أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
منهج الأصول/ ج2

منهج الأصول
الجزء الثاني
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
ــــــ[3]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بسم الله الرحمن الرحيم
ــــــ[4]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــ[5]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ــــــ[6]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فصل: في تحديد محل البحث

قالوا: إنّه لا إشكال في صحة إطلاق المُشتق على المتلبس على حقيقة، يعني إطلاقاً حقيقياً؛ لأنّه موضوع له في الجملة. كما أنّه لا إشكال في صحة إطلاقه على المنقضي عنه المبدأ، ومن لم يتلبس به بعدُ. غير أنّهم تسالموا على كون الإطلاق أو الحَمْل في صورة الإنصاف مستقبلاً مجازاً. غير أنّ المجاز صحيح في اللغة وليس غلطاً.
إلا أنّهم لم يذكروا له وجهاً، غير أنّه من الواضح أنّهم تسالموا على عدم كونه موضوعاً له ولذا كان مجازاً؛ لأنّ الموضوع له مردّد بين أن يكون خصوص المتلبّس فعلاً، أو الأعم منه ومن المنقضي عنه المبدأ، ولا يحتمل أن يكون أعم من الأزمنة الثلاثة، فيتعيّن الاتصاف الاستقبالي للمجازية.
إلا أنّهم لم يذكروا لذلك سبباً، لأنهم كرَّسوا بحث المشتقّ في صورة ما إذا انقضى عنه المبدأ.
فمن هنا يمكن أن يقال: إنّ من لاحظ اختصاص الوضع بخصوص المتلبّس، من حقه أن يقول بالمجازية، باعتبار عدم تحقق الوضع لكل غير متلبّس في كِلا الزمانين الماضي والمستقبل.
ــــــ[7]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وأما من قال بالوضع للأعم من الماضي، فقد قال في الجملة بالوضع لغير المتلبس، ولو في إحدى حصّتيه، فلا تكون الحصّة الأخرى بعيدة.
ومن هنا لا بدَّ من استئناف دليل ولو باختصار على المجاز، لا أنّ نأخذها مسلَّمة بدون دليل.
غير أنّ أوضح الأدلة هو صحة السلب أو قل: عدم التبادر أو عدم الاقتران الارتكازي.
إلا أنّه يمكن أن يقال: إنّ هذا شامل لكل غير متصف، أو إنّ الجهة التعليلية له، هي عدم الاتصاف، فيعم الماضي، ويختص الاستعمال الحقيقي بالحاضر، مع أنّنا خصّصنا الكلام بمن يقول بالأعم.
اللهم إلا أن ندَّعي وجداناً آخر ثانوياً، وهو الاقتران بين اللفظ والمجاز، مضافاً إلى الاقتران بين اللفظ والحقيقة، وهذا الاقتران الجديد بنفسه ينفي الوضع، وإلا لم يكن مجازاً، ويكون عدم الوضع لازمه المساوي، وهو أمارة يثبت به لازمه.
وهذا الإقتران موجود بالنسبة إلى المستقبل، بأن نقول: (زيد عالم)، باعتبار أنّه سيكون (عالماً)، وغير موجود بالنسبة إلى الماضي، بل الأمر فيه مشكوك، ومن هنا وقع محلّا للخلاف؛ فمن حكَّم وجدانه بالإقتران مع التلبس في الماضي قال بالوضع للأعمّ، ومن لم يحكِّم وجدانه بذلك قال بالوضع لخصوص المتلبّس.
إلا أنّ الصحيح إنّ الاقتران بين اللفظ والمجاز لا معنى له، بل الاقتران يُلحَظ دائما بين اللفظ والمعنى، فإن وجِد ذلك فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز، ولا يُلحَظ الاقتران بين اللفظ وبين حالته، وهو العنوان الانتزاعي الناشئ من الوضع وعدمه،
ــــــ[8]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الذي هو إمّا الحقيقة وإمّا المجاز.
فإنّ هذا لا يكون على مختلف مسالك تفسير الوضع، أمّا المسلك المشهوري فواضح؛ لأنّ الجعل الاعتباري خاص باللفظ، ولا يعمّ هذه الصفات، وكذلك (التعهد) الذي قال به(1) المحقق الخوئي، إذ لم يقل به أحد كذلك، وكذلك الإقتران الذي قلنا به، فإنّ صفة الحقيقة والمجاز إنّما تكون للفظ في طول الإقتران وعدمه بين اللفظ والمعنى، لا في عرضه ولا قبله.
ونحن وإن كنا نشعر بوجود هذا الإقتران، إلا أنّه يكون باللحاظ الثاني، وفي المرتبة المتأخرة، وكذلك هو حاصل لمن يعرف معنى الحقيقة والمجاز، لا لمن يجهلهما.
ولكن لا يبعد القول بالمجازية في الوصف الاستقبالي، لعدم الإقتران بين اللفظ والمعنى، وصحة سلبه عنه.
فإن قلتَ: إنّما يصحّ السلب في الحاضر، لا بلحاظ المستقبل.
قلنا: هذا بحث يأتي في ما بعد.. بأنّ لحاظ الزمان هل هو دخيل في معنى المتلبس أو دخيل في غيره؟
إلا أنّه لا يُبعَد أيضاً وجدان صحة السلب بعنوان عدم الاتصاف الحالي من الماضي والاستقبالي، ومعه يتعيّن القول للمتصف بالحال فقط.
فمن التزم بعلّية عدم الاتصاف للمجازية لزمه القول بالمجازية عندها مطلقاً، وأما من يبني على الأعمّ، فهو يرى أنّ الوضع للحصة المنقضية تعبّد لغوي، بمعنى
ــــــ[9]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 48.
منهج الأصول ج2
أنّ قوله موقوف على هذا التعبّد، مع أنّ العرف واللغة لا تعبّد فيها، وإنّما اللغة توقيفية.
ونفس ما قلناه من علامات الحقيقة والمجاز بالنسبة إلى مجازية المستقبل، ينبغي استعماله في البرهنة على الحقيقة في الحاضر، إذ لا ملازمة بين الأزمنة الثلاث من هذه الناحية، أو قل: لا ملازمة بين الماضي والحاضر، فتحتاج الحصّة الحاضرة إلى تبادر مستقلّ، وصحّة حَمْل مستقلّ، وهي متوفرة فعلاً.
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول ج2

معنى المشتق

ويدخل الأصوليون في هذه المرتبة من المبحث في أقسام الألفاظ؛ لنرى ما هو المصطلح عليه بالمشتق، وما النسبة بينه وبين المشتق النحوي.
ولعل أفضل تقسيم لذلك صدر من المحقق السيد الأستاذ (1)، ويرجع إلى تقسيم الألفاظ إلى أربعة أقسام:
ومحصّله: وجود تقسيمين، لكل منهما قسمان:
التقسيم الأول: تقسيم اللفظ إلى مشتق وجامد.
التقسيم الثاني: تقسيمه إلى ما يمكن أن يُحمَل على الذات وغيره.
فتكون الأقسام أربعة:
القسم الأول: المشتق المحمول على الذات، كأسماء الفاعل والمفعول والمكان والزمان.
القسم الثاني: المشتق غير المحمول على الذات، كالمصادر وأسماء المصادر.
القسم الثالث: الجامد غير المحمول على الذات، كالإنسان والحيوان والشجر والحجر.
ــــــ[11]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 227.
منهج الأصول ج2
القسم الرابع: الجامد غير المحمول على الذات، كالزوج، فإنّ حَمْله على الفرد مجاز. أو بنحو الاشتراك اللفظي.
ويمكن أن نجعل التقسيم الثاني باعتبار النسبة إلى الذات، فتكون الأقسام أربعة أيضاً:
القسم الأول: المشتق المنتَزَع من مقام الذات، كالناطق.
القسم الثاني: المشتق غير المنتَزَع من مقام الذات، كالماشي.
القسم الثالث: الجامد المنتَزَع من مقام الذات، كالإنسان والحيوان.
القسم الرابع: الجامد غير المنتَزَع من مقام الذات، كالزوج والرقّ والحرّ.
وإذا كان هذا تقسيماً ثالثاً أصبحت الأقسام ثمانية، بضرب الأربعة السابقة في اثنين، ونوكل تفاصيلها إلى فطنة القارئ.
ومن هنا نعرف وجه الإشكال على تقسيم السيد الأستاذ؛ لأنّه لم يذكر في المشتقات ما كان منتَزَعاً من مقام الذات كالناطق، بل مجرد أنّه محمول عليها. كما لم يذكر في الجوامد ما لا يكون محمولاً على الذات، كالزوج والشفع ونحوهما.
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الأصول ج2

تحديد المشتق

وقد ذكر المشهور للمشتق ركنين، يكونان بمنزلة القاعدة في قبول أو رفض أحد الأقسام السابقة.
الركن الأول: كونه محمولاً أو جارياً على الذات المتلبسة بالمبدأ، ومتحداً معها خارجاً نحواً من أنحاء الاتحاد.
الركن الثاني: كون الذات قابلة للبقاء بعد -أو عند- زوال الوصف.
وبالركن الأول تخرج المصادر، وكل ما لا يُحمَّل على الذات وإن كانت جوامد.
وبالركن الثاني: تخرج الأمور الذاتية، لأنّ عدمها يستلزم عدم الذات، وإن كانت مشتقة كالناطق.
وقد نتج من ذلك: أنّ بين المشتق النحوي والمشتق الأصولي عموماً وخصوصاً من وجه، يشتركان في المشتقات النحوية الجارية على الذات، والتي تبقى الذات بعد زوالها، كالعالم والقائم. ويختص النحوي بالمشتقات التي لا تجري على الذات كالمصادر، ويلحق بها المشتقات التي لا تحفظ معها الذات.
ويختص الأصولي بالصفات الجامدة المحمولة على الذات من خارجها،
ــــــ[13]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كالزوج والحرّ والرّقّ والوقف.
ولا نريد الآن أن نحقق: أنّ الزوج والحرّ والرقّ مشتقات أم لا، وإنّما الإشكال أنّ المشتقات النحوية يُشترَط فيها في علم الأصول شرطان:
1- أن تُحمَل على الذات.
2- أن لا تكون ذاتية.
أما الأول فواضح: لأنّ عدم الحمل يقتضي عدم صدقه دائماً حتى في المتلبس، إلا بنحو مجازٍ كـ(زيدٍ عدل). ونحن نريد الحمل الحقيقي.
وأما في الثاني: فقد أنكر مشهور الأصوليين اندراجه في البحث لعدم الذات بزواله، سواء كان مشتقاً أم لا.
غير أنّ السيد الأستاذ(1) حاول التفصيل من هذه الناحية، بين نحوين من عدم انحفاظ الذات بزوال الصفة، باعتبار أنّ الذات هل هي متصوّرة عرفاً بعد زوال الصفة أم لا؟
وبتعبير آخر: أنّ الاستحالة إمّا فلسفية أو منطقية، وعند الاستحالة الفلسفية تبقى الذات متصوّرة، غاية الأمر أنّه قام البرهان على عدمها، بدون لزوم تناقض في البين، كصفة الوجوب والإمكان.
وعند الاستحالة المنطقية لا يمكن حفظ الذات، للزوم التناقض، كسلب الإنسانية عن الإنسان، ففي مورد الاستحالة الفلسفية يدخل في محل النزاع، دون مورد الاستحالة المنطقية.
ــــــ[14]ـــــــ
( ) الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر.
منهج الأصول ج2
فإن قلتَ: فإنّه في كِلا الموردين لا تـنحفظ الذات.
قلنا: النزاع ليس في إمكان حفظ الذات، وإنّما في صحّة استعمال اللفظ فيها، فإذا أمكن تصور الذات عرفاً بعد زوال الصفة أمكن الحمل عليها.
جواب ما قاله السيد الأستاذ على مستويين، مستوى شكلي ومستوى معمَّق.
أما المستوى الشكلي فبأن نقول: إنّ الخلاف إنّما هو في الوضع الحقيقي للذات التي زال عنها المبدأ، والمفروض في الاستحالة الفلسفية عدم الذات، وتصورها العرفي لا يعني استمرارها ليصدق عليها الحمل.
وأما المستوى المعمَّق: فلأن هنا فرقاً بين صورة حفظ الذات واستحالته من جهتين:
الأولى: صدق الحمل فعلاً، باعتبار الجري عليها سابقا، وهو غير متوفر في الفرض.
الثانية: أنّه مع عدم انحفاظ الذات يكون عدم الصدق عليها أوضح، بمعنى أنّ الخلاف وإن وقع في صورة انحفاظ الذات، لكن لا ينبغي أن يقع في صورة عدمه، لوضوح عدم الصدق وكونه مجازاً.
فإن قلتَ: إنّ الذات عندئذ متصوَّرة.
قلنا: نعم، إلا أنّها تكون قضية تهافتية (عكس القضية بشرط المحول)، يعني بشرط عدم المحمول، بأن يقال: هذا الذي زال عنه الوجوب واجب؛ لأنّنا إنما نتحدث عن هذه الصفة التي زالت لا عن غيرها، ولا معنى عندئذٍ للحمل الحقيقي.
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن قلتَ: فإنّ الاستعمال فيه صحيح.
قلنا: نعم، إلا أنّ الكلام في الوضع لا في صحة الاستعمال، الذي هو أعمّ من الحقيقة والمجاز.
فإن قلتَ: فإنّ هذا إشكال يأتي في الاستعمالات العرفية أيضاً، بأنّ من زال عنه القيام قائم، فإنّه تهافت أيضاً.
قلنا: إن رجع هذا القول إلى نفس الوضع للأعمّ فهو صحيح، وإلا فحفظ أصل الذات كافٍ عرفاً للحمل، لا بشرط زوال القيام بل في ظرف زواله، فيرتفع التهافت.
أمّا في مورد الاستحالة فكِلا الأمرين يكون واحداً في النتيجة؛ لأنّ ظرف زواله هو ظرف انعدام الذات. فلا يمكن أن يشار إليه أو يُحمل عليه عرفاً إلا بنحو من التجوّز، والكلام هنا عن الحمل الحقيقي، فالحقّ مع المشهور في ذلك.
والأصوليون وإن ذكروا الشرطين إلا أنّهم لم يذكروا سبباً له، فينبغي بيان ذلك ولو مختصراً:
أما الركن الأول: وهو إمكان الجري أو الحمل.
فسببه عدم إمكان التأكد من الوضع بدونه، لتوقف كِلتا العلامتين عليه، أمّا الحمل فواضح، وأمّا التبادر فيحتاج إلى الحمل أيضاً، بل هو نحو من الحمل الذهني والهوهوية.
إلا أن الصحيح إمكان التأكد من الوضع بالرجوع إلى الإقتران الذهني الباطني، ومن هنا يعمّ سائر الألفاظ والهيئات والأدوات، ولا يختص بالأسماء،
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وإلا لاختصت حجية التبادر بها، وهو غير محتمل.
غير أنّ المشتق بكِلا الاصطلاحين خاصّ بالأسماء، وفيها يكون الجانب الظاهري لعلامات الحقيقة هو الحمل.
فإن قلتَ: الوضع يثبت بالمعنى التصوري، والحمل معنى تصديقي، فيكون مبايناً له.
قلنا: نعم، ولكن بصحة الحمل، يبدو طرفه التصوري.
فإن قلتَ: فإنّ الحمل لا دخل له، وإنّما لا بدَّ من إثبات الهوهوية.
قلنا: نعم، ولكن لا تثبت صحتها إلا بالحمل، بل هي معنى تصديقي حملي على أية حال.
وأما الركن الثاني: وهو بقاء الذات مع زوال الوصف.
فإنّه أيضاً يرجع بالدقة إلى صحة الحمل وإمكانه؛ لأنّ ما يُتصوَّر أن يكون برهاناً على دخل هذا الركن في فهم المشتق أحد وجهين محتملين:
الوجه الأول: إمكان صدق الحمل صدقاً حقيقياً، إذ بدون الذات يمتنع ذلك، لوضوح استحالة أن يكون طرف الحمل معدوماً.
الوجه الثاني: صدق عنوان ما زال عنه المبدأ، أو قل: صدق العنوان على الذات بعد زواله، الذي هو أحد شقّي المشتق.
إلا أن الصحيح إنّ هذا العنوان يصدق في كِلتا الحصّتين، فإنّه يصدق مع حفظ الذات، ويصدق مع عدمها أيضاً، فلماذا قيّدوا البحث بالحصة الأولى وهي بقاء الذات؟ فيرجع هذا الوجه إلى الوجه الأول، إذ مع عدم الذات يكون الحمل واضح
ــــــ[17]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المجازية، بل ممتنعاً حقيقة.
فإن قلنا: باشتراط زوال الوصف مع بقاء الذات، رجع إلى إمكان الحمل أيضاً، إذ لولاه لأمكن تحرير محلّ النزاع بدون الذات أيضاً.
ثم إنّنا إذا أمعنا النظر في الركن الثاني وجدناه ينحلّ إلى ركنين، قد ركَّب بينهما علماء الأصول، وجعلوهما مفهوماً وحداً.
الأول: بقاء الذات.
والثاني: زوال الوصف.
فما هي النسبة بينهما؟
هنا أربعة احتمالات: إمّا زوال الذات والوصف، ولا كلام فيه. وإمّا زوال الذات وبقاء الوصف، وهو مستحيل. فيبقى احتمالان:
أحدهما: بقاء الذات والوصف معاً، وهو القدر المتيَقَّن للحمل الحقيقي. والآخر: بقاء الذات وزوال الوصف، وهو محلّ الخلاف، وبينهما نسبة العموم المطلق عملياً، ويكون الاتصاف وعدمه، هو المائز بين الحصّتين.
ينتج من كل ذلك: أنّنا ينبغي أن نخرج من المشتقات ما كانت موادها مستحيلة، يعني لا تبقى الذات بزوالها، كالواجب والممكن.
ومعناه أنّنا نفصّل في أسماء الفاعل والمفعول ونحوها، مما هو القدر المتيَقَّن في جريان النزاع فيها، بين ما كان ممكناً وما كان مستحيلاً.
وبتعبير آخر: أنّ مادة هذه الهيئات دخيلة في تحديد دخولها في محلّ النزاع، وليس الهيئة فقط.
ــــــ[18]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وقد أجاب عن ذلك في المحاضرات(1)، وقال: إن البحث في المشتق عن الهيئة فقط، دون المادة، لما سبق من أنّ وضع الهيئة نوعي لا شخصي، وكون بعض مواده ممتنعة لا يُوجب لغوية النزاع في الهيئة، التي تعمّ ما يعقل فيه بقاء الذات مع زوال المبدأ.
وهذا الكلام غريب لعدة وجوه:
الأول: من الواضح أن كون وضع الهيئات نوعياً لا يعني اختصاص النزاع بها بغض النظر عن المواد، بل ظاهر الأصوليين وظاهر عنوان المشتق على خلافه، فإنّه اسم للمادة والهيئة معاً، لا للهيئة فقط.
ثانياً: أنّ الركنين الأساسيين السابقين للمشتق، إنّما هو في المواد، أو في مجموع المادة والهيئة، ولا يصح في الهيئة وحدها، لا الحمل: فإن الهيئة وحدها لا تُحمَل. ولا بقاء الذات مع زوال الوصف، فإنّ المراد بالوصف المادة أو المجموع، لا الهيئة فقط قطعاً.
ثالثاً: أنّ إمكان انطباق الهيئة على ما هو داخل في محلّ النزاع، لا يجعل لها عموماً إلى ما لا يمكن دخوله في محلّ النزاع، بل مقتضى الركن الثاني هو خروجها، وكون البحث عن كلي الهيئة لا ينافي تعذر بعض أفراد ذلك الكلي.
وعلى أية حال، فالمواد لها دخل في بحث المشتق إلى جنب دخل الهيئات، وظاهر عنوان الباب هو ذلك، ولا بدَّ من الالتزام بكلا التقييدين: إمكان الحمل وإمكان بقاء الذات، حتى في المشتقات النحوية. وبدونهما تكون المجازية واضحة.
ــــــ[19]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 240.
منهج الأصول ج2

أسماء الزمان والمكان والآلة

يبقى الكلام في أسماء الزمان والمكان والآلة، وقد تقدَّم الكلام في الكفاية عن الجوامد، إلا أنّه لابدَّ من تأخيرها منهجياً.
نُسب إلى الشيخ النائيني خروج أسماء الآلة، لأنّه لم يؤخذ فيها فعلية التلبس أصلاً، فهي حقيقة قبل التلبس فما ظنّك بما بعده؟!
أجاب السيد الأستاذ : ان هذا راجعٌ إلى مبدئه، فإن فرض أنّ المبدأ هو الفتح (في مثال المفتاح)، فهو داخل في محلّ النزاع، وكذلك إن كان المبدأ شأنية الفتح. فإن الآلة قد تفقد الشأنية، وعندئذٍ يقع الكلام في أنّها تسمى مفتاحاً أم لا.
أقول: هذا بمجرده لا يكفي، لأنّ الشيخ النائيني يقول بصحّة إطلاقه عليه قبله، فما ظنّك بما بعده؟! والسيد الأستاذ لم يتعرض إلى جهة القبلة في جوابه بالمرّة، فلا بدَّ أن يصاغ الجواب كما يلي:
وهو أنّ هناك بهذا الصدد تهافتاً بين تفكير الشيخ النائيني والفهم العرفي، فإنّ النائيني أخذ الفعلية فوجد صحّة الإطلاق فيها، والعرف يأخذ الشأنية، وهي متحقّقة قبل الفعليّة وبعدها على حدٍ سواء، كما هي متحقّقة خلال الفعليّة أيضاً.
ومن هنا لم يُلاحظ العرف جانب الفعليّة، بل لاحظ جانب الشأنيّة المستمرة.
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وفي ذلك: يدخل في محل النزاع؛ لأنّه قبل الشأنيّة مجاز جزماً، وبعد زوال الشأنيّة يقع محلّاً للنزاع.
والشيخ النائيني لاحظ الفعليّة فوجد الإطلاق قبلها حقيقي، وإنّما كان حقيقياً لأنّ اللحاظ العرفي على الشأنية.
ونفس الشيء يُقال: في أسماء المكان، يعني أنّها تتبع صفاتها ومبادئها، فقد يكون المبدأ هو الشأنيّة، كالمسكن والمطعم والمزار، وغيرها، فتصدق قبل الفعليّة، ولكنها لا تصدق قبل الشأنيّة إلا مجازاً، وبعد زوالها تكون محلّاً للخلاف.
كما أنّ بعض المبادئ يؤخذ فيها الفعليّة، كالمأكل والملبس والمقتل، ومعه يأتي كلام الشيخ النائيني من أنّه قبل الفعليّة يكون إطلاقها مجازاً، وبعد الانقضاء يكون محلّاً للنزاع في هذا الباب. والأمر نفسه بالنسبة إلى الأفراد وصفاتهم، فتارةً يؤخذ فيها الشأنيّة وتارة يؤخذ فيها الفعليّة، حسب الذوق العرفي، فالشأنيّة كالكاتب والمفكر، والفعلية كالقاتل والضارب، وإن كان بالدقّة يمكن أخذها جميعاً باللحاظين.
ولكن قد يُقال: إنّها إذا لوحظت الشأنيّة بقيت الذات ببقائها، ولا تبقى بعدها فيخرج عن محلّ النزاع.
فإنّه يُقال:
أولاً: أنّنا يمكن أن نتصور فرداً سقط عن الشأنيّة لمرضٍ ونحوه.
ثانياً: أنّنا ننقل الكلام إلى الكليّ.
ــــــ[21]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أسم الزمان:
قد وقعت أسماء الزمان أو الصيغ الزمانية محلّ إشكال من حيث دخولها في محلّ النزاع، أكثر من غيرها؛ لوجود دعوى الاستحالة الفلسفية، لأنّ الركن الثاني للمشتق غير متوفر.
وذلك: لأنّ الزمان متدرج ومتصرّم الذات، فالذات تزول بزوال الصفة، فقد زال يوم مقتل الحسين، ويستحيل بقاؤه، وبالدقّة فقد زالت الذات بزوال لحظة التلبس وهو القتل في المثال، فلا ذات ولا صفة.
الوجه الأول: مناقشة ما افاده صاحب الكفاية في دخول اسم الزمان في محل النزاع
وأقدم المتأخرين الذين أجابوا على ذلك صاحب الكفاية(1)، حيث يقول ما مؤداه: إنّ انحصار مفهوم عامّ بفرد، كما في المقام، من حيث إنّ عنوان الزمان عامّ وله فرد واحد هو آن التلبّس، هذا لا يُوجب أن يكون اللفظ موضوعاً بإزاء الفرد دون العامّ، وإلا لما وقع الخلاف في لفظ الجلالة، وأن الواجب موضوع للمفهوم العامّ، مع انحصاره فيه تبارك وتعالى.
وقد دافع المحقق الخوئي (2) عن ذلك يعني: إمكان الوضع لمفهوم عامّ ليس له إلا فرد واحد عقلاً، أو ليس له أفراد أصلاً، كالمستحيل والدور
ــــــ[22]ـــــــ
(1) الكفاية: 60.
(2) محاضرات في أصول الفقه: 1: 48.
منهج الأصول ج2
والتسلسل (بغض النظر عن أنّ هذه الألفاظ ليست موضوعة لهذه المعاني لغة، بل اصطلاحاً. فتكون هنا لمجرد التوضيح).
فيكون حاصل مرادهم: أنّنا لو قلنا بالوضع لخصوص المتلبس فلا إشكال، وإن قلنا بالوضع للأعمّ، فهو مفهوم عامّ شامل للفرد الممكن (وهو المتلبس)، والمستحيل (وهو المنقضي)، وهذا ليس نادراً في اللغة.
فاسم الزمان موضوع لكل الآنات، وإن لم يوجد له إلا فرد واحد. وهو آن التلبس، وهو مما لا مانع منه.
إلا أنّ هذا لا يتم لأمور:
أولاً: إنّ معنى اشتراط الركن الثاني وهو بقاء الذات، كون الجري بعد زوالها متسالم المجازية، فهو غير محتمل أن يكون موضوعاً له، ليكون موضوعاً للجامع الذي يعمّه، والإمكان لا يقتضي الوقوع، بل هو ممكن غير واقع.
ثانياً: إنّ غاية ما أنتجه هذا التفكير: هو إمكان الوضع للعامّ الذي يكون منحصراً بفرد، لا أنّ الوضع حقيقة حاصل، فنحتاج إلى تحكيم علامات الحقيقة والمجاز، بما فيها التبادر والإقتران الكامل، فهل إنّ الإقتران موجود حتى مع انصرام الزمان؟ ننفي ذلك بمقتضى الركن الثاني.
فإن قلتَ: إنّ الاستعمال حقيقي، والإقتران متكامل في النفس.
قلنا: إنّ هذا يرجع إلى جواب آخر نقول فيه: إنّ الذات باقية بزوال الصفة، وإلا فصحّة السلب في المقام دليل على المجازية.
ثالثاً: إنّ المشتقات لم توضع بوضع واحد، كالوضع العامّ والموضوع له
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الخاصّ، بل بأوضاع متعدّدة، وكل مشتقّ وضِع لمعناه.
نعم، لو وضِعت المشتقات بوضع واحد، بعنوان ما زال عنه المبدأ وبقيت الذات -لو قلنا بالأعمّ- فحينئذٍ إذا تعذرت بعض حصص الكليّ، كاسم الزمان؛ لكونه متصرماً، فنقول: إنّه حتى لو انحصر الوضع بواحد، فإنّه يمكن الوضع له.
لكن الواقع ليس هو هذا، إذ من الواضح أنّ المشتقات وضع كل منها بوضع مستقلّ، فمثلاً: اسم الزمان لم يُوضَع للجامع بينه وبين غيره، لكي يقال: إنّ قسماً منه ممكن، ويكون الوضع له.
فالمشتقات وضِعت بأوضاع على عددها، فما انحفظ فيه الركن الثاني، أمكن فيه الوضع، وما لم ينحفظ لا يمكن القول بالوضع لوضوح المجازية.
ومن هنا يظهر الفرق بين محل الكلام، والوضع للأنواع التي لا أفراد لها، فإنّ تلك الأنواع متحققة في عالم الواقع، ومتصوَّرة في الذهن، وإن كانت مصاديقها يستحيل أن تُوجَد في عالم الخارج.
وما دامت متصوَّرة ذهناً، أمكن الوضع لها، فيكون الاستعمال فيها حقيقياً، بغض النظر عن أفرادها الخارجية.
وأمّا في محل الكلام فلم يقل أحد بالوضع لخصوص الحصّة الزائلة الصفة، ليقال: إنّها من زوال الذات وعدمه، بل وضع للأعمّ من وجود الصفة وعدمها، مع استمرار الذات، وأمّا مع انتفائهما معاً، أعني الذات والصفة، فالوضع لها أول الكلام، ومقتضى علامات الحقيقة والمجاز نفيه، فيكون الالتزام بذلك تنزلاً عن الركن الثاني، مع العلم أن التنزل عن هذه النتيجة هو الأولى.
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والسيد الأستاذ أيضاً لم يرتضِ هذا الوجه من الشيخ الآخوند، إلا أنّه عرض له فهما معيناً، وأجاب(1) عليه طبقاً لفهمه.
وأنّه لا بأس من الوضع للجامع بين الممكن والمستحيل؛ لأنّ المهم تصوّره لا وجوده الخارجي، وإذا أمكن تصوّره، أمكن الوضع له، وإذا أمكن الوضع له أمكن الاستعمال فيه.
قال: وكأن صاحب الكفاية يريد أن يبين بياناً قريباً مما قلناه، في إمكان وضع اللفظ للذات المستحيلة فلسفياً، باعتبار أنّها غير متعذرة ذهنياً.
وأجاب على ذلك: بأنّ الاستحالة هنا منطقية لا فلسفية، فيتعذر الوضع؛ لأنّه يشتمل على التناقض، لأنّ فرض انقضاء المبدأ مع فرض بقاء الزمان تناقض، فرأي الآخوند جامع بين الممكن والمستحيل منطقياً، وهو غير ممكن.
وهذا يجاب بعدة وجوه:
أولاً: إنّنا ناقشنا مسألة الاستحالة الفلسفية، وقلنا بالمجازيّة على كِلا التقديرين، وإنّ المسألة غير منوطة بذلك التفصيل.
ثانياً: إنّ هذا الفهم لكلام الآخوند ليس بصحيح، ولا يوجد في عبارة الكفاية ما يدلّ على التمييز بين الاستحالتين.
ثالثاً: إنّ مسألة إمكان الوضع شيء، ومسألة تحققه شيء آخر، والكلام في تحقق الوضع بمعنى: أنّه وضِع اسم الزمان للأعمّ أو لخصوص المتلبس، وأمّا الإمكان فغير كافٍ.
ــــــ[25]ـــــــ
(1) تجد الجواب مختصراً في تقريرات الهاشمي: 1: 368.
منهج الأصول ج2
وغاية ما يستنتج من كلامهم هو الإمكان، وهو لا يقتضي الفعليّة، وقد قلنا إنّ الفهم العرفي يقتضي المجازيّة، لانخرام الركن الثاني.
رابعاً: إن التناقض الذي استدل به السيد الاستاذ على الاستحالة المنطقية واضح العدم، لاختلاف المتعلّق، وإنّ الزوال للمبدأ والبقاء للذات. نعم، هما متلازمان بالبرهان الفلسفي، باعتبار أنّ الزمان متصرّم وزائل، فهذه استحالة فلسفية وليست منطقية، حسب اصطلاحه.
الوجه الثاني: مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي (في المحاضرات)(1) في دخول اسم الزمان في محل النزاع
وحاصله: أنّ اسم الزمان لم يوضع بوضع مستقل عن اسم المكان، بل الهيئة المشتركة (مفعل) وضِعت بوضع واحد وكليّ، وهو ظرف وقوع الفعل خارجاً، سواء كان مكاناً أو زماناً.
قال: وقد سبق أنّ النزاع إنّما هو في وضع الهيئة بلا نظر إلى المادة، وعندئذٍ يكون وضعها لخصوص المتلبس أو الأعمّ، نزاعاً معقولاً، غاية الأمر أنّها إذا أُريد بها المكان، كان حفظ الذات ممكناً، بخلاف ما إذا أريد بها الزمان.
وما يمكن ان يجاب عدة أمور:
أولاً: إنّنا ننكر أن يكون محل النزاع هو الهيئة، بل المركَّب من الهيئة والمادة للمشتقّ، فيختصّ النزاع باسم الزمان الذي تدلّ مادته عليه، وبذلك ينتفي أصل
ــــــ[26]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 245.
منهج الأصول ج2
الجواب، ولا يعني وضع الهيئة لمطلق الظرفية وضع اسم الزمان للأعمّ.
ثانياً: إنّنا ننكر وحدة الوضع، لأنّ معنى الظرف الجامع بين الزمان والمكان، دقّيّ غير عرفي، والاختلاف بين الزمان والمكان شديد عرفاً، فلا يُحتمَل وضعهما بوضع واحد، وإنّما حصل ذلك بتعدّد الوضع، وعلى نحو الاشتراك اللفظي.
فإذا تمّ ذلك، جاء الإشكال من ناحية الوضع للأعمّ من اسم الزمان، وتشابه لفظ المشتقّ لا يعني وضعه بوضع واحد؛ لأنّ الألفاظ المشتَّركة متشابهة دائماً.
لا يقال: إنّ الواضع رجل عالم وحكيم، فيمكن أن يضع للمعاني الدقّيّة.
قلنا: هذا خلاف المشهور. واحتمالات تفسير الواضع ثلاثة، ليس منها احتمال أن يكون فرداً بشريا معيناً.
ثالثاً: إنّ انطباق أي وضع على مورد تزول فيه الذات، يعني ارتفاعه وتحقق المجازية في طول اشتراط الركن الثاني.
وكون ذلك ممكنا لا يعني كونه واقعاً، بل الواقع المجاز وجداناً، بغض النظر عن أجوبة آتية، والنزاع إنّما هو في وقوع الوضع لا في إمكانه، كما هو معلوم.
وعلى هذا، فلو تنزلنا عن الجوابين السابقين، فإنّ الركن الثاني يقيّد الوضع للظرف الجامع، ويكون استعماله حقيقياً في ثلاث صور:
1ـ بقاء ذات اسم المكان والصفة.
2- بقاء ذات اسم الزمان والصفة.
3- بقاء ذات اسم المكان بدون الصفة.
ولا يشمل الصورة الرابعة، وهي زوال اسم الزمان والصفة، فلا بدّ من إخراج
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الأصول ج2
هذه الحصة عن محلّ النزاع، يعني أنّنا إمّا أن نتنزّل عن الركن الثاني، أو نقول بالمجازية.
وأجاب السيد الأستاذ على هذا الوجه المذكور في المحاضرات:
إن أسماء الزمان والمكان، وإن كانت متداخلة، كما أفيد، إلا أنّه من تداخل اللفظ لا من تداخل المعنى، فإنّ هذه الكلمة صارت اسماً للزمان بلحاظ، واسماً للمكان بلحاظ آخر، لا أنّ لها معنىً وحدانياً ينطبق على الزمان والمكان معاً، ولا يمكن أن تكون ظرفية الزمان والمكان ملحوظة دفعة واحدة؛ لأنّه على ذلك لا بدّ أن توضع كلمة (مقتل) للذات الملحوظة ظرفاً للقتل.
فنسأل: إن عنوان الظرفية المقترح هل هو مفهوم اسمي للظرفية، أم هو واقع الظرفية؟
فإن كان الأول، أي المكان بصفته ظرفاً، والزمان بصفته ظرفاً، فهو غير ممكن، إذ لازمه أنّنا نفهم من اسم الزمان معنى الظرفية بالدلالة المطابقية، وهو باطل. وبتعبير آخر: أن نفهم الظرفية كمفهوم انتزاعي في طول الاستعمال، لا أنّها أُخِذت في المعنى الموضوع له.
وإنّما يؤخذ في المشتقّ واقع الظرفية بمعنى وجود نسبة، والنسبة المكانية مباينة للنسبة الزمانية عقلاً ووجداناً، أمّا عقلاً: فلأن ظرفية المكان مقولة الأين، وظرفية الزمان مقولة المتى، ولا جامع بين المقولات الأساسية، فيستحيل وجود الجامع بينها.
وأمّا وجداناً: فنحن نفهم أنّ احتواء المكان على المبدأ، كالقتل، يباين احتواء الزمان عليه نفسياً وعقلياً، فهما لا يشتركان فلسفياً ووجدانياً، فهما موضوعان
ــــــ[28]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بلحاظين مختلفين، لا بلحاظ ظرفية واحدة.
ومعه، فلا بدّ من وضع اللفظ لكِلا النسبتين، بأن يكون له مدلولان، وحينئذٍ يقال: إنّ جريان النزاع بلحاظ أحدهما، ويبقى الباقي على حاله.
ونعلق على ذلك فنقول: إنّ هذا الذي قاله السيد الأستاذ، ينبغي إرجاعه إلى ما قلناه، من أنّ صيغة الزمان والمكان موضوعان بنحو المشترك اللفظي، لا المشترك المعنوي، ليكون صحيحاً.
لكن لا يلزم منه ما قال من وقوع النزاع في إحدى الصيغتين دون الأخرى، لأنّنا نتكلم عن الصيغة بهذا اللحاظ.
لكنه لم يصرح بالاشتراك اللفظي للصيغة، لورود إشكال مشهوري عليه، من حيث إنّ المشترك لا يصلح للمعنى التحليلي، وإنّما يكون للمعنى الاستقلالي.
ولكنّنا قلنا في تحقيق المعنى الحرفي إنه ممكن، وإنّ الهيئة موضوعة بنحو الاشتراك اللفظي.
وعندئذ ينبغي أن يقول: إنّ اسم الزمان استعمل بوضع، واسم المكان بوضع آخر، لا كما قال: أنّ الأول استعمل بلحاظ، والثاني استعمل بلحاظ آخر.
وإن أبى ذلك وقال بالوضع الواحد: رجع الإشكال؛ لأنّ الوضع الواحد لا يمكن أن يشمل ماهيتين متباينتين، لا جامع بينهما عرفاً ولا عقلاً. ويلزمه أنّ هذا الوضع الواحد، لا بدّ أنّه لجامع انتزاعي، يكون هو الموضوع له. فيكون تحقيقاً لرأي المحاضرات الذي ناقشناه. فلا يكون مسلك السيد الأستاذ مسلكاً مستقلاً.
ــــــ[29]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الوجه الثالث: مناقشة ما أفاده المحقق العراقي في دخول اسم الزمان في محل النزاع
وحاصل مراده: إن الزمان الذي ينقضي بانقضاء المبدأ، إنمّا هو القطعة الخاصّة من الزمان التي وقع فيها الفعل أو الوصف، ولا يعقل بقاؤها مع انقضاء المبدأ، لكن حقب الزمان يتصل بعضها ببعض، فيتشكل وجود وحداني طويل، له بقاء بعد انقضاء المبدأ، وهذه الوحدة الطويلة هي المتصفة بالمبدأ، وهي الذات الباقية بعد زوال التلبّس.
أجاب عليه الشيخ الأصفهاني(1): بأنّ هذا الاتصال بين قطعات الزمان لا يجعلها واحدة من حيث الاتصاف، بل متعددة، وما هو المتصف بالحدث إنّما هو تلك القطعة، لا هذا الوجود الوحداني.
وشبَّه ذلك بالأجسام الخارجية، فإنّه كما أنّ اللحظات واحدة بالاتصال، كذلك الأجسام الخارجية، والحدث وقع في لحظة منها، فلو كانت نقطة حمراء على جزء من صخرة، فالمتلبس هو ذلك الجزء، ولا يوصف الجسم كله بأنّه أحمر، فكذلك الحال في عمود الزمان، فإنّ الحدث وقع في لحظة، فتكون هي المتصفة بالفعل، لا مجموع الأجزاء.
أجاب عليه السيد الأستاذ(2): أنّ هناك فرقاً بين الواحد المتصل الذي أجزاؤه عرضية، والواحد المتصل الذي أجزاؤه طولية أي تدريجية، فالعرضي كالجسم لا
ــــــ[30]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي – محمود الهاشمي: 1: 369.
(2) مباحث الدليل اللفظي – محمود الهاشمي: 1: 369.
منهج الأصول ج2
تكون حمرته -كما في المثال- حمرة للأجزاء الأخرى؛ لأنّ هذا الجزء ليس هو تمام وجوده بل جزء وجوده، فتكون نسبة الحمرة إلى الباقي من الأجزاء أو إلى المجموع مجازية.
وأمّا الواحد التدريجي كالزمان، فتمام وجوده في ذلك الحال هو ذلك الجزء، فإذا اتصف هذا الجزء بالمقتلية، فقد اتصف الواحد العمودي بها، لأنّ وجوده بتمامه هو وجود هذا الجزء، فمن صلّى في زوال يوم الاثنين صح له أن يقول: صليت في يوم الاثنين، ويكون اليوم كله ظرفاً لصلاته.
إلا أنّ هذا بمجرده لا يتم: لأننا إمّا أن نلحظ لحظة التلبس، أو كل مجموع الزمان، كاليوم، فإن لاحظنا خصوص الحصّة المتلبسة من الزمان، كان الاتصاف حقيقياً.
ولكنه بهذا اللحاظ يأتي عليه الإشكال الرئيسي، وهو زوال الذات بزوال المبدأ، لأنّ الحصّة المتلبسة زالت بزوال التلبّس، ودخل زمان مغاير ذاتاً وصفةً للمتلبس.
وإن لاحظنا المجموع، فلا يمكن القول: إنّ وجود المجموع بوجود الجزء المتلبس، وإنّما يكون حاله من هذه الناحية حال الجسم الذي اتصف بعضه بالحمرة، في المثال، ولا ملازمة بين تلبّس البعض وتلبّس الكل.
ويمكن تنظير ذلك، أي القاعدة الكلية في الواحد التدريجي: بحركات متتابعة، كألف ذبذبة، فلو أصبحت اثنان منها في الوسط أسرع أو أكثر إنتاجاً، فهل إنّ جميع الذبذبات أصبحت كذلك؟
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الأصول ج2
مضافاً إلى إمكان القول: بأنّ الشيخ المحقق العراقي إذا أراد الوحدة العرفية بين الأجزاء، فهذا راجع إلى وجه آخر يأتي مستقلاً في الكلام عن ألفاظ الذات الزمانية.
وأمّا إذا فهمنا ما قاله بنحو عقلي، فهو لا يصحّ، فإنّه لا يحكم بنظره الدقّيّ أنّ وحدات الزمان واحدة، ولا يجعل اللحظة الثانية عين الأولى المتلبسة بل غيرها، ومن هنا يصدق أيضاً انقضاء الذات بالدقّة بانقضاء المبدأ.
وقد أورد السيد الأستاذ(1) على المحقق العراقي إشكالا وأجاب عنه، وحاصله: أنّ مقتضى اتصال ووحدة أجزاء الزمان ملاحظته على طوله، فإذا قلنا بالأعمّ، رجع الأمر إلى أنّ زمان مقتل الحسين مستمر إلى يوم القيامة، وهذا ما لا يساعد عليه العرف.
وأجاب عنه: أنّ بقاء الذات في الزمان إنما هو بالنظر إلى الفهم العرفي لا الدقّيّ، والعرف يقطَّع الزمان إلى ساعات وأيام وأشهر وسنوات، ويرى أنّ كل قطعة لها شخصية وذاتية غير ذاتية الشخصية الأخرى، فما دام اليوم متصلاً، فالذات باقية، وإلا فقد انقضت.
جوابه: أنّ هذا المقدار بمجرده لا يكفي للدفاع عن المحقق العراقي:
أولاً: لأنّ المحقق العراقي لم يلحظ الجانب العرفي، وإنّما لاحظ الجانب العقلي، ومن حيث هذا الجانب فإنّ الذات تنقضي بانقضاء المبدأ.
ثانياً: إنّنا لو تنزّلنا، فالنظر العرفي يقطَّع الزمان قِطعاً غير متساوية المقدار،
ــــــ[32]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي – محمود الهاشمي: 1: 369.
منهج الأصول ج2
كاليوم والشهر والسنة والقرن.
وعندئذٍ نتورط في تحديد الذات الباقية بعد زوال المبدأ، فإنّها ستكون مردّدة بين كل تلك القطعات، بين اليوم والسنة والقرن، فقد قال هو: مادام اليوم موجوداً، ونحن قد نقول: مادامت السنة موجودة، وذاك يقول: مادام القرن موجوداً، وهكذا؛ وهذا الترديد غير معقول عندهم.
وإذا أمكن ذلك، لم يكن محذوراً من ملاحظة الزمان على طوله، إلى يوم القيامة، بحيث يكون كله مقتلاً للحسين، وإنّما لا بدَّ في ذلك من عرضه بوجه عرفي جديد غير موجود في المصادر.
الوجه الرابع: مناقشة إشكال زوال الذات بزوال المبدأ في اسم الزمان
وهو مقتنص من العرف، في مناقشة الإشكال الرئيسي في زوال الذات بزوال المبدأ في اسم الزمان.
وهو يتوقف على عدة مقدمات:
المقدمة الأولى: أنّنا إذا أردنا أن نفهم الأمور فهماً عرفياً، فيجب أن نفهم الموضوع والمحمول معاً فهماً عرفياً، لا أنّنا نكون دقّيين موضوعاً، وعرفيّين محمولاً؛ لأنّ موضوع العرف عرفي، وموضوع العقل عقلي، والاستعمال المتداخل غير صحيح.
وحينئذٍ يقرب ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: أن نقول: إنّنا ينبغي أن نخصّ كُلّاً من العرف والعقل بمورده، ولا نخلط بين مواردهما لا موضوعاً ولا محمولاً، من حيث إنّ العرف
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول ج2
اختص بأمور خاصة لا دخل للعقل فيها، كالمعاملات واللغة، التي نحن بصددها، وشأن مباحث الألفاظ لغوي، فيجب إدخال العرف فيها لا العقل، أما ما يكون خاصّاً بالعقل فالعرف يفسده لضحالته.
التقريب الثاني: أنّ الشارع خاطبنا بصفته عرفياً، وبصفتنا عرفيين، لا بصفته دقياً ولا بصفتنا دقيين.
وإنّما نزَّل نفسه منزلة شخص عرفيّ من أجل مصلحتنا وإفادتنا، فإن فهمناه فهماً عرفياً أو فهمنا لغته كذلك، فقد فهمناه من الزاوية التي أقرّها وأمضاها وتحدث بها، ولذا كانت ظواهره حجّة.
ولو كان قد تحدّث بالدقّة لما فهمه إلا أقل القليل، ولو تحدّث بالدقّة التي هو يعرفها، إذن لم يفهمه أحد إطلاقاً. إذن، فلابد له من التنزل عن مستواه الحقيقي الدقّي، قليلاً أو كثيراً، وقد فعل.
إذن، فاستعمال العقل فيما هو مورد العرف، كما عليه المشهور ليس بصحيح، كما أنّ العكس ليس بصحيح.
المقدمة الثانية: أن نقبل حكم العرف فيما هو محال عقلاً، إذ قد يقال: إنّنا إنّما نقبله فيما هو ممكن عقلاً، أمّا إذا كان الأمر مستحيلاً، فإنّ العرف لا أثر له، ومنه مورد كلامنا، فإنّ العقل يقول: إنّ بقاء الذات بعد زوال التلبّس مستحيل، فحكم العرف هنا حكم على الممتنع عقلاً، وحكم العقل أسبق رتبة وأهم حكماً، فيجب اختصاص الحكم به.
نقول في جوابه: أنّ العرف يستطيع الحكم بما هو مستحيل عقلاً، فإنّ حكمه
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول ج2
منوط بإمكان الامتثال والتطبيق، فيستحيل عندما يستحيل التطبيق عرفاً، كما لو أمر بجمع المتناقضين، لكن هذا لا يصدق في المقام لأنّ العرف عملي وحياتي، وهو وليد المجتمع، فلا يوجد ارتكاز شرعي أو عرفي هو مستحيل تطبيقاً وامتثالاً.
ورغم أنّ السيد الأستاذ مشى على العرف يقيناً، والمحقق العراقي احتمالاً. إلا أنّهم لم يُجيبوا على هذا الإشكال.
المقدمة الثالثة: في إعطاء فكرة موجزة عن الناحية العقلية للزمان، وبه يختلف حكم العقل عن حكم العرف، فيكون من موارد تطبيقات ما قلناه في المقدمة الثانية:
بحث عن حقيقة الزمان
فإنّه عقلاً غير موجود لا خارجاً ولا واقعاً، وبذلك ينحصر أن يكون وجوده عرفياً صرفاً.
وإنّما هو أمر منتَزَع من منشأ انتزاعه، وهو واقع التقدّم والتأخّر بين الحركات. والموجود الواقعي هو التقدّم والتأخّر، ومن أجل هذا الانتزاع نتصوّر الزمان، فهو مفهوم انتزاعي ثانوي لا وجود له، بل الوجود لمنشأ انتزاعه.
فإن قلتَ: بأنّ الزمان هو عبارة عن حركة الشمس والأرض والقمر والليل والنهار والأشهر والسنين، فهو أمر انتزاعي عن هذه الأمور الخارجية.
قلنا: أمّا الليل والنهار، فصفتهما النور والظلمة، ولا دخل لهما في الزمان. وأمّا حركة الشمس والأرض، فيرجع إلى ما قلناه من أنّ منشأ انتزاع الزمان هو الحركات، غايته أنّنا هنا عمَّمنا الحركات لكل ما في الكون.
مضافاً إلى ما يمكن أن يقال: من أنّ الزمان كان ثابتاً قبل خلق الشمس
ــــــ[35]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والأرض، وذلك هو ظاهر القرآن في عدة آيات، أهمها قوله تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ(1). وهذه الأيام وإن لم يرد منها الليل والنهار، إلا أنّها تعطي مفهوماً زمانياً.
فإن قلت: إنّ التقدّم والتأخر يحتاج إلى ظرف عامّ يكون فيه وينسب إليه، كالزمان والمكان، وبدونهما لا معنى له.
قلنا: يُجاب بعدة أجوبة:
أولاً: إنّنا لا نسلم الكبرى، فإنّه من الممكن أن يثبت التقدّم والتأخّر بدون أي ظرف عامّ، ولا دليل على المُدّعى، بل يكفي في ثبوته نسبة أمرين إلى بعضهما البعض.
ثانياً: لو سلّمنا الكبرى، كان في الإمكان أن نقول: إنّ الظرف العامّ هو الدهر، وهو الذي يمرّ على الزمانيات وغيرها، ومنه قوله تعالى: ومَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ(2). أي أسباب عليا، ومن التقدّم والتأخّر ننتزع مفهوم الزمان.
فإن قلتَ: إنّنا ننقل نفس الكلام إلى الدهر؛ لأن التقدم والتأخر فيه يحتاج إلى ظرف.
قلنا: لو سلّمنا الكبرى، فإنّ هناك ظرفاً آخر خلفه؛ لأنّ الفلاسفة يُقسِّمون الوقت إلى: الزمان والدهر والسرمدية، فيكون التقدّم والتأخّر في الثالث، ومنه يُنتَزَع مفهوم الدهر، والظرف ثابت في السرمدية.
ــــــ[36]ـــــــ
(1) الأعراف: 54.
(2) الجاثية: 24.
منهج الأصول ج2
فإن قلتَ: إنّ السرمدية بسيطة ليس فيها تقدّم وتأخّر، فكيف تصلح ظرفاً للدهريات فضلاً عن الزمانيات؟ لأنّها منتَزَعة عن ذات الله سبحانه، وهي بسيطة من جميع الجهات، وليس له ملازمات أو مقارنات ليُنتَزَع منها مفهوم الدهر.
وذلك أنّهم قالوا: إنّ الزمان متعلق بالعالم المحسوس، والدهر بالمجردات، والسرمدية بالله سبحانه، أو عالم اللاهوت.
قلنا: إنّ هذا يُجاب بعدة أجوبة:
أولاً: الطعن في الكبرى، من حيث إنّ التقدم والتأخر لا يحتاج إلى ظرف، وإنما ينتَزَع من قياس الأشياء بعضها إلى بعض.
ثانياً: إنّ السرمدية ليست بسيطة بهذا المعنى، بل فيها تقدّم وتأخّر استظهاراً من بعض الكلمات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، كقولهم: «لا أوّل لأوليته ولا آخر لآخريته». وقولهم: «هو الأوّل قبل الإنشاء والآخر بعد فناء الأشياء» (2).
إذن، فهناك تمييز بين ما هو أوّل للسرمدية، وما هو وسط، وما هو آخر لها، وهذا ينافي بساطتها الكاملة.
وعندئذٍ يقال: بأن هذه التجزئة تلازم التقدّم والتأخّر المُنتَزَع منه مفهوم الدهر والزمان.
إلا أنّه يرد عليها إشكال بأنه: أنّ فيها تقدّماً وتأخّراً، وقبلنا الكبرى، فما هو الظرف الذي تتقدّم فيه أجزاء السرمدية على بعضها؟
ــــــ[37]ـــــــ
(1) من دعاء الإمام السجاد يوم الجمعة.
منهج الأصول ج2
وهذا قد يُجاب بأحد جوابين:
أحدهما: أن نقول: إنّ التقدّم والتأخّر في السرمدية ذاتي لا عرضي، لكي يحتاج إلى ظرف. فينقطع السؤال برجوع العرضي إلى الذاتي.
ثانيهما: أن نقول: إنّ العوالم لا متناهية، خلافاً لظاهر كلام الفلاسفة الذين حصروا العوالم في هذه الثلاثة، والا فمن سعة رحمة الله وجود عوالم طولية عديدة، ورحمة الله غير متناهية، فلا تكون العوالم متناهية.
ومعه، يمكن أن نتصور للسرمدية ظرفاً آخر، يكون فيه التقدّم والتأخّر.
فإن قلتَ: فإنّ هذا يلزم منه التسلسل، وهو محال، فكيف نقول بوقوعه؟
قلنا: إنّه ليس هناك دليل من العقل أو الشرع على الاستحالة لكل تسلسل، وإنّما المبرَّهن عليه فلسفياً هو أنّ التسلسل الباطل هو الذي يلزم منه عدم وصول العلل والمعلولات إلى الواجب، أمّا ما لا يلزم منه ذلك، فلا دليل على استحالته.
ومعه، فيمكن أن نتصور أنّ الله سبحانه بقدرته ينشئ تسلسلاً لا نهائياً من العلل والمعلولات.
وقد كان الشيخ محمد رضا المظفر، يقول(1): إنّ العلل على قسمين: ما به الوجود وما منه الوجود، ويُراد بالأول: الأسباب الطبيعية، وبالثاني: ما منه الفيض.
وكان رحمه الله يقول: إنّه لا بدّ من اجتماع كلا السنخين من العلة لوجود المعلول، ولا يوجد بأحدهما دون الآخر، وأنّهما ليسا على نحو الشركة، لأنه يعني الشرك.
ــــــ[38]ـــــــ
( ) من محاضراته التي أملاها علينا في درس الفلسفة الإسلامية في كلية الفقه، (منه).
منهج الأصول ج2
فإذا تمت هذه القاعدة، فالتسلسل محال، لأنّ أي تسلسل يُفرَض إنّما هو في العلل، أي فيما به الوجود، والمفروض أنّه وحده لا يكفي لوجود المعلول، بل لا بدّ من فيض (ما منه الوجود)، ومع عدم الانتهاء إلى الواجب فالمعلولات كلها منتفية.
وهذا التقريب لا يأتي هناك لأنّنا نفترض أنّ هذه المخلوقات اللامتناهية، يتوفر فيها كِلا السنخين من العلة، أمّا سنخ ما به الوجود فلأنها مترتبة عِلِّياً. وأمّا سنخ ما منه الوجود، فلأنّنا نعترف أنّ الله سبحانه أفاض عليها من رحمته، وليست أنّها وجِدت مستقلة عنه، فالمستحيل هو الوجود الاستقلالي، أمّا الوجود المنتسب إلى الله سبحانه، فليس بمستحيل.
ومن جملة براهين التسلسل ما كان يذكره السيد الأستاذ: من أنّ المعلول إنما يكون واجب الوجود (بالغير) إذا انسدّ باب عدمه من جميع الجهات، فما دامت العلل متسلسلة لا ينسدّ باب العدم، بل يضعف تدريجاً، ولكنه يبقى ولو بكسر ضئيل.
لكن هذا فرع أن يكون التسلسل غير منتسب إلى الله تعالى، وأما إذا انتسب إليه، فإنّه لا يكون محالاً، لعدم ورود ذلك البرهان فيه، فإنّ أية فقرة من التسلسل يمكن أن ينسدّ باب عدمها بانتهائها إلى الواجب.
لا يُقال: إنّ الواجب إنّما هو في نهاية السلسلة، أي هو العلة الأخيرة.
فإنّه يقال: إنّ نسبة العلة الإلهية إلى كل واحد من الفقرات نسبة واحدة، فإنّ الخلق من ناحية إلهية يخالف سنخاً العلية من الناحية الطبيعية، فهي ليست متسلسلة بهذا المعنى، لأنّه سبحانه يستوعب كل السلسلة، لا أنّه يقف في نهايتها ويقطع سلسلتها.
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ثم إنّه -ولو من باب الاستطراد – يحسن أن نفهم أنّ ما قلناه عن الزمان ينطبق على المكان أيضاً، فإنّه أيضاً لا وجود له بالدّقّة، وإنّما يُؤخذ من مفهوم التقدّم والتأخّر والفوقيّة والتحتيّة، المنتَزَع من واقع منشأ انتزاعه.
إن قلتَ: فإنّ التقدّم والتأخّر، يحتاج إلى ظرف أوسع منه، كما قلنا في الزمان، فما هو الظرف هنا؟
قلنا: أحسن الأجوبة هو الطعن في الكبرى، وإنّه لا حاجة إلى ظرف، وإنما التقدّم والتأخّر منتَزع رأساً ما بين الطرفين نفسيهما، وليس شيئاً زائداً، لأنّنا أجبنا في جانب الزمان بوجود أزمنة لا متناهية، لكننا لا نستطيع أن نفترض ذلك في جانب المكان، لأنّ المجردات ليس لها مكان، والسرمدية خالية من المكان جزماً. نعم، تُنتزَع عن المجردات ما هو مناسب لها، لا مفهوم المكان الخاص بالماديات.
ومن هنا ينشأ عندنا توهّم عدم الفرق بين المكان والزمان.
من حيث إنّهما معاً غير موجودين في الواقع، وكلاهما منتَزَعان عن التقدّم والتأخّر.
ويُجاب عليه:
أولاً: من زاوية فلسفية، بأن يقال: إنّ الزمان من مقولة الـ (متى) والمكان من مقولة الـ(أين)، والمقولات من ماهيات عالية وحقيقية، من قبيل كونها أجناس عالية، ومن هذه الناحية يكون الزمان والمكان في نظرهم حقيقيين.
إلا أنّ هذا بمجرده لا يكفي؛ لأنّ الـ(أين) والـ(متى) إنما هو مصدر اصطلاحي من (أين) و(متى)، وهما اسما استفهام عن الزمان والمكان، ومعه يمكن
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أن يُقال: إنّ الـ(أين) والـ(متى) مفاهيم انتزاعية، منتَزَعة في طول فهم الزمان والمكان، وهي منتَزَعة من التقدّم والتأخّر، فلا يصلحان أن يكونا مقولتين ماهويتين في أنفسهما.
وحينئذٍ يقال: إنّ منشأ انتزاع التقدّم والتأخّر هو الوجود الحقيقي، ومنه ينتَزَع مفهوم التقدّم والتأخّر، ومنها ينتَزَع في الرتبة الثانية معنى الزمان، ومنه ينتَزَع في المرتبة الثالثة معنى الـ(أين) والـ(متى)، فلا يبقى لها محصّل حقيقي.
وكثير من الأمور الذاتية عندهم هي غير ذاتية بالدقّة، بما فيها الأجناس والفصول، ولا يعلم بحقائق الماهيات إلا الخالق سبحانه وتعالى.
ثانياً: إنّنا كزمانيين ومكانيين، محتاجون إلى الزمان والمكان، فننظر إليهما من الداخل لنجد الفرق واضحاً، من التقدّم والتأخّر الزماني والمكاني.
وأما لو ارتفعنا إلى عالم أعلى من الزمان والمكان فلا ترى فرقاً بينهما، ويكون انتزاع الزمان كانتزاع المكان لحاظياً.
وبتعبير آخر: أنّ الفرق بين المكان والزمان، إنما هو إحساس ناشئ من التأثر بهما، فإذا انتفت هذه الصفة في السرمدية، اتحدت النظرة، واتحد مفهوم المكان والزمان، لأنّ أساسهما سيكون واحداً، ومن هنا قيل في العالم الأعلى لا زمان ولا مكان لتساوي الأشياء بالنسبة إلى المدرِك الأعلى.
هذا حال الزمان عقلاً(1).
ونتيجة هذه المقدمة الثالثة التي نُظِر فيها إلى الزمان من زواية عقلية، حيث
ــــــ[41]ـــــــ
( ) إلى هنا ينتهي بحث (الزمان) ويستأنف السيد الشهيد الكلام في المقدمة الثالثة.
منهج الأصول ج2
عُرِضَ الإشكال الرئيسي من زواية عقلية، فنقول: إننا بعد أن أنكرنا وجود الزمان يشتدّ الإشكال وضوحاً؛ لأنّ مؤداه: أنّ الذات تزول بزوال المبدأ، أي الاتصاف الذي هو فرع وجود المتصف، فإذا لم تكن الذات المتصفة موجودة، فالوصف غير موجود، فضلاً عن الحديث عن زوالها، فإنّه فرع وجودها.
أما المبدأ فموجود، لا لكونه صفة لذات، بل هو قائم وحده، وقد وجِد وانعدم بصفته عرضاً من الأعراض، أو حتى جوهراً من الجواهر. ولا يُوجَد ما يُسمّى بالزمان خارجاً ولا واقعاً، وإنّما هو مفهوم انتزاعي ثانوي، يكون في طول نسبة حدثين إلى بعضهما البعض.
وأمَّا الحدث الواحد، فلا معنى للزمان فيه، وإنّما نحسّ فيه بالزمان باعتبار قهرية الإحساس بنسبته إلى الأمور الأخرى، أو باعتبار الشعور العرفي بالزمان كما سيأتي.
إذن، فذات الزمان غير موجودة لا حال التلبّس ولا بعده، فيكون الإشكال أوضح وروداً، بناءً على هذه النظرة، وأولى بالخروج عن محلّ النزاع.
ولو تنزلنا وقبلنا وجود الزمان عقلاً، كما قبله الأصوليون بشكل ساذج، أمكن أن نتصوّر تصورين لوجود الزمان؛ لكي تترتب عليهما نفس النتيجة:
التصور الأول: أن نقبل وجود الزمان عقلاً، مكوناً من مجموع الآنات، لكن هذه الآنات غير متلازمة، ولا تشكل -عقلاً- ذاتاً مستمرة، وإنّما كل لحظة قائمة بنفسها، وفي مجموع الآنات تتكوّن الحركة. إذن، فمجموعة من الآنات كانت متصفة بالمبدأ، فيكون زوال الذات بزوال المبدأ صحيحاً.
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول ج2
التصور الثاني: أن نتصور للزمان وجوداً واقعياً معلوم الحركة والصفة، ويكون معلولاً واقعياً للزمانيات، وفي طولها، إلا أنّه واقعيٌ أوليٌ، وليس انتزاعياً ثانوياً، ومع ذلك لا وحدة بينها، نعم يكون الزمان واحداً بوحدة الحادث فيه، لأنّ الواحد يصدر منه الواحد، فإذا زال الحادث زالت العلة، فزال المعلول.
فبكل صورة لا يمكن بقاء الزمان عقلاً، بعد زوال الاتصاف.
المقدمة الرابعة: أن ننظر إلى الزمان من زاوية عرفية.
ولا شك أنّه من هذه الزاوية له ذات موجودة بغض النظر عن الزمانيات، أي الحوادث التي تقع فيه، بحيث يمكن أن نتصور زماناً خالياً من الحوادث، وهو من الناحية العقلية وهم – كما أسلفنا -، إلا أنّه من الوضوح في الأذهان بمكان.
وذات الزمان مقسمة عرفاً، بثلاثة تقسيمات:
التقسيم الأول: تقسيمه إلى الماضي والحاضر والمستقبل.
التقسيم الثاني: تقسيمه إلى وحدات الزمان المعروفة، كالساعة واليوم والشهر.
التقسيم الثالث: تقسيمه بصفته ظرفاً للحوادث، فننظر إلى الزمان كظرف لحياة النبي أو لمحاضرة دراسية، وحينئذ، وبهذه النظرة، نقسِّم الزمان إلى الحوادث الواقعة فيه، طالت أم قصرت، قلّت أم كثرت.
والشيء الرئيسي من هذه التقسيمات هو الأوّل والثاني، وكلٌ منهما عرفي. وأما الثالث فسنؤجله إلى الاعتراضات الآتية.
وهنا تعترضنا عدة أسئلة ينبغي الإجابة عليها، فإنّنا في التقسيم الثاني نلحظ أمرين:
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أحدهما: أنّ الزمان موجود طويل في نفسه بغض النظر عن تقسيماته، ما لم نصل إلى شيء غير عرفي كعشرة الآف سنة، أمّا في المدى المنظور، فهو ملحوظ عرفاً.
ثانيهما: أنّ الزمان مقسَّم في نفسه إلى سنين وساعات.
فأيّ من هذين اللحاظين ملحوظ أصلاً والآخر بالتبع؟ فهل إنّ الزمان واحد مستمر، وآناته وأيامه من قبيل الأعضاء لجسم واحد؟ أو بالعكس بحيث يكون لكل يوم شخصية مستقلة، ولكل سنة كذلك، وبضم هذه الشخصيات ضماً مجازياً يحصل الزمان الطويل.
والجواب ليس حدّيا ولا عقلياً ثابتاً، بل هو وجداني، وكلاهما ممكن. وفي نظري أنّ الأوضح عرفاً هو التقطيعات، وليس هو الزمان المتصل، إلا أن نلحظ التقطيعات جزءاً من وحدة زمانية أكبر، أي 30 يوماً في شهر و100 سنة في قرن.
ونتساءل ثانياً عن نسبة أحد هذين التقسيمين إلى الآخر، وهذا يكون باعتبارين:
الأول: أنّ الحاضر والمستقبل، هل يؤخذ بلحاظ اللحظات أو الوحدات؟ إذ ما معنى الحاضر والماضي والمستقبل؟ هل بلحاظ آنات الزمان أم بلحاظ وحدات الزمان؟
وعلى الثاني: يعتبر اليوم كله حاضر والشهر والسنة والقرن، فمثلاً: أنا ادرّس واخرج، فيصدق أنّ يوم السبت يوم تدريس، فمتى يصبح ماضياً؟ هل بانتهاء الدرس أم بحصول المغرب الذي هو نهاية اليوم؟
إذا لاحظنا الوحدات الزمانية فاللحظات متصفة، وانتهى الزمان بانتهاء
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الأصول ج2
اللحظات. وإذا بدّلنا اللحظات وقلنا إنّ وحدة الزمان هي اليوم، فالحاضر بالنسبة إلى هذه الوحدة هو النهار أو اليوم، وهو المتصف بالتدريس، وهو لازال مستمراً.
الثاني: أنّ التقسيم الثاني هل هو منوط بكونه حاضراً في التقسيم الأول، بحيث لا يمكن لحاظه في الماضي والمستقبل، فمثلاً: عندما يصبح يوم الجمعة أو شهر رمضان ماضياً، هل يفقد شخصيته المستقلة؟ الظاهر أنّه لا يفقدها، بل حتى في المستقبل حيث يقال عرفاً: افعل كذا في شهر محرم الآتي أو في الجمعة الآتية.. وهكذا.
لكن هذا مقيَّد بالمقدار العرفي، يعني أكبر حقبة زمانية يفهمها العرف، وهو العمر أو القرن، ومن هنا يجد إجمالاً وغموضاً في الماضي السحيق والمستقبل السحيق.
إذن، فينبغي التفصيل في مقام الإجابة على هذا السؤال، بين الحدود التي يفهمها العرف، والحدود التي لا يفهمها.
الوجه الخامس -وهي النتيجة-: [أطروحات في نتيجة إمكان القول ببقاء ذات اسم الزمان بعد زوال المبدأ]
حيث نعرض فيها عدة أُطروحات محتملة، لإمكان القول ببقاء ذات اسم الزمان بعد زوال المبدأ، ولكن بعد تذكّر كبريين نضمهما معاً:
الأولى: أنّ اللغة عرفيّة لا دقّيّة، والشارع أيضاً خاطبنا بصفته عرفياً لا دقّياً.
الثاني: أنّ الشيء العرفي نقبله وإن كان محالاً عقلاً، مادام تطبيقه ممكناً، فإذا ثبت عرفاً أنّ ذات الزمان تبقى عرفاً، بعد زوال التلبّس، فهي باقية، وإن منع العقل.
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإذا تم ذلك، أمكن القول في اسم الزمان ببقاء الذات بعد زوال المبدأ، غاية الأمر أنّ لذلك عدة أُطروحات محتملة، منها:
الأطروحة الأولى: وهي المشهورة والارتكازية عند الأصوليين، والتي تؤخذ عندهم وكأنّها مسلّمة الصحّة:
إنّ الزمان المتصف هو وقت حصول الحادث فقط، لا قبله ولا بعده، وإن قّل، فإذا زال الحادث زال الزمان.
وهذا يعني أحد أمرين:
الأمر الأول: أنّنا قسَّمنا الزمان إلى وحدات -لحظات فقط- فإذا زالت اللحظات المتصفة زالت الذات معها.
نعم، يبقى الزمان بمعناه الممتدّ الخالي من الوحدات، فيمكن أن نقول فيه ببقاء الذات بعد زوال المبدأ.
فإن قلتّ: إنّ هذا التصور يعني: أنّ اللحظات هي المتلبسة وقد زالت، فتصوّر أنّ الجزء الآخر مستمر وموجود، إنّما هو تهافت في اللحاظ.
قلنا: إنّ التهافت في اللحاظ يكون فيما إذا أخذنا وحدة زمانية أوسع، أي بدلنا تصوّر اللحظات إلى الساعة أو اليوم مثلاً، وأمّا التبديل من المصداق إلى الكليّ فليس تهافتاً، لأنّ الزمان المستمر غير الملحوظ فيه الوحدات إنّما هو بمنزلة الكليّ.
فالزمان الذي وقع فيه الحادث نفسه هو اللحظات. والزمان الكلي ما يزال ساري المفعول، ومن هذه الناحية فالذات مستمرة.
الأمر الثاني: أنّنا قسَّمنا الزمان إلى تقسيم آخر غير التقسيمين الأولين في
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المقدمة الرابعة، وهذا ما وعدنا به، وهو لحاظ انشغاله بالحوادث، فتأخذ زمانها كوحدة زمانية، فإذا زالت الحادثة زالت الذات معها، إلا الذات العامة المستمرة، بعد دفع الإشكال السابق.
إلا أنّ هذا التقسيم غير عرفي، وهو التقسيم بلحاظ الحوادث، لأنّه يكون للزمان عندئذٍ تقسيمات متداخلة كثيرة، في حين أنّ التقسيمات العرفية طولية غير متداخلة بهذا النحو من التداخل.
الأطروحة الثانية: أنّ الزمان المتلبّس هي الوحدة الزمانية المتعارفة، كاليوم أو الشهر، من حين وقوع الحادث إلى نهاية اليوم أو إلى نهاية الشهر.
وهذا هو الذي يظهر من كلمات السيد الأستاذ في التعليق على كلام المحقق العراقي.
وهذا أيضاً قابل للمناقشة، لأنّنا في الحقيقة نكون قد جمعنا في اللحاظ بين اللحظات والأيام، أو بين وحدتين زمانيتين مختلفتين، وهذا تهافت في اللحاظ.
ويوضّحه ما سنقوله في الأطروحة الثالثة، من أنّنا إذا لاحظنا وحدة زمانية واحدة، كانت هي المتصفة حتى قبل حصول الحادث، فاليوم كله هو المتصف عرفاً.
الأطروحة الثالثة: أنّ المتلبّس هو الوحدة الزمانية كلها، وبذلك تفترق عن الثانية. فهنا يلحظ اليوم – مثلاً- من أوّله إلى آخره، هو زمان وقوع الحادث، حتى قبل وقوع الحادث فعلاً، ولذا نقول: إنّه وقع بتاريخ كذا.
وليس هذا من إطلاقه عليه قبل حصوله، مادام هو في علم الله متلبّساً، وهذا مُتصوَّر عرفاً.
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أما إذا قلنا إنّ الوحدة متصفة، إلا أنّ الجزء السابق على الحادث غير متصف، فهذا يعني اختلاف اللحاظ، وإنّنا أسقطنا هذه الوحدة عن اللحاظ ونقلنا اللحاظ إلى وحدة أخرى، هذا خُلف.
فإن قلتَ: إنّ هذا يلزم منه زوال الذات بزوال التلبّس، وذلك بعد انقضاء الوحدة وهو اليوم، مثلاً.
قلنا: يمكن أن يُجاب عليه بعدة أجوبة:
أولاً: أن نجعل الوحدة اللاحقة لها أو الوحدة الأكبر منها ذاتاً باقية عرفاً، فإذا كانت الوحدة المتصفة يوماً فنلحظ أياماً متتابعة، فتكون الذات محفوظة في الوحدة الأخرى.
إلا أنّ هذا غير تامّ، باعتبار التهافت في اللحاظ، لأنّه خُلف لحاظ أنّ الوحدة المتصفة هي هذه، والوحدة الثانية وإن كانت مثلها إلا أنّها ليست عينها.
ثانياً: أن ننظر إلى وحدة أوسع، فكما أنّ الحادث وقع في اليوم الفلاني، فكذلك هو واقع في الشهر الفلاني أو السنة.
وهذا ليس تهافتاً في النظر، لأننا لم ننظر إلى تقسيمات جديدة في عرض واحد.
لكن تبقى المشكلة الأساسية هي نفسها، وذلك لوضوح أنّنا إذا كبَّرنا الذات، فقد كبَّرنا الاتصاف معها، فيأتي الإشكال على الذات الكبيرة، أي إنّه مادامت الذات الكبيرة موجودة فالاتصاف موجود، وإذا زالت فقد زالت الذات والاتصاف، فلم نعمل شيئاً.
ثالثاً: أن ننظر إلى الزمان المستمر الخالي عن الوحدات، فان الوحدة إذا
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول ج2
انقضت، نبقى نلحظ الذات المتصفة خارج الوحدة، وهي ذات تبقى بعد زوال الاتصاف.
وقد عرفت أنّ كِلا التصورين للزمان مفهوم عرفاً، نعم، قيدناه بأن لا يكون سحيقاً، وإنّما منظور عرفاً.
وهذا ليس تهافتاً في اللحاظ، لأنّه انتقال من الوحدة إلى العامّ وهما ليسا متغايرين عرفاً.
فإن قلتَ: فإنّ المتلبّس حقيقة هو الذات العامّة وهي باقية.
قلنا: نعم، ولكن العرف يوافق على أنّ المتلبّس إنما هو لخصوص اليوم، أو نحوه.
فإن قلتَ: إنّ لحاظ الزمان العامّ لحاظ غير عرفي.
قلنا: بل هو عرفي في حدود ما هو المنظور لهم.
فإن قلتَ: فإنّه ينافيه وجود وحدات أخرى ملحوظة عرفاً.
قلنا: يمكن أن نلحظ الوحدات المتجددة بلحاظين: استقلالي واندكاكي في المجرى العامّ للزمان، فإن لاحظناها بالاستقلال، كان المبدأ والذات زائلين، وإن لاحظناها ضمن المجرى العامّ للزمان، كان المبدأ زائلاً والذات باقية.
فإن قلتَ: فإنّ الأوّل أوضح في ذهن العرف، فيكون هو الأولى في الأخذ به.
قلنا: هذا يبرر الإمكان لا يبرر الفعليّة.
فبقاء الذات متوقف على أمرين:
الأول: التعدد في اللحاظ، بمعنى لحاظ وحدتين في الزمان.
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثاني: لحاظ الزمان العامّ بعد انقضاء الذات المتلبّسة. وتكون الوحدات بمنزلة المصاديق لها. ويكون الإطلاق الحقيقي على الذات إطلاقاً لحاظياً.
وعلى أي حال، فهذه النظرية تختلف عن المشهور بأمور:
الأول: تحديد الذات المتلبّسة بالوحدة الزمانية لا باللحظات.
الثاني: تصور إمكان بقاء الزمان ذاتا بعد زوال المبدأ.
ثالثاً: أنّ الذات متصفة بالمبدأ حتى قبل وقوع الحادث، مادامت الذات وحدة زمانية واحدة، وإنما يكون الإطلاق المجازي قبل حصولها.
الأطروحة الرابعة: وهي مبتنية على التقسيم الثالث للزمان، وهو التقسيم بلحاظ الحوادث، فكلّما حدث حادث كانت حقبة زمانية.
وهي أفضل من الأطروحة السابقة، من جهة عدم كون الوقت السابق على الحادث متصفاً، ولكنهما يشتركان في ورود الإشكال الرئيسي، وهو زوال الذات مع المبدأ، والدفاع عنهما واحد، بلحاظ الزمان المستمر كذات باقية خالية عن التلبّس، فهما ينجحان معاً أو يفشلان معاً.
إلا أنّ لهذه الأطروحة نقطتي ضعف أخريين:
الأولى: أنها غير متصوّرة عرفاً، فإنّ هذه الحوادث متداخلة، مما يخلّ بفهمها العرفي.
الثانية: أنّه متعدّد، في حين أنّ التقسيمات الأخرى خيط واحد مقسَّم ومتسلسل، فبأي الحوادث نأخذ لتقسيم الزمان؟
مع أنّ هنا تسلسلات متعددة.
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الأطروحة الخامسة: أنّنا نلغي أي تقسيم للزمان، وننظر إلى الزمان العامّ، ونعتبره هو المتصف، ويبقى بعد زوال المبدأ عرفاً. فهي ليست كالأطروحات السابقة من حيث زوال الذات، عنه زوال الاتصاف.
وهذا تماماً مثل (زيد) المستمر، الذي يتصف بالقيام تارة، وبالقعود أخرى، وله زمن ما قبل الاتصاف، وزمن ما بعد الاتصاف.
وكذلك تمتاز عن الأطروحة الثالثة بأن الزمن السابق على الحادث، ولو بلحظة غير متصف.
وليس هذا كما قال الشيخ الأصفهاني -فيما مرّ ذكره والردّ عليه-: بأنّه نقطة في صخرة أو خشبة، لأنّ اتصاف الزمان بكله لا ببعضه، كما لو صبغت الخشبة كلّها حمراء ثم كلّها صفراء، فيأتي النزاع أنّ الخشبة بعد صبغها صفراء، هل يصدق أنّها حمراء؟ باعتبار زوال التلبّس مع بقاء الذات، فالزمان من هذا القبيل.
إلا أن الإشكال في هذه الأطروحة من ناحيتين:
الأولى: إلغاء تقسيماته كلها، أو قل: إلغاء التقسيم الأهم، وهي الساعات والأيام والسنين، وإذا كان هذا التقسيم هو الأصل أشكل فهم هذه الأطروحة عرفاً، فإن الحادث واقع عرفاً في وحدة زمانية لا في الزمان المطلق.
الثانية: أنّ الذات المتصفة تبقى مستمرة لا تزول، لكي تقع محلّاً للكلام.
اتضح من كل ذلك: أنّ بقاء الذات الزمانية متوقف على ما سميناه التهافت في النظر، بحيث نحسب الزمان المتصف بحساب الثواني والآنات. أو بحساب التقسيم الثالث، ونحسب استمرار الزمان بحساب آخر كالتقسيم الثاني أو في
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الزمان المستمر.
ومن الممكن القول: بأن هذا الإشكال عقلي وليس عرفياً، في حين أنّنا نتكلم عن فهم العرف لا العقل، ومعه لا يكون تعدد النظر وتهافته محذوراً.
ومعه يمكن الأخذ بأوضح الأطروحات، وهي التقسيم الثاني، إلا أنّنا لا نعتبر اليوم كلّه متصفاً، بل خصوص وقت وقوع الحادث، ويكون استمرار اليوم من قبيل بقاء الذات بعد زوال المبدأ، وهذا ما يقبله العرف عادة ولا يلحظ فيه تهافتاً في النظر.
فإن قلتَ: فإنّه لا تعيّن لليوم، بل لا تعيّن لهذا التقسيم أصلاً.
قلنا: نعم، هذا يختلف باختلاف اللحاظ أو التقطيع الزماني الملحوظ، فقد تكون الذات الباقية بعد زوال المبدأ هو اليوم أو هو الشهر أو هو السنة أو هو الدهر، كلّه ممكن عرفاً، فارتفع الإشكال الأصلي.
اسم الآلة(1)
[مناقشة ما أفاده المحقق النائيني من خروج أسماء الآلة عن حريم النزاع]
ذكر المحقق النائيني، إنّ أسماء الآلة خارجة عن حريم النزاع، كالمكنسة والمفتاح، لأنّه يصدق على الذات حقيقة قبل فعليّة الآلة وبعدها، ومن أوّل وجود الذات إلى نهايته، ويبقى صدقها حقيقياً إلى ان تنكسر وتزول الذات.
فيكون زوال الصفة ووجودها مع وجود الذات وزوالها، فلا يكون ركن
ــــــ[52]ـــــــ
(1) أنظر ص [99 خطية] من هذا الكتاب.
منهج الأصول ج2
المشتقّ الأصولي فيها متوفراً.
مضافاً إلى أنهم تسالموا على أنّ إطلاق الصفة قبل التلبّس مجاز، مع أنّنا نرى أنّ إطلاق اسم الآلة حقيقيّ قبل التلبس وبعده.
وقد أجاب الأستاذ المحقق(1)، بما أصبح مشهوراً بين المتأخرين من اختلاف أنحاء التلبّس.
فإنّ التلبّس على أربعة أنحاء:
1- الفعلية كالمشي.
2- الشأنية كالمثمرة.
3 – الحرفة كالنجار.
4- الآلية كالمكنسة والمفتاح.
فقد تكون الصفة صادقة على نحو دون آخر، فما دام المفتاح قابلاً للفتح فهو مفتاح، وإن لم يتلبس فعلاً بالفتح، وما دامت مبادئ هذه الأمور موجودة، فالتلبس موجود وحقيقيّ.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: إنني أعتقد أنّ هذه الأقسام جميعاً ترجع إلى قسمين: الفعليّة والشأنيّة، والأقسام الأخرى كلّها مندرجة في الشأنيّة. بل يمكن القول إنّه حتى الفعليّة ترجع إلى الشأنيّة، باعتبار فعليّة الشأنيّة، فتجمعها الشأنيّة. وهي على أقسام كثيرة لا ثلاثة كما قيل.
ــــــ[53]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 250.
منهج الأصول ج2
1 – الصلاحية كالمفتاح.
2 – الملَكة كالمجتهد.
3 – النوعية كالناطق.
4 – الجنسية كالنامي.
5 – الحالة كالممطرة.
6 – الحرفة كالنجار.
7 – المكان كالمسجد.
8 – الزمان كالمجمع. كما في قوله: «جعلته عيداً ومجمعاً للمسلمين».
ويقابلها شيء واحد هو الفعليّة المطلقة، أي الفعلية بالمعنى الأخص، أي قيام نفس المبدأ وتزول بزواله.
ثانياً: إنّ الاختلاف ما بين الفعلية والشأنية، هل هو بالوضع أو باللحاظ؟
إذ تُشعر بعض عبارات المحاضرات(1): أنّه بالوضع. مثلاً وضع الحداد لما هو شأنيّ، ووضع القاعد لما هو فعليّ، والمجتهد لما هو مَلَكة. وهكذا. وفي الحقيقة: أنّ هذه الألفاظ الشأنيّة، ليست كلها بالوضع بل باللحاظ، وهو لحاظ عرفي متعارف، ومن هنا فهمناه من الألفاظ، ويكون هو الذي يخطر في الذهن ابتداءً، بالإقتران الكامل.
ثالثاً: إنّه بعد أن تصوّر أنّ الأمر راجع إلى الواضع تذبذب: هل هو وضع المادة أو الهيئة أو بهما معا؟
ــــــ[54]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 250.
منهج الأصول ج2
قال: إنّ بعضه مربوط بوضع الهيئة، كالمفتاح والمكنسة، فإنّ المادة فيها ظاهرة بالفعليّة، والهيئة فيها ظاهرة بالشأنيّة، فهنا ظهور الهيئة كالقرينة المتصلة على صرف ظهور المادة في الفعليّة، ولم يمثّل للبعض الآخر المربوط بالمادة، ونمثّل له هنا بأمثلة تكون للمادة فيها أثر، كما في الصنعة كالحداد والنجار، حيث يدّعى وضع المواد لها.
والذي يبدو للنظر: أنّه ليس من الهيئة ولا المادة، أمّا المادة فموضوعة للطبيعي بغض النظر عن الفعليّة والشأنيّة، وأمّا الهيئة فموضوعة لإفادة النسبة، كالفاعليّة في اسم الفاعل، والمفعوليّة في اسم المفعول، فمن أين جاءت هذه الصفات التفصيلية.
وجواب ذلك بأحد شكلين:
الشكل الأول: إنكار دخل الوضع في ذلك، وإنما مرجعه إلى اللحاظ، أي لحاظ الحصّة؛ لأن الهيئة والمادة معاً موضوعتان للجامع بين الفعليّة والشأنيّة، واستعمال اللفظ العامّ في إحدى حصّتيه جائز بل حقيقيّ، وهذا الاستعمال إنما يكون باختلاف اللحاظ كما قلنا.
الشكل الثاني: أنّك إن أبيتَ الا دخالة الوضع، فيقال: إنّ المجموع من الهيئة والمادة، وضع للشأنيّة أو الفعليّة، أو أنّ الوضع الأوّل كافٍ للفعلية، ولكن نحتاج في الشأنيّة إلى وضع جديد، أعني استعماله مجازًا، أوّلاً بعلاقة الأوّل والمشارفة، ثم حصل وضع تعيّني جديد في المعنى الجديد.
وأوضاع اللغة غالباً عرفيّة اجتماعيّة، ففي يوم ما، لم يكن هناك نجار، فسمي
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول ج2
نجاراً مجازاً؛ لأنّ استعمالها ابتداءً لغير المتلبّس، فكان مجازاً، ثم أصبح مجازاً مشهوراً، ثم حصل فيه اقتران كامل، فأصبح حقيقة فيه.
والمجتهد ابتداءً، وضِع لمن يمارس عملية الاجتهاد، فلو لم يمارس وبقيت الملَكة فهو مجاز، ثم أصبح مجازاً مشهوراً، ثم حقيقة، وهكذا.
إن قلتَ: إنّ هذا الوضع تفسير للشأنيّة، وحينئذٍ يكون استعمال المشتقّات في الفعليّة استعمالاً في غير ما وضِع له فهو مجاز.
قلنا: إنّ الفعليّة إنّما هي مصداق للوضع الأصلي، وهو استعمال حقيقيّ، والشأنيّة مصداق للوضع الثالث الجديد وهو وضع المجموع.
إن قلتَ: إنّه على هذا يصبح مشتركاً لفظياً، وهو خلاف الأصل.
قلنا: إنَ هذا الاختلاف غير متعلّق بالوضع، فالوضع الأول للمادة بحيالها وللهيئة كذلك. أمّا الوضع الجديد فهو للمجموع، والمشترك اللفظي لا يكون إلا إذا وضِع اللفظ بنفسه مرتين.
وتوجد هنا نقطتان مختصرتان يحسن التعرض لهما؛ لأنّ جملة من إطلاقات الصفات الشأنية تقتضيها، كالحداد ونحوها، خاصّة كما في الأمثلة لكونها حِرف وصناعات.
الأولى: إنّهم وإن خصّوا النزاع باسم الفاعل، بعنوان كونه على وزن (فاعل)، إلا أنّ من يتخيل أنّ النزاع مختصّ به فهو ضيّق في النظر، فإنّه يشمل أموراً أخرى، أهمها الصفة المشبهة باسم الفاعل، وأغلبها كذلك، فتكون مندرجة في محل النزاع، من قبيل (فَعّال).
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ما لم تكن الصيغة دالّة على بقاء الصفة طيلة وجود الذات، كطويل وقصير. وقد يقال في مقابله: إن هذا إنما استفيد من الهيئة لا المادة. فالسمن والضعف يرد فيه النزاع.
الثانية: إنّ بعض صيغ الصناعات ليست اشتقاقيّة، وإنّما هي موضوعة للدلالة على الحرفة رأساً، وإن أدخلوها سهواً أو جهلاً أو نسياناً في محل النزاع، كالحداد، فإنّه ليس من (الحدّ)، لكي تعني قاطع الحديد، والبزّاز ليس من (بزّ)، لكي تعني قطع القماش، وتعمّ الحطّاب والحشّاش كذلك.
فهذه إن دخلت في محل النزاع فليس من جهة فعليتها المطلقة، لعدم دخولها في الاشتقاق بل من جهة شأنيّتها.
اسم المكان
بمناسبة هذا الكلام عن أسماء الآلة وأنحاء تلبّسها بمبادئها وصفاتها، نقول: إنّ نفس الشيء آتٍ في أسماء المكان، فقد تكفي الشأنيّة لصدق التلبس حقيقة، كالمسكن والمطبخ فتصدق قبل الفعلية، ولكن لا تصدق قبل الشأنيّة إلا مجازاً، وبعد زوالها تكون محلّ الخلاف.
كما أنّ بعض المبادئ يُؤخَذ فيها الفعليّة، كالمأكل والملبس والمقتل، ومعه يأتي كلام الشيخ النائيني، من أنّه قبل الفعليّة يكون إطلاقها مجازاً، وبعد انقضائه يكون محلّاً للخلاف في هذا الباب.
والأمر نفسه بالنسبة إلى الأفراد وصفاتهم، فتارة يُفرض فيها الشأنيّة، وأخرى
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الأصول ج2
تُفرض فيها الفعليّة، حسب الذوق العرفي، فالصفات الشأنيّة كالكاتب والمفكر، والفعليّة كالقاتل والضارب، وإن كان بالدقّة يمكن أخذها جميعاً باللحاظين.
ولكن قد يقال: إنّها إذا لوحظت الشأنيّة، فإنّها تبقى مع الذات وتزول بزوال الذات ولا تبقى بعدها، ما لم نتصور فرداً سقط عن الشأنيّة لمرض ونحوه، وإن أبيت فننقل الكلام إلى الكليّ.
وسيأتي مزيد بيان عن ذلك عندما نتكلّم عن أنحاء التلبسات.
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الأصول ج2

اسم المفعول

[مناقشة قول الشيخ النائيني بخروج اسم المفعول عن محل النزاع]
قال الشيخ النائيني، بخروج اسم المفعول عن محلّ النزاع في المشتقّ؛ لأنّ هيئته وضعت للدلالة على وقوع المبدأ على الذات، وهذا المعنى مما لا يعقل انقضاؤه فيه، ضرورة أنّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه، فيصدق دائماً عليه أنّه مضروب- مثلاً- وإن زال عنه التلبّس.
وأجاب الأستاذ المحقق(1) بأمرين أحدهما نقضي والآخر حلّي:
الأمر الأول: النقض بأسماء الفاعلين، فإنّها بعد وقوعها فعلاً أو شأنا لا تكون قابلة للزوال أصلاً إلا بزوال الذات، فيصدق عليه أنّه ضارب مادام حياً، لنفس التفسير العقلي الذي ذكره، وهو أنّ الشيء لا يعقل أن ينقلب عمّا وقع عليه، غاية الأمر أنّ قيام المبدأ بأحدهما صدوري، وبالآخر وقوعي أو حلولي.
الثاني: إنّه قال: إنّنا قلنا في مبحث الوضع وغيره: إنّ أسماء الفاعلين والمفعولين، لم تُوضَع بإزاء الموجودات الخارجية بما هي خارجية، لاستحالة
ــــــ[59]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 252.
منهج الأصول ج2
حضورها للذهن، وإنّما وضعت للأعمّ، أي للماهية الأعمّ من الخارجية والذهنية.
ومن هنا قد يكون للموضوع مطابق وقد لا يكون، فـ(المضروب) قد يكون موجوداً وقد لا يكون، فما دام المبدأ -وهو الضرب- موجوداً يصدق الحمل، وإذا زال المبدأ كذب الحمل. أي إنّه عند انقضاء المبدأ يدخل في محلّ النزاع، في صدق المشتقّ بعد الانقضاء وعدمه.
ونجيب على النقض تارة، وعلى الحلّ أخرى.
وجوابنا على النقض: أنّ الإشكال المذكور يصدق على أكثر المشتقّات، فإذا أخذناه بنظر الاعتبار، فلا بدّ من سدّ باب المشتق كلّه أو أكثره، لعدم توفر الشرط الثاني، وهو انتفاء الصدق مع بقاء الذات، بل يبقى الصدق ما دامت الذات، وإنما ينتفي بانتفائها.
وهذا يصدق أيضاً على الفعل الماضي أيضاً، فمن (ضرب) فسوف يصدق عليه باستمرار أنّه ضرب، ويصدق على الفعل المضارع، فلو كان في علم الله أنّه سيضرب ولو بعد سنة، فمن الآن يصدق عليه أنّه (يضرب)، وكذلك يصدق على اسم الفاعل واسم المفعول كما مرّ.
بل يصدق على اسم المكان والزمان أيضاً، فنفهم إلى الآن بل إلى الأبد أنّ كربلاء هي مقتل الحسين، وأنّ يوم عاشوراء كذلك.
نعم، صدقه على اسم الآلة محلّ نظر، وخاصّة إذا قصدنا الشأنيّة؛ لأنّ (المكنسة) مثلاً قد تسقط عن شأنيّة الكنس وهي موجودة.
فهل يقبل الأصوليون بأن يكون باب المشتقّ خاصّاً باسم الآلة، أو ينبغي سدّه
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الأصول ج2
لو كان إشكال الشيخ النائيني ثابتاً؟
وما ذكره الأستاذ المحقق من الحلّ لا يكفي، لأنّه قال: فالمضروب قد يكون موجوداً وقد لا يكون، فيقع النزاع أنّه موضوع لخصوص المتلبّس أو للأعمّ.
ومن الواضح الفرق بين الموجود والمتلبّس، فإذا زال وجوده زال تلبّسه، وإذا زال تلبّسه أمكن استمرار وجوده، فالتلازم بالانقضاء من طرف واحد. والمبحوث عنه هو صورة زوال التلبّس مع بقاء الوجود، وفي هذه الشبهة يفترض عدم ذلك واستمرار الصدق ما دامت الذات موجودة.
فالقول بأنّ (المضروب) قد لا يكون موجوداً في الخارج لا يحلّ الإشكال، وإنّما لا بدّ أن يقول: إنّ المضروب قد لا يكون متلبّساً بالصفة في الخارج، فيكون الكلام مصادرة على الإشكال؛ لأنّه يقول باستحالة ذلك مع بقاء الذات.
وإنّما ينبغي النظر إلى الحلّ من زوايا أخرى ضمن مرحلتين:
المرحلة الأولى: إننا لا ينبغي أن ننظر من ناحية عقليّة، بل من ناحية عرفيّة. فإنّ الصدق العقلي يخرجه عن حيّز أوضاع اللغة لا محالة.
بل قلنا: إنّ الفهم العرفي ما دام عملياً فإنّه يمكن التمسّك به، بل يتعين، وإن كان محالاً عقلاً.
ومعه، فلو فرضنا أنّ الصدق الدائم المُدّعى لاسم المفعول، أو لاسم الفاعل، إنّما هو صدق عقلي وليس عرفياً، كما لا يُبعَد، فإنّه لا يكون دخيلاً في اللغة.
المرحلة الثانية: إن هناك ثلاث مراحل من التلبّس لا ينبغي الخلط بينها، لا بدّ من عرضها لنجد أيّاً منها دخيل في صدق المشتقّ:
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الأصول ج2
1- الفعليّة المطلقة.
2- الشأنيّة.
3- صرف الاتصاف والتحقّق، بحيث يكون التلبّس آناً ما علةً محدثة للصدق على الذات مهما طال الزمن.
مثاله: (القارئ)، فإن الإنسان إذا كان أمامه كتاب يقرؤه، فهذا من النحو الأول. وإن كان بلحاظ قابلية القراءة فهو من القسم الثاني. وأما الثالث فباعتبار أنه يصدق عليه أنه قارئ، ما دام قد قرأ في يومٍ ما كتاباً أو قرآناً.
ولا شك إننا نجد عرفاً ولغة: أنّ الأمرين الأوليين، دخيلان في المعنى الموضوع له، دون الثالث، لصدق السلب، فيكون استعماله مجازاً؛ لأنّه ليس بقارئ لا فعلاً ولا شأناً، لأنّنا لا نقصد هذا المعنى على أية حال.
وبذلك يحصل لنا وجه آخر من الفرق، وهو أنّ القسم الثالث يحتاج إلى ضمّ عناية لصحّة استعماله، بخلاف القسمين الأوليين، فالقسم الثالث يصدق بلحاظ زمانه ومكانه، فيكون لحاظه لحاظ التلبّس، وأما إذا قصدنا الفعليّة، فهو مجاز قطعاً باعتبار نحو من العلاقة بين الماضي والحاضر.
فإن قلتَ: فإنّ هذا المورد الذي ذكره الشيخ النائيني إنما هو من المنقضي عنه المبدأ، فالبرهان على مجازيّته، إنّما هو برهان على مجازيّة المشتقّ في المنقضي، وتعيّن الوضع لخصوص المتلبّس، وليس وجها جديداً.
وجوابه على مستويين:
المستوى الأول: أن يقال: إنّه منه فعلاً، ولكن الشيخ النائيني حسب
ــــــ[62]ـــــــ
منهج الأصول ج2
استعمالَهُ حقيقياً قطعاً، فأخرجه عن محلّ النزاع، في حين أنّنا برهنا على مجازيّته؛ لأنّنا سوف نبرهن على أنّ المشتقّ موضوع لخصوص المتلبّس.
ومعلوم أنّ عنوان المنقضي عنه المبدأ لا يتحدد بزمان معين، بل يبقى صادقاً ما دامت الذات موجودة، فإذا قلنا بالوضع للأعمّ كان الاستعمال كلّه حقيقياً، إلا أنّ الشيخ النائيني تخيّل كونه حقيقياً بغضّ النظر عن ذلك.
المستوى الثاني: في إبراز بعض الفروق بين مورد الإشكال في كلام الشيخ النائيني ومورد النزاع، وهو المنقضي عنه المبدأ.
لأنه قد يقال: إنّ بينهما عموماً مطلقاً، ولعله في بعض مستويات التفكير يقال: إنّ بينهما عموماً من وجه.
فمن جملة الفروق التي يمكن عرضها ما قلناه:
الفرق الأول: من أنّ الصدق المطلق لصرف الاتصاف موجود في الفعل الماضي والفعل المضارع، وهي خارجة عن محلّ النزاع في المشتقّ.
نعم، هي صادقة على اسم الفاعل واسم المفعول، وهو مورد الاجتماع.
والفرق الثاني: أنّ الصدق لصرف التحقق والاتصاف موجود كما أشرنا قبل الاتصاف، كما قلنا في الفعل المضارع، فلو كان في علم الله يكتب بعد عشر سنين، فيصدق عليه من الآن أنّه يكتب.
والصدق قبل الاتصاف قالوا عنه: إنّه خارج عن محلّ النزاع المتعيّن فيما زال عنه المبدأ، ودخوله لم يلتفت إليه الشيخ النائيني نفسه.
والفرق الثالث: أنّنا يمكن أن نلتفت إلى أنّ الصدق المستمر لصرف الاتصاف،
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهو مورد كلام النائيني، فرع الفعليّة المطلقة، فإذا كتب الإنسان يبقى اسمه كاتباً، وإذا ضُرِب فهو يبقى مضروباً.
فالعلة المحدِثة لهذا الصدق هو الفعليّة المطلقة لا الشأنيّة، فلو كان كاتباً بالقوة وزالت شأنيته، فهل يصدق أنّه كاتب بالقوة، من زاوية فكرة الشيخ النائيني؟ كلا. في حين أنّ مورد النزاع يشمل كِلا الحقلين، وإنّ المنقضي عنه المبدأ هو الفعليّة والشأنيّة معاً، أمّا فكرة النائيني فتصدق على الفعليّة فقط.
وحينئذٍ نستنتج من الفروق أنّه إذا ثبت فرق بين تفكير النائيني ومشهور الأصوليين، فلا ملازمة بين هذا وهذا، فحتى لو قلنا بأنّ المشتقّ موضوع للأعمّ، وأنّ الاستعمال لحال الانقضاء حقيقي، فلا يلازمه أن نقول: إنّ الصدق المطلق استعمال حقيقي، بل يمكن أن يكون مجازياً، كما برهنا خلافاً للشيخ النائيني.
وهنا نقول: إنّه حقيقي بعد الانقضاء إلا في مورد اجتماعهما، ما دام بينهما عموم من وجه، فيبقى النزاع في صدق اسم الفاعل صدقاً مستمراً، وصدق اسم المفعول صدقاً مستمراً.
فإذا قلنا بأنّ المشتقّ موضوع للأعمّ من المتلبّس وغيره، فهذا استعمال حقيقي. وأمّا إذا قلنا بكِلا الفكرتين بالمجازية، فحينئذٍ يكون مورد الاختلاف والاتفاق مجازاً، ما لم يصدق صدقاً حقيقياً على المتلبّس بالمبدأ.
وهنا أجاب السيد الأستاذ(1) على إشكال الشيخ النائيني: بأن أسماء المفعول ليست كلها كذلك. فإنّ مثل: المعلوم والمطلوب والمصبوغ لا تصدق بعد
ــــــ[64]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي – محمود الهاشمي: 1: 367.
منهج الأصول ج2
الانقضاء، فإنّه إذا زال العلم بالشيء أو طلبه، فلا يبقى اسمه كذلك، وإذا كان هذا محسوساً في مضروب مثلاً، فلعله لخصوصية في مادة الضرب، لحقتها في اسم المفعول واسم الفاعل.
ويُجاب عليه:
أولاً: إنّنا لا نعتقد أنّ لمادة (الضرب) خصوصية زائدة عن المواد الأخرى، ومن غير المحتمل لغةً أنّ مادة الضرب قد قُيّدت بنحو من أنحاء الاستمرار بالصدق. ويشهد لذلك ما سمعناه من وجود نفس المعنى في غيرها، من أسماء الفاعل وغيره، كما سبق.
ثانياً: كان الأولى به أن يقول عارضاً الجواب بهذا الترتيب، وهو أن ينكر أنّ بعض المشتقات صادقة صدقاً دائمياً، كالتي مثَّل بها، وحينئذٍ فينبغي أن يقول: إنّ الأفعال كلها على نسق واحد متشابه في اللغة.
ولما لم يكن لبعضها هذه الخصوصية، إذن، فهذا الصدق الدائمي المتوهَّم مجازي وليس حقيقياً.
وحينئذ يكون للشيخ النائيني أن ينكر أنّ بعض المشتقات لا تصدق صدقاً دائمياً، إذ إنّ جميع المشتقات تصدق صدقا دائمياً كما سمعنا، فينسدّ هذا الجواب. ونحتاج إلى ضم وجدان آخر، للبرهان على أنّ الأفعال لا تصدق صدقاً دائمياً.

ــــــ[65]ـــــــ
منهج الأصول ج2

خروج المصادر والأفعال عن محلّ النزاع

أمّا المصادر فغير داخلة لعدم تحقّق الشرط الأول، وهو إمكان الحمل والجري على الذات.
والحمل إنّما يصدق مع الهوهوية، ومع نحو من أنحاء الاتحاد، إمّا مفهوماً أو مصداقاً، مع أنّ بين المصادر والذوات مباينة، لأنّ المصادر وضعت للدلالة على المبدأ أو الطبيعة المباينة للذات خارجاً، بحيث لا تقبل الحمل عليها.
وبحسب الفهم العرفي لا شك في المجازية في الحمل، وإذا تأكّد أنّه مجاز في مرتبة سابقة، أو كان ذلك واضحاً، كان الأمر خارجاً عن محلّ النزاع، أي إنّه حتى في وقت التلبّس يكون مجازاً، نحو: (زيد عدل)، حتى في وقت عدالته فضلاً عن زمن الانقضاء، فلا معنى للدخول في محل النزاع.
بل الأمر أكثر من ذلك، فإنّ الحمل كثيراً ما يكون مستقبحاً، فلا يقال: زيد ظلم أو زيد نوم أو زيد جلوس! فإنّه غلط وقبيح.
ولكن يمكن المناقشة: بأننا لو لاحظنا الدلالة المطابقية لكان الأمر كما قيل، إلا أنّنا لو لاحظنا القصد الأصلي والأساسي وهو الاتصاف بالعدالة، دخل في محلّ النزاع.
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن قلتَ: فإنّه حَمْل مجازي على كل حال، حتى حال الاتصاف فضلاً عن غيره.
قلتُ: في حال الاتصاف يكون مجازاً واحداً، وفي غيره يكون من سبك المجاز في المجاز.
فلو قلنا بالوضع للأعم، كان مجازاً واحداً لا مجازين. وهذا صحيح، إلا أنّ مبحث المشتقّ مبني على الاستعمال الحقيقي لا المجازي.
فإنّ مثل هذا التدقيق لا يقبله الأصوليون، لِما عرفنا من أنّ المهمّ هو الحمل الحقيقي، فهم لا يقبلون المجاز الواحد، فضلاً عن الاثنين، أي سبك المجاز في المجاز.
ويهوّن الخطب أنّ سائر المصادر يقبح حَمْلُها عدا القليل النادر جداً، كالعدل، فينبغي القول بخروج المصادر عن محلّ النزاع.
*****
وأمّا الأفعال فقد قالوا -كما في المحاضرات(1)-: إنّها وضِعت للدلالة على نسبة المادة إلى الذات، على أنحائها المختلفة باختلاف الأفعال، من الماضي والمضارع والطلب وغيرها.
فالفعل الماضي يدلّ على تحقق تلك النسبة، والمضارع يدلّ على ترقبها، والأمر يدلّ على طلبها.
ومن المعلوم أنّ معانيها هذه تأبى عن الحمل على الذات.
وهذا بهذا المقدار واضح الدفع، لوضوح أنّها غير آبية عن الحمل، فإنّه يمكن
ــــــ[67]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 245.
منهج الأصول ج2
أن نقول: (زيد جاء)، بناءً على أنّ زيد مبتدأ وليس فاعلاً مقدّماً، كما هو المشهور.
فان قلت: إنّ الحَمْل يقتضي الهوهوية، وهي غير متحققة، بل هي محال، لأخذ قيد زائد في الفعل غير موجود في المبتدأ.
قلنا: إنّ الهوهوية لكل حَمْل بحسبه، فإن دلّ المحمول على الذات انطبق عليها كلها، وإن لم يدلّ عليها كالفعل، انطبق على صفة منها وهذا يكفي.
فإن قلتَ: إنّ هذا لا يكفي، بل لا بدّ من الهوهوية الكاملة.
قلنا: هذا له أحد جوابين:
الأول: حمل الفعل الماضي على معنى المشتقّ المناسب عندهم، ف، (زيد جاء) أي: زيد جائي. فيكون مُتّصفاً بالمبدأ، وليس هذا تأويلاً بعيداً، بل مطابقاً للظهور العرفي، وهو قصد المتكلم.
الثاني: أنّ الهوهوية كاملة. كل ما في الفرق أنّ المشتق يعطي صورة ثابتة، والفعل يعطي صورة متحركة.
فإن قلتَ: إنّ هذا إنّما ينطبق على الفعل الماضي والمضارع، لإمكان الحمل فيها. وأمّا فعل الأمر، فالحمل فيه متعذر، فلا يعطي صورة لكي تتحقق الهوهوية.
قلنا: هذا له أحد جوابين:
أولاً: إنّنا نستطيع أن نفسره باسم المفعول، لأنّه يُستخلَص منه أنّه مأمور، وهو كافٍ هنا.
ثانياً: إنّه غير قابل للحمل ولا يصلح مسنداً إليه، فلا يصلح للقياس بالأفعال القابلة للحمل، فينبغي أن يختصّ الكلام في الفعل الماضي والمضارع.
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إذن، فخروج الأفعال عن محلّ النزاع ليس لعدم توفر الركن الأول من الركنين وهو عدم إمكان الحمل، بل باعتبار عدم صدق الركن الثاني، وهو بقاء الذات مع زوال المبدأ.
أمّا في الماضي؛ فلأنّه يصدق حتى مع زوال الذات أيضاً، سواء زالت بزوال المبدأ أو بعده. وأمّا في الفعل المضارع، فلأنّه لا يُفرَض فيه بقاء الذات بعد ذهاب صفتها.
فإن قلتَ: فإنّ الأصوليين يكتفون باحتمال إمكان بقاء الذات بعد زوال التلبّس، وإن لم يكن محرزاً، وهذا يكفي للإندراج في محلّ الكلام.
قلنا: يُجاب هذا بوجهين:
أولاً: إنّه لا يكفي عندهم احتمال بقاء الذات، بل لا بدّ من إحراز بقائها بعد زوال المبدأ.
ثانياً: إنّنا نضم مقدمتين مشهوريتين بعضها إلى بعض:
المقدمة الأولى: أن همَّ الأصوليين هو أنّ الحمل هل هو حقيقي أم مجازي بعد زوال التلبّس؟
المقدمة الثانية: أنّ المشهور يرى أنّ المجاز والحقيقة في أسماء الأجناس فقط، فهو لا يصدق على الأفعال والحروف إطلاقاً، إذن، فلا معنى للبحث فيها، وإن توفر فيها كِلا الركنين، فتكون الأفعال خارجة عن محلّ النزاع، وهذا هو مقصودهم وإن لم يعبّروا عنه.
فإن قلتَ: فنحن نقول بالمجاز في الجميع، فلماذا لا تدخل الأفعال في محلّ
ــــــ[69]ـــــــ
منهج الأصول ج2
النزاع؟ وخاصة مع إمكان بقاء الذات وزوال المبدأ، وإمكان لحاظ هذه الحصة.
قلنا لأمرين:
الأمر الأول: أنّنا لا نستطيع أن نؤكد وجود ذات زال عنها التلبّس بالمبدأ، لا في الفعل الماضي ولا في المضارع.
أمّا الفعل الماضي: فلأنه يبقى صادقاً باستمرار، حتى مع زوال الذات، فضلاً عن زوال المبدأ.
وأمّا المضارع: فإنّنا إذا لاحظنا الحصّة الاستقبالية، فالتلبّس غير موجود أصلاً الآن، فيكون الصدق فيما قبل التلبّس لا حين التلبّس ولا بعده.
وأمّا إذا قصدنا منه الحصّة الحالية، نحو (يجيء) أي إنّه متلبّس بالمجيء، فهذا لا يفترض فيه زوال التلبس؛ لأنه لا علم ببقاء الذات بعد زوال التلبّس.
الأمر الثاني: أنّ إمكان ذلك لا يقتضي لحاظه عرفاً، بل نرى أنّ حَمْل الأفعال بكل صورة على نسق واحد، سواء لاحظنا فيها حال التلبّس أم غيره. وأنّنا لا نجد في الحمل مسامحة مجازية في كل الحصص المتصوّرة.
وهذا معناه: أنّه من الأكيد وجود الاستعمال الحقيقي حتى بعد زوال التلبّس، ومادام أكيداً فيخرج عن محلّ النزاع. وإنّما يدخل فيه ما هو مشكوك فقط.
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الأصول ج2

دلالة الأفعال على الزمان

[مناقشة ما أفاده صاحب الكفاية وصاحب المحاضرات من إشكالات في دلالة الأفعال على الزمان]
ثم إنّه بمناسبة الكلام حول دخول الأفعال في محلّ النزاع، اقترح صاحب الكفاية(1) استطراد الحديث عن دلالة الأفعال على الزمان، كما قال النحويون والبلاغيون.
وهو يُعتَبر استطراداً، وبعده استطراد آخر عن الحروف، في كلامه. قال: للاطراد في الاستطراد، والاستطراد هو الخروج عن محل الكلام وموضوع النقض والإبرام، وهو ممنوع في البحوث الدقيقة، وإنما يدلّ ذلك على ضعف المنهج. ولكن لابدّ من متابعة سلفنا الصالح في ذلك.
وقد اتفق صاحب الكفاية والأستاذ المحقّق على عدم دلالة الأفعال على الزمان، خلافاً لمشهور اللغويين.
وما قيل أو يمكن أن يقال للاستدلال عدة أمور، كلّها من قبيل النقض، أي إنّ القول بدلالة الأفعال على الزمان يلزم منه إشكالات عديدة، ولم يذكروا دليلاً
ــــــ[71]ـــــــ
(1) الكفاية: 61.
منهج الأصول ج2
حلّياً، ولم يطبّقوا علامات الحقيقة والمجاز، ونحوها.
ويمكن تقسيم الإشكالات إلى سنخين: إشكالات عقلية، وإشكالات لغوية.
السنخ الأول: [مناقشة الإشكالات العقلية]
فيتضمن أربعة أو خمسة نقوض:
الأول: النقض بفعل الأمر، حيث دلّ على الطلب والإنشاء، وليس دالاً على الحال، وإن كان الإنشاء في الزمن الحالي، كما في الإخبار عن الماضي والمستقبل؛ لأنّ كلَّ أمرٍ زماني لا بدّ من وقوعه في زمان، وأمّا أن يكون الزمان مأخوذاً في مدلوله فلا.
ونتمم استدلالهم فنقول: إذن، فقول المشهور: إنّ الأفعال
قد أُخِذ فيها الزمان غير صحيح؛ لأنّ واحداً منها لم يُؤخَذ فيه الزمان، لخروج واحد منها، فتنتقض الموجبة الكلية بفرد واحد.
ونضيف أيضاً: أنّ فعل الأمر لـمّا لم يُؤخَذ فيه الزمان بصفته فعلاً، لا بصفته أمراً، فنوع الفعل وسنخه لم يُؤخَذ فيه الزمان، فلو دخل الزمان في الفعل، لأُخِذ في فعل الأمر، إذن، فالفعل مطلقاً، لم يُؤخَذ فيه الزمان مطلقاً.
وهذا قابل للمناقشة لعدة أمور:
الأمر الأول: أنّ فعل الأمر دالّ على الزمان وهو فيه استقبالي، لاستحالة الامتثال في حال الأمر؛ لعدم وجود الأمر أو لعدم تماميته، هذا هو كذلك عقلاً وعرفاً.
فيكون المأخوذ فيه زمن الامتثال، وإن لم يحصل، وهو الاستقبال بدون تحديد للقلة والكثرة، وهو مطلق، يمكن أن يبقى على إطلاقه، ويمكن تحديده.
ــــــ[72]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن قلتَ: هذا يُستفاد من الطلب لا من فعل الأمر؛ لأنّ الامتثال متعلق بالطلب، لأنّه امتثال له حقيقة.
قلنا: الطلب هنا بمعنى الطلب التشريعي، وهو مؤدّى ومدلول فعل الأمر، فما تعلق بالطلب تعلق بفعل الأمر.
الأمر الثاني: أنّنا لو تنزّلنا عن الأمر الأوّل -وهذا التنزل بلا موجب على أية حال- ففي الإمكان القول بإخراج فعل الأمر عن محلّ النزاع، ويختصّ الحديث بدلالة الماضي والمضارع، دون الأمر، لأن الأمر ليس فعلاً أصلاً.
لأنّ الفعل إنّما يكون فعلاً، بهيئته لا بمادته، والأمر تدلّ هيئته على الطلب، فهي موضوعة للأمر لا أكثر.
وأمّا تسميته (فعلاً) فهو اصطلاح علمي في علم النحو والصرف، وليس مطابقاً للواقع؛ لأنّ الفعل ما دلّ على حصول فعل بالحمل الشايع خارجاً، وهذا لا يدلّ على حصوله بل على طلبه، وهو قد يحصل وقد لا يحصل.
فإن قلتَ: فإنّ الفعل الماضي أيضاً كذلك، فإنّه قد يكون مطابقاً للواقع وقد لا يكون.
قلنا: الامتثال لا ربط له في مطابقة فعل الأمر للواقع، فانه لا يدلّ على أكثر من الطلب وقد حصل، وليس له واقع أكثر من ذلك.
وبتعبير المشهور: أنّه إنشاء، والإنشاء ليس له ما بإزاء في الخارج، بخلاف الإخبار. ومن الواضح أنّ فعل الماضي وفعل المضارع من سنخ الإخبار.
وجزى الله الأصوليين خيراً عندما سمّوه: صيغة الأمر أو صيغة (افعل)،
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ولم يسمّوه فعلاً، فهو لفظ موضوع لبيان الطلب والإرادة التشريعية، وليس مماثلا للأفعال الماضية والمضارعة.
ويمكن تلخيص الفرق بين الأمر وبين الأفعال الماضية والمضارعة، بعدة أمور:
1- إنّ الضابط في معنى الفعل: ما دلّ على حصول شيء، أي إنّ الهيئة تدلّ على حصول المادة، وذلك غير موجود في فعل الأمر، لأنّ دلالة الحصول منافية للطلب، إذ سيكون ذلك من تحصيل الحاصل وهو مستحيل.
2- إنّ الفعل الماضي والمضارع، دالّ على الزمان، إمّا بالمطابقة -كما هو المشهور والذي نفاه المتأخرون – أو بالالتزام، لكن فعل الأمر غير دالّ على ذلك، لا بالمطابقة ولا بالالتزام، وإنّما الزمان له لازم عقلي، من حيث إنّه زماني، وكل زماني لابدّ له من زمان.
3- إنّ الأمر إنشاء، في حين إنّ الماضي والمضارع من جنس الإخبار، فكيف نسمي سنخين بعنوان انتزاعي واحد؟
فالأمر ليس فعلاً، وصدق قولنا: إنّ الأفعال متضمنة لمعنى الزمان، ونقصد كلتا الحصّتين: الماضية والمضارعة.
الأمر الثالث: أنّه بعد التنزّل عن الوجهين السابقين، واعتبار الأمر فعلاً، فيمكن الالتزام بالتبعيض، بأن يكون الماضي والمضارع دالّاً على الزمان دون الأمر. ونلتزم بنتيجة النقض، ولا يكون ذلك محذوراً.
وأولى من ذلك: النقض بالجملة الخبرية التي يُراد بها الإنشاء، مثل: يتوضأ
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ويغتسل، ونحوها، فإنّها إن أُرِيد بها الإنشاء بالدلالة المطابقية كانت مجازاً جزماً، وإن أريد بها الإنشاء التزاماً، لم تخرج عن وضعها اللغوي الأصلي. فإن كان الزمان مأخوذاً فيها، كانت كغيرها من هذه الناحية.
الثاني: من النقوض التي ذكرت للاستدلال على عدم دلالة الأفعال على الزمان: ما ذكره الشيخ صاحب الكفاية(1)، من النقض بالنهي، وأنّه طلب الترك، ولا يدلّ على الحال، وإن كان الطلب في الحال.
وهذا من الغرائب؛ لأنّ النهي ليس له كلمة واحدة في اللغة، بل هو من كلمتين وضعاً واحداً لمعنى واحد، بل هما موضوعان بوضعين. فإذا حذفنا (لا) الناهية التي هي حرف، يبقى الفعل المضارع الذي سيأتي الكلام عنه.
ولو تنزّلنا جدلاً لأمكن أن نورد فيه ما أوردناه في الأمر من الوجهين أو الوجوه، فإن الفرق بين الأمر والنهي إنّما هو في طلب الفعل وطلب الترك.
وإن أبيتَ إلا إفادته الزجر عن الفعل وهو مضاد للطلب، جاء الوجهان الآخرانِ من زاوية جديدة:
1- إنّه دالّ على الزمن في المستقبل.
2- إنّ النهي ليس فعلاً أصلاً، وليس راجعاً إلى شيء من الأفعال الثلاثة حتى عند المشهور، ويكفينا أن نلتفت أنّ المجموع المركب من الفعل والحرف ليس بفعل، لإضافة الحرف (لا)، والنتيجة تتبع أخس المقدمتين.
3- إنّنا لا نتحاشى من القول: بأنّ الفعل الماضي والفعل المضارع أخِذ فيهما
ــــــ[75]ـــــــ
(1) الكفاية: 61.
منهج الأصول ج2
الزمن، دون الأمر والنهي معاً.
الثالث: كما في الكفاية: النقض باستعمال الفعل في الزمان نفسه، كقولنا: (ذهب يوم أمسويأتي يوم غد). والزمان ليس في الزمان، وإلا لدار أو تسلسل.
وذلك: أنّه يدور الأمر بين عدة احتمالات: إمّا أنّ الفعل لا يدلّ على الزمان وهو المطلوب. أو يتضمن نفس الزمان الذي تتحدث عنه الجملة، فيلزم الدور. أو يتضمن زماناً آخر غيره، فيلزم التسلسل، وهما محذوران، فيتعين الأوّل.
بعد ضم مقدمة، وهي: أنّ حكم الأفعال كلّها فيما يجوز وما لا يجوز واحد، فإذا تعيّن في بعضها عدم أخذ الزمان، فهو المتعيّن في الجميع.
نقول في الجواب: إنّ هذا الإشكال عقلي قبل أن يكون لغوياً، فما أجبت عليه هناك يأتي هنا كحلّ لغوي
حيث يقال: كيف ذهب أمس؟ هل ذهب بزمان أم بدونه؟
وهل يأتي غد بزمان أم بدونه؟
فإن قلتَ: بدون زمان. فقد حصل شيء بدون زمان وهو مستحيل.
وإن قلتَ: بزمان لزم التسلسل؛ لأنّ تصرّم الزمان الثاني المفروض أيضاً يحتاج إلى زمان، فننقل الكلام إلى هذا، وهكذا.
والجواب على ذلك عقلا ولغة: أنّ الزمان زماني بالذات، لا يحتاج إلى زمان، كالضوء لا يحتاج إلى ضوء، والحركة لا تحتاج إلى حركة وهكذا.
وإن أبيتَ إلا البرهان، فيكفي أن نلتفت إلى بعض الوجوه:
الوجه الأول: إنّنا نأخذها وجدانية قطعية، وهذا يكفي.
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الوجه الثاني: أن نأخذها هنا مسلّمة كنتيجة مبحوثة في علم آخر، يستدلّ به على ذلك، وليس هنا محله.
الوجه الثالث: أن نأخذ بالقاعدة المشهورة في الفلسفة، من أنّ ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات، وإلا لتسلسل، وما بالذات للزمان هو الزمان نفسه.
الوجه الرابع: انطباق تعريف الذاتي عليه؛ لأنّ الذاتي ما كان زواله ملازماً لزوال الذاتي: فإذا زالت الزمانية عن الزمان لم يبق الزمان.
ونعود إلى أصل الجواب بتعبير عرفي ونقول: إنّ الأشياء تتغير بالزمان، أمّا الزمان فيتغير بنفسه، وقد سبق أن أنكرنا وجود الزمان، وإنّما توجد الزمانيات فقط، فينسدّ الإشكال.
وإذا تم ذلك، وهو ذاتية الزمانية للزمان، وأنّ الزمان يتغير بنفسه لا بزمان. أمكن القول بأخذ الزمان نفسه في الأفعال المسندة إلى الزمان، ولا يلزم الدور، كما لا يتعين كونها مجازاً لتجريدها عن معنى الزمان، بل يتعين كونه حقيقة.
الرابع: ما ذكره صاحب الكفاية أيضاً(1): وهو النقض بالأفعال المسندة إلى المجردات، قال: ((وإلا لزم القول بالمجاز والتجريد عند الإسناد إلى غيرها من نفس الزمان والمجردات)).
فماذا قصد الشيخ الآخوند من (المجردات)؟ وقد أخذها إجمالية، يعني شاملة لله عز وجل، كأنه اعتبر الله تعالى من المجردات! أو أنّه أغفل النقض بالأفعال المسندة إليه تعالى.
ــــــ[77]ـــــــ
(1) الكفاية: 61.
منهج الأصول ج2
وكِلا الأمرين غير مناسب مع شأن الآخوند، أمّا اعتبار الله سبحانه وتعالى من المجردات فغير ممكن، لأنّه لا يشبهه شيء، لا من الماديات ولا من المجردات، ومع جهلنا بحقيقته كيف نصفه بما لم يصف به نفسه؟!
وأمّا الغفلة عن ذلك الإشكال، فهي أيضاً غير مستحسنة؛ لأنّه أهمّ الإشكالات، وكان الشيخ المظفر يحذر منه كثيراً، ويقول: إنّه إذا قلنا بدلالة الأفعال على الزمان تلزم إشكالات مهمّة. أقول: وقد وردت في القرآن كثيراً، كقوله تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً. وسيأتي الكلام عنه.
أمّا بالنسبة إلى الإسناد إلى المجردات من الخلق، فيمكن أن يُجاب بأمور:
الأول: وجود الدهر عندهم، فإنّه زمان، إلا أنّه يختلف عنه بأمرين:
أحدهما: عدم إسناده إلى الماديات.
وثانيهما: عدم استناده إلى حركة الشمس والقمر.
وأمّا مجرد مرور الزمان هنا وهناك، فهو نفسه، ومعه يمكن دعوى أخذ الأعمّ من الزمان والدهر في الأفعال، بل هو المتعيّن لوضوح عدم أخذ واحد منها بالخصوص، لا حركة الشمس والقمر، ولا المجردات بعنوانها.
الثاني: إنكار الوجدان الذي يبتني عليه الإشكال، وهو أنّ الأفعال لا تختلف في كون الاستعمال فيها حقيقياً دائماً، بل يمكن القول – بعد التنزّل عن الوجوه السابقة -: إنّ الإسناد العرفي إلى الزمانيات حقيقي، والى غيرها مجازي.
وتقريب ذلك: انعدام الفرق فيها بين الماضي والمضارع؛ لأن الفرق العرفي بينهما-على كلام يأتي- هو الزمان، فإذا انعدم الزمان انعدم الفرق بينهما، وإذا انعدم
ــــــ[78]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الفرق بينهما كان في الأمر تسامحاً لا محالة، ومعه يكون لذلك سبباً للمجازية.
الخامس: النقض بالأفعال المسندة إلى الله سبحانه. حيث يقال: إنّ الوجدان يقضي بكونها حقيقية، كما يقضي بأنّ الأفعال على طور واحد. فيتعين كونها خالية عن معنى الزمان؛ لأنّ الله سبحانه لا يمرّ عليه أيّ زمان ولا دهر، فإنّه غني عن كل شيء غير ذاته المقدسة.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التمسك بمفهوم السرمدية، كما تمسكنا في مرتبة المجردات بالدهر.
حيث يقال: إنّها من سنخ الزمان، وهي معنى عرفي لا عقلي فقط. فيقال: كان الله ولم يكن شيئاً، وإن الله موجود من الأزل إلى الأبد. وإنّه تعالى: لا نهائي الماضي، وهو لا نهائي المستقبل، فالاستعمالات العرفية تقرّه.
فندّعي هنا: أنّ المأخوذ في الأفعال هو الأعمّ من الزمان والدهر والسرمدية، وهي جميعاً مشمولة للزمان كمعنى عرفي، وهو الجامع للحصص الثلاث.
فإن قلتَ: إنّ السرمدية الزائدة عن ذاته، لا معنى لها في صقع ذاته، لأنّه يلزم تعدّد القدماء.
قلنا: إنّها عين ذاته، لأنّه بذاته سرمدي، وهذا كافٍ في صدق الأفعال عليه.
فإن قلتَ- إيضاحاً-: إنّ السرمدية صفة واقعية، وينتج من ذلك أمران: أحدهما: إنّها ليست عين ذاته.
وثانيهما: تعدّد القدماء.
ــــــ[79]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: أما عن التعدّد فالمحال هو التعدّد في الخارج لا في عالم الواقع، كما هو محرر في محلّه، ولو فرضناها صفة خارجية، فهي عنوان انتزاعي ومنشأ انتزاعها ليست إلا الذات.
مضافاً إلى أنّ الاتصاف بصفة واقعية ممكن خارجاً، حتى لو كانت ذاتية. يكفي مثالاً لذلك أنّهم قالوا: إنّ الجزئيّ يحتوي على الكليّ، وهو واقعي لا خارجي.
مضافاً إلى ما سبق أن قلناه من أنّ التسلسل الذي يكون مستحيلا والقدم الذي يكون مستحيلا، إنما هو إذا تصورناه مستقلاً عن الله تعالى، فتعدّد القدماء بغض النظر عن وجود الله مستحيل، وتعدّد واجب الوجود مستحيل. أمّا أن تكون هناك مخلوقات قديمة، ممكنة بالذات، فلا بأس به ولا محذور منه، وهو أمر ممكن بمشيئة الله سبحانه، وليس رغماً عليه.
كالأنوار العليا للمعصومين (عليهم السلام)، فإذا قلنا بقدمها، فهل هو قول بتعدد القدماء؟! بل هو نور ورشحة من رشحاته، ولم يخرج منه إلا إليه، والخلق كلّه مندكّ في ذاته سبحانه، حتى ما كان منه أزلياً.
فإن قلتَ: إنّ السرمدية صفة واقعية، أي في عالم الواقع، لا في عالم الخارج، فيلزم حينئذٍ أحد محذورين:
أ – إما أن يكون الواقع بصفة الواقعية جزء الذات الخارجية، وهو مستحيل.
ب – إذا لم نقل بأنّ السرمدية جزء من الذات بل هي عينها، إلا أنها زائدة على الذات الإلهية، فيلزم تعدّد القدماء.
وجوابه: ينبغي أن يكون ميسوراً:
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وذلك: أمّا المحذور الأول: وهو ما زعمه من الاستحالة، فهو مما لا ينبغي التسليم له به، إذ يمكن أن نتصور ذاتاً ما متكونة من عدّة عوالم، فالنفس الإنسانية كذلك، فإنّ الجسم من عالم الناسوت، والعقل من عالم الجبروت، والنفس من عالم الملكوت.
ويُنقَض على هذا المستشكل بما قاله مشهور المناطقة والفلاسفة، من أنّ الكليّ هو جزء الجزئي. فإنّ الجزئي الخارجي، كالفرد من الإنسان، متكوّن من كليّ مع خصوصيات وصفات زائدة، فصار الكليّ الذي هو أمر (واقعي) جزء من الفرد الخارجي. وأدلّ دليل على الإمكان الوقوع.
وأمّا المحذور الثاني: وهو أنّنا سلمنا أنّ السرمدية ليست جزءاً من الذات الإلهية، فيلزم تعدّد القدماء. فله أحد جوابين:
1- إنّ السرمدية عنوان انتزاعي وليس له وجود حقيقي بحيال الذات الإلهية ومستقلاً عنها، ومنشأ انتزاعه ذات الله سبحانه، لأنّها عين ذاته، فلا يلزم التعدّد.
2- إنّ تعدد القدماء المحال-إن سلّمناه- فهو محال في عالم الخارج، وليس محالاً في عالم الواقع، فإنّ عالم الواقع يحتوي على كلّيّات كثيرة وأزلية، ولم يلزم من ذلك تعدّد القدماء.
وبذلك انتهى الوجه الأول من الأجوبة على النقض الرئيسي على دلالة الأفعال على الزمان، من حيث انطباقها على الله سبحانه بحصّة من الجامع وهي السرمدية.
الوجه الثاني: ما قلناه في النقض السابق من تقريب المجاز، لانعدام الفرق بين
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الماضي والمضارع، فصار انعدام الزمان سبباً للمجازية لا محالة.
الوجه الثالث: ان الأفعال المسندة إلى الله تعالى تارة لها طرف واحد وهو الله تعالى، وأخرى يكون لها أكثر من طرف.
فإن تعدّدت الأطراف فلا إشكال في زمانيتها، باعتبار الطرف الثاني مثل وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً(1) ومَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ(2) و(رزقني الله ولدا) ووَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(3)، وغيرها.
فيكون ذلك من صفات أفعال الله تعالى، وهي متصفة بالزمان باعتبار متعلقها وتكون مناسبة مع العالم الذي وقعت فيه، زماناً أو دهراً ونحو ذلك.
وأما التي لها طرف واحد، وهو الله سبحانه، فهي مختصّة بفعل واحد هو (كان) بصيغة الماضي، كقوله تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً(4). ولم يسند في الكتاب والسنة فعل آخر إلى ذاته سبحانه غيره.
حينئذٍ إن فسّرناه بتفسير معتدّ به فقد أجبنا على النقض، ويرتفع المحذور عن كون مدلول الأفعال مدلول زماني، ونعود إلى الظهور اللغوي الطبيعي فيها.
ويمكننا أن نطرح هنا أطروحة تقول: إنّ (كان) هنا لبيان الحال والشأنيّة والصفة، وليست للزمان، وليس المراد منها الماضي ولا غيره.
ــــــ[82]ـــــــ
(1) النساء: 164.
(2) آل عمران: 179.
(3) الكهف: 49.
(4) النساء: 134.
منهج الأصول ج2
أو قل: إنّ (كان) موضوعة بوضعين:
الأول: بصفتها دالّة على الزمان الماضي.
والثاني: مباين للأول: وهو بيان الحال والصفة والشأنيّة، فهو من المشترك اللفظي، وإن منعوه في غير أسماء الأجناس، فمِن حاله وشأنه سبحانه وتعالى أنّه: كان سميعاً بصيراً وعزيزاً حكيماً.
والأطروحة تقول: إنّ هذا ثابت مطلقاً، وليس فيه سبحانه فقط، كقوله تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى(1) أو قوله: أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَـهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَآئِفِينَ(2) أو قوله تعالى: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ(3) وقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ(4)، مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالحُكْمَ (5)، ثم يقول: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله(6) – وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّـهُمْ(7)، يعني في
ــــــ[83]ـــــــ
(1) البقرة: 111.
(2) البقرة: 114.
(3) البقرة: 232.
(4) آل عمران: 161.
(5) آل عمران: 79.
(6) آل عمران: 145.
(7) النساء: 46.
منهج الأصول ج2
الماضي والحاضر والمستقبل وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً(1)، يعني من شأنه ذلك في الأزمنة الثلاثة.
وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ(2)، يعني ليس من شأنه ذلك. وهكذا قوله: وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ(3)، وقوله: مَا كَانَ لَنَا أَن نشرك بالله(4)… الخ.
فتحصّل أنّ لـ(كان) معنيين وضعيين حقيقيين:
1- الكون في الزمن الماضي.
2- الشأنيّة والحال، بغض النظر عن الزمن أساساً.
ولعلّه كان هذا بالأصل مجازاً، باعتبار أنّه كان في الزمن الماضي، ولا يمكن زواله في المستقبل؛ لأنّه ليس من شأنه ذلك، فأصبح لازم الذات، ثم لكثرة الاستعمال فيه أصبح حقيقة، كما يُحتمَل أن يكون هذا مصطلحاً قرآنياً، لم يسبق له استعمال في اللغة.
فأصبح من المشترك اللفظي في الأفعال، ولهذا لا نحسّ بكونه مجازاً. إلا أنّ مشهور الأصوليين لم يعترفوا بوقوع المجازية في الأفعال، ولا بوقوع الاشتراك اللفظي فيها، فوقعوا في حيرة من أمرهم.
ــــــ[84]ـــــــ
(1) الأحزاب: 37.
(2) يونس: 37.
(3) إبراهيم: 11.
(4) يوسف: 38.
منهج الأصول ج2
وحيث يستحيل الحمل على الزمان، يستحيل المعنى الأول، فيتعين المعنى الثاني في الله سبحانه، فلا يفيد قوله: وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً(1)، ونحوه، إلا أصل الاتصاف لا وجود الزمان فيه.
ونحوه قوله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(2) – إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً(3) – إِنَّ اللهَ كَانَ عليماً خبيراً(4)- وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً(5)- وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً حَمِيداً(6). وغيرها.
وهذا المعنى لا يعم غير هذا اللفظ، وهو (كان) بصيغة الماضي، دون أيّة مادة أو هيئة أخرى، حتى المضارع والأمر مِن (كان) نفسها.
وهذا التفسير يناسب الاشتراك اللفظي أكثر من الاشتراك المعنوي، لو قيل به بتصور جامع بين المعنيين، وذلك باعتبار أمرين:
الأمر الأول: أنّ الاشتراك المعنوي هو الأصل في اللغة، والآخر مترتب عليه.
الأمر الثاني: أنّ الاشتراك اللفظي فرع التباين بين الماهيات، وهنا هذا التباين غير موجود، فإنّ المادة تدل على أصل الوجود والهيئة تدل على الماضوية. فمن أين
ــــــ[85]ـــــــ
(1) النساء: 134.
(2) النساء: 29.
(3) النساء: 33.
(4) النساء: 35.
(5) النساء: 96.
(6) النساء: 131.
منهج الأصول ج2
نعرف تعدّد الوضع ولا دليل عليه؟
فلا يكون هناك ماهيتان متباينتان، لكي يُقال بالوضع المتعدّد، إذ هو فرع التباين، وهو هنا غير مُتصوّر.
وجوابه: أنّ التباين هنا لا يُراد به التباين المنطقي، كالتباين بين الأجناس والأنواع، وإنّما يُراد به تعدّد المعنى لغةً ومفهوماً، فالمطلق بصفته مطلقاً مباين للمقيَّد. والمقيَّد مباين للمقيَّد بقيدٍ آخر.
فإذا علمنا ذلك، فاستعمال (كان) في الماضويّة أو حال كونها متضمنة للزمان، مباين مع استعمال كان في الشأنيّة غير المتصفة بالزمان، لأنّ القيدين مختلفان، فصحَّ وأمكن القول بتعدّد الوضع.
فإن قلتَ: إنّ في الآية الشريفة: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ(1) فعلين: أحدهما ماضي وهو (كان)، والآخر مضارع وهو تموت، وقد استنتجنا أنّ (كان) سقطت عن إفادة الماضويّة بقرينة المضارع، فلماذا لا يحصل العكس ويكون الماضي قرينة على إسقاط المضارع؟
قلنا: إنّنا لم نقدم هذا لأجل القرينة، وإنّما سقط مدلول كان عن الماضويّة لأمرين:
1- إنّها استعملت بوضع آخر غير الزمان.
2- إنّنا نستطيع أن نجعل أحدهما قرينةً متصلة على الآخر، فيتعارضان ويتساقطان. فلا تكون هناك دلالة على الماضي ولا المضارع؛ لأنّ الشأنيّة خالية من الزمان.
ــــــ[86]ـــــــ
(1) آل عمران: 145.
منهج الأصول ج2
ويحسن هنا الإشارة إلى أنّ (لويس معلوف) قال في المنجد: إنّ (كان) قد تكون بمعنى ينبغي، نحو: ما كان لزيد أن يفعل.
فقد يخطر في البال: أنّ (الانبغاء) أفضل هنا من (الشأنيّة) المطروحة في هذه الأطروحة.
لكن هذا المعنى لا يصحّ إلا في موارد ضيقة من سياقات النفي، أمّا الإثبات فلا مجال لها، سواء في الخالق أو المخلوقين، فما معنى ينبغي في مثل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ … لَكَانَ خَيْراً لَّـهُمْ(1).
وينبغي أن يلتفت صاحب المنجد أنّ النفي قسمان: تشريعي وتكويني. و(ينبغي) تعطي مفهوم التشريع لا التكوين. أمّا ما نتكلم عنه فهو أعمّ منهما، وعندئذٍ لا يمكن تقديرها في التكوينيات: نحو قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ(2) – وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ(3).
فإن قلتَ: -مناقشة لأصل الأطروحة-: إنّ المشهور يقول: إنّ الأفعال كلّها على غرار واحد، وحيث انعدم الزمان في بعض الأمثلة، انعدم في الكل.
قلنا: هذا قابل للمناقشة من عدّة وجوه:
أولاً: إنّ الأفعال على غرار واحد في الاستعمال الحقيقي في المادة والهيئة، لا في الدلالة وعدمها على الزمان، بل في المرتبة السابقة على هذه الدلالة.
ــــــ[87]ـــــــ
(1) النساء: 46.
(2) آل عمران: 145.
(3) آل عمران: 179.
منهج الأصول ج2
ثانياً: إنّنا ناقشنا بهذه القاعدة، كما في فعل الأمر الذي ألحقوه بالأفعال، وقلنا إنّه ليس منها.
مضافاً إلى أنّ اصطلاح (الأفعال) اصطلاح متأخر موجود في علمي النحو والصرف، وليس هو مبنى عقلائياً عامّاً، لنحاول فهمه العرفي.
ثالثاً: إنّه يمكن القول: بأنّ الأفعال على غرار واحد في أوضاعها الأصلية، وأمّا هذا الفعل بالذات، وهو (كان)، فله وضع آخر يختلف عن الباقي، ولولا اختلافه في المعنى لم يحتج إلى الوضع.
رابعاً: إنّ مصاديق كل من الحصتين لو كانت متساوية أو متقاربة أمكن القول بعدم الفرق بينهما، لكن قد علمنا أنّ فعلاً واحداً فقط هو الخارج عن ذلك، وهو (كان) الشأنيّة.، فهي لا تدل على الزمان مقابل كل الأفعال الأخرى، ولا تنطبق عليها كبرى: أنّ الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. علماً إنّ (كان) في وضعها الأوّل، ملحقة بالدالّ على الزمان.
ويمكن هنا تقديم بعض الأطروحات المحتملة لتفسير وضع (كان)، وهي قد تنجح في بعض الأمثلة وتفشل في الأخرى، إلا أنّها كافية لتفسير عدم دلالة (كان) الشأنيّة على الزمان.
الأول: وهو المشهور والمتعارف: أنّها فعل ناقص يرفع المبتدأ وينصب الخبر. ومع ذلك نقول: حتى لو استعملت (كان) فعلاً ناقصاً فهي دالّة على الشأنيّة، لا الماضويّة.
الثاني: أنّها (كان) التامّة الدالّة على أصل الوجود، ويكون المنصوب بعدها حالاً أو نحوها. ولا يُراد من الوجود الحدوث، بل أصل الوجود، ففي قوله تعالى:
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الأصول ج2
مَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ(1) أي ما كان الله (موجوداً) ليطلعكم. وفي مثل قوله: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ(2). أي لا توجد نفس تدري ماذا تكسب غداً، وبأي أرضٍ تموت.
وبناءً على الاحتمال الثاني، يكون المعنى تركيزاً شديداً على الشأنيّة، أي إنّ الشأنية مربوطة بأصل الوجود، فلا تُوجَد نفس تعلم ماذا تكسب غدا، فكأنها صفة أساسية لازمة للذات، فهذا من تركيز الشأنيّة.
الثالث: أن تكون (كان) زائدة. وقد يشكل ذلك نحوياً، وأنا لا أقصد الزيادة النحوية، بل الزيادة في المعنى، فقوله: مَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ، أي: ما الله يطلعكم. وقوله: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله، أي: ما النفس تموت إلا بإذن الله. وقوله تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً، يعني: هو الله سميع بصير.
الرابع: أن تكون (كان) بوضعها الثاني لفظاً مستقلّاً، لا يشبه الأفعال الاعتيادية، لأنّ هذه متكونة من هيئة ومادة، وكلٌ منها تدلّ على شيء، فينتج منها الاشتقاق إلى ماضٍ ومضارع، وهذا ثابت لـ(كان) بوضعها الأصلي.
لكن (كان) الشأنيّة من قبيل الألفاظ الجوامد، ليس لها مادة مستقلة عن هيئتها، وقد اُستعمِلت باستعمال مشابه لـ(كان) الماضوية، إلا أنّها ليست بمعناها.
*****
ثم إنّه بعد ردّ جميع النقوض المنتجة لاستحالة دلالة الأفعال على الزمان، يعني الماضي والمضارع، بحيث أمكن عقلاً وجوده وعدمه، جاز لنا أن نستخدم علامات
ــــــ[89]ـــــــ
(1) آل عمران: 179.
(2) آل عمران: 145.
منهج الأصول ج2
الحقيقة والمجاز في فهم الزمان.
ولاشكّ أنّ التبادر والاقتران النفسي الكامل على ذلك.
أمّا صحة الحمل فعلى شكلين:
أحدهما: مثل قولنا: الفعل الماضي دالّ على الزمان الماضي، والفعل المضارع دالّ على الزمان الحاضر أو المستقبل، وهو صادق، ولذا سُمّي الفعل الماضي ماضياً.
إلا أنّ هذا لا يتمّ:
أولاً: إنّ موضوع الحمل ينبغي أن يكون نفس اللفظ المشكوك، ثم نَحمِل عليه المعنى. أمّا أن يكون الموضوع عنواناً انتزاعياً من الأمر المشكوك فلا، وهو هنا كذلك؛ لأنّنا لم نأتِ بـ(قام) و(قعد) بل أتينا بعنوان الفعل الماضي والمضارع، وهو عنوان انتزاعي من الجزئيات التي ينبغي استعمالها بنفسها.
ثانياً: إنّ هذا الحمل إنمّا يصدق نتيجة للتبادر، فيرجع إليه، وليس هو علامة مستقلة، فإنّ حصل التبادر من الفعل الماضي للزمان الماضي، صحَّ هذا الحمل، وإلا فلا.
إلا أنّ هذا ليس إشكالاً في هذه المسألة، وإنّما هو إشكال على أصل علامية الحمل؛ لأنّه يجعلها فرعاً للعلامة الأخرى، وهي التبادر.
ثالثاً: إنّ هذا مصادرة على المطلوب، من حيث إنّ الحمل في قولنا: الفعل الماضي دالّ على الزمان الماضي. هو محلّ الخلاف، فأخذه مسلَّم الصحة أوّل الكلام، فيكون مصادرة على المطلوب، إلا أن يقترن بحجّة، كالتبادر أو الإقتران.
ثانيهما: أن ندخله في جملة، نحو قام زيد أو زيد قام، فإن كان الفعل قد وقع في
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الزمان الماضي، فقد صدق؛ ونحوه في المضارع. ولو كان العكس كذب بلا شك. ولو كان الفعل مجرداً عن الزمان، لم يفرق في ذلك.
نعم، من نفى دلالة الفعل على الزمان، فسّر ذلك بما يناسبه، وسيأتي الحديث عنه.
السنخ الثاني: الإشكالات اللغوية
من الاشكالات على دلالة الفعل على الزمان: الاشكالات اللغوية، وهي عدّة:
الأول: ما يستفاد من المحاضرات(1)، من أنّ الفعل هل يدلّ على الزمان بمادته أو هيئته.
إن قلتَ: بمادته، فهو ليس بصحيح؛ لأنّ المادة لا تدلّ إلا على الطبيعة المهملة التي هي المصدر.
وإن قلتّ: بالهيئة. فهي تدلّ على نسبة المادة إلى الذات، بنحو من أنحاء النسبة، وهذا لا ربط له بالأمر، فالفعل لا يدلّ بمادته ولا بهيئته على الزمان، ولا شيء ثالث في البين.
ويمكن في الجواب أن نختار: أنّ الفعل دالّ بهيئته على الزمن، أمّا المادة فهي موضوعة للطبيعة المهملة، أو أنّها موضوعة بوضع أسماء الأجناس، فلا ربط لها بالزمن.
والمربوط بالزمن إنّما هو الهيئة؛ لأنّه إنّما أصبح فعلاً بهيئته، وكذا اسم
ــــــ[91]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 246.
منهج الأصول ج2
الفاعل وسائر المشتقات. والسبب الذي جعله فعلاً ماضياً هو الزمن، بدلالة الهيئة المميِّزة له من بين المشتقات.
ويرد على ما قاله في المحاضرات عدّة إشكالات:
أولاً: قوله: إنّ الهيئة تدلّ على نسبة المادة إلى الذات، غير صحيح؛ لعدم افتراض ذات في مدلول الفعل، وعدم افتراض اندراجه في جملة، والزعم بدخول الذات في مدلول الفعل أشنع من الزعم بدخول الزمان.
والمشهور اختار القول ببساطة المشتقّ في أسماء الفاعل والمفعول، يعني خلوّها عن الذات، فيكون دلالة الفعل عليها أشنع.
فإن قلتَ: إنّنا نحسّ بالوجدان الدلالة على الذات في (قام) يعني: أنّ شخصاً يقوم.
قلنا: يأتي جوابه في مبحث بساطة المشتقّ، إلا أنّ ما يقال هنا هو: إنّ الارتكاز العقلي الواضح أنّ لكل فعل فاعلاً، وهذا الارتكاز يسيطر علينا ثبوتاً، في مثل: إنّنا إذا رأينا دخاناً قلنا إنّه صادر من نار. وإثباتاً: وهو أن نفهم أنّ الأفعال صادرة من فاعلين، وهذا ليس فهماً لغوياً، وإنّما هو ملازمة عقلية وعرفية نفهمها بوضوح.
وللنحويين الحق في تقدير ضمير فاعل للفعل، تقديره (هو) – مثلاً- بهذا الارتكاز؛ لأنّه بدونه يستحيل صدور فعل بلا فاعل ظاهراً وباطناً.
الثاني: قوله: بنحو من أنحاء النسبة، لا بدّ أنّه يريد بها اختلاف الأنحاء باختلاف المشتقات، فنسبة هيئة اسم الفاعل إلى مادته نسبة فاعلية، ونسبة هيئة اسم المفعول إلى مادته نسبة مفعولية، وهكذا نحو النسبة في الأفعال.
ــــــ[92]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهذا لا يتم لأمرين واضحين:
الأمر الأول: أنّ المصدر واسم المصدر، خاليان من معنى الذات جزماً، مع أنّ هيئته اشتقاقية، فإذا كانت كل هيئة اشتقاقية دالة على نسبة المادة إلى الذات، فماذا هو الحال في المصدر واسمه؟! مع العلم أنّ القاعدة العقلية في احتياج الفعل إلى الفاعل لا تتخلف.
الأمر الثاني: أنّ النحو المشار إليه بقوله: (نحو من الأنحاء) معلوم في اسم الفاعل واسم المفعول، ولكنّه غير معلوم في الأفعال، وهذا لا يكفي لأنّنا عرفيون، ويمكننا أن نفهم اللغة. فإن كنتَ لا تعرف فنحن نعرف: أنّ هذا النحو هو الزمان.
الثاني: من الإشكالات اللغوية على الدلالة على الزمان.
وصورته إجمالاً: أن يقال: إنّ سنخية دلالة الفعل على الزمان، على عدّة محتملات، فإذا أثبت المستشكل بطلانها جميعاً تعيّن عدم دلالة الفعل على الزمان. ويكفي في جوابه اختيار أحد هذه المحتملات، فنكون قد فهمنا بالدقة أحد احتمالات دلالة الفعل على الزمن.
فيجب عرضها بالتفصيل، انطلاقاً من إشارة وتلميح ورد في المحاضرات(1)، ولم يدخل في التفاصيل، بناءً على مبناه في عدم الدلالة على الزمان، فقال: «إنّ المتصوّر احتمالات: أمّا أنّ الفعل دالّ على الزمن، أي دخوله فيه قيداً أو تقيّداً، أو دخوله فيه تقيّداً لا قيداً».
أقول: وهذه التسمية منقولة إلى الأصول من تعريف الجزء والشرط في
ــــــ[93]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 246.
منهج الأصول ج2
العبادات، من حيث إنّ الجزء عند المشهور داخل قيداً وتقيّداً، أي ذاتاً واشتراطاً، والشرط داخل تقيّداً وخارج قيداً، أي داخل اشتراطاً وخارج ذاتاً.
فننطلق من هذه الإشارة إلى تفصيل الصور، وذلك: أنّ صور أخذ الزمان في مداليل الأفعال عديدة:
1 – أن تكون الهيئة موضوعة للزمان مطابقة، قيدا وتقيّداً.
2 – أن تكون دالة على الزمان مطابقة، تقيّدا لا قيداً.
3 – أن تكون دالة على الزمان بالتضمن.
4 – أن تكون دالة عليه بالالتزام.
5 – إنّها دالة على أصل الزمان، وعلى صفة الزمان.
ولا بدّ من الجزم بذلك، من تحكيم علامات الحقيقة والمجاز العرفية.
أما الصورة الأولى: وهي أحد الاحتمالات المستفادة من المحاضرات، وهي دخول الزمان مطابقة، قيداً وتقيّداً.
فدخول الزمان هنا قيداً، أي بذاته، بحيث تكون ذات الزمان قيداً في الفعل. وهذا له عدّة أنحاء، لأنّ الدخيل إمّا المفهوم أو الذات، وعلى كِلا التقديرين إمّا مطلق أو مقيّد، فهنا عدّة أنحاء:
النحو الأول: أنّ القيد هو مفهوم الزمان بالحمل الأولي. ومعناه أنّنا نفهم من هيئة الفعل بالمطابقة، معنى الزمان، أي معنى كلمة (الزمان)، وهذا وجداني البطلان.
النحو الثاني: أنّ القيد هو حصّة من الزمن بالحمل الأولي، وليس مطلق الزمان
ــــــ[94]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أو مفهومه، بل هو حصّة منه، كالزمن الماضي والزمن الحاضر، ونحو ذلك.
وهذا ليس بصحيح، وهو وجداني البطلان، وإلا لفهمناه منه بالمطابقة؛ لأنّ معناه أن هناك نحواً من الترادف بين الهيئة وهذا المفهوم، فمن هيئة الفعل الماضي نفهم معنى (الزمن الماضي)، ولازمه: أنّ الجزء التحليلي للكلمة يحمل معنى كلمتين أو أكثر، لأنّ الهيئة جزء تحليلي من (قام)، ومعناه كلمتان: الزمان الماضي. وفي المضارع أكثر من كلمتين، وهي: الزمن الحاضر والمستقبل؛ وكله غير محتمل وخلاف الوجدان.
النحو الثالث: أن يكون مطلق الزمان قيداً بالحمل الشايع لا الأولي، أي واقع الزمان قد وضعت له الهيئة.
وبذلك يشبّه بالجزء الداخل قيداً وتقيّداً. لأنّ القيد في الجزء هو الذات بالحمل الشايع، يعني الذات الخارجية لا المفهومية.
إلا أنّه -مع ذلك- لا يتمّ، لأكثر من وجه:
أولاً: إنّه من الأكيد وجود الاختلاف بين الفعل الماضي والفعل المضارع، وهما غير مختلفين في أصل الدلالة على الزمن، وإنّما الاختلاف في الحصّة، فهذا مقيَّد بالحصة الماضويّة، وهذا مقيَّد بالحصّة المستقبلية، فإذا قلنا: إنّ الموضوع له أصل الزمن، لم يختلف الماضي عن المضارع.
ثانياً: لأنّ الخارج بما هو كذلك لا يكون قيداً للمفهوم. للزوم السنخية بين القيد والمقيَّد.
فإن قلت: المادة أيضاً دالّة على الخارج، فيكونان من سنخ واحد، وهذا يكفي.
ــــــ[95]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: كلا. فإنّ المعنى الموضوع له، وإن كان كذلك، إلا أنّه في طول الاستعمال سيكون معنى مفهومياً، أي صورة ذهنية، والهيئة طارئة على المادة في طول الاستعمال، يعني بما هي لفظ.
فإن قلتَ: فإنّ الحال في الهيئة كذلك.
قلنا: المفروض أنّها موضوعة لواقع الزمان، فتأمل.
وعلى أي حال، فإنّهم إن تخيّلوا أنّ معنى دلالة الفعل على الزمان هو ذلك، فهو كما قالوا يقيني العدم، وما نثبته -كما سيأتي- ليس هو ذلك كلّه.
والمهم كأننا حصلنا إلى الآن على صورة معقولة لدلالة الهيئة على الزمان، وهو أنّها موضوعة لواقع حصة زمانية معينة، ومستعملة فيها، وفي طول الاستعمال تصبح مفهوماً ذهنياً مقيِّدا للمفهوم المستعمل في المادة.
لا يقال هنا: إنّ الهيئة لو كانت دالّة على حصّة خارجية من الزمن لفهمناها بالدلالة المطابقية ودلّت على مفهوم الزمان، ضمن تلك الحصّة، وهو منفي بالوجدان.
فهنا يقال: إنّها اُستعمِلت في الزمان بالمعنى الحرفي لا الاسمي، وبذلك أصبحت قيداً للمادة، لا مفهوم الزمان، وإنّما هو مقيِّد للمادة على نحو الاستعمال الحرفي، والهيئات كالحروف قيد حرفي للمادة.
الصورة الثانية: ويُصار إليها بعد فشل الصورة الأولى، وهو دخول الزمان في دلالة الأفعال قيداً أو تقيّداً.
فهنا يقال: بدخولها تقيّداً لا قيداً، يعني أنّ الزمن مرتبط بالأفعال، دون ذاته،
ــــــ[96]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وبهذا يختلف عن الأوّل، حيث كان يفترض فيها كون ذات الزمان موضوعا له، وأنّ الزمان داخل ذاتاً، إمّا بمفهومه أو بواقعه كما فصّلنا.
أمّا هنا فهو خارج عن المعنى الموضوع له، وإنّما الداخل هو التقيّديّة، وهذا معنى سينفعنا في بعض التفاصيل. فتكون المادة موضوعة لمعنى الضرب مثلاً، والهيئة موضوعة لمعنى التقيّد بالزمان. فالإشكال الساري في عدد من الصوّر السابقة لا يأتي هنا، لعدم دخول ذات الزمن، والدلالة هنا بالملازمة لا بالمطابقة، لأنّ وجود التقيّد دالّ على وجود القيد.
وحينئذٍ تَرد هنا تقسيمات تشبه التقسيمات السابقة، فإنّ طرف التقييد هل هو مفهوم الزمان بالحمل الأولي أو هو واقعه بالحمل الشايع؟ مضافاً إلى أنّ طرف التقييد هل هو مطلق الزمان أو هو مصداقه وحصّة منه؟ كما هو الصحيح وجداناً مضافاً إلى كون المقيّد هل هو المادة أو الهيئة؟ فالاحتمالات ثمانية.
وينبغي الإشارة هنا إلى إخراج ما هو غير محتمل من التقسيمات المحتملة.
وذلك: أنّنا نخرج أولاً: كل ما ارتبط بالتقييد بالزمان بالحمل الشايع، أي واقع الزمان، سواء أريد به واقع الزمان المطلق أو واقعه المقيَّد، لما قلناه من ضرورة وحدة العالم بين القيد والمقيّد، والمفروض أن المقيّد هنا عالم المفهوم، أي الوجود الذهني، والقيد موجود خارجي.
فخرج بذلك عدة احتمالات، كلها تندرج تحت هذا العنوان، بل هذا أولى بالبطلان من النحو السابق؛ لأنّ المفروض أنّ واقع الزمن غير الموضوع له يكون قيداً. بخلافه على النحو السابق، فإنّ المفروض أنّه يكون موضوعا له، إذن،
ــــــ[97]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فكونه قيداً أكثر احتمالاً.
فإن قلتَ: إنّنا أجبنا عن هذا الإشكال هناك: بأنّ واقع الزمان يصبح مفهوماً بالاستعمال، فلا يكون فيه بأس.
قلنا: ذلك الجواب لا يأتي هنا، للفرق الذي أشرنا إليه، بين النحوين، فإنّ ذات الزمان خارجة في النحو الثاني عن الموضوع له، فهي خارجة عن المستعمَل فيه الحقيقي، فإذا لم يُستعمَل فيه اللفظ لم يتحول من واقع إلى مفهوم.
فالمادة المفهومية المستعمَل فيها اللفظ، تكون مقيَّدة بواقع الزمان الخارجي، لا بمفهومه، وهو أوضح إشكالا هنا وأولى بالخروج عن الصوّر الممكنة.
ويبقى إخراج شيء آخر: وهو كون مطلق مفهوم الزمان على سعته قيداً. فإنّه غير محتمل، فيخرج هذا سواء كان قيداً في المادة أو الهيئة؛ لأنّ مطلق الزمان لم يُؤخَذ لا في الماضي ولا في المضارع، وإنّما أخِذت حصّة خاصّة منه.
ويبقى من المحتمل عملياً: أخذ مفهوم حصّة من الزمن، خارجة عن المعنى الموضوع له، وتكون الهيئة دالّة على الربط به، أي الوقوع في الزمن الماضي.
بقيت احتمالات بسيطة، مربوطة بالتقييد بمفهوم الزمان، وأحدها غير محتمل: وهو أن يكون مطلق الزمان الساري قيداً؛ لأنّ الفعل الماضي لا بدّ أن يكون مقيَّداً بالماضي وكذا المضارع، لا بد أن يكون مقيَّداً بالحصّة، فاحتمال كون الفعل دالّاً على مطلق الزمن باطل.
بقي احتمال دلالته على مفهوم حصّة خاصّة من الزمن، على أن يكون التقيّد داخلاً، وذات الزمان خارجة.
ــــــ[98]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وفي المقيّد احتمالان: هما أن يكون المقيّد هو المادة، والآخر أن يكون هو الهيئة. فنقول: أمّا تقييد المادة الدالّة على الكليّ أو الماهية المجردة، فهو في نفسه غير محتمل دخول الزمان فيها.
وإنمّا تقيَّد بقيدٍ خارجي عنها، أي بقرينة متصلة كالهيئة، فإذا كان الزمان قيداً للمادة فإنّما هو باعتبار الهيئة.
وأمّا لو كان قيداً للهيئة ابتداءً، فيقع السؤال عما هو الجزء الثاني لها وهو المقيّد. ويمكن أن يُجاب: بأنّ المقيّد هو الوقوع أو الحدوث، يعني الوقوع في الزمن الماضي، فالهيئة تدلّ على الربط الحرفي بين الحدوث والزمان والفعل.
وهذا وإن كان قريباً من الذوق، إلا أنّه غير صحيح؛ لأنّ اللازم من ذلك أن نفهم معنى الوقوع والحصول بالدلالة المطابقية أو التضمنية من الهيئة، مع أنّنا لا نفهم معنى الحدوث بل مصداقه.
لكن يُجاب عليه: بأنّنا نرفع اليد عن مفهوم الوقوع في الهيئة، وإنّما هو مأخوذ في معنى المادة، أي إنّ مادة الذهاب تدلّ على حصول الذهاب، وتدلّ الهيئة على ربط الحصّة المفهومية من الزمن بالمادة ربطاً حرفياً، من حيث حصوله في الزمن الماضي.
فالهيئة لا تدلّ على الزمن لا مطابقة ولا تضمناً، بل تدل على تقييد المادة بالزمن.
وهذا هو النحو الثالث الذي نسميه بالالتزام، وإن لم يكن كذلك بالاصطلاح، فقد تحصّل عدّة أشكال من الفهم والأطروحات الممكنة في دلالة الفعل على الزمن بالمعنى الحرفي الذي يناسب الهيئة، ولا إشكال فيه.
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كل ما في الأمر أنّ هيئة الماضي تدلّ على الوقوع في الزمن الماضي، وهيئة المضارع تدل على الوقوع في المستقبل.
وأنا أعتقد أنّ المضارع يدلّ على المستقبل إذا لم توجد قرينة وعناية للدلالة على الحاضر، ومن هنا ينسبق إليه.
لا يقال: إنّه موضوع للجامع بين الحاضر والمستقبل.
فإنّه يقال: إنّ الجامع لا ينسبق، بل الحصّة، مع أنّ هذا الانسباق حاصل في المستقبل. نعم، يصلح هذا أن يكون دليلاً على عدم الانسباق إلى الحاضر خاصّة.
فإن قلتَ: فإنّ استعماله في الحاضر، لا يحتاج إلى قرينة وهي علامة الحقيقة.
قلنا: يمكن إنكار ذلك، كل ما في الأمر أنّ القرينة ارتكازية معتادة.
فإن قلتَ: فإنّ تعيين المستقبل يحتاج إلى قرينة بالسين أو سوف، ولو كان دالّاً على ذلك لغة، لما احتاج إلى ذلك.
قلنا: في هذا الكلام غفلة عن العرف واللغة؛ لأنّ الجواب يكون على مستويين:
المستوى الأول: أنّ الاستقبالية في المضارع إذا تُرِكت بدون قرينة تكون أقلّ وضوحاً، لكنها تزداد وضوحاً بها.
المستوى الثاني: أنّ المستقبل الموضوع له الفعل المضارع هو الأعمّ من القريب والبعيد، فاستعماله لوحده يكون مجملاً، ويفسّره السين وسوف، فالأوّل للقريب والثاني للبعيد.
ومما تقدم نعرف عدم دلالة فعل الأمر على الزمن؛ لأنّ الفعل الماضي والمضارع يدلّ بهيئته على الزمن، في حين يدل فعل الأمر بهيئته على الطلب، ولا إشعار فيه للزمان.
ــــــ[100]ـــــــ
منهج الأصول ج2
نعم، لازمه الغالبي هو الامتثال. أو قل: إنّ المطلوب فيه هو المادة، وهو لا يكون إلا في المستقبل. إلا أنّه أمر عقلي غير ملحوظ لغة، بدليل عدم وجود الإقتران مع الزمان.
[مناقشة استدلال المحقق الخوئي بدليل التعهد على عدم دلالة الأفعال على الزمان]
ثم إنّ الأستاذ المحقق بعد أن أنكر دلالة الأفعال على الزمان، كان مسؤولاً عن التفريق بين الماضي والمضارع، لأنّه مع سلب الزمن لا يبقى فرق بينهما، وهذا يلزم منه إمكان استعمال أحدهما في محل الآخر، وهو خطأ فاحش على ما زعم (1).
غير أنّ هذه المقدمة غير تامّة، لوضوح إمكان استعمال الماضي والمضارع في محل بعضهما البعض، وله شواهد كثيرة من الآيات الشريفة. كقوله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(2) – ƒإِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ(3) – ƒإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ(4) – ƒوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً(5) – ƒوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ(6).
ــــــ[101]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 247.
(2) القمر: 1.
(3) التوبة: 40.
(4) الأنفال: 49.
(5) الرعد: 43.
(6) الرعد: 7.
منهج الأصول ج2
أقول: مع أنّنا لا نعترف -كمشهوريين- بالمجاز في الأفعال.
فإن قلتَ: بأنّ هذا منظور فيه الزمن الذي يصحّ فيه الاستعمال، بمنزلة الحكاية عن ذلك الوقت.
قلنا: كلا، بل المفهوم ظهوراً هو لحاظ الزمان الحاضر، إلا بقرينة بخلافه.
إذن، فاستعمال أحدهما في محلّ الآخر يصحّ حقيقة. أمّا من حيث وجهة نظرنا، فلأنّه مجاز مقترن بقرينة حالية، والهدف فيه هو التأكيد. وأمّا من وجهة نظر المشهور فبإسقاط الزمان، ولا حاجة إلى تبريرها أكثر من ذلك.
إلا أنّنا لو تنزّلنا وقبلنا المقدمة، فجوابه مبني على اعتقاده بأنّ الألفاظ تدل على القصد النفسي، وخاصة في التصديقات كالإخبار والإنشاء، وقد قال نحو ذلك في الأفعال: بأنّ الماضي دال على قصد المتكلم للحكاية عن تحقق المادة مقيَّدة بكونها قبل زمان التكلم، والمضارع مقيَّد بكونها حينه أو بعده.
وقال: إنّ هذا يصلح أن يفسّر موارد الاستعمال في موارد الإشكالات على الدلالة على الزمن، كالنسبة إلى الله وإلى الزمان وغير الزمانيات.
وقد ناقشنا هذا الفهم في مبحث الوضع، وقلنا: إنّ مقدماته لا تصحّ أساساً، وذلك لأنّه يقول: إنّ الوضع هو التعهّد، وإن كل فرد من أهل اللغة يتعهّد أنّه إذا أراد إبراز أحد المعاني، فأنه يأتي بلفظ معين.
وقد أشكلنا هناك بإشكالات سبعة، وقلنا: إنّ الوضع ليس هو التعهّد، بل هو القرن الجعلي الكامل بين اللفظ والمعنى نفسياً أو ذهنياً، من باب تداعي المعاني.
وقولنا: الكامل، إخراج للمجاز الشائع الذي لا يحتاج في استعماله إلى قرينة،
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ومع ذلك فالإقتران فيه ليس كاملاً بل ناقص، فالعلقة الوضعية لا تكون إلا بالاقتران الكامل.
ثم إنّه فرّع على مسلكه عدة نتائج وتفريعات:
منها: إنّ ما هو الموضوع له ليس هو ذات المعنى، فلفظ الماء ليس موضوعاً للماء الثبوتي، أي ما هو بالحمل الشايع ماء(1)، وإنّما هو موضوع لقصد إبراز إرادة معنى الماء، وهذا التصوّر يُخالف طبعاً الفهم العرفي والعقلائي، بأن اللفظ موضوع لذات الأشياء.
ومنها: وهو ما نصّ عليه(2): أنّ الدلالة تابعة للإرادة، وأنّ الإرادة مأخوذة في نفس الوضع؛ لأنّ التعهد يعني ذلك. فإذا كانت الإرادة موجودة فشرط الوضع موجود، والمعنى الموضوع له موجود. وأمّا إذا كانت الإرادة غير موجودة، وصدر اللفظ من ناطق غير مريد، فهو استعمال غير وضعي، لأنّ قيد الوضع وشرطه الأساسي غير متحقق.
وينبغي الالتفات: أنّه بناءً على هذا لا يستطيع القول: إنّ الاستعمال حقيقي لفقدان شرط وضعه، ولا مجازي، لأنّ المجاز أيضاً يحتاج إلى قصد وإرادة، والمفروض عدمها عند المتكلم، فهذا الاستعمال لا حقيقي ولا مجازي.
ومن هنا قال الشيخ المظفر(3) -الذي يذهب إلى نفس الرأي-: بأنّ هذا وهم
ــــــ[103]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 48.
(2) محاضرات في أصول الفقه: 1: 111.
(3) أصول الفقه: 1: 20.
منهج الأصول ج2
لتداعي المعاني، وليس لأجل علقة وضعية أو مجازية.
ونحن بعد أن قلنا: إنّ الوضع ليس هو التعهّد، نرفض كل هذه النتائج، والوضع هو الإقتران الكامل بين اللفظ بالحمل الشايع والمعنى الخارجي أو الواقعي، على إيضاح ذكرناه هناك.
وهذا ينتج نتائج مخالفة لنتائج مسلك التعهّد.
منها: إنّ ما يراه العرف وأهل اللغة إجماعاً من أنّ المعاني هي ذوات الأشياء، وليس القصد النفسي لإبرازها، هو الصحيح؛ لأنّ ما هو طرف القرن هو ذاك، وليس هو القصد.
ومنها: إنّ الدلالة ليست تابعة للإرادة، بل لسماع اللفظ، فإنّها وظيفة السامع وليست وظيفة المتكلم أو الناطق، والمفروض أنّ السامع يُوجَد في ذهنه هذا الإقتران الجعلي الكامل، فإذا تذكر اللفظ تذكر المعنى، بقانون تداعي المعاني.
ومنها: -وهذا لم يشر إليه الأستاذ المحقق-: إن الموضوعات في اللغة لا تختص بأسماء الأجناس، كما خصّها الأصوليون، بل هناك الهيئات والنسب الخاصّة والعامّة، وكلّها موضوعة في اللغة.
وقلنا: إنّ استعمالها في المعنى الموضوع له حقيقي وفي غيره مجازي. ومعه، فنقول: إنّ هذه الأمور كلّها غير تابعة للإرادة.
التحقيق في الإنشاء هل هو موضوع للأمر الثبوتي أم للقصد النفسي؟
يبقى عندنا شيء لا بدّ من التحقيق فيه، في أنّه هل هو موضوع للأمر الثبوتي أم للقصد النفسي؟ وهو (الإنشاء).
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن الإخبار موضوع للأمر الثبوتي، ولذا إذا طابقنا النسبة للواقع كانت صادقة. وإذا خالفته كانت كاذبة. وأمّا على ما فسّره الأستاذ المحقق فإنّه يكون صادقاً دائماً؛ لأنّ القصد إلى إبراز المعنى متحقّق.
أمّا الإنشاء فقد يقال: إنّه موضوع للقصد النفسي؛ لأنّه غير قابل للصدق والكذب.
ولو دقّقنا النظر نجد أنّ كليهما موضوع لعالم الثبوت، إلا أنّ عالم الثبوت في الإخبار هو الواقع، أمّا عالم الثبوت في الإنشاء، فهو الحالة النفسية.
وينبغي أن نفرق بين ما هو ذهني وما هو نفسي، فالترجّي والتمنّي عواطف نفسية وليست صور ذهنية؛ لأنّ الصور الذهنية لا يفرق بين كون متعلقها إخباراً أو إنشاءً.
وأما المعاملات، فليست من هذا القبيل، وإن لم يصدق الكذب والصدق فيها، وإنّما هي تواضع عرفي، بحيث تكون سبباً للنتيجة على نحو العلة الغائية، والعلة الغائية تكون في أوّلها فكرة وفي آخرها حصول الغاية وتطبيقها. فمعاملة البيع في أوّلها قصد البيع وفي نهايتها إيجاد البيع.
ومن هنا يكون من قال بأنّ الإنشاء مطلقاً قصديٌّ، أو بالوضع كلّه إنّه قصديٌّ، لاحظ الأمر الأول. ومن قال بأنّ الإنشاء إيجادي لاحظ الأمر الثاني. مع العلم أنّ المعاملات تختلف عن غيرها من أقسام الإنشاء، بأنّ غيرها لا يُوجَد بعده شيء، وفي المعاملات يوجد شيء في عالم الاعتبار.
كما أنّ قصد المعاملة ليست حالة نفسية كالاستفهام والتمني، بل حالة عقلية. فهما يختلفان في المنشأ والمآل.
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وحيث إنّه لا توجد ألفاظ خاصة بالمعاملات، اُستعمِلت فيها ألفاظ الإخبار كـ(بعتُ وقبلتُ) مسلوخاً عنها معنى الإخبار، وهي -بهذا المعنى- من جنس المجاز.
اللهم إلا أن تقول بالاشتراك اللفظي، يعني يُوجَد وضع آخر خاص بالمعاملات، ويلاحظ هنا أنّها وضعت بهذا الوضع، بدون مادة وهيئة، وإلا لكانت إخباراً كما هو واضح، أو وضعت هيئتها للإنشاء لا للدلالة على الماضي.
ومن نتائج ذلك بطلان كلتا المقدمتين للأستاذ المحقق:
الأولى: إنّ الفعل الماضي والفعل المضارع، لا يمكن استعمال أحدهما في محلّ الآخر، بل يمكن ذلك مجازاً، وإذا جاز مرة جاز مرّات. والفرق ان المجاز يكون على نحوين: فإما أن نقول: ان الفعل الماضي مقيّد بالدلالة على الزمان الماضي. فيكون استعماله من غير هذه الدلالة مجازاً.
فإن قلنا بدخول الزمان فيها، حصل الفرق بين الفعلين، وإلا لم يحصل، بل كان استعماله في معنى الزمان مجازاً لدخول شرط أو عنصر غير وضعي فيه، ويكون الفرق بينهما على مستوى المجاز لا الحقيقة. بخلاف العكس، وهو ما إذا قلنا بأنّ الزمان قيد وضعي للأفعال، فإنّ الاستعمال بدونه مجاز، وفي صورة المجاز لم يفرق بينهما.
وهذا صحيح لما قلناه من أنّ استعمال أحدهما في محل الآخر مجاز، وهذا يعني أحد أمرين:
1- أمّا أنّها مستعمَلة بدون الدلالة على الزمان.
ــــــ[106]ـــــــ
منهج الأصول ج2
2- وأمّا أنّها مستعمَلة في زمان مضاد للزمان الموضوع له. وكلاهما مجاز.
الثانية: إنّ الألفاظ موضوعة لإبراز قصد المعاني، وليس لذات المعنى واقعاً وثبوتاً، وهذا ناشئ عن مسلك التعهّد، وقد نفيناه مع مقدماته.
فما هو المشهور والصحيح من أنّ كل اللغة موضوعة للمعاني الثوبتية لا المعاني القصدية تصوراً أو تصديقاً، وهو إخبار بقصد الواقع، ولذا احتمل الصدق والكذب، وعلى ما قال يكون صادقا دائماً، وإن كان مخالفاً للواقع، مادام مبرزاً للقصد النفسي.
ولو تنزلنا وقبلنا كلتا مقدمتي المحقق الأستاذ، فهل تكون النتيجة صحيحة؟ قال في المحاضرات(1) عن تفاصيل دلالة الماضي والمضارع، ومقدار دلالتها على الزمن، قال: الفعل الماضي موضوع للدلالة على إبراز قصد المتكلم بيان وقوع الحادث، أو المادة قبل زمان التكلم، قال: إنّ هذا صادق سواء في الأمور الزمانية كـ(قمت) أو غير الزمانية، كالزمان نفسه تقول: مضى يوم أمس ويأتي غد. أو ما فوق الزمان (علم الله – كان الله).
فالمهم أنّ المتكلم قصد إبراز ذلك، وهذا لا يعني أنّ الفعل الماضي مقيَّد بالزمان.
ويرد على ذلك أمران رئيسيان:
الأول: أنّ هذا من سنخ دلالة الفعل على الزمان. لأنّنا لا نريد به إلا كونه مقيَّداً بأحد مراتبه بالزمان، وهذا يكفي سواء كان القيد هو القصد أو الحكاية أو التحقق أو المادة.
ــــــ[107]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 247.
منهج الأصول ج2
كل ما في الأمر: أنّ الأستاذ المحقق صرف الدلالة من المطابقية إلى التضمنية أو الالتزامية، ولكنه أثبت أصل الدلالة.
الثاني: أنّنا لو تمّمنا الإشكالات الرئيسية التي أوجبت القول بعدم الدلالة على الزمن، لوردت هنا أيضاً.
وبتعبير آخر: أنّها ترد ما دام الزمان قيداً في دلالة الفعل، فبالرغم من أنّ قصد الحكاية خارج عن الزمن عنده، إلا أن تحقق المادة مقيَّد بالزمان، وهو كونه قبل زمان التكلّم. ومدلول المادة هو المتعلق بالزمن، أو بما فوق الزمن. فتحققه قبل زمان التكلّم يعني وقوعه في الزمن الماضي، وتسمية زمان التكلّم كأمر فنيّ لا يعني أي شيء.
فإنّ زمان التكلم هو الحال أو الحاضر، وما قبله يكون هو الماضي، وما بعده يكون هو المستقبل، فرجع الأمر إلى الزمان. فمتى كان الزمان مستحيلاً، استحال ذلك أيضاً، بل هو بعينه لا يختلف، كل ما في الأمر أنّه ليس بالمطابقة.
إذن، فما زعمه من أنّ المتكلم في قولنا: (عِلْمُ اللهِ) و(إرادةُ اللهِ)، وما شاكل، يدلّ على أنّ المتكلّم قاصد للإخبار عن تحقّق المادة وتلبّس الذات بها قبل زمان التكلّم، وإن كان الفعل مما هو فوق الزمان، أو لا يقع في زمان.
أقول: يكون المعنى: أراد الله قبل زمان التكلم، وهو معنى الماضي، يعني: أنّ تلبّس الذات بالمبدأ وهو الإرادة عندئذٍ أي في الماضي، فيكون محالاً لو تمّت تلك الإشكالات.
ــــــ[108]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ثم قال(1): نعم، بين الإسناد إلى الزماني وغيره فرق من ناحية أخرى، وهي أنّ الإسناد إلى الزماني يدلّ بالالتزام على وقوع الحدث في الزمن الماضي، بخلاف غيره. وهذه الدلالة ناشئة من معنى تكويني، وليست مستندة إلى أخذ الزمان قيداً في الموضوع له.
أقول: أفضل نقض على ذلك تطبيقه على المشتقّات الأخرى، كاسم الفاعل أو المفعول، كـ(عالم) و(معلوم) أو (كاسر) و(مكسور)، هل يدلّ على وقوعه في الزمان، مع أنّه أمر زماني تكويناً؟ لا يدلّ عليه باللفظ قطعاً، وإنّما بالدليل العقلي فقط. فهل الفعل هكذا؟ قطعا لا. بمعنى أنّه يدلّ على الزمن أكثر من أسماء الفاعل والمفعول.
وهذا معناه أنّه يدلّ عليه دلالة لفظية، سواء سمّيناها مطابقة أو التزاماً، وسواء قيّدنا بها المادة أو زمان التكلّم.
ثم قال: وأمَّا الخصوصية في الفعل المضارع، فهي أنّه وضع للدلالة على قصد المتكلّم الحكاية عن تحقق المادة في زمن التكلّم أو ما بعده، ولا يدلّ على وقوعها في الحال أو الاستقبال.
أقول: وفي الحقيقة أنّنا لم نخرج عن الحال أو الاستقبال؛ لأنّ زمان التكلّم هو الحال وما بعده هو الاستقبال، ولكن ليس للمادة بل لزمان التكلّم الذي تدلّ عليه الهيئة.
مع أنّه قال: وقوعه بعد زمان التكلّم. يعني وقوع المادة، فإذا فهمنا من قوله:
ــــــ[109]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 248.
منهج الأصول ج2
قبل زمان التكلّم، أي في الماضي، فيكون: عند زمان التكلّم أي في الحاضر، فرجع الأمر بالالتزام إلى المادة، سواء كان ماضياً أو مضارعاً. وهذا يكفي في دلالة الفعل على الزمان.
بعض المناقشات مع صاحب الكفاية
بقيت بعض المناقشات مع صاحب الكفاية:
المناقشة الأولى: أنّه ذكر الشيخ الآخوند(1): إنّ الأفعال تدل على الزمان بأحد أسلوبين:
أحدهما: الإسناد إلى الزمانيات، كـ(قام زيد).
ثانيهما: الإطلاق. بمعنى أنّ الفعل لو لم يقيَّد بغير الزمان كفى في الدلالة على الزمان.
وهذا يثير عدة استفهامات:
أولاً: إنّنا نسأل هل إن هذين العنوانين (الإسناد إلى الزمانيات والإطلاق) أمر واحد أو أمران؟ فإن كانا امراً واحداً، كفى فيهما عنوان واحد، لكي يناسب دقّة كلامه وضغط عبارته.
وإن كانا أمرين، كما هو ظاهر العطف وظاهر العبارة، لأن العطف التفسيري خلاف الأصل، فمعناه أنّ الفعل دالّ على الزمان، إذ في صورة الإطلاق لا تُوجَد قرينة على الزمانيات، فإذا كان هذا يعتبر الفعل بحد ذاته دالاً على الزمان، فدلالته
ــــــ[110]ـــــــ
(1) الكفاية: 61.
منهج الأصول ج2
على الزمان وضعية؛ لأنّ الاستعمال المجازي بدون قرينة غلط، إلا أن يكون الفعل موضوعاً للزمان حتى في غير الزمانيات، ما لم يقيَّد بالخلاف، لأنّ مقتضى التغاير بين الأمرين هو ذلك. ما لم يدلّ دليل على استحالته بقرينة متصلة أو منفصلة.
ثانياً: إنّ هذا يُحمَل على أحد ثلاثة احتمالات لا رابع لها.
الأول: أن يقول بوضع الأفعال للزمان، وأنّها مقيَّدة به. وهو ما نقوله، وظاهر عبارته، إذ لولاه لما دلّ بالإطلاق على الزمان ولاحتاج إلى قرينة.
الثاني: أنّها موضوعة للزمان في الزمانيات، وأمّا في غيرها فهي مجردة عن الزمان، وهذا معنى أنّها موضوعة بوضعين مثل المشترك اللفظي، وإلا كان أحدهما مجازاً، ويلزم منه اختلاف وضع الفعل باختلاف المسند إليه، وهو غير محتمل.
الثالث: أنّها غير موضوعة للزمان، إلا إذا دلّت عليه قرينة، فتدلّ على الزمان بالالتزام.
إلا أنّ هذا ينافي دلالتها على الزمان بالإطلاق؛ لأنّه مع الإطلاق لا تُوجَد قرينة على الزمان، وإن كانت موجودة عند الإسناد إلى الزمانيات.
إذن يمكن ضمّ الآخوند إلى الأصوليين القائلين، بدلالة الأفعال على الزمان، بالرغم من إنكاره ذلك بنفسه.
وهنا لصاحب الكفاية أن يقول: إنّ كون الأفعال موضوعة مع عدم الزمان له شكلان: فتارةً: أنّها موضوعة مع قيد عدم الزمان. وأخرى: أن يكون عدم الزمان ظرفاً له.
فعلى الأول: يكون استعمال الفعل في الزمانيات مجازاً، كما زعمت.
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وأمّا على الشكل الثاني، فيكون عدم الزمان خصوصية وضعه، وليس قيداً لاستعماله فيها بدونه، فلا يكون مجازاً؛ لأنّه لا يكون فاقداً للقيد.
إلا أنّ هذا ليس بصحيح، إذ إنّ الاستعمال على كلتا الصورتين مجاز؛ لأنّنا لا نقصد بالمجاز إلا الاستعمال بغير المعنى الموضوع له، سواء لانعدام القيد أو لعدم الذات أصلاً. فالدلالة الوضعية خالية من الزمان، فيكون استعمالها في الزمانيات تغييراً للذات. وبتعبير آخر: أنّنا أضفنا قيداً زائداً على المعنى الموضوع له، لم يُؤخَذ في وضعه.
المناقشة الثانية: أنّه قال(1): بل يمكن منع دلالة غيرها من الأفعال على الزمان، إلا بالإطلاق والإسناد إلى الزمانيات.
مع أنّ الكلام ليس في أصل الدلالة، بل في الدلالة الوضعية. وأمّا مطلق الدلالة فلا تنافي المجاز، ولا يكون إرادة المجاز محذوراً، لأنّه دلالة لفظية.
المناقشة الثالثة: قوله: وإلا لزم القول بالمجاز، والتجريد عند الإسناد إلى غيرها من نفس الزمان والزمانيات.
وجوابه: ما سبق من أخذ الجامع بين الزمان المعهود والزمانيات العُليا، كالدهر والسرمدية في الفعل، وليس خصوص الزمان المعهود، ليلزم المجاز ويحتاج إلى تجريد، وإلا كان العكس تجريداً ومجازاً أيضاً عند استعمالها بمعنى الزمان، وهو غير محتمل.
ــــــ[112]ـــــــ
(1) الكفاية: 61.
منهج الأصول ج2
المناقشة الرابعة: قوله(1): ويؤيده أنّ المضارع يكون مشتركاً معنوياً بين الحال والاستقبال، ولا معنى له إلا أن يكون له خصوص معنى صحّ انطباقه على كل منهما، لا أنّه يدلّ على مفهوم زمان يعمّهما.
أي ليس لجامع الزمان الذي يكون الحاضر حصّة منه، والمستقبل كذلك، شأنه في ذلك شأن الجملة الاسمية كـ(زيد ضارب)، التي لها نحو معنى التزامي صحّ انطباقه على كل واحد من الأزمنة، مع عدم دلالتها على واحد منها أصلاً، ونحو هذه الدلالة دلالة المضارع على الزمانين: الحال والاستقبال.
وقد اتضح جوابها مما سبق، من حيث إنّ الدلالة الإلتزامية على قسمين: عقلية صرفة غير موضوع لها. ودلالة إلتزامية ظهورية تعدّ من المعنى الموضوع له.
وهنا ندّعي -ويدعمه الوجدان والإقتران النفسي الكامل-، أنّ الدلالة هي من القسم الثاني أي الدلالة الظهورية، لا العقلية.
وبه يتّضح الفرق بين الجملة الاسمية والفعل، فالأولى من الأوّل، والثانية من الثاني.
المناقشة الخامسة: أنّ صاحب الكفاية أشار(2) إلى عدم انضباط الزمان بضابط معين، ولو كان موضوعاً له الزمان، لانضبط. إذن، فهو غير موضوع له الزمان.
وذلك: أنّ المستقبل والماضي قد لا يلحظان بالنسبة إلى الحاضر، بل إلى الماضي أو المستقبل، فيكون المستقبل ماضياً حقيقةً، والماضي مستقبلاً حقيقةً.
ــــــ[113]ـــــــ
(1) الكفاية: 62.
(2) الكفاية: 62.
منهج الأصول ج2
وجوابه: أنّ هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على مدّعانا من أخذ الزمان بنظر الاعتبار، ولو لم يكن مأخوذاً لما فهمنا كل ذلك إلا على سبيل المجاز، وليس الأمر غير منضبط، لكي يكون ذلك طريقاً إلى نفيه.
بل هو منضبط، وذلك: أنّ الأزمنة الثلاثة قد تكون ملحوظة بالنسبة إلى الأزمنة الثلاثة كلّها، فتكون الأزمنة تسعة.
والمتعارف هو نسبتها إلى الحاضر، إلا أنّ ذلك غير متعيّن، والانضباط إنّما يكون في النقطة التي تكون مركزاً للأزمنة الثلاثة، وهذا واضح عرفاً، وغير منافٍ مع دلالة العقل على الزمان، وله تطبيقات في الكتاب والسنة.
هذا وقد قال الأستاذ المحقق عن هذا في المحاضرات(1): بأنّه لا يكون الماضي ماضياً حقيقةً ولا المستقبل مستقبلاً كذلك، وإنّما يكون ماضياً ومستقبلاً بالإضافة إلى شيء آخر.
أقول: وهذا كلّه انسياق مع المعتاد من كون الماضي والمستقبل ملحوظاً من جهة الحاضر (المطلق)، وإلا لم يكن كذلك حقيقةً. وفي كلام الشيخ الآخوند ما يدعمه كما مرّ، وأنّ الماضي يصبح مستقبلاً والمستقبل ماضياً.
وما يمكن أن يُستدَل به على ذلك أمران:
الأول: أنّ لحاظ الحال في غير الحاضر، مجاز عقلاً ولغةً، فيكون نسبة الزمانين الآخرين إليه مجازاً باللازم.
جوابه: أنّ الحاضر بالقول المطلق، وإن كان كذلك، إلا أنّ الماضي بالنسبة إلى
ــــــ[114]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 249.
منهج الأصول ج2
حادثة معينة، ليس هو ذلك، ولا يمكن أن يكون كذلك، ومن هنا كان حاضرها الحقيقي هو نقطة اللحاظ دون سواها.
فإن قيل: إنّ لازمه جعل الحاضر المطلق ماضياً تارةً (بالنسبة إلى المستقبل)، ومستقبلا أخرى (بالنسبة إلى الماضي)، وهذا فاسد؛ فيكون لازمه فاسداً.
قلنا: هذا بخصوصه غير عرفي، لوقوع التزاحم بين ما هو حسّي وما هو وهمي أو اعتباري، والحسّي مقدم على الاعتباري عرفاً؛ لأنّه الأقرب ذهنياً ووجدانياً.
فمن المستطاع القول: بأنّ لحاظ الأزمنة، يمكن أن يكون بمختلف اللحاظات، إلا ما خرج بدليل عرفي، وهو لحاظ الحاضر ماضياً أو مستقبلاً.
الثاني: دعوى أنّ لفظ الماضي موضوع للماضي الحقيقي أو المطلق، والمضارع كذلك، فيكون استعماله في غير ذلك مجازياً.
إلا أنّ جوابه: أنّ هذه الدعوى مما لم تثبت، أمّا على القول بعدم أخذ الزمان في الأفعال فواضح، فإنّه لم يُؤخَذ شيء منها لا الحقيقي ولا الوهمي، أو قل لا المطلق ولا النسبي.
وأمّا على القول بأخذ الزمان قيداً في مدلول الأفعال، فقد أخِذ فيها الزمان الماضي والمستقبل، بغض النظر عن نقطة البداية فيه، أو لحاظ الحاضر المطلق.
فإن قلتَ: فإنّ تلك أمور غير عرفية، فكيف يوضع لها اللفظ.
قلنا: أولاً: هي عرفية في مراتب عديدة منها، ومستعمَلة في لسان أهل المحاورة. ولها شواهد في اللغة والقرآن والسنة.
ثانياً: إنّ الوضع إذا كان للجامع وكان أغلب أفراده عرفية، لم يضرّ به أنّ القليل
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الأصول ج2
من أفراده ليس عرفياً.
ثالثاً: إنّنا لو استعملنا علامات الحقيقة والمجاز، كان الإقتران الكامل موجوداً لكل الأزمنة التسعة، وبتعبير آخر: أنّ الإقتران موجود بالنسبة إلى الجامع الذي يعمّها، فالأفراد تدخل في الضمن.
رابعاً: إنّ الإشكال لو تمّ لحصل في أربعة من التسعة؛ لأنّ مستقبل المستقبل مستقبل، وماضي الماضي ماضٍ، مضافاً إلى الثلاثة الحقيقية، فهذه خمسة. ويقع الإشكال في أربعة هي: نقطة الحاضر في الماضي والمستقبل، وماضي المستقبل، ومستقبل الماضي.
ــــــ[116]ـــــــ
منهج الأصول ج2

أسماء الآلة وأسماء المفعول وخروجها عن محلّ النزاع

ثم إنّه مما ادّعي خروجه عن محلّ النزاع في المشتقّ: أنّ الشيخ النائيني  ادعى خروج أسماء الآلة وأسماء المفعولين عن المشتقّ، تبعاً لصاحب الفصول.
بتقريب: أنّ الهيئة في أسماء الآلة قد وضعت للدلالة على القابلية والاستعداد، وهذا الصدق حقيقي وإن لم تتلبّس الذات بالمبدأ.
وأما أسماء المفعولين فلأنّ الهيئة فيها وضِعت لأن تدل على وقوع المبدأ على الذات. وهذا المعنى مما لا يعقل فيه الانقضاء، ضرورة أنّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه. فدائماً يصدق على (عمرو) أنّه مضروب وإن زال التلبّس.
وأجاب المحقق الأستاذ بما أصبح مشهوراً بين المتأخرين من اختلاف جهات التلبّس، لأنها مختلفة فعلاً:
1- الفعلية، كالماشي.
2- الصلاحية، كالمثمرة.
3- الحرفة، كالنجار والحداد.
4- الآلة، كالمكنسة والمفتاح.
وزوال الفعلية لا يقتضي زوال الصلاحية أو غيرها، والصدق إنّما هو باعتبار
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول ج2
مورد ما وضع له اللفظ من ذلك.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
التعليق الأول: أنّ كل الأقسام تعود إلى قسمين: الفعليّة والشأنيّة.
ثم إنّ الشأنيّة لها أسباب، وهي ليست منحصرة بما ذكر بل أكثر بكثير منها:
1- الصلاحية، كالمثمرة.
2- الملَكة، كالمجتهد.
3- النوعية، كالنامي.
4- الحالة، كالممطرة.
5- الحرفة، كالنجار.
6- المكان، كالمسجد.
7- الزمان، كالمجمع للجمعة والعيد ونحوهما.
التعليق الثاني: أنّ هذه الألفاظ الشأنيّة ليست كلها بالوضع بل باللحاظ، وهو لحاظ عرفي متعارف، ومن هنا فهمناه من الألفاظ، وإذا زال اللحاظ زال التلبّس، فالمفتاح يمكن لحاظ الفعليّة فيه، فإذا زالت الفعليّة فهو ليس بمفتاح، ولحاظ الشأنيّة فيه، فإذا زالت فهو ليس بمفتاح. وكذلك المكتبة والمسجد والمجتهد أو غيرها.
التعليق الثالث: هل إن هذا الاختلاف مربوط بوضع المواد، أو بوضع الهيئات، أو بهما معاً؟
قال المحقق الأستاذ: إنّ بعضه مربوط بوضع الهيئة كالمفتاح والمكنسة، فإنّ المادة ظاهرة بالفعلية والهيئة بالشأنيّة.
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وعبارة المحاضرات خالية من التمثيل لوضع المادة، فكأنّه نسي ذكرها. ونستطيع التمثيل له بالحرف، كالحداد والنجار، حيث يدّعى وضع المدلول لها.
والذي يبدو للنظر: أنّه ليس من وضع الهيئة ولا من وضع المادة.
أمّا المادة فهي موضوعة للطبيعي بغضّ النظر عن الفعليّة والصلاحيّة. وأمّا الهيئة فموضوعة لاسم الفاعل والصفة المشبهة، باعتبار كونه فاعلاً أو مكاناً أو زماناً، بغض النظر عن الفعليّة والصلاحيّة أيضاً.
وإنّما يكون ذلك بأحد طريقين:
الطريق الأول: إنكار دخل الوضع في ذلك أصلاً. لأنّ المادة والهيئة معاً، موضوعة للجامع بين الفعليّة والشأنيّة.
واستعمال اللفظ الموضوع للعام في إحدى حصتيه جائز بل حقيقي، إذا لم يكن بشرط لا عن الحصّة الأخرى، وهذا الاستعمال إنّما يكون مختلفاً باختلاف اللحاظ.
والطريق الثاني: طريق الوضع: ولا يكون بعد ما قلناه من الوضع للجامع، إلا بوضع المجموع من المادة والهيئة للشأنيّة تارةً وللفعلية أخرى. أو أن نقول: إنّ الوضع الأوّل كافٍ للدلالة على الفعلية، ولكن تحتاج الشأنيّة إلى وضعٍ جديد، وذلك: باستعماله مجازاً -أولاً- باعتبار الأول والمشارفة، ثم حصل وضع تعيّني جديد في المعنى الجديد.
فإن قلتَ: إنّ هذا يلزم منه أن يكون استعمال اللفظ في لحاظ الفعليّة مجاز.
قلنا: كلّا. مع وجود الوضع الأوّل.
فإن قلتَ: إنّ هذا يصبح مشتركاً لفظياً، وهو خلاف الأصل.
ــــــ[119]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: كلّا. لاختلاف المتعلّق. فإن الوضع الأوّل متعلّقه الهيئة بحيالها والمادة بحيالها، ومتعلّق الوضع الثاني هو المجموع منهما.
ثمَّ أجاب الأستاذ المحقق على إشكال الشيخ النائيني ، على أسماء المفعولين، بأمرين: نقضيّ وحَلّيّ.
الأمر الأول: النقض بأسماء الفاعلين: فإنّها بعد وقوعها فعلاً أو شأناً لا تكون قابلة للزوال أصلاً، إلا بزوال الذات. فيصدق عليه أنّه (ضارب) مادام حياً لنفس التفسير العقلي الذي ذكره، وهو أنّ الشيء لا يعقل أن ينقلب عمّا وقع عليه، غاية الأمر أنّ المبدأ بأحدهما صدوري وفي الآخر حلولي.
الأمر الثاني: الحل الذي وضعه. وهو أن أسماء الفاعلين والمفعولين وضِعت بإزاء المفاهيم الكلية القابلة للانطباق على الخارج تارةً، وعلى الذهن أخرى. لا بإزاء الموجودات الخارجية؛ لأنّها غير قابلة لأن تحضر في الذهن. ومن هنا قد يكون للموضوع مطابق في الخارج وقد لا يكون، فـ(المضروب) قد يكون موجوداً وقد لا يكون موجوداً.
فيقع النزاع أنّه موضوع لخصوص المتلبّس أو الأعمّ. والمبدأ في كل من اسم الفاعل والمفعول واحد، كـ(العالم) و(المعلوم)، والمفروض زواله، وبزواله يكون إطلاقه على (زيد) من الإطلاق على المنقضي لا محالة.
وتعليقنا على ذلك، بنحو نتوصل فيه إلى الحلّ:
أن الإشكال المذكور، يصدق على أكثر المشتقات، فإذا أخذناه بنظر الاعتبار، فلا بدّ من سدّ باب المشتقّ كلّه أو أكثره، لعدم توفر الشرط الثاني وهو انتفاء الصدق مع
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بقاء الذات، بل يبقى الصدق دائماً ما بقيت الذات، ولا ينتفي بانتفائها.
وذلك في الفعل الماضي والمضارع، واسم الفاعل واسم المفعول، واسم المكان واسم الزمان والصفة المشبّهة. نعم، صدقه على اسم الآلة محلّ نظر، وخاصة إذا قصدنا الشأنيّة.
وما ذكره السيد الأستاذ من الحلّ لا يكفي؛ لأنّه قال: فالمضروب قد يكون موجوداً وقد لا يكون، فيقع النزاع أنّه موضوع لخصوص المتلبّس أو للأعمّ.
ومن الواضح الفرق بين الموجود والمتلبّس، فإذا زال وجوده زال تلبّسه، وإذا زال تلبّسه أمكن استمرار وجوده. فالتلازم بالانتفاء من طرف واحد، والمبحوث عنه هو صورة زوال التلبّس مع بقاء الوجود. وفي هذه الشبهة يُفترَض عدم ذلك، واستمرار الصدق مادامت الذات موجودة. فالقول: بأن المضروب قد لا يكون موجوداً لا يحلّ الإشكال.
وإنّما لا بدّ أن يقول: إنّ المضروب قد لا يكون متلبّساً بالصفة في الخارج، فيكون الكلام مصادرة على الإشكال؛ لأنّه يقول باستحالة ذلك مع بقاء الذات.
والحل:
أولاً: إنّنا لا ينبغي أن ننظر من ناحية عقلية، بل من ناحية عرفية، فالصدق العقلي الخالص، يخرجه عن حيّز أوضاع اللغة لا محالة. بل قلنا: إنّ الفهم العرفي مادام عملياً، فإنّه يمكن الأخذ به، بل يتعين الأخذ به، وإن كان محالاً عقلاً.
ومعه، لو فرضنا أنّ الصدق الدائم المُدّعى لاسم المفعول، أو اسم الفاعل، إنّما هو صدق عقلي وليس عرفياً، إذن، لا يكون دخيلاً في اللغة.
ــــــ[121]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ثانياً: إنّ هناك ثلاث مراحل من التلبّس لا ينبغي الخلط بينها، لا بدّ من عرضها لنجد أيّاً منها دخيلاً في صدق المشتق. وهي:
1- الفعليّة المطلقة.
2- الشأنيّة.
3- صرف التحقّق. بحيث يكون التلبس آناً ما علّة محدثة للصدق على الذات مهما طال الزمن.
ومثاله صدق (القارئ) فعليّة يعني بمباشرة القراءة، أو قابليّة وشأناً، أو استمراراً، ونلاحظ هنا أنّ الاستمرار إنّما هو فرع الفعليّة لا فرع الشأنية.
ولا شك أنّنا نجد عرفاً ولغةً: أنّ الأمرين الأولين دخيلين دون الثالث، لصدق السلب، فيكون استعماله مجازاً.
وبذلك يتوجّه لنا وجه آخر من الفرق، وهو أن القسم الثالث يحتاج إلى ضمّ عناية لصحّة استعماله، بخلاف القسمين الأولين. فالثالث يصدق بلحاظ زمانه ومكانه، فيكون لحاظه لحاظ التلبس.
وأمّا إذا قصدنا الفعلية فهو مجاز قطعاً، باعتبار العلاقة بين الماضي والحاضر.
فإن قُلتَ: إنّ هذا المورد الذي ذكره الشيخ النائيني ، إنّما هو في المنقضي عنه المبدأ، فالبرهان على مجازيته إنّما هو برهان على مجازية المشتقّ فيما انقضى عن التلبّس، وتعيّن الصدق في المتلبّس، وليس وجهاً جديداً.
وجوابه من مستويين:
المستوى الأول: أنّ يُقال: إنّه منه فعلاً، ولكن الشيخ النائيني ظنَّ استعماله حقيقياً
ــــــ[122]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قطعاً، فأخرجه عن محلّ النزاع، في حين قد برهنّا على مجازيته؛ لأنّنا سوف نبرهن على أنّ المشتقّ موضوع لخصوص التلبّس، ومن المعلوم أنّ المنقضي عن المبدأ لا يتحدّد بزمان معين، بل يبقى صادقاً ما دامت الذات موجودة.
فإذا قلنا بالوضع للأعمّ كان الاستعمال كلّه حقيقياً، إلا أنّ الشيخ النائيني تخيّل كونه حقيقياً، بغضّ النظر عن ذلك.
المستوى الثاني: في إبراز بعض الفروق بين مورد الإشكال، و المنقضي عنه المبدأ.
فإذا تمّ التغاير بينهما، إذن فلا ملازمة بين الحالين. فإذا قلنا بالوضع للأعمّ، أمكن القول هنا بالمجاز ما لم يكن مصداقاً له أحياناً.
وذلك: لصدق مورد الإشكال في عدّة موارد:
1- في الأفعال الماضية والمضارعة وغيرها.
2- صدقه قبل التلبّس بعد أخذ الأزمنة الثلاثة على حدٍ سواء.
3- صدقه في خصوص الفعليّة المطلقة، ولا يعمّ صورة زوال الشأنيّة.
فتكون صورة زوال الشأنيّة مسلَّمة المجاز.
وأهم ما أجابه السيد الأستاذ: أنّه يشهد لما نقول، يعني في عدم ورود الإشكال في مثال: المطلوب والمعلوم والمصبوغ، فإنّه لا يصدق بعد الانقضاء.
قال: وأمّا مثال (المضروب)، فلو فرض استفادة توسعة فيه بالنحو المزعوم. فالخصوصية في مادة (الضرب)، ولذلك نشعر بها في الضارب أيضاً.
يُجاب عليه: أنّه من غير المحتمل أنّ هناك أيّة خصوصية لمادة (الضرب)، بحيث أخذ فيها الاستمرار بعد حدوثها وانتهائها، بل هي كغيرها قطعاً، يشهد لذلك وجود
ــــــ[123]ـــــــ
منهج الأصول ج2
نفس المعنى في غيرها من أسماء الفاعل وغيره كما قلنا.
ولكن هناك من المواد لا ينطبق عليها، ومعناه أنّ لإشكال يجري في البعض دون الكل. وكان خيراً له أن يدّعي ذلك، ويجعله دليلاً على بطلان كلام الشيخ النائيني؛ لأنّ الأفعال كلّها على غرار واحد.
هذا بغضّ النظر عمّا قلناه قبل قليل.
ــــــ[124]ـــــــ
منهج الأصول ج2

المعنى الحرفي

تعرّض الشيخ الآخوند في هذه المرحلة من التفكير، لأجل الاطراد في الاستطراد في تمام الأقسام، على حدّ تعبيره(1) إلى معاني الحروف، أخذاً بالانقسام النحوي للكلمة، فتحدّث عن الأسماء ثم الأفعال من حيث دلالتها على الزمان، ثم الحروف من باب تداعي المعاني.
والا فمقتضى القاعدة منع الاستطراد في الأمور المعمقة والدقيقة، ولكنّنا جرياً معه في الجملة، نعطي شيئا عن المعنى الحرفي.
ولا أودّ الآن التعرض لكل ما ذكره في البحث الأصلي عن المعنى الحرفي، وإنّما نتعرض فقط لرأيين فقط، هما: رأي الشيخ الآخوند الذي ذكره هنا ولم يستدلّ عليه، لوجود استدلاله هناك فيما سبق، والرأي الآخر هو الرأي المختار.
[مناقشة مختار صاحب الكفاية في معاني الحروف]
اختار الشيخ صاحب الكفاية: أنّ المعنى الذي وضعت له الحروف -كما في الأسماء – عامّ أو كلّي، وليس خاصّاً أو جزئيا، كما عليه المشهور.
قال: لأنّ الخصوصية المتوهمة إمّا أن تجعل المعنى المتخصص بها جزئياً
ــــــ[125]ـــــــ
(1) الكفاية: 63.
منهج الأصول ج2
خارجياً، أو جزئياً ذهنياً.
أمّا الخصوصية الخارجية، فغير محتملة دائماً، لأنّها قد تنتفي أحيانا يقيناً، كما في الأمر والنهي، لعدم وقوعهما بعدُ، ومتعلقهما كُلّي دائماً.
وأمّا الخصوصية الذهنية، فباعتبار أنّ المعنى لا يكون حرفاً، إلا إذا لوحظ آلة في غيره، كالعرض الذي يكون في غيره، فيكون المعنى الذهني جزئياً باعتبار تعدد اللحاظ.
وأجاب صاحب الكفاية على ذلك بوجوه:
أولاً: إنّ هذا اللحاظ لا يمكن أن يأخذه المتكلّم في المعنى المستعمَل فيه، وإلا لزم طرو لحاظين على ملحوظ واحد؛ لأنّ المعنى الموضوع له مقيَّد ذهنياً بالآلية والاندراج والفنائية، والاستعمال حينما يأتي إلى ذهن المتكلّم يحتاج إلى لحاظ وهو أيضا لحاظ ذهني، فاجتمع لحاظان في ذهن المستعمل في آن واحد، أحدهما للوضع والآخر للاستعمال.
ثانياً: إنّ المعنى الموضوع له حينما يقيّد بقيد ذهني، يصبح كلّياً عقلياً غير قابل للانطباق على الخارج الا بالتجريد والمجاز؛ (لأنّ المعنى الموضوع له مقيّد والمعنى المستعمل فيه غير مقيّد).
ثالثاً: إنّه يمكن قياس الحروف على الاسماء. وذلك في مرتبتين:
1- أنّه كما أنّ الأسماء لم يؤخذ فيها المعنى الاستقلالي قيداً، كذلك الحروف لم يُؤخَذ فيها المعنى الآلي قيداً. فالاسم والحرف وضعا لذات المعنى، وهو كُلّي قابل للانطباق على كثيرين، فالموضوع له عامّ.
ــــــ[126]ـــــــ
منهج الأصول ج2
2- أنّها لوحظت كذلك، فكما أنّ اللحاظ الاستقلالي للأسماء لم يوجب كونها جزئية، كذلك اللحاظ الآلي في الحروف لم يوجب كونها جزئية.
ثم كأنه أشكل على نفسه: بأنّ البحث أنتج: أنّ الأسماء والحروف بمعنى واحد، فالابتداء يُعبّر عنه تارة بهذا الاسم، وتارة بـ(مِن)، وحينئذٍ لم يبق فرق بين الأسماء والحروف، ولكنّه موجود بالضرورة، وللزم جواز استعمال بعضها في محل بعض، وهو من أفحش الأغلاط.
وأجاب، بما لا يخلو من إجمال، من حيث إنّ المعنى الأسمي وضع ليُراد به المعنى بما هو هو، والمعنى الحرفي وضع ليُراد به كونه أداة لغيره.
فقوله: ليُراد. قد تُفسّر بشرط الواضع أو هدف الواضع أو أمر الواضع أو هدف الاستعمال، ونحو ذلك.
ونجيب على هذا الأخير: أنّه أمّا أن يكون أمر الواضع أو شرطه أو هدفه، وكلها فاسدة.
أمّا أمر الواضع، فمن المعلوم أنّه ليس ممن تجب طاعته، ولو سلّمنا فإنّه إنّما يوجب عصيانه العقوبة لا الغلط في الكلام.
وأمّا أن يكون المراد هدف الواضع وحكمته ومِلاكه، فهذا الهدف إمّا أن يكون على نحو الاقتضاء أي الحكمة، وإمّا على نحو العليّة. أمّا الأوّل، فلا تكون مخالفته غلطاً؛ لأنّ تخلف الحكمة غير عزيز. وأمّا على الثاني، فلا دليل على ثبوته.
وأمّا أن يكون المراد شرط الواضع، فإن كان شرطاً في الوضع، لزم عدم الوضع عند عدمه. وإن كان شرطاً في الاستعمال – كما هو الأقرب إلى العبارة –
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كان الوضع تامّاً بدونه. بل حتى لو كان الشرط شرطاً في الوضع، فإنّ تخلفه يلزم منه المجاز لا الغلط، مع أنّ استعمال الحرف محل الاسم من افضع الأغلاط.
ثم إنّ (اللام) هنا، في قوله: ليُراد: للتعليل، والعلة -كما هو معروف- على أقسام أربعة: فاعلية ومادية وصورية وغائية. ولا يُحتمَل أن يُراد هنا إلا الغائية؛ أي لأجل أو لكي يستعمل بهذه الكيفية، أي استعماله آلة وحالة في غيره في الحروف، واستعماله مستقلّاً في الأسماء.
فـ(اللام) تدلّ على الهدف لا على الشرط، كما هو المشهور حوزوياً، وهو هدف الواضع في الاستعمال؛ لأنّ الإرادة تكون في الاستعمال.
وقلنا: إنّه فهم ناقص ولا دليل على تماميّته، فإنّه لو أراد الشرط، فهو إمّا تكويني وهو التقييد أو تشريعي. وهذا الأخير لا تجب طاعته، والأول لا يلزم منه الغلط؛ لأنّه إن كان شرطاً في الوضع فهو المجاز. وإن كان في الاستعمال فهو حقيقة. وإن عُصِىَ يتخلف شرطه. في حين أنّنا نرى أن استعمال الحرف في المعنى الاستقلالي غلط فاحش.
ثم إنّ قياسه بالأسماء غير صحيح، لأنّ لحاظ الاستقلال في الأسماء ليس قيداً، بل هو عدم التقييد بالحمل الشايع، يعني تصور المعنى في نفسه. ويكون فهم استقلاله باللحاظ الثاني، لا بنفس اللحاظ، بخلاف الآلية والفناء، فإنّه يحتاج إلى لحاظ التقييد؛ لأنّ الفناء والآلية معنيان لا يصلحان إلا بذلك. يعني بالتقييد، يعني أن يفنى شيء في شيء.
فإذا لزم أن نجعل هذا التقييد في الحرف جزئياً، لم يلزم ذلك في الأسماء، لأنّه
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ليس تقييداً أصلاً، وكذا العكس. يعني إذا كان الاستقلال لم يجعل المعنى جزئياً؛ لأنّه كذلك بالحمل الشايع بدون لحاظ قيد، فليس معناه كون الحرف كذلك.
وأمّا الجواب الآخر الذي عُرِضَ، وهو تقييد الماهيات بالآلية تقييد ذهني، فيصبح المعنى بهذا القيد كلّياً عقلياً، والكلّي العقلي غير قابل للانطباق على الخارج. في حين أنّ الماهيات الذهنية قابلة للانطباق على الخارج. إذن، فالفنائية غير موجودة، وأنّ الحرف موضوع لذات المعنى كالاسم.
فإنّه قابل للمناقشة كبرى وصغرى.
أمّا صغرى فلأن تقييد الحرف بالآلية إنّما هو في الاستعمال لا في المعنى الموضوع له، في حين أنّ مراد المستشكل هو كونه مقيَّدا في مرحلة الوضع ليلزم الإشكال.
وإذا لم يكن مقيّداً في مرحلة الوضع كان قابلاً للصدق على الخارج.
وإذا تمّ ذلك في الوضع تمّ في الاستعمال، لضرورة التطابق في الاستعمالات الحقيقية، بين المعنى الموضوع له والمعنى المستعمل فيه، وإلا كان الاستعمال بقيد زائدٍ أو ناقصٍ، وعلى كِلا التقديرين يصبح المعنى مجازياً.
فإن قلتَ: إنّ المشكلة باقية، فقد نحّينا المعنى الموضوع له في ذهن الواضع عن الإشكال في الانطباق على الخارج. لكنّنا نقول بوروده في ذهن المستعمِل أي المتكلّم؛ لأنّه في ذهنه مقيَّد بالآلية، فيكون كلّياً عقلياً في ذهن المستعمِل، وإن لم يكن كذلك في ذهن الواضع.
إلا أنّ جواب ذلك واضح: لِما قلناه من أنّ الضرورة اللغوية تقتضي مطابقة
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المعنى المستعمَل فيه للمعنى الموضوع له ليكون حقيقياً، وهذه المطابقة تقتضي أن يكون المعنى المستعمل فيه قابلاً للانطباق على الخارج، كالمعنى الموضوع له. مضافاً إلى كون التجريد في هذه المرحلة لا يلزم منه المجاز.
إضافة إلى أنّ ما شرطه الواضع هو تقييد الاستعمال لا المعنى المستعمَل فيه، وإنّما يصحّ الإشكال الأخير إذا كان القيد للمعنى المستعمَل فيه، يعني: يستحضر المستعمِل معنى ويقيده بالآلية، فيصبح كلّياً عقلياً.
لكن هذا ليس هو كلام الشيخ الآخوند، فإنّه يقيّد الاستعمال أي الكلام الخارجي، وليس كعملية ذهنية. وهذا لا يجعل أيّة صورة ذهنية لا في ذهن المستعمِل ولا في ذهن الواضع مقيّدة، بحيث تكون كلّياً عقلياً.
وأمّا كبروياً: فإنّه لا يُحتمَل أن يُؤخَذ في اللغة شرط ذهني، غير قابل للانطباق على الخارج، وإنّما العرف يستهزئ بأمثال هذه القيود، وإنّما كل القيود ذهنية بالحمل الشايع لا بالحمل الأولي، وهي بالحمل الأولي قابلة للانطباق على الخارج، فلا تكون كلّياً عقلياً.
ولا دليل على تقييد الحرف بالآلية أكثر من ذلك.
فكما أنّ الإنسان له حصّتان: (عالم) و(جاهل) مثلاً. فكذلك: مفهوم الابتداء فيه حصّتان: (الاستقلالي) و(الفنائي). فقوله: إنّه بذلك يصبح كلّياً عقلياً ليس بعرفي.
وأمّا مسألة تعلق لحاظين بملحوظ واحد، فهو إنّما يستحيل في مرتبة واحدة، لا في مرتبتين؛ لأنه يعترف أنّ أحد اللحاظين في الوضع والآخر في الاستعمال،
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والمفروض أنّ الواضع يشترط وجود اللحاظ الآخر في الاستعمال.
ثم إنّه بغضّ النظر عن إشكاله الثاني، فإنّ اللحاظ مهما تعدّد، فإنّه قيد ذهني، وهو يجعل الصورة الذهنية جزئية، لا ذي الصورة الذي هو المعنى، بل يبقى ذوها كلّياً، قابلاً للصدق على كثيرين وإن ضاقت حصّته. ولو كان المعنى جزئياً من جميع الجهات لما صدقت اللغة بحال، هذا في قيد ذي الصورة، فضلاً عن قيد الصورة.
والكلام في المقام إنّما هو عن قيد الصورة لا عن قيد ذيها؛ لأنّ الكلام في أنّ المعنى الحرفي وضع ليُراد به أي: بصورته الذهنية بما هي كذلك، لا المعنى المدلول عليه بها، فمع تعدّد القيود واللحاظات للصورة يبقى ذوها كلّياً ينطبق على كثيرين.
وعلى أيّ حال، فالخصوصية الذهنية التي نسبها الآخوند إلى المشهور، أمر ممكن وليس بمتعذر، ولم نجد فيما أقامه الآخوند دليلاً ضدّها، فإنّها لا تجعل القيد بها كلّياً عقلياً، بل حصّة من كلّي اعتيادي. إلا أنها – مع ذلك – لا تحلّ معضلة المعنى الحرفي: إلا بذكر وجه محدد في فهمه، والخصوصية الذهنية عنوان انتزاعي، قابل للانطباق على عدد منها.
وبقيت الخصوصية الخارجية وحاصلها: أنّ ما هو محتمل ثبوتاً في اللغة أحد ثلاثة احتمالات: إمّا أن تكون الألفاظ موضوعة لما هو خارجي، أو موضوعة لما هو ذهني، أو هي مبعّضة، فأيّها الأرجح؟
فقد نختار الاحتمال الأول، ونقول: إنّ الألفاظ موضوعة بإزاء الخارج. لوضوح أنّ العرف والعقلاء يفهمون منه الأمور الخارجية، نحو: (دخلت المسجد). أي إنّ شخصاً معيناً خارجياً قد دخل مسجداً خارجياً.
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهنا يرد إشكال الشيخ الآخوند غير الصريح، وهو أنّ الألفاظ لا تدلّ كلّها على ما هو خارجي، بل يدلّ بعضها على ما هو ذهني انحصاراً، كالأوامر والنواهي، لأنّها متعلّقة بالمستقبل، وهو غير حاصل حال التكلّم. وكذا الاستفهام والترجّي وسائر المعاملات والإخبارات عن المستقبل، بل الفعل المضارع الذي يقصد به الحال بلحاظ ما لم ينجز منه. إذن، فالإشكال ينتج التبعيض.
إلا أنّ هذا يمكن أن يُجاب عليه – كأطروحة – بأن نقول: إنّ القرينة العامة المسيطرة على اللغة هي دلالتها على الخارج، غاية الأمر أنّ بعضه خارج منجز وبعضه خارج غير منجز. ونحن لا نعني بالخارج: الماضي وهو المنجز فعلاً، بل نعني بالخارج: الأزمنة الثلاثة، ولو باعتبار الأولى والمشارفة بملاحظة الزمن المستقبل.
فكلّها أمور خارجية، فالأوامر يفترض إنجازها في الخارج، والنواهي كذلك، أي: لا تشرب الخمر في الخارج.
والاحتمال الآخر: أن نقول: إنّ مداليل الألفاظ كلّها ذهنية، وليس فيها شيء خارجي، إنطلاقاً من عدّة مقدمات – عرضية وليست طولية – كلها تنتج نفس النتيجة.
فأمّا أن نقول بشكل من أشكال السفسطة، باعتبار أنّ الخارج غير موجود، كما عليه جملة من السفسطائيين، وجملة من العرفانيين، وإنّما الموجود هو الفكرة فقط.
وبأيّ عذر اعتذرنا، فإنّنا ننفي الخارج، فلا يبقى إلا الذهن، ولم يخلق الخالق شيئاً إلا شيئاً واحداً، هو وجود الفكرة، فلا فرق بين النوم واليقظة، فكلاهما فيه
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أكل وشرب وعمل، فإمّا كلاهما وهمي، وإمّا كلاهما واقعي؛ لأنّهما معاً حسيان.
والمقدمة الأخرى التي تنتج نفس النتيجة، هي إننا نقول- كما عليه مشهور المحققين- إنّ الواقع موجود، ولكننا لا نصل إليه، وإنّما نصل إلى إدراكنا فقط، في حدود الصورة الذهنية التي تأخذها الحواس من الخارج.
فالمعلوم بالذات، أي بالعلم الحضوري الذي هو العلم الحقيقي، إنّما هو الصورة الذهنية لا الخارج، واللغة كلّها موضوعة لما هو ممكن إدراكه والعلم به، وهو الصورة الذهنية ليس إلا؛ وهذه الصورة كانت في ذهن الواضع، ثم أصبحت في ذهن المتكلم.
فقد نقول: إنّها موضوعة لِما هو خارجي، لكن الوضع والاستعمال لِما هو دالّ على الخارج، وهو الصورة الذهنية لا الخارج نفسه.
والاحتمال الآخر الذي يمكن أن يُسار عليه، هو التفرقة بين بعض المداليل وبعض. بأنّ بعضها وضِع للخارج، وبعضها وضِع لما هو ذهني مباشرة ولا يمكن وضعها لما هو في الخارج.
إذ من المحتمل أنّ اللغة تنقسم إلى ما هو موضوع لِما هو ذهني، وما هو موضوع لِما هو خارجي. فالأعلام موضوعة لأمور جزئية خارجية، وأمّا أسماء الأجناس فهي كلّيات، والخارج
ليس ظرفاً للكليات، فاسم الجنس ليس موضوعاً لما هو خارجي.
هذا، فضلاً عمّا قاله الشيخ بأنه تُوجَد أمور ذهنية خالصة لا يمكن أن يُوجدَ لها مصداق في الخارج، كشريك الباري أو جبل من ذهب.
ــــــ[133]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فهذا نحو من التفصيل بين الأمور اللغوية. وإذا قلنا بنحو من هذا التفصيل، فلا بأس أن يقول الآخوند: إنّ بعض الألفاظ تدلّ على ما هو خارجي، وبعضها لا تدلّ كالأمور المستقبلية؛ لأنّ التبعيض إن أمكن في جزء من اللغة أمكن في جزء آخر.
لكن قد ظهر أنّه حتى الأعلام الموضوعة للخارج، لا طريق إلى معرفتها وتعقّلها إلا الأذهان، فلا بدّ من مرور المعنى اللغوي في الذهن، على ما هو دالّ على الخارج، لا الخارج نفسه.
ثم إنّ الشيخ الآخوند: كأنّه احتمل أنّ الخصوصية المأخوذة في المعنى الحرفي تجعله جزئياً (أو خاصّاً) خارجياً.
وهو قابل للمناقشة من وجوه:
أولاً: إنّ اللغة لو كانت موضوعة لجزئيات خارجية لما كانت لغة أصلاً، لفناء الجزئيات وزوالها، فتزول اللغة بزوال الجزئيات، كاسم علم شخصٍ يزول بوفاته.
ثانياً: إنّ ما هو قابل للتقييد هو الكلّي لا الجزئي، ومن غير المحتمل أن يكون القيد سبباً لجعل الكلي جزئياً، وإنّما ينتقل الكلي بالقيد من الأوسع إلى الأضيق، أو يجعله حصّة من الكلّي، لكنه يبقى كلّياً.
ومن المحتمل أنّ المشهور يقول بتقييد الصورة الذهنية، لا لتصبح خارجية، بل لتصبح حصصاً، لكن قال بعضهم: إنّ النسبة قائمة بطرفيها الخارجيين، فتكون خارجية. إلا أن هذا يعني أن الاستعمال
هو في الأمر الخارجي ابتداءً، وليس كما قاله الآخوند من أنّ الخصوصية تجعله خارجياً.
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ومن جملة الإشكالات التي يمكن توجيهها إلى الشيخ الآخوند: أنّه ميّز في كلامه بين الخارج والذهن، وقال: إنّ الخصوصية المأخوذة في الحرف تجعله جزئياً خارجياً أم ذهنياً. ولو دقّق أكثر لوجد أنّه لا يُوجَد تمييز واقعي بين الخارج والذهن، على تفصيل يأتي.
فلذا يقال عادة: إنّ الذهن جزء من عالم الخارج ومشمول لبعض قوانينه، فإذا كان الذهن جزئياً خارجياً، فكذلك الخارج، لا يمكن أن يكون كلّياً، فإذا كان الذهن مصداقاً للخارج، فلا تمييز بينهما.
فينبغي أن يشير إلى أنّ كلامه إنّما هو بناءً على بعض المصطلحات والآراء.
وتوضيح ذلك: أنّ الخارج يمكن أن يُفهَم على عدة مستويات:
المستوى الأول: أنّ الخارج هو العالم المحسوس خارج الذهن، أو قل: خارج الذات. وهو الوجه المشهوري الساذج، وهو أقرب إلى الوجه المادي القائل: إنّ كل غير محسوس غير موجود.
المستوى الثاني: أنّه العالم الموجود خارج الذات، ولكن ليس هو المحسوس فعلاً، بل ما فيه مقتضي الإحساس لا العليّة التامّة له، كالنجوم البعيدة بمليون سنة ضوئية مثلاً.
المستوى الثالث: أنّه العالم الموجود خارج الذات، وإن لم يكن محسوساً أصلاً، كعالم الجن وعالم الملائكة، ويكون هذا المعنى الأخير أوسع الثلاثة.
إلا أنه مع ذلك يرد عليه إشكال بالنقض بأمرين:
أحدهما: عالم الأمر، وهو مقابل عالم الخلق الذي ذكرناه.
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ومغايرتهما إنّما هي لخصوصية فلسفية مبينة في قوله تعالى: أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ(1).
وثانيهما: الخالق عز وجل. فإنه في عالم الخارج.
فإذا اعتبرنا عالم الخارج هو عالم الخلق، فقد عزلنا هذين العالمين. وهو قصور في النظر.
فنضطر أن نأخذ بالقيد الأوّل فقط، وهو أنه خارج الذات أو الذهن.
وهنا يأتي إشكال، وهو أنّ ما هو خارج الذهن أمران:
الأول: ما اُصطلِح عليه: أنّه عالم الخارج، وهو عالم الجزئيات.
الثاني: ما اُصطلِح عليه: أنّه عالم الواقع، وهو العالم الذي يسع الكليات، كالماهيات الثابتة.
والمهم أنّنا إذا أخذنا هذا القيد، وهو خارج الذهن، فهو يشمل عالم الواقع؛ لأنّه خارج الذهن أيضاً.
فإن قلتَ: إنّنا أشرنا إلى أن الذهن أيضاً من جملة المخلوقات الخارجية، فلا بدّ من إزالة هذا القيد، لأنّ النفس والإنسان بكل وجوده من عالم الخارج، والذهن كذلك.
يبقى شيء واحد: وهو الصورة الذهنية، فيمكن استثناؤها من عالم الخارج، لأنّها مدلول ما في الذهن وهذا عالم آخر، فيمكن أن يقال: إنّ عالم الخارج هو غير الصورة الذهنية أو ما عداها.
ــــــ[136]ـــــــ
(1) الأعراف: 54.
منهج الأصول ج2
ومن هنا يأتي الإشكال على الشيخ الآخوند، فقد أصبح الخارج يشمل الذهن، ولا تمييز بين الخارج والذهن، كما زعم المشهور بسذاجة.
ونستطيع السير قدماً آخر، وهو أنّ الصورة الذهنية التي عزلناها عن عالم الخارج لها نحوان من اللحاظ:
1 – الصورة بما هي بالحمل الشايع.
2 – الصورة بما هي بالحمل الأولي.
والصورة بالحمل الشايع جزء الذهن ومعلول النفس، وهي جزئي خارجي، فهي من جملة عالم الخارج. نعم، الصورة الذهنية بما هي كاشفة ليست عين الذهن بل غيره، فلا تكون من جملة عالم الخارج.
وهنا يأتي إشكال آخر، يقول: إنّ الصورة الذهنية بكلا الحملين خارجية، إمّا بالحمل الشايع، فلما قلناه من أنّها جزء الذهن، وهو جزئي خارجي. وإمّا بالحمل الأولي، فلأنّها فانية في الخارج، فهي عين الخارج، فرجعنا إلى الخارج مرة ثانية.
فإن قلتَ: إنّ هنا تمييزاً دقّياً ما بين الدال والمدلول، بين ما هو فانٍ والمفني فيه. فالثاني هو العالم الخارجي الذي له الصورة. أمّا الصورة فليست فانية، وهي ليست من الخارج، كل ما هناك أنّها تدلّ على الخارج.
قلنا: بأننا نستطيع أن نقول: إنّ الصورة الملحوظة بالحمل الأولي الفانية في الخارج، والتي هي ليست من عالم الخارج، هي أمر واقعي وليست أمراً خارجياً.
وإذا وصلنا إلى هنا فقد قلنا: إنّ الخارج قسمان: اصطلاحي وواقعي. والخارج جزء من الواقع. فأصبحت الصورة الذهنية بكل مراتبها هي من عالم الخارج،
ــــــ[137]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فرجع الأمر إلى تسجيل الإشكال على الشيخ الآخوند.
ونعقد هنا مقارنة بين آراء الآخوند في الموردين، يعني بين حديثه هنا عن المعنى الحرفي، وحديثه عنه في مبحث المعنى الحرفي السابق، لنطبق أحدهما على الآخر، وذلك في نقاط:
النقطة الأولى: إنّه قال(1): وقد بيّناه في الفوائد(2).
أقول: يعني المعنى المشهوري. والظاهر أنّه تبنّاه هناك، إلا أنّه نقضه في الكفاية.
النقطة الثانية: إنّه قال: وأنه فيهما لم يلحظ فيه الاستقلال ولا عدمه.
أقول: في حين ظاهر العبارة السابقة أنّه لوحظ كِلا الأمرين فيه.
ولذا قال: إنّه كما أنّ لحاظ الاستقلالية لم يصبح به المعنى جزئيا، كذلك الآلية.
النقطة الثالثة: إنّه هناك قال: بـ(ليُراد) وهنا قال: بـ(ليستعمل) وهو أصرح في مرتبة الاستعمال، وإن كان المقصود بالآخر إرادة الاستعمال أيضاً.
النقطة الرابعة: إنّه قال: بـ(ليستعمل) وأريد به معناه حالة في غيره. أقول: والفصيح أن يقول: ليستعمل ويراد (أي يريد المستعمل) أو يقول: (وقد أُريد).
وإلا ورد عليه إشكالان محتملان:
الأول: أن يُراد بالإرادة هنا إرادة الواضع في المرتبة السابقة على إرادة المستعمِل، فتكون الآلية قيداً للطبيعة الموضوع لها، فيكون الاستعمال في ذات المعنى مجازاً؛ لأنّه يكون بعد التجريد عن قيده، وكذلك في الأسماء إذا كانت الاستقلالية قيداً.
ــــــ[138]ـــــــ
(1) الكفاية: 63.
(2) كتاب للآخوند في الأصول ألَّفه قبل الكفاية وهو الحاشية على الفرائد.
منهج الأصول ج2
الثاني: أنّه تثبت تبعية الدلالة للإرادة، مع أنّنا نفينا ذلك، فإنّه إذا صدر كلام غير مراد فإنّ الإرادة لا تكون متحقّقة، فلا يكون شرط الواضع موجوداً.
النقطة الخامسة: إنّه قال: يكون كلٌ من الاستقلال بالمفهومية وعدمه إنّما اعتبر في جانب الاستعمال لا في المستعمَل فيه.
أقول: وهذا كالنصّ في أنّه أُريد به ما قلناه من إرادة الاستعمال كعملية خارجية، لا كمفهوم في ذهن المستعمل، فضلاً عن الواضع.
النقطة السادسة: قوله: فلفظ الابتداء لو استعمل في المعنى الآلي، ولفظ (مِن) في المعنى الاستقلالي، لما كان مجازاً واستعمالاً له في غير ما وضع له، وإن كان بغير ما وضع له.
وتعليقنا على ذلك أمران:
الأمر الأول: أنه يحتوي – ولو ضمناً – على تصوّر المعنى المجازي في الحرف، على ما قلناه، ورفضه المشهور. ولكن يشفع له إلى جانب المشهور لفظ الابتداء الذي هو اسم جنس، وصار الحرف تحت شعاعه، فكأنّه غير ملحوظ المجازية.
الأمر الثاني: أنّه عند وجود التعاكس في الاستعمال لا يكون الاستعمال مجازاً، بل حقيقة؛ لأنّه مطابق للمعنى الموضوع له. ومخالفة غرض الواضع أو هدفه لا يكون محدثاً للمجاز. وهذا هو الذي قلنا إنّه لازم قوله، وقد اعترف به هنا، مع أنّه من أشد الأغلاط بلا إشكال.
النقطة السابعة: قوله: بالوجود الذهني.
أقول: الوجود الذهني أحد تفسيري الصورة الذهنية في الفلسفة في مقابل
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الأصول ج2
(الشبحية)، وما قاله ينطبق على الشبحية. وأمّا الوجود الذهني فهو للكلّي كلّي وللجزئي جزئي.
النقطة الثامنة: وليت شعري… الخ. هذا أجبنا عنه بأن الاستقلالية ليست قيدا، بخلاف الآلية.
النقطة التاسعة: قوله(1): كلّيات عقلية. أجبنا عليه كبرى وصغرى، كما سبق؛ لأنّ مراده تقييد عملية الاستعمال، لا الصورة الذهنية لدى الواضع ولا المستعمَل، فلا تكون كلّياً عقلياً.
بل حتى لو قيّد الصورة، فإنها ستكون (حصّة) لا كلّياً عقلياً؛ لأنّ ذلك هو المقيَّد بشرط لا عن الانطباق على الخارج، أو قل: بشرط شيء من حيث الوجود في الذهن، وهو قيد غير عرفي ولا لغوي.
النقطة العاشرة: قوله(2): وبما حققناه… الخ. على اعتبار أنّ كُلاً من الآلية والاستقلالية نحو قيد للمعنى، وقد عرفنا أن الاستقلالية ليست قيداً للمعنى بل لعملية الاستعمال.
والشيخ الآخوند من هذه الناحية متذبذب بين الأمرين، وحتى لو كانت الآلية والاستقلالية قيداً للمعنى فإنّه لا يكون كلّياً عقلياً، بل حصة من حصتين.
النقطة الحادية عشر: قوله: بل يعم غيره، يعني: الحرف وغيره، يريد به الاسم على زعم أنّ الاستقلالية نحو من القيد.
ــــــ[140]ـــــــ
(1) الكفاية: 64.
(2) الكفاية: 65.
منهج الأصول ج2
وينبغي تذكر ما عليه مشهور المتأخرين عن الآخوند من تعميم المعنى الحرفي إلى جميع النسب التامّة والناقصة، فماذا يقول الشيخ الآخوند فيها؟ وكيف وضع لها الواضع؟ مع أنّها لا تقابلها ألفاظ محدّدة، ولا يُوجَد هناك معنى اسمي يقابلها لكي تكون موضوعة للطبيعي بما هو كذلك.
فهذا هو تمام الكلام في رأي الشيخ الآخوند في المعنى الحرفي.
[ملخص الرأي المختار في الحروف]
أمّا ملخص الرأي المختار في الحروف، فيتكون من مقدمات ونتيجة:
المقدمة الأولى: إنّ اللغة ينبغي أن نفهمها بذوق عرفي وعقلائي، لا دقّي وعقلي. ولا تقوم لغة على الفهم العقلي، بل لو تزاحم حكم العقل وحكم العرف، قدم حكم العرف فيما يمكن فيه ذلك خارجاً. فإنّ العرف يفهم أموراً كثيرة يراها العقل مستحيلة.
وله أمثلة كثيرة، منها: فهم الكلام التدريجي، فإنّه بالرغم من تدريجيته يراه العرف موجوداً واحداً متحققاً في الخارج.
ومنها: فهم النسب التي لا وجود لها لفظاً، ومنها: وضع المركبات بناءً على رأي السيد الأستاذ.
المقدمة الثانية: التعريف بعالم الواقع، وأنّ النسب واقعية وليست خارجية، حتى لو كان طرفها اعتبارياً أو لغوياً، فضلاً عمّا إذا كان خارجياً.
وهذه المقدمة رئيسية لفهم الرأي المختار للمعنى الحرفي.
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وعالم الواقع أو عالم نفس الأمر، هو ما عبّر عنه بعض الكلاميين: أنّه عالم الماهيات الثابتة، ولا يأتي ما زعمه بعض المتكلمين بما يسمى (الحال) باعتبار كونه وسطاً من الماهيات، لا موجود ولا معدوم.
والنسبة بين عالم الواقع وعالم الخارج هي العموم المطلق بالحمل الشايع، أي تطبيقاً وخارجاً ومورداً. فكل خارج واقع، ولا عكس. وبعض الواقع ليس بخارج. فحينما نتحدث عن الواقع إنما نتكلم عن حصّة خاصّة منه، وهو ما ليس بخارج.
وينتج من هذا أنّ قوانين عالم الخارج، لا تشمل الحصّة الأخرى من عالم الواقع، لكن قوانين عالم الواقع تشمل عالم الخارج.
ومن جملة ما ينتج من ذلك: أنّ الخارج الذي بين يدينا ليس كله خارجاً، بل هو مركّب بالدقّة بين ما هو واقع وما هو خارج.
مثلاً: الفوقية: فإنّ ما هو موجود في الخارج هو السقف والأرض، لكن نسبة أحدهما إلى الآخر ليست خارجية، بل جزئي واقعي؛ لأنّ فرق الخارج عن الواقع هو أنّ الخارج من قبيل عالم الأجسام والمحسوسات. ولكن الإضافة كالفوقية والبنوة هي صادقة موجودة حقيقة، لكنّها غير موجودة في الخارج كخارج، ونتخيّل أنّها محسوسة، بالرغم من أنّها ليست كذلك.
فعالم الواقع يستوعب ويحتوي كل ما هو كلّي وما هو جزئي، وما هو تصديقي وما هو تصوري، ولكن عالم الخارج يحتوي على ما هو تصوري وجزئي فقط، فهو أضيق بكثير من عالم الواقع.
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فالقضايا التصديقية، كلها تصدق في عالم الواقع، أمّا الموجود خارجاً، فهو تصورات أطرافها فقط لا تصديقاتها، فضلاً عن وجود النسب والمعاني الحرفية، فإنّها كلها موجودة في عالم الواقع، وكذلك سائر الهيئات والنسب التامة والناقصة.
ويمكن الاستدلال على عالم الواقع بأحد شكلين:
الاستدلال الأول: القرآن الكريم. وما يمكن أن يُستدَل به على ذلك آيتان كريمتان:
الأولى: قوله تعالى: ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ(1). على أن يكون المراد بالخلق عالم الخارج، ويُراد بالأمر عالم الواقع.
وتقريب ذلك: أنّ الفلاسفة الذين غضّوا النظر عن عالم الواقع فهموا المراد على شكل، وفهم المتكلمون منها أمراً آخر. ونحن نفهم شيئاً ثالثاً.
أمّا ما فهمه المتكلمون فهو أبسطها، وهو أن نقول: إن الله تعالى له صلاحيتان: أحدهما: الخلق بالإرادة التكوينية. والأخرى: الأمر بالإرادة التشريعية.
وأمّا الفلاسفة فحملوا الأمر على نوع آخر من الخلق أعلى من عالم الخلق، سمّوه بعالم الأمر، وصدر من بعضهم أنّه قال: إنّ ما قال له الله سبحانه: كن فيكون، هو عالم الخلق، وأمّا عالم الأمر فلم يقل له كن فيكون. كما في قوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ(2). فهذا ليس من عالم الخلق، بل هو أعلى منه في عالم السنخية والتجرّد.
وكلاهما من صنع الله وتدبيره، وكلاهما خارجي جزئي ومنتسبان إلى الله
ــــــ[143]ـــــــ
(1) الأعراف: 54.
(2) ص: 75.
منهج الأصول ج2
سبحانه، فالخلق ينتسب بـ(كن) والأمر عبّر
عنه بـخَلَقْتُ بِيَدَيَّ. وقالوا: إنّ الروح العُليا للإنسان هي من عالم الأمر، وليس من عالم الخلق، وكذلك سنخ من الملائكة كالكروبيين.
والفهم الثالث: الذي نقدمه هو أنّ عالم الخلق هو عالم الخارج، وعالم الأمر هو عالم الواقع، فقوله: ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ أي عالم الخارج وعالم الواقع.
وهنا يأتي إشكال: وهو أنّ كون عالم الخلق بيد الله سبحانه، أي إيجاد الخلق وتدبيره، أمر مفهوم ومتصوّر. ولكن كون عالم الواقع كذلك يحتاج إلى دليل؛ لأنّه ليس وجوداً خارجياً يتصف بالوجود بالمعنى المفهوم ليكون لله سبحانه، بل هي أمور ثابتة وأزلية، لا ترتبط بإرادة الله تعالى.
وجوابه: أنّ هناك عدة قنوات يستطيع الفاعل المختار، خالقاً ومخلوقاً التأثير من خلالها على عالم الواقع.
وهو – مجملاً -: أنّ الخالق له لا أقل من حصّتين من التأثير في عالم الواقع، حصة إثباتية وحصّة ثبوتية.
أمّا الأولى: فإجمالها أنّه عرّفنا على عالم الواقع وأوصل خبره إلينا؛ لأنّه لا تدركه أية حاسّة، فقد كشفه سبحانه لنا إثباتا وجعل لعقولنا قابلية فهمه واستيعابه. فأصبح كلّنا يعرف صغريات وتفصيلات عالم الواقع.
وأمّا الحصّة الأخرى الثبوتية وهي: أنّ الله تعالى ينقل مصاديق من عالم الواقع إلى عالم الخارج، أي أنّ شيئاً ما يقول له كن، فهو موجود حتى يخاطبه، وليس معدوماً. فالمخاطب هو الماهية الواقعية، وهذه السيطرة ثبوتية، فإذن بيده الخلق والأمر.
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثانية: قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(1). فإنّها بحسب الفهم المشهوري: إنّ الأمر هنا مفرد أوامر. والشيء هو الشيء الخارجي.
وأريد أن اقترح فهما آخر: بأن يكون الأمر هنا مفرد أمور. ويكون إشارة إلى عالم الأمر والواقع. إن المعدوم لا يُخاطب بهذا الخطاب، فهذا الخطاب يتحقق في شكل من أشكال الوجود: نسميه عالم الواقع لا الخارج.
فيكون معنى (إِنَّمَا أَمْرُهُ) أي: عالم الواقع المضاف إلى الله سبحانه (إِذَا أَرَادَ) أن ينقل (شَيْئًا) واقعياً ليجعله خارجياً، فإنّما يأمره فيطيع، فيلبس ثوب الخارج بعد أن كان واقعياً، وكلا العالمين موجودين.
وقد ينُاقش هذا: بأنّه من الفهم الباطني للقرآن الكريم، وهو ليس بحجة. وجوابه: أنّنا لا ننفي الحجية عن الفهم الباطني للقرآن مطلقاً، بل نقول: إنّه مادام الوجدان يفهمه ويلتفت إليه ويناسب حاله ومستواه، فهو حجّة عليه.
الثاني: الاستدلال بالعقل.
وما يمكن أن يُستدَل به نحوان:
النحو الأول: أنّ الله سبحانه خلق الذهن كاشفاً عن الواقع، وعن خارج الذهن وخارج الذات، وأنّ الصورة الذهنية تدل صاحبها على أنّ شيئاً ما هو خارج الذهن موجود.
فنستطيع أن نقول: إنّ الأصل مطابقة الصورة الذهنية للخارج، إلا ما ثبت بدليل، كجبل من ذهب أو بحر من نار.
ــــــ[145]ـــــــ
(1) يس: 82.
منهج الأصول ج2
ثم إنّ ما يصل إلى الذهن على أشكال منها: ما يصل عن طريق المحسوسات، فهو الخارج. ومنها: ما نعلم بصحته كمفهوم تصوري وخطور ذهني، ككلّي الإنسان أو الحيوان، في حين أنّ الكلّي لا يُوجَد في الخارج، وليس الخارج ظرفاً للكليات، فمن هذه الناحية فهو معدوم في الخارج، ولكنّه مع ذلك صادق ومطابق للواقع، بدلالة الصورة الذهنية، فيتعيّن أن يكون موطنه عالم الواقع.
النحو الثاني: صدق القضية التصديقيّة: شرطية كانت أو حملية، مثل قولنا: النقيضان لا يجتمعان، والدور مستحيل. فهي صادقة وجداناً لكن لا وجود لطرفيها في الخارج. فلا بدّ من وجودها في الحصّة الثانية من عالم الخارج، وهو الواقع.
ويمكن أن يكون النحو الأول خاصّاً بالتصورات، والثاني بالتصديقات. وبذلك لا يرد إشكال اختصاص عالم الواقع بأحدهما لاختصاص الدليل به، بل يمكن ضمّهما، فيتمّ الدليل.
ولكن يمكن تعميم الأمر الأول للتصديق أيضاً؛ لأنّ التصديق أيضاً له صورة ذهنية. وفي الحقيقة: فإنّ ماهية التصديق هو الإذعان النفسي، لكن هذا الإذعان له في الذهن وجود وصورة؛ لأنّ الفرد يعلم أنّه مصدّق وأنّ الصورة صحيحة، وإن لم تكن هي حقيقة التصديق.
وكذا الدليل الثاني يمكن تعميمه إلى التصورات، باعتبار طرفي القضية وهما تصوريان.
ثمَّ إنّ عالم الواقع أزلي؛ لأنّ العقل يحكم بثبوت الدليل عليه على مدى السرمدية.
لا يقال: إنّ هذا يلزم منه القول بتعدّد القدماء وهو محال.
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإنّه يقال: إن هذا يُجاب على مستويين:
المستوى الأول: أنّ المهم هو الشهادة بالوحدانية لله سبحانه، وبطلان الشرك والاعتقاد بكل قديم موازي لله تعالى في الوجود.
فإذا لم يحصل ذلك، فلا مانع من الاعتقاد بالقديم: سواء كان في الخارج فضلاً عن الواقع.
لأنّنا إن قلنا بقدم شيء فلا نقول أنّه واجب الوجود، حتى يكون شركاً. وإنّما نقوله في حال كونه ممكناً خاضعاً لتدبير الله تعالى، وقد برهنّا في محلّه أنّ علّة الحاجة إلى العلّة هي الإمكان لا الحدوث، وهو سبحانه وتعالى باختياره أوجده منذ الأزل.
فإذا كان القول بأشياء سرمدية خارجية لا يلزم منه القول بتعدّد القدماء بالمعنى المرفوض، فكيف بالأشياء الواقعية التي لا وجود لها في الخارج؟! فإنّها أولى بالجواز.
المستوى الثاني: أنّنا لو تنزّلنا وقبلنا باستحالة تعدد القدماء، فإنّ هذه الاستحالة مختصّة بعالم الخارج. أمّا وجودها في عالم أدنى بالشرف منه، فلا مانع منه، فنفس دنوّه في الشرفية، دليل على أنّ هذا القديم ليس شريكاً لله عزّ وجلّ.
إن قلتَ: إنّ الله سبحانه يستطيع أن ينقل الماهية من عالم الواقع إلى عالم الخارج، وهذا نحو من العلو له سبحانه. وكذلك نعترف بأنّ العالم الأشرف مؤثر في العالم الأدنى شرفاً، أي أنّ الخارج مؤثر في الواقع، فيكون الواقع متغيِّراً بعلّة الأمور الخارجية. والمتغيِّر حادث، فكيف نقول بسرمديته.
وجوابه: ينبغي أن يكون على مستويين: لأنّ عالم الواقع يحتوي على الكلّيات والجزئيات.
ــــــ[147]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فالأول: مستوى الكلّيات الواقعية كالماهيات والأجناس والأعداد. ومن الواضح فلسفياً أنّ الكلّي بصفته كلّياً لا يكون علّة ولا معلولاً، لأنّ العلية فيها جنبة خارجية، ولا تستطيع علة ما أن تنقل الكلّي بما هو كلّي إلى الخارج؛ لأنّ الخارج ليس ظرفاً للكليات، فالكلي لا يكون معلولاً، بل هو القدر المتيقّن من البرهان على عدم العلّية والمعلولية في عالم الواقع.
والمستوى الثاني: مستوى الأفراد.
والأفراد الواقعية تختلف على قسمين: لأنّها إمّا أنّها مما لا يمكن أن تُوجد في الخارج، أو مما يمكن وجودها فيه.
وأعني بالأفراد غير الممكنة: أنّها بحد ذاتها واقعية، وإن ساهمت في بناء الكون، من قبيل الإضافات والنسب والتقدم والتأخر، فوجودها في الخارج لا يعني أنّها خارجية بذاتها وحقيقتها، بل هي واقعية، وأنّ الذي يحصل: أنّ الفاعل المختار يُوجَد في الخارج طرفيها، لا أنّه يوجد النسبة حقيقة ودقّة.
وهذا القسم لا نتوقع إيجاد الله تعالى له في الخارج، لعدم إمكان وجوده عملياً، وإن ساهم في بناء الكون الخارجي.
نعم، يأتي الإشكال في القسم الثاني، أي في الفرد الذي يكون قابلاً للوجود الخارجي، كأفراد الإنسان والحيوان وغيرها كثير.
وهذه هي الحصّة الوحيدة التي يُدّعى أنّ الله سبحانه يلبسها بعد واقعيتها ثوب الوجود الخارجي.
وهنا يمكن المناقشة بالتشكيك في أنّ الفرد الخارجي كان واقعياً، بل أنّه لم يكن
ــــــ[148]ـــــــ
منهج الأصول ج2
واقعياً أصلاً، بل هو خارجي من أول وجوده، فلا انتقال من عالم الواقع إلى عالم الخارج، ومعناه أنّه لا تأثير في عالم الواقع من قبل عالم الخارج، وأنّ الأفراد المتحقّقة في عالم الواقع هي من القسم الأوّل لا من القسم الثاني.
فإن قلتَ: فإنّ شخصاً يستطيع أن يجعل ما فوق تحتاً أو ما تحت فوقاً، فتتغير النسبة بين الطرفين. والنسب أفراد واقعية جزئية، فهذا نحو من التأثير للخارج في عالم الواقع.
قلنا: إنّ هذا يمكن الجواب عليه بعد الالتفات إلى مقدمتين:
المقدمة الأولى: أنّ هذا من قبيل تغيّر الموضوع، والعليّة إنّما تكون مع حفظ الذات، فلا يكون التغيّر في عالم الواقع من سنخ العليّة، فإنّ النسبة الحاصلة بالتغيّر نسبة أخرى، لا أنّ نفس النسبة قد تغيّرت مع حفظ ماهيتها.
المقدمة الثانية: أنّ هذا التغيّر إنّما حصل في وهمنا وإدراكنا، بعد أخذ الزمن بنظر الاعتبار. فيقال: إنّ هذه النسبة كانت كذا وأصبحت كذا. وإنّما نشعر بالزمان بصفتنا خارجيين، والأشياء في الخارج متحركة بترتيب يُنتزَع منه معنى الزمان.
أمّا في عالم الواقع الثابت، فإنّ الزمان غير ملحوظ فيه أصلاً، فإذا نظرنا إلى كل نسبة في (منطقة) وجودها من عالم السرمدية، نجدها محفوظة بكل قيودها من الأزل إلى الأبد، كل ما هنالك أنّ الفرد انكشف لنا بعد أن أصبح المستقبل حاضراً. أمّا عالم الثبوت فهو موجود ولم يتغيّر، لعدم وجود ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل.
فإن قلت: إنّ نفس التقريب الذي أنتج أنّ عالم الواقع ثابت لا يتغيّر، وأنّ كل تطبيقاته بالحمل الشايع تصدق من الأزل إلى الأبد، آتٍ في عالم الخارج ايضاً، فإنّ
ــــــ[149]ـــــــ
منهج الأصول ج2
شيئاً من عالم الخارج لو لُوحِظ بكل خصائصه وصفاته، فإنّها صادقة من الأزل إلى الأبد.
فهل نقول: بسكون عالم الخارج، وهو خلاف الوجدان، أم ببطلان الدليل السابق، وأنّ عالم الواقع متحوّل ومتحرك.
قلنا: إنّه في مقام الجواب ينبغي الالتفات إلى فكرتين:
الفكرة الأولى: ما قلنا في حينه، من أنّ عالم الخارج حصّة من عالم الواقع، فالصفات الرئيسية التي يتّصف بها عالم الواقع شاملة لعالم الخارج، دون العكس.
فالثبات الذي تكلّمنا عنه قانون أو إدراك عقلي مشترك بين كِلتا الحصّتين، الخارجية وغير الخارجية من عالم الواقع، من الأزل إلى الأبد.
الفكرة الثانية: وهي المتكفِلة بالفرق بين الحصّتين: وذلك: أنّ عالم الخارج متحرّك، بينما الحصّة الأخرى من عالم الواقع ساكنة، ولو كان الخارج ثابتاً كالحصّة الأخرى لكانت الحركة ممتنعة، مع العلم أنّها وجدانية وحقيقية.
وهذا يبرهن اختلاف الحصّتين، فالخارج قابل لتعلق الحسّ به دون الواقع، والخارج له قابلية الفاعلية والتأثير دون الآخر.
فإن قلتَ: إنّ هذا غير شامل للواجب تبارك وتعالى، مع العلم أنّه من عالم الخارج، إذ هو موجود حقيقة في عالم الخارج، وهو ليس متحرّكاً ولا محسوساً.
قلنا: لا نستطيع أن نستنتج من كلامنا ذاك: أنّ الله تعالى غير موجود في عالم الخارج، بل في عالم الواقع، باعتبار كونه ليس متحرّكا ولا محسوساً، لأنّ البرهان قام على وجوده الخارجي، ولا يلزم من ذلك اتصافه بأوصاف مخلوقيه من الحسّ
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والحركة؛ لأنّه لا يشبهه شيء جلّ جلاله.
وبتعبير آخر: أنّنا لم نقل إنّ كل ما هو خارجي يتعيّن فيه الحسّ والحركة، بل هو كذلك في الجملة. بينما عالم الواقع، منسدّ من هذه الناحية تماماً.
وملخص الدليل: على أنّ الله تعالى موجود خارجي، عدة تقريبات:
أحدها: إنّ فاقد الشيء لا يعطيه، وقد أعطى الصفة الخارجية لخلقه، إذن فهو خارجي.
ثانيهما: إنّ مقتضى وحدة السنخية بين العلّة والمعلول، هو ذلك، أي كون الفاعل خارجياً؛ لأنّ معلولاته خارجية، فيتعين كونه خارجياً، وإلا لاختلف السنخ.
ثالثهما: أن نقول: إنّنا عرفنا أنّ ما هو واقعي يستحيل أن يكون مؤثراً في عالم الواقع، ولا في عالم الخارج. فلو كان الله سبحانه واقعياً (من الحصّة الأخرى) لما أثّر في الخارج؛ فيتعين كونه خارجياً.
وقد يقال هنا: إنّ هذا يستلزم سلب السيطرة الإلهية على عالم الواقع، فتنحصر السيطرة الإلهية والتدبير على عالم الخارج؛ لأنّنا ذكرنا نحوين من السيطرة: إثباتية وثبوتية، فالأولى وإن بقيت سارية المفعول، وهي الأهم.
لكن يمكن أن يُقال: إنّ السيطرة بنحو من الأنحاء على الكليات الواقعية موجودة، وتشمل إيجاد جزئيات خارجية لهذه الكليات الواقعية؛ لأنّ الكلي مهما كان حاله، فإنّه يفتقر إلى جزئي، بل لا يُوجد إلا بالجزئي.
إن قلت: إنّ عالم الواقع موجود في علم الله سبحانه، فيكون خارجياً؛ لأنّ
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المعلوم عين العلم، وعلمه عين ذاته، والله سبحانه خارجي، إذن فعالم الواقع خارجي.
وجوابه نقضاً وحلاً:
أمّا النقض فواضح: لأنّ الكلام نفسه يأتي في عالم الخارج، فلو تمت تلك المقدمات، ينتج أنّ عالم الخارج عين ذات الله سبحانه، فما يُقال هناك عن الاستقلال النسبي، يُقال هنا أيضاً، مع إيضاحات تأتي في الجواب الحليّ.
أمّا الجواب الحلي، فينبغي النظر إلى عدة مستويات:
المستوى الأول: عرفاني: فإنّ أهل العرفان يدَّعون: أنّه لا وجود إلا لله عزّ وجلّ، وكل التفاصيل مندكّة فيه، فعالم الخارج عين ذات الله سبحانه، وكذا عالم الواقع.
لكنّنا لا نتكلّم الآن من الناحية العرفانية، بل من الصحيح القول بالاستقلال النسبي عن ذات الله سبحانه.
المستوى الثاني: أن ندّعي ما كان يدّعيه أو يحتمله السيد الأستاذ، من أنّ الله تعالى يعلم الأشياء بالصورة الذهنية، كالإنسان.
وهو خلاف المشهور وخلاف الضرورة، باعتبار أنّ علم الله تعالى حضوري، والصورة الذهنية عبارة عن العلم الحصولي.
مضافاً إلى استحالة الحدوث والتجدّد في ذاته، بتجدّد الصور الذهنية.
فإذا قلنا بما قاله، وتنزّلنا عن إشكاله، أمكن الجواب على قولهم: أنّ عالم الواقع عين ذات الله تعالى، وكذا عالم الخارج؛ لأنّ الصورة الذهنية غير ذي
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الصورة. وحينئذٍ تصبح هذه المقدمة وهي: أنّ العلم عين المعلوم، في المعلوم بالذات، وأمّا عالم الخارج وعالم الواقع فهو المعلوم بالعرض، وهو ليس عين العلم، فلكلٍ منهما نوع استقلال عن الله سبحانه.
المستوى الثالث: أن يُقال: إنّ عالم الواقع إثباتي لا ثبوتي. بمعنى: أن نكون سفسطائيين في طرف ثبوته؛ لأنّهم لا يعترفون بعالم الخارج، ونحن لا نعترف بعالم الواقع، بل نقول فيه ما يقولون في عالم الخارج.
بأنّ إدراكنا لا يناله، وإنّما نتوهّم وندرك أنّ القضايا صادقة، فهي ليست صادقة مطلقاً، بل في وعينا وذهننا.
وعندئذٍ يندفع الإشكال؛ لأنّ عالم الواقع ليس ثبوتياً، لكي يكون معلوماً لله تعالى وموجوداً، بل هو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
إلا أنّ هذا الجواب غير صحيح؛ لأنّ لازمه أن يكون عالم الواقع غير موجود، مع انتفاء العالم والمتيقِن- بالكسر-، فإنّ عالم الواقع إذا كان إثباتياً، فإنّه يزول بزوال المدرِك- بالكسر-، في حين أنّ هذا باطل. فالنقيضان لا يجتمعان، سواء وجِد مدرك لهذه أو لا. إذن، فعالم الواقع ثابت بغضّ النظر عن الإدراك، وليس إثباتياً فقط.
المستوى الرابع: أنّ عالم الواقع مخلوق لله تعالى، كعالم الخارج، فإنّه سبحانه خالق لكل مستويات الوجود، ومعه، فما يُقال عن استقلالية الخارج النسبية عن الله تعالى، يُقال عن عالم الواقع أيضاً.
وكأنه إلى هنا لا إشكال فيه. إلا أنّ مقتضاه: أنّ الملازمات العقلية البديهية مجعولة لا ذاتية، أي إنّ استحالة اجتماع النقيضين خلقها الله تعالى، وكذا استحالة
ــــــ[153]ـــــــ
منهج الأصول ج2
اجتماع الضدين، ونحو ذلك، وهو خلاف المشهور من أنّها ذاتية لا مجعولة.
اللهم إلا أن يُقال: إنّ الشيء الذي يريده الفلاسفة والمناطقة والمتكلمون، حاصل على كل حال. لأنّنا إذا قلنا بنحو من أنحاء الخلق للملازمات الواقعية، فإنّما نقول به أزلياً، أي إنّ الله تعالى بصفته أزلياً قد أوجد الملازمات منذ الأزل، فهي ليست حادثة، والقول بحدوثها جزاف. وهذا يكفي في تلك الملازمات، ولا دليل على أكثر من ذلك، فيكون لهذا القول نحو من الصحة.
المستوى الخامس: وهو مبتنٍ على التنزّل عن الأجوبة السابقة.
وحاصله: أنّ الملازمات العقلية ذاتية غير قابلة للجعل، أمّا عالم الخارج، فهو مخلوق لله عز وجل وقائم به، وبهذا القيام يعلمه علماً حضورياً.
أمّا عالم الواقع، فليس مخلوقاً لله سبحانه، بل – كما هو المشهور إنّه – (لم يجعل الله المشمشة مشمشة) وليس قائماً به. والنتيجة أنّه ليس معلوماً له علماً حضورياً، بل هو سنخ ما في أنفسنا كما في الحديث (خلق الله النفس على مثاله). فما يُوجَد في النفس من الصور الذهنية نعلم به علماً حضورياً، وغيره نعلمه علماً حصولياً.
وبذلك، يندفع الإشكال الرئيسي، لَـمّا لم يكن عالم الواقع مخلوقاً لله تعالى، ولا قائماً به، فهو ليس عين ذاته، وهو موجود بنحو من أنحاء الوجود، وليس خارجياً.
ولكن تنشأ هنا شبهة أصعب، فقد يُقال: إنّه على هذا يترتب أنّ الله لا يعلم عالم الواقع، إذ هو يعلم ما خلق لا ما لم يخلق.
وأوضح ردّ على هذه الشبهة الشيطانية: أنّ فاقد الشيء لا يعطيه، وقد أعطانا الله عقولاً مدرِكة لعالم الواقع، إذن فهو مدرِك له.
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ولكن لنا أن نتساءل عن كيفية إدراكه سبحانه، لعالم الواقع، وهو سؤال ناتج عن الفكر المشهوري: بأنّ الملازمات وعالم الواقع ليست مخلوقة لله تعالى، ولم يجب عن هذا السؤال أحد في حدود إطلاعي، إمّا قصوراً أو خوفا من بيان الجواب.
والمحتمل فيه ثبوتاً ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الصورة الذهنية. لو قلنا بإمكانها له، كما احتمله السيد الأستاذ. إلا أنّ هذا الرأي عُهدته على مدّعيه، وليس هنا محلّ بحثه.
الأمر الثاني: أنّنا لا نعلم كيفية ولا سنخ إدراكه سبحانه، بعد فشل الكيفيتين المعروفتين: وهي الصورة الذهنية، والعلم الحضوري؛ لأنّ الصورة الذهنية مستحيلة عليه سبحانه، والعلم الحضوري فرع القيام به، والمفروض أنّ عالم الواقع ليس قائماً به، ولا مخلوقاً له.
إذن، فنحن نعلم أنّه مدرِك للواقع وعالم به إجمالاً، دون أن نعرف سنخه، وإنّما نوكل علمه إليه سبحانه، وإدراك ذلك فوق العقل.
الأمر الثالث: الطعن في الكبرى التي أخذناها مسلّمة، وهو أنّ ما هو المعلوم حضورياً لله سبحانه ليس إلا ما قام به وما خلقه، ونقول-الآن-: إنّ الله سبحانه يعلم حضورياً بكل الموجودات سواء كانت مخلوقة له أم لا، فإنّه قادر على نيل أي شيء في نفس مرتبة وجوده.
ثمَّ إنّ عالم الواقع ثابت مستقرّ، ليس فيه كون ولا فساد ولا حركة، يعني ليس فيه علّيّة ومعلوليّة، لا فيه ولا في غيره. ولا العكس.
وبيان ذلك: أنّ العليّة والمعلولية المتصوّرة، بهذا الصدد، أحد أشكال:
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الأول: أن يكون بعض عالم الواقع علّة، وبعضه معلولاً.
الثاني: أن يكون بعض عالم الواقع علّة، وبعض عالم الخارج معلولاً.
الثالث: أن يكون عالم الخارج أو بعضه علّة، وبعض عالم الواقع معلولاً.
الرابع: أن يكون بعض عالم الخارج علّة، وبعضه معلولاً. وهي العلّيّة الخارجية المتعارفة، ولا كلام فيها. وإنّما الكلام في الأشكال الثلاثة الأولى، حيث إنّها منتفية جميعاً.
أمّا الأول: فلأنّ هذا البعض الذي يُفرَض معلولاً، ثابت في المرتبة السابقة عن العلية المفترضة، فيكون من تحصيل الحاصل وهو محال.
وأمّا الثاني والثالث: فلاختلاف السنخيّة التي يُشترَط لزومها بين العلّة والمعلول. وهنا لا سنخيّة؛ لأنّ كُلّاً من العلّة والمعلول من عالم غير عالم الآخر، فلا يُمكن تأثير أحدهما بالآخر.
مضافاً إلى محذور آخر: فقد قالوا: إنّ عالم الخارج أشرف من عالم الواقع، وما هو متصوّر إنّما هو تأثير الأشرف في الأدنى. أمّا العكس فغير ممكن. أمّا كون عالم الخارج أشرف من عالم الواقع، فلأمرين أو تقريبين على أقل تقدير:
الأول: إنّ عالم الخارج محسوس وأوضح في الحسّ والإدراك من عالم الواقع، فهو يُرى بالاكتشاف التامّ. وعالم الواقع قاصر عن أن يُكتشف اكتشافاً كاملاً.
الثاني: إنّ مرتبة وجود عالم الخارج أقرب إلى مرتبة وجود الله سبحانه، أو قل: بمعنى من المعاني: هو من سنخ وجود الله سبحانه. وهذه الصفة لم تتوفر في عالم الواقع؛ لأنّ الله تعالى من عالم الخارج، وكل ما هو من عالم الخارج فهو من سنخ
ــــــ[156]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وجود الله سبحانه من هذه الجهة، فيكون أشرف.
وتُؤخَذ الكبرى مسلّمة: وهي: أنّ ما كان أشرف يؤثّر في الأدنى، دون العكس. ويكفي مراجعة الوجدان، فإنه هل يمكن ملاحظة شيء واقعي يخطر في الذهن يؤثّر في شيء خارجي؟ أستطيع ان أجيب بالنفي.
*****
ثمّ إنّه ما الضابط صغروياً، لكون الشيء واقعياً أو خارجياً؟ فإنّ هذا مما ينفعنا في محلّ الكلام، وهو المعنى الحرفي، وفيه عدّة وجوه غير متكاذبة:
الوجه الأول: أنّ ما يستحيل وجوده في الخارج يكون واقعياً، كالكلّيّات؛ لأنّ الخارج ليس ظرفاً للكليات، بما فيها أسماء الأجناس والأرقام، وهي غير متناهية، والحروف بحسب وضعها اللغوي، كما سنختار، فإنّها واقعية كلّيّة، وأمّا استعمالها في نسب معيّنة فهي مصداقه.
وهذا الوجه لا يشمل محلّ الحاجة، وهو المعنى الحرفي الذي ندّعي أنّه جزئي واقعي، فكيف نميّز الجزئيات الواقعية عن الجزئيات الخارجية؟
الوجه الثاني: أنّ ما تناله الحواس فهو خارجي، وما لا تناله فهو واقعي.
وهذا يواجه إشكالاً أشرنا إلى مثله؛ لأنّنا إن قصدنا الحواس الفعليّة، فهو يخصّ الحاضر القريب، ولا يشمل الماضي ولا البعيد.
فلا بدّ من التوسّع إلى ما له قابلية أن تناله الحواس، وهذا غير جامع؛ لأنّه يشمل عالم الناسوت فقط، ولا يشمل عالم الروح والملكوت، فإنّها لا تُحسّ وليس لها قابلية ذلك، ومع ذلك فهي خارجية.
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهنا يجاب: أنّه في الإمكان أن نعمّم إلى الحواس الباطنية أو القلبية، فتلك تُنال بعلم العقل والقلب لتلك العوالم. حيث أودع الله سبحانه وتعالى في الروح الإنسانية ما يدرك تلك العوالم، إذن، فهي خارجية، من حيث إنّها محسوسة.
وحينئذٍ، فيُنقض على هذا الوجه بوجود الله سبحانه، من حيث إنّه في غاية البساطة واللطافة وعدم المحدودية، فلا يُنال بأي حسّ أوجده في أيّ مرتبة من مراتب خلقه. فإنّه حتى إدراك خير الخلق لا يدركه، بكنهه. مع أنّه خارجي.
فلا يبقى دفاع عن هذا الوجه، إلا أن يُقال: إنّ الواقعي هو ما ليس بخارجي. وهذا مصادرة على المطلوب، لأنّنا نحتاج إلى ضابط للخارجية والواقعية.
لكن يُمكن عرض وجوه أخرى، تصلح بمجموعها أن تكون إشارة إلى الوجود الخارج؛ لأنّ هذا الوجود بذاته غير مدرَك بمعنى من المعاني. وإنّما نحصل على صورة منه، وندركه بمقدمات متكثّرة في عدّة جوانب، وتكون النتيجة هي الإشارة إلى الموجود الخارجي والتعريف به، وإن لم يحصل له تعريف بالمعنى الفلسفي؛ لأنّ الوجود أعلى الأجناس، وليس له جنس وفصل، لكن الدلالات عليه موجودة.
فهذه الوجوه الآتية، إنّما هي إشارات أو مؤشرات، على فهم الوجود الخارجي، لكي نقول: إنّ الأشياء التي ثبت صدقها وتحققها -مع أنّه لا ينطبق عليها فهم الوجود الخارجي- فهي موجودات واقعية.
وسنحافظ على نفس التسلسل السابق؛ لأنّها تؤدي إلى نفس النتيجة.
الوجه الثالث: أن يدرك الذهن: أنّ الصورة ليست من الخارج، بل هو إمّا
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهمي أو واقعي أو اعتباري.
والذهن قابل لإدراك صفة مدرَكة- بالفتح-، وهو حجّة فيه، ومن هنا نعرف أنّ الأمور الاعتبارية ليست خارجية ولا واقعية:
بيان ذلك: أنّ الله تعالى خلق الذهن لكي يفهم الأشياء، أو ليدلّ صاحبه عليها، وهو حجّة على صاحبه فيما يدرك، عدا ما خرج بدليل، كمغالطات الحسّ والوهم. فالقاعدة تقتضي حجّية المدرَكات الحسّية.
وكما يكون الذهن والعقل حجة في إدراك أصل الوجود. كذلك يكون حجة في إدراك تفاصيله وخصائصه وأوصافه.
ومحل الشاهد: أنّ الذهن إذا أوصل لنا إدراكاً صحيحاً، على أنّ هذا الشيء المدرَك- بالفتح- واقعي وليس خارجياً، فعلينا أن نصدّقه.
فالمسألة تعود إلى مقدار إدراك الذهن لهذه الحقيقة، والذهن مخوّل في ذلك وحجّة فيه. فهذه هي الكبرى.
أما الصغرى: فإنّ بعض الجزئيات، كالنسب، إنّما قال ذهننا وأدرك أنّها واقعية وليست خارجية.
الوجه الرابع: أنّ الصورة الذهنية جزء من النفس، ومفاضة من قبل النفس. فإذا ضممنا إلى ذلك مقدّمة تقول: إنّ العلم عين العالم، وهو النفس. والنفس خارجية، إذن، فالصورة الذهنية التي هي جزء منها، هي من عالم الخارج.
ففي أيّ قضية -كقولنا: (البساط ازرق)، مثلاً- تكون الصورة الذهنية للطرفين جزءًا من النفس. أمّا النسبة بينهما فهي تُوجَد تكويناً في عالم النفس،
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وليست مفاضة من قبل النفس، وذلك بعد الإذعان بصدق القضية.
ولو كانت النسبة مفاضة من قبل النفس لكان التصديق مفاضاً، وهذا خلاف الواقع، بدليل أنّه قد يكون موافقاً للواقع وقد يكون مخالفاً.
فيتعين أن تكون النسبة ليست مفاضة: أي ليست خارجية.
الوجه الخامس: أنّ عالم الخارج هو عالم العلل والمعلولات، ابتداءً من الواجب جلّ وعلا، وانتهاءً بالجزئيات التفصيلية. وليست العلل والمعلولات من الكلّيات؛ لأنّ ظرفها الخارج، الذي هو ظرف العلية والمعلولية، وكذلك فإنّ الخارج ظرف الجزئيات وليس ظرف الكلّيات.
ينتج من ذلك: أنّ ما لا يندرج ضمن هذه السلسلة، مما ثبتت صحته، فهو ليس خارجياً بل واقعي.
الوجه السادس: أنّ ما لا يناسب أن يكون ظرفه الخارج، مع كون الوجدان يشهد على صحته، إذن، فهو واقعي. ولا تقول: إنّه كاذب أو مصادرة على المطلوب.
الوجه السابع: أن يُقال: إنّ الوجود الخارجي مفاض من قبل الله سبحانه إفاضة خلق، لأنّه سبحانه هو العلّة له ابتداءً واستدامة، ولو انسحبت العلة طرفة عين زال الخلق.
وهو بحسب ما يُسمّى بالحركة الجوهرية في اتصال مستمر في إفاضة الوجودات، من الأزل إلى الأبد، فهذا يحصل في الخارج.
أمّا عالم الواقع، فبعد أن علمنا أنّ الملازمات الواقعية ثابتة في نفسها، وليست من عالم الخلق، بل هي تصدق صدقاً أزلياً، بغضّ النظر عن قدرة الله تعالى. إذن،
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فهي ليست مفاضة من قبل الله تعالى، وما ليس مفاضاً من قبل الله سبحانه، فهو واقعي وليس خارجياً.
الوجه الثامن: أنّ الوجود الخارجي، الذي هو الوجود اصطلاحاً، وقولهم: إنّنا لا ندرك الوجود، إنّما يعنون به عدم إدراك ذات الله سبحانه؛ لأنّه محض الوجود، وإدراك ذاته مستحيل.
لكنّنا الآن، لا نتكلّم عن الوجود الواجب، بل عن الوجود الممكن. وهو ممكن الإدراك والتحصيل عن طريق كِلا العلمين الحضوري والحصولي. أمّا الأول: فكالنفس وعللها ومعلولاتها. وأمّا الثاني: فلأنّنا نُدرك بالحواس الخمس ما لا يُحصى من الموجودات الإمكانية.
فالوجود، كأنه وجداني، حتى قالوا: إنّه أوضح الأشياء. وهذا لا ينطبق على ما هو واقعي. إذن، ندرك وجداناً أنّه ليس من سنخ الوجود الذي نتحدث عنه، فإننا لا ندرك منه إلا صدق القضية، وهو أقلّ رتبة من الوجود، بالمعنى المصطلح، وهو في غاية الضعف.
حتى قال بعضهم: إنّه ربما يجتمع فيه النقيضان.
ونحن بحاجة إلى قليل من التأمل لندرك: أنّ عالم الواقع، ضعيف، وليس بتركيز عالم الخارج.
الوجه التاسع: أنّ الفلاسفة العارفين، قالوا: إنّ العلم والحياة والقدرة، متضمنة في الوجود ومساوقة له. فكل موجود متصف بمقدار استحقاقه، ورتبته، بهذه الأوصاف الثلاثة.
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أمّا القدرة، فهي الفاعليّة والتأثير. وأمّا الحياة، فهي الوجود، أو قل: استمرار الوجود. وأمّا العلم فهو الإدراك. وكل موجود فهو مدرِك لنفسه ولعلته ولغيره، إمّا بالعلم الحضوري، أو بالعلم الحصولي، أو بهما معاً.
إذن، فالعلم الخارجي، مدرِك- بالكسر- ومدرَك- بالفتح- وجداناً. في حين أنّ عالم الواقع مدرَك – بالفتح – وليس بمدرِك – بالكسر-.
فالكلّيّات، وكل الموجودات الواقعية، عمياء، مهما قلنا بوجودها، ليس لها حياة ولا علم ولا قدرة. وهذا معلوم وجداناً وحدساً.
والفرق بين العالمين، هو في تلك اللطيفة التي أوجدها الله تعالى حينما أفاض الوجود الخارجي، ولم يفضها في عالم الواقع. وهذه اللطيفة اقتضت الأوصاف الثلاثة، وهي غير موجودة في عالم الواقع.
وبتعبير آخر: أنّ الوجود الممكن الخارجي، سنخيته مع وجود الله سبحانه، الواجب، يشتركان في كونهما خارجيين وفي عمود العليّة والمعلوليّة، كلّها بنحو من أنحاء الاتصال والتداخل.
فاللطيفة الموجودة في ذات الله سبحانه، من العلم والقدرة والحياة، تنتقل إلى ما هو تحته من مخلوقاته، أو المتأخّرة عنه رتبة. وهذا غير متوفر في عالم الواقع؛ لأنّه ليس مفاضاً من قبل الله سبحانه، وإن كان معلوماً له.
*****
ويحسن الآن أن نتعرض إلى فرع أشبه بالمطالب الكلامية مختصراً؛ لأنّ الماديين قالوا: إنّه يُمكن التعويض عن وجود الله سبحانه بالقوانين التكوينية العامّة،
ــــــ[162]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وبذلك يترتب الكون، وأمّا أصل خلقته، فإنّ لم نقل بالصدفة قلنا إنّها أزليّة.
وأجبت على ذلك في بعض مؤلفاتي(1): بأنّ هذه القوانين التي يدّعون وجودها، غير موجودة في الخارج؛ لأنّها إدراكات ذهنية، والإدراكات الذهنية كُلّية: والكلّي لا يُوجَد في الخارج، وما هو كذلك لا يمكن أن يكون فاعلاً ومؤثراً في الخارج.
وهنا يمكن أن يجيب الماديون بناءً على بعض ما قلناه من صفات وخصائص عالم الواقع: بأنّ هذه القوانين واقعية وليست خارجية ولا ذهنية. وقد قلنا: إنّ عالم الواقع يشمل عالم الخارج، دون العكس. فإنّ بينهما نسبة العموم المطلق بالحمل الشايع، وكأنّه ينتج صحّة كلام الماديين، وإنّ القوانين موجودة في عالم الواقع، ومؤثرة في عالم الخارج.
ويمكن أن يُجاب على ذلك: بأنّ هذه القوانين لا تخلو من عوالم ثلاثة: إمّا عالم الخارج أو الذهن أو الواقع. وكلّها باطلة، فتبطل نظريتهم بإمكان التعويض عن التدبير الإلهي بالقانون.
[الاحتمال الاول: (وجودها في عالم الخارج)]
أمّا كون هذه القوانين موجودة في عالم الخارج، فلأمرين:
الأمر الأول: بحسب الكبرى التي آمنوا هم بها، وهو أنّ كل ما ليس بمحسوس فليس بموجود، والقوانين بصفتها العامة غير محسوسة إذن، فهي ليست موجودة، وإنّما نحس بالجزئيات لا بالقانون العام.
الأمر الثاني: بتطبيق ما قلناه قبل قليل: وهو أنّ هذه القوانين على تقدير صحتها
ــــــ[163]ـــــــ
(1) موسوعة الإمام المهدي: ج4 اليوم الموعود، مناقشة الديالكتيك، ص95 وما بعدها.
منهج الأصول ج2
إنّما هي كليات، وعالم الخارج لا يمكن أن يحتوي على شيء من الكليات، إذن فالقوانين غير موجودة في عالم الخارج.
[الاحتمال الثاني: (وجودها في عالم الذهن)]
وأما وجودها في عالم الذهن، فالمسألة تكون أسوأ بكثير؛ لأنّ أحداً لم يقل بأنّ ما هو في الذهن مؤثر في عالم الخارج بمجرد كونه ذهنياً.
هذا بغض النظر عن القول: بأنّ الوجود الذهني إنّما يُوجَد حين الالتفات، أمّا في حالة النوم والغفلة فلا يكون موجوداً. فأين هذه القوانين في تلك الحالات؟
مضافاً إلى الإشكال في تأثير عالم الواقع في عالم الخارج. وقد مرّ. فنقول: إنّ نفس الإشكالات الواردة على العلية والمعلولية بين عالم الواقع وعالم الخارج، تأتي فيما بين الذهن والخارج بتقريبين:
أحدهما: أنّ عالم الخارج أشرف من عالم الواقع، وما كان أدون في الشرف لا يؤثر فيما هو أعلى منه، وعالم الخارج أشرف من عالم الذهن كذلك.
ثانيهما: إنّا نحتاج إلى السنخية ما بين العلة والمعلول، وهي غير موجودة.
فإن قلتَ: فإنّ عالم الخارج يؤثر في الذهن عن طريق الحواس، مع أنّ السنخية غير موجودة.
قلنا: إنّها خصيصة خلقها الله تعالى، وهي ليست بنحو العلية والتأثير، وإنّما الذهن يتلقى معلوماته من الخارج في الحواس.
وأمّا الاحتمال الثالث، وهو أن يكون القانون من عالم الواقع، أي الحصّة الأخرى التي هي غير عالم الخارج، فيأتي فيه نفس تقريبي الاحتمال الثاني لنفي العلية والمعلولية بين العالمين.
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ولئن كان تأثير أحد الطرفين في الآخر موجوداً هناك أحياناً، (أعني تأثير الخارج في الذهن) فإنّه غير موجود هنا. كما أنّ المدّعى هنا تأثير عالم الواقع في عالم الخارج، لا تأثير الخارج في عالم الواقع، ليكون محتمل الإمكان.
مضافاً إلى أنّ هذه القوانين التي يدّعونها، ليست قوانين، وإنّما هي عمومات وكليات انتزاعية، وفي الحقيقة لا فرق بين قولنا كل جسم يجذب جسما آخر (المسمى بقانون الجاذبية)، وقولنا كل نار محرقة. وهي قضايا ذهنية ولا تسمّى قانوناً.
بقيت خطوة يحسن التعرض لها: وهي أنّه يمكن القول بأنّ النظام الذي يحكم عالم الخارج إنّما هو أنظمة تشريعية وليست تكوينية. ونريد بالتشريع: الأمر والنهي. فإنّه يُقال للملائكة أو للأرواح العليا: افعلوا كذا فيفعلون. فتُعطى الأوامر المتعلّقة بكل عالم في ذهن تلك المخلوقات العليا، لتنفيذها في عالم الخارج. فهذه كبرى كلية تنطبق على ملايين الأفراد، فيُخاطَب الضوء: سر بسرعة كذا.
فهي قوانين صحيحة، لكن بمعنى أنّها قائمة بالنفوس العليا، وهي ليست من سنخ عالم الذهن ولا من سنخ عالم الواقع، بل من سنخ عالم الخارج. فينتج أن ما يؤثر في عالم الخارج خارجي. في حين أنّ القوانين ليست خارجية في مصطلح الماديين، إذ لا ينطبق عليها تعريفهم، فيبطل ما قالوه من التعويض بالقوانين.
ويوجد هنا إشكال يحسن الالتفات إليه لأنه قد يُقال(1):
إنّ نفس التقريب الذي أنتج أنّ عالم الواقع ثابت لا يتغير، وأنّ كل تطبيقاته بالحمل الشايع تصدق من الأزل إلى الأبد، آتٍ في العالم الخارج. فإن شيئاً ما من
ــــــ[165]ـــــــ
( ) تعرض السيد الشهيد لهذا الموضوع في الأبحاث السابقة وذكره هنا بصياغة أخرى.
منهج الأصول ج2
عالم الخارج إذا لوحِظ بكل خصائصه وصفاته، فإنّه صادق من الأزل إلى الأبد.
فهل نقول: بثبات عالم الخارج؟ وهو مخالف للوجدان. أم ببطلان الدليل على أنّ عالم الواقع ثابت، بل هو عالم متحول ومتحرك؟
وفي مقام الجواب ينبغي الالتفات إلى فكرتين:
الأولى: ما قلناه في حينه من أنّ عالم الخارج حصّة من عالم الواقع.
إذن، فالصفات الرئيسية التي يتصف بها عالم الواقع شاملة لعالم الخارج دون العكس. ويمكن أن يكون الثبات الذي تكلمنا عنه قانوناً أو مَدرَكاً عقلياً مشتركاً بين كلتا الحصتين: الخارجية وغير الخارجية من عالم الواقع، من الأزل إلى الأبد.
الثانية: وهي متكفِلة بالفرق بين الحصتين: وذلك: أنّ عالم الخارج متحرك، بينما الحصّة الأخرى من عالم الواقع ساكن. وهذا هو الذي يميز عالم الخارج عن عالم الواقع.
ولو كان عالم الخارج ثابتاً كالحصّة الأخرى لكانت الحركة ممتنعة ومنتفية، مع العلم أنّها وجدانية وحقيقية. وهذا يبرهن على اختلاف الحصتين، فالخارج قابل لتعلق الحس به، دون الواقع. والخارج له قابلية الحركة، دون الواقع. والخارج له قابلية الفاعلية والتأثير، دون عالم الواقع.
فإن قلتَ: إنّ جملة من ذلك لا يشمل الواجب تبارك وتعالى، مع العلم أنّه من عالم الخارج، وهو ليس متحركاً ولا محسوساً.
لكن الحقّ: أنّنا لا نستطيع أن نستنتج من هذا الكلام بالقياس الاستثنائي: أنّ الله تعالى غير موجود في عالم الخارج، بل في عالم الواقع؛ لأنّ البرهان قام على وجوده في عالم الخارج.
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهذا لا يلزم منه اتصافه بأوصاف مخلوقيه من الحسن والحركة، فإنّه لا يشبهه شيء، وهو مستغنٍ عن صفات خلقه.
أمّا كونه خارجياً فبرهانه ليس هنا، لكن ملخّصه: أنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، مع أنّه سبحانه قد أعطى صفة الخارجية للأشياء، وجعل الخارجي خارجياً. وعلّة الخارجي خارجي.
أو يُقال بدليل مشابه: أنّ مقتضى السنخية بين العلّة والمعلول هو ذلك، أي كون الفاعل خارجياً، لأنّ معلولاته خارجية، وإلا لاختلف السنخ.
أو نقول: إنّنا عرفنا أنّ ما هو واقعي، أي الحصّة الأخرى من عالم الواقع، يستحيل أن يكون مؤثراً في عالم الواقع وفي عالم الخارج. فلو كان الله سبحانه واقعياً، لما أثّر في عالم الخارج، وقد أثّر فيه.، فيتعين كونه خارجياً.
فهذه هي المقدمة الثانية وكانت للتعريف لعالم الواقع. وقد كانت مقدمات للرأي المختار في المعنى الحرفي.
وعلى أية حال، فهي تنتج: أنّنا ندّعي هنا: أنّ النسب الجملية التامة والناقصة والشرطية والحملية وغيرها، إنّما هي من عالم الواقع لا من عالم الخارج، وهي دعوى يدعمها الوجدان، فهي نسبة واقعية جزئية قائمة بين طرفين خارجيين.
المقدمة الثالثة: إنّه وفاقاً لمشهور المتأخرين، أنّ النسبة لا تقوم إلا بين طرفين، لأنّ معنى مفهوم النسبة، ومصداقها هو ذلك، وهذا ثابت في اللغة وفي الواقع وفي الخارج.
وينتج: أنّه إذا زال أحد الطرفين زال الوجود الجزئي للنسبة، فزال الوجود الكلي لها.
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المقدمة الرابعة: إنّ المعنى الحرفي الواقعي للنسبة لا يتعين أن يكون جزئياً، فإنّ المشهور إنّما قال بتعيّنه ذاك؛ باعتباره امراً خارجياً، والخارج عالم لا يتحمل الكليات. وأما إذا كانت النسبة واقعية، فيمكن أن تكون كلية ويمكن أن تكون جزئية.
والنسبة بين كليين لا تكون إلا كلية. لأنّ النسبة حقيقةً بين المعنيين لا بين اللفظين، فلا يمكن أن تكون جزئية؛ لأنّها ترجع إلى وجود النسبة بين جميع مصاديق هذا الطرف وجميع مصاديق الطرف الآخر، وهو معنى الكلية.
وإذا قلنا إنّها جزئية، فقد خصصناها بفرد واحد، ونفيناها عن سائر موارد النسبة في باقي الأفراد.
وإذا كان طرفا النسبة من عالمين، كما لو كان أحدهما جزئياً والآخر كلياً، كـ(زيد إنسان)، تبعت النسبة أخسّ الطرفين وهو الجزئي في المثال.
المقدمة الخامسة: إنّ النسبة واقعية دائماً، سواء وقعت بين طرفين خارجيين أو واقعيين أو ذهنيين أو لفظيين، ونحن نصفها باعتبار وصف طرفيها، فنقول: إنّها نسبة ذهنية أو خارجية، تجوزاً، باعتبار العالم الذي يتحقق فيه الطرفان.
وقد يختلف الطرفان، فيكون أحدهما واقعياً –مثلاً- والآخر خارجياً أو ذهنياً. فمثال الخارجيينِ: الفوقية والتحتية بين هذا السقف وهذه الأرض. ومثال الذهنيينِ: كأية صورة ذهنية بالنسبة إلى طرفيها الذهني بالذات. ومثال الكليينِ: كالنسبة بين كلي النار وكلي الحرارة. ومثال اللفظيين: كنسبة الفاعل إلى المفعول والحال إلى ذي الحال. واللغة كلها على ذلك.
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ومن أمثلة الطرفين المختلفين: كالنسبة بين الذهن والخارج: كحمل فكرة عن موجود خارجي، مثل هذا المسجد. وكالنسبة بين الذهن والواقع، كحمل فكرة عن كلي الإنسان أو كلي النار. وكالنسبة بين ما هو خارجي وما هو واقعي: كالنسبة بين الأرض والتحتية وبين الأرض والفوقية. من حيث إنّ الأرض والسقف خارجيان، والفوقية والتحتية واقعيان.
إذن، فالنسبة دائماً واقعية، ومن لا يلتفت إلى عالم الواقع، فيسميها باعتبار عالم طرفيها خارجية أو ذهنية.
بل قد تقوم النسبة بين طرفين من عالمين مختلفين، ولا يرد عليها إشكال لزوم اتحاد السنخية بين العلة والمعلول، لأكثر من وجه:
1 – لأن هذا ليس من قبيل العلة والمعلول، إذ لا اختلاف في الرتبة بينهما، وإنّما هما في رتبة واحدة، أعني النسبة وطرفها.
2 – إنّ عالم الواقع كما قلنا يشمل الموجودات كلها، فما هو في الخارج فهو في (الواقع)، دون العكس. وكذا الذهن، ونحو ذلك. فإذا كانت النسبة واقعية بين طرفين خارجيينِ كان الجميع من سنخ واحد، هو عالم الواقع، وإن كان كل منهما من حصّة من حصصه.
المقدمة السادسة: في انقسامات النسبة:
من حيث إنّها تنقسم إلى إفرادية، كهيئة اسم الفاعل واسم المفعول، أو النسبة بين الهيئة والمادة فيهما. وإلى نسبة تركيبية، وهذه إمّا ناقصة وإمّا تامة. فالناقصة إمّا إضافية أو وصفية أو حالية أو تأكيد، ونحو ذلك. والتامة أمّا إخبارية أو إنشائية.
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والتامة الإخبارية أمّا حملية أو شرطية. والإنشائية: أمّا طلب أو استفهام أو تمني أو ترجي…. وهكذا.
المقدمة السابعة: إنّه يمكن تقديم أطروحة محتملة قريبة من الوجدان، ولكن لا سبيل لإقامة برهان عقلي عليها.
وذلك: بأن يقال: إنّ الألفاظ في اللغة الأولى الأصلية وضعت للجزئيات، خصوصاً الموضوع له الخاص، ثم استعمِلت مجازاً في الكليات، ثم أصبحت بكثرة الاستعمال حقيقة فيها، باعتبار التجريد الذهني.
ومن نتائج ذلك: أنّ الأصل في (الألف واللام) هو العهد، ثم أصبحت للجنس.
ويمكن أن يُقرب ذلك بعدة تقريبات:
التقريب الأول: إنّ الإنسان وخاصة الإنسان الأولي الذي وضع اللغة، فتأثر بالمحسوسات حوله في مكانه وزمانه، فهو يرى الجزئيات لا الكليات، فالاقتصار على الحسّ يقتضي الاقتصار في الوضع اللغوي على ما هو محسوس ومفهوم.
وهذا ينتج أنّ الألفاظ إنّما وضِعت للصغريات والجزئيات أولاً، ثم توسعوا بعد ذلك.
التقريب الثاني: ما قاله السيد الأستاذ(1)، ولعله مشهور اللغويين من أنّ الوضع الأول تعيّني ناشئ من كثرة الاستعمال البسيط بين الناس، حيث بدأوا يقلدون أصوات الطبيعة مثل سقوط الحجر وعواء الكلب، ثم بعد ذلك تشعبت المطالب
ــــــ[170]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 81.
منهج الأصول ج2
فأصبحت لغة يمكن التفاهم بها، وهي اللغة الأصلية.
وليس الآن محلّ نقاش هذه النظرية، فقد تقدم تفنيدها في مبحث الوضع، وإنّما نتكلّم هنا على تقدير صحتها.
وهي تنتج: أنّ الإنسان الأولي ذا الفهم المتدني، لم ير الكليات ولم يعايشها، وإنّما رأى الجزئيات؛ فوضع لها الألفاظ واستعملها فيها.
التقريب الثالث: من الواضح أنّ المتكلم عندما يقول مثلاً: رأيت أسداً، فإنّما رأى أسداً جزئياً، والقضية جزئية خارجية بالنسبة إليه، بينما هي للسامع كلية؛ لأنّ السامع يستحيل عليه أن يدرك جميع الخصوصيات التي يتميز بها ذلك الأسد المرئي. بل تبقى بعض الخصائص مردّدة ومجملة، فتكون قابلة للانطباق على كثيرين، فيكون كلياً.
وهذا المعنى لا تختلف فيه الأسماء والأفعال والحروف، فندّعي هنا أنّ وضعها كلها كان خاصّاً، ثم أصبح عامّاً.
والتعبير هنا بلفظ العامّ أفضل واشمل من الكلي، لان معنى الكلي: صحة الانطباق على كثيرين، وهي خاصّة بالأسماء، ونحن ندّعي شمول الأطروحة للأسماء والحروف.
أمّا العامّ بالمعنى الذي اصطلحناه، فهو قريب المعنى من الكلي؛ لأنّ فيه نحواً من الإجمال والتسامح والجهالة، تجعله قابلاً للصدق على كثيرين، كما قلنا: إنّ الصور الذهنية في ذهن المتكلم جزئية، لكنّها في ذهن السامع عامّة أو كلية. ومهما أضاف السامع من صفات على المعنى الذي سمعه، فإنّه يبقى كلياً أو قل: عامّاً،
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بالنسبة إلى صفات أخرى، ولا يتحول الكلي جزئياً.
وعلى أيّ حال، فالأولى هنا أن نستعمل لفظ العام، ليكون الوضع خاصاً والموضوع له عام، في كلٍ من الأسماء والأفعال والحروف.
أمّا العمومية في الأسماء فهي واضحة، باعتبارها أسماء أجناس.
وأمّا العمومية في الأفعال، فبأحد تقريبين:
التقريب الأول: الخفاء والإهمال- لو صح التعبير- في جملة من خصائصها ومميزاتها. من حيث المكان والزمان والفاعل، وغيرها. وكلها خصوصيات مهملة، فيكون الاستعمال في معنى عام.
التقريب الثاني: إنّ مواد الأفعال موادها أسماء أجناس، طرأت عليها هيئة أحد الأزمنة الثلاثة، فهي قابلة للصدق على كثيرين.
وقد تقول: إنّ الهيئة- في حدود الفهم المشهوري للأصوليين-: جزئية، وهي قيد لمدلول المادة الكلي، فيصبح جزئياً؛ لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين، فلو سلّمنا ذلك، بقيت دلالة الفعل عامة بالالتفات إلى التقريب الأول.
وأمّا الحروف: فإنّ لها نحوا من العمومية، وذلك في عدة مستويات:
الأول: إنّنا نستطيع أن ننتزع معنىً كلياً من جزئيات النسب الواقعية الصغروية، من قبيل كلي الاستعلاء وكلي الابتداء ونحوه، لكنّنا لا نأخذه كمفهوم اسمي كلي، بل مفهوم منتَزَع عن مجموع الاتجاهات التي عبّر عنها حرف (مِن) مثلاً، فليس مقصودي الابتداء المطلق، بل الابتداء المنتَزَع الحرفي وهو كلي، ولنطلق عليه: الابتداء الحرفي.
ــــــ[172]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثاني: ما قلناه في الأفعال: من أنّ الخفاء والإهمال (عدم بيان الخصائص)، تجعل المفاهيم- فضلاً عن الألفاظ- لها نحواً من العمومية والشمولية، تجعلها قريبة من مفهوم الكلي، وقابلة للاستعمال فيه.
وبالرغم من أنّ مشهور الأصوليين، يقول: إنّ (مِن) ليس لها معنى وحدها؛ لأنّها لم توضع إلا مقيَّدة بالطرفين، وإنّها إذا استعمِلت بدون التقييد بطرفين، تكون لفظاً مهمّلاً.
لكن في ذلك جناية لغوية، ومخالفة للوجدان؛ لأنّنا نفهم منها معنىً، لكنه عام. وفي الإمكان استعمالها مع أي طرفين، وإنّما معناها غامض إلا من جهة الابتداء.
الثالث: وهو يصلح أن يكون مقدمة مستقلة: إنني ذكرتُ فيما سبق: أنّ النسبة الحرفية يستحيل على المشهور أن تكون كلية، بل هي جزئية بين طرفين جزئيين. لكنّني كررتُ أنّ النسبة إن كانت بين طرفين جزئيين فهي جزئية، ولا يمكن أن تكون كلية، وإن كانا كليين فهي كلية، ويستحيل أن تكون جزئية.
أما الحصّة الأخرى من عالم الواقع، فهي عالم الكليات، فتكون النسبة كلية وإذا كان أحد الطرفين كلياً والآخر جزئياً، فالنسبة جزئية؛ لأنّ النسبة تتبع أخسّ المقدمات، ويستحيل تعلق النسبة الكلية بطرف جزئي.
فتحصّل ممّا في هذه المقدمة أمران على الأقل:
الأمر الأول: أنّه خلافاً للمشهور، فإنّ المعنى الحرفي يمكن أن يتصف في بعض حصصه بالكلية وبالعمومية.
ومن هنا يُمكن أن يقال: بأنّ حصص المعنى الحرفي، إذا لاحظناها من هذه الجهة على
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ثلاثة أشكال:
1- الحصّة التي لا تتصف بالكلية ولا بالعمومية، وهي ما إذا كان طرفاها أو أحدهما جزئياً. وتكون خاصة غير عامة، فلا تتصف بالإجمال والإهمال، لتحددها بحدود طرفيها معاً، وهما موجودان.
2- الحصّة التي تتصف بالكلية، لا بالجزئية ولا بالعمومية، فيما إذا كان طرفاها واقعيين كليين. فتكون النسبة كلية، وليست عامة؛ لأنّها متقومة بطرفيها، والمفروض أنهما موجودان.
3- الحصّة التي تتصف بالعمومية دون الكلية. كما لو كان الحروف أو الهيئات غير مرتبطة بطرفين كاملين، كما قلنا بـ (من) أو (على) أو غيرها. نحو قولنا: (من البصرة). فماذا حصل (من البصرة)؟ الجواب مهمل ومجمل. لكنّها ليست كلية؛ لأنّها حصص خارجية، والعالم الخارجي لا يتحمل الكليات.
الأمر الثاني: أنّ المشهور في طول غفلته عن النسبة الواقعية، قال: إنّ المعنى الحرفي جزئي؛ لأنّ طرفيه خارجيان أو ذهنيان، والذهن جزء من عالم الخارج، فهو لا يتحمل الكلي بالحمل الشايع. وهو على حق لو أسقطنا عالم الواقع عن نظر الاعتبار.
والمشهور قالوا: إنّ النسبة تزول بزوال طرفيها أو أحدهما؛ لأنّها متقوّمة بهما تقوِّماً ذاتياً، إذ لا معنى لحقيقة النسبة إلا بطرفين.
والمشهور بهذا لاحظ عالم الخارج، فإنّه عالم حركة وكون وفساد وتغير. فوجد أنّ طرفي النسبة قد لا يكونان محفوظين، فـ(زيد) كان قائماً فقعد، أو قاعداً فقام،
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فحينئذٍ تتغير النسبة وتزول السابقة وتأتي غيرها. باعتبار التغير الطارئ في كِلا الطرفين أو أحدهما.
إلا أنّنا إذا لاحظنا عالم الواقع، وجدنا أنّ المسألة مختلفة؛ لأنّ عالم الواقع ثابت ليس فيه تغير ولا حركة، والنسب القائمة فيه غير قابلة للزوال. فإذا وافقنا على كبرى: أنّ النسبة تزول بزوال طرفيها، فهذا لا صغرى له في عالم الواقع؛ لأنّ الطرفين ثابتان بخصائصهما باستمرار.
إن قلت: إنّه قد مرّ أنّ عالم الخارج من عالم الواقع، ومتصف بالثبات بمعنى من المعاني، لأن (قيام زيد) بتمام مواصفاته وخصائصه ولحاظاته، يصدق صدقا أزلياً سرمدياً، فلا تبقى لهذه الكبرى صغرى، لا في عالم الخارج ولا في عالم الواقع.
قلنا: جوابه يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: ما قلناه من أنّ عالم الخارج وإن كان يأخذ نفس الصفة من عالم الواقع بصفته واقعياً، ولكنّنا قلنا: إنّنا لو خطونا خطوة زائدة عن عالم الواقع، لرأينا التغير الموجود في عالم الخارج، ومعه، يكون هذا صغرى لكبرى الأصوليين، إذ تكون النسب قابلة للزوال والتبدل.
المستوى الثاني: أنّه بعد التنزل عن المستوى الأول، نقول: إنّ الشيء الذي يحصل للنسبة ليس هو تغيّر الطرفين، وإنّما هو تغيّر الموضوع، فالنسب تتغير بتغير موضوعاتها.
وذلك: لأنّ موضوع النسبة كشيء أساسي هو الطرفان، (زيد) و(القيام)، لكن زوال الطرفين لا يعين أنّ (القيام) انعدم وحصل الجلوس. فإنّنا إذا لاحظنا القيام
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بتمام خصائصه، فإنّه لم ينعدم، وإنّما نشأت علاقة جديدة بين (زيد) و(الجلوس)، فحصل تغيّر الموضوع.
وبكلمة أخرى إيضاحاً وتدقيقاً: أنّ (زيد) عندما بقي واقفاً ربع ساعة مثلاً، فيمكن أن يُقال: إنّ الموضوع واحد من الناحية اللغوية والأصولية والفقهية. إلا أنّه فلسفياً غير مقبول، بناءً على ما قال صدر المتألهين من الحركة الجوهرية، فـ(زيد) غير (زيد) في كل آن. ففي الآن الأول زيد وقيام، وفي الآن الثاني زيد وقيام آخر. فتتعدد النسب بتعدد الآنات، فتغيّرت النسبة بتغير موضوعها. فزيد والقيام الأول، غير زيد والقيام الثاني. ويكون ذلك أوضح لو تغيّر إلى الجلوس.
وحينئذٍ، نستطيع أن نؤكد أنّ تغيّر النسبة بتغير الموضوع، إنّما هو في عامل الحركة والتغير، لا في عالم الثبات. فإنّ الحصّة الثانية من عالم الواقع لا يتغيّر فيها الموضوع، فإنّه على عدد الطرفيات- لو صح التعبير- توجد نسب بعددها.
أمّا هنا في عالم الحركة والتغير يكون الموضوع، لا الطرفين قابلاً للتغيّر. أو قل: إنّها نسبة ثابتة، وليست الثانية هي الأولى. ولو تبدل القيام إلى الجلوس كان التغيّر في النسبة واضحاً، وليس فلسفياً فحسب بل عرفياً وأصولياً.
وينبغي الالتفات إلى أنّ ما يقوله صدر المتألهين من الحركة الجوهرية إنّما هي في الماهيات الخارجية لا الواقع، فلا تثبت حركة الواقع بذلك.
المقدمة الثامنة: إنّ الألفاظ عموماً يقيد بعضها بعضاً، كالفعل للفاعل والخبر للمبتدأ، وبالعكس. وهو تقييد واقعي لا اصطلاحي. أو قل: هو تقييد أصولي لا نحوي.
ــــــ[176]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وكذلك تقييد الهيئة للمادة وبالعكس. فإن في هيئات الجمل التامة والناقصة يكون المقيد الأساسي هو الطرفان لبعضهما البعض.
ونسأل هنا عن العلاقة بين النسبة والتقييد. وفيه احتمالان:
الأول: التساوي. وأنّ النسبة هي القيد، وأنّهما تعبيران عن معنى واحد.
الثاني: أن تكون النسبة في طول التقييد، أو بالعكس. وليس هو هي. ففي مثل قولنا: النار حارة. نقيد مفهوم النار بالحرارة، وفي طول التقييد تحصل نسبة واقعية، هي نسبة الخبر إلى المبتدأ.
وعندئذٍ يصل الحديث إلى العلاقة بينهما بالحمل الشايع، إذ إنّ الأستاذ المحقق(1) ادّعى أنّ الحروف موضوعة لتقييد الأسماء، فقد يُقال دفاعاً عنه: بأنّه ليس مراده عالم المفهوم بل عالم المصداق. فالحروف وضِعت لتقييد الأسماء بالحمل الشايع، فهما متحدان خارجاً، وإن اختلفا مفهوماً.
وفي الحقيقة فإنّ أوضح تقريب يمكن أن يُستدَل به على التساوي بينهما، هو ما تقدم من أنّ التقييد والنسبة يحتاجان إلى طرفين، وأنّ زوال أحد الطرفين مخلّ بكلٍ منهما، فلا يبقى أي فرق بينهما.
ويمكن الجواب على هذا التقريب بعدة أجوبة، كلٌ منها في نظر إلى زاوية خاصة:
التقريب الأول: إنّ طرفي النسبة استقلاليان، بخلاف طرفي التقييد، فإنّ أحدهما يكون فانياً ومندكاً في الآخر.
ــــــ[177]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 80.
منهج الأصول ج2
فالكبرى التي طبقها المستشكل إنّما نجد لها صغرى في النسبة، إذ إنّ زوال أحد طرفيه الاستقلاليين، يعني زوالها. في حين أنّ التقييد ليس له طرفان استقلاليان؛ حتى تكون صغرى لهذه الكبرى.
التقريب الثاني: إنّنا نعرف بوضوح في علم الأصول أنّ التقييد فرع الإطلاق، أي أنّهما مفهومان متضادان متواردان على مورد واحد. أمّا النسبة فليست كذلك، فإنّه ليس لها مضاد. بل لو قلنا أنّ التقييد هو نسبة، لوجِدت النسبة في الإطلاق أيضاً. فهل نقول: إنّ الإطلاق مندرج في التقييد؟ لا طبعاً. لأنّ لكلٍ منهما نحواً من المفهوم، فيتعيّن أنّ التقييد غير النسبة.
التقريب الثالث: إنّ النسبة تصدق في جميع العوالم الأربعة: (اللفظ، الذهن، الخارج، الواقع). أمّا التقييد فلا يصدق إلا في عالمين، في اللفظ، وهو واضح، والذهن، أي في الصورة الذهنية للألفاظ. أما عالم الخارج فلا يقبل التقييد [لأنه] يتعلق بالكليات فيحصصها، وليس في عالم الخارج كليات، بل فيه نسب جزئية ذات أطراف جزئية.
أمّا عالم الواقع، فصحيح أنّه يُوجَد فيه ما يشبه الإطلاق، أو المفهوم الكلي نحو (كل نار محرقة)، والنسبة نحو النار الناشئة من الحطب محرقة.
ولكن هذا ليس تقييداً، إذ إنّ كُلاً منهما صادق بحياله، فالإطلاق صادق أزلي لوحده، والتقييد صادق أزلي أيضاً. فكل نار محرقة وبعض النار محرقة أيضاً. وكل منهما صادق، لا أنّ أحدهما مضيق الآخر، كما يحصل للَّفظ والصور الذهنية.
بقي أن نشير إلى شيء، وهو أنه يمكن تقسيم النسب إلى قسمين:
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الأصول ج2
1- نسب لغوية، أو على مستوى اللغوية.
2- نسب عقلية، لا ربط لها باللغة.
ففي قولنا: النار حارة، تُوجَد نسبة بين المبتدأ والخبر، وهي نسبة لغوية، ولكن هناك نسبة بين المبتدأ والنسبة، وبين الخبر والنسبة، ثم هناك نسبة بين النسبة والنسبة. ويستمر إلى ما لا نهاية. والأطراف لا متناهية. وهذا في نفسه معقول لا دليل على استحالته؛ لأنّ المستحيل هو التسلسل العلّي، لا التسلسل الاعتباري اللحاظي.
ولا يمكن لهذه النسب أن تكون لغوية، لأنّه يلزم تكثّر الوضع إلى ما لانهاية، في حين أنّ الوضع محدود، لأنّ الواضع محدود.
فإن قلتَ: فإنّ الواضع غير محدود، وهو الله سبحانه وتعالى.
أجبنا: جواباً إثباتياً عقلائياً: بأنّ هذا الوضع ليس عرفياً وغير دخيل في التفاهم ولا فائدة فيه، فيقع لغواً. والفائدة تحققت في نسبة المبتدأ إلى الخبر فقط.
وما لا يلحظه العرف والعقلاء لا وضع فيه.
المقدمة التاسعة: إنّه قال المشهور: إنّ النسب كلها ذات طرفين ولا يمكن أن تقوم بطرف واحد، ولا أكثر من طرفين.
أمّا الأول: فلأنّ معنى النسبة هو ذلك، إذ لا معنى لتقومها بطرف واحد، وإنّما ننسب شيئاً إلى آخر، وبدون الآخر يصبح بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
وأمّا الثاني: فلأنّ الأطراف إذا كثرت يكون لكل شيء نسبة مستقلة، وهذا واضح بالنسبة إلى النسبة التامّة والناقصة بكل أنواعها.
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إلا أنّه قد يستشكل، وينقض على هذه المقدمة بالهيئات الإفرادية، كأسم الفاعل والمفعول والمكان والزمان، وغيرها. فقد يظهر أنّ لهيئتها طرفاً واحداً، وهو المادة، فما هو الطرف الثاني؟
توجد لذلك ثلاثة أجوبة:
أولاً: إنّ الفعل إذا كان في سياق، كان الطرف متحققاً، نحو: قام زيد. فالطرف الآخر هو زيد.
ثانياً: ما تحصل من بعض المقدمات السابقة من مفهوم العموم الذي أسسناه. ويكون الطرف الآخر عاما وغير معين، ولكنه مفهوم ارتكازا. لأننا نعلم انه موجود لكنه قابل للانطباق على أي شيء. فأي شيء اندرج في سياقه، أصبح هو المعني، فينفي العام في هذا الخاص، فيتعيّن الطرف الثاني بالقرينة.
غير أنّ هذا فرع القول بتركب المشتقّ، على ما يأتي، أمّا إذا قلنا بالبساطة، فلا ينفع هذا الجواب.
ثالثاً: إنّه يمكن أن يُقال: إنّ طرفه هو الضمير المستتر فيه. فإنّ الفعل (قام) وحده جملة تامة متكونة من فعل وفاعل. وقد قال النحويون ذلك، منطلقين من الارتكاز اللغوي، وإن لم يلتفتوا إلى أنّ النسبة تحتاج إلى طرف ثانٍ، فبدلاً من أن يكون الطرف الثاني مشوشاً وعاماً، قالوا إنّه (هو) المستتر فيه، وإلا فمن الناحية المنطقية، لا يتضمن الفعل ضميراً.
غير أنّ هذا الجواب الأخير، لا ينفع في صيغ المصادر، ويكون فيها سمجاً.
وعليه: فإنّ المصادر إذا جاءت في سياق ما، تعيّن الطرف الثاني للهيئة بحسب
ــــــ[180]ـــــــ
منهج الأصول ج2
السياق. ومع عدمه، يكون الطرف هو المضاف إليه؛ لأنّ المصدر يُضاف إلى الفاعل والى المفعول، و(هو) بالدقة المنطقية هو فاعل، واعتبروه مضافاً إليه نحوياً، فيصلح طرفاً ثانياً للنسبة؛ لأنّ النسبة الأساسية فيه، هي نسبة الفاعلية أو المفعولية، وليست نسبة الإضافة.
بقي التساؤل عن ناحيتين:
الأولى: إنّ الألفاظ كلها لها هيئات حتى الجوامد، فهل يُقال عنها جميعا بأنها تحتاج إلى طرفين؟
وجوابه: أنّ الكلام هنا في الكليات التي وضِعت مستقلّاً عن موادها. أمّا الألفاظ الجامدة فقد وضِعت هيئتها ومادتها وضعاً واحداً، ولا تقبل التحديد.
الثانية: في الحروف الموضوعة للنسبة فقط بدون طرفين، كحروف الجر والاستفهام، فإنّها إذا وردت وحدها مثل (من) فأين يكون طرفاها وهما غير موجودين؟
وفي الحقيقة هذا صحيح. وإنّما يفهم من معنى النسبة الواقعية الخالصة، بغض النظر عن الطرفين، ويكون الطرفان عامين، وإنّما يتعينان بالسياق.
ويترتب على ذلك صحة ما قالوه: من أنّ الحرف لا يتضح معناه إلا بضمّه إلى غيره؛ لأنّه بذلك تتعين أطراف النسبة. لا أنّه لا معنى له مطلقا، وأنه كالألفاظ المهملة.
ومعه يمكن تعريف النسبة: بأنّها الأمر الواقعي الذي ينحصر وجوده بطرفين.
ومن هنا تنقدح:
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المقدمة العاشرة: وهي أنّ بعض أساتذتنا كان يقول: إنّ الضمائر وأسماء الموصول وأسماء الإشارة حروف، بالرغم من أنّ النحويين جعلوها أسماء.
وذلك: لأنّها تفيد معنى الإشارة، وهي ذات معنىً نسبي بين المشير والمشار إليه. وكل ما أفاد الإشارة فهو حرف. وتعريف الحرف ينطبق عليها؛ لأنّها لا تقوم إلا بطرفين، مضافاً إلى تعريف المشهور، وهو عدم إفادتها معنى إلا مع انضمامها إلى غيرها، بنحو ما ذكرناه من كون معناها اقتضائياً وعاماً، وليس أنّها بدون الطرف تكون فاقدة المعنى تماماً، كالألفاظ المهملة، وهذا معنى شامل لكل الحروف.
ولكن هذه الثلاثة أصناف فيها إشكال واضح، وهو أنّها تقع طرفاً للنسبة كالمبتدأ والفاعل، فتكون أسماء، على ما هو المشهور عند النحويين والبلاغيين وغيرهم.
لكن هذا يمكن أن يُجاب بعدة أجوبة:
الجواب الأول: الطعن في الكبرى التي أسّس عليها الإشكال، وهي: أنّ ما يقع طرفاً للنسبة، هي المعاني الاستقلالية، أو الأسماء، وليس الحروف.
فنقول: إنّ النسبة يمكن أن تقع طرفا للنسبة، ولا يتعين أن يكون طرفها معنى اسمياً استقلالياً. وذلك: مثل النسبة الثانوية الطارئة على النسب التامة الأولية، كما في الشرطية المتصلة أو المنفصلة، كما في قولنا: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود).
فإنّ (طلعت الشمس) فيها نسبة وطرفان، والنهار موجود كذلك. فربطتهما النسبة الشرطية، فتكون النسبة قائمة بين النسبتين، لا بين الأطراف الأصلية.
ومعه، لا يتعيّن في أسماء الإشارة والموصولة، كونها أسماء لمجرد كونها طرفاً في النسبة.
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الجواب الثاني: إنّ أسماء الإشارة والأسماء الموصولة، وإن ظهر لنا أنّها وقعت وحدها طرفاً للنسبة، إلا أنّ طرف النسبة -بالدقة- هي بعد استيفاء طرفيها واستكمال معناها، أي اسم الموصول مع طرفيه، وليس هو فقط. والمجموع معنى اسمي استقلالي على أي حال. والكلام الآن، ليس في المجموع، بل في الموصول واسم الإشارة وحده. وهذا الرأي والذي يليه أصوليان، وان لم يفهمها النحويون.
الجواب الثالث: إنّ هذه الأدوات، تُستعمَل طرفاً للنسبة حال كونها فانية في مراجعها، وليس بالاستقلال. ومراجعها أسماء، فيكون المسند والمسند إليه حقيقةً هو المرجع لا الضمير. ففي مثل قولنا: (هو قائم) يكون المسند إليه حقيقة هو زيد، أي مع الضمير (هو)، فإنّه هو المقصود منه.
وعلى أي حال، إذن، لا تنافي بين كونها حروفاً، ووقوعها طرفاً للنسبة.
وعندئذٍ: إذا عرّفنا الحروف: بأنّها ما لا يتمّ معناها الا بغيرها.
شملت هذه الأدوات، أعني أسماء الإشارة والموصول والضمائر.
وكذا إذا عرّفناها بأنّها ما هو قائم بطرفين، وكذا إذا عرّفناها: بأنّها ما كان موضوعا للنسبة الواقعية الخالصة.
ولكن إذا عرّفنا الحروف، بأنّها ما لا تقع طرفاً للنسبة. لم تشملها؛ لأنّها تقع طرفاً للنسبة على إشكال سبق.
وإن عرّفنا الحروف: بأنّها الأمور الواقعية المتقومة بطرفين. لم يشملها، إلا ما كان واقعياً؛ لأنّ مرجعها إن كان واقعياً كانت واقعية. وإن كان خارجياً كانت خارجية. فلا اختصاص لها بالواقع لتشابه الحروف تماما، وليست من سنخ النسب
ــــــ[183]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بخلاف الأدوات.
ويأتي على الجواب الأول إشكال، وحاصله: أنّه قائم على افتراض أنّ النسبة تقع طرفاً للنسبة، فإذا مشينا بهذا الصدد، لزم التسلسل، لوجود النسب بين النسب، فيلزم وجود نسب لا متناهية في كل جملة.
والجواب عليه له عدة مراحل:
الأول: ما قالوه: من أنّ (كل ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات). فإنّ النسبة ذاتية الانتساب لا تحتاج إلى نسبة أخرى لكي تربطها بطرفها.
وذلك: بعد التمييز بين النسبة الفعلية والنسبة الافتراضية. فالنسبة الفعلية، تكون بين طرفين استقلاليين أو طرفين نسبيين، ولا تحتاج النسبة الفعلية إلى نسبة افتراضية ليلزم التسلسل إلى ما لا نهاية؛ لأنّها ذاتية الانتساب.
الثاني: إنّنا لو تنزّلنا عن الوجه الأول، وفرضنا أنّ النسب متسلسلة، فليس كل تسلسل هو لا نهائي، فإنّ من التسلسل ما لو تصورته استمر، فإذا غفلنا عنه انقطع. واستمرار مثل هذا التسلسل إلى ما لانهاية يحتاج إلى دليل. والمقام منه. فإنّنا إذا
أعرضنا عن تصور النسبة انقطع التسلسل.
الثالث: وهو جواب على إشكال معيّن، من حيث إنّنا لو تنزلنا عن الوجهين السابقين، يلزم لا تناهي الأوضاع. على اعتبار أنّ النسب كلها موضوعة، وهي لا متناهية.
وحاصل هذا الوجه: التمييز بين النسب الوضعية أي الموضوع لها. وغيرها. فإن تنزّلنا وقبلنا أنّها نسب لا متناهية، قلنا: إنّها ليست كلها وضعية، وإنّما النسب
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الفعلية فقط فعلية دون النسب الافتراضية، لأنّها غير دخيلة في التفاهم. وكل ما يكون خارجاً عن التفاهم العرفي، يكون خارجا عن الوضع. فلا يلزم وضع لا متناهي.
ولو تنزّلنا وسلمنا حصول الواضع اللامتناهي، فإنما يكون محذوراً، لو كان الواضع محدوداً. لكن الواضع – على ما اخترنا – غير محدود، وهو الله سبحانه، وهو يستطيع أن يضع أوضاعاً لا متناهية.
ولو قبلنا النسب اللامتناهية، فهي ليست خارجية، بل كلها: الفعلية منها والافتراضية، أو قل: الموضوعة وغير الموضوعة، هي كلها واقعية، وعالم الواقع وسيع قابل لتحمل الموجودات اللامتناهية فيه، وعدد الكليات الموجودة فيه لا متناهٍ. وليس هو من سنخ العوالم الثلاثة الأخرى: الذهن والخارج واللفظ.
نعم، على القول المشهوري، بأنّ عالم الواقع لا وجود له. فإنّه لا معنى للنسب اللامتناهية؛ لأنّ العوالم الثلاثة المذكورة، لا تقبل الوجود اللامتناهي، فيكون ذلك برهاناً على بطلان التسلسل، ونثبت أنّها نسبة واحدة.
ويتفرع على هذا إشكال، لعل فيه انتصارا للمشهور، ونفرده بمقدمة مستقلة، كالآتي:
المقدمة الحادية عشر: إنّه قد يُقال: – كأطروحة – بوجود نسبتين طوليتين، في كل مورد: نسبة تكون بمنزلة الدال ونسبة تكون بمنزلة المدلول. والثانية واقعية، وهي غير لغوية؛ لأنّ المعاني عموماً غير لغوية، وإنّما الألفاظ لغوية والدوال لغوية.
والنسب الدوال ليست واقعية بل لفظية، والنسب عموماً: إمّا لفظية أو ذهنية
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أو خارجية. فإذا كانت لفظية، كانت من الدوال، ومن هنا نعود إلى ما عليه المشهور من أنّ المعنى الحرفي معنى لفظي وليس واقعياً. فإنّ ذلك يكون بلحاظ النسب الدالة لا المدلولة، وكل الألفاظ اللغوية دالة، ومعانيها مدلولة.
فلا يأتي على المشهور كون النسب كلها واقعية، فإنّ ذلك بلحاظ النسب المدلولة، وهي التي تكلم عنها المستشكل، وهي غير لغوية، فإنّها بمنزلة المعاني، فلا بدّ أن تكون النسب من سنخ هذه العوالم الثلاثة غير عالم الواقع.
ويؤيّد ذلك بتقريبين:
الأول: إنّه لا حاجة إلى وجود نسبتين: لفظية وواقعية. بل نكتفي بواحدة، وهذه الزيادة في النسب لا حاجة إليها، والقدر المتيقّن هو النسب الدالة، أي اللفظية، وليس المعاني.
الثاني: إنّ ما هو قابل للوضع هو كل شيء عرفي، ففي قولنا: (الماء بارد)، يشمل ذلك الاسمين: المبتدأ والخبر، والنسبة اللغوية القائمة بينهما.
وأمّا النسب الواقعة بينهما في عالم الواقع، فالوضع مستحيل لها عرفاً، وليست طرفاً للوضع، فيتعين أن يكون ما هو طرف للوضع هو النسب الدالة لا المدلولة.
والجواب: على ذلك يتضمن عدة فقرات، فإنّ الإشكال كذلك، يحتوي على عدة فقرات، ولكل فقرة جواب.
فنقول: إنّ عدم وجود نسبتين لفظية وواقعية صحيح، إلا أنّ الصحيحة منهما هي الواقعية، وليست اللفظية.
وهنا لا بدّ من أن نتذكر ما قلناه: من أنّ النسب تنسب إلى طرفيها عرفاً، فإن
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كان طرفاها لفظيين، كانت لفظية. وإن كانت هي من عالم الواقع، وهي بالتأكيد ليست من نوع الألفاظ؛ لأنّها لم تُنطَق، ولم يُوضَع أي لفظ بإزائها، فإنّ الطرفين هما اللذان يُنسبان إلى العوالم الأربعة المذكورة. أمّا النسبة نفسها فهي منسوبة إلى عالم واحد وهو عالم الواقع.
أمّا قضية: أنّ مطالب المعنى الحرفي صعبة الفهم، فلا تكون عرفية، وحينئذٍ لا تكون لغوية. فمن الممكن أن ننكر أن يكون كل مطلب صعب هو غير عرفي، فقد يكون المطلب صعباً وعقلياً، ومع ذلك يكون له أساس عرفي يعتمد عليه.
فلا يُقال: إنّ النسب بالمعنى الذي فسّرناه هي دقيّة وعقلية، بل هي مفهومة عرفاً، فإنّ العرف يفهم أنّ هذا فوق وهذا يمين، وكلها نسب مدرَكة، ولها أوضاع لغوية ومعنى عرفي.
وتعبيرنا عنها أنّها نسب واقعية، لا ينافي كونها معاشة ومحسوسة للعرف، فإنّها محسوسة بطرفيها على أي حال.
وأما فكرة: أنّ النسب فيها دال وفيها مدلول، فهو لطيف وصحيح، ولا محذور فيه. ولكنهما معاً واقعيتان، وإن كانت الدالة تسمى لفظية.
ويمكن الجواب أيضا كأطروحة: أنّ المستشكل اخذ مسلّماً أنّه في الجملة التامّة نحو: (الماء حار). ثلاثة أوضاع: أحدها للفظ الماء، والآخر للفظ الحار، والثالث للنسبة بينهما.
قلنا: أن نستشكل على المشهور: أنّ النسبة غير موضوعة، وإنّما الواضع الحكيم التفت إلى وجود النسب الواقعية بين الأشياء كلها، وفي الجمل التركيبية كلها، سواء
ــــــ[187]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كانت تامة أو ناقصة، مفردة أو مركبة، واكتفى بوجودها الواقعي للتفهيم، فهي نسب واقعية قائمة بالوجدان ومحسوسة، فلا حاجة إلى وضعها.
وليست هي كالألفاظ قبل وضعها، تكون نسبتها إلى المعاني على حد سواء، فلا بدّ من ربط اللفظ إلى معنى معين بالوضع لكي يُفهم.
أمّا النسب فليس نسبة معناها إلى كل المعاني على حد سواء، بل هي نسب موجودة تكويناً، ويكفي تعقّلها، عن الحاجة إلى الوضع.
وعلى أيّ حال، فإذا تنزّلنا وسلّمنا أنّ الأمور الواقعية غير قابلة للوضع، فالواقع لا يفشل لغوياً، بعدم الوضع، بل تبقى النسب قائمة وموجودة.
بقي هنا إشكال على المبنى الذي نختاره في المعنى الحرفي، بأن يُقال: إنّ المعنى الحرفي بعد الالتفات إلى شموله للنسب والحروف معاً، يرجع إلى حصّتين:
أحدهما: النسب غير الملفوظة أصلاً. إذ لا يُوجد بإزائها حرف ولا كلمة أصلاً. من قبيل النسب التامة والناقصة، نحو: (زيد عالم) و(زيد العالم). فليس بإزائها أي لفظ. فيُقال لنا: إنّ الذهن يختار أنّها واقعية، لعدم وجود مقابل لها في التلفظ اللغوي.
ثانيهما: المعاني الحرفية التي وضع بإزائها الحروف والأدوات، فهي بإزائها ألفاظ معينة، فنسأل عن معنى نسبتها إلى عالم الواقع؟
وهي على حصتين:
الأولى: ما وضِعت الأدوات بإزائه، ولعلّ أوضحها حروف الجر.
الثانية: ما لم يُوضَع لها لفظ معين، وإنّما لفظيتها باعتبار الترتيب والتناسق
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بين الألفاظ، كتقديم الخبر على المبتدأ، والموصوف على الصفة. أو باعتبار الحركات التي تختلف في المشتقات، كـ(المخرج) بالكسر، والمخرج بالفتح، أو (ضرب) بالفتح وضرب بالكسر، ونحو ذلك.
ونقول في الجواب على القسم الأول: إنّه من الناحية النظرية أو التجريدية، فإنّه من الممكن أن نتصور أنّ كل النسب خالية من الألفاظ، وليس لها ما بإزاء لفظي. لكن هذا يلزم منه لازم باطل وهو اشتباه النسب بعضها ببعض؛ لأنّ النسب إذا لم تُوضَع لها الآلات والأدوات، كان مجرد وجودها التجريدي السياقي غير كاف للدلالة عليها، إلا بقرائن متصلة تعيّنها.
فالنسب التي لم تحتج إلى قرائن لفظية متصلة، أبقاها الذوق اللغوي خالية من الحروف والأدوات، كالحصّة الأولى السابقة، فإنّها في نفسها واضحة الدلالة، بعد التحاقها بطرفيها، فلا تحتاج إلى حرف يكون بمنزلة القرينة عليها.
وكشاهد عرفي على ذلك: أنّنا في كثير من النسب نستطيع استعمال النسب السياقية، كما نستطيع إبراز الحروف، نحو:(صعدت السطح)، و(صعدت على السطح)، و(دخلت الدار) و(دخلت إلى الدار)، فيجوز في اللغة جعل النسب سياقية وجعلها حرفية.
لكن ليس كل النسب يمكن تجريدها؛ لأنّ جملة من النسب إذا جُرِدت عن معنى الحرف واستعمال الأداة، لم يتعين معناها أصلاً. فاحتاجت إلى الأداة، كحروف الجر والاستفهام والتمني والترجي.
ويخطر في الذهن التنظير بـ(عمر) و(عمرو)، فقد وضِعت الواو للتمييز بينهما
ــــــ[189]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وضع الاختلاط. وكذا وضع الألف بعد واو الجماعة، للتمييز بين إسنادها إلى المفرد وإسنادها إلى الجمع.
فاقتضت الضرورة التفهيمية، والذوق اللغوي، استعمال الأدوات وجعلها قرينة متصلة على معنى النسب الواقعية، لأنّها لو كانت سياقية فقط، لما اتضح معناها.
ومن المفيد أن نضيف: أنّه يُوجَد نفس الشيء في اللغات الأخرى، وعندي إطلاع نسبي على اللغتين الفارسية والإنكليزية، وفيها إقامة قرينة متصلة على النسبة التامة الخبرية، ومثاله في الفارسية (است) وفي الإنكليزية (is) ووجوده لا ينافي النسبة الواقعية بل يؤكّدها.
فإن قلتَ: كيف تكون النسب واقعية؟ مع أنّها خارجية أو لفظية، متشخّصة بترتيب الحروف تارةً، وترتيب الكلمات أخرى، وترتيب الجمل ثالثة. وهذا الترتيب لفظي خارجي وليس واقعياً.
وجوابه:
أولاً: أنّ الترتيب أصلاً، واقعي وليس خارجياً، كالفوقية والتحتية. وإنّما يكون منشأ انتزاعها خارجياً.
ثانياً: إنّنا لو سلّمنا بخارجيته، فليس هو النسبة حقيقة، بل هو دال على النسبة، وتكون النسبة في طوله، ومن أمثلته: تقديم اللفظ لدلالة على التأكيد، أو الاختصاص، مثل: (إياك نعبد). وإلا فنسبة المفعولية هي نفسها لم تتغير.
ومن هنا يمكن تعريف النسب والحروف، بأنّها: الأمور الواقعية التي تقوم
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بطرفين ذاتاً، على أنّ تكون منسوبة إلى عالم الألفاظ، أو عالم الذهن. لوضوح أنّ ما في عالم الخارج أو الواقع من النسب لا يصدق عليها أنّها حروف.
بل ما في عالم الذهن أيضاً ليست حروفاً، إلا ما كان من الصور الذهنية للألفاظ نفسها، فتكون إلفاظاً بالحمل الأولي، وإن كانت ذهنية بالحمل الشايع.
ومنه يتبين: أنّ النسب الحرفية حصّة من مطلق النسب، وهي النسب اللغوية. وأنّ الأدوات أو الحروف الظاهرة، هي حصّة من النسب اللغوية.
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الأصول ج2

الكلام في الجوامد التي لها علاقة بالمشتقّ الأصولي

مناقشة ما أفاده الشيخ الآخوند والمشهور في الجوامد
وقد قدّم في الكفاية الكلام عن الجوامد، على الاستطراد في الأفعال والحروف، ولكننا أخّرناه؛ لأن له ربطا بمسألة الرضاع.
ولم تهتم المصادر الأصولية بمبحث إلحاق الجوامد بالمشتقّ الأصولي، إلا لماماً. فمثلاً: إنّ التعرض لها في الكفاية لا يبلغ السطرين، وفي المحاضرات لا يتجاوز الصفحة.
وهذا محل نقاش، فإن الكلام في الجوامد معتد به نسبياً ولا يمكن التسامح فيه، وإن كان واضحاً على مستوى التحقيق.
وبإلحاق الجوامد بالمشتقّ الأصولي، أصبحت النسبة بين المشتقّ الأصولي والمشتقّ النحوي هي العموم من وجه، وقد تقدّم بيانها.
ثم إنّ هذا الإلحاق إمّا أن يكون موضوعياً أو محمولياً. فقد حاول المشهور إلحاقها موضوعاً، باعتبار توفر ركني المشتقّ الأصولي فيها، وهما: إمكان حمله على الذات، وبقاء الذات مع انقضاء التلبّس به.
وقد يستشكل على ذلك بعدم صدق الحمل وصحة السلب؛ لأنّ قولنا: ــــــ[192]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الجوامد مشتقات، قضية كاذبة. وقضية الجوامد ليست مشتقات قضية صادقة. فيتعذر إدراجها ضمنها موضوعاً.
لكنه يجاب: أنّ هذا صحيح بالمعيار النحوي لا المعيار الأصولي، فهذا خلط بينهما، وهما مختلفان مفهوماً، فيصدق الحمل أصولياً وإن كذب نحوياً.
وكذلك: يندفع ما يُقال: من أنّه من المتعذر الإدراج المحمولي للجوامد في المشتقات، وذلك لاختلاف حقيقتها ذاتياً وجوهرياً، ومعه، لا يمكن أن يصدق محمول المشتقات عليها.
ولا أقلّ من الالتفات إلى أنّ المشتقات وضِعت موادها وضعاً مستقلّاً، ووضِعت هيئاتها وضعاً مستقلّاً. أمّا المشتقات فوضِعت وضعاً واحداً، فيكون بينهما اختلافات أساسية وجوهرية.
ويجاب: بأنّ هذه الاختلافات إنّما محلّها النحو واللغة والبلاغة، لا الأصول. أمّا فيه فلا أثر لتعدد المادة والهيئة في الوضع، إذ يمكن أن نصطلح هنا -ولا مشاحة في الاصطلاح- بمفهوم خاص يجمعها.
وبتعبير آخر: أنّنا يمكن أن نلحظ جهة الاتحاد بين ما يسمى بالمشتقات في النحو، وما يسمى بالجوامد فيه، وهي كونها جامعة للشرطين السابقين، ولاشكّ أنّهما مشتركان من هذه الناحية.
فإن لم يمكن إدخالها موضوعاً في المشتقات الأصولية، أمكن إلحاقها محمولاً وحكماً، على غرار ملحقات المثنى والجمع السالم في النحو، فإنّه من الإلحاق المحمولي، إذ لو كانت منه موضوعاً، لكانت أصلية لا ملحقة.
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ثم إنّهم مثّلوا للجوامد بثلاثة عناوين: (زوج) و(حر) و(عبد). فهل الملحوظ في ذلك هذه الأفراد بنفسها، أم الملحوظ اندراجها في عنوان جامع واحد منطبق عليها؟
والعنوان الذي ذكروه -تأثّراً بالنحويين- هو عنوان الجوامد، فهل هذا كافٍ؟ كلا. وإلا لشمل كل جامد، كـ(الأرض والسماء والنهار والليل)، مع أنّه خلاف مقصودهم.
وفي الحقيقة أنّ مرادهم، ولو ارتكازاً، أن يكون مشمولاً لشرائط أربعة: اثنين منها هي شرائط المشتقّ السابقة.
والثالث: هي أن تكون جامدة باصطلاح النحويين، يعني ليست من المشتقات، ومن هنا سُمِيت بذلك، وإلا فستكون ملّحقة تكويناً بمبحث المشتقّ الأصولي، وليست بحثاً مستقلّاً، لعدم الملازمة بين العلمين في الاصطلاح.
الرابع: أن تكون موضوعاً لحكم شرعي. وإلا لم يكن لها دخل في الأصول والفقه، بطبيعة الحال.
فتكون هذه الأمثلة الثلاثة السابقة، جامعة لهذه الشرائط الأربعة. وقد يكون الشيخ الآخوند على حق في حصرها بها.
غير أنّنا يجب أن نتذكر إنّ الشرط الثاني للمشتقّ، ليس هو أن لا يكون الوصف ذاتيا، بل هو: أن تبقى الذات بعد زوال المبدأ. والذاتي ليس حاوياً على هذا الشرط، إلا أنّ من جملة الأمور غير الذاتية ما لا يكون حاوياً عليه أيضاً، كالعقد والإيقاع والحد والليل والنهار والفجر، من أسماء الزمان وغيرها.
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كما ينبغي أن نتذكر: أنّ اسم الزمان الذي اختلفوا فيه ليس هو ذلك، بل هو صيغة اسم الزمان، كـ(مقتل ومشهد) وغيرها.
وعلى أيّ حال لو سلّمنا صحة الإطلاق مجازاً ببقاء الليل، فلا نسلّمه حقيقةً ليكون موضوعاً للحكم الشرعي.
وقد يُقال: إنّ الشرط الأخير مما لم يصرح به الشيخ الآخوند ولا غيره، فما الوجه في اشتراطه، خصوصا وأنّنا لم نشترطه في المشتقّ، مع العلم أنّنا نريد أن ندرجها في محمول واحد. والمسألة لغوية لا شرعية، فلا حاجة إلى هذا القيد.
فإنّه يُقال: إنّه وإن لم يصرح بهذا الشرط، إلا أنّه هو مقتضى لسان حاله، لحصره الأمثلة بهذه الثلاثة. ولو كانت المسألة لغوية صرفة، فلماذا لم يذكر أمثلة أخرى لها؟
مضافاً إلى إمكان القول: بأننا في الفقه والأصول، لا نتكلم كلاماً لغوياً خالصاً، وإنّما نتكلم عن الشرع، فيكون ما لا أثر شرعي له خارجاً عن محلّ الكلام.
وهنا أطروحتان – كإشكالين – لو تمّت إحداهما أو كلاهما، يُلغى البحث في الجوامد أصلا، أو – على الأقل – لا يكون بحثاً مستقلّاً.
الأطروحة الأولى: إنّ هذه الأمثلة الثلاثة إنّما هي مشتقات وليست جوامد، فهي إذن، داخلة في المشتقّ موضوعاً، فلا وجه لتحرير بحث مستقلّ عنها.
وكونها من المشتقات له عدة تقريبات، منها:
أولاً: وجود اشتقاق من نفس المادة، كما هو واضح، أعني: زوج وحر وعبد، فيمكن انتزاع أفعال ومصادر وأسماء مفعول منها، ولا نقصد في النحو من
ــــــ[195]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المشتقات إلا ذلك.
ثانياً: إنّ الأصوليين مثّلوا للمشتقات باسم الفاعل واسم المفعول، وغفلوا عن الصفة المشبهة. ومن الممكن القول إنّ هذه الألفاظ هي من الصفة المشبهة باسم المفعول، فعبد أي معبّد وزوج أي مزوّج وهكذا. فتكون حقيقةً من المشتقات.
وعندئذٍ يكون المشهور – ومنهم الشيخ الآخوند – أمام أجوبة ثلاثة، كلها لا تنفع مبرراً لتسجيل هذا البحث المستقلّ.
فأمّا أن تقول: إنّ هذه ليست مشتقات بل جوامد، وهذا مخالف للوجدان. وأمّا أن يأتوا بأمثلة أخرى جامعة للشرائط بما فيها كونها موضوعاً لحكم شرعي، ولم يذكروا شيئاً. وأمّا أن يقال: إنّ البحث لتشييد الكبرى وإن لم يكن لها صغرى، بعد سقوط تلك الأمثلة. وهو كما ترى.
إن قلتَ: لا يمكن أن تكون هذه الأمثلة من الصفة المشبهة؛ لأنّ لها أوزاناً معيّنة ليس هذا منها.
قلتُ: إنّ الأوزان التي ذكرها اللغويون للصفة المشبهة لا تخلو من أحد احتمالات أربعة:
الأول: إنّهم يذكرون تعريفاً محدّداً للصفة المشبهة، وتكون أمثلتهم وأوزانهم بمنزلة المصاديق له، لا بنحو الانحصار، بل يمكن وجود مصداق آخر، ما دام صغرى للتعريف، وهذا هو الذي وجدته صحيحاً لدى الفحص.
وهو لا ينافي ما طرحناه.
الثاني: إنّهم لم يعرّفوا الصفة المشبهة، وإنّما اكتفوا بذكر الأمثلة والأوزان،
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وليس هناك تعريف محدّد.
وهو احتمال غير واقع، وإن وقع فهو لا ينافي الزيادة في أمثلة الصفة المشبهة، لإمكان تحكيم ذوقنا اللغوي والعرفي في إيجاد جامع ذوقي عرفي، لنطبقه على ألفاظ أخرى، كالتي نحن بصددها.
الثالث: إنّهم عرّفوا الصفة المشبهة بنحو ينحصر بالأوزان التي ذكروها، فتتعذر الإضافة. وهو احتمال غير موجود وغير ثابت عند التدقيق.
الرابع: إنّهم يصرحون بالانحصار، وعندئذٍ لا تستطيع الإضافة، وهذا غير واقع أيضاً، ولا يتمكن أحد من ادعاء الانحصار.
الأطروحة الثانية: أن ندّعي بفهم فلسفي أو باطني: أن هذه الألفاظ الثلاثة غير جامعة للشرائط.
فإنّ أحدها: هو أن لا تزول الذات بزوال الوصف، وهو غير متوفر، بإن يُقال: إنّ الزوج نفس الإنسان، لأنّ كل موجود إمكاني، فهو زوج تركيبي، فإذا زالت الزوجية فقد زالت الذات.
ونحو ذلك في الحُر، فإنّ الحر بدرجة من درجات الحكمة المتعالية، من كان منزّها عن الشرك الخفي، فإذا زالت الحرية فقد زالت ذاته.
والعبد هو الإنسان ذاته، إذا وصل إلى مرتبة العبودية. فترجع كل هذه الأمور إلى نفس المتصف، فتزول الذات بزوال الصفة.
وجوابه: أنّه وإن قلنا بتصحيح بعض هذه الطرق في الفهم، إلا أنّها كلها دقية، في حين أنّ الكلام في علم الأصول عرفي غير دقّيّ، أو قل: إنّنا نتكلّم هنا عن المعاني
ــــــ[197]ـــــــ
منهج الأصول ج2
غير الذاتية، وإنّما التي وردت موضوعا للحكم الشرعي.
وهنا إشكال آخر: يؤدي إلى عدم شمول النزاع للجوامد، باعتبار وضوح عدم صدقه بعد زوال الصفة، كما استشكلوا في اسم الزمان. فإطلاق العنوان عليه مجاز بلا إشكال، فإنّه من المستهجن استعمال الحر محل العبد وبالعكس. وهذا الإشكال لا يأتي في المشتق النحوي.
وجوابه: أنّ هذا الإشكال وارد على كلتا الحصتين معاً، والاستهجان – لو كان- فهو ثابت فيهما بلا فرق، وإذا تم فينبغي أن نحذف كل مبحث المشتقّ.
وعلى أيّ حال، ففي الإمكان القول بأنّ هذه الأمثلة الثلاثة المذكورة، كلها مشتقّة على نحو صفة مشبهة كما سبق.
وقد عرّفوا الصفة المشبهة، بما مضمونه القريب: أنّها اسم مشتق يدل على صفة مأخوذ فيها الدوام والثبات والاستمرار. ومن أوزانه: فَعِل وفعيل وفعال وفاعل، إذا كان صفة ثابتة كفاضل. وبذلك يتميز عن اسم الفاعل الذي يدل على صفة قابلة للزوال عرفاً وعادةً.
وعلى هذا تكون الألفاظ الثلاثة كلها مشتقات: أولاً: لأنّ لها اشتقاقات أخرى من لفظها ومادتها، كفعل الماضي والمضارع والمصدر. وثانياً: إنّها صفة ثابتة غالباً، كما هو واضح في (الزوج) و(الحر) و(العبد).
مضافاً إلى أنّ هذه الثلاثة كلها، هي فعلاً على وزن أعطوه في الصفة المشبهة، وهو (فَعْل) بفتح فسكون (نحو: صَعْب وسَهْل) كما هو واضح.
وهنا أودّ الالتفات إلى أنّ صاحب المنجد له عدة شطحات، عند الكلام عن
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الصفة المشبهة؛ لأنّه قال: الصفة المشبهة هي ما دلّ على حال علّقت على ذات مطلقاً. والمراد بالإطلاق نسبة الحالة إلى الموصوف، بدون اعتبار الزمان، بخلاف اسم الفاعل( ).
والظاهر من العبارة: أنّ الصفة المشبهة غير متضمّنة للزمان، وأنّ اسم الفاعل متضمّن للزمان. وهو ضعيف جداً.
نعم، يمكن تصحيح كلامه بما يناسب التعريف السابق، وهو أنّ المراد بالإطلاق في الصفة المشبهة: الاستمرار والثبوت. في حين يكون اسم الفاعل قابلاً للتغيير، فيكون التعبير بعدم أخذ الزمان عبارة عن الاستمرار، وهو أيضاً تعبير ضعيف.
وقال ايضاً: تبنى الصفة المشبهة من الثلاثي سماعاً، وتبنى مما فوق الثلاثي على وزن اسم الفاعل. وهذا غير صحيح بطبيعة الحال، نحو (سهل فهو سهل) فإن أراد بالسماع أنّ اللفظ لا شبه له ولا قاعدة، بل أُخِذ سماعاً، فهذا ليس كذلك، بل له صيغة وقاعدة.
فإن قلتَ: إنّهم اشترطوا في الصفة المشبهة الدوام والثبوت، في حين أنّ أمثلة الشيخ الآخوند قابلة للتحول، إذن، فهي فاقدة للشرط المأخوذ في التعريف، وليست مصداقاً منه.
قلتُ: يُجاب ذلك نقضاً وحلاً:
أمّا نقضاً: فلأنّ كثيراً مما مثّلوا به غير دائم حقيقةً، بل يمكن تحوّله، كالسهل
ــــــ[199]ـــــــ
(1) المنجد في اللغة، مقدمة الكتاب.
منهج الأصول ج2
والصعب والصديق والعدو والكريم.
وأمّا حلاً، فلأن الاستمرار المقصود هو الاستمرار العرفي والغالبي، وليس الدقي. ونحن إذا لاحظنا كل هذه الأمثلة نجد أن اقتضاء الاستمرار فيها موجود.
إن قلتَ: على ذلك تكثر مصاديق الصفة المشبهة، ومنها: أسماء القرابات كالأب والخال والعم. ومنها ما يكون موضوعاً لحكم شرعي، نحو قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ(1)، وقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم(2).
قلتُ: هذا مجرد خدعة، لأكثر من وجه واحد:
1- إنّه يمكن أن يُقال: إنّ هذه الألفاظ ليست مشتقّة، وليس لها أفعال ماضية ومضارعة، فهي فاقدة لشرط التعريف.
2- إنّنا لو تنزّلنا وفرضناها صغرى للصفة المشبهة، إلا أنّه ليس صغرى للمشتق، إذ لا تبقى الذات بزوال الصفة، لوضوح علّية الاتصاف بها، وإن لم تكن ذاتية.
ــــــ[200]ـــــــ
(1) النساء: 23.
(2) النساء: 23.
منهج الأصول ج2

مسألة الرضاع

يحسن النظر الآن بشكل سريع إلى مضمون عبارة الإيضاح؛ لأنّها واضحة ولو سياقاً في أنّ المسألة الأولى فيها، غير متوقفة على صدق المشتقّ على الأعمّ، في حين أنّ المسألة الثانية فيها متوقفة عليه.
لكن من الواضح ابتناء كِلتا المسألتين على صدق المشتقّ على الأعمّ، فإذا كان المشتقّ موضوعاً لخصوص المتلبّس، احتاجت الفتوى إلى تعبّد بالحرمة، لا على مقتضى القاعدة؛ لأنّ الزوجية والبنوة لم يجتمعا طرفة عين، في كلتا الزوجتين. وإذا لم يحصل فلا بدّ من الاستغناء عن هذه الفتوى، ويكون الجزم بالحرمة مشكلاً. أمّا الاحتياط فهو حسن على كل حال. وإن قلنا بالوضع للأعمّ، لم يفرق فيه مقدار الزمان، فالأولى طرفة عين، والثانية بعد حين.
والمسألة كما ترى فقهية خارجة عن علم الأصول، إلا أنّه في الإمكان درجها ضمن الاستدلال الأصولي، من حيث إمكان القول: إنّ هذا التحريم مما لا يتوقف عليه القول بالوضع للأعمّ في المشتقّ، أو مما لا يتوقف عليه إلحاق عنوان الزوجية بالمشتقّ، كما قال الشيخ الآخوند، واستدل عليه بعبارة الإيضاح.
فأما أن نطعن بهذه الفكرة كصغرى، أو بتلك الفكرة ككبرى. أي إنّها حتى لو
ــــــ[201]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كانت الفاظاً مشتقّة، فلا أثر للاستدلال هنا، وإنّما الاستدلال بالكتاب والسنة ابتداءً.
وعلى أيّ حال، فهي إذا كانت مشتقّة دخلت في العنوان بلا إشكال. وإن كانت جامدة، لم يكن الاستشهاد بعبارة الإيضاح سبباً لدخولها.
نعم، لو أخذناه كما أخذه الشيخ الآخوند مسلّم الجمود، واعتقدنا أنّ الإيضاح يعتقد ذلك ايضاً، كان له وجه. إلا أنّ عبارته نصّ باندراجه في المشتقّ، وإلا لما جعله صغرى له.
ومثال الإيضاح: من له زوجتان صغيرة وكبيرة دخل بها، فأرضعت الكبيرة الصغيرة، ثم أرضعتها أخرى. فتحرم الأولى ويتوقف تحريم الثانية على صدق المشتقّ.
مع أنّهما معاً محل إشكال، وفي الحقيقة يتوقف القول بحرمة كِلتا الزوجتين على إطلاق المشتقّ على الأعمّ، لأنّ الزوجية والبنوّة لم يجتمعا طرفة عين في كِلتا الزوجتين، ما لم يحصل تعبّد شرعي، أو القول بوضع المشتقّ للأعمّ.
مضافاً إلى عدم صدق الربيبة بالرضاع. وإذا سلّمناه فهي ممن كانت بنتاً قبل الزواج من أمها.
وفي الحقيقة أنّ هذه المسألة تنحل إلى ثلاث مسائل:
الأولى: تحريم البنت، أي الزوجة الصغيرة على الزوج.
الثانية: تحريم الزوجة الكبيرة، أي المرضعة الأولى على الزوج.
الثالثة: تحريم الزوجة الكبيرة الأخرى، أي المرضعة الثانية عليه.
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أمّا المسألة الأولى: [تحريم البنت، أي الزوجة الصغيرة على الزوج]
ففيها صورتان: فإنّه إمّا ان تكون الكبيرة أرضعتها بلبنه، فتحرم مسلّما لأنّها بنته.
لكن الكلام فيها يبدأ فيما لو أرضعتها من لبن غيره، فتكون بنتاً للغير، فيحتاج التحريم إلى استئناف دليل من الكتاب والسنة.
أمّا من الكتاب فقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ (1). بأحد تقريبين:
التقريب الأول: إنّها ربيبة، وكل ربيبة حرام.
ويمكن مناقشته من عدة وجوه، فإننا ندعي كأطروحة: أنّ الربيبة هي البنت النسبية كالسبيبة، والعرف يرى ذلك، ويكفي الشك لجعلها شبهة مصداقية للعام.
ولو تنزّلنا وقلنا إنّ البنت الرضاعية ربيبة بنظر العرف، إلا أنّ الربيبة هي بنت الزوجة قبل زواجها من الثاني، ولا يصدق عنوان اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم إلا إذا كانت قبل العقد. والصغيرة في مورد المسألة ليست كذلك، لأنّ الرضاعة متأخرة عن العقد، ويكفي الشك أيضاً لجعلها شبهة مصداقية.
وللشك منشأ آخر، وهو أنّها قبل الرضاع كانت موصوفة بوصف الزوجية، فهل يوافق العرف على نقل عنوانها وصفتها من الزوجة إلى الربيبة؟
فالآية الشريفة، إذن لا تصلح دليلاً على حرمة الصغيرة.
ــــــ[203]ـــــــ
(1) النساء: 23.
منهج الأصول ج2
نعم، السنة الشريفة كافية بعد ضم مقدمتين:
الأولى: إنّ بنت الزوجة المدخول بها محرمة مطلقاً (يعني سواءً صدق عليها عنوان الربيبة أم لا). لكن الأخبار تخصها(1) بصفتين:
1- أن تكون بنتاً نسبية.
2- أن تكون متقدمة وجوداً على الزواج، لا متأخرة عنه.
وكلتا الصفتين غير موجودة هنا، فلا بدّ من نحو من التجريد عن الخصوصية، لكل الأفراد، بلا فرق بين الرضاع وغيره، ولا فرق بين التقدم والتأخر.
الثانية: ما دل على أنّ لحمة الرضاع لحمة النسب(2)، وأنّ البنت الرضاعية نسبية.
وفي المحاضرات(3) استدل بالسنة فقط، ولعل ذلك للتشكيك بعنوان الربيبة، كما سبق، فلا تكون مصداقاً من الآية الشريفة، كما أنّه يحتاج المورد إلى ضمّ دليل الرضاع لتتمّ الصغرى ولم يشر إليه، فكأنه أخذه مسلّماً.
المسألة الثانية: في حرمة الزوجة الكبيرة المدخول بها التي أرضعت أولاً.
والمسألة يمكن أن تصدق، سواء كانت الزوجة الصغيرة أرضعت بلبن زوجها أو بلبن شخص آخر، بأن تكون قد طُلِّقت فتزوجت آخر، وأرضعت. فهل يحرم إذا طلقها الثاني أن ترجع إلى الأول تحريماً مؤبداً؟
ــــــ[204]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، باب: 1.
(2) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، باب: 1.
(3) محاضرات في أصول الفقه: 1: 231.
منهج الأصول ج2
والاستدلال على حرمتها، تارةً يكون على طبق القواعد العامة، أي في باب المشتقّ. وأخرى من أدلة خاصة من السنة الشريفة كما يأتي.
[مناقشة ما استدل به صاحب المحاضرات بمقتضى القواعد على الحرمة]
أمّا الاستدلال على مقتضى القواعد: فقد قرّب في المحاضرات(1) وجوهاً ستة للاستدلال:
الوجه الأول: صدق عنوان أم الزوجة عليها، وأم الزوجة محرمة في الكتاب والسنة. والكبرى خارجة عن بحث المشتقّ، وإنّما هو تنقيح للصغرى.
وأجاب عليه، بأنّه يتوقف على القول بالأعمّ؛ لأنّ الزوجية انتهت ثم تحققت البنتية، ولم يجتمعا. فالطعن إذن، في الصغرى من هذا الوجه.
الوجه الثاني: صدق عنوان وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ. وأجاب عنه أنّه أيضاً متوقّف على وضع المشتقّ للأعمّ. وهو خلاف ظهور الآية بالفعلية.
وتعليقنا عليه:
أولاً: إنّ هذا الدليل تكرار للدليل السابق. فإنّ السابق أخذ عنوان أم الزوجة، وهنا أخذ عنوان أمهات نسائكم، وهو هو عرفاً.
ثانياً: إنّ لفظ (أُمّ) غير مشتقّ، وقد قرّبنا ذلك فيما سبق.
وحينئذٍ لا ربط له بوضع المشتقّ للمتلبّس أو الأعمّ.
وتستطيع القول: إنّه إذا أمكن جر الخلاف في المشتقّ إلى خارجه، فإنّه يكون
ــــــ[205]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 231-239.
منهج الأصول ج2
موضوعاً يقيناً لخصوص المتلبّس ولا يشمل غيره، فإنّ الجدار إذا هُدِم لا يبقى اسمه جدار. وكان الأولى بالمحقّق الأستاذ أن يقول هذا، فلم يجتمع عنوان الأمية والزوجية في زمن واحد، ليصدق (أمهات نسائكم).
الوجه الثالث: أنّنا لو سلّمنا الوضع للمتلبّس، إلا أنّ المراد بالآية هو الأعمّ. لذكر الربائب اللاتي في حجوركم، ولا يعتبر في الربيبة أن تكون أمّها زوجة فعلاً، وبوحدة السياق يُستكشَف ذلك في الأمهات أيضاً.
أجاب: أنّ حكم الربائب ثبت بقرينة خارجية، ولو بقينا نحن والآية، لقلنا بفعلية الزوجية مع الأم.
وتعليقنا عليه:
أولاً: إنّ الآية الكريمة ذكرت ستة عناوين أو أكثر: كلها محرّزة أنّ الحكم يدور مدار ثبوتها ويرتفع بارتفاعها، إلا واحدة، حسب زعم المستدلّ، وهو بقاء عنوان الربيبة. فكيف نطبق وحدة السياق؟ وهل هذا إلا من تحكيم الواحد في الأكثر منه؟
ثانياً: الصحيح في الجواب أن يُقال: إنّ عنوان الربيبة ليس هو الزائل، وإنّما هو عنوان الزوجيّة، وقد ثبت من الخارج: أنّ عنوان الزوجية كافٍ حدوثاً لحرمة الربيبة بقاءً مؤبداً، ولو بالاستصحاب. ولا يُعتنى بعد ذلك أنّه طلّق أمّها أم لا، فلا ربط بين العنوانين.
الوجه الرابع: إنّ زمان زوجية الصغيرة وزمان انقضائها، وإن كانا مختلفين بالدقّة، إلا أنّهما متحدان عرفاً؛ لأنّ أوّل زمان أمّية الكبيرة متصل بآخر زمان زوجية الصغيرة، وهو كافٍ عرفاً في صدق عنوان أمّ الزوجة، فتكون مصداقاً له عرفاً.
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أجاب عنه في المحاضرات: أنّ العرف إنّما هو محكّم في فهم أصل الكليات والمفاهيم، كعنوان أمّ الزوجة، من الكتاب والسنة، وليس من مصاديقها. والبحث هنا في المصداق لا في المفهوم.
ولنا تعليقان على ذلك أحدهما كبروي والآخر صغروي:
1- إن هذا الذي زعمه المحقق الأستاذ لا يلتزم به هو نفسه في الفقه. فإنّه يرى هو وغيره: أنّ العرف محكّم في الكبريات والصغريات.
2- إنّه لا يجتمع هذان العنوانان حتى بالنظر العرفي، ويكفي أن نتصوّر أنّ العرف إذا ألفِت إلى هذا المورد فإنّه يقرّ بعدم الاجتماع، وإنّما لغفلته يتوهم ذلك.
الوجه الخامس: وله مقدمتان:
المقدمة الأولى: إنّ العلة وإن تقدّمت على المعلول رتبة، إلا أنّها متحدة معه زماناً.
المقدمة الثانية: إنّ المتضايفين متساويان في الرتبة وفي الزمان، ومشتركان في القوة والفعل.
فالأمّية وإن تأخرّت على فسخ الزوجية رتبة، إلا أنّها متفقة معها زماناً. كما هو الحال في الحكم والموضوع، لأنّ نسبتهما نسبة العلة والمعلول.
وحيث إنّ ارتفاع الزوجية عن الصغيرة معلول لحدوث عنوان البنوة لها، فكان متأخّراً عنها رتبة ومتحداً معها زماناً، قضاءً لحق العلية والمعلولية.
وبما أنّ عنوان أمومة الكبيرة تحقّق في ظرف ثبوت عنوان بنوة الصغيرة، فإنّهما متضايفان، والمتضايفان متكافئان في القوة والفعل. فتكون الكبيرة أمّاً للصغيرة في
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الأصول ج2
رتبة ثبوتها، التي هي علّة لارتفاع الزوجية، فتجتمع معها زماناً. ففي مرتبة الأمّية لم تكن الزوجية زائلة، وتكون مشمولة لأدلة التحريم.
أجاب عنه بجوابين نعرضهما مع مناقشتهما:
الجواب الأول: أنّه لا أثر للرتبة في موضوعات الأحكام الشرعية. وإنّما الأثر على الموجودات الزمانية. فكونهما متحدين رتبة (أعني الأمّية وزوال الزوجية) لا أثر له.
إلا أنّه لا يتم:
1- لأنّ المدّعى، كما نصّ عليه في المحاضرات، هو الاتحاد الزماني وليس الرتبي.
2- لعدم تمامية كبرى الجواب، فإنّ الرتب إن كانت ملحوظة عرفاً، أمكن جعلها موضوعاً للحكم الشرعي. نحو: (جاء زيد من السفر فزرته). فإنّ الترتب هنا وإن كان عقلياً، إلا أنّه مفهوم للعرف، وهنا يمكن أن يكون كذلك، وخاصّة مع إلفات العرف إليها.
الجواب الثاني: أنّ العلة وإن تقدّمت على المعلول رتبة، وكذلك الشرط وموضوع الحكم، إلا أنّ المقام ليس صغرى له؛ لأنّ الأمّية لا تقدّم لها على ارتفاع زوجية الصغيرة، وإنّما تتقدّم على عنوان البنتية، لأنّها علتها، ولا علّية هناك.
وجوابه: أنّه من الغرائب؛ لأنّنا إن جعلنا الأمّية والبنتية من المتضايفين، وكان أحدهما علّة والعلة متقدمة على المعلول، فالمضايف للعلّة متقدّم على المعلول أيضاً. وإن جعلناهما علّة، كانت علّة العلّة، لفسخ الزوجية؛ لأنّها علة
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الأصول ج2
البنتية، التي هي علة الفسخ فثبت التقدم أيضاً.
إلا أنّ الصحيح في الجواب على أصل الوجه الخامس أن يُقال:
1- إنّ المتضايفين لا يتقدّم أحدهما على الآخر، إذ ليس بينهما علّية ومعلولية.
2- إنّ العلّة تتقدم على وجود المعلول لا على عدمه، والمعلول بالمدّعى هنا عدمي، وهو عدم الزوجية.
3- إنّ العلة لارتفاع الزوجية حكم الشارع، وليست البنتية علّة حقيقة. وإنّما ارتفعت لاختلال موضوعها؛ لحرمة الزواج بالمحارم، بعد ضمّ مقدمة شرعية أيضاً، بأنّها من المحارم الرضاعية.
فالمحصّل هو وجود المانع والرافع، وليس وجود العلّة لا حقيقةً ولا تعبّداً. وتصوّر الموضوعات الشرعية كالعلل ليس بصحيح.
الوجه السادس: الروايات.
وما يمكن أن يُستدَل به من الروايات ثلاث، اثنان منها معتبرة سنداً، لكن دلالتها قابلة للمناقشة. وواحدة ضعيفة السند.
الرواية الأولى: صحيحة عبد الله بن سنان(1)، عن أبي عبد الله: «في رجل تزوج بجارية صغيرة، فأرضعتها امرأته وأمّ ولده. قال: تحرم عليه».
أقول: هذا الضمير يعود إلى الصغيرة حسب السياق، كما أنّ الظاهر أنّ الرضاع جامع للشرائط، كما أنّه من لبنه؛ لأنّه يقول: أمّ ولده.
وقد يقال: إنّها لا تدل على حرمة الكبيرة، أمّا حرمة الصغيرة فقد سلّمنا بها،
ــــــ[209]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، باب: 1 حديث: 2.
منهج الأصول ج2
وهو مضمون المسألة الأولى، دون هذه المسألة. وأمّا الكبيرة فمسكوت عنها.
إلا أنّه يمكن الجواب عن ذلك بإحداث احتمالات – كأطروحة على الأقلّ – لإدخال الكبيرة في محل الكلام:
الأول: أن يكون الضمير في الجواب راجعاً إلى الكبيرة، خصوصاً وإنّها قريبة عليه، فعوده إليها أقرب. فتكون الرواية دالة على حرمة الكبيرة، وساكتة عن الصغيرة. ومنشأ هذا السكوت – كأطروحة ايضاً – وضوح
حرمة الصغيرة، أمّا الكبيرة فتحتاج إلى بيان.
لكن هذا الاحتمال غير صحيح؛ لأنّ هذه الكبرى إنّما تكون صحيحة في السياق الواحد، والظاهر أنّ مناسبة الجواب للسؤال، يقتضي عود الضمير إلى الصغيرة.
الثاني: إدخال كبرى لغوية غير معهودة عرضناها في بحث الفقه.
وحاصلها: أنّ هناك شيئاً اصطلحنا عليه بالإيهام الإثباتي.
وحاصل فكرته: أنّ المقصود الظاهري لكلام ما يكون واحداً، بينما يكون المقصود الواقعي متعدداً. وكان مثاله في الفقه، قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى (1).
فقد قيل في الصلاة الوسطى عدة أقوال، مبنية على ظاهر الحال، من أنّها صلاة واحدة مرددة بين الصلوات. وتُوجَد رواية معتبرة تعيّنها بصلاة الظهر(2). وقلنا إنّه
ــــــ[210]ـــــــ
(1) البقرة: 238.
(2) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ونوافلها وما يناسبها، باب: 5.
منهج الأصول ج2
بحسب الظاهر: أنّ المراد منها صلاة متساوية النسبة إلى الصلوات كلها، وهو معنى منطبق عليها جميعاً، فكل فريضة هي صلاة وسطى بلحاظ معين، فيمكن أن يكون المراد كل الصلوات على نحو العموم الاستغراقي لا المجموعي، ويكون المراد الإشارة إلى كل واحدة بحيالها واستقلالها، فيكون في المورد إيهام إثباتي.
فنطبق نفس الكبرى في المقام:
فقوله: تحرم عليه، فاعله ضمير مستتر تقديره: (هي). والمراد منه ظاهراً واحد. ولكنّه ربما يكون المقصود الثبوتي الواقعي كلتيهما، فتحرمان عليه معاً. لا واحدة منهما بعينها بشرط لا عن الزيادة.
لكن مثل هذه الأساليب والبيانات، إنّما يُلجأ إليها عند وجود مصلحة ثانوية لا مع الاقتصار على المصلحة الأولية للبيان، خصوصاً إذا كانت المسألة مردّدة بين الحرام والحلال، فكل واحدة ثبوتاً إمّا حرام أو حلال. أمّا صياغة الكلام في الجواب على نحو الإيهام الإثباتي فهو إجمال وتضليل، وهو بالعنوان الأولي غير صحيح ثبوتاً وإثباتاً، وخلاف وظيفة الإمام، إلا بالعنوان الثانوي، كمصلحة اجتماعية أو نفسية في عدم البيان، وإيحاء معنى معيّن لا تتحمله العبارة.
ومقتضى السياقات الظاهرة للسنة الشريفة، هي العناوين الأولية، فهذه الرواية كذلك. والنتيجة عدم دلالة الرواية، على حرمة الكبيرة.
الرواية الثانية: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر: قال: «لو أنّ رجلاً تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح»(1).
ــــــ[211]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، باب: 10، حديث: 1.
منهج الأصول ج2
ويرد على الاستدلال بها نفس الإشكال الأساسي في الاستدلال بالرواية السابقة، في عدم تعرضها لمسألتنا هذه، فإن نكاح الصغيرة هو الذي يفسد دون نكاح الكبيرة.
لكن في مقابل ذلك، يمكن عرض عدّة تقريبات لأجل فهم العود إلى الكبيرة، أو إليهما معاً، فتحرم الكبيرة.
التقريب الأول: إن (الألف واللام) وإن كانت عهدية في المقام، إلا أنّه يمكن أن يُدّعى عودتها إلى الكبيرة دون الصغيرة، لما قلناه سابقاً، من وضوح حرمة الصغيرة، فلا تحتاج إلى بيان.
إلا أنه مردود: بأنّ العهدية لا تتعين إلى خصوص الكبيرة، بل هي إمّا عائدة إلى الصغيرة، أو مجملة في العود إلى أيٍّ منهما، فتعيين الكبيرة خلاف الظاهر.
التقريب الثاني: ضمّ كبرى الإيهام الاثباتي. بأن يُقال: إنّ المقصود الظاهري من العهد هو الواحد، أمّا الواقعي فاثنان، وقد مرّ الردّ عليه.
التقريب الثالث: أن تقول: إنّ (الألف واللام) هنا للجنس لا للعهد. أي إنّ النكاحات المذكورة في السؤال كلها تفسد، وهو يشمل نكاح الكبيرة والصغيرة معاً.
لكنّه وجه غير صحيح. لأمرين:
الأمر الأول: أنّ الأصل في (الألف واللام) وإن كانت الجنسية، إلا أنّ ذلك مع عدم القرينة على الخلاف، وهي هنا موجودة تدل على العهد، ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال؛ لأنّه يؤدي إلى الإجمال.
الأمر الثاني: أنّ حمل (الألف واللام) على الجنس يُفترَض فيه استيعاب جميع
ــــــ[212]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الأفراد، وأمّا شموله لفردين فقط، فهو فهم غير عرفي.
التقريب الرابع: إنّ تغيير مادة الجواب عنها في السؤال قرينة على أنّ المراد به غيره. فإنّ السؤال كان بمادة: تزوج والجواب بمادة النكاح، فلا بدّ أن يُراد منها نكاح آخر غير ما يُراد من التزويج، وليس هناك نكاح آخر إلا الكبيرة.
إلا أنّ هذا قابل للمناقشة طبعاً، وذلك: لأنّ التزويج والنكاح وإن كانا مختلفين مفهوماً، من حيث تضمن الثاني للدخول دون الأول، لكنّهما عرفاً واحد. ولا أقل من الاحتمال، فالمتكلم مخيّر بينهما، والمهم إبطال المعنى بأية مادة.
فهذه الوجوه الأربعة غير تامة للاستدلال على حرمة الكبيرة.
تبقى خطوة واحدة، إذ يمكن أن يُقال: إنّ الروايتين الصحيحتين سنداً، يمكن أن تكونا ظاهرتين في صحة عقد الأولى بتقريبين:
الأول: مفهوم جملة فسد النكاح. أي نكاح الصغيرة، فيكون مفهومها: أنّ نكاح الكبيرة صحيح.
لكن هذه الجملة ليس لها مفهوم، فإنّها أضعف من الجملة الوصفية.
الثاني: إنّ المرأة الكبيرة المرضعة، لو كانت تحرم لوجب على الإمام بيان حرمتها. وحيث لم يبين الإمام ذلك، كان قرينة مقاميةً على بقاء زوجية الكبيرة.
ومما يدعم ذلك: أنّ الصحيح أنّ المشتقّ موضوع لخصوص المتلبّس، فلا تكون هذه الكبيرة، صغرى: لـ(أمهات نسائكم).
لكن الكبرى غير تامّة: إذ إنّ الأئمة غير مسؤولين دائماً عن بيان الواقعيات لكل الناس.
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ففي بعض الروايات ورد ما مضمونه: أنّه يقول الراوي: هل علينا أن نسأل. قال: نعم. قال: فهل عليكم أن تجيبوا. قال: لا. ذلك إلينا.
خصوصاً إنّه لم يقع سؤال عن الكبيرة لكي يجب على الإمام جوابه. فيمكن أن تقول: إنّ المورد مشمول لقوله: «دعوا الناس على غفلاتهم». وإنّ الإمام وجد مصلحة في حفظ هذه الأسرة، وترك السائل على غفلته، ليستصحب زوجية زوجته المرضعة.
والنتيجة: أنّ الإطلاق المقامي غير صحيح، وان الصحيحتين لا تدلان على حرمة الكبيرة، ولا على حليتها، وإنّما هي مسكوت عنها.
الرواية الثالثة: خبر علي بن مهزيار(1). وهو دال على ما نحن فيه في المقام.
[عن] علي بن مهزيار عن أبي جعفر: قال: قيل له: إنّ رجلاً تزوج بجارية صغيرة وأرضعتها امرأته، ثم أرضعتها امرأة له أخرى. فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه. فقال أبو جعفر: أخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولاً. فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه، كأنّها أرضعت ابنته.
والرواية واضحة الدلالة لو تمّت سنداً، وقد استشكل عليه في المسالك
-حسب نقل المحاضرات- بثلاثة إشكالات ترجع إلى اثنين، والثاني منهما له شقان:
الإشكال الأول: ضعف الرواية بصالح بن أبي حماد، وهذا لم يوثق. بل طُعن به بأنّ حديثه مُشكل وأُخِذ عند الكذب، وبه تسقط الرواية عن الحجية.
الإشكال الثاني: الإرسال؛ لأنّ عنوان الإمام المروي عنه هو أبو جعفر وهو
ــــــ[214]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، باب: 14.
منهج الأصول ج2
مردّد بين الإمام الباقر والإمام الجواد.
وكأنّ صاحب المسالك يتهم الرواية بالإرسال على كِلا التقديرين، فيكون الإشكال ذا شقّين:
أمّا الشقّ الأول: فباعتبار ما ثبت تاريخياً من أنّ ابن مهزيار لم يعاصر الباقر، بل عاصر الرضا والجواد.
وأمّا الشقّ الثاني: فمن جهة قوله: قيل له. فيثبت الإرسال لمجهولية القائل.
وقيل في الدفاع ضد الإشكال الأول: إنّ المشهور قد عمل بها، فإنّهم حرّموا المرضعتين، وعمل الأصحاب يجبر السند، فيكون الضعيف حجّة.
إلا أنّ الصحيح أنّ هذا الدفاع غير صحيح، لا كبرى ولا صغرى:
أمّا كبرى، فإنّ عمل المشهور لا يجبر ضعف السند ولا الدلالة. وإن حصل إجماع، بل الإجماع يسقط؛ لأنّه مدرَكيٌ، فالشهرة المدرَكية أولى بالسقوط.
وأمّا صغرى، فلأنّه لم يُحرز استناد عمل المشهور إلى هذه الرواية، فهو إمّا مشكوك أو محرز العدم.
أمّا كونه مشكوكاً فلا يحتاج إلى زيادة مؤونة، فلعلّ لهم أدلة عديدة لم تصل إلينا.
وأمّا كونه محرز العدم فقد قرّبه في المحاضرات(1): بأنّ المشهور أفتى بحرمة كِلتا المرضعتين الكبيرتين، في حين أنّ الرواية صريحة في حلية الثانية. إذن، فلم يستند عملهم إليها.
ــــــ[215]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 236.
منهج الأصول ج2
لكن هذا التقريب غير تام. فإنّهم ذكروا في وجه انجبار الرواية الضعيفة بعمل القدماء: أنّه من المحتمل جداً وجود قرائن حالية أو مقالية أو مقامية على نقص الرواية أو كمالها، قد خُفيت علينا، لبُعد الزمن وحصول الكوارث الكثيرة في تلف الكتب، فنطبّق نفس هذه الفكرة، ونقول: إنّه من المحتمل أنّهم عملوا بصدر هذه الرواية دون ذيلها، لقرائن وصلت إليهم وخُفيت علينا.
أقول: ينبغي التنبيه هنا إلى شيء مؤسف، وهو التعبير بالمشهور عن رأي اثنين فقط من علمائنا. فإنّ ابن ادريس والعلامة قالا بحرمة الثانية. فهل إن فتوى اثنين مشهور؟! وبعض من عنده رسالة عملية يسمي رأي سلفه بالمشهور، لا لشيء إلا ليردّ عليه.
وأمّا الإشكال الثاني: المبني على ظهور عنوان أبي جعفر بمجرده في الإمام الباقر، في حين أنّ ابن مهزيار متأخّر عنه. وأمّا انصرافه إلى الإمام الجواد، فيحتاج إلى تقييد بالثاني، فيتعين الإرسال؛ لأنّه -كما يقول في المحاضرات- معارض بإدراك علي بن مهزيار للجواد، وروايته عنه في غير مورد، وعدم إدراكه للإمام الباقر.
وهذا غير تامّ لعدة وجوه:
الأول: إنّنا لم نُحرز عدم إدراك علي بن مهزيار لعنوان أبي جعفر، لوجوه سوف تأتي، منها: إن أبا جعفر هو الجواد، أو إنّ علياً غير هذا، بحيث يُقاس وجوده في زمن الباقر.
الثاني: إنّ هنا فردين من القياس:
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أحدهما: ظهور الرواية في معاصرة الراوي للمروي عنه، وكبراه حجية الظهور.
ثانيهما: عدم معاصرة ابن مهزيار للإمام الباقر، وكبراه حجية النقل التاريخي.
والكبرى الأولى حجّة في نفسها، دون الثانية: فإنّ أكثر ما نُقِل تاريخياً، غير معتَّبر، فيكون من تعارض الحجّة واللاحجة، ويقدّم الظهور اللفظي في المعاصرة، على هذا النقل التاريخي. إلا أن يُقال: إنّ هذا الظن يبلغ درجة اليقين أو الاطمئنان، فيُقدَّم.
الثالث: ظهور الرواية في معاصرة ابن مهزيار لأبن شبرمة، المعاصر للإمام الباقر. فإنّ ادعينا اتحاده، فيتعيّن وجود ابن مهزيار في زمن الإمام الباقر، مع قطع النظر عن كونه كان موجوداً في زمن الإمام الجواد، باعتبار تعدد المصداق، وإن تعدد كان وجهاً آخر، فيكون الراوي أولهما.
فينتج: أنّ الرواية ليست مرسلة لعدم الحاجة إلى افتراض راوٍ محذوف بين ابن مهزيار وأبي جعفر الأول، وعدم الإرسال يساوي- عرفاً- الإسناد، إذ لا ثالث لهما، سواء كان تقابلهما من تقابل الضدّين أو من تقابل النقيضين.
وأمّا الشقّ الثاني لإثبات الإرسال، وهو قول الراوي: (قيل له). فليس بصحيح.
قال في المحاضرات: لأنّ مجرد عدم ذكر السائل لا يكون قرينة على الإرسال، بل لعلّ عدم ذكره له دخل في المقصود.
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أقول: هذا إنّما يتمّ لو كان عدم ذكر السائل لعنوان ثانوي كعدم توريطه اجتماعياً. أمّا إذا كان السبب هو العنوان الأولي، فهو الإرسال، ومع التردد يبقى احتمال الإرسال موجوداً، وتسقط الرواية عن الحجية.
إلا أنّ الإنصاف أنّها ظاهرة في الإسناد من هذه الناحية، فكأنه قال: قيل له وأنا حاضر، ولا أهمية لشخص السائل.
إلا أنّ الذي يهوّن الخطب هو وجود عيب أسبق في الرواية، وهو ضعف صالح بن أبي حماد.
فالنتيجة: أنّ كل الروايات التي سردناها غير مثبتة لبطلان زوجية المرضعة الأولى، ولم يثبت إجماع ولا شهرة، ومقتضى القاعدة استصحاب الزوجية، ما لم نقل بوضع المشتقّ للأعمّ. فهذه هي ثمرة البحث في المشتقّ، فليس بحثه بدون ثمرة، كما يستشكل المتأخرون.
وتكون الثمرة أوضح في المسألة الثالثة، لوجود الفصل الزماني العرفي.
وعلى أيّ حال، يبقى في النفس شيء من القول بالحلية، لوجود شهرة ونحوها بالقول بالحرمة. فيكون من الجرأة القول بالحلية، فيكون مقتضى الاحتياط الوجوبي حرمة الكبيرة.
إلا أنّ مقتضى الاحتياط أيضاً، أن يُؤمَر الزوج بطلاقها، ليصح نكاحها من غيره لترتيب آثار النفقة والتوارث.
*****
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المسألة الثالثة: [في تحريم الزوجة الكبيرة الأخرى، أي المرضعة الثانية عليه]
حرمة المرضعة الثالثة التي أرضعت الصغيرة، بعد أن حرمت. وما يُحتمَل أن يكون دليلاً على الحرمة أمران:
الأمر الأول: أن نزعم أنّ المشهور ذهب إلى الحرمة، والشهرة حجة.
إلا أنّ هذا ليس بصحيح كبرى وصغرى.
أمّا كبرى، فللطعن بحجية الشهرة في نفسها، كما يأتي في محله.
وأمّا صغرى، فلأنّه لم يثبت عندنا أكثر من ذهاب ابن ادريس والعلامة، إلى الحرمة، ومستندهما وضع المشتقّ للأعمّ. باعتبار أنّ الصغيرة لا يزال يصدق عليها أنّها زوجة، فتكون المرضعة فرداً من عنوان: (أمهات نسائكم) فتحرم. فيرجع هذا الوجه إلى الوجه الثاني، ولا يكون وجهاً مستقلّاً.
ولم يثبت أنّ غيرهما من الفقهاء ذهب إلى ذلك. وقد قلنا: إنّ مجرد احترام بعض الفقهاء، لا يجعل فتواهم مشهوراً، بل المشهور في هذه المسألة خلافه.
الأمر الثاني: القول بوضع المشتقّ للأعمّ، والمورد صغرى له. إذ الصغيرة لا يزال يصدق عليها أنّها زوجة. فتكون المرضعة لها فرداً من عنوان (أمهات نسائكم) المحرّم في الآية الكريمة.
لكن هذا الوجه ممنوع كبروياً، وغير محتمل في نفسه، كما سيأتي بيانه. وعليه شهرة الأصوليين والفقهاء، فالوجهان غير تامّين.
أمّا القول بالحلية، فنستدل عليه بعدة وجوه:
ــــــ[219]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الوجه الأول: التمسك بخبر علي بن مهزيار- لو صحّ سنداً-. فهو ينصّ بصراحة: على أن المرضعة الثانية لا تحرم؛ لأنّها أرضعت البنت الرضاعية. لكن الخبر ضعيف السند، كما سبق.
الوجه الثاني: أن نتمسك بقاعدة (الرشد في خلافهم). فإنّ ابن شبرمة يذهب إلى الحرمة، فيكون الرشد في الحلية.
وهذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
أمّا صغرى، فلأنّه لم تثبت فتوى ابن شبرمة إلا بهذا الخبر غير المعتبر.
وأمّا كبرى، فلأنّ مورد تطبيق القاعدة هو وجود الشهرة عندهم، أو أنّه مذهب السلطة. أمّا مجرد وجود قائل به، فلا يكفي لذلك. فإنّ الاختلافات بينهم كثيرة.
الوجه الثالث: التمسك بقوله تعالى: فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (1). وهذه كانت امرأته حلالاً، فتكون صغرى للآية.
إلا أنّه قابل للمناقشة، لأنّنا نفهم من الآية استحداث أصل النكاح، لا استمراره. والكلام هنا في الثاني دون الأول.
الوجه الرابع: استصحاب حلية هذه المرأة، فإنّها كانت زوجة محللة قبل الرضاع، ونشكّ في حرمتها بعده، فنستصحب الحلية. والموضوع ثابت وهو الزوجة نفسها.
لا يُقال: إنّ الموضوع قد تغيّر، فإنّه كان سابقاً: ذات الزوجة، وأصبح الآن بقيد الرضاع.
ــــــ[220]ـــــــ
(1) النساء: 3.
منهج الأصول ج2
فإنّه يُقال: إنّ في هذا غفلة عن المطلب، لأنّ كل استصحاب فيه تغيّر ما، وإلا لم يحصل الشك في اللاحق. إلا أن تكون الخصوصية الحادثة مغيِّرة للموضوع أساساً، فلا يجري الاستصحاب. والمقام ليس منه.
الوجه الخامس: إنّ عنوان الزوجية لو سلّمنا بقاء صدقه على الصغيرة، لأجل القول بوضع المشتقّ للأعمّ، إنّما يكون مؤثّراً إذا لم يكن موضع تزاحم بين العنوان السابق والعنوان الفعلي، وهذا التعارض حاصل في المورد بين زوجية الصغيرة وبنتيتها.
وفي مثله يحكم العرف بالعنوان الفعلي، وهو البنتية، فتكون المرضعة الثانية قد أرضعت بنت الزوج وليس زوجته.
فإن قلتَ: إنّ كل مشتقّ يكون حاله هكذا، فإذا زال الفقر ثبت الغنى وإذا زالت الحركة ثبت السكون. فيحصل هذا في جميع أحوال صدق المشتقّ على الأعمّ، فإذا قبلنا الوضع للأعمّ، إذن لا ينافيه الاتصاف بالضدّ. وهنا يصدق على المرضعة إنّها زوجة مع صدق البنتية، وهذا يكفي للحرمة.
قلنا: نعم عموماً، لكنّنا يمكن أن نفرق، من حيث كون أحد الوصفين ذا أثر شرعي أو لا، فلو نذرتُ أن أتصدق على زيد الفقير، فأصبح غنياً، أمكن التصدق عليه لبقاء عنوان الفقر عليه، بناءً على الوضع للأعمّ. وإنّ عنوان الغنى لم يترتب عليه أثر شرعي، وليس موضوعاً لحكم شرعي من هذه الناحية.
أمّا إذا كان كِلا العنوانين موضوعاً لحكمٍ شرعي، وكل واحد مضادّ للآخر: كالمتوضئ يجوز له الدخول في الصلاة، وغير المتوضئ لا يجوز له الدخول في
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الصلاة، فنأخذ بالعنوان الفعلي، ولا يُحتمَل البناء على العنوان السابق أكيداً. والمقام من هذا القبيل كما هو واضح لمن يتأمل.
وهذان الوجهان، كافيان لإثبات حلية الكبيرة الثانية.
وحينئذٍ أقول هنا: إنّنا إذا قلنا بالحلية في المسألة الثانية، وهي حرمة الكبيرة الأولى، فبالأَولى أن نقول بالحلية في المسألة الثالثة، وهي حرمة الكبيرة الثانية.
أمّا إذا قلنا بالحرمة في المرضعة الأولى، فإنّه لا يلزم منه أن تقول بالحرمة في المرضعة الثانية، لعدّة فروق بين مدارك المسألتين:
1- إنّ الصحيحتين السابقتين المذكورتين كوجه للتحريم في المسالة الثانية، لا تعرّض فيهما للمسألة الثالثة، فهي بالنسبة إليهما كالسالبة بانتفاء الموضوع.
2- إنّ خبر علي بن مهزيار نصّ في الحرمة للمرضعة الأولى، ونصّ في الحلية للمرضعة الثانية.
3- ذهاب المشهور- كما أحدس- إلى الحرمة في المسألة الثانية، مع ذهابه إلى الحليّة في الثالثة.
4- ذهاب المشهور إلى وضع المشتقّ لخصوص المتلبّس لا للأعمّ، وخاصة مع الفصل الزماني.
ولا يبقى مع ذلك حتى وجه للاحتياط الاستحبابي، في عدم الحليّة للمرضعة الثانية.
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الأصول ج2

فصل: في أنحاء التلبّسات

قال في الكفاية: رابعها: أي رابع الأمور التي تقع مقدمة للمشتقّ، أو للرأي المختار فيه.
ولم يذكر الأصوليون هنا عنواناً معيناً، بل يدخلون في المعنون مباشرة. وما يمكن أن يتحصّل من كلامهم هو البحث عن أنحاء التلبّسات، وفيه توسيع لمعنى (التلبّس)، غير ما يبدو منه عندما تعرّض له الأصوليون الأقدمون.
فقد كان يُراد بالتلبّس التلبّس الفعلي. وحيث إنّه يصدق الاستعمال في بعض المشتقات وجداناً بعد زوال الفعلية، توهّموا أنّ المشتقّ موضوع للأعمّ. فمن أجل ذلك عقد هذا البحث لإيضاح: أنّ التلبّس وإن زال بنحو الفعليّة، إلا أنّه موجود بنحو آخر، ففي الإمكان صدقه الحقيقي، بلا حاجة إلى القول بالوضع للأعمّ.
فليس البحث إذن تصوّرياً صرفاً، يُراد به أن يكون مقدمة من مقدمات المشتقّ، كما هو ظاهر الكفاية والمحاضرات وغيرها.
مع أنّ للقدماء أن يناقشوا في هذه التفاصيل، ويصرّوا على ظهور المشتقّ بخصوص المتلبّس الفعليّ، فيكون في كل الموارد الأخرى مجازاً أو صادقاً على الأعمّ.
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ومن هنا يكون المتأخرون مسؤولين عن إعطاء مبررات عرفية وظهورية، تجعل معنى التلبّس والفعلية أمراً آخر غير ما تصوّره القدماء. ومن هنا يتحول البحث إلى بحث تصديقي ذي غرض مهم، وهو رفع أحد المناشئ المحتملة للقول بالأعمّ عند القدماء من الأصوليين.
ثم إنّه يمكن القول كأطروحة: إنّ كل المشتقات فيها تلبّس فعليّ وتلبّس واقعي، فالمجتهد متلبّس فعلاً عند قيامه بعملية الاستنباط، فإذا تركه فقد انقضى عنه التلبّس. أمّا تلبّسه على نحو الملَكة فيبقى.
فقد يُقال: إنّ مثل هذه العناوين الاشتقاقية، الظاهرة بالتلبّس الواقعي، يكون إطلاقها على المتلبّس الخارجي أو الفعلي مجازاً؛ لاستعماله في الجزء.
وجوابه: أولاً: أنّ استعمال اللفظ الأعمّ في الأخصّ ليس مجازاً بل حقيقة، لأنّه استعمال في الحصّة.
ثانياً: أنّنا إن سلّمنا المجازية، فإنّ مجازية المبدأ لا تقتضي مجازية الصدق لو قلنا بالأعمّ، كما في رجل شجاع أصبح جباناً، فنقول عنه: إنّه أسد. فزال عنه التلبّس بالأسدية المجازية. فإذا كان المشتقّ موضوعاً للأعمّ، فإن هذا المعنى الذي هو مجاز، يكون استمرار صدقه حقيقةً، فهو من حيث المشتقّ يكون استعماله حقيقياً، ومن ناحية المادة يكون استعماله مجازياً.
واعتقد أنّه يكفي في تقسيم المشتقّ أن يُقال: إنّه إمّا أن يكون بنحو الفعليّة أو غيرها. فإنّهم قسّموا ما لا يكون فعلياً إلى أقسام، بالرغم من أنّه لا أثر له إلا الإيضاح ومجرد الاطلاع، ولا تختلف نتيجته لا أصولياً ولا فقهياً. مع أنّه ثبت في
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المنطق أنّ القسمة إنّما تصح عند الحاجة إليها، وترتب الأثر عليها.
ولعلّ أحسن من قسّم ذلك هو السيد الأستاذ حيث قال ما مؤداه(1): إنّ هذا المعنى إمّا مستفاد من المادة أو من الهيئة. وعلى أي تقدير فإمّا أن يكون يفيد الفعلية كقائم وقاعد، أو يفيد القابلية والملَكة كالمجتهد والمهندس، وإمّا الصنعة كالبناء والنجار.
إلا أن الأمر الأساسي أكثر من ذلك فإنّنا:
أولاً: يجب أن ننظر كبروياً إلى العرف، لنرى الصدق الحقيقي على الفعليات التي تكلّموا عنها.
ثانياً: أن ننظر صغروياً إلى معاني الألفاظ.
وفي فهمي أن كِلا الأمرين يمكن فيه فقط أن تلحظ الفعليّة، فنقول: مهندس أو نجار. وبدونه يزول المبدأ وهو الفعليّة. ومرّة نريد ما هو أوسع من ذلك، ولا يكون زوال المبدأ إلا بزوال القابليّة والصنعة، وتكون الفعليّة: فعليّة الصنعة.
وهذا معنى عام على كل المشتقات، حتى الضاحك والآكل والضارب والقائم والقاعد؛ لأنّ المراد مرّة فعليّة العمل وأخرى فعليّة القابليّة.
فإن قلتَ: إنّ الفهم العرفي في هذه الأمور هو فعليّة العمل.
قلنا: أولاً: ننكر ذلك.
ثانياً: إنّ مجازية المبدأ لا تقتضي مجازية الصدق لو قلنا بالأعمّ، كما لو قلنا: (زيد أسد)، بعد أن أصبح جباناً. فمن حيث المشتقّ يكون استعمالاً حقيقياً، وإن كان من ناحية المادة، يكون استعمالاً مجازياً.
ــــــ[225]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 377.
منهج الأصول ج2
ولا يُنقَض على هذه الأطروحة ما قد يُقال: من أنّ عدداً من المشتقات ظاهرة بالفعليّة لا الواقعية، كالقائم والقاعد، فإنّ العرف يرى أنّ إطلاق هذه العناونين على كِلا المقامين حقيقي، فالقائم من له قابليّة القيام، فيكون التلبّس المقصود هو التلبّس الذي نسميه بالتلبّس الواقعي، وهو إطلاق عرفي صحيح وليس فيه مجازية.
ويكون زوال المبدأ تبعاً لقصد المتكلّم، فإنّ قصد التلبّس الفعلي، كان زوال المبدأ بزواله. وإن قصد التلبّس الواقعي، كان الزوال بزواله أيضاً.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى أنّ المحقق الأستاذ مَثَّل في المحاضرات(1) إلى أنحاء التلبّسات بالمصادر، لا بالعناوين الاشتقاقية منها، وقد سبق أن عرفنا أنّ المصادر ليست مشتقات بالمعنى الأصولي، ولو مثّل بالمشتقّ كـ(اسم الفاعل) وغيره، لكان أوضح في التطبيق على الفعليّة والقابليّة.
إضافة إلى اختلاف نحو التلبّس، حسب العنوان الاشتقاقي من نفس المادة، فالماشي ظاهر بالفعليّة، والممشى ظاهر بالشأنيّة، وكذلك اسم الفاعل من كنس ظاهر بالفعليّة، ومكنسة ظاهر بالشأنيّة. فنحو التلبّس يتبع الهيئة لا المادة.
إضافة إلى الاختلاف الظاهر بين ذات المادة والمصدر أحياناً، فقد يقبل الأول الشأنيّة والفعليّة معاً، على حين لا يقبل الثاني إلا الفعليّة.
وأعود إلى أصل الأطروحة فأقول: إنّ الأمر فيها صادق حتى على المستويات الأزلية، كالأفعال الإلهية، مما هو مربوط بالخلق من الأسماء الحسنى؛ لأنّها مشتقات فتدخل مصداقاً لهذه الأطروحة.
ــــــ[226]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 249.
منهج الأصول ج2
وهو أن لها نحوين من التلبس، فتارة يُراد بها الفعليّة، وأخرى يُراد بها الشأنيّة، وإن كان اعتيادنا في أغلب الاستعمالات على الشأنيّة. وذلك: كـ(الرازق)، فإنه يكون فعلياً إذا قصد أنّ الله قد رزقني فعلاً. ويكون شأنياً إذا قصدت به القابليّة والشأنيّة، فإنّ الله تعالى هو الرزاق المطلق، فيكون التلبّس واقعياً.
كل ما في الأمر أنّ التلبّسات الواقعية، يمكن زوالها بالنسبة للمخلوقين. أمّا بالنسبة لله سبحانه وتعالى، فلا. إذا قصد المتكلم التلبّس الواقعي. وأمّا إذا قصد التلبّس الفعلي بالفعليّة، فيمكن زواله أيضاً، فإنّه سبحانه قد يرزق وقد لا يرزق، وكل يوم هو في شأن. جل جلاله.
وكذلك القضايا الضرورية الواقعية، كالإنسان (حيوان ناطق) أو (النار محرقة) أو (الضدان لا يجتمعان)، فبالرغم من أنّ هذه المشتقات غير جامعة لشرط المشتقّ الأصولي، لعدم بقاء الذات بزوال الوصف، إلا أنّه مع ذلك يمكن أن يُراد بها تارة الفعليّة والتطبيق، وأخرى الشأنيّة. أو قل: يُراد بها تارة الخارجية وأخرى الواقعية.
ثم إنّنا يجب أن نعرض أطروحتنا هذه على العرف، لنرى مقدار صدقها في زعمين تضمنتهما:
الأول: هل إن لمثل (قائم وقاعد) صدق واقعي غير صدقه الفعلي؟ بحيث يوافق العرف على إطلاق مثل هذه الأوصاف على مجرد شأنيّة القيام والقعود. فإنّ العرف قد ينكر ذلك وينفيه، باعتبار أنّ وضع المادة للفعليّة لا للقابليّة، فيختص بالتلبّس الفعلي.
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثاني: هل إن الصدق في المهندس والعالم -مثلاً – هو في حدود القصد؟ فيكون الفرد مخيّراً بين قصد الصدق الفعلي والصدق الواقعي. أو أنّه يلزم ما هو متعارف وهو الصدق الواقعي، ولا يكون للصدق الفعلي دخل؟ ومعه تنتج أطروحة المشهور والسيد الأستاذ.
هنا، ولكي ندعم أطروحتنا باجتماع الفعليتين، في سائر المشتقات، فإنّنا نعرض أمرين:
الأمر الأول: أن نعتبر أنّ هذه المشتقات موضوعة بوضعين، لا بوضع واحد، أحدهما: تَعييني والآخر تَعيُّني. فالأول: للتلبّس الفعلي:
وذلك: لأنّ الفكر القديم الذي وضع اللغة الأصلية، لم يكن يفهم معنى التلبّس الطويل الأمد، أو ما سميناه بالتلبّس الواقعي، ومن هنا وضع العناوين للأوصاف الفعليّة؛ لأنّه رأى نجاراً يعمل أو حداداً يعمل.
ثم أصبح الاستعمال أوسع، وأصبح ارتباطه باللفظ ارتباطاً واقعياً، وهذا ليس من قبيل النقل، بل من قبيل ضمّ وضعٍ إلى وضع.
وحينئذٍ، تكون مسألة المشتقّ المردّدة بين الوضع لخصوص المتلبّس أو للأعمّ منه ومن المنقضي، محرزة على كِلا الوضعين، بحسب النحو الذي وضعت له من الفعليّة أو الواقعيّة.
الأمر الثاني: أنّنا لو تنزّلنا وقلنا إنّ الوضع واحد، وهو للأعم، من الفعليّة والشأنيّة، فنقول: إنّ استعمال العام في الخاص حقيقي لا مجازي. فيكون كِلا الاستعمالين حقيقيين، ويكون المائز بينهما هو القصد.
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إلا أنّه – مع ذلك – يواجهنا هنا أمران محتملان:
أحدهما: أنّ اسم الفاعل أو الصفة المشبهة موضوعة لخصوص التلّبس الواقعي، بحيث يكون استعمالها في التلبس الفعلي مجازاً، باعتبار أنّ استعمال العام في الخاص مجاز، ولو باعتبار كونه ليس مصداقاً حقيقياً تامّ المصداقية.
ومنها لا بدّ أنّ يكون التبادر غير دالّ على الوضع الحقيقي، وإنّما هو ناشئ من الاعتبار لدى الأجيال المتأخّرة، وليس علّة للوضع.
ثانيهما: أنّ الألفاظ موضوعة لخصوص المتلبّس الفعلي، وأنّ استعماله في التلبّس الواقعي مجاز.
وتقريب ذلك بضمّ فكرتين:
الأولى: ما ذكره من أنّ اللغات موضوعة لما هو حسّي وفعلي دون غيره.
والثانية: إنّ الأجيال المتأخّرة ليس لها حق الوضع والنقل والتغيير – كما يقولون-. فيكون إطلاق التلبّس على الواقعي مجازاً، على الرغم من وجود التبادر، ولكنّه متأخّر ولا حجّية فيه.
وفي الحقيقة، فإنّ النقاش في الكبرى التي مفادها أنّ الأجيال المتأخرة ليس لها حق الوضع.
فإني اعتقد، وكلهم يعتقدون- لا شعورياً على الأقل-: أنّ هذه الأجيال وكل الأجيال من حقها الوضع، فإنّك تجدهم يمثلون بالمنقول والمشترك وغيرهما، وهي عملياً من وضع الأجيال المتأخرة، فإنّ الجميع بشر وعقلاء، فلهم حقّ التصرف في اللغة كالأوائل.
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ومن ذلك: أنّنا نجد المحقّق الأستاذ يمثل لصدق المشتقّ على الأعمّ أو المتلبّس، بالمجتهد. ومقصوده الحائز على ملَكة الاجتهاد. مع أنّه في اللغة من يبذل جهداً في أي شيء كان، وليس معناه في اللغة هو هذا المعنى الاصطلاحي الخاصّ.
وإنّما معناه الخاصّ هو من وضع الأجيال المتأخرة. وكذا لفظ (المقلّد) وإن لم يذكره في المحاضرات، لكنه موجود في ذهنه جزماً.
وفي هذا أمران:
الأول: أنّ هذه اللفظة الاصطلاحية ليست من الوضع اللغوي العامّ، بل من الوضع الخاصّ، كأسماء الأعلام والمخترعات، فلا تصلح أن تكون مثالاً وصغرى للمسألة.
الثاني: ما ذكرناه من أنّ المجتهد- بالمعنى الاصطلاحي- من وضع الأجيال المتأخّرة. فإذا أقرّه الأستاذ المحقّق أو غيره، فقد أقرَّ الوضع أو حقّ الوضع للأجيال المتأخّرة، بالرغم من أنّهم نفوه.
وأمّا نحو المتفلسف والفيلسوف، فإنّه غير عربي، ولا اعتقد شمول كلامهم له. نعم، القاعدة تشمل غير العربية، إلا أنّ ما كان منقولاً لغوياً لا تشمله القاعدة، ولو احتمالاً.
وبحسب النتيجة: أنّ الجزء الأول من الأطروحة التي طرحناها، وإن كان فاشلاً، أي الذي ادّعى المشهور فعليّته في مورد القابليّة، كقابليّة الماشي للمشي، فقد رفضناه.
إلا أنّ الجزء الآخر صحيح بالنسبة للتلبّس الواقعي الطويل الأمد. فنحن نقرّ
ــــــ[230]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أنّ للمجتهد –مثلاً- تلبّسين فعلي وملكي، ولكن هل هو بوضع واحد أو بوضعين؟ ولعلّ الأرجح هو الثاني. بعد ضمّ مقدمتين:
إحداهما: أنّ التلبّس الخارجي ليس مصداقاً من التلبّس الواقعي.
ثانيهما: أنّ استعمال المشتقّ في التلبّس الخارجي حقيقة وجداناً. إذن، لا يكون ذلك إلا بوضعٍ ثانٍ.
وبأيهما بدأ الواضع كان تعيينياً، وكان الثاني تعيّنياً. ولا بأس بأن يكونا معاً تعينيين، إذا نفينا الواضع البشري أو المشهوري، فإنّ هذا غير مضرّ في المشتقّ، لأن المهم هو الإقتران النفسي الكامل، ولا يهمّ بعد ذلك سببه من أيّ من القسمين؛ لأنّ كل الأوضاع اللغوية هكذا.
فإن قيل: إنّ كل وضع يستتبع ظهوراً في اللفظ، وحيث اجتمع الوضعان، كان اللفظ مجملاً، ومعه لا سبيل إلى جعله صغرى للخلاف في المشتقّ.
وجوابه: أنّ الكلام تارةً ثبوتي في قصد المتكلم، وأخرى إثباتي في فهم السامع. أمّا قصد المتكلم فواضح؛ لأنّه يميز في قصد أيّ من الوضعين شاء باستقلاله. وأيٍّ منهما قصد كان في نفسه مصداقاً للخلاف في الأعمّ. ومن هنا قلنا: إنّ ذلك يختلف باختلاف القصد.
وأمّا إثباتاً وهو فهم السامع، فلا شكّ أنّه محتاج في تعيينه إلى قرينة حاليّة أو مقاليّة، وهي قرينة لأحد المعنيين الوضعيين، وليست هي قرينة المجاز.
فإن قيل: إنّ القرينة ما دامت موجودة، كانت كافية وهي التي تدلّ على أنّ المشتقّ اُستعمِل في المتلبّس أو الأعمّ.
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: كلا، فإنّها تدلّ على أنّ المشتقّ اُستعمِل في التلبّس الخارجي أو الواقعي، لا على كونه في خصوص المتلبّس أو الأعمّ، لوضوح أنّ كِلا التلبسين الخارجي والواقعي، يمكن فيه كِلا النحوين من الاستعمال، فيبقى إمكان الخلاف مع وجود تلك القرينة موجوداً.
ومنه يظهر: أنّ ما زعمه القدماء كدليل على الوضع للأعمّ، من صدق المشتقّ بعد زوال الصفة، إنّما هو خلط بين أمرين:
أحدهما: أنّ الاستعمال قصد به التلبّس الفعلي.
ثانيهما: أنّ الأعمّ قصد به التلبّس الواقعي الطويل الأمد.
ولا يمكن الجمع بين القصدين. فإن الصدق بعد زوال التلبس الفعلي، وإن كان موجوداً، إلا أنّه ليس بنفس الوضع وبنفس المعنى، بل بمعنى آخر هو التلبّس الواقعي. والذي له بدوره وصفه بالأعمّية بعد زواله، ومن هنا لا يكون هذا دليلاً على الوضع للأعمّ.
ومما ينبغي البحث عنه في هذا المجال: السؤال عن الضابط بين النحوين من التلبّس. لأنّه قد يُقال: إنّ التلبّس الفعلي قد يكون طويلاً بطول التلبّس الواقعي. أو إنّ الواقعي قد يكون قصيراً كالفعلي. فلا يكون جعل المناط في ذلك هو الزمان صحيحاً.
وحسب فهمي أنّ ما يُسمّى في الأصول بالفعليّة كافٍ جداً لإعطاء الضابط، لأنّ شيئاً ما يكون بمنزلة الكبرى، وشيئاً ما يكون بمنزلة الصغرى، فكبراه هو التلبّس الواقعي. وصغراه هو التلبّس الفعلي. كالاجتهاد ملَكة مع ممارسته في مسألة معينة، وبه يتضح الفرق عموماً.
ــــــ[232]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهذا يترتب عليه عدة أمور:
الأول: ما أشرنا إليه من أنّ ذكر الأقسام للتلبّس الواقعي ليس مهماً، كالملَكة والحرفة والشأنية، فإنها تكون باعتبار علل التلبّس ومناشئه. والمهم في باب المشتقّ هو المعلول، أي نفس التلبّس الخارجي، فأصبحت القسمة مما لا أثر لها.
الثاني: أنّه قد يُقال: إنّ بعض المشتقات ليس فيها جانب فعلي أصلاً. باعتبار كونها متمحّضة للتلبّس الواقعي، وليس فيها تلبّس فعلي، مثل (عالم حكيم متفقه أصولي). وبعضها بالعكس. يعني أنّ بعض المشتقات ليس فيها جانب واقعي أصلاً.
وجوابه على مستويين:
الأول: أنّنا ننكر ما شعر به المستدلّ من أنّ التلبّس واقعي فقط، بل إنّ هذه العناوين لها تلبسات فعلية، فحصول الصورة في الذهن هي فعلية (العالِم)، أمّا جهة اللاشعور فهي الجانب الواقعي. وكذا (الحكيم) فإنّ له جانبه الفعلي إذا تكلم بالحكمة، ونفس هذا تقريباً يُقال في جانب العكس.
الثاني: أنّنا لو تنزّلنا عن ذلك؛ فإنّه لا يضرّ بما قلناه من تعدد الوضع، لأنّ أيّ مشتق إذا كان له جانبان: واقعي وفعلي، فقد وضِع بوضعين، وإذا تنزّلنا وقبلنا أنّ له جانباً واحداً، فله وضع واحد، ولاشكّ أنّ كثيراً من المشتقات لها كِلا الجانبين.
*****
ــــــ[233]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ثم إنّه ذكر المحقق الأستاذ أمرين(1):
أحدهما: أنّ الموضوع للتلبس الفعلي أو الواقعي إنّما هو الهيئة فقط دون المادة. وأمّا المادة فموضوعة لأصل المعنى، أو المعنى المصدري.
أقول: هذا أمر محتمل في نفسه، فإنّ فرق المشتقات عن بعضها البعض إنّما هو بالهيئة.
إلا أنّه يوجد احتمال آخر، وهو وضع المشتقّ بما هو مركب من مادة وهيئة. وهذا لا ينافي وضع المادة ووضع الهيئة في المرتبة السابقة، لأنّنا لو لاحظنا معنى المادة، أو معنى الهيئة، لم نجد معنى التلبس الفعلي ولا الواقعي، وإنّما يحصل ذلك بعد التركيب بينهما، وهذا معنى وجود استفادة جديدة غير مفادة مما سبق، وليس هذا مجرد تركيب.
وإذا اعترفنا بكونها استفادة حقيقية، إذن، فهي موضوعة. وهذا أيضاً موافق مع العرف والوجدان. حيث تستعمل (عالم) أو (مهندس) بغضّ النظر عن هيئته ومادته، ولا تخطر على البال.
ثانيهما: أنّه يظهر من مطاوي عبارة المحاضرات: أنّ المشتقّ موضوع للجامع بين التلبسين الفعلي والواقعي، بحيث يكون كلٌ منهما مصداقاً له، كانطباق الكلي على أفراده أو حصصه.
ويكون المقسم الموضوع له هو مطلق التلبس أو ماهيته، وبهذا نفسّر الصدق الحقيقي على كِلا التلبسين.
ــــــ[234]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 250-251.
منهج الأصول ج2
في حين أنّنا قلنا: إنّ هذا الصدق إنّما نفهمه من وضعين مستقلين، فقد يُقال: إنّ الوضع للجامع كافٍ في فهم الحقيقة، من دون الحاجة إلى وضعين.
وجوابه متكوّن من أمرين:
الأمر الأول: أنّه ماذا يُراد بقوله: إنّ المشتقّ موضوع لمطلق التلبس؟ هل هو مفهوم التلبس أو واقعه؟ أمّا مفهوم التلبس فهو غير موضوع له قطعاً، وإلا لفهمناه عند الاستعمال. وبالتأكيد أنّ هذا غير حاصل من اللفظ، وهو خلاف الوجدان، ولو تمّ لكان جامعاً بين أكثر من هذين الفردين؛ لأنّه يشمل التلبس الذي تزول بزواله الذات.
ولو تنزّلنا فالحصتان أو الفردان متباينان، ولا جامع بين المتباينين.
وأمّا واقع التلبس، فهو معنى حرفي خارجي أو واقعي، يحتاج إلى طرف، هو المتلبّس به، بحيث تتعلق به تعلقاً ذاتياً، وإذا زال زالت النسبة.
فإذا كان موضوعاً لواقع التلبس، فننقل الكلام إلى المتلبّس به، هل هو معنى الفعلية أم معنى الواقعية؟ ولا يصلح أن يكون كلياً موضوعاً له اللفظ. فإنّ الماهية الجامعة ليست جامعاً بين التلبسين؛ لأنّها بدون طرف، ولأنّهما متباينان، فلا تصلح تلك الماهية أن تكون كلياً موضوعاً له اللفظ، فيتعين القول بالوضعين المستقلين.
فالماهية الجامعة بين الحصتين الفعلية والواقعية، ليست جامعا مفهومياً بين المتلبّسين، بل مباينة معهما؛ لأنّها بدون طرف ولا تصلح أن تكون كلياً موضوعاً له اللفظ.
الأمر الثاني: أنهما كما أنهما متباينان عقلاً، فإنّهما متباينان عرفاً.
ــــــ[235]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإنّ طرف التلبس هو المادة لا محالة، وهما معنيان لا جامع بينهما، أو لم يُلحظ الجامع بينهما، وهي فعلية (الهندسة) وملَكة (الهندسة) في (المهندس). ولا يمكن استعمال المشتق بشكل يفهم منه العرف الجامع بين العلم والعمل، أو التلبس الفعلي والواقعي، إلا بعنوان اقتران أحدهما بالآخر غالباً، وهو معنى خارجي وليس وضعياً جزماً.
إذن، فالجامع على تقدير وجوده، غير ملحوظ عرفاً جزماً. وفكرة التلبس بمجردها غير ملحوظة أيضاً جزماً، إذن، فالتلبسان فردان متباينان، فلا بدّ من وضعين، ولا يكفي الوضع الواحد.
فإن قلتَ: فإنّ وجود الوضعين ينتجان الاشتراك اللفظي، ونحن وجداناً لا نحس به في المشتقّ.
قلنا: إنّنا لا نحس به لتقارب المعنى عرفاً، وإن قلنا بتباينها. وليس هذا من قبيل معاني (عين) المتباعدة.
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الأصول ج2

كلام الشيخ النائيني في خروج أسماء الآلة وأسماء المفعول عن محلّ النزاع(1)

فما ذكرنا من شكلي التلبس يظهر الجواب على ما نُسب إلى الشيخ النائيني ، تبعاً لصاحب الفصول من خروج أسماء الآلة وأسماء المفعولين عن محلّ النزاع؛ لأنّ أسماء الآلة وضعت للدلالة على القابلية والاستعداد، وهذا موجود إن لم يتلبس بالمبدأ فعل. وأسماء المفعولين دائمة الصدق ما دامت الذات، ولا تكون قابلة للانتفاء مع بقائها، فتخرج عن شرط المشتقّ.
جوابه: في أسماء الآلة: التفريق بين المتلبّسين الفعلي والواقعي، ولا ملازمة بينهما.
والتلبس الواقعي قد يسبق التلبس الفعلي، كملَكة (الهندسة) قبل العمل، أو قابلية الكنس في (المكنسة)، قبل فعلية الكنس. ولا شك أنّ كليهما يصدقان على اسم الآلة، وزوال كل واحد يكون مستقلاً عن زوال الآخر. غاية الأمر أنّ زوال القابلية يلازم زوال الفعلية، دون العكس. وهذا معنى لا دخل له في وضع المشتقّ.
ــــــ[237]ـــــــ
( ) تقدم الكلام عن هذا الموضوع في الأبحاث السابقة وذكره السيد الشهيد هنا بصياغة أخرى.
منهج الأصول ج2
وأجاب المحقق الأستاذ: أنّ أسماء الآلة موضوعة للشأنية والقابلية وغير موضوعة للفعلية، فالمكنسة ما شأنه الكنس لا الكنس الفعلي، وهذا قابل لزوال الصفة وبقاء الذات، كالمشط إذا انكسر بعض أسنانه.
وهذا فيه اشكالان:
الأول: أنّه أجاب عن الأثر الثاني، وهو بقاء الذات مع زوال الوصف، فكأنّه تهرب من الجواب على الأثر الأول، وهو ما قبل التلبس.
الثاني: أنه قال: إنّ أسماء الآلة وضعِت لمن له شأنية الآلية، وأنا أقول: إنّ ذلك لا يكفي، فإنه يمكن أن نكنس بالثوب أو بالفرشة، فشأنية الكنس ليست مربوطة بالمكنسة. فينبغي تبديل المطلب إلى ما قلناه من التلبس الواقعي للكنس وهو خاص بالآلة المعدة للكنس، دون غيرها.
وأمّا اسم المفعول، فقد قال عنه الشيخ النائيني: إنّه يبقى صادقاً ما دامت الذات، فيصدق على زيد أنّه مضروب دائماً، فيخرج اسم المفعول عن محلّ النزاع؛ لانعدام شرطه.
وأجاب عنه المحقق الأستاذ بجوابين، أحدهما نقضي، والآخر حلي.
أمّا الأول: فللنقض باسم الفاعل. فإنّه كما أنّ أسماء المفعول تبقى صادقة مادامت الذات، كذلك أسماء الفاعل. غاية الأمر: أنّ قيام هذا صدوري وقيام ذاك وقوعي. فإنّ (ضارب) يبقى صادقاً طيلة حياة زيد، فما يُقال في أسماء الفاعل يُقال في أسماء المفعول، والشيخ النائيني يرى جريان النزاع في اسم الفاعل.
فلو اقتصرنا على هذا المقدار من البيان، إذن، يكون كلاهما خارجاً عن محلّ
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الأصول ج2
النزاع، ويشملهما إشكال النائيني.
غير أنّنا أشرنا إلى أنّ هذه الجهة هي التلبس الواقعي، فإذا لوحِظ ذلك كان خارجاً عن محلّ النزاع، على إشكال سوف يأتي. وأمّا إذا لوحِظ التلبس الفعلي أو الخارجي، كما هو المقصود غالباً، كان داخلاً في محلّ النزاع، أعني كلّاً من أسماء الفاعل والمفعول معاً. كما هو واضح.
ويمكن هنا أن نلتفت إلى دعوى أو أطروحة يمكن عرضها، وحاصلها: أنّ صدق الضارب والمضروب بعد الضرب، صدق مجازي لا حقيقي، ليتم كلام النائيني. وأدّعي المجازية بغض النظر عن التلبس الواقعي، وذلك لصحة السلب، فلا يصدق عليه لغةً أنّه ضارب بعد انتهائه، وعليه، فيبطل إشكال الشيخ النائيني.
وأمّا الثاني: وهو الجواب الحلي، فحاصله: أنّ أسماء الفاعلين والمفعولين وضعِت للمفاهيم الكلية؛ لأنّ الألفاظ وضعِت بإزاء المعاني التي هي قابلة للانطباق على ما في الخارج تارةً، وعلى ما في الذهن أخرى، لا بإزاء الوجودات الخارجية؛ لأنّها غير قابلة لأنّ تحضر في الذهن. ومن هنا قد يكون الموضوع له مطابقٌ في الخارج، وقد لا يكون له مطابق. فالمضروب – مثلاً – قد يكون موجوداً وقد يكون معدوماً.
والمناقشة فيه، كبروياً وصغروياً:
أمّا الكبرى: فمحلّها ليس هنا، ولكن نقول باختصار: إنّ الألفاظ موضوعة للأمور الخارجية لا للمعاني الذهنية. وأمّا الذهن، فهو طريق العبور إلى المعنى، بل هو المعنى بشرط أن يكون دالّاً على الخارج، الذي هو المعنى المقصود.
ــــــ[239]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وأما الصغرى: فهي أنّ الموضوع له، كالمضروب، تارةً يكون موجوداً، وأخرى لا يكون موجوداً، فيمكن الإشكال عليه بإشكالين:
الأول: أنّ ما قاله الشيخ النائيني، بالنسبة إلى أسماء المفعول من الإشكال، يمكن أن ينطبق على الذهن، كما يمكن أن ينطبق على الخارج.
أعني لو كانت الصورة الذهنية غير مطابقة للخارج، فيمكن أن يأتي إشكال الشيخ النائيني. خصوصاً عند القائلين بأنّ المعاني في الذهن، على نحو الوجود الذهني، لا الصورة الشبحية، وهو مختار محققي الفلاسفة.
وأوضح مثال له: صدق الحمل، من قبيل شريك الباري مستحيل. فإنّها تصدق صدقاً ذهنياً، ولو كانت على نحو الصورة الشبحية، كانت كاذبة؛ لاستحالة وجوده في الخارج، فتكون سالبة بانتفاء الموضوع. مع أنّ العقل يذعن بصدقها.
فالصورة الذهنية هي ذات المعنى، غاية الأمر أنّ العالم الموجود فيه يختلف، فإنّ النار الذهنية ليست محرقة؛ لأنّ عالم الذهن غير مناسب مع الإحراق، بينما عالم الخارج يناسب ذلك.
وبذلك: يندفع الإشكال: بأنّ الوجود الذهني يجب أن يدفع شروط الماهية. وإنّما هي تجتمع في عالم الخارج، دون عالم الذهن.
فـ(اسم المفعول) حين يخطر في الذهن، نحو: (زيد مضروب). وكان
كاذباً. فبناء على الوجود الذهني هناك زيد مضروب في الذهن، لوجود الذات والصفة في الذهن، فما دامت الذات الذهنية دامت الصفة الذهنية، يعني المفعولية والفاعلية، فإذا زالت الصفة زالت الذات، كما في الخارجية تماماً.
ــــــ[240]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثاني: قوله: «إنّ الصورة الذهنية، قد تطابق الواقع وقد لا تكون مطابقة». فالمضروب قد يكون موجوداً وقد لا يكون. فهذا النفي للمضروب هل هو سالبة بانتفاء الموضوع، أم سالبة بانتفاء المحمول؟ فإن كان الأول، فلا كلامَ لنا فيه. وإن كان بلحاظ نفي المحمول، وردَ إشكال النائيني.
والصحيح: أن نتأمل أنّ هذا الصدق المدّعى للشيخ النائيني، هل هو حقيقي أم مجازي؟ فإن ثبتت مجازيته أو احتمل فيه ذلك، لم يدخل في باب المشتقّ. فإنّه مجاز بصفته الاستقلالية عن باب المشتقّ.
وما هو الحقيقي أنّه مضروب في الزمان والمكان المعينين، دون مطلق الزمان، وأوضح ما يدل عليه صحة السلب حين نقول: هو مضروب الآن.
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الأصول ج2

في تحقيق معنى الحال

قال في الكفاية(1): خامسها: أي خامس الأمور التي يقدّمها مقدمة لبحث المشتقّ: هو في تحقيق معنى الحال.
وذلك عندما يقولون: إنّ حمل المشتقّ وجريه في الحال يكون حقيقة، وفي الاستقبال يكون مجازاً. وهل هو زمان التلبس والاتصاف، أو هو زمان النطق والكلام؟ الذي هو الحال بالمعنى المطلق.
وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ هذه المسألة يمكن أن تُعرَض أصولياً على نحوين:
النحو الأول: أخذ الزمان في المدلول التصديقي للمشتقّ
يعني عند إلحاقه بجملة تامة.
النحو الثاني: أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق، يعني ملحوظاً في نفسه كمعنى إفرادي.
ففي قولنا: (زيد عالم غداً)، كِلا النحوين محتمل. فإنّنا ننظر إلى الزمان (غداً) هل يعود إلى المدلول التصديقي للجملة، أو المدلول التصوري لـ(عالِم)؟ وأيّ هاتين المسألتين هو المبحوث عنها في المقام؟ حيث يُوجَد خلط في كلمات الأصوليين في المقام.
ــــــ[242]ـــــــ
(1) الكفاية: 1: 66.
منهج الأصول ج2
وهذان غير مسألتين أخريين:
إحداهما: أخذ الزمان في مدلول الأفعال. ويُلاحَظ هنا أنّنا إذا أثبتنا دلالة الأفعال على الزمان، كما فعلنا فعلاً، ففي الإمكان إثباته للمشتقات. بخلاف ما إذا نفيناه، فإنّه يكون في المشتقات أولى بالنفي. أمّا ما فعله الآخوند والمحقق الأستاذ، من نفي الزمان في الأفعال، وإثباته في المشتقات، أو على الأقل ليس ضده كثيراً، بنفس الحماس الموجود لديهم في جانب الأفعال، فهو غريب غايته.
ثانيهما: تركب المشتقّ. وهو موضوع يأتي في نهاية باب المشتّق. وليس المراد تركيبه من الزمان، بل من المادة والذات الفاعلة المعلومة بالإجمال، وقد قرّبنا ذلك فيما سبق باختصار.
وإذا أثبتنا كِلتا الناحيتين للمشتق، أمكن تركيبه زماناً وذاتاً، فيكون في المشتقّ تركيبان: أحدهما بلحاظ الزمان والآخر بلحاظ الذات. وهذا غير تركبه من المادة والهيئة، ولا ملازمة بينها جميعا، فقد نقول: ببعضها، أو قد نقول بكلّها حسب البرهان. كما لا ملازمة بين إثبات قيد الزمان لأحد المدلولين: التصديقي والتصوري. فيمكن إثباته لأحدهما، ونفيه عن الآخر.
وعلى أية حال، فالغرض الأساسي هنا، في هذه المقدمة هو إثبات أو نفي أخذ الزمان في المدلول التصديقي للمشتقات لا المدلول التصوري، وإن كان الظاهر أنّهم يتعرضون بعد ذلك للمدلول التصوري، ولعلّنا نتابعهم في ذلك.
وقد قالوا: إنّ المراد بالحال أحد أمور ثلاثة: حال النطق، وحال الجري وهو الحمل، وحال التلبس أو الاتصاف.
ــــــ[243]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وبهذا يتّضح أنّ هذا الباب عُقِد لدفع إشكال محتمل الورود، كما في الباب السابق، وحاصله هنا: أنّنا نسلّم أولاً: أنّ المراد بالحال عامّة حال النطق والتكلّم، فيكون قولنا: (زيد ضارب غداً) مجازاً. حتى لو قصدنا وقوع الضرب في غد، ويكون قولنا: (زيد ضارب بالأمس)، والجري هو اليوم، يكون داخلاً في محلّ النزاع.
وأكرر أنّه لا ينبغي لنا الخلط -كما حصل في المحاضرات وغيرها- بين المدلولين التصوري والتصديقي للمشتق، من حيث إنّ (زيد عالم) قد يُفهَم منها الحال، بالاعتبارين، ومن هنا حصل الخلط بينهما.
إلا أنّ الاعتبار التصوري أردأ وأدنى من الاعتبار التصديقي بأمرين:
أحدهما: أنّ المدلول التصوري لعالم – مثلاً – إجمالي، ولا يتكفل في دلالته المطابقية أكثر من مدلول المادة والهيئة. واستفادة أيّ شيء آخر، إنّما هو من الدلالة السياقية للفظ. أمّا المدلول التصديقي، فإنّه كما يكون مدلولاً للطرفين، يكون مدلولاً للنسبة أيضاً، أعني وقوعه بأحد الأزمنة الثلاثة.
ثانيهما: أنّ المدلول التصوري حالي دائماً، ولا يُحتمَل فيه الماضوية والاستقبال، بخلاف المدلول التصديقي.
مضافاً إلى أمرين آخرين نذكرهما بنفس الترقيم:
ثالثهما: أنّ القرائن المتّصلة، والقيود الموجودة في الجملة، مثل: (زيد عالم) الآن أو أمس أو غداً، ظاهرة عرفاً في الرجوع إلى المدلول التصديقي جزماً، دون التصوري.
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الأصول ج2
رابعها: أنّه لو حصل تهافت بين زماني المدلولين التصوري والتصديقي، بأن كان زمان أحدهما الحال والآخر: الماضي أو الاستقبال. فإنّ العرف يقدم ما هو الأظهر، وهو زمان المدلول التصديقي.
وحينما يكون من المحتمل أخذ الزمان في مدلول المشتقّ، فهذا فيه أربعة احتمالات تكاد تكون محصورة:
1- أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق.
2- أخذ الزمان في النسبة، بغض النظر عن كون طرفها مشتقاً أو غيره.
3- أن يكون الملحوظ أخذ الزمان في علاقة النسبة بالمشتقّ، فإذا كان طرفها مشتقاً دلت على الزمان وضعاً.
4- أن يكون المشتقّ دالّاً على الزمان، من حيث علاقته بالنسبة، عكس السابق.
أمّا أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق وحده، بدون لحاظ النسبة. فإن أثبتناه فإنّه يُغني عن أخذ الزمان في المدلولات التصديقية الآتية، لكن هذا المعنى غير محتمل في نفسه، وإن أمكن القول به في الأفعال.
وأوضح المحتملات الثلاثة الأخرى، هي كما يلي:
1- أخذ الزمان في النسبة، بغضّ النظر عن طرفها، يعني سواء كان مشتقاً أم لم يكن. ولم أجد من يتعرض له. نحو: (النار في الموقد). فكأنه أخذ فيه (الآن) ضمناً، أو أخذ فيها مطلق الأزمنة الثلاثة، ويعين أحدها بالقرينة. وعندئذٍ لا تكون المسألة مربوطة بالمشتقّ بل بكل الجمل الخبرية.
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وأما الاحتمالان الآخران: فهما: كون النسبة لم يلحظ فيها الزمان لوحدها، ولا في المشتقّ لوحده، بل تلحقهما الدلالة على الزمان، عند أضافتهما لبعضهما، وعندما ينسب أحدهما إلى الآخر، فيدخل الزمان في ضمن المدلول التصديقي.
ثم إنّهم قسّموا الحال إلى ثلاثة أقسام فقالوا: زمان النطق، وهو الذي اسميه بالحال المطلق. وزمان الحكم، أي زمان الإذعان والنسبة. والثالث هو زمان التلبس، وهو زمان الاتصاف.
لكن هذا التقسيم ينبغي ملاحظته باعتبار آخر، وهو ثبوته في أحد الأزمنة الثلاثة، فإذا ضربنا الأحوال الثلاثة، وهي: حال النطق وحال الجري وحال التلبس، بالأزمنة الثلاثة، كان الحاصل تسعة. فإذا لاحظنا أنّ كل حال من الثلاثة متصف بالأزمنة الثلاثة، فسوف ينتج الضرب 3×3×3=27.
وكلها ممكنة إمّا حقيقةً أو مجازاً. والخلاف إنّما هو حول ذلك، فإنّ القدر المتيقن من الصدق الحقيقي، هو ما إذا كان الكل حالياً. نحو: (زيد عالم الآن). وأمّا إذا اختلف الاستعمال عن ذلك، فإن كان الاختلاف في ما هو شرط الحقيقة، كان الاستعمال مجازاً. وإن كان بما هو غير ذلك، كان أيضاً حقيقة، لكونه واجداً للشرط.
ولا إشكال عند عدم القرائن العرفية والسياقية: أنّ مقتضى الظهور العرفي الإطلاقي والسياقي هو كون الأمور الثلاثة حالية، أمّا النطق فبالتكوين. وأمّا التلبس فبالإطلاق، لأنّه لو كان التلبس في زمن آخر لقيّده ولم يقيّده، فيتعيّن في الحاضر المطلق.
ــــــ[246]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وأمّا الحكم فقد ذكر السيد الأستاذ(1): أنّه ناشئ من قرينة الهوهوية بين المحمول والموضوع. أي زيد وعالم في قولنا: (زيد عالم). ولم يبيّن وجهه!
ولعلّه من أجل أنّ الحكم إذا كان مقيَّدا بغير الحال، لم تكن الهوهوية ثابتة، بل تثبت الغيرية بين الموضوع والمحمول. كما لو كان زيد في الماضي وعالم في الحاضر.
إلا أنّ جوابه: أنّ هذا إنّما يثبت؛ لاختلاف زمان الحكم عن زمان التلبس، فيكون عالماً في زمان، ومحكوماً عليه بالعلم في زمن آخر، فيكون هناك تباين بين الذات والصفة ولا هوهوية.
وأمّا إذا كان زمن الحكم والتلبس واحداً، يعني كان الحكم صادقاً، فلا يختلف فيه الحاضر عن غيره؛ لأنّ نظر الحاكم في حكمه إلى زمن التلبس، وهو زمن صادق. ومعه لا يتعين أن يكون هو الحاضر من أجل إثبات الهوهوية، فإن الهوهوية أعمّ من ذلك، من حيث إنّها تثبت مع صدق الحكم في أيٍّ من الأزمنة الثلاثة.
وإنّما المثبت لحالية الحكم، هو ظهور حال المتكلم بالتزامن والمعاصرة بين النطق والحكم، وهو تبادر عرفي واضح في كل القضايا والحمول والجمل، في أنّ الأحكام ما لم تقيَّد، فإنّها تنصرف إلى الحاضر.
فالهوهوية إن كانت، فبين النطق والحكم، لا بين الموضوع والحكم أو الصفة. على أنّه لا هوهوية بين النطق والحكم، بل هما متباينان مفهوماً ومصداقا. لأنّ الحكم هو مضمون النطق ولا يُحتمَل أن يكون ذاته، وإنّما المحتمل هو الهوهوية بين الموضوع والحكم. وقلنا بأنّها لا تثبت فيها الحالية كما سبق.
ــــــ[247]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفضي: 1: 371.
منهج الأصول ج2
فالهوهوية الصحيحة، وهي الحاصلة بين الموضوع والحكم، غير دالة على الحالية، وما تثبت به الحالية من الهوهوية وهي الهوهوية
بين النطق والحكم، ليست هوهوية، بل هي منتفية. فصار الحال كما قيل: إنّ ما وقع لم يُقصَد وما قُصِد لم يقع.
هذا إذا كانت الجمل خالية من القيد. أمّا إذا كانت مقيَّدة، نحو: زيد عالم غدا أو أمس. فلا يُحتمَل رجوع القيد إلى النطق؛ لأنّ حاليته أمر تكويني لا يمكن إقامة قرينة على خلافه.
فبقي احتمالان: هما رجوعه إلى النسبة أو الحكم، ورجوعه إلى التلبس أو الاتصاف. والظاهر الثاني؛ لأنّه مدلول النسبة.
لكن قد يُقال برجوعه إلى الحكم، باعتباره مضمون النسبة، ففي المثال: يحكم المتكلم (أنّ زيداً عالم غداً).
لكن الذي يرجح رجوعه إلى التلبس أمران:
1- أنّ القيد يرجع إلى الأسبق رتبة منهما. وصحيح أنهما معاً مدلولان للنسبة، إلا أنّ الاتصاف والتلبس أسبق رتبة من الحكم به، فيرجع القيد إليه.
2- أنّ هذه القيود لغوية، والمفروض رجوعها إلى ما هو لغوي منهما، وهو التلبس والاتصاف الذي هو مدلول النسبة حقيقةً. أمّا الحكم فهو مدلول سياقي عقلي.
وعليه، فيكون الحكم حالياً بالإطلاق، والتلبس استقبالياً بالقرينة. فيكون من القسم الذي اجمعوا على مجازيته؛ لسبق الحكم على التلبس.
ــــــ[248]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أمّا لو كان القيد قيداً للحكم، فيكون استقبالياً، بينما يكون التلبس حالياً. وجامعهما عدم التقدم للحكم، أي إنّ الحكم يجب أن يكون مع التلبس، أو متأخّراً عنه لا متقدّماً عليه. وأمّا لو قلنا بأنّ المشتقّ موضوع لخصوص المتلبّس، فليس ذلك إلا المعنى الموضوع، بغض النظر عن القيود المأخوذة فيه.
ثم يدخل السيد الأستاذ(1) هنا، في ذكر ما هو الموضوع له المشتقّ حين يُقال: إنّه موضوع للمتلبس في الحال.
وهذا منه، كمشهور الأصوليين، باعتبار الخلط بين المدلولين التصوري والتصديقي للمشتق، حيث أخذوا القيد بخصوص المدلول التصوري للمشتق.
فقد ذكروا احتمالات ما هو الموضوع له المشتقّ، نذكر احتمالات ثلاثة:
الأول: أن يكون موضوعاً للمتلبس بدون قيد الزمان.
الثاني: أن يكون موضوعاً للمتلبس مقارناً للنطق لا للزمان، بل يلحظ النطق كوجود تكويني زماني.
الثالث: أن يكون المشتقّ موضوعاً للذات المتلبّسة، بحيث يكون تلبسها مقارناً مع الجري والحكم، يعني حتى لو كان الحكم في زمن آخر، غير زمان النطق.
أقول: وهي قسمة حاصرة، لأنّ التلبس إمّا غير مقرون بشيء، وهو الأول. وإمّا مقرون بأحد الأمرين، إمّا النطق وإمّا الحكم.
وفي الحقيقة لو فتحنا اتجاهين من التفكير، لأمكن عرض احتمالات عديدة أخرى. لأن ما سبق إنّما هو بحسب النظر إلى النطق والحكم مستقلَّين، وأمّا إذا ركّبنا
ــــــ[249]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفضي: 1: 370.
منهج الأصول ج2
بينهما فتكون الاحتمالات أكثر.
فمنها: أن يكون المشتقّ موضوعاً للذات المتلبّسة مع كِلا القيدين: النطق والحكم. وهو يعني اشتراط الحال في الجميع، لأنّ النطق لا يكون إلا حالياً. فما فرضناه فيما سبق ظهوراً إطلاقياً ندّعي هنا كونه ظهوراً وضعياً.
ومنها: أن نلاحظ المدلول التصديقي للمشتق. فتقيده بالماضي أو بالحال أو بالاستقبال، مشروط بالحكم أو بالتلبس أو بكليهما.
فتكون الاحتمالات عديدة:
ومنها: إنّ المشتقّ موضوع للذات المتلبّسة، إذا كان الجري والنطق حاليين، وإن كان التلبس في زمن آخر.
ومنها: إنّ المشتقّ موضوع للذات المتلبّسة، إذا كان الجري والنطق منفصلين زماناً.
وعلى أيّ حال، فإذا كان الإقتران الوضعي موجوداً في أحد هذه الاحتمالات، أو أيّ منها، فهو، وإلا كان مستفاداً من الإطلاق أو السياق، كما سبق.
فعلى الاحتمال الثالث، يكون الإقتران بين التلبس والحكم وضعياً، والإقتران بين الحكم والنطق إطلاقياً. وعلى الثاني: يكون الإقتران بين التلبس والنطق وضعياً، والإقتران بين التلبس والحكم إطلاقياً.
وكلٌ من الدوال، إذا قُيِّد بخلافه، كأمس أو غد. فإن كان الدالّ وضعياً، كان المجموع مجازياً. وإن كان إطلاقياً، كان المجموع حقيقياً.
قال: والصحيح من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأول. وهو أن يكون
ــــــ[250]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المشتقّ موضوعاً للذات المتلبّسة بدون قيد الزمان، فيكون مطلقاً لكل الأزمنة، وحينئذٍ، يكون مسؤولاً عن إبطال الاحتمالين الآخرين:
أمّا إبطال الاحتمال الثاني: وهو أنّ المشتقّ موضوعٌ للمتلبس مقيَّدٌ بالنطق نفسه، من دون دخالة الزمان.
فأجاب عليه بجوابين:
أحدهما: أنّ التلبس لو كان مقيَّداً بالنطق للزم أن يكون قولنا: (زيد ضارب بالأمس)، مجازاً؛ لأنّه غير متلبس في زمان النطق، بل في زمان الجري، مع أنه لا إشكال أنّه حقيقةً.
وجوابه:
1- أنّه كيف ثبت قوله: لا إشكال في كونه حقيقةً؟ وإنّما القدر المتيقن من الاستعمال الحقيقي، هو ما إذا اتحد زمان الحكم مع زمان التلبس، والمفروض عنده أنّهما مختلفان.
2- ظهر أنّه لو كان زمن الحكم حالياً لكان مجازاً. ولكن لو كان زمن الحكم سابقاً أيضاً، كان حقيقةً، بمعنى رجوع القيد إلى الحكم والتلبس معاً. إلا أنّ هذا لا يخلو من كونه خلاف الظاهر، إذ الظاهر فعلية الحكم.
3- أنّ الحكم لو كان حالياً، فهو من المنقضي عنه المبدأ، فيكون داخلاً في محلّ النزاع، وليس مسلّماً كونه من الاستعمال الحقيقي.
ثانيهما- من جوابي السيد الأستاذ-: «أنّه هل يُراد أخذ مفهوم النطق قيداً أم واقعه»؟
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أمّا مفهومه فهو واضح البطلان؛ لأنّه لا يخطر على بالنا من كلمة (عالم)، أو قل: إنّه يلزم أن يخطر في بالنا من كلمة النطق وكلمة عالم معنى واحد، كالمترادفين. وهو غير محتمل.
وإن أرِيد جعل واقع النطق قيداً، فيلزم منه: أنّه حيث لا نطق واقعي لا معنى للكلمة أصلاً، مع أنّ كلمة عالم لها معنى محفوظ، سواء نطقها إنسان أو لا.
ويُمكن أن يُستشكَل عليه:
أولاً: إنّ هذا التشقيق الذي ذكره من احتمال أخذ مفهوم النطق أو واقعه، تطويل للمسافة. وإلا فلا أحد من الأصوليين واللغويين يحتمل هذا المعنى، فإن كان هناك قيد فهو واقع النطق لا مفهومه.
ثانياً: إنّ مفهوم النطق لو كان مأخوذاً، لا يلزم- كما زعم- ترادف عالم وناطق؛ لأنّ غاية ما يدّعي المدّعي: أنّ النطق قيد في المشتقّ، لا أنّه موضوع له، فليس هو كل مفهوم المشتقّ. كل ما في الأمر: أنّنا نفهم من عالم: العالم المنطوق به أو المربوط بالنطق، ولا يراد أكيداً فهم النطق منه.
ثالثاً: ما قاله من لزوم أنّه لا معنى له، حيث لا نطق. وليس بصحيح. بل يصبح مجازاً؛ لأنّه ليس موضوعاً له. ولكن من الممكن القول: بأنّ المجاز أيضاً منوط بالنطق؛ لأنّ اللغة هي النطق، ولا معنى لها بغض النظر عنه، وخاصة وأنّ المعنى المجازي يحتاج إلى قصد، وإن قلنا بأنّ المعنى الحقيقي لا يحتاج إلى قصد، باعتبار عدم تقييد الدلالة بالإرادة.
رابعاً: إنّ قوله: «إنّ كلمة عالم له معنى محفوظ»، سواء نطقها إنسان أم لا. إن
ــــــ[252]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فهمنا منه عالم الواقع، يعني كونه محفوظاً في عالم الواقع، فهو المطلوب.
إلا أنّنا لو غضضنا النظر عنه ظاهراً، وأغفلناه، كما فعل المشهور، فإنّ اللغة هي الملفوظة حتماً، ولا ظهور لها في غيره. نعم، شرطية الاختيار والقصد في اللفظ محتمل، إلا أنّ هذا كلام آخر.
خامساً: أنّنا نطرح أطروحة مقابل إشكاله، من أنّه إذا لم يكن منطوقاً فلا معنى له. لأنّ شرط الواضع أو قيد الوضع غير موجود.
فنقول: إنّ شرط الواضع هو واقع النطق مع تحققه وحصوله، وأمّا مع عدم تحققه فليس قيداً.
لا يقال: إنّه يلزم منه تعدد الوضع، باعتبار أنّ الواضع يلتفت إلى الكلمة مع النطق فيضع لها، ثم يلتفت إليها مع عدم النطق فيضع لها ثانياً. فإنّه يقال: بل يكفي فيه وضع واحد، وهو اشتراط النطق مع حصوله. ومع وجوده يكون النطق قيدا، ولا مانع من كونه ذا معنى في حالة عدم النطق.
فإن قلتَ: إنّ قيد الوضع يكون لغواً؛ لأنّ الوضع مع عدم قيد النطق يكفي. يعني أنّ الكلمة موضوعة سواء نُطِقت أو لم تُنطَق. فإذا نُطِقت فهي حصّة، وإذا لم تنطق فهي حصّة. فيكون اشتراط النطق لاغياً.
قلنا: إنّ الإشكال وارد من الناحية العملية، إلا أنّه يمكن إجابته نظرياً، بأحد تقريبين:
الأول: إنّ النطق في نفسه فائدة زائدة، وهذه الفائدة يمكن أخذها بنظر الاعتبار للواضع، عند تحقق سببها، وهو النطق.
ــــــ[253]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثاني: إنّ الحصّة الثانية، غير المنطوقة، إن كان وضعها مطلقاً يعني: سواء نُطِقت أم لا، لزم الإشكال. لكنّنا يُمكن أن نتصورها بدون لزوم الإشكال، وذلك: بأن نقول: إنّ الوضع الأصلي لهذه الكلمة بوضعين مستقلين أحدهما: غير المنطوق، وهذه غير مشترطة بالنطق. والحصّة الثانية: كلمات المشتقّ المنطوقة، وهي مشترطة بالنطق.
وقال السيد الأستاذ: وأمّا الاحتمال الثالث، وهو الوضع للمتلبس المقارن مع الجري. ففيه إشكالان:
الأول: سنخ الإشكال على الاحتمال الثاني. وحاصله: أنّ المأخوذ قيداً في مدلول (عالم) هل هو مفهوم الجري أم واقعه؟
فإن قيل الأول: فهو باطل بالضرورة؛ لأنّ هذا المفهوم لا يُلتفَت إليه، حين نسمع كلمة (عالم). وأنّ هذا يعني ترادفهما، وهو غير محتمل.
وإن قيل الثاني: يلزم أن لا يكون لكلمة (عالم) معنى حين يؤتى بها مفردة لا في جملة تامة؛ لأنّ الحكم لا يكون إلا في جملة تامة، وبدونها لا يكون الجري موجوداً، مع أنّ لكلمة (عالم) معنى، سواء صارت وحدها أو في ضمن جملة.
وتتلخص مناقشته بعدة وجوه:
الأول: سنخ ما قلناه في الجواب السابق، وهو أنّ القائل بأخذ الجري لا يريد به مفهوم الجري حتماً، إذن، فاحتماله ليس إلا تطويلاً للطريق بدون طائل.
الثاني: عدم لزوم الترادف بين الجري والمشتقّ، بل يلزم منه أخذه قيداً فيه، يعني المشتقّ المجري عليه. فنفهم من (عالم) العالم المحمول في جمله أو المحكوم في قضيته، وليس القيد هو مفهوم الجري استقلالاً ليلزم منه ذلك.
ــــــ[254]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثالث: أن نعرض سنخ الأطروحة التي مرت في الجواب على الاحتمال الثاني، بأن يُقال: إنّ الجري يكون قيداً في حالة التحاقه في جملة، أي مع وجوده، وغير مأخوذ قيداً مع عدمه. ويأتي هنا نفس الإشكالين السابقين من تعدّد الوضع، ولغوية الوضع مع جوابهما.
ولعل أوضح الفوائد فيه: هي أنّ المشتقّ المتضمن لماهية مبهمة كلية مستنبطة فيه إلى جانب المادة، على القول بتركبه، يكون مع الحمل معيّناً للموضوع المفني فيه، فيحق للواضع أن يجعله حصّة مستقلة في عالم الوضع عن الحصّة المفردة المستقلة عن الجملة، فإنّها مبهمة لا معيّن لها، فيحصل تغاير بين الحصتين.
الرابع: إنّه لا يلزم من عدم توفّر شرط الواضع، وهو تقييد المشتقّ بمفهوم الجري، كون المشتقّ بدونه بدون معنى، بل يلزم منه المجاز على المشهور، ويكون من استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء.
بل يمكن تقريب الصدق الحقيقي، فإنّه مع انتفاء شرط الواضع يبقى الوضع؛ لأنّ النسبة ما بين المشروط وغيره هو العموم والخصوص المطلق، فغايته تحوّل القيد إلى مطلق، فإذا انتفى القيد ثبت الإطلاق، وعندئذٍ يكون صدقه على مصاديقه حقيقة، من قبيل صدق الإنسان على حصّة منه.
لكن لو سرنا مع تفكير المشهور، بغض النظر عن الرأي المختار، فالكلام هنا لا يخلو من خدشة؛ لأنّ فقد شرط الواضع سيستوجب المجاز، فإذا كان صدق اللفظ على الكلي مجازاً، لم يشفع لكونه حقيقة صدق الكلي على أفراده، مادام صدق اللفظ عليه مجازاً لفقد الشرط.
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الأصول ج2
خامساً: إنّه يمكن القول: إنّ المراد بالجري نفس كلمة (عالم) باعتبارها شبه جملة، ويكون الجري على الذات الكلية المأخوذة فيه، تماما كالفعل الماضي الذي قدّروا فيه ضميراً.
بيان ذلك: أنّ قوله: إنّ الكلمة المفردة مع عدم الجري تكون بلا معنى؛ لأنّ شرط الواضع غير متوفر، هذا يكون تاماً لو أُرِيد بالجري، الجملة ذات النسبة التامة والإذعان الكامل.
إلا أنّه لا حاجة إلى ذلك، إذ يمكن أن نفهم منه مطلق النسبة، سواء كانت تامة أو ناقصة. وعندئذٍ يكون الجري موجوداً في كل مشتق، وإن كان مفرداً، بالضبط كالأفعال: ضرب، يضرب. فإنّها جملة وفاعلها ضمير مستتر فيها تقديره (هو)، وفيه نسبة تامة.
فالمشتقّ كذلك، فإنّ فيه ثلاثة أشياء، بناءً على تركيب المشتقّ، الذي أقول به: وهي الهيئة والمادة والماهية الكلية. وهناك نسب ثلاث بين الأمور الثلاثة، ومع وجودها تكون بمنزلة الجملة الناقصة الوصفية أو الإضافية، وتكون الماهية الكلية المجملة، هي الفاعل في اسم الفاعل، والمفعول به في اسم المفعول.
سادساً: إنّ هذا المورد المذكور في عنوان الاحتمال، هو القدر المتيقن من الوضع. وأمّا إذا اختلف زمان الحكم مع زمان الجري، فإن كان زمان الحكم متقدماً كان مجازاً جزماً. وإن كان متأخراً كان مجازاً
على المشهور، من وضع المشتقّ لخصوص المتلبّس. والمفروض أنّنا لم نشترط الحال، كما لم نشترط اجتماعه مع النطق.
ــــــ[256]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إذن، يتعين فيه الوضع الحقيقي إمّا هو وحده، أو هو وصورة تأخّره عن الحكم. باعتبار وضع المشتقّ للأعمّ، وجامعها عدم التقدّم على الحكم، وإنّ الحكم يجب أن يكون مع التلبّس أو متأخّرا عنه لا متقدّماً عليه.
وأمّا لو قلنا بأنّ المشتقّ موضوع لخصوص المتلبّس، فليس ذلك. إلا الموضوع له، على نقاش يأتي في الرأي المختار.
الثاني – من إشكال السيد الأستاذ على الاحتمال الثالث -:
إنّه قال: إنّ الجري في طول الموضوع والمحمول، وهما الذات والمشتقّ، في قولنا (زيد عالم). فكيف يؤخذ قيداً في أحدهما؟ ولم يزد على ذلك.
وجوابه: أنّ هذه الاستحالة إمّا عقلية أو عرفية. أمّا العقلية فهي- في الأصول- من سنخ استحالة أخذ قصد القربة المتأخّر عن الأمر في المأمور به المتقدّم عن الأمر.
وهناك نقول عادة: بأنّ الأمر لو كان من سنخ العلل والمعلولات العقلية، لورد الإشكال، ولاحتاج الشارع المقدس إلى ما يسمى بمتمّم الجعل، لأجل أن يأمر بقصد القربة.
إلا أنّ الأمر ليس كذلك، بل الإنشاء خفيف المؤونة، فإن غايته تقييد المفاهيم الكلية بعضها ببعض، سواء كان منشأ انتزاعه متقدّماً أو متأخّراً أو مقارناً، وإلا وقع الإشكال، في الشرط المتقدم كالاستطاعة والوقت، لاستحالة تقدّم العلّة على المعلول.
وغايته، أنّ المأمور به هو الحصّة السابقة على كذا من الصلاة، أو اللاحقة له. يعني واقع اللحوق لا مفهومه.
ــــــ[257]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فالحال هنا كذلك، وهو أنّ الموضوع له المشتقّ هو الحصّة الواردة في جملة، يعني مع الجري، دون سواها على الفرض. فللواضع أن يجعل إقترانا بين اللفظ والمعنى، وليس ذلك من قبيل الملازمات والعلل العقلية.
وإن كانت الاستحالة عرفية، يعني من حيث عدم تعارف هذه القيود، فهذا صحيح في هذا التسلسل الفكري، بغضّ النظر عن الرأي المختار الآتي. إلا أنّنا من اجل رفع الاستغراب نقول: إنّ العرف قد يقدّم المتأخّر ويؤخّر المتقدّم في اللغة، كتأخير المبتدأ على الخبر والفاعل عن المفعول، ونحو عود الضمير إلى متأخّر لفظاً ورتبة، أو متأخّر لفظاً لا رتبةً، نحو: (زان نوره الشجر).
والمنع وإن كان حاصلاً من قبل النحويين، إلا أنّنا لا نعدم من الشواهد عليه. ومنه الحديث: (أراهمني الباطلُ شيطانا). كما في شرح الألفية.
*****
يبقى الكلام في الاحتمال الآخر الذي لم يتعرض له السيد الأستاذ، وهو اشتراط وضع المشتقّ بكل من النطق والحكم معاً، وهذا معناه اشتراط الحالية؛ لأنّ النطق لا يكون إلا حالياً.
وهذه هي الحصّة الغالبية العرفية من الاستعمال في المجتمع، وهي القدر المتيقن من الصدق الحقيقي. فهاتان نقطتا قوة في هذا الاحتمال.
صحيح أنّنا قلنا: إذا اتّحد التلبّس مع زمان الحكم، أنتج القدر المتيقن من صدق المشتقّ صدقاً حقيقياً، سواء كان مجموع التلبّس والحكم، متقدّماً على زمان النطق أو متأخّراً عنه. لكن تساوي هذا الزمان مع النطق هو القدر المتيقن من القدر المتيقن.
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إلا أنّه مع ذلك يبقى سنخان من الإشكالات:
السنخ الأول: أنّ هذا الوجه يرد عليه كل الإشكالات التي قيلت في كِلا الوجهين السابقين؛ لأنّه يحتوي على كِلا الأمرين اللذين حصل الإشكال فيهما.
وجوابه:
1- أنّنا أجبنا على كل تلك الإشكالات، فليس ثمة نقطة ضعف حقيقية.
2- أنّ بعض تلك الإيرادات السابقة ترتفع بعد الجمع بين القيدين: الجري والنطق. ومنها: الإشكال الأول لكلٍ من الوجهين السابقين. وهو احتمال: أخذ مفهوم الجري أو النطق، حيث قلنا بعدم احتماله. فهنا هذا الاحتمال أضعف وأشنع إلى حدٍ لا يمكن إيراده.
ومنها: ما قاله هناك السيد الأستاذ: من أنّ الكلمة إذا لم تكن في حالة نطق وجري لا يكون لها معنى؛ لأنّ الوضع منتفٍ.
وقلنا في جوابه: إنّها يكون لها معنى، غايته أنّنا نصير عندئذٍ إلى المجاز لا الحقيقة. وهنا يكون هذا الجواب أوضح لكثرة المصاديق المتخلفة، أي الخارجة عن القيد المشترط في هذا الوجه.
السنخ الثاني: أنّ هذه الحصّة وإن كانت هي القدر المتيقن، من الوضع، إلا أنّها ليست مختصّة به، بل هو أوسع منها، لحصول التبادر، وصحة الحمل في موارد أخرى خالية من مجموع القيدين.
ومن تلك الموارد ما ذكرناه في الاحتمال السابق، وهو أنّ التلبّس مع الحكم، يكون استعمالاً حقيقياً، مع غضّ النظر عن النطق.
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وحينئذٍ، يلغو هذا الشرط مادام الصدق الحقيقي متحقّقاً بدونه. وهذا – في الجملة -صحيح-. وسيأتي تحقيقه.
غير أنّه يمكن أن يُجاب إجمالاً:
1- بما قلناه من أنّ فاقد القيد يكون مطلقاً، وصدق المطلق على المقيَّد، الذي هو حصّة منه، يكون حقيقياً. إذن، فوجود القيد لا يضر بصدق المفهوم على المصداق.
2- أو نقول: إنّ اشتراط الواضع ليس بنحو الانحصار، بحيث يُفهَم من كلام الواضع مفهوم المخالفة، ونفي الحصّة الزائدة الفاقدة للقيد، بل الوضع شامل للوصف وعدمه، غاية الأمر أنّه ذكر الوصف لأهميته، أو أنّه القدر المتيقن، أو أنّه الغالب. ولو كان الوصف أو القيد احترازياً، لتم الإشكال من هذه الناحية.
وعلى أية حال، فقد كان الأولى بالسيد الأستاذ أن يعرض هذه الاحتمالات على علامات الحقيقة والمجاز، بدلاً من هذه الاشكالات. وسنقوم بذلك، بعد أن ثبت بمناقشة إشكالاتها إمكانها العقلي، فمتى رأيناها أوسع بطل الوجه. ونحن هنا نسير على التسلسل المشهوري للتفكير، وطريقة استخراجه هي النظر إلى صحّة الحمل، وصحة السلب عن الحصص التي لا تنطبق عليها الوجوه السابقة، فإن صحّت بمقدارها تعيّن الوجه. وإن زادت عليها أو نقصت بطل الوجه.
أما الاحتمال الأول الذي اختاره السيد الأستاذ، وهو عدم دخل الزمان أصلاً في مفهوم المشتقّ، فبعد غضّ النظر عن الخلط الذي وقع به الأصوليون بين المدلولين التصوري والتصديقي، حيث إنّه لا يُحتمَل أن يكون الزمان قد أخذ في
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الأصول ج2
مدلول المشتقّ تصوراً، بينما الاحتمالات الأربعة المتعلقة بالتقييد بزمان الحكم أو زمان النطق أو بهما معاً، هي مربوطة بالمدلول التصديقي.
أقول: لو تناسينا ذلك، فيلزم من هذا الاحتمال كون الاستعمال حقيقياً، حتى لو كان زمان النطق وزمان الحكم معاً مختلفين عن زمان التلبس.
مع العلم أنّهما لو كانا سابقين عليه كان مجازاً، وإن كانا لاحقَين له كان حقيقةً على القول بالأعمّ.
فلو قال، بالوضع لخصوص المتلبّس، بقيت هذه الحصّة، وهي تقدّم الحكم والنطق على التلبّس مجازاً، لا محالة، أو إجماعاً.
وأما الاحتمال الثاني: وهو اشتراط وضع المشتقّ بالتلبّس مع النطق، بغضّ النظر عن الحكم والجري، فهذا معناه أنّ الحكم إذا كان متقدماً، والتلبس والنطق حالية كان حقيقةً، مع أنّه حكم قبل التلبس، فيكون مجازاً إجماعاً.
وأما الاحتمال الثالث: وهو اشتراط وضع المشتقّ بالتلبس مع الحكم بغض النظر عن النطق، فمعناه أنّ صور اجتماعهما، تكون حقيقةً على كل حال، ولا يتقدم الحكم على التلبس فيكون مجازاً، ولا يتأخر عنه، فيكون أعمّياً. وهذا معناه صحة هذا الاحتمال، بناءً على التسلسل المشهوري للتفكير.
وأما الاحتمال الرابع والأخير: وهو اشتراط وضع المشتقّ بالتلبس حال الجري والنطق معاً. فهذا معناه اشتراط أن تكون جميع العناصر حالية، وهذا ينتج المورد القدر المتيقن من القدر المتيقن، وهو الغالب في الاستعمال.
غير أنّ اشتراط ذلك خلاف الوجدان، إذ يصدق المشتقّ حقيقة في صور
ــــــ[261]ـــــــ
منهج الأصول ج2
غيرها، كما لو اتحد الحكم والتلبس، فإنّه يكون حقيقة بحسب التبادر. بينما يكون مجازاً بحسب زعم هذا الاحتمال؛ لعدم توفر شرطه.
فالصحيح بناءً على هذا التسلسل الفكري هو الاحتمال الثالث.
بقي أن نشير إلى معنى الحال في كل الوجوه السابقة.
فعلى الوجه الثاني: يكون المراد بالحال حال النطق، وعلى الثالث يكون حال الحكم، وهو المختار جرياً مع التسلسل المشهوري للتفكير. وعلى الرابع يُراد بالحال حال اجتماع التلبس والحكم والنطق.
أمّا على الوجه الأول: الذي اختاره السيد الأستاذ، وهو أنّ المشتقّ غير مقيَّد بالزمان مطلقاً، يكون عندئذٍ، كل واحد من الأزمنة مصداقاً حقيقياً للمعنى الموضوع له.
لكن يتحصل من كلماته، جواب معين، ولو لم يكن بالمطابقة، أنّ الحال عند الإطلاق وعدم التقييد، ينصرف إلى زمن النطق وحاله حال النطق، لكن هذا لا ينافي التقييد بما يصرفه إلى زمان آخر، يكون عندئذ هو الحال المقيَّد نحو: أمس أو غد.
*****
بيان الرأي المختار
أما الرأي المختار، فيحتاج بيانه إلى تمهيد مقدماته:
المقدمة الأولى: أنّنا ينبغي أن نتوخّى الفهم العرفي؛ لأنّ الظهور الذي يكون حجة إنّما هو الظهور العرفي، فأيّ من هذه التدقيقات لم يكن عرفياً أهملناه. وعندئذٍ لا بدّ لنا أن نلاحظ النسب بين هذه الأمور الثلاثة: النطق والتلبس والحكم،
ــــــ[262]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وعلاقتها بالزمان لنختبر عرفيتها.
أولاً: النسبة بين النطق والحكم، هي نسبة التساوي، فإنّ الحكم يكون عند النطق عرفاً، ولا معنى للتفكيك بينهما.
ثانياً: النسبة بين النطق والتلبس: لا مانع عرفي من اختلافهما في الزمان، فيمكن أن احكي أنّ موسى كان نبياً وأنّ المهدي سوف يظهر.
ثالثاً: النسبة بين التلبس والحكم أو الجري. ويتحصل مما تقدم إمكان الاختلاف في الزمان بينهما.
فإنّ الحكم مساوق للنطق، والتلبس يمكن أن يكون زمانه مختلفاً عن النطق. إذن، فالحكم والتلبس يمكن أن يختلفا.
لكن هذا الاختلاف يلقيه العرف على التلبس لا على الحكم، حيث قلنا: إنّ الحكم فوري دائماً، ويكون مساوقاً للنطق.
أمّا تأخر الحكم عن التلبس وتقدمه ونحو ذلك، فإنّها وإن كانت مذكورة في كلام الأصوليين، إلا أنها إما غير عرفية، وإما إنَّها غير دخيلة في وضع المشتقّ أصلاً. حيث تكون من المدلول التصديقي له، وما هو وضعي هو المدلول التصوري. وقد خلط المشهور بينهما.
وعلى كلا التقديرين، أعني سواء كانت دخيلة أم لا، لا يكفي مجرد القصد الباطني للمتكلم، بل ذلك محتاج إلى قرينة لا محالة، ومع عدمها يتعين الحال، فإن أردنا غيره في أيّ مرتبة، فلا بدّ من إقامة القرينة عليه، ومع وجود القرينة على القصد، يتعيّن المقصود، ولا يهمّ -بعد ذلك- عرفاً أن يكون التعبير مجازاً أو حقيقةً.
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن قيل: إنّ القرينة هنا على التعيين لا على المجازية.
قلنا: هذا لا يحدد سنخ القرينة أو المقصود منها، وإذا توخينا ذلك، احتجنا إلى قرينة أخرى، للدلالة على أن القرينة إنّما هي على التعيين، لا على المجازية، وهذا أمر غير عرفي ومستنكر.
المقدمة الثانية: أنّ المشهور يرى أنّ استعمال المشتقّ، في مورد تقدم الحكم وتأخره عن التلبس، مجاز إجماعاً، وخاصة بناءً على وضعه للمتلبس خاصة، فإنّه إذا تأخر الحكم عن التلبس كان مجازاً على هذا المسلك.
مع العلم أنّ هذا خاص بصورة انتفاء التلبس تكويناً، وأمّا مع استمرار التلبس، كما لو كان زيد عالما بالأمس واليوم. ولكن الحكم يخص الأمس، وكذا في المستقبل. فهل يكون هذا الاستعمال مجازياً؟ كلا. مادام المتكلم صادقاً فيما يقول.
إذن، فاختلاف زمن الحكم والتلبس لا يضرّ إطلاقاً في حقيقة الاستعمال، ما لم يكن الاستعمال كذباً، يعني من دون تلبس أصلاً.
وخلاصة الكلام: أنّ الاتصاف إذا كان مستمراً في الأزمنة الثلاثة، وقلت: (زيد عالم بالأمس)، كان حقيقةً، وكذا لو قلت: الآن أو غداً. وذلك لكونه صادقاً في النقاط الثلاث.
وهذا يعني عدم النظر إلى الزمان مقطّعاً، أو قل عدم تقطيع الزمان، في مقابل ما قد يُقال: إنّه يمكن تقطيع الزمان، فيلحظ من هذا التلبس المستمر، تلبس معين، وليكن هو الحال أو التلبس في الحال، فيكون الأمس، قبل التلبس الخاص الملحوظ، ويكون الغد بعد هذا التلبس، فيكون مجازاً، أو من المجمع على مجازيته.
ــــــ[264]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فتكون هذه المقدمة دفعاً لمثل هذا الاحتمال، وذلك بأن نقول: إنّ تقطيع الزمان غير صحيح، سواء بوجوده التكويني أو اللحاظي. فإنّ كل هذه التقطيعات غير عرفية وغير مؤثرة في مجازية استعمال المشتقّ.
وينتج: أنّه مادام التلبس موجوداً، فالإطلاق حقيقي، وإنّما يكون مجازياً لو تقدم الإطلاق على أصل التلبس، وليس على قطعة من زمانه.
وينتج من ذلك: أنّه ليس المراد من التلبس: التلبس بالحد المنظور، أو بقيد زمان معين، بل المراد مطلق التلبس أو وجود التلبس، في مقابل عدمه.
المقدمة الثالثة: في تحقيق معنى الجري الاصطلاحي. من حيث إنّه قد يُدّعى أنّ المراد به الحكم، أو المراد به التلبس، أو المراد به كلاهما، أو المراد به أمر آخر.
فهنا قد يكون الجري إثباتياً وقد يكون ثبوتياً. والثبوتي هو الاتصاف والتلبس، يعني القضية الواقعية التي هي منشأ انتزاع القضية اللفظية.
وفرق الجري الإثباتي عن الحكم، هو كون الحكم أو التصديق فورياً دائماً؛ لأنّه منوط بحالة نفسية ولغوية ملازمة مع النطق، والنطق فوري فيكون الحكم فورياً. في حين رأينا الجري يمكن فصله عن النطق، وهو منشأ انتزاع الحكم.
فقد يُقال: هو التلبس؛ لأنّه ليس هناك منشأ انتزاع غيره، إلا أنّ هذا لا يكفي:
1- لأنّ التلبس نسبة خارجية خالية من التصديق الإثباتي بخلاف الجري. نعم، إذا نظرنا إلى التلبس الخارجي
بلحاظ كونه محكوماً به، كان جرياً.
2- مضافاً إلى أنّ الحكم السابق وهمي، في حين أنّ التلبس واقعي.
ــــــ[265]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المقدمة الرابعة: أنّ الحال قد لا يكون دائماً هو الحال المطلق، وهو حال النطق، وإن كان هو الأكثر في الاستعمال العرفي، بل هو الحال الذي عليه التركيز عند الحديث، والمناسب مع القضية التي هي محلّ الكلام، كما في القصص عن الماضي وعن المستقبل أو القصص الوهمية، وكذلك في الوصايا والإقرارات، وغيرها.
وقد سبق أن قسّمنا الأزمنة الثلاثة إلى أزمنة ثلاثة، فتصبح تسعة. إذ إنّ للماضي ماضياً وحالاً ومستقبلاً. وللحاضر والمستقبل كذلك. فمثلاً، لا يمكن القول الآن: إنّ فرعون مدعٍ للربوبية، إلا مجازاً. فإنّه كان مدّعياً للربوبية وقد مات.
فالحال في المثال، بالنسبة إلى الحال المطلق ماضٍ، أمّا بالنسبة إلى القضية التي نتحدث عنها، فهو حال له ماضٍ ومستقبل.
فإذا قلنا إنّ المراد بالحال حال النطق، فليس معناه الحال المطلق، بل الحال المناسب مع حال النطق. ولئن كان زمان نطق نفس الفرد، لا يكون إلا بالحال المطلق، فإنّ زمان نطق غيره يختلف.
وهذه فكرة أخرى: لأنّنا قد نقيس الأزمنة الثلاثة تجاه حادثة معينة، وقد نقيسها تجاه النطق، وكله له أزمنة ثلاثة، وهذا أمر عرفي في القصص وغيرها.
وما قلناه من أنّ انفصال زمان الحكم عن زمان النطق غير عرفي، ليس بهذا المعنى، بل بلحاظ كل نطق بحسبه.
وبذلك نفهم الاصطلاحات السابقة، كقولنا حال الجري أو حال التلبس. باعتبار أنّ الجري وإن كان وجوده الحقيقي الآن، إلا أنّ وجوده الوهمي قد يكون قبل عدة قرون. وهذا معناه أنّها تنطبق على الحال المطلق، وعلى الحال المناسب،
ــــــ[266]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهذا أمر عرفي – كما سبق – في القصص وغيرها.
المقدمة الخامسة: أنّ ما ادعاه السيد الأستاذ من أنّ تقييد التلبس بالنطق لا يُراد به زمان النطق، وإنّما يُراد به النطق ذاته، أي بوجوده التكويني، هو محاولة منه للتخلص من نسبة الزمان إلى المشتقّ، وقد لجأ إليها في طول الخلط المشهوري الذي مشى فيه، بين المدلولين التصوري والتصديقي، ووضوح أنّ المدلول التصوري للمشتق خالٍ من الزمان.
في حين أنّنا عرفنا أنّ الصحيح هو التفصيل بين المدلولين، وإذا كان الزمان غير دخيل في التصورين، فلا مانع من دخوله في التصديقي. وعندئذٍ يصح أن يكون اشتراط النطق يعني زمانه، كما أنّ اشتراط الحكم والجري، يعني زمانهما. وهكذا.
فإن قلنا: إنّ الزمان دخيل في المشتقّ بوضعه الأصلي، كان نحو إشكال عليه، بعد الخلط بين المدلولين. وإلا فلا بأس بدخوله في المدلول التصديقي للمشتق، دون المدلول التصوري، كما هو الصحيح. ولو لم نميّز بينهما لزم المحذور.
ونودّ هنا أن نبين: أنّه متى يمكن لهذه التقييدات أن تكون، زمانية ومتى لا يمكن؟
حيث يمكن عرض حصتين من التقييد غير الزماني:
إحداهما: تقييد الأمور غير الزمانية كالمجردات، على فرض الزمان الاصطلاحي، فيكون تقييد الزمان غير صحيح بمثل قولنا: جبرائيل يقول كذا أو يفعل كذا. لا بالنسبة التامة ولا الناقصة.
ثانيهما: ما كان راجعاً إلى الذات والذاتيات، نحو (الإنسان حيوان ناطق)،
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الأصول ج2
حتى ما كان من الخاصة نحو (الإنسان حيوان ضاحك).
وهناك حصتان يمكن تقييدهما زمانياً:
أولاهما: الصفة والموصوف، نحو (رقبة مؤمنة). فإنّها مقيَّدة بالزمان. بتقريب: أنّ الإيمان الذي وصفت به الرقبة (الذات)، هو حصّة معينة من الإيمان، لا مطلقة؛ لأنّه لو كان مطلقاً، لم يلزم تزامنهما، وكفى وجودهما ولو في علم الله تعالى، ومن ثم يكون الوصف كاذباً، وقد فرضنا صحته.
وفي مقابل هذا يقرب عدم الزمانية في هذه التقييدات، باعتبار أنّ ما يرجع إلى تقييد الذات وصفاتها غير زماني؛ لأنّها موجودات ذات وحدة مفهومية، ولا حاجة إلى دخل الزمان فيه. ولكن إذا قرّبنا الزمان في هذه الحصّة، كانت أوضح.
ثانيهما: التقييد بين مفهومين منفصلين وذاتين مستقلين. نحو (زيد في الدار). فلا يُفهَم عرفاً التقييد بين مطلق الذاتين في علم الله تعالى، وإن تباعدا زماناً، بل إنّ العرف يفهم المتزامنين.
وحينئذ نأتي إلى محلّ الكلام، فإنّنا حينما نقيّد التلبس بذات النطق، بشرط ألّا يكون زمانياً، فإذا قصدنا ذلك حقيقة، فمعناه التقييد بين أصل النطق وأصل التلبس، الموجودين في علم الله تعالى، وهذا فاسد عرفاً؛ لأنّ المطلوب تقييد أحدهما بزمان وجود الآخر.
وكذا الجري والحكم، أي في زمانهما، ولو تباعدا زماناً لم يكن المطلب عرفياً.
فاتضح مما قلناه: إنّ التقييد بالمفاهيم المذكورة، في تركيب الذات والصفات أو
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الذوات المستقلة، كله زماني لا محالة، كالمدلول التصديقي، مادام حاله مناسباً مع الزمان، أي ليس من المجردات ولا من الذاتيات، وإنّما نمنع الزمان عن المدلول التصوري الخالص.
المقدمة السادسة: في التفصيل بين المدلول التصديقي والتصوري، وأنّ ما هو دخيل في الوضع في المشتقّ وغيره، إنّما هو المدلول التصوري، كدخل الزمان فيه، أو دخل الذات فيه، بناءً على تركب المشتقّ. أو أنّه دال على التلبس، يعني تلبس الهيئة بالمادة وبالعكس. ويكون المتلبّس هو الذات العامة أو الكلية، التي تدل عليها الهيئة أو الذات الجزئية، عند حصول الجري أو الحمل.
ولا يمكن أن يشمل الوضع المدلول التصديقي؛ لأنّه إنّما يأتي في طول انحفاظ المعنى التصوري للفظ، سواء فيه المعنى المجازي أو الحقيقي، يعني في طول الوضع.
وعنوان المسألة، وهو المراد بالحال، إنما هو في المدلول التصديقي عند الحمل والجري، ولا معنى له في المدلول التصوري الوضعي.
ومن هنا نعرف خطأ المشهور، حين يبحث عن شكل الوضع للمشتق في هذا الباب. وإنّما هو خلط بين المدلولين، وحسبان المدلول التصديقي تصورياً، بحيث يكون له دخل في وضع المشتقّ. وهو غريب غايته.
ومنه نعرف أنّ الحال لا يمكن أن يكون دخيلاً في المدلول الوضعي، وعلى تقدير إمكانه فهو غير داخل؛ لأنّ الصحيح هو عدم دخل الزمان في المدلول الوضعي التصوري للمشتق.
وأما المدلول التصديقي، فهو مدلول سياقي قد يكون الزمان مقصوداً فيه،
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الأصول ج2
ولكن ليس ذلك دائمياً، لإمكان استعمال المشتقّ مفرداً مستقلاً عن الجملة، أو في نسبة ناقصة. وهي لغة مجردة عن الزمان أيضاً.
وإنّما المحتمل هو أخذه في المدلول التصديقي، باعتبار أنّ الكلمة المفردة لها معنى، وإذا اندرجت في سياق جملي، يكون لها معنى آخر، يمكن أن يدخل فيه الزمان. ويكون السياق بمنزلة القرينة المتصلة.
فيكون المدلول التصديقي، قرينة متصلة على المدلول التصوري، ومن هنا نشأ خلط المشهور بين المدلولين.
ومن هنا يمكن أن يقع الحديث عن الكبرى وعن الصغرى:
ونقصد بالكبرى: السؤال عن أنّه هل يمكن أخذ الزمان عموماً والحال خصوصاً في المدلول التصديقي، بحيث يفهم بدون قيام قرينة عليه؟
قد يُقال: بوجوده باعتبار انسباق الحال منه، إلى حدٍّ إذا كان مخالفاً للواقع كان كذباً وحنثاً لليمين. وهذا عرفاً صحيح، فقد يُقال: إنّ التبادر علامة الحقيقة، وإنّ أخذ الحال فيه، كان غيره مثله، بعد التجرد عن الخصوصية.
إلا أنّها ليست دلالة وضعية. وإنّما هي دلالة سياقية من جنس الإطلاق، وليس ثمة دلالة وضعية دالة عليه، لا في الموضوع ولا المحمول ولا النسبة ولا المادة ولا الهيئة.
وهذه الدلالة السياقية ناشئة من العادة، كأكثر الدلالات السياقية بل كلها، فإنّ الوضع يحتاج إلى موضوع، وهنا فاقد له.
والمدلول التصديقي غير قابل للوضع ولا وضع له، فإنّ المداليل الوضعية
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الأصول ج2
مداليل محددة، ذات وجودات محددة. وأمّا المدلول السياقي التصديقي فليس له وجود محدد، ولا يُوجَد لفظ موضوع لكي يقع له اللفظ ويُستعمَل فيه، فإذا لم يكن هناك لفظ موضوع فالوضع مستحيل.
وليس ذلك كالمداليل التصوّرية والنسب التامة والناقصة، فإنّها قابلة للوضع؛ لأنّ لها وجودات ومداليل محددة، وإنّما هذه النتيجة إنّما هي للمداليل السياقية، التي تكون من جنس الإطلاق.
ولو كان المشتقّ دالّاً على الحال، لكان تقييده به مستأنفاً، مع العلم أنّه إفادة جديدة، وكذلك: لحصلت منافاة في التقييد بغير الحال، مع أنّها غير حاصلة.
فظهر أنّ هذا ليس تبادراً، حتى يُقال: إنّه علامة الحقيقة.
إن قلتَ: إنّنا ما دمنا أثبتنا دلالة السياق المتضمن للمشتق على الحال، فلا بأس أن يكون دالاً على مطلق الزمان، لا الحال فقط، بالتجريد عن الخصوصية؛ لأنّه حصّة من الزمان ولا خصوصية فيه.
وجوابه واضح:
1- أنّ الخصوصية موجودة: وهو الانصراف العرفي إلى الحال، لا إلى مطلق الزمان، بحسب شهادة الوجدان.
2- أنّ مورد التجريد عن الخصوصية، إنّما هو متعلقات الأحكام الشرعية، لا الأوضاع اللغوية الثابتة بعلامات الحقيقة والمجاز. ولا يمكن التعدّي من حصّة إلى أخرى بالتجريد عن الخصوصية، سواء كان الوضع تعيينياً أم تعيّنياً.
وأما الصغرى فقد يُقال: إنّ المدلول التصوري للمشتق وإن لم يكن دالاً على
ــــــ[271]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الزمان، إلا أنّه حين يقع في مدلول تصديقي أو سياقي، يدل على الزمان.
وهذا فيه ضحالة في التفكير، فإنّ الذي يدل على الزمان هل هو المشتقّ أو النسبة أو السياق؟ لاشكّ أنّ المشتقّ وحده غير دال عليه، ولا يتغير مدلوله الوضعي بذلك، وإنّما الدال هو السياق فيكون بمنزلة القرينة المتصلة عليه، وهذا أمر آخر، لا أنّها تغيّر نفس مدلوله التصوري الوضعي، والخلط بينهما من الأوهام.
وإذا فسرنا الحال السياق وجدناه: الحال المناسب، كما قلنا في مقدمة سابقة، وهو حال مطلق من حيث التلبس والجري، مضافاً إلى النطق والنسبة التامة، فإنّها كلها حالية تكويناً ودلالةً، إذ لو كان خلاف ذلك لبُيّن.
ومن هنا ظهر أنّ المناسب للإطلاق هو الحال المناسب، وليس الحال المطلق، إلا إذا كان هو الحال المناسب. فما صدر عن السيد الأستاذ مما يدل -كما سبق- من أنّ الإطلاق يقتضي الحال المطلق دائماً، قابل للمناقشة.
فهذا مختصر الكلام بالنسبة لدلالة المدلول التصديقي للمشتق على الحال، وقد أثبتناه، لكن لا بدلالة وضعية، كما عنونه بعضهم، بل بدلالة سياقية عرفية. والمشتق لا دلالة له على الحال وضعاً، لا تصوراً ولا تصديقاً. والمطلوب عند الأصوليين الدلالة الوضعية، لا الدلالة الخارجية المتحققة بالانسباقات والإطلاقات.
*****
ــــــ[272]ـــــــ
منهج الأصول ج2

[النحو الثاني: أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق]
وندخل الآن، فيما يصلح ان يكون دليلاً على دخول مطلق الزمان أو الحال في المدلول الوضعي التصوري للمشتق.
ونبدأ أولاً، بما اُستدِل به على استحالة ذلك. فإذا تمت الأدلة فهو. وإلا فينتج إمكان أخذه، وعندئذٍ ينفتح الباب للاستدلال على دخوله فيه إثباتاً.
[مناقشة ما اُستدِل به على استحالة أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق ثبوتاً]
وأدلة الاستحالة ثبوتا ثلاثة:
الأول: أنّ المشتقّ من الأسماء، والأسماء – نحوياً – مجرّدة عن الزمان، ولم يُؤخَذ فيها الزمان، إذن، فالمشتقّ خالٍ من مدلول الزمان، وهذا هو فرق الأسماء عن الأفعال في ذهن المشهور.
وجوابه: أنّ للاسم حصتين جامدة ومشتقة، والقدر المتيقن من تلك القاعدة هي الجوامد.
أمّا المشتقات، فهي وسط بين الأفعال والأسماء، وهي تشبه الأفعال من حيث إنّها تعمل عملها، فتأخذ فاعلاً ومفعولاً، حتى سمّيَّ بعضها بالصفة المشبهة بالفعل. وليس في الجوامد شيء من ذلك.
فللمشتق إذن، بعض خصائص الأفعال جزماً، فليس من المستبعد من هذه الناحية، أن تكون لها دلالة على الزمان.
الثاني: أنّه بناءً على المشهور، من عدم إمكان أخذ الزمان وضعاً في الأفعال،
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الأصول ج2
يكون ذلك في المشتقات أولى، لأنّها أبعد عن مضمونه وجداناً.
وهذا صحيح، لو تمت الكبرى في المقيس عليه، إلا أنّنا ناقشناها في محلّها وأثبتنا دلالة الأفعال على الزمان.
الثالث: أنّ ما دلّ على الاستحالة في جانب الأفعال، دالّ عليها في جانب المشتقات.
وأهم الأدلة هو نسبتها إلى ما هو خارج عن الزمان، نحو: وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً(1). والله سبحانه ليس زمانياً. فالإشكال كما يجري في الفعل (كان)، كذلك يجري في المشتقات (سميعاً بصيراً).
وجوابه: أنّنا لم نقل بالاستحالة، وجوابنا هناك أولى وروداً هنا. لأنّ الأفعال وإن جرّدها المشهور عن الزمان، إلا أنّها تعطي عرفاً معنى التبدّل والتغيّر الذي يستحيل على الله تعالى، ولكن المشتقات مجرّدة عن الدلالة على التبدّل والتحوّل، بل تدلّ على صفة ثابتة ليست زمانية. فالإشكال لو استحكم في الأفعال، فإنّه لا يأتي في المشتقّات.
إذن، فهذه الأدلة الثلاثة لا تتمّ في إثبات الاستحالة في عالم الثبوت.
[مناقشة دلالة المشتقات على الزمان]
وأمّا الدليل على دلالتها على الزمان، يعني الحال، فقد ورد في عبارة الكفاية دليلان لانسباقه من الإطلاق أو مقدّمات الحكمة.
ــــــ[274]ـــــــ
(1) النساء: 134.
منهج الأصول ج2
حيث قال(1): «لا يُقال: يمكن أن يكون المراد بالحال في العنوان زمانه، كما هو الظاهر منه عند إطلاقه. وادّعي أنه هو الظاهر في المشتقات، إمّا لدعوى الانسباق من الإطلاق، أو بمعونة قرينة الحكمة… الخ».
وقد يناقش بمناقشتين:
المناقشة الأولى: أنّ مقدمات الحكمة منتجة للإطلاق، وعلّة له. فهما دليل واحد، لا اثنان. وهذا وارد عليه.
إلا أنّه يمكن أن ندافع عنه، بأنّ الإطلاق كمصطلح أصولي، وإن عنى السعة والشمول، لكنّه قد اُستعمِل في معنى آخر، منها: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، ولا يُمكن أن يُراد منه في المقام المعنى الاصطلاحي، الذي يعني الشمول لكل الحصص، الذي هو المستفاد من مقدّمات الحكمة.
فبينما نريد إثبات تقييد المشتقّ بالحال، بنفس الإطلاق، أي أنّ نفس الإطلاق ظاهر في الحصّة، والتقييد يصرفه إلى حصّة أخرى، فيكون هذا المعنى معاكساً للمعنى الاصطلاحي، لعدم ثبوت الشمول، مع التقييد بل العكس. وإنّما يسمّى إطلاقاً، لانخرامه بالتقييد الناشئ من القرينة، فظهر أنّ الإطلاق هنا مغاير لنتيجة مقدّمات الحكمة.
المناقشة الثانية: أنّه من الخلط المشهوري بين المدلولين التصوري والتصديقي. فإنّ ما يدل على الزمان بالإطلاق إنّما هو التصديقي دون التصوري، يعني أن الانسباق والإطلاق إنما هو للتصديقي خاصة. ولا معنى لكونه في المعنى
ــــــ[275]ـــــــ
(1) الكفاية: 1: 67.
منهج الأصول ج2
التصوري. إذ لا إطلاق في المعنى الجزئي.
وجوابه:
أولاً: أنّ المعنى الجزئي المفرد قابل للانسباق والإطلاق. ولذا قالوا: له إطلاق أحوالي، وإطلاق أزماني، وإطلاق مقامي. وغير ذلك.
نعم، ليس له إطلاق إفرادي؛ لأنّ ذلك من شأن الكلي لا الجزئي، وهو جزئي وليس كلياً.
إلا أنّ الظهور الذي نحن بصدده ليس من قبيل ذلك، بل هو ظهور سياقي آخر، يمكن ثبوته للمفرد والمركب.
ثانياً: مضافا إلى أنّه ليس إطلاقاً اصطلاحياً، فيمكن ثبوته للمفرد والمركب، بمعنى اشتراط دلالة المشتقات وضعاً على الحال، كما قيل.
ولكن مع ذلك، فإنّ المراد منه هو الظهور التصديقي، لوضوح عدم الانسباق مع الانفراد في لفظ المشتق. ولا يتغير مدلوله الوضعي بالسياق، الذي قد يكون قرينة على إضافة معنى آخر إلى المعنى الوضعي، كما أنّ معنى (الرقبة) لا يتغير مدلولها، بقيد المؤمنة، وإنّما يضاف لها معنى آخر.
وأمّا استعمال مقدّمات الحكمة، لولا الانسباق المذكور؛ لأنّه يثبت عموم الزمان، وليس الحصّة الحالية: فيكون على الخلاف أدلّ.
لأنّه كما يمكن أن يُقال: إنّه لو أراد الماضي لقيّده به، كذلك يمكن أن يُقال: إنّه لو أراد الحاضر لقيّده به.
وأمّا إثبات عموم الزمان بها، فهو فرع ثبوت اشتراطه وضعاً، ولم يثبت، كما
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الأصول ج2
سيأتي. وإمكان التقييد لا يعني إمكان الإطلاق، بل يكفي فيه عدم وجود المانع من الإطلاق، وإن لم يكن المقتضي موجوداً، كما لو كان في الجوامد. فإنّه يمكن أن يقيِّد أي لفظ بالزمان ولو كان من الجوامد، وهو لغة غير محتمل. على أنّ التقييد إنّما هو للمدلول التصديقي للجوامد والمشتقات، فكذلك الإطلاق.
*****
ــــــ[277]ـــــــ
منهج الأصول ج2

[الكلام في المبحث الرئيسي في دخول الزمان في المدلول التصوري للمشتق]

والآن وصلنا إلى المبحث الرئيسي ، الذي عقدت هذه المقدمة لأجله، وهو دخول الزمان في المدلول التصوري للمشتق. وهل إن الحال مشترط وضعاً في المشتقات، أم لا؟
والجواب بالنفي لدليلين وجدانيين، وذلك بعرضه على علامات الحقيقة والمجاز، فإن حصل الإقتران النفسي الكامل، فهو، وإلا فلا.
الدليل الأول: التبادر، لأنّنا لا نفهم منه الزمان، لا بالحمل الأولي أي مفهوم الزمان، ولا بالحمل الشايع أي واقعه، وأما الانسباق إلى ما هو زماني، فهو بحسب السياق التصديقي، لا التصوري، الذي يفهم من حاق اللفظ.
الدليل الثاني: أنّ الزمان لو كان مأخوذاً في المدلول التصوري لكان منافياً لما إذا اُستعمِل في خلافه مع القرينة؛ لأنّها ستكون خلاف شرط الواضع. وكذلك لو كان مطلق الزمان مأخوذاً في المشتق، واستعملناه في غيره، كان مجازا، وكله خلاف الوجدان. فبالقياس الاستثنائي نعلم عدم دخول الزمان في المدلول التصوري للمشتق.
ــــــ[278]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وإذا لم يثبت أخذ الحال وضعاً في المدلول التصوري، فمعناه أنّ الاستعمال في غيره حقيقي أيضاً. وإن كان هو القدر المتيقن من المعاني الحقيقية. ولو قلنا به فإنّنا نقول بالحال المناسب لا الحال المطلق، كما قال السيد الأستاذ: من أنّ الإطلاق يعيّن خصوص الحال المطلق والفوري، فإنّه ليس بصحيح، إلا إذا كان الحال المناسب هو الحال المطلق والفوري، ولا توجد أيّة قرينة بخلافه.
إن قلتَ: كيف أنّ المدلول التصديقي، والقرائن المتصلة، لا تغير من المدلول التصوري شيئاً؟ وهل ذلك إلا نفي للقرائن المجازية؟ فإنّها مغيِّرة للمعنى الحقيقي لا محالة.
قلنا: هذا ثبوتاً يختلف باختلاف القصد، فإن كان القصد الأساسي هو تغيير المدلول التصوري الحقيقي إلى المجاز، أمكن إقامة القرينة عليه.
وأمّا إذا كان القصد هو العكس، أمكن إقامة القرينة المجازية مع قصد الحقيقة، لأنّ القرائن ليست نصّاً في مدلولها. أو قل إنّها ليست علّة تامّة للمجازية، فلا تكون القرائن بنفسها سبباً ثبوتياً لتغيّر المعنى.
نعم، من ناحية إثباتية تكون هي الأساس، ويكون البدء بها لمعرفة القصد من ذيها، باعتبار أنّ مرحلة الثبوت من شغل المتكلّم، فهو يستطيع أن يقصد المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. وأمّا مرحلة الإثبات فهي للسامع، الذي يبدأ بالقرائن المثبتة للظهورات العرفية، ليعلم المقصود، هل هو المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي؟ فتكون نحو ملازمة إثباتية بين المعنى المجازي والقرينة، ولكنّها لا تؤثر ثبوتاً، إلا إذا كان قصد المتكلّم بخلاف ذلك.
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وفي محلّ الكلام حيث علمنا بعدم أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق، فهذا مما لا تغيّره القرائن. ولو غيّرته، فإنّما هو مدلول خارجي تصديقي. وإن فُرِض أنّه أصبح مدلولاً تصورياً، بقصد المتكلم، كان ذلك مجازاً؛ لكونه خلاف وضع الواضع.
نعم، يمكن استعمال المشتقّ مجازاً، وإقامة القرائن عليه، بمعنى أجنبي أو مباين للمعنى الحقيقي، إلا أنّ هذا خارج عما نحن بصدده. وأمّا أن يكون عمل القرائن على تضمين مدلول الزمان في المدلول التصوري للمشتق، في حين أنّه خالٍ من ذلك وضعاً، فهذا مما لا يعقل.
فإذا كانت الكبرى المشهورية: أنّ القرينة تؤثر على المدلول التصوري، بحيث يندك المدلول التصوري في التصديقي، مع أنّ الأمر ليس كذلك. بل تبقى الكلمة مستقلة ولها نفس المعنى.، بدليل أنّنا إذا غيّرنا القيود لا يتغيّر معناها اللغوي.
ــــــ[280]ـــــــ
منهج الأصول ج2

في تصوير الجامع لخصوص المتلبّس أو الأعمّ

وهي مسألة لا بدّ من التعرض لها في مسألة المشتقّ، ولم يذكرها الشيخ الآخوند في الكفاية، مع أنّها ضرورية في وضع المشتقّ. ولكن ذكرها سيدنا الأستاذ.
وهي تصوير الجامع لخصوص المتلبّس على تقدير الوضع له، أو الأعمّ على تقدير الوضع له. فإنّ الوضع لا بدّ أن يكون لمفهوم واحد كلي، يكون هو الموضوع له لغةً وعرفاً؛ لأنّ الوضع اللغوي بدون جامع غير ممكن، وغير محتمل عقلائياً وعرفاً، وهو مما يتجنّبه الأصوليون في أبحاثهم، إذ لا يكون له محصّل معلوم.
فعلى تقدير الوضع للمتلبّس، لا بدّ من تصوير جامع مانع، لا يعمّ المنقضي. وعلى تقدير الوضع للأعمّ، لا بدّ من تصوير جامع يشملهما، بحيث يكون الإطلاق على المنقضي حقيقياً؛ لأنّه مندرج في الجامع الموضوع له.
ولو فرض تعذر هذا الجامع كفى في نفس الوضع؛ لتعذر الوضع بدونه، إذ يُراد كون الوضع عرفياً لا دقّياً، كما تصوّره الشيخ الآخوند في الجامع الصحيحي(1)، في باب الصحيح والأعمّ.
وقبل بيان الإشكالات المتصورة على الجامع على كِلا التقديرين، نحاول أن
ــــــ[281]ـــــــ
(1) الكفاية: 1: 36.
منهج الأصول ج2
ندافع -إن أمكن- عن المشهور الذي ترك التعرض إلى هذه المقدّمة، في حين أنّهم استوفوا البحث في الصحيح والأعمّ، فنتبرع لهم بالوجوه المحتملة:
الوجه الأول: أنّنا إنّما نحتاج إلى الجامع، فيما إذا احتجنا إلى الوضع، إمّا لخصوص المتلبّس أو للأعمّ منه ومن المنقضي.
لكنّا هنا ندّعي عدم الحاجة إلى وضع جديد، وذلك: بأن يُعرض محلّ الخلاف هكذا: هل إن المشتقّ يصدق على خصوص المتلبّس أم على الأعمّ منه ومن المنقضي؟ مع الالتفات إلى أنّ هذا الصدق ليس ناشئاً من الوضع للمشتقّ بما هو مشتقّ، بل من مرحلة سابقة عليه، وهو وضع هيئته ووضع مادته، ولا يُوجَد وضع ثالث لمجموعهما، بل يكفي ذلك سبباً للصدق الحقيقي.
وجواب ذلك: أنّ هذا له منشأ انتزاع، يأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى. لكنّنا هنا لما كُنّا ندافع عن المشهور: فلا بدّ أن نتكلّم بلسانه. وقد قالوا: هل إن وضع المشتقّ لكذا أم كذا؟ وهذا معناه الملازمة بين الاستعمال الحقيقي والوضع الثالث. وهو محتاج إلى عنوان جامع لا محالة.
الوجه الثاني: أنّ هذا الجامع تصوّره مستحيل؛ لأنّه جامع بين النقيضين.
وجوابه: أنّ الوقوع أدلّ دليل على الإمكان، والمفروض وقوع أحد الوضعين على أيّ حال، على نحو مانعة الخلو. وهذا الإشكال إن كان مستحيلاً، فهو خاصّ بالأعمّي ولا يشمل المتلبّس، وسيأتي الحديث عن الجامع الأعمّي بعونه سبحانه.
الوجه الثالث: أنّ الجامع لا حاجة إلى تصوّره، بل يكفي نفس معنى المشتقّ وعنوانه، سواء أردنا به خصوص المتلبّس أو الأعمّ.
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والجواب: أنّ هذا لا يحلّ المشكلة، فإنّه إنّما يُراد بالجامع: المعنى الجامع للحصص، فإنّ كان متصوّراً، فمدلول المشتقّ أو معناه محدّد ومحصور ووحداني ووجداني، وهو الذي وضع المشتقّ بإزائه.
وأمّا إذا تكثّرت الحصص، ولا أقل من حصّتين، وكانت متباينة، فيحتاج كل معنى وحصّة إلى وضع جديد. ولا يمكن اتحاد الوضع فيهما، لفرض تباينهما، فلا بدّ من تصور المشتقّ.
إذن، فنحن بهذه التقريبات لم نستطع أن نجد مبرراً لعدم تصوير الجامع، فلعلّ المشهور حذفها سهواً.
[الحديث عن الجامع الأخصي]
وندخل الآن في تصوير الجامع، وينبغي ان نقدم الحديث عن الجامع الأخصّي ثم الحديث عن الجامع الأعمّي.
أمّا الجامع لخصوص المتلبّس، فقد قال سيدنا الأستاذ(1): «أنّه يمكن تعقله وتصويره، وهو الذات المتلبّسة بالمبدأ، ولا يفرق في ذلك سواء كان مفهوم المشتقّ مركبّاً أو بسيطاً».
فإنّ كان مركبّاً، فما قلناه هو الجامع وهو مركّب من الذات والحدث، وإن كان بسيطاً، فالجامع لا محالة بسيط، ويكون الجامع هو الحدث – كالعلم مثلاً – مأخوذاً لا بشرط عن الحمل، أي بشكل يمكن حمله، وليس كالمصدر المأخوذ
ــــــ[283]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 371.
منهج الأصول ج2
بشرط لا عن الحمل، فلا يمكن حمله.
فالجامع يكون واضحاً، وهو نفس العلم، ويكون محفوظاً في جميع موارد التلبّس.
ويمكن مناقشته في ذلك على كِلا المستويين، أعنى مستوى القول بتركيب المشتقّ ومستوى القول ببساطته.
أمّا بناءً على التركيب فقد قال: إنّ الجامع هو الذات التي لها التلبّس. وهذا إن أُخِذ بدلالته المطابقية كان جزافاً؛ لأنّ المراد إن كان مفهوم التلبّس فهو باطل، لأنّنا لا نفهمه منه وجدانا. وإن كان واقع التلبّس أي نفس الاتصاف الخارجي، فهنا عدّة مراحل متدرجة في الإنتاج:
أولاً: إن التلبّس معنى اصطلاحي غير عرفي وغير عقلائي، ولا يلتفت إليه ابن اللغة، فيمتنع الوضع له؛ لأنّ الوضع فرع التصور، سواء كان الوضع تعيينياً، من قبل واضع بشري، أو تعيّنيا من عمل المجتمع. بل الوضع التعيّني أولى بالمنع؛ لأنّ المجتمع في ذلك أقل فهماً من الواضع البشري.
ثانياً: إنّه لو تنزّل عن مادة التلبس، وقال: إنّ المقصود معناه، وهو الاتصاف. فيكون المراد: الذات المتصفة، وهو معنى عرفي يمكن أن يقصده الناس، وهذا معقول في نفسه، ما لم نلتفت إلى المرحلة الثالثة.
ثالثاً: إنّه أهمل ذكر المتلبّس، وهو المبدأ. وتقديره: الذات التي لها التلبس والاتصاف بالمبدأ، فرجع المطلب دورياً، وتعريفاً للشيء بنفسه!
وأمّا بناءً على البساطة، فقال: «إنّ الجامع هو ذات الحدث مأخوذاً لا بشرط
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الأصول ج2
عن الحمل، وهذا غير عرفي لا إثباتاً ولا ثبوتاً».
أمّا إثباتاً، فإنّ اللابشرط معنىً دقي وليس عرفي، فلا يتيسر للواضع أخذه، سواء كان بالوضع التعييني أو التعيّني.
وهذا الإشكال وارد على مبنى المتقدمين، من أنّ الواضع بشري واحد، وأمّا على مبنى المتأخرين من أنّ الواضع هو الله سبحانه، فقد يقال: إنّ علمه محيط بكل شيء، ويأخذ بنظر الاعتبار مصلحة اللغة، إلى جنب مصلحة أهلها، ولا يتعذّر عليه أخذ هذه المفاهيم. فتأمل.
وأمّا ثبوتا، فلأمور:
1- أنّ الحدث بما هو حدث معنى مصدري، وهو مباين للذات، فـ(زيد) شيء و(العلم) شيء آخر، وحمل المباين على المباين متعذّر، وهذا المعنى لا تختلف فيه التعابير التي تقال عنه. فصياغته بلفظ الفاعل لا يبرر ذلك، إن كان المراد به ذات الحدث.
ولا يمكن لنا أن نلحظ الحدث لا بشرط عن الحمل؛ لأنّه بذاته، بشرط لا عن الحمل ومباين للموضوع، فلا يجوز حمله ويبقى الحمل ممتنعاً، حتى مع التقييد.
وبتعبير آخر: أنّ الـ(لا بشرط) والـ(بشرط لا)، متباينة. ومن المعلوم أنّ الحدث بشرط لا عن الحمل، فلا يمكن أن نقيّده بمباينه، وهو اللابشرط.
2- أنّ الفرق-بناءً على ذلك- ينعدم بين اسم الفاعل واسم المفعول، وسائر المشتقات، فإنّ كِليهما قابل للحمل، وكليهما بسيط، فهل إن معناه أنّ معناها ذات الحدث، بدون فرق بينهما، وهذا في واقعه إشكال على بساطة المشتقّ.
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إن قلتَ: إنّ الفرق ينبغي أن يكون واضحاً بين المشتقات، فإنّ الفرق إنّما هو في هيئاتها.
قلنا: هذا صحيح. لكن هذا يصحّ عند من يرى أنّ المشتقّ كمركّب من المادة والهيئة، فيصبح كلٌّ منهما قرينة على الآخر، مما يكفي في فهم جميع الظهورات. إلا أنّ المشهور الذي عنون هذه المسألة، وأنّ المشتقّ هل وضِع لكذا أو كذا؟ معناه أنّه وضِع بوضع ثالث جديد للمركّب، بغضّ النظر عن مادته وهيئته، وكأنّه لا وضع سابق له.
3- أنّ الحدث هو مادة اسم الفاعل واسم المفعول، فهو جزء منها، ولا يصحّ أن يكون جزؤها جامعاً لها؛ لأنّ الجزء ثابت في المرتبة المتقدمة عليه، والجامع ثابت في المرتبة المتأخّرة عنه؛ لأنّه منتَزَع عنه بنحو من أنحاء الانتزاع، فيلزم تقديم ما هو متأخّر، وتأخّر ما هو متقدّم، وهو مستحيل.
لا يُقال: إنّ الكلي أيضاً، هو جزء من الجزئي، كما قال الفلاسفة.
فإنّه يُقال: إنّ الكلي كذلك بالتحليل العقلي لا الخارجي، كالحيوان بالنسبة للإنسان. والمادة جزء خارجي للمشتقّ، فهذا قياس مع الفارق.
4- أنّ الجامع ينبغي أن يكون مانعاً عن الاغيار، مع أنّ هذا الجامع المقترح، فإنّها محتوية على الحدث ولا بشرط عن الحمل، وهي خارجة عن المشتقّ الأصولي أكيداً.
كما يمكن النقض على مجموعة من الأصوليين المتأخّرين، كالشيخ الآخوند والمحقّق الأستاذ، باسم الزمان، الذي أخرجوه عن المشتقّ الأصولي، مع كونه مندرجاً في هذا الجامع المقترح.
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الأصول ج2
5- إذا كان الجامع هو الحدث، والمفروض أنّ الحدث الذي هو مدلول المادة، يصدق مادامت المادة موجودة، فما دام الفرد متّصفاً بالعلم فهو عالم. وأمّا مع زوال الحدث، أي ارتفاع الصفة مع بقاء الذات، فقد تبدلت المادة إلى نقيضها، ولا يصدق الشيء مع نقيضه لا حقيقةً ولا مجازاً. مع أنّ الأصوليين تسالموا على صدقه، إمّا حقيقةً، بناءً على القول بالأعمّ. أو مجازاً، بناءً على القول بالوضع لخصوص المتلبّس.
نعم، يمكن أن نوحّد بين الفكرتين، وهما: أنّ الحدث هو المادة، وأنّ الحدث غير قابل للحمل. فينتج: أنّ الحدث ما دام هو المادة، فلا حاجة إلى حمله. فتصلح أن تكون هي الجامع، إلا أنّ المشهور لا يقبل ذلك.
على أنّه يرد عليها أمور:
أولاً: ما قلناه من أنّ المادة جزء المدلول، فلا تكون جامعاً.
ثانياً: أنّ ذات الحدث معنى مباين للمعنى المستخلص، والمفهوم من المشتقّ ككل، كـ(اسم الفاعل) أو غيره.
ثالثاً: إنّه، لو تمّ، فهو يشمل أحد الاسمين: اسم الفاعل أو اسم المفعول، ولا يُحتمَل أنّ يكون شاملاً لهما معاً، وإلا لترادفا، لوضوح أنّ المادة فيهما واحدة، كعالم ومعلوم، فهو لا يكون شاملاً لهما، فضلاً عن غيرهما.
رابعاً: إنّ المادة جزء تحليليّ، لا تلفظ وحدها بدون هيئة، فكيف يضع لها الواضع العرفي- بدون الإطلاع على التدقيقات -؟ إلا أنّه وإن كان يمكنه أن ينتزع منها معنى اسمياً مشيرا إليها، إلا أنّه غير عرفي. أو قل: إنّ هذه العملية غير عرفية؛ لأنّها تتوقف على تصوّر طرفها، وهو المادة، وهو غير عرفي.
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الأصول ج2
خامساً: إنّه يُراد مشهورياً من استعمال المشتقّ، استعماله محمولاً في جملة؛ ليكون مجازاً أو حقيقةً، وهذا جزء من الخلط بين المدلولين: التصديقي والتصوري. ولم يلاحظه الأصوليون وحده؛ لنتكلم عن وضعه مستقلّاً.
سادساً: يمكن أن يُقال: إنّ المادة مادامت جامعاً، فإنّها لا تصدق على نقيضها، يعني حال زوال الصفة، لا حقيقةً ولا مجازاً، وهو خلاف التسالم بين الأصوليين، كما سبق.
*****
والصحيح أن الجامع يحتاج إلى بيان عدة مقدمات:
المقدمة الأولى: قد عرفنا إننا نحتاج إلى تصور الجامع، إذا قلنا بالوضع الثالث زائداً على الوضع الأوّلي للمادة والهيئة، فلو لم نحتج إلى الوضع الثالث، لم نحتج إلى الجامع.
وهذان الوضعان الأوليان، لهما جامع في أنفسهما، فجامع الهيئة: هو ما كان على زنة (فاعل) أو (مفعول). وجامع المادة: هو الحدث أو الصفة. وهما كافيان في وضعهما للدلالة على حقيقة ما ينطبقان عليه، سواء كان هو خصوص المتلبّس أو الأعمّ.
وفي الحقيقة يكون الانطباق على المنقضي عنه المبدأ حقيقةً مستحيلاً؛ لأنّ الدال على الصفة هو المادة، وهي إنّما تصدق في صورة وجودها، ولا تصدق على نقيضها. كما لو زال (العلم)، فلا يصدق عليه أنّه (عالم)، إلا بضرب من التأويل والمجاز، وهذا كافٍ في البرهنة على صدق المشتقّ حقيقةً على المتلبّس.
ــــــ[288]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إذن، فالقائل بالوضع للأعمّ هو الذي يحتاج إلى تصوّر الجامع؛ لأنّه هو الذي يحتاج إلى القول بوضع ثالث، تخلّصاً من هذه الاستحالة.
وحيث إنّ القول بالانطباق الحقيقي على الأعمّ غير محتمل تقريباً، ولم يقل به المشهور، إذن، لا نحتاج إلى جامع.
نعم، لو تنزّلنا إلى عنوان المشهور، وقلنا بالحاجة إلى الوضع على كِلا التقديرين، احتجنا إلى الجامع على كِلا التقديرين، ومن هنا قلنا إنّه بناءً على العرض المشهوري نحتاج إليه، مع أنّ المشهور لم يتعرّض إليه.
المقدمة الثانية: أنّ القول ببساطة المشتقّ ليس قولاً صحيحاً. كما يأتي في محلّه، وكل الذي أوردناه على الجامع بناءً على البساطة كترادف المشتقات ونحوها، إنّما هو ناشئ من القول بالبساطة.
إذن، فلا نكون مسؤولين عن تصور الجامع إلا بناءً على تركّب المشتقّ. وقد رأينا أنّه بناءً على البساطة، فالجامع غير صحيح. إذن، فالوضع متعذر حتى بناء على التلبس، فضلاً عن الأعمّ.
وواضح أنّه في الأعمّ غير معقول؛ لأنّ الحدث لا ينطبق على نقيضه، ولا جامع بين النقيضين، وهذا ما يأتي لدى التعرض للجامع الأعمّي.
المقدمة الثالثة: ما قلناه من أنّ الجامع ينبغي أن ينطبق على خصوص المشتقّ الأصولي، دون المشتقّ النحوي، فيكون جامعاً بين حصص المشتقّ الأصولي حتى الجوامد، أو ما قيل عنها إنّها جوامد، كالزوج والحر والعبد. ومانعاً عن المشتقّ النحوي، كالمصادر والأفعال.
ــــــ[289]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المقدمة الرابعة: أنّ الجامع الماهوي للمشتقّ، وإن تحدثنا عنه في الأصول على أساس كونه واحداً، إلا أنّه في الحقيقة انحلالي إلى عدة جوامع بتقسيمين:
التقسيم الأول: التقسيم إلى حصص المشتقّ، كأسماء الفاعل والمفعول والزمان وغيرها. إذ لا يُحتمَل أن يكون الجامع المنطبق على أحدهما منطبقاً على الآخر، للاختلاف الوجداني بين الموارد.
التقسيم الثاني: التقسيم من حيث المواد، كعالم ومهندس. إذ لا يُحتمَل أن يكون الجامع في أحدهما منطبقاً على الجامع في الآخر.
فالتقسيم الأول للهيئة والثاني للمادة. وإن كُنّا هنا -بعد التنزل عما سبق- قد ألغينا المادة والهيئة، وقلنا بالحاجة إلى الوضع الثالث. فيكون عنوان التقسيم الأول: حصص المشتقّ، وتشير إليها الهيئة. ويكون عنوان التقسيم الثاني مداليل المشتقّ، وتشير إليها المادة.
وهذا الجامع يمكن أن يُقال عنه إنّه هو الذات المتصفة، وعندئذٍ ندفع الإشكالات التي قلناها على ما اقترحه سيدنا الأستاذ، كقولنا: إنّ التلبس أمر غير عرفي واللابشرطية أمر غير عرفي. كما تخلصنا من إشكال الدور، الناشئ من اخذ مفهوم المعرف في التعريف.
وينبغي لهذه الذات أن تقيَّد بالحال المناسبة لها؛ لأنّ المادة تعطينا الاتصاف، أمّا الهيئة فهي بمنزلة القرينة المتصلة، وتعطينا الانطباع المعيّن عن كيفية الاتصاف. فهذا منفعل بالضرب، وهذا فاعل للضرب، وهذه صفة دائمة، كـ(كريم). وينبغي كونها قيداً مناسباً لحصص الجوامع المتعددة.
ــــــ[290]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وبمضمون الهيئة هذا اختصّ كل جامع بمورده، فاختصت الجوامع بالمشتقات الأصولية، ولم تعم النحوية؛ لأنّ تلك وإن كانت لها جوامعها، إلا أنّها لا تندرج في الجوامع الأصولية، لأنّنا قلنا: أنّه لا يمكن أن يوجد جامع واحد لعموم المشتقّ؛ ليمكن أن يندرج فيه المشتقّ النحوي.
ونحن فيما يلي نذكر الجامع مطبقاً على اسم الفاعل، كما ذكره السيد الأستاذ. ثم نذكر الفروق مع غيرها من الموارد. فإنّ الموارد تختلف حتى في اسم الفاعل، فهناك الصادر منه الفعل كالضارب. وهناك القائم به الفعل كالمائت والمتهدم. وهناك اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، كالداحضة، بمعنى المدحوضة. ونحو وزن (فعيل) الذي يكون على معنى فاعل تارةً، وعلى معنى مفعول أخرى.
وأمّا اسم المفعول والصفات المشبهة وغيرها، فكلٌّ بحسبها. فلا بدّ من تقييد الجوامع المتعلقة بها كل بحسبها، مثل أن تقول: الذات المتصفة بالضرب اتصافاً صدورياً. أي الفاعلة للضرب. أو الذات المتصفة بالضرب اتصافاً انفعالياً، أو الذات المتصفة بالموت اتصافاً انفعالياً. أو الذات المتصفة بالدحض اتصافاً انفعالياً. ونحو كل اسمِ مفعول.
وكذلك نقول: الذات المتعلقة بالوصف اتصافا مستمراً، كالحسن والوقور والكريم. ونحوها، في الصفات المشبهة. أو الذات المتصفة اتصافا مكانياً، أو المكان المتصف. ونحوه الزمان، ونحو الآلة. وهكذا.
ونحن في هذه الجوامع لم نتعدَ معنى المادة والهيئة، فإنّ الصفة هي معنى المادة، في حين أنّ الفاعلية والانفعال والدوام وغيرها، هي معنى الهيئة.
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهذا يقرّب ما قلناه من عدم الحاجة إلى وضع ثالث لإغناء وضع المادة ووضع الهيئة عنه.
وهنا شيء يجدر الالتفات إليه: وهي النسبة الوصفية بين المادة والهيئة، ففي قولنا الذات المتصفة: يعني وجود نسبة ناقصة بين الصفة والموصوف، ويعتبر كل واحد منهما قرينة على الآخر، وهي نسبة واقعية موجودة تكويناً بينهما. وهي تعبير آخر عن النسبة المتحققة بين الهيئة والمادة.
بقي أن نجيب على إشكال، قد يتوجه إلينا بخصوص ما قاله الشيخ الآخوند والمشهور، حيث أعتبر حصّة من المشتقّ ما يسمى بالجوامد، كالحر والعبد والزوج، فهل إن هذه الجوامع المقترحة شاملة لها أم لا؟ حيث يُفترَض عدم وجود هيئة ومادة مستقلين لها، ولا نسبة ناقصة وصفية بينهما.
وهذا له عدّة أجوبة:
الأول: ما قلنا سابقاً من أنّ هذه العناوين ليست جوامد، بل هي صفات مشبهة، وهي حاصلة على مادة وهيئة موضوعة وضعاً استقلالياً.
وبهذا التقريب قلنا: إنّ بين المشتقّ النحوي والأصولي عموما مطلقاً، فسقط هذا الإشكال على نحو السالبة بانتفاء الموضوع.
الثاني: أنّنا لو تنزّلنا وقلنا إنّها جوامد لم توضع هيئاتها وضعاً مستقلاً، كالمشتقات، فمادمنا لا نحتاج إلى الوضع الثالث، فنقول: إنّ المعنى أو الصفة موجودة ومفهومة من المادة. وأمّا الهيئة، فيكون بدلاً عنها السياق، لكنه ليس كسياق الجمل والهيئات المركبة، حتى يقال: إنّ هذا مما لم يقل به أحد، فإنّ ذلك
ــــــ[292]ـــــــ
منهج الأصول ج2
سياق تركيبي ناشئ من اجتماع الكلمات، وهذا سياق إفرادي، باعتبار أنّه مستفاد من كلمة واحدة.
الثالث: ولو تنزّلنا أمكن أن نقول: إنّ الجوامد قسمان: وصفية وغير وصفية. والثانية ليس لها مادة وهيئة، بل وضِع المجموع المركّب لمعناه، كأرض وسماء، وهي خارجة عن محلّ الكلام.
أمّا الأولى، فينبغي أن نقول: إنّ لها نحواً من أنحاء الهيئة، وإنّها ملحوظة ولو ارتكازاً للواضع، ومنها يُعرف نحو الاتصاف والكيفية المناسبة له، من قبيل أن نقول: إنّه الاتصاف الدائم في الحر والعبد، والاتصاف المعاملي أو العقدي في زوج.
ولا شكّ أنّ المادة لا تفيده؛ لأنّها تدل على صرف المعنى المصدري، فتكون الاستفادة من هيئة موجودة بنحو من أنحاء الوجود.
*****
ويحسن بنا أن نشير هنا إلى مقارنة بين الجامع الذي تكلم عنه الأصوليون في مبحث الصحيح والأعمّ، والجامع المذكور هنا، فإنّ بينهما فروقاً، وينفع في فهم الجامع هنا وهناك. منها:
الفرق الأول: أنّ الجامع الأعمّي في الصحيح والأعمّ، كان هو الأسهل تصوراً، وهو الصلاة العرفية أو معظم الأجزاء أو الحركة والذكر، ونحوها. بخلاف الجامع الصحيحي أو الأخصي، فإنّه معقد، مع اختلاف الصلوات الصحيحة اختلافاً كثيراً.
ــــــ[293]ـــــــ
منهج الأصول ج2
حتى قال عنه الشيخ الآخوند(1): «بأنّنا نعرفه من آثاره، وهي النهي عن الفحشاء والمنكر والمعراجية»، ولا اسم له في اللغة، فتورّط بأمر غير عرفي لا يعرفه حتى الاختصاصيون.
بخلاف الجامع في المشتقّ، فإنّ الصعب فيه والمتعذر هو جانب الأعمّ، مع سهولة الجامع الأخص نسبياً.
الفرق الثاني: أنّ الجامع في الصحيح والأعمّ، حيث إنّه جامع للعبادات، فالصحيح له اثر أي معلولات ونتائج، وكذلك الأعمّ لعل له نفس النتائج، لكن اقتضاءً لا فعلاً. فالصلاة مقتضية للمعراجية وللنهي عن الفحشاء والمنكر. غاية الأمر أنّها باطلة، لوجود بعض الموانع أو فقد بعض الشرائط، ولولاها لكان مقتضي المِلاك مؤثّراً. وعلى أيّ حال فمقتضي التأثير موجود في الصحيح والأعمّ.
أمّا جامع المشتقّ سواء كان أخصياً أم أعمّياً، فليس له آثار لتعرفه منها، بل هي جوامع لغوية صرفة.
الفرق الثالث: أنّنا هناك لم نحتج الا جامعاً واحداً، لأنّنا كمشهور الأصوليين، كنا نتحدث عن عبادة واحدة هي الصلاة، وهي موضوعة بوضع واحد لجامع واحد إمّا صحيحي أو أعمّي، ولا يجتمعان.
أمّا هنا فالجامع إما صحيحي (للمتلبس) أو للأعمّ، ولكن على كِلا التقديرين: لا بدّ له من جوامع متعدّدة على عدد المشتقات حصصاً وأفراداً. وقد صحَّ هذا في جامع المتلبّس، كما سمعنا. فإن صحَّ أيضاً في الأعمّ فهو، وإلا كان دليلاً على بطلانه،
ــــــ[294]ـــــــ
(1) الكفاية: 1: 36.
منهج الأصول ج2
لوضوح أنّ جامعاً واحداً غير كافٍ فيه.
إن قلت: إننا في الصحيح والأعمّ، أيضاً نحتاج إلى عدة جوامع بعدد العبادات. وهذا صحيح، غير أنّ المشهور اقتصر الحديث عن الصلاة، وفي الواقع أن الجامع الصعب الذي لا نعرفه إلا بآثاره، إنّما هو الصلاة، دون سائر العبادات. وذلك لامتيازها بأنّها لا تسقط بحال، وأنّها يجب الإتيان بالممكن منها، دون سواها من العبادات. ولذا لو لم تكن تتصف بذلك كان الجامع معقولاً، تركيبياً كان أم بسيطاً. وكذلك سائر العبادات.
الفرق الرابع: أنّهم اختلفوا في مبحث الصحيح والأعمّ، أنّ الجامع هل هو تركيبي أم بسيط؟ يعني أنّه هل هو محتوٍ على الأجزاء والشرائط أم لا؟
أمّا هنا في المشتقّ، فنحتاج إلى جامع وحداني معبّر عن معنى واحد للمشتق، وبالتالي فهو بسيط.
فإن قلتَ: فإنّنا اخترنا التركيب في الجامع هنا، وهو الذات المتصفة، فالجامع تركيبي وليس بسيطاً.
قلنا: هذا التركيب غير ذاك. فإنّ الصحيحي جمع بين أمور متباينة بالماهية والمقولة، كالأجزاء والشرائط. أمّا هنا فالتركيب تحليلي بين صفة وموصوف فقط.
فإن قلتَ: فإنّها أيضاً ماهيات متباينة، أحدها من صنف الجوهر وهي الذات، والأخرى من صنف العرض، وهي الصفة. وكلٌ من الجوهر والعرض مقولة مستقلة عن الأخرى. إذن، فالجامع مركب بالمعنى الفلسفي.
قلنا: نعم، هذا صحيح، ولكن مع ذلك فإنّ بينهما فروقاً:
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الأول: ما قاله السيد الأستاذ في مناسبات أخرى، من تركب مفهوم وحداني بين القيد والمقيّد: بحيث يبقى الفرق بينهما تحليلياً. في حين أنّه لا يُوجَد هناك مثل ذلك، لتعدد مفاهيم الركوع والسجود والقراءة، أمّا هنا فيُوجَد مفهوم واحد هو الذات المتصفة، كعالم.
الثاني: أنّ المأخوذ في جانب المشتقّ وحدة الزمان، في حين أنّ المأخوذ في الجامع الصحيحي تتابع الأزمنة.
ففي نحو: (زيد العالم)، توجد الصفة في نفس زمان وجود الذات، ولو وجِدت الذات أولاً، ثم الصفة بعدها، فالاتصاف غير موجود. إذن، فالتقارن الزماني مأخوذ فيها.
وأمّا بالنسبة إلى أجزاء الصلاة، فالتتابع الزماني مأخوذ. إذ يسبق الركوع ويلحقه السجود.
فإن قلتَ: إنّ الصلاة كذلك، فإنّ فيها تقييداً، أي تقييد الركوع بالسجود وهكذا. والتقييد، يرجع إلى التقارن الزماني.
قلنا: إنّ القيد المقارن، هو كون الركوع متبوعاً بالسجود، أمّا نفس السجود فهو متأخر، وليس هو بذاته وصفاً، بل بلحاظ لحوقه الزماني. فالصفة الدقية مقارنة، إلا أنّ متعلقها متأخر. بخلاف المشتقّ، فإنّ (العالم) بنفسه قيد مقارن للذات.
الفرق الخامس: أن ننظر إلى الجامع الذي هو الماهية المتصفة، نظراً فنائياً أو باطنياً، فنقول كما قال الحكماء: إنّ الصفة عين الموصوف، والعلم عين المعلوم،
ــــــ[596]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وليس أمراً زائداً عليه وجوداً وحقيقةً. والموجود حقيقةً هو الذات، فرجعنا إلى البساطة. لكن من جهة أنّه موضوع للذات لا للصفة؛ لأنّ الصفة فانية في الذات دون العكس.
وهذا بخلاف الجامع الصحيحي؛ لأنّه لا معنى لفناء جزء من الصلاة في جزء آخر، بل لا بدّ من استقلالها وتتابعها لتكون مجزية.
هذا تمام الكلام في الجامع بناءً على الوضع للمتلبس.
*****
[الحديث عن الجامع بناء على الوضع للأعم من المتلبس والمنقضي]
أمّا الجامع بناءً على الوضع للأعمّ من المتلبّس والمنقضي. فهو إمّا جامع بسيط بناءً على بساطة مفهوم المشتقّ، أو مركّب بناءً على تركيبه.
أمّا الجامع البسيط، فغير معقول، وإذا لم يكن معقولاً، فيتعين الوضع لخصوص المتلبّس بناءً على بساطة المشتقّ.
وتقريب عدم المعقولية تقريبان:
التقريب الأول: ما ذكره السيد الأستاذ: من أن بساطة المشتقّ تعيّن أنّه موضوع للحدث، لا بشرط عن الحمل. وليست الذات دخيلة فيه أصلاً؛ لأنّ ذلك خلاف فرض بساطته.
ومن الواضح: أنّ الحدث الذي هو معنى الصفة، لا يكون في الانقضاء متحققاً، وإنّما في خصوص حال التلبس، فليست الصفة محفوظة في المنقضي عنه
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الأصول ج2
المبدأ؛ لكي يكون جامعاً بين المتلبّس والمنقضي.
التقريب الثاني: إنّه بناءً على البساطة، لا يكون مدلول المشتقّ إلا الحدث، وهو صادق في مورد وجود مصداقه، يعني في مورد وجود العلم، لا في مورد عدمه؛ لأنّ ماهية الحدث لا تصدق على نقيضها (يعني عدم العلم)، فلا يكون عدم العلم حصّة من العلم؛ ليكون العلم جامعاً بين الحصتين.
وِكلا التقريبين مؤدّاهما واحد، إلا أنّنا في الثاني استغنينا عما هو قابل للمناقشة في التقريب الأول، مما سبقت مناقشته. كقوله: «لا بشرط عن الحمل». بل تحدثنا عن الصفة بنفسها، وأنّها لا تصدق على نقيضها.
مضافاً إلى أنّنا استعملنا القاعدة الواضحة: وهي استحالة انطباق الماهية على نقيضها. وأمّا هو فقد اكتفى بالقول: بأنّ «حالة الانقضاء لا يمكن صدقها على الاتصاف». ولم يبين الكبرى التي هي القاعدة المذكورة.
وأمّا قوله: «والذات إنّما تكون متحدة مع التلبس». فإن أراد بالذات مفهوم المشتقّ، وأنّه ينطبق مع التلبس دون عدمه، فهو صحيح. إلا أنّه خلاف المصطلح، فإنّ مرادهم من الذات هي الذات المبهمة، وإنّها متحدة مع المبدأ وفانية فيه. ومراده أنّه يبقى مفهوم المشتّق واحداً.
إلا أنّ هذا قابل للمناقشة من عدة جهات:
أولاً: إنّ الذات لا تفنى في الوصف. وإنّما الوصف هو الذي يفنى في الذات.
ثانياً: إنّ هذا قول بتركيب المشتقّ حتى لو قلنا بأنّ الوصف والموصوف مرجعهما إلى جزئين تحليليين. فإنّ مراد القائل بالتركيب ليس أكثر من ذلك، في
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الأصول ج2
مقابل الوحدة، وهو الدلالة على الوصف خاصة. ولا يشفع له فناء الذات في الوصف، إلا إذا زالت الذات بالمرّة، فتعود الوحدة.
وأمّا الجامع التركيبي بناءً على وضع المشتقّ للأعمّ، بناءً على تركيب مفهوم المشتقّ، فيكون بعدّة تقريبات:
التقريب الأول: ما ذكره السيد الأستاذ(1): من «أنّ الجامع هو الذات المقترنة بأحد الزمانين: زمان التلبس وزمان الانقضاء. في مقابل زمان ما قبل التلبس. وحينئذٍ يصدق المشتقّ صدقاً حقيقياً، على كِلا الحالين: التلبس وما بعده، دون ما قبله».
قال: «وهذا الجامع معقول في نفسه، إلا أنّه يستلزم اخذ الزمان في مفهوم المشتقّ. وقد عرفنا فيما سبق عدم أخذ الزمان فيه، فهذا الجامع لا يصلح للجامعية».
ولنا عدّة تعليقات على أصل تصور الجامع، وعلى ما أشكل عليه به، نوردها كما يلي:
أولاً: إنّ وجود جامع مفهومي أو ماهوي، لحصتين من ثلاث، بحيث يكون مانعاً عن دخول الثالثة، غير معقول. فالإنسان كلي قابل للصدق على حصص كثيرة، كالعراقي والهندي والتركي على السواء، فإيجاد جامع ماهوي لاثنين منها دون الثالث، غير متصوّر في اللغة ولا العرف.
وحتى الجامع الانتزاعي، وهو عنوان أحدها أو أحدهما، فإنّه غير عرفي هنا؛ لأنّه يتحصّل منه جامع مردّد بين الحصتين، لا أنّه ينطبق عليهما معاً بالسوية، إذ
ــــــ[299]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 372.
منهج الأصول ج2
يستحيل أن ينطبق أحدهما على مجموعهما. ونحن نريد أن يكون زيد المتلبّس بالعلم والمنقضي أيضاً، مصداقين حقيقيين معاً، وإنّما يصح ذلك في الجامع المفهومي الوحداني، لا مفهوم أحدهما.
ثانياً: إنّه لو حصل هذا الجامع لكان جامعاً بين النقيضين، وهو التلبس والانقضاء؛ لأنّ الأول معناه الصفة، والثاني عدمها. والجامع بين النقيضين مستحيل عرفاً وعقلاً.
ثالثاً: إنّ فيه خلطاً بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي، فإنّ التلبس والانقضاء يكون في التصديقي. وأمّا المدلول التصوري، فلا يعقل فيه الانقضاء؛ لأنّه كلي لا جزئي، وما ينقضي هو الجزئي لا الكلي.
وهذا منه سير على طبق مشرب المشهور، في الخلط بين المدلولين. وقد سبق أن قلنا إنّ المدلول التصديقي لا يمكن دخوله في الوضع.
رابعاً: إنّ هذه الذات التي تصورها هنا، ذاتان محتملتان لا ذات واحدة. إحداهما: في داخل المشتقّ، بناءً على التركيب الذي نتحدث عنه الآن، وهي ذات مبهمة.
ثانيهما: ذات في خارج المشتقّ ويحمل عليها المشتقّ، كزيد في (زيد عالم).
فالذات التي يصدق عليها التلبس والانقضاء هي الذات الخارجة، ولكنّها من المدلول التصديقي أو الجملي، وهي لا دخل لها في الوضع. وإنّما المدلول التصوري هو الموضوع له.
وأمّا الذات الداخلة في المشتقّ، فهي مبهمة لا تتعين لزمان وهي متساوية
ــــــ[300]ـــــــ
منهج الأصول ج2
النسبة للأزمنة الثلاثة. مضافاً إلى أنّها لا يصدق عليها الانقضاء، وإنّما يصدق على الذات الخارجة. فحصّة الانقضاء عندئذٍ لا تكون داخلة في الجامع المذكور.
خامساً: إنّه قال: إنّ الجامع الموضوع له المشتقّ هو الذات في أحد الزمانين، في حين أنّه – مع غض النظر عما سبق – لا ينبغي أن يصاغ الأمر هكذا، بل ينبغي أن نقول: هو الذات المتصفة. بحيث يكون قيد الحال والاستقبال قيد للمتلبس، لا لأصل الذات، وعندئذٍ ينتفي الفرق بين الجامع الأول والثاني اللذين ذكرهما.
سادساً: يمكن التخلص من إشكال السيد الأستاذ: بأن نلحظ الزمانيين لا الزمانين. فان التلبس والانقضاء زمانيان.
ولا بأس بأخذهما في مدلول المشتقّ بناءً على التركيب. كما قال هو، في تفسير الحال بزمان النطق: بأننا نأخذ نفس النطق لا زمانه.
فهنا نأخذ ذات التلبس والانقضاء لا زمانهما، فالتعبير بالزمان يكون إشارة مجازية إلى الزماني، فلا يلزم أخذ الزمان في مدلول المشتقّ.
سابعا: إنّنا لو تنزّلنا عن ذلك، فقد سبق أن قلنا: إنّ كل تقييد بزمان أو زماني يرجع إلى التقييد بالزمان، لا بأصل الذات، إذ قد تكون الذات موجودة في زمان آخر ولا يصدق التقييد. إذن، فالفهم العرفي على التعاصر الزماني بين القيد والمقيّد.
إذن، فلا يكون هذا التقريب مستنكراً عرفاً، إذا جرى على حسب قانون التقييدات. وإنّما الإشكال فيه صدقه على المنقضي، وهو باطل على ما سيأتي.
التقريب الثاني: للجامع: هو الذات التي تلبسها إمّا قبل الجري؛ (ليصدق المنقضي)، أو حين الجري. وجامعه: الذات المتلبّسة بتلبّس ليس بعد الجري.
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فحين نقول: زيد عالم الآن، فإن كان له تلبس فعلي أو قبل الآن، كان مصداقاً للجامع، وإذا كان يتلبس فيما بعد، لم يكن الإطلاق حقيقةً، بل مجازاً؛ لأنّه ليس مصداقاً من المعنى الموضوع له.
وبهذا يظهر الفرق بين الجامع الأول والجامع الثاني، فإن القيود إن رجعت إلى الذات، فهو الجامع الأول، وإن رجعت إلى التلبس فهو الجامع الثاني.
وبذلك يندفع -صورة- عدد من الإشكالات السابقة:
منها: الجمع بين النقيضين، إذ لا تُوجَد هنا حصّة عدمية بل كل الأمور وجودية.
ومنها: إنّ الجامع كانت فيه القيود راجعة إلى الذات، وقد سبق أن أشكلنا عليها، في حين تعود القيود هنا إلى التلبس.
ومنها: عدم العرفية، باعتبار أنّ قيدية التلبس بالجري في أحد الأزمنة الثلاثة، قد خرج منه ما قبل التلبس، للتسالم على مجازيته، فتنحصر حصص الجامع بالقيدين المذكورين. ويكون قريباً إلى الفهم العرفي. على مناقشة سوف تأتي بعونه سبحانه.
ومنها: عدم التقييد بالزمان، فبينما كانت الذات في الجامع الأول مقيَّدة بالزمان، كانت هنا مقيَّدة بالزماني وهو التلبس.
إلا أنّه بالرغم من ذلك، بقيت عدّة إشكالات ترد على هذا الجامع، ولعلّ أوضحها ما نسبناه إلى المشهور، من الخلط بين المدلولين التصوري والتصديقي.
وهو هنا أوضح من سابقه؛ لأنّ الجري لا يكون إلا في المدلول التصديقي، وهو غير دخيل في المفهوم الوضعي، وإنّما يأتي في المرتبة المتأخّرة عنه. والمفروض
ــــــ[302]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أنّنا نحتاج جامعاً تصورياً، يكون هو المدلول الوضعي.
فان قلتَ: إنّنا نقصد هنا من الذات الماهية المبهمة، بناءً على تركيب المشتقّ.
قلنا: نعم، إلا أنّ هذه الذات المبهمة، ليس فيها جري، إذ يُراد النسبة التامة في جملة خبرية، وليس النسبة التحليلية الموجودة في مفهوم المشتقّ على تقدير كونه جرياً. مضافاً إلى أنّ هذه النسبة التحليلية صادقة صدقا أزلياً، وغير قابلة للزوال، فلا تدخل في محلّ الكلام.
فهذا هو الإشكال الأوّل على هذا الجامع.
الإشكال الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ: من ان المشتقّ أُخِذ فيه التلبس مقيَّداً بالجري. وقد سبق منه: أنّ الجري ليس قيداً للتلبس، وأنّ مفهومه محفوظ، بقطع النظر عن الجري والحكم.
وقد أجبنا هناك: بأن تطبيق علامات الحقيقة والمجاز، ينتج أنّ المشتقّ يصدق صدقاً حقيقياً على الذات المتلبّسة حال الجري، وأنّه بناءً على المشي المشهوري، من الخلط بين المدلولين التصوري والتصديقي، فإنّ تقييد التلبس بالجري ضروري، بحيث يكونان متطابقين في زمان واحد، في أحد الأزمنة الثلاثة. ولو كان التلبس وحده كافياً، كان الحكم حقيقياً على كل حال، حتى فيما قبل التلبس، لوجود التلبس في الجملة. وهو خلاف الإجماع.
إلا أنّ ظاهر كلام السيد الأستاذ جعل القيد قيداً للذات، لا للجري ولا للتلبس، وإنّما يجعل التلبس والجري معاً قيداً للذات. وذلك في قوله: الذات المتلبّسة حال الجري أو قبل الجري. وهذا غير ممكن.
ــــــ[303]ـــــــ
منهج الأصول ج2
بيان ذلك: أنّ الصور المحتملة لمثل هذه الفكرة ثلاث:
الصورة الأولى: أن يكون التلبّس قيداً للذات في المرتبة السابقة. ويكون الجري قيداً للتلبس في المرتبة التي بعدها. فنقول: الذات المتلبّسة تلبّساً قبل الجري أو معه. فنقيد التلبّس بالجري، ثم نقيد الذات بالتلبّس المقيَّد بالجري.
الصورة الثانية: على العكس من ذلك: فنقيد الذات بالجري في المرتبة الأولى، ثم نقيّد الجري بالتلبّس. فيكون مفهوم المشتقّ: هو الذات المجري عليها أو المحكوم عليها بعد التلبّس أو حين التلبّس. فقد قيّدنا الجري بالتلبّس، والذات بالجري المقيَّد بالتلبس.
الصورة الثالثة: وهي الصورة المفهومة من كلامه: بأن يكون كل من التلبّس والجري قيداً مباشراً للذات، أي الذات المتلبّسة المجري عليها، فليس أن التلبّس مقيَّد بالجري ولا العكس، وإنّما كلاهما قيد للذات في مرتبة واحدة.
وهذا غير معقول لأن الشيء إذا أصبح قيداً لآخر اندمج فيه، وفني فيه، فإذا أردناه قيداً لثالث فلا بد من لحاظه لحاظاً مستقلاً. إلا أن يجعل التقييد الثاني لمجموع القيد والمقيد، فرجع حينئذٍ إلى الصورتين المتقدمتين.
وهذا غير معقول؛ لأنّ التقييد يكون في طول الاستقلالية، وأمّا التقييد بذات القيد فمتعذّر.
الإشكال الثالث: أنّنا نقع في نفس المحذور الذي سبق أن هربنا منه، وهو أخذ الزمان في الجامع الموضوع له.
لأنّنا نقول هنا: الذات المتلبّسة حال الجري، والذات المتلبّسة قبل الجري. وهما
ــــــ[304]ـــــــ
منهج الأصول ج2
زمانان، فقد أصبح الزمان دخيلاً في مفهوم المشتقّ، والمفروض عدم أخذه فيه.
وفي الحقيقة يمكن أن يردّ هذا، بأن نتصوّر دخول الزمان في مفهوم المشتقّ بعدّة تقريبات:
الأول: دخول الزمان في مفهومه المطابقي، بعنوان كونه زماناً. وهو غير صحيح وغير محتمل. وهو وإن دلَّ عليه لفظ (قبل) و (بعد)، فإنّهما لا يدلّان على الزمان مفهوماً بل مصداقاً.
الثاني: أخذ واقع الزمان ومصداقه بالحمل الشايع، قيداً في مفهوم المشتقّ. بالدلالة المطابقية، وهو ما يدلّ عليه لفظ قبل وبعد.
الثالث: أخذ الزماني بما هو زماني، أي المقيَّد بالزمان، فالتقييد وإن كان بالتلبّس، إلا أن التلبّس نفسه مقيَّد بالزمان، والمقيَّد بالمقيَّد مقيّد.
الرابع: ما ذكرناه وكررناه، من أنّ كل التقييدات بين الصفات والموصوفات هي زمانية. فقولنا: (رقبة مؤمنة). تدلّ على اقتران الرقبة بالإيمان، إلا ما رجع إلى الذات والذاتيات، أو ما هو خارج عن الزمان، فالتقييد بالزمان لُبّي، وإن لم يكن بالدلالة المطابقية.
إلا أنّنا هنا لا نحتاج إلى مثل ذلك، وإن كان صحيحاً للغنى بالتقريبين السابقين.
الإشكال الرابع: أنّه يلزم منه دخول النفي في مفهوم المشتقّ. لأنّ قوله: إمّا وإمّا (إمّا قبل الجري أو حين الجري)، سيكون من قبيل الجامع الانتزاعي (الذي هو مفهوم أحدهما)، والمفروض صدقه على كِلا الفردين دفعة واحدة.
ــــــ[305]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فالجامع في الحقيقة هو الذات التي لا يكون تلبّسها بعد الجري، فتكون هذه الحصّة مجازاً. فيكون النفي بـ(ليس) دخيلاً في مفهوم الجامع الموضوع له المشتقّ، وهو ليس محتملاً. ولا يُفهَم منه قطعاً لا بمفهومه ولا بمصداقه.
فإن قلتَ: يمكن أن يكون الجامع جامعاً مفهومياً، يجمع بين الحصّتين الحالية والماضية من التلبّس، أي التلبّس حال الحكم والماضي قبل الحكم. وليس هو عنوان أحدهما، وذلك بعد إخراج التلبّس الاستقبالي.
ويرد عليه: أنّه لا يُوجَد جامع مفهومي إثباتي بين حصتين من ثلاث حصص، يكون جامعاً مانعاً، إلا على نحو الجامع الذي اقترحه الشيخ الآخوند للعبادات الصحيحة، في باب الصحيح والأعمّ، وأنّه ليس له عنوان وإنّما يُعرَف بمعلولاته، وهذا غير عرفي ولا لغوي.
أو نجعله بعنوان التلبّس، فيكون صادقاً على الأزمنة الثلاثة، وهو خلاف المفروض في هذا الجامع.
أو نضيف قيداً: أن لا يكون التلبّس استقبالاً، أو التلبّس غير الاستقبالي. فدخل النفي مرّة أخرى، وقد قلنا: إنّ فهم النفي من مفهوم المشتقّ خلاف الوجدان.
التقريب الثالث: للجامع الأعمّي:
ما قاله السيد الأستاذ(1): من أنّه: «الذات المقيَّدة بالفعل الماضي». فالعالم هو من علم، والضارب هو من ضرب، والمضروب هو من ضُرب. وهكذا. وهذا
ــــــ[306]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 372.
منهج الأصول ج2
يكون مصداقه الحقيقي اثنين من الثلاثة، وهو الوصف القائم فعلاً، والوصف الذي انقضى عنه. وأمّا الذي لم يتلبّس بالمبدأ فلا يصدق عليه الفعل الماضي، كما هو واضح.
قال: «ولا يرد عليه دعوى: أنّ لازمه دخول مدلول الفعل الماضي في المشتقّ، وهو بديهي البطلان، وخلاف الوجدان».
لأنّه إن كان المقصود دخوله بنحو النسبة التامة في مفهوم المشتقّ، فهو أمر صحيح. إذ يكون المشتقّ جملة تامّة وهو غير محتمل.
ولكن المقصود تحويله قيداً ثم أخذه في المفهوم، كما في دخول الفعل الماضي على أداة الشرط، كقولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه). فقد أصبحت النسبة ناقصة وتحوّلت إلى قيد، ولم تبقَ نسبة تامّة، ولا فعلاً ماضياً له استقلالية بالدلالة المطابقية، ولا جملة تامّة.
فدخوله بهذا النحو معقول، ولا بداهة في بطلانه.
إلا أنّ هذا الجواب غير صحيح؛ للفرق بين أخذ جملة تامّة (أي فعل ماضي) في جملة، وأخذه في مفرد. فإنّ أخذه في مفرد غير عرفي وغير محتمل، بخلاف أخذه في جملة.
وأمّا ما ادّعاه المجيب من أنّ الفعل الماضي يخرج عن دلالته المطابقية غير تامّ، فإنّه في مثل (إذا جاء زيد)، لم يخرج الماضي عن الماضوية، وإن كان فعل شرط في جملة شرطية، فإنّه ليس بنفسه قيداً، وإنّما القيد هو الجملة، فإنّ النسبة الشرطية قائمة في الحقيقة، بين جملتين وبين نسبتين تامتين حمليّتين.
ولولا كونهما كذلك -كما لو تحول إلى مفرد- لما صلح أن يكون فعل شرط.
ــــــ[307]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فلا تُوجَد حالة في اللغة العربية يتحول الفعل فيها إلى قيد، أو الجملة إلى مفرد.
فإن قلتَ: فنحن لا نأخذ الفعل الماضي بمفهومه بل بمدلوله. يعني نعتبر المشتقّ بمنزلته.
قلنا: هذا خلاف فهم هذا الجامع أكيداً، فإنّه لم يقل: ذات مع مدلول ماضٍ بل مع فعل ماضٍ.
ولو تـنزّلنا وقبلنا بأخذ الفعل الماضي قيداً: كما قيل، فإنّ مفهوم المشتقّ فيه هيئة ومادة ونسبة بينهما. والفعل الماضي أيضاً فيه هيئة ومادة ونسبة بينهما. فإذا قيدنا المشتقّ بالفعل الماضي، فما هي النسب بين مادة هذا ومادة هذا؟ ونسبة هذا ونسبة هذا؟ وهيئة هذا وهيئة هذا؟ كل ذلك أمر مجهول لم يبيّنه. وإذا كانت في المشتقّ نسب غير معقولة، كانت العبارة مفكّكة.
إلا أنّ أصل الجامع غير صحيح: لأنّ المراد بالمشتقّ (وهو الاتصاف بالقيام مثلاً)، حدوثه أو استمراره. فإن قصد حدوثه، فهو ممن انقضى عنه المبدأ؛ لأنّ حدوث القيام آني، وقد سبق في الماضي، ولا يمكن بقاؤه، وليس المفروض تكرره. إذن، فقد خرجت حصّة المتلبّس حالاً
من الجامع. وإن لم تخرج حصّة المنقضي؛ لأنّ الحدوث على أيّة حال حاصل، سواء استمر قائماً أو جلس.
وإن قصد استمرار القيام ووجوده الحالي، فالفعل الماضي لا يصدق على الحال قطعاً ووجداناً، فلا يصدق على القائم فعلاً أنّه قام بل هو قائم، فتخرج حصّة الحال منه أيضاً.
ــــــ[308]ـــــــ
منهج الأصول ج2
نعم، يمكن الدفاع عن هذا الجامع، وذلك بضم فكرتين، وعندئذٍ أمكن أن يصلح حاله بهما نسبياً:
الأولى: إنّ المقصود بالفعل الماضي ليس هو ما كان كذلك بالحمل الذاتي الأولي، أي بعنوانه ومفهومه، وإنّما المقصود (الفعل الماضي) بالحمل الشايع، بما يناسب معنى المشتقّ. ولذا قيل في المثال: الضارب من ضرب. فلو كان المقصود منه بالحمل الشايع لما صلح مثالاً.
الثانية: تصور نحو من الخلط والتركيب بين الحدوث والاستمرار، وذلك بأحد تقريبين:
الأول: إنّ العرف لا يفرق بين الحدوث والاستمرار.
الثاني: أن ننظر إلى طبيعي المبدأ وأصله إجمالاً، بغضّ النظر عن حدوثه واستمراره.
فهذا الخلط بالإجمال، كما نفهمه عرفياً، نفهمه عقلياً؛ لأنّ أصل الطبيعة موجودة إجمالاً.
إلا أنّ هذا الإصلاح -بغض النظر عن الإشكالات الأساسية- كالخلط بين المدلولين التصوري والتصديقي، وعدم صدق المدلول التصوري على الأعمّ.
يبقى إشكال وحاصله: أنّنا بحاجة إلى إثبات صدق الفعل الماضي على الحمل الشايع. فهل يصدق مثل: قام على القائم بالحال؟ كلا. فإنّ هذا ليس عقلائياً ولا عرفياً، وإنّما يعني أنّه قام قبل الحال.
فإن قلتَ: يمكن ضمّ الحال إلى الماضي، كما خلط بين الحدوث والاستمرار.
ــــــ[309]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: هذا لا ينفع في دفع الإشكالات السابقة من قبيل: ما قلناه من أنّ الجامع بين الحصتين، هل هو إثباتي أم منفي؟ فإن كان سالباً أو منفياً، دخل النفي في مفهوم المشتقّ، وهو خلاف الوجدان. وإن كان إثباتياً امتنع تصوير جامع مانع لحصّتين من ثلاث. وإن أرِيد الجامع الانتزاعي بعنوان أحدهما، لم يصدق على المجموع.
التقريب الرابع للجامع: نسبه السيد الأستاذ(1) إلى الأستاذ المحقق(2).
وهو انتقاض عدم المبدأ بوجوده، وهو أمر محفوظ في المتلبّس وفي المنقضي عنه المبدأ، فإنّ كليهما قد انتقض عدمه بالوجود.
وقال السيد الأستاذ تعليقاً على ذلك: «إنّ هذا الجامع يحتاج إلى تمحيص؛ لأنّ المشتقّ هو ذات لها هذا الانتقاض، لا ذات الانتقاض، لأنّنا نتحدث عن التركيب».
وذلك بعد أن سلّم الفريقان: أنّ تصور الجامع الأعمّي بناءً على البساطة متعذّر. وهذه الصيغة للجامع مفهوم مصدري إفرادي، فلا بدّ من فهمه تركيبياً، أو بصفته مشتقاً مركباً. بأن نقول: إنّ المشتقّ هو ذات لها هذا الانتقاض، لا ذات الانتقاض.
وحينئذٍ، فهذا الوصف بالانتقاض يمكن له ثلاثة أساليب كلّها باطلة:
الأسلوب الأول: أنّ نصفها على نحو الوصف الاشتقاقي فنقول: الذات المنتقض فيها عدم المبدأ بالوجود.
وإشكاله: أنّنا إذا أردنا بالوصف المنتقض: المنتقض فعلاً، اختصّ بالمتلبّس.
ــــــ[310]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 373.
(2) محاضرات في أصول الفقه: 1: 264.
منهج الأصول ج2
وإن أردنا الأعمّ من المنتقض ومما انقضى عنه المبدأ، اختصّ بالأعمّ. إذن فلا بدّ من تصوير جامع بين هذين الأمرين أيضاً، فيلزم الدور أو التسلسل.
الأسلوب الثاني: أنّ نصفها بنحو الفعل الماضي. أي نقول: ذات انتقض فيها عدم المبدأ بالوجود. فيعود إلى الوجه السابق ومناقشاته.
الأسلوب الثالث: أن نصفها بنحو المعنى الحرفي، أي ذات لها الانتقاض أو ذو انتقاض.
ومن المعلوم عندئذٍ، أنّ ظاهر ذلك هو فعلية الانتقاض أو الاتصاف، لا الاتصاف الأعمّ، إلا أن يُقال: إنّه انتقاض في أحد الزمانين. فيرجع إلى أحد الجوامع السابقة التي أشكلنا عليها بعدة إشكالات: منها: الخلط بين المدلولين التصوري والتصديقي. ومنها: إشكال الحدوث والاستمرار، ومنها: إشكال دخول النفي فيه. وإشكال: عدم وجود جامع إثباتي بين الحصتين.
التقريب الخامس: منسوب إلى المحقّق الأستاذ أيضاً، ولا أعلم مصدره(1). حيث قال: «لو أعوزتنا الجوامع كلّها، فلنقل إنّ الجامع بين المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ، هو عنوان أحدهما، وهو عنوان انتزاعي، ولا بأس به».
قال السيد الأستاذ: إنّه ليس بصحيح، لا لأنّه جامع انتزاعي، فإنّ الجامع الانتزاعي قد يوضع له اللفظ.
ولكن لخصوصية في هذا الجامع الانتزاعي، وهي أنّ عنوان أحدهما غير قابل
ــــــ[311]ـــــــ
( ) وهو للمحقق الخوئي نقله عنه السيد الشهيد محمد باقر الصدر، مباحث الدليل اللفظي: 1: 372.
منهج الأصول ج2
للإطلاق الشمولي، بل إطلاقه بدلي دائماً، كما لو قيل (أكرم أحدهما). فإنّه ليس المراد إكرامهما معاً.
فلو كان الموضوع له في المشتقّ هو ذلك، لما أمكن أن يُقال: (أكرم كل عالم). بحيث يُراد الشمول للمتلبّس والمنقضي. مع أنّ المشتقّ يقبل الإطلاق الشمولي، وهو دليل على أنّ مفهومه لا يساوق مفهوم أحدهما.
ويمكن الذبّ عن ذلك: بأنّنا تارةً ننظر إلى العلّة وأخرى ننظر إلى المعلول، فالعلّة هي دلالة اللفظ على الشيء، والمعلول هو الإطلاق الناشئ من مقدمات الحكمة المتأخّرة رتبة.
فإنّ كانت الدلالة تفيد الإطلاق الشمولي، فلا نرفع اليد عنها. لكن الأمر ليس كذلك، فالمانع عن إفادة الإطلاق الشمولي موجود في المرتبة السابقة، فانتقاله إلى المرتبة المتأخّرة في غير محله.
كما أنّه يمكن أن يُقال: باستفادة الإطلاق الشمولي من هذا العنوان، إذ يمكن لكِلا الحصّتين أن يكونا مصداقاً لعنوان أحدهما، بحيث لو أكرمت فرداً من كِلا الحصّتين، دفعة واحدة، جاز لكل واحد منهما أن يكون مصداقاً من أحدهما.
فلو اقتصرنا على جانب الإطلاق كفى ذلك حتماً. وإنّما المهم ما قلناه فيما سبق، مما هو أسبق رتبة، من عدم الصدق مدلولاً على كليهما، بعد أن كان المدلول أحدهما؛ لأنّ الدلالة خاصة بأحدهما، كما هو المدلول المطابقي. فشموله للدلالة على الآخر متعذّر، ومصداقية أحد الفردين مكذِب لمصداقية الآخر، وإذا لم يكن مدلولاً عليه لم يجب إكرامه. أمّا إذا سلّمنا بوجود الدلالة أصلاً، أمكن أن يكون الإطلاق شمولياً.
ــــــ[312]ـــــــ
منهج الأصول ج2
التقريب السادس: ما ذكره السيد الأستاذ بنفسه، بعنوان يمكن تصويره في المقام، بأن يُقال: أن الجامع بين المتلبّس والمنقضي هو الذات غير المتلبّسة فعلاً بالعدم الأزلي للمبدأ.
وهو عنوان يصدق على المتلبّس فعلاً بالعلم، وعلى المتلبّس بالعلم سابقاً. وأمّا الذات التي سوف تكون عالمة ولم تكن عالمة قبل ذلك، فهي ذات متلبّسة بالعدم الأزلي للمبدأ، فتكون خارجة عن الجامع.، ويكون استعمال المشتقّ فيها مجازاً.
قال: وهذا جامع معقول وصحيح، إلا أنّه غير عرفي، فإنّ العرف لا يفهم كلمة عالم عن طريق انتفاء العدم الأزلي لها.
أقول: إنّه ليس صحيحاً ولا معقولاً، لورود عدة إشكالات عليه:
أولاً: دخول العدم في مفهوم المشتقّ، وهو وجداني العدم.
ثانياً: إنّ من كان عالماً بعلم سابق، ولكنه نسيه. ونريد أن نتحدث عن علم آخر يحدث له غدا، فإنّه بحسب الفهم المشهوري الأصولي مجاز؛ لأنّه جري قبل التلبّس. ولكن بناءً على هذا الجامع سيكون جرياً بعد التلبّس؛ لأنّ العدم الأزلي قد انتقض في الجملة، على ما هو المفروض.
اللهم إلا أن يُقال: إنّ المراد به: العدم الأزلي للفرد لا للطبيعي. ويُقرَّب: بأنّ الفرد هو المراد من استعمال المشتقّ، فعلمه الذي يُوجَد غداً لم يُوجَد منذ الأزل لهذه الذات، وإن وجِد فرد آخر قبله.
وجوابه: النقض بالصدق الحقيقي بالحصّة أو بالطبيعي، ولو حصل الفرد قبل سنين.
ــــــ[313]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن قيل: إنّ مثل هذا الفرد بمنزلة العدم الأزلي بالتسامح العرفي، وكان مدة الانقطاع كافية لإلغاء اتصافه السابق، فكأنّه في حالة عدم أزلي عرفي، وإن لم يكن كذلك بالدقة العقلية.
قلنا: هذا اعتراف بأنّنا إن قصدنا العدم الأزلي الحقيقي، كان ما قرر في المثال صحيحاً حقيقةً لا مجازاً.
مضافاً إلى أنّنا يمكن أن ننكر تصور العدم الأزلي بالتصور العرفي، فإنّه غير ممكن.
على أنّ الاتصاف وإن كان يحصل بالجزئي، إلا أنّ المبدأ المقصود هو الكلي. وهو ينطبق على كل صفة وموصوف، أي كل جوهر وعرض، فالاتصاف يكون بالمبدأ أي الكلي، وإن كان هو للفرد حقيقة، إلا أننا نأخذ الكلي في مفهوم المشتقّ، وبذلك يصح هذا النقض على الجامع، ويفشل الدفاع عنه بما ذكر.
ثالثاً: الخلط بين المدلولين التصوري والتصديقي؛ لأنّ الاتصاف وعدمه الأزلي، إنّما يكون لذات معينة محمولة، لا لذات مبهمة مستبطنة في المشتقّ. فإذا أخذنا الذات المحمولة في المشتقّ، كان مدلوله تصديقياً.
رابعاً: إنّه يمكن أن يُقال كما قال السيد الأستاذ: إنّ هذا الجامع قد أخذ في مفهوم المشتقّ: الذات غير المتلبّسة بالعدم الأزلي. وهذا يعني أنّه أخذ المشتقّ في مفهوم المشتقّ. فنسأل: عن أنّ هذا المتلبّس هل يُراد به المتلبّس الفعلي أم الأعمّ من المنقضي؟ فنحتاج إلى جامع آخر، ويلزم منه التسلسل، وهو باطل.
وأجاب على ذلك بعرض منّا: بأنّنا يمكن أن نقصد به المتلبّس الفعلي،
ــــــ[314]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وهو القدر المتيقن من الاستعمال الحقيقي، وهو حال النطق الذي هو أظهر أنحاء الاستعمالات، أي الذات غير المتلبّسة بالعدم الأزلي فعلاً لانتقاضه بالوجود.
إلا أنّ هذا الإشكال يمكن أن يُجاب بما هو أسبق رتبةً، فإنّ المشتقّ المختلَف فيه أنّه للمتلبّس أو المنقضي إنّما هو المشتقّ المثبت، لا المنفي. أمّا المنفي فهو ظاهر في الفعليّة، يعني فعليّة التلبّس بالعدم، ولا يعم التلبّس المثبت؛ لأنّه نقيضه.
خامساً: حول قول السيد الأستاذ: (ولا يضرنا قيد الفعليّة، كما هو واضح لمن يتأمل). وهذا ظاهر بوجود إشكال مع جوابه. فلا بدّ من التفكير في ذلك.
فإنّ قيد الفعليّة مأخوذ في التعريف طبعاً، لأنّه قال: الذات غير المتلبّسة فعلاً بالعدم الأزلي. فلماذا قيد بالفعلية؟ أليس من الأفضل الاستغناء عنه؟
ووجه الإشكال: أنّ القيد ظاهر بفعلية التلبّس، فيكون خاصاً بصورة الفعلية، فلا تدخل الحصّة الأخرى، وهي المنقضي عنها المبدأ.
وقد يُجاب ذلك: بأنّ قيد الفعلية ليس لوجود المبدأ، وإنّما يريد فعلية الاتصاف بالعدم الأزلي، أو قل: يريد عدم الاتصاف فعلاً بالعدم الأزلي. يعني باعتبار أنّ عدم العدم معناه الوجود، فيُشار به إلى الوجود الذي هو قطع للعدم الأزلي، وهنا قد يُسجَّل الإشكال، من حيث اشتراط أن يكون الوجود فعلياً، ويكون جوابه أنّ اشتراط الفعلية للعدم لا للوجود.
ويرد عليه: أنّ اشتراط عدم العدم الذي يرجع إلى الوجود، يكون جامعاً بين أفراد المتلبّس خاصة، ولا يشمل المنقضي. إلا أن يُقال أنّه يُراد بالفعلية نفي الحصّة الثالثة، أعني ما ينقضي في المستقبل، إلا أنّه خلاف ظاهر معنى الفعلية.
ــــــ[315]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فإن قلتَ: إذن، نحذف هذا القيد من التعريف.
قلنا: نعم، يكون ذلك أفضل. إلا أنّه يرد عليه:
أولاً: إنّ هذا على خلاف مقالة مدّعي هذا الجامع.
وثانياً: إنّنا أوردنا عليه إشكالات أخرى فيما سبق. فلا يكون هذا الجامع تامّاً في نفسه.
ومع فشل جميع أطروحات الجامع الأعمّي، إذن فالجامع الأعمّي للمشتقّ غير موجود، إذن فالوضع له غير موجود؛ لأنّ الوضع فرع وجود الجامع.
إذ بدون الجامع، مع زعم الوضع، نحتاج إلى وضعين لكِلا الحصّتين: المتلبّسة وغير المتلبّسة، لعدم الجامع بينهما. مادامت الحصّتان حقيقيتين على الفرض. وهو مما لا يمكن الالتزام به في المشتقّ.
فإن قلتَ: فإننا قد التزمنا بوجود وضعين في بعض الموارد، مع أنّه خلاف القاعدة.
قلنا: إنّنا إنّما نلتزم بوضعين بعد الالتزام بالمعنى الحقيقي الناتج من التبادر، وهنا لم يثبت ذلك في المنقضي، لنقول به بالوضع الثاني.
وقد يُقال: إنّه قد يُستدَلّ بعدم الوضع (المدلول عليه بعدم التبادر للأعمّ)، لعدم وجود الجامع، على نحو البرهان الإنّي، أي الاستدلال على عدم العلّة (وهي الجامع) بعدم المعلول (وهو الوضع). وهي ليست دلالة باللّم، لأنّ البرهان اللمّي إنّما هو من طرف الوجود لا من طرف العدم.
إلا أن هذا قابل للمناقشة من وجهين:
ــــــ[316]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الوجه الأول: إنّ مورد البرهان الإني هو الوجود لا العدم، فيُستدَلّ بوجود كلٍّ منهما على وجود الآخر، ولا يصحّ الاستدلال بالعدم على العدم؛ لأنّه يكون استدلالاً بالأعمّ.
الوجه الثاني: إنّنا وإن حسبنا الجامع والوضع كالعلة والمعلول، إلا أنّ الملازمة من طرف واحد، فإنّ وجود الوضع يتوقف على وجود الجامع، دون العكس، فمع عدم الجامع ينتفي الوضع الواحد المطلوب. وأمّا مع عدم الوضع فلا ينتفي الجامع؛ لأنّ الوضع وإن تأخّر عنه رتبةً، إلا أنّه من المحتمل أن يكون الجامع موجوداً، غير أنّ الوضع غير موجود، ومن هنا لا نفهم الأعمّ لعدم الوضع لا لعدم الجامع، وإنّما العلّة التامّة للوضع هي إرادة الواضع لا وجود الجامع.
نعم، قد يُصاغ استدلال تقريبي على الملازمة بين الأمرين: وأنّه لو كان الجامع موجوداً لكان الوضع موجوداً، وحيث إنّ الوضع غير موجود، فالجامع غير موجود، وذلك بعد ضمّ ثلاث مقدمات:
الأولى: إنّ الجامع الأعمّي موجود على الفرض.
الثانية: إنّ الحاجة إلى التعبير عنه موجودة اجتماعياً ولغوياً.
الثالثة: إنّ المجتمع قابل للوضع التعيّني، سواء انحصر معنى الوضع في ذلك أم لا، وهذا الوضع تبع للحاجات ولكثرة الاستعمال.
ومع تماميّة هذه المقدمات قد يُرجّح وجود الجامع، وبعدم وجود الوضع يثبت الخلل في إحدى المقدمات، وهي عدم وجود الجامع، إذ إنّ المقدمتين الأخريين مسلّمة، فيثبت من عدم الوضع عدم وجود الجامع، وليس كما قلنا: أنّ الجامع
ــــــ[317]ـــــــ
منهج الأصول ج2
موجود والوضع غير موجود.
جوابه: أنّ هذا فرع ثبوت أمرين: أحدهما: الحاجة إلى تداول واستعمال الجامع الأعمّ اجتماعياً. والآخر: عدم إمكان الإفصاح عنه الا بالوضع.
وكلاهما غير أكيد، بل يُمكن أن يُقال: إنّ الحاجة إلى ذلك الاستعمال منتفية، وعلى تقدير ثبوتها ولو جزئيا، يمكن التعبير عنه ولو بالمجاز، ولا يتعين الوضع الحقيقي.
ــــــ[318]ـــــــ
منهج الأصول ج2

فصل: في تأسيس الأصل الجاري في المقام

وهو الأمر السادس في الكفاية، في مقدمات مبحث المشتقّ، وهي الأخيرة. حيث قال(1): «إنّه لا أصل في نفس هذه المسألة يعوّل عليه عند الشكّ».
وينبغي ان نعرف، كمقدمة، أنّ المراد بالأصل تقسيمان طوليان:
التقسيم الأول: التقسيم إلى الأصل الموضوعي والأصل الحكمي. أو قل: الأصل في المسألة الأصولية، والأصل في المسألة الفقهية.
التقسيم الثاني: وهو للقسم الأول منهما خاصّة: من حيث إنّ الأصل الجاري في الموضوع، الذي هو نفس المشتقّ لغةً، تارةً يكون أصلاً لفظياً، وأخرى يكون أصلاً عملياً. أمّا القسم الرابع المتصوّر، وهو الأصل اللفظي الحكمي الفقهي، فهو موكول إلى محلّه من الفقه، وليس هنا محلّ بحثه.
إلا أنّ هذا التقسيم الثاني بكلا شقيه غير تامّ:
أمّا الأصل اللفظي، فلأنّنا وإن سمّيناه أصلاً، إلا أنّه يصلح أن يكون برهاناً لغوياً، وأمارةً لغويةً على المدّعى للأعمّ أو للأخصّ. فخير له أن يُذكَر هناك عند البرهنة على المختار، وليس هنا عند الكلام في تأسيس الأصل، الذي يُفترَض فيه أنّه: مع اليأس عن الدليل.
ــــــ[319]ـــــــ
(1) الكفاية: 1: 67.
منهج الأصول ج2
وأمّا الأصل العملي، مثل أصالة عدم ملاحظة الخصوصية كما سيأتي، فغير صحيح لأمرين:
أحدهما: ما سنذكره من أنّها كلها من الأصل المثبت، فإنّه لا يُراد هنا دلالاتها المطابقية، وإنّما يثبت الوضع بالملازمة العقلية.
ثانيهما: إنّ الأصل العملي إنّما يجري فيما له أثر شرعي، وفي المقام ليس كذلك، وإنّما نتيجته لغوية صرفة.
فان قلتَ: فإننا نتكلم عن المشتقّ الوارد في الكتاب والسنة.
قلنا: أيضاً هي أعمّ من ذلك. فإنّ في القرآن والأخبار مواعظ وتاريخ وغيرها، وليس في مثلها آثار شرعية، فبقيت المسألة لغوية.
فإن قلتَ: فإنّنا نخصها بموارد التشريع والتنجز منها. أي ما يثبت به الأحكام الشرعية منها، كآيات الأحكام ونحوها.
قلنا: إنّ هذا غير مفيد أيضاً؛ لأنّ الأصل لا يجري في الموضوع، إلا إذا كانت نتيجته المباشرة حكماً شرعياً. أو قل: إنّه لا يجري إلا في موضوع الحكم. وأمّا جريانه في مرتبة سابقة على الحكم، بحيث يؤدي إلى الحكم في طوله، بمرتبة واحدة أو مرتبتين، كما في المقام، فلا حجية فيه ولا يجري.
فإن قلتَ: إنّ هذا صحيح، لو كان المدلول المطلوب نفس الحكم الشرعي، فإنّه في طول الظهور، كوجوب السورة بعد الحمد مثلاً. ولكن الحكم المطلوب هنا، هو حجية ظهور الكلام في الأخص أو الأعمّ، أي في المرتبة السابقة على الحكم الشرعي الفرعي، وبالأصل العملي ننقح موضوع الحجية. وهذا يكفي.
ــــــ[320]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: مرادهم إثبات الوضع بالأصل، وفي طول الوضع يثبت الظهور. والوضع ليس حكماً شرعيا، بل يبقى بين الأصل والحكم الشرعي، وهو الحجية، أمران طوليان هما الوضع والظهور، لكي تأتي الحجية في طوله.
وعلى أية حال، فإن أردنا بالأصل العملي إثبات الوضع لم يكن حجة؛ لأنّه ليس حكما شرعياً. وإن أردنا إثبات حجية الظهور، فإنه من الأصل المثبِت، ومن هنا نكون متورطين في إشكالين، وهو مثبِت حتى في إثبات الوضع؛ لأنّه أيضاً لازم عقلي. كما سيأتي.
إذن، فلا مجال للأصل العملي في هذا المورد على كل تقدير.
ولكن مع ذلك لا بدّ لنا من أن نتابع صاحب الكفاية في أصوله اللفظية والعملية معاً، بعد التنزّل عن هذه الإشكالات، فهنا ثلاث جهات من الكلام:
الأولى: في المسألة الأصولية من ناحية الاستدلال بالأصل اللفظي، أو الأمارة النوعية على المطلوب.
الثاني: في المسألة الأصولية أيضاً، من حيث الاستدلال بالأصل العملي والاستصحاب، بعد التنزّل عن عدم حجيته من هذه الجهة.
الثالثة: في المسألة الفقهية، من حيث الاستدلال بالاستصحاب، في موارد الشكّ في الانطباق على المتلبّس والمنقضي.
ويلاحظ أنّ صاحب الكفاية قدم الأصل العملي على الأمارات، لكن الترتيب الذي ذكرناه هنا أَولى. لأنّ الأمارة متقدمة رتبة على الأصل العملي، فكان يجب تقديم ذكرها عمليا.
ــــــ[321]ـــــــ
منهج الأصول ج2

الجهة الأولى: [الجهة الأولى: في المسألة الأصولية من ناحية الاستدلال بالأمارة النوعية على المطلوب]

وينبغي أن نتذكر هنا ما قلناه من أنّها بصفتها أمارات، تشمل الأدلة المثبتة لإحدى الدعويين في المشتقّ. إلا أنّنا هنا نتابع صاحب الكفاية، ويأتي الباقي في محله.
والأصل الوحيد الذي ينطبق على ذلك في الكفاية، هو ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز، إذا دار الأمر بينهما.
والصغرى محرزة بمقدارٍ ما، وهو أنّنا إذا قبلنا بالوضع للأعمّ، كان من قبيل المشترك المعنوي بين المتلبّس والمنقضي، يكون كل منهما حصّة من الموضوع له. في حين لو قلنا بالوضع لخصوص المتلبّس يكون من باب الحقيقة والمجاز، إذ يكون الاستعمال في المتلبّس حقيقياً، وفي المنقضي مجازياً. فإذا تمت الكبرى، ثبت الوضع للأعمّ.
وقد استشكل الشيخ الآخوند على الكبرى بإشكالين، لأنّها أيضاً منحلة إلى كبرى وصغرى: أمّا الصغرى: فإحراز الغلبة في المقام. وأمّا الكبرى: فكون الغلبة حجة.
وقد منع كِلتا المقدمتين، ولم يبين بياناً تفصيليا فيها، لأنّه يكفي الشك في
ــــــ[322]ـــــــ
منهج الأصول ج2
كلٍ منهما، ولا يحتاج إلى إحراز العدم. فإنّها إنّما تكون حجة بعد إحراز صحتها، فعدم الإحراز كافٍ في البطلان، وخاصة بعد الشك في الصغرى.
وقد اتضح بذلك: أنّها لو تمت لكانت أمارة عقلائية على صحة الوضع للأعمّ، إلا أنّها غير تامة لوجوه:
الأول: المناقشة في الكبرى بما قاله الشيخ الآخوند: من أنّه ليس كل غلبة مرجحة، بل خصوص ما أوجب الاطمئنان، حيث تكون الغلبة بنسبة 90% مثلاً. فيكون الطرف الآخر ملحقاً بالشاذ النادر. وعندئذٍ يلحق الفرد المشكوك بالحصّة الغالبة. وأمّا ما لا ينتج الاطمئنان فلا. أي لا ينتج إلحاق الفرد المشكوك، بأي من الطرفين.
الثاني: المناقشة في الصغرى القائلة: إنّ استعمال المنقضي أكثر من المتلبّس. ويكفينا الشكّ في ذلك، كما قال الشيخ الآخوند.
فإنّ الغلبة في سائر الموارد قد تتوفر صغروياً بعد التسليم بها كبروياً، إلا أنّها هنا غير متوفّرة؛ لأنّ الاستعمال الأغلب في خصوص المتلبّس، وليس في المنقضي. ولعل هذا هو مراد الشيخ الآخوند من منع الغلبة صغروياً، فإذا كانت الغلبة بالعكس، أعني للمتلبّس كان دليلاً على الوضع له دون الأعمّ، بعد التسليم بالكبرى.
الثالث: إنّ الغلبة لا يُراد بها كثرة الاستعمال المنتجة للوضع التعيّني بنفسها، بل يُراد بها كثرة وزيادة الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز. وهذه الكثرة مطعونة صغروياً في كل الموارد، فضلاً عن المشتقّ. فإنّ المهم عقلائياً هو
ــــــ[323]ـــــــ
منهج الأصول ج2
التفاهم، وهو يحصل بنقل المعاني إلى الذهن، سواء كان باستعمال حقيقي أو مجازي. ولعل المجازات في اللغة أوفر مما تصورها المستشكل.
الرابع: إنّ هذه الكثرة لو سُلمت كبرى وصغرى، لا تبرهن على الوضع في مورد الشك، وإنّما لعلّها ثابتة في طول ثبوت الوضع، وأمّا بدونه فلا. فإنّ المجتمع ليس مخيّراً في استعمال اللفظ، بنحو الاشتراك المعنوي أو الحقيقة والمجاز، لأنّ المسألة تبتني على سبب ثابت في المرتبة السابقة، وهو الوضع، فإذا ساعد الوضع على أيّ منهما، فهو المتعين؛ وأمّا مجرد كثرة الاستعمال للمشتق في الحصتين (المتلبّس والمنقضي)، لا يعني أنّه حقيقة في المنقضي أو في كلتا الحصتين. ما لم يكن في الارتكاز ذلك؛ لأنّه منشأ القصد. ولم يثبت تحققه.
نعم، إن ثبت فيه التبادر ونحوه، فهو، وإلا فكثرة الاستعمال والحاجة إليه، لا يعين الوضع لإمكان المجازية.
الخامس: إنّ دوران الأمر بين الحقيقة والمجاز، وبين معاني المشترك، إنّما يتصور في الفرد الواحد، كما في المقام، فإنّ استعمالات المشتقّ بصفته لفظاً إفرادياً، هو إمّا حقيقة أو مجاز. يعني، ما هو مستعمل في المتلبّس أو في المنقضي، فاستعماله في المنقضي لا يعين الاشتراك المعنوي، بل يبقى مردداً بين الحقيقة والمجاز.
فلا تنطبق عليه قاعدة ترجيح الإشتراك المعنوي، فإنّ محلها هو الاستعمال في الحصتين معاً، ويكون الشكّ في غالبية ذلك، ولكنّه نادر أكيداً. أمّا الاستعمال الإفرادي، فهو لا يعين شيئاً.
*****
ــــــ[324]ـــــــ
منهج الأصول ج2

الجهة الثانية: في الأصل العملي الجاري في المسالة الأصولية

أي في موضوع المشتقّ.
وفي الحقيقة هو يجري في قصد الواضع عند الوضع. وقد ذكر الشيخ الآخوند أصلاً واحداً، هو أصالة عدم ملاحظة الخصوصية، يعني خصوص المتلبّس عند وضع المشتقّ. فيثبت أنّه قد وضعه للأعمّ من المتلبّس والمنقضي، باعتبار دوران الأمر بين الأمرين، فإذا انتفى الخاص ثبت العام.
فيُراد من الأصل إذن، الاستصحاب، أعنى استصحاب العدم الأزلي المحمولي، أمّا استصحاب العدم النعتي، فلا يجري، لعدم وجود حالة سابقة على حالة الوضع الذي يفترض الشك فيه.
وتُقرَّب الاستفادة، من هذا الأصل بشكلين:
الشكل الأول: أن نتصور أن النسبة بين المتلبّس والأعمّ، هي نسبة المطلق والمقيَّد، كما هو المفروض والمشهور، فمع انتفاء القيد بالأصل يثبت الإطلاق.
لأنّ الواضع إمّا أن يلاحظ المطلق بصفته مطلقا، وذلك: إذا لم يقيد بالتلبّس، أو يلاحظ خصوص الحصّة المتلبّسة. فالأعمّ ملحوظ إمّا بنفسه أو مع الحصّة الأخرى،
ــــــ[325]ـــــــ
منهج الأصول ج2
فهو ملحوظ يقيناً، فنجري الأصل لنفي الحصّة أي الخصوصية، فيثبت الأعمّ؛ لأنّه يقيني القصد.
الشكل الثاني: أن نقول: إنّ الواضع قصد أحد الأمرين، إمّا المتلبّس أو الأعمّ منه ومن المنقضي. فيجري الأصل لنفي الوضع للمتلبّس، أو لنفي سبب الوضع للمتلبّس، الذي هو قصد الخصوصية والقيد، فينتفي أحد الطرفين.
وبضم المقدمة القائلة بانحصار الوضع لأحدهما، يتعين الوضع للآخر.
والشيخ الآخوند، ناقش الأمر في حدود عرض المسألة على الشكل الأول، كما هو المشهور، فناقش بوجهين:
الوجه الأول: إنّ استصحاب عدم الخصوصية، يُعارَض بأصالة عدم ملاحظة العموم. لأنّ كُلّاً منهما أمر حادث يكون الأصل عدمه. فيتعارضان ويتساقطان. فتنتفي حجية الأصل المطلوب هنا، وهو أصالة عدم ملاحظة الخصوصية.
الوجه الثاني: إنّه لا دليل على حجّية هذا الأصل في تعيين الموضوع له، ولم يبين الآخوند الوجه في ذلك، فلعلّ الأصل ساقط كبروياً.
وقد فُسِّر في الشروح بعدة تفسيرات تأتي، وبأيٍّ منها أخذنا كفى. ويكفينا الآن مجرد الشكّ في حجّية مثل هذا الأصل كبروياً، فإنّ الشكّ في الحجّية سبب للقطع بعدمها.
أو من جهة كونه أصلاً مثبِتاً، حيث إنّ كل تقريباته مبنية على ذلك، فتكون جميعها ساقطة.
وأمّا أن نقول: إن الأصول إنّما تكون حجّة في الأحكام الشرعية، أو ما كان له
ــــــ[326]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أثر شرعي، والمطلوب هنا إثبات أمر عرفي لغوي، فلا يكون معتبراً.
فإن قلتَ: فإنّه معتبر من هذه الجهة، لأنّه يثبت الظهور الذي له أثر شرعي. قلنا: إنّ هذا يكون أكثر إغراقاً في اللازم العقلي، لأنّه ستكون عدة رتب عقلية بين مجرى الأصل، وإثبات اللازم العقلي الذي هو الظهور.
وكل هذه الإشكالات صحيحة في أنفسها، لو لم يُدقَّق الأمر أكثر من ذلك. ومن هنا يحسن أن ننقل أجوبة أخرى على هذا الأصل.
[مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي من إشكالات على أصالة عدم لحاظ الخصوصية]
فقد أجاب السيد الأستاذ بعدة وجوه(1):
الوجه الأول: مكوّن من صغرى وكبرى.
أمّا الكبرى: فإن أصالة عدم لحاظ الخصوصية، تجري فيما إذا دار الأمر بين مفهومين، أحدهما مقيَّد والآخر مطلق. كـ(الرقبة) والرقبة المؤمنة، فيجري استصحاب عدم لحاظ الخصوصية؛ لإثبات نفي قيد الإيمان، بعد إحراز ملاحظة المطلق على كل حال.
وأمّا إذا كان المفهومان متباينين، ولكن أحدهما أوسع من الآخر. ومثّل له: بأننا شككنا في ان الإنسان موضوع للحيوان الناطق، أو للشاعر. وكل شاعر حيوان ناطق. فلا تجري أصالة عدم لحاظ الخصوصية لإثبات الوضع للأول،
ــــــ[327]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 379.
منهج الأصول ج2
لدوران الأمر بين مفهومين مشكوكين متباينين.
وأمّا صغرى: فلأن موردنا من القسم الثاني وهو (المتباينين). فإنّ المتلبّس والأعمّ ليس بينهما نسبة الأقلّ والأكثر، فإنّهما ذاتان متباينتان في عالم المفهومية، ومعه لا مجال لإجراء استصحاب عدم الخصوصية.
وجوابه: أنّه لا يتم لا كبرى ولا صغرى:
أمّا الكبرى فلعدة وجوه:
الأول: إنّ أصالة عدم لحاظ الخصوصية لا يثبت الاستعمال في الأعمّ، إلا باللازم العقلي. ولو سلّمناه لكان إثباتا للحكم باللازم العقلي، وإنّما العمل فقهياً على جريان البراءة عن القيد بعد الشكّ في أخذه، وهو أمر طولي بغض النظر عن الاستعمال.
الثاني: إنّ انتفاء القيد يستلزم انتفاء المقيّد لعدم تعلق إرادة بعنوانه. فيحتاج إثبات العموم إلى دليل آخر، وهو مفقود على الفرض، هذا مع التنزل عن الوجه الأول، والتسليم بقبول اللازم العقلي.
الثالث: ما أشار إليه من تباين مفهوم المطلق ومفهوم المقيَّد. وهذا عام في كل مطلق ومقيَّد، إذا لوحظ كل منهما بحياله، فلا يكون نفي أحدهما مثبتاً لوجود الآخر.
بيان ذلك: أنّ فهم نسبة العموم والخصوص أو الإطلاق والتقييد، بين مفهومين، يكون على مرحلتين أو رتبتين: الثبوت والإثبات.
أمّا في مرحلة الثبوت فالمفاهيم متباينة؛ لأنّ كل واحد منهما يلحظ بحياله
ــــــ[328]ـــــــ
منهج الأصول ج2
واستقلاله، فالرقبة المؤمنة مباينة لمطلق الرقبة، فلا يكون معنى للتخصيص أو التقييد، وإنّما يحصل التقييد في مرحلة الإثبات.
وليس حاصل مرحلة الإثبات: أنّ الدليل المقيِّد يقيّد المطلق تقييداً ثبوتياً. بمعنى أنّ الجعل الأصلي هو المطلق ثم يقيّد، وإنّما يدل على أنّ المراد الجدّي للمتكلّم من المطلق من أوّل الأمر هو المقيَّد، لا المطلق الذي فهمناه بَدواً. ولو كان المقصود هو المطلق حقيقة، لما أمكن تقييده ولوقع التعارض بينهما. وكذلك العكس، يعني لو كان المراد المقيَّد.
إذن، فنفي القيد بالدليل المعتَبر، لا يثبت المطلق المباين له. إلا إذا استطعنا بالدليل الثاني إثبات أنّ المقصود هو المطلق، وكيف يمكن ذلك؟ بعد أن كان الظهور بالمقيّد الذي نفيناه.
وذلك: أنّ طرو التقييد أسهل عرفاً من عكسه، إذ قد يقول المتكلّم المطلق ويريد المقيَّد، بدون قرينة عليه، فيكون المقيّد الخارجي دليلا عليه. وأما العكس فممتنع عرفاً، بأن يقول الفرد المقيَّد ويريد المطلق، بحيث يكون دليل نفي المقيَّد معيناً للحصّة المطلقة.
فإن لم تتمّ الكبرى كانت الصغرى أولى بالفساد؛ لأنّها من العكس، أي إثبات عدم التقييد، لا إثبات وجوده الذي هو أسهل، كما قلنا.
لكن هذا الأمر كله في المفاهيم في ذاتها ثبوتاً، ومعه يتعذر كل تقييد.
وأمّا في عالم الإثبات والفهم من الأدلة، بحيث يثبت من دليل المقيّد عدم قصد المطلق. فهذا ممكن كما قلنا. كما أنّ العكس ممكن، وهو أن نفهم من القرينة المنفصلة
ــــــ[329]ـــــــ
منهج الأصول ج2
عدم قصد المقيّد بعد الشكّ في مدلول الكلام السابق، كما لو قام دليل على استحبابية قيد الإيمان في الرقبة.
إذن، فإذا مشينا على معنى الإطلاق والتقييد الاعتيادي أمكن ما نفاه، وإن مشينا على كلامه تعذّر التقييد طرداً أو عكساً.
الوجه الثاني: مما ذكره السيد الأستاذ على استصحاب عدم لحاظ الخصوصية.
فيه مقدمة ونتيجة:
أمّا المقدمة، فإنّه يقال: إنّ المباني في الإطلاق والتقييد ثلاثة:
الأول: إنّ التقابل بينهما من تقابل السلب والإيجاب، والإطلاق أمر عدمي هو مجرد عدم لحاظ التقييد، وهو المختار.
الثاني: إنّ تقابلهما تقابل التضاد، وكلاهما أمر وجودي، فيكون التقييد لحاظ القيد، والإطلاق لحاظ عدمه، وهو ظاهر كلام المحقق الأستاذ.
الثالث: إنّ تقابلهما من تقابل العدم والملَكة. فالإطلاق هو عدم التقييد في الموضع القابل، وهو مختار المحقق النائيني.
وأمّا النتيجة: أنّ استصحاب عدم الخصوصية لإثبات الإطلاق، إنّما يكون له صورة على المبنى الأول من الثلاثة. فإنّ الإطلاق يكون أمراً عدمياً، ومعه يثبت باستصحاب عدم الخصوصية، لأنّه ليس إلا عدم الخصوصية.
وأمّا بناءً على المبنى الثاني، فكلٌ من الإطلاق والتقييد مسبوق بالعدم، فيجري استصحاب عدم كلٍ منهما، فيتعارضان ويتساقطان. وكل من هذين الاستصحابين لا يثبت موضوع الآخر، إلا بالملازمة العقلية، من باب أن نفي الضدّ إثبات لضدّه.
ــــــ[330]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وكذلك على المبنى الثالث: فإنّ الإطلاق يكون أمراً عدمياً مطعّما بالملَكة، ومعه، لا يمكن إثباته باستصحاب عدم لحاظ الخصوصية، لأنّه لا يثبت العدم الخاص المطعّم بالملَكة، كما أنّ استصحاب عدم البصر لا يثبت العمى إلا بالملازمة العقلية، وبناءً على الأصل المثبِت.
وجوابه بوجوه:
أولاً: إنّ لهذه المسالك الثلاثة في الإطلاق والتقييد، قدراً جامعاً في معنى الإطلاق، وهو عدم التقييد. وهذا معنى واضح المناقشة والبطلان، وإنّما الإطلاق هو انتشار الحكم على سائر الأفراد، بمعنى: أن يكون مطلق السراح من هذه الجهة، ويكون عدم لحاظ الخصوصية مقدمة له؛ لأنّه يثبت انتفاء القيد. ومع عدمه يكون الموضوع مشمولا لحكم المطلق، فشمول الحكم هو الإطلاق.
فإن قلتَ: إنّ هذا مخالف لضرورة الفقه والأصول، حيث تسمى مقدمات الحكمة، بمقدمات الإطلاق، وإنّما تثبت هذه المقدمات عدم التقييد. فهذا إذن، هو معنى الإطلاق.
قلنا: نعم، هي مقدمات الإطلاق، إلا أنّ الذي يثبت بها مباشرة، أو قل: بالدلالة المطابقية، ليس هو الإطلاق بل نفي القيد فقط، وفي طوله يثبت الإطلاق. فهي من قبيل التعليل برفع المانع، لا بوجود المقتضي، فعدم التقييد يكون جزء العلة للإطلاق، ويكون بالطبع متقدم عليه رتبة.
نعم، لو تنزلنا عن ذلك، ولاحظنا موضوع الإطلاق، لزمنا القول الثالث. لأنّ الثاني باطل لكفاية عدم لحاظ القيد، لا لحاظ عدمه. ولا أنّ مقدمات الحكمة تثبت لحاظ العدم.
ــــــ[331]ـــــــ
منهج الأصول ج2
والقول الأوّل منفي بالثالث؛ لأنّ من الأكيد أنّ جملةً من الكلمات والموارد لا معنى للإطلاق فيها، حتى في اللغة، فضلاً عن الشرع، كما في الإنشاء. إذن، فاشتراط المحلّ القابل ضروري.
نعم، لو قلنا: إنّ الإطلاق يثبت في كل موارد ثبوت مقدمات الحكمة، لكان وجهاً، فيثبت المبنى الأول. إلا أنّنا ننقل الكلام إلى هذه المقدمات، فإنّها لا مورد لها، إلا في المورد القابل للإطلاق.
وبتعبير آخر: أنّ بين الإطلاق ومقدمات الحكمة نسبة التلازم بالتساوي، فيثبتان معاً، وينتفيان معاً، على المورد الذي يصدق فيه الإطلاق.
ثانياً: إنّنا عرفنا الآن من السيد الأستاذ: أنّه لا يرى ورود الإشكال بناءً على المبنى الأول الذي هو مختاره. إذن، فعلى مختاره لا يكون هذا الإشكال وارداً، وإنّما على مبنى القوم، إلا أنّه لا أحد منهم قد تبنّى جريان الاستصحاب في عدم الخصوصية جزماً، لكي ينقض عليه بمبانيه، وإنّما يعرض كأطروحة.
ثالثاً: إنّ هذا الاستصحاب غير جارٍ حتى بناءً على نسبة التناقض التي قال بها. حتى لو قلنا بعدم اشتراط ترتب الحكم الشرعي عليه، أو قلنا: إنّ الوضع حكم شرعي.
وذلك: لكونه من الأصل المثبِت حتى في هذه المرحلة. لأنّ عدم التقييد، يعني عدم قيد التلبّس، وإن ثبت بالاستصحاب. إلا أنّه لا يثبت الوضع للأعمّ إلا بناءً على الملازمة العقلية. والملازمة وإن كانت صحيحة إلا أنّها عقلية وليست عرفية، إذ لو كانت عرفية لأمكن أن تكون بمنزلة القرينة على لحاظ الأعمّ، فيثبت الوضع له.
ــــــ[332]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إلا أنها ملازمة عقلية، وهي وحدها غير كافية للقرينية، ولا لجريان الاستصحاب. وهذا معنى ما قلناه من أنّ الإطلاق ليس هو مجرد عدم القيد، بل شمول الحكم الآخر، وهو الوضع هنا.
رابعاً: إنّه أشكل: بأنّه على مبنى كون النسبة هي العدم والملَكة، لا يجري هذا الاستصحاب؛ لأنّه لا يثبت به كون المحلّ قابلاً.
وكلامه صحيح، فيما لو أُرِيد إثبات قبول المحلّ بنفس الاستصحاب. كما أنّ استصحاب عدم البصر لا يثبت العمى. لكنّنا يمكن أن نفترض قبول المحلّ في المرتبة السابقة على جريان الاستصحاب. فيقال في المثال: إنّ استصحاب عدم البصر للإنسان يثبت العمى. فيؤخذ الإنسان وهو المحلّ القابل مفروضاً.
وبتعبير آخر: إننا نثبت به عدم القيد، لا عدم القيد في المورد القابل، بل تكون قابلية المورد مسلّمة سلفاً، فلا يكون مثبتا من هذه الناحية.
الوجه الثالث: في الإشكال للسيد الأستاذ على أصالة عدم لحاظ الخصوصية:
إن إثبات الإطلاق في عالم ذهن الواضع ليس موضوعاً لحكم شرعي، وإنّما هو سبب لتكوّن ظهور للمشتقّ بالأعمّ. والظهور موضوع للحكم الشرعي بالحجّية. إذن، فلا يمكن إثبات الحكم الشرعي إلا بتوسط لازم عقلي.
ــــــ[333]ـــــــ
منهج الأصول ج2
أقول: وقد سبق ذلك بعدة تقريبات، إلا أنّ قوله: إنّ عدم لحاظ الأخصّ سبب للحاظ الأعمّ أو الظهور فيه، خطأ؛ لأنّه جزء العلة، والجزء الآخر الانحصار، أي من قبيل إثبات أحد الضدّين من نفي الضدّ الآخر، ولولاه لما ثبت لحاظ الأعمّ، ولا يتعين، والانحصار لازم عقلي.
يعني: أنّ عدم لحاظ التلبّس لا يلازم لحاظ الأعمّ أو الظهورية، الذي هو موضوع للوضع، فضلاً عما زاد عليه من الحكم الشرعي.
على أنّه يمكن أن يُقال فيه: إنّه مجرد تكرار لإشكال الشيخ الآخوند.
الوجه الرابع: الذي يمكن إيراده على أصل الاستدلال بأصالة عدم لحاظ الخصوصية حين الوضع:
إن هذا العدم إنّما يُتصوّر لو كان الواضع واحداً بشرياً، لكن مشهور الأصوليين وإجماع المتأخرين على نفي هذا الاحتمال في الواضع. ويقولون: إن الواضع: أما هو المجتمع بأجياله المتعاقبة على نحو الوضع التعيّني. أو هو الله سبحانه على نحو الوضع التعييني. فكيف غفلوا عن هذا الكلام في المقام.
فان كان الواضع هو المجتمع – كما هو الأعمّ الأغلب – فاللحاظ غير موجود إطلاقا، لا للأعمّ ولا للأخصّ. وهذا هو فرقه عن التعيّني. فليس له عندئذ حالة سابقة، بل الوضع وضع تلقائي، شارك فيه مجموع أفراد المجتمع بأجياله المتعاقبة، إلى أن أصبح الاستعمال حقيقيا.
وإذا لاحظنا -كما هو الصحيح وقد اخترناه في باب الوضع-: أن الواضع هو الله سبحانه، فنفي الحالة السابقة أوضح؛ لأنها ممنوعة في حقّه تعالى، لأن الحوادث لا تدخل عليه، وليس له حالة سابقة. فما هو ثابت له، فهو ثابت له منذ الأزل، وما ليس ثابت له، يستحيل ثبوته له مجدداً، فلا يمكن استصحاب عدم لحاظ الخصوصية.
الوجه الخامس: إننا لو تنزّلنا عن الوجه السابق، وقلنا إن الواضع بشري، فان
ــــــ[334]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الاستصحاب اعتيادي وليس أزلياً، بالتقريب الذي قلناه، وهو استصحاب حال الواضع مما قبل الوضع إلى حين الوضع، بعدم لحاظ الخصوصية.
إلا أننا يمكن ان نحوّله إلى استصحاب أزلي، وذلك بأن نقول: بأن المستصحب ليس هو حال الواضع في ذاته، وإنما حاله حال الوضع. إذ لا دخل لذاته في الواضع، وإنما الملحوظ لحاظه بصفته واضعاً. أي بلحاظ عملية الوضع، وهي اللحظة التي ربطت بين اللفظ والمعنى.
فهل توجد في الواضع حال سابقة بهذه الصفة؟ كلا. إذ من المعلوم إن حاله في عملية الوضع من أوّل الأمر لا نعلم انه لاحظ فيها الأعمّ أم لاحظ فيها المتلبّس. من قبيل المرأة التي لا نعلم من حين ولادتها أنها قرشية أم لا. فليس له حالة سابقة إلا بالعدم الأزلي.
وذلك: بأن يقال في المقام: إنّه قبل وجود عملية الوضع، لم يكن لحاظ الخصوصية موجودا، فالآن كما كان.
وهذا استصحاب مثبت؛ لأنه لا يثبت انه لاحظ الأعمّ إلا بالملازمة. مضافا إلى النقاش في جريان استصحاب العدم الأزلي نفسه. بل عرفنا أن كونه مثبتا لازم حتى لو كان استصحابا اعتياديا.
*****
ــــــ[335]ـــــــ
منهج الأصول ج2

الجهة الثالثة: في جريان الأصل في المسألة الفقهية.

وقد تعرّض إلى ذلك سيدنا الأستاذ(1)، دون غيره، في حدود المصادر التي أراجعها. وهو التفصيل بين الأصل الموضوعي والحكمي.
وتصوير الأصل الموضوعي: هو استصحاب عنوان العالم، بعد أن سبق ثبوته له في حال التلبس وذلك: أن نقول: إنّ هذا الرجل كان عالماً في يوم السبت، وانقضى عنه المبدأ. فهل بقي صدق العالم عليه مستمرا أم لا؟ فنستصحب الصدق إلى يوم الأحد.
وتصوير الأصل الحكمي: أن يُقال: إنّ هذا الرجل كان في حال تلبّسه محكوماً بوجوب الإكرام، فالآن حينما انقضى عنه المبدأ، هل بقي وجوب الإكرام عليه أم يرتفع؟ فنستصحب وجوب إكرامه. ويكون الشكّ في تحقق الموضوع من قبيل الجهة التعليلية لاستمرار الحكم.
[مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي في الأصل الجاري في الموضوع]
أما الأصل الجاري في الموضوع، فقد ناقشه السيد الأستاذ ببيان: أنّه في المقام أمور ثلاثة:
ــــــ[336]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 379.
منهج الأصول ج2
الأول: مقطوع الارتفاع وهو فعليّة التلبّس بالمبدأ، فلا يمكن استصحابه.
الثاني: مقطوع البقاء والاستمرار، وهو الجامع بين المتلبّس والمنقضي، وهذا له حصّتان حصّة كانت موجودة في صورة التلبّس، وقد ارتفعت يقيناً، وحصّة المنقضي وهي موجودة يقيناً، فلا معنى للاستصحاب فيها.
أمّا كون الجامع موجودا أم لا، فقد قال: «إنّه هو كونه ممن (علم)»، يعني يتضمن معنى الفعل الماضي، كما سبق. وقلنا عنه أنّه لا جامع بين الشيء ونقيضه. ولكن هنا نسلّم بالأمر جدلاً.
الثالث: مشكوك البقاء والارتفاع، وهو مدلول كلمة (عالم)، فإنّه على الأوّل مقطوع الارتفاع، وعلى الثاني مقطوع البقاء. أقول: يكون هذا الأمر بمنزلة الجهة التعليلية للشك.
ثم قال: «إنّ استصحاب مدلول اللفظ غير صحيح» لأنّ مدلول اللفظ بهذا العنوان، أي بالحمل الأولي، ليس موضوعاً لحكم شرعي. فإنّ الحكم غير متوقف على عنوان مدلول اللفظ، بل على واقع مدلوله، وما هو مدلوله بالحمل الشايع، يعني المتلبّس أو الأعمّ.
فإنّ الأحكام الشرعية مرتبطة بمِلاكاتها وموضوعاتها الواقعية، لا بمداليل الألفاظ. نعم، دلالة اللفظ تكون طريقاً إلى الموضوع، لا أنّ لها دخلاً فيه.
أقول: والنقص الأساسي في هذا الكلام: إنّه لم يذكر شيئاً عمّا إذا قلنا: إنّ مورد الاستصحاب هو مدلول اللفظ بالحمل الشايع. ومراده: أنّ هذا المدلول لا يخلو إمّا هو المتلبّس أو الجامع. والمتلبّس مقطوع الارتفاع، والجامع مقطوع البقاء، فلا يجري
ــــــ[337]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الاستصحاب على كِلا التقديرين.
إلا أنّنا يمكن أن ندافع عن جريان الاستصحاب، وذلك بأن نضيف وجوهاً أخرى محتملة إلى ذلك: وذلك: بأن نتصوّر حاله في طول هذا التردد، كالتردد بين (البقّة والفيل)، الذي هو من استصحاب الكلي، فنستصحب كلّي الحيوان، مع أن كِلا الجزئين غير قابل للاستصحاب، فهنا يمكن أن نستصحب المعنى الثبوتي للفظ.
إلا أنّ هذا – على تقدير جريان استصحاب الكلي – لا يتم لأمرين:
الأمر الأول: أنّه قياس مع الفارق. ففي المثال يكون للكلّي وجود واقعي يمكن أن يُستصحب. أمّا في مورد كلامنا، فليس كلّياً، بل هو جزئي مردد في واقعه بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، وهذا الجزئي لا واقعية له، إلا بواقعية أحد هذين الأمرين اللذين لا يجري فيهما الاستصحاب.
الأمر الثاني: أنّه مبني على حجّية الأصل المثبِت؛ لأنّ ثبوت الحكم فرع الظهور، والاستصحاب لا ينقح الظهور، إلا بالملازمة العقلية، لا أقل من رتبة واحدة.
إلا أنّ هذا الوجه غير تامّ؛ لأنّ موضوع الحكم ثبوتي لا إثباتي ظهوري، إلا بمقدار التعرّف عليه. فيكون جريان الاستصحاب ممكناً مع التنزّل عن الأمر الأول.
ويمكن ـ أن ندافع ضدّ كونه مثبتاً: بأنّ الموضوع ينقح هنا بضمّ الوجدان إلى الأصل، فإنّ الموضوع هو كونه عالماً وهو وجداني. والصفة المشكوكة هي فعلية التلبّس، وهي مشكوكة فتدفع بالأصل.
ــــــ[338]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إلا أنّه لا يتم بكلتا فقرتيه:
أولاً: إنّه ليس بعالم وجداناً، وكونه عالماً أول الكلام.
ثانياً: إنّ هذا الأصل غير ذلك؛ لأنّ الشكّ هنا هو في أخذ فعلية المتلبّس بعنوانها في الدليل، فيستصحب عدمها. في حين أنّ المراد استصحاب صدق المشتقّ بعد الانقضاء، وهو مما يحصل في طول إحراز الموضوع، وهذا الإحراز غير متحقّق.
وهناك تقريب آخر للاستصحاب: بأن يقال: إنّنا نستصحب عنواناً ساذجاً عرفياً، وهو أنّ هذا المشتقّ كان يصدق على زيد عند التلبّس، فهل يرتفع بعد الانقضاء أم لا؟ فهو كما كان بالاستصحاب.
إلا أنّ هذا وحده لا يتمّ، لوضوح عدم الشكّ في استمراره؛ لأنّه مقطوع الارتفاع بعنوان كونه متلبّساً، وإنّما يجب النظر إلى ذات المتلبّس، بأن يقال: إنّ ذات (زيد) كان يطلق عليها المتلبّس (العالم). والآن يصدق استصحاباً.
إلا أنّ هذا في نفسه غير صحيح:
أولاً: لأنّ موضوع الدليل ليس هو ذات (زيد)، بل عنوان العالم، وهو متضمّن لفعليّة التلبّس. فإذا زال كان العنوان المستصحب منتفياً.
ثانياً: إنّ الذات بما هي ذات، بغضّ النظر عن الاتصاف، مما لا يصدق عليها المشتقّ عندئذٍ. فإنّ كان هناك استصحاب فإنّما هو يثبت عدم صدق المشتقّ، عكس ما هو مطلوب الأعمّي.
ثالثاً: إنّ الجامع بين المتلبّس والمنقضي – لو تمّ – فهو مقطوع الاستمرار ضمن الحصّة المتحقّقة في الانقضاء، فيتعذر الاستصحاب.
ــــــ[339]ـــــــ
منهج الأصول ج2
رابعاً: إنّ المنقضي عنه المبدأ هو مقطوع الاستمرار، على أنّه ليس له حالة سابقة حال الانقضاء: لأنّه من أول الانقضاء يشك في صدق المشتقّ. فإن كان هناك استصحاب فهو العدم الأزلي للصدق، فيثبت خلاف المطلوب. فتأمّل.
وهناك تقريب آخر للاستصحاب الموضوعي يتحصّل من بعض كلمات المحاضرات(1) -وإن ذكره في الأصل الحكمي- وحاصله:
جريان الأصل في بقاء الموضوع، بوصف موضوعيته بعد الشكّ في ارتفاعه، واليقين بحدوثه. بأن يقال مثلاً: إنّ زيداً كان بحال التلبّس موضوعاً لوجوب الإكرام، فنستصحب موضوعيته للحكم بعد زوال التلبّس.
وأجاب عنه: بأنه عبارة أخرى عن جريان الأصل في بقاء الحكم نفسه؛ لأنّه بدون الحكم لا يكون موضوعاً للحكم، فيكون الحكم هو المستصحب حقيقةً. قال: «وقد عرفنا عدم جريانه، فيكون استصحاب الموضوع الراجع إليه باطلاً أيضاً».
إلا أنّه بهذا المقدار لا يمكن أن نأخذ المسألة ساذجة، لوضوح الفرق بين الحكم والموضوع. ونحن نعلم بالتغاير بين الموضوع والحكم، إثباتا وثبوتاً. فالحكم جَعْلٌ والموضوع تكوين، مضافاً إلى الاختلاف الثبوتي، وهو كون الموضوع متقدّماً رتبةً على الحكم، ولا يرجع المتقدّم إلى المتأخّر، فاستصحاب الموضوع ممكن من هذه الناحية.
إلا أنّه يرد عليه: أنّه ماذا يريد باستصحاب موضوع الحكم؟ هل بصفته
ــــــ[340]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 258.
منهج الأصول ج2
موضوعاً بالحمل الأولي، أو بصفته كذلك بالحمل الشايع؟
فإن أراد الأول، فهو غير وارد في الكتاب والسنة؛ لأنّه لم يرد فيهما بعنوان كونه موضوعا، وإن قصد الثاني، بمعنى أنّ الموضوع هو المصداق الخارجي، فيكون أمره دائراً بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فلا يجري الاستصحاب، كما تقدم تقريبه.
*****
ــــــ[341]ـــــــ
منهج الأصول ج2

الكلام في الأصل الحكمي

فأحسن من عرضه هو سيدنا الأستاذ.
[مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي في الأصل الحكمي]
حيث قال(1): إنّنا تارة نفترض أنّ التكليف قد تعلّق بصرف الوجود للمشتقّ، كما إذا قال: أكرم عالماً. وأخرى نفترض كونه متعلّقا بمطلق الوجود، يعني كونه منبسطاً على الأفراد، نحو: أكرم كل عالم. وجعل تفريع صاحب الكفاية الآتي ذكره: «وهو أنّ التكليف تارةً يتعلّق قبل زوال التلبّس وأخرى بعد زواله» من أقسام الثاني. أمّا في المحاضرات(2)، فقد عنون تفصيل صاحب الكفاية بدون زيادة.
قال: أمّا إذا كان التكليف قد تعلّق بصرف الوجود، فيشكّ في مقام الامتثال في إكرام المنقضي عنه المبدأ. إذ لعلّه لا بدّ من إكرام شخص متلبّس بالفعل.
فهذا الشكّ يكون من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الشبهة الحكمية؛ لأنّ هذا الوجوب مردّد بين أن يكون وجوباً تخييرياً بين المتلبّس والمنقضي، أو تعيينياً للمتلبّس خاصّة. قال: وفي مثله تجري البراءة عن التعيين، كما بيّنا في
ــــــ[342]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: 1: 379.
(2) محاضرات في أصول الفقه: 1: 255.
منهج الأصول ج2
مباحث البراءة والاشتغال. فتكون النتيجة هي إجزاء الفرد الأعمّ.
وقال في توضيحه: إنّنا إمّا أن نفترض أنّ نسبة المتلبّس مع الجامع الأعمّي، كنسبة الأقلّ والأكثر، يعني أنّ هذا الجامع محفوظ في المتلبّس وإنّما يزيد عليه المتلبّس بزيادة هي فعليّة التلبّس، كالرقبة مع الرقبة المؤمنة. وأخرى نفرض أنّ نسبتهما هي التباين في عالم المفهومية، وإن كانت هي العموم المطلق في مقام الصدق.
أمّا بناءً على الأول: فتجري البراءة – إن قلنا بها هناك -؛ لأنّ وجوب إكرام الجامع معلوم، وتقييده بالخصوصية وهي التلبّس مشكوك، فندفعه بالبراءة.
وإن فرضنا النحو الثاني: فهنا لو لاحظنا عالم عروض الوجوب، فالدوران يكون بين المتباينين؛ لأنّ أحد المفهومين يباين الآخر. وكل منهما طارد للآخر، وغير محفوظ فيه.
ولكن بحسب عالم الكلفة – بالطاعة والتنفيذ – التي هي نتيجة الوجوب، يكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر؛ لأنّ كلفة الجامع الأعمّي، أقلّ من كلفة خصوص المتلبّس؛ لأنّ دائرة صدق الجامع الاعمّي، أوسع من دائرة صدق المتلبّس.
قال: «وقد بيّنا في محله: أنّه مع دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، تجري البراءة. سواء كان الدوران في عالم عروض الوجوب، أو في عالم الكلفة». فتجري البراءة عن الكلفة الزائدة، يعني وجوب إكرام خصوص المتلبّس. فيجوز الاجتزاء بإكرام المنقضي عنه المبدأ.
أقول: يمكن أن يندفع ذلك بأكثر من سبيل:
ــــــ[343]ـــــــ
منهج الأصول ج2
منها: القول بالاحتياط أو أصالة الاشتغال لدى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، لكنّنا هنا ينبغي أن نسلّم بذلك، باعتباره نتيجة لمسألة أخرى.
إلا أنّ المورد ليس صغرى له؛ لأنّه سبق أن قال: إنّ نسبة المتلبّس إلى الأعمّ ليس هو نسبة العموم المطلق، بل نسبة التباين. وسلّم على هذا التقرير بعدم جريان البراءة في عالم عروض الواجب.
هذا مضافاً إلى إنكارنا للجامع الأعمّي بكل صورة، والذهاب إلى استحالة تصوّره؛ لأنّه من قبيل الجامع بين النقيضين. إذن، فليس هناك شيء أعمّ مفهوماً، لكي تكون النسبة بينه وبين المتلبّس هي العموم المطلق.
هذا مضافاً إلى إنكار الصدق على الأعمّ، واعتبار المنقضي ممن لا يصدق عليه المشتقّ حقيقة. إذن، فهو ليس فرداً لإكرام العالم ابتداءً، لا مفهوماً ولا تطبيقاً؛ لأنّه ليس بعالم بل جاهل.
ولكن، لو تنزّلنا عن كل ذلك، وأخذنا بوجود الجامع الأعمّي، وبالوضع له أيضاً، فإنّنا نناقش في الفرض الثاني الذي ذكره، لأنّنا إن قبلنا كبرى البراءة في الفرض الأول، فإنّنا لا نقبلها في الفرض الثاني.
وملخّص الوجه في ذلك:
أولاً: إن عالم الكلفة متأخّر رتبةً ومعلول لعالم عروض الوجوب. فإنّ الكلفة إنّما تتعيّن بمقدار ما يتعيّن فيه الوجوب، وتدور معه إثباتاً ونفياً.
فهنا أمّا أن نقول: إنّه مع عدم جريان البراءة في الوجوب لمكان تباين المفهومين، وثبوت وجوب الاحتياط في جانب العلّة، فيكون المعلول معها ومثلها. ويجب الاحتياط فيها كالاحتياط في عالم الوجوب. ونتيجته: وجوب
ــــــ[344]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الاقتصار على خصوص المتلبّس.
ثانياً: وأمّا أن نقول: إنّ قلة الكلفة إمّا أن نعتبرها ناشئة من سعة المفهوم، وامّا أن نعتبرها من كثرة الأفراد خارجاً.
أمّا الأول: فهو مفروض العدم لتباين المفهومين.
وأمّا الثاني: فهو لا يدخل تحت ضابط معين، بل هو موكول إلى الصدق، فأيٌّ منهما كانت أفراده أكثر، جرت البراءة عن الآخر، وهو كما ترى. بل يمكن القول: إنّ أفراد المتلبّس أكثر من المنقضي.
إن قلت: ليس الأمر كذلك، بل هما متساويان، إذ إنّ كل تلبّس فيه انقضاء، فليس التلبّس أكثر.
قلنا: بل أفراد التلبّس أكثر؛ لأنّ عدداً من الصور والحصص، تندرج في جانب التلبّس ولا تندرج في جانب المنقضي، كالذاتيات والأوصاف الواجبة كالأسماء الحسنى، فإنّها سرمدية بسرمدية الذات. ومنها الأوصاف الباقية ببقاء الذات ولو صدفة وهي كثيرة.
إن قلتَ: إنّ النسبة بين الجامع الأعمّي وخصوص المتلبّس، هي العموم المطلق، فيكون الأعمّ أكثر لا محالة، وإن قلَّ لدخول الأقلّ فيه.
قلنا: إنّ عليه أكثر من جواب:
1- إنّنا قد تنزّلنا فيما سبق عن كون النسبة هي العموم المطلق، بل التباين، وإلا لكانت النتائج غير هذه. فيمكن لأحدهما أن يكون أكثر من الآخر، كأيّ مفهومين متباينين.
ــــــ[345]ـــــــ
منهج الأصول ج2
2- إنّ الارتكاز لدى الأصوليين في المقام جارٍ على التمثيل للأعمّ بالمنقضي، فكان الارتكاز على أنّ الوضع الدائر بين المتلبّس والمنقضي لا الجامع، وبناءً على هذا يكون لنا الحقّ فيما قلناه.
ثالثاً: وأمّا أن نقول: بأن جريان البراءة عن الكلفة الزائدة، بدون أن تكون جارية عن التكليف الزائد كما هو المفروض، لا يثبت أن المأتي به مجزئ عن المأمور به إلا بالأصل المثبِت، وهو الملازمة. وأصالة البراءة أسوأ في هذا الجانب من الاستصحاب.
ومجرد أنّهم لم يذكروا البراءة عند الحديث عن عدم إثبات الأصل للوازمه، لا يعني أنّها مثبتة له، بل لا يحتمل فيها ذلك.
بل لا ملازمة بين الإتيان بالأعمّ وسقوط التكليف المعلول بالإجمال، إلا بناءً على كونه من مصاديقه، والمفروض الشكّ في ذلك، فيجري استصحاب اشتغال الذمة.
وبتعبير آخر: أنّه لا ملازمة بين جريان البراءة عن الكلفة الزائدة، وسقوط ما في الذمة من التكليف الإجمالي.
هذا بناءً على تعلّق التكليف بنحو صرف الوجود.
وأمّا بناءً على تعلّق التكليف بمطلق الوجود، كما لو قال: أكرم كل عالم، وكان انحلالياً على كل أفراد العلماء، فيكون كل فرد موضوعاً مستقلاً للوجوب. فـ(زيد) المنقضي عنه المبدأ هل يجب إكرامه أم لا؟
هنا فصَّل صاحب الكفاية بين صورتين:
ــــــ[346]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الأولى: أن يحدث الوجوب بعد انقضاء المبدأ عن العالم -مثلاً -، بأن نسي علمه. ويشكّ في حدوث الوجوب في حقّه وعدمه، فيجري استصحاب عدم حدوث الوجوب له أو أصالة البراءة عنه.
الثانية: أن يفرض أن وجوب إكرام العلماء كان فعليّاً، من حيث اتصاف الفرد بالمبدأ. ففي هذه الصورة كان الوجوب شاملاً له قبل الانقضاء، وحين يرتفع عنه المبدأ، وهو العلم في المثال، يشكّ في بقاء الوجوب في حقّه وعدمه، فيجري استصحاب بقاء الوجوب.
أما في الصورة الأولى، فينبغي التفصيل فيها بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون أصل جعل الوجوب قد حدث بعد انقضاء المبدأ، ولم يكـن متـحقـّقـاً حال وجوده، ففي مثله يـكون الأمر كما ذكر صاحـب الكفاية، من جريان استصحاب عدمه أو البراءة.
الحالة الثانية: أن يفرض أن أصل الجعل كان موجوداً، ولكن المجعول لم يكن فعليّاً؛ لتوقفه على شرط معين، كما لو جعل المولى وجوب إكرام العلماء مقيَّدا بالزوال، أو بدخول شهر رمضان. وكان زيد عالماً، لكنّه زال علمه قبل شهر رمضان.
فهنا قد يُقال: بجريان الاستصحاب التعليقي لإثبات وجوب إكرامه، بناءً على ما سلكه صاحب الكفاية نفسه، ووافقه عليه السيد الأستاذ في الجملة من جريان الاستصحاب التعليقي.
فيُقال هنا: لو أنّ هذا الشخص قد دخل عليه شهر رمضان حال تلبّسه لوجب
ــــــ[347]ـــــــ
منهج الأصول ج2
إكرامه، فنستصحب هذه القضية المشروطة. فإنّها كانت ثابتة لزيد حال تلبّسه، وبعد الانقضاء نشكّ أنّها باقية على حالها أم لا؟ فنستصحب. ويثبت بذلك وجوب إكرامه إذا دخل شهر رمضان، يعني عند حصول شرط القضية الشرطية.
ولا تصل النوبة إلى أصالة البراءة عن الوجوب، لحكومة استصحاب الوجوب عليها.
أقول: والكلام في ذلك مبنائي، والصحيح عدم جريان الاستصحاب التعليقي مطلقاً.
وأما في الصورة الثانية: فقد استشكل المحقق الأستاذ فيها بإشكالين(1):
الإشكال الأول: أنّه استصحاب للحكم في الشبهة الحكمية؛ لأنّ الشكّ في بقاء الوجوب من جهة إجمال المفهوم، وتردّد الحكم بين أن يكون شاملاً لحال الانقضاء، أو مخصوصاً بحال التلبس، فالشبهة حكمية. وهو لا يرى جريان الاستصحاب فيها مطلقاً.
وقد قال بهذه المناسبة في المحاضرات(2): «لأنّ الاستصحاب فيها دائماً معارض باستصحاب عدم سعة المجعول، وبالتعارض يتساقطان لا محالة؛ لأنّ استصحاب عدم سعة المجعول ينتج الاختصاص بالمتيقن، فلا يثبت كل من السعة والضيق معاً». والمفروض أنّنا نريد باستصحاب الحكم نتيجة السعة.
وجواب ذلك: مبنائي ليس هنا محلّه. إلا أنّنا نشير إليه إجمالاً، لإشارة المحقق الأستاذ إليه، فنقول:
ــــــ[348]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 270.
(2) الدليل اللفظي: 1: 380.
منهج الأصول ج2
أنّه يرد على هذا التعارض إشكالان:
الأول: أنّ هذين الاستصحابين ليسا في مرتبة واحدة، فلا يتعارضان؛ لأنّ استصحاب عدم سعة المجعول، سواء جرى في الموضوع أو المحمول، يعني عدم الجعل على الموضوع الواسع، إنّما هو في رتبةٍ متقدمة على استصحاب الحكم المجعول؛ لأنّ المستصحب هنا هو الحكم الجزئي الثابت في طول فعليّة المجعول والموضوع معاً.
إلا أنّ هذا الوجه ينتج جريان استصحاب عدم سعة المجعول، وعدم جريان استصحاب الحكم. إلا أنّ المهم هنا هو نفي التعارض.
الثاني: أنّ استصحاب عدم سعة المجعول غير جارٍ في نفسه، لا محمولاً ولا موضوعاً.
أمّا محمولاً: فلأنّه من استصحاب العدم الأزلي؛ لأنّه لا حالة سابقة له، لأنّ الجعل من أوله مشكوك السعة والضيق. ونحن لا نقول بحجّية استصحاب العدم الأزلي.
وأمّا موضوعاً: فلأنّه مثبت؛ لأنّ استصحاب عدم السعة لا يثبت الضيق.
فإن قلتَ: إنّ الاستصحاب الآخر، وهو استصحاب الحكم لا يثبت السعة. قلنا: نعم، يعني أنّه لا يثبت سعة المجعول، بل استمرار الحكم فقط. يعني نتيجة السعة فقط. ولذا قلنا أنّهما في رتبةٍ واحدة.
فإن قلتَ: إنّنا لسنا في حاجة في إثبات الأقلّ إلى الاستصحاب؛ لأنّه هو القدر المتيقن، فيثبت باليقين.
ــــــ[349]ـــــــ
منهج الأصول ج2
قلنا: نعم، ولكن يُراد نفي الزائد باستصحاب عدم المجعول للزائد، إلا أنّه من الواضح تلازم مرحلة الجعل مع مرحلة المجعول؛ لأنّهما بمنزلة العلّة والمعلول. فما لم يجر الاستصحاب في مرحلة الجعل؛ لأنّه بسيط، (حيث إنّه يمثل إرادة المولى، وهي أمر بسيط)، كما هو المفروض، ولم يقل به المحقّق الأستاذ. لا يمكن جريانه في مرحلة المجعول، بل يبقى احتمال سعة الجعل قائماً بدون مؤمِّن.
وحينئذٍ لا بدَّ من الاحتياط عقلاً، لتنجز احتمال اشتغال الذمة دون أصل نافٍ.
ويمكن أن يُقال هنا بجريان البراءة العقلية، لكنها مطعون فيها كبرى، إذ إنّ صالة البراءة العقلية غير صحيحة، بل الصحيح هو الاحتياط العقلي، كما سيأتي الإشارة إليه، وبنى عليه السيد الأستاذ.
وملخّص فكرته: أنّ احتمال التكليف منجّز عقلاً، يجب الاحتياط فيه، من حيث إنّ وجوب طاعة المولى عالية جداً، حتى في التكاليف المحتملة. فلا مؤمِّن عقلي من هذه الناحية في طرف الجعل. فكيف يجري الأصل المؤمِّن في طرف المجعول؟ وهما متساويان وجوداً وعدماً.
الإشكال الثاني: للمحقّق الأستاذ(1): أنّه حتى بناءً على المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فإنّ هذا الاستصحاب لا يجري لعدم إحراز بقاء الموضوع؛ لأنّه يُشترَط في جريان الاستصحاب إحراز بقاء الموضوع ووحدة القضية المتيقّنة موضوعاً ومحمولاً.
لأنّ موضوع الحكم إن كان هو المتلبّس بالفعل فهو مرتفع، وإن كان هو
ــــــ[350]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 256.
منهج الأصول ج2
الجامع بين المتلبّس والمنقضي، فهو باقٍ. فموضوع القضية المتيقنة مردّد بين المتلبّس والجامع الأعمّي. فإن كان هو خصوص المتلبّس فهو مرتفع، وإن كان هو الجامع فهو محفوظ. إذن، فلم نحرز وحدة الموضوع، فلا يجري الاستصحاب.
وإنّما يجري الاستصحاب فيما هو متعيّن مفهوماً من حيث السعة والضيق، وكان الشكّ متمحضاً في سعة الحكم المجعول وضيقه. كما لو شككنا في بقاء حرمة وطي الحائض بعد النقاء، أو بقاء نجاسة الماء المتغيِّر بعد زوال التغيّر بنفسه، أو بقاء نجاسة الماء المتمم كراً، بناءً على نجاسة الماء القليل بالملاقاة. فالمرجع في جميع ذلك إلى استصحاب الحكم، وبه تثبت سعته.
إلا أنّ هذه الأمثلة في نفسها قابلة للمناقشة، لإمكان تصوّر عدم التعيّن فيها من حيث السعة والضيق. ومع ذلك اعترف المحقق الأستاذ بجريان الاستصحاب فيها.
ففي مورد الحائض يكون مفهوم الحائض مردداً بين الحائض التكويني والحائض الحكمي. لأنّنا هنا لا نعلم أنّ موضوع الحكم هي حالة الدم أو حالة الحدث، فإن كانت حالة الدم فقد ارتفعت جزماً. وإن كانت حالة الحدث فهي باقية جزماً.
وأمّا في مورد الماء المتغيِّر، فهناك صيغتان:
الأولى: غير عرفيّة لكنها تعرض كأطروحة، وذلك: بأن يُقال: إنّ التغيّر عرفاً، وإن كان هو التغيّر الفعلي، إلا أنّنا نحتمل أن الشارع ينزّل الماء الذي زال تغيّره بنفسه منزلة المتغيِّر، فهو متغيِّر شرعي، فيكون مردّداً بين التغيّر الفعلي والتغيّر الشرعي.
ــــــ[351]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الثانية: أن نقول: إنّ علة التغيّر، محدثة ومبقية أو محدثة فقط؟ فعلى الأول لا بدّ من الحكم جزماً بالطهارة. وعلى الثاني لا بدّ من الحكم جزماً بالنجاسة.
ونحوه يُقال: في الماء القليل المتنجس، هل القلة علّة محدثة فقط والحيثية تعليلية، يعني مادام قليلاً. إذن، فهو مرتفع بعد الكريّة. أو أنّها حيثية تقييدية، يعني علّة محدثة ومبقية، إذن فهو نجس جزماً.
فالمتردّد بين الأقلّ والأكثر موجود في كل الموارد بنحو آخر، ولأجله يجري الاستصحاب؛ لأنّ هذا التردّد يكون بنحو الحيثية التعليلية، وسبباً للشكّ الجاري في موضوع الاستصحاب، فلا ينافي جريانه.
ثم قال(1): أمّا في التردّد بنحو الشبهة المفهومية، فلا يجري الاستصحاب لا حكماً ولا موضوعاً، أمّا عدم الجريان موضوعاً، فباعتبار اشتراط وحدة القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة، ليصدق نقض اليقين بالشك.
وفي الشبهة المفهومية لم يحرز الاتحاد بين القضيتين. ومثّل له بالتردّد في الغروب، هل هو استتار القرص، أو ذهاب الحمرة؟ فعلى الأول يكون الموضوع وهو جزء النهار منتفياً. وعلى الثاني باقياً. وبما أنّنا لم نحرز الموضع، لم نحرز الاتحاد بين القضيتين، فلا يمكن جريان الاستصحاب.
ويمكن أن يُورد عليه عدّة إشكالات في أكثر من مستوى واحد، بعضها يرجع إلى المثال، وبعضها يرجع إلى أصل المطلب الذي نتكلّم عنه.
الأول: أنّه يمكن أن يُقال: إنّ اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة، وهي إمّا أن
ــــــ[352]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: 1: 257.
منهج الأصول ج2
نعبّر عنها بوقت الصوم، وإمّا أن نعبّر بالنهار، أو بأي تعبير آخر، هو موجود قبل سقوط القرص. فلو شككنا شكّاً عرفياً، أمكن أن نستصحبه موضوعاً، فيثبت أن وقت الصوم لا زال مستمراً، فيلحقه حكمه، وهو وجوب الاستمرار بالصوم.
الثاني: أنّ بين المثال وبين المشتقّ عدّة فروق:
1- أنّ الأقلّ آني في المثال وزماني في المشتقّ.
2- أنّ القدر المتيقن والموافق للاحتياط في جانب المثال في الغروب، هو الأوسع، وتأجيل الإفطار إلى زوال الحمرة، في حين أنّ القدر المتيقن في جانب المشتقّ هو الدائرة الأصغر، لوضوح أن إكرام المتلبّس، أحوط من إكرام المنقضي.
3- أنّ الأقل في المثال مسبوق بحالة سابقة ثالثة هي حال النهار، دون المشتقّ؛ لأنّه إمّا متلبّس أو منقضٍ.
4- أنّ الأقلّ في المشتقّ هو موضوع الدليل، في حين أنّ المثال موضوعه شيء ثالث. إلا أن يُراد الحكم بجواز الإفطار، فيستصحب عدمه – لا وجوب الاستمرار بالصوم -، إلا أنّه لا يثبت وجوب الصوم إلا بالأصل المثبِت لمكان الملازمة، ومجرد جواز الإفطار لا يكفي في جواز النية الفعليّة.
مضافاً إلى أنه ذكر مثالاً يجري فيه استصحاب الحكم لا الموضوع، وهو مثال بقاء النهار، والعبارة مشوشة حول ذلك.
والنتيجة: أن النقاش في ذلك نقضاً وحلّاً:
أمّا النقض: فلأنّ كل الأمثلة التي ذكرها لتعيّن الموضوع من حيث السعة والضيق، ذكرنا أنّها مردّدة كما سبق، ومعه، يصدق أنّنا لم نحرز بقاء الموضوع،
ــــــ[353]ـــــــ
منهج الأصول ج2
وأوضح ذلك: إنّنا لم نحرز بقاء عنوان الحائض بعد النقاء، فلا يجري استصحاب الحرمة، وغيره كذلك.
وأمّا حلاً: فمحلّه في بحث الاستصحاب، وحاصل فكرته الأساسية، أن القضية المتيقّنة ليست هي الموضوع بل هي الحكم، فإذا علمنا بثبوت حكم وشككنا باستمراره، لاحتمال تغيّر موضوعه أمكن استصحابه. وهو أن نفهم: لا تنقض اليقين بالحكم بالشكّ بالحكم، ويكون التردّد في الموضوع من باب الحيثية التعليلية أو السبب للشكّ الذي هو موضوع الاستصحاب.
وبتعبير آخر: يكفي انحفاظ الموضوع عرفاً، في جريان الاستصحاب شرعاً. وأمّا إذا تغيّر الموضوع عرفاً، لم يمكن جريانه، وهذا ما هو المحفوظ في الجميع، في مثال الحائض وهو حرمة الوطء، واستتار القرص وهو حرمة الإفطار، والمشتقّ وهو وجوب الإكرام.
أنه يمكن أن يُقال، بناءً على مذاق بعضهم ممن حضرت درسه، بعرض مني: من أن الذات ليست هي الموضوع بتمامه، وهو الذات المتلبّسة، بل هو (زيد) نفسه، الذي كان يجب إكرامه ذاتاً. فالذات وهو (زيد) مستمرّ بعد انقضاء المبدأ.
ما سبق أن قلنا، من إمكان استصحاب نحو من الكلّي، يعني القضية العامّة أو الإجمالية؛ لأنّنا لو لاحظنا الأفراد، لكان الفرد مردّداً، بين متيقّن البقاء ومتيقّن الارتفاع. ولكن نلاحظ الكلي على نحو مثال البقة والفيل. في القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي.
وهنا ليس هو الجامع، بل هو المعنى العامّ بين الحصّة (المتلبّس) والجامع
ــــــ[354]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الأعمّي. إذن، فيمكن جريان الاستصحاب الحكمي، لكن يقطعه العلم – كما يأتي – بارتفاع عنوان المشتقّ بعد الانقضاء، فيرتفع الموضوع، وبارتفاعه يرتفع الحكم.
وأودّ هنا مناقشة الوجهين الثاني والثالث. فما قاله بعضهم ليس بصحيح؛ لأنّ الموضوع هو ما أخذ بلسان الدليل موضوعا، وهو زيد المتلبّس. لأنّه قال: أكرم العالم. وهو ليس (زيد) مطلقاً، بل بصفته عالماً. فهي حيثية تقييدية لا تعليلية.
إذن، فموضوع الحكم هو انضمام كلتا الصفتين: زيد والتلبّس. وهو مقطوع، فلا يكون مجرى للاستصحاب، بعد التنزل عن الإشكالات السابقة.
وأمّا الكلّي الذي وصفناه بالذات الإجمالية أو المبهمة، فهو وإن كان له نحو من الثبوت نفسياً وعقلياً، إلا أنّه أمر دقّي وليس عرفياً. إذن، يعود الإشكال جذعاً، وهو أنّ الأمر يكون مردّداً بين ما هو مرتفع يقيناً، وهو المتلبِّس وما هو باقٍ يقيناً، وهو المنقضي.
ثم ذكر عدم جريان الاستصحاب في الشكّ في الموضوع بنفس التقريب، وهو التردّد في المفهوم بين ما هو متيقّن الارتفاع ومتيقّن البقاء. كل ما في الأمر أنّه في جانب الحكم قال بعدم الجريان، للتردّد في موضوعه، فكيف في جانب الموضوع نفسه؟ وعبارته مشوشة، وقد سبق ما يكفي للجواب عليه.
إلا أنّنا يمكن أن نناقش ما قلناه أخيراً، لأنّ التقريب الأول للاستصحاب، وهو كون الموضوع ذات الإنسان، لا بصفته عالماً، ليس بصحيح؛ لأنّه خلاف موضوعية الموضوع. والتقريب الثاني باطل؛ لأنّ هذه الفكرة العامّة غير عرفية، فلا تكون صغرى للاستصحاب.
ــــــ[355]ـــــــ
منهج الأصول ج2
لكنّنا يكفينا في النتيجة أنّنا لو تنزّلنا عن الإشكالات كلها، وقلنا بالاستصحاب، فإنّما هو في طول الشكّ، والشكّ في طول احتمال وضع المشتقّ للمتلبّس أو المنقضي، فإذا شككنا أمكن جريان الاستصحاب. ولكنّنا نحرز أن المشتقّ لا ينطبق إلا على خصوص المتلبّس، وعندنا اطمئنان عرفي وعقلائي على صدقه، فلا يجري الاستصحاب؛ لأنّه يكون من نقض اليقين باليقين.
ــــــ[356]ـــــــ
منهج الأصول ج2

ملحق صور النسخة الخطية

صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــ[357]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة أخرى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــ[358]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة أخرى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــ[359]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة أخرى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــ[360]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة أخرى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــ[361]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة أخرى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــ[362]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة أخرى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــ[363]ـــــــ
منهج الأصول ج2

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

ــــــ[364]ـــــــ
منهج الأصول ج2
الفهرس

فصل: في تحديد محل البحث 7
معنى المشتق 11
تحديد المشتق 13
أسماء الزمان والمكان والآلة 20
أسم الزمان: 22
الوجه الأول: مناقشة ما افاده صاحب الكفاية في دخول اسم الزمان في محل النزاع 22
الوجه الثاني: مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي (في المحاضرات) في دخول اسم الزمان في محل النزاع 26
الوجه الثالث: مناقشة ما أفاده المحقق العراقي في دخول اسم الزمان في محل النزاع 30
الوجه الرابع: مناقشة إشكال زوال الذات بزوال المبدأ في اسم الزمان 33
بحث عن حقيقة الزمان 35
الوجه الخامس -وهي النتيجة-: [أطروحات في نتيجة إمكان القول ببقاء ذات ــــــ[365]ـــــــ
منهج الأصول ج2
اسم الزمان بعد زوال المبدأ] 45
اسم الآلة 52
[مناقشة ما أفاده المحقق النائيني من خروج أسماء الآلة عن حريم النزاع] 52
اسم المكان 57
اسم المفعول 59
[مناقشة قول الشيخ النائيني بخروج اسم المفعول عن محل النزاع] 59
خروج المصادر والأفعال عن محلّ النزاع 66
دلالة الأفعال على الزمان 71
[مناقشة ما أفاده صاحب الكفاية وصاحب المحاضرات من إشكالات في دلالة الأفعال على الزمان] 71
السنخ الأول: [مناقشة الإشكالات العقلية] 72
السنخ الثاني: الإشكالات اللغوية 91
[مناقشة استدلال المحقق الخوئي بدليل التعهد على عدم دلالة الأفعال على الزمان] 101
التحقيق في الإنشاء هل هو موضوع للأمر الثبوتي أم للقصد النفسي؟ 104
بعض المناقشات مع صاحب الكفاية 110
أسماء الآلة وأسماء المفعول وخروجها عن محلّ النزاع 117
المعنى الحرفي 125
ــــــ[366]ـــــــ
منهج الأصول ج2
[مناقشة مختار صاحب الكفاية في معاني الحروف] 125
[ملخص الرأي المختار في الحروف] 141
الكلام في الجوامد التي لها علاقة بالمشتقّ الأصولي 192
مناقشة ما أفاده الشيخ الآخوند والمشهور في الجوامد 192
مسألة الرضاع 201
أمّا المسألة الأولى: [تحريم البنت، أي الزوجة الصغيرة على الزوج] 203
المسألة الثانية: في حرمة الزوجة الكبيرة المدخول بها التي أرضعت أولاً. 204
[مناقشة ما استدل به صاحب المحاضرات بمقتضى القواعد على الحرمة] 205
المسألة الثالثة: [في تحريم الزوجة الكبيرة الأخرى، أي المرضعة الثانية عليه] 219
فصل: في أنحاء التلبّسات 223
كلام الشيخ النائيني في خروج أسماء الآلة وأسماء المفعول عن محلّ النزاع 237
في تحقيق معنى الحال 242
النحو الأول: أخذ الزمان في المدلول التصديقي للمشتقّ 242
بيان الرأي المختار 262
[النحو الثاني: أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق] 273
[مناقشة ما اُستدِل به على استحالة أخذ الزمان في المدلول التصوري للمشتق ثبوتاً] 273
[مناقشة دلالة المشتقات على الزمان] 274
ــــــ[367]ـــــــ
منهج الأصول ج2
[الكلام في المبحث الرئيسي في دخول الزمان في المدلول التصوري للمشتق] 278
في تصوير الجامع لخصوص المتلبّس أو الأعمّ 281
[الحديث عن الجامع الأخصي] 283
[الحديث عن الجامع بناء على الوضع للأعم من المتلبس والمنقضي] 297
فصل: في تأسيس الأصل الجاري في المقام 319
الجهة الأولى: [الجهة الأولى: في المسألة الأصولية من ناحية الاستدلال بالأمارة النوعية على المطلوب] 322
الجهة الثانية: في الأصل العملي الجاري في المسالة الأصولية 325
[مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي من إشكالات على أصالة عدم لحاظ الخصوصية] 327
الجهة الثالثة: في جريان الأصل في المسألة الفقهية. 336
[مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي في الأصل الجاري في الموضوع] 336
الكلام في الأصل الحكمي 342
[مناقشة ما أفاده المحقق الخوئي في الأصل الحكمي] 342
ملحق صور النسخة الخطية 357
الفهرس 365
ــــــ[368]ـــــــ
منهج الأصول ج2