منهج الأصول
الجزء الثالث
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثالث
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
مبحث الأوامر
يوجد إشكال (شكلي) في استعمالهم العنوان هنا مجموعا اعني بصيغة الجمع, في حين استعملوه في الأبواب الأخرى مفردا. كالصحيح والأعم والمشتق والمطلق والمقيد والعام والخاص وغيرها. مع العلم أنها هي بدورها أسماء أجناس تدل على الكثير من مصاديقها. فان كان يكفي اسم الجنس، فلماذا الجمع هنا؟ وفي عنوان (النواهي) أيضا وان كان لا يكفى فلماذا الأفراد في سائر الموارد.
فان قلت: لعل الجمع بلحاظ الأصناف والإفراد بلحاظ الأفراد. فان اسم الجنس ، يدل على الأفراد دون الأصناف.
قلنا: أولاً: إن اسم الجنس يشمل أفراد الأصناف كلها، وهذا يكفي، وان لم يكن دالا على الأصناف بعناوينها التفصيلية.
ثانياً: إن بعض ما استعملوه مفردا، كالمشتق ، له أصناف ، وهي أنواع المشتقات ، وكذلك أنواع العبادات في الصحيح والأعم.
ثالثاً: إن بعض – أو كل – ما استعملوه بصيغة الجمع ليس له أصناف. بل هو نوع كلي واحد. كالنواهي. بل الأوامر أيضا، لأن أصنافه قد لا تزيد على اثنين هي الجملة الإنشائية والجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء. فيكفي في مقام بيانها اللفظ المفرد.
ــــــ[9]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: إن لها أصناف: وهو الانقسام إلى المادة والهيئة. في كل من الأوامر والنواهي.
قلنا: لا جامع بين المادة والهيئة، لكي يصح التعبير عنه بالجمع. لأنهما من مقولتين مختلفتين. فالمادة من مقولة الكم، باعتبار تعدد الحروف. والهيئة من مقولة الكيف. ولا جامع بين المقولات.
فان قلت: نعم، ولكن الجمع على تقدير تكرار المفرد. فيمكن أن نقصد من كل منهما أحدهما. اعني المادة والهيئة. ولهذا ورد في عنوانهم مجموعا.
قلنا: كلا. فان الجمع لا يكون عرفا إلا لمفردات متشابهة في المعنى. لأن الجمع هيئة تكثيرية لمفرد واحد هو مادته. فيكون المراد جمع مضمون تلك المادة. والمفروض أن تلك المادة لا تدل على الحصتين معا. لأنه لا جامع بينهما. كما لا تدل على مجموعها، وإلا لزم استعمال اللفظ في معنيين متباينين.
وعلى العموم ثبت في محله ان استعمال اللفظ في أكثر من معنى متعذر عرفا، مفردا كان اللفظ أو مثنى أو مجموعا. فلا يفيد الجمع للدلالة عليها، كما لا يفيد المفرد أيضا. بل لابد من عزل المادة عن الهيئة بعنوان مستقل. وإنما ذكرناه هنا كما ذكروه، من باب التشرف بالمتابعة.
ثم ان الأصوليين – بما فيهم صاحب الكفاية- قالوا هنا: ان الكلام يقع في جهات:
الجهة الأولى: في مادة الأمر
وهي لفظ الأمر. ومن الواضح وجود الأثر الشرعي له. لأنه ورد في السنة
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بعدة ألسنة، نحو: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا بلغ الصبيان سبعا فمروهم بالصلاة.
ثم إنهم – مقدمة للنتائج الآتية – صاروا بصدد تعيين معنى الأمر لغة واصطلاحا.
أما المعنى اللغوي، فيبدو ان بعض الأصوليين حاول استقصاء المعاني اللغوية، مما لا حاجة إلى سرده هنا، وهو فن قائم بنفسه، إلا انه لا اثر له فقهيا. مضافا إلى إمكان القول بأن هناك قرائن في كل استعمال على حدة في الروايات.
مضافا إلى انه يحتمل في تلك المعاني وجود الحقيقة والمجاز، وكون الظهور سياقيا ولو بقرائن حالية أو مقالية. كما حصل في معنى (الغرض) كما في قولنا: جاء زيد لأمر كذا. أي لغرض كذا. فانه مضافا إلى انه من نحت الأصوليين، ولم يثبت ورود مثل هذا الاستعمال من العرب. استشكل عليه الشيخ الآخوند: بأن الغرض مستفاد من اللام، ويكون الأمر، وهو مدخوله. مصداقا له. ثم أمر بالفهم. إشارة إلى كفاية ذلك في معنى الغرض، لصحة وروده في هذا المعنى ولو في الجملة. يعني الأعم من المفهوم والمصداق.
إلا انه لا يتم، كما هو معلوم، لأن المدخول هو ذات الغرض، والغرضية مستفادة من اللام صرفا. كما لو قلنا: جاء زيد للتصدق. على ان الاستعمال اعم من الحقيقة. وليس من اشتباه المفهوم بالمصداق، لأنه ليس مصداقا له أصلا بدون اللام.
إلا ان هذا لا ينتج ان استعراض المعاني اللغوية الأساسية لا اثر له. وان كان التوسع في ذلك لا اثر له. وإنما لابد من البرهنة على ما هو أساسي لكي
ــــــ[11]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نفهمه من مادة الأمر الواردة في الكتاب والسنة. وأول ما يبدو للنظر في مادة الأمر، ان لها جمعين: أمور وأوامر، ولا ثالث. وهذا يعطي بدويا نتيجتين:
النتيجة الأولى: ان الأمر موضوع بنحو الاشتراك اللفظي لمفرديهـما. إذ لو كان اشتراكا معنويا لكفى جمع واحد. ولو كان موضوعا لأكثر من معنيين بالاشتراك اللفظي، لما كفى جمعان.
النتيجة الثانية: انهم قالوا: ان معنى مفرد (أمور) هو الشيء، ومعنى مفرد (اوامر) هو الطلب. فيكون مؤدى الجمع: الطلبات. وهذا هو معنى الأمر الذي عنونوا به الباب.
ولذا ذهب صاحب الكفاية: إلى ان الأمر موضوع حقيقة، في الطلب والشيء، في الجملة. وهذا صحيح ما لم تقم القرائن على نفيه.
غير انه يأتي الكلام على معنى الشيء ومعنى الطلب الذي وقع معنى للأمر. وهل انهما مترادفان أو لا.
وأول إشكال على الترادف هو ما قاله مشهور المتأخرين من اتحاد الطلب والإرادة فيكون الأمر بمعنى الإرادة وهو غير محتمل.
ثم انه قال السيد الأستاذ: انه وقعت هنا محاولتان مترتبتان:
المحاولة الأولى: في إرجاع المعاني المذكورة للأمر, غير الطلب، إلى أمر واحد، يكون جامعا لموارده.
المحاولة الثانية: إرجاع كل موارد معاني الأمر حتى الطلب إلى معنى واحد.
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
اما المحاولة الأولى، فقد يقال: ان ذاك المعنى الواحد هو الشــيء. ولذا ذكر صاحب الكفاية ان كلمة الأمر حقيقة في الطلب والشيء. وبهذا يكون لها معنيان فقط.
وقد لاحظ الشيخ النائيني والشيخ الأصفهاني (قدس سرهما) ان الشيء بعرضه العريض غير مناسب مع كلمة الأمر. بل معناها أضيق. لأنه لا ينطبق على كل الجواهر. فيقال: زيد شيء ولا يقال زيد أمر.
وقد عبر الشيخ النائيني بالواقعة أو الحادثة المهمة. وقال الشيخ الأصفهاني: انها تناسب مفهوم الفعل والحدث. وهما معنيان متقاربان.
وقد اقر السيد الأستاذ المغايرة بين الأمر (غير الطلب), وبين الشيء. إلا انه قال: ليس هو الحادثة المهمة، لوضوح استعماله في غير المهم. يقال: هو أمر تافه.
كما لا يختص استعماله في وقوع الحادثة والفعل، لإمكان استعماله فيما يستحيل وقوعه. يقال: اجتماع النقيضين أمر محال. وكذلك فيما لم يحصل كقولنا: مجيء زيد أمر غريب.
وقال: بل نحن نرى ان كلمة أمر تستعمل في الجوامد أيضا. فانها على قسمين: أسماء أعلام وأسماء أجناس. وهو مستعمل في الثاني، فيقال: النار أمر ضروري. ولا تستعمل في الأول. وهذا كاشف عن ان مفهوم الأمر مساوق مع شيء مطعّم في الوصفية. ولهذا تكون الأعلام التي هي منسلخة عن الجانب الوصفي و متمحضة في الذاتية، مما لا يستعمل فيها ذلك. واما أسماء الأجناس فهي لا تخلو من جانب وصفي في الجملة، فضلا عن المصادر التي هي اوصاف في الحقيقة.
ــــــ[13]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقال: ولا بأس بدعوى كون هذا المفهوم الوسط جامعا، وتلك المعاني مصاديق له، يعني: حصص منه.
أقول: جوابه يتكون من خطوات:
الخطوة الأولى: اننا لو سرنا مع الجانب الوصفي، ولو مؤقتا أمكن ان نعمم عدم الوصفية لكل الجزئيات الخارجية والواقعية، بصفتها جزئية، وليس خصوص الأعلام الشخصية.
بتقريب: ان الألفاظ على قسمين: منها: ما هو دال على الكليات ومنها: ما هو دال على الجزئيات. وما هو دال على الكليات فهو مطعم بالوصف ويصدق عليه مفهوم الأمر. واما ما هو دال على الجزئيات فهو غير مطعم بالوصف. غاية الأمر ان الأعلام الشخصية حصة مما يدل على الجزئيات. والأمر في كل ما دل على الجزئيات كذلك. فلا يقال: هذا المسجد أمر واسع ولا هذا الفراش أمر ازرق.
فان قلت: فانه يقال – كما سبق -: اجتماع النقيضين أمر مستحيل وشريك الباري أمر مستحيل. وهما جزئيان.
قلنا: بل هما كليان. نعم لو كان موجودا في الخارج كان جزئيا. إلا انه معدوم ويستحيل وجوده. والصورة عنه كلية لا جزئية.
ومنه يتضح تفسير ما قالوه: من انه يقال: زيد شيء، ولا يقال: زيد أمر. لأن زيد جزئي غير مطعم بالوصفية. وهي مشترطة في صدق الأمر وغير مشترطة في صدق الشيء. وكذلك التعبير عن الفعل وعن الحادثة وعن الحادثة المهمة.. انها أمور. فانها كليات. ولو كانت جزئيات لما أمكن ذلك عرفا. إلا بعد التجريد عن الخصوصية وقصد مثلها أو سنخها، كما يقــال: مثلك من
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يفعل كذا.
وكذلك عدم الانطباق في الجواهر الجزئية، فلا يقال: زيد أمر. مع الانطباق في الكليات، لوضوح إمكان ان يقال: ان الإنسان أمر مهم في الدنيا والآخرة.
الخطوة الثانية: اننا يمكن ان نسير قدما آخر، بأن نقول: ان الجزئيات وان لم تطعم بالوصفية في ذاتها، ومن هنا لا يسند لها الأمر بنفسه. ولكن يمكن تقييد الأمر المسند إليها بأمر وصفي كأحد المشتقات ونحوها. فيصح الاستعمال. كقولنا: زيد أو فعل زيد أمر مهم لي أو تافه. ومن هنا ينطبق على الفعل، كما قالوا.
وإذا تم ذلك, قلنا: ان الأمر مشترط بالوصفية في متعلقه: شيء وصفي.. اما بذاته أو بقيده.
غير ان هذه القيدية قابلة للنقض. فانه لا يقال: زيد أمر طويل أو قصير أو البساط أمر ازرق. مع انطباق هذه القواعد عليه.
ومعه يتمحض الأمر، في ما هو وصفي ذاتا وهو الكليات، مع ما ينزل منزلتها وهو الجزئيات بعنوان (مثلك). ومن المعلوم ان الوصف بالطول والقصر واللون ونحوها من الاوصاف الشخصية، مما لا حاجة إلى التنزيل فيه منزلة الكلي. فلا يستعمل فيه الأمر.
إذن، فمعنى كلمة الأمر، هو الشيء الوصفي الذي تستفاد الوصفية فيه من معنى كلي لا جزئي. وإلا لانتقض بعدم الانطباق على المشتقات الجزئية، كضارب وذاهب وغيرها.
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومن هنا، نعرف ان مجرد الاتصاف بالوصفية غير كاف، ما لم تكن وصفية كلية أو جنسية مستفادة من اسم الجنس.
الخطوة الثالثة: ثم انه قد ينقض بالجمع وهو: أمور.
فان مفرده هو ما قلناه، مع انه في القران الكريم لم يقل: إلى الله تصير الأمور. يعني الأشياء، وهو ينطبق على الجزئيات كما ينطبق على الكليات، وينطبق على الذوات، كما ينطبق على الأفعال. وبالجملة فهو يشمل ما قاله المشهور وما نفاه.
بل الأمر أكثر من ذلك: فان الكليات لا تصير إلى الله، وإنما تصير الجزئيات. إذن، يتعين ان يكون الأمر بمعنى مطلق الشيء.
وجوابه: نقضا وحلا:
أما النقض، فبالكليات التي لا تصير إلى الله. مع صدق الأمر عليها، وكذلك المستحيلات، فانها ليست بشيء ولا تصير إلى الله، مع انها يطلق عليها الأمر.
واما الحل، فان هنا قرينة سياقية على المراد. وهو عود الجزئيات الخارجية إلى الله سبحانه. سواء سميت أمرا في اللغة أم لا. فالأمور في الآية الكريمة، لها مفردات حقيقية ومجازية جزما، بالقرينة السياقية.
فان قلت: فان المركب من الحقيقي والمجازي مجازي. لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين. مع اننا نحس باستعمالها الحقيقي في الآية الكريمة.
قلنا: ان ذلك إذا كان بنحو التساوي ونحوه، لا بنحو قلة المجاز واستهلاكه في المعاني الحقيقية.
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الخطوة الرابعة: ثم اننا ينبغي ان نحكّم العرف في الاستعمال, لا ان نمثل من عند أنفسنا، فاذا لاحظناه، فلا يبعد القول بتساوي استعمال شيء مع أمر. فيقال: اجتماع النقيضين شيء مستحيل. مع انه ليس بشيء عقلا. كما لا يقال: زيد شيء وزيد أمر. كما يقال: زيد إنسان. فان صدق هذا الحمل عقلي لا عرفي. ومنه نفهم عدم انطباقها على الجزئيات حتى لو كانت وصفية، كالمشتقات.
كما لا يقال: زيد شيء طويل. كما لا يقال: زيد أمر طويل. بل العرف يسند الخبر إلى المبتدأ رأسا، فيقول: زيد طويل. إذن، فمن الناحية العملية، اصبح شيء وأمر مترادفان.
ومنه نفهم (الأمور) في الآية، غير ان الأمور بمعنى الأشياء، منها ما هو قابل للرجوع إلى الله وهي الجزئيات، ومنها ما هو غير قابل لذلك، فلا يمكن ان تكون مقصودة، أو قل انها خارجة بالتخصيص، كالكليات والمستحيلات. ونفس هذا المعنى نقوله لو قال: إلى الله تصير الأشياء.
فالأمر بمعنى الشيء, إلا انه ليس كليا كما في الشيء أو عرضا عاما، أو نحو ذلك. كل ما في الامر ان موارد استعماله متساوية لغة. ولذا لا ينطبق على الله سبحانه. ويمكن ان نفهم ذلك من الآية. لوضوح عدم رجوعه إليه. إلا ان يقال: بوجود القرينة على نفيه.
ويؤيده تفسير (المفردات) له بالشان. قال: وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها. واستشهد بآيات عديدة كقوله تعالى: إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ – قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ – وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ – إلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ – وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ – أَتَى أَمْرُ اللّهِ.
ــــــ[17]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهو قابل للمناقشة من جهتين:
الأولى: اننا إذا قارنّا وجداننا بين ان يكون الأمر مرادفا للشأن أو مرادفا للشيء وجدناه إلى الثاني اقرب. وتدل عليه الآية الكريمة التي يتحدث عنها. فان الأمور ليست بمعنى الشؤون لا في نفسها ولا في الآية. وإنما بمعنى الأشياء.
الثانية: ان ما سنقوله من الأمر في الخطوة التالية ليس بمعنى الشأن ولا الشيء أصلا.
الخطوة الخامسة: وهي أغربها إلا انها انسبها:
ان الأمر بصيغة المفرد له معنى واحد ، وهو الذي يجمع على اوامر. واما الأمور فليس لها مفرد أي لم يوضع (أمر) لكي يكون مفردا لها. وإنما مفرده مادته فقط.
فان قيل: بأن وضع المادة وحده غير عرفي. قلنا: بل هو عرفي وأدل دليل على إمكانه وقوعه. والتبادر معلول للوضع. وهو دليل لمي عليه. وهذا التبادر بما انه عام، فهو دليل على الوضع التعيّني للمادة.
وهذا معناه، ان الأمر لم يوضع بمعنى الشأن ولا بمعنى الشيء أصلا. وإنما الجمع: (أمور) دال عليه فقط ولا مفرد له. وإنما المراد من المفرد الاستقلالي للأمر هو ما يجمع على اوامر. وكذلك هو المراد من الآيات نفسها. وهو الذي يعبر عنه الأصوليون بالطلب. وسيأتي الحديث عنه. ولم يرد شيء في اللغة من هذا القبيل إلا مجازا. وإنما هذه الأمثلة التي ذكروها ليست مورثة من اللغة الأصلية.
ــــــ[18]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واذا لم نكن نحس فيها بالمجاز ، فانما هو باعتبار تنزيل (الأمر) المفرد الاستقلالي، منزلة (المادة) في الأمور. وحيث ان المادة موضوعة للشىء جزما، فيمكن ان نقصد بتنزيلها الشيء أيضا. وهذا ما يحدث ارتكازا لمدى المشابهة بينهما. فهو اقرب إلى الحقيقة وان لم يكن حقيقة، وهو مفهوم عرفا، لأن لكل جمع مفرد غالبا، من الناحية العرفية.
إلا انه لا يوجد في اللغة الأصلية منه اثر ، وإنما هو من حديث علماء الأصول الذين ليسوا من أهل اللغة.
وعلى أي حال، فالأمور بمعنى الأشياء جزما، فالمادة موضوعة للشيء. فاذا كان لها تنزيل استقلالي فلا يراد به إلا ذلك.
واما العكس، وهو دعوى رجوع مفرد الأوامر إلى مفرد الأمور. فهو وان كان معقولا. باعتبار ان الأمر بمعنى الطلب هو شيء من الأشياء. إلا انه سيأتي بالتدريج أسباب القناعة ببطلانه.
مضافا إلى الالتفات إلى أمرين:
أحدهما: التبادر من المفرد الاستقلالي معنى مفرد الأوامر لا مفرد الأمور.
ثانيهما: إن اللغة في غنى عن الأمر بالشيء. وليست في غنى عن الآخر، إذ لا مرادف له بالتساوي، حتى الطلب على ما سيأتي.
ثم قال السيد الأستاذ:
المحاولة الثانية: في إرجاع كل معاني كلمة الأمر إلى معنى واحد حتى الطلب. وهذا يتصور على ثلاثة أنحاء:
ــــــ[19]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النحو الأول: أن يقال بإرجاع غير الطلب إلى الطلب.
وهو ما استقربه المحقق الأصفهاني . و عنده أن غير الطلب هو الفعل. فقال: انه يمكن القول: إن استعمال كلمة الأمر بالفعل مرجعه إلى استعماله فيه بنحو من العناية. لأن الفعل في معرض أن يتعلق به الطلب. ولذا يصح أن يعبر عن الفعل بالطلب، بملاحظة شأنية تعلق الطلب به. أقول: وهو واضح في المجازية.
وعلق عليه السيد الأستاذ قائلا: إن هذا لا يمكن الموافقة عليه، لما ذكرناه من إن كلمة الأمر قد تستعمل فيما لا معنى لتعلق الأمر به أصلا، كالأمور المستحيلة. أقول: والوهمية.
مضافا, إلى إن المحقق الأصفهاني جعل انطباقه على الطلب مجازيـا، وبنحو العناية, لأن الفعل في معرض أن يتعلق به الطلب، وهذا خلاف مقصود المشهور أكيدا. مضافا إلى انه عرضه بعنوان: يمكن القــول, لا انه مأخوذ من أصل اللغة، كما هو واضح. وبعرضه على كلماتنا السابقة واللاحقة، يتبين زيفه.
النحو الثاني: إن الطلب يرجع إلى غير الطلب.
وهو ما استقربه المحقق النائيني ، على ما يظهر للسيد الأستاذ من تقرير بحثه. والظاهر انه هو (أجود التقريرات).
فانه بعد أن ذكر إن كلمة الأمر لها معنيان: الطلب والواقعة المهمة، قال: إن الطلب إنما يستعمل به كلمة الأمر باعتبار انه مصداق الواقعة والحادثة، فانه واقعة من وقائع العالم.
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأجاب السيد الأستاذ عليه بأمرين:
الأمر الأول: إن الطلب لو أطلق عليه الأمر بلحاظ الواقعة لما كان هناك فرق بين الطلب من الغير (وهو الطلب التشريعي) وبين الطلب التكويني (كطلب العلم أو المال). وكلمة الأمر تستعمل في التشريع دون التكويني جزما. يقال: أمر زيد و لا يقال: أمر العلم. وهذا شاهد إن هذا الاستعمال ليس باعتبار الواقعة. وإلا لصح استعماله فيه، لأنه مصداق للواقعة. فيدل ذلك على إن الطلب التشريعي لوحظ بما هو كـذلك.
أقول: لا شك في إطلاق الأمر على الأمر التكويني والتشريعي معــا. ومنه قوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ. وقوله: إذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ.
على اعتبار:
1- إن الفرد يأمر نفسه في الإرادة التكوينية، وان كان هو محل تسامح بالأصل.
2- أو على اعتبار إن القدرة على إنجاز الفعل في الغير تكوين والقدرة على توجيه الغير تشريع.
وأما قولنا: طلب العلم وطلب المال، فمجازي لأمرين:
1- انه ليس بالمباشرة في حين إن الطلب التكويني مباشر.
2- انه يعود إلى الطلب التشريعي من المعلم أن يعلم, ومن التاجر أن يبيع. وإلا فان الأمر التكويني يتعلق بخصوص الأفعال الإرادية المباشرة.
ــــــ[21]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمر الثاني: إن الطلب إذا لوحظ بما هو طلب تعدى إلى متعلقه بالباء. كقولنا: الطلب المتعلق بالصلاة. وأما إذا لوحظ بما هو واقعة تعدى بنفسه كقولنا: فعل الصلاة. ومن الواضح إن الأمر ينسب إلى متعلقه بالباء كالطلب. يقال: فعله وأمر به.
وهذا كاشف، عن الأمر استعمل بمعنى الطلب بما هو لا بما هـو واقعة. وإلا لكان معنى قولنا: الأمر بالصلاة يعني الواقعة بالصلاة. وهذا مما لا محصل له.
وفيه: أولاً: انه قال: الطلب يتعدى بالباء، في قولنا: الطلب المتعلق بالصلاة. وهذا واضح الفساد لاستعمالنا كلمة زائدة.
ثانياً: قوله: وأما إذا لوحظ بما هو واقعة تعدى بنفسه، فيقال: فعل الصلاة، ولم يقل: طلب الصلاة. أي تكوينا. ولا ضير فيه. يعني أراد إنجاز الصلاة وإيجادها.
ثالثاً: قوله: لكان قولنا: الأمر بالصلاة معناه: الواقعة بالصلاة. وهو مما لا محصل له.
وهذا لا يتم:
1- ان المحقق النائيني ادعى انه مصداق للواقعة لا مفهوم لها.
2- ان أراد السيد الأستاذ: الأمر التكويني صح، لأن معنى الأمر بالصلاة: الطلب المتعلق بها. ولو أراد الطلب التشريعي، لكان في ذيل كلامه إشكال آخر، باعتبار عدم المحصل لقوله: الواقعة بالصلاة. لا ان الأمر يحتاج إلى استعمال الباء أو لا يحتاج.
ــــــ[22]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النحو الثالث: دعوى تصور جامع بين الطلب والواقعة، فيكون كل منهما مصداق له. ويكون موضوعا بوضع واحد، من قبيل المشترك المعنـوي.
ولم ينسب السيد الأستاذ هذا القول إلى أحد، ولم يذكر ما هو هذا الجامع المقترح. وهذا يكفي فسادا للوجه.
وبذلك يمكن ان نجيب عليه بمستويات أربعة مجتمعة:
المستوى الأول: ما أشرنا إليه الآن من عدم بيان الجامع. لاننا لا نتصور جامعا غير متصور لا عقلا ولا عرفا. بحيث لم يستطع حتى التعبير عنه. وإنما افترضه افتراضا فقط.
المستوى الثاني: ان الجامع العقلي وحده لا يكفي بل يحتاج إلى جامع ملتفت إليه عرفا.
المستوى الثالث: ما أجاب به السيد الأستاذ نفسه على هذا النحو الثالث: انه ان أريد جامع يكون اوسع انطباقا من الطلب والواقعة، من قبيل مفهوم الشيء. فيرد عليه: انه من الواضح ان كلمة الأمر ليست اوسع انطباقا من هذين المعنيين، فكيف يدعي وضعها لهذا الجامع.
وان ادعى وضعها لجامع مساوي للطلب والواقعة، فمن المعلوم ان نفس الواقعة صادقة على الطلب، فيرجع إلى الاحتمال السابق وقد ناقشناه.
أقول: يمكن اختيار كلا هذين الشقين، وتقديم الجواب. بغض النظر عن إشكالاتنا السابقة:
فان اخترنا الشق الأول أمكن جوابه بأكثر من وجه.
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أولاً: انه لا محذور لدى المشهور ان يكون الأمر بمعنى الشيء فعلا.
ثانياً: قوله: ان كلمة الأمر ليست اوسع انطباقا من هذين المعنيين، ان رجع إلى ما قلناه من عدم تصور جامع عقلي وعرفي فهو. وإلا كان مدعى عهدته على مدعيه، لأنه مع التنزل عما قلناه، يمكن ان نطرح أطروحة السعة، كما قال المدعي.
ثالثاً: ان السيد الأستاذ سلم ان معنى مفرد أمور هو الواقعة، مع ان هذا التسليم في غير محله. فانه وان كان على القاعدة، إلا انه يصلح جوابا من توقف هذا الوجه على ذلك، فإذا لم نسلم به لم يتم.
واما الشق الثاني: فيمكن اختياره، بعد التنزل عما قلناه من تعذر الجامع العقلي والعرفي. فيصبح الجامع المساوي متصورا، بحيث يكون شاملا للواقعة والطلب. لا انه خاص بمفهوم الواقعة، ليرد عليه إشكال اندراجه في الإشكال السابق.
المستوى الرابع: ان هذا الجامع هل هو ذاتي ماهوي أو هو عرضي مفهومي أو هو انتزاعي كعنوان أحدهما. وكلها متعذرة.
اما الماهوي فمتعذر، إذا تجاوزنا – كما هو المفروض – عنوان الشيء الذي ينطبق عليهما معا. لتباينهما عقلا، ولا جامع بين المتباينين.
واما الجامع الانتزاعي، وهو مفهوم أحدهما، فالمفروض ان الجامع يكون شاملا لهما دفعة واحدة. وهذا يشملهما على البدل.
فان قلت: فان الاستعمال بدلي. ولا يكون بالاثنين دفعة واحدة. مع تعذر استعماله في كلا المعنيين. قلنا: نعم. إلا انه خلاف المقصود لدى مشهور
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأصوليين واللغويين.
واما الجامع المفهومي الوحداني غير الماهوي، فهو – مع التنزل عن مفهوم شيء – غير موجود وغير متصور – كما سبق- ولو كان متصورا عرفا أو عقلا لذكره.
ثم قال السيد الأستاذ: ان هناك حساب إجمالي، وهو استبعاد ان يكون للفظ الأمر معنى واحد، طبقا لأي من الاحتمالات الثلاثة الأخيرة. فيكون هذا الاستبعاد جوابا عليها جميعا. وذلك بأمرين:
الأمر الأول: تعدد الجمع في كلمة الأمر. فانها حين يراد بها الواقعة أو الخصوصية تجمع على أمور. وحين يراد بها الطلب تجمع على اوامر.
ومن المستبعد ان يكون لها معنى واحد بحيث على بعض مصاديقه يجمع على أمور وعلى بعضها يجمع على اوامر.
أقول: وهذا عين ما قلناه من ان لها معنيان متباينان، بشرط لا عن الزيادة والنقيصة، كما سبق.
الأمر الثاني: ان الأمر بمعنى الطلب كلمة اشتقاقية غير جامدة. وهي بلحاظ الواقعة جامدة. وهذا شاهد على ان مادة الأمر ليس لها معنى واحد. واما ان يكون بلحاظ بعض المصاديق مشتقا، وبلحاظ بعضها جامدا، فانه غير معهود في اللغة.
أقول: فلم يتحصل بعد كل هذه المحاولات، جواب حاسم لمعنى مفرد أمور. كما لم يتحصل وضوح بأنه بنحو الاشتراك المعنوي مع مفرد اوامر. لأن هذا الاشتراك فرع وحدة الوضع. مع انه واضح التعدد بلحاظ تعدد المعنى
ــــــ[25]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وعدم رجوعهما إلى معنى واحد. فيكون استعماله بنحو الاشتراك اللفظي. وهذا ما نفاه في المحاضرات.
حيث نفى كلا الاشتراكين. ثم اثبت الاشتراك اللفظي. كما نحن عليه.
اما نفي كلا الاشتراكين، فغير معقول، لأن الوضع الثاني دائر أمره بين الوجود والعدم. فان كان موجودا كان الاشتراك لفظيا وان كان منعدما كان الاشتراك معنويا.
لأن هذا الوضع الواحد، ليس بمعنى واحد، مع الاستغناء عن الآخر، بل بمعنيين، ولا يمكن تعلق وضع واحد بمعنيين متباينين، فيعود الوضع إلى الاشتراك اللفظي، ويدعم ما قاله السيد الأستاذ وآخرون من ان القرائن دالة على تعدد المعنى وتعدد الوضع. كتعدد الجمع والاشتـقاق، كما سبق.
في معنى المفردين :
اعني مفرد أمور ومفرد اوامر. ويقع الكلام أولاً في مفرد أمور. وبعد سقوط أكثر الأطروحات فيه- كما سبق- تبقى أطروحتان غير متنافيتين:
الأطروحة الأولى: ان مفرد أمور يعني الشيء، لاننا نفهم من الجمع ذلك قطعا. يعني انه بصفته مادة للجمع كذلك، إذن فمفرده الاستقلالي كذلك. واما النقوض التي يذكرونها عليها، فسيأتي الجواب عنها إجمالا.
الأطروحة الثانية: ان البحث عن معنى لفظٍ فرع وجوده بالشكل المحدود الذي يتصوره المنطقيون والأصوليون وأضرابهم. واما الذي لم يكن له معنى محدد في فهم أهل اللغة أساسا، فلا بد ان نتابعهم على وجود هذا الإجمال.
ــــــ[26]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بل حتى لو سألنا القواميس اللغوية، لاختلفوا في معناه ولم يجدوا له معنى محددا. فيكون معناه مشككا. بل أكثر من مشكك. فان المشكك يكون من ماهية واحدة. في حين هو يصدق على ماهيات مقولية متعددة، أو على مصاديق من ماهيات متعددة، لا يجمعها إلا وهم أهل اللغة الأصليين، بحسب ما كانوا يملكون من الذوق والقريحة.
ولعل من اشد المؤثرات في ذلك حصول المجاز. إذ قد يستعمل اللفظ مجازا بملابسة ويستعمل مجازا بملابسة أخرى. ثم يصبح حقيقة بكلا المعنيين، وهما متباينان لتباين ملابستيهما. ولعل الاستعمال يتكثر ويتكرر. وتتكثر المعاني المتباينة للفظ واحد، إلى حد قد ننسى بل بالتأكيد ننسى الوضع الأول، أو لا يكون الوضع السابق من اللاحق متعينا وواضحا.
ومن اشد المؤثرات على ذلك أيضا انطباقه على مصاديق معنوية ومادية بذوق أهل اللغة، وعلى العلة والمعلول، وعلى الواحد والجماعة إلى غير ذلك.
ومن ذلك: التشكيك أو التدرج في نفس المفهوم بين أمرين متباينين في الماهية عند المناطقة والفلاسفة كالتشكيك بين الإنسان والحيوان في الإنسان القديم (نيادرتال). وبين الحيوان والجماد في المرجان. وكذلك التشكيك والتدرج بين السليم والمريض وبين النور والظلمة وبين الماء المطلق والمضاف.
ومن ذلك: النكاح الذي يصدق على العقد الدائم والعقد المنقطع، وعلى الزوجية وعلى الجماع. ومن ذلك العلم الذي يصدق على التصور وعلى التصديق وعلى العلم المبوّب. وغير ذلك كثير.
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولو بحثنا عن قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إذا سَجَى – وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا – وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وعن الانشراح والفتح وغيرها ، لوجدنا في فهم معانيها اختلافا كثيرا.
فقد يكون الموضوع له لفظ الأمر شيئا من هذا القبيل، بحيث يكون مجملا وغير محدد الحقيقة في أصل وضعه اللغوي.
ومن أسباب ذلك، نفي الوضع اللغوي التعييني من واضع بشري واحد. وان اغلب بل كل الكلمات الأصلية وضعت اجتماعيا، بحسب حاجات ومستويات وعقليات المجتمع. ومن ثم نرى النظر إلى طريقة البيان والفهم اللغوي يختلف جدا بين كل مجموعة من المجتمعات. فانها وان كانت لها ضوابط عامة، إلا ان موارد اختلافها أكثر من موارد اتفاقها.
وحسبنا في هذه العجالة ان نقارن بين نفسيات العراقيين والمصريين والخليجيين، والتي انتم اعرف بها مني. فضلا عن غير هذه الجماعات من الناس، من داخل اللغة العربية فضلا عن خارجها.
ومن نتائج ذلك: اننا قد لا نجد مرادفا للكلمة في اللغة الأخرى لأن أهل تلك اللغة لم يلتفتوا إليها ولم يهتموا بوجودها، ومن ثم لم يضعوا لها اللفظ المناسب.
ومن ثم لم يمكن ترجمة القرآن الكريم حقيقة، والفقه والأصول والحديث إلى اللغات الاوروبية والأفريقية. ولو كانت المفاهيم محددة كما هو في تصور المنطقيين والأصوليين، لامكن ذلك بكل سهولة.
وهذا الذي نجده من التقارب النسبي بين مفاهيم اللغات الشرقية، انما هو لكونهم أهل منطقة واحدة. وكلما زاد التباعد زاد التباين والاختلاف.
ــــــ[28]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إذن، فالأطروحة الأولى كانت ان الأمر بمعنى الشيء، والثانية انه مجمل. ويمكن التركيب بينهما, لاننا لا يمكن ان نتعدى معنى الشيء مهما كان مجملا. إلا ان الذوق العربي اقتضى عدم الاستعمال في بعض الموارد, بالرغم من انطباقها على القاعدة. واللغة تعبدية وسماعية في نظر المشهور. فلا بد من الاقتصار عليها. وأحيانا لا يمكن الاستعمال القياسي لأنه يكون مستبشعا.
وهذا يعود بنا إلى الإجمال في الوضع مرة أخرى. مع التمسك بمعنى (شيء) في الجملة. فالموضوع له عمليا هو الشيء في الجملة، مع الاعتراف بالنقوض السابقة. بالرغم من إمكان فهم مجموع الأشياء أحيانا، كما في لفظ الجمع: أمور.
والشيخ الآخوند، عبر بقوله: في الجملة. إلى جانب الطلب، فقــال: معناه الطلب في الجملة والشيء.. والسر في ذلك: ان كون معناها الطلب أردأ من معنى الشيء، كما سنقول.
وهذا الإجمال، يجعل تطبيق علامات الحقيقة والمجاز عليها، بمنزلة المتعذر. لأن الاقتران الباطني دائما يكون بمقدار اللغة لا أكثر. ولا يمكن ان يكون أكثر. فلما كانت اللغة مجملة كان الاقتران الباطني مجملا. وليس من حقه ان يكون مفصلا. وهذا يعني انتفاء التبادر وعدم إمكان تحديد المعنى لو توخينا الدقة. وان كان مقتضى الاستعمال القياسي هو وجود التبادر في كل الموارد.
ونحوه تماما صحة الحمل وعدم صحة السلب. فانها مع صحة القياس يصحان ومع بطلانه يبطلان.
فهذا هو الكلام في مفرد أمور.
ــــــ[29]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما الكلام في مفرد اوامر، وهو ما أخذه مشهور المتأخرين بمعنى الطلب، مسلما، لولا قول صاحب الكفاية إذ يقول: انه بمعنى الطلب في الجملة. ولا نعلم وجهة نظره في ذلك.
ويرد على ذلك نقوض عديدة:
أولاً: ان الطلب لغة هو السعي نحو الهدف المطلوب، يقال: طلب العلم وطلب المال بمعنى تقديم المقدمات إليه. وهذا ليس معنى الأمر قطعـا.
الثاني: ان الطلب بهذا المعنى يكون بالإرادة التكوينية لا التشريعية مع انهم يخصون الطلب بالتشريعية دون التكوينية. إذن، فيجب ان يصح فيه السلب بمعنى ان الأمر ليس طلبا إطلاقا. يعني ليس طلبا تكوينيا.
الثالث: اننا لو قبلنا ان الطلب هو التشريعي، إلا انه يقال عرفا: طلبت منه كذا. فهو عام للأمر من المساوي والعالي مع ان المشهور اختصاصه بالعالي.
وفي (المفردات) قال: الطلب الفحص عن وجود شيء سواء كان عينا أو معنى. ومثل له بقوله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. وقوله سبحانه: فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً. ولم يذكر له معنى الطلب التشريعي.
وفي المجمع: اطلب الشيء إذا أردته وابتغيه. أقول: وهو نحو من الفحص كأن الهدف بمنزلة الضائع فهو يطلبه ويفحص عنه. وهذه الإرادة ليست هي الإرادة المصطلحة، لأن تلك هي الجزء الأخير من العلة. وهذه هي الجزء الأول منها. ولذا يترتب المعلول في الأولى دون الثانية. ومنه قولنا: خرجت أريد الكوفة وقوله: أردتني وأراد الله خارجة. وقوله في الدعاء: اللهم من أرادني بسوء فأرده.
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فهي ليست علة تامة قطعا. وهذا ينتج ان الإرادة قد تستعمل بمعنى الطلب، وهي الاستهداف. دون العكس، يعني ان الطلب لا يستعمل بمعنى الإرادة المصطلحة التامة. وتلك – اعني الإرادة التي هي بمعنى الاستهداف – هي مقصود مشهور المتأخرين الذين يقولون باتحاد الطلب والإرادة.
والمهم الآن: ان نفهم ان الطلب هل يشمل الطلب التشريعي؟ في الواقع ان الطلب التشريعي صغرى من المعنى اللغوي لأن الطلب اللغوي يشمل كل استهداف لأمر خارج عن الإرادة الفورية بما فيه أفعال الآخرين. إذن, فينبغي التمهيد والتقديم للهدف، وهو وجود الفعل من قبل الآخرين. وفعل الآخرين ينحصر التمهيد له بالطلب التشريعي منهم بالعمل أو التصرف. ومن هنا سمي الأمر التشريعي طلبا، وهو كذلك بالحمل الشايع. بصفته استهدافا لإنجاز العمل من الغير.
في حين كان هذا المعنى ابعد عن الأمر التكويني والإرادة التكوينيــة، لأنها تؤثر بنفسها ولا تحتاج إلى تمهيد. يعني لا تحتاج إلى وجود الطلـب. وهي وان احتاجت إليه بالدقة إلا ان ذلك ليس عرفيا. فلا تكون الإرادة التكوينية طلبا ولا أمرا عرفا.
فمن هنا يمكن تعريف مفرد الأوامر بأنه: الطلب التشريعي. وليس هو الإرادة التشريعية، فانها علة للطلب وليست عينه. وهو ليس معناه اللغوي الأصلي. إلا انه أصبح حقيقة فيه ومن مصاديقه كما سبق ان أوضحنا.
ويقرب ذلك: ان الأمر عرفا وشرعا ينقسم إلى إلزامي وغيره. وكذلك الطلب التشريعي ينقسم إلى إلزامي وغيره. وانه كذلك متعلق بالغير إذ لا معنى لأن يأمر الإنسان نفسه أو يطلب من نفسه إلا مجازا. ومن هنا توقف على
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تصور طرفين، آمر ومأمور. بخلاف الإرادة التكوينية.
واما قوله: ضعف الطالب والمطلوب، فالمراد به: الطلب التكويني، أي الاستهداف. ولو أراد الطلب التشريعي لقال: المطلوب منه.
يعني: ان قلت: ان مطلق الطلب يتوقف على طرفين سواء كان تكوينيا أم تشريعيا.
قلنا: نعم. إلا انه لا يصدق على حصته التكوينية مفهوم الأمر. مضافا إلى ان للتكوين، طرفان: هما المريد والمراد أو الطالب والمطلــوب. في حين ان للتشريع ثلاث أطراف: الطالب والمطلوب والمطلوب منه. أو قل الآمر والمأمور والعمل المأمور به.
وبهذا يفرق عن مفرد الأمور الذي لا يتوقف على وجود طرفين. وهذا ما لم يلتفت إليه السيد الأستاذ .
ومن هنا ترادف عرفا: أمرته وطلبت منه. ومن هنا أيضا: حصل التضاد شرعا وعرفا بين الأمر والنهي لأن النهي يتعلق بطلب الترك. وهذا من جملة الفروق بين المفردين، لأن مفرد أمور لا يقابل النهي. وهذا مما يبعّد أيضا إمكان إرجاعهما إلى معنى واحد.
والمشهور اخذ مسلما: ان معنى الطلب هو الطلب التشريعي واعرض عن المعنى اللغوي بشكل ساذج وغير مبرهن. وليس ذلك إلا لأنهم ليسوا من أهل اللغة. وإلا فان النتيجة واحدة بيننا وبينهم.
فان قلت: فان الطلب والأمر يتعديان إلى المتعلق بأنفسهما يقال: آمر كذا واطلب كذا. أو يقال: آمر به واطلبه. إلا ان الأمر يتعدى إلى المكلف بنفسه,
ــــــ[32]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يقال: أمرته. والطلب يتعدى بالحرف يقال: طلبت منه أو إليه. ولا يقال: آمر منه أو إليه. وهذا يصلح أيضا تقريبا ضد المشهور. وهو تقريب ضدنا أيضا من حيث قلنا: ان الأمر هو الطلب التشريعي.
وقد فرق السيد الأستاذ، كما سبق، بين مفرد أمور ومفرد اوامر بهذا ونحوه. فهذا يدل هنا أيضا على الفرق.
وجوابه على مستويات:
الأول: ان يقال: انه لا اثر لهذه الحروف. فانها ترجع إلى ذوق أهل اللغة لا أكثر. فتأمل.
الثاني: ان يقال: انه يراد من الطلب توجيه الأمر، ومن الأمر تنفيذه. وبهذا يصبح الأمر أقوى فعالية من الطلب لأنه يستبطن الإنجاز، وان لم يكن كذلك عمليا. واما الطلب فلا. وإنما هو لمجرد توجيه الرجاء إليه.
وعلى هذا فالطلب استحبابي والأمر وجوبي. أو يقال: ان الأمر للحصة الإلزامية والطلب لمطلق الطلب. فيكون الطلب اضعف من هذه الجهات. بل حسب ما قلناه، فان الطلب لا يفترض فيه إطاعته بخلاف الأمر، فانه يفترض فيه الطاعة، حتى لو كان استحبابيا. وهذا غير معنى الوجوب.
فهذا هو ملخص الفرق بين الأمر والطلب التشريعي.
لا يقال: ان هذا يناسب اختصاص الأمر بالعلو، وهو مما لن نقبله، كما سبق ويأتي.
فانه يقال: ان المهم هنا هو فكرة استبطان الأمر تنفيذه وطاعته، وذلك يكون أوضح مع وجود العلو في الأمر. إلا انه لا يتعين به خارجا، كما لا
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يتعين مع عدم العلو عدمه.
بل غير ملحوظ في هذه الأطروحة بالمرة وجوده الخارجي. وإنما هو أمر ملحوظ للمتكلم أو المستعمل. فان لاحظ التنفيذ سماه أمرا، وان لم يلاحظ سماه طلبا. كما في استعماله الجملة الخبرية في مقام الإنشاء، حيث قالوا: ان الملحوظ فيها التنفيذ استعمالا بغض النظر عن التنفيذ الخارجي حقيقة.
الثالث: ان الفرد المأمور – في الطلب – يكون واسطة في التنفيذ، قياسا على طلب شيء بعينه، يقال: اطلب منك الكتاب أو اطلب منك الصلاة. فكما يكون هو واسطة هناك، كذلك هنا.
بخلاف الأمر فان المأمور يكون أصيلا لا واسطة. وهذا هو المستفاد من حروف الجر الداخلة عليه. يقال: طلبت منه وأمرته. مضافا إلى كون الطلب التشريعي مصداق من الطلب التكويني، بخلاف الأمر.
الرابع: ان الطلب عرفا ما يكون لمصلحة الآمر نفسه، كأن المأمور ينفع الآمر في إنجازه. بخلاف الأمر فانه في مصلحة المأمور. كما في الأوامر الشرعية، ولا تسمى طلبات. ولذا تكون الطلبات فضولية إذا لم تصدر من أهلها ولا تسمى الأوامر فضولية، إذا لوحظت بما هي اوامر، لأنها لا تكون إلا من أهلها.
الخامس: اننا نفهم الحال من حروف الجر الداخلة عليها. يقال: طلبه. يعني الناقة الشاردة والعمل من الغير معا. ولذا قلنا ان الطلب التشريعي مصداق من التكويني، لأنه يتضمن التقديم للهدف. ويقال: طلب منه العمل. مثل ما لو كانت الناقة عندي فطلبتها مني. لأن إرادة العمل عندي.
واما الأمر (مفرد اوامر) فهو ليس فيه جانب تكويني. بل هو تشريعي
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
محض. وإذا ينسب إلى المكلف ابتداء يقال: أمرته. وينسب إلى الفعل بحرف الجر. يقال: أمرت به. تفريقا له عن المكلف، مع انه نظريا يمكن العكس.
على ان هذه الأطروحات غير متنافية، ويمكن صدقها جميعا، بل بعضها يرجع إلى بعض. ومحصلها يكاد ان يكون واحدا عمليا وعرفا.
ومعه لا حاجة إلى استعمال علامات الحقيقة والمجاز، فيها لتفضيل بعضها على بعض. فان محصلها العام موافق للتبادر. وهي واحدة عمليا، فلا حاجة إلى التفضيل. واما الفروق الدقية، فلا حاجة إلى التعرف عليها.
الجهة الثانية: في اعتبار العلو في الأمر.
واحسن من ذكر عنوانها: السيد الأستاذ . فانه وان كان حديثه عنها مقتضبا، إلا ان عنوانه مفصل. فانه تارة ينظر في عللها وأخرى في معلولاتها يعني أثرها الفقهي. واما في عللها، فتارة، ينظر في عللها العقلية وأخرى في عللها اللغوية.
اما العلل العقلية، فيراد بها: انه هل يشترط في وجوب الطاعة عقلا، وجود العلو أو الاستعلاء أم لا.
واما العلل اللغوية، فيراد بها: اخذ العلو أو الاستعلاء في مفهوم الأمر لغة. فلو كان الأمر للاسترحام مثلا، لم يكن أمرا لغة.
والظاهر ان كلامهم يشمل المادة والصيغة معا. غاية الامر ان المادة تكون أمرا بشرائطه بالحمل الأولى، والصيغة تكون أمرا بالحمل الشايع. ولكنها مشترطة بالشرائط التي قيل بها هنا.
وان كان ظاهر الباحثين فيها، كما هو مقتضى العنوان في مادة الأوامر، هو
ــــــ[35]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الاختصاص بالمادة، إلا انه غير صحيح ولا مطابق لمقصودهم الكامل.
ونبدأ بالجهة العقلية من الكلام:
وحاصلها: السؤال عما إذا اخذ في حكم العقل العملي العلو في الامر لوجوب الطاعة أو الأعم من العلو والاستعلاء. أو لم يؤخذ شيء منها، بل مطلق الأمر يجب طاعته، ولو كان من السافل إلى العالي.
وهذا فيه مستويان من الجواب:
المستوى الأول: وفيه أمران:
الأمر الأول: اشتراط العلو في حكم العقل. ولا اقل من الشك في غيره بل اليقين بعدمه.
الأمر الثاني : انه يمكن ان يقال: ان العقل يحكم فقط، بوجوب طاعة الله سبحانه، دون مطلق العالي. وليس ذلك بعنوان كونه عاليا، بل بصفته منعما ومبتدئا بالنعم قبل استحقاقها.
كما ان اللسان لا يتعين ان يكون هو لسان العلو، بل يمكن ان يكون بلسان النصح أو الفرض أو التهديد. بل بدون ذلك كله، لمجرد كونه هو الشارع المقدس الحقيقي، وان إتباع غيره شرك محض.
المستوى الثاني: ان هذا مربوط بحق الطاعة، وليس مربوطا بالأمر، فلو لم يُسمَّ كلامه أمرا وجبت طاعته. كما لو كانت جملة خبرية أو كانت إخبارا عن الثواب، كأخبار من بلغ ونحوها، أو لا تعاد الصلاة إلا من خمس، وأمثالها كثير.
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فالأمر بصفته صادرا من العالي لا يجب طاعته بحكم العقل. بل بينه وبين الطاعة عموم من وجه. فلو صدر من عال غيره لم يجب، ولو صدر منه ولو بلسان الاخبار وجب. إذن، فحق الطاعة مربوط بالله سبحانه ولا شيء غير ذلك. وهذا مطلب كلامي قبل ان يكون أصوليا.
واما ان يكون الأمر مربوطا بالله، بمعنى اخذ كلتا الخصوصيتين فيه. بمعنى طاعة اوامر الله دون غيرها. فقد عرفنا نقضها بالجملة الخبرية وغيرها.
واما ان يكون الأمر مربوطا بالعالي غير الله سبحانه بحكم العقل، فهو قطعي العدم.. ومن هنا يمكن ان يقال: ان العقل لا يحكم بوجوب طاعة الأمر الصادر من العالي بهذا العنوان.
ولو قبلنا ذلك: فانه ينقض بما لو كان الطلب صادرا من العالي بألسنة أخرى غير الأمر كالجملة الخبرية أو بالتواضع. فلا تجب طاعته على مسلكهم. وهو غير محتمل. لأن العمدة في ذلك، هو الإرادة التشريعية المنضمة إلى العلو. لا يختلف في ذلك طريقة الإبراز اللغوي، من انه أمر أو لا.
مضافا إلى إمكان ربط هذه المسألة بالمسألة الآتية وهي الجانب اللغوي، فلو لم يسمَّ أمرا لغة لم تجب طاعته، وهذا أيضا غير محتمل، لما قلناه من موضوع الوجوب، ولا دخل للتسمية فيه.
الجهة الثانية في المسألة اللغوية: وهي فيها عدة اطروحات. أهمها اثنان:
الأطروحة الأولى: وهي المشهورة، وهو ان الطلب التشريعي الصادر من العالي هو الموضوع له لفظ الأمر دون غيره. ولذا سمي الآخر: التماسا أو استدعاء أو استرحاما ونحوه ولا يكون أمرا. ولا ربط له بالله من هذه الناحية. ومعه يكون استعمال الأمر في غيره مجازا.
ــــــ[37]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأطروحة الثانية: ان يكون مطلق الطلب التشريعي أمر بالمراتب الثلاثة، ما دامت مادة الأمر أو هيئته، منطبقة عليه عرفا. واوضح الأدلة على ذلك تسميته: فعل الأمر. مع انه اعم كما هو واضح. وسيأتي التفصيل.
ويمكن هنا عرض اطروحات أخرى بنفس الترقيم:
الأطروحة الثالثة: ان يكون الأمر موضوعا مع اشتراط مجموع العلو والاستعلاء، وهو الادعاء. فيكون بلسان الاسترحام مجازا. حتى مع العلو واقعا.
الأطروحة الرابعة: ان يسمى جانب الإلزام أمرا. فلو كان المراد المستحب أو الراجح لم يكن أمرا. وهذا اما ان يكون شاملا لكل المستويات الثلاثة – لو حصل -. فهذه أطروحة. أو تأتي:
الأطروحة الخامسة: وهي ان الأمر الإلزامي من العالي يسمى أمرا دون غيره.
وفي (العناية) ذكر: ان في المسألة وجوه بل أقوال خمسة:
الأول: اعتبار العلو. فلا يكون طلب السافل أو المساوي أمرا.
الثاني: اعتبار الاستعلاء. فلا يكون طلب المستخفض لجناحيه، بل مطلق من لم يستعل وان لم يستخفض جناحيه، أمرا، وان كان من العالـي.
الثالث: اعتبار أحدهما: اما العلو أو الاستعلاء.
الرابع: اعتبار العلو والاستعلاء جميعا.
الخامس: عدم اعتبار شيء منهما.
ــــــ[38]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ونحن إذا نظرنا نجد ان الحال على تقسيمين:
الأول: الانقسام إلى الواقع والادعاء.
الثاني: الانقسام إلى العلو والتوسط والانخفاض. وللتوضيح نحذف الوسط. فتكون الأقسام أربعة.
1- واقع العلو .
2- ادعاء العلو .
3- واقع الانخفاض .
4- ادعاء الانخفاض.
فالوجه الأول: من الخمسة راجع إلى اعتبار واقع العلو. والثاني راجع إلى اعتبار ادعاء العلو.
وجوابه: ان هذا راجع إلى معنى ان يأمر الآمر بصفة العلو. وهذا لا يسمى ادعاء أو استعلاء ما دام مطابقا للواقع. ومعه يرجع هذا إلى الرأي الثالث وهو اعتبار أحدهما اما العلو أو الاستعلاء. يعني الجامع الانتزاعي بينهما. ولا يكون رأيا آخر.
لأن اشتراط الاستعلاء دون العلو أمر غير محتمل، كما ان تسمية العلو الواقعي استعلاء أمر غير محتمل.
والامر الرابع يعود إلى اشتراط مجموع العلو والاستعلاء. ويرد عليه نفس الإشكال. وإنما يراد توجيه الأمر من العالي بصفته عاليا، وهذا ليس ادعاء بل حقيقة. فلا يكون استعلاء.
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذه الوجوه كلها تتفق في إخراج الانخفاض الواقعي أو الادعائي. مع ملاحظة ما قلناه من ان ملاحظة المنخفض لدرجته المنخفضة ليس ادعاء واستخفاضا وتنزلا بل هو واقع. وإنما الادعاء هو الحال غير المطابق للـواقع، كما لو ادعى المنخفض العلو أو ادعى العالي الانخفاض.
والرأي الخامس: عدم اشتراط العلو ولا الاستعلاء. بل مطلق مادة الأمر وصيغته تسمى أمرا بغض النظر عن المتكلم. بل حتى لو لم يكن قاصدا الأمر أصلا، بل كان لمجرد التمثيل أو للتعود على النطق. ويؤيده ما أشرنا إليه، من تسمية فعل الأمر بهذا الاسم مطلقا.
وينبغي ان نلتفت إلى احتمال الخلط بين الجهة العقلية والجهة اللغوية. يعني الخلط بين مصداق حق الطاعة ومصداق الأمر. وتخيل عدم صدق الأمر إلا في مورد وجود حق الطاعة ومعه يكون مشترطا بالعلو أو الاستعلاء. وهو ادعاء حق الطاعة، وان لم يكن واقعا.
إلا ان هذا الخلط باطل:
أولاً: لعدم إمكان تحميل الأمور العقلية على الأمور اللغوية العرفية.
ثانياً: اننا قلنا ان العقل لا يحكم بالطاعة إلا لله عز وجل دون غيره. وليس شاملا لمطلق العالي. فيكون اشتراط العلو لحق الطاعة أو لصدق الأمر مستأنفا. واشتراط كونه من الله تعالى أو من أحد اوليائه غير محتمل لغة وعرفا.
فان قلت: ان العقلاء عندهم آمرين، كالمولى والسلطان. وهم يسمون الطلب التشريعي منهم أمرا. فهم يخصون اللفظ بمن له حق الطاعة في نظرهم.
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وجوابه: أولاً: انه يكفي الاحتمال لبطلان الاستدلال. وهو احتمال ان لا يكون استعلاء العقلاء في هذه الحصة على وجه الانحصار. بل بصفته مصداقا من مطلق الأمر.
ثانياً: احتمال ان يكون الأمر مطعّما من قِبل المتكلم بمعنى حق الطاعة. وهو قيد خارج الوضع. فالأمر يعني الأمر المطاع. بحيث يكون من استعمال الأعم في الأخص بشرط لا عن الزيادة. وهو مجاز كاستعمال الإنسان في خصوص العراقي. وإنما لا نحس بمجازيته لاننا لا نلتفت إلى كذبه بشرط لا عن الزيادة. ومعلوم ان استعمال العام في الخاص في نفسه حقيقة.
ثالثاً: ان أمثال قوله: (أمره أمر) و (أمره مطاع) ونحوها. دليل على استعمال الأمر في الأعم. وإلا لما صح الاستعمال. ولا نجد في الاستعمال تسامحا أو مجازا.
ثم ان الشيخ الآخوند بعد ان بحث عن معنى مادة الأمر لغة، بحث عن معناها اصطلاحا. والكلام يقع في ذلك من ناحيتين:
الأولى: عن أصل المعنى.
والثانية: عما إذا كان لهذا البحث نتيجة لغوية أو شرعية.
اما عن الناحية الأولى: فقد قال: واما بحسب الاصطلاح فقد نقل على انه حقيقة في القول المخصوص ومجاز في غيره.
أقول: يراد بالقول المخصوص عدة محتملات:
1 ـ نفس هذا المفهوم بعنوانه.
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
2 ـ صيغة الأمر: افعل. دون سواها.
3 ـ كل ما يفيد الإلزام التشريعي.
اما الاحتمال الأول، فيرد عليه:
أولاً: اننا نعلم ببطلانه. لعدم مرادفته للأمر اصطلاحا قطعا.
ثانياً: ما اورده الشيخ الآخوند عليه من انه حينئذ يكون غير قابل للاشتقاق. لأنه لا يكون معنى حديثا. مع انه استعملوه مشتقا بنفس المعنى الاصطلاحي.
ثم أمر بالتدبر. وحاصله ان (القول) مصدر قابل للاشتقاق. غاية الامر انه مقيد بالمخصوص في كل تقلباته.
واما الاحتمال الثاني: فهو وان كان محتملا ثبوتا ، إلا انه غير محتمل إثباتا. لوضوح ما قالوه – مثلا – في الجملة الخبرية: من انها اظهر في الإلزام أو الأمر من صيغة افعل. فتكون أولى اندراجا بالاصطلاح منها.
واما الاحتمال الثالث: فهم لا يقصدونه قطعا. لأنه يشمل صيغة الأمر ومادته والجملة الخبرية، والدلالات الالتزامية وغيرها. والمهم فيه هو ان الأمر ما يفيد الإلزام. وهذا هو الظاهر. وان كانت الحكمة تقول: لا مشاحة في الاصطلاح.
فان قلت: على ذلك تكون مادة الأمر شاملة لمادة الأمر نفسها أيضا. ويستحيل ان يشمل الشيء نفسه.
قلنا: هذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى. اما كبرى فلإمكان ان يشمل
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الشيء نفسه. فيكون: هو هو بالحملين الأولى والشايع. أي مفهوما ومصداقا, كاللفظ والقول والكلام. وكلفظ القرآن الوارد في القرآن الكريم, فانه قرآن مفهوما ومصداقا.
واما صغرى فلتعدده مصداقا، فبعضها يفيد مفهوم الأمر والآخر يفيد مصداقه. ولا يجتمعان.
واما الامر الثاني، وهو نتيجته عمليا: فانما هي التعرف على مضامين كلام الأصوليين. وهذا لاشك فيه.
الناحية الثانية: عن نتيجة البحث وأثره من الناحية اللغوية والشرعية.
اما أثره اللغوي، فهو منتف كبرى قطعا. لوضوح ان الأجيال المتأخرة ليس لها حق الوضع والنقل والاشتراك بعد اختلاط اللغة مع الأعاجم، على المشهور. لا يختلف في ذلك: الاختصاصيون الذي يعملون الاصطلاحات, أو العرف العام.
وكذلك صغرى: وهي ان إيجاد الاصطلاح لا يدخل ضمن اللغة, وان دخل في ضمن العلم أو لغة العلم. إذن، فليس له اثر في اللغة العامة.
واما شرعا فهو اوضح من ناحية عدم الأثر, لما ذكره الشيخ الآخوند من ان المهم هو بيان معناه عرفا ولغة ليحمل عليه اللفظ فيما إذا ورد بلا قرينة في الكتاب والسنة. ومن الواضح ان المعاني المتأخرة: عن عصر النص لا يمكن ان يحمل عليها النص حتى لو كان المعنى عرفيا، فضلا عما إذا كان اصطلاحيا.
كما يمكن تأسيس كبرى أخرى – بعد الغض عن الكبرى السابقة-: وهي
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ان حمل الكتاب والسنة على الأمور الاصطلاحية العلمية، غير ممكن حتى لو ثبت معاصرته لعصر النص. لوروده طبقا للعرف العام لا للمصطلح المعين.
نعم، قد يصبح اللفظ مصطلحا في عرف المتشرعة، وشائع الاستعمال، فيمكن ان يحمل عليه النص. بمنزلة الحقيقة الشرعية.
ثم انه للمحقق النائيني كلاما في إمكان تصريف القول المخصوص الذي قيل باستحالته وأيده في المحاضرات. وهذا الوجه قائم على ان المراد به صيغة افعل. بحيث يراد من مادة الأمر صيغة الأمر.
هنا قد يؤخذ الأمر على وجه ساذج ويقال بإمكان تصريفه، كما أخذه صاحب الكفاية، لأنه إنما استشكل على الوجه الأول، لا على كل الوجوه الثلاثة السابقة. وذلك بصفته فعل أمر وكل فعل أمر فهو متصرف عادة.
إلا انه يرد هنا إشكال على التصريف، ولعله هو الذي كان في ذهن المحقق النائيني، ويكون إشكالا على عدم التصريف في الوجوه الثلاثة كلها.
وهو: اننا نقصد بالأمر خصوص فعل الأمر، فلا يكون قابلا للتصريف، بحيث يصدق عليه الأمر، لأنه عندئذ لا يكون أمرا، بل شيئا آخر. فهو بالتصريف يخرج عن هويته، وكلما خرج عن هويته فهو مستحيل.
وجواب المحقق النائيني يريد إعطاء نحو تصريف معنوي لحاظي لصيغة الأمر. مع محافظتها على حالها. فإذا لوحظ الأمر في نفسه بدون لحاظ صدوره من الغير، فهو مصدر. وإذا لوحظ صدوره في الحال أو الاستقبال فهو مضارع، وهكذا. واوضح منه انتساب الأمر إلى فعل الأمر نفسه.
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا غريب جدا، وهو اقرب إلى السنخ الفلسفي منه إلى النحو. ويرد عليه:
أولاً: انه لم يقصد أحد مثل هذا التصريف إطلاقا. ومن الضروري انه من انحفاظ الهيئة – وعدم انقلابها- لا يصدق التصريف قطعا وإجماعا.
ثانياً: النقض بالمشتقات الأخرى، كاسم المكان واسم الزمان والفعل الماضي واسم المفعول، فهل يمكن حمل هيئة افعل عليها.
ثالثاً: ان ما قاله من ملاحظة هذه الهيئة بذاتها بدون صدورها من الغير وقال: انها بمعنى المصدر. أقول: ان هذا اللحاظ يخرج بها عن كونها دالة على الأمر أو على الوجوب.
إلا ان أصل الإشكال باطل، لأنه لا محذور من تصريف هيئة افعل. غاية الأمر انها لا تكون كذلك بعد التصريف، ولا تدخل ضمن الاصطلاح المفروض، ولا محذور من ذلك. مع ملاحظة ان اسم الفاعل يخرج عن كونه كذلك بالاشتقاق، وكذلك اسم المفعول وكل المشتقات ولا محذور من ذلـك.
وتسميتها بالمصدر لا يكون مانعا عن ذلك. نعم. يكون الاشتقاق مانعا عن التسمية ولا بأس به.
لاحظ ما قاله في المحاضرات بأزاء ما قلناه، كأنه لم يتقبل أصل الإشكال ولا جواب الشيخ النائيني: فإنها لا تخرج عن ذاتها ليلزم المستحيل. فان ذاتها الكلية محفوظة ولا يمكن اشتقاقها، واما ذاتها الجزئية، فهي قابلة للتبدل جزما، وإلا لانسد باب الاشتقاق كله، بل انسد باب التحول في العالم إطلاقا.
الجهة الثالثة: في ظهور مادة الأمر في الوجوب وعدمه. بمعنى انها هل تدل على جامع الطلب، أو خصوص الحصة اللزومية منه.
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويقال هنا مشهوريا: انه بعد ان ثبت ان كلمة الأمر موضوعة للطلـب، يقع الكلام في دلالتها على الوجوب.
فيقع الكلام في مقامين: الأول: في دلالة الأمر على الوجوب. الثانـي: في ملاك الدلالة بعد التصديق بوجودها، هل هو الوضع أو الإطلاق أو أي شيء آخر.
أما المقام الأول: ففي البحث عن دلالة الكلمة على الوجوب. وهنا لا بد من ذكر أدلة الوجوب وأدلة عدمه.
اما أدلة الوجوب، وهو المشهور، فيكون بثلاثة أجناس من الأدلة:
الجنس الأول: الاستدلال بنصوص من الكتاب والسنة تؤيد الدلالة على الوجوب. كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ. إذ لو لم يكن للوجوب لما لزم الحذر. وقوله : لولا ان أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك. إذ جامع الطلب قدره المتيقن هو الاستحباب فلا مشقة فيه.
وقوله لبريرة بعد قولها: أتأمرني يا رسول الله قال: لا بل أنا شافع. ويندرج هنا أيضا قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ إلا تَسْجُدَ. لأن سياقها التوبيخ ولا توبيخ في المستحب أو جامع الطلب.
الجنس الثاني: من الأدلة: الاستدلال بالسيرة العقلائية، في علاقة الموالي والعبيد. فإنهم يعتبرون عصيان الأمر سببا للمؤاخذة وهو دليل اللزوم أو الوجوب، وإلا لم تصح المؤاخذة.
وألحق بها الشيخ الآخوند قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ إلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الدالة على المؤاخذة والتوبيخ على عدم السجود.
الجنس الثالث: من الأدلة ولم يذكره المشهور. إلا اننا نذكره انتصارا له: وهو استعمال علامات الحقيقة والمجاز.
ولا ينبغي ان يناقش في الكبرى، يعني بطلان استعمالها هنا، لأنه لو كان موضوعا للجامع كان استعماله في الحصة الإلزامية حقيقة. وبتعبير آخر: انه يكون استعمالا حقيقيا سواء كان موضوعا لخصوصه أو لما يعمـه.
وجواب ذلك: انه يمكن تضمين الحمل بالشرط لا عن الزيادة. فيصبح السلب عن الزائد من الإلزام أو عن جامع الطلب. فان تم ذلك. كان حقيقة في الحصة ومجازا في الجامع. وان لم يتم كان حقيقة في الجامع والحصة معا. وهنا ندعي انتصارا للمشهور: كون التبادر وصحة الحمل وعدم صحة السلب إلى جهة ظهوره بالإلزام، فيثبت ذلك وجدانا.
إلا ان كثيرا من فقرات هذا الكلام قابل للمناقشة:
أولاً: تسليم المشهور بأن مادة الأمر موضوعة للطلب. فهذا ما سبق ان أخذه المشهور مسلما، إلا اننا فحصناه فلم نجده كذلك.
بحيث سبق ان قلنا: ان مفرد الأمور هو الشيء في الجملة، لا الشيء مطلقا. وان مفرد الأوامر هو الطلب في الجملة لا مطلقا. لوجود نقوض على كلتا الجهتين.
وينبهنا ذهنا إلى ذلك أمران: أحدهما: الإسناد إلى المفعول به فيقال: أمره وطلب منه. وطلبه وأمر به.
ثانيهما: ان الطلب هو الفحص وقد سميناه هناك بالطلب التكويني في
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مقابل الطلب التشريعي الذي يقرب معناه من معنى الأمر. وقد قلنا هنـاك: ان الطلب التشريعي حصة من الطلب التكويني، لأن الإرادة التشريعية، نحو تسبيب للمراد وهو فعل الغير. كما ان الفحص نحو تسبيب للمراد وهو الحصول على الدابة.
فهنا لا يبعد التسليم بتقارب المعنى إجمالا. لكنه مع ذلك لا ملازمة بين عموم أحدهما وخصوص الآخر، كما لو حمل الأمر على اللزوم. فلا يتعين حمل الطلب عليه، بل في الإمكان بقاؤه على الدلالة على جامع الطلب. كما هو الأقرب إلى الذوق.
وهنا لا يبعد ان نصير إلى أحد أمرين:
الأمر الأول: ان الأمر بمعنى الطلب التشريعي تماما، بحيث نقر بالتلازم بينهما. وهذا المعنى تأتي مناقشته في مناقشة علامات الحقيقة والمجاز.
الأمر الثاني: ان معنى الأمر بشيء معنى ارتكازي وعقلائي. ليس له تعبير آخر في اللغة إلا الطلب التشريعي وقد سبق ان قلنا: انه يمكن القول: انه مفهوم مشكك غير قابل للحد والرسم. كما في عدد من المفاهيم.
فمثلا تقول: ضغطت عليه أي أحرجته، ولم تضغط عليه حقيقة: أو تقول: وقع في ضيق أي من الناحية الاقتصادية أو النفسية, ولم يقع في مكان ضيق وهكذا. مع العلم انه ليس في مثل هذه العبارات شعورا بالمجاز إطلاقا.
ثانياً: ان الاستدلال بألفاظ الكتاب والسنة لإثبات الوضع اللغوي والظهور العرفي. قابل للمناقشة. بوجوه:
1- انه لا بد من الالتفات إلى النصوص السابقة رتبة عليها، فإنها جميعا لا
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يتعين ان تكون من قبيل مادة الأمر، بل هي من هيئة الأمر أو الأعم. فيكون من الاستدلال بالأعم أو المباين, وهو باطل.
فمثلا حين يقول: إذ أمرتك. هل يريد انه أمره بمادة الأمر. أو حين يقول: لأمرتهم بالسواك. هل يريد توجيه أمره بمادة الأمر. وكذلك قولها: أتأمرني يا رسول الله. وهكذا.
2 – لزوم التأكد من عدم القرينة في السياق في حال أو مقال. وهذا يعني اننا لا ينبغي ان نستشهد بجملة من هذا القبيل أصلا. لأنها كلها محفوفة بالقرائن ولو احتمالا.
3- بالإمكان القول: بأن كلام الشارع حصة خاصة من العرف. وليس هو كل العرف. فلا يثبت باستعماله ذوق العرف.
وان كان: إثبات ان الشارع له وضع خاص أو اصطلاح خاص في كلمة أو أكثر. غير ممكن. لأنه على خلاف مسلكه العرفي ويحتاج في إثبات اصطلاحيته إلى دليل مفقود.
فان قلت: على أصل الفقرة، انه تكلم بصفته عرفيا. إذن فما تكلم به عرفي. إذ لو لم يكن عرفيا لما تكلم به. فنعرف بالقياس الاستثنائي ان كلامه عرفي.
وقد تحصل مما قلناه ان جواب ذلك أمران:
أحدهما: احتمال القرينة، بل التأكد من وجود القرينة في تلك النصوص.
ثانيهما: ما قلناه من ان كلام الشارع حصة من الكلام العرفي. فلا يثبت به الكلام العرفي.
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: ان كل أنواع الكلام العرفي حصة من الكلام العرفي. وفي مثل ذلك لا يضر في عرفيته.
قلنا: كلا. ان ذاك فرد منه وهذا حصة منه. أو قل: ان له أغراض معينة في الحياة فهو يطبق عليها ظواهر كلماته. ولازلنا نسمع مختلف الأذواق تتكلم بكلمات مختلفة طبقا لطباعها وأذواقها. وهي وان كانت عرفية إلا انها حصة من العرف.
مضافا إلى القول انه معلول للعرف، بعلية مشككة وليست دقية ولا عقلية، بل مطاطة. فلا يكشف وجود المعلول وحقيقته عن حقيقة العلة.
ثالثاً: ان كل النصوص الأربعة، فيها قرائن على اللزوم. كما لا يخفى على من راجعها. وقد عرفنا ان استعمال الأمر في اللزوم على كل حال حقيقي. وإنما لابد للخصم من إثبات نفي الزيادة من خلال الاستعمال. يعني ان المتكلم استعمله بشرط لا عن الوضع للاستحباب. وهو متعذر.
رابعاً: ان اعتبار الشيخ الآخوند العلاقة المولوية بين الله والشيطان علاقة عقلائية.. عهدتها على مدعيها. لوضوح ان العقلاء يعيشون في مجتمع لهم مصالحهم ومفاسدهم ونحو ذلك. وليس الله ولا إبليس كذلك.
فان قلت: كما قال الشيخ المظفر : ان الله رئيس العقلاء. وشيخهم وسيدهم. فيكون هو الأولى باتباع نظامهم.
قلنا: ان سلمنا ذلك فهو رئيس المجتمع المعاش للعقلاء، ويكفي ان نلتفت إلى ان إبليس ليس منهم. فالعلاقة بين الله والشيطان، عقلية، بالعقل العملي، وليست عقلائية. ولا ملازمة بين المصالح العقلائية والعقلية. إلا ان يعود تصور العقل العملي إلى معنى عقلائي. كما هو ظاهر الشيخ المظفر
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أيضا. وهو مخدوش، كما قلناه في محله. وباختصار: أن قضايا العقل العملي تصدق بدون مجتمع إطلاقا بخلاف القضايا العقلائية.
ومعه, تكون معاتبته له عقلية وليست من السيرة العقلائية. ولا شك في انه عقليا مستحق للعقاب. وذلك لا يلازم استحقاقه عقلائيا.
خامساً: انه يمكن ان يناقش فهم الوجوب بدلالة علامات الحقيقة والمجاز. حيث يدعى انها وجدانية، والوجدان قاض على عكس ما هو القول المشهور.
والتحقيق: ان ما أسميته (بالتضمين الوجداني) للقصد يختلف فقد نتصور في الكلمة معنى الإلزام، وعندئذ لا تصدق على المستحب ويصح السلب. فانه ليس أمرا إلزاميا أكيدا. وأخرى لا نتصور فيها الإلزام فتصدق على الجامع، لأن أصل الطلب موجود.
وبتعبير آخر: ان الأمر ماهية مشككة، تختلف باختلاف همة الآمر وإرادته. كما في الضوء الذي يصدق على القليل والكثير. فالأمر ان قصدنا به ما ينفي الاستحباب ثبت الإلزام, وان قصدنا به ما ينفي الإباحة ثبت الجامع.
ومع الوصول إلى هذه النتيجة يعني اننا يمكن ان نقصد الجامع بدون حاجة إلى قرينة وهو معنى الوضع. إذن، يكون معنى الأمر هو الجامع. ولكن يكون الاستعمال في اللزوم حقيقة، لأنه إحدى حصتي المعنى الموضوع له.
ولكن هذا لا ينافي فهم الوجوب من مادة الكتاب والسنة بدلائل أخرى، من حيث ان مقام الفتوى يقتضي ذلك ما لم تقم قرينة على الاستحباب. والظاهر ان هذا هو الذي حدا بالشيخ الآخوند على فهم الوجوب, كقوله: مروهم بالصلاة سبعا.
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
سادساً: السيرة العقلائية المدّعاة للشيخ الآخوند وغيره، قابلة للإنكار. فان السيرة إنما تكون فيما إذا كانت متكررة عمليا. ومثل ذلك، مما ننكره في محل الكلام، لأمور:
1 ـ لاحتمال كونه بصيغة الأمر، لا بمادته التي نتكلم عنها.
2 ـ لاحتمال استعماله من قبلهم بالحصة اللزومية، وهو على نحو الحقيقة كما سبق.
3 ـ لاحتمال تضمين الأمر معنى الوجوب، كما أشرنا.
ومع دخوله الاحتمال يبطل الاستدلال.
سابعاً: تحصل مما قلناه هنا في صحة السلب، ان سلب الأمر عن الحصة غير الإلزامية، خلاف الوجدان، ما لم نضمنه معنى الإلزام. وهذا التضمن جهة نفسية وليست لغوية. غايته انه أمر هين لا يعاقب على تركه. على انه يمكن القول بوجود العقوبة على تركه. غاية الأمر ان عقوبة كل أمر على مقدار أهمية العصيان. مضافا إلى ان عصيان المحرمات سبب لاستحقاق النار, واما عصيان المستحبات فعقوباته أمور أخرى. ولذا قيل بأن العزم على ترك المستحب حرام والعزم على إيجاد المكروه حرام. مع ان مقتضى القاعدة جوازه. وسره هو تراكم الأوامر غير اللزومية، فتصبح بالتراكم لزومية ومهمة.
………………………..
ــــــ[52]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واما الاستدلال للأعم:
فقد ذكر في الكفاية أمرين:
الأمر الأول: صحة تقسيم الأمر إلى الإيجاب والاستحباب. فلو لم يكن موضوعا له، لما صح تقسيمه إليهما. والتقسيم إلى الفرد الحقيقي والمجازي غير صحيح، ولا يعمله أهل التحقيق.
وجوابه من وجوه:
أولاً: ما ذكره الشيخ الآخوند: من انه إنما يكون قرينة على إرادة الأعم، في مقام تقسيمه، وهو اعم من الحقيقة. إذ لعله على نحو المجاز. هذا. وقد تحصل مما سبق جوابه.
1- انه على هذا يكون تقسيما إلى الفرد الحقيقي والمجازي، وهو ساقط. بل المفروض للمستدل ان يسلم بكونه حقيقيا، وإلا لم يتم الاستدلال. وإذا سلم كونه حقيقيا، تعين كون الاستعمال حقيقيا لا اعم.
2- ان الاستعمال في الأعم ان كان مجازيا احتاج إلى قرينة والمفروض عدمها.
3- اننا عرفنا ان هذا التقسيم يصح بعد التضمين الوجداني للمعنى الأعم. وجواب الآخوند يصح بعد التضمين الوجداني للزوم. وهما اول الكلام، ولا يمكن اخذ أحدهما دليلا على نفي الآخر.
ثانياً: في الجواب على أصل الوجه – وهو يتم على طريقة المشهور:
انه لابد من فرض عدم القرينة في المرتبة السابقة على التقسيم. في حين
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لم يلتفت إليها المستدل. وحتى لو لم تكن موجودة، فهذا اعم من الحقيقة والمجاز المشهور.
ثالثاً: ان هذا التقسيم قد يكون اصطلاحيا غير لغوي. ولذا وقع في لغة الفقهاء دون لغة العرف. وما هو حجة على الوضع هو الاستعمال اللغوي لا الاصطلاحي.
رابعاً: اننا لو تنزلنا عن كل ذلك لم يكف ذلك إلا كقرينة ناقصة، كما قال الشيخ الآخوند: انه قرينة على إرادة الأعم، وليس ذلك من علامات الحقيقة والمجاز. وتلك العلامات اسبق منها رتبة. وهي صحة السلب أو عدم صحته عن الحصة الاستحبابية.
الدليل الثاني – على الوضع للأعم -: ما أفيد – كما في الكفاية- من ان الاستعمال فيها ثابت، يعني الوجوب والاستحباب. فلو لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز.
ويلزم الاشتراك اللفظي فيما لو كان موضوعا لكل منهما على حدة. والمجاز فيما إذا كان موضوعا لأحدهما دون الآخر، يعني اللزوم دون الاستحباب.
وحيث كان كلا الأمرين اعني الاشتراك والمجاز خلاف الأصل. إذن يتعين الوضع للجامع، أو الاشتراك المعنوي. وهو المطلوب.
وأجاب عليه الشيخ الآخوند باقتضاب: بأنه غير مفيد, لما مرت الإشارة إليه في تعارض الأحوال فراجع. ومرجعه إلى منع الكبرى وهي تعين الاشتراك المعنوي عند الدوران بين هذه المحتملات الثلاثة. فلا يتعين ذلك، بل يبقى المجاز محتملا.
ــــــ[54]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وجوابه من وجوه:
أولاً: ما قلناه من حاجة المجاز إلى القرينة. وهي غير مفروضة الوجود في المقسم.
ثانياً: ما قلناه من قبح استعمال المجاز في الأمور الدقية والتحقيقية.
ثالثاً: انه ان تردد الحال بين النحوين من الاشتراك. فهذا بمجرده ينفي المجاز، وهذا يكفي. لثبوت الوضع للحصة الاستحبابية على أي حال، اما وحدها أو للجامع. ولا يهم كون التقسيم تقسيما للمتباينين أو للمتجانسين. وإنما المهم هو إثبات كون التقسيم حقيقيا، وبكلا الاشتراكين يثبت ذلك.
الدليل الثالث: الاستدلال بأن فعل المندوب طاعة، وكل طاعة فهي فعل المأمور به، إذن فالمندوب فعل المأمور به. إذن, فالأمر موضوع لما يعم المندوب. وهو المطلوب.
أجاب عليه الشيخ الآخوند بمنع الكبرى، وهي قولهم: ان كل طاعة فعل المأمور به الحقيقي. بل هي الأعم من الحقيقي والمجازي أو ما هو محتمل المجازية. فنمنع الكبرى إذا أريد به خصوص الحقيقي. ولا يفيد إذا كان اعم من ذلك.
واحسن ما يجاب به على ذلك، ويعم الجواب أصل الدليل وجوابه: ما قلناه عن التضمين الوجداني. فان كان الأمر مضمنا معنى الإلزام سقطت الكبرى، كما قال الشيخ الآخوند. وان كان مضمنا معنى الأعم، صحت. واخذ التضمين المتقابل لا يفيد في الاستدلال. لأن كليهما اول الكلام.
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا انه مع ذلك. لا يتم لأنه من الاستدلال بالمعلول على العلة. لأن مرتبة صدق الصحة والامتثال متأخرة رتبة عن صدق الأمر. ولو كانت علل حقيقية لامكن الاستدلال. غير ان تقدم الرتبة حقيقي، إلا ان العلية عرفية وليست حقيقية. إذ من الواضح ان عنوان الطاعة، عنوان انتزاعي عرفي، وليس معلولا حقيقيا لعنوان الأمر.
………………………..
ثم انه عقد السيد الأستاذ مقاما ثانياً بعد المقام الذي استدل به على دلالة الأمر على الوجوب. وهذا الثاني لبيان ملاك دلالته على الوجوب. هل هو بالوضع أو بالإطلاق ونحو ذلك.
وقد اخترنا – كما سبق – عدم دلالته على الوجوب، بل على جامع الطلب الأعم من الاستحباب. فلابد في دلالته على الوجوب من قرينة. فإذا دخلنا في هذا المقام فلعلنا نجد قرينة على ذلك.
مضافا إلى لزوم الانتباه إلى انه لا توجد ملازمة بين مادة الأمر التي نتكلم عنها وهيئة الأمر. فإذا لم تدل المادة على الوجوب أمكن دلالة الهيئة عليه. واستعمال الهيئة هو الأغلب في الأدلة. واما استعمال المادة فقليل. واغلبه محفوف بالقرائن.
وسنرى بعد هذا اننا نقول بدلالة هيئة الأمر أو صيغة افعل، على الوجوب. وهو لا يلازم دلالة المادة. لأن الملازمة منتفية من الطرفين. وفي هذا المقام، قال السيد الأستاذ: انه لم يستشكل أحد في الفقه في دلالة الأمر على الوجوب، طبقا للتبادر العرفي. ولذا لو قال المولى العرفي آمرك بكذا، وعصى المأمور استحق العقاب.
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وتعليقنا على ذلك من وجوه:
أولاً: اننا ناقشنا هذه السيرة، باعتبار ان استعمال مادة الأمر نادرة، والنادر لا يمكن ان يشكل سيرة.
ثانياً: ان هناك قرائن تدل للعقلاء على تضمين معنى الوجوب وبدونها يمكن ان ننكر دلالتها عليه.
ثالثاً: قلنا ان هناك في النصوص الشرعية قرائن تدل على الوجوب، ولا اقل من احتمال ذلك.
رابعاً: ان قوله: ان الأمر يدل على الوجوب صحيح، لكن مصداقه الهيئة لا المادة. فقد وقعت نحو من المغالطة فيما يراد من الأمر.
فهل تكفي بعض الوجوه الآتية لصرف مادة الأمر عن عدم الدلالة على خصوص الوجوب، كما اخترنا، إلى الدلالة عليه.
قال السيد الأستاذ: ان ملاك ذلك ونكتته. فيها ثلاث احتمالات:
الأولى: ان تكون دلالتها بالوضع، يعني كونها موضوعة لحصة خاصة من الطلب الإلزامي.
الثانية: ان تكون ببركة مقدمات الحكمة، يعني بالإطلاق لا بالوضع.
الثالثة: ان تكون بحكم العقل.
والاول هو المشهور بين الأصوليين، والثاني هو الذي احتمله المحقق الخراساني وبنى عليه المحقق العراقي. والثالث هو الذي بنى عليه المحقق النائيني وتبعه عليه السيد الأستاذ يعني الأستاذ المحقق قدس الله أسرارهم جميعا.
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قال فلابد من تحقيق ذلك. لأن له أثرا في مقام الجمع بين الأدلة عند التعارض. وقال: وهذه المسالك الثلاثة تجري في صيغة الأمر كما تجري في مادته. فان أصل الدلالة على الوجوب أمر مفروغ عنه عرفيا وفقهيا. وإنما الكلام في نكتتها.
أما احتمال: ان يكون مدرك ذلك هو الوضع، فتعين هذا الاحتمال موقوف على إبطال الاحتمالين الآخرين. فان الدليل عليه إنما هو الوجدان العرفي. وهو إنما يكشف عن الوضع، فيما إذا أبطلنا الاحتمالين الآخرين وإلا لم ينحصر وجه هذه السيرة العقلائية بالوضع.
أقول: كان ينبغي القول: بأنه لم ينحصر وجه الدلالة بالوضع وليس السيرة. لأن السيرة ليست فرعا عن الوضع. لأنها غير العرف اللغوي. وبينهما نسبة العموم من وجه.
وعلى أي حال، فتعليقنا على كلام السيد الأستاذ إلى هنا: انه ان كان هناك دليل على الوضع، فإنما هو بأدلة الحقيقة والمجاز. كالتبادر. وهو اسبق رتبة من السيرة، كما هو اسبق رتبة من الإطلاق وحكم العقل.
فان تم التبادر لم نحتج إلى شيء من ذلك، لإثبات ظهور المادة, وان لم يتم كفت السيرة لو كانت، ولكننا نفيناها. ولكنها لا تدل على الوضع إنما تدل على التسالم على ترتيب الأثر على الوجوب. ولو باعتبار الاستعمال مجازا. وهو ممضى على الفرض.
غير انه من الواضح ان نفي الإطلاق ونفي حكم العقل لا يعين الظهور بالوجوب مع عدم التبادر ولا السيرة. ومع وجود التبادر أو السيرة لا حاجة إلى هذين الأمرين. لوضوح ان ملاكه يكون هو النصوصية وليست الإطلاق ولا
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حكم العقل. نعم، لو ثبت الإطلاق أو حكم العقل مع ثبوت السيرة كان وجها. ولو انتفت السيرة والوضع كان الاستعمال مجازيا على الفرض. فلا يكون موضوعا للإطلاق ولا لحكم العقل. فتأمل. (إشارة إلى ان الاستعمال في الوجوب حقيقي على كل حال، سواء كان موضوعا للأعم أو للأخص. نعم لو كان موضوعا للأعم واستعمل في الحصة بشرط لا عن الزيادة كان مجازا).
وحيث كان ثبوت الاحتمال الأول، متوقفا على نفي الاحتمالين الآخرين. فقد بدأ السيد الأستاذ من الاحتمال الأخير. وهو ان تكون الدلالة على الوجوب بحكم العقل.
قال: وخلاصة ما أفاده المحقق النائيني في توضيح ذلك:
ان المدلول اللفظي للصيغة أو المادة هو الطلب. بمعنى تصدي المولى إلى تحصيل هذا الفعل من المكلف. فان بين المولى الترخيص بالترك لم يكن موضوعا لحكم العقل بوجوب الطاعة والتحرك نحو الامتثال. واما إذا لم يبين الترخيص اتصف الأمر بعنوان الوجوب. فالوجوب يأتي في المرتبة المتأخرة عن الأمر، وليس اللفظ دالا عليه.
ويمكن مناقشة ذلك بعدة وجوه:
أولاً: انه اخذ في هذا الوجه مسلما عدم دلالة الأمر على الوجوب. ولم يبرهن فيه على ذلك. وإنما تكلم بناءا عليه. وكل دليل يدل على الوجوب وضعا أو إطلاقا أو قرينة أو تضمينا، يكون حاكما عليه.
ثانياً: ان عدم بيان الترخيص لا يعين الاستعمال في الحصة الوجوبية. بل المفروض ان الاستعمال مطابق للوضع، وهو الجامع. ومع الاستعمال في
ــــــ[59]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجامع وقصده، كيف يكون موضوعا لحكم العقل بالامتثال. فان ما هو موضوع لحكم العقل ليس هو بيان الجامع، بل هو خصوص الحصـة الإلزامية.
ثالثاً: ان المفروض بالدلالة اللفظية ان الشارع بين الجامع، وكأنه بين الترخيص. غاية الأمر ان بيان الترخيص تارة بالنصوصية وأخرى بالإطلاق. فلا يتعين الإلزام من قبل الشارع، لتجب طاعته عقلا.
أو قل: انه بين الترخيص بالإطلاق، وبيانه حاكم على حكم العقل بوجوب الطاعة.
وقد أجاب السيد الأستاذ على المحقق النائيني قدس الله سرهما: بأننا نمنع ان موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة هو صدور طلب من المــولى، مع عدم بيان الترخيص. لوضوح انه لو حصل ذلك وكنا نعلم واقعا، بأن هذا الطلب نشأ من ملاك غير شديد في نفس المولى، وان المولى تطيب نفسه بتفويت هذا الملاك. فان العقل فيه لا يحكم بلزوم الامتثال وان العصيان مناف للعبودية.
وإنما الملاك لحكم العقل: هو صدور طلب من المولى وان يكون الملاك شديدا، بحيث لا تطيب نفس المولى بتفويته. وهذا يحتاج إلى إثبات. وشدة الملاك وعدمه لا يمكن للعقل تشخيصه. إلا ان نقول: ان لفظ الأمر يدل بمادته أو هيئته على شدة الملاك وهذا رجوع إلى الدلالة اللفظية.
أقول: انه بعد التنزل عما قلناه، فان للمحقق النائيني ان يجيب ببعض الوجوه:
أولاً: ان عدم بيان الترخيص بيان للعدم.
ثانياً: ان عدم بيان الترخيص مأخوذ طريقا إلى بيان كون الإرادة قوية في
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نفس المولى.
وكلاهما غير تام: أما الأول، فواضح العدم عرفا.
واما الثاني: فلأن اخذ البيان طريقا ممكن, أما كون عدم البيان هو الطريق، فغير صحيح لأنه اعم. فان قلت: فانه لو أراد الترخيص لبين ولم يبين. قلنا: عدم الورود لا يدل على عدم الوجود.
إلا ان جواب السيد الأستاذ لا يتم إلا مع عودته إلى جوابنا. أما إذا تنزلنا عما قلناه، فانه يكفي ان يكون نفس الأمر ظاهرا، بشدة الإرادة المولوية، لا بنحو الدلالة الوضعية، بل السياقية أو العقلائية.
أو قل: ان الأصل هو شدة الإرادة، ما لم يصدر الترخيص. ويكفيه ان يؤمن السيد الأستاذ بأن السيرة العقلائية على ذلك. (وهي غير السيرة على الوضع كما سبق). غير اننا قلنا انه لا يحتمل ان يكون موضوعها أو موضوع حكم العقل هو الأعم، بل هو خصوص الحصة اللزومية. فينعكس الحال، فيما لو كان الأمر موضوعا للأمر. إذ يحتاج اللزوم عندئذ إلى إقامة القرينة وليس الاستحباب.
ثم ذكر السيد الأستاذ بعض النقوض على مسلك الشيخ النائيني الراجع إلى ان الوجوب مستفاد بحكم العقل. بأن له آثار ولوازم في الاستنباط الفقهي لا يلتزم بها أصحاب هذا المسلك.
النقض الأول: انه يلزم رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب. إذا دل عموم عام على الترخيص، مع انه لا يلتزم فقيه بذلك.
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فلو ورد أكرم الفقيه وورد لا يجب إكرام العالم. فيقال عادة في الفقــه، بتقديم الخاص باعتباره قرينة على العام. فيثبت وجوب إكرام الفقيه دون غيره من العلماء.
وهذا الجمع انما يصح بناء على ان يكون الوجوب في الأمر الوارد في (الدليل الخاص) مدلولا لفظيا أو اطلاقيا بالمادة أو الهيئة. لأنه عندئذ يحصل تعارض بدوي بين الدلالتين. فنطبق قواعد الجمع الدلالي وهي القرينية, فيتم التقييد.
واما بناء على ان يكون الوجوب أجنبيا عن مدلول اللفظ. وإنما يدل اللفظ على جامع الطلب. إذن لا تعارض بين الدلالتين أصلا. لإمكان حمل الأول على الاستحباب. وإنما عندنا حكم العقل بلزوم الامتثال، وهو معلق على عدم صدور الترخيص من قبل المولى. والعام ترخيص من قبله. فيكون العام واردا على حكم العقل فيرتفع به موضوعه. فيكون اللازم تقديم العام على الخاص. وهو لا يلتزم به أصلا. وذلك لأجل الارتكاز بأن دلالة الأمر على الوجوب بالدلالة اللفظية لا بحكم العقل.
ويرد عليه عدة وجوه:
أولاً: ان هذه النتيجة تصح لو كانت الدلالة اطلاقية لمقدمات الحكمة. لأن الدليل الآخر، ان كان بالإطلاق تعارضا وتساقطا. وان كان بالعموم تقدم العموم وصلح ان يكون قرينة على الإطلاق وكان واردا عليه، كوروده على حكم العقل. لأن مقدمات الحكمة معلقة على عدم البيان والعموم يصلح للبيان. كما ان حكم العقل معلق أيضا.
ثانياً: للشيخ النائيني ان يقول: ان القرينة (وهي الدليل الثاني) متأخرة مرتبة عن حكم العقل. نعم، لو كان الدليلان سابقين عليه لتم الإشكال. ولكن
ــــــ[62]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حكم العقل وان كان متأخرا رتبة على الأمر، إلا انه لصيق به عرفا وعقلائيا. بحيث يكتسب منه دلالة مطابقية. وان لم تكن وضعية. وعندئذ يكون حكم العقل متقدما رتبة على الدليل الثاني. فيرد الدليل الثاني بعده. فلا يكون حاكما عليه، بل بالعكس.
ثالثاً: للفقيه ان يقبل بعدم وقوع التعارض، بين الدليلين. لدلالة الخاص على الاستحباب والعام على عدم الوجوب. إلا اننا نفهم من عدم الوجوب: الإباحة. وهذا أمر خارج عن محل الكلام. فلو ورد الأمر بمادته في الخاص (ونحن نقول بوضع المادة للأعم ) بدون قرينة على الحصة اللـزومية، لزم هنا القول بعدم التعارض. وان التخصيص المشار إليه باعتبار هيئة الأمر لا مادته.
النقض الثاني: على الشيخ النائيني :
ان موضوع حكم العقل عنده، عدم صدور الترخيص متصلا أو منفصلا. فعلى المسلك الاعتيادي نقول: ان ظهور الأمر بنفسه كاف للوجوب. ويتوقف على عدم القرينة المتصلة. ومع عدمها ينعقد الظهور بالوجوب.
أما على مسلكه، فانه لو صدر الترخيص منفصلا لزم خروجه عن موضوع حكم العقل بالطاعة. فلو احتملنا الترخيص المنفصل توقف العقل عن الحكم. لأن حكمه غير محرز الشرط، بخلافه على المسلك المشهور. ولا شك ان المسلك بالفقه كونه متوقفا على عدم الدليل المتصل لا المنفصل.
أقول: يمكن ان يجاب ذلك على عدة مستويات:
أولاً: بالنقض باحتمال التخصيص والتقييد المنفصل. بل احتمال المتصل أيضا. حيث يكون التمسك بالعام من قبيل التمسك به في الشبهة المصداقية. مع العلم انه من الضروريات في الفقه. فما قلتموه هنا قولوه هنا أيضا.
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وملخصه: انه يكفي في ذلك عدة أمور:
1 ـ طريقية عدم الورود بعد الفحص عن عدم الوجود بنحو الاماريـة.
2 ـ أو أصالة عدم الورود ولو باستصحاب العدم الأزلي.
3 ـ أو الاكتفاء بعدم الورود وهو قطعي.
وبه ننقح صغرى حكم العقل هنا، كما ننقح صغرى عدم التخصيص والتقييد هناك.
وكذا لو شك في قرينية الموجود المنفصل، فانه لا يعتنى بقرينيته، ولا بتقييده ولا بترخيصه. ما لم يرجع إلى احتمال قرينية المتصل.
ثانياً: ما قلناه من كون حكم العقل في مرتبة الأمر عرفا، وليس متأخرا عنه. أو قل هو سابق رتبة على التخصيص المحتمل. فيؤخذ بما هو اسبق وهو الدلالة على الوجوب. ولا يختلف عندئذ عن المشهور.
الاحتمال الآخر: الذي بينه السيد الأستاذ أيضا: ان تكون دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق ومقدمات الحكمة، كأسماء الأجناس
ولذلك عدة تقريبات:
التقريب الأول: ما ذكره المحقق العراقي من ان الأمر مادة وصيغة يكون دالا تصديقا على وجود الإرادة المولوية القائمة في نفس المولى. وهذه الإرادة أمرها مردد بين ان تكون قوية وهي الوجوب, أو ضعيفة وهي الاستحباب. ونريد ان نثبت بمقدمات الحكمة ان هذه الإرادة المدلول عليها بالأمر قوية وليست ضعيفة.
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وذلك ببيان: ان الإرادة القوية والضعيفة تشتركان في أصل الإرادة. وتمتاز الشديدة بشدتها. وهي – أي شدتها- أيضا إرادة فيكون ما به الاشتراك عين ما به الامتياز. بخلاف الضعيفة فان ما به الامتياز فيها ليس هو الإرادة.
وبناء عليه نقول: بأن الأمر الصادر من المولى يدل على الإرادة. فان كانت هي الشديدة، فهذا الخطاب قد بين تمام الحقيقة بلحاظ ما به الاشتراك وما به الامتياز. لأن كل ذلك هو إرادة. والخطاب المولوي يناسب التعبير عن الإرادة بكل هويتها.
واما ان كان في نفس المولى الإرادة الضعيفة، فخطاب المولى يعبر عما به الاشتراك من هذه الإرادة دون ما به الامتياز. لأن ما به الامتياز هو فقدان الإرادة، وليس من سنخها.
ومعه تجري مقدمات الحكمة. وذلك بأن يقال: ان الأصل هو كون المولى في مقام بيان تمام مرامه. فان كان تمام مرامه هو الإرادة القوية، فقد بينها. وان كان تمام مرامه هو الإرادة الضعيفة فهو لم يبينها. لأنه إنما بين ما به الاشتراك دون ما به الامتياز منها. فلو كان يريد تلك المؤونة الزائدة لنصب القرينة، ولم ينصب، فتحمل على الإرادة القوية.
أقول: يرد عليه عدة أمور:
أولاً: ان هذا ليس من سنخ مقدمات الحكمة وان شابهها بيانا.
واوضح تنبيه على ذلك: عدم مجيء هذه المقدمات في العموم. بالرغم من صحة هذه المقدمة فيها، وهو توقف العموم على عدم القرينة على التخصيص.. فكذلك في المقام. فليس كل ما يتوقف على عدم البيان يكون من مقدمات الحكمة. وإنما ذلك خاص بالإطلاق اصطلاحا.
ــــــ[65]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان المولى لم يكن في مقام البيان إلا من ناحية المعنى الوضعي الذي هو للأعم. ويكفي الشك في ذلك لنفي النتيجة.
ثالثاً: انه يستحيل ان يكون ما به الاشتراك عين ما به الامتياز، كما قال في الإرادة القوية، وإلا لم يكن امتيازا أو (فصلا) حقيقة. ولذا ما كان بسيط الحقيقة، فانه لا فصل له. وإلا لأمكن فيه نفس الكلام، وهو ممنوع في علم الكلام.
رابعاً: انه يستحيل ان يكون الفصل نقيضا للجنس كما قاله في الإرادة الضعيفة. حيث كان فصلها عنده هو عدم الإرادة. فأصبح عدم الإرادة فصلا للإرادة وهو مستحيل.
خامساً: اننا إذا قلنا بأن الدلالة على الوجوب بالإطلاق، يعني ليس بالوضع، يعني ان الوضع للجامع بين الحصة اللزومية والاستحبابية. وعندئذ فالدلالة الوضعية تدل على أصل الإرادة أو القدر المشترك منها، ولا دلالة لها على الفصل، لأن المعنى الوضعي يقتضي ذلك. ولابد في الفصل من البحث عن دليل خارجي كقرينة ونحوها. ومجرد كونه لم ينصب قرينة على الاستحباب لا يعني كونه قد استعمل اللفظ في خصوص الحصة اللزومية.
سادساً: يمكن ان يقال: ان الإرادة غير ناقصة في كلا الفرضين: وهما من الناحية المقولية أو الماهوية من سنخ واحد. وفصلها ليس هو ضعفها وشدتها. بل يفترقان من ناحية المتعلق. فان أحدهما متعلقها هو الطلب التشريعي اللزومي، والأخرى متعلقها هو الطلب التشريعي الراجح أو المرجوح. إذن، فالنقض في المراد لا في الإرادة.
على اننا يمكن ان نطعن حتى في ذلك. باعتبار ان الرجحان أو الاستحباب
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ليس نقصا عن اللزوم. وإنما هو من سنخ آخر من الطلب بديل له.
ولو مشينا على مذاقه، كان في الإمكان اعتبار اللزوم نقصا، لأن فيه تحميلا من ناحية واستحقاقا للعقاب على تقدير العصيان من ناحية أخرى. بخلاف الاستحباب. فإذا كان الإطلاق نافيا للنقص، إذن، يكون نافيا للزوم.
واما السيد الأستاذ فقد أجاب على المحقق العراقي في هذا الوجه.
بما حاصله: ان هذا الأسلوب من إجراء مقدمات الحكمة، بالتدقيق العقلي لا بالفهم العرفي. مع انها أمر عرفي لا عقلي. فما كان من الكلام فيه مؤونة زائدة أمكن نفيه بمقدمات الحكمة. فيثبت بها ان كلامه على مقدار مقصوده.
واما في المقام، فالفرق بين الإرادة القوية والضعيفة أمر عقلي وليس عرفيا. ولا يصدق عرفا: ان الإرادة القوية ليس فيها مؤونة زائدة على أصل الإرادة والإرادة الضعيفة فيها مؤونة زائدة. بل النظر العرفي ينفي ذلك. فلا ينعقد إطلاق عرفي لتعيين ما لا مؤونة له.
أقول: وقد تحصل جوابه:
أولاً: ان هذا – كما قلنا- ليس من مقدمات الحكمة الاصطلاحية. ولم يشر السيد الأستاذ إلى ذلك.
ثانياً: ان جريان هذه المقدمات لا يقتضي تعين اللزوم، بعد كون الاستعمال في المعنى الموضوع له، وهو الأعم.
نعم. لو غضضنا النظر عن كل ما قلناه، لكان هذا وجها في نفسه. ولكن – مع ذلك – فانه يمكن للمحقق العراقي نقاشه: بأنه يمكن إرجاعه إلى الظهور العرفي من حيث دلالة الأمر بالدلالة التصديقية على وجود الإرادة. والظهور
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والدلالة أمر عرفي ولا شك ان دلالة الأمر الوجوبي على الإرادة غير دلالة الأمر الاستحبابي عليها. وهذا يكفي عرفا للتمييز بينهما.
التقريب الثاني: للإطلاق المنتج لظهور الأمر بالوجوب:
ذكره السيد الأستاذ، وقال: انه يتوقف على مقدمة.
وحاصلها: ان المعروف لدى الأصوليين المتقدمين: ان الوجوب مركب من جزئين: طلب الشيء والنهي عن تركه. والاستحباب مركب من جزئين، طلب الشيء مع الترخيص في تركه.
وبناء عليه, لا يمكن إجراء مقدمات الحكمة لدوران الامر بين قيدين وجوديين، في حين تحتاج مقدمات الحكمة لثبوت قيد عدمي، وهو عدم التقييد. فلا يكون ذلك موضوعا لها.
إلا ان هذا في نفسه غير تام، لأنه يقع السؤال عن ان الجزء الثاني هل رخص فيه المولى أم لا. ومعنى ذلك حصول الدور أو التسلسل. (وان لم يقل السيد الأستاذ ذلك)، وبالنتيجة لا يثبت الإلزام المطلوب من الأمر الوجوبي.
ومن هنا ذهب مشهور المتأخرين إلى ان الاستحباب جزؤه وجودي يعني الطلب مع الترخيص بالترك. والوجوب جزؤه عدمي وهو الطلب مع عدم الترخيص بالترك.
فالنتيجة: انه إذا توجه طلب المولى ودار أمر الخصوصية بين الوجودية والعدمية. فإن نصب قرينة على الوجودية فهو المطلوب وقد ثبت الاستحباب. وان لم ينصب قرينة على الخصوصية الوجودية يكون ذاك قرينة على الخصوصية العدمية عرفا أو عقلا، لأن عدم الترخيص ثابت في مفروض
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المسألة.
ونظّر السيد الأستاذ ذلك بالإطلاق والتقييد. فان خصوصية التقييد وجودية وهي بيان القيد، وخصوصية الإطلاق عدمية وهي عدم القيد. فإن ابرز القيد فهو المقيد وإلا فهو المطلق لأن عدم بيان الخصوصية الوجودية بيان للعدم.
ثم قال: وهذا البيان اقرب إلى الفهم العرفي من السابق.
أقول: يرد عليه جملة من إشكالاتنا على المسلك السابق.
وذلك:
أولاً: ان تسميتها بمقدمات الحكمة يحتوي على تجوز وعلى خلاف الاصطلاح.
ثانياً: انها إنما تتم إذا كان المتكلم في مقام البيان من جميـع الحيثيات. وهذا لا يكون دائما بل أحيانا. كما قال السيد الأســتاذ. أو – كما قلـنا -: انه في مقام البيان من ناحية المدلول اللغوي فقط. ولا قرينة زائدة على خلاف ذلك على الفرض.
ثالثاً: اننا إنما نصير إلى هذا المسلك إذا نفينا الدلالة الوضعية على الوجوب، وقلنا بأن الأمر دال وضعا على الجامع. ومعه يكون الإطلاق بالعكس. وهي عدم إرادة الوجوب ما لم يقيد. ولا اقل من الإجمال، ما لم يختر إحدى الحصتين اعني الوجوب أو الاستحباب.
رابعاً: ما قاله: من ان عدم التقييد يدل على التقييد بالعدم. غير تام عرفا فضلا عن العقل. فغايته عدم التقييد. واما كون هذا العدم قيدا للأمر بحيث يتحقق به إحراز موضوع الإطلاق فهو قابل للمنع. والامارية العرفية ممنوعة.
ــــــ[69]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقضية تعين النقيض مع ارتفاع الآخر، إنما يعين العدم لا التقييدية به.
التقريب الثالث: ما ذكره في تقريرات الهاشمي: من ان الصيغة تدل على الإرسال والدفع بنحو المعنى الحرفي. ولما كان الإرسال والدفع مساو لسد تمام أبواب العدم للاندفاع والتحرك. فمقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي: ان الطلب والحكم المبرز، أيضا سنخ حكم يشتمل على سد تمام أبواب العدم. وهذا يعني عدم الترخيص بالمخالفة.
أقول: وهذا يرجع إلى اننا نفهم من نفس الأمر معنى الوجوب، لأنه بنفسه دال على عدم الترخيص بالترك. ولا يحتاج إلى إحراز عدم الترخيص من الخارج.
إلا انه، مع ذلك، لا يتم:
أولاً: إذا كان المدلول التصوري للأمر هو الوجوب. كان ما قاله صحيحا، لكن يكفي فيه المعنى الوضعي، ولا نحتاج إلى هذا الكلام المتأخر رتبة عنه.
وان كان موضوعا للجامع، فهو لا يدل بالمدلول التصوري على سد تمام أبواب العدم، بل بعضها. وكونه دالا على سد جميعها اول الكلام. بل هو مرفوض بناء على هذا المسلك.
ولا يمكن الوضع للجامع مع دلالته على سد تمام أبواب العدم إلا على ضرب من المجاز. باعتبار التضمين الوجداني للوجوب. وهو على خلاف الأصل. فلا تكون أصالة المطابقة كافية في هذا المورد وان تمت كبرى.
ثانياً: ان في هذا التقريب محاولة لجعل الإطلاق صفة لنفس اللفظ بحيث
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يدل على الأمرين، وهما مدلوله اللغوي والإطلاق دفعة واحدة. وهذا بناء على الوضع صحيح، كما اخترناه. إلا انه هنا فاشل. فإن غايته هو تقريب المداليل العقلائية التي تكون مقترنة اللفظ إلى درجة يكون اللفظ دالا عليها، مضافا إلى مدلوله اللغوي.
إلا ان الإطلاق ليس كذلك، لأن عدم التقييد أمر تكويني، يحتاج إلى إثبات من الخارج، وأصالة عدم التقييد المنفصل ليست حجة في لوازمها. ومجرد الشك فيه يكفي لنفيه، يعني لذلك الأمر التكويني، إلا ان تقوم به حجة شرعية. فهو أمر خارجي عن اللفظ يحتاج إلى عناية زائـدة. واما جعله من صفات اللفظ نفسه, فهو باطل.
فإن قلت: ان أصالة المطابقة تكفينا وهي لفظية، وحجة في لوازمها.
قلنا: كلا. لأنها إنما تجري في طول البرهنة على عدم التقييد. وهي لا تكون إلا بمقدمات الحكمة. والمفروض ان الوضع للأعم أصلا. فالتطابق يكون على عكس ما أرادوا.
ثالثاً: ان هذا التقريب راجع إلى جعل اللفظ نفسه دالا على عدم الترخيص، باعتبار ظهوره على سد باب العدم من جميع الجهات. وهذا يصح ان قلنا بالوضع للوجوب. واما بدونه، فغايته انه يحتاج إلى قرائن خارجية. فلا يكون في نفسه دالا على ذلك، إلا مع التضمين الوجداني في الوجوب. وهو – على هذا المسلك – استعمال مجازي لا يحمل عليه اللفظ.
ثمرات البحث :
ثم صار السيد الأستاذ في مقام ذكر بعض الثمرات والنتائج بناء على المسالك الثلاثة لدلالة الأمر على الوجوب: الوضع والإطلاق وحكم العقل.
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثمرة الأولى: تسلط قواعد الجمع الدلالي بناء على مسلكي الوضع والإطلاق، دونه على مسلك المحقق النائيني لحكم العقل.
فإننا إذا بنينا على ان الوجوب مدلول عرفي للدليل سواء كان بالوضع أو بالإطلاق، وقع بين الدليل الدال على الوجوب والدليل الآخر، تعارض. وبقواعد الجمع الدلالي العرفي، يقدم الدليل القرينة على الدليل الآخر.
بخلافه بناء على حكم العقل، فإن الوجوب لا يكون مدلولا للفظ. فلا معنى للرجوع إلى قواعد الجمع الدلالي بين الدليلين.
أقول: قد سبق من السيد الأستاذ النقض بذلك على المحقق النائيني. وقال: انه بناء على ذلك يكون العام مقدما على الخاص دون العكس. وقد اجبنا على ذلك في حينه. وما يمكن ان يدافع به الشيخ النائيني عن نفسه. وقلنا: ان هذا إنما يتم بناء على الوضع. وإلا فالإطلاق كالحكم العقلي، معلق على عدم القرينة.
الثمرة الثانية: انه بناء على المسلكين الاولين تثبت لوازم الوجوب، بخلاف الثالث. فإن علم الفقيه وجود الملازمة بين وجوبين كوجوب الفاتحة ووجوب السورة، فبناء على المسلكين يكون الدليل الدال على الأول بالمطابقة دالا على الثاني بالالتزام لفرض العلم بالملازمة.
واما بناء على المسلك الثالث، وهو كون الدليل دالا على الطلب فقط من دون تعرض للوجوب، وإنما الوجوب يثبت بحكم العقل فقط. فلا يمكن إثبات اللوازم كما هو واضح. لأن حكم العقل مرجعه إلى لزوم الطاعة والامتثال وليس له كشف ونظر إلى أحكام الشارع الأخرى. فلا يكون حجة في إثبات اللوازم.
ــــــ[72]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويمكن ان يجاب ذلك على كلا التقديرين، بعد التسليم بأن المسلك الرئيسي بل الوحيد الذي يصح فيه ذلك هو القول بالوضع، لأنه القدر المتيقن منه.
أولاً: إذا أخذنا بالإطلاق فمعناه ان الوضع للجامع. ويكون الإطلاق قرينة خارجية، وليست مدلولا لفظيا لو سلمناه. فتكون نتيجته هي نتيجة حكم العقل وليست نتيجة الوضع. فتأمل (إشارة إلى ان لوازم الإطلاق حجة. إلا ان الكلام في صحة الإطلاق في نفسه).
ثانياً: بعكس الأول. إذ يمكن للمحقق النائيني ان يقول: باقتران حكم العقل إلى جنب الدلالة اللفظية وفي مرتبتها. كما يميل السيد الأستاذ إلى جعل الإطلاق بهذه المثابة. فيصبح الحكم العقلي بمنزلة المدلول اللفظي الذي يمكن القياس علية وفهم اللوازم منه. بحيث: نعلم ان المتكلم كان يقصده عند نطقه بالكلام، كسائر المرتكزات العقلائية.
ثالثاً: انه يمكن القول انه لازم لوجوب الطاعة العقلية، وهو أيضا أمارة يثبت لازمها. بمعنى صغراها لا كبراها.
رابعاً: ان اللازم ليس لوجوب الطاعة لكي يكون حكم العقل دخيلا في الملازمة مع انه لا إدراك له لحكم الشارع. بل لأصل الوجوب. والمفروض ان الوجوب مستفاد من اللفظ بشكل آخر. فيكون اللفظ دالا بالالتزام على الواجب الآخر. فتأمل. (إشارة إلى ان اللفظ في نفسه دال على الجامع، وهو غير ملازم مع الواجب الثاني. إلا ان نضم كلا الأمرين ، يعني ان تكون الدلالة العقلية بمنزلة اللفظية، بحيث يكون اللفظ دالا عليها).
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثمرة الثالثة: ثبوت دلالة السياق بناء على الوضع، وسقوطها بناء على المبنيين الآخرين.
فان مبنى الفقهاء: انه لو وردت اوامر متعددة، علمنا باستحباب بعضها وشككنا بوجوب البعض. فان وحدة السياق تقتضي الحمل على الندب أيضا. واما بناء على المسلك الثالث، فالمدلول اللفظي هو أصل الطلب، فلا يمكن ان نثبت الاستحباب للمشكوك بوحدة السياق باعتبار ان الجميع مشترك بمطلق الطلب.
وان غاية ما تقتضيه وحدة السياق، هو وحدة المدلول اللفظي لهذه الكلمات. فلا مانع ان يكون البعض مستحبا والآخر واجبا في السياق. ولا يلزم إنثلام وحدة السياق.
أقول: وينبغي هنا ان نلتفت إلى انه ليس من حكم العقل وحدة السياق، فربما يحكم في البعض دون البعض.
قال: وكذلك الحال بناء على الإطلاق. فان الإطلاق يقتضي نفي الترخيص بالترك. فتوجد عندنا كلمات تدل على الطلب، والطلب غير مرخص بتركه. فلو ثبت من الخارج ان بعضها مقيد ومرخص فيه، فلا يلزم ان تكون كلها مرخص فيها. واصل المعنى على أي حال محفوظ وهو الطلب.
كما لو ورد أكرم العالم وأكرم الهاشمي وأكرم الكريم. وثبت تقييد الاوليين بالعدالة، فلنا ان نتمسك بالإطلاق في الثالث.
ولم يناقش السيد الأستاذ، في هذه الثمرة، مع ان ظاهر عبارته الأخذ بمسلك الإطلاق. فهل يرى عدم صحة التمسك بوحدة السياق على أي حال؟
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأحسن دفاع ممكن ضد هذا المعنى: ان نتصور ان مسلك الإطلاق يكون في رتبة الدلالة الوضعية، كما سبق ان تصورناه، وكذلك لو كان مسلك حكم العقل بهذه المرتبة. بحيث يكون ظهورها عرفيا. إذن تنعقد وحدة السياق في المركب ما بين الظهور الوضعي والظهور الثاني الذي هو الإطلاق أو هو حكم العقل. إلا اننا سبق ان ناقشنا في صحة هذه الأطروحات.
مضافا إلى ان وحدة السياق على معنيين:
الأول: وحدة السياق في المقاصد الاولية، كما لو شك في ان بعضها يراد به الوجوب أو الاستحباب أو يراد به الحقيقة أو المجاز.
الثاني: وحدة السياق في القرائن الخارجية، كما لو شك في ان الثاني بعضها مقيد أم لا أو عليه حاكم أو وارد أم لا. كما في المثال الذي ذكره.
أما هذا الثاني، فلا يمكن القول به على كل المسالك حتى بناء على مسلك الوضع. فالثمرة من هذه الناحية باطلة على كل حال.
فان قلت: فان لها وحدة سياق بالإطلاق، وهو من المداليل الاولية أو الداخلية للفظ.
قلنا: نعم، ويكون حجة في مدلوله، على كلام يأتي. إلا ان المراد هنا إثبات وحدة السياق للتقييد. أي بما ان البعض مقيد، فالباقي مقيد. وهو لغو واضح، إذ لا ملازمة داخلية ولا خارجية من هذه الناحية. ما لم يثبت صدقه في مورد معين. وهو كلام آخر.
واما وحدة السياق من القسم الأول، فهو يثبت مع القول بالوضع يقينا. ولا يثبت بناء على الإطلاق وحكم العقل، لكونهما من الدلائل الخارجية.
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لتوقفهما معا على ما هو خارجي وهو عدم البيان.
نعم، لو اعتبرنا أحدهما أو كليهما من الدلائل الداخلية للفظ في مرتبة المعنى الموضوع له. أمكن صياغة وحدة السياق لها. إلا انها ليست كذلك، كما سبق. واما النوع الثاني من وحدة السياق فباطل، حتى لو صحت هذه الأطروحة.
الثمرة الرابعة: فيما لو وجد أمر واحد، بشيئين، كقوله: اغتسل للجمعة والجنابة. وعلمنا من الخارج بأن غسل الجمعة ليس بواجب، فهل يمكن ان نثبت وجوب غسل الجنابة بمثل هذا الأمر أم لا.
أما بناء على المسلك الأول، وهو الوضع، فلا يمكن لأن الوجوب والاستحباب مدلول لفظي. فاغتسل اما مستعملة في الوجوب أو الاستحباب أو في الجامع. أما استعمالها في الوجوب، فغير محتمل لأن غسل الجمعة ليس بواجب. واما استعمالها في الاستحباب أو الجامع، فمعه لا تبقى دلالة على وجوب غسل الجنابة.
ولا يمكن ان يقال باستعمالها في كلا المعنيين، لأنه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى وهو محال.
واما بناء على مسلك النائيني فقوله: اغتسل: مستعمل في الطلب على نحو واحد في الغسلين معا. والوجوب إنما هو بحكم العقل. فيمكن الالتزام بأن غسل الجمعة ليس بواجب عقلا ، لأنه ورد الترخيص في تركه، بخلاف غسل الجنابة.
قال: وكذلك على مسلك الإطلاق الذي قويناه. فان الأمر ينحل إلى أمرين. وكل منها مقتضى إطلاقه انه طلب لا رخصة في مخالفته. وأحدهما
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثبت تقييده من الخارج. والآخر لم يثبت تقييده.
وليس هذا من الجمع بين معنيين في الاستدلال، بل من باب التقييد في بعض الحصص والإطلاق في بعضها، لأن التقييد ضرورة، والضرورات تقدر بقدرها.
كما لو ورد أكرم العالم، وعلمنا باشتراط إكرام الفقيه بالعدالة. فتبقى الحصص الأخرى تحت الإطلاق. وهذا من باب الاقتصار في التقييد على القدر المتيقن.
ويمكن الجواب على هذه الثمرة، بعدة وجوه:
الوجه الأول: ان مسلك الوضع لا يتعين على الوجوب بل قد يكون للجامع. فان قلنا به كما قلنا به في مادة الأمر. كان مستعملا على نحو واحد في كلا الأمرين، في المثال، ويحتاج كل منهما إلى قرينة خارجية. والمفروض قيام القرينة على الاستحباب في أحدهما. واما الآخر فلا يثبت وجوبه إلا بقرينة، بل هو إلى الاستحباب اقرب. لوجود ما يشبه وحدة السياق في المقام. وان لم تكن منها حقيقة إلا انها لعلها هنا أولى، لتعين استعمال الجامع في الحصة الاستحبابية.
الوجه الثاني: اننا لو قلنا بالوضع للوجوب خاصة، فأصالة الحقيقة تعينه للوجوب، وإلا كان مجازا. وقد خرج ما دل الدليل على استحبابه، وبقي الباقي مطبقا للأصل.
وليس فيه إشكال، إلا سقوط حصة تحليلية من الأمر، ولا إشكال فيه عرفا.
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه الثالث: ظهر انه يمكن ان نختار من الشقوق الثلاثة التي ذكرها: انها مستعملة في الوجوب بالوضع، أما مادة أو هيئة. وبه يثبت وجوب غسل الجنابة. مع خروج غسل الجمعة بدليل خارجي. واما استعماله في الاستحباب أو الجامع فهو مجاز على الفرض. كما لا نحتاج إلى استعماله في كلا المعنيين مستقلا، ليلزم الاستعمال في أكثر من معنى.
واما بناء على مسلك حكم العقل، فالإشكال فيه مبنائي، وهو بطلان هذا المسلك.
واهم ما ينبه على بطلانه ان السيد الأستاذ عبر: ان الأمر هنا مستعمل على نحو واحد، في كلا الغسلين. ولم يذكر هذا النحو. مع اننا قلنا ان المفروض انه مستعمل في الجامع. وإلا لم نحتج لحكم العقل. ومع استعماله في الجامع، لا مجال لحكم العقل. بل يكون الأمر بالعكس. وهو احتياج الواجب إلى قرينة خارجية لإثبات وجوبه ليشمله حكم العقل، وإلا لم يشمله.
وكذلك الحال على مسلك الإطلاق، من حيث ان النقاش مبنائي. وذلك لأن الوضع، كما عرفنا، للجامع، والاستعمال أيضا في الجامع. والوجوب لا يثبت بالإطلاق كما سبق. بل يثبت خلافه ما لم يقيد بعدم الترخيص.
الوجه الرابع: ما قاله من إمكان انحلال الأمر إلى أمرين، يمكن الطعن به عرفا. إلا انه لو تم أمكن تقريبه في أصل اللغة، بحيث يثبت الوجوب على المسالك الثلاثة كلها. وليس باعتبار ثبوته على مسلك الإطلاق فقط.
وذلك مثل ان يقال، ان حرف العطف بتقدير تكرار العامل، يعني: اغتسل للجمعة واغتسل للجنابة. أو يقال: ان تعدد الداخل يوجب عرفا تعدد المدخول عليه وان كان واحدا ظاهرا.
ــــــ[78]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فيكون هذا اوضح ثبوتا على كل المسالك، إذ لا ملازمة بين ثبوت الاستحباب في أحدهما مع ثبوته في الآخر. فيمكن ان نحمل الآخر على الوجوب على كل المسالك. إلا إذا قلنا انه موضوع ابتداء للجامع (بغض النظر عن مسلكي الإطلاق وحكم العقل) فيحتاج الوجوب إلى قرينة منفصلة على أي حال.
الوجه الخامس: اختلفت عبارة السيد الأستاذ، فقال تارة: ان هذا تقييد في بعض الحصص، وقال أخرى: انه تقييد في القدر المتيقن.
وهذا قد نقبله عرفا. إلا ان المؤدى في العبارة الأولى والثانية ليست صحيحة. لأن التخصيص خص حصة بعينها ولا يحتمل سرايته للزائد. نعم مع إجمال المخصص كان الاقتصار على القدر المتيقن ضروريا. فينطبق كلا العنوانين. فيكون تقييدا للحصة بالقدر المتيقن.
الثمرة الخامسة: لو ورد أمر لطبيعي الفعل، مثل أكرم العالم. وعلمنا من الخارج: ان إكرام العالم غير الفقيه ليس بواجب. فهل يمكن ان يثبت بهذا الدليل انه مستحب على الأقل.
فان بنينا على الوضع: فلا يمكن إثبات الاستحباب. لأن (أكرم) ظاهرة في الوجوب، وموضوعه العالم، فان خرج غير الفقيه عن موضوعه لا يبقى حجة على الاستحباب أصلا.
واما على المسلك الثالث العقلي، ففي الإمكان ان نثبت مطلبين بنفس الخطاب: وجوب إكرام الفقيه واستحباب إكرام غيره. إلا ان مفاد الأمر هو الطلب، والعقل يحكم بالوجوب في طرف الفقيه لأنه لم يرد الترخيص. وفي غيره يحكم بالاستحباب لأنه ورد الترخيص.
ــــــ[79]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وكذلك الأمر بناء على مسلك الإطلاق الذي ذكرناه، قلنا مفاد (أكرم العالم) هو الطلب، ومقتضى إطلاقه انه طلب غير مرخص فيه. وهذا الإطلاق ثابت في الفقيه وساقط في غيره. فلا موجب لرفع اليد عن أصل الدليل في غير الفقيه. بل يبقى أصل الدليل ثابتا والضرورات تقدر بقدرها.
ونعلق على ذلك بعدة أمور:
الأمر الأول: انه يمكن بناء على الأصول القديمة إثبات الاستحباب باعتبار سقوط ما به الافتراق وبقاء ما به الاشتراك. أو قل: سقوط الفصل وبقاء الجنس. ويبقى متمثلا بالفصل الآخر اعني الاستحباب، بعد سقوط الفصل الآخر، وهو الوجوب.
هذا يناسب مع مذهب التحليل العقلي من الأمور. كما قال قبل قليل: ان (اغتسل) ينحل إلى أمرين. لكنه لا يتم لا عرفا ولا عقلا.
أما عرفا فلان الدليل منحصر للوجوب، فإذا سقط لم يبق دليل على الاستحباب. واما عقلا فلأن بقاء الجنس بعد سقوط الفصل مستحيل. مضافا إلى ان بقاءه وحده غير معقول، وتفصّله بالفصل الآخر، يحتاج إلى دليل مفقود.
والانحصار لا دليل عليه، إذ لعل هيئة افعل مستعملة في الجامع بين الرجحان والإباحة. أو هما والتهديد ونحو ذلك. وفي النتيجة: فإن الصحيح سقوط الأمر كله بسقوط الوجوب.
إلا انه غير مطبّق في الفقه، وله أمثلة كثيرة من أوضحها: تكليف الصبي المميز بعد سقوط الوجوب في حقه. والقول باستحباب الفدية والكفارة بعد العلم بعدم وجوبها، والقول باستحباب صلاة الآيات بعد تعذر الفتوى
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالوجوب أحيانا. وهكذا.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان هذه الثمرة مبنية على وجود حصة واجبة في الإطلاق، كالمثال الذي ذكره. واما في محل كلامنا الأخير, فباعتبار سقوط الوجوب كله، فهل يثبت الاستحباب. فتكون هذه ثمرة سادسة. وقد عرفنا انها لا تتم بناء على مسلك الوضع. واما بناء على المسلكين الآخرين، فيأتي الكلام عنها بعد مناقشة هذه الثمرة.
ثانياً: انه على المسلكين الآخرين، فالإشكال مبنائي. فان البناء أصلا، على ان الأمر موضوع للجامع، فلا تترتب النتيجة. اعني لا يحكم العقل بوجوب الطاعة ولا يكون مقتضى الإطلاق هو الوجوب، بل بالعكس كما سبق.
ثالثاً: إمكان المناقشة العرفية، فان ذلك مما يتوقف على الانحلال في الأمر، فتكون حصة منه واجبة وحصة غير واجبة. وهذا متعذر عقلا وعرفا. أما عرفا فواضح إذ لا وجود للأمر إلا في هذا الجزئي، وتعدد المأمور به لا يقتضي تعدد الأمر. لأنه ليس واردا على عناوين مختلفة، في مفروض هذه الثمرة، بل العنوان واحد، والأمر للعنوان الواحد واحد.
واما عقلا، فلامتناع تعدد المعنى الحرفي وانحلاله، لأنهم قالوا ان الجزئي يتوقف على طرفيه، فكيف نتصور له انحلالا وإطلاقا وحصصا.
نعم، لو تممنا المبنى في هذين المسلكين، صحت النتيجة، كما تصح النتيجة في الثمرة السادسة التي نذكرها. وهي بقاء الاستحباب بعد سقوط الوجوب، فان الأمر مستعمل في الجامع على كل حال. وقد ورد فيه ترخيص، فيحمل على الاستحباب عقلا وإطلاقا.
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثمرة السادسة: ما أشرنا إليه من ورود أمر ظاهره الوجوب. ولكن دل الدليل على عدم الوجوب، كإعراض الفقهاء عنه ونحوه. كقوله تعـالى: فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وقوله سبحانه: وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ اوزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ. فهل نستطيع حمل الأمر على الاستحباب.
وفرق هذه الثمرة عن سابقتها ان الدليل هناك ورد في البعض وهنا ورد في الكل.
أما بناء على حكم العقل، فيتعين ذلك. لأنه استعمل في مطلق الطلب. والمفروض انه رخص في تركه، فيكون للاستحباب لتحقق موضوعه، لعدم تصدي العقل عندئذ للحكم بالوجوب. ونحو ذلك يقال بناء على مسلك الإطلاق، وإنما الإشكال فيهما مبنائي. فان تنزلنا عنه فلا إشكال.
وإنما الإشكال في مسلك الوضع، إذ قد يقال: ان الاستعمال في الاستحباب مجاز، لأنه لم يوضع له. إلا انه يدور الأمر بين أمور:
1- ان يحمل على الوجوب وهو غير محتمل على الفرض.
2- ان يحمل على الاستحباب. والمفروض عدم الدليل عليه، وإنما فقط قام الدليل على عدم الوجوب، ولا يصلح بنفسه قرينة على الاستحباب.
3- ان نقول بسقوط مدلوله الوضعي، ولا دليل آخر على إرادة غيره، فيسقط بالمرة، لأن الدليل على عدم الوجوب ليس دليلا بنفسه على الاستحباب. وان دليل الدليل الخارجي على الاستحباب بعنوانه كان هو المتبع، وليس الأمر الساقط.
وجواب ذلك: اننا نحتاج إلى ضم مقدمة أخرى، وهي دلالة الاقتضاء،
ــــــ[82]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وصون الكلام عن اللغوية، مع انحصار قصده بين الوجوب والاستحباب. فإذا سقط القصدان كان لغوا، ولا سبيل إلى قصد الثالث. إذن، مع انتفاء الوجوب على الفرض، يتعين الاستحباب.
فانتفت الثمرة، لأن الحمل على الاستحباب متعين على كل المسالك الثلاثة.
الثمرة السابعة: في الأمر في مورد الحضر.
إذ قد يقال – كما يستفاد من التقريرات -: انه لا وجود لاستفادة الإباحة منه. ولعل ذلك ثابت على كل المسالك الثلاثة.
أما بناء على الوضع فأصالة الحقيقة تعين الدلالة على الوجوب. واما على المسلكين الآخرين، فباعتبار توفر شرطهما وهو عدم الترخيص بالترك النافي لموضوع حكم العقل، والمقيد للإطلاق.
إلا ان جوابه واضح:
أولاً: ان هذه ليست بثمرة، لأن النتيجة على كل الوجوه واحدة، سواء قلنا انها هي استفادة الوجوب أو استفادة الإباحة. وإنما تظهر أية ثمرة وتصح، عند اختلافها باختلاف الوجوه.
ثانياً: انه بناء على المسلك العقلي والاطلاقي، توجد قرينة، على الترخيص، وهو كونه وارد في مورد الحضر. فانه كاف لذلك حين لا يكون فهم الوجوب عرفا محتملا أصلا.
وبناء على الوضع، فيمكن ان يقال أحد أمرين:
أولاً: ان نفس مورده دليل على استعماله مجازا في الإباحة، وهذا يكفي.
ــــــ[83]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا ملزم للمشهور أيضا الذي يقول بوضعه لمطلق الطلب إذ لا طلب في البين أصلا.
ثانياً: ان نقول بأن الأمر في مورد الحضر موضوعا رأسا للإباحة. وان شرط وضعه للوجوب ان لا يكون في مثل هذا المورد. أو مورد التهديد ونحو ذلك. إلا ان هذا فرع القول بأننا لا نفهم من ذلك كلفة مجازية بحيث نقطع بعدمها. واما إذا احتملناها أمكن المصير إلى الوجه الأول وهو المجاز.
ومن الناحية العملية، فإننا في مورد احتمال الحضر لا نجد الكلفة. إلا اننا في مورد التهديد نحتملها. كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. فإنه استعمال في ضد الوجوب. فيكون مجازا أو محتمل المجازية.
الثمرة الثامنة: إذا نسخ الوجوب فالمشهور عدم ثبوت الاستحباب. مع انه بناء على كلا المسلكين العقلي والاطلاقي يصلح النسخ كدليل على الترخيص بالترك فيكون موضوع للاستحباب متحققا، وهو وجود الأمر مع الترخيص بالترك.
واما بناء على مسلك الوضع، فقد سقط المدلول الوضعي، ولا توجد قرينة على المجاز. والنسخ أو الدليل الناسخ لا يصلح لذلك، وان صلح دليلا على جواز الترك، لأن قرينة المجاز لغوية ودليل جواز الترك حكمي. والنسخ حكمي وليس لغويا، فلا يكون مناسبا مع المجاز.
فتظهر الثمرة للاختلاف بين المسالك. ويكون مسلك الوضع موافقا للمشهور، بخلاف المسالك الأخرى.
ويمكن ان يجاب بناء على مسلك الوضع، بصلاحية دليل النسخ للقرينية على المجاز، لأنه يصلح لها اقل ملابسة. فتنتفي الثمرة وتشترك المسالك كلها
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالاستحباب.
إلا ان الذي يهون الخطب، ان دليل النسخ تخصيص زماني يرفع اثر الدليل المنسوخ ويسقطه عن المدلولية، في الزمان المتأخر.
فلو كان المنسوخ واجبا أمكن القول ببقاء دليله على أصل المطلوبية يعني الاستحباب. إلا ان المفروض ان الناسخ رافع لأصل الحكم. ومن ثم أصبح دليله لاغيا للفترة المتأخرة، وإلا كان خلف النسخ.
وبهذا يجاب عن احتمال قياسه بالصورة السادسة، من انه مع انتفاء الوجوب والاستحباب يبقى لاغيا. فصونا للكلام عن اللغوية يتعين المصير إلى الاستحباب.
إلا ان هذا الكلام هناك صحيح، وهنا ليس بصحيح، لأن الدليل المنسوخ قبل نسخه لم يكن لغوا بل دالا على الوجوب قطعا، وهذا يكفي في استيفاء دلالة الاقتضاء، في حين انه في الثمرة السادسة يكون الدليل لمجموع الأزمنة لغوا فيكون محالا. فيتعين حمله على الاستحباب. واما احتمال بقاء دلالة الدليل المنسوخ إلى ما بعد زمان النسخ، فهو خلف النسخ. ولا بأس بأن يصبح لغوا عندئذ.
الجهة الرابعة (من مبحث الأوامر): مبحث اتحاد الطلب والإرادة
وأفضل من عنونها – حسب علمي – هو السيد الأستاذ حيث قال:
إنهم بعد ان ذكروا ان لفظ الأمر موضوع للطلب كما تقدم (وقد سبق ان ناقشنا في ذلك). وقع الكلام في تحقيق معنى الطلب. هل هو صفة قائمة في النفس على حد الإرادة والقدرة، أو هو فعل نفساني أو هو فعل خارجي.
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومن هنا وقع الكلام في تحقيق النسبة بين الطلب والإرادة هل هي نفسه أم غيره.
فانجرّ الحديث إلى حديث كلامي، وقع بين الأشاعرة والمعتزلة، حيث ذهبت الأشاعرة إلى التغاير والمعتزلة إلى الاتحاد. واستدل الأشاعرة على مبناهم بعدة أدلة، وكان أحد أدلتهم مبني على مبناهم في الجبر، ومن هنا انجر الحديث في المسألة إلى الحديث في الجبر والاختيار.
وذلك أنهم قالوا: اننا نركب مقدمتين:
الأولى: ان الإرادة التشريعية من قبل المولى، لا يمكن ان تتعلق بفعل غير مقدور للعبد كالطيران إلى السماء سلبا أو إيجابا.
الثانية: ان أفعال العباد مخلوقة فيهم من قبل الله سبحانه وتعالى، وليس لهم قدرة عليها سلبا وإيجابا. فيثبت انه يستحيل تعلق الإرادة التشريعية من قبل الله سبحانه بأفعال العباد. مع انه لا إشكال في تعلق الطلب من قبله، فانه قد طلب الصلاة والصيام قطعا. إذن فالطلب غير الإرادة.
ونجيب على ذلك، بالالتفات إلى ان هذا البيان الذي نقله السيد الأستاذ عن الأشاعرة، إنما هو من عندياته وليس من الأشاعرة. لوضوح أنهم لا يقولون باستحالة تعلق الأمر بغير المقدور. فان محذوره هو نفس محذور الجبر.
فان من يقول بحجية العقل العملي، يقول بهما معا، ومن لا يقول بـه، فانه ينفيهما معا. ولا معنى لأن نقول بأحدهما دون الآخر. إلا إذا كان المراد من ذلك إلزام خصومهم المؤمنين بالعقل العملي بذلك. إلا ان ذلك خلاف ظاهر عبارته فان ظاهرها ان مبناهم على تعدد معنى الطلب والإرادة لمثل هذا
ــــــ[86]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
البرهان. إذن فهو معتمد لديهم وليس للإلزام فقط.
مع انه لم يثبت أساسا، ان القول بتغاير الطلب والإرادة يبتني على القول بالجبر أصلا. فلعلهم استدلوا بقواعد أخرى قد تكون صحيحة.
واما الاستطراد في علم الأصول إلى البحث عن الجبر والتفويض فلعله باعتبار ذكر الأشاعرة من ناحية رأيهم هذا، اعني تغاير الطلب والإرادة، مع ان الخلاف الرئيسي معهم هو من ناحية الجبر والتفويض، فتعرضوا استطرادا إلى الخلاف الرئيسي، كما تعرضوا إلى الخلاف الجانبي، وبمناسبته. ولا يتوقف ذلك على اعتبار ان مقدمات دليله تقتضي ذلك.
وبهذا نعرف بأن من يقول بعدم اتحاد الطلب والإرادة، ليس ملزما بأن يكون قائلا ببعض أفكار الأشاعرة.
هذا وقد تعرض في (المحاضرات) إلى عدة أمور، كالكلام النفسي وغيره، مما لا طائل تحته في علم الأصول. وإنما نتعرض هنا إلى مطلبين: أحدهما: اتحاد الطلب والإرادة، والآخر: مسألة الجبر والإختيار. مع الإعراض عن المسائل الجانبية الأخرى.
أما الكلام في مسألة اتحاد الطلب والإرادة. ففيه مراحل من الكــلام:
المرحلة الأولى: ان ظاهر المشهور هو البحث عن المعنى اللغوي الموضوع له كل منهما اعني لفظ الطلب ولفظ الإرادة، هل معنى واحد أو متعدد. فان كان معنى واحدا، كان اللفظان بمنزلة المترادفين، وان لم يعترف المشهور صراحة بذلك، بالرغم من قوله بالاتحاد.
مع انه يمكن جعل الكلام على مستويات أخرى أهمها اثنان:
ــــــ[87]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المستوى الأول: ان ما هو مصداق بالحمل الشايع لأحدهما، هو مصداق بالحمل الشايع للآخر. كالإنسان والناطق والضاحك بالرغم من تغايرهما مفهوما.
ودليل المشهور في الاتحاد لا يثبت أكثر من ذلك: حين يقولون مثلا: اننا لا نجد في أنفسنا إلا شيئا واحدا، ولا نرى أحدهما منعزلا عن الآخر. يعني الطلب والإرادة.
المستوى الثاني: إنهما وان تعددا على المستويات السابقة يعني مفهوما ومصداقا، إلا أنهما متساوقان وجودا. بمنزلة العلة والمعلول، فإذا وجد أحدهما وجد الآخر بالضرورة. إلى حد قد يجد العرف نحو استئناس من أحدهما بالآخر إلى حد ينتج عرفا اتحادهما، أو ما هو بمنزلة الاتحاد.
المرحلة الثانية: ان المشهور، بل إجماع الأصوليين المتأخرين، تسالموا على ان الأمر (يعنون: مادة الأمر) موضوعا للطلب. فإذا ضممنا إلى ذلك المقدمة المشهورية أيضا وهي: اتحاد الطلب والإرادة. نتج: ان الأمر موضوع للإرادة. أما مفهوما كما هو ظاهر العنوان، أو مصداقا، كما هو ظاهر الدليل. فهل يعترف المشهور بهذه النتيجة. أو انه يفكر بإمكان فصل المسألتين، لأن أحدهما أصولية والأخرى كلامية. مع انه لا يمكن الفصل بينهما، لرجوعهما إلى مسألة لغوية واحدة، بناء على مسالكهم.
المرحلة الثالثة: اننا سمعنا، فيما سبق خلال البحث عن مادة الأمر، من أهل اللغة: ان طلب الشيء هو التسبيب إلى الحصول عليه.
وهذا له مصاديق عديدة: منها: الفحص والتسبيب الخارجي كالفحص عن العبد الآبق والدابة الشاردة. ومنها: الاستنتاج الذهني، وهو طلب الحقيقة،
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومنها: طلب العلم، ومنها: طلب المال.
ومنها: الطلب التشريعي، وهو ما إذا تعلقت المصلحة بفعل الغير. فيكون التسبيب إليه بالطلب إليه بأن يفعل، لا مكرها ولا مجبورا.
واما الإرادة، فلم يذكر معناها لغة. فان اللغويين والأصوليين يأخذونها ساذجة ووجدانية. وعلى أي حال، فيمكن فهمها على عدة مستويات:
المستوى الأول: الحاجة. كالجوع والعطش. فمن جاع أراد الطعام ومن عطش أراد الماء.
المستوى الثاني: التسبيب. وهي بهذا المعنى راجعة إلى الطلب ومنه ما ورد: من أرادني بسوء فأرده. أي من تسبب إلى وقوع السوء عــليّ.
المستوى الثالث: الهدف. أي النتيجة التي يكون التسبيب لأجلها. لأنها لو لم تكن محل إرادته لم يطلبها ولم يتسبب إليها.
المستوى الرابع: الجزء الأخير من علل الفعل الاختياري. وهي الهمة المحركة للعضلات.
هذا وقد وقع في كلماتهم تقسيم كل من الطلب والإرادة إلى إنشائي وحقيقي. ويراد بالإنشائي جانب اللفظ ويراد بالحقيقي جانب وجوده النفسي أو الذهني. وهذا راجع إلى مبناهم في ان الطلب عين الإرادة، فحيث قسموا الإرادة إلى إنشائية وحقيقية، والأولى معلول للثانية. قسموا الطلب أيضا بنفس التقسيم.
وإلا فإننا لو رجعنا إلى المعنى الحقيقي للطلب – في مقابل المجاز- لم نجد له هذا الانقسام. فانه لا يوجد للآمر إلا شيئان: نفسي وخارجي. فلنا ان
ــــــ[89]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نسمي النفسي إرادة ونسمي الخارجي طلبا. ومعه لا يكون للإرادة وجود إنشائي، كما لا يكون للطلب وجود نفسي أو حقيقي حسب تعبيرهم، إلا بناء على الاتحاد.
وسيأتي ان إبراز الإرادة في الخارج لا يصدق عليه عنوان الإرادة، كما ان الطلب هو الجانب الخارجي فقط، ولا يصدق على الجانب النفسي. لأنه ليس تسبيبا، وإنما هو علة التسبيب.
إذن فالملاك في نفس المولى إرادة وليس بطلب. كما ان الجعل طلب وليس بإرادة.
ثم انه قال في المحاضرات: ان الطلب عبارة عن التصدي نحو تحصيل الشيء في الخارج. واما من اشتاق إليه وأراده، فلا يصدق عليه الطلب.
وهذا غريب منه، لوضوح انه لا يراد بالإرادة: الشوق أو مجرد الترجيح النفسي، بل يراد بها الإرادة التامة المحركة للعضلات. لتكون جزئيا للإرادة بالحمل الشايع. وإلا فهي ليست بإرادة. ولا يريد الشيخ الآخوند من (الإرادة الحقيقية) ذلك أي الشوق.
كل ما في الأمر انه أراد في المحاضرات بيان مورد انفكاك الإرادة عن الطلب، فتورط في الشوق. لأن الإرادة الكاملة لا تخلو من طلب. لأنها ملازمة مع تحريك العضلات الذي هو مصداق للطلب.
المرحلة الرابعة: اننا بعد ان عرفنا الأنحاء الثلاثة لاحتمال معنى الاتحاد بين الطلب والإرادة، نعرف انه على ذلك لا اتحاد بحسب المعنيين الاولين، بل بحسب الثالث فقط. باعتبارهما متلازمين، أحدهما علة والآخر معلول.
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ويكفي للالتفات إلى انفكاك الطلب عن الإرادة بالمعنيين الأولين، كونهما علة ومعلول، لأنه مع صدق ذينك المعنيين لا يكونان كذلك. ومعلوم ان الانفكاك بين العلة والمعلول لحاظي ولا يمكن ان يكون خارجيا.
ثم ناقش في (المحاضرات) النقطة الثانية، وهي اتحاد الطلب الإنشائي مع الإرادة الإنشائية: بأننا عرفنا ان الطلب عنوان للفعل الخارجي أو الذهني، وليس منشأ بمادة الأمر أو بصغيته. أو ما شاكلهما. إذن، لا موضوع لما أفاده المحقق الخراساني من ان الطلب الإنشائي عين الإرادة الإنشائية.
أقول: وهذا يحتاج إلى تتميمه بالقول: بأن الإرادة الإنشائية ليست كذلك وإنما هي منشأة بالأمر. فاختلفت عن الطلب الإنشائي، فلا يكونان شيئا واحدا.
وهذا يجاب:
أولاً: بأن المنشأ بالأمر ليس هو الإرادة بل المراد. أو متعلق الأمر. وان أبيت فقل: هو الوجوب أو هو إبراز الإرادة. ويستحيل ان تكون الإرادة الإنشائية. لأن الإرادة وجود نفسي لا تعلق له بالمعاني اللغوية.
ثانياً: انه يمكن ان يجيب الآخوند: ان الكلام ليس فيما هو المنشأ بالأمر، وإنما الطلب عنوان منطبق على إنشاء الأمر بصفته سببا لوجود الفعل من الغير. فقد يكون في نفس الوقت يصدق عليه عنوان الإرادة الإنشائية. وهذا ما لم يناقشه الأستاذ المحقق. إذن، فعدم كونه منشأ بالأمر، لا ينتج مطلوبه، بغض النظر عن الجواب السابق.
ثالثاً: ان الأستاذ المحقق لم يبرهن على ان الطلب غير منشأ بالأمر. فقد يقول الآخوند: ان المنشأ بالأمر كل من الطلب والإرادة، ولم يتحصل من
ــــــ[91]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عبارات المحاضرات، ما يدفع هذا الاحتمال.
رابعاً: يكفي في دفع كلام الآخوند ما قلناه من ان الإرادة تصدق على الجانب النفسي دون الخارجي. يعني ان ما سماه بالإرادة الإنشائية خطأ. فالأمر هو طلب بالحمل الشايع وليس إرادة. كما ان الجانب النفسي هو إرادة وليس طلبا. لأن الفهم اللغوي يقتضي ذلك.
ثم قال في المحاضرات: ومن هنا يظهر حال النقطة الثالثة من كلام الآخوند. وهي مغايرة الطلب الإنشائي مع الطلب الحقيقي والإرادة الإنشائية للإرادة الحقيقية.
فان ذلك إنما يتم إذا كانت متوفرة لأمرين: الأمر الأول: القول بأن الطلب منشأ بالصيغة أو نحوها، والأمر الثاني: القول بالإرادة الإنشائية في مقابل الإرادة الحقيقية. ولكن كلا القولين خاطئ جدا. ولم يبين في المحاضرات وجه الخطأ أصلا.
وجواب ذلك من وجوه:
أولاً: ان للآخوند ان يقول: انه يكفي في المغايرة تصور أحدهما نفسيا والآخر مبرزا بالأمر أو صادقا على الأمر. كما يدل عليه اسمهما. والإبراز لا يختلف فيه كون الطلب منشأ بالأمر أو صادقا على الأمر. فان كلاهما إبراز عرفا. فالإشكال غير وارد.
ثانياً: ان تغاير مرتبتي الطلب غير تغاير مرتبتي الإرادة. وان خلط الآخوند بينهما، بناء على الاتحاد بينهما. وإحدى المقدمتين المذكورتين في المحاضرات ترجع إلى الطلب والأخرى إلى الإرادة. وهما مطلبان لا مطلب واحد. فضم المقدمتين في برهان واحد، باطل. إلا ان نضم مسألة الاتحاد
ــــــ[92]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بينهما، وهو اول الكلام.
ثالثاً: ان مغايرة الطلب الإنشائي للحقيقي لا يتوقف على ان يكون منشأ بالطلب. بل يكفي ان يكون صادقا عليه، وعنوانا انتزاعيا منه. فانه إبراز له عرفا.
رابعاً: ان القول بتغاير الإرادة الإنشائية مع الإرادة الحقيقية، لا ربط له بتغاير الطلب الإنشائي مع الطلب الحقيقي، لما قلناه من أنهما مطلبان لا مطلب واحد. إلا بناء على الاتحاد الذي هو الآن اول الكلام.
وعبارة المحاضرات مختصرة ومجملة من هذه الناحية، فقد يكون مراده ان أحدهما صادق دون الآخر. يعني ان يكون الطلب له مرتبتان دون الإرادة أو بالعكس.
هذا، وقد أشار في المحاضرات أولاً إلى نقاط ثلاثة ثم ذكر مناقشات لنقاط أربعة، فبقيت النقطة الرابعة بدون عنوان أصلا. ويبدو منها: ان الشيخ الآخوند: استدل بعدم الطلب عند عدم الإرادة. (أو هكذا فهم منه).
وأجاب عليه بما حاصله: ان استتباع العدمين ليس بملاك الاتحاد، بل لما عرفت من ان الطلب عنوان لمبرز الإرادة في الظاهر. أو حسب تعبيرنا: انه عنوان انتزاعي منطبق على الأمر بصفته تسبيبا لفعل الغير. وحيث لا إرادة هنا، على الفرض، فلا مظهر لها، حتى يتصف بعنوان الطلب.
أقول: وهذا غريب: لأن معلولية الطلب للإرادة، حسب التصور المشهوري، وأيضا على مسلك الأستاذ المحقق من ان الإرادة هي الشوق. ليست معلولية قهرية تكوينية. فقد ينفك بعضها عن البعض الآخر. كما في وجود العلم بدون معلوم، كما في الجهل المركب. ــــــ[93]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فكون الطلب مبرزا للإرادة دائما غير صحيح، بل هو طلب وان كان وهميا من حيث تعلق الإرادة به. فيكون طلبا غير مبرز للإرادة. فجواب المحاضرات لا يتم. لأن قوله: لا يكون طلبا مبرزا، هل يقصد عدمه كاملا. فهذا خلاف ما قلناه من كونه ممكنا بدون إرادة. أو يقصد وجوده مع عدم الإبراز فهذا هو مقصودنا.
إلا ان هذا الوجه في نفس الوقت جواب على الآخوند، حيث انه ينتج عدم اتحاد الطلب والإرادة. إلا ان نصطلح على هذا الطلب الوهمي انه إرادة. وهو اول الكلام.
مضافا إلى ان مجرد التعدد يدل على عدم الاتحاد. باعتبار كونهما علة ومعلولا.
كما انه ينتج ان الطلب اعم من الإرادة، كعدم الإنسان عند عدم الحيوان. ولم يبرهن في المحاضرات على العكس، وهو عدم الإرادة عند عدم الطلب، لأن الإرادة عندهم، هي الشوق المؤكد، لا الشوق العلّي.
وطبقا لما قلناه فان الإرادة إرادتان: إرادة الهدف وإرادة السبب. ويستحيل ان تكون إحداهما منتجة لمعلول الآخر. وان تصور المشهور ان إرادة الهدف منتجة للطلب. في حين ان إنتاجها لو سلم، فهو ليس بعلّي، بل هو اقتضائي واختياري.
وواقع الأمر: ان إرادة الهدف يستحيل ان تكون تامة لوجود المانع. بل غايته انها تنتج إرادة التسبيب. وتلك تنتج الطلب. فالعلية غير متحققة للإرادة الأولى. وإنما هي متحققة بالإرادة الثانية. وقد قلنا، انها لو لم تكن علة لم تكن إرادة.
ــــــ[94]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا ان العكس غير ضروري، إذ قد يكون التسبيب والطلب، بدون إرادة له بعنوان الهدف، بل بإرادة خاصة به للتوهم على انه تسبيب وليس كذلك. فلا تكون هذه الإرادة ناشئة من إرادة الهدف بل من إرادة التوهيم.
فإذا ضممنا إليها مقدمة عدم وجود ذلك، لم ينتج إلا الاتحاد بالمعنى الثالث السابق، ويكفي اعتراف الآخوند بالعلية والمعلولية بينهما. في عدم كونهما عينا لا مفهوما ولا مصداقا، وإلا لما كانا كذلك.
وإذا أردنا ان نتأمل مستقلا في قضية اتحاد الطلب والإرادة، ينبغي ان نقدم مقدمة، اتضحت أكثر مبانيها:
وهي تقسيم الإرادة بعدة تقسيمات:
التقسيم الأول: تقسيمها إلى إرادة استقلالية وإرادة مقدمية. أو قل: إرادة ما هو مستقل وإرادة ما هو مقدمة للغير.
التقسيم الثاني: تقسيمها إلى الإرادة التكوينية والإرادة التشريعـية. فالأولى هي المتعلقة بفعل النفس والثانية هي المتعلقة بفعل الغير.
التقسيم الثالث: تقسيمها إلى الإرادة الناقصة والإرادة التامة. أو قل: ما يكون منها بنحو الاقتضاء. وما يكون منها بنحو العلية التامة. وقد سبق ان قلنا: ان الأول منهما يسمى شوقا أو شوقا مؤكدا. وليس هو إرادة، وان كان من سنخها نفسيا. إلا ان الإرادة خاصة بالعلة التامة الفاعلة المحركة للعضلات.
وعليه تكون الأقسام بضرب بعض هذه التقسيمات ببعض عديدة، نذكر أهمها:
الأول: الإرادة الاستقلالية التكوينية العلية، وهي إرادة الفرد لأفعال نفسه،
ــــــ[95]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بشكل فاعل ومؤثر. وهي الوحيدة المتصفة بذلك دون غيرها من الأقسام.
الثاني: الإرادة المقدمية التكوينية، أو قل: إرادة الهدف حسب تعبيرنا السابق، وهذا يستحيل ان تكون علة تامة. بل هي ناقصة. لكن يحدث منها إرادة أخرى فرعية للمقدمات. وهذه الثانية يمكن ان تكون علة تامة ببعض مراتبها، ويصدق عليها وعلى معلولاتها عنوان الطلب، لأنها نحو من التسبيب إلى النتيجة.
واما الإرادة الأصلية الأولى، فهي فاعلة الإرادة الثانية المقدمية، لا في إيجاد المطلوب.
الثالث: الإرادة التشريعية الاستقلالية، وهي لا تكون فاعلة، لاستحالة تحرك الفرد بإرادة غيره إلا بنحو الجبر والإكراه. وهو إما باطل برهانا أو غير مفروض في موضوع المسألة، أو مما لا مصلحة فيه في نظر الآمر.
إذن، يتعين نقصانها عن الفاعلية والتأثير المباشر، دائما، ومن هنا يعبر عنها بالملاك أو المصلحة أو الشوق المؤكد.
وإذا قلنا: بأن الإرادة هي خصوص الإرادة العلية، إذن، فالإرادة التشريعية لفعل الغير، لا وجود لها أو ليست بإرادة. بل يستحيل تأثيرها بهذا المعنى.
ولكن هذه الإرادة تنتج القسم الآتي من الإرادة وهي إرادة توجيه الأمر. وهي إرادة فاعلة لذلك. إلا انها بهذا تكون تكوينية لا تشريعية، لأن الأمر من فعل الآمر، فحين تتعلق بالأمر، فإنها تتعلق بفعل نفسه.
الرابع: الإرادة التشريعية المقدمية. وحاصلها: ان الذي يريد شيئا من الغير ويعلم بعدم إمكان تحريكه بالإرادة التكوينية، إذن يتعين تحريكه بالأمر والنهي
ــــــ[96]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التشريعيين. فيحدث من الإرادة الاستقلالية التشريعية إرادة أخرى تكوينية بتوجيه الأمر إلى المأمور. وتوجيه الأمر أو الجعل من أفعال نفسه. وتكون مصداقا للطلب بصفتها تسبيبا إلى الهدف، وهو حصول فعل الغير.
وهي إرادة تكوينية حقيقة، وإنما تسمى تشريعية لأنها واقعة في طريق طلب الحصول على المراد بالإرادة التي هي اسبق منها وهي تشريعية.
وما يجب طاعته حقيقة هو الإرادة التشريعية، وعلى ما قلناه لا توجد إرادة تشريعية أصلا، لأن الأولى ناقصة والثانية تكوينية.
إذا تمت هذا المقدمة فنقول: ان الوجوه المحتملة لتقريب اتحاد الطلب والإرادة عديدة، ان تم شيء منها فهو المطلوب، وأكثرها أطروحات محتملة. وإلا صرنا إلى عدم الاتحاد، وحاولنا الاستدلال هناك أيضا بعونه سبحانه.
وتلك الوجوه:
أولاً: ان يدعى – كما عليه الشيخ الآخوند – ان الطلب والإرادة مترادفان لغة، بحيث ان المعنى الموضوع له أحدهما عين المعنى الموضوع له الآخر. على اختلاف أقسامهما ومراتبهما.
وهذا وجه عاطل، لأنه خلاف نص اللغويين.
ثانياً: ان يدعى ان الطلب والإرادة متحدان مصداقا بنسبة التساوي، كالإنسان والناطق.
وهذا فرع ان لا يصدق شيء من الوجوه الآتية من الاتحاد أو التغاير، وإلا لم يتم.
ــــــ[97]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان يدعى اتحاد مصداقهما أحيانا، بمنزلة العموم من وجه. كالطير والأسود. كالذي قلناه في الإرادة المقدمية، فإنها تكون مصداقا للطلب. فتكون موردا للالتقاء.
وهذا صحيح، إلا انه ينتج عدم الاتحاد. إذ يمكن ان نتصور ان بينهما عموما من وجه بالحمل الشايع، وتباين بالحمل الأولى، لأنهما بمنزلة العلة والمعلول.
رابعاً: ان يدعى تلازمهما، كالعلة والمعلول. ويكون الحاكم في ذلك العرف لا العقل.
إلا ان الصحيح عدم إمكان كونه حاكما، لأن المجال الذي يمكن ان يحكم فيه هو ما كان متصورا له لا ما هو غير متصور، وهو المطالب الدقيقة التي تكون في باطن النفس، كالإرادة.
خامساً: ان نقول باتحاد الطلب التشريعي مع الإرادة التشريعية، وان لم يكن التكويني منهما متحدين، كما اتضح من الوجوه السابقة.
وجوابه: أولاً: ما سبق من عدم وجود الإرادة التشريعية أصلا، كما سبق. ثانياً: أنهما بمنزلة العلة والمعلول، فكيف يكونان متحدين.
سادساً: اتحاد الإرادة الإنشائية مع الطلب الإنشائي، كما زعم الآخوند. وهما لا يكونان إلا في الإرادة التشريعية، لأنهما منشآن بالأمر، والأمر متعلق بفعل الغير. فالإرادة الإنشائية هي الإرادة التشريعية الإنشائية لا التكوينية.
إلا انه لا يتم: لعدم وجود الإرادة التشريعية كما سبق. ولا الإرادة الإنشائية، كما سبق. لأن الإرادة من عالم النفس والإنشاء من عالم الخارج أو
ــــــ[98]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عالم الاعتبار. ولا الطلب الإنشائي، فان الطلب عنوان منطبق على الأمر. يعني فوق الأمر وليس تحت الأمر. وظاهر الطلب الإنشائي، كونه تحت الأمر أو منتزع منه، بل مراده ذلك منه.
سابعاً: ان نقول: ان الاتحاد مهما كان المقصود منه، فهو محل إجماع العدلية، من معتزلة وإمامية، فيكون متعلقه ثابتا.
إلا ان المسألة مخدوشة كبرى وصغرى. أما كبرى فلأن المسألة ليست كلامية أو عقلية أو عقائدية وإنما هي لغوية. والإجماع في اللغة ليس بحجـة. وإنما هو حجة في خصوص الأحكام الشرعية. واولى منه بعدم الحجية: إجماع المتكلمين على أمر لغوي. لأنه من إجماع جماعة خارج اختصاصهم.
واما صغرى، فلعدم تحقق الإجماع، ولا اقل من الشك فيه. فان هذا مما لا يمكن معرفته بدليل معتبر، من ان الأشاعرة اجمعوا على التغاير والآخرون اجمعوا على الاتحاد. ولا اقل من تعارض الاجماعين وتساقطهما.
فان قلت: فان أحدهما ليس بحجة، وهو إجماع الأشاعرة. فانه يقال: ان الدليل أصلا على حجيتهما معا غير موجود. ولدى التنزل يمكن فرض حجيتهما معا.
مضافا إلى ان الإجماع دليل لبي يقتصر منه على القدر المتيقن. وهو هنا صرف الانطباق ولو أحيانا. ولا إطلاق في دليل الإجماع لنستدل به على وجود الإطلاق الذي يعني الاتحاد في جميع الصور.
مضافا إلى ان الإجماع والتسالم، نسب إلى مذهبين هما الأشاعرة والمعتزلة، ولم ينسب بوضوح إلى الإمامية، بحيث يمكن ان نفهم انه من ضروريات المذهب كبطلان القياس ونحوه.
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مع وجود فرق بينهما. فان بطلان القياس حكم تعبدي، ومسألتنا أمر لغوي أو عقلي. فحتى لو كانت ضرورية بالوضوح، لا ضير من الخروج عليها، لأنها ليست تعبدية، مضافا إلى إمكان التشكيك في ضروريتها. ولذا قال مشهور المتأخرين بما فيهم الأستاذ المحقق والسيد الأستاذ إلى الزيادة.
والسيد الأستاذ لم يتعرض للمسألة، إلا أنني اعتقد انه إنما حذفها لذهابه إلى الزيادة، وهو مما لا يريد التصريح به أو التعرض له. ولو كان يرى الوحدة لبحثها ولم يعتذر عنها.
ثامناً: ما استدل به الشيخ الآخوند على الاتحاد من انه لا يوجد في النفس أمر آخر غير الإرادة القائمة في النفس صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب. فلا محيص إلا عن اتحاد الطلب والإرادة.
وجوابه: أولاً: اننا عرفنا ان الإرادة أحيانا تكون مصداقا للطلب وهي الإرادة من الغير. ثانياً: ان عدم وجدانه في النفس دليل على عدم وجوده أصلا، لا دليل اتحاده مع الإرادة.
إذن، فلم يدل دليل على اتحاد الطلب والإرادة، ولم تتم أطروحة من محتملاته.
………………………..
واما الدليل المحتمل على زيادتهما وتغايرهما، فمستويان:
المستوى الأول: تصريح اللغويين بأن الطلب هو التسبيب إلى النتيجة. والإرادة قد فسرناها – بعد ما عرفنا إعراض اللغويين عن تفسيرها – بأنها الجهة الفاعلة في النفس والمحركة للعضلات بنحو العلية. فيكونان متغايرين في
ــــــ[100]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المعنى والمفهوم، وهو المطلوب.
فان قلت: فان كل إرادة هي تسبيب إلى النتيجة، وكل تسبيب ففيه إرادة، فاتحد الأمران.
وجوابه: أولاً: ان هذا يعني تغايرهما في المفهوم على المعنى الأول. وهذا يكفي في تغايرهما.
ثانياً: قوله: كل إرادة فهي تسبيب. خطأ. لأنه لا يراد بالتسبيب ما يحصل بالإرادة مباشرة، كالأفعال والأقوال. وإنما يراد به ما يحتاج إلى مقدمات كالفحص عن الدابة التائهة. فإذا تذكرنا ما قلناه من ان إرادة الحصول على الدابة التائهة إرادة ناقصة، فهي ليست بإرادة، إذن، لا يكون في الإرادة أي تسبيب.
ثالثاً: قوله: كل تسبيب ففيه إرادة. فيه مغالطة لأن المراد من الإرادة ان كان هو إرادة النتيجة، فهي إرادة ناقصة لأنها غير محركة للعضلات، فهي ليست بإرادة. وان كان المراد منها إرادة المقدمة، فهي إرادة تامة، إلا انها مباشرة لا يوجد بينها وبين ذيها شيء، لتكون مصداقا للتسبيب.
المستوى الثاني: استعمال علامات الحقيقة والمجاز لتعيين المعنى الموضوع له كل من لفظي الإرادة والطلب. إذا كان لا يسعفنا كلام اللغويين.
أولاً: نحن نجد ان التبادر من أحدهما غير التبادر من الآخر. ويصح سلب أحدهما عن الآخر بالحمل الأولى. أي مفهوما.
ثانياً: اننا نجد ما قلناه من المعنى في المستوى الأول موافقا للتبادر في كلا اللفظين.
ــــــ[101]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان هذا لا ينافي صدقهما أحيانا، بنحو العموم من وجه. كصدق الطائر والأسود أحيانا. كما قلنا في الإرادة المقدمية، فإنها يصدق عليها الطلب والإرادة معا، كل باعتبار حيثيته. إلا انه إنما ينتج نحو من الوحدة بينهما، إذا كان صدقا دائميا، لا ما إذا كان في حصة دون حصة.
وبتعبير آخر: ان الاتحاد إنما يثبت بالحمل الشايع، فيما إذا كان بينهما كذلك تساوي، لا ما إذا كان بينهما العموم من وجه.
فالإرادة التكوينية المباشرة ليست طلبا، كما عرفنا، والتسبيب الخارجي إلى النتيجة ليس إرادة، فاختلف الأمران.
والأمر المولوي التشريعي فيه إرادة وفيه طلب. ولا ينطبق أحدهما على الآخر غالبا:
أولاً: فيه إرادة استقلالية تشريعية لفعل الغير، وهي ملاك الطاعة، وهي إرادة ناقصة كما سبق.
ثانياً: فيه إرادة تكوينية مقدمية بالنسبة إلى الأولى، وهي إرادة توجيه الأمر. وهذه يصدق عليها انها طلب.
ثالثاً: فيه توجيه الأمر أو الأمر نفسه. وهو يصدق عليه الطلب بالحمل الشايع، لأنه نحو تسبيب إلى فعل الغير. إلا انه ليس بإرادة وإنما هو معلول لها.
واما المنشأ بالأمر، فهو الأحكام التكليفية الأربعة، غير الإباحة، وتسميتها بالإرادة أو الطلب مجاز، لعلقة بين الأمرين.
فان قلت: اننا نجد ان قولنا: طلبت منه وأردت منه بمعنى واحد، فاتحد
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمران.
قلنا: جوابه لأكثر من وجه:
أولاً: نقضا. لأننا لو سرنا بهذا الاتجاه لكان قولنا: أمرته واوجبت عليه وألزمته بمعنى واحد. وهو غير محتمل. لأن ما هو محتمل هنا هو اتحاد الطلب والإرادة دون غيرها من التعبيرات.
ثانياً: ان النتيجة من القولين، اعني: أردت منه وطلبت منه، وان كانت واحدة، لكن كل واحد منها بلحاظ. أما أردت منه فباعتبار تعلق الإرادة التشريعية الاقتضائية به. واما طلبت منه. فان طبقناه على كلام اللغويين فمعناه مطلوبي هو الصلاة الصادرة منه. يعني التسبيب إلى صدورها منه.
إلا ان يقال: ان الطلب تحول عن معناه اللغوي، فبينما كان منطبقا مفهوما على الأمر بالحمل الشايع. أصبح هو نفس الأمر بالحمل الأولى. فباعتبار انه استعمل فيه مجازا ثم أصبح حقيقة.
وهذا محتمل، إلا انه ينتج وحدة الأمر والطلب، وليس الإرادة والطلب. إلا ان تقول في الإرادة نفس الشيء. فينتج وحدة الثلاثة كلها: الأمر والإرادة والطلب. وهو غير محتمل ولم يقل به أحد. وان مال إليه المشهور ارتكازا. لأنهم قالوا: ان الأمر هو الطلب. وقالوا: ان الإرادة هي الطلب، فيكون الأمر هو الإرادة والطلب معا.
وهذا الفهم وان كان محتملا، إلا انه: أولاً: غير واضح الحصول فعلا بظن معتبر. ثانياً: اننا لا نستطيع ان نستصحبه قهقرائيا إلى زمن المعصومين . لتصريح أهل اللغة بخلافه. فيكون مقتضى الاستصحاب بقاء المعنى اللغوي إلى يومئذ.
ــــــ[103]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وان تعارض الاستصحابان تقدم الثاني لعدة وجوه: الأول: لأنه أمارة، لأن المصادر اللغوية والقواميس كتبت بعد ذلك العصر، والأمارة مقدمة على الأصل.
الثاني: لأنه استصحاب مقترن بالوثوق بخلاف الاستصحاب القهقـري.
الثالث: لأنه استصحاب طبيعي أو اعتيادي والآخر قهقري فيتقدم الاعتيادي. لأنه مفهوم أصلا من دليل الاستصحاب بشكل اوضح، ومصداقيته اكبر.
الرابع: انه لا اقل من تعارض الاستصحابين، فينتفي الاستصحاب القهقري. ونرجع بعدها إلى الأمارات وهو كلمات اللغويين.
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مبحث الجبر والتفويض
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ــــــ[106]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأحسن من عنون هذه المسألة هو السيد الأستاذ حيث قال:
ان هنا مسألتان كلامية وفلسفية، أما الكلامية فالمقصود منها البحث الواقع بين الأشاعرة وغيرهم، حيث قال الأشاعرة بالجبر والمعتزلة بالتفويض والشيعة بالأمر بين الأمرين.
وروح البحث هو البحث عن الفاعل: هل هو الله أو الإنسان أو هما معا. بالمقدار المناسب لكل منهما من الفاعلية.
وأما المسالة الفلسفية، فهي كبرى للمسألة الكلامية، وروحها: ان الفاعل مهما كان، هل يفعل ما يفعله بالاختيار أو بدون الاختيار.
ومن هنا نعلم ان الكلام في المسألة الأولى لا يكفي لحسم النزاع في باب الجبر والتفويض. فمثلا: لو ذهبنا إلى التفويض، فهو لا يكفي للتصديق بكون الفعل اختياريا للإنسان. فان الإحراق ليس فعلا اختياريا للنار، وان قلنا باستقلالها به.
قال: أما المسألة الأولى فتوجد فيها بدوا خمس احتمالات:
الأول: ان يكون الفاعل هو الإنسان ولا نصيب لرب العباد في الفاعلية أصلا. وهذا هو مذهب التفويض ومرجعه إلى استغناء المعلول عن العلة، أما
ــــــ[107]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مطلقا أو بعد حدوثه.
والإنسان وان كان مخلوقا لله سبحانه، إلا انه يحتاج إليه في أصل حدوثه، لا في بقائه واستمراره. إذ لو كان كذلك لكان له نصيب في الفاعلية ولو طوليا. إلا ان أصل المبنى باطل في نظرهم.
إلا ان هذا الاحتمال خلاف ما تم عليه البرهان. ولم يناقش السيد الأستاذ مذهب التفويض، أكثر من هذه العبارة.
الاحتمال الثاني: ان الفعل فعل الله سبحانه، والإنسان منسلخ عن الفاعلية بالمرة، وإنما هو مجرد محل قابل لا أكثر. كفعل النجار في الخشب. وليس للإرادة ومبادئها القائمة في الإنسان أي تأثير في وجود هذا الفعل. وإنما هو مجرد صدفة تتكرر دائما. وذلك: ان فعل الله سبحانه يقترن بإرادته.
وأجاب عليه السيد الأستاذ، بأن هذا خلاف الوجدان.
وقال: بقيت ثلاث احتمالات جامعها هو التسليم بأن لله وللإنسان نصيب من الفاعلية، ولكن في ذلك ثلاثة احتمالات، وكلها تفسيرات للأمر بين الأمرين نذكرها بنفس الترقيم:
الاحتمال الثالث: ان يقال: بأن كلا من العبد والمولى له نصيب في الفاعلية لهذا الفعل. ولكن بمعنى ان هذا الفعل له فاعلان طوليان. فاعل أول وفاعل للفاعل. فالفاعل الأول هو الإنسان وسلطانه وعضلاته. والفاعل الآخر هو الله سبحانه، الذي هو خالق هذه القوى، باعتبار أنها مفاضة منه تعالى حدوثا وبقاء.
الاحتمال الرابع: ان الفاعل المباشر هو الله سبحانه، ولكن الإرادة ومبادئها
ــــــ[108]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في الإنسان مقدمات إعدادية لصدور هذا الفعل من الله سبحانه. من اجل قابلية المحل، وجعله قابلا للفيض.
الاحتمال الخامس: ذهب إليه عرفاء الفلاسفة ومتصوفتهم. وحاصله: ان هذا الفعل له فاعلان: الله والعبد. وهاتان الفاعليتان ليستا طوليتين كالاحتمال الثالث ولا عرضيتين كالرابع. وإنما هي فاعلية واحدة ، فهي بنظر تنسب إلى العبد وبنظر آخر تنسب إلى الله تعالى. بناء منهم على تصور المخلوقات بأنها معان حرفية واستهلاكية وربطية به سبحانه.
فبهذا المنظار تكون أفعالها أفعال الله سبحانه، فان فعل المندك هو فعل المندك فيه. وبالنظر اللا اندكاكي، هي أفعال الإنسان.
ثم قال: فهذه خمس احتمالات: الأول: ساقط بالبرهان والثاني: ساقط بالوجدان. والخامس: مبني على مسلك صوفي في الوجود لا نفهمه. فنبقى نحن والاحتمال الثالث والرابع. وكلاهما معقول، وغير منافي للوجدان ولا للبرهان. ويمكن تفسير الأمر بين الأمرين به. هذا تمام الكلام في المسألة الكلامية.
أقول: هذا كله يصلح عنوانا جيدا للمسألة الكلامية التي تعمد السيد الأستاذ اختصارها. والكلام بهذا المقدار يبدو كأنه كلام في موضوع المسألة لا في محمولها. وسنعرف فيما بعد ان نظريته الرئيسية إنما هي فيما سماه بالمسألة الفلسفية، ومن هنا كانت موضوع اهتمامه. ولكننا ينبغي لنا ان ندخل في المسألة الكلامية بشيء من التفصيل.
ولنا على ما ذكره تعليقات:
التعليق الأول: ان لاحتمال الجمع بين الأمرين أو الأمر بين الأمرين، عدة
ــــــ[109]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تخريجات وليست ثلاثة فقط. ولم يبد منه أنها ثلاثة على وجه حاصر. بل يمكن الزيادة عليها.
اللهم إلا ان يقال: ان تخريجات الأصوليين والكلاميين، إنما هي فيما سماه بالمسألة الفلسفية لا الكلامية. إلا أننا بعد ان نلتفت إلى عدم التفصيل لديهم بين المسألتين، وهم ذكروها تحت عنوان المسألة الكلامية.إذن، فمن حقنا ان نذكرها حيث شئنا، وان نضيف إليها ما تيسر.
التعليق الثاني: ان هناك تسالم ضمني بين جماعة المسلمين: انه متى اعتبروا الشخص فاعلا، فهو مختار لا محالة. وإلا أمكن القول بالجبر لكل من الله والإنسان. وهو أمر غير محتمل ومجمع على بطلانه.
فلو قلنا بأن الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه بناء على القول بالجبر، إذن فهو مختار. وإذا قلنا بأن الفاعل الحقيقي هو الإنسان، بناء على القول بالتفويض، إذن فهو مختار.
وإذا قلنا بالأمر بين الأمرين، وكلا الفاعلين مختارين، وهما الرب والعبد. ومن هنا كان التفصيل بين المسألتين قابل للمناقشة جدا.
التعليق الثالث: انه تحت أي قاعدة سمى إحدى المسألتين فلسفية والأخرى كلامية ؟ هذا غير واضح منه .
ومقتضى القاعدة هو مراقبة انطباقها على تعريف العلم لتكون المسألة مصداقا للعلم. فهل هاتان المسألتان كذلك ؟
ان الفرق المشهور بين علم الكلام والفلسفة، هو ان الأول يأخذ العقائد الإسلامية مسلمة الصحة دون الثاني. فكل مسألة حاولنا البرهان عليها بعد
ــــــ[110]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فرض كونها مسلمة دينيا، فهذا من علم الكلام، وكل مسألة تخلينا فيها من هذا الفرض، فهي مسألة فلسفية.
ومعه ففي الإمكان القول، ان الاتجاه الفكري يختلف في أي مسألة، فان أخذنا العقيدة الإسلامية فيها بنظر الاعتبار كانت كلامية، وإلا فهيفلسفية. بدون وجود فرق بين البحثين لا موضوعا ولا محمولا.
ومن ذلك هاتان المسألتان اللتان ذكرهما. فكان الأمر بحسب القصد من كونهما كلاميتان، أو فلسفيتان، أو أحدهما كذلك. وعلى أي حال فالجزم بأن الأولى كلامية والثانية فلسفية، مما لا سبيل إليه.
………………………..
والآن لنا ان نبدأ بالبحث من جديد. فنبدأ في نفي احتمال الجبر ثم نتعرض لنفي احتمال التفويض. ثم نصير إلى الأمر بين الأمرين:
وينبغي قبل الدخول في ذلك من الالتفات إلى مقدمة. وحاصلها: يتكون من كبرى وصغرى. الكبرى هي صحة أو عدم صحة الأسباب الطبيعية عموما. والصغرى هي ان الإرادة سبب طبيعي. وقد سماه الشيخ المظفر وعدد من المحققين: ما به الوجود. لإضفاء سعة على هذا المعنى والتوسع من الأسباب الطبيعية إلى الأسباب الأخرى، التي هي أكثر عددا و اكبر تأثيرا من الأسباب الطبيعية. وكلها سبب ما به الوجود.
فتأثير الله سبحانه في خلقه هو سبب ما منه الوجود. وتأثير غير الله هو سبب ما به الوجود.
فالمهم هو وجود سبب غير الله سبحانه، فتندرج الإرادة الإنسانية في
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ذلك. فان قلنا بالجبر فمعناه – من زاوية هذا الفهم – نفي مطلق الأسباب وعدم الحاجة إلى سبب ما به الوجود إطلاقا. سواء كان قهريا كالنار أو اختياريا كالإرادة. بل الأمور كلها ناتجة بسبب ما منه الوجود بما فيها أفعال الإنسان.
وان قيل بالتفويض فمعناه كفاية سبب ما به الوجود عن سبب ما منه الوجود. باعتبار اعتقادهم بانسحاب الفيض الإلهي واعتزال الله عن الكون بعد خلقه وإيجاده وإيكال الأمر إلى قوانينه الخاصة به والأسباب المؤثرة فيه.
وان قلنا بالأمر بين الأمرين، بأي تفسير من تفسيراته، فمعناه الحاجة إلى كلا النحوين من التسبيب: الأعلى (ما منه الوجود) والأدنى(ما به الوجود). من حيث ان الفيض لا يأتي إلا إلى المحل القابل. كما ان العلة لا تكون مؤثرة – ولو كانت تامة – من دون فيض. فلابد من اقتران الأمرين لوجود المعلول. لا يفرق في ذلك بين السبب القهري والسبب الاختياري.
وهذا ينتج عدة أمور: منها: أننا إذا أثبتنا أهمية السبب الطبيعي، من حيث انه العلة التامة، كما عليه مشهور المتكلمين والفلاسفة، فقد أثبتنا أهمية الإرادة أيضا، إذ لا وجه للتفصيل بينهما.
وإنما التفصيل لو كان فهو قائم على الغفلة وعدم التدقيق. كما أننا إذا أثبتنا سببية الإرادة وفاعليتها ، فقد أثبتنا السبب الطبيعي أو السبب الأدنى في الجملة.
وان كان التفصيل من هذه الجهة ممكنا على أي حال، إذ يكون الإنسان مختارا، وأما الأسباب القهرية فهي ليست مختارة، بل هي بفعل مباشر من الله سبحانه، إذ يمكن ان لا يشملها البرهان الخاص بالإرادة. غير ان هذا ونحوه، إنما يثبت بمقدار ما يسوقنا إليه البرهان.
كما أننا ينبغي ان نلتفت إلى ان الإرادة والاختيار، لو قلنا بها، فهي تكون
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
شاملة لسائر المخلوقات التي هي مختارة حسب ارتكاز المتشرعة كالملائكة والجن.
فإذا التفتنا إلى ما عليه ظاهر بعض النصوص، واعتقاد بعض أهلا لمعرفة، من ان الكون المادي الذي يقال عادة ومشهوريا بأن عليته التامة فاعلة ومؤثرة، إنما هو في الحقيقة مكوّنة من مجموعة من الملائكة. فإذا ضممنا إلى ذلك:
القول بأن الملائكة مختارون في أفعالهم وتصرفاتهم، كما سيأتي، لأن الاختيار يتبع الوجود أو يتبع العقل أو يتبع إمكانية التكامل، وكله موجود في الملائكة. إذن فهم مختارون.
إذن، ينتج انه لا يوجد في الكون علة قهرية أصلا. لأنه بتدبير الملائكة. وإنما القهرية هو الظاهر، والواقع هو نفيها.
بل اثبت الفلاسفة نوعا من الإرادة والاختيار للمادة نفسها، بغض النظر عن الملائكة. وقالوا: ان الاختيار مساوق للوجود والمادة موجودة.
كل ما في الأمر ان درجة الاختيار تتناسب مع درجة الوجود، فكلما كان مهما ومؤكدا، كان الاختيار أكثر وأوضح، وكلما كان متدنيا ومنحطا، كما في المادة، كان اقل أو أخفى.
واستدلوا بآية الأمانة: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا. وهي دالة بوضوح على نسبة الإباء والإشفاق إلى ما ليس بعاقل ولا مختار، حسب ظاهر الأمر.
ويحسن بنا الآن ان نبدأ أولاً بذكر ما هو محتمل من الأدلة على صحة القول بالجبر، مع مناقشتها. وبعض هذه الوجوه عقلية وبعضها سمعية:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الأستاذ من ان الجبر على خلاف الوجدان.
ــــــ[113]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان الوجدان قائم على التفريق بين الحركة الاختيارية كالمشي والكلام، وبين الحركة القهرية كالسقوط من شاهق. فلو كان هناك جبر، لشعرنا بتساوي كلتا الحالتين. وحيث لم نشعر بالتساوي إذن فالجبر منفي. من باب القياس الاستثنائي الذي يعرف منه بطلان المقدم ببطلان التالي.
ولكن يمكن ان يجاب ذلك بأحد أمرين:
الأول: أن يقال: ان الله الذي اوجد الفعل فينا، هو الذي جعلنا نحس ان الفعل صادر منا ونحن مختارون عليه، ونتوهم ذلك على خلاف الواقع. ومتى ما أراد سحب هذا الإحساس منا ونفيه أمكنه ذلك. فيصبح حاله حال السقوط من شاهق.
الثاني: ان يقال بعد التنزل عن الأول: ان الله سبحانه يجبر الإنسان على الفعل في المرتبة السابقة عليه، وذلك بجعل الإرادة في نفسه. فيعمل الفرد الفعل بالإرادة ويتخيل كونه اختياريا. وليس كذلك.
وليس على هذين الأمرين جواب من هذه الجهة، وإنما يجاب عليهما لو تمت الوجوه الآتية أو بعضها. فلا يكون هذا الوجه بمجرده كافيا.
الوجه الثاني: الاستدلال بالعقل العملي بقبح العقاب مع الجبر والإكراه على المعصية. وهذا هو الوجه المشار إليه في بعض الروايات من انه مع الجبر يبطل الثواب والعقاب.
ويمكن ان يرد على هذا الوجه عدة أمور:
الأمر الأول: نفي العقل العملي أساسا، كما عليه الأشاعرة، أو نفي شموله لله سبحانه، كما عليه البعض منهم. وإنما يتم هذا الوجه، إذا أثبتنا العقل
ــــــ[114]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العملي، وهم لم يثبتوه.
ويمكن ان يجاب ذلك:
أولاً: بوجدانية العقل العملي، فان لنا يقين بصحته وجدانا، ولا يمكن التخلي عن الوجدان.
ثانياً: ان نفي أحكام العقل العملي، يستلزم نسبة الظلم إلى الله سبحانه، والظالم ناقص. والنقص ينافي صفة واجب الوجود.
ثالثاً: نفي نسبة الظلم إلى الله سبحانه، بالسماع. قال في الكتاب الكريم: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً. مع إحراز الصغرى قطعا، وهي ان العقاب مع الجبر على المعصية ظلم.
الأمر الثاني: إننا لو سلمنا بوجود العقل العملي وحكمه، فهو إنما يشمل المخلوقين ولا يشمل الخالق سبحانه. فانه فوق كل عقل ذاتا وصفة وأفعالا. ولا يمكن إدراك شيء منه بالعقول. ونحن نعترف أمامه سبحانه بأن عقولنا محدودة وقاصرة. فإذا لم تشمل أفعال الله تعالى لم يقبح منه ان يظلم الإنسان ويجبره على أفعاله.
جوابه: إننا لو سرنا مسار الشيخ المظفر من انتزاع حكم العقل من حكم العقلاء، كان هذا الإشكال واردا. لأن المصالح التي يدركها العقلاء محدودة بحدودهم، ويستحيل ان تشمل الأمور التي لا يفهمونها موضوعا أو حكما.
ولا يرد عليه: ما ذكره الشيخ المظفر من ان الله شيخ العقلاء وزعيمهم وعظيمهم، إذن، فهو أولى بالعمل على قانونهم.
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لأنه يقال: انه ليس شيخ العقلاء بهذا المعنى، لأنه لا يعيش معهم. ولا تشمله مصالحهم التي يرون أهميتها ويبنون على صحتها. مضافا إلى إدراكه أمورا كثيرة واقعية مما يجهلونه. ولا اقل من احتمال انه يدرك أمورا لا يدركونها، والاحتمال مبطل للاستدلال.
ولكن نقول هنا، كما قلنا أكثر من مرة: ان العقل العملي أعلى إدراكا ومرتبة من العقلاء، وفرقه هو ثبوته حتى مع فرض عدم وجود المجتمع العقلائي بالمرة. في حين لا معنى لحكم العقلاء إلا مع وجود مجتمعهم.
ولا فرق بينه وبين العقل النظري، من حيث ان كلا النحوين من المدركات هي أمور واقعية ثابتة في أنفسها وأزلية الصدق. وواقعيتها تقتضي سريانها على عالم الخارج. ومادامت الذات الإلهية موجودة في عالم الخارج كما نؤمن به. إذن فقانون العقل العملي ثابت لها أيضا. أو قل: انه شامل للوجود كله الممكن منه والواجب.
ولو تنزلنا عن ذلك، أمكن صياغة البرهان على نحو ما ذكره الشيخ المظفر في بعض كتبه، وحاصله: ان الله لا يظلم لأنه لو ظلم فان ذلك ناشيء من أحد مناشئ كلها باطلة: أما لأنه محتاج إلى الظلم لسد نقص فيه أو محتاج إليه لجلب كمال إليه، أو لدفع شر عنه أو لعمل رغبة سفهية، أو لجهله بكونه ظلما أو لعجزه عن الامتناع عنه. وكل ذلك محال عليه سبحانه، كما هو المبرهن عليه في محله. إذن فهو لا يظلم. لأن حصول الإرادة على المستحيل مستحيل. وحصول العمل بدون إرادة مستحيل.
ولو تنزلنا عن ذلك: أمكننا القول: بأن الله سبحانه يفعل الحسن ويترك القبيح والظلم لأجل إبراز قدرته وإبراز كبريائه وزيادة وسعة رحمته. وبالتالي
ــــــ[116]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لأجل نفع المخلوقين، وان لم يكن لنفع ذاته، ولكنه ملتزم به. وبتعبير بعض علماء الكلام: جرت عادة الله على ذلك.
إلا ان عادة الله لا يمكن إثباتها خارجا، لأن مراقبة الزمان الطويل متعذرة، والعادة إنما تثبت بالمراقبة. نعم، في الإمكان إثباتها تعبدا، أي بالسماع، وهذا ثابت سماعا قطعا بالقرآن الكريم. في آيات عديدة، منها قوله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. وقوله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
فان قلت: ان ابن روزبهان قال: بأن عادة الله جرت في عدم إجراء المعجزة على يد الكاذب. وقد ناقشه الشيعة في ذلك. فكيف تقول الآن بمثل مقاله.
قلنا: ان هذا الرجل من جملة الأشاعرة المنكرين للعقل العملي. وقد ورد الإشكال ضد النبوة العامة في علم الكلام، باحتمال إجراء الله سبحانه المعجزة على يد الكاذب لدعوى النبوة. ومعه لا يمكن إثبات صدق الأنبياء عن طريق المعجزة.
وهذا يجاب عادة بأنه يقبح إجراء المعجزة على يد الكاذب لأنه ظلم قبيح وإعانة على الظلم وتغرير بالجهل. إلا ان هذه الكبرى من أحكام العقل العملي. فكيف يتخلص من ذلك الإشكال من ينكر العقل العملي؟
فتوصل ابن روزبهان بذكائه ان يقول: انه جرت عادة الله تعالى على عدم إجراء المعجزة على يد الكاذب.
فان قلت – كما قلنا فيما سبق- ان العادة لا تثبت إلا بالتجربة والتكرار. فكيف أثبتنا ذلك بالنسبة إلى هذه العادة لله سبحانه.
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا – نيابة عن ابن روزبهان -: إننا أثبتنا ذلك بالنسبة إلى ما قبل الإسلام، فلما وجد نبي الإسلام، كانت تلك العادة ثابتة.
وجوابه: إننا ننقل الكلام إلى تلك النبوات، أو قل: إلى النبوة الأولى التي تثبت بالمعجزة، ولم تكن تلك العادة ثابتة جزما. لعدم وجود تلك الكثرة الضرورية لثبوتها.
وعندئذ ينقطع برهان ابن روزبهان. لأنه يتعين الجواب بالسماع، ولا يوجد سماع على المورد الذي يتكلم عنه، في العهد السابق على الإسلام. أما في مسألتنا فيكفينا السماع من القرآن الكريم. فقد أثبتنا العادة في حين لم يمكن إثباتها في المورد الآخر. وهذا هو فرق كلامنا عن ابن روزبـهان.
وعلى أي حال، فعلى كل هذه التقريبات، تثبت كبرى نفي الظلم عن الله سبحانه، مضافا إلى تقريبات تأتي، والصغرى محرزة يقينا، وهي ان الجبر ظلم، فينتفي.
الأمر الثالث: – مما يرد على الوجه الثاني على نفي الجبر -:
ان هذا الوجه لا يشمل الحسنة، لأنه ليس من القبيح ان الله يجبر على الحسنة، ثم يثيب عليها. كما في قوله تعالى: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ.
ويمكن ان يجاب ذلك بعدة وجوه:
أولاً: عدم احتمال التفريق بين حصص أفعال الإنسان الاختيارية. بحيث يكون بعضها جبريا وبعضها اختياريا. والوجدان حاكم على أنها على غرار واحد.
ثانياً: ان الإكراه على الحسنة وان لم يكن ظلما للفرد نفسه، إلا انه ظلم
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نوعي. لأنه للآخرين ان يعترضوا على عدم إكراههم على الحسنات لأجل تحصيل الثواب، كما حصل للآخرين.
ثالثاً: ان معنى الحسنة لابد انه شامل لأصول الدين وفروعه. فرجع الإكراه على الحسنات إلى الإكراه على العقيدة الحسنة. في حين ان النص بخلافه: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. مضافا إلى كونه ظلما للآخرين الذي لم تتم هدايتهم ولو إكراها. وكذا قوله تعالى: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ.
الأمر الرابع – مما يرد على الوجه الثاني المشار إليه-:
ان الجبر ليس ظلما، حتى لو أثبتنا العقل العملي، فان الجبر على تقدير وجوده، قانون كوني عام، فلا يكون مضرا بأحد. ولو قلنا بأنه ظلم لزم إلغاء كثير من القوانين الكونية كالإحراق بالنار أو السقوط من شاهق. وإذا لم يكن ظلما خرج عن كونه صغرى لقبح الظلم بحكم العقل العملي.
جوابه: ان الظلم ليس هو الجبر، بل هي العقوبة بعده. من حيث ان المجبور على المعصية ليس مستحقا للعقاب. وعقوبة غير المستحق ظلم.
اللهم إلا إذا نفينا وجود العقوبة، وهو مما لا يمكن التفوه به. لأنه ان كان لأجل نفي اليوم الآخر، فهو خلف الإيمان بالإسلام، الذي نتكلم الآن على أساسه. وان كان لسعة رحمة الله وسعة الشفاعة. فهو وان كان موجودا أحيانا اعني انتفاء العقاب. إلا ان نفيه بضرس قاطع خلاف الضرورة وخلاف نص القرآن الكريم. ونعلم إجمالا بوجوده على الكثيرين.
فان قلت: فان الكبرى والصغرى معا بيد العقل العملي ومن أحكامه. فان الكبرى هي قضية قبح العقاب بلا استحقاق. والصغرى هي عدم الاستحقاق مع
ــــــ[119]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجبر. فالاستحقاق هو الحد الأوسط المكرر في القضيتين، وهو من أحكام العقل العملي. فللأشاعرة نفيه بنفي العقل العملي.
لا يقال: ان العقلاء وقوانينهم على وجود الاستحقاق. فانه يقال: ان الأشاعرة إنما نفوا نفوذ العقل العملي على الله سبحانه، لا مطلقا كما سبق.
ويجاب ذلك – اعني نفي الأشاعرة للاستحقاق -: مضافا إلى اليقين بصحة أحكام العقل العملي، فيبقى إنكاره محتاجا إلى دليل.
انه عندئذ يلغو معنى نسبة الظلم والعدل إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة، مع العلم انه موجود بكثرة وبأهمية عالية، كما سنمثل.
والمفروض ان حكم العقلاء لا يشمله. إذن لا يبقى من تفسير لهذه النسبة إلا حكم العقل العملي. وهذا نحو من دلالة الاقتضاء: صونا لكلام الحكيم من اللغوية.
لا يقال: انه مستعمل مجازا. فانه يقال: ان المجاز خلاف الأصل والظاهر، ما لم تقم عليه قرينة لا يفترض هنا وجودها.
لا يقال: ان دلالة الاقتضاء أيضا من العقل العملي، فتنتفي بانتفائه. فانه يقال: كلا. فان تكلم اللغو قبيح بالعقل النظري والعملي معا. مضافا إلى حكم العرف والعقلاء.
واما الأدلة السمعية على نفي الجبر، فهي تقتنص من خصوص القرآن الكريم، لأنه القدر المتيقن والمتفق عليه بين المسلمين.
وهنا يمكن ان يقال: ان كل القرآن دال على ذلك. لأنك حيثما نظرت وجدت دلالة على ذلك. فان الآيات الدالة على ذلك على عدة طوائف:
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الطائفة الأولى: ما دل على نفي الظلم عنه سبحانه. كقوله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
الطائفة الثانية: ما دل على انه لا يكلف نفسا إلا وسعها.
الطائفة الثالثة: قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً. أقول: لأن التكليف مع عدم الرسول، وتحقق الجهل ظلم، والعقوبة عليه ظلم.
الطائفة الرابعة: الآيات الدالة على الاعتراف بالأسباب الطبيعية كالأمطار. بعد الالتفات إلى الملازمة بين الأسباب الطبيعية والإرادةالإنسانية، كما قلنا فيما سبق. وان كلا الأمرين من سنخ ما به الوجود.
الطائفة الخامسة: الآيات الدالة على الاعتراف بنسبة الأفعال إلى الفرد كقال وجاء وهو سماكم المسلمين وحملها الإنسان, وغيرها كثير.
الطائفة السادسة: الآيات الدالة على ان العقوبات الأخروية إنما هي للذنوب. كقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وغيرها كثير.
الطائفة السابعة: الآيات الدالة على ان العقوبات الدنيوية إنما هي للذنوب. كقوله: أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ. وقوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ. وقوله تعالى: وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ. إلى غير ذلك.
الطائفة الثامنة: على ان المراحم الدنيوية إنما هي للطاعات. كقوله تعالى: من يتق الله يجعل له من أمره فرجا ومخرجا. وكقوله: اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً. أقول: فلو لم يكن الأمر اختياريا لما كانت هذه النتيجة.
ــــــ[121]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الطائفة التاسعة: الآيات الدالة على الأحكام التكليفية وهي آيات الأحكام عموما، وقد عدوها خمسمائة آية في القرآن الكريم. كقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ . وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ. وغيرها.
وفيها دلالة أكيدة على إمكان وقابلية الإنسان للتكليف. فلو كان كالعصا بيد الضارب والقلم بيد الكاتب، لما كان قابلا لذلك أصلا، لا بالعقل العملي ولا بالعقل النظري. كما سبق ان أشرنا.
الطائفة العاشرة: ما دل على اختلاف مستويات الناس، بما فيهم الأنبياء وغيرهم. كقوله تعالى: لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ. وقوله: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ. وهذا التفاضل لا يكون إلا مع الاختيار، وإلا كان عشوائيا غير ممدوح بكل تأكيد.
إلى غير ذلك من الطوائف بمختلف الألسنة والبيانات.
فان قلت: فان كل ذلك يكون في طول حكم العقل العملي بالظلم والعدل. قلنا: كلا. فان العقل النظري أيضا يدرك عدم معقولية الخطاب للجماد ونحوه وللأسباب القهرية كخطاب النار بأن لا تحرق وخطاب الماء بأن لا يغرق – بغير المعجزة -، وعدم وجود تفاضل بين الأسباب الطبيعية القهرية. إذن فوجود كل ذلك مما دلت عليه الآيات الكريمة، للإنسان دليل اختياره.
أدلة القائلين بالجبر:
ذكر في المحاضرات بأنه استدلوا على الجبر بوجوه. وذكر عددا منها بعباراتهم، ولم يذكر المصدر إلا في وجه واحد فقط.
ــــــ[122]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مضافا إلى انه لم يذكر المحصل الحقيقي لكل وجه. وإنما اكتفى بنقل العبارة. مع انه قد يزيد فيها الكلام عن المطلوب أو يقل. والمطلوب هو صورة البرهان. فكان على مسئوليته عرض ذلك. وان كان البرهان باطلا في نفسه، وأكثر كلامهم تطويل بلا طائل. واعتقد ان مثل ذلك إنما هو دليل من لا دليل له.
وعلى أي حال، فما يتحصل من كلامهم بمحصل متكامل نسبيا، عدة وجوه:
الدليل الأول: ومحصله: انه لو كان العبد موجدا لأفعاله بالاختيار والاستقلال لوجب ان يعلم تفاصيلها، واللازم باطل. وهو العلم بالتفاصيل. لأن النائم والساهي قد يفعل باختياره كانقلابه من جنب إلى جنب، مع انه لا يشعر بكمية الفعل وكيفيته.
وأما وجه الشرطية أو الملازمة بين الاختيار والعلم بالتفاصيل، فلم يذكر له أي دليل إلا البداهة. وعبارته: كما تشهد به البداهة.
والجواب على ذلك من أكثر من وجه:
الوجه الأول: إننا لم ندع أن الإنسان يوجد أفعاله بالاستقلال. وإنما ذلك قول بالتفويض ولا نقول به. بل الله هو خالق كل شيء وليس للإنسان استقلال عنه سبحانه وتعالى.
الوجه الثاني: ان الدليل أخص من المدعى، بعد تسليم الملازمة التي هي بمنزلة الكبرى له. لأن النائم والساهي والغالط واضرابهم فقط هم الذين لا يعرفون التفاصيل. وأما الفاعلون الاعتياديون فيعرفونها بلا شك.
ــــــ[123]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: فان أفعال النائم والساهي هي أيضا أفعال اختيارية، فما يعمها من الحكم يعم كل فعل اختياري. قلنا: كلا، فان عدم معرفتهم بالتفاصيل، إنما هي لظروف خاصة بهم، ولا يمكن التعميم لغيرهم.
الوجه الثالث: انه مادام الاختيار والانتباه موجودا كان العلم بالتفاصيل موجودا، كما في الساهي والغالط، فإنهم يعلمون بفعلهم. وأما النائم والمغمى عليه، فلا علم له لأنه لا اختيار له.
الوجه الرابع: يمكن القول ان للاختيار درجات، منها، ما هو مطلق. ويكون في صورة التسلط على كل الشرائط والخصوصيات للفعل الاختياري. ولكن يمكن القول بعدم اتصاف أحد بذلك غير الله سبحانه.
ومنها: ما هو اقل من ذلك، كما لو كان بعض المقدمات اشتباها أو خدعة أو اضطرارا أو تقية ونحو ذلك. فلا يكون رد الفعل تجاه ذلك اختياريا محضا. ومن هنا تقل المسئولية الأخلاقية والتشريعية.
فالاختيار وصف مقول بالتشكيك، والعلم أحد مقدماته أو مقوماته، ويراد به هنا العلم بالعمل الاختياري نفسه، لا العلم بالأسباب والنتائج. ومثل هذا العلم قد يوجد وقد يقل وقد ينعدم.
الوجه الخامس: ان دليلهم في الحقيقة دليل على الاختيار، لأنه استدل على الكبرى بالبداهة، كما سمعنا. وهذا معناه مروره بتجربة بديهية للفعل الاختياري. وهذا يعني ان كل الأفعال اختيارية، وإلا لم تكن التجربة بديهية.
وقد ذكر في المحاضرات من جملة جوابه: ان حركة النائم غير اختيارية وكذا الساهي. ولذا لا يستحق عليها المدح والذم والثواب والعقاب.
ــــــ[124]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وفيه: أولاً: ما علمناه من ان الساهي عالم بفعله ومختار وإنما لا يستحق المدح أو الذم لقصور بعض المقدمات، وضعف المسئولية الأخلاقية.
ثانياً: ان الاستدلال على عدم الاختيار بعدم الاستحقاق غريب. لأنه بإزاء الأشاعرة الذين ينفون الاستحقاق. بل إذا كان المطلب تاما فينبغي ان يبرهن عليه ببرهان خارج العقل العملي، وإلا كان بمنزلة المصادرة على الموضوع.
الدليل الثاني – للقائلين بالجبر -:
متكون من عدة مقدمات، كل مقدمة هي قياس مستقل بذاته، ويتحصل من المجموع أو من نتائج هذه القياسات قياس استثنائي ينتج القول بالجبر. وذلك بأن يقال:
القياس الأول: ان العبد لو كان موجدا للفعل بقدرته واختياره، فلابد انه يتمكن من فعله وتركه. وإلا لكان خلف فرض القدرة. بل ان معنى القدرة هو ذلك. ولكنه غير متمكن من فعله وتركه، إذن فهو غير قادر.
وقد يقرب ذلك بما قيل من قبل بعض المفكرين: من ان الفرد إذا فعل فلا دليل على قدرته على الترك. وان ترك فلا دليل على قدرته على الفعل. ومعه، فلا تكون صغرى القدرة متحققة.
القياس الثاني: ان العبد لو كان موجدا لفعله بقدرته واختياره لم يتوقف ترجيح فعله وتركه على مرجح. ولكنه متوقف عليه. لأن صدور فعل بلا مرجح يقتضي جواز طرفيه وتساويهما، فيكون الفعل اتفاقيا لا اختياريا. إذن, فالعبد غير قادر على الإيجاد باختياره. لأن قدرته عليه خلف وجود المرجح.
فان كان المرجح موجودا وجب وجود الفعل، وان لم يكن موجودا امتنع
ــــــ[125]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وجوده. وعلى كلا التقديرين ينتفي الاختيار.
القياس الثالث: ان العبد لو كان يوجد الفعل بقدرته واختياره لزم وقوع أحد الجائزين بدون سبب. فينسد باب إثبات الصانع.
القياس الرابع: ان المرجح لا يكون باختيار الفرد الفاعل وإلا لزم التسلسل.
القياس الخامس: ان المرجح إذا لم يوجد يكون الفعل ممتنع الصدور, وان كان موجودا كان الفعل واجب الصدور، بحيث يمتنع تخلفه عنه، فلا يكون مختارا. ولو لم يصبح الفعل واجبا لم يصبح المرجح تاما وهو خلف المفروض. فإذا كان مختارا لزم وجود الفعل بلا علة ، وهو مستحيل. وهذا هو مورد فرق هذا القياس عن القياس الثاني السابق.
القياس النتيجة: انه يستحيل وجود الشيء بلا مرجح كما يستحيل التسلسل فيه، كما يستحيل تخلف المعلول مع وجود المرجح، والمعلول هنا هو الفعل نفسه. كما يستحيل وجود الفعل مع عدمه.
إذن, فالأمر متعين في المرتبة السابقة على الاختيار، فلا يكون الفرد مختارا قادرا لعدم تمكنه من الفعل والترك. لأن تمكنه خلف الدليل على العلية. وعدم تمكنه خلف القدرة. لأن القدرة هي التمكن من الطرفين: الفعل والترك. وهو مفقود.
والجواب: على مستويين: أما على مستوى علم الكلام الذي خاطبونا به وأما على مستوى نظرية شاملة سوف تأتي. ونقتصر الآن على المستوى الأول. ونحن نجيب على كل قياس على حدة. فان بطلت جميعا، فهو المطلوب. وان بطل واحد منها كفى في بطلان قياس النتيجة ، لأن النتيجة تتبع أخس
ــــــ[126]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المقدمات.
أما القياس الأول، فأهم ما فيه أمران:
الأمر الأول: ان المختار هو القادر والقادر هو المتمكن من الفعل والترك، إذن فالمختار هو المتمكن من الفعل والترك.
وهذا يمكن مناقشته: بأن تفسير القدرة بذلك، وان كان مشهوريا، إلا انه مجرد اصطلاح، تصبح القضية به تكرارية. بأن يقال: القادر هو كذا وكذا هو القادر. كما يقال: الممكن هو متساوي الطرفين، والمتساوي الطرفين هو الممكن. يعني في حدود ما هو المصطلح، بغض النظر عن التغيير أو التقييد، كما لو قلنا: الممكن الحادث مثلا.
أو نقول: ان القدرة ملكة في النفس يستطيع الفرد بها ان يفعل تارة وان يترك أخرى. بغض النظر عن انه يستطيع الفعل أو الترك دفعة واحدة.
ونتيجة ذلك: إننا لو غضضنا النظر عن الإشكال الآتي، فهو أيضا قادر. وقد اعترف الخصم ان كل قادر مختار. إذن نقول: انه مختار وان لم يكن قادرا على الترك، لأننا غيرنا اصطلاح معنى القدرة.
الأمر الثاني: ما قلناه نقلا عن بعضهم من الزعم والتشكيك بأن الإنسان إذا فعل فهل يستطيع الترك وإذا ترك فهل يستطيع الفعل. ولعل المقصود هو الجواب بالنفي.
جوابه: انه يحتوي على مغالطة واضحة: فان السؤال يمكن ان يتوجه في أزمنة ثلاثة:
الزمن الأول: بعد الانتهاء من العمل. فيتوجه المعنى: ان الفرد بصفته
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فاعلا، فانه لا يستطيع الترك، أو بصفته تاركا لا يستطيع الفعل. أي في طول اختياره للضد. وهذا صحيح. مضافا إلى ان وقت اختيار العمل دخل الآن في الماضي، ونحن عاجزون عن التحكم في الماضي.
الزمن الثاني: الحاضر. وفيه وجهان: أحدهما: يأتي فيه نفس الإشكال الذي ذكرناه للزمن الماضي. من حيث انه في طول اختياره لأحدهما غير قادر على الآخر.
ثانيهما: إننا يمكن ان ننكر استمرار العجز من الماضي إلى الحاضر، لقدرته دائما على التغيير. إلا ان الصحيح ان في ذلك نظرا إلى المستقبل لا إلى الحاضر.
الزمن الثالث: وهو العمدة: النظر إلى المستقبل، يعني ان نكون ناظرين إلى الوقت الذي تكون الإرادة فيه دخيلة في إنجاز العمل، ولا زال الفعل استقباليا. مهما كان الزمن قصيرا.
فهنا نحكم بإمكان اختيار أي من الطرفين، وهذا ما تشهد به البداهـة، كما سبق منهم القول في الدليل الأول. وليس جسم الفرد ومكانه وزمانه مشغولا بأحد الأمرين ليمتنع الآخر أو يعجز عنه.
والسؤال الأصلي كما لاحظنا هكذا: ان الإنسان إذا فعل فهل يستطيع الترك ؟ وهذا معناه إننا لاحظنا العجز في طول الفعل أو بعد إنجازه. يعني ان الفعل دخل في الماضي، فلا مجال لتغييره. وأما إذا كان الفعل مستقبليا ، فهو خارج عن مورد ذلك الكلام، حتى لو اعترفنا بصحة مضمونه.
وعلى أي حال، فإنما يتم الدليل إذا جزمنا انه لا يستطيع الخلاف. إما مع وجود الاحتمال فانه يبطل الاستدلال. فضلا عن قيام الدليل على الاختيار،
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كما سبق ويأتي. وعلى أي حال، فالدليل بهذا المقدار قاصر عن الإنتاج.
أما القياس الثاني: فمضمونه: ان فعل الفرد ممكن وكل ممكن محتاج في وجوده إلى علة، فان حصلت علته وجب وإلا امتنع.
وجوابه: إننا نقول: انه تحصل علته ولكن يبقى اختياريا. لأن الجزء الأخير من العلة هو الإرادة ، وما دامت الإرادة موجودة فهو اختياري أو إرادي. وما دامت علته تامة ، فهو ليس مخالفا لقانون العلّية.
وأما صلاحية الإرادة لأن تكون جزءاً أخيرا من العلة ، فيؤخذ الآن مسلما، قبل الكلام الآتي، وهم لم يبرهنوا على عدمه على أي حال، وقد سبق ان قلنا: ان الإرادة حصة من العلة الدنيا ، وهي علة ما به الوجود. فان علة ما به الوجود تنقسم إلى قهرية وهي العلل التكوينية, واختيارية وهي الإرادة.
فان قلت: ان كثيرا من أجزاء العلة قهرية. قلنا: نعم. لكن يكفي ان تكون الإرادة جزء العلة، لتنتفي القهرية. لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات.
فان قلت: فان تبعيتها لأخس المقدمات ينفي كونها إرادية لوجود أجزاء قهرية. قلنا: أولاً: انه يكفينا الآن إلا تكون قهرية، لينتفي موضوع الجبر الذي هو محل الكلام.
ثانياً: إننا نعترف ان الفعل ليس إراديا بجميع أجزاء العلة، فان هذا لا يكون لغير الله سبحانه. وإنما الفعل إرادي بالمقدار الذي يتسلط عليه الفرد بالخلقة. أو قل: هو إرادي بالمعنى الوجداني أو العرفي، أو بالمقدار الذي يصدق معه الإقرار بأنه هو الفاعل.
ثالثاً: إننا لا نريد بالفعل الإرادي إلا ذلك، اعني الذي ينشأ من الإرادة.
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومن شأن الإرادة دائما ان تكون هي الجزء الأخير من العلة. لأنها هي المحرك المباشر للعضلات.
وأما القياس الثالث: ومضمونه: انه لو كان الفرد مختارا لكان عمله اتفاقيا وخرج عن قانون العلية.
فقد ظهر جوابه مما قلناه، وقد جمعنا بين اختيارية الفعل وتمامية العلة. لأن الجزء الأخير من العلة التامة هو الإرادة.
وبه يظهر الجواب عن القياس الرابع: وهو: انه إذا كان الفعل اتفاقيا انسد باب الاستدلال على إثبات الصانع.
جوابه: إننا لم ندع صدور الفعل الاختياري اتفاقا أي بدون علة. ليقال بإمكان صدور أي ممكن بلا علة، لينسد باب إثبات الصانع. فان معنى ألاتفاقي غير معنى الاختياري. فان ألاتفاقي ما كان بدون علة. والاختياري ليس اتفاقيا، بل هو بعلة، لاستحالة وجود الممكن بدون علة. غاية الأمر ان علته ، متكونة من أمور قهرية مع إرادة، وليست من أمور قهرية فقط. فقانون العلية محفوظ ونستدل به على إثبات الصانع.
وأما القياس الخامس: ومضمونه: ان الوجوب ان كان بالإرادة لتسلسل.
فجوابه: إننا عرفنا ان المرجح هنا هو علة تامة (ما به الوجود) وجزؤه الأخير هو الإرادة. والإرادة إرادية بذاتها لا تحتاج إلى إرادة فلا يلزم التسلسل.
وهذا من النوع الذاتي (لازم الماهية) كقولنا: الضوء مضيء والماء رطب والنار حارة والأربعة زوج. فالإرادة إرادية بنفسها.
فان قلت: فإنها بصفتها موجودا ممكنا، تحتاج إلى علة. فيلزم التسلسل.
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا: هذا يجاب بوجوه منها: ان العلة علة لوجودها لا لإراديتها. فيقع الفعل إراديا بالإرادة وتقع الإرادة إرادية بنفسها. وهذا يكفي لإرادية العمل وحسن الثواب والعقاب عليه.
وعلة وجود الإرادة أحد أمرين: الأول: أنها هي الأمور السابقة عليها، فيما يذكرونه من مبادئ الفعل الاختياري التي هي تصور الفعل والتصديق بمصلحته والشوق إلى فعله، ثم يتصاعد الشوق فيصبح شوقا مؤكدا، ثم يتصاعد فيصبح إرادة محركة للعضلات.
الثاني: ان علتها الدوافع المركوزة في النفس والشهوات والغرائز.
وعلى كلا التقديرين، يعني مهما تصورنا علة الإرادة، فان الفرد يكون مسئولا عن عمله، لأنه يستطيع ان يحول بين العلة وبين المعلول. فلا يختار العصيان، بل يكبح نفسه وشهواته. فإذا لم يفعل استحق الثواب. وفي صورة أخرى يستحق العقاب.
وأما القياس النتيجة: فقد قيل فيه: انه يستحيل وجود الشيء بلا مرجح. وهذا صحيح. ولم ندع ان الفعل يصدر بدون علة، كما يستحيل وقوع التسلسل فيه. ولكن ألاتفاقي غير الاختياري، كما قلنا.
ونتيجة التسلسل هي إرادية الفعل، لأن الإرادة لو كانت بإرادة أخرى لتسلسلت، إذن فهي ليست بإرادة أخرى. وإنما هي بعللها كما شرحنا. والعلل ليست عللا لإراديتها بل لوجودها، وإنما هي إرادية بنفسها، لأن هذا من قبيل لازم الماهية. والفعل إرادي بالإرادة. فان تكلمنا عن التسلسل بالمرجح، فالإرادة – كعلة للفعل أو الترك – هي المرجح.
وقالوا هناك أيضا: انه كما يستحيل تخلف المعلول، وهو الفعل، مع
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وجود المرجح، يستحيل أيضا وجوده مع عدمه. فلا يكون الفعل اختياريا.
أقول: هذا إنما يتم، فيما إذا أردنا بالمرجح غير الإرادة، وأما إذا كان المرجح هو الإرادة. فيكون موجودا بعلة تامة وإرادية في نفس الوقت، لأن الإرادة هي الجزء الأخير من العلة.
وقالوا: ان تمكنه من الفعل والترك خلف قانون العلية، وعدم تمكنه خلف القدرة، يعني يثبت به عدم القدرة والاختيار.
أقول: نوافق على الشق الثاني، ونطعن بالشق الأول. وهو ان قدرته خلف قانون العلية. فان هذا فرع الخلط بين الاتفاق والاختيار. وقد ميّزنا بينهما، وقلنا: ان الفعل الاختياري لا يكون إلا بعلة، وجمعنا بين قانون العلية وقانون الإرادة. فلا تكون الإرادة والقدرة خلف قانون العلية.
………………………..
هذا، وقد عرض في المحاضرات إحدى المقدمات هكذا: ان وقوع أحد الجائزين: الوجود والعدم في الخارج لو كان ممكنا من دون مرجح وسبب لانسد باب إثبات الصانع. ولامكن وجود العالم بلا سبب وعلة.
أقول: هذا العرض قابل للمناقشة، من حيث أنهم لا يريدون ذلك بالضبط. من جهات:
الأولى: ان الاختيار يرجح أحد الجائزين – في نظرهم – وهما ليسا الوجود والعدم. بل هما أما الفعل أو الترك وأما أحد الفعلين المحتملين، كما هو الغالب. غاية الأمر ان فعل أحدهما ملازم لترك الآخر. إلا ان الاختيار بالمطابقة يكون بين العملين لا بين الفعل والترك.
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثانية: قولهم: انه لو انسد قانون العلية لانسد باب إثبات الصانع. يعني إثباتا لا ثبوتا. يعني لا يمكن عندئذ الاستدلال على وجوده. بغض النظر عن كونه موجودا أم لا.
فقوله – في المحاضرات -: لامكن وجود العالم بلا علة. إشارة إلى عالم الثبوت، وهي غير مقصود لهم. وهو لا يترتب على نفي قانون العلية. نعم يبقى محتملا بلا دليل على وجوده. لا ان الدليل على نفيه.
الثالثة: ان في كلامه خلطا بين العلية الاعتيادية والعلية الإلهية. وهذا الخلط لابد منه أمام الماديين. لكننا هنا نناقش بصفتنا معترفين بوجود الله سبحانه. فينبغي عدم الخلط بينهما.
ونتيجته: انه لا ملازمة بين إنكار قانون العلية، بين المخلوقين، من ناحية واثبات العلية الإلهية من ناحية أخرى. لأنها من سنخين غير متشابهـين.
وبتعبير آخر: إننا قد نقول بنفي العلية للأمر المحدود، وأما علية مجموع الخلق فهو أمر آخر غير ملازم مع الأول. فمن الممكن إثبات العلية فيه. أما للاختلاف في سنخ العلية، وأما للاختلاف في سنخ المعلول أو أهميته. وان كان الصحيح هو الحاجة إلى العلة في كلا الأمرين.
وقال في المحاضرات: وأما صدور الفعل الاختياري عن الفاعل من دون مرجح، فليس بمحال.
أقول: هذا خطأ، لأن الفعل الاختياري من جملة الممكنات وكل ممكن لابد له من علة. فلولا ما قلناه من ان العلة موجودة وان الجزء الأخير منها هي الإرادة، لم يتم المطلب الذي ذكره. بل يكون مطلوبا منه ان يبرهن على الوجه في استثناء الفعل الاختياري عن قانون العلية.
ــــــ[133]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثم يستنتج بقوله: وقد تحصل من ذلك انه لا دخل لوجود المرجح للفعل الاختياري أصلا. ولا صلة لأحدهما بالآخر. أقول: وهذا ما عرفنا جوابه. ثم يقول: على ان وجود المرجح لاختيار طبيعي الفعل كاف وان كانت أفراده متساوية، من دون ان يكون لبعضها مرجح بالإضافة إلى البعض الآخر.
أقول: وهذا غريب لأمور:
أولاً: ان عالم الخارج هو ظرف الجزئي لا ظرف الكلي. والفعل الاختياري يوجد – لا محالة – في الخارج، إذن فهو جزئي لا كلي. فالحديث عن طبيعي الفعل الذي هو معنى الكلي، لا مورد له.
ثانياً: ان الكلي حين لا يكون له وجود في الخارج يستحيل ان يكون مرادا وان يكون له علة.
ثالثاً: ان العلة الجزئية الخارجية تنتج معلولا جزئيا لا كليا.
رابعاً: ان الكلي، وان تعلقت به المصلحة كمطلق شرب الماء، إلا ان الإرادة تتعلق بالجزئي لا محالة. بمعنى انه يتعلق بالكلي مع صفاته التي تجعله جزئيا لا الكلي على عمومه.
ثم قال: ودعوى ان الاختيار هو المرجح في فرض التساوي، ساقطة، بأن الاختيار لا يمكن ان يكون مرجحا. لوضوح ان المرجح ما يدعو الإنسان إلى اختيار أحد فردين متساويين أو أفراد متساوية، فلا يعقل ان يكون مرجحا. على انه لم يبق موضوع لما ذكر من ان ترجيح وجود الفعل على عدمه يتوقف على وجود مرجح، لفرض انه موجود وهو الاختيار.
وهذا قابل للمناقشة من عدة وجوه:
أولاً: ان الاختيار مفهوم انتزاعي قائم في طول ما نسميه بالعمل
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ا لاختياري. وذلك: لأن الإنسان يختار بإرادته أحد الاحتمالين. وإنما العلة للفعل الاختياري، هو الإرادة. فالفعل إرادي وان سميناه اختياريا. ولا وجود للاختيار في الخارج، فانه مفهوم انتزاعي. ومنشأ انتزاعه هو الإرادة، إلا ان نسمي الإرادة بالاختيار، لأنها سبب الاختيار أي الترجيح.
ثانياً: انه قال فيما سبق: ان الفعل الاختياري لا يحتاج إلى مرجح، يعني انه لا مرجح له على طول علله. في حين انه يقول هنا: ان المرجح موجود في المرتبة السابقة على الاختيار. وانه يدعو إلى الاختيار. إذن فالفعل الاختياري ذو مرجح ومحتاج إلى مرجح. وهذا خلاف قوله السابق.
ثالثاً: إننا إذا قلنا ان الاختيار هو الإرادة، إذن لا يصدق قوله: ان الاختيار لا يكون مرجحا. لأن الإرادة هي المرجحة للفعل أو الترك، وهي سبب (ما به الوجود). فإذا سمينا الإرادة بالاختيار. إذن يكون الاختيار هو المرجح.
رابعاً: قلنا في الوجه السابق: ان الاختيار ينتزع في طول الفعل ولكن عنده انه موجود بالمرتبة السابقة عليه. فإذا تنزلنا وقبلناه، صلح الاختيار لأن يكون مرجحا. لأنه يقع جوابا في سؤال: لماذا فعلته، فيقول: لأنني اخترته.
خامساً: ان كلامه هذا عن الاختيار لا يتوجه إلى الأشاعرة، بل إلى من يقول بالاختيار. إذن فجوابه للأشاعرة: انه لا يبقى موضوع لانتفاء المرجح، لأن الاختيار هو المرجح… ليس صحيحا. لأن فيه اشتباه وخلط في الخصم هل هو الأشاعرة أم غيرهم. فللأشاعرة ان يبقوا على رأيهم في عدم المرجح، لأنهم ينفون الاختيار. ولا يكون جوابه الثاني واردا.
ثم انه دفع التسلسل المدعى لهم بقوله: بأننا لو تنزلنا وقبلنا ان الفعل الاختياري يحتاج إلى مرجح، فلا يلزم التسلسل. لأن الفعل في وجوده يحتاج
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلى مرجح. وأما المرجح فلا يحتاج إلى مرجح آخر، بل هو ذاتي له. فلا يحتاج إلى سبب كما هو ظاهر.
أقول: هذا المرجح هل هو الإرادة أم غيرها. فان كان غيرها وهو السبب القهري، إذن يكون الجبر صحيحا وإشكالهم واردا، لأن الفعل يكون صادرا عن سبب قهري فيكون متعينا.
وإنما يبقى الإشكال عليه من حيث ان المرجح ليس مرجحا ذاتيا، بل هو أيضا محتاج إلى علة، ولكن مع ذلك لا يلزم التسلسل، لانقطاعه بالواجب سبحانه.
وأما إذا كان المرجح هو الإرادة، فمعناه صحة ما قلناه من أنها تقطع التسلسل، وان الإرادة إرادية بذاتها. وأنها لا تنافي قانون العلية. ولكنه لم يقل أي شيء في ذلك !!..
الدليل الثالث: للأشاعرة على الجبر:
ان فعل العبد ممكن في نفسه. وكل ممكن فهو مقدور لله تعالى لما مر من شمول قدرته للممكنات بأسرها. ولاشيء مما هو مقدور لله سبحانه بواقع تحت قدرة العبد. لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد. إذن فالفعل غير واقع تحت قدرة العبد.
وجوابه: ان المراد بالقدرة هنا، هل هي القدرة الاقتضائية أم العلّيـة؟
أما القدرة الاقتضائية، فلا منافات بين القدرات الاقتضائية. بل هناك ملايين القدرات الاقتضائية على مقدور واحد. فهذا العجين مثلا، يقدر ان يعجنه أي واحد من البشر. ولا منافات في ذلك لعدم كون القدرة عليّة فيه.
ــــــ[136]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وان كان المراد بالقدرة: القدرة الفعلية يعني بنحو العلية التامة. فقد يقال: بأنها صغرى لاستحالة اجتماع علتين على معلول واحد. أو يقال: انه مع اجتماع هاتين العلتين، تكون العلة الإلهية هي المتقدمة والمؤثرة، ولا تأثير معها لإرادة العبد وعليته للفعل. فيعود الجبر.
وجوابه: ما عرفناه من ان اجتماع هذين التأثيرين ليس بنحو العلية التامة لكل منهما، كما نتصور. وإنما المجموع هو الذي يكون علة تامة في الحقيقة، لما عرفناه من ضرورة اجتماع علة ما به الوجود وعلة ما منه الوجود لإيجاد المعلول. لاستحالة تأثير السبب بدون فيض واستحالة تأثير الفيض بلا سبب لقصور الموضوع عندئذ.
وعرفنا: انه في الفعل الاختياري، يكون الجزء الأخير من السبب هو الإرادة، فيكون الفعل صادرا باعتبارها.
وإنما يتحقق موضوع هذا الإشكال، في صورة وجود (الصرف) أو (الصرفة) على حد تعبيرهم في بعض الموارد. وهو ما إذا حصلت إرادة العبد على عمل، وأراد الله تعالى صرفه عن ذلك العمل فتكون العلتان متحققتين وقريبتين من التأثير. وعندئذ نقول: ان الـتأثير للعلة الإلهية لأنها الأهم والأقوى.
إلا إننا ينبغي ان نعترف ان هذا نحو من أنحاء الجبر لو حصل. غير ان دليل نفي الجبر يشمله.
وفي المحاضرات نفى إحدى العلتين أساسا وهو التأثير الإلهي. وقال: ان أفعال العباد لا تقع تحت مشيئة الله وإعمال قدرته على ما سنذكره. وإنما تقع مباديها تحت مشيئته وإعمال قدرته.
ــــــ[137]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
جوابه: ان هذا يحتوي على سوء فهم للخلق الإلهي، وخلاف الإطلاقات غير القابلة للتقييد بأن الله قادر على كل شيء.
فإيكال أمرها إلى العبد محضا، كأنه خالق لها تماما، هو في الواقع قول بالتفويض أو قل: بالتفويض الجزئي لو صح التعبير. كأن الله سبحانه لم يتخل عن كل العلل، كما قال المفوضة وإنما تخلى فقط عن الأفعال الإرادية للإنسان.
والواقع ما عرفناه من ان الأفعال نسبتها إلى الله سبحانه، كنسبة كل الموجودات إليه، من حيث انها مخلوقة له وتحت فيضه تعالى. كل ما في الأمر ان الله تعالى خلق لنا الإرادة كجزء أخير من العلة، فيصدر الفعل إراديا. مع حفظ بعض التفاصيل التي تأتي في النظرية المتكاملة بعونه سبحانه.
ثم نقل في المحاضرات وجها نسبه إلى المشهور من الفلاسفة، من علمائنا كصدر المتألهين وصاحب الكفاية، وادعى انه يستلزم الجبر.
وحاصله: ان الإرادة ما دامت غير متكاملة، فانه يستحيل وجود الفعل، لأن معناه صدور الفعل بلا علة تامة. وإذا بلغت الحد امتنع تخلفه عنها. وإلا لزم تخلف المعلول عن علته التامة.
ثم قال: هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: ان الإرادة بكافة مبادئها من التصور والتصديق بالفائدة والميل وما شاكلها, غير اختيارية وتحصل في أفق النفس قهرا. أقول: كأنه ينتج الجبر، وكأنه في نظره مشابه للبرهان الأخير الذي نقلناه عن الجبريين.
إلا انه لا يشبهه أكيدا، باعتبار ان الأشاعرة لا يدركون ان الإرادة هي الجزء الأخير من العلة، بل يعتبرون ان علل الفعل كلها قهرية، فيصبح الفعل
ــــــ[138]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قهريا. وأما إذا كانت الإرادة هي الجزء الأخير من العلة، كان العمل اختياريا وان وجب وجوده. وبذلك جمع الفلاسفة بين قانون العلية وقانون الإرادة.
وأما إشكاله: بأن سبب الإرادة ومباديها، غير اختيارية فيعود إلىالجبر. وهو المفهوم الذي انكسر به قلم الشيخ الآخوند.
فهذا يمكن ان يجاب بأحد نحوين:
النحو الأول: انه يكفي في إرادية الفعل كونه إراديا يعني صادرا عن الإرادة، ومعناه انه صدر بقناعة الفرد واختياره. فلا يكون العقاب عليه قبيحا. وان كانت مبادئ الإرادة قهرية.
النحو الثاني: ان كل مرحلة من مراحل علل الإرادة أو اغلبها على الأقل، إنما علتها ما هو قبلها من المراحل. وهي على أي حال من جملة الممكنات التي تحتاج إلى علة. وعلتها ما قبلها. وليس لها تبرير ظاهري معروف غير ذلك. فكل مرحلة هي بمنزلة العلة التامة لما بعدها.
ولكن يمكن ان يقال: أنها مقتضي له وليست علة تامة. لإمكان ان يحول الفرد بينها وبين معلولها بإرادته يعني إيجاد المانع أو فقد الشرط. فحين لا يريد انقطاعها، فإنها تتسلسل كما هي فيوجد العمل. فتكون كل المراحل ممكنة المنع بإرادته.
لعله لا يستثنى من ذلك إلا التصديق بالمصلحة، التابع لأمور واقعية خارجة عن الاختيار.
إذن، تكون الإرادة، وهي الجزء الأخير من العلة، صادرة بعلة إرادية لا قهرية. وهذا أمر وجداني محسوس لكل أحد.
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قال في المحاضرات: وقد صرح بذلك المحقق الأصفهاني بقوله: ان كان المراد من انتهاء الفعل إلى إرادة الباري تعالى بملاحظة انتهاء إرادة العبد إلى إرادته تعالى، لفرض إمكانها المقتضي للانتهاء إلى الواجب. فهذا غير ضائر بالفاعلية التي هي شأن الممكنات، فان العبد بذاته وبصفاته وأفعاله لا وجود له إلا بإفاضة الوجود من الباري تعالى. ويستحيل ان يكون الممكن مفيضا للوجود.
وعلق عليه في المحاضرات: فالنتيجة انه لا مناص من الالتزام بالجبر وعدم السلطنة والاختيار على الأفعال.
أقول: ان ذلك غير لازم جزما. فان مراد الشيخ الأصفهاني أحد ثلاث أمور:
1- أما إرجاع علية الأفعال كلها لإرادة الله عز وجل، فيلزم المحذور.
2- وأما إرجاع وجود الإرادة لدى العبد إلى الله سبحانه. فلا يلزم المحذور لأن إرجاع وجود الإرادة غير إرجاع إرادية الإرادة. وعلى الثاني يلزم المحذور دون الأول.
3- وأما إرجاع ما هو راجع أصلا إلى الله سبحانه وهو الفيض. وقد صرح فيه خلال عبارته. وقد عرفنا انه لا ينافي الاختيار، بعد الجمع السابق بين قانون العلية وقانون الإرادة.
ثم قال في المحاضرات: فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه أمران:
الأمر الأول: ان الإرادة في أي مرتبة افترضناها بحيث لا يتصور فوقها مرتبة أخرى، لا تكون علة تامة للفعل ولا توجب خروجه عن سلطان الإنسان
ــــــ[140]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
واختياره.
جوابه: أولاً: ان هذا الكلام مبني على تصور كون العلية التامة للفعل الاختياري تلازم الجبر. وقد عرفنا خلافه.
ثانياً: ان الإرادة لو لم تكن علة تامة للفعل، كان الفعل صادرا بدون علة تامة وهو مستحيل. أو يكون بمنزلة واجب الوجود وهو مستحيل. أو يكون العبد الفاعل الذي هو ممكن بدوره متكفلا لكلا الجهتين: اعني السببين الأعلى والأدنى. وهذا مستحيل أيضا.
ثم قال: الأمر الثاني: انه على فرض ان الإرادة علة تامة للفعل، إلا انه من الواضح جدا ان العلة غير منحصرة بها، بل له علة أخرى وهي إعمال القدرة والسلطنة للنفس. ضرورة أنها لو كانت منحصرة بها لكان وجوده محالا عند عدمها. وقد عرفت ان الأمر ليس كذلك.
وجوابه من عدة وجوه:
أولاً: ان إعمال القدرة ليس علة بإزاء الإرادة، بل معها. لوضوح ان أحدهما بدون الآخر غير مؤثر. إذ بدون وجود القدرة أو بدون إعمالها، لا معنى لوجود الفعل. حتى لو كان مرادا.
ثانياً: ان وجود علة ثانية للفعل، هل يراد به علة اقتضائية أم علة مؤثرة وفعلية. فان أريد الثاني اجتمعت علتان على معلول واحد. مع الالتفات إلى انه لابد من وجود الإرادة دائما لكل فعل اختياري وأنها كافية أيضا في العلية.
وان أريد بها الاقتضائية، لم تكن علة ولا كافية لوجود الفعل. والمفروض أننا لا نريد بالعلة إلا التامة المؤثرة.
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان تعدد العلة لا يفيد في نفي الجبر على هذا المستوى من التفكير. بعد التنزل عن كون الإرادة غير قهرية، فتكون الإرادة قهرية جبرية، ولا ينفع في دفع ذلك وجود علة أخرى. لأن الجبر حاصل إذا فرض صدور الفعل من الإرادة. بل مطلقا لفرض ان بديلها أيضا علة تامة.
رابعاً: انه طبقا للقاعدة المعطاة مشهوريا عن لزوم التسانخ بين العلة والمعلول، فالأفعال الاختيارية لابد ان تكون عليتها من سنخ واحد لأنها هي من سنخ واحد. فأي هاتين العلتين أو هذه العلل من سنخها، مع ان العلل في أنفسها ليست من سنخ واحد.
فان كان أحدهما من سنخ الفعل الاختياري كان الآخر مستحيلا. وان قلت: ان كليهما من سنخه. قلنا: هذا مستحيل لعدم دخولهما تحت مقولة ماهوية واحدة، اعني الإرادة والسلطنة وإعمال القدرة. وهو المراد بالسنخ دون العنوانين الانتزاعية بطبيعة الحال.
خامساً: قوله: لو كانت منحصرة لكان وجوده (يعني الفعل الاختياري) محالا مع عدمها. وقد عرفت ان الأمر ليس كذلك.
جوابه: ان هناك مطلبان: أحدهما: صدور الفعل بعلية ناقصة، كالشوق، لأنه من سنخ الإرادة. ثانيهما: صدور الفعل بدون علة أصلا. بعد ان برهنا على انحصار العلة بالإرادة فيلزم صدوره بدونها ان يصدر بدون علة. ونحن منعنا كلا الأمرين. غير أننا ينبغي ان نلتفت هنا إلى ان عدم الإرادة التامة اعم من عدمها التام. وقد قال هو بإمكان صدور الفعل بالإرادة الناقصة. فيكون استدلالا بالأعم على الأخص، وهو باطل.
سادساً: انه قال: ان العلل الأخرى للفعل غير الإرادة، هي إعمال القدرة
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والسلطنة. وجوابه أمران:
الأول: ان إعمال القدرة نظرية بهذا الصدد للمحقق النائيني والسلطنة نظرية بهذا الصدد للسيد الأستاذ. وقد نسبهما إلى نفسه بدون مبرر. وسيأتي التعرض لهما تفصيلا.
الثاني: إننا لو التزمنا بإحدى هاتين النظريتين، كفى الحال في تبرير الاختيار عن نظريته. وهي وجود الفعل الاختياري بدون علة. وقد اعترف بإمكان التبديل إليهما ولو إجمالا.
نقد مذهب التفويض:
وقد نسبه في المحاضرات إلى المعتزلة، وهو خطأ أكيدا. ولا ينبغي ان ننسب شيئا إلى قوم بدون التأكد من مصادره. والظاهر انه نسبه إليهم باعتبار الانحصار فيهم بعد وضوح نفيه عن الأشاعرة والإمامية، مع وضوح انحصار الفرق الكلامية بين هؤلاء الثلاثة.
والظاهر ان هذا الانحصار وان كان معروفا إلا انه وهمي، لكثرة من تكلم في علم الكلام من الأوائل. ولا ضرورة إلى ان ننسب أية فكرة إلى أية طائفة ما لم تثبت لهم أو عليهم. ولا اعتقد انه اعتقاد الكثيرين خلال الأجيال الإسلامية. بل القائل به قليل ومنقرض أيضا. وليس من الشيعة الإمامية من يقول به قطعا.
والتفويض هو إيكال أفعال البشر إلى البشر أنفسهم، من دون تدخل القدرة الإلهية والإرادة الإلهية في ذلك.
وهنا تارة نعمم التفويض إلى كل الأمور والعلل والمعلولات، كما عليه
ــــــ[143]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المشهور في عرض المسألة. وأخرى نقول باختصاص التفويض بخصوص الأفعال. ونحن كلامنا في الجبر والاختيار في الأفعال، ولا يهمنا التعميم فعلا، إلا بمقدار ما هو طريق إلى ذلك.
والأول اعم من الثاني. ونفي الأعم لا يلازم نفي الأخص. إذ من المحتمل القول بتأثير الإرادة الإلهية في الأسباب القهرية دون الأفعال. إلا ان إثبات الأعم يقتضي إثبات الأخص. يعني ان القول بالتفويض في مطلق المؤثرات كاف للقول بالتفويض في الأفعال. إذ لا يحتمل تعلق الإرادة الإلهية بالأفعال خاصة، دون سائر المؤثرات والعلل.
وما يمكن ان يكون دليلا على التفويض عدة أمور:
الأمر الأول: بالعقل العملي حيث يقال:
بأن الجبر يستلزم نسبة القبيح إلى الله عز وجل، فهو إذن باطل. وحيث انه انحصر الأمر بين ان تكون العلة للفعل الاختياري إما الله وإما العبد. ونسبتها إلى الله يستلزم الجبر. إذن فهي باطلة. إذن، فالأفعال منسوبة إلى العبد وهو المطلوب.
أو يقال: ان مقتضى العدل ان تكون الأفعال منسوبة إلى فاعليها ليستحقوا عليها الثواب والعقاب، كما هو وارد في الشرع. وإذا نسبت إلى الله انتفى هذا الأمر. فيتعين الأول. وهو معنى التفويض.
وهذان تقريبان يرجع أحدهما إلى الآخر.
وجوابه ينبغي ان يكون واضحا: من ان الأمر لو كان منحصرا بين المذهبين: الجبر والتفويض، وانتفى الجبر، إذن يتعين التفويض. إلا ان الأمر
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
غير منحصر بهما. بل هناك شق ثالث، وهو ما يسمى بالأمر بين الأمرين، وسيأتي بيانه.
فان قلت: فان العلية للفعل الاختياري منحصرة بين الله والعبد. فإذا لم يكن الله فالعبد. قلنا: بل يوجد احتمال ثالث، وهو تركب العلة من كلا الفاعلين، وهو مجمل نظريات الأمر بين الأمرين، ولا ينحصر الأمر بالتفويض ليتعين.
فان قلت: فان العدل الإلهي يكون محفوظا في التفويض فيتعين، لوجود البرهان على العدل. قلنا: هو محفوظ أيضا بالأمر بين الأمرين. فيكون الاستدلال بالعدل استدلالا بالأعم.
فان قلت: فان القول بالتفويض أوضح في حصول العدل الإلهي من الأمر بين الأمرين. لأنه يسلب أي تأثير لله سبحانه على فعل العبد. ويكون مستندا إلى صاحبه تماما. في حين انه في النظرية الأخرى يكون لله سبحانه شركة في فعل العبد. فيلزم منه انتفاء العدل.
قلنا: لو لزم منه وجود الاشتراك، كما تخيل المستشكل، فهو باطل. ويلزم منه انتفاء العدل لأنه يكون صورة أخرى عن الجبر. لكنه في الحقيقة ليس بنحو الاشتراك، وستأتي له أطروحات ونظريات كافية.
وكذلك مما قلناه فيما سبق كفاية للمتبصر. لأن سببية الله سبحانه لو كانت على نحو سببية العبد لكان جبرا، إلا أنها تختلف في السنخية، كما سبق، فلا يكون جبرا، ويبقى العدل محفوظا.
الدليل الثاني: – على التفويض -: ان سبب حاجة الممكن إلى العلة هو الحدوث لا الإمكان نفسه. وحيث تم الدليل على ان الكون حادث، فقد تم
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الدليل على إيجاد الله له. وأما لدى استمراره وبقائه فلا حاجة فيه إلى العلة، لعدم تجدد الحدوث وكفاية العلة المحدثة عن المبقية.
وهكذا استدل المشهور للمفوضة. وفي الحقيقة ان البرهان لهم هو القسم الأخير فقط. وهو عدم حاجة البقاء إلى العلة. ومن هنا يمكن القول بأن الله انسحب عن التأثير في الكون. وهذا لا يختلف فيه من حيث المقدمة الأولى.
فان علة الحاجة إلى العلة، إذا كانت هي الحدوث، فقد أوجده الله وانسحب. وان كانت هي الإمكان فانه يتعين ان يكون الخلق محتاجا إلى العلة وان كان أزليا. إلا انه مع القول بعدم الحاجة في البقاء إلى العلة يكون الانسحاب أزليا.
فان قلت: فكيف نجمع بين التصورين اعني الأزلية والحاجة إلىالعلة. قلنا: هذا لأن أصل إفاضة الوجود في الأزل لابد ان تكون من الله سبحانه. وأما في المرتبة المتأخرة عن ذلك، فيكون مستغنيا عن التأثير. فتكون المسألة رتبيّة فقط. وخاصة إذا زعمنا: ان علة الحاجة إلى العلة هي الإمكان للوجود لأول مرة أو في الرتبة السابقة، دون الإمكان في الرتب المتأخرة.
لكننا الآن ينبغي ان نتنزل عن هذا الذي قلناه هنا. ونفترض ان كل مقدمات الدليل دخيلة في إثبات مدعى التفويض، كما عليه المشهور. ونناقش المقدمات واحدة واحدة. بالمقدار الذي يناسب الحال في علم الأصول. من دون ان ندخل في تفاصيل كثيرة كلامية وفلسفية.
أما المقدمة الأولى: وهي ان سبب الحاجة إلى العلة هي الحدوث لا الإمكان.
فنقول بالمقدار المناسب: ان النسبة بين الحدوث والإمكان هي العموم
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المطلق والسعة في جانب الإمكان. باعتبار ان الواجب لا يكون حادثا لأنه خلف وجوبه. كما ان الممتنع لا يكون حادثا لأنه خلف امتناعه. فيتعين الحدوث بالممكن. فان قلنا بحدوث كل الممكنات، كانت النسبة هي التساوي بالحمل الشايع. وان قلنا بأزلية بعض الممكنات خارجا كانت النسبة هي العموم المطلق، كما أشرنا. فكل حادث ممكن ولا عكس.
فيحسن ان نتحدث عن هذا أولاً: لأنه بمنزلة الحديث عن موضوع القاعدة أو صغراها. ثم نأتي إلى الكبرى والحكم بعد ذلك.
ونحن حين نقول بأزلية بعض الممكنات، لا نقول بوجوب ذلك بل بإمكانه في مقابل استحالته. وذلك لعدة تقريبات:
التقريب الأول: ان يقال: إننا ان قصدنا الأزلية وعدم التناهي في مجموع أمور، أو قل: في الموجودات كمجموع، فهذا متحقق، كالأعداد فهي لاشك انها لا متناهية. وان أردنا عدم التناهي في ماهيات معينة، فهو متحقق أيضا. فان الماهيات الكلية غير متناهية. فإنها ثابتة واقعا منذ الأزل إلى الأبد.
وجواب ذلك: ان هذا الثبوت من كلا السنخين ثبوت في عالم الواقع لا في عالم الخارج. ولاشك ان الثبوت هناك أزلي لخلوه من الأسباب والمسببات. فالماهية – أية ماهية – هناك لا يمكن إحداثها ولا رفعها. إلا أننا نتكلم الآن عن عالم الخارج لا عن عالم الواقع. لأن عالم الواقع له استقلال عن كل الأسباب حتى عن العلية الإلهية. في حين ان عالم الخارج مفتقر إلى ذلك جزما. فالكلام في وجود أزلي خارجي مفتقر إلى العلة، لأن الكلام إنما هو في علة الحاجة إلى العلة. وهو منحصر في عالم الخارج.
التقريب الثاني: ان المتكلمين والفلاسفة ذكروا: ان المعلول قبل وجوده
ــــــ[147]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفعلي بحياله، له وجود سابق في علته أكمل وأفضل. ويعتبر استقلاله النسبي عن علته نحو تدن له. ولما كان الكون مخلوقا لله عز وجل، إذن، فهو موجود بوجود الله تعالى قبل وجوده الفعلي. ووجود الله أزلي، إذن فالكون أزلي.
جوابه: أننا لا نتحدث عن مثل هذا الوجود، وإنما نتحدث عن المعلول بعد وجوده الاستقلالي عن علته. لأن الوجود في تلك المرتبة لا يحتاج إلى علة في وجوده ذاك، والكلام الآن في الحاجة إليها.
التقريب الثالث: (1) انه قد يقال: بمساوقة الممكن مع الحدوث. لأن الإمكان هو النقص، والناقص محدود. ولا يمكن ان يكون المحدود أزليا، بل هو حادث لا محالة. فكل ممكن حادث.
جوابه: ان كل ممكن ناقص، أي محدود. إلا ان ذلك من ناحية كونه ممكنا، يعني انه ليس بواجب. وهذا لا يلزم ان يكون ناقصا من ناحية الحدوث. يعني ليس بأزلي. وأما الزعم بأن الممكن ناقص من جميع الجهات أو ان تلك الجهات متلازمة، فهذا مما لا دليل عليه.
التقريب الرابع: انه قد يقال باستحالة ذلك، باعتبار الحركة الجوهرية التي مؤداها حاجة الممكن إلى الفيض المستمر أو إلى دفعات مستمرة متجددة ومتعددة من الفيض.
إذن، فكل فيض هو وجود مستقل بالدقة، عن الوجود السابق واللاحق. فلا يمكن ان نتصور وجودا واحدا مستمرا أزليا.
ــــــ[148]ـــــــ
(1) بهذا التقريب وما بعده نحاول دفع احتمالات الاستحالة والاستبعاد عن موضوع البحث. فتندرج من هذه الحيثية في تقريبات الإمكان. أو قل: أن أجوبتها تندرج في ذلك. وان لم يندرج أصل التقريب.
منهج الأصول (الجزء الأول)
جوابه: ان الحركة الجوهرية التي قال بها صدر المتألهين الشيرازي . إنما هي في الماديات أو قل: في عالم المادة. ونحن لا نقول في الماديات بالأزلية. وإنما إذا تم ذلك، فإنما هو في الموجودات المجردة التي لا تكون مشمولة للحركة الجوهرية.
التقريب الخامس: إننا نسرّي سنخ الحركة الجوهرية إلى المجردات، ونقول: أنها أيضا بحاجة إلى استمرار الفيض. واستمراره يقتضي التعدد أو الانحلال. والتعدد يلازم الحدوث، و لا يوجد وجود واحد أزلي في البين.
جوابه: ان هذا الاستمرار لا يقتضي التعدد. فان صدر المتألهين اعترف بأنه ليس لازم الحركة الجوهرية التي يقول بها: تقطع الوجود، بل هو مستمر كاستمرار ضوء الشمعة، بل هو أكثر من ذلك استمرارا ووحـدةً. ومع ذلك قال بأنه متقطع عقلا ودقة. فإذا تصاعدنا عن هذا التقطع الدقي في الماديات إلى المجردات، لو سلمنا بوجود الحركة الجوهرية فيها. إذن ينتج ان وجود المجردات مستمر حقيقة. ومن هنا يمكن ان نتصور وجودا مجردا أزليا واحدا.
التقريب السادس: إننا لا يمكن ان نقول بأزلية الكون لأن الأزلي، ليس كل جزء منه بعينه لأنه حادث لا محالة. ولا المجموع. لأن عنوان المجموع انتزاعي وليس خارجيا. إذن فالأزلية في عالم الإمكان منتفية.
جوابه: إنا لا نتحدث عن أزلية الكون بهذا المعنى. وإلا كان الإشكال واردا. وإنما نتحدث عن وجود مجرد واحد أزلي بحياله واستقلاله أو عدة وجودات كذلك، كأنوار المعصومين سلام الله عليهم.
وأما التسليم، كما في التقريب: بأن كل موجود بعينه فهو حادث فهذا أول الكلام، ويعتبر مصادرة على الموضوع.
ــــــ[149]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التقريب السابع: ان عالم الإمكان كله عالم وهمي وليس صحيحا إطلاقا. باعتبار نظر السفسطائيين، من عدم وجود العالم الخارجي، أو نظر أهل المعرفة باعتبار فناء الأشياء في الذات الإلهية وعدم استقلاليتها عنها طرفة عين. وعلى أي حال، لا يبقى لشيء من الممكنات نحو من الوجود ليكون أزليا أو حادثا.
جوابه: إننا ينبغي ان نتنزل عن كلا هاتين النظريتين، كما تنزل عنها مشهور الفلاسفة والمتكلمين. أما السفسطة فلا كلام لنا الآن معها، وإنما لها محل آخر من الكلام، ونأخذها الآن مسلمة البطلان. وأما نظرية الفناء، فباعتبار أمرين:
الأول: اختلاف النظرة التي نعتبر أيا منهما صادقة على العالم. وهما: الفناء والاستقلال. قلنا الحق ان نتكلم الآن بنظر الاستقلال.
الثاني: شهادة الوجدان والقرآن بنحو من أنحاء الاستقلالية للموجودات. وفيها حصل إرسال الرسل وإنزال الكتب والثواب والعقـاب.
التقريب الثامن: انه قد يقال: باستحالة الممكن الأزلي، وذلك باعتبار ما دل عليه الدليل من استحالة القدماء الثمانية. فان الاعتقاد بقديم سوى الله سبحانه من الشرك الصريح. وهو باطل لا محالة.
جوابه: ان ذلك إنما يكون محالا وباطلا، باعتبار وجود قدماء من سنخ واجب الوجود ، بحيث يكون كلهم واجبي الوجود. وهو إيمان بضد التوحيد. ونحن لا ندعي ذلك. وإنما نقول بقدم أمور ممكنة محضة وليست واجبة.
وأما قضية الإيمان بالقدماء الثمانية، فالظاهر ان فيها تهافت في النظرة وخلط بين كونها واجبة الوجود أو ممكنة. فهي باعتبار انتسابها إلى الله سبحانه، كأنها تعتبر واجبة. وباعتبار زيادتها على الذات تعتبر ممكنة.
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقد قال القائلون بها باعتبار إمكانها. وقال خصومهم بأنها شرك باعتبار وجوبها. فليس هناك اتفاق في القضية.
ونحن نعتقد ان صفات الذات عين الذات، فهي متحدة معه حقيقة غير متعددة. ونعتقد ان صفات الأفعال زائدة على الذات وأزلية. إلا أنها ممكنة وليست واجبة. فتكون هي مصداقا لما نتحدث عنه من وجود ممكن أزلي. وتكون الموجودات الممكنة الأزلية أكثر من ثمانية.
التقريب التاسع: انه يلزم من تصور وجود الممكن الأزلي، ألا يكون ممكنا بل يكون واجبا لأن علة الحاجة إلى العلة هي الحدوث لا الإمكان. فيتعين ان يكون واجبا. وهو خلف دليل التوحيد.
أقول: وهذا ينقلنا إلى الحديث عن الكبرى التي سنتحدث عنها عما قليل، وهي عن وجه الحاجة إلى العلة. فإذا رأينا ان علة الحاجة إلى العلة هي الإمكان لا الحدوث، لم يبق إشكال من هذه الناحية.
وهنا لا ينبغي ان نفيض في هذه الكبرى كثيرا، لأنها كلامية محضة لا تناسب علم الأصول. ولكننا نشير إلى بعض تقريباتها:
الوجه الأول: (وهو صغروي وليس كبرويا) ان دليل التوحيد دال على انحصار الواجب بواحد لا شريك له. وإلا لزم الدور أو التسلسل أو غيرهما من لوازمه الباطلة.
وكلما تصورناه فهو ليس بواجب كما انه ليس بممتنع لأنه خلف وجوده. إذن، فكل موجود جزئي خارجي غير الله سبحانه فهو ممكن. لا يختلف في ذلك كونه حادثا أو أزليا، لوجود البرهان فيهما معا. لأن الأزلي الآخر ان كان واجبا، كان ذلك على خلاف دليل التوحيد.
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فالقياس الاستثنائي الذي يكون دليل التوحيد كبراه، نعرف كونه ممكنا ليس بواجب.
الوجه الثاني: ان نلتفت إلى معنى الواجب والممكن. فالواجب هو الغني بالذات والممكن هو الفقير بالذات.
فان قلت: ان كان طرف الغنى والفقر هو الحاجة إلى العلة أصبحت القضية تكرارية.
قلنا: نعم. ولكن يمكن إبراز معان أخرى للغنى والفقر. بأن يقال مثلا: ان الغني الواجب ما كان وجوده ذاتيا له. أو ما كان وجوده في مرتبة ذاته أو هو الوجود نفسه أو انه في ذاته غني عن الحدوث. والممكن مقابل له.
فان قلت: فان الممكن الأزلي الذي نتحدث عنه ، قديم، فيكون غنيا عن الحدوث.
قلنا: هو غني عن الحدوث لفرض قدمه. ولكنه في ذاته وماهيته غير غني عن الحدوث أي التحقق في عالم الخارج، يعني انه غير غني عن العلة السابقة عليه في المرتبة. فهو حدوث رتبي وان لم يكن حدوثا زمنيا.
الوجه الثالث: ما يظهر من مطاوي كلام المحاضرات، من ان الممكن هو عين التدلي والظلية والترشح. وليس له استقلالية في ذاته. بخلاف الواجب.
أقول: ان الأمر بهذا المقدار غير كاف. فان هذا المعنى ان أريد به بيان معنى الممكن أصبحت القضية تكرارية. وان أريد بها بيان سر الخلق فهو باطل لأن فيه خلطا وتركيبا بين نظريتي الاستقلال والفناء. وهو غير مقبول.
مضافا إلى أننا ينبغي ان نلتفت إلى ان التدلي والترشح ونحوها معاني
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مصدرية، فلا يمكن ان تنطبق على الذات لكي ندعي انها عينها.
فان قلت: فإنها لا يراد بها هنا معانيها المصدرية، بل يراد انطباقها على الذات، ولو بصيغة اسم الفاعل: المتدلي والمترشح ونحو ذلك.
قلنا: هذا على خلاف نص عبارته وخلاف نصوص السابقين عليه. مضافا إلى ان العبارة تفسد في نظره. وكذلك ستكون القضية تكرارية كما سبق.
التقريب العاشر: لتصور الممكن الأزلي:
إننا خلال الحديث عن اسم الزمان في المشتق، قنا ان الأزمنة ثلاث مراتب: الزمان وهو للماديات، والدهر، وهو للمجردات، والسرمدية، وهي للذات الإلهية. وهذا الممكن الأزلي لابد ان يكون زمانيا، وقد قالوا باستحالة ان يكون الزمان أزليا، إذن يستحيل ان يكون الزماني أزليا.
جوابه: ان الممكن الأزلي لا يمكن ان يكون زمانيا، لأن الزمان خاص بالماديات، وقد سبق انه ليس من الماديات. ومن هنا كان الزمان متناهيا بتناهي موضوعه وهو الماديات. ومن هنا يمكن ان نسلك أحد طريقين:
الطريق الأول: ان الممكن الأزلي منسوب إلى الدهر، والدهر أزلي، إذ لا دليل على تناهيه، إلا إذا قلنا ان عالم الإمكان متناه، وهو أول الكلام.
الطريق الثاني: ان نقول: ان ظرفه السرمدية. والسرمدية أزلية لا محالة.
فان قلت: فإنها ظرف للذات الإلهية فقط. قلنا: هذا تسامح في التعبير. فان الذات الإلهية المقدسة غني عن السرمدية واستمرارها عين ذاته. وإنما السرمدية ظرف لكل لا متناهي في الزمان وهذا منها.
ــــــ[153]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثم إننا في حاجة خلال مناقشة مسلك التفويض، إلى بيان ان العلة كما تكون لأصل الوجود (حدوثا أو أزلا) تكون للبقاء والاستمرار. ولا يمكن ان يستغني الممكن عن الواجب طرفة عين. وذلك بأحد تقريبات:
التقريب الأول: الاستدلال بالحركة الجوهرية ، لأنها تعبر عن فيوضات ووجودات متكررة. وبدونها ينتفي البقاء والاستمرار. وكل وجود يحتاج إلى علة مستقلة. إذن، فالاستمرار يحتاج إلى علة.
جوابه: أولاً: إمكان المناقشة في ثبوت الحركة الجوهرية أساسا. وليس هذا محل بحثها.
ثانياً: ان هذا موجود في الماديات، ونحن كلامنا اعم منها ومن غيرها.
ثالثاً: النقض على هذه النظرية بعلة (ما به الوجود) فان البقاء يحتاج إلى كلتا العلتين، كما ان الحدوث يحتاج إليهما. ونظرية الحركة الجوهرية أثبتت تكرار الفيض، ولم تتعرض إلى هذه الجهة.
فان قلت: فان غير الماديات توجد بالفيض فقط، دون علة ما به الوجود. قلنا: كلا، فإنها أيضا تحتاج إلى هذه العلة. غاية الأمر انها من نوع يناسبها يعني روحي وغير مادي.
فان قلت: فان الموجود الممكن الأزلي لا يحتاج إلى هذه العلة. قـلنا: هذا منحصر بالصادر الأول. فان فرض العلة الدنيا له محال. وأما الباقي فهي تحتاجه. ويكون هو بمنزلة هذه العلة لهم.
فان قلت: إنهم أزليون على الفرض، فلا يحتاجون إلى تلك العلة. قلنا: نعم هم أزليون، إلا ان الترتب الرتبي فيهم متحقق، مضافا إلى ان حديثنا فعلا
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عن علية الاستمرار.
التقريب الثاني: ما يستفاد من مطاوي المحاضرات، كما أشرنا من ان الممكن عين الترشح والتعلق. ولازمه الواضح انه متى انتهى التعلق انتهى وجود الممكن. ففي كل لحظة هو متعلق وإلا لم يوجد.
وقد سبق ان ناقشناه وعرفنا ان فيه خلطا بين النظرية الفنائية والاستقلالية أو تركيبا بينهما. كأنه استقلال مع فناء. وهذا لا محصل له.
التقريب الثالث: ما يظهر من علماء الكلام. وحاصله: ان فرض إمكان الممكن هو فرض تساويه في النسبة إلى الوجود والعدم. في مقابل الواجب بالذات والممتنع بالذات. وهذا الإمكان مستمر. لوضوح انه لم يخرج بوجوده من الإمكان إلى الوجوب. وإنما يكون واجبا بالغير لا بالذات. ففي مرحلة الذات يبقى الإمكان متحققا. وقد فرضنا احتياج الممكن بالذات إلى علة، واستمرار الإمكان يعني استمرار الحاجة إلى العلة.
غير ان هذا الوجه وان كان لطيفا، إلا انه بظاهره مصادرة علىالموضوع. لأن احتياج الممكن في غير صورة الحدوث إلى العلة أول الكلام. فيحتاج في تصحيحه إلى مقدمة أخرى وهي ان استمرار الممكن هو عبارة عن حدوثات متعددة ومستمرة، فيرجع الأمر إلى نظير الحركة الجوهرية التي ناقشناها.
التقريب الرابع: ان الممكن في حدوثات مستمرة باعتبار تقطعالزمان، فيحتاج في كل حدوث إلى علة.
وهذا وحده غير كاف، لأننا قلنا في محله ان الزمان عنوان انتزاعي لا وجود له خارجا. فيرجع الأمر إلى نفس الوجود المستمر ولا يصلح الزمان إلى تجزئته.
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا ان يقال ويعرض هذا التقريب بشكل آخر يكون هو:
التقريب الخامس: وحاصله: أننا إذا لاحظنا شيئا واحدا بالذات كان الأمر كما قلنا في التقريبات السابقة. إلا أننا ينبغي ان نلاحظ (قدره) كله. وهو نسبته إلى كل الموجودات الأخرى من الزمان والمكان والعلة والمعلول والإضافات والمجاورات والسابقات واللاحقات، وهكذا. فنلاحظ كل إحداثيات الأمر ونسبته إلى كل الموجودات. وهي نسبة لا تتكرر البتة في كل لحظة من لحظات استمراره. لوجود الحركة الدائمة في كل أجزاء الكون بما فيها الزمان والمكان. ومعه يكون هذا الجزء التحليلي من الاستمرار منوطا بملايين الأمور. وهذا هو قدره.
إذن، فالوجود المشروط بكل هذه الأمور، وجود جديد، أو بتعبير آخر: وجود حادث. فيحتاج إلى علة. لأنه يصبح الحال: ان هذا القدر حدوثات كثيرة نتيجة لاستمرار التغير، ويكون الكل محتاجا إلى علة.
ولا يقال: ان الحركة العامة في الموجودات كافية في عليته، ولا يحتاج إلى العلية الإلهية. قلنا: هذه الحركة بمنزلة (علة ما به الوجود) وهو غير كاف – كما سبق – ما لم ينظم إليه الفيض الإلهي.
لا يقال: ان هذه القيود أمور متكثرة غير مقيدة بعضها ببعض، فان لاحظنا المجموع كمجموع. كان عنوانا انتزاعيا لا وجودا خارجيا ليحتاج إلى العلة المفروضة.
قلنا: هي وجودات متكثرة، ولكنها مقيد بعضها ببعض، تقييدا خارجيا. ولا اقل ان نتصور أنها معلولات لعلل سابقة عليها. فهي عموما من قبيل المتلازمين، يعني المعلولين لعلة سابقة. ولذا قال الفلاسفة في الحكمة
ــــــ[156]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المتعالية: ان كل الأشياء مترابطة في الحكمة اللانهائية. ومحتاج بعضها إلى بعض كليا.
فان قلت: فان نسبة بعضها إلى بعض عنوانين انتزاعية وليست واقعيـة. فلذا عبرنا بالإضافات والمقارنات. وكلها معان إضافية انتزاعية، من قبيل الفوقية والتحتية.
قلنا: نعم، إلا أننا توصلنا عن طريق هذه الأمور الذهنية إلى فهم طرفها ومحل انتزاعها. بمعنى ان كلا الطرفين منوط وجوده بوجود الآخر. فإذا تنزلنا عن احتياج ذات (الاستمرار) إلى علة، فلا اقل ان الاستمرار المقيد بما هو مقيد محتاج لها لكونه حادثا جديدا. وهذا الحدوث متحقق باستمرار وفي كل الأشياء بمختلف عوالمها ومراتبها. لوجود الحركة المستمرة في كل أجزاء عالم الإمكان.
وهذا التقريب صحيح. إلا أننا لو تنزلنا وفرضنا الاقتصار في النظر إلى ذات الممكن، أمكن صدق التقريب الآتي، وهو:
التقريب السادس: وهو ما يظهر من المحاضرات أيضا، وهو ان الممكن بذاته محتاج إلى العلة، فان كل ممكن منقسم إلى ماهية ووجود، فأي من هذين الأمرين يتصف بصفة الإمكان؟
عبّر في المحاضرات، بالإمكان الوجودي وعبر بالفقر الذاتي له. والفقر عبارة عن الإمكان، لتساوي طرفي الوجود والعدم، فيكون مفتقرا إلى العلة لوجوده. فيتحصل: ان العبارة الأولى تنسب الإمكان إلى الوجود والعبارة الثانية تنسب الإمكان إلى الماهية. فهناك خلط بين إمكان الوجود وإمكان الماهية.
وكل منهما له معنى. أما إمكان الماهية فباعتبار لحاظ الماهية الواقعية
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
جزئية كانت أو كلية، مناسبة مع العالمين: الواقعي والخارجي، يعني مناسبته مع الوجود والعدم. وهو معنى الإمكان. لأنها تصبح – بما هي ماهية – بالوجود أكمل ماهويا وبالعدم اقل. لوضوح ان حدها ورسمها لا يتغير في كلا الحالين.
وأما إمكان الوجود، فباعتبار ان الفيض النازل من ساحة قدسه سبحانه، ليس من ذاته، وليس من سنخ الخالق ، لو صح التعبير، بل هو متدني ومحدود بالمقدار المناسب مع الماهية. أو قل: هو ذو (قدر) معين. وما دام متدنيا عن الواجب، وهو أيضا ليس بممتنع أكيدا لأنه خلف وجوده في الخارج، إذن فهو ممكن. لانحصار الحال بين الثلاثة، فإذا انتفى الوجوب والامتناع، تعين الإمكان.
والوجود يتحدد لا محالة بمقدار حدود العلة وحدود المعلول. كما ان الماهية أو الذات، تتحدد بحدود الوجود والعلة، غير ان العلة لا تتحدد بحدود المعلول.
إذن، ينتج من ذلك: ان كلا من الوجود والماهية، أمر ممكن نـاقص. وهذه الصفة ذاتية له مستمرة فيه. سواء كان أزليا أو حادثا. والناقص لا يستطيع ان يحفظ نفسه وان يستمر بنفسه. وضم الناقص إلى الناقص، بضم الماهية إلى الوجود فيحصل الموجود، لا ينتج إلا الناقص. بل ينتج الأنقص، بعد انضمام النقص إلى النقص.
إذن، فلا يستطيع الممكن ان يستمر بنفسه، وإنما يستمر باستمرار علته المتكونة من كلا السنخين: ما به الوجود وما منه الوجود.
لا يقال: ان هذا الوجه يرجع إلى التقريب الثالث السابق، فانه يقال: إننا
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هنا في هذا الوجه، أحرزنا جهة القصور والنقص والعجز عن الاستمرار في الممكن ذاتا لنقص ماهيته ووجوده معا.
فان قلت: فان صفة الإمكان لا تتغير. وهي صفة متواطئة وغير مشككة وغير قابلة للزيادة. فلا معنى لمضاعفتها بضم نقص الوجود إلى نقص الماهية.
قلنا: نعم، لكننا ننظر إلى علة الإمكان والسبب أو النقص الذي صار به الممكن ممكنا. فان الحد ليس هو عنوان الإمكان، بل منشأ انتزاعـه. ولذا صار صفة ذاتية له. ومنشؤه النقص وهو مشكك، وان لم يكن عنوان الإمكان مشككا.
التقريب السابع: إننا لو تنزلنا عن كل ما سبق، فلا شك ان الفيض الإلهي إذا انقطع زال الوجود عن الموجود الواحد والوجودات المتعددة. وهذا يعني ان الاستمرار إنما هو بفيض مستمر منه تبارك وتعالى. وهو المطلوب.
إلا انه بهذا المقدار لا يتم، لأن للمفوّض ان يطعن بالكبرى، وهي انعدام أو زوال الممكن بانقطاع الفيض. فانه اول الكلام. ولذا قالوا: ان الله سبحانه تخلى عن مخلوقاته، ومع ذلك لم تنعدم، لأنها قابلة للبقاء بذاتها.
مضافا إلى إمكان القول باستحالة انقطاع الفيض ما لم ترتفع علة ما به الوجود. وأما مادامت هي موجودة والمعلول قابل للفيض، فانه وارد لا محالة، لأن الله سبحانه كريم لا بخل في ساحته.
ولكن يمكن تعميق هذا الوجه إلى تقريب آخر، وهو:
التقريب الثامن: بأن يقال: ان الله سبحانه قادر على إزالة الوجود والفيض عن أي نوع من أنواع الموجود خاصا كان أم عاما. وهذا ما ينبغي ان يعترف به
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المفوضة.
وذلك: ان علة الاستمرار إما باعتبار المقتضي أو باعتبار عدما لمانع. والله تعالى قادر على إيجاد المانع في أي لحظة. وما دام لم يوجد المانع كان الاستمرار بإرادته سبحانه.
التقريب التاسع: سماعي وهو ان الله قادر على كل شيء. وظاهره علّية القدرة وفعليتها، وليست هي قدرة اقتضائية فقط. ومن جملة ذلك: استمرار الممكنات اعني ما هو منشأ انتزاع هذا المعنى خارجا. وهذا – اعني عموم قدرته تعالى – مما لا ينبغي ان ينفيه المفوضة.
التقريب العاشر: صدق برهان الدور والتسلسل على كل لحظة من لحظات الاستمرار بالنسبة إلى أي ممكن. يعني كما يأتي هذا البرهان في أصل الحدوث، يأتي في أي لحظة من لحظات الاستمرار أيضا لفظا بلفظ.
فان قلت: فان علة أية لحظة في الاستمرار، هو الجزء السابق عليها، فينقطع الدور والتسلسل.
قلنا: ان سلمنا فهو علة (ما به الوجود) وهذا لا يعني استغنائه عن العلة الأخرى وهي الفيض. والبرهان – اعني برهان الدور والتسلسل – يصح فيما إذا فرض انقطاعه عن كلا الأمرين، وهو محال. ولا يفيد قابلية الاستمرار إلا بالمعنى المشار إليه.
بل قد لا يكفي ذلك أيضا: لأن هذا فرع تجزئته الزمانية، ليكون الجزء السابق بمنزلة علة ما به الوجود للجزء اللاحق. فإذا لم يكن الشيء بذاته زمانيا. فلا يتكون من هذه الأجزاء ليكون بعضها علة لبعض، وإنما يقوم بعلته الخارجية عن ذاته حدوثا واستمرارا.
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: انه لابد من وجود الزمان أو الدهر، ونحوه ليصدق الاستمرار.
قلنا: هذا تعبير عرفي ينتقض بوجود الله، فانه مستمر بدون زمان ولا دهر. ومنشأ انتزاعه هو الكون الذاتي للفرد.
………………………..
وهنا يوجد إشكال عرفي وعمومي على كثير من الأذهان، لا محيص من ذكره ومحاولة الجواب عليه. وهو النقض بالعمارات ونحوها مما زالت عللها وبقيت معلولاتها. إذن، فالسبب في الحاجة إلى العلة هي الحدوث وليس الإمكان. لوضوح عدم تحولها عن معنى الإمكان وإنما تحولت عن معنى الحدوث.
وهذا ما التفت إليه في المحاضرات بعنوان انه يمكن تخلي العلة عن معلولها، وان هذا المعنى يعارض قانون التعاصر والارتباط مع العلة. لأن المعلول يكون باقيا مع انتفاء علته.
وحاصل الجواب:
أولاً: ان المستشكل غير ملتفت إلى علة ما منه الوجود. ولا يستطيع البرهنة على التخلي عن هذه الناحية. بل هو أول الكلام.
فان قلت: أول الكلام هو عدم التخلي. قلنا: كلاهما أول الكلام في حدود هذا التفكير. والإشكال مبني على التسليم بالتخلي، وهو خاص بعلة ما به الوجود ولا يشمل العلة الأخرى. فلنا ان لا نسلم بذلك. فيسقط الإشكال.
ثانياً: ان المفوضة ادعوا تخلي الفيض الإلهي، وليس تخلي علة ما به
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجود. وهناك فرق أساسي بينهما. وقياس أحدهما على الآخر باطل، حتى لو كان الإشكال صحيحا.
ثالثاً: ان البراهين السابقة، كما تشمل الفيض الإلهي تشمل علة ما به الوجود، بأي تقريب من التقريبات السابقة، اعني ما صح منها. كل ما في الأمر أننا قد نلتفت إلى تلك العلة وقد لا نلتفت.
رابعاً: ما أجاب به في المحاضرات، وهو الجواب المشهور على ذلك الإشكال، وحاصله: ان علة الحدوث غير علة البقاء. فان علة الحدوث هو البنّاء وأما علة البقاء والاستمرار فهو القوة المؤدية إلى التماسك الذاتي والاستمرار. وهذا لا يفرق فيه بين الآلات والأجهزة والأبنية والكواكب وغيرها.
إلا ان هذا غير تام لعدة وجوه:
الوجه الأول: ان فيه إغفالا للفيض الإلهي. فإننا ان قصدناه كانت علة الحدوث هي علة البقاء نفسها.
الوجه الثاني: انه لم يشر إلى علة الحدوث في الكواكب والكرة الأرضية وغيرها.
الوجه الثالث: ان التماسك بين الأجزاء هو المعلول وليس العلة. وسببه البناء، فإذا كان هو العلة لزم الدور. وبتعبير آخر: ان التماسك إذا كان علة فأي شيء معلوله. فان قيل: هو الاستمرار. قلنا: الاستمرار عنوان انتزاعي، ومنشؤه هو البناء نفسه. فيلزم الدور.
الوجه الرابع: تحصل مما سبق انه يمكن القول بوجود العلة إجمالا. كما
ــــــ[162]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تحصل انه يمكن القول ان علة الاستمرار هو الأجزاء السابقة، على تعدد خصائصها. فالتماسك في لحظة معلول للتماسك في اللحظة التي قبله وعلة لما بعده وهكذا. وكذلك كل الخصائص الملحوظة وغير الملحوظة.
خامساً: هذا كله إذا لاحظنا الزمان، وأما إذا لم نلاحظه باعتبار عدم تحققه في ذوات الأشياء. فيكون الاستمرار عين الحدوث. فتكون العلة عينها أيضا. وهذا لا يختلف فيه بين الممكن الحادث والممكن القديم.
فان قلت: إننا لو لاحظنا الزمان لما كانت العلة نفسها، بل غيرها، كما قيل في المحاضرات. قلنا: بل هي عينها حتى لو لاحظنا الزمان، بعد التنزل عن الإشكاليات السابقة. وهي ما يسمى بالآصرة، فإنها موجودة من اول آن إلى آخر آن. فان كانت سببا للاستمرار كانت سببا للحدوث أيضا.
فان قلت: فان الحدوث بيد البنّاء والنجار وليس الآصرة.
قلنا: ان هذا وان سلمه في المحاضرات: إلا انه يحتوي على قلة تأمل في الواقعيات. فان الآصرة وان كانت علة الاستمرار، إلا أنها معلولة لشيء. وعلتها هي مقتضيها الخلقي الذي لولاه لتبعثرت المادة أساسا. وأما عدم المانع فمعلوم، كعدم الماء والنار.
وأما الصناع فهم بمنزلة وجود الشرط لهذه الآصرة.
وكذلك لو لاحظنا تقسيم العلة إلى الأربعة المعروفة، فان الصانع يكون جزء العلة. فهو جزؤها على كلا التقديرين. مع انه سلم هناك بكونه العلة التامة. ولم يناقش في ذلك.
وكل هذه الأمور إنما هي من سنخ علة (ما به الوجود) بغض النظر عن
ــــــ[163]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفيض الإلهي. فكم سيكون اثر الصانع ضئيلا إذا لاحظنا الفيض الإلهي. وعرفنا العلة بأنها المجموع وليست الحصة.
………………………..
واما الكلام في الأفعال الاختيارية، فقد قال في المحاضرات: ان نظرية استغناء البقاء عن المؤثر فيها، واضحة البطلان، لأن الفعل في كل آن يحتاج إلى إعمال الاختيار ولا يعقل بقاؤه بعد انعدامه وانتفائه. فهو تابع لإعمال القدرة والإرادة حدوثا وبقاء.
وذلك لأن كل فعل اختياري ينحل إلى أفعال متعددة بعدد الآنات والأزمان. فيكون في كل آن فعل صادر بالاختيار وإعمال القدرة. فلو انتفى الاختيار في زمان استحال بقاء الفعل فيه.
قال: ومن هنا لا فرق بين الدفع والرفع عقلا إلا بالاعتبار. وهو ان الدفع مانع عن الوجود الأول، والرفع مانع عن الوجود الثاني. وكلاهما في الحقيقة رفع.
وقال: وعلى الجملة فلا فرق بين حدوث الفعل الاختياري وبقائه في الحاجة إلى السبب والعلة، وهي إعمال القدرة والسلطنة. فان سر الحاجة وهو إمكانه الوجودي وضعفه الذاتي كامن في صميم ذاته وواقع وجوده من دون فرق بين حدوثه وبقائه. مع ان البقاء هو الحدوث. غاية الأمر انه حدوث ثان والحدوث هو الوجود الأول غير المسبوق بمثله.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
واهم مناقشة ترد عليه: هي أننا عرفنا فيما سبق ان إعمال الإرادة ويسميه
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالقدرة والسلطنة، إنما هي من قبيل علة ما به الوجود. كما قلنا وبرهنا على ان الاستمرار يحتاج إلى اقتران كلتا الحصتين من العلل.
وواضح من بيانه انه ناظر إلى علة ما به الوجود. وغير ناظر إلى علة ما منه الوجود وهو الفيض الإلهي. فغايته انه يبرهن على ان الأفعال تحتاج في استمرارها إلى استمرار الإرادة التي هي علة ما به الوجود. وهذا أمر آخر أجنبي عما يدعيه المفوضة من الاستقلال عن العلة الأخرى، وهي الفيض. ولا ملازمة بين الأمرين.
فللمفوض ان يقول: أننا نسلم ذلك في حاجة الفعل الاختياري، إلا أننا لا نسلمه بالنسبة إلى الفيض. وكونه محتاجا إلى هذه العلة لا يلزم انه محتاج إلى العلة الأخرى.
فان مشينا بهذا الممشى الذي يستفاد من المحاضرات، أمكن القول: بأن الفعل الاختياري يحتاج إلى استمرار الإرادة فقط بصفتها السبب الأساسي له. وعندئذ نكون كالمفوضة، فإنهم يقولون بذلك أيضا. ويغضون النظر عن الفيض الإلهي، كما غضضنا النظر عنه.
لا أنهم يقولون ان الفعل الاختياري ليس له علة إطلاقا. أو ليس لاستمراره علة. بل ان الله سبحانه حين انعزل عن خلقه، قد أوكل الخلق إلى نفسه. يعني إلى علة ما به الوجود. وهذا يعني انه سبحانه أوكل الفعل الاختياري إلى الإرادة نفسها حدوثا واستمرارا. فهذا البرهان توكيد لقول المفوضة وليس نفيا له.
هذا أولاً.
ثانياً: ان تقسيم الأفعال إلى الآنات والأزمان، لا يخلو من مناقشة، من
ــــــ[165]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حيث أننا نشعر وجدانا بوجود إرادة دائما لكل فعل. لا عدة إرادات لكل الآنات. وإلا لكانت الآنات اصغر من التصور، وكان تعدد الأفعال والإرادات اكبر من التصور، بل قد يكون التعدد لا نهائيا. ومن هنا ينبغي ان نعيد النظر في زمانية الأفعال.
ويمكن ان يجاب هذا بعدة أجوبة:
أولها: ان تصور انقسام الأفعال إلى وحدات إنما هو باعتبار الزمان لا غير. وقد برهنا في محله: ان الزمان مفهوم انتزاعي ليس له وجود في الخارج ولا في الواقع. وإنما منشأ انتزاعه هو منشأ انتزاع السبق واللحوق.
كما ان منشأ انتزاع الجهة أيضا هو السبق واللحوق المكاني. إذن, فلم يبق بالدقة إلا نفس الأفعال وانتفى الظرف الذي اعتبره في المحاضرات منشأ التقسيم.
فإذا انتفى منشأ التقسيم انتفى التقسيم نفسه. وأمكننا ان نلاحظ كل فعل بوحدته الكاملة. فهو فعل واحد ناشئ من إرادة واحدة، وغير متحلل لأجزاء محدودة ولا غير محدودة (لا متناهية).
ثانيها: ان هناك ما يمكن ان نسميه بالإيهام التكويني. وذلك إننا أولاً نقول: أننا نلحظ الفعل وعلته وهي الإرادة لحاظا عرفيا، ونحكم عليه بالوحدة. وهذا أمر معقول.
إلا اننا إذا دققنا في أنفسنا نجد ان الإرادة واحدة غير زمانية. مضافا إلى وجدانية وحدتها بالدقة. فإذا كانت واحدة وكان الفعل متعددا (بعد التنزل عن الوجه السابق) لزم المحال، وهو صدور المتعدد من الواحد. وهو ينافي قاعدة: ان الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. والمفروض أننا نسلم بصحة هذه
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القاعدة ولو مؤقتا.
أو أننا نبرهن بوحدة العلة على وحدة المعلول. وهذا وجه جيد. أو أننا نصير إلى ما سميناه بالإيهام التكويني.
وحاصل فكرته: ان ما هو عرفي وهو وجود الفعل باتصاله الزماني هو أمر محسوس تكوينا ووجدانا، وان لم يكن كذلك بالدقة العقلية. ولذا سميناه بالإيهام.
وهذا ينحل إلى أمرين: أحدهما: توسيع معنى الحاضر (الظرف) إلى مقدار معتد به، فلا يبقى معنى الحاضر مجرد لحظة صغيرة خارجة عن التصور. ثانيهما: توسيع المظروف إلى نفس المقدار.
وهذا إحساس وجداني لا يرتبط بالحواس الخمسة. ولذا لو قيل لنـا: ان الحاضر اصغر مما يتصوره العقل، لكان سببا للضحك. ولو أحسسنا به كذلك وجدانا، لم يمكننا العمل. فاقتضت الحكمة الواقعية ذلك الإيهام.
وهذا ونحوه ليس نادرا في الإحساس. كانكسار القلم في الماء. واستمرار الرؤية بعد إغماض العين، ورؤية الصورتين اللتين تراهما العينين صورة واحدة. ولعل كل الأحلام على هذا الغرار أيضا.
لا يقال: إننا حصلنا للفعل طولا زمانيا، فيمكن تقسيمه إلى عدة أقسام. قلنا: ان هذا القول الذي حصلناه ينافي مع التقسيم، لأنه إلغاء له. فيكون الرجوع إلى التقسيم إلغاء لهذا القول. لأنه لا يمكن الجمع بينهما.
وحيث كان الطول الزماني الحاضر وجدانيا، فهناك فعل واحد وإرادة واحدة، وانتفى التقسيم الذي زعمه في المحاضرات.
هذا كله ثانياً.
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: لا ملازمة في استغناء البقاء عن المؤثر، بين الفعل الاختياري والفعل القهري. فقد نقول باستغنائهما معا كما عن المفوضة. وقد نقول بحاجتهما معا، كما هو الصحيح.
وقد نقول بحاجة ما هو قهري وعدم حاجة ما هو اختياري، لاستغنائه بالاختيار عن ذلك. كما قد يظهر من بعض مطاوي المحاضرات.
وقد نقول بالعكس، يعني بحاجة الفعل الاختياري إلى المؤثر لأنه منحل إلى أجزاء بخلاف المعلول القهري، فانه واحد.
ومحل الشاهد هو أننا إن قلنا باستغناء الفعل الاختياري عن العلة بقاء، لم يلزم القول باستغناء الفعل القهري كذلك. وان قلنا بحاجة الاختياري إليها لم يتعين ذلك في القهري.
غير ان الصحيح هو ان هناك برهانا واحدا يشملهما، فيكونان بمنزلة المعلولين لعلة واحدة. ويحتاجان معا إلى الفيض. وليس ان حاجة أحدهما ناشئة من حاجة الآخر، بل كلاهما محتاج إلى الفيض المشترك في نفسه.
فقول المحاضرات: بأن الأفعال تحتاج إلى علة في بقائها، لا يعني بطلان ذلك في القهريات، ما لم يتم برهان خارجي على ذلك.
رابعاً: انه مما يحتمل ان يخطر في البال: انه في المحاضرات جعل الإرادة بمنزلة الفيض الإلهي. فمثلا: تكون القدرة بمنزلة ما به الوجود. وتكون السلطنة والإرادة بمنزلة ما منه الوجود. ولا يحتاج الفعل إلى شيء ثالث.
جوابه: من وجوه:
أولها: ان في هذا قطعا للفيض الإلهي، كما قال المفوضة أنفسهم.
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانيهما: انه يوهم ان الفيض كما يكون بيد الله يكون بيد الإنسان وهذا محال.
ثالثهما: ان الإرادة ليست من قبيل الفيض لتحل محله. بل حتى إرادة الله ليست من قبيل فيضه، بل الفيض لديه معلول للإرادة. ومعه فهو لاحق لحصول الإرادة لدى الإنسان. فإذا تنزلنا وقبلنا تقسم الفعل والإرادة إلى أقسام، فلابد من تقسيم الفيض أيضا. ففي كل آن إرادة وفعل وفيض مستقل. ولا يمكن ان يوجد الفعل بدون فيضه.
ثم قال في المحاضرات: ومن ذلك يظهر سر بقاء الكرة الأرضية وغيرها من الجبال والأحجار والأشجار والمياه وما شاكلها من الأشياء الطبيعية، على وضعها الخاص ومواضعها المخصوصة. وذلك نتيجة خصائص طبيعية موجودة في صميم مواردها. والقوة الجاذبية التي تفرض على جميع الأشياء الكونية والمواد الطبيعية. وقد أصبحت عمومية هذه القوة في يومنا هذا من الواضحات. وقد أودعها الله سبحانه في الكرة الأرضية. إلى آخر ما قال.
فقد اخذ نتيجة العلم الطبيعي الأوروبي مسلمة الصحة واعتبره من الواضحات، ويؤسف ان يصدر ذلك من واحد من ابرز علمائنا. فبينما نحن نخضع لنتائج تفكيرهم نراهم لا يخضعون لنتائج تفكيرنا.
وعلى أي حال، فيرد عليه عدة أمور، فيما يخص علة ( ما به الوجود) لحركة الكواكب والنجوم وذلك ضمن عدة وجوه:
الوجه الأول: ان أنصار العلم الطبيعي الحديث يعترفون بأن النظريات العلمية، مهما كانت مؤكدة فهي مبنية على الاحتمال أو على (حساب الاحتمالات). وهم لا يستبعدون تجاه أي حقيقة علمية عندهم، ان توجد
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نظرية أخرى مضادة لها تنفيها وتكذبها.
وان أهم وأعم نظرية مشى عليها العلم الطبيعي الحديث هو النظرية النسبية. حتى أنهم يسمونه بقانون النسبية، يعني أنها ارتقت من مرحلة النظرية ووصلت إلى درجة القانون. كما يعبرون عن الجاذبية بقانون الجاذبية. وهي اعني النسبية ناجحة لديهم في كل التطبيقات الدقيقة التي يعيشونها في اختصاصاتهم.
مع انها أيضا ثابتة لديهم بالاحتمال، وان اول من حاول الخروج عنها أو عليها، هو واضعها نفسه: انشتاين. الذي كان يطمع ببديل لها اشمل واضبط منها، سماها بنظرية المجال الموحد. ولكنه لم يستطع وضعها إلى ان مات. وحسب علمي انها لم توضع لحد الآن.
وملخص فكرتها هو التوحيد بين القوى الرئيسية الأربعة: المغناطيسية والجاذبية والذرية العليا والذرية الواطئة. مع ملاحظة أنهم قد يبدلون المغناطيسية بالكهربائية. والمهم ان النظرية النسبية كانت و لازالت قاصرة عن إنتاج ذلك.
وحسب إطلاعي أنهم ارجعوا أخيرا ثلاثة منها إلى معنى واحد، وبقيت القوة: الجاذبية.
الوجه الثاني: ان قانون الجاذبية الذي سلم به في المحاضرات، ودافع عنه، نفاه انشتاين نفسه في النظرية النسبية. وارجع هذه الظاهرة إلى تقارب وتباعد الأجسام، لا إلى خصوصية مودعة في الجسم نفسه. بالرغم من إمكان حساب السرعة بدقة رياضية كافية. إلا انه قال: اننا لا نعلم هل الأرض تقترب من التفاحة أو التفاحة تقترب من الأرض. أو ان كلاهما يقترب نحو الآخر.
ــــــ[170]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومثل الجاذبية بجذب الضياء للفراش.
الوجه الثالث: قالوا: ان مدار الكواكب يتعين من المحصلة بين القوة الجاذبة والقوة الطاردة الناتجة من الدوران. ويذعنون بأن كل الكواكب والنجوم صغرى وتطبيق لقانونها.
إلا ان هناك ثلاثة أمور رئيسية تتحكم في الموقف: أحدهما: مقدار جاذبية الشمس للكوكب. ثانيهما: بُعد الكوكب عن الشمس. ثالثهما: سرعة الكوكب حول الشمس.
والأمر الأول لا يتغير، إلا ان الآخرين يتغيران، ومقتضى القاعدة انه كلما زاد البعد قلت الجاذبية، فاحتاج الكوكب إلى سرعة اقل للحصول على تلك (المحصلة).
وهذا يعني ان الكواكب القريبة للشمس كالزهرة والمريخ، ينبغي ان تسير بسرعة أعلى بكثير من الكواكب البعيدة عنها. وهذا غير صحيح. بل لعل الأمر بالعكس أحيانا.
هذا، لو سلمنا بوصول جاذبية الشمس إلى أقصى مقدارها، من التوابع الشمسية، كاورانوس ونبتون، وغيرهما. وما يقال، في المجموعة الشمسية يقال في غيرها.
الوجه الرابع: اننا نسأل: هل الشمس أقوى في جاذبيتها أم الأرض. طبعا الشمس عندهم أقوى لأنها اكبر حجما. ولذا فهي تجذب الأرض وغيرها. فلماذا لا تجذب الشمس توابع تابعيها كقمر الأرض وأقمار المشتري. بحيث يتحول دورانها إلى ما يكون حول الشمس، لا حول الأرض ولا حول المشتري.
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أو ان تؤثر جاذبية الشمس في ان يبتعد القمر عن الأرض، بالتدريـج.
نعم قالوا بابتعاده بالتدريج البطيء، إلا أنهم اوعزوا ذلك إلى زيادة سرعته إلى نسبة الجاذبية، من حيث ان المحصلة بينهما ليست دقيقة إلى هذه الدرجة. ولم يوعزوا ذلك إلى الشمس. مع اننا يمكن ان نضم كلتا هاتين النظريتين، فيوجب الإذعان بسرعة انضمام القمر إلى الشمس وتخليه عن الأرض.
الوجه الخامس: توجد في الكون ظواهر عديدة مذكورة في المصادر الفلكية منافية للجاذبية.
منها: ان اثنتين من المجرات قد يلتقيان في طريق سيرهما الطويل فيتداخلان ثم تخرج إحداهما من جهة والأخرى من الجهة الأخرى، وتأخذ كل مجرة كل نجومها معها، بدون أي تخلف إطلاقا، مع ان قوى الجاذبية مع تداخل المجرتين تختلف بطبيعة الحال. مما قد يوجب التحاق بعض نجوم إحداهما بالأخرى. أو تعذر انفصالهما، واعتبارهما مجرة واحدة. مع ان هذا ونحوه لا يحصل إطلاقا.
ومنها: حال المذنبات، فان المذنب قد يقترب من أجرام كونية ضخمة، ولا يسقط عليها. كما لا تسقط عليه الأجرام الصغيرة كما لو مر المذنب قرب حزام الكويكبات التي تدور حول الشمس. فان مقتضى قانون الجاذبية ذلك، ولم يحصل.
ويمكن ان نتساءل هنا عن حالة الكون المتجاذب الأجزاء، بغض النظر عن الدوران. إذن، سيصبح كتلته واحدة متراصة. فلماذا لم يحــدث؟ مع ان الدوران ليس مؤبدا، ولم يحدث بعد ما يسمى بالانفجار العظيم فورا. فكيف حصل الدوران وكيف تحددت سرعته، مع ان مقتضى قانون الانفجار هو سير
ــــــ[172]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأجزاء بخط مستقيم.
فان قلت: فانه يتحصل من كل ذلك تدخل الإرادة الإلهية. في كل هذه الظواهر وغيرها. ومعه نكون قد نفينا علة (ما به الوجود) واكتفينا بعلة (ما منه الوجود) وهو على خلاف مسلكنا.
قلنا: هذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأننا مشينا إلى الآن على هذه الأطروحة التي عليها رأي الشيخ المظفر وأستاذه الشيخ الأصفهاني قدس سرهما، ولعلها اوضح الأطروحات، في حين تبتني هذه المناقشة على أطروحات أخرى لعلنا نتعرض لها فيما بعد.
واما صغرى، فلأننا نفينا هذه العلة المنظورة، من علل (ما به الوجود) لا اننا نفينا كل علة محتملة: فلعل هناك علة أخرى لم نتعرف عليـها. أو لا يهمنا التعرض إليها. ولو تعرض لها في المحاضرات كأطروحة محتملة لكان وجها. بدل الجزم بالأسلوب المتعارف الحديث، الذي لم يكن الجزم به صحيحا، كما اوضحنا.
هذا، ولا ينبغي الاستمرار في مناقشة المفوضة، بعد ان اتضح أهم المطالب. وإنما المهم الآن ان نبدأ بالفقرة التالية في هذا المبحث، وهي أطروحة الأمر بين الأمرين، وسيتضح من خلالها، مطالب تخص المجبرة ومطالب تخص المفوضة تدريجا بعونه تعالى.
أطروحات الأمر بين الأمرين:
وحديث الأمر بين الأمرين، وارد عن المعصومين سلام الله عليهم في خصوص الأفعال الاختيارية. والأطروحات الرئيسية الآتية تخصها أيضا، لأنها
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تفسر نفس الموقف. إلا اننا ينبغي ان ننظر أولاً إلى العلل القهرية وفلسفة أطروحاتها ثم نأتي إلى الأفعال الاختيارية.
وللعل القهرية عدة أطروحات. نذكرها فيما يلي، من حيث اننا لا نبرهن عليها ولا نختار واحدة بعينها:
الأطروحة الأولى: تقسيم العلة إلى سبب وفيض أو إلى علة وفيض. أو إلى ما به الوجود وما منه الوجود.
وهي ما تعرضنا له فيما سبق، ونسبناها إلى الشيخ المظفر .
وخلاصتها: ان المعلول لا يجب وجوده (بالغير) عند وجود السبب الأدنى، وإنما يحتاج في وجوده إلى الفيض. وكان يقول: ان العلة إذا تمت طلب المعلول الوجود من باريه بلسان حاله. والله تعالى كريم لا بخل في ساحته، فيفيض عليه الوجود. وهذا واضح في أمرين:
أحدهما: ان علة (ما به الوجود) أو السبب الأدنى، إنما هو بمنزلة المقتضي وليست علة تامة، كما تخيل سائر الفلاسفة والمتكلمين.
ثانيهما: ان الله تعالى يفيض الوجود على المعلول عندئذ اختيارا لا قهرا وقسرا عليه. كما يتخيل بعض اولئك أيضا.
الأطروحة الثانية: وهي التي يمكن ان تنسب إلى المشهور. وهي بعينها السابقة إلا انها تعطي أهمية واحتراما إلى علة ما به الوجود. وان الله تعالى ملزم بإفاضة الوجود لدى إتمام العلة، لأن ذلك مقتضى النظام التام والقدرة اللانهائية، فتخلفه قبيح، فيكون محالا، بكلا العقلين العملي والنظري معا.
حتى قالوا: ان صدور الفيض من الواجب، كصدور الرائحة من الورد.
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وذلك يعني القهرية.
الأطروحة الثالثة: وهي التي يمكن ان تنسب إلى الحكمة المتعالية.
وهي نفسها السابقة مع التهوين من علة ما به الوجود. وإعطاء الأهمية لعلة ما منه الوجود. وان الحقيقة ان هذا الوجود كله من الفيض الإلهي. وان الله سبحانه هو الذي أعطى صورة الأسباب والمسببات. وإلا فالحقيقة انه هو الذي سبب الأسباب، ولا سبب غيره. واما هذه الصور، فإنما هي لمصلحة حفظ النظام في الظاهر.
بقيت أطروحتان متقابلتان تقومان بإلغاء إحدى العلتين، إلغاء تاما. نذكرها بنفس الترقيم السابق. وهي ليس من قبيل الأمر بين الأمرين.
الأطروحة الرابعة: إلغاء علية ما منه الوجود. وان العلل توجد معلولاتها بنفسها باعتبار طبائعها. ولا تحتاج إلى فيض من الخارج.
وهذا أما اعتقاد مادي أو اعتقاد للمفوضة. وان كان الماديون يميلون إلى إلغاء ونفي العلية بالمرة، لأنه معنى غير محسوس فهو غير موجــود. لأن كل ما هو غير محسوس فهو غير موجود في نظرهم. وإنما يقولون بمجرد وجود الترتب. وهم الآن خارجون عن محل الكلام، وإنما كلامنا الآن مع من يؤمن بالله سبحانه وتعالى.
الأطروحة الخامسة: إلغاء علية ما به الوجود إلغاء تاما. باعتبار القول بشكل من أشكال وحدة الوجود وان كل هذه الموجودات المتكثرة وهم صرف. وإنما الكل راجع إلى وجود الله سبحانه. فالكل قائم به ودائم به وراجع إليه. فهو موجود بوجوده وظل من ظلاله.
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فالوجود الامكاني منفي بالمرة، وإنما الكل هو وجود الواجب تعـالى. فإذا حصلت أية علية، فإنما هي منه مباشرة.
وفرق هذه الأطروحة عن الثالثة انه هناك نعترف بالوجود الامكاني، وهنا ننفيه.
الأطروحة السادسة: القول بنحو من أنحاء تداخل العلتين أو توحيدهما. وهذا يكون باعتبار إرجاع ما به الوجود إلى ما منه الوجود. وذلك بالقول بإمكان ان يتولى الله سبحانه كلا طرفي العلة. وان قلنا باستحالة العكس وهو الإفاضة من قبل علة ما به الوجود.
وهذا مما تعترف به أطروحتان على الأقل من الأطروحات السابقة وهي الثالثة والخامسة. إلا انها لا تكون نظريا هنا زائدة على تلك وخاصة الخامسة. فتأمل.
واما باعتبار إرجاع علة ما منه الوجود إلى ما به الوجود، وهو محل الشاهد في هذه الأطروحة، وذلك بالتقريب التالي:
وذلك: ان الفيض وان كان يحتاجه المعلول في وجوده. إلا انه ليس من خارج العلة بل من داخلها. من حيث ان الله تعالى جعل النظام هكـذا. فاودع في كل علة إمكان إفاضة الوجود على معلولاتها. فهي تقوم بعلية ما به الوجود بالاستقلال والمباشرة. وبعلية ما منه الوجود بالنيابة عن الله سبحانه، من حيث إقدار الله سبحانه إياها عليه.
وبذلك تكون كالأطروحة الثانية المشهورية في إعطاء الأهمية إلى علة ما به الوجود. وتفسر ضرورة الفيض لأنه نابع من باطن نفس العلة، وهو قانون طبيعي سنه الله في خلقه.
ــــــ[176]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وبناء على أكثر هذه الأطروحات ينبغي ان نسلم قدرة الله سبحانه على الحيلولة بين العلة (ما به الوجود) ومعلولها. غاية الأمر ان فلسفة ذلك تختلف بين الأطروحات. فالاولى لعدم تمامية العلة، والثانية لعدم وجود الشرط والثالثة لعدم وجود المقتضي والسادسة لوجود المانع. وهكذا.
واستعراض هذه الأطروحات ينفعنا في أمرين بالنسبة إلى الأفعال الاختيارية:
الأمر الأول: ان الأفعال الاختيارية حصة من الخلق العام بلا شك. فيجب ان تشملها الأطروحة العامة التكوينية، مهما كانت.
فإذا قلنا أية أطروحة آتية في الأفعال الاختيارية، فينبغي ان لا تكون منافية للأطروحة العامة المختارة ان وجدت. أو انها تكون قابلة للصدق على عدد منها، يمكن ان يكون صحيحا.
الأمر الثاني: اننا علمنا أيضا مما سبق ان الإرادة حصة من علة ما به الوجود أو السبب الأدنى. فالصغرى محرزة. اعني صغروية الأفعال الاختيارية للأطروحات التكوينية.
فكل أطروحة اعترفت بهذه العلية، فيمكن ان نعرض على أساسها أطروحة الأمر بين الأمرين. أو ان نقول باختيارية الأفعال. وهذا متوفر في كل الأطروحات عدا اثنين منهما:
وهما: الأطروحة الثالثة: التي تهوّن من علة ما به الوجود. باعتبار ان الله سبحانه هو مسبب الأسباب وهو الذي يوجد السبب والمسبب معا.
ومعه لو طبقنا ذلك على الأفعال الاختيارية لصرنا إلى الجبر حتما. إلا
ــــــ[177]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بتخريجات سوف تأتي: منها: ان الإرادة من الله سبحانه. إلا انه يكفي في الثواب والعقاب إرادية الفعل فقط. ولعلها المشهورة عندهم. ومنها: القول بأن الأفعال الاختيارية خارجة استثناء من القاعدة العامة. بدليل خارجي، وذلك بمشيئة الله تعالى.
وكذلك الأطروحة الخامسة. المتفرعة على القول بالفناء. فان القائل بها ينبغي ان يسلم بأن أفعال الإنسان وكل شيء إنما هو فعل الله عز وجل. وهو نحو من القول بالجبر.
إلا انه يهون الخطب في ذلك أمران:
الأمر الأول: ان هذه الأطروحة ترجع كل الوجود إلى انه هو الوجود الإلهي لانتفاء الوجود الامكاني بالمرة. فأما ان نقول هناك: ان الأشياء كلها ثابتة حقيقة وان بدت متحركة وهما. فنصير إلى نفي وجود الأفعال الاختيارية، فتكون سالبة بانتفاء الموضوع. واما ان نقول: ان الفاعل حقيقة هو الله سبحانه، ولا وجود لزيد أصلا. فيكون سالبة بانتفاء الموضوع للفاعل أيضا.
الأمر الثاني: ان يقال: ان هذه الأطروحة ان سلمنا بها، فهي نظرية بحتة، لأن ما هو عملي هو عالم الاستقلال والكثرة، وهو الذي بعث فيه الرسل وأنزلت الكتب وسنت فيه الشرائع. إذن، ففي حال تصور ذلك يكون الفعل اختياريا لا جبريا.
فان قلت: ان هذا مجرد وهم بناء على هذه الأطروحة. قلنا: نعم، إلا ان الفرد يحاسب على مستوى شعوره. فما دام هذا الوهم مستوعبا لشعور الفرد ، فهو يحاسب على أساس فعله الاختياري. وإذا وصل الفرد إلى مستوى الفناء لم يحاسب لانتفاء الأشياء المتكثرة في نظره.
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا هو أحد تفاسير قول ابن عربي – وهو ممن يرى الفناء -: ان الرب يقول للعبد يوم القيامة: أنت فعلت. فيقول العبد: بل أنت فعلت. فيقول الرب: أنا فعلت، ولكن هذا اسبق من هذا، ويؤمر به إلى النار.
يعني ان الإحساس بعالم الاستقلال اسبق من الإحساس بعالم الفناء. والعمل السيئ ناتج خلال الاستقلال. وينسبه الفرد إلى نفسه في حينه. فيحمله الله مسئوليته.
………………………..
والآن نبدأ بالأطروحات المحتملة للأمر بين الأمرين. ونحن نجد باستعراض الروايات المنقولة عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم: أنهم لم يصرحوا بحقيقة ذلك لأنه من أسرار الله سبحانه، وأعلى من أفهـام الناس. وفي بعض الروايات يقع السؤال: ما هو الذي بين الجبر والتفويض. فيجيب الأمام : اوسع مما بين السماء والأرض. ولا يصرح ما هو ذلك الأمر الواسع. ولذا يضطر المفكرون الإسلاميون وعلماء الإسلام، إلى محاولة فهمه بنحو الأطروحات.
الأطروحة الأولى: وهي الأشهر في الحوزة الشريفة، والتي ذكرها الأستاذ المحقق في البيان وفي المحاضرات، وقد اعتبرها النهائية التي لا بديل لها. مع انه بالدقة لم يبرهن على كل مقدماتها برهانا كاملا. ومن ثم لم تخرج عن كونها مجرد أطروحة محتملة. فإذا حصلت أطروحة أوسع أو أعمق منها أو أكثر إقناعا للعقل أو انها متقدمة عليها رتبة تعين الأخذ بها. حتى لو كانت هذه الأطروحة صحيحة، فضلا عما إذا لم تكن صحيحة بل كانت قابلة للمناقشة كما سيأتي.
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ونحن فيما يلي نذكر مطالبه مقدمة مقدمة ونناقشها، لا اننا نذكر كلامه كله دفعة واحدة.
قال : تفصيل ذلك: ان أفعال العباد تتوقف على مقدمتين:
الأولى: حياتهم وقدرتهم وعلمهم وما شاكل ذلك.
الثانية: مشيئتهم وإعمالهم القدرة نحو إيجادها في الخارج.
والمقدمة الأولى تفيض (والصحيح: تفاض) من قبل الله تعالى، وترتبط بذاته الأزلية ارتباطا ذاتيا. وخاضعة له، يعني انها عين الربط والخضوع، لا انه شيء له الربط والخضوع.
والمقدمة الثانية تفيض (تفاض) من العباد عند فرض وجود المقدمة الأولى. فهي مرتبطة بها في واقعا ذاتا. وعليه فلا يصدر فعل من العبد إلا عند إفاضة كلتا المقدمتين. واما إذا انتفت إحداهما فلا يعقل تحققه. وعلى أساس ذلك صح إسناد الفعل إلى الله تعالى، كما صح إسناده إلى العبد.
وواضح: ان هذا الكلام مبتن على عدة تسامحات في التعبير، تتضح من خلال المناقشات التالية.
الأولى: ان اغلب الأطروحات التكوينية اعترفت بكلتا الحصتين للعلية. وأثبتت الفيض الإلهي، إلا اثنين منها وهما: الأطروحة المادية والأطروحة المفوضية. فإذا عزلنا الأطروحة المادية، كما سبق، لم تبق إلا أطروحة المفوضة.
ومن الواضح صغرويا ان كلا الأمرين اللذين ذكرهما في المحاضرات، هو من قسم السبب الأدنى: (قدرتهم وإعمال مشيئتهم) فمن الصحيح ان إحدى
ــــــ[180]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المقدمتين لو زالت لم يصدر الفعل، لقصور السبب الأدنى عندئذ. ولكن فيه إنكارا أو إهمالا للفيض الإلهي. فانه إذا حصل السبب الأدنى ولم يحصل الفيض لم يحصل الفعل أيضا. وقد سبق ان قلنا ان أكثر الأطروحات تقول بإمكان حجب الفيض على أي حال.
فان قلت: انه بناء على الأطروحة السادسة، وهي إمكان الفيض للسبب الأدنى تتم هذه الأطروحة الأولى.
قلنا: هذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى. أما كبرى: فللمناقشة في أصل الأطروحة المشار إليها، من حيث ان الفيض خاص بالله تعالى، ولو قلنا انه شامل للعباد من حيث جعله في طبائع العلل لزمت عدة محـاذير.
منها: إمكان الالتزام بكلام المفوضة. للاستغناء عندئذ عن الفيض الإلهي.
فان قلت: ان المدد الفيضي يكون آنيا عند نجاز العلية، لا مســتمرا، فلا يحصل التخلي. قلنا: ان هذا خلف جعل الفيض في طبائع العلل، حيث تكون نفسها المفيضة، والمفروضة استمرار العلة باستمرار المعلول. فيمكن ان لا يحصل الفيض الإلهي، بل يتعين عدمه.
ومنها: ان العلل غالبا مركبة، فنسأل ان أي جزء منها هو المفيض. والمجموع مفهوم انتزاعي لا تحقق له خارجا. إذن، فلا فيض.
واما صغرويا فلعدم اختياره في المحاضرات لهذه الأطروحة. أو لم يلتفت إليها، أو لا دليل على ذلك على الأقل.
الثانية: انه قال: ان حياتهم وقدرتهم وعلمهم هي عين الربط والخضوع، لا انه شيء له الربط والخضوع.
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وهذا التعبير مجازي لا محالة. فان الربط والخضوع مصادر، والمصادر مفاهيم انتزاعية، ويستحيل ان تتحقق في الخارج. فكونه عين الربط يعني انه عين هذا المعنى المصدري، وهو لا محصل له.
فان قلت: فانه يعود إلى الأطروحة التكوينية الخامسة وهي الأطروحة الفنائية. من حيث ان هذه الأشياء لا وجود لها إلا بوجود الله سبحانه.
قلنا: هذا مردود صغرى وكبرى. أما صغرى فلعدم ثبوت اختيار المؤلف لهذه الأطروحة. واما كبرى فلما عرفناه من ان الأمر يدور فيها بين عدم وجود زيد بالمرة أو وجوده وكونه مجبورا. والمؤلف لا يعترف حتما بكلتا النتيجتين. وان كان قد يعترف بهما أو بإحداهما أصحاب تلك الأطروحة.
فان قلت: فانه يمكن ان يرجع كلامه إلى الأطروحة التكوينية الثالثـة: وهي التي تعطي الأهمية للفيض الإلهي. إذن، فالقدرة والعلم في العبد قائم بالفيض الإلهي المستمر.
قلنا: ان هذا مطعون كبرى وصغرى. أما صغرى فلعدم الدليل على التفاته إلى هذه الأطروحة. ومن الواضح انه لم يلتفت إلى أية أطروحة تكوينية. واما كبرى، فلأننا قلنا بالفيض على المعلول عند وجود العلة. وهذا ما يعود إلى تفاصيل المعلولات، بما فيها الأفعال الاختيارية. واما ذات العبد فإنها وان كانت قائمة بالفيض، إلا انه في هذه الأطروحة يعترف للعبد بالاستقلالية والتأثير في الجملة. وهذا يكفي. ولا يكون العبد فيها عين الربط والخضوع.
الثالثة: انه قال: ان أطروحته تصحح نسبة الفعل إلى الله، كما تصحح نسبته إلى العبد.
وهذا لا يتم: لأن وظيفة الله فيها كونه خالقا لقدرة العبد وعلمه وهو بمنزلة
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الشرط لوجود فعله الاختياري. في حين ان المقتضى هو إرادة العبد. كما ان هناك شروط أخرى لوجود العبد مأخوذة من مجموع ملابسات حياة الفرد. ومن المعلوم ان المعلول ينسب إلى المقتضي لا إلى الشرط ولا إلى عدم المانع.
وهذا ما يوافق عليه الأستاذ المحقق في موارد أخرى، فيقال: النار أحرقت الورقة، وليس الاقتراب منها بمجرده. لوضوح ان الشرط لا يؤثر لولا المقتضي. ومثله نسبة الإضاءة إلى فتح الزر لا إلى وجود القوة الكهربائية.
وكون وجود الإنسان مفاضا من قبل الله سبحانه، لا يلازم كون الفعل مفاضا منه سبحانه. وقد صرح هو بأن الفعل يصدر بالإرادة، يعني لا بالإفاضة. إذن، فنسبته إلى الله لا تصح، كما لو أشعل النار شخص وادخل فيها الورقة شخص ثاني. فالاول ليس محرقا للورقة جزما. وإنما يمكن ان ينسب الفعل إلى الله سبحانه، بإفاضة الوجود على الفعل نفسه لا على الفاعل، وهذا ما لا تتكفله الأطروحة.
رابعاً: قوله: ان الأفعال تفاض من قبل الإرادة، وهذا يصدق فقط بناء على الأطروحة السادسة التي ناقشناها. ولا اعتقد انه يقصدها. والشيخ المحقق الأصفهاني قال باستحالة ان يكون المخلوق مفيضا.
خامساً: ان سياق كلامه يدل على ان الفعل مرتبط بالعبد والعبد مرتبط بالرب، إذن فالفعل مرتبط بالرب.
وقد عرفنا جوابه: من حيث ان الرب تعالى موجد للفاعل، لا انه فاعل للفعل. كما انه لا يكون بمنزلة المقتضي إلا إذا كان مقتضيا فعلا. والعمل لا ينسب إلى الشرط وإنما ينسب إلى المقتضي خاصة عرفا وعقــلا. كما لا ينسب الفعل إلى علة العلة، بل إلى العلة بالخصوص.
ــــــ[183]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نأتي الآن إلى المثال الذي ضربه الأستاذ المحقق في المحاضرات والبيان. وحاصله: إعطاء القوة الكهربائية للمشلول، بحيث يتحرك، يعني يكون قابلا للحركة. فلو ذهب المشلول وقتل شخصا نسب الفعل إلى الشخصين. أما الفاعل فواضح واما الله سبحانه فباعتبار أمرين، تذبذب في بيانهما:
أولاً: لأنه معطي القوة.
ثانياً: انه متى أراد ان يقطع المدد لقطعه، ولكنه لم يقطعه، مع علمه بعمله، فينسب العمل إليه.
وهذا قابل للمناقشة من عدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذا المثال يختلف عن أصل النظرية بأمور، منها:
1- ان في المثال شيء له الارتباط لا انه عين الارتباط.
2- انه صرح في أصل النظرية ان الإرادة مرتبطة بالعبد ذاتا والعبد مرتبط بالرب ذاتا. إذن فالفعل المراد مرتبط بالرب ذاتا. وهذا يختلف عن المثال فان إرادة الفاعل غير مرتبطة بباعث القوة الكهربائية.
الوجه الثاني: قوله: ان الفعل ينسب إلى الله سبحانه لأنه معطي القوة. فهذا فيه ثلاثة احتمالات:
1- أصل الوجود .
2- الإرادة .
3- القدرة.
أما الأول فلا تصح النسبة باعتباره، كما سبق، لأنه علة العلة أو لأنه شرط
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العلة أو جزؤها.
واما الثاني، فيلزم منه الجبر ان لم نقل انه يكفي في الفعل ان يكون إراديا. مضافا إلى ان هذه هي أطروحة كافية في نفسها مقابلة لأطروحته. وهي التي يميل إليها صاحب الكفاية وسنذكرها ونناقشها.
واما الثالث: فالقدرة هي تكوين أصل وجود الإنسان، لأننا لا نريد بها خصوص اللحم والعظم والمخ. وإنما نريد به كل التكوين الإنساني الفاعل إلا الإرادة. فيندرج فيما قلناه عن الاحتمال الأول.
الوجه الثالث: قوله: انه متى أراد ان يقطعه قطعه. فينسب إليه بهذا الاعتبار مع علمه بعمله.
جوابه: ان هذا لا يكفي لوضوح ان النسبة إليه من باب نسبة عدم إيجاد المانع. وهي نسبة ممنوعة. فلو كنت أستطيع ان احبس الجاني قبل وقوع الجناية فلم احبسه ففعل. فهل أكون إذن جانيا؟
ولنا كلمة حول صحة النسبة إلى الله في هذه الأطروحة. فانه لا يخلو أما هو الشرط أو عدم المانع أو المقتضي أو علة العلة. والنسبة أما عرفية أو عقلية.
أما النسبة العقلية فغير مقصودة جزما. لأن النسبة بهذا الاعتبار ممكنة، لأي شيء يوجب عدمه عدمه. مهما قلّت المشاركة في النتيجة أو كان جزءا صغيرا من العلة. وهو أمر غير محتمل.
مضافا إلى اننا نتكلم عن العرف باعتبار ان ظهور الكتاب والسنة عرفي. فلابد من صدق النسبة عرفا، فالحديث عن صدقها عقلا في غير محلـه.
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمهم في الصدق العرفي كونه فاعلا أو صادرا منه أو منسوبا إليه. ومن المعلوم انه لا ينسب الفعل إلى الشرط ولا إلى عدم المانع ولا إلى علة العلة، بل إلى خصوص المقتضي أو العلة الفاعلية.
ومن هنا نجد أنهم وان قالوا: انبت الربيع البقل، إلا أنهم تسالموا على مجازية هذا الحمل والتسامح فيه. والكلام الآن عن النسبة الحقيقية.
فان قلت: ان الله سبحانه هو المقتضي لفعل الإنسان، فتصح النسبة إليه من هذه الناحية.
جوابه: أولاً: انه يلزم منه الجبر، لأن معناه ان إرادة الإنسان هي بمنزلة الشرط فلا ينسب الفعل إلى الفاعل ويصح نفيه عنه. وإنما ينسب إلى الله سبحانه وحده.
ثانياً: انه بناء على هذه الأطروحة، لا يكون الله سبحانه مقتضيا للفعل الاختياري، بل هو مقتضي للفاعل فقط. وهذا بمجرده لا يصحح النسبة.
فان قلت: فان الله سبحانه هو فاعل ما منه الوجود، فيكون مقتضيا للفعل من هذه الناحية.
قلت: ان هذا الكلام غير متوفر في هذه الأطروحة بل يرجع إلى أطروحات أخرى آتية.
الأطروحة الثانية: للشيخ الآخوند صاحب الكفاية. نسردها بعرض منا. وذلك بأن يقال: انه يكفي ان يكون الفعل صادرا عن إرادة واختيار، ليتحمل الفاعل عنه مسئولية الثواب والعقاب.
فان قلت: فان الإرادة قد تكون غير مرادة. قلنا: بل هي موجودة بالعلل
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الاعتيادية المسماة بمقدمات الاختيار من التصور والتصديق والشوق وغيرها. فان صدر الفعل لا عن إرادة من الفاعل كان هذا على خلاف علم الله سبحانه وإرادته في كون الأفعال إرادية. وهو مستحيل.
فان قلت: عصيان العاصي وكفر الكافر، وان كانا مسبوقين بإرادتيهما إلا أنهما منتهيان إلى ما ليس بالاختيار، وهي الإرادة الأزلية، فلا تصح المؤاخذة.
قلت: ان ذلك راجع للشقاوة الذاتية اللازمة لخصوص ذاتيهما. فانه ورد: ان السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه، وان الناس معادن كمعادن الذهب والفضة. والذاتي لا يعلل. فانقطع السؤال انه لماذا جعل السعيد سعيدا والشقي شقيا. وإنما اوجدهما الله تعالى بالجعل البسيط لا بالجعل المركب. لأنه ذاتي.
ثم قال صاحب الكفاية: قلم اينجا رسيد سر بشكست. يعني وصل القلم إلى هنا وانكسر رأسه. فهو لا يستطيع الاستمرار بالكتابة.
وكأن الوجه في ذلك: ان فيه نحوا من الجبر، لأن الشقاوة الذاتية موجودة بإرادته سبحانه.
وهذا يمكن جوابه – دفاعا عن هذه الأطروحة – بأحد أمور:
الأمر الأول: في النظر إلى ذات الشيء أو ذات الفاعل. فان الله سبحانه لم يوجد الشقاوة ولا السعادة، وإنما فقط اوجد ذات الشقي والسعيد. من حيث أنهم قالوا في المنطق: ان الله سبحانه لم يجعل المشمشة مشمشة، لاستحالة تخلل الجعل المركب بين الذات وذاتياتها، بل ذلك مجعول بالجعل البسيط.
فان قلت: فانه كان الأولى عدم إيجاده، لعدم تورطه عندئذ بالترتب
ــــــ[187]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والعقاب.
قلنا: إيجاده خير محض ونفع له من جميع الجهات. لأن عمل الشر ليس ضروريا له بالعلية التامة (بعد التنزل عن أمور سابقة) والشقاوة إنما هي مقتضي لفعل الشر أو شرط له وليس علة تامة.
فان قلت: فان الله تعالى جعل الشقاوة في ذات الشقي، وليست ذاتية له.
قلنا: ان تنزلنا عما سبق أمكن القول بالوجهين التاليين:
الوجه الأول: ان الله تعالى جعل ذلك لبيان مزيد قدرته وسعة تدبـيره. فان الأرواح والنفوس، أما بالجعل البسيط أو بالجعل المركب، مقولة بالتشكيك والتدرج من الصلاح إلى الفساد على ملايين المراتب والصور. والله سبحانه متعهد بخلق كل ذلك لإقامة الحجة على الخلق، على علمه وقدرته وحسن تدبيره. وامتحان من يخلق منهم أيضا.
الوجه الثاني: انه ان لم يلزم الجبر من ذلك، فهو المطلوب، وإلا لزم تقييد الأدلة. فانه ليس عندنا دليل: ان كل معصية عليها عقوبة فعلية. بل الموانع والقواطع لذلك كثيرة.
فإذا لزم الجبر لبعض النفوس أو في بعض الأحيان، فالله سبحانه لا يقصر مع عبده، ويكون أولى بالعذر. وهذا لا يعني ان كل الذنوب معفو عنها. وإنما بعضها كذلك للحوق التوبة أو الشفاعة وغيرهما.
وعلى أي حال فمع الظروف الصعبة التي قد يمر بها الإنسان، فضلا عن فرض الجبر، تقل المسئولية الأخلاقية للفعل بالعقل العملي، ويكون الله سبحانه هو الأولى بالعفو.
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا ان هذا في الواقع ليس بمجرده عذرا، لأن الخبث يجعل الفرد خبيثا حقيقة، فهو يقتنع بمصلحته وعمله، ويفعل بملء إرادته وقناعته، ويكون على استعداد للدفاع عن موقفه.
فان كانت هناك أطروحة مصححة للاختيار شملت هذا وغيره. وإلا كان اللازم القول بالجبر في هذا وغيره.
ويمكن ان نناقش هذه الأطروحة بعدة مناقشات:
أولاً: انه قد يقال: بأنه لا يكفي ان يكون الفعل إراديا ما لم تكن الإرادة أيضا بالإرادة، واما إذا كانت فيه جهة مشاركة لله عز وجل، ولو بعلة بعيدة، كانت المسألة اقرب إلى الجبر.
ويجاب ذلك: بأحد وجوه:
الوجه الأول: اننا قلنا في وقت سابق: ان كل أو جلّ مراحل علل الإرادة إرادية، فالإرادة تكون أيضا بالإرادة لا بدونها.
الوجه الثاني: ما مشى عليه الآخوند من استنادها إلى علتها كأي شيء آخر، في عالم الممكنات. واما إسنادها إلى الله سبحانه بالخلقة، فهو أيضا مما لا محيص عنه، كأي شيء آخر.
الوجه الثالث: ما أجاب به الأستاذ المحقق، خلال أطروحته السابقة، من ان المهم صدق النسبة، فان كانت النسبة محرزة للعبد كفى. والمفروض خارجا التسليم بالنسبة لأن العمل صادر عن إرادته.
الوجه الرابع: ان ما هو موضوع العقل العملي بالتقبيح إنما هو الفعل المراد ليس إلا، بغض النظر عن علله وعلل علله. فكونه صادرا بالإرادة
ــــــ[189]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والقناعة، كاف في استحقاق العقوبة.
ثانياً: – من المناقشات -: انه أهمل الفيض الإلهي، طبقا لفهم المتكلمين مشهوريا، من ان وجود الواجب يقطع التسلسل في العلل، لوجوده في رأس السلسلة، وليس ان لله دخلا في كل حلقة من السلسلة. وقد علمنا فيما سبق ان هذا يشبه كلام المفوضة ويرجع إليه، لأنهم أنكروا الفيض الإلهي أيضا.
ثالثاً: ان الشيخ الآخوند اخذ بنظر الاعتبار مسلّما، ان الله سبحانه علم وأراد ان يكون الفعل اختياريا، فلو لم يكن كذلك، كان من تخلف الإرادة الإلهية. في حين ان هذا هو اول الكلام. إذ لاشك ان الله تعالى أراد الواقع على واقعه. واما ما هو هذا الواقع المراد له. فهو محل الكلام الآن. وليس لنا ان نأخذ مسلما بنحو المصادرة.
رابعاً: إشكاله بأن إرادة العبد مسبوقة بالإرادة الإلهية فيلزم الجبر.
جوابه: انه لا يخلو إما ان نقول: ان الإرادة الإلهية في رأس السلسلة أو نقول هي مباشرة لإرادة العبد. فان كان الثاني، فهو على خلاف مبناه الذي أشرنا إليه قبل قليل من ان الواجب يقع في رأس السلسلة وليس ملابسا لكل العلل.
وان كان الأول، فجوابه: ما قلناه من ان نسبة الفعل وان صحت بالعقل النظري، لأنه يلزم من عدمه عدمه، إلا انها لا تصح بالعقل العملــي، ولا في نظر العقلاء، فلا يكون موضوعا للتحسين والتقبيح.
الأطروحة الثالثة: نسبها السيد الأستاذ إلى مشهور الفلاسفة. وذلك: أنهم فسروا الاختيار: انه ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل. ومقصودهم: انه ان أراد.
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ومن الواضح ان هذا القضية الشرطية ناظرة إلى الملازمة بين شرطها وجزائها، وليس لها نظر إلى صدق شرطها خاصة، ككل قضية شرطية. فتكون صادقة بصدق الملازمة، ولكن قد يكون شرطها واجبا وقد يكون مستحيلا. يعني ان الإرادة قد تكون واجبة بعللها، وقد تكون ممتنعة لعدم العلة. وهذا يؤكد صدق الملازمة لا انه ينافيها. فمتى ثبت صدق القضية الشرطية ثبت الاختيار، ومتى لم يثبت كحركة المرتعش انتفى الاختيار، لأنه لو أراد ان يوقف الحركة لما استطاع. ومن هنا قالوا: ان الضرورة الناشئة من الإرادة تؤكد الاختيارية لا انها تنافيها.
وهذا مرجعه إلى ما قال في الكفاية من ان الفعل الاختياري هو الصادر عن مباديها، لا الصادر عن الإرادة الصادرة عن الإرادة.
وناقشه السيد الأستاذ بالطعن بمفهوم الاختيار. وقال: انه ان كان اصطلاحا أو معنى لغويا، فلا كلام لنا فيه. وان كان دخيلا في موضوع حكم العقل العملي بالتحسين والتقبيح، فلا يفرق فيه بين الفعل الإرادي وغيره. فكما ان الخوف ناتج من سبب اضطراري كذلك الإرادة ناشئة من سبب اضطراري.
أقول: وهذا ينبغي ان يكون جوابه واضحا. فان هنا ثلاث أشياء: الفعل والإرادة ومباديها. وإشكاله إنما هو في نسبة الإرادة إلى مباديها، فإنها – في حدود هذه الأطروحة – تكون اضطرارية كالخوف وغيره. إلا ان كلام الأطروحة ليس في ذلك بل في العلاقة بين الفعل والإرادة.
ومن الواضح ان الضرورة الناتجة من الإرادة تؤكد الإرادة، بصفتها علة لا يتخلف عنها معلولها. وهو الفعل. وهذا فيه زيادة في الإرادية لا نقصان. ويؤكد ذلك ان مورد الملازمة في الشرطية هو ذلك. كما يؤكده ان موضوع
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
حكم العقل العملي ليس هو الإرادة الناتجة عن مباديها بل الفعل الناتج عن الإرادة. فان العاصي يعاقب على عصيانه، لا على إرادته القهرية.
إلا ان الكلام في ان موضوع حكم العقل هو ذلك، أو هو مشروط بوجود الإرادة في علل الإرادة. فان قلنا بالاول كفى في صحة هذه الأطروحة، وإلا فلا.
وتصح هذه الأطروحة بصحة القضية الشرطية، سواء سميناها بالاختيار، كما مال إليه السيد الأستاذ، كما سمعنا، أم لا. فان كان الاختيار ثابتا بمعنى آخر، ففي الإمكان عندئذ القول بصحة كلا الأمرين أو النظريتين. لا انه ينفي ثبوت هذه القضية الشرطية.
ونحن قد رجحنا كلا الأمرين: وهما: أولاً: ان تكون علل الإرادة إرادية. وثانيا: ان يكون موضوع حكم العقل هو الفعل المراد بغض النظر عن علله. فضلا عن صورة الجمع بين القضيتين.
إلا ان هذه الأطروحة تفتقر إلى الدليل على صحة الشرطية المذكورة. إذ قد يقول الخصم: ان هذا وان كان وجدانيا إلا انه وهم دائم خلقه الله في الإنسان. أو يقول أيضا: ان موضوع حكم العقل العملي هو الإرادة الناتجة عن الإرادة وليس الإرادة وحدها. والاول هو الجبر بالأفعال. والثاني هو الجبر بالإرادة.
الأطروحة الرابعة: نسبها السيد الأستاذ إلى بعض الفلاسفة المتأخرين من غير المسلمين. فقد أنكر وجود الضرورة، ولزوم وجود المعلول عند وجود علته. وشبهة الجبر كانت ناشئة من ذلك. فإذا نفيناه، ثبتت الإرادة والاختيار. فتخيلوا انه بنفي قانون العلية يمكنهم نفي شبهة الجبر.
ــــــ[192]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأجاب عليها السيد الأستاذ: بأمرين:
الأمر الأول: ان هذا الوجه يعود إلى نفي قانون العلية، واثبات الصدفة المطلقة، وهو غير صحيح.
أقول: وهذا الجواب صحيح، وان كان ظاهر كلامهم ان نفيهم لقانون العلية، لا يقتضي إثبات الصدفة المطلقة، لأنهم قالوا بكفاية الترجيح في قانون العلية، مع نفي الضرورة. وهو كاف في نفي الصدفة المطلقة، وان لم يكن صحيحا في نفسه أيضا.
الأمر الثاني: ان نفي الضرورة لا يلازم الاختيار. وقال: من المعلوم ان الصدفة بمجردها لا ينتزع منها العقل معنى الاختيار. فإذا غلى الماء صدفة، فهل نقول انه فعل اختياري للماء.
وهذا قابل للجواب: لأن المهم ليس هو إثبات الإرادة والاختيار. وإنما المهم هو الخروج عن حكم العقل العملي بقبح عقاب العاصي مع حصول الجبر. وهذا القبح مترتب على الجبر. ولاشك ان الجبر مرتفع بهذه الأطروحة. وان لم يثبت عنوان الاختيار.
وبتعبير آخر: يكفي ان هذا الفعل ليس هو فعل الله. وان لم يكن هو فعل العبد، وقد وجد صدفة. والكلام ليس عن استحقاق المثوبة بل عن استحقاق العقوبة خاصة.
الأطروحة الخامسة: ونسبها السيد الأستاذ إلى جملة من الفلاسفة المحدثين. ان الكائنات الطبيعية قد حدد لها مسلك خاص لابد لها من السير فيه. ويمكن التبوء به وحسابه بأدق صورة. بخلاف الحيوان، فان احتمالات تصرفه متعددة.
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فإذا التفتنا إلى الإنسان كانت احتمالات تصرفه أكثر، لأن لديه غرائز وعقل وإدراك للمصالح والمفاسد. وهذا هو معنى الاختيار.
وأجاب عليها: بأن هذه الفرصة المتاحة للإنسان والحيوان، إنما هي وهم. وذلك للإنسان الذي لا يعرف كل الخصوصيات. واما من يعرف كل الخصوصيات، فيمكن ان يتنبأ بالنتائج كلها. فالاختيار متوهم من غموض الجهات الدخيلة في تصرفه، إذن يرجع هذا الأمر إلى الجبر.
إلا ان كلامه في الحقيقة يرجع إلى الجبر. لأن ما قاله في الجواب اقره بنفسه، وهو غير موجود في هذه الأطروحة. وهو ان التعرف على كل الخصوصيات ينتج التنبؤ الدقيق بالتصرف. إذن، سيرجع الأمر إلى العلية التامة. وانه مع الإطلاع على العلية يمكن التعرف على المعلول لِمّاً. فالفعل معلول للإرادة والإرادة معلولة لأسبابها. فرجع الإشكال بغض النظر عن بعض ما سبق.
إلا ان الجواب الأساسي على هذه الأطروحة هي انها أطروحة إثباتية أكثر منها ثبوتية. يعني انها صحيحة للمشاهد لا للفاعل. ولذا يقول: لا يمكن التنبؤ، وهو التعرف إثباتا. في حين لابد من النظر إلى سبب هذه الفرصة الإثباتية الموجودة للإنسان والحيوان. والأطروحة غير كفيلة بذلك.
مضافا: إلى ان هذه الفرصة، وان كانت موجودة، وقد تعني وجود الاختيار. إلا انه لا ينبغي الوقوف عندها، بل لابد من الوصول إلى عللـها، فقد يقول الجبري: ان الإرادة التي هي العلة ليست بالإرادة. باعتبار انها إما هي من الله مباشرة أو هي من عللها، فتعود إلى الجبر.
الأطروحة السادسة: ما اختاره المحقق النائيني ، في دفع الشبهة حيث
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
سلم بأن الضرورة تنافي الاختيار، ولكنه قال: ان قانون العلية لا يشمل بإطلاقه الأفعال الاختيارية للإنسان.
وتوضيح ما قاله: ان حدوث حادثة لمحض إمكانها الذاتي، غير معقول. وإنما يحتاج إلى مرجح. وهذا المرجح الزائد أحد أمرين في العالم.
أحدهما: العلة التامة، الموجبة لوجود الحادثة بالضرورة.
ثانيهما: إعمال القدرة. فانه قد يكون هناك حادثة ويكون لها إمكان ذاتي، وليس لها علة موجبة. ولكن يكون هناك ما يسميه بإعمال القدرة. وهو يكون معوضا عن العلية.
فالفعل، ان قلنا انه فعلا مستند إلى الشوق والإرادة ومبادئها، لكان فعلا غير اختياري للإنسان على ما عرفناه من مسلك الحكماء. ولكن إذا فرضنا ان المبادئ كلها يمكن ان تتم، ومع ذلك يكون للإنسان ان يوجد فعله وان لا يوجده. إذن، فإعمال القدرة يكون بديلا عن العلة الموجبة.
وقرب كون المبادئ كلها تحت الإرادة بأن يقول: انه يوجد في عالم الأفعال الاختيارية فعلان للنفس. أحدهما: خارجي وهو الصلاة. والآخر نفساني، وهو اسبق رتبة من الخارجي. وبعد وجود مبادئ الإرادة لا يحصل وجوب تكويني للصلاة. لأن قانون ان الشيء ما لم يجب لم يوجد غير سار هنا. فالفرد بعد الإرادة يمكنه ان يتحرك وان لا يتحرك.
فيصدر من النفس عملان طوليان: أحدهما: تحرك النفس نحو الصلاة (الفعل). ونسبته إلى النفس نسبة الفعل إلى الفاعل لا نسبة العرض إلى محله، كما هو الحال في الإرادة. والثاني: هو الصلاة. والاول هو الاختيار. فالاختيار عمل نفساني والصلاة عمل خارجي.
ــــــ[195]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وكلا الفعلين اختياريين. أما الاختيار نفسه فهو اختياري، لأن هذا الفعل لم يجب ولم يصبح ضروريا بالإرادة لكي يلزم خروجه عن الاختيار. فهو باق على الإمكان والجواز.
واما الفعل الخارجي، فهو وان أصبح ضروريا بالاختيار، لكن الضرورة الناشئة من الاختيار لا تنافي الاختيار.
أقول: ولكن أي من الفعلين في رأيه خارج عن قانون العلية؟ مقتضى مقدمته انه الثاني، ومقتضى فهم السيد الأستاذ له، انه الأول. إلا ان هذا لا يضر بالنظرية كمقابلة للجبر لوجوه.
أولاً: لأنها تقول: ان كلا الفعلين بالاختيار. وان كان أحدهما بالعلية.
ثانيهما: انه يكفي ان يكون أحدهما إجمالا خارجا عنها، لأن خروج أي منهما يكفي في الاختيار، أما اختيارية الفعل أو اختيارية علته. أو قـل: اختيارية علته أو علة علته. ولا يكون الجبر إلا إذا قلنا أنهما معا إلزاميين قهريين.
وقد ناقشه السيد الأستاذ من زاوية فهمه للنظرية بعدة تعليقات:
أولاً: ان ما ذكره الشيخ النائيني ، من ان تأثير النفس واختيارها في إيجاد الصلاة، هو غير العمل الخارجي. غير صحيح، بل هو عينه. فان الإعمال – بالكسر – عين العمل والتأثير عين الأثر. وعناوينها منتزعة من شيء واحد وجودا. فان الإيجاد نفس الوجود لكنه من حيث كونه منسوبا إلى العلة. فهو واحد مصداقا وان اختلف مفهوما.
ثانياً: ان إدخال فرضية هذا العمل النفساني لا دخل له في حل الشبهة. لأن كل ما يقوله في العمل النفساني من خروجه عن قانون العلية، يمكن ان
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نقوله في العمل الخارجي فقط. وان كان هذا لا يكفي. لأن تكثير العمل لا يكفي في دفع الشبهة.
ثالثاً: اننا إذا لاحظنا الفعل الخارجي نرى انه ينطبق عليه قانون العلية. وعلته العمل النفساني. واما الفعل النفساني، فقد ذكر انه خارج تخصيصا عن قانون العلية، وهو ان الشيء ما لم يجب لم يوجد. فلابد من السؤال عن مصحح وجوده.
فان قيل: ان المصحح هو مفهوم الوجوب. فذلك خلف خروجه عن قانون العلية، وإلا لابتلينا بالجبر. وان كان مصححه الإمكان الذي هو مفهوم سلبي، فيبقى السؤال انه لماذا أصبح الإمكان مصححا لحدوث ذلك دون حدوث الأقوى. لأن هذا ليس خروجا تعبديا، وإنما هو خروج تابع للملاكات العقلية.
مضافا إلى انه لو كان الإمكان مصححا لوجوده، لكان وجوده صدفة. لأن نسبته إلى الوجود والعدم واحدة. وقد قلنا: ان الصدفة غير الاختيار.
أو نقول: ان هذا الفعل النفساني، الذي كان يسميه الشيخ النائيني (هجمة النفس) مصححها هجمة قبلها. فيتسلسل.
وجوابنا على تعليقات السيد الأستاذ، كما يلي:
أولاً: من الممكن القول: ان العمل على كلا التقديرين اختياري بالنسبة إلى الفاعل، سواء كان الخارج عن قانون العلية هو الفعل النفساني أو الفعل الخارجي. فيكون الفعل بالنسبة إلى فاعله غير ضـروري، لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين. والمفروض ان علته أو علة علته خارجة عن قانون العلية.
ــــــ[197]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان ما ذكره السيد الأستاذ بعنوان: أولاً: لا يتم لا وجدانا ولا عرفا ولا دقة. وهو رجوع الفعلين إلى فعل واحد.
أما وجدانا وعرفا فواضح. واما دقة فلأنهما بمنزلة العلة والمعلول وإذا كان واحدا، فما هي العلة له؟
مضافا إلى ان الوحدة المدعاة إنما هي بين المصدر ونتيجته، الفعل ورد الفعل. واما سبب الفعل، وهو إعمال القدرة والاختيار، فلا يحتمل انه متحد مع المعلول. نعم يمكن ان نلحظ النسبة بالمعنى الاسمي المصدري، مرة فانية في العلة ومرة فانية في المعلول. فلا يكون لها تعـدد. وهذا أمر آخر غير مقصود للنائيني.
ثالثاً: ما قاله السيد الأستاذ من ان كل ما قاله في الفعل النفساني يمكن ان تقوله في الفعل الخارجي، فلا حاجة إلى الزيادة في الأفعال. ومقصوده هو الخروج عن قانون العلية، فان كان الفعل النفساني خارجا عنها أمكن ان يكون الفعل الخارجي خارجا أيضا.
إلا ان هذا لا يتم:
1- ان التكثير ليس لهذا السبب فقط، بل للوجدان بوجود الإرادة والاختيار في النفس مضافا إلى الفعل الخارجي.
2- ان الفعل الخارجي ناشئ من الإرادة والاختيار أكيدا، واما الفعل النفساني، فليس له منشأ واضح، فيمكن ان يدعى كونه خارجا عن قانون العلية.
3- ان الفعل الخارجي خاضع لقوانين المادة، بخلاف الفعل النفساني،
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بصفته لا ماديا. فالزعم بأنه خارج عن قوانين العلية يكون أسهل. لأن قانون العلية في عالم المادة اوكد وأوضح.
رابعاً: ان جواب السيد الأستاذ مبني على فهمه من خروج الفعل النفساني عن قانون العلية لا الفعل الخارجي. وقد عرفنا ان هذا مخالف للنظرية الأساسية فيها، والتي تم فيها تعويض إعمال القدرة عن قانون العلية، في التأثير في الفعل الخارجي.
خامساً: ان ما ذكره السيد الأستاذ بعنوان ثالثاً غير تام:
1- ان خروجه ليس بالإمكان، بل بالتقييد عن قانون العلية. أو بمجرد الترجيح.
2- ما قلناه من ان الخارج عن قانون العلية هو الثاني لا الأول. إذن فيكون الأول موجودا بعلته، والثاني موجودا بالاول.
3- للشيخ النائيني ، ان يقول: بالذاتية بمعنى ان الاختيار اختياري بالذات فلا يحتاج إلى علة.
إلا ان هذا لا يتم لأن الذاتي وان لم يحتج إلى علة، إلا ان الذات نفسها تحتاج إلى العلة. فإذا وجدت الذات وجد الذاتي بوجودها. لا ان الذات بنفسها توجد بدون علة.
إذن، فما اورده السيد الأستاذ على نظرية الشيخ النائيني لا يتم.
ولكن نظريته – مع ذلك – غير صحيحة لعدة وجوه:
الوجه الأول: استحالة الاستثناء من قانون العلية. والعقل النظري يأبى ذلك
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لأي ممكن مهما كانت صفته، فحاجة الحادث إلى العلة بطريق أولى. ولا يكفي الترجيح، لأننا نسأل عن الحصة الزائدة، فيعود إلى معنى الصدفة المطلقة.
وإعمال القدرة والاختيار لا يعوض عن العلية، بل يكون بنفسه علة. إلا انها علية في طول الاختيار، فلا تنافيه بل تساوقه. وينبغي ان نتذكر اننا جمعنا بين الإرادة والعلية. حين قلنا ان الإرادة بالنسبة إلى الفعل الاختياري هي من علة (ما به الوجود). مضافا إلى ما قاله نفس الشيخ النائيني في نظريته، من ان الواجب بالإرادة لا ينافي الإرادة بل يؤكدها. وقد سبقت هذه الفكرة في عدة أطروحات.
الوجه الثاني: ان دليل المجبرة، لو كان منحصرا بمسألة عليّة الأفعال الإنسانية، لصلح ذلك جوابا عليها، بعد التنزل عن الأجوبة الأخرى. إلا ان الأمر لم يكن كذلك، بل هناك للمجبرة أدلة أخرى لا تجيب عليها أطروحة الشيخ النائيني بحال.
من قبيل عموم علم الله سبحانه لأفعال عباده. أو عموم إرادته لها. أو ان الإرادة مربوطة بالإرادة الإلهية مباشرة أو بالتسبيب. فان كل ذلك يبقى مفتوحا لا يجاب عليه من قبل هذه الأطروحة.
الوجه الثالث: ان أهم عبارتين استعملهما في هذا الصدد تعبيرا عن الفعل النفساني: هما: إعمال القدرة والاختيار. وكلاهما لا محل لـه. وإنما الإرادة هي الفعل النفساني.
أما الاختيار فهو عنوان انتزاعي في طول الفعل، يقع في جواب: لماذا فعلت. لأنه اختاره. أي فضّله على باقي الاحتمالات. وإنما يختاره ويفضله
ــــــ[200]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالإرادة. ولا توجد ملكة في النفس تسمى الاختيار. إلا ان نسمي الإرادة اختيارا.
نعم، أعطي الإنسان فرصة تقلّب الإرادة في عدة احتمالات، حسب التصور والتصديق، فهو يختار أفضلها لنفسه. فالاختيار بدون إرادة لا يصلح ان يكون علة. وهو المطلوب. كما ان الإرادة ملازمة مع الاختيار لأنه لو لم يختره لم يرده. والعمدة العزم على الفعل وهو اختياره ومن هنا قد تسمى الإرادة اختيارا.
واما إعمال القدرة، فباعتبار ان الإرادة وحدها لا معنى لتأثيرها في العاجز، وإنما لابد من وجود القدرة للفاعل. واما إعمالها فهو ليس شيئا زائدا عليها، بل هو ذاتها خارجا بالحمل الشايع. وهو بالحمل الأولى عنوان انتزاعي، ينتزع عن تطبيق الإرادة من قبل القادر. إذن، فالإرادة مع القدرة هي المؤثرة، وليس إعمال القدرة ولا الاختيار، اللذين هما عنوانان انتزاعيان.
الأطروحة السابعة: أطروحة السيد الأستاذ. وهي السلطنة. وكان راضيا عنها ومؤكدا عليها:
ولخص نظريته في عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان قاعدة الوجوب بالعلة، لو كانت قاعدة قد قام عليها البرهان، فلا معنى للالتزام بإمكان التخصيص فيها. لكن الصحيح ان هذه القاعدة ليست مبرهنة وإنما هي وجدانية. ومن المدركات الاولية للعقل. ويستحيل البرهنة عليها، كما تعرضنا لذلك في (الأسس المنطقية للاستقراء). وقلنا ان في الاستدلال عليها دور واضح. ومن هنا لابد من الرجوع إلى الفطرة السليمة التي أدركت هذه القاعدة. فماذا تحكم؟
ــــــ[201]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
النقطة الثانية: ان الإمكان وحده لا يصلح ان يكون مرجحا للوجود. إلا ان مرجح الوجود أمران، لو أدركهما العقل لصحح مرجحيتهما: الأول: العلة الموجبة. الثاني: السلطنة فإنها مصححة لصدور الفعل.
والسلطنة تشترك مع الإمكان في شيء، وهو ان نسبتها إلى الوجود والعدم على حد واحد. وتمتاز عنه في شيء، وهو ان الإمكان بحاجة إلى إضافة مرجح للوجود. في حين ان السلطنة يستحيل ان نفترض فيها الحاجة إلى الإضافة. لأن إضافته معناه عدم السلطنة. لأن معنى السلطنة، ان له ان يفعل وله ان يترك. فان كان لا يفعل ولا يترك إلا بضميمة شيء إذن فليس له سلطنة. بخلاف الإمكان.
كما ان السلطنة تشترك مع الوجود بالعلة في شيء، وهو كفاية الصدور بلا ضميمة. وتمتاز عنه بشيء. وهو ان صدور الشيء من العلة الموجبة ضروري، في حين ان صدور الفعل مع السلطنة لا يكون ضروريا. وإلا لكان خلف السلطنة. لوجود الفرق بين: له ان يفعل. وان عليه ان يفعل. ومن هنا ينتزع العقل عنوان الاختيار. لا من الوجوب ولا من الإمكان، لو أمكنت الصدفة.
النقطة الثالثة: ان هذه السلطنة يمكن ان نبرهن على وجودها وتعينها في الله سبحانه. وهذا خارج عن الصدد فعلا. ولكن هل هي موجودة في الإنسان؟ هذا مما لا يمكن إقامة البرهان عليه. بل لابد في إثباته من الرجوع إلى الوجدان وإلى الشرع. أما الرجوع إلى الوجدان، فبأحد تقريبين:
التقريب الأول: اننا بعد ان نصدق بفائدة الفعل ونشتاق إليه ونريده نحس بوجداننا اننا يمكن ان نفعل ويمكننا ان لا نفعل. فنحس بالسلطنة بالوجدان بالعلم الحضوري.
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التقريب الثاني: ان كثيرا ما يتفق ان الإنسان يختار أحد الفردين، دون مرجح فيه أصلا. وإنما المرجح في الجامع كطريقي الهارب أو رغيفي الجائع. فلو كان قانون العلية نافذا عليه، لمات جوعا. ولكن بقانون السلطنة يستطيع ترجيح أحد الطرفين بلا مرجح.
وهنا قد يقول الفلاسفة: ان المرجح موجود في مبدأ أعلى كالملائكة أو العلم الأزلي، وبذلك يبطل هذا البرهان (يقصد التقريب الثاني) إلا ان يرجع إلى الوجدان (يقصد التقريب الأول وليس للتقريب الأول ان يشمل التقريب الثاني، إلا مع احتمال التوهم بالاختيارية).
أقول: واما الشرع فلم يذكر عنه السيد الأستاذ تفصيلا، وإنما أشار إليه بكلمة أو كلمتين. وبالتقريرات لم يشر إليه أصلا.
وقال: وبهذا يتضح: ان حصيلة هذا البحث: هو تنقيح الكبرى كفرضية (أو أطروحة) وهو إبداء إمكان السلطنة. وبذلك يندفع برهان الجبر لأنه (إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال).
واما إقامة البرهان على صغرى هذه الكبرى، وهو وجود السلطنة للإنسان، فهو لا يكون برهانيا. بل يكون بالوجدان أو بالمصادرة الشـرعية.
ثم انه نبه على أمرين:
الأمر الأول: انه بإثبات السلطنة يثبت ان الفعل فعل الإنسان. لا فعل الله سبحانه. إذ لو كان فعله لكان التزاما بالجبر. وكذلك: ان الإرادة من فعل الإنسان. إذ لو كانت من فعل الله سبحانه لزم الجبر. إذن، فالفعل فعل الإنسان بقواه. والإنسان بقواه فعل الله سبحانه.
ــــــ[203]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمر الثاني: ان هذا الاختيار الذي ثبت للإنسان ليس اختيارا مطلقا، لوضوح انه ليس مختارا في كل شيء في العالم. فما أكثر الأشياء التي تقع رغم انفه. وإنما له اختيار محدود. وضابطه: الاختيار في تلك الأفعال والتروك التي يكون للاعتقاد بالمصالح والمفاسد تأثير فيها. فكل فعل هو كذلك، يكون داخلا، تحت السلطنة التي حققناها.
ويدخل تحت هذا الضابط أمران:
الأول: الأفعال الخارجيّة، كالصلاة والمشي.
الثاني: الإرادة والشوق والقصد إلى هذه الأفعال.
وذلك: بأحد وجهين:
الأول: وهو الصحيح، تطبيق هذا الضابط بالاختيار على القصد والإرادة باعتبار تأثيرها بالاعتقاد بالمصلحة بالمراد. فحين يرى مصلحة القيام يريد ان يقوم. ومن هنا تكون داخلة تحت الاختيار. وتقع تحت التكليف. كوجوب حب أمير المؤمنين سلام الله عليه. والنهي القلبي عن المنكر.
الثاني: ان يدعى ان الإرادة يمكن نشؤها عن مصلحة في نفسها، دون ان تكون هناك مصلحة في المراد. كما لو جعلنا له جعلا على الإرادة نفسها لا على القيام. أقول: كما قد يقرب ذلك بقوله: (ان الله ينظر إلى قلوبكم لا إلى أعمالكم). وقوله: (نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله).
وهذه الأطروحة، قابلة للمناقشة من وجوه:
الوجه الأول: ان هذه السلطنة المدعاة، لا يمكن إثباتها لا بالبرهان ولا
ــــــ[204]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بالوجدان. أما بالبرهان فبإقراره نفسه، في النقطة الثالثة من حديثه.
واما بالوجدان فباعتبار ان المراد من الوجدان الإحساس بالاتصاف إحساسا فعليا. وما يمكن ان يكون إحساسا فعلا أمران:
الأول: الاختيار باعتبار وجدانية التسلط على عدة احتمالات من التصرف. الثاني: وجدانية الإرادة.
واما السلطنة، بصفتها أثرا مغايرا لهذين الأمرين، فهي مما لا يحس به الفرد في نفسه. إلا ان تكون تعبيرا عن أحد هذين الأمرين. فيعود هذا الوجه إلى الوجوه الأخرى ولا يكون وجها مستقلا في نفسه.
الوجه الثاني: ان التقريب الأول للوجدان، وهو انه بعد تصاعد الشوق نحس بوجداننا ان لنا ان نفعل أو ان نترك. هذه الحالة كما يمكن تفسيرها بالسلطنة يمكن تفسيرها أيضا بما قلناه من الإرادة. وقلنا ان الإرادة في كل مراحلها بالإرادة أو قل بالاختيار. والاحتمال مبطل للاستدلال في كون هذا منسوبا إلى السلطنة. إلا ان ترجع إلى الإرادة نفسها أو الاختيار. فلا تكون وجها مستقلا.
الوجه الثالث: ان التقريب الثاني مما ذكره باطل. وهو ان طريقي الهارب ورغيفي الجائع، خارج عن قانون العليّة. باطل لعدة وجوه:
أولاً: انه ليس بوجداني، لأننا فسرنا الوجدان بمعنى الحس الفعلي بالاتصاف، وهنا لا يفترض ذلك. لا اقل انه لم يدخل تحت تجربة أحد.
ثانياً: اننا جمعنا فيما سبق بين الفعل الاختياري وقانون العلية. فيكون المرجح – بالكسر – هو الاختيار والإرادة، ولا ينافي قانون العلية.
ــــــ[205]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان هذا الدليل يفترض فيه كونه مضادا للمجبرة، وهو لا يصلح لذلك، لأن لهم ان يقولوا بوجدانية الجبر. ولو احتمالا. والاحتمال مبطل للاستدلال.
رابعاً: للمجبرة أيضا ان يقولوا: ان الله أجبرهم على هذا الاختيار. وقد اعترف بوجود الاحتمال بأن المرجح موجود في مبدأ أعلى. فيسقط هذا الوجه.
الوجه الرابع: انه لو جمع السيد الأستاذ في هذه النظرية بين الوجهين: الوجدان والبرهان، بأن يدعي: ان الوجدان قائم على عدم الترجيح حتى في المبدأ الأعلى. وان السلطنة نافذة حتى على المبدأ الأعلى. يعني العمل بدون تدخّل إرادته.
فجوابه: أولاً: ما قلناه من ان هذا ثابت ما لم يدع المجبرة التوهم في هذا الوجدان. ثانياً: ان الفرد لا يستطيع إستكناه من هو أعلى منه وجدانا. فكيف يستطيع إستكناه المبدأ الأعلى ومدى تأثيره.
ثالثاً: ان هذا الوهم ، قد يكون مرفوضا من مبدأ أعلى من الخلق، ولكنه لا يمكن ان يكون مرفوضا من الخالق. لأنه على كل شيء قدير.
الوجه الخامس: انه استدل بالمصادرة الشرعية، وهي لا تتم على مسلك المجبرة. إذ لو كانوا خارج الشريعة، كالماديين، فواضح. واما لو كانوا في ضمنها، فهم ليسوا من مذهبنا، فالاستدلال بضرورة المذهب على وجود الاختيار لا يشملهم.
كما انه ان كان المراد الاستدلال بالأخبار. فهي على قسمين: أحدهما: أخبار: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين. فهذا هو محل الكلام ولا يمكن ان نأخذ صحتها مسلمة، بنحو المصادرة.
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانيهما: غيرها من الأخبار. فلهم ان يطعنوا في أسانيدها. مضافا إلى قابلية وجود المناقشات في دلالاتها.
الوجه الخامس: ما قاله من ان السلطنة تثبت ان الفعل فعل الانسان، وليس فعل الله تعالى.
فان كان هذا ثابتا بالبرهان، تم المطلب. ولكنه نفى البرهان. وانما قال: اذا كان فعل الله لزم الجبر. فللمجبرة ان يلتزموا باللازم نفسه. لأنه خال من البرهان.
الوجه السادس: ما قاله من ان السلطنة تثبت ان الإرادة من فعل الإنسان. وهذا يمكن تقريبه بأحد أمرين:
الأمر الأول: ما قاله: من انه لو لم تكن إرادة لزم الجبر.
وجواب ذلك: من وجهين:
أولاً: انك رفضت الإرادة واثبت السلطنة بدلها. فلو لم تكن إرادة، كانت السلطنة، ولم يلزم الجبر.
ثانياً: انه ليس محذورا لدى المجبرة، كما أشرنا إلى مثله فيما ســبق.
الأمر الثاني: انه لو لم تكن إرادة لم تكن سلطنة. وهذا شيء لم يقله. لأنه لم يذكر الإرادة إطلاقا كسبب للفعل. ولو تم ذلك، كانت السلطنة في طول الإرادة.
ويرد عليه:
أولاً: انه يمكن الاستغناء بالإرادة الثابتة في المرتبة السابقة عن السلطنة
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الثابتة في المرتبة المتأخرة.
ثانياً: انه للمجبرة ان يدّعوا ان الإرادة جبرية، فتكون السلطنة التي في طولها جبرية أيضا.
الوجه السابع: ان السلطنة معنى انتزاعي، وليس صفة واقعية. فشأنها في ذلك شأن الاختيار. بل هي هو. غاية الأمر: ان الاختيار يدل على الفعلية، والسلطنة لا تدل على أكثر من الاقتضاء والقابلية. فالسلطنة هي إذن قابلية الاختيار، لا أكثر.
الوجه الثامن: ان ما قاله من سببية السلطنة للفعل بالرغم من عدم الترجيح. ان كان بدون الإرادة فهو محال. وان كان بالإرادة، فلا حاجة لافتراض السلطنة، وبها نحفظ قانون العلية، كما سبق.
الوجه التاسع: ما قاله من ان السلطنة معوّضة عن قانون العليّة، هل هذا بالوجدان أم بالبرهان؟ أما بالبرهان فقد نفاه.
واما بالوجدان، فمن وجوه: أولاً: ان لنا ان نسأل العقل النظري الحاكم لقانون العلية، عن ذلك. وهو ناف لذلك أكيدا، وان الممكن يحتاج إلى مرجح ويستحيل وجوده بدونه مطلقا. وخاصة بعد ان صرح السيد الأستاذ بأن السلطنة لا تحتاج إلى ضميمة.
ثانياً: ان أحكام العقل وجدانية، لأنها اوليات لا يمكن البرهنة عليها، كاستحالة اجتماع النقيضين والضدين. فللمجبرة ان ينفوا وجدانهم على ذلك. والمفروض انه لا يوجد برهان في مقابلهم.
ثالثاً: إمكان القول: ان هذا الاستثناء في جانب السلطنة عن قانون العلية،
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
لو كان موجودا لاعترف به العقلاء والمفكرون. مع انه لم يلتفت إليه أحد قبل ذلك.
لا يقال: ان أحكام العقل غير قابلة للاستثناء.
فانه يقال: ان السيد الأستاذ عرض الأمر كما لو كان حكم العقل ضيقا من اول الأمر. فان كان كذلك، فلابد ان يدرك المفكرون ضيقه.
الوجه العاشر: ان السيد الأستاذ لا يختلف موقفه كثيرا عن موقف الشيخ النائيني الذي عوّض عن قانون العلية بإعمال القدرة، وهنا عوّض عنها بالسلطنة.
وقد أجاب عليه السيد الأستاذ هناك: بأنه يلزم منه وجود الممكن بلا علة. فهنا أيضا يورد عليه ذلك. بل هو أولى. لأن إعمال القدرة له نحو من التأثير والفاعلية في العمل الخارجي، بخلاف السلطنة. فأنها ظرف الفعل أو صفة الفاعل. ولا يبدو لها أي فاعلية. فتكون أولى بإشكاله من إعمال القدرة.
لا يقال: اننا قلنا هناك دفاعا عن الشيخ النائيني : ان إشكاله هذا ناشئ من التفكير بصحة قانون العلية، مع انه اول الكـلام الآن. وهذا الجواب يأتي على السلطنة أيضا.
فانه يقال: هذا صحيح. إلا اننا قلنا اننا لا نتنازل عن قانون العلية. بل نعتبره صحيحا ومبرهنا. ومعه ينتفي كلا الأمرين: إعمال القدرة والسلطنة، كبديلين لقانون العلية.
الوجه الحادي عشر: ان هنا عدة اصطلاحات استعملت بهذا الصدد: الإرادة والاختيار وإعمال القدرة والسلطنة. فان أريد بها شيء واحد، رجعت
ــــــ[209]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
السلطنة إلى معنى الإرادة والاختيار. بصفتها:
1 – وجدانية .
2- مشهورية.
ولم يكن إلا تبديل العنوان فقط. وليس وجها مستقلا.
ويؤيد ذلك: ان الجميع تمسكوا بهذه العبارة، وهي انه إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل. فإذا اقتصرنا على هذا النص، كانت المشيئة، وهي الإرادة، هي العمدة، وينتزع منها عنوان الاختيار وعنوان السلطنة.
وان حذفنا عنوان المشيئة وقلنا: انه له ان يفعل وله ان لا يفعل. فنحن ندعي ان هذه الفرصة معطاة له باعتبار ثبوت المشيئة والإرادة. ولولا الإرادة لم يكن له ذلك.
فنتج من ذلك:
أولاً: انه رجعت الجملتان إلى محصل واحد.
ثانياً: انه مع وجود الإرادة لا حاجة إلى السلطنة، كما لا حاجة إلى الاختيار كصفة ثابتة في النفس. وإنما هما عنوانان انتزاعيان، ومنشأ انتزاعهما هو الإرادة.
ثالثاً: ما سبق من ان ما يحتاج إليه الفاعل هو القدرة والإرادة. إذ لا معنى لإرادة العاجز، أو إرادة ما يعجز عنه الفرد.
الأطروحة الثامنة: والتي ينبغي ان تكون هي المختارة، إلا اننا لا ينبغي ان يجترئ على الأسرار الإلهية، وإنما هي أطروحة مركبة من وجوه مشهورية
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
منتجة للمطلوب. واود تسميتها: بأطروحة الإرادة الحرة.
وهي تتكون من عدة خطوات:
الخطوة الأولى: ان نتذكر ما قلناه من ان العلة تنقسم إلى قسمين: ما به الوجود وما منه الوجود.
الخطوة الثانية: انه لا يصلح ما قاله المشهور من ان الواجب سبحانه يقطع التسلسل فقط. بل له التدبير الدائم في الكون. وتأثيره ملابس مع كل العلل والمعلولات.
الخطوة الثالثة: انه لا أهمية للبرهنة على أهمية إحدى هاتين الحصتين من العلة على الأخرى. فان ذلك منوط بعدد من الأطروحات التكوينية السابقة. أو بأي واحد منها.
الخطوة الرابعة: ما سبق صغرويا، من ان الإرادة، أو قل: المريد أو الفاعل نفسه، هو بمنزلة علة (ما به الوجود).
الخطوة الخامسة: ان الفاعل إنما يطبق ذلك بعد سلوك مبادئ الاختيار والإرادة، من التصور والتصديق وغيره، حتى تكون الإرادة علة تامة محركة للعضلات إلى وجود الفعل، فيوجد.
الخطوة السادسة: ما سبق من ان كل هذه المبادئ تحت الإرادة. بحيث يدخل فيها عنصر الإرادة جديدا، من دون التفات تفصيلي، بل تحدث في نفسه تلقائيا، ويكفي انها جميعا تصادف الرضا في نفسه.
الخطوة السابعة: انه ينتج من ذلك: ان كلا من مبادئ الإرادة ومعلولاتها بالإرادة، حتى الإرادة، لأنها نتجت عن إرادة ضمنية سابقة عليها. وحتى الفعل
ــــــ[211]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نفسه، لأنه ناتج عن الإرادة التي هي الجزء الأخير من العلة.
الخطوة الثامنة: ان الفعل بما انه صادر عن الإرادة، فهو لا ينافي الإرادة. بل منافاته لها، خلف كونه معلولا لها. وكونه واجب الوجود بالغير، صحيح، لكن حيث ان الجزء الأخير للعلة هو الإرادة، فقد أصبح بهذه الصفة، بالإرادة، فهو لا ينافيها.
الخطوة التاسعة: ظهر مما سبق: اننا جمعنا بين قانون العلية وقانون الإرادة، من زاويتين: الأولى: اعتبار الإرادة أحد الأسباب العامة في الخلق، يعني علة ما به الوجود. الثانية: اعتبارها الجزء الأخير من العلـة، فهو لا ينافي وجوب الوجود.
الخطوة العاشرة: ان إعمال الإرادة وعليتها تحتاج إلى القدرة، لا محالة، لاستحالة إرادة ما يعجز عنه الإنسان. ولو أراده بإرادة ناقصة، استحال كونها علة تامة. وقد سبق ان قلنا: ان الإرادة الناقصة ليست بإرادة حقيقية.
فان أراد الشيخ النائيني من إعمال القدرة: الإرادة. فهذا هو الوجه الذي قلناه. وان أراد القدرة الاصطلاحية، فهي ضرورية. إلا انها لا تعوض عن الإرادة.لأن إعمالها بدون إرادة يرجع إلى الجبر. والمفروض انه يطرح أطروحة غير جبرية.
الخطوة الحادية عشر: ان الفرد في مرحلة من مراحل مبادئ الإرادة، يكون مخيرا بين أمرين أو أكثر، يعني ان قانون العلية: (له ان يفعل وله ان يترك) يتعلق بها جميعا. وعندئذ، فبحساب احتمالات التخيير في هذه المراحل تكون المحتملات عديدة. إلا انها نظرية وإنما تتعين أو تنتج بالإرادة. وهذه الاحتمالات هي منشأ انتزاع مفهوم الاختـيار.
ــــــ[212]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان هذا المصطلح أما على نفس هذا المعنى ان قصدنا القابلية له. حينما نقول مثلا: الفاعل المختار. يعني الذي له قابلية الاختيار. واما انه ينطبق على جانب الفعلية على ما يختاره بالإرادة. فتكون نتيجة الاختيار والإرادة واحدة، وهي الفعل نفسه. وتكون الإرادة مقتضيا له والاختيار شرطا.
وأنا أقول ان منشأ انتزاع مفهوم السلطنة أيضا نفس ذلك. فإنها تعبير آخر عن الاختيار. أو انها تعبير آخر عن المجموع المركب من الاختيار والإرادة.
الخطوة الثانية عشر: ينتج من ذلك: ان الفاعل في الحقيقة هو الفرد. لأن المراد بالعلة الفاعلية هو المقتضى أو هو ما به الوجود. فينسب المعلول إليها، بحكم العقلين العملي والنظري. وتترتب عليه سائر الآثار التكوينية والأخلاقية.
وان نسبته إلى الله سبحانه، باعتبار فيض الوجود الذي يفيضه على الخلق كله. ومعنى ذلك: ان الفعل بما هو مخلوق هو من فعل الله سبحانه. إلا ان السبب له والموجود له بالإرادة هو العبد. كالإحراق فان سببه النار وخالقه الله سبحانه.
الخطوة الثالثة عشر: ان قولهم: ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل، تعبير آخر عن الإرادة، فإنها المشيئة لغة. واما قولهم: له ان يفعل، فهو عبارة عن الاختيار. باعتبار الاحتمالات التي سبق ان قلنا بها، وفرصة التحرك خلالها.
يبقى الكلام في تطبيق هذه الأطروحة على الأطروحات الأخرى. فان كل واحدة منها نظره إلى بعض الجوانب، فكان له نصيب من الصحة على أي حال. وان كانت باطلة في جوانبها الأخرى.
أما الأطروحة الأولى: فلم يكن لها بعد المناقشات من محصل عقلي إلا ان الله تعالى لو شاء لمنع الفاعل عن عمله، وهو يعلم فعله. وحيث انه لم يمنعه،
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إذن فقد وجد الفعل بمشيئته. إلا ان نسبته الأولى هي إلى الفرد نفسه.
وهذا يتضمن قولا بالتفويض، لأن العبد هو العلة للوجود ومجرد إمكان إيجاد المانع لا يكفي في نسبة الفعل إلى الله سبحانه.
في حين بناء على ان لله سبحانه حصة من العليّة بالفيض، يكون الفيض بمنزلة الشرط للفعل لا مجرد عدم المانع.
واما الأطروحة الثانية، وكانت للشيخ الآخوند. وحاصلها: ان الفعل إرادي، وهذا يكفي في تحمل المسئولية، وان لم تكن الإرادة بالإرادة. ثم استشكل ان الإرادة ليست بالإرادة، ووقف وانكسر قلمه.
وقد قلنا: ان الإرادة والفعل كلاهما بالإرادة. فقد استفاد الآخوند من بعض هذه المقدمات واغفل المقدمات الأخرى.
واما الأطروحة الثالثة: فهي تنفي قانون العلية أساسا، فهي باطلة من هذه الجهة أساسا.
واما الرابعة: وهي تعدد فرص التصرف للإنسان، فهذا ما سميناه بالاختيار. وهو صحيح. إلا انه وحده لا يكفي لوجود الفعل. لأن الاختيار ليس علة له، وإنما هو شرط لوجوده. واما المقتضي فهو الإرادة. ووجود الفعل بدون أحدهما، اعني الإرادة والاختيار يلزم منه الجبر. بل لابد من اجتماعهما معا.
وفي هذه الأطروحة، قد غضوا النظر عن الإرادة وتمسكوا بالاختيار وحده. فهم لم يبرزوا للفعل علته الحقيقية وهي الإرادة.
واما الأطروحة الخامسة: فهي أطروحة الشيخ النائيني: وهي ان إعمال
ــــــ[214]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
القدرة من مستثنيات قانون العلية.
وإعمال القدرة إما ان يراد به القدرة نفسها، فيرجع إلى بعض هذه المقدمات التي قدمناها للأطروحة الأخيرة. واما ان يراد به الاختيار. فيرجع إلى مقدمة أخرى. واما ان يراد به الإرادة، فيرجع إلى مقدمة ثالثـة. وقد عرفنا ان كلها لابد منها في نفي الجبر ولا تكفي واحدة. واما ان نفهمها جميعا من مفهوم واحد وهو إعمال القدرة، فهو أمر متعـذر.
واما الأطروحة السادسة: وهو مفهوم السلطنة، فتعليقنا عليه هنا بأمرين:
الأمر الأول: انه ينافي قانون العلية، ويلزم منه نحو من أنحاء التقييد والضيق، وهو باطل على ما سبق.
الأمر الثاني: ان السلطنة مفهوم انتزاعي، أما من الاختيار واما من مجموع الاختيار والإرادة. أو من مجموع القدرة والاختيار والإرادة. وإذا صح ذلك، صحت النظرية إلا انها لا تكون وجها مستقلا. فان فهم كل ذلك من عنوان السلطنة متعذر.
ولو تم، فالنظر لا ينبغي ان يكون لعنوان واحد، بل ينبغي تحليله إلى عناوينه الواقعية التفصيلية. وهي القدرة والاختيار والإرادة. ولم يفعل صاحبها ذلك.
أما الآن فنطبق أطروحاتنا على تقريبات المجبرة باختصار. لأنهم في الواقع، هم الخصم الحقيقي في كل هذا الحديث. فلابد ان نتكلم معهم بما يلزمون به أو بكونه مقنعا لهم أو يكفي في ردهم.
وقد كان أهم أدلتهم هو استنتاج الجبر من قانون العلية، بعنوان ان الفعل
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ممكن ومعلول لعلة موجبة، فيكون إلزاميا لا يمكن تخلفه. ويستحيل وجود الممكن بدون علة.
ونحن سبق ان عرفنا صحة قانون العلية، وجمعنا بينه وبين الاختيار. وإنما يصدق هنا الدليل إذا لم يصدق الجمع. وقلنا ان الإرادة بكل عللها إرادية. وقلنا: ان معلولية الفعل من الإرادة وكذلك معلولية الإرادة من إرادة اسبق منها. وهذا ما يؤكد الإرادة لا انه ينفيها.
وكان من أدلتهم: ان الفعل ممكن، وكل ممكن مشمول لقدرة الله سبحانه وتعالى، إذن فالفعل مشمول لقدرته، وحيث انه مشمول لقدرته، فلا يكون مشمولا لقدرة العبد. وإلا لزم اجتماع قدرتين على مقدور واحد، وهو مستحيل.
وأجبنا بالحاجة إلى الفيض. فان معنى تعلق قدرته تعالى هو ذلك. وكل الممكنات على هذا الغرار. مضافا إلى ان اجتماع قدرتين من سنخين ليس بمستحيل. وليس هذا من قبيل اجتماع علتين على معلول واحد.
واما ما قد يقال – انتصارا لهم – من ان الله تعالى يعلم بوجود الأفعال، فلو لم يحصل الفعل انقلب علمه جهلا وهو مستحيل.
فجوابه: اننا بعد ان برهنا على هذا التسلسل العلي في الأفعال. يثبت ان علم الله سبحانه تعلق بهذا النحو المعين. فإذا صدرت الأفعال بنحو آخر، انقلب علمه جهلا. وقد سمعنا من يقول: بأن الله تعالى يعلم ان الأفعال تصدر منا بالإرادة، فلو لم يكن كذلك، انقلب علمه جهلا. وهذا صحيح. إلا انه لا يكفي إلا بعد ضم سائر المقدمات السابقة إليه.
واما ما قد يقال، انتصارا لهم: اننا أثبتنا الإرادة بالوجدان. فلعل نفس هذا
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجدان كاذب. وان الله تعالى يجعلنا نتوهمه.
فجوابه من أكثر من وجه:
أولاً: ان أقصى ما لدى الإنسان هو الوجدان القطعي. وإلا لتسلسل الاستدلال إلى ما لانهاية. وهو مستحيل. ولا يمكن قطع التسلسل بدون الوجدان.
ومن الممكن القول بحكم العقل والعقلاء: ان الوجدان حجة ذاتية لا يمكن التنازل عنها بمجرد الاحتمال. ما لم يقم دليل أقوى على الخلاف. وهو غير موجود في محل الكلام.
ثانياً: انه يمكن ان يقال: ان ما نبرهن عليه من قبح العقاب مع الجـبر، أمر يعلمه الله سبحانه كما نعلمه ويصححه كما نصححه. وبعد ان ثبت وجود العقوبة على الذنب إجمالا – كما هو المفروض – والمتسالم عليه بيننا. إذن ، يثبت بالإن ان الله تعالى جعل الإرادة حقيقة خصيصا لأجل ان لا يكون هو ظالما في عقوبة الظالم والمذنب.
فقد ترك الجبر وهو قادر عليه، لأجل تصحيح العقاب. فبالقياس الاستثنائي، نعرف من وجود العقاب عدم الجبر. كما نعرف ان الإرادة حقيقية لا وهمية. لأنها لو كانت وهمية كان الواقع هو الجبر وللزم المحذور تارة أخرى.
وبتعبير آخر: ان هنا تمانعا بين ثبوت العقاب وثبوت الجبر. فإثبات أحدهما ينفي الآخر باللازم. وحيث ان العقاب قطعي فنفي لازمه وهو الجبر يكون قطعيا.
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
هذا مضافا إلى توقف التكامل عليه، اعني نفي الجبر وصدور الأفعال بالإرادة والاختيار. مع الإقرار بوجود التكامل للأفراد قطعا، إجماعا ونص القرآن الكريم عليه. والتكامل لا يكون بالجبر وإنما يكون بالاختيار. وإلا لكان التفاضل جزافيا. والحكيم لا يصدر منه الجزاف. ولو تكلمنا بلغة العقل العملي، لقلنا انه ظلم نوعي. وحيث انه موجود. إذن فهو ليس بظلم ولا جزاف. فهناك تمانع بين التكامل والجبرية. وحيث ثبت التكامل انتفت الجبرية.
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وفيها عدة مباحث
الكلام في صيغة الأمر
وفيه عدة مباحث
ــــــ[219]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ــــــ[220]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المبحث الأول
في تحديد معناها
ويراد بها عادة كل ما يمكن ان يدل على الوجوب، كفعل الأمر من الثلاثي: افعل. ومن الرباعي: دحرج. واسم فعل الأمر كحيهل وصه. وكذلك، صيغة الفعل المضارع المستعملة بقصد الوجوب. أحيانا كيتوضأ ويغتسل.
وهذا ينبغي ان يكون مسلما لدى المشهور. ومعه فاختصاص البحث في خصوص صيغة فعل الأمر بلا موجب.
كما ان نتائجها لا يمكن تعميمها على الموارد الأخرى. فان اسم الفعل ليس له صيغة – في مقابل المادة -. بل هو لفظ موضوع بدون لحاظ هذا التحليل. فما يقال حول الهيئات لا يرد فيه.
كما لا يمكن تعميمه للفعل المضارع، لوضوح أنها لم توضع للطلب وإنما وضعت للإخبار. والالتزام بأنها استعملت مجازا في الطـلب، مما لا يلتزمون به. وإنما فيها كلام مستقل سوف يأتي بعونه تعالى. فالمهم ان ما يقال عن هيئة الأمر لا يشمل مثل ذلك.
وقد تلحق بذلك المفاهيم الاسمية التي قامت القرينة على قصد الأمر بها. كما لو قال: ماء وقصد طلبه. ومن جملة القرائن على ذلك التكرار.
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
إلا ان الحق عدم إلحاقها بها. لأنها بنفسها غير دالة على ذلك. وإنما تدل عليه بتقدير العامل. يعني: أتني بماء. فيتحول اللفظ إلى صيغة افعـل.
ثم ان المشهور يقول بدلالة صيغة الأمر على الطلب، حتى أرسله السيد الأستاذ إرسال المسلمات. وناقش أنها لا تدل على الطلب بمفهومه الاسمي بل بنحو آخر.
ونحن عرفنا في مبحث اتحاد الطلب والإرادة، ان الطلب في اللغة بمعنى التصدي للبحث أو التسبيب إلى أمر ما. كطلب الدابة الشاردة والعبد الآبق.
وهناك قلنا: ان الطلب ينقسم إلى قسمين: تكويني وتشريعي، وكلاهما نحو من التسبيب: فالتكويني هو التسبيب للنتيجة من فعل نفسـه. والتشريعي هو التسبيب لفعل غيره أو ان نتيجته ذلك.
ومعه نفهم بوضوح ان مراد المشهور، لو التفت إلى هذه النكتة: هو دلالة صيغة الأمر على الطلب التشريعي، لا على مطلق الطلب الأعم من التكويني والتشريعي، فضلا عن خصوص التكويني. الذي هو القدر المتيقن من المعنى اللغوي. إلا ان المشهور ينسى ذلك هنا، ويعتبرها موضوعة لخصوص الطلب التشريعي.
معاني الصيغة:
ثم ان المشهور قال – كما في الكفاية – انه ذكرت للصيغة عدة معاني. وعُدّ منها: الترجي والتمني والتهديد والإنذار والإهانة والتعجيز وغير ذلك. حتى وصل بها بعضهم – على ما قيل – إلى حوالي أربع وعشرين معنى. واختلفوا في أنها مستعملة في ذلك مجازا أو حقيقة. وعلى الثاني، فهل هي
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
موضوعة بأوضاع مختلفة أو بوضع واحد للجامع. ونحو ذلك من الكلمات.
وقد رجح في (المحاضرات) المجازية. ونسب في الكفاية هذه المعاني إلى الداعي، مع كونها مستعملة في إنشاء الطلب. فالمعنى المستعمل فيه حقيقي واحد، إلا ان الداعي يختلف.
ويمكن تقريب ذلك، بأن يقال: ان هناك معنيين طوليين مقصودين من الصيغة، لا يتحقق المتأخر إلا بالمتقدم. فالأسبق رتبة هو الأمر أو الطلب. واللاحق هو أحد هذه الأمور السابقة.
كقوله تعالى: فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه، أو قوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ. أو قوله سبحانه: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم. أو قوله: تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام. فإنما هي طلبات في طول الطلب، ولولاه لما تحقق المقصود. وهذا كما يتحصل من الإنشاء يتحصل من الإخبار أيضا. وهو ما سماه الآخوند بالداعي.
ويمكن ان يناقش بعدد من الأمثلة القرآنية التي ذكروها بعدة مناقشات:
منها: ان جملة منها أوامر إلهية تكوينية، لا يراد بها غير ذلك، كقوله تعالى: كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِين- و تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام- و ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم.
ومنها: ان تطبيق هذه المعاني على الآيات إنما هي بالذوق أو بالـرأي. فقد يختلف رأي الآخر. فيضع بدل التسخير الاستهزاء أو بالعكس. أو بدل التهديد التعجيز أو بالعكس. وهكذا. والمهم أنها ليست في الجميع أمور واضحة الصحة كما أنها ليس لها من خارج القرآن الكريم أمثلة مستوعبة.
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ولا يمكن القول – كما يظهر من المحاضرات – بأن الاستعمال في هذه المعاني مجاز. فان المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. مع ان المعنى الموضوع له والمعنى المستعمل فيه واحد في الجميع، وهذا الاختلاف إنما هو في المعنى الثانوي أو الدواعي. وهي لا تكون محكا للمجاز بعد حفظ المعنى الحقيقي.
نعم، لو استعمل اللفظ فيها مباشرة لكان وجها للمجاز. إلا انه غير محتمل. لعدم استعمالها في مفهوم التهديد أو التعجيز قطعا، وإنما في منشأ انتزاع ذلك. والتعجيز لا يكون إلا بإظهار عجز المخاطب. وهو لا يكون إلا في طول الطلب. وهكذا سائر المعاني. فرجعت كلها إلى معنى واحد.
هذا، مضافا إلى ان عبارة الكفاية خالية من التعبير بالمجاز هنا. فإن ذوق المشهور بأن المجاز خاص بأسماء الأجناس أو بالأسماء عموما، ولا يشمل الأفعال والحروف. ومورد الكلام إنما هو من قبيل الأفعال. فلا يمكن ان تستعمل مجازا. في نظرهم.
مضافا إلى ان المجاز إنما هو في خصوص الهيئة، وغير شامل للمــادة. لوضوح ان المادة مستعملة في ذات معناها. وإنما الهيئة مستعملة في غير الطلب، لو سلم. فهل يقبل المشهور ومن تابعه، باستعمال الجزء التحليلي من اللفظ مجازا؟
وإنما اخذ اللفظ في المحاضرات ساذجا، بدون هذا التحليل. وتصور انه مجاز. فالحق مع الآخوند في هذه المعاني الثانوية.
غير انه يقع الكلام الآن، فيما اختاره الشيخ الآخوند، من كون الصيغة مستعملة في إنشاء الطلب. فان ذلك فرع أمرين كبرويين:
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الأمر الأول: كون الدلالة الوضعية تصورية لا تصديقية.
وهذا ما ناقش فيه في المحاضرات، لأنه يرى أن الدلالة تصديقية. باعتبار أنها إبراز لما في النفس من الطلب أو الإخبار أو غيرهما. وذلك فرع ما قاله في باب الوضع. من أن الوضع هو التعهد. وسبق في باب الوضع أن ناقشنا ذلك، وأوردنا عليه عشرة إشكالات وقلنا ان الدلالة تصورية وليست تصديقية. فهذا الأمر الأول صحيح.
الأمر الثاني: ما يراه المشهور من أن الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ فكأن اللفظ يصبح سببا لوجود معنى معين في عالمه، يسمى بالطلب أو التمني أو الترجي أو غيرها من الإنشاءات. وبه يختلف عن الإخبار الذي لا يدل إلا على الحكاية.
ولو لاحظنا هذا التصور المشهوري، لوجدنا اللفظ يوجد بسبب إيجاد المعنى. لا ان اللفظ يكون مستعملا فيه. بل يكون اللفظ غير مستعمل في معنى أصلا. وإنما أورد اللفظ بمجرده لكي يكون علة لوجود المعنى الإنشائي في عالمه. كالطلب أو التمني أو غيرهما.
وهذا غير محتمل لغة. ومعه لابد من إعطاء الإنشاء معنى آخر، تكون نسبته إلى اللفظ نسبة المعنى إلى اللفظ لا نسبة المعلول إلى العلة. أو قل: نسبة العلية الإثباتية لا العلية الثبوتية.
فالإنشاء ليس بمعنى الإيجاد، كإنشاء الشعر أو إنشاء العمارة. وإنما هو مصطلح لغوي خاص، بكل لفظ لا يفيد الحكاية. ولو كان الآخوند قد قال: إبراز الطلب أو بيان الطلب لكان وجها. إلا انه بنى تعبيره على المشهور. وهو غير تام.
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وبتعبير آخر: ان وضع اللفظ للطلب شيء، ووضعه لإنشاء الطلب شيء آخر. فانه بناء على الأول، يكون معناه الطلب. وبناء على الثاني يكون اللفظ علة لوجود الطلب بإذن الواضع. ولا يكون له في نفسه معنى محدد، كما أوضحنا.
مضافا إلى ان وضع هيئة الأمر للطلب بعنوانه غير محتمل. وإلا كان مرادفا له. وهو كما ترى.
فان قلت: انه أجاب مشهور المتأخرين على ذلك، بأنه موضوع لمنشأ انتزاع مفهوم الطلب. وهو الطلب الإنشائي أو الحرفي على اختلاف عباراتهم.
قلنا: ان الآخوند لا يعترف بكلام المشهور. بل يعتبر المعنى الاسمي والحرفي اللذين مؤداهما واحد، مترادفان كمن والابتداء. كما هو مبيّن في أول الكفاية. ومعه فلا يكون له مانع من القول: بأن معنى الطلب الاسمي ومعنى الهيئة مترادفان.
غاية الأمر انه واجد للشرط الذي بيّنه هناك، وهو ان الحرف وضع ليبين معنى في غيره. فهنا أيضا قد وضعت الهيئة، لتبين معنى في غيرها. وهو إما المادة أو المدخول.
ومن هنا يمكن ان ننتبه إلى أمر لم ينتبه إليه في الكفاية، وهو ان شرطه في الحرف في بيان المعنى في غيره، ان أراد من هذا الغير كلمة زائدة على بنية الحرف، كان ذلك خاصا بالأدوات، ولا يشمل الهيئات. فان الهيئة ليست غير المادة عرفا. وان أراد غيره دقة. قلنا: ان اللغة عرفية وغير دقية. إذن فما ذهب إليه الآخوند عن معنى هيئة الأمر لا يتم.
ثم قال الشيخ الآخوند: وقصارى ما يمكن ان يدعى في النسبة بين قصد
ــــــ[226]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الطلب وقصد المقاصد الأخرى: ان الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك لا بداع آخر.
وهذا يشكل أطروحة أخرى، لأن أطروحته السابقة كانت هي الوضع لإنشاء الطلب مطلقا. ثم يأتي لمعنى الآخر، في المرتبة المـتأخرة. كما سبق ان أوضحنا.
وأما هنا فيدعي ان الواضع اشترط في وضع الصيغة لإنشاء الطلب كونه مبينا بقصد التحريك الواقعي، الذي يكون موضوعا لحق الطاعة ونحوه. وأما في غير هذا المورد، فهي غير موضوعة لإنشاء الطلب، بل هي موضوعة للمعاني الأخرى. فكأنها وضعت عدة مرات بنحو الاشتراك اللفظي. والمحك في ذلك هو قصد مؤداها، فان كان الداعي هو الطلب. كانت موضوعة للطلب. وان كان الداعي هو التهديد كانت موضوعة له. وهكذا.
ثم استشكل في هذه الأطروحة: بأنه يكون إنشاء الطلب بها بعثا حقيقة وإنشاؤه بها تهديدا مجازا. وهو باطل.
جوابه: من وجوه:
أولاً: ان المفروض في هذه الأطروحة انه مع كون الداعي هو التهديد أو غيره، لا تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب على المفروض. لأن ذلك خلاف شرط الواضع. فلا يكون استعمالها في التهديد مجازا. إلا إذا استعملت في إنشاء الطلب بداعي التهديد لا بقصد التهديد أساسا.
ثانياً: إننا قلنا في هذه الأطروحة: ان الوضع تابع للقصد. فمع قصد التهديد تكون موضوعة للتهديد، فلا يكون استعمالها فيه مجازا.
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: انه بناء عليها، يكون الوضع مشروطا بقصد المستعمل، أو قل بالاستعمال المتأخر عنه رتبة. فيكون من قبيل الشرط المتأخر. وهو محال مشهوريا.
رابعاً: إننا لو طبقنا الأطروحة السابقة، أو تغافلنا عن الفرق بين الأطروحتين، يكون استعمال الصيغة في الطلب حقيقي، ولا يكون استعمالها في التهديد مجازي. لأنه معنى ثانوي وطولي وليس فيه استعمال لكي يكون محكا للحقيقة والمجاز. إلا أن يريد من المجاز المعنى الطولي، وهو على خلاف الاصطلاح، وخلاف عباراته السابقة، حيث حصر هذه الأمور بالداعي، ولم يقل انه مجاز.
ثم قال الشيخ الآخوند: وهذا غير كونها مستعملة في التهديد فلا تغفل. ولم يبين مراده في المصادر. ولعل المراد كون التهديد معنى أوليا أو ثانويا لا يفرق فيه في نظر العرف. ولذا انصب الأمر بالفهم على الغيرية المدعاة. يعني أنها عرفا ليست غيرها. وكلاهما بمعنى الاستعمال اللفظـي، وقد بينا عدم صحته – يعني عدم صدق الاستعمال – في المعاني الطولية.
مضافا إلى مقتضى هذه الأطروحة كون الاستعمال غير مجازي، كما كان مقتضى الأطروحة السابقة أيضا. أما الأولى فلأنه معنى ثانوي. وليس محكا للمجاز، كما قلنا. وأما الثانية فلأنه معنى موضوع له لدى كون الداعي ثابتا.
والظاهر ان الأطروحة الأولى، لو بينت كما بيناه، فلا مانع منها عرفا. وأما قولهم: إنها استعملت في التمني والترجي، فهو صحيح إجمالا إلا ان فيه تسامحا في التعبير بلا شك. لأنها إنما استعملت في معناها وهو الطلب ونحوه.
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والأطروحة الأولى هي المتبادر من الاستعمال، بعد الانتباه إلى كون المعاني الأخرى ثانوية، في حين ان الأطروحة الثانية تستلزم تعدد الوضع والاشتراك اللفظي، وهو خلاف الأصل مع إمكان المصير إلى اتحاده.
لكن مع بعض الإضافات إلى الأطروحة الأولى: بأن الموضوع له والمستعمل فيه، ليس هو مطلق الطلب، بل الطلب التشريعي. وان الدلالة على المعاني الثانوية دلالات تصديقية لا تصورية، والدلالة التصديقية ليست وضعية، فلا تكون الدلالة الوضعية – على الطلب – قصدية. أو قـل: إن اللفظ هو طلب بالحمل الشايع أو بكلا الحملين: الحمل الأولى والشايع.
وهنا يحسن ان نتصور العكس، كما مشى عليه في الكفاية، وهو ان يكون المعنى الأولى للصيغة هي أحد المعاني الأخرى، ولكن يقصد بها الطلب. أو يقصد بها أحد المعاني أيضا. كما لو استعملت في الترجي وقصد بها التهديد مثلا.
فهذا بناء على الأطروحة الأولى مجاز، لأنها استعملت ابتداء في غير الطلب، وأما بناء على الثانية، فيمكن ان يكون حقيقة، بناء على أنها استعملت بداعي الطلب. ويمكن ان يكون مجازا، لأن الاستعمال في الترجي حقيقة، مشروط ان يكون بداعي الترجي ولم يحصل عليه الفرض فشرط الوضع غير موجود، فالاستعمال مجاز. وان كان بداعي الطلب فيكون الاستعمال على كلا الأطروحتين مجازيا.
وما قاله في العناية من أننا لا نرى عناية في تلك الاستعمالات، فلعله يريد استنتاج أنها موضوعة لها جميعا بنحو الاشتراك اللفظي. وان لم يقل ذلك بصراحة. وهو مخدوش.
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثم انه يذكر في الكفاية.
إيقاظ:
ولم يتعرض له في المحاضرات أصلا.
وقد ذكر فيه أمرين منفصلين، إلا أن أحدهما بمنزلة المقدمة للآخر.
الأمر الأول: نعرضه طبقا للأطروحة الأولى السابقة التي اختارها الآخوند، واخترناها أيضا.
وحاصله: أن المعاني الثانوية غير الطلب قد تكون مطابقة للواقع وقد لا تكون. لا بمعنى أنها إخبار متصف بالصدق والكذب. ولكن بمعنى أنها قد تكون موافقة لما في باطن النفس وقد لا تكون. وإنما هي لمجرد الإعلام. وطبقا لما قلناه من أنها قصدية (تصديقية)، فإن المتكلم يريد إفهام السامع بأن لديه تمني أو ترجي. ولكنه قد لا يكون كذلك.
والمهم هو الظهور بها إثباتا، وقصد إفهامها ثبوتا. أما قيامها في النفس فعلا. فهذا أمر خارج من كلتا الدلالتين الأولوية والثانوية أو قل التصورية والتصديقية. وهي على أي حال إنشائية لا إخبارية لتكون كاذبـة.
وهذا التفسير لكلام الآخوند هو الذي يصلح للمقدمية للمطلب الآخر المتعلق بالله سبحانه. وليس ما فهمه الشراح من تعميم النظرية من الطلب إلى غيره. لأن ذلك ما تحصل قبل هذا الإيقاظ. مضافا إلى عدم صلوحه للمقدمية للأمر الثاني الآتي.
الأمر الثاني: إن هذه الأمور قد تقع في كلامه سبحانه وتعالى. قال: فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغتها عنها واستعمالها في غيرها، إذا وقعت في كلامه
ــــــ[230]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
تعالى. لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه تبارك وتعالى. مما يستلزم نسبة العجز أو الجهل إليه سبحانه، كما في التمني والترجي والاستفهام.
وحاصل الوجه: أن هذه المعاني الطولية إنما وردت لمجرد الإعلام والإفهام، لأن كلا الأمرين السابقين ثابتين فيها، وهي الظهور بها والقصد إليها. بغض النظر عن كونها ثابتة في النفس أم لا. وان كان مقتضى الظهور هو المطابقة لما في النفس، إلا أن هذا غير متعين. فإذا دل الدليل على نفيه تعين. ولا يلزم المجاز لانحفاظ ذينك الظهورين. مع عدم لزوم نسبة المستحيل إليه تعالى.
إلا أن الشيخ الآخوند، قال: فان المستحيل عليه سبحانه هو الحقيقي منها لا الإنشائي ولا الإيقاعي. وهو مبني على مذهب المشهور، من وجود المنشأ بالإنشاء، وهو ليس بصحيح، كما قلناه. فقد سبق انه لا يوجد شيئا في عالمه، بل يكشف عن أن الفرد بصدد بيان إحدى تلك المعاني بنحو الدلالة التصديقية، فإن دل الدليل العرفي أو العقلي على خلو النفس أو الذات على ذلك، لم يبطل الاستعمال، كما ألمحنا إليه.
وقال الآخوند ، فيما قال: لا لإظهار ثبوته حقيقة، كالاستفهام والتمني والترجي. بل الآمر آخر حسب ما يقتضيه الحال. من إظهار المحبة أو الإنكار أو التقرير إلى غير ذلك.
وإشكاله: أولاً: إن هذه الأمور مثل سابقتها في استحالة وجودها لدى الخالق سبحانه، فإن أمكنت أمكن الجميع وان استحالت استحال الجميع.
ثانياً: انه أبدل ما هو إنشائي لا يصدق عليه الصدق والكذب بما هو إخباري، يصدق عليه ذلك. وهو إظهار المحبة أو الإنكار أو التقرير. فان هذه
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الصفات ان كانت موجودة استحالت. وان لم تكن موجودة كان هذا الإظهار كاذبا. وهو – على أي حال – ممكن الفهم بالدلالة الإلتزامية، فتكون كاذبة.
وهذا بخلاف الإنشاء الذي لا يصدق عليه الصدق والكذب حتى وان لم يكن مطابقا لما في النفس. ولا يلزم منه التسامح اللغوي أو المجاز، كما عرفنا.
ثم قال: ومنه ظهر أن ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضا.
أقول: تأتي الأطروحة الأولى في كل هذه الأمور أيضا. من حيث كون المعنى الموضوع له اللفظ هو الأول. والمقاصد الأخرى هي الثانوية والتصديقية. لكن لا تأتي فيها الأطروحة الثانية، فإنها كانت خاصة بصيغة افعل، بأن تستعمل – مثلا – في الترجي ويراد بها التهديد. وهذا ينطبق على ما وضع للاستفهام والتمني والترجي، في نطاق أضيق، لأن معانيها منحصرة وليست كصيغة افعل واسعة الاستعمال.
ــــــ[232]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المبحث الثاني
(من صيغة الأمر)
في أن الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب
بعد أن قلنا أنها موضوعة للطلب التشريعي بالمعنى الحرفي، بحيث تكون طلبا تشريعيا بالحمل الشايع.
ولكن يقع الكلام في ان هذا الطلب التشريعي هل هو بنحو الإلزام أو الأعم من الإلزام والرجحان.
وينبغي هنا أن نلتفت أننا والمشهور بعد أن نقول إنها موضوعة للطلب. ينبغي أن يخرج رأسا سائر المعاني الأخرى المدعى وضعها لصيغة الأمر. كالإباحة والتهديد. بحيث تكون موضوعة للأحكام الخمسة كلها أو للأعم منها، بنحو الاشتراك المعنوي أو اللفظي. فان الطلب خاص بالراجح، وهو الوجوب أو الاستحباب، ولا يحتمل تعديها إلى غيرها إلا بقرينة. وهذا ما ندعيه فعلا.
فمثلا تدل على الإباحة، إذا كانت في سياق احتمال النهي، كاصطلدوا وتكون للتهديد، كقوله: اعملوا ما شئتم، إذا كان المدلول المطابقي مما لا يحتمل الأخذ به. وهكذا. إذن، فالأمر ينحصر، بالأقوال التي تدور حول الطلب التشريعي. ومجملها: الوجوب خاصة أو الندب خاصة أو الجامع بينهما
ــــــ[233]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بنحو الاشتراك المعنوي، أو كليهما بنحو الاشتراك اللفظي.
كما ينبغي أن نلتفت إلى أن مرحلة الوضع شيء، ومرحلة الفهم شيء آخر. فمثلا قد يقال بوضع الصيغة للأعم. ولكن يفهم منها خصوص الوجوب بنحو من أنحاء الإطلاق كما سيأتي تقريبه. بأن يقال: انه لو أراد الرخصة لبين، وحيث لم يبين إذن يتعين الوجوب.
فيقع الكلام في مرحلتين: المرحلة الأولى: في أصل الوضع. والمرحلة الثانية: في كيفية استفادة الوجوب من الصيغة، هل هو بالوضع أو بالإطلاق أو بأي سبب آخر.
أما المرحلة الأولى: وهو الكلام في الوضع الأصلي.
فقد اختار الشيخ الآخوند الوضع للوجوب. ويمكن أن يستدل عليه بدليلين لغوي وعقلائي.
الدليل الأول: وهو اللغوي. وهو ما ذكره الآخوند من التبادر لدى استعماله بدون قرينة.
الدليل الثاني: العقلائي أو الاجتماعي. وهو ما يظهر من الكفاية أيضا. تأييدا للدليل الأول. وهو السيرة العقلائية بين الموالي والعبيد العقلائيين. حيث لا يقبل العذر بالعصيان لاحتمال إرادة الجامع أو إرادة الندب أو عدم إرادة الوجوب. ولو من دون قرينة عليها، بل السيرة منعقدة على الإلزام فيها.
واعتباره مؤيدا لكونه اعتبره طوليا لا عرضيا، لأن السيرة ناشئة من الوضع، لا الوضع من السيرة.
وينبغي أن يكون السبب في ذلك واضحا: وهو انه لولا الوضع لما كانت
ــــــ[234]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
سيرة العقلاء على ذلك، فينتج بنحو الإن من سيرتهم أنهم يرون الوضع للوجوب.
ويمكن أن يقال بإزائه: إنها سيرة مستقلة غير مربوطة بالوضع. وان ديدنهم على عدم قبول العذر حتى لو كان الوضع للجامع، أخذا بحق الطاعة ونحو ذلك.
إلا انه يرد عليه:
أولاً: إننا نلاحظ انقطاع المأمور وعدم إمكان اعتذاره بعدم دلالة اللفظ على الوجوب. وهذه أمارة وضعه.
ثانياً: إن العرف يبني بعض تصرفاته على بعض. فلو لم يكن اللفظ موضوعا، للوجوب، لما وجدت هذه السيرة.
ثالثاً: إن حق الطاعة وحده غير كاف، إذا كان الأمر أمراً بالجــامع.
رابعاً: ان أصل السيرة قد تكون لقرائن محتفة، أي لتهديد ونحو ذلك. ولا اقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
خامساً: إننا نلاحظ في السيرة، الانصياع والطاعة، لأجل الطمع أو الخوف لا لحق الطاعة محضاً. ومعه ففي الإمكان إنكار أصل السيرة. فالعمدة هو التبادر.
وإذا تمت السيرة لم تحتج إلى الضميمة، وهي انه قال: مع الاعتراف بعدم دلالته عليه – أي على الندب – بحال أو مقال. فان عدم قبول العذر كاف في صحة السيرة. وعدم الدلالة على الندب مفروض فيها. وهو مساو لمورد عدم قبول العذر. إذ لو كانت الدلالة موجودة كان العذر موجودا. فالاستدلال بعدم
ــــــ[235]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
العذر استدلال بأحد المتساويين.
وقد أورد صاحب الكفاية على مختاره عدة إشكالات للخصوم:
الإشكال الأول: كثرة استعماله في الكتاب والسنة للندب. وهو أضعاف استعماله في الوجوب. فيدل على أحد أمور:
1- وضعه للحصة الاستحبابية.
2- وضعه للجامع بين الوجوب والاستحباب.
3- وضعه لما يناسب الاستحباب. يعني وضعه للجامع بين الجامع وبين الحصة الاستحبابية.
4 – نقله من الوجوب إلى أحد الأمور المذكورة.
5 – لزوم حمله على ذلك ولو لم يكن موضوعا له. فيحمل عليه ولو مجازا، بحساب الاحتمالات. حملا للفرد المحتمل على الأعم الأغلب.
وجواب ذلك: ان الاستعمال في الكتاب والسنة لا دخل له في اللغـة، فانه وان كان عرفيا، إلا انه معلول العرف وحصة منه، ولا يعتبر عرفا عاما، لكي نفهم منه اللغة. أو يكون علة لها ثبوتا أو إثباتا. فهو لا يوجب وضعا لغويا ولا يدل عليه، كما لا يوجب نقلا ولا يدل عليه.
غايته انه قد يدعى دلالته على النتيجة الثالثة، وهي الحمل على ما يناسب الاستحباب بحساب الاحتمالات، على اعتبار غلبة الظن بأن مراد الشارع ذلك.
وجواب ذلك: انه لا ملازمة بين الأمرين، لوضوح ان جملة من
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
استعمالات الأمر قد تكون لزومية، وجملة منها استحبابية. فإذا شككنا بواحد، لم يلزم إلحاقه بأحدهما وان كان هو الأغلب. ولم تبلغ النسبة حد الاطمئنان بأحدهما. ولعل هذا هو المراد من قصد الآخوند بأن الاستعمال في الوجوب أيضا كثير.
ولكن لو اقتصرنا على هذا المقدار من الجواب أمكن الجواب من وجهين:
الوجه الأول: ان الاستعمال في الوجوب وان كان كثيرا، إلا ان النسبة مع ذلك ضئيلة، لا تبلغ العشر.
فان قيل: أننا لا ينبغي أن نلاحظ أصل الواجبات والمستحبات، بل صيغة افعل خاصة. ولم تثبت هذه النسبة من المستحبات فيها.
قلنا: يكفي الاطمئنان، بما يقرب من هذه النسبة أو الاحتمال. في حين ان الاستدلال متوقف على كثرة الاستعمال في الوجوب ولم يثبت.
الوجه الثاني: ان الاستعمال وان كثر في الاستحباب، إلا انه كان مع القرينة المصحوبة. فإننا ننكر ذلك في نصوص الكتاب والسنة.
فان قيل: فكيف عرفنا استحبابها، وهل ذلك إلا بالقرينة. قلنا: نعم. إلا ان غالب القرائن خارجية، كالإجماعات ونحوها، وليست قرائن متصلة ليتم الدليل.
الإشكال الثاني: كثرة الاستعمال في الندب في اللغة خارج الكتاب والسنة، ومعه لابد من الحمل على الاستحباب بأحد الوجوه السابقة التي ذكرناها في الإشكال السابق. ولا اقل من عدم وضعه للحصة الوجوبية، لأنه
ــــــ[237]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يلزم كثرة المجاز، بل زيادته على الاستعمالات الحقيقية، وهو بعيد.
وما ذكر أو ما يمكن ان يذكر في جوابه عدة وجوه:
الوجه الأول: ان كثرة المجاز على الحقيقة استعمالا ليس لازما باطلا، فضلا عن تساويه. وكل لغة شأنها ذلك.
فان قلت: ان ذلك في مطلق المجاز لا في صيغة افعل خاصة. مع ان كلامنا فيها خاصة.
قلنا: بل هذا يصدق في كل مجاز وفي كل حصة منه. فانه إن أمكن في الكل أمكن في البعض، وهو أمر متسالم على صحته.
الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ الآخوند من كثرة استعمال الصيغة في الوجوب أيضا. وهو في أصل اللغة أمر محتمل لأن مصاديقه فوق الإحصاء. فيكون احتمال الحمل متساويا في اللغة. ولا يتعين حمله على الاستحباب. ويكفي ان نلتفت إلى ان الاستعمال في الاستحباب اقل في موارد اللغة العامة، من الموارد الشرعية. فلا يرد الجواب السابق.
الوجه الثالث: ما ذكره الشيخ الآخوند أيضا من ان الاستعمال في الاستحباب المدعى مجازيته إنما كان مع القرينة المصحوبة.
جوابه: لأمرين: أحدهما: إن وجود القرينة غير متعين، لاحتمال كونه مجازا مشهورا مستغنيا عن القرينة.
ثانيهما: إن هذا إنما يكون راجحا في الشرعيات لا في مطلق اللغة لأننا في الشرعيات نتكلم عن الجزئيات، وفي اللغة عن الحصص الكلية. ولا معنى في الحصص الكلية لوجود القرينة.
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوجه الرابع: انه بعد التسليم بالتبادر بالوجوب. لا تقع المزاحمة بينه وبين كثرة الاستعمال. فان التبادر دليل الوضع، وهو بمنزلة العلة، والاستعمال بمنزلة المعلول. فبعد إحراز العلة لا يبقى للمعلول شأن معتد به، سواء كثر أم قل.
وبمثل هذا نجيب أيضا، بتعين حمل الأمر على الوجوب حتى مع كثرة ما ورد عن الشارع من المستحبات. ولا مجال للحمل على الأعم الأغلب.
الوجه الخامس: ما ذكره الشيخ الآخوند من النقض بالعام والخاص. من حيث ان الكثرة لو أوجبت التشكيك والتوقف أو الإلحاق بالأعم الأغلب. للزم القول بعدم الأخذ بالعمومات، لكثرة استعمال العام في الخاص. حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص. مع انه من المسلم انه لم ينثلم ظهوره في العموم. بل يحمل عليه، ما لم تقم قرينة على إرادة الخصوص.
غير أن هذا لا يتم بمجرده، لأكثر من إشكال:
الإشكال الأول: إن الكثرة في التخصيص على قسمين:
القسم الأول: تخصيص عام واحد بمخصصات كثيرة في الحصص (لا في الأفراد). وهذا ما لعله يضر بعمومه. حتى قالوا بقبح تخصيص الأكثر.
القسم الثاني: كثرة وقوع ألتخصيصات على العمومات. بدون لحاظ واحد منها. وهو المراد بقولهم: ما من عام إلا وقد خص. وهذا لا يفيد في المقام، لقلة التخصيص الوارد على كل واحد منها على الفرض. أو احتمال ذلك على الأقل.
الإشكال الثاني: ان هذه الكثرة في الشريعة، وفي آراء الفقهاء، إنما هي
ــــــ[239]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في طول اللغة، فلابد من النظر إلى العلة، وهي اللغة الأصلية. ولم يرد فيها: ما من عام إلا وقد خص.
الإشكال الثالث: قوله: كثرة استعمال العام في الخاص. لاشك انه تسامح في التعبير. وان صدق فهو استعمال مجازي قطعا. يعني إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص بالإرادة الاستعمالية، كما عليه ظاهر عبارته. ولكن لا ينثلم الظهور إذا كان المراد بالعام هو الخاص جداً. أي بالإرادة الجدية لا الاستعمالية، كما هو محقق في محلّه.
فان كان استعماله مجازيا، فكيف نتج منه عدم انثلام دلالته في العموم. وإنما ذلك ناتج من كون الإرادة الاستعمالية في العموم محفوظة. وإنما ورود المخصص على الإرادة الجدية.
الإشكال الرابع: ان الملاكات في فهم العموم تختلف. فان كان بالوضع، مثل: كل وجميع، لم تتثلم حتى مع كثرة التخصيص، بل حتى لو لزم تخصيص الأكثر، غايته انه لا يصدر من الحكيم لقبحه. وهذا لا ربط له بالوضع الأصلي في اللغة.
ولكن إذا أردنا من العموم في العبارة المأثورة (ما من عام إلا وقد خص): الأعم من العام والمطلق، أو فهمنا العموم بتقريب إطلاقي، كالعموم المفهوم من الألف واللام الجنسية ونحوها. فقد يقال: بإنخرام الظهور الأطلاقي لكثرة ورود التقييد عليه. لأنه قد يكون مزيلا لبعض مقدمات الحكمة، لحصول التشكيك في كونه في مقام البيان. فلا يتم التسلم بعدم إنثلام ظهوره.
ــــــ[240]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
في دلالة صيغة افعل على الوجوب بالإطلاق :
ونحن في غنى من هذا البحث أساسا، بعد الذهاب إلى دلالة الصيغة على الوجوب بالوضع. وإنما يحتاج الأصولي إلى ذلك، فيما إذا قال بوضع الصيغة للجامع بين الوجوب والاستحباب أو للأعم من ذلك، أياً كان. فينتفي المعين اللفظي المطابقي للوجوب إلا الإطلاق.
لوضوح إننا لو اقتصرنا على فهم هذا الجامع لم تتعين أكثر موارد الاستعمالات الشرعية للوجوب. إلا مع القرينة، في حين ان مسلك الفقهاء في الفقه هو العكس. وهو الحمل على الوجوب ما لم تقم قرينة على الاستحباب. فان كان هناك وضع، فهو المطلوب. وان لم يكن هناك وضــع، فما هو المبرر لذلك ؟!..
ومعه يتضح ان هذا المبحث إنما هو تبرير لوضع قائم في الفقه فعلا. وإلا فبغض النظر عنه، قد يقبل الفقيه النتيجة، ويحمل أكثر النصوص على الاستحباب.
ولكن يمكن بيان بعض الوجوه للوجوب، غير الإطلاق، وكلها غير تامة:
الوجه الأول: ان الحمل على الاستحباب خلاف الإجماع. وجوابـه: ان هذا الإجماع ليس بحجة لأنه على أمر لغوي. مضافا إلى انه لم يثبت حقيقة.
الوجه الثاني: انه يلزم منه تأسيس فقه جديد. وهذا من اللوازم الباطلة التي استعملها الفقهاء كثيرا. وخاصة المتوسطون منهم. إلا انه مطعون كبرى وصغرى.
أما كبرى، فلأنه لا دليل على انه لازم باطل. وخاصة بعد بذل الجهد
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كاملا، والتدقيق في الأدلة والقواعد. ويفتي الفقيه بالنتيجة مهما كانت. ولا يكون قد خالف إجماعا محصلا فعليا أو مركبا. كما هو المفروض، في أية مسألة بعينها.
وأما صغرى، فلإمكان دعوى وجود القرائن على الوجوب والاستحباب في الأعم الأغلب جدا من الموارد. وخاصة إذا اعتبرنا فهم المشهور حجة، أو انه صالح للقرينية على مقتضى القاعدة.
ولكننا- كما أشرنا – في غنى عن ذلك كله، بحيث لو لم يتم شيء من تقريبات الإطلاق الآتية، لم يكن لنا ضائرا. وإنما نتكلم في هذا المبحث من اجل الجهة النظرية فحسب والإطلاع على مسالك الأصوليين فيه.
وعلى أي حال، فتبرير ذلك ليس موضوعيا، وإنما هو توصل إلى نتيجة ضرورية فقهيا، ويوجد لها نظائر في الأصول. فمثلا بعد الوضوح فقهيا بلزوم الأخذ بالتقييدات والقرائن المنفصلة.
برروا ذلك بعدة تبريرات أشهرها وأغربها إرجاع كلام الشارع إلى كونه بمنزلة الشخص الواحد المتكلم في مجلس واحد. بحيث ترجع القرائن المنفصلة كلها إلى قرائن متصلة، ليمكن الأخذ بها. والكلام حوله يأتي في محله.
فان قلت: ان القول بالوضع أيضا هو تبرير للواقع الفقهي الضروري، فيأتي عليك نفس الإشكال الذي ذكرته على المشهور.
قلنا: جوابه:
أولاً: انه شعور وجداني بالتبادر ونحوه، مما يكون دالا على الوضع
ــــــ[242]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الحقيقي. والوجدان لا يمكن التنازل عنه.
ثانياً: انه مأخوذ من علم اللغة رأسا في المرتبة السابقة على القواعد الأصولية.
وعلى أي حال، فالظاهر ان أشهر من ذهب إلى ذلك هو الشيخ محمد حسين الأصفهاني .
وتقييد الإطلاق يتصور على نحوين لابد من ذكرهما، فانه إما تقييد الإرادة الاستعمالية، وإما تقييد الإرادة الجدية. ونقدم الثاني لأنه هو الموجود في المصادر والمنسوب إلى المحقق المذكور. وذلك بعد فرض عدم وجود مقاصد أخرى غير الطلب أما بقرينة أو بالإطلاق أيضا.
وذلك بأن يقال: ان الأوامر والنواهي، إنما يجب طاعتها لا باعتبار مداليلها اللغوية وأرادتها الاستعمالية وإنما باعتبار إرادتها الجدية التي تدل بوجوب طاعة الله سبحانه. وإنما يجب طاعة الإرادة الاستعمالية باعتبار كشفها عن الإرادة الجدية ، لا بالذات.
وكشف الأوامر عن الإرادة الجدية يكون بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: ما ذهب إليه الأستاذ المحقق من ان الوضع هو التعهد. وكون الدلالة الوضعية، هي الدلالة التصديقية الواردة لإبراز ما في النفس من المقاصد. فالدلالة عندئذ تكون بالمباشرة و المطابقة دالة على الإرادة النفسية الجدية.
الأسلوب الثاني: بعد الطعن بمسلك التعهد ، فلا تكون الدلالة الوضعية جدية. إلا ان الدلالة العرفية على ذلك، اعني على فهم الدلالة الجدية من
ــــــ[243]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
السياق. لأنها لو لم تكن موجودة ما أمر المولى بشيء. فتكون الإرادة الاستعمالية دالة على ذلك بالإن. فيكون ذلك من قبيل الدلالة الإلتزامية لا الدلالة المطابقية.
وعندئذ، فان التزمنا، كما هو المفروض الآن مشهوريا، بوضع هيئة افعل للجامع. فهي لا تدل على وجود إرادة جدية كاملة، لأن الدلالة على الجامع يناسب مع وجود الإرادة الناقصة أيضا. وعندئذ يتعين فهم المستوى الشديد منها بالإطلاق. ببعض التقريبات:
التقريب الأول: ما ذكره في المحاضرات: من ان ضعف الإرادة أمر عدمي والحد العدمي صفة زائدة على الإرادة. فالإرادة بما هي لا مع امر زائد هي الإلزامية. فتحمل الصيغة عليها، ما لم يثبت اقترانها بالضعف في مقام الإثبات.
التقريب الثاني: ان الإرادة لا تكون استحبابية إلا إذا كانت مقترنة بالتسامح، ثبوتا، وهو عدم العقوبة على الترك. فان ثبت ذلك بدليل فهو. وإلا كان مقتضى الإطلاق وجود الإرادة فقط. وهو معنى الإلزام.
إلى تقريبات أخرى سوف تأتي.
وقد استشكل السيد الأستاذ على التقريب الأول: بأن هذا فرع دلالة الصيغة على الإرادة، لكي تعين الشدة والضعف بالإطلاق. في حين ان دلالتها إنما هو على معناها الوضعي وهو البعث والتحريك. (في نظره) وهو جانب عملي لا يختلف فيه الشدة والضعف. أو قل: ان شدته وضعفه يعود إلى المأمور لا إلى الآمر، وكلامهم في الشدة عند الآمر لا عند المأمور.
ويرد عليه أكثر من وجه واحد:
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أولاً: ان مقدمات الحكمة لو كان مجراها المدلول التصوري لصيغة افعل، لكان لهذا الكلام مجال. بعنوان ان التحريك على غرار واحد عمليا. ولكن مجراها المدلول ألتصديقي للصيغة، وهو قابل للشدة والضعف.
ثانياً: انه يمكن القول: ان التحريك ليس على غرار واحد، بل له مراتب، لأنه عبارة عن التسبيب إلى التحرك تشريعا. وهو مشكك وليس متواطئا.
ثالثاً: إننا بينا ان الإرادة مدلول تصوري للصيغة وليس التحريك. باعتبار الدلالة الالتزامية التصورية لها بالإرادة. وهي قابلة للشدة والضعف. فان كان هناك إشكال في عدم الشدة والضعف، فإنما هو في المدلول التصوري المطابقي فقط.
إذن، فجواب السيد الأستاذ على التقريب غير وارد. ولكن مع ذلك فان أصل التقريب لا يتم، لعدة وجوه بعضها مشترك الورود بين عدة تقريبات للإطلاق:
أولاً: أننا قلنا بالوضع، وهو ثابت في المرتبة السابقة على الإطلاق. وبالدلالة الوضعية نستغني عن الدلالة الاطلاقية.
ثانياً: انه يمكن القول: ان هذا الأسلوب المدعى للاستفادة ليس من باب الإطلاق. وإنما هو لمجرد عدم وجود القرينة. وهي وان كانت إحدى مقدمات الحكمة. إلا أننا هنا لا نحتاج إلى المقدمات الأخرى ككون المتكلم في مقام البيان وغيرها، ليكون الظهور اطلاقيا.
والا لو سمينا عدم القرينة إطلاقا، لكان نفي المجاز كله إطلاقا. لأن عمدته على عدم القرينة، وهو غير محتمل.
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان عدم القرينة يعين الجامع بين الضعيف والقوي. فيكون الظهور مجملا من حيث مرتبة الإرادة. ونحن لا نعلم بما هو موجود في عالم الثبوت إلا بمقدار الظهور في عالم الإثبات واللفظ فقط.
رابعاً: انه مع عدم القرينة على الاستحباب لا يوجد دال على الوجوب. إلا ان يدعى الظهور فيه في نفسه، بالإرادة التامة، وهو أول الكلام.
بل الظهور بخلافه. لأنه للجامع. نعم هذا الكلام يناسب مع القول بالوضع. فمن أين نعرف ان الإرادة تامة بدونه.
خامساً: ان الدلالة على الإرادة عنده ليس اسميا بل هو حرفي. وهو ليس مطابقيا بل هو التزامي. مع انه لا يمكن ان تكون للدلالة الحرفية دلالة التزامية اسمية. لأن الفرع لا يمكن ان يزيد على الأصل.
التقريب الثالث: ان المحركية المدلول عليها بالصيغة، ذات مراتب متعددة. فما لم تقم القرينة على المحركية الضعيفة، تعين حمل اللفظ على المحركية التامة ، وهو دليل الوجوب.
وتأتي فيه نفس الوجوه السابقة للجواب، مضافا إلى إمكان المناقشة في مراتب المحركية. وإنما هي متواطئة لا مشككة.
فان قلت: فإننا نعرف كونها مشككة باعتبار انقسامها إلى الوجوب والاستحباب. مضافا إلى مراتب كل من هذين الصنفين.
قلنا: هذا الانقسام انقسام في أهمية الحكم ، وقوة الإرادة. وما يراد في هذا التقريب هو النظر إلى علة ذلك، وهو المحركية، بغض النظر عن إنتاجها للحكم. لتعرف الحكم في طول شدتها أو ضعفها.
ــــــ[246]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التقريب الرابع: ان الصيغة إنما تدل على الاستحباب إذا اقترنت بقرينة تدل عليه. بعد التسليم بعدم الوضع وبعدم الانصراف إلى الحصة الاستحبابية. فإذا لم تقم قرينة على الاستحباب، دلت مقدمات الحكمة على إرادة مدلول الصيغة الخالي من القرينة وهو الوجوب.
وهذا واضح الفساد. لأنه لا يتعين ان يكون مدلول الصيغة بدون قرينة هو الوجوب، مع الاعتراف بأن وضعها اللغوي للجامع. مضافا إلى ما قلناه من ان عدم القرينة بمجرده لا يكون من قبيل مقدمات الحكمة.
التقريب الخامس للإطلاق: ان الإرادة لا تكون استحبابية إلا إذا اقترنت بالتسامح في عالم الإثبات، بقيام القرينة على عدم العقوبة على التـرك. فمع فرض عدمها يتعين الوجوب.
وجوابه: مضافا إلى ما سبق: رجوعه إلى تقريب سابق، لأن عالم الثبوت إنما نعلمه من عالم الإثبات. وعالم الإثبات يعرف من الظهور. والمفروض ان الظهور للجامع.
التقريب السادس: ان يقال: ان الطلب حقيقة هو الوجوب فيحمل عليه من دون قرينة. وليس الاستحباب طلبا. وهذا ان رجع إلى الظهور الوضعي، تم. وإلا لم يتم لكون الاستحباب طلب في الجملة، وخاصة مع كون الوضع للجامع، على ما هو المفروض.
التقريب السابع: انه كما يمكن تقييد الإرادة الجدية، يمكن تقييد الإرادة الاستعمالية. فإذا لم يمكن الأخذ بالأول بعد التنزل عما سبق أمكن الأخذ بالثاني. بدون قرينة على الاستحباب، كما هو المفروض.
إلا انه لا يتم كبرى وصغرى. أما كبرى، فلأنه مبني على إمكان ورود
ــــــ[247]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
التقييد على الإرادة الاستعمالية. وهو على خلاف التحقيق.
واما صغرى فلأكثر من وجه واحد:
1- انه يفترض ان تكون الإرادة الظاهرة من الكلام بدون تقييد، كاملة، لكي تكون متعينة في الوجوب بدون قرينة. وهو أول الكلام.
2- ان الإرادة الاستعمالية ليست تشريعية كالإرادة الجدية ، بل هي لغوية، فلا يمكن حمل مطلقها على الكامل.
وهنا يوجد مطلب في المحاضرات ذكره في مناقشة التقريب الأول. من حيث كونه مبتنيا على ان الإرادة ذات مراتب.
قال: ان هذا تام في الأوامر العرفية وغير تام في الموارد الشرعية. لأن الآمر في الأوامر الشرعية هو الله سبحانه. فيرد عليه إشكالان:
الأول: عدم دخول الإرادة والرضا والكره ونحوها في ذاته، فضلا عن الشدة والضعف.
جوابه: من وجوه:
1- ان هذا مما أخذ مسلم الصحة في الفقه والأصول في موارد عديدة، فما تجيب به هناك اجب به هنا.
2- ان ظاهر القرآن الكريم ذلك. فما أجبت به عليه اجبنا به هنا.
3- ان جوابه موجود في علم الكلام. ولا حاجة إلى الإفاضة فيه. ومن ذلك إنهم قالوا: انه سبحانه يجعل هذه الأمور في قلوب أوليائه.
الثاني: ان الإرادة التكوينية التي هي عبارة عن الشوق النفساني، المحرك
ــــــ[248]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
للإنسان نحو المراد إنما يعقل تعلقها بفعل الغير إذا كانت فيه مصلحة عائدة إلى ذات المريد أو إلى أحد قواه. ولا يعقل تعلقها بما لاتعود به المصلحة إليه. بداهة ان الشوق النفساني إلى شيء بنفسه غير معقول، إلا إذا كان ناشئا عن فائدة عائدة إلى الفاعل.
وذلك غير متحقق في الأحكام الشرعية. فان مصالحها تعود إلى المكلفين دون الشارع. نظير أوامر الطبيب التي تعود مصالحها إلى المريـض. فلا يعقل ان تكون منشأ لحدوث الإرادة في نفس المولى، فضلا عن اختلافها شدة وضعفا، على ان اختلاف تلك المصلحة العائدة إلى العباد لا يعقل ان تكون سببا لاختلاف إرادة المولى كذلك.
وهذا من الغرائب المخالف لوجدان العرف ولوجدان المتشرعة. لضرورة وجود الأوامر الوجوبية والاستحبابية، واختلاف درجاتها. واختلافاتها، إنما هو ناشئ من اختلاف الملكات، التي هي الإرادة، وهي التي يجب طاعتها.
فان التكاليف لو رجعت إلى المصالح الواقعية، لم تجب الطاعة، وأمكن للفرد العصيان، بزعم إمكان تحمل المفسدة أو التضحية بالمصلحة. وإنما إرادة المولى ورغبته هي التي تكون واجبة الطاعة.
وعندئذ ترد على هذا البيان عدة إشكالات:
أولاً: ان الإرادة المتعلقة بفعل الغير تسمى إرادة تشريعية لا تكوينـية، وقد سماها تكوينية. وفي ذلك خلط في المصطلح الكلامي والأصولي.
ثانياً: ان الإرادة التكوينية لا تتعلق بفعل الغير تشريعا، لكن قد تتعلق بفعل الغير تكوينا. فيثبت الإكراه والاضطرار. وعندئذ فقط تكون الإرادة التكوينية بفعل الغير قابلة للزيادة والنقص. ولكن ليس في الشريعة شيء منها.
ــــــ[249]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: ان ما قاله من عدم إمكان تصاعد الإرادة ومراتبها بفعل الغير، لا يتم. لأن الإرادة التشريعية هي باعتبار مصلحة الغير. فكلما كانت مصلحة الغير أقوى كانت الإرادة التشريعية في نفس المولى أقوى. ومن جملة ذلك: الطبيب، إذا كان يهتم بمصلحة المريض، فانه تحصل عنده إرادة تشريعية متزايدة، بالأمر بالشرب والتداوي.
رابعاً: ما قاله: من ان الشوق النفساني لا يتعلق إلا بما يعود إلى ذاته، وما يلائم قواه، ليس بصحيح. لأنه يؤدي إلى نفي الإرادة التشريعية أصلا. وخاصة في موارد الشرعية. بل قد يتحمل الآمر الضرر في سبيل مصلحة المأمور.
خامساً: ما قاله من ان مصالح متعلقات الأوامر العرفية تعود إلى المولى دون العبيد. ليس بصحيح على إطلاقه، فان الأمر قد يكون لمصلحة المأمور صرفا. بل قد يعود بالضرر عليه ، كما قلناه.
إذن، فالإرادة بقسميها موجودة عرفا وشرعا، وذات أقسام عرفا وشرعا، ولا تعود إلى المولى في اغلب الأحيان.
ثم استشكل في المحاضرات بعد ذلك: ان دعوى: كون الإرادة الشديدة لا تزيد على الإرادة بشيء، فهي إرادة صرفة، دون الإرادة الضعيفة لأن قيدها عدمي. هي دعوى خاطئة جدا. لأن الإرادة بشتى ألوانها محدودة بحد، دون فرق بين الإرادة الشديدة والضعيفة. فإنهما مرتبتان متضادتان من الإرادة.
وان شئت فقل: ان الإرادة التي هي واقع الوجوب وروحه، من الأمور الممكنة ، ومن البديهي ان كل ممكن محدود بحد خاص. غاية الأمر ان الوجوب يزيد على الندب بشيء ، هو إرادة.
ويجاب على ذلك دفاعا عن الشيخ الأصفهاني بوجوه:
أولاً: انه لا يريد بالحد: الحد المنطقي التام أو الناقص. وإلا لاستحال ان
ــــــ[250]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
يكون العدم فصلا. والشيخ الأصفهاني لا محالة ملتفت إلى ذلك. فليس ينبغي ان يقال: ان كل ممكن له حد. لأن ذاك ثابت في الحدود المنطقية، وهذا ليس حدا منطقيا في مورد الكلام. ولكنه حد على أي حال ، كطول الجسم وعرضه ولونه وطعمه، وغير ذلك. فان كل ذلك من الحدود والأقدار الموجودة خارجا. إذن، فنقصان الإرادة أو قل صفتها من كونها استحبابية لا وجوبية هو حد لها.
فان قلت: فانه يريد في المحاضرات مطلق الحد لا الحد المطلق أو الذاتي.
قلنا: عند ذلك لا يحتاج إلى الإشكال على خصمه. فان مثل هذا الحد قطعي الوجود ومتحقق في أكثر المخلوقات، بل كلهم. فان معنى الحد هو العدم ونفي الكمال. وكل ممكن فهو غير كامل لا محالة. وليست النظرية عندئذ خاطئة جدا، كما قال عنها في المحاضرات. وقد قال هناك ان كل ممكن له حد. فإذا قصد مطلق الحد ، كان متفقا مع خصمه لا إشكال له عليه.
ثانياً: قوله: إنهما مرتبتان متضادتان من الإرادة. انه بعد الالتفات إلى إنهما ليستا متضادتين بما هما إرادة، بل هما مثلان أي حصتان من نوع واحد وكيف واحد. فما هو منشأ تضادهما ؟ إلا هذا الذي سماه الشيخ الأصفهاني بالحد العدمي. وبدونه ينتفي التضاد.
فان قصد تضادهما بدونه، فهو خطأ، لأنه يصبح أحدهما عين الآخر، في الصفة. وان قصد تضادهما معه، فهو صحيح، إلا انه إقرار لهذا الحد.
ثالثاً: قوله: ان الإرادة هي واقع الوجوب وروحه.
هذا هو الذي قلناه من ان الإرادة هي مرجع الملاكات كلها. إلا انه خلاف
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مبناه الذي بينه قبل صفحة واحدة. حيث قال بعدم وجود الإرادة ولا زيادتها ولا نقصانها في الأوامر الشرعية، لأنها لا تعود على الآمر بالنفع. كما سبق ان ناقشناه.
فان أراد الوجوب العرفي ، خرج عن حيز الشريعة، وان أراد الوجوب الشرعي انتفت الإرادة على مبناه، ولم تكن روح الوجوب.كما قال.
غير ان أصل تقسيم الإرادة للشيخ الأصفهاني، غير تام، لعدة وجوه:
أولاً: ما عرفناه من كونها مصداقان من كلي الإرادة. فيكون كل منهما قابلا لحمل الخطاب عليه، مع انطباق الحد الذاتي الماهوي عليهما معا.
ثانياً: ان هذا ليس حدا منطقيا ، فلا يعتمد عليه في المباحث الدقية العقلية.
ثالثاً: ان الفرق بين الإراديتين بهذا المعنى دقي وليس عرفيا، مع إننا نفهم الشريعة فهما عرفيا، فيتعذر التفريق العرفي بينهما وفهمهما من الأدلة. مع انه غير متعذر قطعا. إذن ، فليس هذا الحد هو سبب الاختلاف.
رابعاً: ان الحد العدمي في كليهما موجود. فالإرادة الاستحبابية ليس فيها حد الوجوب وبالعكس. واذا كانت الأولى خالية من الإلزام، فان الثانية خالية من التسامح. فالحد العدمي فيهما موجود. ولا يختص بأحدهما.
خامساً: اننا لو تنزلنا عن كل ذلك، كانت الإرادة الوجوبية مصداقا تاما. لأنها من ناحية وجودها كذلك. وكذلك الاستحبابية. أما النقص فهو عدم والعدم لا يشارك الوجود ولا يكون جزءا منه أو دخيلا فيه. وإلا لزم اجتماع النقيضين.
ــــــ[252]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فان قلت: فان كل شيء ممكن كذلك، ولولا الحد العدمي لكان لا متناهيا أو واجب الوجود بالذات. فالحد العدمي هو الذي جعله ناقصا.
قلنا: أولاً: ان الإرادة الوجوبية بصفتها من الممكنات فيها حد عدمي أيضا، وليس ذلك خاصا بالاستحبابية.
ثانياً: ان الحد العدمي في الممكنات، عبارة عن الوجود الناقص. وليس عدما محضا. وإلا لزم اجتماع النقيضين.
فان قلت: فان هذا متحقق في الإرادة الاستحبابية كما قال الشيخ الأصفهاني.
قلنا: نعم. إلا ان هذا باعتبار جهة إمكانها لا باعتبار جهة استحبابها. فان النقص من هذه الجهة موزع على كلتا الإراديتين.
ثالثاً: ان هذا الحد حيث انه راجع إلى الوجود الناقص، وليس عدما حقيقيا، إذن، يدخل ضمن مصداق الإرادة، اعني الإرادة الاستحبابية. لم يصلح ان يكون عازلا لها عن الإرادة الوجوبية. كل ما في الأمر إنهما نحوان من الإرادة. والمفروض ان الدليل يدل بالالتزام على وجود الإرادة بعنوانها. فيتساوى طرفاه بالنسبة إليهما معا، لكون كل منهما مصداقا تام المصداقية لمفهوم الإرادة.
هذا هو تمام الكلام في محاولة استفادة الوجوب من الهيئة، عن طريق الإطلاق. ولم يتم شيء من الوجوه المحتملة لذلك. فهذا هو الكلام في مسلك الإطلاق.
………………………..
ــــــ[253]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمسلك الآخر: هو مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب. وقد سبق الكلام في مادة الأمر، مفصلا. وأما هنا فنذكره بالمقدار المناسب فقط. وهذا المسلك هو المنسوب للمحقق النائيني .
وحاصله: ان المدلول اللفظي للصيغة، إنما هو الطلب أو جامع الطلب. بمعنى تصدي المولى إلى تحصيل هذا الفعل. إلا ان هذا التصدي له حالتان: تارة يقترن بنصب بيان من قبل المولى على الترخيص متصلا أو منفصلا. وأخرى لا يقترن بالترخيص.
إما الأول، فليس موضوعا لوجوب التحرك والامتثال. لفرض وجود الرخصة بالترك.
وإما إذا تصدى المولى إلى تحصيل الفعل ولم يبين الرخصة. فهذا التصدي هو موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال. وفي هذه المرحلة يتعلق الأمر بعنوان الوجوب. فالوجوب أمر ثابت في المرتبة المتأخرة عن حكم العقل.
وأشكل عليه السيد الأستاذ: إننا نمنع ان يكون صدور الأمر بدون صدور الترخيص، موضوعا لحكم العقل بالوجوب. لوضوح انه لو صدر منه طلب من دون ترخيص، وعلمنا ان هذا الطلب لم ينشأ من ملاك شديد في نفس المولى، بل تطيب نفسه بتفويت هذا الملاك. فالعقل لا يحكم في مثله بوجوب الطاعة. ولا يرى فيه ان المخالفة منافية مع قيد العبودية.
فما هو موضوع حكم العقل هو صدور طلب من المولى، وان يكون الملاك شديدا، بحيث لا تطيب نفسه بتفويته. وهذا يحتاج إلى إثبات. إلا ان نقول: ان لفظ الأمر مادة أو هيئة يدل على شدة الملاك. وهذا رجوع إلى
ــــــ[254]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الدلالة اللفظية. مع الالتفات إلى ان شدة الملاك وعدم رضا المولى بالمخالفة، مما لا يمكن للعقل ان يشخصه، فيثبته أو ينفيه.
إلا ان هذا الجواب لا يتم:
أولاً: لأن علمنا بعدم شدة الإرادة يكفي ان يكون قرينة على الاستحباب وبتعبير آخر: ان علمنا ليس المفروض فيه ان يكون بعلم الغيـب، بل بالطريق الطبيعي. فأي سبب أصبح دليلا على عدم الشدة، كان قرينة للعقل على التنزل عن الوجوب. ولا ينحصر السبب بالدلالة اللفظية.
ثانياً: انه يمكن القول، بإفادة اللفظ لشدة الإرادة ولو بالإطلاق. وهذا لا يعود إلى الدلالة اللفظية بذلك المعنى. لأن الخلاف إنما هو في الوضع أو الظهور الوضعي للصيغة. وأما إذا كان له ظهور إطلاقي أو سياقي أو عقلائي، على الشدة. فهذا ليس تنزلا عما قال من الوضع للجامع. فإذا شككنا في الشدة، أثبتناها بنحو ذلك.
إلا ان أصل المطلب غير تام:
أولاً: إننا نحتاج في موضوع حكم العقل بالإلزام إلى قرينة على عدم التسامح، ولا يكفي عدم بيان الترخيص بل لابد من بيان عدمه. لكي يثبت كون الشارع ملزما – بالكسر- ليلزم العقل بإلزام الشارع.
فان كانت تلك القرينة هي الإطلاق، رجع الأمر إلى مسالك الإطلاق. وان كانت هي الوضع رجع إلى مسالك الوضع. ولم يكن مسلكا مستقلا.
ولا يقال: ان عدم بيان الترخيص بيان للعدم. لأنه يقال: انه اعم منه. وكذا لو قلنا: ان عدم بيان الترخيص مأخوذ طريقا لا موضوعا لحكم العقل،
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بل طريقا إلى ثبوت كون الإرادة قوية في نفس المولى. جوابه: انه فرع ثبوت الدليل على ذلك في المرتبة السابقة على حكم العقل. والمفروض عدمه.
ثانياً: ان المفروض ان الوضع للجامع لا للحصة الوجوبية. وإلا لم نحتج إلى حكم العقل. وعدم بيان الترخيص لا يعني الاستعمال في الحصة الوجوبية. بل المفروض ان الاستعمال مطابق للوضع وهو الجامع. ومع قصد الجامع بالاستعمال، كيف يكون موضوعا لحكم العقل بالوجوب.
وبتعبير آخر: ان المولى حين بيّن الجامع، فكأنه بين الترخيص. غاية الأمر ان بيان الترخيص تارة بالخصوصية وأخرى بالإطلاق. والحال في الدلالة على الجامع كذلك.
وبتعبير آخر: أننا قلنا: ان مسالك الإطلاق المثبتة للوجوب غير صحيحة. بل الأمر معكوس تماما. فان الإطلاق إنما يثبت اقتصار المولى على بيان الجامع إلا مع القرينة على الوجوب.
إذن ، فيمكن التمسك بهذا الإطلاق في المرتبة السابقة على حكم العقل لنفي القرينة على الوجوب أو على شدة الإرادة في نفس المولى. ولا تكفي عدم القرينة على الاستحباب. لأن هذا معناه كفاية بيان الجامع موضوعا لحكم العقل بالإلزام. وهو غير محتمل.
ــــــ[256]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المبحث الثالث
في ظهور الجملة الخبرية
في الوجوب
هل الجملة الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب والبعث، مثل يغتسل ويتوضأ ويعيد، ظاهرة في الوجوب أو لا.
قال في المحاضرات: وليعلم ان الجملة المضارعية في مقام الإنشاء كثيرة في الروايات. وأما استعمال الجملة الماضوية في مقام الإنشاء فلم نجد (: نجده)، إلا فيما إذا وقف جزاء الشرط كقوله: من تكلم في صلاته أعاد.
وينبغي الالتفات إلى ان هناك جهات في القصور في العنوان،
أولاً: عنوان: الجملة الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب، قد اخذ فيه استعمالها ذاك مسلما. فهنا يقال: ان هذا للمسلم يجب الأخذ به. لأنه مقتضى الإطلاق أو حكم العقل أو الوضع.
ومرادنا: ان التسليم بذلك ينافي البحث الموضوعي عن النتيجة. لأن العلم بهذا الداعي في نفس المولى كاف لوجوب الطاعة بلا حاجة إلى تخريج.
ثانياً: ان العنوان ينبغي ان ينقسم إلى عنوانين، كما قسمه السيد الأستاذ: فنتكلم أولاً عن تخريج استعمال الجملة الخبرية في مقام الإنشاء. ونتكلم ثانياً:
ــــــ[257]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
عن ان المُفاد بهذا الإنشاء هل هو الوجوب أو الجامع.
وظاهر الكفاية والمحاضرات، هو الاهتمام بالجانب الثاني مع إهمال الأول. إذ تؤخذ المسألة في الأول إجمالية أو ساذجة. باعتبار أننا لا ينبغي ان نتكلم عن إمكان ذلك مع وقوعه لأن الوقوع دليل الإمكان. وإنما نتكلم عن معناه بعد وقوعه.
وجواب ذلك: ان هناك إشكالا واضحا عقلا وعرفا يقع في إمكان ذلك، لأن الوضع اللغوي متباين بين الإخبار والإنشاء. فكيف أمكن استعمال أحدهما في محل الآخر. مع العلم ان مقتضى القاعدة الأولية خلاف ذلك أكيدا.
أو بتعبير أخر: ان لكل أصولي مباني معينة في فهم الجملة الخبرية وفهم الجملة الإنشائية، وهو فهم متباين طبعا. فإذا اتحد مصداقهما في مورد واحد. كما في محل الكلام، فهل يقع التنافي بين المبنيين؟ وما هو الوجه في حل هذا التنافي؟
إذن، فالحاجة إلى الجهة الأولى موجودة، ومن لم يتعرض لها، إما انه لم يلتفت إلى التنافي، أو ليس له مباني في علم الأصول في الجملة الخبرية والإنشائية، أو انه عاجز عن حل التنافي، فيهمل ذكره، لكي لا يتورط في الجواب عليه. وكل ذلك شائن.
وينبغي ان نتحدث في ذلك ضمن مراحل ثلاثة: المرحلة الأولى في الجهة اللغوية. والثانية في الجهة الأصولية والثالثة: في المفاد. وهل هو الوجوب أو الجامع. ونحو ذلك.
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المرحلة الأولى: في الجهة اللغوية.
وينبغي الالتفات هنا إلى عدة أمور:
الأمر الأول: ان ظاهر الأصوليين وان كان هو اختصاص الأمثلة بالأمور الشرعية أو بما ورد في السنة الشريفة. إلا ان الأمر ليس كذلك. بل هي عرفية أكيدا. ولو كانت خاصة بالشرع، لقلّت أهميتها أو أهمية البحث حولها، لإمكان استعمالها مجازا أو تقديرا أو نحوه.
إلا ان الأصوليين أدركوا بفطرتهم السليمة، إمكان استعمالها اللغوي خارج الشريعة، فبحثوا عنها. ومن الواضح أننا ينبغي ان نبحث عن كل كلمة من حيث ظاهرها خارج الشريعة في المرتبة السابقة على البحث عن ظاهرها في الكتاب والسنة.
فما عليه ظاهر الأصوليين من الاختصاص غير صحيح كبرى وصغرى: إما صغرى، فلوجودها فعلا خارج الكتاب والسنة. وإما كبرى فلأن بحث ما هو شرعي فقط، يفوت البحث العرفي السابق رتبة عليه، كما ذكرنا. ومن ثم لا يكون حجة، لأنه إنما يكتسب حجيته من العرف.
الأمر الثاني: ان الجملة الخبرية لا تكون مفيدة للإنشاء إلا إذا اقترنت بجملة اكبر منها وأوسع. كما لو وقعت خبرا في جملة حملية أو جوابا في شرطية. أو أحيانا مبتدأ كما في قولنا: عليه ان يعيد. ومثاله: المحدث يتوضأ أو إذا احدث المكلف توضأ أو يتوضأ.
والمهم هو إبراز الملازمة بأحد اللسانين بين أمرين متلازمين شرعا، وهو الوضوء وارتفاع الحدث.
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وأما إذا أوردت الجملة الخبرية وحدها، لم تفد ذلك أكيدا، كقولنـا: يتوضأ أو توضأ. فإنها تكون للإخبار محضا.
فان قلت: فكيف بقوله يعيد: في جواب من سأله كذا وكذا؟
قلنا: هذا على تقدير تكرار العامل الموجود في السؤال، أما على صيغة جملة حملية أو على صيغة جملة شرطية. وإلا فبغض النظر عن موضوع المسألة وتكرار العامل. أو قل المسند إليه أو فعل الشرط. لاشك أنها جملة خبرية محضة.
إذن، ينتج من ذلك: ان الدال على الأمر والإنشاء في الحقيقة ليس هو الجملة الصغيرة بل الجملة الكبيرة. أو قل الجملة (الأم) لا الجملة (البنت). فإن الجزء الآخر من الجملة، كما هو موضوع للمحمول (الجملة الصغيرة) كذلك هو قرينة متصلة عليه. ولو انسلخت عنه لم يبق لها ظهور أصلا.
الأمر الثالث: في مدلول الجملة الصغيرة المضارعة.
فإن هناك عدة وجوه إخبارية كافية عرفا لتفهيم الطلب. بدون الحاجة إلى القول بأنها مستعملة في مقام الإنشاء. وهذا المعنى كما ينطبق على المضارع ينطبق على الماضي كما سيأتي. وذلك في عدة وجوه:
أولاً: بتقدير المطيع. يعني: المحدث المطيع يتوضأ. فهو إخبار عن حال الفرد المطيع في المستقبل بصفته مطيعا. ولا يكون إلا مع افتراض أمر مسبق لديه. فيدل على وجود الأمر بالدلالة الإلتزامية.
ثانياً: ان المتكلم نظر إلى المستقبل، فجعله حالا واخبر عنه. ولكن حيث لا رغبة للفاعل (المأمور) لو خلي ونفسه. فينحصر تصديه للوضوء بالأمر.
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
فيدل بالالتزام أيضا على وجود الأمر.
ثالثاً: انه قال مجازا عن الحاضر انه يتوضأ من باب التفاؤل أو الأول والمشارفة. وحيث لا إرادة له بذلك، فينحصر الأمر بالدلالة عليه التزامـا.
رابعاً: ان المهم في فعل الأمر هو غض النظر عن الزمان الماضي أو فعل الماضي. ويشترك فعل الأمر مع الفعل المضارع – عرفا – بالنظر إلى الحال والاستقبال. فيمكن النظر إلى الزمان الأعم – لحاظا أو تكوينا – بين الحاضر والمستقبل. والإخبار على أساسه بأنه يفعل.
فإن قلت: لعله يعصي ولا يفعل فيكون الإخبار كاذبا.
قلنا: انه إما ان يفترض سلفا كونه مطيعا. أو ان مقتضى توجيه الأمر إليه هو ذلك. على تفصيل يأتي في الكلام عن الجهة الأصولية.
خامساً: النظر إلى المأمور بصفته باذلا إرادته في سبيل الآمر ومفنيا لها فيه. وهذا ما يقال عنه في العرف انه مرغم ومقهور على عمله. فيعود قوله يعيد إلى انه يعيد رغما عليه أو يعيد مقهورا. يعني من الناحية التشريعية. وهذا معناه الدلالة الإلتزامية بوجود الأمر الذي حصل بسببه القهر.
الأمر الرابع: في مدلول الجملة الصغيرة الماضية.
ويأتي في الماضي أكثر الوجوه السابقة: كتقدير المطيع أو تنزيل المأمور به منزلة المطيع أو إفناء إرادته في إرادة المولى، أو التعبير عن الزمان مجازا. ويوجد فيه أمور أخرى:
أحدها: تنزيل المستقبل منزلة الماضي. أو تنزيل ما بعد الامتثال منزلة الحاضر.
ــــــ[261]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانيها: تنزيل الحاضر منزلة ذلك الوقت المستقبلي.
ثالثها: إنكار ان الفعل الماضي يدل على الزمان الماضي باستمرار بل قد يدل على أصل الثبوت. وقد وقع مثله في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيْعاً بَصِيرَا. بغض النظر عن الأمر الآتي.
الأمر الخامس: في مدلول الجملة الكبيرة، أو قل: مدلول الصغيرة بعد ضم الجملة الكبيرة إليها.
أما الشرطية، فمضمونها استقبالي، ولو كانت إخبارية وأفعالها ماضية. إلا أنها تقلب معنى الماضي إلى المستقبل. وهو أمر عرفي وشايع لغة. مثل من مرض شرب الدواء. يعني من مرض مستقبلا شرب الدواء مستقبلا.
فليس النظر إلى مرض معين أو حادثة بعينها، وإنما النظر إلى الكـلي، أو المستقبل بالذات، في كل من فعل الشرط والجزاء. وينسلخ الماضي عن ماضويته. وكذلك: من احدث توضأ أو من ضحك في صلاته أعاد. وحصوله في المستقبل منحصر بسببية الأمر، إذا لم يكن له داع آخر. فيدل على وجود الأمر بالالتزام.
ويمكن القول: بعد العلم بأنها كالنص في الاستقبال: ان فهم الماضي والمضارع منها ساقط. فإن الشرطية قد يكون فعل الشرط فيها ماضيا والجزاء ماضيا. وقد يكون كلاهما بالمضارع، وقد يختلفان، وقد يكون الجزاء أمرا.
سواء كانت من مدركات العقل النظري نحو: ان طلعت الشمس حصل النهار – على الاحتمالات السابقة – أو من مدركات العقل العملي. نحو: من صدق عدل ومن سرق ظلم. أو عقلائي نحو: من تمرض شرب الدواء.
ــــــ[262]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والمهم فيها بيان الملازمة، كما ان المهم توقع الجزاء ان كان فيها نحو تشريع، كالمثال الأخير. فيدل على جامع المطلوبية عرفا، بغض النظر عما يأتي.
ولذا لا يفرق في الانطباع والفهم العرفي بين ان يكون الجزاء بفعل الماضي أو المضارع أو الأمر. نحو من تمرض يشرب الدواء أو من تمرض شرب الدواء. أو إذا تمرضت فاشرب الدواء. لأنها جميعا تفيد الأمر أو جامع المطلوبية، أو توقع حصول الجزاء من السامع. وهذا يعني إسقاط الدلالات المطابقية تماما.
وهنا يمكن ان نخطو خطوة أخرى، بعد انسلاخها من مداليلها التفصيلية إلى المستقبل وإلى جامع المطلوبية. وذلك بأن نقول: بأن ظهورها يكون نفس ظهور فعل الأمر ما دام السياق سياق التشريع والإنشاء لا الإخبار المحض. فهو فعل أمر أو بمنزلته، وان كان فعلا ماضيا أو مضارعا. فكأن المادة اتخذت هيئة الشرطية كلها. وحيث ان هذا متعذر، فيؤتى بهيئة الماضي أو المضارع توصلا إلى التلفظ بالمادة لا أكثر.
وهذا لا يعني انسلاخ مضمونها النحوي ولا اللغوي. لكن يعني انسلاخ مضمونها العرفي والعقلائي.
ونفس الشيء يمكن ان يدعى في (الإخبار)، من حيث ان المادة أصبحت مرتبطة بالملازمة في الجملة الشرطية (الكبيرة) بدون دخل لهيئة الماضي أو المضارع نحو: إذا طلعت الشمس حصل النهار أو يحصل النهار. وإنما يؤتى بها، لأجل التلفظ فقط.
وبعد ان عرفنا ان سياق التشريع والإنشاء لا يفهم من الجملة الصغيرة، بل
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
من الكبيرة. إذن، فلم تستعمل الصغيرة في الإنشاء. بل هي إما ملغاة بالمرة، كما ذكرنا، أو هي للدلالة على طرف الملازمة في الشرطية الأصلية. وحيث ان الملازمة ليس لها واقع خبري إذن فواقعها إنشائي.
وعلى أي حال، فالوجوه المحتملة في هيئة الجزاء عديدة:
الوجه الأول: ان نقول بإلغاء الهيئة: وإنما جيء بها لمجرد التوصل إلى النطق بالمادة.
الوجه الثاني: إنها في الشرطية لا تدل على الزمان أصلا – يعني في هذا المورد خاصة -. وإنما تدل الجملة الكبيرة على الزمان وهو المستقبل. ويكفي هذا عن دلالة الجملة الصغيرة.
الوجه الثالث: ان نقول: بانقلاب معنى الهيئة إلى المستقبل. وهذا ما يحصل في كلا الفعلين. أما الماضي فواضح. وأما المضارع فلانحصاره في المستقبل.
الوجه الرابع: ان نقول: أنها وان كانت موضوعة لزمانها، إلا أنها استعملت في غيره مجازا، بقرينة سياق الجملة الكبيرة.
الوجه الخامس: ان ظهور الصغيرة مندك في الكبيرة.
وعلى أي حال، فالمحصل اللغوي قطعا للاستقبال، في كل حال، وكله لا يفرق فيه بين الإخبار والإنشاء. فما يكون طرفا للملازمة في الشرطية بين الشرط والجزاء هو المادة دون الهيئة. ونفس ما يقال في هيئة الجزاء، يقال في هيئة الشرط حرفا بحرف. فتكون الملازمة حقيقة بين المادتين فقط.
فان قلت: كيف لا تدل الجملة الصغيرة في الجزاء على التشريع والإنشاء
ــــــ[264]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
كقوله: من احدث توضأ. وهل هي إلا بمنزلة قولنا: من احدث احكم عليه بوجوب الوضوء.
قلنا: كلا. فان هذا إنما يستفاد من سياق الجملة الكبيرة: من احدث توضأ. وحيث انه ليس إخبارا قطعا لعدم وجود رغبة مستقلة في ذلك، إذن ينعقد لها سياق إنشائي. بجعل تشريعي للملازمة بين الحدث والوضوء. بنحو الحكم التكليفي أو الوضعي. وهذا الجعل التشريعي للملازمة يدل أما مطابقة أو التزاما على الحكم الشرعي.
وهنا يمكن ان نلتفت إلى ان ما كان من الجمل الشرطية مفيدا لتوقع وجود الجزاء، فهو للتشريع بالمعنى الأعم، سواء كان عقليا أو عقلائيا أو قانونيا أو شرعيا أو غيرها. ويكون المطاع هو عاقد هذه الملازمة. وإرادة الشارع في الحقيقة متعلقة بالملازمة بدورها. وباعتبار الملازمة أصبح الشرط موضوعا للجزاء. أو قل: ان مادة الشرط موضوع لمادة الجزاء. وبذلك أصبح الشرط موضوعا للحكم الشرعي بدوره.
وبهذا يمكن القول بأن ظهور الجملة الصغيرة بالحكاية ينتفي بالمرة. لأن ظهورها بها فرع استقلاليتها وعدم القرينة على الخلاف. وكلا الأمرين موجود هنا. فلا ظهور لها بالحكاية. وإنما تبقى تبعا صرفا للجملة الكبــيرة.
فان قلت: فانك قلت قبلا: ان ظهور الجملة الصغيرة بالإنشاء فرع ظهورها بالإخبار. وعليه فإذا انتفى ظهورها بالحكاية والإخبار، فلازمه انتفاء ظهورها بالإنشاء. وهو باطل.
قلنا: هذا كان عند الحديث عنها مستقلا عن الجملة الكبيرة وقرينيتها. وأما في هذا المستوى من التفكير فنقول: إنها لا تدل لا على الإخبار ولا على
ــــــ[265]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الإنشاء. أما دلالتها على الإخبار فساقط تماما. وأما الدلالة على الإنشاء فموجود من خلال الجملة الكبيرة باعتبار دلالتها على الملازمة التوقعية، والتوقع – كما قلنا- نحو من التشريع والإنشاء. وهي تستعمل فيها حقيقة بنحو الاشتراك المعنوي، بصفتها مصداقا لمطلق الملازمة الشرطية.
فان قلت: فان انسلاخ الجملة الصغيرة عن الزمان وعن الإخبار، مع أنها الأصل فيها وهي المعنى الوضعي لها. فلا يكون ذلك إلا مجازا. وهو باطل، لأننا لا نحس بالمجاز وجدانا.
قلنا: كلا. فان هذا ثابت بأصل اللغة. إلا اننا نستكشف من صحة هذه الاستعمالات: ان الفعل انما يكون موضوعا لذلك إذا استعمل بحيــاله. يعني ان الفعل المستعمل بحياله موضوع لذلك. واما إذا كان في ضمن الجملة الشرطية فلا.
ففي الواقع ان الشرطية بيان عرفي للملازمة بين مادتي الشرط والجزاء. سواء أريد بالشرطية الإخبار أو الإنشاء. وسواء أريد بها الكلي أو الجزئي.
اما الكلي فواضح مما سبق. واما الجزئي ، فمثل قولنا: ان شربت الدواء شفيت. أو ان ظهر القمر بدأ ظلام الليل (ان صحت) وكلاهما فعل ماضي يراد به المستقبل.
يبقى الكلام في ظهورها في الوجوب أو في جامع المطلوبية ، في الملازمات التوقعية ، موكولا إلى الجهة الثالثة من هذا البحث.
وهنا ينبغي ان نلتفت ، إلى ان الفعل المضارع يفيد المستقبل ضمنـا، لأنه دال لغة على الحال والاستقبال. إلا اننا أشرنا فيما سبق إلى انه إذا كان في ضمن الجملة الشرطية اختص بالاستقبال. ومن هنا يمكن القول بعدم زوال
ــــــ[266]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مدلوله اللغوي الأصلي. لأن الاستقبال من ضمنه. وهذا بخلاف الفعل الماضي ، حين يصبح دالا على الاستقبال.
ونلتفت هنا إلى انه كما قلنا قبلا ، في الجملة الصغيرة: ان الدلالة على الطلب فيها في طول الدلالة على الإخبار. كذلك في الجملة الكبيرة، تكون الدلالة على الطلب في طول الدلالة على الإخبار. وهي في الشرطية بمعنى الدلالة على ثبوت الملازمة بين مادتي الشرط والجزاء.
ومنه نعرف وجه الملازمة في الجملة الحملية أيضا. نحو: المريض يتداوى والمحدث يتوضأ ، فإنها أيضا صادقة على كل المستويات والتفاصيل السابقة. وهي أيضا نحو من بيان الملازمة.
غاية الفرق: ان فعل الماضي متعذر الاستعمال فيها لإفادة الإنشاء والنسبة التوقعية. فان استعمل أفاد الإخبار. نحو: المريض تداوى. وكذلك لو كان المبتدأ نكرة نحو: مريض تداوى في بيتي أو عندي. وان كان معرفا كانت الألف واللام عهدية. ويحتمل فيها الجنس (راجع المثال السابق). ولا يمكن ان تكون بنحو القضية الكلية التشريعية. وما لم تقم قرينة على الانبغاء والتوقع، دلت على الإخبار جزما.
وأما مع قيام الجملة الحملية بأحد أدوات العموم نحو كل مريض يتداوى. أو يراد بالألف واللام الجنس. فإنها عندئذ تدل على الملازمة وتعطي معنى التوقع والتشريع. بخلاف الجملة الشرطية، فإنها تدل على الملازمة جزما، والملازمة بنفسها قرينة على التوقع والتشريع.
وفي الجملة الحملية: قد تكون القرينة على التوقع والتشريع حالية، كما لو كان من شأن المتكلم التشريع، كالشارع المقدس. وقد تكون القرينة مقالية
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
خارجية، اعني خارج الجملة. وقد تكون مقالية داخل الجملة كما لو كانت الجملة مسوّرة بكل. ولا يحتمل فيها الإخبار عن الخارج لأنها تكون كاذبة. فيتعين فيها الانبغاء الكلي. الذي هو معنى الإنشاء والتشريع. نحو: كل مريض يتداوى. وكل محدث يتوضأ.
وما قلناه في الشرطية ينطبق على الحملية أيضا، وهو ان الدلالة على الإنشاء فرع الدلالة على الإخبار وفي طوله. ومن هنا تبقى الدلالة المطابقية (في الحملية) على الحكاية والإخبار مستمرة، ولم تستعمل في معنى آخر. وإنما نقول: أنها استعملت بداعي الإنشاء. والداعي وحده لا يكون سببا للمجاز إذا كان المعنى الوضعي محفوظا.
والإنشاء هنا ليس إنشاء اصطلاحيا. وإنما هو منتج نتيجة الإنشاء. وهو سياق الانبغاء والتوقع.
ولكنه – مع ذلك – يتصف بصفة الإنشاء الرئيسية، وهو عدم انطباق أو إمكانية الصدق والكذب عليه.
ومن هنا يمكن القول: ان هناك حصتان من الإنشاء: ذاتي وعرضي أو قل: أولي وثانوي. فالذاتي أو الأولي هو الإنشاءات بعناوينها التفصيلية، كالاستفهام والتمني والترجي. والعرضي أو الثانوي، هو ما أعطى معنى الإنشاء ونتيجته من دون ان يكون أصله في اللغة كذلك. كما في محل الكلام.
وصيغة الأمر من الذاتي والجملة الإخبارية المستعملة في مقام الإنشاء من القسم العرضي.
ونقول هنا في الجملة الحملية أيضا ما قلناه في الشرطية، من ان الملازمة بين المادتين لا بين الهيئتين. يعني بين معنى اسم الجنس ومادة الفعل
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المضارع. كما في قولنا: المريض يتداوى. اعني المريض والتداوي.
وفي هيئة الفعل المضارع يمكن اتخاذ مستويين:
المستوى الأول: ان نقول ما قلناه هناك من إلغاء معنى الهيئة وتمحضها في المستقبل. باعتبار السياق العام في الجملة ودلالتها على التوقع والإنشاء.
المستوى الثاني: ما قلناه أيضا، من ان تمحضها للمستقبل لا يعني انسلاخها عن المعنى اللغوي، لأنه أحد حصتي الدلالة للفعل المضارع. وهذا بخلاف الفعل الماضي كما سبق. غاية الأمر يبقى الفعل المضارع متمحضا في المستقبل.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان الجملة الصغيرة في الشرطية والحملية معا، كما يمكن ان تكون مثبتة دالة على الإنشاء، كذلك يمكن ان تكون منفية دالة على الإنشاء أيضا. مثل المصلي لا يضحك أو إذا صلى لا يضحك. أي لا ينبغي له ذلك. إذا كانت لا نافية لا ناهية، وإلا خرجت عن محل الكلام لأنها تصبح إنشاء مطابقيا صرفا.
وينبغي ان نلتفت هنا أيضا إلى ان من مصاديق الإنشاء الثانوي: ألفاظ المعاملات. التي هي خبر في حقيقتها ودلالتها المطابقية. وهذا ما اصطلح عليه المحقق الخراساني بالداعي. واللفظ كما له دلالة على معناه المطابقي له دلالة على الداعي.
ومن هنا ينسد السؤال: عما إذا كان استعمال الجملة الخبرية في الإنشاء: مجازا أو مستحيلا. فان ذلك يصح فيما لو زعمنا أنها استعملت بالدلالة المطابقية في الإنشاء. ولم يحصل ذلك. فإنها استعملت في مقام الإنشاء ولم تستعمل في الإنشاء. يعني استعملت بداعي الإنشاء أو الإنشاء الثانوي
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
والعرضي. فلا يكون ذلك محالا أو مجازا.
وبهذا نكون قد حللنا المشكلة الأساسية. فليس لنا في الجهة الآتية (في الجمع بين الدلالتين الإخبارية والإنشائية) مزيد من الكلام إلا التعرض لكلمات القوم لنعرف صحتها من سقمها. بعد العلم أنهم لم يلتفتوا إلى شيء مما قلناه.
فان قلت: فان الداعي لا يغير المعنى المطابقي، في حين وجدنا في القضية الشرطية تغييرا في الدلالة المطابقية. وهو ما عرفناه من إلغاء هيئة فعل الشرط وجزاء الشرط. وهذا يدل على انه قد حصل تغيير في المعنى المستعمل فيه، وليس في الداعي فقط.
قلنا: يجاب ذلك بوجوه:
الوجه الأول: ان استعمال لفظ الداعي كاصطلاح هنا، هو لمجرد التفهيم والتقريب. وإلا فالمطلب كما علمناه.
الوجه الثاني: إننا علمنا ان هذا ليس مجازا، وإنما هو استعمال فيما وضع له. وهو الزمان الاستقبالي، بهذه الصفة يعني كونه شرطا أو جزءا.
الوجه الثالث: انه لم يحصل أي تغيير في المعنى الموضوع له. لأننا عرفنا ان المعنى الموضوع له الفعل، مشروط بأن لا يكون الفعل واقعا في الجملة الشرطية. فالذي حصل: هو تغير معنى لفظ الفعل الماضي من الزمن الماضي إلى الزمن الاستقبالي. وليس المعنى الموضوع له.
وإنما المعنى الموضوع له، بمنزلة المشترك اللفظي. على اعتبار ان حصة من لفظ الفعل الماضي موضوع للدلالة على المستقبل. وهو ما كان في ضمن الشرطية، والباقي موضوع للدلالة على الزمن الماضي.
………………………..
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المرحلة الثانية من الكلام عن الجمل الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء، ما سميناه بالجهة الأصولية. ونريد به المقارنة بين المسلك الأصولي في الجمل الخبرية والمسلك الأصولي في الجمل الإنشائية. حيث يحتمل حصول التنافي بين المسلكين، بناء على فهم المشهور.
أما على مباني الشيخ الآخوند فلم يتعرض لها هو إطلاقا. لكننا قد نكون اشد اهتماما بمطالبه من كفايته. ومن هنا ينبغي ان يقع الكلام على مستويين:
المستوى الأول: أننا لو ضممنا قضيتين منفصلتين أمكن استنتاج رأي الآخوند منهما:
إحداهما: انه لا يفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي إلا بمقدار شرط الواضع. وهذا معناه: ان المعنى الحرفي هو معنى اسمي إلا ان الواضع اشترط ظهور معناه مع الاقتران بغيره.
ثانيتهما: ما عليه مشهور المتأخرين عن الشيخ الآخوند من إلحاق النسب التامة والناقصة بالمعنى الحرفي.
فتنتج قضية غريبة: هي ان النسب موضوعة بالوضع الاسمي، ولها معاني الأسماء، لكنها مشروطة بذلك الشرط. مع ان الشيخ الآخوند، لم يتعرض كما قلنا في حينه، إلا إلى الحروف وهي الأدوات، باصطلاح النحو، دون غيرها.
وعلى أي حال، فالآخوند ، في فسحة من أمره في هذا المستوى الأول، والذي يلاحظ فيه النسب في الجمل الخبرية والإنشائية. لأنه مهما قال في إحداهما، يمكن ان يقول نفس الشيء في الأخرى. فان كليهما نسبة تامة. في حين هذا لا يصدق على المسالك المشهورية التي تقول بالفرق كما سيأتي.
ــــــ[271]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المستوى الثاني: مستوى التعارض بين قصد الحكاية وقصد الإنشاء. كما هو مسلكه في وضع الجملتين. ومن هنا سمعناه يقول في وضع الخبر والإنشاء: ثم لا يبعد ان يكون الاختلاف في الخبر والإنشاء أيضا كذلك. يعني سيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكايته عن ثبوت معناه في موطنه. والإنشاء موضوع ليستعمل في قصد تحقق ثبوته.
ومقصوده من ذلك: اختلاف شرط الواضع دون اختلاف في أصل المعنى.
ومراده هناك: ان جملة (بعت) موضوعة بوضعين. أحدهما: لإفادة الإخبار والحكاية، والأخرى لإفادة الإنشاء والإيجاد. وهذا إنما يصح إذا لم يحصل التداخل والطولية، بينهما، كما سنسمع.
ومن أمثلة عدم التداخل والطولية: اللفظ المشترك كعين. فان أحد الوصفين والاستعمالين، غير متوقف على الاستعمال الآخر. بل هما منفصلان، ولا تداخل بينهما.
وأما مع التداخل، فسيكون الحال مشكلا. ومثاله في الفقه ما لو نذر الصلاة المستحبة بصفتها مستحبة. فانه لا يستطيع نيتها واجبة لأنه خلف المنذور ولا يستطيع نيتها مستحبة لأنه خلف النذر.
وكذلك لو كان (بعت) لا ينفذ في المعاملة، إلا بقصد الإخبار (فرضا للتوضيح) فيكون الإنشاء في طول الإخبار. فما الذي سوف يقوله الآخوند عندئذ. وإنما يكون من استعمال اللفظ المشترك اللفظي بمعنيين. فيكون محالا.
ومن مصاديق ذلك: مورد كلامنا لأنه قال: ان الجملة الخبرية أدلّ على الوجوب من صيغة افعل، باعتبار دلالتها على وقوع الشيء. ودلالتها على
ــــــ[272]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الوقوع، لا تكون إلا باعتبار دلالتها على الإخبار والحكاية. فيكون الإنشاء في طول الإخبار.
فان أنكر ذلك انسد بابه في ذلك ولم تكن أدلّ من صيغة افعل.
وعلى أي حال، فلا يكون ذلك إلا بالجمع بين المضمون الخبري والمضمون الإنشائي اللذين يراهما بوضعين. فيكون من استعمال المشترك اللفظي في معنيين فيكون محالا أو يكون خلاف الظاهر عرفا، كما اخترناه في محله.
فان قلت: هذا الذي قالوه في المشترك اللفظي إنما هو في الألفاظ المفردة لا في الجمل. ومورد كلامنا في الجمل.
قلنا: المدار في المشترك اللفظي هو تعدد الوضع، وهو موجود في الجمل، باعترافك.
إذن، يتعذر على مبناه الجمع بين المضمونين.
واما بناء على مباني الأستاذ المحقق، فقد قال في محله: الصحيح ان الجمل الخبرية موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والإخبار عن الثبوت أو النفي في الواقع. ولم توضع النسبة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه.
وذلك باعتبار مسلكه بأن الوضع هو التعهد. فيترتب عليه: ان الدلالة تصديقية وإنها نفسية وقصدية، كما هو موضح في محله.
ثم قال: ومن هنا يظهر انه لا فرق بينها وبين الجمل الإنشائية في الدلالة الوضعية، فكما ان الجملة الإنشائية، لا تتصف بالصدق والكـذب، وإنما هي
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مبرزة لأمور نفسانية. فكذلك الجملة الخبريـــة، أقول: فتكون الجملة الخبرية دائمة الصدق بهذا الاعتبار، لأنها كاشفة عن أمر نفساني دائما. وهو متحقق غالبا أو دائما.
وقال: وعلى ضوء ذلك، يتضح ان المتصف بالصدق والكذب، إنما هو مدلول الجملة لا نفسها. واتصاف الجملة بهما إنما هو تبع مدلولها، بالعرض والمجاز.
وقال عن الجمل الإنشائية: أنها موضوعة لإبراز أمر نفساني، غير قصد الحكاية. ولم توضع لإيجاد المعنى في الخارج. وإنما اللفظ مبرز له في الخارج لا انه موجد له. فوجوده بيد المعتبر – بالكسر – وضعا ورفعا. فله ان يعتبر الوجوب على ذمة أحد وله ان لا يعتبر.
إذن، فالجملتان بينهما نقطة اشتراك، ونقطة اختلاف: أما نقطة الاشتراك، فهي إبرازهما معا للقصد النفسي. وهذا معنى كلي له حصتان وليس حصة واحدة. ولذا يبرز الفرق بينهما في نقطة الاختلاف.
وهي: ان القصد النفسي في الخبرية هي الحكاية. والقصد النفسي في الإنشائية هو غير الحكاية.
فهنا قد يقال – كما قلنا ضد الآخوند – ان الحكاية وغير الحكاية، نقيضان أو ضدان لا يجتمعان. فلا يمكن وجود الجملة التي نتكلم عنها، لحصول الجمع بين الخبرية والإنشائية فيها، الملازم مع اجتماع النقيضين أو الضدين. وحيث إنها موجودة ومتعارفة لغة، فيدل وجودها على بطلان المبنى أصلا.
وأفضل ما يتحصل من المحاضرات في الجواب على هذا الإشكال. يعني ضمنا، وهو لم يتعرض إلى الإشكال ولا إلى جوابه:
ــــــ[274]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ان الجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء، لم يرد بها الجانب الخبري أصلا، بل تمحضت للجانب الإنشائي. فأصبحت كصيغة افعل تمامـا. تدل على قصد جعل الفعل في ذمة المكلف – كما يعبر على مبناه – من دون قصد الحكاية.
ولذا لم يجتمع النقيضان، لأنه انتفى الإخبار وثبت الإنشاء. ومن هنا جعلها مع صيغة افعل صغريان لحكم العقل بالوجوب. وأنكر دلالة الجملة الفعلية على شدة الوجوب وتأكده. باعتبار انسلاخها عن الحكايـة.
بل حاول في مرتبة من تفكيره، ان يشكك حتى في دلالتها على أصل الطلب. باعتبار انسلاخها عن معناها الحقيقي. فلا يتعين لها معنى آخر. فكما يحتمل ان تكون مستعملة في الوجوب، كذلك يحتمل ان تكون مستعملة في التهديد أو السخرية، ونحوها. فان وجدت القرينة على شيء فهو المطلوب. وإلا لزم التوقف والإجمال.
والمهم ان كلامه هذا يلزم منه أمران لا يلتزم بهما إطلاقا.
الأمر الأول: ما قاله من عدم استعمال الجملة في معناه الحقيقي. ولم يصرح أنها استعملت مجازا. لأن المشهور ان المجاز خاص بالأسماء المفـردة، ولا يعمّ الجمل. مع العلم ان لازمه هو ذلك جزما. وهو وان أقررناه على مبنانا إلا انه مشهوري على أي حال، فيكون لازما باطلا له.
الأمر الثاني: الالتزام بوضع المركبات، وهو ما نفاه المشهور، وقد تابع هو المشهور على ذلك. فإن الجملة الفعلية متكونة من ثلاث أمور: كل منها موضوع لمعنى: المادة والهيئة والنسبة بينها. والمفروض عدم تحصل المعنى من كل ذلك. وإنما لابد من الالتزام بوضع الجملة كلها في مورد قصد الحكاية
ــــــ[275]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أو قصد الإنشاء ونحو ذلك. وخاصة الجملة الخبرية في مورد دلالتها على الإنشاء.
فان قلت: فان مراده من الجملة: الهيئة. وهي معنى إفرادي.
قلنا، يرد عليه عدة أمور:
الأول: انه صرح بلفظ الجملة، وهو يعلم باختلافها عن معنى الهيـئة.
الثاني: ان الهيئة موضوعة لإفادة الماضي أو المضارع ونحوه. وهو جزء مفاد الجملة.
الثالث: انه يلزم في باب المجاز لازم باطل أكثر وضوحا، مشهوريا، وهو استعمال الهيئة مجازا في الإنشاء.
على ان الجمع بين الاستعمالين حاصل، والخبرية اسبق رتبة من الإنشائية أو معها، بناء على عدة تقريبات:
الأول: بناء المجاز على المسلك السكاكي. فان من الواضح انه متوقف على المعنى الحقيقي.
الثاني: ما قاله من عدم القرينة، فانه عندئذ يحمل على المعنى الحقيقي.
الثالث: ما اعترف به في مطاوي عبارته من استعمال الجملة المفروضة في المعنى الحقيقي.
الرابع: انه لازم العنوان، وإلا لم تكن الجملة خبرية أصلا. إلا ان يراد إطلاق العنوان عليها مجازا. وهو خلاف الأصل والظاهر.
والنتيجة انه إذا اجتمع الاستعمالان اجتمع المعنيان المتناقضان، لأننا لا
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
نريد من الاستعمال إلا استعمال اللفظ في المعنى. فوجود المعنى ملازم لوجود الاستعمال لا محالة.
فان قلت: فإنهما مترتبان رتبة، والجملة الخبرية اسبق. ومن جملة شرائط التناقض الوحدة في الرتبة فلم يلزم مع تعددها المحذور.
قلنا: أولاً: انه اجتماع عرفي ودلالي لا عقلي. وهو محال للدلالة على الحكاية وعلى عدمها. في نفس الوقت.
ثانياً: إننا نستطيع ان نطعن في كبرى الإشكال. وهو اشتراط الاستحالة بوحدة الرتبة. ببرهان انه يؤدي إلى عدم وحدة السنخ بين العلة والمعلول. مع انه يشترط وحدتها مشهوريا.
ثالثاً: إننا يمكن ان نطعن بالصغرى، وهو الترتب بين المدلولين، بل هما في رتبة واحدة. نعم، بناء على كلام الآخوند يكون مترتبا، وأما بناء على نفيه، فلا دليل على الترتب. وأما مع عدم إحراز تعدد الرتبة يكون صغرى من اجتماع النقيضين، ما لم يدل دليل على التعدد وهو غير متحقـق.
فهذا هو الحديث عن مسلك الأستاذ المحقق، ولم يستقم الأمر بناء عليه.
وأما على مسلك السيد الأستاذ، فهو يرى ان الجملة الخبرية، سواء كانت اسمية أم فعلية، هي موضوعة لما سماه بالنسبة التصادقية.
قال: وهي الربط بين المفهومين: الموضوع والمحمول (أو العرض وموضوعه في الجملة الفعلية) بنحو يُرى أحدهما انه هو الآخر، ويصدق عليه في الخارج. فان الذهن البشري قادر على استظهار مفهومين وإفنائهما في واقع خارجي معين. وهذه نسبة ذهنية (أو حسب مبانينا: واقعية) وليست خارجية.
ــــــ[277]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
بل يستحيل ان تكون خارجية، لأن ما في الخارج هو مصداق للموضوع والمحمول في الجملة الخبرية. ويستحيل ان تكون بين الشيء ونفسه نسبة. كما يستحيل ان يكون للنسبة طرف واحد.
أقول: ولكننا قلنا بأن للنسبة طرفين، وإنها نسبة واقعية، (يعني من سنخ عالم الواقع) سواء كان طرفاها خارجيين أو واقعيين أو مختلفين كقولنا: الإنسان ممكن. فان الإنسان خارجي والإمكان واقعي.
نستمر في شرح مبنى السيد الأستاذ: ونحوه الكلام في الجملة الفعلـية، كضرب زيد، من العلاقة بين مادة الفعل والفاعل. إذ يلحظ الضرب فانيا في حادثة معينة. ويلحظ الرجل فانيا فيها أيضا. فيكون لهما علاقة وتصادق في واقعة حركية واحدة في الخارج وهو مفاد الجملة الفعلية.
وذكر في تقريب الجمل الإنشائية: ان النسبة بين زيد وعالم ليس لها ركنان فحسب، بل لابد لها من ركن ثالث يكون وعاءا لها. فان النسبة التصادقية لا معنى لها إلا بلحاظ وعاء يكون فيه التصادق. وهذا الوعاء في الجملة الخبرية هو عالم التحقق والثبوت. ويدل عليه تجرد الجملة عن الأداة في لغة العرب. ولعله يوجد بإزائه دال مستقل في بعض اللغات الأخرى.
وهذا الوعاء في جملة الاستفهام هو عالم الاستفهام أو السؤال. وتدل عليه أداة الاستفهام. وفي جملة التمني عالم التمني ويدل عليه أداة التمني وهكذا.
أقول: والأمر إلى هنا لازال واضح الاختلاف بين السنخين من الجمل. لوضوح انه مع اجتماعهما أي الإخبار والإنشاء، يكون هناك ظرفين أو عالمين لمظروف واحد. وهما عالم التحقق وعالم الطلب. وهو مستحيل.
ولكنه تعرض إلى ما سماه بالجمل المشتركة، وهي التي في محل كلامنا:
ــــــ[278]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء.
وقال: ان الجمل المشتركة ذات مدلول تصوري واحد في موردي الإخبار والإنشاء، وهو النسبة التصادقية في وعاء التحقق. ولا تقاس بمثل الجملة الاستفهامية مما يختص بالإنشاء. لوجود فارق ثبوتي وفارق إثباتي.
أما الفارق الثبوتي، وهو المهم في المقام، فلأن وعاء الاستفهام في عرض وعاء التحقق، بخلاف وعاء الاعتبار في: (أنت طالق) ووعاء الطلب في: (يعيد صلاته) فانه في طوله. فان الاعتبار يتعلق بالنسبة التصادقية التحقيقية.
فان ما هو المعتبر مفهوما هو النسبة المحققة في الخارج لا النسبة المحققة في الاعتبار. وإنما تأتي الاعتبارية من تعلق الاعتبار بتلك النســبة. وكذلك وعاء الطلب في جملة: يعيد صلاته. فان إبرازه بمثل ذلك، بعناية افتراض تحقق الشيء وكونه مفروغا عنه أو بعناية الإخبار عن تحقق الشيء من العبد المفروض كونه منقاد أو ممتثلا، الملازم مع كونه مطلوبا. فالنسبة التصادقية. في وعاء الاعتبار ملحوظة في هذا القسم من الجمل الإنشائية في المرتبة السابقة.
ويرد عليه: أولاً: ما قلناه في المرحلة الأولى من المبحث بأن هذه الجملة ترجع إلى جملة شرطية، ولا تكون دالة مستقلا على الطلب كما تخيله الأصوليون.
وإذا رجعت إلى جملة شرطية، لم يكن لها أي دلالة على حصول المأمور به أو الانقياد. والطولية ان صدقت فهي بهذا اللحاظ ومع انتفائه تزول الطولية.
ثانياً: ما قلناه من التهافت بين المدلول الخبري والإنشائي عرفا ووضعا. وهذا التهافت العرفي لا يزيله تعدد المرتبة.
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثالثاً: المفروض وجود وحدة في سنخ المدلول بين صيغة الأمر وهذه الجملة، وإلا لم تكونا موضوعين لحكم العقل بوجوب الطاعة ونحو ذلك. في حين عرفنا الآن أنهما يختلفان مدلولا. أما صيغة الأمر فهي النسبة التصادقية في عالم الطلب وظرفه. وأما الجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء، فالنسبة عالمها الأولي هو الخارج ويتعلق الاعتبار والطلب بهذا الاعتبار. فاختلف المدلولان.
رابعاً: انه يمكن القول: بأن هذه النسبة مادام عالمها الخارج، فقد أصبحت إخبارية محضة. وان أنكر ذلك، فقد أنكر ما أثبته في المرتبة السابقة.
فان قال: ان المطلوب هو إيجاد ما في الخارج.
قلنا: أولاً: ان هذا متحقق في هيئة الأمر أيضا. ثانياً: ان الخارج يكون متأخرا رتبة عن الأمر لا متقدما عليه لأنه من سنخ الامتثال.
وهذا معنى صادق على ألفاظ المعاملات أيضا. فان الواقع متأخر عن الاعتبار لا متقدم عليه. ولذا قالوا عن الإنشاء انه يوجد شيئا في ظرفـه.
وتزيد الجملة الطلبية وهيئة الأمر إشكالا في مورد العصيان أو النسيان. لأن الخارج عندئذ يكون خاليا من التحقق. فلا يكون موجودا في أحد الأزمنة الثلاثة في المرتبة السابقة على الطلب، على ما هو مفروضـه.
فان قال: انه تحقق اعتباري يفرض انه مطيع. قلنا: إذن قد عاد التحقق إلى عالم الاعتبار كالاستفهام والتمني والترجي. بل أسوأ، لأن هذه الجملة فيها اعتبار واحد, وأما في الطلب – أيا كان – فهو اعتبار لواقع اعتباري. فأصبح الاعتبار موجود في مرتبتين، ولا حاجة إلى تكرار الاعتبار مرتين.
ــــــ[280]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
أما إذا لم نلحظ المستقبل الذي يحتمل فيه الطاعة، وقد لاحظنا الواقع (في مفروضه) إذن فهو واقع اعتباري على كل حال، سواء أطاع أم عصى.
فهذا هو الكلام على مسلك السيد الأستاذ.
وأما على مسلكنا: فيمكن تقسيم الكلام فيها إلى ثبوتي وإثباتي. أما الإثباتي فهو الذي تكلمنا عنه في المرحلة الأولى من المبحث، وانتهينا إلى نتائجه، ولا حاجة إلى تكرارها. وإنما عقدنا هذه الجهة من الكلام، من اجل زاوية الجهة الثبوتية.
وحاصل الرأي في المعنى الحرفي: ان النسب وجودات واقعية ربطية متقومة بطرفيها. فهي: أولاً: واقعية، يعني من سنخ عالم الواقع. وإنما تنسب إلى عالم طرفيها تجوزا.
ثانياً: إنها بطبيعتها ليست لغوية، وإنما توجد قهرا بين الطرفين اللذين يراد ربطهما. ولكن مع ذلك فان فيها حيثية لغوية. من حيث إمكان وضعها وضعا لغويا. ومن حيث إمكان تعينها بالاستعمال.
ثالثاً: ان المعنى أو النسبة الموضوعة واقعية والنسبة الموضوع لها واقعية أيضا.
رابعاً: ان النسبة متقومة بطرفيها، ولا يمكن ان تقوم بطرف واحد. نعم، يمكن ان تقوم بأطراف ثلاثة أحيانا. كالسير من البصرة إلى الكوفة، مع لحاظ الفاعل أيضا.
خامساً: ان هذا المعنى لا يختلف فيه سائر النسب، سواء كانت افرادية أو تركبية، وسواء كانت تامة أو ناقصة، وسواء كانت إخبارية أو إنشائية. وسواء
ــــــ[281]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وضع حرف بإزائها أم لا.
ينتج من ذلك: ان النسب على نحو واحد في حقيقتها في الجمل الإنشائية والإخبارية معا. ولا تهافت أصلا بينهما من ناحية ثبوتية. وإنما الاختلاف في مرحلة الإثبات التي ناقشناها. ومعه لا اختلاف في أصل النسبة ثبوتا، وإنما الاختلاف إثباتي فقط.
الجهة الثالثة: في دلالة الجملة التي نتكلم عنها على الوجوب خاصة أو على جامع المطلوبية.
رجح في الكفاية دلالتها على الوجوب، ولم يصرح بأنها دلالة وضعية أو سياقية أو قرينية أو غيرها، فكأنه اكتفى، بالناحية الفقهية وهو الظهور العرفي. وهو حاصل، وترك الناحية الأصولية، وهو تحليل وجه الدلالة وسببها. كما انه لم يستدل على وجود هذا الظهور، كأنه وجداني صرف.
نعم، استدل على وجه اقوائية هذا الظهور من صيغة افعل على الوجوب. لأجل دلالته على الوقوع في المرتبة السابقة. فقد يقال: ان الاقوائية مادامت ثابتة، فأصل الظهور، أولى بالثبوت.
إلا انه يجاب: أولاً: انه صرح بعدم إمكان محلها على الإخبار والحكاية. إذن، فليس فيها أي إشعار بذلك حقيقة، فموضوع الاقوائية منتفٍ. فينتفي أصل الظهور أيضا.
ثانياً: ان الاقوائية، فرع أصل الثبوت، فإذا شككنا في أصله شككنا في قوته.
فان قلت: وان ما يكون دليلا على الاقوائية، يكون دليلا على أصل الثبوت.
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قلنا: هذا الدليل هو ثبوت الحكاية في المرتبة السابقة على الطلب.
وهذا: أولاً: منقوض بصيغة افعل، فان أصل الثبوت غير مستند إلى ذلك.
ثانياً: انه لو صلح للاقوائية، لم يصلح لأصل الثبوت، لأن فرض وقوعه والحكاية عنه، فرع ثبوت أصل الطلب وليس سابقا عليه في المرتبة. نعم، لو كان أصل الطلب موجودا، كان وجها للتأكيد. فيكون افتراض وقوعه في المرتبة المتأخرة، لأجل التوصل إلى التأكيد.
ثم ان الشيخ الآخوند أورد على نفسه من قبل القائلين بعدم ظهورها بالوجوب. وحاصله متكون من مقدمات:
أولاً: ان الوجوب أحد المجازات، بعد تعذر حملها على الحقيقة، وهو الحكاية عن ثبوت النسبة.
ثانياً: ان الوجوب ليس بأقوى المجازات، بل كل المجازات بالنسبة إلى المعنى الحقيقي سيّان. فتبقى العبارة مجملة من حيث الوجوب. فان تم هذا الإشكال، فانه لا تسقط معه الدلالة على الوجوب، بل الدلالة على الجامع بين الوجوب والاستحباب أيضا. لأنهما معا معنيان مجازيان من أربع وعشرين معنى. فلا يتعين شيء منهما.
ولم يجب في الكفاية على هذا الإشكال إلا بدعوى انه اظهر. بعد التسليم انه ليس بأقوى. وهو غريب لأن الظهور من القوة. فإذا انتفت القوة انتفى الظهور. اللهم إلا ان يقول: ان هذه القوة اقتضائية فيقابلها القرينة اللفظية، وهي متحققة في الوجوب. وهذا وان صح إلا انه لم يصرح به في العبارة.
ــــــ[283]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مضافا إلى ان لازم هذا الإشكال ليس هو إجمال العبارة، كما قلنا، في الدلالة على الوجوب فقط. بل في الدلالة على جامع الطلـب أيضا. من حيث ان المجازات كثيرة، وهذا ليس بأقواها.
فان اقر المستدل ان الدلالة على الجامع أقواها، وقع التزاحم فقط، بين الدلالة على الجامع والدلالة على الحصة الوجوبية. وعندئذ أمكن تقريب الوجوب بالإطلاق أو بالعقل، ونحوه مما سبق في الصيغة الأصلية للأمر، ان تم شيء منها.
إلا ان هذا الاستدلال فرع كون الدلالة على الوجوب مجاز كما سلمه الآخوند. وقد سبق ان قلنا في الجهة الأولى ان استفادة الوجوب ليست مجازا، بل هي فهم سياقي من الجملة الكبيرة، كما سميناها.
كما ان الصحيح ان تقديم المجاز ليس بالاقوائية، بل بالقرينية. فان كانت هناك قرينة، فهو، وإلا فلا تكون الاقوائية بمجردها مرجحة. إلا أننا نقول: ان القرينة اللفظية موجودة على الوجوب، بملاك صيغة الأمر نفسه.
ثم ان السيد الأستاذ ذكر: ان دلالة هذه الجملة على الوجوب أو الاستحباب منوط بفهم أصل الجملة، ونحو دلالتها على الطلب.
وقد ذكر لذلك عدة نكات، كلها مشهورية في مبانيها، ولم يتصور ما تصورناه من اندراج الجملة الصغيرة في جملة اكبر منها. وان الاستفادة الحقيقية للوجوب إنما هو في الجملة الأكبر، لا في الجملة الصغيرة. بل سلم ان الاستفادة من نفس الجملة، وهي التي سميناها بالصغيرة.
وحاصل النكات التي ذكرها:
النكتة الأولى: ان تكون الجملة الخبرية دالة بالمطابقة على وقوع الإعادة
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
من المصلي في الخارج حقيقة. لكن لا مطلقا ليكون كذبا. بل هو خاص بالذي يكون في مقام الامتثال. فيكون ملازما مع كون الإعادة مطلوبة للشارع.
فالجملة الخبرية مستعملة في النسبة الخبرية تصورا أو تصديقا، بنحو فيه تضييق دائرة الإخبار. الدال بالملازمة على الطلب.
فإذا كانت هذه النكتة الملحوظة، كانت الجملة دالة على الوجوب خاصة. لأن الملازم مع الامتثال هو الوجوب وليس الاستحباب واختيار الأفضل. إذ لعله لا يحصل. وأما الوجوب فيحصل من المطيع يعني المتعلـق.
النكتة الثانية: ان يكون البيان بنحو الكناية، بأن يخبر عن اللازم ويريد الملزوم، كقوله: زيد كثير الرماد. والملزوم هو طلب الإعادة.
وإذا كانت هذه هي النكتة الملحوظة، ناسب الوجوب أيضا لنفس التقريب. إذ لا معنى للكناية بغير الملازم. وإلا لأمكن الكناية بكثرة الرياش لا كثرة الرماد عن الكرم. مع انه غير مناسب.
النكتة الثالثة: ان ندعي حصول دلالة إلتزامية بين النسبة الصدورية الخبرية والنسبة الإرسالية. لأن النسبة الصدورية كثيرا ما تنشأ في طول النسبة الإرسالية. كما يقال: دفع فاندفع.
فينعقد بعد إقامة قرينة على هذه النكتة، دلالة تصورية تخطر في ذهن السامع بالنسبة الإرسالية. بالملازمة مع النسبة الصدورية. ويكون المدلول الجدي على طبق المدلول التصوري الإلتزامي. وهو النسبة الإرسالية، لا المدلول التصوري المطابقي وهو النسبة الصدورية.
وعلى ذلك أيضا تدل على الوجوب: لأن المفروض في ثلاثتها وجود
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الملازمة. فالدلالة على أحد المتلازمين دلالة على الملازم الآخر. وإنما يختلفون في نحو بيان الملازمة ومقدارها.
النكتة الرابعة: ان يدعى بأن النسبة الصدورية، كما يمكن تعلق الإخبار بها، يعقل أيضا تعلق الإرادة والطلب بها. وإنما نستفيد الإخبار في سائر الموارد من باب ان التصديق والإخبار دائما طريق محض إلى النسبة فكأنه لا يزيد عليها عرفا. بينما الطلب شيء زائد على نفس النسبة الصدورية، فهو بحاجة، إلى نصب قرينة ومؤنة زائدة كما في المقام.
قال: وبناء على هذه النكتة، هو تعلق الطلب بمدلول الجملة الخبريـة، فهو كما يناسب ان يكون الطلب شديدا ووجوبيا، فكذلك يناسب ان يكون ضعيفا استحبابيا.
أقول: بل كلها تناسب الاستحباب إجمالا، لأن الملازمة في النكات الثلاثة الأولى عرفية وليست عقلية. أو يكفي فيها الجانب العرفي أكيدا، لأن الظواهر دائما عرفية. فيكفي فيها الاستحباب الأكيد أو الجامع بينه وبين الوجوب.
مضافا إلى انه من الواضح ان كل هذه الوجوه مبنية على نحو من التجوز أو التعمل في استفادة الطلب من الجملة الإخبارية. نعم، لو بقي الحال على ذلك، وغضضنا النظر عما قلناه، لكان الحق معه نسبيا. لأجل تفسير ما هو واقع على كل حال. إلا أننا عرفنا ما هو الصحيح في الجهة الأولى من الحديث عن هذا المورد. وأما لازم ذلك من وجوب أو استحباب فسيأتي بعد التعرض لأقوال الآخرين.
وأما في المحاضرات، فظاهره استعمال الجملة الفعلية، في الوجوب
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
رأسا: حيث قال: ان حقيقة الإنشاء هو اعتبار الشارع والفعل على ذمة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل.
والجملة الخبرية موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والإخبار عن الواقع نفيا أو إثباتا، ثم قال: أما المستعمل فيه والموضوع له في الجمل المزبورة: إذا استعمل في مقام الإنشاء يباين المستعمل فيه والموضوع له في تلك الجمل، إذا استعمل في مقام الإخبار. فان المستعمل فيه على الأول، هو إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، وعلى الثاني قصد الحكاية والإخبار عن الواقع.
والنتيجة: هو عدم الفرق في الدلالة على الوجوب بين تلك الجمل وبين صيغة الأمر لغرض ان كلتيهما قد استعملتا في معنى واحد، وهو إبراز الأمر النفساني الاعتباري في الخارج.
أقول: انه بعد وضوح ان الجمل الخبرية موضوعة أساسا لمعناها الخبري، إذن، فاستعمالها في المعنى الإنشائي يكون بأحد شكلين لا ثالث لهما: إما ان تكون موضوعة للمعنى الإنشائي الجديد أو لا.
فان لم تكن موضوعة له، كان استعمالها فيه استعمالا في غير الموضوع له، فيكون مجازا. وهو مما لا يعترف به. وان كانت موضوعة كما هو ظاهر عبارته السابقة، وقال عنه: ان معنى مباين وانه مستعمل فيه. إذن يكون استعمالها في المعنى الثاني الموضوع له استعمالا حقيقيا، إلا انه يكون من قبيل المشترك اللفظي في الجمل، وهو مما لا يعترف به. لأن ملاك الاشتراك اللفظي هو تعدد الوضع اللغوي، وهو مما يعترف به. وهذا واضح إلا انه يتجنب التصريح به عمدا على ما يبدو.
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
مضافا إلى أمر آخر: وهو ان الجملة في (يغتسل) ونحوها، تنحل إلى هيئة ومادة ونسبة بينهما. فما هو الدال على الحكاية من ذلك، في أصل اللغة؟
أنا أقول: انه الهيئة. وأما قوله فمجمل، ولعله إلى النسبة اقرب. فحين تبدل الوضع أو الاستعمال، فما الذي استعمل في الإنشاء من هذه الأمور الثلاثة؟ كلامه مجمل في ذلك. وأي منها تغير الوضع فيه؟ وأي شيء أجاب به، كان من المشترك اللفظي في الجزء التحليلي، فلا يكون موافقا للمشهور من هذه الناحية.
بل قد يقول: ان الدال على الحكاية هو الهيئة، وأما الدال على الإنشاء والطلب، فهو النسبة. ولو باعتبار ان ما يكون دالا على الحكاية، يستحيل ولو عرفا دلالته على النسبة، فيقع تشويش شديد. لأن تبدل الوضع اللغوي إلى وضع ثان، لم يكن له مركز معين، هو النسبة أو الهيئة أو الجملة ككل. فنرجع إلى وضع المركبات. فكله باطل.
بل إذا كان مراده – كما هو ظاهر المحاضرات -: ان الدال والمستعمل فيه هو الجملة، وإنها هي الموضوعة للحكاية تارة وللإنشاء أخرى. إذن، يلزم وضع الجملة لمعنيين متباينين، كما يلزم وضع المركبات، حتى في الجملة الخبرية فضلا عن الجملة الإنشائية، لأن كلا من أجزائها التحليلية ليست له أية دلالة على الحكاية ولا على الإنشاء على الفرض. فينحصر ان يكون الموضوع له هو الجملة، بما هي، وهو معنى وضع المركبات، بل هو أسوأ. لأن مرادهم من وضع المركبات، هو وضعه لنفس معناه. وهذا معناه وضعه لمعنى مباين.
مضافا إلى انه يلزم إشكال آخر، قلّما يُلتفت إليه، ذكرنا نحوه في (مبحث
ــــــ[288]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المعنى الحرفي). وحاصله: هو وجود ملايين الاحتمالات في الجمل المركبة فأي من هذه الاحتمالات يوضع. فقد نحتاج إلى أوضاع كثيرة جدا بل لا نهائية، ويستحيل صدوره من المحدود، وخاصة إذا قلنا بالواضع البشري الذي ذكره المشهور.
فان أجاب المشهور: انه من الوضع العام والموضوع له الخاص. فتكون هذه الملايين أفرادا من الموضوع، لا ان لكل منها وضعا استقلاليا ليلزم المحذور.
اجبنا عليه: ان الوضع العام يتم بتصور معنى كلي من قبل الواضع منطبق على المصاديق. وليس هو في محل الكلام، إلا عنوان الجملة الخبريـة. وهو بمجرده لا يصلح لذلك: أولاً: لأنه اصطلاح متأخر لم يكن متعارفا قبل آلاف السنين، ولا يحتمل استعماله من قبل الواضع.
ثانياً: انه معنى انتزاعي في طول الوضع للحكاية. لكي تكون الجملة خبرية. والمفروض الحديث عن عنوان سابق رتبة عليها.
فان قلت: فانك تقول: ان الواضع هو الله سبحانه. فيكون كل ذلك ممكنا.
قلنا: يجاب من أكثر من وجه:
أولاً: ان الأستاذ المحقق لا يرى ان الواضع هو الله سبحانه، بل هو كل واحد من البشر الناطق باللغة.
ثانياً: انه يرى ان الوضع هو التعهد، فيحتاج وضع المركبات إلى ملايين من التعهدات صادرة من كل واحد من الناطقين باللغة.
ــــــ[289]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ونحن نقول: ان الواضع هو الله سبحانه فلا يلزم المحذور. لكن نقول: ان الدال على الحكاية هو الهيئة. ووضعها بالوضع العام والموضوع له الخاص. والدال على الإنشاء كذلك، في الجمل الإنشائية الاعتيادية. وأما في الجمل الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء. فهي موضوعة بوضع الجمل الخبرية. ولكن فيها سياق الطلب والتوقع إذا صارت جزءا من الجملة الكبيرة، كما ذكرنا في الجهة الأولى، وهذا معنى لا يحتاج إلى وضع.
………………………..
يبقى الكلام في: الوجوه المحتملة لاستفادة الطلب من الجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء. وهو عنوان لم يذكروه في حدود علمي.
وما يمكن ان يكون تقريبا لذلك عدة وجوه:
الوجه الأول: يتكون من مقدمتين:
المقدمة الأولى: من ان استفادة الوجوب بحده ليس أقوى المجازات، ولو اقتصرنا على هذه المقدمة – كما سبق – لم نصل إلى النتيجة.
المقدمة الثانية: ان جامع الطلب أقوى المجازات. لأن الأمر منحصر بين استفادة الوجوب أو استفادة الجامع. وحيث نفيت الحصة الوجوبية. في المقدمة الأولى، تعينت الحصة الأخرى وهي جامع الطلب.
إلا انه لا يتم لعدة وجوه:
أولاً: لعدم التسليم بالمقدمة الثانية فإنها لا تصح إلا إذا تم ان جامع الطلب هو أقوى المجازات وان أقوى المجازات هو الأظهر عرفا. ولا نسلم
ــــــ[290]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
به. ولا اقل من ان الاحتمال مبطل للاستدلال.
ثانياً: انه مبتنٍ على التسليم بأن الأقوى هو الجامع، وحيث انتفى الوجوب تعين الآخر. مع العلم ان الآخر ليس هو أقوى المجازات. وإنما – لو سلم – فالأقوى هو الجامع فقط، دون أحد فرديه.
الوجه الثاني: ان نقول: بوضع الجملة الخبرية محل الكلام لجامع الطلب، كما قال في المحاضرات لوضعها للوجوب. وهو فرع التبادر. وهو لا يوجد. مضافا إلى الإشكاليات السابقة الأخرى.
الوجه الثالث: متكون من مقدمتين.
المقدمة الأولى: ان صيغة افعل موضوعة لجامع الطلب، كما عليه جماعة من المتأخرين. أو نقول: أنها ظاهرة في ذلك، ولو بضم الإطلاق أو حكم العقل.
المقدمة الثانية: إنكار ما قاله الآخوند من ان الجملة الخبرية اشد في دلالة الوجوب من صيغة افعل. وقد قال ذلك في المحاضرات وأيدناه. إذن، فهي مثلها في الإفادة لا أكثر. بل قد تكون اقل.
إذن، فهي موضوعة لجامع الطلب. نعم، قد يستفاد الوجوب بمقدمات غير وضعية، كالإطلاق وحكم العقل. فان طعنّا في هذين الدليلين، كما سبق، ثبت المدعى. إلا انه سبق أيضا أننا ننكر المقدمة الأولى وهو وضع صيغة افعل للجامع، ونرى وضعها للوجوب خاصة.
الوجه الرابع: ما يمكن تحصيله من كلمات السيد الأستاذ. حيث سبق ان سمعنا انه ذكر نكاتا أربعا لاستفادة الإنشاء من الجملة الخبرية.
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وذكر ان النكتة الرابعة مناسبة مع الاستحباب ومع جامع المطلوبية. بأن ندعي: بأن النسبة الصدورية، كما يمكن تعلق الإخبار بها، يعقل أيضا تعلق الإرادة والطلب بها. وإنما يستفاد الإخبار في سائر الموارد منها من باب التصديق بالنسبة. والتصديق طريق محض إلى النسبة فكأنه لا يزيد عليها عرفا. بينما الإرادة والطلب شيء زائد على نفس النسبة الصدورية، فهي بحاجة إلى قرينة زائدة في المقام.
ثم قال: فهذا كما يناسب ان تكون الإرادة والطلب المتعلق شديدا ووجوبيا، كذلك يناسب مع كونه استحبابيا.
جوابه: أولاً: منع الدعوى التي تقوم عليها هذه النكتة. فان استعمال النسبة الصدورية في غير موضعها العرفي وهو الإخبار، أمر لا يصح حتى مجازا. لأن المجاز يتوقف على أمرين: المناسبة والقرينة. ولا تكفي القرينة وحدها. والعرف يرى التنافي بين المضمونين، فالمناسبة منتفية والمجاز خاطئ.
ثانياً: ان الظهور فيها تابع للقرينة، ولا يتعين جامع الطلب. والمفروض ان القرينة صارفة عن فهم الإخبار لا عن فهم الوجوب. فان كانت هناك قرينة صارفة عن فهم الوجوب أمكن القول بتعين جامع الطلب أو الحصة الإستحبابية. والا فإن القرينة الصارفة عن الإخبار لا تكفي. بل تبقى الجملة مجملة. من حيث ان القرينة قرينة على الأعم.
وأما بناء على المختار. فقد قلنا: ان الجملة المفروضة وحدها لا تدل على الإنشاء، وإنما هي للإخبار محضا. وإنما تدل على الإنشاء إذا التحقت بجملة اكبر منها. وهذه الجملة الكبيرة على شكلين: شرطية وحملية.
ــــــ[292]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
وقلنا في الشرطية: أنها لبيان الملازمة بين المقدم والجزاء. وليس ذلك بمعنى حصول ذلك في الخارج إطلاقا. دائما الملازمة ثابتة في نظر الحاكم بها، كالعقل العملي أو النظري والعقلاء والقانون والشريعة.
نحو قولنا: من تمرض شرب الدواء. أي في المستقبل، ولا دلالة في مثله على الماضي إطلاقا. بل هيئة الماضي في نفسها ملغاة بالمرة. وإنما العلاقة بين المادتين، لا بين الهيئتين. والاستقبالية مستفادة من أداة الشرط أو من فعل الشرط.
فإذا لم تكن هناك أية دلالة على الإخبار في الجملة الكبيرة، وكان هناك نحو توقع وانبغاء لحصول الجزاء أو قل: للطاعة، فيها، كانت بمنزلة الإنشاء. مثل قولنا: من تمرض شرب الدواء أو يشرب الدواء. من حيث ان الملازمة ليست في الواقع الخبري، إذن لها واقع إنشائي. وهي بالأصل موضوعة لجامع الملازمة أو لأصل الملازمة، فتصدق على الخبر والإنشاء معا. وحيث انتفى الخبر تعين الإنشاء.
وكما ان الملازمة مبينة في الشرطية فهي مبينة في الحملية أيضا. كقولنا: المريض يتداوى أو المحدث يتوضأ. يعني: ينبغي للمريض ان يتداوى وينبغي للمحدث ان يتوضأ. فإذا لم يكن لها معنى إخباري سياقا، وكان لها معنى توقع وانبغاء كانت دالة على الإنشاء لا محالة.
سياق التوقع والإنبغاء في نفسه دال على جامع الطلب لا على الحصة الوجوبية منه. إلا إذا قامت قرينة على الوجوب من ناحية، فتكون هي المتبعة، أو دل دليل على الظهور في الوجوب حتى بدون قرينة.
ويمكن تقريب ذلك، بعدة تقريبات:
التقريب الأول: ان الجملة الصغيرة، إنما استعملت بدل صيغة الأمر، لأن
ــــــ[293]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
استعمال هذه الصيغة في ضمن الجملة الكبيرة متعذر وغير صحيح. كقولنا: من يتمرض اشرب الدواء. فقد جيء بالجملة الصغيرة بدلها فيكون حكمها حكم المبدل عنه وهو الصيغة.
وحيث قلنا في الصيغة بالوضع للوجوب، فهنا أيضا نقول به.
التقريب الثاني: ما عليه الشيخ الآخوند والتقريرات من أنها تتضمن إخبارا في المرتبة السابقة، فتكتسب أهمية أكثر من صيغة الأمر. وحيث دلت تلك على الوجوب دلت عليه هذه أيضا.
وهذا غير تام لما سبق من انسلاخها بالمرة عن الإخبار.
التقريب الثالث: إنها ليست بالأهمية اللغوية والعرفية اقل منها. فتكون للوجوب أيضا.
التقريب الرابع: ما يقوله في المحاضرات من وضع الجملة الخبرية حال استعمالها في الإنشاء، لمعنى مباين للمعنى الموضوع له الأصلي. أقول: وهذا على مبانينا السابقة بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
التقريب الخامس: ان ندعي وضع هيئة الشرطية في الجملة الكبيرة. وهي الدالة على الملازمة التوقعية، للوجوب، اعني وضعها للوجوب. يعني أنها دالة على ملازمة ذات توقع إلزامي.وهذا لا يكون من وضع المركبات، لأنه ليس وضعا للجملة من جديد. بل هو وضع للهيئة.
إلا انه لا يتم لعدة وجوه. أولاً: انه فرع التبادر. وهو منتف وجدانا. إلا انه لا يلزم منه الاستعمال المجازي، لأن الجملة الكبيرة موضوعة للملازمة بنحو الاشتراك المعنوي.
ــــــ[294]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ثانياً: ان الهيئة الدالة على الملازمة، موضوعة للإخبار والحكاية عنها وليس للإنشاء فضلا عن الوجوب أو مطلق الطلب ولا يحتمل وضعها لخصوص الإنشاء، كما لا يحتمل وضعها بوضعين بنحو الاشتراك اللفظي. وإنما هي موضوعة فقط للدلالة على الحكاية عن الملازمة.
التقريب السادس: ان ندعي أنها ليست اقل من صيغة الأمر في استفادة الإطلاق للدلالة على الوجوب أو لموضوعيتها لحكم العقل به. على اختلاف المباني.
وهذا صحيح لو قلنا بذلك. إلا أننا نفينا ذلك في المقيس عليه. وهو صيغة افعل، كما سبق، فيكون باطل أيضا في المقيس، وهو محل الكلام اعني الجملة الإخبارية المستعملة في مقام الإنشاء.
التقريب السابع: بأن ندعي، كما ادعى السيد الأستاذ في نكاته الثلاثة الأولى من ان طرف الملازمة هو الوجوب. والملازمة هنا ثابتة، إذن، فطرفها الوجوب.
جوابه: ان الملازمة هناك بين الوجوب والامتثال. وقد نفيناه، لأنه فرع دلالتها على الإخبار في المرتبة السابقة. والملازمة هنا بين الفعل وجواب الشرط. وهي ملازمة أخرى. ولا ملازمة بين الملازمتين.
التقريب الثامن: ان نقول: ان الملازمة تدل على وجود الإرادة القوية في نفس المولى. كما ربما يستفاد من بعض كلمات السيد الأستاذ في موضع مماثل.
جوابه: ان هذا فرع الدلالة على الوجوب بأحد التقريبات السابقة وخاصة الأول والثالث. وإلا فهي دالة على جامع الإرادة المناسبة مع الاستحباب. كما
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
قال السيد الأستاذ في نكتته الرابعة السابقة.
التقريب التاسع: ان مثل هذه الجملة، لها ظهور سياقي في الوجوب في طول دلالتها على الملازمة الإنشائية، فتكون وجوبية.
التقريب العاشر: انه مصداق الأمر – مفرد أوامر – عرفا وعقلا وعقلائيا. لكننا نمنع كبراه لأن مادة الأمر موضوعة لجامع الطلب لا للوجوب كما سبق. إلا أن يقال: انه أمر كصيغة الطلب. فيرجع إلى التقريب الثالث. ولا يكفي مستقلا لنفسه.
وإذا انتهت هذه التقريبات. لم نناقش قسما منها، فنقول: انه لا يرد هنا إشكال تعدد المجازات. لأن استعمال الملازمة ليست مجازا أساسا، لأن الشرطية والحملية موضوعان لبيان الملازمة نفسها، فتكون حقيقية حتى لو استعملت في التهديد والإكرام والاستهزاء ونحوها من المعاني.
كما انه لا يرد كثرة استعمالها في المجاز. فإننا ننكر ذلك صغرى وكبرى. أما صغرى فلأنه إن سلم في صيغة افعل فلا نسلمه في الجملة الخبرية التي هي محل الكلام. وأما كبرى، فلأن الكثرة لا تضر. فإنها إن أضرت، فإنما ذلك في المجاز لا في الحقيقة، وقد عرفنا أن الاستعمال في كل ذلك حقيقي.
ــــــ[296]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المبحث الرابع
في الكفاية
انه إذا سلم أن الصيغة ليست حقيقة في الوجوب. فهل تكون ظاهرة في غيره أو لا تكون.
هذا مما لا ينبغي الدخول فيه. وقد حذفته المصادر المتأخرة عن الكفاية.
وذلك: أولاً: لأننا نرى أنها ظاهرة في الوجوب وضعا. إذن فتقدير عدم الوجوب بلا موجب.
ثانياً: إننا ناقشنا المسالك الأخرى هناك. ورأينا أنها غير صحيحة، وإنها – على هذا التقرير – تبقى دالة على جامع المطلوبية ولا تتعين في الوجوب.
ثالثاً: إن الشيخ الآخوند رغب أن يجعل هذا المبحث متأخرا عن بحث الصيغة، وليس ما فعله صحيحا. بل محل بحثه هناك.
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
الفهرس
مبحث الاوامر …..7
الجهة الأولى : في مادة الأمر…..10
في معنى المفردين…..26
الجهة الثانية : في اعتبار العلو في الأمر…..35
في معنى مادة الأمر اصطلاحاً…..42
الجهة الثالثة : في ظهور مادة الأمر في الوجوب…..45
الاستدلال للأعم …..53
هل دلالة الأمر على الوجوب بالوضع أو بالإطلاق …..56
النقوض على مسلك استفادة الوجوب بحكم العقل …..299
ثمرات البحث …..71
الجهة الرابعة : مبحث اتحاد الطلب والارادة …..71
الدليل على تغاير الطلب والارادة …..92
مبحث الجبر والتفويض …..105
في نفي احتمال الجبر …..111
ــــــ[299]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
ادلة القائلين بالجبر ومناقشاتها …..122
النقاش مع (المحاضرات) …..132
نقد مذهب التفويض …..142
تقريبات القول بوجود ممكن ازلي …..147
اشكال في استمرار البناء مع موت الباني وجوابه …..161
في استغناء البقاء عن المؤثر في الافعال والاختياري …..164
في عدم اخذ نتائج العلم الطبيعي مسلمة الصحة …..165
اطروحات الأمر بين الأمرين …..173
البدء ببيان الاطروحات المحتملة …..179
أطروحة الأستاذ المحقق ومناقشتها …..186
أطروحة الشيخ صاحب الكفاية …..190
أطروحة مشهور الفلاسفة …..193
أطروحة المحقق النائيني …..194
أطروحة السيد الأستاذ …..200
الاطروحة المختارة …..210
في تطبيق هذه الاطروح على الاطروحات السابقة …..213
في تطبيقاتها على تقريبات المجبرة …..215
الكلام في صيغة الأمر …..219
ــــــ[300]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)
المبحث الأول في تحديد معناها …..221
معاني الصيغة …..222
ايقاظ …..230
المبحث الثاني : في ان الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب …..233
في دلالة صيغة افعل على الوجوب بالإطلاق …..241
مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب …..254
المبحث الثالث: في ظهور الجملة الخبرية في الوجوب …..257
في المقارنة بين المسالك الاصولية في الأخبار والمسالك الاصولية في الإنشاء …..271
مناقشة مباني الأستاذ المحقق …..273
مناقشة مسلك السيد الأستاذ …..277
في دلالة الجملة على الوجوب أو على جامع المطلوبية …..272
الوجوه المحتملة لاستفادة الطلب من الجملة الخبرية …..290
الفهرس …..299
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الأول)