منهج الأصول
الجزء الرابع
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
فصل
التعبدي والتوصلي
وهو المبحث الخامس في الكفاية حيث قال هناك ما مؤداه: هل ان إطلاق الصيغة يقتضي كون الوجوب توصليا فيجزي اتيانه مطلقا، ولو بدون قصد القربة. أو لا يقتضي تعين التوصلية، بل يناسب التوصلية والتعبدية. وعندئذ: فلابد من الرجوع فيما شك في تعبديته وتوصليته، إلى الأصل.
لابد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات:
المقدمة الأولى: في معنى التعبدي والتوصلي:
وقد أعطى له في الكفاية معنى واحد، غير ان المتأخرين أعطوه معاني متعددة وصل بها السيد الأستاذ إلى أربعة:
الأول: ان التوصلي ما يسقط بفعل الغير، والتعبدي ما لا يسقط به. وليس المراد به الوجوب الكفائي الذي يسقط بفعل الغير.
الثاني: التوصلي ما يسقط بفعل غير اختياري للمكلف نفسه.
الثالث: ان التوصلي ما يسقط بفعل الفرد المحرم.
الرابع: ان التوصلي ما يسقط بدون قصد القربة. وهو المشهور.
ــــــ[7]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ويقابل كل واحد منها: التعبدي: وهو ما لا يسقط إلا بتحقق ذلك الشرط.
وفي المحاضرات: جعل الثلاثة الأولى قسما واحدا، والأخير قسما. إلا انه يحتاج إلى تصور جامع بين الثلاثة يكون بمنزلة العنوان العام لها. ولا يتحصل من العبارة ذلك.
وقد يبدو ان المسألة لمجرد الاصطلاح. وإنما المراد الدخول إلى أدلة هذه الأمور. بدون النظر إلى صحة الاصطلاح نفسه.
وفي حدود فهمي بالنظر إلى الارتكاز المتشرعي، هو ان التعبدي منحصر باشتراط قصد القربة. لأن معنى التعبد ان كان بمعنى مطلق الطاعة شمل الجميع ولم يكن في البين توصلي أصلا. فتأمل (إشارة إلى ان التوصلي عندئذ ينحصر بالحرام. فانه ليس من المحرمات ما هو تعبدي).
وان دققنا في معناه، فالمراد منه الطاعة القصدية، وهو قصد القربة. ويصح العمل توصليا مع انتفاء اشتراط قصد القربة. اما بفعل الغير أو بغير الاختيار أو بالمحرم أو بتعمد تركه. فيكون ترك قصد القربة هو الجامع بين كل هذه الأمور.
إلا اننا لو قصدنا ذلك شمل ما قصد به القربة اختيارا، لا اشتراطا. فانه تعبدي فعلا. وهذا موافق مع ارتكاز المتشرعة إلا انه مخالف للاصطلاح.
فالاصطلاح قائم على الاشتراط، ومعه لا يكون عاما للوجوه الثلاثة الأخرى، إلا إذا أريد به جعل اصطلاح آخر.
وينبغي ان نلتفت إلى اختلاف ما يسقط بفعل الغير عن الواجب الكفائي.
ــــــ[8]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وان كان يشبهه من هذه الجهة. لأن الواجب الكفائي موضوع ابتداء على ذمم متعددة وضعا كفائيا، يعني بقصد انه إذا أتى به من به الكفاية سقط عن الباقين.
وما في محل الكلام، فالتكليف موضوع على ذمة واحدة، والأصل عدم سقوطه بفعل الغير ما لم يدل عليه الدليل.
………………………..
ثم انه قد يستشكل في اندراج هذه المسائل في علم الأصول من حيث احتمال كونها فقهية وعدم انطباق تعريف علم الأصول عليها.
وهذا يختلف باختلاف التعاريف لعلم الأصول. فالمشهور كالشيخ الآخوند وكذلك السيد الأستاذ، يكون الإشكال واردا عليه، لعدم الاختلاف بين المورد والحصة من ناحية البحث. فيكون كله فقهيا. ويبقى إمكان قصد القربة أصوليا فقط.
وأما على تعريفنا لعلم الأصول، فكل ذلك من الممكن ان يكون أصوليا. لأننا اخترنا انه لا تعريف لعلم الأصول. فيمكن تداخل العلمين. إلا إذا عرفنا الفقه بتعريف شامل لها، فيلزم الإشكال أيضا.
ويؤيد كون المسألة فقهية: الطريقة التي اتبعها في المحاضرات من بيان ان بين هذه العناوين عموما من وجه. فالزكاة تعبدية، لأنها يشترط فيها قصد القربة، وتوصلية بالمعنى الآخر لأنها تسقط بفعل الغير.
وهذا إنما يتم الكلام به فقهيا بحسب دليله، ولا ربط له بالأصول. واما إذا لاحظنا هذه المسائل أصولية، فكونه يسقط أم لا. يتوقف على اختيار النتائج الآتية، ولا نستطيع ان نأخذ النتيجة مسلمة سلفا.
ــــــ[9]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وإنما نقلها في المحاضرات من الفقه نقلا. بل قد تكون المسألة مختلف فيها. وقد ذكر هناك ما يفتي به هو ويختاره. فيتعين الجانب الفقهي. فلماذا ذكرها في علم الأصول ؟
………………………..
يقع الكلام الآن في المسألة الأولى:
وهي ما إذا شك في كون الواجب يسقط بفعل الغير أو تعبديا لا يسقط به. كما لو ثبت وجوب قضاء ما فات الميت على ابنه الأكبر. وشك في ان هذا الوجوب هل يسقط بفعل الغير أم لا.
ويقع الكلام في مقامين: الأول: في تأسيس الأصل اللفظي. والآخر في تأسيس الأصل العملي.
اما المقام الأول: وهو تأسيس الأصل اللفظي:
فقد نقل السيد الأستاذ عن الأستاذ المحقق ان مقتضى القاعدة كون الفعل تعبديا لا يسقط بفعل الغير.
وتوضيحه: ان الشك في المقام لا يرجع إلى الشك في سعة دائرة الواجب وضيقه، بحيث يكون الواجب على زيد هو الأعم من فعله وفعل غيره. لوضوح ان هذا مستحيل لأن فعل الغير ليس تحت سلطان زيد.
وإنما يرجع الشك إلى سعة دائرة الوجوب. وان وجوب فعل زيد عليه، هل هو مقيد بعدم صدور الفعل من عمر أم لا ؟
فالشك ليس في مدلول المادة (الواجب) بل في مدلول الهيئة (الوجوب).
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فيرجع إلى الشك في ان مدلول الهيئة هل هو مطلق أو مقيد. ومقتضى مقدمات الحكمة هو ثبوت الإطلاق، يعني ثبوت الوجوب، سواء فعل الغير أم لم يفعل. وهذا معناه عدم السقوط بفعل الغير.
ثم قال السيد الأستاذ: ان هذا محل إشكال صغرى وكبرى:
اما صغرى: فلأن ما ذكره من ان الواجب يستحيل ان يكون هو الجامع بين فعل نفسه وفعل غيره: فان هذا صادق على فعل الغير الأجنبي. فانه ليس تحت اختيار الإنسان. واما التسبيب فهو تحت القدرة، اما تسبيبا إلجائيا، أو بإيجاد الداعي في نفس الغير. ومن هنا يمكن الأمر به مباشرة. كما لو أمر الأب ابنه بالصلاة. فيمكن ان يتعلق الوجوب بالجامع بين فعل المكلف والحصة التسبيبية من فعل الغير.
واما كبرى: فلأنه لو فرضنا ان فعل الغير غير مقدور للمكلف، ولكن سوف يأتي من الأستاذ المحقق نفسه في المسألة الثانية والثالثة: إمكان تعلق التكليف بالجامع بين الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري: لأن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور.
فان قلنا بذلك، فأي فرق بين الفعل غير الاختياري وفعل الغير. فان لكليهما نفس النسبة لدى الفرد، لأن كليهما ليسا تحت قدرته.
الآن نبدأ بالإشكال على ما ذكره الأستاذ المحقق نفسه:
أولاً: انه أخذ بنظر الاعتبار ان قيد السقوط بفعل الغير، ان كان قيدا للمادة أو الواجب، لكان مقتضى إطلاقه السقوط بفعل الغير. لأنه أيضا مما ينطبق عليه العنوان المأمور به، كعنوان الصلاة مثلا. مادام الوجوب في الهيئة غير مقيد.
ــــــ[11]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لكن توجد عدة تقريبات تؤدي إلى ان مقتضى الإطلاق هو العكس:
أولاً: الانصراف اللفظي للمادة إلى فعل المأمور به من قبل الفرد. كأنه قال: صل صلاتك. فيحتاج السقوط بفعل الغير إلى دليل، وهو غير موجود.
ثانياً: انه يستحيل عرفا أو عقلا ان يطلب من الفرد فعل الغير. فيتعين فيه ظهور بفعل النفس ما لم يدل دليل على الخلاف.
ثالثاً: ان الإطلاق يعين أهم الأفراد أو القدر المتيقن من الأفراد، كما تمسكوا بإطلاق صيغة الأمر في إفادة الوجوب باعتباره أهم الأفراد والقدر المتيقن منها. ومن المعلوم ان أهم الأفراد إنما هو فعل النفس، ما لم يقيد بجواز السقوط بفعل الغير.
رابعاً: الشك في مقدمات الحكمة المنتجة للإطلاق لفعل الغير. من حيث انه في مقام البيان أم لا. فينتفي الإطلاق من هذه الناحية.
واما إذا كان القيد للوجوب. فقد قال: ان مقتضى الإطلاق هو ثبوت الوجوب في ذمة الفرد سواء فَعَل الآخر أم لا.
وهذا يمكن ان يناقش بوجوه:
الوجه الأول: ان مقتضى الإطلاق هو العكس. يعني الشمول لكلا الفعلين: فعل النفس وفعل الغير. ما لم يقيد بفعل النفس. بعد التنزل عن الاستحالة المشار إليها في المادة.
الوجه الثاني: استحالة إطلاق الوجوب على الفرد لفعل غيره. فيكون الإطلاق منتفيا من حيث عدم إمكان التقييد، الذي هو من جملة مقدمات الحكمة. ما لم يرجع إلى الوجوب الكفائي. وهو غير مفروض.
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوجه الثالث: ان هذا الذي قاله من اشتغال الذمة سواء فعل الآخر أم لا، يرجع إلى الاستصحاب لا إلى الإطلاق. إذ لو كان مقتضى الإطلاق عدم مشروعية فعل الغير لكان وجها. وكذلك عدم شمول التكليف له.
فرجع الأمر على رأيه إلى الأصل العملي. ولا يمكنه ان يقول بهذا الإطلاق بعد اعترافه – ولو ضمنا- بشمول معنى المادة لفعل الغير، وتعلق الوجوب بنفس هذه المادة.
واما مناقشة جواب السيد الأستاذ له، فبوجوه:
الوجه الأول: ان الفعل التسبيبي الذي قاله راجع إلى فعل النفس، بتوجيه الأمر إليه، كما ورد: مروهم بالصلاة سبعا. ويستحيل ان يكون فعل الغير تحت القدرة حقيقة.
الوجه الثاني: ما ذكره في المحاضرات من انه ليس المفروض ان يكون التسبيب بعنوانه طرفا للتكليف أو ان يشمله الجامع.
الوجه الثالث: انه ان أخذ التسبيب بعنوانه التفصيلي فهو من فعل النفس، وان أخذ طريقا إلى فعل الغير، كان محالا. لعدم القدرة عليه لا عقلا ولا عرفا.
الوجه الرابع: ان ما ذكره من ان الجامع بين ما هو مقدور وما هو غير مقدور مقدور. إنما هو بلحاظ الحصة المقدورة. لأنه إنما يمكن الأمر بهذا الجامع، من هذه الجهة فقط. ويتعين فيها بعد فرض تعذر الأخرى. إذ يستحيل الأمر بالحصة المتعذرة. كما يستحيل الأمر بما يعمها حقيقة. فيكون الأمر بالجامع بين فعل النفس وفعل الغير متعذرا.
ــــــ[13]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثم قال السيد الأستاذ بصدد دليل الأستاذ المحقق: انه بعد سقوط إطلاق الهيئة، لابد من التمسك بإطلاق المادة ومدلولها.
وحينئذ نقول: ان عندنا أمرين:
الأمر الأول: استناد الفعل إلى المكلف وهو زيد.
الأمر الثاني: ان يكون هذا الفعل صادرا منه بالمباشرة لا بالتسبيب.
اما الأمر الأول: فلا إشكال انه مستفاد من المادة، ولا ينطبق على فعل الغير: لأن المنشئية والنسبة الصدورية ملحوظة في فعل الأمر، كما هي ملحوظة في الفعل الماضي والمضارع. مع إلباسه لباس النسبة الإرسالية. ولا يكون له إطلاق يشمل الفعل الأجنبي للغير.
وما يكون منتسبا إلى زيد اما ان يصدر عنه بالمباشرة، أو بالتسبيب. وكلاهما تكون النسبة الصدورية محفوظة فيه، حتى الفعل الماضي فضلا عن فعل الأمر. فهل مقتضى ظهور المادة الاختصاص بالحصة المباشرة أو يشمل الحصة التسبيبية؟
هنا تفصيل: فان الفعل تارة تكون نسبته إلى الفاعل نسبة الفعل إلى الفاعل فقط. وأخرى تكون نسبته إليه من نسبة العرض إلى محله، مضافا إلى نسبة الفاعل. فالأول مثل: اغسل المسجد. والثاني مثل: اشرب الماء.
ففي الأول: مقتضى الإطلاق هو الشمول للحصة المباشرية والتسبيبية معا. لأن غاية ما تقتضيه المادة هو النسبة الصدورية، وهي محفوظة في كلتا الحصتين، ولا تقتضي اكثر من ذلك، فيسقط بفعل الغير.
واما القسم الثاني، فلو سبب زيد ان عمرو يشرب الماء، فهو ليس مصداقا
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
للمادة، وان كانت النسبة الصدورية محفوظة، إلا انه ليس معروضا لزيد، فلا يكون للمادة إطلاق بالنسبة إليه. نعم، لو ان زيدا اجبر عمرا على ان يشرب الماء، لكان مصداقا للمادة، لأنه واجد لكلتا النسبتين. فيكون مقتضى القاعدة عدم السقوط بفعل الغير.
غير ان هذا لا يتم، وبيانه بحيث يظهر منه ما هو المختار:
ان أهم ما فيه هو ما قاله من ان النسبة الصدورية تصدق وتبقى محفوظة مع التسبيب. وهذا خاطئ جزما عقلا وعرفا.
اما عقلا فواضح. واما عرفا فلصدق صحة السلب جزما، بان يقال: ليس هذا غَسَل المسجد بل هذا. يعني ليس الآمر بالغسل بل المأمور. وكذلك يصدق، ليس الأمير فتح المدينة بل الجيش. وإنما يسند إليه مجازا، وهذا مسلم.
ومقتضى كلامه: انه يصدق على الآمر انه غسل المسجد، ويصدق على المأمور انه غسل المسجد. أحدهما بالمباشرة والآخر بالتسبيب. فنسأل: ان ذلك هل يصدق حقيقة عليهما معا أو على أحدهما. اما عليهما معا فهو معلوم الكذب، لأن الفاعل الغاسل واحد. واما أحدهما، فيتعين بالمباشر لعدم احتمال ان يكون الغاسل هو الآخر دون المأمور.
ثم انه ينقض بأمور كثيرة: منها مورد: أخذ الأجور على العبادات كالصوم والحج. فان الإطلاق العرفي ظاهر بالمباشرة. فهل يقول هو بجواز التسبيب لمجرد ان النسبة إليه (وهو الآمر) هي نسبة الفعل إلى الفاعل.
مضافا إلى صدق السلب، فان هذا الفاعل هو فاعل للتسبيب فقط لا لمدلول المادة، سواء في صورة الإلجاء أو صورة إيجاد الداعي.
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والسر في ذلك كله هو ما قلناه من ان الظهور السياقي إنما هو بالمباشرة يعني: صل صلاتك، لا صل ولو بواسطة غيرك.
وهذا ليس من قبيل الإطلاق ليكون مقتضاه هو اشتغال الذمة حتى لو جاء به الغير، بل لو جاء به الغير لم يحصل مصداق المأمور به إطلاقا.
فان قلت: فان مقتضى إطلاق المادة، – كما عليه المشهور – هو السقوط بالإتيان به من قبل الغير.
قلنا: كلا، لا إطلاق لها لذلك، لأن المأمور به مقيد مباشرة بالمباشرة. وليس المأمور به كلي الصلاة، لينطبق على فعل الغير.
ولو تعارضا لم يتساقطا، لصلاحية هذا المدلول السياقي على القرينية على الإطلاق. لأن من مقدمات الحكمة انه لم يبين، وهذا السياق صالح للبيان.
فان قلت: فانه لم يقل صل صلاتك. بل قال: صل فقط. ومقتضى إطلاقه شموله لفعل الغير.
قلنا: هذا مستبطن في نفس الكلمة، إذ لا يحتمل العرف غير ذلك، فالمادة هي الصلاة المباشرة لا المطلقة.
وقد قلنا نحو ذلك، في قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ، فان معنى الأهل مستبطن فيها، ولا تحتاج إلى تقدير اللفظ.
فان قلت: فانك زعمت انه ظهور سياقي، في حين ان هذا الظهور ان وجد، فهو في مادة فعل الأمر أو صيغة افعل. وليس هناك سياق معين.
جوابه من وجهين:
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوجه الأول: انه بمنزلة الظهور السياقي، وان لم يكن سياقيا بالمعنى المتعارف. فانه ليس ظهورا وضعيا، لوضوح ان الوضع لطبيعي المادة. ولا مجازيا لوضوح ان اللفظ مستعمل في المعنى الحقيقي. ولكنه ظهور موجود فعلا ومفهوم وجدانا، كظهور و وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ في أهلها، وظهور حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ انه من حيث الجماع. إذن يمكن تسميته بالظهور السياقي.
الوجه الثاني: انه ظهور سياقي فعلا، لأننا لا نريد من ذلك إلا الظهور المتكون من انضمام كلمتين موضوعتين لمعنيين. وهذا حاصل بعد ضم الهيئة إلى المادة. إذ من الواضح انه لولا الهيئة لما كان هذا الظهور حاصلا. فيحصل بضم المادة إلى الهيئة سياق معين، هو ذلك.
فان قلت: ان انتساب فعل الغير إلى الآخر، موجود عرفا. وله أمثلة عديدة: مثل: فتح الأمير المدينة والّف المجلسي كتاب البحار. وانبت الربيع البقل وجعلنا من الماء كل شيء حي. فان الفاعل المباشر غيره في الجميع.
قلنا: جوابه لعدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذا من المجاز. وإدراك المجازية ليس دقيّا بل عرفيا، بعد التفات بسيط إلى السبب الحقيقي. في حين مرادنا هنا النظر إلى السبب الحقيقي.
الوجه الثاني: ان نلتفت إلى ما فعله الفاعل المذكور في الأمثلة السابقة وغيرها حقيقة، ففتح الأمير المدينة ليس بمعنى حارب بل بمعنى دخل. وألّف المجلسي كتاب البحار ليس بمعنى كتب بل بمعنى ضم المكتوب بعضه إلى بعض. وهكذا.
الوجه الثالث: ان قولنا: ان المعلول منسوب إلى جزء العلة، فيه تسامح
ــــــ[17]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لأنه من النسبة إلى الشرط أو عدم المانع لا إلى المقتضي. ومن هنا نحس بالتسامح فيه. ومقتضى البلاغة هو نسبة المعلول إلى المقتضي الذي هو الجزء الرئيسي للعلة. فلو نسبت صلاة الفرد للآمر بها، جاز إلا انه اكثر تجوزا إلى حد قد يستنكره العرف.
ومن هنا يكون الأمر أوضح في انه غير مجزئ عن غيره، لأن التسبيب أو نسبة الفعل إلى فاعله، على ما زعمه مفقودة. فانه ليس فاعلا حقيقة، والتسبيب بجزء العلة، وان كان متحققا، إلا ان الأصل والظهور هو النسبة إلى المقتضي. فقول: صل، يعني كن مقتضيا للصلاة لا كن شرطا لها. والتسبيب شرط وليس من قبيل المقتضي، فلا يكون مصداقا من المأمور به.
فهذا هو الكلام في تأسيس الأصل اللفظي.
المقام الثاني: في تأسيس الأصل العملي في المسألة، بعد التنزل عن وجود إطلاق في الدليل الاجتهادي، لمن يقول به، ولم نقل به.
والصحيح هو بقاء اشتغال ذمة المكلف لدى فعل الغير، ما لم يخرج بدليل. فيكون الأصل هو عدم السقوط.
ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
الوجه الأول: جريان استصحاب اشتغال الذمة بالتكليف بعد فعل الغير. لأنه يشك عندئذ في سقوطه، فيستصحب وجوده وعدم سقوطه.
إلا ان هذا الوجه مبني على إمكان جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، كما هو الصحيح، وعليه مبنى السيد الأستاذ أيضا.
واما بناء على المنع، كما عليه المحقق الأستاذ، فهو مطعون كبرويا. لأن
ــــــ[18]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
صغراه هنا محرزة لأن الشبهة هنا حكمية. وإذا قلنا بالاستصحاب فانه يكون متقدما رتبة على أصالة الاشتغال الآتية بأكثر من وجه:
أولاً: لأنه ثابت بنص شرعي، وذلك ثابت بالعقل.
ثانياً: انه أصل تنزيلي كما عليه المشهور. فيزيل موضوع الاشتغال.
فان قلت: فانهما هنا متوافقان في المضمون. لأنهما معا يؤديان إلى بقاء اشتغال الذمة. فلا يكون التنزيل الاستصحابي متقدما على الآخر. ولا يكون مزيلا لموضوعه، لفرض انه مماثل له.
قلنا: بل هو متقدم عليه ولو كان موافقا له، لأنه أقوى في الدلالة الشرعية. أو قل: انه مزيل لموضوع أصالة الاشتغال. لأنها تأتي في المشكوك الخالي من الدليل. والاستصحاب دليل في الجملة. وقد اعترف في المحاضرات، بأننا لو قلنا بالاستصحاب لكان هو الدليل. ومحل بحثه في محله.
وعليه، فسواء تم الوجه الثاني الآتي أم لم يتم، لا يكون مهما، بعد تمامية الوجه الأول.
الوجه الثاني: جريان أصالة الاشتغال بعد التنزل عن جريان الاستصحاب. فهنا صور الشك ثلاثة، ذكر اثنين منها في المحاضرات، واثنين في التقريرات، وواحد مشترك.
الصورة الأولى: ما إذا كان الشك في اصل التكليف أو في اصل فعليته، لاحتمال عدم تحقق شرطه أو لاحتمال عدم جعله. فتجري البراءة عنه. وهذا خارج عن محل الكلام.
ــــــ[19]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الصورة الثانية: ما إذا كان الشك في إطلاق التكليف وتقييده. فيكون شكا في اصل التكليف بالنسبة إلى الزائد. إذ لو كان التكليف قد جُعل مقيدا لما شمله. كما إذا شك في ان وجوب تطهير المسجد هل هو عام أو هو خاص للرجل. فالمرأة تجري عنها أصالة البراءة.
وفي مقابل ذلك، يقال: أنه تجري أصالة البراءة عن القيد، فيثبت العموم. وقد طبقه السيد الأستاذ على محل الكلام بناء على مختاره من إمكان تعلق التكليف بالجامع بين الحصة المباشرية والحصة التسبيبية. فتجري البراءة عن قيد المباشرية فيثبت العموم، ونتيجته سقوط التكليف بفعل الغير.
فان قلت: فان مقتضى أصالة البراءة في ذلك الغير عدم وجوبه عليه.
قلنا: نحن لا نقول بوجوبه عليه، بل المراد انه إذا فعله تبرعا سقط عن الآخر.
ويجاب: بان مقتضى العموم الذي يثبت بإجراء البراءة عن القيد هو وجوبه عليه. فهل هذا الواجب واحد أو متعدد؟ فان كان واحدا فهو واجب كفائي وهو خارج عن محل الكلام. وان كان متعددا، كما هو مقتضى العموم لم يسقط عن ذمة الغير بعد اشتغال ذمتهما معا به. فان لم نقل بالعموم، فمعناه عدم جريان البراءة عن الاشتراط، بل جريانها عن التكليف الزائد الموجود في ذمة الآخر. مضافا إلى اننا سبق ان قلنا بعدم إمكان الأمر بالجامع بين الحصة المباشرية والتسبيبية.
فان قلت: ليس المفروض ان يكون الآخر مكلفا. بل التكليف خاص بالأول.
قلنا: إذن، كيف يسقط التكليف بفعل الآخر. أما التسبيب الاقتضائي إليه
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فغير منتج، وأما التسبيب العلّي، فغير مقدور. وأما وجوب التسبيب بعنوانه فغير محتمل. وأما وجوبه على كلا الفردين فغير مفروض. وأما وجوب امتثال الآخر فغير مفروض.
الصورة الثالثة: الشك في السقوط بأن نعلم باختصاص التكليف بمورد الشك. ففي المثال السابق علمنا أن التكليف مقيد بالذكورة، ولكن شككنا بسقوطه بغسل المرأة. ففي المقام علمنا باشتراط المباشرة، ولكن لا ندري هل يختص الوجوب بما إذا لم يأت به الغير أو انه مطلق.
وقبل بيان محمولها، قد يقال: برجوع هذه الصورة إلى الصورة السابقة، باعتبار انهما متوازيان ومتساويان في محل الكلام. فانه أيضا شك في اصل التكليف واشتراطه. فان تنزلنا عما قلناه هناك، قلنا هنا: انه إذا كان التكليف مطلقا سقط بفعل المرأة أو بفعل الغير، وإلا لم يسقط.
والمهم عندئذ وجود التهافت بين العبارتين، وهو التضاد في اللوازم. بين ان نعلم باختصاص التكليف بمورد الشرط، وبين ان نشك بإطلاقه، أو نحرزه بحيث يسقط بفعل الغير. فأما ان نقول بتهافت العبارة، أو ان ترجع هذه الصورة إلى الصورة السابقة.
ومن هنا قد يقال: برجوع كل الصور الثلاثة إلى صورة واحدة هي الثانية، وهي الشك في إطلاق التكليف وتقييده، وتكون الصورة الثالثة لازما مساويا له. لأن الشك في الصورة الأولى في اصل التكليف ينحصر سببه بذلك بعد غض النظر عن احتمال عدم جعله الذي هو خارج عن محل الكلام. فيكون الزائد عن القدر المتيقن مجرى للبراءة.
فإذا تم ذلك، يكون ما قلناه في الصورة السابقة آتيا هنا أيضا، يعني في الصورة الثالثة.
ــــــ[21]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وقد يقال: ان الاختلاف بينهما بلحاظ اختلاف المكلف، فان كان السائل هو الثاني، كان شكا في الإطلاق يعني الصورة الثانية، وان كان السائل هو الأول، كان شكا في السقوط. إلا انه لا يتم: لأن هذا ليس فارقا في ملاك الدليل تجاه الفقيه والأصولي.
وقد يقال، – مشهوريا -: ان ذاك يكون شكا في اصل التكليف، وهذا شك في مسقطه بعد ثبوته.
جوابه: إن كان: الشك في المسقط من جهة أخرى غير الإطلاق والتقييد أمكن ذلك. كما لو جاء بصلاة بدون سورة فشك في المسقط. فالأمر راجع إلى عمله على كلا التقديرين. وأما في المقام فالشك في كلتا الصورتين بالإطلاق لفعل الغير. فرجعت الصورتان، بل الصور الثلاث، إلى صورة واحدة، فيما يخص محل الكلام.
وهناك وجه آخر، لاحتمال التفريق بين الصورتين، وذلك بالالتفات إلى الإطلاق الذي تصوره في المحاضرات، والمعاكس للمشهور. حيث يكون فعل الغير على تقدير الإطلاق غير مجزئ وعلى تقدير التقييد بالغير مجزيا. فيخالف معنى الصورة الثالثة.
وفرق الاطلاقين ان المشهور يقيد بالمباشرة، والآخر يقيد بالغير.
فعلى الأخير يكون معنى إحراز اختصاص التكليف بالفرد، إحراز الإطلاق وعدم التقييد بالغير. فينتفي موضوع الصورة الثالثة. لأن الأمر إما مطلق، فلا يكون فعل الغير مجزيا أو مقيد فيجزي. ولا ثالث. ومعه فيكون ذكر المحاضرات للصورة الثالثة بلا موجب. لأنها مخالفة مع مسلكه في الإطلاق.
………………………..
ــــــ[22]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وأما الحديث عن ذلك محمولا، فينبغي أن نلتفت إلى أن محل الكلام بعد منع الجامع الذي ذكره السيد الأستاذ، يعني الجامع بين فعله وفعل غيره. وبعد التنزل عن عدم الفرق بين الصورتين، يرجع إلى الصورة الثالثة وهي الشك في المسقط بعد العلم بأصل التكليف.
وأما إذا أرجعنا الصورتين إلى صورة واحدة، ومنعنا من ذلك الجامع، فلا يدور الأمر بين الإطلاق والتقييد لتجري البراءة عن التقييد، بل يتعين التقييد بعد تعذر الإطلاق. فترجع الصورة الثانية إلى الثالثة، للعلم باشتغال الذمة بالمقيد والشك في المسقط.
وجوابه: ان هذا الشك له أحد مناشئ:
1 – أما ان يكون ناشئا من الشك في الإطلاق والتقييد. وقد نفيناه في مورد الكلام.
2 – واما ان يكون ناشئا من الدوران بين التعيين والتخيير فيكون مقتضى القاعدة تعين التعيين، كما هو محرر في محله.
3 – واما ان يكون لدليل خاص يفيد تنزيل فعل الغير منزلة فعل الفرد. وهو مفقود على الفرض.
4 – أو لإحتمال أن يكون التكليف كفائيا. فهذا خلاف الظاهر. فيتعين عدم السقوط على كل حال.
والسيد الأستاذ تصور المورد في الصورة الثالثة وهو سبب الشك في المسقط بهذا النحو: هل ان الوجوب مقيد بعدم إتيان الغير بالعمل، أو مطلق سواء فعل الغير أم لا.
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهنا قال: فيه تفصيل: لأن تقييد الوجوب بعدم إتيان الغير يتصور على نحوين:
النحو الأول: ان يكون الوجوب مقيدا بعدم إتيان الغير على نحو الشرط المتأخر. بحيث لو فعل الغير ولو بعد حين، فلا وجوب أصلا.
النحو الثاني: ان يكون الوجوب مشروطا بعدم الإتيان بنحو الشرط المقارن أو المتقدم، يعني مادام لم يأت شخص آخر بالفعل. فالوجوب ثابت. وحين يأتي به الغير يسقط الوجوب.
فإذا كان الشك على النحو الأول، كان الوجوب مشكوكا من أول الأمر. ومعه لا معنى لاستصحاب الوجوب ولا لأصالة الاشتغال، بعد إتيان الغير وتحقق الشرط.
أما الاستصحاب، فلأنه فرع وجود الحالة السابقة، مع انها لا تتعين بالوجوب ثبوتا. وأما أصالة الاشتغال، فلأنه لا شغل يقيني من أول الأمر، فتجري البراءة بلا إشكال.
وإذا شككنا على النحو الثاني، بمعنى ان الوجوب كان ثابتا يقينا من أول الأمر، ولكن يشك في ارتفاعه بإتيان الغير. فان قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، كما هو الصحيح، فلا إشكال في جريانه، وان قطعنا النظر عنه ففيه تفصيل:
فان السقوط بفعل الغير، قد يكون لإحدى نكتتين:
أما لأن فعل الغير مستوف للغرض كإيجاد النظافة. وأما لأن فعل الغير يسقط الغرض، ويصبح الفعل غير محبوب للمولى.
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان كانت النكتة هي الأولى وهي الاستيفاء، كما هو الغالب، جرت أصالة الاشتغال، كما قال المشهور. لأن الغرض المولوي معلوم وشك في سقوطه بفعل الغير، فتجري أصالة الاشتغال. وان كانت مسقطية الغرض على النحو الثاني، فيكون شكا في اصل الحب واصل وجود الغرض المولوي، فتجري البراءة.
وتعليقنا على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: ان مسألة الشرط المتأخر، لا يقال باستحالته لأنه تقييد عنواني، كما ثبت في محله. إلا ان استفادته من الأدلة مشكل. ولا يثبت بمجرد الإطلاق، فما قاله في النكتة الأولى إنما هو غالبية الاستيفاء كمثال تحقق الغسل، لا في الأمور التعبدية الصرفة التي يحتمل عدم سقوط الغرض بفعل الغير إطلاقا.
الوجه الثاني: اننا في مسألة تحقق الغرض، لا يخلو: اما ان نعلم ان مراد المولى تحقق الغرض. فينقلب التكليف إلى الكفائي ويخرج عن محل الكلام. وان لم يكن كفائيا فلا اقل من ارتفاع الموضوع، فينتفي الحكم بالعجز، وهو غير معنى السقوط.
وان شككنا بذلك كان مقتضى المولوية وجوب تنفيذ الأمر، بغض النظر عن احتمال سقوط الغرض. كما يمكن استصحاب بقاء الغرض وعدم تنفيذ الغير له لجهلنا بحقيقته، وبه يتحقق موضوع الحكم الشرعي. وليس هذا من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.
الوجه الثالث: انه ، لم يبين الفرق بين تحقق الغرض وسقوطه. وان المحبوبية وعدمها تبع لأي منها.
ــــــ[25]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فكأنه يرى المرحلة الأولى بغض النظر عن المحبوبية، والمرحلة الثانية باعتبار لحاظها، إلا انهما متلازمان متساويان، فكيف قال في أحدهما بالاشتغال وفي الأخرى بالبراءة.
وإذا أخذنا بالنتيجة النهائية، وهي المحبوبية، كانت النتيجة هي البراءة على كلا التقديرين. إلا مع قيام الحجة على تحقق الغرض، بحيث يحرز بتحققه انتفاء المحبوبية، وهذه الحجة لا يفرض وجودها.
………………………..
المسألة الثانية: من مسائل مبحث التعبدي والتوصلي:
تأسيس الأصل في التوصلي بالمعنى الثاني، فيما إذا شك في ان الواجب هل يسقط بالفعل الصادر من المكلف بغير اختيار أم لا.
والكلام فيه، يقع في مقامين: في تأسيس الأصل اللفظي وفي تأسيس الأصل العملي.
المقام الأول: في تأسيس الأصل اللفظي. فيما لو ورد الأمر بالغسل وشك في انه يسقط بالغسل غير الاختياري من قبل المكلف أو لا.
فان ثبت بقرينة ما ان المادة مقيدة بخصوص الحصة الاختيارية، فتكون هي المتبعة. فتكون الاختيارية هي المصداق المنحصر للواجب. ولا يكون الآخر مصداقا له.
أو كما قال السيد الأستاذ: انه يكون مقتضى إطلاق الهيئة ثبوته في الذمة، وان جاء بالفرد الآخر.
ــــــ[26]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واما إذا لم يثبت تقييد المادة بخصوص الحصة الاختيارية، وانعقد فيها إطلاق يشمل الحصة غير الاختيارية. كما هو الحال في المعنى اللغوي لها. فمقتضاه ان المتعلق هو الجامع بين الحصتين. فيثبت السقوط بالحصة غير الاختيارية، باعتباره مصداقا للجامع.
ولا يمكن التمسك بإطلاق الهيئة لإثبات عدم السقوط (يعني سواء جاء بالحصة الأخرى أم لا). لأن الوجوب لا يعقل ان يكون له أثر مع وجود متعلقه خارجا. والمفروض حصوله.
ومعه فلابد ان نرى ان المادة هل لها إطلاق يشمل الحصة غير الاختيارية أم لا.
ونحن قبل الدخول في المناقشات يمكن ان نقيم بعض القرائن على اختيارية المادة عرفا. بعد ان نعرف ان الأفعال على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان أكيدا عدم اختياريته مثل قولنا: مات زيد وأسرع النبض. وهذا مما لا يتوجه فيه أمر، وهو خارج عن محل الكلام.
القسم الثاني: ما كان أكيد الاختيارية، كالتعظيم والاحترام والسخرية والمكر. فيختص بالحصة الاختيارية، وان كان ظاهر المحاضرات خلافه. إلا انه لا مناص من القول بان الاختيار مأخوذ فيه لغة وعرفا.
القسم الثالث: أفعال وسط، لم يؤخذ بطبعها الأولي كلا الأمرين فيها، فان لم تكن هناك قرينة على أحدهما عرفا عرفنا ان المطلوب هو الجامع، فيجزي ولو من غير اختيار.
إلا ان القرينة العرفية موجودة في الغالب.
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أولاً: الانصراف إلى الحصة المنتسبة إلى الفاعل، وهي لا تكون إلا لدى الاختيار.
ثانياً: صحة السلب عن الحصة غير الاختيارية. وان غسل المطر ليس غسلا حقيقة، بل مجازا. باعتبار الاشتراك في النتيجة وهي التنظيف. فيحمل في محل الأمر ومورده على الحصة الحقيقية التي يصح فيها الحمل، وهي الاختيارية.
ثالثاً: اننا لو تنزلنا واعتبرنا الحصتين حقيقيتين، فالفهم العرفي والانطباع النفسي يختلف. فلو سقط حجر بتأثير الريح. نقول: انه ضرب الأرض. وإذا رمى شخص حجرا. نقول ضرب به زيدا. والمراد ان معنى التعمد والاختيار مأخوذ في المادة، وليس المراد مجرد السقوط، كما في المثال الأول.
رابعاً: ان معنى العمل مطلقا هو ذلك، والتحرك إليه لا يكون إلا بالاختيار وبدونه لا عمل. والأمر يكون دائما متوجها إلى العمل ومتعلقا به. فيكون متوجها إلى خصوص الحصة الاختيارية.
خامساً: ان الامتثال لا يكون إلا بالاختيار ويستحيل بدونه. لوضوح ان الحصة الأخرى ليست امتثالا، وان فرضت مصداقا من الواجب لغة. فغاية الأمر ان الفعل غير الاختياري يرفع موضوع الاختياري غرضا أو إرادة. كما سبق في فعل الغير. لا انه يكون امتثالا لأمره. وحيث ان الأمر لا يتوجه إلا إلى الامتثال، وهو التنفيذ بعنوان الطاعة الاختيارية والامتثال. إذن فهو لا يتوجه إلا إلى الحصة الاختيارية.
سادساً: اننا لو أحرزنا ان المراد النتيجة وهي التنظيف، في المثال، كفى الفعل مصداقا للمأمور به. إلا ان المفروض عدمه وإنما هو أمر تعبدي يحتاج
ــــــ[28]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إلى امتثال تعبدي.
ولا نقصد بالتعبدي قصد القربة ولا عنوان الاختيارية. بل واقع الاختيارية، بحيث يصدق: ان العمل صادر عن الأمر. كما قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ. وفي مقابله: انهم يمتثلون عن أمره. وهذا لا يكون إلا بالحصة الاختيارية.
سابعاً: التقابل عرفا بين الطاعة والعصيان، بحيث يكون موردهما واحدا لا متعددا. وهو الفعل الاختياري. فلو كان غيره مجزءا كانت الطاعة اعم من العصيان. لأن غير الاختياري لا عصيان فيه. فهنا يقال: انه كما ان العصيان في الاختياري خاصة، كذلك هو في الطاعة.
وكل هذه النقاط تنتج تقييد المادة بالاختيار.
مضافا إلى معاني أخلاقية غير دخيلة فقهيا، لكن الاطمئنان حاصل على أخذها ملاكا. وهي الإنقياد والإخلاص والتكامل والتمحيص. وهي أمور لا توجد إلا في ضمن الأفعال الاختيارية. مضافا إلى عدم استحقاق الثواب والعقاب في الأفعال غير الاختيارية.
فان لم تكن كل نكتة من النكات السابقة بنفسها موجبة للاطمئنان والقرينية، فلا اقل من ان يكون المجموع موجبا له. فلا يكون الفعل غير الاختياري مصداقا للواجب، فلا يسقط به التكليف.
وبذلك نستغني عن الكلمات والمناقشات الآتية كلها، سواء صدقت أم لا.
حيث قالوا: انه قد استشكل في إطلاق المادة بعدة إشكالات، بعد الفراغ عن كونها في طبعها الأولي لا إشكال في إطلاقها، وانها لم توضع للحصة
ــــــ[29]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الاختيارية بل للجامع.
الإشكال الأول: ما أشار إليه المحقق النائيني ، من ان الأمر لا يكون إلا بداعي الباعثية والمحركية، وهي لا تعقل إلا نحو المقدور. فيلزم ان المادة المبعوث نحوها هي الاختيارية، فاذا شككنا بسقوط الأمر بغير الاختياري، فمقتضى إطلاق الأمر عدم سقوطه. لأن إجزاء غير الواجب عن الواجب يحتاج إلى دليل.
وجواب ذلك من عدة وجوه:
أولاً: اننا لو تنزلنا عن القرائن التي قلناها، كما هو مقتضى هذه المرحلة من التفكير، كانت المادة شاملة ومطلقة لغير الاختياري. فيكون مصداقا من الواجب. ولا يكون صغرى لكون غير الواجب مسقط للواجب.
ثانياً: ان ما قاله من ان مقتضى الإطلاق عدم سقوط الأمر عند الإتيان بغير الاختياري، ان لم يرجع إلى الاستصحاب، فهو إنما هو مفاد الهيئة، مع العلم ان المادة مطلقة من تلك الجهة. فيتقدم إطلاق المادة لأن رتبتها اسبق. فيقيد إطلاق الهيئة، وعندئذ لابد من القول بالسقوط.
ثالثاً: ما ذكره في المحاضرات من انه مبني على اعتبار القدرة في متعلق التكليف. وإنما هو بحكم العقل لا بمقتضى الخطاب ( ولا بنحو الظهور اللغوي ).
جوابه: أولاً: ان هذا يحتاج إلى كبرى ضمنية غير مصرح بها، وهي ان ما يضر بالدليل هو الظهور اللفظي أو الخطابي، وليس هو الاستحالة العقلية. إذ لولا
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
هذه المقدمة، فللشيخ النائيني ان يقول بتمامية دليله على كلا التقديرين. مع انه في المحاضرات لم يبين هذه المقدمة.
ثانياً: ان الحكم العقلي، كاف في الاستحالة كما هو واضح، فلابد من حمله على الحصة الاختيارية. وخاصة وان المفروض هنا التنزل عن كون الجامع بين الاختياري وغيره اختياري. بل يقول: انه غير اختياري. وعندئذ يستحيل تعلق الأمر به ويكون لغوا. فلابد بدلالة الاقتضاء من الحمل على الحصة الاختيارية.
رابعاً: – من الاشكالات على كلام المحقق النائيني -: انه يحتاج إلى ضم مقدمة منع اللغوية. باعتبار ان الأمر بما هو محال لغو. واللغو لا يصدر من الحكيم. فيثبت بالقياس الاستثنائي ان المأمور به خاص بما ليس بلغو وهو المقدور. وهذا مما لم يصرح به. إلا ان الظاهر انه قصده ولو ضمنا.
خامساً: ما ذكره في المحاضرات أيضا: ان برهانه ليس إلا لأن الأمر بغير المقدور لغو. وهذا لا يقتضي إلا استحالة التكليف بغير المقدور. ومن المعلوم ان الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور. فلا مانع من تعلق التكليف به.
وذكر في تفسير ذلك: ان المصلحة ان تعلقت بالحصة المقدورة فلا معنى لاعتبار الجامع. وان تعلقت بالجامع، فلا مناص من اعتباره ولا يكون لغوا، بعد إمكان تحققه في الخارج ضمن الحصة المقدورة.
وجوابه: أولاً: ان كون ذلك الجامع مقدورا لكون حصته مقدورة. فرجع الأمر إلى خصوص المقدور.
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: ان تعلق المصلحة بالجامع ان أريد به الملاك، فهو خارج عن محل الكلام. وان أريد به الإرادة المولوية، كما قربناه في أمثاله، فإنما يختص بالمقدور ويستحيل ان يريد غير المقدور ولو في ضمن الجامع.
نعم، لو تعلّق ملاك الإرادة بالجامع فغايته الأمر بالحصة المقدورة منه لكي ينجز ويتحقق. بل لا يمكن الأمر بالجامع لكونه غير معقول. وكفاية الأمر بالحصة المقدورة منه. ولو أمر بالجامع لما كانت النتيجة الممكنة اكثر من ذلك. والآمر يعلم ذلك.
سادساً: ما ذكره السيد الأستاذ من الإشكال على المحقق النائيني . وهو راجع إلى المناقشة السابقة، لأن مقدمته الرئيسية هي ان الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور. ولكننا هنا نذكره لاختلاف أسلوب العرض. والا فمن الواضح انه بعد رجوعه إلى الوجه السابق، يأتي جوابنا عليه أيضا.
وحاصل ما ذكره: ان الكلام هنا هو ان متعلق الأمر يكون هو الجامع بين الحصة الاختيارية والحصة غير الاختيارية بنحو صرف الوجود لا بنحو مطلق الوجود. فهو طلب واحد متعلق بالجامع لا طلبات بعدد الحصص.
وحينئذ يقال: انه لابد ان يكون صرف الوجود هذا اختياريا. (مقدورا) لأن الاختياري هو متعلق الباعثية والمحركية. ومن الواضح ان الجامع بين الاختياري وغيره اختياري. لأنه يكفي في تحققه تحقق أحد أفراده وهو اختياري.
نعم، لو أرجعنا الأمر بصرف الوجود إلى أوامر متعددة بعدد الأفراد. ولكن على سبيل البدل. بمعنى اننا أرجعنا التخيير العقلي إلى التخيير الشرعي. لأمكن القول بالاستحالة. لكن هذا الإرجاع في غير محله.
ــــــ[32]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وبعد المقارنة بين العرضين في هذين المصدرين، تحصل زيادتين في كل طرف.
أولاً: الزيادة في طرف المحاضرات انه قال: انه لابد من تعلق الأمر بالجامع لتعلق المصلحة به. وهي لم تتعلق بالحصة لكي يتعلق الأمر بها. وهذا ما لم يشر إليه السيد الأستاذ في تقريراتي.
ثانياً: الزيادة من طرف التقريرات. ما قاله: من عدم إرجاع التخيير العقلي إلى التخيير الشرعي، كما هو الصحيح.
إلا ان هذين الزيادتين إنما هي لمجرد الإيضاح ظاهرا، والا فان هذين العَلَمين معا قد لاحظاها.
وقد سبق جواب هذا الوجه لكن يختص هذا الوجه ببعض الأمور:
الأمر الأول: ان الجامع في محل الكلام دائما بنحو صرف الوجود، لأنه لو كان بنحو مطلق الوجود لرجع الأمر إلى وجوب كل الأفراد. فلا يكون هنا جامع مأمور به، وإنما هو جامع انتزاعي خارج الأمر أو في طوله. ومن المعلوم ان الجمع بين المقدور وغير المقدور غير المقدور.
الأمر الثاني: انه بيّن انه لو رجع الأمر إلى التخيير العقلي لكان محالا. وهو محل مناقشة، لأن التخيير العقلي أيضا يتعلق بالجامع. غايته انه جامع انتزاعي. وهو عنوان أحدهما. والمفروض – على رأيه – ان كل جامع بين المقدور وغير المقدور مقدور. فلا يكون الأمر بالجامع حتى على تقدير التخيير العقلي محالا، بناء على مبانيهم.
سابعاً: من وجوه الإشكال على المحقق النائيني : ما نسب في
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التقريرات إلى السيد الأستاذ يعني الأستاذ المحقق. ولم يذكره في المحاضرات في حدود علمي. وربما ذكره في دورة أصولية سابقة أو خارج الدرس.
وهو يحتوي على نقض على الشيخ النائيني الذي يقول – كما علمنا – بعدم إجزاء الفرد غير الاختياري عن الأمر المتعلق بالطبيعة.
وهو يحتاج إلى بيان مقدمة، وحاصلها:
ان الشيخ النائيني في بحث الضد والتزاحم، إذا وقعت الصلاة مزاحمة للإزالة. وقلنا ان الإزالة أهم. فيسقط الأمر بالصلاة. فان قلنا بالترتب أمكن تصحيح الصلاة، بالأمر الترتبي. وان لم نقل بإمكان الترتب يسقط الأمر بالصلاة أصلا. فهل يمكن تصحيح الصلاة حتى في مثل هذه الصورة أم لا؟ وصحتها هنا متوقفة على إحراز الملاك. وبعد ان سقط الأمر كيف نحرز الملاك؟
فقد قال الشيخ النائيني هناك: اننا نتمسك بإطلاق المادة لإثبات وجدان هذا الملاك. لأنها وقعت موضوعا لمطلبين: أحدهما: الوجوب والآخر الملاك. وقد سقطت بلحاظ محمولها الأول يقينا بالمزاحمة مع الأهم. ولكنها بلحاظ محمولها الثاني لا ندري بسقوطها، فنتمسك بإطلاقها بلحاظ محمولها الثاني.
وبعد هذه المقدمة قال الأستاذ المحقق: ان صح لكم هناك ان تثبتوا بإطلاق المادة وجدانها للملاك. فهنا أيضا نقول: ان إطلاق المادة بلحاظ الوجوب ساقط. لأنه يحتاج إلى متعلق اختياري، ولكن لا بأس بدعوى إطلاق المادة للحصة غير الاختيارية بلحاظ الملاك. فان الملاك يعقل شموله للحصة غير الاختيارية، لأنه متعلق بالطبيعي بما هو.
ونحن نجيب عليه أولاً. ثم نذكر جواب السيد الأستاذ عليه:
اما جوابنا: فان القرائن التي ذكرناها فيما سبق لإثبات تعلق الأمر
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بخصوص الحصة الاختيارية، تثبت كِلا الأمرين: يعني تعلق الأمر به وتعلق الملاك به. ولا ملاك خارج الحصة الاختيارية.
فان المادة وان كانت في نفسها شاملة للحصتين. لكنها مادامت قد أصبحت تحت الأمر، فلا يراد بها خطابا وملاكا إلا الحصة الاختيارية. ولا إطلاق لها من كلا الجهتين للحصة غير الاختيارية.
هذا مضافا إلى الجواب الذي يقال عادة هناك في باب التزاحم: من اننا لا نعلم بالملاك إلا من الخطاب. فإذا زال الخطاب زال الدليل على الملاك. إذ من المحتمل ان يكون الملاك بقدر الخطاب لا أكثر.
فان قيل: ان إطلاق المادة يثبته. قلنا: ان إطلاقها بغض النظر عن الأمر لا قيمة له، لأنه لا ملاك له. واما في طول طرو الأمر عليها فلا إطلاق لها، لأنها تتقيد بمحمولها وهو الأمر، ويكون المحمول بمنزلة القرينة المتصلة عليها. والمفروض سقوط الأمر، فلا يمكن إثبات الملاك.
فان قلت: فاننا نثبته بإطلاق الهيئة، باعتبار انها كانت دالة على الأمر بالمطابقة وعلى الملاك بالملازمة أو الالتزام. فإذا سقطت الدلالة المطابقية بقيت الدلالة الالتزامية.
قلنا: أولاً: هذا خلاف كلام الشيخ النائيني ، لأنه تمسك بإطلاق المادة لا بإطلاق الهيئة.
ثانياً: ان بقاء الدلالة الالتزامية بعد سقوط المطابقية أول الكلام وغير عرفي ولا عقلائي. كما لو لم يدل دليل على وجود الدخان، فمن أين لنا إثبات وجود النار؟
ــــــ[35]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واما جواب السيد الأستاذ فقد قال: انه يمكن إبراز الفرق بين المقامين بأحد بيانين، يمكن للشيخ النائيني ان يدفع النقض عن نفسه بهما:
البيان الأول: ان يقال: بان إطلاق المادة بلحاظ المحمول الثاني وهو الملاك، وان كان جاريا إلا انه يعارضه إطلاق الهيئة.
وتوضيحه: ان كانت المادة على الإطلاق وافية بالملاك يلزم انه يكون وجوب الفعل مقيدا بعدم الإتيان بالحصة غير الاختيارية. فلو كانت الحصة غير الاختيارية وافية بالملاك على حد الاختيارية. غاية الأمر انه لا يمكن ان يتعلق بها الأمر. فلا محالة يكون الوجوب مقيدا بعدم وقوع الحصة غير الاختيارية. إذ مع وقوعها لا يبقى ملاك فلا يبقى وجوب.
فيحصل تعارض بين إطلاق المادة وإطلاق الهيئة. لأننا إذا تحفظنا على إطلاق المادة لزم رفع اليد عن إطلاق الهيئة وتقييدها بعدم الحصة الاختيارية. بينما لو قيدنا إطلاق المادة للمحمول الثاني بالحصة الاختيارية، فسوف يكون الوجوب الذي هو مفاد الهيئة مطلقا ثابتا، سواء أتى بالحصة الاختيارية أم لا.
وبعد تعارض الاطلاقين وتساقطهما تنتهي النوبة إلى الأصل العملي. ولا يمكن إثبات السقوط بالدليل اللفظي.
وهذا بخلاف مورد المزاحمة، وان وجوب الإزالة أهم. فان إطلاق مادة الصلاة بلحاظ المحمول الثاني يبقى ثابتا ولا يعارضه إطلاق الوجوب والهيئة. لأن الوجوب ساقط بالمزاحمة على أي حال. والمفروض عدم إمكان الترتب أيضا.
أقول: ان هذا لا يتم لوجهين على الأقل:
الوجه الأول: ان هذا الوجه يتوقف على ان يكون الحكم مقتضيا لثبوت
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
موضوعه. وهو محال.
لأنه قال: ان الفرد غير الاختياري إذا كان حافظا للملاك، فعند حصوله يزول الملاك، فلا يبقى ملاك فلا يبقى حكم. فلابد من تقييد الحكم بعدم صدور الفرد غير الاختياري المزيل للملاك. وهذا معناه تقييده بما يوجب عدم زوال موضوعه. أي ان الأمر يثبت موضوعه أو ان الآمر حريص على إبقائه. وهذا ان ثبت فهو يحتاج إلى دليل صريح، ولا يمكن إثباته بالإطلاق.
وبتعبير آخر: ان إطلاق المادة وإطلاق الهيئة لا يتعارضان. بل يتقدم إطلاق المادة، ويكون الفرد غير الاختياري مجزيا. ولا يتم الدفاع عن الشيخ النائيني.
ثانياً: ان هذا الكلام نفسه يأتي في باب المزاحمة. لأننا بعد التنزل عن الوجه الأول، يمكن ان يقال: لأجل حفظ إطلاق الأمر من قِبل الآمر، انه لا يجعل الفرد نفسه موردا للمزاحمة مع الأهم. لأن هذه المزاحمة تزيل الخطاب والملاك معا على المشهور المخالف للشيخ النائيني. وهذا إنما هو لغو من القول، وإذا صح لم يبق فرق بين الموردين.
البيان الثاني: انه بالإمكان ان يقال: ان المادة وان وقعت موضوعا لكلا المحمولين: الوجوب والملاك. إلا ان موضوعيتها للملاك في طول موضوعيتها للوجوب. لأنها تدل بالمطابقة على الوجوب وبالالتزام على وجود الملاك. (أقول: يعني إثباتا اما ثبوتا فبالعكس).
وقد وقع بحث في ان الدلالة الالتزامية هل هي تابعة للمطابقية في الحجية كما هي تابعة في الوجود أم لا. فلو سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية، فهل تبقى الدلالة الالتزامية حجة.
ــــــ[37]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أما في باب التزاحم، فقد انعقد في الأمر بالصلاة دلالة مطابقية على الوجوب والتزامية على الملاك. غاية الأمر ان خطاب (أزل النجاسة عن المسجد) يكون كاشفا عن بطلان المدلول المطابقي وهو الوجوب. وأما الالتزامي فلا كاشف عن بطلانه، فيؤخذ به. وهو دلالته على الملاك. لو قلنا ببقاء الدلالة الالتزامية على الحجية.
وأما في محل الكلام، فيمكن للشيخ النائيني ان يدعي انه لم تنعقد له دلالة مطابقية على الوجوب فضلا عن الملاك. لأن الكاشف عن عدمه يعتبر قرينة متصلة بالخطاب. وهو داعي البعث والتحريك وهو لا يناسب بالبداهة مع الحصة غير الاختيارية. فإذا كانت القرينة متصلة، فلا ينعقد للوجوب ولا للمادة إطلاق بالملاك. فالدلالة المطابقية هنا ذاتا غير موجودة لتنعقد الدلالة الالتزامية.
ومع المقارنة يتضح انه في محل الكلام لا مقتضى للدلالة الالتزامية، وفي باب التزاحم: المقتضي موجود والمانع موجود أيضا. وهو نحو من الفرق بينهما.
وهذا الوجه يشبه إلى حد ما ما سبق ان قلناه. إلا انه لا يتم على مبانيه:
أولاً: لأنهم يعتقدون ان الجامع بين الاختياري وغير الاختياري اختياري. فيمكن ان يتعلق به الأمر. فتكون الدلالة المطابقية أساسا موجودة.
ولكننا ناقشنا في ذلك، فتكون الدلالة المطابقية ساقطة، لوجود المانع وهو العجز. فيكون مقتضي الدلالة الالتزامية منتفياً، كما قلنا في صورة التزاحم.
ثانياً: انه يمكن تسرية الوجه نفسه على مبناه إلى التزاحم. لمنع إطلاق الأمر لصورة التزاحم خطابا وملاكا. بعد ضم مقدمة وهي: ان الممتنع الشرعي
ــــــ[38]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
كالممتنع العقلي. لأنه مرغوب عنه من قبل الشارع ومراد عدمه. وما يكون مرادا عدمه (وهو الصلاة المزاحمة للإزالة في المثال) لا يمكن وجود الملاك فيه. وخاصة إذا قصدنا من الملاك معنى الإرادة كما هو الأرجح. كما ان نفس القرينة موجودة من حيث قرينية الهيئة على عدم الإرادة. فتكون قرينة متصلة للمادة على عدمها.
الإشكال الثاني: للشيخ النائيني على القول بإجزاء الفرد غير الاختياري. لأنه – كما سبق – يقول بعدم الإجزاء.
ما نقل في المحاضرات من انه لا يكفي في صحة الواجب حسنه الفعلي واشتماله على مصلحة ملزمة. بل يعتبر فيها زائدا على ذلك الحسن الفاعلي، وهو صدوره على وجه حسن من الفاعل.
ومن هنا التزم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة، حتى بناء على القول بالجواز. نظرا إلى ان صدور الصلاة في تلك الدار ليس على وجه حسن يستحق المدح عليه. وان كانت الصلاة في نفسها حسنة. وحيث ان الفعل الصادر من المكلف بلا اختيار ولا يتصف بالحسن الفاعلي. فلا يعقل ان يكون من أفراد الواجب. وعليه فسقوط الوجوب به يحتاج إلى دليل. وإلا فمقتضى الأصل عدم سقوطه.
وأجاب عليه في المحاضرات بوجهين:
الوجه الأول: الطعن في الكبرى وهي اعتبار الحسن الفاعلي في الواجب زائدا عن الحسن الفعلي والملاك القائم به. فانه مما لا دليل عليه أصلا.
أقول: هذا بعد اعترافه بتوفر الحسن الفعلي والمصلحة الملزمة. وقد قلنا انه ليس الأمر كذلك كبرى وصغرى: إما كبرى فلعدم تحقق الحسن الفعلي
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بإزاء الحسن الفاعلي، بل هو حسن واحد منظورا إليه من الجهتين. وأما صغرى فلأن الملاك هو الإرادة وهي يستحيل تعلقها بما ليس تحت الاختيار. وأما المصلحة النفس الامرية، فهي وان كانت موجودة باعتبار إجماع الامامية إلا أنها ليست ملاكا للطاعة أصلا.
إذن فما في المحاضرات، هو الطعن في الكبرى فقط، في حين نحن طعنا في الصغرى والكبرى معا.
الوجه الثاني: إننا لو اعتبرنا الحسن الفاعلي، لزم عدم كفاية الإتيان بالواجب الاختياري أيضا. لأنه يكون منوطا بقصد القربة لعدم توفر الحسن الفاعلي إلا به. فيلزم إنكار التوصليات. إلا ان هذا الوجه منه غريب جدا، لوضوح عدم انحصار الحسن الفاعلي بقصد القربة، وإنما هو بحسن النية، وهو اعم من القربة.
وبتعبير آخر: ان الحسن الفاعلي له درجات، ولا يتعين بالدرجة العليا. وإنما هو متوفر في غير قصد القربة أيضا.
فملخص الجواب الصحيح: انه لا يعتبر الحسن الفاعلي كبرويا. كما لا يعتبر الحسن الفعلي إطلاقا. وإنما المهم كون العمل مصداقا للأمر والإرادة. ولكن الفعل غير الاختياري لا يكون هكذا، لا مستقلا ولا بصفته جزءا من كل ولا بصفته جزئيا أو حصة من كلي.
الإشكال الآخر: الذي صيغ على لسان المحقق النائيني:
ما ذكره السيد الأستاذ عن الأستاذ المحقق بناء على مباني أستاذه المحقق النائيني . وهو ينحل إلى أمرين: الأولى كبرى والثاني صغرى.
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأمر الأول: انه يبني على أنه كلما استحال التقييد استحال الإطلاق. لأن الإطلاق هو عدم التقييد في الموضع الذي يمكن فيه الإطلاق. لأنه يرى أن النسبة بينهما هي نسبة العدم والملكة.
الأمر الثاني: ان تقييد المادة التي تعلق بها الوجوب في (اغسل) بخصوص الحصة غير الاختيارية غير معقول، كما هو واضح، فإذا استحال التقييد، استحال الإطلاق للفرد غير الاختياري.
نجيب عن ذلك: انه مطعون كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأن النسبة بين الإطلاق والتقييد هي التناقض وليست العموم من وجه. فإذا استحال التقييد تعين الإطلاق في مورد جريان مقدمات الحكمة.
وأما صغرى فباعتبار ما قلناه من ان الإطلاق لا ينسب إلى المادة بل إلى الهيئة. وإطلاق الهيئة للفرد غير الاختياري غير ممكن أساسا لا لكون التقييد به متعذرا، بل لكونه غير معقول كما سبق.
وأما السيد الأستاذ فقد أجاب عليه: بأن الإطلاق الذي نريده ليس هو المقابل للفعل غير الاختياري بل هو المقابل للفعل الاختياري، وهو أمر معقول.
وتوضيحه: إن المقصود في المقام جعل المادة منطبقة على الحصة غير الاختيارية. وانطباق الطبيعة على أي حصة يتوقف على عدم أخذ القيد المقابل لتلك الحصة. فانطباق أكرم العالم على غير الهاشمي، منوط بالإطلاق المقابل للتقييد بالهاشمي.
فهنا نجعل المادة في الأمر بالغسل منطبقة على الفرد غير الاختياري،
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بالإطلاق، بمعنى عدم التقييد بالاختياري. والتقييد به أمر معقول، فالإطلاق المقابل له أمر معقول أيضا.
أقول: يمكن المناقشة فيه بوجوه:
أولاً: إن إنتاج ذلك الوجه يختلف باختلاف القصد. فإننا مرة نريد منه عدم انطباقه على الفرد غير الاختياري، كما هو مقتضى كون الوجه تبرعا عن الشيخ النائيني على مبانيه. وكأنه بمنزلة الدفاع عنه. وهو يقول بعدم إجزاء الفرد غير الاختياري. ومرة نريد إنتاج هذا الوجه ضد مبنى الشيخ النائيني.
فإن قصدنا به الانتصار للشيخ النائيني، كما هو ظاهر هذا الوجه. فهو يذهب إلى عدم إجزاء الفرد غير الاختياري، فإخراجه إنما يكون بالتقييد به. وحيث يكون هذا التقييد محالا، فيكون الإطلاق المقابل له محال أيضا.
وان قصدنا الاعتراض على الشيخ النائيني، قلنا بالعكس: ان التقييد بالفرد الاختياري معقول، إذن فالإطلاق المقابل له الشامل لغير الاختياري معقول. فيثبت إجزاء الفرد غير الاختياري.
ثانياً: يمكن القول: بان الشيخ النائيني يذهب إلى ان الإطلاق لكل شيء في مقابل التقييد به لا التقييد بما يقابله. اما ذاك فليس له دخل في استحالة التقييد وإمكانه. فيكون التقريب الأصلي صحيحا.
ثالثاً: ان كلامه فرع إمكان التقييد بالفرد الاختياري، كما ادعاه صراحة، إلا انه ليس بصحيح، لأن اختصاص التكليف به متعين، فالتقييد به مستحيل على مبناه.
رابعاً: ان الملازمة لدى الشيخ النائيني من طرف واحد، دون العكس. من
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
حيث انه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق وإذا أمكن أمكن. وليس انه إذا استحال الإطلاق استحال التقييد وإذا أمكن أمكن. لأن شأن الملازمة في نسبة العدم والملكة هو ذلك. فانه إذا استحال العمى استحال البصر. لا انه إذا أمكن البصر استحال العمى.
فإذا أمكن الإطلاق للفرد الاختياري بعد التنزل عن الوجه السابق. لا يثبت إمكان التقييد به ولا بالفرد غير الاختياري. فلا يثبت وجود الإطلاق للفرد غير الاختياري.
الإشكال الثاني: على إطلاق المادة للفرد غير الاختياري:
هو لغوية شمولها له، مع عدم إمكان انبعاث العبد نحوها. كما في كلام السيد الأستاذ. وهو منتج لعدم السقوط بالفرد غير الاختياري. بعد ضم مقدمة تقول: ان إجزاء غير الواجب عن الواجب يحتاج إلى دليل، وهو مفقود هنا.
وأجاب عليه بما حاصله: انه إنما يكون لغوا لو لم يكن له أثر، ولكنه له أثر، وهو سقوط الواجب لو أتى بالحصة غير الاختيارية.
وجوابه: ان هذا بهذا المقدار صحيح كبرويا. إلا أنه منتفٍ موضوعا، لإنكار إطلاق المادة كبرى وصغرى.
أما كبرى، فلأننا قلنا ان الإطلاق المهم في المقام هو إطلاق الهيئة لا إطلاق المادة. وأما صغرى فلأننا عرفنا ان المادة مقيدة ارتكازا بالفرد الممكن.
مضافا إلى عدم إمكان جعل الأثر، فيما هو محل الكلام في المسألة، فانه مصادرة على الموضوع. فان كان له أثر آخر فليذكره، ولم يذكره.
………………………..
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المقام الثاني: في تأسيس الأصل العملي في المسألة:
ولعل الشخص الوحيد الذي بين ذلك بشيء من التفصيل، هو السيد الأستاذ. وإلا فالأمر في المحاضرات منعدم بالمرة.
قال: إن قلنا بإمكان تعلق الواجب بالجامع بين الحصة الاختيارية والحصة غير الاختيارية. فالشك يكون شكا بين الأقل والأكثر الارتباطيين، فتجري البراءة. وفي تقريرات الهاشمي قال: إنه لم يعلم تعلق الحكم بالحصة غير الاختيارية، فيكون مجرى للبراءة.
ولو علم ان الوجوب متعلق بالحصة الاختيارية وشك انه هل هو مقيد بعدم الحصة الاختيارية أو لا.
فهنا ان كان الشك شكا في ثبوت التقييد بنحو الشرط المتأخر يعني ان ثبوت الوجوب من أول الأمر منوط بعدم وقوع الحصة غير الاختيارية إلى الأبد. فإذا وقعت هذه الحصة، كان الشك شكا في اصل الوجوب، فتجري البراءة عنده.
أقول: هل تجري البراءة عن وجوب الحصة الاختيارية، كما هو الأرجح من مقصوده، أو عن التقييد بغير الاختيارية، كما هو الأرجح من سياق كلامه؟
قال: وان كان القيد، مأخوذا بنحو الشرط المقارن، فهذا الوجوب كان ثابتا على كل حال، لأنه لم يكن هناك مُسقط. وحينما تقع الحصة غير الاختيارية، يشك في ان ذلك الواجب هل سقط أم لا. فان قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فهو. وإلا انتهت النوبة إلى البراءة والاشتغال.
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان كانت المسقطية المحتملة. من باب المسقطية بالتعذر يكون الشك من قبيل الشك في القدرة، فتجري أصالة الاشتغال. وان كانت المسقطية من باب خروج الفعل عن كونه محبوبا وغرضا للمولى أصلا، فتجري البراءة.
أقول: الفرق بينهما نظريا: ان الأول: هو فرض وجود المقتضي مع وجود المانع، وهو العجز. وأما الثاني: فهو فرض ارتفاع المقتضي أساسا، بإنجاز الفعل غير الاختياري.
ونحن إذا نظرنا بشكل ساذج، فان مقتضى الأصل عدم السقوط لأكثر من أمر واحد:
أولاً: إنكار تعلق الحكم بغير المقدور لا وحده ولا في ضمن جامع. فلا يمكن ان يكون دخيلا في إسقاط الحكم عن الفرد الاختياري.
ثانياً: استصحاب الحكم (المتعلق بالجامع أو بالفرد) بعد حصول الفرد غير المقدور.
ثالثاً: ما قاله الشيخ النائيني من ان إسقاط غير الواجب للواجب يحتاج إلى دليل وهو مفقود.
وأما ما ذكره من أمور، ان صحت فهي لا صغرى لها، يعني المواطن التي ذكر فيها جريان البراءة.
أولاً: قال: إننا إن قلنا أن الأمر يتعلق بالجامع جرت البراءة.
وفيه:
1 – نحن لا نقول بتعلق الحكم بالجامع لاستحالة ذلك.
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
2 – ان سلمناه، فالمورد ليس من الأقل والأكثر الارتباطيين. بل هما متباينان بالحمل الأولي والحمل الشايع، لأنهما حكمان على موضوعين مستقلين.
3 – انه لو قلنا بتعلق الأمر بالجامع وجاء بأحد الفردين – أي منهما كان – سقط التكليف قطعا، ولا ينتهي الأمر إلى الشك لتجري البراءة.
4- ان ما قاله في تقرير الهاشمي من أننا نشك بتعلق التكليف في الحصة غير الاختيارية، فتجري البراءة، هو خلف فرض الجزم بتعلق التكليف بالجامع. لأن الجامع هنا مفهومي أو كلي طبيعي، وليس انتزاعيا كمفهوم أحدهما. وكون المادة الدالة على الجامع المفهومي، هي تحت الأمر، أمر قطعي.
5 – إننا إذا شككنا بتعلق التكليف بالحصة غير الاختيارية، نفيناها عقلا، لا بأصالة البراءة.
ثم قال: إذا شككنا بتقييد الحصة الاختيارية بعدم حصول غير الاختيارية بنحو الشرط المتأخر، فإذا حصلت تلك الحصة، جرت البراءة عن الحكم.
جوابه:
أولاً: هذا مبني على القول بإمكان التقييد بنحو الشرط المتأخر، فان نفينا إمكانه، لم يمكن فرضه. إلا ان الصحيح إمكانه.
ثانياً: ان فرض كونه شرطا متأخرا هو فرض وجوده متأخراً عن الفرد الاختياري. يعني يلزم من فرض حصوله فرض حصول الفرد الاختياري قبله. وإذا حصل الفرد الاختياري، كان هو مصداق الواجب. ولا يحتمل ان يبطله
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وقوع الفرد غير الاختياري بعده.
ثالثاً: ان شرطية الشرط المتأخر قد تقال في شرط الصحة، كصوم المستحاضة في الليلة التي بعده. فإذا لم تأت به ارتفعت صحته بعد وقوعه. وأما شرط الوجوب، فلا معنى له. لأنه بوجود الفرد الاختياري يكون الواجب قد سقط بالامتثال، فلا معنى لسقوطه ثانياً بوجود الشرط المتأخر.
وهذا ينبغي أن يكون معروفا للشارع، بحيث يكون التقييد بهذا النحو لغوا. لوجود نسبة التساوي بين كونه شرطا متأخرا وبين وقوع الحصة الاختيارية قبله. إذ لولا وقوعها، لما صدق عليه انه شرط متأخر.
ومنه يظهر: انه لا معنى لجريان البراءة عنه بعد سقوطه بالامتثال. وبتعبير آخر: ان هذا الأصل يجري في الماضي، وهو خارج عن محل الابتلاء.
فان قلت: أثره وجوب إعادته. قلنا: كلا. فانه لا تجب إعادته جزما. أما لامتثاله – كما قلنا -، أو لوجود المانع عن وجوبه بوجود الحصة الاختيارية. فلا اثر له إطلاقا.
فالأصول لا تجري عن الأمور الماضية، وإنما تجري عن الأمور المستقبلية.
فان قلت: فانه تقع الحصة غير الاختيارية وحدها، فتجري البراءة عن الحصة غير الاختيارية. والظاهر ان هذا هو مقصوده. لأنه مع وقوعها نشك بوجوب إيجاد الحصة الاختيارية بعدها. فتجري البراءة.
جوابه: ان هذا لا يكون شرطا متأخرا، لأنه إنما يصدق المتأخر مع وقوع الأول، ولم يقع. ومعه فالحصة غير الاختيارية لم يقع بقيد كونه متأخرا. فلم
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يحصل الشرط المحتمل لعدم الوجوب للحصة الاختيارية. فيبقى وجوبها قطعيا، لأن المفروض عدم امتثاله اختيارا وعدم وقوع شرط عدمه. وإذا كان قطعيا لم تجر البراءة عنه.
ثم قال: وان كان القيد المأخوذ بنحو الشرط المتأخر – يعني: وقوع الحصة غير الاختيارية – فإذا وقعت هذه الحصة، فوجوب الحصة الاختيارية كان ثابتا ولم يكن له مسقط قبل وقوعها. وبوقوعها نشك انه سقط أم لا. فان قلنا بجريان استصحاب الحكم في الشبهات الحكمية، جرى.
نقول: إننا نسأل هل ان هذا التقييد بعدم الحصة غير الاختيارية محتمل أم أكيد. فان كان أكيدا سقط وجوب الحصة الاختيارية قطعا. – وهذا هنا ممكن لفرض عدم امتثاله لكونه شرطا مقارنا- .
وان كان شرطا محتملا، فيمكن إجراء أصالة عدم الشرطية في المرتبة السابقة على استصحاب الحكم المشروط، وهو وجوب الحصة الاختيارية، أو استصحاب عدم جعل الشرط.
نعم، لو تنزلنا عن ذلك، جرى الاستصحاب، ان قلنا بجريانه في الشبهات الحكمية.
ثم قال: وإذا لم نقل بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، تصل النوبة إلى البراءة أو الاشتغال. وقال: ان كانت المسقطية من باب المسقطية بالتعذر كان الشك من قبيل الشك في القدرة. فتجري أصالة الاشتغال. وان كانت المسقطية لاحتمال خروجه عن كونه محبوبا، جرت البراءة.
جوابه: أولاً: انه يمكن القول: انه مع الشك في القدرة يعود الشك إلى اصل
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التكليف، لوضوح ان كل تكليف مقيد بالقدرة. فتجري البراءة.
ثانياً: اننا إذا رجعنا عما تنزلنا عنه من ان المتأخر إنما يفرض بعد حصول الحصة الاختيارية. فانه لا معنى للشك في القدرة بعد الإنجاز.
ثالثاً: ان فرض الشك في القدرة. تارة يفرض له جانب تكويني خالص. فهذا خلف التقييد بعدمه. وان فرض انه ناشئ من التقييد بالعدم، فهذا راجع إلى احتمال سقوط الهيئة والوجوب لا المادة. والشك في القدرة إنما يرجع إلى المادة لأنه يعني القدرة على المتعلق. وهو مضمون المادة.
رابعاً: يمكن ان يقال: ان القدرة جانب وجداني، والجانب الوجداني لا يمكن ان يشك فيه.
وأما في الجانب الآخر، فإشكاله: أننا كيف نعلم بسقوطه عن كونه محبوبا لجريان البراءة، مع العلم ان مقتضى إطلاقه وجوده ومقتضى وجوده محبوبيته، ولا علم لنا بالملاكات الواقعية.
………………………..
المسألة الثالثة: في التوصلي بالمعنى الثالث، يعني سقوط الواجب بالحصة المحرمة.
كما لو وجب غسل الثوب وشك في انه هل يسقط بالغسل الغصبي أم لا. ويقع الكلام تارة في الأصل اللفظي وأخرى في الأصل العملي.
اما الأصل اللفظي: فأحسن من شرحه هو السيد الأستاذ بما يرجع محصله، بعرض منا: ان الحرمة أو النهي إما أن يأتي على نفس العنوان
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الواجب أو على عنوان مساوٍ له، أو على عنوان أخص منه أو على عنوان مباين له مفهوما، وبينهما عموم من وجه خارجا. أما إذا كانا لا يلتقيان خارجا إطلاقا، فهو خارج عن محل الكلام. لأن الكلام في مورد التقائهما.
أما الأولان، فلا يحتمل ان يصدرا من الشارع المقدس، لأنه تهافت حقيقة. وكذلك، هو تكليف بالنقيضين أو الضدين وهو مستحيل.
وان كان أحدهما أخص، فلا يعقل ان يكون الواجب هو الأخص. وإنما الحرام هو الأخص. كما لو كان مطلق الغسل واجبا والغسل بماء دجلة حراما. وتعبيره: ان الغسل بمطلقه وقع واجبا وبمقيده أصبح حراما.
فهنا لا إشكال ان إطلاق المادة في دليل الواجب لا يشمل الحصة المحرمة، وان قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي. فان من يقول بالجواز إنما يقول به لو كان عندنا عنوانان أحدهما تعلق به النهي والآخر تعلق به الأمر، لا ما إذا كان عندنا عنوان واحد.
ومعه تكون المادة خاصة بالحصة المحللة، فلو أتى بالحصة المحرمة، فانه يشك بسقوط الواجب. فنتمسك بإطلاق الهيئة لإثبات ان وجوب الحصة المحللة مطلق، سواء أتى بالحصة المحرمة أو لا. وتكون نتيجته عدم السقوط.
والآن نذكر جوابه، قبل الدخول في الشق الآخر، وذلك من وجوه:
أولاً: أننا لو اقتصرنا على هذا المقدار من البيان أمكن القول بالسقوط. لأن إطلاق الهيئة لا يمكن ان يكون له إطلاق زائد على مدلول المادة، بل هو مساوٍ له عرفا. والمفروض ان الفرد المحرم مشمول لإطلاق المادة لأنه غسل حقيقة وعرفا. فيشمله إطلاق الهيئة، وتكون النتيجة هي الإجزاء. فيحتاج عدم الإجزاء إلى استئناف دليل والمفروض انه مفقود. ما لم نلتفت إلى الوجوه التالية.
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: إننا يمكن ان نفترض دليل الحرمة بمنزلة المقيد، ويكون تقييدا لإطلاق المادة، فيسقط منه إطلاق الهيئة. فلا يكون مأمورا به بعد خروجه بالتقييد. بل يكون منهياً عنه. وإجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل، وهو مفقود.
وملاك التقييد فيه هو ان العام والخاص متنافيين أو قل متناقضين من ناحية الكيف، وهو النفي والإثبات.
ثالثاً: ان التمسك بإطلاق الهيئة لإثبات عدم الإجزاء غير كاف. لأننا إما ان نفرض دخول الحصة المحرمة تحت الأمر أو لا. فعلى الأول يثبت الإجزاء، وعلى الثاني يكون خارجا موضوعا عن إطلاق الهيئة لأن المادة المأمور بها هو خصوص الحصة غير المحرمة. ولا يوجد للهيئة إطلاق زائد على إطلاق المادة. فنحتاج إلى المقدمة التي قالها الشيخ النائيني وهي ان إجزاء الواجب عن غير الواجب يحتاج إلى دليل وهو مفقود بالفرض.
رابعاً: انه يمكن القول بضم مقدمة خارجية، وهي: ان التعذر الشرعي بمنزلة التعذر العقلي. والمحرم متعذر شرعي. وإطلاق الهيئة خاص بغير المتعذر عقلا أو عرفا. فلا يكون المحرم مأمورا به ويخرج عن إطلاق الهيئة موضوعا. ويحتاج إجزاء المحرم عن غيره إلى دليل.
خامساً: انه يمكن القول: ان هناك قرينة عامة على المواد أو الأفعال المأمور بها عموما، وهو كونها مباحات أصلا. وعندئذ يمكن الأمر بها وإيجابها. وأما إذا كانت ممنوعة ومحرمة من قبل الآمر نفسه، فلا يحتمل العرف والعقلاء: كونه آمرا بها لا خصوصا ولا عموما أو إطلاقا. وهذا المعنى غير خاص بالشارع، بل يشمل كل آمر. وعندئذ ينعقد ظهور في المادة عرفا
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بعدم شموله للحصة المحرمة منها، فتخرج عنها موضوعا، فيحتاج الإجزاء إلى دليل.
ثم قال السيد الأستاذ: وأما إذا كانت الحصة لها عنوان آخر – بحيث يكون بينهما عموم من وجه – فيدخل في مسألة اجتماع الأمر والنهي.
فان قلنا بامتناع الاجتماع، لم يمكن إطلاق دليل الواجب لهذه الحصة (يعني إطلاق المادة). فتكون النتيجة هي النتيجة السابقة وهي التمسك بإطلاق الهيئة، واثبات عدم الإجزاء.
وأما إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فهل يمكن التمسك بإطلاق المادة أو لا؟ فهنا المحقق النائيني والأستاذ المحقق، ربطا المسألة في انه هل يكفي ان يكون في الواجب حسن فعلي أو يشترط ان يكون فيه حسن فاعلي. فان قلنا بالاشتراط لم يعقل ان يسقط الأمر بالغسل الحرام.
فان الأمر والنهي وان كانا موجودين، بناء على إمكان الاجتماع، ولكنهما موجودان بفعل فاعل واحد. فالحسن الفاعلي غير موجود لأنه في ضمن الحصة المحرمة.
وان قلنا بكفاية ان يكون الفعل حسنا، فلا بأس بالتمسك بإطلاق المادة في المقام، فيكون الفرد المحرم مجزءا. غير ان المحقق النائيني اختار شرطية الحسن الفاعلي وعدم الإجزاء، واختار الأستاذ المحقق عدم تلك الشرطية.
وأضاف السيد الأستاذ: والصحيح انه سواء اشترطنا الحسن الفاعلي أو لا، فإننا لو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي من باب مغايرة الواجب للحرام، فلا بأس بالتمسك بإطلاق المادة. أما بناء على عدم الاشتراط فواضح. وأما بناء على الاشتراط، فأيضا كذلك. فان من يدعي تعدد الواجب والحرام وجودا،
ــــــ[52]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لابد ان يدعي تعددهما فاعلا أيضا. فان تعدد الوجود يلازم تعدد الإيجاد. فالحرام قبيح فعلا وفاعلا، والواجب حسن فعلا وفاعلا.
قال: فالصحيح بناء هذه المسألة على مسألة الاجتماع. فإذا قلنا بالامتناع لم يمكن التمسك بإطلاق المادة، ونتمسك بإطلاق الهيئة لعدم الإجزاء. وان قلنا بالإمكان أمكن التمسك بإطلاق المادة المنتج لعدم الإجزاء.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: ان الكبرى التي قلناها في الشق الأول من ان هناك قرينة عرفية وعقلائية على عدم شمول إطلاق الهيئة ( إطلاق الأمر) للحصة المحرمة من المادة، لا يفرق فيها بين ما إذا كان بين العنوانين عموما مطلقا أو عموما من وجه. ومعه لا يمكن التمسك بإطلاق الهيئة لإثبات الإجزاء بالحصة المحرمة.
مضافا إلى ما قلناه من ان هذا التمسك غير ممكن، وان حصيلته هو عدم كون الحصة المحرمة مأمورا بها. وإجزاء الواجب عن غير الواجب يحتاج إلى دليل.
مضافا إلى نتيجة أخرى، وهي ان مسألة اجتماع الأمر والنهي، تكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، إذ يستحيل عندئذ الاجتماع موضوعا. وهذا غير مسألة استحالة الاجتماع محمولا. فان ذلك بعد التسليم بشمول الاطلاقين للحصة المحرمة. وأما نحن فلا نقول بشمول الوجوب لها على كل حال. فتكون المسألة منتفية موضوعا، فلابد من حذفها من علم الأصول. ولكن لأجل احترام المحققين السابقين، لابد من البحث عنها في حينه، ولو باعتبار التنزل عما نقوله الآن من الارتفاع موضوعا.
ثانياً: إننا لو ربطنا مسألتنا بالحسن الفاعلي والفعلي، لم يكن الفعل مجزياً
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
على كلا التقديرين. لفقده لكلا الحسنين. مع أنهما اتفقا على ان فيه حسن فعلي وليس فيه حسن فاعلي.
أما عدم الحسن الفاعلي، فواضح، وقد اتفقنا عليه. وأما الفعلي، فباعتبار ان الحسن الفعلي هو وجدان المصلحة دون المفسدة. وهذا الفعل واجد للمفسدة لأنه محرم. ولا اقل ان نقول: انه غير واجد للمصلحة، بعد تعارض المصلحة والمفسدة فيه وتساقطهما. وإذا لم تكن فيه مصلحة، فليس فيه حسن فاعلي. إذن، فيكون باطلا على كل حال وحراما. مع ان كلا هذين المحققين تسالما على وجدانه للحسن الفعلي.
ثالثاً: ان ما قاله السيد الأستاذ من انه بناء على اشتراط الحسن الفاعلي، فانه متوفر، لأن من يقول بجواز اجتماع الأمر والنهي، فانه يجدهما فعلان وفاعلان. فان كانا فاعلين فيمكن ان يكون أحدهما فيه حسن فاعلي، وهذا يكفي.
جوابه من وجوه:
الوجه الأول: أنهما فعلان لفعل واحد، فإنهم إنما يقولون بالتحليل للفعل لا للفاعل، والفاعل حقيقة واحد عرفا وعقلا. حتى لو تعدد الوجود والإيجاد، لأنه إيجاد من قبل فاعل واحد. فضلا عما إذا أنكرنا ذلك.
الوجه الثاني: انه على تقدير تعدد الفاعل عقلا، فهو ليس كذلك خارجا وإحساسا. إذن، قصد الفاعل واحد، ومع وجود قصد واحد للمحرم كيف يمكن ان يتصف بالحسن الفاعلي ؟
الوجه الثالث: ان موضوع العقل النظري غير موضوع العقل العملي. فإذا سلمنا ان موضوع الأول، متعدد فعلا وفاعلا بالتحليل. فان موضوع الثاني
ــــــ[54]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واحد. فانه يحكم بالحسن والقبح بمقدار إدراكه، لا انه يأخذ موضوع أحكامه من العقل النظري التحليلي. بل يدركه ويحكم عليه بمقدار ما هو موجود خارجا، وهو واحد. بغض النظر عن التحليل. وعندئذ فالحسن الفاعلي مفقود لكونه حراما.
الوجه الرابع: انه أولى من ذلك لو قلنا بما قاله الشيخ المظفر ، من ان الحسن والقبح إنما هو حكم العقلاء وان الشارع إنما هو شيخ العقلاء وسيدهم. فان موضوع الحسن عندهم لا يكون تحليليا أكيدا. فيكون قبيحا غير متصف بالحسن الفاعلي.
رابعاً: – من الأجوبة على التقريب الأصلي -: قوله: ان تعدد الوجود يلازم أو يقتضي تعدد الإيجاد. هذا صحيح، إلا انه لا يلازم تعدد الفاعل. فان الفاعل الواحد قد يوجد ايجادات متعددة. وصحيح: ان العلة التامة عندئذ للفعل تختلف، لأنه سيكون بإرادات متعددة، إلا ان الفاعل حقيقة واحد. ولا نقصد من الفاعل: العلة التامة، بل من يتصف بالقصد وبالحسن والقبح، وهو المريد وليس الإرادة.
خامساً: قوله ان هذه المسألة مبنية على مسألة اجتماع الأمر والنهي. فان قلنا هناك بالإمكان أمكن التمسك بإطلاق المادة للإجزاء. وإلا أمكن التمسك بإطلاق الهيئة لعدم الإجزاء.
إلا انه يتم، كما سبق:
1- لأن إطلاق الهيئة للفرد المحرم غير موجود أساسا، للقرينة على عدمه، كما سبق.
2 – ولو تنزلنا فقد سبق ان إطلاق الهيئة يكون بمقدار إطلاق المادة، ولا
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يكون أوسع منه، وحيث لا يقتضي إطلاق المادة الإجزاء، لا يقتضي إطلاق الهيئة ذلك أيضا.
3 – ان هذه الفكرة، وهي التمسك بإطلاق الهيئة، ان عادت إلى الاستصحاب الذي نقول به في الشبهات الحكمية، فهو. وإلا توقف التمسك بإطلاق الهيئة على العلم بعدم كون الفرد المحرم مصداقا للواجب، أو احتماله، ليكون مقتضى إطلاق الهيئة اشتغال الذمة. مع ان مجرد القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي لا ينتج ذلك. لاحتمال كون المتقدم هو الواجب، ولو باعتبار كونه أهم ثبوتا. أو باعتبار سقوط مبغوضيته بالتعارض. فتأمل.
وقال في المحاضرات: لا إشكال في ان مقتضى إطلاق الواجب عدم السقوط. أقول: يعني مقتضى إطلاق الهيئة ذلك. ولم يصرح به لأن الواجب ينصرف إلى المادة لكونه هو المأمور به. والمفروض انه لا يرجع إلى الاستصحاب لامتناعه في نظره في الشبهة الحكمية. فينحصر الأمر بأحد الاطلاقين.
وليس ان الظاهر انه يريد إطلاق الهيئة لأنه قال: بداهة ان الفرد المحرم لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب، لاستحالة انطباق ما هو محبوب على ما هو مبغوض.
وقلنا: ان هذا لا يكفي لأن الانطباق قهري لضرورة انه من أفراد الماهية. ومقتضى إطلاق الهيئة شموله له. وإنما الصحيح استحالة ان يكون المبغوض محبوبا ككلي لا كفرد. فهذه الحصة بما أنها محرمة لا تكون محبوبة، وإذا لم تكن محبوبة فهي قطعا ليست من أفراد الواجب.
قال: فعدم السقوط من هذه الناحية لا من ناحية استحالة اجتماع الأمر
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والنهي في شيء واحد. لأن هذه الناحية تقوم على أساس ان الأمر يسري من الجامع إلى أفراده، ولكنه خاطئ. لما ذكرناه من ان متعلق الأمر هو الطبيعي الجامع ولا يسري إلى أفراده العرضية والطولية.
جوابه:
أولاً: ان الصحيح ان المأمور به صورة، وان كان هو الجامع توصلا منه إلى الأفراد. لكن الملاك والأمر الواقعيين يقعان على الأفراد. ولا نريد بها الخصائص الخارجية بل الجزئي بما هو جامع لشرائط الأمر. فهو انحلالي ابتداء إلى الأفراد. وإنما جمعه بلفظ كلي إيضاحا. وسيأتي مزيد إيضاح له في مبحث الأوامر.
فلو اقتصرنا على هذا المقدار من البيان، فلابد من القول باستحالة الاجتماع.
ثانياً: ان القول بالاستحالة لا ينحصر بذلك، كما عرفنا، أي بسراية الحكم من الجامع إلى المصاديق. بل إذا قلنا بهذه السراية مع تعدد الوجود خارجا، قلنا بعدم الاستحالة. فالملاك في الاستحالة هو ما قاله السيد الأستاذ من تعدد الوجود ووحدته، وليس السراية.
ثم قال: ومن ناحية أخرى، بعدما عرفت استحالة انطباق الواجب على الفرد الحرام، فبطبيعة الحال يتقيد الواجب بغيره.
جوابه:
أولاً: انه لولا ما قلناه من القرينة على عدم كون الحرام مأمورا به، لم يتم ما قاله، لانطباق العنوان على الحرام قهرا ولا استحالة فيه. بل هو ضروري
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ومتعين لفرض شمول إطلاق المادة المأمور بها له.
نعم، لو قصدنا الواجب بما هو واجب فلعله يرجع إلى ما ذكرناه، دون ما إذا قصدنا ذات الواجب.
ثانياً: ان تقييد المطلق، لا يلازم تعنون الباقي بعنوان مضاد للمقيد، كما هو ثابت في محله. فلو اقتصرنا على غض النظر عما قلناه، لم تتقيد المادة بغير الحرام ولم تتصف بما كان مباحاً.
وقال أيضا: وعلى ضوء هذا البيان، فإذا شككنا في سقوط الواجب في ضمن فرد محرم، فلا محالة يرجع إلى الشك في الإطلاق والاشتراط، بمعنى ان وجوبه مطلق، فلا يسقط عن ذمته بإتيانه في ضمن فرد محرم أو مشروط بعدم إتيانه في ضمنه. أقول: يعني إطلاق وتقييد مفاد الهيئة.
وجوابه: أننا ذكرنا ان إطلاق الهيئة يستحيل ان يكون أوسع من إطلاق المادة. فما دام الفرد المحرم من المادة، إذن فهو تحت الهيئة، يعني مأمور به.
مضافا إلى انه لا يحتاج إلى كون الوجوب مشروطا بعدم إتيانه في ضمنه. بل هو مصداق أولي للواجب. وإنما ذكر ذلك في المحاضرات، بعد الذهاب إلى استحالة الانطباق، وقد ناقشناه.
قال: وقد تقدم ان مقتضى الإطلاق عدم الاشتراط ان كان (يعني إطلاق الهيئة أو إطلاق الوجوب فلا يسقط بالفرد المحرم) وإلا فالمرجع هو الأصل العملي. وهو في المقام أصالة البراءة. بناء على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وذلك لأن المسألة على هذا الضوء تكون من صغريات كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين. وقد اخترنا فيها البراءة.
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أقول دخوله في هذه المسألة غريب جدا. لأن تلك المسألة تكون في الواجبات الارتباطية كالصلاة والحج. ومن المعلوم انه لا ارتباط بهذا المعنى بين مصاديق الواجب المباحة بالأصل، فضلا عن المصاديق المباحة والمحرمة. وليس هو من الأقل والأكثر غير الارتباطيين، لأن المطلوب واجب واحد فقط.
إلا ان هذا لا يعني عدم إمكان جريان البراءة في هذا الحد من التفكير. ولا يتوقف جريانها على تلك المسألة. فان إنكاره للاستصحاب إنما هو من اجل تعارض الاستصحابين في الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية دائما على ما يقول: فإذا تعارضا وتساقطا بقي المورد مشكوك الوجوب لاحتمال سقوطه بالفرد المحرم على الفرض، فتجري البراءة عن الوجوب المشكوك. وهذا يقتضي الإجزاء بالفرد المحرم، لأن احتمال الإجزاء كاف في جريان البراءة.
وهذا خلاف ما قاله قبل نصف صفحة، من استحالة شمول الوجوب للفرد المبغوض، فلا يكون مجزءاً. مع كونه ذكره بصفته نتيجة له اللهم إلا ان يقال: انه يرى عدم السقوط بالأصل اللفظي والسقوط بالأصل العملي، في حين انه بناء على جريان الاستصحاب أو بناء على ان المسألة من اجتماع الأمر والنهي، مع القول بالامتناع، يكون مقتضى الأصل عدم السقوط.
فهذا حاصل الكلام في الأصل اللفظي في المسألة.
………………………..
وأما المقام الثاني، فبلحاظ الأصل العملي في إجزاء الفرد المحرم.
فالتحقيق في نظر السيد الأستاذ: ان الشك هنا يرجع إلى الشك في الأقل والأكثر. سواء قيل بامتناع اجتماع الأمر والنهي أو قيل بجوازه.
ــــــ[59]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أما بناء على الجواز فواضح، لأن المكلف يعلم بوجوب تعلق الجامع بين الحصة المحللة والحصة المحرمة. ولا يعلم بتقييده بإحدى الحصتين، فتجري البراءة.
أقول: وعندئذ لا نشك في السقوط بل نعلم به. فان قيل: ان المفروض عدم الإطلاق. قلنا: هذا خلف فرض العلم بالأمر بالجامع، كما ذكره.
وجوابه الأساسي: انه لا يمكن ان يدخل المقام في تلك المسألة. بالرغم من وجود التردد بين الأقل والأكثر. فان هذا التردد على شكلين:
الشكل الأول: ان تكون الأفراد الداخلة تحت الأمر متعددة بحيث يكون المطلوب الجمع بينها أو أدائها كلها. فهذا هو موضوع تلك المسألة. وفرق الارتباطيين عن غيرهما، توقف صحة أحدهما على الآخر في الأول دون الثاني.
الشكل الثاني: ان الأفراد الداخلة تحت الأمر متعددة لكن لا يحتمل وجوب الجمع بينها. كما في أفراد أي كلي جامع. فقد يتردد بين الأقل والأكثر، بأسباب متعددة، كإجمال الجامع، كالعالم المردد بين الفقيه أو الأعم. أو لاحتمال التقييد، كالعالم المحتمل التقييد بالهاشمي. ولكن على كل حال لا يجب أكثر من إكرام واحد. فالواجد للقيد هو القدر المتيقن والفاقد له هو الخارج عن القدر المتيقن.
فالتردد وان كان بين الأقل والأكثر، إلا انه عقلي وليس شرعيا. أو قل: ان ما هو داخل تحت الأمر واحد وليس فيه تردد. وإنما التردد في سعة أفراد الجامع فقط. وهذا معنى آخر غير ما عليه تلك المسألة فلا يحتمل اندراجها فيها.
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ومن المعلوم ان محل كلامنا من هذا القبيل، لأن المطلوب واحد، وليس متعددا. غاية الأمر ان الإتيان بالفرد المباح هو القدر المتيقن من الإجزاء، والفرد المحرم هو المشكوك. فإذا لم تدخل في تلك المسألة، فلا يكون مشمولا لمحمولها وهو البراءة.
مضافا إلى ان البراءة هناك تجري عن الفرد الزائد، وهو الجزء المشكوك، فيجزي الإتيان بالأقل. فإذا طبقناها في مسألتنا لابد من جريان البراءة عن الفرد المحرم، فينتج عدم الإجزاء. في حين انهم يجرون البراءة عن الوجوب بعدم الإتيان بالفرد المحرم، فينتج الإجزاء.
مع العلم انه في تلك المسألة لا يمكن إجراء البراءة عن الوجوب، لأن اصل الوجوب ثابت. وأما جريانها بعد الإتيان، فهو مورد قاعدة الاشتغال أو استصحاب الوجوب ان قلنا به. لولا جريان البراءة عن التقييد بالجزء المشكوك (الأكثر). وهذا مما لا يمكن جريانه في مسألتنا.
فان قلت: انه تجري البراءة عن التقييد بعدم الفرد المحرم، فينتج الإجزاء. قلنا: ان لازم عدم التقييد، هو سقوط التكليف بعد الإتيان بالفرد المحرم. وهذا اللازم عقلي وهو غير ثابت للاستصحاب فضلا عن البراءة. وإلا فمقتضى الأصول مورداً هو الاشتغال أو استصحاب الوجوب واشتغال الذمة المنتج لعدم السقوط بالفرد المحرم.
فالصحيح في المقام ان يقال: ان مورد الأصول العملية تكون مع الشك لا مع اليقين، وهذا مسلم. وهنا يستحيل تعلق الأمر بالجامع، فلا يكون الفرد المحرم مأمورا به، فلا يكون مجزءا إلا بدليل مفقود على الفرض. ونحرز بإطلاق الهيئة اشتغال الذمة، فلا تجري البراءة عن الإعادة.
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ولو تنزلنا واحتملنا شمول الأمر للجامع بين الحرام وغيره. فمع حصول الفرد المحرم نشك في السقوط، فنستصحب اشتغال الذمة. إلى حين الإتيان بالفرد المحلل. وان لم يكن هذا الاستصحاب جاريا كان المورد مورد أصالة الاشتغال، باعتبار ان الاشتغال اليقيني، الذي حصل فعلا بالتكليف، يقتضي الفراغ اليقيني، ولم يحصل الفراغ اليقيني بالفرد المحرم. وهذا نحو من الاستصحاب العقلي بعد فرض امتناعه شرعا.
………………………..
المسألة الرابعة: والأخيرة والاهم في مبحث التعبدي والتوصلي. إلى حد ينصرف العنوان إليها، هو مسألة اشتراط قصد القربة، في (العبادات بالمعنى الأخص) بعد التسليم بإمكانه في العبادات بالمعنى الأعم. لأنه حتما قد حصل بمتمم الجعل، فلا يكون محالا.
فإذا شك في تعبدية الأمر أو تعبدية المأمور به وعدمه، فما هو مقتضى الأصل. وهل يمكن إجراء الأصل اللفظي أو العملي لنفي التعبدية أم لا ؟
والتعبد بهذا المعنى له أربعة معاني:
1 ـ قصد الامتثال وهو الذي وقع محلا للإشكال.
2 ـ قصد القربة.
3 ـ قصد الملاك بمعنى المحبوبية.
4 ـ قصد الملاك بمعنى المصلحة الواقعية.
فإذا قلنا فقهيا: انه لا دليل على وجوب قصد الامتثال بعنوانه انسد
ــــــ[62]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المطلب في علم الأصول. لأن ما هو مستحيل غير مشروط وما هو مشروط غير مستحيل.
ولكن قد تقرب الحاجة إلى ذلك بدفع الاحتمالات الأخرى، والبقاء على واحد منها، وهو قصد الامتثال، فتبقى الاستحالة المدعاة.
أما منع قصد القربة، فلأن القربة معناها الاقتراب وهو مستحيل لله سبحانه وتعالى بكل صوره. والتقرب لغيره غير مقصود.
واما منع قصد المحبوبية، فلعدم الدليل على كفايته. فيتعين ما هو كاف بحسب الدليل وهو قصد الامتثال.
واما منع قصد المصلحة الواقعية، فلعل ذلك من ضروريات الدين. بل لا يكون العمل معه عبادة. خلافا لما ذكره السيد الأستاذ في مقدمة العبادات حيث فسّر قصد القربة بأنه في سبيل الله. وفسر سبيل الله بأنه في سبيل المجتمع، يعني المستضعفين. فيصبح قصد القربة بمعنى قصد المستضعفين. فهل يرضى أن نقصد ذلك في عباداتنا؟
وعلى أي حال يتعين قصد الامتثال لتصحيح العبادة، دون غيره، لأن ما هو مخالف للقاعدة ومحل الشك يقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو قصد الامتثال ولا اقل من جريان قاعدة الاشتغال بدونه. مع أن التقييد به مستحيل لأنه يلزم أخذ المتأخر في المتقدم.
وجواب هذا البيان من وجوه:
الوجه الأول: إن القربة المكانية من الله سبحانه وتعالى وان تعذرت إلا أن القرب المعنوي منه ممكن.
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قيل: إن هذا أيضا مستحيل، للزوم التحديد وهو مستحيل.
قلنا: كلا. لعدة أمور منها:
1 ـ إن وجوده الرتبي محدد فلسفيا ومنطقيا. لأنه علة العلل وبه ينقطع التسلسل. فنفي كل الحدود عنه إطلاقا بلا موجب.
2 ـ إن الله سبحانه هو الكمال المطلق وكل الخلق متجه خلقيا وارتكازا نحو الكمال المطلق. فلا بأس من قصده من هذه الناحية.
وتعذر الوصول إلى الكمال باعتباره لا متناهيا لا ينافي السير فيه مهما أمكن.
كل ما في الأمر أن المتشرعة لا يتصورون الكمال كليا بل جزئيا. لأن من جملة صفات الكمال سعة التأثير والقدرة وإلا لم يكن كاملا. وهذا لا يتأتى للكلي، بل هو منحصر في الجزئي.
وحسب ما قال شيخنا المظفر : إن واجب الوجود الكلي هو جزئي. لأنه متعين الوجود في الخارج، وإلا لكان خلف فرض كونه واجبا. أقول: إذن فالكمال المطلق يتعين أن يكون جزئيا خارجيا وان لم يكن محدودا. فيكون قصد الكمال المطلق بصفته خارجيا هو الأصح. لأن الكلي لا يمكن الوصول إليه عمليا، في حين أن الجزئي يمكن فيه ذلك. لأن الكلي لا وجود له في الخارج. لأن الخارج ظرف الجزئيات لا الكليات.
الوجه الثاني: قولهم: إن الملاك مما لا دليل على كفاية قصده في العبادات. لا يتم. بعد الالتفات أن المراد بالملاك هنا هو المحبوبية لا المصلحة الواقعية، لأنه سبق بطلانها، ولا الإرادة، لأن قصدها يرجع إلى قصد
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الامتثال، لأن حقيقة الامتثال هو ذلك.
وعلى أي حال، فنفي كفاية قصد المحبوبية، لا يتم، لأن معنى التعبدي لم يرد في كتاب ولا سنة. فكل ما صدق عليه ذلك كفى. ويبقى الخصم مسؤولا عن الدليل على النفي إن ادعاه في بعض الحصص.
فان قلت: فانه دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن.
قلنا: نعم. ولكن مادام الصدق العرفي والمتشرعي موجودا، دخل في القدر المتيقن.
وحسب فهمي فان محك القربة هو نحو من الإخلاص لله عز وجل في العمل، بأي عنوان كان من العناوين المنطبقة على العمل. ولذا أفتى الفقهاء في الفقه بجواز قصد أي معنى قربي ومرضي لله عز وجل. كالقربة والامتثال والثواب والكمال وخوف العقاب وخوف الغضب وغير ذلك، مادام كل ذلك مصداقا للإخلاص، مع فصله الخاص به.
إذن، فقصد الامتثال بعنوانه غير واجب وغير مأخوذ في الأوامر العبادية، ليقع الإشكال في علم الأصول. وإنما المأخوذ هو أمر جامع ينطبق عليه وعلى غيره.
فان قلت: فان هذا يكفي في الاستحالة، لأن المستحيل اصبح حصة من المفهوم الذي هو قيد الواجب.
قلنا: جوابه من اكثر من وجه:
أولاً: انه مادام المفهوم الجامع ممكنا كفى. وقد قالوا: إن الجامع بين الممكن والمحال ممكن، كما أن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور.
ــــــ[65]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: انه يمكن القول بعدم سراية هذا المفهوم إلى الحصص عقلا، وإنما سرايته عرفا. لوضوح أن الامتثال مغاير للإخلاص بالحمل الأولي والشايع. وإنما المهم الصدق العرفي. وشموله بالصدق العرفي ليس محالا، وان كان شموله بالصدق العقلي محالا. فما هو محال غير موجود وما هو موجود غير محال. ولا يحتمل أن يكون الصدق العرفي ملاكا للاستحالة العقلية بالمعنى الذي يبحثون عنه.
إذن، فلا حاجة إلى كل هذه البحوث والإشكالات. وإنما نبحثها باعتبار أمور:
1 ـ تنزلا عما قلناه قبل قليل.
2 ـ احتراما لسلفنا الصالح من الأصوليين المحققين.
3 ـ لأجل تنمية الملكة، والقدرة على تدريس هذه المادة إلى الطلاب.
ومن الواضح أن اخذ قصد الثواب ودفع العقاب، ونحوها قيدا في متعلق الأمر ليس بمستحيل. مضافا إلى أن قصد الأمر أو قصد الامتثال، الذي اصبح مثارا للإشكال مما لا أثر له في الكتاب والسنة. وإنما المتعارف والسائر لدى المتشرعة هو قصد القربة. وهو أمر معقول.
مضافا إلى إمكان القول: بان معنى العبادات بالمعنى الأخص، اصطلاح فقهي متأخر، وهو مبالغ فيه ولو احتياطا. وإنما المطلوب فيه أمران:
أمر وجودي: وهو أن يعرف الفاعل انه ماذا يفعل أو لماذا يفعل.
أمر عدمي: وهو ترك الغايات الأخرى المشتركة كالرياء والعجب.
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهذا المقدار أيضا وان لم يدل عليه دليل لفظي، إلا انه محل إجماع وارتكاز متشرعي.
إلا أن النتيجة: هي أن الأمر لا لسان له صغرى وكبرى، وهو مجمل كذلك. والمجمل بمنزلة القضية المهملة.
فان قلت: إن هذا يقتضي الأخذ بالقدر المتيقن وهو قصد الامتثال.
قلنا: كلا، فان أي قصد تفصيلي بعنوانه، يكون مجرى للبراءة في نفسه لأنه مما لا دليل عليه بنفسه. فتحصل من مجموع الأصول المؤمّنة نتيجة الإطلاق وينتفي قصد الامتثال بخصوصه.
ولعل أول واحد من المتأخرين قال بالاستحالة هو صاحب الكفاية باعتبار: انه لو أريد من القربة قصد الامتثال لكان أخذه قيدا محالا. لاستحالة اخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشيء في متعلق الأمر مطلقا شرطا أو شطرا.
ويمكن تقريب ذلك بعدة تقريبات:
التقريب الأول: اخذ ما هو متأخر رتبة في المتقدم، وهو مستحيل. لأن قصد الامتثال متأخر عن الأمر. لأنه يقع في طرف معلولاته، إذ لولا وجود الأمر، لا قصد للامتثال. فأخذه في الأمر يعني أخذه في طرف العلة، سواء كان شرطا أم جزءا، وهو مستحيل.
التقريب الثاني: لزوم الدور، وهو ما قربه في الهداية، أو تقدم الشيء على نفسه. لأنه قال: لأن قصد الامتثال يتحقق بعد الأمر. والأمر بعد الصلاة. فلا يمكن أن يكون قصد الامتثال في مرتبة الصلاة. بحيث يتعلق بمجموعها، لأنه دور صريح.
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التقريب الثالث: انه أمر بما يعجز عنه المكلف، فيستحيل التكليف به. وهو ما قربه في العناية حين قال: إن الإتيان بالعمل بداعي أمره غير مقدور للمكلف قبل الأمر بالعمل. إذ لا أمر به كي يقصد. فكيف يأمر بإتيان العمل بداعي أمره.
التقريب الرابع: كأنه جمع بين تقريب الدور وتقريب العجز، وهو ما ذكره في التقريرات، حيث قال: إن كل أمر مشروط بالقدرة على متعلقه، فهو متأخر عن القدرة تأخر المشروط عن شرطه. فلو فرض انه اخذ في متعلقه، كان الأمر متوقفا على نفسه. لأن الأمر متوقف على القدرة، والقدرة متوقف على هذا الأمر. وهو دور محال.
ويمكن إرجاع هذه التقريبات الأربعة إلى وجهين هما: أولاً: التقدم والتأخر الرتبي. واليه يرجع معنى الدور. إذ لولا ذلك لا دور. ثانياً: العجز. بل إن العجز يرجع إلى ذلك أيضا. إذ لولاه لما عجز المكلف، كما في الموارد الاعتيادية.
وقد أجاب صاحب الكفاية وفي التقريرات بنفس المحصل من الجواب. وهو أن المتأخر غير المتقدم. فان المتأخر هو واقع الامتثال والمتقدم هو الوجود الذهني والعنواني له. فلا دور.
وهذا هو مراد صاحب الكفاية من قوله: وتوهم إمكان تعلق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر، وإمكان الإتيان بها بهذا الداعي، ضرورة إمكان تصور الأمر بها مقيدة ، والتمكن من إتيانها كذلك بعد تعلق الأمر. والمعتبر من القدرة عقلا في صحة الأمر إنما هو حال الامتثال لا حال الأمر.
فالعبارة تحتوي على جواب على إشكال القدرة وإشكال الدور معا. ومع
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ذلك نجد في التقريرات انه أجاب به مكتفيا به. مع العلم أن الشيخ الآخوند نفسه أجاب عليه بقوله: بأنه واضح الفساد، ضرورة انه وان كان تصورها كذلك بمكان من الإمكان إلا انه لا يكاد الإتيان بها بداعي أمرها لعدم الأمر بها. فان الأمر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعي الأمر. ولا يكاد يدعو الأمر إلا إلى ما تعلق به الأمر لا إلى غيره. فنراه قد استغنى عن دليل الدور وتمسك بدليل العجز.
وغاية تقريبه أن يقال: إن الفرد إما أن يأتي بالصلاة نفسها، أو بها مقيدة بداعي الأمر. فان جاء بالصلاة بذاتها لم يجزئ لأنها بذاتها غير مأمور بها. ولا يدعو الأمر إليها، ويكون المكلف عاجزا عن الامتثال لعدم الأمر بها. وان جاء بها مقيدة، فهو محال لأن الأمر بها محال.
وهذا غريب لأن المفروض انه برهان على الاستحالة، فتؤخذ الاستحالة في مقدماته، فيكون مصادرة. والمفروض أن الخصم قد بين وجها للإمكان. وهذا لم يتم بيان فساده. فلو بينه: بان اخذ الصورة الذهنية غير كافية لكان وجها، إلا انه يكون واضح الفساد اكثر عندئذ.
فان قلت: فإنا نقول: فان جاء بها مقيدة احتاجت إلى أمر آخر، لأن المقيد ليس فيه أمر بحياله. وبدون الأمر يكون الامتثال محالا أو محل العجز.
قلنا: هذا فرع أن يكون المتعين رجوع معنى الامتثال إلى أمر قائم بنفسه. واما إذا رجع إلى نفس الأمر كان محالا. وحينئذ، فالأمر في نفسه غير موجود فيقع الامتثال محالا. واما إذا رجع الامتثال إلى الأمر نفسه، كان كافيا لإيجاد القدرة وخاصة بعد أن قال الشيخ الآخوند: بان القدرة حين العمل كافية.
فان قلت: فانه يلزم منه الدور أو تقدم المتأخر رتبة.
ــــــ[69]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا: كلا. بعد أن أجاب عنه الشيخ الآخوند وغض النظر عنه وتمسك بدليل العجز كما سبق أن قلنا. ومع عدم الاستحالة العقلية لا يوجد عجز. بل يكون حاله حال غيره من الأوامر.
فقول الشيخ الآخوند: إن الأمر لا يكاد يدعو إلا إلى ما تعلق به لا إلى غيره. وان صح كبرويا. إلا أن متعلق الأمر هنا هو المقيد، فيكون هو المأمور به. ويصح به الامتثال. لأنه لا يأتي بذات الصلاة بل مع قيدها وهو قصد امتثال نفس الأمر.
وهنا كأن الشيخ الآخوند سلم باستحالة الإتيان بالمقيد امتثالا. ولكنه يشكل على نفسه بان الإتيان بالصلاة بذاتها كاف في الطاعة، لأنها مأمور بها في ضمن الأمر بالقيد. لأن القيد مأمور به والمقيد مأمور به.
وجوابه: محصله: إن ذات المقيد غير داخل تحت الأمر جزما. لأن الأمر يرد على المقيد بما هو مقيد أي على المركب من القيد والمقيد. أو قل: يتركب وجود واحد تصوري منهما يكون هو المدخول للأمر. واما ذات المقيد فهي جزء تحليلي عقلي لا يتصف بالوجوب أصلا. فلا يكون المقيد مأمورا به ليصح امتثاله. وهذا المطلب في نفسه صحيح كبرويا.
إلا أن التعليق عليه: إن الشيخ الآخوند لا يخلو: إما أن يقول بان الأمر هو بذات الصلاة بدون القيد لاستحالة التقييد. أو أن الأمر بها مع القيد مع التنزل عن الاستحالة.
فان كان الأول كان ذات الفعل كافيا في الامتثال، لفرض عدم القيد. وعلى الثاني، كانت القدرة حال العمل كافية. فالمكلف يأتي بالمقيد بما هو مقيد فيقع الامتثال وليس عاجزا عنه. وذلك بعد ضم هاتين المقدمتين اللذين
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اعترف بهما:
1ـ التنزل عن الاستحالة العقلية للدور إلى استحالة العجز.
2ـ كفاية القدرة حين العمل، فلا عجز.
ثم قال: فان قلت: هذا – يعني عدم إجزاء الإتيان بالمطلق امتثلا للمقيد لأنه جزء تحليلي منه، فلا يكون في نفسه مأمورا به – هذا يختص بصورة ما إذا كان القيد شرطا. واما إذا كان شطرا أي جزءا، فلا محالة يكون نفس العمل الذي تعلق به الوجوب مع هذا القصد متعلق الوجوب. إذ المركب ليس إلا نفس الإجزاء بالأسر. ويكون تعلقه بكل جزء بعين تعلقه بالكل. ويصح أن يؤتى به بداعي ذلك الوجوب، ضرورة صحة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه.
الآن نذكر جوابنا على ذلك ثم نعرّج على جواب الآخوند عليه:
أولاً: إن الكلام في قيد محدد بذاته هو قصد الامتثال، والمفروض هنا انه متأخر رتبة عن الأمر، فيستحيل أن يؤخذ فيه. وحينئذ لا يفرق في ذلك بين أن نسميه شرطا أو نسميه جزءا. بل لا يفرق بين أن يسميه الشارع الجاعل للأمر شرطا أو جزءا. بل الاستحالة في الجزء أوضح.
إذ كما يستحيل أن يكون الشرط متأخرا رتبة، كذلك الجزء. بل هو أوضح لوضوح صحة السلب عن كونه جزءاً عقلا وعرفا عندئذ. وان لم يكن ذلك ثابتا للشرط لإمكان صدق الحمل وتسميته شرطا ولو تنزلا أو تنزيلا.
ثانياً: إن مقتضى المرحلة السابقة من التفكير هو عدم كفاية الإتيان بالمقيد، ذاتا وبدون قيده. والمطلق مأمور به بعد حصول التقييد.
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهذا لا يفرق فيه بين أن يكون القيد جزءا أو شرطا. كل ما في الأمر أن اصطلاح كون ذات المشروط جزءا تحليليا غير وارد في المركب من الجزء. لأنه جزء واقعي وليس تحليليا. إلا أن الذي منع عن إجزاء الإتيان بالمطلق هو كونه جزءا أو قيدا، والجزء غير مأمور به باستقلاله، وليس لكونه جزءا تحليليا، لينطبق على الشرط ولا ينطبق على الجزء. بل الدليل يعمهما معا.
ثالثاً: إن ما قاله: من أن تعلق الأمر بالمركب الكامل يسري تعلقه إلى الأجزاء. إن تم كبرى فانه لا يشفع في المقام. لأن المفروض عدم تعلق الأمر بما هو متأخر رتبة سواء كان جزءا أو شرطا. ولم نتنزل عن هذه الجهة. إذن، لا يكون صغرى لتلك الكبرى. فان تعلق الأمر بالمركب ينبسط على أجزائه التي تكون في رتبة واحدة لا في رتب متعددة. وليس انطباقه عليه بعين انطباقه على أجزائه المتأخرة رتبة.
رابعاً: قوله: ضرورة صحة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه. هل يريد بذلك، صحة الإتيان بذات الجزء مستقلا عن الباقي؟ هذا خلف كونه واجبا ارتباطيا، كما هو المفروض. فلا يكون مجزيا قطعا. وان أراد الإتيان بالأجزاء ككل. فانه لا يكون صغرى لتلك الكبرى، بعد ورود الإشكال في القيد المتأخر رتبة.
وبتعبير آخر: إن القاعدة لو تمت شملت الأجزاء المتحدة في الرتبة لا المختلفة.
هذا. وقد أجاب الشيخ الآخوند بعدة وجوه. وذكر الفيروز آبادي في العناية انه أجاب بوجهين، إلا انه – في الحقيقة – أجاب بثلاثة أجوبة:
الوجه الأول: قال: مع امتناعه كذلك. ولم يبين مرجع الضمير واسم
ــــــ[72]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الإشارة. كما لم يبين وجه الامتناع. ويمكن أن نفسر عبارته هذه بعدة وجوه منها:
أولاً: ما عليه فهم شراح الكفاية من امتناع اعتبار قصد الامتثال جزءا. وقال في الهداية: وهذا واضح.
إلا انه لو اكتفينا بذلك لم يبق دليل على الامتناع. إذ قد يقال أن الشارع الآمر نفسه، له الحرية في اعتبار أي شيء جزءا أو اعتباره شرطا. ولو خلاف الفهم العرفي. ولا امتناع في ذلك.
فان قلت: إن هذا يختلف باختلاف فهم الدليل. ومادام العرف يفهم الشرطية لا الجزئية، فلابد من فهمها من الدليل.
قلنا: نعم، ما لم ينص الشارع على الخلاف. وهذا الكلام في الكفاية إنما هو ثبوتي وليس اثباتيا ليكون تابعا للدليل ظهورا. فان الكلام هنا في مرحلة حكم العقل ثبوتا، وليس في حكم العرف إثباتا ولا ثبوتا.
ثانياً: امتناع اعتبار قصد الامتثال جزءا، لأنه مشمول لنفس دليل الاستحالة بالنسبة إلى الشرط.
وهذا له وجه. إلا انه موقوف على إتمام الدليل الرئيسي في الباب أولاً، وقياس الجزء على الشرط ثانياً. وهذا القياس وان كان ممكنا، إلا انه يحتاج إلى تصور جزء متأخر رتبة كالشرط. ومن المعلوم أن هذا خلف كونه جزءا حقيقة، وان سبق أن سلمناه تنزلا مؤقتا.
ثالثاً: ما قلناه من استحالة انطباق الوجوب الوارد على المجموع، على كل الأجزاء، إلا إذا كانت أجزاء في رتبة واحدة لا في رتب متعددة. ما لم يدل
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
دليل خاص بذلك مفقود بالفرض. ومعه لا يكون صغرى لكبرى الإجزاء بعد الالتزام بأصل الدليل بالباب وعدم التنزل عنه.
هذا. إلا أن الظاهر منه هو الوجه الأول الذي عليه الشراح.
الوجه الثاني: انه يوجب تعلق الوجوب، بأمر غير اختياري. لأن قصد الامتثال عبارة عن الإرادة، والإرادة غير اختيارية، لأنه يلزم من الالتزام بكونها اختيارية التسلسل. وقد اختار الشيخ الآخوند أنها غير اختيارية دفعا للتسلسل. فيكون جزء الواجب غير اختياري. فيقع التكليف به مستحيلا.
وجواب ذلك، من وجوه:
أولاً: ما قلناه وما قاله أيضا في العناية من أن الإرادة بنفسها اختيارية. فلا يلزم الجبر ولا التسلسل. وبذلك اجبنا على ما انكسر به القلم.
ثانياً: إن قصد الامتثال ليس هو الإرادة، بل هو فعل بحياله من الأفعال الباطنية، كالنية الذهنية والقلبية ونحو ذلك. وليس هو اصل إرادة الفعل، بان يعلم ماذا يفعل. فان هذا لا يجعله تعبديا. بل المراد الإرادة المقيدة بالامتثال لله سبحانه.
ثالثاً: اننا لو سرنا بهذا المسار لزم القول بالجبر لا محالة، كما أشار إليه في العناية. فيلزم تعذر التكليف. فمادام الشيخ الآخوند يرى إمكان التكليف بالرغم من ذلك، وله الوجه الذي يجمع به بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية. إذن لا يختلف هذا عن غيره.
………………………..
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الآن نذكر بيان المحقق النائيني للاستحالة والذي بنى عليه وتوصل إليه في إمكان التقييد بما سماه بمتمم الجعل. ونعرضه حسب ما ذكره السيد الأستاذ، وقال: انه احسن ما ذُكر:
وحاصله: أن هذا يلزم منه الدور، وهو اخذ ما هو متأخر متقدما. لكن لا بلحاظ متعلق الأمر، كما كان الحال فيه بناء على البيان الأول لصاحب الكفاية، بل بلحاظ متعلق المتعلق، وهو الموضوع.
قال السيد الأستاذ: وتوضيحه يتوقف على بيان مقدمتين
المقدمة الأولى: في إيضاح معنى متعلق المتعلق.
إن الأحكام الشرعية لها متعلقات ولها متعلقات المتعلقات.
أما المتعلقات فهو عبارة عن الأفعال التي يكون الحكم الشرعي مقتضيا للأمر بها أو الزجر عنها. كالصلاة وشرب الخمر.
واما متعلقات المتعلقات، فهي الأشياء الخارجية التي يكون المتعلق الأولي مربوطا بها، كالخمر في لا تشرب الخمر. وكالعقد في وجوب الوفاء به. فالوفاء هو المتعلق الأولي لهذا الوجوب، والعقد هو المتعلق الثانوي، أو متعلق المتعلق.
وهذا الموضوع الذي هو متعلق المتعلق يؤخذ دائما قيدا وشرطا للحكم. بحيث يُجعل على نحو القضية الحقيقية. وكل شرائطه تؤخذ مفروضة الوجود. يعني: إذا كان هناك خمر فلا تشربه.
وأرجعه المحقق الأستاذ في المحاضرات إلى قضية شرطية يكون الموضوع شرطا فيها، ولا يفرق فيه بين الاختياري وغير الاختياري. فانه كله سابق رتبة
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
على التكليف ولا يجب أو لا يمكن تحصيله. كالعقد الاختياري والوقت غير الاختياري.
ونتيجة ذلك: أن فعلية الحكم تكون بفعلية موضوعه. ففعلية وجوب الوفاء لا تكون إلا بوجود العقد. كما انه – بالنظر التصوري للجاعل في عالم الإنشاء – تكون هذه الموضوعات سابقة رتبة عن الحكم. لأنه يأخذها مفروضة الوجود في حكمه.
فهذه المقدمة بمنزلة الكبرى.
المقدمة الثانية: صغرى لها، وهي انه لو أُخذ قصد الأمر في متعلق الأمر، لوجد عندنا متعلق ومتعلق المتعلق. فالمتعلق هو قصد الأمر. وليس هذا قيدا للأمر. واما متعلق المتعلق فهو الأمر. فنسبة الأمر إلى قصد الامتثال كنسبة القبلة الى الصلاة إلى القبلة.
ومعه تنطبق عليه الكبرى. وهي أن المتعلقات الثانوية، يلزم أخذها مفروضة الوجود في الجعل. فيلزم أن يكون نفس الأمر مأخوذا مفروض الوجود في الأمر. يعني اخذ الأمر قيدا في الأمر. ويلزم من ذلك التهافت في عالم الجعل وفي عالم فعلية المجعول.
أما في عالم الفعلية، فلأن فعلية كل مجعول ثابتة لفعلية موضوعه. وهو متعلقه الثانوي (متعلق المتعلق). فتكون فعلية الأمر بالصلاة تابعة لفعلية متعلقه الثانوي، التي منها، نفس الأمر.
واما بحسب عالم الجعل والإنشاء فيلزم التهافت أيضا، لأن المولى يرى بالنظر التصوري في الجعل: إن جعله متأخر عن مفروضاته. فان كان ما يفرض وجوده هو نفس الأمر، فكأنه يرى أمره بعد أمره. فانه لا يستطيع أن يقول: إن
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
كان أمري موجودا فأمري موجود.
وقال في المحاضرات: انه يلزم اتحاد الحكم والموضوع في مقام الجعل، وتوقف الشيء على نفسه في مقام الفعلية. وكلاهما مستحيل.
وقال في المحاضرات: انه أجاب عليه بعض الأساطين. والظاهر انه المحقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني بما حاصله:
أن ما يؤخذ مفروض الوجود في مقام الجعل إنما هو موضوعات التكاليف وقيودها لا قيود الواجب. لوضوح أن قيود الواجب كالطهارة في الصلاة يجب تحصيلها على المكلف. وهذا بخلاف موضوعات التكاليف، فإنها أخذت مفروضة الوجود في الخارج، فلا يجب تحصيلها.
وقصد الأمر ليس من قيود الموضوع خارجا لكي يؤخذ مفروض الوجود خارجا. بل من قيود الواجب. وكان المكلف قادرا عليه، فيكون حاله حال بقية قيود الواجب. فيجب تحصيله، ولا معنى لأخذه مفروض الوجود.
أقول: لم يجب عليه في المحاضرات. وإنما أشار فقط إلى انه ناشئ من خفاء مقصود المحقق النائيني.
وواضح أن هذا المقدار من البيان لا يكفي في رد بيان المحقق النائيني. لأن مراده الاستحالة ثبوتا في عالم الجعل. مضافا إلى الاستحالة في عالم المجعول. حيث صار الأمر بنفسه موضوعا للأمر. وهذا غير كونه مما يجب تحصيله. فان صلح هذا جوابا على الاستحالة في المجعول فانه لا يصلح أن يكون جوابا على الاستحالة في عالم الجعل.
بل هو لا يصلح أن يكون جوابا في عالم المجعول أيضا، لأن اخذ القيد
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
في الواجب فرع إمكانه. وإذا كان مستحيلا لم يمكن أخذه قيدا في الواجب ولا في الوجوب.
وأجاب الأستاذ المحقق عن بيان المحقق النائيني، كما ذكره عنه السيد الأستاذ وهو موجود أيضا في المحاضرات بنفس المضمون، مع بعض الفروق التي نشير إليها:
وحاصله: المنع من إطلاق المقدمة الأولى في البرهان. فانه لا يوجد برهان على أن كل متعلق ثانوي، يجب أن يؤخذ مفروض الوجود في مقام جعل ذلك الحكم. وإنما ملاك ذلك أحد أمرين: إثباتي وثبوتي، أو قل: ظهوري وعقلي. فان لم يوجدا، فلا دليل على ذلك.
أما الملاك الاثباتي: فهو الاستظهار العرفي من الدليل: أن المولى لا يريد المتعلق الثانوي، وانه ليس من مقدمات الواجب بل من مقدمات الوجوب. فيكشف ذلك عن انه أخذه مفروض الوجوب. كأوفوا بالعقود. فان العرف يفهم من ذلك أن المولى لا يريد إيجاد العقد.
واما الملاك الثبوتي، ففيما إذا كان المتعلق الثانوي أمر غير اختياري للمكلف. إذ لابد حينئذ للمولى أن يأخذه قيدا للوجوب ومفروض الوجود فيه. فانه لو حصل الوجوب مطلقا من ناحيته للزم التكليف بغير المقدور. لأنه غير مستطاع التحصيل والإنجاز. مثل الوقت للصلاة.
واما إذا لم يكن شيء من ذلك، فلا نلتزم بأخذ المتعلق الثانوي مفروض الوجود. فمثلا: لا تشرب الخمر، لا يلزم أن يكون معناه: إذا وجد خمر فلا تشربه. بل معناه فعلية مطلقة، سواء كان هناك خمر أم لا. لأن كلا الملاكين غير موجود.
ــــــ[78]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ففي مورد الكلام: أن قصد الأمر يكون الأمر متعلقه الثانوي. إلا انه ليس من الضروري أخذه مفروض الوجود. فان كلا الملاكين غير موجود فيه، أما الأمر الاثباتي فواضح. واما انتفاء المحذور العقلي، فلأن الأمر الذي هو المتعلق الثانوي للقصد وان كان غير اختياري للمكلف، كالوقت، إلا أن هنا فرقا بين الأمر والوقت.
وهو: أن المولى لو لم يأخذ الوقت قيدا، للزم إطلاق الوجوب حتى لفرض فقد الوقت، فيكون وجوب الصلاة ثابتا قبل الزوال. فيكون تكليفا بما لا يطاق. إذ يستحيل أن يصلي قبل الزوال صلاة عند الزوال. أو قل يستحيل تحصيل الوقت كذلك. أقول: وهذا المعنى غير واضح من المحاضرات.
قال: واما الأمر فليس كذلك، لأن نفس وجود الأمر، يوجد موضوع الأمر، وبتحقق الأمر يستحيل أن لا يكون هناك أمر، لاستحالة ارتفاع النقيضين. فقوله: صل إلى القبلة، لا يوجد القبلة. ولكن قوله: صل بقصد الأمر، يوجد الأمر الذي هو موضوعه.
فهو يوجد بنفس الخطاب، فلا يعقل أن يكون للخطاب إطلاق لحال فقده. ولا يلزم أن يؤخذ مفروض الوجود. ومعه لا يلزم دور ولا تهافت في عالم الجعل ولا في عالم المجعول.
ويضيف في المحاضرات مقدمة أخرى وجدها ضرورية، لأنه يقول: والوجه في ذلك هو أن المعتبر في صحة التكاليف إنما هو قدرة المكلف على الامتثال في مرحلة الامتثال. وان لم يكن قادرا عليه قبل الإنشاء والجعل. وعليه لا مانع من تعلق التكليف بالصلاة مع قصد أمرها. لفرض تمكن المكلف من الإتيان بها كذلك في مقام الامتثال. إذن، لا يلزم لأخذه مفروض
ــــــ[79]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوجود. فان الملزم لذلك هو لزوم التكليف بالمحال. وهو غير لازم هنا.
ولم يجب السيد الأستاذ في تقريراتي على هذا الوجه للأستاذ المحقق. بل يبقى السؤال مفتوحا ظاهرا، وهذا الدليل يؤدي إلى إمكان اخذ قصد الأمر في متعلق الأمر. مع أن السيد الأستاذ يرى الامتناع، كما يأتي.
نعم، يمكن ان يكون قد اعتمد على الوجوه الآتية التي يكون هذا الوجه بالنسبة إليها كالسالبة بانتفاء الموضوع. فعلينا الانتظار.
واما أنا فأجيب عليه بالوجوه التالية، بحيث لو كان الملاك لإمكان اخذ قصد الأمر بهذا المقدار من البيان، فلابد من القول بالاستحالة.
وذلك لعدة وجوه:
أولاً: ما قاله من منع الكبرى، وانه ما لم يدخل متعلق المتعلق تحت الملاكين السابقين، فلا دليل على كونه مأخوذا مفروض الوجود عند الجعل.
فهذا غير تام. بل هناك دليل على ذلك من مقدمتين:
الأولى: ان متعلق المتعلق هو الموضوع أو جزء الموضوع.
الثانية: ان الموضوع أو جزءه مأخوذ في الرتبة السابقة على الأمر، مفروض الوجود. إذن، فمتعلق المتعلق كذلك.
اما المقدمة الثانية فهي مسلمة، لأن اصطلاح الموضوع إنما هو على ذلك. وجزء الموضوع أو قيده موضوع في الجملة أو قل هو في رتبة الموضوع. وبه يفرق بين الاصطلاحين: المتعلق ومتعلق المتعلق. فان كان له جواب، فهو الطعن في المقدمة الأولى، وان متعلق المتعلق لا يرجع إلى معنى
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الموضوع. وهذا لم يبينه، بل هو فاسد، كما سيأتي.
ثانياً: لو تنزلنا وفرضنا ان متعلق المتعلق غير الموضوع. فانه مأخوذ في المرتبة السابقة على الجعل، وكلما كان كذلك، فهو مفروض الوجود. إذ لو لم يكن كذلك لكان معناه أخذه في رتبة نفس الجعل أو المجعول، فيكون مأمورا به.
فان قلت: فانه كذلك، لأن قصد الامتثال مأمور به. قلنا: نعم. في قصد امتثال الأمر. واما متعلقه وهو الأمر نفسه فليس مأمورا به.
فان قلت: فان ما كان في المرتبة السابقة إنما يؤخذ مفروض الوجود، إذا كان من قيود الوجوب كالاستطاعة، لا من قيود الواجب كالوضوء.
قلنا: كلا. بل قد يكون قيدا في الواجب، ومع ذلك فان متعلقه مأخوذ في المرتبة السابقة عليه، كالقبلة في الاستقبال.
فان قلت: فان إيجاد القبلة خارج عن الاختيار، فلا يجب تحصيلها وإنما يجب تحصيل الاستقبال.
قلنا: الأمر المولوي أيضا خارج عن اختيار المكلف ولا يجب تحصيله. وإنما يجب تحصيل قصده. ومعه فيجب ان يؤخذ في المرتبة السابقة عن الأمر. وكلما كان كذلك، كان موضوعا ومفروض الوجود. فيعود الإشكال.
فان قلت: فان هنا اصطلاحين: ما هو مفروض الوجود وما هو متقدم رتبة. وليس كل ما هو متقدم رتبة مفروض الوجود. وما يضر هنا ويكون منشأ للإشكال هو مفروض الوجود لا التقدم رتبة.
قلنا: يكفينا في الجواب ان كل ما هو مفروض الوجود متقدم رتبة. وفي
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الحقيقة هو موجود بشكل ينطبق عليه كلا العنوانين فأي منهما كان منشأ للإشكال كفى في المقام.
فان قلت: انه يمكن ان يكون مفروض الوجود في نفس المرتبة.
قلنا: ليس المقصود هنا ذلك. بل قالوا: انه مفروض الوجود في المرتبة المتقدمة.
ثالثاً: ان هناك فرقا بين الوجوب والحرمة، وما مثل به من إطلاق التكليف إنما هو في المحرمات (لا تشرب الخمر) لا في الواجبات. وكلامنا في قيد الواجب لا الحرام. وذلك في عدة مستويات:
أولاً: ان نقول: ان معناه: إذا وجد خمر فلا تشربه. وإنما نحس بإطلاقه متشرعيا لأنه غير مقيد بزمان ومكان. وليس حاله حال الواجبات كالصلاة والصوم والحج، مما هو مقيد.
ثانياً: اننا لو تنزلنا عن ذلك أمكن القول: بان هنا فرقا عرفيا بين الأوامر والنواهي. من حيث ان الأوامر يفهمها العرف انها معلقة على موضوعاتها. واما النواهي فيفهم منها الإطلاق.
ثالثاً: ان الترك الذي هو متعلق النهي عرفا، لا يتوقف على وجود متعلقه لا عقلا ولا عرفا. في حين يتوقف الفعل عليه، الذي هو متعلق الأمر.
رابعاً: انه يمكن القول: ان النهي متعلق بالعدم عرفا، وان لم يكن ذلك عقلا. والعدم يعني الترك، ومتعلق الترك ليس هو الخمر بل عدم الخمر. وعدم الخمر مأخوذ في المرتبة السابقة على النهي، إلا انه متوفر دائما. ولهذا نحس بإطلاقه المستمر. وهذا لا يتوفر في جانب الأمر قطعا.
ــــــ[82]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إلا ان هذا وان كان لطيفا، إلا انه يرد عليه:
أولاً: ان متعلق النهي هو الوجود لا العدم، ولذا تعلق به النهي، ولم يقل : أترك.
ثانياً: انه حتى لو رجع إلى الترك، فان متعلقه الوجود أيضا لا العدم. لأنه ترك الموجود لا ترك المعدوم. وإلا لرجع إلى نفي النفي، فيكون دالا على وجوب شرب الخمر.
خامساً: انه قال: ولو كان متمكنا من تنجيس المسجد، كانت الحرمة منجزة عليه، ولو ان النجاسة غير موجودة.
جوابه: ان هذا لا ينطبق على المسألة، لأن موضوع الحرمة هو المسجد وليس النجاسة. وإنما النجاسة هو موضوع وجوب التطهير، ومن هنا فهي مأخوذة في الرتبة السابقة على هذا الوجوب.
سادساً: انه زعم ان كلا الملاكين غير متوفرين فيه. مع انه يمكن القول بتوفرهما فيه. ولو توفر أحدهما كفى. وهذا ينتج انه مأخوذ في المرتبة السابقة على الجعل. بعد الالتفات إلى ان متعلق المتعلق هو الأمر وليس هو القصد، كما هو واضح.
اما الملاك الظهوري، فللفهم العرفي بان الأمر لا يجب تحصيله من قبل المكلف. واما الملاك الثبوتي فلما قلناه من استحالة صدور الأمر الشرعي من المكلف. فهو ممتنع التحصيل من قبله، كما في الوقت للصلاة.
وما قيل في الدليل من: ان الأمر وان كان ممتنعا إلا انه يوجد بنفس الجعل تكوينا. فجوابه: ان ذلك لا يجعله ممكنا، كما لا يجعله مطلوبا، فان
ــــــ[83]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المطلوب هو القصد وليس الأمر، كما ان الممكن هو القصد وليس الأمر. ومادام الأمر مستحيلا، لأنه اخذ موضوعا لنفسه، كان القصد قصدا للمستحيل فيقع مستحيلا.
الآن نأتي إلى مناقشة دليل المحقق النائيني نفسه على استحالة اخذ قصد الأمر في متعلق الأمر. وقد سبق.
وجوابه متكون من مقدمتين رئيسيتين:
المقدمة الأولى: ان كل قيد في الكلام واللغة إنما هو قيد مفهومي، وليس قيدا واقعيا أو خارجيا. بل هو قيد ذهني لوجود ذهني أوسع منه. والجعل الشرعي إنما هو مبني على اللغة. وهو عبارة عن مجموعة مفاهيم ذهنية لغوية.
المقدمة الثانية: انه يمكن تحصيل صورة ذهنية للشيء قبل وجود زمانه رتبة. والذهن بالخلقة له الصلاحية والقابلية لذلك. ولا دخل للأزمنة الثلاثة فيه.
ينتج من ذلك: ان المولى يستطيع ان يحصل على صورة ذهنية للأمر قبل وجود الأمر زمانا ورتبة، فيقيد بها الأمر، ثم يتعلق الأمر بالمقيد. وذلك: بان يتصور المتعلق أو المأمور به مقصودا به الأمر، ومقيدا بذلك. وهذا التصور سابق على الأمر وجودا ورتبة. ثم يأمر به. فيكون متعلق المتعلق للأمر المجعول هو الصورة الذهنية للأمر وليس الأمر نفسه. وهذا واضح.
ويدلنا على ذلك ان نلتفت: ان الأمر متكرر في العبارة مرتين، مرة بالهيئة ومرة بالمادة، كقوله: صل بقصد الأمر. ولكل منهما صورة ذهنية مستقلة. فإذا تعددت الصور الذهنية اندفع الإشكال.
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ولا تلزم استحالة في الجعل، لعدم لزوم التهافت. لأن ما يأخذه الجاعل مفروض الوجود في عالم الجعل، هو الصورة الذهنية، للأمر، لا الأمر نفسه.
ولا تلزم استحالة في المجعول لأن متعلق الأمر ليس هو الأمر نفسه بل صورته الذهنية. كما ان القدرة المطلوبة هو القدرة حال الامتثال لا حال الجعل. كما تسالموا على ذلك. لو احتجنا إلى هذه المقدمة. ولا نحتاج إليها، لأن نفي القدرة ناتج من افتراض عدم وجود الأمر في رتبة وجود القيد وهو قصد الأمر. فانه عاجز عن قصد الأمر قبل وجود الأمر.
فان قصدنا من ذلك امتثال الأمر عموما، فهو شامل لكل أمر، لأن كل امتثال مطابق للواقع، لابد ان يسبقه أمر. ويكون قبله مستحيلا، لأن الامتثال مقيد بوجود الأمر، ولا معنى لوجود المقيد بدون قيده. والمهم انه لا اختصاص في ذلك لقيد قصد الأمر.
وان قصدنا خصوص مورد الكلام، وهو قصد الأمر، فالمفروض – كما قلنا – ان الجعل ممكن، ونتكلم عن مرحلة المجعول. لانها مرحلة القدرة على الامتثال. فإذا تم الجعل وجد الأمر، وإذا وجد الأمر أمكن قصده.
فان قلت: فان الصورة الذهنية متأخرة رتبة عن متعلقها، أو قل: انها بالحمل الشايع متأخرة عن نفسها بالحمل الأولي. يعني متأخرة عن ذيها. فتكون الصورة الذهنية للأمر متأخرة رتبة عن الأمر. فإذا أخذت قيدا في الأمر لزم وجود الأمر، وهو ذي الصورة، في المرتبة السابقة على نفسه بمرتبتين، وهو مستحيل.
جوابه: اننا لو سرنا بهذا الطريق لزم استحالة تصور الشيء الذي يوجد في المستقبل أو في المرتبة المتأخرة، لأن ذي الصورة متقدم زمانا أو رتبة أو هما
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
معا. مع ان المفروض تأخره.
والصحيح فيه: ان ذي الصورة واقعي وليس خارجيا. والواقعي متقدم رتبة على الصورة في حين ان الخارجي قد يكون متأخرا عن الصورة. فالأمر الواقعي هو المكشوف في الصورة. والصورة قيد للأمر الخارجي، فإذا اختلف متعلق القضية ارتفعت الاستحالة.
وكأن الوجه ناشئ من الخلط بين الأمر بوجوده الواقعي والأمر بوجوده الخارجي. وما هو المتقدم رتبة هو الأول دون الثاني.
وفي الحقيقة: ان الصورة الذهنية إنما يصح فيها الحمل باعتبار ان الكثرة عين الوحدة. وهذا ثابت عرفا وعرفانيا، ومنتف منطقيا وفلسفيا. إذ يستحيل هناك ان تكون الكثرة عين الوحدة. إذن تكون الصورة غير ذيها الخارجي أو الواقعي، وإنما هنا نوع من التنزيل لإحراز صدق الحمل.
اما الوحدة العرفية، فلا تفيد الشيخ النائيني، ولا تصحح برهانه، باعتبار انه يدعي الاستحالة العقلية، في حين ان إحدى المقدمات عرفية، وهو صدق كشف الصورة عن ذيها. ومن المعلوم ان النتيجة تتبع أخس المقدمات.
واما الوحدة العرفانية، فهي لا تفيده أيضا، لأن الوحدة في العرفان ليست هي وحدة المحدود بل اللامحدود. فمحل الكلام ليست له صغرى عرفانية في المورد.
فان قلت: فان ما هو المتصور هو: ما هو متصور بالذات الذي هو عين الصورة. وهي المتصور بالعرض حقيقة، بالحمل الأولي. وبذلك يرجع برهان الشيخ النائيني إلى الصحة. لأن المقصود بالقيد: الأمر نفسه، فيلزم تقدمه على نفسه.
ــــــ[86]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وجواب ذلك: ان المستوى اللغوي والنفسي والحملي، غير قائم على المكشوف بالعرض، بل على المكشوف بالذات، لأن الصورة الذهنية إنما تقيد صورة ذهنية مثلها، لا انها تقيد الخارج أو الواقع. كما ان الواقع أو الخارج يستحيل ان يكون قيدا للصورة الذهنية. فأي منهما يستحيل ان يقيد الآخر.
فان قلت: فكيف صدق الحمل.
قلنا: اما عرفا فللوحدة، واما عقلا فللتنزيل واما نفسيا فللوهم.
فان قلت: فان الصورة نفسها منزّلة منزلة ذيها. واما ذيها فهو عين الواقع.
قلنا: كلا. فان الحمل إنما يصدق على ذيها، وليس على الصورة بما هي ذهنية. فان الحمل عليها بالحمل الشايع كاذب أكيدا. فالنار الذهنية غير محرقة، والماء الذهني غير جاري.
وليس هذا معناه القول بالشبحيّة، وان كان الحال على مسلكها أوضح. بل حتى مع الالتزام بالوجود الذهني، لا يمكن القول بالهوهوية الحقيقية عقلا، بين المقصود بالذات والمقصود بالعرض. وإلا لما أمكن وجود هذا التحليل نفسه. ونحن ندركه ونتعقله بالوجدان العقلي. كما انه هو اصطلاح سائر ومعترف به، وهو دال على الاثنينية بل هو الاثنينية بإقرارهم.
وبهذا يظهر الجواب على ما ذكره السيد الأستاذ حيث قال: انهم أشكلوا على دليل الشيخ النائيني، بان المتأخر غير المتقدم. فان المتأخر هو قصد الامتثال بوجوده الخارجي. والمتقدم هو قصد الامتثال بوجوده الذهني والعنواني. فالأمر متأخر عن الوجود العنواني ومتقدم على الوجود الواقعي. فلا يلزم التهافت في الرتب.
ــــــ[87]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أقول: هذا نحو مما قلناه لكنه باختصار. وهو بهذا المقدار لا يصلح للجواب، لورود الجواب عليه.
فقد أجاب عليه السيد الأستاذ بما حاصله:
ان هذا الوجود العنواني الذي هو بحسب لحاظ المولى يترائى له كأنه في مرتبة سابقة على الأمر. وهو في الواقع سابق عليه. هل هو ملحوظ للمولى بما هو عنوان وصورة ذهنية أو ملحوظ له بما هو فانٍ في معنونه وكأنه يراه هو المعنون. ولو تصوره عنوانا في مقابل المعنون لما أمر به، لأنه يريد المعنون لا العنوان. وقد فرضنا ان المولى يراه في المرتبة السابقة على الأمر. إذن، فهو في شخص هذه الرؤية يرى المتعلق وهو المعنون اسبق رتبة من الأمر، وله تقرر ووجود قبل الأمر. فهو يرى طرو الأمر بعد المفروغية عن العنوان الفاني في معنونه، وهو الأمر نفسه. يعني انه يرى طرو الأمر بعد المفروغية عن الأمر نفسه. فلا يعقل تقييد الأمر بقصد امتثاله.
قال: وهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه المحقق العراقي في الاستحالة، وهو وجه صحيح.
أقول: قلنا: انه ظهر جوابه من التحقيق الذي قلناه، مادمنا نقول بالتغاير عقلا بين الصورة و الذهنية ومتعلقها الذاتي ومتعلقها العرضي.
واما مخاطبة الشارع للمكلف، وهو يريد المعنون لا العنوان، ولو قصد العنوان لما أمر به، لأن إرادته متعلقة بالمعنون. فهذا صحيح، إلا انه لا ينافي ما ذكرناه. فان له وجوه أخرى تحصلت مما سبق:
الوجه الأول: العرفية في ذلك. فانه سبق ان العرف يدعي ـ- من حيث لا يشعر-: ان الكثرة عين الوحدة. وان المتصوَّر عين التصور. أو قل: ان
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المقصود بالذات عين المقصود بالعرض. وقد خاطبنا الشارع المقدس بصفته عرفيا وبصفتنا عرفيين. وهذا يكفي تصحيحا للدليل، لأن المدعى هو الاستحالة العقلية وهي غير ثابتة.
الوجه الثاني: انه نحو من التنزيل، بتنزيل المتصور بالذات منزلة المتصور بالعرض. وهو المسمى بالفناء باصطلاح علماء الأصول. وهو تنزيل عقلي، إلا انه ليس دقيا بل هو مبني على شيء من التسامح. ودليل كذبه هو اعترافهم بهذا التقسيم بالدقة إلى المقصود بالذات والمقصود بالعرض. لأنه لو كان بالدقة هو هو لما صدق التقسيم.
الوجه الثالث: الوهم. وهو ان يقال: ان الذهن خلقه الله تعالى هكذا لمصلحة الإنسان بحصول التصور والتصديق والتفاهم. في ان يعاني هذا الوهم، وهو ان المتصور بالذات هو المتصور بالعرض. وإلا فالمطلب ليس كذلك.
فالنتيجة هي تغاير الأمرين، فما يكون في المرتبة السابقة، هو المتصور بالذات، وما يكون في المرتبة اللاحقة، هو المتصور بالعرض.
فان قلت: فانه يمكن تطوير الوجه الذي ذكره الشيخ النائيني والشيخ العراقي، والالتزام بالاستحالة العرفية، تبعا لأخس المقدمات. وقد عرفنا ان العرف يرى الوحدة في الكثرة. إذن، فالمعلوم بالعرض هو المعلوم بالذات بعينه عرفا، فيكون الأمر مأخوذا قيدا في المرتبة السابقة على نفسه. ويعود الإشكال على المستوى العرفي.
وجوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: المناقشة في الكبرى، بمعنى محاولة إسقاط الوجه العرفي
ــــــ[89]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
من الوجوه الثلاثة السابقة:
فاننا وان قلنا بهذا الفهم العرفي، إلا ان خلقة الذهن غير مبتنية على الفهم العرفي بطبيعة الحال. وهذه الأمور ليس من حقنا ان نفهمها فهما عرفيا، فانها خارج مجال الدليل على حجيته. مضافا إلى ان العرف لا يفهم هذه الأمور وليس لديه فيها رأي، لأنه لا يتصورها موضوعا فكيف نريد منه المحمول. وإنما تصحح النتيجة على الوجهين الآخرين وهما التنزيل أو الوهم.
فإذا لم يكن للعرف دخل لم تكن كبراه حجة في المورد. فان الإشكال أساسا إنما هو باعتبار ما يحصل في الذهن تكوينا من تصورات. وليس البحث في ظهورات عرفية في مفاد شيء من الكلام في الكتاب والسنة.
فان قلت: فانها ترجع إلى ظهورات الألفاظ. لأن كلامنا في الأوامر، والعرف حجة في ذلك.
قلنا: انها لا ترجع إلى ذلك، بل إلى الكيفية التكوينية لفهم الذهن للألفاظ وتطبيقها على معانيها، فلا مجال للعرف فيها.
ثانياً: انه لو حكم العقل بضد الحكم العرفي. فالمشهور الذي عليه القوم بان حكم العقل مقدم. وهنا يحكم العرف بوحدة المعلوم بالعرض، مع المعلوم بالذات، والعقل يحكم بتغايره، فيسقط حكم العرف، وبه يسقط الدليل العرفي للشيخ النائيني والشيخ العراقي.
فان قلت: فأنك لا ترى ذلك؟ قلنا: نعم. لكن يجاب:
أولاً: ان هذا إلزام للقوم المشهوريين من هذه الناحية.
ثانياً: ان ذلك إنما هو في مورد حجية العرف لا في مورد عدم حجيته.
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وقد عرفنا في الجواب الأول، انه ليس موردنا من ذلك. فعلى ذلك يعود هذا الإشكال إلى الإشكال السابق.
فهذا هو الكلام في رأي المحقق النائيني. وهو الوجه الثاني للاستحالة.
الوجه الثالث: لاستحالة التقييد بقصد الأمر. وقد ذكره السيد الأستاذ ولم يناقشه، لأنه يرى الاستحالة. فان تم ذلك فهو المطلوب، وإلا كان مؤيدا – بالكسر- ولا ضرورة إلى مناقشته في رأيه.
إلا ان هذا خلاف الدقة العلمية وخلاف التربية للطلاب، حيث يجب إفهامهم الوجوه الصائبة من الوجوه الكاذبة. وان كانت كلها نتيجتها واحدة.
قال : انه لو اخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر لكان هناك أمر ضمني بالصلاة وأمر ضمني آخر بقصد امتثال الأمر. فهذا الأمر المشتمل على هذين الأمرين الضمنيين لا يمكن ان يكون أمرا حقيقيا، مجعولا بداعي البعث والتحريك، إلا ان يكون لقلقة لسان.
وتوضيحه: اننا إذا لاحظنا الأمر الضمني المتعلق بذات الصلاة، فنقول: ان هذا الأمر لو لم يكن معه أمر آخر ضمني، فهل يكفي وحده لتحريك العبد بهذا الفعل – لو لم يكن له داع شهواني إليه – أو لا يكفي ؟
فان كان محركا للعبد نحو الإتيان بمتعلقه وموجبا لانقداح الإرادة للامتثال، فهذا عبارة أخرى عن قصد الامتثال. ومعه يلغو جعل الأمر الضمني الآخر المتعلق بقصد الامتثال. ولا يكون محركاً لكفاية المحركية الأولى. ولا يكون مؤكدا، لأن التأكيد إنما يتصور في أمرين استقلاليين، لا في أمرين ضمنيين مرجعهما إلى ملاك واحد.
ــــــ[91]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وان فرض ان الأمر بمقدار تعلقه بالصلاة لم يكن كافيا لقدح الإرادة في نفس العبد نحو الصلاة، فالأمر الثاني لا يوجب ذلك بالضرورة. لأنه لا يعقل للأمر الضمني الثاني ان يؤكد الأمر الضمني الأول، كما برهنا عليه.
نعم، توجد فائدة واحدة لضم الأمر الثاني إلى الأول. وهي: انه لو اتفق للإنسان ان صلى بداع نفساني لسقط الأمر الأول لأنه متعلق بجامع الصلاة. واما إذا انضم الأمر الثاني وهو الأمر بقصد الامتثال، لم يسقط عندئذ.
فهذه الفائدة، هي فائدة حفظ الأمر الضمني الأول عن السقوط. إلا ان هذه الفائدة لا تصح، فيما نحن بصدد البرهنة على استحالته. وهو كون الأمر الثاني باعث ومحرك في عرض محركية الأمر الأول.
جوابه: اننا نجيب على كلا التقديرين:
اما أحد التقديرين: فانه قال: انه إذا كان الأمر الضمني بالصلاة محركا لانقداح الإرادة والامتثال، فهذا عبارة أخرى عن قصد الامتثال. فهذا ليس بصحيح لأكثر من وجه:
الوجه الأول: ان هذا مجرد تبعيد للطريق لاستحالة ان يحرك الأمر الضمني مجردا عن الأمر الضمني الآخر. أو بتعبير آخر: ان الأمر بالمشروط لا يحرك إلا بفرض الإتيان بشرطه لعدم توجه الأمر إلى الطبيعة المطلقة.
وبتعبير ثالث: ان إرادة الأمر متوجهة نحو المشروط لا نحو المطلق. فالمطلق بشرط لا عن الشرط خال من الأمر ولم تتوجه له إرادة المولى، فيستحيل فيه المحركية والامتثال.
الوجه الثاني: اننا لو تنزلنا وقبلنا محركيته، فليس هو قصد الامتثال:
ــــــ[92]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
1 – ان محركية الأمر علة وقصد الامتثال معلول. والعلة غير المعلول.
2 – النقض بالتوصليات. فانها أيضا أوامر فيها محركية. فهل يجب فيها قصد الامتثال. فان كان قصد الامتثال عنوانا منتزعا من محركية الأمر، لعمّ كلتا الحصتين.
3 – ومن هنا يستنتج: ان قصد الامتثال الذي هو القيد. غير قصد الامتثال الذي ينتج من محركية الأمر. بل ذاك مؤونة زائدة قصدية، كالإخطار ونحوه.
وان كان الصحيح عدم أخذها فقهيا، ولكنها لو كانت مأخوذة، لم يكن مجرد الامتثال كافيا، كما هو واضح. إذن، فليس امتثال الأمر الضمني عبارة أخرى عن قصد الامتثال فلا يكون التقييد به لاغيا.
واما على التقدير الآخر، فانه قال: فان الأمر الضمني إذا لم يكن قابلا للمحركية كان القيد لغوا. إلا بنحو التأكيد. وهو متعذر، لأنه لا يكون إلا بين أمرين استقلاليين لا بين أمرين ضمنيين.
جوابه: أولاً: انه إذا لم يكن الأمر الضمني قابلا للمحركية، أمكن تتميم محركيتة بهذا القيد، ولم يكن لغوا. ولا حاجة حتى إلى فكرة التأكيد، بل هو متمم لمحركيته بالتأكيد. لأنه يضيف جهة نفسية وأهمية على الأمر، مما يحدو بالمكلف زيادة الاهتمام والامتثال.
ثانياً: لو تنزلنا وقبلنا عدم فائدته بنفسه، فالتأكيد ممكن. لأن التأكيد قسمان: لفظي ومعنوي. فالتأكيد اللفظي يكون بالتكرار كقوله: صل صل. وهذا غير مفروض التحقق في هذا الصدد. واما التأكيد المعنوي وإعطاء
ــــــ[93]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأهمية والتركيز على جانب الامتثال، فهو متوفر. وكلما حصل فيه ذلك. فهو تأكيد بالحمل الشايع جزما.
ثالثاً: لا يتم ما قاله من ان التأكيد يكون بأمرين استقلاليين. لأننا نسأل ان هذين الأمرين الاستقلاليين هل ان مادتهما واحدة أو متعددة. فان كانت متعددة لم يكن تأكيداً، كقولنا: صل وصم. وان كانت واحدة لم يكن أمرا متعددا، بل مرجعه إلى أمر واحد ثبوتا ولكنه متكرر لفظا أو إثباتا.
ويكفينا ان نلتفت إلى ان التعدد تحصيل للحاصل فيكون مستحيلا. والى قاعدة: ان الواحد لا يصدر منه إلا الواحد. وصغراها في المقام: ان الإرادة المولوية الواحدة لا يصدر منها أمران، بل أمر واحد فقط. وعلى أي حال فتحقق التأكيد بأمرين غير معقول.
رابعاً: ان ما قاله أخيرا من فائدة التقييد، وهو حفظ الأمر بالذات لأنه إذا أتى به بدون قصد القربة لم يكن مجزيا. وذكر ان هذه لا تصلح فائدة.
غير صحيح، كما هو واضح. بل مراد الشارع هو ذلك ليس إلا. وهو إخراج هذه الحصة الخالية عن القصد عن الأمر، واختصاص الأمر بالمقيد. ولم يبين الوجه في انها لا تصلح للفائدة. إلا انه قال، ان هذا لا يبرهن على إمكان ما تقول باستحالته من التقييد.
أقول: وهذا صحيح ان تم دليل آخر على الاستحالة. فيرجع هذا الدليل إلى ذلك، ولا يكون دليلا مستقلا. وان لم يتم دليل آخر عليها طولب المسؤول بالدليل. فان الكلام ليس هو في الإمكان لنبرهن عليه، بل في الاستحالة، فيكون المدعي لها مسؤولا عن إقامة الدليل عليها. وقد سبق عدم تماميته. فإذا لم يتم كفت فائدة التقييد لإخراج الحصة الفاقدة للشرط ولم يكن
ــــــ[94]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فيها مزيد إشكال. ولذا قلنا انه كان يتكلم على أساس اطمئنانه بالاستحالة بدليل آخر.
الوجه الرابع: للاستحالة في كلام السيد الأستاذ. وكأنه مستفاد من عبارة للشيخ الاصفهاني .
وحاصله: انه إذا تعلق أمر بالصلاة مع قصد الامتثال. فهناك أمر نفسي وحداني متعلق بالمجموع المركب من الصلاة وقصد امتثال الأمر. ولا محالة فان كل أمر محرك نحو متعلقه. وليس ذلك بنحو تحريك الأوامر التكوينية القهرية لمعلولاتها، بل تحريك الإرادة في نفس العبد.
وهذه الإرادة التي يقدحها هذا الأمر تتصور على ثلاثة أنحاء. وكلها مستحيلة، إذن فأصل الأمر مستحيل.
النحو الأول: ان الأمر النفسي الاستقلالي المتعلق بالمجموع المركب من الصلاة وقصد الامتثال يحرك نحو المجموع بقدح إرادة واحدة متعلقة بالمجموع، على حد سائر الموارد المقيدة. فينشأ في نفس العبد إرادة للصلاة مع قصد الامتثال.
وهذا غير معقول، لأن هذه الإرادة بنفسها قصد امتثال. فبمجرد تعلقها بالصلاة قد تم قصد الامتثال. إذ لا يراد به إلا إرادة الفعل ناشئة من أمر المولى. ومعه لا معنى لأن تنبسط الإرادة على الجزء الثاني الذي هو قصد الامتثال. لأنه تحصيل الحاصل، لأنه قد حصل قصد الامتثال. أو قل: انها تحرك نحو نفسها.
وهذا هو المطابق مع عبارة المحقق الأصفهاني الآتية. فتعلقها بقصد الامتثال يكون إرادة لنفس ما هو موجود بنفس هذه الإرادة. وهو غير معقول.
ــــــ[95]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واما في سائر الموارد، فتعلق الإرادة بالمجموع، لا يحقق الجزء الآخر. لأن الجزء الآخر ليس هو قصد الامتثال.
النحو الثاني: ان يكون الأمر بالمجموع من الصلاة وقصد الامتثال، محركا فقط لإرادة واحدة متعلقة بالصلاة. من دون ان تكون إرادة ومحركية نحو الجزء الآخر أصلا.
وهذا أمر غير معقول، لأن فرض تعلق الأمر بكلا الجزئين، هو فرض محركيته لكلا الجزئين، ولا يمكن للأمر المتوجه إلى الجزئين، ان يحرك نحو واحد منهما فقط.
النحو الثالث: ان تكون محركية هذا الأمر، متمثلة في محركيتين طوليتين. إحداهما تتمثل في محركية الأمر الضمني المتعلق بقصد الامتثال نحو قصد الامتثال. وفي الرتبة الثانية تنشأ المحركية الثانية نحو الصلاة.
وحينئذ، فنسأل: انه في مرتبة اقتضاء الأمر الضمني الثاني، هل ان اقتضاء الأمر الضمني الأول موجود أم لا. فان قيل: غير موجود، فهو خلف وجود الأوامر الضمنية بوجود واحد. وان قيل انه موجود، فيستحيل ان لا يكون له اقتضاء، لأن الأمر إذا كان موجودا كان له اقتضاء.
إذن، فالفروض الثلاثة لمحركية الأمر النفسي مستحيلة.
ثم قال السيد الأستاذ: ولعل هذا هو حاق مقصود المحقق الأصفهاني، من العبارة المجملة التي يبرهن بها على استحالة اخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر. ببرهان: انه يلزم داعوية الشيء لداعوية نفسه، ومحركيته نحو محركية نفسه.
ــــــ[96]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أقول: فالتقريب الأخير إنما هو استيحاء من عبارة الشيخ الأصفهاني، أو بيان فني لها. ثم ان السيد الأستاذ لم يناقش هذا الوجه. وقد سبق ان قلنا في ذلك ما يكفي.
وجواب ذلك من عدة وجوه: وذلك اننا يمكن ان نختار أيا من الوجوه الثلاثة، ولا يلزم الدور.
اما الأول، ففي النقطتين التاليتين:
أولاً: المنع – كما سبق – عن كون المراد بقصد الامتثال للمأمور به مجرد إرادة الامتثال. وإلا لكان التقييد أساسا لغوا، لحصول هذا القصد على أي حال من الفرد، مادام ملتفتا، وانتقاضه بالتوصليات والمحرمات. فانها تصبح جميعا من قبيل التعبديات. وإنما هو شيء ذو مؤونة زائدة. ونعرف بدلالة الاقتضاء النافية للغوية عن كلام المولى، ان المراد به شيء آخر غير مجرد الامتثال.
ثانياً: على هذا يمكن ان نقبل الشق الأول، ولا إشكال في اجتماع قصد الامتثال مع قصد الامتثال، لأن أحدهما تكويني في الإرادة والآخر تشريعي مأمور به.
فيكون قصد الامتثال التكويني قد تعلق بالمأمور به المقيد مع قيده. وهو ذات الصلاة مع قصد الامتثال.
وليس ان تعلق الإرادة بإيجاد الصلاة، قد تحقق بها قصد الامتثال. فان ذاك هو التكويني، وليس هو قيدها المطلوب. بدليل ان هذا الحال يتعلق حتى بالتوصليات.
وليس انه يحرك نحو نفسه بعد ان عرفنا التعدد بين القصدين ومعه يمكن
ــــــ[97]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ان يكون قصد الامتثال قيدا كسائر القيود المأمور بها، لا يختلف عنها أصلا.
واما الشق الثاني، فيمكن ان نقبله على مختاره ولا يكون فيه محذور. لأنه قال: اننا لا نريد بقصد الامتثال إلا تحرك الإرادة نحو الامتثال. وذلك بأكثر من وجه واحد:
1 ـ ان هذا القيد تأكيد للمعنى التكويني، وليس زائدا عنه. إذن فهو ليس مطلوبا في نفسه لتكون له داعوية الأمر. بل الداعوية إلى الصلاة وحدها.
2 ـ ان لا يكون تأكيدا بل تأسيس، ولكن حيث انهما بمحصل واحد إذن، يتطابقان تكوينا ويتداخلان. فيكون المتحصل انه لا يجب اكثر من مجرد الصلاة، ولا تكون هناك داعوية نحو قصد الامتثال الذي هو قيد.
كما اننا يمكن ان نختار الشق الثالث، ولا يكون فيه محذور لا كبرى ولا صغرى. اما كبرى فلإمكان توجه الأمر الواحد إلى شيئين طوليين كإيجاد العلة الناقصة والمعلول. وكونهما جزءا من المأمور به لا يقتضي كونهما في رتبة واحدة. واما صغرى، فلأنهما وان كانا متعلقين لأمرين ضمنيين، إلا ان ذلك لا يبرهن على انهما في رتبة واحدة، فضلا عن انهما موجودان بوجود واحد، كما زعم. فان هذا الوجود الواحد، ان كان فهو عرفي، وإلا فهما وجودان بالدقة.
وإلا فكل القيود غير المقيدات وجودا وعرفا، ومع ذلك يتعلق بها الأمر. والقيد والمقيد دائما طوليان والمقيد اسبق رتبة في مرحلة الأمر إلا ان القيد اسبق رتبة في مرحلة الامتثال.
فإذا أمكن ان يكون القيد والمقيد متعددان رتبة، تعين ان تكون الداعوية إلى المقيد اسبق رتبة من قيده، لوضوح ان الداعوية إلى ذات القيد غير
ــــــ[98]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
موجودة.
ثم قال: وحينئذ فنسأل: ان داعوية الأمر الضمني الأول (بالقيد) هل هي موجودة في مرتبة داعوية الأمر الثاني (بالمقيد) أو لا.
فان قيل: انها غير موجودة، فهو خلف وجود الأوامر الضمنية بوجود واحد. أقول: قد سبق نفيه، مضافا إلى لغوية وجوده لسبق امتثاله. ولأنه لا يدعو إلى المقيد، مع ان المرحلة الثانية هي الداعوية إليه.
قال: وان قيل انه موجود فيستحيل ان لا يكون له اقتضاء لأن كل أمر له اقتضاء المحركية.
أقول: لو تنزلنا عن الوجه الأول، وفرضناه موجودا فلا مانع من اقتضائه لأن المانع اما ان تكون هي الطولية، ولم نقل باستحالتها. واما هو الداعوية إلى غيره، وهو ممنوع.
ثم انه يمكن القول بان مراد الشيخ الأصفهاني من قوله: يدعو إلى داعوية نفسه هو الوجه الثالث لا الوجه الأول. لأنه يحتوي على فرض المستحيل في نظره، وهو تعدد الداعوية الطولية للأمر الواحد. ومادة الداعوية أو المحركية متعددة في كلامه. ولو أراد الوجه الأول لقال: يدعو إلى نفسه فيكون من قبيل تحصيل الحاصل. كأنه يحصّل نفسه حال كونه حاصلا. وهو مستحيل. بغض النظر عن الأجوبة السابقة.
………………………..
ولماذا ذهبوا إلى استحالة التقييد، مع ان الصغرى عندهم محرزة بحصول هذا التقييد. وأدل دليل على إمكان الشيء وقوعه. فكيف وقع هذا المستحيل ؟
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فالجواب الأوضح الذي قالوه لذلك، هو تعدد الأمر أو الجعل. وهو ما سمي بلغة المحقق النائيني بمتمم الجعل. وأول من أشار إليه من المتأخرين صاحب الكفاية، وقبله الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية على المعالم. إذ قال في الكفاية: نعم،. لكن هذا كله إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد. واما إذا كان بأمرين تعلق أحدهما بذات الفعل وثانيهما بإتيانه بداعي أمره، فلا محذور أصلا، كما لا يخفى.
فللآمر ان يتوسل بذلك إلى تمام غرضه ومقصده بلا منعة.
أقول: وهذا يمكن ان يحصل في كل قيد، كما لو قال: اعتق رقبة وقال: لتكن الرقبة مؤمنة.
إلا انه يمكن ان يجاب بعدة وجوه:
أولاً: القطع بأنه ليس في العبادات إلا أمر واحد، كغيرها من الواجبات والمستحبات. غاية الأمر تدور مدار قصد الامتثال وجودا وعدما فيها المثوبات والعقوبات بخلاف ما عداها. فانه يدور فيه خصوص المثوبات. واما العقوبات فتترتب على ترك الطاعة ومطلق الموافقة، يعني سواء قصد الامتثال أم لا.
ثانياً: ما قيل: من ان الأمر الأول ان كان يسقط بموافقته ولو لم يقصد الامتثال، كما هو قضية استقلالية الأمر الثاني، إذن لا يبقى مجال، لموافقة الأمر الثاني مع موافقة الأمر الأول. فلا يمكن ان يتوسل الآمر إلى تحقيق غرضه بهذه الحيلة والوسيلة. كما قال.
وان لم يكن يسقط بذلك، فلا يكاد يكون له وجه إلا عدم حصول غرضه بذلك عن أمره الأول، لفرض استحالة سقوطه مع عدم حصوله واستحالة عدم سقوطه مع حصوله. وإلا كان موجبا لحدوثه.
ــــــ[100]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الأمر. لاستقلال العقل مع عدم حصول الغرض بوجوب الموافقة على نحو يحصل به الغرض ويسقط الأمر. فلا يبقى مجال للأمر الثاني مع استقلال حكم العقل بوجوب تحصيل غرض المولى، ولو بالإتيان بالمأمور به بداعي أمره.
إلا ان هذا لا يتم لعدة أجوبة:
الأول: والاهم هو انه سالبة بانتفاء الموضوع، لأننا قلنا بإمكان التقييد المباشر، فلا يكون التقييد غير المباشر مطابقا للحكمة، بل مستأنفا ولغوا.
الثاني: اننا لو قلنا بالاستحالة لشمل التقييد غير المباشر أيضا. لأن المفروض انه بعد صدور الأمرين معا، لا يمكن التمسك بإطلاق الأمر الأول.
وبتعبير آخر: انه لا يسقط إلا بقصد الامتثال مع انه لا مقيد له. وهذا غير معقول إلا باعتبار كون الأمر الثاني بمنزلة القيد له، أو قل: انه بنحو القرينة المتصلة. وهذه القرينية ممتنعة بعد اعتبارهما أمرين منفصلين. إذن، فهما بمنزلة المتصلين لباً وتقديراً. فيعود الإشكال. ولو كان الآخوند قد ناقش بمثل ذلك لكان افضل.
الثالث: انه بعد فرض حصول العبادات في الشرع المقدس، مع استحالة التقييد. والمستحيل لا يحدث. إذن يتعين حدوثه بأمرين لا بأمر واحد.
وبتعبير آخر: انه يتعين ان يكون جعل العبادات بجعل ممكن لا مستحيل. وحيث ان الجعل الممكن منحصر بالأمرين فيتعين. فان لم يكن ظاهر الكتاب والسنة ذلك أمكن تأويلها إليها. لأن فهم المستحيل مستحيل. فاستبعاد وجود أمرين يكون مستبعدا.
ــــــ[101]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الرابع: ان قوله: ان الأمر الأول يسقط بدون قصد الامتثال، تطويل للمسافة. إذ من الواضح انه خلف كونه عباديا.
الخامس: وهو المهم: انه قال: انه ان كان لا يسقط إلا بقصد الامتثال، فلا يكاد يكون له وجود إلا عدم حصول غرضه بذلك. لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله وإلا لما كان موجبا لحدوثه. وعندئذ لا حاجة إلى الوصول إلى غرضه بتعدد الأمر.
لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الآمر بالإتيان به بنحو يسقط أمره وغرضه. فينتج بحكم العقل ان يكون قصد الامتثال ضروريا. وإذا كان قصد الامتثال بحكم العقل، كفى عن بيانه بلسان الشارع.
وهذا غير تام لأكثر من وجه:
1- ان المكلفين يجهلون هذا القيد الثبوتي، وهو كونه لا يسقط إلا بقصد الأمر. وبتعبير آخر: ان شرط حكم العقل مجهول، فيمكن ان تجري البراءة لنفيه (لو أمكن). وعندئذ يسقط الأمر ظاهرا، ولا يتحقق الغرض واقعا.
وهذا ما يعلمه الشارع من العرف، فلابد من التوصل إلى شرطه ببيان القيد لنفي جانب الإهمال العرفي أو الأصل الظاهري.
2 – اننا لو تنزلنا عن ذلك، فلا مانع من تأكيد حكم العقل بحكم الشرع. وإمكان الاستغناء به لا يجعله لغواً ليتعين حذفه. لقلة من يلتفت إلى حكم العقل بالاحتياط. ولا اقل من احتماله.
سادساً: انه يمكن ان نطبق هنا قاعدة قلناها. وهي انه لو رأى العقل الاستحالة، ورأى العرف الإمكان، أخذنا برأي العرف في مورد حجيته، وهو جانب اللغة. وقد خاطبنا الشارع بصفتنا عرفيين، والمورد هو اللغة هنا، والعرف يرى الإمكان بالضرورة، ولا يلتفت إلى الاستحالة.
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إلا ان هذا لا يتم: لأن الكبرى صحيحة في موارد: تساوي حكم العقل وحكم العرف في المرتبة. فيتقدم حكم العرف في مجال حجيته.
إلا ان المدعى هنا هو الاستحالة العقلية في مرتبة سابقة على الوجود اللغوي العرفي. لأن اصل إمكان صدور الكلام المقيد من الشارع يكون مستحيلا. فالكلام في علة ما هو عرفي، لا في ما هو عرفي في عرض ما هو عقلي.
………………………..
ثم قال المشهور بما فيهم السيد الأستاذ، بأنه يقع الكلام في مقام جديد من انه بعد ان قلنا باستحالة اخذ قصد امتثال الأمر قيدا في متعلق الأمر. فهل هذه الاستحالة تسري إلى الأنحاء الأخرى المتصورة لأخذ قصد القربة في متعلق الأمر أم لا.
ولكننا، حيث قلنا بالجواز أساسا، فمثل هذه الأمور تكون جائزة أيضا. بل هي أولى بالجواز، لأن القيد ليس هو ذات الأمر ليلزم تقدم الشيء على نفسه. بل هو عناوين أخرى لا محالة، فلا يأتي الدليل نفسه. ومع ذلك لم نجد بدا من الدخول في التفاصيل. ولكنهم اضطروا إلى هذا البحث باعتبار القول بالاستحالة. ونتعرض إلى ذلك، باختصار نسبي.
وأول من التفت إلى ذلك من المتأخرين، صاحب الكفاية، حيث قال: هذا كله إذا كان التقرب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال – يعني فيكون مستحيلا-. اما إذا كان الإتيان بالفعل بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة أو له تعالى. فاعتباره في متعلق الأمر بمكان من الإمكان. إلا انه غير معتبر فيه قطعا. لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه
ــــــ[103]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بديهة.
أقول: يلزم من ذلك عدم وجود الفرق الشرعي بين العباديات والتوصليات. وهو يهمل ذلك في كتابه تماما. فان ما هو كاف مستحيل في نظره. وما هو ممكن غير متحقق لا بأمر واحد ولا بأمرين. إذن فقد انتفت العبادات، وأصبحت كلها توصليات.
وذكر السيد الأستاذ: ان هناك عدة أنحاء ممكنة لا يلزم منها المحذور:
النحو الأول: ان نعمل أخف عناية ممكنة في المقام. بأن نقول: ان المأخوذ في متعلق الأمر، هو قصد امتثال طبيعي الأمر، من دون نظر إلى شخص ذلك الأمر، وان كان مصداقا له. ثم يدخل في نقاشه من حيث ان بعض وجوه الاستحالة يرتفع وبعضها يبقى.
إلا ان الكلام في أجزائه فقهيا كبرى وصغرى. اما كبرى فلأن المراد به مطلق الطاعة، وهي موجودة في التوصليات أيضا، فلا يبقى فرق بينهما. بل تكون التوصليات تعبديات. أو نقول: ان الأمر الكلي لا وجود له في الخارج، وما لا وجود له يستحيل قصده.
واما صغرى: فلأن المطلوب بقصد الامتثال هو امتثال شخص الأمر ولا معنى للإتيان بالعبادة بداعي أمر غيرها أو بداعي مطلق الأمر القابل للصدق على الغير. بل خصوص أمر نفسها. ما لم نرفع اليد من لزوم قصد الامتثال.
وهذا كله غير تام إلا انه لا حاجة إلى مناقشته بعد ابتنائه على التنزل.
النحو الثاني: ما نسب إلى السيد المرزا الشيرازي الكبير: من العناية بان يؤخذ في متعلق الأمر عنوان ملازم لقصد امتثال الأمر لا نفس الأمر. فلا يلزم
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المحذور.
قال السيد الأستاذ: انه اعتُرض عليه بإشكالين:
الإشكال الأول: ان فرضه فرض أنياب الأغوال. فانه من أين يأتي هذا العنوان الملازم.
الإشكال الثاني: ما ذكره المحقق النائيني ، من لزوم المحذور أيضا بعد فرض انفكاك أحد المتلازمين عن الآخر، ولو محالا. فانه يلتزم بصحة العبادة مع إتيانها بالداعي القربي قطعا. وفسادها مع عدمه، وان أتى بذلك العنوان الملازم.
قال السيد الأستاذ: وكلا الاعتراضين ليس بشيء:
اما الأول: فلأننا يمكن ان نحصل حكم ذلك العنوان، فان كل ضدين لا ثالث لهما، يكون أحد الضدين ملازما لعدم ضده. وداعي الامتثال ضد عرفا للداعي النفساني. وليس لهما ثالث، فعدم أحدهما يساوق مع وجود الآخر، فليفرض: ان اللازم المأخوذ هو عدم ضد هذا الداعي.
قال: ومنه يظهر الجواب على الإشكال الثاني: فانه يلزم على المولى ان يجعل أمره ويفي بملاكه، على الفروض الممكنة لا الفروض المستحيلة. وعلى ما قلناه في جواب الوجه الأول لا يكون الانفكاك موجودا. لأن أحد الضدين اللذين لا ثالث لهما، يستحيل انفكاكه عن عدم الآخر.
أقول: ان كلام المحقق النائيني صريح في فرض إمكان المستحيل. ففي ذلك الفرض، يكون الإشكال وارداً. ولا يأتي جواب السيد الأستاذ، وان استحال الفرض. مضافا إلى انه لا يريد الضد العرفي، بل الضد العقلي.
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إلا ان الشيخ النائيني قال: انه – يعني المرزا الشيرازي – يلتزم بصحة العبادة مع قصد الامتثال، يعني حتى ولو لم يؤخذ قيداً لفظيا. ويلتزم بعدم صحتها ولو مع القيد الآخر.
أقول: غير ان هذا غير صحيح، لأن العبادة عندئذ تكون واجدة القيد المأخوذ تحت الأمر، فلا يحتمل بطلانها. ولا اقل من الالتفات انه مع وجود أحد المتلازمين يتعين وجود ملازمه وهو قصد الامتثال على الفرض. فيكون الحاصل صحة العبادة على كلا التقديرين، يعني بقصد أحدهما على نحو البدلية، أو كلاهما. اما اخذ قصد الامتثال فبدليل لبي أو ارتكازي، واما الآخر فبدليل لفظي على الفرض.
واما ما قاله السيد الأستاذ، من اخذ عدم الضد الآخر، فقد يقال: ان عدم الضد الآخر عين ضده، إذا لم يكن لهما ثالث، كما هو المفروض، فعدم الحركة هو السكون عقلا وعرفا، وبالعكس. فيعود الإشكال، لأن عدم الداعي النفساني، هو بعينه قصد الامتثال.
ومعه: فان أريد الملازم العقلي، فهو فعلا غير موجود، كأنياب الاغوال. وان أريد الملازم العرفي والمتشرعي، فهو موجود كثيرا، كالطاعة والقربة، ولا حاجة إلى مثل هذه المحتملات. ولا يكون ذلك مثل أنياب الأغوال، لا عقلا ولا شرعا.
وان أريد عدم الضد الآخر، فانه لا يكفي في تصحيح التقييد، وجعله ممكنا. وهذا ما يرد على المرزا الشيرازي نفسه. وان كان الإشكال أوضح على كلام السيد الأستاذ لما قلناه من ان أحد الضدين هو عين عدم الآخر.
واما إذا لم يقبل المرزا الشيرازي ذلك، فيمكن تقريبه كما يلي:
ــــــ[106]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ان اخذ الملازم اما ان نفهم منه الموضوعية، واما ان نفهم منه الطريقية. فان فهمنا منه الطريقية، يعني التوصل إلى ملازمه. وهو قصد الامتثال. إذن، يكون المأخوذ حقيقة هو ذلك. فتعود الاستحالة. وإنما يبقى الفرق إثباتيا فقط. وإنما الكلام في الاستحالة الثبوتية.
وان فهمنا الموضوعية، فان الملازم المساوي في رتبة ملازمه لا محالة، كالمعلولين لعلة واحدة، فهما يتبادلان على رتبة واحدة.
فهنا اما ان نقول:
1- ان هذا بنفسه مستحيل وهو ان يكون أحد المتلازمين المتساويين (وهو الأمر) في رتبة، والآخر في رتبة أخرى. لأن ذلك خلف كونهما في رتبة واحدة.
2- أو نقول: ان هذا الملازم مادام متساويا، فهو موجود مع الأمر دائما، فكما يوجد في المرتبة المتأخرة عن الأمر، يوجد أيضا في المرتبة المتقدمة، وهي نفس مرتبة الأمر، فيلزم منه نفس الإشكال السابق الموجود في الأمر نفسه. وهو فرض المتأخر متقدما.
إلا ان هذا لا يتم، لأن مراد المرزا الشيرازي اخذ ملازم قصد الامتثال، لا لازم الأمر.
فاما ان يكونا معا في المرتبتين، وهو مستحيل بالأدلة السابقة، وبكبرى وحدة رتبة المتلازمين. واما انهما موجودان في جانب الشرط، والأمر وحده في المشروط فيلزم الإشكال المذكور. واما ان الملازم المفروض موجود في المرتبتين فقط دون الأمر. فهو أيضا خلاف تلك الكبرى، مضافا إلى ان الأمر سيكون معدوما فلا يجب امتثاله.
ــــــ[107]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واما كونه تصحيحا للعبادات، فغير محتمل، لأنه غير معروف كأنياب الأغوال. في حين يحتاج تصحيح العبادات، إلى عنوان معروف وقصدي.
اللهم إلا ان يقال: انه يمكن في مقام القصد اخذ ملازمه المساوي لتعذر قصده مباشرة، وهو قصد امتثال الأمر.
جوابه: اننا لو اقتصرنا على هذا المقدار لم يكف قصد امتثال الأمر للعبادية لفرض كونه مأخوذا قيدا في الدليل. فما اخذ قيدا لم يقصد وما قصد لم يؤخذ قيدا، فتبطل العبادة. وكفاية قصد الملازم عن ملازمه يحتاج إلى دليل مفقود.
اللهم إلا ان يقال: – كما سبق – ان المأخوذ هو الجامع الانتزاعي بينهما، وهو عنوان أحدهما.
جوابه:
1- ان هذا وان كان ممكنا إلا انه خلاف مراد المرزا الشيرازي.
2- مضافا إلى لزوم الإشكال الثبوتي السابق، لأن كلا فردي الجامع متقدم على الأمر، وكلاهما متأخر عنه. فيرد الإشكال في أحدهما أو كليهما. مما هو مستحيل مشهوريا.
النحو الثالث: من الأنحاء التي ذكرها السيد الأستاذ:
ان هناك للمولى ثلاث عوالم طولية: الأمر والحب (أو الإرادة) والملاك. فالتحرك ان كان عن عالم الأمر، فهو قصد الامتثال. ولكن قد يتحرك عن الحب والإرادة، سواء أنتجت خطابا أم لا. لمانع الاستحالة، في التحرك عن الخطاب.
ــــــ[108]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أقول: والمفروض ان الإرادة هنا كاملة وملزمة، ولكن لا يستطيع المولى التعبير عنها للزوم المحال. كما ان المفروض ان الإتيان بالعمل بملاك هذه الإرادة في الموارد الأخرى، جائز ومجزئ. فهل يكون هنا كذلك ؟ لعله هنا يكون أولى بالصحة، لاستحالة الخطاب.
قال: فهل يمكن اخذ القصدين الأخيرين: المحبوبية والمصلحة، قيدا للمأمور به أم لا.
لا إشكال بحسب عالم الإثبات انه لا يحتمل ان يكون التحرك حاصلا عن هذين العالمين بعنوان انه غير مأخوذ بخصوصه إثباتا. لأكثر من وجه:
أولاً: انه لو كان مأخوذا لما صح الإتيان بالصلاة بقصد امتثال الأمر. مع انه لاشك في صحته.
ثانياً: انه يلزم من اخذ قصد الإرادة والمصلحة بالخصوص امتناع الإتيان بالصلاة بقصد امتثال الأمر. فانها عندئذ لا تكون الصلاة واجبا استقلاليا ليؤتى بها بقصد الأمر، وإنما هي واجب ضمني. والواجب الضمني إنما يعقل الإتيان به بقصد الامتثال في حال كون الجزء الثاني منضما إليه، ولو بنفس ذلك القصد. فيجب عليه قصدان وهو غير محتمل. وفي المقام يقصد الامتثال فقط، من دون الإرادة والمصلحة، فيؤتى بالواجب الضمني، بدون انضمام الجزء الآخر إليه، بقصد الامتثال، وهو أمر غير معقول. إذن، فقصد الإرادة والمصلحة غير مأخوذ إثباتا قيدا.
لأن الإتيان بالعمل وحده، غير ممكن لأنه خال من الأمر الاستقلالي. والإتيان به مع شرطه غير ممكن. لأنه غير محتمل الشرطية.
أقول: وهذا يعني: ان أي شيء آخر غير قصد الامتثال لا يمكن ان يؤخذ
ــــــ[109]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إثباتا، وليس فقط، كما قال صاحب الكفاية انه غير وارد في الكتاب والسنة.
كما انه يعني: انه كما يتعذر اخذ أي واحد من هذه القيود الأخرى بحيالها يتعذر اخذ الجامع بينها، المغاير مع قصد امتثال الأمر. والشيء الوحيد الذي يحتمل هو اخذ الجامع بين قصد الامتثال وغيره من القيود. بحيث لو جاء بأي منها كان كافيا. فيكون هذا نحوا من التعويض عما خسره المشهور من هذه الناحية. كما انه نحو من التصحيح لعبادية العبادة بعد خسارتهم لجهتها الرئيسية. وهي التقييد بقصد الامتثال.
وإشكاله: ان هذا الجامع، يكون اخذ حصة منه مستحيلة، على المفروض، فيكون جامعا بين الممكن والمستحيل، فيكون مستحيلا. وخاصة وان ذلك هو الحصة الرئيسية فيه. وان اخذ غيره بشرط لا عنه، لا يصحح العبادة على الفرض.
نعم، لا يبعد ان تكون قصد الإرادة إذا دلّ دليل على كونها ملزمة، وإنما لم يترتب عليها الخطاب لوجود المانع. ان ذلك يكون مصححا لعبادية العبادة. لأن الطاعة الحقيقية إنما تكون لإرادة المولى لا للخطاب وإنما الخطاب مجرد طريق إليها. فلو أحرزت عن غير طريق الخطاب وجب تنفيذها وامتثالها، وترتبت عليها جميع الآثار. والخطاب إنما هو كاشف غالبي لها. وإنما الكلام في صغرى ذلك، وهو اننا كيف نحرز إلزامية الإرادة بدون خطاب ؟
وقد يقال: ان هذا ان صح في سائر الموارد، فانه لا يصح هنا، لأن الإرادة هنا ملزمة، للمانع عن وجود الأمر مشهوريا. مع اليقين بان العبادة لا تصح مجردة عن كل قصد، والا لم تفرق عن التوصليات، وحيث تعذر اخذ قصد الأمر، كفى قصد الإرادة.
ــــــ[110]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إلا ان هذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى. اما كبرى، فلأنه بعد تعذر قصد الأمر، لا يبقى فرق بين التعبديات والتوصليات. وكيف نستطيع ان نأخذ هذا المطلب مسلما؟ وكيف نفهمه من الكتاب والسنة مع تعذره ؟
واما صغرى، فلأن قصد الامتثال وان استحال على الشارع، مشهوريا، إلا انه غير مستحيل على المكلف، لأنه قادر عليه في طول وجود اصل الأمر. فإذا قدر عليه كفى في تصحيح العبادة وتفريقها عن التوصليات. وهذا ما يعلمه الشارع، وان كان لا يستطيع التقييد، فيمكنه الاكتفاء به، فيكون بمنزلة انه قد قيد الأمر لباً.
إلا ان هذا فرع عدم جريان البراءة مع الشك في هذه الشرطية. إذ مع جريانها لا تكفي قدرة المكلف عليها كما هو معلوم، لأن إمكان القصد لا يدل على فعليته ووجوبه.
نعم، قد يقال: بعدم جريان البراءة لعدم تمامية مقدمات الحكمة في دليلها. فلا إطلاق له للقيود المستحيلة البيان، فلا تكون مرفوعة بحديث الرفع. وإنما يجب الاحتياط فيها. فيتحول إمكان قصدها، من قبل المكلف إلى الوجوب الاحتياطي، إلا ان هذا على تقدير تمامية الدليل على استحالة التقييد ولم يتم، كما سبق.
ثم ذكر السيد الأستاذ ان كلا من العالمين: الإرادة والملاك، لا يرد فيهما شيء من الإشكالات الواردة على اخذ قصد الأمر. وحيث اننا بنينا على عدم ورودها حتى في ذلك المورد أساسا، نحذف الحديث عنها هنا.
غير اننا أشرنا إلى إشكالات أخرى، منها ما ذكره السيد الأستاذ من انه لا يعقل أخذها إثباتا لعدم معقولية الإتيان بالعبادة وحدها بدون شرطها، لأنها ليس
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لها أمر استقلالي، مع عدم وجوب الجمع بين الشرطين: قصد الأمر وقصد الإرادة. وقلنا ان قصد الجامع بينهما لو اخذ لكان محالا أيضا، لأن الجامع بين المستحيل والممكن مستحيل.
مضافا إلى ما قلناه – فيما سبق – من عدم كفاية المصلحة، لأنها غير داخلة في مسؤولية الفرد شرعا إطلاقا وعدم إمكان إثبات الإرادة بدون الأمر وخاصة مع جريان البراءة.
نعم لو قيل بعدم تمامية مقدمات الحكمة في الشرط المستحيل، باعتبار عدم القدرة على البيان، فلا تجري البراءة، أمكن القول بإثبات قصد الإرادة بالاحتياط الوجوبي، مادام محتملا وملتفتا إليه. فهل يقبل المشهور ان يكون الفرق بين التعبديات والتوصليات قائما على نحو من الاحتياط الوجوبي فقط ؟
إذن فعلى مسلكهم، لا يتم شيء من التقييدات، لا الأمر ولا غيره، ولا الجامع لغيره، ولا الجامع بينه وبين غيره.
ونقل عن الشيخ النائيني الإشكال على اخذ المصلحة قيدا للمتعلق بلزوم الدور. لأن المصلحة إذا كانت قائمة بالفعل المأتي به بداعي المصلحة يلزم الدور في مقام الإثبات. لأن الإتيان به بداعي المصلحة فرع تعلق المصلحة به وتعلقها به فرع الإتيان به بداعي المصلحة.
وأجاب السيد الأستاذ على ذلك: انه يكفينا ان نقول في المقام: ان الإتيان بالفعل بقصد المصلحة، لا يتوقف على وجود المصلحة لذات الفعل بل في دخل الفعل في إيجاد المصلحة. وهذا الدخل موجود على كل حال سواء انضم إليه داعي المصلحة أم لا.
أقول: هذا راجع إلى نفي إحدى الملازمتين، وهي قوله: ان الإتيان بداعي
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المصلحة فرع تعلق المصلحة به. ولم يبين الوجه في إنكاره.
ومقتضى القاعدة ثبوته، لأن الفعل ان كان محققا للمصلحة بمجرده، لم يلزم على الشارع تقييده بداعي المصلحة.
إلا انه يمكن منع الملازمة، لأن المفروض اننا أحرزنا تعلق المصلحة بنفس وجود هذا القيد. فلو قال: صل بقصد المصلحة دلّ بالالتزام على وجودها في الصلاة ودخلها. إذ لا يحتمل ان يقول ذلك فيما لا مصلحة فيه. فهو ممكن للشارع باعتبار إمكان التقييد مشهوريا، وممكن للمكلف عند العمل. فتوقف المصلحة على قصد المصلحة لا يكون دوريا.
وبتعبير آخر: انه يعرفنا الشارع بالالتزام إثباتا بوجود المصلحة، مع تحقق القيد. فينتفي الدور الاثباتي.
ثم قال السيد الأستاذ: لكن يبقى مطلب صغروي. وهو ان يكون قصد المصلحة قصد قربي. فهل هو قصد قربي؟ فان المصلحة ان كانت تعود إلى المولى، فالإتيان بالفعل بقصدها، يكون تقربا إلى المولى. إلا ان المفروض عدمها لأن الله غني عن العالمين.
وان كانت المصلحة تعود إلى العبد، كما في الأوامر الشرعية. فان امتثل بقصد المصلحة. فان لم ينسب ذلك إلى المولى أصلا، لم يكن تقربا أصلا. وان أتى به بقصد اهتمام المولى، فهو تحرك عن الإرادة لا عن المصلحة.
أقول: انه قد سبق الطعن بالمصلحة ملاكا للأوامر. ولكن لو تنزلنا عن ذلك أخذا بمشهور العدلية، كفى قصد المصلحة لتصحيح العبادة. ولا حاجة إلى فكرة التقرب والانتساب إلى المولى. فان هذا مما لا دليل عليه، وخاصة بعد استحالة التقييد بقصد الأمر مشهوريا.
ــــــ[113]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مضافا إلى النقض على السيد الأستاذ، بأنه فسر القربة في البحث الذي كتبه عن مقدمات العبادات، بأنها ما كان في سبيل الله وفسر سبيل الله بأنه ما كان في سبيل نفع المجتمع. أي انه فسر القربة بالمصلحة. ومقتضى ذلك كفاية قصد المصلحة. وهذا تهافت من القول لديه.
ثم ذكر السيد الأستاذ: إمكان اخذ الجامع بين قصد امتثال الأمر وقصد المصلحة وقصد المحبوبية، في متعلق الأمر. بناء على قربية هذه القصود جميعا. أو يؤخذ القربي منها. بعنوان ان الجامع بين المستحيل وغيره ممكن، وقد سبق ان قلنا ان الجامع بين المستحيل وغيره مستحيل.
مضافا إلى إشكال آخر، وهو انه هل المطلوب ان يقصد المكلف عنوان الجامع أو العناوين التفصيلية لمصاديقه. وهي الأمر والمحبوبية ونحوها ؟
اما قصد الجامع فانه لا يكفي لعبادية العبادة، لأن المفروض كونه جامعا انتزاعيا غير ماهوي، فلا يكون قصده قصدا عرفيا لأي واحد من حصصه وأفراده. وبتعبير آخر: ان قصد الجامع ليس قصدا لأمر عبادي معين، كالأمر والمحبوبية، لتصح به العبادة.
نعم، لو كان جامعا ماهويا، لأمكن القول بان قصد الكلي قصد لحصصه. وان لم يكن صحيحا، إلا ان عدم الصحة في الجامع الانتزاعي أوضح وأولى.
مضافا إلى عدم ورود هذا الجامع في دليل أصلا. وقصد المجموع غير واجب جزما. وقصد الفرد المردد غير مجزئ قطعا.
وان أريد به قصد أي واحد منها، يعني ان المطلوب من قبل الشارع هو ذلك. يعني ان نفهم من الجامع الطريقية إلى حصصه، لا الموضوعية لعنوانه. فيأتي الإشكال المشهوري على حصة منه، وهي قصد الأمر. لأنه ملحوظ
ــــــ[114]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ضمنا. فيكون متقدما على نفسه ولو ضمنا، وهو مستحيل.
وما أجاب به هنا من ان هذا الإشكال لا يجري لوضوح انه مع اخذ الجامع لا يرى المولى قصد امتثال الأمر بعنوانه في المعروض، لكي يكون خلف لحاظ المولى للمعروض سابقا على أمره. بل غايته انه يرى العنوان الجامع. فلا يلزم التهافت.
جوابه: من عدة وجوه:
أولاً: انه فرع صحة الجامع بعنوانه، وقد اجبنا عنه.
ثانياً: ان لحاظ الكلي لحاظ لحصصه من وجه ضمنا، بما فيها قصد الأمر. فيكون محالا، سواء أريد به الجامع الماهوي أو الجامع الانتزاعي.
ثالثاً: ان لحاظ الجامع إنما هو للنظر إلى الحصص لعدم كفاية لحاظ الجامع في مقام الامتثال. فيكون الأمر ملحوظا ضمنا، اكثر مما قلنا في الوجه الثاني، فيكون محالا.
ومثاله قوله تعالى: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. حيث سأل سائل في زمن سابق: انه كيف يؤمر بإخراج آل لوط مع كون الطهارة ليست ذنبا، بل هي واضحة الصحة.
فأجبته على ذلك: ان هذا تعبير فيه جمع لفظي عن كل الأمور التي يؤمن بها آل لوط ويعملونها، ويعتبرها الكفار من الباطل في نظرهم. كالصلاة والدعاء والصدقة، وغيرها. فلأجل الجمع اللفظي باختصار، قال: يتطهرون. فكذلك الحال في المقام.
وفرق هذا الوجه عن سابقه: ان ذاك نزول من الجامع إلى الأفراد. وهذا
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
صعود من الأفراد إلى الجامع، فتكون الأفراد ملحوظة على كل حال، فيلزم المحال.
فتم الإشكال على المشهور بعدم التفريق بين العبادات والتوصليات، بكل صورة.
………………………..
ثم يبدأ السيد الأستاذ فصلا جديدا لصورة تعدد الأمر. وقد سبق ان أشرنا إلى بعض جوانبه.
وذلك: انه أشكل عليه في الكفاية: بأنه ان قلنا بسقوط الأمر بالمطلق لم يبق موضوع للأمر الثاني. وان قيل بأنه لا يسقط، فهو محال. لأنه بعد حصول المطلق، لو حرك نحو صورة أخرى لكان من التحريك نحو الحاصل، وهو مستحيل.
قال السيد الأستاذ: انه إذا صيغ الإشكال بهذه الصياغة، أمكن الجواب عنه، بان يقال: ان الأمر المتعلق بالمطلق وان سقط بالإتيان بالصلاة بدون قصد القربة، إلا ان سقوطه يكون من باب تعذر بقائه لا من باب استيفائه. فانه لم يسقط غرضه. فانه غرض وحداني قائم بالمقيد، ومع فرض عدم سقوط الغرض، فهو يستدعي إنشاء آخر على طبقه.
أقول: هذا لا يتم لأكثر من وجه:
أولاً: ان لكل أمر غرض، ويستحيل ان يتجرد الأمر من الغرض كما عليه العدلية، فالأمر بالمطلق له غرض وان كان تحليليا، ضمن المقيد، والمفروض سقوطه به، وبه يفوت موضوع الأمر الثاني. وان قلنا بعدم سقوطه كان محالا.
ــــــ[116]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: ان السقوط الاضطراري غير الاستيفائي غير موجود. لأن السقوط له أسباب ليس أحدها الاضطرار، بهذا المعنى. والمفروض هنا انه يسقط للاستيفاء دون غيره. لأن أسباب السقوط معلومة، وهي الاستيفاء والعصيان والعجز وارتفاع الموضوع. وهنا لا يفرض وجود واحد منها غير الاستيفاء.
ثالثاً: ان الأمر الثاني المفروض حدوثه بعد سقوط الأمر الأول، يجب ان يكون بالقيد والمقيد، لا بالقيد فقط. لتعذر الإتيان بالقيد دون المقيد، والمفروض مشهوريا استحالة الأمر بالمجموع.
رابعاً: ما سبق ان ذكرناه من رجوع الأمرين إلى أمر واحد، ثبوتا، فتعود الاستحالة.
متمم الجعل :
ومعه يأتي كلام المحقق النائيني هنا، والمسمى بمتمم الجعل. أي الجعل الثاني المتمم للجعل الأول. وفي الحقيقة، فان عليه مسالك ثلاثة للمحقق النائيني والمحقق العراقي والسيد الأستاذ. وكلها عبارة عن تدقيقات لما ذكر في الكفاية من تعدد الأمر.
اما المحقق النائيني فقد استنتج دليله من مبانيه في الإطلاق والتقييد. وذلك بعد ضم مقدمتين:
المقدمة الأولى: ان استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق، ومعه لا يبقى إلا الإهمال. إلا أن هذا إهمال إثباتي لا ثبوتي، وليس إهمالا في تمام مراتب الواقع. فانه بالأمر الثاني سوف يتوضح المطلوب.
المقدمة الثانية: ما سماه بالحصة التوأم. مقابل الإطلاق والتقييد، وقال:
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ان التقييد عبارة عن دخول التقييد وخروج القيد. والحصة التوأم عبارة عن خروج القيد والتقييد. وما هو تحت الأمر هو ذات المقيد، ويؤخذ المقيد كمعرف ومشير إلى ذات الحصة المقيدة، كخاصف النعل، فانه إشارة إلى الحصة الخاصة التي حباها الله سبحانه بالإمامة.
أقول: ويمكن القول وان لم يكن على ظاهر عبارة المحقق النائيني، بان الإطلاق هو خروج القيد والتقييد معا. والتقييد هو دخولهما معا. والحصة التوأم هي دخول التقييد وخروج القيد.
ومعه يمكن ان يتوصل المولى إلى غرضه بأمر واحد بالحصة التوأم من دون لزوم محذور. لأنه لم يؤخذ قصد الأمر في متعلق الأمر، لأن المفروض خروج القيد والمقيد. ومع هذا فقد وصل المولى إلى غرضه لأن الأمر يقتصر على الحصة ولا يسري إلى غيرها.
ويلاحظ هنا، ان هنا بمجرده ليس قولا بمتمم الجعل. لأنه يكون بجعلين، وهذا يكون بجعل واحد. الا إذا قيل بالحاجة في بيان الحصة التوأم إلى الجعل الثاني. كما هو مقتضى جعل الحصة التوأم مقدمة لبيان متمم الجعل.
ونتيجته حسب فهمي: انه إذا جاء الفرد بالمطلق بدون قيده، فانه لا يستطيع ان يتمسك بإطلاق الأمر لإسقاط الأمر بهذا العمل. لأن الأمر لا إطلاق له، فيجب عليه ان يحتاط.
بل ان للمولى ان يحتج على العبد بالحصة التوأم التي تصلح بيانا للقيد. وعندئذ فيجب الإتيان بالمقيد اما عقلا واما شرعا.
واما بناء على التفسير الآخر للحصة التوأم، فيلزم التقييد اللحاظي،
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والمفروض استحالته مشهوريا.
الآن، نناقش باختصار نسبياً: المقدمتين اللتين ذكرهما المحقق النائيني في دليله:
اما المقدمة الأولى: وهي انه مع استحالة الإطلاق يستحيل التقييد، كما هو بناؤه في باب المطلق والمقيد.
فقد قال السيد الاستاذ: انه استشكل عليه الأستاذ المحقق باعتراضين:
الاعتراض الأول مبنائي، وهو ان استحالة التقييد لا توجب استحالة الإطلاق، بل توجب ضرورته. وهو أمر مذكور في باب المطلق والمقيد، وينبغي هنا أخذه مسلماً.
الاعتراض الثاني: ان الإجمال في الأمر الأول غير معقول، ويتذبذب تقريب ذلك بين بيانين، مرجعهما إلى محصل واحد، وان اختلف التعبير.
البيان الأول: ان يلحظ نفس الحكم، فيقال: ان الحكم المجعول بالأمر له حظ من الوجود لا محالة في أفق الاعتبار. وكل شيء له حظ من الوجود يجب ان يكون له تعين في أفق وجوده، لاستحالة التردد في أفق وجود الشيء ثبوتا. وإنما يصدق التردد إثباتا.
البيان الثاني: ان ينتقل اللحاظ إلى الحاكم، ويقال: ان تعلق الأمر بالمهمل معناه ان الحاكم لا يدري ماذا يطلب، هل هو المطلق أو المقيد. ومن الواضح ان المولى لا يشك في حدود حكمه. نعم غير المولى قد يشك.
وأجاب السيد الأستاذ عن البيانين:
ــــــ[119]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اما البيان الأول: ان الأمر الأول وان تعلق بالطبيعة المهملة (لأن المفروض عدم الإطلاق) الا ان ذلك ليس معناه تعلقه المردد بين المطلق والمقيد، إذ لو كان المراد ذلك، لكان محالا.
بل للطبيعة وجود متعين في أفق الحكم والجعل. الا ان هذا الوجود المعين لم يتطرق إليه الإطلاق والتقييد. فان التقييد عبارة عن لحاظ القيد مع الطبيعة والإطلاق عبارة عن رفض القيد عنها. فيمكن ان نلحظ الطبيعة بدون ذينك اللحاظين. وهو المسمى بالمهمل. وليس معناه ان يكون وجود الطبيعة مرددا.
أقول: هذا وان كان في نفسه صحيحا، الا انه ليس مراد الشيخ النائيني. لأنه عبر بذات المقيد لا بالطبيعة المهملة. وذات المقيد هو الطبيعة بغض النظر عن التقييد والإطلاق والإهمال.
فربما يقال في الإشكال: ان هذا لا معنى له الا الترديد. وجوابه: انه أمر ممكن، غير ان لحاظ الإهمال لحاظ آخر، وقد يكون مراد السيد الأستاذ ذلك، الا انه خلاف ظاهر عبارته.
واما البيان الثاني، فيظهر جوابه مما سبق، فان المولى لا يتردد بين المطلق والمقيد. فان مطلوبه محدد، وهو بمقدار سعة ذات الطبيعة الخالية من التقييد اللحاظي والرفض اللحاظي (الذي هو الإطلاق).
وهنا قال السيد الأستاذ: فان قلنا: بان المهمل في قوة المقيد فلا يسري مطلوب المولى إلى غير المقيد. وان قلنا بان المهمل في قوة المطلق قلنا: ان الحكم يسري إلى كل الأفراد.
والصحيح: ان المهمل إثباتا بمنزلة المقيد. ولذا قالوا: ان المهملة بمنزلة
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الجزئية. والمهمل ثبوتا بمنزلة المطلق، لأن الكلي ينطبق على سعته. فان المقتضي موجود والمانع مفقود. الا اننا قلنا هنا انها ليست ملحوظة بالإهمال بل بالذات، وهذا اللحاظ يقتضي ان يكون بقوة المطلق، فينخرم تقريب النائيني. لأن الإتيان بالمطلق يكون صحيحا، على خلاف ما قال. ولا نكون مربوطين بالقضية المنطقية التي تقول: ان المهملة بمنزلة الجزئية.
وبالرغم من ان السيد الأستاذ – كما سبق – قرّب ان المهملة بمنزلة المطلقة، لا بمنزلة الجزئية. فيفسد مبنى الشيخ النائيني. الا ان الشيخ النائيني لو بنى على ذلك ولم نناقش في مبناه لتم المطلب من هذه الناحية. الا ان السيد الأستاذ قال: انه عندئذ يبقى إشكالان:
الإشكال الأول: اننا لو تعقلنا الأمر بالطبيعة المهملة، وفرضنا انها في قوة المقيد. إذن لا حاجة إلى الأمر الثاني (متمم الجعل). بل يمكن الاكتفاء بالأمر الأول. فانه يكون محققا للمولى فائدة الأمر بالمقيد، من دون محذور التقييد. فان المولى لم يلحظ قصد الأمر ليلزم المحذور. مع حصول المقصود، وهو إلزام العبد بالإتيان بالفعل المقيد.
أقول: جوابه: هذا من سنخ ما قلناه، لكنه ليس بالدقة كذلك. إذ لو غضضنا النظر عما قلناه لم يتم الأمر. وما قلناه بان العبد ملزم بالإتيان بالمقيد إنما هو من باب الاحتياط العقلي أو من باب اعتبار التوأمية بالحصة التوأم التي هي بمنزلة التقييد. لكن بغض النظر عن ذلك لا يجب على العبد الإتيان بالمقيد، لأن القيد لا يكون مأمورا به بالأمر الأول، فلا يكون مقتضيا لإنجازه.
وليس معنى ان المهملة بمنزلة المقيدة، هو انها مقيدة فعلا. وإنما هي
ــــــ[121]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بمنزلتها، يعني فاقدة الإطلاق، لا انها واجدة للقيد. ولو كانت واجدة للقيد فعلا لأصبحت مستحيلة لورود إشكالات المشهور عليها. وإنما نتيجتها الإهمال ثبوتا وإثباتا. ومعه يتخير المكلف فيما يفعل، لو لم يأخذ بالاحتياط الذي قلناه.
واما من ناحية الاكتفاء بالأمر الواحد، من قبل المولى، فيظهر حاله مما قلناه. وقلنا: ان هذه المقدمات لا تنتج متمم الجعل، والعجيب ان السيد الأستاذ نفسه عرض المطلب، كما سمعنا، انه بأمر واحد. ثم حمل على مقصود الشيخ النائيني انه أمرين.
وهنا نؤجل الإشكال الثاني للسيد الأستاذ، ونسمع إشكالا آخر:
الإشكال الثاني: حصول الحصة التوأم. فان المفروض فيها انها ليست قيدا. وان القيد خارج قيدا وتقييدا. إذن تكون الماهية مطلقة لا مهملة، لأن مقتضي الإطلاق فيها موجود، وهو سريان العنوان الكلي إلى أفراده. والمانع مفقود، وهو القيد. ومعه لا مانع من الإتيان بالفرد الفاقد للشرط، ويكون مجزيا ومسقطا لموضوع الأمر الثاني.
فان قال الشيخ النائيني: باننا عوضنا عن القيد بالحصة التوأم، وهي تغني عنه. قلنا: اننا برهنا الآن على عدم غنائها عنه. فان قلت: فانه خلف التوأمية مع الذات المأمور بها. قلنا: نسأل: ان التوأمية هل هي مأخوذة قيدا في الذات أم لا. فان كانت قيدا، رجع الحال إلى الاستحالة. وان لم تكن قيدا كانت القضية مطلقة.
فان قلت: فانها توأم مع التوأمية. قلنا: إذن يلزم التسلسل. ومادامت التوأمية غير مربوطة بالذات وغير مقيدة لها أو محصصة لها. كما هو
ــــــ[122]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المفروض. إذن تبقى الذات مطلقة.
فقولكم ان الإتيان بالفرد المطلق خلف التوأمية، وان كان، الا ان ذلك لا يكون محذورا لأن التوأمية ليست قيدا. بل مجرد صدفة. وقد أقر الشيخ النائيني انها ليست قيدا. إذن لا محذور من مخالفة التوأمية، بل الحجة ضدها. وهو التمسك بإطلاق الذات.
ففي الحقيقة ان الحصة التوأم عنوان لم يستعمله الشيخ النائيني الا في هذا الموضع من علم الأصول، لضيق الخناق، ولا محصّل له.
مضافا إلى ان اسمها ليس صحيحا، لأن المفروض انها لا تحصص الذات ولا تقيد، لأن المحصّص إنما هو المقيد. بل إذا تمت لابد ان نقول: الذات التوأم أو الماهية التوأم. في مقابل الماهية المقيدة.
مضافا إلى ان تنظيرها بخاصف النعل غير صحيح، فان هذا العنوان وان لم يكن دخيلا قيدا وتقيدا. الا انه مجرد إشارة إلى الذات مع سقوطه تماما عن المدلول. بدليل صدق الإمامة عليه، سواء كان خاصف النعل أم لا. فهل يرضى الشيخ النائيني بهذه النتيجة في الحصة التوأم، وان المهم الإشارة بها إلى الذات، ونتيجتها صحة الفرد سواء قصد به الأمر أم لا. وعندئذ لا يبقى فرق بين العبادات والمعاملات.
الإشكال الثاني: ان تعريفه للحصة التوأم يسقط الاطلاق عن نظر الاعتبار. لأنه قال: ان كان القيد والتقيد داخلان، فهو التقييد، وان كانا خارجين فهو الحصة التوأم. وحينئذ فلنا ان نسأل: ما هو الإطلاق إذن؟
وبحسب هذا التسلسل الذهني هو ان يكون القيد خارجا والتقييد داخلا. لأنه الثالث من المحتملات الثلاثة. وهذا لا يتم لأنه خلف الإطلاق ومناقض
ــــــ[123]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
له.
فان قلت: ان الإطلاق هو خروجهما معا، والتقييد هو دخولهما معا. والحصة التوأم هو دخول التقييد وخروج القيد.
قلنا: أولاً: إذن نكون قد عرفنا الإطلاق بنفس تعريفه للحصة التوأم. وهو اعتراف ضمني بانها ترجع إلى معنى الإطلاق. ولا تشبه التقييد.
ثانياً: ان الحصة التوأم بهذا التعريف، هي تقييد فيلزم عليها الاشكالات المشهورية. ومن هنا قلنا انه مع هذا التعريف لا تتم مقدمات الشيخ النائيني لاستنتاج متمم الجعل.
ولكن للشيخ النائيني ان يفرق الإطلاق عن الحصة التوأم، بان: الإطلاق يتحقق في صورة عدم ذكر القيد أساسا، والتقييد يتحقق بذكر القيد وربطه بالماهية. والحصة التوأم تتحقق مع ذكر القيد وعدم ربطه بالماهية أساسا. فيكون بمنزلة التوأم مع الماهية بدون تقييد.
جوابه: ان هذا نظر إلى الجانب الاثباتي، أي إلى بيان المولى ولفظه. واما في الجانب الثبوتي والواقعي، فلا يبقى أي معنى للحصة التوأم. فان الأشياء ثبوتا اما مترابطة فهي التقييد، والا فهو الإطلاق ولا ثالث. وان لاحظنا مجرد الاتفاق في المكان والزمان ونحوه، فهذه التوأمية موجودة مع ملايين الأمور، وليس خصوص قيد امتثال الأمر.
الإشكال الرابع: ما ذكره السيد الأستاذ: من اننا ان قلنا ان المهملة بمنزلة المقيدة. (وقد قال – كما سمعنا فيما سبق – ان المولى قد توصل إلى غرضه بدون ورود الإشكالات المشهورية). فهنا يقال: اننا بعد ان فرضناها بقوة المقيدة، فلا يمكن امتثالها الا بالإتيان بالصلاة مع قصد الأمر. ومن الواضح ان
ــــــ[124]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الإتيان به يتوقف إمكانه على وصول الأمر، والا لم يكن المكلف قادرا. فلابد للمولى من اخذ وصول الأمر في موضوع الأمر فيلزم المحذور.
الا ان هذا الإشكال لا يتم، يعني لا يتوقف إتيانه على وصول الأمر. بعد الالتفات إلى الوجهين السابقين اللذين قلناهما. وهو ان الإتيان بالفرد المقيد:
1ـ لأجل الاحتياط العقلي.
2ـ لأجل كون المطلق خلف التوأمية، وليس من ضمنها وصول الأمر. فلا محذور.
وبتعبير آخر: انه ما المراد بوصول الأمر؟ هل هو الأمر الأول المتعلق بمطلق الماهية أو الأمر الثاني المتعلق بشرطها. اما الأول فهو واصل، ولا محذور من وصوله. لأن المحذور من التقييد لا في المطلق بما هو.
واما الأمر الثاني، فلا يتوقف عليه الامتثال بعد الالتفات إلى الوجهين، وخاصة جانب الاحتياط العقلي. كما ان المفروض ان الشيخ النائيني، يجيب بوصوله، لكن على شكل الحصة التوأم لا على شكل التقييد، ليلزم المحذور.
النحو الثاني لتعدد الأمر، ما نسب في كلام السيد الأستاذ إلى المحقق العراقي ، وقد عرضه كما يلي:
ان الأمر فيه ثلاث فرضيات:
الأولى: ان يتعلق الأمر بالصلاة المطلقة من ناحية قصد القربة. وهي خلف غرض المولى.
الثانية: ان يتعلق بالصلاة المقيدة بها، وهي مستحيلة.
ــــــ[125]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الثالثة: ان يتعلق الأمر بالحصة الخاصة بنحو يكون القيد والتقييد كلاهما خارجا عن متعلق الأمر.
ومرجعه إلى ان الأمر بالمقيد معناه دخول التقييد وخروج القيد. واما الفرضية الأخرى المسماة بالحصة التوأم فالقيد والتقييد خارجان. وما هو تحت الأمر هو ذات المقيد، ويؤخذ القيد كمعرف ومشير إلى ذات الحصة المقيدة، كخاصف النعل. فانه إشارة إلى الحصة الخاصة التي حباها الله بالإمامة.
ومعه يمكن ان يتوصل المولى إلى غرضه بأمر واحد، متعلق بالحصة التوأم، من دون لزوم محذور. لأنه لم يؤخذ قصد الأمر في متعلق الأمر قيدا. لأن الأمر يختص بالحصة ولا يسري إلى غيرها.
أقول: هذا المقدار من العرض، هو بعينه الكلام المنقول عن الشيخ النائيني. ويرد عليه نفس ما قلناه هناك تفصيلا، في حين سماه السيد الأستاذ كلاما آخر عن المحقق العراقي. ولم يبين فرقا بين الكلامين.
وجواب ذلك على مستويين:
المستوى الأول: إبراز بعض الفروق المحتملة بين كلام الشيخ النائيني والشيخ العراقي.
وما هو محتمل بدويا من الفروق أحد أمرين:
الامر الاول: ان نتصور: ان مراد المحقق العراقي هو كون الأمر واحدا، في حين ان مراد المحقق النائيني انه أمرين.
الا ان ظاهر العبارات ليس ذلك. بل التذبذب والاضطراب بين الأمر الواحد والأمرين لازال موجودا. فبينما نجد البرهان على وجود أمر واحد،
ــــــ[126]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
نجد النتيجة المدعاة انهما اثنان.
الأمر الثاني: ان نتصور: ان مراد المحقق العراقي ان الحصة التوأم نحو تقييد للماهية الداخلة عليها، بينما يتصور المحقق النائيني عدم التقييد. وبتعبير آخر: ان العراقي زاد في جانب التقييد في الحصة التوأم اكثر من النائيني.
جوابه: انهما معا عبرا بخروج القيد والتقييد معا. وهذا معناه انه يثبت لهما نفس الرأي.
وعلى أي حال، فقد أجاب السيد الأستاذ: ان الحصة تارة يكون لها تعين وتميز بقطع النظر عن القيود الخارجية. فذات الإمام بغض النظر عن كونه خاصف النعل له تميز عن باقي الأفراد. وأخرى لا يكون للحصة تميز وتعين في مقابل سائر الحصص الا بالقيد. كما هو الحال في المفاهيم الكلية. فالإنسان الأبيض متميز عن غيره بتقييده بالبياض.
فالحصة التوأم في القسم الأول من الحصص أمر معقول، بان يكون كل من القيد والمقيد خارجيان وموضوعا للحكم. وإنما اخذ القيد عنوانا مشيرا إلى الذات والحصة.
واما القسم الثاني من الحصص، حيث يتعلق الحكم بذات الطبيعة: من دون دخل القيد والمقيد في عروض الحكم. فالظاهر كفاية الإطلاق الذاتي، في السريان إلى سائر الحصص. ومعه يستحيل ان يقف الأمر على الحصة، بل يسري إلى سائر الأفراد. لأن المقتضي موجود والمانع مفقود، وهو التقييد. نعم لو قلنا بان إطلاق الطبيعة يحتاج إلى لحاظ الإطلاق، فمرجع الحصة التوأم إلى ما سميناه بالطبيعة المهملة، بلا لحاظ الإطلاق ولا لحاظ التقييد. فلا يسري الأمر إلى غير الحصة.
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
تعليقنا على ذلك:
أولاً: انه لا معنى للحصة التوأم مع الذوات الخارجية، فان التوأمية، وان كانت متصورة بين كل شيئين مقترنين، الا انه:
أولاً: ان الذات الخارجية ليست بحصة. وإنما الحصة هي جزء الكلي. كالإنسان الأبيض بالنسبة إلى مطلق الإنسان. اللهم الا ان يقال: ان جزء الذات هي الكلي. الا انه – مع ذلك – لا يسمى حصة بل هو خارجي بخارجية الذات. ومن ثم فهو ليس بكلي عمليا. ومعلوم ان عنوان الحصة مأخوذ بالمطابقة في الحصة التوأم، فلا نستطيع ان نتجاوزه.
ثانياً: ان التقييد على الجزئي محال، مهما زادت حصصه ومقارناته. فان ذاته لا تختلف إطلاقا.
فان قلت: فان الحصة التوأم ليس فيها تقييد، فهي تناسب الجزئي.
قلنا: هذا مخدوش كبرى وصغرى. اما كبرى فلأن الجزئي قابل للتقييد بالجزئي، وان لم يكن قابلا للتقييد بالكلي. فالكلي يقيد الكلي والجزئي يقيد الجزئي. الا انه لا يكون حصة بل توأم فقط.
واما صغرى فالمقصود هنا تنظير الكلي بالجزئي، والكلي غير مقيد بل مطلق، ولا نلتفت إلى الاحتياط العقلي الذي قلناه. فلا يبقى فرق بين العبادات والتوصليات.
ثانياً: ان السيد الأستاذ، كما سمعنا، قال بكفاية ما سماه بالإطلاق الذاتي للشمول. وهو يقتضي صحة الإتيان بالفرد الفاقد للشرط فيفسد مطلب المحقق النائيني. وكذلك إذا قلنا بعدم كفايته وغضضنا النظر عن الاحتياط العقلي، كما
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا مراراً.
فهذا هو المطلب الموجود في (تقريراتي) عن المحقق العراقي.
المستوى الثاني: في بيان ما في تقريرات الهاشمي لمطلب المحقق العراقي. والفرق بينه وبين كلام المحقق النائيني.
قال: ما ذهب إليه المحقق العراقي ، هو ان الأمر الثاني وان كان مستفادا في مرحلة المجعول والفعلية، ولكنه متحد مع الأمر الأول جعلا وانشاءاً نظير جعل الحجية للخبر المباشر وخبر الواسطة بالرغم من انحلاله إلى مجعولين استقلاليين.
وهذا يمكن تقريبه بتقريبين: أحدهما لا تؤخذ فيه الطولية بنظر الاعتبار. والآخر تؤخذ فيه الطولية التي وقعت في مورد التنظير، وهو الخبر مع الواسطة، بنظر الاعتبار.
التقريب الأول: ان تؤخذ الاستقلالية في المجعول (يعني استقلالية الأمر بالماهية عن الأمر بالمقيد) والفعلية بنظر الاعتبار. بالرغم من ان جعلهما واحد، يعني الأمر بالذات والأمر بالقيد. ومعناه انه واحد حقيقة، وليس مجرد جمع في اللفظ، بطبيعة الحال.
وهنا ندعي ان الاستقلالية في عالم المجعول، كافية في رفع الاستحالة. حيث انه لا يلزم تقدم الشيء على نفسه.
أقول: انه لم يذكر شيئا في مقام نفي الملازمة. وهذا كاف في الإشكال عليه.
ومع ذلك، فان هذا الوجه غير تام، لعدة وجوه:
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أولاً: ان وحدة الأمر أو الجعل، كافية في إثبات الاستحالة، سواء كان الشرط مستقلا في عالم المجعول أم لا. لأن الإشكال الأساسي إنما هو في عالم الجعل، فإذا اعترف المحقق العراقي بكونه جعلا واحدا، كان محالا على المشهور.
ثانياً: ان الشرط ليس مستقلا في عالم المجعول، بل يثبت في الذمة بنفس ثبوت مقيده. فان ما يثبت هو الحصة المركبة من القيد والمقيد. فلا يكون مستقلا. وليس كالوضوء السابق زمانا على الصلاة.
ثالثاً: اننا لو تنزلنا عن الوجهين السابقين، وفرضنا الإشكال في عالم المجعول لا في عامل الجعل، وفرضناه مستقلا. فقد نقول انه لا يلزم الإشكال. الا اننا مع ذلك لابد ان نسأل العقل الحاكم بالاستحالة في المقام، هل ان هذه الاستقلالية، كافية في عدم حكمه بالاستحالة؟
الظاهر عدم ذلك. يعني ان الظاهر الحكم بالاستحالة ، ولو باعتبار كون القيد والمقيد، يكوّنان وحدة تصورية واحدة أو حصة واحدة.
جوابه: ان الظاهر عدم الاستحالة من هذه الناحية، وعدم تمامية هذا الوجه الأخير، لأن الإشكال المشهوري يتم – لو تم – في عالم الجعل مع الوحدة، لا في عالم المجعول الاستقلالي. كما فرضنا الآن.
التقريب الثاني: يحتاج إلى مقدمة توضيحية مختصرة لجعل حجية الخبر مع الواسطة، وذلك من حيث ان شمول الكبرى للأول، يقتضي صغروية الثاني لها أيضا، فيكون شمولها للوسائط بالتدريج وبشكل طولي.
وحينئذ نقول: ان فعلية المجعول في طول الجعل. والجعل اسبق رتبة، وهو متحد فيه القيد والمقيد. واما في عالم فعلية المجعول فهو متعدد. ومن
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثم حصلت النتيجة:
أولاً: ان الأمر متعدد، ولكن في المرتبة المتأخرة.
ثانياً: التفريق بين العبادات والمعاملات. لأننا لو اقتصرنا على الرتبة الأولى للجعل، لم يكن هناك فرق لورود الإشكالات المشهورية. ولكن الفرق بينهما: ان المعاملات جعلها واحد ومجعولها واحد. واما العبادات ففيها مجعول مستقل آخر وهو فعلية القيد أو الشرط.
ثالثاً: انه لم يلزم المحذور المشهوري، فانه إنما يلزم فيما لو اتحدت في عالم الفعلية، كما اتحدت في عالم الجعل. والمفروض هنا خلافه. ولم يذكر وجها لنفي هذه الملازمة وارتفاع الاستحالة، كما قلنا في التقريب الأول.
جوابنا على ذلك من وجوه:
الأول: ان كلا الوجهين يحتاج إلى تقريب في عدم حصول الوجوه المشهورية للاستحالة. ولم يذكر شيئا من ذلك.
ثانياً: ان الطولية هنا غير الطولية في الخبر مع الواسطة. فانهما فقط يشتركان في معنى فعلية المجعول بشكل طولي، وفي انه يلزم من عدم المتقدم عدم المتأخر. الا انهما يختلفان في جهات: منها: ان الكبرى في الخبر واحدة وفي التكاليف متعددة بين الجعل والمجعول.
ومنها: ان الترتب والطولية في الاخبار في عالم المجعول، ولا ربط له بعالم الجعل. في حين ان الترتب هنا بين عالم الجعل وعالم المجعول.
ومنها: ان فعلية الجعل في التكليف فرع حصول شرطه، وليس فرع حصول مجعول آخر غيره، كما في الخبر مع الواسطة.
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وبتعبير آخر: انه في جانب الاخبار بكون الترتب صغرويا صرفا. واما في مسألتنا فهو في الصغرى والكبرى معا. اما صغرى، فلأن الجعل بمنزلة العلة والمجعول بمنزلة المعلول. فيلزم من عدمه عدمه. واما كبرى، فباعتبار حاجة المجعول إلى كبرى الجعل، إذ لا معنى للامتثال بدونه. فيلزم من عدمه عدمه في كلتا الجهتين. بخلاف الخبر مع الواسطة.
ثالثاً: انه لا معنى للتعدد في عالم المجعول، فان المتعلق يصبح أمره فعليا بمقدار جعله. فإذا كان الجعل واحدا كان المجعول واحدا، ولا يوجد أي سبب لتعدده.
رابعاً: انه كما ان العبادات ذات تعدد في عالم المجعول، كما فُرض. كذلك في المعاملات. فان شروطها أيضا ينبغي القول باستقلاليتها. فلا يبقى فرق بين العبادات والمعاملات. كما كان مقصوده .
فان قيل: انه متعدد في العبادات لدفع إشكال المشهور.
قلنا: هذا يصدق في التعدد في عالم الجعل -لو تم-. واما في عالم المجعول فالمفروض تعدده على القاعدة، فينبغي ان يكون متعددا في المعاملات والعبادات.
النحو الثالث: لتعدد الأمر، وهو ما اختاره السيد الأستاذ للتفريق بين الواجب التوصلي والتعبدي.
ان التوصلي يسقط بالإتيان بالمطلق باعتبار نشوئه من غرض يستوفي بمجرد الإتيان بالفعل. فيسقط بلا بدل. واما الأمر التعبدي فهو ناشئ من غرض لا يستوفى الا بالحصة القربية الخاصة. فإذا أتى المكلف بالمطلق سقط الأمر إلى بدل. بمعنى ان المتعلق بعد سقوط خطابه الأول، يؤمر به
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مرة ثانية. فإذا أتى بالصلاة بقصد القربة سقط الأمر لا إلى بدل. والا سقط إلى بدل.
وهذا معنى من معاني تعدد الأمر، وان كان غير التعدد الذي قرأناه فيما سبق. لأن ما سبق هو ان يتعلق الأمر الثاني بقصد القربة. وهنا نقول ان كليهما متعلق بذات الفعل.
والمثال العرفي لذلك: ان يأمر خادمه الذي لا يعرف القراءة: ان يأتيه بكتاب. فان كان هو الوسائل، سقط الأمر لا إلى البدل، وان كان غيره قال له المولى آتني بكتاب آخر. فإذا جاء بالوسائل فهو ، والا أمره مرة أخرى. ويتجدد الخطاب إلى ان يتوقف الخادم إلى الإتيان بالوسائل. هذا في الموارد الشخصية.
واما في موارد الأمر الكلي، فهنا لابد للمولى ان يأمر بالصلاة على وجه كلي، وينصب قرينة عامة على ان هذا الأمر بالصلاة يتجدد، بمعنى انه يسقط فرد وينشأ فرد آخر. فله توجهات عديدة نحو المكلف. وهذه القرينة العامة التي ينصبها تجعل المكلف لا يخرج من العهدة الا إذا صلى بقصد القربة. لا لأنه تعلق مقيدا بقصد القربة. بل لأن له توجهات عديدة إلى المكلف، فلابد من التخلص منه بحيث يسقط لا إلى بدل.
فحال المكلف، حينئذ حال ما لو أمر المولى بقصد القربة. ولهذا يصح عرفا ان يبين هذه القرينة العامة بلسان تقييد الأمر. فيقال: صل بقصد القربة. وان كان قولنا: بقصد القربة ليس قيدا حقيقة للأمر. وإنما هي للقرينية بان خطاب صل، له توجهات متعددة، ويسقط إلى بدل، ما لم يؤت بالفعل بقصد القربة.
ــــــ[133]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: ان المولى أمر بما لا يحبه وهو ذات الفعل.
قلنا له جوابان:
الأول: انه يكفي ان يكون الأمر بنفسه مقتضيا لإيجاد المحبوب. وفي المقام كذلك لأن الأمر بنفسه يمكن للمكلف من إيجاد الجزء الثاني وهو القصد.
الثاني: انه يكفي ان يكون الأمر لا يحتمل ترتب المحبوب عليه. وفي المقام كذلك. وفي مثال المكتبة كذلك.
جواب ذلك من وجوه: أهمها:
أولاً: ان المفروض ان الغرض والإرادة متعلقة بالمقيد لا بالمطلق. والغرض المقيد يستحيل ان ينتج الأمر بالمطلق لأنه لا يحققه. أو قل انه لا يريده المولى، والفعل غير المراد يستحيل الأمر به.
فان قلت: فان هذا من ضيق الخناق لاستحالة الأمر بالمقيد.
قلنا: انه مع الاستحالة يمتنع الأمر مطلقا، سواء كان مطلقا أم مقيدا.
فان قلت: فان هذا يلزم منه تخلف العلة عن المعلول. قلنا: كلا. فانها ليست علة كاملة، لوجود المانع عن المطلق وهو استحالة البيان.
ثانياً: اننا لو سلمنا إمكان الأمر بجزء الغرض. فان ضممنا قضية الاحتياط العقلي بلزوم الإتيان بالقيد بعد التفات المكلف إلى الاستحالة، تم المطلب. ولا يتكرر الأمر ولا مرة ثانية فضلا عما بعدها، وان لم نضم هذا الاحتياط، كان في الإمكان تكرر الأمر آلاف المرات. ومع ذلك لا يجزي عن الغرض،
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
طول الوقت أو طول العمر.
ثالثاً: ما قاله من انه في الإمكان الاكتفاء بالأمر المقتضي لحصول المحبوب. نقول: ليس مقتضيا لا عقلا ولا عرفا إلى مدخوله ومتعلقه وهو الذات من دون القيد.
نعم، يحتمل المولى ان العبد يمثل صدفة، فيكون الأمر بالذات (معدا) لوجوده الصدفي. وهذا تسبيب ناقص عرفا أكيدا فكونه مقتضيا ليس بصحيح.
ثم ان السيد الأستاذ بين بيانا آخر، وقال: ان بعض المحالات مستحيلة من أي فاعل كالجمع بين الضدين، وهناك استحالات تختلف باختلاف أحوال الشخص. فمثلا: العبد المشلول يستحيل ان يأمره المولى بالحركة. لكن هذا مع معرفة شلله. واما المولى الذي يجهل ذلك، فيمكنه ان يتصدى لأمره وتحريكه.
قال: ومن هنا أمكن القول: بان الإنسان العرفي حيث لا يتوصل إلى هذه النكات لسذاجته، فهو يأخذ قصد القربة قيدا في المتعلق. نعم. المولى الملتفت إلى هذه النكات لا يعقل فيه ذلك
فصح لنا ان نقول: ان اخذ قصد القربة ثبوتا معقول في الإنسان العرفي. وغير معقول من الإنسان الأصولي الدقيق، والمولى الذي لا تخفى عليه خافية.
وهذا يؤكد ان المولى إذا أراد ان يبين النكتة العرفية، وهي تجدد الأمر بلسان التقييد. فهو في مقام البيان يتابع العرف، ويستعمل نفس هذا التعبير، ويقول: صل بقصد القربة.
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وجواب ذلك، من وجوه:
الوجه الأول: ان السيد الأستاذ اعترف بورود الإشكال الثاني من اشكالاته الأربعة على الاستحالة المشهورية. وهو التهافت الذهني في ذهن المولى، حيث يكون المتقدم متأخرا.
أقول: فإذا ورد عليه إشكال واحد، كفى في رده وعدم إمكان البناء على صحته.
الوجه الثاني: ان الاستحالة باقية ثبوتا وان لم تكن كذلك إثباتا. ومن هنا يكون التكليف في المثال من تكليف العاجز، وان لم يكن المولى ملتفتا إلى ذلك. بدليل انه لا يجب على المأمور الامتثال أكيدا.
الوجه الثالث: اننا لو اعتبرنا هذا البيان مستقلا عن البيان السابق، لم يمكن القول بالجواز، لكون مولانا عالما بالخفيات.
فان قلت: فانه ينزّل نفسه منزلة العرف. قلنا: هذا ممكن في مرحلة الإثبات والتخاطب. والمفروض ان الاستحالة ثابتة عقلا في مرحلة الثبوت ونفس الأمر. فهذا التنزيل لا يفيد في دفع الإشكال الثبوتي، بعد ان كان ملتفتا إلى النكات الواقعية التي يراها المشهور.
ويكفي ان نلتفت إلى ان تنزيله منزلة العرف، في هذا المورد محال، لأنه يلازم المحال.
الوجه الرابع: اننا لو اعتبرنا البيانين بيانا واحدا، كما هو ظاهر كلامه، فيكون المحصل: ان البيان العرفي للمولى هو جعل التقييد قرينة على تكرار الأمر ما لم يأت المكلف بالفرد القيد.
ــــــ[136]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهذا:
أولاً: يأتي عليه نفس إشكالات ذلك البيان. إذ بغض النظر عن الاحتياط العقلي لا يكون ذلك مؤديا إلى غرضه. ومع أخذه بنظر الاعتبار لا يحتاج الأمر إلى تكرار إطلاقا.
ثانياً: ان هذه القرينية العرفية غير ذلك المعنى بان العرف يغفل عن الاستحالة، فيكون في إمكانه التصريح بالقيد. فإذا جازت القرينة عرفا لم تجز من ناحية الغفلة. لفرض كون مولانا غير غافل عن الاستحالة.
فإذا اعتبرنا البيان مركبا من كلتا النكتتين، كانت نكتة علمه بالاستحالة، متقدمة رتبة على نكتة القرينية على التكرار. والاستحالة المتقدمة رتبة، هي التي يكون لها صالح النتيجة. فيكون الأمر محالا.
تأسيس الأصل في المسألة:
وهو الثالث من تقسيمات الشيخ الآخوند في الكفاية: في مجرى الأصل في موضوع المسألة.
والكلام تارة يقع في الأصل اللفظي وأخرى في الأصل العملي. فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأول: في انه هل يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لإثبات التوصلية ونفي التعبدية. كما لو قال: اغسل ثوبك ولم يقيد بقصد الأمر. أو لا يمكن.
اما بناء على مسلك إمكان التقييد، فلا إشكال فيه، لأنه يكون حاله حال
ــــــ[137]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
سائر القيود التي تنفى بالإطلاق. باعتبار ان مقدمات الحكمة تكون جارية، وانه يستطيع ان يقيد ولم يقيد. وهذا هو المختار هنا، بعد ان كان المختار هو إمكان التقييد كما سبق.
وإنما يقع الكلام بناء على استحالة التقييد بقصد القربة. فانه لا يستطيع ان يقيد. وقد قال صاحب الكفاية في أول الأمر انه لا مجال للاستدلال بإطلاقه ولو كان مسوقا في مقام البيان على عدم اعتباره. كما هو أوضح من ان يخفى. فلا يكاد يصح التمسك به الا فيما يمكن اعتباره فيه. أي يمكن التقييد، وهو غير محل الكلام.
أقول: لا يمكن ان يكون مسوقا لبيان عدم اعتباره لفرض استحالة التقييد. فان المولى لا يستطيع ان يبين الاعتبار وعدمه. فينتفيان معا.
فان قلت: انه مسوق باعتبار قرينة أخرى حالية أو مقالية.
قلنا: أولاً: ان الكلام في فرض عدم القرينة. ثانياً: ان القرينة الثانية تكون من قبيل تعدد الأمر ونحوه. فإذا آمنا به، أمكن القول بجريان مقدمات الحكمة لنفي الأمر الثاني، كما يأتي. ولا يتم ما قاله.
ثم قال: فانقدح بذلك انه لا وجه لاستظهار التوصلية من إطلاق الصيغة بمادتها، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه مما هو ناشئ من قبل الأمر، من إطلاق المادة في العبادة لو شك في اعتباره فيها.
يرد عليه: ان قصد الوجه غير قصد الأمر. وما استشكلوا فيه هو قصد الأمر لا قصد الوجه.
فان قلت: فان الوجه يراد به جامع قصد القربة الشامل لقصد الأمر، وقد
ــــــ[138]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
استشكلوا فيه أيضا. وقد سبق ان قلنا ان الجامع بين المحال وغيره محال.
قلنا: هذا مطعون كبرى وصغرى. اما كبرى فلأنهم اعتبروا الجامع خروجا عن الاستحالة، وقالوا بان الجامع بين المحال والممكن ممكن. فلا يكون قصد الوجه محالا كقصد الأمر.
واما صغرى، فلأن قصد الوجه اعم من هذا الجامع أيضا. فلا يحتمل ان يكون محالا. ولذا مثلوا له بالوجوب والندب والقصر والتمام والأداء والقضاء. وهذا ليس من سنخ الأمر إطلاقا. وإنما هي من سنخ المادة، واغناؤها عن قصد الأمر بمجردها غير محتمل.
فان قلت: كما قال الشيخ الآخوند: ان قصد الوجه ناشئ من قبل الأمر، فيكون محكوما بحكمه من الاستحالة، وان كان متأخرا عنه رتبة.
قلنا: اننا عرفنا ان المصطلح لا يراد به ما كان ناشئا من الأمر المدلول عليه بالصيغة. بل هو من قيود المادة وخصائصها. اللهم الا ان يريد الشيخ الآخوند ذلك بقرينة إيضاحه له.
وهو:
أولاً: خلاف المصطلح.
وثانيا: انه يعود إلى معنى الجامع، فيكون ممكنا كما سبق. ولا اقل انه لا يشمله دليل الاستحالة، باعتبار اختصاصه بالأمر.
فان قلت: فاننا أشكلنا على ذلك وقلنا: ان اخذ الجامع من اجل اخذ الأمر محال، مادام الأمر حصة منه كما سبق.
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا: نعم. الا اننا نتكلم خارج المشهور القائل بالاستحالة، واما إذا تكلمنا على القول بها، فانه لا يتعين عندنا أحد التفاصيل المختلف بها دون غيرها. ولا اقل ان المشهور إنما رأيه على استحالة خصوص الأمر لا على استحالة الجامع.
قال: نعم، إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه. وقد سكت ولم ينصب قرينة أو دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله. كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه. والا لكان سكوته نقضا لغرضه وخلاف الحكمة.
فلابد عند الشك وعدم إحراز هذا المقام، من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل ويستقل به العقل.
ويمكن النقاش في ذلك، باعتبار استحالة ان يكون المتكلم في مقام البيان من ناحية الأمر المستحيل تقييده.
فان قلت: فانه في مقام بيان تمام ما له دخل في الغرض، لا ما له دخل في الأمر. قلنا: نعم، ولكن المفروض ان ما له دخل في الغرض لا مجال لبيانه الا من ناحية الأمر. فإذا استحال تقييد الأمر استحال تقييد الغرض أو بيان الغرض المقيد.
نعم، لو كان له مجال آخر غيره، أمكن التمسك بإطلاقه، كالأمر الثاني أو جامع قصد القربة، ونحو ذلك. الا ان هذا راجع إلى وجه سيأتي مع مناقشاته وليس وجها مستقلا. على اننا لا ندري ان الشيخ الآخوند يرى صحة تلك الوجوه أم لا. لأنها مطالب متأخرة عن عصر الكفاية.
ويبدو ان الأصوليين اختلفوا هنا، فبعضهم مشى على الطبع الأولي وقال:
ــــــ[140]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ان مقتضى الإطلاق كون الأمر توصليا، ما لم يثبت التقييد بالتعبدية: وعندئذ يضطر ان يتصور تقريبا مناسبا مع مسلكه يثبت التوصلية وينفي وجوب الاحتياط. لأن القول بجريان أصالة البراءة في الفقه عن الشرط هو المسلم دون وجوب الاحتياط.
وقسم منهم قالوا بالعكس، وان التعبدية هي مقتضى الإطلاق. وان التوصلية تحتاج إلى تقييد. وفي حدود فهمي: ان من قال باستحالة التقييد واستحالة الإطلاق المقابل له. يضطر إلى وجه تعملي عقلي لقلب الحال كما في المقام. والا فمن الواضح عرفا ومتشرعيا ان التعبدية ناشئة من القيد والتوصلية من عدمه. لا العكس.
اما من قال بالاستحالة وقال بان التعبدية تحتاج إلى القيد. وذهب إلى ان التقييد لنكتة زائدة. كفاه التمسك بالإطلاق، لنفي تلك النكتة الزائدة. باعتبار ان المولى كان يمكنه ان يبينها ولم يبينها. إذن فهو يريد الإطلاق. بالرغم من وجود الاستحالة الأصلية. وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ الآخوند، كما حللنا كلامه.
وأشار إليه أيضا السيد الأستاذ، بتقريب: ان قصد الأمر وان كان لا يعقل أخذه قيدا في متعلق الأمر. ولكن أخذه إثباتا أمر معقول وصحيح.
والمقصود من الأمر الاثباتي: ذلك المبرر الذي ذهب إليه القائل بالاستحالة، وهي عدة مسالك:
1 – متمم الجعل أو الأمر الثاني
2 – تكرارية الأمر، كما ذهب إليه السيد الأستاذ.
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
3 – اخذ جامع القربة، مع القول بإمكانه
4 – اخذ جامع قصد الوجه مع القول بإمكانه.
5 – ذكر القيد بنحو الجملة الخبرية، بعد ان كان ذكره بنحو الإنشاء مستحيلا.
6 – الإطلاق المقامي الذي قال به الشيخ الآخوند بلحاظ الغرض. إلى غير ذلك من المسالك.
فكلما شككنا بأخذ قصد القربة قيدا بأحد هذه الانحاء، لا بالنحو المستحيل، أمكن نفيه بالإطلاق.
إذن، فهذا الوجه ينحل إلى عدة وجوه، بعدد الحلول التي جعلت للاستحالة، وهي تستوعب اكثر من قال بالاستحالة.
قال: نعم. لو فرض على هذا المسلك انه اخذ الجامع وشككنا انه هل يعتبر فيه قصد الأمر بالخصوص أو لا. لا يمكن التمسك بالإطلاق لنفي قصد الأمر، كما سيأتي.
وجواب ذلك، جملة: اننا ناقشنا في هذه المسالك. وقلنا انه لو استحال اصل المطلب المشهور، إذن ينبغي القول بان كل تلك المسالك مستحيلة أيضا، لأنها لم تقدم حلا صحيحا للاستحالة. وعندئذ تكون هذه المسالك صغرى لتعذر التقييد. فتعود المشكلة مرة أخرى.
خلافا لما يقوله في المحاضرات: من اننا لو فرضنا ان قصد الأمر مستحيل، فاخذ الجامع غير مستحيل. ولو فرضنا انه مستحيل فقصد الأمر غير مستحيل.
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أقول: اننا سبق ان قلنا: اننا لو فرضنا استحالة ذلك كانت كل هذه الحلول مستحيلة. الا انها في الواقع ممكنة بإمكان اصل التقييد، وعدم ثبوت الاستحالة المشهورية.
………………………..
واما العكس الذي أشرنا إليه. فقد قالوا: ان الأصل في الأوامر ان تكون تعبدية ما لم يثبت العكس. وذلك بعدة أدلة سردها في المحاضرات.
الدليل الأول: ان الغرض من الأمر هو إيجاد الداعي للمكلف نحو الفعل أو الترك. من حيث ان الأمر فعل اختياري للمولى. فيستقل العقل بلزوم الإتيان بالمأمور به بداعي الأمر تحصيلا للغرض. وهذا هو معنى كون الأصل في كل واجب انه تعبدي.
يرد عليه:
أولاً: ان العقل يحكم بان غرض المولى هو إيجاد مطلق الداعي، وليس الداعي نحو قصد الداعي.
ثانياً: ان هذا لو تم فهو ليس من الإطلاق اللفظي، بل هو من قبيل الأصل العقلي. نعم، لو كان ظهور عرفيا أو متشرعيا لكان إطلاقا، الا ان المفروض عدمه.
ثالثاً: اننا يمكن ان ننكر لزوم التعبد بالأمر عقلا. وان كانت الطاعة لازمة. الا ان المقصود منها عقلا، مطلق الطاعة. بكل الملاكات السابقة، لا خصوص الطاعة المقصودة.
ــــــ[143]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وأجاب عليه في المحاضرات بعدة اعتراضات، عنوانها اثنان لا اكثر:
أحدها: ان هذا لو تم فهو مشترك بين الواجبات التعبدية والتوصلية، فلا يبقى فرق بينهما.
جوابه: – بعد التنزل عما قلناه -: ان هذا على خلاف مراد المستدل. لأنه يريد ان يقول: ان الأصل في كل الواجبات هو التعبد، وليس هناك توصليات الا ما دل الدليل عليه. فإذا كان هذا مشتركا بين التعبديات والتوصليات، إذن، فينبغي ان يعترف انها جميعا تعبديات. وان التوصليات هي خصوص ما دل الدليل على استثنائها عن القاعدة.
ثانيها: انه يستحيل تخلف النتيجة عن الغرض دائما، وهذا ينتج انه يستحيل ان يكون الغرض من الأمر هو وجود المأمور به خارجا. والا لاستحال تخلفه. فان الغرض هو إمكان ترتبه عليه لا فعلية ذلك. وهذا لا يتخلف عن طبيعي الأمر. فلا معنى عندئذ لوجوب تحصيله على المكلف.
وجوابه من وجوه:
أولاً: ان الغرض الذي يستحيل تخلفه هو الغرض التكويني. وكلامنا في الغرض التشريعي.
ثانياً: ان المستشكل قال: ان غرض المولى إيجاد الداعي لدى المكلف. ولم يقل بان غرضه وجود المأمور به خارجا، ليرد عليه الإشكال.
ثالثاً: قوله: فلا معنى لوجوب تحصيله على المكلف. ان كان المقصود هو إمكان الترتب فنعم. الا انه فعل المولى ومربوط به. وان أريد امتثال الغرض وإنجازه، فالوجوب التشريعي ثابت له يعني استحقاق العقاب على
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
تركه. ولا يراد به الوجوب أو الإمكان التكويني بطبيعة الحال.
وفي الحقيقة ان الغرض من الأمر، ليس هو داعويته إلى إيجاد المأمور به. كما قال صاحب الإشكال، ولا إمكان ذلك مع علم المكلف به، كما قال في المحاضرات. وإنما الغرض هو الإعداد إلى وجود المصلحة خارجاً، على تقدير طاعة المكلف.
فان المراد بالغرض ليس الا العلة الغائية. وهي قد تتعلق بالإرادة التكوينية، فتكون علة تامة، وقد تتعلق بالإرادة التشريعية، فتتوقف على إرادة المكلف، ويكون الأمر إعداداً لها.
والعلة الغائية فكرة في أولها ومصلحة في آخرها. وهو بهذا المعنى لا يعين كون الأصل هو التعبد أو ان المطلوب أساسا هو قصد الامتثال.
ثالثاً: انه قال: لو سلمناه فلا يجب على العبد تحصيله. ضرورة ان الواجب بحكم العقل إنما هو تحصيل غرضه المترتب على وجود المأمور به في الخارج، دون غرضه المترتب على أمره.
جوابه: أولاً: ان الغرض واحد حقيقة من الأمر في كل مراتبه. لأن الغرض من الأمر إنما هو الإعداد لوجود المأمور به في الخارج. وليس هناك غرضان أحدهما في الأمر والآخر في الامتثال.
ثانياً: انه ان كان الغرض مربوطا بالمكلف، فيجب عليه إنجازه. وهو معنى الوجوب الشرعي. الا اننا قلنا: ان الغرض من الأمر مربوط بالمولى، وهو يتحقق بنفس صدور الأمر، وهو الإعداد للامتثال، الذي هو بدوره إعداد
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لوجود المصلحة.
ثالثاً: انه لو تنزلنا، فيمكن القول: بان غرض الأمر وغرض الامتثال يحصلان معا بنفس الامتثال. لأن الغرض – كما قال – هو كون الأمر طريق محض إلى ما هو الغرض من المأمور به. فيحصل الغرض منهما معا في الامتثال، الطريق وذي الطريق.
ثم قال: وأضف إليه: ان هذا الغرض لا يكون نقضه خاصاً بالتعبديات، بل هو مشترك مع التوصليات. لاشتراكهما فيه وعدم الفرق بينهما في ذلك أصلا.
جوابه:
1- ان هذا تكرار لما ذكر فيما سبق، وليس يراد به شيء آخر، مع انه ذكره في وجهين مستقلين.
2 – ان هناك فرقا في سنخ الغرض. فان الغرض من الأمر التعبدي لا يتحقق الا بالإتيان بالفرد المقيد. والإتيان بالفرد التوصلي بخلافه. ولذا قلنا فيما سبق ان مقدماته غير منتجة. لان الغرض من الامتثال بقصد الأمر، بل إلى مطلق الامتثال. فلو غضضنا النظر عن ذلك كان الكل تعبديا الا ما خرج بدليل.
الدليل الثاني: في المحاضرات لأصالة التعبدية: انه ورد في عدة روايات: إنما الأعمال بالنيات، ولكل أمرئ ما نوى.
ببيان: ان كل عمل لو خلا عن نية التقرب، فهو ليس عملا، ولا اثر له. الا ان يقوم دليل من الخارج على وجود اثر له. وهو معنى التعبدية في
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الواجبات.
وجوابه من عدة وجوه:
أحدها: ما ذكره في المحاضرات، ولعله الموافق مع الارتكاز المشهوري. من ان هذه الأخبار وامثالها نظرها إلى الثواب مع الإتيان بالحسنة، وليست ناظرة إلى الفساد على تقدير الترك. فان جهز الميت قربة إلى الله تعالى أثيب، والا فلا.
ويمكن ان يجاب ذلك:
أولاً: بمفهوم الحصر، فانه يقول: إنما الأعمال بالنيات. فإذا لم تكن النيات موجودة فالأعمال غير موجودة. وظاهرها إسناد الوجود للعمل أصلا لا إلى قبوله وثوابه. والا احتجنا إلى تقدير، وهو خلاف الأصل. فهي ناظرة إلى ذلك. بل هي نص في الإطلاق من هذه الناحية.
ثانياً: ما قاله: من ان الفرد إذا قصد القربة حصل الغرض المقصود وهي المثوبة والا فلا.
أقول: ان كان المقصود والغرض هو المثوبة، فتخلف الغرض يقتضي تجدد الأمر، وهو يلازم القول بالفساد. لأن الغرض لا يسقط على المفروض، فيكون سببا لتجدد الأمر والإرادة، وهو معنى وجوب الإعادة، مع انه في التوصليات غير محتمل.
ثالثاً: انه يمكن القول من وجهة نظر المستدل: ان المثال الذي ذكره وهو تجهيز الميت، توصلي. لأنه دل الدليل على استثنائه من القاعدة. وليس له ان ينقض عليه بأمر مسلم الخروج عن القاعدة، مع وضوح وجهه.
ــــــ[147]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانيهما: لزوم تخصيص الأكثر. قال: حيث ان اكثر الواجبات في الشريعة الإسلامية لا يعتبر فيها قصد القربة. فالواجبات التعبدية قليلة جدا بالإضافة إليها. ومن الواضح ان تخصيص الأكثر مستهجن، فلا يمكن ارتكابه.
جوابه: اننا يمكن ان نطعن به صغرويا من وجوه:
الوجه الأول: ان المتوهم – بالفتح – في الواجبات التوصلية إنما هو ما يكون في المعاملات والجنايات من وجوب حفظ المال والنفس والعرض. وكلها تكاليف توصلية وهي اكثر من التعبدية.
وجوابه: ان هذا يرجع إلى الحرام، وإنما نعبر عن ضده بانه واجب.
الوجه الثاني: اننا نحسب حساب فرد بعينه، فنجد انه لا يحتاج إلى كل تلك المعاملات والجنايات، وليست داخلة في محل ابتلائه. فمن الممكن ان يكون الواجب التعبدي له اكثر من التوصلي أو بمقداره. فلا يكون من استثناء الأكثر. كما لا ضرورة إلى لحاظ عموم الأحكام.
الوجه الثالث: انه يمكن القول بان الأحكام التعبدية اكثر من التوصلية. لو استثنينا الأحكام الوضعية، التي هي بمنزلة الأجزاء والشرائط للمعاملات وغيرها. فان الكلام هنا في الأوامر الاستقلالية. ويمكن القول انه لا يوجد أمر استقلالي توصلي إطلاقا. ولا اقل من انه نادر في الشريعة. فكيف نقول انه هو الأكثر.
الوجه الرابع: اننا لو فرضنا ان أفراد الواجبات التوصلية، اكثر فان عناوينها العامة اقل. كوجوب حفظ المال والعرض والنفس بأي سبب كان. فتكون مساوية للتعبدية بل اقل. وليس من المعقول: ان نلحظ جانب التعبديات بعناوينه وجانب التوصليات بأفراده. بل لابد من تساوي اللحاظ من هذه
ــــــ[148]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الناحية. فلا تكون النتيجة، كما يريد في المحاضرات.
وقال في المحاضرات أخيرا: فالنتيجة: ان هذه الروايات ولو بضمائم خارجية، ناظرة إلى ان الغاية القصوى من الواجبات الإلهية، وهو وصول الإنسان إلى درجة راقية من الكمالات، واستحقاقه لدخول الجنة وحور العين وما شاكل، لاتترتب الا بإتيانها خالصة لوجه الله. وليست ناظرة إلى اعتبارها في الصحة وعدم استحقاق العقاب.
أقول اننا لو غضضنا النظر عن كل ما قلناه، فالمناقشة هنا، هو ان الكمال الراقي للإنسان ليس هو دخول الجنة ومعانقة الحور العين. وان كان هو كمالا في الجملة، وموعدا به في ظاهر الشريعة. الا ان الكمال الأعلى اكثر من ذلك بكثير، حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
الا ان الاستدلال بهذه الأخبار مع ذلك لا يتم لعدة وجوه:
الوجه الأول: الحمل على المستوى الأخلاقي. بدليل الروايات الأخرى، كقوله: نية المرء خير من عمله ونية الكافر شر من عمله. فيتعين المستوى الأخلاقي.
الوجه الثاني: الحمل على المستوى التكويني. والمراد: ان العمل لابد له من القصد مادام اختياريا. بل إنما يكون عملا ويصدق عليه ذلك إذا كان اختياريا.
الوجه الثالث: الإشارة إلى سوء الباطن وحسنه. فان كان الباطن حسنا كانت اغلب الأعمال حسنة، وإذا كان سيئا كانت اغلبها سيئة. والتعبير بالنية باعتبار كونها باطنية غير معروفة للآخرين، أو لكونها منشأ للجهة العملية للفرد. والا فالمقصود بها النفس لا النية التفصيلية في كل عمل. فيكون قدر المرأ
ــــــ[149]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بمقدار مستوى نفسه الذي يموت عليه.
الوجه الرابع: إعراض المشهور. فاننا إذا فهمنا النية في هذه الأخبار فهما فقهيا، فانه لا يحتمل نفي العمل تكوينا. نعم يحتمل نفيه فقهيا وهو معنى عدم إجزائه. الا ان هذا غير محتمل، وقد اعرض عنه الأصحاب.
فان قلت: ان إعراض الأصحاب ليس بمعتبر عندنا. قلنا: نعم. الا ان الأمر هنا مسلم بل هو غير محتمل فقهيا.
الوجه الخامس: ان نقدر كلمة كقولنا: ثواب العمل أو أهمية العمل، أو قيمته أو نحو ذلك، لا اصل وجوده، كما هو ظاهر العبارة. وهذا الوجه خلاف الظاهر طبعا.
الوجه السادس: ان نفهم من العمل حصة منه لا كله، وهو العمل المربوط بالنية وهو العمل العبادي، فكل عمل منه مربوط بالنية. وهذا صحيح. واما التوصلي فليس مربوطا بها. فلابد عندئذ ان نعرف من الخارج ان هذا العمل عمل عبادي أم لا. ولا يتم ضرب القاعدة العامة. بذلك.
وعلى أي حال، فبعض هذه الوجوه صحيحة.
الدليل الثالث: على أصالة التعبدية ( في المحاضرات): قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
فانها دالة على حصر الأوامر بالأوامر العبادية، وتدل على لزوم الإتيان بها عبادة وخالصة، وهي نية القربة. وهذا معنى كون الأصل في الواجبات هي التعبدية، وان التوصلية تحتاج إلى دليل.
وأجاب في المحاضرات: بوجود قرينة متصلة ومنفصلة عليها.
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اما المتصلة، فقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. حيث يستفاد من هذا ان الله تعالى في مقام حصر العبادة بعبادة الله تعالى. وليس في مقام حصر كل أمر ورد في الشريعة المقدسة بكونه عباديا الا ما قام عليه الدليل. فهي في مقام تعيين المعبود لا العمل العبادي. واما القرينة الخارجية، فهي لزوم تخصيص الأكثر، لأن اغلب الواجبات توصلية.
اما كثرة التخصيص فقد اجبنا عليه، واما القرينة المتصلة، فصحيحة. ويؤيده قوله تعالى: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. بمعنى القيمين أو الجماعة القيمة، وهم الأولياء والمعصومون. إذن فالمطلوب رفع درجة العبادة والإخلاص إلى مثل هذا المستوى. وهذا لا يحتمل فقهيا في الأعمال، وإنما هو مطلوب أخلاقي.
مضافا إلى وجوه أخرى في الجواب:
أولاً: ان تقديره: وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله. ولم يقل: وما أمروا إلا بعبادة الله. فالغرض من الامتثال هو العبادة. وليس العكس.
ثانياً: ان اصطلاح العبادة، اصطلاح متأخر، واما في اللغة فمعناه مطلق الطاعة. فيشمل التوصلي.
………………………..
المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي عند الشك في التعبدية والتوصلية، بعد الفراغ أو التنزل عن الأصل اللفظي الذي انتهينا منه. فتصل النوبة إلى الأصل العملي.
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهنا يمكن ان نقسم المسالك التي عرفناها فيما سبق في هذا المبحث إلى ثلاثة رئيسية:
المسلك الأول: مسلك من يقول بإمكان التقييد بقصد الأمر كسائر القيود، كما اخترناه واختاره الأستاذ المحقق في المحاضرات.
المسلك الثاني: مسلك جماعة من الأصوليين المشهوريين الذين وجدوا لهم منفذا للخلاص من هذا المأزق المشهوري. واشهرها مسلك متمم الجعل أو الأمر التكراري أو الجملة الخبرية أو غيرها.
المسلك الثالث: مسلك الأصوليين الذين قالوا بالاستحالة المشهورية، ولم يكن لهم منفذ عنها. اما لأنهم لم يلتفتوا إلى هذه الأمور كصاحب الكفاية باعتباره اسبق زمانا عليها. واما لأنهم ناقشوها واثبتوا بطلانها، كما فعلنا نحن لو فرضنا اننا كنا عملنا بالبراهين المشهورية أساسا.
ولم نجد لذلك مصداقا معينا من الأصوليين، لأن آراء كثير من المتأخرين والمعاصرين غير واصلة إلينا.
اما على المسلك الأول: فالإشكال منتف بالمرة، لا من ناحية الأصل اللفظي، ولا من ناحية الأصل العملي. فحال هذا القيد حال سائر الأجزاء والشرائط.
والمشهور في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر، هو جريان البراءة، سواء كانا اقل أو اكثر ارتباطيين أو غير ارتباطيين. وهذا هو المسلك القطعي في الفقه، لأنهم يجرون البراءة عن كل ما يحتمل جزئيته أو شرطيته في الواجبات الارتباطية كالصلاة.
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فلابد للفقيه ان يكون قد أجاب في الأصول بجواب يجيز جريانها. ليحصل على مثل هذه النتيجة المسلمة. والمهم الآن ان هذا الشرط والقيد، لا يختلف عن غيره من هذه الجهة.
المسلك الثاني: وهو مسلك من وجد منفذا عن الاستحالة المشهورية. فأيضا الحال نفسه كما في المسلك الأول، لعدم استحالة التقييد خارجا بحسب النتيجة، وإنما تبقى الاستحالة نظرية في موردها. وإنما الصيغ الشرعية قائمة على ما هو ممكن.
فيصبح الحال بالضبط كالأول، لكن بعد توسط النظرية الأصولية التي قالوا بها بالإمكان. وليس على مقتضى القاعدة الأولية، كما هو على المسلك الأول.
المسلك الثالث: مسلك من يقول بتعذر التقييد مطلقا بقصد الامتثال كصاحب الكفاية.
فيحسن هنا ان ننقل كلامه أولاً. فانه قال: انه لا مجال الا لأصالة الاشتغال ولو قيل بالبراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين. وذلك: لأن الشك ههنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها. فلا يكون العقاب مع الشك وعدم إحراز الخروج عقابا بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان. ضرورة انه بالعلم بالتكليف تصح المؤاخذة على المخالفة وعدم الخروج عن العهدة. لو اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة بلا قصد القربة.
وهذا البيان، بهذا المقدار، ينبغي ان يكون واضح الجواب. لأنه يحتاج إلى ضم مقدمة، وهي لزوم حق الطاعة حتى في القيود المحتملة مما لم يدل
ــــــ[153]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
عليه دليل. وهذا مما لا يقول به المشهور. ولذا قالوا البراءة العقلية.
نعم، لو قلنا بالاشتغال في مسألة الأقل والأكثر، كان للاشتغال هنا وجه. لكن لو قلنا هناك بالبراءة، تعين هنا أيضا، لأن المفروض، عدم الدليل على وجود التكليف لتعذر التقييد، إذن فالتقييد غير موجود، فيكون مجرى للبراءة، ولا وجه للاشتغال بعد وجود البراءتين العقلية والشرعية.
ولذا تمسك المتأخرون عنه، بما فيها التقريرات والمحاضرات، للاعتذار عنه بالتمسك بالغرض. لأن المفروض ان الغرض مقيد بالشرط المتعذر ذكره، وعندئذ يجب طاعة الغرض أو تحقيقه، وهي نتيجة القول بالاشتغال، ولا مجال لجريان البراءة في الغرض، فانها إنما تجري في التكليف لا في الأغراض. هذا مع ان صاحب الكفاية لم يتعرض إلى هذا المستوى من التفكير.
الا ان هذا بمجرده لا يتم لعدة وجوه:
أولاً: لما قلناه من ان إطاعة الغرض وتحقيقه بدون ان يكون مقترنا بالخطاب غير واجب لا عقلا ولا شرعا.
ثانياً: لعدم علم المكلف بكون الغرض مقيدا بقصد القربة. لأنه مما لم يدل عليه دليل، بعد كون الدليل ممتنعا، فتجرى عنه الأصول النافية.
ثالثاً: النقض ببعض التوصليات، فانه من المحتمل ان تكون أغراضها تعبدية ولم يمكن بيانها. وخاصة بعد ان قلنا انه لا يمكن بيان (التوصلية) فضلا عن (التعبدية).
وليس من حق الأصولي هنا ان يأخذ مسلما: ان الغرض مقيد بقصد
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الامتثال في علم الله. لكون هذا ونحوه غير معلوم لدى المكلفين. نعم، لو عرفه المكلف بدليل خارجي لزمه الاحتياط.
على اننا قلنا ان المهم هو إطاعة إرادة المولى وليس تنفيذ الغرض. ولا دليل للمكلف على ان الإرادة مختصة بالأمر المقيد بعدما كان الأمر مطلقا على الفرض.
ثم انه ذكر في المحاضرات: ان الشيخ الآخوند ذهب إلى الاشتغال العقلي في كلتا المسألتين: مسألتنا هذه ومسألة الأكثر والأقل الارتباطيين.
وقال في المحاضرات: ان المسألتين عنده يشتركان بأمر ويختلفان بأمر. اما نقطة الاشتراك فهي: ان العقل كما يستقل بوجوب تحصيل الغرض هناك عند الشك في حصوله. كذلك يستقل بوجوب تحصيله هنا. ومن ثم التزم بعدم جريان البراءة العقلية هناك، كما في المقام. فيكون حكمه هنا بلزوم تحصيل الغرض، قائما على أساس ما بنى عليه هناك من استقلال العقل بذلك عند الشك في حصوله.
واما نقطة الافتراق، فهي انه التزم بجريان البراءة الشرعية هناك لعدم المانع من شمولها للجزء المشكوك، بعد ان ثبت الشمول بالإطلاق لدليلها ظاهرا.
واما في المقام فمنع عن أصالة البراءة الشرعية لاستحالة التقييد مطلقا بنظره، لا بالأمر الأول ولا بالأمر الثاني، فيتعين الاحتياط. ولا تجري البراءة فيه عند الشك في اعتباره ودخله في الغرض.
أقول: هذا بغض النظر عما قلناه من الشك في تعبدية الغرض وإمكان جريان الأصل النافي لذلك.
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
كما انه لم يذكر انه لماذا إذا استحال التقييد استحال جريان البراءة، مع انه مشمول لإطلاقه اللفظي كبرى وصغرى، فكأنه يحتاج إلى نحو من مقدمات الحكمة. وهي انه يستطيع ان يقيد فيشك المكلف في انه ذكر القيد المستطاع له أم لا، فتجري البراءة.
مع العلم ان هذا القيد لجريان البراءة، غير عرفي أكيدا بل غير عقلي. فانه لو سلم كان للشارع العفو عن النقيصة على كل حال، ورفع التكليف عن الجاهل، حتى لو كان الشارع مفوتا بذلك لغرضه لعجزه أو بأي سبب آخر. ولا يلزم من ذلك محذور. حتى محذور تفويت الغرض من قبل الحكيم، لأنه في طول جهل قصوري.
بل يستطيع ان يعفو حتى عما هو معلوم تفصيلا،(1) وهذا غير مسألة البراءة العقلية التي هي بحكم العقل وخارجة عن اختيار الشارع. في حين ان البراءة الشرعية داخلة تحت رحمته واختياره.
ثم قال في المحاضرات: فما ذكره من التفريق بين مسألتنا هذه ومسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، مبتن على ضوء نظريته. وما إذا منعنا عنهما في كلتا المسألتين أو في أحدهما لا يتم ما أفاده. وحيث انها ممنوعة وخاطئة في كلتا المسألتين، فلا مناص من الالتزام بعدم التفريق بينهما.
أقول: يعني في القول بجريان البراءة في كليهما، وهذا صحيح في النتيجة، وان اختلفت مقدمات الاستنتاج.
وقال في نهاية كلامه: قد استطعنا ان نخرج في نهاية المطاف بهذه
ــــــ[156]ـــــــ
(1) سيأتي بعد حوالي صفحتين شيء من النقاش حوله فانتظر.
منهج الأصول (الجزء الرابع)
النتيجة، وهي ان مقتضى الأصل اللفظي والعملي في هذه المسألة هو التوصلية، وان التعبدية تحتاج إلى دليل.
قلنا: ان البراءة العقلية إنما هي عن حكم الشارع، وهي منفصلة عن الشارع وخارجة عن اختياره كشارع لا كخالق. كما انها خارجة عن اختيار العقل، لأنه ليس له ان يكذب، ولا يكذب الرائد أهله (بل الإنسان على نفسه بصيرة). وإنما هي أمور واقعية يراها العقل ويخبر عنها. وهو مرآة صافية لرؤية الواقع مع حسن التوفيق.
فمثلا فيما يخص المقام: ان حق الطاعة هل هو شامل للمحتملات أو هو خاص بالمعلومات.
واما موقفه كخالق، فهو يستطيع ان يغير من رأي العقل، أو من رؤيته للواقعيات. ولكننا نعتقد ان هذا الذي نراه هو الواقع وان الله تعالى لم يغير لنا شيئا، بل اقتضى الخلق الذي هو في احسن تقويم إيجاد العقل مرآة صافية لا اكثر. وان كان هو قادر على توسيخها، الا انه لا يوسخها، وإنما توسخها الذنوب والشبهات.
ثم اننا قلنا: ان المشهور من الأصوليين وبخاصة السيد الأستاذ، يعاملون الشارع كأن له نفساً بشرية. مع انه أجلّ من ذلك. لا تنفعه طاعات عباده ولا تضره معاصيهم.
فهنا يقال: انه إنما يضع الحب والبغض في نفوس أوليائه، وهم لهم نفوس بشرية، فتصدق عليهم هذه الأمور. ومن ذلك الملاكات والإرادة التشريعية ونحو ذلك.
قلنا: أولاً: ان الكلام هنا ليس في صدق الكراهية، وإنما في إضرار
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
تفويت الغرض من قبل المكلف للمولى. مع انه لا يضره حقيقة.
فان قلت: انه يضر الأولياء. قلنا: كلا، لأنهم مبلغون، وليسوا – من هذه الناحية – آمرين ولا مأمورين. وضرره لله سبحانه محرز العدم. وضرره للمكلف يمكنه عقلا وشرعا ان يتحمله.
ثانياً: انه حتى لو صدقت هذه الكبرى بجعل الحب والبغض في نفوس الأولياء، الا ان ذلك لأجل حاجة ثانوية مربوطة بعلم الكلام. ولا ربط لها بالتشريع والفقه. ولا يخرج الأولياء بذلك عن مجرد الطريقية للأمر الإلهي، وليس لهم من الأمر شيء في الحقيقة، لا تكوينا ولا تشريعا بازاء أمر الله سبحانه.
ومعه فلا ربط لهم بالغرض ليكون تفويته مضرا لهم. ولا بالأمر ليكون عصيانه مؤسفا لهم. وان كانوا يتأسفون على القاعدة لحب الله سبحانه.
ثم اننا قلنا قبل قليل: ان إجراء البراءة ممكن في المقام، لأن التقييد وان كان مستحيلا، الا ان رحمة الله وسعت كل شيء وخاصة في ظرف الجهل. فان له سبحانه ان يعفو عن الواقع المجهول، ولا يكون ذلك مشمولا لدليل الاستحالة.
بل قلنا: انه يمكن ان يعفو عما هو متيقن من التكليف فضلا عما هو مشكوك أو مجهول. وهذا يحتاج إلى شيء من المناقشة.
فانهم قالوا: ان هذا متعذر بأحد دليلين:
الدليل الأول: انه يحتوي على تناقض بين قوله: أنت ملزم بالفعل وبين: يجوز لك الترك. مادام المولى متمسكا بالوجوب. الا ان يرجع إلى تنازله عن
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأمر، فيكون الأمر ساقطا. ولا يكون تنازلا عن الوجوب بما هو وجوب.
الدليل الثاني: ان هذا خلف غرضه، فان الغرض مادام موجودا وإلزاميا، فانه ينشأ منه الأمر لا محالة. فإذا أذن المولى بتركه، فقد فوت غرضه. والحكيم يستحيل عليه ذلك. فيستحيل عليه التنازل عن غرضه وعن أمره.
جوابه: ان هذا غير صحيح، لا على ما هو الصحيح مما قلناه من ان الله تعالى أجل من ذلك بكثير ولا يضره تفويت الغرض. ولا على ما هو المشهور من ان له نفسا إنسانية – ولو تنزيلا – . فانه عندئذ يمكن ان يتصف بالإيثار والتواضع، فيقدم مصلحة الآخرين على مصلحته. وهذا موافق للحكمة والرحمة، سواء في الغرض أو في الأمر.
والحكم بلزوم التمسك من قبل المولى بالأمر أو بالغرض، إرفاقي لمصلحة المولى، وليس تحميلا عليه وقهرا له. فله ان يتنازل عنه متى شاء، وخاصة مع وجود مصلحة مزاحمة.
نعم لابد عندئذ من القول بسقوط الأمر واقعا. الا انه لا يلزم منه ما قيل من عدم إسقاط الواجب بما هو واجب. بل يلزم منه ذلك، يعني إسقاط الواجب بما هو واجب ولا محذور فيه.
الا ان هذا مما لا يحدث في الشريعة عادة في العصور الحالية، لعدم المواجهة مع المولى. نعم، حصل ذلك في العناوين الثانوية كصورة الجهل والاضطرار والإكراه والنسيان، ونحوها مما ورد في حديث الرفع، وغيره.
فان قلت: كيف يتسامح المولى، بما هو مخالف للحكمة.
قلنا: ذلك لأجل الرحمة والنعمة. وليس ذلك بقبيح حين لا تترتب عليه
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مفسدة. ومجرد عدم المصلحة ليس قبيحا. وهذا يرجع إلى منع الكبرى العقلية التي قالها المشهور، وهي ان مخالفة الحكيم لمقتضى حكمته مستحيلة. فإنما هي من مدركات العقل العملي. وهو لا يدرك ذلك، مع مزاحمة الحكمة مع الرحمة، وهي التي وسعت كل شيء، وتقدمت على الغضب والعدل.
وليس مرادنا من العفو والرحمة، تخفيف العقاب أو إلغاؤه، وإنما تخفيف التكليف أو إلغاؤه، بالرغم من لزوم المضادة ونقض الغرض.
وادل دليل على إمكان الشيء وقوعه، كتشريع الأصول الظاهرية، كأصالة الطهارة وأصالة البراءة وقاعدة الفراغ ونحوها. مع اننا نعلم إجمالا بملازمته مع تخلف تحقق الغرض واطاعة التكليف معا في كثير من الموارد. وهذا كما يناسب مع مجرد العفو الظاهري، يناسب مع كون المراد هو الرفع الواقعي، وخاصة بعد الالتفات بانه كان في مقدور المولى ان يأمر بالاحتياط ولم يأمر.
وعلى أي حال، فإذا جاز ذلك مع اليقين كان أولى بالجواز مع الشك أو أي عنوان ثانوي آخر. ونقول: ان المكلف عندئذ يكون أولى بالعذر.
بل حتى لو تنزلنا في صورة العمد، وقلنا بالاستحالة، فاننا يمكن ان نقول بالإمكان في صورة وجود العناوين الثانوية. لأن الدليلين السابقين اللذين قلناهما في العمد، لا يأتيان في موارد الشك والعناوين الثانوية. وهما نقض الغرض والمضادة مع التشريع الملزم.
وذلك: لأن العنوان الثانوي بنفسه يغير الرتبة أو يغير المحل. فلا يكون اجتماعهما في مورد واحد ولا في رتبة واحدة.
مع ملاحظة بعض الوجوه المحتملة. والاحتمال دافع للاستدلال.
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأول: ان نتصور ان الإرادة والخطاب خاص بصورة العلم.
الثاني: ان نتصور انه خاص بالأعم من العلم والجهل التقصيري. فلا يشمل الجهل القصوري. فلا تكليف للجاهل والقاصر واقعا، وان كان ظاهر العبارة ذلك. فان ظاهر العبارة ناتج من استحالة التقييد لا بسبب آخر، كما في محل الكلام.
الثالث: ان نتصور ان الجهل القصوري عذر واقعي، مستثنى عن اصل التكليف. يعني اننا نقر هنا بوجود التكليف والإرادة الشاملة للجاهل والعالم، الا ان استثناء الجاهل القاصر، استثناء واقعي، وان شمله الغرض والإرادة، الا انه خرج بدليل حديث الرفع. والإنصاف ان ظاهره رفع الواقع، وكذلك لا ضرر ولا حرج ونحوها.
وهذا لا ينافي كونه حكما ظاهريا بالنسبة إلينا. لأن معنى الحكم الظاهري، كون الحكم موجودا في الذمة واقعا، ومرفوعا رفعا عذريا في طول الجهل، وهذا أمر ممكن ان يستفاد من الأدلة بعد الحكم باشتراك العالم والجاهل مطلقا في الحكم. الا ان مرادنا هو عدم التنافي وإمكان رفع التكليف الواقعي، في مورد العنوانين الثانوية.
خذ إليك مثلا: مورد الإكراه. حيث قالوا: ان ارتفاع الواقع فيه مسلم. مع انه مع (ما لا يعلمون) في سياق واحد. فلماذا قالوا في الجهل بالثبوت وفي الإكراه والاضطرار بالارتفاع. مع ان معنى الرفع واحد. وهو مناسب مع الرفع الظاهري والواقعي معا. لأن مقتضي الثبوت قد يشمل الفرد وقد لا يشمله، فان شمله كان الرفع ظاهريا، كما عليه الفهم المشهوري للجاهل، وان لم يشمله كان الرفع واقعيا.
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: فان الفرق بين الجهل وغيره هو وجوب رفعه دونهم. بل يجوز الدخول فيها اختيارا. كما لو جعل الفرد نفسه في تقية. بخلاف الجهل، فان الفرد يكون مسؤولا عن رفعه، مع الإمكان.
جوابه: ان هذا أمر يعود إلى وجوب الفحص، وبذل الوسع، وهو تقييد خارجي احتياطي، بالاحتياط العقلي. باعتبار حفظ حق الطاعة للمولى بهذا المقدار. ولم يرد هذا بدليل لفظي، كما لم يرد في الإكراه وغيره دليل بنفس المضمون، أعني بذل الوسع في التخلص من الإكراه أو الاضطرار بل ورد عكسه.
وعلى أي حال، فمن الواضح ان المراد مما لا يعلمون: الجهل القصوري. وإنما يكون الجهل قصوريا بعد بذل الوسع. فتقع المماثلة بينه وبين العناوين الأخرى. من حيث انه لا يجب إخراج الفرد نفسه عن الإكراه لا يجب إخراجها أيضا عن الجهل القصوري. مع انه ممكن بالدقة العقلية في كلا الموردين.
فان قلت: فان إخراجها متعذر بعد فرض بذل الوسع، فيكون عاجزا عنه. فلا تكليف بالخروج عنه. قلنا: نعم. ولكن الخروج من الإكراه والاضطرار والنسيان أيضا متعذر.
فان قلت: فان الدخول اختيارا في تلك العناوين جائز كالتقية.
قلنا:
أولاً: اننا لو تجاوزنا التقية لم يجز بل لا يمكن. لأنها عناوين إضافية غير اختيارية اعني الإكراه والنسيان والاضطرار.
ــــــ[162]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: سلمنا، الا ان هذا راجع إلى إدراك العقل لمقدار حق الطاعة. فبينما يرى العقل الأهمية المتزايدة في طرف الجهل والعلم لا يرى نفس الأهمية بالنسبة إلى العناوين الأخرى.
وفي حدود فهمي: ان كل هذه العناوين بنفس الأهمية للطاعة ويجب بذل الوسع فيها عدا ما خرج بدليل. لأن حكم العقل فيها اقتضائي قابل للإذن بخلافه، وإيجاد المانع.
وفي التقية والسفر من الصوم والتهرب من الزكاة والخمس، فقد ورد الدليل فيه لفظيا أو لبيا. واما الباقي فمقتضى القاعدة العقلية المنع. ولذا يمكن ان لا نقول بالبراءة العقلية. لكن إطلاق دليل البراءة الشرعية كاف مع الشك في الحرمة. فيكون إذنا شرعيا بالاقتحام. مع كون الحكم بالإلزام عقلياً وليس شرعيا.
نعم، لو قلنا بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، كان الحكم هنا شرعيا، الا انه قابل للتقييد بإطلاق دليل البراءة، على اننا لا نقول بهذه الملازمة.
فان قلت: فان مقتضى اطلاقات الأدلة الأولية هو ثبوت الحكم حتى في العناوين الثانوية.
قلنا: كلا: اما الأدلة اللبية فواضح لأنها لا إطلاق لها، واما الأدلة اللفظية فليست في مقام البيان من هذه الجهة. ولا اقل من الشك في ذلك.
هذا كله في المناقضة مع الخطاب والتشريع.
واما المناقضة مع الملاك، فأيضا نستطيع ان نتصور الملاك خاصا بالعالم
ــــــ[163]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وغير شامل للجاهل. ففي صورة الجهل القصوري لا ملاك لكي يفوت. فلا يلزم فوات الملاك ومخالفة الحكمة. والاحتمال مبطل للاستدلال. ويأتي فيه نفس التقريبات السابقة للإرادة، بما فيها انه إذا كان التقييد مستحيلا، ولا دليل على سعة الملاك كما لا دليل على سعة الإرادة.
وهذا لا ربط له بما قلناه من ان الملاك لا يجب تحقيقه. لأن الملاك محرك للمولى إلى التكليف، وان لم يكن محركا للمكلف، فإذا كان فاقدا للقيد أو كان قيده ضعيفا يمكن التسامح فيه من قبل المولى، لم يكن محركا للمولى، كما هو غير محرك للفرد.
ثم ان السيد الأستاذ له بيانات مختصرة ولطيفة بناء على مسلك مثل مسلك الشيخ الآخوند الذي يرى الاستحالة المشهورية. فلو شككنا في تعبدية الواجب فظاهر المحقق الخراساني انه تجري أصالة الاشتغال، ولو قلنا بجريان البراءة في موراد الأقل والأكثر الارتباطيين.
أقول: ونحن ذاكرون هذه الوجوه فيما يلي، وكلها تنزلية، وهي لمجرد الإطلاع، ولا تحتاج إلى جواب، لإمكان الاكتفاء بالجواب المبنائي.
وهنا يقع الكلام في البراءة العقلية، ثم في البراءة الشرعية. وذلك من جهتين من الكلام:
الجهة الأولى: في البراءة العقلية. وقد ذكر السيد الأستاذ عدة وجوه:
الوجه الأول: تشكيل علم إجمالي في موارد الأقل والأكثر الارتباطيين. لأنه يعلم إجمالا اما بوجوب الأقل لا بشرط ومطلقا، أو بوجوبه بشرط شيء ومقيدا. وندعي تنجز العلم الإجمالي. فيكون المورد صغرى له، لأنه من جملة مصاديق دوران الأمر بين الأقل والأكثر. لأنه لا يفرق فيه بين ان يكون
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
القيد ممكنا أو مستحيلا.
جوابه: ان هذه الصيغة لا معنى لادعائها في المقام، بناء على المبنى الذي نتكلم عنه. لأننا نعلم ان الوجوب الشرعي تعلق بالمطلق على كل حال، ولم يتعلق بالمقيد. لأن اخذ قصد القربة في الأمر الشرعي مستحيل.
الوجه الثاني: سلمنا بانحلال العلم الإجمالي. ولكننا نعلم تفصيلا بوجوب الإتيان بما يقطع بانطباق متعلق الأمر بالأقل عليه. وهو المقيد.
ومن الواضح ان الأمر بالأقل هنا مردد بين ان يكون أمرا نفسيا استقلاليا أو ضمنيا. لأن السورة لو كانت جزءا فالأمر بالباقي ضمني والا فهو استقلالي. فان كان استقلاليا فمتعلقه قابل للانطباق على التسعة المجردة عن العاشر. وإذا كان ضمنيا فالأمر الضمني يستحيل ان يتعلق بالمطلق، بل يتعلق بالطبيعة المهملة غير القابلة للسريان إلى فاقد القيد. فلو أتى بتسعة أجزاء فقط، فسوف لن يعلم ان المأمور به في الأقل هل ينطبق على ما أتى به أو لا.
جوابه: ان هذا التقريب أيضا لا يجري على المبنى الذي نتكلم عنه.لأننا نعلم على كل حال ان الأمر تعلق بالمطلق، ولم يتعلق بالمهمل. لاستحالة وقوف الأمر على الحصة المقيدة بقصد القربة. وإنما نشك ان غرض المولى هل استوفى بذلك أم لا. مع العلم بالانطباق أساسا.
الوجه الثالث: سلمنا ان الأمر بالأقل متعلقه هو ذات الأقل، سواء كان استقلاليا أم ضمنيا. وذات الأقل تنطبق على الفاقد كما تنطبق على الواجد للقيد.
لكن يقال هنا: انه لو أتى المكلف بالأقل وحده لم يحرز سقوط الأمر
ــــــ[165]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بالأقل. لوضوح ان الأمر بالأقل ان كان استقلاليا فسوف يسقط بالإتيان بمتعلقه. وان كان ضمنيا، فالأوامر الضمنية متلازمة في الثبوت والسقوط. فسوف يبقى ولا يسقط.
أقول: وهذا ينتج وجوب الإتيان بالأكثر، يعني بالمقيد بالسورة أو بالقربة، لإحراز سقوط الأمر، وتجري أصالة الاشتغال مع الشك في السقوط.
ونؤجل الجواب عليه.
الوجه الرابع: اننا لا نلتفت إلى الأمر، كما في الوجه السابق، وإنما نلتفت إلى الغرض، فان الواجب الارتباطي وراءه غرض وجداني معلوم. كالمعراجية الشأنية في الصلاة. ويشك في انه يحصل بالأقل أو لا. فيكون المورد من موارد الشك في المحصل. وكلما كان الشك في المحصل جرت أصالة الاشتغال.
ومعناه: ان هذا لا يفرق فيه بين ان يكون القيد ممكنا كوجوب السورة أو مستحيلا كقصد القربة.
أجاب السيد الأستاذ ببيانين، أحدهما يصلح جوابا على كلا الوجهين الآخرين. والآخر يصلح ان يكون جوابا على الوجه الأخير فقط.
البيان الأول: ان الشك في السقوط (للتكليف أو للغرض) ينبغي ان نقسمه ونقول: ان له نحوين:
النحو الأول: الشك في سقوط الأمر الناشئ من احتمال مطلب يرجع إلى المولى، ويكون من وضيفة المولى بيانه.
النحو الثاني: ان يكون شكا في السقوط ناشئا من جهة ترجع إلى العبد،
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أعني إلى حصول الامتثال منه وعدمه.
أقول: والاصطلاح للشك في السقوط، على المعنى الثاني دون الأول.
وعلى أي حال، فالنحو الثاني مجرى لأصالة الاشتغال عقلا. واما القسم الأول مما لا يرجع إلى جهة الامتثال، سواء كان عبارة عن وجوب الشيء في ذاته، كما في موارد الأقل والأكثر الارتباطيين. (كما في التقريب الثالث) أو عن دخل شيء في الغرض وعدمه (كما في التقريب الرابع). فعلى المولى بيانه، فيكون مجرى للبراءة عقلا.
البيان الثاني: وهو مربوط بالتقريب الرابع فقط.
فيجاب: ان الشك في المحصل للغرض بما هو غرض ليس مجرى لأصالة الاشتغال. وإنما يكون الشك في المحصل للواجب مجرى لها. لأن الغرض لا يقع في عهدة المكلف عقلا، ليكون الشك ملزما بالإتيان بمحصِّله. وإنما ما يكون في العهدة هو التكليف فقط.
وهذا يجاب: ان هذا الجواب يتم فيما إذا كان القيد المشكوك كما يمكن للمولى التصدي إلى تحصيله بالأمر به، كوجوب السورة. واما إذا كان لا يعقل للمولى تحصيله، وكان عاجزا عن الأمر به، كما هو الحال في قصد القربة، فيقع الغرض تحت عهدة المكلف. فإذا شك في محصله جرت أصالة الاشتغال.
أقول: يصح هذا بعد التنزل عن أمرين كنا قد تنزلنا عنهما الآن.
أحدهما: انه فرع شمول حق الطاعة للغرض نفسه، بحيث تشتغل به الذمة، وقد ناقشنا ذلك.
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانيهما: انه يتم على مسلك مثل مسلك الشيخ الآخوند الذي لا يؤمن بإمكان التخلص من هذه الاستحالة. واما مع إمكان التخلص منها، بمتمم الجعل أو الجملة الخبرية أو غيرها لم يتم. لإمكان بيانه من قبل المولى عندئذ، فيمكن ان يدخل في العهدة.
قال السيد الأستاذ: وهكذا يتضح ان الصحيح انه لو بنى على البراءة العقلية في الأقل والأكثر الارتباطيين. فانه ينبغي ان يبني عليها هنا أيضا.
أقول: كلا هذين البيانين، من الواضح، انها مبنية على إمكان صدور التقييد من المولى. اما الأخير فبنص السيد الأستاذ نفسه. حيث قال: ولو بالإخبار أي بالجملة الخبرية. واما الأول فقال: انه يمكن للمولى التصدي لبيانه. مع ان هذا خلاف المفروض من كون الشيخ الآخوند يرى الاستحالة، وان الباب منغلق أمامه في التخلص منها بأية طريقة. فيتعين عليه إجراء أصالة الاشتغال ولو مع القول بالبراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر، الارتباطيين.
فهذا هو الحديث عن جريان البراءة العقلية.
واما البراءة الشرعية، فقد قال السيد الأستاذ: ان العمدة هو النظر في أدلتها، وهي ناظرة إلى التكاليف والتحميلات الشرعية. بقرينة الرفع. ومن الواضح ان المفروض في المقام انه لا يحتمل التكليف بقصد القربة ، مشهوريا، وإنما يحتمل فقط دخله في الغرض الواقعي. وإنما تجري البراءة عند الشك في التكليف. كما في موارد الأقل والأكثر الارتباطيين (يعني حين يكون التقييد ممكنا مشهوريا) واما في المقام فلا تجري البراءة.
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ولم يذكر السيد الأستاذ وجهه. ويحتمل فيه عدة وجوه. منها:
أولاً: ان أصالة البراءة لا تجري في الغرض. فيجب فيه الاحتياط.
ثانياً: انها تجري عندما يكون التقييد ممكنا لا ما إذا كان متعذرا.
وقد سبق ان ناقشناه، وقلنا في الجواب اننا نحتاج إلى مقدمات الحكمة في فهم البراءة، كأن الشارع يقول: رفع ما أمكنني ذكره من القيود المجهولة. وهذا قيد منفي بظهور حديث الرفع.
ثالثاً: ان الحديث منصرف عن هذه الصورة.
والوجه الأول والأخير، يجاب عنهما بأنهما تنزليان.
وأجاب السيد الأستاذ – بغض النظر عن هذه الوجوه – بما يلي:
أولاً: لإمكان دعوى ان دليل البراءة لا يختص بالحكم الإنشائي. بل يشمل كل جهة مولوية قابلة للتحميل على العبد من قبل المولى عقلا. سواء كان إنشائيا أو غرضا نفسانيا.
جوابه: ان الغرض ليس نفسانيا بل واقعيا، فان قصدنا منه جانب الإرادة، فالعقل يحكم بالاحتياط، واما الغرض بما هو غرض فلا. مضافا إلى ما قلناه فيما سبق، من ان الغرض الكائن في الرتبة السابقة على حكم العقل والشرع، لا معنى لدخوله في العهدة. ومعه لا معنى لأن يسقط بدليل البراءة.
مضافا: إلى ان الغرض بما هو غرض، غير مربوط بالمولى، ليشمله حديث الرفع.
قال: واما ثانياً: ان عناوين الإلزام والتكليف ونحوها، يمكن ان تنتزع
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
حتى من الجملة الخبرية. فان بيّن دخله ولو على ذلك، كفى. وهذا يكفي في جريان البراءة. فالصحيح جريان البراءة الشرعية أيضا.
جوابه: أولاً: ما سبق من ان الشيخ الآخوند، يفترض فيه التنزل حتى عن الجملة الخبرية. وانه ليس في إمكان المولى بيان القيد بأي نحو كان.
ثانياً: ان قضية الجملة الخبرية ليست هي مسلك السيد الأستاذ في إمكان التقييد. وإنما مسلكه ما سماه بالأمر المتكرر. ولكنه هنا تركه وتمسك بالجملة الخبرية. فلماذا لم يقل ذلك في حينه؟
الحمد لله رب العالمين
ــــــ[170]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فصل
ان إطلاق الصيغة
يقتضي ان يكون الوجوب نفسيا عينيا تعيينيا
وهو المبحث السادس – من مبحث الأوامر في الكفاية – وذلك انه قال:
قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا. لكون كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب وتضييق دائرته. فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه. فالحكمة تقتضي كونه مطلقا، وجب هناك شيء آخر أم لا، أتى بشيء آخر أم لا، أتى به آخر أم لا. كما هو واضح.
وعبارته طبعا بالنسبة إلى الأصول الحديث المتأخر عنه، لا تصلح الا كعنوان للمسألة. فينبغي ان يقع الكلام في مقامات ثلاثة. بعد النظر إلى نكتة أهملها الأصوليون. وهي: ان هذا الإطلاق هل هو من إطلاق الهيئة، كما قالوا أو إطلاق المادة، فقد يقال: انه للمادة، بأحد تقريبات:
التقريب الأول: المنع في الهيئة، من حيث كونها معنى حرفيا. يستحيل إطلاقه. بخلاف المادة.
اللهم الا ان يقال: بان المعنى الحرفي قد يكون كليا، كما قلنا في محله، والمشهور لا يعترف به. والشيخ الآخوند لا يريد ذلك.
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أو يراد الإطلاق المقامي، وهو حال المتكلم. وهم يريدون الإطلاق اللفظي.
التقريب الثاني: ان هذه الصفات الملحوظة هنا. وهي النفسية والغيرية والكفائية، ونحوها، إنما هي من صفات الواجب لا من صفات الوجوب. وإنما ينسب إلى الوجوب مجازا، باعتبار كونه متعلقا بما هو تخييري. فما هو كذلك بالمطابقة هو المادة، لا الهيئة.
التقريب الثالث: ان الوجوب بالحمل الشايع ليس مفهوما لكي يكون قابلا للتضييق. والتقييد إنما هو تضييق. وهو يرد على المفاهيم وهي المواد لا على الهيئات.
لكننا لو سرنا بهذا الاتجاه لزمنا القول بالواجب المعلق، وان التقييد بالوقت إنما هو للمادة. ولكن الصحيح ان الظهور في كونه راجعا للمادة ما لم تقم قرينة خاصة على رجوعه للهيئة. وعندئذ فالاطلاقات المقابلة لهذه التقييدات، إنما تكون للمادة لا للهيئة. والمفروض مشهوريا بخلافه.
التقريب الرابع: اننا إذا لاحظنا مراحل الأمر، نجدها متعلقة بالمادة، فالغرض والإرادة والأمر نفسه، فانه أمر بالمادة. نعم تترشح من إرادة المادة إرادة بالأمر بها بعد عدم إمكان تحصيلها من قبل المولى نفسه. وكذلك الغرض الغائي بعد وجوده، وهو النهي عن الفحشاء والمعراجية، فانها أيضا من نتائج المادة لا الهيئة. وإنما الهيئة مجرد طريق لإيجاد المكلف للمادة.
وعلى أي حال، فانه يقع الكلام في مقامات ثلاثة:
المقام الأول: في إثبات النفسية. ويقع الكلام فيه ضمن عدة جهات:
ــــــ[172]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الجهة الأولى: في كون مقتضى الإطلاق هو تعين النفسية للواجب دون الغيرية.
ويمكن ان يبين ذلك بعدة تقريبات:
التقريب الأول: وهو مشار إليه في المحاضرات بشكل مجمل، وفصله السيد الأستاذ: بان مقتضى الإطلاق الأحوالى للوجوب هو ان وجوب الوضوء ثابت سواء وجبت الصلاة أم لا. وهذا يستلزم كونه واجبا نفسيا. لأنه لو كان واجبا غيريا لاستحال إطلاقه لصورة عدم وجوب ذي المقدمة.
وهذه النفسية تكون مدلولا التزاميا للإطلاق لا مطابقيا. لأن المدلول المطابقي هو ثبوت الوجوب في كل الأحوال. وهذا بما هو ليس معناه الوجوب النفسي، لكنه يستلزم نفي الغيرية، وبالتالي تعين النفسية.
قال: واستفادة النفسية بهذا التقريب، يتوقف على وجود الإطلاق الاحوالي. كما لو قال: توضأ. ولم يكن الواجب الذي نشك في انه نفسي أو غيري ملازما مع الواجب الآخر الذي يحتمل ان يكون مقدمة له.
فلو قال: توضأ إذا زالت الشمس.. بحيث كان مقيدا بقيد ملازم دائما مع وجوب الصلاة. فالإطلاق عندئذ لا يكون تاما. لأنه لا يوجد إطلاق أحوالي في الوجوب، لكي يثبت بأنه ثابت على كل حال، سواء زالت الشمس أم لا. وإنما يفيد في إثبات النفسية إذا فرض وجود إطلاق أحوالي لدليل الوضوء يشمل صورة فقدان وجوب الصلاة.
وقد يقال: ان هذا الإطلاق وان كان قاصرا عن إثبات النفسية في هذا الفرض، الا انه لا اثر له. لأنه لو قال: إذا زالت الشمس، فتوضأ. فيجب الإتيان به عقلا، سواء كان نفسيا أم غيريا. فإذا لاحظنا قبل الزوال، لم يجب
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوضوء سواء كان نفسيا أم غيريا. وإذا لاحظنا بعده وجب، سواء كان نفسيا أم غيريا.
الا ان هذا غير صحيح، بل – مع هذا – يبقى اثر للنفسية. إذ يتسجل بعد الوقت على المكلف واجبان نفسيان هما الوضوء والصلاة. كما لو قال: إذا زالت الشمس فصل، وإذا زالت الشمس فتوضأ. بحيث لو تركهما لعوقب بعقابين. بخلاف ما إذا قلنا بان إطلاق الصيغة لا يقتضي النفسية هنا. فانه لابد من الرجوع إلى الأصول العملية. كما سيأتي.
أقول: يمكن المناقشة في هذا التقريب بأكثر من وجه واحد:
أولاً: انه نص على انه تمسك بإطلاق الوجوب. والوجوب إنما هو مستفاد من الهيئة والهيئة معنى حرفي لا إطلاق له كما سبق.
فان قلت: اننا نتمسك بالإطلاق الاحوالي، كما سبق. وقد ابتنى هذا التقريب عليه.
قلنا: ذاك هو أحوال المولى. وهنا أحوال المكلف من حيث كونه قبل الزوال أو بعده. فيعود الحال إلى إطلاق المادة كما سبق.
أو نقول: ان الوجوب واقع جزئي غير انحلالي، بل بسيط. فيستحيل إطلاقه، وإنما الإطلاق في طرف المادة.
غير ان النتيجة صحيحة، باعتبار الإطلاق الاحوالي للمولى.
ثانياً: ان ما قاله من ان ذلك دلالة التزامية للإطلاق، لا محصل له. لأن غايته هو الإطلاق، كوجوب الوضوء سواء وجبت الصلاة أم لا. يعني انه يجب على كل حال حتى مع فقد وجوب الصلاة. فهذا يكون هو الوجوب النفسي
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بالمطابقة لا بالالتزام.
واما الدلالة الالتزامية فمتعذرة، لأنها اما دلالة التزامية للوجوب أو للفظ الدال على الوجوب. اما الوجوب بغض النظر عن اللفظ فلا معنى للدلالة الالتزامية له. واما اللفظ الدال عليه، فهو إنما يدل عليها، في طول دلالته على الدلالة المطابقية لا في عرضها. كما هو الحال في كل دلالة التزامية. وعندئذ يكون الدال عليها هو اللفظ بغض النظر عن المعنى أو قل: بغض النظر عن دلالته على الوجوب. ومع غض النظر تنتفي تلك الدلالة الالتزامية لا محالة.
اللهم الا ان يقال: ان الدال على الدلالة الالتزامية أمران لا أمر واحد، هو اللفظ مع المعنى بمجموعهما، وليس اللفظ وحده. وقد قلنا: ان المعنى وحده ليس له دلالة التزامية، وضم غير الدال إلى غير الدال غير دال. وما لاحظه المشهور، هو المعنى مستقلا، وهو خال عن الدلالة الالتزامية، كما سبق.
الا ان هذا قد يجاب: ان المعاني بما هي، قد تكون لها لوازم وان لم تدل عليها الألفاظ، باعتبار عللها ومعلولاتها. كطلوع الشمس الملازم للنهار، سواء دل عليه اللفظ أم لا.
ويجاب ذلك بأمور منها:
1- ان هذا لزوم واقعي، وليس من الدلالة الالتزامية في شيء.
2- انه قد يقال باختلاف المعاني في ذلك. فما كان واقعيا منها، كان له لوازم، كطلوع الشمس. وما كان تشريعيا منها، فانه لا لازم له. نعم، قد ينشأ عنوان انتزاعي عن نحو تعلق الأمر بمتعلقه أو موضوعه. نسميه بالوجوب النفسي. وهذا غير الدلالة الالتزامية. وقد لا يكون المتكلم بصدد بيانه.
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التقريب الثاني: ان نلحظ دليل (صل) لا دليل (توضأ) ونتمسك بإطلاق مادته لنفي قيدية الوضوء للصلاة. فيثبت ان الوضوء ليس واجبا وجوبا قيديا غيريا، بل هو واجب بالوجوب النفسي.
وهذا التقريب يتوقف على افتراض عدة أمور:
الأمر الأول: ان يكون هناك دليل على الواجب النفسي المحتمل كون هذا مقدمة له. لا ان وجوبه محتمل من ناحية نفس دليل توضأ. فانه في مثل ذلك لا معنى للرجوع إلى إطلاق المادة في دليل صل. لكونه سالبة بانتفاء الموضوع.
الأمرالثاني: يتوقف على ان يكون الوجوب الغيري المحتمل وجوبا بملاك التقييد الشرعي، لا بملاك التوقف التكويني الواقعي، كنصب السلم للصعود إلى أعلى. لأنه إنما يمكن نفي التقييد الشرعي بالإطلاق لا المقدمة التكوينية.
الأمر الثالث: انه يتوقف على ان لا يكون الدليل الذي يحتمل ان يكون غيريا، متصلا بخطاب ذي المقدمة، بل يكون منفصلا عنه. إذ لو كان متصلا وفرضناه مجملا من حيث النفسية والغيرية، فسوف يسري إجماله إلى نفس خطاب صل. فيتعذر التمسك بإطلاق المادة فيه.
أقول:
أولاً: اننا إذا فرضنا اننا نريد حشد المقدمات المحتملة للمطلوب، فهي كثيرة، ككون اللفظ موضوعا في اللغة دالا بالظهور. وان دليل الواجب الآخر له إطلاق وليس بمجمل. وان لازم الإطلاق حجة، بصفته أمارة. ونحو ذلك. وليس الأمر منحصرا بهذه الثلاثة التي ذكرها.
ــــــ[176]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: ان غاية ما يثبت باللازم هو عدم مقدمية الأول للثاني. ولا يثبت عنوان النفسية، الا بنحو العنوان الانتزاعي. وليس عندنا كبرى: ان كل ما ليس بمقدمي فهو نفسي. فتأمل.
مضافا إلى اننا في حاجة إلى إجراء نفس التقريب في كل الواجبات المحتملة، على تقدير تعددها.
ثالثاً: انه وان لم يشمل المقدمة التكوينية الا ان عدم شمولها لأجل عدم الإطلاق لصورة عدمها، لعدم احتمال اتمام مقدماته، لا ان الإطلاق موجود، واللازم غير موجود. كما هو المنساق من كلامه.
رابعاً: في صورة اتصال الدليلين، قال بإجمالهما طبقا لقانون القرينة المتصلة حال إجمالها. وهذا صحيح كبرويا.
وفي المقام لا تجري مقدمات الحكمة في الواجب الثاني، لأنه لو أراد المقدمية لبينها، والمفروض انه مجمل. الا انه يمكن فرض ظهور آخر بالاستقلالية. فلو قال: توضأ وصل. واحتملنا كونه مثل قوله: صم وصل. فيمكن دعوى ظهوره بالاستقلالية لهما معا. لأن الترابط والمقدمية مؤونة زائدة منفية بالظهور. ومن هذا الظهور نفهم النفسية، اما باللازم كما سماه، أو بالعنوان الانتزاعي، كما سميناه.
التقريب الثالث: لإثبات النفسية.
التمسك بالإطلاق في دليل توضأ بحيث يثبت النفسية بالدلالة المطابقية. وهو يتكون من كبرى وصغرى:
اما الصغرى فبأن يقال: ان النفسية والغيرية خصوصيتان في الواجب
ــــــ[177]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
(كالوضوء) وأحدهما وجودية وهي الغيرية، والأخرى عدمية وهي النفسية. لأن الوجوب النفسي هو الذي لم ينشأ من وجوب آخر. والغيري هو الذي نشأ من واجب آخر.
واما الكبرى: انه كلما دار الأمر في كلام الإنسان العرفي في ان يكون المدلول متخصصا بخصوصية وجودية أو عدمية، يتعين حمله على العدمية. ويكون بيان الوجودية بيانا للخصوصية العدمية. فيكون عدم بيان الغيرية بيانا للنفسية.
كما هو الحال في الإطلاق والتقييد، فان الإطلاق أمر عدمي والتقييد أمر وجودي. والعرف يرى ان الخصوصية الوجودية مؤونة زائدة. فيكون عدم بيان الخصوصية الوجودية وهي التقييد، بيانا للخصوصية العدمية وهي الإطلاق.
اما الصغرى، فقد ناقش بها السيد الأستاذ: بان النفسية والغيرية خصوصيتان وجوديتان. لأن النفسية ليست مجرد ان لا يكون الواجب ناشئا من ملاك في غيره، بل ان يكون ناشئا من ملاك في نفسه.
واما الكبرى، فكأنها مقبولة لديه. وإنما ناقش بالتنظير بالإطلاق، من حيث ان الإطلاق عنده ليس هو الإطلاق اللحاظي، بل الإطلاق الذاتي يعني عدم أخذ خصوصية في الماهية أصلا، لا انه أخذ عدم الخصوصية. وفي رأيه ان المطلوب هنا يتوقف على الأول لا على الثاني. والصحيح انه يتوقف على الثاني لا على الأول.
والجواب على ذلك: بحيث ينال اصل التقريب والجواب عليه، من بعض الوجوه الآتية:
الجواب الأول: ان الصغرى في التقريب غير تامة بعدة تقريبات:
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التقريب الأول: ما قاله السيد الأستاذ من ان كليهما خصوصية وجودية.
التقريب الثاني: ان كليهما خصوصية عدمية، باعتبار ان الواجب الغيري هو ما لم تلحظ فيه الاستقلالية. والنفسي هو ما لم يكن مربوطا بغيره من الواجبات.
التقريب الثالث: انه في كلتا الصفتين جانب وجودي وجانب عدمي. فقد نلحظ الجانبين المتشاكلين، كما في ما سبق في التقريبين الأولين. وقد نلحظ الجانب العدمي في النفسي والوجودي في الغيري. فتنتج الصغرى كما في التقريب الأصلي. وقد نعكس فتفسد الصغرى فيه، بل يكون على العكس أدل.
وبحسب النتيجة لم نحرز الصغرى، لعدم تعين اللحاظ بشكل منتج لنتيجة التقريب الأصلي.
الجواب الثاني: ان الكبرى غير تامة، لأنه ليس عدم بيان الخصوصية الوجودية عرفا، بيان للخصوصية العدمية، بحيث يكون ظاهرا فيه. لأن المسألة ليست عقلية كما في الضدين والنقيضين وإنما يختلف باختلاف الموارد عرفا، واهم الشروط هو إدراك التضاد بينهما عرفا. فان حصل ذلك دخل تحت الكبرى والا فلا.
ولا يبعد القول بان التضاد غير مدرك عرفا في الصغرى بين النفسية والغيرية، لأنها مدركات دقية لا يفهمها العرف. فلا يتم الدليل.
الجواب الثالث: ان المسألة في الإطلاق والتقييد كذلك، يعني انها ليست صغرى لتلك الكبرى. فان عدم التقييد ليس بيانا للإطلاق الا بعد تمامية مقدمات الحكمة. ولولاها لما كفى ذلك في ثبوت الإطلاق. فان ذلك بيان لإحدى مقدمات الحكمة، وهو انه لم يبين التقييد. واما المقدمات الأخرى
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فليست محرزة على الفرض.
الجواب الرابع: انه بغض النظر عن الأجوبة السابقة. فان مسلك المشهور من الإطلاق اللحاظي يخرج مورد التنظير عن كونه صغرى لتلك المسألة. لأن الإطلاق والتقييد يكونان صفتين وجوديتين. وهذا يكفي إشكالا على صاحب التقريب ان كان يرى الإطلاق المشهوري.
الجواب الخامس: انه بناء على الإطلاق الذي يقوله السيد الأستاذ فانه يكون صغرى لتلك الكبرى. لأن عدم التقييد عندئذ يكون كافيا عن رفع المانع عن إطلاق الذات أو اللفظ الدال عليه. فيكون عدم ذكره بيانا للإطلاق من هذه الناحية بعد غض النظر عن مقدمات الحكمة.
لا يقال: ان الإطلاق بناء على هذا المسلك يستفاد من اللفظ الدال على الذات، وهو معنى وجودي وليس عدمياً.
فانه يقال: يكفي فيه كون عدم بيان القيد رافعا للمانع عن فهم الإطلاق. بخلاف المسلك المشهوري، فانه يحتاج الإطلاق إلى لحاظ زائد، ولا يكفي فيه عدم التقييد.
الجهة الثانية:(1) في كون مقتضى القاعدة عدم ثبوت النفسية من مجرد الإطلاق، لأنها مؤونة لحاظية زائدة تحتاج إلى دليل. وغاية ما يثبت بالإطلاق كون الوضوء ليس مقدمة للصلاة مثلا، ولا يثبت كونه واجبا نفسيا استقلاليا. بل يبقى الحال مرددا. وغاية ما يثبت به هو الجامع بين النفسية والغيرية.
وما يمكن ان يستدل به على ذلك عدة وجوه، تحصل جملة منها مما
ــــــ[180]ـــــــ
(1) وهو ما نسميه في المقامات الآتية: بالأصل اللفظي المعاكس.
منهج الأصول (الجزء الرابع)
سبق:
أولاً: ما قلناه من كون الاستقلالية جهة لحاظية للمولى، وهذا اللحاظ يحتاج إلى إثبات بنفسه، ولا يكفي الإطلاق لإثباته.
ثانياً: ما قلناه: من ان غاية ما يثبت بالإطلاق هو عدم مقدمية الف لباء. وإذا عممنا ذلك، ثبتت عدم مقدميته لكل الواجبات. فالثابت بالإطلاق عنوان عدمي لا وجودي.
ثالثاً: انه لا ملازمة شرعية ولا عقلية بين المقدمية وثبوت النفسية. لما قلناه من ان عنوان النفسية عنوان متأخر لا يحمل عليه النص المتقدم.
رابعاً: ان غاية ما يثبت بإطلاق توضأ هو وجوب الوضوء سواء صليت أم لا. وهذا لا ينفي المقدمية. لأنه يناسب مع قولنا: توضأ مقدمة للصلاة سواء أطعت خطاب صل أم عصيته. فترك الصلاة يناسب مع مقدمية الوضوء كما يناسب معها وجودها.
فان قلت: فان إطلاق دليل صل كفيل بذلك، لأن مؤداه: صل سواء توضأ أم لا. وهو ناف للمقدمية بصراحة.
قلنا: نعم. الا انه دليل آخر، والمبحوث عنه في المقام هو استفادة النفسية من نفس الدليل الذي هو دليل توضأ في المثال.
وهذه الوجوه صحيحة في الجملة، الا ان النتيجة غير صحيحة، لأننا قلنا ان ما يثبت بالإطلاق هو عدم المقدمية، وعندئذ يكون ذلك منشأ لانتزاع عنوان النفسية. لا بالمطابقة ولا بالملازمة.
الا ان هذا وحده غير كاف، لما قلناه من ان إطلاق دليل توضأ غير كاف،
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وإطلاق دليل صل خارج عن محل الكلام. غير انه يمكن ان نستظهر ظهورا سياقيا في أي (جعل) في كونه مجعولا بغض النظر عن الجعل الآخر. وهو معنى النفسية أو منشأ انتزاعها. الا انه -ككل ظهور- هو ظهور اقتضائي، قابل لطرو المانع بقيام الدليل على المقدمية في أي مورد.
وهذا ليس من قبيل الإطلاق، ولذلك اثر في علله وفي معلولاته. اما من ناحية العلة، فباعتبار عدم حاجته إلى مقدمات الحكمة. وإنما يكفي ان يحصل الاطمئنان يكون الظهور جديا ومقصودا. واما من ناحية معلولاته، فلأن طرو المانع ليس من قبيل التقييد بل هو من قبيل القرينة المنفصلة.
نعم، له إطلاق افرادي انحلالي في طول هذا الظهور. يشمل كل الواجبات الأخرى، وانه مستقل عنها جميعا. فإذا ثبت خروج بعض الواجبات، وشككنا بالباقي، أمكن التمسك بالظهور أو الإطلاق. ولا نحتاج هنا إلى كون الإطلاق أمارة ولوازمها حجة.
أولاً: لأن الاستقلالية هي مؤدى الظهور مباشرة.
ثانياً: ان هذا ليس من قبيل اللازم بل من قبيل العنوان الانتزاعي القهري التكويني.
كما انه لا يرد على ذلك شيء من الإشكالات السابقة:
أولاً: لأنه ظهور من نفس الدليل لا من دليل آخر. فيكون مطابقا لعنوان الباب، كما قلنا.
ثانياً: انه لا يتوقف على ان يكون عنوان النفسية مفهوما منذ صدر الإسلام. لأننا لا نثبت هذا العنوان، بل عنوان الاستقلالية. فان أنكرنا ان يكون
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
هو هو، أمكن ان يكون منشأ انتزاعه. كما أمكن ان يكون لازمه العقلي أو الدقي أو الاصطلاحي. خلافا للدليل السابق.
واما مقتضى الأصل العملي، فينبغي ان يبحث في باب مقدمة الواجب. بخلاف العنوانين الآخرين أعني: التخيريية والكفائية. حيث لا يكون الأصوليون معذورين بتأجيلها عن هذا الباب.
ومن الطريف في المحاضرات انه يَعِد في المسائل الثلاثة الكلام عن الأصل العملي فيها. ثم يؤجلها جميعا. اما الأولى فإلى مبحث مقدمة الواجب. واما الأخيرين فإلى باب البراءة والاشتغال. وهو تسامح في المنهجية بلا شك. وكان الأولى به ان يشير من الأول إلى ذلك وان الباب هنا مفتوح لخصوص الأصل اللفظي، كما فعل السيد الأستاذ. على ان باب البراءة غير باب الاشتغال، وليس هناك باب موحد لهما معا، كما نعلم، ليتم التحويل عليه.
يبقى – بنحو الاستدراك – الوجه الآخر والأخير لتعيين النفسية وهو الذي قاله السيد الأستاذ ، وهو يتكون من كبرى وصغرى:
اما الكبرى فهي أصالة المطابقة بين عالم الإثبات وعالم الثبوت في الظهورات اللغوية. وهي قاعدة شاملة لكل الظهورات. فإذا وجدنا أية خصوصية، وجودية أو عدمية، إثباتا علمنا بأصالة المطابقة مع مقام الثبوت ان ذلك المقام واجد لنفس الخصوصية بالشكل المناسب له.
ففي المطلق والمقيد، بناء على الإطلاق اللحاظي المشهوري، إذا كان الأمر دائرا بين الإطلاق والتقييد. فرفض القيد ثبوتا يشابهه إثباتا السكوت عن القيد. فإذا سكت عنه إثباتا عرفنا عدم أخذه ثبوتا وإذا ذكره إثباتا عرفنا أخذه ثبوتا.
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ففي المقام نقول صغرويا: ان الوجوب النفسي والغيري يختلفان ثبوتا، بان الواجب النفسي ملحوظ بما هو هو بالمعنى الاسمي وبالأصالة، والواجب الغيري ملحوظ بنحو التبعية والحرفية. ويناسب الأصالة في عالم اللحاظ الأصالة في عالم الإفادة والبيان. ويناسب التبعية ثبوتا التبعية إثباتا.
وهذا معناه: ان المولى إذا قال: توضأ، ولم يكن مربوطا بالصلاة في مورد البيان. فيقال: ان لحاظ المولى الاثباتي هو لحاظ ثبوتي بأصالة المطابقة.
ومن هنا لا ينبغي الاستشكال انه متى ما صدر من المولى بيان لوجوب شيء. فظاهره كونه واجبا نفسيا. ولو لم يكن له إطلاق أحوالي، ولا للآخر إطلاق أحوالي أصلا. ما لم يقترن بالبيان لخصوصية توجب التبعية أو توجب الإجمال.
أقول: وظاهر سياق كلام السيد الأستاذ هنا اختيار هذا الوجه والبناء عليه.
وهذا في الحقيقة عين بياننا من حيث عدم التوقف على الإطلاق ومقدمات الحكمة. واستظهار الاستقلال بدونه. مع فارق الاستغناء عن الكبرى التي ذكرها، وهي أصالة المطابقة، فانها تستعمل لكل الظهورات، لا لمورد دون مورد. ومن هنا كانت نسبتهما إلى كل الظهورات على حد واحد. ولا حاجة إلى ذكرها في المسألة. حالها في ذلك حال مسألة استحالة اجتماع النقيضين أو اجتماع الضدين.
ومن هنا – أيضا – إذا قلنا ان اللفظ ظاهر بكذا، كفى ذلك، ولا حاجة إلى الإشارة إلى أصالة المطابقة في كل مرة. لأنها ارتكازية أكيداً.
ويكفي في ذلك ان نلتفت إلى ان تطبيق كلا مسلكي الإطلاق عليه، وليس المسلك المشهوري الذي أشار إليه فقط.
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وتعبيره: ان الواجب النفسي ظاهر بأنه ملحوظ بما هو هو بالمعنى الاسمي .. هذا وحده لا يكفي، بل لابد من القول: بان الواجب المشكوك هنا ظاهر بأنه ملحوظ بما هو هو بالمعنى الاسمي. والا كان من قبيل المصادرة على الموضوع. وأصالة المطابقة لا تثبت ذلك، كما هو ظاهر، لفرض كونه مشكوكا إثباتا. وإنما يثبته الظهور المباشر بالاستقلالية كما قلناه.
وقد سميناه بالاستقلالية، بدون حاجة إلى استعارة اصطلاحات من باب (المعنى الحرفي) كما فعل .
كما ان الواجب الغيري تثبت له المقدمية لا المعنى الحرفي، لأن المعنى الحرفي فاني في متعلقه ومدخوله، بخلاف المقدمة، فانها ملحوظة بحيالها شرعا، والا لكان خلف مقدميتها.
مضافا إلى سكوته عما قلناه من ان كلا الاطلاقين: أعني الإطلاق لنفس الواجب والإطلاق للواجب الآخر، غير مقيد. وهو يعطي موافقته على ذينك التقريبين. وقد عرفنا عدم تماميتهما.
وأصالة المطابقة هذه، هي حصة أو ناحية مما يسمى بأصالة الجهة أو أصالة الجد والصدق مع عالم النفس. وان المتكلم الملتفت الرشيد، يبرز ما في ذهنه فعلا، لا غيره. ولولاها لانسد باب التفاهم أصلا.
وهي اقتضائية، قابلة للتقييد بالتقية أو الهزل أو الامتهان أو الاستهزاء أو التعجب، أو غيرها من المقاصد غير الجدية.
ومحل بحثنا باب الظواهر، ودليلها إجمالا: اما ظهور حال العاقل، انه كذلك. أو حساب الاحتمالات بين المتكلمين، وان الأعم الأغلب منهم كذلك.
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ويراد بها: المطابقة مع القناعة الواقعية، لا الإرادة الفعلية. فان هذه الإرادة علة، والعلة لابد ان تكون مناسبة مع المعلول، فيستحيل مغايرتها.
كما ليس المقصود مطابقتها للواقع الخارجي بما هو. فان الخبر قابل للمطابقة وعدمها.
وهي متساوية النسبة للظهورات كلها، كما سبق، سواء كانت منطوقة أو بغير النطق كالإشارة. ولا تصلح ان تكون كبرى في أية مسألة بعينها، لأن ذلك إنما يصح إذا كانت الكبرى خاصة بالمورد حين لا يكون استدلالا بالأعم.
المقام الثاني: في الكلام في المسألة الثانية، وهو ما إذا دار الأمر بين ان يكون واجبا تعيينا أو تخييريا.
فأيضا يقع الكلام في جهات ثلاثة: الأول: في الأصل اللفظي. والثانية: في الأصل اللفظي المعاكس. والثالثة: في مقتضى الأصل العملي.
الجهة الأولى: في الأصل اللفظي.
قالوا: انه لابد ان يقع الكلام أولاً في تعيين المباني في الواجب التخييري. وفي حدود ملاحظتي عن تقريرات السيد الأستاذ في كتاباتي وعن المحاضرات: ان هناك اتجاهين لفهم التخيير، من حيث ان التخيير هل هو ناشئ ملاكا من المكلف أو ناشئ من المولى. فاتجاه المحاضرات إلى الأول، واتجاه السيد الأستاذ إلى الثاني.
ومن الواضح ان هذا هو الأصوب أكيداً، لأن المولى هو الذي يجعل
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الواجب تعيينا أو تخييريا، كما يرى من المصلحة، وليس ذلك بيد المكلف. والتخيير عمليا، وان كان للمكلف. الا ان جاعل التخيير هو المولى. فلابد ان نبحث عن ملاك التخيير في جعل المولى لا في عمل المكلف. واما جعل عمل المكلف هو الملاك في ذلك، فهو إسفاف ظاهر الفساد، وسيتضح اكثر عند ذكر مبانيه.
اما المباني التي ترجع ملاك التخيير إلى المكلف فهي ثلاثة. ذكرها في المحاضرات وبنى على أحدها:
الأول: ان مرجعه ان الواجب هو ما اختاره المكلف في مقام الامتثال. ففي موارد التخيير بين القصر والتمام مثلا. لو اختار المكلف القصر فهو الواجب عليه، ولو عكس فبالعكس.
الثاني: ان يكون كل من الطرفين أو الأطراف واجبا تعيينيا ومتعلقا للإرادة، ولكن يسقط وجوب كل منهما بفعل الآخر. فيكون مرد هذا القول إلى اشتراط وجوب كل من الطرفين أو الأطراف، بعدم الإتيان بالآخر.
الثالث: ما اخترناه – يعني المحقق الأستاذ – من ان الواجب هو أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه. وتطبيقه على كل منهما في الخارج بيد المكلف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية.
غاية الأمر ان متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية هو الطبيعة المتأصلة والجامع الحقيقي. وفي الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة والجامع العنواني.
وقد ذكرنا – يعني الأستاذ المحقق – انه لا مانع من تعلق الأمر به أصلا. بل تتعلق به الصفات الحقيقية، كالعلم والإرادة. وذكرنا انه لا واقع للمعلوم بالإجمال في موارد العلم الإجمالي، ما عدا عنوان أحدهما أو أحدها، حتى في
ــــــ[187]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
علم الله سبحانه. فإذا تعلقت به الصفات الحقيقية، فما ظنك بالحكم الشرعي الذي هو اعتباري محض.
واما المباني التي تُرجع ملاك التخيير إلى الشارع، فهي ما ذكره السيد الأستاذ في كتاباتي. وهي أيضا ثلاثة:
الأول: مسلك الذي يتوهم – كما قال – ان الوجوب التخييري مرجعه إلى وجود وجوبين مشروط لكل منهما بعدم الآخر.
الثاني: ان مرجع الوجوب التخييري إلى وجوب واحد متعلق بالجامع بينهما.
الثالث: ان الوجوب التخييري متعلق بالفعل، لكنه وجوب مشوب بجواز الترك.
توضيحه: ان المولى في جميع موارد الوجوب التعييني والتخييري والاستحباب له طلب مطلق. لكن الطلب الاستحبابي طلب مشوب بجواز الترك مطلقا. والوجوب التعييني لا يرخص في ترك امتثاله مطلقا. اما الطلب االتخييري فهو وسط بينهما، من حيث ان المولى يرخص في بعض أنحاء تركه، وهو تركه إلى بدل.
ولنا مستويين من التعليق:
المستوى الأول: في المقارنة بين المباني المعروضة في المحاضرات والمباني المعروضة في التقريرات.
وهنا نجد ان وجهين منها مشتركة واثنين منها غير مشتركة. فالأول المذكور في المحاضرات تركه في التقريرات. والأخير في التقريرات لم يذكره
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
في المحاضرات.
بقي الوجهان الأخيران في المحاضرات، والأوليان في التقريرات، يمكن إرجاع بعضها إلى بعض مع شيء من الاختلاف. غير ان المستظهر من المحاضرات رجوع ملاك التخيير إلى المكلف والمستظهر من التقريرات رجوعه إلى المولى.
ففي المحاضرات يقول من أحد الوجهين: يسقط وجوب كل منهما بفعل الآخر. ويقول عن الآخر: اشتراط وجوب كل منهما بعدم الإتيان بالآخر. وكلاهما ظاهر الارتباط بالمكلف.
وفي التقريرات يقول بناء على هذا المسلك: ان الوجوب التخييري مرجعه إلى وجود وجوبين مشروط كل منهما بعدم الآخر. ومن الواضح ان جاعل الوجوبين هو الشارع والمشترط – بالكسر – هو الشارع أيضا. وقد عبر هنا بعدم الآخر وفي المحاضرات عبر بعدم الإتيان بالآخر. مما يشعر في المحاضرات ان الأمر موكول إلى المكلف. وسيأتي تحقيقه.
والمسلك الآخر الذي سمعناه في المحاضرات، ما اختاره من انه وجوب متعلق بالجامع الانتزاعي. قال: وتطبيقه في الخارج على كل منهما بيد المكلف. وهذا ما لم يقله في التقريرات.
المستوى الثاني: من التعليق: ان هناك مرتبتين في الوجوب التخييري، لابد من التمييز بينهما: رتبة الثبوت ورتبة الإثبات. وما ينبغي ان يكون نظر الأصوليين إليه، في حقيقة الوجوب التخييري هو الأول مهما كانت طريقة البيان في مقام الإثبات. في حين ان ما ينبغي ان يكون نظر الأصوليين إليه في مقامنا هنا، وهو التمسك بالإطلاق، هو الثاني لان الإطلاق راجع إلى طريقة البيان
ــــــ[189]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ومقام الإثبات.
ولو كان لطريقة البيان تأثير في معنى التخيير ثبوتا، ولو من باب أصالة المطابقة، إذن سيكون للوجوب التخييري عدة معاني بعدد الألسنة المبينة له. وهو غير محتمل.
فطريقة البيان العرفي للتخيير أشكال متعددة، مثل افعل كذا أو كذا أو افعل اما كذا أو كذا. وغيرها. ومن المحتمل ان لسان الكتاب والسنة أيضا يختلف في بيان الوجوبات التخييرية. فإذا حددنا للوجوب التخييري حدا ثبوتيا، وكان البيان على خلافه، تعين حمله على خلاف الظاهر. فان البناء على النص خلف الحد الثبوتي المفروض.
ومن هنا لا حاجة إلى حد ثبوتي إطلاقا، وإنما نعطي للوجوب التخييري خصائصه المسلمة عرفا ومتشرعيا، كما يلي:
أولاً: ان جعل الوجوب التخييري بيد الشارع لا المكلف. بما في ذلك إدراك الملاك والغرض الذي يكون بدوره تخييريا.
ثانياً: يحرم ترك كلا الفعلين، لأن في ذلك عصيانا لأصل الجعل. بأي لسان كان بيانه.
ثالثاً: لا يجب الإتيان بكلا الفعلين، لأن الواجب ليس هو المجموع.
رابعاً: انه إذا جاء المكلف في مقام الامتثال بأحدهما أجزأ عن الآخر وسقط وجوبه. لأن متعلق الوجوب قد أنجز، فلا يبقى مجال لوجوب الآخر.
خامساً: ان الشارع قد أعطى التخيير بيد المكلف في مقام الامتثال. كما أعطى في موارد الأمر بالطبائع الكلية في الأوامر التعيينة الاعتيادية الأمر بيد
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المكلف في اختيار الفرد. غاية الأمر ان ذلك تخيير بين أفراد طبيعة واحدة. وهذا قد يكون تخييرا بين أمور متباينة.
فالمكلف له اثر في مقام الامتثال في اختيار أحدهما، وليس ان ما جاء به هو الواجب، بل مصداق منه، ويكون الآخر ساقطا لفرض حصول الغرض.
سادساً: ان الأمر يتعلق بالجامع الانتزاعي أو الجامع المفهومي، المحدود، فان لاحظناه إثباتا فلا إشكال. لأنه أحد طرق البيان العرفية للواجب التخييري.
واما إذا لاحظناه ثبوتا، يعني انه هو الطريقة النظرية الوحيدة لثبوت التخيير في الواجبات. فهذا ليس بصحيح لوجود عدة اطروحات أخرى نظرية كلها ممكنة في هذا الصدد. على ان كل الألسنة الاثباتية يمكن ان تكون لها اطروحات ثبوتية.
سابعاً: ان الرأي القائل بان الواجب التخييري يسقط وجوب كل منهما بالإتيان بالآخر، هذه نتيجة متعينة على كل المسالك. وما قاله في المحاضرات من انه يرجع إلى وجوبين مشروط أحدهما بعدم الآخر، فغير صحيح.
ثامناً: ان هذا الوجه في الواجب التخييري، وهو ان مرجعه إلى وجوبين يشترط كل منهما بعدم الإتيان بمتعلق الآخر. غير صحيح لأن الجعل فيه واحد، ولا يحتمل تعدده.
تاسعا: ان ما قاله السيد الأستاذ من ان الوجوب التخييري، وجوب مشوب بجواز الترك، يصح على كل المسالك الثبوتية والاثباتية. وليس مسلكا برأسه، لأنه فرع التخييرية الثابتة له على كل حال.
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
عاشرا: فالراجح في فهم الواجب التخييري هو ما قاله في المحاضرات من ان الوجوب على عنوان: أحدهما ثبوتا. بغض النظر عن جانب الإثبات الذي يمكن ان يكون بأساليب متعددة كما سبق. ويمكن تأويلها جميعا وصرفها إلى المعنى الثبوتي. وخاصة بعد نفي تعلقه بالجامع المفهومي الضيق أو كونه من التخيير العقلي.
وهذا الجانب الثبوتي هو الذي يعطي معنى التخيير للمكلف، ومنه ينتزع معناه. وكل ما سواه من التفاصيل فهو من نتائجه.
وهذا الأمر من شأن المولى وليس من شأن العبد. نعم للعبد تطبيق الصغرى وهو الإسقاط. فكما يسقط التكليف التعييني بالامتثال يسقط التكليف التخييري بامتثال الآخر. أو قل يسقطان معا بامتثال واحد. هو امتثال أحدهما أيا كان.
أحد عشر: انه من الناحية العملية، فان اكثر الوجوه التي قيلت فيه، يمكن ان تكون صادقة في إحدى المرحلتين الثبوتية أو الاثباتية. فانها جميعا ينتزع منها معنى التخيير. ولكن بشرط ان نعترف بوحدة الجعل.
ثاني عشر: انه إذا بين المولى البدل أو العدل للواجب، فهو تخييري، وان لم يبينه، فمقتضى الظهور كونه تعيينياً. اما بالإطلاق يعني: يجب هذا سواء عملت ذاك أم لا. واما بظهور الاستقلالية – كما قلنا – يعني يجب هذا سواء وجب الآخر أم لا.
وهنا لابد من الالتفات إلى نكتة حول إمكان الوجوب التخييري. فان الإرادة قد تتعلق به الا ان الإرادة لا محالة تكون على طبق الغرض والملاك. وهنا يقال: ان الغرض يستحيل فيه الوجوب التخييري بل يتعين بواحد لا
ــــــ[192]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
محالة. فان العمل (وهو الامتثال) لا محالة علة لمصلحة، والعلة يجب ان تكون واحدة لا متعددة. والا لزم صدور الواحد النوعي من المتعدد النوعي، وهو مستحيل. وتعدده النوعي واضح صغرويا بعد تباين طرفي التخيير سنخاً.
فان قلت: فاننا اخترنا ان متعلق الوجوب التخييري هو مفهوم أحدهما وهو واحد، فلا يكون مخالفا لتلك القاعدة العقلية.
قلنا: انه مفهوم انتزاعي لا يصلح للتأثير في الخارج، وإنما المؤثر هو واقع أحدهما وهما متباينان.
فان قلت: فان أفراد الحقيقة الواحدة، كالصلاة أيضا متباينة، مع انهم لم يستشكلوا في قابليتها لإنتاج نفس الأثر.
قلنا: كلامنا بالتباين النوعي لا الشخصي. فان لم يكونا متباينين نوعا كفى في إمكان وحدة التأثير من هذه الناحية. كأفراد الصلاة. وهذا غير متحقق في الواجب التخييري. والا لانقلب التخيير فيه إلى التخيير العقلي.
فان قلت: فان هناك جامع واقعي بينهما، وان لم يكن خارجيا وهذا يكفي.
قلنا: نعم، الا انه انتزاعي، لأن العناوين الكلية الانتزاعية لها نحو من الواقعية. وإذا كان انتزاعيا لم يؤثر.
فان قلت: فاننا يمكن ان نتنزل عن تلك القاعدة، الفلسفية.
قلنا: نعم، ولكننا نتحدث الآن بناء على صحتها.
فان قلت: فان للواجبات التخييرية جامعا مفهوميا، وليس انتزاعيا.
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا: اننا قلنا بتعذره. ولو تنزلنا وقبلنا وجوده لم يصلح للتأثير، لأنه ليس ماهويا مقوليا، بل هو انتزاعي أيضا بمعنى آخر. يعني ليس بمعنى أحدهما بل بمعنى ما ينهى عن الفحشاء ونحوه.
فالجواب الصحيح عن ذلك: اننا لو توخينا لطرفي التخيير معا أثراً معيناً واحداً لورد الإشكال لا محالة، مثل معراجية المؤمن أو النهي عن الفحشاء. الا ان الأمر ليس كذلك، وإنما العلة الحقيقية للأثر هو الله سبحانه، وإنما جعل ذلك مقدمة اختيارية للمكلف من اجل ما يسمى (بالمقابلة)، بعد الالتفات إلى ان الواجب التخييري لم يأت في اصل الشريعة الا في الكفارات والديات.
ومعنى (المقابلة) مضادة النفس الأمارة بالسوء، اما ابتداء أو بازاء الذنب الذي اقترفه الفرد. ومقتضى القاعدة إجزاء أية مقابلة بصفتها قهراً للنفس. ولكنه سبحانه اختار لعبده هذا الواجب التخييري مصداقا لها.
فحتى لو فرضت العشوائية كفى ان نقول: ان الله تعالى يأخذ العبد بالطاعة العمياء، يعني من دون الإطلاع على الصحة التفصيلية. فانها من طرق التكامل. واما الأثر الحقيقي فهو جل جلاله الصانع والمعطي له.
فان قلت: فان المعلول وهو المقابلة واحد. والعلة متعددة نوعا، فيكون خلاف تلك القاعدة العقلية.
جوابه:
أولاً: ان مثل هذا العمل الذي يصلح للمقابلة إنما هو بمنزلة الشرط أو عدم المانع. لا بمنزلة المقتضي. والقاعدة خاصة بالمقتضي ونحوه.
ثانياً: انها جميعا يشملها مفهوم عام وهو قهر الشهوات، وهي تُقهر تكوينا
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بترك كل ما تتعلق به. كما قال تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
هذا: واما اختيار السيد الأستاذ في هذا الصدد. فهو بعد ان بين الوجه الثالث في معنى الواجب التخييري. وهو ان له شبهاً بالاستحباب من حيث الإذن بالترك.
قال: ان نسبة الوجوب التخييري إلى التعييني كنسبة الاستحباب إلى الوجوب. فتأتي نفس البيانات السابقة لاستفادة الوجوب من الصيغة. فمن ذلك: اننا قلنا: ان صيغة افعل موضوعة للنسبة البعثية الإرسالية، وهذه النسبة مساوقة تكوينا مع الوصول والانبعاث. فالإلقاء التشريعي بالصيغة يكون ظاهراً بكونه إلقاء تشريعيا يسد به كل أبواب العدم. وقد أثبتنا به الواجب في مقابل الاستحباب، والآن نثبت به الوجوب التعييني في مقابل التخييري.
باعتبار ان الإلغاء التكويني حيث لا يسمح بأية حصة من حصص العدم، فكذلك الإلقاء التشريعي. وهو معنى كون الوجوب تعيينيا. ثم أشار باختصار انه بذلك أيضا يتعين كون الوجوب عينيا لا كفائياً.
أقول: الا ان هذا الوجه ان رجع إلى الوجه الذي قلناه، وهو الظهور بالاستقلال، باعتبار انه هو الذي انسدت جميع أبواب العدم أمام تركه.. فهو المطلوب. والا لم يتم، لعدة وجوه:
أولاً: قوله: ان نسبة الوجوب التعييني إلى الوجوب التخييري كنسبة الوجوب إلى الاستحباب. لا يتم. فانه لاشك تعبير مجازي لا حقيقي. لوجود فرق أكيد بين النسبتين.
ثانياً: قوله: ان النسبة الإرسالية مساوقة مع الانبعاث. هذا غير محتمل
ــــــ[195]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
تكوينا ولا تشريعا، اما تكوينا فلأنها بمنزلة المقتضي أو الشرط لا العلة التامة. فلا تكون مساوقة مع الانبعاث. واما تشريعا فلاحتمال العصيان 50% فكيف يكون مساوقا للانبعاث؟
ثالثاً: ان كون الإلقاء التشريعي (وهو الأمر) يسد كل أبواب العدم، يعني حتى العدم المساوق مع وجود الآخر، ليكون ظاهرا بالتعيين في مقابل التخيير. إنما هو تعبير آخر عن التمسك بالإطلاق. إذ لولا الإطلاق لم يثبت ذلك لا محالة. لأنه معلول للإطلاق، مع وضوح انه لا معنى للعكس، وهو كون الإطلاق معلولا له.
فإذا لم يتم الإطلاق عنده أو عندنا، أو لم يكن المتكلم في مقام البيان أو كان اللفظ متصلاًً بقرينة مجملة، ونحو ذلك، لم يتم هذا الدليل. وهذا دليل كونه ظهورا اطلاقيا، وليس شيئا آخر، الا في مقام الصياغة والتعبير.
الجهة الثانية: فيما يحتمل ان يكون من الأصل اللفظي المعاكس.
فانه قد يقال: ان مقتضى القواعد الظهورية اللفظية، ليس هو تعين التعيين في مقابل التخيير. وان كان الصحيح: ان تعين التخيير في مقابل التعيين غير ممكن ما لم تقم عليه قرينة. وإذا قامت قرينة، كانت هي المتبعة، سواء كانت على التعيين أم على التخيير.
والكلام إنما هو في اللفظ المجرد عن القرينة. فان لم يعين التخيير، فلا اقل انه لا يعين التعيين. بل يبقى مجملا، اما لعدم المقتضي للظهور بالتعيين واما لوجود المانع.
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فهنا تقريبان:
التقريب الأول: في نفي المقتضي للظهور بالتعيين.
بان يقال: ان التعيين عنوان قائم بذاته يحتاج إلى قرينة والمفروض عدمها. ومجرد الإطلاق لا يكفي لإثباته.
وجواب ذلك من عدة وجوه:
أولاً: ان معنى التعيين لازم عقلي للإطلاق. وهو قولنا: صل وان لم تصم، أو أطعم وان لم تصم. والإطلاق أمارة تثبت به لوازمه العقلية.
ثانياً: اننا لا حاجة لنا إلى عنوان التعيين في الواجب، لأنه عنوان انتزاعي واصطلاحي – كما قلنا في النفسي والغيري – وإنما المهم منشأ انتزاعه. وهو يثبت بالإطلاق بالدلالة المطابقية.
ثالثاً: اننا إذا ناقشنا في ثبوته بالإطلاق، كما سبق. ولو بأن يقال: ان منشأ انتزاع التعيين لازم عقلي وليس لازما عرفيا. وما يثبت بالإطلاق هو اللازم العرفي لا اللازم العقلي.
فنحن نثبته بالظهور بالاستقلالية. ومقتضى شمول معنى الاستقلالية هو التعيين، كما كان معناها هو النفسية. وكل منهما حصة من الاستقلالية، تثبت بالدلالة المطابقية لا باللازم. ونستطيع ان نسميها بالدلالة التضمنية. أي ان كلا منهما هو جزء الدلالة المطابقية. وليست من قبيل الإطلاق. وإنما يكون الإطلاق من لوازمها، أو في طولها، وهو قولنا: أطعم سواء صمت أم لا.
التقريب الثاني: في وجود المانع للظهور بالتعيينية:
وتقريبه: اننا وجدنا ظهورين، أحدهما: يدل على التعيين وهو الإطلاق أو
ــــــ[197]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الظهور بالاستقلالية. والآخر يدل على عدمها وهو ما ذكرناه في التقريب الأول. فلا اقل من انهما يتعارضان ويتساقطان. ولا يبقى بعده ظهور بالتعيينية، كما هو المدعى في نتيجة الجهة الأولى من هذه المسألة.
الا ان هذا غير تام تماما لعدة وجوه:
أولاً: اننا لم نذكر ظهورا في التقريب الأول ينفي التعيينية، وإنما نفينا الظهور بها. فإذا لم يكن هناك ظهور محدد في عدمها، لم يسقط طرفه بالمعارضة.
ثانياً: اننا لو كنا قد استظهرنا التعيينية في الإطلاق كان ما فرضناه ظهورا في عدمها مقدما عليه، لكونه بمنزلة القرينة المتصلة ولكننا استظهرناها من الظهور بالاستقلالية. فلا يرد ذلك.
فان قلت: انه ظهور اقتضائي قابل للزوال بالقرينة.
قلنا: نعم، الا ان الظهور الآخر كذلك أيضا.
فان قلت: فانهما يتعارضان ويتساقطان.
قلنا: كلا. بل نأخذ في طول التعارض بالأظهر وهو الظهور بالاستقلالية. على ان الأمر تنزلي. ولا يوجد ظهور آخر معارض.
التقريب الثالث: ان الإسلام أرسل ليطبق دفعة واحدة، وهذا معنى ينافي ظهور الاستقلالية في أي حكم من أحكامه. فان الأحكام عندئذ لا تكون مستقلة بل مترابطة. وأحدها معتمد على الآخر وهذا المعنى واضح متشرعيا في نظر المتكلم والسامع معا. فيكون ذلك بمنزلة القرينة المتصلة النافية للاستقلالية.
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
جوابه: ان ما قرع سمعك من ذلك وان صح. الا ان المهم فيها هو الأغراض من ناحية تطبيقية، أي العلة الغائية. والعلة الغائية من كل حكم منوط بتطبيق سائر الأحكام.
فان قلت: فان ما هو مأخوذ في الغرض، مأخوذ في جانب الإرادة وجانب الجعل أيضا وهو الحكم، فينتفي معنى الاستقلالية.
قلنا: هذا المعنى الغائي مرتبط بأحد أمرين:
الأمر الأول: باعتبار تطبيق العدل الكامل على الأرض، ضمن تطبيق كل الأحكام. وهذا له غرض مستقل ولا ربط له بأغراض الأحكام الاستقلالية بمفردها.
الأمر الثاني: انه يمكن ان يقال: ان لكل حكم مستويان من التطبيق: أحدهما: الغرض الشخصي، وهو الطاعة الفردية. والآخر: الغرض النوعي أو الاجتماعي. وهو طاعة الآخرين لسائر الأحكام لكي ينطبق العدل الكامل.
وما يدخل في الغرض الانفرادي للحكم الواحد، هو ما يدخل تحت القدرة، وهو الغرض الشخصي. بغض النظر عن المعنى الثاني. لوضوح ان المعنى الثاني خارج عن القدرة لعدم تمكن الفرد من أفعال الآخرين.
إذن، فبلحاظ المعنى الأول، يبقى الظهور بالاستقلالية موجودا.
الجهة الثالثة: في تأسيس الأصل العملي عند الشك في التعيين والتخيير. ويكون على وجوه:
الوجه الأول: انه صغرى من دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وهي المسألة التي تذكر عادة في مباحث الاشتغال.
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والبناء هناك مشهوريا على التعيين، أخذا بالاشتغال العقلي، لأنه الموافق للاحتياط، لأنه المجزئ على كلا التقديرين. بخلاف العكس: وتمام الكلام في محله.
ولعله لأجل هذا أجلّ الكلام فيه في المحاضرات إلى باب البراءة والاشتغال، على حد تعبيره. ولكن لو تم ذلك، فالأمر خاص بهذه المسألة، ولا يعم التردد بين العيني والكفائي، كما فعله في المحاضرات. وإنما كان اللازم التصدي لذكر الأصل العملي في نفس المسألة، مع انه اجلها أيضا، إلى مبحث البراءة والاشتغال.
وقد يقال: ان هذه المسألة هي عين تلك المسألة، يعني انها نفس الكبرى، وليست مجرد حصة منها.
فانه يقال: ان هذا قابل للمناقشة من ناحية العلة ومن ناحية المعلول معا. بحيث قد نستنتج المباينة بين المسألتين، بحيث ان هذه ليست مندرجة في تلك ولا حصة منها، فضلا عن العينية، وان اتحد المحمول فيهما.
اما من ناحية العلة، فلاختلاف سبب الشك. فبينما سبب الشك هنا هو وجود خطابين مستقلين يحتمل ان يكونا مرتبطين بنحو الوجوب التخييري. بحيث يرجع جعلها إلى جعل واحد متعلقه عنوان أحدهما، ونحو ذلك.
بخلاف مورد القاعدة هناك، فان احتمال التخيير، ناشئ من إطلاق دليل واحد ، يكون التعيين فيه بمنزلة القدر المتيقن فيها. كاعتق رقبة مؤمنة.
واما من ناحية المعلول، فان التعيين هنا مستظهر من الأصل اللفظي، يعني ظهور الدليل. وهناك هو مقتضى الأصل العقلي وهو الاشتغال.
فان قلت: فان تنزلنا عن الأصل اللفظي، كانت المسألة هي نفسها. وآل
ــــــ[200]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأمر إلى الأصل العقلي.
قلنا: كلا. فاننا ان تنزلنا عن الأصل اللفظي آل الأمر إلى الأصل العملي، كما سيأتي في التقريبات الآتية. فان تنزلنا عنها آل الأمر إلى الأصل العقلي. وعندئذ تكون حصة من تلك المسألة. وليست عينها.
وبالرغم من تعدد المسألة موضوعا، الا ان محمولها واحد في الجملة، وهو الإتيان بطرف التعيين أو بما هو محتمل التعيين، لأنه المجزئ على كلا التقديرين. فيكون موافقا للاحتياط، بخلاف الطرف الآخر.
الوجه الثاني: أصالة البراءة عن التعيين، بصفته مشكوكا، بعد التنزل عن الأصل اللفظي، كما هو مفروض المسألة.
فان قلت: فانه يعارض بأصالة البراءة عن التخيير، لأنه أيضا مشكوك، فيتساقطان.
قلنا: كلا. لأجل اكثر من وجه واحد:
أولاً: لأجل سياق الامتنان في دليل البراءة، ولا امتنان في رفع التخيير، فانه تسهيل على كل حال. واما رفع كلا الطرفين فهو غير محتمل. فتتعين البراءة عن التعيين.
ثانياً: ان جريان البراءة عن التعيين له اثر وهو تعين التخيير، بخلاف جريانها عن التخيير. فإن تعين التعيين عندئذ يكون باللازم العقلي، وهو منتف بالأصول العملية.
فان قلت: فان اللازم العقلي لانتفاء التعيين هو التخيير أيضا.
ــــــ[201]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا: كلا. فان المهم هو فراغ الذمة عن التعيين. ويبقى المكلف مخيرا تكوينا بين الأمرين. اما عندما تجري البراءة عن التخيير. فيحتاج إثبات التعيين إلى حكم شرعي بخصوصه. وهو لا يثبت الا بالملازمة مع انتفاء التخيير. فيتعذر إثباته بالأصل العملي.
وعلى أي حال، فتجري البراءة عن التعيين. غير ان الأصل الآتي حاكم عليه على ما سيظهر.
الوجه الثالث: استصحاب اشتغال الذمة بالتكليف إجمالا، بعد الإتيان بالآخر – غير طرف التعيين -. لأنه إذا كان الوجوب تخييريا فقد سقط، وان كان تعيينا، فلم يسقط، لأنه جاء بالمباين. فنستصحب اشتغال الذمة.
لكنه من استصحاب الكلي من القسم الثالث، والمشهور والصحيح بطلانه.
الوجه الرابع: استصحاب اشتغال الذمة بطرف التعيين. لأن الذمة كانت مشغولة به يقينا. اما وحده واما بصفته حصة من الوجوب التخييري. فهل سقط بالإتيان بالآخر؟ فإذا كان الوجوب تخييريا فقد سقط. وان كان تعيينيا، فلم يسقط، لأنه لم يأت بالواجب بل أتى بالآخر فنستصحب.
ونقطة قوته على الوجه السابق: وحدة متعلق الوجوب الذي هو مجرى الاستصحاب. فان الوجوب وان كان في كلتا الصورتين كليا. الا ان المتعلق هناك متعدد وهو عنوان أحدهما. وهنا واحد وهو عنوان الصيام مثلا.
وجوابه: انه أيضا راجع إلى استصحاب القسم الثالث الباطل. لأنه راجع إلى استصحاب الوجوب الثابت على المتعلق، وهو الصيام في المثال، وهو ثابت بخطابين متباينين، لأنه على أحد التقديرين تعييني وعلى التقدير الآخر
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
تخييري. وهما جعلان متباينان. أو قل: ان الوجوب التعييني مباين للوجوب التخييري.
فان قلت: فان هناك قدرا مشتركا بينهما، وهو المتعلق وهو الصيام. فينتفي التباين.
قلنا: أولاً: ان الصيام عنوانان في دليلين محتملين لا عنوان واحد. أو قل ان الصيام المأخوذ في أحدهما مباين للصيام المأخوذ في الآخر.
ثانياً: اننا حتى لو فرضنا وحدتهما، فان المستصحب ليس هو عنوان الصيام بل وجوبه. وقد عرفنا انهما وجوبان متباينان.
فان قلت: فاننا نستصحب وجوب الصوم بعنوانه، وهو محرز الحدوث مشكوك البقاء.
قلنا: كلا. بعد كون الوصف على كلا التقديرين متباينا. أو قل انه يصبح من القسم الثالث الممنوع.
الوجه الخامس: استصحاب عدم صدور الخطاب التخييري، لأنه مشكوك في نفسه، فنستصحب عدمه. والمفروض انه امتثله ولم يمتثل الآخر. فيثبت بهذا الاستصحاب بطلان ما أتى به.
فان قلت: فان هذا لازم عقلي. قلنا: كلا، لأن الامتثال إنما يصح مع إحراز الخطاب. فإذا ثبت عدمه ولو بالاستصحاب، لغا الامتثال.
أقول: الا ان تتمة الكلام في ذلك هو ان يقال: حيث ان الأمر منحصر بالاحتمالين أو الخطابين. فحيث ثبت عدم أحدهما تعين الآخر. فتكون النتيجة للتعيين.
ــــــ[203]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الا ان هذا غير تام لأكثر من وجه:
أولاً: ان ثبوت أحدهما بانتفاء الآخر لازم عقلي، وهو لا يثبت بالأصل العملي.
ثانياً: ان استصحاب عدم الجعل التخييري يعارض باستصحاب عدم الجعل التعييني ويتساقطان. بعد التنزل عن الاعتراض الأول.
لا يقال: ان التعيين بمنزلة القدر المتيقن، فلا مورد لاستصحاب عدمه.
لأنه يقال: انه بعنوانه التفصيلي، أعني جعل التعيين، مشكوك ومباين للآخر، فيجري استصحاب عدمه.
الوجه السادس: انه بعد ان كانت كل الوجوه للأصول العملية، فاشلة. إذن ينتهي الأمر إلى الأصل العقلي. وبه تتحقق صغرى لما قلناه من انه بعد الأصل اللفظي نرجع إلى الأصل العملي وبعده نرجع إلى الأصل العقلي. والأصل العقلي هنا هو مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير. والصحيح والمشهور فيها هو التعيين.
فان قلت: فاننا قلنا في الوجه الأول، انهما يختلفان من ناحية العلة، وهو سبب الشك.
قلنا: ذاك وان تم. الا انه حين لا يكون مجال لشيء الا الأصل العقلي. فستكون المسألة صغرى له مهما كان سبب الشك فيه.
المقام الثالث في الكلام في التردد بين الوجوب العيني والوجوب
ــــــ[204]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الكفائي. والكلام حسب الترتيب السابق أيضا: أولاً: في الأصل اللفظي. وثانيا: في الأصل اللفظي المعاكس. وثالثا: في الأصل العملي والعقلي.
الجهة الأولى في الأصل اللفظي: فقد ذكر في المحاضرات انه يحتاج إلى توضيح حقيقة الواجب الكفائي. ثم ذكر بعد ذلك: ان الإطلاق يقتضي المصير إلى الوجوب العيني على كل الوجوه. وهذا ينتج: انه بالدقة لا حاجة إلى ذكر معنى الوجوب الكفائي. فان التقسيم إنما يكون فيما إذا كان له ثمرة. وهذا لا ثمرة له، لأن الأقسام كلها محمولها واحد، وهو اقتضاء الإطلاق للعينية. وإنما الثمرة تظهر فيما إذا كان البعض مختلفا في المحمول، وهو هنا ليس كذلك، فلا ثمرة له. إذن، فذكر معنى الوجوب الكفائي، إنما هو لمجرد الإطلاع وليس له ثمرة في عالم التحقيق.
وهذا بخلاف الأقوال في المسألة السابقة في الواجب التخييري. فان بعضها لم يكن يقتض التعيينية، كما سبق. ولذا كان للتقسيم هناك ثمرة. بخلافه هنا.
وعلى أي حال فنحن متابعة لاسلوب المحاضرات، ولمجرد الإطلاع، نذكر ما هو محتمل في تفسير الواجب الكفائي. وخاصة انه لا موضع له في علم الأصول، الا هذا الموضع. وان لم يكن له ثمرة.
قال في المحاضرات ما مؤداه: ان ما قيل أو يمكن ان يقال في تصويره وجوه لم ينسبها إلى أحد.
الوجه الأول: ان يقال: ان التكليف متوجه إلى واحد معين عند الله. ولكنه يسقط بفعل غيره. لفرض ان الغرض واحد فإذا حصل في الخارج سقط الأمر.
الوجه الثاني: ان يقال: ان التكليف الكفائي متوجه إلى مجموع آحاد
ــــــ[205]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المكلفين، على نحو العموم المجموعي. ولم يقل عندئذ: انه إذا جاء به واحد سقط عن الباقين. ولابد انه تركه لوضوحه.
مع ان الوجه لا يقتضي ذلك. لأن منطوقه هو الوجوب على المجموع، فيجب امتثاله عليهم جميعا بالاشتراك والتعاون. كما لو وجب دفن الميت عليهم جميعا.
فان قلت: ان الغرض واحد، فيسقط بفعل واحد. قلنا: نعم الغرض واحد. ولكن الحكمة اقتضت صدوره من المجموع كمجموع. ولذا صدر الأمر به على هذا النحو على الفرض.
الا ان هذا يخرج عن كونه كفائيا، في حين اننا نريد ان نفسر الوجوب الكفائي.
الثالث: ان التكليف متوجه إلى عموم المكلفين على نحو العموم الاستغراقي، فيكون واجبا على كل واحد منهم على نحو السريان. غاية الأمر ان وجوبه على كل منهما مشروط بترك الآخر.
الرابع: ان يكون التكليف متوجها إلى أحد المكلفين لا بعينه المعبر عنه بصرف الوجود. قال: وهذا هو الصحيح.
أقول: الخامس: ان يكون التكليف متوجها إلى أحد المكلفين، لا بعينه، مرددا بين الجميع، فإذا أتى به واحد كان مصداقا منه فيسقط لفرض وحدة الغرض.
الا ان هذا الوجه مستحيل، لاستحالة وجود الفرد المردد خارجا. وكذلك الأول باطل لأن هذا الواحد المعين عند الله غير محتمل إطلاقا. الا ان يرجع
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إلى أحد الوجهين الرابع أو الخامس. فيرجع إلى الكلام فيهما. واما الثاني، فقد نفيناه.
فيبقى الحال مرددا في معنى الوجوب الكفائي، بين الوجه الثالث والرابع: والثالث له نقطة قوة والرابع له نقطة ضعف.
وذلك: اننا سمعنا أكيدا: ان الواجب الكفائي إذا لم يأت به أحد أو لم يأت به بمقدار الكفاية عوقب الجميع. وهذا يتحقق على الوجه الثالث، لأن المفروض فيه توجه التكليف إلى كل واحد. فإذا عصوا فقد استحقوا العقاب. واما على الوجه الرابع – وهو مختار المحاضرات -، فالواجب على أحدهم وليس على ذمة كل فرد منهم. فإذا عصى واحد لم يستحق العقاب على واجب فعلي في ذمته، لأن المكلف هو العنوان وليس كل واحد.
ونقطة ضعف الوجه الرابع: هو قوله: لا بعينه، كما قالها في تفسير الواجب التخييري. غاية الفرق ان المتعلق هناك لا بعينه. والمكلف هنا لا بعينه. وهو كلام باطل. لأن الشيء الذي لا بعينه لا وجود له في الخارج. فانه تعبير آخر عن الفرد المردد المستحيل.
فان قلت: فانه فسره بصرف الوجود. وهو كلي قابل للمصداقية في الخارج. ونعبر عنه بعنوان أحدهما.
قلنا: ولكن عنوان لا بعينه غير عنوان صرف الوجود. فان أراد منه ذلك كان على خلاف الاصطلاح. فهل يمكن ان نقول: ان الإنسان ككلي هو فرد لا بعينه. كلا. اصطلاحا.
ونقطة قوة الوجه الرابع على الثالث: انه وجوب واحد لمتعلق واحد ومكلف واحد. واما بناء على الوجه الثالث، فالمكلف متعدد بعدد الموجودين
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
في الخارج. في حين اننا ندعي ان الوجوب الكفائي جعل واحد لمكلف واحد عنوان واحد. فيكون تعدد المكلف خلف ذلك.
وهذا نظير ما قلناه في الواجب التخييري من انه تكليف واحد على متعلق واحد، وليس متعددا كبعض الوجوه التي قالت: بأنه متعدد ولكن أحدهما مشروط بترك الآخر.
الا ان الصحيح ان الواجب التخييري واحد، ولكن الواجب الكفائي متعدد. يعني من حيث المكلف. لأن كل مكلف قادر عالم، يجب عليه فعلا المبادرة إلى الامتثال، وان زاد على الكفاية.
ولكن حيث ان الغرض واحد، فهو كاف للباقي في الانسحاب. وهذا هو الذي يفسر استحقاق العقوبة للجميع.
واما إذا كان التكليف الكفائي، على عنوان أحدهم، فهو غير تام:
أولاً: لعدم كفاية الواحد أحيانا، بل لابد في إنجازه من جماعة. فهل نقول بتحوله إلى الوجوب العيني، أو توجهه إلى عشرة مرددة بين ألف. ونحو ذلك. كل ذلك لا يكون.
واستحقاق العقاب ان كان بعنوان أحدهم، ولم يأت به ولا واحد. ولكن مع احتمال الإتيان به من قبل الغير، كان للفرد إجراء البراءة وعدم الامتثال. في حين قد يكون مطابقا للواقع. وهذا بخلاف ما لو كان التكليف متوجها إليه حقيقة، فلابد من إحراز فراغ ذمته، اما بالامتثال أو بإحراز الإتيان من قبل الآخرين. وليس عندنا نص يقول: ان التكليف الكفائي واحد، لنتعبد به.
فان قلت: فانه يلزم على هذا الوجه التقييد بعدم فعل الآخر، في حين لا
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يلزم بناء على الوجه الرابع. لأن المكلف واحد، وهو عنوان أحدهم، فيكون ساقطا أساسا عن ذمم الباقين.
وبتعبير آخر: كلما استطعنا ان نستغني عن مثل هذا القيد كان افضل، كما فعلنا في الواجب التخييري، حيث لم نقل ان وجوب أحدهما مقيد بعدم الآخر.
جوابه: أولاً: اننا أيضا ليس عندنا نص على ترك هذا القيد. وإنما تركناه في الواجب التخييري، لأن الدليل دلّ على خلافه لا لأجل اننا نبغضه أساساً. وهذه الأفضلية المدعاة ليست أفضلية استدلالية.
ثانياً: يمكن ان يقال: ان التكليف الكفائي غير مقيد جعلا بعدم إتيان الآخر به. بل هو ثابت في الذمة كسائر التكاليف العينية. غاية الأمر انه قامت القرينة من الخارج ان المطلوب شيء محدد لا تجب الزيادة عليه. فإذا حصل ذلك سقط عن الذمة بارتفاع موضوعه، وهو أحد مسقطات التكليف. فهو يسقط عن ذمة الممتثل بالامتثال، وعن ذمم الباقين بارتفاع الموضوع، وإذا لم يدفن الميت عوقب الجميع.
والسر في ذلك: ان المطلوب في الوجوب الكفائي جزئي، وفي الوجوب العيني كلي. فلو قال: ادفن ميتا، كان كليا عينيا ووجب على كل فرد دفن ميت. ولو قال: ادفن هذا الميت كان المتعلق جزئيا والوجوب كفائيا. ويرتفع التكليف بارتفاع موضوعية هذا الجزئي. ومثله: اسقوني ماء أو احملوني إلى البلد الفلاني.
ومن هنا يتضح ان الفرق الأساسي بين التكليفين هو الجزئية والكلية.
ــــــ[209]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ولو قارنا بين الوجهين من هذه الناحية، قلنا: ان عنوان: أحدهم. إذا كان مأخوذا وكان المطلوب كليا، فيمكن ان يقال: بان الوجوب بمنزلة الوجوب العيني. لأن كل فرد هو (أحدهم). والمفروض فيه انه طلب كلي. فيكون ذلك في ذمة الجميع، فيكون واجبا عينيا لا كفائيا ويكون الخروج من ذلك بأحد طريقين:
الطريق الأول: كون متعلق المتعلق (كالدفن) جزئيا. فيكون التكليف كفائيا. ومن هنا عرفنا ان عنوان أحدهم لا اثر له في الكفاية بمجرده، بل ما قلناه.
الطريق الثاني: قيام قرينة على ان المراد بأحد: واحد بشرط لا عن الزيادة. وهذا الطريق يصح في نفسه، ولو كان المطلوب كليا، لأنه يتقيد بواحد على كل حال. فلا يجب ان يكون له اكثر من مصداق واحد. الا ان الذي حصل هو اننا جمعنا بين أمرين: عنوان أحدهم وتلك القرينة. ولم يكف عنوان أحدهم وحده. وهذه القرينة قد أخذها في المحاضرات مسلمة لا شعوريا. لأنها هي الأظهر من عنوان أحدهم. الا ان حاق اللغة واصل العنوان لا يقتضي ذلك. لأن كل فرد هو أحدهم. فينبغي ان يكون عنوانا متعددا بعدد المكلفين.
هذا مضافا إلى ما قلناه من ان عنوان أحدهم لا يكفي، لأن الوجوب الكفائي، يقال فيه: انه إذا قام به من به الكفاية سقط عن الباقين. ولذا سمي كفائيا. وهذا ما لم يتعرض له في المحاضرات. وهذا يتم بناء على المسلك الذي اخترناه، لأن جميع المكلفين مشغولي الذمة. فإذا قام به عدد اقل من الكفاية، بقيت كل الذمم مشغولة، لعدم تحقق الغرض الجزئي.
وان قام به واحد وكفى سقط عن الباقين، وان قام به جماعة بمقدار الكفاية
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
سقط عن الباقين لارتفاع موضوعه.
فان قلت: ان متعلق الواجب الكفائي، كلي كموارد النهي عن المنكر. فلو حدثت معصية وكان الحاضرون متعددين، وجب عليهم النهي على الكفاية. وهو نهي كلي متعلق بذممهم. مضافا إلى انه لابد ان يؤخذ لسان الأدلة كليا لا جزئيا.
فان قلت (في ضمن هذا الاعتراض): ان موارد الانطباق دائما جزئية. قلنا: هذا يرد أيضا في التكاليف العينية، فان الصلاة المأتي بها عينية أيضا. فما هو مؤدى الفرق الذي ذكرناه بين التكليفين العيني والكفائي؟
قلنا: أولاً: ان المهم في انتفاء الواجب الكفائي وارتفاعه هو انتفاء الموضوع، وانتفاء الموضوع يكون دائما بانتفاء الجزئي. لان ما هو الموجود في الخارج هو الجزئي، والخارج لا يتحمل الكلي، فينتفي ما هو موجود في الخارج وهو الجزئي. وهذا يكفي. بخلاف الصلاة فانه إذا انتفى أحد أفرادها، كما لو ترك الصلاة في أول الوقت. فانه لا ينتفي التكليف، لأن الذمة مشغولة بالكلي، والذمة ظرف للكلي. فإذا لم يأت بمصداقه، لم يحصل المأمور به.
ثانياً: لو تنزلنا عن الوجه الأول: فاننا نستطيع ان نفرق بين الكلي والجزئي هنا، بان الكلي هو المتعلق، وهو العمل المأمور به. واما متعلق المتعلق فهو جزئي. فيكون المراد في الأدلة من المتعلق: الكلي كالصلاة والصوم وكذلك النهي عن المنكر ودفن الميت بصفته فعلا من أفعال الإنسان. فانه إذا لم يأت بمصداقه بقي في الذمة.
واما متعلق المتعلق، فالمراد به الجزئي. سواء كان اختياريا، كما لو امرض نفسه فافطر أو عافى نفسه فصام. أو لم يكن اختياريا إطلاقا، كالزوال،
ــــــ[211]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أو كان باختيار غيره، كالمعصية. فان العنوان المأخوذ في الأدلة، وان كان كليا لا محالة الا ان المراد وجود مصداق جزئي له. ولا معنى لتحققه الا حصول الجزئي، لأن الكلي لا يتحقق، حتى في مثل قوله: إذا زالت الشمس فصل. أو إذا حصلت معصية فانه عن المنكر. أو إذا وجدت ميتا فاغسله أو جهزه.
مع الالتفات إلى ان الواجبات العينية يراد بها نسبتها إلى المتعلق، وهو فعل الإنسان، والواجبات الكفائية يراد نسبتها إلى متعلق المتعلق، ولذا سمي كفائيا يعني يكفي لتحقيق متعلق المتعلق.
كما يمكن ان نعبر عن المتعلق بما كان داخلا في القدرة (لأنه مأمور به ومن أفعال الفرد نفسه). ونعبر عن متعلق المتعلق بما كان خارجا عن القدرة، حتى أفعال الغير كالمعصية، أو فعل الله سبحانه، كالموت أو الزوال.
كما يمكن ان نعبر عن متعلق المتعلق ما كان خارجا عن الذات – باللغة الحديثة – وعن المتعلق بما كان في حيز الذات. لأنه من أفعالها المقدورة. وهكذا. والمتعلق بأي معنى أخذناه يكون كليا في الذمة. بينما متعلق المتعلق يراد به الجزئي، وان ورد بلسان الدليل كليا.
ثالثاً: ان ندعي ان المقصود في كلا التكليفين العيني والكفائي هو الجزئي لا الكلي. وان ورد كليا بلسان الأدلة. الا ان المقصود إيجاد الجزئي في العيني، ووجوده في الكفائي. وكما ان المتعلق جزئي فان متعلق المتعلق هو جزئي أيضا، في كليهما.
وهذا هو ما سبق ان قلناه في زمان سابق من ان المراد بالمادة في الأوامر، كصل، هو الجزئي. وهو استعمال حقيقي (في ما وضع اللفظ له) لأن مفهوم الصلاة ينطبق على الكلي والجزئي على حد سواء ويحمل عليها بالحمل الشايع حقيقة.
ــــــ[212]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهذا له آثار نظرية كثيرة في علم الأصول، وان لم تكن له آثار معتد بها في الفقه، لأن النتيجة الفقهية واحدة، على أي حال. وليس الآن مجال بحثه. وإنما يأتي بحثه في مبحث تعلق الأوامر بالطبائع أو بالأفراد.
فان قلت: فانك زعمت: ان الفرق بين التكليفين العيني والكفائي هو ان أحدهما جزئي والآخر كلي. فإذا كان كلاهما جزئيا انتفى الفرق.
فان قلت: ان الفرق هو ان العيني يكون المتعلق المطلوب في الذمة فيه هو الكلي كالصلاة، بينما متعلق المتعلق جزئي فيهما كالميت والزوال.
قلنا: هذا رجوع إلى الوجه السابق.
وإنما نقول هنا: ان الذمة في الواجب العيني تكون مشغولة بالجزئي ولا تفرغ الا بالإتيان به. وهي ظرف مناسب للكلي والجزئي معا. فان لم يأت به أول الوقت بقي في ذمته إلى ان يأتي به. وان لم يأت به في الوقت كله، فان كان قابلا للقضاء بقيت الذمة مشغولة حتى يأتي بفرد أو جزئي تنزيلي له. وان لم يكن قابلا للقضاء سقط بخروج وقته لانتفاء الموضوع.
وعلى أي حال فنحن بعد ان قلنا ان كلا الأمرين جزئي. فقد سقط هذا الفرق. ولكن يبقى الفرق في انتفاء الموضوع. فان الكفائي إذا أنجز من قبل الغير انتفى الجزئي، فزال موضوعه.
فان قلت: فان كلا النحوين من التكليف يسقط بانتفاء الموضوع. فلا فرق بينهما من هذه الناحية.
قلنا: يجاب بأحد أمرين:
الأول: ان موضوع التكليف يختلف. فالكفائي يزول موضوعه بفعل الغير.
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والعيني يزول موضوعه بفعل الله سبحانه، كخروج الوقت.
الثاني: ان الكفائي يحصل امتثاله بفعل الغير، بينما لا يحصل ذلك في العيني.
فان قلت: من الممكن القول: بان الكفائي يرتفع موضوعه بالاختيار، والعيني يرتفع موضوعه بالقهر كخروج الوقت.
قلنا: هذا لا يتم. أولاً: ان فعل الغير أيضا خارج عن إرادة الفرد. فهو بمنزلة القهر له. ثانياً: ان تنزلنا عن ذلك أمكن لفعل الغير إزالة موضوع العيني أيضا كإزالة الاستطاعة بالسرقة أو بالإتلاف.
فالصحيح ان الفرق بين التكليفين هو سقوط الواجب الكفائي، بفعل الغير لانتفاء موضوعه، بخلاف العيني. ولا تقاس عليه إزالة الاستطاعة، لأن الكفائي يسقط بامتثال الغير لا بعصيانه. وهذا المورد ليس منه.
وبتعبير آخر: ان المطلوب في العيني هو المصاديق المتعددة بعدد الأفراد، والمطلوب في الكفائي من مجموع المكلفين مصداق واحد أو مصاديق متعددة محدودة.
ونحن يجب ان نأخذ معنى الواجب الكفائي وأوصافه مما هو مسلم له. بنظر الاعتبار، ونطبق التعريف عليه. لأن التعريف مشكوك على الفرض وذاك مسلم. وليس العكس. نعم لو كان التعريف مسلما والأثر مشكوكا، تعين العكس. وليس هذا متحققا في مورد الكلام.
فمثلا، بما ان الوجه الأول، من الوجوه السابقة يلزم منه عدم استحقاق الجميع للعقاب، أو قل عدم اشتغال ذمم الجميع بالتكليف، بل هو واحد في
ــــــ[214]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
علم الله. إذن نعرف من ذلك بطلانه.
فالفرق ليس في المكلفين بحيث هو في الكفائي واحد، وفي العيني متعدد. بل هما سواء من هذه الناحية، والخطاب في كلا التكليفين شامل لكل المكلفين. وإنما الفرق في المطلوب أو المتعلق، كما سبق.
والآن بعد ان عرفنا معنى الواجب الكفائي، واخترنا معنى العموم الاستغراقي، من الوجوه السابقة، نلخص الآن مراد المحاضرات لكي نأتي إلى محصل الأمر بعد ذلك:
فانه قال: ان مقتضى إطلاق الدليل هو الوجوب العيني على جميع الوجوه والاحتمالات:
اما على الوجه الأول فواضح: لأن سقوط التكليف عن شخص بفعل غيره يحتاج إلى دليل. والا فمقتضى إطلاقه عدم سقوطه به.
أقول: هذه العبارة عامة لكل الوجوه ولا تختص بهذا الوجه. فان اصل الفكرة في الوجوب الكفائي، قائمة على السقوط بفعل الغير. وهي خلاف الإطلاق. ولم يقل شيئا مما يخص هذا الوجه.
وكان يمكنه ان يقول: اننا لو تصورنا هذا الوجه، وهو الواحد في علم الله تعالى. فيكون ظاهر الدليل كونه واجبا عينيا عليه. الا إذا قام الدليل على سقوطه بفعل الغير. والمفروض عدمه. كما ان المفروض عدم هذه الاستفادة.
قال: واما الوجه الثاني: (وهو العموم المجموعي): فمضافا إلى انه غير معقول بنفسه، فأيضا الأمر كذلك. لأن مقتضى إطلاق الدليل هو ان كل واحد من أفراد المكلف موضوع للتكليف. وجعل الموضوع له مجموع أفراده
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
على نحو العموم المجموعي، بحيث يكون كل فرد من أفراده جزءاً له لإتمامه، خلاف الإطلاق. وعند احتماله يدفع به.
أقول: اما ان نقول: ان المجموعية تحتاج إلى قرينة، والمفروض عدمها. وإذا انتفت ثبتت الاستغراقية للكلي. وبه ينتفي هذا الوجه. وليس هذا من قبيل الإطلاق، بل هما مفهومان سياقيان والظاهر ان مرجع كلامه إلى ذلك.
واما ان نقول – كما قلنا في الوجه الأول -: ان ظاهر التكليف في هذا الوجه، هو توجه الوجوب العيني إلى المجموع. فلا يسقط الا بفعل الجميع، فلا يكون ذلك كفائيا.
مضافا إلى مناقشة أخرى، وهي انه في المحاضرات أخذ مسلما انه إذا كان التكليف عينيا كان استغراقيا، وإذا كان كفائيا كان مجموعيا (بناء على هذا الوجه) فإذا انتفت المجموعية بقرينة أو بمقدمات الحكمة، انتفى لازمها وهو التكليف الكفائي. وبه يثبت كونه عينياً.لأن انتفاء أحد التكليفين يقتضي ثبوت الآخر، لانحصار الحال بينهما على المفروض. وهذا من لازم الأمارة وهو حجة.
الا ان هذا غير تام. لأنه في التصور الأولي: ان بين العينية والكفائية من ناحية والاستغراقية والمجموعية من ناحية أخرى، عموما وخصوصا من وجه. وتكون هناك أربعة احتمالات، بضرب اثنين في اثنين.
لكن لما فرضنا في هذا الوجه ان الواجب الكفائي لا يكون الا مجموعيا. إذن، فقد انتفى واحد من الأربعة، وهو الكفائي الاستغراقي. ولكن بقيت الثلاثة الأخرى، وهي العيني الاستغراقي والعيني المجموعي والكفائي المجموعي. إذن يمكن للعيني ان يكون مجموعيا وان يكون استغراقيا، أو قل:
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يمكن للمجموعي ان يكون عينيا وان يكون كفائيا. فإذا انتفت المجموعية بقرينة لم تتعين الكفائية.
الا ان هذا غير تام لفرض المنافات في هذا الوجه بين الكفائية والاستغراقية، فإذا انتفت المجموعية ثبتت الاستغراقية. وعندئذ ثبت ما هو منافي للتكليف الكفائي. فينتفي التكليف الكفائي، فتثبت العينية باللازم.
اللهم الا ان يقال: ان بين المجموعية والاستغراقية ثالث وهو الإجمال. لوضوح ان العينية لا تثبت الا مع تعين الاستغراقية، بعد انتفاء المجموعية. وهذا لا يكون مع الإجمال. إذ معه يبقى التكليف الكفائي محتملا، ولا تثبت الاستغراقية العينية.
جوابه: ان الفرض هو مورد تمامية مقدمات الحكمة، والإطلاق. ومعه لا يثبت الإجمال. فهذا الجواب غير تام.
قال: واما على الوجه الثالث (وهو وجوبه على وجه الاستغراق ويكون كل واحد مشروطا بترك الآخر): فالأمر ظاهر. ضرورة ان قضية الإطلاق عدم الاشتراط. فالاشتراط يحتاج إلى دليل خاص.
أقول: هذا وان تم كبرى، الا انه غير كاف كما هو معلوم. ويمكن ان يقال: ان هذا الكبرى لا صغرى لها هنا. لأن ذلك فرع القول بهذا التقييد. وقد تكلمنا عنه. وقلنا: انه إنما قيل باعتبار سقوط الفعل عن ذمم الآخرين بفعل واحد. ولكننا قلنا: ان هذا ليس طريقا منحصرا، بل يمكن له تفسير آخر، وهو ارتفاع الموضوع بفعل الآخرين. إذن فالكفائي لا يرجع إلى ذلك التقييد لننفيه بالإطلاق. بل هو – كما قلنا – مما تشتغل به كل الذمم بشكل مطلق كالعيني.
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: فاننا قلنا فيما سبق: ان ارتفاع الموضوع ليس فرقا بين العيني والكفائي.
قلنا: نعم. ولكن هذا لا ينافي اصل الفكرة، من ان كلا منهما ينتفي بانتفاء موضوعه. وهذا يكفي في هذا المقام. ومعه ينتفي التقييد المدعى، فلا صغرى لتلك الكبرى.
قال: واما على الوجه الرابع، فأيضا الأمر كذلك، حيث ان حاله بعينه هو حال الوجه الثالث في الوجوب التخييري، بلا فرق بينهما أصلا من هذه الناحية. حيث قلنا في الواجب التخييري: واما على القول الثالث، كما هو المختار، فلأن مرجع الشك في التعيين والتخيير فيه إلى الشك في متعلق التكليف من حيث السعة والضيق، يعني ان متعلقه هو الجامع أو خصوص ما تعلق به الأمر… ففي مثل ذلك لا مانع من الأخذ بإطلاقه لإثبات كون الواجب تعييناً لا تخييريا. لأن بيان التخيير يحتاج إلى مؤونة زائدة، وهي ذكر العدل بالعطف بكلمة أو. وحيث لم يكن ذلك، فيكشف عن عدمه في الواقع. ضرورة ان الإطلاق في مقام الإثبات كشف عن الإطلاق في مقام الثبوت. أقول: يعني بحسب واقع إرادة المولى.
وأود التعليق ببعض الأمور:
أولاً: انه عبر في الموردين: بأنه لا مانع من التمسك بالإطلاق. وهذه العبارة:
أ- تدل على الجواز لا على اللزوم عرفا. مع ان المورد لازم وليس جائزا، على ما هو المفروض.
ب- انه اهتمام بالمانع وإهمال للمقتضي. اللهم الا ان يقال: انه أخذ
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وجود المقتضي مسلما.
ثانياً: انه قرب الإطلاق في الوجوب التخييري، بأنه يحتاج إلى العطف بأو. وحيث انه غير موجود، إذن، يكون ظاهر الإطلاق نفيه. وهذا المعنى لا يأتي في الكفائي، لأن الترديد فيه من ناحية المكلفين لا في المتعلق. اللهم الا ان نقبل ذلك، وهو كما ترى. إذن، فلا تشابه بين التكليفين أو الاطلاقين.
والظاهر انه رأى التشابه من ناحية انه يرى في كلا الموردين، عنوان (أحدهما) ثابتاً. وهو تشابه صحيح، الا انه لا يلازم التشابه بالإطلاق بعد ان نعلم ان عنوان (أحد) وارد في الواجب التخييري على المتعلق ووارد في الواجب الكفائي على المكلفين.
ثالثاً: انه يمكن ان يقال: ان رجوع عنوان (أحد) إلى المكلفين، مرجعه إلى العموم البدلي، في مقابل الاستغراقي الذي قلناه. فعلى مبناه يكون العموم بدليا إذا كان التكليف كفائيا واستغراقيا إذا كان عينيا. وحينئذ فيمكن ان يقال: انه لا يتعين الاستغراقي بازاء البدلي بالإطلاق. لأن كلا منهما يحتاج إلى قرينة.
الا ان هذا غير تام لأمرين:
الأمر الأول: ان مقتضى اسم الجنس هو الاستغراقية ما لم يكون فيه عنوان أحد. الا ان هذا ليس بنحو الإطلاق، بل هو ظهور سياقي.
الأمر الثاني: ان كلا من العمومين له شمول استغراقي. غاية الأمر ان الاستغراقي يشمله التكليف بالمباشرة، وفي البدلي يكون صدق (أحد) على المكلفين استغراقيا. إذن، فقد اشتركا بالاستغراقية، وزاد البدلي بعنوان (أحد). وهو يحتاج إلى قرينة.
ــــــ[219]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
إذن، فاصل المطلب صحيح بناء على المبنى، وان الظهور يقتضي العينية، سواء كان هذا الظهور اطلاقيا أم سياقيا. والإشكالات إنما هي على العبارة.
ثم قال: ويمكن ان يقرب هذا الوجه بوجه آخر. وهو ان ظاهر الأمر المتوجه إلى شخص خاص أو صنف خاص، هو ان لخصوص عنوانه دخلا في الموضوع. ومتى لم تكن قرينة على عدم دخله وان الموضوع هو طبيعي المكلف، فإطلاق الدليل يقتضي دخله. ولازم ذلك هو كون الوجوب عينيا لا كفائيا.
وغاية ما يمكن تقريبه: انه لو ورد تكليف للهاشميين، فالمفروض ان نتمسك بظهوره. فلو شككنا ان المراد عنوان أحد الهاشميين ليكون كفائيا. نفيناه بالإطلاق.
الا ان هذا غريب غايته:
أولاً: ان الواجبات الكفائية لا ترد في الأدلة غالبا بل دائما، بعنوان معين للمكلفين، لا بعنوان كلي ولا بعنوان أحد، ولا غيرها. وإنما يكون الأمر وحده واردا. كما في قولنا: ادفن الميت. أو يجب تجهيز الميت. لا اكثر. فهذا الوجه فيه بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
ان قلت: ان هذا بمعنى المكلف العالم القادر، فيمكن ان يكون بمعنى واحد.
قلنا: ان هذا قيد عقلي لا لفظي.
ثانياً: لو سلمنا ذلك. لم يكن هذا إطلاقا، بل هو ظهور الكلمة باسم الجنس على سعة انطباقها. نعم لو احتملنا التقييد من الخارج بقرينة منفصلة
ــــــ[220]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أمكن التمسك بالإطلاق.
واما الوجه الآخر والأخير، الذي أضفناه على المحاضرات، فهو ان يكون الواجب الكفائي بنحو الفرد المردد. ويكون المتمثل منهم مصداقا له.
وإشكاله:أولاً: استحالة الفرد المردد، كما سبق.
ثانياً: انه لو لم يمثل أحد، لا يستحق الجميع العقاب. لأن المفروض ان المأمور هو واحد مردد، وليس الجميع مأمورون لكي يعاقبوا بالعصيان. وإنما هذا الواحد، مردد بنحو الإبهام الاثباتي أو الثبوتي بين الناس، وهذا لا يكفي لسعة التكليف. وسعة العقاب تبع لسعة التكليف، وحيث لا سعة في التكليف لا سعة في العقاب.
ثالثاً: ما هو محل الشاهد الآن، وهو: ان الظهور يتقيد، لأنه يحتاج إلى قرينة إضافية، والمفروض عدمها. وهو ظهور سياقي لا إطلاقي.
الجهة الثانية: في الأصل المعاكس:
وذلك بان يقال: ان العينية خصوصية زائدة تحتاج إلى قرينة كالكفائية. وحيث يفترض عدمها يكون الظهور بخلافها. ولا اقل من تعارض الظهورين بعدم العنوانين: العيني والكفائي وتساقطهما.
جوابه: أولاً: ان هذا التعارض لا يمكن ان يتحقق لأنه:
أ – بنحو القرائن المتصلة، وفيها لا يكون مقتضى الظهور موجودا ليقع
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
طرفا للمعارضة، بل تكون الكلمة مجملة رأساً.
ب – مع التنزل فان الاطلاقين المتنافيين المتصلين لا يتعارضان. اما لوجود المانع، وهو صلاحية كل منهما لتقييد الآخر والقرينية عليه. واما لعدم المقتضي، لأن المتكلم الذي يكون هكذا لا يحتمل ان يكون في محل البيان من كلتا الجهتين. فلو كان المستند هو الإطلاق لم يتعارضا، بل يرجع الأمر إلى الإجمال. وكذلك لو كان المستند هو الظهور السياقي، غير ان المانع هنا هو وجود المانع بعد تمامية المقتضي الذي هو الدلالة الوضعية. الا ان المانع المتصل موجود، فلا يعمل المقتضي عمله.
وهذا لا يفرق فيه بين ما يكون التعارض فيه بين الظهور بالعينية والكفائية، أو بين الظهور بالعينية والظهور بعدمها. كما هو محل الشاهد.
ثانياً: ما قلناه في أمثاله من ان عنوان العينية والكفائية، مفهوم انتزاعي واصطلاحي، وإنما المهم فهم منشأ الانتزاع من النص. ومنشأ الانتزاع ظاهر بالعينية دون الكفائية. لما قلناه من ان الكفائية، تحتاج إلى زيادة مؤونة والمفروض عدمها.
الجهة الثالثة: في الأصل العملي الجاري في المقام لدى الشك في العينية والكفائية. والمفروض اننا نحتمل تعلق الغرض لدى الشارع بهذا المقدار المتحقق في الكفائي، وعدمه.
ويمكن ان يكون الأصل العملي على أشكال:
أولاً: انه بعد امتثال جماعة، تجري أصالة البراءة، لدى الباقين. فيثبت الكفائية.
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: كلا. ولكن يجري استصحاب التكليف بعد الشك بسقوطه من قبل عمل الآخرين قلنا: (هذا تقريب آخر للأصل سنذكره)
أقول: هذا في نفسه صحيح لولا الأصول الحاكمة عليه والأسبق رتبة منه.
ثانياً: انه بعد امتثال البعض يجري استصحاب اشتغال الذمة لأنه لو كان كفائيا فقد سقط. ولو كان عينيا فلا زال موجودا. وهو منتج للعينية، لأنه عندئذ يجب على الباقين الامتثال أيضا.
وهذا من الاستصحاب الكلي من القسم الثالث، كمثال البقة والفيل، والصحيح جريانه، وهذا يكون اسبق رتبة من أصالة البراءة لأنها تجري مع عدم العلم بالحالة السابقة والمفروض العلم بها.
ثالثاً: انه مع الشك في تعلق الغرض بشيء معين وعدمه ينفى ذلك. فتثبت نتيجة التعيين. اللهم الا ان يقال: انه يعارض بأصالة عدم عدمه، فيثبت الوجود، وهو نتيجة الكفائية. وكلا الاستصحابين موضوع لحكم شرعي.
الا ان يقال: ان عدم العدم لا معنى له عرفا ومتشرعيا الا الوجود والوجود غير محرز. فيستصحب عدمه فتثبت العينية.
رابعاً: أصالة البراءة من العينية.
فان قلت: انه عنوان انتزاعي. قلنا: لا بأس إذا كان له علاقة بالحكم الشرعي. أو بتعبير آخر: اننا نجري الأصل عن منشأ انتزاعه.
الا انه لا يصح: لأنه بنفي العينية، لا تثبت الكفائية الا باللازم.
فان قلت: انه لا حاجة إلى إثبات الكفائية، بعد ان سقط التكليف عن ذمة الفرد بنفي العينية، وهذا يكفي. قلنا: ان هذا عندئذ يرجع إلى الوجه الأول.
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
خامساً: مع الشك في ظهور اللفظ بمنشأ انتزاع العينية، نستصحب عدمها، ولو بالأصل الأزلي. وهو اصل عملي جار في اللفظ، فلا تثبت العينية.
جوابه: ان الظهور بمنشأ انتزاع العينية موجود وقاطع للاستصحاب. نعم لو تنزلنا عن ذلك كما هو المفروض أمكن جريانه.
ولا يكون:
1ـ مثبتا باعتباره جاريا في موضوع الظهور. بل يكفينا عدم الظهور وسقوطه عن الحجية. فلا تثبت العينية. ويكفي الإجمال اللفظي.
2ـ انه لا يعارض بأصالة عدم الكفائية، لأنه عنوان انتزاعي. واما منشأ انتزاعه فهو القرينة، فيجري استصحاب عدمها. الا انه لا يثبت العينية الا باللازم. فيبقى استصحاب عدم الظهور بالعينية أو بمنشأ انتزاعها جاريا.
سادساً: استصحاب عدم تعلق الإرادة من قبل المولى بالعينية، لفرض كون الكلام مجملا من هذه الناحية.
فان قيل: انه يعارض بعدم تعلق الإرادة الكفائية. قلنا: كلا لأن الكفائية مرجعها إلى إسقاط التكليف (ان كان الشك بعد الامتثال) فأصالة عدمها لا يكون سبباً لثبوت التكليف. أو قل لثبوت العينية، لأنه لازم عقلي. بخلاف أصالة عدم العينية، فانها تعني بالمطابقة فراغ الذمة
ومن الممكن ترتيب هذه الأصول: لأننا إذا لاحظنا الغرض جرى الثالث وان لاحظنا الإرادة جرى السادس. وان لاحظنا الظهور جرى الخامس وان لاحظنا ذمة المكلف جرى الأول والرابع. وأن لاحظنا الامتثال جرى الثاني.
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مبحث
الأمر في مورد الحظر
أو في مورد توهمه، كما في قوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. وهو أشهر أمثلته إطلاقا.
قال في المحاضرات: إذا وقع الأمر عقيب الحظر أو توهمه، فهل يدل على الوجوب، كما نسب إلى كثير من العامة. أو على الإباحة كما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب. أو هو تابع لما قبل النهي ان علق الأمر بزوال علة النهي لا مطلقا.
قال: والتحقيق هو ان انه لا يدل على شيء من ذلك، إلى ان قال في النهاية: فالنتيجة انها مجملة، فإرادة كل واحد من تلك المعاني تحتاج إلى قرينة. أقول: والمفروض عدمها.
والأصوليون بالرغم من كثرة الأقوال، اختصروا فيه الكلام تماما. حتى ان المحاضرات تكلم عنه صفحة ونصف فقط. وتكلم عنه السيد الأستاذ درسا واحدا. وفي بالي انه ذهب المشهور إلى إفادة الإباحة.
ولأجل التعمق في العنوان: ينبغي ان نتذكر اننا في مادة الأمر قلنا بانه يفيد الجامع بين الاستحباب والوجوب. وفي الصيغة قلنا انها موضوعة للوجوب خاصة. ولم يبحث علماء الأصول إطلاقا عن هذا الباب (وهو الأمر في مورد
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الحظر) في المادة وإنما اقتصروا على الصيغة.
مضافا إلى انهم ذكروا في العنوان موردين هما: مجيء الأمر بعد الحظر اليقيني، ومجيئه بعد احتمال الحظر. ولم يفصلوا إطلاقا في كلامهم بين الموردين. ويغلب البحث عندهم انه مورد احتمال الحظر، مع انهم استدلوا بقوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. وهو مورد اليقين بالحظر.
وعلى أي حال فانه يتحصل لنا في العنوان أربعة محتملات: من حيث انقسام الأمر إلى هيئة ومادة. وانقسام المورد إلى اليقين بالحظر واحتماله. فأولا نقدم الكلام عن الهيئة لأنها هي الأهم، وهي مورد البحث حقيقة، كما سيظهر. ونقدم الكلام فيها، في مورد اليقين بالحظر.
وحينئذ نقول: انه بالرغم من ان الهيئة موضوعة للوجوب واستعمالها في غيره مجاز، وخاصة في الإباحة، لأنها لو كانت موضوعة لجامع الرجحان، لكان استعمالها في الإباحة مجازاً أيضا. نعم لو قلنا انها موضوعة للأعم منها، لكان استعمالها حقيقيا.
والمهم الآن ان ظهورها بالوجوب وضعا أو إطلاقا يزول هنا، لوجود القرينة الحالية السياقية العرفية على ذلك. فان العرف قطعا على ذلك. وان المراد من افعل رفع النهي السابق وعدم تمسك المولى العرفي به وعزمه عليه. فكان بمنزلة الجملة الخبرية: رفعت عنك النهي السابق.
فيكون بمنزلة النسخ، أو انه قاطع لاحتمال الاستمرار ولو بالاستصحاب. كما في حرمة الاصطياد خلال الإحرام أو الإطلاق الدال عليه.
واما إذا ارتفع النهي، فماذا يثبت. هل هو الإباحة أو هو الحكم السابق على النهي المطابق للقاعدة الأولية أو هو الاستحباب بعد سقوط الوجوب؟
ــــــ[226]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الظاهر عدم إمكان المصير إلى الاستحباب لكونه مجازيا بعد الذهاب إلى الوضع بالوجوب. الا بعنوان كونه اقرب المجازات. وهو مطعون كبرى وصغرى.
فالظاهر رجوعه إلى الحكم السابق العرفي أو الشرعي. كل ما في الأمر ان الحكم السابق يكون في الغالب هو الإباحة، لأن اكثر الأشياء كذلك. إذن فمراد المشهور من القول بالإباحة أحد أمرين: اما رفع النهي السابق واما الغالبية.
فلو فرضنا ان هناك جعل سابق لحكم آخر اسبق زماناً أو رتبة أو عرفا، شمل المورد، وكذلك لو كان الحكم السابق لنفس الجاعل. كما في إباحة الصيد في الآية الكريمة. ومن هنا استفيدت الإباحة منها.
لكن هنا ينبغي ان ننظر إلى القول المشابه المنقول في المحاضرات. حيث قال: أو هو تابع لما قبل النهي إذا علق الأمر بزوال علة النهي لا مطلقا.
أقول: يعني انه إذا علق الأمر الذي هو في مورد الحظر بزوال علة النهي رجع الحكم إلى الحكم السابق. واما إذا لم يكن كذلك فلا. ولم يذكر انه عندئذ، ماذا يكون؟ هل يفيد الوجوب أو الإباحة أو غيرهما؟. ومثال الحكم المعلق على زوال علة النهي هو الآية الكريمة. حيث علق الأمر على زوال علة النهي، وهي الإحرام.
والذي لاشك فيه اننا ينبغي ان نفهم ارتباط هذا الأمر بالنهي السابق، لنفهم ارتفاعه وتبدل الحكم. والا كان ذلك بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع. ولكن هذا الارتباط كما يكون لفظيا قد يكون حاليا أو سياقيا أو بأية قرينة. ولا يتعين فيه التقييد اللفظي.
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لكن لنا تعليقات أخرى:
الأول: ان هذا التقييد والارتباط، ينبغي ان يكون قيدا لكل الوجوه. حتى الإباحة المشهورية. إذ لولاه لما كان شرطه متحققا وهو الأمر في مورد الحظر. إذ لا نهي عندئذ. فهذا الارتباط والتقييد مفهوم من عنوان المسألة رأساً.
ثانياً: إذا لم يكن هذا الارتباط موجوداً، جاءت صيغة افعل على طبيعتها الأصلية، من استفادة الوجوب أو الجامع أو غيره. لأنها لا تكون في مورد الحظر والنهي عندئذ.
فان قلت: انها في مورد الارتباط والتقييد تفيد الرجوع إلى الأصل. وفي مورد عدمه تفيد الإباحة.
قلنا: ان هذا غير ممكن لما عرفناه الآن من ان شرط الإباحة أيضا غير متحقق.
ثالثاً: لا يراد بالرجوع إلى الحكم السابق – كما عرفنا – استفادته من نفس الصيغة. بل غاية ما تدل عليه الصيغة – كما عرفنا – ارتفاع النهي السابق. فيحصل في المورد الحكم المطابق للقاعدة المتحقق لولا هذا النهي. مستفادا من الأدلة الأولية، لا بحسب هذه الصيغة. وهذه الصيغة لا تفيد اكثر من ارتفاع اثر النهي.
فاتضح انه لا اثر للتقييد اللفظي بزوال علة النهي، بل يمكن القول ان الآية لا تدل على زوال علة النهي. ولا اقل انها لا تدل بالمطابقة، بل باللازم على احسن تقدير. بل يمكن القول بان النهي إنما يكون بنفس الأمر الجديد، وليس قبل ذلك لا علة ولا معلولا، يعني لا حكما ولا موضوعا.
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وإنما يدل الأمر الجديد على زوال الحكم. وزوال الحكم يدل على زوال موضوعه في نظر الجاعل. إذ لو كان موجودا ومستمرا لما ارتفع الحكم ولما صدر الأمر. والمهم ارتفاع الحكم اما بزوال موضوعه أو بالنسخ كما في الموارد العرفية.
وليس كما زعم في المحاضرات، بانه لابد من إحراز ارتفاع العلة أو الموضوع في المرتبة السابقة على توجه الأمر. فاننا لو أخذنا بذلك ولم يقيد، كان الأمر لغواً للعلم ببقاء التحريم. وهو غير محتمل، لأن المسألة لغوية أصلا، وليست شرعية.
وأولى من ذلك ما إذا كان النهي تنزيهيا، فان الصيغة تدل على ارتفاعه.
ولا يقال: بان النهي التحريمي هو الذي كان سببا لزوال الدلالة على الوجوب، فلا يكون النهي التنزيهي مثله لأنه اضعف.
لأنه يقال: ان سبب زوال الدلالة على الوجوب، ليس هو النهي السابق، بل هو السياق، وهو محفوظ في الصورتين.
وينبغي الالتفات إلى ان الأمر ليس معارضا لأصل النهي بل لإطلاقه الازماني الشامل لزمان صدور الأمر. فهذا الإطلاق يجعل النهي كأنه معاصر زمانا مع الأمر، فيسبب إلى سقوط ظهوره في الوجوب. ولا يكون للأمر اثر رجعي ليسقط النهي كله.
واما كونه مجازا أو حقيقة، فقد قالوا هنا: ان الصيغة لا تدل على الوجوب سواء قلنا ان دلالتها عليه بالوضع أو بالإطلاق أو بدليل العقل. وسواء قلنا انها موضوعة لخصوص الوجوب أو لجامع الرجحان أو لجامع الرجحان مع الإباحة. فانها على أي حال لا تدل إلى الوجوب، لأن السياق يعتبر قرينة
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
عرفية قطعية ضد كل هذه الأمور. لكن مع اختلاف التقريبات.
فإذا كانت صيغة الأمر للإباحة أو كانت الإباحة بعض حصصها، وقلنا انها باقية على الدلالة على الإباحة في مورد المسألة، فهو استعمال حقيقي. والا أشكل الحال من حيث احتمال المجاز، بل يتعين فيها المجاز بغض النظر عما سنقوله من انها موضوعة في هذا المورد بوضع آخر. والأصولي لا يرغب عادة بالقول بتعدد الوضع. والا كان هذا أطروحة كافية لعدم فهم المجازية في المقام.
ونحن قلنا فيما سبق انها تدل على ارتفاع النهي السابق، ورجوع الحال إلى ما قبله. الا ان هذه الدلالة ليست حقيقية وضعية، بل هي سياقية معروفة من حال المولى الآمر.
واما دلالتها الوضعية، ففيها عدة اطروحات، غير الوجوب:
الأولى: ما قاله: السيد الأستاذ، من ان الصيغة لم يتغير معناها لفظيا، وان لم نفهم منها وجود الإرادة والغرض التزاما. وعنده ان معنى الصيغة هي النسبة البعثية الإرسالية، وهو معنى مستمر في المورد.
وقال: انه يناسب المتحرج ان يكسر تحرجه بإلقائه على المتحرج منه. كما في القول العرفي: إذا خفت شيئا فقع فيه.
وهذا منه غريب: أولاً: ان الملقي ان كان هو غير الآمر، لم يجز ذلك، لأنه إلقاء في الحرام. وان كان هو الآمر، لم يكن إلقاء على المنهي عنه. لوضوح دلالته على ارتفاع النهي فقط.
ثانياً: ان استمرار دلالتها على النسبة الإرسالية، وهو يعتقد ان محصلها هو
ــــــ[230]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
جامع الرجحان.. أيضا غير محتمل، لعدم وجود أي من حصتي الرجحان في المورد لا الوجوب ولا الاستحباب. فان كانت قد استعملت في معنى آخر، فستكون مجازية على مبناه. وهو أيضا غير محتمل.
الثانية: الإباحة أو الجواز بالمعنى الأعم. كما عليه المشهور. وهو لاشك انه مفهوم منها. الا انه يرد عليه:
أولاً: انه لا يتعين ان تكون الدلالة بالوضع، بل بالدلالة السياقية على ارتفاع النهي. فانه ملازم للجواز بطبيعة الحال. بل لا يراد بالجواز الا ذلك.
ثانياً: اننا إذا قلنا بالدلالة على الرجوع إلى الحكم السابق، فانها لا تكون دالة على الإباحة مطلقا، بل على الإباحة الحيثية، وهي ارتفاع النهي. فقد يكون المورد فيه حرمة أخرى أو وجوب.
اللهم الا ان نقبل انها موضوعة لارتفاع النهي وان المقصود بالإباحة مشهوريا هنا ذلك. الا انه خلاف الوجدان، لأنه يقضي كون هذه الدلالة اقرب إلى الظهور السياقي من الدلالة الوضعية. كما في قولنا: تفضل. في الدلالة على الترحيب أو على الاستهزاء.
الثالثة: وهي تحتاج إلى مقدمتين:
الأولى: ان الدلالة على ارتفاع النهي تحتاج إلى علة، والعلة مستنبطة في دلالة الأمر نفسه دون غيره.
الثانية: ان الأمر التشريعي قد يراد به الإلزام يعني سلب إرادة المأمور أو المكلف من هذه الحيثية. وهذا معنى صادق حتى في المستحبات. وقد يراد به
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اقترانه بالإرادة. بحيث يكون الفرد مخيرا بين الإتيان به وعدمه.
وله أمثلة عرفية، كتفضل وغيرها. فانه طلب الا ان القرينة الحالية على إمكان اقترانه بالإرادة، فان حصل كان امتثالا.
لا يقال: ان هذا معنى الإباحة وليس الطلب. فانه يقال: ان الإباحة لا امتثال لها.
وعندئذ نقول: ان الأمر في مورد الحظر على ذلك:
1- فاما ان نقول: انه أمر إرادي للمأمور. وهذا يرجع إلى ما ذكره السيد الأستاذ من فهم النسبة الإرسالية بدون فهم الإرادة الجدية.
2- واما ان نقول: ان المهم للمولى الآن هو إشعار السامع بإمكان إعمال إرادته. بغض النظر عن كونها أمراً إطلاقا. وإنما يراد به إطلاق سراح المكلف من كلفة النهي وايكاله إلى إرادته. ومنه نفهم ارتفاع فاعلية النهي. وقد شعر العرب ان اقرب طريق وأوضحه لإفادة ذلك هو استعمال صيغة الأمر في هذا المورد.
ولا يبعد القول: بانها موضوعة لهذا المعنى، مع انسلاخها عن الدلالة على الوجوب. ولا يكون استعمالها هنا مجازا. الا انه يكون من الاشتراك اللفظي، باعتبار تعدد الوضع.
الرابعة: الإجمال. وهو ما احتمله السيد الأستاذ في التقريرات. ويريد به إجمال الصيغة من حيث الدلالة على الوجوب أو على النسبة الإرسالية (الجامع)، قال: لاحتمال وجود ارتكاز نوعي متشرعي على عدم الوجوب في ذهن الراوي والسامع. فانه من احتمال وجود القرينة المتصلة الموجبة للإجمال
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
عندنا.
قال: ولا ينفيه شهادة الراوي السكوتية، كما في احتمال القرائن اللفظية المتصلة. لأن الأمور الارتكازية لا يحتمل فيها للراوي الشهادة بها إثباتا ونفيا، لكونها ارتكازية ومعاشة، وغير ملتفت إليها مستقلا.
أقول: وهذا يتوقف على عدة مقدمات:
أولاً: التنزل عن كون السياق قرينة قطعية على عدم الوجوب. إلى كونه قرينة احتمالية، لأجل تطبيق الكبرى الخاصة بذلك، اعني احتمال القرينة المتصلة. مع ان هذا التنزل بلا موجب.
ثانياً: احتمال ان المتكلم لم يقصد ذلك، وإنما فهم السامع منها ذلك، كما هو ظاهر عبارته. وهو أيضا وجه تنزلي. والا فنحن نعلم ان قصد المتكلم لم يكن هو الوجوب.
ثالثاً: ان نتنزل عن المسألة اللغوية المبحوث عنها في علم الأصول إلى كونها مسألة متشرعية، كما هو ظاهر عبارته، فكأننا نبحث عن خصوص ظاهر الآية الكريمة. وهذا غريب. مع ان البحث المتشرعي يتوقف على البحث اللغوي. كما هو ظاهر.
رابعاً: ان نقول: ان عدم فهم السامع لها، إنما كان لأجل احتمال القرينة، مع انه قال: ان هذا مما لا يلتفت إليه السامع.
فان قلت: فانها تؤثر تكوينا على ذهنه وفهمه. قلنا: لو قبلنا ذلك فان تخريجه غير منحصر بهذا الوجه، ليكون هو السبب في الفهم. وإنما هو تنزلي أيضاً.
ــــــ[233]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
هذا، مضافا إلى اشكالات أخرى عليه:
أولاً: انه ليس هناك إجمال في العبارة. بل هي لا تدل على الوجوب قطعا. والإجمال إنما هو للمورد الاحتمالي, وليس لكل مورد لعدم الظهور.
ثانياً: اننا إنما نأخذ اللغة من أهل اللغة ونأخذ الشريعة من المتشرعة. لا اننا نأخذ اللغة من المتشرعة. إذن، فلا يوجد ما قاله من الارتكاز المتشرعي على عدم الوجوب في المورد، يعني على عدم فهمه لغة. فان في ذلك خلطا بين الارتكاز اللغوي والارتكاز المتشرعي.
ثالثاً: ان مجرد احتمال ارتكاز نوعي متشرعي على فهم عدم الوجوب لا يكفي، لأننا نستصحب عدمه. وبالنتيجة يكون ظهور صيغة افعل بما وضعت له هو المحكم. وبالنتيجة لا يكون صغرى لكبرى وجود القرينة المحتملة.
رابعاً: ان احتمال القرينة اللفظية مسقط للظهور للشك في مقتضي الدلالة. واما احتمال القرينة النوعية أو الاجتماعية، فلا يكفي، لأنه لا يحتمل ان يؤثر على المقتضي الوضعي. فغايته انه بمنزلة القرينة المنفصلة المحتملة، وهو لا يحتمل ان يؤدي إلى الإجمال ان قبلناه في المتصلة.
والتحقيق: ان يقال: ان هنا ثلاث احتمالات معقولة لا ينبغي للأصولي ان يكون متأبيا عنها: الإباحة – على تفسير يأتي لها – والمجاز وتعدد الوضع.
اما دعوى المجاز، فينبغي ان نتنازل فيها عن الزعم باننا لا نفهم التجوز. فان غايته اننا نفهم المعنى بوضوح كفهمنا للمعنى الموضوع له. وهذا كما قد
ــــــ[234]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يتسبب من الوضع، قد ينتج من المجاز أيضا. وكثيرا ما يكون اللفظ مستعملا مجازا بدون ان يفهم السامع.
ودليل المجازية أمران:
أحدهما: كونه استعمل فيما لم يوضع له. والأمر هنا كذلك لأنه لم يستعمل في الوجوب ولا في جامع الرجحان.
ثانيهما: وجود شرائط المجاز، وهي العلاقة والقرينة، اما القرينة فواضحة، وهي سياق النهي. واما العلاقة فأحد أمرين: اما ان نقول: انها رفع النهي السابق. أو اما ان نقول: انه من المناسب لمن يخاف من الشيء ان يلقى عليه. كما قال السيد الأستاذ. واما ان نقول: من ناحية أخرى، انها جملة إنشائية تفيد الإخبار. بعكس الجملة الخبرية الدالة على الإنشاء.
واما تعدد الوضع: فباعتبار مقدمتين:
أحدهما: الإصرار على عدم المجازية، أو اخذ ذلك مسلما.
ثانيهما: ان اللفظ لم يستعمل في وضعه الأصلي قطعا. فيتعين ان يكون مستعملا بوضع آخر، ليكون استعماله حقيقيا غير مجازي، كما في المقدمة الأولى.
واما الإباحة فلا ينبغي ان تكون مستعملة بمعناها الاصطلاحي كما يميل إليه المشهور. وإنما هي الإباحة بالمعنى اللغوي، وهي إطلاق السراح وعدم التقييد. وهو ليس فيه جهة تشريعية وليس له محركية نحو الامتثال. وإنما الجهة التشريعية في دلالته الالتزامية وهي سقوط النهي أو إسقاطه من قبل المولى. وهي جهة تشريعية سلبية تقتضي رفع الإلزام لا وضعه.
ــــــ[235]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والإباحة بهذا المعنى هل هي معنى حقيقي أو مجازي، بنفس الوضع أو بوضع آخر. ان قلنا:
1- ان الصيغة موضوعة للوجوب أو للجامع، وهي هنا غير مستعملة فيه جزما.
2- اننا إذا لم نقل بتعدد الوضع إذن، يتعين المجاز.
ولكن يمكن الخروج عن ذلك بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: ان الوضع تارة مطلق وتارة مشروط.
فالمطلق هو المتعارف. واما المشروط، فهو يعني انه مشروط بوجود القرينة. فإذا وجدت القرينة الفلانية، فاللفظ موضوع لكذا. فمثلا: ان وجدت القرينة الفلانية، فاللفظ موضوع للماء الثقيل. أو الأرض موضوعة لأرض القمر. وهلم جرا. والمقام من هذا القبيل. والقرينة موجودة، وهي سياق النهي.
فان قلت: انه من تعدد الوضع. قلنا: ليس هذا محذورا، فانه متحقق في صيغة الأمر كثيرا، فان استعمالها للاستهزاء والتهديد والسخرية ونحوها، مما لا يمكن للأصوليين اعتباره مجازا. فيتعين ان يكون بوضع آخر، مع القرينة.
فان قلت: فان كل المجازات هكذا، ولا يقول أحد بوضعها. قلنا: الفرق اننا نجد في باب المجاز تسامحا لفظيا في حين لا نجد هنا ذلك. ففي كل مورد لا نجد ذلك، لابد من الالتزام بهذا الوضع.
فان قلت: فلماذا لا يكون الوضع اعتياديا، أي مطلقا لا مشروطا. وتكون القرينة معينة لأحد الوضعين في الاشتراك اللفظي.
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا: ان صيغة الأمر موضوعة للإباحة في مورد ورودها في مورد النهي. وهذا معناه شرطية القرينة في الوضع. وليس بمستهجن. والمشهور الذي يقول بالإباحة، سوف يتورط بالمجاز أو النقل.
أقول: الا ان الوجه الآتي ان تم، كان حاكما على هذا الوجه.
الأسلوب الثاني: ان نقول: كما قال الشيخ الآخوند، وغيره في صيغة الأمر، انها دالة على مدلولها اللغوي الأصلي ولم تستعمل في غيره. وإنما دلالتها على الإباحة بالالتزام. كما قاله السيد الأستاذ أيضا.
فان قلت: ان الوضع الأصلي وهو الوجوب، لا يناسب ذلك.
قلنا: لا يراد بالوجوب الوجوب الفعلي والمنجز لو صلح إمكان صدورها من الأدنى الذي لا تجب طاعته، لقصور القابل أو الفاعل أو كليهما. ولا وجوب عندئذ. وإنما المهم مجرد دلالتها على الوجوب.
مع كونها:
1- ان قرينة موردها رافع لفاعليته.
2- انه يقع التزاحم بين النهي والأمر، وتكون النتيجة هي الإباحة. وهذا هو مقصود المتكلم.
3- ما قاله السيد الأستاذ من انه من المناسب ان الفرد المنهي يلقى على ما نهي عنه، لكي يكون بيانا للإباحة.
الا ان هذا كله فرع فهم الوجوب منها، ولو بالفهم الوضعي. وهذا خلاف الوجدان. وهذا بخلاف موارد الاستهزاء والتهديد والتعجيز، ونحوه. فان فهم
ــــــ[237]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوجوب بالوضع موجود. لأن هذه الأمور لا تتم الا بعد فهم الأمر. فلو كان للإباحة أو للأعم منها، لم يتم ذلك المعنى، بخلافه في المقام.
هذا وقد ذكر بعض الأعزة (من الطلاب) أطروحة أخرى. نعرضها بعرض منا. وهي تحتاج إلى مقدمتين:
المقدمة الأولى: ان الجملة الخبرية قد تستعمل في محل الصيغة فتفيد الوجوب. وقال الشيخ الآخوند انها اوكد في إفادة الوجوب.
فكذلك يمكن العكس، وهو ان تكون الصيغة مستعملة في محل الجملة الخبرية. كما لو تبانينا على الرمز: أني إذا أردت ان أخبرك بمجيء زيد أقول لك اذهب.
المقدمة الثانية: اننا سبق ان قلنا ان الصيغة في مورد النهي قد تغني عنها الجملة الخبرية، كما لو صرح بان النهي السابق ساقط. أو أذنت لك بكذا.
ينتج: ان هذه الصيغة مستعملة في محل الجملة الخبرية التي تفيد فائدتها.
أقول: ان ذلك في الجملة لابد من المصير إليه، بعد ان نتصور ان المتكلم مخير في أداء نفس المقصود بين الجملتين. فيختار الإنشائية بدل الخبرية. مع ان الأصل هو أداء مقصوده بالخبرية. فيمكن ان نعبر انها بدل الخبرية أو تفيد معناها. وهو إسقاط النهي السابق.
الا ان الكلام يبقى في انه هل يمكن ان يكون الإخبار مدلولا مطابقياً لصيغة الإنشاء، كما هل يمكن العكس. من الأكيد: لا، لغة وعرفا. ومعه لابد من القول بان الدلالة الالتزامية هي ذلك. وهذا مما لاشك فيه، وقد قلنا فيما سبق.
وإنما الكلام في دلالتها المطابقية. فإذا لم تكن بنحو الوضع الأول،
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لعدم احتمال استعمالها في الوجوب، كما سبق. فيدور الأمر حينئذ بين ان تكون مجازية أو بوضع ثان.
الآن، كأننا انتهينا عن أقسام من عنوانين المسألة. وهو ما إذا كان الأمر مسبوقا باليقين بالنهي أو باحتمال النهي، سواء كان النهي إلزاميا أو تنزيهيا. فان الكلام فيه متشابه تقريبا. ولا حاجة إلى التطويل فيه.
وبذلك، ينتهي الحديث عن هيئة الأمر. وهو العنوان المشهوري في المسألة.
………………………..
واما الحديث عن مادة الأمر: إذا جاءت عقيب اليقين بالنهي أو عن احتماله، مع كون النهي يقينيا أو احتماليا أيضا.
والحديث عنها جميعا أيضا، ينبغي ان يكون دفعة واحدة، كما في الهيئة. مثاله: ان يقول بعد النهي: آمرك بكذا أو أنت مأمور بكذا. أو لو قال: فإذا حللتم آمركم بالصيد.
مع العلم اننا قلنا فيما سبق ان مادة الأمر موضوعة للجامع بين الوجوب والاستحباب. أو قل مطلق الرجحان. وكذلك لو قلنا بدلالتها على الوجوب وضعا أو إطلاقا.
وما ينبغي ان يقال: ان التقريبات الموجودة في الصيغة، كانت كلها كتبرير أو تصحيح لما هو مفهوم من الصيغة وجدانا وهو الإباحة. الذي يلزم منه بيان إسقاط النهي. إذن، فقد أخذنا مسلما دلالة الصيغة على الإباحة أو الجواز.
ــــــ[239]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهذا غير مسلم في مادة الأمر.
وذلك للالتفات إلى نكتتين:
النكتة الأولى: ان العرب استعملوا في مورد بيان سقوط النهي أسلوب صيغة الأمر لا مادته. ومن هنا اقتصر الأمر فيها على ما هو المراد لا اكثر.
النكتة الثانية: ان التنازل عن الظهور لا يكون الا بقرينة، واما لو لم تكن قرينة، أو لم يصلح للقرينية، فلا يمكن رفع اليد عن الظهور.
إذن ينتج: حيث ان العرب لم يستعملوا مادة الأمر لبيان سقوط النهي، فلا يصلح ان يكون مورد سقوط المنهي قرينة على رفع اليد عن ظهوره الوضعي الأصلي. لا بالاستعمال المجازي، ولا بالوضع الثاني، كما سبق في الصيغة.
ومن المفهوم وجدانا من استعمال مادة الأمر، في المقام، إرادة بيان تبدل المرجوحية بالرجحان أو النهي بالأمر. وليس استفادة الإباحة أو سقوط النهي فقط.
نعم، يستفاد سقوط النهي باللازم، لأن لازم الرجحان هو ذلك. كما ان لازم الإباحة هو ذلك.
وعلى أي حال، لا يصلح السياق لإسقاط دلالة المادة عن مدلولها. ولا يأتي فيها ما قلناه من تزاحم الأمر مع النهي. ولا ما قاله السيد الأستاذ من ان المناسب بالمنهي ان يلقوه على ما نهوه عنه. ونحو ذلك. فان كل ذلك فرع عدم استفادة الوجوب أو الرجحان من الصيغة. اما المادة فيستفاد منها ذلك، ولا دافع له.
ومقتضى القاعدة انها تبقى على ظهورها اللغوي الذي هو اما الوجوب أو
ــــــ[240]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
جامع الرجحان، لا يختلف في ذلك الحال بين ان يكون النهي يقينيا أو احتماليا. كما لا يختلف بين ان يكون إلزاميا أو تنزيهيا.
لأننا يمكن ان نأخذ أسوأ هذه الاحتمالات للدلالة المدعاة على الرجحان. وهو ان نقول: ان النهي إلزامي بينما مادة الأمر تدل على جامع الرجحان. فهنا لو طبقنا النظام الذي عرفناه في الهيئة لفشل. لتقدم النهي الإلزامي، وخاصة إذا كان يقينياً لدى التعارض بين الأمر والنهي. أو لدى إلقاء الفرد عليه، إذ لا معنى لرجحان الإلقاء على ما هو متيقن النهي عنه إلزاما.
الا اننا مع ذلك نجد في جانب مادة الأمر ان دلالتها غير مرتبطة مع دلالة النهي السابق، بل هي ظاهرة بمعناها رأسا. كما لو قال: إذا حللتم فأنا آمركم بالصيد. وعلى مذهبنا، فهذا السياق ينطبق على ما قلناه قبل قليل، لأن النهي حال الإحرام إلزامي يقيني، والمادة في الأمر لجامع الرجحان. ومع ذلك فالمادة ظاهرة بمعناها اللغوي الأصلي.
فإذا كان الأمر في هذه الصورة صحيحا، فالصور الأخرى أولى بالصحة. كما لو كان النهي محتملا أو دالا على جامع المرجوحية والأمر دال على الإلزام أو على جامع الرجحان.
لكني أقول: ان جميع الصور سواء، اما في دلالة مادة الأمر فللتمسك بالظاهر، مع عدم صلاحية المورد للقرينية عليه. واما سقوط النهي فمسلم في الجميع، وهو معنى مفهوم من حال المولى أولاً، ومن الدلالة الالتزامية للأمر ثانياً.
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بقي الكلام في عكس المسألة، وهو ورود النهي في مورد احتمال الأمر أو الوجوب أو اليقين به.
وتنقسم المسألة إلى نفس التقسيمات السابقة كلها. فان المستعمل بعد الأمر اما صيغة النهي أو مادته، والأمر السابق اما للوجوب أو لجامع الرجحان. والنهي اما ان نقول انه موضوع للحرمة أو لجامع المرجوحية.
والظاهر ان كل هذه الأقسام تكتسب محمولاتها من مثيلاتها في المسألة الأولى. فإذا وردت صيغة النهي بعد الأمر احتمالا أو يقيناً، دلت على الإباحة. اما بالمعنى المشهوري، أو بالمعنى المختار، وهو إطلاق السراح عن الإرادة لدى العبد. وهذا يدل بالالتزام على سقوط النهي السابق.
وكذلك الحال في الاشتراك اللفظي والمجاز. لأننا قلنا هنا ان النهي موضوع للإباحة، في حين كان بالأصل موضوعا للإلزام أو لجامع المرجوحية، فقد استعمل في غير ما وضع له اما مجازا واما بوضع ثان بنحو الاشتراك اللفظي.
ويأتي فيه، ما قلناه من وقوع التزاحم، بين الأمر والنهي. بحيث يُسقط أحدهما الآخر، ولكن بعكس المسألة السابقة، بطبيعة الحال.
كما يأتي فيه ما قاله السيد الأستاذ، حيث قال هناك: انه يناسب من نُهي عن شيء ان يلقى على ما نهي عنه . فهنا يقال بعكسه: وهو انه يناسب ان من يؤمر بشيء ان يصدّ عنه وان يُبعد عنه.
وكذلك الحال في مادة النهي، فكما قلنا هناك بامتناع تسلط القرينة من السياق عليها، وإنما تبقى دالة على مدلولها وهو الوجوب أو الجامع. فكذلك هنا تبقى دالة على مدلولها، وهو الحرمة أو الجامع.
ــــــ[242]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: وهذا الإشكال متوجه إلى طرفي المسألة معا: مادام المورد قرينة، فينبغي ان يؤثر.
اما الصغرى، وهو كونه قرينة، فواضح لأننا لا نريد من القرينة الا ما هو مقترن بالكلام ولاشك باقترانه. واما تأثير القرينة فواضح أيضا كبرويا. وقد أثرت في جانب الصيغة، فلماذا لا تؤثر في جانب المادة.
قلنا: ان الكبرى والصغرى صحيحة، غير ان الكبرى ليست على سعتها، وهي ان كل قرينة مؤثرة، بل هي كذلك إذا فهمنا منها التأثير. واما بدون ذلك فلا. وهنا لا نفهم منها التأثير، بقرينية التبادر. لعدم الفرق بين قولنا: إذا حللتم فإني آمركم بالاصطياد. وقولنا: إذا خرجتم إلى البرية فإني آمركم بالاصطياد. ولا يحتمل ان تكون مادة الأمر مختلفة في الموردين.
والسر المظنون في ذلك ما قلناه: ان العرب استعملت هيئة الأمر في رفع النهي دون مادته. فبقيت المادة دالة على معناها الموضوع له، ولو كانت في نفس السياق.
وما يقال في الأمر يقال في النهي، وان كانت اقل استعمالا. فان ما يدل على ارتفاع الأمر هو هيئة النهي وليس مادته. فتبقى المادة على دلالتها الأصلية.
كما يرد في جانب (النهي في مورد الأمر) عكس ما قاله بعض الأعزة هناك من انها جملة إنشائية يراد بها الإخبار، كما قد يراد من الجملة الإخبارية الإنشاء. الا ان الإنشاء هناك كان بالأمر، وهنا بالنهي. وهما مشتركان في معنى الإنشاء.
الا ان هذا قابل للمناقشة صغرى وكبرى. اما كبرى فللمناقشة السابقة،
ــــــ[242]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهي امتناع ان تدل الجملة الخبرية على الإنشاء أو الإنشائية على الإخبار.
واما صغرى، فلأن الجملة الخبرية استعملت فقط في طرف الأمر ولم تستعمل في طرف النهي، لا المثبتة ولا المنفية، بحيث تكون لا النافية بمعنى لا الناهية. فإذا لم يمكن هذا الجانب لم يمكن عكسه.
أقول: اننا لو قصدنا تطبيقه الخارجي فهو نادر. الا انه متصور وممكن عقلا على أي حال، فعكسه أيضا يكون ممكنا. الا ان النقاش نفسه في عكسه.
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مبحث
المرة والتكرار
تكلم في الكفاية حولها في ثلاث جهات:
1 – في البرهان على أصل المسألة.
2 – في ان المراد الفرد أو الدفعة.
3 – فيما يحصل به الامتثال على تقدير وجود القرينة أو الإطلاق أو الإجمال.
فيقع الكلام الآن في هذه الجهات الثلاثة:
الجهة الأولى: قال الشيخ الآخوند: الحق ان الصيغة لا دلالة لها على المرة ولا على التكرار. فان المنصرف عنها (منها) ليس الا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها. فلا دلالة على أحدهما لا بهيئتها ولا بمادتها. والاكتفاء بالمرة إنما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة، كما لا يخفى.
والحق، كما التفت إليه السيد الأستاذ، اننا ينبغي ان نوسع عنوان المسألة لا ان تكون ساذجة إلى هذه الدرجة.
وإنما ينبغي ان يقال (بتفصيل منا): ان الكلام تارة في الواجبات وأخرى في المحرمات. وعلى كلا التقديرين، فان الظهور اما وضعي أو إطلاقي أو
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
سياقي. وعلى كل تقدير فاما ان نتكلم في المتعلق أو في متعلق المتعلق (الموضوع).
فالمتعلق في قولنا: إذا دخل الوقت فصل: هو الصلاة. والموضوع هو الوقت. وفي قولنا: إذا استطعت فحج هو الحج والموضوع هو الاستطاعة. والمتعلق في قولنا: لا تشرب الخمر هو الشرب والموضوع هو الخمر. وهكذا.
الا ان البيان الساذج للأصوليين السابقين اقتصر على متعلقات الأوامر، وهي الصلاة، في (صل). وظاهر صاحب الكفاية انه نفى دلالتها على المرة والتكرار بكل ظهور، يعني لا وضعي ولا إطلاقي ولا سياقي.
ثم أورد على نفسه: ان قلت: فأنه يكتفى شرعا بفرد واحد. وأجاب: ان هذا لحصول الامتثال لا لدلالة على المرة.
ونحن ينبغي ان نتكلم عن هذا المورد أولاً، ثم ندخل بعده في التفاصيل الأخرى، بعد ان تكون قواعد المسألة قد تمت لدينا.
فيقع الكلام في متعلقات الأوامر من حيث دلالة الصيغة على المرة والتكرار. فتارة نقصد المرة والتكرار بالمعنى العددي بحيث يكون فهم العدد موجودا. وهذا غير محتمل للتبادر القطعي بعدمه لا وضعا ولا إطلاقا. لا مرة (باعتبار الاكتفاء بواحد) ولا تكرار (باعتبار إطلاق الكلي على كثيرين). وهذا هو الذي صار منشأ لاختلاف القدماء في الدلالة وعدمها.
واما لو غضضنا النظر عن مفهوم العدد يعني مفهوم الواحد والمرة والتكرار والمتعدد والكثير ونحو ذلك. وإنما رجعنا إلى منشأ انتزاع تلك المفاهيم. فهل يدل على ذلك أم لا؟
ــــــ[246]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فهذا تارة نسأل عن المعنى الوضعي. ولاشك انه غير متحقق لما قاله الأصوليون المتأخرون: من ان الهيئة موضوعة للنسبة الإرسالية أو لأي شيء من هذا القبيل. والمادة موضوعة للدلالة على الطبيعي أي على المفهوم بما هو بغض النظر عن مصاديقه. فلو كانت المصاديق ملحوظة لكان للمرة والتكرار وجه، أي لمنشأ انتزاعها، ولكنها غير ملحوظة.
فان قلت (دفاعا عن القدماء): ان الكلي يسري إلى مصاديقه، وهي كثيرة لأنه ينطبق على كثيرين. وهذا معنى دلالته على منشأ انتزاع التكرار والكثرة.
قلنا (عن وجهة نظر الأصوليين المتأخرين): ان المعنى الموضوع له هو أصل المفهوم، ولا دخل للأفراد إطلاقا.
فان قلت: فكيف يصدق على كثيرين.
قالوا: هذا باعتبار الصدق العقلي في المرتبة اللاحقة للوضع. فان الموضوع له وان كان هو المفهوم، الا ان المفهوم بما هو مفهوم، غير ملحوظ عقلا، الا بما هو فانٍ في أفراده، فيسري إلى أفراده. وبسريان المفهوم، وهو الموضوع أو المتعلق إلى أفراده، يسري الحكم إلى أفراده.
ويتوجه إلى هذا المعنى إشكال: ان الوضع معنى عرفي، إذن فهو يرد على المفهوم بما هو مدرك للفرد الاعتيادي. وهذا يعني: ان المدرك هو الفناء في الأفراد. إذن فأصل الوضع باعتبار الفناء في الأفراد.
فدلالته الوضعية على الكثرة موجودة، أي متضمنة في معنى المادة. التي هي معنى مصدري. فإذا وردت عليها الهيئة، فقد أمرت بمدلول المادة، وهو الكثرة. فينبغي ان يقال: ان الأمر يقتضي الكثرة أو التكرار.
ــــــ[247]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الا ان هذا لا يتم من وجهة نظر الأصوليين المتأخرين لا كبرى ولا صغرى. اما كبرى فلإمكان ان ندعي ان العرف يلتفت إلى المفاهيم بغض النظر عن أفرادها. فالوضع يكون لها، لا للأفراد.
واما صغرى: فلأن العرف يلتفت إلى ان الحكم ثابت على موضوعه الذي هو العنوان، كما لو قال الآمر: آمرك بإكرام العلماء. فتصرف كما تشاء (يعني من حيث الكمية والكيفية مثلا). فإذا كانت كلتا الجهتين عرفيتين، لم يلزم لحاظ الأفراد في الحكم قطعا.
ومن هنا اتضح: ان عنوان المرة والتكرار، وان أخذه القدماء في العنوان، الا انه لا يتم، لما سبق من ان العدد لا عنوانا ولا معنونا دخيل وضعاً في المفهوم قطعا. وإنما لابد من تبديل العنوان إلى: صرف الوجود أو مطلق الوجود. مع صرف الظهور الوضعي عن العنوان، وإنما الإطلاق هل يقتضي صرف الوجود أو مطلق الوجود، أو هل الظهور السياقي يقتضي ذلك.. ونحوه.
وفي المحاضرات، قال: واما انحلالها بانحلال موضوعاتها، فيختلف باختلاف الموارد. فتنحل في بعض الموارد دون بعضها الآخر. (ولم يذكر سببا لذلك، ولعل سياق كلامه يقتضي قيام قرينة خارجية عليه، وهو خلاف المفروض أكيدا).
قال: ومن الأول: (وهو الانحلال) قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقوله تعالى مَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وما شاكلها.
أقول: ما معنى (ما شاكلها) إذا لم نعرف القاعدة في ذلك ؟
وجواب ما أفاده: ان الكلام ليس في الأوامر الأصلية في الإسلام. والا
ــــــ[248]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فهي لاشك انها تقتضي التكرار جزما. أي انها لها انحلالات زمانية ومكانية وأفرادية وأحوالية وموضوعية، بالملايين.
وإنما الكلام في الأمر الجزئي عند تحقق موضوعه. هل يقتضي المرة أو التكرار. يعني: هل تجب عدة صلوات عند دلوك واحد أو صلاة واحدة. وهذا يحاول ان لا يلتفت إليه.
كما انه ليس الكلام في تعدد الدلوك الثابت في المرتبة السابقة عن الأمر لنقول بتعدده. وإنما المقصود هو تعدد المتعلق.
قال: ومن الثاني قوله تعالى: لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ الخ. حيث ان المستفاد منه عرفا عدم الانحلال وجوب الحج بتعدد الاستطاعة خارجا في كل سنة. بل المستفاد منه ان تحقق الاستطاعة لدى المكلف يقتضي وجوب الحج عليه. فلو امتثل مرة واحدة كفى. ولا يلزم التكرار بعد ذلك، وان تجددت استطاعته مرة ثانية.
أقول: هذا من الغريب المؤسف. فأنه خلط بين مستويين:
المستوى الأول: انه عند حصول الاستطاعة، هل يجب حج واحد أو حج متعدد. وهذا هو عنوان المسألة، من حيث ان المطلب هل هو صرف الوجود أو مطلق الوجود. فلابد من استئناف الكلام فيه، لا ان نأخذه مسلما.
المستوى الثاني: انه هل يجب الحج عند كل استطاعة أو في أول استطاعة، ولا يجب بعد ذلك وان حصلت الاستطاعة.
وهذا معنى آخر غير عنوان المسألة، والعبارة لا تميّز بينهما. بل تقتصر على هذا الجانب، وهو خارج عن الباب.
ــــــ[249]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ونحن إذا اقتصرنا على الآية الكريمة، أمكن القول بان كل استطاعة موضوع لوجوب الحج. ولا فرق بين قولنا: إذا زالت الشمس فصل. وإذا استطعت فحج. فيتكرر الحكم بتكرر موضوعه.
لكن عرفنا من الخارج بضرورة الدين عدم تكرر الحج بتكرر الاستطاعة. لا ان هذا شيء مفهوم من الآية. وهذا معناه استعمال القرائن الخارجية التي لا يفرض وجودها في عنوان الباب.
فان قلت: فان هذا يكون على خلاف ظهور القرآن الكريم، فيكون باطلا، لأن المفروض ظهور الآية الكريمة بالتعدد.
قلنا: تلك القاعدة صحيحة عند معارضة الحديث الظني. واما هذا المورد فقطعي. وبتعبير آخر: انه يصبح بمنزلة القرينة المنفصلة، على ان المراد من الآية ذلك.
فان قلت: فانهم عليهم السلام قالوا: ما خالف قول ربنا باطل. لم نقله، لا يفرق في ذلك بين القطعي وغيره.
قلنا: هذا يمكن ان يجاب بعدة وجوه:
1 – انهم لم يقولوا ذلك، ولكنه ثبت بدليل لبي. وهو ضرورة الدين.
2 – اننا نعرف بذلك ان (قول ربنا) هو الحج الواحد عند أول استطاعة.
3 – ان هذه الرواية لا يحتمل أخذها على الإطلاق، فتخصيصها ضروري بما هو قطعي، وان لم تكن قابلة للتخصيص في نفسها.
نعم، يمكن جعل اسم الموصول (من) في قوله تعالى: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
ــــــ[250]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
سَبِيلاً، كقرينة احتمالية على التعدد. الا ان ذلك ان تم، يخرج عن عنوان الباب الذي يشترط فيه عدم القرينة. مضافا إلى ان احتمال القرينة لا يفيد بل ينتج الإجمال.
اللهم الا ان يقال: ان الإجمال هنا كاف من جريان الأصل المؤمن في الاستطاعة الثانية فما زاد. الا إذا ادعينا الظهور في الوحدة، وهو جزاف.
ونحن قريباً نفينا الدلالة الوضعية على الوحدة والتكرار. لكن هنا مطلب لا ينبغي إغفاله بهذا الخصوص. حيث قال السيد الأستاذ، كما في تقريراتي:
وهناك مؤيدات للمطلب:
أحدها: انه لو كان التكرار مأخوذا في طرف الهيئة أو في طرف المادة، للزم ان تكون صيغة افعل، إذا اقترنت بما يدل على المرة، ان تكون قد استعملت استعمالا مجازيا. لأن فيه تجريد المادة أو الهيئة من التكرار. مع ان الوجدان العرفي قاض بعدم وجود العناية.
أقول: هذا يمكن ان يجاب: ان هذا إنما يلزم إذا كان الوضع لخصوص هذه الحصة التي هي اما المرة أو التكرار. فلو أدعى أحدهم: انها موضوعة للجامع بين المرة والتكرار سقط هذا الوجه. وكانت القرينة على تعيين إحدى الحصتين على نحو الاشتراك المعنوي. بدون ان نشعر بالعناية.
مضافا إلى إمكان ان يقال: ان وضع هيئة افعل، ان أريد به نحو وضع المركبات، فهو باطل، كما تم عليه البرهان في محله. وان أريد به وضع الهيئة بالخصوص، فالهيئة معنى حرفي، وليس هناك مجاز في المعنى الحرفي، على المشهور، وان أريد به وضع المادة خاصة، فهو غير محتمل في نفسه.
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قال: ثانيهما: ان التكرار لو كان مأخوذا في كلمة اغسل أو صل، فهو مأخوذ في مدلول الهيئة أو المادة، ولكل منهما لازم باطل.
اما أخذه في مدلول الهيئة، فمعناه دلالتها على طلب التكرر، لا على الطلب المتكرر. يعني ان التكرار في المتعلق لا في الطلب نفسه. ولازمه: ان يكون طرف النسبة مأخوذا في مدلول الحرف. وهو ممتنع.
واما أخذ التكرار في مدلول المادة، بمعنى ان مادة اغسل دلت على أفراد متعددة من الطبيعة. فله لازم غريب على ما هو المعروف من ان المادة سارية في كل المشتقات بما فيها هيئة المصدر. وهي موضوعة بوضع نوعي واحد. لا انها موضوعة في كل هيئة بوضع على حدة.
فلو كان التكرار داخلا في مدلول المادة، للزم ان يكون داخلا في مدلول المصدر وغيره من المشتقات. مع انه لا إشكال عندهم ان المصدر لا يدل الا على ذات الطبيعة.
أقول: ان هذا التقريب بكلا شقيه يأتي في جانب أخذ المرة أيضا، كما هو واضح لمن يفكر.
واما جوابه: اما عن الهيئة، فللأصولي ان يقول: ان الهيئة لا تدل على طلب المتكرر ليلزم المحذور. بل تدل على الطلب المتكرر أو الجامع بين الواحد والمتكرر. لأن مقتضى دلالتها على التكرار هو تكرار مضمونها، وهو الطلب.
وحيث ان الطلب يحتاج إلى طرف، أو إلى مطلوب، فتحتاج الصيغة إلى عدة أطراف بعدد مطلوباتها. وتكون قرينة على ان المراد بالمادة هو المتكرر. لأن طلب الواحد بالمتكرر مستحيل الا بنحو التأكيد، وهو غير مقصود.
ــــــ[252]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واما عن المادة فللأصولي ان يقول: اننا لا نعني بالتكرار الا انطباق المفهوم الكلي على كثيرين. وقد دخلت عليه الهيئة، فوجب المتعدد. والانطباق على كثيرين موجود حتى في المصدر.
إذن، فالعمدة هو ما قلناه من عدم فهم العدد، لا عنوانه ولا معنونه، بالتبادر، لا في الهيئة، ولا في المادة. ولو كان مأخوذا بأي نحو لفهمناه. في حين لم يتحقق ذلك.
………………………..
فإذا اتضحت عدم الدلالة الوضعية، فهل يدل الأمر على المرة أو التكرار بدال آخر إطلاقي أو سياقي أم لا؟
يمكن الكلام في ذلك على اتجاهين مختلفين:
الاتجاه الأول: اتجاه مشهور الأصوليين بل إجماعهم. وذلك (بتقريب منا) ان يقال: انه بعد وضوح عدم الدلالة الوضعية لكل من الهيئة والمادة. وان الهيئة تدل على صرف الطلب والمادة تدل على المفهوم أو الطبيعة. فيكون المطلوب هو صرف الطبيعة.
ومن المعلوم ان الطبيعة تتحقق بتحقق فرد واحد. فإذا تحققت سقط الأمر بالامتثال. ولا مجال للتعدد الا بأمر جديد، والمفروض عدمه.
وبتعبير آخر: ان الطبيعة، وان كانت كليا قابلا للانطباق على كثيرين، الا ان القابلية شيء والفعلية شيء آخر.
فمثلا، ان القابلية للانطباق على ما لا يتناهى من الأفراد، موجودة. في
ــــــ[253]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
حين ان الفعلية لا تكون الا على الانطباق على أفراد محدودة. وربما على فرد واحد منحصر أو فردان منحصران، وهكذا.
والهيئة لا تدخل على المادة بقابليتها للتعدد، وإنما بفعليتها، والفعلية كافية في فرد واحد. لوضوح ان الطبيعة توجد بفرد واحد، وتنعدم بانعدام كل الأفراد. فلو لم يأت ولا بفرد واحد، لم توجد الطبيعة وكان عاصيا، ويكون مطيعا بالإتيان بفرد واحد، هو صرف الوجود لا مطلق الوجود.
هذا قابل للمناقشة: من حيث ان المشهور يرى ان الهيئة تدخل على المادة بمدلولها اللغوي. والمدلول اللغوي هو القابلية لا الفعلية.
وبتعبير ثالث (بعد التعبير السابق): ان المولى حيث يعلم ان الطبيعة توجد بفرد واحد، وهو لم يطلب اكثر من الطبيعي، إذن، فمطلوبه واحد، الذي هو صرف وجود الطبيعة. واما الزائد فيحتاج إلى تقييد، والمفروض عدمه. وهذا معنى ان الإطلاق يثبت عدم المرة وعدم التكرار معا.
وأمثال هذه البيانات يرد عليها وجوه:
الوجه الأول: انه أخذ مسلما ان المطلوب بالهيئة هو الفعلية لا القابلية. ثم فسرنا الفعلية بصرف الوجود والقابلية بمطلق الوجود. فكأننا أخذنا مسلما ان المطلوب هو صرف الوجود، وهذا أول الكلام في هذه المسألة.
الوجه الثاني: انه مبني على التسليم ان الطبيعة توجد بفرد واحد، من باب صدق الحمل عليه، أو من باب ان الجزئي يحتوي على الكلي مع زيادة الصفات الخارجية. فهل يقال: مع تعدد المصاديق بتعدد صدق الطبيعة. وانها موجودات بوجودات متعددة. كلا. هذا لا يوافق عليه المشهور. بل هي موجودة بوجود واحد، سواء في فرد واحد أو في المتعدد.
ــــــ[254]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فإذا كان الأمر كذلك، فالمطلوب في الأمر هو إيجاد الطبيعة، وإيجادها ممكن بالوجود الواحد والوجود المتعدد. والمفروض انه إيجاد واحد للطبيعة، وان كان متكررا للفرد.
فمن الممكن القول: ان المطلوب هو الجامع بين الواحد والمتعدد، (تعددا فرديا). أو قل: هو الجامع بين صرف الوجود ومطلق الوجود. وبأي منهما أتى المكلف كان امتثالا.
فلو أتى بفردين دفعة كان امتثالا، كما لو تصدق بدرهمين أو دراهم، امتثالا لقولنا: تصدق بدرهم. ولو أتى بها تدريجا كان امتثالا. مع انه ليس بنحو الفرد المردد. لأنه غير مجزئ جزما.
لا يقال: ان الأمر يسقط بالفرد الأول. فلا يبقى مجال لامتثال آخر.
لأنه يقال: ان المطلوب بالأمر هو جامع وجود الطبيعة. فإذا عزم المكلف على إيجادها بعدة أفراد ولو طولية زماناً، كان الجميع مصداقا واحداً للمادة. ولا يسقط الأمر الا بالإتيان بمصداقه، لا بجزء المصداق.
هذا مضافا، إلى ان ما ذكروه في هذا الاتجاه، إنما يكون دليلا على عدم الدلالة على التكرار لا عدم الدلالة على المرة. وان كانوا قد قالوا ذلك مجملا من هذه الناحية.
الاتجاه الثاني: ما أشرنا إليه أحيانا خلال الدروس، من ان المطلوب فرد واحد رأسا وليس الطبيعة. بغض النظر عن المدلول اللغوي للمادة.
فان ما تحت الهيئة ليس هو مدلول المادة فقط. بل هو مع قرائن عرفية وخارجية وعقلائية، تقتضي الأمر بالفرد رأسا. أي الأمر بالإيجاد في عالم
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الخارج الذي هو عالم الجزئيات. وهو مدلول: صل أو صم أو أغسل، وغيرها. الا مع قيام القرينة على التعدد.
ولذا لو نذر الصلاة أو الصدقة لم تجب اكثر من مرة.
وعندئذ لا يتوقف الحال على القول: بان الطبيعة توجد بفرد واحد. لأن المأمور به ليس هو الطبيعة والكلي بل الفرد.
وفي الحقيقة: ما هو الواجب هو بذل القدرة والاختيار على إيجاد الفرد بشرائطه. مطلقا من حيث الشرائط الأخرى، كالزمان والمكان ونحوها. فان لم يستطع سقط الأمر بالعجز.
كما لا يتوقف الحال على القول بان الجزئي متضمن للكلي مع الزيادة. لأن الكلي ليس مأمورا به أصلا، بل الفرد. سواء كان متضمنا للكلي أم لم يكن.
وكذلك، فان الهيئة لا تدخل على المادة بمدلولها اللغوي، وهو القابلية، بل بمدلولها العرفي وهو الفعلية.
الا ان النتيجة هنا على الاتجاهين واحدة، وهو ان المطلوب فرد واحد. الا إذا قامت القرينة على التعدد. وهذا هو معنى التمسك بالإطلاق لنفي التعدد.
مع الفرق بين الاتجاهين، بان الأول يرى الفرد مصداقا لصرف الوجود، والثاني يرى الفرد مأمورا به إبتداءاً.
وما ذكرناه من المحاذير على الاتجاه الأول لا ترد على الاتجاه الثاني.
ــــــ[256]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اما انطباق الامتثال على المتعدد التدريجي فواضح، وان قصد ذلك. لسقوط الأمر بالفرد الأول. فيكون الباقي غير مأمورا به جزما. في حين ان وجود الطبيعي لدى المشهور، بوجود واحد، سواء كان فردا أو متعددا.
واما انطباق الامتثال على المتعدد الدفعي, فإشكال الفرد المردد يرد على كلا المسلكين. لو كان في نفسه صحيحا.
فان قلت: فانه يجب على الفرد ان يجعل امتثاله تدريجياً لكي لا يلزم المحذور، ويسقط الأمر بالفرد الأول.
قلنا: كلا. لأن القرينة العامة قائمة على سقوط الملاك بحصول الفردين الدفعيين، وبسقوط الملاك يسقط الأمر.
فان قلت: فان الفرد المردد كما لا يُسقط الخطاب لا يسقط الملاك.
قلنا: القرينة العامة موجودة على سقوطه لو كان توصليا قطعا، لأن المهم للمولى هو النتيجة، وقد حصلت. نعم، لو كان عباديا أشكل الأمر. الا انه لا مثال له في الشريعة. يعني فردين عباديين دفعيين. ولا يختلف إشكاله على كلا المسلكين.
فان قلت: ان إشكال الفرد المردد أشد ورودا على المسلك الثاني. لأن كل فرد هو عين المطلوب. وعلى المسلك الأول، هو مصداق من المطلوب.
قلنا: كلا. فان الترديد موجود على كلا المسلكين.
فان قلت: فانهما معا مصداقين للطبيعة، فيصلحان معا للمصداقية للأمر، فيسقط الأمر، بناء على المشهور.
ــــــ[257]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلنا: لا يقبل المشهور مصداقيتهما معا للأمر، والواحد منهما غير متعين مصداقا للأمر، بل هو مردد. ومصداقيتهما للطبيعة وان كانت غير مرددة، بل مجتمعة، الا ان مصداقيتهما للأمر مرددة. للفرق بين مصداقيتهما للأمر ومصداقيتهما للطبيعة. اما مصداقيتهما للطبيعة، فهو موجود على حد واحد، لأنها تقتضيهما معا. في حين ان الأمر لا يقتضي الا واحد منهما. وهو صرف الوجود، بناء على المشهور. وصرف الوجود لا يتكرر.
فان قلت: فانه على كلا المسلكين، اصبح المطلوب هو المرة في المتعلق أو المأمور به أو مضمون المادة. وليس كما قال المشهور بنفي المرة والتكرار.
قلنا: هذا ما ينبغي ان يكون مسلما في الجملة. بعد نفي المعنى العددي أكيدا. فاننا إذا فهمنا من الأمر: المركب من المادة والهيئة، وفهمنا من الاقتضاء مطلقه، بحيث يناسب مع أي علاقة ظهورية، فهو يقتضي الوحدة، لأن مقتضى الإطلاق ذلك، على كلا المسلكين.
قال في المحاضرات: من ناحية ان متعلق الأمر هو صرف وجود الطبيعة. وهو وان كان كما يصدق بالمرة الواحدة يصدق بالتكرار. الا ان الاكتفاء به في ضمن المرة الواحدة من جهة صدق الطبيعة عليها خارجاً. الموجب لحصول الغرض وسقوط الأمر.
وكذلك في الأفراد العرضية … من ناحية صدق الطبيعة عليه خارجاً الموجب لحصول الغرض وسقوط الأمر. فلا يبقى موجب للتعدد.
أقول: هذا بغض النظر عن إشكال الفرد المردد الذي ذكرناه. واما من ناحية المسلك الثاني فواضح، لأن المأتي به يكون عين المطلوب.
إذن، فمقتضى اقتضاء الأصل اللفظي الذي هو الإطلاق، هو فهم المرة
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
من الأمر، بغض النظر عن مادته وهيئته، بناء على كلا المسلكين. الا إذا قلنا بناء على مسلك المشهور ان الطبيعة تنطبق على الفرد وعلى المتعدد انطباقا واحد، فيكون الفرد بالخيار بين الامتثال للواحد والمتعدد. الا ان هذا مما لم يقل به أحد.
وهو وان كان هو لازم قول المشهور، الا انه منفي فقهيا قطعا. فالمرجع المرة أكيدا في المتعلق أي المأمور به، بالدلالة الالتزامية أو الاطلاقية.
واما الميل النفسي في علم الأصول إلى نفي مثل هذه العناوين، فليس بحجة كما هو واضح. وهو بناء على المسلك الثاني واضح، لأن الفرد هو عين المأمور به.
وعنوان المسألة ليس هو: ان الأمر موضوع للمرة أو للتكرار، لكي ننفيه، بل هو اقتضاء ذلك وهو ثابت.
ولو خطونا خطوة أخرى: أمكن ان نقول: انه ليس مجموع الأمر دالا على المرة، بل الهيئة بخصوصها. لأنها وان كانت موضوعة لمعنى حرفي نعبر عنه بمطلق الطلب. الا ان اقتضاءها اكثر من ذلك. لأنها تأمر بالفرد اما ذاتا أو إطلاقا. فهي تقتضيه، وهذا يكفي.
كما ان نفس الكلام يأتي في المادة أيضا، من حيث انها وان كانت موضوعة للكلي، الا ان الكلام ليس في الوضع بل في مطلق الاقتضاء. فيكون المراد بها الإتيان بها بصفتها المأمور به أو الدال على المأمور به، والمفروض انه واحد. فتدل على الواحد، من هذه الجهة.
فتحصل ان لإثبات اقتضاء الواحد أو المرة عدة تقريبات:
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأول: انه هو المأمور به بناء على المسلك الثاني غير المشهوري.
الثاني: انه بناء على المسلك المشهوري، يصدق الامتثال بصرف الوجود. ويصدق صرف الوجود بالواحد. وبه يسقط الأمر.
الثالث: ان الحصة الاطلاقية للأمر الشاملة للمأتي به هو الواحد. لأن الأمر له إطلاق إفرادي بما فيها ما يشمل المأتي به، وهو واحد.
الرابع: إطلاق الهيئة للمأتي به وهو واحد.
فان قلت: بان الهيئة معنى حرفي. وهو لا إطلاق له مشهوريا، لأنه جزئي ومتقوم بطرفيه.
قلنا: جوابه من عدة وجوه:
أولاً: اننا قلنا: ان المعنى الحرفي القائم بين طرفين كليين، كلي، فيمكن ان يكون له إطلاق.
ثانياً: ان هذا الظهور ظهور سياقي وليس ظهورا وضعيا، وتلك المناقشة المشهورية خاصة بالظهور الوضعي ولا تعم المقام.
ثالثاً: ان الإطلاق ثابت لطرفيه وليس له بالتعيين. غير اننا لو اقتصرنا على هذا الجواب كان معناه تسليم استحالة إطلاق الهيئة، وتحويله إلى المادة بصفتها طرفا له.
الخامس: إطلاق المادة بصفتها بيانا للمأمور به. كما سبق.
ونفي الاقتضاء، مشهوريا يمكن ان يكون على أسس عديدة، كلها قد عرفنا بطلانها.
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأول: اقتضاء العدد، اما بعنوانه أو بمنشأ انتزاعه.
ثانياً: الاقتضاء الوضعي للهيئة.
ثالثاً: الاقتضاء الوضعي للمادة.
رابعاً: الدلالة المطابقية من الأمر المكون من الهيئة والمادة.
خامساً: ما أشكلنا به على المشهور بان صرف الوجود ينطبق على القليل والكثير، بحيث يكون المكلف مخيرا بينهما.
وكل ذلك اما خارج موضوعاً (وهو الأربعة الأوائل) أو خارج محمولا (وهو الأخير) اما بالطعن بالمسلك المشهوري، أو لأنه غير محتمل فقهيا، فيتعين المصير إلى المرة.
ثم قال في الكفاية: ثم لا يذهب عليك: ان الاتفاق على ان المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل الا على الماهية على – ما حكاه السكاكي – لا يوجب كون النزاع هنا في الهيئة، كما في الفصول.
أقول: تقريب ذلك: ان المادة عندئذ تكون دالة على الماهية بما هي بغض النظر عن أي شيء آخر، فلا يحتمل ان تدل على مرة ولا على تكرار. بحيث لا يقع فيها النزاع إطلاقا. وإنما الكلام في الهيئة، فانها قد تكون أمرا بالواحد أو بالمتعدد. فلعل هذا هو مراد الفصول.
وقد اتضح جوابه مما قلناه بعدة وجوه:
أولاً: ان الكلام ليس بالمعنى الوضعي ليقال ذلك. بل بالظهور السياقي أو الاطلاقي أو الالتزامي. ومعه يمكن إدخال المادة في محل النزاع.
ــــــ[261]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: ان كلام السكاكي ليس قطعيا ليقطع الخلاف. وإنما يصلح ان يكون جوابا على عنوان الباب.
ثالثاً: اننا لو عزلنا المادة عن محل النزاع، بقي لنا أمران وليس أمر واحد هما: الهيئة والمجموع أعني كلمة فعل الأمر المركبة من الهيئة والمادة. وهو ظاهر عنوان الباب من الأصوليين القدماء. أو المتوسطين، حين يقولون: ان الأمر هل يقتضي المرة أو التكرار؟
فان قلت: كما هو ظاهر عبارة الفصول: انهم يعبرون بالصيغة. وهي ظاهرة بالهيئة.
قلنا: كلا. بل صيغة الأمر عبارة عن فعل الأمر، مقابل الجملة الخبرية الدالة على الإنشاء.
وعلى أي حال، فهو أحد المحتملين، فلا تتعين الهيئة، بعد عزل المادة ونفيها.
الا ان الشيخ الآخوند في عبارته السابقة، أجاب بجواب آخر. وحاصله: الطعن بكون المصدر هو أحد المشتقات. فإذا لم يثبت ذلك لا يكون معنى المادة هو المعنى المصدري. فإذا اتفقوا على ان المعنى المصدري لا يدل الا على الماهية، كما قال السكاكي، فذلك لا يلازم ان معنى المادة لا يدل الا على الماهية، فلا يكون في معنى المادة هذا الاتفاق والتسالم لكي تخرج عن محل النزاع. أو قل: ان كلام السكاكي خاص بالمصدر ولا يشمل المواد، لأن المصدر ليس أصلا لها.
واستدل على ان المادة غير المصدر: بان المصدر ليس هو اصل المشتقات بدليلين طوليين:
الأول: انه صيغة في مقابل المشتقات.
ــــــ[262]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الثاني: انه – زيادة على ذلك – مباين لسائر المشتقات.
وجوابه: ان كلا الأمرين بمعنى نحوي ساذج، صحيحين. الا انه لا ينتج مطلوبه.
لأن المصدر بنفسه فيه هيئة وفيه مادة، وكأن الشيخ الآخوند والأصوليين والنحويين نسوا ذلك. فالمادة هي المعنى المشترك بين المواد كلها. وهذا أكيد. وهي بالأساس ذات معنى مصدري أو اسم مصدري. لأن الكلام ليس فقط في الماهية المقولية، بل في الماهيات الانتزاعية أيضا، والماهيات الانتزاعية كلها مصادر أو أسماء مصادر. كالضرب والجوع والعطش. بخلاف الماهيات المقولية، فانها أسماء ذوات، وإنما تقاس عليها مصادر منحوتة كالإنسانية والحيوانية.
وعلى أي حال، نستنتج من ذلك إلى الآن، ان الوضع للماهيات بما هي هي معنى المصادر، وخاصة الانتزاعية منها.
الا ان الشيء الرئيسي الذي يتميز به المصدر، كواحد من المشتقات. هو هيئته على اختلاف صيغها. فان المشتقات كلها تتميز بالصيغ بما فيها المصدر. ومن هنا اصبح مشتقا مستقلا ومنحازاً عن المشتقات الأخرى.
الا ان المحسوس وجدانا ولغة وعرفا، ان هيئة المصدر بخلاف الهيئات الأخرى لا تعطي حدا وتغييرا كثيرا لمعنى المادة. وليس كإسم الفاعل والمفعول والمكان والمبالغة، وغيرها.
حتى يمكن ان يقال: ان معنى المادة محفوظ في المصدر نفسه. أو ان معنى المصدر هو معنى المادة.
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وهذا ما أدركه النحويون بفطرتهم واستنتجوا ان المصدر هو اصل المشتقات. لأن اصلها هو المادة، وحيث ان المادة هي عين المصدر، فالمصدر هو عين المادة. فكأن المصدر اصبح ساري المفعول في كل المشتقات بسريان المادة نفسها. وهذا ينتج أيضا: ان المادة في كل المشتقات هي معنى مصدري.
فالمصدر بما هو مصدر، وان كان مشتقا منحازا عن سائر المشتقات، كما قال الشيخ الآخوند، الا انه كذلك بهيئته. وقد عرفنا وجدانا عدم تأثير الهيئة في معناه باختلاف كثير، إذن فليس انحيازه واضحاً كسائر المشتقات، بل هو عين المواد عرفا ولغة.
فإذا اقتصرنا في النظر على جواب الشيخ الآخوند، فقد اصبح باطلا. لأن الاتفاق كما يكون على المصدر وانه يسري إلى كل المواد بما فيها مادة فعل الأمر، فلا يكون فيه مورد للخلاف في عنوان الباب، لأنها تدل على اصل الماهية.
الا اننا قلنا فيما سبق ان الماهية في صيغة الأمر ونحوه لم تستعمل بمعناها اللغوي الأصلي، لتكون معنى مصدريا كاملا لتخرج عن محل النزاع. بل بمعناها العرفي المتضمن لمعنى الوحدة.
فان قلت: ان مادة المصدر، هي مادة الثلاثي، فلا يشمل كلامك المصادر الرباعية والخماسية.
قلنا: نحن نريد بالمادة معناها الأصولي، لا المعنى النحوي والصرفي، بحيث يكون الرباعي دخيلا في الاختلاف. بل المادة مأخوذة هنا في مقابل الهيئة. وهذا لا يفرق فيه بين سائر الكلمات والمواد بالمعنى الآخر.
ــــــ[264]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وذلك: ان نقول بهذا اللحاظ: ان الحروف في (ضرب) أصلية، وفي (ضارب) أصلية وفي (دحرج) أصلية. لأنه:
1- هو اللفظ الموضوع في اللغة بوضع مستقل لمعنى مستقل.
2 – انه المعنى الذي يقابل الهيئة.
فان قلت: انه إذا كان المصدر والمادة بمعنى واحد، تلزم عدة لوازم باطلة:
أولاً: يلزم ان لا تكون هيئة المصدر موضوعة لمعنى إطلاقا. على خلاف هيئات باقي المشتقات.
ثانياً: ان معنى المادة ومعنى مجموع المادة والهيئة يكون واحداً في المصادر، بخلاف المشتقات الأخرى.
قلنا: ان هيئة المصدر، يمكن ان تفيد من عدة جهات:
أولاً: التوصل إلى نطق المادة في الحال الذي لا يكون المراد الا بيان المادة، بخلاف المشتقات الأخرى، فان المراد فيها هو بيان المادة مع الزيادة. وهذا غير متوفر في المصدر.
ثانياً: انها تدل على قصر النظر على مدلول المادة بدون شيء زائد، لأن كل المشتقات الأخرى، فيها زيادة، كالفاعل والمفعول والمكان والزمان، أعني مشتقاتها. وليس هذا متحققا في المصدر. والوجه الأول من ناحية اللفظ وهذا من ناحية المعنى.
ثالثاً: التوصل بها إلى أسماء المصادر أو العكس.
ــــــ[265]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلنا: ان معنى المادة الأصلي متوفر في المصدر نفسه، فنتوصل بالهيئة إلى اسم المصدر. وان قلنا انه متوفر في اسم المصدر، فنتوصل بالهيئة إلى المصدر.
والأقرب إلى الوجدان هو ان الأصل هو اسم المصدر لا المصدر. لأن معنى اسم المصدر معنى ثابت ومعنى المصدر معنى متحرك. بناء على ارجح الاحتمالات في الفرق بينهما، كما سبق في مبحث المشتق.
فان قلت: ان المصادر هي الأصل بنص النحويين.
قلنا: حينما يقولون ذلك يقصدون اللفظ بغض النظر عن كونه مصدرا أو اسم مصدر. أو نقصد الأعم أو الجامع بينهما.
ولذا عبروا عن اسم المصدر انه اسم ذات، يعني انه هو المعبر عن طبيعة الكلي، وهو الأقرب إلى مواد المشتقات. فيكون هو اصلها.
فان قلت: انه لا معنى لأن يكون المصدر ولا اسمه أصلا للمشتقات، لوضوح احتوائه على الهيئة، بخلاف مواد المشتقات.
قلنا: أولاً: ان هيئة المصدر كأنها ملغاة، لأنها غير موضوعة لمعنى، فكأن المصدر مادة صرفة نتوصل إلى نطقها بالهيئة. ولو كانت الهيئة موضوعة لغة، لورد الإشكال.
ثانياً: اننا نقصد من المادة معناها – كما سبق – لا لفظها. ومعنى المصدر هو عين معنى المادة، ومن هذه الناحية رجحنا كون الأصل هو اسم المصدر، لأنه الأقرب في المعنى إلى مواد المشتقات.
قال الشيخ الآخوند: وقد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر وسائر
ــــــ[266]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المشتقات بحسب المعنى، فكيف بمعناه يكون مادة لها.
أقول: نعم هو بلفظه لا يكون مادة لها، لأن لفظه فيه الهيئة المصدرية وهي تزول مع التحول إلى مشتق آخر. ولكنه بمعناه يمكن ان يكون جامعاً بين المشتقات، وهو معنى المادة كما سبق، لأن الأصل بين المشتقات ليس الا المعنى الجامع بينها، وهو معنى المادة المشتركة بينها. ومعناها عين معنى المصدر، فيكون هو الأصل.
ثم قال الشيخ الآخوند، ان قلت: فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام.
وأجاب على هذا السؤال بجوابين: أحدهما مختصر، وهو : انه لم يثبت لأنه محل خلاف حيث ذهب البصريون إلى ان الأصل هو المصدر، وذهب الكوفيون إلى ان الأصل هو الفعل الماضي.
أقول: مذهب الكوفيين غير محتمل وقد اتضح فساده. لأن معنى الفعل الماضي ليس هو معنى المادة المشتركة بين المشتقات.
وخاصة إذا قلنا، كما هو مشهور اللغويين والصحيح من دلالة الفعل على الزمان، مع العلم ان عددا من المشتقات لا تدل على الزمان. فلو كان معنى الفعل هو الأصل لكان ساري المفعول في المشتقات. وهذا غير محتمل.
وإنما هم وجدوا ان المادة المجردة لفظاً تتوفر في المصادر وتتوفر في الفعل الماضي كضرب ضرباً. فاختاروهما لكونهما أصلا. بخلاف باقي المشتقات فان فيها حروف زائدة كالضارب والمضروب.
ولو لاحظنا اللفظ لكان مذهب الكوفيين هو الأرجح، لأن كثيرا من
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المصادر فيها حروف مزيدة، بخلاف الفعل الماضي، فانه لا يكون الا مجرداً.
لكننا في الأصول نلاحظ المعنى. ومعنى المادة كما هو متوفر في الفعل الماضي متوفر في غيره أيضا. وهو متمحّض في المصدر كما أوضحنا، فيكون كونه هو الأصل ارجح.
إذن، فمع ملاحظة اللفظ لا بأس ان يكون الأصل هو الفعل الماضي، ومع ملاحظة المعنى يكون الأصل هو المصدر. الا ان ملاحظة الأصل في المشتقات مما لا اصل له ولا موجب له.
فان قلت: انه يأتي على الفعل الماضي ما استشكل به الشيخ الآخوند في المصدر. وهو انه صيغة كسائر المشتقات بل مباين لها. بل يزيد سوءا على المصدر من جهتين:
أولاً: كون الأفعال كلها حصة منحازة عن المشتقات، فلم نجعل أحد المشتقات أصلا لها، بل جعلنا غيرها أصلا لها، وهو غير صحيح.
ثانياً: اننا ذكرنا في المصدر ان هيئته غير موضوعة لمعنى أصلا، فيهون الخطب من ناحيته. اما في الفعل الماضي فلاشك ان الهيئة موضوعة لمعنى. فيكون إشكال الشيخ الآخوند أوضح ورودا عليه.
قلنا: هذا إذا كنا نقول: ان الماضي هو الأصل من ناحية معناه، وهو غير محتمل. وإنما هو الأصل من ناحية اللفظ فقط. ولا يراد باللفظ مجموع الهيئة والمادة ليرد الإشكال، بل يراد بها الحروف الأصلية فقط أو المادة اللفظية فقط. إذ لاشك اننا لو أخذنا هيئة الماضي بنظر الاعتبار، ورد إشكال الآخوند قطعا.
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: فانه مع ملاحظة المادة اللفظية، لا يتعين الماضي. بل يمكن قصد أي مشتق أو فعل لاحتوائها جميعا عليها.
قلنا: نعم. الا ان الفعل الماضي اقرب وأوضح، أو قل: تجريده عن هيئته اسهل، لعدم وجود حروف زائدة مشاركة في الهيئة، بل الهيئة تمثلها الحركات فقط.
ومن هذه الناحية قالوا: ان الماضي هو المجرد من كل فعل. وانه إذا أراد الفرد معرفة المجرد صاغ من المادة الفعل الماضي.
الجواب الثاني: (للشيخ الآخوند عن معنى كون المصدر هو الأصل في المشتقات):
قوله: ان الذي وضع أولاً بالوضع الشخصي، ثم بملاحظته وضع نوعيا أو شخصيا سائر الصيغ التي تناسبه، مما جمعه معه مادة لفظ متصورة في كل منهما. وانه يصوره ومعنى كذلك هو المصدر أو الفعل.
أقول: يحسن أولاً في شرح كلامه هنا ان نحمل فكرة عن الوضع النوعي والشخصي. فانه يرد هناك إشكال واضح ينفي الوضع الشخصي. من حيث ان كل الأوضاع نوعية كلية، ولا يمكن ان تكون شخصية، والا لم توجد اللغات إطلاقا. لو كان الوضع مختصا بما قصده الواضع خاصة أو لفظه. فلابد من إيجاد تفسير آخر لهذين الاصطلاحين.
وما يمكن ان يكون تفسيرا لها، أحد أمور:
الأمر الأول: ما فهمه في الهداية، من ان الوضع الشخصي هو وضع الكلمة هيئة ومادة معا أو قل: بدون لحاظ هيئتها ومادتها. والوضع النوعي هو
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ملاحظة ذلك ، كوضع الهيئة مستقلا أو وضع المادة مستقلا.
ويرد عليه: ان المصدر والفعل معا، لاشك انهما لوحظت فيهما الهيئة والمادة بالاستقلال. ولا يحتمل ان يكون الوضع فيهما شخصيا بهذا المعنى. فيكون الأمر على خلاف قصد الشيخ الآخوند.
الأمر الثاني: الوضع الشخصي لغير المشتقات، كالحروف وأسماء الأفعال والأعلام ونحوها. والوضع النوعي للمشتقات.
وهذا قد يمكن ان يرجع إلى الوجه السابق. والإشكال عليه أوضح هنا، لأن مقصود الشيخ الآخوند كون الوضع شخصيا مع كونه في المشتقات، لا في غيرها.
الأمر الثالث: ان الوضع الشخصي للمادة والوضع النوعي للهيئة.
وهذا أيضا لا يتم، لإمكان العكس. بان نقول: ان الوضع الشخصي للهيئة والوضع النوعي للمادة. لكونهما معا كليين متقلبين في كثير من محتملات المشتقات والأفعال.
الأمر الرابع: ان الوضع الشخصي هو الوضع الملتفت إليه والمركز عليه، أو الأسبق زمانا أو رتبة، ونحو ذلك. والوضع النوعي يكون بمنزلة الفروع له.
ويرد عليه: أولاً: انه لا يوجد وضع واحد بل وضعان: وضع للهيئة ووضع للمادة. ولا يوجد وضع ثالث، لأننا لا نقول بوضع المركبات. وهذان الوضعان واضحان في جانب الفعل. وكذلك في المصدر، إذا قلنا بوضع الهيئة للمعنى المصدري كما هو المشهور.
ثانياً: ما ذكره في العناية (بعرض منا): من انه لا يتعين واحد من
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المشتقات لذلك، ولا نعلم أيها اسبق زمانا أو رتبة والتفاتا. وليس أحدها بمنزلة العلة والآخر بمنزلة المعلول.
ولو تنزلنا وقبلنا ذلك في الجملة، كانت كلها كذلك، لعدم الترجيح في أحدها من هذه الناحية. أو قل: في أحدهما، يعني الفعل والمصدر أيضا.
لكن بناء على ما قلناه، يمكن ترجيح المصدر، لأنه ليس له هيئة موضوعة لغة. بخلاف باقي المشتقات.
ومع سقوط معنى الوضع الشخصي والنوعي، لأن كل الوجوه للتفريق بينهما لم تصح، يسقط معنى عبارة الآخوند. ويكفي في ذلك إيرادا عليه.
مضافا إلى اننا ينبغي ان نلتفت إلى ان تقسيم الوضع إلى الشخصي والنوعي، يتوقف على وجود الواضع البشري الواحد. وهو مما أنكره إجماع الأصوليين المتأخرين.
هذا مضافا إلى ان الشيخ الآخوند سمى الوضع الشخصي في جانب العلة وفي جانب المعلول معا، حين قال: ان الذي وضع أولاً بالوضع الشخصي ثم بملاحظته وضع وضعا نوعيا أو شخصيا سائر الصيغ التي تناسبه الخ. ومعه فلا يحتمل ان يقصد هذا المعنى الرابع.
ثم قال الشيخ الآخوند: مما جمعه معه مادة لفظ متصورة في كل منها ومنه بصورة ومعنى كذلك، هو المصدر أو الفعل.
فقد استعمل الشيخ الآخوند لفظ الصيغة ولفظ المادة للمعلولات، ولم يعين في جانب العلة شيئا.
فهنا ثلاث احتمالات:
الأول: انه يريد وضع المادة وحدها باعتبار مماثلتها لمادة المصدر أو
ــــــ[271]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الفعل في سائر الصيغ.
وهذا يؤدي إلى ان المادة وضعت بأوضاع متكررة في كل مشتق بوضع. وهذا غير محتمل، فانها لا تحتاج إلى وضع آخر إطلاقا بعد وضع مادة المصدر.
الثاني: انه يريد وضع الهيئات. وأشار إليها بعنوان الصيغ. الا انها غير مشابهة للمصدر لا صورة ولا معنى. وان احتاجت إلى أوضاع مستقلة.
الثالث: انه يريد من الصيغ سائر المشتقات بغض النظر عن هيئتها ومادتها. فهذا يؤدي إلى ان المشتق بما هو كذلك، قد وضع وضعا زائدا عن وضع مادته وهيئته. وهو غير محتمل.
ثم انه أمر بالفهم. وقد تحصل مما سبق الشيء الكثير. الا ان الذي يمكن ان يكون فعلا محل نظره عدة أمور:
أولاً: ما أشار إليه في الهداية، من ان المصدر له هيئة ومادة، فهو بحده لا يمكن ان يكون أصلا للمشتقات.
الا ان هذا غير وارد لأنه قال: الصيغ التي تناسبه. ولاشك انها تناسبه. ولا يريد بالأصل اكثر من ذلك.
هذا مضافا إلى ما قلناه من ان هيئة المصدر غير موضوعة وغير ملحوظة لغويا.
ثانياً: ان المناسبة غير موجودة بالدقة، حتى بالدقة العرفية، بين المصدر والمشتقات. ومجرد اشتراكهما في المادة لا يبرر المناسبة.
ــــــ[272]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قلت: فاننا قلنا ان الهيئات لا يشبه بعضها بعضاً. قلنا: لكن المشتقات ككل يشبه بعضها بعضاً.
ثالثاً: ان تحليل اللفظ إلى مادة وهيئة والالتفات إلى الوضع النوعي للمادة، مما لا يتوصل إليه العرف.
الا ان هذا ليس بصحيح لأن العرف يفرق بين المشتقات حتماً. وهي إنما تفترق بالهيئات والمواد.
رابعاً: ان الجواب من قبل الشيخ الآخوند، لم يتحصل ضد صاحب الفصول حقيقة، لأن المصدر وان لم يكن أصلا للمشتقات، لكن ذلك لا يعني عدم كون المواد دالة على اصل الماهية وخارجة عن محل النزاع، كما قال صاحب الفصول. وهذا نحو انتصار ضمني لصاحب الفصول، ولم يثبت كون المواد موضوعة لشيء آخر غير الماهية.
فان قلت: فان صاحب الفصول يرى المواد عين المصدر، وقد نفى الشيخ الآخوند ذلك.
قلنا: ان تنزلنا وقبلنا النفي. الا انه تبقى عدم الملازمة في عدم التشابه في المعنى بين المصدر و المواد، فقد تكون بمعناه وان لم تكن منه حقيقة.
هذا هو الحديث عن متعلق الأمر. وقد قلنا اننا لو لاحظنا الاقتضاء بالمعنى الأعم، فانه يقتضي المرة.
ثم انه ذكر السيد الأستاذ في التقريرات تقريبا مؤيدا لعدم أخذ المرة والتكرار في الأمر، حيث قال: ومما يؤيد ذلك عدم استشعار كونه مجازا في موارد التقييد بالمرة والتكرار.
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أقول: ويمكن توسيع ذلك: بأنه لو كان الأمر مقتضياً لأحدهما. فان أخذ بنفسه كان تأكيداً، وان أخذ ضده كان مجازا. وكلاهما مما لا نشعر به. إذن، فلم يؤخذ المرة ولا التكرار.
جوابه: اما قضية التأكيد فمطعونة صغرى، واما قضية المجاز فهو مطعون كبرى.
اما التأكيد، فلأننا قلنا باقتضاء الأمر للوحدة، فإذا قيد بالوحدة كان للتأكيد، وهذا مما نحس به. وإنما هي لمجرد الإيضاح والامتنان، لا اننا لا نحس به، ولا يلزم المجاز. ولا ملازمة بين التأكيد والمجاز.
واما المجاز إذا قيد بضده، فهو غريب منه، وان كان هو المدلول المطابقي لكلامه. لأن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. وليس المفروض اننا نستعمل الأمر الذي وضع للمرة بالتكرار ولا العكس. بل يمكن ان نكون قد استعملناه بمعناه الموضوع له ثم نقيده بقرينة متصلة بلفظ آخر تقييدا خارجياً. وهذا لا يقتضي المجاز لا كبرويا ولا صغرويا.
فان قلت: فانه يكشف عن ان القيد غير مراد فيكون مجازا.
قلنا: انه يكشف عن انه غير مراد جداً، لا انه غير مراد استعمالا. والمجاز إنما هو في الإرادة الاستعمالية لا الجدية.
فان قلت: فإنه يحصل تنافي بين المدلول الاستعمالي والقيد.
قلنا: نعم، الا انه لا يضر. لأن الظهور الاستعمالي ككل ظهور، إنما هو اقتضائي ليس علّيا، فيمكن إقامة القرينة ضده. وان كان: اننا لو قلنا بكونه ظهورا وضعيا لكان غريباً عرفاً. وواضح التنافي. وتكون القرينة بمنزلة النشاز.
ــــــ[274]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ولكننا قلنا باقتضاء الوحدة بالدلالة الالتزامية الناتجة من الإطلاق. وهذا الإطلاق يكون قابلا للتقييد. ومن هنا لا نشعر بأي تنافي.
وبتعبير آخر: ان اللفظ ليس له ظهور وضعي بالوحدة ولا بالتكرار. وإنما يدل بالالتزام على ان المراد الجدي للآمر، هو الفرد الواحد. وهذه الدلالة قابلة عرفا للقرينية على خلافها. وبها نعرف تعلق الإرادة الجدية بالتكرار.
ومن هنا نلتفت إلى ما احتمله الأقدمون من ان مقتضي الأمر هو الإتيان بكلي الصلاة القابل للصدق على الكثيرين. فيجب ان يمتلئ الوقت بالأفراد. هذا قطعي العدم عرفا ولغة وشرعا.
يكفي ان نلتفت إلى ان الكلي عقليا قابل للانطباق على كثيرين، الا انه عرفا لا ينطبق الا على المورد الملحوظ وهو فرد واحد. والشارع كلمنا باللغة العرفية.
مضافا إلى اننا نعلم بعدم تعلق الغرض به، أعني بعبادات مستمرة طول الوقت، لأن توفر الناس على هذا المقدار من العبادة فيه مفسدة دنيوية ونفسية. والغرض لا يتعلق بما فيه مفسدة. فإذا لم يتعلق به الغرض لم ينتج أمراً. فحتى لو كان الظهور بذلك، نعرف انه ظهور مخالف للواقع، فيندفع.
فان قلت: فان هذا له وجه (وليس غير محتمل) لوجود خبر يدعم ذلك، ولولا الرحمة لكان مقتضى الإطلاق ذلك. وهو ما روي عن النبي انه خطب فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما
ــــــ[275]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه.
فهذا يدل على ان مقتضى الإطلاق هو الحج في كل عام لولا الرحمة.
قلنا: اننا لو اقتصرنا على سياق الرواية لوجب الحج في اغلب السنين، الا مع العجز العقلي.
فان قلت: انه يريد استطاعة الحج، من قوله ما استطعتم، لا القدرة العقلية.
قلنا: كلا. لأنه يقول: بشيء لا بخصوص الحج. فيكون المراد مطلق القدرة، وهي تتوفر في اغلب السنين. ولا يرتفع وجوب الحج الا عند العجز، وهو أمر غير محتمل فقهيا.
لكنها مضافا إلى ضعف سندها في نفسها، فان إشارتها إلى وجوب مستقل للحج خارج الآية الكريمة، أو زائدا عليها غير محتمل. ويقربه قوله: أكل عام يا رسول الله وسكوته عنه. يلزم منه وجوبه كل سنة.
مضافا إلى ظهورها بمفهوم الشرط، وهو قوله: لو قلت نعم لوجبت. إذ لو كان المراد الإثبات دون الثبوت، لبقي المشار إليه موجودا، وهو ظهور الآية بالتكرار، وكذا صدر الرواية. ولبقي واجبا حتى لو لم يقل نعم، تمسكا بالظهور. وحيث ان هذا باطل، إذن المراد الثبوت.
وعلى أي حال فانه يمكن تطبيق كل الرواية على الآية الكريمة. ويمكن عدم تطبيقها كلها. ويمكن تطبيق الصدر دون الذيل. و عندئذ فلا مجال لسؤال السائل (أكل عام؟)، الا عن جهل.
ويمكن ان يكون ما دل على المرة في الحج قيدا للرواية. فان قيل: انه
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يكون استثناء للأكثر.
قلنا: نعم، الا انه في الآية أيضا كذلك. الا انه في الرواية اشد وأوضح، الا ان تكون الإشارة فيها إلى الآية. وهو في الآية قيد للموضوع وهو الاستطاعة وفي الرواية قيد للمحمول. وسيأتي في باب التخصيص ان مثل هذا الإشكال مما يضر بالسند أساساً. يعني يسري الإشكال من الدلالة إلى السند.
هذا، ولكن الأرجح ان الإشارة فيها إلى الآية الكريمة، مع تفسيرها بالاستطاعة الاصطلاحية، فغاية ما تدل عليه. وجوب تكرر الحج بتكرر الاستطاعة. لا الحج في كل عام إطلاقاً. وهذا ما يدل عليه إطلاق الآية الكريمة أيضا. شأنه شأن إطلاق أي موضوع، كقولنا: إذا زالت الشمس فصل. الا ان التقييد من الخارج يدل على وحدة الحج لأنه المناسب مع تحمل البشرية.
فان قلت: فان هذا التقييد كما هو مقيد للآية فهو مقيد للرواية أيضا.
قلنا: نعم بالأساس، الا ان في الرواية من القرائن ما يصرفها عنه، كسؤال الرجل وسكوت النبي . فانه يصرفه إلى مطلق القدرة. إذ لو كان المراد الاستطاعة المصطلحة، لما كان وجه لسؤال السائل وتأمل النبي . الا ان يحمل تفكير النبي وهو يعلم بشرائط الوجوب، على كيفية تفهيم هذه الشرائط للناس عامة، ولهذا الرجل خاصة. فان شرحها لا يمكن بالعجالة.
الا ان الإنصاف انها غير ظاهرة بالمطلوب هنا، وهو تعدد الامتثال.
أولاً: لأنه يقول: فحجوا، وهو فعل أمر أو صيغة افعل. وهي مجملة من حيث التكرار والوحدة. فلا دليل على التكرار فيها وقد قلنا وقال المشهور بكفاية الوحدة.
ــــــ[277]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: ان قوله: لو قلت نعم لوجبت. صادق على أي حال، سواء كان المراد من حجوا: المرة أو التكرار أو لم يرد ذلك. لأنه لو قال نعم لصار تشريعا ممن له حق التشريع وهو النبي . فيكون قرينة متصلة أو منفصلة على الأدلة الأخرى. ولذا لم يقل نعم وتأمل في الجواب، رحمة بهذه الأمة.
فان قلنا: فهنا للنبي خياران آخران: أحدهما: تعريفه الاستطاعة الاصطلاحية. والثاني: النفي. وبيان ان الحج لا يجب اكثر من مرة واحدة في العمر. مع ان النبي لم يبين ذلك.
قلنا: يمكن الجواب – حسب فهمي والله أعلم -: ان تعريفه للاستطاعة الاصطلاحية في تلك العجالة مشكل وصعب على فهم العموم. واما بيان الوجوب مرة واحدة ففيه محاذير:
1 – انه قد يفهم منه نفي كل أسباب الوجوب حتى النذر والإيجار وغيره. وهذا غير مقصود.
2 – انه قد يؤدي إلى قلة ذهاب الناس إلى الحج وترك المستحب منه. فأراد ان يبقى ظاهر أمره على جامع المطلوبية لكي يحج الناس الواجب والمستحب.
ويمكن ان الاستدلال بفقرة أخرى في الرواية لكون الأمر دالا على التكرار. وهو الذيل وهو قوله: ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وما الثانية فيه اما ظرفية أو موصولة، والنتيجة واحدة.
وذلك بعد ضم مقدمتين:
الأولى: عدم الاختصاص بالحج. وهذا واضح من الرواية لأنه يطبق كبرى
ــــــ[278]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
كلية على الحج. والكبرى غير خاصة به، بل تعم غيره.
الثانية: ان العجز عذر عقلي. فلا يمكن ان يأمر بالتكرار حتى مع العجز، ولكنه أمر به بدونه. وهذا يكفي.
وهذا يمكن الجواب عليه بأكثر من وجه واحد:
أولاً: ان هنا أمر موضوع وأمر محمول. والموضوع بمنزلة العلة. ومتقدم رتبة على المحمول. ولا يمكن ان يزيد عليه في الأهمية.
والموضوع هنا هو فعل الشرط. وهو قوله: إذا أمرتكم. وقد استعمل مادة الأمر لا هيئته. والمادة موضوعة لجامع الطلب لا لخصوص الوجوب، كما اخترنا. فيشمل المستحبات فيكون الأمر في جانب المعلول أو المحمول فرعا عنه، فيحمل على الأعم أيضاً.
فان قيل: ان الثاني يمكن ان يكون قرينة على الأول. قلنا: كلا. لاختلافهما رتبة وتقدم الأول لفظا. مضافا إلى ان قرينية المتقدم أولى من قرينية المتأخر إذا دار الأمر بينهما.
فان قيل: فان قوله: أمرتكم، ليس أمراً بذاته، بل هو طريق أو إشارة إلى أوامر سابقة، وظاهرها كونها بالهيئة لا بالمادة. فتكون ظاهرة بالوجوب.
قلنا: انه بعد التسليم بالطريقية، فانه يكون مجملا من هذه الناحية، بالإشارة إلى المادة أو الهيئة أو الجامع بينهما. وإنما يتم الإشكال إذا كان طريقا لخصوص الهيئة، وهو مما يتعين ظهوره فيه.
3 – انه لا يشمل الماضي، لأن قوله: إذا أمرتكم، ظاهر بالمستقبل. فيلزم التبعيض في المحمول، وهو غير محتمل.
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وجوابه: انه ظاهر بالأزمنة الثلاثة، بل القدر المتيقن منه الماضي.
ثانياً: حمل الاستطاعة على الاستطاعة العرفية لا العقلية، تكون أيضا دالة على التكرار، لكن بمقدار اقل.
ثالثاً: التقييد بقرائن متصلة ومنفصلة يخرج العناوين الثانوية، كالضرر والعسر والحرج ونحوها. وكذا قوله: ولما استطعتم، المحمول أيضا على الاستطاعة العرفية، فتكون الأفراد اقل.
رابعاً: انه قطعي العدم شرعا ومتشرعيا، فغايته انه محمول على الاستحباب. بل الاستحباب أيضا لم يثبت، وان تكرار الواجب مستحب، بل هو قطعي العدم. بل ان تكرار المستحب ليس بمستحب، كتكرار صلاة الليل وغسل الجمعة ودعاء كميل. الا ما تكرر فيه الأمر الجزئي بنفسه، بالإطلاق الازماني. كالزيارة والصلاة على محمد وآله والوضوء.
انتهى الكلام في متعلقات الأوامر، وقد عرفنا ان الأمر يقتضي الوحدة أو المرة.
………………………..
واما متعلق المتعلق وهو الموضوع. نحو إذا زالت الشمس فصل أو إذا استطعت فحج. فمن الواضح شمول الإطلاق لكل الأفراد. فبهذا المعنى يقتضي التكرار إطلاقا لا وضعا.
ولكن إذا التفتنا إلى ان التكرار في الموضوع يعني الاستيعاب لكل الأفراد، لا وجوب التكرار حقيقة، لعدم وجوب تكرار الموضوع، بل عدم وجوبه ولا مرة بخلاف المتعلق الذي هو المراد من عنوان الباب. فإذا أمكن ان نفهم من
ــــــ[280]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التكرار معنى الاستيعاب دخل الموضوع في عنوان الباب والا كان خارجا. وإنما بحثه الأصوليون المتأخرون تبرعا بالمناسبة.
وعلى أي حال فقد أهتم في التقريرات: ببيان الفرق بين الموردين وهما: المتعلق ومتعلق المتعلق. وقد طرح في هذا الصدد أطروحتين. إحداهما مشهورية والأخرى من اختياره.
الأطروحة الأولى: ان الإطلاق بلحاظ المتعلق بدلي وبلحاظ الموضوع شمولي. يعني الإطلاق الافرادي.
واستشكل فيه: بأنه أي فرق بينهما لأنهما معا ناتجان عن مقدمات الحكمة. وهي في كافة الموارد بمعنى واحد وذات وظيفة واحدة. هي إثبات ان تمام ما أخذ في الجعل ثبوتا هو ذات الطبيعة من دون أخذ قيد زائد معها. وهذا معنى شامل لكلا الاطلاقين البدلي والشمولي.
فإذا كان مقتضاه المرة كان لهما معا، وان كان مقتضاه التكرار كان لهما معا. فلم يتحصل الفرق بين المتعلق والموضوع من هذه الجهة.
الا ان هذا لا يتم على كلا المبنيين من الإطلاق اللحاظي المشهوري والإطلاق الذاتي المختار له.
اما بناء على المشهور فمن الواضح ان معنى الإطلاق البدلي ولحاظه غير معنى الإطلاق الشمولي. إذ يراد بالبدلي البعض وبالشمولي الجميع. وبتعبير آخر: يراد بالبدلي المرة وبالشمولي التكرار. مثاله: التخيير بين حصص الكفارة أو الجمع بينها.
ومقدمات الحكمة، تنتج اصل الإطلاق، واما نوعه، ففهمه حسب
ــــــ[281]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المناسبات وحسب الفهم العرفي.
واما بناء على مبناه من الإطلاق الذاتي، فلحاظ الماهية يختلف، أو قل ان معناها يختلف حسب الموارد من الانطباق على الإطلاق الشمولي أو الإطلاق البدلي. فقولنا: إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود. إطلاقه شمولي، وقولنا: إذا تعلمت استفدت، بدلي. فيراد بالماهية تارة الاستيعاب ولا يراد بها ذلك أخرى.
اللهم الا ان ننكر الفرق بين هذين النحوين من الإطلاق، لأنهما راجعان إلى معنى واحد، لأننا إذا لاحظنا الطبيعة كانت شمولية، وإذا لاحظنا الأفراد كانت بدلية، لا يختلف في ذلك الموضوع عن المتعلق، ولا الإنشاء عن الإخبار. فيعود ما نسميه بالعموم البدلي إلى الشمولي، بدليل انه لو صلى أية صلاة كانت مصداقا كافيا. وهذا دليل الشمولية.
ويعود ما نسميه بالإطلاق الشمولي إلى البدلي، لأن الشمس لا تشرق في كل الأيام دفعة واحدة. وعندئذ يكون رأي السيد الأستاذ وجيها.
غير انه يمكن القول: ان إنتاج مقدمات الحكمة شمولي دائماً، لأن معنى الإطلاق هو الاستيعاب لكل الأفراد، الا ما دل الدليل فيه على البدلية. والا فالبدلية خلاف الأصل وخلاف الظاهر، وهي نحو من أنحاء التقييد. لكن دل الدليل في جانب المتعلق على البدلية لعدم احتمال التكرار، كما سبق.
وهذا ليس ناتجاً من مقدمات الحكمة، بل له دليل يخصه. وإنما الناتج منها في المتعلق هو الإطلاق الشمولي، المنتج لإجزاء أي فرد يأتي به المكلف بلا فرق بينهما.
فإذا ضممنا هذا الدليل في المتعلق إلى مقدمات الحكمة، بان الفرق بين
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المتعلق والموضوع، من حيث وجود هذا الدليل في المتعلق دون الموضوع. والأصل في الإطلاق هو الشمولية والاستيعاب لكل الأفراد أو ما نستطيع ان نسميه بالتكرار في هذا الباب.
ومن هنا يتضح: ان ما سماه المشهور هنا بالإطلاق البدلي ليس صحيحا، بل منشؤه هو كفاية الدليل الدال على كفاية الامتثال الواحد، ومن ثم لا يوجد الا في متعلقات الأوامر، دون متعلقات النواهي والموضوعات. ولولا ذلك الدليل لكان الإطلاق شموليا أيضا. بخلاف الموضوع فان إطلاقه كامل تام المقدمات على المفروض، فيشمل كل الأفراد.
الأطروحة الثانية: المختارة للسيد الأستاذ: انه قال:
وإنما النكتة في بدلية المتعلق وشمولية الموضوع، ناتجة عن مركز كل منهما في القضية المعقولة( الذهنية). فان الموضوع يلحظ مفروض الوجود في المرتبة السابقة على الحكم. وحيث ان له تطبيقات متكثرة، فلا محالة يتعدد ويتكرر وينحل الحكم والمحمول بعدد تلك التطبيقات.
بينما المتعلق ليس كذلك، بل يطلب إيجاده أو إعدامه، فلا يلحظ مفروض الوجود والثبوت في المرتبة السابقة على الحكم والأمر. فلا معنى للانحلال بلحاظه.
وفي الحقيقة، لم يبين السيد الأستاذ أية ملازمة بين الأمرين في كلا الحقلين، يعني بين كون الموضوع مفروض الوجود وشمولية إطلاقه. وبين كون المتعلق غير مفروض الوجود وبدلية إطلاقه. غير قوله: فلا معنى للانحلال بلحاظه.
ونحن إذا عرضنا ذلك على ما قلناه وجدناه على مرحلتين منطبقتين على ما
ــــــ[283]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قلناه:
المرحلة الأولى: ان الأصل في الإطلاق هو الشمول والانحلال، ولذا اصبح انحلاليا في جانب الموضوع. وذلك لوجود المقتضي وعدم المانع. ولكننا قلنا انه انحلالي أيضا في جانب المتعلق، ولذا أجزأت كل الأفراد المتصورة.
المرحلة الثانية: الدليل الدال على عدم وجوب تكرار المتعلق قطعا. قد أخذه السيد الأستاذ مسلما وقال: لا معنى للانحلال بلحاظه. ولولا ذلك لكان مقتضى الإطلاق هو التكرار.
وكان الاصلح ان يقول بوضوح: حيث ان المتعلق مأمور به، فيكفي الواحد أو الإطلاق البدلي، وحيث ان الموضوع غير مأمور به، فيشمل الجميع. ولو كان مأمورا به لكفى الواحد أيضا. لأنه يكون مندرجا في نفس ذلك الدليل الذي ذكرناه. ولا يوجد في الشريعة مأمور به، يجب فيه التكرار على القاعدة، الا ما خرج بدليل.
ومعه يتضح ان مجرد كون الموضوع مفروض الوجود في المرتبة السابقة على الأمر، لا يصلح ان يكون بمجرده سببا لشمولية الإطلاق. الا إذا لاحظناه بصفته غير مأمورا به، فارتفع المانع عن الشمولية، والا فمقتضى الشمولية موجودة في الإطلاق نفسه، لا في الموضوع. بخلاف المتعلق، فان المانع فيه موجود.
مع الالتفات إلى ان عنوان (غير المأمور به) يشمل متعلقات المحرمات، مع انها لم تؤخذ مفروضة الوجود.
وفي الحقيقة ان الشيء مادام مأمورا به، فإطلاقه بدلي، لوضوح تلك
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
النكتة. وملاكها عدم إمكان وعدم مصلحة الاستيعاب بالعقلين العملي والنظري في وضع المتعلق أو المأمور به.
وهذا غير البدليات المنصوصة، فانها ليست إطلاقا بدليا حقيقة. كالبدلية المنصوصة في الكفارة التي هي من سنخ المتعلق. والبدلية المنصوصة في حد الترخص (على القول بها) التي هي من سنخ الموضوع. بل إطلاقه شمولي. ولذا يتحقق حد الترخص، حينما تحقق شرطه.
اما إذا لم يكن الشيء مأمورا به، بقي الإطلاق على شموليته، التي هي طبعه إذ لا موجب لوجود المانع.
وهذا له حصتان: أولاً: الموضوعات، سواء في الواجبات أو المحرمات أو غيرها. ثانياً: متعلقات المحرمات والمباحات. فان ذات الإطلاق شامل لكل الأفراد كما هو واضح. إذ لو كان المراد البعض كان خلف كونه حراما.
ويتحصل للحرام عدة اطروحات غير متكاذبة:
الأولى: ما قلناه من ان متعلق الحرام ليس مأمورا به، بل هو منهي عنه، فلا مانع من ان يعمل الإطلاق الشمولي عمله فيه.
الثانية: انه لو كان البعض منهيا عنه، كان خلف كونه حراما. كما قلنا. وتحليله: انه خلف كون الطبيعة بما هي محرمة. إذ لو كان البعض جائزاً لكان هذا نحو من القيد، وهو منتف.
الثالثة: ما قاله المشهور، وأشار الشيخ الآخوند إلى كبراه وصغراه هي: ان المأمور به مطلوب إيجاده والمنهي عنه مطلوب إعدامه وتركه. والضمير في الطرفين يعود إلى الطبيعة. وكبراه هي ان الطبيعة توجد بوجود واحد وتزول
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وتنعدم بانعدام كل الوجودات. فترك الطبيعة لا يكون الا بترك الجميع.
الرابعة: ما يتحصل من كلمات التقريرات، من: انه لا فرق بين الأوامر والنواهي في كون الإطلاق بدليا في المتعلقات وشموليا في الموضوعات. بل هو بدلي فيهما في جانب المتعلق.
فليس الفرق بينهما راجعا إلى كون الحكم واحداً في الأمر ومتعددا في النهي. بل فيهما يكون الأمر واحداً ومتعلق بالطبيعة بنحو صرف الوجود. وإنما الفرق في مقام الامتثال وإيجاد الطبيعة أو إعدامها. فصرف الوجود يتحقق بواحد وينعدم بترك الجميع.
وهذا يعني انه طبق نفس الكبرى المشهورية، مع القول بالإطلاق البدلي المتعلق بصرف الوجود في النواهي كالأوامر.
وستأتي لها بعض المناقشات.
الخامسة: ما أشار إليه السيد الأستاذ ونفاها قبل قليل: من ان متعلق الأوامر لا ينحل إلى أوامر متعددة بل يسقط بالامتثال الأول. بخلاف النواهي فانها تنحل إلى نواهٍ متعددة. ولذا لا تسقط بالعصيان الأول، بل يتوجه النهي أيضا عنها بعده.
وهذا افضل من أطروحته المختارة (الرابعة) لأن النهي إذا كان عن صرف الوجود و سقط بالعصيان، فلا موجب لحرمة الباقي . في حين هذا خلاف الضرورة قطعا.
لا يقال: ان عصيان النهي يقاس بعصيان الأمر. فكما لو عصى الأمر في الساعة الأولى تكرر عليه الأمر في الثانية، كذلك لو عصى النهي في الساعة
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأولى تكرر في الثانية.
فانه يقال: ان عصيان الأمر لو كان جامعا للشرائط سقط الأمر ولم يتكرر. وان كان خلال الوقت تكرر لعدم اجتماع شرائط السقوط. وهذا ليس عصيانا بل تأخيرا.
واما في النواهي فالانحلالية أعني تعدد النهي بتعدد الزمان والمكان موجود سواء أطاع أم عصى. فلو أطاع سقط النهي السابق ووجد نهي جديد، ولو عصى كذلك. وهذا ما لا يتحقق في جانب الأوامر.
السادسة: ان تقول في النواهي سنخ ما قلناه في الأوامر. حيث سبق ان فهمنا من المادة الداخلة على الهيئة: الوحدة، بقرينة الفهم العرفي. فكذلك نفهم من المادة الداخلة على صيغة النهي: التعدد بحسب الفهم العرفي. فيرجع قوله: لا تشرب الخمر إلى قولنا: لا تشرب أي خمر يعني لا توجد أي شرب خمر. طبقا لما هو واضح ومعروف من الانحلال الزماني.
غاية الأمر ان هذا الانحلال ليس اطلاقيا، بل نصياً وظهوريا بالفهم العرفي. لأن الإطلاق وحده لا يكفي للمنع عن الفرد الثاني، وكذلك كلام الآخوند لا يفيد في المنع عن الفرد الثاني. لأن الطبيعة تحققت بتحقق صرف الوجود للمنهي عنه، وسقط النهي بالعصيان. فلا يحرم الفرد الثاني. مع انه حرام قطعا. وهذا لا يكون الا بالفهم العرفي من الصيغة.
فان قلت: ان النهي له انحلال افرادي، وهذا يكفي للشمول الاطلاقي.
قلنا: ان الأفراد المتعددة لا يتعلق بها نهي واحد. والنهي المتعدد غير ظاهر من اللفظ. الا ان نفهمه من انحلال الأفراد. وهو لا يفهم من الإطلاق، لأن انحلال النهي وتعدده في طول انحلال الأفراد، لا العكس كما هو
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المشهور. فتأمل جيداً.
وهنا أود ان أشير إلى ان الأطروحة الرابعة السابقة فيها بعض الكلام، وذلك: ان فيها نقطة قوة ونقطة ضعف:
اما نقطة القوة فهي ما أثبته السيد الأستاذ من التماثل بين الأوامر والنواهي في كون موضوعاتها شمولية ومتعلقاتها بدلية.
واما نقطة الضعف، فهي مناقشتها بأكثر من وجه واحد:
أولاً: ان هذا مما لا أثر له. فان الطبيعة تنعدم بانعدام كل أفرادها سواء كان المطلوب في النهي صرف الوجود أو مطلق الوجود. فحتى لو كان المطلوب صرف الوجود، الا انه لن يتحقق الا بتحقق مطلق الوجود. ومعه يبقى الأمر نظريا صرفا، لا دليل عليه.
ثانيهما: انه لا موجب للتماثل بين الأمر والنهي، فانهما كما يختلفان في مضمونهما من حيث البعث والزجر، يمكن اختلافهما في المتعلق أيضا. ولا حجية في هذه الرغبة في التماثل بينهما.
ثالثاً: انه خلال بيانه لهذه النظرية لم يستطع التعبير عنه. لأنه غير محتمل متشرعيا وعرفاً فقال: ان متعلقه هو صرف الوجود أو الطبيعة الملحوظة بنحو صرف الوجود.
وهذا أيضا مما لا دليل عليه، إذ لا اثر له كما سمعنا. لأن الطبيعة هنا سواء لوحظت بنحو صرف الوجود أو مطلق الوجود فانه يجب ترك جميع الأفراد بنحو مطلق الوجود. بل الدليل على خلافه، لما قلناه من ان صرف الوجود لو كان حراما بحده، لم يحرم الفرد الثاني، بعد سقوط النهي
ــــــ[288]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بالعصيان.
ثم قال في التقريرات: ان هذا الانحلال في طرف الموضوع وعدمه في طرف المحمول والمتعلق، إنما هو من شؤون عالم التطبيق والفعلية، ولا ربط له بعالم الجعل. ولهذا فهو ليس من المداليل الوضعية أو الاطلاقية. لأن اللفظ بكل دلالاته، إنما يكشف عن عالم الجعل دون عالم التطبيق والفعلية. والجعل هنا واحد على كل حال.
وهذا ينبغي ان يكون واضح الفساد لعدة وجوه:
الوجه الأول: لأن عالم الامتثال يتعين ان يكون بمقدار عالم الجعل، أو ان المتعلق الخارجي يجب ان يكون بمقدار المطلوب أو المتعلق الجعلي الذهني، في نفس المولى. فان كان المطلوب متعدداً لزم التعدد في عالم الامتثال. وإذا كان المطلوب واحدا، لزمت الوحدة أو كفت الوحدة.
الوجه الثاني: ان الجعل بمنزلة العلة والامتثال بمنزلة المعلول، فلابد من تشاكلهما من هذه الناحية، لا ان عالم المعلول يختلف عن عالم العلة.
الوجه الثالث: اننا قلنا ان المادة المأمور بها دالة على الوحدة. كما انه على المشهور انه تتحقق الطبيعة بفرد واحد. إذن، فالمولى لا يريد من الطبيعة اكثر من ذلك إلا بقرينة.
ثم قال: بخلاف الشمولية والبدلية في باب العمومات الوضعية، فانه قد يفرض فيها: ان أداة العموم من قبيل كلمة (كل) في ( اكرم كل عالم) قد وضعت للعموم الشمولي، وان كلمة (أي) قد وضعت للعموم البدلي. لأن المولى في باب العموم ينظر إلى الأفراد بنحو إجمالي ولا يقتصر في النظر إلى ذات الطبيعة. فإذا نظر إلى الأفراد، فتارة يلحظها شمولية وأخرى بدلية.
ــــــ[289]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ونقتصر في المناقشة على وجه واحد، وهو ان (أي) هل هي موضوعة للعموم البدلي – كما زعم – أم لا. فنقول: ان القضية إذا كانت خارجية وفيها أمر، كانت بدلية، كقولك: خذ أيا منها، أو اكرم أيا من علماء البلد.
واما لو كانت كلية، فلا يصدق ذلك لا في الأوامر ولا في النواهي. بل تفيد (أي) العموم الشمولي لا البدلي. كقولك: اكرم أي عالم. فان مؤداه عرفا مثل اكرم كل عالم. وكذلك النهي نحو: لا تأخذ أيا منها. أو لا تسرق أي مال أو لا تسرق من أي أحد. فانها عمومات شمولية. غاية الأمر: ان الغرض هو كون الملحوظ في (كل) جميع الأفراد دفعة واحدة. وفي (أي) لحاظ الأفراد مستقلا عن بعضها البعض. وهو معنى البدلية، الا ان هذا لا يضر بالنتيجة وهي شمولية الحكم لكل الأفراد إطلاقا.
ثم انه تعرض في المحاضرات إلى الأصل العملي، بعد فرض سقوط الإطلاق في الوحدة والتكرار. ومراده الأصل العملي الجاري في متعلقات الأوامر.
وهناك سنخ من الأصول العملية جارية قبل الامتثال الأول، وسنخ جارٍ بعده.
اما السنخ الأول: فأصالة عدم التقييد أو استصحاب عدم التقييد، وذلك بعد ضم مقدمتين:
المقدمة الأولى: ان الإطلاق إذا سقط، كان لابد من التمسك بالدليل الأول، بالقدر المتيقن، وهو الفرد أو المرة. واما الزائد فهو خارج عن القدر
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المتيقن.
المقدمة الثانية: انه لا يجب التكرار الا مع وجود الدليل المقيد الدال عليه. وحيث لا يوجد دليل مقيد، يجري استصحاب عدم التقييد اما الأزلي واما الزماني. بان يقال: انه حين صدور الدليل الأول لم يكن مقيدا فهو كما كان.
الا ان هذا فرع إحراز الحالة السابقة بعدم التقييد. وهذا مما لا نعلمه، إذ لعل قيده صادر قبله، كما في كثير من موارد الاخبار. وهذا بنفسه قد يرد على الاستصحاب الأزلي لعدمه، لأننا عندئذ لا نعلم انه قبل وجوده لم يكن مقيدا.
إذن، فيبقى الأصل وهو أصالة العدم، إذا أخذنا بها في كل ما شك في وجوده، مستقلا عن الاستصحاب. وهي لم تثبت بالتعبد الشرعي ولا بالدليل العقلي. وان التزم بها بعض القدماء.
واما متعلقات النواهي فتجري فيها البراءة أيضاً، ويجوز فيها الارتكاب بعد فرض سقوط الإطلاق واحتمال خروجها عن مورد القدر المتيقن. واما الموضوعات فتجري البراءة عن متعلقاتها بعد الشك في الموضوع، لكونه خارج القدر المتيقن أيضاً.
واما السنخ الثاني من الأصول، وهي الجارية بعد الامتثال، فهو أصالة البراءة عن الفرد الثاني أو عن التكرار بعد كون الدليل مجملا لا يدل على التكرار.
يقول في المحاضرات: واما الزائد عليه – يعني على طبيعي الفعل – وهو التقييد بالتكرار أو بعدمه في الأفراد الطولية، أو التقييد بالتعدد أو بعدمه في الأفراد العرضية، فحيث لا دليل على اعتباره، فمقتضى الأصل هو البراءة عنه
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فإذا جرت أصالة البراءة عن ذلك في كلا الموردين ثبت الإطلاق ظاهراً، ومعه يكتفي بطبيعة الحال بالمرة الواحدة.
جواب ذلك أمران:
1 – انه مع جريان البراءة في كلا الموردين، لا يثبت الإطلاق بعد فرض عدمه، والا لم تصل النوبة إلى الأصول العملية. نعم تثبت نتيجة الإطلاق، وهو الاكتفاء بالمرة.
2 – انه يقول: ومعه يكتفي بالمرة، يعني مع الإطلاق. وهذا خلف المسألة من فرض عدم الإطلاق. وخلف الإشكال الأول وهو ان جريان الأصول لا ينقح الإطلاق. وإنما يكتفي بالفرد باعتبار جريان الأصول نفسها، بلا حاجة إلى الإطلاق.
………………………..
ثم انه تعرض في الكفاية إلى مطلب محذوف في المحاضرات، والظاهر وجاهة حذفه. لأن الكلام تارة يقع في المراد من عنوان الباب من المرة والتكرار. هل هو الدفعة أو الفرد. وأخرى يقع الكلام في الامتثال المتعدد الدفعي هل يكون كافيا ومجزيا أم لا. ومن ثم يكون التطرق إلى الامتثال المتعدد التدريجي. وما ينبغي ان يقع فيه الكلام هو ذلك وليس عنوان الباب. فان نتائج البحث الأخير كاف في عنوان الباب. لأننا ان استنتجنا فيه إجزاء الامتثال المتعدد الدفعي، أمكن تعميم العنوان إلى الفرد والدفعة معا. والا اقتصرنا على عنوان الفرد.
واما الإشكال الذي هو في الكفاية من انه لو كان المراد به الفرد لكان
ــــــ[292]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأنسب جعله تتمة للمبحث الآتي من ان الأمر هل يتعلق بالطبيعة أو بالفرد. هذا غير مهم لا أصوليا ولا فقهيا ولا عقليا. فان غايته – لو لم تم جواب الآخوند-: ان هناك نحو من التداخل بين عنواني المسألتين، وليس في ذلك محذور.
مضافا إلى انه لا يوجد أي تداخل، لاختلاف وجهة النظر والحيثية المبحوثة، كما هو واضح من العنوانين. فان السؤال في أحدهما عن شيء مباين الشيء الآخر، وان اشتركا في بعض معلولاتهما أحيانا.
فاللازم الآن، البدء بالموضوع الآخر في الكفاية، وهو (تعدد الامتثال):
وذلك: اما ان يكون دفعة واما ان يكون طوليا في الزمان. ولكل منهما حديثه وقواعده.
اما الوجود المتعدد الدفعي للامتثال، كما لو تصدق بعدة دراهم دفعة واحدة، مع ان الواجب عليه التصدق بدرهم واحد.
فهنا اما ان نقول: ان الأمر يقتضي ظهورا: المرة بشرط لا عن الزيادة. واما ان نقول انه يقتضي التكرار. واما ان نقول بقول المشهور بتعلق الأمر بالطبيعة. واما ان نقول: بما قلناه من تعلق الأمر بالفرد في نفسه، بغض النظر عن الزائد.
فان قلنا: بان الأمر ظاهر بالواحد بشرط لا عن الزيادة، فالوجود المتعدد الدفعي والتدريجي معا، يكونان مانعين عن صدق الامتثال.
اما مانعية الدفعي فواضحة، واما التدريجي، فهو بنحو الشرط المتأخر، والشرط المتأخر في الحصص الذهنية ممكن، فيكون هذا الفرد من أول وجوده في
ــــــ[293]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
علم الله ملحوقا بالمانع فلا يقع امتثالا. وعلى أي حال، فلابد من الاقتصار على الواحد. غير ان هذا المسلك لا يقول به أحد من المتأخرين، فيما أعلم.
وان قلنا: ان الأمر يقتضي التكرار، وهو أيضا مما لم يقل به أحد، فلازمه وجوب تعدد الامتثال اما دفعة واما تدريجا. وعدم كفاية الواحد، لفرض ان المطلوب ابتداء هو المتعدد. الا انه لا يشترط فيه الدفعة أو التدرج لا محالة. ولا اقل من اننا يمكن ان نتمسك بالإطلاق من هذه الناحية، الا إذا كان المراد بالمرة الدفعة لا الواحد، وهو خلاف الظاهر.
وان قلنا بكلام المشهور: من تعلق الأمر بالطبيعة باعتبار كونها هي المعنى الموضوع له بالنسبة إلى المادة الداخلة على الصيغة.
فهذا ما يلخصه كلام الآخوند حين يقول: والتحقيق: ان قضية الإطلاق، إنما هو جواز الإتيان بها مرة في ضمن فرد أو أفراد، فيكون إيجادها ضمنا نحواً من الامتثال، كإيجادها في ضمن الواحد.
فان قلت: فان الفرد الواحد، كاف في وجود الطبيعة، فيكون الباقي – على إجماله – خارجا عن الامتثال. ومن ثم فلا تعين لما هو داخل في الامتثال من الخارج عنه. وحيث انه لا تعين له واقعي، إذن يسقط الجميع عن كونه امتثالا. إذ لابد للامتثال من التعين الواقعي.
وهذا الإشكال يمكن للمشهور ان يجيب عنه بوجوه:
الوجه الأول: الطعن بالكبرى وهي لزوم التعين الواقعي للامتثال. إذ ان المطلوب هو إيجاد واحد في الجملة، وقد حصل. من حيث لا يكون الباقي مانعا عن امتثاليته، وهذا يكفي. وهو صادق على كل واحد منها. وهذا الشرط المذكور في الكبرى لا دليل عليه من عقل ولا نقل. وستأتي مناقشة هذا
ــــــ[294]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوجه.
الوجه الثاني: ما هو ظاهر المحاضرات من اعتبار كل الأفراد في الدفعة الواحدة امتثالا لا واحداً. فالامتثال هنا، ليس بفرد بل بأفراد متعددة. لأن الطبيعة كما تصدق على الواحد تصدق على المتعدد. فتكون الكبرى سالبة بانتفاء الموضوع.
الا اننا ذكرنا في تقريب الوجه: ان الصدق ليس منحصراً بذلك. فلا يكون الامتثال منحصراً به. بل يشمل الأفراد أيضا، فيأتي الإشكال.
فان قلت: ان عدة أفراد لا يصدق عليها انها درهم. مع ان متعلق الأمر هو التصدق بدرهم.
قلنا: نعم. الا ان هذا إنما يكون طعنا في المبنى وهو توجه الأمر إلى الطبيعة. فلو تنزلنا عن المناقشة أمكن صدق مفهوم الدرهم على المجموع كصدق إنسان. فان صدق المفرد عنوان ثانوي بالنسبة إلى الطبيعة.
الوجه الثالث: ان الامتثال هنا واحد وليس بمتعدد، وهو الفرد. وذلك: لأن الطبيعة كما تصدق على المجموع تصدق على كل واحد. فكل واحد منها مصداق تام المصداقية للمأمور به، بدون وجود مانع على المفروض.
وبذلك يرتفع موضوعا الإشكال على الوجه الثاني. الا ان المسألة مع ذلك تبقى مربوطة بالوجه الأول، لأننا نحتاج هنا إلى التعين الواقعي، بعد التنزل عن الوجه الأول، والمفروض عدم تحققه.
ونحن إذا أخذنا المسألة من وجهة نظر عرفية لم نحتج إلى ذلك التعين. الا اننا سنصير إلى الأمر بالفرد لأنه عرفي أيضا.
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
واما إذا نظرنا من وجهة نظر عقلية، وقلنا ان متعلق الأمر هو الطبيعة، لزمنا القول بضرورة التعين. واما ان نأخذ أحدهما عقليا وهو الطبيعة والآخر عرفيا وهو الفرد، فهو تسامح في الاستدلال.
فان قلت: ان فهم كون الطبيعة مأمورا بها ليس عقليا صرفا، بل هو عرفي، لأنه هو مقتضى الوضع اللغوي وهو عرفي، فاصبح كلا الأمرين عرفيا: فهم الطبيعة والتنزل عن الكبرى.
قلنا: الوضع (بالحمل الشايع) عرفي بالمقدار الذي يوجب فهم اللغة. الا انه:
1- ينتج فهما تسامحيا غير دقي في فهم الكلي ومصاديقه.
2- مضافا إلى اننا قلنا ان المادة المدخولة للأمر، لم تستعمل بمعناها العرفي أيضا. إذن ففهم الطبيعة بما هي فهم عقلي لا عرفي.
المسلك الرابع: ان المأمور به هو الفرد بغض النظر عن الزائد. فهل يجزي تعدد الامتثال الدفعي أم لا.
يقع الكلام في ذلك على مستويين: الأول: بمنزلة المقتضي والآخر، بمنزلة المانع.
المستوى الأول: انه لا مانع من صحة الامتثال. بعد الالتفات إلى عدة أمور:
الأمر الأول: عدم مانعية الزيادة عن الواحد، عن امتثالية الواحد وإجزائه.
الأمر الثاني: عدم اشتراط الوحدة أو عدم الزيادة خلال الجعل.
ــــــ[296]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الأمر الثالث: ان الاقتصار على الواحد إنما كان رحمة بالمخاطب امتنانا عليه. والا فلا مانع في كثير من الأحيان من الزائد. بل قد يكون راجحا فعلا. وسياق الامتثال كما يقتضي الوحدة يقتضي عدم مانعية الزيادة بل رجحانها. ومن المعلوم ان كل واحد في نفسه فرد تام الاقتضاء لكونه امتثالا للمأمور به.
أو قل: ان المأمور به وان كان فردا، الا انه ليس فردا خارجيا، وهو ما يأتي به فعلا، الا انه فرد كلي، فكل فرد أتى به كان مصداقا. فكل الأفراد في الدفعة الواحدة هي كذلك تماما. كما قال المشهور من هذه الناحية. كل ما في الأمر ان عنوان الصلاة يصدق على الطبيعي كله وعنوان الصلاة الواحدة لا يصدق الا على فرد واحد.
المستوى الثاني: من حيث ورود الإشكال السابق على هذا المبنى. بل قد يقال: انه أولى وروداً من مبنى المشهور لأكثر من وجه:
1- انه لا يمكن القول هنا ان المجموع امتثال واحد. لأنه خلف الوحدة، بعد فرض التعدد خارجاً.
2 – ان المأمور به واحد حقيقة وليس مصداقا للطبيعة. فيكون أولى بعدم التعين، كما ظاهر مضمون الإشكال.
الا ان هذه الأولوية ممنوعة. لأن الفرد على المشهور متعين فردا من الطبيعة الا انه ليس متعينا فردا من الامتثال. فالفرق بين المسلكين من الوجه الأول فقط. أو قل بعدم ورود الجواب الثاني المشهوري السابق.
ويمكن ان يجاب على ذلك بعدة أجوبة:
الوجه الأول: الطعن في الكبرى. اما مطلقا، يعني عقلا وعرفا، أو عرفا
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فقط. وهذا يكفي. وخاصة مع سياق الامتنان الملازم مع عدم مانعية الزائد.
الوجه الثاني: تفسير المرة بالدفعة. يعني: إعمل عملا واحداً في مقام الامتثال ولا حاجة إلى التعدد.
فان كان العمل الواحد منتجا للفرد فقط، كالصوم والصلاة، فهمنا منه الفرد (رأساً من المادة المأمور بها). وان كان العمل الواحد المأمور به قابلا للفرد والأفراد، فهمنا منه الدفعة. فكل دفعة تكون امتثالا واحدا بصفتها مرة واحدة أو عملا واحدا ومصداقا واحداً.
فان قلت: فاننا أشكلنا على مثلها في المسلك المشهور. لأنه يزداد الأمر سوءاً في عدم التعين لأنه يتردد الأمر بين الأفراد والمجموع.
قلنا: هذا الإشكال لا يأتي هنا، لأن الواحد هنا ليس امتثالا لأنه ليس عملا، بل جزء عمل. وجزء العمل لا يصلح امتثالا، ما لم يكن عملا كاملا عرفا وهو المجموع، وهذا المجموع عمل واحد، ليس فيه ترديد. فتكون تلك الكبرى سالبة بانتفاء الموضوع.
الوجه الثالث: انه من الممكن ان يقال: انطلاقا مما قلناه من ان عنوان الصلاة الواحدة كلي قابل للصدق على كثيرين.
إذن، يكون كل واحد منها مصداقا تام المصداقية من العنوان المأمور به ، مع عدم مانعية الباقي عن الامتثالية.
وهنا نصل إلى نتيجة مشابهة نسبيا للوجه الثالث الذي قلناه دفاعا عن المشهور. وبه اندفع الوجه الثاني، كما اندفع هناك.
وجوابه: ان هذا هنا أسوأ حالا مما كان هناك. لأن ذاك كان لا ترديد فيه.
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
من حيث صدق الطبيعة على الأفراد، وإنما الترديد فقط، في صدق الامتثال. واما هنا فالترديد موجود من كلتا الجهتين: في صدق العنوان، وهو الصلاة الواحدة، والامتثال. فالصحيح في الجواب هو الوجه الأول أساساً.
فان قلت: انه قابل للصدق على كثيرين، وكل منها مصداق له.
قلنا: نعم، الا ان مصداقية الثلاثة تتعارض لأنه خلف التعدد، لأن صدقه مشروط بالوحدة.
فان قيل – كجواب على المشكلة بناء على أي من المسلكين -:
ان الفرد الواحد في الامتثال المتعدد الدفعي مسقط للغرض، ومعه يحصل به الامتثال لا محالة، لأنه لا يسقط الغرض الا الامتثال.
قلنا: لاشك انه لا يسقط الغرض الا بالامتثال (بعد غض النظر عن العصيان وارتفاع الموضوع). الا ان هذا المورد لا يسقط الغرض، لأنه ليس امتثالا. أو قل: الا بعد إحراز كونه امتثالا. وإنما يحرز ذلك بعد عدم ورود الإشكال، لأنه مع وروده يكون الامتثال غير متعين، وكل غير متعين فهو ليس امتثالا. فلا يكون مسقطا للغرض.
يقع الكلام بعد ذلك، في الامتثال المتعدد التدريجي.
وهو الذي اهتم به الأصوليون هنا. ولم يشر في المحاضرات إلى الامتثال الدفعي الا باختصار شديد.
ويوجد للامتثال المتعدد الطولي (التدريجي) في المصادر عنوانان: أحدهما: الامتثال بعد الامتثال. والآخر: تبديل الامتثال بامتثال آخر.
ــــــ[299]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اما الامتثال بعد الامتثال، فقد استدل على بطلانه بدليلين: أحدهما: تحصيل الحاصل، والآخر: سقوط الأمر بالامتثال الأول. فلا يبقى مجال للامتثال الثاني.
ويمكن الجمع بينهما، بان يقال: ان الفرد الثاني: اما ان نعتبره عين الفرد الأول، بمعنى ان إيجاده وإرادته عين إيجاد الفرد الأول، واما ان نعتبره غيره. فان اعتبرناه نفسه كان من تحصيل الحاصل. لأن الإيجاد له متعلق آخر، فلا مجال لأن يكون له متعلقان. وان كان غيره، لزم المحذور الثاني، وهو سقوط الأمر.
والأمر يسقط بالامتثال جزما، وكذلك الإرادة والغرض. سواء قلنا بتعلق الأمر بالفرد أو بالطبيعة. فانه اما ان يكون عين المأمور به أو مصداقه. والطبيعة توجد بفرد واحد، فيسقط به الأمر المتعلق بها.
فان قلت: هذا واضح على مسلك تعلق الأمر بالفرد. واما على تعلق الأمر بالطبيعة، فهي كما تكون صادقة على الفرد، فهي صادقة في الكثير أيضا. فما المانع ان يختار المكلف صدقها في الكثير.
ويجاب مشهوريا: بان الأمر سقط قهرا بالفرد الأول، فلا مجال لرجوعه أو امتثاله ثانياً.
ويمكن ان يجاب ذلك: ان هذا تابع للقصد، فان كان الفرد قاصدا لحصول الامتثال بواحد، سقط الأمر جزما. واما إذا كان الفرد قاصدا من الأول الامتثال بالمتعدد التدريجي. فأي مانع من ذلك، مع العلم ان الطبيعة تصدق صدقا واحدا، على الفرد والمتعدد. فيكون المجموع المأتي به عين المطلوب. والمفروض ان عدم الكثرة غير مأخوذ في المتعلق، ولا اقل من نفيه بالأصل
ــــــ[300]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المؤمن.
وعندئذ يقال: ان الفرد الأول ليس امتثالا، لأنه لم يقصد المكلف به ذلك. فلم يسقط الأمر ولا الغرض. وإنما كان مجموع الثلاثة امتثالا واحداً.
واما ما سموه بتبديل الامتثال ونسبوا إلى الكفاية الكلام فيه. فهو غير واضح من الكفاية. وإنما هو يتكلم عن مطلق إمكان الامتثال بعد الامتثال. ولا ربط له بخصوص التبديل. اللهم الا ان نقصد من التبديل نفس ذلك العنوان، وهو خلاف ظاهر المتأخرين.
وعلى أي حال، فقد قال صاحب الكفاية، ولم تنقل عنه المصادر هذا التفصيل:
ان صيغة الأمر لا يخلو حالها اما ان يكون لها إطلاق أو لا. فان لم يكن لها إطلاق ، لأن المتكلم لم يكن في مقام البيان بل في مقام الإجمال والإهمال. فالمرجع الأصل. يعني أصالة البراءة عن وجوب الزائد على الفرد الواحد.
أقول: وهذا لا يفيد في المقام، لوضوح ان جريان الأصل لا ينفي إمكان الإتيان بالفرد الثاني ولو برجاء المطلوبية. مع ان المفروض مشهوريا عدم مشروعيته بعد سقوط الأمر جزما.
فالآخوند قد تمسك بالأصل غفلة عن موضوع المسألة، وذكره كشيء مسلم دائما حال الشك. واما غفلة عن رجاء المطلوبية، وان قصد بالأصل: أصالة عدم المشروعية، فان قصدنا بها سقوط الأمر رجع إلى دليل آخر، والا أمكن استصحاب الأمر، مع الشك في سقوطه، فيقع الامتثال الثاني أو الفرد الثاني في محله.
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مضافا إلى انه لا فرق في سقوط الأمر بالامتثال بين ان يكون له إطلاق أم لا.
مضافا إلى ان الآخوند هنا، لم يذكر وجه الإطلاق، وهل يمكن ان يكون الإطلاق من حيث تعدد الامتثال. يعني: فليصل سواء صلى واحدة أو اثنتين. وإذا كان الإطلاق هكذا أمكن القول بعدم سقوط الأمر. وليس كما قال فيما بعد، من سقوط الأمر بالفرد الواحد. وينبغي ان يكون هذا الإطلاق ثابتاً مشهوريا لأن الأمر بالطبيعة يصدق على الواحد والمتعدد على حد سواء.
مضافا إلى ان ما قاله من انه في مقام الإهمال والإجمال، ليس بصحيح. بل يكفي في نفي الإطلاق عدم مقدمات الحكمة. لا ان يكون المتكلم فعلا في مقام الإجمال. والظاهر ان هذه العبارة لمجرد التوضيح. إذ لو أرادها جديا لساء الأمر.
ثم قال: واما ان يكون المولى في مقام البيان فيكون للصيغة إطلاق. فلا إشكال في الاكتفاء بالامتثال بالمرة. وإنما الإشكال في ان لا يقتصر عليها.
أقول: فهم المتأخرون عن الآخوند من هذه العبارة، تبديل الامتثال وهو خطأ ومخالف لظاهر العبارة. بحيث إنما يراد بها الجمع بين الامتثالين بحيث يكون كلا الفردين الطوليين امتثالا واحداً.
فان قلت: بل الأمر اكثر من ذلك، فانه من باب الامتثال بعد الامتثال أو ضم امتثال إلى امتثال. كما هو ظاهر العبارة.
قلنا: نعم، ذلك ظاهره الأولي. ولكنه مقيد بقرينة متصلة في كلامه. بالسقوط بعد الامتثال الأول، وعدم مشروعية الزائد، مع سقوط الملاك، كما سيأتي.
ــــــ[302]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
قال: وإنما الإشكال في جواز ان لا يقتصر عليها. فان لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها، هو الإتيان بها مرة أو مراراً. لا لزوم الاقتصار على المرة كما لا يخفى.
قال: والتحقيق: ان قضية الإطلاق إنما هو جواز الإتيان بها مرة في ضمن فرد أو أفراد. فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال كإيجادها في ضمن الواحد.(1)لا جواز الإتيان بها مرة أو مرات. فانه مع الإتيان بها مرة، لا محالة، يحصل الإتيان بها ويسقط الأمر. فيما إذا كان امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى بحيث يحصل بمجرد الامتثال. فلا يبقى معه مجال لإتيانه ثانياً، بداعي امتثال آخر أو بداعي ان تكون الاتيانات امتثالا واحداً.
أقول: هذا بغض النظر عما قلنا من انه مع ذلك القصد، أعني ان تكون الاتيانات امتثالا واحدا، يكون الفرد جزء الامتثال وغير مسقط للغرض. وهو أمر يتبع القصود. وقلنا: ان هذا إشكال وارد على المشهور.
ثم قال: واما إذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضأ فأتي به ولم يشرب أو لم يتوضأ. فلا يبعد صحة تبديل الامتثال بالإتيان بفرد آخر احسن منه بل مطلقا. كما كان له ذلك قبله، على ما يأتي بيانه في باب الإجزاء.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
التعليق الأول: انه يمكن ان يكون للمورد الذي ذكره عدة صور:
1- منها: ما إذا لم يتحقق الملاك أصلا. كما في مثاله. فيكون الامتثال
ــــــ[303]ـــــــ
(1) أقول: وهذا من باب الامتثال الدفعي لا التدريجي. وكلامنا الآن في التدريجي لا الدفعي.
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الثاني واجباً، لعدم سقوط الغرض، بل الأمر، بل ليس الأول امتثال أصلا.
2 – ومنها: ان يسقط الغرض كله، فلا مجال للثاني إطلاقا.
3 – ومنها: ان يسقط الغرض، اغلبه لا كله. ولكن تبقى منه بقية غير قابلة للتدارك. فهذا لازمه امتناع الفرد الثاني أيضا. فانه لا يكون تداركا له، لفرض العجز عن ذلك.
4- ومنها: ان يسقط الغرض اغلبه ولكن يكون الباقي قابلا للتدارك. فيكون هناك مجال للفرد الثاني.
لا يقال: ان جزء الغرض لا يكون سببا لإنشاء الإرادة والأمر، فيتعذر الامتثال.
فانه يقال: ان فرض كونه أي الجزء الباقي من سنخ الغرض وكونه ممكن التدارك. لازمه فرض قابليته لاستتباع الأمر والإرادة. لا اننا نقصد الغرض الذي لا يكون قابلا للتبعيض. بل هذا الذي سميناه بجزء الغرض، يمكن ان يكون غرضا في نفسه. فيستتبع الأمر. الا ان كون هذا الأمر الآخر استحبابيا أو وجوبيا، فهو غير مهم الآن. وإنما يتبع لزومية أو استحبابية الجزء الفائت.
5- ومنها: ان في الغرض سعة خارج الأمر ناشئة من الرحمة والإرفاق وزيادة الثواب. فيكون الفرد الثاني من الامتثال قابلا لتحصيل ذلك.
فان قلت: فان الغرض بنفسه ساقط، ولا دليل على إمكان تدارك الباقي.
قلنا: نعم، الا إذا دل دليل سمعي على إمكان الإعادة، كإعادة الصلاة في جماعة. والا فمقتضى القاعدة عدم إمكان التدارك.
ــــــ[304]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
التعليق الثاني: انه ليس شيء من هذه الصور ما يمكن ان ينطبق عليه معنى تبديل الامتثال بالامتثال. لأن التبديل يعني إلغاء الفرد السابق. ونفس قصد الإلغاء لا حجية فيه بضرورة الدين. فهذا تعبير مجازي عن ضم امتثال إلى امتثال.
نعم، قد يقال يصدق التبديل في مورد واحد، وهو الأول. وهو ما إذا لم يحصل الغرض أصلا. كالمثال الذي ذكره، فيكون العمل الثاني بديلا عنه.
الا انه ليس تبديلا أيضا، باعتبار ان الثاني هو الوحيد الصحيح والأول ليس بصحيح إطلاقا لفرض عن إسقاطه الغرض. فهو تبديل عرفي وليس دقيا. مع انهم يريدون الدقي لا العرفي.
التعليق الثالث: انه يقيس المولى الواقعي على المولى العرفي. مع انه توجد بينهما فروق عديدة، حتى من الناحية الأصولية.
أ ـ ان المصلحة للمولى الواقعي لا تعود إليه وللمولى العرفي تعود إليه.
ب ـ ان الامتثال الجامع للشرائط كاف لإسقاط الغرض، لأنه مسقط للأمر. فإذا سقط الأمر علمنا باللم سقوط الغرض، لأنهما بمنزلة العلة والمعلول. فإذا زال المعلول زالت العلة.
وليس الحال كما ذكره هنا من ان المولى يستطيع ان يحافظ على الغرض بالرغم من الامتثال، وذلك بترك استعمال الماء. فان المولى الواقعي بصفته مولى، لا بصفته التكوينية، لا يستطيع المحافظة على الغرض بالرغم من وجود الامتثال، بل يكون سقوطه عقليا قهرياً.
ولا توجد في الشريعة: ان الامتثال الناقص يسقط بعض الغرض بحيث
ــــــ[305]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يكون قابلا للتدارك بالامتثال الثاني . وان احتمله الشيخ الآخوند والشيخ النائيني في بعض مراتب تفكيرهما.
نعم، في الفرض الأخير، وهو سعة الملاك بالرحمة، إذا ثبت الحكم تعبدا كما في إعادة الصلاة. وان الله يختار احبهما إليه. أمكن ذلك. الا انه يحتاج إلى دليل خاص. ومعلوم ان اغلب الموارد بلا دليل.
التعليق الرابع: ان مثل هذا الاتجاه متعذر إثباتا وثبوتا. اما إثباتا، فلما قلناه من ان الأمر اما ساقط أو موجود. فإذا سقط علمنا بسقوط الغرض. وان بقي علمنا ببقائه إثباتا، ولا توجد صورة يسقط فيها بعض الأمر ليسقط بعض الغرض.
ومن المعلوم ان الأمر بسيط يدور أمره بين الوجود والعدم. فإذا سقط لم تبق منه بقية. وحينئذ لا ينفع وجود الغرض إذا كان الغرض مركباً.
واما ثبوتا فان الواجب هو إطاعة الأمر لا إطاعة الغرض، فلو أحرزنا – بعد التنزل عما سبق – وجود الغرض، لم تجب إطاعته، نعم هو أمر أخلاقي وليس فقهيا. حتى لو كان كل الغرض موجودا أو بقي منه شيء إلزامي ممكن التدارك. فضلا عما إذا لم يكن إلزاميا. فانه أولى بعدم الوجوب.
وتقريب عدم وجوب إطاعة الغرض، بوجوه:
أولاً: ان الطاعة المأمور بها إنما هي للأمر والنهي. أو قل: هي للمولى أو إرادة المولى. وهي التي عليها الثواب والعقاب. واما الملاك أو الغرض نفسه. فهو مجرد مصلحة واقعية لا يصدق عليها الطاعة والامتثال.
ثانياً: ان الملاكات لا محركية لها، وإنما الدفع والمحركية التشريعية
ــــــ[306]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
للأوامر والنواهي.
ثالثاً: ما قلناه في درس سابق، من ان المصالح لا يجب إتباعها، بل يمكن تحمل تبعات عصيانها، إذا بقيت بمجردها. فان مولانا هو الله سبحانه وتعالى وليس الملاكات.
رابعاً: ان الغرض لو كان مهما في نظر المولى لاهتم به هو، ومن ثم استتبع لديه الإرادة والأمر، والمفروض عدمه. ولا اقل ان ذلك هو مقتضى الأصل المؤمن.
خامساً: ان ما يستتبع الإرادة المولوية التي هي علة الأمر، هو الغرض ككل، وليس هو جزء الغرض، لأنه جزء علة وجزء العلة وحده لا يكفي لوجود المعلول. فان كفى كان غرضا مستقلا، وهو خلف كونه بعض الغرض.
فان قلت: فان الملاك هو الإرادة في نفس المولى، وهي تجب طاعتها. قلنا:
1- ان الشيخ الآخوند عبر بالغرض وهو غير الإرادة.
2- ان الإرادة أولى بالسقوط لدى سقوط الأمر من المصلحة.
3- ان المصلحة قد تكون مركبة، وقابلة للتبعيض، الا ان الإرادة بسيطة دائما، فيدور أمرها بين الوجود والعدم. ولا يحتمل ان يسقط بعضها ويبقى البعض.
التعليق الخامس: قال في التقريرات: انه نوقش كلام الآخوند من قبل المحقق الأصفهاني والسيد الأستاذ وغيرهما، بان الغرض من الأمر دائما يتحقق
ــــــ[307]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
بنفس الإتيان بمتعلقه. واما ما يترآى من مثال الماء وبقاء عطش المولى لأنه لم يشربه، فليس هذا غرضا للآمر.
بل هو خلط بين الغرض الأدنى الذي يترتب على فعل المأمور به. والغرض الواقعي وهو الارتواء الذي هو من فعل الماء ومتوقف عليه.
وهذا الكلام يمكن تقريبه بأحد ثلاثة أشكال خارج تقريباتنا السابقة:
الشكل الأول: ان الغرض يسقط عقلا بالامتثال الجامع للشرائط. وليس لنا ان نسأل ما هو الغرض. فلعله هو تمكنه من شرب الماء. وحيث لم يسقط الغرض الآخر، إذن نعرف انه ليس بغرض بالقياس إلى الامتثال.
فقد وقع الخلط بين ما هو غرض وما ليس بغرض، وهو ما توهمناه غرضا. فيتعذر الامتثال الثاني.
الشكل الثاني: ان هنا مستويان من الغرض – حسب مؤدى كلامهم-: مستوى أدنى ومستوى أعلى. وما يجب طاعته هو الأعلى دون الأدنى. والأعلى هو الذي يسقط بالامتثال. والأدنى لا تجب طاعته ولا يسقط بالامتثال. وبقاء عطش المولى هو الغرض الأدنى الذي لا تجب طاعته.
أقول: ان هذا قابل للمناقشة صغرى وكبرى. اما كبرى، فلأن كل أغراض المولى يجب طاعتها، بعد التنزل عما سبق.
واما صغرى فلإمكان القول: ان عدم سقوط الغرض الأدنى يكشف عن عدم سقوط الغرض الأعلى. مضافا إلى ان دعوى عدم سقوط الغرض الأدنى بالامتثال مجازفة. بل هما متلازمان ثبوتا وسقوطا، لو سلمناهما. فيتعذر الفرد الثاني.
ــــــ[308]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الشكل الثالث: ما في المحاضرات من ان رفع عطش الآمر، (الغرض الأدنى) يتوقف على فعل نفسه (وهو الشرب) زائدا على الإتيان بالمأمور به. والمكلف لا يكون مأمورا بإيجاده لخروجه عن قدرته واختياره. فالواجب ليس الا تمكين المولى من الشرب وتهيئة المقدمات له، مما هو تحت قدرة المكلف، وهو يحصل بصرف الامتثال الأول.
أقول: وهذا ان رجع إلى ما قلناه من ان المولى يستطيع ان يبذل اختياره في الحفاظ على الغرض عن السقوط. والا فالمولى يعلم ان شربه خارج عن اختيار المكلف، فلا يحتمل ان يكون هو غرضه. ومعه فالغرض صرفا هو تمكين المولى من الماء وقد حصل. فهذا يرجع إلى وجود غرض واحد وهو الأدنى وإنكار غرض أعلى منه.
في حين انه قال في أول عبارته عن الآخوند: الخلط بين الغرض المترتب على وجود المأمور به في الخارج (يعني الغرض الأعلى) وبين غرض الآمر كرفع العطش. فهنا غرضان في حين ان العبارة المتأخرة تدل على وجود غرض واحد، لأنهما معا يعودان إلى معنى واحد. الا ان نتصور وجود غرض أعلى منه.
………………………..
ثم انهم قالوا في المحاضرات وغيرها: انه هناك موردان في الشريعة يجوز فيهما التكرار. وقد يتوهم منها جواز الامتثال بعد الامتثال. وهو مورد صلاة الآيات ومورد صلاة الجماعة. واما تكرار المستحبات كالأدعية والقرآن والزيارات، فإنما هي بعنوان تجدد الأمر، وليست امتثالا لأمر واحد، كما هو محل الكلام، بل لأوامر متعددة. واما في المثالين فهما لأمر واحد.
ــــــ[309]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
اما الكلام في صلاة الآيات، فقد أجاب في المحاضرات بجوابين:
الأول: ان هذا يدل على وجود أمر استحبابي جديد بالفرد الثاني فصاعدا. وليس الفرد الثاني امتثالا للأمر الوجوبي الذي سقط بالامتثال الأول. أقول: وهذا صحيح.
الثاني: ان هناك أمران: أحدهما أمر وجوبي والآخر استحبابي. فالامتثال الأول يكون للوجوب والآخر للاستحباب.
أقول: ان هذين الأمرين هل هما يجتمعان في رتبة واحدة قبل الامتثال الأول، أو هما طوليان. فان كانا طوليين يرجع هذا الوجه إلى الوجه الأول، وان كانا عرضيين، فليس ذلك صحيحا لامتناع الجمع بين الامتثالين (وليس ذلك كالصدقة بدرهم وجوبا وبدرهم استحبابا) فتتعين طولية الأمر (أو اشتراطه بوجود الامتثال الأول وهو معنى الطولية) فيتعين رجوعه إلى الوجه الأول. وعلى أي حال، فعبارة المحاضرات، تناسب ذلك أيضا.
الثالث: ما يتحصل من المحاضرات في جواب الإشكال الآتي. وهو ان الفرد الثاني لو كان امتثالا للأمر الأول الوجوبي لكان مصداقا للواجب، بعد التنزل عن الاشكالات السابقة. وهذا غير محتمل. وهذا أيضا صحيح إذ لا يحتمل فقهيا جواز نية الوجوب.
واما الكلام في إعادة صلاة الجماعة، فأجاب عنها في المحاضرات بالوجه الأخير فقط. مع انه يمكن الجواب بكل الوجوه الثلاثة:
أولاً: ان الدليل على ذلك يدل على وجود أمر استحبابي آخر، ولا اقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
ــــــ[310]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ثانياً: انه يدل على وجود أمر استحبابي عرضي. مع جوابه.
ثالثاً: انه يدل على جواز الامتثال الاستحبابي لا الوجوبي، فلو نوى الوجوب بطل.
مضافا إلى اختلاف الشرط فيهما. وهو شرطية الجماعة في الثاني، مع ان الأول مطلق، فلا يحتمل اتحادهما.
وفي صلاة الجماعة مزيد من الكلام لوروده في روايات معتبرة السند.
ومن هنا قسمت التقريرات الروايات إلى ثلاثة طوائف:
الطائفة الأولى: ما ورد بعنوان الأمر بالإعادة لا اكثر. قال: وفيها ما هو معتبر السند.
وأورد عليها في التقريرات الجواب الأول السابق، وهو احتمال ان يكون الأمر بالإعادة استحبابيا. فلا يدل على مشروعية ما سموه بتبديل الامتثال. والاحتمال مبطل للاستدلال.
أقول: ان جميع تلك الوجوه ترد هنا، كما هو واضح للمتأمل. بما فيه تعذر نية الوجوب شرعا. بل ان تلك الوجوه كانت مكرسة على مثل هذا اللسان في الحقيقة.
الطائفة الثانية: ما جاء فيها جملة: ويجعلها الفريضة ان شاء. كما وردت في معتبرة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة. قال يصلي معهم ويجعلها الفريضة ان شاء.
فقد يقال: انها ظاهرة بتبديل الامتثال بمعنى إلغاء الفرد السابق ويجعل
ــــــ[311]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الفرد الثاني هو الفريضة. إذ لا تعدد في الفريضة.
وما أجيب أو ما يمكن ان يجاب به على ذلك عدة وجوه:
الوجه الأول: ما هو ظاهر المحاضرات من جعل القاعدة العامة العقلية، قرينة عليها. لأنه قال: بقرينة عدم إمكان الامتثال ثانياً بعد الامتثال.
جوابه: ان هذا الوجه ساقط حتما، لأن ذلك وان كان هو مقتضى القاعدة، الا انه بمنزلة العموم القابل للتخصيص. فإذا نص الشارع على خلافه أخذنا به. ولا أقل الأخذ به في مورده.
اللهم الا ان يقال: ان السقوط بالامتثال عقلي قطعي. فحكم هذه الرواية مخالف للعقل فلا تكون حجة.
ويمكن ان يجاب: اننا ان فهمنا نقيض ذلك فنعم. الا انها ظاهرة بتبديل الامتثال، وهو أمر يحدث في طول الامتثال. فإذا أجازه الشارع المقدس يحذف الفرد الأول. فإذا حذفه رجع الأمر بعد سقوطه. فيكون الامتثال منه مطلوبا، فيصلي. ويجعلها الفريضة.
فان قلت: هذا الحذف لا مشروعية له. قلنا: مشروعيته بمقدار ما دل عليه الدليل.
فان قلت: فكيف ان حذف الامتثال السابق ولم يصل جماعة.
قلنا: كلا. بل الحذف مشروط بوجود صلاة الجماعة بنحو الشرط المتأخر. ولا يكون الحذف وحده حجة. والمفروض انه حجة. الا انه غير ما يقوله المشهور من الامتثال بعد الامتثال. إذ لولا قصد الحذف للامتثال السابق لما صح الامتثال الثاني. ومع قصده لا يوجد خارجا امتثالان.
ــــــ[312]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الجواب الثاني: ما في المحاضرات من إمكان حمل الفريضة على القضاء عما فاته.
وهو غريب. وجوابه واضح: وهو عهدية اللام في قوله: ويجعلها الفريضة. يعني تلك المأمور بها بأصل الشريعة في هذا الوقت. لأنه يتحدث عن صلاة قد دخل وقتها. وليس الألف واللام للجنس حتى يمكن ان يشمل القضاء. الا ان يراد به خصوص القضاء الا انه بعيد، ويحتاج إلى قرينة مقصودة، بل حتى لو قال: ويجعلها فريضة، لكان حملها على القضاء بعيداً.
الجواب الثالث: ما في التقريرات، من ان المقصود انه يصلي فرضا في مقابل التطوع والنافلة، حيث ان الجماعة في صلاة المتطوع باطلة.
الا انه لا يتم لعدة وجوه:
أولاً: انه ان أراد بالفريضة القضاء فهو راجع إلى الوجه السابق مع جوابه.
ثانياً: انه ان أراد بالفريضة الأداء، فهو راجع إلى الوجه الأول. باعتباره امتثالا مستحيلا، مع جوابه.
ثالثاً: ان أراد جعلها فرضا اختيارياً، يعني انه ينوي الوجوب لمجرد تصحيح الجماعة. وهو بعيد عن الارتكاز المتشرعي، ولا يقول به المشهور.
رابعاً: ان في الرواية قرينة على خلاف ذلك. وهو قوله: ان شاء. الظاهر في انه مخير بين الصلاتين في جعلها فريضة لا خصوص الصلاة الثانية جماعة.
الا ان يفرض رجوع المشيئة إلى اصل الصلاة معهم، وهو خلاف الظاهر أيضا. لأن ظاهر السياق المفروغية عن إرادة الإعادة معهم. وليس هناك توهم للوجوب أصلا ليراد رفع هذا التوهم بقوله: ان شاء.
ــــــ[313]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الجواب الرابع: ما في التقريرات من احتمال: ان يكون عنوان الفريضة اخذ طريقا ومشيرا إلى ذات صلاة الظهر مثلا. بقطع النظر عن كونها واجبة أو مستحبة. قال: كما ان صلاة الليل ليست فريضة وان كانت قد تجب أحيانا.
وفيه:
1- ان الحمل على المعرفية الصرفة والإشارة إلى الذات، خلاف الظاهر.
2- انه خلاف عنوان الفريضة، لأنه يلزم من ذلك إلغاء العنوان. وهو خلاف الظاهر، حتى لو كان استعماله فيه أحيانا عرفيا.
3 – انه ظاهر بالعهد، مع وضوح ان هناك صلاة ظهر واحدة فريضة.
4 – انه خلاف كلمة: ان شاء. بعد ان استظهرنا رجوعها إلى جعلها هي الظهر. أقول: إذن فرجوعها إلى الذات صحيح لا مطلقا، بل بصفتها واجبة وفريضة، فلا يتم هذا الوجه.
الجواب الخامس: ما في التقريرات: بأنها واردة فيمن هو مشغول بالصلاة، ويجد الجماعة قبل فراغه من صلاته. ويستشهد لذلك بقرينة التعبير بصيغة المضارع (في الرجل يصلي). ويكون المعنى انه ان شاء في أثناء الصلاة ان يقطعها، بعد قلبها إلى النافلة. ويصلي الفريضة جماعة ان شاء. وان شاء اكمل الفريضة فُرادى. ولم يلتحق بالجماعة أو يلتحق بنية أخرى كالقضاء.
قال: وهذا الوجه اردء الوجوه:
1 – ان التعبير بفعل المضارع لا يشفع لهذا الحمل بعد ان عبر بكلمة (ثم يجد جماعة). الظاهر في الفراغ عن الصلاة لا في أثنائها.
ــــــ[314]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
2 – يلزم منه ان الإمام لم يبين بالمطابقة الحكم الفعلي لهذا الشخص بالنسبة لما بيده من الصلاة (يعني الأولى الفرادى) وإنما بين حكما آخر. وهو الإتيان بالفريضة مع الجماعة ان شاء. مع ان ذلك هو المناسب مع المحاورة. وهذا بخلاف ما إذا فرضنا ان السؤال بعد الفراغ من الصلاة.
3 – يكفي الشك في انه فرغ من الصلاة الأولى أم لا. لأن الاستدلال متوقف على الجزم بالظهور بعدم فراغه منها. وإذا شككنا في ذلك سقط الاستدلال. لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات.
الجواب السادس: ان يحمل على انه كان يصلي نافلة من الأول. والصلاة الثانية فريضة.
لا يقال: ان هذا ينافي قوله ان شاء. فانه يقال: يعني ان شاء ان يصلي الفريضة جماعة أو فرادى.
الا ان هذا لا يتم:
1 – ظهور قوله (يصلي وحده) بالفريضة. أولاً: باعتبار عهدية اللام. وثانيا: باعتبار التسليم بإمكان الجماعة. وإذا كانت نافلة انسدت الجماعة، فلا يصدق انه يصلي وحده.
لا يقال: وحده يعني في غرفته وحده. فانه يقال: انه ظاهر بالفرادى في مقابل الجماعة. وهو لا يصدق على النافلة. لعدم جوازها فيها.
2 – ظهور قوله: ثم يجد جماعة، بأنه يمكن ان يصلي بها نفس الصلاة. يعني الفريضة.
ــــــ[315]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
3 – ظهور ان شاء بأنه راجع إلى جعل الفريضة جماعة لا إلى اصل الالتحاق بالجماعة. مع ان الاستدلال متوقف على الثاني. وهو خلاف الظاهر.
الجواب السابع: رجوع قوله: ويجعلها الفريضة إلى ما بعد كلتا الصلاتين. ويشهد لذلك بقوله: ان شاء. يعني انه يصلي كلتا الصلاتين بنية الوجوب المنجز. ثم يفكر بعدهما ان يجعل الثانية فريضة لا الأولى، حسب مشيئته ورغبته.
وقد يستشهد له بقوله: ويجعلها الفريضة. يعني مترتبا على الانتهاء من الجماعة.
ويؤيد ذلك، ويقطع من الذهن استبعاد النية بعد العمل. انه وردت رواية بأنه: صلى العصر ثم تذكر بعد الصلاة انه لم يصل الظهر. قال يجعلها الظهر ويصلي العصر. وعليه فتوى بعض العلماء شذوذاً. الا انه مستبعد فقهيا ومتشرعيا.
مضافا إلى ان الرواية مجملة من حيث كون النية تكون في أول صلاة الجماعة أو بعدها. وهذا الوجه متوقف على كونها قبلها، فيسقط الإجمال.
مضافا إلى ان هذا الوجه لا يدفع دلالة الرواية على تحقق الامتثال بعد الامتثال، كما هو واضح.
الجواب الثامن: ان يفترض بقرينة بعض الروايات الأخرى في نفس المسألة: ان الجماعة الثانية عامية، كما هو الغالب في زمن المعصومين عليهم السلام.
أقول: ان هذا وان كان راجحا، الا انه بمجرده لا يكفي، لأنه لا ينفي جواز الامتثال بعد الامتثال. غايته انه إعطاء جانب الصحة للصلاة الثانية
ــــــ[316]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
العامية.
وهذا أكيد، وقد دل عليه عدد مستفيض من الروايات. وهي الآن خارج مسألتنا. غايته: ان هذه الرواية تعطي لهذه الصلاة أهمية بحيث يمكن جعلها الفريضة ان شاء. وتكون من قبيل تبديل الامتثال.
اللهم الا ان يضاف لها قيد يدعى ظهورها به. وهو ان قوله: ويجعلها الفريضة، يعني يعلن ذلك أو يتكلم به بصوت مسموع من باب التقية. وليس باعتبار الحكم الواقعي الأولي.
جوابه:
1- انه لا يتعين كون الجماعة المقامة عامية. وهذا الوجه يتوقف عليه. وهي من هذه الجهة مجملة. فان لم يكن لها ظهور بأنها إمامية، فلا اقل من ان لها إطلاق من حيث الحصتين. فلا يكون العمل بالتقية متعينا على كلا التقديرين.
2 – انها ظاهرة ببيان الحكم الواقعي الأولي لا الواقعي الثانوي. فانه يحتاج إلى قرينة. وخاصة إذا التفتنا إلى ان قوله: ويجعلها، أي في نيته، وليس في البين تقية. كما ان إظهار الصوت كما فرض في التقريب يحتاج إلى قرينة مفقودة.
الجواب التاسع: استضعاف الرواية سندا. باعتبار انها واردة في (من لا يحضره الفقيه) واغلب رواياته مراسيل. وشهادته بوثاقة الروايات في مقدمة كتابه ليست حجة. باعتبار انها عن حدس واجتهاد لا عن حس وعيان. فربما كانت من مراسيله. والاحتمال مبطل للاستدلال. لأنه من الشبهة المصداقية لطرق الحجية.
ــــــ[317]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الا انه في معجم رجال الحديث ومشيخة الفقيه طريق الصدوق إلى هشام بن سالم: أبوه ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد. عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا عن يعقوب بن يزيد والحسن بن ظريف وأيوب بن ابن نوح عن النظر بن سويد عن هشام بن سالم. وأيضا: أبوه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير وعلي بن الحكم جميعا عن هشام بن سالم الجواليقي. وكلا الطريقين معتبران.
ولكن يبقى إشكال واحد. وهو ان هذين الطريقين هل روى بهما الصدوق كل الروايات التي رواها عن هشام بن سالم أو بعضها. وإنما يثبت العموم أو الإطلاق، إذا سمعنا منه (وهو ثقة) يقول: اخبرنا بكل رواياته وأسانيده فلان عن فلان. فنقول هذا منها. واما بدون ذلك فيكفي الشك في كون الشبهة مصداقية.
الا ان الذي يهون الخطب انها مذكورة في الفقيه فعلا. فتكون مشيخة الفقيه شاملة لها، وهو سند معتبر.
ومعه يمكن ان يستفاد منها، بعد دفع الإشكالات السابقة عدة أمور:
أولاً: جواز نية الوجوب في الجماعة، وهي صلاته الثانية، بعد فرض كون الأولى فريضة ومنوي بها الوجوب أيضا.
ثانياً: جواز إلغاء الأولى. وهذا يستفاد من أمرين:
1- نفس الأمر الأول. إذ لا معنى لنية الوجوب في الثانية بعد سقوط الأمر بالاولى. والمفروض انه نوى الوجوب فيها.
2- فهم الحصر من قوله: الفريضة. بعد وضوح عدم إمكان اجتماع
ــــــ[318]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فريضتين.
الا ان هذا على خلاف القواعد، فيقتصر منه على القدر المتيقن. نعم، يمكن التجريد عن الخصوصية لموارد صحة تكرار الصلاة بالجماعة. فمثلا، نجرد الخصوصية للصلوات اليومية كلها ولصلاة الآيات. اما صلاة الجمعة وصلاة الطواف فمن غير المعهود تكررها. وهذا يعني تعذر نية الاستحباب في الثانية فضلا عن الوجوب.
ومن هنا يمكن القول: انه متى جازت نية الاستحباب في الثانية جازت نية الوجوب. دون ما بعد الثانية من الأفراد. فانه قد يقال: بجواز الاستحباب، لكن يتعذر قصد الوجوب لامتناع التجريد مع احتمال الفرق.
فالمهم، ان هذا نحو من تبديل الامتثال منصوص، والا فانه لولا النص لكان ممتنعا. والسر فيه: ما أشرنا إليه من ظهور الرواية بجواز إلغاء الفرد الأول. فتعود الذمة مشغولة، فيكون الفرد الثاني واجبا. ولا يشمل ما إذا كانت الأولى جماعة أو الثانية فرادى.
الجواب العاشر: ما يتحصل من التقريرات أيضا:
وهو ان يقال: ان الوجوب (يعني الصلاة الأولى) مشروط بعدم الإتيان بالفرد الثاني إذا كان افضل.
ونتيجته انه إذا جاء بالفرد الثاني الأفضل، كان الثاني هو الامتثال والأول فاقد لشرطه فيخرج عن كونه امتثالا.
وهذا معنى دقيق ولطيف، الا انه لا يتم لأكثر من جواب واحد.
1 – انها أوكلت الاختيار إلى المكلف في ان يجعلها الفريضة أو لا
ــــــ[319]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يجعلها. وفي هذا الوجه لا يكون الاختيار له. اللهم الا ان يكون قيد المشيئة بمجرد الالتحاق بالجماعة، ليكون بذلك صغرى من هذه القاعدة، الا ان هذا مما نفاه. وهو فعلا خلاف الظاهر.
2 – ان هذا الوجه إنما يتم إذا انتهى الفرد الثاني، فيحصل شرط سقوط الفرد الأول. مع ان ظاهر الرواية انه يشرع منذ أول الفرد الثاني بنية الوجوب بالجماعة.
3 – ما الدليل على ان الفرد الثاني افضل من الأول ؟
فان قلت: ان الجماعة افضل على كل حال. قلنا: هذا على القاعدة. الا ان المهم هو درجة الإخلاص ونحوه في الفضل عند الله عزوجل. وهذا لا يكون دائميا. فكيف يحرز الفرد ان الفرد الثاني هو الواجب، أو يختاره ليكون مصداقا للواجب. لأن شرط ذلك، هو ان يكون افضل. وهو لا يعلم بوجود الشرط.
اللهم الا ان نقول برجوع الضمير إلى الله سبحانه. بقرينة الروايات الأخرى. الا انه خلاف الظاهر وخلاف وحدة السياق في مرجع الضمير إلى الفرد.
فالمشيئة أو التحير، يكون بين فردين، هما – عمليا – نية الوجوب أو نية الاستحباب في الجماعة. فان نوى الاستحباب كان الأول واجبا. وان نوى الوجوب كان الثاني واجبا على تقدير تماميته. وان لم يتم كان الأول واجبا أيضا.
واما نية الإسقاط للفرد الأول، فهي غير نية الوجوب. فكأن الشارع يجيز له نية الوجوب في كلتا الصلاتين، ويحسب له الثانية. ونحن نعلم انه إذا لم
ــــــ[320]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يسقط الأول، لم تجز له نية الوجوب في الثاني. وكذلك المكلف لو التفت. وعلى أي حال، فانه ان لم يتم الفرد الثاني جامعا للشرائط كان له الأول لعدم تحقق شرطه المتأخر.
يبقى الكلام عن إمكان الأخذ به فقهيا من حيث ان المشهور يمنع من نية الوجوب في الثانية. مع انه في الصحيحة جعله أحد طرفي التخيير.
وهذا يمكن جوابه بوجوه:
1 – الطعن بنسبة ذلك إلى المشهور. بل هو لا يقول بذلك إطلاقا. ولا اقل انه لا يقول بذلك فتوى بل احتياطا.
2 – ان المشهور إنما يكون حجة إذا كان بين القدماء، في حين لا يوجد ذلك بينهم. لأنه لم يتعرض إلى هذه المسألة أحد الا في العهد المتأخر.
3 – ان الشهرة ليست حجة، وليست مسقطة للدلالة. والإجماع غير متحقق.
4 – ان الشهرة مدركية، وهي موافقة للقواعد لامتناع الامتثال المذكور. ونحن قلنا انه يمكن الخروج عن القواعد، بالدليل المعتبر.
إذن، فلابد من الأخذ بها في موردها. نعم، تبقى نية الوجوب في الجماعة مخالفة للاحتياط الاستحبابي. أخذا بالقاعدة العقلية وأخذا للشهرة بنظر الاعتبار.
وفي المقام ينبغي ان يكون الاحتياط وجوبيا، بترك نية الوجوب. باعتبار هيبة هذين الدليلين. وخاصة إذا قيل ان القاعدة عقلية فلا تكون قابلة
ــــــ[321]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
للتخصيص. أو كان الشك في انطباق المشيخة على الرواية. وعلى أي حال، فالقول بالاحتياط الوجوبي أولى وأحوط للفقيه.
الطائفة الثالثة: ما ورد بلسان ان الله يختار احبهما إليه.
قال في التقريرات: هذا يدل على إمكان تبديل الامتثال. لأن ظاهره انه يختار احبها في مقام الامتثال وأداء الوظيفة.
وما قيل أو يمكن ان يقال في الجواب، عدة أمور:
أولاً: ما قاله في (التقريرات) من ضعف السند. فانه ليس فيها رواية معتبرة كالطائفة الثانية.
فان قلت: فانه يمكن تتميمها بأخبار من بلغ.
قلنا: هذا باعتبار المسألة الفقهية، لنفس المستحب وهو تكرار الصلاة جماعة. واما الجهة النظرية وهي إمكان تبديل الامتثال فلا. فانه ليس في أخبار من بلغ شمول لذلك.
ثانياً: ما قاله في التقريرات: من احتمال ان يكون الواجب المفضول مشروط بعدم الإتيان بفرد افضل أو احب إلى الله سبحانه وتعالى.
أقول: وهذا صحيح في هذه الطائفة. لولا إشكال يأتي من ان الرواية أوكلت الأمر إلى الله لا إلى العبد. ولو أوكلته إلى العبد لكان خلاف الظاهر، إذ ليس فيها إذن بنية الوجوب، كما كان في الطائفة السابقة.
ثالثاً: ما قيل: – على ما في التقريرات أيضا – من انه لعل المقصود اختيار الله افضل الفردين في مقام الثواب لا في الجانب الوظيفي.
ــــــ[322]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وأجاب عنه:
1- انه خلاف ظاهر السياق من ان الاختيار بلحاظ الجانب الوضعي لا الثواب.
2 – ان النظر لو كان إلى الثواب فلماذا يفترض الاختيار والانتخاب لأحد الفردين، بل كلاهما انقياد بحكم العقل وله ثواب. بل النص يشير إلى محبوبية كل منهما في نفسه.
رابعاً: انه قال: اللهم الا ان يراد الاختيار بلحاظ ثواب مخصوص وهو ثواب الفريضة. الا ان هذا تمحّل في تمحل، لأن فرض كون النظر إلى ثواب مخصوص، كله خلاف الظاهر.
الا ان هذا لا يتم، لأن قوله: يختار الله أفضلهما لديه، لو استبعدنا قصد الامتثال بعد الامتثال، يتعين ان يراد به الثواب. فيعتبره – في هذا الوجه – ثواب الفريضة. والا لو كان المقصود مطلق الثواب، فلا معنى للاختيار.
خامساً: ان الإشكال إنما يتسجل فيما إذا أوكل الأمر إلى المكلف، كما هو ظاهر الطائفة الأولى. واما مع ايكاله إلى الله سبحانه، فلا إشكال. والمفروض بعد التنزل عن الاشكالات السابقة: ان الله يختار الفريضة في مقام الوظيفة.
الا ان هذا يرد عليه الإشكال الذي يلي، كما هو وارد على اصل الاستفادة من الرواية.
سادساً: ان المحال العقلي لا يمكن التصرف فيه حتى من قبل الله سبحانه.
ــــــ[323]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
فان قيل: ان هذا يتم بعد تمامية الفرد الأول جامعا للشرائط. فيسقط الأمر فيستحيل الامتثال الثاني. الا انه يمكن لله سبحانه ان يسقط الامتثال الأول خلال وجوده أو أثناءه، وهو يعلم بتعقب الامتثال الثاني. فإذا سقط، لم يتم مجزياً، فلا يسقط الأمر، فيكون الثاني امتثالا.
جوابه:
1 – انه غير مقدور من الله سبحانه، بتحويل الفرد المجزى إلى غير مجزئ. وقلب الواقع عن واقعه.
2 – انه خلاف الرحمة. ان يسقط الله فردا مجزءاً.
3 – ان هذا يعني ضرورة قصد الوجوب للثاني أو إمكانه مع انه لم تدل عليه الطائفة الثالثة. فهل يقبل المستشكل ان يكون الفرد الثاني فردا للواجب، مع قصد الاستحباب.
ــــــ[324]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
مبحث
الفور والتراخي
قال الآخوند: الحق انه لا دلالة للصيغة لا على الفور ولا على التراخي.
أقول: هذا حسب الرغبة النفسية لمشهور الأصوليين.
قال: نعم، قضيتها جواز التراخي.
أقول: لأنه اما تمسك بالإطلاق أو بأصالة البراءة عن الفور. ولا يعارضه أصالة البراءة عن التراخي، لأن الأصل يجري في جانب التحميل وهو الفور، ولا يجري في جانب السهولة وهو التراخي، ولو جرى في جانب التراخي لم يثبت التحميل وهو الفور، لأنه من الأصل المثبت.
قال: والدليل عليه تبادر إيجاد الطبيعة منها (على المشهور، بعد إسقاط جانب الهيئة وجانب المادة عن الملاحظة فيها). بلا دلالة على تقييدها بأحدهما. فلابد في التقييد من دلالة أخرى. كما ادعى دلالة غير واحد من الآيات على الفورية.
وينبغي ان يقع الكلام في تحقيق معنى الفور ومعنى التراخي وأقسامهما. وهذا هو الذي سماه في المحاضرات بمقام الثبوت ثم يأتي إلى المحمول، وهو ما سماه بمقام الإثبات. وفي كلتا التسميتين تسامح واضح.
ــــــ[325]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وحاصل ما ينبغي ان يقال في معناهما: اننا ينبغي ان نفهمها فهما عرفيا كسائر الألفاظ الشرعية.
فان قلت: انه لا يوجد هذا اللفظ في الدليل على المفروض. قلنا: نعم، ولكنه عنوان انتزاعي. وما هو ثابت في الدليل – لو كان – إنما هو منشأ انتزاعه. فنبحث الآن عن ذلك. أو قال: عن معنى الفورية والتراخي المحتمل استفادته من الأوامر الشرعية في المتعلقات. وهذا المبحث لا يعم الموضوعات، نعم يمكن ان يعم الأوامر والنواهي معا في متعلقاتها.
ولا يخفى ان المقصود من ظرف الفور والتراخي، هو ظرف منجزية وفعلية الأمر أو التكليف. أو قال: هو طرف وجود الأمر الجزئي الحاصل بحصول موضوعه لا الأمر الكلي الموجود في الشريعة.
اما الفور: فيمكن القول: ان لكل شيء فوريته المناسبة له، الذي ينصرف له الأمر عرفا. فلا يحتمل الأمر بالزواج أو السفر البعيد مثلا، كالأمر بتناول الماء أو القراءة في كتاب. فان قسنا أحدهما بالآخر كان الأول تراخيا بالنسبة إلى الثاني. الا انه فور عرفي لسنخه من المتعلقات. بل ان الفور الحقيقي متعذر.
كما ان الأمر لو كان منوطا بشرطين، كالاستطاعة والوقت، كانت فوريته منوطة بتحقق الشرط الأخير. كما انه لو كانت له مقدمات مطلوبة، كانت فوريته بفورية مقدماته لعدم معقوليته قبلها، وعدم إمكان الأمر بما لا يطاق.
واما النواهي، فيمكن ان تكون فوريتها عقلية، لأن الترك لا يقتضي مؤونة الفعل، فتكون فوريته حقيقية.
واما التراخي فلكل من هذه المعاني تراخيه. نعم بالنسبة إلى النواهي لا
ــــــ[326]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
يتصور التراخي، لوجوب فورية الترك، ولاستمرار النهي، بمعنى انحلاله على كل الأفراد والأزمان. وكل هذه الانحلالات فورية. والفور في النواهي ممكن ومتعين.
الا ان التراخي في متعلق الأمر لا ينبغي ان يصل إلى حد الإهمال. الا انه لا ينبغي القول بحرمته، بعد افتراض وجود الفرد ولو بعد حين. في الموقتات أو غيرها كصلاة الزلزلة التي تؤدى في طول العمر. واما إذا لم يأت به أصلا، فهو عاصي ولا يصدق عليه التراخي.
الا انه لا ينبغي القول بوجود إطلاق في اللفظ بجواز الإهمال. إذ لا يبعد كونه ليس في مقام البيان من هذه الناحية، وان لم يكن في مقام البيان من ناحية النهي عنه. غايته ان التراخي هو مقتضى الأصل المؤمن، لاستصحاب وقت الأداء. ما لم يكن مثبتاً.
ثم ان ظاهر المحاضرات إدخال الموسع والمضيق – من الموقتات – في الفور والتراخي. ولابد ان ذلك باعتبار ان المضيق بمنزلة الفوري والموسع بمنزلة المتراخي. وهو تسامح بلا شك. لإمكان ان يقال: ان بينهما عموما من وجه.
فالمتراخي يشمل الموقت الموسع ويشمل غير الموقت، مما يجوز إتيانه خلال العمر من الواجبات أو المستحبات كالعقيقة والزلزلة. والموسع يشمل بلحاظٍ كل الوقت وبلحاظٍ نهاية الوقت. فانه بطبعه موسع ولا يخرج عن ذلك بمجرد التأخير. لأننا نقصد قيد الأمر الأصلي. وهو حاصل. وإنما اصبح مضيقا بعنوان ثانوي طارئ.
كما ان الفور يشمل الموقت وغير الموقت، ان فهمنا منه الفورية. كما ان
ــــــ[327]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الموقت المضيق، يشمل ما كان فوريا وما كان قابلا للتأجيل في الزمان، كصوم يوم أو كفارة.
مضافا إلى إمكان القول: بان المضيق على قسمين: موقت وغير موقت:
اما المضيق غير الموقت، فهو فوري، الا انه لا مثال له في الشريعة الا بعنوان ثانوي كإنقاذ الغريق أو النذر.
واما المضيق الموقت، وهو ما كان زمان الواجب بمقدار زمان الأداء مثل الصوم وبعض أعمال الحج. فتسميتها بالمضيق والفوري مجاز. فيما لو قصدنا نسبة الواجب إلى الوقت، وإنما ينبغي نسبة الواجب إلى الوجوب. وعندئذ فقد يكون فوريا، وقد لا يكون، بل هو الأغلب.
مضافا إلى ان فكرة التقسيم إلى الموسع والمضيق غير فكرة الفور والتراخي. يعني ان التقسيم فيهما من حيثية متباينة.
وذلك: لأن الموسع والمضيق لا يكون الا من حيث الوقت. في حين ان الفوري وضده يكون من حيث وجوب سرعة الإنجاز وعدمه، فقط، بغض النظر عن الوقت. ومن هنا أمكن القول بان بينهما عموما من وجه، كالطائر والأسود، وقد ذكرناه.
ومنه يظهر المناقشة في قول المحاضرات: الصنف الثاني: ما يكون مقيدا بالتأخير. فلو قدمه في أول أزمنة الإمكان لم يصح. ويسمى هذا الصنف بالواجب المضيق كالصوم.
وهذا غريب: فان غايته قياس الواجب إلى الوجوب، باعتبار ان الوجوب يحصل بهلال الشهر والواجب بعد الفجر. أو يحصل وجوب الحج عند
ــــــ[328]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الاستطاعة والواجب في شهر ذي الحجة. فلو صام من لحظة هلال الشهر لم يجز بل يجب تأخيره إلى الفجر.
وهو غريب: لعدة اشكالات:
1 – لأن ما يجب عند الهلال، هو صوم غد لا مطلق الصوم. وصوم غد لا يكون منجزا الا عند الفجر.
2 – اننا قلنا فيما سبق: أننا ينبغي ان نحسب حساب الفور والتراخي عند منجزية أو فعلية الحكم، وليس من أول أنحاء وجوده.
3 – ان اعتبار هذا من التراخي ليس بصحيح، لأنه من الموقت وليس فيه تأخير اكثر مما يقتضيه التشريع. بل اعتباره فوريا هو الأولى. لأنه يجب في أول النهار، ولا يجوز تأخيره اكثر من ذلك.
ثم قال: الصنف الثالث: ما يكون مقيدا بالتقديم. وهذا على قسمين: الأول: ان يكون بنحو وحدة المطلوب. يعني فور واحد ويسقط بعده. ومثلوا له برد السلام.
أقول: لم يظهر من المحاضرات التعهد بصحة المثال، ولا ذكر مثلا آخر. وقد قلنا انه لا مثال له بالعنوان الأولي. واما مثال رد السلام، فإنما يرتفع وجوب الرد بارتفاع موضوعه، لعدم صدق الرد بعد ذلك. ولو فرضنا بقاء الصدق في بعض الأعراف بقي الوجوب. فليس القيد قيد المحمول (الحكم) كما هو المفروض، في المسألة، بل قيد الموضوع وهو خارج عن محل الكلام.
مضافا إلى ان ما يكون مقيدا بالتقديم معناه وجود القرينة على ذلك.
ــــــ[329]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والمفروض في عنوان الباب عدم وجودها.
قال: القسم الثاني: بنحو تعدد المطلوب وهو على شكلين: أحدهما: ان يكون المطلوب هو إتيانه في أول أزمنة الإمكان. والا ففي الزمن الثاني. وهكذا فوراً فوراً. قيل: ومن هذا القبيل قضاء الفوائت. يعني يجب على المكلف الإتيان بها فورا ففورا.
أقول: أيضا هنا لا يؤيد المثال ولا يذكر مثالا آخر. وهو مثال غير صحيح. لعدم الدليل عليه، وهو مجرى البراءة من هذه الناحية. نعم، يمكن التمثيل بالغريق ما لم يرتفع موضوعا بالموت. أو حتى بعد الموت لدفنه. الا ان هذا مما سميناه بالعنوان الثانوي. ولا يوجد له بالعنوان الأولي مثال. أو قل: انه قيد للموضوع لا للحكم، وكلامنا في قيد الحكم لا الموضوع.
قال: وثانيهما: ان المطلوب من الواجب وان كان إتيانه في أول أزمنة الإمكان فوراً. الا ان المكلف لو عصى وأخرّ سقطت فوريته دون اصل الطبيعة، ومن هذا القبيل صلاة الزلزلة، فانها واجبة على المكلف في أول أزمنة الإمكان فوراً. ولكنه لو تركها فيه وعصى جاز له التأخير مادام العمر موسعا.
أقول: وهو مثال يدعمه من ناحية الفتوى على ما هو ظاهر سياق العبارة. وهذا مما لا دليل عليه.
نعم، لو أمكن للمكلف ان يأتي بالصلاة خلال الزلزلة، وجب أو هو أحوط على الأقل. واما بعدها فلا يتعين الإسراع إلى الصلاة. بل هو مجرى للأصل المؤمن حتما.
إذن، فكلها افتراضات مطعون فيها كبرى وصغرى. اما صغرى فلعدم صحة الأمثلة وعدم وجود غيرها. واما كبرى فلأن هذا خارج عن الباب لأنه اما
ــــــ[330]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
من الموسع والمضيق، وهو غير عنوان الباب. وهو أيضا مما دل الدليل على فوريته، وهو خلف الإطلاق المفروض في هذه المسألة.
فان قلت: فنحن لا نحتاج إلى مثال في الأصول، وإنما تكفينا المسألة النظرية.
قلنا: نعم، ولكن إذا لم يوجد في الفقه مسألة أصلا على طبقه فلماذا هذا الجهد، وإنما هو أصول الفقه، فيكون بحثه لغوا، بل لابد من حذفه من علم الأصول.
وعلى أي حال، فالكلام تارة يقع في الأصل اللفظي، وأخرى في الأصل العملي. وثالثة: في القرائن المدعاة للفورية.
اما الأصل اللفظي، فالمشهور الذي يذهب إليه في المحاضرات، هو عدم الدلالة لا على الفور ولا على التراخي.
وقال ما مؤداه: ان الدلالة المدعاة اما من الهيئة واما من المادة. اما المادة فموضوعة للطبيعة العارية عن كل الخصوصيات، يعني بما في ذلك معنى الفور ومعنى التراخي. واما الهيئة فهي موضوعة للطلب أو بعث المكلف نحو الشيء، فلا إشعار فيها على الفور ولا التراخي فضلا عن الدلالة.
ويمكن ان نضيف إلى ذلك: انتصارا للمشهور: بان معنى الفور والتراخي من الدلالات الزمانية، إذ لا معنى لها بدونه. فإذا انتفى الزمان انتفت موضوعا. والزمان منتف عن المادة والهيئة معا. اما المادة فمعناها المفهوم المصدري. وهو خال من الزمن. واما الهيئة، فلأن الصحيح مشهوريا، هو تجريد الفعل عن معنى الزمان. والهيئة إنما هي فعل أمر فلا يدل على الزمان بل على اصل الطلب.
ــــــ[331]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
ويمكن ان يجاب ذلك: اما عن الهيئة فلأن الصحيح هو دخول الزمان في معاني الأفعال، كما سبق مفصلا في مبحث المشتق.
واما عن المادة، فلأنها وان كانت هي المعنى المصدري وهو اصل الحدث، الا ان مؤداه في الأوامر التشريعية، من شرعية وعرفية هي أحد الأفعال الاختيارية لا محالة، وليس مؤداها ذات بعينها. والفعل الاختياري زماني بذاته. ولا اقل انه يمكن فيه لحاظ الزمان.
ويمكن تقريب ذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: انهم قالوا: ان الأصل للمشتقات هو المصدر وليس هو اسم المصدر. ونحن قلنا في الفرق بينهما ان معنى اسم المصدر ثابت ومعنى المصدر متحرك. والتحرك معناه الزمان، وخاصة في الزمانيات.
الأمر الثاني: اننا إذا لاحظنا مادة المشتقات كصلى ومصلى، بل حتى المصدر منها، يمكن ان نفهم منه الزمان، وهو تدرج العملية.
هذا مضافا إلى أمر آخر: وهو اننا نسقط المادة والهيئة عن نظر الاعتبار، كما فعل الشيخ الآخوند. وحينئذ ننظر ان من قصد الآمر أحد هذين الأمرين بالفور أو التراخي. فإذا دل عليه الدليل، فقد تم المطلب.
فان قلت: فان وجود الدليل خلف عنوان الباب. قلنا: هذا إذا كان هناك دليل في أي مورد خاص. ولكن إذا قلنا بإمكان إقامة دليل عام على طبيعي الصيغة، للدلالة على أحد الأمرين، فهذا يكفي.
فان قلت: فان الدليل سيأتي في الجهة الثالثة من الكلام. قلنا: ذاك دليل بالقرينة المنفصلة، ونحن هنا نبحث عن الدليل بالقرينة المتصلة العرفية
ــــــ[332]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الارتكازية.
ويمكن إقامة قرائن على الفور والتراخي:
اما التراخي: فبتقريب: ان الإرادة إجمالا موجودة في نفس المولى. ونشك ان إرادة الفور موجودة أم لا. وهو لا يكون الا بإرادة ثانية أو بقوة بالإرادة أو بحصة زائدة. وهذا ما لا يظهر من الطبيعة على ما هو المفروض.
إذن، فالظاهر ان الآمر لا ما نع لديه من التقديم والتأخير، وهو معنى التراخي. فاننا لا نريد به الا جوازه لا وجوبه بطبيعة الحال. فإذا انتفى الفور ثبت التراخي. لأنهما بمنزلة النقيضين. لأن التأخير اما جائز أم لا. فان كان جائزا فهو التراخي والا فهو الفور.
ونستطيع ان نعرض نفس التقريب بلغة المشهور، بان يقال: ان مقتضى إطلاق الصيغة أو الهيئة، هو عدم تقييدها بالفور. وهذا يكفي لثبوت التراخي. لأن نفي أحدهما ملازم لثبوت الآخر، كما عرفنا. ولا يحتاج التراخي إلى تقييد. بل نفس عدم التقييد يعني انه لا مانع لديه من التأخير أو ان إرادته ليست قوية. ولو كان كذلك لقيده. فيثبت جواز التأخير. ولا نريد بالتراخي الا ذلك.
وهذا يعني ان نفس قولهم ان الهيئة لا تقتضي أي قيد زائدا على الطلب، يكفي لاستنتاج ذلك. مع ضم مقدمة التناقض بين الأمرين وعدم حاجة التراخي إلى قيد، وعدم التقييد بالفورية كما هو المفروض. إذن، فلازم كلامهم هو القول بالتراخي بلا حاجة إلى القول بان مقتضى المادة والهيئة هو ذلك.
ويمكن في مقابل ذلك: إقامة قرائن على الفورية أعني قرائن عامة متصلة. وان الدليل على التراخي قائم على عدم القرينة العامة، واما إذا وجدت تعينت الفورية، ما لم تقم قرينة أوضح على التراخي.
ــــــ[333]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
وذلك: بتقريب: ان المادة المطلوبة وان كانت موضوعة للطبيعة ولكن حيث تكون مدخولا للهيئة أو مأمورا بها. فانها تكتسب سياقا جديدا أو قيدا ارتكازيا هو الفورية.
فقوله: صل يعني الصلاة الفورية الآنية أو المستعجلة، ونحو ذلك. وهذا يشبه ما قلناه في المرة والتكرار، وقلنا بان المطلوب هو المرة.
الا انه هناك كان صحيحا، لأن المرة لا تزيد على الماهية بقيد غريب. واما هنا فالقيد غريب أو مباين، وهو العجلة والآنية. فانه يمكن إنكاره واحتياجه إلى قرينة مفقودة. ولذا يمكن الانتقال إلى تقريب آخر.
التقريب الثاني: وهو وجود ظهور سياقي على الفورية، مستنتج عرفا (يعني بالتفاهم اللغوي العرفي) أو عقلائيا (يعني في علاقات الموالي العقلائيين مع عبيدهم). فيكون معنى افعل يعني افعل الآن أو فوراً، ولو تباطأ كان معاتبا. ما لم تقم قرينة على التراخي.
وإنما يقال له عادة ، مالك تتماهل. وليس له ان يجيب اني تمسكت بإطلاق كلامك. لأنه يجيب ان القرينة على ذلك موجودة وليس في كلامي إطلاق.
ولا اقل من الشك في ذلك أي مقدمات الحكمة، فيكون السياق مجملا من حيث الفور والتراخي. فيدخل في باب الدوران بين التعيين والتخيير، كما سيأتي، فيتعين التعيين. المستلزم للفورية.
ويمكن ان يجاب ذلك بأحد مستويين:
المستوى الأول: التشكيك الساذج بهذه السيرة. والشك يكفي لنفي
ــــــ[334]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
النتيجة، وهي الدلالة على الفورية.
المستوى الثاني: ان الاستعجال أو الفورية ناشئة من أحد أمور، إذا انتفت فليس للفظ دلالة عليه إطلاقا.
أ – اما وجود مصلحة يقتضيها الموضوع.
ب – واما ان في البطء والتراخي احتقارا للآمر، فيمنعه الآخر.
ج – ان يكون المولى الآمر، ظالما متشددا بحيث يعاقب على التأخير.
ومع عدم هذه الثلاثة فلا ظهور سياقي عرفي ولا عقلائي على الفور والسرعة.
واما ما قلناه من إلزام المشهور بالتراخي، فمن المستطاع القول: ان اغلب الأوامر العرفية فيها ظهور بإطلاق السراح زمانا بالنسبة إلى الفور والتراخي. وهذا ينتج نتيجة التراخي، وان لم يكن ظهورا فعليا بالتراخي بعنوانه أو بشرط شيء.
وهذا هو ظهور المادة مقترنا إلى ظهورها الحالي بان الآمر لا مانع لديه من التأخير. وإنما المهم حصول الامتثال في زمان ما.
فإذا طبقنا المعنى السابق وهو ان عدم الفور يقتضي التراخي دون العكس. إذن، تكون النتيجة هي التراخي، لكن لا بعنوانه التفصيلي. أو قل: ان المدلول هو معنون التراخي أو منشأ انتزاعه.
فالتراخي بحسب الاطلاق المقامي أو السياقي هو المتعين ما لم تقم قرينة على الفور.
ــــــ[335]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المرحلة الثانية: من الكلام في الأصل الجاري في المسألة.
وهو الأصل العملي بعد افتراض سقوط الأصل اللفظي. اما عموما، أو في مورد بعينه لفرض الإجمال أو تعارض القرائن في ذلك المورد.
وذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: أصالة البراءة عن شرطية الفورية. فتثبت نتيجته التراخي. أو قل: يثبت ظاهرا منشأ انتزاع التراخي. الا ان هذا يثبت باللازم العقلي لما قلناه من نسبة التناقض بينهما. الا ان نتيجة التراخي، بمعنى عدم الفورية كاف.
ولا يعارضه أصالة البراءة عن التراخي، لعدم جريان الأصل هنا، لأن التراخي إطلاق سراح وليس تحميلا، والأصل إنما يجري عن التحميل لا عن التسهيل. على ان نفي التراخي لا يثبت الفورية الا باللازم.
المستوى الثاني: استصحاب عدم التقييد بالفورية، بالأصل الأزلي، أو في عصر الصدور، على معنى استصحاب عدم صدور المقيد المنفصل لا قبله ولا بعده، ولا المتصل أيضاً. إذا كان كلمة مستقلة.
المستوى الثالث: ان يقال: انه من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وفي مثله عادة يتعين التعيين. وهو هنا الفورية. وهو معارض في نتيجته للأصلين السابقين.
وجواب ذلك: أولاً: ان يقال: ان هذه القاعدة عقلية لا يصار إليها، الا بعد انعدام الدليل الشرعي الظاهري والواقعي معا. فإذا جرت الأصول المؤمنة الشرعية عن التعيين، كان ذلك في المرتبة السابقة عن حكم العقل. ولا يصار إلى الاحتياط
ــــــ[336]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
العقلي عندئذ.
وكذلك: ان قلنا ان نسبة الأصول العقلية إلى الأصول العملية كنسبة الأصول العملية إلى الأصول اللفظية. وانه لا مجال لها معها.
ثانياً: ان هذه المسألة (أعني دوران الأمر بين التعيين والتأخير) من فروع منجزية العمل الإجمالي في الحقيقة. فمتى كان العلم الإجمالي منجزا وجب التعيين. واما إذا كان بعض أطرافه مجرى للأصل بلا معارض. فينحل العمل الإجمالي. فلا يتعين التعيين. وقد عرفنا ان المورد كذلك، أي مجرى للأصول العملية.
فان قلت: فان كل موارد الأمر بين التعيين والتخيير هكذا.
قلنا: على العموم الأمر كذلك. ما لم يصدق في مورد منع جريان الأصل المؤمن عن التعيين لوجود المانع أو لقصور المقتضي. فعندئذ يكون مورد للقاعدة العقلية، وهذا خارج عن محل الكلام.
ثالثاً: اننا إذا قلنا في منجزية العلم الإجمالي بوجوب الموافقة القطعية، وتنزلنا عن الوجوه السابقة ثبت المطلوب. واما إذا قلنا فيه بحرمة المخالفة القطعية فقط. فلا يتعين التعيين لأن إنجاز الواجب ولو بالتراخي كاف في نفي المخالفة القطعية.
رابعاً: ان المشهور الذي قال بالبراءة العقلية، ملزم بعدم الذهاب إلى التعيين. فانه إنما يصح فيما إذا قلنا: ان الله سبحانه له حق الطاعة حتى في الموارد الاحتمالية، وهذا كما يثبت التعيين ينفي البراءة العقلية.
واما إذا قلنا – كما هو المشهور – ان المولى له حق الطاعة في الموارد
ــــــ[337]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
المعتبر ثبوتها فقط. ففي مورد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، لابد من المصير إلى البراءة لا إلى الاحتياط لعدم ثبوت التعيين بالدليل على ما هو المفروض.
فان قلت: فان المورد ثابت بمنجزية العمل الإجمالي.
قلنا: ان منجزية العمل الإجمالي، أيضا بحكم العقل، كما ان حق الطاعة ثابت بحكم العقل. فيتوقف الحكم بالثبوت على كون الأول أخص من الثاني. والكلام في ذلك موكول إلى محله.
المرحلة الثالثة: في القرائن المنفصلة المدعاة على الفورية
وهذا معناه ان مقتضي التراخي موجود، وتكون هذه القرائن بمنزلة المانع. أو معناه: ان مقتضي الفورية المتصل غير موجود، فيوجد بشكل منفصل.
وهما آيتان مذكورتان في المحاضرات: آية: سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ. وآية: فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ.
وهما – حسب ظاهر التقريب في المحاضرات – تقتضي الفور فورا ففورا، لا فورا واحدا. للانحلال الزماني لا محالة. وهو قال: لفرض بقاء الموضوع والملاك وعدم سقوطه بالعصيان الأول لا محالة.
وبالرغم من ان الأصوليين المتأخرين أسهبوا في أجوبة الآيتين. الا ان هذا مخالف للدقة. لوضوح اختلاف التصرف فيما بينهما. فلعلنا نحصل من أحدهما ما لم نحصل من الأخرى. ومن هنا يكون التكلم عن كل واحدة على حدة.
والظاهر ان القدماء استدلوا بهذا الصدد بعدد اكثر من الآيات والنصوص.
ــــــ[338]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الا ان مناقشة هاتين الآيتين، كاف. لأن استفادة النتيجة من غيرها أوضح فسادا. فضلا عما دل على ذلك من السنة، مما هو ضعيف سندا.
الآية الأولى:فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ.
وجوابها من عدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره في المحاضرات من ان الاستباق ليس بمعنى الإسراع، بل بمعنى مسابقة الغير إلى شيء أو إلى الخير. وهذا معناه لحاظ أحكام عديدة ومكلفين كثيرين. فيكون المضمون أجنبيا عن محل الكلام. أو قل: ان هذا المعنى إضافي، ولا يصدق مع الانفراد. أو وجود طرف واحد، كما هو مورد الكلام.
والظاهر انه كتب ذلك من دون الرجوع إلى كتب اللغة والصرف. فان صيغة المشاركة بين اثنين هي المفاعلة والتفاعل كالمقابلة والمضاربة والتضارب والتقاتل. وليس الاستفعال كالاستخراج والاستعداد والاستنجاء. فانه خال من هذا المعنى إطلاقا. والاستباق من هذا الوجه صرفيا. ولذا يصدق وحده ولا يحتاج إلى طرف آخر. ولذا قال: وهم لها سابقون. ولم يقل وهم فيها سابقون .. أي متسابقون.
نعم، لو قامت قرينة على وجود طرف آخر، أمكن استعمالها في المعنى، كقوله تعالى: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ – وَاسُتَبَقَا الْبَابَ. والأصل ان يقول: ذهبنا نتسابق – وتسابقا الباب. فهذا الاستعمال فيه تجوز والقرينة موجودة. الا انه غير موجودة في الآية الكريمة التي هي محل الاستدلال والمناقشة.
فان قلت: انها موجودة، وهي واو الجماعة. قلنا: كلا. لاحتمال كون المراد هو عموم الخطاب، لا تعدد الأطراف. بل ذاك هو الأظهر. وان كان
ــــــ[339]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الاحتمال كافيا لدفع الاستدلال.
الوجه الثاني: الحمل على الإرشاد. كما ادعى في المحاضرات انه هو الظاهر دون المولوية. لأن مفادها هو الإرشاد إلى ما استقل به العقل من حسن المسارعة إلى الخيرات والى تفريغ الذمة من المأمور به. فيكون تابعا له في الإلزام وعدمه.
جوابه: ان الظهور المدعى بالإرشاد غير ظاهر. إذ يمكن ان يقال: ان الظهور الأصلي إنما هو المولوية، ولا يمكن رفع اليد عنه الا بدليل أو قرينة، وهي مفقودة.
فان قلت: ان القرينة موجودة، وهي (الخيرات) لأنها عامة لكل الأفعال الراجحة. فلا يكون ذلك الا عقليا.
قلنا: انه يمكن ان يجاب ذلك باعتبار انصراف الخيرات إلى الخيرات المطلقة، وهي الواجبات، لا مطلق الخيرات. نعم، لو ادعي الاحتمال في الإرشاد كان له وجه. لولا انه مدفوع بالظهور بالمولوية، ما لم يرجع إلى وجه آتي.
الوجه الثالث: انه يشمل المستحبات في نفسه إذا حملنا الخيرات على مطلقها. وحينئذ، يلزم ان تكون المسارعة إلى الخيرات واجبة. وهي نتيجة غير محتملة.
فان قلت: ان المسارعة لكل حكم حسب ما يناسبه.
قلنا: نعم. وهذا معناه حمل الصيغة على الأعم من الاستحباب والوجوب، فيسقط مراد المستدل.
ــــــ[340]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الا ان هذا الوجه يتوقف على ان نفهم من الخيرات عموما، لا الخيرات المطلقة التي هي الواجبات.
الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ الآخوند من الحمل على الاستحباب لأنه المناسب مع الخيرات من دون استتباع العصيان للعقوبة والغضب. والا كان البعث بالتحذير انسب.
ثم أمر بالفهم. ولعل وجهه: اننا لو تنزلنا عن الوجوه الأخرى كفى ظهور الوجوب في كونه تحذيرا من العصيان، لأن حكم العقل بالطاعة يقتضي ذلك.
مضافا إلى اننا يمكن ان نفهم من الخيرات خصوص الواجبات، بقرينة ظهور الصيغة بالوجوب. ولا اقل من التعارض والتساقط. وعندئذ يتعذر الحمل على خصوص الاستحباب، كما هو مراد هذا الوجه. نعم، يكون مطلوب المستدل وهو الوجوب أيضا ساقطاً.
الوجه الخامس: ما ذكره الشيخ الآخوند، وكرره في المحاضرات، ولم ينسبه إلى الكفاية: من لزوم تخصيص الأكثر. وهو بناء على فهم مطلق الخيرات، إذ لا يحتمل ان تكون المسارعة إلى المستحب واجبة. ومن المعلوم ان اكثر الخيرات مستحبة، فتكون المسارعة إليها مستحبة. فاما ان يلزم تخصيص الأكثر، أو نحمل الصيغة على الأعم. وعلى كلا التقديرين لا يتم الاستدلال.
وهذا يتوقف على حمل الخيرات على المعنى العام لا الخاص، كما هو غير بعيد.
الوجه السادس: حمل الخيرات على نتائج ومعلولات أو ملاكات الأحكام، – لا الامتثالات – والتي تكون الامتثالات بمنزلة المقدمة لها.
ــــــ[341]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
كالحصول على الثواب ورضا الله سبحانه ومعراجية المؤمن ونحوها. وبذلك تكون الآية أجنبية عن المطلوب.
فان قلت: فانه بعد التنزل عن الوجوه السابقة، يكون الإتيان بالمقدمة واجبا وهو المطلوب.
قلنا: هذا على تقدير الانحصار بالمقدمية. واما إذا أمكن الحصول عليها بعلل متعددة، فيها واجبة وفيها مستحبة سقط الدليل.
وجوابه: ان الانحصار متعين مع إرادة ملاكات الأحكام. الا ان يرجع هذا الوجه إلى الوجه الآتي.
الوجه السابع: جعل القسم السابق من الآية الكريمة، دليلا وقرينة عليه. لأنه قال: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ. أي استبقوا الوجهة العادلة والصالحة والهدف الحقيقي. كما في الحديث: يولد الإنسان على الفطرة الا ان أبواه يهودانه وينصرانه. وهذا لا ربط له بتفاصيل الامتثالات ولا بملاكات الامتثالات.
واما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ.
فالإشكال الأول على الاستدلال بالآية السابقة لا يأتي. وهو المناقشة في معنى الاستباق. كما ان سائر الاشكالات التي تتضمن تفسير الخيرات لا تأتي أيضا. وهذا من نتائج الفصل بين مناقشة الآيتين.
وما قيل أو يمكن ان يقال في الإشكال على الاستدلال بهذه الآية أمور، بعضها يماثل ما سبق وبعضها يختلف عنه:
الوجه الأول: الحمل على الإرشاد. لان مفادها هو مطلق المغفرة.
ــــــ[342]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
والعقل داع إلى حسن تحصيل المغفرة. فيكون هذا إرشادا إلى حكم العقل. كما قيل في تلك الآية.
وقلنا في جوابه: ان الأصل والظاهر من الأمر هو المولوية. وإذا أمكن هناك كون (الخيرات) قرينة على الأعم. فهنا لا تكون (المغفرة) دليلا على ذلك، لإمكان القول بوجوب تحصيلها. فهذا الوجه من هذه الآية ابعد.
الوجه الثاني: حمل الأمر على الأعم من الواجبات والمستحبات. كما قلنا هناك. الا ان جوابه: اننا قلنا: ان الظاهر الوضعي هو خصوص الوجوب. ولا قرينة على خلافه.
الوجه الثالث: ان الآية تتعرض للمغفرة، وهي خاصة بالمحرمات، كفعل المنهي عنه، وترك الواجب. وتحصيل التوبة والمغفرة من الله واجبة. الا انها لا تعرض لها للأوامر ولا تناسبها.
جوابه: ان المغفرة وحدها غير مذكورة، بل عطف عليها (الجنة). فيكون المراد من المغفرة: التوبة من المحرمات. ومن الجنة فعل الواجبات.
الوجه الرابع: ان النتائج المذكورة في الآية الكريمة، أوسع من فهم المستدل، لأنها تأمر بالمغفرة والجنة وتقول: سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
ولاشك ان الحصول على هذه الجنة غير واجب، أو هو اعم من الواجب والمستحب. وكذلك الحصول على درجة التقوى غير واجب في ظاهر الشريعة، فيكون ذلك بمنزلة القرائن المتصلة على ان المراد اما خصوص الاستحباب أو الأعم، فيسقط مراد المستدل.
ــــــ[343]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الوجه الخامس: ما ذكره في الكفاية من لزوم تخصيص الأكثر. بعد العلم بان المسارعة إلى المستحبات غير واجبة.
فان قلت: فان المغفرة إنما تكون على الالزاميات خاصة من فعل الحرام وترك الواجبات. فتكون قرينة على لزوم المسارعة، بحيث يكون تركها حراما.
قلنا: جوابه من وجوه:
أولاً: ان للمستحبات مغفرة أيضا، من حيث كون تركها يحتوي على نقص وخِلّة بلا إشكال.
ثانياً: ان ترك الواجب ليس بحرام ليحتاج إلى مغفرة، الا بناء على النهي عن الضد العام.
ثالثاً: ان مراد المستدل ليس المغفرة عن ترك المسارعة نفسها. وإنما باعتبار ان المسارعة إلى المغفرة تنتج المغفرة عن سائر الذنوب.
ومن الواضح ان الآية لا تدل على وجود المغفرة لترك المسارعة، لأن هذه المغفرة في طول المسارعة، في حين أخذت الآية المغفرة في المرتبة السابقة عليها، لأنها بمنزلة الموضوع لها.
ــــــ[344]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
تتمة
في احتمال الفورية الدائمة في الأمر
وهي تتمة موجودة في الكفاية ولم يتعرض لها في المحاضرات. كأنه اعتبرها مما ظهر الكلام فيه، أو انه مبني على الظهور بالفورية الذي لا يقول به. ونحن بحثنا في الكفاية، فيحسن التعرض له باختصار.
وهي عن احتمال ظهور الأمر بالفورية الدائمية، يعني فورا ففوراً. بعد الفراغ عن ان الأمر يقتضي الفورية. ومن الواضح مما سبق اننا استقربنا التراخي. إذن، فهذا البحث كالسالبة بانتفاء الموضوع.
واما إذا تنزلنا وقبلنا ظهور الأمر بالفورية. فقد قال في الكفاية: فهل ان قضية الأمر الإتيان فورا ففورا، بحيث لو عصى لوجب عليه الإتيان فورا أيضا في الزمان الثاني أيضا أو لا؟
وجهان: مبنيان على ان مفاد الصيغة على هذا القول هو وحدة المطلوب أو تعدده. ولا يخفى. لو قبل بدلالتها على الفورية، لما كان دلالة على نحو المطلوب من وحدته وتعدده، فتدبر جيدا.
كأنه يريد ان يقول: اننا لم نقل لا في الهيئة ولا في المادة ولا في المجموع بالفورية ولا بالتراخي. فتكون عدم دلالتها على الفورية الدائمة أولى.
وبتعبير آخر: ان الصيغة والمادة أجنبية عن الفور والتراخي فلا يكون لها ظهور في وحدة المطلوب وتعدده وإذا لم يكن لها ظهور في وحدة المطلوب
ــــــ[345]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
لم تدل على الفور المتعدد.
أقول: هذا ليس جوابا، لأن السؤال مفروض عند التنزل عن عدم الدلالة على الفورية. فالعود إليه ثانياً خلاف العنوان.
ويريد بوحدة المطلوب وتعدده أحد أمرين:
الأمر الأول: ان المطلوب هو الفورية وتعدد المطلوب هو الفورية المتعددة. فيعود الحال إلى ان اللفظ ان كان دالا على الفورية المتعددة، فهو دال عليها. فتكون القضية بشرط المحمول فتسقط.
الأمر الثاني: ان المراد بتعدد المطلوب: الإطلاق وبوحدته عدمه. فانه قد يقال: بالدلالة على الفورية مع عدم الإطلاق أو مع وجوده. فان كان لها إطلاق لكل الازمان، فهذا دال على الفورية المتعددة. والا فهو دال على الفورية الواحدة. ويمكن إجراء الأصل المؤمن عن الباقي.
والصحيح هو التفصيل اكثر من ذلك: فان ما يدعو إلى القول بالفورية عدة أمور محتملة، ربما تختلف نتائجها في ذلك: اما ظهور الصيغة بالوضع واما ظهورها بقرينة متصلة واما ظهورها بقرينة عقلية واما ظهورها بقرينة ومنفصلة.
وثلاث منها لفظية متوقفة على الإطلاق، فان كان لها إطلاق دلت على الفورية المتعددة، والا فعلى الواحدة. واما القرينة العقلية، فلا يحتمل فيها الإطلاق، الا إذا حكم العقل بالاستمرار بذلك. وعلى العموم: اننا إذا قلنا بالفورية، فمن الأرجح اننا نقول بذلك باعتبار الإطلاق، فتكون الفورية متعددة.
وكذلك إذا قلنا بذلك بحكم العقل، فان حق الطاعة لا يكون ضئيلا، فينتج نفس النتيجة. وفي هذا نحو إلزام لمن يقول بالفورية لأنها نتيجة غير محتملة.
الأمر الثالث: ان يريد الآخوند بوحدة المطلوب وتعدده، طلب اصل الماهية وشرطها، كالغسل في الإحرام أو الصلاة في الزيارة. فان كانت شرطا
ــــــ[346]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
كانت من وحدة المطلوب. وان لم تكن شرطا كانت من تعدد المطلوب.
ويمكن ان يقرب في محل الكلام بتقريبين:
التقريب الأول: ان الفورية يحتمل ان تكون شرطا في اصل طلب الماهية. فان كانت شرطا كان ذلك من وحدة المطلوب. فان عُصيت لم تجب الفورية ثانياً، سواء سقط اصل الحكم أم لا.
وان لم تكن شرطا كان ذلك من تعدد المطلوب، بمعنى ان الفورية واجب مستقل عن طلب الماهية، له إطلاق ازماني يتكرر بانحلال الزمان. فتجب فورا ففورا.
التقريب الثاني: ان الفورية شرط في الواجب باستمرار. فان عصيت في الآن الأول فقط، فقد عصيت الماهية وفوريتها معا. فتبقى الماهية وفوريتها لازمة في الآن الثاني، وهكذا في الآن الثالث، فتجب فورا ففورا.
وجوابه: انه مطعون كبرى وصغرى:
اما ما هو بمنزلة الكبرى: فان المفروض ان الإطلاق له اثر في انحلال الزمان، فلو تنزلنا عن ذلك وربطنا المسألة بتعدد المطلوب، بغض النظر عن الإطلاق، لم يجب الفور الثاني فما بعده. كل ما في الأمر انه على تقدير وحدة المطلوب فالفورية قيد أو شرط للواجب. وعلى تقدير تعدده فهي واجب مستقل. ولا دخل له بتعدد الفورية.
وهذا سار على كلا التقريبين السابقين. لأن الإطلاق إذا انعدم زال انحلال الزمان على كلا التقديرين. وأمكن جريان الأصل المؤمن عنه.
واما ما هو بمنزلة الصغرى بعد تسليم الكبرى، وهو الإطلاق. فان وحدة المطلوب وتعددها لا اثر لها في تعدد الفورية. فان كان لها إطلاق تعدد الفور،
ــــــ[347]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
سواء كان هناك وحدة مطلوب وقيدية بين الماهية والفورية أم لا. وان لم يكن لها إطلاق لم يتعدد الفور في كلتا الصورتين.
فما قيل في التقريب الأول: انه مع وحدة المطلوب لم يتكرر الفور، ليس بصحيح. إذ مع الإطلاق يتكرر الفور، وان كان المطلوب واحداً. ومع عدمه لا يتكرر ولو كان المطلوب متعدداً.
واما التقريب الثاني: فهو مبني على وحدة المطلوب باستمرار، لأنه لا معنى لهذه الوحدة الا الشرطية، فان كان له إطلاق كان شرطا مستمرا بانحلال الزمان، يعني فورا ففورا، والا فلا. ولا دخل للشرطية بالانحلال.
والمباني في الفورية عديدة:
منها: الوضع: بان تكون صيغة الأمر موضوعة للأمر الفوري هيئة أو مادة أو مجموعا. فالمهم انه إذا جرت مقدمات الحكمة، أمكن فهم الفورية المتعددة والا فلا. بل تبقى فورية واحدة.
ومنها: وجود القرينة المتصلة، أو المنفصلة، ما لم يوجد لها إطلاق.
ومنها: الإطلاق المقتضي للفورية ما لم تقم قرينة على التراخي. فان قصدنا مجرد الدلالة على الفورية، كان تكرارها محتاجا إلى إطلاق آخر للدلالة على الانحلال الزماني. وان قصد مجرد الإطلاق الازماني، لم يكن ذلك دالا على الفورية إطلاقا. وإنما يدل على الوجوب المستمر زمانا فقط، مجملا من حيث الفور والتراخي. الا ان نركب بين الاطلاقين. فلا يكون إطلاقا واحداً.
ومنها: القرينة العقلية أو العقلائية. فلابد من سؤال الجهة الحاكمة بهذا الصدد. انه فور واحد أو متعدد. فقد يقال بتعدده عقلا أو عقلائيا، أو يقال باختلاف الواجبات في الأهمية والمصلحة ونحو ذلك.
ــــــ[348]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الفهرس
فصل: التعبدي والتوصلي …7
المقدمة الأولى: في معنى التعبدي والتوصلي ….. 7
في ان هذه مسألة أصولية لا فقهية ….. 9
المسألة الأولى: وهي سقوط الواجب بفعل الغير ….. 10
المقام الأول: في تأسيس الأصل اللفظي ….. 10
المقام الثاني: في تأسيس الأصل العملي ….. 18
الحديث عن ذلك محمولاً ….. 22
المسألة الثانية: في سقوط الواجب بالفعل غير الاختياري ….. 26
المقام الأول: في تأسيس الأصل اللفظي ….. 26
المقام الثاني: في تأسيس الأصل العملي ….. 44
المسألة الثالثة: في سقوط الواجب بالحصة المحرمة ….. 49
في الأصل اللفظي ….. 49
في الأصل العملي ….. 59
المسألة الرابعة: في اشتراط قصد القربة ….. 62
ــــــ[349]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
أدلة الاستحالة….. 99
بيان المحقق النائيني للاستحالة ….. 103
مناقشة دليل النائيني ….. 105
وجوه أخرى للاستحالة ….. 115
الكلام في متمم الجعل ….. 117
في سريان الإشكال للانحاء الأخرى لقصد القربة ….. 121
متمم الجعل والحصة التوأم ….. 123
تأسيس الأصل في المسألة ….. 127
المقام الأول: في إمكان التمسك بالإطلاق اللفظي ….. 128
فيما قيل من ان الأصل في الأوامر أن تكون تعبدية ….. 143
المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي عند الشك في التعبدية والتوصلية ….. 152
في البراءة العقلية ….. 168
فصل: ان إطلاق الصيغة يقتضي أن يكون الوجوب نفسياً عيناً تعييناً ….. 171
المقام الأول: في إثبات النفسية ….. 172
الجهة الأولى: في مقتضى الإطلاق ….. 173
الجهة الثانية: في الأصل اللفظي المعاكس….. 180
المقام الثاني: ما إذا دار أمر الواجب بين أن يكون تعييناً أو تخييراً ….. 186
الجهة الأولى: في الأصل اللفظي ….. 186
الجهة الثانية: في الأصل اللفظي المعاكس ….. 196
ــــــ[350]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الجهة الثالثة: في الأصل العملي ….. 199
المقام الثالث: في تردد الوجوب بين العيني والكفائي ….. 204
الجهة الأولى: في الأصل اللفظي ….. 205
الجهة الثانية: في الأصل المعاكس ….. 221
الجهة الثالثة: في الأصل العملي ….. 222
مبحث في مورد الحظر ….. 225
في مادة الأمر إذا وقعت في مورد الحظر ….. 229
في عكس المسألة وهو النهي في مورد احتمال الأمر ….. 241
مبحث المرة والتكرار ….. 245
الجهة الأولى: في الكلام عن أصل المسألة ….. 245
في الدلالة الإطلاقية أو السياقية ….. 253
في ان المصدر هو أصل المشتقات ….. 262
في دلالة الخبر النبوي على التكرار ….. 277
في اقتضاء متعلق المتعلق للتكرار ….. 280
في متعلق الحرام ….. 285
في الأصل العملي في المرة والتكرار ….. 292
في تعدد الامتثال ….. 293
في مورد صحة تبديل الامتثال ….. 300
في موارد جواز تبديل الامتثال ….. 302
ــــــ[351]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)
الكلام في صلاة الآيات ثم في صلاة الجماعة ….. 309
مبحث الفور والتراخي ….. 325
في الأصل اللفظي ….. 321
في الأصل العملي ….. 326
في القرائن المنفصلة على الفورية ….. 328
تتمة في احتمال الفورية الدائمة للأمر ….. 345
الفهرس ….. 349
ــــــ[352]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الرابع)