يمثل كل ما ينبغي ان يقال بطبيعة الحال، وإنما هو مجرد أطروحة اعرضها أمام فضلاء الحوزة، وينقصها في الحقيقة أمران أو اكثر:
الأمر الأول: انني بكل تأكيد ذكرت أمورا في الدرس غير موجودة في الأوراق التي كتبتها عن درسي، والتي هي مسودة هذا المطبوع، وبذلك اندثرت ودخلت في طي النسيان بالرغم من أهميتها أو الكثير منها، وهي أمور موزعة خلال كثير من المسائل بل كلها تقريبا.
الأمر الثاني: انني بطبيعة الحال آخذ المستوى الممكن بيانه للطلاب، حسب أقصى ما يمكن ان يفهموه. اما ما هو اكثر من ذلك فأتجنبه عن علم وعمد، بالرغم مما قد يكون فيه من التضحية بالمستوى العلمي ثبوتا وإثباتا.
ــــــ[7]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان المهم في الدرس هو التربية العلمية للآخرين وهو لا يحصل إلا مع مواكبة المستوى.
الأمر الثالث: انني كنت و لازلت أشكو من قلة المصادر وبعثرة المعلومات، في مختلف الحقول والاختصاصات، وهذا أيضا مما يلقي بظله وأثره في هذه الأمور، التي كتبتها في علم الأصول أيضا.
ولعلي أستطيع إذا بقيت الحياة ان أغطي بعض هذه الجوانب في الدورة الثانية من بحث الخارج الأصولي.
وينبغي الالتفات هنا إلى بعض الأمور أيضا:
الأمر الأول: ان السير في الدرس الذي ألقيته، كان على ترتيب (كفاية الأصول) للملا محمد كاظم الخراساني – قدس سره -. ومن هنا كان الاهتمام برأيه عرضا ومناقشة، واضحا في هذا الكتاب.
الأمر الثاني: انني اعتمد في العرض والمناقشة بشكل أساسي على مطالب اثنين من أستاذتي هما الأهم منهم في طريق التربية الحوزوية والعلمية لهذا العبد الخاطئ، وهما المحققان الجليلان: الخوئي والصدر. حيث عبرت عن الأول بالأستاذ المحقق، وعن الثاني بسيدنا الأستاذ.
ومن الواضح ان مناقشة الآراء دليل احترامها وإبراز الإخلاص لها، وليس فيها أية خلّة، بعد ان عودتنا أجيال العلم في الحوزة الشريفة على حرية المناقشة والتفكير. وبها يثرى و يتنامى الفكر الإسلامي الإمامي.
كما انه من الواضح ان الفرد المفكر إذا استطاع ان يمشي خطوة موفقة أمام أساتذته وجهابذة عصره، ويناقش استدلالاتهم برصانة وعمق، كفى ذلك في
ــــــ[8]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
السيطرة على زمام العلم. لوضوح: ان ما لدى المتقدم موجود لدى المتأخر مع زيادة. وان أفكار المتقدمين إنما هي متبلورة ومتعمقة على أيدي المتأخرين. وأنا اعتقد ان هذين الأستاذين الجليلين، هما الأعلم والأدق نظرا في الجيل السابق من مفكري الإسلام والحوزة. إذن، يكفي لهذا العبد الخاطئ فيما إذا وفقه الله للسير باتجاههما ان يكون قد سار بالفكر الإسلامي الإمامي خطوة كاملة أو متكاملة.
الأمر الثالث: ان هذا الذي بين يديك، ليس من أول علم الأصول، بل ان قسطا من أوله، مما لم يمكن ضبطه ولم تبق منه إلا قصاصات وروؤس أقلام، لا تكفي لصياغة نص متكامل. ومن أهم ذلك تعريف علم الأصول، وتعريف الوضع ومبحث المعنى الحرفي. وإنما قدمنا هنا من أول المباحث التي أمكن استيعابها وضبطها في الجملة.
وعلى أية حال فانه يمكن تلافي ما فات هنا في الدورة الثانية لعلم الأصول إذا بقيت الحياة.
الأمر الرابع: انه في الإمكان صدور المطالب التي يتم تدريسها في هذه الدورة لعلم الأصول على شكلين، اما بيد مدرّسها، هذا العبد الخاطئ، واما بيد بعض فضلاء الطلاب على شكل ما يسمى بالتقريرات في مصطلح الحوزة الشريفة. وأي من ذلك حصل فهو فوز ونعمة، فتكتمل الدورة بالتدريج من كلا الشكلين لا من شكل واحد، وهذا مما لا ضرر منه على أية حال.
وحسب علمي فان كلا الأمرين تحت الإعداد في الجملة. والمهم ان هذا الجزء ليس هو من التقريرات، فانه لم يكن في ذلك الحين من قام به من الطلاب، ولذا تصديت كما ترى لحمل هذا العبء بقلمي شخصيا.
ــــــ[9]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمر الخامس: قد اعتمدت في نقل الآراء عن المحققين الخوئي والصدر على كتاباتي عن درسهما، وهي لا تزال مخطوطة، كما اعتمد في الأول على محاضرات الشيخ الفياض، وفي بعض الثاني على بحوث السيد الهاشمي.
وعلى كل حال فقد سرت هنا بالأسلوب القديم الذي يعتمد على الوثاقة في النقل ولا يحتاج إلى ذكر الكتاب والصفحة. مضافا إلى ان اغلب النقل إنما هو بالمعنى والمضمون وليس باللفظ، فمن غير المعقول – تقريبا- التحويل على الصفحات، لان القارئ سوف لن يجد بغيته اللفظية بكل تأكيد.
أعاننا الله على دنيانا وأخرانا، واخرج بعونه ورحمته من قلوبنا الأنانية وحب الدنيا والشرك الخفي، الذي كنا ولا زلنا مربوطين بأشراكه. وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، انه الكريم الحليم وهو بكل شيء عليم.
حرره في الثالث من شهر محرم الحرام عام 1418 للهجرة النبوية المعظمة.
العبد الفاني الجاني
محمد الصدر
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حقيقة المعنى المجازي
للمجاز نوعان: هما المجاز في الاستعمال، والمجاز في التطبيق. والأول هو المشهور، والثاني منسوب إلى السكاكي، وقد يسمى بالمجاز العقلي.
والأول هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، كأننا جردنا اللفظ عن معناه الحقيقي، واستعملنا حروفه في المعنى المجازي.
واما الثاني: فقد قال عنه السيد الأستاذ: انه استعمال في المعنى الحقيقي مع التسامح في التطبيق. ويرد عليه:
أولاً: ان الاستعمال ليس في جامع المعنى الحقيقي، بل هو في الجامع بينه وبين المعنى المجازي المقصود. واستعمال اللفظ في هذا الجامع مجاز، لأنه ليس معنى موضوعاً له اللفظ.
ثانياً: ان الاستعمال ليس في المعنى الحقيقي من كل الجهات لعدم الحاجة إلى ذلك، بل الحاجة إلى تركه. إذ معه يصبح المعنى سمجا وغير منسجم. بل المراد الاستعمال في المعنى الحقيقي من نقطة واحدة، وهي الشجاعة والكرم مثلا.
وهذا النحو من الاستعمال أيضا مجاز لأنه حصة من المعنى الحقيقي أو جزء منه. فقد استعمل اللفظ الموضوع للمعنى في حصة منه، وهو نحو من المجاز. و لاشك انه لو أريد به ترك الحصص الأخرى كان مجازا.
ــــــ[11]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: انه كما في المعنى الثاني للمجاز لا يحصل إعراض عن المعنى الحقيقي، فكذلك في المعنى الأول، وان اعتقد المشهور ذلك، كما المعنى، إلا ان الصحيح خلافه لان ألفاظ الحروف لا دخل لها في جمال الاستعمال أصلا. ولو كان الأمر كذلك لامكن استعمال أي لفظ آخر محله، وهو أمر غير محتمل، وإنما المعنى الحقيقي للفظ له دخل في كونه جهة تعليلية لصحة الاستعمال في المعنى المجازي.
وقد ناقش السيد الأستاذ السكاكي: بان الادعاء الذي يقول به في المجاز، كادعاء كون زيد أسداً فعلا، هل هو بالحمل الأولي أو بالحمل الشايع.
وكونه تنزيلا وادعاء بالحمل الأولي، يعني انه يحصل في طوله ان يكون الرجل الشجاع مرادفا للحيوان المفترس، أو ان زيداً يرادف الحيوان المفترس أو ان الأسد يرادف الرجل الشجاع.
وكونه تنزيلا بالحمل الشايع، يرجع إلى كون المعنى المجازي مصداقا من المعنى الحقيقي، يحمل عليه بالحمل الشايع، فيكون فردا إدعائيا عنائيا.
ونعلق على هذا التقسيم قبل الاستمرار في نقل كلامه. وذلك:
أولاً: ان كلا الاحتمالين لعلهما غير مرادين للسكاكي، بل المراد مجرد الاستعمال.
ثانياً: ان الاحتمال الأول وهو صدق الحمل الأولي يقتضي في طوله مرادفة المجموع للمجموع من الألفاظ، وهي زيد والأسد والرجل الشجاع والحيوان المفترس. وهو أمر غير مستساغ لغة. والترادف إنما يكون بين المرادفات لا بين المركبات، في حين اصبح الترادف هنا بين المركبات. كالرجل الشجاع والحيوان المفترس.
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مضافا إلى إمكان القول بانطباقه على كل رجل شجاع، لا على هذا الفرد بالتعيين، وهو خلاف مقصود المتكلم.
ثالثاً: ان ما يحصل إنما هو انطباق المفهومين، بالتنزيل المجازي بغض النظر عن الألفاظ، إذ لا يوجد في المثال دلالة على الكلي، كالرجل الشجاع أو الحيوان المفترس، وهذا على خلاف فهم المشهور ومراد المتكلم.
ثم انه أورد على الاحتمال الأول، وهو كون المراد صدق الحمل الأولي بالعناية المجازية، ان العلاقة بينهما ان كانت موجودة أصلا فلا نحتاج إلى هذا التنزيل العقلي، وان لم تكن موجودة لم يصح الاستعمال بمجرد هذا الادعاء المذكور.
قال: ولا يتوهم ان هذا الادعاء يوجب توسعة العلقة الوضعية، كما في سائر أنحاء التنزل، فانه يقال: ان لازمه كون اللفظ مستعملا فيما وضع له. فان نفينا ذلك، لم تتسع العلقة بمجرد التنزيل، وإنما تترتب الآثار المجعولة، دون الآثار التكوينية.
أقول: اما كلامه الأخير فهو ليس بصحيح، لأننا لا نلتزم بأنها توسعة وضعيّة، بل هي توسعة إدعائية، بمعنى ما ذكرناه من الاستعمال بالجامع بين المعنى الحقيقي والمجازي. وليس المراد التطبيق بنحو التنزيل الشرعي وإنما المراد التطبيق بنحو الصدق التكويني.
واما ما ذكر أولاً، فجوابه:
أولاً: انه مع وجود العلاقة يصح التنزيل، لان العلاقة بمجردها ليست استعمالا مجازيا، وإنما يكون الاستعمال المجازي بالتنزيل. فيوجب زيادة في جمال اللفظ والمعنى.
ــــــ[13]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: قوله انه مع عدم العلاقة لا يصح التنزيل غير صحيح:
1 ـ انه يمكن ان يكون التنزيل نفسه نحو علاقة به.
2 ـ ان المدار في صحة استعمال المجاز هو الاستحسان العرفي لا العلاقة.
3 ـ مع عدم وجود العلاقة ينتفي المجاز بالمرة، ولا يكون الأمر خاصا بالمجاز السكاكي، كما هو ظاهر كلامه.
ثم انه أورد على الاحتمال الثاني، وهي التطبيق بنحو الحمل الشايع:
أولاً: ان الاستعمال المجازي لا ينحصر بموارد الجد، بل يشمل موارد الهزل أيضا، فان كان المجاز مرادا هنا في مرحلة المدلول الإستعمالي، فهو خلف مدعى السكاكي، وان كان مرادا في مرحلة المدلول الجدي فهو خلف هزلية الكلام.
ثانياً: ان هذا الادعاء يكون في المعاني الكلية، ولا يكون في المعاني الجزئية، كالتشبيه بالشمس والقمر. وفيه: أننا كيف نفسر العناية؟ بخلاف المسلك الآخر (المشهور) فانه يمكن ان يكون المعنى الحقيقي جزئيا والمجازي كليا.
ثالثاً: الوجدان القاضي بان هذا التنزيل مفسد للمعنى، فمن قال عن زيد انه قمر لا يعني انه مستدير مثله.
أقول: نجيب على ذلك بما يلي:
أولاً: ان الهزل هنا لا ينافي الجد. لان المراد هنا الجد في قصد المعنى لا الجد في الهدف من الكلام. وقصد المعنى جدي لا محالة، بل لا يتصور الهزل في المعاني اللغوية.
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان وجود العناية في الجزئي متصور ومعقول. وذلك بان نجرد منه كليّا، وندعي المماثلة أو العينيّة.
ثالثاً: ان العناية في التنزيل لو كانت من جميع الجهات، لكان مفسدا للمعنى، إلا ان الوجدان قاض بكونها من جهة واحدة هي المقصودة دون سائر الجهات.
ثم انه أورد عليه أيضا: بأنه يلزم من المجاز المشهوري ان يكون قولنا: زيد أسد وزيد شجاع مترادفان. مع ان الوجدان قاض ان الأول ابلغ في بيان الشجاعة. ومعه فيكون قول السكاكي اقرب.
جوابه:
أولاً: ان قولنا زيد أسد، تعبير اجمل لما فيه من (تخييل) لا أنه ادلُّ على المعنى.
ثانياً: اننا يمكن ان ننكر الترادف هنا، فانه إنما يكون بين المعنيين الحقيقيين لا بين المعنى الحقيقي والمجازي.
ثالثاً: ان ما ذكره من وجود التشبيه بالأسد في قولنا: زيد أسد. وان كان صحيحا، إلا انه ليس هو المراد، لان المقصود فيه: زيد كأسد. وإنما المثال الكامل هو قولنا: رأيت أسدا يرمي. أي رأيت رجلا شجاعا يرمي، وهو تشبيه قائم على التخييل وليس تشبيها اصطلاحيا.
فالصحيح هو ان قول السكاكي مبني على نوع من الاستعارة، وان المجاز المشهوري ممكن بلحاظ المعنى الحقيقي بمنزلة الجهة التعليلية، وانه بدونه يكون لغوا لا محالة.
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
منشأ الدلالة المجازية
لاشك ان الاستعمال المجازي متوقف على أمور:
الأمر الأول: الوضع للمعنى الحقيقي، وبدونه لا يصح الاستعمال المجازي أو لا يستساغ، أو لا يصطلح عليه مجازا. وان شمله قولهم استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فان هذا المفهوم له حصتان: ما كان غير موضوع له من الألفاظ. وما كان موضوعا لمعنى آخر غيره، فان لم يكن موضوعا له أصلا، فينبغي التسليم بعدم كونه مجازا.
الأمر الثاني: الاستساغة، فلو لم يكن مستساغا بطل. وان كانت العلاقة موجودة. فان قلنا بالامر الأول وهو الوضع، فهو في طول الاستساغة وأخص منها أو مساوي لها، وليس اعم منها بالتأكيد، إذ لا فائدة في مجاز غير مستساغ. ولكن الاستساغة عرفية، وليست منحصرة بالسماع من جيل معين.
الأمر الثالث: عدم إرادة المعنى الحقيقي. إذ لو أريد ذلك لاستحالت إرادة المعنى المجازي المشهوري، لأنه يلزم وجود معنيين للفظ واحد، وهو باطل اما عقلا واما عرفا كما سبق.(1)
وهذا لا ينافي ما قلناه من لحاظ المعنى الحقيقي في المجاز، لان ما أردناه ليس هو القصد الإستعمالي، بل هو لمجرد التذكير بالمعنى الحقيقي ليصح معه
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التشبيه، والقصد الإستعمالي مختص بالمعنى المجازي.
كما لا ينافي قول السكاكي، لان المقصود – بناء على مسلكه- هو المعنى الحقيقي.
الأمر الرابع: وجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي. لان الاستعمال المجازي بدونها خطأ، وان أنكرها السيد الأستاذ، إلا انه لا يتم. وذلك لحمل اللفظ على المعنى الحقيقي، عندئذ، وظهوره فيه. وإنما الحاكم على هذه الحجيّة ليس إلا القرينة. وقد صرح أهل اللغة وعلماء البلاغة بذلك.
وما أشار إليه من كون الاستعمال عندئذ صحيحا، إلا انه يؤول إلى الإغماض، والإغماض قد يكون مقصودا للمتكلم، وقد تتعلق به مصالح معينة، ليس بصحيح، لان الحجيّة تكون إلى جنب الظهور في المعنى الحقيقي، ولا يمكن حمله على المعنى المجازي إلا بالقرينة.
الأمر الخامس: انه قد يقال بالحاجة في المجاز إلى القرينة المعينة للمعنى المجازي كما هو مشهور علماء البلاغة، إلا ان الصحيح، هو ان المهم تحديد المعنى المجازي بعد كونه محتملا في حصص كثيرة. فان كان اللفظ ظاهرا في المقصود فهو المطلوب. وهذا يكفي عن القرينة، لأنها إنما يؤتى بها لتحديد الظاهر، وان لم يكن اللفظ ظاهرا احتاج إلى نصب قرينة لتحديد الظاهر، فان كان المعنى المجازي مرددا بين معنيين احتاج إلى قرينة على التعيين، وان كان غامضا احتاج إلى الإيضاح.
ومن هنا يمكن القول بعدم حاجة المجاز إلى الوضع، كما صدر من بعضهم. أقول: لان صحته متوقفة على الاستحسان مع وجود القرينة،فيكون الاقتران بين اللفظ والمعنى قرينيّا لا جعليا وضعيا. والوجدان شاهد بصحته
ــــــ[17]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عند ذلك فيكون القول بالوضع فيه مستأنفا، وفي الحقيقية: ان المهم هو الاقتران الدلالي على المجاز في ذهن السامع. وهذا يحصل باللفظ مع القرينة، فلا حاجة إلى الوضع.
وقد يقال: ان وضع المجاز متعذر بعد نفي الواضع الواحد البشري، الذي نفاه مشهور المتأخرين من الأصوليين. فان من يستطيع ان يلمّ بأطرافه إنما هو ذاك دون غيره.
وجوابه: كلا، فإننا بعد ان نفينا الواضع المذكور، فاما ان نقول ان الواضع هو الله سبحانه – كما هو الصحيح في اللغة الأولى – أو المجتمع. وكلاهما قابل لوضع المجاز والإلمام بسائر أطرافه وعلاقاته، اما الله فواضح، لأنه لا متناهي في علمه وقدرته. واما المجتمع فهو يضع بالتدريج بالوضع التعيُّني، كل ما يحتاج إليه من الاستعمالات المجازية.
ومن هنا يتضح ان الامر بالعكس عما قال المستشكل، لان هذين الواضعين قابلان للإلمام بسائر علاقات المجاز، دون الواضع البشري الواحد.
وقد يقال – بالعكس – : وهو كون الوضع متعينا في المجاز، وليس ممكنا فقط، فضلا عن كونه متعذرا، لأنه يحتاج إلى الاستحسان – كما سبق – وليس الاستحسان إلا الوضع. وخاصة بعد ان قلنا بالوضع التعيُني الاجتماعي. فان استحسان المجتمع ليس إلا وضعه.
قلنا: كلا. لأمرين:
الأمر الأول: الاستغناء عن الوضع بالقرينة، كما عرفنا، فيكون الاقتران بها له علة غير الوضع، فلا حاجة للوضع، بل يكون لغواً.
ــــــ[18]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمر الثاني: ان بين الاستحسان والوضع عموماً من وجه بالحمل الشايع، وليسا متلازمين لكي نخصهما بالمجاز. ولو كانا متلازمين لكان اللازم اختصاصهما بالاستعمال الحقيقي لحاجته إلى الاستحسان أيضا، وعلى أية حال فالاستحسان قد يعين المجاز لكنه لا يعين الوضع المجازي.
ويرد على القول بحاجة الاستعمال المجازي إلى الوضع أمران آخران:
الأمر الأول: عدم ضبط العلائق المجازية في سعتها وشمولها، بحيث لا تدخل تحت جامع نوعي أو جنسي أو انتزاعي. غير مفهوم (أحدها) وهو مما لم يقل به أحد.
فان قلت: انه يمكن الاستغناء عن العلاقة المجازية أحيانا.
قلنا: كلا، فان هذا مما لم يقُل بهِ أحَد، وان أشرنا إلى إمكانه مع تحقق الاستحسان، إلا انه لا يبعد عدم وجود الاستحسان غالبا مع عدم وجود أية علاقة.
الأمر الثاني: عدم ضبط الألفاظ المستعملة مجازا، في حين ان الواضع مفتقر إلى ضبط اللفظ الموضوع أو المستعمل حال الوضع ولو بجامع نوعي أو انتزاعي. في حين ان الألفاظ اللغوية المستعملة مجازا أو التي يمكن فيها ذلك، مما لا تدخل تحت أي جامع نوعي أو انتزاعي. إلا مفهوم (أحدها) وهو متعذر لأمرين:
أولاً: انه لم يقل به أحد.
ثانياً: ان مصاديق كل حصة منه غير منحصرة العدد، كما سنشير، بل لا متناهية، فالتصدي للوضع مع الإشارة إلى كل علاقة وكل قرينة وكل استحسان
ــــــ[19]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أمر متعذر تماما.
فان قلت: فإننا قلنا ان الواضع هو الله سبحانه، وهو يمكنه ذلك.
قلنا: إننا إنما قلنا بذلك في وضع اللغة الأصلية دون غيرها.
وإنما لا يمكن حصر المسألة وضبطها، لان المجاز غير منحصر بالأسماء الاستقلالية، كما يتخيل المشهور. بل يعم المواد والهيئات والحروف والأفعال، كل بحسب ما يناسبه، ومنه ما لا يمكن استحضاره في الذهن مستقلاً لأجل ان يكون طرفاً للوضع، كالهيئات بل حتى الجمل يمكن ان تستعمل مجازا في محل المفرد، كقولهم: زيد كثير الرماد يعني: انه كريم.
كما يمكن ان يستعمل المفرد مجازا محل الجملة. إذن، فاحتمالات المجاز أوسع بكثير من احتمالات الحقيقة. وقد قالوا بعدم إمكان الضبط في المعاني الحقيقية، فضلا عن المجاز.
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
علاقة الاستعمال المجازي بالدلالة التصديقية
ان قلنا بان الدلالة الوضعية الحقيقية تصديقية، كما عليه بعض المتأخرين فقد تم المطلب، يعني تكون كلتا الدلالتين تصديقيتين، ولا يمكن فيهما غير ذلك.
وان قلنا ان الدلالة الوضعية تصورية، كما هو المشهور المنصور، فقد يقال: ان الدلالة المجازية تصديقية، لأننا نعبر بقصد المعنى المجازي وإقامة القرينة ونحو ذلك من القصود الاختيارية، إذن فهي تصديقية، يعني بقصد إخطار المعنى في ذهن السامع. ونحن لا نريد من الدلالة التصديقية إلا ذلك.
وجواب ذلك: اننا قلنا في محله (1) : ان للقائل بالدلالة التصديقية أخذ المتكلم بنظر الاعتبار، والقائل بالدلالة التصورية أخذ السامع بنظر الاعتبار. والدلالة على أية حال إنما هي للسامع لا للمتكلم. وإنما وظيفة المتكلم تطبيق الدلالة التي يفهمها السامع على مقدار ألفاظه. هذا في الدلالة الحقيقية. وكذلك الحال في الدلالة المجازية، حيث يكون المهم وصول القرينة إلى ذهن السامع ولو من غافل أو نائم، لوجدان اننا نفهم منه المجاز عندئذ. وستكون القرينة صارفة عن المعنى الحقيقي بدون قصد المعنى الحقيقي. أو قل: انها صارفة للسامع عن فهم المعنى الحقيقي. وهذا يكفي.
ــــــ[21]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النسبة بين الأمور الثلاثة للمجاز
القرينة، والعلاقة، والاستحسان
وما هو اكثر أهمية وضرورة من الأمور الثلاثة هو القرينة، وبدونها لا يمكن ان نفهم المجاز، خلافا لمن أنكرها كما سبق.
فان قيل: بالنقض بالمجاز المشهور فانه لا يحتاج إلى قرينة. فانه يقال: ان القرينة موجودة ارتكازاً وان لم تكن موجودة لفظا، وإنما استغني عن وجودها اللفظي لوضوحها الإرتكازي، وإلا لم يكن الاستعمال مجازيا.
واما الاستحسان فان أخذناه بعنوانه التفصيلي بمعنى الشعور العرفي اللغوي بجمال اللفظ ولطفه، فهو ليس شرطا أساسياً بكل تأكيد، ويبقى المجاز مجازاً بدونه، مادامت هناك قرينة عليه. غير انه يمكن إعطاؤه صيغة أخرى افضل من الناحية العرفية، وهي عدم الاستهجان والاستنكار، وان لم يكن مستحسنا فعلا، فقد يكون له وجه وجيه.
واما العلاقة، ونعني بها وجودها ما بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. فنحن لا يخلو اما ان نقول بان المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. فقط، بدون قيد زائد، كما عليه المشهور، فمقتضى هذا الإطلاق عدم لزوم العلاقة لا محالة، وإلا لكان اللازم تقييد التعريف به.
واما ان نقول – كما قلنا – : إننا ينبغي لدى الاستعمال المجازي ان نتذكر
ــــــ[22]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المعنى الحقيقي ونعقد مقارنة بينهما، فلابد عندئذ من العلاقة إذ بدونها لا يعقد الذهن أية مقارنة بينهما، كما انه بدون تذكر المعنى الحقيقي لا تكون هذه المقارنة متحققة لفقد أحد طرفيها لا محالة.
وإنما لابد من هذه المقارنة للإحساس بجمال وطرافة الاستعمال المجازي، إذ بدونها يزول هذا الإحساس. ولا يفرق عندئذ بين ان نشبّه زيدا بالأسد أو بالصخر أو بالذئب، إذا فعلنا ما عليه المشهور من مجرد استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
وعليه فان اشترطنا الاستحسان، فلابد من العلاقة، إذ بدونها لا يكون الاستعمال مستحسناً لا محالة. وأما إذا لم نشترطه، وأرجعناه – كما سبق – إلى مجرد عدم الاستهجان، فالوجدان قاض باشتراط العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي، وإلا كان جزافا وغير مقبول لا عرفا ولا عقلا. أو قل: انه يكون مستهجنا، فشرط صحة المجاز لا يكون متوفراً.
ولكننا ينبغي ان ننتبه إلى ان فكرة المجاز الأساسية المشهورية تبقى مع ذلك محفوظة وهي استعمال اللفظ في غير ما وضع له. ومن هنا لم يجعله ركنا في تعريف المجاز، وان الركن مشهورياً ليس إلا القرينة فقط.
واما سنخ العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي، فيمكن ان يقال: هي التشبيه، كتشبيه زيد بالأسد، ولذا قلنا بضرورة تذكر المعنى الحقيقي لإمكان حصول هذا التشبيه.
فان قيل: ان العلاقة غير منحصرة في التشبيه، بل قد يستعمل اللفظ بضده وبخلافه ونحو ذلك، ولا تنحصر العلاقة بالمثل أو بمدعي المثلية.
قلنا: هو أيضا نحو من التشبيه للضد بضده، بمقاصد قد تكون جديّة وقد
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لا تكون، كالهزل أو الشتم أو المدح كقولهم: القبيحة للحسناء، والبتراء للقصيدة أو الخطبة الجليلة. وهذا ونحوه متعارف في اللغة العربية وغيرها.
اما الذين قالوا بوضع المجاز، فقد قالوا: بان العلاقة هي الوضع. وطبّقه كل منهم على مسلكه في الوضع وفهمه له، بعد التسليم منهم بان وضع المجاز في طول الوضع للمعنى الحقيقي والاحتياج إلى القرينة.
وهذا – بهذا المقدار – يرد عليه: اننا ينبغي ان نرى ان الوضع هل يغني عن العلاقة أم لا. فلو لم تكن هناك علاقة تشبيه بالمرة، فهل سيكون الوضع كافيا عرفا لفهم المجاز وصحته؟ كلا أكيداً. وكذلك العكس ! فان كانت العلاقة التشبيهيّة العرفيّة المستحسنة موجودة صح المجاز عرفاً، وأمكن الاستغناء عن الوضع، بل سيكون لغوا مستأنفا.
وممن قال بالوضع في المجاز الأستاذ المحقق. حيث طبقه على مسلكه في الوضع وهو التعهد – كما سبق – حيث يتعهد الفرد في طول الوضع الحقيقي، انه إذا أراد تفهيم الرجل الشجاع مجازاً قال: أسد، مع إقامة القرينة.
وهذا ترد عليه عدة وجوه:
الوجه الأول: بطلان اصل فهم الوضع اللغوي على أساس انه التعهد وذلك في الوضع للمعنى الحقيقي – كما سبق – فضلا عن المعنى المجازي.
ثانياً: انه لم يلتفت إلى الاستحسان العرفي للمجاز ولا إلى العلاقة، كأنه يرى ان الوضع يكفي عنهما وهو ما سبق ان ناقشناه.
ثالثاً: ما قلناه من عدم إمكان ضبط العلاقات والألفاظ مع العلم ان التعهد لابد – في رأيه – ان يأتي من كل الأفراد. فإذا علمنا دقة وسعة المعاني
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المجازية وعدم انحصارها، فهل يمكن ان يصدر كل تلك الأوضاع من كل الناس حتى الجهّال والعوام منهم ؟
فان قلت: انه يكفي التعهد الإجمالي بكل ذلك. قلنا: كلا، فانه مطعون كبرى وصغرى. اما كبرى فلأنه لم يقل به أحد، واما صغرى فلأن الوضع – عنده – هو التعهد التفصيلي دون الإجمالي.
رابعاً: ما أورد عليه السيد الأستاذ من كفاية القرينة عن الوضع، لان المراد بالوضع هنا، هو التسبيب إلى انتقال السامع إلى المعنى الآخر، وهو يحصل بالقرينة، فيكون الوضع لغوا. والمجاز بدون القرينة لا يكفي باعترافهم، وان اقترن بالوضع.
إلا ان هذا لا يتم:
أولاً: ان هذا يندرج فيما قلناه من كفاية القرينة والاستحسان، وعدم الحاجة معها إلى الوضع، غير ان السيد الأستاذ أهمل ذكر الاستحسان.
ثانياً: لعل مرادهم من الوضع، الوضع التعيني، يعني تعارف الاستعمال وسرعة الانتقال. وهو موجود تكوينا ولو لم نحتج إليه، ومعه لا يكون وجوده إيراداً مضاداً لذلك الدليل. غير ان الصحيح ان الوضع ليس هو ذلك.
خامساً- من الإشكال على اصل الوجه – : ما أورده السيد الأستاذ أيضا: انه يلزم منه ان المجاز بدون قرينة غلط. مع انه ليس بغلط. وإنما هو للإغماض حين يريده المتكلم. غير انه سبق منا نفي ذلك، وان الاستعمال المجازي بدون القرينة غلط فعلا.
سادساً: مضافا إلى اننا نفينا الدلالة التصديقية عن المجاز التي هي لازم
ــــــ[25]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مسلك التعهد في الوضع. كما سبق في مبحث الوضع مفصلا.
وهناك تقريبات أخرى لاحتياج المجاز إلى الوضع:
التقريب الأول: ان لفظ الأسد موضوع لكلا المعنيين من دون تقييد بالقرينة، وفي عرض واحد. غاية الامر ان لفظ الأسد موضوعة للحيوان المفترس بعنوانه الأصلي. وموضوعة أيضا للرجل الشجاع، لا بما هو كذلك، بل بما هو مشابه للحيوان المفترس، وهذان الوضعان عرضيان، لان الوضع الثاني حاصل بما هو مشابه لذات الموضوع له الأول، لا بما هو موضوع له، ليكون في طوله. وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما قلناه من تعذر الوضع المجازي باعتبار كثرة الألفاظ والمعاني المحتملة في هذا الصدد، بحيث لا تدخل تحت أي حصر ممكن.
الوجه الثاني: ما سبق من عدم الحاجة إليه مع وجود القرينة والاستحسان، وعدم كفايته بدونهما، هذا إشكال عام على كل مسالك وضع المجاز.
الوجه الثالث: انه لم يشر إلى القرينة كشرط لصحة استعمال المجاز.
الوجه الرابع: انه يلزم منه ان يكون اللفظ مشتركا بين معنيين حقيقيين بان يكون موضوعا للجامع بينهما، وتكون القرينة للتعيين. غاية الامر ان أحد المعنيين كان الداعي لوضعه هو كونه شبيهاً بذات المعنى الآخر، وهذا بمجرده لا يقتضي ان يكون مجازيا.
الوجه الخامس: انه على ذلك لا يمكن تصوير الطولية بين المعاني المجازية مع المعاني الحقيقية، بل يعترف صاحب الوجه بالعرضية بينهما، مع انه مسلم العدم.
ــــــ[26]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه السادس: انه على ذلك لا يمكن تصوير الطولية بين المعاني المجازية الطولية في نفسها، والتي يصطلح عليها بأنها سبك مجاز في مجاز. فإننا إذا قلنا بالحاجة إلى الوضع في المجاز شمل ذلك كل المجازات وان كانت متأخرة رتبة. فان قلنا ان تلك الأوضاع في رتبة واحدة كانت تلك الاستعمالات في رتبة واحدة. مع انه مسلم البطلان.
الوجه السابع: اتضح من الوجه السابق ان نفس القول بالحاجة إلى الوضع في المجازات المتأخرة الرتبة، قول جزاف، ولازم باطل لا ينبغي المصير إليه مع انه واضح اللزوم بناء على احتياج المجاز للوضع.
التقريب الثاني: لاحتياج المجاز للوضع: ما نسب إلى المحقق العراقي من ان شرط صحة الاستعمال المجازي هو استعمال العرب القدماء للمجاز، وإلا لم يكن استعمالا عربيا صحيحا، فهذه هي العناية الزائدة، يعني ان يكون المجاز موضوعا في حدود تلك الاستعمالات.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: انه مخالف للوجدان القطعي وإجماع اللغويين، من صحة مطلق الاستعمالات المجازية المستحسنة ذات القرينة.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ من اننا نرجع بالكلام إلى القدماء من حيث احتياج صحة استعمالاتهم المجازية إلى الوضع، فان صحت بدونه أمكنت الصحة للجميع، وان لم تصح، لم يمكن الاستدلال بصحتها على صحة ما سواها.
وجواب ذلك: ان هذا الوجه يدعم احتياج المجاز إلى الوضع. إذ للمحقق العراقي ان يقول بحاجتهم إلى الوضع، اما مشروطاً بصحة استعمال من كان
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قبلهم، أو بدونه، فلا يكون هذا الوجه بمجرده كافياً للرد.
التقريب الثالث: الالتزام بوضعين مرتبين طوليا، كما قال الوجه المشهوري. إلا ان الأول مشروط بالقرينة. وهذا مشروط بعدم قصد المعنى الحقيقي، سواء نصب قرينة أو لم ينصب.
وجوابه من وجوه:
الوجه الأول: انه لا يدفع الإشكالات العامة على حاجة المجاز إلى الوضع.
الوجه الثاني: التسالم على الاحتياج إلى القرينة، في حين ان صاحب هذا الوجه جعل المجاز مشروطاً بعدم قصد المعنى الحقيقي سواء نصب قرينة أم لا.
الوجه الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ: من انه يلزم منه ان اللفظ إذا صدر من نائم، أو من اصطكاك الحجرين، فان كلا الدلالتين: الحقيقية والمجازية موجودة للفظ. اما المعنى الحقيقي فواضح. واما المعنى المجازي فلتوفر شرطه وهو عدم إرادة المعنى الحقيقي، لان النائم لم يرد المعنى الحقيقي فيكون شرط المعنى المجازي متوفرا.
التقريب الرابع: ما ذكره صاحب الكفاية، وان لم يختره، من ان صحة الاستعمال المجازي متوقفة على ترخيص الواضع، وبدونه لا يكون المجاز ممكنا. ومرده: إلى الإذن أو الترخيص في طول الوضع للمعنى الحقيقي إلى استعمال هذا اللفظ الموضوع له، في عدة معان مجازية محدودة أو غير محدودة. يعني موكولة إلى ذوق المستعمل. على وجهين تابعين لرأي صاحب هذا التقريب.
ــــــ[28]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويرد عليه ما عرفناه من كفاية الشرائط العامة للمجاز، كالقرينة والاستحسان، إذ معه يكون ذلك كافيا عن الإذن المشار إليه. ويكون وجوده مستأنفا ولغواً. وبالعكس فان وجوده مع عدم تلك الشرائط لا تبرر صحة المجاز لا محالة، كما هو واضح. اللهم إلا ان يراد من الإذن وجود الشرائط نفسها أو يدعي تساويهما في النسبة. وهو كما ترى.
وهناك تقريب آخر لعدم الحاجة إلى وضع المجاز، قال به السيد الأستاذ، يقصد بيان تفسير الطولية بين المعنيين الحقيقي والمجازي.
وحاصله: ان اللفظ مقترن وضعاً بالمعنى الحقيقي، وهو مقترن بالمعنى المجازي. والمقترن بالمقترن مقترن. وكلما كثر الاقتران كان اضعف في الدلالة، لأنه ابعد عن الأصل الذي هو المعنى الحقيقي، والمراد بالطولية هو الضعف في الدلالة.
ويرد عليه: أولاً: ان المجاز مع اجتماع شرائطه ليس اضعف دلالة على المعنى المقصود. بل مثله أو أقوى، وبتعبير آخر: انه ان أريد ان اللفظ اضعف دلالة على المعنى الحقيقي فهذا صحيح. إلا انه غير دال عليه أصلا، بناء على المجاز المشهوري المخالف للسكاكي، وهو الذي يسير عليه مشهور الأصوليين. وان أريد ان اللفظ اضعف دلالة على المعنى المجازي من دلالته على المعنى الحقيقي في نفسه، فهذا قابل للإنكار، بل هو مخالف للوجدان.
ثانياً: انه افترض اقتران المعنى المجازي بالمعنى الحقيقي، مع ان الامر ليس كذلك، بل المعنى المجازي مقترن بعلته، وهي شرائطه التامة. والمعنى الحقيقي جزء منها وليس كلها. بل هو بناء على المشهور المخالف لما قلناه من لزوم تذكر المعنى الحقيقي ليس جزء العلة أصلا.
ــــــ[29]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان الطولية بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي ثابتة لا باعتبار الضعف بل باعتبار القرينة، فإنها في طول المعنى الحقيقي ويكون المجاز في طولها، فهو متأخر عن المعنى الحقيقي برتبتين، واما إذا نفينا الحاجة إلى القرينة في المجاز – كما فعله قدس سره – إذن فسوف نتورط بمثل هذا الكلام.
رابعاً: ان ما قاله من المراد بالطولية هو ما كان اضعف دلالة، مما ينبغي ان يكون فساده واضحا، لأنه مطعون كبرى وصغرى. اما كبرى فلأن المراد بالطولية هو الترتيب العلّي، وضعف الدلالة ليست منها. واما صغرى فلما قلناه من عدم وجود الضعف.
أو بتعبير آخر: ان بين الطولية وضعف الدلالة عموما من وجه. فقد تحصل الطولية بدون ضعف الدلالة، وقد يحصل ضعف الدلالة بدون طولية، وقد يحصلان معاً. بل حتى لو ادعى التلازم أو التساوي بينهما، لم يمكن القول بان أحدهما عين الآخر كما هو ظاهر كلامه، زيد في علو مقامه.
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
دلالة الألفاظ على الألفاظ
فان اللفظ كما يدل على المعنى، كما هو الغالب، فانه قد يدل على اللفظ. وبتعبير آخر: ان معناه يكون هو اللفظ لا المعنى الواقعي أو الخارجي. وذلك يكون في عدة موارد:
المورد الأول: ان يراد منه نوعه: مثل: زيد اسم، وضرب فعل ماض.
المورد الثاني: ان يراد منه صنفه: مثل: زيد في ضرب زيد فاعل إذا قصد كلي هذه العبارة.
المورد الثالث: ان يراد به مثله. كما إذا قصد شخص تلك العبارة في المثال السابق.
المورد الرابع: ان يراد به شخصه: كما إذا قيل زيد لفظ أو اسم أو كلمة، وأريد بها هذا الجزئي نفسه.
فهنا مقدمات:
المقدمة الأولى: ان الألفاظ موضوعة للدلالة على المعاني الواقعية لا على الألفاظ، إلا على سبيل الصدفة، كما لو اندرجت بعض الألفاظ تحت عنوان واقعي. كعنوان شيء أو كلام أو لفظ أو جملة ونحو ذلك، ولا يحتمل في اللغة كون اللفظ موضوعاً للدلالة على لفظ آخر كلّي أو جزئي بشرط لا عن الزيادة.
المقدمة الثانية: انه ليس هناك معنى موضوع له في اللغة تندرج تحته
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الألفاظ بنوعها أو مثلها أو نحو ذلك، مما هو تحت نظر الأصوليين في هذا الفصل. فزيد مثلا غير موضوع للدلالة على لفظ زيد لا نوعا ولا صنفا ولا مَثلا ولا شخصا، وليس شيء منها مصداقا له.
المقدمة الثالثة: ان مثل هذا الاستعمال لا يحتاج إلى قرينة على المجاز ولا إلى شرائط وجوده، كالاستحسان العرفي ونحوه، ولذا لا نجد لها تحققا في الأمثلة وجدانا، مع انها استعمالات صحيحة.
المقدمة الرابعة: ان هناك في اللغة ما يمكن تسميته بادعاء العينيّة، بل اللغة كلها قائمة على ذلك، فان فكرة إحضار اللفظ بدل إحضار المعنى محصلها إلى ذلك، من حيث ادعاء ان اللفظ هو المعنى وليس غيره. وان الصورة عين ذي الصورة، سواء قصدنا من الصورة: الصورة الملفوظة أو الصورة الذهنية، على أية حال.
إذن، ينتج من هذه المقدمات ان أمثال هذه الاستعمالات ليست استعمالا حقيقيا من اجل المقدمة الأولى والثانية، وليست استعمالا مجازيا وإلا لاحتاجت إلى شرائطه، في حين هي غير محتاجة إليها، كما في المقدمة الثالثة. بل هو نحو من الادعاء للعينية، وهو ادعاء شائع في اللغة وغير مستغرب لا عقلا ولا عرفا كما في المقدمة الرابعة.
ويمكن ان يستنتج من ذلك: انه لا يراد من اللفظ صنفه أو نوعه، بل يراد مثله أو إحضاره، يعني لا يراد به الكلي بل الجزئي، ولا يلزم اتحاد الدال والمدلول على ما سوف نقول، ومعه يكون قولنا: زيد في ضرب زيد فاعل. إذا أردنا نفس هذه الجملة، استعمالا على القاعدة. ويكون قصد الكلي بدون وضع لغوي سابق مخالفاً للقاعدة.
واما التوصل إلى فهم الصنف أو النوع، أو قل إلى فهم الكلي، فهو يحتاج إلى ضم مقدمة عقلية، وهي التجريد عن الخصوصية في المسند والمسند إليه
ــــــ[32]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في قولنا: ضرب فعل ماض، أو زيد في ضرب زيد فاعل. كأنك قلت: هذه الجملة وأمثالها، وإلا فالدلالة ستكون مقتصرة على هذه الجملة بشخصها.
اما إحضاره بنفسه، كما في قولنا زيد اسم، إذا قصدنا هذا الجزئي، فليس مجازاً جزماً، بل ليس استعمالا أصلا، لان كل ذلك فرع تعدد الدال والمدلول، وهو غير متحقق، كما لو رفعت كتابا وقلت: كتاب.
واما إحضار مثله، ففيه ادعاء العينية إذ بدونها يكذب الحمل لا محالة، وهي نحو من المجاز. ولكن ليس فيه دلالة بالمعنى اللغوي، لما قلناه من عدم وضع الألفاظ للدلالة على الألفاظ نفسها على هذا الغرار. ومعه، ينتفي معنى الاستعمال اللغوي لأنه فرع الوضع. وينتفي الانقسام إلى الحقيقة والمجاز لأنه فرع الاستعمال.
ومن الدلائل على ذلك أمور:
الأمر الأول: ان الألفاظ في مطلق هذه الأمثلة لم يقصد معناها الموضوع له جزما، كقولنا زيد اسم وضرب فعل ماضي وغيرها. وإلا لكذب الحمل، وهذا دال على عدم الاستعمال الحقيقي ولا المجازي، بل يمكن ان يقال: انه لم يستعمل في معنى أصلا، فان كان له معنى فهو اللفظ الآخر.
الأمر الثاني: انه يختلف إعرابه في هذه الأمثلة عن إعرابه في مورده اللغوي الأصلي. فمثلا: يكون إعراب ضرب في قولنا: ضرب زيد. انه فعل ماضي. ويكون إعرابه في قولنا: ضرب فعل ماضٍ، مبتدأ. والمبتدأ اسم بطبعه اللغوي مع انه في هذه الأمثلة قد يكون فعلا – كما في المثال – وقد يكون حرفا،كما لو قلت: من حرف جرٍ. وهذا يدل على ان اللفظ محضّر بنفسه حقيقة تارة وادعاء أخرى.
الأمر الثالث: انه نأتي هنا إلى فكرة الحمل الأولي والحمل الشايع.
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فضرب بالحمل الشايع مبتدأ في قولنا: ضرب فعل ماض. وهي نفسها بالحمل الأولي أي بحسب مفهومها اللغوي الأصلي، فعل ماضي، وليست اسما يصلح لان يقع مبتدأ أساسا.
الأمر الرابع: انه قد يراد به فقط حروف الكلمة، فنقول: زيد معناه كذا. وضرب معناه كذا. أو هو موضوع لمعنى كذا، وكلّه من باب الإحضار بنفسه حقيقة أو ادعاء – إذا أريد به مثله – إذا أريد التجريد عن الخصوصية في كلا المثالين السابقين واضرابهما.
وقد استشكلوا في هذا الباب بعدة اشكالات منها:
أولاً: ما عن صاحب الفصول من انه يلزم منه اتحاد الدال والمدلول لوضوح دلالة اللفظ على نفسه عندئذ، فيكون دالا ومدلولا مع وحدته ذاتان وهو محال.
ثانياً: تركيب القضية من جزأين هما المحمول والنسبة، ولا وجود للموضوع. لأننا ان اعتبرناه دالا على نفسه لزم المحذور الأول، وهو اتحاد الدال والمدلول. وان اعتبرناه حاضرا بنفسه لزم المحذور الثاني، إذ تتركب القضية المحكية من جزأين لا ثلاثة، وهو محال. ضرورة استحالة ثبوت النسبة لطرف واحد. أو قل: ثبوتها بدون المنتسب إليه.
وقد أجاب صاحب الكفاية عن ذلك:
أولاً: انه يمكن ان يقال: بوجود الدال والمدلول، فهو دال بصفته لفظا صادرا عن لافظ، وهو مدلول بصفته مراداً بشخصه.
ثانياً: ان الموضوع بنفسه موجود لا الحاكي عنه، وليس بالضرورة ان تكون
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القضية محكيّة بكلا طرفيها، بل لا بأس ان يكون أحد طرفيها حاضرا بنفسه أو كليهما لو أمكن. كما لو قدمت كتابا وقلت: كتاب. فالمبتدأ يكون هو الوجود الخارجي للكتاب والخبر هو اللفظ. فكان طرف الجملة حاضراً بنفسه غير محكي. وعلى هذا لا يكون ذلك من باب الاستعمال في شيء.
ثم أمر الشيخ صاحب الكفاية بالفهم، ولعله إشارة إلى انه عند ذلك لا يمكن ان تقوَّم النسبة، لأنها تقوم بين متماثلين بالحكاية بالوجود. واما إذا كان أحدهما محكيا والآخر حاضرا بنفسه، فوجود النسبة لا يكون مناسبا.
جوابه: ان النسبة اللفظية الواقعية لا تحتاج إلى أكثر مما هو متوفر وحاصل فعلاً في كل تلك الأمثلة، يعني طرفين لفظيين، وهما متحققان. ولا حاجة فيها إلى ان يكون كلا الطرفين محكيين بعد ان كانا لفظين.
على انه يمكن ان يقال: ان إحضار طرف الجملة بنفسه أمر عرفي وعقلائي، وأمثلته كثيرة في باب الألفاظ وغيرها. واللغة والجمل إنما هي قضايا عرفية. فإذا وجدنا من العرف القناعة بالنسب المتعلقة بين أمثال هذين الطرفين، كفى بالصحة.
فان قلت: فانه مستحيل عقلاً وليس للعرف بعد استحالته العقلية ان يوجده.
قلنا: ان سلّمنا ذلك، طبقنا الكبرى التي ذكرناها في اكثر من مورد، وهي اننا نقبل من العرف إمكان ما هو محال عقلاً، لأننا نتكلم عن مورد حكم العرف وهو اللغة، فيكون هو الحكم الفصل في تشخيص ما هو محال مما هو ممكن، دون العقل. ولو تكلمنا بالأمور العقلية، كان العقل مشخصا لذلك دون العرف.
ــــــ[35]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تبعية الدلالة للإرادة
هناك أمران محرران لدى مشهور الأصوليين المتأخرين، هما الدلالة التصديقية، وأخذ الإرادة في مدلول اللفظ. وهما مطلبان لا ينبغي الخلط بينهما.
اما الدلالة التصديقية فهي قصد التفهيم في نفسه. واما الثاني فمعناه الوضع للمعنى بما هو مراد بالدلالة التصديقية، فان قلنا بالثاني تعيّن الأول. يعني تكون دلالات الألفاظ كلها تصديقية، ومع عدمها فلا دلالة أصلا، لأنها عندئذ مخالفة لشرط الواضع. أو – كما عبروا – تكون هناك جهالة وضلالة لا دلالة.
واما إذا نفينا الثاني، كانت كلتا الدلالتين التصديقية والتصورية وضعيتين. ولم تنحصر الدلالة الوضعية بالتصديقية. كل ما في الامر ان المتكلم القاصد للتفهيم يكون كلامه دالاً بكلتا الدلالتين، والمتكلم غير القاصد للتفهيم كالنائم والغالط والمجرب لسانه، يقتصر لفظه على الدلالة الأولى.
ومناقشته:
بان الدلالة تابعة للوضع لا محالة، فان لم يكن مشروطا بالإرادة فلا معنى للدلالة التصديقية. جوابها: إننا لو قبلناه، فان الكلام ليس في مداليل الألفاظ اللغوية ككل. بل بما هي محل الأثر، كوجوب الطاعة والامتثال وغيرها. ولاشك انه منوط بالدلالة التصديقية، وهي القصد الجدي من قبل المتكلم.
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
غير ان الكلام في أنها هل هي شرط وضعي في مطلق الألفاظ، أو شرط لترتيب الأثر فقط.
وتبعية الدلالة للإرادة فيها عدة تقريبات:
التقريب الأول: مسلك التعهد في الوضع. وهو الذي سلكه الأستاذ المحقق، فانه مبني على ذلك. من حيث تعهد الفرد بأنه إذا أراد تفهيم هذا المعنى فانه يقول كذا. وهذا التقريب باطل، لان مسلك التعهد هذا باطل. وقد سبق ان ناقشناه في باب الوضع بعدة مناقشات أساسية.
فان قلت: انه حتى على هذا المسلك لا يتعين ذلك، إذ يمكن ان يتعهد الواضع على طريقة أخرى غير ما ذكروه، كما لو قال: إذا نطقت كذا دلّ على كذا.
وجوابه: من اكثر من وجه:
أولاً: انه خلاف ما بنى عليه الأستاذ المحقق مسلكه. فان قلنا مسلك التعهد فإنما الإشارة إلى ذلك، وليس باختراع مسلك من عندنا.
ثانياً: ان التعهد أمر اختياري بفعل إرادي فلا يمكن ان يصدر نفس التعهد إلا بالدلالة التصديقية.
التقريب الثاني: ان الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة، بغض النظر عن مسلك التعهد. كما أشار إلى ذلك شيخنا المظفر عن المحقق الأصفهاني.
وقد أجاب عن ذلك السيد الأستاذ: ان الإرادة المأخوذة في اللفظ أو المدعى أخذها، هل هي كلي الإرادة أو الجزئي منها.
ــــــ[37]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: إنها كلي الإرادة، كان اللفظ دالا على مفهوم الإرادة بالدلالة التصورية، كمفهوم الماء وهو باطل. وان كانت الإرادة المأخوذة هي الجزئية فهذا لا يكون إلا على مسلك التعهد، وهو خلاف فرض التنزل عنه.
فان قلت: فان العلاقة قائمة بين الوجود الخارجي للإرادة وتصور اللفظ.
قلنا: هذا غير معقول، لاستحالة قيام العلاقة بين عالمين منفصلين هما الخارج والذهن، كما يفترض بهذا الصدد. فهذا حاصل ما قاله السيد الأستاذ.
وجواب ذلك:
أولاً: ان المدعى ليس اخذ كلي الإرادة أو مفهومها، فذكر ذلك إنما هو تطويل في الطريق.
ثانياً: انه لو كان كلي الإرادة مأخوذاً في اللفظ وحده لزم دلالة اللفظ على مفهوم الإرادة. كلفظ الإرادة نفسه، كدلالة لفظ الماء على الماء. إلا ان هذا يكون عاماً لكل الألفاظ، فكلها تكون دالة على مفهوم الإرادة. إلا ان المدعى ليس ذلك بل هو ان تكون مأخوذة قيداً للمعنى، فيكون المعنى الموضوع له والمستعمل فيه: هو الماء المراد، أو الماء المراد تفهيمه، وهو باطل أيضا.
ثالثاً: ان الإرادة الجزئية ممكنة الأخذ في الوضع باختيار الواضع، وليست وقفاً على مسلك التعهد. فيكون المحصل هو الماء المراد بالإرادة الجزئية لا مطلق الإرادة. أو ان تحصيل المعنى مشروط بوجود الإرادة لا بدونها. والأخير أشبه بمسلك التعهد، إلا ان ما قبله يختلف عنه.
رابعاً: ان الملازمة لا تكون بين الإرادة الخارجية وتصور اللفظ، وإنما بينها وبين الدلالة الوضعية، وهي أمر خارجي فصحّ وجود العلاقة بينهما.
ــــــ[38]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
خامساً: ما ذكره من الكبرى من استحالة وجود العلاقة بين عالمين من سنخين مختلفين، محل إشكال بلا إشكال. بل العلقة موجودة بلا إشكال بين مختلف العوالم. ويكفي ان نتذكر ان ما في الذهن بمنزلة المعلول لما في الخارج عن طريق الإحساس. وما في الخارج بمنزلة المعلول لما في الذهن عن طريق الإرادة.
إلا ان أصل هذا التقريب الثاني باطل، لأنه متوقف على أحد أمرين كلاهما باطل كما اتضح: لأننا اما ان نقول بمسلك التعهد، واما ان نقول بان الواضع اخذ الإرادة اختياراً في مداليل الألفاظ على شكل آخر غير ذلك المسلك كما تقدم. غير ان هذا ينفي ان تكون الدلالة الوضعية تصديقية، لا ترتيب الأثر على الدلالة الوضعية وان لم تكن تصديقية، كما سبق.
وقد أجاب الآخوند على هذا التقريب الثاني بوجوه:
الوجه الأول: ان الإرادة من قيود الاستعمال، فلا تكاد تكون من قيود المستعمل فيه، وإلا لزم اخذ ما هو متأخر مرتبة فيما هو متقدم وهو محال، لوضوح تقدم المعنى المستعمل فيه على الاستعمال.
الوجه الثاني: صحة الحمل وجداناً والإسناد بلا تصرف في أطراف القضية ولا تجوز، فنقول زيد قائم. لا بما هما مرادان بل في حدّ ذاتهما.
الوجه الثالث: انه يلزم ان يكون الوضع عاماً، والموضوع خاصا، لمكان اخذ الإرادة الجزئية، إذ لا مجال لأخذ مفهوم الإرادة. ولم يذكر الآخوند وجه المحذور في هذا الوجه، وإنما أخذه مسلَم البطلان، ولو باعتبار ان المشهور ان وضع الألفاظ الكلية هو من الوضع العام، والموضوع له العام. فلزوم ذلك لازم باطل.
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وما قاله الشيخ الآخوند هنا قابل للمناقشة من وجوه:
أولاً: فيما ذكره أولاً: فانه إنما يلزم اخذ المتأخر في المتقدم، إذا اخذ في المعنى المستعمل فيه بنحو الشرط المتأخر، إلا ان هذا يمكن تلافيه بعدة وجوه:
1- ان القائل بقيد الإرادة لا يريد بها إرادة الاستعمال، بل إرادة أخرى مقرونة بالمعنى المستعمل فيه.
2- انه يقول: انه لا مانع من وضع اللفظ المستعمل المراد. أو قل: انه لا مانع من وجود الشرط المتأخر، والتقييد به كما حقق في محله، فإنها في مثل ذلك لا تكون رتب علّية حقيقية بل رتب لحاظية، ولا بأس من لحاظ المتأخر قيداً في المتقدم وبالعكس.
3- انه يمكن ان يقال: ان الاستعمال اسبق رتبة من المعنى المستعمل فيه، لأنه واقع في مرتبة علّته إثباتاً. فيكون القيد المأخوذ في الاستعمال مأخوذاً في المعنى المستعمل فيه، لان المعنى المستعمل فيه مقيد بالاستعمال المقيد بالإرادة، وقيد القيد قيد.
ثانياً: ان ما قاله ثانيا وان كان صحيحا، لأننا لا نقول بأخذ الإرادة في المعنى الموضوع له، إلا ان ما قاله ثالثا ليس بصحيح، إذ لا مانع من ان يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصا، بان يتصور الواضع كلي الإرادة الجزئية، ويجعلها قيدا للمعنى، وتكون الإرادة عند الاستعمال مصداقا لها. بل ان هذا سارٍ حتى في أسماء الأجناس، لوضوح ان اللفظ الموضوع له ليس هو اللفظ الذي استعمله الواضع بالتعيين، وإلا لانسد باب الوضع، بل لفظ كلي قابل للانطباق على كل لفظ، ولكن التلفظ بالكلي من قبل الواضع متعذر فنطق
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالجزئي ليكون طريقا إلى الكلي، ثم يكون الكلي طريقا إلى الجزئي لوضوح ان الموضوع حقيقة ليس هو الكلي بل الجزئيات التي تتعين بالاستعمال.
التقريب الثالث: لتبعية الدلالة للإرادة: ان الألفاظ الخارجة عن الإرادة لا اثر لها، فيكون وضعها لغواً. واللغو لا يصدر من الواضع الحكيم.
فلا تكون هذه الألفاظ موضوعة، فلا تكون لها دلالة، لان الدلالة فرع الوضع، وحيث لا وضع لا دلالة، فيختص الوضع والدلالة في الألفاظ الداخلة في الإرادة.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: ان تعلق الوضع بالماهية المطلقة، من حيث الإرادة وعدمها، أمر ممكن وليس لغواً، وان كان الاختصاص بما هو غير مراد لغوا. إلا ان الإطلاق أمر ممكن، ومن المسلّم ان اغلب الاستعمالات هي المرادة، بل غيرها نادر الوقوع، فلا يكون التقييد بعدمها معقولا.
الوجه الثاني: ان لغوية الإطلاق مع اختصاص الغرض إنما تتصور إذا كان في الإطلاق مؤونة زائدة، وهذا إنما يتصور إذا كان الإطلاق هو الجمع بين القيود، وليس مجرد التجرد عنها كما هو الصحيح، فجعل العلقة الوضعية المطلقة يكفي ويفي بالغرض.
وهناك تقريبات لامتناع اخذ الإرادة عن متعلق الوضع. نذكرها فيما يلي، غير انها قابلة للمناقشة، والاعتماد ليس عليها، وإنما يكفينا عدم الدليل على وجود هذا القيد الوضعي للتمسك بإطلاقه أولاً وكون التبادر إلى المعنى المطلق ثانيا. وتلك التقريبات كما يلي:
التقريب الأول: ان لازم اخذ الإرادة في المعنى عدم انطباقه على الخارج
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
باعتبار كون القيد ذهنيّا.
ويمكن ان يجاب عنه بعدة وجوه:
أولاً: ما أجاب عليه السيد الأستاذ: انه إذا كان طرف الإرادة هو المراد بالذات فهذا صحيح، ولكن إذا كان طرفها هو المراد بالعرض، فلا يلزم الإشكال، ويمكن انطباقه على الخارجيات.
ثانياً: ان المراد لو كان هو تعلق الإرادة بذات المعنى للزم المحذور، ولكن المقصود تعلقها بتفهيم المعنى لا لذاته. فلا يلزم المحذور، لوضوح ان التفهم متأخر رتبة عن متعلقه وهو المعنى.
ثالثاً: ان الإرادة معنى نفسي وليس معنى ذهنيا، فلا يكون التقييد بها تقييدا ذهنيا ليمتنع انطباقه على الخارجيات.
التقريب الثاني: انه إذا قصد اخذ الإرادة قيدا في المعنى، فعلى مسلك التعهد يكون المدلول هو الإرادة فقط، لا ان الإرادة قيد في المدلول. وعلى مسلك المشهور وهو الجعل بأنحائه، فيلزم ان تكون الدلالة تصديقية، مع انهم يقولون انه لا يمكن ان يكون المدلول تصديقياً.
إلا ان كلا الأمرين محل نظر: اما على مسلك التعهد، فيمكن ان يقال: ان الموضوع له هو الإرادة المقيدة بالمعنى لا المعنى المقيد بالإرادة. وهذا غير كون المدلول هو الإرادة فقط. واما على مسلك المشهور، فكون اللازم هو الدلالة التصديقية ليس محذورا. أو قل: ان كون الدلالة هي تصديقية أو تصورية أول الكلام، ولا ينبغي بهذا الصدد اخذ أحدهما مسلماً.
التقريب الثالث: ان الإرادة متأخرة عن الاستعمال، طبقا لتأخر الإرادة عن
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المراد. فلا يمكن أخذها قيدا في المعنى المستعمل فيه.
ويمكن ان يجاب بعدة وجوه:
الوجه الأول: القول بالحصة التوأم وانه ليس على نحو التقييد.
وجوابه: اننا لا نتعقل الحصة التوأم إلا بالتقييد، وإلا كان اللفظ مستعملا في ذات المعنى. أو بتعبير السيد الأستاذ: ان الحصة التوأم إنما تكون في الوجودات الخارجية، واما في الحصص الذهنية المفهومية، فلا يمكن إلا التقييد.
الوجه الثاني: ان الإرادة ليست متأخرة عن الاستعمال بل هي متقدمة عليه لأنها بمنزلة العلة له. والمراد بالنسبة لها كالعلة الغائية، يكون بوجوده الذهني علة وبوجوده الخارجي معلولا والكلام عن الثاني، لأنه هو الاستعمال حقيقة.
الوجه الثالث: ان الكلام ليس في تقييد الاستعمال بالإرادة، بل في تقييد المعنى الموضوع له. وليس المفروض ان يقيد الواضع المعنى بقيد كونه مستعملا فيه، بل ذات المعنى، فلا يلزم الإشكال.
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وضع المركبات
والكلام ينبغي ان يقع تارة في الموضوع وأخرى في المحمول.
اما الكلام في الموضوع يعني التعريف بالمركبات التي يقع الكلام عنها محمولا. فنقول: ان الكلام المفهوم أو الموضوع في اللغة اما إفرادي أو تركيبي. والافرادي اما مفرد أو مركب كمعدي كرب، وأحد عشر. فانه يعود في طول التركيب إلى معنى إفرادي عرفا من أي نوع كان ولا يكون تركيبيا.
لا يقال: ان المركب يحتوي على وضع متعدد في أجزائه الأصلية، فيندرج فيما سنقوله من الجمل التركيبية. فانه يقال: انه عرفا ليس كذلك، بل هو مفهوم مفرد واحد بوضع واحد. فانه في طول التركيب ينسلخ عن وضعه السابق، ويوضع وضعا واحدا جديدا مستقلا، ومن هنا لا يندرج في الجمل الناقصة، فضلا عن التامة.
واما الكلام التركيبي: فهو اما تام واما ناقص، فالتام هو الجمل التامة ذات النسبة التامة، والكلام فعلا خارج عنها، وإنما الكلام في الجمل الناقصة. وتسميته جملة بالمعنى الاصطلاحي النحوي مجاز، إلا انه جملة لغة لأنه مركب من جملة من الألفاظ أو عدد منها لا اقل من اثنين أو ثلاثة. وضابطه ما لا يصح السكوت عليه. شأنه في ذلك شأن المفرد الذي لا يصح السكوت عليه.
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يندرج في كل ذلك كل الهيئات التي لا يصح السكوت عليها، وهي على قسمين:
القسم الأول: هيئات تقوم بمادة واحدة كأسماء الفاعل والمفعول والأفعال وسائر المشتقات.
القسم الثاني: هيئة تقوم بمادتين فاكثر، كالصفة والموصوف أو المضاف والمضاف إليه، أو المعطوف مع المعطوف عليه والبدل مع المبدل منه والتوكيد مع المؤكد وغيرها. وهذه هي الهيئات التركيبية الناقصة.
اما القسم الأول: فهي هيئات افرادية وإنما ذكرناها للإيضاح.
فان قلت: ان القسم الأول أيضا هيئات تركيبية ناقصة بأحد تقريبات:
التقريب الأول: انها لا يصح السكوت عليها، وكل ما لا يصح السكوت عليه فهو كذلك.
جوابه: ان المفردات أيضا مما لا يصح السكوت عليها، فلا تتم الكبرى، والتقريب اعم من المدعى.
التقريب الثاني: ان لها إفادة عرفية اكثر من المفرد الذي لم توضع هيئته كالأرض والماء والسماء.
جوابه: ان هذا ناشئ من تعدد الوضع بين المادة والهيئة وليس دالاً على التركيب، نعم: هو تركيب بين المادة والهيئة. وهذا غير التركيب الذي نقصده، فان لكل منهما وضع إفرادي لا يشبه الجملة عرفا. فلا يندرج في المركبات الناقصة.
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التقريب الثالث: التعميم أو التجريد من الخصوصيّة، من الهيئات الناقصة، كالصفة والموصوف، إلى هذا النحو الذي نتكلم عنه، كاسم الفاعل وغيره من المشتقات. فكما ان تلك هيئة ناقصة من الممكن ان تكون موضوعة بوضع المركبات،كذلك هذه. وخاصة إذا قلنا: ان الملاك في ذلك كما يقول المحقق الأستاذ هو الوضع للحصص، أو كما يقول السيد الأستاذ هو الوضع للهيئة التحليلية. فان مورد الكلام من هذا القبيل.
وجوابه: ان هذه المباني خاصة بالهيئات الناقصة ذات المواد المتعددة، ولذا قالها المحقق الأستاذ في المعنى الحرفي وقالها السيد الأستاذ في تركيب مفهومين إفراديين ذهنيين – كما سيأتي – ولا تصدق في هيئة ذات مادة واحدة، فالتجريد عن الخصوصية باطل.
التقريب الرابع: انها جمل تركيبية لغويا ونحويا. لأنهم اتفقوا على تقدير الضمير فيها، كفاعل أو كنائب فاعل. لا يختلف عن ذلك حال الأفعال عن حال سائر المشتقات، كأسماء الفاعل والمفعول وغيرهما.
وجوابه من وجهين:
أولاً: ان الكلام عن كونها صغرى للهيئة الناقصة، بغض النظر عن الضمير المستتر فيها.
ثانياً: انها بهذا الضمير تخرج عن محل الكلام وتصبح جملة تامة يصح السكوت عليها، لا جملة ناقصة.
نعم سيأتي في باب المشتق ان شاء الله تعالى، القول بتركيب المشتق، وهو راجع إلى تحليله إلى ما يشبه الجملة تحليلا دقياً، غير ان دقته وعدم فهمه عرفا يمنع – مع ذلك – عن اندراجه ضمن المركبات الناقصة. ولو تمّ فانه
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يندرج ضمن المركبات التامة، فتأمل.
ثم انه قد يناقش الفرق بين الجمل التامة والجمل الناقصة، بأنه ليس هو ما يصح أو لا يصح السكوت عليه، بل يتميز بأمور أخرى.
الأمر الأول: ما يكون عرفا مركباً تاما أو مركبا ناقصا.
جوابه: إننا نسأل عن الملاك الذي من اجله حكم العرف بكون هذا تاما وهذا ناقصا، وليس ذاك إلا صحة السكوت عليه وعدمه. فينتفي هذا الضابط ونعود إلى الضابط الأصلي.
الأمر الثاني: ما يقع طرفاً للنسبة التامة، و لاشك انها كذلك.
جوابه: أولاً: ان المفرد يقع طرفاً للنسبة التامة، فليس كل ما كان كذلك هو من المركبات الناقصة.
ثانياً: ان الجمل التامة قد تقع طرفاً للنسبة التامة، كالشرطية المتصلة والمنفصلة.
ومعه يتعين ان يكون الضابط في النقص والتمام هو صحة السكوت عليه كملاك عرفا ودقة أيضا، مع انطباق هذه القيود أيضا، وهي:
أولاً: ان تكون الهيئة موضوعة لغة، فان لم تكن موضوعة لم يدخل في محل الكلام كبعلبك أو معدي كرب، بل يكون مركبا إفراديا.
ثانياً: ان تكون له مادتان لا مادة واحدة، كما هو الحال في الصفة والموصوف ونحوهما.
فان قيل: كيف يكون ما لا يصح السكوت عليه ضابطا في المقام مع كونه
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
شاملا للمفرد أيضا ؟ قلنا: انه ظهر جوابه من حيث اننا نقيده بما ليس مفرداً ولا مركبا إفراديا، وان تكون له مادتان لا مادة واحدة.
فان قيل: ان المركب الإفرادي له مادتان لا مادة واحدة. قلنا: بل له عرفاً مادة واحدة، لأننا لا نريد بالمادة إلا ما كان له وضع استقلالي، وليس المركب الإفرادي من هذا القبيل. ومعه فالمركب الناقص هو المركب الجملي المتكون من مادتين. على ان المركب الجملي بمجرده أخص من مورد الكلام، لأنه لا يوجد بمادة واحدة إلا باعتبار الضمير المستتر الذي قلنا بعدم دخله في المقام. أو قل: ان بينهما عموما من وجه.
ثم ان النسب التامة قد تقع بين مفردين، وقد تقع بين نسبتين ناقصتين، وقد تقع بين نسبتين تامتين، وما يقع بين مفردين، فهما اما اسمان أو اسم وفعل، فالجملة اما اسمية أو فعلية.
وهناك اتجاهان في فهم هذا الانقسام في الجمل.
الاتجاه الأول: ان الجملة الاسمية هي المتكونة من اسمين (مبتدأ وخبر). والجملة الفعلية هي الجملة التي فيها فعل، سواء كان متقدما أو متأخرا كخرج زيد. أو زيد خرج.
الاتجاه الثاني: ان الجملة الاسمية هي التي يتقدم فيها اسم سواء لحقه اسم أم فعل، والفعلية هي التي يتقدم فيها الفعل، وهو المشهور.
والفرق المهم بينهما هو ان الاتجاه الأول يعتبر قولنا: زيد خرج، جملة فعلية بينما يعتبرها الاتجاه المشهوري اسمية. بينما الاتجاه الآخر منسوب إلى بعض النحويين المتأخرين، وقد يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني أيضا.
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقد أجاب عليه السيد الأستاذ بان هذا على خلاف الوجدان اللغوي في صورة اختلاف المبتدأ والخبر في التأنيث أو التثنية أو الجمع. مثل ذهب الناس والناس ذهب. مضافا إلى اننا لو قلنا انه (يعني الاسم المتقدم) فاعل كان الفرق بين الجملتين تعبديا، بخلاف ما لو كان مبتدأ إذ يكون التطابق بين المبتدأ والخبر ضروريا.
وجوابه: انه لا محذور فيما سماه بالفرق التعبدي. فان مقتضى القاعدة هو المطابقة بين جزئي الجملة على كل حال، سواء سميناه فاعلا أو مبتدأ، غير ان الذوق العربي استغنى عن المطابقة أحيانا للزوم محذور الجمع بين فاعلين، والاستغناء بالظاهر عن الضمير.
وإنما كون الضمير بمنزلة القرينة المتصلة على التثنية والجمع. نقول: الناس ذهبوا. مضافا إلى ان المدلول العرفي في كلتا الجملتين واحد، فلا يبقى الفرق بين الجملتين إلا تعبديا.
فان قلت: ان الجملة في جانب الخبر محتوية على ضمير، فيتعين ان يكون ما قبلها مبتدأ.
قلنا: ظهر جوابه، وذلك من وجهين:
أولاً: انه يكون دالا على هوية مرجعه أو علامة عليه، لا انه يكون ضميرا فاعلا.
ثانياً: ان الضمير ومرجعه أحدهما عين الآخر وليس غيره. والكثرة، اعني الإثنينية بين الضمير ومرجعه وان كانت متحققة، إلا ان الكثرة عين الوحدة. وليس للضمير من وجود عرفي غير وجود مرجعه، فإعراب أحدهما راجع إلى إعراب الآخر.
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: ان الفعل في صورة تقدمه مفرد (أي قول إفرادي لا يحتوي على ضمير لبروز فاعله) وفي صورة تأخره جملة (لاحتوائه على الضمير ولو مستترا). فلا يكون الوضع بين الجملتين متحدا.
قلنا: هي من الناحية العرفية علامات للجمع والتثنية وليست ضمائر، واما الضمير المستتر فلا دليل على وجوده بعد التسليم بفاعلية الظاهر المتقدم عليه.
إذن فالوضع بين الجملتين واحد.
فحاصل الامر: ان اصطلاح الجملة الفعلية والجملة الاسمية ليس أمراً عرفيا، وإنما هو مجرد اصطلاح عند جماعة من النحويين. فمن الممكن ان نصطلح هكذا أو هكذا. ولا مشاحة في الاصطلاح. وسيأتي الكلام عن مراد المحقق النائيني قدس سره.
ثم ان الدال على النسبة الواقعية التامة في المعنى أو المدلول، هي النسبة اللفظية الواقعية، كأي نسبة أخرى على ما سبق في المعنى الحرفي. سواء كان ذلك من الجملة الفعلية التي تحتوي على نسبة الفاعل إلى الفعل، أو الجملة الاسمية التي تحتوي على نسبة الخبر إلى المبتدأ. سواء كان الخبر مفردا أم جملة اسمية أم فعلية.
ولكن قد يقال: اننا نحتاج للدلالة على النسبة في الجملة الاسمية إلى دال لفظي هو تقدير الضمير هو.
وهذا ما يراد به اللزوم، يعني ضرورة التقدير، أو الجواز في مقابل امتناعه، والصحيح هو عدم لزومه وعدم امتناعه.
اما اللزوم فلكفاية الهيئة بلا إشكال للدلالة على ذلك، واما الجواز، فقد
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يقال: بنفيه للتوصل إلى عدم الإمكان. بأحد تقريبين:
التقريب الأول: لغوية جعله بعد الاستغناء عنه بالهيئة. وجوابه: ان هذا الاستغناء وان كان صحيحا، إلا ان اللغوية إنما تكون ثابتة مع عدم غرض عقلائي. وهنا يمكن تصور الغرض، وهو التنبيه والتصريح بالنسبة. أو قل: التأكيد كما عليه مشهور البلاغيين والنحويين.
التقريب الثاني: ان الضمير هو معنى اسمي فيحتاج إلى ربط بين الطرفين بدوره فيلزم التسلسل.
وجوابه: انه لو كان طرفا مستقلا لاحتاج إلى ربط، ولكن الامر ليس كذلك، لأنه إنما وضع للدلالة على الربط أو قل: على الرابط، فاصبح رابطا بذاته، فلا يحتاج إلى رابط كالنسبة نفسها، وإلا لزم التسلسل فيها أيضا، وهو مما لم يحتمله أحد.
وهناك تقريبان آخران لنفي الحاجة إلى الضمير:
التقريب الأول: قياس الجملة الاسمية بالفعلية. فكما لا تحتاج الهيئة في الجملة الفعلية إلى الضمير، فكذا في الاسمية، لان الجمل ينبغي ان تكون على غرار واحد.
وجواب ذلك: أولاً: ان الضمير لا مورد له في الجملة الفعلية، للاستغناء عنه بالظاهر الذي هو الفاعل. بخلاف الجملة الاسمية لعدم تحقق الاتحاد مفهوماً. فيمكن ان يكون الضمير دليلا على الاتحاد مصداقا، وبالحمل الشايع.
ثانياً: انه يمكن الجواب بالعكس، بالطعن في المقيس عليه، وهو الجملة الفعلية، بأنه يمكن تقدير الضمير فيها، ولكنه فانٍ في الفاعل الظاهر عند
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وجوده، بحيث لا يحس به العرف إطلاقا. فإذا فسد الامر في المقيس عليه فكيف بالمقيس وهو الاسمية.
التقريب الثاني: لزوم التسلسل فيما إذا كان الخبر متكونا من جملة اسمية، لان تلك الجملة تحتاج إلى ضمير أيضا، فان كان خبرها جملة اسمية أيضا احتاجت إليه أيضا، ويتسلسل.
جوابه: أولاً: انه بعد التنزل عن التقريبات السابقة، والاعتراف عرفا بالحاجة إلى وجود الضمير، إذن، يكون مما لابد منه عرفا وان كان محالا عقلا، وقد سبق ان قلنا: اننا نعترف بأية قضية عرفية وان كانت محالا عقلا.
ثانياً: ان هذا ليس من التسلسل المحال، بل ما يسمى بتسلسل (لا يقف) يعني يمشي بمقدار الكلام لا أكثر. ولا يمكن ان يكون الكلام لا متناهيا ليلزم التسلسل.
وقد يقال: في إثبات الحاجة إلى الضمير، ان ما بإزائه موجود في اللغات الأخرى كالانجليزية في (is ) والفارسية في (است) فلزم ان يكون في العربية أيضا.
وجوابه: ان هذا لا يكفي لأنه دليل على انتباه العرب بالاكتفاء بالدال المعنوي أو الواقعي عن اللفظي وهو الضمير، وعدم اكتفاء غيرهم بذلك، بل من الظاهر ان وجوده يدل على رداءة اللغة وضعفها وضيقها لا محالة. في حين ان اللغة العربية قوية من هذه الناحية.
ثم انه هل هناك حاجة إلى التدقيق في معاني الجمل الناقصة والتامة والفروق بينها، أو يكفي إيكالها إلى العرف؟
ــــــ[52]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والصحيح وان كان هو الثاني، إلا ان الأصوليين تجشموا مثل هذا العناء، ولو باعتبار عدم المنافاة بين الدقة والعرف في كثير من الأحيان، وذلك كالفرق بين الجمل التامة والناقصة، فالتامة هو المركب الجملي الذي يصح السكوت عليه. والناقصة هو المركب الجملي الذي لا يصح السكوت عليه. وكالفرق بين الخبر والإنشاء أو بالأحرى بين الإخبار بالكسر والإنشاء. فالإخبار ما يجوز فيه الصدق والكذب، أو ما يمكن فيه أو يصدق عليه ذلك، بخلاف الإنشاء.
وكالفرق بين الجملة الاسمية والفعلية، فالاسمية مفادها الهوهوية بأحد الحملين الأولي أو الشايع. والفعلية مفادها صدور أو إصدار الفعل.
وكالفرق بين الجملة الحملية والشرطية، فالحملية تفيد التلازم بين الموضوع والمحمول بنحو من أنحاء التلازم. والشرطية تفيد التلازم بين الفقرتين: فعل الشرط وجزائه، أو قل: التلازم بين الجملتين التامتين في أنفسهما.
أقول: إلا ان هذا التدقيق كما يستدعي بنا التعرض إلى أقوال الأصوليين والمختصين في كل مسألة، يستدعي بنا أيضا التدقيق والتفصيل في عرض كل معاني الكلمات والجمل والحروف. وهذا ما أهمل أكثره الأصوليون.
قال الأصوليون: ان الجملة التركيبية التامة لها عدة أنحاء من الأجزاء:
أولاً: مواد المفردات. ثانياً: هيئات المفردات. ثالثاً: الهيئات التركيبية الناقصة التي تكون في ضمنها. رابعاً: الهيئة أو الهيئات التركيبية التامة التي في ضمنها.
وقال المحقق الأستاذ: ان الأوضاع الموجودة في الجملة عديدة لا اقل من ثلاثة، وقد تصل إلى عشرة أو أكثر، كما في قولنا زيد أبوه ضارب ابنه.
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لا إشكال في وضع القسمين الأولين من هذه الأقسام الأربعة. وإنما الكلام عن وضع القسمين الآخرين. وينبغي ان يقع الكلام عن كل منهما مستقلا.
اما الجملة التامة بعد التسليم بوضع موادها وهيئاتها، فهل يكون لها وضع زائد أو لا؟ منهم من أطلق كالأستاذ المحقق ومنهم من فصل كالمحقق النائيني. فمن أطلق استدل بدليلين على عدم الحاجة إلى الوضع مطلقا:
الدليل الأول: ان كل وضع يسبب الانتقال إلى المعنى، و لاشك ان أوضاع المفردات ونحوها كاف للانتقال إلى المعنى، فان كان المركب موضوعا لزم الانتقال إلى المعنى مرتين، وهذا على خلاف الوجدان.
الدليل الثاني: اللغوية لإغناء الوضع الأول عن الوضع الثاني.
والدليل الثاني صحيح، وعليه المعول بغض النظر عن التفاصيل الآتية، سواء قلنا بالوضع التعييني أو التعيني أو الإلهي.
واما الدليل الأول، فيمكن ان يناقش بعد التنزل عن الدليل الثاني.
أولاً: انه لولا اللغوية لكان محل حاجة، اعني الوضع الثاني الحاصل لمجموع المركب. فيكون ضروريا. لان معناه نقصان اللغة والأوضاع اللغوية بدونه.
ثانياً: انه لا يلزم الدلالة على المعنى مرتين، لأمرين:
1- فناء إحدى الدلالتين في الأخرى واندكاكها فيها، كما قلنا عن فناء الضمير المقدر بالظاهر.
ــــــ[54]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
2- انه خلف كونه محل الحاجة، لان فرض ذلك، فرض اننا نحتاج إلى الدلالتين. فتأمل.
واما التفصيل في الهيئات التركيبية فهي عدة تفاصيل:
التفصيل الأول: التفصيل بين الجمل الاسمية والجمل الفعلية. باعتبار ان الجمل الاسمية موضوعة للربط بين الجزئين دون الفعلية. لان الاسمية لا تدل مفرداتها على معنى الهيئة، فاحتاجت إلى وضع الهيئة، بخلاف الجمل الفعلية، فان مادة الفعل الإفرادية كافية في ذلك. لأنه اخذ فيها نسبة الفعل إلى الفاعل.
ويمكن الجواب على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: ان المراد من هذه الهيئة التركيبية ليس هو وضع المركبات الذي نبحث عنه في هذه المسألة، كما هو واضح من العنوان، فان هذا الوضع للهيئة التركيبية مما لابد منه. وإنما الكلام في وضع المركبات من وضع آخر زائد على وضع الهيئة التركيبية في الجمل الاسمية فضلا عن الفعلية.
الوجه الثاني: ان الفعل لم يوضع لنسبة الفعل إلى الفاعل، بل للدلالة على وقوع الفعل في أحد الأزمنة الثلاثة. واما هذا الظهور الذي يدعيه، فهو مدلول للهيئة التركيبية للجملة الفعلية، أو باعتبار تقدير ضمير مستتر في الفعل. وهذا كله غير واضح ولا وارد في الهيئة الإفرادية للفعل بذاته.
الوجه الثالث: ما أجاب به المحقق العراقي قدس سره، من ان الجملة الاسمية تكون كالفعلية أحيانا في عدم احتياجها إلى وضع الهيئة، كما لو كان الخبر فيها فعلا. إذن، فالدليل أخص من المدعى.
إلا ان هذا غير تام لان الكلام لدى المحقق النائيني في الجملة الاسمية بما
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هي اسمية، واما الجملة الفعلية فتحتوي على نسبة أخرى بين الفعل والفاعل.
الوجه الرابع: للعراقي أيضا: ان الهيئة الإفرادية للفعل وان دلت على نسبة الفعل إلى الفاعل، إلا انها دلت على ذلك بشكل مبهم، لم يؤخذ فيه فاعل مخصوص فلابد ان توضع الهيئة التركيبية له. ونتيجة ذلك وضع الهيئة التركيبية في كلتا الجملتين الاسمية والفعلية، وليس الاسمية فقط، كما ادعى المستشكل.
وجوابه: يعرف مما قدمناه من ان الهيئة الإفرادية للفعل لم تدل على نسبة الفعل إلى الفاعل، وإنما الدال على ذلك أساسا هو هيئة تركيبية زائدة على تلك الهيئة الإفرادية، حتى لو أريد بها الهيئة المتكونة من الضمير المستتر في الفعل، والذي قد يبدو أحيانا كونه هيئة افرادية.
فان قلت: ان طبع الفعل هو الدلالة على ذلك، لان الضمير مستتر فيه دائما ما لم يسند إلى ظاهر. وهو معنى ما قاله العراقي من وجود النسبة المبهمة إلى الفاعل لعدم عود الضمير إلى واحد بعينه.
قلنا: ان هذا الطبع إذا كان ثابتا لم يناف طبعا ثابتا آخر وهو دلالة الهيئة الإفرادية، فكلاهما موضوع، ووضع الهيئة الإفرادية اسبق رتبة، ولم يؤخذ فيها نسبة الفعل إلى الفاعل.
التفصيل الثاني: التفصيل بين الجمل الاسمية والفعلية أيضا، لكنه عكس السابق. إذ يقال هنا بعدم وضع المركب في الجملة الاسمية لان هيئتها غير موضوعة للنسبة، لان فيها ضميرا مستترا بخلاف الجملة الفعلية.
وجوابه: أولاً: اننا سبق ان نفينا الضمير المستتر.
ثانياً: ان هذا ليس من وضع المركبات بالمعنى المصطلح، فان احتجنا إليه
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لم يكن الضمير كافيا لأنه يدل على النسبة التي هي أحد أجزاء الجملة، فنحتاج إلى وضع الأجزاء الثلاثة من جديد. والصحيح – كما سبق – عدم الحاجة إلى وضع المركبات لدلالة المفردات عليه.
التفصيل الثالث: بين الجملة التامة والجملة الناقصة، فلا تحتاج الأولى إلى وضع المركب بخلاف الثانية، وهو ما قاله السيد الأستاذ باعتبار ان النسبة الناقصة نسبة تحليلية، كما سيأتي.
وموجز دليله: ان الجملة ان دلت على المعنى بنحو تعدد الدال والمدلول، لم يكن حاجة إلى وضع المركب، بل هو غير معقول، اما لكونه لغوا واما لكونه من تحصيل الحاصل. فان الوضع – مهما فسرنا معناه – حاصل للمعنى، فيكون الوضع الثاني محالا. وكلا الأمرين دليل على استحالة وضع المركبات، وهو غير بعيد.
واما إذا كان مشتملا – يعني الدال والمدلول – على النسبة الناقصة، فيجب ان تكون تمام الجملة موضوعة لتمام المعنى الجملي كما أوضحنا – كما قال – في المعنى الحرفي. وهذا لا يرد عليه لزوم الانتقال مرتين، لأنه لا يوجد للكلمات إلا وضع واحد. هو وضع المركب. وليس للكلمات داخل المركب وضع آخر ليلزم الانتقال مرتين. ومنه يتضح حال إشكال اللغوية فانه فرع الوضع السابق وتأثيره في الجملة الناقصة، وقد عرفت انه غير مؤثر.
وجواب ذلك من وجوه:
أولاً: ما سبق ان قلناه أيضا، في مبحث المعنى الحرفي، من اننا نفينا كون النسبة الناقصة تحليلية، بل هي واقعية وليست مكانية ليستحيل انتقالها إلى الذهن.
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان غاية ما يثبت به هذا الوجه، بعد التنزل عن الوجه الأول، كون النسبة تحليلية، واما الطرفان فهما باقيان على حالهما الأول، والاستحالة إنما تختص بالنسبة المكانية. فهي التي تحتاج إلى وضع جديد – لو سلم – دون الطرفين فيلزم لغوية الوضع الجديد فيهما.
فان قلت: ان وضع المجموع لا يعني وضع الطرفين خاصة، ليلزم اللغوية ويلزم تحصيل الحاصل.
قلنا: هذا إشكال على اصل مبنى الاستحالة لا على محل كلامنا فقط. وجوابه: ان الموضوع وضعا كاملا يستحيل ان يوضع ولو بالتضمن، يعني ان يناله جزء الوضع. بل هذا أسوأ من تحصيل الحاصل. فان كان غنيا بالوضع الكامل كيف يفتقر إلى جزء الوضع أو إلى وضع تحليلي، فانه غير مفتقر إلى وضع كامل فضلا عن وضع ناقص أو تحليلي.
ثالثاً: ان هذا يلزم منه ان نفهم من الطرفين معنى غير ما نفهمه منهما استقلالاً وهو خلاف الوجدان القطعي. فإذا قسنا ذلك بالمركب الإفرادي اتضح المراد. فاننا في قولنا: تأبط شراً. لا نفهم الطرفين فهما مستقلا أكيدا، وإنما نفهم من المجموع معنى واحدا، فكذلك يصبح الحال لو قلنا بوضع المركب الناقص وضعا جديدا.
رابعاً: ذكرنا فيما سبق ان الجملة الناقصة قد تستعمل بمعنى الجملة التامة، فلو قلت: زر زيدا العالم. دل على الإخبار عن علمه. وهذا مستحيل بناء على هذا المبنى. لان للجملة عندئذ وضع تحليلي غير قابل للتصور المستقل.
مع ان هذا كثير في اللغة ومتوفر في آيات القرآن الكريم. فقد يراد بالمركب الناقص التشريع، كقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً. أو التسبيب نحو قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وَإِسْحَاقَ. أو التعظيم كقوله سبحانه: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أو التعريف كقولنا: اكرم الرجل الذي جاءنا بالأمس.
خامساً: ان تعدد الوضع لا يخرج القضية عن مأزقها، يعني لا يجعلها تفصيلية بعد ان كانت تحليلية.
سادساً: ان ورود القضية إلى الذهن بأطرافها التحليلية إنما كان بالوضع الأول، إذ بدونه يمتنع ذلك وتكون لغوا. فالوضع الثاني هل هو للانفهام مرتين طوليتين أو عرضيتين، هذا كله لا يمكن.
سابعاً: عدم التلازم بين القضية الذهنية والقضية اللفظية، فالقضية الذهنية وان سلمنا كونها تحليلية، إلا ان القضية اللفظية استعملت بما لها من معنى لغوي بالوضع الأول، وهو معنى استقلالي.
فان قلت: انها لا تفهم إلا بنحو تحليلي على الفرض، فاحتاجت إلى وضع المركب. قلنا: ان وضع القضية اللفظية لغة يكفي في استقلاليتها.
ثامناً: ان المركبات الناقصة على أقسام: منها ما تعرض لها السيد الأستاذ، وبعضها لم يتعرض لها هنا. وان سبق له ان قسمها ودعا إحداهما: بالنسبة الناقصة الأولية، والأخرى: بالنسبة الناقصة الثانوية. ومثل له بالتوكيد والبدل. وحين قال بوضع المركبات خصّ النوع الأول بالكلام، فهل يشمل النوع الثاني أم لا. فهذا مما لم يتعرض له، مع العلم انه لا يشمله الدليل لا بقياس المماثلة ولا بالأولوية.
استعمال اللفظ في معنيين :
والكلام تارة في الموضوع وأخرى في المحمول.
ــــــ[59]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اما الكلام في الموضوع، فاللفظ إذا أطلق أو استعمله مستعمل، فقد يراد به معنى واحد سواء كان حقيقيا أو مجازيا. وسيأتي معنى وحدة المعنى.
وأخرى يراد به معنيان، وهذا على أشكال: لأنه قد يراد منه معنيان متباينان وقد يراد به معنيان أحدهما مطلق والآخر مقيد. وقد يراد به فردان أو حصتان بينهما جامع مفهومي. وقد يراد به فردان أو حصتان بينهما جامع انتزاعي (وهو مفهوم أحدهما). وقد يراد باللفظ معنيان أحدهما حقيقي والآخر مجازي، أو أحدهما حقيقي والآخر كنائي، وهكذا.
وعلى كل تقدير، فاللفظ اما ان يكون وحده أو هو مع محموله. والمحمول اما ان يكون واحدا لكلا المعنيين أو متعددا، بحيث يكون هناك محمول لكل معنى.
والحقيقة انه مع قصد الجامع بقسميه (الحقيقي والانتزاعي)، أو قصد المطلق والمقيد يكون المعنى واحدا لا متعددا، سواء كان الفردان حقيقيين أو مجازيين أو حقيقيا ومجازيا. لاندراج المقيد في المطلق والأفراد في الجمع. وعلى كل حال، فهناك جامع واحد للمعنى المستعمل فيه.
وإنما يتحرر النزاع على تقدير التباين بين المعنيين، سواء كانا حقيقيين أو مجازيين أو بالتلفيق. كما في مثال العين الموضوعة لعدة معان بنحو الاشتراك.
وعلى كل تقدير، فاما ان يكون اللفظ دالا في نفسه على الواحد المفرد، أو يكون دالا على المتعدد. وعلى الثاني، فاما ان يكون اللفظ من قبيل اسم الجنس أو المثنى أو الجمع، فانه قد يقع الكلام في المثنى والجمع، بأنه مع تعدد المعنى يمكن استعمال كل منهما في معنى مباين للآخر.
والكلام الآن ينبغي ان يقع في القدر المتقين من المسألة، واما التفاصيل
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فينبغي تأجيلها إلى ما بعد ذلك. والقدر المتيقن هو استعمال اللفظ المفرد في معنيين حقيقيين متباينين، وافضل أمثلته السائرة هو لفظ العين. ولاشك ان هذا النحو من الاستعمال مخالف للقواعد اللغوية جدا. إلا ان المسلك فيه تارة على الاستحالة العقلية وأخرى على كونه خلاف الظاهر.
وقد استدلوا على الاستحالة بعدة أدلة:
الدليل الأول: منسوب إلى المحقق النائيني قدس سره: من ان النفس باعتبار بساطتها يمتنع ان تلحظ معنيين مستقلين في آن واحد. واستعمال اللفظ في معنيين مستلزم لذلك لا محالة. وربما يستدل هنا بالآية الشريفة: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).
وجواب ذلك: كما عن المحقق الأستاذ: من ان الكثرة لا تنافي الوحدة، كما ثبت في محله. ويدلنا على ذلك أمور منها:
أولاً: تصور أجزاء القضية المستعمل فيها، إذ بدونه لا معنى للحمل. فلو تعذر على النفس إدراك أمرين لم يمكنها إدراك أية قضية، ولأمتنع كل حمل، وهذا شامل للقضية التامة والناقصة.
ثانياً: ان الإنسان يستطيع ان يعمل عملين في نفس الوقت، فهو يستطيع ان يتكلم ويمشي، وهو إشكال متين.
فان قلت: فكيف لنا بتفسير الآية المشار إليها. قلنا: يمكن ذلك على عدة مستويات. منها: ان المراد من الآية ان الإنسان لا يستطيع ان يحب ويبغض أحدا في نفس الوقت. أو يشعر بالحاجة والغنى عن أمر واحد في نفس الوقت وهكذا. والقلب على العموم موكول على العواطف لا على الإدراكات، والإدراك خاص بالعقل ولا يشمل القلب. والآية الكريمة ذكرت القلب ولم
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تذكر العقل.
الدليل الثاني: ما نسب إلى المحقق العراقي قدس سره من انه يلزم من استعمال اللفظ في معنيين وجود معلولين لعلة واحدة، لأنه استعمال واحد يوجد إنفهامين في الذهن. وليس جوابه ضم القرينة، لان هذا تغيير فرض موضوع الكلام.
وإنما جوابه: ان العلة ليست واحدة لافتراض وجود وضعين ودلالتين في اللفظ. ولو قيل: باستحالة وجود دلالتين من استعمال واحد، أو وجود ارادتين في نفس واحدة، أو تفهيمين لمعنى واحد لكان افضل، كمصداق لما قيل في أول الدليل من كونه معلولين لعلة واحدة.
وقد يجاب – كما قد يستفاد من تضاعيف كلامات السيد الأستاذ -: بان تعدد الوضع والقرن كاف في صدق تعدد العلة. ولكنه يجاب: بان تعدد الوضع لم ينتج تعدد الدلالة بالمباشرة بل بتوسط الاستعمال. والمفروض ان الاستعمال واحد واللفظ واحد، فيجب ان تكون الدلالة واحدة فان تعددت كان من تعدد المعلول مع وحدة العلة.
وقد يجاب: بإمكان التحليل إلى أمرين باعتبار تكثر العلة وهي الوضع. وجوابه: أولاً: ان العلة للاستعمال حقيقة هو الإرادة لا الوضع وهي واحدة. وثانياً: ان الموضوع له هو اللفظ لا جزؤه التحليلي.
والجواب الصحيح لهذا الدليل هو الطعن في الكبرى فلسفيا، من حيث انها خاصة بالعلل والمعلولات التكوينية دون الاختيارية. والمعلول هنا اختياري، فتأمل.
فان قلت: ان هذا وان كان ممكنا إلا انه مستبعد. قلنا: نعم، إلا ان هذا
ــــــ[62]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رجوع إلى المانع الاثباتي لا المانع الثبوتي الذي نتكلم عنه فعلا.
الدليل الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره: من ان الاستعمال عبارة عن إفناء اللفظ عن المعنى، ولا يمكن ان يفنى اللفظ في معنيين. أو قل: انه بعد فنائه في أحد المعنيين لا يبقى له وجود لكي يفنى في المعنى الآخر.
وجوابه: انه مبني على تفسير الاستعمال من انه إفناء اللفظ في المعنى. فيكون جوابه: أولاً: ان معنى الاستعمال ليس هو الفناء بل هو العلية، يعني علية اللفظ لإحضار المعنى إلى الذهن. وهذا يكفي للتسبيب إلى التفهيم اللغوي. وهو لا حاجة إلى افتراض الفناء.
ثانياً: ان اللفظ يكون فانيا في المعنيين في آن واحد ومرتبة واحدة، لا في مرتبتين، ليلزم من فنائه زواله، والفناء في معنيين ممكن في مرتبة واحدة بحيث يكون كل منهما مقصودا للمتكلم. وهذا لا ربط له بالبرهان الفلسفي على استحالة الفناء في شيئين، لو سلم.
الدليل الرابع: انه يلزم اجتماع لحاظين استقلاليين على ملحوظ واحد، وهو اللفظ. وذلك باستعمال واحد، على ما هو المفروض. لان المعاني ملحوظة استقلالا. وكلاهما يصلان إلى الذهن عن طريق آلية اللفظ. وهو معنى مرور لحاظين من اللفظ إلى المعنيين في وقت واحد. يقول: وهو مبني على تفسير الاستعمال بالآلية. واما إذا قلنا بان اللفظ يلحظ استقلالا في الاستعمال، فلا يرد الإشكال لان ذلك يكون كافيا لإفادة كل من المعنيين.
أجاب عنه السيد الأستاذ: انه ليس معنى الآلية هو عبور المعنى عن طريق اللفظ ليلزم عبور لحاظين استقلاليين عن اللفظ. بل معناه ان اللفظ غير ملتفت إليه وان كان موجودا ذهنا. وقد عرفت ان الوجود الذهني اعم من الالتفات
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التفصيلي، فلا يلزم من استعمال اللفظ في معنيين اجتماع لحاظين أو إلتفاتين عليه. إلا ان جواب ذلك: انه يكفي في الآلية كونه غير ملتفت إليه. فكيف يكون علة لنقل معنيين مستقلين، بحيث يكون كل منهما بمنزلة المستعمل فيه مستقلا.
فالجواب: إنما هو باعتبار ان وصول المعنى من اللفظ إلى الذهن إنما هو بالعلية، والمراد بالآلية ذلك. كأن العلة آلة لوجود المعلول، فرجع هذا التقريب إلى تقريب سابق.
الدليل الخامس: ان الاستعمال هو تنزيل اللفظ منزلة المعنى، ومع كون الوجود الحقيقي للفظ واحداً، لا يمكن وجود تنزيلين.
أجاب عنه السيد الأستاذ: بان تعدد المنزل عليه لا يستدعي تعدد المنزل، بل يمكن ان يكون الوجود واحد منزلا منزلة أمور متعددة، بتنزيلات متعددة. فلا نحتاج إلى وجود حقيقي آخر ينزّل منزلة المعنى الآخر، وإلا لسرى الإشكال إلى وضع اللفظ لأصل المعنيين.
إلا ان هذا لا يتم لان التنزيلات ان تمت لأفراد متعددة للفظ خرجت عن محل الكلام. كما لو تعددت زمانا أو مرتبة. إذ المفروض وحدتها زمانا ورتبة. وليس الوضع كذلك فلا يسري إليه الإشكال. فالإشكال في التقريب هو الطعن في كبراه. وهو ان الاستعمال ليس هو التنزيل بل هو العلية.
فهذا هو الكلام في الأدلة التي أقيمت على استحالة استعمال اللفظ في معنيين، ولم يتم شيء منها. إذن فالاستحالة غير ثابتة من الناحية العقلية.
واما الكلام عن الموانع الإثباتية لاستعمال اللفظ في اكثر من معنى. فهنا قد يقال: ان الموانع المدعاة هنا أيضا موانع عقلية، كما يأتي، فيكون الأمر
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثبوتيا واقعيا، لا إثباتيا.
وجوابه: بإبراز الفرق بين المجموعتين من الإشكالات، ولو احتمالا، والاحتمال دافع للاستدلال: وذلك بعدة اطروحات:
الأطروحة الأولى: ان المراد بالمانع الثبوتي استحالة وضع اللفظ لأكثر من معنى، وبالمانع الاثباتي استحالة استعماله في اكثر من معنى.
غير ان هذا لا يتم، لأنهم لا يقولون باستحالة الوضع المتعدد للفظ الواحد وإلا لأدى إلى القول باستحالة المشترك، وهو مما لم يقل به أحد.
الأطروحة الثانية: ان الموانع الثبوتية موانع في الاستعمال، والموانع الاثباتية موانع في المستعمل فيه.
وجوابه: أولاً: انه لا يتم في جميع تلك الوجوه، لان جملة مما سبق لم تكن موانع في الاستعمال.
ثانياً: ان النتيجة تكون واحدة، سواء كانت موانع في الاستعمال أو المعنى المستعمل فيه، وهي استحالة إيجاد اللفظ بقصد المعنيين، فرجع الأمر إلى الاستحالة الثبوتية.
الأطروحة الثالثة: ان تلك موانع في الاستعمال، وهذه موانع في المعنى الموضوع، كما سيأتي.
وجوابه: مضافا إلى ما قلناه قبل قليل من ان بعض تلك الوجوه ليست موانع في الاستعمال، فانه: ان كان المعنى الموضوع له غير مستعمل فيه خرج عن محل الكلام، إذ يصبح المعنى المستعمل فيه واحدا، وان كان الوضع متعددا على الفرض. وان كانت موانع في المعنى المستعمل فيه، فقد رجعت
ــــــ[65]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلى وجوه سابقة، ولم تكن موانع في الوضع، كما هو المفروض في هذا الوجه.
الأطروحة الرابعة: ان المجموعة الأولى من الأدلة. هي في مطلق المعنى المستعمل فيه والمجموعة الآتية هي في خصوص المعنى الحقيقي. فان لم تتم الأولى وتمت الثانية، أمكن استعمال اللفظ في معنيين مجازيين أو مجازي وحقيقي، وان استحال في معنيين حقيقيين.
وهذا وان كان اقرب إلى المقصود، إلا انه سوف يأتي ان قيد الوحدة، كما يمكن ان يؤخذ في المعنى الحقيقي، فانه يمكن أيضا ان يؤخذ في المعنى المجازي، وهذا ما لم يلحظه الأصوليون، وسيأتي.
الأطروحة الخامسة: انه لا فرق بين المجموعتين من الأدلة العقلية، ولكن يراد بالأدلة الاثباتية كونه خلاف الظاهر، سواء كان المعنيان حقيقيين أو مجازيين أو بالتلفيق وهذا تام.
اما المجموعة التي ذكرت هنا، للاستدلال، فهي عدة وجوه:
الوجه الأول: انه اخذ قيد الوحدة في المعنى الموضوع له، فلا يمكن ان يكون اللفظ مستعملا في معنيين حقيقيين، لأنه خلاف قيد الواضع.
ويجاب عنه بعدة وجوه:
أولاً: ان هذا القيد المشار إليه لا دليل عليه عقلا ولا عرفا. فان قيل: اننا نعرفه من آثاره وهو الامتناع العرفي للاستعمال في اكثر من معنى.
قلنا: هذا لعله لأسباب أخرى، غير هذا الوجه فيكون استدلالا بالأعم.
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان قيد الوحدة المدعى في المعنى الموضوع له، هل هو قيد للوضع أو قيد للاستعمال ؟ فان كان قيدا للوضع كان دليلا على استحالة الاشتراك وهو خلاف الوجدان. وان كان قيدا في الاستعمال، يعني اشتراط الواضع عدم استعمال اللفظ في اكثر من معنى، أو في المعنى وغيره، فهو أول الكلام وعين المدعى.
ثالثاً: ما ذكره المحقق العراقي قدس سره من ان الوحدة اللحاظية من مقومات الاستعمال، فلا يعقل أخذها في المعنى المستعمل فيه في الرتبة السابقة على الاستعمال.
ويرد عليه ما ذكره السيد الأستاذ: من ان ما هو المتقدم على استعمال اللفظ رتبة هو قيد الوحدة للاستعمال فيه، لا الاستعمال في المعنى الآخر. فلا يلزم اخذ ما هو متقدم في ما هو متأخر.
وقد يناقش جواب السيد الأستاذ: بان كلا الاستعمالين متأخر رتبة عن الوضعين، بمنزلة الولدين لأبوين.
وجوابه: ان الصحيح ان صدق التقدم الرتبي إنما هو في علة كل شيء بالنسبة إلى معلولها، واستعمال المعنى الآخر لا يقع في علل هذا المعنى ولا معلوله فلا يكون متقدما رتبة.
فان قلت: انه في محل الكلام يتحد المعلول موضوعا، لفرض وجود استعمال واحد للفظ واحد. قلنا: هذا يعود إلى معنى اختياري وليس عقليا أو عليّا، ولا ربط لإحدى الدلالتين بالأخرى عقلا في مقام الاستعمال.
وقد يناقش ما ذكره العراقي: بإمكان ما ادعى استحالته. وذلك بان يشترط الواضع في وضعه عدم استعمال اللفظ الموضوع في غير هذا المعنى. فيكون
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ذلك وجودا لحاظيا لما هو موجود في المرتبة المتأخرة، ولا استحالة في ذلك. تماما كأخذ قصد الأمر في متعلق الأمر، بحسب الوجود اللحاظي الذي لا استحالة فيه، لأنه لا يرتبط بالعلل التكوينية.
رابعاً: – من مناقشات اصل الوجه الأول – ما ذكره السيد الأستاذ: من ان القيد في المعنى الموضوع له ليس هو مفهوم عدم لحاظ الآخر، وإلا لفهمناه عند إطلاق اللفظ، وهو خلاف الوجدان، بل هو واقع عدم لحاظ الآخر.
قال: وقد عرفت ان طرفي العلة الوضعية يجب ان يكونا تصوريين وذهنيين. ولا يعقل ان يكون أحدهما أمرا وجوديا وآخر ذهنيا.
وجواب ذلك: ان القيد وان كان هو واقع عدم اللحاظ، إلا انه مع ذلك تصوري لا واقعي، لان واقع عدم اللحاظ لا يمكن إيجاده في المرتبة السابقة على الاستعمال (لدى الوضع). ولكن يمكن لحاظه وتصوره من قبل الواضع. غاية الامر انه لم يؤخذ كلي عدم اللحاظ بل جزئي عدمه.
وبتعبير آخر: ان القيد ليس هو عدم اللحاظ بالحمل الأولي، بل عدمه بالحمل الشايع، أي مصداقه، ولا بأس ان تؤخذ من مصداقه صورة ذهنية حال الوضع تكون هي القيد أولاً وبالذات، ويكون طرفها هو المقيد حقيقة، كما في شأن كل كلام، وهذا يكفي في التوصل من المفهوم إلى المصداق، أو من الصورة إلى ذيها الخارجي أو الواقعي.
فالعمدة في مناقشة هذا الوجه الأول هو الوجهان الأولان.
الوجه الثاني: لاستحالة استعمال اللفظ في معنيين: ان قيد الوحدة وان لم يؤخذ قيدا في المعنى الموضوع لبطلانه – كما سبق – ، إلا انه دخيل في
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
غرض الواضع، فيمتنع إطلاق المعنى الموضوع له لغيره أي خارجا عن هذا الغرض، من قبيل قصد امتثال الأمر في العبادات من حيث كون الدخيل في الغرض هو خصوص هذه الحصة. فلابد من التقيد بالاستعمال الجاري على طبق الوضع.
وأجاب عنه السيد الأستاذ، بناء على مسلكه في الوضع من حيث انه يرى ان الوضع أمر تكويني، فهو يختلف عن الجعل التشريعي وقصد الامتثال. فالعلقة الوضعية أمر واقعي مترتب على الوضع ترتب المعلول على علته، وغرض الواضع، أمر نفسي لا يوجب ضيقا في الأمر التكويني.
وجواب ذلك: مبنائي، لأننا نبني على ان الوضع جعلي وليس تكوينيا. فيمكن – من هذه الناحية – ان يكون الأمر النفسي أو الذهني قيدا في الجعل.
إلا انه – مع ذلك – لا يتم هذا الوجه، لعدم ثبوت ذلك بدليل، وهو كونه دخيلا في غرض الواضع. ولو ثبت لم يجب تنفيذه. لان الواضع ليس مولانا، بل مولانا هو الشارع. وهذا فرقه عن قصد امتثال الأمر في العبادات. فان هذا مربوط بالشارع فيجب إطاعته.
ولو قلنا بوجوب طاعة الواضع تنزلا، كان الدليل عين المدعى لأنه يرجع إلى المنع عن الاستعمال في معنيين.
مضافا إلى ان تخلف غرض الواضع لا يوجب المجاز مادام الوضع مطلقا وتاما.
ومن هذه الناحية أيضا يختلف عن قصد الامتثال في متعلق الأمر الشرعي. باعتبار ان غرض الشارع يعود إلى المكلفين وغرض غيره يعود إليه.
ــــــ[69]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه الثالث: ان هذا الاستعمال وان كان ممكنا ثبوتا، إلا انه – إثباتا – غير عرفي ولا عقلائي قطعا ومخالف للظهور جزما، إلا ان تقوم به قرينة، وهو خلاف المفروض.
ولذا لا يتمسك العقلاء بأصالة الحقيقة فيه. بل بالعكس بمعنى انه لو فرض الشك في قصد المعنيين من اللفظ كان الأصل عدمه عقلائيا وعمليا.
ويمكن التعبير عن ذلك بهذا البيان وهو: انه عقلائيا فان ما يدل على المعنى هو اللفظ لا جزء اللفظ. ولو قصد المتكلم معنيين كان الدال على المعنى جزء اللفظ لا اللفظ كله.
إلا ان هذا لا يخلو من مناقشة، لان المهم هو جعل اللفظ علة لإخطار المعنى الذي هو معنى الاستعمال. فلو تنزلنا عن الاشكالات السابقة، أمكن جعل اللفظ علة لإخطار كلا المعنيين، فكل واحد منهما يدل عليه اللفظ كله.
فان قلت: فان هذا يكون من قبيل العلة الواحدة لمعلولين، وهو محال.
قلنا: كلا، فان الملحوظ يكون هو إخطار واحد لكلا المعنيين، فلا يكون جزء اللفظ دالا على جزء المعنى، فتأمل.
وأسوء من ذلك ما قاله السيد الأستاذ: من ان مقتضى التطابق بين اللفظ والمعنى هو ان يكون بازاء كل جزء من الكلام جزء من المعنى لا جزءان. وإذا دل اللفظ على معنيين، كان من دلالة الجزء الواحد من اللفظ على جزئين من المعنى.
وجوابه: الطعن في كبراه وصغراه.
اما الكبرى: فان جزء اللفظ لا يدل على شيء في المعنى أصلا، سواء
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قصد به الجزء الخارجي (كأحد حروفه مثلا) أو الجزء التحليلي.
واما الصغرى: فلإمكان ان يقال: ان جزء الكلام دال على معنى واحد، والجزء الآخر دال على معنى آخر. فلا يكون جزء منه دالاً على جزئين من المعنى. فلو تنزلنا عن إشكالنا السابق، لم يبق من هذه الناحية مانع.
هذا كله في استعمال اللفظ في معنيين حقيقيين.
…………………
واما استعماله في معنى حقيقي ومجازي، أو في معنيين مجازيين، فهو مبني على لزوم ورود الإشكالات السابقة على مثل هذه الاستعمالات أيضا.
إلا ان هذا لا يتم:
أولاً: اننا رأينا ان الوجوه السابقة لا ترد في المعنيين الحقيقيين فكيف بغيرهما.
ثانياً: ان المجاز يحتاج إلى القرينة، ومع القرينة يتعدد الدال، ويزول الإشكال. حتى في المعنى الحقيقي، فضلا عن المجازي.
فهنا مسألة غرض الواضع لا تأتي، لانتفاء الوضع في المجاز.
فان قلت: هذا في المجازين. واما إذا كان أحدهما حقيقيا فلا.
قلنا: هذا تابع بمقدار سعة غرض الواضع، – لو تم الوجه – والمفروض فيه تعلق الغرض بعدم استعمال معنى حقيقي إلى جانب المعنى الحقيقي، ولا يشمل المجازي.
كما لا تأتي هنا مسألة قيد الوحدة، لانتفاء الوضع أيضا، إلا إذا قلنا
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالحاجة إلى وضع المجاز، وهو غير تام. أو قلنا بشمول قيد الوحدة للمجاز أيضا، وهو خلاف المفروض في اصل الوجه.
مضافا: إلى ان هذا الوجه يؤدي إلى كون الاستعمال في المعنيين مجازا. وكلامنا الآن في المجاز، فلا يكون خطأ في هذه الجهة.
مضافا: إلى ان هذا القيد إنما يحصل للمعنى الحقيقي لا المجازي، فلا يشمل استعمال اللفظ في معنيين مجازيين، ولا المعنى المجازي إذا كان معه معنى حقيقي.
إذن، فلا يتم شيء من وجوه الاستحالة هنا، ولكنه – مع ذلك – لابد من القول عرفاً وعقلائياً، انه مستنكر ثبوتا وإثباتا.
هذا كله في المفرد.
واما الكلام في المثنى والجمع، من حيث إمكان استعمالهما في اكثر من معنى.
فقد يقال: انه يمكن استعمالهما في معنيين متباينين.
فإننا ان قلنا بإمكانه في المفرد فهنا أولى، وان قلنا بامتناعه هناك فهنا ممكن، لان مفاد الهيئة في المثنى والجمع ليس إلا تكثير المادة. فيمكن ان يقصد المتكلم بالمادة كلا المعنيين. كما لو قال عين وعين، فيراد بإحداهما غير ما يراد بالآخر.
وقد يجاب: ان الهيئة وان كانت لتكثير المادة، إلا ان المفروض ان المراد من المادة، معنى واحد لا اثنين، وليس هنا إلا دال واحد وهو المادة. والهيئة لا تجعل المادة مادتين لكي يمكن فيها ذلك.
ــــــ[72]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وان قيل: انه يمكن ان تكون المادة مستعملة في معنيين، فيقال: أولاً: ان هذا ممنوع على الفرض في المفرد والمادة من نوع المفرد، ولذا قال بالجواز في المثنى والجمع من لم يقل به في المفرد. ثانياً: اننا لو اجزنا ذلك كان المثنى دالا على أربعة معان لا معنيين. لان الهيئة تدل على تكثير المادة مهما كان مدلولها.
فان قيل: ان الهيئة تفيد تكثير مدخولها وهو المادة، ومدخولها اصبح ذا معنيين على الفرض فهو من قبيل تثنية ما يكون متعددا في نفسه كالعشرة.
ويجاب: أولاً: ان الكلام إنما هو في إفادة المادة للمعنيين في طول التثنية لا في الرتبة السابقة عليها. ومثال العشرة دال على التكثير في المرتبة السابقة عليها. ولو كان دالا على هذا النحو لدل على أربعة كما دلت تثنية العشرة على عشرين.
ثانياً: ما ذكره السيد الأستاذ: من ان المفروض ان المادة لا تدل على المعنيين مجموعا، وإلا كان معنى واحدا. بل تدل على كل واحد منهما استقلالا. في حين ان الدلالة في المثال (وهو العشرة) على المجموع.
ثم انه لابد من تحقيق معنى التثنية لكي نرى انه على أي وجه يمكن استعمالها في اكثر من معنى. وما قيل أو يمكن ان يقال وجوه:
الوجه الأول: ان مادة المثنى هو المسمى سواء من أسماء الأجناس أو الأعلام.
ويجاب ذلك بعدة أجوبة:
أولاً: انه تأويل غير عرفي ولا دليل عليه.
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: انه استعمال للفظ في غير ما وضع له، لأنه وضع لأصل المعنى لا للمسمى بقيد كونه مسمى.
ثالثاً: ما ذكره السيد الأستاذ: من ان لازمه في الأعلام التنكير وإخراجه عن العلمية.
رابعاً: ما ذكره من عدم استساغة مثل هذا التأويل في أسماء الإشارة. مثل: هذين.
ويمكن ان يجاب ذلك بوجوه:
الوجه الأول: ان ملحقات المثنى ليست من المثنى، وخاصة في أسماء الإشارة وأسماء الموصول، بل هي ألفاظ وضعت بحروفها لمجموع المعنى، وليست لها هيئة التثنية وان كانت مثلها لفظا.
ويقرّب ذلك: ان جمع أسماء الإشارة والموصول ليس جمعا بهيئته، مثل هؤلاء، فانه ليس جمعا سالما جزما وليس – أيضا – جمع تكسير جزما. ومن المعلوم ان ما ليس له صيغة للجمع ليس له صيغة للمثنى.
الوجه الثاني: – في اسم الإشارة -: اننا نلاحظ مادة اسم الإشارة في المرتبة السابقة على طرو الإشارة. وهو كلي المفرد المذكر. فيمكن ان يتكرر في المرتبة السابقة على تعينه بالإشارة، لا ان إفادة التعدد في طول الإشارة، ليقال: انه لا يقبل التعدد بصيرورته جزئيا متعينا بالإشارة.
وهذا الوجه ليس لتأويل المسمى وإلا لبطل جزما، لان كلي المفرد لا يصلح له. وإنما هو لاستعمال الإشارة في متباينين مستقلين ولا بأس به. إذ لا يشترط اندراج المشار إليهما في نوع واحد، مادام جامعا للشرط وهو واقع
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المفرد المذكر.
الوجه الثالث: ما أجاب به السيد الأستاذ: من انه يبقى السؤال عما هو دال على الإشارة باسم الإشارة المثنى، هل هو المادة أو الهيئة؟
فان كان المادة فإنها بالإشارة توجب تعين الكلي. وان كان الدال هو الهيئة، فهذا لأن لصيغة التثنية في اسم الإشارة معنى خاص، وهو أمر غير محتمل. أقول: عرفنا قبل قليل: ان هذا اللفظ غير موضوع بالوضع النوعي لمادته تارة ولهيئته أخرى، بل هو لفظ واحد، وضع بمجموعه لمعنى محدد.
الوجه الثاني: في فهم المثنى. ان مدلول المثنى هو أحد الشخصين أو الأمرين، لا بمعنى مفهوم أحد الأمرين الذي هو الجامع الانتزاعي. ولا ان مفهوم أحدهما بعنوانه هو المدلول. بل المراد ان مدلول المثنى هو واقع أحدهما بنحو التذبذب بين المعنيين، فيقال عرفا انه دال على أحدهما.
وهذه الدلالة ناشئة من مجموع الوضعين فهما دلالة حقيقية. مع عدم ورود بعض الإشكالات السابقة عليه، كالذي قلناه من ان مفهوم المسمى هناك مجاز، وهنا يكون الاستعمال بنحو الحقيقة، وما قلناه هناك من خروج العلم عن العلمية وخروج اسم الإشارة عن طبعه وكلا الأمرين منتفيان هنا.
ويمكن ان يجاب ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما أجاب به السيد الأستاذ: من ان التذبذب أمر تصديقي ولا يعقل ان يكون تصوريا. فيلزم ربط مدلول هيئة التثنية بالمدلول التصديقي، مع انه لابد من حفظ المدلول التصوري فيها.
أقول: ولعل مراده: ان التذبذب إنما يكون في طول تعين المعنيين في
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أنفسهما وهو معنى كونه تصديقيا، لا في رتبة تعينهما، إذ يكون ذلك الفرد المردد المحال.
وبتعبير آخر: ان التذبذب إثباتي لا ثبوتي، وهو معنى كونه تصديقيا، لان مرتبة الإثبات تكون في طول مرتبة الثبوت. والتصديق لا يكون إلا بعد فرض انحفاظ التصور.
الوجه الثاني: ان هذا التذبذب (اما هذا واما هذا) لا معنى له في المثنى جزما، لان المثنى دال على مجموع الأمرين، في حين ينتج هذا التذبذب الدلالة على أحدهما لا محالة. نعم لو تمّ لأمكن استعماله في معنيين مستقلين، لان المدلول هو أحدهما في الحقيقة وليس كليهما، فلم يكونا معنيين مدلولين للمثنى، وان خطرا معا في البال من باب تداعي المعاني.
الوجه الثالث: ان التذبذب إنما هو في المفرد، مع استعمال المشترك بدون قرينة، لا في المثنى الموضوع لمجموع المعنيين. إذن، فمعنى التذبذب وصيغته مختلفة عن المقام تماما.
الوجه الثالث: – في فهم المثنى – ان هيئته غير مستعملة في معنى، بل هي لتكرار لفظ المادة فقط. كأنه قال: عين وعين، فيما لو قال عينان. فالمراد إفهام المعنى بنحو تعدد الدال والمدلول. وهذا لا يرد عليه الإشكالان الواردان على الوجه الأول في الأعلام وفي أسماء الإشارة. كما ان نتيجته إمكان استعمال المثنى في معنيين لفرض تعدد الدال والمدلول.
ولكنه ليس بصحيح، لوضوح عدم التعدد في المادة. فان هذا التعدد المدعى هل يستفاد من الهيئة أو من المادة. اما المادة فهي واحدة وليست متعددة. واما الهيئة فهي موضوعة لتعدد المدلول لا لتعدد الدال. إذن، فليس
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هناك تعدد دال ومدلول.
الوجه الرابع: ما نسب إلى المحقق الأصفهاني من ان المادة مستعملة في طبيعي اللفظ من باب استعمال اللفظ في نوعه، لا بما هو لفظ فقط، بل بما هو لفظ ذو معنى. وهيئته المثنى تدل على فردين من المادة، فتدل على تعدد ما أريد منها، وهو اللفظ ومعناه.
وأجاب عليه السيد الأستاذ: ان القيد المدعى للدلالة على المعنى هل هو الدلالة بمفهومها أو بواقعها. اما الأول فواضح البطلان لعدم إنسباق معنى الدلالة من لفظ المثنى. واما الثاني فباطل أيضا لان هذا القيد واقعي لا مفهومي، ويستحيل تقييد المعنى المفهومي بقيد واقعي، لان الانتقال إلى المعنى لا يكون إلا بمفهومين تصوريين، والقيد الواقعي ليس تصوريا.
وجوابه من عدة وجوه:
أولاً: ان القيد الواقعي للمعنى المفهومي أمر ممكن، لان عالم الواقع عالم وسيع ومناسب مع جميع العوالم الأخرى بما فيها عالم الذهن الذي هو مقر المفاهيم.
ثانياً: ان التقييد المشار إليه لا يخطر في الذهن إطلاقا، وإنما نتيجته ان يخطر في الذهن اللفظ ومعناه. وإلا فان كل لفظ موضوع هو مقيد بمعناه، فهل يخطر هذا التقييد في الذهن، كلا، وإنما يكفي خطور طرفي التقييد في الذهن وهما اللفظ والمعنى.
إلا ان اصل الوجه ليس بصحيح، لعدة وجوه:
أولاً: ان العرف يرى ان هيئة المثنى موضوعة لتكثير المعنى لا لتكثير
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اللفظ. إذن، فمادة المثنى هو المعنى لا اللفظ، وإنما يجعل اللفظ طريقا إلى المعنى كما هو
كذلك دائما في اللغة، وليس كما ادعى – قدس سره – من ان الهيئة تكثير للفظ الدال على المعنى.
ثانياً: ان استعمال اللفظ في نوعه – في طرف المادة – استعمال في غير ما وضع له، فيكون مجازا. لان المادة وضعت للدلالة على المعنى لا على اللفظ. وبتعبير آخر: ان الهيئة وضعت لتكثير المادة ليس إلا. فان كان مفاد المادة هو المعنى الموضوع له أفادت الهيئة تكثيره، وسقط هذا الوجه. وان كان مفاد المادة هو نوع اللفظ كان مجازا لأنه خلاف المعنى الموضوع له.
ثالثاً: ان هذا لو سلم، لا يبرر جواز قصد المعنيين المتباينين بعد كون المادة واحدة. وان كانت مستعملة في اللفظ بما له من معنى. فان مفاد الهيئة هو تكرار المادة ليس إلا، فلا يوجد عندنا مادتان مستقلتان من هذا القبيل، ليكون من قبيل تعدد الدال والمدلول.
الوجه الخامس: – في فهم المثنى – اننا عرفنا ان المادة هي مادة المفرد ليس إلا، وان الهيئة مفادها تكثير المادة ليس إلا. وكلاهما غير قابل للاستعمال في معنيين متباينين، لان الهيئة لو كانت لإفادة تكرار اللفظ لامكن ذلك، إلا انها ليست لذلك بل لتكرار المعنى، والمعنى المدلول عليه في المادة واحد.
نعم، لو حصل لم يكن مجازا، لأنه استعمال فيما وضع له من ناحية المادة، لفرض استعمالها في المعنى الموضوع له، ولا مانع من طرف الهيئة أيضا، لأنها موضوعة للتكثير سواء أريد به تكثير اللفظ أو تكثير المعنى، فان قصد به تكثير اللفظ لم يكن مجازا. وهذا هو محصل هذا الوجه.
ــــــ[78]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
غير انه مبني على إمكان استعمال الهيئة لتكثير اللفظ بغض النظر عن المعنى، وهو غير مقبول عرفا. ولا اقل من مخالفته لأصالة الظهور، فيحتاج إلى قيام قرينة عليه. فان قامت كان المورد من تعدد الدال والمدلول.
فيكون استعمال المثنى في معنيين متباينين ممكنا. إلا انه بدون القرينة غير ممكن. فإذا كان هذا المعنى في المثنى متعذرا بكل الوجوه السابقة كان في الجمع أولى بالتعذر.
بعض نتائج ما سبق :
أولاً: انه قد يستشكل في هيئة المثنى والجمع، من حيث انها تكون بزيادة حروف فقط مع إنحفاض المفرد. فلا تكون (هيئة) مصطلحة. وهذا صادق على المثنى وعلى الجمع السالم بقسميه.
وجوابه: أولاً: ان إنحفاض المفرد لا يضر بانعقاد الهيئة، لان المجموع المتكون من إضافة الحرفين له ترتيب عرفي جديد هو الهيئة الجديدة.
ثانياً: ان كل الهيئات الإفرادية كما في المشتقات وغيرها تكون الهيئة منعقدة بزيادة حروف مع إنحفاض الأصل، فان استشكل أحد في ذلك، سقطت الهيئات كلها. مع انه لا إشكال في ذلك أساسا.
ثالثاً: انه مع إنحفاض المفرد يكون اللفظ أدلّ على وجود المادة، لان المفرد هو المادة حقيقة لتلك الهيئة.
رابعاً: ان هناك جموع كثيرة لا يحفظ فيها المفرد فلا يأتي فيها هذا الإشكال، وهي جموع التكسير، وهي تمثل حصة معتداً بها جداً في هيئات الجموع ان لم نقل أكثرها.
ــــــ[79]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: – من النتائج – ان ما قلناه من ان هيئة المثنى والجمع هي لتكرار المعنى يمكن ان يستدل عليه بأفراد الجمع الكثيرة، كجمع الكثرة، وجمع الجمع، فانه لا يقول أحد فيها بتكرار اللفظ، مع انه على غرار واحد وجداناً مع غيرها من هذه الناحية، وهذا معناه ان الهيئة تكون علة لإخطار المعاني في الذهن شأنها شأن أي وضع.
مضافا: إلى انه قد يستشكل فيها: من ان الدال على المعنى الزائد، ما هو إلا بتقدير دال يدل عليه، وهو معنى تكرار اللفظ. إذ لولا ذلك بقي المعنى الآخر بدون دال. وهو خلاف الوجدان.
وجوابه: اما نقضا: فبالجمع كما أشرنا، فان التعدد فيه للفظ غير محتمل.
وإما حلا: فان الدال ابتداء على المعنى المتكثّر هو الهيئة. بل يمكن ان يقال: انه لا يوجد دال على المفرد أصلا، لأنه ليس المادة، وهي غير دالة على المفرد. بل على المعنى الذي تكرره الهيئة ونحن نسميه بالمفرد، وليس كذلك واقعا.
ثالثاً: – من النتائج – ان هنا ألفاظا تدل على المثنى أو الجمع بدون مادة وهيئة مستقلين، بل بمجموعهما، كالإثنين والزوج والنساء والناس، فهي موضوعة لتكرار المفرد مع خلوها عن الهيئة.
والسرّ فيه: هو كونها علة لتعدد المعنى كالمثنى والجمع. لكن تلك علة بهيئاتها، وهذه علة بمجموعها، فان قيل: انها مثنى كالإثنين، وجمع كالنساء.
قلنا: كلا. لأنها لا مفرد لها من لفظها.
رابعاً: ان بعض الوجوه التي قيلت في المثنى لا تنطبق على الجمع كما في بعض ما نشير إليه:
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
منها: التذبذب بين المعنيين فانه بعيد غاية البعد في اكثر من اثنين.
ومنها: تكرار اللفظ، لا ينطبق أيضا، فانه ان قبلناه بالتكرار مرتين كما في المثنى لا نقبله بتعدد اكثر أو بتعدد غير محدود، كما في أفراد الجمع.
ومنها: ما قيل من ان الهيئة تدل على فردين من اللفظ بما له من معنى، هذا أيضا لا يأتي في الجمع، لوجوه:
أولاً: لاستبعاده في نفسه.
ثانياً: ان بعض الجموع ليس لها هيئات مستقلة، كما عرفنا.
ثالثاً: إمكان ان يقال: ان جميع الجموع ليس لها هيئة بمعنى ان مجموع اللفظ موضوع لمجموع المعنى، وهذا أوضح في جموع التكسير، وان لم تكن واضحة في الجموع السالمة، إلا إذا قلنا بنفي الهيئة فيها على بعض الوجوه السابقة، باعتبار انها تنشأ من إضافة حرفين فقط. إلا ان هذا المعنى كان شاملا للمثنى أيضا.
خامساً: – من النتائج – هل ان استعمال لفظ الجمع والمثنى في محل بعضها البعض، هل هو ممكن؟ هو أهونُ – على أية حال – مما طرح من استعمالها في معنيين متباينين. وهو أيضا يكفي ان يصح مجازا لو صحّ ان الهيئة تستعمل مجازا. فتستعمل هيئة الجمع للتكرار مرتين وهيئة المثنى للتكرار عدة مرات. وكذلك يمكن بتوحيد المجموعة أو المجموعتين، يعني لحاظ الواحد منها هو المجموعة لا الواحد الحقيقي. فنكون عمليا قد قصدنا الجمع من لفظ المثنى.
وكذلك العكس اعني قصد المثنى من الجمع، فان الإثنين جمع منطقي.
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومن هنا يعبر عنه بنحن في ضمير المتكلم. وانتنَّ وانتما في ضمير المخاطب، بمعنى إدخال ضمير التثنية على ضمير الجمع (انتم) فيصبح للمثنى، فيكون الجمع اسبق رتبة من المثنى عمليا.
الوضع الشخصي والنوعي :
قالوا: ان الوضع ينقسم إلى شخصي كوضع المواد، ونوعي كوضع الهيئات.
وقال الأستاذ المحقق: انه ليس المراد بالشخصي هنا شخص اللفظ لأنه ينعدم، واما غيره فهو مثله لا شخصه. وإنما المراد بالوحدة في المادة وحدة طبيعية نوعية في مقابل الهيئة التي تحتاج إلى عنوان انتزاعي يدل عليها.
ونحن ينبغي ان نلتفت أولاً إلى ان الأوضاع كلها نوعية وليست فردية بالمعنى الحقيقي بحال من الأحوال، وإلا لزال اللفظ الموضوع بانتهاء عملية الوضع، ولم يكن غيره موضوعا وان كان (مثله).
فالوضع كلي حتى الأعلام الشخصية للأفراد أو للأشياء كالمساحة والمؤسسات والأجهزة المستحدثة، بل الكتاب والسنة أيضا كلية، فالقرآن الكريم يتعدد بتعدد نسخه، والكتب تتكثر بتكثر نسخها، مضافا إلى الصور الذهنية الموجودة لها. وكل اللغة على هذا الغرار. ولم يقصد ايُّ واضع في أية لغة الوضع الشخصي الحقيقي، يعني للجزئي الحقيقي للفظ أو المعنى. كما لم يقصد أي أصولي في هذا البحث وغيره ذلك. وإنما الممكن ان يكون مراداً من الشخصي والنوعي في العنوان أحد أمور:
الأمر الأول: اننا نريد بالشخصي اللفظ الذي له أفراد متشابهة تماما وليس
ــــــ[82]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
له مادة وهيئة مستقلين. كالأعلام الشخصية، فكأن كل فرد منها موضوع لمعنى. ويراد بالفرد هنا (الحصة) يعني كلي لفظ (زيد) وكلي لفظ (سماء) وهكذا. وكذلك الحال في الحروف والضمائر وأسماء الإشارة والموصول ونحوها، من الألفاظ الخالية من الهيئة المستقلة عن المادة.
ونريد بالوضع النوعي، ما لا تكون أفراده متشابهة، كالألفاظ ذوات المواد والهيئات المستقلة وهي المشتقات واضرابها. والمراد بعدم التشابه: ان الهيئة في ضارب وقادر متشابهة إلا ان اللفظين غير متشابهين بسبب اختلاف المادة. كما ان المادة في ضرب وضارب متشابهة إلا ان اللفظين غير متشابهين بسبب اختلاف الهيئة.
الأمر الثاني: ان نريد ما قاله المحقق الأستاذ وغيره من ان المراد بالشخصي ما يمكن تصوره بنفسه وهو المواد، والمراد بالنوعي ما لا يمكن تصوره بنفسه وهو الهيئات.
وجوابه: أولاً: ان فيه إهمالا للقسم الأول من الأمر الأول السابق، وهي الألفاظ الموضوعة لغة بدون هيئة ومادة مستقلين، وهي حصة مهمة في اللغة. اللهم إلا ان يراد الجامع بينهما وبين المواد، وهو ما لم يُشر إليه.
ثانياً: انه متوقف على إمكان تصور المادة بنفسها بدون الهيئة. بحيث لا نحتاج إلى عنوان انتزاعي يدل عليها كما هو ظاهر الوجه. وهو قابل للمنع لإمكان القول بان المواد والهيئات معا من سنخ واحد من هذه الناحية، وهي عدم قابليتها للتصور المستقل.
ثالثاً: انه متوقف أيضا على ان تصور الهيئة يحتاج إلى عنوان انتزاعي يدل عليه، كما قيل في الوجه، وهو قابل للمنع، كما سيأتي.
ــــــ[83]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمر الثالث: ان النظر في الوضع النوعي إلى الأصناف المختلفة للهيئات ونحوها، كأسماء الفاعلين والمفعولين وغيرها.
فان قلت: ان اسم الفاعل صنف واحد وهو ما يكون على هيئة فاعل. قلنا: كلا: بل هو أصناف متعددة، وان غفل عنها الأصوليون، كالفاعل من الثلاثي والرباعي، وكالصفات المشبهة التي لها معنى اسم الفاعل، وصيغ المبالغة التي تكون كذلك. فانها كلها بمنزلة اسم الفاعل لغة وعرفا.
واما الوضع الشخصي فيراد به ما كان على صنف واحد، وهي المواد ونحوها، ولو بعنوان المتكون من حروف كذا وكذا.
فهذا حاصل الأمر الثالث. وجوابه:
أولاً: ان فيه إهمالا للقسم الأول من الأمر الأول كما أشرنا في الأمر الثاني. إلا ان يقال انه داخل في الوضع الشخصي لان له صنفا واحدا وهو كما ترى.
ثانياً: انه يتضمن دعوى ان الأصناف المتعددة للهيئات موضوعة بوضع واحد، وهو بلا موجب، فهيئة اسم الفاعل الرباعي موضوعة بوضع مستقل عن هيئة اسم الفاعل الثلاثي. وهكذا، فنعود إلى صنف واحد في كل وضع وهو معنى الوضع الشخصي هنا. فيكون الوضع شخصيا في الهيئات وهو أمر غير محتمل.
ثالثاً: انه يتضمن دعوى ان المواد من صنف واحد أو ذات صنف واحد، في حين ان لها أصنافا متعددة. كالمجرد والمزيد والثلاثي والرباعي مما يكون متشابها في المعنى عرفا، مضافا إلى كون المزيد على ضربين أو اكثر كإضافة الهمزة والتضعيف مثل أخرج وخرّج وفك الشدّ مثل: عدَّ وعدّد.
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومعه فيكون الوضع في المواد صغرى للوضع النوعي لا الشخصي، وهو خلاف المفروض لدى مشهور الأصوليين.
رابعاً: ان هناك تغييرات لفظية يصعب نسبتها إلى المادة أو الهيئة، كحروف المضارعة، فإنها بمنزلة الضمائر دالة على سنخ الفاعل، وكذلك الدوال الإضافية كتاء التأنيث الممدودة وتاء التأنيث المدورة، وقد أهمل الأصوليون كل ذلك.
فالحق: ان الوضع كله نوعي ولا يوجد وضع شخصي حتى في الحروف والأعلام الشخصية فضلا عن غيرها.
وحمل الوحدة النوعية على الطبيعي كما فعله المحقق الأستاذ إنما هو حمل على معنى مغاير لمقصود مشهور الأصوليين.
وبذلك قد يقال: بانسداد باب البحث في هذا التقسيم، إذ لا يوجد وضع شخصي.
ومقابل ذلك: ان يقال بضرورة هذا البحث لأنه يرجع إلى البحث عن إمكان أو استحالة الوضع اللغوي ككل، لان كل وضع يرجع في النتيجة إلى الوضع الخاص والموضوع له العام. لان الواضع دائما يستحضر فردا من الكلي ويضع لنوعه، فإذا كان هذا السنخ من الوضع مستحيلا كان كل وضع مستحيلا.
وجواب ذلك: أولاً: اننا قلنا – في محله – بإمكانه لأكثر من وجه، أهمها ما قاله الفلاسفة من ان الجزئي يحتوي على الكلي مع صفات فردية إضافية. إذن، فيمكن للواضع ان يضع للكلي الذي هو في ضمن ذلك الجزئي الذي يتلفظ به.
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: انهم قالوا باستحالة هذا السنخ من الوضع في المعاني لا في الألفاظ، وكلامنا الآن في الألفاظ لا في المعاني، كما هو ظاهر لمن يفكر.
فان قلت: ان دليل الاستحالة عام للمعاني والألفاظ معا، وهو عدم دلالة الجزئي على الكلي كما ذكر من قال بالاستحالة.
قلنا: ان الجامع في المعاني حقيقي على الفرض، وفي الألفاظ انتزاعي، فلا يرد عليه هذا الإشكال، لأنهم ذكروه في خصوص الجامع الحقيقي. مضافا إلى إمكان نصب القرينة حال الوضع فترتفع الاستحالة.
فان قلت: ان ذلك ان كان في الجامع الحقيقي متعذرا، فهو في الانتزاعي اشد تعذرا، لعدم احتواء الفرد على الكلي بهذا المعنى. قلنا: بل يمكن ان يكون الأمر بالعكس، فيكون الأمر في الجامع الانتزاعي ممكن لصدق الحقيقي على جزء الفرد وصدق الانتزاعي على كله بما فيه من خصائص فردية. فيكون وجود الفرد هو وجود الجامع الانتزاعي وليس وجها له فقط كما عبّروا في الحقيقي.
هذا مضافا إلى فكرتين:
الفكرة الأولى: ان الموضوع له في طرف المعاني هو الكلي وليس الأفراد. في حين ان الموضوع في طرف الألفاظ هو الأفراد وليس الكلي. وإنما يجعل الواضع المفهوم الانتزاعي مرآة للأفراد.
فان قلت: يمكن ان يكون الوضع لكلي اللفظ ابتداء. قلنا: كلا، فان كلي المعنى يمكن قصده، واما كلي اللفظ فلا يمكن استعماله. والوضع دائما يكون مع إمكان استعمال الواضع لا مع استحالته.
ــــــ[86]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفكرة الثانية: ان الجامع الانتزاعي اما مفهومي أو ترديدي – يعني عنوان أحدهما – اما الأخير فغير محتمل استعماله، لأنه على تقدير إمكانه يرجع إلى وضع فرد واحد لا الفردين. واما الأول فلا يمكن إذ لا يراد الجامع بذاته بل هو مرآة لأفراده. فالوضع ابتداء على الأفراد حقيقة، وليس الحال كذلك في المعاني سواء في كلياتها الحقيقية أو الانتزاعية فان الوضع ابتداء للكلي لا للأفراد.
ثم انهم قد استشكلوا على الوضع النوعي بعدة إشكالات:
الإشكال الأول: انه يلزم منه ان يكون الوضع خاصا والموضوع له عاما.
وقد عرفنا جوابه من عدة وجوه: أولاً: لاحتواء الفرد على الطبيعي. فمن الممكن الوضع ابتداء للطبيعي المتضمن فيه.
ثانياً: إمكان استخدام مفاهيم انتزاعية في الوضع تكون مرآة للأفراد.
ثالثاً: ان الموضوع هو الفرد وليس الكلي كما تسالموا عليه.
الإشكال الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ من ان الوضع عبارة عن الاشتراط التكويني بناء على مسلكه في الوضع، وهو لا يناسب الكلي. بل يكون طرفه هو الجزئي لا محالة.
وأجاب عليه بنفسه: بان التكرار في الاقتران التكويني قابل للتعدد بين اللفظ والمعنى، فتحصل العلقة الوضعية بين المعنى وطبيعي تلك الدوال.
جواب ذلك: ان هذا البيان بهذا المقدار لا يكفي، لان تعدد الاقتران يكون على العنوان لا محالة، لا على المعنون وهو أفراد اللفظ، فنعود إلى إشكال الوضع العام. على ان الألفاظ مهما تكثّرت والاقترانات مهما تعددت،
ــــــ[87]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فلن تكون على وزان الكلي أو العنوان العام القابل للانطباق على كثيرين، بحيث تكون أفراده لا متناهية.
فان قلت: ان الواضع هو المجتمع وهو يستخدم الأفراد لا الكلي. فما قلناه قبل قليل من استخدام العنوان الكلي ليس بصحيح.
قلنا: هذا هو ما نشاهده عمليا من ان الموضوع هو فرد اللفظ وليس الكلي، ولكن مع التسليم بان الموضوع أصلا هو الكلي لا الفرد. نعم، يمكن ان ينتزع بعد التعدد عنوان عام للفظ يكون كليا منطبقا على جميع الموارد.
إلا ان هذا غير تام. فانه مضافا إلى اننا نتكلم عن العنوان السابق على الوضع لا اللاحق له، فان المجتمع لا يمكنه انتزاع العنوان العام من الفرد، فانه مطلب دقيق لا يصل إليه العامة.
هذا مضافا إلى ان مسلك الاشتراط التكويني في الوضع ليس بصحيح، كما سبق ان ذكرناه في محله.
الإشكال الثالث: ما ذكره المحقق الأستاذ من ان المراد في المواد، هو الوحدة الشخصية الطبيعية كما هو الحال في الهيئات، فان هيئة فاعل لها وحدة طبيعية، وهيئة مفعول كذلك، وهكذا. فلا يلزم ان يكون وضعا شخصيا، من حيث ان ملاك نوعية الوضع عدم اختصاص الهيئة بمادة دون مادة، وهذا الحال بنفسه موجود في المواد أيضا، فيلزم ان يكون كلاهما وضعه نوعي.
وأجاب المحقق الأصفهاني على هذا الإشكال: بان حروف المادة المترتبة والممتازة ذاتا، أمر قابل للحاظ الواضع بنفسه، بخلاف هيئة الكلمة. فان الهيئة لمكان اندماجها في المادة لا يعقل ان تلحظ بنفسها، فليس لها استقلال في وجودها اللحاظي. فلذا لا جامع ذاتي بينهما. ومن هنا يجب الوضع
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لأشخاصها لإيجاد عنوان يوصل إليها، ككل ما كان على زنة فاعل. وهو معنى نوعية الوضع، أي الوضع بجامع عنواني لا بشخصيتها الذاتية.
وجواب ذلك: اننا ان سلمنا ذلك في الهيئة فهو معنى شامل للمادة أيضا. فهي أيضا تحتاج إلى جامع عنواني يتوصل به الواضع إلى وضع الأفراد، ضرورة ان ما يجعله الواضع طرفا للوضع فرد جزئي وليس كليا. ولا يمكن تصور الكلي من الفرد وإلا لزم ان يكون الوضع خاصا والموضوع له عاما، وهو محال لدى المشهور. ومجرد الامتياز الطبيعي لا يكفي إذا كان الوضع للفرد.
نعم، يمكن تصور الكلي بمفهوم كلي والوضع له، وهو المراد من الجامع العنواني، على ان الامتياز الطبيعي موجود في الهيئة والمادة معا.
فان قلت: فان الفرد يكفي في الوضع. قلنا: انه لو سلمناه فانه يأتي في الهيئة والمادة معا. ويمكن ان يتوصل الواضع إلى فرد الهيئة بضم إحدى المواد إليها، كما يتوصل إلى المادة بضم إحدى الهيئات إليها.
مضافا إلى ان في هذا الحديث كله إهمالا للألفاظ الكثيرة التي لا مادة لها ولا هيئة، بل وضعت بنفسها ابتداء بدون لحاظ ذلك.
وقد وافق المحقق الأستاذ على كلام المحقق الأصفهاني المذكور، وقال انه في غاية المتانة. وفسره: بان المادة يمكن ملاحظتها بوحدتها والوضع لها، فيكون من الوضع الخاص والموضوع له الخاص بخلاف الهيئة، فإنها لا يمكن ان تلحظ بوحدتها الذاتية إلا بعنوان انتزاعي، فينحل إلى أوضاع متعددة فيثبت لكل هيئة وضع مستقل نظير الوضع العام والموضوع له الخاص، وهو المراد بالوضع النوعي.
ــــــ[89]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وجواب ذلك: مضافا إلى ما سبق ان قلناه، يكون من وجوه:
أولاً: انه في جانب المادة ان كان الحاضر للواضع لدى الوضع هو الجزئي بحده، فهو باطل قطعا، لزوال الفرد بزوال عملية الوضع. والمفروض ان الفرد الآخر ليس موضوعا. وان كان المراد الوضع للفرد إستطراقا به إلى الكلي، فهذا باطل عندهم للزوم ان يكون الوضع خاصا والموضوع له عاما، فيتعين الوضع بالعنوان الانتزاعي.
ثانياً: ان معنى: الوضع العام والموضع له الخاص، إنما تصوره الأصوليون في جانب المعنى لا اللفظ، أي المعنى والموضوع له لا اللفظ الموضوع، واما اللفظ فلا يحتمل فيه الجزئية أصلا.
ثالثاً: ان الأستاذ المحقق بنفسه مال من حيث النتيجة إلى وضع الأفراد في كل من جانب المادة والهيئة. اما في المادة فاعتبر الوضع خاصا يعني فرديا، واما في جانب الهيئة فقال بتعدد الوضع ولو بالانحلال، قال: نظير الوضع العام والموضوع له الخاص.
رابعاً: ان هذا الكلام كله بعد التسليم بان الواضع هو الواحد البشري، واما مع التفسيرات الأخرى للوضع فكل هذه الإشكالات لا مجال لها كما سبق ان أوضحنا.
علامات الحقيقة :
ولا نقول: علامات الحقيقة والمجاز. بل هي علامات الحقيقة فقط. واما المجاز فعلامته هي القرينة غالبا، اللهم إلا ان يراد انها علامات تمييز الحقيقة من المجاز.
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمراد من الحقيقة: هو الوضع أو الاستعمال في المعنى الموضوع له. فإذا كان التبادر علامة على الوضع، وسرنا بالعلل والمعلولات إثباتا. كان هنا الاستعمال، ثم معلوله التبادر، ثم معلوله ثبوت المعنى الحقيقي، ثم معلوله ثبوت الوضع.
وقالوا: انه يشترط في علاميّة التبادر بل في علاميّة كل العلامات الآتية عدم وجود القرينة، وإلا استند التبادر إليها، ويراد بالقرينة قرينة المجاز. مع العلم ان بين المجاز والقرينة عموما من وجه، يجتمعان في قرينة المجاز، ويكون المجاز بدون قرينة إذا كان مشهوراً، وتكون القرينة بدون مجاز في المشترك فان كلا المعنيين حقيقيين، ومع ذلك فهو يحتاجها. ولابد فيها من إحراز انها أوردت لتعيين أحد المعنيين الحقيقيين لا المعنى الحقيقي عن المجازي. فان شككنا في ذلك كان من الشبهة المصداقية للقرينة.
اما في المجاز المشهور، فالاستعمال فيه لا يفرق عن الاستعمال في المعنى الحقيقي في شيء، ويحصل منه التبادر بدون قرينة.
فان قلت: الفرق بينهما وجداني. قلنا: إذن فقد رجع الفرق إلى الوجدان ولم يكن التبادر مع عدم القرينة كافيا للعلاميّة. وإنما العلامة هو كون الاقتران الباطني بين اللفظ والمعنى قويا ومتكاملا إلى درجة الحقيقة، فان لم يكن قويا إلى هذه الدرجة ولم يحتج الاستعمال إلى قرينة فهو المجاز المشهور.
وهذا إحساس نفسي أو عقلي غير التبادر، وهو غير متوقف عليه عمليا في الحقيقة، وان كان يغلب فيه، بل هو علة للتبادر وليس معلولا له. وهو السبب الوحيد للعلم بالحقيقة. ولو انتفى عن الفرد لم يكن للتبادر أي اثر، وهو، عندئذ، اما ان لا يحصل – اعني التبادر – واما ان يحصل بشكل وهمي لا اثر له.
ــــــ[91]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هذا، مضافا إلى ان الاقتران والتبادر موجود بين كل مقترنين، وهي أمور كثيرة كالمتضايفين والعلة والمعلول وكل ما فيه تداعي المعاني – كالمثلين والضدين – وكذلك كل علامة وذيها، بل حتى المعاني المجازية بدون قرينة قد تخطر في الذهن.
فان قلت: ان ما يخطر أولاً على البال هو الحجة باعتباره نتيجة التبادر.
قلنا: كلا. إذ لعل ما يخطر أولاً هو المجاز أو المجاز المشهور ونحو ذلك، حسب مزاج الشخص ومقدار ثقافته واطلاعاته. إذن، فلابد من تعيين العلقة الباطنية في المرتبة السابقة على التبادر لنحرز في الواقع علة وجود التبادر. كما لابد من إحراز كون الاقتران جعليا لا تكوينيا، وكونه اقترانا شديدا لا ضعيفا.
ومع الشك فالأصل ان لا يكون جعليا، وان لا يكون شديدا. وبالتالي لابد من إحراز تعريف الوضع وهو ما قلناه في بابه من انه: الاقتران الجعلي الباطني الكامل بين اللفظ والمعنى، على ما سبق شرحه.
هذا مضافا إلى اننا نسأل ان التبادر من اللفظ، هل يكون باعتبار استعماله وحده أو باعتبار استعماله في السياق؟ فان كان في السياق احتملنا القرينة السياقية أو الحالية أو المقالية، وسقط التبادر عن الحجية، لاحتمال تخلف شرطه وهو عدم القرينة.
وان كان اللفظ وحده احتملنا الوهم والخطأ حتى من ابن اللغة. لان الكلام ينبغي ان يقع في الألفاظ الشاذة لا الألفاظ المتعارفة، لان الألفاظ المتعارفة نعلم بوضعها فنستغني عن التبادر. وإنما تكون الحاجة إليه مع الشك: بل هو مورده حقيقة. وإذا تم استعماله في الألفاظ الشاذة احتملنا الوهم
ــــــ[92]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حتى في ابن اللغة فضلا عن غيره، ومع أصالة عدم الوهم سوف تتبع النتيجة أخسّ المقدمتين، ولا تكون مثبتاته حجة.
اللهم إلا ان نقول بان أصالة عدم الوهم أمارة لا اصل. ومعه لابد من حصول العلم العرفي بعدم الوهم ليكون هو الأمارة المعتبرة، وهو لا يكون موجودا عادة في الألفاظ النادرة حتى لأهل اللغة. واما غيرهم فهو متعذر الوجود، اعني العلم العرفي بالاقتران، لاحتمال الخطأ في مصادره.
ولو تم قولهم باستناد التبادر إلى خصوص اللفظ، وكفاية ذلك في الحجية لما احتاج النحويون واللغويون إلى الذهاب إلى المجتمعات العربية البدوية ومعايشة ذويها والسماع من أفواههم. ولكفاهم التبادر الموجود لهم في أي وقت وزمان.
هذا مضافا، إلى اننا إذا شككنا في الإحساس النفسي للتبادر، هل هو من الاقتران الكامل أو الناقص؟ فانه يسقط عن الحجية، لأنه يكون من قبيل الشبهة المصداقية لدليل الحجية، فان هذا الدليل ككل دليل لابد من إحراز موضوعه. ومع الشك ينتفي الإحراز. إذن، فالدليل على الوضع هو العلم العرفي بان الاقتران الذهني أو الباطني بين اللفظ والمعنى هو اقتران كامل وليس بناقص، وهذا قد يحصل بالتبادر وقد يحصل بدونه. وحصوله ليس بالتبادر وحده بل مع العلم بعدم القرينة وعدم الوهم.
إشكال الدور :
قال المشهور: ان الوضع وحده غير كاف للتبادر إلا بعد العلم بالوضع. فلو انتفى العلم به انتفى التبادر، لاستحالة حصول التبادر للجاهل بالوضع. فاصبح التبادر معلولا للعلم بالوضع، ونحن نريد ان نجعله علة للعلم بالوضع، بصفته من علاماته فحصل الدور.
ــــــ[93]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويمكن تقريب الدور أيضا بان يقال: ان التبادر يتوقف على الاقتران الكامل إذ بدونه لا تبادر. فلو توقف هذا الاقتران على التبادر لكان دورا.
ويمكن الدمج بين الفقرتين بحيث يصبح الدور مضمرا، بان يقال: ان التبادر يتوقف على الاقتران الكامل، لأنه معلول له كما سبق، والاقتران يتوقف على العلم بالوضع، لأنه منتف بدونه، والعلم بالوضع متوقف على التبادر لان المفروض جعله علامة عليه، فحصل الدور.
وقد يقال: ان التبادر لا يتوقف على الاقتران الكامل الذي جعله الواضع بين اللفظ والمعنى. وإنما يتوقف على وجود الاقتران المتحقّق في النفس، الذي لولاه لم يتحقق التبادر.
قلنا: نقصد من الاقتران الكامل الذي هو علة مباشرة للتبادر، الاقتران النفسي الاثباتي، لا الاقتران الثبوتي الناتج من فعل الواضع. ولكنه اعني التبادر معلول للاقتران الاثباتي الذي هو معلول للعلم بالوضع الذي هو معلول للاقتران الثبوتي الذي هو معلول للوضع، فرجع الحال إلى الدور.
والجواب الابتدائي للدور: ان التبادر يتوقف على الاقتران النفسي لا على العلم بالوضع. والاقتران لا يتوقف على التبادر بل على علله الخاصة به. وان توقف العلم بالوضع على التبادر طبقا لإشكال الدور.
فان قلت: ان الاقتران يتوقف على العلم بالوضع الذي يتوقف على التبادر على الفرض.
قلنا: هذا إنما يصدق في صورة وجود الواضع البشري الواحد، وهو معنى ثابت حتما في الأعلام عموما، سواء كانت للأشخاص أو للمساجد أو للشوارع أو للمدن ونحو ذلك، لوضوح انه لا يحصل التبادر والاقتران بدون العلم بقرن الواضع بين اللفظ والمعنى.
ــــــ[94]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولكن اللغة الأساسية ليست كذلك، والواضع البشري الواحد نظرية موهومة وباطلة، نفاها مشهور الأصوليين بل إجماع المتأخرين منهم، وقد اخترنا فيما سبق ان الواضع للغة الأصلية هو الله سبحانه. فان كان هو الواضع أمكنه جعل الاقتران في الذهن أو النفس ابتداء بفعل وإرادة منه، وهو معنى وضعه سبحانه، ومن هنا قلنا هناك: انه سبحانه أبدع اللغة في النفوس قوة وفعلا، والإبداع الفعلي ليس إلا هذا القرن الذهني أو الباطني.
وان كان الواضع هو المجتمع، كما هو الحال في غالب اللغات، فالاقتران في نفوس المجتمع يحصل بالتدريج إلى ان يتكامل وهو معنى الوضع التعيني. ولا يوجد هناك عملية وضع محددة وفعلية ليحصل العلم بها. بل يكون الاقتران الكامل معلولا لكثرة تداول اللفظ واستعماله في المجتمع. ولا معنى للعلم بالوضع مع عدم الوضع. وإنما قال الأصوليون ذلك بناء على التسليم بما رفضوه، وهو وجود الواضع البشري الواحد.
وقد أجاب السيد الأستاذ على إشكال الدور بناء على مسلكه في الوضع من انه هو الاقتران التكويني بين اللفظ والمعنى. فبسبب هذا الاقتران التكويني ينسبق المعنى إلى الذهن قبل ان يحصل علم بالوضع أصلا. وقبل ان يلتفت الفرد إلى عنوان الوضع والواضع. قال: ويمكن ان نشبهه بالطفل الصغير، فانه يعلم معنى (الحليب) من الاقتران الناتج من التكرار من دون علم بالوضع لأنه غير قابل لإدراك العلوم التصديقية.
قال: ومعه نقول: ان العلم بالوضع يتوقف على الإنبساق الناشئ من الاقتران. وهذا الاقتران غير ناشئ من العلم بالوضع بل من روحه وواقعه. بل حتى ينشأ من دون وضع إطلاقا، فلو قيل (السكوني) ينسبق إلى الذهن (النوفلي) بدون وضع بينهما.
أقول: وهذا ان رجع إلى ما قلناه فهو المطلوب وإلا وردت عليه
ــــــ[95]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الإشكالات التالية:
أولاً: المناقشة في فهمه للوضع من انه هو الوضع التكويني كما سبق في محله.
ثانياً: ان سلمنا بذلك في الألفاظ الأساسية في اللغة، فان اللغة ليست كلها كذلك، بل فيها ما هو موضوع بنحو الجعل التشريعي، كالأعلام فيأتي الإشكال فيها وأمثالها.
ثالثاً: ان الدور كما يقرّب مع العلم بالوضع يمكن ان يقرب مع الاقتران، كما سبق. فنقل الحال إلى الاقتران لا يحل الدور.
فان قلت: انه بناء على هذا المسلك فان علة الاقتران هو التكوين وليس التبادر ليحصل الدور. قلنا: ان الاقتران غير موجود أو انه مشكوك الوجود على الفرض، وإلا لم نحتج إلى الاستعلام بالتبادر. فان ظرف حجيته هو ظرف الشك كما سبق ان أشرنا.
رابعاً: ان الوضع مجرد اصطلاح لا يفهمه اكثر الكبار فضلا عن الصغار. وإنما يفهمون نتيجته، وهي ان هذا اللفظ له هذا المعنى في اللغة، وهذا المضمون هو المعلول المساوي للوضع بكل تفسيراته. إذن، فالتبادر يحصل من العلم بالمعنى الذي يساوق الوضع ويساويه. والمفروض اننا نريد ان نجعل العلم بالمعنى معلولا للتبادر، فعاد الدور.
خامساً: انه اعني السيد الأستاذ لم يذكر ان الاقتران يجب ان يكون متكاملا، ليدل على الوضع الحقيقي، ومجرد الإنسباق والتبادر لا يدل على كمال ذلك الاقتران. وإذا شك الإنسان في كماله، كما هو الغالب فيما إذا كان الاستعلام حقيقيا، لم يكن التبادر حجة عليه لان النتيجة تتبع أخس المقدمات.
ثم إنه نبه قدس سره على نكتة وحاصلها: ان التبادر له ثلاث علل: الأولى:
ــــــ[96]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القرينة. الثانية: الاقتران الشخصي. الثالثة: الاقتران النوعي، وهو المطلوب.
اما إثبات عدم القرينة، فبالفحص والعلم بعدمها، ولا تجري أصالة عدم القرينة لما بيناه في بحث الظواهر من أنها تجري في استخراج مراد المتكلم دون غيره من الموارد. وهنا ليس كذلك لان المراد معلوم وإنما الشك في الاستناد إلى الوضع أو المجاز. واعترف هنا السيد الأستاذ بان هذا يكون من التفكيك بين مؤديات الأمارات.
واما نفي الاقتران الشخصي، فان حصل ان نفيناه بالتدبر، فهو، وإلا أمكن نفيه بالأصل العقلائي بالتطابق بين التبادر الشخصي والنوعي، بدليل ان العقلاء لا يدققون في فهم خطابات مواليهم بعرضها على الآخرين للتأكد من انه تبادر نوعي لا شخصي، فهم يجعلون التبادر الشخصي أمارة على النوعي. وهو التبادر لدى غالب الناس.
وجواب ذلك من وجوه:
أولاً: ان المهم هو ان يكون الاقتران لغويا، سواء كان شخصيا أو نوعيا، لوضوح ان الاقتران اللغوي في أوله شخصي غير نوعي. فان الواضع الواحد البشري بأي معنى من معانيه لديه – لا محالة – اقتران لغوي شخصي قبل ان يشيع وضعه في المجتمع فيصبح نوعيا، حتى في الأعلام الشخصية.
ثانياً: ان المهم هو كشف الاقتران بين اللفظ والمعنى الناتج عن الوضع، سواء كان الاقتران شخصيا أو نوعيا. نعم، غالب الإقترانات الشخصية لا تكشف عن الوضع، إلا ان بعض الإقترانات النوعية لا تكشف عنه أيضا.
لا يقال: ان الاقتران الشخصي اعم من الوضع بخلاف النوعي.
ــــــ[97]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فانه يقال: كلاهما أعم منه، ما لم يصل إلى الاقتران الكامل.
ثالثاً: بالنسبة إلى أصالة عدم القرينة، فان الوضع التقليدي للأصوليين هو ملاحظة اللفظ وحده. وعندئذ نحرز عدم القرينة. واما إذا وقع اللفظ في سياق كلام، فأصالة عدم القرينة جارية كأمارة عقلائية. إلا ان نصب القرينة على أشكال:
الشكل الأول: ان تكون القرينة قائمة على مراد المتكلم سواء كان استعماله حقيقة أو مجازا، كالتقييد والتخصيص.
الشكل الثاني: ان تكون القرينة قائمة على كون الاستعمال على وجه الحقيقة لا المجاز، بعد العلم بالمراد. لا يختلف الحال في ذلك كونه مقيّدا أو غير مقيد.
الشكل الثالث: ان نشك في سعة المراد ونحتمل الحقيقة والمجاز. فالأول يجري فيه أصالة عدم التقييد. والأخير تجري فيه أصالة الحقيقة مع أصالة عدم القرينة.
والشكل الثاني لا يجري فيه الأصل لأنه ليس المتكلم بصدد ذلك بعد العلم بمراده. ولو كان بصدده، اعني بتعيين المعنى الحقيقي، جرى الأصل، كما لو كان المستعمل هو الواضع ويريد الوضع بالاستعمال.
رابعاً: حول ما قاله قدس سره من أصالة التطابق بين الوضع الشخصي والنوعي، ودليله الوحيد عليه هو فهم العقلاء له. وهذا غريب جدا:
1- لان العقلاء بسطاء من هذه الناحية لا يفهمون هذه الاصطلاحات.
2- لحصول الاطمئنان في الغالب لدى الفرد منهم بكون الاقتران الحاصل
ــــــ[98]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لديه هو من قبيل القرن النوعي.
3- مضافا إلى ان عدم عرضها على الآخرين، لا زم اعم. لا أقل انه بعد فهم خطاب مولاهم العقلائي، لا يهمهم ان يكون بنحو الحقيقة أو المجاز. واما مع الشك في المراد عقلائيا وكونه حقيقة أو مجازا. يعني الشك في الأمرين معا، فنحن ننكر كونهم لا يسألون الآخرين. وإنما الكلام فيما إذا تعين فهم المراد. ومع تعيّنه لا يهتم العقلاء بغير مسألة الفهم، سواء كان الاستعمال بنحو الحقيقة أو المجاز.
…………………
هذا وقد قدم المحققون الأصوليون الآخرون عدداً من الحلول للدور المشهوري نذكر بعضها فيما يلي:
الحل الأول: ما نسب إلى المحقق العراقي قدس سره من انه يكفي في الموقوف والموقوف عليه في الدور التغاير تغايرا شخصيا لا تغايرا نوعيا. فليفرض علمان تفصيليان أحدهما علة للتبادر والآخر معلول له، فينحل الدور.
أقول: وهذا غريب: أولاً: لأجل لغوية الاستعلام بالعلم الثاني بعد فرض وجود العلم الأول.
ثانياً: لأجل استحالة حصول علمين تفصيليين بأمر واحد. وان تعددت الصور التفصيلية، لأنها إنما تكون هي المعروض بالذات، بما هي فانية في الخارج، فإذا لم يكن إلا خارج واحد مرئي بكلتا الصورتين الفانيتين، كما هو المفروض فلا يعقل تعدد التصديق، كما لا يعقل تعدد الشك. إلا ان هذا بهذا المقدار لا يكون تاما. لان فناء كل صورة غير فناء الأخرى، ولا يتعلق العلم
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالخارج ابتداء ان طرفه واحد، بل الصور كما يتعدد وجودها يتعدد فناؤها.
نعم لو قال – في الوجه – ان النفس المجردة فيها علم واحد وان تعددت صوره. وهذا العلم يستحيل ان يتعدد، فيستحيل ان يكون علة للتبادر ومعلولا له في نفس الوقت.
إلا ان هذا لا يتم: لأننا عند الحديث عن التبادر نتحدث عن عالم الكثرة في النفس لا عن عالم الوحدة. وفي عالم الكثرة تتعدد الصور ويتعدد العلم. واما في عالم الوحدة فلا معنى لتجدد الخواطر وللتبادر وغيره.
إذن، فهذا الإشكال الثاني غير تام. وإنما الإشكال الوارد هو الأول وهو لزوم اللغوية، بل يستحيل للعاقل العالم ان يستعلم عن معلومه، إلا ان يفرض زوال العلم الأول وحصول الشك. وإذا زال العلم الأول لم يكف لحصول التبادر لان علته الشك على الفرض لا العلم.
الحل الثاني: للدور، ما عن المحقق الأصفهاني، من ان التبادر ليس معلولا للعلم بالوضع بل للوضع نفسه، ومن مقتضياته. والعلم بالوضع إنما هو شرط في تأثير الاقتضاء الثابت للوضع في التبادر.
أجاب عليه السيد الأستاذ: انه لو سلم لوقع الدور من ناحية الشرط لتوقف التبادر على العلم بالوضع باعتباره شرطا. فان الشرط جزء العلة على أية حال.
وهذا يمكن تعميقه: بان التبادر معلول للعلم بالملازمة في الجعل الوضعي. وإدراك اللازم والعلم به معلول للعلم بالملازمة لا العلم بالملزوم. وإلا لزم ان يكون كل من العلم باللازم والعلم بالملزوم صالحا للعلّية للآخر.
وأجاب عنه السيد الأستاذ: ان هذا ينعكس ضد كلامه، لان مقصوده من
ــــــ[100]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العلم باللازم هو نفس التبادر، واللازم معلول لملزومه لا العلم بالملازمة.
وجواب ذلك: ان في هذا سوء فهم لما قاله قدس سره: لان الملازمة ليست بين التبادر والوضع. وإنما هي بين اللفظ والمعنى في الجعل الوضعي. فليس ان اللازم هو التبادر. بل اللازم هو كون اللفظ ذا معنى، والتبادر ينشأ من هذه الملازمة. إلا انه ينتج ان التبادر ناشئ من العلم بالوضع الذي هو هذه الملازمة بين اللفظ والمعنى، فرجع الإشكال جذعاً.
الحل الثالث: للدور: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره من ان العلم الذي يتوقف على التبادر تفصيلي، والعلم الذي يتوقف عليه التبادر إجمالي ارتكازي.
وهنا ينبغي ان يكون واضحا، انه لا يراد بالعلم الإجمالي مصطلحه الأصولي من ان اللفظ موضوع اما لكذا أو كذا. بل المراد ان العلم غير موجود في الذاكرة تفصيلا، أي غير ملتفت إليه. فيكون بسبب التبادر ملتفتا إليه. وكل الأمور القديمة التي مرت على الإنسان موجودة في الذاكرة إجمالا. وإنما يتذكرها فعلا مع وجود السبب وهو هنا التبادر. وقد أقرّ المحقق الأستاذ هذا الوجه ولم يناقش فيه كما هو ظاهر التقريرات.
ولكن السيد الأستاذ ناقش فيه بما مؤداه: ان العلم السابق على التبادر هل هو موجود أم لا ؟ فان لم يكن موجودا تعذر التبادر، لان التبادر ناشئ منه لا من اصل الوضع، وليس للوضع أي دخل في التبادر. وان كان موجودا لم نحتج إلى التبادر، اما لكونه تحصيل الحاصل واما لكونه لغوا لان العالم لا يستعلم. وإذا أريد جعل التبادر برهانا انيا على وجود العلم الإرتكازي فهذا يحصل بمجرد الالتفات ولا يتوقف على التبادر.
ــــــ[101]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويمكن ان يجاب ذلك:
أولاً: ان قولك: ان العلم اما موجود أو غير موجود، لا يكفي. فان للعلم ثلاث حالات لا حالتين، لأنه اما غير موجود إطلاقا، واما موجود ملتفت إليه واما موجود غير ملتفت إليه. فللآخوند ان يختار الشق الثالث -كما هو واضح عبارته- ولا يلزم الدور.
ثانياً: قولك ان الوضع لا دخل له أصلا في التبادر ليس بصحيح، بل هو مؤثر قطعا، لوضوح ان الوضع لو لم يكن موجودا لاستحال التبادر. فالصحيح ان الوضع مقتضٍ للتبادر والعلم شرط حصوله.
ثالثاً: قولك: ان الدور ينعقد مع الشرط. هذا إنما يصح إذا كان الشرط وحده هو العلة، وليس كذلك. وإنما الواقع ان التبادر يتوقف على الوضع وعلى العلم به. وما هو معلول له هو العلم بالوضع خاصة. نعم، لو كان هذا العلم واحدا بحيث ينتج التبادر وما هو شرط حقيقة كان مستحيلا، إلا ان جواب الآخوند على نفي تلك الوحدة.
رابعاً: قولك: انه تحصيل الحاصل أو لغو، ليس كذلك لا ثبوتا ولا إثباتا. اما ثبوتا فلوجود تغير ثبوتي في كيفية العلم – مع تعدده على الفرض – بعد ان اصبح ملتفتا إليه. واما إثباتا: فان التبادر أفاد تعرف الفرد على وجود العلم الإرتكازي في الذاكرة وهذا يكفي.
خامساً: قولك: انه إذا أريد جعل التبادر برهانا انيا على العلم الإرتكازي كفى فيه الالتفات.
جوابه: ان الالتفات يحتاج إلى علة، وعلته التبادر، كما ان علة التبادر هي سماع اللفظ من المتكلم، إلا ان النتيجة تكون هي تذكر المعنى عند سماع
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اللفظ من المتكلم. إلا ان النتيجة تكون هي تذكر المعنى عند سماع اللفظ. وهذا ما يحدث دائما في التفاهم، إلا انه ليس الكلام في ذلك كما أسلفنا، وإنما الكلام في الألفاظ النادرة التي هي مورد الاستعلام، وفي مثلها لا يوجد علم ارتكازي قطعي غالبا، فلا يتم ما قاله الشيخ الآخوند.
وكان خيراً للسيد الأستاذ ان يقول هنا: ان هذا العلم الإجمالي الذي قاله الآخوند هو الاقتران الباطني بين اللفظ والمعنى. غايته انه ناشئ من جعل اعتباري لا تكويني، كما يقول هو في باب الوضع. فالاقتران سبب للتبادر فالعلم الإجمالي سبب له.
هذا، وقد عرفنا خلال الحديث ان علل التبادر عديدة مع صحة نظرية الواضع البشري الواحد الذي يسلم بها الأصوليون ارتكازا وان نفوه ظاهرا.
والعلل هي. أولاً: الوضع. ثانياً: الاقتران الباطني الناشئ من الوضع. ثالثاً: العلم الإجمالي الإرتكازي الناشئ الاقتران. رابعاً: سماع اللفظ من المتكلم أو الالتفات إليه. ولولا أيّ منها لم يوجد التبادر.
فان فرض وجود علم آخر يكون معلولا للتبادر انحلّ الدور قطعا. إلا انه يكون لمجرد التذكر وهو لا يفيد في مورد الاستعلام الحقيقي قطعا كما عرفنا. وان أريد به نفس العلم السابق كان مستحيلا لأنه اصبح معلول التبادر هو جزء علة التبادر وهو مستحيل. إلا ان وحدة العلم ليست أمرا صحيحا، لا لوحدة متعلقه وهو الخارج، ولا لوحدة النفس، ولا لوحدة الالتفات، وإنما إشكاله عدم توفر العلم الأول في الموارد المستعصية.
…………………
ثم ان التبادر المتأخر زمانا يثبت الوضع في زمانه، ولا يمكن إثباته في
ــــــ[103]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الزمن المتقدم بالدلالة المطابقية – لو صح التعبير-، ونحن لا نعلم كيف كانت تبادرات واختزانات السابقين. ومن المعلوم صغرويا ان الكتاب والسنة صدرا في زمان غير زماننا، فقد لا يكون التبادر في زماننا مثبتا للوضع في الزمن السابق. فكيف العمل في مثل ذلك ؟
هذا السؤال له عدة أجوبة:
الجواب الأول: ان نلغي تبادرنا ونرجع إلى أصحاب القواميس اللغوية بصفتهم متقدمين علينا زمانا، ومقاربين لزمان الصدور نسبيا. وهذا بحث يحقق في مبحث حجية الظواهر، وهي حجية قول اللغوي. وليس هنا محل بحثه.
الجواب الثاني: ان الوضع في اللغة واحد لا يتعدد، وهو الوضع القديم. وهذا التبادر معلول له، بالتلقي للغة جيلا بعد جيل، فيكون هذا التبادر كاشفا عن الوضع السابق.
وهذا وجه مبني على انه ليس من حق الأجيال المتأخرة مباشرة الوضع والنقل والاشتراك. وإنما تبقى اللغة كما هي سماعية حسب أوضاعها الأولى. فإذا حصل هناك تبادر دال على الاقتران الكامل كان دالا على ذلك الوضع.
وهذا الوجه قابل للمناقشة: من حيث ان الاقتران والتبادر، وان كان موجودا إلا انه قد يكون بأسباب متأخرة أو معتادة أو وهمية أو نحو ذلك. فيكون من قبيل اللازم الأعم للوضع، فلا يثبت به الأخص.
الجواب الثالث: الاطمئنان بان اللغة غير متغيرة تغيرا معتدا به. بل هي محفوظة لدى الأجيال المتأخرة بنفس أوضاعها القديمة. وخاصة مع وجود الكتاب الكريم والسنة الشريفة وآلاف الكتب القديمة. فلو كنّا نتحدث عن لغة أخرى، لكان الإشكال واردا، ولكن اللغة العربية محفوظة عن هذا الطريق. ولعله يمكن ان يستدل بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ على
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ذلك. إذ مع تطور وتغير اللغة ينسد باب حفظ القرآن الكريم، وهو خلف التعهد بحفظه. وعلى أية حال يحصل الاطمئنان بصحة التبادر أو الاقتران.
الجواب الرابع: أصالة ثبات اللغة عرفا وعقلائيا. كما بينها السيد الأستاذ قدس سره. فان اللغة بالرغم من تغيرها واقعا إلا ان هذا التغير غير معلوم عرفا وغير ملتفت إليه عقلائيا. إذن يبني العرف على ثباتها، فيكون ما يفهمه الآن ساري المفعول فيما سبق.
الجواب الخامس: الاستصحاب القهقري لإثبات عدم التغير في اللغة أو في لفظ معين لان المتيقن حال والمشكوك ماض فيكون موضوعا للاستصحاب القهقري.
ودليل حجية هذا الاستصحاب عدة أمور:
الأمر الأول: قاعدة الاستصحاب المعتاد. وإشكاله انه ليس له اثر شرعي. فانه إنما يثبت به الظهور اللغوي لا الحكم الشرعي. فلا يصح التعبد به. إلا ان يتمسك بإطلاق دليل الاستصحاب لما ليس له اثر شرعي، أو يقال: بكفاية الأثر الشرعي ولو بوسائط. ومن المعلوم ان هذا الاستصحاب يثبت ظهور كلام الكتاب والسنة، فيرجع إلى الأثر الشرعي. هذا مضافا إلى ان المشهور لا يقولون بحجية الاستصحاب القهقرائي في الأحكام مطلقا.
الأمر الثاني: قاعدة ثبات اللغة التي قلناها، فينتج الاطمئنان بالنتيجة.
الأمر الثالث: ان يقال: ان الاستصحاب ليس بحجة إلا في هذا المقام، لقيام السيرة العقلائية عليه، وبناء أهل المحاورة عليه، وقد بنى عليه المحقق الأستاذ.
غير انه قابل للمناقشة باعتبار احتمال ان العقلاء يغفلون عن التغير أو يبنون على أصالة ثبات اللغة، أو يحصل لهم الاطمئنان الشخصي. ولا يتعين ان
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يكون بناؤهم على خصوص حجية الاستصحاب. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
وقد أشار المحقق الأستاذ في المحاضرات بعد ذلك إلى أصالة عدم القرينة. ويمكن ان يرد عليه عدة أمور:
الأمر الأول: ما ذكره المحقق الأستاذ أيضا، ان إثباتها ان كان بالاستصحاب فهو باطل، لان الظهور لازم عقلي لعدم القرينة. هذا مضافا إلى انه ليس له حالة سابقة، فان الكلام من إبتدائه مشكوك الاتصال بالقرينة على الفرض. فيكون جريانه مبنيا على استصحاب العدم الأزلي.
الأمر الثاني: احتمال وجود القرينة الحالية، وان أحرز عدم القرينة المقالية. غير ان الأصوليين يتحدثون عن التبادر في اللفظ وحده، ومعه تحرز عدم القرينة بكلا نوعيها وجدانا. في حين ان هذا لا يتعين كما سبق اكثر من مرة.
الأمر الثالث: انه ان كان الدليل على عدم السيرة العقلائية، فانها خاصة بالشك في المراد ولا تشمل محل الكلام مع العلم بالمراد.
وجواب ذلك: ان عدم شمولها محل الكلام مصادرة لا دليل عليه. وليس جزافا ان نقول بأصالة عدم القرينة تعبّدا. مضافا إلى ما سبق من ان اغلب الكلام بما انه يتحدث عن أمور أخرى وليس في مقام البيان من حيث الحقيقة والمجاز، فانه لا تجري أصالة عدم القرينة، مثل قوله تعالى: فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ غير شامل بإطلاقه للطهارة. اما إذا كان في مقام البيان من حيث الحقيقة والمجاز فتجري أصالة عدم القرينة، لان مقتضى السياق والإطلاق هو ذلك عندئذ، إلا انه أمر نادر الوجود.
ــــــ[106]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
علاميّة صحة الحمل وعدمه وصحة السلب وعدمه:
فانه يقال عادة: ان صحة حمل اللفظ بما له من المعنى الارتكازي علامة على الحقيقة، وكذلك عدم صحة السلب. واما عدم صحة الحمل وصحة السلب فعلامة المجاز.
وحاصل الكلام فيه: ان الحمل يمكن ان يكون له عدة صور:
الصورة الأولى: الحمل الأولي الذاتي بملاك الاتحاد في المفهوم مع التغاير في الاعتبار، أي الإجمال والتفصيل ونحوه. مثل الإنسان حيوان ناطق. فهنا يقول الأصوليون: انه إذا صح الحمل ثبت الترادف بين اللفظين، كقولنا: الإنسان بشر.
الصورة الثانية: الحمل الشايع الصناعي الذي ملاكه الاتحاد مصداقا والاختلاف مفهوما. وفي هذه الصورة نتصور الانطباق في المفهومين على كل مصاديقهما. كالإنسان ضاحك. مما ينتج التساوي بينهما وضعا بحيث ينطبقان على مجال واحد. ولا يحتمل فيهما الترادف، لفرض الاختلاف مفهوما، وعدم الترادف لغة.
الصورة الثالثة: الحمل الشايع الصناعي مع كون الموضوع جزئي من المحمول بنحو العموم المطلق. نحو زيد إنسان وزيد أسد. فإذا صدق الحمل دلّ على سعة المفهوم وضعا، بحيث يشمل هذا الفرد أو هذه الحصة.
الصورة الرابعة: الحمل الشايع مع كون النسبة هي العموم من وجه بين المحمول والموضوع. مثل: الطير الأسود. فهنا إذا صح الحمل انتج وضع كل منهما بحيث يناسب صدقه الحقيقي على أفراد الآخر. ولا تكون الصفة الأخرى مانعة عن صدقه. بخلاف ما لو قلنا الطائر زاحف. فان صفة الزحف مانعة عن
ــــــ[107]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
صفة الطيران. ومن هنا يكون الحمل كاذبا.
وما يمكن ان يكون مناقشة لحجية هذه الحمول، بحيث تدل على الوضع أو على المعنى الحقيقي أمور:
الأمر الأول: رجوعها إلى التبادر، فإنها لولا الإنسباق بالتبادر لم نعلم صحة الحمل من صحة السلب. والواقع اننا إذا أردنا من الحمل الجانب اللغوي، لابد لنا من راجعة الاقتران الكامل في النفس. وهو الذي يكون علة لكلا الأمرين للتبادر وصحة الحمل أو لعدم صحة التبادر وعدم صحة الحمل. ومن هنا نسقط علاميّة كلا هذين في أنفسهما.
الأمر الثاني: ان الحمل اقرب للمعنى المنطقي والفلسفي من الجانب اللغوي والأمور الأدبية والبلاغية. ولذا لا معنى لاستعمال أداة أو مصطلح موجود في علم، استعمالهما في علم آخر.
إلا ان هذا لا يتم: لان الحمل يمكن ان يستعمل حسب القصد، وحسب التطعيم فيه، فيكون ساريا في كل حقول المعرفة، وغير خاص بالمنطق، والفلسفة. ومعه يمكن ان نجرب الحمل على المستوى اللغوي أو المطعم به، فان صدق كان حجة على الحقيقة، وإلا فلا. بغض النظر عن الإشكالات الأخرى.
ونعطي فيما يلي مجددا فكرة عن الحمول التي يمكن ان تكون نافعة لغويا في بيان الحقيقة:
أولاً: الحمل الأولي المنتج للترادف. مثل الإنسان بشر، أو مستشزرات مرتفعات. فإذا صدق الحمل ثبت وحدة المفهوم الذي هو معنى الترادف. ومنه حمل اللفظ المقيّد مفهوما على المقيّد لفظا. كقولنا: اللطمُ هو الضربُ على
ــــــ[108]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الخد. أو الصيصة هي الاصبع الخلفية للطائر. أو الإنسان حيوان ناطق. فيثبت وضع هذه اللفظ لهذا المفهوم المقيد خاصة.
ثانياً: الحمل الشايع على المصداق. كقولنا: هذا أسد. إذا أشرنا للحيوان المفترس فصدق الحمل. أو ان أشرنا للإنسان فصدق السلب. فيثبت بصدق الحمل انه موضوع لما يشمل هذا المعنى أو لما يخصه.
ثالثاً: الحمل الشايع بنحو العموم من وجه، فان صدق ثبت ان أيّا منهما يصدق حقيقة على حصة من الآخر، لا انه مقيد بعدمه، وإلا لم يصدق الحمل.
رابعاً: حمل اللفظ على المصداق ابتداء، كما لو قدمت بيدك كتابا وقلت: كتاب. فكأن عين الكتاب هو المبتدأ ولفظ الكتاب هو الخبر. وهذا يكون غالبا للتعليم لمن لا يحسن اللغة ولا يعرف تفاصيلها. فان كان المراد من المبتدأ الفرد خاصة ثبت وضعه له كالأعلام وان كان المراد كونه من مصداقا من كلي ثبت وضعه للكلي.
الأمر الثالث: من مناقشات هذه الحمول: ما ذكره المحقق الأستاذ من ان هذه الطريقة راجعة إلى الاستعمال، وهو اعم من الحقيقة، فلا يثبت بها الوضع.
إلا ان هذا الكلام غريب. فان الاستعمال الذي يكون اعم من الحقيقة هو استعمال الغير. أو قل: استعمال المتكلم بالنسبة إلى السامع. اما إذا جرب الفرد نفسه الاستعمال بقصد الفحص عن الحقيقة، فهذا باب آخر.
مضافا إلى ان هذا الإشكال لو تم لشمل التبادر أيضا. فانه أيضا يكون في مورد الاستعمال. ولا معنى له بدونه، فيكون اعم من الحقيقة، مع إقراره
ــــــ[109]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بعلاميته. والحق انه يعود إلى استكناه الاقتران وإثارة الذاكرة من هذه الجهة، وصحة الحمل تعود إلى ذلك أيضا.
ثم ذكر الأستاذ المحقق ان الحمل إذا كان خاليا عن القرينة كان كاشفا عن الحقيقة، قال: إلا انه خارج عن محل الكلام. والصحيح ان إخراجه عن محل الكلام خارج عن محل الكلام. بل كما يشترط في التبادر عدم وجود القرينة، يشترط في صحة الحمل ذلك أيضا. وإلا لكانت الصحة مستندة إلى القرينة لا إلى الوضع اللغوي.
وعلى أية حال، فيمكن ان نفهم من التقسيمات السابقة للحمل أفضلية هذه العلامة لو تمّت على التبادر، لأنها تحرز وتنتج تفاصيل اكثر كما أشرنا، لأنها تتكفل بيان سعة المفهوم وضيقه، وليس مجرد المعنى الإجمالي فقط. فانه إذا صدق الحمل عرفنا وجود المقتضي للصدق وعدم وجود المانع، كما شرحنا. وإذا صح السلب عرفنا عدم المقتضي أو وجود المانع.
ولنا ان نعيّن أحد هذين العدمين بحمول أخرى. وكذلك يمكن ان نعرف من صحة السلب وجود التباين أو التنافي بين المفهومين. كقولنا: الطائر زاحف. كما مثلنا، حيث نعرف التنافي بين طريقة الزحف والطيران. ومن ثم التنافي بين الوضعين لهذين اللفظين.
وقد قسم الأستاذ المحقق الحمل الشايع إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: حمل الطبيعي على أفراده، كقولنا: زيد إنسان أو الإنسان حيوان.
القسم الثاني: حمل العنوانين العرضية على معروضاتها ولا وجود لها إلا بوجود مناشئ انتزاعها. كقولنا: زيد ضاحك. وحيث ان كل ما بالعرض يرجع
ــــــ[110]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلى ما بالذات، فيرجع هذا إلى حمل الضحك على الصفة التي عند زيد ذاتا. فيرجع إلى القسم الأول.
القسم الثالث: حمل العناوين العرضية بعضها على بعض. كقولنا: المتعجب ضاحك. وبما ان ما بالعرض يرجع إلى ما بالذات، فيرجع هذا الحمل إلى حملين: أحدهما: حمل التعجب على شيء، كقولنا: المتعجب شيء له التعجب. ثانيهما: حمل الضحك على شيء، كقولنا: الضاحك شيء له الضحك. إذن فالقسمان الأخيران يرجعان إلى القسم الأول، ولا يكشفان عن المعنى الحقيقي. ضرورة انها لا تدل على اتحاد المحمول مع الموضوع خارجا، مضافا إلى انه لا يزيد على الاستعمال، وهو اعم من الحقيقة.
وجواب ذلك:
أولاً: ان هذا تقسيم منطقي لا دخل له في اللغة، وقد عرفنا انه لابد من لحاظ الحمل لحاظا لغويا، لا لحاظا عقليا. وقواميس اللغة زاخرة بالحمول ذات اللحاظ اللغوي.
ثانياً: اعتبر ان قولنا: الإنسان حيوان من الحمل الشايع، مع انه يمكن ان يكون حملا أوليا، وخاصة إذا قصدنا من الإنسان نوع الإنسان، كما هو المفهوم غالبا.
ثالثاً: المهم في اللغة ليس هو التقسيم إلى العنوان العرضي والذاتي، كما فعله، بل المهم هو مجرد اللفظ والمعنى. واللفظ اما ان يكون موضوعا للجزئي كالأعلام الشخصية، أو للكلي كأسماء الأجناس ولا يوجد قسم آخر. فالتقسيم إلى الذاتي والعرضي مستأنف.
رابعاً: في قولنا: المتعجب ضاحك، لا يوجد حملان بل حمل واحد،
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كما هو واضح. وبتعبير آخر لا يرجع إلى حمل المتعجب مستقلا عن حمل الضاحك، بل هو حمل واحد يفيد ان منشأ انتزاع التعجب هو منشأ انتزاع الضحك أو علة له، بمعنى انهما متساويان زمانا على أية حال، كما ان منشأ انتزاع الضحك معلول لمنشأ انتزاع التعجب. وهذا هو الربط بين الطرفين. ومن الغريب عدم الالتفات إليه.
خامساً: ان هذا منه قول بتركب مفهوم المشتق، وان المتعجب شيء له التعجب. مع انه سيأتي منه في باب المشتق القول ببساطته.
علاميّة الاطراد :
وقد ذكروا له وجوها عديدة:
الأول: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره، من انه بلحاظ العلائق المختلفة، حيث لا يطرد الاستعمال معها. فإذا اطّرد الاستعمال في كل العلائق فان ذلك علامة الحقيقة.
وجوابه: ما ذكره الشيخ الآخوند نفسه من ان الاطراد حاصل بلحاظ العلاقة التي يصح معها الاستعمال مجازا أو حقيقة. فإذا لوحظت الشجاعة أمكن القول: ذهب الأسد وجاء الأسد وهكذا، يعني الشجاع. ثم قال: وتقييده بقولنا: من غير تأويل أو على وجود الحقيقة، وان كان موجبا للاختصاص بالحقيقة إلا انه يلزم الدور. لان معرفة الحقيقة موقوفة على عدم التأويل وعدم التأويل موقوف على كونه حقيقة.
وقد يجاب ذلك، بحل الدور بالبناء على العلم الإرتكازي أو الاقتران الباطني، أو الاستعمال الاختياري الذي قلناه. بتقريب: ان الدور المشار إليه
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إنما هو للسامع واما المتكلم فله باختياره ان يقيّد لفظه بالقيد المطلوب. وهذا كله صحيح، إلا انه ينتج ان الاطراد ليس بعلامة باستقلاله كما قلناه في العلامات الأخرى، وإنما المهم هو الرجوع إلى هذه الأمور.
التقريب الثاني: الاطراد في مختلف الإشتقاقات. فإذا حصل ذلك كانت المادة حقيقية وكشفت إناً عن الوضع وإلا كانت مجازا.
وجوابه من عدة وجوه: أولاً: انه مبني على ان المجاز لا يطرد في الاشتقاق، مع انه يطرد وجدانا.
ثانياً: ان لحاظ المادة وحدها لحاظ متشابه لا يضر معه الاشتقاق، باعتبار انحفاظها في كل المشتقات، فلحاظ المادة وحدها لحاظ لعدم الاشتقاق في الحقيقة.
ثالثاً: ان هذا من الاستعمال، والاستعمال اعم من الحقيقة. مع جوابه: وهو ان مثل ذلك ان كان ثابتا للسامع فهو غير ثابت للمتكلم، من حيث انه يستطيع باختياره ان يقصد المعنى الحقيقي في كل استعمال.
رابعاً: ان في هذا الوجه إهمالا لغير المشتقات من الهيئات والدوال. فان كان الاطراد مقتصرا فيها أو عليها، كان علامة في بعض الألفاظ دون بعض.
التقريب الثالث: الاطراد في الاستعمال لدى أهل اللغة. فإذا سمعناه كذلك عرفنا انه استعمال حقيقي. وعدم القرينة تحرزه بتكرر الاستعمال لديهم مئات المرات.
وجوابه: أولاً: انه ينتج الأعم من الحقيقة والمجاز المشهور، وهما يجتمعان في معنى عدم الحاجة إلى القرينة، فلربما تكرر اللفظ مئات المرات
ــــــ[113]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بدون قرينة، وليس هو باستعمال حقيقي بل مجازا مشهورا. فيكون الاطراد هنا اعم من الحقيقة.
ثانياً: ما قاله السيد الأستاذ: من ان المجاز أيضا يمكن ان يكون بلا قرينة إذا كان المتكلم في مقام الإهمال والإجمال. وهذا مبني على مذهبه في كون المجاز بدون قرينة استعمال صحيح، وهذا غير صحيح.
ثالثاً: ان الاستعمال اعم من الحقيقة، وهذا لا يختلف فيه المرة عن مئات المرات. وجوابه: انه بكثرة الاستعمال. فان احتمال الحقيقة يتصاعد واحتمال المجاز يتنازل ويتضاءل، إلى ان يتلاشى. ولكن يبقى المجاز المشهور لا نافيَ له.
التقريب الرابع: – للاطراد -: الاطراد في التبادر. لان التبادر مرة يحتمل استناده إلى القرينة. فينفى هذا الاحتمال بالاطراد لعدة مرات. وهذا معناه ان الاطراد فرع التبادر وليس علامة مستقلة.
وفي الحقيقة ان الدعوى فيه بهذا المقدار، وهو انه يصلح ان يكون نافيا للقرينة، إلا ان المجاز المشهور لا ينتفي لعدم حاجته إلى القرينة كالاستعمال الحقيقي. فيكون من اللازم الأعم. بل على مسلك السيد الأستاذ فان كل المجاز لا ينتفي، فلماذا لم يستشكل فيه ؟
التقريب الخامس: الاطراد في الاستعمال لدى أهل اللغة. كما في التقريب الثالث. لكن هناك كنا نحرز عدم القرينة بسبب الاطراد وكثرة الاستعمال. وهنا نحرز سلفا انه بدون قرينة. فيدور أمر استعمالاتهم بين ان تكون حقيقية أو ان تكون مجازية بدون قرينة. وحيث ان الاستعمال شائع على الفرض، فيبعد ان يكون الجميع مجازيا بدون قرينة.
ــــــ[114]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا يتم بناء على المشهور من حاجة المجاز إلى القرينة وعلى مسلك السيد الأستاذ من عدم حاجته إليها. وقد أقرّ به بعض الفقهاء ولم يستشكل عليه.
ويمكن ان يجاب: أولاً: اننا كيف نحرز ان آلاف الاستعمالات بدون قرينة. وهل سمعناها كلها ؟ إلا ان تعود إلى الكثرة التي أوجبت زوال الحاجة إلى القرينة. وهو أمر خارج عن المقصود فعلا.
ثانياً: انه لولا التبادر لم نحرز الاستعمال في المعنى الحقيقي، إذ لعل مرادهم من الاستعمال غير ما فهمناه، فتكون علاميّة الاطراد متوقفة على التبادر.
ثالثاً: انها جميعا من قبيل الاستعمال وهو اعم من الحقيقة. ولا يرد فيه انه من الاستعمال الاختياري للمتكلم، لان المفروض فيه كونها استعمالات لأهل اللغة وهم أشخاص آخرون غيري.
التقريب السادس: الاطراد في شهادات أهل اللغة، لا يختلف في ذلك الأحياء منهم عن الأموات، إلا في تأخرهم الزماني. إذا كان جميعهم يشهدون انه موضوع له.
ويمكن ان يجاب بأمور:
أولاً: ان شهادة الواحد منهم ان كانت حجة كفت، وإلا لم يكن المجموع حجة، لأنه من قبيل ضمّ ما ليس بحجة إلى مثله.
وجوابه: ان الكثرة توجب حصول الوثوق الشخصي بالنتيجة فتكون حجة، وان لم يكن كل فرد منهم حجة.
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان الاطراد بهذا المعنى، خلاف مراد المستدل به يقينا. بل هو غير راجع إلى الاطراد، بل إلى كثرة شهادات أهل اللغة.
ثالثاً: ان اللغوي لا يشهد غالبا على الوضع، بل على مطلق المعنى، أو قل يشهد على الاستعمال وهو اعم من الحقيقة. فلابد من الرجوع إلى تصريح بالوضع أو وثوق به أو حصول تبادر ونحوه، مما يثير الالتفات إلى الاقتران في النفس.
ثم انه نسب إلى المحقق العراقي قوله: ان العلامات التي نتحدث عنها لا أثر لها، لأنها إنما يثبت بها الوضع لا الظهور الفعلي. وما هو موضوع الحجية هو الظهور لا الوضع. والظهور ان كان ثابتا فلا حاجة لنا إلى إثبات الوضع، وان لم يكن ثابتا، ولو لاحتمال القرينيّة ونحو ذلك، فلا قيمة لإثبات الوضع لعدم كفايته في ترتب الحجيّة.
أجاب عليه السيد الأستاذ: بالتفريق بين الظهور النوعي والظهور الشخصي. وموضوع الحجية هو الظهور النوعي. وبالتبادر يثبت الظهور الشخصي. والظهور الشخصي يكشف لنا عن الظهور النوعي الذي هو ناتج عن العلاقة الوضعية، حيث لا يوجد إجمال وبذلك يتنقح موضوع الحجية.
ويجاب ذلك: ان موضوع جواب السيد الأستاذ غير موضوع أصل الوجه الذي للعراقي. لان أصل الوجه يفترض وجود الإجمال. وهو يفترض عدمه. مع العلم انه إذا كان سبب الإجمال موجودا كان سبب الحجية أو موضوعها منتفيا لا محالة، كما قيل في أصل الوجه.
وانما الصحيح انه يمكن تنقيح موضوع الحجية بالتبادر ونحو ذلك في موارد:
ــــــ[116]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أولاً: إذا شككنا في المراد مع إحراز عدم القرينة، فيدور الأمر عندئذ بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي إذا كان من المجاز المشهور، فنضمّ أصالة الحقيقة – وهي من الأمارات – إلى التبادر، فيثبت كون الظهور بالمعنى الحقيقي، ويكون موضوعا للحجية.
ثانياً: إذا شككنا في المراد مع احتمال وجود القرينة بحيث لا يتعين المجاز. فننفي المجاز بأصالة الحقيقة وننفي القرينة بأصالة عدمها، وكلاهما أمارة، ويكون موضوعا للحجية.
ثالثاً: إذا شككنا في المراد مع اليقين بوجود ما يصلح للقرينة، لكن بحيث لا يتعين المجاز، فننفي احتمال قرينيّة الموجود بأصالة عدم القرينة، فتأمل.
رابعاً: إذا علمنا المراد ولكن شككنا انه على وجه الحقيقة أو المجاز. إذ يتعين بالتبادر انه استعمال حقيقي، وهذا ينتفع به في علل الظهور, لإمكان كونه قرينة في كلام آخر على أحد التقديرين دون الآخر.
خامساً: ما إذا علمنا بالمراد وشككنا بالمصداق, فانه راجع إلى الشك في سعة المفهوم وضيقه (لا بين المتباينين كما في الوجوه السابقة). فيتعين بالتبادر فيكون صغرى للظهور.
سادساً: إذا علمنا بالشمول وشككنا بطرو المانع, كالشك في صدق السكر بعد ذوبانه, فهو شك في السعة والضيق في الصدق نتيجة لطرو المانع. فترجع إلى التبادر في ان هذا الفرد هل هو مندرج تحت العام أو لا. وبذلك يكون موضوعا للظهور.
سابعاً: ما إذا علمنا بالوضع وشككنا بالنقل. فننفي النقل، اما بأصالة عدم النقل أو بعدم التبادر إلى المعنى الجديد أو عدم الاقتران به، لأنه لو كان منقولا
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لحصل ذلك، ولم يحصل على الفرض.
ثامناً: إذا علمنا بوجود الوضع مرتين: عاما وخاصا، مثل سعيد أحدهما: بمعنى اسم الفاعل والآخر بمعنى العلم. فإذا شككنا في الاستعمال وانه بأيهما حصل, فالتبادر طبعا للعام ما لم تقم قرينة على الخاص. وبه تكون أصالة الظهور.
تاسعاً: إذا كان للمفهوم قدر متيقن وحصة مشكوكة, كالطهارة المعنوية بالنسبة لمفهوم الطهارة, أمكن إثباتها بالتبادر، أو إثبات عدمها كذلك.
عاشرا: اننا إذا أحرزنا الوضع, وشككنا ان للموضوع له علة أو لا, فيمكن ان نثبتها أو ننفيها بالتبادر. وإنما نثبتها باعتبار سعة المعنى الموضوع له المدلول بالتبادر لا ان العلة تثبت بالتبادر.
حادي عشر: اننا أحرزنا الوضع وأحرزنا العلية وشككنا في مقدارها.
ثاني عشر: اننا أحرزنا ان المراد مطابق للعلة وشككنا بالعلة سعة وضيقا.
إلى غير ذلك من الموارد وكلها تنقح موضوع أصالة الظهور.
وفي الوجه الرابع من هذه الوجوه, يقع الوضع علة للقرينية, فيكون علة للظهور, وعلة الحجة حجة. فلا يقال: انه غير مشمول لأصالة الظهور, لان موضوعها الظهور. وذلك: لأنه علة مباشرة للظهور، فيكون صغرى له.
والحقيقة: ان العلة الأولى للظهور هو الوضع، وبعده التبادر أو الاقتران, وبعده الظهور أو الفهم, وبعده القرينية على أمور أخرى. ولولا علل الظهور لم يوجد لا محالة.
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نعم لا يمكن البرهنة عليه بعنوان انه متعلق للعلم, لان المفروض اني علمت بالوضع أو بالتبادر. والعلم حجة ذاتية, لأنه يجاب: ان الحجية إنما تكون فيما فيه تعبد شرعي. والمفروض انه ليس كذلك. وان الحجية في معلوله وهو الظهور.
إذا دار الأمر بين النقل وعدمه :
فإننا عندئذ ننفي النقل بأصالة عدم النقل. ويمكن ان يكون لها عدة معاني:
أولاً: الأصل العملي.
ثانياً: البناء العقلائي.
ثالثاً: عدم تبادر المعنى الثاني المنقول إليه.
رابعاً: تبادر المعنى الأول فقط.
خامساً: التركيب بين المعنى الأخير والأول.
سادساً: التركيب بين المعنى الأخير والثاني.
سابعاً: التركيب بين المعنيين الاخرين والأول.
ثامناً: التركيب بينهما مع الثاني.
إذا دار الأمر بين الاشتراك وعدمه:
فاللازم يرجع عندئذ إلى إحراز أحد الوضعين والشك في الثاني. فننفيه بأحد الأمور السابقة نفسها.
ــــــ[119]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز :
فإننا يمكن ان ننفي المجاز بعدة طرق سبق ان حملنا عنها فكرة كافية:
أولاً: أصالة عدم وجود القرينة, مع الشك في أصل وجودها. وذلك يكون اما بنحو الأصل أو بنحو الأمارة العقلائية الغالبة.
ثانياً: أصالة عدم قرينية الموجود، مع الشك في قرينيّتة. وهو أيضا بأحد النحوين السابقين.
إلا انهما هنا لا يتمان معا، اما الأصل فلأنه مثبت، لكون اللازم العقلي لعدم القرينية هو الظهور. واما الأصل العقلائي، فلا نسلمه، فان مسلك العقلاء ليس على التمسك بالظهور في هذا المورد بل التوقف فيه، كما هو مذكور في محله.
ثالثاً: أصالة الحقيقة.
والأولان لا يعينان خصوص الاستعمال الحقيقي، بل الجامع بينه وبين المجاز المشهور. واما الأخير فينفي المجاز المشهور أيضا.
ومرجع أصالة الحقيقة إلى كون المتكلم والسامع عرفيين، فيجريان على القاعدة العامة للغة، وهي تعين الاستعمال الحقيقي ما لم تقم قرينة على المجاز. ولا يستعمل المجاز بدون قرينة. فانه خطأ كما سبق خلافا للسيد الأستاذ حيث أجازه إذا أراد المتكلم الإجمال والإهمال.
اما الصغرى بالنسبة إلى السامع فتتعين وجدانا، ففهم المعنى الحقيقي يكون بالتبادر أو الاقتران. وفهم عدم القرينة يكون بالوجدان. والمفروض ان السامع يعلم ان هذا الاقتران الموجود لديه عام وليس خاصا بهذا المورد أو
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بحصة محتملة أو نحو ذلك، لا لدلالة الخاص على العام ليقال بأنه لا يدل عليه وليس وجها من وجوهه. بل لأمور منها:
الأمر الأول: علّية العام للخاص. فلو لم يكن الاقتران العام موجودا لم يحصل هذا الاقتران الخاص. فيدل عليه إنّاً.
الأمر الثاني: جزئية الخاص للعام. فان الخاص كأنه جزء من العام عرفا وعقلائيا وان سميناه جزئيا في المنطق. والجزء متصف بصفات الكل عادة. وهي هنا حقيقية الاستعمال.
الأمر الثالث: مصداقية الخاص للعام بصفته كليا. كما قيل في المنطق.
الأمر الرابع: احتواء الخاص على العام، كما قيل في الفلسفة. فان الخاص محتوٍ على العام مع زيادة مميزات شخصية.
فان قيل: ان هذا الكلام قالوه في الكليات الماهوية مع مصاديقها الواقعية، ولا تنطبق على الكليات الانتزاعية والاعتبارية.
قلنا: ان المورد مصداق حقيقي لماهية واقعية لا اعتبارية. وذلك اننا إذا لاحظنا الوضع كان اعتبارا، إلا ان الاستعمال ليس مصداقا للوضع بهذا المعنى، وان كان معلولا له. وان لاحظنا المعنى الموضوع له أمكن كونه ماهية حقيقية بكون المعنى المستعمل فيه مصداقا منها.
هذا، إذا كان أصل النقل والاشتراك غير معلومي الوقوع. اما إذا كان ذلك معلوما إجمالا في أحد الأزمنة، إلا انه لا يعلم بثبوته حين الاستعمال. فهل يمكن ان ينفى النقل أو الاشتراك بأصل إلى حين الاستعمال مطلقا، أو في ما إذا كان الاستعمال معلوم التأريخ أو إذا لم يكن الآخر معلوم التأريخ؟ وجوه.
ــــــ[121]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمراد بالأصل هنا اما الأصل الشرعي وهو الاستصحاب واما الأصل العقلائي وهو بناؤهم على عدم الوضع الجديد كما يأتي. والاستصحاب اما ان يكون اعتياديا مستقيما، واما ان يكون قهقريا عكسيا، إذا قلنا بحجيته.
والاستصحاب بكلا قسميه قابل للمناقشة من وجوه:
أولاً: انه استصحاب تعليقي، كما قال السيد الأستاذ, من حيث انه راجع إلى انه إذا استعمل لفظ كذا في معنى كذا كان استعمالا حقيقيا أي بالوضع الأول. أو إذا استعمله بالمعنى الحقيقي قصد كذا أو تبادر كذا. والاستصحاب التعليقي ليس بحجة.
إلا ان هذا الوجه لا يتم, لأننا إذا لا حظنا الاقتران والتبادر الشخصي، كان له وجه. واما لو لاحظنا الاقتران النوعي أو الواقعي بين اللفظ والمعنى، وهو لا يحتاج إلى علّية الالتفات. إذن لا يكون الاستصحاب تعليقيا متوقفا على الالتفات الناتج عن الاستعمال, بل المستصحَب موجود ثبوتا, فيكفي ذلك في حجية استصحابه من هذه الناحية.
ثانياً: ان هذا الاستصحاب مثبت. وذلك لعدة وجوه:
1 ً- انه استصحاب لعلة الظهور لا الظهور نفسه. فيكون من إثبات المعلول باستصحاب العلة. وهو أظهر أنحاء الأصل المثبت.
2 ً- انه استصحاب لبعض علله السابقة, وليس لعلته المباشرة. فان الوضع ليس هو العلة المباشرة للظهور. فيكون إثبات العلل المتأخرة بهذا الاستصحاب فضلا عن الظهور، مثبتاً.
3 ً- ما قاله السيد الأستاذ من ان موضوع الحجية هو الظهور التصديقي
ــــــ[122]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لا التصوري. والمستصحَب هو الظهور التصوري لا التصديقي. وترتب الظهور التصديقي على التصوري ليس شرعيا، فيكون مثبتاً.
إلا ان هذا قابل للمناقشة:
أولاً: لان موضوع الحجية هو الظهور أو جامع الظهور الأعم من التصديقي والتصوري. فان أيّاً منهما هو حجة في بابه عقلائيا.
ثانياً: انه ماذا يريد بالظهور التصديقي. فان المحتمل في ذلك أمران:
الأمر الأول: الدلالة التصديقية، أي الظهور المراد للمتكلم.
الأمر الثاني: ظهور الجملة التصديقية. كقضية منطقية.
اما الأمر الأول فقد نفيناه، وقلنا في محله بعدم دخل الإرادة في الدلالة. والمفروض على أية حال صدق الدلالة وجودها.
واما الأمر الثاني فلا نحتاجه لأنه يكفينا في هذه المرحلة من التفكير, إثبات الظهور التصوري, ولا حاجة إلى إثبات الظهور التصديقي بالاستصحاب. بل التصديقي بهذا المعنى يثبت بالوجدان، وينقح موضوعه بالاستصحاب وهو الظهور التصوري. ويكون الظهور التصديقي واردا على ظهور تصوري حجة. وليس في نفسه من لوازمه ليكون إثباته به مثبتاً.
هذا مضافا إلى إمكان المناقشة في أمور ذكرناها في العنوان، قبل قليل. وليس هذا محل بحثها كحجية الاستصحاب القهقرائي، بعد الفراغ عن حجية الاستصحاب العادي. وكذلك الحال في الكلام عن حجية الاستصحاب في صور عدم معلومية تأريخ أحدهما أو كلاهما. إلا اننا نشير إلى ذلك إجمالا. فان له صورا ثلاثة:
ــــــ[123]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الصورة الأولى: ان يكون الاستعمال معلوم التأريخ والنقل أو الاشتراك مجهولا. فاستصحاب عدمها إلى حين الاستعمال، لا يثبت كون الظهور هو بالمعنى السابق إلا بالأصل المثبت. إلا إذا رجع الأمر إلى أمارة عقلائية تثبت عدم الوضع الثاني.
الصورة الثانية: ان يكون النقل أو الاشتراك معلوم التأريخ والاستعمال مجهولا. فاستصحاب عدم الاستعمال إلى حين النقل لا يثبت الاستعمال بالوضع الثاني إلا بالأصل المثبت.
فان قيل: انه يمكن تنقيح صغرى الظهور بضمّ الوجدان إلى الأصل, كوجدانية عدم الاستعمال بالوضع الأول، مع هذا الاستصحاب. قلنا: انه يتم لو لم نحتج إلى الاتصاف, واما لو احتجناه لم يثبت إلا بالملازمة.
الصورة الثالثة: ما إذا كانا معا مجهولي التأريخ. فهنا وجوه:
الوجه الأول: انه يتعارض الاستصحابان ويتساقطا ولا يتنقح موضوع الظهور.
الوجه الثاني: المنع عن جريانهما معا لنفي المقتضي لا لوجود المانع. لعدم وجود أثر شرعي لهما.
الوجه الثالث: انه يجري ما له أثر شرعي منهما دون الآخر إلى زمن القدر المتيقن لوجود الآخر.
واما الأصل العقلائي: فقد قال عنه السيد الأستاذ: بان مرجعه إلى التطابق بين ذهن الفرد وذهن العرف.
وقد يقال: ان هذا التطابق ان كان محرزا في زمن واحد. فانه لا معنى
ــــــ[124]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
للبناء عليه بلحاظ الزمن المتقدم، باعتبار احتمال الإنثلام.
ويجاب: ان الأمر ليس كذلك لان العرف يرى ثبات اللغة وعدم تغيرها وتحركها، وعدم الفرق بين زماننا وزمانها في الفهم اللغوي، الأمر الذي ينتج إذعانه بعدم النقل إلى حين الاستعمال, سواء كان الاستعمال معلوم التأريخ أو مجهولا.
ولا يقال: ان العرف وان لم يكن يرى التغيّر إلا انه يرى المتغير. ومعه يصدق انه يلتفت إلى حركة اللغة، ومعه قد يشك في ثباتها في هذا المورد.
وجواب ذلك: ان العرف بطبعه يرى الثبات وإن لم يلتفت أحيانا إلى التغيّر، ولو من باب (ما من عام إلا وقد خصّ) وهي أحيان قليلة. إذن، يثبت انه يبني على ثبات اللغة إلى حين الاستعمال. وهذا البناء أمارة تثبت بها لوازمها العقلية والعادية، فيثبت ان الاستعمال كان بالمعنى الحقيقي الأول.
إلا ان ذلك لا يكون إلا بعد ضمّ أصالة عدم القرينة وأصالة الحقيقة, لان عدم النقل لا يلازم عدم الاستعمال في المجاز. وأصالة الحقيقة ليست تعبدية شرعية، وإلا كانت مثبتة. ولا تعبدية عقلائية، لان السيرة العقلائية خالية من التعبد بهذا المعنى. ولا عقلائية نوعية لأنها منخرمة باستعمالات المجاز. فإنها أيضا عقلائية نوعية.
وإنما أصالة الحقيقة معروفة بعدم وجود القرينة وفي طوله، فإذا لم يحتج المجاز إلى قرينة كالمجاز المشهور لم تنف أصالة الحقيقة إلا بدالّ آخر، وهو ما قد يحصل به العلم أو الاطمئنان ولو غفلة أو عادة من ناحية عقلائية.
ــــــ[125]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مبحث الحقيقة الشرعية
والكلام تارة في ثبوتها وأخرى في ثمرتها:
اما الكلام في ثبوتها يعني ثبوت وضع ألفاظ العبادات من قبل النبي بنحو من الأنحاء، أو في عصره . فهي تتوقف على عدة أمور:
الأمر الأول : ان لا تكون ألفاظ العبادات موضوعة في الأديان السابقة على الإسلام لنفس المعاني أو ما يعمّها.
الأمر الثاني : ان لا تكون موضوعة في الجاهلية العربية قبل الإسلام.
الأمر الثالث : ثبوت الوضع في زمن النبي بأحد أشكال:
الأول : تصدّيه للوضع صريحا.
الثاني : تصدّيه للوضع بالاستعمال.
الثالث : الوضع التعيني بالاستعمالات في كلامه خاصة.
الرابع : الوضع التعيني بالاستعمالات في المجتمع المعاصر له.
فان ثبت شيء من ذلك ثبتت الحقيقة الشرعية، وإلا انتفت.
ويقع الكلام في هذا الصدد ضمن عدة أمور:
الأمر الأول : في وضع الألفاظ في الأديان السابقة. كما هو ظاهر القرآن
ــــــ[126]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكريم. كما في قوله تعالى: وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وقوله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ فإذا ثبت الوضع بهذا النحو انتفت الحقيقة الشرعية.
ويمكن ان يجاب بعدة أجوبة :
أولاً : ما ذكره الأستاذ المحقق من ان لغتهم لم تكن عربية بل كانت سريانية وعبرية. وإنما هذا الموجود في القرآن الكريم إنما هو ترجمة لكلامهم وليس عينه. والكلام ليس في تحديد المعنى بل في جعل اللفظ ووضعه.
وجواب ذلك : اننا لا نتحدث عن نفس الأنبياء السابقين على الإسلام, بل يمكن نقل الكلام منهم إلى أتباعهم من العرب من اليهود والمسيحيين وأضرابهم الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية, فلو ثبت استعمالهم بنحو الحقيقة كفى ذلك.
إلا ان استعمالهم لا يمكن إثباته بصفتهم أتباع لأديانهم, بل بصفتهم جزء للمجتمع المعاصر لهم. فيعود الأمر إلى الأمر الثاني وهو الوضع في الجاهلية.
فان قلت : ان إبراهيم عليه السلام هو الذي وضع هذه الألفاظ لأنه ورد عنه في القرآن أمور كثيرة كقوله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ. إذن، فوضعُ لفظ الإسلام مستند إليه. وقوله تعالى: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، إلى غير ذلك.
جوابه : ان إبراهيم من الأكيد انه لم يكن عربيا, بل اصبح ابنه إسماعيل عربيا بعد هجرته إلى مكة المكرمة. وعلى تقديره فليست عربيته كاللغة المتأخرة, وإنما هي عربية قديمة بألفاظ غير مفهومة فعلا. فلا تندرج فيها الألفاظ المتعارفة للعبادات, ولا اقل من إحتمال ذلك، فيبطل الاستدلال.
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانيا : انه لم يثبت ان المعاني المقصودة من الصلاة والزكاة في هذه الآيات هي العبادة الإسلامية. فلعل المقصود منها هو المعنى اللغوي أو المعنى المعنوي. ولا يتعين المعنى المتشرعي حتى لو ثبتت الحقيقة الشرعية, لاحتمال استعماله مجازا من كلام السابقين, أو في حصة من الجامع الموضوع له فيما سبق.
ثالثا : انه لم يثبت وجود هذه التشريعات والعبادات عندهم.
فان قلت : نعم انها كانت ثابتة ولكن بأجزاء وشرائط أخرى, كما هو الحال في الصيام.
قلنا : أولاً : ان هذا في غير الصيام لم يثبت, لعدم حصول المقارنة في غيره. ومجرد تسمية عمل ما انه صلاة مثلا, لا يقتضي عدم التباين بينه وبين المفهوم الإسلامي أو المتشرعي لها.
ثانيا : ان التشابه الإجمالي لو سلم, فمقداره غير معلوم, لاحتمال الاختلاف في الحقيقة العرفية والماهية. ومعه يكون اللفظ الموضوع للماهية السابقة مستعملا مجازا في الماهية اللاحقة. وهو معنى نفى الوضع السابق للحقائق المتشرعية.
اللهم إلا ان نتصور جامعا بين العبادتين, على غرار الجامع الصحيحي، الذي قال عنه المحقق الخراساني، انه ليس له اسم في اللغة وإنما نعرفه من آثاره ونتائجه، ليكون هو الموضوع له. بحيث يكون الاختلاف مصداقيا لا مفهوميا. وهذا غير ممكن للجهل بعباداتهم الأصلية, وما هو الموجود منها فعلا مُحرّف جزما ولا يدل على ماهية الأمر السابق أكيدا.
الأمر الثاني : في إحتمال وضع ألفاظ العبادات في زمن الجاهلية العربية
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
السابقة مباشرة على الإسلام, للمعاني العبادية. وهذا قد يكون بمعنى وضعها لغة, وقد يكون بمعنى وضعها عند متشرعة ذلك الزمان كالذين يدينون بدين الحنيفية.
فان قصدنا كونها موضوعة مع التفاصيل والشرائط الإسلامية فهو غير محتمل لتأخرها عنها. وان قصدنا كونها بتفاصيل وشرائط الأديان السابقة فهو أمر مجهول الحال تماما, لكون العبادات عندهم محرفة.
وان قصدنا وضعها لجامع بسيط (يعني قليل التفاصيل) قابل للانطباق على سائر الحصص، فهذا أمر محتمل بل موضع الاطمئنان. وتكون سائر التفاصيل بمنزلة التقييد له. بحيث اما ان تدخل في حقيقيته أو لا. يعني كونها شرطا للمعنى الموضوع له أو لا.
لا يقال : اننا نفينا ذلك بالنسبة إلى الأديان المتقدمة.
فانه يقال: نعم، لأنها ذات تفاصيل مجهولة تماما، بخلاف المجتمع الجاهلي. فانه ليس فيه تفاصيل معقدة، بل فيه (حصص) بسيطة، كقصد البيت للحج والإمساك مع النية للصوم والدعاء مع الحركة كرفع اليد أو السجود للصلاة. ومعه لا مانع من القول بوضع ألفاظ العبادات بهذا النحو، فلا تتم الحقيقية الشرعية.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى عدة أمور:
أولاً : ان ما قلناه في السابقين من أديان أو جاهلية لا يختلف فيه الوضع التعييني والتعيني، وإنما نريد به الأعم منهما، أو نتيجتهما، وان كان الأول أوفق بالأول، والثاني بالثاني.
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانيا : إحتمال وجود الوضع اللغوي السابق، بشكل مباين للمعنى الديني أو الشرعي بل بشكل يناسب معه.
وذلك بعد الالتفات إلى أمور منها:
1 – باعتبار كون الدين قديما وراسخا في الأذهان، بحيث لابد ان تأخذه اللغات وواضعوها بنظر الاعتبار. وخاصة إذا قلنا ان الواضع هو الله سبحانه، لأنه أصل اللغة والدين معا.
2 – لان هذا الوضع في اللغة ليس لأمر مباين مع المعنى الديني ولو صدفة. وإنما هو أمر قابل للانطباق عليه بنحو من أنحاء الاشتراك المعنوي، كالذي قلناه في الوضع الجاهلي، بل هو بعينه، مع فارق واحد وهو ان الوضع اللغوي تعييني على الفرض، والوضع الجاهلي (المتشرعي) اجتماعي أو تعيني. ومعه تنسد الحاجة إلى الحقيقة الشرعية، بل تكون سالبة بانتفاء الموضوع.
وأحد هذين الأمرين يحصل الاطمئنان بصحته. ولذا جاءت الآيات الكريمات (أقيموا الصلاة) و (فليصُمْه) مناسبة لفهم المجتمع تماما يومئذ، وليست نشازا، ولم يسأل أحد عن معناها ولا احتمل مجازيتها.
ومن غير المناسب مع فهم المجتمع ان يكون الوضع من قبل النبي بصراحة أو ضمنيا، بحيث يفهم المجتمع تحقق الوضع بعنوانه، لأنهم لم يكونوا يعلمون ما هو الوضع أصلاً.
نعم، لو تنزلنا عن ذلك، أمكن الوضع بالاستعمال. بحيث لا يفهم المجتمع يومئذ انه من قبيل الوضع الذي لا يفهمه. لو لم نقل باستحالة الوضع بالاستعمال، على تفصيل يأتي.
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وفهم المجتمع للآيات الكريمة على وجه الحقيقة، يدل على انها ألفاظ موضوع لها. ولكن حيث انها غير موضوع لها بكل التفاصيل جزما. إذن فالموضوع له جامع بسيط يمكن انطباقه على العبادة. غاية الامر ان الإسلام أزادَ في أجزائه وشرائطه. ويكون الانطباق الحقيقي بنحو الاشتراك المعنوي على جميع الحصص (أعني الجاهلية واللغوية والأديان السابقة والدين الإسلامي) متعينا، بغض النظر عن الحقيقة الشرعية.
ويتحصل من عبارة الكفاية نحو إشكال على هذا الجامع. لأنه نفى العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، وأستنتج منه منع المجاز لعدم العلاقة. ونفى ان تكون علاقة الجزء والكل فيه لقلّة وجود الدعاء خلال الصلاة.
وجوابه : أولاً : اننا ننكر ان الصلاة الدعاء فقط لغة، بل هي الدعاء والتبريك والتحميد، كما في مفردات الراغب.
ثانيا : انه يمكن القول ان الصلاة كلها مصداق للدعاء اما جعلي أو حقيقي أو معنوي.
ثالثا : ان علاقة الجزء والكل ثابتة مجازا. اما لأنه لا ضرورة إلى الكثرة في صحة المجاز، واما لتعميم معنى الدعاء إلى مطلق الذكر والقرآن ولو مجازا. فيكون من قبيل سبك المجاز في المجاز وهو استعمال صحيح وليس غلطا.
رابعاً : ان الإشكال لو سلمناه فهو خاص بالصلاة، ولا يشمل الصوم والحج والزكاة. ولم يذكرها في الكفاية تهرّبا منها على ما يبدو.
إذن، فالوضع قبل الإسلام كان موجودا في الجاهلية المتأخرة للجامع البسيط أو القليل، ومعه ينسد باب الحقيقة الشرعية إلا ان النتيجة واحدة وهي
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حمل الآيات والروايات النبوية على المعاني الشرعية لأنها حصلت في مجتمع يفهم ذلك.
نعم، لا نفهم من ذلك إلا الجامع البسيط، وتحتاج التفاصيل إلى أدلة مقيدة. ولا حاجة إلى اكثر من ذلك مادمنا لم نفهم معنى مباينا للمعنى السابق، ومادام المعنى الشرعي والمتشرعي مصداقا حقيقيا للجامع اللغوي الماهوي(1) الموضوع له.
نعم قد يقال انه بعد ذلك أصبح الوضع التعيني المتشرعي للتفاصيل. وهذا معناه انها أصبحت دخيلة في الوضع.
وجواب ذلك : أولاً : اننا يمكن ان ننكر دخول التفاصيل في الوضع المتشرعي، وإنما هو فهم ناتج من العادة لا اكثر.
ثانيا : ان معنى التفاصيل غير محدد، بل هو مقول بالتشكيك، ولازالت الصلاة محل تقييد وجودا وعدما، تقييدا بعد تقييد. لا ان التقييدات المتأخرة دخيلة في الوضع اللغوي أو الشرعي أو المتشرعي.
ولكن مجاراة لبحوث الأصوليين لابد من التنزل عن الوضع اللغوي. ليكون هناك مجال للبحث عن الحقيقة الشرعية. يعني افتراض ان اللفظ لم يوضع للمعنى اللغوي المدعى للأصوليين، فهل تم وضعه في عصر النبي .
فان لم يتم وضعه في عصره فلابد من حمل الألفاظ على المعنى اللغوي إلى نهاية عصره. وإلا فعلى المعنى الشرعي.
إلا ان هذا ليس بصحيح, لان الأقرب من وجوه الحقيقة الشرعية. كما
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
سنشير هو الوضع التعيني الاجتماعي في عصره . وهو لم يتم إلا في آخر عصر الرسالة، فلابد من حمل ما صدر قبله على المعنى اللغوي.
واما إذا فرض الوضع الجعلي في عصره أو من قِبَله كان شبهة مصداقية للتقدم على الوضع أو التأخر عنه. فتكون العبارة مجملة، أو يكون مقتضى القاعدة حملها على المعنى اللغوي لأنه القدر المتيقن. هذا فضلا عما إذا أنكرنا ثبوت الوضع اللغوي والشرعي معا، أو أنكرنا الوضع اللغوي -ولو تنزلا- لينفتح لنا باب البحث في الحقيقة الشرعية.
وعلى أي حال فالوضع في عصره يكون على عدة احتمالات :
الاحتمال الأول : وضعه بنفسه بنحو الجعل الابتدائي. ويرد عليه:
أولاً : ما قاله الأستاذ المحقق من انه لو كان ذلك لنقل إلينا ولو بخبر ضعيف، ولم ينقل ولو بخبر ضعيف. مع ان الدواعي إلى نقله كثيرة، لأنه مما تتوقف عليه عبادات المسلمين. وليس مثل أمر الخلافة التي تكون الدواعي إلى إخفائها كثيرة.
ثانيا : انه لا يناسب المجتمع وتكليم الناس على قدر عقولهم.
فان قلت: له ان يبين الوضع بعبارة عرفية. قلنا : هذا غير ما يفهمه الأصوليون من معنى الوضع.
ثالثا : انه ليس له حق التصدي للوضع كشارع، فان الوضع أسلوب لغوي لا شرعي. وليس أسلوبه وديدنه أسلوبا لغويا ليتصدى للوضع، مع ان مشهور الأصوليين تصوروا تصديه للوضع بصفته شارعاً وهو خطأ.
الاحتمال الثاني : الوضع التعيني في كلامه واستعمالاته .
ــــــ[133]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويرد عليه: مضافا إلى ما قلناه من الشك في التقدم والتأخر. فيكون من قبيل الشبهة المصداقية للمعنى المطلوب. اننا لا نحرز الوضع إلا في الزمن المتأخر من حياته. وهو خلاف مقصود المشهور. لان أغلب القرآن الكريم يكون قد نزل قبل ذلك. فلا يمكن حمله على المعنى الحقيقي.
الاحتمال الثالث : وضع غيره بنحو الوضع التعييني. وهو اسوء الاحتمالات. ولم يحتمله أحد فضلا عن القول به.
الاحتمال الرابع : وضع القرآن الكريم لألفاظ العبادات. ونحن لا نجد وضعا تعيينا جعليا فيه. فغايته: اما الوضع التعيني من كثرة الاستعمال أو الوضع بنحو الاستعمال.
اما الأول فلإمكان إنكار كثرة ورود هذه الألفاظ في القرآن الكريم بحيث تؤدي إلى نتيجة الوضع التعيني وارتفاع حكم المجاز. واما الثاني فسيأتي ما فيه من الإشكالات.
الاحتمال الخامس : الوضع التعيني في مجتمعه الناشئ من كثرة مجموع الاستعمالات من قِبَله ومن قِبل أصحابه خلال عصره .
وهذا أحسن الوجوه منطقيّة. إلا انه لا ينتج نتيجته إلا في زمن متأخر، مما يوجب مع يقين التقدم أو الشك فيه الحمل على المعنى اللغوي.
الاحتمال السادس : الوضع من قِبله على نحو الاستعمال، ويراد به النطق باللفظ بفرضين. أحدهما: استعماله في المعنى المطلوب كما في لفظ آخر. وثانيهما : الوضع لنفس المعنى المستعمل فيه اللفظ. ومن هنا سمّي الوضع بالاستعمال.
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وما قيل أو يمكن ان يقال في الإشكال عليه عدة وجوه :
الإشكال الأول : ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من انه لا يكون استعمالا حقيقيا ولا مجازيا. اما انه ليس استعمالا حقيقيا فلأن الاستعمال الحقيقي هو الاستعمال فيما وضع له اللفظ. وهذا لم يوضع له في المرتبة السابقة على هذا الاستعمال.
واما انه ليس مجازيا، فلان المجاز يكون مع العلقة بين المعنى المجازي والحقيقي، فإذا كان المعنى الحقيقي غير موجود، لم تكن العلقة معه موجودة، فلا يصح المجاز.
وما أجيبَ به أو يمكن ان يجاب عدة وجوه :
الوجه الأول : ما ذكره المحقق الخراساني نفسه، من ان مجرد الاستحسان في الاستعمال يكفي. وقد ثبت في الاستعمالات الصحيحة ما ليس حقيقة ولا مجازا، كاستعمال اللفظ وإرادة نوعه أو مثله.
الوجه الثاني : ما أجاب به الأستاذ المحقق : من ان الوضع دائما يكون متقدما على الاستعمال، على جميع المسالك في تفسير الوضع. إذن يكون استعمالا في المعنى الموضوع له.
وهذا غريب غايته: لوضوح ان مفروض هذا الوجه كون الوضع مسببا عن الاستعمال ومتأخرا عنه رتبة. ففرضه متقدما عليه من اجتماع النقيضين.
فان قلت : ان الاستعمال يكشف عن الوضع السابق. قلنا: انه على تقدير تسليمه فليس له مبرز، وهذا الاستعمال ليس مبرزا له، لأنه في طوله.
فان قلت : انه يكون استعمالا في المعنى الموضوع له إنّاً.
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا : هذا قد يصح فيما إذا كان الوضع والاستعمال متحدين رتبة أو كان الوضع اسبق. وقد عرفنا تقدم الاستعمال رتبة على الوضع، فلا يتم ولا يكفي الاتحاد في الزمان، كما زعم.
والصحيح : ان تصور المشهور هو وضع لفظ مهمل للعبادات لم يسبق له الوضع. في حين ان الامر ليس كذلك. فان له وضعا لغويا سابقا، فيستعمله الشارع بما له من المعنى ويريد به التسبيب إلى الوضع الجديد. واما مع عدم وضعه السابق لأي معنى, وانسلاخه عن المعنى بالمرة، فانه يتعذر فهمه لا محالة. ولا يكون عرفيا ولا عقلائيا.
الوجه الثالث : ما ذكره السيد الأستاذ من ان الاستعمال على قسمين: تفهيمي وغير تفهيمي، أي لمجرد الإعلام بالوضع. فان أريد الوضع بالاستعمال التفهيمي لزم الإشكال، إذ لابد من علاقات المجاز وبدونه لا يكون الاستعمال مفهوما. بل يلزم الدور لتوقف الوضع على الاستعمال التفهيمي، وتوقف الاستعمال التفهيمي على الوضع.
قال: ولكننا لا نريد إيجاد الوضع بالاستعمال التفهيمي، بل بالاستعمال الإعلامي بالوضع. ولا يتوقف الوضع على التفهيم. بل هو إيجاد الوضع بإيجاد اللفظ. واستعمالية الاستعمال غير متوقفة على الفهم. ولذا يمكن إيجاد الاستعمالات الغلط، كما لو قال الفرد : ماء وأراد الحجارة. إلا انه استعمال مستهجن.
والاستعمال غير التفهيمي لا يجب ان يكون مستندا إلى الوضع حقيقة، ولا إلى العلاقة مجازا. لأنه لم يقصد به التفهيم بل الوضع. غاية الامر انه استعمال مستهجن، وهنا ليس بمستهجن، لان الوضع هنا عقلائي. إذن فإيجاد
ــــــ[136]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوضع بالاستعمال أمر معقول.
ويمكن ان يجاب بعدة وجه :
أولاً : ما قلناه من ان اللفظ ليس مهملا قبل الإسلام، بل هو موضوع للعبادات, وإنما هذا الوجه مبني على المشهور، وقد ناقشناه.
ثانيا : ان الاستعمال التفهيمي والإعلامي هل يقترنان أو ينفصلان، فان اقترنا لزم وجود استعمالين عرفيين للفظ واحد وهو محال. ووحدة المعلول تدل على وحدة العلة، بمعنى ان وحدة المعنى المستعمل فيه تدل على وحدة الاستعمال.
وان انفرد الاستعمال التفهيمي فقد اعترف قدس سره باستحالته. وان انفرد الاستعمال الإعلامي كان مستهجنا، لأنه استعمال للفظ مهمل قبلا. وليس هذا مقصودا للأصوليين أصلا. لأنهم قالوا: انه يقول : أقيموا الصلاة ويقصد الوضع. ومعناه وجود كلا الاستعمالين.
ثالثا : ان هذا لا يكون استعمالا، فان الاستعمال معناه إيجاد اللفظ وإرادة المعنى وليس إيجاد اللفظ فقط. وعلّيته للوضع ليس من قبيل المعنى كما هو معلوم، بل هو كالسبب التكويني له. وبتعبير آخر: ان المعنى المستعمل فيه في الألفاظ الاعتيادية ثابت في المرتبة السابقة على الاستعمال، وهنا يكون ثابتا في الرتبة اللاحقة له، فلا يكون استعمالا.
فان قلت : إذن، لم يلزم اجتماع استعمالين. قلنا : نعم، إلا اننا قلنا ذلك في الوجه السابق بناء على ذوقه ومسلكه.
مضافا إلى ان المشهور لم يقصد اكثر من ذلك حين أشكل عليه بعدم
ــــــ[137]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إمكان الاستعمال في المتأخر رتبة وان اتحد زمانا.
نعم، بهذا اندفع إشكال الشيخ الآخوند في الحقيقة والمجاز. لان إيجاد اللفظ تكوينا ليس لابد من كونه اما حقيقة أو مجاز، غير ان هذا لا يكفي مع وجود إشكال آخر عليه.
الإشكال الثاني : على الوضع بالاستعمال.
ما ذكره المحقق النائيني من لزوم الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي. لان الاستعمال حقيقة إفناء اللفظ في المعنى بحيث تكون الألفاظ مغفولا عنها ومنظورا إليها نظرا آليا. والوضع يقتضي النظر إليها استقلالا. فالجمع بين الوضع والاستعمال بإيجاد اللفظ يلازم الجمع بين اللحاظين وهو محال.
وما أجيبَ أو يمكن ان يجاب عليه عدة وجوه:
الوجه الأول : ما ذكره الأستاذ المحقق على مبناه في التعهد من ان اندفاع الإشكال يكون واضحا. إذ لا فرق بين إبراز التعهد بين ان يقول: وضعت: أو ان يكون المبرز هو نفس الاستعمال الدال عليه بالالتزام بمعونة القرينة.
وهذا غريب منه : لان المراد بالإمكان ليس وجوده مطلقا بل مقيدا في حدود التصور. فيرد عليه :
أولاً : ان الدلالة بالالتزام غير مقصودة للأصوليين، بل مرادهم المطابقة أو التضمن الذي هو من ضمن المطابقة. وهو الذي برهنوا على استحالته. مضافا إلى ان الاستعمال ليس له مثل هذه الدلالة الالتزامية على الوضع.
ثانيا : ان المفروض عدم القرينة، وإلا كان من تعدد الدال والمدلول ولا إشكال في إمكانه.
ــــــ[138]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه الثاني : ما ذكره أيضا بناء على ان الوضع أمر نفساني مبرز باللفظ. بقوله: فلأن اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى مقدم على الاستعمال بالضرورة. وان كان المبرز لذلك نفس الاستعمال مع نصب قرينة على ذلك.
وهذا أيضا غريب منه، لأكثر من إيراد:
أولاً: لعدم افتراض وجود القرينة، وإلا أمكن ذلك على كل المسالك، لتعدد الدال والمدلول.
ثانيا : انه اعترف ان الاقتران أو الملازمة بين اللفظ والمعنى سابقة بالضرورة على الاستعمال في الرتبة. أقول : في حين اننا نريد جعلها معلولة للاستعمال، فيلزم ان يتأخر الوضع عن نفسه برتبتين.
ثالثا : انه على مسلك الوضع النفساني، هل ان هذه الملازمة بين اللفظ والمعنى نفسية فقط، أو مبينة باللفظ.
لا سبيل إلى الثاني، قبل الاستعمال على الفرض. واما الأول، فمن الواضح انه يكفي في الوضع ان تكون جهة نفسية غير مبرزة. إذن، فالملازمة اللازمة بالضرورة قبل الاستعمال باعترافه غير موجودة قبل الاستعمال في محل الكلام.
رابعاً : ان هذا ان سلمناه، فهو صادق في الألفاظ المهملة، لا في العبادات التي كانت شائعة ومستعملة، ويراد وضعها ثانيا لمعاني جديدة، لدى مفروض المشهور.
خامساً : ان جوابه هذا لا يصلح ان يكون جوابا على الإشكال، لان المهم في الإشكال هو استحالة الاستعمال باللحاظين، ولم يؤد الجواب إلى ما يكون
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
دليلا على إمكانه إطلاقا، بل كأنه أخذه مسلم الإمكان.
الوجه الثالث : ما ذكره الأستاذ المحقق أيضا: من إنكار الكبرى ولزوم ان تكون الألفاظ فانية في المعاني. قال: ومن هنا يلتفت المتكلم إليها كما يلتفت إلى المعاني. فكلاهما ملحوظ استقلالا.
إلا ان هذا وحده لا يكفي للجواب، لان الوضع بالاستعمال، يحتاج وحده إلى لحاظ استقلالي للفظ بصفته عملية إنشائية مستقلة. فيلزم الجمع بين لحاظين استقلاليين في اللفظ. أو قل : يلزم استخدام اللفظ الواحد لمعنيين : أحدهما : معناه الأصلي. ثانيهما: استخدامه للوضع وهذا محال، لاستحالة اللحاظين في مرتبة واحدة.
فان قلت : انهما ليسا في مرتبة واحدة لتقدم الوضع على الاستعمال أو تأخره عنه على الاختلاف السابق.
قلنا: هذا يرفع الاستحالة العقلية لا العرفية. وبتعبير آخر: انه هناك لحاظ استقلالي واحد جزما عرفا، ينتج أمرا واحدا، هو اما الاستعمال في المعنى أو الاستعمال في الوضع، ولا يمكن الجمع بينهما، على ان هذا الاستعمال خارج عن الطريقة العرفية فلا يحمل عليها اللفظ.
هذا، مضافا إلى كون الاستعمالين في رتبة واحدة، بناء على الكلام السابق منه.
فان قلت : ان الواضع هو النبي وهو أدق الناس نظرا.
قلنا : نعم : إلا انه خاطبنا بصفته عرفيا وبصفتنا عرفيين، فلا يمكنه ان يتخذ طريقا خارجا عن المألوف عرفا.
ــــــ[140]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمحذور في الجمع بين لحاظين استقلاليين من جهتين :
الجهة الأولى : من جهة اللاحظ، وهو ان النفس يستحيل ان تتوجه إلى أمرين مستقلين توجهين استقلاليين في نفس الوقت. كما قال سبحانه مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ أي التفاتين وإحساسين.
الجهة الثانية : من جهة الملحوظ، من حيث ان الملحوظ الواحد الشخصي لا يتعلق به في نفس الوقت إلا لحاظ واحد شخصي, ويستحيل ان يتعدد.
اما بدليل ذوقي هو ان المعلوم عين العلم والعلم غير المعلوم، إذن، فالملحوظ عين اللحاظ، فإذا تعدد اللحاظ تعدد الملحوظ.
واما بدليل أصولي باعتبار ان اللحاظ بمنزلة المحمول والملحوظ موضوعه. ويستحيل ان يكون شيء ما موضوعا لمحمولين في نفس الوقت.
فان قلت : انه واقع، والوقوع دليل الإمكان، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. قلنا : هذا بتقدير تكرار العامل أو العطف.
وأجاب السيد الأستاذ على هذا الإشكال في الجمع بين اللحاظين على مسالك ثلاثة في الوضع :
أولاً : بناء على مسلك الأستاذ المحقق، فان الوضع في عالم النفس والاستعمال في عالم اللفظ، فلم يجتمعا في عالم واحد، فلا محذور.
أقول : وهذا غريب : لما قلناه : من ان ما في عالم النفس وحده لا يكفي، إلا ان يكون له مبرز، وليس هناك مبرز إلا الاستعمال فيعود الإشكال.
ثانيا : على مسلك المشهور في الوضع. قال : ان هناك استعمالين طوليين
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رتبة، والمستعمل فيه الأول هو المعنى، والمستعمل فيه الثاني أمر تصديقي هو العلاقة الوضعية. والمستعمل في الأول هو ذات اللفظ وفي الثاني هو عملية الاستعمال، يعني استعمال الاستعمال وهو أمر تصديقي.
ومنه يظهر ان الاستعمال في الأول آلي وفي الثاني استقلالي ولا محذور.
وينبغي التسالم بعد كل ما عرفناه ان هذا خلاف الظاهر، بعد فرض عدم القرينة حتى لو كان ممكنا. مضافا إلى عدم إمكانه لأكثر من وجه:
أولاً : لان الاستعمالين الطوليين يحتاجان إلى قصدين طوليين، على ان ينطبق القصدان على فعلين لا على فعل واحد، والمفروض ان الفعل هنا واحد، وهو النطق باللفظ فقط.
ثانيا : انه يعترف ضمنا ان اللحاظ الاستقلالي لم يتعلق باللفظ بل بالاستعمال. فيخرج عن محل الكلام، لان إشكال المحقق النائيني إنما هو على تعلقه باللفظ.
ثالثا : بناء على مسلكه من الوضع التكويني. قال : انه لا يحتاج إلى لحاظ اللفظ ولا المعنى استقلالا، بل يحصل من دون التفات إلى اللفظ والمعنى أصلاً. ولذا قد يحصل القرن بين اللفظ والمعنى بلا واضع أصلاً. وقد يحصل من كثرة الاستعمالات.
وهذا أغرب الوجوه : لأنه لا صغرى له قطعا، لأنه قدس سره تحدث خلاله عن الوضع التكويني لأصل اللغة. ولا يمكن شموله إلى الوضع بالاستعمال. فان الاستعمال ومعلولاته من الأمور القصدية لا التكوينية. ولا معنى لحصوله تكوينا بدون قصد بالضرورة.
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مضافا إلى ما قاله من تحقق الوضع بدون واضع. فان تم ذلك بالأصوات الطبيعية، لم يتم في الألفاظ المركبة قطعا.
كما ان هناك اشكالات أخرى بناء على ما ذكره السيد الأستاذ بناء على مسلك المشهور:
أولاً : انه قال : انه في المرتبة السابقة يوجد استعمال اللفظ في المعنى. فما هو هذا المعنى. هل هو باعتبار وضع سابق. كلا، فان المفروض عدمه. أم باعتبار الوضع اللاحق، وهو لازال غير موجود, لان المفروض تأخر عملية الوضع عن هذا الاستعمال رتبة، فلا يكون الاستعمال فيه حقيقيا ولا مجازيا، فيكون غلطا.
ثانيا : ان لحاظ الاستعمال استقلالا في المرتبة الثانية، هل يراد به الاستعمال دون اللفظ المستعمل فيه أو معه. لا سبيل إلى الأول. إذ لا معنى للاستعمال دون المستعمل فيه وهو اللفظ. وان كان بلحاظه: فالمفروض لحاظه فانيا، فكيف ينظر إليه مستقلا، وهل هو إلا الجمع بين اللحاظين.
فان قلت : انهما في رتبتين. قلنا : الامتناع هنا إنما هو في الوحدة في الزمان, لأنه مانع نفسي لا عقلي.
فان قلت : ان متعلق اللحاظ الآلي هو اللفظ ومتعلق اللحاظ الاستقلالي هو الاستعمال فلم يتحد المتعلق.
قلنا : يراد بالاستعمال استعمال نفس اللفظ الملحوظ آلة لاستعمال آخر. والمفروض ان اللفظ ملحوظ من خلاله كما سبق.
ثالثا : ما ذكره من ان التسبيب بالاستعمال إلى الوضع أمر تصديقي وليس
ــــــ[143]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تصوريا.
وهذا وان كان لطيفا ذهنيا، إلا ان الأمر التصديقي يعني جملة أو قضية ذات نسبة ليتم التصديق من خلالها بان هذا ذاك, فأين الجملة هنا. والمفروض عدم القرينة، ولا تعدد الدال والمدلول.
ولو عبّر بالسبب التكويني، لكان افضل من التصديقي، لان السبب التكويني قد يكون تصوريا أيضا، كالنار.
إلا انه يرد عليه : أولاً : انه إرادي على المفروض لا تكويني.
ثانيا : انه مما لا دليل عليه إثباتا، مع الخلو عن القرينة على المفروض.
ثم ان الأستاذ المحقق يقول : ان الوضع التعييني في زمنه غير بعيد.
وجوابه :
1 – انه مقطوع العدم لأنه لو كان لوصل ولو بخبر ضعيف ولم يصل.
2 – انه لا ينسجم مع مسلكه في الوضع، وهو التعهد. أو يكون كل فرد من أهل اللغة متعهدا وواضعا. فلا معنى لصدوره من واحد بعينه.
3 – انه مشكوك التأريخ. ومعه لا يمكن حمل النصوص المشكوكة التقدم أو التأخر عليه.
فقد أتضح ان الوضع بالاستعمال باطل لعدة وجوه : أهمها اثنان:
الوجه الأول : إثباتي، وذلك انه يحتاج إلى قرينة. والمفروض عدمها. وبدونها كيف نستطيع العلم بان المتكلم في صدد الوضع أصلاً.
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه الثاني : ثبوتي، وهو ان الاستعمال ان لم يكن في أي معنى سابق، لم يكن استعمالا، كما سبق ان قلنا، وان كان استعمالا في وضع سابق، كان من النقل لا من الوضع الجديد كما هو المفروض في هذه المسألة.
وان كان استعمالا في نفس المعنى الذي يراد الوضع له: لزم تقدم المتأخر وتأخر المتقدم. لان الاستعمال يتوقف على الوضع لأنه لا يكون استعمالا حقيقيا بدونه. والمجاز هنا غلط لعدم الوضع السابق, والقرينة على الفرض.
والوضع يتوقف على الاستعمال، لتعذره بدون معنى أصلاً وانحصار المعنى في المعنى الموضوع له اناً، فيلزم الدور، فيكون استعمالا محالا.
ومن هنا تنتفي احتمالات الوضع الإستعمالي، قرآنا، وسُنةً واجتماعيا.
مضافا إلى ان هذا الوضع بالاستعمال، متى حصل منه ليحمل النصوص الأخرى عليه. إذ يكفي ان نشك في تأريخه مع احتمال تأخره. فتبقى النصوص مجملة، لعدم جريان الاستصحابين ( الاستصحاب المنتج لتأخر الوضع، والاستصحاب المنتج لتأخر الاستعمال ) لانتفاء المقتضي، لكونهما مثبتين، أو لوجود المانع، وهو التعارض. وعلى أي حال، لا ينتج الوضع بالاستعمال شيئا في مصلحة ثمرة هذا البحث.
ثمرة الحقيقة الشرعية:
وهي حمل ألفاظ العبادات على معانيها الشرعية على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعية، وعلى معانيها اللغوية على تقدير عدمها.
وهذا يتوقف على أمور:
الأمر الأول : عدم ثبوت الوضع في العصر السابق على الإسلام مباشرة،
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقد قلنا بثبوته، فالألفاظ مستعملة في نفس المعنى على كل حال.
فان قيل: كلا. لان الموضوع له وان لم يكن هو المعنى اللغوي بل المتشرعي، إلا انه يختلف عن المعنى الإسلامي. اما لأنه من قبيل الاستعمال في الجامع، أو من قبيل الاستعمال في حصة أخرى. وعلى أي حال فالاختلاف حاصل.
قلنا : ان الاستعمال في الحصة الأخرى غير الإسلامية غير محتمل. واما استعماله في الجامع فهو كاف، لأننا لا نريد فهم جميع التفاصيل من لفظ واحد قطعا.
فان قيل : ان استعمال اللفظ الموضوع للجامع في الحصة مجازي، أو بمنزلة المجاز، لأنه يحتاج إلى قرينة مفقودة على الفرض.
قلنا :
أولاً : انه يمكن ويكفي ان يكون استعمالا في الجامع دون الحصة.
ثانيا : ان القرينة موجودة اما حالا أو مقالا.
ثالثا : اننا ننكر احتياجه إلى قرينة، بل هو استعمال حقيقي في الحصة.
الأمر الثاني : انه يتوقف بعد التنزل عن الأمر الأول على ثبوت الوضع خلال عصر النبي بنحو من الأنحاء، وانه حصل خلاله لا في نهايته، وإلا تعين الحمل على المعنى اللغوي في الجميع. كما سبق في المناقشات.
الأمر الثالث : ان نحتمل ان يكون الاستعمال لغويا أو شرعيا ليكون قيام الحجة على الحقيقة الشرعية، معينا له اعني الاستعمال الشرعي.
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما لو أحرزنا بكل صورة ان الاستعمال كله كان في المعنى الإسلامي، سواء كان مجازا أو حقيقة، ولو باعتبار القرائن الحالية ونحوها، كما هو كذلك. إذن، تنتفي الثمرة أيضا، كما هو كذلك. وقد نسب هذا الوجه إلى المحقق النائيني .
الأمر الرابع : يتوقف على ان يكون قد وردنا عن غير طريق الأئمة ، عن النبي بعض الأخبار. واما مع عدم ورودها، فالثمرة منتفية. وقد نسب هذا الوجه إلى الأستاذ المحقق.
وجوابه من وجوه :
الوجه الأول : ان الأخبار قد وردت عن النبي كذلك قطعا. بل هو كثير لو لاحظنا أخبار العامة، ولا حاجة إلى ان تكون معتبرة. فان فهم الألفاظ لا يتوقف على صحة السند، فتأمل.
الوجه الثاني : انه قد وردت أخبار معتبرة عن النبي عن طريق الأئمة وهذا يكفي، وخاصة وان الأصل هو النقل باللفظ لا بالمعنى عنه ليحمل على المعنى المتشرعي.
الوجه الثالث : ان الثمرة غير منحصرة بالنبي بل تشمل بعض المعصومين كأصحاب الكساء سلام الله عليهم. فان الحقيقة المتشرعية لم تثبت قبل زمان الإمام الباقر.
الوجه الرابع : ما ذكره السيد الأستاذ، من ان الثمرة غير منحصرة بالأخبار بل تشمل القرآن الكريم. وهو موروث ليس عن طريق الأئمة فقط. بل عن النبي جيلا بعد جيل لفظا ومعنى.
ــــــ[147]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت : انه ليس موروثا لفظا، لكثرة القراءات فيه. قلنا: جوابه من وجهين:
أولاً : انه يجاب بما يجاب به على القراءات، من حيث انها غير منافية مع انحفاض ألفاظ القرآن. وليس هذا محل بحثه.
ثانيا : لو تنزلنا فالمقدار المتفق عليه منها كاف في تحقق الثمرة.
الأمر الخامس : انه يتوقف على ثبوت الوضع الشرعي في أول عصر النبوة بحيث نحرز صدور النص بعده.
واما إذا شككنا تعارض الاستصحابين، فلا يجريان، اما لعدم المقتضي أو لوجود المانع، كما سبق. ولا يفرق في ذلك بين ما إذا علمنا التأريخ أو جهلناه، على اننا نجهل كلا التأريخين أكيدا.
إلا ان يكون الاستصحاب بمنزلة الأمارة العقلائية، وهي هنا البناء على الوضع الأول، ولو باعتبار ما يسمى بأصالة ثبات اللغة، المنتجة لاستمرار الوضع السابق وعدم تبدله، فيكون على الخلاف أدلّ.
الأمر السادس : يتوقف على إحراز عدم القرينة، فان احتملناها أو أحرزناها، لم نحرز كونه استعمالا حقيقيا لنثبت الحقيقة الشرعية.
فان قلت : انها قرينة على الحصة، فلا تنافي الاستعمال الحقيقي.
قلنا: اننا أحرزنا أو احتملنا جامع القرينة الأعم من كونها قرينة على إرادة الحصة أو على إرادة المجاز.
وبتعبير آخر : اننا أحرزنا الاستعمال في المعنى الشرعي الإسلامي بقرينة،
ــــــ[148]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
على الفرض، ولم نعلم كونها للحصة أو للمجاز. ومع احتمال القرينة، فضلا عن إحرازها، لا يمكن إثبات الحقيقة الشرعية.
وعلى هذين الاحتمالين الأخيرين : ان كان المراد إثبات الحقيقة الشرعية بعنوانها لم تثبت. وان كان المراد إثبات وجودها من عدمها، كفى ذلك في إثبات عدمها.
هذا مضافا إلى اننا هل نتكلم عن ثبوت الحقيقة الشرعية لنا أو لهم اعني الجيل المعاصر للنبي ؟ اما هم فيكفيهم الوجدان الحاضر لهم في ذلك الحين، كما أشرنا.
واما نحن فالأصول كلها نافية للحقيقة الشرعية، مما يجري بدون معارض، سواء كان عقلائيا أو شرعيا، كأصالة ثبات اللغة وأصالة عدم النقل وأصالة عدم الوضع لو تمت، واستصحاب عدم الوضع إلى زمان إحرازه.
فان قلت : انه مثبت وان لم يكن متعارضا. قلنا : هذا فرع ألا يكون موضوعه ذا اثر شرعي. والظاهر ان ذا الأثر الشرعي المطلوب هنا هو الأعم من المباشرة والتسبيب، بان يكون معلوله ذا اثر شرعي. وهو هنا كذلك.
أو نقول : ان نفس الظهور ذو اثر شرعي لجواز نسبته إلى المعصومين . نقول: قال الإمام .
نعم، هذا لا يكون ثمرة للحقيقة الشرعية بل يكون دليلا على عدمها.
ــــــ[149]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مبحث الصحيح والأعم
يقع الكلام في الصحيح والأعم من عدة جهات:
الجهة الأولى: في ارتباط البحث بالبحث السابق عن الحقيقة الشرعية وملاحظة النسبة بين موضوعهما.
حيث قالوا: انه لاشك ان هذا البحث يتحصل مع صحة الحقيقة الشرعية. حيث يقال: ان الشارع المقدس وضع الألفاظ لخصوص الصحيح أو للأعم من الصحيح والفاسد. حتى قال الأستاذ المحقق: ان هذا هو قدره المتيقن. وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك. يعني انه يمكن ان يبدأ البحث عن الصحيح والأعم فيما إذا لم تثبت الحقيقة الشرعية. واما مع ثبوتها في الصحيح فلا بحث هنا.
وعلى أية حال, فالمباني على هذا التقدير اعني بناء على نفي الحقيقة الشرعية عديدة:
المبنى الأول: الحقيقة المتشرعية. وهو الوضع بعد عصر النبوة. وفيه يأتي الخلاف فيما صدر من الأئمة ، من الوضع للصحيح أو للأعم، أو لم يصدر أي وضع.
المبنى الثاني: الحقيقة المتشرعية السابقة على الإسلام.
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وفيه يأتي الخلاف نفسه، لأنهم يومئذ بصفتهم متشرعة يدركون الفرق بين الصحيح والفاسد. ففي إمكانهم وضع اللفظ لأي منهما.
لا يقال: ان ما هو صحيح عندهم ليس بصحيح عندنا.
فانه يقال: انه يكفي الوضع للصحيح بعنوانه فيشمل ما هو صحيح عندنا.
لا يقال: ان استعمالنا لمعنى الصحيح عندئذ يكون استعمالا في الحصة، واستعمال اللفظ الموضوع للكلي في الحصة مجاز.
فانه يقال: كلا. ليس مجازا إلا إذا كان استعمالا في الحصة بحدها، يعني بشرط لا عن الزيادة. واما الاستعمال في المطلق فهو استعمال حقيقي بالضرورة. كما في قولنا: زيد إنسان.
المبنى الثالث: الحقيقة اللغوية: بمعنى وضع أهل اللغة ألفاظ العبادات للصحيح أو للأعم من الصحيح والفاسد.
لا يقال: ان الحقيقة اللغوية أو الأوضاع اللغوية لا يتصور فيها الصحيح من الفاسد.
فانه يقال: انه يمكن ان يجاب بوجوه، منها:
أولاً: ان العرف يفهم معنى الصحيح والفاسد في الماهيات العرفية. كل ما في الامر من الفرق: ان الفاسد ليس بمعنى الفاسد لدى المتشرعة وهو عدم المطابقة للأمر. بل بمعنى النقص العرفي. غير ان عدم المطابقة للأمر، هو نحو من النقص أيضا.
ثانياً: ان هذا الكلام لو تم فهو برهان على ان الموضوع له لغة هو أحد
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجهين: اما الصحيح أو الفاسد. لأننا اما ان نقول: ان ما طابق الماهية العرفية فهو صحيح. واما ان نقول: ان الماهية العرفية اعم مما نعلمه صحيحا ونعلمه فاسدا. أو نقول ان الفاسد اللغوي والفاسد الشرعي واحد، وهو النقص, غير ان ميزان النقص يختلف فيما بينهما.
المبنى الرابع: المجاز: وهو يأتي في عدة صور:
الصورة الأولى: فيما إذا لم يوضع اللفظ للعبادة أو ما يعمّها أصلا. فيكون استعماله فيها مجازا لا محالة.
الصورة الثانية: إذا كان استعمال اللفظ الموضوع للكلي في الحصة مجازا، مع عدم ثبوت الحقيقة الشرعية. فيكون مورد الكلام من قبيلِه, لكون الصحيح حصة من المعنى الموضوع له، أو الأعم كذلك.
الصورة الثالثة: فيما إذا ثبتت الحقيقة المتشرعية، دون الحقيقة الشرعية، ويكون الحال اللغوي السابق عليها قبل الإسلام هو عدم الوضع أصلا أو الوضع اللغوي للصحيح بحده. بحيث يكون الاستعمال في الشكل الإسلامي في عصر النبوة في الصحيح والفاسد مجازا.
إلا ان الصحيح: ان الأثر لا يترتب على الوضع للصحيح أو للأعم، وإنما يترتب على الاستعمال في أحدهما سواء كان حقيقة أو مجازا.
وهذا يترتب عليه عدة نتائج:
النتيجة الأولى: انفكاك البحثين، أعني مبحث الحقيقة الشرعية من ناحية، ومبحث الصحيح والأعم من ناحية أخرى. لعدم توقف الفهم على جريان أصالة الحقيقة, لوجود القرائن المحتفّة من الحالية والمقالية دائما.
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النتيجة الثانية: عدم إحتمال الاستعمال في الفاسد أو فيما يشمله. بل الأوامر الشرعية دائما موجهة إلى الصحيح. ويراد بها الأوامر التكليفية، كالمتعلقة بالعبادات مثل: أقيموا الصلاة. لا الأحكام الوضعية المتعلقة بالماهيات العرفية كالبيع والإجارة.
النتيجة الثالثة: ان الصحيح حصة من الأعم. فيكون الاستعمال في الصحيح على كلا التقديرين استعمالا حقيقيا، يعني سواء كان الوضع للصحيح أو للأعم. إلا ان يدعى عدم الوضع أصلا، وهو غير محتمل.
النتيجة الرابعة: ان التمسك بالإطلاق غير تابع للوضع، بل هو تابع للمعنى المستعمل فيه. مع جريان مقدمات الحكمة في حال المتكلم. وليس من مقدمات الحكمة: الاستعمال في المعنى الحقيقي. وإنما المراد الشمول بالإطلاق للحصة المشكوكة، كيف كان، ولو بتعدد الدال والمدلول، أعني المجاز مع قرينة.
إذن، فما قاله الأستاذ المحقق من انه بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، يكون القدر المتيقن ثبوت هذا المبحث، يعني الصحيح والأعم، ليس بصحيح.
وعلى أي حال، فالصيغة المعقولة للاستعمال المجازي عدة وجوه:
الوجه الأول: ما قاله صاحب الكفاية قدس سره من تطبيق فكرة ما أسموه بالمجاز الأولي والمجاز الثانوي.
فالصحيحي يقول: ان العلاقة اعتبرت للصحيح أولاً، ثم اعتبرت العلاقة بين الصحيح والأعم. والأعمي يقول العكس. فالعلاقة الأولى هي المجاز الأولي والعلاقة الثانية هي المجاز الثانوي، أو سبك مجاز في مجاز.
ــــــ[153]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقد استشكل عليه الآخوند نفسه، بإحدى صيغتين:
الصيغة الأولى: ما هو ظاهر الكفاية من ان هذا يحتاج إلى إثبات في ديدن الشارع في مطلق الألفاظ الموجودة أو المستعملة في العبادات. وهو ما يتعذر عليهم إثباته، سواء على الصحيح أو على الأعم.
الصيغة الثانية: ما ذكره السيد الأستاذ قدس سره من فهمه للكفاية، من ان هذا يسد باب النتيجة المطلوبة للقول بالصحيح أو الأعم. لان المطلوب هو حمل اللفظ على الصحيح أو على الأعم. فان وجدت قرينة صارفة عن المعنى اللغوي، ولم توجد قرينة معينة لأحدهما كان اللفظ مجملا، لان كليهما مجاز، وليس لأحدهما ظهور في المعنى الحقيقي.
أقول: أولاً: هذا خلاف ظاهر عبارة الكفاية، بل ظاهرها ما ذكرناه في الصيغة الأولى. فراجع عبارته.
ثانياً: ان للخصم ان يقول انه مع وجود القرينة الصارفة يتعين المجاز الأولي منهما، لا انه يتعين الإجمال. لان المجاز الأولي والثانوي ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين. فتتعين المرتبة الأولى ما لم تقم قرينة أخرى على المرتبة الثانية والمفروض عدمها.
وعلى أي حال فإذا اعتبرنا ذينك الصيغتين كإشكالين على اصل الوجه، وصلت النوبة إلى:
الإشكال الثالث: وهو ما ذكره السيد الأستاذ، من اننا لا نتعقل قيام المناسبة بين المعنى اللغوي والأعم، لا بينه وبين الصحيح. لان الصحيح أحد أفراد الأعم فالمناسبة مشتركة. وإنما تكون مسألة المجاز الأولي والثانوي في مجازين متغايرين أو متباينين بحيث لا تكون العلاقة مع أحدهما علاقة مع
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الآخر.
أقول يرد عليه: أولاً: انه في الحقيقة اختيار لأحد الوجهين، وليس سدا لباب النزاع. لان العلاقة مع الصحيح بحده ليس علاقة مع الأعم وان كان العكس صحيحا.
ثانياً: ان ما يقوله من ان الصحيح أحد أفراد الأعم ليس بصحيح، بل الصحيح حصة من الأعم. ومن الواضح ان العلاقة مع اصل الماهية لا تعني العلاقة مع الحصة عرفا، وان عنتها بالدقة المنطقية.
فما هو مربوط بالإنسان كالضحك لا معنى عرفا لربطه بالإنسان العراقي أو العالم أو الفقير أو غيرهم. بل يحتاج الحال إلى علاقة أخرى تحتاج إلى قرينة أخرى. ليختص الحديث بالحصة.
فمن تماميّة هذين الإيرادين يتبين إمكان المجاز الأولي من كلا الطرفين ويكون الآخر ثانويا.
الوجه الثاني: – للصيغة المعقولة للاستعمال المجازي –
ما نسب في كلام السيد الأستاذ إلى المحقق الأصفهاني قدس سره.
وحاصله: انه إذا وجدت قرينة صارفة عن المعنى اللغوي، فالصحيحي يقول: بان لفظ الصلاة مستعمل في الصحيح دائما، وإذا أريد الأعم، فلابد من تنزيله منزلة الصحيح. يعني تنزيل الشرط أو الجزء المفقود منزلة الموجود. لا ان اللفظ يكون مستعملا في الأعم ابتداء.
والأعمي يقول: ان اللفظ مستعمل في الأعم أو في الجامع الأعمي. وحين يريد المتكلم خصوص الصحيح، فلابد من إقامة قرينة عليه بنحو تعدد
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الدال والمدلول. فالعناية على كلا التقديرين مقبولة.
وأجاب السيد الأستاذ على ذلك: ان كلا العنايتين غير صحيحة، اما العناية الأولى، فهو كذب واضح وغير عرفي، لأنه قد يراد الفاسد بما هو فاسد. كقولنا: الصلاة الفاسدة. ولو نزّل الفاسد منزلة الصحيح لقيل ان الصلاة صحيحة.
واما العناية الثانية: فلان نسبة لفظ الصلاة إلى الأعم والصحيح على حد واحد، لان كليهما مجاز. فما هو المبرر العقلائي ليستعمل اللفظ في الأعم ويريد الصحيح بدال آخر، مع انه يمكنه ان يريد الصحيح ابتداء.
إلا ان هذا الجواب بكلا شقّيه غير تام:
اما الشق الأول: فلان تنزيل الفاسد منزلة الصحيح يتبع فاعل التنزيل. فان كان المنزّل هو الشارع، كان الفرد لا محالة، واما إذا كان المنزل هو الفرد، للحاجة اللغوية لا اكثر. فيكون المعنى: ان الصلاة المدعاة الصحة فاسدة.
واما الشق الثاني: فلأن الصحيح حصة في الأعم، والمفروض على الأعم انه اقرب إلى الحقيقة، إذن يحتاج الاستعمال في غيره إلى كلفة زائدة.
صحيح ان كليهما مجاز، إلا ان أحدهما اشدّ مجازية من الآخر. وحيث ان الأعم هو الأقل مجازية، احتاج إلى قرينة واحدة صارفة، ويحتاج الصحيح الأبعد – على الفرض – إلى قرينتين، وهي تعيين الحصة.
إلا ان اصل هذا الوجه ليس بصحيح، لان المسألة ليست اختيارية أو ذوقية في اختبار الصحيحي أو الأعمي. بل المسألة واقعية.
وفي الواقع اللغوي، وبعد الاعتراف بان المسألة مجازية، لا يبقى أي دليل
ــــــ[156]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
على ان الأعم هو الأقرب إلى المعنى الحقيقي أو ان الصحيح هو الأقرب. لوضوح انه لا دخل للصحة الشرعية في الاستعمالات اللغوية، كما لا دخل للبطلان فيها أيضا. وصورة العمل عرفا محفوظة على كلا التقديرين. نعم لو لم تكن محفوظة لكان وجها. إلا ان غير المحفوظة أيضا ينقسم إلى صحيح وباطل شرعا. فليس كل أفراده باطلة ليكون ابعد عن الحقيقة.
هذا، مضافا إلى ان كلتا العنايتين اللتين ذكرهما غير عرفية، لا تنزيل الفاسد منزلة الصحيح، ولا الحاجة إلى قرينتين للتعبير عن الفرد الصحيح مجازا، ومعه يكون هذا الوجه ساقطا.
الوجه الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ من اننا نسأل الصحيحي والأعمي، هل ينكر ان الوضع في زمن النبي فقط أو فيه وفي زمن الأئمة أيضا.
فان كانا منكرين للحقيقة الشرعية, وهو الوضع في زمن النبي خاصة، وقع الكلام في الوضع المتشرعي بعد ذلك. وهذا نزاع معقول في نفسه وان اختلف زمانه. لان حديثنا في العلاقة مع الحقيقة الشرعية لا المتشرعية.
وان أنكر الوضع المتشرعي أيضا، فيمكن تصوير النزاع، كما أشار إليه صاحب الكفاية، من وجود قرينة عامة على المعنى الشرعي لكل مورد لذاته. ويختلفان في مدلول هذه القرينة. فالصحيحي يقول: انها قرينة على مجموع الأجزاء والشرائط التي يكون بها العمل صحيحا. والأعمي يقول: بأنها الأجزاء والشرائط الرئيسية.
فان قلت: انه لا مدرك في الكتاب والسنة لهذه القرينة العامة.
قلنا: ان لها مدركا، وهو التبادر، لأنه حين تقوم القرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي. ترى ماذا يتبادر لنا من هذين الأمرين. والتبادر كما يكشف
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عن المعنى الحقيقي، يكشف عن القرينة العامة الإرتكازية.
إلا ان هذا لا يتم لعدة أجوبة:
الجواب الأول: اننا في التبادر قلنا: انه بعنوانه ليس بحجة، وإنما الحجة هو الاقتران الكامل. وهذا لا يكون إلا في الوضع.
فان قلت: فان الاقتران الكامل يكون مع القرينة. قلنا: أولاً: هناك اختلاف نوعي بين الاقترانين، الحقيقي والمجازي بالارتكاز المتشرعي. فإذا دل الدليل على حجية أحدهما لم يشمل الآخر.
ثانياً: ان التبادر إنما نلجأ إليه مع عدم غيره، واما في صورة وجود القرينة فيكون المورد من باب تعدد الدال والمدلول. فيكون الاعتماد عليه لا على التبادر.
فان قلت: فان التبادر هنا مستعمل لا لفهم الظهور المجازي، بل لمدلول القرينة العامة فلا يكون من تعدد الدال والمدلول.
قلنا: هذا كاف في البطلان. لان التبادر في غير الظهور مما لا دليل على حجيته.
ثانياً: انه قال: ان مدلول القرينة هو المعنى الشرعي الذي هو الجامع الصحيحي أو الجامع الأعمي. وهذا لعله سهو منه، إذ لا معنى لان تكون القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي ذات مدلول من هذا القبيل. بل القرينة الصارفة بمنزلة العلة لفهم المجاز. وهذا بمنزلة المعلول، أي المجاز المفهوم من القرينة.
أو قل: هذا خلط بين القرينة ونتيجتها. أو بين العلة والمعلول. ولو أراد
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هذا المعنى بدون قرينة صارفة، لكان قد أراد المعلول بدون علة، أي أراد المجاز بدون قرينة، فيكون غلطا. وهو وان كان لا يرى كون ذلك غلطا كما سبق إلا انه سبق نقاشه في ذلك.
ثالثاً: انه لا دخل للمقدمة التي ذكرها في المطلب، من ان الصحيحي والأعمي هل ينكرون الوضع مطلقا أو خصوص الوضع في زمن النبي . وقد ربط الوضع بإنكار الوضع مطلقا.
مع العلم انه يأتي نفس التقريب لزمن النبي فيما وردنا عن ذلك الزمن من نصوص، ولا ننسى ان القرآن الكريم ورد كله في ذلك الزمن.
رابعاً: ان هذا الوجه يختلف عن قول صاحب الكفاية الذي قال بضرورة وجود قرينتين وعدم كفاية الواحدة. نعم، لو كان أحدهما اقرب إلى المعنى الحقيقي كان فقط محتاجا إلى قرينة واحدة. وهي غير القرينة العامة التي تحدث عنها، وكان الآخر محتاجا إلى قرينتين.
ثم ذكر في جوابه اننا كيف نبرهن على ان هذا اقرب إلى المعنى الحقيقي أو ذاك. في حين لم يرد ذلك في أي دليل.
فان قصد : بأنه اقرب إلى المعنى الحقيقي، فهذا غير عرفي وغير شرعي. وان كان ليس بأقرب كانا معا متساويين بالنسبة إليه. فيحتاج أحدهما إلى تعيين بقرينة ثابتة. ولازم ما قاله: انه يحتاج كلاهما إلى قرينتين، كما قال الآخوند وهذا أيضا خلاف الوجدان كما سبق.
الجهة الثانية: الكلام في معنى الصحيح.
أولاً: وبدون تكرار ما في مصادر الفقهاء والمتكلمين واضرابهم. فان
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الصحة يمكن ان تكون على ثلاثة مستويات:
الأول: ملاحظة نسبة الشي إلى ما يوجد في المرتبة السابقة عليه.
الثاني: ملاحظة نسبته إلى ما هو متأخر عنه.
الثالث: عدم ملاحظة نسبته إلى شيء بل إلى ذاته فقط.
والأول: مثل ملاحظة نوعه أو جنسه أو صنفه أو فصله. اما الأمور الحقيقية من ذلك، أو الانتزاعية أو العرفية. فما كان واجدا للشرائط منها كان صحيحا، وإلا كان فاسدا.
والثاني: يختلف باختلاف ما هو سبب له. فقد يكون تكوينيا، كإنبات المطر للزرع. وقد يكون اعتباريا أو عرفيا كالاحترام المنتج للصداقة. وقد يكون شرعيا كإسقاط الأمر للإعادة أو القضاء أو موافقة المأتي به للمأمور به أو موافقة الشريعة ونحو ذلك.
فان قلت: فان هذه أمور متقدمة عليه لا متأخرة عنه. قلنا: نعم، إلا ان الأثر متأخر وهو الموافقة أو الإسقاط.
والثالث: هو ما قاله الشيخ الآخوند والمحقق الأستاذ قدس سرهما من عنوان التماميّة، يعني الجامع لكل الشرائط والأجزاء والفاقد لكل الموانع والقواطع.
وهذا وان اندفع به إشكال القسم الثاني الآتي، وهذا هو مقصودهم، إلا انه واضح الاندفاع لعدة اشكالات.
الإشكال الأول: ان الفرد قد يكون بسيطا ليس له أجزاء وشرائط كما قال السيد الأستاذ. وهو صحيح. والسر فيه: اننا ننسبها إلى عللها أو معلولاتها.
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولو قصرنا النظر إلى نفسها لم يصدق عنوان الصحيح والفاسد. كما سنوضح.
الثاني: ما قاله السيد الأستاذ من ان كل شيء في ذاته فهو صحيح جامع الأجزاء وشرائط ذاته.
وجوابه: ان هذا مع قصر النظر على ما في الذات، إلا ان هذا الاقتصار غير عرفي بل غير عقلي. إذ العرف والعقل ينسب الشيء إلى علله ومعلولاته. فنعرف صحته من فساده. ولذا لا يحتمل ان يكون الناقص تاما. والأمر على هذا الوجه كذلك.
الثالث: ان الصحة والفساد معنيان إضافيان لا يتحصلان من قصر النظر على الشيء فقط، لان الوجود التكويني وحده غير كاف في ذلك. بل لابد فيه من النسبة إلى غيره. واقرب ما يحتمل نسبته إليه هو المرتبة السابقة والمرتبة اللاحقة له.
واما الاحتمال الآخر وهو نسبته إلى معلولاته من مطابقة الأمر أو موافقة الشريعة.
فأهم إشكال يرد عليه هو ما قاله المشهور من استحالة أخذ المتأخر عن الأمر في موضوع الأمر.
ويمكن ان يجاب على ذلك: ان المقصود ملاحظة ذات المأمور به لا بما هو مأمور به، بل بملاحظة المفهوم الواقع متعلقا أو موضوعا للأمر أو النهي في ذاته. فحين نقيس هذا الفرد إلى ذلك الموضوع يتحصل لنا معنى الصحة والفساد.
وجوابه: انه وان كان ذلك ممكنا، إلا انه يخرج عن محل الكلام. لان في
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ذلك ملاحظة لما هو أسبق رتبة منه، لا لما هو متأخر عنه. لان المتأخر إنما هو إسقاط الأمر أو موافقته. إذن، فبغض النظر عن الأمر يرتفع إسقاطه موضوعا، ولا يبقى إلا ذات المأمور به، وهو متقدم رتبة على الفرد، لأنه من قبيل الكلي ومصداقه.
مضافا إلى إمكان القول: ان هذا ان كان صادقا في غير الصلاة فهو غير صادق فيها، لان الدليل دلّ على انها لا تسقط بحال. بمعنى وجود الأمر بالباقي، والباقي ليس بمحدود، بل يختلف باختلاف إمكان المكلفين.
إلا ان هذا ليس بصحيح، لان المأمور به بعد سقوط الأمر الأول ليس عنوان الباقي بل واقعه، وما هو كذلك بالحمل الشايع. يعني إئت بهذه الأجزاء والشرائط مادامت ممكنة، وهذا معنى محدد. وله أمر متعلق بذاته يمكن نسبة فرد العمل إليه.
بل حتى لو كان المأمور به هو عنوان الباقي، فانه يكون نحوا من الكلي قابلا لانطباق الفرد عليه، لأنه إذا أتى بأقل من إمكانه لم يكن مصداقا منه.
واما ملاحظة الفرد إلى معلولاته التكوينية كالمعراج ( كما في الحديث: الصلاة معراج المؤمن.) أو القربان ( كما في الحديث: الصلاة قربان كل تقي.) أو النهي، كقوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ أو الطهارة المعنوية أو غير ذلك، كقصد تحصيل غرض المولى ونحوها. فالصحيح ما يترتب عليه ذلك والفاسد خلافه.
فيرد عليه:
أولاً: ان هذا إنما يحدث بعد مطابقة المأتي به للمأمور به، الذي ناقشناه قبل قليل، لوضوح انه لو لم يكن كذلك لم تترتب عليه هذه الآثار.
ــــــ[162]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان هذا فرع ان تكون هناك ماهية نوعية محددة تترتب عليها هذه المعلولات. وهذا يكون ثابتا في غير الصلاة. واما فيها فلا، لاختلاف مراتب الصلاة سعة وضيقا.
ثالثاً: اننا نتكلم عن المعاني العرفية واللغوية صحيحا أو فاسدا في المرتبة السابقة على تعلق الأمر. ومن المعلوم:
1 – انه لولا تعلق الأمر لم تكن هذه الآثار موجودة.
2 – ان هذه الآثار غير عرفية ولا معلومة للعقلاء، لتكون موضوعا للوضع أو للفهم العرفي.
رابعاً: ان هذا باعتبار ما فهمه المشهور من كونها معلولات للصلاة. واما إذا نفينا ذلك، وقلنا: انها رحمة وعطاء جديد يهبه الله للمصلي، بمنزلة استجابة الدعاء، إذن يخرج المورد عن كونه لازما بنحو العلية.
ثم انه ذكر المحقق الأصفهاني قدس سره: ان حيثية إسقاط القضاء وموافقة الشريعة ونحوها، ليس من لوازم التمامية، بل هي من حيثيات التمامية نفسها، إذ لا واقع للتمامية إلا ذلك واللازم ليس من متممات ملزومه. فتدبر.
والأمر بالتدبر إشارة إلى ان اللازم ان كان من لوازم الوجود صح ما ذكر. واما ان كان من لوازم الماهية، فلا، إذ لا منافاة في لازم الماهية وعارضها بين اللزوم وكونه محققا لها، كالفصل بالإضافة إلى الجنس، فانه عرض خاص له، مع ان تحصله بتحصله.
أجاب عنه الأستاذ المحقق: ان إسقاط القضاء من لوازم التمامية لا من متمماتها. لأننا نتحدث عن واقع التمامية بغض النظر عن الأمر، والأثر ليس له
ــــــ[163]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
دخل في ذلك.
فان قلت: انه لا معنى للتمامية بدون ترتب الأثر. قلنا: هذا خارج عن محل الكلام، وهو الوضع للصلاة في المرتبة السابقة عن ترتب الأثر.
وأجاب على القسم الثاني من كلامه: ان اللازم لا يعقل ان يكون محققا للشيء في ذاته سواء في لازم الماهية أو الوجود. اما بالنسبة إلى الوجود، فقد قاله الأصفهاني نفسه، واما بالنسبة إلى الماهية فان الفصل بلحاظ كونه محققا للجنس ليس لازما له بهذا الاعتبار.
وجوابه: ان الجنس والفصل لهما واقعية بغض النظر عن اللحاظ والاعتبار. فإذا كان هناك تناف بين كونه لازما وكونه مقوما، ودار الامر بينهما لم يمكن اعتباره أمرا لحاظيا.
والواقع: ان الفصل مقوم وليس بلازم، إلا ان قياس الفصل على إسقاط القضاء، قياس مع الفارق. إذ من الواضح ان الفصل مقوم والإسقاط اثر ولازم ومعلول. ويستحيل ان يكون المعلول من مقدمات علته.
وهذا لا يفرق فيه بين لازم الماهية ولازم الوجود. وان كان في لازم الوجود أوضح لأنه معلول حقيقة، والإسقاط من لوازم الوجود لا الماهية، كما هو واضح. إذن فهو اثر وليس مقوما.
نعم، يمكن ان نلحظ الحيثية المقومة التي تكون سببا للإسقاط في الصحيح، وهو المُعبّر عنها بالمُسقِط، ومعلولها الإسقاط. وعندئذ تكون مقوّمة سواء للوجود أو للماهية، لأنها وان كانت بالماهية أشبه، لان الصلاة في ذاتها ماهية وليست وجودا. إلا ان الأثر لهذه الصفة لا تكون إلا للوجود لا للماهية بذاتها.
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: ان الآثار تتبع الوجود دائما كالحرارة للنار، وان كانت من لوازم الماهية.
قلنا: هذا خلط في التصور بينهما، من حيث ان لازم الوجود يحصل في عالم الواقع بلا حاجة إلى وجود خارجي، كالجمع والطرح بين الأعداد، وقابلية المطر للإنبات، وقابلية العقل للإدراك. نعم، حصوله خارجي يتوقف على الوجود الخارجي.
فالمهم ان إسقاط القضاء صفة واقعية للفرد أو الحصة الصحيحة. وهي من مركبات ماهيتها الواقعية. نعم، يتوقف الإسقاط الفعلي على الوجود الخارجي.
ومن هنا يتحصل وجه حلّ لما اختلفوا فيه، لأننا ان أردنا الإسقاط الفعلي كان متأخرا، وان قصدنا حيثية الإسقاط في الماهية أو المُسقِط كان معاصرا، بل هو عين الصحة.
غير انه يرد عليه: ان الإسقاط شرعي وليس عقلائيا ليمكن لحاظه في الماهية، وخاصة الجهة التحليلية للإسقاط، فانها غير مفهومة عقلائيا. وعليه يمكن تقسيم الصحيح المؤثر بعد إحراز التساوي بين هذين العنوانين (الصحيح والمؤثر) بالحمل الشايع إلى أقسام:
القسم الأول: علّية التأثير، وهي مساوقة مع الصحة.
القسم الثاني: اقتضاء التأثير، يعني بغض النظر عن المانع الخارجي. لا المانع الداخلي فانه راجع إلى نفي الصحة.
القسم الثالث: فعلّية التأثير، وهو يختلف عن الأول باعتبار اختلاف اللحاظ. وهو ما أشكلوا عليه من ان لازمه أخذ المتأخر في المتقدم.
ــــــ[165]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القسم الرابع: منشأ انتزاع التأثير، وهو ما سميناه بالمُسقِط.
ويمكن ان نضمّ إليه أمرين آخرين:
الأول: ان التأثير أو الإسقاط وان كان متأخرا رتبة، إلا انه يمكن أخذه في متعلق الأمر. اما بنحو الشرط اللغوي أو الشرط التعبدي. ولكن كليهما بنحو الشرط المتأخر المشار إليه بعنوان يشير إليه مأخوذ (هذا العنوان) في نفس مرتبته. وليس الأمر هنا إلا مراحل لحاظية، وليست عقلية لتكون مستحيلة. كالغسل المتأخر للمستحاضة، فانه ليس علة بالمعنى الحقيقي، وإنما هو مقيد أو حصة. فيقال نفس الشيء في مورد الكلام اما لغة أو تعبدا.
وهذا واضح لو كان الإسقاط بنفس الامتثال، فضلا عما لو التفتنا إلى ان المسقط هو الشارع، أو هو الحيثية.
ثانياً: ان العقلاء يفهمون معنى الصحيح، وهو الذي يترتب عليه الأثر المطلوب المرغوب. كل ما في الأمر ان المرغوب شرعا هو الإسقاط والمرغوب عقلائيا هو النتيجة.
والعقلاء وان كانوا يضعون الألفاظ للأعم لا لخصوص الصحيح، إلا ان هذا يكون برهانا على الأعم. واما إذا كانوا يضعون للصحيح فهم يضعون للمؤثر اما بنحو الشرط المتأخر أو بنحو الحيثية، يعني الذي من شأنه التأثير. إذن فهذا الامر عرفي وليس دقياً.
وهنا قد يستشكل بهذا الكلام: أولاً: ان العقلاء يفهمون الأعم دائما. اللهم إلا ان يقال: اننا الآن نتكلم عن معنى الصحة بغض النظر عن الوضع لها. وهي التأثير بالنحو الذي عرفناه.
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان ديدن العقلاء فيما يعرفونه وان كان كذلك. إلا ان الماهيات التي لا يعرفونها, أو لا يعرفون آثارها, كالإسقاط ونحوه, خارجة عن سيرتهم، ولا يمكن التمسك بالسيرة كقاعدة عامة، لأنها دليل لبي. والمورد من هذا القبيل.
وجوابه: ان هذا التفصيل ان تم لزمنا النظر إلى سيرة العقلاء مع عبيدهم. ومن هنا يمكن القول انهم يفهمون الإسقاط من حيث انه التحقيق لغرض الأمر. وهو الارتواء بعد العطش مثلا، فهو يعني ان الامتثال محقق للملاك عندهم، وان لم يلتفتوا إلى معنى الإسقاط الاصطلاحي. والكلام في تحقيق الملاك نفس الكلام في الإسقاط.
إذن، فهم يفهمون الصحيح ويطلبونه ويضعون له اللفظ، بنحو الشرط المتأخر اللحاظي، ولا إشكال فيه.
وهنا قال السيد الأستاذ: ان عنوان (محصل الغرض) ليس طوليا ثبوتا بل إثباتا.
وجوابه: انه ان أراد حيثية التحصيل في الصحيح فهذا صحيح، وهو يشمل الإسقاط الذي اعتبره متأخرا ثبوتا، لان مرجع التحصيل والإسقاط فقهيا إلى محصل واحد.
وان أراد به التحصيل الفعلي أو العلي ثبوتا، فهو أيضا في طول الامتثال من باب التسبيب إليه به. وكون وجود الملاك وعدمه في رتبة واحدة لا يبرر ذلك، بعد ان كان عدمه مستندا إلى علة أخرى.
واما إثباتا، فهو أيضا متأخر – كما قال – إلا انه يتبع الثبوت. فلو كان الثبوت مساويا في الرتبة كان الإثبات كذلك، لان الإثبات لا يراد به الفهم، بل المضمون المفهوم.
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وبتعبير آخر: انه يمكن البرهنة على ذلك بوجوه:
أولاً: لحاظ حيثية تحصيل الغرض.
ثانياً: ان وجود الغرض وعدمه في رتبة واحدة، وتحصيله عدمه وإسقاطه.
إلا ان جواب ذلك: ان علة الوجود يمكن ان تكون متقدمة عليه رتبة. وعلة العدم يمكن ان تكون متأخرة عنه رتبة، بمنزلة العلة الغائية، والغاية هنا العدم والإسقاط.
ثالثاً: ان معلول إحدى العلتين المستقلتين ليس مقدما على الأخرى، والامتثال معلول لعلة مستقلة.
وجوابه: انه يوجب عدم الغرض في طوله، فهو ليس مستقلا مطلقا.
الجهة الثالثة: في الكلام فيما هو الدخيل في المعنى الصحيحي.
وما يمكن ان يكون دخيلا عدة أمور:
1 – الأجزاء.
2 – الشرائط المقارنة.
3 – الشرط المتأخر رتبة كقصد القربة أو المتأخر زمانا كغسل المستحاضة للصوم.
4 – الشروط اللبّية أو العقلية، كعدم وجود النهي أو عدم المزاحم.
وينبغي ان يقع الكلام عن كل واحد منها.
اما الأجزاء فلا إشكال في أخذها في المعنى الصحيحي.
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما الشرائط: فقد أشكلوا من حيث طوليتها عن الأجزاء، فلا يمكن ان تدخل في المسمى. لان الأجزاء في رتبة المقتضي والشرائط في رتبة الشرط، والشرط في طول المقتضي، فكيف يعقل أخذُها في عالم التسمية ؟
وأجاب الأستاذ المحقق: انها وان كانت طولية إلا انها يمكن جمعها في مفهوم واحد وتسمية ذلك المفهوم به، لان طوليتها في العلية لا تقتضي طوليتها في التسمية. فان أحد الأمرين أجنبي عن الآخر.
أقول: وهذا راجع إلى تقييد المتقدم بالمتأخر مفهوما، فان جاز فهو وإلا لم يجز.
إلا ان جواب الإشكال يكون في إنكار الطولية أصلا. اما في مطلق الشرائط أو في الشرائط الشرعية ونحوها مما يكون شرطا اعتباريا. فلا بأس من دخلها في التسمية عندئذ.
اما إنكار الطولية أصلا، فلما ذكره السيد الأستاذ من ان ذات المقتضي وذات الشرط ليس بينهما طولية، وان كانت الطولية بين تأثيريهما. بل يتفق أحيانا ان يكون ذات الشرط اسبق زمانا من المقتضي.
أقول: بل تأثيرهما أيضا في رتبة واحدة، ويستحيل إيجاد المعلول الواحد في رتبتين. والمفروض انها علة واحدة لمعلول واحد. وإنما وصف التأخر للشرط لحاظي خالص، لا دخل له في التكوين. وهو انه لا معنى للشرط من دون مقتضي كما لا معنى للمانع. فشرطية الشرط ومانعية المانع في طول اقتضاء المقتضي، لا اصل وجوده ولا تأثيره.
واما إنكاره في الشرعيات: فباعتبار ان قياس الشرائط الشرعية على التكوين باطل. فانها ليست شرائط تكوينية ولا من سنخها. وإنما تسمى شرائط من باب
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المشترك اللفظي.
فان قلت: فانهم قالوا: ان الشرائط خارجة قيدا وداخلة تقيدا. هذا يعني كونها خارجة عن المسمى.
قلنا: كلا. لعدة وجوه:
الوجه الأول: انها إنما تكون خارجة عن الأجزاء لا عن مجموع الواجب.
الوجه الثاني: انها خارجة سببا لا أثرا. وبهذا تكون الأجزاء مثلها فانها كلها خارجة علة وداخلة معلولا. فتكون كلها بمنزلة الأجزاء لكنهما يختلفان بالسنخية والمقولة.
الوجه الثالث: ان الإشكال إنما ينشأ فيما إذا كانت الشرائط منفصلة عن الصلاة، في حين هي متصلة. لان الشرط حقيقة ليس هو الوضوء أو الغسل، وإنما هو الأثر الناتج منهما وهو مقارن. وإنما الوضوء والغسل من باب مقدمة المقدمة أو سبب السبب.
إذن، فلا طولية بين الواجب وشرائطه ليتعذر دخولها في مسمى الصحيحي.
واما قصد القربة، فقد اتفق المتأخرون على عدم إمكان أخذه قيدا في الواجب، ومن ثم امتنع أخذه قيدا في المسمى. وهذا محذور مهم، لان ذات الواجب الخالي من قصد القربة باطل وليس صحيحا. ولكننا قلنا خلافا لهم بإمكان أخذه قيدا في الواجب، لأنه من التقييد المفهومي وليس من التقييد التكويني.
وعلى أية حال، فقد قال السيد الأستاذ: اننا ان قلنا بعدم إمكان أخذه في
ــــــ[170]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
متعلق الأمر، قلنا بعدم إمكان أخذه في المسمى. وإذا قلنا بإمكانه هناك قلنا بإمكانه هنا.
إلا لأنه يمكن التفريق بين الأمر والتسمية، بالقول باستحالة أخذه في الأمر دون التسمية، من حيث ان قصد الأمر في طول الأمر وليس في طول التسمية. فإذا استحال التقييد، ولو مفهوما في الأمر، أمكن في التسمية إذ لا تلازم بينهما.
اللهم إلا ان يقال: ان الامر في طول التسمية، فإذا استحال فيه كان فيها أولى، لان التأخر سيكون في رتب اكثر.
ويمكن الجواب عليه: بأنه يمكن النظر إلى قصد الأمر كرتبة عقلية فيستحيل أخذها، والنظر إلى التسمية كقيد مفهومي فيمكن أخذه فيها. وتقريبه ان نقول: ان الأمر له نحو علّية أو شرطيّة تكوينية تؤدي إلى استحالة أخذ قصده في متعلقه. في حين ان التسمية ليس لها أي علاقة بالأمر.
إلا ان تثبت الشرطية أيضا من ناحيتين:
الأولى: انه لولا التسمية لما استطاع المولى ان يأمر، فاصبح لها نحو تقدم علّي على الأمر. وذلك من الرتب العقلية.
إلا ان هذا غير صحيح لان متعلق الأمر لا يتوقف على التسمية الوضعية الحقيقية. بل قد يكون بلفظ مجازي، أو يكون بعدة ألفاظ يقيد بعضها بعضا.
الثانية: ان المسمى لو كان هو الأعم لتم المطلب، بعد التنزل عما سبق. ولكن المفروض ان المسمى هو الصحيح. والصحيح هو المطابق للمأمور به. فقد تأخر المسمى عن المأمور به المتأخر عن الأمر، بنظر الواضع نفسه، في
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حين ان المفروض ان التسمية متقدمة على الأمر رتبة.
وهذا ان دلّ على شيء فإنما يدل على بطلان المسلك الصحيحي أصلا. مضافا إلى عدم كونه عرفيا. وخاصة إذا أردنا بالوضع ما كان خارجا عن حدود الدين، وليس خاصا بالحقيقة الشرعية.
واما المقيدات اللبية العقلية، كموارد النهي وموارد التزاحم. فقد قال السيد الأستاذ: انه إذا كان متعلق التسمية هو الصلاة استحالت التسمية، لان المفروض ان التسمية على الصلاة التامة الصلاتية. وان كانت التسمية لذات الأجزاء والشرائط أمكن أخذها في مسمى الصحيحي.
إلا انه يمكن مناقشته بوجوه:
1 – انه ان لوحظت ذات الأجزاء والشرائط – كما يعبر – بغض النظر عن علاقتها بالواجب، فلا دخل لها بالصحة. وهو خلف الوضع للصحيح.
2 – انه لا ينبغي ان يفرض ان الواضع اللغوي له إطلاع على أغراض الشارع المقدس وشرائطه للعبادة.
3 – ان النواهي والمزاحمات الخارجية ليست من الأجزاء ولا من الشرائط، وإنما نسبتها إلى العبادة نسبة عدم المانع. وإذا أخذ عدم المانع بعد فرض تمامية الأجزاء والشرائط، فقد أخذت العلة التامة للصحة، فقد رجع الحال إلى الصلاة التامة الصلاتية، وقد اعترف هو قدس سره باستحالته.
واما الشق الأول من كلامه، فقد اختلفت عبارته فيه، هل متعلقها المسمى
ــــــ[172]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أو الصلاة. والصحيح ان متعلقها الصلاة الصحيحة من غير هذه الجهة، لا المسمى.
ولكن قد يقال: انه إذا كان متعلقها المسمى كان أخذ القيد ممكنا، لان التسمية خفيفة المؤونة، فيمكن فيها القيد المفهومي.
إلا ان الأمر ليس كذلك. لان المفروض انه في طول المسمى أي التسمية، فيستحيل أخذها فيها. نحو قوله: لا تأتِ بالمسمى صلاة.
وخلاصة القول: ان الصحيحي اما ان يريد الوضع اللغوي أو الشرعي. فان أراد الوضع اللغوي، فالمفروض انه لا ارتباط له في الشريعة، والواضع يجهل شرائط الشارع ولا يهتم بها بما هو لغوي.
وان أراد الصحيح العرفي، إذن فكل هذه الكلمات بلا موجب، لان الصحيح العرفي اقل تعقيدا من الصحيح الشرعي.
وان أراد الوضع المتشرعي، فمن الممكن القول انه بعد تشريع المأمور به تام الأجزاء والشرائط، لوحظ بما هو كذلك ووضع له اللفظ.
وان أراد الوضع والتشريع بنفس اللفظ، فهذا راجع إلى التلازم بين الوضع والأمر. فقد أمر بما وضع ووضع ما أمر. وما يطرأ على المأمور به يطرأ على المسمى. وما يستحيل أخذه في المأمور به يستحيل أخذه في الوضع، لأنهما في رتبة واحدة على الفرض.
إلا اننا قلنا بإمكان أخذ ما هو متأخر رتبة في متعلق الأمر، كما اننا نفينا الوضع بنحو الحقيقة الشرعية. وقلنا هناك: ان الحقيقة اللغوية مبنية على الأعم لا على الصحيح. هذا، مضافا إلى ما يأتي من صعوبة أو تعذر الجامعي
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الصحيحي، كما سيأتي.
الجهة الرابعة: الكلام في تصور الجامع بناء على كلا القولين. إذ لابد من تصور جامع وحداني يشترك فيه جميع الأفراد ليكون هو الموضوع له.
قال الأستاذ المحقق: انه لا يختلف في ذلك بين ان نقول: ان الموضوع له خاص أو عام، كما لا فرق بين الصحيحي والأعمي. فان وضع اللفظ لابد ان يكون لجامع على أية حال ليكون هو المعنى.
فان كان الجامع هو الأعمي والوضع عام، فالموضوع له يكون هو الجنس على سعته. وان كان هو الصحيحي والوضع عام فالموضوع له هو الحصة. وهي أيضا معنى كلي تحتاج إلى جامع.
وإذا كان الموضوع له خاصا أي النظر إلى الأفراد، فلابد من جامع أعمي أو صحيحي يكشف عنها ويوصل إليها. فلابد من الجامع على كل حال.
واما الاشتراك اللفظي بتصور الوضع أو الحقيقة في البعض والمجاز في البعض الآخر، فهو مقطوع البطلان. كما يظهر من إطلاق لفظ الصلاة على كل أصنافها على نسق واحد.
أقول: وهذا مورد تعليقنا:
أولاً: اننا إذا كنا صحيحيين فالفاسد صلاة مجازية. وإذا كنا أعميين فالفاسد في نظر العرف والمتشرعة صلاة مجازية أيضا.
ثانياً: اننا إذا قلنا اننا لا نجد فرقا حقيقة بين حصص الصلاة، فهذا نحو من الإطلاق أو الاستعمال المتشرعي. وهذا معناه تعدد الواضع: وبالتالي تعدد الوضع: وضع لغوي ووضع متشرعي. وهذا الأخير قد انتج
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الاستعمال الحقيقي في الأصناف كلها، إلا انه لا يلازم الوضع اللغوي كما هو واضح.
ونقل الأستاذ المحقق عن المحقق النائيني قدس سرهما: انه ليس لابد من تصور الجامع، بل بوضع اللفظ للفرد الاعلائي، ويكون استعماله في غيره من باب الإدعاء والتنزيل أو من باب الاشتراك في الأثر.
اما على مسلك الصحيحي فتصدق كلتا العنايتين. واما على الأعمي فقد ذكرهما أيضا، وهو سهو منه في الاشتراك في الأثر لان الفاسد لا اثر له. مضافا إلى ان التنزيل يلازم المجاز على كلا المسلكين.
هذا، مضافا إلى انه لابد من تصور الجامع للفرد الاعلائي أيضا. فلا يتم ما ادعاه من عدم لزوم تصور الجامع إطلاقا. نعم الجامع المبحوث عنه في هذا الباب يكون منتفيا، وهو الجامع بين كل الحصص الصحيحة أو الصحيحة والفاسدة. لكن يبقى خصوص الجامع بين الأفراد الاعلائية من الصلاة.
واما الأستاذ المحقق فقد أجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: وجدان صدق الصلاة حقيقة على كل المراتب. ولو تم ما قال لكان محتاجا إلى التنزيل. ولاشك ان المتشرعة يغفلون عند الاستعمال عن التنزيل أو الاشتراك في الأثر.
إلا ان هذا بمجرده لا يتم: أولاً: لإمكان القول: بان التنزيل شرط ارتكازي عام غير ملتفت إليه. وثانياً: ان المراتب الناقصة على كلا المسلكين. لابد فيها من التنزيل على كل حال. بل هي مجاز قطعا.
الجواب الثاني: ان المراتب العليا للصلوات مختلفة، كالصبح والمغرب
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والظهر والآيات. فلابد من تحصيل الجامع بينها، ليكون اللفظ موضوعا له. للقطع بعدم الاشتراك اللفظي.
إلا ان هذا بمجرده لا يتم، لأنه يمكن للمحقق النائيني ان يقول: ان نظري خاص بالصلوات اليومية، ولاشك في ان لها فرد اعلائيا واحدا، متكونا من أربع ركعات اختيارية، ويكون الأقل منه منزلا عليه، سواء كان اختياريا أم اضطراريا، وسواء كان واجبا أم مستحبا، حتى صلاة العيدين والجمعة، بل حتى صلاة الآيات وان اختلفت صورتها لان باب التنزيل واسع.
نعم الاشتراك في الأثر ان قصد به صنف واحد منه لم يكن كافيا، بل لابد من تحصيل جامع الأثر، فان صلاة الصبح مسقطة لأمرها وصلاة المغرب مسقطة لأمرها وهكذا.
ومن هنا انقدح الجواب على ما قاله المحقق النائيني قدس سره من ان القصر والتمام في عرض واحد، ولابد من تحصيل جامع بينهما على كلا المسلكين.
وجوابه: انه بناء على مسلك الصحيحي يمكن تنزيل القصر منزلة التمام، وكذلك الاشتراك في الأثر سواء بالمعنى الكلي أو الجزئي.
واما بناء على مسلك الأعمي، فالأمر مختلف، إذ لا معنى لترتيب الأثر فضلا عن الاشتراك فيه. واما التنزيل فهو خلاف الوجدان. إذ يلزم منه تنزيل الفاسد منزلة الصحيح. بل ان الصحيح الأعلائي قد يكون فاسداً أعلائياً أحيانا. وهو مما لا يلتفت إليه العرف ولا المتشرعة في نظرهم التسامحي. مضافا إلى لزوم المجاز كما قلنا لأنه لازم التنزيل لا محالة.
ولا يلزم ما يفهم من بعض كلمات السيد الأستاذ من انه بناء عليه يتعذر التعبير عن الفرد الفاسد، كقولنا صلاة فاسدة. بتقريب: انها بناء عليه إنما تكون
ــــــ[176]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
صلاة إذا كانت منزّلة منزلة الصحيح. وإذا كانت منزلة كذلك تعذر الحكم بفسادها، وإذا لم تكن منزلة كذلك، لم تكن صلاة على المفروض.
جوابه:
أولاً: ان التنزيل لا يلازم قصد الصحة الحقيقي ليتعذر الحكم بالبطلان. فيمكن القول بان الصلاة المنزلة منزلة الصحيح هي فاسدة.
ثانياً: ان المجاز يمكن ان يكون بقرينة أخرى غير التنزيل.
تصوير الجامع على المسلكين:
أولاً: تصوير الجامع بناء على الصحيح.
قال الشيخ الآخوند، ان هذا الجامع معروف بآثاره. فان الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر ذلك الأثر.
وهذا له أحد تفسيرين أحدهما متقدم رتبة على الآخر، فالأسبق رتبة هو ما فهمه الأستاذ المحقق والمتأخر هو ما نذكره. لان الأستاذ المحقق فهم اصل وجوده من آثاره. وفهمنا حد وجوده منه، كما سنذكر.
اما ما ذكره الأستاذ المحقق في فهم مقصود الآخوند، فهو انه تمسك بقاعدة: ان الواحد لا يصدر منه إلا الواحد. وحيث ان الصحيح له آثار معينة، فهي لا تصدر إلا من سبب مشترك وهو الجامع. وحيث ان الأثر واحد فالمؤثر واحد. واما الجامع الأعمي فلا اثر له، إذن، لا طريق لنا إلى كشف الجامع.
وأجاب على ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذا إنما يأتي في الفواعل الطبيعية القهرية، ولا يأتي في
ــــــ[177]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفواعل الاختيارية.
جوابه: ان ندعي ان هذا (يعني نتائج العبادة وآثارها) إنما هو اثر وضعي توليدي وليس اختياريا. فان قلت: انه ولو لم يمكن بالمباشرة باختيار العبد، إلا انه باختيار الله سبحانه.
قلنا: إذا مشينا هذا الممشى لغت قاعدة: ان الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، لان المخلوقات كلها باختيار الله سبحانه. في حين ان المفروض التسليم بها في هذه المرحلة من التفكير.
الوجه الثاني: ان هذه القاعدة لو سلمت فإنما تأتي في الواحد الشخصي لا الواحد النوعي. وكل كلامنا من الواحد النوعي, لان النهي عن المنكر أمر نوعي يتعدد بتعدد الصلاة.
جوابه: ان القاعدة عندهم شاملة للفردي والنوعي معا. إذ لابد من اتحاد السنخية بين العلة والمعلول، وإلا صدر كل شيء من كل شيء. وهو خلاف الوجدان. والاتحاد في السنخية معنى عام يشمل عندهم النوعية والعدد.
الوجه الثالث: انه قال: ان هذا يتم في الوحدة الحقيقية أو الماهوية والمقولية، لا في الوحدة الاعتبارية. في حين ان النهي عن الفحشاء وحدته اعتبارية لا مقولية، لأنه ينتزع من ترك الأعمال القبيحة عموما. ولا مانع من الانتزاع من الأمور المتباينة خارجا. ومعه فلا كاشف عن جهة جامعة مقولية ذاتية. وإنما الجامع عنواني بين الأفراد الصحيحة، كالناهي عن الفحشاء والمنكر. ومن الضروري عدم وضع الصلاة لنفس العنوان.
جوابه: ان للشيخ الآخوند ان يقول: ان القاعدة تشمل كلا الجهتين المقولية والانتزاعية. فتكون شاملة للمورد. سواء قلنا ان العلة والمعلول هنا
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
من الأمور الانتزاعية، أو قلنا: ان الوضع في الحقيقة لا يكون لعنوان الناهي بل لمنشأ انتزاع العنوان وهو ذات الصلاة الصحيحة، وهي من الأمور المقولية.
أو نقول: ان هذا العنوان ليس ثابتا في طول الأمر. بل هو ملازم للذات المأمور بها بغض النظر عن الأمر.
الوجه الرابع: انه قال: ان الأثر غير مترتب على الجامع بل على الأفراد بشرائطها. وما يكون شرطا في هذه الصلاة لا يكون كذلك في الأخرى. فكيف يتصور الجامع بين أفراد متناقضة بحيث يكون هو المؤثر. فلو كان الجامع المقولي متعقلا، لما كان لنا طريق إلى إثباته.
جوابه: ان هذا الوجه ان رجع إلى استحالة تصور الجامع، كان وجها لمناقشة المسلك الصحيحي. لا خصوص الآخوند. وسيأتي الكلام عنه.
وان تنزلنا عن ذلك لم يتم لأنهم قالوا: ان الطبيعي موجود في الفرد، فيمكن ان يكون هو المؤثر حقيقة، فان الأفراد أو كل فرد متكون من الكلي والمشخصات أو الجهة المشتركة والجهة المشخصة.
فان قلت: فانهم قالوا ذلك في الجامع أو الكلي الحقيقي أو المقولي، وموردنا إنما هو الجامع الاعتباري. قلنا: أولاً: لا نمانع فيه ذلك أيضا.
ثانياً: ان الأستاذ المحقق هنا تنزل عن جهة الاعتبارية التي ذكرها في الوجه الثاني. واستشكل بعنوان الجامع المقولي. ومعه يمكن ان يكون مصداقا مما قلناه.
بل على تقدير صحة تلك القاعدة لا يمكن غيره، لان الأفراد متباينة والكلي واحد. وهذا صحيح حتى بناء على كون الجامع انتزاعياً فضلا عن
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجامع المقولي.
نعم، يمكن جوابه: بأننا نأخذ القاعدة – على ما هو المشهور – أعني: الواحد لا يصدر إلا من واحد. على انها شاملة للكلي والجزئي، ولكنها خاصة بالوحدة المقولية، كما هي خاصة بالفواعل الاضطرارية، ومعه سوف يتخلف عدة شروط فيها:
أولاً: انها ليس فيها وحدة مقولية بل اعتبارية.
ثانياً: انها ليس فيها وحدة اعتبارية إلا بوحدة الأثر، والمفروض انه أول الكلام.
ثالثاً: انها ليس بينها جامع لا مقولي ولا انتزاعي، وإنما توجد عدة كليات انتزاعية منطبقة عليها. فإذا تمت القاعدة، لزمنا القول: ان النواهي (يعني عن الفحشاء والمنكر كأثر للصلاة) والآثار على أصناف مختلفة، بحيث تتصنّف بأصناف عللها. فان نفينا ذلك كان ذلك دليلا على فساد القاعدة أو على عدم شمولها للانتزاعيات.
رابعاً: ما ذكره الأستاذ المحقق من ان الفاعل هنا اختياري. غير انه لا يتم إلا بضم القاعدة: ان ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار. وهو ما لم يذكره. ولو تم لم يخل بمضمون القاعدة فلسفيا، إذ قد يقال: بكفاية القسرية المباشرة، وهي حاصلة. وان كان اصل الدخول إلى الصلاة اختياريا، كالنار التي أشعلها الفرد باختياره ثم احترق بها.
خامساً: اننا كيف نعرف وجود المناسبة بين العلة والمعلول في مورد الكلام. إذ يمكن ان يقال: انه لا مناسبة بينهما من اكثر من جهة:
ــــــ[180]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجهة الأولى: ان العلية المنصوصة في القرآن الكريم. وهي النهي عن الفحشاء والمنكر تختلف سنخا عن الصلاة لا محالة.
فان قلت: انها أمور انتزاعية ولا توجد القاعدة فيها.
قلنا:
1 – اننا يمكن ان نقول بتعميمها.
2 – انه لو وقع التعارض هنا بين الأمور الانتزاعية والأمور المقولية، فالأمور المقولية هي المقدمة. ونحن نجد ان الأمور المقولية مختلفة ومتعددة.
3 – انه يمكن القول ان ما هو منشأ للعلية والمعلولية، هو فقط الأمور الواقعية وليست الأمور الانتزاعية. فليس منشأ النهي عن الفحشاء هو عنوان الصلاة بل واقع أفعالها.
الجهة الثانية: ان هناك سنخين أو اكثر من المعلولات تحصل في الصلاة، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي معراج المؤمن وهي قربان كل تقي، ونحو ذلك. وهذه النتائج مختلفة في السنخ والمقولية. فإذا كانت الصلاة مناسبة لواحد منها فلا يحتمل انها مناسبة مع الجميع.
لا يقال: انه يمكن الاستدلال بالآية الكريمة وبسائر أدلتها على وحدة السنخ بين العلة ومعلولاتها، إذ لو لم تكن كذلك لم تكن علة.
فان يقال: أولاً: انه لم يثبت أصلا ان النتائج الموعودة من سنخ المعلول، وإنما هي رحمة ابتداء من الله سبحانه.
ثانياً: انه من المؤكد، ولا اقل من الاحتمال بأنها حكمة وليست علة، لان
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هذه المعلولات تترتب على الصلاة الصحيحة. والمراد فقهيا من الصلاة الصحيحة: المجزية وليست المقبولة. ولا دليل على ترتب الأثر على المجزية. بل الأثر مختص بالمقبولة لا محالة. والمقبول من سنخ واحد. واما المجزي فليس سنخا واحدا، لأنه معنى منتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به من مقولات مختلفة. إذن، فانطباق القاعدة بحيث يستنتج منها وجود جامع صحيحي، متعذر.
هذا كله من حيث فهم الأستاذ المحقق لمراد الشيخ الآخوند.
واما ما فهمناه من كلام الشيخ الآخوند: فهو انه لا حاجة إلى تجشم الفحص عن الجامع الصحيحي ومقيداته وشرائطه، أو كونه بسيطا أو مركبا ونحو ذلك. فاننا على أية حال نستدل عليه بوجود أثره باعتبار القاعدة المشار إليها. فيمكن الإشارة إليه بآثاره. وان صعب تصوره علينا، لورود اشكالات عليه. إلا ان العلم إجمالا بوجوده يكفي.
إلا ان هذا بمجرده لا يكفي. لان تلك الاشكالات التي هرب منها الشيخ الآخوند هي اما صحيحة أو لا. فان تمت فمعناها استحالة تصور الجامع ثبوتا. فلابد من ان نجد لهذه الآثار سببا آخر. نعم، لو لم تتم أو رجعت إلى تعذر الإثبات فقط. كان هذا وجها لإثباته.
على انه يرد عليه أيضا:
أولاً: ان الأمر غير مربوط بصعوبة معرفة الجامع أو صعوبة التعبير عنه في اللغة بلفظ آخر، بل يمكن الاستدلال عليه سواء سهل ذلك أم صعب. كما يمكن التعبير عنه بألفاظ عديدة يقيد بعضها بعضا، ان لم يمكن ذلك بتعبير واحد.
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان الأمر غير مربوط بقاعدة: ان الواحد لا يصدر منه إلا الواحد. بل بمطلق قانون العلية، بمعنى اننا إذا رأينا المعلول عرفنا وجود العلة إنّاً إجمالا. وهذا يكفي.
ثالثاً: اننا بعد ان نفينا شمول القاعدة للانتزاعيات، فانه لا يثبت كلا الوجهين أو الفهمين، يعني بساطة الجامع أو تركبه.
رابعاً: انه لو تم هذا الفهم، فلا يكون المقصود تاما، لأنه لابد من البرهنة على اصل وجوده، لإحراز تفاصيله إجمالا.
اللهم إلا ان يقال: ان هذه القاعدة كافية لكلتا الجهتين، وقد رأينا انها غير كافية.
ثم انه قد يظهر من سياق كلامنا أمران لا يخلوان من تهافت:
الأول: ان الأمور الانتزاعية غير مؤثرة.
الثاني: انها واقعية ومؤثرة.
وهذا راجع إلى تهافت كلام الأصوليين، بان العبادة هل هي أمر انتزاعي أو واقعي.
والواقع ان كل ماله منشأ انتزاع واقعي أو خارجي، يمكن ان يكون مؤثرا، ويكون التأثير لمنشأ انتزاعه. واما إذا لم يكن له منشأ انتزاع كالأمور الاعتبارية والأمور الانتزاعية المجازية، لوصح التعبير. فانها لا تكون مؤثرة لأنه يرجع الأمر إلى ان الصورة الذهنية مؤثرة في الخارج أو في الواقع، وهو محال.
غير ان الصلاة الصحيحة، لها منشأ انتزاع في الخارج أو في الواقع، في
ــــــ[183]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الخارج كفرد وفي الواقع ككلي، فيمكن ان تنتج تلك الآثار والنتائج. واما نفس هذا العنوان الانتزاعي كالصلاة الصحيحة أو التامة أو المطابقة، فلا.
الإشكال الرئيسي على الجامع الصحيحي :
وهو ما ذكره في الكفاية، من ان هذا الجامع لا يمكن ان يكون تركيبيا ولا ان يكون بسيطا. اما عدم كونه تركيبيا، فلأن كل ما فرض جامعا فانه يمكن ان يكون صحيحا وان يكون فاسدا.
واما عدم كونه بسيطا، فلأنه اما ان يكون عنوان المطلوب أو ملزوما مساويا له. لان الأعم والأخص لا ينفع في هذا المورد. لان المطلوب هو الفرد الصحيح.
والأول وهو عنوان المطلوب غير معقول لعدة اشكالات:
1 – انه في طول الطلب فلا يمكن أخذه فيه.
2 – لزوم الترادف بين لفظ الصلاة والمطلوب. مع ان هذا مستنكر لغة وعرفا.
3 – عدم جريان البراءة مع الشك في أجزاء العبادات وشرائطها لعدم الإجمال في المأمور به. وإنما الشك في المحصّل وما يتحقق به. فيكون مجرى للاشتغال لا للبراءة. وبهذا الشكل أيضا لو كان البسيط هو ملزوم الطلب أيضا.
هناك محاولات على جوابه بصفته جامعا تركيبيا، وعلى جوابه بصفته جامعا بسيطا. نذكرهما معا.
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اما بصفته جامعا تركيبيا، فقد قام السيد الأستاذ بعدة تقريبات لعلها ترجع إلى نكتة فنيّة واحدة كما سترى.
التقريب الأول: ان النظر في هذا الإشكال إلى جانب الوجود. وهو وجود واحد. فاما ان يكون دخيلا أم لا.
إلا ان هذا الوجه له أنحاء من العدم: العدم الناشئ من الاضطرار والعدم الناشئ من النسيان والعدم الناشئ من العصيان، والعدم الناشئ من التقية وهكذا. وهذا يصدق في أجزاء الصلاة وفي شرائطها معا.
وعندئذ فيقال: ان الجامع الصحيحي هو العمل الذي لا يصدق عليه فقدانات معينة، كالفقدان العمدي للفاتحة أو العمدي والنسياني للوضوء. وهكذا. فإذا ترك الأخرس الفاتحة يصدق عليه الجامع. وإذا تركه مع الاختيار لا يصدق عليه الجامع.
التقريب الثاني: ان النظر في الإشكال إلى الأجزاء بمطلق وجودها. ولكن يمكن تقييد الجامع بالجزء أو الشرط في ظرف معين. كالغسل المسبوق بالجنابة أو الوضوء المسبوق بالنوم. أو الحمد الفاقدة للبسملة في ظرف التقية. أو الصلاة جلوسا في ظرف المرض. وهكذا. وفرقه عن سابقه ان هذا تقييد الوجود وذاك تقييد العدم.
إلا ان الصحيح ان مرجعهما إلى محصل واحد، لان الوجود والعدم متواردان على موضوع واحد. فإذا قيدنا عدم القيام بالاضطرار قيدنا القيام بعدمه. وهكذا، فرجعا إلى وجه واحد. مضافا إلى اشكالات أخرى تأتي.
التقريب الثالث: اننا نقسم أجزاء الصلاة وشرائطها إلى خمسة أقسام:
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القسم الأول: ما يؤخذ جزء أو شرطا في الصلاة بنحو الركنية. بحيث تفسد الصلاة بعدمه بكل الصور. فيؤخذ بنفسه جزء أو شرطا في الجامع. ومثّل له بقصد القربة والإسلام.
القسم الثاني: ما له بدل عرضي تخييري كالتسبيحات والقراءة في الركعة الثالثة. فيؤخذ الجامع بينهما (وهو عنوان أحدهما) في الجامع التركيبي الصحيحي. ومع تحققه تصح الصلاة وبدونه تبطل.
القسم الثالث: ما له بدل غير تخييري، كالغسل والوضوء وصلاة المسافر. فان أخذ أحدهما في الجامع الصحيحي خرج الآخر. وان أخذنا الجامع بينهما (كالوضوء والغسل) لم ينفع، لأنه ينطبق على وضوء المحدث بالأكبر وغسل المحدث بالأصغر، وهو خلاف المشروع.
وجوابه: اننا نأخذ الوضوء والغسل لا مطلقا، بل مقيدا بسببه، يعني الغسل المسبوق بكذا والوضوء المسبوق بكذا. ونلحظ الجامع الانتزاعي بينها قيدا في الجامع الصحيحي، وكذلك الحال في السفر، فنقول: الركعتين حال السفر.
القسم الرابع: ما له بدل طولي كالوضوء والتيمم، أو القراءة والإشارة للأخرس. فنقول نفس الشي السابق، وهو عدم أخذ الجزء السابق مطلقا قيدا بل مقيدا ومقرونا بسببه.
القسم الخامس: ما تصح الصلاة بدونه بلا بدل، كترك البسملة للتقية.
هنا إشكال بعدم إمكان أخذ الجزء مطلقا كما هو معلوم، وعدم إمكان أخذه في ظرف التقية. لان التقية حال خارجي وليست جزء أو شرطا ليقيد به الجامع. فلا يكون الجامع بين البسملة والتقية جزء كما في الأقسام السابقة.
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قال: ويجاب عن ذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: تطبيق فكرة التقريب الأول. وهي ان الصلاة لا تكون فاقدة للبسملة فقدا اختياريا. يعني النظر إلى تقييد العدم.
الأمر الثاني: تطبيق فكرة التقريب الثاني: بان يقال: ان ما هو غير ممكن هو الجامع بين البسملة والتقية، لا الجامع بين البسملة في ظرف الاختيار وعدمها في ظرف التقية. فانها فعل من أفعال المكلف وتقع تحت الاختيار. بخلاف نفس حال التقية.
أقول: وبذلك رجع هذا التقريب إلى سوابقه، وكلها رجعت إلى تقريب واحد، كما سبق.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما قلناه من رجوع التقريبات الثلاثة إلى تقريب واحد، ومؤداها تقييد الماهية بشيء وتقييد عدمها بضده أو نقيضه.
الوجه الثاني: ان القائل بالصحيح، قائل بالوضع له لغة، فهل يقال: ان هذه التقييدات الدقية دخيلة لغة وعرفا. وهل كان الواضع عارفا بالشرائط الشرعية الإسلامية، قبل الإسلام ؟
ويمكن تقريب ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: ان الواضع هو الله سبحانه. وهو عالم بالصلاة الصحيحة على واقعها فيضع لها اللفظ.
وجوابه: اننا قلنا في مبحث الوضع ان الله تعالى واضع للغة الأولى لا لكل
ــــــ[187]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لغة. وإنما الأوضاع المتأخرة ناشئة من وضع المخلوقين التعييني أو التعيني.
فان قيل: ان كل شيء مستند إلى الله سبحانه، فيمكن ان يكون كل الأوضاع منتسبة إليه. قلنا: نحن هنا نبحث عن الأسباب وكذلك القائل بالوضع، فان الوضع من جملة الأسباب. وقد عرفنا ان السبب في اللغات المتأخرة هو البشر.
التقريب الثاني: القول بالحقيقة الشرعية أو المتشرعية في زمن المعصومين ، وهم عالمون بالصلاة الصحيحة. فيضعون لها اللفظ وخاصة إذا قلنا بالوضع بالاستعمال. فان: أقيموا الصلاة، كذلك. والمأمور به عين الموضوع له.
إلا ان هذا لا يتم:
أولاً: لان الشارع المقدس حين يتعرض إلى اللغة اسباباً ومسببات، فإنما هو عرفي. وقد عرفنا ان هذه التدقيقات ليست عرفية، وخاصة إذا نظرنا إلى المصاديق الاضطرارية للصحيح، أو نظرنا إلى المزاحمات.
ثانياً: ان الوجدان قاض – كما سيأتي – بصدق الصلاة على الفاسدة. أو على المهم من أفرادها، فمن يكون الذي وضعه ؟
ثالثاً: يلزم أخذ ما هو متأخر عن الأمر متقدما عليه. وهذا لازم سواء كانت الماهية بسيطة أم مركبة. لان مفهوم الصحة والامتثال والمطابقة ونحوها، هي من معلولات الأمر على أية حال. فلا يمكن ان تؤخذ في متعلقه.
فان قلت: اننا نفينا هذه الاستحالة وقلنا بإمكان ذلك بنحو التخصيص بنحو الشرط المتأخر الذي يكون قيدا مفهوميا لما هو متقدم. وهذا لا محذور فيه.
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا: نعم، هذا لو كانت الماهية مركبا واحدا. واما لو كانت مركبات مختلفة، وفي مراتب طولية. فهذا ان لم يكن ممتنعا عقلا، فهو ممتنع عرفا. لأنه يقتضي إهمال الماهية ثبوتا، وهو مستحيل. مضافا إلى ما قلناه من عدم الصدق العرفي للصلاة في بعض المراتب الصحيحة، وصدقها عرفا في بعض المراتب الفاسدة.
الوجه الثالث: في الإشكال على كلام السيد الأستاذ:
ان الفروق والقيود التي ذكرها على أقسام:
أولاً: الحالة الحكمية، كالحدث الأكبر والأصغر.
ثانياً: الحالة الوجدانية، كالشك والظن والعلم.
ثالثاً: الحالة الذاتية، كالاختيار والاضطرار والإكراه.
رابعاً: الحالة الموضوعية كالتقية وعدمها أو الحر والبرد ونحو ذلك. وهنا لا يمكن ان تكون كل الفروق على قدم المساواة للأجزاء والشرائط وخاصة إذا التفتنا إلى بعض الأمور:
1 – ان هذه الأحوال في ما بينها ذات رتب مختلفة وعوالم متعددة.
2 – ان هذه القيود مع الأفعال ذات رتب متعددة، كالشك في الكبرى، فانه اسبق رتبة عن الشك في الصغرى والمصداق.
3 – لتعدد الاحتمالات بحساب تلك الحالات. فيكون فعلا مقيدا بأكثر من قيد. كالاضطرار والتقية والاستعجال وغير ذلك.
4 – ان ما سميناه بالحالة الوجدانية تختلف، فيما له بدل عرضي أو
ــــــ[189]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
طولي، كاليقين بالتقية أو الاضطرار والشك فيها.
فان قلت: فان جميعها تكون قيدا للجامع الصحيحي التركيبي كل بحسبه حسب ما دلّ عليه الدليل، ولا ضير في ذلك.
قلت: يجاب بأكثر من جواب واحد:
أولاً: ان النتيجة تكون غير عرفية أكيدا في عدد من حصصه.
ثانياً: ان هذه التقييدات لا تؤدي إلى انضباط الماهية في رتبة واحدة، لأنها – أعني هذه التقييدات – في رتب متعددة.
فان قلت: فان مقتضى القاعدة كونها كذلك، وسقوط الأمر بها مع تعذرها. غاية الامر: يتولد جديد بما هو ممكن.
قلنا: القائل بالمسلك الصحيحي ان خصّ دعواه بالماهية الرئيسية الاختيارية، فقد أراح واستراح ولم يرد هذا الإشكال. لأنه ليس كل شيء هو اما صحيح واما فاسد، بل هذه المرتبة هي صحيح غير فاسد. وان عممّ دعواه إلى سائر المراتب، لم تفد هذه التقييدات لتحديد جامع المأمور به الواقعي، لكونها تقييدات طولية، والانطباق الطولي لماهية واحدة متعذر عقلا وعرفا.
فان قلت: فان هناك أوامر طولية متعددة لماهيات منضبطة كل حسب رتبته.
قلنا: نعم، إلا انها: أولاً: غير عرفية باعتبار كون تلك القيود دقية خارجة عن تصور العرف والمفروض ان الوضع اللغوي لا يناسب ذلك.
ثانياً: ملاحظة بطلان الصلاة مع التزاحم مع الأهم. فانه لا يصلح قيدا
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
للمسمى أكيدا.
ثالثاً: ان هناك مصاديق غير عرفية للأجزاء كالركوع بالعين ونحوه. فانه لا يسمى عرفا ركوعا، وهكذا.
فان قلت: انها مقيدة بالإمكان، وهو قيد عرفي للجامع. قلنا: هذا يرفع الإشكال الأول دون الاشكالين الأخيرين.
فان قلت: فانها أمور انتزاعية وليست مقولية، فيمكن ان تدخل في المسمى جميعا. قلنا: لو سلمنا كونها انتزاعية، فان تعدد الرتب يؤدي إلى تعدد العناوين الانتزاعية، فنسأل ان المسمى أيّاً منها؟
فان قلت: فان الجامع التركيبي الصحيحي، يمكن اختياره في الصلاة الاختيارية الجامعة للأجزاء والشرائط، ولا يلزم من ذلك الإشكال. اما العرف فهو يوافق على كونها صلاة أكيدا، كما يوافق على صدق عناوين أجزائها وشرائطها. وهي لا تخرج ببعض النقائص عن كونها فردا عرفيا، غاية الامر انه من قبيل العجز المستتبع لسقوط الأمر.
وبتعبير آخر: ان بطلان الصلاة الاختيارية ليس عزيمة بل رخصة. إذن، فتكون مطلوبة مادامت ممكنة. واما إذا لم تصبح ممكنة سقط الأمر رأسا. واما الأفراد الأخرى التي يتجدد فيها الطلب، فهي ليست صلوات، وإنما هي بدائل تعبدية عن الصلاة الاختيارية، كالجلوس مثلا.
وهذا الوجه مبني على ان سقوط الأمر الاختياري على نحوين: اما رخصة واما عجزا، وليس هناك سقوط عزيمة بحيث يكون فيه هذا الفرد حراما.
ولكن الصحيح هو ذلك، كما في صورة تضيق الوقت، أو الخوف على
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النفس أو العلم بحصول الوفاة. فان الإتيان بالزائد يكون حراما. فقد حصل الفرد الاختياري منهيا عنه.
مضافا إلى ان الأمر عند العجز يكون ساقطا فتقع الصلاة باطلة، ولا نحتاج لان تكون حراما.
اللهم إلا ان نقيد الصلاة الاختيارية اما محمولا أو موضوعا. فنقيدها محمولا بكونها الصلاة الاختيارية المأمور بها. وإذا كانت مأمورا بها لم تقع باطلة. إلا انه تقييد باطل، إذ يلزم منه تأخر المتقدم، ولا معنى لتقييد الصلاة المأمور بها بكونها مأمورا بها. أو تقييدها موضوعا بكونها الصلاة الاختيارية الممكنة، أو في ظرف الإمكان. وهو تعبير آخر عن الاختيار.
التقريب الرابع: لتصور الجامع التركيبي الصحيحي، وهو متكون من عدة فقرات:
الفقرة الأولى: ان الوجود والماهية أمران متعاكسان في السعة والإطلاق. فان سعة سنخ الماهيات من جهة الضعف والإبهام وسعة سنخ الوجود من فرط الفعلية. فلذا كلما كان الضعف والإبهام في المعنى اكثر كان الإطلاق اكثر. وكلما كان الوجود اشدّ، كان الإطلاق اكثر. فالإطلاق ناتج من قوة الوجود وضعف الماهية. ولذا لا نجد في فرد الماهيات الحقيقة إبهاما، كالإنسان. فانه لا إبهام فيه من حيث الجنس والفصل، وإنما الإبهام في عوارض النفس والبدن، ولوازم الماهية والوجود.
الفقرة الثانية: ان الماهية إذا كانت مركبة من أمور مختلفة متعددة تزيد وتنقص كمّاً وكيفا. فمقتضى الوضع لها ان تلاحظ على إبهامها وشتاتها.
فقولنا: الخمر مائع، مبهم من حيث اتخاذه من العنب أو التمر ومن حيث
ــــــ[192]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اللون أو الرائحة ومن حيث مرتبة الاسكار. ولذا لا يمكن وصفه إلا من حيث أثره وهو المسكرية بمطلق وجودها بدون لحاظ الخصوصية.
كذلك لفظ الصلاة موضوع بكل مرتبها المختلفة شدّة وضعفا. أو قل انه موضوع لسنخ عمل معرّفه النهي عن الفحشاء والمنكر.
الفقرة الثالثة: ان العرف ينتقلون من لفظ الصلاة إلى سنخ عمل خاص مبهم إلا من حيث كونه مطلوبا في الأوقات المخصوصة. ولم يؤخذ فيها الخصوصية البدلية أو غيرها.
كما ان الإبهام غير الترديد. وهذا لا يفرق فيه بين الجامع الذاتي المقولي والجامع الانتزاعي. ولا حاجة معه إلى القول بالاشتراك اللفظي.
وجوابه من وجوه:
أولاً: ان الأستاذ المحقق وافقه على الأمر الأول مع انه محل نقاش. إلا انه قال انه خارج عن محل الكلام لأنه أمر فلسفي وليس أصوليا.
ويكفينا في النقاش: انه ماذا يقصد من ضعف الماهية وضعف الوجود أو قوتهما. وهو مما يستحيل تحققه في الخارج. وإنما تكون الصورة الذهنية عنه غير تامة إثباتا.
ولو تم أمكن ان يقال: ان قوة الوجود محددة عقليا. كما ان الماهيات المقولية محددة وليست مطلقة، ويستحيل ان تكون مبهمة لفرض تحددها بالجنس والفصل. واما الضمائم والمقارنات فهي خارجة عن الماهية ولوازمها، فإطلاقها ليس إطلاقا للماهية.
واما الماهيات الاعتبارية فهي سهلة المؤونة، لان الاعتبار أمر ذهني إثباتي
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وليس ثبوتيا، فالترديد ذهني وليس خارجيا ولا واقعيا.
كما يمكن ان يقال بالعكس: ان الماهيات كلها ذات إبهام. لان الجنس والفصل وحده لا يكفي لصدق النوع، ما لم يكن هناك انتزاع عرفي. ومعه تكون الماهية الحقيقة أيضا مرددة. وهو باطل. إلا ان الامر في الحقيقة راجع إلى الإثبات الذهني والانتزاع لا إلى عالم الثبوت.
واما قوة الوجود، فيريد به الفلاسفة أمرين: كثرة آثاره، وكونه واجبا. وكلاهما خارج عن محل الكلام. ولا يمثل معنى الإطلاق الاثباتي الذي نتوخاه في الفقه والأصول، ولا يلازمه أصلا. وإنما تلك سعة ثبوتية بمعنى شمول الوجود لعدد كبير من الأشياء.
وآثار الوجود معنى عرفائي لا يراد به كثرة المعلولات، وإنما يمثلون لها بشدة العقل أو العلم أو القدرة.
فان قلت: هذا أيضا من أوصاف الماهية. قلنا: إذن ينقض بوجود الله سبحانه. لأنه لا ماهية له. مع انه متصف بصفات الكمال.
اللهم إلا ان تقول بأصالة الماهية، وان الوجود معنى متواطئ ومتساوي النسبة بين الموجودات ولا معنى لشدته. إلا ان أصالة الماهية مسلك غير صحيح، كما هو محقق في محله.
وشدة الوجود يراد بها اختلاف العوالم والمراتب، كالوجوب والإمكان وعالم الأمر وعالم الواقع وعالم الخارج وعالم الذهن وعالم البرزخ وهكذا. وهذه سعة ثبوتية لا ربط لها بالإطلاق على الإطلاق.
ثانياً: ان ضعف الماهيات لا معنى له. لان عالم الثبوت قائم بالماهيات
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المقولية وهي محددة. وغير قائم على الماهيات الانتزاعية، وإنما تكون الماهيات الانتزاعية ناقصة لنقصان الانتزاع نفسه. فرجع الامر إلى الإثبات دون الثبوت. والماهيات المركبة تتكون عادة من عدد من الماهيات المقولية، والماهيات المقولية محددة ثبوتا, ويستحيل فيها التشكيك، يعني ان تكون مشككة.
وما سبق منّا من ان الماهيات المقولية مشككة، ليس صحيحا على إطلاقه. فانها من حيث الآثار الذاتية محددة. واما الآثار غير الذاتية، فانها لا تعود إلى الماهية أصلا، أو قد تعود إلى ماهيات أخرى محددة بدورها.
فان قلت: ان هذا الكلام إنما هو في عالم الثبوت، ولكن كلامنا الأصلي في الوضع اللغوي وهو إثباتي. فلا ينافيه التحديد الثبوتي.
قلنا: نعم، ان الوضع يتعلق بالصور الذهنية لا بالماهيات أو الوجود الواقعي. والصور الذهنية وان بدت كونها فانية في الواقع، إلا ان من خصائصها النقصان والتشويش، أو هي في الحقيقة من باب التعرف على حيثية دون حيثية، وهذا أمر وجداني راجع إلى عالم الإثبات ولا ربط لعالم الثبوت به.
فكلام الشيخ الأصفهاني عن قوة الوجود أو الماهية أو ضعفهما لا ينفع في المقام، لأنها معاني ثبوتية. في حين ان الوضع والإطلاق وأضرابهما من الأمور الاثباتية.
تبقى بعض الملاحظات:
الأولى: ان الأستاذ المحقق يستشكل على معنى الإبهام وانه يستحيل ان يكون الشيء في ذاته مبهما. وهذا صحيح. إلا انه غير وارد على مراد الشيخ
ــــــ[195]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأصفهاني. لأنه لا يريد بالإبهام الغموض و الترديد وعدم التعين ليكون مستحيلا. بل ما سميناه بالإطلاق الثبوتي. وهو معقول في أمور:
منها: تشويش معلولات الماهية، وخاصة إذا لم نقل بضرورة المناسبة بين العلة والمعلول.
ومنها: تشويش ملازماتها. ومنها: تشويش صورتها الذهنية.
وإلا فالمفهوم عرفا من كلام الشيخ ثابت لا مراء فيه. ولذا ترى الأستاذ المحقق قال: ان الأمر الأول ظاهر والثاني باطل. مع ان الإبهام أخذ – ولو ضمنا- في كلا الأمرين.
الثانية: بالتطبيق على الصلاة فانها من حيث كونها ماهية مركبة من مقولات مختلفة لا تكون مبهمة ولا مطلقة إطلاقا ثبوتيا بعد الذي قلناه.
فان قلت: ان لها آثارا ومعلولات وهذا يدل على كونها ماهية قائمة بذاتها في عالم الاعتبار.
قلنا: هذا مخدوش كبرى وصغرى. اما كبرى، فلأننا يمكن ان ننكر ان يكون للماهيات الاعتبارية معلولات مستقلة عن ماهياتها المقولية. واما صغرى فلأننا ننكر ان الآثار هي معلولات للصلاة، وإنما هي عطاء من الله سبحانه.
واما ما قاله الأستاذ المحقق من ان حقيقة الصلاة متعينة بتجوهر ذاتها، أي في عالم الثبوت السابق على عالم الإثبات. فهذا غير محتمل أصلا، لا على المسلك الصحيح ولا على المسلك الأعمي.
اما على المسلك الصحيحي فواضح، لان الركوع المأمور به ليس واحدا في الماهية ولا السجود ولا غيره. واما على المسلك الأعمي، فلأن بينه وبين
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المسلك الصحيحي عموما من وجه لا عموماً مطلقا، كما هو المشهور، لانتفاء بعض ما هو صحيحي عن الأعمي، وانتفاء بعض ما هو أعمي عن الصحيحي.
مضافا إلى إمكان القول بأنه ليس للماهيات المركبة، ماهيات جوهرية، لتكون قائمة بتجوهر ذاتها، كما قال.
الثالثة: قال الأستاذ المحقق: ان الجامع العرضي بين الماهيات المركبة للصلاة, لا يكون مأمورا به، وإنما المأمور به هو الأجزاء المقيدة، وهو الذي يفهمه العرف.
وهذا غريب على المسلكين الصحيحي والأعمي. إذ يكون المسمى مجموعا تقييديا لا جامع له. مع العلم انه لابد من تصور الجامع لأجل تحديد المسمى، ولابد من تحديد المسمى لتحديد المأمور به.
الرابعة: ان ما قاله الشيخ الأصفهاني من ان العرف يفهم من الصلاة، سنخ عمل مبهم مطلوب في الأوقات الخاصة. لا يتم ولا يكفي عرفا على كلا المسلكين. اما على مسلك الصحيحي فلكونه موضوعاً للأعم، واما على الأعمي فلكونه محفوظ الصورة.
على انه ليس الكلام في باب الصحيح والأعم في خصوص الصلاة من العبادات، كما ليس الكلام فيه في خصوص الصلوات المؤقتة أو اليومية, كما ليس العرف كله دينيا أو إسلاميا يفهم ذلك. وإنما هو ارتكاز متشرعي، وليس عرفا بالمعنى الأعم.
كما ان للصلاة قضاء خارج الوقت. وهو خارج – ظاهراً – من حساب الشيخ الأصفهاني، غير انه داخل في حساب الصحيحي والأعمي. مضافا إلى ان الوضع يكون عن طريق الصور الذهنية، ومن هنا قد يكون المعنى الموضوع
ــــــ[197]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
له مبهما أو مشوشا.
وإنما نقول بوضع الألفاظ للماهيات، باعتبار فناء الصور الذهنية فيها، أو باعتبار القول بالوجود الذهني للماهية. وإلا فالماهية في كل المراحل اللغوية لا تتعدى الصورة الذهنية، وإنما نفهم وضعها للماهيات باعتبار فنائها فيها.
التقريب الخامس: للجامع التركيبي الصحيحي: ما عن تقريرات الشيخ الأنصاري قدس سره وملخصه: ان الجامع لا ينحصر بالجامع المقولي والجامع العنواني. بل هناك جامع ثالث وهو المرتبة الخاصة من الوجود الساري.
فان الصلاة وان كانت مركبة من مقولات متباينات لا تندرج تحت جامع مقولي واحد. إلا انها مندرجة تحت مرتبة خاصة من الوجود الساري إليها. وتلك المرتبة الخاصة البسيطة سارية إلى جملة من المقولات. وهو محدد من ناحية القلة بالأركان على سعتها, ومن ناحية الزيادة فهو لا بشرط.
فهذه جهة جامعة بين جميع الأفراد الصحيحة. فالصلاة عبارة عن تلك المرتبة الخاصة من الوجود. فتكون أمرا بسيطا خاصا يصدق على القليل والكثير والقوي والضعيف.
وقد أورد عليه الأستاذ المحقق ما ملخصه: انه كما لا يعقل ان يكون بين مقولتين جامعيين مقوليين، كذلك لا يعقل ان يكون لهما وجود واحد، ضرورة استحالة اتحاد مقولتين بوجود واحد. وإنما الوحدة في المركب الاعتباري اعتبارية، ولا يوجد بين المجموع حصة واحدة خاصة من الوجود الساري إليها. والصلاة مركبة من مقولات مختلفة لا جامع بينها.
وعليه فان أراد من الوجود الساري، الاشتراك في مفهوم الوجود أو حقيقته، فهو امر عام بين جميع الموجودات. وان أراد ان تلك المقولات
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وحدها مرتبة خاصة من الوجود فهو مستحيل. لان الاتحاد في الوجود بين أمرين محال. ولو اعتبرنا الوحدة ألف مرة.
ولكن هذا الإشكال غير وارد، لا فيما إذا قصد الشيخ الأنصاري الوجود الاثباتي، ولا ما إذا قصد الوجود الثبوتي.
اما الوجود الاثباتي فواضح – بغض النظر عما قلناه في التقريب السابق – لان المراد يمكن ان يكون انه كلما تصور جزء ممكنا للمكلف من الصلاة أضفناه إلى الصورة الذهنية لها، وكلما عجز عنه حذفناه.
فالصورة الذهنية وجود إثباتي. إلا ان الكلام في كفاية ذلك بصفته جامعا بين الأفراد. لان كل صورة ذهنية تكون مستقلة عن الأخرى في كونها حصة أو فردا، فما هو الجامع بينها؟
وإذا كان المراد الوجود الثبوتي، فلا يراد به وجود ماهوي محدد. ولذا نفى عنه الجامع المقولي، ولا الجامع المفهومي، ولهذا نفى الجامع الانتزاعي. وإنما ذلك بمعنى من الوجود الساري أو الواسع الذي يشمل الأفراد كلها زادت أم نقصت. وهو نحو من الوجود غير ما قلناه، وغير ما نفاه الأستاذ المحقق.
ولكن يرد عليه: ان هذا الوجود المزعوم اما ان يكون خلطا بين الثبوت والإثبات، يعني إعطاء مرحلة الثبوت خصائص مرحلة الإثبات، واما ان يكون متعددا أفرادا أو حصصا، ويستحيل ان يكون واحدا. يعني انها تفتقر إلى الجامع بينها فترجع إلى الجامع المقولي أو الانتزاعي.
اللهم إلا ان يراد ذلك بالفهم العرفي والمتشرعي. وعندئذ يكون له وجه، بغض النظر عما مضى ويأتي، ولكن ليس هذا وجودا، وإنما هو اعتبار أو انتزاع أو حصة ونحو ذلك.
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأورد ثانياً: انه لو سلم فان تلك الصلاة ليست عبارة عن تلك المرتبة الخاصة الوجودية. ضرورة ان التفاهم عند المتشرعة ليس هذا، بل نفس المقولات والأجزاء والشرائط، وهذا واضح.
جوابه: أولاً: انه ليس مراده حصة خاصة وجودية، بل عدة حصص، يطلق عليها كلها لفظ الصلاة بالرغم من زيادتها ونقصانها، ولذا عبّر بالوجود الساري، ومعناه السريان إلى عدة حصص.
ثانياً: ان ما ذكره من فهم المتشرعة ليس بصحيح. فان المتشرعة صحيحيون والعرف أعمي. فقولك: نفس المقولات والأجزاء والشرائط. ان كان ينطبق على مرتبة معينة، فقد خرجت باقي المراتب. وإذا كان ينطبق على كل المراتب، كما هو المفروض، فقد رجعنا إلى الوجود الساري. وأمكن القول بأنه المرتكز في أذهان المتشرعة بصفتهم صحيحيون.
وأورد ثالثاً: اننا قلنا: ان الألفاظ لو توضع للموجودات الخارجية، بل للماهيات القابلة لان تحضر في الذهن. وعليه فلا يعقل ان يوضع لفظ الصلاة لتلك المرتبة الخاصة من الوجود، فانها غير قابلة لان تحضر في الذهن.
جوابه: انه لا يخلو اما ان يريد الوجود الساري الاثباتي أو الثبوتي. فان أراد الاثباتي، فهو ذهني بطبعه فلا إشكال من هذه الناحية. وان أراد الثبوتي، فالذهن قابل لان يحصّل صورة عنه ويعبر بها، سواء قلنا بالوجود الذهني أم لا. وإلا لأشكل الأمر تجاه الماهيات الخارجية وانسد باب التفاهم بالمرة لتعذر الوضع للخارجيات، بزعم انها لا يمكن ان تأتي إلى الذهن. ومن الواضح ان ذلك صحيح، بما هي خارجية، لا بما هي ماهية في ذاتها قابلة للحضور الذهني.
ــــــ[200]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: فانه يعبر بالوجود بالوجود الساري لا الماهية. والوجود يتعين ان يكون خارجيا لا ذهنيا.
قلنا: يرد عليه أمران:
أولاً: انه ربما يريد من الوجود الساري الماهية السارية يعني المعنى الساري في كل الحصص، وهو الماهية. وأوضح دليل على ذلك، هو كونه بحثا عن الموضوع له الصحيحي. والموضوع له هو الماهية لا الوجود. فلربما كان تسامحا في التعبير.
ثانياً: انه ان قصد الوجود بما هو في مقابل الماهية، فالمراد ليس هو الوجود محضا، بل الموجود أي وجود الماهية. وان كان الوجود الخارجي غير قابل للانتقال إلى الذهن، فلا اقل من تحصيل صورة عنه، اما شبيهة له، أو بتجريده عن خصوصية الخارج.
وأدلّ دليل على انه لا يريد الوجود المحض، انه يعبر بالوجود الساري بين المراتب. وهذه المراتب من قسم الماهية لا الوجود.
فالجواب الصحيح عليه، أعني الشيخ الأنصاري قدس سره: هو الافتقار إلى الجامع تركيبياً كان أم بسيطا. لان هذا الوجود الساري، بمنزلة ذلك الوجود المبهم في كلام الشيخ الأصفهاني، يجعل الماهية مشوشة، وذات حصص عديدة لا يمكن الوضع لها بوضع واحد بدون الجامع. والمفروض ان الصحيحي لا يرضى بالوضع المتعدد، لأنه سيكون من قبيل المشترك اللفظي.
وبتعبير آخر: ان كل حصة من حصص هذا الوجود الساري – كما يسميه – له جامع تركيبي. وليس بين مجموع الحصص جامع تركيبي ليوضع له اللفظ.
ــــــ[201]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكلام في الجامع الصحيحي البسيط
يتحصل من مجموع كلماتهم: ان مثل هذا الجامع يمكن ان يستفاد على أحد ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: علل الصلاة، بمعنى ملاكاتها. فيكون المأمور به هو موجد تلك الملاكات.
المستوى الثاني: الصلاة المركبة نفسها. إذ قال صاحب الكفاية: ان الجامع الصحيحي متحد مع مراتب الصلاة بنحو من أنحاء الاتحاد.
المستوى الثالث: معلولات الصلاة، وهو النهي عن الفحشاء والمنكر وغيره. فيكون المأمور به هو الناهي ونحوه.
فيقع الكلام تباعا في كل هذه المستويات جميعا.
اما بالنسبة إلى العلل، فيمكن ان يجاب بعدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذا المستوى مبني على افتراض انحصار العلل والملاكات في متعلقات الأوامر والنواهي. في حين انه يمكن ان تكون في ذات الأوامر والنواهي. وهذا لا ينافي مسلك العدلية في علل الأحكام.
والعبادات على العموم اقرب إلى هذه الجهة, لأنها أمور يريد بها الله سبحانه التعبد من عبده بالطاعة العمياء لو صح التعبير. مضافا إلى ان تفاصيلها تعبدية كذلك. كأعداد الركعات وغيرها. إذن، فالملاكات في المتعلق غير
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
موجودة لتكون علل للجامع الصحيحي. وإنما الملاكات في نفس التكاليف.
الوجه الثاني: انه يمكن القول: بان العلل والمعلولات غير متغايرة بل هي نفسها، لأنها تعود إلى العبد واليه، ولا ربط لها بالمولى. وذلك على غرار العلة الغائية التي تكون في أولها فكرة وفي آخرها حقيقة.
إذن، فالغاية أو العلة من الأمر ليس إلا إيجاد المعلول، وهو النهي عن الفحشاء. وليس هناك علة ناجزة مستقلة وراءها، لتكون السبب في الأمر بالجامع الصحيحي البسيط. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
الوجه الثالث: انه يستحيل الأمر بالملاكات. وإذا أمكن كان مجرى لأصالة الاشتغال، لأنه من قبيل الشك في المحصل أو المحقق.
ويجاب: ان الأمر ليس بالملاكات لخروجها عن الاختيار, وإنما بمحقق الملاك. ومحققه لو كان مركبا كان كما قيل. إلا انه بسيط على الفرض، وهو قابل للانطباق على كل مراتب الصلاة المركبة وبه نحرز تحقيق الملاك.
فان قلت: اننا لا نحرز تحقيقه هو، لأنه من الشك في المحصل، فتعود أصالة الاشتغال.
قلنا: لو كان هذا المعنى البسيط منحازا في وجوده عن المركب لكان كما قيل. ولكنه ليس كذلك، بل ينطبق – ظاهرا – على كل ما اقتضت القواعد الشرعية وجوبه. ولسنا مأمورين به، بل هو بمنزلة الكلي المنطبق على الأفراد. وإنما المأمور به الجزئي لا أكثر.
فان قلت: فان في ذلك عودا إلى التركيب. قلنا: كلا، فان ما هو الموجد للملاك هو الجزئي، بصفته جزئيا من النوع أو الكلي البسيط لا بصفته مركبا. ويكون التركيب من قبيل التفاصيل الشخصية أو الفردية.
ــــــ[203]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: ان هذا هو المستوى الثاني الآتي. قلنا: كلا. بل هو جمع بين المستويين ولا بأس بذلك.
الوجه الرابع: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره في الفوائد: من ان العبادات ليست عللا توليدية (باصطلاحه) للملاكات، لأنها لا تحصل عنها مباشرة، بل لابد من مقدمات أخرى واردة في بعض الروايات، كتصفية الملائكة ونحوها. إذن، فلا يمكن ان يشار إليها بصفتها عللا بلحاظ الأمر, ومعلولات بلحاظ المأمور.
جوابه – بغض النظر عما سبق – بوجوه:
الوجه الأول: الطعن في إسناد هذه الروايات المذكورة. فانها ليس فيها ما هو معتبر سندا.
الوجه الثاني: انها خلاف ظاهر القرآن الكريم من إسناد التأثير إلى الصلاة مباشرة إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ. وحمله على العلة الاقتضائية خلاف الظاهر، وما خالف كتاب الله باطل.
الوجه الثالث: ان هذا الكلام منطلق من الزعم: ان العلل هي نفسها المعلولات, يعني لا تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء إلا بتصفية الملائكة.
ولكن لو تصورنا عللا أخرى داعية للآمر بالأمر، فتلك قد لا تكون مندرجة في هذه الروايات ويمكن ان نفترض كون الصلاة علة توليدية لها لمجرد كونها صحيحة.
الوجه الرابع: اننا نعرف مما سبق ان من المتعذر ان نفهم هذه الروايات. ذلك لأنه ليس فهماً عرفيا بل دقيا ولا سياق لها في ان الصلاة غير موجدة للملاكات إلا بتصفية الملائكة.
ــــــ[204]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه الخامس: انه يمكن القول: ان الملاكات ليست عللا للتشريع لا على مستوى الآمر ولا المأمور. اما على مستوى المأمور فواضح لأنها معلولات عمله. واما على مستوى الآمر، بحيث تكون هي المحركة لأرادته بالأمر، فهذا أيضا قابل للمناقشة من جهتين:
الجهة الأولى: كونها ملاكات اقتضائية لا علية، أو قل حكمة لا علة, ووجودها غالبي وليس مستوعبا. وجوابه بسيط: لان ما ندركه من العلل والملاكات، وان كان كذلك، إلا اننا نتحدث عن الملاكات الواقعية التي تكون عللا في علم الله تعالى.
الجهة الثانية: ان العلة الحقيقية ليست هي الملاكات، بل هي إرادة الآمر. وجوابه: ان كان بهذا المقدار من البيان: ان من جملة مقدمات الاختيار إدراك المصلحة. ومن جملة مقدمات هذا الإدراك وجود المصلحة نفسها. فتصبح المصلحة مقدمة للإرادة.
فان قلت: ان الله سبحانه هو المشرع الحقيقي. وهو لا يتصور فيه ذلك، بل هو محال. قلنا: جوابه: أحد أمرين:
الأمر الأول: انه خاطبنا بصفته فردا عرفيا. والوجود العرفي للآمر بهذا المعنى يمكن فيه ذلك. إلا ان الشأن في إمكان قيام تلك الحقائق في هذا الوجود الاعتباري.
الأمر الثاني: انه يجعل ذلك في نفوس أوليائه المعصومين أو نفوس الملائكة الكبار.
الوجه السادس: ان المفروض على هذا: ان الجامع البسيط الصحيحي هو عنوان: ما كان ناشئا من هذه الملاكات، أو سببا لها.
ــــــ[205]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وكلاهما محل مناقشة: لان الوسط الذي هو العبادة مركب. فيلزم علّية المركب للبسيط أو معلوليتة له وهو مستحيل بناء على ضرورة تجانس العلة مع المعلول، كما هو المشهور تماما، إلا ان نصير إلى جامع بسيط غيره.
ان قلت: هذا يمكن ان يجاب على كلا المستويين: اما على مستوى الآمر: فان المعلول هو الإرادة، ومعلول الإرادة الأمر. وكلاهما بسيط. واما على مستوى المأمور فالسبب هو الأمر البسيط المنطبق على الصلاة بنحو من أنحاء الانطباق، كما سبق ويأتي.
وجوابه: اما على مستوى الآمر، فان المعلول النهائي والمسقط حقيقة للملاك هو المركب وان توسطت علل أو عناوين بسيطة بينها.
واما على مستوى المأمور: فإننا إذا سلمنا بوجود الأثر الانتزاعي البسيط من المركب، لم نحتج إلى التمسك بالملاكات، فانه وجه مستقل كما سيأتي، وقال به الآخوند وسنناقشه. وإنما نحتاج إليها بعد التنزل عن رأي الآخوند، فيعود الإشكال، من حيث ان الكثير أصبح سببا للبسيط. اللهم إلا ان نناقش في القاعدة كبرويا أو صغرويا:
اما صغرويا: فلعدة وجوه: منها
1 – مشاركة كل جزء كجزء للعلة.
2 – ان يكون الجزء الأخير هو العلة.
3 – ان يكون العنوان الانتزاعي وهو المجموع علة. إلا انه على ذلك يكون العنوان الانتزاعي علة لما هو حقيقي وهو ممتنع أيضا، لعدم التجانس.
واما كبرويا، فهو موكول إلى الفلسفة، وما يمكن ان يقال هنا عجالة: هو
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ان القاعدة ثابتة في العلة الاضطرارية القهرية لا العلة الاختيارية، ومن المعلوم ان الصلاة اختيارية.
وجوابه: ان الفعل الاختياري ما ترتب على الإرادة مباشرة لا بالواسطة. وهنا يحصل ترتيب بالواسطة لان وجود الملاك كان في طول وجود المركب الذي هو في طول الإرادة، وليس وجود الملاك من الإرادة مباشرة.
وما قيل: من التفصيل بين الواحد النوعي والشخصي، فيثبت في مورد الافتراق عن محل الكلام. واما هنا فهو مورد التصادق. لان الفرد إنما يكون مؤثرا بصفته فردا من الكلي.
وما يقال: من ان ملاكات الأمر كلية لأنها ثابتة للأمر من صدر الإسلام.
فجوابه:
1 – انها جزئية بالنسبة إلى العمل المأمور به.
2 – ان هناك أوامر بعدد المكلفين وبعدد الأوقات. لكل منها ملاك.
وهنا قد يقال: بالتمييز بين مسلكين غير واضحين من كلمات المحققين: أحدهما: ان العمل يوجد الملاك. ثانيهما: ان العمل يسقط الملاك. فان كان الصحيح هو الأول وردت الإشكالات، إلا ان الصحيح هو الثاني، فلا يرد شيء منها.
ويجاب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: ان نقول: ان العمل يوجد الملاك ويسقط الأمر. إلا ان في هذا رجوعا إلى كون العلل هي المعلولات حقيقة، بنحو العلة الغائية، وإلا فانه يستحيل ان المعلول يوجد علته بنحو العلة الفاعلية، مضافا إلى ان الأمر
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ناشئ من الملاك، فيستمر باستمراره، ولا يمكن فرض استمرار الملاك مع سقوط الأمر.
المستوى الثاني: القول بسقوط الملاك وزواله بدليل سقوط معلوله وهو الأمر. وخاصة وهو علة له ابتداء واستدامة. ولكنه وجه مستحيل لان الوجود لا ينتج العدم، يعني ان وجود العمل لا ينتج عدم الملاك، إلا ان يعود إلى المستوى السابق، وهو التوصل إلى المعلولات. إلا اننا نواجه هنا معلولات اقتضائية لا علية، مضافا إلى مناقشة المستوى الأول نفسه.
المستوى الثالث: ان الملاك بالمعنى الاصطلاحي، لا يسقط ولا يتحقق بالعمل، بل هو مستقل عن عمل العامل. كل ما في الأمر انه أصبح علة للأمر لا أكثر. وما هو قابل للتغير هو سقوط رغبة المولى بالعمل بعد تحقق موضوعها، وحصول المرغوب به. فان اعتبرنا هذا ملاكا فقط سقط، وبه يسقط الأمر لأنه معلول الرغبة (الإرادة). إلا انه خلاف الاصطلاح، لأننا نتحدث عن علة هذه الرغبة، فيكون ذاك هو الملاك. وهذه الرغبة أو الإرادة اختيارية وهي ناتجة من مبادئ الاختيار التي منها تصدر المصلحة، وهي الملاك.
ومع ذلك فالإشكال الوارد على الملاك وارد على الرغبة، لأنها بسيطة فيكون من إسقاط الكثير للبسيط، وتأثيره به وهو مستحيل.
اللهم إلا ان يقال: ان هناك رغبات انحلالية على عدد الأجزاء والشرائط وهناك أوامر على عددها وامتثالات على عددها، فتكون كلها بسيطة. إلا ان لازمه وجود أوامر نفسية استقلالية كثيرة بصلاة واحدة، لكل جزء أمر استقلالي. وهو ليس محذورا مهما، لأنه ينتج نفس النتيجة، لأنه أمر بالجزء المقيد لا بالمطلق. إلا انه خلاف ظاهر القرآن الكريم والارتكاز المتشرعي من
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كون الأمر بالصلاة واحدا.
اللهم إلا ان يقال: انه من باب: كلّم الناس على قدر عقولهم، أو ان المراد الاقتصار في العبارة وجمع المضمون الواسع فيها، كما في قوله تعالى: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. إلا انه يبقى الظاهر خلافه. فيعود المركب علة للبسيط.
ونشير هنا إلى ان معنى سقوط الأمر، ليس هو زواله وانعدامه، كما قالوا: ان ما وقع لا يتغير عما وقع عليه. وإنما معناه سقوط فاعليته وتأثيره بعد إنجاز متعلقه. وكان السيد الأستاذ يقول في بعض أبحاثه: انه يكون من باب إنجاز المطلوب للمولى وحصول المرغوب. وليس من باب زوال الرغبة بالمرة لما حصل.
على ان الرغبة المولوية لملاك بسيط غير مركب. ومن هنا قد يستشكل في مثل قولهم: انه بقي جزء من الملاك قابل للتدارك بالإعادة أو بالقضاء أو غير قابل للتدارك.
وهذا مبني على ان الملاك مركب مستقل عن الرغبة وعن الغاية وهو مما لا دليل عليه، لكفاية العلة الغائية في الملاكات. ولو كان الملاك بسيطا لما أمكن تداركه. فكما ان العمل يدور أمره بين الوجود والعدم والصحة والبطلان، كذلك الملاك. ولا نتصور متشرعيا عملا ناقص المصلحة، كما لا نتصور ملاكا ناقصا.
فان قلت: لو لم يكن كذلك لم يكن للقضاء مجال. فانه كما يكون عند فقد الأداء يكون أيضا مع نقصانه.
قلنا: يمكن ان يكون للقضاء عدة مبررات: فاما ان تقول انه بملاك مستقل، كما هو بأمر مستقل. أو نقول: ان الأمر الأولي متعلق بالجامع بين
ــــــ[209]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الامتثال داخل الوقت وخارجه. أو نقول بشكل من أشكال الترتب. يعني وجود أمرين طوليين: صلّ في الوقت. فان لم تصل في الوقت فصلّ خارج الوقت. ونحو ذلك.
واما التعبير بالإرادة والرغبة لدى المولى. فان الإرادة بسيطة والرغبة مشككة قابلة للقلة والكثرة. إلا ان الصحيح هو التعبير بالإرادة لا بالرغبة. لان الإرادة يمكن ان تتعلق بفعل الغير، بينما الرغبة لا تتعلق إلا بفعل النفس أي بفعل الفرد نفسه. والإرادة المولوية دائما تتعلق بفعل الغير، فلا يصدق عليها انها رغبة. مضافا إلى إجلاله سبحانه عن وصفة بالرغبة. وهو المولى الحقيقي.
فان قلت: فانه سبحانه قد جرّد من نفسه شخصا عرفيا. والشخص العرفي تعرضه الرغبة. قلنا: هذا نقوله في حدود الضرورة العقلية لاستحالة طرو الحوادث في ذاته. وهنا لا ضرورة لذلك، لكفاية الإرادة عن الرغبة.
الوجه السابع: في الإشكال على الجامع الصحيحي.
ان نرى انه هل يمكن ان ينتج الملاك جامعا بسيطا مأمورا به أم لا. لان الملاك ينبغي ان يكون منطبقا على المأمور به، والبسيط لا ينطبق على المركب. في حين ان العمل المأمور به مركب وليس ببسيط، والجامع للمركب مركب.
فان قلت: ان المأمور به يمكن ان يكون بعنوان ما يحقق إرادة المولى، وهذا يكفي.
قلنا: اما ان نقول: ان للمولى إرادات مختلفة وأوامر مختلفة ومأمور به متعدد. فلا يكون هناك أمر واحد وملاك واحد، كما يريد الصحيحي. واما ان نعود إلى قول مشهور الأصوليين من ان الصلاة واحدة لها أمر واحد. إذن يلزم
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
صدور المركب من البسيط لان جامع المركب مركب.
وما يحاوله الصحيحي من الجامع البسيط هو جامع انتزاعي وليس ماهويا. ففي طرف الإرادة والأمر، هما بسيطان، وفي الطرف الآخر وهو الفرد والجامع هما مركبان. وهو باطل.
فان قلت: ان الجامع المأمور به بسيط وهو عنوان محقق الملاك فيكون المحصل: اني ما أريده بنفس هذه الإرادة، ثم يشرح ما يريده من قيود في المرتبة المتأخرة.
قلنا: هذا يلزم منه تأخر الشيء عن نفسه. لأنه ان كان ما يريده حاصلا بإرادة أخرى لزم التسلسل. وإذا كان حاصلا بنفس الإرادة لزم الدور وتقدم الشيء على نفسه. إذن فالجامع الصحيحي محال.
هذا هو الكلام في الجامع الصحيحي المستنتج من الملاكات.
واما الجامع المنطبق على نفس العمل، والمتحد معه نحوا من أنحاء الاتحاد. كما قال الشيخ الآخوند. فيرد عليه عدة إشكالات:
الإشكال الأول: ما ذكره في الكفاية: من ان الجامع اما ان يكون هو عنوان المطلوب أو ملزوم المطلوب، فان كان عنوان المطلوب لزم منه إشكالات ثلاثة:
1 – استحالة أخذه في الأمر لأنه متأخر عنه رتبة.
2 – لزوم الترادف بين لفظ الصلاة والمطلوب.
3 – عدم جريان البراءة مع الشك في الأجزاء والشرائط. لأنه شك في المحصل وعدم الإجمال في المأمور به.
ــــــ[211]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ونفس ذلك يلزم أيضا، إذا كان الجامع هو ملزوم المطلوب.
وأجاب عنه: بان العنوان مفهوم واحد منتزع من المركب ومتحد معه نحو اتحاد، بالرغم من اختلافه في الزيادة والنقيصة. وفي مثله تجري البراءة وإنما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب مردد بين الأقل والأكثر. كالطهارة المترتبة على الغسلة أو الغسلتين.
ولم يجب عن الإشكالات الأخرى. وهو دليل على اختياره للثاني وهو (ملزوم المطلوب) الذي لا يرد عليه الإشكالان الأولان. وليس (المطلوب) لورود الإشكالات في رأيه.
وكلا الإشكالين الأولين قابلان للمناقشة:
اما الأول: فلأنه إذا كان المراد ما هو المطلوب بالذات لزم الإشكال. واما إذا كان المراد ما هو المطلوب بالعرض لم يلزم الإشكال من حيث انه يمكن ان يكون إشارة إلى ذات ما هو مطلوب، لا بصفته مطلوبا، ولكن يرد الإشكال الأصلي، لان ذات ما هو مطلوب مركب وليس بسيطا.
واما الإشكال الثاني: فلأن الترادف إنما يلزم بعد ضمّ مقدمة: وهو ان الموضوع له عين المأمور به. وهذا إنما يتم إذا صح ان نعرف من كونه مأمورا به كونه موضوعا له. وهذا باطل لغة وواقعا، لما قلناه من تقدم الوضع على الأمر زمانا، وجهل الواضع بالصلاة الشرعية.
واما الثالث فقد أجاب عنه بنفسه: فانه إنما يصح إذا كان المركب والبسيط في رتبة واحدة بالنسبة إلى الأمر. وكلاهما مأمور به. بحيث تكون الكثرة عين الوحدة. وهذه قاعدة قالها بعض أهل المعرفة. إلا انها غير مقبولة في الفقه والأصول بل هي مستحيلة عقلا. ومعه يكون الإشكال على عدة مستويات:
المستوى الأول: ان هذا البسيط المنطبق على المركب هل هو من جنس
ــــــ[212]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكلي أو من غيره. أو قل هل هو كلي أو جزئي. فان كان كليا استحال ان يكون الكلي بسيطا والمصداق مركبا لعدم إمكان صدق الانطباق حينئذ. وان كان من غيره فمن أين جاء هذا العنوان ؟ هل هو عنوان تعبدي أو عرفي أو أي شيء آخر؟
اما التعبد فغير موجود، لأنه يحتاج إلى تنزيل وهو غير موجود. واما العرف فلا يفهمه، وإنما يفهم الصلاة كثرة في الأجزاء والشرائط.
المستوى الثاني: ان نسأل: ان البسيط والمركب هل هما مختلفان رتبة أو متفقان؟ فان كان مختلفين رتبة, فاما ان يكون البسيط اسبق رتبة أو المركب أو بالعكس.
فان كان البسيط اسبق رتبة واقرب إلى الأمر، فيكون هو مأمورا به. فيلزم الإشكال من حيث ان الشك في المركب شكا في المحصل أو المحقق، فيكون مجرى لأصالة الاشتغال.
وان كان المركب اسبق كان المركب علة للبسيط وهو محال، للزوم التجانس بين العلة والمعلول. ولعلنا نناقشه أيضا في المنحى الثالث للجامع.
وان كانا أعني المركب والبسيط في رتبة واحدة. كانا معا مأمورا به واحدا. فهذا يعني ان الكثرة عين الوحدة وهو محال. وان لم يقل انه عينه كان المأمور به متعددا لا واحدا بسيطا، كما هو مفروض الصحيحي. فإذا ضممنا مقدمة ان المأمور به أحدهما، اما المركب أو البسيط، ننفي البسيط لان المأمور به مركب يقينيا.
المستوى الثالث: انه يدعي ان البسيط ينطبق على المركب في كل أحواله وأشكاله. وهذا مستحيل. لا عرفا ولا عقلا.
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اما عرفا فلعدم فهمه لكل مراحل الصلاة وأشكالها وعدم تصديقه بانطباق عنوان الصلاة على بعضها، وخاصة في المراتب الدقية والتعبدية منها كالإيماء أو التسبيح.
واما عقلا فهو أيضا لا يصح. لان هذا الكلي البسيط اما ماهوي أو انتزاعي. وكلاهما باطل. لان الماهوي البسيط لا يمكن وجوده من مركب مختلف في الماهيات، كما هو المفروض في الصلاة. ولان الانتزاعي يختلف باختلاف منشأ انتزاعه. ويستحيل انتزاع ما هو واحد من عدة أمور متباينة.
واما ملزوم المطلوب، وهو معلوله، فهذا يرجع إلى استكشاف الملاك من المعلول. فان رجع معناه إلى ذلك، فهو، وان رجع إلى شيء آخر فلا نفهمه. إلا ان يكون المراد من الملزوم هنا، هو المركب أي ذات الأجزاء والشرائط. فيكون الجامع المأمور به مركبا لا بسيطا، كما أراده الشيخ الآخوند.
فان قلت: فان المأمور به هو المطلوب، والملزوم غيره. قلنا: ان فهمنا ذلك، لزم ورود الإشكالات السابقة التي قلناها في المستوى الثاني السابق. سواء فرضناهما علة ومعلولا أو معلولين لعلة ثالثة.
على انه لا يمكن ان يراد بهما العلة ولا المعلول, لان العلة والمعلول متساويان دائما. فتقييد الملزوم بالمساوي، كما قال، يعني إمكان عدمه أحيانا. فينحصر القصد بالمعلولين لعلة ثالثة، وبه ينتفي جهة المحبوبية والحسن، لأنها واقعة في طرف علل الطلب والأمر.
وعلى أي حال، فالمطلوب اما ان يكون ملحوظا بعنوانه أو بمعنونه. والملازمة اما من ناحية تشريعية أو تكوينية، فالصور أربع.
اما لو لوحظ المطلوب بعنوانه، فلازمه التشريعي هو المسؤولية واشتغال
ــــــ[214]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الذمة. وليس له لازم تكويني معقول إلا الامتثال. وكلاهما مجري للاشتغال، لان مرده إلى الشك في المحصل والمفرغ للذمة. وليس مجرى للبراءة كما هو المشهور.
واما لو لوحظ المطلوب بمعنونه، والمراد به ذات المطلوب وهو الصلاة. فلازمها التشريعي بوجوه:
1 – عنوان الطاعة والامتثال، وهو مجرى للاشتغال.
2 – العنوان البسيط المنطبق عليها، والمتحد معها بنحو من أنحاء الأتحاد وقد ناقشناه.
3 – النهي عن الفحشاء والمنكر. وهذا متأخر رتبة وليس في نفس الرتبة كما هو مفروض.
واما لازمها التكويني: فلوازمها البعيدة هي مقارناتها في المكان والزمان. باعتبار اشتراكهما في العلل البعيدة. ولا دخل لها في الشريعة على المفروض.
واما لوازمها القريبة فهي الكون الصلاتي والحركة الصلاتية ونحو ذلك مما يكون عين الصلاة ذاتا وغيرها تحليلا، وليس مأمورا به بعنوانه، وإنما هو ملزوم المأمور به ويوجد بوجوده تكوينا.
واما محاولة استنتاج الجامع الصحيحي البسيط من معلولات المأمور به، كالناهي عن الفحشاء ونحوه، كأنه بناء على قاعدة تجانس العلة والمعلول نفهم من بساطة المعلول بساطة علته. أو نقول: بتأثير الكثير بنحو جزء العلة. أو نقول: بتأثير العنوان الانتزاعي وهو المجموع أو الجميع أو الكل، ونحوها. أو عنوان الصلاة أو الطاعة أو الامتثال ونحوها. أو نقول: ان المأمور به ابتداء هو
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النهي عن الفحشاء. ولكنه يكون مقدورا بالقدرة على علته. وقد عرّفنا الله تعالى علته في الصلاة يعني ان علته هي الصلاة.
فان قلت: يلزم أخذ ما هو متأخر فيما هو متقدم، وهو موضوع الأمر لغة. قلنا: نعم، يلزم ذلك في اللغة. واما إذا اقتصرنا على الدقة، أمكن ان يكون كل ذلك مأمورا به، على نحو العلة الغائية التي لها نحو تقدم ولها نحو تأخر. وهذا صادق حتى بالنسبة إلى المأمور به المركب من الأجزاء والشرائط أو عللها. بل هو معنى موضوعيته للأمر.
فان قلت: ان ما هو علة غائية للأمر، هو النهي وليس هو الناهي. قلنا: نعم ولكنه أمر بعلته وهو الناهي أعني الصلاة توخيا لاستتباعه للنهي.
إلا ان الإشكال الرئيسي على كل ذلك هو ان هذه الأمور ليست معلولة للمأتي به، بل هي فضل ابتدائي من الله سبحانه.
ثم انه قد يقال باستحالة وجود اللازم غير المساوي، لأكثر من وجه:
أولاً: لان إنتاج العلة لمعلولين مستحيل.
ثانياً: ان كون العلة والمعلول أحدهما أوسع من الآخر، مستحيل. فلماذا قيد الشيخ الآخوند اللازم بالمساوي. قلنا جوابه لأحد وجوه:
الوجه الأول: الطعن في الكبرى، وهي لزوم تجانس العلة والمعلول عددا أو نوعا. فإذا نفينا ذلك، أمكن كل ذلك.
الوجه الثاني: بعد التسليم بالكبرى نقول: ان المراد بالعلة العلة النوعية، وبالمعلول المعلول الجزئي. ومن الممكن ان تتعدد أفراد العلة النوعية. إلا انه يبقى السؤال عن السبب في السعة.
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولا يقال: انه يمكن ان يكون أحد المعلولين أضيق من العلة والآخر مساويا لها فيكون أوسع من المعلول الأول.
لأنه يقال: انه بناء على صحة تلك الكبرى، فان السعة والضيق معا متعذران.
الوجه الثالث: ان المراد من المتلازمين ليس المعلولان لعلة واحدة. ليرد الإشكال، بل المراد الحصص الماهوية الكلية، كالخاصة والعرض العام والفصل ونحوها. فقد يكون لازما مساويا، كالضحك بالنسبة للإنسان، وقد يكون أعم كالحركة له، وقد يكون أخص.
وملاكها التلازم في الماهية وليس في العلية. لان الكلي بما هو كلي مفهوم تصوري، ولا مجال للعلية فيه. إلا انه يرد على ذلك أمران:
الأمر الأول: ان هذا صحيح في الأمور الماهوية لا في الأمور الانتزاعية، فضلا عن الاعتبارية. ومن الواضح ان عنوان المطلوب عنوان انتزاعي، وملزومه لا يمكن ان يزيد عليه. والأمور الانتزاعية لا يمكن ان تلاحظ فيها المساواة أو السعة لان أمرها بيد المنتزع أو الذهن.
فيمكن ان يتصور لمنشأ الانتزاع حدود عريضة أو ضيقة، وليست أمورا واقعية ثابتة في نفسها، لتقاس بالتساوي أو الاختلاف.
الأمر الثاني: انه لا ينبغي النظر إلى الأمور التصورية بحد ذاتها، ليصح التساوي والاختلاف. وإنما ينبغي النظر إلى الأمور التصديقية. وهي هنا: العلّية. ولذا قالوا باستحالة تقدم المتأخر في الرتبة. وإنما يكون ذلك في طرف العلية التصديقية، لا في الأمور التصورية، لان الأمور التصورية بما هي كذلك خالية من المرتبة.
ان قلت: فان الحيوان اسبق رتبة من الإنسان. قلنا: هذا سعة في الماهية
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وليس من قبيل الرتبة.
هذا فضلا عن الأمور الانتزاعية، التي هي محل الكلام. ومعه يتبرهن على ان اللازم الانتزاعي دائما مساوي، ولا يكون أوسع ولا أضيق، لأنه غير مندرج في باب العلية ولا في باب الكليات الماهوية. أذن فالتقييد بالمساوي بلا موجب.
ويمكن للشيخ الآخوند أن يجيب بالتسليم بأن عنوان المطلوب الماهوي انتزاعي، ولازمه لا يكون إلا انتزاعيا. إلا ان ملزومه ليس كذلك، لإمكان ان يكون للماهية الواقعية لازم ماهوي، كما يمكن ان يكون لها لازم انتزاعي. ويكون هو لازمها، والماهية ملزوم له. ومقصود الآخوند ليس أكثر من ذلك، بعد ان نفينا ان يكون المراد: المعلولين لعلة واحدة.
وجوابه:
أولاً: انه مادام أحد الطرفين انتزاعيا، كفى لورود الإشكال السابق، وهو كون العنوان الانتزاعي اختياريا للمنتزِع – بالكسر – فلا يصدق التساوي الحقيقي، يعني الثابت غير المتغير.
ثانياً: اننا نتحدث عن الملزوم الواقعي الذي يريده. وفيه عدة احتمالات:
أولاً: ان يكون من قبيل منشأ الانتزاع له. ومنشأ الانتزاع لعنوان المطلوب ليس إلا ذات المطلوب. وهو الصلاة المتكثرة. فلم يكن ملزوم المطلوب بسيطا. كما هو مطلوب الآخوند.
ثانياً: ان يكون الملزوم مدركا بالعقل النظري كذي المصلحة ونحوه. فهذا العنوان في نفسه انتزاعي، فيكون كلاهما انتزاعيا، فلا يمكن ان يصدق التساوي، كما سبق ان ذكرنا.
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما منشأ انتزاعه، وهو واقع ذي المصلحة، وهو الصلاة الصحيحة، وهي متكثرة وليست بسيطة، ليكون الجامع الصحيحي بسيطا.
ثالثاً: ان يكون مدركا بالعقل العملي، وهو الحَسَن – بفتحتين -. ولكن يرد عليه عدة إشكالات:
الأول: مثل ما قلناه في جانب العقل النظري من ان العنوان انتزاعي فلا يتصور فيه السعة. والمعنون هو الصلاة وهو ذات ما هو حسن وهو متكثر وليس بسيطا.
الثاني: التساؤل عما إذا كانت مدركات العقل العملي واقعية كمدركات العقل النظري. كما هو المشهور بين العدلية. وعليه البرهان من حيث كاشفية العقل (نظريا كان أم عمليا) عن واقع خارج عنه أو سابق عليه. إلا انه مع ذلك يمكن التساؤل عن سبب حكم العقل العملي بالحسن والقبح. فان كان لمجرد الارتياح منه وعدمه، فهذا يعني ان يكون الحسن والقبح انتزاعيا أو اعتباريا، فيشمله ما قلناه عن ذلك.
وكذلك الحال لو كان حكم العقل العملي راجعا إلى حكم العقلاء كالآراء المحمودة التي تحدث عنها الشيخ المظفر قدس سره.
وان كان لنكتة وراء ذلك كموافقته للمصلحة أو للعدل أو وضعه في موضعه المناسب له، ونحوها. فهذا وان كان صحيحا، إلا انه يعود إلى مثل ما قلناه من الإشكال. وهو ان موافقة العدل والمصلحة عنوان انتزاعي لا يتصور فيه التساوي والاختلاف.
واما ذات ما هو موافق للعدل فهو الصلاة المتكثرة بما هي كذلك، وليست أمرا بسيطا.
ــــــ[219]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: ان الأمر بالشيء عدل، وهو بسيط، والمطلوب إنما أصبح مطلوبا بالأمر.
قلنا: هذا ناشئ من الجهل بتسلسل الفكرة:
أولاً: لان ملزوم المطلوب ليس هو الأمر، والآخوند لا يريد به ذلك. كما ان ملزوم الأمر ليس هو ملزوم المطلوب.
ثانياً: ان الأمر إنما كان عدلا لان متعلقه عدل، وهو ذات المطلوب وهو الصلاة. وهذا إنما صار عدلا لأنه يناسب المأمور لا انه يناسب الآمر، لأنه سبحانه غني عن العالمين. فرجع الأمر إلى ان الصلاة المتكثرة هي العدل.
كلام حول العقل العملي:
اما عن واقعيته، فالعدل هو وضع الشيء في موضعه المناسب له. والحسن هو ما ينبغي ان يفعل أو يعمل، والقبيح ما ينبغي ان يترك أو يجتنب. ووضع الشيء في موضعه مما ينبغي ان يفعل. لا ان العكس صحيح، فرجعت أحكام العقل العملي إلى العدل.
وهذا له نحو واقعية في عالم الخارج وفي عالم الواقع. وهو معلوم عند الله وأوليائه، فما كان كذلك فهو مدرك للعقل العملي.
وليس الحسن والقبح بعنوانهما دخيلين لأنهما مجازيان أو معنويان. وإنما يحكم العقل بوجوب العدل. وهو مما يختلف مصداقه الواقعي اختلافا كثيرا، وقد لا يكون موافقا للذوق أو للعقلاء إطلاقا.
اما العقلاء فلهم مستوى السيرة العملية ومستوى الارتكاز العقلائي.
ــــــ[220]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اما مستوى السيرة، هو انهم تسالموا بمقتضى فهمهم العام على قضايا معينة جروا عليها، كالحكم بالملكية والحكم بالعمل على ظواهر اللغة وغير ذلك كثير. ودليلها وجودها عندهم جميعا بمختلف اصنافهم إلا الشاذ منهم.
واما الارتكاز فهي قضايا مدركة للجميع على أساس كونها صحيحة، بشرط ان لا تكون مأخوذة من العقل العملي. وإنما تكون ناشئة من مصالح مدركة على مستوى العقلاء.
فالفرق يبقى بين العقل والعقلاء عدة أمور:
الأول: ان حكم العقل العملي نافذ على الله سبحانه، مشهوريا بخلاف حكم العقلاء، فانه لا يحتمل نفوذه عليه سبحانه.
الثاني: ان حكم العقل العملي له واقعية خارج الإدراك. وحكم العقلاء ليس له واقعية كذلك.
الثالث: ان حكم العقلاء موجود في طول وجود المجتمع, في حين ان الحكم العقلي ثابت سواء كان هناك مجتمع أم لا.
الرابع: ان حكم العقلاء لا يخلو من تسامح ناتج من الفهم العرفي بينهم، بينما ان حكم العقل الواقعي أعمق من ذلك بكثير.
اما الفرق بين العرف وحكم العقلاء فأمور:
الأول: ان حكم العرف أضيق مكانا وزمانا من حكم العقلاء. كالأمور الموجودة في بعض المجتمعات دون بعض. بخلاف حكم العقلاء فانه عام شامل لأغلب البشرية لأغلب الأزمان أو كلها.
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثاني: ان إدراك العرف تسامحي إلى حد كبير، بينما إدراك العقلاء, مبني على درجة من العمق معتد بها، واقرب إلى فهم العدل والمصلحة.
الثالث: ان حكم العقلاء يمثل الكبرى وحكم العرف يمثل الصغرى المنتجتين للحكم الاجتماعي. فمثلا ان الحكم بوجود الملكية أساسا حكم عقلائي. والحكم بصحة أسبابها عرفي. ونحوه ان يقال: ان الحكم بالإرث لكل ميت عقلائي، ولكن تعيين الورثة عرفي وهكذا.
الرابع: ان يقال: انه لا فرق بين حكم العرف والعقلاء، بل مرجعهما إلى محصل واحد. ومثاله: عدم الفرق بين المسكين والفقير أو القدر والقضاء على بعض الفهوم.
وعلى أية حال يشترك العرف مع العقلاء بعدم واقعيته أيضا، بخلاف أحكام العقل العملي، فانها واقعية وثابتة حتى لو لم يكن أية جماعة أو أي مجتمع موجودا. تماما كأحكام العقل النظري. نعم، موضوعه لا يتحقق إلا في مجتمع. كما ان أحكام العقل النظري كذلك تحتاج في فعليتها إلى فعلية موضوعاتها.
وحجية العقل العملي واقعية لا تحتاج إلى دليل أكثر من حجية القطع نفسه. فإذا حصل لنا يقين بأية قضية معينة من هذا القبيل، كانت حجة في نفسها. بخلاف حكم العقلاء، فانه ليس بحجة في نفسه فضلا عن العرف لأنه في نفسه خارج حريم الدين والمتدينين، ما لم تكن ممضاة من قبل الشارع المقدس كما هو مذكور في محله.
واما سيرة المتشرعة، فهي الناشئة من الشريعة سواء قصدنا السيرة العملية أو الارتكاز المتشرعي، فهي تحمل دليل حجيتها بنفسها. وتستعمل غالبا عند
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فقد الدليل اللفظي. إذن فهي غير ناشئة عن الدليل اللفظي وإنما هي موروثة عن المعصومين مباشرة وحاصلة من تعاليمهم وبذلك تتعين حجيتها.
وبذلك يمكن الالتفات إلى ان أية سيرة واضحة التأخر عن عصر المعصومين فهي ليست بحجة حتى لو كانت متوفرة عند المتشرعة، فضلا عن سيرة العقلاء والعرف.
والأثر العملي للفرق بين أحكام العقل العملي وأحكام العقلاء هو استخدام العقل في البرهان. واما حكم العقلاء فيستعمل في فن الخطابة وفن الجدل، ولا تصلح لأن تكون برهانا عقليا. نعم، هي تصلح فقهيا للحجية، إذا كانت معاصرة لزمن المعصومين .
واما الأثر العملي للفرق بين العرف والعقلاء، فنابع من الفرق بين مورداهما وموضوعاتهما. فيستخدم كل واحد منهما في مورد صحته. وفي مورد تصادقهما لا يوجد فرق عملي لا عقليا ولا فقهيا.
ويشترك هذان في انقسامهما إلى سيرة عملية وارتكازية. وكلاهما دليل لبّي, وهو الدليل الذي ليس له بيان وإطلاق، فلا يكون حجة إلا في مورد القدر المتيقن دون غيره.
……………
وقد يورد على صاحب الكفاية بعدة إيرادات، أهمها اثنان:
الإيراد الأول: انه هل يريد ان هذا الجامع البسيط المؤثر هو جامع ذاتي، أو انه جامع عرضي انتزاعي. فان كان انتزاعيا لم نحتج إلى قاعدة: ان الواحد لا يصدر منه إلا الواحد. وان كان ذاتيا لم يصح لان أجزاء الصلاة لا جامع
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ذاتي بينها.
وهذا في حدود التفكير المشهوري صحيح، بغض النظر عما قلناه فيما سبق.
الإيراد الثاني: ان الجامع المؤثر في النهي عن الفحشاء هل هو بضم قصد القربة أو بدونه.
على الأول: لا يجوز. لان معناه أخذ قصد القربة في المسمى, ولازمه أخذه تحت الأمر. لان المسمى تحت الأمر. وقد اختار في محله عدم إمكان ذلك.
واما بدون قصد القربة فالصلاة باطلة وغير مؤثرة. ويجاب بأحد جوابين:
أحدهما: مبنائي، وهو إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر اما مباشرة كما اخترناه أو بمتمم الجعل كما عليه المحقق النائيني وآخرون.
وثانيهما: ما قاله السيد الأستاذ من انه يكفي ان يكون السبب هو سنخ شيء لو انضم إلى قصد القربة لأتمه. وهذا يكفي في التسمية، لا ان التسمية للناهي فعلا. وقال عنه: انه ذات المؤثر لا بما هو مؤثر.
أقول: وهذا من الغرائب، لوضوح كون قصد القربة جزء العلة في النهي، فالمؤثر يتكون منه ومن غيره. واما قوله: يكون في المسمى ما ليس مؤثرا فعلا، فهو خلاف المسلك الصحيحي، الذي يريدون به الصحة الفعلية. والعمدة في جواب هذا (الفرع) ان النهي ليس معلولا للصلاة حقيقة، بل هو من نعم الله عزوجل مباشرة للمصلي.
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكلام في الجامع الأعمي
قد يقال: بعدم الحاجة إلى جامع أعمي، لان صاحب المسلك الأعمي لا يرى علّية الصلاة للأثر. فلا مورد لقاعدة: الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. ومعه فليكن المسمى الأعمي متكثرا.
إلا ان الصحيح ان الأمر لا يرتبط بالقاعدة بمقدار ما هو مرتبط بالوضع إلى كل الأفراد. وتصورها جميعا متعذر. والقول بتعدد الوضع للأفراد أو للحصص معلوم العدم. فهذا الوضع الواحد إذا كان على وجه: الوضع العام والموضوع له العام، كما هو المفروض، يتعين فيه تصور الجامع.
وجوابه: ان الكلام ليس في الجامع الماهوي لوضوح انه لا جامع ماهوي بين أجزاء الصلاة وشرائطها، حتى بناء على الأعم. واما الجامع الانتزاعي المفهومي فيتيسّر بكل صورة. وقد يكون هو الموضوع له، فيكون الوضع عاما والموضوع له عاما. وقد يكون الوضع لأفراده، فيكون الموضوع له خاصا.
والجامع الأعمي لايكون إلا تركيبيا، وليس له علة ولا معلول ليكون بسيطا.
وقد ذكروا للجامع الأعمي عدة أشكال وتصويرات:
الشكل الأول: ما نسب إلى المحقق القمي. من انه هو الأركان وبقية الأجزاء دخيلة في المأمور به لا في المسمى. يعني انها قيود زائدة على
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المسمى.
فتكون دعواه منحلة إلى أمرين:
الأول: ان الأركان هو المعنى الموضوع له.
الثاني: ان البقية كلها خارجة عن المسمى.
وأورد المحقق النائيني على الثاني، كما هو ظاهر الكفاية أيضا: ان لازمه عدم صدق اللفظ على الصحيح إلا بالعناية والمجاز من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل.
فان أراد دخول بقية الأجزاء في المسمى عند وجودها وخروجها عنه عند عدمها، فهو مستحيل لان كل ماهية متقومة بجنسها وفصلها ولا يعقل مثل هذا.
وقد أورد على نفسه بالنقض بالماهيات المشككة في الوجود أو في الماهية كالبياض والسواد، فان المقدار الزائد على تقدير وجوده دخيل, وعلى تقدير عدمه غير دخيل.
وأجاب: اما الوجود فلا يدرك إلا بالمجاهدات، واما الماهيات فالتشكيك إنما يكون في الماهيات البسيطة التي يكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز، كالبياض والسواد. واما الماهيات المركبة من جنس وفصل وصورة ومادة، كالإنسان فلا يعقل فيها التشكيك.
وقد يورد على المحقق النائيني (قده) أيضا: ان الإشكال المذكور، فرع ان يكون المجموع من الأجزاء والشرائط مقصودا في اللفظ، بحيث يكون إطلاق اللفظ على الجميع، ليلزم ان يكون اللفظ الموضوع له للبعض مستعملا في
ــــــ[226]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكل. اما إذا لم يكن كذلك، واقتصرنا عند الاستعمال على تصور الأركان خاصة, لم يلزم المحذور.
فان قلت: فان العرف يقصد من الصلاة مجموع الأجزاء. قلنا: هذا يصلح ان يكون تقريبا مستقلا للجامع الأعمي. لان العرف حجة في أمر الوضع. كما يمكن ان يكون اعتراضا مستقلا على المحقق القمي, لان معناه ان دليل العرف بخلافه.
ولكن الاستعمال ليس بيد العرف، وإنما هو أمر اختياري فإذا قصدنا المجموع كان مجازا، وان قصدنا البعض كان حقيقة. وقصد البعض متعين, كما في سائر الأنواع كالإنسان، فانه يطلق على (بعض) الفرد. بالرغم من وجود صفاته الفردية. ولعله من هنا أمر صاحب الكفاية بالفهم.
وأورد عليه الأستاذ المحقق: بان الجزئية على قسمين:
1 – جزئية الوجود والعدم، يعني ان يكون الشيء جزء عند وجوده وعند عدمه.
2 – ان يكون جزء على تقدير وجوده وليس جزء على تقدير عدمه.
ومثل له بأمور عرفية كثيرة، كالدار بالنسبة إلى الغرفة، والكلمة بالنسبة إلى الحرف. فكذلك الحال في غير الأركان تكون جزءاً عند وجودها ولا تكون جزءاً عند عدمها.
فان قلت: ان هذا مستحيل في الماهيات الحقيقية. قلنا: نعم. ولكننا نتكلم عن ماهيات عرفية واعتبارية وليست حقيقية. والصلاة كذلك، إذن: فهي موضوعة للأركان فاكثر.
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: فان الأركان وحدها لا يصدق عليها صلاة. قلنا: ننكر ذلك عرفا.
فان قلت – كما أورد عليه السيد الأستاذ-: ان هذه الجزئية اللابشرطية مستحيلة. وذلك: لان الإطلاق معناه رفض القيود لا الجمع بين القيود. فإذا أخذنا (الكأس) مطلقا من حيث وجود الماء، فليس معناه اننا جمعنا بين القيدين: وهما وجود الماء وعدمه، بل معناه اننا رفضناهما.
فإذا كان ذلك تاما، فاخذ الأركان مطلقة من حيث الباقي معناه الجمع بين القيود. يعني: ان يكون الجامع ملحوظا ملحقا بالتشهد عند وجوده، ومجردا عنه عند عدمه.
واما إذا أخذناه مجردا عن القيود فمعناه إلغاء خصوصية التشهد. إذن، لا وجود للتشهد لكي يكون دخيلا، لو كان الإطلاق هو نفي القيود.
إلا ان هذا غير تام لعدة وجوه:
أولاً: ان المورد ليس من قبيل الإطلاق بل من قبيل الضميمة. ويكفي فرقا بين الموردين: ان الضميمة فيها لحاظ القيد، والإطلاق هو رفض القيود.
ثانياً: انه لا ينحصر الإطلاق في مسلكين: اما الجمع بين القيود أو اما رفضها جميعا. بل يمكن تصوير قسم ثالث للإطلاق على النحو الذي ذكره الأستاذ المحقق، وهو ان يكون القيد على تقدير وجوده دخيلا وعلى تقدير عدمه خارجا.
ثالثاً: انه حتى لو كان الإطلاق هو رفض القيود. فانه ينتج ان التشهد لا دخل له في المسمى وجودا وعدما. إلا انه لا ينافي انه يندرج في المسمى
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قصديا عند وجوده، ولا يندرج عند عدمه. وهذا ناتج مما قلناه من ان هذا ليس من قبيل الإطلاق.
فان قلت: فان التشهد الذي لم يكن دخيلا في المسمى أصلا، إذا أدخلناه فيه قصدا كان الاستعمال مجازا، لأنه في غير الموضوع له، وهو الأركان.
قلنا: كلا: لان الجامع ليس هو الأركان بشرط لا عن الزيادة، بل الأركان مع إمكان الانضمام، فمتى لم ينضم إليها شيء كانت حصة من الجامع وإذا انضم إليها شيء كان المجموع حصة من الجامع, وكان الاستعمال فيه حقيقيا.
ثم ان الشيخ النائيني قدس سره، قال: – كما سبق – انه ان أراد المحقق القمي دخول الأركان عند وجودها وعدمها عند عدمها، فهذا مستحيل، إذ لا معنى لانحفاظ الماهية مع عدم جزئها كالفصل.
ويرد عليه:
أولاً: ان الكلام في الماهيات الاعتبارية، لا في الماهيات الحقيقية. والصلاة ماهية اعتبارية، ويستحيل ان تكون حقيقية، والماهيات الاعتبارية غير مشمولة للقاعدة المشار إليها بل هي بيد العرف زيادة ونقيصة.
ثانياً: ان الكلام في الأجزاء الخارجية لا التحليلية كالجنس والفصل. ولم يقل المحقق القمي بان فصل الصلاة يمكن انعدامه مع صدق المسمى.
فان تنزلنا عن الوجه الأول للمناقشة وقبلنا ان الصلاة ماهية حقيقية فلتكن مثل الإنسان لها ضمائم.
وهذا يترتب عليه عدة نتائج، منها:
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
1 – عدم ضرر الضمائم بصدق الطبيعة.
2 – عدم قصدها معها.
3 – عدم اختلاف الطبيعة باختلافها.
فان قلت: فان الأركان بمنزلة الجنس والفصل. قلنا: هذا غير ممكن، لان الانقسام الحقيقي لا يكون إلا لاثنين لا اكثر. فما كان فيه اكثر من اثنين كالأركان الخمسة، يتعين ان يكون ماهية اعتبارية، وهو المطلوب.
ثم ان المحقق النائيني قدس سره ذكر – كما سمعنا فيما سبق – ان حقيقة الوجود لا تدرك إلا بالمجاهدات ونفاه الأستاذ المحقق. ويرد عليه:
أولاً: ان هذا خارج عن محل الكلام، لان الصلاة ملحوظة من زاوية الماهية لا من حيثية الوجود.
ثانياً: ان التشكيك في الوجود غير معقول، وإنما يرجع إلى التشكيك في الماهيات.
ثالثاً: ان ما يدرك بالمجاهدات، هو حقيقة الوجود الواقعية، وليس تحصيل الصورة الذهنية عنه، ويكفي هنا تحصيل الصورة الذهنية. وإلا فالماهيات كذلك لا تدرك حقائقها إلا بالمجاهدات.
رابعاً: ان ما ذكره الأستاذ المحقق في جوابه إجمالا من انه غير صحيح، لا يكفي كما هو واضح بل لابد من بيان وجهه.
خامساً: ان تأكد الوجود ليس إلا من جهة واحدة هي الإمكان والوجوب. وليس ذاك من قبيل الماهية بحيث يكون الشيء مقصودا عند وجوده وغير
ــــــ[230]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مقصود عند عدمه. فان هذا التأكد والتشكيك لا ينافي البساطة. كما ان الوجود ليس من قبيل الضوء أو غيره ليقاس به.
ثم ان الشيخ النائيني قدس سره قال: – كما سبق – انه يمكن التشكيك في الماهيات البسيطة دون المركبة. وفيه خلط غريب بين الأجزاء الخارجية والتحليلية. فان الأجزاء التحليلية كالجنس والفصل، في كلا الصنفين أعني الماهيات البسيطة والماهيات المركبة يستحيل تشكيكه. واما في الأجزاء فكلاهما يمكن تشكيكه. اما البسيط فباعترافه، واما المركبة فباعتبار انضمام الأجزاء الخارجية حينا وانفصالها حينا آخر، كما قلنا وقال الأستاذ المحقق. وهذا معنى يصدق في الماهيات الحقيقية والاعتبارية معا.
واما قوله: ان ما به الاشتراك عين ما به الامتياز. فان أراد الجنس والفصل فهو محال. وان أراد المراتب المشككة فهو يصدق على الماهيات المركبة كما يصدق على الماهيات البسيطة. وكونها بسيطة لا يعني كونها غير مشككة، وإنما يعني كونها غير مركبة.
والماهية الاعتبارية ليس معناه عدم صدق الماهيات الحقيقية عليها. فان كل ما في الكون فهو موجود ومنتسب إلى ماهية حقيقية لا محالة.
إذن فهذان النحوان من الماهية يصدقان معا. كل ما في الامر انه يصدق على كل منهما حكمه الخاص به.
والاعتبار بيد المعتبِر والانتزاع بيد المنتزِع. والمعتبَر – بالفتح – له نحو واقعية في طول الاعتبار، بخلاف الانتزاع فانه ذهني محض تابع للالتفات. وماهية الصلاة اعتبارية وليست انتزاعية بهذا المعنى، في الحقيقة.
واما ما قاله المحقق الخراساني والمحقق النائيني وغيرهما، من ان الصلاة
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لا تصدق على الأركان فحسب، فيرد عليه:
أولاً: انه يتبع الوجدان حسب صدق الحمل وصدق السلب. وليس له دليل زائد، فيمكن إنكاره بسهولة.
ثانياً: ان الأعمي قد يكتفي بذلك، لان المفروض ان ذلك هو اقل المجزئ من الصدق العرفي، وليس هناك يقين بعدمه.
نعم، هو يحتاج إلى اليقين العرفي بوجوده، وهو غير أكيد، ومع دخول الاحتمال يبطل الاستدلال لصالح قول المحقق القمي. فان أدعى القطع به فعهدته عليه.
ويرد على المحقق القمي أيضا:
أولاً: ان الأركان لا خصوصية لها إلا من جهة واحدة وهو ان تركها سهوا مبطل. وهذا حكم تعبدي ثبت لها في طول دخلها في المتعلق.
ثانياً: ان من الأركان ما لا يكون ملحوظا عرفا في المسمى قطعا، كالطهارة والقبلة والنية.
ثالثاً: ان الكلام غير خاص بالصلاة، في باب الصحيح والأعم، بل هو عام لسائر العبادات، فما هو الملحوظ في غيرها مما لم يذكره المحقق القمي.
رابعاً: ان الصلاة كما تكون باطلة بقلة الأركان، فانها باطلة أيضا بزيادتها الأركان، مع عدم إضرارها بالمسمى قطعا.
خامساً: ان المحقق القمي لابد انه اخذ – ولو ارتكازا – الترتيب والموالاة بين الأركان على النحو المتعارف. لا ذات الأركان كيفما حصلت،
ــــــ[232]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لوضوح انها تمحو صورة الصلاة عندئذ. ومن الواضح ان الترتيب والموالاة من الأركان.
سادساً: انه في الإمكان القول بصدق الصلاة فيما دون الأركان عرفا, وهو خصوص الركوع والسجود، حتى لو كانت مجردة من الأركان الأخرى.
سابعاً: ان بين صحيحة زرارة: لا تعاد الصلاة إلا من خمس. وما هو الركن اصطلاحا، عموما من وجه يجتمعان في الركوع والسجود وغيره. ويفترق الركن الاصطلاحي بالقيام قبل الركوع ونحوه. وتفترق الرواية بالوقت وغيره. فهل تريد من الأركان الموضوع لها مجموع هاتين الحصتين أو أحدهما أعني الأركان المخصوصة أو خصوص ما ورد في صحيحة زرارة.
فان أردت ما في صحيحة زرارة أو ما يعمها، نقضنا بالوقت والقبلة. فانهما لا دخل لهما في المسمى قطعا. وان قصدت الحصة الاصطلاحية خرج الوقت، مع انه أهم من الأركان كلها، بالارتكاز المتشرعي.
فان قلت: ان الوقت فيه بدل، وهو القضاء. قلنا: ان كل الخمسة الواردة في الرواية فيها بدل. ولا تسقط الصلاة بتعذر المبدل. وإنما المقصود فقدُ الأركان بكل مراتبها، حتى الإيماء أو القصد ونحوه. يعني فقدها لا إلى بدل.
ومما ذكروا على المحقق القمي من الاشكالات: بان الأركان تختلف بين الأفراد من المختار والعاجز والغريق وغيرهم. فلابد من تصوير جامع بين الأركان أنفسها.
فان قلت: فان هذا الجامع موجود في الفهم المتشرعي، كمفهوم الركوع الصادق عندهم على كل المراتب. قلنا: العمدة في ذلك هو الوضع اللغوي، وهو معتمد على الفهم العرفي لا على الفهم المتشرعي. ولا يبعد ان تكون
ــــــ[233]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بعض مراتب الأركان الدقية غير صادقة عرفا.
وأشكل صاحب الكفاية على المحقق القمي: بأننا نقطع بان المسمى الأعمي يصدق من دون بعض الأركان، ولا يصدق على الفرد الواجد لتمام الأركان مع فقده للباقي. إذن فالأركان لا دخل لها في المسمى.
وقد تحصل جوابه مما قلناه فيما سبق. فاننا يمكن ان نختار كلا الشقين ولا يلزم إشكال.
اما الشق الأول وهو صدق المسمى من دون بعض الأركان. فقد ظهر مما قلناه ان هذا صادق مع حفظ الركوع والسجود معا. وغير صادق مع فقدهما. فالكلام على إطلاقه غير صادق.
واما الشق الثاني، وهو عدم صدق المسمى مع تمام الأركان الخالية من غيرها، فهذا مكابرة على العرف ومخالفة للوجدان قطعا.
وقد تصدى السيد الأستاذ لإصلاح الجامع التركيبي القمي الأعمي، بما حاصله: بأننا نأخذ عنوانا انتزاعيا منطبقا على الأقل فما زاد. ففي مثال الكلمة لا نقول كما قال الأستاذ المحقق من ان وجود الحرف الثالث وعدمه لا بشرط، فيكون ذلك محالا. بل نأخذ عنوانا انتزاعيا جامعا بين الأفراد، وهذا ما زاد على حرفين أو على ثلاثة أحرف من الأحرف الثمانية والعشرين المتصلة. فان كانت الكلمة ثلاثة أحرف انطبق عليها الجامع، وكذلك لو كانت اكثر.
وكذلك نقول في الصلاة: ان الجامع هو بعض أجزاء الصلاة مع زيادة. فان كان الأقل هو الأركان، قلنا ان لفظ الصلاة موضوع للأركان مع زيادة. وان كان المناط العدد كثمانية أجزاء مثلا: قلنا ان اللفظ موضوع لثمانية مع زيادة. فأي حصل منها، انطبق الجامع وكان فردا منه. وان فرض انه لم يوجد إلا
ــــــ[234]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأركان الخمسة، كان فردا منه أيضا.
ثم قال: نعم يبقى إشكال واحد، وهو ان الأركان لها مراتب أيضا كالاختياري والإيمائي، ثم أجاب: اننا يمكن ان نتصور جامعا لمراتب كل ركن. وبذلك صح الجامع الأعمي التركيبي.
أقول: يرد على ذلك عدة وجوه:
أولاً: ما قلناه من عدم وجود جامع بين الأركان ومراتبها، بحيث يشمل مجرد قصد الركوع، ويعتبر ركوعا.
ولذا أشرنا فيما سبق ان بين الصحيحي والأعمي عموما من وجه. فقد يكون القصد المذكور صحيحا، إلا انه لا يندرج ضمن المفهوم الأعمي. لأنه ليس صلاة بالحمل الشايع، وإنما هو صلاة صحيحة تعبدا. إلا ان ننفي كونها صلاة وإنما هي مجرد أفعال تعوض عن الصلاة. وهذا خلاف الارتكاز المتشرعي. وكذلك هو خلاف إنجاز مادة (صل) فإذا لم يصدق عليها الصلاة، لم تحصل مادة الأمر، ولم تسقط هيئته.
فان قلت: ان الكلام في العبادة التي هي أعم من الصلاة ولا يوجد في غير الصلاة ذلك.
قلنا: يمكن النقض في عبادة واحدة منها، فان فسدت، فسدت القاعدة المجعولة للجامع.
ثانياً: ان هذا فرع صحة كون الأركان كافية لصدق الجامع الأعمي، وهو أمر وجداني ليس عليه برهان. لكن يمكن ان يجاب ذلك: ان هذا غير مضرٍ بالقاعدة التي ذكرها السيد الأستاذ، لأنه يمكن ان نذكر من المقدار الأقل ما
ــــــ[235]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
شاء الفرد أو ما شاء الواضع. فتأمل.
ثالثاً: ما قلناه هناك من إمكان الاكتفاء لصدق العبادة بأقل من الأركان مع نفس الجواب.
رابعاً: ان هذا الأمر غير عرفي ولا يعرفه الواضع. وخاصة إذا كان قبل الإسلام، حين لم تكن الصلاة معروفة والمفروض نفي الحقيقة الشرعية أو غض النظر عنها. وليس الأمر مجرد اقتراح على الواضع.
خامساً: انه لا جامع بين الأركان ولا بين سائر الأفعال، حتى لو كان المدار العدد. فان مراتبها من مقولات مختلفة، فتأمل. فإذا تعذر الجامع بين مراتب كل فعل تعذر الجامع في المجموع بطريق أولى.
سادساً: ما قلناه من ان هناك أركانا مهمة غير ملحوظة في الصلاة، كالوقت والطهور والنية. فكيف نتصور الجامع بدونها.
فان قلت: انه لا يخل بالقاعدة الأعمية، كما سبق.
قلنا: ان صحة القاعدة عندئذ تكون بمنزلة الاختيارية في إدخال أو إخراج أي جزء بصفته القدر المتيقن الأقل أو المتيقن من الجامع. وهذا كما ترى، ينافي الوضع اللغوي أكيدا.
وهناك وجوه أخرى لتصور الجامع الأعمي نذكرها تباعا.
الوجه الأول: وهو من تصور الجامع البسيط، ما ذكره السيد الأستاذ: وهو ما يكون مؤثرا شأنا في النهي عن الفحشاء والمنكر، ولو في بعض الحالات والملابسات. لان الفاقد لبعض الأجزاء والشرائط غير الركنية عرفا، يكون صحيحا في حالات العذر ونحوه.
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قال: فيكون الجامع البسيط قد استكشف بالقانون الفلسفي بنفسه جامعا للأعم. ولكن لا بوجوده الفعلي المخصوص بالصحيح، بل بوجوده الشأني المحفوظ في الأعم.
ويجاب ذلك بعدة وجوه:
أولاً: ان الجامع البسيط الصحيحي لم يكن فعليا بل شأنيا. وان أراده الصحيحي كذلك، لاستحالة تقييده بقصد القربة المتأخر عن الأمر – مشهوريا -. ومعه يتحد الجامع تماما بين المسلكين فيما من شأنه التأثير.
إلا ان هذا الكلام لم نقبله هناك وتوصلنا إلى استحالة الجامع الصحيحي، فاستحالته في الأعم مثله أو أولى.
ثانياً: ان هذا التأثير الشأني، هل يقصد به التعليق على وجود العذر، كما هو ظاهر عبارته، أو على وجود أجزاء أخرى للصلاة مصححة، فان قصدنا التعليق على العذر، فهو تعليق على ظروف خارجية عن الصلاة كالمرض ونحوه، لم يقل أحد بلحاظها قيدا وجودا ولا عدما.
وان قصدنا التعليق على انضمام أجزاء أخرى مصححة، فهذا ليس من همّ الأعمي لا وجودا ولا عدما.
ثالثاً: ان أي جزء وأي مرتبة، فانها مقتضية للصحة في نفسها وهذا معنى اقل مما يرضاه الأعمي في الجامع.
رابعاً: انه قدس سره، ربط تصوير الجامع البسيط بالأركان. باعتبار ان الفاقد لبعض الأجزاء غير الركنية قد يكون صحيحا أحيانا، بخلاف الفاقد لبعض الأجزاء الركنية.
ــــــ[237]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا منه اشتراط لوجود الأركان، فيرجع إلى الجامع الذي ذكره المحقق القمي. كما يلزم منه ان يكون الجامع مركبا. لأنه مشترط بأمر مركب.
فان قلت: ان الجامع ليس هو المركب، وإنما علته مركبة. قلنا: يلزم من ذلك صدور البسيط من المركب، وهو محال. ولاشك ان هذا التقريب مبني على صحة هذه القاعدة الفلسفية.
خامساً: اننا نحتاج أيضا إلى قيد آخر، وهو عدم زيادة الأركان عمدا لا نقيصتها فقط. مع ان ذلك ليس من همّ الأعمي.
سادساً: ان مفهوم الصلاة على المسلك الأعمي، تصدق قطعا، على ما ليس له شأنية التأثير الاقتضائي في النهي عن المنكر كزيادة الركن كما أشرنا أو زيادة الواجب عمدا أو غير ذلك، مما لا يحتمل ان يدخل تحت العذر الشرعي.
سابعاً: ما سبق في مثله من عدم إطلاع الواضع اللغوي على مثل هذه التفاصيل الشرعية، وخاصة قبل الإسلام.
الوجه الثاني: لتصوير الجامع الأعمي، وهو جامع تركيبي: وهو ان لفظ الصلاة موضوع لمعظم الأجزاء. وقد نسب شيخنا الأنصاري هذا الوجه إلى المشهور.
وقد أورد عليه في الكفاية:
أولاً: ما أورده على المحقق القمي من ان إطلاق اللفظ على الفرد الواجد لجميع الأجزاء والشرائط مجاز. لأنه استعمال للفظ الموضوع للبعض في الكل وهذا لا يلتزم به الأعمي.
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: انه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى. فكان شيء داخلا تارة وخارجا أخرى. بل يكون مرددا بين ان يكون داخلا وخارجا، وذلك عند اجتماع تمام الأجزاء. وهو كما ترى، يعني ليس له تعين واقعي أصلا، وخاصة إذا لاحظنا اختلاف العبادات اختلافا كثيرا.
ويجاب عن الوجه الأول بأمور:
الأمر الأول: ما قلناه هناك من ان الاستعمال ان كان في الجميع لزم ذلك، وان كان في خصوص المسمى لم يلزم مع خروج التفاصيل الأخرى.
الأمر الثاني: ما ذكره الأستاذ المحقق من ان (المعظم) اعتبر لا بشرط بالنسبة إلى الباقي، فهي جزء حال وجودها وخارجة عند عدمها كماهية عرفية اعتبارية.
وهذا قد يرد عليه ما أورده السيد الأستاذ من استحالة ذلك، لان الإطلاق ليس هو الجمع بين القيود بل هو رفض القيود. وعند رفض القيود لا وجود للزائد.
وقد اجبنا عن ذلك: بان هذا ليس من قبيل الإطلاق، بل هو من قبيل الضميمة, والإطلاق إثباتي والضميمة ثبوتية، وهنا نتكلم عن الجامع الثبوتي.
ويجاب عن الوجه الثاني: بما أجاب الأستاذ المحقق نفسه من انه عند التحاق سائر الأجزاء يكون الجميع أجزاء. إلا انها عند وجودها تكون ملحقة بالمسمى، كماهية اعتبارية، كالدار التي تصدق على الواسعة والضيقة، وهذا يكفي. وكذلك يرد عليه جواب السيد الأستاذ مع جوابه.
إذن، فالجواب على الجواب ليس بصحيح، إلا ان الجواب بنفسه ليس
ــــــ[239]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بصحيح لورود الإشكال الأول عليه، إلا ان أصل الوجه ليس بصحيح وذلك لأمور:
أولاً: ان معظم الأجزاء زائد على المطلوب أعميا. بل قلنا انه لعل الأركان زائدة على المطلوب. ويكفي الوثوق العرفي بصدق الحمل على ما هو أقل منها أو من (المعظم).
ثانياً: اننا قربنا ان الوضع اللغوي السابق على الإسلام، كان لما هو اقل من ذلك في كل العبادات، بما فيها الصلاة، وإنما الزائد مما أضافه الإسلام. فهو دخيل في المأمور به لا في المسمى.
ثالثاً: اننا لو تصورنا الصلاة فاقدة للأركان كلها، ولكنها واجدة لكل الواجبات الأخرى فلاشك انها – عددا- حاوية على المعظم، لكنها من حيث الصورة لا يصدق عليها عرفا انها صلاة.
رابعاً: ان المعظم لا يصلح ان يكون جامعا، لا لما ذكره الشيخ الآخوند، بل لما قلناه من ان الأركان والواجبات المجزية، فضلا عن غير المجزية، ليس لها جامع لاستحالة وجود جامع بين المقولات الأساسية، فكيف نتصور جامعا بين أمور لا جامع بينها. ومن الخطأ ان نلاحظ خصوص الصلاة الاختيارية، ونقول: معظم أجزائها.
خامساً: ان معظم الأجزاء يحتاج إلى نسبة إلى مجموع محفوظ في نفسه، فماهو؟ بعد الالتفات إلى اختلاف أفراد الصلاة وتفاوتها تفاوتا عظيما.
وقد أخذه صاحب هذا الجامع، من الصلاة الاختيارية وهو بلا موجب، لان الصحيح منها اقل من ذلك، فضلا عن الأعم.
ــــــ[240]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
سادساً: ان هناك من الصحيح ما هو قليل جدا، كأربع تكبيرات أو تسبيحات أو مجرد القصد ونحوه. فهل يقول الأعمي: اننا نأخذ اغلب الأجزاء أوكلها منها؟ وهل ينطبق الجامع الذي هو أغلب أجزاء الصلاة الاختيارية عليها ؟ كل ذلك لا يكون.
الوجه الثالث: للجامع التركيبي الأعمي:
ما قيل: من ان لفظ الصلاة موضوع للمعنى الذي تدور مداره التسمية عرفا.
واستشكل عليه الأستاذ المحقق: ان هذا الوجه لا يرجع إلى معنى محصل، لان الصدق العرفي تابع لوجود المسمى في الواقع. فلا يعقل ان يكون وجود المسمى في الواقع ونفس الأمر تابعا للصدق العرفي.
ولنا على ذلك عدة إشكالات:
أولاً: ان هذا غريب منه قدس سره، بعد ان اعتبر الماهيات الاعتبارية ثابتة بنظر العرف، وماهية العبادة هنا اعتبارية فيرجع عليه نفس الإشكال. فما أجاب عليه هناك نجيب عليه هنا.
ثانياً: انه لو كان المراد تأسيس جامع ماهوي، بحيث يكون الصدق العرفي تابعا له، لكان الإشكال واردا. إلا ان المراد ليس كذلك. ولم يحاوله أكثر الأصوليين الصحيحيين والأعميين، بعد ان عرفنا انه لا جامع بين أفراد الصلاة، وإنما هو جامع اعتباري أو انتزاعي. وإذا كان الأمر كذلك أمكن ان يكون أمره بيد المنتزع وهو العرف.
ثالثاً: ان الملازمة من أحد الطرفين ثابتة، وهي: ان الصدق تابع لوجود
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المسمى في الخارج. اما العكس وهو ان يكون وجوده خارجا تابعا للصدق العرفي، فهذا منتف، لأن وجوده في الخارج تابع لعللة لا للصدق العرفي، وليس مراده ذلك. فان الكلام ليس في الوجود الخارجي، بل في الحصة الكلية، بحيث يكون ما هو في الخارج مصداقا لها.
رابعاً: لا مانع من ان يكون العرف هو الميزان في تحديد تلك الحصة الكلية من المسمى في (الصلاة) فمهما صدق العرف انها صلاة، كانت كذلك، وفهمناها من الأدلة. كما لو كان العرف هو الواضع أو ان الواضع جعل موضوعه هو الصدق العرفي.
إلا ان إشكاله الرئيسي هو ان هذا الجامع غير كاف، لأننا قلنا: ان هناك أفرادا من الصلاة الصحيحة ليست من الأعم، وان بين الأعم والصحيح عموما من وجه. فإذا أردنا جامعا اعميا يشمل كل الأفراد الفاسدة والصحيحة لم يصلح ذلك.
اللهم إلا ان نقول: ان مثل هذا الجامع ليس هو الموضوع له، بل هو مجرد جامع تقريبي.
أو نقول: ان تلك الأفراد الصحيحة التي لا تدخل في الجامع الأعمي ليست بصلاة حقيقة بل تعبدا وتنزيلا.
الوجه الرابع: الجامع الأعمي التركيبي، وهو المختار.
ينبغي ان نلتفت أولاً ان النظر ينبغي ان يكون إلى ثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الوضع الأصلي. ولا يبعد ان يكون لفظ الصلاة موضوعا لجامع تركيبي مبسط كحركة وذكر، والحركة هي رفع اليدين في
ــــــ[242]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القنوت وحالة التشهد أو الركوع ونحوها. والذكر هي الأقوال الواجبة في الصلاة بما فيها القرآن في قراءة الحمد والسورة.
فهذا هو الموضوع له اللفظ. والباقي كله دخيل في المأمور به لا في المسمى. غير ان هذا المقدار من الموضوع له (الحركة والذكر) لا يمكن ان نفهمه من النصوص الشرعية، لان الشارع المقدس في زمن الرسول أقام قرائن مشدّدة ومؤكدة على عدم قصده ذلك. وان مراده ما هو أكثر من ذلك، يكفي في ذلك سيرته وقوله : صلّوا كما رأيتموني أصلي.
ومع ذلك: لا ينبغي ان نقول: ان الاستعمال فيه مجاز لتقريبين:
أولاً: ان استعمال اللفظ يكون في الجامع، لا في الزائد.
ثانياً: ان الحركة والذكر غير محددة بكمية. بل هي لا بشرط من هذه الناحية. والصلاة في أكثر مراتبها الاختيارية والاضطرارية إنما هي حركة وذكر.
لا يقال: ان هذا يورد عليه ما أورده الأستاذ المحقق على بعض الوجوه السابقة من استحالة ان يكون الشيء جزء مع وجوده وليس جزء حال عدمه.
فانه يقال: كلا. لان تلك ماهية انتزاعية وقد ناقشناها. وهي ناتجة من عدم إمكان تصور ماهية حقيقية للصلاة.
واما ما نقوله فهو مصداق حقيقي لماهيات حقيقية، وهي الحركة والذكر. وكلما زادت مصاديق الحركة لم تتغير في المفهوم، كزيادة أفراد الإنسان، كلما وجد منه فرد كان مصداقا. نعم، مجموع الماهية المكونة من الحركة واللفظ (الذكر) هي ماهية انتزاعية.
وهي من هذه الناحية لا تزيد على جزئين، وان زادت مصاديق الحركة
ــــــ[243]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والذكر. فليس هناك جزء ثالث يكون لها جزء مع وجوده، ومنفصلا حال عدمه. واما هذان الأمران بالذات فأي منهما هو جزء حال وجوده وحال عدمه، يعني ان الماهية تزول بزواله.
فان قلت: فان هناك أمورا مهمة جدا في الصلاة لم تدخل ضمن ذلك، كالنية والطهارة والاستقبال ونحوها.
قلنا:
أولاً: اننا نتكلم عن المرحلة الأولى وهو الوضع الأصلي، وهو خالٍ من ذلك.
ثانياً: انه بعد بطلان الجامع الصحيحي لا بأس ان يكون كل ذلك دخيلا في المأمور به لا في المسمى.
المرحلة الثانية: مرحلة عرف ما بعد الإسلام.
ونحن لو اقتصرنا على ما قلناه أمكن القول بان المسمى لم يتغير من أول وضعه إلى الآن. وان ما هو زائد على هذين الجزئين إنما هو دخيل في المأمور به لا في المسمى.
لكن مع ذلك في المستطاع القول: بان الإسلام في طول شهرته في العالم، استطاع ان يأخذ عرفا جديدا أو وضعا تعينيا جديدا في فهم الصلاة. وهذا الوقت حيث انه في طول الإسلام زمانا، يكون في طوله تشريعا أيضا.
كل ما في الأمر ان هذا العرف أعمي أيضا، لان العرف المسامحي من الصعب ان يدرك صحة الصلاة عند الله أو مطابقة المأتي به للمأمور به.
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وعلى أي حال فمن الممكن القول: ان العرف يرى أحد أمرين:
الأمر الأول: ان صورة الصلاة هي صلاة، سواء كانت عن قيام أو جلوس أو اضطجاع مادام فيها حركة وذكر.
فان قلت: ان العرف يرى الصلاة هي الحركة دون الذكر.
قلنا: يجاب بعدة وجوه:
أولاً: ان هذا ناشئ من التسامح أو المجاز العرفي.
ثانياً: ان هذا وضع تعيني عرفي جديد في ذلك من باب النقل أو الاشتراك.
ثالثاً: ان ننكر هذا الفهم العرفي. بمعنى ان العرف لو التفت إلى سكوت المصلي، لنفى عنه صدق الصلاة.
وعلى أية حال، فهذا العرف تابع للتشريع الإسلامي، بمقدار ما يفهم العرف لا بالدقة. ومن هنا لا يمكن القول بالدخل العرفي للنية والقبلة والطهارة.
الأمر الثاني: للعرف: انه تابع لفهم المتشرعة فيما يرون انه صلاة، ما لم ينفِ العرف – بفهمه – دخله فيها أو ينفي كونها صلاة أصلا كالصلاة المختصرة المقتصرة على التسبيحات.
فان قلت: فان العرف التابع للتشريع والمتشرعة، فينبغي ان يكون صحيحيا. قلنا: ظهر جوابه مما قلناه باعتبار ان العرف لا يأخذ من المتشرعة كل ما يفهمون، بل يأخذ ما يناسب فهمه ويرفض الباقي. فليس بالضرورة
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ينبغي ان يكون صحيحيا.
فان قلت: ان العرف المتأخر ليس له حق الوضع، وإنما الوضع خاص بالواضع الأول، والمجتمع الأول السابق على الإسلام.
قلنا: جوابه من عدة وجوه:
أولاً: انه لا وجه لتفضيل أولئك على هؤلاء، مع اشتراكهم في الإنسانية والفهم والذكاء واللغة. واما اختلاطهم بالأعاجم، فغاية ما يلزم منه، هو تغير أسلوب الوضع وذوقه لا أصله.
ثانياً: النقض بكثير من الألفاظ الموضوعة خلال الأجيال المتأخرة عن الإسلام، كما في زمن الأمويين والعباسيين ومن بعدهم مما استجد ويستجد خلال الحياة من الحاجات.
ثالثاً: انهم ذكروا في عدد من العلوم كالنحو وعلوم البلاغة وعلم الأصول ان للفظ حالات كالحقيقة والمجاز وكذلك الاشتراك والترادف، وكذلك الوضع والنقل.
وقالوا: ان حال اللفظ قد يتغير من حالة إلى حالة كالانتقال من الحقيقة والمجاز إلى الاشتراك والترادف. وكذلك وصفوا اللفظ الدخيل وهو الذي يكون أصله من لغة أخرى واللفظ الممات وهو المتروك الاستعمال إلى حدٍ قد ينسى فهمه. إلى غير ذلك.
وكل هذه الأمور، إنما هي على ذمة الأجيال المتأخرة عن عصر الإسلام. إذ لو بقي الحال والتوقع من الأجيال السابقة عليه، لم نحض بطائل، وبقي الأمر مجملا جدا وأمرا نظريا خاليا من التطبيق.
ــــــ[246]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رابعاً: النقض بوضع الشارع للألفاظ الشرعية، بناء على الحقيقة الشرعية أو المتشرعية. فلو كانت الأجيال المتأخرة لا حقّ لها في الوضع لأنسد هذا الباب أيضا، مع العلم انه لم يتفوه به أحد. ولم يقل أحد بامتناعه، وان لم يقولوا بتحققه.
المرحلة الثالثة: مرحلة متشرعة ما بعد الإسلام.
فرقها عن العرف: ان اهتمام هذه الطبقة بصحة الصلاة، بينما العرف يهتم بصورة الصلاة. وهذا ينتج الفهم الدقيق لما قلناه من ان بين الأعمي والصحيحي عموما من وجه، إذ بدون ذلك، يمكن ان يرد عليه ما يلي:
أولاً: ان الوضع لأي منهما فرع وجود الجامع، ولا جامع لأي منهما. اما الصحيحي فقد عرفناه، واما الأعمي فباعتبار عدم شموله للصلوات الشديدة الاضطرار، لو صح التعبير، كالتسبيحات، كما أشرنا، بالرغم من انها صلاة صحيحة.
ثانياً: ان المراد بالأعمي: الأعم من الصحيحي، فكيف تكون النسبة بينهما عموما من وجه.
وجوابه: ما عرفناه من ان بين نظرية المتشرعة ونظر العرف عموما من وجه إلى العبادات. لان المتشرعة صحيحيون والعرف أعمي. فيفترق العرف بالصلاة الفاسدة. ويفترق المتشرعة بالصلاة التي لا يصدق عليها الجامع الأعمي العرفي، وهي الخالية من الذكر والحركة، أو من أحدهما.
فان قلت: فانه يرد على المتشرعة الإشكال الوارد على الصحيحي من حيث اخذ قصد القربة ونحوه في المسمى.
ــــــ[247]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا: كلا: لان المتشرعة ليس لهم الوضع بهذه الصفة. فان وجد شيء من ذلك, فهو اصطلاح وليس على مستوى الفهم اللغوي.
فان قلنا باستحالة اخذ قصد الأمر في متعلق الأمر، أمكن نفي أخذه في المسمى وضعا وعرفا، وان أخذه المتشرعة.
فان قلت: فان موضوع حكم المتشرعة يحتاج إلى جامع وهو غير موجود لاستحالة الجامع الصحيحي.
قلنا: كلا، بل يكفي ان يتعبدوا بما أمر به الشارع أو دلّ عليه الدليل أو بمطابقة المأتي به مع المأمور به. لأنه يكفي ان يكون الفهم المتشرعي في طول الأمر. وقد عرفنا انه وكل واحدة من مراتب الصلاة جامعها الخاص بها, وهذا الجامع وان لم يصلح، للصحيحي، لكنه يصلح لحكم المتشرعة وفهمهم.
المرحلة الرابعة: من الكلام عن الجامع الأعمي المختار:
الكلام عن الصلوات الاضطرارية. هي عند المتشرعة صلاة، إلا انها صحيحة عند الشارع، وكذلك هي صلاة عند الشارع اما حقيقة، لو انطبق عليها الجامع العرفي، أو تنزيلا لو لم ينطبق.
واما العرف فينفي ان تكون صلاة جزما. وإنما هي أعمال مجزية بدلها، وهي ليست من (الميسور) العرفي لها أيضا.
فان قلت: فان النسبة بين رأي المتشرعي والعرف لا يُعلم إلا بمعلومية الجامع. قلنا: يجاب بعدة وجوه:
أولاً: ان الماهية نسبية بخلقة الله سبحانه، وليست حدية وحقيقية، كما تخيله المناطقة والفلاسفة.
ــــــ[248]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يكفي ان نلتفت إلى ان هناك وسط بين عدة أجناس من الماهيات متعددة. كالوسط بين الإنسان والقرد كالغوريلا أو إنسان ناتردال. وكالوسط بين الحشرات والحيوانات الأخرى في السرطان، والوسط بين الطيور والحيوانات اللبونة في الخفاش, والوسط بين النبات والحيوان في نجم البحر، والوسط بين الحيوان والجماد في المرجان، والوسط بين السائر والطائر في النعامة والكيوي.
واما الماهيات العرفية، فالوسط فيها كثير كالوسط بين الساحة والدار، والوسط بين الثوب والبساط والوسط بين الغطاء والفراش. وغير ذلك كثير.
ومعه فليس مستغربا ان لا يكون هناك تحديد في الماهيات ذهنا بين الصحيح والأعم.
إلا ان هذا التقريب قد يرد عليه: فيما هو محل الكلام: بان فقْدَ التحديد يلزم منه فقدُ النسبة المدعاة، أعني العموم من وجه. غاية القول: بأنه لا دليل على العموم المطلق، لا ان الدليل قائم على العموم من وجه.
وجوابه: ان ما هو القدر المتيقن والجزمي من الصلاة هو ذلك. وليس هناك مجرد الاحتمال لعدم صدق الحمل من طرف الانفكاك.
ثانياً: اننا ينبغي ان نعرف ما هو الجامع العرفي وما هو الجامع المتشرعي الصحيحي بالمقدار الموجود خارجا، لا بمقدار ما يستطيع الأصولي ان يفهمه.
اما موضوع العرف، أعني ما يسميه: صلاة، فهو على احتمالات:
أولاً: مفهوم ما قبل الإسلام المتقوم بالحركة والذكر.
ثانياً: صورة الصلاة الخارجية.
ــــــ[249]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: متابعة المتشرعة في الصدق في حدود الفهم العرفي ما لم يصدق العرف على النفي.
ولا يبعد ان العرف ينفي كثيرا من الشرائط، ويرى عدم كونها دخيلة في مسماه، كالاستقبال والطهارة والترتيب. في حين يلتزم بدخل الموالاة لا محالة. كما انه ينفي الصلاة الاضطرارية.
فان قلت: فأي من هذه هو الفهم الصحيح؟
قلنا: لا يهمنا ذلك أصلا: أولاً: لأنه ليس فهما موضوعا له، بل هو فهم ثابت في طول التشريع.
ثانياً: ان الشارع أقام القرائن على عدم الأخذ به، فلا يمكن ان نفهمه من الأدلة، لا ظهورا حقيقيا ولا مجازيا. فلا أثر له، وإنما هو بحث نظري بحت.
واما موضوع حكم المتشرعة، فالصلاة الصحيحة، وهو أيضا في طول التشريع. فما رضيت عنه الشريعة رضوا عنه، وكان صلاة في نظرهم، والأصح السلب في نظرهم.
وهنا يمكن ان نميز نسبة العموم من وجه. فالصلاة الاضطرارية متشرعية غير عرفية. والصلاة الاختيارية الباطلة، عرفية غير متشرعية. لان التعاريف الثلاثة العرفية تصدق عليها فهي حركة وذكر. وهي صلاة محفوظة بصورتها وهي صلاة متشرعية مع إسقاط ما يحذفه العرف منها. وهكذا.
ونحن وان قلنا قبل قليل: بأنه لا يهم الاختيار، إلا ان موضوع الحكم هو الوضع الأولي، وهو حصة من الحركة وحصة من الذكر. مع تعدد مصاديقهما في الصلاة. ولم يكن الفهم المتشرعي ولا العرفي الطولي موجودين. وهذا أمر
ــــــ[250]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لم ينفه الشارع ليصح انه لم يقرّه.
إلا اننا بعد ان وجدنا الصلاة هي هكذا، كانت هي المأمور به. ويكون المأمور به في المعنى اللغوي هو الأعم، يعني بدون ما له دخل في المأمور به، دون الموضوع له. لأنه لا يحتمل ان يكون الموضوع له هو الصلاة الصحيحة.
فان قلت: لا يحتمل ان يؤمر بالفاسدة، كما لا يحتمل إجزاؤها مع حصولها. قلنا: نعم. ولكن هذا هو مقتضى الإطلاق لأقيموا الصلاة. أعني إجزاء الصلاة اللغوية. ولكن بعد ورود المقيدات للمأمور به، يكون هو الصحيح، وهو المجزي.
ومن هنا تخلصنا من عدة أمور:
أحدها: وأهمها: قصد الامتثال والقربة الذي هو في طول الأمر، فانه يكون دخيلا في المأمور به كقيد متأخر رتبة، وليس دخيلا في المعنى الموضوع له ولا في المأمور به على المعنى اللغوي.
ثانيها: اختلاف الفقهاء فيما هو شرط الصلاة وعدمه حسب ما دلّ عليه الدليل. فاننا إذا كنا صحيحيين، فهل الصحيح تابع للواقع، وهو مجهول أو للدليل وهو مشكك. ويلزم عليه إشكال الآخوند والأستاذ المحقق من انه دخيل مع وجوده وغير دخيل مع عدمه.
ثالثها: أمكننا اعتبار المستحبات جزءاً من الصلاة ولكنه جزء كمالي، يجوز للمصلي حذفه. والسر فيه: هو انه دخيل في الجامع اللغوي وهو الحركة والصوت.
فان قلت: فانه يلزم عليه الإشكال المذكور. قلنا: كلا، لأنه يمكن ان
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يجاب: بان المستحبات كلها دخيلة تقيدا، ولكن ثبت إمكان تركها.
فان قلت: انها متزاحمة، فلا نعلم أي المتزاحمين هو الجزء. قلنا: نعم، ولكنها يمكن ان تكون دخيلة بجامعها، وهو قد يكون جامعا ماهويا وقد يكون مفهوميا، وقد يكون انتزاعيا يعني عنوان أحدهما.
رابعها: إمكان تصور صلاة الاحتياط وسجود السهو والأجزاء، مكملة للصلاة حقيقة، إلا انها من جنسها حقيقة. فانها جميعا حركة وصوت. كل ما في الامر انها تحتوي على تسامح من قبل الشارع، بعدم فعل التكبيرة والتسليم بين الأجزاء.
المرحلة الخامسة: مرحلة الكلام عن الصلاة الصغيرة أو الاضطرارية كالتسبيحة أو مجرد النية للغريق.
وضابطها خروجها عن حقيقة التعريف اللغوي، لعدم وجود الحركة والصوت معا. بل اما أحدهما موجود أو كلاهما منتفٍ، فتنتفي عندئذ الحقيقة اللغوية.
بل هذه الصلاة خارجة عن كل التعاريف الأعمية: فلا هي فيها الأركان، إلا انها اما معدومة تماما أو ان بديلها والوجود التنزيلي لها موجود، ولا جامع بين الوجود الاختياري للركن والوجود التنزيلي له، لا عقلا ولا عرفا.
كما انها ليس فيها أغلب الأجزاء الاختيارية، بل ولا اغلب أجزاء الصلاة الجلوسية. كما انه لا يوافق العرف على انها صلاة جزما.
وكذلك لا ينطبق تعريف السيد الأستاذ، وهو اخذ مجموعة محددة من الأجزاء مع زيادة. لان هذه المجموعة مأخوذة من الصلاة الاختيارية، أو من
ــــــ[252]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الصلاة التي فيها حركة وصوت معا. وان كانت إيمائية. والمفروض انه غير متوفر هنا. لان انعدام الحركة فيها انعدام لجزء أساسي ماهوي فيها.
ولا يرضى المشهور ولا السيد الأستاذ ان يكون المراد من معظم الأجزاء أو بعضها: الأصوات والقراءات فقط. وإلا كان في الإمكان عدّ الحروف، وهو غير محتمل عندهم ولا عندنا.
إذن، فكيف يعتبرون الأعم شاملا للصحيح كله ؟ إذ لا إشكال انها صلاة صحيحة، ولكنها غير مشمولة لجميع التعاريف الأعمية.
ومن هنا يمكن ان نمشي على مراحل:
المرحلة الأولى: الصلاة التي تكون فيها حركة وصوت، كالإيماء والذكر، فانها صلاة حقيقية. وهذا مما حصّلناه من هذه النظرية التي عرضناها.
المرحلة الثانية: الصلاة التي ليس فيها ذلك: نقول: ان المتشرعة اعتبروها صلاة، وهم صحيحيون، والشارع اعتبرها صلاة لأنها مجزية.
فان قلت: فان رأي المتشرعة في طول رأي الشارع المقدس، والشارع لم يثبت لها عنوان الصلاة، ولا أقل اننا نجهل ذلك. فنصير إلى الخطوة التالية.
المرحلة الثالثة: اعتبارها صلاة تنزيلا من قبل الشارع. بأحد تقريبين:
الأول: ان المفروض انها مجزية، وهذا يلزم اعتبار رضا الشارع بكونها دخيلة في مادة (صل) لتكون مصداقا من المأمور به لتكون مجزية.
الثاني: باعتبار ظهور الأدلة الخاصة بها في هذا التنزيل.
فان قلت: كل ما في الأمر وجود الأمر بهذه الصلاة الاضطرارية، ولا
ــــــ[253]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نعلم صدق عنوان الصلاة عليها تنزيلا، لا من اللفظ ولا من الإجماع، بل هو أعم. ومعه نصير إلى الخطوة التالية.
المرحلة الرابعة: ان هذه الأفعال مجزية عن الصلاة وليست صلاة، وليس للشارع اصطلاح خاص بها، وليس من وظيفته التسمية بصفته شارعا، بل ذاك إلى العرف. فقد اعتبر الشارع هذه الصلاة مسقطة للذمة، في ذلك الظرف، وهذا يكفي. ولم يثبت اكثر من ذلك.
فان قلت: يلزم من هذا وجوب الإعادة في الوقت مع زوال المانع، لأجل الإتيان بالمادة الحقيقية.
قلنا: هذا تابع لظهور الأدلة، في إجزاء الحكم الثانوي عن الحكم الأولي كما سيأتي في بابه. وسنرى عدم وجوب الإعادة فضلا عن القضاء، ما لم يثبت انها مجرد أعمال توجب المعذورية ولا تسقط الأمر. إذن، تجب الإعادة ويجب القضاء لصدق الفوت، وهو فوت المادة المأمور بها حقيقة.
بقيت الإشارة إلى إمكان القول فقهيا بسقوط الصلاة عن الذمة إذا خرجت عن فردها الحقيقي، ولم يكن فيها حركة وصوت. لان غاية دليلها هو الإجماع بأنها لا تسقط بحال. والإجماع دليل لبّي والقدر المتيقن منه غير هذه الصورة ولا توجد سيرة متشرعية في هذه الصورة لندرة هذه الأفراد أصلا.
ويترتب عليه أحد احتمالين: الأول: وجوب القضاء لوجود الفوت تكوينيا. الثاني: عدم وجوب القضاء، لان العدم التكويني لا يكفي، بل لابد من اقتران العدم بوجود الأمر، ولم يحصل، لسقوط الأمر على الفرض. بل لا يصدق الفوت متشرعيا لعدم الأمر.
لكن هذا منقوض بمن نام في الوقت كله أو أغمي عليه فيه. ولكن يقال
ــــــ[254]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فقهيا انه يجب عليه القضاء. فيكون ذلك قرينة على ان المراد من الفوت مجرد العدم التكويني بغض النظر عن الأمر.
اللهم إلا ان يقال: ان مقتضى القاعدة عدم وجوب القضاء. وهذه الموارد إنما ثبت فيها الوجوب بدليل خاص.
ثم انه ينبغي الالتفات إلى ان مقتضى القاعدة الأولية، هو ان يقضى ما فات كما فات، كما ورد في الخبر المعتبر. وهو يعني انه يقضيه بنفس الشرائط التي كانت واجبة عليه في داخل الوقت، جلوسا أو إيماء ونحو ذلك، فلو لم يصل في الوقت جلوسا لم يجب عليه الزائد، أي القيام قضاء. وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: صورة ارتفاع التكليف في الوقت كله كما في النائم، لكنه لو كان يقظا لوجبت عليه الصلاة جلوسا. فمقتضى القاعدة انه لا يجب عليه الزائد في القضاء.
الصورة الثانية: صورة تنجز التكليف عليه بالناقص، ولكنه عصى ولم يأت به. فيجب عليه القضاء بالناقص. مع ان أحدا لا يقول بذلك فقهيا في كلتا الصورتين.
وهذا له جوابان:
الجواب الأول: اننا عرفنا انه لا دخل لوجود الأمر في الوقت بوجوب القضاء. وإنما المهم هو الفوت التكويني. ومن الواضح ان الفرد الاختياري قد فات في كلتا الصورتين. فيجب عليه القضاء بالفرد الاختياري ولو احتياطا.
الجواب الثاني: ان قوله (كما) في قوله: اقض ما فات كما فات. لا يمكن التمسك بإطلاقه للصور كلها، لأنه لم يكن في مقام البيان من سائر الجهات،
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بل هو وارد في خصوص مورد معين، وهو صفة القصر والتمام. واما غيره فلا.
فلو وجبت عليه صلاة الجمعة، ولكنه نام قبل انقضاء وقتها، ولم يصلّ الظهر ولا الجمعة وجب عليه قضاء الجمعة. لو تمسكنا بالإطلاق، إلا انه غير محتمل. إذن، فلا يمكن التمسك بالإطلاق في أي مورد. بل يتعين الصلاة قضاء بالنحو الاختياري. ما لم يضيق وقت الحياة كلها.
وعلى أية حال، فاحتمالات صدق الفوت ثلاثة:
1 – الفوت التكويني بغض النظر عن الأمر.
2 – الفوت التكويني المقيد بوجود الأمر، سواء سقط بمسقط آخر أم لا.
3 – الفوت المقيد بوجود الأمر غير الساقط.
دليل الأول: انه هو المفهوم من مادة الفوت. وجوابه: ان المراد منها فوت الفرد المأمور به وطاعة الشريعة وليس بغض النظر عن ذلك بطبيعة الحال.
دليل الثاني: ان الأمر موجود. فصدقت طاعة الشريعة وهذا يكفي. وجوابه: انه لابد ان لا يسقط الأمر ليصدق الفوت، لليقين بأنه مع سقوطه لا يجب القضاء. لان معنى سقوط الأمر في الوقت هو حصول الأداء. ومع حصوله لا يجب القضاء.
ومع انتفاء الدليل على الاحتمالين الأولين يتعين الثالث. ومعناه ان المراد بالفوت: فوت المسقط. والمفروض في محل كلامنا ان المسقط موجود، لفرض انه جاء بالصلاة الاضطرارية وان لم يصدق عليها عنوان الصلاة. فلا يجب القضاء. أو قل ان المأتي به مطابق للمأمور به، لتعذر الزائد
ــــــ[256]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
على الفرض. نعم لو لم يصل حال الضرورة وجب القضاء، في كلام سبق قبل قليل.
الوجه الخامس: للجامع الأعمي التركيبي:
ان يكون وضع ألفاظ العبادات كوضع الأعلام الشخصية، كزيد. حيث لا تضر الزيادة والنقيصة فيها.
وفيه – كما في الكفاية -: ان الأعلام إنما تكون موضوعة للأشخاص. والتشخيص إنما يكون بالوجود الخاص، وهو باق حقيقة مادام وجود الشخص قائما، وان تغيرت عوارضه. فكما لا يضر اختلاف العوارض بالتشخيص، لا يضر بالتسمية أيضا. بخلاف ألفاظ العبادات مما يكون موضوعا للمركبات والمقيدات، ولا يكون موضوعا إلا لما كان جامعا لشتاتها، كما عرفنا في الصحيح.
وهذا الجواب من الكفاية غير تام، إلا ان يرجع إلى وجه سنقوله.
فان مراده بالتشخص ما هو؟ فيه احتمالات:
1 – اما النفس، وهو ما سنقوله.
2 – واما الجسم بشرط تقييد بعضه ببعض، وهو مما يرتفع مع وجود النقص فيه. فلا يبقى المقيد فلا يبقى المسمى. فلو سميت شخصا زيدا وكان طويل الشعر ثم حلق شعره، فقد زال المسمى. لان المفروض حصول التقييد به.
3 – واما الجسم في الجملة. فيكون مثل العبادة قابلا للزيادة والنقيصة فكلما التحق به جزء كان منه، وكلما خرج منه جزء لم يكن منه. فانطبق
ــــــ[257]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجامع المذكور.
والصحيح في الجواب ان يقال: ان المسمى بزيد هو الذي يعبر عنه بالضمائر وأسماء الإشارة وأسماء الموصول. وهو المعبر عنه بالأنا. وهذا الشيء ثابت بقدرة الله ثبوتا مستمرا واقعيا. بل لا تناله حتى الحركة الجوهرية للوجود. لان هذه الحركة خاصة بالأجسام وهذا ليس من الأجسام. ولو كان من الأجسام لكان قابلا للزيادة والنقيصة والتغير، مع العلم ان الوجدان قاض بعدم التغير.
إذن، فالموضوع له (زيد) ليس هو الجسم، بل الكيان المعنوي للإنسان, وهو الجزء المحسوس باطنيا للإنسان، حينما نقول: ان الإنسان يستحيل ان يغفل عن نفسه، مع انه من الممكن ان يغفل عن جسمه. أو حين تقول: انه يفكر، بعد الالتفات إلى ان الفكر يحس به، واما المخ أو الدماغ فهو لا يحس به.
والدليل على ان المسمى بالأعلام الشخصية هو ذلك: صحة الحمل فيقول: أنا زيد أو أنت زيد أو جاء زيد.
والدليل على ان المسمى ليس هو الأوصاف الطارئة بالمرة: انها لو كانت دخيلة لما صدقت جميعا بما فيها من اختلاف بل تضاد وتناقض أحيانا. ولزال المسمى بزوالها. مع انه مستمر أكيدا. إذن، فعدم اختلاف المسمى باختلافها ليس لأنها دخيلة في المسمى حال وجودها وغير دخيلة في حال عدمها، بل لأنها غير دخيلة أصلا لا وجودا ولا عدما.
وهذا يكفي فيه التشخيص الذي ذكره الشيخ الآخوند. لان المراد به عرفا الجسم، وهو يختلف باختلاف الطول والقصر والسمن والنحافة والصحة
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمرض، وغير ذلك كثير. مع انه لا يخرج عن المسمى بتغير الحالات لأنه لا يخرج عن الأنا.
ومن هنا ورد انه عند الحشر (يقوم الفرد من قبره لا ينكر نفسه). يعترف بأنه فاعل الذنوب وهو فاعل الحسنات وهو المستحق للثواب وهو المستحق للعقاب. بغض النظر عن الجسم. لان الجسم تأتي فيه شبهة الآكل والمأكول، في حين ان الفاعل الحقيقي هو النفس والجسم مجرد آلة. وسواء قلنا بالمعاد الجسماني أو أنكرناه، فالكيان المعنوي في الحشر موجود.
وإذا قسنا ذلك بالعبادات التي هي محل الكلام، كالصلاة لم نجد لها شباهة أصلا، كما لا يخفى، لعدم وجود الكيان المعنوي لها أصلا.
نعم، يبقى هنا إشكالان:
الأول: ان أسماء الموصول والإشارة تأتي كما تأتي للإنسان، فإذا كانت دالة على وجود كيان معنوي، دلت على ذلك في العبادات أيضا، وإذا لم تكن كذلك، انتفى ذلك في الموردين.
وجوابه واضح: وهو ان الأهم من الضمائر وأسماء الإشارة والموصول هو الأنا، وهو لا ينطبق عليها.
الثاني: ان الأعلام الشخصية غير خاصة بالإنسان الذي له كيان معنوي، بل واردة في كثير من الأمور الأخرى كالمدن والمساجد والأجهزة وغير ذلك كثير. فماذا تقول في ذلك ؟
وجوابه من وجوه، منها:
أولاً: انه خلاف مقصود صاحب هذا الوجه، فانه مثّل بزيد يعني بأعلام
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الإنسان ولم يمثّل بغيره. فلا نحمل عليه ما لا يريده.
ثانياً: ان هذه الماهيات مما يأتي فيها الخلاف بين الصحيحي والأعمي أيضا. فان كانت ألفاظها موضوعة للتامة والمؤثرة، ونحوها فهو وضع للصحيح وان كانت موضوعة للمسمى العرفي كانت موضوعة للأعم.
والظاهر ان الواضع لذلك. لأنه لا يمكن ان يكون على أنحاء:
النحو الأول: المخترع للجهاز، ووضعه عادة للصحيح المؤثر، كالمتشرعة في العبادات. فإذا حصل في جهازه عطل، خرج عن المسمى.
النحو الثاني: العرف. ووضعه للشكل الذي هو يفهمه. وهو صورة الشيء مادام يصح الحمل في نظره. فإذا أصبح الجهاز أو البناء بحيث يصح السلب عنه, خرج عن المسمى العرفي، وأصبح الاستعمال فيه مجازا بهذا المعنى.
النحو الثالث: المقنّن: وهو واضع القانون، ووضعه الاصطلاحي يختلف حسب اختلاف الأثر القانوني. وهو قد يتعلق بالمؤثر وقد يتعلق بالأعم، وقد يتعلق مع زوال الأثر بالمرة، كالأثر الوضعي الذي يثبت بالتسبيب حتى في ذمة الطفل غير المميز والمجنون.
ومعه نعرف اننا لو مثّلنا بالأعلام العرفية غير الإنسانية نراها كالعبادات يختلف فيها الحال وليس لها حال مضبوطة. فلا تصلح ان تكون شاهدا للمستدل الذي يدعي هذا الجامع التركيبي.
بخلاف الأعلام الشخصية للإنسان فانها مضبوطة من هذه الناحية. غير اننا علمنا ان ضبطها من ناحية وجود الكيان المعنوي للإنسان، وهو غير متوفر في العبادات.
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولعله هو مراد الشيخ الآخوند من التشخص، وان لم يعط له معنى محددا، لأنه قال: ان العبادات ماهيات اعتبارية ليس لها تشخص.
أقول: أي ليس لها كيان معنوي ولذا قلنا: انه لو رجع إلى ما نقوله صح كلامه.
وهناك وجه آخر عن هذا الجامع. وحاصله: صدق زيد على الميت، فان يصح الحمل عليه عرفا جزما. وهذا ينتج أمرين:
الأول: بطلان الوجه الذي قلناه. لان الميت ليس له كيان معنوي، مع انه يصدق عليه الاسم. إذن، فالمدار ليس هو الكيان المعنوي.
الثاني: ان الإنسان الحي بمنزلة الفرد الصحيح، وزيادته ونقصانه بمنزلة العجز عن بعض الأجزاء. فيبقى المأتي به صحيحا. واما الإنسان الميت، فهو بمنزلة الفرد الفاسد أو الباطل. فيكون صدق الاسم على الميت دليلا على صدق الأعم. لأنه يصدق على الفاسد والصحيح كما يصدق على الميت والحي.
اما النتيجة الأولى: فجوابها على مستويين:
المستوى الأول: إنكار الصدق العرفي للاسم على الميت. بل العرف يشعر بمجازية الحمل لديه، حين يقول: هذا زيد. وهو يشير إلى الميت. وهذا يكفي. وإنما يسمى جنازة أو جثة.وإنما الصدق عليه كالصدق على الأعم في المشتق، بعد زوال الصفة أو المبدأ.
المستوى الثاني: اننا لو تنزلنا عن المستوى الأول, أمكن القول: بانقسام (زيد) إلى شطرين: دنيوي وأخروي. وإذا دار الأمر بينهما بعد الموت فضلنا
ــــــ[261]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجانب الأخروي في التسمية. لان الأنا والإدراك معه، وليس في الجسم منه شيء. مضافا إلى ان الوجود الأخروي دائم، في حين ان الجسم قابل للاستهلاك.
فان قلت: فاننا نتكلم عن المستوى الدنيوي لزيد، وقد سلمنا الآن ان هذا زيد بعد التنزل عن المستوى الأول.
قلنا: نعم. ولكنه لا يصلح برهانا للمستدل، لأنه يكون كسائر الماهيات العرفية القابلة للزيادة والنقصان.
ومنه يتضح حال النتيجة الثانية. فاننا ان أنكرنا ان الميت هو زيد لم يفد المستدل، بل يكون للصحيحي أقرب.
وان وافقنا على انه زيد، فان قلنا: ان النسبة بين المسلكين الصحيحي والأعمي هو العموم المطلق، فنعم، إلا اننا عرفنا بطلانه. وان قلنا ان النسبة هي العموم من وجه، فلا، لان هناك أفرادا صحيحة لا يتبرهن عليها بهذا الوجه. إذ لاشك ان الأجزاء الصغيرة لزيد ليست زيدا. والأجزاء الصغيرة من الصلاة ليست صلاة.
ومنه يتضح حال الوجوه الأخرى – المنقولة في الكفاية، كجامع أعمي – منها.
الوجه السادس: ان أسامي العبادات حالها حال أسامي المقادير والأوزان الموضوعة للزائد والناقص. وتصدق عليها في الجملة حقيقة. وذلك لأحد وجهين:
أولاً: ان الواضع لم يلحظ مقدارا معينا، بل وضع له وللأعم من الزائد
ــــــ[262]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والناقص.
ثانياً: انه وضع للمقدار المعين، إلا انه بالاستعمال تغيّر المعنى وصار حقيقة عرفية بالأعم.
ويرد عليه عدة وجوه:
أولاً: ما ذكره صاحب الكفاية من ان لحاظ الزائد والناقص معنى إضافي، فهو يحتاج إلى فرد معين نلحظ فيه انه أكثر منه أو اقل. ولا يوجد في العبادات مثل ذلك. وان وجد في المقيس عليه. ثم أمر بالتدبر.
ولعله لأجل ابتناء الإشكال على تعدد حصص الصحيح، كما هو كذلك عمليا، إلا ان هذا لا دخل له في الحقيقة لان الفرد الكامل موجود. بحيث يقاس عليه. وهذا يكفي.
ويمكن ان يجاب على ذلك (ضد كلام الشيخ الآخوند): انه ان أُريد من الصحيح الفرد الكامل، فهو مما لا تتصور فيه الزيادة، مع انها مذكورة في أصل التقريب. وان أريد مطلق الصحيح لم يتم هذا الوجه لاختلافه الكبير جدا، أزيد من الأوزان والمقادير جدا.
ثانيا – من الإشكال على هذا الوجه -: ان الاختلاف في الصحيح فضلا عن الأعم في العبادة أكثر بكثير جدا من الأوزان والمقادير، بحيث لا تدخل تحت القياس. فمثلا لا معنى لتسمية نصف الحُقة حُقة أو الأقل من ذلك، لا حقيقة ولا مجازا. مع ان هذا ممكن بالنسبة إلى الكثير من مراتب الصلاة.
ثالثاً: يمكن إنكار الإطلاق الحقيقي على الزائد والناقص في الأوزان والمقادير: إلا ما كان مساويا عرفا. نعم الإطلاق المجازي ممكن إلا انه خارج
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عن المفروض.
رابعاً: حول قوله: بكثرة الاستعمال صار حقيقة، ان قصد كثرة الاستعمال قبل الإسلام. ففي ذلك الحين لم يكن لهذا الوزن بل لمطلق الوزن وجود. وان قصد كثرته بعد الإسلام، فالمشهور لا يقبل ذلك، ويعتبر ان المجتمع عندئذ ليس من حقه التدخل في اللغة مطلقا. فلا يصبح اللفظ حقيقة بكثرة الاستعمال خلاله.
خامساً: اننا في المقيس عليه، وهو المقادير، قد نكون صحيحيين وقد نكون أعميين، كما قلنا في الماهيات الاعتبارية عموما. فان أنكرنا الاستعمال الحقيقي في الزائد والناقص كان برهانا على المسلك الصحيحي لا الأعمي. وان جوزنا غيره كان المقيس والمقيس عليه من باب واحد.
سادساً: اننا لو لاحظنا الفرد الاختياري الصحيح، لم يكن قابلا للزيادة، كما قلنا, وان لاحظنا مطلق الصحيح لم يكن له مقدار محدد. ولو لاحظنا الأعم، كانت المسألة أسوء، لزيادة تعدد الحصص. إلا ان نقول: اننا نلحظ كل مرتبة إلى مشابهها التقريبي، فنقول: انها اقل منه أو أكثر. ومن هنا يختلف عن المقيس عليه، لان له رتبة واحدة ولو تقريبية والعبادة على المسلك الأعم ليس لها حتى التقريب.
ــــــ[264]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في ثمرة النزاع بناء على
المسلكين الصحيحي والأعمي
ذكروا لذلك عدة ثمرات ونتائج، لعل أهمها عدم جواز الرجوع إلى البراءة بناء على المسلك الصحيحي، وجوازه بناء على المسلك الأعمي.
لأنه على المسلك الصحيحي، فان المسمى محرز، وإنما الشك يكون في المحصل – بالكسر -. فتجري أصالة الاشتغال فيه. بخلافه على الأعمي، فانه سواء حصل الجزء المشكوك أم لا، يصدق على الفرد انه صلاة. فالأقل صلاة والأكثر صلاة. فتجري البراءة عن الزائد بعد إحراز الماهية.
– وهذا الوجه نفسه يمكن عرضه على عدة أشكال –
الشكل الأول: إجمال الخطاب بناء على الصحيح، وإطلاقه بناء على الأعم. يعني الشك في انطباق العنوان على المأتي به على الصحيح، بخلاف المسلك الأعمي، فان انطباق العنوان يكون محرزا.
ونتيجته وجوب الاحتياط بناء على الصحيح لكي نحرز الانطباق. اما بناء على الأعمي، فهو محرز الانطباق على كلا التقديرين. فيمكن الاكتفاء بالأقل لكونه محرز الانطباق، لا لجريان البراءة ولا لأجل التمسك بالإطلاق. لأننا إنما نحتاجه خارج القدر المتيقن في حين ان المورد يكون من القدر المتيقن.
الشكل الثاني: إجمال الخطاب على شكل آخر، يعني انعدام الإطلاق في
ــــــ[265]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المسلك الصحيحي لهذا الفرد. لأنه مشكوك المصداقية بخلافه على الأعمي، فان الفرد دخيل في المسمى على كلا التقديرين، فيشمله الإطلاق، وان لم يكن دخيلا في القدر المتيقن.
وهذا الوجه لابد فيه من تمامية مقدمات الحكمة، وانه في مقام البيان في طرف الأعم، وهذا لا يفيد في طرف الصحيح لعدم إحراز المتعلق، ولا حاجة هنا في طرف الأعم إلى الأصل لان التمسك بالإطلاق يكفي في تصحيح الفرد وإجزائه.
الشكل الثالث: انه بناء على الصحيح تجري أصالة الاشتغال وبناء على الأعم تجري أصالة البراءة عن الجزء المشكوك.
ومعه لا حاجة إلى مقدمات الحكمة، بل حتى لو كان الدليل مجملا، كفى الأصل المؤمّن في طرف الأعم.
الشكل الرابع: انه بناء على الصحيح نستصحب ثبوت الخطاب والملاك بعد الإتيان بالفرد الناقص. وفرقه عن السابق ان أصالة الاشتغال هناك نافية للبراءة في مرتبتها، والاستصحاب هنا يجري في ثبوت المتعلق بالأصل، أو قل: ان الشك السابق يثبت قبل الإتيان بالفرد وهذا الوجه يثبت بعد الإتيان به.
واما بناء على الأعم، فنحرز فرديّة المأتي به، فينقطع الاستصحاب.
وتقدم الكلام عن ثمرة التمسك بالإطلاق.
فقد يستشكل: بان الصحيحي أيضا يرجع إلى التمسك بالإطلاق كالأعمى لتماميّة مقدمات الحكمة بالنسبة إليه. باعتبار ان المتكلم كان في مقام البيان ولم يبين الجزء المشكوك.
ــــــ[266]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأجاب على ذلك الأستاذ المحقق، بانخرام إحدى مقدمات الحكمة وهي تعلق الحكم بالجامع بحسب المراد الإستعمالي. فانه لا يعقل الإطلاق في مقام الثبوت حتى يحرز وجوده في مقام الإثبات، وهذا غير متوفر بناء على الصحيح، لان المراد الإستعمالي تعلق بحصة خاصة لا بالجامع.
ثم ذكر ان المشهور وان تمسك بالإطلاق بناء على الصحيح، إلا انه إطلاق مقامي لا إطلاق لفظي. والإطلاق المقامي لا تعتبر فيه هذه المقدمة بل يكفي فيه سكوت المتكلم في مقام البيان.
والصحيح ان الوجوه المحتملة على المسلكين متعددة:
الوجه الأول: التفصيل بين الإطلاق اللفظي والإطلاق المقامي: وهو ما اتفق عليه الأستاذ المحقق والسيد الأستاذ.
وقد ذكر السيد الأستاذ في الفرق بينهما نكتتين:
النكتة الأولى: ان الإطلاق المقامي يتعلق بمقام المولى إرادة الحصر في كلامه. ولا يعود إلى اللفظ، لان الإثبات لشيء لا يستلزم نفي ما عداه. في حين ان الإطلاق اللفظي يرجع إلى اللفظ. يعني الوضع للجامع المنطبق على الحصة أو على الفرد.
النكتة الثانية: ان الإطلاق المقامي يحتاج إلى دليل خاص يدلنا على المقام، بخلاف الإطلاق اللفظي. فانه تكفي فيه مقدمات الحكمة.
وقد اتفقا انه بناء على المسلكين يجري الإطلاق المقامي، وإنما يجري الخلاف والتفصيل بناء على الإطلاق اللفظي.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأول: اننا لو اقتصرنا على هذا المقدار لكان من الضروري ذكر الحصر، لنفهم الإطلاق المقامي. بمعنى ان المتكلم ذكر الأجزاء بشرط لا عن الزيادة، بحيث نفهم من كلامه نفي الزائد. والزائد المنفي له إطلاق لأمور كثيرة بما فيها الجزئية المشكوكة، إلا ان توفر الدليل عليه خلاف المفروض.
الثاني: ان معنى الحصر معنى سياقي وليس معنى اطلاقيا، ولذا سماه الأستاذ المحقق بالإطلاق الحالي أو الاحوالي. وهذا معناه انه لا يحتاج إلى مقدمات الحكمة، في حين سنرى انه يحتاج إليها.
الثالث: انهم قالوا: ان الصحيحي يمكنه ان يتمسك بالإطلاق المقامي، اما باعتبار الحصر على ما قاله السيد الأستاذ. واما بالتناقض على ما قاله الأستاذ المحقق, ومقتضى ذلك الإطلاق نفي الجزء المشكوك.
إلا انه مع ذلك يمكن الخدشة فيه، لأنه على الصحيح لابد ان يحرز المكلف صحة الصلاة في المرتبة السابقة، والمفروض الشك في ذلك، للشك في دخالة الجزء المشكوك في الصحة. وبنفي الجزء بالإطلاق يبطل دخله في المأمور به لا دخله في الصحة. ولا تلازم بين الأمرين. لان المراد بالمأمور به ما كان إثباتا كذلك، والمراد بالصحة ما كان ثبوتا كذلك. والإثبات يكون في طول الأمر أو الإطلاق. في حين ان الثبوت متقدم رتبة على الإطلاق، فلا يثبت بالإطلاق ان المأمور به هو الصلاة الصحيحة ثبوتا.
النكتة الثالثة: في الفرق بين الإطلاق اللفظي والمقامي:
ما ذكره السيد الأستاذ من انه لا دخل للفظ في الإطلاق المقامي أبدا. وهذا واضح الفساد، إذ لولا وجود اللفظ لما كان الإطلاق المقامي مفهوما أصلا. نعم، إذا أريد تفاصيل المعنى اللفظي وأوضاعه اللغوية، كان له وجه.
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا انه لا يقتضي النفي المطلق.
النكتة الرابعة: ان الإطلاق اللفظي يحتاج إلى اللفظ الموضوع للمقسم, بخلاف الإطلاق المقامي. أو قل: ان انحلال الإطلاق اللفظي إلى أفراده لغوي، باعتبار الدلالة على المقسم. واما الآخر, فانحلاله عقلي.
وهذا صحيح، إلا انه في محل الكلام لا ينافي الشك في صدق الصلاة على الفاقد. وخاصة مع عدم أخذ الحصر فيه، كما قلنا. فتجري أصالة الاشتغال.
واما مسألة حاجة الإطلاق المقامي إلى مقدمات الحكمة، فالصحيح حاجته لها. بمعنى ان يأتي المتكلم بما يدل على الإطلاق والشمول. وكان يستطيع ان يقيد ولكنه لم يقيد.
وكلا الإطلاقين داخلان في المقدمة الأولى فضلا عن الباقي. غاية الأمر ان الدال على الشمول مرة هو اسم الجنس وأخرى حال المتكلم ومقامه. ومن هنا سمي بالإطلاق المقامي.
وبناء على المسلك الصحيحي يكون لفظ الصلاة دالا على الصلاة الصحيحة. وهو ينافي التمسك بالإطلاق المقامي بنحو القرينة المتصلة. فاما ان نقول بالتعارض بين الدلالتين، المنتج للإجمال، واما ان نقول: بالقرينة من الجانب النافي للإطلاق. أعني قرينية معنى الصلاة الصحيحة في تقييد الإطلاق المقامي. مع الشك في انطباقها على الفاقد للجزء المشكوك. فيكون بمنزلة الشبهة المصداقية للعام. ومعه يتعين على القول الصحيح الذهاب إلى الإجمال ورفض الإطلاق.
فهذا هو الكلام عن الثمرة الأولى للمبحث وهي التمسك بالإطلاق المقامي.
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثمرة الثانية: انه بناء على الصحيح لا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي، وبناء على الأعم يمكن ذلك، لإحراز الانطباق.
نعم، لو شك في ركنية شيء لم يكن التمسك بالإطلاق بناء على الأعم، فضلا عن الصحيح، لعدم إحراز الانطباق. لا يختلف في ذلك الحال في الموارد، يعني سواء كان شكا في الكبرى أم في الصغرى كالشك في ركنية المفقود أو في فقد الركن. وفرقه عن السابق انه لا ربط له بالإطلاق المقامي الذي تحدثنا عنه، وخاصة مع وجود بعض الاختلافات السابقة بينهما.
ويمكن ان يورد على ذلك عدة أجوبة:
الجواب الأول: يخص الأركان. فلو فرضنا البناء على ان الصلاة بالمعنى الأعم هي الأركان، كما نسب إلى المحقق القمي لكان الأمر صحيحا. ولكن الحال ليست كذلك، بالتحديد. لتعدد المسالك الأعمية على ما عرفنا. ولابد من التعبير بأنه لا يمكن التمسك بالإطلاق متى لم تصدق الصلاة بناء على الأعم أو متى ما شك في صدقها.
فلو كان الجامع الأعمي هو معظم الأجزاء، أو أتى بنصف الأجزاء فانه يشك في الانطباق، وهكذا.
واما بناء على ما اخترناه من ان الصلاة بناء على الأعم، هي حصة من الحركة وحصة من الذكر. سواء اتحد مصداقهما أو تعدد. فالشك في الانطباق يأتي فيما إذا أتى بالحركة وشك بالصوت. والمهم مع إحراز وجودهما يمكن التمسك بالإطلاق لإحراز الانطباق.
وقد يقال: انه بناء على الصحيح يمكن جريان الأصل اللفظي والأصل العملي، لأننا نحرز كون المأتي به مأمورا به، وكل مأمور به فهو صحيح. فانه
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يقال: ان هذه الصحة في طول الأمر أو الإطلاق، والمفروض ان يحرزها الصحيحي في المرتبة السابقة على الإطلاق.
وقد يقال: انه ان كان المراد من الصحة، الصحة الواقعية، فالأمر كما ذكر، وان كان المراد بها الصحة الظاهرية، فيمكن إثباتها بالإطلاق، لان اللفظ موضوع للصحيح الواقعي لا الظاهري. وبالإثبات الظاهري يثبت ان هذا الفرد مصداق من الواقع، لان الأصل هو التطابق بين الحكمين الظاهري والواقعي. وهذا يكفي. إلا ان يقال: ان هذا فرع إمكان الإثبات الظاهري، وهو انما يكون مع إحراز الانطباق.
وقد يقال: انه يمكن جريان الأصل اللفظي والعملي النافيين في الجزء بحياله، كوجوب السورة بعد الفاتحة، بغض النظر عن كونه جزء من الصلاة، ومعه يثبت إجزاء المأتي به الفاقد له.
إلا انه يقال: ان هذا غير تام، لان إجراء الأصل في نفيه مستقلا عن الوجوب غير محتمل لعدم احتمال وجوبه النفسي. وإجراء الأصل لنفي جزئيته لا يتم. اما الأصل اللفظي فلعدم إحراز الانطباق. واما الأصل العملي فلأن لازمه هو إجزاء الباقي وهو لازم عقلي.
وقد يقال: انه على كلا المسلكين لا يمكن التمسك بالإطلاق، حتى بناء على المسلك الأعمي, لما قاله الأستاذ المحقق من ان أدلة العبادات في الكتاب والسنة لم يرد شيء منها في مقام البيان، وإنما هي في مقام الإهمال والإجمال، فلا يجوز التمسك بإطلاقها، فانها جميعا في مقام بيان أصل التشريع بدون لحاظ الكيفية والكمية، وعدم تعلق الحكم بالجامع أو المقسم.
فانه يقال: ان جواب ذلك ما ذكره الأستاذ المحقق أيضا: من وجود
ــــــ[271]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العنوانين المحددة الدالة على الذات في الأدلة، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ، تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ فلا بأس بالتمسك بالإطلاق بعد إحراز الماهية بناء على الأعم.
لا يقال: ان الماهية غير محرزة لدى فقدان الجزء المشكوك.
فانه يقال: ان ذلك إنما يتحقق لسببين: أولهما: القول بالصحيح، وكلامنا الآن عن الأعم.
ثانيهما: في الموارد التي لا تكون الماهية محرزة حتى بناء على الأعم. فلا يمكن التمسك بالإطلاق للشك في الانطباق. واما في غير ذلك من الموارد فيمكن التمسك بالإطلاق بناء على المسلك الأعمي.
فان قيل: إذن، فكيف يمكن تصحيح الصلوات المختصرة التي لا تنطبق عليها الماهية والعنوان قطعا، كما سبق ان عرفنا. قلنا: نعم، وإنما تثبت بدليل خاص.
إلا انه يمكن ان يورد على ما ذكره الأستاذ المحقق:
أولاً: بعدم كفاية ما ذكره من الأمثلة بعنوان وجود مطلقات.
اما مثاله الأول: وهو الآية الكريمة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ فهو نص أو كالنص في إرادة أصل التشريع، بالقرينة المتصلة، وهو قوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ. والمراد الوعظ بعدم استبشاع الصيام واستثقاله لأنه موجود قبل الإسلام، ولم يختص به المسلمون لكي يكون صعبا عليهم أو يكون قسوة بهم. ومعه فكيف يمكن ان يكون المولى في مقام البيان من حيث التفاصيل؟
ــــــ[272]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما مثاله الثاني: انه ورد في السنة: يتشهد. فيمكن ان نتمسك بإطلاقه في رفع الاحتمالات الأخرى، كالتوالي والذكر الزائد. إلا ان هذا فرع ان يراد بالمادة: قول الشهادتين، لا التشهد المتشرعي بما هو. وهذا أول الكلام فان الفعل من الشهادتين: شهد، لا تشهد. فاما ان يكون التشهد المتشرعي مرادا أو محتملا، بحيث تكون العبارة مجملة. وإذا كان مرادا ولو احتمالا، إذن فهو تحويل على الواقع المعروض لدى المتشرعة على إجماله، وليس له إطلاق لنفي الزائد أيا كان. إلا إذا احتملنا دخله لدى المتشرعة.
وقياسه على المعاملات، قياس مع الفارق، لان البيع والتجارة لها معنى لغوي وعرفي ثابت، فيمكن الرجوع إليه ونفي ما عداه، بخلاف الصيام والتشهد، حيث يشك في المراد من الصيام، هل هو خصوص الصيام الإسلامي أو الجامع بينه وبين الصوم السابق أو بينه وبين المعنى اللغوي، وخاصة بعد نفي الحقيقة الشرعية. وعلى كل تقدير يكون من قبيل الشبهة المصداقية للحصة. وكذلك التشهد يشك في انه تشهد متشرعي.
ثانياً: ان هذا الذي قيل من ان الأدلة في الكتاب والسنة إنما هي لبيان أصل التشريع، لا يخل بالقاعدة الأصولية، فيما لو وجدت مطلقات قابلة للتمسك بها. غاية الأمر انها تبقى قاعدة نظرية خالية من التطبيق.
وبتعبير الأستاذ المحقق: انه لا دخل لفعلية الثمرة في كون المسألة أصولية، بل المهم إمكان حصول لثمرة. وبتعبير آخر: ان المبحوث عنه في هذه المسألة هو الكبرى بغض النظر عن الصغرى.
غير ان الأستاذ المحقق أورد على هذه الثمرة: انها ليست أصولية من جهة أخرى. وهي: ان الضابط في المسألة الأصولية عنده أمران:
أحدهما: ان تقع المسألة في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي الإلهي.
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وبهذا امتازت عن المسائل الفقهية من حيث كونها نتائج لها.
ثانيهما: ان يكون وقوعها في طريق الاستنباط بنفسها لا بضم كبرى أو صغرى أخرى أصولية لها. وبذلك امتازت عن مسائل النحو والصرف والرجال والمنطق وغيرها. والأمر هنا ليس كذلك، يعني انه لا ينطبق عليه الضابط في المسألة الأصولية. فانها مسألة لغوية، لان البحث فيها عن الوضع للصحيح والأعم.
وقال في موضع آخر: انها من ثمرات كبرى مسألة المطلق والمقيد وصغرياتها. من جهة ان البحث هنا في الحقيقة عن ثبوت الإطلاق وعدمه. والبحث عن جواز التمسك به وعدمه.
وهذا يجاب بجوابين :
الأول: اننا لم نوافق على الضابط الذي ذكره هناك، بل ناقشناه. وذكرنا هناك انه لا جامع بين المباحث الأصولية، وإنما تشترك بعضها في الموضوع وبعضها في المحمول وبعضها في الهدف. كما ذكرنا هناك انه يمكن ان يكون هناك مجموع مترابط نسبيا من الأفكار يسمى عرفا أو اصطلاحا باسم معين، ويعتبر علما. دون ان يكون بينهما جامع عقلي بالمرة.
ومعه لا حاجة في اندراج أية مسألة في علم الأصول ان يكون لها ضابط معين. بل يكفي اندراجها ضمن هذا المجموع. ولاشك ان هذه المسألة من جملة ذلك.
الثاني: اننا لو بنينا على الضابط الذي ذكره، أمكن القول ان هذه المسألة تقع في طريق الاستنباط وحدها، وإنما تضم إليها صغراها. وإنما الحاجة إلى المقدمات الأخرى، في قياسات أخرى فرعية، غير القياس الرئيسي المنتج
ــــــ[274]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
للحكم الشرعي.
وهنا يمكن ان نلاحظ ان كل مسائل علم الأصول هكذا. وهذا يعني بطلان هذا الضابط الذي اختاره الأستاذ المحقق، كما شرحناه هناك.
ثم انه يمكن بيان ان هذه المسألة ليست من مسائل علم الأصول بعدة طرق:
الأول: انها غير حاوية للشرط الثاني في الضابط الذي ذكره، مع جوابه الذي ذكرناه.
الثاني: انها مسألة لغوية لان البحث فيها عن الوضع اللغوي للصحيح أو الأعم.
وهذا غريب: لأنه إذا كان المراد مطلق اللغة، فالكتاب والسنة كلها لغة. وان كان المراد اللغة التي تؤدي إلى معرفة الحكم الشرعي فهذا منها. لأنه بناء على الأعم يمكن التمسك بالإطلاق ويكون معتبرا. وقد ذكر الأستاذ المحقق في محله، انه يكفي للمسألة الأصولية إنتاجها للحكم في أحد الاحتمالين دون الاثنين.
على ان النقاش في الوضع نقاش في المقسم أو القاعدة العامة، وكلامنا الفقهي في تطبيقاتها وفروعها. ولا تنافي بين الأمرين. يعني ان تكون المسألة لغوية يتفرع عليها مقدمة لمعرفة الحكم الشرعي. كما لو قلنا: بان صيغة افعل موضوعة للوجوب. وهذه مسألة أصولية بالتأكيد.
الثالث: انه قال: انها من ثمرات كبرى المطلق والمقيد وصغرياتها.
فهل يراد بذلك كونها ليست مسألة أصولية، حتى مع انطباق الضابط الذي
ــــــ[275]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ذكره عليها. إذ لا ملازمة بين كونها صغرى لتلك المسألة وبين عدم انطباق ذلك الضابط. وهو يعترف انه ليس كل صغريات تلك المسألة لا ينطبق عليها التعريف: بل الأمر بالعكس، لاعترافه بان تلك المسألة أصولية.
أو ان المراد التساؤل عن الوجه، في انها لماذا ذكرت هنا، مع انه كان من المناسب إلحاقها في باب المطلق والمقيد.
جوابه: بأنها (مثل وضع لفظ الصلاة) مصداق لكلتا المسألتين. لان كثيرا من النتائج تحتاج إلى ضم عدة كبريات أو مقدمات من مسائل متعددة. لا اقل من اثنين كقولنا: الأمر ظاهر بالوجوب، وهذه مقدمة له، إذ تكون مقدمة واجب.
وقد تكون المسألة من علمين، وقد تكون كلاهما أصولية. مثال الثاني: حجية الراوي وحجية الظهور. ومثال الأول: حجية القراءات وحجية ظواهر الكتاب.
الرابع: ان هذه المسألة من مبادئ مسألة الإطلاق والتقييد، لان البحث فيها عن أصل ثبوت الإطلاق. وذلك على تقدير القول بالأعم.
وجوابه من وجهين:
أولاً: انه يمكن ان تكون هناك مسألتان أصوليتان في مرتبتين لا في مرتبة واحدة، أو في عرض واحد. وهذا يحصل إذا كان الضابط للمسألة الأصولية ينطبق عليهما معا.
ثانياً: ان ما هو من المبادئ هو تعيين الوضع للأعم والبرهان عليه لأنه يحقق صغرى الإطلاق. وبحثنا الآن في الثمرة يعني في حصول الإطلاق فعلا
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وعدمه. فيكون هذا البحث حصة من البحث في مطلق الإطلاق. لان الإطلاق كما يكون بلام الجنس، يكون بالوضع للأعم. وكلاهما من مبادئ ومقدمات ثبوت الإطلاق.
فلماذا لم يستشكل على البحث في باب المطلق والمقيد عن مفاد اللام، بمثل هذا الإشكال. والغاية هي ان الوضع للأعم من المبادئ وليس ثمرة له. وإنما ثمرته حصة من الإطلاق.
والخلاصة صحة هذه الثمرة وانه بناء على المسلك الأعمي يمكن التمسك بالإطلاق وبناء على المسلك الصحيحي لا يمكن ذلك. وخاصة بعد ان دفعنا الوجوه التي يمكن تتميم مقدمات الحكمة بها على تقدير القول بالصحيح.
ولكننا ينبغي ان نلتفت إلى ما قلناه من ان الشارع صحيحي والعرف أعمي. فماذا يكون حل الثمرة عندئذ؟ وما تم إلى الآن إنما هو مع إحراز ان الشارع قد استعمل اللفظ بالأعم كما هو عرفا. إلا اننا قلنا ان الشارع صحيحي أي يطلب من الصلاة الصحيحة ابتداء، فيكون قد استعمل اللفظ في الصحيح. فهل يضر ذلك بالثمرة أو التمسك بالإطلاق على غرار الأعمي؟
جوابه: ان له عدة وجوه:
أولاً: ان المتكلم يستعمل المادة رأسا بالحصة الصحيحة، بحيث يكون المراد الإستعمالي ذلك. وعندئذ يكون الحال حال الصحيحي العرفي، للشك في ان المصداق فرد من الصحيح المستعمل فيه أو لا. كل ما في الأمر ان منشأ الاستعمال كان هو العرف والآن هو الشارع، وان كان على خلاف العرف.
ثانياً: ان يكون استعمال المتكلم في الأعم، ويكون الصحيح هو من قبيل الداعي إلى الأمر أو المحرك. فيكون الحال حال الأعم. بل الأعمي يعترف
ــــــ[277]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بان الداعي والغرض هو ذلك. بل الملاك لا يسقط إلا بالصحيح. والغرض إنما هو إسقاط الملاك.
ثالثاً: ان يكون المراد الإستعمالي هو الصحيح، والمراد الجدي هو الأعم. وهذا يتوقف على مقدمتين:
الأولى: ان المهم لغة هو المراد الجدي لا الإستعمالي، بحيث يمكن ان نفهم منه الإطلاق. الثانية: ان يكون هذا ممكنا.
في حين ان هذا غير محتمل، بل الأمر بالعكس لا محالة. يعني ان يكون المراد الإستعمالي هو الأعم، والمراد الجدي هو الصحيح. لان تعلق المراد الجدي بالأعم غير محتمل لأنه من طلب الفاسد. مضافا إلى الطعن في المقدمة الأولى، فان المهم لغة وفي مقدمات الحكمة هو المراد الإستعمالي لا الجدي.
إلا ان الذي يمكن الالتفات إليه: ان المراد من كون الشارع صحيحيا، هو انه لا يريد من العبد إلا الصحيح، وذلك بحسب المراد الجدي لا الإستعمالي.
فيكون المراد الإستعمالي أعميا، فيشمله التمسك بالإطلاق.
فان جهة الاستعمال يتبع الشارع فيها العرف، ولم يستعمل الكلمة أو ألفاظ العبادات في معنى خارج المعنى العرفي، وإلا لبيّنه لنا. وقد ثبت انه كلمنا بصفته عرفيا وبصفتنا عرفيين، ونحن نعلم، كما سبق ان العرف يبني على الأعم.
ثم انه قد أجاب الأستاذ المحقق، على نفي هذه الثمرة من ثمرات البحث كما سبق: اننا لو سلمنا ان المتكلم لم يكن في مقام البيان، إلا ان المهم في المسألة الأصولية إمكان وقوعها في طريق الاستنباط وليس فعلية ذلك.
ــــــ[278]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويرد عليه:
أولاً: عدم انطباق الضابط الذي أعطاه، لان الشرط الأول هو الوقوع لا إمكانه. والوقوع ظاهره الفعلية لا الإمكان. لأنه قال: وقوع المسألة في طريق الاستنباط. وهذا التقييد بالقرينة المنفصلة غير مقبول.
ثانياً: ان الإمكان معناه عدم الحاجة إلى المسألة في علم الفقه أصلا. في حين لا يمكن ان تكون داخلة في أصول الفقه، ما لم يكن لها مصداق ولو واحد في الفقه.
الوجه الثالث: في نفي الثمرة، وهي منتجة لعدم إمكان التمسك على المسلك الأعمي فضلا عن الصحيحي. فينتج عدم إمكان التمسك بالإطلاق على كلا الوجهين:
وذلك بان يقال: ان الإطلاق والتقييد في العبادات إنما يلاحظ بالإضافة إلى المأمور به ومتعلق الأمر، لا بالقياس إلى المسمى، بما هو. إلا انها إنما تكون بالنسبة إلى مراد المولى لا إلى ما هو أجنبي عنه.
وعليه فلا فرق بين المسلكين: اما الصحيحي فلعدم إحراز الانطباق، لاحتمال دخل الجزء المشكوك في المسمى.
واما الأعمي فلأنه يعلم بثبوت تقييد المسمى بالصحة، وانها مأخوذة في متعلق الأمر. فان المأمور به حصة خاصة هي الصحيحة، ضرورة ان الشارع لا يأمر بالفاسدة ولا بالأعم أو بالجامع. ومعه لا يمكن التمسك بالإطلاق لدى الشك في جزئيّة شيء أو شرطيته للشك في الانطباق على الفاقد للجزء المشكوك.
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا الوجه قاعدته العامة واضحة الاندفاع. إذا أخذها هكذا بدون تغيير.
لأنه يقال في جوابها: بان المسمى هو متعلق الأمر في (صل) وغيرها، لأنه هو مادة الأمر، وليس أجنبيا عنه، ومراد المتكلم ليس إلا الأمر بالمسمى. ولو كان مراده شيئا آخر لذكره ولم يذكره، لا انه يأمر بالفعل الصحيح بعنوان كونه صحيحا.
ولكن يمكن إعطاء صيغة أخرى للقاعدة بان يقال: ان التمسك بالدليل أو الطاعة له، إنما يكون لأجل تعلق الأمر المولوي. وهذا الأمر له مراد استعمالي وله مراد جدي. والمراد الإستعمالي وان كان هو الأعم, إلا ان التمسك بالإطلاق إنما هو في المراد الجدي، فيعود الإشكال. وهذا يرد عليه أمران:
الأول: ان المراد الجدي ليس أجنبيا عن الإستعمالي بل هو معلول له إثباتا.
ثانياً: ان الإطلاق إنما يتعلق بما يتعلق به التقييد، لأنهما متواردان على موضوع واحد، وفي رتبة واحدة. والتقييد بالمراد الإستعمالي جزما, إذن فالإطلاق يتعلق به أيضا.
ويمكن ان يجاب ذلك: ان التمسك بالإطلاق في مرتبة المراد الإستعمالي إنما يكون مع الإمكان واما مع عدم الإمكان فالتمسك يكون بالمراد الجدي. وهنا لا يمكن التمسك بالمراد الإستعمالي لما عرفناه من عدم إمكان أمر الشارع بالأعم أو بالجامع.
ويجاب على ذلك بعدة وجوه:
أولاً: ان تقييد المراد الإستعمالي هو الثابت في كل موارد التقييد. إذ لا
ــــــ[280]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يحتمل إجازة الشارع لبيع الصبي غير المميز في (أحل الله البيع) ولا الحج على الدابة المغصوبة في قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ونحو ذلك. فما يقال هناك يقال هنا.
ثانياً: ان المراد الجدي مراد ثبوتي وليس لغويا. ولا تتوفر فيه المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة لكي يمكن تقييده. فان ما يمكن تقييده هو المراد الاثباتي المدلول عليه باللفظ، لا المراد الثبوتي غير المدلول عليه باللفظ.
ثالثاً: مع تعذر المراد الإستعمالي الاثباتي يتعذر المراد الجدي الثبوتي، لوجود الملازمة بين العدمين، أو قل: يلزم من عدمه عدمه. وان لم تكن ملازمة بين وجودهِ ووجودهُ فلو كان التقييد للمراد الجدي دائما انسد باب التمسك بالإطلاق.
وأجاب الأستاذ المحقق على هذا الوجه الثالث، من ناحيته: بان الصحة الفعلية التي هي منتزعة عن انطباق المأتي به على المأمور به غير مأخوذة تحت الأمر قطعا. ولا يعقل ذلك كما سبق.
بل الصحة المأخوذة تحت الأمر بمعنى التمامية. يعني الصلاة التامة الأجزاء والشرائط. ففي المسلك الصحيحي يحتمل دخل المشكوك في المسمى، فلا يمكن التمسك بالإطلاق، واما على الأعم، فيكون صدق اللفظ على الفاقد معلوما، وإنما الشك باعتبار الزائد، فلا بأس بالتمسك بالإطلاق لنفيه. وبه يثبت ان المأمور به هو الجامع بين الواجد والفاقد. ومن ذلك ننتزع عنوان الصحة، والصحة المنتزعة غير مأخوذة في المأمور به فضلا عن المسمى.
ويمكن ان يورد عليه: اننا بيّنا معنى الصحة، وان معنى الصحيح يمكن ان
ــــــ[281]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يؤخذ في متعلق الأمر. وإجماله:
ان أمر الصحيح وحاله يدور بين ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: الصحة الفعلية. وقد أشكلوا عليه بالاستحالة، وقلنا بإمكانه. حاله في ذلك حال الشرط المتأخر قيدا في المأمور به المتقدم. فانها قيود ذهنية اعتبارية، وليست علية حقيقية ليكون التقييد بها مستحيلا.
الاحتمال الثاني: التمامية، كما ذكر الأستاذ المحقق، فنسأل: هل المراد بالتمامية حتى من حيث قصد القربة أو قصد الامتثال أم بدونها.
ان قلت بدونها: إذن لا يكون المأمور به تاما ولا مطلوبا. وان قلت معها، كان ذلك محالا على قولك.
الاحتمال الثالث: المسقط، كما سميناه. يعني مسقط الأمر أو الملاك أو كلاهما. وهذا التعبير مسايرة للمشهور، وإلا فقد قلنا بان الأمر والملاك لا يسقطان وإنما يحصلان بحصول المطلوب.
نعم، فاعليته في الحث نحو الفعل تسقط لا محالة، لأنه يكون من تحصيل الحاصل. والكلام في المسقط هو الكلام في قصد القربة، لان كليهما متأخر رتبة عن الأمر. أو قل انه راجع إليه، لأنهم قالوا: قصد القربة أو قصد الامتثال. وقصد المسقط هو قصد الامتثال نفسه. وعلى أية حال فقد قلنا بإمكان التقييد به.
فإذا التفتنا إلى قولهم: ان الشارع لا يأمر بالأعم أو بالجامع بين الصحيح والفاسد. لان الفاسد فاقد لكل معاني الصحة، لأنه ليس تاما ولا مسقطا. عندئذ سيقول صاحب هذا الوجه: اننا نجعل ذلك قرينة عامة منفصلة على ان
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الشارع قيد المأمور به بالصحة ولو بالشكل المأخوذ بنحو الشرط المتأخر. إذن نشك في ان يكون الفاقد للجزء المشكوك مسقطا، فلا يمكن التمسك بالإطلاق، ولا يتم جواب الأستاذ المحقق.
ولكن على ما قلناه من ان الإطلاق يكون بالتمسك بالمراد الإستعمالي لا الجدي. والمراد الإستعمالي شامل – على القول بالأعم – للواجد والفاقد. فيمكن التمسك بالإطلاق. وإنما يكون التقييد بالمسقط قيدا للمراد الجدي الذي لا يتم التمسك بإطلاقه كما سبق.
واما بناء على المسلك الصحيحي، فيكون القيد قيدا للمسمى، أو المراد الإستعمالي. فيكون مشكوك الشمول للفاقد، فلا يكون التمسك بالإطلاق ممكنا. فتمت الثمرة.
الثمرة الثالثة: للنزاع بين المسلكين: ما يعود إلى جريان البراءة على ما سنقول وقد قدّمها في المحاضرات على الثمرة المربوطة بالتمسك بالإطلاق. مع ان لها حق التأخير. لان مرتبة الأصول بعد مرتبة الدليل اللفظي. وظاهر عبارة الكفاية على هذا المنوال. وحاصل الثمرة:
ان الأعمي يتمسك بالبراءة والصحيحي يتمسك بقاعدة الاشتغال.
ومن الظاهر اننا نرجع إلى الأصول العملية مع فقد الأمارة. وهذا الأمر، أعني فقد الدليل الأماري ينبغي ان يكون مفروضا على كلا المسلكين. وإنما يكون الدليل مجملا أو مهملا أو واردا في مقام أصل التشريع ونحو ذلك.
كما اننا ينبغي ان نقول في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، بجريان الاشتغال لا البراءة، وهذا ما قد يحصل سواء كنا أعميين أو صحيحيين. ومعه يمكن تصوير هذه الثمرة على أشكال مختلفة:
ــــــ[283]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الشكل الأول: ان الأعمي يرجع إلى الأصل اللفظي، بخلاف الصحيحي فانه يرجع إلى الأصل العملي. وهذه هي الثمرة السابقة. ولا ينبغي تكرارها هنا، بل يجب التنزل عنها، وسد باب الدليل اللفظي على كلا التقديرين.
الشكل الثاني: ان الأعمي يرجع إلى البراءة لأنه يقول بها في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين. بخلاف الصحيحي. وهذا ان صح، فانه لا يكون ثمرة لهذه المسألة، بل لتلك المسألة. إذ قد يكون الصحيحي قائلا بالاشتغال هناك. واما انه إذا قال بالبراءة هناك، فهل يمكنه ذلك هنا؟ يعني إذا قال بالمسلك الصحيحي. فهذا هو اثر هذه المسألة.
الشكل الثالث: ان الأعمي والصحيحي يقولان معا هناك بالبراءة أو بالاشتغال. فهل يبقى الموقف في هذه على نفس الوتيرة على كلا المسلكين أو يتغير هنا؟.
لاشك ان الأعمي إذا قال بالبراءة هناك قال بها هنا. كما لاشك ان الصحيحي إذا قال بالاشتغال هناك قال به هنا. وإنما الإشكال بالعكس. يعني إذا قال الأعمي بالاشتغال هناك فهل يقول بالبراءة هنا؟ والصحيحي إذا قال بالبراءة هناك فهل يقول بها هنا؟
يمكن ان يقال: انه بعد التنزل عن الدليل اللفظي، كما هو المفروض في هذه الثمرة، فانه ينسد باب الخلاف ما بين الصحيحي والأعمي، لأنه خلاف ظهوري، ولا ظهور مع انسداد الدليل اللفظي. فيكونان سواء في مسألة الأصل العملي. ويكونان معا صغرى لدوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
كما يمكن ان يقال: ان التنزل عن الدليل اللفظي يعني التنزل عن إطلاقه لا عن اصل وجوده، ولو لبيان اصل التشريع. فيبقى هناك مجال للأعمي للتمسك
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالدليل بعد فرض إحراز الانطباق. إلا ان يجاب: ان هذا على خلاف مرتبة الأصول العملية. وإنما لابد فيها من فرض تعذر رجوعهما معا إلى الأصول اللفظية اما لعدم وجودها أو لعدم إطلاقها أو لأي مانع آخر.
ومعه يكونان سواء في المسألة الأخرى. وإذا تم ذلك، زالت الثمرة هنا لزوال المسألة موضوعا، وهو الخلاف في الصحيح والأعم، لأنه إنما يكون مع وجود الدليل، واما مع عدمه فلا خلاف. وهذا – أعني عدم الدليل – هو ما يتوقف عليه جريان الأصل العملي. فان قلنا بالبراءة هناك، قلنا بها على كلا المسلكين، وان قلنا الاشتغال، قلنا به على كليهما أيضا.
إلا ان الأصوليين المتأخرين ربطوا بين المسألتين، اعني مسألة الصحيح والأعم، ومسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
فالسيد الأستاذ: ربط الأمر بكون الجامع تركيبيا أو بسيطا. وقال: ان الوضع للأعم يستلزم كون الجامع الموضوع له اللفظ تركيبيا. والوضع للصحيح يستلزم كون الجامع الموضوع له بسيطا. قال: وهذا ما قد نفيناه فيما سبق.
ثم قال: فان كان الجامع تركيبيا جرت البراءة وان كان بسيطا كان الشك شكا في المحصل فتجري أصالة الاشتغال. ثم انه فصّل الكلام عن الجامع البسيط واعتبره على أنحاء متعددة:
النحو الأول: ان يكون له مراتب من الشدة والضعف، كالحمرة الشديدة والخفيفة، فتجري البراءة للعلم بوجوب الأصل والشك في وجوب الزائد، سواء كان الجامع مسببا عن الأجزاء وفي طولها، أو كان منطبقا على الأجزاء نفسها، لأنه على أية حال يكون شكا في المرتبة الزائدة نفسها.
النحو الثاني: ان يكون الجامع غير مشكك وغير موجود بوجود الأجزاء،
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بل بوجود زائد عنها، فيكون شكا في المحصل فتجري أصالة الاشتغال.
النحو الثالث: ان يكون جامعا بسيطا غير مشكك، وهو موجود بعين وجود الأجزاء، بحيث يحمل عليها بالحمل الشايع. ولكنه متحقق بلحاظ حيثية عرضية خارجية، كالضرب المؤلم. فتجري أصالة الاشتغال للشك في وجود تلك الحيثية، فتكون تحت عهدة العقل.
النحو الرابع: ان يكون الجامع بسيطا غير مشكك، وهو منتزع بلحاظ مرتبة ذات الأجزاء، بمعنى انه ذاتي لها. كالإنسان بالنسبة إلى زيد، فتجري البراءة. لان هذا العنوان يكون فانيا في الفرد. وما هو المطلوب هو ذاك العنوان. والوجود للفرد مردد بين الأقل والأكثر، فتجري أصالة البراءة عن الزائد.
النحو الخامس: ان يكون من الوجودات الاعتبارية أو المجعولات الشرعية كالطهور. فتجري البراءة لو تردد أمره بين الأقل والأكثر. والسر في ذلك: ان الجامع لها كان اعتباريا وليس مشيرا إلى حقيقة. وإنما هو مشير ومعرف بالواقع. وأمره دائر بين الأقل والأكثر، فتجري البراءة.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: ان ما هو ظاهر عبارته من ان الجامع قد يكون تركيبيا وقد يكون بسيطا على كلا المسلكين صحيح. اما بناء على المسلك الأعمي فوجوده التركيبي واضح، كما يمكن ان يكون بسيطا أي مفهوما منتزعا من الأجزاء المتكثرة.
واما على المسلك الصحيحي فيمكن ان يكون بسيطا كما هو المشهور. وذهب إليه الآخوند وغيره، ويمكن ان يكون مركبا إذا نظرنا إلى ذات المأمور به.
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان ما قاله من جريان البراءة إذا كان الجامع تركيبيا، يرد عليه أمران:
الأمر الأول: ان معناه جريان البراءة حتى على المسلك الصحيحي إذا كان جامعه تركيبيا. وهذا غير تام لما عرفناه من امتناع جريانها باعتبار كون الشك في المحصل عند الصحيحي، سواء كان جامعه بسيطا أو تركيبيا.
الأمر الثاني: ان ما قاله من جريان البراءة لدى الجامع التركيبي مسلما، إنما يكون إذا أحرزنا المسمى وشككنا في الزائد. وهذا لا يتحقق دائما، بل هو لا يتحقق على المسلك الصحيحي إطلاقا، لأنه مع الشك في الصحة يشك في المسمى.
وحتى بناء على المسلك الأعمي قد يشك في المسمى، كما في الصلوات المختصرة التي يصدق عليها السلب عرفا، كالتسبيحات أو مجرد القصد.
ولكن يمكن جريان البراءة بناء على الصحيحي، فيما إذا أحرزنا الصحة، وشككنا في وجوب عمل بحياله خلال الصلاة.
ينتج من ذلك، انه على كلا المسلكين يمكن جريان البراءة أحيانا، كما يمكن جريان قاعدة الاشتغال أحيانا أخرى.
ثالثاً: ان ما قاله من أنحاء الجامع البسيط، لم يتبين انه جامع للصحيحي أو للأعمى، أو انه منطبق على كلا المسلكين. وعلى أية حال، فان كان جامعا للصحيحي كما هو الظاهر، كان الشك في الجزء شكا في المسمى، فتجري أصالة الاشتغال، وان كان جامعا للأعم، فان أحرزنا المسمى جرت البراءة وإلا فلا على التفصيل السابق.
رابعاً: ما قاله في النحو الأول، من ان الجامع البسيط الذي له مراتب،
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كالحمرة، فتجري البراءة فيه سواء كان الجامع مسببا عن الأجزاء أو منطبقا على الأجزاء. وهذا لا يتم على إطلاقه، فانه ان كان مسببا عن الأجزاء كان الشك في الزائد شكا في المحصل والمحقق له، فتجري قاعدة الاشتغال.
واما إذا كان منطبقا على نفس الأجزاء، كان جريان البراءة منوطا بصدق الجامع على المراتب، إلا ان الصدق عندئذ يكون قطعيا لا حاجة معه إلى جريان البراءة. لان التسعة مصداق من المأمور به على الفرض، كما ان العشرة مصداق لها أيضا. فيكون الجزء الآخر استحبابيا أو تخييريا.
خامساً: ما قاله في النحو الثاني من ان يكون جامعا بسيطا زائدا على الأجزاء فتجري قاعدة الاشتغال.
وهذا صحيح، لأنه شك في المحصل، ما لم يكن المأمور به هو المحصل نفسه. ويكون مقتضى الأصل هو نفي دخل الجزء المشكوك بالأصل بإيجاد الجامع. إلا ان المفروض هو كون المأمور به الجامع لا المحصل.
سادساً: ما قاله في النحو الثالث: ان يكون الجامع البسيط موجودا بوجود الأجزاء، بلحاظ حيثية زائدة كالضرب المؤلم فتجري أصالة الاشتغال. وهذا يصح بناء على ان المأمور به هو هذه الحيثية دون الأجزاء. واما لو كان المأمور به هو الأجزاء، فيمكن – كما قلنا في الصورة السابقة – جريان الأصل فيه لإثبات عدم دخله في تلك الحيثية.
سابعاً: في صورة ما إذا كان الجامع ذاتيا، كالإنسان فتجري البراءة. لان الماهية وان لم تكن مشككة، إلا ان العنوان فانٍ في الأجزاء، ووجود الفرد مردد بين الأقل والأكثر.
إلا ان هذا لا يتم، لان المفروض عدم إحراز الماهية المأمور بها في
ــــــ[288]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
جانب الأقل. فيكون الشك شكا في المحصل فتجري أصالة الاشتغال. واما مع إحراز الماهية فكما قلنا في بعض الصور السابقة: انه لا حاجة إلى جريان البراءة، لإحراز الانطباق على المأمور به حتى مع النقصان.
ثامناً: ان يكون الجامع اعتباريا كالطهور، فتجري البراءة، لان هذا الجامع مشير إلى ذات الأجزاء.
ولكن هذا قابل للمناقشة: لان المأمور به هو الجامع الاعتباري بنفسه على المفروض، فيكون الشك في الجزء الزائد شكا في المحصل، وكونه غير مشير إلى حيثية حقيقية، غير دخيل في جريان البراءة، لان الماهيات المأمور بها عرفية وليست حقيقية بالضرورة.
فان قلت: اننا قلنا في عدد من الصور السابقة: ان جريان الأصل النافي في الجزء المشكوك يكشف عن عدم دخله في المحصل. فيمكن التمسك ابتداء بالدليل الأصلي باعتبار إحراز الانطباق بدونه.
قلنا: هذا الكلام كان منا. واما المشهور فلم يقل به.
تاسعاً: انه ان كان المراد بكون الجامع البسيط بأقسامه التي تحدث عنها هو الجامع الصحيحي، فان المأمور به هو المعلول سواء كان الجامع اعتباريا أم انتزاعيا أم ذاتيا. وهو إنما يترتب على الفرد الصحيح، ومع النقص يشك في صحته، فتجري أصالة الاشتغال، لأنه يكون شكا في المحصل، في كل تلك الأمور.
وان كان المأمور به هو الأجزاء، فيكون الشك في الجزء شكا في المسمى وفي صدق الماهية، فتجري أيضا أصالة الاشتغال، لأنه أيضا شكا في المحصل.
ــــــ[289]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويمكن الجمع بين النكتتين وذلك: فيما إذا كان المأمور به هو المعلول وكانت علته المسمى لا الأجزاء، فتجري أصالة الاشتغال من كلتا الجهتين.
وان تكلمنا عن المسلك الأعم وكان الجامع جامعا له، فالأمر يختلف، من حيث ان المأمور به هل هو العلة أو هو المعلول ؟
اما إذا كان المأمور به هو العلة فتجري البراءة، وان كان المأمور به هو المعلول، فان كانت علته هي الأجزاء بالجملة، جرت البراءة، وكذلك ان كانت العلة هي المسمى، لإحرازه في مفروض الأعمي. بل لا حاجة إلى جريان البراءة، وإنما يكون المصداق منطبقا على الدليل اللفظي ابتداء. كما قلنا في بعض الصور السابقة.
وان كانت علته هو الصحيح، وهذا ممكن حتى بناء على المسلك الأعمي، إذن تجري أصالة الاشتغال. والمفروض هو ذلك دون سواه. إلا ان المشهور هو ان المأمور به هو الأجزاء (العلة) لا المعلول. وان المطلوب هو وجود اصل الماهية بناء على الأعم، فتجري البراءة عن الزائد.
والى هنا فالثمرة صحيحة.
غير ان الأستاذ المحقق ألغاها، وذكر ان الرجوع إلى البراءة والاشتغال لا يختلف عن كلا المسلكين. اما الأعم فيرتبط بانحلال العلم الإجمالي في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين. وهناك يقال بانحلاله إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقل والشك في الزائد. فلا مانع من جريان البراءة فيه، لان الشك في تعلق الأمر بالماهية على نحو الإطلاق والتقييد. فان قلنا بالانحلال هناك قلنا بالبراءة هنا، وإلا قلنا بالاحتياط. ومعه لا ملازمة بين القول الأعمي والرجوع إلى البراءة.
ــــــ[290]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما على الصحيحي، فان قلنا بان التكليف متعلق بعنوان بسيط خارج عن الأجزاء، فيكون الشك شكا في المحصل، فتجري أصالة الاشتغال. إلا ان هذا فرض لا واقع له. بل المفروض ان متعلق التكليف نسبته إلى الأجزاء والشرائط نسبة الطبيعي إلى أفراده أو نسبة العنوان إلى معنونه. وهذا لا يخلو أمره: اما ان يكون من الماهيات المتأصلة المركبة أو البسيطة. أو من الماهيات الاعتبارية والعنوانين الانتزاعية.
اما على الأول: وهو المتأصلة المركبة، فالمفروض ان الجامع هو عين الأجزاء والشرائط وهي بعنوانها متعلقة للأمر. ووحدتها ليست حقيقية بل اعتبارية، فيكون تعلق التكليف بالمقدار المتيقن محرزا، والشك في الزائد، فتجري البراءة.
واما على الثاني: وهي المتأصلة البسيطة، فلأن الطبيعي عين وجود أفراده خارجا. والخصوصيات الفردية غير دخيلة في ذلك. فيرجع الشك في الجزء المحتمل إلى الشك في إطلاق المأمور به وتقييده، لا إلى أمر خارج عن دائرة المأمور به. فتجري البراءة بناء على الانحلال، سواء قلنا بان متعلق الأوامر هو الطبائع أو الأفراد. اما على الثاني فواضح، واما على الأول فلاتحاد الطبيعي مع الأفراد خارجا.
فتحصل جريان البراءة على كلا المسلكين، إذا قلنا في تلك المسألة بالبراءة، وإذا قلنا هناك بالاشتغال، فنقول هنا على كلا القولين بالاشتغال.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: اننا عرفنا انه على القول الأعم لا يتعين جريان البراءة، حتى لو قلنا بالبراءة في تلك المسألة. وذلك لاختلاف المسالك هنا. فإذا كان الجامع
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأعمي زائدا على الأجزاء، كان شكا في المحصل فتجري أصالة الاشتغال.
ومنها: ما ان كان الشك شكا في المسمى، وإنما تجري البراءة مع احتمال وجوب زائد على المسمى. وهذا لا يكون إلا بعد إحراز الانطباق في الأقل.
ثانياً: انه تصور ان يكون المأمور به ماهية متأصلة مركبة. فهل يريد به التركيب الانحلالي الذاتي أو التركيب الخارجي.
فان قصد الأول فالبراءة لا تجري لدخله في المسمى قطعا أو احتمالا. وان قصد الثاني، فهو غير محتمل في نفسه، بان يتركب العنوان الذاتي من أجزاء خارجية. ولذا اعترف حتى على هذا التقدير، بان ماهية الصلاة اعتبارية، لوضوح انه لا يكون بعد ضم ماهية السجود إلى ماهية الركوع ماهية أخرى ثالثة ذاتية. إذن، فالضم حكم وتقييد اعتباري وليس ماهويا. وتكون الصلاة ماهية اعتبارية غير متأصلة وحقيقية. إذن فهذا الفرض لا واقع له.
ثالثاً: لو سلمنا ان الماهية المركبة تتكون من أجزاء خارجية، فاحتمال دخل الزائد في المأمور به الصحيحي، يلازم احتمال دخله في الماهية، لأنه يكون ذاتيا له. فيكون شكا في المسمى، يعني في حصول الماهية، فتجري أصالة الاشتغال.
فان قلت: فان أصالة الاشتغال تجري لدى الشك في المحصل لا الشك في المسمى.
قلنا: ان الشك في المسمى والشك في المحصل يرجع إلى معنى واحد، وهو تحصيل أو إيجاد المسمى أو الماهية. وهذا معنى لا يختلف فيه الأعمي عن الصحيحي.
ــــــ[292]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رابعاً: ان ما قاله في الماهية البسيطة: اننا إذا قلنا ان الأوامر تتعلق بالطبائع والأفراد محققة لها، فتجري أصالة الاشتغال. وما قاله: من اتحاد الطبيعي بالفرد، إنما هو فرع إحراز كونه فردا، والمفروض الشك في ذلك. نعم، إذا قلنا بتعلق الأمر بالأفراد كان له وجه، إلا ان الصحيح ان الأفراد غير الأجزاء، ومع الشك في تمامية الأجزاء يكون شكا في المسمى فتجري أصالة الاشتغال.
واما الثالث: وهو الأمر الانتزاعي، فلابد من الإثبات بشيء يكون مصداقا لمنشأ الانتزاع لأنه هو المأمور به. فإذا شككنا عقلا أو عرفا بذلك جرت أصالة الاشتغال. فحتى لو قلنا في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين بالبراءة، قلنا هنا على الصحيحي بالاشتغال. ولم يمكن القول بالبراءة، لأنه من الشك في المحصل تارة وفي المسمى أخرى، بخلاف الأعمي فان يكون شكا في الزائد بعد إحراز المسمى فتجري البراءة.
خامساً: ان ما قاله من ان ذاك فرض لا واقع له، قابل للمناقشة:
1 – انه لابد من البرهنة على نفيه وليس مجرد الدعوى، وكان خير له ان يقول: سبق ان برهنا على عدمه.
واما إذا بقي الأمر بلا برهان، فيكون الكلام على المسالك إجمالا، فأي مسلك اخترناه طبقناه على النتيجة. فلعلنا اخترنا هذا المسلك الذي نفاه. وهو تعلق الأمر بالأفراد.
2 – انه فرض يمكن ان يكون واقعا وذلك: لان الكليات عموما سواء كانت انتزاعية أو ماهوية هي زائدة عقلا وعرفا على جزئياتها وهي موجودات واقعية لا خارجية.
وهي من حيث كلامنا تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما كان ناجزا
ــــــ[293]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالخلقة وهذا لا كلام لنا فيه. والقسم الثاني: قسم اختياري، يقع الأمر بإيجاد فرد منه. فالناقص لم نحرز كونه فردا، فتجري أصالة الاشتغال.
وإذا أحرزنا كونه فردا كفى عرفا وشرعا في الامتثال. ولا حاجة إلى جريان البراءة في الزائد، إذا كان الشك من جهة دخله في الفردية. نعم، باعتبار الشك في التقييد بالزائد، تجري البراءة ما لم يكن المورد شكا في المحصل، فتجري قاعدة الاشتغال.
وما أبعد بين ما ذكره الأستاذ المحقق هنا، وما ذكره السيد الأستاذ من الاحتمالات الخمسة التي سطرناها. حيث زاد على الأستاذ المحقق بأمرين:
1 – ان يكون الجامع مشككا ذو مراتب كالحمرة.
2 – ان يكون الجامع موجودا بلحاظ حيثية زائدة، كالضرب المؤلم. وحذف احتمال ان يكون الجامع ذاتيا مركبا، لما قلناه من عدم تعقله.
ثمرات أخرى محتملة في الباب :
الثمرة الأولى: نذر التصدق على من يصلي ركعتين. حيث يتعين الوجوب على من يصليهما صحيحتين بناء على الصحيح ومطلقا بناء على الأعم.
ويمكن المناقشة في ذلك:
أولاً: انها ثمرة فقهية وليست أصولية، بخلاف الثمرتين السابقتين.
إلا ان هذا ليس إشكالا. لان الثمرة نفسها وان كانت فقهية، إلا ان هذه المسألة وقعت في طريق استنباطها، فكانت أصولية.
ثانياً: ان المنذور يتبع قصد الناذر من الصلاة الصحيحة أو الأعم. فان لم
ــــــ[294]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نعلم بقصده، فالظاهر هو الصلاة الصحيحة, لأنه هو المرتكز متشرعيا.
والمهم هو ان هذا يتبع القصد ولا ربط له بالوضع للصحيح والأعم. فقد يستعمل اللفظ خلال النذر مجازا.
ثالثاً: ما قاله الأستاذ المحقق من ان الصحة المتنازع على دخلها في المسمى غير الصحة المعتبرة في مرحلة الامتثال، كما عليه مسلكه. قال: فيمكن ان يكون المأتي به صحيحا من حيث كونه جامعا للأجزاء والشرائط، وفاسدا من الجهات الأخرى، فتحصل براءة الذمة بالإتيان به.
أقول: ان الكلام مبنائي وعمدته هو إمكان أخذ ما هو متأخر رتبة فيما هو متقدم وعدمه. فان كان ممكنا كان المقصود وهو الصحة الفعلية، فلا يجزي بدونه.
الثمرة الثانية: صلاة المرأة إلى جنب الرجل.
فعلى القول بالمسلك الصحيحي، إذا علمنا بفساد صلاة المرأة فلا إشكال. بخلاف ما لو قلنا بالمسلك الأعم لصدق الصلاة عندئذ.
وجوابها: أولاً: انها مسألة فقهية. ثانياً: اننا نعلم ان الشارع في هذا المورد يقصد الصلاة الصحيحة. لأننا قلنا ان الشارع صحيحي. ويجب حمل كل ما ورد في الأدلة على الصحيح. ثالثاً: ما قاله الأستاذ المحقق من اختلاف معنى الصحة، كما سبق. وجوابه: انه مما لا يحمل عليه كلام الشارع.
تحقيق الحال في الصحيح والأعم يعني
الاستدلال على صحة أحــــــد المسلكين:
ولا يخفى ان المسلك هنا وان كان بعنوانين اثنين هما الصحيح والأعم.
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا ان لكل منهما مسالك متعددة في تصوير الجامع، بعضها بسيط وبعضها مركب. ويكون الدليل الدال على صحة القسم دالا على صحة المقسم، دون العكس.
والدليل تارة من اللغة وأخرى من الشرع وأخرى من المركب منهما، وهو الوضع الشرعي أو الحقيقة الشرعية.
والعمدة الآن هو تقسيم الكلام تارة إلى الاستدلال على الأعم وأخرى على الصحيح. في حدود ما هو مذكور في المصادر.
الاستدلال على مسلك الاعمي:
ويكون ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: صحيحة زرارة: لا تعاد الصلاة إلا من خمس.
بان يقال: انها تدل على الأعم، وعلى ان الجامع هو الأركان مع إضافة التكبير إليها. وإنما لم يذكر التكبير لان الفرد لا يدخل الصلاة بدونه. وغير هذه الأمور ليست ركنا، حتى التسليم وان ذهب بعضهم إلى ركنيته ولكنه ليس بصحيح. ويشمله حديث لا تعاد. إذن فلفظة الصلاة موضوعة للأعم، وهو الجامع المشتمل على هذه الأمور الأربعة.
قال السيد الأستاذ: ان هذا الذي أفاده – يعني الأستاذ المحقق – ينحل إلى جانبين سلبي وإيجابي.
فالجانب السلبي هو ان غير هذه الأمور غير دخيل في المسمى. وبه يختلف عن سائر المسالك بما فيها القول بالوضع للصحيح، والجانب
ــــــ[296]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الإيجابي، هو ان هذه الأمور دخيلة.
وغاية ما يمكن ان يستدل به للجانب السلبي أحد أمور:
الأمر الأول: ان غير هذه الأمور لو كان ركنا لبطلت الصلاة بدونه حتى سهوا. مع ان الأمر ليس كذلك. وجه الملازمة: انها لو كانت ركنا كانت دخيلة في المسمى، فإذا لم تحصل زال المسمى فبطلت الصلاة.
الأمر الثاني: اننا باستقراء الروايات رأينا نصوصا على دخل هذه الأمور في المسمى دون غيرها. ولو كان غيرها دخيلا لوردنا منه شيء.
الأمر الثالث: الاستدلال برواية: الصلاة ثلثها الطهور وثلثها الركوع وثلثها السجود. فهي تنفي دخل أي شيء غيرها، مع دعوى استحالة ان يكون للشيء اكثر من ثلاث أثلاث. وذاك باستثناء التكبير.
أجاب السيد الأستاذ على الوجه الأول: بان الصحيحي يدعي جامعا بحيث يكون كل جزء دخيلا في حال التذكر دون حال النسيان. فلا ربط للمسألة الفقهية، وهي الدخل في المأمور به مع المسألة الأصولية، وهي الدخل في المسمى.
وأجاب على الوجه الثاني: انه فرع ثبوت ان الشارع له غرض في بيان تمام ما له دخل في المسمى. وهذا لم يحرز. وإنما تعلق غرضه ببيان تمام ما له دخل في الواجب. فلعل التشهد دخيل في المسمى ولم يبينه.
وأجاب على الوجه الثالث: انه يتعين ان يراد بالتثليث: الأهمية أو الثواب، كما ورد ان سورة الإخلاص ثلث القرآن.
وإلا وردت عليه عدة اشكالات، منها: عدم تقييده بالتكبير، لأنه خلاف
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الحصر. فان قلت: انه يراد الاثلاث بعد الدخول في الصلاة. قلنا: هذا ينافي شرطية الطهور وانه أحد الأركان الثلاثة. مع انه سابق على الصلاة.
ويأتي الكلام على الجانب الإيجابي، والجانب السلبي هو الأهم في الاستدلال بطبيعة الحال. فانه ان تم، تم المطلوب.
ولنا اشكالات على كل من السيد الأستاذ والأستاذ المحقق.
أولها: ان الدليل أضيق من المدعى، لأنه يختص بالصلاة، بل بخصوص الصلاة اليومية، لذكر الوقت المنصرف إلى الأوقات الثلاثة، مع ان الخلاف في مطلق العبادات، بل يشمل المعاملات أيضا. كما انه يختص بمسلك معين وهو الأركان. وان قلنا انه دال على الجامع أيضا، يعني انه ناف للصحيح على أية حال.
ثانيهما: انه هل يراد بناء هذه المسألة على الحقيقة الشرعية أم لا.
فان أريد ذلك، أورد عليه:
1 – انه ثبت في محله عدم صحة الحقيقة الشرعية.
2 – ان هذه الروايات واردة عن الأئمة ، لا عن النبي فتكون من قبيل الحقيقة المتشرعة، ولا تثبت بها الحقيقة الشرعية.
3 – ان هذه الروايات إنما أريد بها مجرد الاستعمال للتوصل إلى بيان الحكم، ولم يثبت ان المراد بها الوضع. كما لا تدل بحال على وجود وضع سابق رتبة.
4 – اننا قلنا فيما سبق ان الشارع إنما يأمر بالصحيح، ولا يحتمل توجه
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أمره إلى الأعم. فلا تكون أمثال هذه الروايات دالة على الوضع للأعم. بما فيها مسلك الأركان أو غيره.
واما ان لم نرد ابتناء هذه المسألة على الحقيقة الشرعية، يعني ان الشارع غير واضع للألفاظ لا في هذه الروايات ولا في غيرها. إذن، فهو مستعمل من المستعملين لا اكثر. فلابد ان نرجع في الوضع إلى العرف لا إلى الروايات.
فان قلت: اننا نفهم من سياق الرواية التنزيل.
قلنا: جوابه من وجوه:
1 – ان التنزيل يكون على أمر أجنبي كتنزيل الطواف منزلة الصلاة. لا تنزيل الجزء منزلة الكل.
2 – انه لو تم ذلك، كان المنزل عليه هو الصلاة حقيقة وهي الصحيحة لا الأعم.
3 – ان استفادة التنزيل دعوى عهدتها على مدعيها، وإنما المراد بها الثواب ونحوه.
4 – لو تم التنزيل فهو تنزيل تعبدي، يدل على الصحة مع الاقتصار على الأركان، وليس تنزيلا لغويا لنفهم منه الوضع.
ثالثها: ان الوجه الأول الذي ذكره السيد الأستاذ غير وارد: لان المقام مقام الاستدلال على الجامع، لا مقام الإمكان ليكون التصور العقلي للجامع حجة. على انه جامع غير عرفي، فلا يحتمل ان يكون موضوعا له.
فنبقى نحن والمسمى العرفي. فإذا كان شاكا في الناقص انه ينطبق عليه
ــــــ[299]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المسمى أم لا، جرت أصالة الاشتغال. فان علمنا بعدم انطباق المسمى عليه، كما هو المفروض، بطل المأتي به يقينا، بدون حاجة إلى أصالة الاشتغال. وهذا هو مراد الأستاذ المحقق.
رابعها: ان ما ذكره السيد الأستاذ جوابا على الوجه الثاني وان كان صحيحا، إلا ان للأستاذ المحقق ان يدعي إحراز قصد الشارع الدخل في المسمى. فينتفي الإشكال من هذه الناحية.
إلا انه مع ذلك لا يتم للأستاذ المحقق، لان عدم الورود لا يدل على عدم الوجود. ولو كان قد قال: اننا وردنا نفي الزائد بأمثال هذه الروايات، لكان اقرب إلى الصواب.
خامسها: انه يمكن لحاظ الطهارة المتحققة بعد التكبير، ويراد بالطهارة أثرها لا سببها، وهو الوضوء أو الغسل. والأثر مزامن ومعاصر للصلاة. واما الطهارة السابقة عليها فغير دخيلة في صحتها كما هو معلوم.
وبمثله نجيب على شرطية القبلة، التي حاول كلا العلمين التهرب من ذكرها. فان ما هو شرط في الصلاة هو الاستقبال خلالها لا قبلها.
واما الجانب الإيجابي من استدلاله: وهو ان هذه الأمور الثلاثة: السجود والركوع والطهور، دخيلة في المسمى. فاحسن دليل يمكن ضمه إلى صحيحة زرارة، هي الرواية المثلثة – بالكسر -.
أجاب على ذلك السيد الأستاذ: ان كلمة الصلاة في هذه الرواية، أو في الروايتين معا، اما ان نريد بها الصلاة المأمور بها، بدعوى انصرافها إلى الصلاة المعهودة بين المسلمين. واما ان نقول: ان المراد بها المسمى والموضوع له، وليس لها نظر إلى باب الأمر.
ــــــ[300]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فعلى الأول: تكون دليلا على مدخلية الأمور الثلاثة في المأمور به لا على مقوميته للمسمى.
وان أنكرنا هذا الانصراف، وجمدنا على لحاظ اللفظ، فتكون دالة على مدخليتها في المسمى. لكننا نسأل عن الفرق بينها وبين الرواية التي تقول: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. فقد يمكن حملها على المسمى. وانه لا يوجد المسمى إلا بالفاتحة. وكون الفاتحة ساقطة أحيانا لا تدخل إلا تقييدا في الرواية.
ومراد السيد الأستاذ من ذلك أحد أمرين، لم يعين بنفسه أحدهما:
الأمر الأول: النقض على الأستاذ المحقق، لأنه يسلم بعدم دخل الفاتحة في المسمى، فما الفرق بين الروايتين، مع ان أسلوبهما واحد.
الأمر الثاني: التقييد بمعنى إمكان تقييد كل من الروايتين السابقتين بهذه الأخيرة. كمقيد بوجود الفاتحة، بصفتها جزءا من المسمى. ومثلها: لا صلاة لمن لم يقم صلبه. ولعل مثلها: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. وغيرها، فتأمل جيدا.
وجوابنا على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: اننا ينبغي ان نلتفت: ان صحيحة زرارة، معتبرة السند، فهي دالة بنفسها على الجانب الإيجابي، ولا حاجة إلى تأييدها برواية أخرى. وهي الرواية (المثلثة) وخاصة ان الظاهر انها غير معتبرة السند.
وهذا بخلاف الجانب السلبي أو مفهوم المخالفة فيها. فانها ان دلت عليه، كانت حجة فيه. وإلا احتاج الحال إلى الاستدلال الخارجي. ومن هنا نفهم ان
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجانب الأهم وهو الجانب السلبي لا تكفي فيه صحيحة زرارة. إلا انها لا مفهوم لها، ومفهومها ان وجد، فهو من قبيل مفهوم اللقب. باطل، فيحتاج إلى أدلة أخرى مثل ما سبق. ولم يتم شيء منها.
الوجه الثاني: اننا أيضا ينبغي ان نلتفت: ان لفظ الصلاة في الروايتين بل بكل الروايات على غرار واحد. وليس اننا إذا حملنا الروايات الأخرى على المسمى، كانت دليلا على مضمون رواية زرارة. حتى مع حمل رواية زرارة على المعنى المتشرعي.
فانها عندئذ اما ان تكون معارضة لها أو أجنبية عنها، لا انها تصلح للقرينية على ان المراد بها المسمى. فان ذلك لا يتم في القرينة المتصلة.
الوجه الثالث: كما اننا ينبغي ان نلتفت إلى ان الصلاة، في كل هذه النصوص على غرار واحد. وهو المعنى المتشرعي لا اللغوي. لا من جهة ظهور كونها معهودة للمسلمين، كما ذكر السيد الأستاذ. بل لظهور حال الإمام بالأمر التشريعي. لا ان كلامه لبيان القصة أو اللغة أو التاريخ ونحو ذلك. واعتقد انها كالنص في ذلك.
نعم، للأستاذ المحقق ان يقول: ان المعنى المتشرعي هو المعنى اللغوي. فتكون هذه الروايات دليلا على كلتا الجهتين.
ولكن يجاب عن ذلك: هل ان المراد ان المعنى هو نفسه من جميع الجهات؟ فهذا غير محتمل لدخل أمور كثيرة في المأمور به دون المسمى قطعا. وان أراد انه نفسه في الجملة، فهذا صحيح. إلا اننا نحتاج إلى استئناف دليل على ان المراد دخل هذه الأمور في المسمى لا في المأمور به. وقرينة ظهورية في ذلك، وهي مفقودة.
ــــــ[302]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: فان ظاهرها دخلها في ذات الصلاة وماهيتها. فتكون دخيلة من كلتا الجهتين.
قلنا: هي ظاهرة في دخلها في ماهية الصلاة، ولكن من الناحية الشرعية. يعني بيان أهمية هذه الأمور شرعا. فلعلها دخيلة في المأمور به دخلا أكيدا لا في المسمى. ولا يوجد ظهور أكثر من ذلك.
الوجه الرابع: يمكن القول: انه ان كان المراد من هذه الروايات دخل هذه الأمور في المسمى، من الناحية اللغوية، فانه لن يكون شيء منها حجة. لأنها عندئذ لا تعرض لها لامر شرعي إطلاقا.
ثم انهم قالوا، وخاصة السيد الأستاذ: ان الأعميين وخاصة الأستاذ المحقق استدلوا على كون التكبير دخيلا في المسمى، بما دلّ على انه افتتاح الصلاة. وكأن هذا ناظر إلى المسمى.
ولكن الإنصاف ان الروايات الواردة في التكبير لا يصلح شيء منها لإثبات ذلك. فانها على طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على إجزاء تكبيرة واحدة في افتتاح الصلاة. كرواية محمد بن مسلم: أدنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة. فمن المعلوم ان الإجزاء معناه انه قيد للأمر لا للمسمى.
الطائفة الثانية: ما دلّ على ان التكبير أنف الصلاة. كرواية السكوني عن رسول الله في حديث قال: لكل شيء أنف وأنف الصلاة التكبير.
إلا انها لا تتم سندا ولا دلالة، اما سندا فلأن السكوني يروي عنه النوفلي ومحمد بن سعيد، وكلاهما لم يثبت توثيقه. واما دلالة فلأن أنف الشيء ليس
ــــــ[303]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مقوما له. وان اكتسب به الأهمية، ولذا قد يتغير ويبقى العنوان محفوظا.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على انها مفتاح الصلاة. كرواية ناصح المؤذن عن أبي عبد الله في حديث قال: ان مفتاح الصلاة التكبير.
وهي غير تامة سندا ولا دلالة. اما سندا فلأن ناصح المؤذن لم يوثق. واما دلالة فلأن مفتاح الشيء في الفهم العرفي غير داخل في حقيقة ذلك الشيء. وهو كما يناسب الجزء الداخل، يناسب أيضا الجزء الخارج. مضافا إلى عدم إحراز ان المراد بيان المسمى.
الطائفة الرابعة: ما دل على حصر افتتاح الصلاة بالتكبير: كرواية المجالس السنية بسنده إلى أنس بن مالك عن رسول الله : قال: الله أكبر لا تفتح الصلاة إلا بها.
وهي غير تامة سندا، باعتبار ضعف عدة من رجالها. وهي حديث نبوي. واما دلالة. فلأن (لا) ان كانت نافية فقد يقال بظهوره بان افتتاح الصلاة دائما بها. أقول: وافتتاح الشيء ليس دائما من حقيقته بل يحمل عرفا معنى المقدمية له.
واما إذا كانت لا ناهية، فغايته الدلالة على الأمر بالتكبير دون الدلالة على دخله في المسمى.
الطائفة الخامسة: ما دل على ان تحريمها التكبير. كرواية القداح عن أبي عبد الله. قال: افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم. ومن الواضح جدا: ان معنى التحريم منع الإتيان بالمنافيات وهو أجنبي عن باب دخله في المسمى. ولم يتعرض السيد الأستاذ إلى سندها.
ــــــ[304]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الطائفة السادسة: ما دلّ على انه لا صلاة بدون افتتاح.
كرواية عمار. قال: سألت أبا عبد الله عن رجل سهى خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة. قال: يعيد الصلاة. ولا صلاة بغير افتتاح. فقد يقال: انه يدل على نفي المسمى بغير افتتاح. فيكون مقوما للمسمى، وهي معتبرة السند.
ولكن يرد عليه:
أولاً: ان هذه العبارة مقرونة بقوله: يعيد الصلاة. ومعناه: ان ما أتى به صلاة. وإلا لم تصدق الإعادة. فيتعين ان يكون النفي بلحاظ الوظيفة لا بلحاظ المسمى.
أو على الأقل ان نقول: انه أتصل به ما يصلح للقرينية، فيبتلي بالإجمال.
ثانياً: النقض بقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صلاة لمن لم يقم صلبه. فان استظهرنا نفي المسمى، فلنستظهره هناك أيضا.
غاية الفرق بينهما: انه لا صلاة بدون افتتاح يشمل الناسي أيضا. ولكن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لا يشمله. ولكن الاستفادة هي نفسها فيهما.
وبما ذكرنا ظهر انه لا توجد رواية بعنوان: افتتاح الصلاة التكبير. وإنما مضامين الروايات هي ما ذكرنا. وهي لا تدل على المطلوب.
أقول: يرد على ذلك عدة أمور سوى ما تحصل مما سبق، فنذكر الآن ما تحصل مما سبق ثم نعقبها بالأمور الأخرى.
1 – انه أخص من المدعى إلا انها خاصة بالصلاة والكلام في مطلق العبادات.
ــــــ[305]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
2 – ما قلناه من انها لو كانت خاصة بالمعنى اللغوي لم تكن حجة. مع انهم استدلوا بها على الأحكام بلا إشكال.
3 – معارضة هذه الروايات برواية التثليث. فانها غير قابلة للتخصيص.
4 – ان ظهور حال الإمام بالتشريع لا اللغة.
5 – انها مبنية على الحقيقة الشرعية، التي لم تتم.
مضافا إلى عدم إمكان تخصيص رواية التثليث ولا رواية لا تعاد. فانهما معا أبيّان عن التخصيص. لظهورهما في العدد.
واما إذا فهمنا منهما المطلق، فالتقييد لهما كثير، وهو معلوم للإمام. فاما ان يقع طرفا للمعارضة معه لو كانت آبية عن التقييد. أو نقول بإمكانه لعلم الإمام بالمقيد – بالكسر -. أو نخصها بصورة السهو، كما عليه المشهور، وان لم يذكر فيها لفظا. أو نقول: ان المراد بها ما بعد التكبير.
إلا ان هنا مناقشات على السيد الأستاذ يمكن ان تكون كما يلي:
أولاً: في الطائفة الأولى نقول: ان معنى الإجزاء ليس اصطلاحيا. بل عرفيا ومتشرعيا. بل يمكن القول انه أخذت جزئية أصل التكبير من الصلاة مسلمة. وإنما الكلام فيها في إجزاء المسمى منه.
ثانياً: في الطائفة الثانية نقول: ان كون الأنف ليس مقوما للشيء، وان كان صحيحا. إلا ان المراد هو الجزئية من الجامع سواء كان مقوما أم لم يكن. ومن المعلوم ان الحديث دلّ على الأهمية، وهي مناسبة مع كونه مقوما، بل لا يحتمل متشرعيا ان لا يكون التكبير مقوما.
ــــــ[306]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: في الطائفة الثالثة: نقول: ان المفتاح ان فهمنا منه المغلاق، فلا إشكال في جزئيته. وان فهمنا منه دلالته المطابقية، فالجزء يمكن ان يكون منفصلا عرفا، كما هو الحال في زوجي الحذاء وزوجي الأقراط ونحو ذلك، فالانفصال غير منافٍ مع الجزئية.
مضافا إلى إمكان عدم حمله على المعنى الاصطلاحي. بل المراد من المفتاح الافتتاح وافتتاح كل شيء أوله. وأول كل شيء جزء منه. إذ لا معنى لان يكون أوله قبله.
رابعاً: نقول في الطائفة الرابعة: باستبعاد ان تكون (لا) ناهية. وإنما الأمر دائر بين الفعل المجهول والمعلوم. مع كون لا نافية وكلاهما دال على المطلوب. بل حتى لو كانت ناهية، فيمكن ان تكون إرشادا إلى الجزئية. وخاصة مع الحصر غير القابل للتقييد، بل لم يرد عليه تقييد.
خامساً: نقول في الطائفة الخامسة: ان التحريم ليس منع المنافيات خاصة، بل هو مأخوذ من الاحترام أو من الإحرام، المقابل للتحليل أو التحلل من الإحرام. ومن هنا لا يكون الجواب تاما، إلا ان في كونها دالة على التسمية إشكالا، لان التلبية ليست جزءا من الإحرام بل سببه.
سادساً: نقول في الطائفة السادسة: ان المراد يعيد الصلاة عرفا لا دقة ولا شرعا. فلا يدل على ان الفرد السابق من المسمى، فضلا عن ان يدل على صحته. وإلا كانت هناك مغالطة بناء على المسلك الصحيحي.
إذ يقول الصحيحي: انه لا تصدق الإعادة إلا مع تماثل الفردين في الصفة. وحيث ان الثاني صلاة صحيحة، فيتعين ان الأولى كذلك.
مضافا إلى انه يمكن ان يقول الأستاذ المحقق: ان التكبير دخيل في
ــــــ[307]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المأمور به لا في الأركان. والفرد السابق محتو على الأركان وان كان فاقدا للتكبيرة. جوابه: ان هذا خلاف مبناه. نعم يتم لو كان الجامع الاعمي هو أغلب الأفعال أو ما قلناه من الحركة والذكر.
الوجه الثاني: للاستدلال على صحة المسلك الاعمي:
قوله في بعض الروايات: دعي الصلاة أيام اقرائك. إذ من الواضح ان صلاة الحائض فاسدة، لعدم الطهر. فنُهينا عنها. وهو دليل الوضع للأعم.
وما قيل أو يمكن ان يقال ضده من الاعتراضات ما يلي:
الأول: أعترض عليه المحقق الأصفهاني ان الظاهر منه انه نهي إرشادي إلى شرطية الطهارة. وأجاب عنه: بلغوية الإخبار عن الشرطية لعدم القدرة على الصلاة عن طهارة من الحيض حال الحيض.
فان قلت: ان هذه اللغوية إنما تتوجه في الأمر الإنشائي، لا في الإخبار.
قلنا: بل هي ثابتة على كلا التقديرين: اما في الأمر فباعتبار تعين أحد الاختيارين وامتناع الآخر على المُكلف، و هو إيقاع الصلاة الصحيحة. والمتعين عليه غير قادر، لان القدرة هي السلطنة على الطرفين. وغير القادر لا يتوجه إليه التكليف.
واما في الإخبار فلأن الإرشاد إلى الشرطية فرع القدرة على ترك الشرط، وهو متعذر.
وأجاب السيد الأستاذ على اللغوية: بان الغرض من الخطاب الإشارة إلى منافات الحيض مع الطهور المعتبر في الصلاة. وهذا يكفي.
ــــــ[308]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويمكن ان يجاب عن الاعتراض: بان الإرشادية لا تعني استعمال الجملة الإنشائية الناهية في مدلول إخباري هو نفي القدرة على الصلاة. فان هذا غير محتمل. وإنما تعني عدم إرادة الحرمة الذاتية من النهي ثبوتا، وإنما يراد شرطية عدم المانع، لقرينة عامة مختصة بأدلة المانعية، في باب المركبات. مع كون المستعمل فيه الجملة الإنشائية هو النهي نفسه.
فهذا الاعتراض غير متجه.
الثاني: ما أعترض به صاحب الكفاية على اصل الدليل: من ان القول بالأعم أيضا لا يدفع الإشكال نهائيا، إذ لازمه حرمة إتيان الحائض بالصلاة الفاسدة من غير ناحية الحيض. فلابد من تقييدها بما يكون صحيحا من غير ناحية الحيض. فلا يكون دليلا على مقالة الاعمي.
واعترض عليه السيد الأستاذ: بإمكان دعوى استفادة التقييد المذكور بنحو تعدد الدال والمدلول، من قرينة خاصة. وهي كون النظر إلى الإتيان بما هو وظيفتها الشرعية لولا الحيض. واما الاسم فمستعمل في الأعم.
الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ: من انه لا مانع من إرادة الصحيحة بالخصوص بناء على القول بالصحيح. بل هو المتعين بناء على القرينة التي ذكرها. والتي سمعناها قبل قليل. وهي كون المراد الوظيفية الشرعية. غاية الامر انه لا يكون بداعي الزجر بل بداعي إبراز عدم القدرة على الفعل خارجا.
الرابع: ما نذكره من انه نهي في مورد احتمال الأمر المعاكس للأمر في مورد احتمال النهي. وهو هنا احتمال إطلاق وجوب الصلاة لكل الأيام. فيكون هذا تقييدا ناظرا إلى أيام الحيض. فسيفاد منه الإذن بالترك.
وحيث ان هذا الجواز مساوق عقلا لسقوط الأمر، أو مساوق لظهور اللازم
ــــــ[309]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
له. والأمر الساقط لا معنى لامتثاله، فيكون الإتيان بها حراما تشريعا. أو يستفاد من (دعي) السقوط الإلزامي ابتداء.
ومعه لا حاجة إلى الحمل على الإرشادية مع كونه ظاهرا بالمولوية. وغايته الإرشاد إلى عدم القدرة على الصلاة لتنافيها مع الحيض. مع ان هذه القدرة بيد الشارع وجودا وعدما. وليس الحكم الشرعي تحميلا على الشارع أو له واقعية زائدة على الإرادة الشرعية المولوية، فقد سلبت القدرة في طول التشريع، لا ان التشريع في طولها. فالمرأة في المرتبة السابقة عن هذا الدليل قادرة على الصلاة، ولا اقل التمسك بالإطلاق الازماني لدليل وجوب الصلاة أصلا.
ومنه يتضح الجواب عن اعتراض صاحب الكفاية. لان المراد ترك الصلاة الاعتيادية الواجبة سائر الأيام. وهي اما الصحيحة مطلقا، أو الصحيحة من غير ناحية الحيض. فتكون كالقرينة المتصلة على ذلك.
نعم، لو حملنا الدليل على النهي عن الصلاة الممكنة لها، لكان دليلا على الأعم لتعذر الصحيحة عليها، والصلاة الممكنة عندئذ تفرض جامعة لكل الشرائط سوى ذلك. وإلا كان ذلك دون إمكانها.
الخامس: انه ان تم فهو دليل على المسلك الاعمي بالمعنى الأعم. ولا يكون دليلا على مسلك معين، والدليل على الأعم أو الجامع لا يدل على الحصة.
الوجه الثالث: للاستدلال للأعمى:
ما ورد: من الأمر بالإعادة مع بطلان الصلاة، بتقريب: انه إقرار بكون الأولى صلاة بالرغم من بطلانها. ولولا صدق ذلك لما صدقت الإعادة.
ــــــ[310]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويمكن إيراد عدة أجوبة عليه:
أولاً: الاستعمال أعم من الحقيقة، فلعله هنا بنحو المجاز.
فان قلت: تجري فيه أصالة الحقيقة. قلنا: المشهور انها تجري في صورة الشك في المراد، لا الشك في الاستناد. يعني تعين المراد والشك في انه استعمال حقيقي أو مجازي. وفي المقام الامر كذلك.
فان قلت: فان القرينة مفقودة في مثل هذا الاستعمال في مختلف موارده. ولو كان مجازا لاحتاج إلى قرينة. قلنا: ان هذا فرع ان نقول: بأنه مجاز اعتيادي (غير مشهور) لان المجاز المشهور لا يحتاج إلى قرينة. فمن الممكن ان يكون المورد منه.
الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ، من النقض بلا تعاد الصلاة إلا من خمس، المشعر بصدق الاسم مع فَقدِ الأركان، وهو مما لم يلتزم به القائل بالأعم.
وهذا لا يتم، لأنه فقد على مسلك المحقق القمي والأستاذ المحقق.
الثالث: ما ذكره أيضا: من النقض بالإطلالات المعاكسة مثل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، المشعر بنفي الماهية مع وجود الأركان.
وجوابه:
أولاً: بتقييده بالعمد على القاعدة.
ثانياً: ان هذا ليس نقضا على مسلك الأستاذ المحقق، لاعترافه بكونها صلاة وان كانت فاسدة. ولا على غيره من مسالك الاعمي.
واما نسبته إلى الأمر بالإعادة، فنفي الماهية لا يستلزم وجوب الإعادة
ــــــ[311]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالظهور اللفظي المطابقي بل بالاستلزام الشرعي. ولا ظهور في قوله: إلا بفاتحة الكتاب، في نفسه عرفا.
الوجه الرابع: للاستدلال للأعمى: صحة تقسيم أسماء العبادات بما لها من المعنى الشرعي إلى الصحيح والفاسد. وهو معنى الأعم.
ويمكن الجواب عليه بأمور:
الأمر الأول: ما ذكره السيد الأستاذ: من ان هذا التقسيم لا يدل على أكثر من صحة استعماله في الأعم. والاستعمال أعم من الحقيقة.
أقول: الكلام فيه كما سبق من احتمال كونه مجازا مشهورا.
الأمر الثاني: ان الكلام هنا ليس في المعنى الشرعي ولا الوضع الشرعي، بل في الوضع اللغوي. فالاستدلال بصحة الانقسام بالمعنى الشرعي لا دخل له.
الدليل الخامس: التبادر في المعنى الأعم.
وأجاب عليه السيد الأستاذ: انه لو سلم فلا يمكن ان يكشف عن المعنى الثابت في زمن الشارع، إذ لعله كان في الصحيح، ونقل إلى الأعم نتيجة للتوسع في الاطلاقات المتشرعية.
قال: وأصالة عدم النقل العقلائية لا يحرز ثبوتها في موارد يكون مقتضى النقل مؤكدا في نفسه.
وجواب ذلك: من عدة وجوه:
الوجه الأول: ان الاستعمال في زمن الشارع كان بالمعنى اللغوي. والكلام
ــــــ[312]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في هذا الباب ليس في الوضع الشرعي، وليس من حق الشارع بصفته شارعا ممارسة الوضع اللغوي. وان قلنا بالحقيقة الشرعية، فذلك لا يكون بصفته شارعا بل بصفته لغويا.
فان أثبتنا أي شيء بالتبادر اللغوي. كان حجة وثبت في المرتبة المتأخرة عن ذلك استعمال الشارع بنفس المعنى.
الوجه الثاني: ان (النقل) المحتمل لدى المتشرعة. فرع أمرين: أحدهما: ان المتشرعة بهذه الصفة لغويون. وليسوا كذلك. ثانيهما: ان الأجيال المتأخرة عن الإسلام حجة في الوضع والنقل. وهو خلاف المشهور جدا.
الوجه الثالث: ان التوسع لو سلم فقد حصل بالعكس. لان المتشرعة، كما سبق، يميلون إلى فهم الصحيح واستعماله. لا الأعم. ولا اقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
الوجه الرابع: انه يُعرف من ذلك إمكان جريان أصالة عدم النقل العقلائية، لان مقتضى النقل المزعوم ليس صحيحا، بل المقتضي بخلافه. ولا اقل من الشك في ذلك.
ولو قال: ان أصالة عدم النقل العقلائية لا يحرز جريانها بالنقل الشرعي أو النقل في الأجيال المتأخرة، لكان افضل.
إلا انه ليس تاما في الوجهين. لان النقل المتشرعي لغوي، وان سميناه متشرعيا. كما ان الأجيال المتأخرة حجة في الوضع والنقل على ما هو صحيح في لغاتهم ونقلهم وأوضاعهم الجديدة.
الوجه الخامس: عدم حجية التبادر كبرويا. لمن يطعن في حجيته في
ــــــ[313]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
محله. وقد سبق ان حصل الميل من قبلنا إلى ذلك هناك. وقلنا: ان المعتبر هو الإدراك وجدانا بان الاقتران كامل بين اللفظ والمعنى. وهذا مما لا يفيد بالدلالة عليه مجرد التبادر بدون قرينة لاحتمال ان يكون مجازا مشهوريا.
ومنه نستطيع ان نفهم امارية صدق الحمل وصدق السلب على الوضع اللغوي، فان الكلام فيه نفسه في التبادر، فانهما معا امارية ظنية على وجود هذا الاقتران الكامل في النفس. فان وصل إلى درجة القناعة والاطمئنان، فهو المطلوب. فقد أصبح التبادر وصحة الحمل وصحة السلب وإضرابها، بمنزلة السبب لما هو حجة حقيقية، وهو الاقتران الكامل.
ومن هنا نعرف اننا في هذا المبحث نستطيع ان نفهم بهذه الطرق أو بالاقتران الذهني، ونختار المسلك الذي نرجحه بخطوتين:
الأولى: إيجابية، وهي انطباقه وصحته في الجامع الاعمي الذي اخترناه، وهو الحركة والذكر. بحيث يمكن ان ينطبق حتى على مورد وجود واحد منهما فقط، باعتباره مصداقا للجامع.
الثانية: سلبية، وهي نفيها عن غيره.
وهذه أيضا فيها قسمان إيجابي وسلبي: اما الإيجابي: فبأن نقول: ان كل الجوامع المدعاة تندرج تحت الجامع المذكور، إلا انها كلها فيها حركة وذكر. واما القسم السلبي فبظهور الثمرة في موارد الافتراق. كما في الجامع الذي يقول: بأغلب الأجزاء.إذا كان خاليا من الأركان أو إذا كان خاليا من الذكر. فهل تكون صلاة بالرغم من ذلك أم لا. اما إذا أدخلنا التكبير في الأركان، فيندرج في الجامع المختار، ويكون أخص منه، لا أعم ولا من وجه.
وفي الحقيقة، ان كل هذه الأمور تابعة إلى الوجدان، في الشعور بالاقتران
ــــــ[314]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكامل وعدمه، وصحة الحمل وعدمه. وليست أمورا برهانية. فمتى حصل الاطمئنان بواحدة منها كفى.
يبقى الكلام في الصلوات المختصرة جدا، بحيث لا تندرج في الجامع، إلا انها اما خالية من الحركة، كالتسبيح أو من الحركة والذكر معا كالقصد والنية. فان صدق الحمل عليها عرفا انها صلاة. كان هذا دليلا على عدم صحة هذا الجامع. إلا ان الوجدان قاضٍ بصدق الحمل شرعا وتعبدا، وصدق السلب عرفا. فانها ليست صلاة أكيدا عرفا.
فان قلت: فانه يكفي صحة الحمل بالوجدان المتشرعي، للقول بالوضع.
قلنا:
أولاً: ان هذا الوجدان غير ملحوظ للأعمي، لان الانقسام في هذا الباب إلى الصحيحي والاعمي عرفي، وليس متشرعيا. أو قل: ان الدليل الرئيسي هنا، هو العرف لا فهم المتشرعة.
ثانياً: ان هذا الوجدان بصحة الحمل هنا، صحيحي وليس أعميا. يعني لو كان النزاع هكذا، لاخترنا الصحيح ولا تصح أي مسالك الاعمي. لوضوح ان هذه الصلوات المختصرة لو كانت باطلة في أي مورد، لما كانت صلاة جزافا على كلا المسلكين.
ثالثاً: اننا لو كنا أعميين متشرعيين، وهذا تنزل لا حاجة إليه. ولكن لو قلنا به. لكان الصحيح هو ان الجامع هو الأجزاء المهمة شرعا. ولكن يبقى بينهما وبين (لا تعاد) عموما وخصوصا من وجه. لدخول التكبير في الأجزاء المهمة، وخروج الوقت عنهما، بعكس (لا تعاد). مع احتمال التحاق التسليم بالأجزاء المهمة أيضا، ولا يبعد ان يكون التقييد بالعمد أيضا واردا.
ــــــ[315]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الاستدلال على المسلك الصحيحي :
الدليل الأول: التمسك بما دلّ على ترتب اللوازم الإلهية على الصلاة. كقوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ. أو قوله : الصلاة قربان كل تقي أو قوله: الصلاة خير موضوع. أو قوله: الصلاة معراج المؤمن. ونحوها.
لاختصاص هذه اللوازم بالصلاة الصحيحة. فيعرف ان الفاسد ليس صلاة، إلا انها لا تترتب عليها هذه اللوازم.
وفيه: انه من التمسك بأصالة الحقيقة مع الشك في الاستناد لا الشك في المراد. حيث يعلم بخروج الفاسدة. ولكن لا يدرى ان ذلك من جهة قيد المسمى أو قيد المأمور به.
ويمكن ان يجاب ذلك: ان المسألة هنا ليست مسألة استعمال لفظي، بل مورد للتأثير التكويني، فلا يكون موردا لإجراء الأصل العقلائي. ولابد من النظر إلى ما هو سببه تكوينا. والسبب تكوينا هو خصوص الصحيحة، فيثبت المطلوب.
مضافا إلى ان لفظ الصلاة لو كان موضوعا للأعم، واستعمل في الصحيح، لكان استعمالا حقيقيا، لأنه حصة منه.
فان قيل: بل هو مجازي، لان الاستعمال في الحصة ان كان مطلقا، كان استعمالا حقيقيا. واما إذا كان استعمالا فيها بشرط لا عن الزيادة كان استعمالا مجازيا، والأمر هنا كذلك، لوضوح ترتب اللوازم على خصوص الحصة الصحيحة.
قلنا: لو سلم، فان القرينة موجودة، وهي مناسبة الحكم والموضوع. لان
ــــــ[316]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفاسد لا مورد فيه لترتب الأثر.
مضافا إلى انه دليل متشرعي، وليس دليلا عرفيا. يعني ان الصلاة الصحيحة عند الشارع هي المؤثرة. ولا ربط له بالعرف، وهذا لا يكفي للاستدلال به على محل النزاع.
الدليل الثاني: التمسك بما دل على نفي الصلاة عن الفاقد. كقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وما ليس كذلك يقاس عليه ويلحق به، لعدم احتمال الفرق.
وما قيل أو يمكن ان يقال في جوابه: أمور:
الأمر الأول: ما ذكره السيد الأستاذ: من ان هذا واضح في كونه قيدا للواجب يعني في المأمور به والوظيفة الشرعية دون الوضع اللغوي.
الأمر الثاني: ما ذكره أيضا من انه معارض بما ذكره القائل بالأعم من السنة الشريفة. والتي تكون دالة على الأعم.
ثالثاً: ما ذكرناه في أمثاله: من كونه دليلا شرعيا لا لغويا. في حين ان الخلاف هنا في الوضع اللغوي لا الشرعي.
فان قيل: ان الاستعمال في هذه النصوص استعمال عرفي، وعلى طريقة العرف. قلنا: نعم. ولكنه أعم من الحقيقة والمجاز. وجريان أصالة الحقيقة ممنوع مع الشك في الاستناد.
رابعاً: انه لابد من تقييده بالعمد ولا يمكن الأخذ بإطلاقه. إذ لاشك ان ترك الفاتحة سهوا مجزي. إذن فأحد حصتي الإطلاق باطلة. وتقييد الوضع بخصوص العمد غير محتمل.
خامساً: ان نفي المسمى هنا، خاص بنظر الشارع وليس عاما للعرف،
ــــــ[317]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فكأنه نزّله منزلة العدم في رأيه. نعم، ان قلنا ان الخلاف في هذه المسألة شرعي أو متشرعي، أمكن القول به، وعندئذ نعترف بنتيجته لان الشارع صحيحي، كما سبق.
الدليل الثالث: للقول بالصحيح:
الاستشهاد بالسيرة العقلائية للمخترعين بوضع الاسم للصحيح التام. ولا يظهر ان الشارع قد حاد عن هذه السيرة في أسماء العبادات.
وأجاب عنه السيد الأستاذ: بان هذه السيرة لا تستوجب اكثر من احتمال أو ظن باتباع الشارع لها، إلا ان يبلغ وضوحا وارتكازا عند الناس يجعل الاستعمال الشرعي ظاهرا بذلك. وعهدته على مدعيه.
وجواب ذلك: اننا يمكن ان نضم صغرى وكبرى لإنتاج النتيجة: كبرى عرفية الشارع، وصغرى المخترعين العرفيين التي سلمها السيد الأستاذ. فيتعين ان الشارع قد اتبعها ما لم تقم قرينة على الخلاف. لا ان العكس هو المتعين ما لم تقم قرينة على خلافه.
إلا ان اصل الوجه – مع ذلك – غير تام:
أولاً: الطعن في كبراه، وهي دعوى الوضع لخصوص الصحيحي، فاننا نجد ان الاستعمال في غير التام من الاختراعات والأجهزة والمعدات، صحيح وحقيقي.
ثانياً: ان الشارع لم يخترع هذه العبادات لكي نقول انه هو الذي وضع لها اللفظ، بل كلها – إجمالا – كانت قبل الإسلام.
ثالثاً: اننا ان سلمنا ان الشارع هو الذي اخترعها، فهل هو الذي وضع لها
ــــــ[318]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أسماؤها أو العرف؟ فان قلت انه هو الواضع. فهذا خروج عن محل الكلام والتسليم بالحقيقة الشرعية التي لم تتم في محلها. وان قلت: ان العرف هو الذي وضع. فالعرف يضع لمخترعات نفسه لا لمخترعات غيره، ولا اقل من الشك. فتأمل.
الدليل الرابع: دعوى تبادر خصوص الصحيح وانسباقه إلى الذهن مع الإطلاق. كقولنا: زيد صلى. يعني الصلاة الصحيحة المجزية.
أجاب عنه السيد الأستاذ: ان هذا التبادر ليس من اللفظ بل من القرينة العامة المعنوية، وهي معهودية التزام المكلف بوظيفته الشرعية.
ويمكن صياغة الجواب بشكل آخر، بان يقال: ان هذا تركيز للفهم المتشرعي وليس من الفهم اللغوي. وإلا فمن الممكن لغويا ان نقول: زيد صلى. ولو كانت صلاته فاسدة. ولا اقل من الاحتمال الدافع للاستدلال.
فان قلت: فاننا يمكن ان نضم مقدمتين تنتج نتيجة في مصلحة المستدل: وهما: أولاً: ان الأجيال المتاخرة من حقها الوضع والنقل، كما اخترناه. ثانياً: ان الأسلوب المتشرعي والطقوس الشرعية، إذا أصبحت عامة واستمرت عدة أجيال، فسوف تشكل عرفا عاما وليس فهما متشرعيا فقط. فينتج ان العرف الناتج من الأسلوب المتشرعي يفهم خصوص الصحيح. وهو من حقه النقل اللغوي.
قلنا: ان هذا ان سلمناه في أجيالنا المتاخرة، فاننا لا نسلمه في صدر الإسلام وعصر الأئمة ، فضلا عن عصر النبي الذي نزل فيه القران الكريم. ولا اقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
ومثل التبادر صحة الحمل وصحة السلب، وعدم صحة التقسيم ونحوها، من علامات الحقيقة والمجاز.
ــــــ[319]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وعلى أي حال يمكن القول: بان أدلة المسلك الصحيحي لم تتم. وإنما تم المسلك الاعمي العرفي.
واما ان الشارع يستعمل في الصحيح، فلأنه لا يهمه إلا الصحيح. وبتعبير آخر: انه في المورد الذي يثبت بقرينة سياقية أو حالية ان الشارع لاحظ المادة متأخرة عن الأمر، إذن يتعين ان نفهم منها الفهم الصحيحي. واما إذا لاحظها في المرتبة المتقدمة على الأمر، لعدم تلك القرينة، فينبغي ان نفهمها فهما عرفيا، وهو الأعم.
فالأول: مثل: أقيموا الصلاة. والثاني: مثل: لا تعاد الصلاة إلا من خمس.
فان قلت: فان بعضها خال من الأمر بالمرة، وهو عدة السنة كقوله: الصلاة ثلثها الركوع وثلثها السجود وثلثها الطهور. وقوله: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. قلنا: ان هناك قرينة حالية على إرادة الصلاة المأمور بها في أمثال ذلك. فرجع الأمر إلى كونها متأخرة عن الأمر.
إذن، فالشارع تابع للعرف أساسا، إلا إذا أمر بالصلاة، ولو أمر بالجامع لزم القول بإجزاء الصلاة الفاسدة باعتبارها فردا منه. ولكن يمكن القول: بأننا يمكن ان نفهم المعنى الأعم، حتى في صورة المتأخر رتبة، يعني انه قصد المسمى. ما لم يدل دليل على دخالة شيء في المأمور به.
وهنا ينبغي ان نشير: إلى ان (لا تعاد) ابعد عن مسلك الأستاذ المحقق من مسلكنا. لأنها لا تدل على ان الفرد الفاقد للجزء أو لبعض الخمسة صلاة. وهو مما لا يلتزم به . وهذا لا يرد على مسلكنا لان فيه حركة وذكر. هذا مضافا إلى شرطية الوقت والقبلة التي لا يقال عادة بدخالتهما في الأعم.
ــــــ[320]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فلو تنزلنا عن الوجه الأول، وقلنا بدلالتها على نفي الصلاة، كان الفاقد للركوع ليس بصلاة، وهو مما لم يلتزم به. مع ان وحدة السياق تقتضي المشاكلة بينهما.
فإذا علمنا ان الفاقد للوقت يمكن ان يكون صحيحا، كما ان الفاقد للركوع والسجود يمكن ان يكون صحيحا، وغضضنا النظر عما قلناه من انها ليست بصلاة. لم تكن (لا تعاد) دليلا للأعمي بل للصحيحي. لأنها لا محالة مقيدة لبّاً بالعلم أو بالإمكان أو بالقصد ونحو ذلك. وهي أمور لا يحتمل دخلها في الصلاة بناء على الأعم.
ثم قال السيد الأستاذ بعنوان بيان مختاره في الصحيح والأعم:
اننا تارة نبني على ان أسماء العبادات كانت حقائق عرفية قبل الإسلام، وأخرى على ثبوتها لها كحقائق شرعية تعينية. وأخرى على ثبوتها كحقائق شرعية تعيينية.
فعلى الأول: لا معنى لتوهم الوضع للصحيح، بل موضوع لمعنى عام صالح للانطباق على ما اعتبره الإسلام فيها من أجزاء وقيود.
وعلى الثاني: يترجح الوضع للأعم أيضا، لإمكان إحراز شرط الوضع التعيني للأعم. وهو كثرة الاستعمال. بخلاف الصحيح بل قد لا يحرز اصل إطلاقه عليه، لاحتمال كون الإطلاق في موارده باعتبار مصداقيته للأعم.
وعلى الثالث: يشكل إحراز أي من الوضعين من قبل الشارع. بل الأرجح الوضع للأعم، لان الوضع للصحيح بما هو صحيح غير محتمل. والوضع للشرائط المهمة لا يناسب غرض الشارع. فيكون الأعم متعينا.
أقول: بالرغم من ان النتيجة الحاصلة من الاحتمالات الثلاثة كلها هي
ــــــ[321]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القول بالأعم. وهي نفس المعنى الذي اخترناه في الجملة. إلا ان كلامه – مع ذلك – قابل للمناقشة بوجوه:
أولاً: حول الاحتمالات الثلاثة التي قالها. فانها مبنية على أمور:
الأول: ان الخلاف في المسالة في الوضع الشرعي أو المتشرعي، وهو باطل.
الثاني: على صحة الحقيقة الشرعية. وهو باطل.
الثالث: على صحة العرف المتأخر وهو خلاف المشهور.
ثانياً: قوله: لا معنى للصحيح عندئذ: هذا خلط بين النظر إلى ما قبل الإسلام وما بعده. فاننا ان نسبنا ما قبله إلى ما بعده، كان باطلا لا محالة. إلا ان هذا خارج عن محل الكلام. بل قد يقال: بالوضع للصحيح يومئذ لأنهم لا يرون الصحيح إلا ذلك.
وكون الشارع قد أضاف قيودا، لا يراد به انه وضع اللفظ مرة أخرى للصحيح عنده، بل هي قيود للمأمور به.
كما قد يقال: بعدم الانقسام إلى الصحيح والفاسد قبل الإسلام. لأنه يكون من قبيل الملكة والعدم، لأن الصحيح هو المؤثر فيما من شأنه التأثير. وليست العبادات من شأنها التأثير يومئذ. وعلى أي حال، فان أريد بالوضع للصحيح، الوضع للصحيح الإسلامي، فلا مورد للسؤال عنه أصلا. وان أريد به الصحيح قبل الإسلام، فله وجه، لا انه لا معنى له، كما قال.
ثالثاً: ما قاله من ان المعنى العام قابل للانطباق على تعاليم الإسلام. فيه:
1 – انه لم يكلف نفسه لبيان حقيقته، كما لم يكلف الآخوند نفسه لبيان
ــــــ[322]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حقيقة الجامع الصحيحي. وقد بيناه بالحركة والذكر.
2 – قد يقال: بعدم إمكان الانطباق، لان الجامع السابق على الإسلام هو الدعاء، وهو غير كافٍ للانطباق على الصلاة الإسلامية.
3 – قد ناقشنا إمكان انطباق الجامع الأعم على كل حصص الصلاة الصحيحة العرفية.
رابعاً: انه قدس سره، مال إلى كثرة الاستعمال في الأعم لدى المتشرعة، مما يوجب الوضع التعيني له.
وهذا يمكن نفيه. فان المتشرعة بما هم كذلك، يهتمون بالصحيح وأكثرهم استعمالاتهم فيه. ويدركون صحة السلب عن غيره. فان كان الوضع متشرعيا كان صحيحيا.
خامساً: انه قال: انه لا يحرز اصل إطلاق اللفظ على الصحيح، لاحتمال ان يكون ذلك بعنوان كونه فردا من الأعم.
وجوابه ان هذا خلاف الوجدان من جهتين:
1 – فيما إذا قلنا بوجود القرن الكامل للصحيح.
2 – انه استعمال للصحيح بما هو فيكون استعمال الأعم فيه مجازا. لان استعمال العام في الحصة بشرط لا عن الزيادة مجاز.
سادساً: انه قال: ان الوضع للصحيح بما هو غير محتمل. وهذا يعني إغلاق الباب تماما. وخلف وقوع الخلاف في هذه المسألة في الوضع للصحيحي أو الاعمي.
ــــــ[323]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الكلام في الصحيح والأعم في المعاملات
وهي كالعبادات في محل الخلاف، إذ كما يصح الخلاف في الصحيح والأعم في العبادات، قد يصح الخلاف في المعاملات، في انها من وضع الشارع أو من وضع العرف، وهل وضعت للصحيح منها أو للأعم منه ومن الفاسد. فتكون الاحتمالات أربعة. وخامسها: انها من وضعهما معا، وقد خالف الشارع العرف بها.
وهذا الوجه ينسب إلى الشهيد. وظاهره انه قال بوضع المعاملات للصحيح لا للأعم. فانه مما يجب الضمان فيه. وهذا يدل على انه يرى وضع الشارع اما وحده، أو بمخالفته للعرف. وعلى أي حال، لابد ان نفهم من الشارع ما هو صحيح عنده.
اما الوجه الأول من هذه الخمسة: فواضح، وهو ان الوضع عرفي اعمي وليس للشارع رأي فيه.
وذلك كما قال الأستاذ المحقق: ان مبنى الشارع على متابعة العرف، وليس له رأي آخر، وإلا لوردنا.
إلا اننا ينبغي ان نلتفت إلى نكتة بعد التسليم بالكبرى العرفية. وهي ان العرف نفسه هل هو صحيحي أو اعمي في المعاملات فيما إذا كانت فاقدة للشرائط التي هو يراها في صحتها. كما لو صدرت من النائم أو من الصبي غير
ــــــ[324]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المميز ونحو ذلك.
لاشك ان صحة السلب عرفا متحققة، وان هذا ليس بيعا. وليس عنده شيء اسمه بيع باطل، بل أمر المعاملات دائر عرفا بين الوجود والعدم، والباطل عنده معدوم أي يصح سلبه. إذن، فيمكن القول، بان العرف صحيحي في المعاملات وان كان اعميا في العبادات.
نعم، إذا نسبناه إلى رأي الشارع أو إلى أي قانون خارج العرف، نراه اعميا، لأنه يعتقد بما يراه هو صحيحا، لا ما يراه غيره صحيحا، ومن هنا أمكن ان يكون البيع باطلا شرعا وصحيحا عرفا، يعني يسمى بيعا عرفا. بصدق الماهية العرفية الصحيحة. فيكون العرف اعميا من الناحية الشرعية.
إلا ان هذا قابل للمناقشة: لأنه مبني على التسليم بان الماهية الشرعية للمعاملات، غير الماهية العرفية. وانها أخص من العرفية بحيث يصدق البيع عرفا ولا يصدق شرعا.
إلا انه لا يتم، لان هذا وان كان صادقا في الجملة. إلا انه ناتج من دخل الشرائط الشرعية في البيع زيادة على اصل الماهية. وليس للشارع بيان ماهية جديدة في مقابل العرف. كل ما في الأمر ان الماهية العرفية على سعتها، قال الشارع ببطلانها، وعدم ترتب الأثر عليها.
وبتعبير آخر: انه قيدها بقيود. فاصبح اكثر ما هو صحيح عرفا باطلا شرعا. لا انه يصدق عليه البيع شرعا. فان هذا فرع تصرف الشارع في الماهية لا في المأمور به فقط، وهو مما لم يثبت.
ومن هنا يتضح ان الخلاف في المعاملات، كما هو في العبادات عرفي وليس شرعيا. ولا نتوقع في كلا الموردين، ان يضع الشارع وضعا لغويا، لا
ــــــ[325]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
صحيحا ولا اعميا.
كما اتضح اننا لابد ان نحمل الألفاظ الواردة في لسان الشارع على ما هو عرفي، وهو الصحيح العرفي. فان لم يرد فيه قيد أخذنا بإطلاقه، وان ورد فيه قيد قيدناه به. كشرط التقابض في المجلس. واما إذا لم يكن صحيحا عرفا، لم يمكن الأخذ بالإطلاق، كما في المعاملات الصادرة من المجنون والنائم والصغير لعدم صدق الماهية أصلا.
ومنه يتضح أيضا، انه لا يوجد من هذا الطرف محل افتراق إطلاقا، يعني ان تكون المعاملة باطلة عرفا، ولكنها صحيحة شرعا. بل كل ما هو صحيح شرعا صحيح عرفا، وليس كل ما هو صحيح عرفا، صحيح شرعا.
وبهذا نفسر كلام الشهيد، فانه لابد انه يرى كما نرى ان اكثر المعاملات صحيحة عرفا لا (شرعا). وبهذا أمكنه التمسك بالإطلاق. نعم، لو قلنا بأنها صحيحة شرعا لم يمكن التمسك بالإطلاق وسيأتي تحقيق ذلك.
إلا ان هذا ينافي استثناءه الحج الفاسد. لأنه استثناه من مخالفة الشارع لا العرف. فاما انه يرى الوضع للشارع، أو يرى وضع العرف لما هو صحيح لدى الشارع، وكلاهما غير محتمل.
مضافا إلى عدم الموجب للاستثناء، لإمكان ان يكون استعمال الحج في الفاسد مجازا، مع ان ظاهر عبارته الاستثناء من المجاز.
ومنه يتضح الحال، في رد السيد الأستاذ على من أشكل على الشهيد بأنه صحيحي، ولا يمكن التمسك بالإطلاق من قبله. فأجاب: بأنه يمكن التمسك بالإطلاق في المعاملات، حتى على الصحيحي. وجوابه: ان هذا بناء على الصحيح العرفي لا الصحيح الشرعي. ولم يتضح مراده قدس سره.
ــــــ[326]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقد يقال: انه كيف يصح ان يكون العرف اعميا في العبادات وصحيحيا في المعاملات، مع انه: اما ان يكون له نفس الرأي في الموردين أو انه يرى العكس. يعني ان يكون اعميا في المعاملات وصحيحيا في العبادات.
وهذا جوابه عدة أمور:
أولاً: ما قلناه، بأنه لا مجال عرفا للصحيح، ولا للأعم في العبادات والمعاملات، لأنها ليس لها اثر في نظره. لان الأثر قانوني ولا ربط له بالعرف اللغوي.
ثانياً: ان الصلاة كعبادة، إذا اعتبرنا الجامع الاعمي هو الأركان أو هو اغلب الأجزاء، كان قابلا للنقصان وبه تنتفي الماهية العرفية على الفرض. واما على مسلكنا من انه حصة من الحركة مع حصة من الذكر، فهو غير قابل للنقصان وانتفاء الماهية لدى العرف. وزيادته لا تكون مضرة لأنها كلها مصداق حقيقي للماهية. فليس هناك ناقص أو فاسد عرفا مع انحفاظ الماهية.
ثالثاً: نفس الفكرة يعني عدم الفاسد، لكن من حيث عدم لحاظ الأثر عرفا، كما قلنا في المعاملات، لكون الأثر شرعيا عادة.
رابعاً: نفس الفكرة لكن لكون الأثر دقيا، في حين هو في المعاملات عرفي.
خامساً: ان العرف اخذ مسألة الأثر والصحة والفساد من غيره. والعبادات لا يمكن تأسيسها للعرف، بل هي من اختصاص الدين. فهو دائما يلحظها كأنها موجودة عند غيره. في حين ان المعاملات من تأسيسه، ومن هنا اعتبر الفاسدة غير موجودة ومنتفية الماهية.
ــــــ[327]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في حين له مع غيره موقف آخر، لان التصحيح والإفساد، ليس بيده، ولكن تعيين الماهية بيده. فله ان يعتبر الماهية موجودة، في نظره، وان كانت فاسدة أو منتفية في نظر الآخر.
واما ما قد يقال من العكس، وان العرف في العبادات صحيحي و في المعاملات اعمي. فهو غير محتمل. لان العرف ان لاحظ الشريعة، فلابد له من اعتبار الصحة في الطرفين. وان لم يلاحظ الشريعة، كما هو الغالب فيه، استقل بنفسه. فان قلنا ان الفاسد محفوظ الماهية، عرفا، فسيكون العرف اعميا في الطرفين، فان المهم هو حفظ الماهية التي هي المسمى.
وان قلنا ان الماهية غير محفوظة في الفاسد، فيكون وصف الصحة والفساد مسلوبين في الطرفين أو ثابتين فيهما بمعنى الصحة العرفية لا الشرعية.
ومن الناحية العملية، فيمكن للعرف لحاظ الأثر الشرعي للمعاملة، ولا يمكنه لحاظه في العبادة. ومن هنا أطلق التسمية على العبادة بغض النظر عن الأثر، في حين اخذ المعاملات وأثرها، بنظر الاعتبار.
وقد اتضح مما قلناه ان الأساس في الصحة هو العرف لا الشرع. لان تأسيس الماهية منه الوضع منه، وليس له ان يلحظ نظر غيره.
لا ما نسب إلى المحقق الأستاذ من لغوية نحو قوله: أحل الله البيع، ان أريد الصحة الشرعية، لأنها قضية بشرط المحمول.
وجوابه: ان المراد ان الحِل ليس هو الصحة ولا التنفيذ، وان فهمناه بالملازمة. وإنما المراد به الإذن بوقوعه، لان الحل – بالكسر – في مقابل المنع التكليفي، فيتضمن منعا لاحتمال المنع، ولو بعنوان الرضا والتسليم بعدم البيع أو عدم التجارة أو الاحتياط من قبض أموال الآخرين، ونحو ذلك، فلا
ــــــ[328]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يكون قضية بشرط المحمول.
مضافا إلى ما قلناه من ان الصحة عرفية لا شرعية، فالمراد به الإمضاء.
وأجاب السيد الأستاذ على ذلك: أولاً: انه لا لغوية في شخص القضية، لاحتمال استعماله مجازا، بقرينة ورودها في مقام الإمضاء. ولم يكن إرادة الصحيح في العبادات محتملا، فضلا عن المعاملات. وإنما مدعى الصحيحي هو الوضع بازاء واقع الصحيح، وهو المركب المشتمل على القيود التي تستوجب الأثر. فلا لغوية في المقام.
وجوابه يظهر مما قلناه:
أولاً: انه إنما يكون في مقام الإمضاء إذا كانت الصحة عرفية لا شرعية وإلا لزم الإشكال.
ثانياً: ان فيه تسليما ضمنيا على ان الواضع هو الشارع حتى للمعاملات كما عليه فهم العنوان مشهوريا. وهو ما أنكرناه في العبادات، فضلا عن المعاملات.
ثالثاً: قوله: ان الوضع للصحيح بما هو صحيح، غير محتمل، سبق ان ناقشناه مكررا.
هل المراد الأسباب أو المسببات؟
ذكر المشهور: ان المراد هنا الأسباب لأنها تتصف بالصحة والفساد واما المسببات فيدور أمرها بين الوجود والعدم.
ونسب إلى الأستاذ المحقق انه أجاب: بان المسبب له معنيان: أحدهما:
ــــــ[329]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأثر الشرعي أو العقلائي. وثانيهما: الأثر المنشأ من قبل المتعاملين. وهو اعتبار شخصي قائم بهما يكون بمثابة الموضوع للاعتبار العقلائي والشرعي. والذي لا يتصف بالفساد هو الأول دون الثاني. فانه قابل لترتب الأثر عليه وعدمه.
ثم قال: بأنه لا مجال لتوهم الوضع للمسبب، لوضوح انه ليس فعلا للمتعاملين، بل هو فعل الشارع والعقلاء في حين ان المعاملات تنسب إلى المتعاملين، فيقال: باع زيد واشترى، لا باع الشارع والعقلاء.
وهذا فيه مواقع للنظر:
أولاً: ان الأسباب تتصف بالصحة والفساد شرعا لا عقلائيا. وقد سبق انه يدور أمرها بين الوجود والعدم عرفا. وهذا منه تسليم بأن الشارع هو الواضع. أو ان العرف نظر إلى حيز الشارع فوضع. وكلاهما محل مناقشة، وقد سبقت الإشارة إلى ما يفيد بهذا الصدد.
ثانياً: ان الالتزام النفسي لا يمكن تسميته بالمسبب -بالفتح- بأي حال، لأنه موجود في المرتبة السابقة على المسببات. فهو سبب السبب لا السبب. وقد اعترف بترتب الأثر العقلائي عليه، إذن، فهو من سنخ السبب. وكذلك لو أريد الالتزام المقارن للمعاملة فهو من سنخ السبب أيضا.
ثالثاً: قوله: ان الالتزام يتصف بالصحة والفساد، لأنه قد يترتب عليه الأثر وقد لا يترتب. غير صحيح. لان الالتزام حالة نفسانية بسيطة، وبساطتها تمنع من اتصافها بالفساد. بل يدور أمرها بين الوجود والعدم. وإنما لا يترتب الأثر لحصول موانع أخرى عنه.
والدليل الرئيسي على إرادة الأسباب هو ظهور الألفاظ نفسها، فإنها ظاهرة
ــــــ[330]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بها لا بالمسببات. فان المسببات عبارة عن الملكية والحرية والزوجية، ونحوها، وليست عقودا ولا إيقاعات، ولا تجارة ولا بيعا.
مضافا إلى ان الشارع أوجد الكبرى، والمكلف أوجد الصغرى، ومن هنا لا يقال باع الشارع. وإنما يصدق البيع بإيجاد المصداق.
فان قلت: ان المصداق هو الحكم الجزئي في المورد، وهو من الشارع لا من المكلف.
قلنا:
أولاً: ان المكلف أوجد موضوع الحكم الجزئي، وهذا يكفي لصدق البيع عرفا.
ثانياً: إمكان انتساب هذا الحكم الجزئي إلى المكلف بالقدرة عليه، باعتبار القدرة على إيجاد موضوعه وسببه.
ثالثاً: يمكن القول: بان الفرد بالتزامه بالمعاملة حرك إرادة الشارع إلى هذا الحكم الجزئي. وذلك: بإيجاد موضوعه. فمن أوجده عرفا هو المكلف لا الشارع.
وأورد الأستاذ المحقق نقلا عن غيره: انه لا يمكن الاختلاف في الأسباب. بل ينحصر الاختلاف في المسببات، لسببين:
الأول: ان الإمضاء متوجه إلى المسببات لا إلى الأسباب، لان الأسباب لا يحتمل حرمتها لتحتاج إلى الحِلّ.
الثاني: ان الوفاء ونحوه، ينبغي ان يكون ثابتا لما هو قار الوجود لا لما
ــــــ[331]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هو متصرم. والعقد أو السبب آني الوجود. وإنما الملكية والزوجية، قارة ومستمرة.
وجواب ذلك: ان النظر إلى الأسباب تارة بنحو الاستقلال، فيكون الإشكال واردا. وأخرى يكون النظر لها بنحو الفناء واللحاظ الآلي إلى المسبب. فكأن وجود السبب وجود المسبب. ويكون النظر حقيقة إليه لا إلى السبب. فيترتب كلا الأمرين على السبب، ابتداء، والفناء يسري المسبب. وبذلك يمكن ان نجد للسبب نحوا من الدوام بعد فنائه في مسببه.
والاهم في ذلك عدة صور:
أولاً: ان الأسباب هي موضوعات للمسبب، وبدونها لا توجد. وبدون الوجود لا تكتسب الاستمرار والاستقرار.
ثانياً: ان الأسباب زمانها هو أول أزمنة المسبب، فيكون كل حكم للمسبب شاملا للسبب عرفا، وان لم يكن كذلك بالدقة. ومن ذلك: ان الوفاء بالمسبب وفاء بالسبب. وهكذا.
ثالثاً: قوله: ا ن الأسباب لا يحتمل حرمتها، وان كان صحيحا، إلا ان المراد بالحِل في الآية الكريمة الحل الوضعي لا التكليفي. في حين مرادك الحل التكليفي لا الوضعي.
رابعاً: ما قلناه من ان الحِل في الآية، يمكن ان يكون نفيا لاحتمال الحرمة الأخلاقية، أو لأجل كونه تصرفا بمال الغير أو انه إغراء بالباطل ونحو ذلك. فيمكن توجه الحل إلى الأسباب. كما يمكن ان يكون العقد حدوثا، سببا لوجوب الوفاء استمرارا.
ــــــ[332]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
خامساً: قوله: ان الحكم بوجوب الوفاء ينبغي ان يكون لشيء قار، والعقد متصرم. فنقول: ان العقد ليس قراره باللفظ وليس بالملكية، بل بقرار الإرادة. بحيث كلما التفت إليه وافق عليه. كالدعاء والصوم والعزم على السفر، والصداقة أو عدم نسيان الأحكام الشرعية. وأمثلة ذلك كثيرة.
وهذا نحو من القرار عرفا، فقد لا يكون له تبديله أصلا. وقد يكون له ذلك، بالفسخ أو بالتقايل.
بل يمكن القول: ان النظر إلى المسببات غير معقول، لأنها لا وجود لها لا في عالم الخارج ولا في عالم الواقع. وإنما هي من الناحية الفلسفية أوهام. واما الأسباب فهي خارجية بكلا الجزئين النفسي واللفظي أو المعاطاتي. فيكون هو الأولى وهو الظاهر في التنفيذ.
إلا انه – بعد غض النظر عما سبق – فان هذا وحده لا يكفي. لان المسببات وان كانت من الناحية العقلية كذلك. إلا انها أمور موجودة في عالم الاعتبار ولها مصالح عظيمة.
الكلام في ثمرة النزاع في المعاملات:
لا إشكال في إمكان التمسك بالإطلاق بناء على الأعم، سواء أريد به الأعم الشرعي أو العرفي. لان الصحة تكون مصداقا من الماهية المسماة، فتكون مشمولة للإطلاق.
والأعم الشرعي وان فرض كونه أخص من الأعم العرفي إلا ان الصحيح الشرعي أخص منهما. وكذلك العكس.
ــــــ[333]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لا يقال: ان أصالة عدم الشرطية كافية عن التمسك بالإطلاق.
فانه يقال: انها يمكن إرجاعها إلى كونها أصلا لفظيا وعقلائيا. فرجعت إلى نحو من التمسك بالإطلاق. مضافا إلى ان الأعم لا يعني الفاسد. وإنما يعني الماهية. والمفروض انها على سعتها مجازة شرعا، بقوله: أحل الله البيع واضرابه.
إلا ان هذا بمجرده لا يتم، لان المرد يكون شبهة مصداقية للماهية. لان جريان أصالة عدم المانع، تجري في المرتبة المتأخرة عن الوضع أو المسمى، لا في المرتبة المتقدمة عليه.
في الجامع الصحيحي والأعمي في المعاملات:
لم يقع الكلام لدى الأصوليين، في الجامع الصحيحي والأعمي، كما وقع في العبادات. مع انه قد يستشكل في ذلك.
اما على الصحيحي فلدخل بعض الشرائط، وجودا وعدما، بحيث تكون عند وجودها شرطا وعند عدمها، ليست بشرط. واما بناء على الاعمي فلأجل زيادة الإشكال، كتصور الجامع بين العقود اللفظية والمعاطاة، والجامع بين الخبر والإنشاء، والجامع بين حال وجود القصد وحال عدمه.
والجواب: اما على الصحيحي، فإنما يأتي الإشكال فيما إذا أريد الصحيح الشرعي، واما بناء على الصحيح العقلائي، فليست المعاملة إلا القصد المبرز – بالفتح -. وتختلف المعاملات باختلاف القصد لا اكثر. فلو نقص عن ذلك لم يكن معاملة ولا بيعا. ولو زاد عليه كان من الدخل في المأمور به لا في الماهية، حتى عقلائيا، فضلا عن الشارع.
ــــــ[334]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بل حتى لو أريد الصحيح الشرعي، بناء على المشهور من انه لا يراد به الصحيح الفعلي، بل ما هو قابل للصحة اقتضاء، كما سمعنا في العبادات. لأننا بالدليل على وجود المقتضي وعلى عدم المانع، نبرهن على ان هذا قابل للصحة. فلا تكون الشبهة مصداقية، بل يمكن التمسك بالإطلاق.
واما بناء على الاعمي، فان أريد به الأعم الشرعي، فلا اثر له. لأننا يمكن ان نتمسك بالماهية العرفية.
لان الشارع وان فرض له وضع، إلا انه لا إشكال ان العرف له وضع وان الشارع كلمنا بصفته عرفيا. ولم يكلمنا على طبق وضعه الخاص به. ومعه يمكن التمسك بالإطلاق بكل صورة، لانحفاظ الماهية.
واما بناء على الأعم العرفي، فالظاهر ورود الإشكال، حيث نكون مسؤولين عن تصور الجامع بين الماهيات.
ولا يمكن ان نقول كما قال الآخوند في طرف العبادات، ان الجامع نعرفه بآثاره ولا اسم له في اللغة.
أولاً: ان هذا القول ذكره في الجامع الصحيحي باعتبار تأثيره، وكلامنا الآن في الأعم.
ثانياً: اننا نريد ان نفهم كلام الشارع المقدس، فان لم نعلم مفهوم الماهية، لم نعلم مصداقها.
ونحن إذا التفتنا إلى الجامع الذي قلناه، وهو القصد المبرز. أمكننا القول بان المبرز قد يكون فعلا وقد يكون قولا. أو خبرا أو إنشاء أو أمرا – كقوله: بعني – ونحو ذلك. واما مع عدم القصد فلا يكون بيعا، لأننا قلنا ان المفهوم
ــــــ[335]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العرفي لا يشمله. ومن يقول بشموله، لكونه اعميا في المعاملات، كما هو المفروض الآن، يكون مسؤولا عن إبراز الجامع، ولا جامع بين الوجود والعدم، كوجود القصد وعدمه أو وجود المبرز وعدمه.
واما الثمرة بناء على المسلك الصحيحي:
فانه قال السيد الأستاذ: انه لا إشكال في عدم إمكان التمسك بالإطلاق بناء على المسلك الصحيحي: لا على الصحيح العرفي ولا على الصحيح الشرعي. كما هو الحال في العبادات. يعني فيما يشك في اعتباره عند الواضع فيهما.
ثم قال: انه قد يعوض عن الإطلاق اللفظي بدلالة أخرى ينفي بها احتمال اعتبار القيد المشكوك. بأحد نحوين:
النحو الأول: التمسك بدلالة الاقتضاء في دليل إمضاء المعاملة، إذا كان موجودا (ولم يكن لبيّا). إذ لو لم يكن مطلقا لزم لغوية الخطاب عرفا.
وفيه: انه إنما يلزم اللغو فيما إذا لم يكن قدر متيقن يكون جامعا لجميع الشروط المحتملة، وهو موجود في محل الكلام.
النحو الثاني: التمسك بإطلاق مقامي في إمضاء الشارع لمعاملات العقلاء التي سكت عنها.
وهذا وان كان احسن من السابق، إلا انه موقوف على إحراز تصدي الشارع لبيان تمام مراده بشخص ذلك الخطاب لا بمجموع خطاباته.
فان قلت: فانه لا يفرض وجود خطاب شرعي إطلاقا، وإنما هو مجرد السكوت من قبلِه. قلنا: السكوت ليس له إطلاق مقامي. فان كان إمضاء
ــــــ[336]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
سكوتيا كان دليلا لبيّا يقتصر منه على القدر المتيقن.
ولذا قال بعد ذلك: وان استكشاف الإمضاء الشرعي من عدم وصول الرادع مع الحاجة إليه، فهو اعتماد على دليل لبي، ليس له امتيازات الدليل اللفظي.
وهذا يرد عليه:
أولاً: ان دليل اللغوية لا تقريب له. لأنه لم يقل أحد: ان العبارة المجملة لغو. إذ لا ملازمة بين الإجمال واللغوية. فان غاية الإجمال هو عدم الإطلاق لا اللغوية.
ثانياً: قوله: ان كون وجود القدر المتيقن مزيل للّغوية، صحيح في نفسه، ولكن هذا فرع وجوده. وقد يقال هنا بعدم وجوده. إذا لم يكن هناك جامع في البين، بل عدة جوامع، ولا يعرف المقصود منها. فإذا قلنا: ان اللغوية هي في عدم الإنفهام، لان هذا لا يكون مفهوما عمليا.
إلا ان جوابه:
1 – ان معناه الملازمة بين الإجمال واللغوية. وجواب ذلك: ان هذه الملازمة ثابتة في مجال الإيضاح والبيان فقط.
2 – ان الجوامع لو اختلفت، فان لها أيضا قدرا متيقنا، وذلك هو المصداق لكل الجوامع، وبه ترتفع اللغوية.
ثالثاً: قوله: انه يستفاد من الإطلاق إمضاء الشارع للمعاملات التي سكت عنها. أقول: هذا معناه ان الإمضاء يستفاد من السكوت لا من الإطلاق. بل قد يقال: بلغوية الإمضاء بالإطلاق، لان عليه دالا مسبقا وهو السكوت. وبدلالة
ــــــ[337]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الاقتضاء يعرف ان للإطلاق معنى آخر غيره.
رابعاً: قوله: لا بمجموع خطاباته. يرد عليه نفس الإشكال بل اكثر، لاحتمال عدم وصول بعض الخطابات الناهية. المجوع الواقعي غير موجود والمجموع الموجود غير واقعي. وضم الأصل إليه لا يثبت واقعيته. فتأمل.
خامساً: ان غايته اننا نستكشف الإطلاق، من مجموع السكوتات الموجودة في مجموع الحصص. وهذا ليس إطلاقا اصطلاحيا. لأنه لا مورد لمقدمات الحكمة فيه.
ثم انه نسب إلى المحقق النائيني قدس سره: انه بناء على وضع الاسم للمسببات في المعاملات، لا يمكن التمسك بإطلاق الدليل الفظي على كل حال. لان إمضاء المسبب لا يقتضي إمضاء كافة ما جعل سببا له. وإنما يكفي إمضاء بعض أسبابه.
وتعليقنا عليه، من وجوه:
أولاً: ان المسبب الموضوع له اللفظ، هل يفترض وضعه للصحيح أو للأعم. فان كان للأعم أمكن التمسك بالإطلاق، إلا انه لا يتصور فيه الأعم، لان أمره دائر بين الوجود والعدم. وليس فيه فاسد.
وان كان موضوعا للصحيح، فإنما هو للصحيح العرفي لا الشرعي، وللصحيح الاقتضائي لا الفعلي: وبضم الإمضاء إليه يصبح فعليا.
نعم، لو كان موضوعا للصحيح الشرعي الفعلي ورد الإشكال. ولا يرد لو كان موضوعا للصحيح الفعلي العرفي، في المرتبة السابقة على الشرع.
ثانياً: ان دليل الإمضاء إذا لم يكن إطلاقا لكل الحصص ورد الإشكال.
ــــــ[338]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا ان المفروض وجود الإشكال للمسببات. والمسبب يتقيد بسببه لا محالة. فيكون إمضاء لكل المسببات المقيدة. فيكون إمضاء للسبب بالملازمة.
ثالثاً: اننا قلنا ان السكوت كاف في الإمضاء. ومعناه إمضاء ما عليه العرف من الحصص المتعددة.
ولا يقال: ان السكوت لا إطلاق فيه. لان نتيجة السكوتات المتعددة، شاملة لكل الحصص العرفية، غير انه لا يحتمل اختصاص السكوت بالمسببات، بل يشمل الأسباب بالمطابقة لان لها ظهورا لفظيا، باعتبارها أسبق رتبة من مسبباتها.
وأجاب الأستاذ المحقق عما نقلناه عن المحقق النائيني: ان المسبب مهما اعتبرناه، فانه منحل إلى أفراد متعددة، وان المتعاملين في كل معاملة لهم إنشاء واعتبار غيره في الإنشاء الاخر. فليس هناك مسبب واحد، له أسباب عديدة، كي يقال: بعدم دلالة إمضائه على إمضاء كافة أسبابه.
نجيب على ذلك: ان في هذا فواتا لفهم مراد المحقق النائيني، لان المراد بالمسبب كلي المسبب ونوعه لا فرده. وهذا الكلي له أسباب متعددة لا محالة من أنواع متعددة، كالملكية التي تحدث من البيع ومن الإيجار ومن القرض، وغيرها.
فمراده: ان إمضاء الملكية يكفي فيه إمضاء سبب واحد، في الجملة، لا أسباب متعددة. وهذا ثابت بغض النظر عما قلناه من تقييد المسبب بسببه. ولا يمكن ان يكون المراد بالإمضاء إمضاء جزئي واحد، سواء كان ذو سبب واحد أو متعدد.
وهنا قال السيد الأستاذ: بان المسبب في المعاملة ليس هو المنشأ أو
ــــــ[339]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الاعتبار الشخصي، بل هو النتيجة القانونية المتحصلة من المعاملة خارجا. وفي إمضاء الشارع لا يفترض نظره إلى الأحكام العقلائية جعلا أو مجعولا المقرر في المرتبة السابقة لديهم، لإمضائها. بل إمضاء الشارع إمضاء للمسبب عند الشارع والعقلاء معا.
بمعنى إعطاء الناس فرصة إيجادها، وعدم المنع منها، كما يستفاد من أحل الله البيع.
ومنه يتضح عدم الإطلاق في أدلة الإمضاء، لأنها لا تقتضي الترخيص في إيجادها عن أي سبب كان. وهذا مطلب عرفي قبل ان يكون تحليلا عقليا. ونظيره الترخيص في ذي المقدمة. مع كونه له مقدمات عديدة، على البدل. فذلك لا يدل على الترخيص في كل مقدماته.
وهذا غريب: ما لم يرجع إلى ما قلناه من استفادة الحلية التكليفية، على ان يكون الإمضاء مستفادا من السكوتات في المرتبة المتقدمة، أو مستفادا بالالتزام من نفس الدليل. واما إذا كانت الحلّية التكليفية مستفادة دون الحلّية الوضعية، فمعناه عدم الإمضاء الشرعي.
وما قاله: من ان الإمضاء عبارة أخرى عن الحلية التكليفية وعدم المنع. ولا تعرض له إلى حكم العقلاء جعلا أو مجعولا. تهافت في التعبير، وخلط بين المطالب. لوضوح ان ذلك وحده لا يكفي في الإمضاء، ما لم يدل بالملازمة عليه، وبدونه سيكون إغراء بالجهل.
وأحل الله البيع، كما يستفاد منه الحلية التكليفية، يستفاد منه باللازم الحكم الوضعي. ومعناه التعرض إلى حكم العقلاء، جعلا ومجعولا. يعني المصير إلى صحة البيع الجائز تكليفا، لكي لا يكون بيانه إغراء بالجهل، وبدونه لا
ــــــ[340]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يمكن الإمضاء.
اما ان الشارع يتعرض إلى المجعول أو المجعول من حكم العقلاء، فكلاهما ممكن. وذلك: بان يجعل جعل العقلاء جعلا له، تنزيلا. أو ان يجعل مثله. فيكون حكما وضعيا عقلائيا وشرعيا معا. ولكن الأظهر والأشهر انه إمضاء للمجعول.
وقد يقال: هذا إذا تعلقت الإباحة التكليفية بالسبب. واما إذا تعلقت بالمسبب، وهو – على حد قوله -: الأثر القانوني بمعنى إعطاء الناس فرصة إيجادها وعدم النهي عنها. أقول: فهذا بعينه إمضاؤها.
وجوابه: انه ان كان المراد انه بعينه مطابقة، فهو غير محتمل، لاختلاف المحمول والمدلول. وان كان المراد انه مدلول التزاما، فهو معنى وضعي وليس تكليفيا، ولم يتعرض له هذا المحقق.
وذلك: بان يدل بالالتزام على وجود إمضاء اسبق رتبة لئلا يلزم الإغراء بالجهل. وعلى أي حال، فلابد من افتراض نظر الشارع إلى الأحكام العقلائية، اما بالمطابقة أو بالالتزام.
ومنه يتضح الفرق بينه وبين ذي المقدمة الذي له مقدمات مختلفة. فان إباحته لا تعني إلا إباحة مقدماته في الجملة. ولا يدل التزاما على حلية الجميع. وان كان يمكن ان نتصور له إطلاقا بإباحة الكل باعتبار حصصه.
ما هو السبب وما هو المسبب في المعاملات؟
انه حسب الرأي العرفي المعقول، فان الضابط في ذلك هو ان ننظر إلى الأثر التشريعي الناتج عن المعاملة، فما كان سببا له فهو السبب. وما كان في
ــــــ[341]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رتبته فهو المسبب. فاللفظ سبب والملكية مسبب.
غير انه اختلط الأمر على المحققين، حتى قال السيد الأستاذ والأستاذ المحقق معا: انه لا يوجد سبب ومسبب، بل هو شيء واحد موضوع له اللفظ.
واهم ما أوجب المغالطة، هو مثل قولهم: البيع تمليك بعوض. فان التمليك قد يقصد به الفعل وقد يقصد به الانفعال. أو قل: قد يقصد به المصدر وقد يقصد به اسم المصدر. والأول صادر من الفاعل أو الموجِب- بالكسر – وهو السبب والثاني هو المسبب.
فإذا غفلنا عن هذه الجهة، واعتبرنا هذين الأمرين أمرا واحدا، إذن، يؤدي ذلك إلى الخلط بين السبب والمسبب. كما ان بعض الفقرات الآتية، حصل هناك احتمال كونها من السبب أو من المسبب.
وما يمكن ان يكون سببا عدة أمور مرتبطة أو منفصلة، كما قال السيد الأستاذ:
الأمر الأول: الإنشاء المتمثل باللفظ أو ما يقوم مقامه.
الأمر الثاني: المدلول التصديقي للإنشاء. وهو الالتزام الشخصي بمضمونه جديا.
الأمر الثالث: قصد التسبيب بذلك الالتزام إلى المسبب القانوني أو الشرعي.
وهذا فيه عدة مناقشات:
أولاً: ان الإنشاء ليس اللفظ فقط، بل هو مجموع اللفظ مع القصد. وإلا
ــــــ[342]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نقض بالمعاطاة. فان الإبراز الفعلي ليس إنشاء اصطلاحا جزما. كما ان اللفظ بدون قصد: كاللفظ بلا معنى: فلا يدخل حيز اللغة أصلا. وإنما اللغة دائما، هي الألفاظ التي يراد معناها.
فان قلت: فاننا نقول: ان الدلالة غير تابعة للإرادة. قلنا: نعم. لكن هذا من زاوية السامع، واما من زاوية المتكلم فلا. ومعلوم اننا في السبب المعاملي، نحتاج إلى فرض وجود الإرادة لدى المتكلم، وإلا لم يكن سببا.
ثانياً: ان الأمر الثالث ليس دخيلا في السبب جزما. فانه ان رجع إلى الأمر الثاني فهو المطلوب، فلا تكون الأمور ثلاثة. وإلا فقصد التسبيب ان كان من الشارع فهو مقدم رتبة عليه، يعني يكون هو الداعي إلى إيجاد المعاملة، ولكنه غير دخيل فيها.
إذن، فما هو دخيل في السبب أمران: القصد النفسي لإيجاد الأثر والمسبب، مع إبرازه بمبرزٍ. وهذا لا يختلف فيه تسميته إنشاء أم لا، بعد كونه متعارفا بين العقلاء. لان موضوع حكمهم ليس هو عنوان الإنشاء. ويكفي ان نلتفت إلى ان المعاطاة لا يصدق عليها الإنشاء مع انها الغالبة عندهم.
ثم قال السيد الأستاذ: واما المسبب فهو الأثر والنتيجة المترتبة خارجا على إنشاء المعاملة.
وقال: ان القانون الذي يُمضي المعاملة، تارة شرعي وأخرى عقلائي وثالثة شخصي متفق عليه بين المتعاملين خاصة.
وقال: يتبين انه لا تقابل بين المعاملة بمعنى السبب والمعاملة بمعنى المسبب. بل يمكن جعلهما فردين من مفهوم واحد. فالبيع تمليك بعوض. والبائع يوجد التمليك بنفس إنشائه، ويمضيه القانون. فهنا فردان شخصي
ــــــ[343]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقانوني.
وهذا قابل للمناقشة لأكثر من وجه:
أولاً: ان المسبب لا يكون بيد المتعاملين أصلا، بل هو بيد القانون محضا. وهو اما وضعي أو عقلائي أو شرعي. ولا يوجد هناك اثر شخصي بغض النظر عن القانون.
وإنما الشخصي هو إيجاد السبب فقط. وإنما مجازا نقول: انه أوجد الملكية أو ملّكه شيئا، لأنه أوجد علته أو موضوعه.
ثانياً: من حيث ارتباط السبب بالقانون، فانه موضوع له كحصة كلية. واما الجزئي أو المباشر فهو بيد الفرد.
فان قلت: المسبب أيضا بيد القانون كحصة كلية. واما الجزئي فهو بيد المتعاملين.
قلنا: كلا، فان المسبب بيد القانون كليا وجزئيا. لان ما يوجد من اثر البيع – مثلا – هو حكم جزئي وضعي بالملكية، كحصة من الكبرى الكلية لإمضاء البيع. وليس هذا من فعل المتعاملين ولا يستطيعان إيجادها بمفردهما أو رفعها كذلك.
في حين ان السبب يوجد باختيارهما، وليس من قبيل الحكم الجزئي من الكبرى الكلية، بل هو موضوع للحكم الكلي. ويستطيع المتعاملان حذفه أو قطعه.
مضافا إلى ان السبب مركب والمسبب بسيط. والبسيط أمره دائر بين الوجود والعدم. في حين ان السبب قابل للصحة والفاسد.
ــــــ[344]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومعه، فتعميم السيد الأستاذ القانون بالمعاني الثلاثة إلى السبب والمسبب. واعتبار السبب قانونا شخصيا والمسبب قانونا عقلائيا بلا موجب. بل السبب شخصي خالص والمسبب قانوني خالص.
واما ما قاله من انه: لا يبعد دعوى: انه بحسب النظر العرفي المسامحي انه لا يوجد شيئان، بل شيء واحد. وهو ما يوجده المتعاملان من التمليك بعوض. ويكون تحليله إلى السبب والمسبب دقيا.
لا يتم: بل يدرك العرف بوضوح ثلاثة أشياء وليس شيئين فقط: فان السبب في العقود متكون من رضا الطرفين، فإذا أضفنا له المسبب كان ثلاثة. وهو من فعل القانون. فان كان هناك من يقول بوحدتهما، فإنما هو متوهم أو انه مجاز في كلامه، أو لأجل تسهيل العبارة ليس إلا.
وقال: والحاصل: ان العرف المسامحي يرى ان الملكية القانونية عبارة عن تطوير التمليك الشخصي، والنسبة بينهما نسبة البذرة إلى الشجرة.
جوابه: أولاً: اننا عرفنا انه لا يوجد تمليك شخصي، بل ما هو شخصي هو إيجاد سببه فقط. ثانياً: ليست الملكية القانونية تطوير للملكية الشخصية كما هو واضح، وإنما هي مجرد إمضاء لها وليس شيء منه يشبه البذرة والشجرة.
الأستاذ المحقق قال: ان المراد بالمسبب أحد أمور: اما انه هو الاعتبار النفساني كما هو مسلكنا، يعني مسلكه قدس سره. واما هو الوجود الإنشائي المتحصل من الصيغة أو غيرها، كما هو مسلك المشهور في باب الإنشاء. ومن هنا قالوا: ان البيع لا يوجد إلا بعد قوله بعت. وكذا غيره.
واما ان المراد بالمسبب هو الإمضاء العقلائي، من حيث ان فعل البائع سبب والإمضاء العقلائي مسبب. فإذا صدر البيع من البائع، ترتب عليه إمضاء
ــــــ[345]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العقلاء ترتب المسبب على السبب.
قال: واما الإمضاء الشرعي فلا يعقل ان يكون مسببا، بداهة ان المسبب هو ما يتعلق به الإمضاء، فلا يعقل ان يكون هو الإمضاء نفسه.
جوابه:
أولاً: ان هذه الاحتمالات، إنما سيقت لعدم وضع القاعدة العامة للسبب والمسبب. وإلا فلا وجود في كلامه، حتى لتقريب صوري يقول: بان هذا مسبب. وستعرف فيما يلي انها كلها من نوع الأسباب.
اما الاعتبار النفسي، فهو سبب اللفظ وليس مسببا عنه. ولا اقل ان يكون في رتبته من حيث إيجاده للنتيجة المطلوبة.
واما الملكية فالاعتبار النفساني، هو جزء السبب لها، ولا يحتمل ان يكون مسببا عنها.
واما الوجود الإنشائي، فهو إذا لاحظناه بالنسبة إلى اللفظ فهو مسبب، على تقدير تسليمه، كما هو المشهور. إلا ان المراد كونه مسببا في المعاملة فقهيا، لا كونه مسببا باصطلاح علماء البلاغة.
واما الإمضاء العقلائي، فلا يكون مسببا إلا بلحاظ ان الموضوع سبب للحكم. يعني انه سبب لإيجاد الوجود الجزئي للحكم، وهو المترتب على هذه الواقعة. وهذا معنى عام في كل موضوعات الأحكام ولم يقل به أحد.
وإذا نظرنا إلى الملكية فالإمضاء العقلائي هو سبب وجودها. وإذا نظرنا إلى العقد فهو سبب إمضائه، فهو سبب على كل حال، ولا يكون مسببا بحال.
واما الإمضاء الشرعي، فلا يفرق عن الإمضاء العقلائي. من هذه الناحية،
ــــــ[346]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لأنه يأتي فيه نفس الكلام الذي قاله في الإمضاء العقلائي، وهو انه: إذا صدر عليه بيع البائع ترتب عليه الإمضاء الشرعي ترتب السبب على مسببه.
وورود النصوص بضد ذلك: كأحلّ الله البيع، غير مانع عن ذلك. إذ لو وردت عن العقلاء نصوص، ماذا كنا نفعل؟.
مضافا إلى إمكان فهمها فهما آخر: فنفهم من البيع: العقد وليس الملكية، أو الملكية وليس الإمضاء.
مضافا، إلى ان الأستاذ المحقق قال: ان المسبب هو الإمضاء الشرعي، ثم مثل له بالممضى الشرعي. فيتحصل: ان مراد الشارع إمضاء ما هو ممضى، وهو من تحصيل الحاصل.
ثم قال: ومنه يتضح: انه لا سبب ولا مسبب، لأنها أسماء للمركب من الأمرين. والأدلة ناظرة إلى إمضائها بتلك العنوانين.
جوابه : أولاً: ان هذا يتضمن اعترافا بالسبب والمسبب. لأنه لا يصدق المركب إلا بهما أو منهما. ثانياً: انه بعد غموض معنى السبب والمسبب، سيؤدي ذلك إلى غموض فهم الأدلة. غير ان الصحيح ما قلناه فيما سبق.
…………………………
ثم اننا إذا قسنا الأمور ببعضها البعض، وجدناها تنقسم إلى عدة أقسام أو تقسيمات:
أولاً: انها اما شرعية أو خارجية.
ثانياً: انها اما إلزامية أو غير إلزامية.
ــــــ[347]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: انها اما دخيلة بوجودها أو بعدمها.
رابعاً: انها اما دخيلة بماهيتها أو بانتسابها.
خامساً: انها غير دخيلة أصلا. ولكنه قد يكون مؤثرا في مراتبه وقد لا يكون.
فيخرج عن محل كلامنا ما لا يكون دخيلا في الشريعة أصلا. وان كان منقسما إلى هذه الأمور بدوره. كما يخرج عن كلامنا ما ليس له اثر أصلا، كنزول المطر أثناء الصلاة. ويبقى الكلام في الباقي.
فان الأمور الشرعية اما عبادات أو معاملات. والدخل اما وضعي أو تكليفي أو هما معا. فالتقادير أربعة: لا يوجد دخل تكليفي في المعاملات التي هي محل كلامنا الآن، وإنما دخلها وضعي دائما.
واما الدخل في العبادات فهو تكليفي ووضعي، والوضعي هو الجزئية والشرطية، وهي أسبق رتبة من التكليفي لأنه في مرتبة موضوعه، ولا يقال: ان الأمر بالعكس. لأنه بالأمر التكليفي اصبح جزءا وضعيا. لأنه يقال: ان صح، فإنما ذلك في مرحلة الإثبات، وكلامنا في مرحلة الثبوت.
كما يخرج عن كلامنا: المستحبات، فانها لا يحتمل أخذها في الماهية المأمور بها. وان كان الكلام فيها موجودا من حيث إمكان دخلها جزءا أو شرطا أو مانعا، وعدم إمكان ذلك.
ان قلت: ان من المسلم عدم الشرطية والمانعية في المستحبات. وإلا كان خلف كونها مستحبات. قلنا: المراد به شرط الكمال لا الماهية.
وعلى أي حال فقد يقال: بعدم إمكان ذلك، لاستحالة ان يكون شيء
ــــــ[348]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
داخلا عند وجوده، وخارجا عند عدمه.
وجوابه: ان هذا يختلف باختلاف تعريف الماهية، فان قلنا: انها الأركان أو انها عشرة أجزاء معينة مثلا، لم يصح. واما إذا كانت الماهية هي: أغلب الأجزاء أو هي الحركة والذكر. كما قلنا، أمكن ذلك، لأنها مصداق منه. ويكون شأن المستحبات في ذلك شأن الواجبات حسب مراتب الصلاة.
كما ينبغي ان يتضح لنا معنى ما هو جزء مما هو شرط مما هو مانع. فما هو جزء هو دخيل بوجوده، وما له دخل بانتسابه فهو شرط وما له دخل بعدمه أو بانتساب عدمه فهو مانع، لا ان الموجود شرعا هو دخل عدمه وترك وجوده لا ترك انتسابه فانه لا مثال له شرعا في العبادات، وان كان متصورا.
ولكن قد يقال: بوجوده في المعاملات، كبطلان بيع مال الغير. فان ملكية الغير لها وجود في المرتبة السابقة عن العقد. فيكون عدمها السابق معتبرا في صحته. إلا ان الصحيح ان هذا تعبير آخر عن شرطية الملك، وهي شرطية معاصرة زمانا مع العقد، وان كانت سابقة عليه رتبة. واما اعتبارها شرطا أو جزءا، فهذا تابع لمعنى الشرطية والجزئية الآتي.
فان قلت: ان ما كان شرطا بوجوده كان مانعا بعدمه. وإذا انتفت الملكية يثبت الغصب. فيكون البيع باطلا.
قلنا: هذا يجاب بأمور:
أولاً: ان عدم الشرط ليس بمانع دائما، وإنما تمتنع النتيجة ويبطل العقد، لعدم شرطه لا لوجود مانعه وكذا العكس. وإلا ثبت ذلك في الأجزاء. وكان ينبغي ان نسمي عدمها مانعا. وهو غير محتمل.
ــــــ[349]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وإنما تثبت الشرطية والمانعية بالتكوين والتشريع، وإنما تكون نقائضها ارتفاعا لها، لا غير. فانتفاء الملكية في البيع هي من قبيل انتفاء الشرط لا وجود المانع.
والتشريع يثبت بلسان الدليل، فان كان المأخوذ فيه وجوده، أسميناه شرطا وان كان المأخوذ عدمه سمي مانعا. وكذا لو كان وجوده مضرا بالنتيجة. ولا يصح العكس.
والشرط والمانع كلاهما أمر وجودي، وكلاهما نسبة إلى الوجود. غاية الامر ان لازم مانعية الوجود هو شرطية العدم. وكذا العكس.
وهذا كله لا يختلف فيه الأمر المقارن والمتقدم والمتأخر. ولا بين التكوين والتشريع.
ومن هنا تكون لنا قاعدة في التمييز بين الشرط والمانع، ولكنهم لم يذكروها، ولم يحاولوا ذكرها على ما اعرف.
وهذه الأمور في التشريع أحكام وضعية. وفرقها عن الأحكام التكليفية ان التكليفية لها محرّكية بالمطابقة دون الوضعية, وان كان لازمها أحكام تكليفية.
ونلاحظ: ان الوجوب والحرمة الواردان على مورد واحد، متعاكسان في الشرطية والمانعية.
ثانياً: ان انتفاء الملكية اعم من الغصب لدخول المباحات العامة فيه. وما هو شرط هو وجود الملكية وليس عدم الغصب فقط.ولذا لم يجز بيع المباحات قبل تملكها، مع كونها ليست غصبا. وذلك لعدم الشرط لا لوجود المانع. لأنه: لا بيع إلا في ملك.
ــــــ[350]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا اننا لا نمانع ان تكون الغصبية مانعا إلى جنب كون الملكية شرطا. وهذا يختلف باختلاف ألسنة الأدلة إثباتا.
ثم انه يقع الكلام في الجزئية والشرطية (الأعم من المانعية) في ثلاثة مراحل: أولاً: في معناها ثبوتا. ثانياً: في كيفية جعلها إثباتا. ثالثاً: في إمكان دخلها في الماهية المسماة.
اما الكلام في معناها: فالكلام فيه تارة عقلي وأخرى عرفي، والعقلي تارة خارجي وأخرى واقعي. والخارجي تارة مادي وأخرى روحي.
وعلى العموم فما يتكون الشيء منه ومن غيره، فهو جزؤه. وهذا يكون في المركب لا في البسيط. لعدم صدق الجزء على البسيط، لأنه متكون من شيء واحد فقط. وإنما الجزء باعتبار تركب المجموع منه، لا انه جزء بالنسبة إلى شيء آخر. ليصدق على البسيط.
وكل ذلك لا ينبغي ان يختلف فيه ما هو عقلي عما هو عرفي. غاية الامر ان إدراك التجزئة تختلف. فبعضه دقي وبعضه مسامحي وبعضه تحليلي.
ثم اننا ينبغي ان ننظر إلى السبب الذي جعل الجزء جزءا. وحيث ان الجزئية مساوقة للتركيب، فسبب الجزء هو سبب التركيب أي المركب.
والمركب في الشريعة على نحوين: لأننا اما ان ننظر إلى الكبرى واما ان ننظر إلى الامتثال. فالمركب – بالكسر – للكبرى هو الشارع، والمركب -بالكسر – للامتثال هو الفرد. والتركيب في الأول تشريعي اعتباري وفي الثاني تكويني.
وإنما يكون الثاني صحيحا إذا كان مطابقا للأول.
ومحل الشاهد: هو ان الشارع يمكن ان يركب بعنوان الجزء الواجب
ــــــ[351]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وبعنوان الجزء المستحب. ومن هنا يمكن ان نتصور الجزء المستحب في الماهية المأمور بها. إذا نظرنا إليها بجامع المطلوبية الأعم من الوجوب والاستحباب.
ويمكن للشارع ان يركب في الوضعيّات، وتكون النتيجة البطلان مع الإخلال به، وان كان الحكم التكليفي استحبابيا أو إباحة كأجزاء المعاملات والأجزاء اللزومية للعبادات المستحبة. فان الإخلال بها مبطل، لأنها من جنس الجعل الوضعي. فلا تتم الصلاة بدونها.
غير اننا ينبغي هنا ان نلتفت إلى ما قلناه من ان التركيب الوضعي أسبق رتبة من التكليف. وان كان في المرتبة المتأخرة عنه إثباتا أحيانا.
كما ينبغي ان نلتفت إلى ان عدم الجزء إنما يكون مبطلا بهذه الصفة. لان الماهية أو العلة تكون ناقصة لفقد جزئها، فلا تؤثر في المعلول. بخلاف فقد الشرط فانه يحتوي على انتساب الماهية بعد تمام ماهيتها إلى أمر خارجي عنها، وهو الشرط. فلا تكون ناقصة مع فقده. ولا يمكن القول: بان عدم الجزء من قبيل المانع أو فقد الشرط لأنه خلف فرض جزئيته.
كما ينبغي ان نلاحظ ان الترك لا يمكن ان يكون جزءا، لان جزئية العدم غير متصورة عقلا وعرفا. بل الترك إذا كان إلزاميا، كان نقيضه مانعا. ولا يسمى عدم المانع أو نقيض المانع، جزءا على أي حال.
وبهذا البيان نستطيع التمييز بين وجود الجزء ووجود الشرط. بالرغم من اشتراكهما في الدخل في التركيب وكونها تحت الأمر.
وذلك بأمرين:
الأمر الأول: التروك. وكلها شرائط، لا يكون فيها جزء. لان عدمها
ــــــ[352]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بمنزلة عدم المانع.
الأمر الثاني: ان للماهية وجود عرفي أو ارتكازي متشرعي. بحيث يعتبر الشيء منه ومن غيره أو ان الماهية متركبة به. في حين يعتبر الشيء شيئا خارجا عن الماهية، وان كان داخلا في المأمور به. فالأول هو الجزء والثاني هو الشرط.
وما قلناه من التركيب التشريعي، لا يكون مسببا للجزئية إثباتا إلا بعد تحكيم الارتكاز في ذلك، وإلا أصبحت كل الشرائط أجزاء.
والجزء الاعتباري للماهية الاعتبارية (لا الحقيقية) لا يتعين ان يكون من عالم واحد. بل يمكن ان يكون من عوالم متعددة، ومن مقولات مختلفة، كالحركة والذكر والنية. ولو اقتصرنا في الماهية على الأوليين كانت النية شرطا. ومن هنا قالوا: انها بالشرط أشبه.
واما الجزئية في عالم الامتثال، فهي تطبيق لكل حصة على حدة. فما كان في وجوده الكلي عند الجعل جزءا كان في وجوده الجزئي عند الامتثال جزءا. وكذلك الشرط وعدم المانع.
وما لم يكن الشيء جزءا كليا مجعولا، لم يكن جزءا تطبيقيا، في نظر الشرع، وان كان جزءا تكوينيا لانضمامه إلى غيره. هذا في طرف الزيادة، سواء كانت مبطلة أم لا.
وفي طرف النقصان، إذا ترك جزءا مجعولا. فعندئذ لا يكون جزءا تكوينيا، في عالم الامتثال، وان كان جزءا من المأمور به. فلا يكون المأتي به مطابقا للمأمور به. فيبطل إذا كان الجزء إلزاميا. وينقص إذا كان استحبابيا.
ــــــ[353]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومن هنا يمكن ان نتصور الزيادة والنقصان، من الأجزاء اللزومية. لا ان كل زيادة ترجع إلى النقصان كما قيل. فان في ذلك خلطا بين عالم الجعل وعالم الامتثال.
والشرط يتفق مع الجزء في انه لا يكون عدما أو عدميا أو تركا، كما شرحنا، ويختلف معه في صدق النقص عند عدمه. فمع صدقه فهو جزء وإلا فهو شرط. والمراد بالنقص: نقص الماهية، وهي لا تنقص بفقد الشرط. ومعه يكون تحديد حصول النقص فعلا، متوقفا على تحديد الماهية. فبأي طريق يكون ذلك:
ذلك يكون بأحد طريقين: إثباتي وثبوتي. اما الاثباتي فهو رأي من يعتمد عليه في الأمور. وهو العقل في الكليات والعرف في العرفيات. واما الثبوتي، فهو الواقع في الواقعيات والجعل في الجعليات.
والمتعين أصلا، هو الوجه الثاني الثبوتي. وإذا أخذنا بالأول مستقلا في ذاته، لم يمكن إلا ان يكون موصلا و دالا على الثاني.
ومن هنا يمكن التعرف على الفهم الشرعي عن طريق العرف، أو على الفهم العرفي عن طريق الارتكاز المتشرعي أحيانا.
فان قلت: ان الأجزاء والشرائط، لم تبين في الأدلة بوضوح، فمثلا: (لا تعاد) جمعت في الخمسة المذكورة فيها بين ما هو جزء وما هو شرط. وكذلك رواية: الصلاة ثلثها الطهور وثلثها الركوع وثلثها السجود. فمن أين يحصل لنا التمييز بينها.
قلنا:
أولاً: اننا نستفيد من هذه الأدلة ونحوها: ان الجزئية ليست بالأهمية، وإلا
ــــــ[354]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كانت الخمسة كلها أجزاء ، وكانت البواقي كلها شرائط، وهو غير محتمل.
ثانياً: ان الغرض من هذه الألسنة هو بيان الأهمية لا بيان الجزئية والشرطية.
ثالثاً: ان هذا يؤيد ما قلناه من الحاجة إلى ضم الفهم العرفي والمتشرعي في فهم الجزء والشرط إلى الأدلة. وليست هذه الأدلة ثبوتية بل إثباتية. فما وافق الارتكاز على كونه دخيلا في تكوين الماهية فهو جزء وإلا فهو شرط. وما كان عدما كان وجوده مانعا.
ولا فرق بين ما كان مانعا وما كان قاطعا من هذه الناحية. لأنه ان رجع إلى عدم الجزء أو عدم الشرط فلا كلام، وإلا كان قاطعا باصطلاح الفقهاء، وان كان مانعا باصطلاح المنطق.
ويمكن ان نعتبر القاطع هو المانع بعد الشروع، والمانع اعم منه أو هو خصوص الحصة الأخرى. يعني المنع عن الشروع أصلا.
ونفس الشيء ينطبق على المعاملات. فما كان عدمه نقصا للماهية فهو جزء كالقبول، وإلا فان كان بوجوده مؤثرا فهو شرط، كالرضا، وما كان بعدمه شرطا فهو مانع، كالغصب.
فان قلت: انه يوجد للمعاملة موانع متأخرة زمانا عنها كالفسخ.
قلنا:
أولاً: لا ضير في ذلك في الماهيات الاعتبارية، بان تكون مقيدة جعلا بعدم الفسخ المتأخر.
ــــــ[355]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان قلنا في الفسخ بالكشف لزم الإشكال. بعد التنزل عن الجواب الأول، وان قلنا بالنقل، كما هو الأصح، إذن يكون ناقلا ثبوتا للملكية من حينه، ولا ربط له بصحة المعاملة.
ثالثاً: ان وجود الفسخ، حتى على الكشف، يدل على صحة المعاملة، إذ لا مجال لفسخ المعاملة الباطلة. فليس الفسخ مأخوذا عن اصل وجودها، كما يشعر به الإشكال.
فان قلت: فان الإجازة المتاخرة أيضا قد تكون كاشفة وقد تكون ناقلة. قلنا: الإجازة عبارة عن إيجاد شرط الماهية للمعاملة، وهو رضا المالك. وقد ثبت تعبدا، صحة تأخر هذا الشرط. وهي بهذا المعنى تكون كاشفة لا ناقلة لأنها تمثل جزء العلة للسبب الأصلي. وكذلك كل إجازة متأخرة، مثل إجازة المكره أو العمة أو الخالة أو الولي، وغير ذلك.
ونفي الشيء الذي قلناه في العبادات موجود في المعاملات أيضا. من حيث ان الجزئية تارة في الماهية الكلية المجعولة وأخرى في الماهية الجزئية أو المصداق. فلو نقصت الماهية بالمعنى الارتكازي في المصداق لم تصح جزما. وكذا لو زال شرطها أو وجد مانعها.
غير ان الزيادة المفسدة للمعاملة غير متصورة شرعا، لأنه لم يؤخذ التكرار مانعا عن الصحة كما اخذ في العبادات. إلا في صورة التقييد.
كما ينطبق هنا ما قلناه هناك، من انه يمكن ان تكون أجزاء ماهية المعاملة وشروطها من عوالم مختلفة، كاللفظ والرضا والدفع أو التقابض في المجلس. وغيرها.
ولو قارنا أجزاء المعاملة وشرائطها في العرف والشرع، وجدنا ان الشرع
ــــــ[356]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اخذ لزوما كل ما أخذه العرف، وزاد عليه.
إلا اننا لا نستطيع ان نقول: انه اعتبر شرائط العرف أجزاء في نظره، أو اعتبر أجزاءه شرائط. بل تركها كما هي. ما لم يدل دليل على الخلاف وهو غير متحقق.
كما اننا لا نستطيع القول: ان الشارع أضاف أجزاء وشرائط إلى المعاملة، بل أضاف شرائط فقط. مع الاحتفاظ بالماهية العرفية. بأجزائها في نظرهم. غير انه اعتبر الماهية المجردة باطلة غالبا، لأنها فاقدة للشرائط التي أضافها من قبله.
وبعد هذه الجولة نستطيع ان نلاحظ معنى الصحيح والأعم، في العبادات والمعاملات. فالصحيح هو الجامع للأجزاء والشرائط والفاقد للقواطع والموانع. والفاسد غيره. والأعم هو الشامل لهما مع انحفاظ الماهية.
والواضع تعيينا أو تعينا، اما ان يضع لأصل الماهية، فيختص الوضع بالأجزاء. أو يضع للأجزاء والشرائط. أو يضع للصحيح المؤثر، يعني الجامع للشرائط والفاقد للموانع، حسب قصده.
إلا ان هنا تقريبا للملازمة بين الوضع والأجزاء، يعني عدم دخل الشرائط والموانع في الوضع. لان الواضع إنما يضع للماهية. والأجزاء إنما هي أجزاء الماهية. مع خروج الأمور الأخرى عنها. والاقتران والتبادر إنما هو بين اللفظ وبين الماهية، دون ما هو اكثر من ذلك.
وهذا ينتج انعدام لحاظ الشرائط في المعنى الموضوع له. اما لأنها غير موجودة أساسا في التشريع أو لأنها غير ملحوظة في الوضع. وعلى الثاني يتعين الوضع للأعم، ولا يمكن الوضع للصحيح لا في العبادات ولا في
ــــــ[357]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المعاملات، إلا فيما ليس له شرائط إطلاقا، بحيث تكون الماهية بمجردها كافية في ترتب الأثر، وهو نادر أو لا مثال له.
فان قلت: فان هذا ينطبق على قولنا في العبادات، لأننا قلنا بالوضع للأعم فيها، ولا ينطبق على قولنا في المعاملات، لأننا قلنا بالوضع للصحيح فيها عرفا. فيدور الأمر بين ان لا تكون للمعاملة العرفية شرائط أصلا. أو نفي الملازمة بين الوضع والأجزاء، كما قلنا هنا، باعتبار ان الواضع قد لاحظ الشرائط مضافا إلى الأجزاء، بوضعه للصحيح، وإلا لم يكن وضعا للصحيح.
وجواب ذلك من عدة وجوه:
أولاً: اننا على كلا التقديرين لم نرتكب محذورا في المعاملات. اما على الأول، فمن الممكن القول: ان كل ما له دخل في التركيب العرفي الأصلي للمعاملة فهو جزء منها، وان اختلفت عوالمها.
واما على الثاني، فيمكن الإذعان بنفي الملازمة بين الوضع والماهية. وان ما ندركه بالتبادر قد لا يكون هو الماهية بل اكثر أو اقل. وإنما ندرك الماهية بدلائل أخرى، غير لغوية، كالعقل والارتكاز.
ثانياً: ان الملازمة المذكورة بين الوضع والماهية، ثابتة في العبادات خاصة بناء على الوضع للأعم. ويكون على الصحيحي نفيها فيها.
ثالثاً: ان هذه الملازمة وان كانت ثابتة بشكل مطلق، إلا انها قابلة للتقييد في بعض الحصص.
رابعاً: ان المعاملات ليس لها شرائط، وان الماهية وحدها تكفي ان مصداقا للصحيح، ولو أحيانا، أو في بعض الحصص.
ــــــ[358]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولكن لو تنزلنا عن كل ذلك، فلابد من القول بالوضع للأعم في المعاملات. واما ما استدللنا به عرفا من نفي وجود البيع مع عدم تأثيره. فلابد من المصير إلى مجازيته.
وهنا ذكر المحقق الآخوند والأستاذ المحقق: ان الأمور هنا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولاً: أجزاء دخيلة يقينا في المسمى. ثانياً: مقارنات مطلوبة نفسيا، ولكنها خارجة عن المسمى يقينا. ثالثاً: شرائط محتملة الدخل في المسمى. قال: ولكنك عرفت دخلهما معا في التسمية.
أقول: يظهر جوابه مما عرفناه من التلازم بين الوضع والماهية وهي الأجزاء. فاما ان يقول بعد هذا التلازم، إذن يتعذر فهم الماهية. واما ان يقول بدخول الشرائط في الماهية، وهو غير محتمل، كما ان نفي شرطيتها أيضا غير محتمل.
وقد يقول: ان هذا يصح بناء على الأعم. ولكن بعد وجود الدليل على الصحيح، فانه يكون هو الدليل على دخول الشرائط في المسمى.
قلنا: ان كان هذا الدليل شرعيا، فالشرع ليس من حقه التصرف في اللغة، ولا يحتمل ان يكون واضعا، لأسماء العبادات. وان كان المراد الوضع اللغوي، فالحق انه مخصوص بالماهية ولا يعم الشرائط وان لزم عدم صحة القول بالصحيح. كما سبق.
ــــــ[359]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مبحث الاشتراك
الاشتراك هو دلالة لفظ واحد على معنيين منفصلين، بدون جامع بينهما لا ماهوي ولا انتزاعي. بوضعين لغويين مستقلين. وهو ما يصطلح عليه بالمشترك اللفظي.
وقد ناقش قسم من القدماء فيه: فذهب بعضهم إلى وجوبه. وبعضهم إلى امتناعه، ومنهم من ذهب إلى عدم مناسبته مع القرآن الكريم. ومنهم من قال بإمكانه ووقوعه. فيقع الكلام في جهات:
الجهة الأولى في القول بالوجوب: وتقريبه: عدم تناهي المعاني مع تناهي الألفاظ، فيتعين وضع كل لفظ لأكثر من معنى.
وقد أجيب عن ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره، من ان ذلك يلازم الأوضاع اللامتناهية من الواضع المتناهي. لان الوضع لابد ان يصدر بقدر المعاني لا بقدر الألفاظ.
ويمكن ان يجاب ذلك بعدة أجوبة:
أولاً: ان هذا إنما يتم – لو تم – إذا قلنا بان الواضع متناهي، كالواضع البشري. واما إذا قلنا ان الله سبحانه هو الواضع فلا يلزم الإشكال، كما قربنا ذلك في مبحث الوضع.
ــــــ[360]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: انه لا يلزم منه ذلك، لان المعاني وان كانت لا متناهية، إلا انه لا يلزم استيعابها، وإنما المحتاج إليه في اللغة محدود مهما كان كثيرا. ولا ينبغي ان يزيد الوضع اللغوي على مقدار الحاجة.
ثالثاً: ان نسبة المتناهي إلى اللامتناهي هي نسبة الصفر إلى العدد الواحد الصحيح وإذا طرح المتناهي من اللامتناهي بقي لا متناهيا. ويقال ذلك عادة في برهان التطبيق.
ومعه يلزم ان يوضع كل لفظ إلى معاني لا متناهية، ان لزم استيعاب المعاني كلها. لأنه ان طرح من اللامتناهي عدد متناهي بقي لامتناهيا كما قلنا.
بعد الالتفات إلى انه يمكن القول: ان المعاني ليست لا متناهية فقط، بل هي لا متناهية في لا متناهي، لان كل فرد منها له نسبة إلى كل فرد منها، فيكون مجموع النسب ذلك.
ومعه فان وضع اللفظ لعدد لا متناهي من المعاني بقي هناك عدد لامتناهي أيضا. اللهم إلا ان يقال: بصدق هذه الملازمة الرياضية ∞ + ∞ = ∞× ∞ (وهذا الرمز ينطق: لا متناهي). وهي معادلة واضحة البطلان أكيدا، فان جانب اليمين من علامة التساوي اقل من جانب اليسار. فيصدق الحال هكذا: ∞ + ∞ > ∞ × ∞ .
رابعاً: ما ذكره السيد الأستاذ، من انه تصور وضعا بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص. بحيث يكون جامعا بين أوضاع متعددة. فلا يلزم عدم تناهي الأوضاع.
وجوابه:
1 – ما قلناه من ان هذا الجامع لكل وضع يجب ان يكون لا متناهيا في مصاديقه، لان نسبة المحدود إلى اللامحدود هي الصفر. فرجع الحال إلى عدم
ــــــ[361]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إمكان إدراك الواضع المتناهي لها.
2 – ان هذا الوضع دقي وإجمالي، بحيث لا يكون مفهوما لغة، لان هذا الجامع ليس بين المعاني والمفاهيم الموضوع لها، بل بين أوضاع متعددة تكون بدورها جامعا بين معاني متعددة. لفرض الاشتراك. وكل من المعاني جامع بين مصاديق متعددة.
وبالجملة، فهذا غير اصطلاح الأصوليين في المعنى الحرفي، حين قالوا: ان الوضع قد يكون بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص.
الوجه الثاني: بتفسير السيد الأستاذ: انه لو سلم كون الوضع لا متناهيا، فان لازمه ان يكون الاستعمال لا متناهيا، وهو مستحيل أيضا، لان المستعمِل -بالكسر- متناهي. وإلا كانت الحصة الزائدة من الوضع لغوا.
ويمكن ان يجاب ذلك بوجوه:
الأول: انه ليس في نفسه إشكالا على وجوب الاشتراك وتعينه، وإنما هو فقط على استحالة الوضع اللامتناهي.
الثاني: ان المستعمِل – بالكسر – متناهي، كما قيل في الإشكال. قد لا يكون صحيحا، بل قد لا يكون متناهيا. وكذلك الحاجات المتبادلة المحتملة الاحتياج. قد لا تكون متناهية فتندفع اللغوية.
الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ من ان الحاجات الفعلية وان كانت محدودة، إلا ان الحاجات المفروضة يمكن ان تكون لا متناهية.
ولكن يمكن الجواب على ذلك بأمرين:
الأول: ما ذكره من ان الحاجات عمليا محدودة، فيلزم الإشكال.
ــــــ[362]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثاني: عدم تصور لا تناهي الحاجات، لان الرقم العالي إنما ينتج من حساب الاحتمالات وضربها ببعضها البعض. ومعلوم ان ضرب المحدود لا ينتج إلا المحدود ولا ينتج ان الحاجيات لا متناهية.
الوجه الثالث: ما ذكره في الكفاية من ان المعاني وان لم تكن متناهية، إلا ان المراد الجزئيات. واما الكليات فهي متناهية. فلا يلزم الوضع اللامتناهي، لان الوضع لابد ان يكون للكليات لا للجزئيات. أو يمكن ان يقتصر عليها الواضع عمدا درءا للإشكال.
ويمكن ان يجاب على ذلك بعدة وجوه:
أولاً: ما ذكره الأستاذ المحقق بان الكليات لا متناهية، لان الكليات العالية وان كانت قليلة إلا ان التفصيلية منها لا متناهية. ويكفي في ذلك عدم تناهي الأعداد، وكل واحدة منها هي حصة لا متناهية، وهذا صحيح.
ثانياً: ما ذكره السيد الأستاذ، من ان الكليات غير متناهية. لان الكليات بسائط ومركبات. والمركبات حقيقية واعتيادية كدار وسفينة. فيمكن تصور مركبات اعتيادية غير متناهية. إلا انه قال: ان الوجدان يحكم ان ما هو عملي منها إنما هو متناهي.
ثالثاً: ان نجيب بالعكس بان نقول: ان الجزئيات متناهية، وليست لا متناهية كما سبق. لان المراد الوضع لما هو فعلي لا الوضع لكل ما هو متصور. والفعلي متناهي. حتى اشكلوا بان الكلي كيف ينطبق على أفراد لا متناهية، مع ان عالم الأفراد هو عالم الخارج، وهو لا يحتمل العدد اللامتناهي.
الوجه الرابع: ما ذكره الأستاذ المحقق من ان الألفاظ لا متناهية. لان
ــــــ[363]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الحروف وان كانت ثمانية وعشرين، إلا ان احتمالاتها ومركباتها تؤدي إلى عدد لا متناهي تقريبا من الكلمات. ومثلها أعداد العشرة فان تركبها يوجب وصولها إلى عدد لا متناه.
و ما قيل أو يمكن ان يقال في جوابه عدة أمور:
أولاً: ان التوافيق إذا كانت متناهية كانت النتيجة متناهية، مهما كانت ضخمة. وليس هناك ما يمكن التعبير عنه بما قاله: من انه لا متناهي تقريبا.
ثانياً: ان الكلمات المتصورة المتكونة من هذا العدد الضخم غير عرفية أصلا. مثل كلمة متكونة من عشرين حرفا أو ثلاثين حرفا. بل لعل كلا منهما تكون بعدد لا متناهي من الحروف، فلا يمكن استعمالها للمحدود.
ثالثاً: ما ذكره السيد الأستاذ: من ان المراد من المعاني ان كان كل ما يخطر في الذهن، فالكلمات معاني أيضا، فتبقى المعاني اكثر من الألفاظ.
وهذا واضح الفساد لان المراد من المعاني غيرها. ولا يمكن ان تكون الدوال ضمن المدلولات.
الوجه الخامس: ما ذكره في الكفاية من ان التقريب مبني على الحاجة إلى الوضع، بحيث لا يمكن تفهيم المعنى بدونه. إلا ان الأمر ليس كذلك. إذ يمكن التفهيم بالمجاز، وعلاقات المجاز كثيرة.
وجوابه: انه لو أراد التعميم في حدود الحاجات الملحوظة، فتقريبه صحيح. ولكن يوجد تقريب اسبق منه رتبة، وهو عدم الحاجة إلى المعاني اللامتناهية، كما سبق.
ــــــ[364]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما لو تنزلنا عن كل الوجوه السابقة، كما هو مقتضى القاعدة في وجوه المناقشات. فيمتنع الامر تماما، لان المجاز يحتاج إلى أمرين على الأقل: علاقة وقرينة. فنحتاج من كل منهما إلى عدد لا متناهي.
وهذا يرد عليه:
1 – انه في نفسه ممتنع ولو عرفا.
2 – ان القرائن لابد وان تكون موضوعة لا مجازية، وإلا لاحتاجت إلى قرائن أخرى وتسلسلت. إذن، فلابد ان تكون موضوعة فتعود الحاجة إلى الوضع اللامتناهي.
فان قلت: ان القرائن قد تكون حالية: قلنا: انها خلاف المفروض، وخاصة للتفهيم العام، فانها غالبا ما تكون خاصة بشخص أو نحوه. مضافا إلى ان القرائن الحالية، مهما كثرت فهي محدودة. فتبقى الحاجة إلى الوضع اللامتناهي.
فان قلت: فان بناء البعض على عدم حاجة المجاز إلى قرينة، كما عليه السيد الأستاذ.
قلنا:
1 – انه خلاف المشهور المنصور.
2 – اننا إذا لم نحتج إلى قرينة احتجنا إلى علاقة، والعلاقة قد تكون لفظية وقد تكون خارجية تكوينية. والخارجية محدودة. فرجعنا إلى العلاقة اللفظية التي يتعين فيها الوضع الحقيقي، فيكون لا متناهيا.
وعلى كل حال فدليل وجوب الاشتراك باطل.
ــــــ[365]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجهة الثانية: في استحالة الاشتراك في اللغة وامتناعه امتناعا غيريا بالعقل العملي. من حيث ان الحكمة في الوضع هو التفهيم والتفهم. والاشتراك دائما منشأ للإجمال وهو خلف.
وقد عبر السيد الأستاذ عن المحذور بالامتناع الغيري وهو مشعر بالعقل النظري، لان العقل العملي ليس فيه امتناع بالغير. فيكون مشعرا بالعقل النظري. وهو خطأ.
وقال الأستاذ المحقق انه محال صدوره من الواضع الحكيم، لكونه لغوا محضا. وهو تقريب آخر غير الخلف.
وقد أجاب عنه الشيخ الآخوند قدس سره بجوابين. واحسن من قربه هو السيد الأستاذ حيث ذكر عدة تقريبات مترتبة فنية، وذلك بان يقال:
التقريب الأول: ان اللفظ المشترك وان لم يوجب التفهيم التفصيلي إلا انه يوجب التفهيم الإجمالي. ولا دليل على ان الغرض من الوضع اكثر من ذلك، لانحصار المعنى بين أمرين مثلا.
بل ظاهر الكفاية، وظاهر السيد الأستاذ في مورد آخر، هو ان الغرض قد يتعلق بالإجمال أحيانا. وهذا قابل للمناقشة لان غرض الوضع واللغة هو التفهيم والتفهم.
التقريب الثاني: لو سلمنا ان كون الغرض هو التفهيم التفصيلي فان اللفظ المشترك يشارك فيه بنحو جزء العلة مع ضم القرينة. وهو يكفي في تحقيق الغرض العقلائي.
التقريب الثالث: ان اصل التقريب مبني على كون الواضع حكيما وهو مما
ــــــ[366]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يمكن نفيه في التعيني وان سلمناه في التعييني.
التقريب الرابع: ان ادلّ شيء على إمكان الشيء وقوعه. والاشتراك واقع في عدة موارد وعدة مجتمعات وعدة لغات. ومن الممكن القول بان المشتركات كلها من الوضع التعيني.
التقريب الخامس: اننا ينبغي ان نميز في تخلف الغرض المحال.
فان الأغراض على عدة تقسيمات: أولاً: غرض علّي وغرض اقتضائي. ثانياً: غرض خارجي وغرض واقعي. ثالثاً: غرض يستلزم خلفه ظلما وغرض بخلافه. رابعاً: غرض ليس له مزاحم وغرض له مزاحم. والثاني من كل هذه التقسيمات ليس تخلفه محالا عقلا من الناحية العملية.
فان قلت: انه من الأول منها. قلنا: هذا أول الكلام ومصادرة على الموضوع. هذا إذا كان المحذور هو خلف غرض التفهيم.
واما محذور اللغوية، فليس المراد منها: ان كلامه غير مفهوم، بل غير منتج للتفهيم، فرجع الأمر إلى العلة الاقتضائية، غير الممتنعة التخلف.
واما ما كان ممتنعا بالغير، كما قال السيد الأستاذ، فهو تسامح بلا إشكال. مرجعه إلى قصور استحالة العقل العملي عن استحالة العقل النظري. كما يقصر الممتنع بالغير عن الممتنع بالذات.
إلا ان هذا ليس بصحيح فان استحالة العقل العملي عند العدلية لا تقصر عن الاستحالة الأخرى. وإلا لبطلت استدلالات النبوة العامة والإمامة والمعاد، المعتمدة كلها على قاعدة اللطف التي هي من أحكام العقل العملي. وهي من أوضح أشكال العقل العملي العلّي الخالي عن المعارض.
وهناك وجه آخر لاستحالة الاشتراك بناء على مبنى (التعهد) الذي التزمه الأستاذ المحقق في الوضع.
ــــــ[367]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وله صيغتان محتملتان:
الأولى: ان المتكلم متى ما أتى باللفظ الفلاني فانه يقصد تفهيم المعنى الفلاني.
الثانية: بالعكس، يعني انه متى ما أراد المعنى الفلاني أتى باللفظ الفلاني.
فالتعهد قضية شرطية بإحدى القضيتين المتعاكستين.
وكلام الأستاذ المحقق على الصيغة الأولى. ولكن لو حصل التعهد الثاني للمشترك، فلازمه انه متى ما أتى باللفظ فانه يقصد كلا المعنيين. وهذا باطل وغير مقصود جزما. ويوجد تهافت بين التعهدين في هذا المجال. ولذا التزم الأستاذ المحقق بان التعهد الثاني لا يكون إلا بعد التنزل عن التعهد الأول وإلغائه. ولا يمكن اجتماعهما إلا بوحدة الوضع بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص.
وهذا لا ينتج الاشتراك اللفظي المتنازع عليه، بل يسمى بالاشتراك المعنوي، حيث لا يكون إلا مجموعة مصاديق لماهية واحدة هي الموضوع لها.
واما بناء على ان يكون التعهد هو الصيغة الثانية، ففي صورة الاشتراك تكون الشرطيتان شرطاهما مختلف وليسا متحدين كالسابق. لان القضيتين عندئذ ترجعان إلى شرط واحد. وهو انه متى قصد الحيوان المفترس قال سبع وقال أسد فلابد ان يقولهما معا. وهو باطل.
فيحصل التدافع بين الجزائين، لأنه ليس بناء الواضع المتعهد على الإتيان بكلا اللفظين دائما.
وأجاب عنه السيد الأستاذ: بان هذا التدافع ليس تدافعا ذاتيا، بل اطلاقيا، والتعهد الثاني يزاحم مع إطلاق التعهد الأول. فان الثاني يمكن ان يجتمع مع الأول مقيدا، بان يقال في المشترك: انه متى ما أتيت بلفظ مولى أريد العبد إذا
ــــــ[368]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لم اكن أردت السيد وإذا لم أقم قرينة على عدمه.
وفي الترادف يقال: اني متى ما قصدت الحيوان المفترس أقول أسد، إذا لم اقل سبع، فينتج تعهدان مشروط أحدهما بعدم الآخر.
والجواب الرئيسي على هذا التقريب: هو الطعن في المبنى، وهو ان الصحيح في الوضع ليس هو التعهد بل هو الاقتران الكامل بين اللفظ والمعنى أو التسبيب إلى ذلك. وهذا الاقتران كما يكون بين لفظ واحد ومعنى واحد، يكون بين لفظ واحد وعدة معاني، الذي هو المشترك. أو بين معنى واحد وعدة ألفاظ الذي هو المترادف.
فان قيل: انه يلزم في المشترك اننا إذا أتينا باللفظ فسوف نفهم منه كل المعاني دفعة واحدة لفرض تساوي الاقتران في الجميع. فان فهمنا البعض، كان من الترجيح بلا مرجح. وان فهمنا الكل كان هذا على خلاف الوجدان بالنسبة إلى الكثيرين، إلا مع الالتفات التفصيلي إلى المعاني. وهذا يعني استحالة الاشتراك إثباتا.
وجوابه: اما يحدث أحد أمور ثلاثة منحصرة: اما الجهل بالاشتراك أو نسيانه ونحو ذلك. فيلتفت إلى خصوص ما يعلم. لان العلم بالوضع أو الالتفات إليه شرط التبادر. فيرتفع الإشكال.
واما ان يحصل التبادر للمعاني إجمالا. يعني الالتفات إلى كون هذا اللفظ مشتركا بين عدة معاني لا حاجة إلى استقصائها. واما ان يحصل التبادر تفصيلا.
فان قلت: ان التبادر إجمالا مناف للوضع. قلنا: كلا. وإنما يعني إهمال الالتفات التفصيلي إلى الاقتران بالمعنى أو بأي واحد من المعاني. مع العلم ان الشعور بالاقتران لابد له من التفات تفصيلي.
ــــــ[369]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في استعمال المشترك في اكثر من معنى
يعني في كلا معنييه الحقيقيين، أو استعمال اللفظ في معنى حقيقي ومعنى مجازي. ويقع الكلام في جهتين: الأولى في إمكانه. والأخرى: في وقوعه. من حيث اننا حتى لو ناقشنا في استحالته، فانه مخالف للظهور العرفي.
الجهة الأولى: في إمكانه واستحالته.
ومفروض الكلام هو وجود استعمالين مستقلين في معنيين مستقلين. وإلا فاستعمال اللفظ في مجموع المعنيين أو في أحدهما لا على التعيين أو في أحدهما على التعيين، ليس داخلا في محل الكلام، ولم يقل أحد باستحالته. وان كان مجازا.
وقد يستدل على الاستحالة بوجوه:
الوجه الأول: ما نسب إلى المحقق النائيني قدس سره من انه لابد في الاستعمال من لحاظ المعنى استقلالا، وكأنه القاء للمعنى إلى المخاطب. كما لو لم يستعمل إلا فيه. ومن الواضح ان النفس لبساطتها لا تستطيع ان تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد. والمستلزم للمحال محال.
وجوابه: الطعن بما ذكر من ان النفس لبساطتها لا تستطيع ان تجمع بين لحاظين مستقلين في آن واحد. بل هي تستطيع ذلك. ويمكن النقض على ذلك بعدة أمور:
منها: الإحساس بالطعم والرائحة معا، ومنها: إدراك المركبات. ومنها:
ــــــ[370]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إدراك القضايا التصديقية بما فيها من نسب وأطرافها. ومنها: إيجاد حركتين للجسم في نفس الوقت. ومنها: إيجاد حركة وفكرة.
أقول: وهذا له عدة انقسامات: الأول: ما له سبب خارجي كالحواس، وما ليس له سبب. والثاني: ما كان متعددا في الزمان وما كان متحدا فيه. الثالث: ما كان متعددا في الرتبة وما كان متحدا فيها.
فقد يقال: ان القدر المتيقن من الاستحالة، هو المتحد من جميع هذه الجهات. والأمر في المقام كذلك.
ومعه لابد ان نصير إلى جواب آخر، وهو الذي ذكره السيد الأستاذ: من ان النفس ليست بسيطة بهذا المعنى، بل لها جهات عديدة تدرك بكل منها فكرة معينة.
أقول: اما البسيطة الأصلية للنفس، فهي وان كانت مسلمة، إلا انها عين الكثرة. ولكن كثرتها بمعنى زيادة قواها. فقد يقال: ان الذهن قوة واحدة، والاستعمال لا يكون إلا عن طريق الذهن، فلا يمكن ان يكون فيه إلا لحاظ واحد. جوابه: ان ما قيل في النفس يأتي في الذهن أيضا، من انه يتحلل إلى قوى متعددة.
الوجه الثاني: لاستحالة قصد المعنى المتعدد من المشترك: نسب إلى المحقق الأصفهاني وبيّنه السيد الأستاذ.
وقال: انه يتوقف على مقدمتين:
المقدمة الأولى: ان الاستعمال اللغوي وجود الماهيتين: ماهية اللفظ بالوجود الحقيقي، وماهية المعنى بالوجود التنزيلي.
ــــــ[371]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المقدمة الثانية: ان الوجود والإيجاد بمعنى واحد. فتعدد الإيجاد يساوق تعدد الوجود، ووحدته يساوق وحدته.
ومعه، فاستعمال لفظ في معنيين معناه انه إيجادين تنزيليين. فنحتاج إلى لفظين لان تعدد الوجود يستدعي تعدد الإيجاد، كما عرفنا في المقدمة الثانية. مع انه لا يوجد في الحقيقة إلا لفظ واحد. فيكون الاستعمال مستحيلا.
وهذا له عدة تقريبات:
التقريب الأول: قائم على ان اللفظ علة والمعنى معلولها. فهناك إيجاد في العلة ووجود في المعلول، ومع تعدد المعلول لابد من تعدد العلة، وبدونه يستحيل.
التقريب الثاني: ما في كلمات السيد الأستاذ، فانه يجعل الأمر اكثر من ذلك، ويقول: الوجود اللفظي وجود عيني للفظ ووجود تنزيلي للمعنى. فهذا عين هذا بحسب الوجود الخارجي، فيستحيل مع وحدة أحدهما تعدد الآخر.
التقريب الثالث: ان يقال: ان اللفظ يفنى في المعنى لدى الاستعمال، ولا يمكن ان يفنى الشيء الواحد في أمرين فنائين استقلالين في نفس الوقت.
وأجاب السيد الأستاذ على التقريب الأول لهذا الوجه: انه بعد تسليم المقدمتين فهنا تنزيلان، في المعنيين، وكل تنزيل ينسب إلى المنزِل مسامحة. فالإيجادان التنزيليان يعني إيجاد التنزيلين. فهنا تنزيلان متعددان. ولا بأس ان ينزل اللفظ تنزيلين متعددين منزلة معنيين.
أقول: وهذا وحده غير كافي، لان التنزيل معناه لحاظ المنزل كأنه المنزل عليه، كلحاظ الطواف كأنه صلاة. ولحاظ اللفظ كأنه المعنى. فهنا في أحد
ــــــ[372]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التنزيلين يزول اللفظ، فلا يبقى مجال للتنزيل الآخر.
إلا ان الجواب الرئيسي هو انه مبني على ان الاستعمال هو تنزيل اللفظ منزلة المعنى. وهو غير صحيح. بل هو تسبيب إلى تذكر المعنى للسامع.
فان قلت: فان استعماله في معنيين يعني وجود علة واحدة لمعلولين، وهو مستحيل. قلنا: كلا. بل هو جزء العلة أو هو المعد. واما العلة التامة فهي متكونة من أجزاء كثيرة بما فيها الوضع الأصلي والاقتران والذاكرة وغير ذلك. ومعه، فلا بأس ان يكون المعلول متعددا.
ومنه يعرف الجواب على كلا التقريبين الأخيرين. لان الاستعمال ليس تنزيلا ولا فناء. وإنما هو مجرد الإعداد لتذكر المعنى فقط. نعم، لو سلمنا بالتنزيل والفناء، لكان هذا برهانا.
ولا يمكن ان يكون تنزيلان لمنزل واحد في نفس الوقت ونفس الرتبة. كما هو لازم كلام السيد الأستاذ.
الوجه الثالث: في استحالة استعمال اللفظ المشترك في اكثر من معنى. ما ذكره صاحب الكفاية. وهو ان كان بحسب الصورة برهانا واحدا، غير انه متعدد لتعدد الكبريات التي تنطبق عليه. إلى حد قد يصل إلى ثلاث تقريبات تستفاد من عبارة الكفاية نفسها. ولا يمكن ان يكون تقريبا واحدا. لان ما يمكن ان ينطبق على أحدهما لا يمكن ان ينطبق على الآخر.
التقريب الأول: وهو الأشهر فهما: ان استعمال اللفظ في المعنى ليس مجرد كونه علامة له، بل جعله وجها وعنوانا له. ولا يمكن ان يكون شيء واحد وجها لأمرين في نفس الوقت لان لحاظ العنوانية لحاظ آلي، واللحاظ الآلي يستحيل تعدده.
ــــــ[373]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التقريب الثاني: ان استعمال اللفظ إفناء للفظ في المعنى والإفناء يحتاج إلى لحاظ ثاني، ويستحيل توجه لحاظين إلى شيء واحد، في نفس الوقت.
ومن هنا نعرف تعدد التقريب. فما في الكفاية نفسها من فناء العنوان في المعنون، ليس بصحيح لإنكار الكبرى، فان كونه عنوانا ينافي كونه فانيا. لأنه في حال الفناء غير موجود ليكون عنوانا.
كما ان كبرى تعدد العنوان في رتبة واحدة، غير تعدد الفناء أو الإفناء. إذ قد يقال باستحالته في الثاني دون الأول، لبقائه موجودا.
ولكن يمكن اشتراكهما بتقريبين:
الأول: ان النفس لبساطتها لا تتحمل لحاظين على ملحوظ واحد. وقد نوقش، ولا حاجة للتكرار.
الثاني: انهما معا يستدعيان لحاظا استقلاليا في المرتبة السابقة، وتعدد اللحاظ يستدعي تعدد الملحوظ. كما ان وحدة الملحوظ يستدعي وحدة اللحاظ. إذن لا يمكن ان يكون في رتبة واحدة لأنه يستلزم وحدة الملحوظ وتعدد اللحاظ.
التقريب الثالث: – المستفاد من عبارة الكفاية -:
ان الاستعمال إلغاء للمعنى بنفسه إلى حد يكون محسوسا للسامع. ومنه يسري إليه قبحه وحسنه. كما لا يخفى.
وهذا هو المعنى الرئيسي لمن قال بالدلالة الذاتية للألفاظ، إلا ان هذا الوجه يحتاج إلى كبرى منطبقة عليه. وهي: تسبيب اللفظ لوجود المعنى كأنه الملقى بنفسه، يستدعي وحدة السبب وحدة المسبب. فلو كان أحدهما متعددا
ــــــ[374]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لزم ان يكون الآخر متعددا. فيكون الاستعمال في محل الكلام مستحيلا، لأنه يقتضي معلولا بلا علة.
وعلى أي حال، فقد أجاب عنه المحقق الأستاذ: ان الخلاف في المسألة مبنائي. وذلك: ان الوضع هو الإفناء أو انه وجود تنزيلي للمعنى، وقد سبق بطلانه. والصحيح هو التعهد – عنده – فلا يأتي الإشكال.
وأشكل السيد الأستاذ على هذا الجواب: ان مراد الآخوند ليس هو تحديد الوضع، بل تحديد الاستعمال، ومعنى الاستعمال الذي هو الإفناء معقول على كل مباني الوضع.
أقول: فالإشكال الرئيسي على هذا الوجه بكل تقريباته، إنما هو في معنى الاستعمال، وقد قلنا انه ليس هو الإفناء ولا التنزيل ولا العلية، وإنما هو التسبيب الناقص، كما سبق، فلا يلزم الإشكال.
يبقى الكلام بعد اتضاح عدم صحة الاستحالة في أمرين: أحدهما: في استظهار المعنيين معا من لفظ مشترك واحد. وثانيهما: في إمكان استعماله في القرآن الكريم.
اما الكلام في الأمر الأول. فانه بعد ان ثبت انه لا يتم شيء من الأدلة السابقة على الاستحالة، في استعمال اللفظ المشترك في اكثر من معنى، يقع الكلام في الدليل الاثباتي.
إذ قد يدعى انه خلاف شرط الواضع، وان كان في نفسه ممكنا عقلا. وذلك: بأخذ قيد الوحدة في مقام الوضع بأحد تقريبين:
التقريب الأول: ان قيد الوحدة مأخوذ في المعنى الموضوع له.
ــــــ[375]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقد يجاب على ذلك: بقياسه على المعنى المأمور به. فكما يستحيل ان يؤخذ ما هو متأخر رتبة عن الأمر في المأمور به. كذلك في باب الاستعمال، باعتبار كون الاستعمال متأخرا عن الوضع. وقيد الوحدة إنما هي للاستعمال فيستحيل أخذه في الوضع.
إلا ان هذا لا يتم لوجوه:
الوجه الأول: الطعن في الكبرى. فانه لم يتم في المقيس عليه، فكيف يتم في المقيس. لأنها حصص كلية قابلة للتقييد بالقيد المتأخر ذاتا. وليس من قبيل العلل التكوينية.
وما قاله السيد الأستاذ من ان المأخوذ هو الواقع لا اللحاظ. لا معنى له لاستحالة ان يكون القيد المأخوذ في العنوان هو الواقع بما هو عليه. بل يتعين ان يكون القيد عنوانيا. ويكون الواقع مصداقا له. وإلا لورد الإشكال في قصد الأمر أيضا. مع انه لا يقول به.
الوجه الثاني: الطعن في الصغرى، فان القياس مع الفارق بين الموردين. لان الأمر يحتوي على بعث وتحريك نحو المأمور به. وهو إنما يكون نحو ما هو متقدم رتبة على التحريك لا ما هو متأخر.
واما الجعل الخالي عن التحريك، فهو ليس علة لشيء ليكون اخذ المرتبة فيه محالا.
فان قلت: ان الوضع أيضا فيه تحريك نحو الاستعمال. قلنا: كلا. بل هو مجرد إخبار بالربط بين اللفظ والمعنى.
ويمكن النقض عليه بالمحرم فانه خال من التحريك، لأنه يستدعي الترك،
ــــــ[376]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والترك لا تحريك فيه. فان كان المحرم مقيدا بأمر متأخر لم يكن فيه محذور. ويمكن التقريب لمثاله: النهي عن الكذب الاستقبالي. حيث يكون المجعول مقيدا بما هو متأخر زمانا ورتبة.
وقد أجاب السيد الأستاذ على اصل التقريب، بتقريب منا:
ان اخذ قيد الوحدة في المعنى الموضوع له. اما ان يكون بشكل ناف للزيادة أو بشكل ناف للقلة. والأول بمعنى ان لا يكون الاستعمال بمعنيين اثنين والثاني ان يكون لا يكون الاستعمال بجزء المعنى، بل يستعمل استقلالا، لا استعمالا ضمنيا.
وذكر: ان كلا الشرطين متوفرين في موارد استعمال اللفظ في اكثر من معنى. فلا يتم اصل التقريب: اما الأول فلم يذكر له وجها وإنما حوّله على الوضوح. واما الثاني: فتقريبه: انه إنما يكون الاستعمال ضمنيا إذا لوحظ المعنيان على نحو المجموع، بحيث يكون كل واحد ضمنه. مع ان ذلك خلف المفروض. فان المفروض استعمال كل لفظ استقلالا.
والجواب عن الأول: انه غير متوفر، لان المفروض انهما معنيان اثنان لا واحد.
فان قلت: ان المفروض انهما استعمالان وليس استعمالا واحدا. وفي كل منهما معنى واحد. قلنا: نعم، إلا ان اللفظ واحد، فيؤدي في طول الاستعمال، إلى المعنيين، فيكون خلف الشرط المفروض.
وبتعبير آخر: ان قيد الوحدة اما هو شرط للاستعمال أو شرط للفظ. اما كونه شرطا للاستعمال فهو متحقق، لان المفروض ان لكل استعمال معنى واحد.
ــــــ[377]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما كونه شرطا للفظ فهو غير متحقق لفرض التعدد وان تعدد الاستعمال. واما تعيين رجوعه إلى أحدهما فهو يختلف باختلاف المدعى في الوجه الذي نناقشه. وما ينبغي ان يكون عليه هو ان موضوع قيد الوحدة هو المركب من اللفظ واستعماله، يعني وضع اللفظ ليستعمل في المعنى وحده.
ويجاب: بان الشرط متوفر، لان موضوع المنع غير متحقق، بعد استقلالية كلا الاستعمالين على الفرض. وإنما يتم هذا الوجه إذا كان الشرط على اللفظ وعلى الاستعمال، كل باستقلاله.
واما الجواب عن الثاني:
فأولا: اننا إذا استعملناه في المجموع فهو خلف المفروض أصلا، لأنه يكون من الاستعمال في المعنى الواحد لا الاثنين. فالضمنية المتعددة ليست من هذه الجهة. وان كانت هي غير متوفرة كما قال.
وثانياً: ان قيد الوحدة لا يقتضيه، بل يراد به نفي الزائد فقط. وإنما هذا الكلام مجرد تطويل للطريق.
إلا ان الإشكال هو كون هذا الشرط ليس عرفيا ولا لغويا، بل هو دقّي. نعم هو موافق للمعتاد من الاستعمال بالمعنى الواحد. إلا ان المراد ذات الواحد، لا بقيد الوحدة. وهذا هو الصحيح.
الوجه الثاني: لأخذ قيد الوحدة: انه دخيل في غرض الواضع يعني ان اللفظ وضع ليستعمل وحده. ومن دون ان يكون القيد قيدا في المعنى الموضوع له.
وهذا لا يرد عليه إشكال التأخر الرتبي، وإنما جُعل لأجل التخلص
ــــــ[378]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والتهرب منه. كما لا يرد عليه الإشكال الآخر، لأنه كان تشقيقا في المعنى الموضوع له. والمفروض هنا انه ليس قيدا له.
وأجاب السيد الأستاذ عليه: ان ضيق غرض الواضع لا يوجب ضيق نفس العلقة الوضعية، حتى لو سلم ذلك في باب الأوامر، وان ضيق غرض المولى في باب العبادة يوجب ضيقا في متعلق الأمر وعدم الإطلاق فيه. قال: لما أوضحناه من ان الوضع أمر واقعي علّي وليس مجعولا مولويا. ولا دخل للغرض فيه.
وجواب ذلك: انه هل يريد بواقعية الوضع، واقعيته في الرتبة السابقة على عمل الواضع أم في الرتبة اللاحقة له. اما الأول فمسلم عدم دخل الغرض فيه، إلا انه غير محتمل (يعني تقدمه الرتبي) لوضوح انه لولا تكلم الواضع لم يكن الوضع واقعيا. إذن، فهو متأخر رتبة عنه، بمعنى انه معلول له.
وعندئذ نقول: انهم قسموا العلة إلى أربعة أقسام، منها: العلة الغائية، ولا تتم العلة إلا بها، أو قل إلا باجتماع الأربعة التي هي منها. وغرض الواضع منها. ومن خلاف الحكمة ان يضع الواضع على خلاف غرضه. وهو يستطيع ان يقيد وضعه طبقا لغرضه. ومخالفة الحكمة محال.
فان قلت: ان التصرف ان كان أضيق من الغرض كان خلفا، دون ما إذا كان أوسع، لان الأوسع يحقق الغرض ولو ضمنا، أو في بعض حصصه، وفي المقام الوضع أوسع من الغرض، فلا يكون فيه بأس.
قلنا: ان هذا لا يتم لأكثر من وجه:
أولاً: لان التصرف الأوسع مخالفا للحكمة مع الالتفات إلى السعة، كما هو المفروض في الحكيم. أو قل: يلزم لغوية الوضع في الحصة الزائدة المخالفة للغرض.
ــــــ[379]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان الحكمة قد تقتضي عدم الزيادة والنقيصة معا. والمفروض في المدعى الأصلي ذلك. بحيث تكون الزيادة مخلة بالغرض ويكون الوضع بشرط لا منها. فيكون خلافها خارجا عن الوضع، فيكون مجازا. فما قاله من ان ضيق غرض الواضع لا يؤثر على الوضع، غير تام.
إلا ان الإشكال أساسا في إثبات دخوله في الغرض عرفا ولغة. فان القائل به يحتاج إلى إثبات ومجرد إمكانه أو احتماله لا يكفي لإثباته.
إذن، لا دليل على الاستحالة لا ثبوتا ولا إثباتا، إلا انه خلاف الظهور العرفي بلا إشكال.
قال السيد الأستاذ: ولذا لا تجري أصالة الحقيقة لإثبات الاستعمال بكلا المعنيين. فان مقتضى ظهور حال المتكلم هو التطابق بين اللفظ والمعنى، وعلاقة واحد بواحد، يعني لفظ واحد بمعنى واحد.
أقول: اما قضية أصالة الحقيقة، فانها إنما تجري مع الشك في المراد، لإثبات ان المراد هو المعنى الحقيقي. وهذا إنما يكون بمقدار ما هو مراد المتكلم. فإذا أحرز إرادة الواحد جرت أصالة الحقيقة فيه. وان أحرز إرادة المتعدد جرت فيه. إلا انه لما كان خلاف الظهور العرفي خرج عن كونه مرادا. وأصالة الحقيقة لا تجري فيما ليس مرادا. إلا ان هذا كما يمكن ان يكون لذلك، يمكن ان يكون للعادة على المعنى الواحد والغفلة عن الزيادة.
واما قضية التطابق، فهو تكرار للعادة وليس زائدا عليها. لأنه ان أريد التطابق من الطرفين، فهو غير محتمل، لوجود لفظين يدلان على معنى واحد، كالمركبات المزجية والعددية غيرها. ان أريد به التطابق في طرف المعنى فقط، فليس هو إلا تلك العادة، وإلا كان مصادرة على الموضوع.
ــــــ[380]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهنا يكون الاستعمال على خلاف الظاهر، على كل المسالك في حقيقة الوضع إذا أخذنا القرينة العامة أو العادة الجارية في الوحدة في وحدة المعنى في الاستعمال. واما بدونها فلا. لان معنى تركها وغض النظر عنها، هو الإمكان عرفا للاستعمال في معاني متعددة. والمفروض انها كلها معانٍ حقيقة وموضوعة. إذن، فعلى كل المسالك يجب ان تكون كلها مقصودة. واما قصد بعضها دون البعض، فهو ترجيح بلا مرجح.
فان قلت: ان القصد أمر اختياري، وكبرى الترجيح بلا مرجح لا تأتي فيه. فانها خاصة بالعلل القهرية.
قلنا: نعم، لكن هذا في طرف المتكلم، واما في طرف السامع فلا. والمفروض، إمكان الاستعمال في الجميع، وجريان أصالة الحقيقة فيها جميعا. فلا يحتاج إلى قرينة.
فما قاله الأستاذ المحقق: من كون اللفظ عندئذ مجملا غير تام.إذ يتعين قصد الجميع بدون تلك العادة، ويتعين الواحد معها. نعم. يكون تعيين ذلك الواحد، محتاجا إلى قرينة مع تساقط اصالات الحقيقة، بعد تنافيها بأصالة الوحدة.
وكذلك قال الأستاذ المحقق: انه على مسلكه في التعهد يتعين المسلك الواحد. فانه ان أراد القرينة العامة فنعم. إلا ان ظاهر سياق كلامه غير ذلك. بل يتعين الجميع لصدق الشرط معها جميعا للتعهد المفروض. وكذلك على مسلكنا لصدق الاقتران التام مع الجميع.
غير انه يفرق مسلكنا عن مسلكه بان مسلكه آلي يتعين فيه الجميع قهرا. كما إذا طلعت الشمس، فانه يحصل النهار والحرارة معا. اما مسلكنا
ــــــ[381]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فارتكازي. ومن الواضح ان قرينة الوحدة إرتكازية أيضا. ومن هنا نجد وجدانا انه لا يخطر في الذهن من الألفاظ المشتركة إلا معنى واحد. يتعين بالصدفة، بالرغم من اقترانه التام بالجميع.
ثم ان الأستاذ المحقق أثار فرعا في هذا المجال: وهو اننا إذا علمنا إرادة الأكثر، ودار الأمر بين إرادتها بنحو العموم المجموعي أو العموم الإستغراقي. فقيل بتقديم الثاني، تقديما للحقيقة على المجاز.
أقول: وهذا واضح، لان اللفظ لم يوضع للمجموع فيكون مجازا فيه. وإنما وضع لكل واحد على حدة فيكون حقيقة فيها.
وقد استشكل عليه الأستاذ المحقق: بأنه وان كان استعمالا حقيقيا في الاستغراق، إلا انه خلاف الظهور العرفي. وأصالة الحقيقة غير جارية هنا كما لا يخفى.
أقول: كلا الأمرين لا يتم: اما كونه خلاف الظهور، فلأننا علمنا – على المفروض – مخالفة المتكلم لهذا الظهور بعد ان علمنا باستعماله المتعدد. ففي طول هذا العلم ينعقد ظهور في المعاني الحقيقة التي استعمل فيها.
واما أصالة الحقيقة، فمقتضيها موجود، وهو اصل وجود القاعدة، وكونها تجري بمقدار المقصود كما عرفنا. والمفروض ان المقصود متعدد. وكذلك فان المانع عنها مفقود. لان المانع ليس إلا التعارض، وهو إنما يحصل مع العلم بالواحد، أو العلم بإرادة البعض دون البعض. واما لو أريد الجميع بنحو الاستغراق، كما هو المفروض فلا تعارض. نعم، لو أراد البعض المتعدد، تعارضت أصالة الحقيقة، واحتاج الأمر إلى قرينة.
……………………
ــــــ[382]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بقيت عدة أمور يحسن التعرض إليها:
الأمر الأول: انه كما ان العادة العرفية جارية على فهم معنى واحد من لفظ واحد، في المعنيين الحقيقيين، كذلك الحال في موارد: الحقيقة والمجاز والمجازين. فانها عادة سارية المفعول فيه بلا إشكال.
وليس ذلك محالا كما أسلفنا. بل في هذا المورد أولى بالإمكان، لأنه قيل هناك: ان قيد الوحدة اخذ في الوضع أو ان غرض الواضع هو كذا. ولا يوجد في المجاز وضع أصلا. كما يمكن ان يكون غرض الواضع بشرط لا عن ضم معنى حقيقي ثاني لا معنى مجازي إلى المعنى الحقيقي.
فهذا الوجه الاثباتي للاستحالة لا يأتي. وان أتت بعض الوجوه العقلية السابقة مع جوابها بنفسه.
الأمر الثاني: انهم قالوا – كما في الكفاية -: ان استعمال اللفظ المشترك في اكثر من معنى يلزم منه المجازية لأخذ قيد الوحدة في المعنى. فإذا استعمل في اكثر من معنى، كان من تجريده عن شرطه، فيكون مجازا من باب استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء.
إلا انه يمكن الجواب عن ذلك بعدة أمور:
أولاً: لما قاله صاحب الكفاية وقلناه أيضا من إنكار وجود قيد الوحدة للمعنى الموضوع له. فهو وان كان ممكنا، إلا انه مما لا دليل عليه. بل الموضوع له ذات المعنى بلا زيادة.
ثانياً: ان هذا لا يتم على المسلك الثاني في قيد الوحدة، وهو غرض الواضع. لان مخالفة الغرض بعد إطلاق المعنى لا يكون مجازا.
ــــــ[383]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ما أجاب به صاحب الكفاية قدس سره، من انه على تقدير اخذ قيد الوحدة في المعنى الموضوع له، يكون الاستعمال غير ممكن. ومراده انه يكون غلطا للتباين بين المعنى الحقيقي والمجازي. بنحو تباين ما يكون بشرط شيء وما يكون بشرط لا.
وهذا غريب منه قدس سره:
أولاً: لان المعنى الحقيقي وان كان على التقدير بشرط شيء يعني بقيد الوحدة، إلا ان ذات المعنى لا يكون بشرط لا عن قيد الوحدة. بل الملحوظ ذات الماهية خالية عن أي شرط، فتبقى العلاقة المجازية محفوظة.
ثانياً: ان هذا التباين لا يبرر الغلط، بل يصح المجاز بأدنى علاقة عرفية. ومن الواضح ان ذات الماهية محفوظة فيهما – يعني البشرط شيء والبشرط لا -. وهذا يكفي في العلاقة المجازية. والتبرير العقلي لا يكفي في الغلط اللغوي.
رابعاً: – في تسلسل الأجوبة السابقة -: ان قيد الوحدة المأخوذ في المعنى الموضوع له، هل هو قيد لحاظي أو قيد واقعي.
اما الواقعي فقد سبق انه لا يمكن أخذه، إلا بتحويله إلى قيد لحاظي. واما القيد اللحاظي فيمكن أخذه في معنيين بدون تنافي. ولا يكون من الاستعمال في جزء المعنى بل كله. وإنما يكون الاستعمال في جزء المعنى إذا كان القيد واقعيا. وقد سبق عدم إمكانه. فيكون استعمالا حقيقيا لا مجازيا.
الأمر الثالث: في استعمال المشترك في التثنية والجمع في اكثر من معنى.
وقد تكلموا، أعني الأصوليين المتأخرين، في التثنية، ولم يتكلموا في الجمع لأنهم يهابون الزعم بإمكان الاستعمال في اكثر من معنيين. وفي الجمع
ــــــ[384]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لابد من ثلاثة فاكثر. مضافا إلى ان التعدد في الجمع غير محصور. في حين هو في التثنية محصور، فالكلام في التثنية اسهل على القاعدة.
ونحن نتكلم أولاً في التثنية، فان قلنا بالاستحالة كان الجمع أولى بها، وان قلنا بالإمكان اختص الجمع ببعض الاشكالات التي تأتي.
وقد نسب إلى صاحب المعالم القول بالجواز، باعتبار ان التثنية والجمع بمنزلة تكرار اللفظ. ومن الواضح انه مع التكرار يجوز تعدد القصد، فهنا مثله.
وقد اتفق السيد الأستاذ والأستاذ المحقق على الامتناع، بتقريب مشترك بينهما. وهو: ان المثنى له هيئة وله مادة، ومادته موضوعة للطبيعية اللابشرط عن قيد الوحدة وعدمه. والهيئة موضوعة لتعدد أو تكرار مدخولها. فإذا كان مدخولها دالا على الطبيعة كان المكرر فردان منها. فلا يدل على فرد آخر لفرض عدم وجود الدال آخر.
وقالا: انه إذا استعملت المادة في معنيين، كان ذلك من تثنية المتعدد. كتثنية الأعداد، كعشرين أو عشرتين. يعني تثنية ما يدل على الكثير. فيلزم منه دلالة المثنى على أربعة. اما ان استعملت المادة في معنى واحد، كما هو المفروض، فلا مجال للدلالة على معنى آخر.
وقبل البدء بالمناقشة، لنا تعليق على أمر ذكره الأستاذ المحقق، وهو تعريف هيئة المثنى والجمع بالألف والنون والياء والنون ونحوها.
وبحسب وجداني: ان هذه الحروف تكون سببا لاتخاذ شكل الهيئة، وليست هي الهيئة نفسها. بل جزؤه المفرد هو جزء الهيئة أيضا. وهو أمر نظري لا اثر له عمليا.
ــــــ[385]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويدل عليه عدة أمور. منها:
أولاً: اختلاف بعض الحركات وإضافة بعض الحروف أو تغييرها، لدى التثنية والجمع.
ثانياً: وجود جمع التكسير الذي لا يسلم فيه المفرد، فتكون هيئة الجمع متكونة من كل حروفه.
ثالثاً: ما يدل على المثنى والجمع بلفظ المفرد. كالاثنين والزوج والناس والنساء، فانه يمكن قصد عدة معاني بها على مسلكهم من دون دخل حروف معينة فيها.
والصحيح ان يقال: اننا في المثنى اما ان نقول: انه بمنزلة تكرار اللفظ، كما عليه مشهور اللغويين وغيرهم. إذن يتعين مسلك صاحب المعالم. ويكون عمل الهيئة إفادة تكرار اللفظ بغض النظر عن المعنى. ويكون كل لفظ منهما – الموجود ولو تقديرا- دالا على معنى مستقل. فيمكن ان يكون كل منهما بمعنى غير الآخر. ويكون الدال على الثاني هو الوجود التقديري للفظ الثاني.
فان قلت: ان ذلك غير عرفي. قلنا: بل هو عرفي، لان التثنية عرفية. والمفروض ان معناها ذلك.
إلا اننا قلنا في بحث سابق: ان هيئة التثنية لا تدل على التكرار اللفظ بل على تكرار المعنى. ومختصر تقريبه: انحصار الدال في المثنى بدالين: هما المادة والهيئة. والمادة تدل على المفرد بدال واحد. والهيئة تدل على التكثير. فأين الدال على تكرار اللفظ، لا حقيقة ولا تقديرا. وفهم المتعدد إنما هو بتعدد المعنى لا بتعدد اللفظ. والمفروض ان المفرد مستعمل بمعنى واحد حقيقي أو مجموعي كالأعداد. فلا يبقى دال على المعنى الآخر. لان الدال هو
ــــــ[386]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اما المادة وهي دالة على واحد، واما الهيئة وهي دالة على تعدد مدلول المادة لا اكثر. وليس هناك مفرد آخر على معنى آخر.
واما إذا استعمل المفرد بذاته، أعني مدلول المادة، في معنيين، فيكون المقصود أربعة، بعد تكثيره بالهيئة. إلا ان هذا بنفسه أبعد عرفا من المفرد الحقيقي كما هو واضح. وذلك: لاستقلالية المفرد عرفا بالتلفظ، واما المادة فهي تحليلية وليس لها وجود منحاز عرفا، فالذهاب إلى إمكان ذلك فيها ابعد.
ثم ان السيد الأستاذ استشكل بإشكال وحاول الجواب عليه:
وحاصله بتقريب منا: ان المثنى هل يدل على مدلوله بنحو وحدة الدال والمدلول أو تعددهما. اما الأول فهو خلف تقسيمه إلى المادة والهيئة. واما الثاني: فهو وان كان ينسجم مع أسماء الأجناس القابلة للتثنية، فانه لا ينسجم مع بعض الموارد الخاصة التي لا تكون قابلة للتثنية عرفا أو عقلا.
ويمكن ان نذكر لهذه الموارد ما يلي:
أولاً: الأعلام الشخصية، فانها غير قابلة للتكثير، إذ كيف يتصور التكثير في الفرد الواحد.
ثانياً: أسماء الإشارة لاستحالة التكثير في مصداقها.
ثالثاً: أسماء الموصول، اما كلها قياسا على أسماء الإشارة، لان لها نحوا من الإشارة إلى الطرف. واما بعضها مما يعود إلى ما لا يكون قابلا للتكثير كأسماء الأعلام.
وعلى أي حال، فالصحيح في الجواب ان يقال: ان التكثير ليس في مدلول المادة حقيقة في أسماء الأجناس، بل بعد تحويلها ارتكازا من الدلالة
ــــــ[387]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
على الجنس إلى المفرد. فتقول: أسدين، يعني فردين من الجنس، لا جنسين.
بعد الالتفات إلى ان الاستعمال في كل من الطبيعي والفرد حقيقي. بل ليس مدلول اسم الجنس إلا المفرد. وإنما يدل على الكثرة بأحد طرق عرفية وعقلية:
منها: دخول الألف واللام الجنسية عليه. ومنها: قاعدة ان الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد، فما صدق على الواحد يصدق على الجنس كله. ومنها: الإيهام الاثباتي، لعدم تعين الفرد لدى السامع. فهو وان كان فردا ثبوتا إلا انه عام وشائع إثباتا. وهذا غير الترديد الثبوتي أو الفرد المردد المستحيل. وإنما يشبه مدلول إما التفصيلية، غايته ان مدخولها كل أفراد النوع.
وعلى أي حال، فمعه لابد من لحاظ الفردية، لا بعنوانها اللحاظي بل بواقعها الارتكازي في التثنية والجمع. وإلا لما احتجنا إلى الجمع وكان اسم الجنس كافيا عنه.
والفرق ان اسم الجنس دال على الطبيعة، والجمع دال على الأفراد.
وهذا القيد الارتكازي مأخوذ في المادة، يعني انها تلحظ بصفتها دالة على فرد أو على أفراد. وهذا يصح بغض النظر عن عنوان المادة. فقد يكون هو اسم الجنس وقد يكون هو العلم الشخصي وقد يكون هو الفرد المشار إليه أو واقعه، باسم الإشارة أو باسم الموصول.
والمهم هو تحديد الفردين أو الأفراد. وهذا صادق على الجميع على حد واحد. ولذا لا نرى عرفا فرقا بين مثنى الأجناس ومثنى الأشخاص.
وما قلناه، لا يختلف فيه بين ما كانت تثنيته ممتنعة عقلا أو لا. بل يكون
ــــــ[388]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التعيين والتكثير وهميا. كما في لفظ الجلالة أو شريك كالباري أو القمر أو الشمس أو الأرض، وهكذا. والمهم هو مطلق الفردية الخارجية المفروضة، واقعية كانت أو وهمية.
………………………
ويمكن ان يقال: ان الأمر في الأدوات يختلف كأسماء الإشارة والموصول، فانها ليست من المثنى حقيقة، بل تدل على معناها بنحو وحدة الدال والمدلول، يعني ليس لها مادة وهيئة, وإنما هو لفظ واحد، يدل على معنى واحد، وهو مجموع الاثنين أو الكثير.
واما إذا غضضنا النظر عما قلناه، فنحتاج إلى التمحلات التي قالها بعض الفقهاء. ومن هنا فما قيل أو يمكن ان يقال في ذلك عدة وجوه:
الوجه الأول: ان التثنية فيما هو محل الإشكال، وهو الموارد غير القابلة للتثنية الواقعية، تختلف عن تثنية أسماء الأجناس: ففي أسماء الأجناس بنحو تعدد الدال والمدلول، وفي تلك الموارد بنحو وحدة الدال والمدلول. بحيث يدل مجموع اللفظ على مجموع المعنى، فلا يلزم منه التثنية الحقيقية. وإنما يراد به التعبير عن مجموع الفردين.
وجوابه:
أولاً: انه خلاف الوجدان من انحلال اللفظ إلى المادة والهيئة.
ثانياً: استبعاد ان يكون المثنى في اللغة على نحوين، بل ذلك ضد الارتكاز العرفي جزما.
ثالثاً: ان ذلك ان كان ينسجم مع الأدوات فانه لا ينسجم مع أسماء
ــــــ[389]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأعلام. فانها واضحة التثنية. نعم، الأدوات يمكن فيها ذلك، ولا يرد عليها الاشكالان السابقان، فتكون بنحو وحدة الدال والمدلول ويختلف حالها عن غيرها عرفا.
الوجه الثاني: ما ذكره المشهور من الحاجة إلى التأويل بالمسمى أو المشار إليه، بمعنى تقدير ذلك في جانب المادة.
وجوابه:
أولاً: ان التأويل خلاف الأصل وخلاف الظاهر، ما لم تكن ضرورة.
فان قلت: فانها موجودة لورود الإشكال الأصلي بدون ذلك. قلنا: كلا. لورود الوجوه الأخرى. لا اقل مما قلناه من اخذ الفردية الواقعية في المادة.
ثانياً: انه أعني التقدير، خلاف الوجدان، وإلا لفهمناه من المثنى والجمع. اللهم إلا ان يراد التأويل العقلي، كما هو المأخوذ في الرياضيات وهو اندراجها تحت جامع كلي واحد. ويكون بمنزلة الداعي للتثنية، ولا يُفهم من اللفظ.
الوجه الثالث: ما ذكره السيد الأستاذ – احتمالا منه -: ان المادة لم تستعمل في معنى، وإنما مفاد الهيئة تكرار لفظ المادة كعين وعين أو زيد وزيد وهذا و هذا. ومعه يرتفع كلا الاشكالين، وهما استعمال المشترك في اكثر من معنى وتثنية ما هو غير قابل للتثنية، لوجود دالين على المفرد.
غير ان هذا سخيف غايته، لأننا إذا تنزلنا عن الاشكالات السابقة، وفرضنا ان الهيئة للفظ المادة فقط، رغم انهم قالوا ان الهيئة لتكرار المادة بما لها من المعنى لا التكرار بدون معنى.
ــــــ[390]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان المفروض في هذا الوجه، هو ان المادة لم تستعمل في معنى، في المرتبة السابقة على الهيئة. إذن، فمن أين نأخذ مدلولها المفرد. وقد وردت الهيئة على شيء لا معنى له. فلا يكون للمثنى أي مدلول لا مادة ولا هيئة. وهو خلاف الضرورة والوجدان.
فان قلت: فاننا نفهم المعنى في طول دلالة الهيئة على تكرار لفظ المادة.
قلنا: جوابه:
أولاً: هذا لا يكون. لان نسبة المادة إلى الهيئة نسبة الموضوع إلى المحمول. فهي متقدمة رتبة، ولا يمكن ان تفرض متأخرة. فتكون الهيئة في طول المعنى دون العكس.
ثانياً: ان الاستعمال العرفي للمادة، هل هو مع الهيئة أو قبلها. فان فهمت في طولها – كما هو مقتضى الوجه – فهو فهم خيالي لم يتم الاستعمال فيه. وهو خطور ذهني لم يستعمله المتكلم. وبدون استعمال المتكلم لا يمكن الدلالة على المعنى. والمفروض انها غير دالة في المرتبة السابقة، اعني في مرتبة الاستعمال نفسه.
الوجه الرابع: ما نسبه السيد الأستاذ إلى الشيخ الأصفهاني في حاشيته على الكفاية، واعتبره تعميقا للوجه السابق.
وذلك متكون من مقدمتين:
المقدمة الأولى: ان اللفظ استعمال في معنى وهو نوعه.
المقدمة الثانية: انه لم يستعمل في نوعه بما هو لفظ بل بما هو دال على معنى.
ــــــ[391]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فينتج ان المادة استعملت في نوع اللفظ الذي له هذا المعنى. وهيئة المثنى تدل على إرادة فردين منه.
إلا انه لا يتم. وذلك:
أولاً: انه يكون استعمالا مجازيا فيما لم يوضع له اللفظ. لأنه لم يوضع ليدل على نوعه مما له معنى أو ليس له معنى.
فان قلت: ان ذلك الفرد المدلول عليه في اللفظ قد استعمل في معناه الحقيقي. وهذا يكفي.
قلنا: كلا: فان الاستعمال إنما هو في المادة، فقط، دون ما هو متقدم عليها رتبة. وقد دلت على لفظ ذي معنى لا على لفظ مستعمل في معنى ليكون حقيقيا أو مجازيا. والمفروض ان استعمال المادة مجازي، لأنه في غير ما وضع له.
ثانياً: ما ذكره السيد الأستاذ، من ان الدلالة على المعنى هل هي قيد لحاظي أو قيد واقعي. فان كانت قيدا لحاظيا لزم انسباقها إلى الذهن حين تقول زيدان، وهو باطل. وان كان قيدا واقعيا، فلا يعقل تقييد المعنى المستعمل فيه بقيد واقعي. وذكر في سببه: ان المعنى المستعمل فيه تصوري والانتقال التصوري إنما يكون بين مفهومين تصوريين.
ويرد عليه:
أولاً: ان هذا السبب غير تام إلا بضم كبرى وهي عدم إمكان تقييد المفهوم بالواقع، أو الأمر المفهومي التصوري بأمر واقعي، لأنهما من عالمين. والتقييد إنما يصدق في عالم واحد.
ــــــ[392]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: اننا نختار وجها ثالثاً: وهو قصد الواقع بلا تقييد، فيراد واقع اللفظ الدال على معناه، لكي لا يلزم تقييد المفهوم بالواقع. وكذلك لو اخترنا الدلالة نقول: اننا نريد بها واقع الدلالة أي دلالة اللفظ على المعنى لا بعنوان الدلالة لكي تكون مفهومة من اللفظ.
الوجه الخامس: ان يقال: بان المثنى دال على مفاده بنحو تعدد الدال والمدلول، يعني الهيئة والمادة. ومدلول المادة هو أحد المعنيين. فانه بالوضع اصبح للفظ قابلية الدلالة على كل منها تعيينا. كما هو الحال في المشترك.
ولكن دلالته الفعلية عند إطلاقه بلا قرينة، إنما هي على أحدهما على نحو الترديد. والمراد به ليس مفهوم أحدهما، بل له نحو من التذبذب بين المعنيين. وهي دلالة وضعية من مجموع الوضعين. فهي دلالة حقيقية. وتكون الهيئة دالة على المتعدد من هذا المدلول.
وهذا شامل لاسم الإشارة بالنسبة إلى تثنيته. فمن حيث انه فرد لم يخرج اسم الإشارة عن وضعه كلفظ معرفة دالة على معين. ومن حيث انه مردد يكون قابلا للتكثير والتثنية بالهيئة. ولا يلزم ان يكون الفرد المردد معقولا واقعا، بل يكفي ان يكون معقولا عرفا.
وجوابه من قبلنا، بعد التنزل عن أصوله الموضوعية كاستحالة الفرد المردد عرفا، كما هو محال عقلا. لأننا قلنا – بمعنى آخر – بإمكانه بما سميناه بالإيهام الاثباتي، وسيأتي.
ولكن يرد عليه:
أولاً: انه لابد فيه من ملاحظة المادة كمفرد مستقل وليس كوجود تحليلي مع الهيئة. والمفرد المستقل لا يرى العرف إمكان التذبذب فيه. لوضعه لمعنى
ــــــ[393]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
محدد غير مردد. فهل ان المادة التحليلية نعاملها بأكثر مما تعامل به المفرد المستقل؟ هذا أيضا غير عرفي ولا عقلي.
ثانياً: ان الهيئة لا تدل على اكثر من التثنية والتكثير. فإذا دلت المادة على المعنى المتذبذب، كان المثنى دالا على معنيين متذبذبين لا معنى واحد متذبذب بين اثنين. فان هذا هو مدلول المادة قبل التثنية على الفرض.
وهذا الوجه ليس إلا كالوجه الذي يقول: ان استعمال المشترك في المادة في معنيين يجعل المثنى دالا عليها. فهم يعطون المثنى عمل المادة. وهذا خطأ. لان فيه إنكارا لعمل الهيئة. فإذا أعملنا الهيئة كان مفادها تكرارا لمفاد المادة أيا كان.
فان قلت: فان هذا التذبذب ليس إلا الإيهام الاثباتي الذي قلناه.
قلنا:
أولاً: ان في ذلك جهلا بمعنى الإيهام الاثباتي. لان من جملة صفاته انه ليس بوضعي، بل يحصل في طول الوضع. في حين ندعي هنا ان التذبذب وضعي. إلا ان يسلم انه في طول الوضع أيضا.
ثانياً: انه لا يكون إلا من أفراد ذات سنخ واحد وطبيعي واحد. والمفروض خلافه في المشترك اللفظي.
ثالثاً: ان الإيهام الاثباتي يكون في معنى معين واحد لا اكثر. فإذا كان اكثر، أمكن الجمع بين الفكرتين أعني الإيهام الاثباتي والتذبذب.
ثم استشكل عليه السيد الأستاذ: بان التذبذب غير معقول في التصور. وإنما يعقل على المستوى التصديقي. فإذا قلنا به لزم إناطة مدلول هيئة التثنية
ــــــ[394]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالمدلول التصديقي. مع العلم انه لابد من انحفاظها في المدلول التصوري البحت للكلمة.
وجوابه: ان التذبذب بالمعنى الذي قصده ان كان اعتباطيا، بدون قرينة انتفى في التصور والتصديق معا. وإنما يمكن في التصديق بعنوان (اما) أو (أو) ونحوهما. وان كان بقرينة كان المتبع هو مفاد القرينة، ولا وجه عندئذ لامتناعه في التصور فضلا عن التصديق. والمفروض ان المادة في المثنى لا يوجد فيها قرينة على التذبذب فيكون ممتنعا.
واما الإيهام الاثباتي، فلا يحتاج إلى قرينة، بل يكون معلوما بطبعه. لأنه لا يكلف اللفظ اكثر من استعماله في معناه. لكن لما لا يكون المعنى محددا تكوينا في ذهن السامع، كالصلاة الوسطى، وفرد الجنس يكون إيهاميا عرفا وعقلا. وهذا ثابت على المستوى المدلول التصوري لا التصديقي. فهذا ليس فيه تذبذب أصلا بل معناه مستقر وثابت.
لا يقال: ان الصلاة في الآية الكريمة وقعت في سياق تصديقي، فصلحت للإيهام والتذبذب معا.
قلنا: ان الإيهام متحقق في مفهومها التصوري لا في مفهوم الجملة التصديقي. ولا يوجد فيها تذبذب لثبوت معناها، وهو مفهوم الصلاة الوسطى. إلا ان نسمي الإيهام الاثباتي تذبذبا. لاشتراكهما في معنى (اما) يعني ان الصلاة اما الظهر واما العصر. وان المراد من العين اما النابعة واما الباصرة. واختلافهما في ان الإيهام يكون في جنس واحد، ولا معنى له في غيره، بخلاف التذبذب، فانه بالعكس.
وعلى أي حال، فاستعمال المشترك في اكثر من معنى ممكن عقلا. إلا انه
ــــــ[395]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
خلاف للظاهر عرفا. لأنه خلاف العادة ويحتاج إلى قرائن أكيدة. ومع وجود القرينة تكون هي المتبعة، وليس المثنى.
هذا بالنسبة إلى المشترك اللفظي. واما ما هو غير قابل للتثنية، كالأعلام وأسماء الإشارة، فهو موافق للظاهر، والعادة عليه، فهو ممكن وواقع بلا إشكال. هذا هو الكلام في المثنى.
واما الجمع فإذا كان محددا فحديثه نفس ما قلناه في المثنى، كثلاثة زيدين. وهذا لا يفرق فيه بين ما إذا كان التحديد معلوما أم لا، كهؤلاء أو نحن أو الذين، مع جهل العدد.
إلا انه يشكل في المشترك اللفظي. لان كل معنى يحتاج إلى قصد استعمال على الفرض. فإذا كان محددا كان ممكنا ثبوتا وان تعذر إثباتا. واما مع جهل العدد فالقصد والاستعمال متعذر فضلا عن مورد عدم التحديد.
واما ما لا يكون قابلا للتثنية فعدم التحديد لا يضر فيه. كالجهل. سواء كان عدم التحديد بمعنى الترديد الاثباتي في العدد، وهو يعود إلى معنى الجهل. أو عدم الواقعية له أو كونه لا نهائيا.
ــــــ[396]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الحديث عن بطون القرآن
( وهم ودفع ) من عنوانين الكفاية: لعلك تتوهم ان الأخبار الدالة على ان للقرآن بطونا سبعة أو سبعين، تدل على وقوع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد، فضلا عن جواز تقريبه ولو باعتبار توهم ان البطون السبعة عبارة عن معانٍ سبعة مرادة من اللفظ. وادلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه.
وقد أجاب الأستاذ المحقق على ذلك بلوازم غريبة نذكرها فيما يلي:
وحاصلها:
أولاً: انه لو كان المراد بالبطون ذلك لما كان موجبا لعظمة القرآن بل أمكن ذلك في سائر المحاورات، لإمكان ذلك في الألفاظ غير القرآنية بل الألفاظ المهملة.
وجوابه: اما بالنسبة إلى الموضوع من الألفاظ فهو دليل الإعجاز لصعوبة ذلك في غير القرآن الكريم، وخاصة في الكلام الكثير. واما بالنسبة إلى غير الموضوع من الألفاظ، فهو غير ممكن، لان استفادة الباطن فرع استفادة الظاهر، واللفظ المهمل ليس له ظاهر، فكيف يكون له باطن؟ بل هذا الوجه من شطحاته قدس سره.
ثانياً: ان هذا يلزم منه ان لا تكون البطون بطونا للقرآن ومعان له. ولم يذكر الوجه في الملازمة. مع العمل انها باطلة. لان هذه المعاني العديدة،
ــــــ[397]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بعضها ما يكون ملتفتا إليه عادة فيكون من الظاهر، وبعضها غير ملتفت إليه، فتكون من الباطن. لان الباطن هو ما خفي على الناس.
ثالثاً: انه يمكن ان يجاب: بان ظاهر الأخبار تدرج البطون في الخفاء. فبعضها متأخر رتبة عن بعض. أو متأخر زمانا بمعنى زمان الالتفات إليه. بمعنى انه لا يمكن ان يلتفت إلى المتأخر قبل المتقدم أو معه. ويكون الالتفات إلى المتقدم بمنزلة المقدمة للالتفات إلى المتأخر. وهذا غير متوفر في قصد معنيين أو اكثر. لأنها تكون في رتبة واحدة، ولا تتعدد الرتبة فيها. لأنها لو كانت كذلك، ستكون الرتبة الثانية فضلا عما بعدها ستكون بدون استعمال لفظ، فيتعذر القصد فضلا عن الفهم.
رابعاً: اننا ينبغي ان نفهم من روايات البطون فهما عرفيا، ولاشك ان هذا التوهم غير مفهوم عرفا منها.
يكفي في ذلك: ان نفهم ان الاستعمال في معنيين مما لم يعتده العرف ولم يعهده، فكيف يفهمه من روايات البطون.
فان قلت: ان روايات البطون خارجة أساسا عن الفهم العرفي، لان مضمونها غير عرفي على كل حال.
قلنا: اننا لو سلمنا ذلك، فلا يتعين ان يكون المراد فيها الاستعمال في معنيين أو اكثر. ولا اقل من إجمالها من هذه الناحية. على اننا لا نسلم ذلك، بل لها ظاهر عرفي. وهذا لا ينافي ان المعنى الذي تذكره غير عرفي.
مضافا إلى ان ظاهر الروايات هو وجود مجموع المعاني لمجموع الألفاظ. وليس لخصوص ألفاظ معينة، كما هو المفروض في استعمال اللفظ في اكثر من معنى. ولذا قالوا: ان القرآن له بطون. ومن الواضح ان القرآن يحتوي على
ــــــ[398]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أسماء وأفعال وهيئات وحروف وجمل. فان قلنا ان الأسماء استعملت في اكثر من معنى دون غيرها. إذن، فبعضه له بطون وبعضه ليس له بطون. وليس القرآن كله.
وان قلنا انها كلها استعملت، فهي ليست من قبيل المشترك، ليصح هذا التوهم.
وبعد ثبوت فساد هذا التوهم تصدى الأصوليون إلى إعطاء الوجوه المحتملة في المراد من هذه الأخبار المذكورة. نذكر أهمها:
الوجه الأول: ما ذكره صاحب الكفاية ووافق عليه الأستاذ المحقق من انها معاني مرادة في أنفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ، كما إذا استعمل فيها. فاللفظ غير مستعمل فيها، ولكنها مرادة.
وهذا من الغرائب: لعدة وجوه في الجواب:
أولاً: لان المفروض في هذا الوجه ان ألفاظ القرآن الكريم لم تستعمل فيها. فهي غير مربوطة بألفاظ القرآن الكريم. فلو كان القرآن هو هذه الألفاظ، إذن، لا تكون تلك المعاني بطونا له.
ثانياً: انه لا دليل على المعية في القصد بعنوانه. فان قلت: فان أخبار البطون تدل عليه. قلنا: هذا مع انحصار تفسيرها بهذا الوجه. واما مع وجود وجوه أخرى في فهمها فلا.
ثالثاً: ان المعاني الموجودة في علم الله سبحانه كثيرة جدا بل لا متناهية. ومن المستبعد – على هذا المستوى من التفكير – قصدها جميعا. وقصد بعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح.
ــــــ[399]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رابعاً: ان قصد المعنى لا يكون إلا بالاستعمال. والاستعمال لا يكون إلا بلفظ. فما معنى قصد الاستعمال بدون لفظ ولا استعمال بل لمجرد المعية؟.
ثم يستشهد الأستاذ المحقق بالأخبار الدالة على ان القرآن الكريم يجري مجرى الشمس والقمر والليل والنهار. وانه حي لا يموت. وانه لو نزل في أمة وماتت لمات القرآن، ولكنه يجري على آخرنا كما جرى على أولنا.
وهذا الاستشهاد من الغرائب. لان معنى هذه الأخبار ظاهر باعتبار ان القرآن الكريم يحتوي على قواعد تكوينية وتشريعية ونفسية وغيرها، تنطبق في كل جيل بغض النظر عن الزمان. وهذا الأمر لا يختلف فيه الظاهر عن الباطن. فان الظاهر أيضا لا يموت ويجري في كل جيل. وليس الباطن وحده، وان كان أيضا كذلك.
إلا ان الاستدلال بهذه النصوص على الوجه الذي اختاره الأستاذ المحقق غير تام أكيدا، لوضوح ان معانيه إذا كانت خفية لم تجر في الأجيال، ولمات القرآن بموت من يفهمه. فضلا عن دلالة هذه النصوص على وجود معاني مقصودة حال الاستعمال بدون استعمال، كما قال.
الوجه الثاني: لفهم أخبار البطون: ما ذكره في الكفاية من انها لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ. وان كانت أفهامنا قاصرة عن إدراكه. ويدعم ذلك أمران:
الأمر الأول: ان سبب بعده عن أفهامنا هو ان سبب الالتفات إلى اللازم هو الالتفات إلى الملازمة. فإذا كانت أفهامنا قاصرة عن فهم الملازمة كانت قاصرة عن فهم اللازم. ومتى ما فهمنا الملازمة فهمنا اللازم.
الأمر الثاني: ان إشكالا يأتي على ظاهر هذا الوجه، وهو عدم التدرج في اللوازم. بل العرضية فيها، مع ان ظاهر الأخبار هو التدرج في البواطن. إذن،
ــــــ[400]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فاللوازم ليست هي البواطن.
ويجاب ذلك بتطوير الوجه وهو ان يقال: بان اللوازم مندرجة. فهناك لازم اللازم وهناك لازمه. وهكذا متدرجا. وفهم كل لازم متوقف على فهم الملازمة. فيكون هذا الوجه تفسيرا محترما لهذه الأخبار. ولكننا قد لا نقول بانحصاره إذ لعل عدة وجوه صادقة دفعة واحدة في تفسير البطون.
هذا وذكر المرحوم المشكيني عدة وجوه أخرى نذكرها بنفس الترقيم:
الوجه الثالث: ان يكو ن المستعمل فيه من قبيل المشكك. له سبع مراتب أو سبعون. فلا يكون من استعمال اللفظ في معنيين.
وهذا له نقاط قوة ونقاط ضعف عن بعض الوجوه الأخرى:
اما نقاط القوة:
فأولا: ان تكون تلك المعاني مربوطة بالألفاظ ومستعملة فيها لا انها أجنبية عنها.
وثانياً: ما ذكره من انه لا يكون استعمالا في معنيين حتى يكون على خلاف الوجدان العرفي والمتشرعي.
ونقاط ضعفه:
أولاً: ان التشكيك لا يقتضي الطولية في الإدراك، بل يساوق مع العرضية، كالتشكيك في مفهوم النور، أو الحمرة ونحو ذلك. في حين ان المراد من الروايات هو تعدد المراتب.
فان قلت: فانه قال: له سبع مراتب مشككة. قلنا: نعم. هي مراتب
ــــــ[401]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
للتشكيك، ولكنها تدرك دفعة واحدة، لأنها مصاديق الطبيعة المدلول عليها باللفظ. كما هو الحال في كل مشكك.
ثانياً: ان جملة من الأمور في القرآن الكريم غير مشككة، كأسماء الأجناس والأسماء الحسنى وغيرها كثير.
ثالثاً: ما ذكرناه في رد الوجه السابق من شمول البطون لمجموع القرآن بما فيه من هيئات وأفعال وحروف وغيرها. مع انها غير مشككة بطبيعة الحال.
رابعاً: التشكيك في مراتب التشكيك، فان جميع الأشياء ليست ذات مرتبة واحدة، وليست لا متناهية. بل هي تختلف في ذلك اختلافا كبيرا، والمفروض ان بطون القرآن محددة المستوى في جميعه.
الوجه الرابع: ان ألفاظ القرآن نزلت سبع مرات أو سبعون مرة. وفي كل مرة أريد معنى غير الآخر.
ونقطة القوة في هذا الوجه: انه لا يكون من استعمال اللفظ في اكثر من معنى، لأنه في كل مرة من نزوله يراد معنى واحد.
واما نقاط ضعفه، فكما يلي:
أولاً: ان هذا بظاهره غير محتمل أصلا. إذ لو كان قد حدث لورد في التاريخ ولو بخبر ضعيف، ولم يرد، مع انه مما تتظافر أسباب النقل فيه، ومما ينبغي ان يهتم به المسلمون.
فان قلت: ان ما هو غير محتمل هو النزول في الظاهر. واما النزول في الباطن فهو محتمل. كما ورد: ان عليا كان يقرأ القرآن كله ورجله في الركاب.
ــــــ[402]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا: هذا لو سلم فان له جوابا ظاهريا، وهو ان اللغة والاستعمال اللغوي مفهوم عقلائيا وعرفيا. واما حاله خلال النزول الباطني فهو مجهول عقلائيا. ولا نعلم هل انه بنحو الألفاظ ذات المدلول أو بنحو الآخر.
ثانياً: ان هذا فرع ان يكون اللفظ قابلا للكثرة من الاستعمالات، كالمشترك ونحوه، ولو بنحو المجاز أحيانا. إلا ان هذه الكثرة، المشار إليها في هذه الروايات غير عرفية، واللغة العرفية غير قابلة لها. لو أريد بها هذا الوجه.
الوجه الخامس: ان يراد من كل لفظ معنى قابل للانطباق على سبع أو سبعين حصة أو مصداق. أو قل: للانطباق على سبعين معنى في نفسه، وقد أريد كل ذلك على سبيل الاستغراق. وهذا الوجه لا يستلزم المحذور، وهو استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
وظاهر مراده ان اللفظ قابل للانطباق على معاني كثيرة، لأنه موضوع للكلي الذي يعمها. فيشمل جميع الأفراد والحصص على سبيل الاستغراق. سواء فهمنا الحصة أو الفرد أو التفتنا إليها، ما لا. فيكون له معنى واحد إلا انه ذو مصاديق متعددة.
وإشكاله: ان هذه المصاديق عرضية المرتبة، وليست طولية، كما فهمنا وفهم المشهور من الأخبار.
ويمكن ان يجاب: ان هذا من الناحية اللغوية صحيح، إلا ان إدراك المصاديق والمعاني يختلف باختلاف مستوى الفرد وفهمه. ومثاله في الحيوانات اننا فد نجد مصداقا للفيل لم نكن قد رأيناه قبلا. كالماموث والخرتيت والفيل الأسترالي والفيل الأمريكي وغيرها. وكذلك الفرد كلما تعمق
ــــــ[403]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فهمه وجد مصداقا جديدا للمعنى لم يكن يعرفه قبلا.
كالنور، في قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وقولهم: العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء. وقولهم: حجب النور أو سحب النور. وكذلك ما ورد: باسم الله النور باسم الله نور النور. مضافا إلى فهم النور الاعتيادي. فكل منها صنف في النور، وكلها مصاديق أو حصص للطبيعي المدلول عليه باللفظ.
فان قلت: فان هذا الاختلاف يجعل المحمول في القضية الحملية وجواب الشرط في الشرطية باطلا وكاذبا.
قلنا: كلا. فان محمول صنف وان لم ينطبق على الصنف الآخر، إلا ان كلا من المحمول والموضوع له أصناف مختلفة. والقضية تصدق في كل المراتب بحسب ما يناسبها.
فان قلت: ان هذا الوجه يرجع بالبطون إلى مصاديق طبيعة واحدة. قلنا: نعم. إلا اننا لا نجعله وجها منحصرا لتفسيرها.
فان قلت: هذا في الأسماء فماذا عن الحروف والهيئات ونحوها.
قلنا: يجاب هذا بأحد جوابين:
أولاً: ان ما فهمه المشهور منه هو الأسماء والمواد خاصة. فنقبل اختصاصها به. وبه يكفي صدق تلك الأخبار.
ثانياً: اننا نستعمل غير الأسماء والمواد، بمقدار قابليتها. فمن (حرف الجر) ذات معاني والباء ذات عدة معاني. وهكذا, وكلها محتملة أحيانا ظاهرا أو باطنا.
ــــــ[404]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما الهيئات فتتغير باختلاف طرفها تغيرا عقليا أو نفسيا، وليس ماهويا ليلزم الإشكال. وكل المصاديق جزئي حقيقي من المعنى على كل حال. غير انها بالنتيجة يكون لها انطباعات وانطباقات بعدد معاني الطرفين.
وهذا أيضا وجه محترم لفهم بواطن القرآن الكريم.
الوجه السادس: وهو أيضا مما قاله المشكيني: ان يراد بالبطن أحد المعاني مفهوما لا مصداقا. وهذا أيضا لا يلزم منه استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
وإشكاله: انه ان رجع إلى المعنى السابق فهو، وإلا كان فيه ضيقا في القصد، لان قصد أحد المعاني ينافي الكثرة الواسعة في المعاني، كما هو ظاهر تلك الأخبار.
فان قلت: فان مراده ان المعنى الواحد هو البطن الواحد. فتتعدد المعاني بتعدد البطون. قلنا: إذن، يكون من استعمال اللفظ في اكثر من معنى، لو تنزلنا عن الوجوه الأخرى.
الوجه السابع: مما يمكن ان يقال: ان الإنسان قد يصل في عالم الروح إلى أمور ليس لها أسماء في اللغة. وليس بالضرورة ان تكون عالية جدا، بل يكفي ان تكون مخفية وغير موضوع لها في اللغة عادة، لأنه أمر غير معهود. كبعض جهات عالم الجن والملائكة.
فان قلت: كيف يعتبر هذا من بواطن القرآن، مع انه لا تدل عليه اللغة والقرآن لغة. إذن، لا يدل عليه.
قلنا: نعم لا يدل عليه. ولكن اعتباره من بواطن القرآن، باعتبار كونه
ــــــ[405]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المقدمة الرئيسية أو المنحصرة للوصول إليه. أو باعتبار مدلولاته العقلية، لان من فهمها استحق فهم ذلك أيضا. أو باعتبار مستوياته الروحية، لان من قرأ بعض آياته استحق ذلك. وهكذا.
الوجه الثامن: المصداقية المتسلسلة أو المتدرجة. وهي التي تقال بالتشكيك المكاني والتدرج الزماني.
وأوضح انحائها ما يخرج عند الاستخارة بالقرآن الكريم، في التطبيق على المقصود آنئذ. كقوله تعالى: بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا. أو مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ أو نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى أو مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، أو مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ. وغير ذلك كثير. حيث ينطبق على مورد الاستخارة قهرا. إلا انه تطبيق مجازي أحيانا، لا يخلو من التوسع في الفهم. غير ان المجاز ليس غلطا، بل هو صحيح في اللغة، ويصلح ان يكون من جهة المعاني المقبولة.
ثم ان هنا اشكالات تترتب على أخبار البطون لم يتعرضوا لها، يحسن ان نعرض المهم منها، مع محاولة الإجابة عليه:
الإشكال الأول: اننا نفهم من تلك الأخبار ان كل تلك المعاني المشار إليها معان مقصودة أو مفهومة وصحيحة. وهذا معناه ان كل معنى فهمناه من القرآن الكريم، فهو ممضى وصحيح. مع انه قد يخطر في البال من بعض ظواهره أو بعض بواطنه معان مستنكرة وغير مطابقة للقواعد.
وجوابه: ان ظاهر تلك الأخبار ان كل تلك المعاني مقصودة. فما توصل إليه الفرد اطمئنانا انه مقصود للقرآن الكريم، ولو في بعض بطونه فهو حجة. إلا ما خرج بدليل.
ــــــ[406]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والدليل على قسمين: فانه اما خارج القرآن الكريم، كالسنة والإجماع والعقل. واما من داخل القرآن الكريم ولو باعتبار البطون. فان القرآن يكون بعضه قرينة على بعض ومفسرا له. وهذا أيضا يتم في الظاهر والباطن. فلا يبقى إلا ما هو حق.
الإشكال الثاني: ان البطون ليست بحجة، لان ظاهره حجة، واما الباطن فلا.
والجواب من وجوه:
أولاً: ان الإنسان حين يكون مؤهلا لفهم أي مستوى من مستويات الباطن، فانه يفهمه من ألفاظ القرآن فهما عرفيا اعتياديا، فيكون حجة.
ثانياً: اننا يمكن ان نجعل نفس أخبار البطون دليلا على حجية فهم الباطن. باعتبار انه ليس المراد من تلك الأخبار مجرد الإخبار عن وجود تلك البطون. بل الحث على التوصل إليها حسب الإمكان، والاستفادة منها أو تطبيقها، وهذا لا يكون إلا فيما هو حجة ومعتبر.
ثالثاً: ان دليل حجيتها قوله: إنما يفهمه من خوطب به، يعني من تكون له أهلية الوصول إلى بعض البواطن. فيثبت انه مخاطب به، فيكون حجة له. وإلا كان خلف كونه خطابا له.
رابعاً: ان دليل حجيتها قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ. وحيث اننا لا نفهم ذلك الاستيعاب من الظاهر، إذن، يتعين ان تكون في الباطن. فمن يفهمه يعلم بوجوده في القرآن، يعني يكون القرآن بيانا له باطنا. فيكون حجة. كل ما في الامر انه ينبغي ان يصل إلى درجة اليقين أو الاطمئنان.
ــــــ[407]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أو قل: ان قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ، لا يراد به الإخبار عن ذلك فقط، بل جعل حجيته أيضا على تقدير حصوله وفهمه.
الإشكال الثالث: ان المعاني غير محدودة وألفاظ القرآن الكريم محدودة، والمحدود لا يحتمل اللامحدود.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدة أشكال:
أولاً: ان بطون القرآن مهما كانت واسعة، فهي محدودة بحدود الحاجة الواقعية، وليست لا متناهية. يكفي ان نلتفت إلى التعبير عنها بسبعة أو بسبعين. وهما رقمان محدودان.
ثانياً: ان الدال لا يكون أوسع من المدلول. فإذا علمنا ان الأشياء كلها، أو قل عالم الخلق كله متناهي، كانت الدوال عليه متناهية. ونريد بالدوال هنا البطون.
ثالثاً: ان دلالة اللفظ على الأمر اللامتناهي، ليس ممكنا فقط بل هو موجود عرفا فضلا عن العقل. كدلالة اسم الجنس على حصص لا متناهية أو أفراد لا متناهية أو كليهما. وخاصة إذا التفتنا إلى دلالة مثل لفظ: رقم أو عدد على الأعداد اللامتناهية.
رابعاً: ان كثرة الأمور الجزئية الخارجية، وعدم تناهيها – لو سلم – لا تلازم لا تناهي الكليات. وما يكون من معاني الألفاظ والبطون هو الكليات دون الجزئيات.
ولكن هذا يمكن جوابه بالطعن بعدم تناهي الكليات، فانها أيضا لا متناهية في عالم الواقع. ومثاله الأعداد. فانك كلما أضفت رقما إلى رقم محدود
ــــــ[408]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ازداد، إلى إضافات لا متناهية.
خامساً: ان تكون الدلالة روحية غير لغوية. كما لا يبعد ان تكون بالنسبة إلى بعض البطون المعمقة. وقوله: أنا النقطة وقوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء وقوله: علمني ألف باب ينفتح لي من كل باب ألف باب. فان كل ذلك مما تعجز عن بيانه الألفاظ قطعا. وإنما يراد به التناقل الذهني أو الروحي أو العقلي.
فان قلت: فانه ينافي أخبار البطون الدالة على الدلالة اللغوية. قلنا: نعم، هي دالة على الدلالة، ولكن لا تتعين ان تكون لغوية، بل كل بطن بحسب ما يناسبه.
الإشكال الرابع: ان المتكلم محدود، فلا يمكن ان ينطق بمعاني غير محدودة.
وجوابه:
أولاً: ما عرفناه من ان بعض الألفاظ له مصاديق وحصص غير محدودة. ونحن ننطق به بالرغم من محدوديتنا.
ثانياً: ان ما هو مستحيل هو نطق المحدود بألفاظ غير محدودة. لا بمعاني غير محدودة، كما هو واضح.
ثالثاً: بعد التنزل عن الجوابين السابقين، فان الإشكال إنما يتسجل على تقدير كون الناطق محدودا، كجبرئيل أو النبي . وإنما الناطق هو الله سبحانه. وهو غير محدود.
الإشكال الخامس: ان ذات الله سبحانه لا تحلها الحوادث والطوارئ
ــــــ[409]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمتغيرات، وإنما ذلك شأن الإنسان المخلوق. فكيف يمكن اعتباره تعالى ناطقا بالقرآن أو متكلما به.
وجوابه من اكثر من وجه:
أولاً: انه سبحانه متكلم بنص القرآن الكريم. فهذا ثابت تعبدا، بأية طريقة فهمناها في علم الكلام. وهو وان كان خاصا في القرآن الكريم بموسى. لكنه يدل على إمكانه له جل جلاله. وإذا أمكن في مورد أمكن في كل مورد.
ثانياً: ان الكلام لا يطرأ على ذاته المقدسة ليكون الأمر مستحيلا، وإنما يخلق الكلام جامعا للشرائط، في أي مكان أو زمان أو رتبة في خلقه. كخلقه الكلام في الشجرة لموسى.
ثالثاً: انه سبحانه وتعالى يوجد الكلام في نفوس أوليائه وأصفيائه، وهم لهم نحو من الوجود العالي الذي يتحمل ذلك كله.
رابعاً: يمكن القول: ان هذا وان سمي كلاما لغة، ووصل إلينا بعد تنزله بصورة الكلام، إلا ان واقعه ليس بكلام، بل هو من سنخ العلم. ومعلومه ليس هو الصورة الذهنية، بل هو نفس عالم الخارج والواقع بوجود الحقيقي. كما نص على ذلك المحققون من الفلاسفة. فذلك هو مدلول علم الله سبحانه. وهو أيضا مدلول القرآن الكريم في وجوده الواقعي العالي.
الإشكال السادس: ان الإنسان محدود والكتاب الكريم غير محدود، فلا يمكن ان يحيط به ويستوعب ما فيه.
ويمكن الجواب على ذلك بالاعتراف بان الإنسان المحدود بل كل مخلوق محدود، لا يحيط بالعلم غير المحدود. قال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
ــــــ[410]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقال: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء .
إلا ان هذا يواجه إشكالا. وحاصله: انه قد ورد ان المعصومين يفهمون القرآن باطنه وظاهره، لأنه نزل فيهم واليهم وهم المخاطبون به (وعندهم علم الكتاب وما جاءت به السور) وخاصة منهم أمير المؤمنين . فكيف كان ذلك؟
ويجاب بأحد شكلين:
الشكل الأول: انهم قابلياتهم غير محدودة، فيفهمون غير المحدود. حتى خص علي مع النبي بمعرفة الله سبحانه كما ورد: يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت. مع ان الله سبحانه غير محدود. ومن عرف الله تعالى عرف ما دونه بطريق أولى.
الشكل الثاني: ان نسلم بكونهم محدودين في الجملة، غير ان قابلياتهم عظيمة، بل أعظم من كل الخلق. فنفهم من تلك الأخبار انهم يفهمون اكثر من أي خلق آخر. وهذا يكفي.
إلا ان هذا يواجه إشكالا: وهو انه قد ثبت انهم خير الخلق أجمعين. والقرآن من الخلق، إذن فهم خير من القرآن. وحين نقول: القرآن هنا، فإننا نعنيه بكل وجوده الظاهري والباطني، إذن فهم أعلى من كل ذلك، والعالي يحيط بالداني، دون العكس. إذن فإحاطتهم بالقرآن ممكنة.
وإذا تم هذا، فإنما يدل على عدم كونهم محدودين، إذا ثبت ان معاني القرآن الكريم لا متناهية، من حيث الكليات والأمور النظرية العامة، كما هو اقرب إلى الذوق السديد.
ــــــ[411]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الإشكال السابع: ان ما هو مخزون في القرآن الكريم ظاهرا وباطنا، ليس هو كل ما في علم الله سبحانه. بل ان علم الله أوسع. وبتعبير آخر: ليس باطن القرآن هو علم الله، بل ما دونه.
وما ثبت انه لا متناهي وغير محدود هو علم الله عزوجل، لأنه عين ذاته، وهو لا متناه، إذن علمه لا متناه. اما ما دونه فهو متناه ومحدود. إذن، فعلم القرآن محدود.
جوابه: انه ناشئ من تخيل ان اللامتناهي ليس فوقه شيء من حيث كونه لا متناهيا. إذ ليس فوق اللانهاية زيادة.
مع ان هذا قابل للمناقشة. ويكفي ان نسمع كلمة الفيلسوف الإلهي الشيخ ملا هادي السبزواري عن الله عزوجل: انه فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى. إذن، فاللاتناهي ليس هو الحد الأعلى، بل فوقه درجات أيضا.
ويكفي ان نلتفت إلى اننا سبق ان قلنا ان اللامتناهي المرموز إليه بهذه العلامة (∞) قابل للعمليات الرياضية الأربعة على ان يكون طرفاها من نفس النوع.
فهذا الذي عبر عنه الشيخ السبزواري هو ∞ + ∞. ويمكن ∞ × ∞ و ∞ ÷ ∞. كما يمكن ∞ أس لا متناهي أي مضروب في نفسه لا متناهي مرة.
وعلى أي حال. فيمكن ان نفهم الآن ان علم القرآن وان كان لا متناهيا، إلا انه اللامتناهي الأدنى وعلم الله هو اللامتناهي الأعلى. فيثبت ان القرآن دون علم الله سبحانه إلا انه غير محدود. واندفع بذلك ان ما هو اقل من اللامتناهي يجب ان يكون متناهيا.
ــــــ[412]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الإشكال الثامن: ان عدد سبعة بطون أو سبعون بطنا، يدل على المحدودية، فلماذا ندعي عدم المحدودية. ولا اقل انه لا دليل على وجود الزائد !
وجوابه من عدة وجوه:
أولاً: ان هذا الرقم لمجرد بيان الكثرة، ولا يراد به الحصر. كما قال المفسرون في قوله تعالى: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
ثانياً: ان هذا قد قيل بقانون: كلم الناس على قدر عقولهم. لأنهم سوف لن يتحملوا أو يفهموا كون معاني القرآن وبواطنه لا متناهية.
ثالثاً: ان الدليل على عدم الحصر في القرآن موجود فعلا، وهو قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ. والمراد من الكتاب: القرآن، كما هو الظاهر، كما ان الأشياء المستفادة من قوله: من شيء، هي أشياء لامتناهية كما أسلفنا.
الإشكال التاسع: انه لماذا يعبر بالبطن في النصوص، ولا يعبر بالباطن، مع انه الأنسب.
وجوابه: ان كلا التعبيرين واردين في كل كلام حسب سياقه، كقولنا: ظاهره أنيق وباطنه عميق. وقولنا ما من آية إلا ولها ظهر وبطن.
والمراد من البطن أو الباطن ما خفي من الأمور كقوله تعالى: مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. ومنه بطانة الثوب وباطن الأرض. وكذلك البطن من جسم الإنسان بصفتها تحتوي على الطعام وعلى الجهاز الهضمي. ومنه قولهم: بطن الأرض خير له من ظهرها.
ــــــ[413]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومنه (الباطن) الذي هو من الأسماء الحسنى، أي المخفي المحجوب عن الأنظار والعقول. ومنه صفة الإمام الباقر ، لأنه بقر بطن العلم أي فتقه واطلع على باطنه. ومن هنا ورد فيه: يا باقر العلم. وانه بقر العلم بقرا.
ومن هنا نعرف ان هذا اللقب له باعتبار إطلاعه على الباطن لا على الظاهر. فان الظاهر لا يحتاج إلى بقر وفتق وان احتاج إلى مقدمات.
وظاهر اللفظ انه هو الباقر، وهذا يصح بالنظر إلى الأسباب، لأنه فعل ذلك وصعد إلى هذا المستوى الرفيع بقابلياته وحسن إرادته. إلا ان الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه. فالله قد بقر العلم له. وهذا من فيض الرحمة, لأنها تنال كل مخلوق بمقدار ما يستحق. واستحقاق المعصومين أعلى من كل استحقاق.
ــــــ[414]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفهرس
حقيقة المعنى المجازي 11
منشأ الدلالة المجازية 16
علاقة الاستعمال المجازي بالدلالة التصديقية 21
النسبة بين الأمور الثلاثة للمجاز: القرينة، والعلاقة، والاستحسان 22
دلالة الألفاظ على الألفاظ 31
تبعية الدلالة للإرادة 36
وضع المركبات 44
استعمال اللفظ في معنيين : 59
بعض نتائج ما سبق : 79
الوضع الشخصي والنوعي : 82
علامات الحقيقة : 90
إشكال الدور : 93
علاميّة صحة الحمل وعدمه وصحة السلب وعدمه: 107
علاميّة الاطراد : 112
إذا دار الأمر بين النقل وعدمه : 119
إذا دار الأمر بين الاشتراك وعدمه: 119
إذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز : 120
مبحث الحقيقة الشرعية 126
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثمرة الحقيقة الشرعية: 145
مبحث الصحيح والأعم 150
تصوير الجامع على المسلكين : 177
الإشكال الرئيسي على الجامع الصحيحي : 184
الكلام في الجامع الصحيحي البسيط 202
كلام حول العقل العملي: 220
الكلام في الجامع الأعمي 225
في ثمرة النزاع بناء على المسلكين الصحيحي والأعمي 265
ثمرات أخرى محتملة في الباب : 294
تحقيق الحال في الصحيح والأعم يعني الاستدلال على صحة أحــــــد المسلكين 295
الاستدلال على مسلك الاعمي: 296
الاستدلال على المسلك الصحيحي : 316
الكلام في الصحيح والأعم في المعاملات 324
هل المراد الأسباب أو المسببات؟ 329
الكلام في ثمرة النزاع في المعاملات: 333
في الجامع الصحيحي والأعمي في المعاملات: 334
واما الثمرة بناء على المسلك الصحيحي: 336
ما هو السبب وما هو المسبب في المعاملات؟ 341
مبحث الاشتراك 360
في استعمال المشترك في اكثر من معنى 370
الحديث عن بطون القرآن 397
الفهرس 415