أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
منهج الأصول/ ج5

منهج الأصول

الجزء الخامس
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الخامس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف

بسم الله الرحمن الرحيم

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر

مبحث الإجزاء

وهو الفصل الثالث في الأوامر من مباحث الألفاظ في الكفاية.
وقد قال الأصوليون القدماء: إن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء. وأضاف الشيخ الآخوند: في الجملة بلا شبهة.
ثم بين عدة أمور قبل الخوض في النتيجة:
الأمر الأول: في المراد بما قالوه في العنوان: من كون الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء. فما المراد بقولهم: على وجهه. فانه لابد من فهم العنوان أولاً، من اجل فهم النتيجة.
عرض الآخوند لذلك عدة أمور نذكرها على غير ترتيبه توخياً للتوضيح:
الأمر الأول: أن يراد قصد الوجه الذي يقول به بعض الفقهاء. وأرادوا به قصد الوجوب أو الاستحباب أو الواقع أو ما في الذمة. وكلها راجعة إلى قصد المكلف الثبوتي. وهذا مرجعه إلى قصد الامتثال. كما قلنا في مباحث النية في الفقه.
وتقريب ذلك: يتم في مقدمتين:
ــــــ[7]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأولى: إن الضمير في (وجهه) راجع إلى المأمور به لا محالة
الثانية: إننا لا نتصور وجها للمأمور به إلا الوجه المصطلح في الفقه. وهو أحد الأمور السابقة.
وما قيل أو يمكن أن يقال في دفعة عدة أمور:
الأمر الأول: ما ذكره الشيخ الآخوند من عدم اعتباره عند المعظم بل لعله إجماع المتأخرين، بل المتأخرين والمتوسطين.
وهذا يحتاج إلى ضم مقدمة أخرى، وهي أن ما كان اصطلاحا للقسم الأول من الفقهاء، لا يمكن أن يحمل عليه عنوان الباب.
وجوابه: أن هنا فرقا بين كونه اصطلاحا وبين كونه فتوى. فالأغلب من الفقهاء لا يفتون بوجوبه. إلا إنهم يعترفون به كمصطلح لديهم. وهذا يكفي.
الأمر الثاني: ما ذكره الشيخ الآخوند أيضا من أن من اعتبره من الفقهاء فقد خصه بالعبادات لا مطلق الواجبات. فيكون عنوان الباب أضيق من المطلوب. لأن البحث فيها عام.
جوابه: ان عمومية عنوان الباب في الإجزاء، وان كانت مما ينبغي ان تكون، إلا ان مقصود الأصوليين لعله ضيق بخصوص العبادات. فيرجع الإشكال إلى أننا ينبغي ان نغير عنوان الباب من اجل توسيعه. وذلك بأن نترك قصد الوجه من عنوانه وهو مطلب معقول.
الأمر الثالث: انه لا وجه لاختصاص ذكر قصد الوجه مع ان جملة من الفقهاء، ذكروا شروطا أخرى للواجب العبادي كالتمييز والجزمية ونية القصر ونية القضاء ونحو ذلك. وعندئذ فلابد من تقييد عنوان الباب بمثل هذه القيود.
ــــــ[8]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وحيث أنها لم تقيد بها، إذن فليس المراد من قصد الوجه ذلك.
ويمكن ان يجاب: بان قصد الوجه أهم واسبق رتبة من كل ذلك، لأنه عبارة عن قصد التكليف. ولولاه لم تكن الماهية متحققة. فلا يفيد قصد التمييز ولا القصر ولا القضاء ولا غيرها. إذن فهو أرجح من غيره في الذكر.
الأمر الرابع: انه من الواضح ان التعرض في العنوان إلى المعلول لا العلة. ونريد بالعلة جانب الأمر، والتكليف. ونريد بالمعلول جانب المأمور به. وهو يقول في العنوان: الإتيان بالمأمور به على وجهه. يعني على الوجه الذي يصلح ان يقع صفة للمأمور به. وهذا هو جانب المعلول أي بالشروط والأجزاء الكاملة ونحو ذلك مما يأتي. لا جانب العلة وهو الأمر. في حين يتوقف قصد الوجه على وجود الأمر والتكليف. فلا يكون مراداً.
ويشهد لذلك حرف الجر (على) حيث تصورنا ان المأمور به على وجهه يعني موضوعا على وجه. وذلك لا يكون إلا حين يكون جامعا للأجزاء والشرائط. وأما الوجوب فهو باقي على المأمور به، لا اننا نتصور المأمور به على الوجوب. ولا اقل ان هذه مؤونة مجازية اقل من الأخرى، فيؤخذ بالكلفة الأقل لأنها اظهر.
المعنى الثاني: ما اختاره الآخوند من ان المراد بوجهه: النهج الذي ينبغي ان يؤتى به على ذلك النهج شرعا وعقلا. والضمير في (به) راجع إلى المأمور به. وقيد شرعا واضح. وقيد عقلا راجع إلى قصد القربة التي يرى استحالة أخذها قيدا في المأمور به.
يعني يكون جامعا لكل الشرائط والأجزاء وفاقدا لكل الموانع والقواطع. قال: مثل ان يؤتى به بقصد القربة في العبادة. أقول: أو الاستقبال أو الطهارة
ــــــ[9]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أو غيرها.
ويمكن ان يورد على ذلك أمور:
الأمر الأول: الاستغناء عن قيد (العقلية)، لأننا نرى إمكان اخذ قصد القربة في المتعلق بالأمر الأول. كما سبق ان ذكرنا فيعود قصد القربة إلى كونه قيد شرعيا لا عقليا. فيعود هذا الوجه إلى الوجه الآتي، أو يكون محصلهما واحداً.
ولذا قال في المحاضرات: ان من يرى الإمكان – كما عليه المحقق الأستاذ نفسه أو بواسطة متمم الجعل، كما عليه الشيخ النائيني- فلا حاجة إلى مثل هذا القيد. إذ يصبح قصد القربة قيداً شرعيا، فيدخل ضمن القيد الشرعي.
الأمر الثاني: ان هذا الأمر من الوضوح العقلي والفقهي، بحيث لا يحتاج إلى فتح باب للبحث عنه، فان سقوط الأمر والغرض عندئذ عقلا وعقلائيا من الضروريات.
وجوابه: أولاً: ان القدماء قالوا تلك العبارة في الأصول وحدها، بدون كونها عنواناً لباب كامل في الأصول. ثم جعلها المتأخرون منهم عنواناً للباب.
ثانياً: ان هذا وان كان من الضروريات، إلا ان التعرض له في الجملة ممكن، مضافا إلى وجود نتائج وصغريات أخرى أهم من ذلك. وهو إجزاء الأمر الاضطراري والأمر الظاهري عن الواقع. وهو المعنى المبحوث عنه، حقيقة في هذا الباب. وقد جعلوا هذا الأمر الواضح كمقدمة ملفتة إلى تلك النتيجة لا أكثر.
المعنى الثالث: ما ذكره الشيخ الآخوند من ان المراد: الكيفية المعتبرة في
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المأمور به شرعا. يعني ان يكون المأتي به مطابقا للمأمور به بتمام الأجزاء والشرائط والقواطع والموانع المأخوذة فيه شرعا. ويراد بالمأمور به المادة التي هي تحت الأمر مقيدة بكل القيود الشرعية التي تثبت بدليل معتبر. ويراد بالمأتي به: الفرد الجزئي الذي يحصل من قبل المكلف. وتكون مطابقتها كافية لصدق الامتثال وانتزاعه، ولإسقاط الأمر والإرادة والغرض.
وهذه (الكفاية) يعني الإجزاء. لأن (أجزأ) بمعنى كفى. والمراد به كونه علة كافية وليست ناقصة لإسقاط الأمر والغرض. أو يراد به ان المأتي به يكفي عن فرد آخر، وهو الإعادة، ومرجعه إلى الأول لأنه مسقط، ولو لم يكن مسقطا لما كفى في الإعادة.
وفرق هذا الوجه عن السابق، فيما لا يمكن أخذه قيدا في المأمور به مما هو متأخر رتبة عنه كقصد القربة والوجه: فإنهم قالوا بالاستحالة وعليه مبنى الشيخ الآخوند. لأن عنوان (القيود الشرعية) لا يشمله عندئذ. بخلاف ما إذا قلنا بالإمكان، كما هو الصحيح.
وقد أشكل عليه في الكفاية بعدة إشكالات:
الإشكال الأول: ولعله أهمها: عدم شموله لقصد القربة ونحوه من الكيفيات المأخوذة عقلا من قيود المأمور به شرعا. وهو مبني على الخلاف في تلك المسألة وقد اتضح جوابه.
قال: انه يلزم خروج التعبديات، لأننا لو لم نأخذ قصد القربة اختص الكلام بما لا يجب فيه ذلك. وان أدخلنا قصد القربة كان مستحيلا لأنه ليس قيدا شرعيا. فلابد من قيد آخر، كما فعل هو في الوجه الذي اختاره. وهو الوجه الثاني السابق. حين قال: الكيفيات المأخوذة في المأمور به شرعا أو
ــــــ[11]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عقلا.
وقد عرفنا الاستغناء عن ذلك لدخولها جميعا بالقيد الشرعي بعد القول بالإمكان.
الإشكال الثاني: ما ذكره الشيخ الآخوند أيضا، من انه يصبح قيداً توضيحياً أو تكراريا. وهو بعيد.
وجوابه: أولاً: ان الوجه الذي اختاره أيضا قيد توضيحي لا يختلفان من هذه الجهة. لأن القيود العقلية أيضا مندرجة في المأمور به على الفرض.
ثانياً: اننا نقبل ان يكون قيدا توضيحياً. باعتبار ان الإتيان بالمأمور به يتضمن ذلك، والا لكان إتيانا وهميا لا حقيقياً، إلا ان التوضيح ضروري.
ثالثاً: ان كونه قيداً توضيحيا يحتاج إلى تقريب ولم يقربه. وأحسن تقريب له هو ان يقال: ان الإتيان المطلق هو الكامل، فيكون ظاهراً به. وهو معنى على وجهه، فيبقى القيد توضيحياً.
رابعاً: انه من الواضح ان هذا القيد لأجل دفع دخل، وهو احتمال الإتيان به على غير وجهه من نقص وزيادة، مهما كانت قليلة. ولذا احتاج إلى القيد التوضيحي.
خامساً: اننا لو كنا صحيحيين في الوضع للعبادات، لكان هذا الإشكال واردا – بعد التنزل عن الأجوبة السابقة – لأن الإتيان بالمأمور به يساوق كونه على وجهه فيكون التقييد به مستأنفاً.
إلا ان الصحيح هو الوضع للأعم، فنفهم من المأمور به ذات المأمور به الأعم من الجامع للشرائط وغيره، وهو ما صدق عليه عرفا انه صلاة أو صوم،
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وحينئذ يحتاج إلى قيد كونه على وجهه، والا لم يكن مجزيا, كما هو واضح.
إلا ان رأي الشيخ الآخوند في الكفاية هو الوضع للصحيح، كما سبق ومن هنا صح منه هذا الإشكال.
ان قلت: اننا قلنا ان الوضع المتشرعي والفهم المتشرعي إنما هو للصحيح، فيعود الإشكال. قلنا: نعم، إلا انه – مع ذلك – يمكن ان نفهم منه المعنى اللغوي أو العرفي بل هو الأصل.
سادساً: يمكن ان يقال: اننا لو كنا صحيحيين قبلنا حذف هذا القيد، لأن الإتيان بالمأمور به وحده يكفي عنه. والا لم يكن إتيانا له بالدقة.
إلا ان جوابه:
أولاً: اننا نبني على الأعم.
ثانياً: انه لابد هنا من التوضيح. إذ لابد من قيد من قبيل: ان الإتيان بالمأمور به الكامل أو بالدقة مجزئ. أو الإتيان الدقي مجزئ وهكذا. ولولا ذلك لكانت العبارة اعم بلا إشكال.
فهذا الوجه هو الصحيح في تفسير قولهم على وجهه، وخاصة بعد القول: بان قصد القربة قصد شرعي بعد نفي استحالة التقييد به.
الأمر الثاني: في معنى الاقتضاء. في قولهم: ان الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء.
وما يمكن ان يكون معنى له أحد ثلاث أمور:
الأمر الأول: فعل المقتضي الذي هو الجزء الرئيسي من العلة. وهذا ما
ــــــ[13]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يستظهر من مادة (يقتضي) المستعملة في العبارة السابقة.
وهذا يواجه إشكالا وحاصله: اننا إذا فسرنا على وجهه بالأجزاء والشرائط، ولم ندخل الموانع أمكن وجود المانع عن هذا المقتضي، فلا يكون مجزياً. ولكن ليس المفروض ذلك بل تدخل الموانع في ضمن الشرائط الشرعية، باعتبار التقييد بتركها.
فإذا جاء المكلف بالعمل على وجهه جامعا للشرائط فاقدا للموانع، فانه لا يتصور هناك مانع خارجي يمنع عن إجزائه.
فان قلت: فانه موجود، كفرض وجود الرياء أو عدم التزاحم مع الأهم كتطهير المسجد ونحو ذلك.
قلنا: اننا إذا أدخلنا كل ذلك في ضمن الوجه المعنون في العبارة. استحال تصور مانع آخر طارئ. إلا بنحو إحباط الحسنات ونحوها مما يعود إلى مرحلة القبول لا الإجزاء، وكلامنا في الإجزاء لا في القبول.
ومعه يبعد قصدهم للمقتضي فقط . إلا ان الذي يهون الخطب كون وجود المقتضي اعم من وجود المانع وعدمه. فيشمل صورة العلية وهو الوجه الآتي.
الأمر الثاني: ما اختاره في الكفاية والمحاضرات، بل هو مشهور المتأخرين. من ان المراد : العلية التامة.
بتقريب: ان التعبير بالاقتضاء عن العلية موجود، والمقتضي اعم من وجود المانع وعدمه. فيختص بصورة عدم المانع.
وهذا فرع من معنى (على وجهه)، والا لما كان هذا الفهم ضروريا، وخاصة في صورة التزاحم الخارجي مع الأهم أو نهي من تجب طاعته، ونحو
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ذلك. ولا شك انهم (ضمنيا)، ادخلوها ضمن الوجه المطلوب لكي يحكموا بالعلية.
قال في المحاضرات عن وجه ذلك: ان فرض المولى متعلق بإتيان المأمور به بكافة إجزائه وشرائطه. فإذا أتى المكلف به حصل الغرض منه اسقط الأمر. ضرورة انه لا يعقل بقاءه مع حصوله. كيف وان أمده بحصوله. فإذا حصل المأمور به، انتهى الأمر بانتهاء أمده. والا لزم الخلف أو عدم إمكان الامتثال أبدا.
وهذا يمكن تقريبه بعدة تقريبات باختلاف معنى الغرض الذي ذكره:
التقريب الأول: ان نفهم من الغرض ما هو مصطلح، وهو المصلحة الواقعية التي يراها العدلية، في مقابل الاشاعرة. ولعله الأظهر من لفظ الغرض دائما.
فيكون التقريب: ان هذه المصلحة متعلقة بالامتثال أو الإتيان بالمأمور به على وجهه الكامل. ومعنى تعلقها به أي حصول تعلق وجودها به. فإذا حصل الامتثال حصل الغرض، فيكون حصوله بامتثال ثاني من تحصيل الحاصل، كما يكون فرض عدم حصوله مستحيلا، لأنه من تخلف المعلول عن علته.
التقريب الثاني: ان نفهم من الغرض نفس المعنى ولكن نقول: انه معيّن بالامتثال. ولذا يقول في المحاضرات: ان أمده حصول الامتثال. فإذا حصل الامتثال انتهى أمده فإذا انتهى أمده سقط. ولا معنى لوجود الشيء بعد حصول أمده. وهو مستحيل.
التقريب الثالث: ان نفهم من الغرض: الإرادة المولوية التي كانت على للأمر التشريعي. وهي متعلقة بالامتثال، وهي بمنزلة العلة له. فإذا حصل
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الامتثال زالت الإرادة، ويستحيل بقاؤها.
التقريب الرابع: ان نفهم من الغرض الإرادة ونقول: ان أمد وجودها هو الامتثال، لأن وجودها يناسب عكسيا مع وجود الامتثال، لأن وجودها منوط بعدمه وعدمها منوط بوجوده. فإذا حصل الامتثال فقد انتهى أمد وجودها ولزم عدمها وهو المطلوب.
التقريب الخامس: ان نفهم من الغرض نفس الامتثال باعتبار ان غرض المولى ومطلوبه هو الامتثال نفسه. فإذا حصل الامتثال فقد حصل مطلوبه بعينه، كالقضية الضرورية بشرط المحمول.
إلا ان هذه التقريبات كلها طبعا متكونة من كبرى وصغرى. وكلها كأنها أخذت مسلمة أو وجدانية كأنها لا تحتاج إلى برهان. ولابد من استعراض ذلك لنرى صحتها من بطلانها.
التقريب الأول: ان كل شيء متعلق بشيء فانه يحصل بحصوله. وصغراه: ان المصلحة متعلقة بالامتثال، فتحصل بحصوله.
والمناقشة هنا في الكبرى، لأن نحو هذا التعلق يختلف، وهو يختص بالعلية والمعلولية، وهي فرع عدم وجود المانع بالمعاني التي ذكرناها. والا فالامتثال مقتضى للمصلحة لا أكثر.
مضافا إلى ان المشهور يعبر بسقوط الغرض، وهو زواله، في حين يعبر في المحاضرات بحصول الغرض.
وحصول الغرض وان كان أجود إلا ان المشهور أيضا محمول على الصحة من حيث إمكان القول: ان هناك نقصاً في عالم التكوين لا يكمله إلا الامتثال
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والمصلحة تقتضي هذا الكمال بمقتضى الحكمة والعلة الغائية، فإذا حصل الامتثال زال ذلك النقص وسقط .
وليس هناك مصلحة ثابتة في المرتبة السابقة على الامتثال كما يتصور المشهور. لأن هذا خلف كونها معلولة للامتثال.
نعم، حصول الغرض يصح بالنظر الآخر، وهو: ان الغرض هو حصول المصلحة المعلولة للامتثال وهو الكمال المشار إليه. فإذا حصل الامتثال حصل الكمال فحصلت المصلحة، فحصل ما هو محبوب المولى أو ما هو مقتضى الحكمة أو العلة الغائية، ويكون التعبير عندئذ بالسقوط خاطئاً.
اللهم إلا ان يقال: ان مقتضى الحكمة هو سد ذلك النقص أو قل هو حسن بالعقل العملي، وهو محمول ثابت في عالم الواقع. فتكون الحكمة واقعية لا تكوينية خارجية. وإنما توجد تكويناً بصفتها معلولة للعمل. وهو يصلح ان يكون غرضا، إلا انه لا يسقط بل يتحقق ويحصل. فهذا القول أحق من المشهور.
وعلى أي حال، فكبرى التقريب ليست بصحيحة لأن مجرد التعلق اعم من الاقتضاء أو العلية.
التقريب الثاني: ان كل شيء ينتهي بحصول غايته وأمده. وصغراه: ان أمد المصلحة هو الامتثال. فينتج انها تسقط بوجوده. نلاحظ اننا هنا نعبر بالسقوط .
والمناقشة هنا في الصغرى بعد تسليم الكبرى:
أولاً: ما معنى ان أمد المصلحة هو الامتثال ؟ فانه مبني على النظرة التي
ــــــ[17]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عرفنا خطأها. وهو وجود مصلحة تكوينية ناجزة سابقة مرتبة أو وجودا على الامتثال. وقلنا: ان هذا خلف معلولية المصلحة للامتثال.
ثانياً: انه ان كان عدمها منوطا بالامتثال، فعدم المصلحة مفسدة. فهل تترتب على الامتثال مفسدة؟
ثالثاً: ان ذلك التقريب كان مبنيا على حصول الغرض، يعني ان الامتثال يكون سببا لحصوله. وهذا التقريب مبني على سقوط الغرض به. وهذا من التشويش في المصطلحات المؤدي إلى فساد المطلب أصلا.
رابعاً: اننا كيف نبرهن ان أمد المصلحة هو الامتثال، ما لم تكن بنحو العلة الغائية. فإن العلة الغائية في أولها فكرة وفي آخرها تطبيق وتنتهي تلك الفكرة بوجود التطبيق، وهو معنى سقوط المصلحة، وان الفكرة أمدها التطبيق.
وهذا:
1 – انه لم يتعرض إلى العلة الغائية. ولم تخطر في باله هنا.
2 – انه يلزم منه ان التطبيق للعلة الغائية هو الامتثال نفسه لا الأثر أو المصلحة أو المعلول المترتب عليه. كما هو كذلك مشهوريا، كمعراجية المؤمن. ولو كان المطلوب الأثر لكان اللازم ان نقول: ان أمده هو معلول الامتثال لا الامتثال نفسه.
التقريب الثالث: كبراه: إذا وجد المعلول زالت العلة لاستغنائه عنها. وصغراه: ان الإرادة علة للامتثال فهي تزول بوجوده.
وهذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
ــــــ[18]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أما كبرى فللإيمان بعدم استغناء المعلول عن العلة بوجوده واستمراره. اللهم إلا ان نقول: ان العلة المبقية غير العلة المحدثة. أو نقول: ان ذلك في علل التكوين لا في علل التشريع وكلامنا في الثاني.
وأما صغرى: فلأن الامتثال ليس معلولا للإرادة بل للأمر. إذ لولاه لما وجد.
فان قلت: انه بوجود المعلول تزول كل علله السابقة يعني علته وعلة علته، فيشمل الإرادة.
قلنا: هذا باطل، تشريعا وتكويناً. لعدة وجوه:
1 – الطعن في الكبرى كما سبق.
2 – انها خلاف الواقع تكوينا، ومثاله ان النار تبقى بعد الإحراق.
3 – انها خلاف الواقع تشريعا، لأن المصلحة أيضا تقع ضمن العلل. وهي واقعية لا تزول بالامتثال، كما سبق.
فان قلت: فان العلة المباشرة هي إرادة المكلف وهي تزول بوجود الامتثال. قلنا: انه يكفي الآن ان تكون إرادة المولى جزء العلة في الجملة.
التقريب الرابع: كبراه: ان كل ما كان بينهما تناف وجودا وعدما، إذا وجد أحدهما انعدم الآخر. كالضدين اللذين لا ثالث لهما. فإذا وجدت الحركة انتفى السكون وبالعكس. وهكذا.
وصغراه: ان الإرادة والامتثال من هذا القبيل، فإذا وجد الامتثال زالت الإرادة.
ــــــ[19]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والكلام إنما هو في صغروية الصغرى، من هذه الكبرى. من أكثر من جهة:
أولاً: انه أشار السيد الأستاذ في بعض بحوثه: ان الإرادة لا تزول وإنما يحصل المراد والمحبوب. بدليل انه يبقى مرادا أو محبوبا حال الاستمرار وجوده. نعم، يزول حدها وهو الشوق إلى ما هو معدوم، لأنه عندئذ ليس بمعدوم.
ثانياً: ان الإرادة والامتثال ليسا ضدين ولا واردين على موضوع واحد، لكي ينفي أحدهما الآخر. بل ليسا من عالم واحد بل هما من عالمين. فلا يمكن ان يكون أحدهما نافيا للآخر.
وأوضح دليل على ذلك: هو عدم صحة العكس. فانه إذا وجد الامتثال انتفت الإرادة وأما إذا وجدت الإرادة لم ينتف الامتثال. نعم ظرف الإرادة هو ظرف عدم الامتثال. وهذا لا يكفي لصغرويته لهذه الكبرى. بل لكبريات أخرى. فيرجع هذا التقريب إليها.
التقريب الخامس: وحاصله: اننا نفهم من الغرض نفس الامتثال، فإذا حصل الامتثال فقد حصل الغرض. وكبراه قضية بشرط المحمول. من باب انه إذا حصل الشيء فقد حصل. وصغراه ان الامتثال هو الغرض.
وهو قابل للمناقشة بعدة أمور:
أولاً: في المنقاشة في الصغرى. لأن فيه تسامحا واضحاً لوضوح ان غرض المولى في الامتثال لا انه هو عينه.
مضافا إلى ان الامتثال يكون معدوما في مرتبة الإرادة والأمر. والمفروض
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
انهما يحصلان نتيجة للغرض. ولا يمكن ان يكون المعدوم مؤثرا.
ثانياً: انه يؤدي إلى وجود الغرض بالامتثال لا زواله. وهو أحد المحتملين في كلام المشهور والمحاضرات.
هذا كله لو لاحظنا كلام المحاضرات، في تشخيص النسبة بين الغرض والامتثال. وكل التقريبات لم تصح للإجزاء.
والآن نطبق العبارة على فهم الغرض. فانه يقول: ان غرض المولى متعلق بإتيان المأمور به بكافة أجزائه وشرائطه. فإذا أتى به المكلف حصل الغرض وسقط الأمر. ضرورة انه لا يعقل بقاؤه مع حصوله. كيف وان أمده بحصوله. فإذا حصل انتهى الأمر بانتهاء أمده. والا لزم الخلف.
فإذا كان المراد من الضمير في (بقائه) و (أمده) الغرض، كان إشارة إلى التقريب الثاني. مع جوابه السابق. في حين ان العبارة الأولى تفيد التقريب الأول. ويمكن تصيد باقي التقريبات بشيء من التأويل.
مع الالتفات إلى ان العبارة التي هي عنوان باب الإجزاء لا ربط لها بالغرض، فإدخال عنوان الغرض في عبارة المحاضرات، بلا موجب. وإنما المهم ملاحظة سقوط الأمر ووجوده. ولا دخل لسقوط الغرض أو بقائه في التكليف المباشر.
ومن هنا ينبغي ملاحظة العلاقة بين الأمر والامتثال، لا بين الغرض والامتثال، من اجل البحث عن الإجزاء وعدمه. وذلك على ضوء عبارة المحاضرات.
وهنا يمكن ان تأتي عدد من التقريبات السابقة، مع تطبيقها على الأمر هنا:
ــــــ[21]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التقريب الأول: كبراه ان كل شيء متعلق بشيء فانه يحصل بحصوله، والأمر متعلق بالامتثال فيحصل بحصوله.
وهذا واضح اللغوية، لأن الأمر لا يحصل بالامتثال. وان قلنا ان الغرض يحصل بالامتثال. بل الأمر سابق رتبة على الامتثال.
التقريب الثاني: وهو الأقرب إلى إطلاق عبارة المحاضرات: ان كل شيء ينتهي بانتهاء أمده. وأمد الأمر هو الامتثال، فينتهي الأمر ويسقط بوجود الامتثال.
ويمكن الجواب عليه بدويا بأمرين:
الأمر الأول: اننا قلنا فيما سبق أكثر من مرة، ان المطاع حقيقة هو إرادة المولى لا أمره. وإنما الأمر طريق إثباتي للتعرف على الإرادة. فلا موجب للنظر إلى العلاقة بين الأمر والامتثال، كما فعل في المحاضرات. بل لابد من النظر إلى العلاقة بين الإرادة والامتثال.
الأمر الثاني: ان الأمر لفظ أو نطق ينتهي في لحظة أو دقيقة، فأمده النطق وليس أمده الامتثال. لوضوح ان الآمر لا يبقى ناطقا إلى حين الامتثال.
وجوب ذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: ان نتصور للأمر وجودا عرفيا وعقلائيا مستمراً. وهذا ثابت مادام الآمر ينتظر من مأموره الامتثال، ويقول: أليس قلت لك ذلك. فيقال عرفا: ان الأمر لا زال ساري المفعول.
المستوى الثاني: ان نتصور للأمر وجودا ارتكازيا في نفس المولى بمعنى انه مهما التفت عرف نفسه آمراً. وهذا المقدار من الوجود يكفي في تصور
ــــــ[22]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
استمرار الأمر.
المستوى الثالث: ان نتصور للأمر وجودا واقعيا (في عالم الواقع) ثابت ومستمر. وقد وجد وجودا واقعيا منذ أول جعله. واستمر استمرارا واقعيا إلى حين الامتثال.
المستوى الرابع: ان نتصور ان الآمر هو الله سبحانه. واستمرار الأمر على مستواه ممكن لأنه سبحانه لا تعتريه غفلة الآمرين العرفيين.
المستوى الخامس: ان نعوض الأمر بالإرادة لأننا قلنا: انها هي الأهم في الامتثال، وهي باقية مادام عدم الامتثال مستمرا.
فان قلت: فان الإرادة أيضا مثل الأمر بالمعنى اللفظي. توجد في لحظة النطق، ولا يستمر وجودها أكثر من ذلك.
وفي جوابه: نحتاج إلى ما يماثل التقريبات السابقة:
1 – انها قائمة بالله سبحانه. وهي مستمرة لاستحالة الغفلة عليه.
2 – ان لها وجودا ارتكازيا. بمعنى انه كلما التفت إليها عرف استمرارها.
3 – ان لها وجودا عرفيا وعقلائيا مستمراً.
4 – ان لها وجودا واقعيا في عالم الواقع وان انتفت من عالم الخارج.
المستوى السادس: ان نغض النظر عن الإرادة والأمر، بعد التنزل عن المستويات السابقة. ونلتفت إلى معلولها وهو اشتغال الذمة. وهو مما يمكن ان نتصور له نحو استمرار إلى حين الامتثال. وهو أيضا، استمرار عرفي أو واقعي.
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لا يقال: ان المكلف لم يكن موجودا عند صدور الأمر فكيف استغلت ذمته. وعندما وجد المكلف، لم يصدر أمر جديد.
فان يقال: انه لابد متشرعيا وفقهيا من تصور استمرار الإرادة والأمر، بأحد التقريبات السابقة لنتصور شمولها للأجيال والأفراد والأزمان والاماكن. كما هو مقتضى ضرورة الشرع والإجماع على اشتراك المسلمين في الأحكام.
ومن هنا ظهر انه لولا هذه التقريبات، كان الإشكال واردا. وهو عدم قابلية الإرادة والأمر للاستمرار لكي يكون أمده الامتثال. في حين ان هذا الإشكال منتف عن الغرض لأن الغرض يستمر حقيقة إلى حين الامتثال. ومع العصيان يستمر بقاؤه إلى الأبد. ويكون العاصي مسؤولا عن ذلك.
فان قلت: فان أمد سقوط الأمر، ليس هو الامتثال وحده، بل هو الجامع بين إحدى مسقطاته، وقد قالوا: انها ثلاثة: الامتثال والعصيان وارتفاع الموضوع.
قلنا: أولاً: هذا الإشكال لا يضر بمسألتنا، لأن الامتثال مسقط في الجملة، لأنه يلزم من عدمه عدمه. فيكون امدا للأمر في الجملة. فيكون الأمر ساقطا عند حصوله. ومع سقوطه بالامتثال نحكم الإجزاء.
ثانياً: انه يمكن القول: ان أمد الأمر هو خصوص الامتثال دون ارتفاع الموضوع والعصيان.
اما انتفاء الموضوع: فلأنه ليس أمده حقيقة بل هو أمد موضوعه وعلته. وكما يرتفع المعلول بارتفاع علته، يرتفع أيضا بارتفاع علة علته. والمعلول هنا الامتثال وارتفاع المعلول راجع إلى ارتفاع العلة. غاية الأمر ان ارتفاعها لا من حيث معلولها وهو الامتثال، بل من ناحية علتها وهو الموضوع. أو قل: انه
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بارتفاع الموضوع ينتفي الأمر والإرادة، فينتفي الأمر.
وأما من ناحية العصيان، فلأنه أيضا يعود إلى ارتفاع الموضوع. لأنه لا يصدق العصيان إلا به. إذ مادام الموضوع موجودا ففرصة الامتثال موجودة. وإنما ينسد باب الامتثال لدى ارتفاع الموضوع. كخروج وقت الصلاة أو وقت الصوم أو موت الغريق.
فإلى هنا، تعين ان الوجود المعنوي للأمر والإرادة أمده الامتثال. إلا انه ليس أمدا اعتياديا كأمد الزرع بمجيء الشتاء. وإنما باعتبار كون الامتثال مطلوبا بالأمر نفسه. فما لم يحصل المطلوب يبقى الطلب ساري المفعول. وإذا حصل المطلوب صار الطلب أو الأمر، سالبة بانتفاء الموضوع. لأن وجوده بعده لا يخلو من أحد احتمالات:
1 – اما انه طلب لنفس الامتثال. فهو من تحصيل الحاصل.
2 – واما انه طلب لغيره، فهو من التكرار الذي لا نقول به.
3 – واما ان الامتثال أو الامتثالات لا تكفي لإسقاطه، وهذا ما ذكره في المحاضرات من انه غير قابل للامتثال أبدا. إلا انه ضعيف بازاء الاحتمال المنتج لتحصيل الحاصل.
وعلى أي حال، فقد رجع الحال، إلى ان الأمر يسقط لانتفاء الموضوع فقط. فان الامتثال والعصيان كلاهما سبب لانتفاء الموضوع بمعنى وآخر. مضافا إلى انتفائه بسبب خارجي. والأمر لا محالة يسقط بالامتثال، سواء قلنا بسقوط الغرض والإرادة حقيقة أم لا.
فهذا هو الكلام في التقريب الثاني. وقد بانت صحته في الجملة، فيصلح
ــــــ[25]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
دليل على عنوان الباب. وهو إجزاء الامتثال الواقعي عن الأمر الواقعي.
وبهذا نكون في غنى عن التقريبات الأخرى في النسبة بين الامتثال والأمر. ولكننا نذكرها وفاء لما وعدناه من الاستيعاب. مضافا إلى احتمال ان يكون في بعضها شيء من الوجاهة.
التقريب الثالث: كبراه: إذا وجد المعلول زالت العلة لاستغنائه عنها، وصغراه ان الأمر علة للامتثال. فهو يزول بوجوده.
وقد سبق ان ناقشنا الكبرى، وان سلمنا الصغرى هنا.
التقريب الرابع: كبراه: ان كل ما كان بينهما تناف وجودا وعدما. إذا وجد أحدهما انعدم الآخر، كالضدين اللذين لا ثالث لهما.
وصغراه ان الأمر والامتثال من هذا القبيل. فإذا وجد الامتثال زال الأمر.
وهذا لا ينبغي النقاش في كبراه. وإنما النقاش في الصغرى لما سبق ان قلناه في مثله في جانب الإرادة من ان الأمر والامتثال من مقولتين مختلفتين. فهما ليسا متواردين في مورد واحد. مضافا إلى ان التسبيب المشار إليه من طرف واحد لا من طرفين.
التقريب الخامس: ان المطلوب بنفسه هو الامتثال. فإذا حصل الامتثال فلا معنى لاستمرار الطلب بعده.
وهذا تعبير ساذج عن التقريب الثاني الذي قلناه. والا لولا تلك المقدمات التي فيه، لم يتم هذا التقريب.
الأمر الثالث: المتصور لمعنى الاقتضاء: ان يكون بنحو الكشف والدلالة
ــــــ[26]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
(وقد كان الأول هو معنى المقتضي، والثاني هو العلية التامة وقد انتهينا منهما).
قال الشيخ الآخوند في الكفاية: لا بنحو الكشف والدلالة، ولذا نسب إلى الإتيان لا إلى الصيغة.
أقول: كونه منسوبا إلى الإتيان واضح، لأن الضمير المقدر في (يقتضي) يعود إلى الإتيان. والإتيان ليس له كشف ودلالة لأنه فعل. والفعل لا دلالة له، لعدم الدلالة الوضعية، وعدم فرض الدلالة العقلية وغيرها من الدلالات غير الوضعية.
وكونه غير منسوب إلى الصيغة أيضا واضح لعدم رجوع الضمير إلى الأمر أو الصيغة. والصيغة لها دلالة، فلو كان الضمير راجعا إليها كان المراد بالاقتضاء: الدلالة. إلا انه غير راجع إليها.
هذا محصل مراد الشيخ الآخوند هنا.
ويرد عليه:
أولاً: انه حين قال: لا الكشف والدلالة. يعني ذلك رأيه. وحين قال: ولذا نسب إلى الإتيان لا إلى الصيغة. يعني رأي غيره.
فغاية ما يتحصل: ان رأيه هو: ان رأي الأقدمين هو ذلك. وهذا غير مطابقة الأمر للواقع في نفسه. اللهم إلا ان تؤخذ صحة العبارة مسلمة ولو بدون برهان. كما هو ظاهر السياق أيضا، وهو كما ترى.
ثانياً: ان الفعل قد تكون له دلالة، فان كانت وضعية، كالإشارة فهو. والا أمكن ان تكون له دلالات التزامية عقلية. فمن الممكن القول: بعد ضم البرهان
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
السابق على سقوط الأمر ككبرى: ان الفعل نفسه صغراه، فيشارك في إنتاج النتيجة، وهي الحكم بسقوطه فعلا. وهذا نحو من الدلالة.
ثالثاً: كأنه  سلم انه لو كان الضمير في يقتضي راجعا إلى الأمر أو الصيغة لكان على نحو الدلالة. لأن الأمر لفظ وضعي وله دلالة. فهل يمكن ان يدل الأمر على سقوط نفسه بالإتيان والامتثال.
جزما. هذه ليست دلالة وضعية ولا استعمالية ولا مجازية. لوضوح ان الأمر استعمل في معناه الموضوع له وهو الطلب أو الوجوب، ولم يستعمل في ذلك. بل لعل المتكلم لم يرد ذلك إطلاقا.
وإنما يمكن القول انه لازم وجوده. فيدل وجوده عليه كما يدل الفعل أو الإتيان نفيه على ذلك. فيكون من باب اللازم العقلي.
فهذا من دلالة الألفاظ بوجودها التكويني لا الوضعي. كصوت الضربة على وقوع الضرب. غير ان صوت الضربة دال على علته، والأمر دال على معلوله وهو السقوط.
إلا ان هذا مما يستبعد إقرار الآخوند له، بل مجرد التفاته إليه. ومعه ينسد كون الصيغة دالة بأي نحو على سقوطها بالامتثال فكيف سلم بصحته.
اللهم، إلا ان يريد وجها محتملا بغض النظر عن صحته، أو انه وجه يمكن ان يكون قد خطر في أذهان بعض القدماء ونفوه حين اسندوا الضمير إلى الإتيان.
إلا انه يرد عليه:
1- انه من المستبعد ان يكون الآخوند قد قصد ذلك.
ــــــ[28]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- انه من المستبعد ان القدماء قصدوا ذلك. بحيث يكون هناك اطمئنان فعلي بعدم كلا القصدين.
وعلى أي حال فقد قربنا هنا احتمال أو إمكان وجود دلالة بنحو اللازم العقلي. فهل يعني ذلك: ان نفسر الاقتضاء به ؟
كلا. لأننا عرفنا ان هذه الدلالة (الاثباتية) فرع البرهان (الثبوتي) السابق على الملازمة بين الإتيان والسقوط. فيكون ذلك أولى بكونه وجها: أولاً: لأنه ثبوتي. والثبوت أولى واشرف وارسخ من الإثبات. ثانياً: انه اسبق منه رتبة. لوضوح ترتب هذا عليه. والأخذ بالأسبق رتبة هو الأولى. وان كان هذا في نفسه صحيحاً. إلا ان معناه صحة كلا الأمرين، لا صحة الدلالة بدون ملازمة ثبوتية. لوضوح انه لولاها لانتفت الدلالة.
ثم انه قال في المحاضرات: وهذا (يعني انتهاء الأمر بانتهاء أمده) هو المراد من الاقتضاء في عنوان المسألة، لا العلة في الأمور التكوينية الخارجية، كما هو واضح.
أقول: لو قصدنا من العلية: العلل الخارجية، كسببية النار للإحراق والضوء للإبصار والسقوط للارتطام، لما كان هذا منها. وهذا واضح كما قال.
ومعه فقد يقال: بان المعنى الثاني للاقتضاء وهو العلية يكون غير تام. لعدم العلية هنا لأن العلية ما كان خارجيا، وهنا ليس بخارجي، فلا تصدق العلية. فيكون العنوان عاطلا باطلا أساسا.
وجوابه: انه لا دليل على اقتصار مصطلح العلية بذلك، بل بالتأكيد انه أوسع من ذلك. وخاصة ونحن نتحدث في الفقه والأصول لا في الفلسفة والمنطق.
ــــــ[29]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلى حد يمكن ان يقال: ان سببية كل شيء بحسبه، وبحسب عالمه، سواء كان خارجيا أم ذهنيا أم واقعيا أم اعتباريا أم انتزاعيا، ونحو ذلك. وكلها وجودات متحققة في أنفسها وقابلة للعلية والمعلولية.
ومن أمثلة ذلك: سببية مقدمات البرهان للنتيجة وسببية المعاملات لآثارها وسببية الشريعة للعدل. وسببية الزواج لوجوب النفقة، بل سببية كل موضوع لحكمه. وكذلك سببية الاضافيات لعناوينها. كسببية الفوقية والتحتية والأبوة والبنوة، وغير ذلك كثير.
ويكفي في العلية: انه يلزم من عدمه العدم. ولاشك انه يلزم من عدم الامتثال عدم سقوط الأمر ولا سقوط الإرادة والغرض، بل استمرارها في عالمها الخاص بها. كما يلزم من حصوله سقوطها.
فان قلت (دفاعا عن المحاضرات): انهم قالوا: بلزوم السنخية بين العلة والمعلول. وهي هنا منتفية.
قلنا: أولاً: انه لا دليل على الكبرى بل تكفي مطلق المناسبة في علم الله سبحانه. وهي لا شك موجودة. وان اختلفت العوالم.
ثانياً: النقض بعلل المعاملات ومعلولاتها. فهل ان الإيجاب والقبول من سنخ الملكية. وهل الملكية من سنخ الحكم بحرمة الغصب من المالك. إلى غير ذلك. وأحدها وضعي والآخر تكليفي. بل الأمر أوسع من ذلك حتى في العلل التكوينية. فان النور ليس من سنخ الإبصار. ولا الدواء من السنخ الشفاء ولا السم من سنخ الموت.
ثالثاً: اننا قلنا: ان المهم هو سقوط الإرادة أو حصول المراد. وليس المهم هو الغرض ولا الأمر.
وإذا لاحظنا الإرادة نجد ان متعلقها هو الامتثال بحيث لا معنى لوجودها
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بدونها. فهنا عدة تقريبات:
التقريب الأول: ان الإرادة لا تزول بل تتأكد. أو انها تبقى كما هي. كل ما في الأمر ان حدها يختلف. لأنها كانت من إرادة المعدوم والآن هي من إرادة الموجود. فالعلية منتفية إلا بمقدار تبديل العدم إلى الوجود.
التقريب الثاني: ان الإرادة سواء منها التكوينية أو التشريعية متعلقة بمرادها ذاتا. ومقتضى هذا التعلق ـ بعد التنزل عن التقريب الأول ـ هو زوالها واضمحلالها مع وجوده.
التقريب الثالث: ان متعلق الإرادة حقيقة هو الصورة الذهنية للامتثال. فإذا حصل له مطابق بالعرض، وهو الامتثال الخارجي، زالت الإرادة والا بقيت.
وحينئذ، فمطابقة وسنخية الصورة مع ذي الصورة مسلم (أي إثباتا ودلالة) ومطابقة وسنخية الصورة مع الإرادة أيضا مسلمة (أي ثبوتا باعتبار وحدة العالم وهو النفس). فلا إشكال من حيث العلية.
هذا هو تمام الكلام في معنى الاقتضاء.
………………………..
الأمر الثالث: في معنى الإجزاء. فقد اخذ المشهور مسلماً انه بمعنى الكفاية. والظاهر انه لغة كذلك. إلا ان الكلام في معنى الكفاية المستعمل كاصطلاح في علمي الفقه والأصول.
وما قيل أو يمكن ان يقال في تفسيره عدة أمور:
الأمر الأول: سقوط الأمر والإرادة، أو حصول المحبوب على الخلاف
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
السابق.
الأمر الثاني: سقوط ما في الذمة من التكليف والمسؤولية. من حيث ان ما أتى به يكفي عما هو المطلوب. فإذا حصل المطلوب حصلت كل تلك الآثار، وهي سقوط الغرض والأمر والإرادة وما في الذمة. إلا ان الملحوظ في الأمر الأول هو ما يعود إلى المولى، والملحوظ في الأمر الثاني هو ما يعود إلى المكلف، وهو اشتغال الذمة.
الأمر الثالث: إسقاط الإعادة، فانه فرع الكفاية والا وجبت الإعادة.
وهذا بمجرده لا يكفي، لأنه من آثار الأمر الثاني، لأنه لو لم يكن كافيا بقيت الذمة مشغولة، ومع اشتغالها لابد من إفراغها بعمل آخر، وهو الذي يسمى بالإعادة. وان لم يكن بالدقة كذلك.
والمهم ان هذا وان كان صحيحا إلا ان الأفضل هو النظر إلى جانب العلة وهو اشتغال الذمة، لا المعلول وهو وجوب الإعادة.
الأمر الرابع: إسقاط القضاء.
وقد أشكلوا عليه: ان ما لا يسقط القضاء لا يسقط الإعادة بطريق أولى، لأنه إذا ثبت وجوب القضاء ثبت وجوب الإعادة بطريق أولى.
وجوابه عدة أمور:
أولاً: ما قالوه: من ان المراد بالقضاء هنا: الأعم من القضاء والإعادة. يعني مطلق التكرار. والظاهر ان هذا هو المراد من قولهم: فيسقط به التعبد. فيراد بالتعبد هذا المعنى الأعم من دون ان يتورطوا باختلاف الاصطلاح.
ــــــ[32]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ثانياً: ان الكلام فيما تعذرت الإعادة فيه، كما لو التفت إلى البطلان وعدم الإجزاء، خارج الوقت. فيتعين القضاء.
ثالثاً: ان المراد من الاصطلاح هو الإجزاء بالمعنى المثبت لا عدمه بالمعنى المنفي. فينسد هذا الكلام تماما. لأنه إذا كان المراد عدم الإجزاء، فالقضاء ملازم مع الإعادة. إذ لا يحتمل عدم وجوب القضاء مع عدم وجوب الإعادة – بعد التنزل عن الوجه السابق- .
إلا ان المراد هنا الإثبات وهو حصول الإجزاء. ومعه لا تثبت الأولوية المذكورة. وهي الإعادة عن القضاء. بل يكون القضاء أولى سقوطا من الإعادة لدى الإجزاء ان كان بأمر جديد، كما هو الصحيح. أو قل: انهما يسقطان معا ان كانا بأمر واحد.
وعليه فإذا فسرنا الإجزاء بمسقط القضاء، كان في الإعادة أولى. فيكون دالا عليه بالالتزام باعتباره اللازم بالمعنى الأخص, ولا حاجة إلى وجود الدلالة المطابقية عليه وان كانت أوضح.
ولذا لا يرد الإشكال الذي ورد على الوجه السابق: من حيث اننا نفينا الإعادة ولم ننف القضاء، مع انهما يسقطان معا. لأن جوابه: هو الدلالة عليه بالمماثلة أو الأولوية. كما يمكن ان نعمم معنى الإعادة لمطلق التكرار الذي يشمل القضاء.
إلا انه يرد عليه ما أوردناه على الوجه السابق، من ان إسقاط القضاء والإعادة إنما هو لأجل فراغ الذمة. ويحسن ان ننظر إلى جانب العلة لا المعلول.
الأمر الخامس: إسقاط الإعادة والقضاء معا. وبذلك تندفع الإشكالات
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
السابقة.
إلا انه يبقى: ان الملحوظ ان كان هو الصلاة، كما هو الغالب، صح هذا الوجه. وان كان المراد عموم الواجبات، فغالبها ليس فيه قضاء. فالتعرض للقضاء فيها بلا موجب لأنه بنحو السالبة بانتفاء الموضوع. وخاصة: إذا التفتنا ان مقتضى القاعدة عدم ثبوت القضاء ما لم يدل عليه دليل.
إذن، فالأصل في الواجبات انها لا قضاء فيها، فالتعرض إلى القضاء بلا موجب.
وهذا مما يشكل إشكالا على التعريف السابق وهو الاختصاص بالقضاء، وكذلك إذا قصدنا منه الأعم من الأداء والقضاء.
إلا اننا إذا قلنا: ان الإجزاء سقوط الإعادة أو التكرار كان عاما لكل الواجبات المؤقتة وغيرها. وكذلك لو قلنا: انه فراغ الذمة أو سقوط الأمر. باعتبار حصول كل واجب حسب ما يناسبه من سقوط الإعادة أو سقوط القضاء أو سقوطهما معا.
كما انه لا ينبغي ان يفوتنا ان الإجزاء قد لا يحصل ولكن لا تجب الإعادة ولا القضاء، فيكون سقوط الإعادة والقضاء اعم من الإجزاء، إذ يناسب مع عدمهما أيضا.
كما في بعض الموارد: منها: ارتفاع الموضوع، كوجوب إنقاذ الغريق إذا مات غرقا. ومنها: ان المأتي به لم يحصّل كل الملاك. إلا انه لا يمكن التدارك للباقي بالإتيان بالعمل مرة أخرى.
وهنا قد يفرض ان الجزء الباقي إلزامي، وقد يفرض استحبابيا. لا كلام
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
على الثاني. ولكن لا مثال للأول وهو نادر. ونظر المشهور إلى الغالب.
ويمكن ان يمثل له على بعض المسالك الفقهية، بالتكبير أربع تكبيرات على الجنازة نسيانا. مع التذكر بعد زوال محل التدارك . وكذلك بالتحلل للمريض أو الحائض أو المصدود، بعمرة مفردة أو هدي. فانه قد يقال: بسقوط حجة الإسلام عنه بذلك، مع انها لم تستوف الغرض.
الأمر السادس: من تفاسير الإجزاء: انطباق المأتي به على المأمور به. بمعنى كونه جزئياً حقيقيا له، ومصداقا تام المصداقية منه. فانه من الواضح انه إذا حصل ذلك فقد حصل الإجزاء، ولذا نقول حتما: انه مجزئ. فقد يقال هنا ان هذا هو معنى الإجزاء.
إلا ان هذا الوجه لا يتم بازاء الوجه الآتي، كما سيتضح.
الأمر السابع: من معاني الإجزاء.
ان الإجزاء عنوان انتزاعي، كعنوان الكفاية نفسه. ووجود منشأ انتزاعه دقي. وإنما نحن نعرف علله ومعلولاته.
فعلله العمل وانطباقه على المأمور به، فيحصل الإجزاء. وإذا حصل حصلت معلولاته، وهو فراغ الذمة من التكليف وسقوط الأمر والغرض.
فان قلت: فانك قلت: ان معنى الإجزاء هو فراغ الذمة مع انه انكشف عدمه.
قلنا: ذلك: أولاً: لأن فراغ الذمة أول معلول يحصل فيما يخص المكلف. بخلاف إسقاط الإعادة والقضاء، فإنها فرع فراغ الذمة. فالمعلول المباشر هو الفراغ. كما ان سقوط الإرادة والأمر، من شؤون المولى لا العبد.
ــــــ[35]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ثانياً: ان كان سيرا مع المشهور الذي لابد انه يريد من التعريف: التعريف باللازم أي المعلول، ولذا قال: انه سقوط الإعادة والقضاء. والا فمن الواضح ان عنوان الإجزاء الانتزاعي لا ينطبق بالدقة على ذلك. فحيث انهم عرفوه بمعلولاته، عرّفناه بمعلول أولى من ذلك.
فان قلت: انك قلت: منشأ انتزاع الإجزاء دقي. وهذا ينافي مسلك العرفية التي عليها فهم النصوص الشرعية.
قلنا: كلا. فانه مهما كان دقيا، فهو مدرك للعرف. لأن العرف قد يدرك بعض الدقيات وان لم يدرك تفسيرها كإدراكه للفرق بين المشتقات وبين المصدر واسم المصدر. والفرق بين النسب الحرفية التي تدل عليها الأدوات. والنسب التحليلية في الجمل التامة والناقصة. ولا شك ان الإجزاء ليس أصعب منها.
فان قلت: فانك قلت: ان الفعل المنطبق على المأمور به مجزئ، وهذا يدل على ان نفس هذا الانطباق هو الإجزاء.
قلنا: كلا. فان هذا خلاف الوجدان. فان انطباق المجزئ عليه، باعتبار كونه سببا للإجزاء، يعني يوصف بمعلوله وما هو متأخر رتبة عنه، لا بما هو مساو له في الرتبة.
وبتعبير آخر: اننا هنا نبحث عن معنى الإجزاء لا المجزئ. لأنهم قالوا: ان الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء.
فان قلت: فانه غير معروف في اللغة وليس له تعبير. فيكون في ذلك كالجامع الصحيحي للآخوند الذي لا يعرف إلا بمعلولاته.
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلنا: كلا. فان ذاك مما لا تعبير عنه في اللغة. واما في مورد الكلام فعبر عنه بالإجزاء والكفاية. وهذا يكفي. بل ان اغلب الأشياء لا يعبر عنها إلا بلفظ واحد، بحيث لو تنزلنا عنه لم يبق له لفظ آخر. كالماء والأرض والسماء. فلا حاجة إلى التنزل عن ذلك.
وفي المحاضرات قال ما مؤداه: انهم ليس لهم معنى اصطلاحيا خاصا، بل المراد منه في المقام هو المعنى اللغوي، وهو الكفاية. غاية الأمر انه يختلف باختلاف الموارد.
يرد عليه:
أولاً: ان المعنى اللغوي معنى انتزاعي كما عرفنا، فيحتاج إلى منشأ انتزاعه، ولم يشر إلى ذلك.
ثانياً: انه لم يشر إلى الضابطة العامة في اختلاف الموارد
وهذا مما يمكن له احد طريقين:
الأول: فراغ الذمة كما اشرنا. وفراغها يختلف باختلاف الموارد حسب الشروط المأخوذة في الأمر.
الثاني: ما يستشعر من ظاهر سياق عبارته، من ان المدار في ذلك حكم الشارع. أو قل: ما دل عليه الدليل الشرعي. فإذا دلّ على الإجزاء كفى. وبمقدار ما لم يدل عليه، قلنا: بوجوب الإعادة أو القضاء.
وهذا في نفسه جيد. غير انه في الإمكان إرجاع الوجهين إلى وجه واحد. لأننا إنما نبرهن على فراغ الذمة بالدليل الشرعي. فإذا دلّ الدليل على عدمه تعبدنا به.
ــــــ[37]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بل القول بفراغ الذمة أولى. لأن الكلام الآن بمقتضى القاعدة الأولية العقلية للإجزاء. وان الإتيان بالمأمور به هل يجزئ أم يقتضي التكرار. وهذا لا ربط له بالدليل الشرعي التفصيلي.
فإذا دلّ الدليل على الإجزاء، كما هو كذلك، كان بمنزلة العام، يمكن ان يخصصه الدليل الشرعي الخارجي من وجوب الإعادة دون القضاء مثلا. يعني انه غير مجزئ في الوقت ولكنه مجزئ خارج الوقت. فيكون التخصيص عن الإجزاء خاصاً بداخل الوقت.
ولكن إذا دلّ الدليل العقلي على عدم الإجزاء، أمكن أيضا تخصيصه. وعلى أي حال، فالمهم هو القاعدة العامة لا تفاصيل الأدلة. أو قل: ان المهم هو الاقتضاء العقلي لا الاقتضاء الشرعي.
هذا كله في إجزاء الامتثال الواقعي عن الحكم الواقعي. وقد عرفنا ان المدار فيه هو الانطباق المنتج لفراغ الذمة. أو قل: هو ان يكون المأتي به مصداقا كامل المصداقية من الكلي المأمور به بشرائطه. أو قل: كامل الجزئية كذلك.
ومثله يقال تماما في أي نحو من أنحاء التكليف الشرعي بالنسبة إلى مصداقه. فإذا كان هناك تكليف ظاهري وحصل مصداق كامل فرغت الذمة عنه واجزأ. وكذلك في التكليف الاضطراري، يعني: ان المأتي به الظاهري يجزي عن الحكم الظاهري والمأتي به الاضطراري يجزي عن الحكم الاضطراري.
ويتضح ذلك أكثر حين نرى الصورة المقابلة. وهو ان لا يكون المأتي به مصداقا كامل المصداقية من احد الحكمين الاضطراري أو الظاهري. كما لو كان ناقصا في بعض الجهات. فان الحكم بالإجزاء في مثل ذلك منتف على
ــــــ[38]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
القاعدة، ما لم يدل دليل عليه بالخصوص.
وبه يتضح لك: ان كل المستويات الثلاثة المطروقة في هذا الباب، تكون مصاديقها مجزية عنها إذا كانت تامة المصداقية لها.
وإنما الكلام في إجزاء الامتثال الظاهري أو الاضطراري من الحكم الواقعي. فانه مما لا إشكال فيه كونه مصداقا ناقص المصداقية عنه، وان كان تام المصداقية عن الحكم المناسب له. وحيث انه ناقص المصداقية، فلا يكون مجزيا على القاعدة.
إلا انه سيأتي الحديث عن ذلك في المباحث الآتية في باب الإجزاء. فإذا تم لدينا هناك القول بالإجزاء في الحكم الظاهري أو الاضطراري، أمكن القول هنا، بل هو عينه.
ولا اقل انه يمكن تتميمه بأحد تقريبين احدهما اسبق رتبة من الآخر:
التقريب الأول: وهو الأسبق رتبة.
ان يقال: ان الحكم الواقعي الأصلي الذي في علم الله سبحانه، مجهول لا محالة. فهو مرفوع لا محالة ومجرى للبراءة. ونحن معذورون أمام الله سبحانه لو صادف عصيانه. وإنما الحكم الفعلي المنجز علينا هو الحكم الظاهري الواصل إلينا بالطرق الظنية المتعبرة أو الظاهرية.
إذن، تحصل لدينا نتيجة التصويب، وان لم يكن كذلك حقيقة. فان التصويب هو القول بعدم الحكم الواقعي أو القول بتغير الواقع للظاهر. ونحن لا نقول بذلك.
إلا انه من الناحية العملية نرى ان الحكم الواقعي الأصلي وان كان
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
موجودا، إلا انه فاقد فاعليته ومنجزيته. وإنما الفاعلية والمنجزية والمولوية للحكم الظاهري جعلا ومجعولا.
فما اشتغلت به ذمة المكلف هو الحكم الظاهري. والمفروض ان المأتي به مصداق كامل المصداقية للحكم الظاهري. وان لم يكن كذلك بالنسبة إلى الحكم الواقعي، قطعا أو احتمالا. إلا انه مفرغ للذمة بعد ان اشتغلت الذمة بالحكم الظاهري، وجرت البراءة عن الحكم الواقعي.
التقريب الثاني: المتأخر رتبة:
ان يقال: ان الحكم الواقعي لم يفقد فاعليته، كما قيل في التقريب الأول، وإنما أصبح الحكم الظاهري منجزاً بصفته طريقا وغالب الإيصال إلى الواقع. والا فهو ليس مقصود بذاته للشارع، وإنما المهم هو الحكم الواقعي.
وإذا كان التفكير بهذا المقدار، يرجع الإشكال مرة ثانية. وذلك: لأن المأتي به ناقص المصداقية عن الحكم الواقعي. أو مشكوكا من هذه الناحية. فلا يكون مقتضى القاعدة الإجزاء.
وهنا يأتي مورد هذا التقريب الثاني: بان يقال: بان هناك تنزيل شرعي للامتثال الناقص منزلة الامتثال الكامل. لأننا نعلم ان الشارع المقدس، راض عن هذا النحو من الامتثال. وحيث صح عندنا ذلك، إذن يتم ان امتثال الحكم الظاهري امتثال للحكم الواقعي، إلا انه ناقص.
فمقتضى الرضا بالناقص، هو فهم نحو من التنزيل للناقص منزلة الصحيح التام. ومعه يكون مجزيا في نظر الشارع في طول التنزيل.
التقريب الثالث: والذي يمكن ان يقال أيضا:
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وذلك: بالطعن بدليل التنزيل، وانه كلفة تحتاج إلى دليل ولا دليل. فان قلت: فإننا قلنا: ان الدليل دلّ على رضاء الشارع المقدس بهذا الامتثال. وهو ملازم مع التنزل. إذ بدونه لا وجه للرضا عن هذا الامتثال الناقص.
وجوابه: انه لا ينحصر رضاء الشارع به عن طريق التنزيل بل يمكن ان يكون على وجه المعذورية. وذلك في طول الجهل وعدم إمكان التوصل إلى الواقع الأصلي. بحيث يكون التكليف به تكليفا بما لا يطاق. مع ضم مقدمتين أخريين:
إحداهما: ان المكلف اعتمد على الأمارات الغالبة الصدق والممضاة من قبل الشارع أو قل المجعولة من قبله.
ثانيهما: ان المكلف بذل أقصى وسعه في تطبيق عمله على ما وصله من الحكم بصفته طريقا إلى الحكم الواقعي. يعني انه بذل وسعه في تطبيق الحكم الواقعي بمقدار ما يستطيع نظريا وعمليا. ولم يقصر في شيء على الفرض. فيكون معذورا عن الباقي. فيكون الحكم بالإجزاء في طول المعذورية.
وفي الحقيقة هو تنازل من قبل الشارع عن الإجزاء الكامل في طول تنازله عن الحكم الواقعي المجهول إلى الحكم الظاهري الواصل.
نعم، لو قلنا بنفي البراءة مطلقا، يعني الشرعية والعقلية، وصرنا إلى وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية، يعني حتى في موارد الأمارات (وهذا مما لم يقل به أحد). إذن لكان إجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي باطلا. ما لم يحصل الاحتياط الذي يوصل المكلف إلى اليقين بفراغ الذمة عن الواقع نفسه. إلا ان هذا غير محتمل، كما هو محرر في محله، فإننا ان أنكرنا البراءة العقلية، فلا اقل من الاعتراف بالبراءة الشرعية.
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا كله في إمكان إجزاء الامتثال للحكم الظاهري عن الحكم الواقعي.
………………………..
وأما الكلام عن الحكم الاضطراري، فان الحكم الاضطراري واقعي وان كان ثانوياً، لأنه لم يؤخذ في موضوعه الشك. بل يفترض كونه من هذه الناحية ثابتاً باليقين.
وينبغي هنا ان نلتفت أولاً: ان الضرورة مسقطة للتكليف الذي يكون في موردها. والضرورة قد تقع في اجتناب الحرام، فتؤدي إلى جواز فعله. وقد تقع في فعل الواجب، فتؤدي إلى جواز تركه. بعد سقوط الحكم الأصلي بالضرورة.
والكلام ليس في المحرمات، لأنه عنونوا باب الإجزاء لمتعلقات الواجبات وليس المحرمات. لأن متعلق الحرام يقتضي الترك، ولا معنى لإجزاء الترك عن الحرام.
أقول: هو معقول ومؤكد الصحة أيضا، إلا انه خارج عن هذا الباب في اصطلاحهم. ولعلهم تركوه لكونه مؤكد الصحة.
واما الواجبات، فهي قسمين: قسم يسقط بلا بدل، على ما سنوضح، وقسم يسقط مع وجود البدل عنه.
اما الذي يسقط بدون بدل فهو خارج عن محل الكلام، لأن الضرورة المتعلقة بتركه أو ترك جزئه وشرطه، أسقطت الخطاب بالكلية سقوطا واقعيا. فلا مجال لامتثاله لكي نقول بالإجزاء. فإذا تجشم المكلف الامتثال لا يكون مجزياً.
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما الذي يسقط إلى بدل، فلعل المثال الوحيد له في الشريعة هو الصلاة. وخاصة بعد سقوط قاعدة الميسور، على ما هو الصحيح. وذلك: لأن الصلاة لا تسقط بحال بل يجب الباقي بخطاب جديد. يعني الإتيان بالممكن من الأجزاء والشرائط. والظاهر بل الأكيد ان نظرهم إلى ذلك.
والا فانه لا يوجد خطاب اضطراري خارج الصلاة، إطلاقا، مما يدخل تحت عنوان الباب.
فهنا إذا طبقنا المأتي به الاضطراري على الحكم الواقعي الأولي كان مقتضى القاعدة عدم الإجزاء لأن المفروض نقصه. وما لم يكن تام المصداقية له، يكون باطلا.
وجواب ذلك يكون على احد مستويين: احدهما بمنزلة الصغرى والآخر بمنزلة الكبرى.
المستوى الأول: وهو الصغرى: بان يقال: ان الفرد قد جاء في امتثاله بكل ما يستطيع. والله تعالى أولى بالعذر في الباقي. بأحد التقريبين السابقين. اما بعنوان ان نفهم من الرضا التنزيل منزلة التام المصداقية، وان كان ناقصا. واما بعنوان المعذورية واكتفاء الشارع بالقليل عن الكثير.
المستوى الثاني: وهو الكبروي، وهو ان يقال: ان الحكم الواقعي الأولي ساقط لا محالة بالتعذر والضرورة. وما هو موجود في الذمة ومنجز هو وجوب الباقي. وهو الحكم الواقعي الوحيد لدى المكلف. ولا يوجد حكم واقعي في المرتبة السابقة عليه بشكل منجز، ولا حكم ظاهري في طوله، على ما هو المفروض.
وبحسب النتيجة، فان المفروض ان المأتي به هو مصداق تام المصداقية
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
من هذا الحكم الواقعي المنجز الذي يصطلح عليه بالحكم الثانوي، والفعلي الذي حصل في طول الضرورة، وهو وجوب الباقي، فينتج الإجزاء.
فان قلت: فان الكلام كان عن معنى الإجزاء لا الدليل على الإجزاء. فلماذا انجر الكلام إلى الدليل على الإجزاء.
قلنا: حصلت لذلك عدة نتائج، منها:
أولاً: ما هو المقصود هنا من تعريف الإجزاء وملاكه كما سبق. وان يكون المأتي به تام المصداقية للمأمور به. لأن الكفاية اللغوية والإجزاء العقلائي، إنما يكون بذلك.
غاية الأمر ان المأمور به يختلف باختلاف موارده، ولكن القاعدة المنطبقة على سائر الموارد واحدة، كما سمعنا. بخلاف ما ذكره في المحاضرات، كما سبق.
ثانياً: اننا سرنا هنا في الطريق المستقيم الذي لم يسر فيه الأصوليون، في هذا الباب. كأنهم أخذوه مسلما. وبذلك قد أسسنا القواعد الرئيسية للإجزاء التي تنفعنا في المستقبل خلال بحوث هذا الباب.
واما ما ذكروه فيما يلي، فسنرى انه ليس من اجزاء الحكم الظاهري أو الاضطراري عموما، كما بحثناه الآن. وإنما هو بحث في بعض التفاصيل كوجوب الإعادة في الوقت وعدمه مع تغير الحال. كأنها مسألة فقهية وليست أصولية، كما سيأتي. وكأن الإشارة في ذلك إلى جواز البدار وعدمه. فان لم نقل بالجواز لم نقل بالإجزاء، والا قلنا به. وهذا كلام يأتي.
………………………..
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمر الثاني: في باب الإجزاء (في الكفاية).
في إبراز الفرق بين هذه المسألة وبعض المسائل الأخرى. في مقابل احتمال الإشكال بأنها راجعة إليها وليست مسألة مستقلة فلا موجب لذكرها مجدداً.
وقد ذكر الشيخ الآخوند مسألتين: مسألة المرة والتكرار ومسألة تبعية القضاء للأداء. وفيهما معا بدأ بالجواب مع عدم تعرضه للسؤال كعادته في اغلب كلامه .
وفي (عناية الأصول): ان في هذا الفصل ردّ الشيخ الآخوند على ما في تقريرات الشيخ من عدم الفرق بين المسائل الثلاثة كلها، على ما هو ظاهر العبارة. لأنه قال: ان هذه المسألة لا تختلف عن مسألة المرة والتكرار ولا عن مسألة تبعية القضاء للأداء. إلا انه هناك لم يبين الوجه لعدم الفرق، فكأنه مجرد الدعوى أو الوجدان وهو غير كاف كما هو واضح، لأن قطع كل فرد حجة عليه فقط.
ولو سرنا بهذا المسار أنتج انه لا فرق بين مسألة المرة والتكرار ومسألة تبعية القضاء للأداء أيضا، لأن مثل المثل مثل. وهو مما لا يعترف به صاحب التقريرات أكيدا.
مع العلم انه مما يتوقف عليه كلامه. لأن هاتين المسألتين إذا لم تكونا متشابهتين. فلا يمكن ان تكون مسألة الإجزاء مشابهة لهما معا، مع تنافيهما في أنفسهما. وإنما يصح ذلك في صورة تشابههما وهو غير محتمل.
وعندئذ نقول:
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أولاً: بما ان المسألتين أكيدتا التغاير ، إذن فمشابهة مسألة الإجزاء لهما باطل.
ثانياً: ان ما يمكن ان يقوله من حل نقضنا هذا، بإبراز فرق بين تلك المسألتين، كما لو تمسك بفارق العنوان أو بفارق النتائج، نقوله في الفرق بين مسألة الإجزاء وأي منهما.
ثالثاً: انه لم يبين أي دليل على ما ادعاه من عدم الفرق، كما قلنا.
وعلى أي حال فعرض المسألة يقتضي أولاً بيان ما يمكن ان يكون وجها لاتحاد المسألتين، ثم التصدي لجوابه:
أما مسألة المرة والتكرار، فأفضل ما يمكن ان يقال للمماثلة بينها وبين مسألة الإجزاء، إلى حد كان واضحا في ذهن صاحب التقريرات بحيث لم يكن هناك حاجة للاستدلال عليه في نظره: ان الإجزاء يقتضي المرة وعدمه يقتضي التكرار، بمعنى انه يقتضي الإعادة، ولا نعني بالتكرار إلا الإعادة.
ويمكن ان يجاب ذلك بأكثر من وجه واحد:
الوجه الأول: بالفرق بين الدلالة المطابقية والإلتزامية. لوضوح ان الإجزاء بالدلالة المطابقية أو الواضحة يقتضي فراغ الذمة وبالالتزام أو في المرتبة المتأخرة يقتضي عدم التكرار، الذي معناه الإجتزاء بالفرد الواحد. وكذلك اقتضاء عدم الإجزاء لعدم الوحدة أو للتكرار.
فيمكن ان يكون النظر في احد المسألتين إلى إحدى المرتبتين، وفي الأخرى إلى الأخرى. وهذا يكفي.
الوجه الثاني: بإبراز الفرق بين التكرار والإعادة. فإنهما معا وان كان
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يختص صدقهما على الفردين الكاملين، بالدقة. إلا أننا لو نظرنا إلى فهم المتشرعة، وجنا معنى التكرار هو ذلك. وأما الإعادة فهي تتضمن فساد الفرد الأول. أو قل: هي الجمع بين الفرد الناقص والكامل. وأما التكرار فهو الجمع بين الفردين الكاملين.
فإذا قلنا بعدم الإجزاء في هذه المسألة لزمت الإعادة. وأما في تلك المسألة، فالمطلوب التكرار وليس الإعادة. وإنما الإشكال ناشئ من زعم رجوع أحدهما إلى الآخر. وهو باطل.
الوجه الثالث: أنهما حتى لو رجعا إلى معنى واحد، فان هذا المعنى ليس هو الجمع بين الفرد الناقص والكامل، كما حققنا فيما سبق. بل هو الجمع بين الفردين الكاملين.
ومسألة رجوع مسألة الإجزاء إلى مسألة المرة والتكرار مبني على الأول. لأن عدم الإجزاء يقتضي نقص الفرد الأول لا كماله. فهو لا إعادة ولا تكرار بهذا المعنى.
بل حتى لو كان المراد من الإعادة والتكرار معا: الجمع بين الفرد الناقص والفرد الكامل، فأنه يختص بمسألة الإجزاء، إذا قلنا بعدمه. لأن المراد بالتكرار هناك إنما هو الجمع بين الفردين الكاملين. فلا يصدق عليه الإعادة ولا التكرار، كما في الفرق السابق.
نعم، هذا الوجه وما سبقه، مبني على الإشكال في الإجزاء في أحد الشقين، وهو صورة القول بعدم الإجزاء. فإذا لم تتم المسألة في أحد الشقين كفى. وانتقضت في الشق الآخر.
الوجه الرابع: ما ذكره في الكفاية: من اختلاف جهة البحث في
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المسألتين، قال: فإن البحث ههنا في ان الإتيان بما هو المأمور به يجزئ عقلا، بخلافه في تلك المسألة فانه في تعيين ما هو المأمور به شرعا، بحسب دلالة الصيغة نفسها.
وبتعبير آخر: يراد هنا الجهة العقلية وبتلك المسألة الجهة الظهورية.
ثم قال: نعم التكرار عملا موافقا لعدم الإجزاء. لكنه لا بملاكه.
جوابه:
أولاً: انه مع عدم الإجزاء لا يكون مصداقا للتكرار، كما سبق. لأن معنى التكرار هو الجمع بين الفردين الكاملين، لا الفرد الناقص والكامل. ومقتضى عدم الإجزاء، هو الجمع بين الفردين الناقص والكامل. فلا يكون تكرارا.
ثانياً: انه يمكن إرجاعهما معا إلى ملاك واحد، وهو الملاك الظهور، فيزول الفرق من هذه الناحية.
لأنه كما يدعي ظهور الأمر بالتكرار، يدعي أيضا ظهوره بالإطلاق ببقاء اشتغال الذمة بعد الفرد الفاسد.
نعم، سقوطه بالفرد الكامل عقلي، إلا ان بقاءه بالفرد الفاسد إطلاقي، من الإطلاق الأزماني.
إلا ان هذا لا يُرجع الوحدة بين المسألتين، وان سقط كلام الشيخ الآخوند. لأن مسألة المرة والتكرار، ذات ملاك ظهوري على كلا التقديرين، ومسألة الإجزاء، ذات ملاك ظهوري عند عدم الإجزاء، وملاك عقلي بناء على الإجزاء.
………………………..
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وأما مسألة تبعية القضاء للأداء، فملخص المسألة ان القضاء هل هو بنفس الأمر الأدائي، لأنه إذا سقط القيد بالوقت بقي الأمر بالطبيعي بعده. أم انه يسقط بسقوط القيد الأمر بالطبيعي كله، ويحتاج القضاء إلى أمر جديد.
والمسلك الأول ينتج تبعية القضاء للأداء، والمسلك الآخر ينتج عدم التبعية. والمدعى هنا هو مماثلة مسألة الإجزاء مع التبعية لا مع عدم التبعية.
وعندئذ نضم فكرة أخرى، وهي ان عدم الإجزاء كما يقتضي الإعادة أو التكرار في داخل الوقت يقتضي ذلك في خارجه أيضا، إذا لم يأت به في الوقت.
فأصبح عدم الإجزاء بمنزلة مسألة التكرار، لكن طرفه اعم من الوقت وخارجه. وهذا بناء على هذا المبنى، لأن القضاء يكون بنفس الأمر الأصلي، بإطلاقه الأزماني لخارج الوقت.
وبتعبير آخر: ان التكرار إذا لم يكن فيه فرق بين الوقت وخارجه، رجعت إحدى المسألتين إلى الأخرى. وبهذا يصح ما أشرنا إليه من رجوع المسائل الثلاثة إلى معنى متشابه أو مسألة واحدة.
وجوابه من عدة وجوه:
أولاً: النقض باللازم الذي عرفناه وهو وحدة المسائل الثلاثة. فان صاحب التقريرات لا يرى ذلك، أو على الأقل: ان ظاهر عبارته التفريق والاثنينية بين مسألة التكرار ومسألة تبعية الأداء للقضاء، مع انه يلزم من ذلك وحدتهما.
ثانياً: ان المسلك في مسألة التبعية غير صحيح، لأن العام يسقط بسقوط قيده. وليس للخطاب إطلاق أزماني إلى خارج الوقت. وبناء على خلاف
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التبعية يبطل الإشكال، لوضوح الفرق عندئذ بين المسائل الثلاث كلها.
ثالثاً: ما قلناه في الجواب السابق على المسألة السابقة، وهو التفريق بين الدلالة المطابقية والإلتزامية. فان الإجزاء يقتضي فراغ الذمة بالمطابقة ويقتضي سقوط التكرار في المرتبة المتأخرة. وهو كما يشمل الوقت يشمل خارجه، بعد التنزل عن الإشكالات الأخرى.
رابعاً: ما قلناه في الجواب السابق أيضا، من الفرق بين الإعادة والتكرار، ونقوله هنا على أحد الاحتمالات السابقة. وهو صدق الإعادة مع فساد الفرد الأول وصدق التكرار مع صحته. ومعه يكون القضاء مع فساد الفرد الأول الذي داخل الوقت، وهو مصداق الإعادة وليس مصداق التكرار. غاية الأمر أنها إعادة خارج الوقت. بناء على إطلاق الخطاب.
خامساً: ما ذكره الآخوند من ان البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعية وعدمها، بخلاف هذه المسألة، فانه كما عرفت في ان الإتيان بالمأمور به يجزئ عقلا عن إتيانه ثانياً، أداء أو قضاء. وهو راجع إلى ان الملاك هناك ظهوري وهنا عقلي. وهو أمر معقول.
………………………..
ثم قال الشيخ الآخوند: إذا عرفت هذه الأمور، فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين:
الأول: وعنوانه – كما في بعض الشروح -: في بيان كفاية الإتيان بالمأمور به مطلقا بالنسبة إلى أمره، لسقوط الغرض بذلك، فلا مجال للتعبد به ثانياً.
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وقال الشيخ الآخوند: ان الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي، بل بالأمر الاضطراري أو الظاهري أيضا، يجزي عن التعبد به ثانياً، لاستقلال العقل، بأنه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه، لاقتضاء التعبد به ثانياً.
وقال في المحاضرات: الأمر كما أفاده  وهو مما لا نزاع فيه وان نسب الخلاف إلى بعض، ولكنه على تقدير صحته لا يعتد به أصلا.
والوجه في ذلك: هو ان المكلف إذا جاء بالمأمور به واتى به خارجا واجدا لجميع الأجزاء والشرائط حصل الغرض منه لا محالة وسقط الأمر. وإلا لزم (1): الخلف أو (2): عدم إمكان الامتثال أبدا. أو (3): بقاء الأمر بلا ملاك ومقتضي. والجميع محال.
إما الأول، فلأن لازم بقاء الأمر تعدد المطلوب لا وحدته وهو خلف. وأما الثاني، فلأن الامتثال الثاني كالامتثال الأول، فإذا لم يكن الأول موجبا لسقوط الأمر الثاني، فالثاني مثله. وهكذا. واما الثالث: فلأن الغرض إذا تحقق في الخارج ووجد، كيف يعقل بقاء الأمر. ضرورة استحالة بقائه بلا مقتضي وسبب، بناء على مسلك العدلية.
فالنتيجة، ان إجزاء الإتيان بالمأمور به عن أمره ضروري من دون فرق في ذلك بين المأمور به الواقعي والظاهري والاضطراري أصلا.
ولنا على ذلك عدة تعليقات بالرغم من أننا عرفنا صحة النتيجة:
أولاً: انه اخذ سقوط الغرض بنظر الاعتبار، وقد عرفنا فيه نقطتان من الضعف.
1 – انه من خصائص المولى لا من خصائص العبد.
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2 – انه متأخر رتبة عن الامتثال. وأما ما يحصل بالامتثال الكامل مباشرة، فهو فراغ الذمة.
ثانياً: ان هذا البيان يتضمن سقوط الأمر والملاك بالنسبة إلى أمره، وأما بالنسبة إلى أمر غيره، كإجزاء الامتثال الظاهري عن الأمر الواقعي والاضطراري عنه أيضا، فهذا البيان لا يكفي. ما لم تضم بعض البيانات السابقة، كالتنزيل والمعذورية.
ومن المعلوم ان الأغلب في الفقه هو ذلك، لأن اغلب الإمتثالات ظاهرية غير محرزة المطابقة للواقع.
ثالثاً: انه تمسك بسقوط الملاك ولم يذكر فراغ الذمة ولا غيره. ومع ذلك جعل الكلام شاملا للامتثال الظاهري والاضطراري. وهذا فرع ان يكون للأمر الظاهري والاضطراري ملاك على حد ملاك الأمر الواقعي، وهو قطعي العدم.
وما تسالم عليه الإمامية والعدلية من وجود الملاك إنما هو خاص بالأوامر الواقعية وغير شامل لغيرها.
لا اقل ان نقول: ان الدال على ذلك هو الإجماع والعقل، وكلاهما دليل لبي يقتصر منه على القدر المتيقن. وهو وجود الملاك للأمر الواقعي الأولي دون غيره.
فان كان هناك ملاك للحكمين الظاهري والاضطراري، فليس على غرار الحكم الواقعي بل بشكل آخر. والملاك بالنحو الآتي ثابت لا محالة، وإلا كانت هذه الأحكام لغوا، وهو لا يصدر من الحكيم.
أما الحكم الظاهري، فملاكه الأمارية الغالبة والطريقية إلى الحكم
ــــــ[52]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الواقعي. ولا ربط لها بالملاك المتعَّلق بالمتعِّلق المأمور به. وهذا السنخ من الغرض لا ربط له بالامتثال أصلا، ولا يسقط بالامتثال أكيدا، وان كان الامتثال مصداقا له. وأما الحكم الاضطراري فملاكه الثانوية والتنزل في مقام التكليف. لكي لا يبقى المكلف منقطعا عن الطاعة وناسيا لذكر الله سبحانه في حال اضطراره وسقوط التكليف الأولي عنه. وهذا الملاك أيضا لا يسقط بالامتثال. نعم من الأكيد انه يحدث ويوجد بالامتثال، فإننا ان قلنا بذلك، يعني ان الغرض (عموما) يتحقق بالامتثال، فلا بأس، إلا انه لم يذكر ذلك المشهور ولم يذكره في المحاضرات. وأما فراغ الذمة فيحصل في كل ذلك.
رابعاً: عدم لزوم الخلف إذا قلنا بعدم سقوط الأمر، وليس لازمه وجوب الامتثال الثاني، لأن القائل بعدم السقوط لا يريد بقاءه بشكل فاعل ومؤثر. نعم، لو قلنا بعدم فراغ الذمة لزم ذلك. إلا انه معنى آخر غير بقاء الأمر، لأن عدم فراغ الذمة ناتج من بقائه بشكل فاعل ومؤثر, وهو غير مفروض.
خامساً: عدم لزوم اللازم الآخر، وهو بقاء الأمر بلا ملاك ومقتضي. لوجهين:
1 – انه للقائل ان لا يقول بسقوط الأمر والملاك معا. فكما لا يسقط الأمر لا يسقط الملاك أيضا.
2 – انه يمكن ان يقال بعدم محذورية بقاء الأمر بلا ملاك بعد الامتثال لو أمكن. لأن القدر المتيقن منه هو الأمر الأول قبل الامتثال لا بعده.
سادساً: عدم لزوم المحذور الآخر، وهو لزوم عدم إمكان الامتثال أبدا. وذلك لوضوح الفرق بين الواحد والمتعدد من الامتثال. فللقائل ان يقول بعدم سقوط الأمر بامتثال واحد، ولكنه يسقط بامتثال متعدد. كالتأكيد له. وان لم
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يكن له ظهور بمطلوبية المتعدد والتكرار.
سابعاً: ان عبارته متناقضة أو متذبذبة بين سقوط الغرض ووجوده في طول الامتثال.
فأولا يظهر منه تحقق الغرض ووجوده، حيث يقول: ان المكلف إذا جاء بالمأمور به خارجا واجدا لجميع الأجزاء والشرائط حصل الغرض منه لا محالة وسقط الأمر.
وفي نهاية عبارته يظهر منه سقوط الغرض، لأنه قال: وأما الثالث … إلى ان قال: ضرورة بقائه بلا مقتضي وسبب. وهو واضح بان التكليف عندئذ يبقى بلا ملاك، وغرض. فانه يريد بالمقتضي والسبب ذلك لا محالة. أما إذا كان الغرض متحققا بالامتثال، إذن يكون التكليف باقيا وله غرض متحقق معه، فتأمل.
ثم قال الشيخ الآخوند: نعم لا يبعد ان يقال: بأنه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد ثانياً بدلا من التعبد الأول، لا منضما إليه. وذلك فيما إذا علم ان مجرد امتثاله لا يكون علة تامة لحصول الغرض، وان كان وافيا به لو اكتفى به.
ثم ذكر مثال إراقة الماء من قبل المولى: كما ذكره في نهاية مسألة المرة والتكرار. وقد ذكرنا الأمر هناك، فلا نعيد. ومجمله لعله يتكون من نقاط:
النقطة الأولى: ان الجمع بين الامتثالين ليس من قبيل التبديل لأن المفروض ان الفرد الأول، إما غير مجزئ أو لم يستوف الغرض. بل بقيت منه بقية إلزامية أو غير إلزامية. فلا يكون تبديلا إلا مع تماثل الفردين.
ــــــ[54]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وبتعبير آخر: انه مع اقتضاء الأمر للتكرار، ليس تبديلا، ومع اقتضائه المرة كذلك، لأن الأول ان كان صحيحا كان الثاني باطلا، وبالعكس.
النقطة الثانية: انه ليس للفرد – اختياراً – بعد الامتثال إلغاء الامتثال وإرجاع الأمر والغرض إلى ذمته، بل يبقى مستصحب العدم أو قطعي العدم. ما لم يدل دليل خاص في مورد معين عليه، كالروايات الدالة على صلاة الجماعة. وقد تحدثنا عنها هناك كثيرا، ولا موجب لإعادة الحديث.
النقطة الرابعة: إننا قلنا ان مثال إهراق الماء غير ممكن الانطباق على الشارع المقدس. مضافا إلى ان النقص في المثال من قبل المولى، والمفروض في المسألة ان يحدث من قبل العبد.
النقطة الخامسة: ان هذا لا يكون من تبديل الامتثال، للعلم بفساد الامتثال الأول بإهراقه للماء. نعم، هو يصلح مثال – بعد التنزل عما سبق – لبقاء الملاك. وهو عطش المولى في المثال، الذي أوجب أمره الأول. فإذا كنا ملاكيين، وجبت طاعة الملاك، وإلا فلا. وقلنا في حينه: انه لا يجب طاعة الملاك ولا الخطاب، وإنما المطاع حقيقة هو الإرادة المولوية، والخطاب إنما يكشف عنها وطريق إليها. وليس المفروض بالمولى بعد ان أراق الماء ان تكون له إرادة للطلب من جديد. وان كان عطشه موجودا، ولو لاحتمال طرو المانع في نفسه عن الطلب، كالشفقة على ابنه من جلب الماء مرتين وغير ذلك.
………………………..
قال الآخوند: الموضع الثاني. ولم يجعل له عنوانا. وقد كان الموضع الأول بمنزلة الكبرى أو القاعدة العامة، وهذا الموضع بمنزلة التطبيق أو المصاديق. ولذا أصبح مقسّما إلى أمرين أو مقامين هما الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري والإتيان بالمأمور به
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالأمر الظاهري.
وقد عرفنا ضرورة الإجزاء لو نسب الامتثال لأمر نفسه، لأنه كامل المصداقية له، على الفرض. ولكن كلامهم هنا ليس لأمر نفسه، بل للأمر الواقعي.
ولذا قال الشيخ الآخوند: المقام الأول: في ان الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري هل يجزي عن الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي؟
فقد نسبه إلى المأمور به بالأمر الواقعي. وهو المتعلق الكلي للأمر الواقعي، وهو لاشك انه ناقص المصداقية عنه. ومن هنا لا يمكن القول بالإجزاء بحسب القاعدة الأولية فيه.
وقد قلنا في محله: بأنه بالنسبة إلى الصلاة، التي هي المصداق الوحيد في هذا الباب، يحدث أمر اضطراري بعد سقوط الأمر الأولي. ومع سقوطه لا حاجة إلى توخي مصداقيته التامة له. وأما بالنسبة إلى الأمر الاضطراري الطولي، فالمفروض انه مصداق تام.
هذا، وكلامهم أيضا يتوقف على مطلبين: احدهما بمنزلة الصغرى، والآخر بمنزلة الكبرى.
أما المطلب الأول: فهو أنهم يفرضون ان المكلف المضطر، قد بادر إلى الصلاة أول الوقت، واتى بالممكن الناقص عن التكليف الاختياري الواقعي.
وهذا واضح من عبارة الكفاية حيث يقول: هل يجزي عن الإتيان بالمأمور به الواقعي، ثانياً بعد رفع الاضطرار؟ فان أجزأ لم يجب الإتيان به ثانياً. وهو نص بوجود الإتيان الأول.
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فهنا أمران.
الأمر الأول: ان القدر المتيقن من الجواز هو القول بالمضايقة أو الانتظار. فانه إذا صلى آخر الوقت فهو مجز يقيناً، ولا مجال للبحث فيه. وإنما يفرض حصول الامتثال في أول الوقت، ليحصل البحث فيه.
الأمر الثاني: ان المكلف حين يأتي بالفرد الاضطراري في أول الوقت، ينبغي ان يفترض كونه مجزيا من سائر النواحي بما فيه قصد القربة. فلابد ان يفترض كونه قد جاء به غفلة أو برجاء المطلوبية أو اطمئنانا بعدم زوال المانع، ولكنه زال على غير التوقع، ونحو ذلك.
وإلا فلو جاء به مع الالتفات إلى التفاصيل، وبنية جزمية كان حراما. ولم تحصل نية القربة. وهم لم يتعرضوا لذلك.
المطلب الثاني: – الذي يتوقف عليه البحث هنا – : هو جواز البدار أو المواسعة. يعني وجود الإذن الشرعي أو عدمه للمضطر بان يصلي أول الوقت. مع احتمال زوال العذر.
والمسألة فقهية. ومن هنا لم يبحثها الأصوليون هنا. إلا ان ما ينبغي الالتفات إليه أحد أمور:
احدها: انه لم يدل دليل معتبر على جواز البدار سوى الإطلاق الأزماني للأمر الاضطراري نفسه، باعتبار كونه غير مقيد بالمضايقة أو التأخير. مضافا إلى أصالة البراءة عن وجوب المضايقة. والمسألة فقهية وليس الآن محل بحثها.
والمهم انه إذا كان لدينا دليل خاص على جواز البدار، لتغير تاريخ
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المسألة.
ثانيهما: إننا من ناحية أصولية، ينبغي التفصيل بين ما إذا أحرزنا بالدليل جواز البدار، وما إذا أحرزنا عدم جوازه. وما إذا شككنا في ذلك. ولم يفصل المشهور مثل هذا التفصيل.
ثالثها: انه لو كان عندنا دليل خاص على الجواز. لكفى عن كل تلك الصور التي يذكرونها بهذا الصدد. لدلالة الدليل عندئذ، على تنازل الشارع المقدس رحمة بالمكلف عن ملاكه، حتى لو بقيت منه بقية إلزامية ممكنة التدارك، التي هي أسوأ هذه الصور، فضلا عن غيرها.
إلا ان الواقع عدم وجود هذا الدليل بالخصوص. ومن هنا انفتح الكلام في الأصول وفي الفقه، عن مثل ذلك.
وأول خطوة يتخذها المشهور بهذا الصدد، هو المحتملات التي يمكن ان يكون فيها المأتي به الاضطراري مجزيا عن الأمر الواقعي، حيث عدوا منها صورا أربعة:
الصورة الأولى: ان يكون المأتي به الاضطراري، وافيا بتمام الغرض الواقعي. وهو مجرد افتراض. لأننا عرفنا ان ما يفي بالغرض أصلا هو المأتي به الاختياري. وأما الاضطراري فهو ناقص لا محالة. فلا يمكن ان يكون وافياً بكل الغرض عادة.
إلا انه مجرد فرض، يمكن فرضه، ولو باعتبار كونه في طول الاضطرار. فان المختار يتعين عليه الإتيان بالفرد الاختياري لاستيفاء الغرض الواقعي. وأما المضطر فيكفي منه، هذا المقدار من الاستيفاء. أو انه بعنوان إنجاز الرحمة بالنسبة إليه، ومورد الاضطرار هو موضع للرحمة بلا شك.
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الصورة الثانية: ان يكون المأتي به وافيا ببعض الغرض ويكون المقدار المتبقي منه نسبة إلزامية، إلا انها لا يمكن تحصيلها بعد حصول الفرد الاضطراري.
الصورة الثالثة: ما إذا كان الباقي نسبة استحبابية غير ممكنة التحصيل. وهي صورة لم يذكرها الأصوليون، لكونها واضحة النتيجة. ولا اقل أننا حين نرى نتيجة الإجزاء، في الصورة الإلزامية غير الممكنة التحصيل. تكون في طرف الاستحباب أولى بالإجزاء.
ولكن بغض النظر عن ذلك، كان الأنسب جعل العنوان للصورة، ما إذا كان الباقي غير ممكن التحصيل سواء كان إلزاميا أو إستحبابيا. أو جعلهما صورتين مستقلتين.
الصورة الرابعة: كونه وافياً ببعض الغرض، ويكون الباقي إلزاميا وممكن التحصيل.
الصورة الخامسة: ان يكون المتبقي نسبة غير إلزامية، ولكنها ممكنة التحصيل.
الصورة السادسة: ان لا يكون المأتي به وافيا بالغرض إطلاقا. لا بمعنى كونه باطلا. لفرض الإتيان به برجاء المطلوبية. بل لعدة فروض منها: عدم انطباق المأتي به الاضطراري على المأمور به الواقعي. ومنها: وجود الدليل على عدم الإذن بالبدار، بل وجوب الانتظار.
وهذا العنوان خاصة، أولى في فرض المسألة من فرض تحقق الغرض وان تبقى منه نسبة إلزامية ممكنة الاستيفاء.
ــــــ[59]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وجه الأولوية: ان الغرض عندهم بسيط، فأمره دائر بين الوجود والعدم، ومع نقصان المأتي به يكون معدوما لا محالة. فلا يتحقق من الغرض شيء.
إلا ان هذه الصورة تكاد تتحد مع تلك الصورة في النتيجة، لأن الغرض لو لم يكن متحققا إطلاقا كان إلزاميا. وهو إما ان يكون ممكن الاستيفاء أو لا.
وعلى أية حال، يمكن تصوير هذه الصور بشكل حاصر: لأن المأتي به الاضطراري إما ان يكون ممكن الاستيفاء أو لا يكون. وعلى كلا التقديرين أم في داخل الوقت أو في خارجه. إذ يمكن ان يكون ممكن الاستيفاء داخل الوقت دون خارجه أو بالعكس، أو بهما معا، أو غير ممكن فيهما معا.
هذا وقد يناقش ان يكون الباقي إلزاميا من جهتين:
الجهة الأولى: ان المأتي به لا يخلو إما ان يكون صحيحا أو باطلا. فان كان صحيحا كان مسقطا للجهة الإلزامية لا محالة. ومعه لا معنى لفرض بقاء جزء إلزامي. فان فرضه هو فرض عدم إجزاء المأتي به لأنه معلول له.
الجهة الثانية: ان المفروض ان الحال هو حال الاضطرار، وهو حال المعذورية، فهذا الجزء الباقي يكون إلزاميا على أي منهما ؟. هل يكون كذلك حال الاضطرار؟ هذا خلف كون المأتي به تام المصداقية مع الأمر الاضطراري. أو حال الاختيار، فهو خلف فرض الاضطرار أصلا.
وجواب الجهتين مشهوريا واحد: وهو كونه إلزاميا حال الاختيار لا الاضطرار. يعني بعد ارتفاع الاضطرار، مع التسليم بعدم كونه إلزاميا، حاله.
وأما من حيث بطلان أو صحة المأتي به – كما في الجهة الأولى من النقاش – فالمأتي به وان صح بالنسبة إلى الأمر الثانوي الاضطراري، إلا انه لو
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نسب إلى الأمر الاختياري، فهو ليس مطابقا له، فينبغي القول ببطلانه.
ومن هنا فقد يقال: انه مادام باطلا بالنسبة إليه، إذن، فهو لا يستوفي شيئا من الملاك الأصلي أصلا. فكيف يفرض استيفاؤه لبعض الملاك مع كون الواجب ترابطيا لا استقلاليا.
جوابه – دفاعا عن المشهور -: انه قد يستفاد ذلك من غض النظر عن النقص الاضطراري في المأتي به. فيكون وافياً ببعض الملاك، مع العلم انه لا يحتمل ان يكون وافيا بجميعه، لكونه ناقصا أكيدا.
إلا ان يناقش: بان غض النظر عن النقص، هل يبلغ إلى درجة الإجزاء بحيث تقوم عليه الحجة الشرعية أو لا.
فان كان بدرجة الإجزاء حال الاضطرار، لم يحتمل ان يبقى من الملاك جزء إلزامي. وان لم يكن بدرجة الإجزاء بطل المأتي به كله، ولا يفي بالغرض إطلاقا. والمفروض أننا هنا نبحث عن حصول الإجزاء وعدمه. فهو عنوان المسألة، وأول الكلام. وعلى كلا التقديرين، لا معنى لبقاء جزء إلزامي من الغرض مع استيفاء الباقي.
نعم، بقاء جزء استحبابي معقول، بعد ان يكون المكلف قد ترك المستحبات، حال الاضطرار. سواء كان الجزء الإستحبابي ممكن الاستيفاء أم لا.
ولكن يهون الخطب ان عنوان المسألة ينبغي ان يكون واحدا، بلا فرق بين ان يكون كل الغرض غير مستوفي أو جزؤه الإلزامي كذلك. فانه مع إمكان التكرار تجب الإعادة، ومع عدمه لا تجب. ولا مدخلية لكون الفائت هو الجزء أو هو الكل.
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا ومما ينبغي الالتفات إليه أيضا: ان هذا التقسيم جهة ثبوتية، وهي لا تنفع عمليا إلا إذا قامت عليها الحجة إثباتا. وإلا فالمكلف لا يعلم انه هل استوفى الغرض أو بعضه أو لم يستوفه، لكي يعلم نتيجة ذلك وهو وجوب التكرار أو عدمه.
ونحن إثباتا لا ينبغي ان ننتظر وجود الدليل على ذلك، لأنه غير محتمل. وإنما هو أمر نعرفه من معلولاته. وهي الأدلة على وجوب الإعادة والقضاء أو الدليل على الإجزاء أو البراءة. عن وجوب الإعادة ونحوها.
فإذا التفتنا إلى ذلك، كان هو كافيا بحياله، ولا حاجة إلى النظر إلى الاستيفاء الملاكي. فيبقى هذا التقسيم مما لا فائدة فيه فقهيا. ولكننا نذكر ذلك متابعة للمصادر وتنمية للملكة. وإلا فالمسألة فقهية وليست أصولية.
وأحسن من تقدم خطوة أخرى بهذا الصدد، هو السيد الأستاذ في تقريرات الهاشمي. حيث قال: ولنتكلم حول نتائج هذه الفروض الأربعة بلحاظ آثار أربعة: هي الإجزاء عن الواقع، وجواز البدار وضعا(1) وجوازه تكليفا، وجواز إيقاع المكلف نفسه في الاضطرار.
أقول وهنا ينبغي حصر الصور في مرحلتين:
الأولى: ما كان واضح الإجزاء وهي ثلاثة:
1 – ان يكون الملاك كله مستوفي.
2 – ان تبقى منه بقية استحبابية ممكنة الاستيفاء.
ــــــ[62]ـــــــ
(1) والظاهر ان الفرق بينهما هو النظر إلى ما قبل العمل في الثاني وما بعد العمل في الأول.
منهج الأصول (الجزء الخامس)
3 – ان تبقى منه بقية استحبابية غير ممكنة الاستيفاء.
وهذا كله لا بحث فيه، وإنما يشار إليه مختصراً، توصلا إلى المرحلة الثانية.
الثانية: ما لم يكن كذلك، وهو يتحقق في صورتين:
1- ما إذا كان الملاك كله غير مستوفي. أو بقيت منه بقية إلزامية، مع إمكان استيفائها حال الاختيار.
2 – نفس الفرض السابق. لكن مع عدم إمكان الاستيفاء.
أما بالنسبة إلى المرحلة الأولى، فالآثار الأربعة كلها واضحة، وفي مصلحة المكلف:
أما الإجزاء عن الواقع، فهو متحقق لفرض سقوط الغرض الواقعي كله. وبسقوطه يسقط الأمر وتفرغ الذمة. فلا حاجة إلى الإعادة ولا القضاء وهو معنى الإجزاء.
وأما جواز البدار وضعا وتكليفا، فهو منوط بعلم المكلف. والمفروض انه عالم باستيفاء عمله لكل الغرض لو جاء به في أول الوقت، أو قامت على ذلك حجة شرعية. أو ان يأتي به برجاء المطلوبية، وتثبت صحته متأخراً.
وإلا فتدخل المسألة في الفروع الأخرى، لما قلناه من عدم كفاية الثبوت عن الإثبات.
وأما إيقاع المكلف نفسه في الاضطرار، فهو جائز، لأنه اما لا يفوت شيء، إذا علم بحصول الغرض كله لدى الامتثال. أو انه تفوت جهة
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
استحبابية، من الغرض، أمكن تلافيها أم لا. وتفويت المستحب ليس بحرام.
إذن، فالإجزاء متعين على كل حال.
أما بالنسبة إلى المرحلة الثانية، ففيها صورتان نتكلم عن كل واحدة على حدة.
الصورة الأولى: ان تبقى في الملاك بقية إلزامية غير ممكنة الاستيفاء.
ونتكلم عن كل الآثار الأربعة السابقة:
الأثر الأول: الإجزاء، وقد قال في التقريرات والمحاضرات بالإجزاء، لعدم بقاء ملاك ملزم قابل للتدارك. لأن عدم قابلية التدارك يعني عجز المكلف عنه حتى مع التكرار. فيكون التكرار عملا بلا ملاك فلا يكون واجباً. إذن، فالعمل الأول مجزئ ولا يجب تكراره. ولا نريد بالإجزاء إلا ذلك.
ولنا على ذلك، مرحلتان من الكلام:
المرحلة الأولى: ان الصحيح هو الإجزاء إذا قلنا بجواز البدار. أو لم نقل به ولكن تكلمنا بلحاظ القضاء ولو كان بنفس الأمر الأول. وذلك لما قلناه من سقوط الأمر الأصلي والملاك الأصلي بالعجز والاضطرار أصلا. وحدوث أمر طولي اضطراري. والمفروض ان المأتي به تام المصداقية عنه. فيكون مجزياً.
المرحلة الثانية: في عدم تمامية الوجه الذي قالوه، لعدة أمور:
الأمر الأول: إنهم اسقطوا الدليل على جواز البدار عن نظر الاعتبار. ومن الواضح انه غير موجود. فإذا بادر المكلف (مع فرض النية الجزمية) لم يجزئ.
وأما لو انتظر، فمصلحة الوقت كافية للقول بالإجزاء، مع كون القضاء بأمر
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
جديد كما هو الصحيح. فتجري عنه أصالة البراءة.
الأمر الثاني: ان عدم إمكان تدارك العمل لا يعني صحته، فقد يكون باطلا وغير ممكن التدارك. كما في كثير من الأعمال، وخاصة إذا التفتنا إلى ان الباقي من الملاك جزء إلزامي. فالجهة الإلزامية من الملاك لم تسقط باعتبار الطاعة. فلا يمكن المصير إلى صحته حتى لو لم يكن قابلا للتدارك.
وبتعبير آخر: إننا لا نريد بالإجزاء مجرد عدم إمكان التدارك، كما قيل في الوجه، بل هو اعم لأنه يجتمع مع عدم صحة الامتثال الأول أيضا.
الأمر الثالث: إننا يمكن ان نفرض كون المكلف ملتفتاً قبل العمل إلى تفويت جزء من الملاك غير قابل للتدارك بعده، فيكون تفويته بملاك اختياري. فقد أوقع نفسه بالعجز عن التدارك. مع فرض انه يمكن ان يقوم بالعمل بشكل لا تبقى منه بقية إلزامية، أو تبقى كذلك، إلا انها قابلة للتدارك.
والمهم أنهم لم يشيروا إلى هذه الجهة أصلا.
قال في المحاضرات: ولكن لابد من فرض ذلك فيما إذا كان الملاك في المأمور به بالأمر الاضطراري. وأما إذا كان (يعني ملاك عدم التكرار) في أمر آخر، فهو خارج عن مفروض الكلام. كما في جواز البدار واقعا وعدم جوازه كذلك. إنما هو بالإضافة إلى وفاء المأمور به الاضطراري بملاك الواقع وعدم وفائه.
وأما افتراض جوازه بملاك آخر، أجنبي عن ملاك الواقع، فهو فرض لا صلة له بمحل الكلام.
ومن ذلك يظهر، ان ما فرضه ، من وجود مصلحة في نفس البدار
ــــــ[65]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ولأجل تلك المصلحة جاز في غير محله.
أقول: في العبارة ربط بين أصل الإجزاء وجواز البدار، من حيث إمكان ان يتعلق بهما مصلحة ثانوية، فيحكم الشارع بهما لأجلها. والشيخ الآخوند إنما تكلم ذلك في جواز البدار لا في الإجزاء وقد وقع الربط والخلط بين المسألتين في المحاضرات.
فإذا كان الشيخ الآخوند قد قال ذلك في الإجزاء، فيرد عليه الإشكال من حيث ان الكلام الآن على ما هو مقتضي القاعدة، لا على تطبيق العنوان الثانوي.
مضافا إلى إشكال آخر: وهو ان الإجزاء بالعنوان الثانوي لا معنى له، إلا ان يرد في ذلك دليل خاص. وهو غير موجود. وأما مجرد الاضطرار ونحوه، فهو إنما يرفع الأحكام التكليفية دون الوضعية، والإجزاء من الإحكام الوضعية لا التكليفية.
وليس مراد الآخوند تعلق المصلحة الثانوية في الإجزاء، ولا تساعد العبارة عليه. لأنه قال: ولا يكاد يسوغ البدار في هذه الصورة إلا لمصلحة كانت فيه. أقول: والضمير يرجع إلى البدار لا الإجزاء. وقياس الإجزاء عليه قول ساقط.
وأما حين يكون مراد الشيخ الآخوند الحديث عن جواز البدار، كما هو كذلك، فإشكال المحاضرات لا يأتي عليه، لأنه حكم تكليفي يمكن تطبيق القواعد الثانوية عليه. فلا يقال – كما سمعنا من المحاضرات – انه خارج عن محل الكلام. بل جواز البدار مهما كان دليله، أمكن القول به.
نعم، هناك خلط آخر في المحاضرات خفي، بين جواز البدار تكليفا وجوازه وضعا. وهو الأمر الموضّح في التقريرات. حيث يمكن القول بان
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عناوين الضرورة لا تغير الجواز الوضعي، إلا انه لم يقل ذلك في المحاضرات.
الأثر الثاني: – لهذه الصورة وهي بقاء جزء إلزامي غير ممكن الاستيفاء من الملاك -: جواز البدار وضعاً.
فهنا قال الآخوند، كما سمعنا: انه لا يكاد يسوغ في هذه الصورة إلا لمصلحة كانت فيه، لما من نقض الغرض في تفويت مقدار من المصلحة، لولا مراعاة ما هو فيه من الأهم. فافهم.
هذا، ولا نعلم انه يريد الجواز الوضعي أو التكليفي للبدار. والظاهر ان الفكرة مجملة في ذهنه. أو انه يرى ان مرجعهما إلى محصل واحد ونتيجة واحدة. فإذا جاز البدار وضعا جاز تكليفاً، وإذا جاز تكليفا جاز وضعا.
ولو تم ذلك كان نحوا من الإشكال على المطلب المبين في التقريرات، إذ لا فائدة حينئذ من التمييز بينهما.
إلا ان هذا وحده غير كاف، لإمكان القول ان ذلك إنما يتم إذا كان كلا الأمرين منصوصا بالدليل إثباتا. وأما مرحلة الثبوت فجواز البدار لا يقتضي الجواز التكليفي مع احتمال ارتفاع العذر. وان كان لو علم المكلف به لجاز تكليفا، إلا انه من أين له تحصيل العلم. والمفروض ان الصورة من موارد الاشتباه.
يمكن ان يقال: إننا إذا لاحظنا حال الشارع كان البدار التكليفي اعم من الوضعي. لإمكان ان يجيزه الشارع ولو برجاء المطلوبية. ولكن إذا انكشف الخلاف لم يكن البدار وضعيا. وهذا خلاف فرض رجاء المطلوبية. وإذا لاحظنا حال المكلف، قلنا: ان
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
البدار الوضعي اعم. لإمكان ان يقال: ان البدار الوضعي لا يقتضي الجواز التكليفي، مع احتمال ارتفاع العذر.
فان قلت: فان في عبارة الكفاية، ما يدل على ان مراده جواز البدار وضعا وعدمه، لأنه يقول: لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة، فيعود الأمر إلى الإجزاء وعدمه في البدار، وهو معنى جواز البدار وضعاً.
قلنا: كلا. فان نقض الغرض، كما هو غير جائز وضعا، هو غير جائز تكليفاً.
فان قلت: فانه لو رجع الأمر إلى المكلف، قلنا بكون المراد هو الجواز التكليفي إلا ان المراد رجوعه إلى الشارع، يعني ان البدار ينقض غرضه. فيعود الحال إلى البدار الوضعي.
قلنا: هذا يحتاج إلى ان يكون مراد الشيخ الآخوند ذلك، إلا ان العبارة تناسب المكلف، ولا اقل من كونها تناسب كلا الحالين. لأنه قال: لما فيه من نقض الغرض، وتفويت مقدار المصلحة. وكما يمكن تصور صدوره من قبل الشارع يمكن تصور صدوره من المكلف.
وعلى أي حال، فنحن ينبغي لنا ان نذكر ذلك على كلا التقديرين يعني في كلتا المسألتين. وهما جواز البدار وضعا وجوازه تكليفاً. والكلام الآن عن جواز البدار وضعا، كما هو العنوان فعلا.
فيكون محصل كلام الشيخ الآخوند انه غير جائز وضعا لما فيه من نقض الغرض وتفويت المصلحة. وكلا هذين الأمرين راجعين إلى معنى واحد، في مفروض المسألة، لا انه يراد به نقض الغرض كله بل بعضه.
يستثنى من ذلك ما إذا كانت فيه مصلحة ثانوية إلزامية. فان مراعات تلك
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المصلحة تكون أهم، فلا بأس ان يحكم الشارع عندها بالإجزاء.
ثم ان الشيخ الآخوند أمر بالفهم. ولعل مراده ان المصلحة الثانوية إنما تؤثر – كما قلنا- في الحكم التكليفي لا الحكم الوضعي. وكلامنا في الحكم الوضعي لا التكليفي.
إلا ان يحصل احد أمرين:
الأول: ان يتنازل الشارع المقدس عن الغرض نفسه، أو ممّا بقي من الغرض نتيجة لتلك المصلحة. والمفروض عدم ثبوت هذا التنازل، وإلا فيكون نقض الغرض غير مخلّ بالنتيجة.
الثاني: ان يفرض ان المصلحة الثانوية، تغير الغرض أو تكمله بعد نقصانه. أو ان يصبح العمل مكملا له بعد ضم المصلحة الثانوية إليه. فلا يلزم نقض الغرض. بل سيتغير الغرض، ويستوفي كل الملاك.
أو ان يكون مراده ما ذكره في المحاضرات – كما سمعنا – من ان الكلام إنما هو على مقتضى القواعد لا على ما هو مقتضى العنوانين الثانوية.
فان قلت: فإننا سبق ان ناقشناه. قلنا: ان ذلك في الحكم التكليفي لا الوضعي. وأما في الحكم الوضعي فيكون الإشكال واردا. فتأمل.
أقول: أو ان الأمر بالفهم يعود إلى مراعاة ما هو أهم. لأنه قال: لولا مراعاة ما هو فيه من الأهم، فافهم. والمفروض ان المراد بالأهم : المصلحة الثانوية، لكن نفهم منه الآن: الجزء المأتي به من الغرض الإلزامي، فانه أهم من الجزء الفائت. ومعلوم ان هذا لا يكفي للعذر عنه. ومن هنا أمر بالفهم.
وعلى أي حال، فملخص كلام الآخوند: ضع البدار الوضعي لتفويت
ــــــ[69]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الغرض ما لم يكن مصلحة أهم.
لكن يرد عليه: ان المكلف لا يخلو إما ان يعلم قبل عمله بتفويت الغرض أم لا.
فان علم بذلك قبل عمله بطل عمله، وان لم يكن قابلا للتدارك، لأن يكون قد فوته عمداً. وما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار. وإذا بطل العمل كله، كان الملاك قابلا للتدارك، فيخرج عن موضوع المسألة.
وأما إذا لم يكن يعلم بذلك، كما هو المفروض ظاهراً، لكي نفرض تمامية صحة النية منه. وانه يعلم – ولو بالاطمئنان – بعدم زوال العذر إلى آخر الوقت. فصلى بدون رجاء المطلوبية، وان كان علمه مخالفا للواقع.
وعندئذ فلا ينبغي القول بعدم الإجزاء، لأن ما أداه من العمل، قد أدى بعض الغرض، بمقدار الإمكان، والباقي غير ممكن، وقد فوته قصورا لا تقصيرا. والمفروض أننا لا نريد بالإجزاء إلا عدم وجوب الإعادة، كما لا نريد بالبدار الوضعي إلا الإجزاء لدى حصول البدار.
فان قلت: إننا قلنا ان عدم وجوب الإعادة اعم من الإجزاء، إذ يناسب مع البطلان في الواجبات غير القابلة للإعادة والقضاء.
قلنا: أولاً: ان البطلان هنا غير مفروض, لصحة المأتي به وإسقاطه لبعض الغرض. ومع فرضه لا يبقى مورد آخر بلا جزاء.
وبتعبير آخر: انه مع فرض صحة العمل يكون الإجزاء وعدم الإعادة منطبقان ومتساويان.
ثانياً: انه لا يوجد في الشريعة واجبات غير قابلة للإعادة، بل كلها قابلة
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لها مع بقاء اشتغال الذمة، كما هو مقتضى بطلان الفرد الأول (وعدم انتفاء الموضوع). نعم بعض الواجبات غير قابل للتدارك قضاءا. وهذا أيضا هو مقتضى الأصل وليس فتوائيا. وفي الأطروحة الثبوتية، لا مجال للأصل، لأن موضوعه الشك.
وقد ذهب في التقريرات إلى الجواز وضعا مسلما، ما لم يكن مشروطا شرعا بعدمه. والمفروض عدم وجود هذا الشرط. إلا انه لم يبرهن عليه.
وقلنا: فيما سبق ان بقاء جزء إلزامي من الملاك، ينافي القول بالإجزاء لأنه خلف الإلزام في الباقي.
فان قلت: فانه لا يمكن استيفاؤه. قلنا: نعم، ولكن هذا ينتج بطلان العمل رأسا وليس نقصانه.
وإنما الصحيح في الإجزاء كما سبق سقوط الحكم الأول، وانطباق المأتي به على المأمور به الثانوي. طبعا مع حفظ شرطه، وهو بقاء العذر طول الوقت ولو اطمئناناً.
بل لا يبعد القول ان مقتضى القاعدة، نفي هذا الشرط لسقوطه لدى البدار قطعا، والشك في رجوعه ( نعم، لو لم يمتثل المكلف ارتفاع العذر، رجع) وعدم وجوب حفظه إلا بناء على وجوب المقدمات المفوتة. وهو خلاف القاعدة إلا بدليل مفقود هنا. كما لا يجب إيجاد الموضوع. وهذا يكفي برهانا على جواز البدار وضعا.
الأثر الثالث: لهذه الصورة: جواز البدار تكليفا.
وهنا لو فرضنا ان الشيخ الآخوند قد أراد الجواز التكليفي، كما هو
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأرجح، فقد منعه أيضا. لأن العبارة تتضمن المنع على أي حال. باعتبار استلزامه لتفويت بعض الغرض الملزم.
وهذا قابل للمناقشة من عدة حيثيات منها:
أولاً: ان المنع الشرعي منفي بالأصل المؤمن. ولا دليل عليه بمجرده، فكيف يقول به.
جوابه:
1- ان جريان الأصل المؤمن لا يثبت الإجزاء والجواز الوضعي للبدار (وهو الأهم) لأنه مثبت.
2 – ان المكلف إما ان يعلم بإجزاء البدار أولاً. فإن علم بإجزاء البدار وضعا، لم يكن وجه لمنعه التكليفي، لأنه إذا جاز وضعا جاز تكليفاً.
وان لم يعلم بالإجزاء أمكنه الإتيان به برجاء المطلوبية، ولا معنى لمنعه، أو – كما عبر في التقريرات – ان المأتي به يكون لغوا، لا انه يكون حراما تكليفا.
لا يقال: إننا قلنا ان قصد رجاء المطلوبية غير مفروض.
لأنه يقال: ان هذا بلحاظ الشارع، فانه لا معنى لأن يأذن برجاء المطلوبية. أما بلحاظ المكلف فلا بأس.
نعم، إذا علم بعدم الإجزاء، ومع ذلك بادر إلى العمل، فعمله باطل أساساً، لا يفي بشيء من الغرض، وهو خلف المسألة. فيحتاج التحريم هنا إلى دليل والمفروض عدمه.
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فان المفروض تفويت العمل لقسم ملزم من الغرض. فلا ينبغي الذهاب إلى الجواز.
قلنا: أولاً: ان المفروض ان المكلف لا يعلم بذلك، وإلا خرج عن فرض المسألة.
فان قلت: ان المكلف يحتمل ذلك والاحتمال منجز هنا، فيجب الاحتياط بالتأخير. قلنا: الاحتمال لا ينافي الإتيان برجاء المطلوبية. فانه نحو من الاحتياط.
ثانياً: إننا نتساءل عن الأمر هل سقط أم لا. فان سقط الأمر لم يكن الملاك محركا، كما قلنا في حينه. وان لم يسقط، فان لم يسقط كله بل بقي كله، فهو خلف سقوط بعض الملاك. وان لم يسقط كله بل سقط بعضه. فهو خلاف كون الأمر بسيطا. والأمر جعل بسيط وان كان الملاك مركباً. كما هو المفروض.
ونفس الكلام الذي أتى في الأمر يأتي في الإرادة، فإنها أيضا بسيطة. فيتعين سقوط الأمر والإرادة ، فلا تجب الإعادة.
فان قلت: هذا لو لم ينكشف الخلاف أصلا. لفرض جهله من أول الأمر. وأما لو انكشف في الوقت أو خارجه، فلابد من القول بعدم الإجزاء.
قلنا: كلا. أما ان المأتي به الأول صحيح، فلأنه انقياد برجاء المطلوبية، وفي حال الجهل. وأما انه لا يجب التكرار بالإعادة أو القضاء، فلأن المفروض في هذه المسألة عدم إمكان التدارك. بمعنى انه حتى لو كرر لم يستطع الوفاء بإكمال الغرض. فيقع الثاني لغوا. فالمصير إلى الإجزاء هو المتعين.
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأثر الرابع: في صورة هذه المسألة، وهي بقاء جزء إلزامي غير قابل للتدارك. وهو جواز إيقاع المكلف نفسه في الاضطرار اختياراً.
وهنا ينبغي ذكر شرطين غير موجودين في المصادر:
احدهما: تنجز التكليف. إذ قبل التنجز لا يجب إلا بناء على وجوب المقدمات المفوتة، أو وجوب حفظ الموضوع. وكلاهما غير واجب، فتأمل.
ثانيهما: العلم أو الالتفات، ولو احتمالا إلى انه يلزم من عمله التسبيب إلى بقاء جزء ملزم من الغرض غير ممكن الاستيفاء.
وأما مع عدم الالتفات أصلا، لجهل أصلي أو طرو نسيان أو غفلة، فلا معنى للتكليف بالحرمة معه.
هذا إلى جانب شرطية الاختيار التي ذكروها. فلو كان مكرها أو مضطرا جاز.
وقد ذهب في التقريرات إلى عدم الجواز، والمسألة غير محررة في المصادر الأخرى. حيث قال: لأنه قد حرم نفسه من الغرض المولوي الملزم، إما جميعه أو لجزء مهم ملزم منه. وهذا غير جائز شرعاً.
وهو صحيح، ولا يأتي عليه إشكال إلا عدم تعرضه للشروط السابقة. فيكون ضمن هذه الشروط صحيحاً. كما لو دخل الوقت فجعل نفسه مضطراً.
قال في التقريرات: وأما على الفرض الثالث، فالجواز التكليفي مع الجواز الوضعي متعاكسان. بمعنى انه لو كان العمل الاضطراري في أول الوقت جائزا وضعا أي صحيحا، فلا يجوز البدار تكليفا مع احتمال ارتفاع العذر. لأنه يسد باب تدارك الباقي اللازم تحصيله.
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وان كان غير جائز وضعا، أي غير واف بشيء من الغرض، على تقدير ارتفاع العذر في آخر الوقت، فيجوز البدار تكليفاً، إذ لا يترتب عليه تفويت شيء من الغرض.
جواب ذلك واضح، أما في الصورة الأولى، وهي انه: إذا جاز وضعا لم يجز تكليفا. فالجواب عليها من أكثر من وجه.
أولاً: ان غاية ما يريده المكلف من الامتثال هو الإجزاء وإسقاط الأمر في الطاعة، وهو مفروض، وان كان منهيا عنه.
ثانياً: انه لو كان ذلك طاعة فكيف يكون منهيا عنه؟
ثالثاً: انه لو كان منهيا عنها، وقعت باطلة، فلم يسقط شيء من الملاك. وبالآخرة يكون خلف جواز البدار وضعا.
رابعاً: إننا نقول: ان المكلف لو كان عالما بالصورة وتنزلنا عن الأجوبة السابقة صح كلامه. وأما مع الجهل كما هو الغالب والإتيان به برجاء المطلوبية، فالجاهل يستحيل تكليفه، والمفروض جهله بالموضوع وهو فوات قسم من الملاك، وبالحكم وهو الحرمة. فيقع هذا الفرد مباحا تكليفا ومجزيا وضعا.
خامساً: ان الشارع ان اخذ نقص الملاك بنظر الاعتبار فمقتضى القاعدة منع البدار الوضعي والتكليفي معا. إذ لا معنى لصحته مع النقض وقد سبق ان قلنا ذلك. وان لم يأخذه بنظر الاعتبار فمقتضى القاعدة جوازهما معا. وأما أخذه لذلك في جانب الوضع دون جانب التكليف كما هو مقتضى كلام السيد الأستاذ فهو تهافت في النظر من قبل الشارع الحكيم وهو غير محتمل.
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مضافا إلى انه من باب المقدمات المفوتة أو حفظ الموضوع كما سبق وهو غير واجب. ولو وجب لما حرم ضده لأنه هو لا يقول بذلك لا في الضد ولا في المقدمة.
وأما في الصورة الثانية: وهو قوله إذا كان غير جائز وضعا جاز تكليفا. وهذا من غرائبه لأنه ليس المقصود الإتيان بصورة الصلاة وان كانت باطلة (لفرض انه غير مجزئ وضعا) وإنما المراد الإتيان بواقع الصلاة الصحيحة وهو محال بعد الذهاب إلى عدم الإجزاء. وهو قد قال: انه يقع لغواً لا انه يقع حراما. وإذا وقع لغوا كيف يحكم بجوازه بصفته عبادة، وإنما هو فعل خارجي مباح. وهو خارج عن محل الكلام.
أقول: فهاتان صورتان، كالقضية الشرطية يكون فيها البدار الوضعي شرطا والتكليفي جزاءا. بغض النظر عن محموله وهو الحكم بالإثبات أو النفي.
ويمكن ان يكون عقد الملازمة بالعكس بان نجعل البدار التكليفي شرطا والوضعي جزاءا. وهنا ينبغي ان نلتفت ان الصور أربعة: لأن الشرط إما هو البدار الوضعي أو التكليفي وكلاهما إما موجب وإما سالب. وهذا بغض النظر عن المحمول أو قل جواب الشرط سلبا وإيجابا، وإلا كانت الأقسام ثمانية. أربعة منها يتوافق الشرط والجزاء في النفي والإثبات وأربعة منها يختلفان. وما سبق كان اثنان شرطهما البدار الوضعي: إذا جاز البدار الوضعي لم يجز البدار التكليفي واذا لم يجز الوضعي جاز التكليفي. لأنهما متعاكسان باعتقاد التقريرات.
والآن ندخل في مسألة ما إذا كان البدار التكليفي شرطا. والمهم منه قضيتان أيضا: إذا جاز البدار التكليفي جاز البدار الوضعي. وهذا مما لم يبحث
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
في التقريرات. كل ما في الأمر أننا قلنا: إننا ان قصدنا من الجواز التكليفي مطلق الفعل، ولو كان فاسداً، لم يكن ملازمة بينهما. وان قصدنا منه العبادة بما هي عبادة ، كانت الملازمة موجودة. لأنها لو لم تكن مجزية كانت تشريعا حراما. والإتيان بها برجاء المطلوبية غير مفرغ للذمة لإمكان استصحاب اشتغال الذمة.
نعم، تعرض في التقريرات إلى صورة النفي من هذه الملازمة. وقال: قد يقال: انه متى ما لم يجز البدار تكليفا لم يجز وضعا أيضا. لأن النهي في العبادات يوجب الفساد. فليس الجواز الوضعي والتكليفي متعاكسين في باب العبادات بالخصوص.
وتعليقنا الأولي على ذلك لتحديد موضوع المسألة:
أولاً: إننا قلنا ان موضوع البدار يكاد ينحصر في الصلاة لأنها هي الفعل الذي يجب فيه الباقي. وأما غيرها فيسقط الأمر فيه أساساً. ولا تجب فيه الإعادة ولا القضاء. نعم تجب الإعادة مع بقاء الموضوع بتجدد اشتغال الذمة وهذا أمر آخر. إذن فكل الكلام محصور في العبادات وليس عاما لها ولغيرها كما هو ظاهر العبارة.
ثانياً: انه اسقط عن نظر الاعتبار كون الشرط هو البدار الوضعي أو التكليفي. فان ما قال بتعاكسه فيما سبق هو ما إذا كان البدار الوضعي شرطا. وهذا لا يلازم التعاكس فيما إذا كان البدار التكليفي شرطا ولا اقل اننا عندئذ نحتاج إلى برهان على هذه الملازمة بعد الالتفات إليها في حين ان التقريرات خالية عنه موضوعا ومحمولا.
والمهم ان التعاكس المدعى الآن فيما لو كان البدار التكليفي شرطا. وهو
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
غريب. لأنه مع التسليم بأنه إذا لم يجز البدار التكليفي جاز البدار الوضعي، كما هو مقتضى سياق عبارته. فإننا يمكن ان نسلم انه إذا جاز البدار التكليفي لم يجز البدار الوضعي. كما أسلفنا لما قلناه من ان البدار التكليفي إنما هو للعبادة بما هي عبادة لا للعبادة. بما هي عمل مطلق، لكي يكون جائزا تكليفا وممنوعا وضعا.
على ان طرف النفي أيضا ليس بصحيح. وهو قولنا: إذا لم يجز البدار التكليفي جاز البدار الوضعي. لأن الفرد يقع محرما فيبطل بصفته عبادة.
وقد أجاب عن ذلك بقوله: ان كان عدم إمكان التدارك على أساس التضاد بين الملاك المستوفي بالعمل الاضطراري والملاك المتبقي. فلا مجال لهذا الإشكال. لأن الأمر بشيء لا يقتضي النهي عن ضده. وإنما يكون عدم جواز البدار على أساس إرشاد عقلي إلى عدم البدار، حفاظاً على المصلحة الأوفى. كما في موارد ترك الواجب الأهم وامتثال الواجب المهم. لا ان هناك نهيا مولويا.
وان كان عدم التدراك على أساس مانعية الملاك الأصغر عن الملاك الأكبر. فان بنينا على إنكار المبغوضية والمحبوبية المقدمية، أو على قبولهما ولكن قلنا ان المبغوضية المقدمية غيرية والمبغوضية الغيرية لا توجب البطلان – كما هو الصحيح – فأيضا لا أساس لهذا الإشكال. فإنما يتجه هذا الإشكال على تقدير المانعية والقول بالمبغوضية المقدمية وكونها تبطل العبادة.
أقول: فقد تحصل ان البدار غير جائز تكليفا، لا بالنهي المولوي النفسي، بل بالنهي العقلي أو الغري. ولكنه جائز وضعا ومجزئ.
وجواب ذلك:
ــــــ[78]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
1- إننا نختار شقا ثالثاً غير هذين اللذين تصورهما. لأنهما يعودان إلى فكرة: ان التمانع أو التضاد بين قسمي الملاك. وهو غير مفروض وغير مشهور. وإنما المفروض والمشهور: ان العمل الثاني قاصر عن تحصيل القسم الثاني من الملاك. ولا ربط للمانعية في ذلك. وحينئذ يقال: ان القسم الثاني حيث انه إلزامي على المفروض في هذه المسألة فالمولى يريده إرادة كاملة وينهى عن تفويته نهيا إلزاميا. وهذا معنى عدم جواز البدار تكليفا. إذ نعرف ان لازم اللزوم هو ذلك. وليس الأمر للتضاد ولا للمقدمية، بل يكون نهيا مولويا لزوميا فتبطل العبادة. فإذا لم يجز البدار تكليفا لم يجز وضعا.
2- إننا نختار الشق الأول مما ذكره. وننقض عليه بوجوب حفظ الموضوع ووجوب المقدمات المفوتة. إذ لو كان الحفاظ على المصلحة واجبا قبل تنجز تكليفها -والمفروض ان الاضطرار لا زال متحققاً- إذن، فكل ذلك يكون واجبا، مع انه مسلم الجواز.
3- ان نختار الشق الثاني الذي اختاره، فالمفروض ان المانعية من طرف الملاك المأتي به عن الملاك غير المأتي به. ومن هنا كان متعذر الاستيفاء. فهذه المانعية لا يمكن ان تتحقق بالعنوان الأولي لاستحالة تكوّن الملاك الواحد من ضدين متمانعين. لأن سنخية العلة الغائية لابد من حفظها في ضمن سنخية سائر العلل الأربعة.
وإنما تنشأ المانعية في طول الامتثال الموجب لسقوط القسم الأول. فعدم القسم الأول هو المانع عن القسم الثاني وليس وجوده فان كانت هناك مبغوضية فلسقوطه. مع ان المفروض انه مطلوب بالطلب الإلزامي. فيتعارض طلبه الإلزامي مع مبغوضية سقوطه. لأن المطلوب إلزاما هو سقوطه أيضا. ومعلوم
ــــــ[79]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ان الطلب الإلزامي يتقدم على الطلب المقدمي.
فان قلت: فهذا على المشهور من سقوط الملاك بالامتثال وأما بناء على تحققه فلأننا قلنا: إذا كان الأمر بالعكس كان ما قلناه صحيحا أيضا غاية الأمر ان وجوده فيه طلب نفسي عدمه مقدمي.
فإن قلت: فإننا قد نقول: ان الملاك لا يتحقق بعدم عدمه والعكس. ولكنه موجود على كل حال غاية الأمر انه مع الطاعة يكون بحالة نسميها الاستيفاء. قلنا: حتى على هذا لو سلمناها. فان الاستيفاء مطلوب نفسيا وعدمه مطلوب غيريا بعد التنزل عن الوجوه الأخرى على أننا لا نسلم ذلك لأن معنى الاستيفاء هو الوجود بعد العدم.
وكان خيرا له ان يقول كما قلنا: ان الفرد حين يأتي بالعمل حال الاضطرار يكون جاهلا وبرجاء المطلوبية فيقع صحيحا ويستحيل ان يخاطب بالنهي. ثم يكون الباقي متعذرا فيستحيل ان يخاطب بإيجاده. فهناك بدار تكليفي مع بدار وضعي.
الصورة الأخرى في هذا الصدد: ان يبقى من الملاك مقدار إلزامي ممكن الاستيفاء. ونتكلم عن الآثار الأربعة تباعاً:
الأثر الأول: الإجزاء أصلا (يعني بغض النظر عن البدار). وقد حكم بالتقريرات باختصار بعدم الإجزاء، وقال: لبقاء مقدار من الملاك ملزم قابل للتدارك بالإعادة أو القضاء. فهو يجعل موضوع المسألة دليلا عليها. وأما في المحاضرات، فهو يذكر أولاً أربعة صور للاضطرار والرابعة هي مسألتنا هذه. إلا انه لا يتعرض لها بعد ذلك إطلاقا. وكأنها غير موجودة، إما سهوا منه أو لعله رأى ان الكلام في غيرها يوضح الكلام عنها. وهو غير صحيح لما رأينا
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
من الاختلاف الشديد في الصور. وخاصة ان المبحوث مفصلا هو صورة بقاء مقدار ملزم غير ممكن الاستيفاء. ومن الواضح ان قياس صورة إمكان الاستيفاء على صورة عدم إمكانه قياس مع الفارق بل قياس أحد النقيضين على الآخر فينحصر الكلام الآن مع التقريرات.
ومناقشته: ان البطلان في الصورة السابقة كما قيل كان باعتبار النهي الشرعي عن تفويت قسم ملزم من الملاك. وذلك لأنه لا يمكن استيفاؤه. فان تم ذلك هناك فهو هنا بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع. لإمكان الاستيفاء فلا موضوع لهذا النهي المولوي. والمفروض في المأتي به ان يكون صحيحا ومجزيا بحده، وهو كونه مسقطا لبعض الغرض على ما هو المفروض. وكذلك هو عبادة غير منهي عنها. فلماذا تقع باطلة؟
فلو أضفنا إلى ذلك – مع ملاحظة سعة الوقت – ان الأمر الاختياري المتوقع التنجيز لم يتنجز إلى الآن. فيكون الأمر بالتأخير أمرا بالمقدمات المفوتة وهو غير واجب. والمفروض ان الجزء الثاني الملزم من الملاك لا يمكن الإتيان به حال الاضطرار بل حال الاختيار إذن، فهو غير ملزم حال الاضطرار لتعذر القيام به، والأمر الذي يلزم به غير منجز إلى الآن. فلا يبقى مانع من البدار أو من مطلق الإجزاء.
وأما وجوب الإعادة في الوقت بعد ارتفاع الاضطرار فهو متعين لفرض كون الملاك ملزما وغير مستوفى وممكن الاستيفاء. لكن هذا واضح إذا كانا ملاكيين، يعني نبني على وجوب طاعة الملاك. وأما إذا كنا خطابيين – كما هو الصحيح – فيشك في نشوء خطاب منه ومقتضى الأصل عدمه.
فان قلت: انه ملاك ملزم ينشأ من خطاب لا محالة. قلنا:
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
1- انه يلزم منه وجوب ست صلوات باليوم بخطاب إلزامي.
2- ان جزء الملاك ليس سببا لخطاب حتى لو كان الجزء إلزاميا.
لأن الإلزام لمجموع واحد وقد استوفى على الفرض. وهذا يرجع إلى الطعن في أصل تصور بقية ملاك ملزم.
وإذا لاحظنا الإجزاء -ولو خارج الوقت كما أشار إليه- فان قلنا بان القضاء بنفس الأمر فالحديث نفسه كما في داخل الوقت من حيث عدم تنجز الأمر حال الفور، من حين حال الاضطرار السابق عليه فلا يكون هذا القسم الثاني من الملاك ملزما فعلا. وإنما نعبر عنه بالملزم باعتبار انه ملزم بعدم تنجز الأمر. وإلا فإلزامه الآن اقتضائي فقط. وأما إذا قلنا بان القضاء بأمر جديد فهو واضح. لسقوط كل الأمر بخروج الوقت. وسقوط الملاك بكلا قسميه فلا يبقى الجزء الثاني إلزاميا ولا ممكن الاستيفاء بعد سقوطه. وإنما الأمر بالقضاء بأمر جديد بملاك مستقل. والمفروض انه يعرض في حال الاختيار. ويخرج عن موضوع المسألة. كما ان المفروض ان المكلف قد جاء بالعمل في حال الاضطرار في الوقت وقد أجزأ بمقدار إمكانه. والباقي غير ممكن الاستيفاء بعد الوقت لسقوطه. ولا داخل الوقت لتعذره حال الاضطرار. فيجزي عن القضاء ولا يجب القضاء ويجري عنه الأصل المؤمن.
فان قلت: المفروض إمكان استيفاء الجزء الثاني من الملاك مطلقا، يعني داخل الوقت وخارجه، كما فهم السيد في التقريرات كما هو ظاهر سياق عبارته. وهذا يكون سببا لوجوب القضاء.
قلنا: أولاً: هو قال بعدم الإجزاء لمكان الإعادة والقضاء. فهل يقول بوجوب الترك في الوقت كله لإمكان القضاء. وخاصة مع فرض
استيعاب
ــــــ[82]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الاضطرار للوقت وأمل ارتفاعه بعده محافظة على الملاك. وعبارته مجملة من هذه الناحية ان لم تكن مطلقة لتلك الناحية.
ثانياً: انه ان كان القضاء بنفس الأمر أمكن القول بالوجوب. ولكن إذا قلنا بسقوط الأمر عند خروج الوقت، فيبقى الملاك وحده ممكن التنفيذ وإلزامي بدون إرادة وأمر. فهذا يحتاج إلى ضم كبرى وجوب إطاعة الملاك. وقد رفضناها.
ثالثاً: إننا قلنا ان جزء الملاك لا يكون سببا للخطاب، إلا ان نكون ملاكيين وان جزء الملاك أيضا يجب استيفاؤه.
الأثر الثاني: جواز البدار وضعا وقد حكم في التقريرات بالمنع بدون بيان السبب. والظاهر انه نفس السبب الأصلي وهو المحافظة على الجزء الممكن من الملاك. والمراد هنا المنع الوضعي يعني وقوعه باطلا لو فعله. وهو محل إشكال
1- لعدم كونه مانعا عن استيفاء الملاك آخر الوقت على المفروض.
2- لكون المأتي به برجاء المطلوبية والاحتياط . وهو انقياد، والاحتياط لا ينافي الواقع. والمفروض ان المكلف لا يعلم بارتفاع الاضطرار خلال الوقت وعدمه. نعم إذا علم كان له وجه وان لم يكن تاما لأنه من حفظ الموضوع.
الأثر الثالث: البدار التكليفي. وقد حكم بجوازه في التقريرات. قال: إذ لا يلزم منه فوت شيء من الغرض لا يمكن تداركه لكي يتوهم عدم الجواز. وهذا واضح في نفسه. إلا أننا عندئذ سنقع في نفس ما وقعنا به في المسألة السابقة من التعاكس بين البدارين، حيث يكون البدار الوضعي ممنوعا والبدار
ــــــ[83]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التكليفي جائزا. وقد قلنا في مثله: ان متعلق الجواز ان كان هو مطلق العمل فنعم، إلا ان المفروض بطلان ذلك، وان المتعلق هو العبادة الصحيحة المأمور بها. فيكون البداران متلازمين. فإذا لم يجز البدار الوضعي لم يجز البدار التكليفي وإذا جاز جاز.
الأثر الرابع: وهو جواز إيقاع المكلف نفسه في الاضطرار اختياراً. وهنا قال بالمنع: سواء كان الجواز الوضعي مشروطا بكون الاضطرار لا بسوء الاختيار أم لا. لأنه على الأول يكون قد فوت على نفسه تمام الملاك لعجزه بحسب الغرض إلى آخر الوقت. وعلى الثاني: يكون قد عجز نفسه عن جزء مهم إلزامي من الملاك. لأنه مع بقاء عجزه إلى آخر الوقت لا يمكنه التدارك.
ومن الممكن النقاش في ذلك بعدة وجوه: أولاً: انه على كلا التقديرين لا يحرم. أما إذا كان الاضطرار مشروطا بان لا يكون بسوء الاختيار، فلأن العمل يقع باطلا فلا يفوت عليه شيء، يعني إذا ارتفع اضطراره في الوقت وصلى. وأما على الثاني فلأن غاية ما يلزم في مفروض المسألة من إيقاع نفسه بالاضطرار انه يفوت عليه جزء من الملاك وليس الكل. على ان يؤدي العمل الاضطراري فيبقى هذا الجزء منه بلا خطاب فلا يكون محركا. فيعلم سلفا انه سيبقى جزء غير محرك. ومثل هذا الجزء لا يحرم تفويته.
ثانياً: ان المفروض الآن النظر إلى القواعد بدون الأخبار الخاصة. وقد ورد في الأخبار الخاصة المنع بعد دخول الوقت إلا ان يأتي أهله.
ولكن بغض النظر عن ذلك يمكن القول بأنه كما لا يجب إيجاد الموضوع لا يجب حفظ الموضوع. مع الالتفات إلى ان الواجب في كل فرد من الصلاة هو كونها جامعة للشرائط المتوفرة حال أدائها لا قبل ذلك ولا بعده. كمن
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يدخل عليه الوقت فيسافر فيقصر أو يفطر.
فان قلت: فان دخول الوقت قد نجز عليه التكليف. قلنا: نعم ولكن علمنا ان الوقت طويل يسع لأفراد عديدة. وكل فرد مشمول للحكم الانحلالي الجزئي دون غيره. وماذا يقول: لو ان الفرد علم بعد دخول الوقت بطرو مانع في المستقبل يجعله في ضرورة بغير اختياره. ولكنه يستطيع ان يدفعه باختياره فهل يجب عليه ان يدفعه أو يجوز إهماله بسوء اختياره. كلا لا يجب دفعه بل يجوز إهماله.
ولا نستطيع ان نلحظ خطابا واحدا مستمرا طول الوقت. بحيث تكون كل انحلالاته موجودة في الذمة باستمرار. فان هذا محال لأن الماضي سقط بالعصيان والمستقبل لم يتحقق موضوعه. وهذا الخطاب العام في الوقت كلي والكلي لا وجود له في الخارج ولا تشتغل به الذمة.
ثالثاً: هو – كما سمعنا- لم يفصل في المسألة بين ما إذا كان الإجزاء حال الاضطرار مشروطا بعدم إيقاع الفرد نفسه اختيارا بالاضطرار أو لم يكن مشروطا به. لأنه على كلا التقديرين يحصل فوت الملاك الملزم فمنع ذلك على كلا التقديرين.
ولكن هذا لا يتم بناء على كلا التقديرين أما إذا كان المفروض ان الإجراء غير مشروط بان لا يوقع الفرد نفسه في الاضطرار. فإذا أوقع نفسه فيه وقع عمله مجزيان، ومسقطا لقسم من الملاك على المفروض. ولا يجب انتظار ارتفاع الاضطرار، كما سبق، وخاصة في فرض استمرار العذر إلى آخر الوقت كما قال، بل هو غير محتمل فقهيا.
ومنه يتضح بطلان الشق الأول أيضا. لأن الإجراء إذا كان مشروطا بان لا
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يكون اختياريا، فهذا منحصر في صورة ما إذا ارتفع العذر أثناء الوقت. ولا يحتمل اشتراطه إذا كان العذر مستوجبا للوقت. وإلا لزم القول بعدم إجزاء العمل طول الوقت بعنوان كونه مسببا للضرورة لنفسه وهو غير محتمل فقهيا.
………………………..
ثم قال في الكفاية: هذا كله فيما يمكن ان يقع عليه الاضطراري من الأنحاء. وأما ما وقع عليه فظاهر إطلاق دليله مثل قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً (وهو نقل خاطئ للآية واصله: فلم تجدوا) وقوله عليه السلام: التراب احد الطهورين ويكفيك عشر سنين هو الإجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء ولابد في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص.
وعلق عليه في المحاضرات بقوله: والصحيح في المقام ان يقال: انه لا إطلاق لأدلة مشروعية التيمم بالقياس إلى من يتمكن من الإتيان بالعمل الاختياري في الوقت بداهة ان وجوب التيمم وظيفة المضطر ولا يكون مثله مضطرا لفرض تمكنه من الصلاة مع الطهارة المائية في الوقت. ومجرد عدم تمكنه منها في جزء الوقت لا يوجب كونه مكلفا بالتكليف الاضطراري ما لم يستوعب الوقت.
ثم ذكر في ذلك وجها آخر وهو: ان الواجب على المكلف (بين الحدين) هو طبيعي الصلاة على نحو صرف الوجود، كما هو الحال في جميع التكاليف الايجابية. وعليه فطرو الاضطرار على فرد من ذلك الطبيعي لا يوجب ارتفاع الحكم منه. وذلك لأن ما طرأ عليه الاضطرار – وهو الفرد – لا حكم له على الفرض. وما هو متعلق الحكم – وهو الطبيعي الجامع – لم يطرأ عليه الاضطرار كما هو المفروض. فإذن لا مقتضى لوجوب التيمم أصلا.
ــــــ[86]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أقول: وكلا الوجهين قابلين للمناقشة:
أما الوجه الأول: فمرجعه إلى عدم صدق الاضطرار ما لم يستوعب الوقت. وأما إذا لم يستوعب الوقت فليس مضطرا لفرض ارتفاع الاضطرار لفرض ارتفاع الاضطرار في آخر الوقت.
أولاً: إننا نسأل ان حال طرو حالة الاضطرار لماذا لا يصدق الاضطرار. مع كونه مضطرا تكوينا فعلا. فنفيه إما عرفا أو متشرعا أو شرعاً. أما نفيه عرفا فخلاف الوجدان جزما. والكتاب والسنة إنما يُفهمان عن طريق العرف. وأما متشرعيا، فالمتشرعة ليس لهم الحق في الفهم اللغوي ما لم يكن الموضوع له صفة متشرعية كالعبادات ونحوها. وهذا ليس منها. فالطعن في الكبرى هنا. وأما شرعا فيتوقف على تنزيل الاضطرار الموجود منزلة العدم بدليل خاص، مادام غير مستوعب للوقت. وهو مفقود. فيبقى الفهم العرفي على الاضطرار على حاله.
ثانياً: ان المفروض ان المكلف لا يعلم الغيب بارتفاع الاضطرار وله ان يأتي بالعبادة برجاء المطلوبية.
هذا موضوعا. وربما يستفاد من عبارته النفي الحكمي أو المحمولي. لأنه قال: لا يوجب كونه مكلفا بالتكليف. فان كان لأجل نفي الموضوع فقد عرفنا مناقشته بل الموضوع صادق عرفا. وان كان لمجرد الدليل لا يشمله وان كان الاضطرار صادقا. فهذا يحتاج إلى ان يكون مفاد الدليل سقوط التكليف الاختياري عن خصوص من استوعب الاضطرار وقته. وهو مفقود. ومقتضى التمسك بعنوان المضطر خلافه.
وأما الوجه الثاني: فهذا المتعلق الكلي وهو الصلاة بين الحدين وان كان
ــــــ[87]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واجبا في نفسه، إلا انه واجب بوجوب كلي، والوجوب الكلي لا تشتغل به الذمة، لأنه لا وجود له في الخارج. وإنما تشغل الذمة بالجزئيات وهي التكاليف الانحلالية على الأفراد المتصورة الانحلالية في الزمان ما لم يسقط الأمر. لوضوح ان المأمور به ليس هو الكلي في (صل) بل المطلوب الإتيان بالفرد. كما ان اشتغال الذمة بالتكليف المتأخر الذي يحصل في آخر الوقت أو في وقت الاضطرار، اشتغالها به من أول الوقت محال ووجوب التأخير مبني على وجوب حفظ الموضوع أو وجوب المقدمات المفوتة، وقد ناقشناه.
فقوله: لأن الفرد الذي طرأ عليه الاضطرار لا حكم له لأنه الجزئي والجزئي لا حكم له: غير صحيح بل هذا الفرد انحلالي في ضمن مجموع الوقت وله حكم انحلالي عليه. وهو ليس فردا حقيقة بل حصة، ما لم يكن وقت الاضطرار قصيرا بمقدار فرد واحد من الصلاة. ولكن على هذا جرى الاصطلاح. وعلى أي حال فيكون في هذا الحين: الفرد الاختياري الأولي من الحكم ساقطا والحكم الثانوي موجودا. فيقع هذا الفرد مجزيا لكونه تام المصداقية للمأمور به الاضطراري على ما هو المفروض.
وقوله: وما هو متعلق الحكم، وهو الطبيعي الجامع لم يطرأ عليه الاضطرار، كما هو المفروض: أيضا غير صحيح. أولاً: لما قلنا ان هذا ليس هو متعلق الحكم بل الجزئي والانحلالي. فلا اثر لعدم طرو الاضطرار عليه. ثانياً: لما قلناه من صدق الاضطرار حال وقوعه. فنفي وقوع الاضطرار عليه إطلاقا. كما هو ظاهر العبارة لا يتم. وليس بمفروض كما قال. فان معنى عدم طرو الاضطرار عليه هو عدمه في الوقت كله وهو خلف المفروض.
والى هنا بقي مجال لفهم الآخوند من إطلاقات الأدلة لكل صور الاضطرار سواء كان موقتا أو دائما يعني مستوعبا للوقت أم لا. بحيث يحتاج تقييدها
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بذلك إلى دليل مفقود.
ولا يقال: انه ليس في مقام البيان لأنه يقال: إننا نتبع العنوان الموجود في الدليل، والظاهر انه في مقام بيانه، ولا مانع منه في هذا المورد.
لا يقال: انه لابد من إحراز هذه المقدمة من مقدمات الحكمة وإلا بطل الإطلاق. قلنا: الأصل في السياق والظاهر من اللفظ هو الإطلاق يعني الأصل من الناطق الملتفت هو ذلك فيكون كلامه ظاهراً فيه ما لم يثبت الخلاف. دون العكس الذي أراده السائل. وإلا انسد التمسك بالإطلاق لأغلب الأدلة. والفقهاء يتمسكون بها لخارج القدر المتيقن بخلاف الدليل اللبي. مع ان هذا الإشكال فيها وارد.
فان قلت: فلماذا لا نتمسك بالإطلاق في فعل مما امسكن وأحلت لكم أمهاتكم؟
قلنا:
1- لوجود قرينة سياقية أو متشرعية على عدم كونه في محل البيان كمورد الصيد ونكاح المحارم.
2- انه (احل) من هذه الحيثية، فأصبح كأنه قيد ضمني بقرينة متصلة.
ولا يقال: انه مبني على فرض تمامية شرائط التيمم يعني ان التيمم المشروع يكفيك عشر سنين. فيكون بمنزلة الشبهة المصداقية في مورد الشك بالشرط. والمفروض هنا وجود الشك بالشرط أي الاستيعاب للوقت.
فان يقال: ان الأمر ينبغي ان يكون بالعكس. وهو نفي الشروط المحتملة بالإطلاق بعد إحرازه وإحراز متعلقه وهو صدق التيمم. فتجري الأصول
ــــــ[89]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المؤمنة ضد سائر الشرائط. ومنها شرائط الاستيعاب.
فان قلت: هذا يتوقف على الفهم العرفي للتيمم. وهو يتوقف على الوضع للأعم. ونحن قلنا في حينه ان الوضع وان كان للأعم إلا ان المطلوب شرعا هو الصحيح، فيعود الإشكال وتكون الشبهة مصداقية.
فانه يقال: أولاً: هذا لو سلم إذا كان المأخوذ عنوان التيمم وهو مأخوذ في الآية الكريمة. إلا ان المأخوذ في الأخبار عنوان التراب. وهو صادق في الأعم حتما. ثانياً: انه شامل حتى عنوان التيمم في الآية. فان الفهم المتشرعي له متأخر عن الآية زمانا أو رتبة وإنما معناه القصد فيكون المراد الأعم إلا ان هذا الجواب خاص بما كان على هذا الغرار وإلا فلا إطلاق له.
فان قلت: فانه يجب حفظ الملاك الاختياري بتأجيل الامتثال إلى آخر الوقت، كما قلنا في الكلام عن ذلك ثبوتا. ويستحيل ان يأمر الشارع بخلافه.
قلنا: أولاً: نحن لم نختر ذلك بل قلنا بأمور، منها: ان الملاك بدون خطاب لا يجب طاعته وان جزء الملاك غير محرك وان الانتظار لحين وجود الموضوع غير واجب. ثانياً: انه لا يستحيل ان يأمر المولى بخلافه فانه لا بأس ان يبين لنا تنازله عن الملاك الملزم والإذن بعصيانه.
1- كما كان كذلك في الأصول العملية المخالفة للواقع. وليس في ذلك تناقض ليكون مستحيلا. فانه واقع كما رأينا برحمة الله. والواقع ليس مستحيلا.
2- والمصالح تعود إلى العبد لا إلى الرب ليكون مستحيلا. فمثلا حتى لو قلنا بوجوب طاعة الملاك وكون جزء الملاك محركا. جاز للشارع الامتنان بالتنازل. فإذا دل الدليل على ذلك أمكن الأخذ به ولم يكن محالا.
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فان المورد يختلف عن مورد الأصول العملية لوجود العلم الإجمالي هناك. والعلم التفصيلي هنا على المفروض (وكلاهما مفروض أو مجرد الفرض والا فقد لا يكون علم إجمالي هناك لاحتمال ان لا يتخلف شيء من الأصول العملية عن الواقع. وإنما هو احتمال إجمالي وهو ليس بحجة. كما لا يكون علم تفصيلي هنا لاحتمال بقاء العذر إلى آخر الوقت ولكن حتى لو قبلنا هذا المفروض) فيجاب:
1- انه لا فرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي لكون الجميع انكشافا تاما. وهذا يؤدي إلى عدم إمكان جعل الأصول العملية الظاهرية، وقد حصلت. وأدل دليل على إمكان الشيء وقوعه.
2- هل يقبلون في مورد جريان الأصول بالانتظار إلى حين الانكشاف؟ كيف وقد ورد الأمر به في الأخبار: ارجه حتى تلقى إمامك؟ كلا بل هي حجة فورية.
فان قلت: فان هذا في الشبهات الحكمية وكلامنا في الشبهات الموضوعية. أقول: إن الشبهات الحكمية تختلف عن الموضوعية من جهتين:
1- أهميتها.
2- كونها غير قابلة لانكشاف الواقع في عصر الغيبة. وأما الموضوعية فاقل منها أهمية وقابلة لانكشاف واقعها. فهل يقبل الأصوليون بالقول بسقوطها في مورد العلم بالخلاف بعد الإقدام، فضلا عن العمل الإجمالي؟ وهذا كثير فيما يرتبط بحقوق الله سبحانه واغلبها مما لا يجب تداركه كما لو صلى في المغصوب أو النجس جهلا أو شرب الخمر المستصحب الحلية، أو بقي عند الفجر على طهارة مستصحبة. وغير ذلك كثير. وكون كل ذلك خارج الدليل
ــــــ[91]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
(يعني الأمارة) محل نظر. وإنما هو أيضا مجرى لأصول عملية من مورد الكلام.
فان قلت: انه في مورد الأصول العملية لابد من التفويت يعني لابد ان يسلّم الشارع بأنه ينبغي له ان يفوت قسما من ملاكاته الإلزامية في طول جهل المكلفين. وإنما غايته ان يحفظ تلك الملاكات بالقرائن النوعية التي هي الأمارات والأصول وهي غالبية الصدق، ويستحيل له الزيادة على ذلك إلا بالمعجزة. وهي مفروضة العدم.
قلنا: بل هو ممكن وذلك بالأمر بالاحتياط في مورد الاحتمال في الشبهات الحكمية والموضوعية، ولم يأمر لوجود الحرج النوعي القطعي. ومن هنا تنازل عن بعض الأغراض الإلزامية إجمالا رحمة بالعالمين.
فان قيل: إن هذا من باب التزاحم، وخاصة وان هذا الحرج معلوم بالعلم التفصيلي وذاك بالعلم الإجمالي. فيكون التفصيلي أولى بالتأثير ولا اقل من تماثلهما. فيسقط الملاك المعلوم بالإجمال عن الحجية والأهمية. لان كلا الجهتين غرض ملزم للشارع.
قلنا: نعم، لو كان الاحتياط عاما. ولكن يمكن التبعيض في الاحتياط، كما جعل الحال في مورد الأمارات والأصول. فيمكنه أن يجعل الأمر أوسع من ذلك بأي عنوان من العناوين كما في الظن إذا كان راجحا أو المظنون إذا كان مهما وهكذا. ولكنه لم يفعل مع انه لا يلزم الحرج أكيدا.
والسر ما قلناه:
1- أما رجوع الملاكات إلى المكلفين بها لا إلى المولى، فلا يستحيل على المولى إسقاطها أو عدم الاهتمام بها.
ــــــ[92]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- وأما ان نقول بعدم استحالة تنازل المولى عن هدفه الملزم أساساً مع وجود المصلحة. وان كان بدونها لغوا وهو لا يصدر من الحكيم. وعلى أي حال فإذا حصل إطلاق يقتضي الإذن بعدم الإعادة أو جواز البدار ونحو ذلك، فهو بمنزلة الإذن اللفظي الذي يمكن الأخذ به.
هذا بحسب الإطلاق لدليل الواجب الاضطراري، ونتيجته أن يجوز له البدار وان علم بارتفاع العذر آخر الوقت. وان قلنا في مثله بالاحتياط الوجوبي بالتأخير لبعض الأسباب الفقهية الاحتمالية:
1- وجوب حفظ الملاك الأولي
2- عدم وجود إطلاق لفظي في الدليل
3– التفصي من مخالفة من قال بذلك.
إلا انه في التقريرات دخل في الخطوة التي بعدها، فذكر مسألتين:
المسألة الأولى: ما إذا صلى حال الاضطرار، وارتفع العذر خلال الوقت فهل تجب عليه الإعادة أم لا. والثانية: ما إذا ارتفع العذر بعد الوقت فهل يجب القضاء أم لا.
والعمدة في المسألة الأولى، لأننا نرى عدم وجوب القضاء بعد كونه بأمر جديد. إلا أن حديثه في المسالة الأولى موجب للتدريب وتنمية الملكة جزما، فلا بأس من الدخول فيه بمقدار ما يناسب الحال. والظاهر ان الثاني غير مبحوث في التقريرات بعد ان طال كلامه في الأول منهما.
وهذه المسألة معروضة أيضا بنحو أو بآخر في سائر المصادر فلابد من بحثها، بالرغم من انه قد تحصل عندنا إلى الآن عدم وجوب الإعادة غالبا مع الارتفاع.
ــــــ[93]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قال في التقريرات: انه تارة يفترض أن دليل الأمر الاضطراري قد اخذ في موضوعه استمرار العذر إلى آخر الوقت. وهذا خارج عن موضوع البحث، لأنه بعد تبين ارتفاع العذر وعدم استمراره، ينكشف انه لا أمر اضطراري واقعا، ليبحث عن إجزائه وعدمه. أقول فالنتيجة هي عدم الإجزاء جزما. مضافا إلى انه يخرج عن مسألتنا هذه لأن الإعادة في الوقت تكون متعذرة اعني بعد ارتفاع الاضطرار. نعم تكون الإعادة في ضيق الوقت مع فرض استمرار الاضطرار بعد انكشاف فساد الفرد السابق.
قال: وأخرى يفترض أن دليل الأمر الاضطراري لم يشترط فيه استمرار العذر إلى آخر الوقت. أقول: وهنا يكون تقسيم المحاضرات أفضل لأنه قسم الأمر إلى أربعة أقسام لأن كلا من الأمر الاختياري والأمر الاضطراري قد يكون له إطلاق وقد لا يكون. فتكون الصور أربعة:
الأولى: ان يكون كل من دليل الأمر الاضطراري ودليل اعتبار الجزئية أو الشرطية مطلقا.
الثانية: ان يكون الدليل اعتبار الجزئية أو الشرطية إطلاقا دون دليل الأمر الاضطراري.
الثالثة: بعكس ذلك بان يكون لدليل الأمر الاضطراري إطلاق دون دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية.
الرابعة: ان لا يكون لشيء من الدليلين إطلاق.
ولنا أولاً: ان نناقش بإمكان وجود الإطلاق في دليل الأمر الاختياري بالجزئية والشرطية الاختيارية لحال الاضطرار أو ما يشمله، بأحد تقريبين:
الأول: ما قلناه من ان الحكم الكلي المنبسط على الوقت مما لا تشتغل به
ــــــ[94]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الذمة وإنما تشتغل بإحكام جزئية لمتعلقات جزئية. ومثل هذه الإحكام لا إطلاق لها. وما له الإطلاق لا تشتغل به الذمة لأنه كلي لا وجود له خارجا والذمة غير الذهن فوجود الكلي في الذهن وان كان ممكنا إلا أن وجوده في الذمة غير ممكن.
الثاني: انه لا معنى لشمول الإطلاق في الأمر الاختياري لصورة الاضطرار إلى تركه لأنه من الأمر بما لا يطاق. غايته وجود إطلاق أزماني لفظي، وهو إطلاق ساقط جزما بعد حصول الاضطرار.
فان قلت: ان الإطلاق ليس كما تزعم وإنما هو بهذه المشابهة: صل الصلاة الاختيارية ولو اضطررت في أول الوقت. ويدل بالالتزام على لزوم التأجيل. وهو أمر معقول ولا يلزم منه الأمر بما لا يطاق.
قلنا: لو نص على ذلك فلا إشكال. وأما بحسب الإطلاق فغايته الإطلاق الأزماني إلى آنات الوقت كلها. فإذا علمنا سقوط الأمر الأول بحصول الاضطرار جزما ومنجزاً سواء رجع بعد ذلك أم لا. فصلي بمقدار ما هو ممكن فهل مقتضى الإطلاق بطلان صلاته. ووجوب الإعادة؟ من الممكن إنكار وجود إطلاق يخص أو يدل على هذه الصورة يعني أداء الغرض الاضطراري للشك في انه في مقام البيان من هذه الجهة غايته ان له إطلاق لصورة ما إذا لم يؤد في حال الاضطرار فيجب ان يؤدي اختياراً. ولو لم يكن للدليل الأول إطلاق لإمكان استصحاب حكم الفرد الاضطراري إلى ما بعد ارتفاع الاضطرار.
فان قلت: انه يستكشف عن إطلاق الأمر الاختياري عدم توجه الأمر الثاني الاضطراري. فيتعين ان يكون الفرد مؤجلا إلى ما بعده.
ــــــ[95]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلت: هذا معقول لو كان الأمر الاختياري مطلقا والأمر الاضطراري مجملا على ما يأتي. وأما لو كان مطلقا لكان ناظرا له ومقيدا له كما سيأتي. ولكن الكلام الآن في إمكان وجود الإطلاق للأمر الاختياري. فغايته انه إذا كان الأمر الاضطراري مجملا فانه يكون كلا الأمرين مجملين. هذا ولكن لو تنزلنا وقبلنا إطلاق الأمر الاختياري كانت الصور أربعة كما في المحاضرات.
أما الكلام في الصورة الأولى: وهي وجود الإطلاق في كلا الدليلين ولعلها أهم الصور.
فقد ذكر في المحاضرات: انه لا ينبغي الشك في ان إطلاق الأمر الاضطراري يتقدم على إطلاق دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية. وذلك لحكومته عليه. ومن الطبيعي ان إطلاق دليل الحاكم يتقدم على إطلاق دليل المحكوم. كما هو الحال في تقديم جميع الأدلة المتكفلة لإثبات الأحكام بالعناوين الثانوية. كأدلة لا ضرر ولا حرج وما شاكلهما. وتقديم إطلاق الدليل الاضطراري يقتضي الإجزاء وعدم الإعادة في الوقت فضلا عن خارج الوقت. والسبب في ذلك هو ان الإطلاق كاشف عن ان الفعل الاضطراري تمام الوظيفة وانه واف بملاك الواقع وإلا كان عليه البيان.
وواضح من السياق انه إذا حصل سؤال يقتضي نفي الحكومة. بدعوى: ان بين الإطلاقين عموم من وجه كما هو معلوم فما هو الوجه في تقدم احدهما.
أجاب عن ذلك في العبارة السابقة بوجهين:
الأول: بمنزلة النقض. وان مقتضى القاعدة في كل العناوين الثانوية هو ذلك، كأدلة الحرج والضرر. والمقام هو عنوان ثانوي أيضا فيتقدم. فإذا نفيناه في المقام لزم النفي في الباقي وهو غير محتمل فيتعين التقدم في الجميع.
ــــــ[96]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الثاني: بمنزلة الحل وهو ان مقتضى الإطلاق في الأمر الاضطراري هو وفاء المأتي به بكل الملاك الواقعي وانه تمام الوظيفة، لأن ذلك هو مقتضى مقدمات الحكمة. إذ لو كان الأمر خلاف ذلك لذكره.
وهذا الوجه – كما في بعض المصادر – من الوجوه التي ذكرها المحقق النائيني نسبها في المحاضرات إلى نفسه مع شيء من النقيصة كما سيأتي.
أقول: وكلا هذين الوجهين غير تامين:
أما الوجه الأول: فهو غير تام للفرق بين موارد الحرج والضرر وبين مورد الكلام من وجهين على الأقل: الأول: انه لا يوجد دليل شرعي في مورد الضرورة بخلاف العسر والحرج والضرر إلا بنحو من التجريد عن الخصوصية من أدلتها، وهو كما ترى.
ولكن هذا يمكن ان يجاب بعدة وجوه :
1- تقريب التجريد عن الخصوصية باعتبار أنها في الحقيقة من مصاديق العسر والحرج.
2- وروده في حديث الرفع.
3- وجوده في الصلاة خاصة التي هي محل الكلام كأدلة التيمم والصلاة جلوسا واضطجاعاً.
فان قلت: فانه حكم ظاهري في الرفع لأنه في سياق دليل البراءة (بما لا يعلمون) ونحن كلامنا عن دليل واقعي للضرورة وهو مفقود. قلنا: بل هو واقعي وكل ما في دليل الرفع واقعي إلا البراءة قد اصطلحوا عليه بالظاهري لأنه اخذ في موضوعه الشك أو الجهل.
ــــــ[97]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الثاني: ان حكومة تلك الأدلة (الثانوية) تقتضي سقوط الأمر بالمرة. لا تجدد أمر بوجوب الباقي بملاك جديد وأمر جديد. مما هو خاص بالصلاة. وهذا الأمر الجديد لا يوجد فيه دليل بخصوصه فلا تستطيع التمسك بإطلاقه. ولو وجد لكان في طول السقوط بالاضطرار لا في عرضه، فيكون متأخرا عن الأمر الأول بمرتبتين فلا يصلح للحكومة عليه. ومن الواضح ان الامتثال الاضطراري يكون لهذا الأمر وليس لمجرد السقوط بالاضطرار. لأننا لا نتمسك بإطلاق الدليل المسقط للتكليف بل لدليل الأمر الثانوي في الصلاة.
وأما الوجه الثاني: فلأن كون الامتثال الاضطراري وفاء كامل لملاك الأمر الاختياري بالرغم من نقصانه، غير محتمل، ولا يقتضيه الإطلاق. ولا يمكن ان يكون في مقام البيان من جهته وإنما نحتاج إلى بيان التنزيل وهو مفقود. وإنما إطلاق الأمر الاضطراري يقتضي وفاء الفرد الاضطراري بملاك الأمر الاضطراري نفسه لا بالملاك الاختياري. وإنما وجدناه بالحدس وافيا بالاختياري، باعتبار سقوط الملاك والأمر الاختياريين في ظرف الاضطرار، ووفاء المأتي به بما في الذمة. ولا يمكن ان يكون المولى في الأمر الاضطراري في مقام البيان من حيث سقوط الأمر الاختياري أو ملاكه بالفرد الاضطراري لأكثر من جهة:
1- لسقوط الملاك والأمر الاختياري أساساً. فلا وجود لهما ليفي بهما هذا الفرد الاضطراري.
2- لنقصان الفرد الاختياري والمفروض ان الملاك الاختياري مقيد في سقوطه بالشرائط الاختيارية وهي مفقودة.
إذن فالوجهين اللذين ذكرهما في المحاضرات للتقدم والحكومة غير تامة.
ــــــ[98]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فلابد من الالتفات إلى وجهين آخرين ذكرهما في التقريرات. لنعرف المستويات بين المفكرين والمحققين.
وهنا نحتاج إلى بيان آخر أو أكثر لحكومة أو تقييد إطلاق الأمر الاضطراري للأمر الاختياري، مع ان كلاهما مطلق وبينهما عموم من وجه.
وهنا قال في التقريرات: وفي المقام منهجان لإثبات هذا التقييد المنهج العقلي. وهو الذي أنتجته مدرسة المحقق النائيني والمنهج الاستظهاري.
أما المنهج العقلي فحاصله: دعوى الدلالة الإلتزامية لدليل الأمر الاضطراري على الإجزاء. بتقريب: انه قد مضى انحصار المحتملات الثبوتية للواجب الاضطراري في أربعة فروض كلها كانت مقتضية للإجزاء وعدم الإعادة، إلا الفرض الرابع. (وهو ان يبقى من الملاك بقية إلزامية قابلة للتدارك). فلو أقيم البرهان العقلي على إبطال الفرض الرابع تعين الإجزاء.
فنقول: ان دليل الأمر الاضطراري لا ينسجم مع الفرض الرابع. وهو ما إذا كان يبقى مقدار مهم من الملاك الواقعي قابل للتدارك. إذ على هذا الفرض لا يمكن تعقل الأمر الاضطراري بمجرد العذر في وقت العمل. لأن الأمر الاضطراري يتصور بأحد أشكال ثلاثة كلها غير معقولة في المقام:
الأول: ان يجب عليه الفعل الاضطراري تعييناً. وهذا واضح البطلان إذ لاشك في انه يجوز له ان يصبر إلى ان يزول العذر في الوقت فيأتي بالفعل الاختياري.
الثاني: ان يكون مخيرا بين الفعل الاضطراري حين العذر والفعل الاختياري بعد زوال العذر بنحو التخير بين المتباينين. وهذا غير معقول أيضا. لأنه خلاف المفترض في الفرض الرابع من بقاء مقدار من الملاك ملزم قابل
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للتدارك. وإنما هو منسجم مع الفرضين الأول والثاني. (ولم يبين وجه الملازمة). ولعل وجهه: ان مقتضاه إجزاء الفعل الاضطراري وحده وهو غير محتمل مع بقاء جزء من الملاك قابل للتدارك.
الثالث: ان يكون مخيراً بين الأقل والأكثر، أي الإتيان بالعمل الاختياري بعد زوال العذر أو الإتيان بهما معا. وهذا أيضا غير معقول لأن التخيير بين الأقل والأكثر غير معقول.
والنتيجة انه يكون الفعل الاضطراري بلا أمر في المقام. فان ثبت الأمر الاضطراري في مورد، كان ذلك منافيا مع الفرض الرابع. وبنفي الصورة الرابعة يثبت الإجزاء، لأن الفروض الأخرى المحتملة ثبوتا للواجب الاضطراري كلها تقتضي الإجزاء.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما قلناه من أننا قلنا بإجزاء الامتثال الاضطراري وحده وهو الاحتمال الأول حتى في الصورة المشار إليها. ومعه فنختار الوجه الثاني السابق وهو التخيير بين المتباينين، ولا يلزم تفويت الملاك الملزم الواجب الطاعة. لما قلناه من ان الملاك لا يجب طاعته وان كان ملزما فضلا عن جزء الملاك. وان جزء الملاك لا يترتب عليه خطاب أو أمر، لأن علة الأمر هو كل الملاك لا جزءه.
الوجه الثاني: إننا نختار الوجه الثالث ولا يلزم محذور. لأنه يكون من التخيير العقلي لا التخيير الشرعي ولا محذور فيه. بعد ان يبني المشهور على جواز الفرد الاضطراري وإسقاطه لقسم من الملاك. وكذلك على وجوب الإعادة الاختيارية نتيجة للقسم الثاني من الملاك القابل للتدارك. فهذا التخيير
ــــــ[100]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يكون نتيجة لأمرين وهو تخيير عقلي محتمل وممكن. أو قل انه تخيير شرعي ناتج من الدلالة الإلتزامية من ضم هاتين المقدمتين. ولا محذور فيه لأنه على كلا التقديرين يكون مجزيا ووافيا بالملاك.
الوجه الثالث: إننا نختار الشق الثالث، ولا محذور أيضا. لأنه أيضا من التخيير العقلي الناتج من ضم المقدمات الشرعية. من حيث انه ان أخر صلاته إلى حين الاختيار فقد أجزأ جزما، وان جاء بالصلاة حال الاضطرار سقط جزء من الملاك وبقي آخر جزء لابد من تداركه. وليس الفردين المأتي بهما في حال الاختيار واحدا. لأنه إذا لم يكن قد صلى حال الاضطرار كانت صلاته حال الاختيار وافية بكل الملاك وان صلى عندئذ وفت هذه الصلاة الاختيارية ببعض الملاك وهو الباقي. ولا يستحيل ان تفي بالكل.
فأما ان نقول انه تخيير عقلي وهو ليس بمستحيل أو نقول انه راجع إلى التخيير بين المتباينين. وأما ان نقول: انه تخيير شرعي مفهوم بالدلالة الإلتزامية من ضم الأدلة بعضها إلى بعض فيكون مقتضى القواعد ذلك.
الوجه الرابع: ما ذكره في التقريرات: من ان هنا شقا رابعاً ثبوتا لتصوير الأمر بالفعل الاضطراري. وهو افتراض وجود أمرين: احدهما تعلق بالجامع بين الفعل الاختياري والاضطراري وهو الذي نسيمه بالأمر الاضطراري بحسب الحقيقة. والآخر تعلق بخصوص الحصة الاختيارية. فان لم يتمثل المكلف الأمر الأول إلى ان زال عذره. فجاء بالاختياري كان امتثالا لكلا الأمرين. وان جاء في أثناء العذر بالاضطراري بقي عليه الإتيان بالاختياري – الحصة – بعد زوال العذر.
أقول وهذا من الغرائب لعدة وجوه:
ــــــ[101]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
1- ان تعلق الأمر خلال الاضطرار – كما هو ظاهر كلامه – بالجامع بين الفعلين الاضطراري والاختياري مستحيل لاستحالة الأمر بالاختياري أو بالجامع المنطبق عليه. للعجز عنه على كل حال.
2- انه لا يمكن ان يكون امتثال واحد كاف عن أمرين، لأن الأمرين يقتضي مأمورين به، لا واحداً. فإذا جاء بواحد عصى الآخر. فيكون مقتضى القاعدة ان يصلي صلاتين اختيارية أو اضطرارية واختيارية معا. وهو غير محتمل.
3- ان جاء بالفرد الاضطراري في وقت العذر. فقد جاء بحصة من الجامع فيفي بما في ذمته لأن الجامع يوجد بها ولا تجب عليه الحصة الأخرى جزما.
اللهم إلا ان نقصد من الجامع المجموع، فيكون الأمر أسوأ. إذ لا يحتمل الأمر بصلاتين: اضطرارية واختيارية. أو نقصد من الجامع: كل في وقته. وهو معقول إلا انه خلاف ظاهر قوله: وهو الذي نسميه بالأمر الاضطراري.
ملحوظة: الجامع معقول على شكلين:
1- الجامع بين الفرد الاضطراري والفرد الاختياري كل في وقته.
2 – الجامع بينها في وقت الاضطراري لو لم نرد به العجز المطلق. إلا ان هذا لا يكون دافعاً عن ذاك لأنه قال أمرين وهو غير محتمل في نفسه. والتصور الثبوتي له لا يكفي بمجرده لأنه ينبغي ان يكون ممكنا شرعاً ومتشرعيا لا مطلقا كما هو واضح.
الوجه الخامس: ما ذكره في التقريرات: ان غاية ما يلزم مما ذكر في هذا المنهج (العقلي) لو تم، وقوع التعارض بين إطلاق دليل الأمر الاضطراري لمن
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يزول عذره في آخر الوقت (فيكون مكلفا بالفرد الاضطراري رغم ذلك) وإطلاق دليل الأمر الاختياري لمن صدر منه الفعل الاضطراري في أول الوقت (فيجب عليه الإتيان بالاختياري أيضا). لأن كلا من الإطلاقين بعد تسليم البرهان المذكور يدفع الآخر. وبعد التعارض لابد من ملاحظة المرجحات. فان لم يكن في البين مرجح رجعنا إلى الأصل العملي الذي سوف يأتي الحديث عنه.
وهذا قابل للمناقشة لأن التعارض المذكور هل يكون بلحاظ إجزاء الفرد الاضطراري أول الوقت أو بلحاظ وجوب تأخير الامتثال أو بلحاظ إجزاء الفرد الاختياري آخر الوقت. أو بلحاظ وجوب التكرار وانه وان جاء بالفرد الاضطراري، فعليه ان يأتي بالفرد الاختياري. وعلى أي حال فالتعارض لابد ان يكون بلحاظ حكم من هذه الأحكام.
أما إجزاء الفرد الاختياري المتأخر فهو واضح الصحة، ولا تعارض فيه، لأن دليل الاضطرار انما يعارض حال الاضطرار لا حال رفعه وزوال موضوعه.
وأما إجزاء الفرد الاضطراري أول الوقت وحده، فهو مما ينفيه الدليل الاختياري بإطلاقه، لو سلمناه لأنه فرد ناقص فلا يكون مجزيا. إلا ان هذا غير تام:
1- لأن صورة المسألة ان الفرد الاضطراري مجزي ومسقط لبعض الغرض.
2- لأننا قلنا بسقوط الأمر الاختياري حال الاضطرار. فالتعارض ان كان حال الاضطرار لم يصح، لسقوط الاختياري وان كان حال الاختيار لم يصح لسقوط الاضطراري.
ــــــ[103]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وأما التعارض بلحاظ التكرار، فتقريبه: ان إطلاق الدليل الاضطراري يقتضي إجزاء المأتي به الاضطراري لكونه كامل المصداقية منه. وإطلاق دليل الاختياري يقتضي التكرار لكونه ناقص المصداقية منه.
وهذا أيضا ليس بصحيح، إلا ان نفهم من إطلاق دليل الاختياري عدم سقوط الملاك بالمرة بالفرد الاضطراري. وهو خلاف صورة المسألة. من فرض كون الاضطراري مجزيا ومسقطا لبعض الغرض. فإذا تم ذلك أمكن القول بان الفرد الاضطراري مسقط لكلا الخطابين. أما الخطاب الاضطراري فلكونه كامل المصداقية منه، وأما الخطاب الاختياري فلأنه أصبح عندئذ عاجزا عن المنجزية لما قلناه من ان جزء الملاك لا يكفي لها. فهو بمنزلة السقوط. ومع السقوط لا تعارض.
وأما التعارض بلحاظ وجوب التأخير إلى حين ارتفاع الاضطرار. فتقريبه: ان مقتضى دليل الاضطراري جواز البدار. ومقتضى إطلاق دليل الاختياري وجوب التأخير. لأن محصل وجوب الفرد الاختياري حال الاضطرار هو ذلك ليس إلا.
إلا ان هذا لا يتم:
1- لما نقوله من تقدم الأمر الاضطراري على الاختياري بالقرينة فيرتفع التعارض.
2- انه خلاف ظاهر كلامه في التقريرات لأنه قال: وبين إطلاق دليل الأمر الاضطراري لمن يزول عذره آخر الوقت، وإطلاق دليل الأمر الاختياري لمن صدر منه الفعل الاضطراري في أول الوقت.
أقول: في حين ان الإطلاق الذي اشرنا إليه هو الحكم بوجوب التأخير لا
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ببطلان الفرد الاختياري على فرض الإتيان به.
إذن فالتعارض على أي حال ليس تاما. لكننا نبقى مسؤولين عن تقديم وجه لتقدم احد الدليلين على الآخر. لتصح لنا النتيجة بغض النظر عن المسألة. وإلا فمقتضى القاعدة الأولية هو ان إطلاق دليل الحكم الاختياري يقتضي بطلان المأتي به الاضطراري في حين يقتضي إطلاق دليل الحكم الاضطراري صحته. ومعنى الحكم بالبطلان هو وجوب الإعادة أو وجوب التأخير. وهذا ما سوف يتضح فيما يلي.
وهنا قال في التقريرات: وأما المنهج الاستظهاري يعني لتقديم إطلاق الدليل الاضطراري على الاختياري. فبعدة تقريبات:
التقريب الأول: ان دليل الأمر الاضطراري ظاهر في التصدي لبيان تمام ما هو وظيفة المكلف. إذ مع كون الأمر على خلاف ذلك لكان عليه ان يبينه. وهذا يشكل بحسب الحقيقة إطلاقا مقاميا في دليل الأمر الاضطراري يقتضي الإجزاء.
قال: إلا ان هذا الإطلاق إنما ينعقد فيما إذا كان هناك قرينة خاصة في دليل الأمر الاضطراري على كون المولى بصدد بيان كل ما هو وظيفة المكلف أي في طول الوقت. وإلا فمقتضى الطبع الأولي لدليل الاضطرار انه في مقام بيان الوظيفة حين الاضطرار لا كل الوظائف الفعلية عليه.
على ان هذا الإطلاق المقامي معارض مع إطلاق دليل الحكم الاختياري. والإطلاقات المقامية وان كانت في الغالب أقوى من الإطلاقات الحكمية بحيث تصح للقرينية عليه. إلا ان هذا إنما يكون فيما إذا كان الإطلاق المقامي وارداً في دليل خاص حول نفس المسألة. وأما إذا كان الإطلاق المقامي بنفسه في
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
طول إطلاق حكمي لدليل، فسوف تكون المعارضة بحسب الحقيقة بين الإطلاقين الحكميين لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين.
أقول: وبعض الفقرات من كلامه وان كانت قابلة للمناقشة إلا ان النتيجة صحيحة. وهي عدم كون المولى في بيان المقام من هذه الجهة وهي كونه بيان لتمام الوظفية في كل وقت. وقد سبق في نقاش المحاضرات ان قلنا باستحالة ذلك لأنه:
1- سقوط الأمر الاختياري عند الاضطرار.
2- نقصان المأتي به الاضطراري عن متعلق الأمر الاختياري.
3- كون القرينة هنا منفصلة بين الخطابين. ولا يحتمل ان يكون الخطاب الاضطراري في بيان كفاية المأتي به الاضطراري عن المأتي به الاختياري إلا مع وجود قرينة متصلة صريحة، كما قال. والمفروض عدمها.
فان قلت: فان الإطلاق المدعى هنا مقامي في حين ان الإطلاق المدعى في المحاضرات لفظي. ولا ملازمة بين بطلان الإطلاقين.
قلنا:
1- انني اعتقد ان الإطلاق المقامي اضعف من الإطلاق الفظي وليس أقوى كما قال في التقريرات. لأنه سياقي والآخر وضعي والدلالة الوضعية أقوى عموما من الدلالة السياقية. فإذا بطل الإطلاق اللفظي كان الإطلاق المقامي أولى بالبطلان.
2- ان كلا نوعي الإطلاقين يتوقفان على كون المولى في مقام البيان. فإذا بطلت هذه المقدمة من مقدمات الحكمة بطل الإطلاق. والمفروض ان موردها
ــــــ[106]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واحد وليس متعدداً. أو قل: ان منطوقهما ومضمونهما واحد. فيفسدان بفساد مقدمة واحدة. فحتى لو سلمنا بكون الإطلاق المقامي أقوى، فانه يكون ساقطا.
التقريب الثاني من التقريرات أيضا: ان يستفاد من اللسان اللفظي لدليل الاضطرار مثل (التراب أحد الطهورين) أو من مجموعة القرائن المقامية واللفظية المتنوعة. وتنزيل الوظيفة الاضطرارية منزلة الوظيفة الاختيارية. ان مقتضى إطلاق البدلية حينئذ: البدلية المطلقة، أي في كل الجهات والمراتب (يعني سواء زال العذر في الوقت أم لا) وهو يقتضي الإجزاء لا محالة.
وعلق عليه في التقريرات قائلا: وهذا التقريب تام لكنه موقوف على الاستظهار المذكور.
أقول: وقد ذكرنا في مرحلة الثبوت من هذا البحث. اننا إذا استفدنا التنزيل أمكن القول بإيفاء الفرد الاضطراري محل الاختياري بكل الملاك الواقعي. إلا أننا قلنا هناك ان المفروض عدم هذه الاستفادة. اما في مرحلة الإثبات التي نتكلم عنها الآن، فهو يحتاج إلى قيام القرينة عليه. كما هو غير بعيد بالنسبة إلى الموارد المنصوصة من الصلاة العذرية كالتيمم والصلاة الجلوسية. بخلاف الصلاة العذرية المطابقة للقاعدة كالصلاة في الغصب اضطرارا فان التنزيل مفقود فيها. وسيأتي مزيد كلام فيه.
التقريب الثالث: النظر حيث يقال: – كما قال في التقريرات -، إلا انه جعله ملحقا بالتقريب الثاني ولكنه يصلح لأن يكون تقريبا مستقلا:
ان دليل الأمر الاضطراري ناظر إلى الوظيفة الواقعية الاختيارية وإطلاق الدليل الناظر حاكم ومقدم على إطلاق الدليل المحكوم. ثم علق عليه نفس
ــــــ[107]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تعليق التقريب السابق: بقوله: وهذا التقريب تام ولكنه موقوف على الاستظهار الذي ذكر.
أقول: إلا ان هذا التعليق هنا لا ينفع، لأن المفروض إعطاء كبرى كلية وقاعدة عامة بان كل إطلاق دليل ناظر حاكم على إطلاق الدليل المحكوم. أو باعتبار قاعدة: ان كل إطلاق دليل ثانوي ناظر أو حاكم على إطلاق الدليل المحكوم. ولئن شككنا في كونه ناظرا (صغرويا) فلا نشك كونه دليلا ثانويا فيكون مقدماً. سواء استفدنا من لفظه النظر والحكومة أم لا.
ومن هنا يتضح ان هنا ثلاث تقريبات للحكومة إذا تم واحد منها أو أكثر كان الدليل الاضطراري مقدما.
الأول: تطبيق قاعدة ان إطلاق كل دليل ناظر حاكم على إطلاق الدليل المنظور إليه. وهي كبرويا أكيدة، لأن النظر بمعنى التفسير، والتفسير يكون بمنزلة القرينة المتصلة وان كان منفصلا. إلا ان الكلام في صغراه. لأننا قد ندعي انه ليس ظاهرا بالنظر، بغض النظر عما سيأتي.
الثاني: تطبيق قاعدة ان إطلاق كل دليل ثانوي مقدم على إطلاق الدليل الأولي. وهو المحصل الذي حاوله في المحاضرات. إلا انه بمجرده قابل للمناقشة كبرويا، إلا ان نقول: ان طبيعة الأحكام الثانوية كونها ناظرة إلى الأحكام والمتعلقات الأولية. فيرجع إلى النظر. كما هو المستفاد من قوله  رفع عن أمتي تسعة أشياء. فقد نظر إلى ظرف وجود الحكم الأولي ورفعه. وإلا لم يصدق الرفع. مع العلم ان (ما اضطروا) منها وهو محل كلامنا. فلا نحتاج إلى مقايستها بالأدلة الأخرى كلا حرج ولا ضرر. والفحص عن أنها ناظرة أم لا. كما حاول في المحاضرات.
ــــــ[108]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الثالث: ان تكون نفس الأدلة للأحكام الثانوية في الصلاة ناظرة إلى الأدلة الأولية ومفسرة لها. بحيث يكون لها إطلاق حتى لصورة محل الكلام وهو ارتفاع العذر خلال الوقت. وهو الذي أشار انه متوقف عليه (في التقريرات). فان دلالتها في ذلك غير صريحة. ومجرد الإطلاق معارض بإطلاق الدليل الاختياري. نعم لو كانت واردة في نفس الحصة التي نتحدث عهنا لكانت دالة بالالتزام على ما ذكر إلا ان الأمر ليس كذلك.
غير انه يمكن القول ان التقريب الثاني للنظر صحيح (وهذه التقريبات سعة وضيقا أو قل علّية ومعلولية). فيكون التقدم صحيحاً. وهو نتيجة ما اختاره في المحاضرات. ومعه يكفي مجرد الإطلاق في الدليل الثانوي للتقدم على الدليل الأولي. فيكون الإتيان بالعمل الاضطراري خلال الوقت مجزيا. فضلا عما قلناه فيما سبق من سقوط الأمر الأولي خلال فترة الاضطرار وغير ذلك مما سبق، فانه أيضا مؤد إلى نفس النتيجة.
التقريب الرابع: نقله في التقريرات عن المحقق الأصفهاني. وحاصله: ان إطلاق دليل الأمر بالصلاة الاختيارية، إنما يدل بظاهره على الآمر بذي الخصوصية وهي الصلاة القيامية لا الأمر بالخصوصية وهي القيام في الصلاة.
قال: وهذا يعني ان ما هو ظاهر الدليل غير محتمل وما يحتمل ان يكون في صالح عدم الإجزاء – وهو فرض الأمر بالخصوصية – لا يستفاد من دليل الأمر.
أقول: هذه عبارة مرتبكة. ومحصلها: ان ما يقع طرفا للمعارضة مع إطلاق الدليل الاضطراري ليس الأمر بالصلاة بل الأمر بالقيام فيها لأنه هو المعارض للاضطرار للجلوس. وهذا الأمر غير موجود لأن الأمر في الحقيقة
ــــــ[109]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يرجع إلى الأمر بالصلاة القيامية لا القيام في الصلاة. فما هو طرف المعارضة المحتملة غير موجود وما هو موجود ليس طرفا للمعارضة.
قال في التقريرات: ومنه يعرف ان هذا التقريب: إنما يبرهن على عدم دلالة دليل الأمر الاختياري على عدم الإجزاء، ولكنه لا يبرهن على الإجزاء. فإذا تم هذا التقريب، لزم للقول بالإجزاء الرجوع في مقام الإثبات إلى إطلاق أو أصل أولي وهو يثبت الإجزاء. أو ان هذا الوجه ينتج عدم معارضة بين الدليلين حيث لا يدل الدليل الاختياري على عدم الإجزاء ولا الدليل الاضطراري على الإجزاء. لانحفاظ الإطلاق فيه. وأما إذا تنزلنا عن ذلك، فمعناه ان كلا الدليلين لا إطلاق لهما. فيخرج عن صورة المسألة إلى مسألة آتية. فلا تتم النتيجة المشار إليها.
ثم استشكل عليه بالتقريرات بعدة أجوبة:
أولاً: ما تفطن إليه المحقق نفسه من احتمال ان يكون للواجب ملاكان مستقلان: احدهما في الجامع (يعني الصلاة القيامية) والآخر: في الجامع المتخصص ( يعني القيام في الصلاة) فيكون منسجما مع الأمر بذي الخصوصية ويكون مناسبا مع عدم الإجزاء لفرض كون المأتي به فاقدا للقيام.
إلا ان هذا غير تام:
1- لعدم إمكان ان يكون للواجب ملاكين، لأنهما سيكونان بمنزلة علتين لمعلول واحد وهو محال.
2- انه لا يحتمل ان يكون الأمر بالقيد ( وهو القيام مثلا) له ملاك مستقل . وإنما هو طريقي إلى فهم ما يتحقق به الملاك الأصلي للأمر الأصلي.
ــــــ[110]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ثانياً: ان الوجه مبني على ان ما يقع طرفا للمعارضة مع الأمر الاضطراري هو الأمر بالقيد لا الأمر بالمقيد، وهو غير صحيح، لأن الأمر بالقيد ليس أمرا مستقلا ليقع طرفا للمعارضة، وبتعبير أوضح هو ليس أمرا بالصلاة الاختيارية القيامية بل القيام فقط. فالمنظور إليه على انه قيد فيندرج في الأمر الأساسي. ولا يكون ملحوظا وحده ليقع طرفا للمعارضة.
فالمعارضة إنما تكون مع الأمر الاختياري الأصلي المقيد بالقيام وذاك الأمر يقتضي عدم الإجزاء بإطلاقه.
مضافا إلى ما قلناه من ان ما قاله من لزوم الرجوع إلى إطلاق أو أصل أولي إنما يصار إليه بعد فرض التعارض والتساقط بين الإطلاقين، وهذا ما يحصل فعلا بعد التنزل عن الوجوه الأخرى التي تنتج تقديم إطلاق الأمر الاضطراري المنتج للإجزاء. فلا يبقى شيء منتج للإجزاء إلا بعض الأدلة الخارجية.
التقريب الخامس: انه وان كان فرض المسألة هو وجود إطلاق لكلا الدليلين الاضطراري والاختياري. إلا انه يمكن ان نقرب ان الدليل الاضطراري بمنزلة الأخص فيتقدم عليه بالتخصيص. فيخرج فترة الاضطرار. فيكون الحكم إلى جانب الخاص وهو الدليل الاضطراري وهو يقتضي الإجزاء.
وأفضل تقريب لذلك: هو ان يقال: ان الإطلاق المدعى لدليل الأمر الاضطراري هو إطلاق إلى ما إذا كان الاضطرار عاما لكل الوقت أو حاصلا ببعضه. فإذا عزلنا حصة كل الوقت عن مدلوله بقيت حصة بعض الوقت فيه فتكون مخصصة للدليل الاختياري. لأنه يقول: صل الصلاة الاختيارية سواء حصل الاضطرار ببعض الوقت أم لا.
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهذا مقابل ما قلنا فيما سبق من إسقاط إطلاق الدليل الاختياري لصورة الاضطرار لاستحالة وجود الأمر ساعتئذ.
وتقريب إخراج صورة جميع الوقت من الدليل الاضطراري بان يقال: بأنها خارجة عقلا وعقلائيا فلا يبقى حاجة للتعرض لها في لسان الشارع. وتوضيح الواضحات يكون لغوا. والمكلف معذور لا محالة عنه. فلا يكون في مقام البيان من جهة كل الوقت لأن توضيح الواضحات لا يصدر من الحكيم. فيبقى الإطلاق خاصا ببعض الوقت.
جوابه: انه مطعون كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأن توضيح الواضحات معقول وليس بمستهجن ولا ينافي حكمة الحكيم. وكثير من القضايا تكون واضحة ومع ذلك فهي صحيحة وعقلائية وعرفية، كالسماء فوقنا والأرض تحتنا. نعم يندر ان تحصل مناسبة لتفهيمها، وهذا شيء آخر غير الاستهجان. فيمكن ان نتصور لها مصلحة للبيان ولو نادرة.
فان قلت: ان العلة الغائية من الكلام لابد منها. قلنا: نعم إلا انه يمكن الاكتفاء بأية علة. فان قلت: ان الحكيم لابد له من علة معتد بها. قلنا: لا يتعين ان يكون المراد بيان الحكم بل أي مصلحة ثانوية والاحتمال قاطع للاستدلال. هذا مضافا إلى ما سنعرفه في المناقشة الآتية من المصالح.
وأما صغرى: فلأن الرفع حال الاضطرار وغيره يحتوي على نفي وجوب الاحتياط بحفظ الواقع على كل حال ولمجرد الاحتمال. وهو احتمال متعين لو لم تكن أصالة البراءة موجودة. ففي الإمكان القول بان دليل الاضطرار بإطلاقه لكل الوقت ينفي وجوب الاحتياط والتعسف في الامتثال. فيكون الإطلاق
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لصورتي وجود الاضطرار لكل الوقت وبعضه متحققاً فتكون النسبة بين الدليلين العموم من وجه لا الأخصية ليكون مقيدا.
فان قلت: فان احد الإطلاقين لبيان الحكم والآخر لنفي الاحتياط. وبتعبير آخر: ان احد الإطلاقين لنفي العمل بالأمر الأولي ولو احتياطا (وهو ما كان طول الوقت) والآخر لإثبات الحكم الثانوي (وهو ما كان في بعض الوقت) وهو أمر غير مناسب لأن اللسان واحد. فلا يمكن ان نفهم منه فهمين متغايرين.
قلت: نعم، فإما ان نفهم من الدليل إسقاط الدليل الأولي ولو احتياطا. ويكون وجوب الباقي بدليل آخر. وإما ان يكون المراد به وجوب الباقي في أي حصة من الاضطرار، ونفهم باللازم نفي الاحتياط بالحكم الأولي وعدم وجوب التعسف له. في كلا الموردين يعني سواء ارتفع الاضطرار في الوقت أم لا. وهذا هو الذي ينفي اللغوية بنفي الاحتياط واثبات وجوب الباقي.
فان قلت: ان الاحتياط إنما يكون نفيه معقولا في صورة وجود الصعوبة وأما في صورة التعذر العقلي فلا، فيعود إشكال توضيح الواضحات.
قلنا: أولاً: إننا يمكن ان نحمله على الإرشاد إلى حكم العقل بالسقوط، والإرشاد إلى الأحكام العقلية غير مستهجنة. وهو موجود في الكتاب والسنة كثيرا.
ثانياً: ان القدر المتيقن من الوضوح هو سقوط التكليف الأولي. وأما وجوب الإتيان بالباقي فغير مفهوم بدون وجود دليل عليه، فيمكن ان يكون الحكمة من بيان الدليل لا مجرد سقوط التكليف السابق.
هذا الكلام في الصورة الأولى وهو وجود الإطلاق في كلا الدليلين.
ــــــ[113]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وقد تحصل إننا قلنا بالإجزاء لأكثر من تقريب احدهما: ما سبق من ان حال الاضطرار يقتضي سقوط الحكم الأولي وثبوت الثانوي في الذمة فإذا جاء الفرد بالعمل الاضطراري مطابقا له ولو برجاء المطلوبية. اقتضت القواعد عدم وجوب الإعادة لاستصحاب فراغ الذمة من الحكم الأولي بعد زوال الاضطرار ما لم يحصل دخول الوقت مرة أخرى. مضافا إلى ما قلناه من ان جزء الملاك لا يحرك ولا يكون سببا للخطاب.
ثانيهما: حكومة إطلاق الأدلة الأولية بالنظر المستفاد من حديث الرفع. إلا ان هذا كله لا ينافي الاحتياط الإستحبابي بالانتظار فانه نحو من الانقياد.
الصورة الثانية: إذا لم يكن للدليل الاضطراري إطلاق يشمل صورة ارتفاع العذر في بعض الوقت. فلا محالة يكون القدر المتيقن منه صورة استيعاب الوقت للعذر. ولا يجزي غيره لأن تصحيح الفرد في تلك الصورة إنما كان بالإطلاق والمفروض هنا عدمه.
الصورة الثالثة: بالعكس عن السابقة: بان يفرض ان دليل الأمر الاضطراري له إطلاق وليس لدليل الأمر الاختياري إطلاق. فهذا أولى بالقول بالإجزاء من الصورة الأولى. لأن المانع المحتمل عن القول به إنما هو إطلاق الدليل الأولي الذي يقتضي وجوب التأخير إلى حين ارتفاع الاضطرار. وهو غير موجود في هذه الصورة. فلو لم نقل في الصورة الأولى بالإجزاء، قلنا به هنا.
الصورة الرابعة: ما إذا لم يكن لكلا الدليلين إطلاق. فلا يمكن التمسك بالأمارات اللفظية وتصل النوبة إلى الأصول العملية التي سنذكرها.
مقتضى الأصل العملي في المسألة :
ذهب الشيخ الآخوند بنص الكفاية إلى جريان البراءة عن وجوب الإعادة
ــــــ[114]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فيما إذا ارتفع العذر خلال الوقت فضلا عن القضاء. كما سيأتي. وكلامه مطلق أو مجمل بين ما إذا كان المكلف من أول الأمر يعلم أو يحتمل ارتفاع العذر خلال الوقت أم لا. وقد فهم المشهور منه الإطلاق من هذه الناحية. فهو يرى جريان البراءة في كل هذه الحصص.
وقيده في المحاضرات فيما إذا دل الدليل واقعا على جواز البدار. وعندئذ فلا مناص من القول بالإجزاء. إلا انه قال: انك عرفت ان مثل هذا الدليل غير موجود.
أقول: هذا يمكن ان يحصل في عدة صور:
الصورة الأولى: فيما إذا حصل له العلم أو الاطمئنان بعدم زوال العذر إلى نهاية الوقت ثم زال على غير التوقع. فإذا بادر وصلى أمكنه جريان البراءة عن الإعادة فضلا عن القضاء.
الصورة الثانية: انه يصلي مبادرا خلال العذر برجاء المطلوبية يعني برجاء استمرار العذر المنتج لمطلوبية الفرد الاضطراري. فإذا زال العذر أمكنه إجراء الأصل أيضا. لأن المفروض انه ليس في دليل الأمر الاختياري إطلاق لإثبات مانعية الاضطرار عن الإجزاء ووجوب الانتظار.
الصورة الثالثة: ان المكلف مع الشك يُجري الاستصحاب الاستقبالي للموضوع وهو الاضطرار، فينتج انه مستمر إلى آخر الوقت. مع احتماله – كما هو المفروض – وهذا الموضوع ذو اثر شرعي وهو ارتفاع وجوب الانتظار أو الحكم بإجزاء الفرد المأتي به حال الاضطرار أو وجود الآمر التكليفي حال الاضطرار فإذا بادر للصلاة، أمكنه بعد ارتفاع الاضطرار من إجراء الأصل المؤمن.
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلا ان الكلام في جريان الاستصحاب الاستقبالي، والظاهر جريانه. كما سيأتي في باب الاستصحاب لعدم شرطية كون التكليف فعليا في الحال. بل تكفي فعليته في أية مدة. ومن هنا صح الاستصحاب الحالي والاستقبالي والقهقري.
واما كونه مثبتا فليس بصحيح لأنه يترتب عليه بالمطابقة نفي الحكم ويكفي ذلك أثرا.
إذن فالكلام اعني الإشكال على الشيخ الآخوند، ينبغي ان يبدأ في غير هذه الصور. وهي صورتان: وهما ما إذا علم بارتفاع العذر خلال الوقت. وما إذا احتمله ولم نقل بجريان الاستصحاب الاستقبالي. أو كان الأمر اطمئنانياً بحيث لا يجري معه الاستصحاب. فإذا قلنا بجريانه لم يبق إلا صورة العلم التي يراد به الأعم من العقلي والعرفي.
كما انه ينبغي ان نلتفت إلى ان نية المكلف مع احتمال الزوال فضلا عن العلم لا يمكن ان تكون جزمية وإنما برجاء المطلوبية. لفرض ان الصورة هو عدم وجود الإطلاق في الدليلين فلا يكون الخطاب الاضطراري محرزاً. ولا تكون النية الجزمية صحيحة إلا فيما إذا كان الإطلاق متوفرا في الدليل الاضطراري دون الاختياري. والمفروض عدمه.
فإذا صلى برجاء المطلوبية لم تجب الإعادة جزما لقصور دليل الإمارة، وجريان الأصل المؤمن. وإذا صلى بنية جزمية في غير مورده بطلات صلاته.
كما انه ينبغي ان نلتفت إلى ان مورد الكلام فيما إذا صلى المكلف خلال الاضطرار وأساس كلام الآخوند على ذلك. ونتكلم عن تكليفه بعد صلاته لا قبلها. وهذا الحال يختلف بالنية على بعض الوجوه الآتية. فكل وجه لم يأخذ
ــــــ[116]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا بنظر الاعتبار فهو باطل. لوضوح انه لو لم يكن صلى أو احتمل انه لم يصل. وجبت عليه الصلاة الاختيارية بعد ارتفاع الاضطرار.
وعلى أي حال فقد قال في التقريرات انه اعترض على الآخوند في إجرائه للبراءة باعتراضين:
الاعتراض الأول: نسبه إلى المحقق العراقي. وهو كلام موجود في المحاضرات مع الاختلافات التالية:
1- انه منسوب صريحا إلى العراقي في التقريرات ورمزاً في المحاضرات.
2 – انه مذكور في التقريرات على انه إشكال على الآخوند وليس كذلك في المحاضرات.
3 – انه في المحاضرات مذكور كوجهين مستقلين عن بعضهما. في حين في التقريرات مرتبطين كما سيأتي قريباً. وهذا يدل على عمق النظر.
وحاصل ما ذكره في التقريرات عن المحقق العراقي:
ان احتمال الإجزاء اما ان ينشأ من احتمال وفاء الفعل الاضطراري بتمام الملاك (أو يبقى منه جزء استحبابي) أو نشأ من احتمال عدم إمكان التدارك لما يتبقى من الملاك. (يعني انه إذا بقي جزء ممكن التدارك وجب التدارك).
وعلى كلا التقديرين لا تجري البراءة. بل يجب الاحتياط. أما على الفرض الأول. فانه يكون من الدوران بين التعيين والتخيير. إذ لو كان الفعل الاضطراري وافيا بالملاك فالحكم هو التخيير، وإلا فالحكم هو التعيين للفعل الاختياري. والأصل في موارد الدوران بين التعيين والتخيير هو الاحتياط كما اختاره المحقق الخراساني نفسه.
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وأما على الفرض الثاني وهو عدم إمكان التدارك فيرجع الشك في التكليف إلى الشك في القدرة على تحصيل الملاك التام وعدمه. لأنه الشك في الإمكان على الفرض. وهو مجرى للاحتياط أيضا(عقلا كما هو محقق عنده. وهنا لم يقل بان الآخوند يقر هذه الكبرى).
وأوضح إشكال على ذلك: أولاً: ما اشرنا إليه من ان الدليل يخلو من فرض الإتيان بالعمل الاضطراري فنوجب عليه التأخير لا بإطلاق الدليل الاختياري بل بالقواعد العقلية. وهو خلف موضوع المسألة على مناقشة ستأتي.
ثانياً: انه في الفرع الأول نختار سببا ثالثاً لإجزاء المأتي به الاضطراري وهو بقاء قسم من الملاك يمكن تداركه، وليس كما يظهر من كلامه انه واجب التدارك. وكذلك لو احتمل إمكان التدارك وعدمه. حيث قلنا بان جزء الملاك ليس سببا للخطاب ولا للامتثال.
ثالثاً: إننا في الفرع الثاني نطعن بالكبرى. وان الشك في القدرة مورد للبراءة لا للاحتياط، لعدم وجود إطلاقات كافية في أدلة الاشتراك ولا في أدلة الاحتياط. مما ينتج احتمال فراغ الذمة عند احتمال العجز فتجري البراءة. وتمام الكلام في محله.
رابعاً: ان دوران الأمر بين التعيين والتخيير إنما يكون مورداً لتعين التعيين فيما إذا كان خطابيا لا ملاكيا. وأما إذا كان ملاكيا محضاً فلا، لما سبق من عدم وجوب إطاعة الملاك. والمفروض سقوط الأمر الاختياري خلال الاضطرار وعدم إطلاق له لنفهم وجوب التأخير.
خامساً: انه قال -كما سبق-: انه إذا لم يكن العمل الاضطراري وافيا
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالملاك يعني جميعه، فالحكم هو تعين الاختياري. وهذا غير صحيح إلا مع فروض لا يفرض تحققها، مثل عدم وفاء الاضطراري بالملاك أصلا أو بقاء قسم منه ممكن التدارك وهكذا. فإطلاق الصورة التي ذكرها غير تام.
سادساً: انه قال: ان احتمال الإجزاء ناشئ من فرضين: وفاء العمل الاضطراري بتمام الملاك. وهذا صحيح. وبقاء قسم إلزامي منه غير قابل للتدارك. أقول: هذا لا يستلزم القول بالإجزاء نظريا وان كان مثله عمليا. إذ غاية هذه الصورة هو وفاء المأتي به ببعض الملاك وعدم إمكان التكرار. فان قصدنا من الإجزاء مجرد عدم وجوب التكرار، فهو، وإلا فكيف يصح ذلك مع فرض وفائه بقسم من الملاك، لا كله؟
الاعتراض الثاني: على جريان البراءة في نظر الشيخ الآخوند:
ان هناك أصلا عمليا حاكماً على أصالة البراءة، وهو الاستصحاب التعليقي لوجوب الفعل الاختياري، لو كان زوال العذر قبل الإتيان بالفعل الاضطراري. وقد اختار جملة من المحققين ومنهم صاحب الكفاية جريان الاستصحاب في القضايا التعليقية.
قال: والجواب: ان وجوب الفعل الاختياري تعييناً لا يقين سابق به بالخصوص. إذ على فرض الإجزاء (يعني للفعل الاضطراري) بملاك الاستيفاء، يكون الواجب من أول الأمر هو الجامع بين الفعلين مقيداً كل منهما بحاله. وليسا هما من قبيل الأمر بالجامع بل هما أمران مستقلان طوليان، غاية الأمر إنهما متساويان نتيجة. ومعه يمكن استصحاب وجوب الفرد الاختياري التعليقي.
فإن أريد من الاستصحاب التعليقي استصحاب وجوب الفعل الاختياري
ــــــ[119]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تعليقا، فلا علم بوجوب تعليقي من هذا القبيل. وان أريد استصحاب الانحصار في تطبيق الجامع على الفعل الاختياري على تقدير ارتفاع العذر. فليس هذا الانحصار حكما شرعيا ليجري الاستصحاب بلحاظه، بل هو لازم عقلي من باب تعذر فردي الجامع.
وهذا قابل للمناقشة إجمالا لا حاجة إلى الإطالة فيها. ولو باعتبار ان احد فردي الجامع حكم شرعي يمكن استصحابه لا أننا نستصحب الانحصار ليرد الإشكال. مضافا إلى بطلان المبنى وهو جريان الاستصحاب التعليقي.
ونضيف: ان هذا الاستصحاب معارض باستصحاب تنجيزي هو الذي سبق ان ذكرناه والمنتج لفراغ الذمة. فان تعارض الاستصحاب التعليقي مع التنجيزي تقدم التنجيزي لا محالة لفعلية موضوعه على الغرض وعدم فعلية موضوع الآخر حتى لو قلنا بجريانه.
مضافا إلى انه مبني على كبرى حكومة الاستصحاب على البراءة كما هو المشهور. باعتبار ان الاستصحاب أصل تنزيلي والبراءة غير تنزيلي فتكون النسبة بينهما كنسبة الأمارة إلى الأصل. إلا ان الظاهر انه يتقدم عليه فيما لو كان اسبق رتبة كما لو جرى في موضوع البراءة. أما إذا كانا في رتبة واحدة هي رتبة الحكم. فلا يتقدم عليها. بل في الإمكان القول بتعارضهما وتساقطهما. هذا في الإستصحابات العادية فضلا عن التعليقية التي لم تتحقق موضوعاتها، وقد تحقق موضوع البراءة.
واما الحديث عن وجوب القضاء فيما لو أتى بالمأمور به الاضطراري في الوقت واستمر العذر إلى آخر الوقت. وأما لو ارتفع العذر ولم يصل الصلاة الاختيارية فمن يقول بوجوبها إلزاما يقول بوجوب قضائها. وأما إذا نفينا
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وجوبها أداء فالأولى نفي القضاء. وكذلك لو قلنا ان الأداء أحوط استحبابا أو وجوبا.
لكن إذا أدى الفرد الاضطراري واستمر العذر إلى أخر الوقت. فمقتضى القاعدة الإجزاء في الوقت. وهذا ينبغي ان يكون مسلما. وإنما كان الخلاف فيما لو ارتفع العذر في الوقت والمفروض الآن عدمه. فإذا أجزأ في الوقت لم يكن موضوع القضاء متحققا لأن موضوعه الفوت ولم يتحقق. بل حتى لو كان القضاء بنفس الأمر لسقوطه بالأداء أو قل: ان الأمر الأولي ساقط بالعذر الثانوي بالامتثال.
وهنا قال الشيخ الآخوند: نعم لو دل دليله على ان سببه (يعني موضوعه) فوت الواقع ولو لم يكن فريضة (فعلية) كان القضاء واجبا عليه لتحقق سببه وان أتى بالغرض، لكنه مجرد الفرض.
إلا ان هذا مطعون كبرى وصغرى. اما كبرى فلما أشار إليه من انه مجرد فرض لأن الدليل لا يساعد عليه. إلا ان نفهم من الفوت فوت الواقع لا فوت الوظيفة الفعلية وهو غير محتمل إذ يفهم منه بالعرف المتشرعي: الثاني.
وأما صغرى: فلأن الحكم الأولي الاختياري غير موجود إطلاقا في حقه. نعم لو كان هناك ملاك دون خطاب أو خطاب بدون فعلية، لجاز هذا الكلام احتمالا، إلا ان الأمر ليس كذلك لفرض استيعاب العذر لكل الوقت. وبعد سقوط الخطاب لا يمكن الاستدلال على الملاك. ومعه لا دليل على الوجود الاقتضائي للملاك ولا للخطاب لاحتمال كونهما مقيدين بغير هذه الصورة. ولا اقل من استصحاب عدمها مما قبل الوقت أو أزلياً. وبهما تزول صغرى ذلك الدليل على فرض وجوده.
ــــــ[121]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وفي التقريرات ناقش الشيخ الآخوند قائلا: ان أولوية البراءة عن وجوب القضاء انما يكون بناء على ان يكون القضاء بأمر جديد. حيث يكون الشك في أصل تكليف جديد (فتجري عنه البراءة) ولا يتوهم فيه كونه مورداً للاحتياط أو الاستصحاب التعليقي. (بان يقال: انه لو ارتفع العذر خلال الوقت لفاتت الصلاة فالآن كذلك) لأن عنوان الفوت لا يمكن إثباته حتى بالاستصحاب التعليقي (فيكون مثبتا لأنه باللازم العقلي. بل حتى هنا أيضا باطل لأنه لو ارتفع العذر خلال الوقت لكان من المحتمل ان يصلي. فلابد ان يقال: انه إذا ارتفع العذر في الوقت ولم يصل صدق الفوت وهذا خلاف مفروض المسألة) قال: وأما إذا كان القضاء بالأمر الأول. بان كان هناك أمران: احدهما: بالجامع (يعني بأصل الصلاة) والآخر: بإيجاد الجامع في الوقت. (وهذا لا يقول به من يقول: ان القضاء بنفس الأمر بل يقولون: انه بسقوط القيد وتعذره لا يسقط الأمر بالمقيد. بل كأنه يتحول إلى الإطلاق) فمع الشك في الإجزاء يكون المقام من الدوران بين التعيين والتخيير الذي يرى فيه صاحب الكفاية جريان الاحتياط لا البراءة. لأنه سوف يعلم بوجوب الصلاة من جلوس مثلا داخل الوقت على كل حال، وهذا هو الأمر الثاني المختص بالوقت. ويعلم بوجود أمر آخر عليه مردد بين ان يكون أمرا بالصلاة من قيام على تقدير عدم الإجزاء أو بالجامع بينهما والصلاة الجلوسية في الوقت -على تقدير الإجزاء- وهذا من الدوران بين التعيين والتخيير.
وهذا الكلام مطعون كبرى وصغرى:
أولاً: إننا ان سلمنا ذلك فهذا بغض النظر عن انه قد أدى الفرد الاضطراري. وأما مع فرض أدائه فلا معنى لذلك لأنه يكون قد قام بما هو محتمل التعيين له والمبرئ للذمة على كلا التقديرين. فلا معنى لاحتمال طرف التخيير الآخر بالنسبة
ــــــ[122]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إليه. نعم، لو كان الفرد في أية مسألة قد قام بالطرف التخييري كان طرف التعيين محتمل الوجوب عليه، إلا ان فرض مسألتنا بالعكس.
فان قلت: فانه قال انه على تقدير عدم الإجزاء يعني للفرد الأدائي وهو احتمال وارد لأنه يحتمل ان يبقى من الملاك جزء ممكن الاستيفاء. قلنا: كلا، فأن هذه المحتملات إنما كانت لصورة ارتفاع العذر داخل الوقت ولم يحتملها احد خارجه.
ثانياً: ان هذا إنما يكون في صورة المسألة التي ذكرها وهي وجود أمرين احدهما للتعيين وهو الأمر بالصلاة في الوقت والآخر للتخيير وهو الصلاة بالأعم من الوقت وغيره. وأما إذا كان الحال كما ذكرنا قبل قليل من وجود أمر واحد. فهذا الأمر الواحد لا يدور أمره بين التعيين والتخيير، بل كان في داخل الوقت تعيينيا على الأداء. وأصبح بعد الوقت تعيينيا على القضاء. أو قل لأنه بعد الوقت أصبح تعيينيا مع تعذر احد فردي التخيير وهو ما كان داخل الوقت. فيتعين في الثاني وهو القضاء. إذن تكون المسألة خارجة كبرويا عن محل دوران الأمر بين التعيين والتخيير. فهذا هو مقتضى الأصل العملي في القضاء.
وأشار في التقريرات باختصار إلى مقتضى دليل القضاء. وقال: فهو بحث إثباتي في الفقه. إلا أننا هنا نقول بشكل كلي (يعني على التقادير) ان الحال يختلف باختلاف استظهار ما هو الموضوع في دليل وجوب القضاء لو كان الموضوع فوت الفريضة الفعلية (كما هو كذلك وهو المستظهر من دليله) فلا فوت في حق من جاء بالفعل الاضطراري داخل الوقت لأنه قد جاء بوظيفته الفعلية.
ولو كان الموضوع فوت الفريضة الشأنية الأولية أي لولا الطوارئ والأعذار. فلا إشكال في وجوب القضاء عليه.
ــــــ[123]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهذا لنا عليه تعليقان:
أولاً: ان هذا هو نفس كلام الشيخ الآخوند حين قال: ان كان سببه فوت الواقع وان لم يكن فريضة. يعني الواقع الاقتضائي أو الشأني والاقتضائي والشأني هنا بمعنى واحد. مع انه لم ينسبه إلى احد.
ثانياً: انه ما المراد بالشأنية هنا مع ان المكلف في ظرف العذر. فان له أكثر من احتمال في معناه:
الأول: ما ذكره السيد الأستاذ  من انه ثابت (لولا الطوارئ والأعذار) بمعنى انه لو لم يكن العذر طارئاً لكان التكليف الأولي موجودا. وهذا واضح إلا ان هذا تعليق على انقلاب الواقع. والواقع مناقض ومعاكس له لوجود العذر فعلا. فهذا تقدير الفعلية وليس لها معنى الشأنية. نعم له من الشأنية بمعنى انه تكليف مجعول في الإسلام. وهذا المعنى لا يكفي لشموله للمكلف حال الاضطرار. ما لم يرجع إلى المعنى الثاني.
الثاني: ان يكون معنى الشأنية وجوده الضعيف في الذمة، بحيث له مرتبة المقتضي لولا طرو المانع. إلا انه لا تجب طاعته لوجود المانع. وهذا هو التصور المشهوري، وعليه كلام الآخوند والتقريرات. وقد سبق ان ناقشناه وقلنا انه مع انتفاء الفعلية فلا دليل على بقاء الاقتضاء والشأنية.
ثم قال: ولو كان الموضوع (يعني موضوع وجوب دليل القضاء) خسارة الملاك وفوته. فيكون المقام شبهة مصداقية لدليل وجوب القضاء لاحتمال الاستيفاء وعدم الفوت (يعني فلا يجب القضاء لأن التمسك عندئذ بالإطلاق باطل).
ولنا على ذلك تعليقان:
الأول: ان المراد من الملاك هنا الملاك الاختياري ومادام قد تمت خسارته
ــــــ[124]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إذن يجب القضاء. والكلام فيه هو ما قلناه في الخطاب أو التكليف قبل قليل. لأن وجوده التقديري لا حجية فيه. ووجوده الاقتضائي متنفِ ولا دليل عليه. لأننا إنما نسدتل على الملاك بالخطاب فإذا انتفى الخطاب لم يبق دليل على الملاك. فالملاك سالبة بانتفاء الموضوع فلا معنى لخسرانه. لأنه إنما يصدق ذلك ولو مع وجوده الاقتضائي. وهو منتف.
نعم لو قصد الأعم من ذلك، يعني خسرانه ولو لم يكن موجودا صح. إلا ان فهمه من الدليل يكون ابعد.
الثاني: إننا لو تنزلنا وقبلنا الوجود الاقتضائي للملاك وانه يصدق الخسران. وان مؤدى دليل القضاء هو هذا الخسران إذن يجب القضاء. ولا تكون شبهة مصداقية كما ذكر.
لأن الشبهة المصداقية: فرع ان نقول: ان المأتي به يحتمل عدم إجزائه لكونه لم يف بالملاك كله بل بقيت منه بقية قابلة للاستيفاء. إذن فهو مشكوك الاستيفاء وعدمه فيكون الفوت مشكوك التحقق فيكون شبهة مصداقية لدليل وجوب القضاء.
إلا ان هذا يجاب بجوابين:
أولاً: اننا إذا قبلنا بوجود الملاك الاختياري فمن اليقين ان المأتي به الاضطراري لا يطابقه وانه ناقص وكل ناقص باطل. وكل باطل حصل فيه الفوت. فيكون موضوعا لوجوب القضاء جزما.
ثانياً: اننا قلنا قبل مدة ان هذا الاحتمال وهو بقاء بقية ممكنة الاستيفاء من الملاك انما احتملوها للإعادة في الوقت لا في القضاء خارج الوقت. فاما خارج الوقت فان بقيت بقية فهي غير ممكنة الاستيفاء. ولا اقل من احتمال
ــــــ[125]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ذلك فلا يجب القضاء وتجري عنه البراءة ولا تكون شبهة مصداقية لعدم الاستيفاء بل ان الاستيفاء محرز.
ثالثاً: اننا قلنا أساساً ان التكليف والملاك الأولي ساقط اقتضاء وفعلية. وما هو موجود فعلا هو التكليف الثانوي، وقد أداه على الفرض. فمن غير المحتمل صدق الفوت. لأن الفوت الاختياري لا يصدق لكونه سالبة بانتفاء الموضوع وفوت الاضطرار لا يصدق للإتيان به ولم يفت قطعاً.
ثم قال (مع التنزل عن أجوبتنا): نعم قد يحرز الموضوع بالاستصحاب إذا كان المقصود من الفوت عدم حصول الملاك كمفهوم عدمي لا وجودي. بمعنى الخسارة المنتزع من عدم الإتيان وعدم إمكان التدارك.
ومراده: انه إذا كان الموضوع هو عنوان الفوت الثبوتي الايجابي. فهو غير محرز الحصول لكي يستصحب. ولكن يمكن ان يكون المراد بعنوان الفوت مجرد عدم حصول الملاك. فان قلت: ان العدم لا يحتمل ان يسمى فوتا. قلنا: يكون العدم سبباً لانتزاع عنوان وجودي في طوله وهو الخسارة. والمفروض اننا نفهم من الفوت المأخوذ في دليل القضاء هذا النحو من الخسارة.
وهذا العدم كان ثابتاً قبل الإتيان بالمأتي به الاضطراري. فهل ارتفع العدم وتبدل إلى الوجود بالإتيان به ام لا. فيستصحب العدم. فتثبت الخسارة. فيثبت موضوع القضاء على الفرض.
وجوابه: انه مثبت لأن لازمه انتزاع مفهوم الخسارة. إلا ان يراد ان مجرد ذلك العدم المستصحب هو الموضوع لوجوب القضاء. فيكون فهمه ابعد عن معنى الفوت. مضافا إلى الإشكالات المبنائية السابقة.
ــــــ[126]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المقام الثاني (في الكفاية)
في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري وعدمه :
فان لم ينكشف الواقع طول العمر، فلا كلام. كما انه لو ثبت الخلاف بالحكم الظاهري. كما لو تغير التقليد أو توصل إلى رواية كان يجهل محلها ونحو ذلك. أو انكشف له صحة السند أو ضعفه. فالشيء الذي قلناه في الفقه عدم وجوب القضاء، إلا إذا كانت باطلة أداء حتى من الجاهل وهو أمر نادر. لأن القضاء بأمر جديد.
وأما الإعادة في الوقت. فهناك من يقول: بأنه مادام القول جامعا لشرائط الاستنباط كفى في السير عليه مع المعذورية وهو القصور إما اضطراراً أو جهلاً. ومقتضى الكفاية عدم وجوب الإعادة. وخاصة وان أهم المقدمات هو بذل الوسع في الاجتهاد أو التقليد والمفروض كون الوسع مبذولا على كلا التقديرين وفي كلا الحكمين فلا تجب الإعادة.
غير ان في ذلك إشكالا. إذ لو لم يكن للدليل الثاني اثر لبقيت الفتوى على حالها، ولما تغير الحكم الظاهري مع ان كلامنا في صورة تغيره. وهو لا يتغير إلا إذا كان للثاني نحو تأثير على الأول. أما بتقدمه عليه أو معارضته له. أو بانكشاف ضعف الدليل الأول أساساً. ومن هنا وجب السير على الدليل الثاني. لا يقال: أنهما تعارضا وتساقطا أحيانا. فانه يقال: ان المفروض الرجوع إلى النتيجة النهائية فقهيا، وهو المراد بالدليل الثاني. وينبغي ان نلتفت إلى
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عموم هذا الآمر للشبهات الموضوعية والحكمية والأصل والأمارة وبالتلفيق، لأن المفروض في جميعها حجية الحكم الثاني وسقوط حجية الأول بنحو الشك الساري. وكذلك العبادات والمعاملات. وكذلك لا فرق بين الأصل والأمارة والحكم العقلي لفرض تنجز الأخير.
وبالرغم من إنني اعتقد ان هذه هي الحالة الغالبة، وهي عامة البلوى بين المجتهدين في تغير فتواهم وبين المقلدين في تغير تقليدهم. إلا أنهم لم يتعرضوا لهذه المسألة تفصيلا. وإنما قالوا هنا انه إذا انكشف الواقع فهل يجزئ المأتي به الظاهري أم لا. وعندئذ يكون الفرض في الشبهات الحكمية نادراً. لأننا لا نعرف الواقع إلا في الضروريات ونحو ذلك. وبالرغم من كلام الأصوليين يبدو انه عام لكلا الشبهتين، إلا ان المثال طبعا مأخوذ مما هو واقع يعني الشبهات الموضوعية لا الشبهات الحكمية.
وهنا ينبغي ان نلتفت أيضاً إلى ان هنا شرطا ضمنيا – لو صح التعبير – في الحكم الظاهري الذي تكلموا عنه وهو كونه مخالفا للاحتياط. كما لو صلى في مستصحب النجاسة ثم انكشفت نجاسته. وأما إذا كان موافقا للاحتياط فهو مجزئ جزما وان انكشف الخلاف غاية الأمر ان الفرد يكون قد عمل انقيادا احتياطيا ولا إشكال فيه.
ولعل الإشكال الوحيد هنا هو انه مخالف للاحتياط يعني العمل الأول. سواء نوى نية جزمية أو برجاء المطلوبية وهذا بالدّقة صحيح فيلتحق الموافق والمخالف للاحتياط في وجوب التدارك. إلا ان الظاهر إجزاء كلا النيتين اما الرجاء فلأنه لا ينافي الواقع وأما الجزم فلأن الحجة حاصلة عليه وهو الحكم الظاهري والسيرة على الاكتفاء به. وهي ليست متاخرة بل ممضاة لأن الأحكام الظاهرية كانت موجودة في الشبهات الموضوعية زمن المعصومين وبالقين
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
كانت جزمية ولم ينه عنها المعصومون.
كما إننا هنا ينبغي ان نتذكر موضوع المسألة في المقام السابق فانه بعينه موضوع هذه المسألة من عدة نواحي، وان لم يصرحوا هناك بذلك بوضوح إلا انه موجود حتما في مقصدهم:
الناحية الأولى: الجانب الثبوتي الذي تكلمنا عنه هناك. لأن الإتيان بالمأمور به الظاهري قد يفي بكل الملاك أو يبقى منه بقية فيه غير ممكنة الاستيفاء أو ممكنة الاستيفاء أو استحبابية الاستيفاء، وهكذا.
الثانية: ان الانكشاف قد يحصل في الوقت فنتحدث عن وجوب الإعادة أو بعد الوقت فنتحدث عن وجوب القضاء.
الثالثة: ان المفروض بالمأتي به الظاهري انه تام المصداقية للخطاب الظاهري والملاك الظاهري إلا انه ناقص يقيناً عن الخطاب الوضعي والملاك الواقعي مع فرض المخالفة أو غير محرز الموافقة ولابد من إحرازها عند الطاعة.
الرابعة: انه كما ان المعذورية عن الواقع وسقوط فعليته موجودة حال الاضطرار، كذلك هي موجودة في حال الجهل الذي هو مورد الحكم الظاهري إلا ان هنا اختلافا نشير إليه، وهو ان المضطر لا يحتمل تكليفه بالواقع بمعنى شمول الإطلاق له كما سبق للعجز. وأما الجاهل فالمشهور شمول الإطلاق فيه. بأدلة الاشتراك ونحو ذلك. فيكون فعليا بفعلية موضوعه وان لم يكن منجزا بالحجة الشرعية لفرض ان الحجة الشرعية بخلافه. وهذا الفرق قد ينتج وجوب الإعادة هنا ان لم نقل بها هناك. على تحقيق سوف يأتي.
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
معنى الحكم الظاهري :
ثم ان الشيخ المظفر تعرض لمعنى الحكم الظاهري فذكر له معنيان:
احدهما: الظاهري المقابل للحكم الواقعي. وان كان الواقعي مستفادا من الأدلة الاجتهادية الظنية، فيختص الظاهري بما يثبت بالأصول العملية (والعقلية).
وثانيهما: كل حكم ثبت ظاهراً عند الجهل بالحكم الواقعي الثابت في علم الله تعالى. فيشمل الحكم الثابت بالأمارات والأصول معا. فيكون اعم من الأول. قال: وهذا المعنى الثاني هو المقصود هنا بالبحث، فالأمر الظاهري ما تضمنه الأصل أو الأمارة.
وما يمكن ان يكون شرحا مناسباً لذلك هو ان نقول: ان الحكم الظاهري والواقعي يلحظان هنا كضدين لا يجتمعان. والا فاجتماعهما ممكن ثبوتا كما سوف نرى.
فالحكم الواقعي له احد تفسيرين فقط: الحكم الإلهي الثابت في اللوح المحفوظ. والحكم الذي لم يؤخذ في موضوعه الجهل أو الشك. ونحوه نقول في الشبهات الموضوعية.
فان بنينا على الأول: فلابد من نحو طريق إليه للتعرف عليه. ومعه يكون أهم مصاديقه هو القطع المطابق للواقع في علم الله تعالى. وكذلك منه: الأمارة المطابقة للواقع. غاية الأمر انه حكم واقعي ثبت في مستوى الظاهر. وهنا احد موارد اجتماعهما فنستطيع ان نعده حكما واقعيا بلحاظ وحكما ظاهريا بلحاظ آخر. ومن هنا عده المظفر في القسم الأول بعنوانه حكما واقعيا. أو قل هو مورد انطباق العنوانين.
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لكن يرد عليه نقضان: أولاً: بالأمارة المخالفة للواقع. والمفروض الجهل بمخالفتها أو موافقتها. إذن فليس كل أمارة يمكن نسبتها إلى الواقع. ولكن يهون الخطب قيام الحجة المفرغ للذمة على انه هو الواقع. ثانياً: بالأصل المطابق للواقع أو الموافق للاحتياط. سواء في الشبهات الحكمية أو الموضوعية. انه أيضاً إيصال ظاهري للواقع بما هو واقع. فلا يقتصر من هذه الناحية الأمارات، فينبغي تسميته واقعيا بهذا اللحاظ أيضاً.
اللهم إلا ان يقال: ان الأمارة فيها جهة كشف ودلالة في حين ليس للأصل ذلك. فلا يتصف بكونه مطابقا للواقع. قلنا:
1 – يمكن ان نفهم ان كل الأصول الشرعية لها نحو من الدلالة الناقصة كما عليه بعض المسالك.
2 – يمكن ان نفهم ان الاستصحاب كذلك ولذا أسموه تنزيليا. فيكون كالأمارة فيمكن تسميته واقعيا.
3 – ان المهم هو المطابقة للواقع يعني عدم منافاة السلوك مع الواقع وان لم يكن له دلالة. ومن هذه الناحية يمكن وصفه بكونه واقعياً حتى ولو كان حكما عقليا فضلا عن كونه أصلا عمليا شرعيا. إلا ان هذا في نفسه غير محتمل لأن الحجة وان قامت على صحته لكنها ليست محرزة المطابقة بل انه حتى القطع قد يتخلف ولا علم لنا بما هو مطابق. فمن حيث مرتبتنا في الوجود لابد ان نسميه حكما ظاهريا فقط .
وان بنينا على الثاني: وهو تعريف الحكم الظاهري بما اخذ في موضوعه الشك والجهل بإزاء الحكم الواقعي الذي لم يؤخذ فيه ذلك.
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فينبغي ان نلتفت إلى ان الحكم الذي أخذ في موضوعه الجهل هو واقعي بالمعنى الأول. والجهل هنا اعم من الشك لأنه يشمل الغفلة والنسيان والشك والمهم هو الشك وإنما يسمى هنا جهلا لأنه حصة منه واخص منه ولأنه لا يكون إلا مع الحجب عن الواقع والبعد عن مصدر التشريع في الشبهات الحكمية. ولا اقل من ان نلتفت إلى ان الأصول العملية هي واقعية بذلك المعنى . فيكون بين المعنيين عموم من وجه. يعني هناك ظاهري بالمعنى الثاني وواقعي بالمعنى الأول كحجية خبر الواحد المتواترة. وهناك ظاهري بالمعنى الثاني كالأصل الثابت بطريق ظني بالمعنى الأول. وهو الأصل أو الأمارة المخالفة للواقع. ويمكن ان يكون ظاهريا بالمعنى الثاني ولكنه واقعي بالمعنى الأول كالأصل المطابق للواقع حكما أو موضوعاً.
وبهذا تكون كل الأحكام التي باليد الآن أحكام ظاهرية، ما لم يكن هناك قطع نعلم بمطابقته للواقع، وهو لا يكون إلا في الضروريات.
ولكن الأحكام الظاهرية ذات مراتب مختلفة أهمها انقسامان: الأول: الطريق ونتيجة الطريق. كالسند والمتن. ثانيهما: الأمارة والأصل.
ومن هنا نعرف انه كلما كانت النتيجة الفتوائية مستنتجة من طرق ظاهرية أطول وأكثر كان احتمال عدم المطابقة للواقع فيها أكثر.
مثاله: ان سندا متكوناً من عدد من الرواة، كل واحد مشهود لهم بالوثاقة. من قبل النجاشي مثلا. فيكونون صغرى لحجية خبر الثقة في الموضوعات. فتكون الرواية معتبرة. وباجتماع احتمالات الكذب إلى بعضها تصبح ابعد. ثم ان الخبر يدل على البراءة أو الاستصحاب بالظهور لا بالنصوصية لاحتمال فهم قاعدة اليقين مثلا. ثم ان مورد الاستصحاب أو البراءة قد يكون محل اشتباه أما
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
كبرى أو صغرى إذ يحتمل انه ليس موردا للبراءة مع ان الفقيه اعتبره منه. كما يحتمل أنها غير مطابقة للواقع.
والمهم الآن ان هذه الأربعة كلها أحكام ظاهرية في نفسها وهي حجية الطريق كخبر الواحد أو ظهور الكتاب أو الشهرة أو الإجماع. وحجية نتيجته وهي الفتوى وان كان موضوعها واقعيا إلا أنها ظاهرية بظاهرية طريقها لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين. كما ان الأصل والأمارة معا ظاهريين.
والحكمة من جعل الأحكام الظاهرية متكونة من مقدمتين: الأولى: اشتراك الأحكام وشمولها للعالم والجاهل وعدم إمكان إهمال البشر الجاهلين من الأحكام. وإسقاطها عنهم لأن هذا خلاف اللطف. لأنه يشمله وجوب اللطف لإنزال الشرايع، وهذا لا يختلف فيه العالم والجاهل ولا المجتمع القريب من مصدر التشريع والبعيد عنه. كما ان البناء من قبل المكلف على الإهمال مع العلم بمشموليته للمرتبتين معا من الأحكام الواقعية والظاهرية، يقطع أصالة البراءة بتعارضها في أطراف العلم الإجمالي الكبير، كما يعبرون، بوجود أحكام شرعية.
الثانية: إنها طرق غالبية الإيصال عند الشك وبذل الوسع. ولاشك انه ينبغي للشارع تحويل المكلفين على طرق غالبية الإيصال لا على طرق نادرة الإيصال. لكي يكون تطبيقهم للواقع أوسع واحتمال وصولهم إليه أكثر. وعدد ما يعلم إجمالا منه أكثر. وبه يحرز الشارع ويحفظ ملاكاته سواء زعمنا أنها راجعة إليه أو راجعة إلى المكلفين. وأول من صدر منه هذا المعنى – حسب علمي – هو السيد الأستاذ .
وعمليا قد حولنا الشارع على طرق غالبية الإيصال وعقلائية كخبر الواحد
ــــــ[133]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والشهرة والإجماع والظهور. واسقط عنا الواقع الذي يفوت بعدم مطابقته للواقع أحيانا. مع انه كان في مستطاعه ان يضع قيودا أكثر للاحتياط. وهذا منه نحو رحمة وتوسعة على المكلفين. وهذا يعني كما سبق ان الشارع اعرض عن عدد من ملاكاته الإلزامية التي نجهلها. ونجهل عددها. اعرض عهنا عن علم وعمد. بعد المزاحمة مع عسر الاحتياط.
فهذا هو الكلام في الأمارات. وأما الأصول العملية، فان قلنا ان لها نحواً من الإيصال إلى الواقع كالاستصحاب، فالأمر كذلك نفسه. ولكن قد يقال: ان الأصول العملية الشرعية والعقلية، إنما هي أمر بالسلوك طبقا للمؤدى وليس لها أي نحو من الكاشفية عن الواقع. وخاصة العقلية كالتخيير لدى دوران الأمر بين المحذورين ونحو ذلك. ومعه تختلف عن حديث الأمارات وتكون كالسالبة بانتفاء الموضوع بالنسبة إليه.
وجوابه: ان هذا الفهم للأمارات والأصول العقلية لا ربط له بمطابقتها للواقع وعدم مطابقتها للواقع. فإنها أيضاً قد تطابق الواقع وقد تخالفه حتى الأصل العقلي. فلو ان المكلف عند التخيير العقلي اختار ما هو الواقع صدفة أمكن اعتبار الأصل العقلي مطابقا للواقع. مضافا إلى ان الزعم ان التخير حكم عقلي صرف أمر معقول، إلا ان الأفضل هو كشف العقل عن حكم الشارع المقدس بالتخيير في هذه الصورة. وهو كشف قطعي. إلا ان صغراه غير قطعية، يعني ما يختاره المكلف.
كل ما في الأمر ان ما يقولونه من ان طرف الملازمة هو السلوك فقط. يعني انه عند عدم مطابقته للواقع يكون الفرد معذورا. ومن هذه الناحية لا تختلف الأصول عن الأمارات إطلاقا.
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وبالرغم من ان التعبير المتعارف هو انكشاف الواقع بعد العمل بالحكم الظاهري. إلا انه لا يفترض ان يكون انكشاف الواقع حسيا. وإنما عمليا يعني العلم بان العمل السابق وان كان محكوما بالصحة ظاهرا إلا انه غير واجد لكل الشرائط واقعا بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية.
وواضح: ان مقتضى القاعدة الأولية هو عدم الإجراء بعد الالتفات إلى مقدمتين:
الأولى: ان الامتثال الظاهري إذا قيس بالحكم الظاهري فهو تام المصداقية على الفرض. إلا انه إذا قيس بالحكم الواقعي فهو ناقص المصداقية. فان كان النقص مما يعذر به الجاهل أجزأ والا بطل. وعلى أي حال فالبطلان متعين ما لم يرد دليل على معذورية الجاهل أو نحو ذلك.
الثانية: إننا قلنا في الحكم الاضطراري بارتفاع الحكم الاختياري بحيث لا يكون لحاظ النسبة بين المأتي به الاضطراري والحكم الاختياري معقولا. لكون الحكم الاختياري ساقطا تماما.
إلا انه في مسألتنا هذه غير ساقط، بل شامل للمكلف وان كان جاهلا، وخاصة في جانب الشبهات الموضوعية. فمثلا: يكون ظاهر اشتراط الطهارة هو الطهارة الواقعية فإذا صلى بطهارة ظاهرية غير مطابقة للواقع لم يكن الشرط متحققا.
فان قلت: فان الحكم الواقعي غير منجز حال الجهل، وان كان فعليا بفعلية موضوعه وغير المنجز لا يجب تداركه. قلنا: هذا له احد اثرين:
1- معذورية المكلف عند الانقياد للحكم الظاهري وبقاء معذوريته ما دام جاهلا.
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- انه لا يجب التدارك فيما لم يشرع تداركه. كما في التكاليف غير القابلة للقضاء أو التكرار لفوات وقتها أو موضوعها. وقد نلحق به مطلق القضاء على تحقيق يأتي. وأما الواجبات التي تكون قابلة للتكرار أو الواجبات الموقتة بلحاظ الإعادة في وقتها فليس الحال فيها كذلك بعد فرض شمول الحكم حتى لحال الجهل. وما هو مستحيل هو منجزية الحكم حال الجهل لا اصل وجوده. والا لم يجب التعلم لأنه يصبح من مقدمات الوجوب ولا يجب تحصيله. مع انه ورد العتاب على ذلك (هلا تعلمت). فيكون التعلم من المقدمات المفوتة التي يجب تحصيلها. أو قل هو واجب نفسي بعنوانه.
وعلى أي حال فموضوع الكلام الآن ما إذا انكشف في هذا المورد وبعد الامتثال الظاهري عدم كونه جامعا للشرائط الواقعية في حينه. فمقتضى القاعدة الأولية عدم الإجراء. ولكن هناك بعض التقريبات على الإجزاء ان تم شيء منها فهو المطلوب ولو في بعض الموارد أو الحصص فان تمت والا تعين القول بعدم الإجزاء.
قال في التقريرات: انه قد يصار إلى الإجزاء بأحد بيانات أهمها اثنان. وأنا اعتقد ان كليهما مشار إليه في الكفاية. والأول منهما مختار صاحب الكفاية.
البيان الأول: ما ذهب إليه صاحب الكفاية من التفصيل بين حكم ظاهري ثبت بلسان جعل الحكم المماثل للواقع، كأصالة الحل والطهارة – في رأيه -، وحكم ظاهري ثبت بلسان إحراز الواقع. وان كان حكما ظاهريا وراء الواقع.
ففي الأول مقتضى القاعدة الإجزاء بخلاف الثاني. اما الأول فلأن دليل أصالة الطهارة أو الحل يوسع من موضوع دليل اشتراط الطهارة أو الحل. وينقح لها صغرى الشرط بجعل الطهارة أو الحلية على المشكوك .
ــــــ[136]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أقول: ولم يذكر في التقريرات تتمة البيان، يعني الوجه في عدم الإجزاء فيما إذا كان الحكم بلسان إحراز الواقع. وهذا له احد وجوه: الأول: التحويل على اصل القاعدة التي تقتضي الإجزاء إذا خرجنا عن مورد الإجزاء المذكور في المورد الأول. الثاني: وضوح المطلب في نفسه، باعتبار ان لسان إحراز الواقع أصبح غير مطابق للواقع فلا وجه للإجزاء، لأن العمل كان فاقدا للشرط. كما هو الحال في الأمارات. يعني في الشبهات الموضوعية. الثالث: ان الإيراد ضده انما يأتي على هذا الشق الذي ينتج الإجزاء لأن عدم الإجزاء في الشق الآخر مسلم بين الآخوند وخصومه.
غير ان الكفاية خالية من الإشارة إلى الحكم المماثل الذي فسره في التقريرات خلال هذا الدليل. فلابد لنا من نظرة مختصرة بأنه هل له دخل في إتمام الدليل أو لا. وذلك لأن الأصوليين المتأخرين اختلفوا في حقيقة الحكم الظاهري الشرعي مع كونه قد يكون مخالفا للحكم الوضعي، فيكون الشارع قد حكم بحكمين متضادين في مورد واحد. وقد أجابوا بعدة أجوبة: ومحل بحثها ليس هنا بل في المباحث العقلية. ولكن نشير إليها باختصار زيادة لما قلناه من معنى الحكم الظاهري:
واهم الطرق التي اتخذها المتأخرون: جعل الطريقية. جعل السببية. مجرد السلوك وترتيب الأثر. التنزيل. الحكم المماثل. المصلحة السلوكية المنسوبة إلى الشيخ الأنصاري.
والمراد بجعل الطريقية: اعتبار الشارع الدليل الظني طريقا إلى الواقع، يعني تنزيل الطريق منزلة العلم. وان لم يكن كذلك فعلا.
والمراد بالتنزيل. تنزيل المؤدى المظنون منزلة المعلوم. ولعل هذا
ــــــ[137]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الاصطلاح هو مرادهم في الاستصحاب حينما سموه تنزيليا.
والمراد بجعل السببية كون الطريق الظني سبباً تعبديا إلى الواقع.
والمراد بالحكم المماثل: ان الطريق الظني ينتج حكما مشابها ومماثلا للحكم الواقعي في طول الجهل والشك.
والمراد بالمصلحة السلوكية ما نسب إلى الشيخ الأنصاري وهي ان مفاد الأدلة الظاهرية ان الشارع يضمن للمكلف الثواب الذي يفوت في حال الجهل. وبتعبير آخر: يعوضه عن الملاك الفائت. فيكون في سلوكه طبقا للأصل الظاهري مصلحة سادّة مسد الواقع ومعوضة عنه.
والكلام في هذه المسالك ليس هنا. والمهم الآن ان يقال: ان دليل الشيخ الآخوند لا يتوقف على خصوص جعل الحكم المماثل، بل متوقف على ما أشار إليه بعد اسطر من انه يستفاد من دليله توسيع موضوع الحكم الواقعي بصحة الصلاة مثلاً من الطهارة الواقعية إلى مطلق الطهارة الشاملة للواقعية والظاهرية معا، فسيكون المأتي به مصداقا من هذا الجامع فيجزي ولا يمكن ان ينكشف خلافه. وهذا هو نص ما في الكفاية. وهذا لا يقوم به الحكم المماثل لأن ذلك اللسان لا يتكفل التوسيع فلا يتكفل الإجزاء بهذا المعنى. وهو كاف في إتمام التقريب بغض النظر عن أي مسلك من مسالك تفسير الحكم الظاهري. والظاهر ان هذه العبارة وردت كمثال أو هو سهو من الكلام. والا فالسيد الأستاذ  و الشيخ الآخوند نفسه لا يذهبان في تفسير الحكم الظاهري إلى الحكم المماثل.
كما لا حاجة في تقريب الدليل إلى ما ذكره في المحاضرات من كون الأصول العملية كالطهارة والحلية غير قابلة للصدق والكذب ومن هنا لا يعقل
ــــــ[138]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فيها انكشاف الخلاف وانما يرتفع الحكم من حينه لا من الأول. لأنها لم يلاحظ فيها الوقع أصلا. نعم هي تطابق الواقع أو تخالفه إلا ان هذه النتيجة أجنبية عن اتصافه بالصدق والكذب، كما هو واضح !!. وإذا لم ينكشف فيها الخلاف نعرف ان ما سبق كان صحيحا في ظرفه ومجزيا ولا يجب تداركه. كأن انكشاف الخلاف هو الكذب وحيث أنها قابلة للصدق والكذب فهي غير قابلة لانكشاف الخلاف.
إلا ان هذا لو تم فهو تقريب آخر غير تقريب الشيخ الآخوند. ولا يمكن ان يستفاد من الكفاية. على انه غير تام على ما سيأتي. فان عمدة ما هو ظاهر الكفاية هو توسيع موضوع الحكم الواقعي من الموضوع الواقعي إلى الأعم من الواقعي والظاهري. فيكون المأتي به فردا ظاهريا منه ويكون مجزيا. وبهذا المعنى لا يمكن انكشاف خلافه، لأن المفروض الإتيان بمصداق حقيقي من الحكم الواقعي بعد التوسيع.
والإيرادات التي ذكروها أو ما يمكن ذكرها عديدة:
أولاً: ما في المحاضرات من النقض بان لازم كلامه في توسيع الموضوع هو انه لو توضأ أو اغتسل بماء مستصحب الطهارة ثم بانت نجاسته، فلابد من القول بصحة وضوئه، لتحقق الموضوع الأعم وهو الطهارة الظاهرية. ومثل ذلك الملكية والزوجية وغيرهما. مع العلم انه لم يلتزم بذلك احد حتى في الفقه جزما.
الثاني: ما ذكره في التقريرات من النقض بالعكس: وهو ما إذا توضأ بماء مستصحب النجاسة ولو رجاء المطلوبية ثم بان طاهراً. فإذا قلنا بالتوسيع الذي ذكره فلابد من البناء على بطلان الوضوء. إذ كما نوسع شرطية الطهارة نوسع
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مانعية النجاسة. وقال في التقريرات: لا ندري هل يلتزم به صاحب الكفاية أم لا. أقول: ومقتضى القاعدة الالتزام بصحة الوضوء لأنه وضوء بماء طاهر مع توفر النية.
وكلا النقضين صحيحان وهما يؤديان إلى ان التوسيع الذي ذكره لا يتم استفادته من أدلة الأحكام الظاهرية. إذ لو كان مستفادا لصحت موارد النقض، ولم تصح.
ثم انه ذكر في التقريرات ثلاث إشكالات قال عنها انه اتفق عليها المحقق النائيني والمحقق الخوئي. ولابد انها معروفة لديه مشافهة أو من مصادر أخرى. وهي غير موجودة في المحاضرات. نذكرها بنفس الترقيم:
الثالث: ان أدلة الأحكام الظاهرية على الواقع حكومة ظاهرية وليست واقعية، لأن الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي ومتأخر عنه رتبة. فلا يعقل توسعته للحكم الظاهري إلا ظاهرا وفي مقام الوظيفة العملية والتي ترتفع بانكشاف الخلاف.
قال في التقريرات: وهذا النقاش قابل للدفع: بان أصالة الطهارة في طول النجاسة الواقعية المشكوكة. ولكنها ليست في طول شرطية الطهور للصلاة، فلا مانع من ان تكون حكومته على دليل شرطية الطهارة واقعية.
أقول: وهذا الجواب لا يتم لاستحالة الحكومة الواقعية، لأن فرض الحكم الظاهري انه ثابت في ظرف الشك وفي طوله. ولا إطلاق لدليل الحكم الواقعي لصورة الشك فيه. ولا اقل من دعوى انصرافه عنه. أو قل: لا يمكن ان يثبت حكم واقعي في طول الشك. (وهو هنا الحكم بالإجزاء في طول الطهارة الظاهرية) أو قل: ان الحكم الواقعي هنا يثبت في طول الحكم الظاهري الذي
ــــــ[140]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هو في طوله. وهو محال. فتتعين ان تكون الحكومة ظاهرية.
الرابع: ان الحكومة في نظر صاحب الكفاية على ما يذكره في بحوث التعارض منحصرة في التفسير اللفظي. بمثل (أي واعني) ولسان دليل أصالة الطهارة والحل ليس كذلك.
قال: والجواب: من الجائز ان يكون نظر صاحب الكفاية  إلى الورود لا الحكومة والتنزيل. فكأنه يريد ان يقول: انه يتحقق موضوع جديد للطهارة والحل بأصالة الطهارة والحل. وليكن تفسيره للحكومة بذلك بنفسه قرينة على ان مراده هنا الورود لا الحكومة. أقول: يعني فرد جديد تعبدي من الطهارة الواقعية الثابتة في عالم الظاهر. ونحن إذ تنزلنا عن الإشكال السابق وقبلنا الحكومة الواقعية كان هذا الجواب من السيد صحيحا. لأن الورود قد يسمى بالحكومة وان كان بعيدا عن لغة المحققين.
الخامس: ما اختص به المحقق النائيني نفسه وحاصله: ان تصحيح الصلاة الواقعة مع الطهارة الظاهرية، بحيث لا نحتاج إلى الإعادة بعد انكشاف الخلاف يحتاج إلى مجموع أمرين:
احدهما: الحكم بالطهارة ظاهراً. الثاني: توسعة دائرة الشرطية بحيث تشمل الطهارة الظاهرية. وهذان مطلبان طوليان يفترض في ثانيهما الفراغ عن الأول. حيث ان لابد من فرض الطهارة الظاهرية أو لا. ثم يقال: ان هذا فرد من أفراد الشرط حيث لابد من فرض الصغرى لتشملها الكبرى. ودليل أصالة الطهارة لا يمكنه ان يفي بكلا المطلبين في إنشاء واحد لما عرف من الطولية بينهما.
قال: في التقريرات: ان هذا مبني على تفسير كلام صاحب الكفاية
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالحكومة دون الورود. والا ففي الورود لا نحتاج إلى نظر الدليل الوارد إلى المورود، بل التمسك في إثبات الحكم المورود (وهو الكبرى الواردة في الحكم الواقعي) بنفس دليل المورود ولا يتكفل الوارد إلا جعل الطهارة (وهي الصغرى الظاهرية).
أقول: معناه ان الدليل الواقعي على شرطية الطهارة يدل بنفسه على شرطية الطهارة الظاهرية أو الأعم. وهذا غر محتمل، وانما ذلك من الدليل الوارد. فقد تكفل الدليل الوارد كلا الأمرين. وهو غير محتمل. إلا ان الأمر لا يتوقف على فرض الطولية بل يكفي التباين بين التأثيرين بحيث لا يكون مستفادا من ظهوره العرفي. مضافا إلى ان الطولية ليست إلا بين الكبرى والصغرى وهي ليست طولية بل يمكن عرضيتها في المرتبة، فلو توقف التقريب على الطولية لفسد.
فان قلت: فان الصغرى هو الموضوع وهو متقدم رتبة على الحكم. قلنا: هذا بلحاظ فعلية الحكم واما بلحاظ عللها فليس بينهما أية ترتب.
قال: ثانياً: انه بناء على التنزيل والحكومة (والتنزل عن الورود) بإمكان صاحب الكفاية ان يجيب على هذا الإشكال: بان موضوع هذا التنزيل ليس هو الطهارة الظاهرية ليقال بانه يمكن لجعل واحد ان يتكفل التوسعة وموضوع هذه التوسعة في وقت واحد وانما موضوع التنزيل والتوسعة نفس شكوك الطهارة. فكأنه قال (ان مشكوك الطهارة يعني: الطاهر الظاهري واقعي بالتنزيل – محكوم بأحكام الطاهر الواقعي بما هو طاهر) وما يسمى بالطهارة الظاهرية متنزع عن مثل هذا التنزيل، لا انه حكم آخر وقع موضوعا لهذا التنزيل.
أقول: ان الملاك الأساسي في هذا الإشكال لو كان هو الطولية كما هو
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ظاهر عبارة النائيني يصلح هذا الجواب وجها. إلا اننا عرفنا ان ملاكه هو تكفل ظهور واحد لعملين متباينين احدهما بمنزلة الصغرى والآخر بمنزلة الكبرى. وهذا مستمر بناء على هذا الوجه. بالرغم من اختلاف مركز التنزيل من الحكم بالطهارة إلى موضوع الحكم بها. فالكبرى: كل مشكوك النجاسة هو واقعي. والصغرى: هذا طاهر واقعي بالتنزيل. لأنه مشكوك النجاسة.
فان قلت: فانه يحقق الصغرى فقط وتكون الكبرى مستفادة من الدليل الواقعي رأساً. قلنا: هذا فرع ان يستفاد من ذلك الدليل الشمول لكلا الفردين الحقيقي والتنزيلي وهو متعذر، فتأمل.
السادس: ما ذكره السيد: ان قاعدة الطهارة تقابل دليلين واقعيين: احدهما دليل نجاسة الشيء والآخر: دليل اشتراط الصلاة بالطهارة.
فإذا قايسنا قاعدة الطهارة إلى الدليل الأول، فمن الواضح عدم حكومتها عليه. إذ ليست موسعة لموضوعه أو مضيقة له. فيدور الأمر بين ان تكون مخصصة له كما يظهر من كلام لصاحب الحدائق أو تكون حكما ظاهريا مؤمنا عنه. وقد اوضحنا في الفقه انها لا تكون مخصصة لدليل النجاسة، وانما هي حكم ظاهري موضوعه الشك في النجاسة والطهارة. فان بنينا على التخصيص فمقتضى القاعدة الإجزاء وصحة الصلاة واقعا. الا انه يخرج عن محل الكلام. فلابد من افتراض ان القاعدة بلحاظ الحكم الأول ليست إلا حكما ظاهريا. أقول: من الواضح انه لم يوصل هذا الشق من الدليل إلى نتيجته، لأن للآخوند ان يقول: انه يوافق على كونها حكما ظاهريا. إلا انه فيما سبق عبّر انه يوسع موضوع الدليل الواقعي. وهنا نقول: انه ينفي دليل الحكم الواقعي بالنجاسة لا بلسان التخصيص الواقعي بل التخصيص الظاهري وهو يكفي للإجزاء.
ــــــ[143]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
جوابه: انه إذا قال الآخوند ذلك لم يتم إلا ان نقول بالتخصيص الواقعي. اما الظاهري فقابل لانكشاف الخلاف وعدم الإجزاء.
وله ان يقول: اننا نختار انه مضيق لموضوع النجاسة الواقعية، بغير مورده، فيفيد الإجزاء. إلا انه لا يتم لأنه غير محتمل إذا أردنا التضييق الواقعي فيصبح مشكوك النجاسة ظاهرا واقعاً. وإذا أردنا التضييق الظاهري فهو قابل لانكشاف الخلاف.
يبقى مقايستها مع الحكم الثاني وهو الشرطية وبلحاظه يوجد احتمالان:
الأول: ان يكون تنزيلا لمشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعي. فتفيد الحكومة الواقعية والتوسعة الحقيقية للشرطية.
الثاني: ان يكون تنزيلا للمشكوك منزلة الطاهر بلحاظ الجري العملي والوظيفة حال الشك، فلا تفيد الإجزاء لأنها لا تفيد سقوط الواقع.
قال: والظاهر الأولي لألسنة التنزيل كقوله: الصلاة بالبيت طواف. وان كان هو الاحتمال الأول، أي الحكومة والتوسعة الواقعية للأحكام، بل لا يعقل في أكثر الموارد إلا المعنى الأول. إلا انه في موارد اخذ الشك في موضوع التنزيل، كما يحتمل المعنى الأول يعقل المعنى الثاني أيضاً. وحينئذ ان لم نستظهر من نفس اخذ الشك والتحير في لسان التنزيل إرادة المعنى الثاني ولو بحسب مناسبات الحكم والموضوع العرفية الارتكازية، فلا اقل من الإجمال الثاني لإمكان إثبات الإجزاء بملاك التوسعة الواقعية.
أقول: يريد ان التنزيل هو واقعي معقول في نفسه حتى في طول الشك إلا انه غير مستفاد من الأدلة، وذلك لأكثر من وجه واحد:
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الوجه الأول: ما ذكره قبل قليل من مناسبات الحكم والموضوع العرفية، حيث ان المناسب في الحكم الظاهري انه حاكم بمقدار أي بالمقدار المناسب لرتبته وهي الحكومة الظاهرية دون الواقعية.
الوجه الثاني: ما ذكره من الإجمال، إذ يكفي ان ندعي ان الدليل غير ظاهر بالحكومة الواقعية وهذا ينبغي ان يكون أكيدا.
الوجه الثالث: الطعن في إمكان ثبوت الحكومة الواقعية من الدليل الظاهري المأخوذ في طول الشك إلا بقرائن واضحة، مفروضة العدم. لأنه هو لازم تعدد الرتبة.
الوجه الرابع: الطعن بإمكان ذلك إثباتا، لأنه فرع ان يكون في مقام البيان من هذه الناحية، ويكفي الشك في ذلك لنفيه.
إذن فهذا الوجه صحيح بأحد هذه الوجوه ضد الآخوند. لأن التنزيل الظاهري يثبت خلافه. فلا يقتضي الإجزاء. مضافا إلى ان القول بالتنزيل فعلا انما هو تنزل ويمكن القول بان الأدلة الظاهرية غير دالة على التنزيل أصلا. وانما ذلك بناء على مسلك غير صحيح في فهم الحكم الظاهري. والمشهور قال بان دليل الاستصحاب يفيد التنزيل، وهو أيضاً يراد به التنزيل الظاهري لا الواقعي. ونفى ذلك عن بقية الأدلة الظاهرية، وكلام الآخوند ومورد مثاله هو أصالة الطهارة والحل. فلا تكون موردا للإجزاء على كل حال.
البيان الثاني: لإثبات إجزاء الحكم الظاهري مبني على القول بالسببية في حجية الأمارات والأصول. بحيث تكون مصلحة الواقع متداركة بالأمارة فلا تجب الإعادة ولا القضاء.
ثم ذكر لمعنى السببية سبعة وجوه. الاثنان الأولان منهما ترجع إلى معنى
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التصويب الباطل عند المخطئة. وان كانت تندرج في المعنى الأعم أو الواسع للسببية بمعنى سببية إشغال ذمة المكلف في طول الشك.
واما الوجوه التي ذكرها بناء على التخطئة فاربعة(1):
الاول: الطريقية الصرفة. وهو ما حققناه واخترناه في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من ان الحكم الظاهري لم ينشأ إلا لأجل الحفاظ على الملاكات الواقعية المتزاحمة في مرحلة الحفظ (وهي مرحلة الشك) بقدر الإمكان. وهذا يساوق عدم التصويب وعدم الإجزاء. لأن مقتضاه بقاء الحكم الواقعي في موارد الأحكام الظاهرية على إطلاقها وفعليتها فتجب الإعادة والقضاء.
الثاني: افتراض مصلحة في مؤدى الأمارة أو الأصل تحفظا على ظهور الأمر بسلوك الأمارة أو الأصل في نشوئه من مصلحة حقيقة في مؤداها.
وهذا نحو من السببية في قبال الطريقية. ولكنه لا يقتضي التصويب ولا الإجزاء إذ لم يفترض بهذا المقدار ان المصلحة الظاهرية هذه لابد وان تكون من سنخ المصلحة الواقعية بحيث تستوفي بها. فيكون مقتضى اطلاق الحكم الواقعي، عدم التصويب وعدم الإجزاء.
ــــــ[146]ـــــــ
(1) انقسام هذه الوجوه إلى سبعة، وان كان بعنوان الاحتمالات في حجية الأمارات والاصول، وليست السببية فقط. الا ان جوابه: انها قسمة غير حاصرة، فان عدة وجوه ذكرها المشهور قد اهمل ذكرها هنا منها: التنزيل ومنها السلوك طبقا للدليل بدون مصلحة سلوكية، ومنها الحكم المماثل.
اذن، فالوجوه التي ذكرها هي وجوه للسببية خاصة مع زيادة الوجه المختار له النافي للسببية، لأنه يقول بالطريقية المحضة. وهو مسلك آخر غير جعل الطريقية الذي هو من تفسيرات الحكم الظاهري أيضاً. وجعل الطريقية من اقسام السببية خطأ واضح. مضافا إلى انه لم يذكر السببية المنسوبة إلى الشيخ الانصاري.
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أقول: حسب فهمي فان لكل الأحكام الصادرة عن الشارع مصالح ومفاسد. سواء كانت واقعية ام ظاهرية. كما عليه ظاهر كلام العدلية. إلا ان هذه المصالح تختلف في قصورها على عدة وجوه. منها:
1 – انها تكون لأجل عدم بقاء المكلفين غافلين وسادرين عن طاعة الله.
2- انها تكون مصالح واقعية ثابتة للجاهل في طول الجهل. وليست بالضرورة مماثلة للأحكام الواقعية. وهذا مراد هذا الوجه.
3 – ان تكون مصالح واقعية من سنخ المصالح التي سوف تذكر في الوجوه الآتية. ومن المعلوم ان الأول والثاني لا يقتضي الإجزاء بل المعذورية فقط.
فباعتبار انقسام الوجهين التاليين تكون وجوه المصالح في الأحكام الظاهرية خمسة. وعلى أي حال نناقش هذا الوجه: بان نقول ان مجرد عدم المماثلة أو السنخية بين المصلحتين لا يقتضي الجزم بعد الإجزاء. نعم لو كانت مماثلة لجزمنا الإجزاء على كلام يأتي. إلا ان عدم الممثالة لا تقتضي عدم الإجزاء. صحيح انه ليس من سنخه فلا يفي ذاتا بها. ولكنه قد يكون يسد مسده أو نقول: انه في طول العمل الظاهري تزول رغبة المولى بالمأتي به الواقعي. أو نقول: انه بقي جزء من الملاك استحبابي أو جزء لزومي غير ممكن الاستيفاء. بحيث لم يسد مسده. ومع وجود الاحتمال بطل الاستدلال على عدم الإجزاء، ولا اقل ان يكون للأصل المؤمن الذي يأتي الحديث عنه في المرحلة التالية. وانما الذي نريده ان يكون الوجه مقتضيا للإجزاء. وليس هذا كذلك.
الثالث(1): القول بالسببية بمعنى وجود مصلحة في جعل الحكم الظاهري
ــــــ[147]ـــــــ
(1) يختلف هذا الوجه عن سابقه في الدليل لا في المؤدى وذلك: ان السابق دليله وجود المصلحة في مطلق الاحكام وهذا دليله قبح التفويت. وهذا يعني ان بين تقديرهما عموما من وجه.
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لأجل دفع شبهة ابن قبة من قبح تفويت مصلحة الواقع. بدعوى ان هذا التفويت انما يكون قبيحاً إذا لم يكن هناك مصلحة في نفس هذا التفويت. كما تصوره بعضهم في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. وبناء عليه لا تصويب ولا إجزاء إذا لم يفرض تدارك المصلحة الواقعية المحفوظة بأي وجه.
فان قلت: ان هذه المصلحة المتصورة للتفويت كافية، ولا اقل انها تسد مسد الملاك الواقعي بحيث تحتمل انه لا يبقى منه جزء إلزامي قابل للاستيفاء.
قلنا: نعم لو عرضت المسالة هكذا. يعني لو كانت المصلحة ثبوتية. ولكن يمكن عرضها كمصلحة سلبية لأن التفويت فيه مصلحة عدم العسر والحرج والضرر ونحوه بالأمر بالاحتياط لحفظ الواقع على كل حال. إذن، فلم توجد مصلحة محددة لكي تسد مسد الواقع.
الرابع: ما يسميه بالمصلحة السولكية، وينسبها إلى المحقق النائيني. ويبدو بوضوح انها غير المصلحة السلوكية المشهورة المنسوبة إلى الشيخ الأنصاري. ويحتمل ضعيفاً انها منسوبة إلى النائيني خطأ. وهي أيضاً في دفع شبهة ابن قبة.
قال: وفرقها عن سابقتها ان المصلحة هناك في نفس الحكم الظاهري. وهنا تفرض في عمل المكلف بعنوانه الثانوي الذي هو سلوك الأمارة. وعلى مقدار هذا السلوك وما يستلزمه عن التفويت لمصلحة الواقع لا أكثر.
فإذا ارتفع الجهل في الأثناء وجبت الإعادة فلا إجزاء، لأن سلوك الأمارة لم يفوت عليه أكثر من فضيلة أول الوقت لا اصل الفريضة. لأن التدارك الثابت ببرهان قبح التفويت لا يقتضي أكثر من ذلك. ومقتضى إطلاق دليل الواقع وجوب الإعادة.
ــــــ[148]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وإذا ارتفع الجهل خارج الوقت، فان قلنا بان القضاء بالأمر الأول فيجب القضاء بلا إشكال. لأن التدارك انما هو بمقدار ما فات لا اصل الفعل الواجب. وإذا كان بأمر جديد. فقد ذكر السيد الأستاذ (يعني المحقق الخوئي) بانه لا يجب القضاء لأنه فرع الفوت وخسارة مصلحة الفريضة. والمفروض انها متداركة بسلوك الأمارة في داخل الوقت. فيثبت الإجزاء بهذا المقدار.
وفيه: ان المصلحة السلوكية انما تثبت ببرهان قبح التفويت بمقدار لولاها لزم فوت المصلحة بلا تدارك أصلا. وهذا البرهان لا يقتضي أكثر من وجود مصلحة سلوكية بمقدار مصلحة الوقت التي لا يمكن تداركها أصلا. واما مصلحة اصل الفعل الذي يمكن تداركه بالقضاء كما هو ظاهر دليل القضاء، فلا وجه لأن نستفيد من دليل الحكم الظاهري تداركها. فان مدرك هذا التقييد هو الضرورة والبرهان. والضرورات تقدر بقدرها لا أكثر، فيجب القضاء كما هو مقتضى ظاهر دليله.
جوابه: ان المصلحة السلوكية انما تفرض بلحاظ التكليف نفسه، لا بلحاظ خطابات اخرى خارجية قابلة للقيام بالتدارك في نفسها، كدليل وجوب القضاء. ولاشك ان خطاب وجوب الصلاة الذي سقط في نهاية الوقت بغض النظر عن دليل وجوب القضاء لا تدارك له. بمعنى ان اصل الماهية تكون قد فاتت. فمقتضى هذه المصلحة السلوكية تدارك فوت اصل الماهية. أخذا لهذا الدليل وحده بنظر الاعتبار والشارع مسؤول عن تدارك خطاباته واحدا واحدا على المفروض بغض النظر عن الخطابات الأخرى.
أو يقال: ان قيد الوقت كأنه دخيل متشرعيا في الماهية نفسها، فإذا فات الوقت فقد فاتت الماهية كلها. وخاصة إذا قلنا ان القضاء بأمر جديد كما هو مفروض الآن. فيكون القضاء ماهية جديدة لتدارك ماهية أخرى. إذن فيكون
ــــــ[149]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تدارك الماهية بمقدار اصل وجودها فلا تفوت.
ومعه، فمع تدارك اصل الماهية لا يثبت موضوع الفوت. لأن الفوت ان أريد به فوت الفرد الظاهري فقد أتى به. وان أريد به فوت الفرد الواقعي فقد تم التعويض عنه. وبهذا التعويض اما نعلم بعدم الفوت واما نشك فيه، فيكون القضاء مجرى للأصل المؤمن.
نعم لو فهمنا من الفوت في دليل القضاء فوات الماهية الواقعية نفسها بغض النظر عن التعويض والوقت فقد تحقق موضوعه. لوجود الفوت تكويناً وهو غير مقيد بعدم التدارك. فيشمل إطلاقه كلتا الحصتين. يعني يجب القضاء وان حصل التدارك. إلا اننا نفهم من دليل التدارك بالمصلحة السلوكية نحوا من تنزيل المفقود منزلة الموجود أو تنزيل الفرد الظاهري المأتي به منزلة الواقعي الغائب. فلا يثبت الفوت.
إلا ان هذا بكلا قسميه باطل:
1- لأن هذا الدليل عقلي أو لبي وليس لفظيا أو شرعيا فليس له ظهور لكي نفهمه.
2- انه خلف التعويض أو يكفي التنزيل عن التعويض أكيدا في المرتبة السابقة عنه. ومعه يمكن القول ان الدليل على التعويض دليل على عدم التنزيل لا على وجوده. وبتعبير آخر: انه على تقديره يكون أطروحة أخرى لفهم الحكم الظاهري غير هذه الأطروحة وهي المصلحة السلوكية، والمفروض ان الكلام الآن على خصوص هذه الأطروحة.
الخامس: من وجوه السببية (وهو في الواقع الرابع بعد طرح القول بالطريقية المحضة). ما ذكره المحقق الاصفهاني بهدف تحصيل وجه يصدر منه
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الإجزاء دون الوقوع في محذور التصويب.
وذلك: بافتراض مصلحة في مؤدى الأمارة المخالفة للواقع بما هو مؤدى أمارة مخالفة للواقع. وهي مصلحة في عرض الواقع. أي ان المؤدى مشتمل على الملاك المطلوب إلا انه في هذا العنوان الثانوي لا في المؤدى بعنوانه الأولي. وهذا يوجب الإجزاء وحصول الغرض. ولا يوجب التصويب وتبّدل الأمر الواقعي التعييني بالواقع إلى الأمر بالجامع بينه وبين مؤدى الأمارة المخالفة للواقع بما هو مؤدى أمارة مخالفة للواقع. لاستحالة ذلك.
ولنا عليه عدة تعليقات:
التعليق الأول: ان هذه المصلحة المفروضة للأمارة المخالفة للواقع. هي بعينها الملاك للحكم الواقعي – كما هو ظاهر بعض تلك العبادات – أو مماثل له بالضبط أو قل من سنخه أو انه من غير سنخه. فالاحتمالات ثلاثة:
فعلى الأول يوجب الإجزاء لسقوط الملاك بامتثال الأمارة المخالفة للواقع. إلا انه يوجب التخيير الذي قال باستحالته. والوجه في التخيير ان الملاك الواقعي منتج لأمرين: وجوب طاعة الأمر الواقعي ووجوب طاعة الأمارة المخالفة له. فيكون ذلك على وجه التخيير لأن المفروض ان كليهما مسقط له أو محقق له وليس المطلوب مشهوريا من المكلف إلا إسقاط الملاك.
وعلى الثاني وهو ان يكون الملاك من سنخه، ينبغي القول بالإجزاء للتعويض اما يقينا أو احتمالا بحيث يكون احتمال العدم مجرى للأصل المؤمن.
وعلى الثالث: يميل المشهور إلى عدم الإجزاء لفرض ثبوت الملاك
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الواقعي وعدم سقوطه وترتب الخطاب عليه الإتيان بمتعلقه. ولا يكون التعويض مقيدا في إفراغ الذمة.
وكلا هذين الاحتمالين الأخيرين يرجعان إلى وجوه سابقة في السببية وانما يستقل الوجه إذا قلنا انه نفس الملاك الواقعي بعينه وهو احتمال باطل.
التعليق الثاني: انه لا ملازمة بين الإجزاء والتصويب وقد سمعنا عدة وجوه أمكن القول بالإجزاء فيها – وان كان بعضها قابلا للمناقشة من هذه الناحية – من دون لزوم التصويب. وليس هنا هو الوجه الوحيد في ذلك. فلم يفعل المحقق الاصفهاني شيئا حين تخلص من التصويب. وبناء على الاحتمال الأول يلزم التصويب بالتخيير كما سبق.
التعليق الثالث: يكمن القول انه يستحيل الجعل بعنوان الأمارة المخالفة للواقع بما هي مخالفة. اما بالعقل العملي مخالفا للحكمة أو بالعقل النظري لكونه لا تعين لها في الواقع. وانما تتعين في كل مورد بذاته. لأن أفرادها إضافية وليست ذاتية كالإنسان. اللهم الا ان يقال: انه ينحصر الإشارة إلى واقع الأمارات المخالفة للواقع في علم الله. وهو خلف العنوان يعني ظهوره بالنفسية لا الطريقية.
وانما يكون جعل المصلحة تعويضاً لما فات في طول وصولها وامتثالها.
التعليق الرابع: انه قال: ان المؤدى مشتمل على الملاك المطلوب إلا انه في هذا العنوان الثانوي لا في المؤدى بعنوانه الأولي.
أقول: هذا فيه عدة احتمالات أهمها اثنان:
الاحتمال الأول: ان يكون الملاك محضا بعنوان إطاعة الأمارة المخالفة
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للواقع، لا لمؤدها وهو ترك السورة بعد الفاتحة مثلا. ففي مثله لا معنى للقول بالإجزاء لعدم حصول التعويض عن المؤدى. ومن الواضح ان حصول الفرد على ملاك شيء بعنوان لا يجزي عن فوات شيء آخر بعنوان آخر. فيلزم عدم الإجزاء مع ان المفروض انه وجه للإجزاء.
الاحتمال الثاني: وهو الأقرب للعبارة: ان فوات السورة بصفته مؤدى أمارة مخالفة للواقع يكون متصفا بالملاك. فيمكن القول بالإجزاء إذا كان الملاك من سنخه. إلا ان هذا:
1- خلف جعل الملاك بعنوان الأمارة المخالفة لا بعنوان المؤدى كما هو مؤدى هذا الوجه.
2- ان هذا يحتاج إلى جعول بعدد الواجبات الفائتة بالأمارات المخالفة للواقع. وهي بعنوانها التفصيلي لا تعين واقعي لها، إلا ان تكون إشارة إلى ما كان في علم الله كذلك. وكلاهما باطل على ما عرفا.
3- ان مؤدى الأمارة وهم محظ لفرض انه مخالف للواقع، فيكون مشمولا لما قلناه من عدم إمكان جعل مصلحة له.
إذن فقد ظهر ان القول بالسببية (في البيان الثاني للإجزاء مما ذكره في التقريرات كما سبق) يختلف. فبعضه يلزم منه الإجزاء وبعضه لا يلزم. وعلى العموم يمكن القول بنحو القاعدة العامة ان القول بالسببية لا يلزم منه الإجزاء، لأنه عبارة عن التعويض والتعويض لا يسد مسد الملاك الواقعي حقيقة، فلا يكون الامتثال الظاهري مجزيا، وان كان عليه ثواب باعتباره انقيادا.
إلا ان القول بالسببية أساساً باطل وانما الصحيح هو القول بالطريقية بنحو سيأتي التعرض له في مبحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية حيث
ــــــ[153]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تعرض شبهة ابن قبة مع كل حلولها وأجوبتها.
وقد ذكر في الكفاية انه بناء على السببية ينبغي القول بالإجزاء والوجه في ذلك: انه يصير حقيقة صحيحا كأنه واجد له مع كونه فاقداً له. فيجزي لو كان الفاقد معه في هذا الحال كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض ولا يجزي لو لم يكن كذلك.
وقد تحصل مما سبق ان الإجزاء بناء على السببية متوقف على احد أمرين:
احدهما: ان التعويض كاف في سقوط الملاك الواقعي وقد ناقشناه. ولا اقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
ثانيهما: التنزيل. يعني تنزيل الفاقد منزلة الواجد. فان حصل ذلك لابد من القول بالإجزاء ولا معنى لاحتمال عدم سقوط الملاك لأنه خلف كونه واجدا للشرائط. (كما يظهر من عبارته).
إلا اننا قلنا ان التنزيل غير مسلك لسببية، وليس شيء من مسالكها يدعى فيه التنزيل. فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء.
ومن هنا يظهر أمور في الكفاية احدها: انه ذكر مسلكا واحدا سماه السببية ولم يكن في نظره مسلك آخر.
ثانيهما: ان السببية غير التنزيل وانما فكرتها العامة على التعويض. في حين عبارته ظاهرة بوضوح في التنزيل، بقوله: واما بناء عليها وان العمل يسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو شطره يصير حقيقة صحيحا كأنه واجدا له مع كونه فاقدا. أقول: و لا تكون كذلك إلا بالتنزيل. ولا يوجد في السببية مسلك يقول بالتنزيل والتعويض الذي يقول به عامة مسالك السببية غير ملازم للتنزيل.
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نعم لو قلنا بالتنزيل فالحق معه.
ثالثها: ان عنوان السببية غير موجب للإجزاء لأنه مبني على القول بالتعويض حقيقة، وهو غير ملازم للإجزاء.
ثم انه ذكر في المحاضرات عدة أمور كنتائج لعدم الإجزاء لدى انكشاف خطأ الحكم الواقعي باليقين.
احدهما: ان الإجزاء يحتاج إلى دليل خاص وقد ثبت ذلك في خصوص باب الصلاة دون غيره من ابواب العبادات والمعاملات.
أقول: لم يثبت ذلك بعنوان الصلاة، كيف وان مثالهم الرئيسي في عدم الإجزاء هو الصلاة. نعم، ثبت التسامح في فروع محددة. كمن صلى خلف إمام ثبت فسقه أو كفره. ومن صلى في نجاسة مجهولة حال الصلاة. وكذلك مربية الصبي بسند غير معتبر. وكذلك: لا يجوز ان ينقضي طهارته وهو يعلم بانه يصير إلى التيمم، إلا ان يأتي أهله. وأمثال ذلك وكل ذلك ليس من انكشاف الخلاف في الحكم الظاهري. أو لا يفترض فيها وجود حكم ظاهري سابق رتبة على انكشاف خلاف أصلا كالفرعين الأخيرين فلا نعلم عن أي شيء يتحدث في المحاضرات.
ثانيهما: انه قال: ان هذا الخلاف لا يشمل الشبهات الموضوعية كالبينة واليد وما شاكلهما مما يجري في تنقيح الموضوع وإثباته، فانها خارجة عن محل البحث. والسبب في ذلك: هو ان قيام تلك الأمارات على شيء لا يوجب قلب الواقع عما هو عليه والقائلون بالتصويب في الأحكام الشرعية لا يقولون به في الموضوعات الخارجية.
وهذا غريب أيضاً:
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أولاً: اننا عرفنا انه لا ربط للتصويب بالقول بالإجزاء. وليس التصويب هو الوجه الوحيد للقول بالإجزاء. بل محتملاته عديدة منها بعض أشكال القول بالسببية. فننفي إمكان التصويب في الشبهات الموضوعية لا يقتضي نفي الإجزاء، بل قد يحصل القول بالإجزاء دون قول بالتصويب.
ثانياً: قد عرفنا ان الخلاف ينبغي ان يكون منحصرا في الشبهات الموضوعية، ولا يمكن الشمول إلى الحكمية، لأن انكشاف الخلاف باليقين نادر فيها من زمن غير زمن المعاصرة مع المعصومين. إلا على فروض نادرة سوف تأتي مناقشتها. وقد أخرجها في المحاضرات عن محل النزاع، تخيل ظهورا ثم بان خطؤه أو تخيل وثاقة راو ثم بان ضعفه، ان فرض ان الانكشاف باليقين، وليس هو الغالب.
ثالثاً: ان الشبهات الموضوعية فيها أمران: حكم وضعي وحكم تكليفي. والقائلون بالتصويب يقولون به في الأحكام التكليفية عامة سواء كانت حكمية أو موضوعية. نعم في جانب الأحكام الوضعية لا نعلم من يقول بالتصويب. وليس بالبعيد منهم، وخاصة في طول حكم القاضي الشرعي به، كالدين والزوجية والحرية والفرقة ونحوها.
إذن فهم اما يقولون بها جميعا أو ان العنوان هو التفريق بين الحكم التكليفي والوضعي وليس الشبهات الحكمية والموضوعية. لوضوح ان الشبهات الموضوعية فيها أحكام تكليفية أيضاً قابلة للتبدل بتبدل موضوعها.
وقد قال في المحاضرات: ومن ناحية ثالثة: قد تسالموا على خروج موارد انكشف عدم الحكم الظاهري فيها رأسا عن محل الكلام. وذلك كما لو استظهر المجتهد معنى في لفظ وأفتى على طبقه استنادا إلى حجية الظهور. ثم
ــــــ[156]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بعد ذلك انكشف انه لا ظهور له في هذا المعنى أصلا. وكذا لو أفتى المجتهد على طبق رواية وقع في سلسلة سنده (سندها) ابن سنان بتخيل انه عبد الله بن سنان الثقة ثم بان انه محمد بن سنان الضعيف. أو اعتقد الرواية الفلانية مسندة ثم بان انها مرسلة. وهكذا. فهذه الموارد بكافة أشكالها خارجة عن محل النزاع وقد تسالموا على عدم الإجزاء فيها.
وظاهر عبارته الخروج موضوعا عن محل النزاع. ولم يذكر وجها لذلك الا كونه قد ظهر وهما لا واقع موضوعي له. فالحكم الأول لم يكن ثابتا بحكم ظاهري ثم يظهر فيه الخلاف، كما هو محل الكلام. لأن الأول لم يكن حكمه ظاهريا بل وهما صرفا وكذبا.
ويمكن التعليق عليه بعدة أمور بعد التسليم بعد الإجزاء:
الأمر الأول: انه لو عنونا المسألة بهذا الترتيب: ثبوت الحكم أصلا باليقين ظهر خلافه باليقين. فهل نقول انه غير داخل في محل الكلام ؟
وأنا أقول انه داخل فيه، باعتبار النظر إلى اليقين والحكم الظاهري معا كأدلة معتبرة على مؤداها. ومن الواضح انه لو كان ثابتا باليقين فلا ضمان على مطابقة اليقين للواقع. كما لا ضمان على مطابقة الحكم الظاهري. ولا نستطيع ان نعتبر اليقين عين الواقع. وان كان في نظر القاطع كذلك. إلا ان المفروض زواله بيقين آخر، عند الشخص نفسه.
الأمر الثاني: اننا هل نشترط في الحكم الظاهري مطابقته للواقع ؟ ليكون حجة أو لكي نصطلح عليه بانه حكم ظاهري. كلا أكيدا. لأنه خلف اخذ الشك في موضوعه. وخلف العلم إجمالا بكذب بعضها.
ومعه فإذا انكشفت مخالفته للواقع لم يخرج عن كونه حكماً ظاهريا كان
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تام الموضوع في نفسه ومعتبر المحمول. وكما تسقط حجية الحكم الظاهري بانكشاف الخلاف كذلك تسقط حجية اليقين أيضاً. إذن، فقد كان حكما ظاهريا معتبرا، ولذا عمل عليه المجتهد أو المكلف زمانا وهو معذور. إذن، فهذا هو عين ما نتحدث عنه في مسألتنا وليس غيره.
الأمر الثالث: اننا لو سرنا بهذا الطريق فلابد من إسقاط جل بل كل الأدلة الشرعية. يعني إذا اعتبرنا ان المخالف للواقع ليس بحكم ولا معتبر. إذن نحن نعلم إجمالا ان بعض الأمارات وبعض الأصول غير معتبر. والمفروض اننا نعمل بها جميعاً. إذن يكون عندنا علم إجمالي بسقوط بعضها عن الحجية لعدم مطابقتها للواقع. ولكنه غير قابل للتمييز. والعلم الإجمالي منجز كالتفصيلي كما حقق في محله. فتعارض أطرافه يؤدي إلى عدم حجية كل الأمارات والأصول.
بل هذا المعنى يشمل اليقين أيضاً، بل يشمل ما إذا كنا متيقنين بكل الأحكام الشرعية، فان الفرد قد يحصل له يقين إجمالي أحيانا بعدم مطابقة بعض قطوعه للواقع. فتتعارض الحجية في هذا العلم وتتساقط ولا يكون اليقين حجة. فضلا عن الحكم الظاهري.
مع العلم ان الأمر ليس كذلك. وهذا ثابت باليقين والتسالم. ونفس تصدي الشارع لجعل الأحكام الظاهرية مع علمه اليقيني الإجمالي بعدم مطابقة بعضها للواقع يكفي دليلا على الحجية. يعني ان تصديه للحجية إلغاء لتأثير هذا العمل الإجمالي وإسقاطه عن الاعتبار. فتكون الأمارة أو غيرها حجة ما دام لم نعلم تفصيلا بكذبها ولا يضر العلم الإجمالي في ذلك. فتبقى على حجيتها فضلا عن اليقين.
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نعم هذا في العمل الإجمالي الكبير – كما يعبرون -. اما في علوم إجمالية في موارد محدودة، فتكون مؤثرة لا محالة في الإسقاط عن الحجية.
إذن، فالحكم الظاهري إذا انكشف خلافه، وان كان وهما إلا انه حكم نافذ في حينه ومعتبر. وهو نفس موضوع مسألتنا وليس غيرها.
ثم قال: ومن ناحية رابعة: لا إشكال ولا خلاف أيضاً بين الأصحاب في عدم الإجزاء في موارد انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهرية بالعلم الوجداني. بان يعلم المجتهد مثلا بمخالفة فتواه السابقة للواقع.
وهذا غريب أيضاً لعدة وجوه:
أولاً: انه اكتفى في هذا المورد على التسالم والإجماع على عدم الإجزاء ولم يستدل إطلاقا.
ثانياً: ان مورد كلامه وكلامنا اما هو الأعم من انكشاف الخلاف. أو هو خصوص الانكشاف يقيناً. فعلى الثاني يكون كلامه هذا واضح البطلان لأن كل استدلالاته السابقة انما هو في مورد الانكشاف اليقيني. ومعه لا حاجة إلى التأكيد مجدداً إلى التسالم على بطلانه.
وان كان الأعم منها كما هو ظاهر عنوان المسألة في أول حديثه، إذن، تكون استدلالاته عن الانكشاف بالحجة الظاهرية. وهذه الأسطر عن الانكشاف باليقين. ولا تكفي الأسطر للاستدلال إلا بعد تطبيق الصور واحدة واحدة.
ثالثاً: اننا سمعنا كثيرا من كلامه يدل على انه كان يتحدث عن مورد الانكشاف باليقين لا بالحجة الظاهرية. كما قبل قليل: من انه انكشف له ان الفتوى كانت باطلة وان الظهور خاطئ أو الراوي ليس بثقة، وانها كانت
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهما لا واقع موضوعي لها. فان كل ذلك انما هو من نتائج اليقين لا الحجة الظاهرية. ومعه فأي معنى لا يعطينا قسما جديدا من الحديث – كما هو ظاهر هذه العبارة – هو انكشاف الخلاف باليقين ويكون الحديث عنه مختصراً كأنه نسي ان الحديث كله كان عن ذلك أيضاً.
وقال في التقريرات ما مضمونه القريب: ان هذا الذي قلناه بناء على السببية انما هو في الإجزاء على أساس الاستيفاء. واما الإجزاء بملاك التعذر وعدم إمكان التدارك. فبالإمكان ثبوتا تحققه من دون تصويب. وذلك: كما إذا فرضنا ان الحكم الظاهري يتضمن مصلحة مضادة مع مصلحة الواقع بحيث لا يمكن تحصيلهما معاً. فمع تحصيل إحداهما تتعذر الأخرى من دون ان يلزم التصويب والأمر بالجامع بينهما. لأن المصلحة الواقعية تعينية (وليست تخييرية). وكأنه أول من التفت إلى ذلك.
أقول: ان مع امتثال الحكم الظاهري وتعذر امتثال الحكم الواقعي، تحصل نتيجة الإجزاء أو لازمه الفقهي وهو عدم وجوب التكرار أو الإعادة والقضاء. وذلك في عدة موارد بعد التسليم بعدم استيفاء الملاك الواقعي أصلا. أو بقاء بقية منه غير قابلة للاستيفاء. إلا ان ذلك يتصور نظريا اما لقصور مقتضي الملاك الواقعي عن إمكان الاستيفاء في مثل هذه الصورة. يعني مع امتثال الحكم الظاهري. واما لمانعية امتثال الحكم الظاهري عنه أو لتعذر شرط إمكان الاستيفاء. وهذا التعذر قد حصل صدفة أو حصل بسبب امتثال الحكم الظاهري نفسه.
والفرض الذي ذكره هو من قبيل وجود المانع وهو وجود الضد المزاحم. وقد عبر بوجود المصلحة المضادة. في حين انها لا يمكن ان تكون كذلك إلا بعد الانجاز وانجازها يكون بالامتثال. إذن فالامتثال الظاهري مضاد للامتثال
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الواقعي بصفتهما سببين لانجاز المصلحتين.
ثم قال – إشكالا على كلامه -: لا يقال: إذا فرض ان مصلحة الحكم الظاهري مساوية مع مصلحة الحكم الواقعي في الأهمية انقلب الأمر التعيني بالواقع إلى التخيير بينهما. بعد عدم إمكان الجمع. إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر وهو التصويب. وإذا فرض انها اقل من مصلحة الواقع بمرتبة لزومية، فلا معنى للأمر الظاهري لأنه مفوت للواقع الأهم.
أقول: قد ظهر مما قلناه بعض الأجوبة:
أولاً: انه انما يحتمل ان يكون الحكم تخييريا فيما إذا كان التضاد بين المصالح أنفسها. وقد ناقشنا ذلك وقلنا ان التضاد انما هو في مرتبة الامتثال. وهو متأخر رتبة عن الخطاب والملاك فلا يحتمل ان يؤثر في انقلابه ليلزم التصويب.
ثانياً: ان المفروض عدم اجتماعهما في الوصول لكي يحصل التزاحم. ففي الزمان الأول كان الحكم الظاهري واصلا. دون الواقعي وفي الزمان الثاني كان الواقعي واصلا دون الظاهري. اما الظاهري فهو ساقط بالامتثال واما الواقعي فهو ساقط بالتعذر.
ثالثاً: انه ليس هناك ملازمة بين مصلحة الحكم الظاهري وانقلاب الحكم إلى التخيير. فان هذا التحول انما يصح فيما إذا لاحظنا عالم الملاك وعالم الجعل. فقد اصبح الجعل تخييريا بعد ان كان تعيينياً. وهذا لم يحصل لأن مفروض المسألة ان كل جعل ناتج من مصلحته ولم يتغير وانما حصل التزاحم بالصدفة، وليس الحكم الظاهري خاصا بهذا المورد من موارد الحكم الواقعي.
نعم إذا لاحظنا عالم الامتثال رأينا نتيجة التخيير في طول التزاحم بينهما
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
– بعد التنزل عن المناقشات السابقة – لوجود مصلحتين متساويتين ملزمتين متزاحمتين. فحيث لا يجتمع الامتثالان وهما متساويان في الأهمية كان المكلف مخيرا بينهما. إلا ان هذا التخيير – لو سلمناه – فهو تخيير في مرحلة الامتثال وهو تخيير عقلي وليس شرعيا. والتصويب انما يلزم إذا حصل التخيير التشريعي في عالم الجعل في الرتبة المتقدمة على مرحلة الامتثال.
رابعاً: ما أجاب به في التقريرات على إشكال نفسه حيث قال:
يمكن اختيار كلا من الشقين (يعني احتمال ان تكون مصلحة الحكم الظاهري مساوية مع المصلحة الواقعية واحتمال كونها اقل) ودفع الإشكال.
اما على الأول فلأننا نفرض تعيينية المصلحتين معا بحيث لولا المضادة بينهما لأمر بهما معا. إلا ان القصور في قدرة المكلف عن الجمع خارجا لمكان المضادة بينهما. فيقع التزاحم بينهما. والتزاحم انما يوجب رفع اليد عن الأمر التعييني بكل منهما عند وصول الأمر الآخر. اما إذا وصل احدهما دون الآخر فلا محذور في بقاء الآخر على إطلاقه.
وفيما نحن فيه لا يحصل الحكم الواقعي والظاهري معا. بل هما دائماً يصل احدهما، فالمقتضي للأمر التعييني بالواقع وهو المصلحة التعيينية موجود والمناع مفقود. لأن التزاحم بين الأمرين فرع وصولهما معا خلافا لباب التعارض، فلا تصويب.
أقول: كأنه يعامل الحكم الظاهري والمصلحة الظاهرية كأنها مصلحة واقعية ويقول: بحيث لولا المضادة بينهما لأمر بهما معا. وهذا غير محتمل في شأن الحكم الظاهري لأنه متأخر رتبة عن الواقع. ويقول: اما إذا وصل احدهما دون الآخر فلا محذور في بقاء الأمر الآخر على إطلاقه. أقول: نعم وصول
ــــــ[162]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمر الواقعي كذلك. اما مع وصول الأمر الظاهري فلا معنى لإطلاقه حتى لصورة امكان امتثال الواقع. فانه خلف كونه ظاهرياً.
ومعه فلا معنى لوقوع التزاحم بينهما أصلا ولو تعادلت المصلحتان. لتعذر التزاحم في المرتبتين. غاية الأمر انه بعد الامتثال الظاهري يكون الامتثال الواقعي متعذراً، فيسقط.
قال: واما على الثاني وهو فرض عدم اشتمال الحكم الظاهري إلا على مصلحة اقل من مصلحة الواقع. فإشكال لزوم التفويت هو إشكال ابن قبة المعروف في باب الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، والمفروض الإجابة عليه. اما بان الفوت شيء لابد منه على كل حال. وهو الجواب بناء على الطريقية. أو بجواب من قبيل دعوى وجود مصلحة في التفويت أو غير ذلك. يعني فلم يلزم التصويب بالرغم من عدم القول بالإجزاء.
وهذا المطلب في نفسه صحيح، ولكن ليست هذه هي النتيجة المطلوبة. لأن بحثنا الآن عن الإجزاء. فهل ان دفع تلك الشبهة موجب للقول بالإجزاء أو بعدمه. كلا لا هذا ولا هذا، وانما هو أمر على المباني. والمهم الآن هو العجز عن الإعادة وعن التدارك، سواء كانت مصلحة الظاهر تامة أو ناقصة لو صح التعبير. ومعه على كلا التقديرين تحصل نتيجة الإجزاء. ومعه فالتخيير بين هذين القسمين بلا موجب لأن نتيجتهما واحدة، لأن موضوعها واحد وهو العجز.
هذا كله فيما لو كان العمل الأول امتثالا لحكم ظاهري: أمارة أو أصل. ثم انكشف عدم مطابقته للواقع باليقين. وان كان هذا القيد غير واضح في كلماتهم الا ان إثبات الواقع بما هو واقع غير ممكن إلا باليقين. فان قلنا بعدم
ــــــ[163]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الإجزاء مطلقا كما هو الصحيح، شمل ذلك الإعادة والقضاء. إما الإعادة فهذا هو الذي انتهينا منه.
واما القضاء فباعتبار صدق فوت الواقع جزما على الفرض، وما أتى به هو امتثال ناقص غير مجزئ، فيكون موضوعا لوجوب القضاء. سواء قلنا بانه بنفس الأمر السابق أو بأمر جديد. اما انه بنفس الأمر السابق فلأنه قد ثبت استمرار الأمر الواقعي وبه يجب القضاء. واما إذا كان بأمر جديد فلأن موضوعه الفوت وهو ثابت كما سبق.
وان قلنا بالإجزاء للإعادة كان القضاء هو الأولى به أيضاً، على كلا المسلكين بالقضاء أيضاً. اما بناء على كونه بنفس الأمر، فلأن المفروض سقوط الأمر بالامتثال الظاهري أو العجز عن امتثاله ثانياً. يعني سقوطه بالامتثال أو بالعجز. والمفروض ان العجز عن القضاء حاصل. فتحصل نتيجة الإجزاء كما عبرنا فيما سبق. لعدم استمرار منجزية وفاعلية الأمر الأولي في حق المكلف على المفروض.
واما بناء على كونه بأمر جديد فلأن المفروض ان الامتثال الظاهري مجزئ وكاف. فقد أحرزنا بحجة شرعية عدم الفوت ووجود الامتثال.
أو ان تنزلنا عن ذلك فلا اقل ان نفرض – على بعض المسالك السابقة – حصول العجز عن التدارك يعني القضاء في محل الكلام. وان فرض حصول موضوعه. فيسقط دليل القضاء بالعجز.
واما إذا كان كلا الدليلين ظاهريين. فهنا مستويات من الحديث نحصر بها محل الكلام:
المستوى الأول: ان يفرض انه ينكشف عن كون الاستدلال السابق ليس
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
جامعا للشرائط إطلاقا، كما لو وجد رواية مخصِّصة في معرض الوصول، بحيث لو بحث عنها لوجدها الا انه لم يبذل وسعه كله في ذلك. فلا إشكال من بطلان العمل الأول لأنه وهمي وليس عليه حجة شرعية.
وهذا لا يختلف فيه الأمارات عن الأصول. الا في مجرد المثال. غاية الأمر ان الاشتباه الغالب في الأمارات في أنفسها وفي الأصول في موضوعاتها.
المستوى الثاني: ان يفرض ان اثر الاستنباط المتأخر ساري المفعول إلى زمن العمل السابق عليه. على غرار الشك الساري أو قل: له اثر رجعي باعتبار ان مقتضى إطلاق الأدلة ذلك. فهذا ما سيأتي الحديث عنه. لأنه هو العنوان الرئيسي في هذا الباب.
ولكن نشير في هذا المستوى إلى العكس. يعني عدم سريان الاستنباط الثاني إلى زمن الامتثال الأول. وهذا واضح كثيرا في الشبهات الموضوعية، فإنها تتبدل باستمرار كتحول الملكية أو تحول الخمر خلا أو حصول الطهارة بعد النجاسة أو بالعكس. وحصول كل ذلك بعد الامتثال الأول والمفروض انه جامع للشرائط في وقته بعد حفظ ما ذكرناه في المستوى الأول.
وعندئذ يتعين القول بالإجزاء لعدم تكاذب الحكمين على المفروض، وامكان صدقهما معا. فالدار كانت يوم الاحد لزيد ثم اصبحت يوم الاثنين لعمرو. وقد قامت البينة على كلا التقديرين. ومن الممكن صدقهما معا. فلا يبقى إشكالا من هذه الناحية.
ومعه يتضح ان محل الحديث الآتي هو ما إذا كان الاستنباط ساري المفعول إلى زمن الاستنباط الأول، فيكون نافياً له فأي منهما يكون الحجة ؟
المستوى الثالث: ان يفرض ان الدليل الأول حاكم أو متقدم ، واسبق رتبة
ــــــ[165]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
من الثاني، فيكون الأول مجزيا دون الثاني.
كما لو كان كلاهما أمارة وكان الثاني اعم من الأول فيكون الأول مخصصا له أو مقيدا. كما لو وجد حكما خاصا فعمل به ثم وجد ما هو اعم منه.
وكما لو كان الحكم الأول إمارة والثاني أصلا. ومعه فلابد من إخراج هذا الفرض عن محل الكلام بان يفرض كون الدليل الظاهري الثاني متقدم رتبة على الأول. وهذا يحصل في عدة صور: منها: ان يكونا معا أمارتين وتكون الثانية مخصصة أو مقيدة أو حاكمة. ومنها: ان يفرض ان الأول أصل والثاني أمارة. ومنها: ان يفرض ان يكون كلاهما أصل والثاني متقدم عليه موضوعا. كما لو لم يلتفت إلى جريان الأصل المؤمن أو غيره في موضوع مسألته، فيتغير حكمها. ومنها: ان يكون كلاهما أصل عملي الا ان الأول عقلي والثاني شرعي فيتقدم الشرعي على العقلي. ومنها: ان يكون كلاهما أصل عملي والثاني متقدم عليه محمولا أو حكماً، كما لو كان احدهما تنزيليا والآخر غير تنزيلي. كما في الاستصحاب والبراءة. ومنها: ان يكون كلاهما أمارة ولكن وجد مرجحاً للثاني كعمل الأصحاب أو مضعفا للأول كإعراضهم. أو انه تبرهن عنده ذلك بعد ان لم يكن.
المستوى الرابع: ان يفرض شيئا ما غير قابل للتدارك إطلاقا كبرى أو صغرى حكما أو موضوعا. وان قامت الحجة على خلافه. فلا يكون له أي اثر شرعي للعجز عن التدارك وفرض عدم مشروعية الإعادة والقضاء في بعض العبادات أو غيرها. وانما تكون الحجة الثانية سارية المفعول عند حصول موضوعها مستقبلا. ويفرض الكلام في مورد مشروعية الإعادة والقضاء كبرويا والقدرة عليهما صغرويا. وعلى ضوء كل ذلك ندخل في الاستدلال.
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهنا قال في المحاضرات: والصحيح هو التفصيل بين نظرية مسلك الطريقية في باب الأمارات والحجج، ونظرية السببية. فعلى الأول فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء مطلقا، يعني في أبواب العبادات والمعاملات وفي موارد الأصول والأمارات، الا ان يقوم دليل خاص على الإجزاء. وعلى ضوء النظرية الثانية مقتضى القاعدة الإجزاء كذلك الا ان يقوم دليل خاص على عدمه في مورد. فلنا دعويان:
اما الدعوى الأولى: فلأن الأمارات تكشف عن عدم الإتيان بالمأمور به الواقعي وان ما اتى به ليس بمأمور به كذلك، لأن المأتي به غير مطابق له. ومن الطبيعي ان إجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل. ولا دليل. فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء.
ولكن قد يقال: ان الإجزاء هو المطابق للقاعدة لأن المفروض ان انكشاف الخلاف بحجة معتبرة لا باليقين. ومعه لا علم بكون الحجة الأولى باطلة ومخالفة للواقع. بل الحجة السابقة كاللاحقة من هذه الناحية.
ولكن من حين قيام الحجة الثانية يجب العمل عليها دون الأولى. والسبب في ذلك: هو ان حجية السابقة تسقط في ظرف وصول الحجة اللاحقة. اما في ظرفها فهي باقية على حجيتها بداهة انه لا يعقل كشف الحجة اللاحقة عن عدم الحجية السابقة في ظرفها. لأن الشيء لا ينقلب عما وقع عليه. فالتبدل في الحجية من التبدل في الموضوع لا من كشف الخلاف وعدم ثبوت الواقع. وعليه ينبغي القول بالإجزاء.
أقول: لابد ان يكون مراده من تبدل الموضوع: موضوع اشتغال الذمة أو موضوع وجوب الطاعة التي تعتبر بمنزلة الموضوع للامتثال. وليس هذا من
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الموضوع الاصطلاحي بطبيعة الحال. لأن المفروض انهما معا واردتان على موضوع واحد. إذ لو كانتا واردتين على موضوعين فيكونان متباينين ولا معنى للقول بعدم الإجزاء. وأيضا لو تبدل الموضوع بالمعنى الاصطلاحي فلا إشكال بالإجزاء.
ثم بين وجها آخر قائم على قاعدة أصولية، وهي ان الأثر انما يترتب على الحجية الفعلية الواصلة إلى المكلف صغرى وكبرى. والمراد من الأثر هو التنجز عند مصادقة الواقع والتعذير عند الخطأ وصحة الإسناد والاستثناء. واما إذا لم تصل الحجة كبرى وصغرى فلا اثر لها أصلا. بل تبقى انشائية على التقدير الثاني ومجهولة على التقدير الأول.
ولكنه في المحاضرات لم يعط النتيجة بوضوح. والظاهر ان مراده ان الحجة الأولى واصلة كبرى وصغرى على الفرض والثانية غير واصلة بأحد المستويين. فتكون الأولى حجة دون الثانية. وعند تنجز الثانية لا ينكشف ان الحجة الثانية كانت واصلة قبل وصولها. وهذا محال. إذن فلا موجب لإعادة أو قضاء ما جاء طبقا للحكم الظاهري الأول.
ثم قال: وعلى هذا فالحجة الثانية ما لم تصل إلى المكلف لا يعقل كونها مانعة عن اتصاف الحجة السابقة بالحجية ولا توجب رفع اليد عنها. فإذا وصلت كانت رافعة لحجتها من حين الوصول.
ثم أجاب على كل ذلك: ان مقتضى الأمارة الثانية – سواء فيها القول باتصافها بالحجة الفعلية من الأول. أو القول باتصافها بها كذلك من حين وصولها والظفر بها – هو عدم الإجزاء.
اما على التقدير الأول فواضح. حيث انه بعد انكشاف الخلاف ظهر ان
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمارة الثانية كانت حجة من الأول، والإمارة الأولى لم تكن حجة كذلك. وصرف الاعتقاد بحجيتها من دون واقع موضوعي له لا اثر له أصلا. واما على التقدير الثاني: فلأن صفة الحجية وان كانت تحدث للأمارة المتأخرة بعد الظفر إليها ووصولها ولا معنى لاتصافها بها قبل ذلك. ومن هنا قلنا: ان انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول. والتبدل فيها انما هو من التبدل في الموضوع. الا ان مدلولها أمر سابق حيث انها تحكي عن ثبوت مدلولها في الشريعة من دون اختصاصها بزمن دون أكثر. ومقتضى ذلك حجية مدلولها من الابتداء ولازم هذا هو ان العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة حيث كان مخالفا لمدلولها وهو باطل.
وكون الحجتين تشتركان في احتمال مخالفة مدلولهما للواقع، لا يضر بذلك بعد إلغاء هذا الاحتمال بحكم الشارع في الحجة الثانية. حسب أدلة اعتبارها. ومن الطبيعي ان صرف هذا الاحتمال يكفي للحكم لوجوب الإعادة أو القضاء بداهة انه لا مؤمن له من العقاب.
اما الإعادة فواضح. واما القضاء فمن حيث صدق الفوت للواقع طبقا للحجية الثانية.
أقول: ان النتيجة صحيحة، الا انه مع ذلك لا تخلو مطالبه من بعض المناقشات أو التعليقات:
التعليق الأول: انه استدل في أول كلامه على عدم إجزاء الفرد الأول: بان إجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل. يعني كدليل التنزيل ونحوه.
الا ان هذا وحده لا يكفي إذ قد يقول قائل: ان ما أتى به هو مأمور به
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بمقتضى حجية الحجة الأولى. وهذا يكفي. فانه يقال: انه ثبت بالحجة الثانية المتقدمة رتبة على الأولى انه ليس هو المأمور به. وكما عبرنا انه امتثال ناقص عن المأمور به الواقعي. أو قل: ما تشتغل به الذمة حال الامتثال وان كان مجهولا وهو مضمون الحجة الثانية. وكونه مصداق ناقص يكفي في عدم الإجزاء بحيث نأخذ عدم الدليل على التنزيل مسلما كما هو الأعم الأغلب من الموارد.
التعليق الثاني: انه قال في عرضه للرأي المقابل: انه لا علم بكون الحجة الأولى باطلة ومخالفة للواقع. بل السابقة كاللاحقة من هذه الناحية.
أقول: فيه خلط بين كونها باطلة وكونها غير مطابقة للواقع. فانه لا بد من التمييز بينهما. والحال -كما قال الخصم- بان الحجة الثانية لا تثبت ان الأولى مخالفة للواقع، ولكنها تثبت انها باطلة، أي غير جامعة لشرائط الحجية. غاية الأمر انه كان جاهلا معذورا. والآن أصبح عالما معتبرا بذلك. فقد ثبت بالدليل المعتبر انها باطلة ولم يثبت انها مخالفة للواقع. وثبوت بطلانها يكفي في عدم الإجزاء. واما إذا لم يثبت انها باطلة فلابد من القول بالإجزاء إلى زمان وصول الحجة الثانية.
التعليق الثالث: يمكن القول: بانه ليس الحجتين من هذه الناحية سوية في احتمال المخالفة للواقع. فان الواقع العقلي وان كان كذلك الا ان الفرض هو اعتبار الحجة الثانية وسقوط الأولى. فقد قام الدليل المعتبر على مخالفة الأولى للواقع. وخاصة إذا كانت الحجة الثانية مما تثبت لوازمها، فكما يجب طاعة مدلولها المطابقي يجب أيضاً الأخذ بمدلولها الالتزامي، وهو ان هذا هو الواقع دون غيره بما فيه مدلول الأولى.
ــــــ[170]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التعليق الرابع: انه قال عن الحجية الأولى: اما في ظرفها فهي باقية على حجيتها لأن الشيء لا ينقلب عما وقع عليه. أقول: وهذا ينطبق على أمرين:
1- حجية الأولى
2 – إجزاء العمل المأتي به طبقا لها. وقد أيد في كلامه الأخير هذا المعنى وقال: كما قلنا ان الشيء لا ينقلب عما وقع عليه.
وهذا من قياس عالم التشريع بعالم التكوين وهو باطل. لأننا لا نريد ان نتحدث عما وقع تكوينا من الامتثال في حينه. إذ هو جزما معذور عنه. وانما الكلام في عالم التشريع والاعتبار أو قل في عالم الذهن والإثبات. حيث كنت أتخيل الإجزاء في حينه وقد ثبت عدم الإجزاء في حينه، وانما كنت متوهما. وهذا الثبوت بدليل معتبر كما اشرنا. فلا استحالة في ان اعرف جهلي وقصوري سابقاً.
التعليق الخامس: ما قاله ان مقتضى القاعدة هو ترتب الأثر مع وصول الحجة كبرى وصغرى. وهذه صفة الحجة الأولى في زمانها دون الثانية. فحين تحصل الثانية تكون سارية المفعول في زمانها.
ظهر جوابه: لأن المقصود كأنه ملاحظة دلالتها المطابقية وهو وجوب السورة مثلا. ولكننا قلنا بوجود دلالة التزامية تدل على ان الامتثال الأول لك يكن مطابقا للواقع. وهذه المعرفة تحصل في الزمان المتأخر حين تصل الحجة الثانية كبرى وصغرى. ولكنها تكون ذات أثر رجعي يشمل الحجة الأولى.
أو بتعبيره كما قال بعد ذلك انها تشمل الأزمنة الثلاثة لأنها تدل على حكم عام في الإسلام. فتكون دالة على بطلان المأتي به الأول. وهذا يحتاج إلى التعليق الآتي.
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التعليق السادس: ان إثبات ذلك بالحجة الثانية ليس بالدلالة المطابقية كما هو ظاهر كلامه. بل بالدلالة الالتزامية. لأن للخصم ان يقول: ان دلالتها المطابقية حاصلة بعد وصولها كبرى وصغرى. فتكون حجة من حينها. وانما تدل بالالتزام على بطلان الحجة الأولى. ولم يشر إلى هذه الدلالة الالتزامية ولولاها لم تدل على ذلك البطلان فيمكن المصير إلى القول بالإجزاء.
التعليق السابع: انه قال: وعلى هذا فالحجة الثانية ما لم تصل إلى المكلف لا يعقل كونها مانعة عن اتصاف الحجة السابقة بالحجية، ولا توجب رفع اليد عنها. فاذا وصلت كانت رافعة لحجيتها من حين الوصول.
ظهر جوابه: وانه كان بغض النظر عن الدلالة الالتزامية. وانها من الصحيح إثباتا اننا نعرف ذلك من حين تمامية الحجة الثانية، الا ان مدلول الدليل هو بطلان الأولى من حينها. فمرحلة الإثبات حادثة أو قل متأخرة الا ان مرحلة الثبوت متقدمة أو قل: ان الدال متأخر الا ان المدلول متقدم.
التعليق الثامن: انه قال: ان مقتضى الأمارة الثانية سواء فيها القول باتصافها بالحجية الفعلية من الأول أو القول باتصافها كذلك من حين وصولها والظفر بها.
أقول: يستحيل ان تكون الأمارة الثانية متصفة بالحجة الفعلية من الأول. لأنه خلف فرض كونها واصلة في الزمان المتأخر. وبتعبير آخر: انه يلزم من ذلك ان تكون واصلة قبل وصولها وهو مستحيل. ومجرد هذا الفرض مجرد تطويل في الطريق. وفيه خلط بين عالم الإثبات وعالم الثبوت. فانها إثباتا متأخرة الا ان مدلولها الثبوتي متقدم. ولو كانت حجة وواصلة لم يكن معذورا من الأول. وهو خلف المفروض.
ــــــ[172]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التعليق التاسع: انه قال: ان مدلول الحجة الثانية شامل للأزمنة الثلاثة لأنه عبارة عن حكم شرعي عام في الإسلام. فيشمل زمن الحجة الأولى ولازمه بطلان العمل المأتي به طبقاً للأولى.
ظهر جوابه: فانه لولا المدلول الالتزامي ببطلان الحجة الأولى لم يكف شمول المدلول للأزمنة الثلاثة. إذ يمكن للخصم ان يقول: بان احتمال عدم مطابقته للواقع موجود كالأولى. أو يقول: بانه بعد شموله للزمن الماضي تتعارض الحجتان وتتساقط. ومعه لا نعلم بالفوت فلا يجب القضاء. ولكن كل ذلك باطل لفرض ان الحجة الثانية تدل باللازم على نقصان الحجة الأولى وليس فقط على عدم إجزاء المأتي به الأول. وانما ذلك فرع ما تدل عليه من نقصان الأولى فتدل على عدم إجزائه.
التعليق العاشر: انه قال: ومن الطبيعي ان صرف هذا الاحتمال (وهو الغاء احتمال عدم مطابقة الثانية للواقع بمقتضى أدلة اعتبارها). يكفي للحكم بوجوب الإعادة والقضاء.
جوابه: ان هذا واضح البطلان سواء أراد احتمال عدم مطابقة الثانية للواقع أو احتمال مطابقتها له.
اما إذا التفتنا إلى احتمال عدم مطابقة الحجة الثانية للواقع، فهذا بمجرده لا يكفي لإثبات بطلان الحجة الأولى كما هو واضح، لكي يثبت عدم إجزاء المأتي به السابق لتجب الإعادة والقضاء.
واما إذا التفتنا إلى احتمال مطابقة الحجية الثانية للواقع، فهو أيضاً بمجرده لا يدل على ذلك لولا أدلة اعتبار تلك الحجية. لأنه كما يحتمل مطابقة الثانية للواقع يحتمل مطابقة الأولى أيضاً. فلا ينتج الجزم بالعلم أو العملي بطلان
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المأتي به السابق لتجب الإعادة أو القضاء. والقضاء أوضح.
فمجرد الاحتمال غير كاف في وجوب الإعادة والقضاء وإنما لابد من الالتفات إلى أدلة اعتبار الحجة الثانية مع الالتفات إلى دلالتها الالتزامية ببطلان الأولى. فيلزم منه في طوله بطلان المأتي به فيلزم منه وجوب الإعادة أو القضاء.
هذا كله بناء على الطريقية في جعل الحكم الظاهري الذي هو المشهور والصحيح.
………………………..
واما بناء على السببية، فينبغي التنبيه على أمور:
الأمر الأول: اننا ذكرنا السببية في المرحلة الأولى من الكلام وهو صورة انكشاف الخلاف باليقين. وكان المراد احتمال ان يكون الحكم الظاهري السابق سببيا. فإذا انكشف خلافه باليقين فهل يلزم الإجزاء أم لا. وقد نفينا ذلك فيما سبق. فالصحيح عدم القول بالإجزاء بناء على كلا المسلكين الطريقية والسببية. إلا إذا قلنا بالتصويب.
واما في محل الكلام فالمفروض ان كلا الحكمين ظاهري، فيمكن ان يكون كل منهما موضوعا لمسلك السببية.
الأمر الثاني: ان مسلك السببية هل يقول بإمكان انكشاف الخلاف ام لا. إذ قد يقال بالعدم بعنوان: ان المكلف بقي جاهلا ما دامت الحجة الثانية غير واصلة، وكل جاهل يعوّض بالسببية. ووصول الثانية لا تجعله عالما قبلها لأن الواقع لا ينقلب من هذه الناحية. فيبقى التعويض له محفوظاً. وإذا بقي
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
محفوظاً فلابد من القول بالإجزاء.
وهذا الكلام له مرحلتان: الأولى: انه مادام التعويض محفوظاً في زمانه والمكلف مستحقاً له، لزم الإجزاء سواء انكشف الخلاف باليقين أو بالحكم الظاهري. وقد نفيناه من ناحية انكشافه باليقين. وقلنا ان التعويض لا يستلزم الإجزاء. لأنه لا يستلزم تحقيق الملاك والمراد الواقعي.
الثانية: ان التعويض محفوظ ما دام جهالا بالواقع. والمفروض انه جاهل إلى الآن، يعني حتى بعد قيام الأمارة الثانية، لأنها لم توجب علمه بالواقع، بخلاف حال اليقين بالخلاف.
جوابه: ان الواقع أصبح منجزا عليه بالحجة الثانية فهي قائمة مقام اليقين، وخاصة فيما إذا كانت أمارة ونحوها. مضافا إلى انه يأتي فيه ما قلناه في المرحلة السابقة بان التعويض عن السابقة لا يستلزم الإجزاء. وخاصة بعد ان ثبت بالظن المعتبر قصور الأولى وبطلانها.
إذن حتى على مسلك السببية لا نقول بالإجزاء. نعم يبقى له تعويضه لأن جهله بلحاظ الزمان السابق يبقى ثابتاً حقيقة وثبوتاً. إلا ان التعويض والمعذورية لا تستلزم الإجزاء.
الأمر الثالث: انه في المحاضرات ذكر ثلاثة وجوه للسببية في حين سمعنا في التقريرات سبعة وجوه. وفي كلا المصدرين ذكر وجهين للتصويب: الأشعري والمعتزلي، وقالا انهما يستلزمان القول بالإجزاء. وقلنا فيما سبق ان هذا ليس قولا بالسببية. فإذا استثنيناهما بقي وجه واحد في المحاضرات للسببية وأربعة وجوه أو خمسة لها في التقريرات. وهذا لمجرد التنبيه لبيان الفرق بين المصدرين والمؤلفين.
ــــــ[175]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمر الرابع: انه ذكر في المحاضرات في بعض كلامه: ان السببية فيها محذور الأداء إلى التصويب، لأنها تستلزم انقلاب الواقع من التعيين إلى التخيير. فبينما كان الواقع تعيينيا على الشخص العالم به. يصبح تخييريا على الجاهل الذي تكون الأمارة حجة في حقه. قال: لقبح الترجيح من دون مرجح من ناحية، وعدم الموجب له من ناحية اخرى (يعني التعيين) بعد ما كان كلا الأمرين وافيا بغرض المولى. فيصبح الأمر تخييريا بين الإتيان بصلاة الظهر واقعا أو سلوك الأمارة الموجودة.
وقد سبق ان تعرضنا إلى مثله، وقد تحصل مما سبق أكثر من جواب واحد:
الأول: ما يتحصل من التقريرات. لأنه فصّل في حينه بين ان يكون التعويض في سلوك الأمارة بمقدار الملاك الواقعي أو اقل. فان كان بمقداره لزم التخيير. وان كان اقل لم يلزم لأنه لا يتحقق غرض المولى بالتعويض الأقل. مع انه في المحاضرات أخذها مجملة ولم يفصل.
الثاني: اننا قلنا في حينه ان ذلك غير صحيح حتى لو كان التعويض بمقدار غرض المولى لفرض كونهما طوليين من ناحية وعدم إمكان وصولهما وتنجزهما دفعة واحدة من ناحية ثانية.
نعم، لو كان التعويض للحكم الظاهري هو عين ملاك الواقع، لزم القول بالإجزاء. إلا انه لم يقل بذلك احد.
الأمر الخامس: انه هنا نقل عن المحقق النائيني  ما ذكرناه. وذكره في التقريرات في المرحلة السابقة.
وذلك انه قال: ان العوض يأتي بمقدار الخسارة. فان لم ينكشف الخلاف
ــــــ[176]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أصلا كان التعويض كاملا. وان انكشف خلال الوقت كان التعويض بمقدار أول الوقت وهو لا يستلزم الإجزاء لآخر الوقت لأن ذات العمل المقيد بالوقت لم يأت به. وان انكشف الخلاف بعد الواقت لم يستلزم الإجزاء لأن المعوض هو مصلحة الوقت لا مصلحة ذات العمل فيجب القضاء.
وهذا لا يعني ان الشيخ النائيني يرى القول بالسببية بل يتكلم عنها وعن لوازمها على تقدير القول بها.
أقول: محل الإشكال على المحاضرات هنا هو ان هذا الكلام من المحقق النائيني انما يأتي في صورة انكشاف الخلاف باليقين، وإلا أمكن القول بثبوت التعويض حتى بعد تنجز الأمارة الثانية، أو كان الحكم الظاهري الثاني أصلا عملياً لا يثبت لوازمه. إذن فالمكلف لا زال جاهلا فيكون التعويض مستمرا. فلو كان التعويض الكامل مستلزما للإجزاء فهنا كذلك. وسياق كلام المحاضرات واضح سواء عند ايضاح نظرية السببية أو عند نقدها، في انه يتكلم في صورة انكشاف الخلاف باليقين، مع ان عنوانه الأخير هو صورة انكشاف الخلاف بالأصل أو الحكم الظاهري. وهو تهافت واضح في السياق وفي طريقة عنونة البحث.
الأمر السادس: ان الأمور التي تعرض لها في المحاضرات كثيرة نحن في غنى عنها بعد اتضاح أصل المطلب وهو القول بعدم الإجزاء على كل حال. إلا أنني أود هنا ان أتعرض إلى نموذج من مطالبه مع الجواب.
قال ما مؤداه: ان القول بتبعية القضاء للأداء يقوم على ان أساس ان تكون للصلاة مصلحتان ملزمتان: احدهما تقوم بذات الصلاة والأخرى بحصة خاصة منها. وهي الصلاة في الوقت. وعلى هذا يتعلق بها أمران: احدهما بطبيعي
ــــــ[177]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الصلاة على نحو الإطلاق، والأخر بحصة خاصة منها.
ومن المعلوم ان سقوط الأمر الثاني بسقوط موضوعه كخروج الوقت. لا يستلزم سقوط الأمر الأول لعدم الموجب له. فإذا ترك الفرد الصلاة عصيانا أو نسيانا في الوقت وجب عليه الإتيان بها خارج الوقت.
أقول: ان هذا وان كان في التصور العقلي محتملا. إلا انه ساقط بالمرة ولم يقل به احد. وانما قالوا بتبعية القضاء للأداء بتقريبات أخرى تأتي. بل هو مستحيل لأكثر من بيان:
البيان الأول: استحالة ان تكون في نفس الشيء ومن نفس الجهة والحيثية، ملاكان وخطابان.
البيان الثاني: ان احدهما اخص من الآخر، وليس المفروض ان امتثال أي منهما مجزئ عن الأخر لاختصاص كل مورد بملاكه وخطابه. فيجب ان يصلي الفرد في الوقت صلاتين لأجل كلا الملاكين والخطابين. بل يجب ان يصلي خارج الوقت مرتين أيضا احدهما أداء باعتبار الخطاب المتعلق بذات الصلاة والآخر قضاء باعتبار الملاك الذي فات متعلقه.
البيان الثالث: ان هذا من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر فالأقل هو المقيد بالوقت والأكثر هو الأعم من الوقت وخارجه. وهو يستلزم ان يكون للأقل مصلحتان مستقلتان إحداهما في نفسه والأخرى بصفته حصة من الأعم. وهو مستحيل أما عقلا أو عقلائيا.
وانما استدلوا على تبعية القضاء للأداء بتقريبات أخرى:
مثل ان يقال: ان الصلاة مأمور بها مقيدة بالوقت. فإذا سقط القيد بالتعذر
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بقي الأمر بالطبيعة ساري المفعول.
وعندئذ يرد جوابه الذي ذكره ضد الإشكال من حيث انه لا يستفاد عرفا من الدليل إلا أمر واحد متعلق بحصة خاصة من الصلاة. وهي الحصة المقيدة ولا ينعقد ظهور للمطلق بالإطلاق. وبتعبير آخر: انه ينكشف بالدليل المقيد سواء كان متصلا أم منفصلا: ان الملاك والأمارة والخطاب انما كان متعلقا بالحصة الخاصة فقط فإذا سقط القيد لم يبق دليل على استمرار الأمر بالطبيعي الخالي من القيد.
وهذا الجواب وارد على التقريب الذي ذكرناه لتبعية القضاء للأداء. وليس واردا على التقريب الذي ذكره. إذ مع وجود ملاكين وخطابين لا معنى للتقييد، بل كل واحد يكون مستقلا عن الآخر جزما. فإذا سقط الخطاب بالمقيد بقي الخطاب بالمطلق فيثبت الخطاب بنفس الأمر. والإجابة ناشئة من الخلط بين التقريبين.
ومنها ان يقال: ان خروج الوقت يسقط الخطاب فمن الممكن ان نتمسك بالملاك خارج الوقت. وعندئذ فكلا الجوابين السابقين لا يأتيان. وانما يرد جوب آخر: أولاً: انه مع سقوط الخطاب لا دليل على ثبوت الملاك. ثانياً: ان الخطاب كما هو ظاهر بان الأمر مقيد كذلك هو ظاهر بان الملاك مقيد. فإذا خرج القيد وهو الوقت سقط الملاك المقيد كله. ثالثاً: اننا قلنا انه لا تجب إطاعة الملاك إذا لم تكن مقرونة بالخطاب.
اما في التقريرات فقد سار مساراً آخر: وقال: ان انكشاف الخلاف قد يكون بالأمارة وأخرى بالأصل. اما إذا كان بالأمارة فالصحيح عدم الإجزاء
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ولزوم الإعادة والقضاء لأن ذلك مدلول التزامي للأمارة نفسها على كل تقدير. أقول: وهذا ما اشرنا إليه من انها دالة باللازم على فساد الأمارة الأولى سواء كانت الأولى بالأمارة أو الأصل. وفسادها يستلزم الدلالة على نقصان الفرد السابق وعدم مطابقته للواقع.
ثم قال: وإذا انكشف الخلاف بالأصل. فهناك صور عديدة. أقول: والصعوبة التي عرفناها إلى الآن في ذلك، ما إذا كانت الأولى من الأمارة والثانية من الأصل. فالأولى تدل باللازم على بطلان الثانية دون العكس. ما لم يثبت نقصانها والتقصير فيها وهو خلاف المفروض.
وبدرجة اقل ما إذا كان كلاهما أصلا عمليا أو عقليا، حيث ليس له دلالة التزاميه على بطلان الأصل الأول. وهذا يبقى في ذهننا لكي نمر على الأقسام.
وإذا أردنا ان تكون الأقسام حاصرة فهكذا: ان المورد اما ان يكون شبهة موضوعية أو حكمية، وعلى كلا التقديرين، فاما ان يجري فيها الاستصحاب أو أصل عملي شرعي آخر أو أصل عقلي. فتكون الصور ستة. فإذا تم تقسيم الأصل العقلي إلى عدة فروع أهمها فرعان: احدهما: منجزية العلم الإجمالي والآخر: أصالة الاشتغال في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين على القول بها وعدم القول بالبراءة. واما الأصول العقلية الأخرى كالتخيير في دوران الأمر بين المحذورين فهو نادر. فتصبح الصور عشرا. ذكر منها اربعة فقط.
ولو فرضنا اننا قسمنا الحجة الأولى إلى الأمارة والأصل. مع المحافظة على كون الثانية أصلا، كانت الصور عشرين.
نذكر أولاً الصور المذكورة في التقريرات، فان بقيت هناك بقية لم تتضح اوضحناها.
ــــــ[180]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الصورة الأولى: انه ينكشف الخلاف بالاستصحاب في شبهة موضوعية. كمن توضأ فشك في أثناء وضوئه وبنى على قاعدة التجاوز فيه ثم ظهر له بحجة أخرى اجتهادا أو تقليدا عدم جريانها في أجزاء الوضوء. فجرى في حقه استصحاب عدم الإتيان بالجزء المشكوك من وضوئه.
وفي هذه الصورة لا إشكال في وجوب الإعادة في داخل الوقت بحكم هذا الاستصحاب بل وأصالة الاشتغال أيضا، لأن الشك في الفراغ من الامتثال. وكان خيرا له ان يقول: استصحاب الحدث أو استصحاب اشتغال الذمة بالصلاة التي صلاها معه. ومع وجود هذا الأصل العملي الشرعي لا تصل النوبة إلى الأصل العقلي وهو الذي أشار إليه وهو أصالة الاشتغال. لأنها تجري عند الشك في المحصل أو المحقق. وهذا منه. واما إذا أراد من أصالة الاشتغال استصحاب اشتغال الذمة. فهذا ممكن إلا انه خلاف الاصطلاح.
واما إذا كان الانكشاف خارج الوقت، فأيضا لا إشكال في وجوب القضاء لو قيل بانه بالأمر الأول. أقول: وهنا أريد ان أطبق هذا على ما سمعناه من المحاضرات من تبعية الأداء للقضاء. لأنه على تصوره يكون الأمر بالمقيد ساقطا تكوينا ومتعذر الامتثال، فلا محل للقضاء باعتباره بأمر جديد. ويكون الأمر الثاني ساري المفعول إلا انه لا يصدق عليه القضاء لأنه غير مفوت على الفرض.
ثم قال في التقريرات: أو قيل: ان موضوعه عدم الإتيان الثابت بالاستصحاب (أو بأي دليل شرعي).
واما إذا كان موضوعه الفوت (كما هو المشهور المنصور) فقد ذكر صاحب الكفاية انه لا يمكن إثباته باستصحاب عدم الإتيان، لأنه مثبت (لأن عنوان
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الفوت لازم استصحاب العدم مع كونه موجوداً تكوينا). فيكون المرجع أصالة البراءة عن وجوب القضاء. (وهنا ينبغي الالتفات إلى ان استصحاب عنوان الفوت غير ممكن لأنه ليس له حالة سابقة، لأن المراد به الفوت في كل الوقت وانما قد فات في جزء منه لا في جميعه).
قال: وهذا الكلام يرد عليه نقض يصعب الجواب عليه: وهو انه يلزم منه عدم وجوب القضاء حتى إذا انكشف الخلاف في الوقت ولكنه قصر ولم يعد إلى ان خرج الوقت. إذ سوف يشك أيضا في توجه أمر جديد إليه. ولا يمكن إثبات موضوعه بالاستصحاب فتجري البراءة عن القضاء.
ثم قال: انه يمكن حل الإشكال بان دليل القضاء حيث انه بمناسبة التدارك لما فات (وهذا كأنه معنى سياقي) على المكلفين داخل الوقت فلا ينبغي قياسه على الأوامر الابتدائية الصرفة. بل لا يبعد استظهار كونه تبعا للشيء المتدارك. كقاعدة الميسور. فان كان التدارك واجبا فهذا واجب وان كان ظاهريا فهذا ظاهري أيضا. يرتفع بانكشاف صحة الفريضة الواقعية.
وبهذا يتم التفصيل (ونتخلص من النقض) بين من انكشف له الخلاف في داخل الوقت وقصّر ولم يعد حتى خرج الوقت فيجب عليه القضاء لما فات من الفريضة المتنجزة عليه في الوقت طالما لم ينكشف له صحة عمله الواقعي. وبين من انكشف له الخلاف خارج الوقت.
أقول: هذا خلف فرض القول بعدم حجية الأصل المثبت في اللازم العقلي. إلا ان نفهم من دليل القضاء إمضاء ذلك اللازم وهذا متعذر. أو نفهم ان موضوع القضاء هو مجرد عدم العمل. وهو خلاف نص دليل القضاء. ودليل القضاء كأي دليل وارد على موضوعه. والمفروض ان موضوعه متعذر.
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نعم لو ثبت الفوت بعنوانه بدليل ظاهري كالبينة أو الاحتياط العقلي، كان القضاء واجبا ظاهرا. فإذا انكشفت صحة الفريضة في داخل الوقت ارتفع حكم القضاء إلا ان هذا غير المسألة التي بيدنا. فان الاستصحاب غاية ما يثبت بطلان الفرد. واما عنوان الفوت فهو لازمه.
مضافا: إلى ان هذه الاستفادة التي ذكرها قابلة للمناقشة: لأنه يقول اقض ما فات كما فات. أي من حيث الشكل أو الأجزاء أو الشرائط لا من حيث الحكم من حيث الوجوب أو الاستحباب(1) أو الواقعية أو الظاهرية ونحو ذلك. وليس بالضرورة ان يكون التدارك مماثلا لما سبق إلا من حيث الماهية، ولم يؤخذ فيه عرفا ولا شرعا غير ذلك عدا ما خرج بالدليل.
مضافا إلى اننا لا يمكن ان نأخذ بإطلاق (كما فات) قطعاً. فلو فاتت جلوسا وأمكن قضاؤها وقوفا وجب وكذلك التيمم وغير ذلك. بل العكس أحيانا صحيح فلو فاتت تامة ولم يمكنه القضاء كذلك تعين عليه ذلك بمقتضى القاعدة الأولية. كما لو نذر النافلة الراتبة لم يكن عليه قضاؤها وجوبا بل استحبابا وهكذا. فان كان له إطلاق فهو من تخصيص الأكثر. وانما المراد أمرين فقط: احدهما: النية الاعتيادية للأداء ما عدا كونها أداء. ثانيهما: القصر والتمام وهي الصفة المنصوص عليها في الرواية المعتبرة.
نعم، لو استفدنا من عنوان الفوت مجرد العدم، فيجب القضاء ما لم يثبت الوجود، ولم يثبت في فرض المسألة. وهذا هو الذي حاول محصل كلامه ان يصرف إليه دليل القضاء حين قال: فيجب القضاء لما فاته من الفريضة المتنجزة
ــــــ[183]ـــــــ
(1) فان قلت: فان قضاء الواجب واجب. قلنا: نعم إلا ان هذا باعتبار وجوب القضاء نفسه لا باعتبار وجوب الاداء. ولو نوى وجوب الاداء بطل ولو نوى الاعم بطل أيضا إلا إذا قلنا انه بنفس الأمر الأول.
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عليه في الوقت طالما لم ينكشف له صحة عمله الواقعي.
إلا انه خلف المتفق عليه بيننا وهو أيضا ظاهر الدليل من ان موضوعه الفوت بعنوانه لا بمجرد العدم.
ومعه ففي مورد النقض ان نظرنا إلى العمل المأتي به في حينه فلابد من القول بعدم وجوب القضاء لاحتمال صحته ومطابقته للواقع ثبوتاً. ومعه لا يحرز الفوت.
ولكن حيث ثبت بالحكم الظاهري كاستصحاب اشتغال الذمة وجوب الإعادة في الوقت. فإذا لم يصل عصيانا أو نسيانا حتى انقضى الوقت. فقد فات الفرد الظاهري المأمور به في طول الامتثال الأول. وهذا يكفي موضوعا لدليل الاستصحاب لأن المفروض فيه ثبوت الفوت بدليل معتبر ما لم ينكشف في وقت آخر عدم مطابقته للواقع، وذلك بانكشاف مطابقة المأتي به للواقع.
وذلك بخلاف من انكشف له الخلاف بالحكم الظاهري بعد الوقت فان لم يكن لديه خلال الوقت حكم ظاهري بالإعادة. فلا يكون قد فات في الوقت شيء بالنسبة إليه بحسب الحكم الواقعي ولا الحكم الظاهري، فلا يكون موضوع القضاء متحققا فتجري البراءة عن وجوبه. والمفروض ان استصحاب اشتغال الذمة في الوقت لا يثبت عنوان الفوت كما قال الآخوند.
الصور ة الثانية: نفس الصورة الأولى – يعني ان ينكشف الخلاف بالاستصحاب- ولكن مع فرض الشبهة حكمية لا موضوعية. كما لو فرض ثبوت وجوب الظهر عليه بدليل اجتهادي ثم عدل عن ذلك ووجد خللاً في مدركه. فاستصحب بقاء وجوب الجمعة الثابت في عصر الحضور مثلا. ففي الوقت يجب الإتيان بها – أي الجمعة – وفي خارج الوقت يجب القضاء
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
– وقضاء الجمعة بالظهر لا محالة – بناء على انه بالأمر الأول أو ان موضوعه عدم الإتيان لا الفوت.
وليس لنا من إشكال في هذه الصورة من حيث انها حكماً وإشكالا كالصورة السابقة، إلا من حيث ان الفرق بين الصورتين، وان قال ان احدهما موضوعية والآخر حكمية. إلا انهما معا يرجعان إلى الحكم غاية الفرق انه في الحكمية كلي وفي الموضوعية جزئي. بل ان كليهما جزئي من حيث انه ليس الكلام عن الحكم الثابت في أصل الشريعة وانما في الحكم الذي يخصه بصفته احد المكلفين.
وانما تختلف الموضوعية عن الحكمية فيما إذا كان الشك في الموضوع حقيقة كالخمرية والخلية وبلوغ النصاب وعدمه. وبه يجري الأصل لا في حكمه الجزئي كما في المقام. واما إذا كان الشك في حكم الموضوع أو المطلوب. والظاهر انه في كلتا الصورتين هو ذاك. والمفروض في الصورة الأولى: الشك في جريان قاعدة التجاوز وعدمه. وهي شبهة حكمية في حكم ظاهري وليست موضوعية. ومن هنا تماثلت الصورتان. أو قل انه شك في المتعلق أو في حكم المتعلق وهو الوضوء. كما انه في الصورة الثانية شك في حكم المتعلق وهو صلاة الجمعة. فتماثلت الصورتان من حيث القاعدة العامة.
ثم قال بعد ان نفى وجوب القضاء إذا كان موضوعه عنوان الفوت:
وقد يقال: بوجوب القضاء حتى لو قيل بان موضوعه الفوت. وذلك لأن الموضوع مركب من جزئين: فوت شيء وان يكون واجباً. وفي المقام قد فاتت الجمعة بالوجدان، وهو واجب بالاستصحاب. فيثبت وجوب القضاء، خلافا للصورة الأولى.
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وفيه: ان استظهار التركيب بين القيود وان كان صحيحا في موضوعات التكاليف، إلا ان عنوان الفوت ليس منتزعا من مجرد عدم الإتيان بشيء بل منتزع من خصوص عدم إتيان ما فيه مزية ونفع. فمن ترك في النهار صلاة ثلاث ركعات وهي غير مشروعة لا يقال انه فاتته. وهذا يعني ان عنوان الفوت منتزع من ترك الواجب بما هو واجب، فلا يمكن إثباته باستصحاب وجوب الشيء إلا بالأصل المثبت.
أقول: والظاهر ان عنوان الفوت ليس بهذه السعة يعني مجرد وجود المزية بل اما لمصلحة مهمة وهي الملاك أو أمر في البين وهو الخطاب. أو ان يقال: ان دليل الفوت وارد في طول وجود الخطابات الأولية، فهو ناظر إليها ويقصد فوت متعلقاتها.
مضافا إلى انه يقول: ثم عدل عنه ووجد في مدركه خللا. وهذا خارج عن المسألة لأنه لم ينكشف بطلان الحجة بحجة أخرى، بل لسقوط المقتضي في نفسه. مضافا إلى ان قضاء الجمعة وان كان بالظهر إلا انه ليس قضاءا لها بل لما فات في آخر الوقت وهو الظهر بعد خروج وقت الجمعة. واما لو فرضنا استمراره لما أمكن القضاء ظهرا، إذا كان بالأمر الأولي لفرض كونه بالجمعة وصلاة الظهر ليست مصداقا منه إلا بدليل تعبدي مفروض العدم. مضافا إلى قوله: فلا يمكن إثباته باستصحاب وجوب الشيء. حيث يمكن ان يقال اننا لا نريد إثبات عنوان الفوت بالاستصحاب ليكون مثبتا لأنه ثابت وجدانا. فان قلت: انه قائم بذاته لا بصفته واجبا وانما نثبت ذلك بالاستصحاب. قلنا: هذا بتصور جريانه في المرتبة المتأخرة، في حين هو يجري في المرتبة المتقدمة عليه لأنه يثبت وجوبه حال فوته، وفوته وجداني، فيكون فوتا للواجب بما هو واجب بدون عمل بالأصل المثبت.
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مضافا إلى ان التركيب بين القيود ان كان تقييداً صح مطلقا إلا انه ليس كذلك وانما هو ضم جزئيين من قاعدتين منفصلتين. فان ساعدت القاعدة في المسألة عليه جاز وإلا فلا. فالأول مثل ان يكون مجتهداً باليقين وعادلا بالاستصحاب فيجوز تقليده والثاني مثل انه دم باليقين واقل من ثلاثة بالاستصحاب. ولا يبعد ان يكون دليل القضاء من الثاني وهو الواجب المقيد إلا ان يراد بالوجوب الأعم من الظاهري فيجب القضاء.
الصورة الثالثة: ما إذا كان الأصل العملي الجاري في حقه أصالة الاشتغال بملاك منجزية العلم الإجمالي. كما إذا عدل عن رأيه بوجوب الظهر مثلا تعييناً، فحصل له علم إجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة. أو حصل له العلم الإجمالي بوجوب القصر أو التمام فيمن عمله يتوقف على السفر، بعد ان كان يرى وجوب التمام عليه.
أقول: وهذا أيضا خارج عن مسألتنا بصفته سقوطا للمقتضي لا أخذا بالمانع الظاهري. ولكننا نذكره بعد التنازل عن هذه الجهة.
وهنا لا إشكال في وجوب الاحتياط عليه إذا كان الانكشاف قبل العمل.
وانما الكلام في فرضين: الأول: ان لا يصلي داخل الوقت إلا إحداهما. حتى خرج الوقت فهل يجب القضاء أم لا. (بصفتها طرفا للعلم الإجمالي).
الثاني: ان يحصل له هذا الانكشاف بعد ان صلى الجمعة. فهل تجب عليه الظهر احتياطا أداء داخل الوقت وقضاء خارجه أم لا؟
ويمكن إضافة فرع ثالث: وهو تركه للصلاتين معا في الوقت فهل تجبان معا أو إحداهما أو لا يجبان كلاهما؟
ــــــ[187]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
اما في الفرض الأول: فإثبات وجوب القضاء عليه يمكن ان يقرب بوجوه: الأول: الاستناد إلى ما ذكرناه وفيما سبق من تبعية الأمر القضائي للأداء. فكلما ثبت أمر أدائي ولو ظاهراً وتنجز على المكلف فلم يأت به وجب قضاؤه كذلك.
أقول: في الحقيقة هو لم يقل ذلك سابقاً. وانما قال بان قرينية التدارك تقتضي المماثلة بين القضاء والأداء في السنخية الواقعية والظاهرية. واما هذا الذي قاله هنا فهو ما قلناه من صدق الفوت حتى لو فات من حكم ظاهري.
إلا ان الكلام ليس في ذلك، وانما في صدق الفوت حتى لو كان بالحكم العقلي، كما أشار في جوابه. إلا ان هذا وحده لا يكفي، لأن حكم العقل لو كان جزميا من جميع الجهات، كالحكم بالتعيين عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير لكان وجهاً. ولكان صدق الفوت راجحا حتى بحكم العقل، لأنه ليس حكم العقل حقيقة وانما هو كشف العقل عن حكم الشريعة. وعلى اي حال فان كان على نحو الكشف وجب القضاء لصدق الفوت، وإلا فلا ولو لاحتمال عدمه فلا يكون دليل القضاء متحققا.
إلا ان المقام ليس منه. فانما ثبت الحكم لطرفيه للعلم الإجمالي. فان بقي العمل الإجمالي ساري المفعول خارج الوقت نجز وجوب القضاء وإلا فلا. وهذا يتوقف على ثلاثة أمور مجتمعة.
الأمر الأول: تنجز العلم الإجمالي التدريجي بحيث يعلم إجمالا بعد الوقت ان الواجب اما الصلاة في أول الوقت أو خارجه. مع اختلافهما في الزمان.
الأمر الثاني: تنجيز العمل الإجمالي للموافقة القطعية وليس فقط ترك
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المخالفة القطعية. فعلى الأول يجب الإتيان بطرفيه بخلاف الثاني. فانه يكفي الاتيان بطرف واحد. وفي المقام قد جاء بأحدهما أداء فلا يجب القضاء.
الامرالثالث: ان نقول: ان الموافقة القطعية اللازمة هل يمكن ان يكون طرفها متعدد السنخ يعني العلم بتكليف واحد لا اثنين. أو يلزم ان يكون واحدا. كما لو كان كلاهما أدائي أو غير موقت. واما لو كان احدها أداء والآخر قضاء لم يكن منجزا. ويكون من قبيل العلم بتكليفين لو كان القضاء بأمر جديد.
وعلى اي حال فالمشهور هو التنجيز في كل هذه المراحل الثلاثة فيجب القضاء. ولكن يمكن ان يناقش بوجهين:
1 – قلة احتمالات عدم التنجيز. ومن هنا نشك في صدق الفوت فلا يجب القضاء.
2 – انه لو تمت المنجزية من الجهات الثلاثة لم يحتج وجوب القضاء إلى صدق الفوت بل يكون منجز بالعلم الإجمالي. بمعنى العلم إجمالا بأحد الموضوعين اما موضوع الأداء أو موضوع القضاء فينجز التكليفان به والمفروض انه بنحو الموافقة القطعية.
مضافا إلى ان الصحيح في مباني العلم الإجمالي كونه علة تامة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضي لتنجز الموافقة القطعية. ومعنى الاقتضاء إجمالا هو عدم كونه علة تامة لاشتغال الذمة. ومعه يمكن جريان الأصل المؤمن في طرفه بعد حصول الطرف الآخر داخل الوقت. وخاصة إذا حصل هذا العلم الإجمالي، والتفت إليه الفرد المجتهد بعد خروج الوقت.
واما إذا التفت إليه داخل الوقت فيدخل في احد الفرعين الآتيين.
ــــــ[189]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مضافا إلى ما قلناه من ان إحراز عنوان الفوت انما يكون بأحد مستويين:
1- مع كشف العقل عن حكم الشارع.
2 – أو مع كون حكم العقل في المورد تعيينيا واما في المورد الآخر وهو رقم.
3- وهو العلم الإجمالي فلا يكون مورد الوجوب القضاء.
ثم ذكر في التقريرات وجوها أخرى وناقشها باختصار لا حاجة إلى الإطالة فيها.
واما في الفرض الثاني: فعبارته فيه: ان يحصل له هذا الانكشاف – وهو العلم الإجمالي بوجوب إحدى الصلاتين – بعد ان صلى الجمعة، مثلا. فهل تجب عليه الظهر احتياطا أداء في داخل الوقت وقضاء في خارجه.
أقول: اما القضاء فهو عين المسألة السابقة. وهو ان يصلي احدهما داخل الوقت ويقع الكلام في القضاء. وانما الفرق بين المسألتين ان الأولى في السؤال عن تنجيز العلم الإجمالي للقضاء، والثانية عن تنجيزه للأداء جمعا. مع اشتراكهما في حصول العلم الإجمالي بعد الإتيان بأحد الفردين أو الطرفين أو الصلاتين. ماشئت فعبر.
فالكلام الآن في وجوب الإعادة كذلك. قال فيه بعدم التنجز لأن العلم الإجمالي منذ ان يتشكل يكون احد طرفيه خارجا عن محل الابتلاء. فلا يكون منجزا ليجب على المكلف طرفه الآخر إعادة داخل الوقت أو قضاء خارجه.
أقول: كان يمكنه ان يقول هذه العبارة نفسها في الصورة الأولى أيضا، من دون إطالة في الطريق، لوضوح انه إذا لم تجب الإعادة كان القضاء أولى بعدم
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الوجوب. وعلى أي حال فالنتيجة صحيحة.
واما الفرع الثالث: فهو يحتوي على فرق أساسي عن الفرعين السابقين من حيث انهما معا قائمان على حصول العلم الإجمالي بعد الإتيان بأحد العملين. واما في هذا الفرع فالعلم الإجمالي قائم في الوقت على وجوب إحدى الصلاتين ولم يصل ولا واحدة منها. فهل يجب عليه قضاء واحدة أو اثنين أو لا يجب شيء.
والإشكالات السابقة على مثل هذا العلم الإجمالي لا ترد. بمعنى انه من القدر المتيقن منها. فهو ليس تدريجي بل دفعي. كما ان المخالفة القطعية منه محفوظة لفرض عدم الإتيان بكل الأطراف. كما انه لم يخرج احد الأطراف عن محل الابتلاء ليكون الأخر مجرى للأصل المؤمن.
ولكن فيه إشكالان: الأول: انه كان علما إجماليا في الوقت. وبعد خروج الوقت سقط التكليف على كلا التقديرين، فزال العلم الإجمالي بالعصيان كما يزول الحكم المعلوم بالتفصيل، لأنه قد عصي على كلا التقديرين. فأين العلم الإجمالي؟.
جوابه: انه تولد علم إجمالي جديد بوجوب القضاء موضوعه العلم إجمالا بفوت إحدى الصلاتين في الوقت. أو قل انه حكم واقعي بالقضاء على موضوع واقعي وهو فوت المأمور به الواقعي الأدائي. وحيث انه مردد بين الأمرين، فانعقد علم إجمالي في وجوب قضاء أي منهما.
الثاني: الإشكال في انطباق مفهوم الفوت مع الترديد، إذ لا يُعلم أي منهما هو الفائت. وقد سبق ان قلنا انه مع التعيين يمكن الجزم بحصول الفوت دون صورة الترديد. مع ان العلم الإجمالي قائم على الترديد. فلا يصدق الفوت أو
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
شك فيه، فيكون وجوب القضاء مجرى للبراءة.
جوابه: ان الفائت الواقعي غير مردد في علم الله وهذا يكفي. فان قلت: فانه خارج القدر المتيقن من دليل القضاء. أو قل انه فرد غريب عرفا من أفراد الفوت فلا يكون مشمولا له. قلنا: كلا، فان دليل القضاء له إطلاق ومادام مصداق الفوت موجودا حقيقة كفى في شمول الإطلاق له.
فيحصل علم إجمالي فعلي بوجوب قضاء إحدى الصلاتين: القصر أو التمام مثلا. فيكون منجزا، اما للموافقة القطعية بالجمع بينهما قضاء أو بالمخالفة القطعية بالإتيان بأحدهما وترك الأخرى. لأنه من الامتثال التدريجي لا الدفعي، كالصدقة.
وهذا لا يأتي في ما لو كان الأداء مرددا بين الظهر والجمعة، فان القضاء هو الظهر على كلا التقديرين.
الصورة الرابعة: إذا كان الأصل العملي (الثاني) أصالة الاشتغال على أساس الدوران بين الأقل والأكثر، بناء على جريان أصالة الاشتغال فيه لا من باب منجزية العمل الإجمالي بوجوب الأقل والأكثر – فانه حينئذ يكون رجوعا إلى الصورة السابقة – بل من باب الشك في حصول وسقوط الوجوب. يعني مع الإتيان بالأقل وترك الزائد.
ولم يفصل في هذه الصورة بين الأداء والقضاء. والظاهر ان تصوير المسألة كما يلي: وهو ما إذا كان يبني اجتهادا على جواز الأقل فصلى ثم حصل له علم ببطلان دليله، فانه عندئذ يكون صغرى لمسألة الأقل والأكثر. فهل تجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه.
اما إذا انكشف ذلك قبل العمل فلا إشكال في وجوب الإتيان بالزائد. واما
ــــــ[192]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إذا انكشف بعد العمل. فالمفروض انه انكشف له بطلان الحجة الأولى في نفسه – وان كان هذا خارج عنوان الباب كما قلنا – ولكنه إذا حصل فانه يعلم ان صغرويته لمسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير كانت من أول الوقت. وانه كان متوهما في الأول. وان وجوب الاحتياط العقلي بالتعيين كان موجودا من أول الوقت.
لا يقال: ان حكم العقل ليس له دلالة التزامية. فلا يدل على بطلان الفرد الأول المأتي به. فله ان يبني على حصته، لو بقاعدة الفراغ.
قلنا: لا حاجة إلى هذا المدلول الالتزامي. بل ان ما دل على بطلان الحجة الأولى كاف في الدليل على بطلان المأتي به طبقاً لها. فتكون بمنزلة المعدومة هي وامتثالها. ويكون الدليل المتأخر رتبة منجزاً وان لم يكن ملتفتاً إليه منذ أول الوقت. وهو في المقام مسألة للتعيين والتخيير. فان قلت: لا تنجيز قبل الالتفات. قلنا: نعم. ولكنها فعلية بفعلية موضوعها. ولا اقل ان نقول: انه بعد قيام الدليل على بطلان الفرد السابق، أصبح كأنه لم يصل ولا مجال لقاعدة الفراغ لأنه باطل أساساً. فلا حاجة إلى القول بسريان قاعدة التعيين العقلية لأول الوقت. بل له ان يعامل نفسه من الآن معاملة من لم يسبق له الامتثال، مع كونه مشغول الذمة بالتعيين العقلي. فيجب عليه الإتيان بالأكثر.
ومعه فوجوب الإعادة مؤكد. يبقى الكلام في القضاء. ولم يشر له في التقريرات. وحيث كان القضاء بعنوان الفوت فيواجه إشكالين: في صورتين، وهما ما إذا انكشف الخلاف في داخل الوقت ولم يصل أو انكشف الخلاف بعد الوقت. اما إذا انكشف الخلاف في داخل الوقت فإشكاله: ان الفوت هنا فوت لحكم العقل وليس لحكم الشارع. وما نفهمه من دليل القضاء إنما هو
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الفوت لما حكم به الشارع لا العقل.
وجوابه: ان هذا يصح في المستقلات العقلية التي لا ربط للشارع بها. واما بالنسبة إلى الأحكام العقلية التي تأتي في مورد الأحكام الشرعية فانما تنجز حكم الشارع وليست قائمة بذاتها. مثلا: التعيين يراد به التعيين الشرعي. إذن فحكم العقل طريق إلى حكم الشرع أو قل منجز له بعد فقد التنجيز من جهة أخرى. وما تم عصيانه أو إهماله انما هو حكم الشرع بالتعيين وليس حكم العقل صرفاً. إذن، أصبح مصداقا لدليل القضاء.
فان قلت: فاننا لا نعلم واقعا ان الواجب هو التعيين أو التخيير. قلنا: تصوير المسألة: انه صلى بالحجة الأولى ثم انكشف زيفها ودار أمره بين التعيين والتخيير والمفروض ان ما صلاه هو الطرف الآخر غير المعين وإلا فقد وفى ما في ذمته قطعا. ثم انه لم يصل إلى ان خرج الوقت. ونحن نحتمل ان المصداق المأتي به مطابق للواقع. فلم نعلم بالوقت.
قلنا: هذا جهل بما قلناه. لأننا نضم مقدمتين:
1- ظهور بطلان الحجة الأولى ونقصها في نفسها.
2- تنجز التعيين الشرعي بحكم العقل، فإذا لم يصل في الوقت فقد فات مصداق الفرد المنجز. وليس هو بحكم العقل مباشرة، بل تنجزه بحكم العقل.
وإذا تم ذلك انتقلنا إلى صورة ما إذا انكشف الخلاف بعد الوقت. وإشكاله: ان التنجز العقلي فرع الالتفات. والمفروض انه لم يلتفت خلال الوقت كله لا إلى بطلان الحجة الأولى ولا إلى تنجز الحجة الثانية. فلم يكن الحكم عليه بالتعيين منجزا فلم يفت الواجب المنجز فلا يصدق الفوت.
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وجوابه: ان هذا إشكال عام في مطلق الأصول العقلية والشرعية. فانها كلها تجري عند الالتفات على القاعدة. كقوله: كل شيء حلال ما لم تعلم انه حرام. أو كل شيء طاهر ما لم تعلم انه نجس. أو اشتراط الاستصحاب بإحراز الحالة السابقة ونحو ذلك. وهذه الأمور لا تتوفر مع الغفلة.
وجوابه من عدة وجوه:
1 – انه لا حاجة إلى تنجيز الحجة الثانية بل يكفي ظهور بطلان الحجة الأولى وان المأتي به في غير محله. إذن، فقد فات الواقع. إذ لا حجية شرعية على ان المأتي به هو الواقع. ومن هنا يمكن القول بوجوب القضاء. بغض النظر عن الحجة الثانية.
2 – ان عددا من الأصول قد اخذ في موضوعه الواقع بلحاظ الماضي، ولم يفترض عنوان الشك فيه. نعم اخذ فيه الجانب الحاكم وهو العلم. مثل الأمثلة السابقة، ومثل: إنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تعلم انه نجسه. فليس ان الأصول تجري في صورة الشك. بل حتى مع الغفلة بمقتضى إطلاق أدلتها. فان قلت: تلك في الأدلة الشرعية لا العقلية وكلامنا في العقلية لا الشرعية. قلنا: كلا
1- نعم برضاء الشارع بهذا المقدار من التكليف أيا كان عالمه.
2- اننا قلنا ان الأمر مربوط بالشارع وليس من المستقلات العقلية. ويكفي انتسابه إلى الشارع بهذا المقدار فيكون صغرى شرعية ويثبت عنوان الفوت.
3 – اننا لو تنزلنا عن كلا الجهتين السابقتين أشكل الأمر في كل الأصول الشرعية والعقلية بل والأمارات بل واليقين أيضا. وخاصة في المسائل الافتراضية أو المسائل التي تكون على الغير كالمقلدين أو المسائل التي لا
ــــــ[195]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يحتمل ابتلاء الفرد بها وأوضحها مسائل الجنس الآخر وهي أحكام النساء. فيقال هنا: ان الاحتمال الموجود في ذهن الرجل المجتهد وهو خارج عن محل ابتلائه وهو غير موجود في ذهن المرأة لأنها عامية، فلا مجال لجريان الحكم الظاهري وقد اخذ في موضوعه الشك.
وهنا الكلام فيه نقض وفيه حل. اما نقضه فهو النقض على المستشكل بان هذا يسد الاستدلال بالمرة. فما نقوله هناك في مورد الأحكام الظاهرية عموما قله هنا. واما حلاً فيأتي في مباحث القطع مبحث عن حجية الفتوى الصادرة عن المجتهد، وليس هذا محل بحثها.
4 – ما يستظهر من مطاوي المحاضرات من ان الحجة الثانية تكشف عن حكم شرعي كلي ثابت في الإسلام دائماً. وهذا كاف لصدق عنوان الفوت.
وواضح ان هذا وحده لا يتم لولا ما سبق. لأنه يقال: ان الحكم الثابت في الإسلام انما هو حجية الأصل الظاهري مع الالتفات لا مع الغفلة. مضافا إلى القول: باننا نتكلم عن الحكم العقلي وان كانت صغراه شرعية. ولا يمكن القول: ان الحكم العقلي ثابت في الإسلام دائماً.
مضافا إلى القول: ان الحكم العام المشترك بين المسلمين والثابت في الإسلام لا دخل له هنا. فانه لم يثبت فوته أو فوت مصداقه. وانما لابد من المصير إلى فعليته وتنجز الحكم. يعني فوات مصداق الحكم الفعلي المنجز. وهو أول الكلام.
بقي الكلام انه من الضروري الالتفات إلى ما قلناه من ان عنوان الباب أساساً هو الحكم الظاهري الذي ينكشف زيفه وبطلانه من حكم ظاهري آخر. وما يمكن تصوره بهذا الصدد عدة أشكال.
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الشكل الأول: ان نفهم من الدلالة الالتزامية للحكم الثاني بطلان الأول. كما لو كان كلاهما بالأمارة، وكانت الثانية اصح سندا أو اشهر، ونحو ذلك.
الشكل الثاني: ان تكون الثانية مقدمة على الأولى حسب القواعد العامة، لم يكن المجتهد قد التفت إليها من قبل. كما لو كانت الأولى أصلا وكانت الثانية أمارة مخصصة أو مقيدة أو حاكمة أو واردة موضوعا أو حكما على الأولى. ومنها الكلام ما إذا كانت الأولى أصلا عمليا أو عقليا، وكانت الثانية أمارة فانها مقدمة على القاعدة.
وفي كلا هذين الموردين بمختلف صوره يصدق عنوان الباب وهو اننا نعرف من الحجة الثانية بطلان الأولى.
الشكل الثالث: ان يظهر بطلان الحجة الأولى بحكم ظاهري غير الثاني. كما لو وجدنا طعنا في الراوي من قبل أهل الخبرة القدماء فتساقط مع التوثيق أو المدح ورجع إلى أصالة عدم الحجية مع الشك فيها.
إذن، لم يظهر بطلان الأولى باليقين ولا بمجرد التشكيك بل بحكم ظاهري ثالث. وهنا ينطبق العنوان لو كان المراد ظهوره بمطلق الحكم الظاهري إلا ان مرادهم ظاهرا هو تأثير الحجة الثانية في ذلك فلا يشمل الصورة، فضلا عما بعدها.
الشكل الرابع: ان تكون كلتا الحجتين مما ليس له دلالة التزامية، كالأصول العملية والعقلية. فلا يمكن القول باننا نعرف من الحجة المتأخرة بطلان المتقدمة. إلا إذا كانت حاكمة عليها كالأصول الشرعية الحاكمة على الأصول العقلية. دون العكس. لأننا انما نفهم ذلك باللازم والمفروض انتفاء الدلالة الالتزامية.
ــــــ[197]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إذن، يتعين ان نسير في مثل ذلك مسير التقريرات وهو افتراض انه ظهر زيف الأولى من الخارج. وإلا كانت الأولى مقدمة ولا يمكن ان يظهر زيفها بالثانية.
الشكل الخامس: ما اشرنا إليه باختصار، وهو ما إذا كانت للحجة الأولى دلالة التزامية دون الثانية، فمقتضى القاعدة لو كان اقتضاء الصحة لهما معا موجودا، ان الأولى هي التي تدلنا على بطلان الثانية دون العكس فيخرج عن محل الكلام.
وهنا أيضا ينبغي ان نسير على طريق التقريرات من ظهور بطلان الحجة الأولى في نفسها بغض النظر عن الثانية لتصح الثانية في طول بطلان الأولى.
فأي هذين العنوانين للباب هو الصحيح: هل ظهور بطلان الحجة الأولى في نفسه الأعم من تأثير الثانية والدليل الخارجي. أو خصوص انكشاف بطلانها بدلالة وتأثير الحجة الثانية؟
وإذا التزمنا بالثاني. إذن سوف يختص الباب ببعض الموارد كما أوضحنا ولا يعم كل أشكال الحكم الظاهري.
والظاهر ان المحك في ذلك هو النتيجة الفقهية، اعني وجوب الإعادة أو القضاء فيما هو قابل للإعادة والقضاء، وكذلك في المعاملات من حيث حصول الملكية والزوجية أو غير ذلك بالحجة الأولى.
وهذا سؤال لا يفرّق فيه بين ان يكون البطلان معروفا بتأثير الحجة الثانية أم لا بل من الخارج. ومعه فمن المنطقي ان نغير عنوان الباب بالرغم من كونه مشهوريا إلى مجرد ظهور بطلان الحجة الأولى أو الحكم الظاهري الأول اعم مما كان بسبب خارجي أو بسبب الحجة الثانية.
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وما ذكرناه من الإشكال على الصور الأربعة من التقريرات، صحيح انه يخالف عنوان الباب لأن العنوان المشهوري هو ذلك وهو ظهور البطلان نتيجة للحجة الثانية وكل الصور الأربعة ليست كذلك إلا ان الإشكال واقعا على المشهور في عنوان الباب فإذا خالفنا المشهور – كما سبق ان اشرنا – وغيرنا عنوان الباب كانت الصور الأربعة كلها مندرجة في محل الكلام.
إلا انها صور غير حاصرة أو غير منحصرة بل ذكرنا ان هنا صور أخرى عديدة لا حاجة إلى إطالة الحديث عنها، فلعله يظهر حكمها من الحديث السابق نفسه، إلا انه من الطريف ان يغير عنوان الباب في آخر الباب تماماً.
………………………..
بقي في الكفاية تذنيبان الثاني منهما يتعرض إلى التصويب وبعض المطالب التي اتضحت مما سبق، إلا ان الأول منهما لم نتعرض له بوضوح وهو ظهور خطأ اليقين.
وعنوانه في الكفاية القطع بالأمر في صورة الخطأ إذ لا معنى في نظرهم لظهور القطع بغير القطع في الخلاف فالتحويل على الواقع هو الأولى في نظرهم.
ومحموله هو عدم الحجية، لأن غاية ما في الباب هو كون القطع طريق معتبر للإثبات وحجيته منوطة بمطابقته للواقع. فإذا علمنا بعدم المطابقة زال شرط حجيته، فيلزم عدم الإجزاء.
ولا يقال: ان الحكم المعلوم لا حجة فيه إذ لا مورد فيه لأمارة ولا أصل وإذا لم يكن فيه حجة فهو أولى بالبطلان. فانه يقال: ان القطع هو الحجة، بل
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هو أولى بالحجية من الأمارة والأصل.
ولا يقال: ان الحكم المعلوم يستحيل ظهور خلافه بصفته معلوما. فان يقال: هذا لو لوحظ حال وجود القطع. اما ذات المقطوع به فيمكن زوال القطع عنه بنحو الشك الساري فيعرف الفرد انه كان مشتبها في نفس مرتبة الامتثال.
ولعل هذا الإشكال هو الذي حدا بالآخوند ان يقول لا ينبغي توهم الإجزاء في القطع فكأن هنا وجه ضعيف للإجزاء ولم يبينه.
ولا يقال: ان القطع حجة قوية جدا بحيث لابد من القول بالإجزاء حتى مع ظهور الخلاف.
فانه يقال: كلا ليست فيه أية أفضلية على غيره من الحجج إلا هذه الخصوصية وهي انه يستحيل فيه احتمال الخلاف مادام القطع موجودا. وهذا أمر منطقي ولا دخل له في الحكم الشرعي بعد ان عرفنا إمكان انكشاف الخلاف بزوال القطع.
ولا يقال: كيف قلنا ان حجية القطع مشروطة بمطابقة الواقع مع انه من الواضح عدم الاشتراط.
فانه يقال: ما دام القطع موجودا فان القاطع يحرز هذا الشرط بنفس القطع. واما مع زوال القطع فيزول هذا الشرط تكوينا.
لا يقال: ان حجية القطع لا تكون أسوأ من الحجيات الأخرى للأمارات والأصول فانها جميعا غير مشروطة بمطابقة الواقع ما دامت منجزة فكيف أصبح القطع منوطا بهذا الشرط؟
ــــــ[200]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلنا: ان الشرط ليس هو هكذا: يعني مطابقته للواقع وان قلنا ذلك تسامحا لوضوح إطلاق الأدلة من هذه الناحية. وانما الشرط هو عدم ظهور عدم المطابقة للواقع. لأنه إذا لم يظهر عدم المطابقة كفى في الإجزاء في القطع وغيره. واما مع ظهور عدم المطابقة فلا يجزي لا القطع ولا غيره. وهذا يعني انه يشترط في الإجزاء عقلا عدم ظهور عدم المطابقة للواقع.
لا يقال: ان إطلاق الأدلة في الأدلة الظاهرية موجود يشمل صورة المطابقة وعدمها ما دام لم يظهر العدم، إلا ان القطع لا دليل له بالإطلاق لأن دليله حكم العقل وهو لبي لا إطلاق له. فلعله يمكن القول بوجوب الاحتياط من هذه الناحية.
قلنا: أولاً: ان القاطع بنفسه يحرز مطابقة مقطوعه للواقع. ثانياً: اننا قلنا في أمثال ذلك ان الدليل وان كان لبيا لا إطلاق له، إلا اننا إذا أحرزنا في كلتا الحصتين وجود وتحقق الدليل اللبي نفسه كفى، ويكون ذلك بمنزلة الإطلاق أو له نتيجة الإطلاق. ولاشك ان موردنا صغرويا ان العقل يحكم بوجوب طاعة القطع وكونه طريقا كاملا إلى الواقع في كلتا الحصتين اعني مطابقته للواقع وعدم مطابقته للواقع ما لم ينكشف فعلا عدم المطابقة.
لا يقال: كيف يمكن انكشاف الخطأ في القطع بالرغم من كونه انكشافا كاملا للواقع.
فانه يقال:
أولاً: ان أدل دليل على إمكان الشيء وقوعه. ولاشك اننا لو لاحظنا قطع الناس لعلمنا إجمالا بعدم مطابقة بعضها للواقع، بل قد نعلم تفصيلا بذلك كما في الكفار والفسقة. بل إذا راجع الفرد قطوع نفسه علم إجمالا بعدم مطابقة بعضها للواقع. غاية الأمر ان القاطع ما دام قاطعا لا يمكن
ــــــ[201]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فيه ذلك.
ثانياً: ان هذا لا يمكن للقاطع نفسه إلا بزوال القطع فيشك فيه بنحو الشك الساري يعني ذا الأثر الرجعي إلى زمان القطع. وليس هو بمقطوع في زمن الشك، فيمكن ان يكون عندئذ لحكم المعلوم مخالف للامتثال السابق أو مجرى بعض الأصول أو متعلقا ببعض الأمارات.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان القطع ومتعلقه لم يكن موافقا للاحتياط، فلو كان موافقا له لم يمكن ظهور عدم المطابقة للواقع.
لا يقال: كيف يمكن ان يكون المورد مجرى للأصول أو موردا للأمارات مع كونه مقطوعا.
قلنا: اتضح ان هذا انما يكون بعد زوال القطع ولا مورد لها معه.
فان قلت: فانها في حينها لم تكن حجة فلا تكون مؤثرة في إبطال العمل.
قلنا: اننا فيما سبق اجبنا بالامتثال الظاهري ان وجوب الإعادة والقضاء انما يتم بأمرين: احدهما: انكشاف بطلان الحجة السابقة. وثانيهما: كون الحجة الثانية سارية المفعول في نفس زمن الأولى. لأن الجاهل مكلف بالواقع. اما مع انكشاف البطلان وحده بدون القيد الثاني فلا تجب الإعادة والقضاء، ولا اقل من عدم وجوب القضاء لعدم إحراز موضوعه مع احتمال صحة الفرد المأتي به.
اما في صورة القطع فالقيد الأول موجود لفرض انكشاف الخلاف إلا ان القيد الثاني غير موجود لفرض عدم وجود مورد للحجج الظاهرية خلال فترة القطع، و كذلك فانه لم يفرض انكشاف الخلاف باليقين وانما لمجرد الشك.
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وحينئذ فاللازم القول بعدم الإجزاء في الإعادة لاستصحاب اشتغال الذمة، وعدم وجوب القضاء لعدم إحراز موضوعه بعد احتمال مطابقة المأتي به للواقع ما لم يحرز الخلاف باليقين.
ثم انه قد يستفاد من كلام الشيخ الآخوند ضربان من الاستثناء عما جزم به من عدم الإجزاء.
الضرب الأول: نحو من المصلحة السلوكية في سلوك القطع المخالف للواقع.
فان قلت: فان نكتة ذلك المسلك لا تأتي هنا باعتبار ان الشارع يجعل ذلك سدا لما فعله هو نفسه من جعل حجية الحكم الظاهري المخالف للواقع في حين هو لم يجعل حجية القطع.
قلنا: نعم. لكن يمكن الجواب بأحد شكلين:
1 – انه اقر حجية القطع العقلية.
فان قلت: فانه لا يستطيع ان ينهى عنها حتى ولو أراد النهي.
قلنا: 1- يمكنه رفعها موضوعا. 2- يمكنه رفعها حكما بالتنازل عن الحكم المقطوع. فتأمل.
2 – ان نجعل موضوع المصلحة السلوكية هو مطلق الانقياد للحجة الشرعية سواء كانت ناقصة أم تامة أو مجعولة أو غير مجعولة ولو بعنوان ان المكلف أتى بعمل يرضي الله سبحانه وهو الانقياد، ولا يستحق به الملاك الواقعي فهو يعوضه بثواب آخر برحمته.
ــــــ[203]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلا انه يجاب بوجهين:
أولاً: ان هذا يبقى غير مبرهن، إذ لا ملازمة بين الفوات والتعويض هنا، كما هو مقتضى برهان المصلحة السلوكية في ذاته. وانما هو قيد الاحتمال وهو غير كاف.
ثانياً: اننا قلنا في المصلحة السلوكية، ان هذا لا ينافي عدم الإجزاء ولا يوجب الإجزاء لأنه بالتعويض يبقى الخطاب والملاك الواقعي ساري المفعول فتجب الإعادة والقضاء.
الضرب الثاني: والظاهر انه هو مراد الآخوند، و حاصله: انه أحيانا لا يمكن القول بعدم الإجزاء لتعذر الإعادة والقضاء لأنهما الأثر الوحيد للإجزاء فإذا انتفيا ثبت الإجزاء. والسبب في انتفائهما هو ان يبقى من الملاك بقية غير قابلة للاستيفاء كما كررنا في أمثالها كثيرا.
ومثّل بذلك في صورتين:
الأولى: ان يكون المتعلق (يعني متعلق الحكم المقطوع به) مشتملا على المصلحة وقد استوفى المكلف جزءا منها وبقي جزء إلزامي غير قابل للاستيفاء.
الثانية: ان يكون المتعلق مشتملا على بعض المصلحة وقد استوفاها المكلف، ولم يبق منها بقية لكي تكون قابلة للاستيفاء.
إلا ان هنا إشكالان:
احدهما: انه عبر في الصورة الأولى بقوله: ربما يكون ما قطع بكونه مأمورا به مشتملا على المصلحة في هذا الحال يعني حال القطع وهذا اقرب
ــــــ[204]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلى معنى المصلحة السلوكية كما شرحنا منه إلى تعلق الملاك بالواقع.
وقال الشُرّاح: وانما قيد بذلك لأن المقطوع به لو كان مشتملا على المصلحة مطلقا ولو في غير حال القطع لكان واجبا في عرض الواجب الواقعي ولا يكون وهميا.
أقول: وهذا صحيح إلا ان هذا يمكن ان يعرف من عنوان المسألة وهو ظهور خطأ القطع، إذ ان مثل هذا الفرض معناه مطابقة القطع للواقع، ولا يمكن فرض خطئه.
لكن الأنسب إذا لم يكن المراد به شكلا من أشكال المصلحة السلوكية ان يكون المراد نفس الملاك المتعلق بالحكم الواقعي ويكون الامتثال قد استوفى بعضها بحيث لا يمكن الاستدراك بالإعادة وهذا ما يتحقق في الصورة الأولى.
إلا ان هذا خلاف قوله في هذا الحال لأن الملاك الواقعي مطلق بصورة مطابقة القطع للواقع وعدمه أو قل مطلق من حيث تعلق القطع به وعدمه.
وعلى أي حال فالعبارة تبقى مجملة ومرددة بين المسلكين ولا محصل لها في نفسها. إلا ان المتعلق ان كان متصفا بتمام المصلحة في حال القطع لم يمكن ظهور الخلاف فيه لإحراز موضوعه بنفس وجود القطع، ففرض عدم إمكان الاستيفاء بعد ذلك مستأنف. وان كان متصفا ببعض المصلحة كفى ذلك لعنوان المسألة ولا يحتاج معها إلى التقييد بكونه ذا مصلحة في صورة القطع.
الإشكال الثاني: انه كيف يكون المتعلق مشتملا على نفس المصلحة، فان المراد من المتعلق هو الكلي المحمول به كالصلاة الجامعة للشرائط في قوله: صل. وهذا ما يتعين بالبرهان انه مشتمل على كل المصلحة وإلا لما أمر به الشارع.
ــــــ[205]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فانه يريد بالمتعلق ما يأتي به المكلف خارجا من الامتثال، وهو مصداق للمتعلق على أي حال فيصدق عليه بالحمل الشايع.
قلنا: نعم يمكن ذلك إلا انه غير مراد له قطعا لأنه يقول: وقد استوفاها المكلف. يعني ان الامتثال مطابق للعنوان المأمور به. وانما النقص في العنوان المأمور به، وهو مستحيل.
ولو تنزلنا عن هذه الاستحالة كان مقصوده ان الامتثال وان لم يستوف كل الملاك لقصوره في العنوان المأمور به، إلا ان الزائد لا يكون قابلا للاستيفاء، فيكون نتيجته الإجزاء لعدم وجوب الإعادة والقضاء.
إلا ان هذا لا يتم لأن مفروضه هو مطابقة المأتي به للمأمور به. وهذا كاف في الإجزاء. ولا يكون المكلف مسؤولا عن النقص الذي أحدثه المولى في متعلق حكمه لو صح ذلك. وبتعبير آخر: ان غاية ما هو المطلوب من المكلف مطابقة المأتي به للمأمور به وقد حصل وليس هناك أمر متوقع آخر.
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس) 

مبحث
مقدمة الواجب

وقبل الخوض في المقصود ينبغي رسم أمور. تكون هذه الأمور بمنزلة المقدمة للمقصود. إلا اننا نرى وجدانا ان هذه المقدمات أكثر بكثير من ذي المقدمة. لأن الكلام الحقيقي عن وجوب مقدمة الواجب ليس إلا في آخر المبحث. بحيث لعله لا يمثل عشر المجموع. وفي ذلك نحو استقباح لمثل هذه الاستطرادات.
إلا ان أصل المطلب لابد منه. لأنه لابد من بحث المقدمة موضوعا ثم بحثها محمولا. والبحث – كما هو معلوم – عن الموضوع ضروري لتحديد الدليل على المحمول أو الحكم. والمفروض ان كل هذه المقدمات انما هو بحث عن الموضوع.
وينبغي ان نعترف ان ما هو خارج عن البحث عن الموضوع انما هو استطراد بلا موجب انما ذكروه تقليدا للمنهج القديم بترتيب علم الأصول. والظاهر ان القدماء انما ذكروا هذه المباحث وغيرها في غير محلها، لأنها من الضروري بحثها في علم الأصول وليس لها موضع تبحث فيه وفصل تلحق به، فكان المناسب في نظرهم ذكرها في الفصل الذي يرتبط بها بأدنى مناسبة.
الأمر الأول: عقده صاحب الكفاية للجواب على سؤالين:
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأول منها: ان بحث مقدمة الواجب هل هو مسألة أصولية أو فقهية والثاني: ان البحث فيها هل هو عقلي أو ظهوري.
وكلاهما – كما هو واضح – بحث عن المحمول لا عن الموضوع. اما الأول فظاهر، لأنه بحث عن الوجوب، غاية الأمر اننا نتساءل عما إذا كان المراد بهذا الوجوب هو الفقهي أو الأصولي.
وكذلك الثاني لأنه راجع إلى ان الدليل على المحمول أو الوجوب هل هو لفظي أو عقلي. ولا يرجع أي منهما إلى تحديد الموضوع.
وليس هذا مهما إلا ان مقتضى المنهجية الدقيقة على خلاف ذلك. بل ينبغي تأخير البحث عن كل ما يرتبط بالمحمول عن الحديث عن كل ما يرتبط بالموضوع. فمثلا بعد ان يثبت الوجوب نتساءل عن انه فقهي أو أصولي. واما تقديم الكلام عن المحمول قبل الموضوع فهو تشويش في المنهج بلا شك.
وعلى أي حال فنحن نتابعهم في السير طبقا لمنهجنا على احتذاء سير كفاية الأصول.
إلا اننا ينبغي ان نسطر أولاً ما أفاده في التقريرات من الأمور المختصرة التي تلقي ضوءا كافيا على الموضوع في المسألة وأكثره صحيح إلا ان فيه بعض الملاحظات التي نذكرها تباعاً.
قال: والمراد بها مقدمات وجود الواجب أي ما يتوقف إيجاد الواجب على إيجاده لا مقدمات الوجوب. والفرق بينهما ان الوجوب مشروط ومقيد بالمقدمات الوجوبية بخلاف المقدمات الوجودية. وهذا الفرق ناتج من فرق آخر بينهما بلحاظ عالم الملاك. فان مقدمات وجود الواجب لا تكون دخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا ملاك ومصلحة بخلاف مقدمة الوجوب، فانها إذا كانت
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
اختيارية ومقدورة للمكلف يكون وجودها دخيلا في الاتصاف. ولهذا اخذ قيدا وشرطا للوجوب. ومن هنا لا يتوهم ترشح الوجوب عليها.
أقول: ان مقدمات الوجوب إذا لم تحصل فلا ملاك ولا خطاب. أي لا فعلية لشيء من ذلك. فإذا لم يكن الملاك والخطاب موجودا فلا يحتمل وجوب مثل هذه المقدمات. لأن الخطاب المعدوم لا يترشح منه شيء. ولذا قالوا: لا يجب إيجاد الموضوع يعني لا بالوجوب الاستقلالي ولا بالوجوب الغيري. بل الوجوب مشروط به ومتوقف عليه وحاصل في المرتبة المتأخرة عنه.
ولكن لو حصل الموضوع وتحققت ما يسمى بمقدمات الوجوب، حصلت الفعلية للخطاب والملاك معا. والمقصود بالفعلية عموما هو اشتغال الذمة بالحكم عن طريق وجود موضوعه. وهذا هو مراد التقريرات عند القول: بان مقدمات الوجوب دخيلة في وجود الملاك. يعني فعليته. والا فمن الواضح انها ليست دخيلة فيه كبرويا وفي عالم الجعل. وهذا الدخل الذي ذكره ليس له مزيد أهمية، وإلا أمكن القول بان الامتثال دخيل في الملاك أيضاً لأنه يؤدي إلى تحققه وحصوله. وليس هذا هو المقصود من هذا الباب.
واما مقدمة الوجود أو مقدمات الواجب، فلا تكون إلا بعد تنجز وفعلية الملاك والخطاب معا. إذ لولا فرض تنجزه لم تجب المقدمة. ومن هنا قال في التقريرات كما سبق انها لا دخل لها في الملاك. لأن الملاك ثابت وفعلي في المرتبة السابقة عليها. نعم هي دخيلة في الملاك بمقدار ما يكون الامتثال دخيلا في تحققه وحصوله. لأنها دخيلة في تحقق الامتثال. باعتبارها من علله ومقدماته.
ــــــ[209]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فكلا نحوي المقدمات لا دخل لها كبرويا في الملاك أي في المرتبة السابقة على وجودها. ولها دخل فيه صغرويا أي في المرتبة المتأخرة عن وجودها. فما قاله من التفريق لاحظ فيه المقدمات الوجوبية صغرويا والوجودية كبرويا، وهو خطأ. بل اللازم لحاظهما من جهة واحدة مشتركة.
ثم قال: كما ان المراد بوجوب مقدمة الواجب المبحوث عنها في الباب ليس اللابدية التكوينية فأنها عين المقدمية (مع حفظ المناقشة بانها لابدية شرعية) ولا اللابدية العقلية (يعني بالعقل العملي) بمعنى عدم صحة الاعتذار عن ترك ذي المقدمة بتركها. لوضوح ذلك وعدم نقاش فيها.
ولا الوجوب المولوي المجعول بالجعل المستقل على عنوان المقدمة الإجمالي أو التفصيلي. لوضوح ان هذا موقوف على التفات المولى إلى المقدمة، مع انه قد لا يطلع أو لا يلتفت إلى ما يتوقف عليه الواجب أصلا.
أقول: وقد أشار الشيخ الآخوند إلى عدم التفات المولى أيضاً. وهو غريب منهم قدست أسرارهم. لأن الحديث ليس عن المولى العرفي ليقال بإمكان الغفلة والنسيان له. ولا عن المعصومين ليقال: بان المفروض عدم استعمال علم الغيب في الأمور التشريعية. بل المولى هو الله المطلع على كل الحقائق والواقعيات والذي لا يضل ولا ينسى طرفة عين. فيستحيل ان لا يكون ملتفتا إلى أي مقدمة من مقدمات المأمور به كبرويا وصغرويا. ولا شرعية ولا عقلية.
فان قيل: اننا قلنا كما عليه مشهور المتأخرين انه خاطبنا بصفته عرفيا وبصفتنا عرفيين. وهذا يقتضي كونه كالموالي العرفيين في الغفلة.
قلنا: ما طرق سمعك من ذلك انما هو في الظواهر اللفظية وليس في عللها
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ومعلولاتها. والالتفات إلى مقدمات العمل كبرويا من علل الجعل أو ما هو ثابت في المرتبة السابقة عليه. فيتعين وجوده في الله سبحانه.
فان قلت: فاننا قلنا: انه حيث يستحيل عليه طرو الحوادث، فقد جعل ذلك في نفوس أوليائه. والمفروض فيهم عدم استعمال علم الغيب كما سبق.
قلنا: نعم إلا ان هذا لا ينتج المطلوب:
أولاً: ان ما جعله في نفوسهم انما هو الملاك بمعنى الحب والكراهة، وليس العلم كما نتحدث عنه. لعدم استحالته عليه تعالى.
ثانياً: ان أولياءه معصومون عن الغفلة والنسيان. وما طرق سمعك من ان المفروض عدم استعمال علم الغيب في التشريع. انما هو بمقدار حفظ الظاهر في معاملة الناس لا الاطلاع على الملاكات الواقعية والمقدمات الواقعية، كما هو محل الكلام.
إذن، فإذا اقتصر الأمر على هذا المقدار من الدليل، فمن الممكن القول بوجوب المقدمة الاستقلالي. ليس في نفسها فقط، بل يعني الالتفات إليها والأمر بها مستقلا عن ذيها. بل يمكن ان نفهم من أي أمر بالدلالة الالتزامية الأمر بمقدمته. وسيأتي الكلام عن ذلك تفصيلا بعونه سبحانه.
واضاف: وانما المقصود الوجوب المولوي المجعول على المقدمة شأناً وارتكازاً بحيث لو التفت إليها لطلبها. أقول: فلو علمنا تحقق الشرط علمنا بتحقق المشروط. في الملازمة التي ذكرها . فان الأمر ألارتكازي يكفي في حصوله مجرد الالتفات إليه، كما في التبادر الذي يحصل بالالتفات إلى المعنى ألارتكازي.
ــــــ[211]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وعلى أي حال فالمجعول شأنا وارتكازا ليس مجعولا حقيقة ومن ثم فهو غير مجعول أصلا ومعناه القول سلفا بعدم الوجوب.
وقال: كما ان البحث ليس عن الدلالة الالتزامية اللفظية للأمر بشيء على وجوب مقدماته. أقول: يعني ان البحث المشهوري في هذا الباب عقلي وليس لفظيا. وسيأتي الكلام في ذلك. ولم يقل السيد  الوجه في هذا النفي وانما آخذه مسلما. ولما كان كلامه خاليا من الدليل أمكن رفضه.
وقال: بل البحث في مطلق الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدماته، سواء كانت الملازمة بيّنة بحيث تشكل دلالة لفظية التزامية أم لا. إذ لا مبرر لقصر البحث على ذلك بالخصوص بعد كانت النتائج المطلوبة من هذا البحث غير مقصودة على ذلك كما هو واضح.
ولنا على ذلك تعليقان:
أولاً: انه يتحصل من كلامه ان وجه البحث في هذا الباب هو الأعم من البحث اللفظي والعقلي. لأن البحث عن مطلق الملازمة المناسبة مع كلا المستويين اللفظي والعقلي. فان كانت الملازمة واضحة كان لفظيا وان كانت خفية كان عقليا. وليس بينهما تناف كما يظهر من عنوان الشيخ الآخوند في الأمر الأول لأنه يقول انها اما عقلية أو لفظية.
ثانياً: اننا يمكن ان ندعي ان الملازمة بمختلف مستوياتها مفهومة من كلام المولى الحقيقي بعد كونه عالما بالخفيات وملتفتا إلى الملازمات. وليس هو مثل الفرد العرفي الغافل عن النتائج والخفايا.
فان قلت: فانه ليس فهما عرفيا عندئذ، فلا يفهم من اللفظ.
ــــــ[212]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلنا: هذا مطعون كبرى وصغرى: اما صغرى فلإمكان القول بان وجوب المقدمة لازم بيّن لا خفي ويعرفه كل الآمرين إجمالا أو تفصيلا.
واما كبرى فيمكن القول بان المتكلم يختلف. فان كان عرفيا غافلا لم نفهم منه الدقائق. وان كان حكيما عليما فهمنا منه. وهذا التفريق عرفي أيضاً كما هو ظاهره لأن العرف يعامل بعضهم بعضا على هذا المستوى فيقولون: انت تفهم وذلك لا يفهم.
ثالثاً: انه أعطى وجهين للمقصود احدهما: ان المقصود هو الوجوب المولوي ألارتكازي للمقدمة. ثانيهما: ان المقصود هو البحث عن مطلق الملازمة. فإذا ضممنا كلتا هاتين المقدمتين إلى قوله: ان المولى غير ملتفت إلى المقدمات، أنتج القول بعدم وجوب مقدمة الواجب. لأن الملازمة ليست في نفس المولى إطلاقا لعدم التفاته إلى كبرى الملازمة (المقدمية) أو صغراها (المقدمة) وإذا لم يكن ملتفتاً إليها موضوعا انعدم المحمول وهو الرغبة والإرادة لا محالة، واستحال الأمر بها لا استقلالا ولا غيريا. بل يتمحض الوجوب عندئذ بالوجوب العقلي كما هو احد المسالك كما سيأتي.
وهذا من هذه الناحية لا بأس به، إلا اننا لا ينبغي ان نأخذ في الباب والعنوان صحة النتيجة أو المصير إلى احد المسلكين قبل الدخول في تفاصيل البراهين. ويكون أشبه بالمصادرة على الموضوع.
وسيأتي قريبا في مناقشة الأمر الآخر للشيخ الآخوند ما يلقي ضوءا على ذلك.
وقلنا: ان الأمر الأول مقسم إلى مسألتين: الأولى: الاستفهام عن كون البحث في وجوب مقدمة الواجب أصولية أم فقهية فرعية.
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وغاية ما أجاب به في الكفاية احد أمور: الأول: استظهار ذلك يعني رجحان الظن فيه وليس المراد الاستظهار اللفظي، وان الظاهر هو البحث عن الملازمة لا عن الوجوب. فتكون المسألة أصولية لا فقهية.
وهذا الظن في نفسه ليس بحجة. نعم، يمكن للباحث ان يعنون ذلك ويدخل في بحثه. إلا ان الكلام هنا ليس كذلك بل هو عن العنوان الكلي لهذه المسألة في العلم أو عن قصور المتقدمين من الأصوليين في عناوينهم. وهذا معناه اننا لم نحدد العنوان إلى الآن، ونشك في تحديده. وليس لنا إلا الظن الذي ليس بحجة.
الثاني: إمكان ان يكون البحث على وجه تكون فيه من المسائل الأصولية. وهذا الإمكان ثابت إلا انه غير متعين. ومجرد الاقتراح أو الرغبة أو الظن لا يكفي في تعيينه.
الثالث: ان الاستطراد في البحث لا وجه له. وتقريبه ان القدماء ذكروا هذا البحث في علم الأصول. فلو قصدوا الجانب الفقهي كان استطرادا أي خروجا عن موضوع البحث. ولو قصدوا البحث عن الجانب الأصولي، وهو البحث عن الملازمة لم يكن استطرادا. والاستطراد باطل بعد إمكان تركه.
وهذا أيضاً لا يتم لعدم وجود المنهجية الكاملة الدقيقة التي تمنع عن مثل هذه الاستطرادات. وخاصة حين تبحث النتائج الفقهية على الطريقة الأصولية، فيتوهم الفرد انه من علم الأصول وهو ليس كذلك.
ولا تنسى انهم بحثوا كثيرا من المباحث كذلك مثل مبحث المعنى الحرفي والمشتق ودلالة الفعل على الزمان والحقيقة والمجاز وغيرها كثير، مما هو خارج أساساً عن علم الأصول وانما استنتجوا منه نتائج لغوية.
ــــــ[214]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وعلى أي حال: فقد قلنا اننا في غنى عن ذلك كله بعد ان كان الباحث يستطيع ان يعنون المسألة بالطريقة التي يرغب بها. فتتعين حسب شرطه على نفسه في العنوان. فان عنونها من الجانب الأصولي لزمه الاستمرار به وان عنون الجانب الفقهي لزمه الاستمرار به. وخاصة بعد ان قلنا ان الاستطراد ممنوع. وان القدماء كانوا على خطأ في عدم المشي على منهج معين يبيح لهم كثيرا من الاستطرادات.
الرابع: انه لا يوجد إمكان ان يكون البحث أصوليا مع كونه فقهيا أو بالعكس. وخاصة إذا غضضنا النظر عن الإشكال الآتي. أولاً: من حيث أسلوب الاستدلال. ثانياً: من حيث النتيجة. فان كانت هي أصولية كالملازمة أو وجوب المقدمة عقلا مع إنكار الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. فتكون أصولية ولا مجال لفقهيتها. وان كانت هي الوجوب الشرعي للمقدمة فهي فقهية ولا مجال لأصوليتها. وليست المسألة قيد الإمكان والاختيار.
الخامس: ما المانع ان تكون النتيجة فقهية، ويكون البحث أصوليا. وبطبيعة الحال فان كل الأصول نتائجه فقهية. وليس هذا عيبا. فان قلت: فان المسالة الأصولية يستنتج منها قاعدة عامة تقع في مسائل كثيرة، واما هذه فنتيجتها واحدة هي الوجوب الشرعي لمقدمة الواجب. قلنا: هذا مطعون كبرى وصغرى. اما صغرى فلإمكان استعمال النتيجة في مسائل وعبادات ومعاملات مختلفة. واما كبرى فلان الأمر يختلف. فقد تكون نتيجة المسألة الأصولية مما لا يمكن اتصافها بصفة فقهية كالاستصحاب والبراءة . وقد تكون مما يمكن فيها ذلك غاية الأمر ان الاستنتاج الأصولي منها اسبق رتبة من الاستنتاج الفقهي. مثل مقدمة الواجب ودليل الانسداد على تقدير الكشف ومنجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية وكذلك التخيير عند دوران الأمر بين
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المحذورين، بعد ضم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
وعلى أي حال فالمهم في المسألة من حيث انتهائها لعلم الأصول انطباق تعريف علم الأصول عليها. وبالرغم ان للآخوند تعريفا محدداً فانه لم يحاول تطبيقه عليها. ومن الواضح ان البحث هنا لو أنتج الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، كفى ذلك في كون ذلك مقدمة لاستنباط الحكم الشرعي، أو مقدمته. ويكفي في المسألة الأصولية كونها كذلك على احد التقديرين. يعني لو ثبتت الملازمة. لوضوح اننا لو نفيناها لم تكن مقدمة للاستنباط الفقهي.
ونقل في المحاضرات عن الشيخ النائيني انه ذكر ان الأحكام الفقهية مجعولة للعنوانين الخاصة كالصلاة والصوم والحج. وما شاكل. والمقدمة حيث انها تصدق في الخارج على العنوانين المتعددة والحقائق المختلفة. وليست عنوانا لفعل واحد بطبيعة الحال، لم يكن المجعول فيها من الأحكام الفقهية لتكون المسالة فقهية.
أقول: ويمكن الطعن في هذا الكلام كبرى وصغرى، اما كبرى فلوجهين
الوجه الأول: ما ذكره في المحاضرات من ان الضابط في المسائل الفقهية هو كونها مجعولة للموضوعات والعناوين الخاصة من دون فرق بين كونها منطبقة على حقيقة واحدة أو حقائق متعددة.
ويرد عليه أولاً: انه لم يبين مقصوده من الحقائق الخاصة، إذ قد يقال: ان موضوعات علم الأصول أيضاً حقائق خاصة يعني عناوين ذات موضوعات محددة. كالمشتق ومقدمة الواجب أو صيغة الأمر أو غيرها. ولم يبين الفرق بينهما.
ثانياً: انه لم يختلف عن شيخه النائيني إطلاقا. لأن شيخه الأستاذ قال: ان
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأحكام الفقهية مجعولة للعناوين الخاصة. وهو قال: انها مجعولة للموضوعات والعناوين الخاصة. والمحصل لهما واحد بعينه.
ولا اعتقد ان شيخه الأستاذ يخالف في النتيجة التي توصل إليها وهي وحدة المصداق والمورد وعدمه. فانه لا دخل له في فقهية المسألة ولا أصوليتها بالضرورة.
الوجه الثاني: ان ما قاله الشيخ النائيني وغيره من الضابط في المسائل الفقهية، غير صحيح بوضوح. فان المهم فيها هو كون المسألة ترتبط بعمل المكلف مباشرة وانها قابلة للتنجز في ذمته فتكون فقهية. واما إذا كانت تقع في طريق استنباط ذلك فهي أصولية. ولا ربط للموضوعات بها.
واما صغرى: فلأنه قال ان وجوب مقدمة الواجب يصدق على عناوين متعددة وحقائق مختلفة فيكون أصولياً.
وهذا يراد به احد أمرين: الأمر الأول: الأبواب الفقهية المختلفة من أصناف العبادات وأصناف المعاملات وأصناف المحرمات وهكذا. الأمر الثاني: ان مقدمة كل شيء بحسبه فمصداق المقدمة يختلف عن ماهيته حسب اختلاف ماهيات ذيها.
وكلا الفرقين موجود، فلو صحت الكبرى كانت الصغرى تامة. إلا انها منقوضة في الأمر الثاني بالصلاة حيث انها في مراتبها المتعددة وأجزائها وشرائطها ليست من مقولة واحدة بل متباينة اشد التباين فتكون على هذا مسالة أصولية. كما ان العقد اللفظي والمعاطات متباين وهكذا وهو في الفقه كثير.
كما انها متقومة في الأمر الأول بالقواعد الفقهية فانها وان لم تشمل الفقه كله إلا انها تشمل كثيرا من الموارد مثل أصالة الطهارة وقاعدة التجاوز والفراغ
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واليد وضمان الإتلاف وسوق المسلمين وغيرها. فان اشترطنا في المسألة الأصولية ان تكون شاملة للفقه كله كالاستصحاب والبراءة خرج أكثر علم الأصول بما فيها مقدمة الواجب والعلم الإجمالي والتخيير عند دوران الأمر بين المحذورين وبحث الملازمات العقلية. فان بحث الضد مثلا ظاهر بالأحكام التكليفية وغير شامل للوضعية، وهكذا.
واما نحن فلم نعط لعلم الأصول في أول الدورة جامعاً معينا لا في الموضوع ولا في المحمول ولا في الهدف. بل قلنا ان المهم في العلم هو الوحدة العرفية في الأسلوب والاستنتاج ولا شك ان مقدمة الواجب صغرى له.
ثم انه في المحاضرات ذكر أمورا أخرى، كاحتمال أو دعوى ان المسألة كلامية أو انها من المبادئ الاحكامية. وهو مما يطول المقام لو تعرضنا لها.
المسالة الثانية في الأمر الأول من الكفاية: ان المسالة عقلية أو لفظية.
والمراد بالمسألة العقلية احد أمرين كما أشار إليه في المحاضرات: ما يسمى بالمستقلات العقلية والثاني: ما يسمى بغير المستقلات العقلية. فنسأل أولاً عن ذلك، لكي نحدد موقفنا من العقل ثم نأتي إلى السؤال الاصلي.
وفي المحاضرات قال أمرين: ثانيهما: ان مسألتنا هذه من القسم الثاني وأرسله إرسال المسلمات ولم يبرهن عليه.
احدهما: ان المستقلات العقلية انما سميت بذلك من ناحية ان استنتاج الحكم الشرعي من الأول لا يتوقف على مقدمة خارجية. ومن الثاني – يعني غير المستقلات – يتوقف عليها.
اما هذا: فخطأ واضح. لأن المراد من المستقلات العقلية هو ما كان كلتا
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المقدمتين فيه عقلية، بغض النظر عن النتيجة وانها حكم شرعي أم لا. وعليه لا تكون هناك براهين من المستقلات العقلية تنتج حكما شرعيا إلا على تقدير الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. ولذا قال الشيخ المظفر في أول المستقلات: الظاهر انحصار المستقلات العقلية التي يستكشف منها الحكم الشرعي في مسألة واحدة وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين.
بل من الممكن القول: انه ليس المراد بالمستقلات العقلية كلتا المقدمتين أو قل: البرهان الكامل. بل قضية واحدة مدركة للعقل. ولذا يقولون يستقل العقل بكذا يعني يحكم بغض النظر عن حاكم آخر من شرع أو عرف. وإذا فهمنا ذلك كانت كل مدركات العقل النظري والعملي في نفسها مستقلات عقلية. وانما خصها الأصوليون والشيخ المظفر باحكام العقل العملي باعتبار انه لا ينتج من أحكام العقل النظري أحكام شرعية. وانما ينتج ذلك من أحكام العقل العملي على تقدير صحة الملازمة التي اشرنا إليها.
إلا ان هذا في نفسه وهم لأن أحكام العقل النظري قد تقع مقدمات في براهين تنتج أحكاما شرعية، كالحكم بان من كان كذا فهو عاجز أو من كان كذا فهو مجنون وهكذا. ولا اقل من تطبيق الكبريات العقلية العامة كاستحالة اجتماع النقيضين والضدين وإنتاج الشكل الأول من القياس.
ولكن هذه الكبريات تكون في اقيسة أعلى من القياس المنتج للفتوى.
نعم، الطريقة الوحيدة لإنتاج الحكم الشرعي من مقدمتين عقليتين، لا تكون إلا بالعقل العملي لكون صغراه هي الحكم بحسن شيء أو قبحه وكبراه الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع والمفروض انها حكم عقلي أيضاً. فان طعنا بهذه الملازمة كبرى أو صغرى. يعني قلنا انها ليست من الأحكام العقلية
ــــــ[219]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أو قلنا بأنها منفية وباطلة كما هو الصحيح. انتفت المستقلات العقلية البرهانية أكيدا.
نعم، تبقى في جانب الاستنتاجات غير الشرعية، أو المستقلات في القضايا الافرادية.
وعلى أي حال فالبرهان الذي يتكون من مقدمتين: اما ان يكون كلاهما عقليين أو كلاهما شرعيين أو المركبة من الطرفين. فالأول هو المستقلات العقلية وقد تحدثنا عنها. وقلنا انه لا ضرورة ولا برهان على القول بان نتائجها تختص بالأمور الشرعية.
ومبحث مقدمة الواجب ليس منها لان صغراه شرعية على أي حال. لأنهم يقولون: ان العقل يحكم بكبرى الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، و الشرع هو الذي يبين الصغرى. والظاهر ان هذا هو مراد المحاضرات.
إلا انه واضح الخدشة، لأن الصغرى قد تكون عقلية أيضاً. كالصعود على السلم للكون على السطح. غاية الأمر ان الكبرى من العقل العملي والصغرى من العقل النظري. فهل هناك إشكال في تسميتها بالمستقلات العقلية ؟ وهل نفهم من العقل هنا خصوص العقل العملي ؟
نعم، لو خدشنا بفهم الملازمة عقلا وقلنا بظهورها اللفظي أو العرفي، سقط الدليل عن كونه عقليا. والا فالمشهور القائل بالملازمة ملزم بالالتزام بما ذكرناه.
وإذا كانت كلتا المقدمتين شرعية كان الدليل شرعيا، ولا يسمى برهانا لأن الأعم الأغلب من الاستدلالات الفقهية الشرعية مبنية على الأحكام الظاهرية المحتملة للخلاف. في حين ان البرهان لا تكون نتيجته محتملة للخلاف.
ــــــ[220]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ومقدمة الواجب يمكن ان تكون كذلك فيما إذا كانت الصغرى والكبرى شرعية. اما الكبرى فباعتبار معرفتنا رغبة الشارع أو الآمر بكل المقدمات للفعل المأمور به. واما الصغرى فبأحد تقريبين: فانها اما ان تكون شرعية محضة كالطهارات الثلاث. واما تكون مستندة إلى العقل النظري كالصعود على السطح. وقد سمعنا ان المشهور يريد بالعقل هنا أحكام العقل العملي لا العقل النظري. والا سمينا البرهان شرعيا. نعم لو عممنا معنى العقل لكلا الجهتين لكانت أمثال هذه المسائل من غير المستقلات العقلية.
اللهم إلا ان نريد من غير المستقلات ما كانت كبراه عقلية والصغرى شرعية، دون العكس باعتبار كبرى الملازمة وصغرى المقدمة في نظرهم. وهذا وان كان مشهوريا إلا انه تحكم بلا دليل. إلا ان يراد به مجرد الاصطلاح. ومن هنا يتضح ان الدليل ان كان مكونا من مقدمة عقلية ومقدمة شرعية كان من غير المستقلات. على الاحتمالين المتقدمين. وعرفنا حال المقدمة فيهما فلا نطيل.
وعلى أي حال، فالأفضل القول هنا: ان كون هذه المسألة عقلية أم شرعية مستقلة أو غير مستقلة، يختلف باختلاف المباني. فيمكن ان تندرج في كل تلك الأقسام باختلاف المباني وقناعات المفكرين. وليس لنا ان نجزم كما جزم في المحاضرات بكونها من غير المستقلات العقلية بدون دليل. إلا ان نبني على المبنى المناسب له.
وقد عرفنا إمكان ان تكون كلتا المقدمتين شرعية، يعني كبرى رغبة المولى بالمقدمة وصغرى المقدمة المنصوصة، كالطهارات الثلاث.
واما حين يدور الأمر بين ان تكون عقلية أو لفظية. كما قال في الكفاية:
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
كما ربما يظهر من صاحب المعالم حين استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث. مضافا إلى ذكرها في مباحث الألفاظ.
وأجاب عنها: ضرورة انه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ثبوتا محل الإشكال، فلا مجال لتحرير النزاع في الإثبات والدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث كما لا يخفى.
فجعل الملازمة العقلية بمنزلة الثبوت والدلالة اللفظية بمنزلة الإثبات. ولا إثبات بدون ثبوت والا كان كاذبا. أو قل ان عالم الثبوت اسبق رتبة من عالم الإثبات. فإذا زال المتقدم زال المتأخر.
واما كون تسجيلها في مباحث الألفاظ دليلا على كون البحث فيها لفظيا فلم يجب عليه، لأنه أوضح من ان يتصدى لدفعه. فانه محضا من اختيار المؤلفين، ولا يرتبط بعقل أو عرف أو شرع.
أقول: ان نفي الملازمة لا يقتضي نفي الدلالة اللفظية، كما قال الآخوند. لأن المراد بالملازمة احد أمرين:
1- الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته. وهذا هو الذي قد نقول بنفيه.
2- الملازمة بين المتعلق ومقدمته تكوينا كالكون على السطح ووضع السلم. بغض النظر عن تعلق حكم به. وهذه ملازمة تكوينية لا ينفيها احد. وعندئذ نقول: حيث ان ذي المقدمة التكويني أصبح متعلقا للحكم. إذن نفهم بالدلالة الالتزامية اللفظية وجوب المقدمة لكون الملازمة بينة.
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فالملازمة التي تتوقف عليها الدلالة اللفظية غير منتفية. والمنتفية لا تتوقف عليها الدلالة اللفظية.
لا يقال: ان اصعد على السطح يدل على الوجوب. وحيث نفينا الملازمة بين الوجوبين لم يمكن دلالته على وجوب المقدمة.
قلنا: هذا هو مراد الآخوند. إلا اننا لسنا بحاجة إلى ذلك. بل يكفينا الالتفات إلى الملازمة التكوينية العقلية بين الأمرين. للاستنتاج بان الآمر بذي المقدمة أو بالمعلول آمر بايجاد علته أو راغبا بها بنفس المرتبة من الرغبة التي سببت الأمر بذيها. وهو معنى وجوب المقدمة.
فان قلت: فان انتفى مقام الثبوت بأي نحو فهمناه انتفى مقام الإثبات. ومن ثم لم تكن المسألة أصولية. قلنا: أفضل جواب على ذلك: اننا لا نحتاج في أصولية المسألة كونها منتجة على كلا التقديرين بل يكفي ان تكون منتجة في احد التقديرين. ولا شك انه مع وجود مقام الثبوت فان مقام الإثبات يكون متحققا. وهذا يكفي.
إلا ان المسألة لا تكون عقلية باصطلاحهم إلا إذا كانت كبراه من العقل العملي، وهي كبرى الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته. لا من العقل النظري وهي الملازمة الثبوتية بين وجود الشيء ووجود مقدمته كما قلنا.
فكما ان الملازمة بين وجود النار ووجود الدخان موجودة، فنفهمها لفظاً، كذلك وجود الشيء وجود مقدمته.
وينبغي الالتفات إلى ان كون ظاهر صاحب المعالم كونها لفظية، لأن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، فإذا كانت إحدى المقدمتين لفظية، كانت النتيج لفظية. وهذا يرد عليه: أولاً: نقضاً. ان غير المستقلات العقلية كذلك مع انهم
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لم يعتبروها لفظية. ثانياً: نقضاً أيضاً. اننا حتى لو قلنا بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، كانت صغراها لفظية أحيانا كالطهارات الثلاث. ومع ذلك فهم لم يخدشوا في كونها عقلية من هذه الناحية.
فان قلت: فكيف ينفي الشيخ صاحب المعالم كونها لفظية، مع انها أحيانا واضحة في ذلك، كالطهارات الثلاث.
قلنا: يريد نفي كبرى دلالة الأمر على الأمر بمقدمته. إلا ما خرج بدليل. والطهارات ونحوها خرجت بدليل.
إلا ان الكلام في عدم الدلالة، حيث قلنا ان الملازمة بين الوجودين موجودة. والملازمة بين الارادتين موجودة. إذن فالملازمة بين الظهورين أيضاً موجود. وهو معنى ثبوت الدلالة الالتزامية.
المقدمة الداخلية والخارجية :
الأمر الثاني: في الكفاية في تقسيمات المقدمة.
والمفروض منهجيا ان يذكر العنوان العام لكل تقسيم. لأن التقسيم يختلف عن الأقسام فان كل تقسيم ينقسم إلى أقسام. والمفروض ذكر الضابط في انقسام الأقسام ولا اقل من ذكر عنوان كل تقسيم. وهذا كله مهمل في المصادر. وكأنه لابد للقارئ من فهمه مستقلا.
وفي الإمكان ان نشير إليه إجمالا: اما انقسام المقدمة إلى عدة تقسيمات فهو استقرائي، وليس له ضابط عرفي أو عقلي. وانما يقال عادة: ان ما وصلنا من أشكال المقدمات وتقسيماتها هو هذا. فلو كان هناك شيء آخر لذكرناه. إلا ان المفروض عندئذ ضبط التقسيمات كلها. والظاهر ان هذا محرز، وخاصة
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بعد مرور المطلب في ذهن عدد من الباحثين الأصوليين.
واما العنوان العام لكل تقسيم فنذكره عند التعرض إليه. وهو عبارة عن سؤال يطرح وليس عن جامع ماهوي أو مفهومي. فمثلا نسأل: هل يمكن ان تكون المقدمة داخلية أم يتعين ان تكون خارجية. والحديث عندئذ عن صحة التقسيم. إلا ان وجوده تصورا في بادئ النظر محتمل ثبوتا وان برهنا على فساده.
وكذلك السؤال عن المقدمة المتأخرة عن ذيها، وهي الشرط المتأخر، هل هو ممكن أم لا ؟ وكذلك السؤال عن وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها وهي المقدمات المفوتة. فإذا صح ذلك صح الانقسام والا بطل.
والتقسيم الأول: الذي دخل في بحثه صاحب الكفاية هو التقسيم إلى مقدمة داخلية ومقدمة خارجية. فهل يصح هذا التقسيم أم لا ؟
وتقديماً لذلك ولأجل فهم موضوع الحديث ذكر في المحاضرات:
ان المقدمة قسموها باعتبار دخولها في المأمور به قيدا أو تقيدا إلى أصناف ثلاثة. هي باختصار:
1- ما كان داخلا قيدا وتقيدا.
2- ما كان داخل تقيدا وخارج قيدا.
3 – ما كان خارج تقيدا وقيدا.
ويراد بالقيد ذات المقدمة أو ماهيتها، ويراد بالتقيد اشتراط الواجب بها اشتراطا شرعيا. والا لو كانت اعم من ذلك لم يحتمل ان تكون المقدمة خارجة
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تقيدا. كالسفر إلى الحج أو وضع السلم. فانها على أي حال لازمة عقلا وان لم تكن لازمة شرعا. ومع ذلك قالوا: انها خارجة تقيدا كما هي خارجة قيدا. يقصدون بذلك الحكم الشرعي بالتقييد والاشتراط. بناء على ان مثل هذه المقدمات غير واجبة بالوجوب الشرعي.
ومن الواضح اننا يمكن ان نسد باب هذا التقسيم تماما. إذا رفضنا القسم الأول والأخير وانحصر الحال بالقسم الأوسط. اما رفض القسم الأول، فباعتبار ان الأجزاء ليست من جنس المقدمة كما يأتي. واما رفض القسم الأخير. فباعتبار القول بوجوب المقدمة شرعا وان وجبت عقلا. فيندرج القسم الثالث في القسم الثاني. فتكون كل المقدمات خارجة قيدا وداخلة تقيداً. وينسد هذا التقسيم أو يأتي الكلام عنه.
ونقل في المحاضرات عن الشيخ النائيني انه يرى ان المقدمات داخلة قيدا وتقيدا، لأن الأمر النفسي كما ينبسط على الأجزاء فانه ينبسط على القيد أو الشرائط بلا فرق بينها أصلا.
وناقشه: بان القيود بشتى ألوانها خارجة عن المأمور به (يعني قيدا أو ذاتا) والداخل فيه انما هو التقييد بها. فلو كانت داخلة فيه لم يكن فرق بينها وبين الأجزاء أصلا. مع ان الفرق بينهما من الواضحات. والا فما هو الموجب لتسمية هذا بالقيد وهذا بالجزء.
أقول: انه يمكن للشيخ النائيني ان يدافع عن نفسه بوجوه:
أولاً: انه يمكن ان نلتزم بالنتيجة وان الجميع يعني ذي المقدمة مع كل مقدماته مشمول للوجوب النفسي الاستقلالي. وليس في ذلك محذور واضح. وان كان خلاف المشهور. ولم يُجب عليه إلا ان عدمه من الواضحات وهذا
ــــــ[226]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
غير كاف إذا لم يكن واضحا عند المخاطب.
ثانياً: انه لا يريد المقدمات التي تقع قبل الواجب أو بعده، كالطهارات الثلاث. بل يريد أثرها الموجود خلال الواجب كالاستقبال والإباحة والطهارة الموجودة خلال الصلاة، فنسميها أجزاء لا شرائط لأن الأجزاء عبارة عن كل ما وقع تحت الوجوب متلبسا بماهية الواجب ومكملا لها. حتى لو كانت في رتبتين من الناحية العقلية. والمسألة كأنها مجرد اصطلاح لا أكثر ولنا حق تغييره. واما نفس أعمال الوضوء وسائر الطهارات فهي مقدمة للمقدمة. فلا تكون مشمولة لمراده. فتأمل.
ثالثاً: انه لعله يلتزم بالمحذور الذي ذكره، وهو انعدام الفرق بين الأجزاء والشرائط. بحيث تصبح كلهات اجزاء بالدقة ولا يوجد هناك شرائط ومقدمات. وعبارته واضحة في ذلك حين يقول: بلا فرق بينها أصلا.
فان قلت: فان هذا ما واضحات الفقه والأصول وعليه الديدن حتى من قبله .
قلنا: نعم هو يجري بناء في ذلك على المشهور. إلا انه يخالفه ثبوتا ودقة. مع الالتفات إلى انه ليس له اثر فعلي في الشريعة والفقه.
إلا ان كل هذه الأمور قابلة للنقاش ولا اقل من الالتفات إلى ما اشرنا إليه من اختلاف المرتبة، إذ مع اختلافها يستحيل ان يشملها الأمر دفعة واحدة. فيكون المتقدم رتبة تحت الأمر وهو الأجزاء والمتأخر رتبة هي الشرائط. هذا من حيث النسبة إلى الآمر. اما في مقام الامتثال فتكون الشرائط هي الأسبق رتبة. وهذا لا يفرق فيه بين الشرائط في حصتها التي تقع خارج الواجب أو التي تقع داخل الواجب وليس الآن وقت تفصيله.
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فانه ليس لنا الحق في اصطلاح الأجزاء في شيء معين دون غيره، ما دام الجميع مكوناً للواجب في ماهيته.
قلنا: هذا موجود في ارتكاز المتشرعة وهو حجة وممضى من قبل المعصومين إذ لم نجد نهيا عنه ولو بخبر ضعيف. وذلك انهم يسمون الأعمال الخارجية جزءا كالركوع وذكر الركوع ونحوه ويسمون الصفات الوجودية شرائط كالإباحة والاستقبال والطهارة. كأنها عرفا من صفات العمل لا من العمل نفسه. فيسمونها شرائط. ويسمون التروك موانع أو مبطلات.
ولو تنزلنا وفرضناها أجزاء لم يندفع الإشكال عن الشيخ النائيني، لأن هذه الأجزاء لا تكون تلقائيا بل تحتاج إلى مقدمات لإيجادها قبل العمل. فتكون تلك المقدمات مقدمات لصحة العمل. وان كانت بالدقة هي مقدمات لجزء العمل. كتحضير التربة للسجود. فكذلك الوضوء لإيجاد الطهارة المزامنة مع الصلاة.
فإذن، رجع إلى ان هناك مقدمات خارجية لتصحيح العمل. والارتكاز المتشرعي يعتبرها شرائط لا محالة لأنها عرفا وعقلا غير دخيلة في الماهية، وان كان وجودها الاستمراري إلى داخل الصلاة دخيلا فيها.
ومن هنا تكون هي وأثرها اسبق رتبة من المأمور به أو لاحقة له بلحاظ آخر، فلا يحتمل ان يشملها الجعل أو الأمر على غرار واحد. بحيث ينبسط عليها الوجود النفسي على نسق واحد.
ثم قال في المحاضرات: لا إشكال في دخول الصنف الثاني في تلك الأصناف في محل النزاع، وكذلك الصنف الثالث. وانما الإشكال والكلام (الآن في هذا الأمر الثاني) في دخول الصنف الأول وعدم دخوله.
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أقول: هذا فرع وجود القسم الثالث. إذ قد يقال انه غير موجود، وانما هما قسمان فقط. وذلك بأحد تقريبين:
الأول: ان القسم الأول يسمى الأجزاء والثاني الشرائط. فإذا كان القسم الثالث مبايناً لهما، فماذا نسميه؟ وهو ليس من الموانع والقواطع بطبيعة الحال. فإذا علمنا انحصار المأمور به بالأجزاء والشرائط من هذه الناحية. خرج القسم الثالث تكوينا عن محل الكلام.
الثاني: ان المفروض فيه انه خارج قيدا وتقيدا. وهذا انما يتحقق فيما لا ارتباط له أصلا بالواجب، كالواجب النفسي الآخر، كالصلاة والصوم ومثل الأفعال الموجودة في الخارج فقراءة الكتاب غير داخلة قيدا ولا تقيدا في الصلاة والصوم. ومعه لا معنى لتسجيله في عالم التصور الأولي أو احتمال دخوله في محل الكلام.
وانما يشفع للمشهور الذي ذكر ذلك. ما قلناه في الشرح خلال الدرس السابق. وهو ان مرادهم الوجوب الشرعي لا العقلي. فان كانت المقدمة واجبة بوجوب شرعي دخلت في القسم الثاني وان كانت واجبة بالوجوب العقلي فقط دخلت في القسم الثالث. فتكون خارجة تقيدا شرعا وان دخلت عقلا.
إلا ان هذا شطط من القول لأننا لا زلنا في عنوان الباب. ولا يمكن ان نأخذ مسلما مثل هذا التقسيم، وانما يأتي ذلك في نتيجة المسألة. إذ يقال هناك ان كل المقدمات واجبة شرعا، أو نقول بانها كلها واجبة عقلا لا شرعا. أو ان هناك تفصيلا بعنوان خاص مثلا: المقدمة المفوتة واجبة عقلا وغيرها واجبة شرعا. ومعه يكون ذلك العنوان هو المتبع لا هذا التقسيم. ومعه يسقط هذا التقسيم على كل الفروض.
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والأفضل القول باختصار بان ما كانت ماهيته خارجة عن ماهية العمل يعني خارجة قيدا، فهو مقدمة داخلة في محل الكلام يعني في بحث مقدمة الواجب، سواء توصلنا إلى كونها واجبة عقلا أم شرعا أو لم نتوصل إلى الوجوب أصلا. وبالتالي فقد أعطينا للقسمين الأخيرين جامعا واحدا. وهو ما كان خارج قيدا أي ليس هو من الأجزاء ولا مكون لماهية العمل فيدخل في محل الكلام. سواء خرج تقيدا أم لا. ومعه لا تبقى مزيد أهمية إلى ان نقول بوجود القسم الثالث وعدمه. وهو الخارج تقيدا وقيدا. فانه لو خرج كان القسم الثاني أيضاً حصة من الجامع. ولكن الأولى حينئذ ان نصرح بخصوص عنوان هذه الحصة كما هو واضح، بعد تعذر الحصة الأخرى. فنحصر الأمر بالقسمين الأولين.
فان قلت: كيف يكون القسم الثالث ساقطا، مع ان الحصر العقلي يقتضي وجوده في التقسيم بين الدخل قيدا والدخل تقيداً ؟
قلنا: له أكثر من جواب:
1- انه بعد كل الذي قلناه لا يبقى من معنى لهذا القسم إلا الواجبات الاستقلالية الأخرى. ومعه لا يحتمل اندراجه في محل الكلام.
2- لو تحققنا النظر عن ذلك كان القسم الثالث متعذرا. إذن فنحن نذكره بالتصور العقلي، ونقول انه ليس له مصداق.
3- ان هذا التقسيم غير قائم على الحصر، لأن من جملة التقسيم الحاصر ان يكون الشيء دخيلا قيدا أو خارجا تقيدا. كالنظر إلى الأجنبية أو غيرها في الصلاة.
فان قلت: انه غير محتمل.
ــــــ[230]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلنا: ان ذا غير محتمل أيضاً. وعلى اي حال فالحصر غير محتمل.
وعلى اي حال. فالكلام في هذا الأمر هو دخول القسم الأول في محل النزاع في باب مقدمة الواجب أم لا. يعني صلاحية الأجزاء لأن تتصف بحكم المقدمة العقلي أو الشرعي، موضوعا أو حكما. أم لا. بعد التسالم بان القسم الثاني هو القدر المتيقن من محل البحث. وهو الداخل تقيدا أو الخارج قيدا.
وهنا فصل عنوانها في المحاضرات بما يرجع حاصله إلى البحث في أمور ثلاثة: الأول: الاقتضاء الذاتي للأجزاء في ان تكون مقدمات. وهو بحث عن المقتضي موضوعا. الثاني: الاقتضاء حكما كما قال: هل المقتضي لاتصافها بالوجوب الغيري موجود أم لا. الثالث: في وجود المانع حكما على تقدير تمامية المقتضي ولو تنزلا.
………………………..
ومن هنا يقع الكلام في جهات ثلاثة:
اما الجهة الأولى في الاقتضاء الذاتي للأجزاء في ان تكون مقدمات وهو بحث في المقتضي موضوعا: فقد أعطى في المحاضرات معنيين للمقدمة. احدهما: ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيها. بان يكون هناك وجودان احدهما للمقدمة والآخر لذي المقدمة. ثانيهما: مطلق ما يتوقف عليه وجود الشيء وان لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه. أقول: يعني يلزم من عدمه عدمه.
ثم ذكر ان المقدمة بالمعنى الأول لا تصدق على الأجزاء. بداهة ان وجود الأجزاء في الخارج ليس مغايرا لوجود الكل، بل وجوده فيه عين وجود اجزائه
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالأمر. أقول: ان هذا من الناحية العرفية والمتشرعية صحيح أكيداً، ونحن ينبغي ان نفهم الكتاب والسنة باللغة العرفية إذن لا يمكن ان نطلق على الأجزاء انها مقدمة للواجب بالحمل الشايع العرفي.
إلا انه لم يشر إلى (الحاكم) هل هو العرف أو العقل. والمشهور كصاحب الكفاية وغيره، يتحدثون من ناحية عقلية لا عرفية. ومن هنا أمكن بالدقة ان نتصور لها نحوا من المغايرة. وقد أشار هو إلى ذلك في عبارته قائلا: فانها انما تغايره إذا لوحظت لا بشرط واما إذا لوحظت بشرط شيء فهي عينه. حيث انه هو الأجزاء الملحوظة كذلك.
فقد يقال: ان الأجزاء لا بشرط مقدمة مجموعها الملحوظ بشرط شيء. وهذا ما سيأتي في مناقشة كلام الكفاية. والمهم ان ما في المحاضرات لا يكفي للاستدلال.
ثم ذكر: ان المقدمة بالمعنى الثاني تنطبق على معنى الأجزاء و تشملها. لوضوح ان وجود الكل يتوقف على وجود أجزائه. واما وجودها فلا يتوقف على وجوده. وذلك كالواحد بالإضافة إلى الاثنين، حيث ان وجود الاثنين يتوقف على وجوده دون العكس.
إلا ان هذا قابل للمناقشة أيضاً. لأن المقصود من التوقف هنا أو في قولنا: يلزم من عدمه عدمه. هو الشيئان المتغايران. لوضوح ان كل شيء إذا لوحظ بالنسبة إلى ذاته، فانه يلزم من عدمه عدمه. فيكون نفس العدم وليس عدما آخر، لأن الوجود هو نفس الوجود لا وجود آخر. إذن فهذا المورد خارج عن القاعدة أكيدا، والمهم في صدقها هو تعدد الوجود.
وبعد ان اعترف في أول كلامه بعدم تعدد الوجود، يكون المورد بمنزلة
ــــــ[232]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
السالبة بانتفاء الموضوع بالنسبة إلى القاعدة، إذ لا يوجد شيء يتوقف على آخر. لعدم المغايرة بينهما.
مضافا إلى ان قوله: ان الكل يتوقف على أجزائه، هل يريد من الكل العنوان أم المعنون. اما العنوان فانه يتوقف إلا انه ليس هو المقصود، كما انه ليس هو الذي يقع به الامتثال وانما يقع بالمعنون. وان أراد المعنون، فهو عين الأجزاء بالاسر فيعود الإشكال السابق. من حيث عدم انطباق القاعدة المذكورة.
كما ان قوله واما وجودها فلا يتوقف على وجوده. يعني ان وجود الأجزاء لا يتوقف على وجود الكل. لإمكان ان يركع الإنسان فقط أو يسجد فقط. وهذا وان كان من الواضحات إذا أخذنا الجزاء لا بشرط.
واما إذا أخذناها بشرط شيء يعني لا بلحاظ ذواتها بل بلحاظها أجزاء فهي تتوقف على انضمام الباقي، وبالتالي فهي تتوقف على الكل. إذا لوحظ المعنون.
وبتعبير آخر: انه مع ضم فكرتين ينتج المطلوب:
1- اننا نقصد بالكل المعنون لا العنوان.
2- اننا نقصد بالجزء ما كان بشرط شيء لا ما كان لا بشرط. فينتج توقف الجزء على الكل كتوقف الكل على الجزء.
اما الفكرة الأولى فقد ذكرنا الوجه فيها، وهو انه انما يكون المطلوب وما يحصل به الامتثال هو معنون الكل وليس عنوانه.
واما الفكرة الثانية فأيضاً كذلك، فان المطلوب وما يحصل به الامتثال هو
ــــــ[233]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الجزاء بشرط شيء من حيث الانضمام لا بشرط لا ولا لابشرط. والمفروض هنا اننا نتحدث من ناحية شرعية وليس من ناحية عقلية فقط.
وفي الكفاية ذكر تقريباً واحداً للمقدمية أعني مقدمية الأجزاء للمركب. ثم أشكل عليه بإشكالين وحاول دفعهما. فينتج ان المقدمية صحيحة في رأيه. لولا انه أمر بالفهم في نهاية كلامه. وسيأتي الحديث عنه.
اما أصل التقريب للمقدمية فحاصله: ان الأجزاء سابقة على المركب رتبة فتصلح ان تكون مقدمة له. اما سبقها الرتبي فأخذه مسلما ولم يبرهن عليه.
وما قيل أو يمكن ان يقال في دفعه عدة وجوه:
الأول: ما تحصل مما سبق ان ما هو السابق رتبة على المركب هو الجزء لا بشرط وما هو عين المركب هو الجزء بشرط شيء. ومحل كلامنا في الشريعة هو الثاني دون الأول. فان الجزء لا بشرط اي بذاته لم يؤمر به أكيدا ولا يحصل به الامتثال. فتحصل: اننا إذا لاحظنا الأجزاء بشرط شيء فهي وجود واحد مع المركب، فينسد الكلام عن انها اسبق رتبة منه، لأن ذلك يصدق مع التعدد لا مع الاتحاد.
الثاني: ما تحصل مما سبق أيضاً من أنّا إذا قصدنا من المركب المعنى المنتزع كانت الأجزاء اسبق منه رتبة، لأنها السبب في انتزاعه. ولكننا قلنا ان هذا المعنى أيضاً خارج عن حيز الشريعة وما يكون متعلقا للخطاب ويحصل به الامتثال هو منشأ الانتزاع الذي هو عين الكل.
الثالث: انه اخذ مسلما تقدم الأجزاء على الكل في الرتبة. وقد عرفنا ان هذا التقديم انما يصدق مع التغاير لا مع الاتحاد. فيكون التقديم في الرتبة مع الاتحاد محالا أو قل سالبة بانتفاء الموضوع.
ــــــ[234]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والظاهر ان هذا هو المراد من الجواب المذكور في الكفاية بقوله: ان المركب ليس إلا نفس الأجزاء بالاسر. فإذا كان عينها لم يكن متأخرا عنها رتبة. ويأتي الكلام عنه.
الرابع: اننا لو قبلنا تنزلا: التقدم الرتبي لم تتعين المقدمية إلا بضم كبرى إليها، وهي ان كل متقدم رتبة فهو علة أو معدا أو مقدمة ونحو ذلك. إلا ان ذلك لا يتعين كالمعلولين لعلة ثالثة. فإذا كان لأحد المعلولين معلول آخر كان متأخرا رتبة عن المعلول الآخر كالعم وابن الأخ. فان ابن الأخ متأخر رتبة عن العم وليس معلولا له.
إلا ان هذا لا يتم كبرى وصغرى:
اما كبرى فان المقصود بالتقدم الرتبي التقدم العلي. وليس بين شيئين متباينين تقدم رتبي بالرغم من انهما لابد معلولين لعلة ثالثة في الكون قريبة أو بعيدة. كالبشر فانهم جميعا من أولاد آدم ولا يحتمل تقدمهم الرتبي لا عقلا ولا اصطلاحا.
واما صغرى فلأننا لو سلمنا الكبرى لم يكن المورد منها. فان غايته ان يقال: ان ما هو متقدم رتبة على حصتين: علة وغير علة. ولا يحتمل في مورد الكلام ان يكون من غير العلة. فان قبلنا تقدمه الرتبي تعين على ملاك العلية دون غيره.
الخامس: ما ذكره في الكفاية: من ان المركب ليس إلا نفس الأجزاء بالاسر فلا مغايرة بينهما لتحصل المقدمية. وهي مع الاتحاد مستحيلة.
وكأن هذا الوجه بهذا المقدار مأخوذ بالنظر السطحي أو العرفي ولذلك أجاب عليه بما يرجع محصله: إلى ان المركب الذي يكون ذو المقدمة هو
ــــــ[235]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأجزاء بشرط الاجتماع والمقدمة هي نفس الأجزاء بالاسر. قال: فيحصل المغايرة بينهما.
أقول: ان هذا وحده لا يكفي، إذ قد يقال: ان معنى نفس الأجزاء بالاسر هو نفس معنى الإجزاء بشرط الاجتماع. بل هو كذلك بالتأكيد. فاتحد الوجود وتعذرت المقدمية لأنها فرع المغايرة كما قلنا.
اللهم إلا ان يرجع إلى ما أشير إليه من ان الأجزاء يمكن ان تلاحظ لابشرط. فتكون مقدمة وبشرط شيء فتكون ذيها. إلا انه يرد عليه ما قلناه من ان الأجزاء لا بشرط لا تدخل تحت الخطاب ولا الامتثال حتى انها خارجة عن حيز الشريعة، فتخرج عن محل الكلام أساساً.
ولعل ذلك أعني ملاحظة الإجزاء لا بشرط ملحوظ الشيخ الآخوند لأنه قال بعده مباشرة: وبذلك ظهر انه لابد في اعتبار الجزئية اخذ الشيء (الجزء) بلا شرط كما لابد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الانضمام.
إلا ان هذا قابل للمناقشة من أكثر من وجه:
أولاً: ان الجزئية والكلية معنيان متقابلان تقابل الإضافة، فهما متضايفان يردان على مورد واحد. ونتيجة ذلك هو انه لابد من وحدة النظر في الأجزاء. فاما ان نعتبرها بشرط الاجتماع فتحصل الجزئية والكلية. أو نعتبرها لابشرط فيحصلان. بغض النظر عن الإشكال الآتي. واما ان تحصل الكلية بنظر وتحصل الجزئية بنظر آخر فهو تهافت في التصور.
ثانياً: ان ذات الجزء إذا لوحظ لابشرط لم تصدق عليه الجزئية. لأن معناه انه لوحظ بذاته بغض النظر عن الكل وعن الأجزاء الأخرى.
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فلا يمكن انتزاع معنى الجزئية وانما يمكن انتزاعها بالنظر الآخر، وهو شرطية الاجتماع. فليس كما قال: انه لابد في اعتبار الجزئية اخذ الشيء بلا شرط.
السادس: من الإشكالات على أصل التقريب وهو ان الأجزاء سابقة على المركب مرتبة فتصلح ان تكون مقدمة له.
انه قال: كون الأجزاء الخارجية كالهيولي والصورة هي الماهية المأخوذة بشرط لا. وهذه العبارة يمكن تفسيرها بعدة تقريبات منها ما يوافق عدم المقدمية، وهو الذي يوافق مرادنا الآن. وذلك بان يقال بأحد تقريبان:
الأول: ان الهيولي والصورة هي شيء واحد خارجا ووجود فارد وانما تحلل بالذهن إلى ذلك. ومع اتحاد الوجود خارجا تمتنع المقدمية.
الثاني: ان هذا الوجود المنقسم إلى الهيولي والصورة مأخوذ في الفلسفة بشرط لا. لأنهم قالوا: ان الماهية إذا أخذت بشرط لا كانت هيولي وصورة وان اخذ لا بشرط كانت جنسا وفصلا. كما ذكر في الكفاية.
فالمهم ان هذا التقسيم مأخوذ بشرط لا. وإذا اخذ بشرط لا فمعناه امتناع التركيب اي بشرط لا عن الاجتماع. فإذا لم يحصل التركيب فلا معنى للمقدمية.
الثالث: ما ذكره في العناية: من ان المقرر عند أهل المعقول ان الأجزاء الخارجية كالهيولي والصورة هي بشرط لا. وهذا مما ينافي ما قررناه في المقام من كون المقدمة هي الأجزاء بما هي هي ولا بشرط.
ولا حاجة إلى مناقشة التقريبات الثلاثة واحدة واحدة. وانما نناقش
ــــــ[237]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأساس المشترك فيها:
أولاً: انه اخذ فيها مسلما ما قالوه من ان الأجزاء الخارجية كالهيولي والصورة. مع ان هذا يمكن منعه. فان الهيولي والصورة معاني ذهنية انتزاعية. وما بإزائها بالأجزاء جزء تحليلي لا جزء خارجي. فقياس الجزء الخارجي به قياس مع الفارق.
ثانياً: انهم قالوا انها كالهيولي والصورة ولم يقولوا انها بعينها. فلربما كانت مشابهة لها من حيثيات أخرى غير البشرط لائية.
ثالثاً: هل ان مرادهم من هذا التشبيه هو ان الأجزاء هي الهيولي والمركب هو الصورة أو كلاهما شبيه بالأجزاء باعتبارها جزئيات من الموجود. وكلاهما قياس مع الفارق.
رابعاً: انهم قالوا: ان الماهية المأخوذة بشرط لا تكون هيولي وصورة الماهية اللابشرط تكون جنسا وفصلا. ومن الواضح ان الشرط وجودا وعدما معنى إضافي، ولا يكون إلا بين طرفين، وهنا احدهما هو الماهية فما هو الطرف الأخر ؟ ليس هو نفس الماهية لاستحالة نسبتها إلى نفسها. لأن النسبة لا تكون إلا مع التكثر. فانحصر في الوجود إذ لا ثالث إلا العدم. ويستحيل النسبة إلى العدم لأنه لا يصلح ان يكون طرفا للإضافة.
ومعناه ان الماهية إذا أخذت بشرط لا عن الوجود كانت هيولي وصورة. في حين نحن اما ان نتحدث عن هيولي وصورة معينين إذن فهما موجودين، وانما ان نتحدث عنهما كليين، فالكلي يناسب في أفراده ان تكون موجودة ومعدومة. يعني لا بشرط من حيث الوجود والعدم لا انها مأخوذة بشرط لا من حيث الوجود.
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مضافا، إلى اننا لو سلمنا ذلك في الهيولي لا نسلمه في الصورة. فان الصورة لا تكون إلا في طول الوجود. يعني بشرط شيء بالنسبة إليه. بل قال قسم من المحققين انه لا يراد بالصورة إلا الوجود. فيكون المراد من الهيولي الماهية ومن الصورة الوجود.
ومن هنا يتضح اننا لو أخذنا هذين الشرطين بالعكس لكان أفضل. فالانقسام إلى هيولي وصورة يكون لا بشرط بالنسبة إلى الوجود وان قصدنا الكلي، وبشرط شيء له ان قصدنا الجزئي.
واما الجنس والفصل فيمكن ان يكونا بشرط لا عن الوجود. لأن الماهية بحد ذاتها المقسم أو المهملة هي التي تنقسم إلى جنس وفصل، لا باعتبار كونها موجودة ولا معدومة. وعلى اي حال فيمكن ان نلحظ الكلي أو النوع من الماهية ذهنيا بشرط لا عن الوجود الخارجي ونقول انه جنس وفصل.
وفي حدود فهمي ان هذا الانقسام كله باعتبار اللابشرط عن الوجود الخارجي. إذ لا دخل للوجود الخارجي له. لأن صورته ذهنية وما بإزائه واقعي وليس خارجيا. وهو كلي وليس جزئيا. والكلي لا وجود له في الخارج. إلا اننا لا نستطيع ان نقول انه بشرط لا عن الوجود في الخارج ما لم يكن ممتنعا. وإلا كانت كل الكليات ممتنعة. وخاصة إذا قلنا ان الفرد أو الجزئي حاوٍ على الكلي مع زيادة. فمعناه ان وجود الكلي مناسب مع كلا العالمين الواقع والخارج. وليس بشرط لا عن الخارج.
ثم في حدود فهمي انهما انقسامان طوليان وليسا عرضيين. والانقسام الأسبق. هو الهيولي والصورة. ويراد بالهيولي المادة أو الماهية السيالة في عالم الإمكان كله. ويعبر عنها انها ادني أنحاء الموجودات. واما الصورة فهي
ــــــ[239]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المرحلة التي تتشكل بها الماهية في عالم الوجود. سواء كانت خارجية أم ذهنية أم واقعية.
وهذه الهيولي عبارة أخرى عن الماهية المهملة، ومن هنا يأتي التقسيم الثاني اعني انقسامها إلى الجنس والفصل. فانه تقسيم للماهية، فانها هي التي تنقسم إلى الأجناس والأنواع والفصول والخواص وغير ذلك.
ويمكن ان تكون الهيولي بمنزلة الجنس والصورة بمنزلة النوع. والنوع انما يتشخص بالفصل. ومن هنا قالوا انها بمنزلة الفصل. إلا اننا قلنا بالفهم السابق ان معنى الصورة معنى مباين لمعنى الماهية والهيولي. مع ان النوع أو الفصل من جنس الماهية، فيكون من جنس الهيولي، ولا يصدق عليه الصورة.
وعلى اي حال لا دخل للحاظ بشرط لا أو لا بشرط في ذلك. ومعه فتمثيل الأجزاء بالهيولي والصورة لو صح لا يجعلها بشرط لا لكي يمنع تقريب الآخوند من حيث ان الأجزاء انما تكون مقدمة إذا كانت ملحوظة لا بشرط. لا انها ملحوظة بشرط لا.
وقلنا ان عبارته يمكن ان تفسر على عكس المطلب. فكما فسرناها كما أرادها الآخوند ضد معنى المقدمية يمكن تفسيرها إلى جنبها. وذلك بان يقال: ان الهيولي والصورة بالرغم من اتحادهما خارجا فانهما أيضاً لهما نحو من التعدد الخارجي في منشأ انتزاعهما. فكما صح التعدد في وجود واحد إلى هيولي وصورة أمكن التعدد في موجود واحد إلى مقدمة وذي المقدمة. أو قل: ان الهيولي بمنزلة ذي المقدمة والصورة بمنزلة المقدمة.
إلا ان هذا غير تام، لأن المقدمية تحتاج إلى تعدد وجود حقيقي، ولا يكفي فيها التعدد الاعتباري والانتزاعي. ومن المعلوم ان التعدد بين الهيولي
ــــــ[240]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والصورة تحليلي أو انتزاعي. وهذا لا يكفي للمقدمية.
مضافا إلى انه لا ملازمة بين التعدد هنا والتعدد هنا. غايته الملازمة في الإمكان لا الوقوع، مع العمل اننا نحتاج إلى وقوع التعدد، ولا يكفي إمكانه.
والظاهر ان مراد الشيخ الآخوند من تقريبه هذا ضد تقريب المقدمية بان: نسبة الأجزاء إلى المركب كنسبة الهيولي إلى الصورة باعتبار ان الأجزاء بمنزلة الهيولي والمركب هو الصورة. وكبرويا لا تعدد في الموجود بالرغم من انقسامه إلى هيولي وصورة. إذن، لا انقسام بين الأجزاء والمركب الذي هو مثله على الفرض. ومع عدم الانقسام والتعدد تمتنع المقدمية.
وحاصل جواب الشيخ الآخوند: انه لا ملازمة بين الهيولي والصورة من ناحية والجزاء والمركب من ناحية أخرى. أو قل ان التقريب قائم على تشابههما أو عينيتهما. في حين انهما يفترقان كثيرا. فان الهيولي والصورة أجزاء تحليلة، في حين ان المركب مع أجزائه من قبيل الأجزاء الخارجية. فإذا امتنع التعدد في الهيولي مع الصورة لم يمتنع التعدد بين الأجزاء والمركب فلم تمتنع المقدمية.
ثم أمر بالفهم. ويمكن إرجاعه إلى عدم أمور:
1- ما اشرنا إلى مثله من ان إمكان الشيء لا يقتضي وقوعه.
2- ان الهيولي والصورة من ناحية والأجزاء والمركب من ناحية وان اختلفت، إلا انها من ناحية الوحدة الخارجية مشتركة، فامتنعت المقدمية.
3- انهم قالوا: بان الأجزاء كالهيولي والمركب كالصورة وتسمى الصورة التركيبية. فالأجزاء حصة من الهيولي أو مصداق لها، والمركب حصة من الصورة. فقد اجتمعت هيولي وصورة. فحصلت الوحدة الخارجية من التعدد
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التحليلي. فامتنعت المقدمية.
من هذا كله يظهر ان هناك شكا معتدا به – لو صح التعبير – في كون الأجزاء والمركب موجودان بوجودين عقلا. فضلا عن التعدد العرفي فانه منتف يقيناً. ومعه لا مجال للمقدمية أكيدا. وخاصة بعد ان نلتفت إلى ان الكبرى التي نتحدث عنها شرعا عرفية وليست عقلية. لأن الأمر هنا يرتبط بالظواهر وهي عرفية.
وإذ امتنع ثبوتا اتصاف الأجزاء بالمقدمية كان البحث الآتي بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع. إذ لا معنى لاحتمال اتصافها بحكم المقدمة مع انها ليست بمقدمة إطلاقا. إذن فالبحث في الاقتضاء الذاتي للأجزاء في ان تكون مقدمات كما هو مؤدى الجهة الأولى منسد تماما.
وانما ينفتح الكلام في الجهة الثانية بعد التنزل وافتراض إمكان ذلك، فهل يوجد في جانب الحكم أو دليله مقتضي للشمول إلى الأجزاء أم لا. ومن هنا يقع الكلام في الجهة الثانية هذه.
والظاهر ان الوحيد الذي تكلم في المقتضي هو الشيخ الآخوند في هامش الكفاية. وقد ذكر عبارته في المحاضرات ولم يعلق عليها، وظاهر عبارته هو ارتضاؤه لها.
قال: انه لا مقتضي لاتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري أصلا. لأن ملاك الوجوب الغيري انما هو فيما إذا كان وجود المقدمة غير وجود ذيها في الخارج، ليقع البحث عن ان ايجاب الشارع ذا المقدمة هل يستلزم ايجاب مقدمته تبعا أم لا. واما إذا كان وجودها عين وجود ذيها في الخارج كالجزء بالإضافة إلى الكل، فلا ملاك لاتصافها به لوضوح انها واجبة بعين الوجوب
ــــــ[242]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المتعلق بالكل، وهو الوجوب النفسي. ومعه لا مقتضى لاتصافها به، بل هو لغو محض. قال: وهذا الذي أفاده في غاية الصحة والمتانة.
أقول: هذا راجع اما إلى الجهة الأولى أو الجهة الثالثة وليس وجها مستقلا في نفسه.
ورجوعه إلى الجهة الأولى يعني: ان الأجزاء ليس فيها وجود مستقل عن المركب ثبوتا ليتصف بالوجوب الغيري. يعني ان الاستحالة أنتجت استحالة اثباتية أيضاً. وهذا صحيح إلا انه راجع إلى الدليل على الجهة الأولى وهي الثبوتية وقد فرضنا التنزل عنها.
ورجوعه إلى الجهة الثالثة يعني وجود المانع من حيث ان اتصافها بالوجوب النفسي مانع عن اتصافها بالوجوب الغيري. فان إطلاق الوجوب الغيري شامل له بعد ذلك التنزل إلا انه مبتلى بالمانع.
وأولى من ذلك ان يقال: ان دليل الوجوب الغيري لا إطلاق له لأنه عقلي ونحو ذلك. فيؤخذ منه بالتصور المتيقين وهو غير هذا المورد.
واما لو تنزلنا عن الجهة الثالثة، كما هو مقتضى صناعة الاستدلال. في ان يكون كل وجه بعد التنزل عن الوجوه الأخرى. فذلك يعني انه لا مانع من ذلك. كما ان الأجزاء تصلح للمقدمية ثبوتا بعد التنزل عن الجهة الأولى. فهل المقتضي موجود فيها أم لا؟ ولا يتحصل عندئذ من دليل الآخوند اي محصل بهذا الصدد.
والحق اننا إذا ضممنا كبرى مع صغرى كان المقتضي موجودا. اما كبرى فهي وجوب مقدمة الواجب بأي دليل كان لفظي أو عقلي أو باي تقريب يتم في المستقبل. واما الصغرى فهي ان الجزاء مقدمة للمركب. وهذا يثبت بعد التنزل
ــــــ[243]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عن الجهة الأولى. فتكون حصة من تلك الكبرى. لأن المفروض وجوب المركب وكون الأجزاء مقدمة له. فتقع واجبة من هذه الناحية.
فان قلت: فان دليل وجوب المقدمة مجمل أو قل لبي وليس له إطلاق فيكون خاصاً بغير هذه الصورة، وهي المقدمات ذات الوجود العرفي الزائد.
قلنا: يمكن الجواب عليه: اما بالنسبة إلى الأدلة التي لها إطلاق فلا إشكال من هذه الناحية. فان قلت: انه لم يرد إطلاق في الشريعة بان كل مقدمة واجب واجبة. قلنا نعم. ولكن نفهم من دليل كل واجب نفسي وجوب مقدمته اما بالترشح أو بالالتزام. وهو ظهور لفظي قابل للتمسك بإطلاقه. اللهم إلا ان يقال: ان الترشح من قبيل اللازم غير البين فلا يصلح للدلالة اللفظية، فيسقط الإطلاق فيسقط المقتضي. ولكننا سبق ان قلنا انه من اللازم البين الملتفت إليه عرفا. فيكون ظهورا لفظيا يمكن التمسك بإطلاقه لكل شيء صالح للمقدمية. والمفروض صغرويا ان الأجزاء منها.
واما إذا كان وجوب المقدمة بحكم العقل، فحكم العقل لا إطلاق له.
فقد قلنا في مثله اننا يمكن ان نبحث عن نتيجة الإطلاق. ونسأل أنفسنا عن ثبوت الحكم في سائر الحصص بالتفصيل. فإذا حصلنا الجواب بالإيجاب كانت نتيجة الإطلاق حاصله.
وفي المقام نسأل ان حكم العقل في الأجزاء التي هي مقدمة موجودة أم لا. فهنا قد نجيب بالإيجاب باعتبار شمول حكم العقل لها. أو قل شموله لكل شيء ملزم من عدمه عدمه. وهذا منها.
وقد نجيب بالسلب. باعتبار ان العقل لا يدرك ان الأجزاء لها وجود زائد فإذا لم يكن كذلك لم يدرك لها حكما زائدا.
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهذا له جوابين: الأول: ان هذا خلف التنزل وافتراض مقدمية الأجزاء باعتبار ان لها وجودا زائدا بالمقدار الذي يصلح للمقدمية.
ثانياً: ان زيادة الوجود للأجزاء وعدمه بحكم العقل النظري ووجوب المقدمة بحكم العقل العملي. فهنا يقال: ان كلا من العقلين يأخذ النتيجة مسلمة من الآخر ويحكم على طبقها. فإذا اخذ العقل العملي النتيجة من العقل النظري بان الأجزاء زائدة حكم عليها بالوجوب. فتأمل … (إشارة لوحدة العقل وعدم انفصاله إلا باللحاظ والاعتبار).
واما إذا قلنا بنفي وجوب المقدمة أصلا. فان المقتضي منتفي لأي مقدمة فيكون انتفاؤها بالنسبة إلى الأجزاء ثابت أو أولى.
اما الكلام في الجهة الثالثة، وهي تصح بعد التنزل عن الجهة الأولى، ومحصله الإقرار بإمكان مقدمية الأجزاء للمركب وزيادتها عليها. والتنزل عن الجهة الثانية، ومحصلها الإقرار بوجود المقتضي الحكمي أو التشريعي لوجوب الأجزاء على فرض إمكانه ثبوتا.
ونحن قلنا في الجهة الأولى بالامتناع. ولكن المحصل في الجهة الثانية ان الأمر يختلف باختلاف الباقي، فان كان الدليل على وجوب المقدمة لفظيا كما هو الأرجح، أمكن القول بوجود المقتضي وهو الإطلاق لكل الأفراد حتى في خارج المقدار المتيقن من أمثال المقام.
إذن فنحن انما محتاجون إلى التنزل عن الجهة الأولى فقط. فهو كما كان هو السبب للدخول في الجهة الثانية، كذلك سيكون هو السبب للدخول في الجهة الثالثة.
وعنوانها: انه بعد الإقرار بالمقتضي حقيقة أو تنزلا. فهل يوجد مانع
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
حكمي أو تشريعي عن تأثير ذلك المقتضي أم لا.
وأشهر من ذهب إلى وجود المانع صاحب الكفاية . وبرهن عليه: بانه يلزم منه اجتماع المثلين وذلك: لأن الأجزاء بشرط الاجتماع عين المأمور به ذاتا وانما كانت المغايرة بينهما اعتبارا. فتكون واجبة بعين وجوبه ومبعوث إليها بنفس الأمر الباعث إليه. فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين.
وما قيل أو يمكن ان يقال في جواب ذلك عدة أمور. منها ما ذكره في الكفاية ومنها ما ذكره في المحاضرات وأمور أخرى:
أولاً: ان المفروض في هذه الجهة ان نقول بزيادة الأجزاء على المركب وإلا لامتنع ثبوتا بدون الدخول إلى هذه الجهة.
فإذا كانت هذه الأجزاء زائدة أمكن اتصاف هذا الوجود الزائد بالوجوب الغيري ولم يلزم اجتماع المثلين، لأنه انما يستحيل اجتماعهما في مورد واحد حقيقة لا في موردين. والمفروض ان الصغرى هنا محرزة ولو بالتنزل.
ثانياً: ان الشيخ الآخوند لم يتنزل عن الجهة الأولى بل بنى على صحة النتيجة فيها ولذا قال: ان الأجزاء هي عين المأمور به ذاتاً وان اختلفت معه اعتبارا. والمفروض عنده ان الاختلاف الاعتباري لا يكفي للتعدد. أقول: مع ان المفروض بعد التنزل عن الجهة الأولى اعتبار كون الأجزاء زائدة وجودا على المركب، فتصلح ان تكون صغرى للوجوب الغيري. واما إذا لم نتنزل عن الجهة الأولى كان هذا الوجه راجعا إلى الوجه المذكور هناك.
ثالثاً: إمكان القول بكفاية التغاير الاعتباري في اختلاف المحمولات الشرعية والعرفية؟، كتولي طرفي العقد في كثير من المعاملات بل يصح فيها
ــــــ[246]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
جميعا. وكذلك كل متعلقات الأحكام الثانوية التي تصبح واجبة وهي مباحة أو محرمة أو تصبح محرمة وهي واجبة أو مباحة. بل ان كل مقدمات الواجب كذلك فانها بالأصل من المباحات أو المستحبات، فتصبح واجبة بالمقدمية.
واما الوجه في إمكان ذلك فليس هنا محله ولعلنا نتوفر عليه في المستقبل بعونه سبحانه.
رابعاً: إمكان القول بان هذا ليس من اجتماع المثلين. لوضوح اختلاف ماهية الوجوب النفسي والوجوب الغيري.
إلا ان هذا يجاب بجوابين:
1- ان هذا أردأ من اجتماع المثلين، وان كان من سنخه. ومثاله في الشريعة انفعال عين النجاسة بملاقات المتنجس. فانه اخف منه فكيف يعقل انفعاله.
2- ان هذين السنخين من الوجوب متماثلان فيما هو الملحوظ في المقام، وهو البعث والتحريك وان اختلفا في التفاصيل الأخرى. فتكون كبراه هو استحالة التحريك نحو شيء حصل نحوه البعث والتحريك. وتمام الكلام في محله.
خامساً: ان هذا فرع الإقرار بالوجوب الشرعي للمقدمة. واما إذا نفينا وجوبها أصلا. فمن الواضح عدم اجتماع المثلين. وكذلك إذا قلنا بوجوبها العقلي كما هو مشهور المتأخرين. فانه يختلف موضوعا ومحمولا عن الوجوب الأخر الشرعي. اما موضوعا فلفرض التعدد أو قل لتعدد العنوان: هذا بصفته جزءا وهذا بصفته مقدمته. واما محمولا فلتعدد الحاكم. وهما: الشرع والعقل.
ــــــ[247]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
سادساً: ما ذكره في المحاضرات من الاتصاف بمقدمية الواجب النفسي للواجب النفسي كمقدمية صلاة الظهر للعصر. مع انه لم يلزم اجتماع المثلين. فما تقوله هنا قله هنا. وقد سبق ان اشرنا إلى مثله. فإذا اجتمع الاستحباب مع الوجوب ونحو ذلك من المتضادات أمكن اجتماع المتماثلات.
وحسب المستفاد من سياق المحاضرات ان الشريعة ليس فيها هذه الكبرى العقلية من استحالة اجتماع الضدين والمثلين. وانما تلك أمور محلها العلل التكوينية القهرية وليست الشرعية.
وهذا وهم عجيب، إذ مع اجتماع شرائط الاستحالة تحصل الاستحالة في كل مورد فرضت. وليست من شرائط الاستحالة منطقيا ان لا يكون موردها شرعيا. وهذا واضح. إلا ان الكلام في ان الشرائط هنا غير مجتمعة على ما هو المفروض. لتعدد المتعلق اما باختلاف الوجود أو باختلاف العنوان. أو يلتزم بزوال الأول وثبوت الثاني كما في استحباب الوضوء مع وجوبه المقدمي. أو يلتزم بزوال الأضعف مع بقاء الأقوى كوجوب الظهر حيث ندعي عدم تحقق الوجوب الغيري الأضعف.
واما في المحاضرات فقد أجاب بالحل الذي هو الجواب الآتي:
سابعاً: ما ذكره في المحاضرات من إمكان الاجتماع وعدم لزوم اجتماع المثلين، غاية الأمر انه لا يبقى الأمر بحده بل يلزم اندكاك احد الأمرين بالآخر ويكونان أمرا واحدا أكيدا. ولا يعقل بقاء كل منهما بحده. قال: سواء كانا وجوبين أو كان احدهما وجوبيا والآخر استحبابيا.
ويجاب بعدة وجوه:
الوجه الأول: ان الإشكال الوحيد ليس هو اجتماع المثلين، بل هناك
ــــــ[248]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إشكال تحصيل الحاصل، باستحالة البعث نحو ما هو مبعوث إليه في السابق رتبة أو زمانا. وهذا مما لم يجب عليه. لأنه يكون الأول نافذا والأخر لغوا. وخاصة إذا كان اضعف منه كما لو كان استحبابيا أو كان مقدميا. فان أولى باللغوية.
الوجه الثاني: انه لا يحصل الاندكاك في طول الاجتماع، وهذا واضح. لأنه في مرتبة علله. إذ لولا الاجتماع لا مورد للاندكاك. إذن ففي المرتبة السابقة عن الاندكاك يحصل الاجتماع آنا ما ثم يحصل التداخل. ففي ذلك الآن أو في تلك الرتبة يحصل المستحيل.
الوجه الثالث: ان عبارته صريحة في انه لا يبقى الأمر بحده. وهي مطلقة من حيث اجتماع أي نوعين من الأوامر. ولازمه بوضوح ان صلاة الظهر حين تكون مقدمة للعصر، لا يبقى الأمر بها بحده فكيف يمكن قصد القربة به ؟ وخاصة إذا قلنا كما عليه المشهور من عدم إمكان قصد القربة بالأمر المقدمي، فعند اجتماعهما يزول الأمر النفسي بحده. فتكون النتيجة تابعة لأخس المقدمتين. ومثلا ما لو اجتمع مع أمر استحبابي كالصلاة في المسجد ونحوه. فانه يزول حدها الوجوبي ويتعذر قصدهما إلى غير ذلك من الأمثلة.
فان قلت: فانه قال: انه يكون أمرا واحدا أكيداً. فيكون هو المتبع وباعتباره يمكن قصد القربة.
قلنا: هذا مترتب على ان النتائج هنا تتبع أقوى المقدمات لا اخسها. فما دام احد الوجوبين نفسيا قربيَا، كان المجموع كذلك.
إلا ان الأمر ليس كذلك لأنه قال: يزول الأمر بحده. ويستحيل بقاؤه لأنه يلزم منه اجتماع المثلين. فإذا زال بحده بقي الجامع وليس المجموع. إذ بقاء
ــــــ[249]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المجموع معناه انضمام احدهما إلى الآخر. واما الجامع فمعناه زوال الصفات المتعارضة. ومن الواضح، ان الجامع بين النفسي والغيري لا يكون نفسيا، والجامع بين القربي وغيره لا يكون قربيا. تماما كجامع الطلب قد نفهمه من صيغة الأمر أو مادته، فانه لا يكون إلزاميا لأنه جامع بين الوجوب والاستحباب. لأن النتائج تتبع أخس المقدمات.
………………………..
ثم ذكر في المحاضرات انه اعترض بعض الأعاظم (وظاهره الشيخ محمد حسين الأصفهاني) على الاندكاك بين الحكمين المتماثلين، بانه انما يحصل اندكاك مع وحدة المرتبة لا مع تعددها. والرتبة هنا متعددة لوضوح ان الوجوب الغيري في طول الوجوب النفسي.
وما قيل أو يمكن ان يقال في الإشكال عليه عدة وجوه:
أولاً: انه لم يبرهن على الكبرى. ولو برهن عليها لأنسد جواب المحاضرات الآتي. حيث قال بإمكان الاندكاك حتى مع تعدد المرتبة.
فان قيل: انه مع تعدد الرتبة لا يصدق الاجتماع.
قلنا: بل يصدق لأن الوحدة محفوظة من كثير من الجهات كالآمر والمكلف والمتعلق نفسه. مضافا إلى الوحدة العرفية وان تعددت عقلا.
ثانياً: ان الوجوب الغيري وان تأخر في الرتبة بطبعه مع الوجوب النفسي إلا ان هذا وحده لا يكفي للتأخر الفعلي. كما ان العلة والمعلول كذلك بطبعهما. إلا ان معلول كل علة يكون متأخرا رتبة عن علته لا عن علة أخرى لغيره. وهذا واضح في الفلسفة.
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وفي الشرعيات فان وجوب المقدمة لأي واجب نفسي متأخر رتبة عن وجوبه النفسي. كوجوب الوضوء بالنسبة إلى وجوب الصلاة نفسها. اما الوجوب الغيري المترشح من واجب آخر فهو ليس متأخرا رتبة عن وجوب الواجب الملحوظ. وفي المقام الحال كذلك حيث انه يجتمع الوجوب النفسي لصلاة الظهر مع الوجوب الغيري المترشح من صلاة العصر. وهما في مرتبة واحدة وليسا في مرتبتين.
ولا اقل ان ننفي انهما في مرتبتين ليمكن الاجتماع. وان لم نستطع ان نثبت انهما في مرتبة واحدة. إذ قد يقال بانتفاء النسبة بينهما في مثل ذلك. إلا انهما ليسا في مرتبتين على أي حال.
ثالثاً: ما ذكره بعض الأعزة بان مورد كلامنا ليس مثل الظهر والعصر، لأن كلامنا في اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري إلى جنب الوجوب النفسي، وهما في رتبة واحدة فيكون ما ذكره بعض الأعاظم وأخذه مسلما من ان الواجب النفسي والغيري في رتبتين ليس بصحيح. وفرقه عن الإشكال السابق اننا هنا نحرز انهما في مرتبة واحدة، لا اننا نشك في انهما في رتبة أو رتبتين كما في الوجه السابق وقلنا انه يكفي ان لا يكون في رتبتين لنحرز عدم الاندكاك.
لأنه يمكن ان يقال بإزائه ان الاندكاك يحتاج إلى إحراز انهما في رتبة واحدة، ويكفي الشك في ذلك لإحراز عدم الاندكاك.
وهذا وان كان على خلاف ظاهر عبارته إلا اننا لو تنزلنا عن ذلك ورد هذا الوجه لأجل إحراز انهما في رتبة واحدة.
لأن ورود الوجوب الغيري على صلاة الظهر كان بسبب خارجي. فلم يكونا في رتبتين اما هنا فورود الوجوب الغيري على الأجزاء بنفس السبب وهو
ــــــ[251]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
كونها اجزاء، فان ذلك ملاك لكلا الوجوبين فينبغي ان نقول بالاندكاك، خلافا لما قال. وقلنا بان التأخر الطبعي أو النوعي لا يكفي ما لم يحصل تأخر فعلي.
وهذا يكفي ان يكون جوابا له. لولا ان يقال: اننا إذا اعتبرنا الوحدة بين الأجزاء والمركب زال الوجوب الغيري، إذ هو فرع المقدمية والمقدمية فرع التعدد ولا تعدد.
ولكننا لو تنزلنا وقبلنا الكثرة والتعدد بين المركب والأجزاء كما هو محل حديثنا الآن. فمن الممكن ان يقال: ان الوجوب الغيري وارد إلى الأجزاء من غيرها وهو المركب فلا يكون هو والوجوب النفسي في رتبة واحدة. بل الوجوب النفسي اسبق رتبة. فيكون صغرى للإشكال السابق، ويصح تنظيره بصلاة الظهر والعصر.
ولكن لو دققنا أكثر، أمكن القول: بان الأجزاء انما تتصف بكلا الوجوبين نتيجة لوجود المركب (الذي هو غيرها على الفرض). فكلا الوجوبين وارد إليها من خارجها، فيكونان في مرتبة واحدة. لأن مرتبة المركب لا تختلف بالنسبة إلى الأجزاء في كلا الحالين.
وجوابه: اننا يجب ان ندقق في ان مورد الوجوب النفسي اسبق رتبة أو ورود الوجوب الغيري. فان اتحدا في الرتبة كان الإشكال الأخير صحيحا. وان اختلفا لم يكن صحيحا.
وحسب الوجدان فان الوجوب النفسي اسبق رتبة من الغيري. مادام متعلقه ومورده واحدا كما هو المفروض.
وقد أجاب في المحاضرات على عدم الاندكاك لتعدد الرتبة الذي ذكره بعض الأعاظم. أجاب بما محصله: ان الاندكاك انما لا يتصور بين الحكمين
ــــــ[252]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فيما إذا كانا مختلفين زمانا. واما إذا كانا متقاربين زمانا وان كانا مختلفين رتبة فلا مناص من الالتزام بالاندكاك. بداهة انه لا اثر لاختلاف الرتب العقلية في الأحكام الشرعية. لعدم ثبوتها لها. وانما هي ثابتة للموجودات الزمانية.
وقال: ومثال الاندكاك في التكوين والتشريع موجود. اما الأول فكما إذا افترضنا وجود ملاكين لاتصاف جسم بالبياض مثلا. وكان احدهما في طول الآخر رتبة كما إذا فرضنا ان اتصاف جسم ببياض سبب لإيجاد بياض آخر فيه. فالبياضان عندئذ يكونان مختلفين رتبة. إلا ان اتحادهما زمانا يوجب اندكاك احدهما في الآخر.
أقول: وهذا غريب لأنه من تحصيل الحاصل بوضوح. وكان الأولى له ان يجعل علة البياض الثاني خارجية متأخرة رتبة. إلا انه أيضاً يكون من تحصيل الحاصل. فهو مثال عاطل. ولا معنى للاندكاك في العلل التكوينية.
قال: واما في الثاني (يعني التشريع) كما لو نذر الصلاة في المسجد أو الجماعة فان لا شبهة في ان الوجوب الآتي من قبل النذر يندك في الوجوب أو الاستحباب النفسي الثابت لها. مع انه في رتبة متأخرة لتأخر ملاكه وهو رجحان متعلقه عن ملاك آخر. والسبب ليس إلا اجتماعهما في زمان واحد.
وهذا إشكاله واضح جدا، فانه خلاف ما سطر قبل صفحة أكيدا. لأنه قال قبل صفحة انهما معا يندكان ولا يبقى احدهما بحده. اما هنا فقال: ان الأمر النذري يندك في الوجوب النفسي السابق عليه رتبة. ولم يقل انه يزول عن حده. لأنه ان زال عن حده لم تجب عليه الكفارة مع انها واجبة أكيدا. كما لا يزول الوجوب الأسبق أكيدا لإمكان قصده.
إذن، فلم يحصل الاندكاك وانما حصل الاجتماع. ومن هنا لم تتبع النتائج
ــــــ[253]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أخس المقدمات وانما تبعت أقواها لان المجموع يؤثر بكل تفاصيله من كلا الطرفين. وقد أدرك ذلك ولم يتنازل عن نتائجه إلا انه سماه اندكاكا، وهو غير صحيح.
وهذا على خلاف ما قاله سابقا من انه يندك الوجوبان ويبقى وجوب واحد، ويزول الحد في كل منهما. فقد تبين ان هذا غير صحيح مطلقا بل من الممكن اجتماع الوجوب النفسي مع الوجوب الغيري، ولا يصلح الوجوب النفسي ان يكون مانعا عن الغيري. لو اقتصرنا على هذا الجواب.
وهنا قد يقال: ان الأجزاء مما يجب الإتيان به على كل حال من ضمن الواجب النفسي الأصلي، سواء كانت واجبة بالوجوب النفسي أم لا. ومن هنا لا اثر للكلام في هذه المسألة.
والكلام في هذا العنوان يقع في مستويات:
الأولى: اننا إذا نفينا الاتصاف بالوجوب الغيري ثبوتا تم المطلب وانسد باب البحث عن الأثر لأنه سالبة بانتفاء الموضوع.
الثانية: اننا إذا نفينا الاتصاف به إثباتا يعني انتفاء المقتضي، كان أيضاً سالبة بانتفاء الموضوع.
الثالثة: اننا إذا نفينا الاتصاف به لوجود المانع فأيضاً كذلك. وتطبيقا نحن نفينا المستوى الأول، ولم نستطع ان ننفي المستوى الثاني والثالث. يعني ان المقتضي موجود بعد التنزل عن المرحلة الأولى، والمانع مفقود لتعدد الوجود وتعدد العنوان والصفة على ما هو المفروض. فلا يصلح الوجوب النفسي ان يكون مانعا عن اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري.
ــــــ[254]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الرابعة: اننا لو قلنا بالاجتماع نتيجة للتنزل عن المراحل الثلاثة. فهنا يأتي إشكال هذا الفرع من المسألة الأصولية، وهي ان النتيجة اتصاف الأجزاء حقيقة بالوجوب الغيري. إلا انه لا ثمرة لذلك لأنه لا فرق في وجوبها بين اتصافها بالوجوب الغيري أم لا. لأنها تتصف بالوجوب على كلا التقديرين.
وجوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: ان نقول بالتأكد في وجوب واحد، كما أعطى القاعدة في المحاضرات. وان أهمية وجوبه تزداد بغض النظر عن زوال الحدود من كلا الوجوبين وعدمه.
إلا ان هذا غير تام لأن كلا الوجوبين يرتبطان بمركب واجب نفسي واحد. فأهميتهما لا معنى لأن تزداد على أهميته.
الوجه الثاني: ان نقول بتعدد الثواب أو تعدد العقاب مع الفعل أو الترك. وهذا فرع ان يكون للوجوب المقدمي ثواب وعقاب مستقل. وهو خلاف المشهور.
الوجه الثالث: النذر ونحوه. كما لو نذر انه لو جاء بمصداق من الواجب الغيري فانه يتصدق أو قل: إذا جاء بمقدمة واجب فانه يتصدق، واتى بالأجزاء. والمفروض اتصافها بانها مقدمة واجب للمركب فيجب عليه التصدق. وهو جيد بعد التنزلات السابقة. إلا انه عنوان ثانوي وليس عنوانا أصليا.
الوجه الرابع: ما ذكر بعض الأعاظم كما في المحاضرات من ظهور الثمرة باتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري وعدمه في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فاننا لو لم نقل بالاتصاف بالوجوب الغيري، فانه ينحل العلم الإجمالي إلى العمل التفصيلي بوجوب نفسي متعلق بذات الأقل – التسعة أجزاء – والشك البدوي في اعتبار أمر زائد، وهو الجزء العاشر. فتجري عنه أصالة البراءة.
واما لو قلنا بالوجوب الغيري للأجزاء، فان العلم الإجمالي لا ينحل كذلك. وذلك لأن مناط الانحلال هو انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل على كل تقدير، وبما ان المقام لا ينطبق كذلك، باعتبار ان المعلوم بالإجمال هو الوجوب النفسي والمعلوم بالتفصيل هو الجامع بين الوجوب النفسي والغيري. فلا انحلال في البين.
إلا ان هذا الوجه مطعون كبرى وصغرى:
اما كبرى فلعدم لزوم العلم بانطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل على كل تقدير. بل يكفي احتماله. ولعل هذا من المسلمات. فلو علمت بنجاسة إناء واحد من ثلاثة كفى العلم بنجاسة واحد تفصيلا في انحلال العلم الإجمالي مع عدم العلم بالانطباق على ذات المعلوم إجمالا. بل يُجري المشهور أصالة الطهارة في الزائد مع العلم انه يمكن ان يكون النجس فيه.
واما صغرى فلاننا إذا قلنا بحصول الوجوب الغيري. فاما ان نقول بحصول المجموع للوجوبين أو الجامع.
فان قلنا بحصول المجموع فالمجموع كما هو محتمل الوجود في الأقل محتمل الوجود في الأكثر. أو قل ان كلا نحوي الوجوب مردد بين الأقل والأكثر فتجري البراءة عن كليهما من طرف الزائد. وقد سبق ان قلنا ان الأصح في هذه المرتبة من التفكير هو المجموع. ولهذا يتصف بأقوى النتيجتين
ــــــ[256]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لا بأضعفهما.
واما إذا قلنا بالجامع فأيضاً كذلك لأننا يحصل عندنا جامعان مرددان بين الأقل والأكثر: جامع العلم الإجمالي للوجوب النفسي. والجامع في الوجوب الغيري، وكما يكون الأقل حصة من هذا الجامع فمن المحتمل ان يكون الأكثر حصة منه. فتجري البراءة عن الزائد وتتعين الحصة في الأقل.
كل ما في الأمر انه على هذا التقدير إذا نفينا الزائد بالأصل المؤمن بقي الجامع ما بين الوجوبين منطبقا على الأقل بخصوصه.
لا يقال: انه على هذا التقدير لا يمكن جريان البراءة عن الزائد. للعلم بثبوت الجامع عليه، يعني احد الحكمين النفسي والغيري. وغايته اننا ننفي الوجوب النفسي بالأصل أو احدهما، فيبقى الآخر. والظاهر ان هذه هي نتيجة ما يقوله بعض الأعاظم لا أكثر.
فنقول في جوابه: ان هذا الجامع المعلوم ثوبته في الزائد غير معلوم، بل يمكن نفي الجامع بالأصل بالمؤمن بكلا حصتيه. باعتبار كونه زائدا عن القدر المتيقن على كلا التقديرين.
أو قل: اننا نبدأ بنفي الوجوب النفسي الأسبق رتبة، وهو المجال الاعتيادي الذي يحل به المشهور هذا النحو من العلم الإجمالي. فإذا انتفى الوجوب الأسبق رتبة انتفى اللاحق لا محالة، وهو الوجوب الغيري. لأنه انما اتصف بالغيرية باعتباره جزءا فإذا انتفى ذلك بالأصل انتفت مقدميته أيضاً.
إلا انه نفي اللازم فيكون الأصل مثبتا. إلا اننا لا نحتاج إليه لبقاء الوجوب الغيري وحده وليس له طاعة مستقلة.
ــــــ[257]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فاننا لا ننفي الموضوع وهو الجزئية وانما ننفي الحكم وهو الوجوب النفسي. فإذا بقي احتمال الجزئية موجودا بقي احتمال الوجوب الغيري موجودا.
قلنا نعم، إلا انه ينتفي بالأصل أيضاً. لأنه أيضاً طرف للعلم الإجمالي، وليس لنا علم تفصيلي بالوجوب الغيري للعشرة، لأن هذا فرع العلم التفصيلي بالوجوب النفسي للعشرة، والمفروض انه غير متحقق. وانما يتحدد الوجوب الغيري المتأخر رتبة (المعلول) بحدود الوجوب النفسي، وحيث انه يدور أمره بين الأقل والأكثر فكذلك الغيري. وحيث ينتفي الأول بالبراءة، فكذلك الثاني. إذن فالثمرة من هذه الناحية غير موجودة.
وأجاب في المحاضرات على بعض الأعاظم: ان انحلال العلم الإجمالي وعدمه في تلك المسألة يرتكزان على نقطة أخرى وهي جريان أصالة البراءة عن وجوب الزائد وعدم جريانها. ولا صلة لها باتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري وعدم اتصافها به.
وان شئت قلت: ان الأمر بالمركب إذا لم يكن أمراً بالأجزاء فلا موجب لانحلال العلم الإجمالي. وان كان الأمر به عين الأمر بالأجزاء -كما هو كذلك-. تعين القول بالانحلال بناء على ما حققناه من عدم المانع من جريان البراءة عن الزائد. وعلى كلا التقديرين لا فرق بين القول بوجوب الأجزاء غيريا أو عدمه.
وجواب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: ان بعض الأعاظم تكلم في المسألة بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة في الأقل والأكثر. فان هذا نأخذه مسلما ومعنونا
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عليه. وليس الأمر هنا موقوفا على تلك المسألة. نعم لو منعنا هناك من جريان البراءة كان المنع سارياً لمسألتنا. إلا ان المنع هنا من جهة أخرى. وليس فقط من حيث المنع في تلك المسألة. فلا دخل عمليا للمنع هناك بالمنع هنا، بل للمنع هنا ملاك يخصه.
المستوى الثاني: انه قال: اما ان يكون الأمر بالمركب أمرا بالأجزاء واما ان لا يكون أمرا بالأجزاء. وهذا تعبير آخر عن شمول الأمر النفسي للمركب إلى الأجزاء. إلا ان هذا فرع وحدة وجود المركب مع الأجزاء. والمفروض هنا هو التعدد. ومع التعدد لا يكون الأمر بالمركب أمرا بالأجزاء. والتعدد هو المفروض هنا. ومعه لا ينبغي ان نأخذ عينية الأمر مسلما في هذا الصدد كما فعل. ومعه فقد لا نقول بالانحلال وجريان البراءة عن الزائد، إذ قد يصبح طرفي العلم الإجمالي متباينين وليس اقل وأكثر.
المستوى الثالث: اننا ان قلنا بجريان البراءة عن الوجوب النفسي للزائد، بقي الوجوب الغيري له. فيجب امتثاله من هذه الناحية.
اللهم إلا ان نصير إلى ما قلناه:
1- من ان انتفاء الوجوب النفسي بالأصل يقتضي انتفاء الوجوب الغيري، فتأمل.
2- اننا يمكن ان نجري عن الوجوب الغيري أصالة البراءة أيضاً لأنه أيضاً مردد بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
3- ان نصير إلى نتيجة البراءة. لأن بقاء الغيري وحده ليس له محركية وطاعة مشهوريا.
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فلو نفينا جريان الأصل عنه، لم يكف جريان البراءة عن الوجوب النفسي في الزائد، بل يتعين الإتيان به مقدمة للمركب.
فان قلت: فانه بقي محتمل الوجوب وليس أكيدا، فلا يجب امتثاله.
قلنا: هذه نتيجة القول بعدم حصول الوجوب الغيري أصلا كما هو الصحيح. واما مع وجوده، فمقتضى الاحتياط العقلي وجوبه. لفرض عدم جريان البراءة الشرعية عنه بصفته غيريا، وعدم جريان البراءة العقلية في الشبهات الحكمية، على ما هو الصحيح. فيتعين الاحتياط العقلي بالامتثال.
الثمرة الأخرى: ما قاله بعض الأعزة: من انه إذا سقط الأمر النفسي باعتبار المزاحمة مع واجب أهم أمكن بقاء الوجوب الغيري للأجزاء.
قلنا: ان هذا لا يتم:
1- لأن الوجوب الغيري فرع الوجوب النفسي ومعلول له. فإذا سقطت العلة سقط المعلول. والمفروض هنا سقوطه بالأمارة لا بالأصل.
2- انهم قالوا: ان الوجوب الغيري ليس له امتثال مستقل.
3- انه يمكن جريان البراءة عن الوجوب الغيري بعد سقوط النفسي. إلا ان يحكم عليه استصحابه في المرتبة السابقة.
4- انه أيضاً يقع طرفا للمعارضة. لأن المهم في المعارضة هو الإتيان بالمركب وهو متعلق لكلا الوجوبين.
قالوا: هذا تمام الكلام في تقسيم المقدمة إلى المقدمة الداخلية والخارجية. ويعنون بالداخلية الأجزاء وبالخارجية غيرها مما يتوقف عليها
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وجود الواجب.
وقلنا في أول البحث: ان البحث هنا ليس عن أحكام الأقسام. فانها ان صحت، كانت مشمولة لحكم وجوب مقدمة الواجب شرعا أو عقلا ونحو ذلك مما يستنتج في محله بعونه تعالى.
وانما الكلام في هذه التقسيمات عن صحة التقسيم يعني عن وجود هذين التقسيمين أو الأقسام. فلو كانت موجودة، صح التقسيم وإلا بطل.
وقد عرفنا ان الأجزاء ليست مقدمة للمركب. لأن المقدمية فرع التكثر والتعدد في الوجود. وهو غير متحقق. إذن، فما يسمى بالمقدمة الداخلية غير موجود، إذن فهذا التقسيم باطل. والنتيجة انحصار المقدمة بالمقدمة الخارجية.
المقدمة العقلية والشرعية والعادية :
ويستمر الشيخ الآخوند بذكر أقسام المقدمات. وحق معه من هذه الناحية. لأننا لابد ان نعرف موضوع المسألة قبل معرفة محمولها. والأقسام تدخل في باب معرفة الموضوع، فيتقدم الكلام عنها.
قال: ومنها تقسيمها إلى العقلية والشرعية والعادية. فالعقلية هي ما يستحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدونه. والشرعية على ما قيل: ما أستحيل وجوده بدونه شرعا (لأن الامتناع الشرعي كالامتناع العقلي).
ولكنه لا يخفى رجوع الشرعية إلى العقلية، ضرورة انه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا إلا إذا اخذ فيه شرطا وقيدا. واستحالة المشروط والمقيد بدون شرطه وقيده يكون عقليا.
أقول: مثال العقلية حصول المكان والزمان فيما له مكان وزمان. كالحج
ــــــ[261]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
سفرا ووقتا. ومثال الشرعية: المقدمات التعبدية كالطهارات الثلاث.
فان قيل: فان النتيجة تتبع أخس المقدمات، فإذا تكونت المقدمات من مقدمة عقلية وشرعية كانت النتيجة شرعية. وبهذا يتحد المـثالان. لأن مثال المقدمة العقلية وهو الحج، فيه أمر شرعي. ولولاه لم يلزم هو ولا مقدمته.
جواب ذلك من أكثر من وجه:
أولاً: من الممكن القول ان النظر ليس إلى البرهان المتكون من عدة مقدمات لكي يقال: ان النتيجة تتبع اخسها. وانما الكلام هنا عن مفهوم تصوري للمقدمة فقط والتقسيم هنا قائم على مستوى التصور لا على مستوى التصديق.
ثانياً: اننا لابد ان نتحدث فيما هو المدار عن كلامنا في الفقه والأصول، وهو موضوعات ومتعلقات الأحكام الشرعية. لا اننا نتحدث عن أمر تكويني صرف. فافتراض ان الشيء متعلق لأمر أو نهي أو نحو ذلك، لابد منه ومعه تكون كل النتائج شرعية لا عقلية لا تتبع الاخس.
فالمدار في تعريفها هو النظر إلى ما كان في طول ذلك أو بغض النظر عن ذلك مع الاعتراف بأصل وجوده ضمنا.
وبمعنى آخر ينبغي القول: ان النتيجة تتبع أقوى المقدمتين لا اخسها. لكي تصح التسمية، فالقياس المتكون من مقدمة عقلية ومقدمة شرعية، تكون فيه النتيجة عقلية، والمتكون من مقدمتين شرعيتين نتيجة شرعية.
وإذا سرنا بهذا المسار، تعين ما قاله الشيخ الآخوند من حكم العقل بالاستحالة في العقلية وحكم الشرع بالاستحالة أو بالبطلان في الشرعية.
ــــــ[262]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلا ان هذا المسار غير مطابق للقاعدة، لأن النتائج دائماً تتبع أخس المقدمات لا أقواها. ولا نستطيع ولا في مبحث واحد ان نستثني من ذلك شيئا.
وانما المهم هو الاتجاه الأول، وهو إيجاد المفهوم التصوري الصحيح للمقدمة، بغض النظر عن اندراجها في القياس المنتج.
وعندئذ وجب ان ننظر إلى الحاكم بالمقدمية لا بالاستحالة. لمنافاته مع هذا التقسيم. لأن الاستحالة خاصة بالعقل. واما الشرع والعرف فليس لديه استحالة. وانما عندهما حكم بالمقدمية. غاية الأمر اننا تارة ننظر إلى طرف الوجود وأخرى إلى طرف العدم.
فنقول في طرف الوجود: ان العقل هو الذي حكم بالمقدمية. أو الشرع حكم بها أو العرف حكم بها. وهذا يكفي جدا في تقسيم المقدمة تصوراً.
ونقول في طرف العدم، وهو الطرف الذي لاحظه الشيخ الآخوند كما سنرى. وهو ان نلاحظ حال ذي المقدمة بدون تلك المقدمة المنظورة. أو قل: ننظر إلى حال المشروط بدون شرطه. وعندئذ ستتحول كل المقدمات عقلية باعتبار انطباق تلك الكبرى العقلية عليها. بغض النظر عما قلناه من ان هذا أسلوب لتقديم أقوى المقدمات لا اخسّها.
وكذلك من هنا ارجع في المحاضرات وكذلك الاخوند كل الأقسام الثلاثة المتقدمة إلى المقدمة العقلية، لأنه ناظر إلى الجانب السلبي. وهو نظر غير صحيح كما لاحظنا.
وفي الكفاية: قسم المقدمة العادية إلى احتمالين يرجعان أيضاً إلى تشخيص الحاكم بالكبرى في القياس:
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأول: ان الحاكم بالتوقف هو العرف صرفا، كتوقف الاحترام على القيام أو على التحية أو على الإكرام.
الثاني: ان الحاكم بالتوقف هو العقل العادي، ونريد به المعتاد على النظر إلى المكان والزمان الذي يعيش فيه. كالصعود بالسلم إلى أعلى لامتناع الطيران في نظر العقل العادي، والا فهو ممكن ذاتا وحاصل بالوسائل، كالصناعة والمعرفة.
فإذا نظرنا إلى الحاكم – كما هو الصحيح – سمينا كل مقدمة باسمه. الذي هو الجانب الايجابي في هذا المسلك. وان نظرنا إلى الجانب السلبي، كما نظر المشهور يعني عدم النتيجة عند عدم المقدمة، كانت كلها عقلية حقيقة، حتى أدناها وهي العرفية. لأن العرف ما دام يرى توقف الاحترام على شيء لم يوجد بدونه عقلا. لأن المشروط عدم عند عدم شرطه. نعم، في التصور العقلي إمكان ان يوجد الاحترام في أمور أخرى كالنحنحة. إلا انه خلف تعيين الحاكم الذي أحرزنا انه لا يرى ذلك مقدمة للاحترام.
ونفس الشيء نقوله بالمقدمة الأخرى. وهي ما كان الحاكم فيها العقل الاعتيادي أو الطبيعي، يعني المعتاد على القوانين الطبيعية والمكان والزمان ونحوه. فاننا إذا نظرنا إلى جانب العدم، كانت عقلية. وإمكان غيرها عقلا، مصادرة على الموضوع، وخلف تعيين الحاكم بذلك.
وعلى أي حال، فإذا أرجعنا ما هو مذكور في الكفاية إلى هذا الذي قلناه وهو تشخيص وتعيين الحاكم، كان صحيحاً. ولكنه في الكفاية نظر إلى الجانب السلبي، فارجع كل المقدمات إلى العقلية، إلا واحدة وهي العرفية. وزعم انه يمكن تحقق ذيها بدونها، وانها غير داخلة في محل النزاع.
ــــــ[264]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فهنا أمران:
الأمر الأول: في انها يمكن تحقق ذيها بدونها.
نقول: هذا الإمكان بحكم مَنْ ؟. فان كان بحكم العرف (كما هو المفروض)، فهو لا يرى الإمكان وان كان بحكم العقل. فهو خلف كون الحاكم هو العرف. وانما العقل يحكم هنا باستحالة وجود ذي المقدمة العرفي بدون المقدمة العرفية. لأن المشروط عدم عند عدم شرطه عقلا. أو قل: يلزم من كلامه عدمه عقلا في طول الاشتراط العرفي.
والا، فكل المقدمات (مما لا يحكم بها العقل الصرف) يمكن إبدالها. حتى الطيران إلى السطح ممكن عقلا. يعني ان مخالفة القوانين الطبيعية ممكن، فضلا عن القوانين الشرعية. فلا تبقى مقدمة حقيقة داخلة في محل الكلام أصلاً، إلا المقدمات العقلية الصرفة. مع ان الأمر ليس كذلك أكيداً. لدخول السفر إلى الحج والطهارات الثلاث في محل الكلام أكيداً.
الأمر الثاني: حول ما قاله من ان المقدمات العرفية خارجة عن محل النزاع، والسبب في رأيه هو كون التوقف حقيقة غير موجود فيها.
جوابه: انه مطعون كبرى وصغرى.
اما كبرى. فلأننا عرفنا قبل قليل ان التوقف موجود فيها.
واما صغرى. فلإمضاء كثير من الأمور العرفية في الشريعة. نعم، لو كان عرفا محضا، خرج عن محل الكلام.
إلا انه في الإمكان القول ان بين الشرع والعرف عموما وخصوصا من وجه من ناحية تطبيقية. وان محل الالتقاء من كلتا الناحيتين كثير. بحيث ان الشرع
ــــــ[265]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أمضى أكثر ما عليه العرف، بحيث ان 90% من العرف أصبح شرعيا، كما ان 90% من الشرع هو عرفي، كالمعاملات وغيرها. ولا يوجد تعبدي في الشرع إلا قليلا.
فالمهم ان ما أمضاه الشرع من العرف أصبح شرعيا وله مقدماته ونتائجه. فيدخل في محل الكلام. لكن لا من حيث كونه عرفيا بل شرعي. إلا ان هذا لا ينافي صدق العرفي عليه أكيداً:
1- لأنه مؤسس منذ السابق تأسيسا عرفيا.
2- لأنه لا زال متعارفا لدى العرف.
وفي المحاضرات ذكر بهذا الصدد: ان المقدمة للكون على السطح هو الجامع بين الطيران ونصب السلم. وحيث ان الفرد الأول غير متحقق، فانحصر الجامع بالفرد الأخير، وهو نصب السلم. فإذن ترجع المقدمة العادية على ضوء هذا التفسير إلى المقدمة العقلية، فلا معنى لذكرها في قبالها.
فهنا أمران: الأمر الأول: انه أرجعها إلى المقدمة العقلية وقد عرفنا سبب ذلك، وهو انه نظر إلى الجانب السلبي تبعا للمشهور، وهو انه يلزم من عدمه عدمه. ولم ينظر إلى الجانب الايجابي، وهو تعيين الحاكم.
الأمر الثاني: انه قال: ان المقدمة هو الجامع بين الطيران ووضع السلم. وهذا صحيح نسبيا، لأن المهم للشارع الذي يأمر بالكون على السطح هو الكون على السطح. والمهم بالمكلف ان يتوصل إلى ذلك بأية مقدمة ممكنة. إذن، فالمقدمة حقيقة هو ما يوصل إلى الكون على السطح، وهذا قد يكون هو وضع السلم أو الطيران أو غيرهما. فالجامع قد يكون اعم من هذين الفردين.
ــــــ[266]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا إذا نظرنا إلى الجانب السلبي، كما فعل المشهور. واما إذا نظرنا إلى الجانب الايجابي وهو تعيين الحاكم. فالحاكم ان كان هو العرف فليس عنده ان المقدمة هو ذلك الجامع بل خصوص وضع السلم أو الجر بالحبل مثلا. وليس الطيران بدون آلة مساعدة عليه. وكذلك لو نظرنا إلى العقل العرفي فانه ينتج نفس الشيء. وانما يثبت الجامع في نظر العقل المحض، إذا لم يأخذ العرف بنظر الاعتبار. وقد عرفنا ان حكم العقل في طول حكم العرف أيضاً بالاستحالة. فلا يكون ذلك الجامع ثابتا لديه في هذه المرحلة. يعني ان من ينظر نظرا عرفيا يتعين عليه وضع السلم ويمتنع عليه الطيران عقلا. إلا ان النتيجة عندئذ تكون عرفية لا عقلية، لأنها تتبع أخس المقدمات.
وعلى أي حال تنقسم المقدمة إلى الأقسام الثلاثة: العقلية والشرعية والعرفية. وبعد تقسيم العرفية إلى قسمين، تكون الأقسام أربعة. وذلك بلحاظ الحاكم. ومع ذلك، فالتوقف في جميعها عقلي، فلا ينبغي إخراج أي منها عن محل الكلام، ما دام داخلا في حيز الشريعة ومقدمة لبعض المتعلقات الشرعية.
مقدمة الوجوب ومقدمة الصحة ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم :

ثم قال الشيخ الآخوند: ومنها تقسيمها إلى مقدمة الوجود ومقدمة الصحة ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم. وينبغي ان يقع الكلام على مستويين:
أولهما: بيان نوع الضابط في هذا التقسيم. وهو مما لم يذكر في المصادر. إلا ان تركه تسامح في المنهج العلمي والعقلي، لا يعذر عليه المحققون.
وثانيهما: بيان ما هو داخل في محل الكلام وما هو خارج بعد ثبوت اصل وجوده.
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
اما المستوى الأول: فالظاهر ان الضابط في ذلك هو التعدد في المرتبة. لأن هذه الأقسام متسلسلة رتبة من حيث اتصالها بالتشريع المقدس. فأولها: مقدمة الوجوب. لأن السؤال أولاً هل هذا واجب أم لا. فان لم يكن واجبا، أهملناه. ولا مقتضى لوجوده، وان كان واجبا، جاء دور الكلام عن وجوده. وهو السؤال عن مقدمة الوجود في الجملة. وهي المسماة بمقدمة الواجب بلحاظ آخر. يعني مقدمة وجود الواجب.
فإذا فرضنا تحقق الوجود في الجملة، جاء السؤال عن ان هذا الموجود هل هو صحيح أم لا ؟ وهو الحديث عن مقدمة مقدمة الصحة. بغض النظر عن المناقشات الآتية.
ثم إذا فرضناه موجودا صحيحاً ثبوتا، جاء دور الإثبات والعلم بذلك. وهو الحديث عن مقدمة العلم أو المقدمة العملية.
المستوى الثاني: فيما هو داخل من ذلك في محل الكلام وما هو خارج. وما هو خارج اعم مما هو باطل في نفسه من المقدمات. أو هو صحيح، ولكنه خارج عن محل الكلام. لعلة تخصه.
فينبغي الكلام في كل مقدمة على حدة.
والقدر المتيقن مما هو داخل في محل الكلام، هو مقدمة الوجود. يعني مقدمة الواجب. لأنه عنوان البحث حقيقة. وان المتعلق (يعني ان كان مأمورا به) فهل تكون مقدماته المساعدة على وجوده مأمورا بها أم لا ؟ ولا حاجة هنا إلى الحديث عنها أكثر من ذلك. مع كون الباب كله مفتوحا لأجلها.
واما مقدمة الصحة. فقد أرجعها في الكفاية إلى مقدمة الوجود. يعني انها هي نفسها مقدمة الواجب. قال: ولو على القول بكون الاسامي موضوعة
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للأعم. ضرورة ان الكلام في مقدمة الواجب، لا في مقدمة المسمى بأحدها كما لا يخفى. وبتعبير آخر: ان المفروض وجود الواجب وجودا صحيحا، بحيث يقع امتثالا للحكم الشرعي. لكي نتحدث عن وجوب مقدمته. وليس وجود الواجب كيفما كان، ولو كان باطلا.
ومن هنا لا يكون للوضع للأعم دون الصحيح دخل هنا. لأنه مبحث لغوي. لأن الاعمي لا يرى الباطل مصداقا مجزيا. على اننا ذهبنا إلى الوضع للصحيح متشرعيا، وان قلنا بالوضع للأعم عرفيا.
ومعه لا وجود لمقدمة الصحة بشكل منعزل عن مقدمة الوجود، بل كلها تندرج في قسم واحد. هي مقدمة الواجب الذي هو عنوان المسألة ومحل الكلام.
فما قاله في المحاضرات من انه لا بأس بهذا التقسيم، ليس بصحيح تصورا فضلا عن التصديق. والحق مع صاحب الكفاية الذي حذفها من الأقسام الأربعة. فبقيت الأقسام ثلاثة. فالتقسيم الرباعي غير صحيح.
نعم، سواء قلنا بوجودها كقسم مستقل أو لم نقل، فهي داخلة في محل الكلام. وهذا غير صحة التقسيم في المرتبة السابقة عن حكمه.
واما مقدمة الوجوب. فيراد بها السبب الذي يؤدي إلى حصول الوجوب. وما لم يوجد السبب فلا وجوب. وهو عبارة عن موضوعات الأحكام الشرعية، كالاستطاعة للحج والحضر للصوم، والإتمام في الصلاة. فإذا حصل الموضوع أو مقدمة الوجوب، حصل الوجوب. وإذا انتفى، انتفى.
ومن الواضح فقهيا عدم اتصاف الموضوعات بالأحكام المترتبة عليها، ومن هنا لا تكون هذه المقدمة واجبة بأية حال. واليقين قائم بعدم وجوبها. فلا
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تدخل في محل الكلام. لأن محل الكلام عن المقدمات المشكوكة الوجوب أو المحتملة الوجوب. واما قطعية العدم. فلا معنى لبحثها.
واما الاستدلال على كونها غير واجبة، فمن أكثر من وجه:
الوجه الأول: ما ذكره في المحاضرات: من انها أخذت مفروضة الوجود في الخارج في مقام الجعل، فلا يعقل إيجابها من هذه الناحية، إلا بعنوان ثانوي كالنذر.
الوجه الثاني: ما ذكره في الكفاية وعرضه في المحاضرات. من انها بصفتها سببا لوجود الواجب. إذن لا وجوب قبل وجودها لكي تنتظر ان يترشح الوجوب عليها. فان الوجوب قبل وجودها معدوم. وبعد وجودها يكون وجوبها تحصيل الحاصل. أو الأمر بالحاصل. لأنها موجودة فعلا. فكيف يعقل توجيه الأمر بإيجادها ؟
الوجه الثالث: ان مقتضى رتبة وجودها هو تقدمها رتبة على الأمر. وانما يترشح الوجوب على المقدمات المتأخرة رتبة عن وجوده، وهي مقدمات الوجود أو مقدمة الواجب. لا ما كان متقدما عليه. ويستحيل ان يترشح على المتقدم. لأنها في تلك المرتبة غير موجودة.
الوجه الرابع: ان الشارع جعل ذمة المكلف فارغة عنها. وانما كلفه بها، بعد فرض حصولها صدفة. سواء كان بالاختيار، كالحضر للصوم، أو بدونه، كالوقت للصلاة.
وكل هذه التقريبات ترجع إلى محصل واحد.
وهذه النتيجة صحيحة في نفسها، إلا انها منقوضة بمورد واحد، أو قل
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
حصة واحدة، وهي المقدمات المفوتة. من حيث انها في ذاتها مقدمات وجوب فلا تكون واجبة. ولكن تفويتها يلزم منه تفويت الواجب. ومن هنا الزم الشارع بها، كالسفر للحج. وهذا ما يأتي الكلام عنه في فصل خاص بها.
وموجز القول فيه: ان مقتضى القاعدة فيها عدم الوجوب. لأنها بدونها يكون المكلف عاجزا عن الامتثال، فيكون خارجا عن الخطاب والملاك، بنحو السالبة بانتقفاء الموضوع. إلا ان رغبة الشارع في بعض الواجبات على خلاف ذلك. فمن اللازم مثلا ان يبقى الحج مستمرا طول السنين. ومن هنا قد يرد دليل خاص على وجوب مقدمة مفوتة بعينها أو بعنوانها التفصيلي. لئلا يلزم ذلك المحذور. وهو لازم لا محالة على القاعدة. وبدون الوجوب الخاص بها لا يمكن القول بوجوبها على القاعدة.
فان قلت كما قال بعض الطلاب: ان هذه النتيجة غير شاملة للشرط المتأخر. لأن الشرط المتأخر ليس مقدمة عرفا باعتبار تأخره. بل يختص بالمقدمات المتقدمة والمقارنة.
قلنا: أولاً: ان كلامنا في المقدمات عموما وهو يعم كل شيء دخيل في الواجب غير الأجزاء. وقد أعطى المشهور له القاعدة: انه دخيل تقيدا لا قيداً. وهذا يشمل الشرط المتأخر.
وبتعبير آخر: ان المهم هو نظر الشارع في كونه مقدمة أو شرط ونحو ذلك. وليس هو نظر العرف. ولم يرد دليل ان المقدمة واجبة لنفهمه فهما عرفيا وتخرج من حيزه الشرط المتأخر.
ثانياً: اننا الآن نتكلم في مقدمات الوجوب، وانها لا تكون واجبة. فان وجد لها شرط متأخر، فهو غير واجب كالمتقدم. لا اننا نتكلم عن اتصافه
ــــــ[271]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالوجوب ونستبعده.
ثالثاً: وهو العمدة: ان مقدمات الوجوب ليس فيها شرط متأخر، وانما ذلك خاص بمقدمات الوجود التي هي مقدمات الواجب. ومن هنا طرق سمعنا ان الشرط المتأخر يجب إيجاده، إذا قلنا بوجوب مقدمة الواجب.
واما ان يكون حدوث الشيء المتأخر دخيلا في وجوب شيء متقدم عليه. فهو ان لم نقل باستحالته، لا وجود له في الشريعة أكيداً.
ونلاحظ في المحاضرات قال: ان مقدمة الوجود خارجة قيدا وتقييدا، بينما اعتبر مقدمة الصحة خارجة عن المأمور به قيدا وداخلة تقيداً.
وهذا غريب لأكثر من وجه:
أولاً: ما قلناه من رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود، إذ لا نتصور للامتثال وجود غير صحيح. والا لم يكن امتثالا قط. وان كنا أعميين بالتسمية. فكل شيء يساعد على صحته انما يساعد على وجوده الشرعي كامتثال. وكل المقدمات انما تنتج نفس هذه النتيجة. فلنا ان نسميها جميعا مقدمات صحة. لوضوح ان أية واحدة منها يلزم من عدمها عدم الصحة. كما لنا ان نسميها مقدمات وجود، أي وجود الامتثال وليس اصل الطبيعة، ولو كانت باطلة. لأنه يلزم من عدمها عدم الامتثال. وهذا يكفي.
إذن، فتفصيله بين المقدمتين ساقط.
ثانياً: انه زعم ان مقدمة الوجود خارجة عن المأمور به قيدا وتقيدا. وهذا غريب وساقط لأن هذه الحال وهو خروجها تقيدا مضافا إلى خروجها قيدا، يعني انها ليست شرطا إطلاقا في الواجب، وهو خلف مقدميتها. وكأنه لم
ــــــ[272]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يلتفت إلى ان مقدمة الوجود هي نفسها مقدمة الواجب، كما سبق ان قلنا.
نعم، مقدمة الواجب خارجة عن الواجب قيدا وتقيدا. لأنها سبب الوجوب وموضوعهُ، لا سبب الواجب وامتثاله. ولا معنى لتقيد الواجب بموضوعه، وانما يتقيد حكمه وهو الوجوب به.
ومن الواضح ان الخلط بين مقدمة الوجوب ومقدمة الوجود مما لا يعذر عليه فاضل، فضلا عن محقق.
إلا انه ليس لديه خلطا حسب ظاهر كلامه. لأنه قال: واما مقدمة الوجود وهي التي يتوقف وجود الواجب على وجودها خارجا، بحيث لولاها لما حصل الواجب نفسه. فهي تعود إلى المقدمة الخارجية بالمعنى الأخص، وهي التي خارجة عن المأمور به قيدا وتقيدا. وقلنا: ان هذا خلف مقدميتها وشرطيتها. كما انه خلف كونها هي نفس مقدمة الواجب الداخلة في عنوان الفصل.
المقدمة العلمية :
واما المقدمة العلمية، فالكلام فيها موضوعا تارة وحكما أخرى.
اما موضوعا، فهو ما اشرنا إليه من انه بعد إسقاط مقدمة الصحة تبقى مقدمتان ثبوتيتان ومقدمة اثباتية.
فمقدمة الوجوب، هي شرط ثبوت الحكم. ومقدمة الوجود أو مقدمة الواجب هي شرط ثبوتي للمتعلق أو للامتثال. واما المقدمة العلمية، فهي شرط إثباتي للمتعلق. أي علمي كما هو المناسب مع اسمها، ولا دخل لعالم الثبوت بها.
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ومن هنا يتضح أمور: احدها: انه يراد بالمقدمة العلمية كونها شرطا اثباتيا للمتعلق أو الامتثال، وهذا المعنى لا يعم ما كان مقدمة لمعرفة الحكم. وهو التعلم أو الفحص. كما في رواية: لماذا لم تتعلم. فان ذلك إثبات للحكم، وهذا إثبات للمتعلق.
ثانيهما: انه يتصور بين الإثبات والثبوت عموم من وجه. فقد يكون الإثبات حاصلا والثبوت قاصراً. وقد يكون الثبوت متحققا وإثباته قاصرا. وقد يكونان مجتمعين.
ثالثهما: ان المهم في الإثبات حصول العلم بحصول المتعلق على وجهه الكامل، جامعا للشرائط وفاقدا للموانع. واما هذه الزيادة التي يقترحها المشهور ويسميها بالمقدمة العلمية، فلا دخل لها إطلاقا بالامتثال، وانما هي مجرد احتياط وزيادة استحبابية.
وحسبنا من ذلك ان نلتفت إلى ان المكلف قد يكون عالما بحصول الامتثال بحده. إلا انه يضيف هذه المقدمة. وعندئذ، لا تكون هذه المقدمة مقدمة للعلم. لأنه من تحصيل الحاصل. ولا يحتمل وجوبها بعد إحراز الامتثال.
رابعها: اننا إذا قصدنا من الإثبات مجرد العلم بحصول الامتثال الكامل. كان معنى شاملا لكل الواجبات والمحرمات. بل الأحكام الأربعة كلها عدا الإباحة. واما إذا قصدنا الزيادة، كما عليه المشهور، كان خاصا ببعضها دون بعض مما هو قابل لها. ومن أهم ما يخرج منها: الصلاة، التي هي محل اهتمام الفقهاء والأصوليين في التمثيل بها.
فان قلت: فان هذا موجود كثيرا في مثل هذا الوقت وغيره. فيجب الإفطار
ــــــ[274]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بعد الغروب، من باب المقدمة العلمية.
قلنا: أولاً: ان هذا في نفسه غير واجب. مع فرض العلم بمقارنة الإفطار لسقوط القرص أو ذهاب الحمرة.
ثانياً: ان هذا راجع إلى الاستصحاب. والمفروض ثبوت وجوب هذه الزيادة في نفسها شرعا، بغض النظر عن الأصول العملية.
وفي الكفاية، اعتبر ان المقدمة العلمية خارجة عن محل النزاع. بمعنى انه من الأكيد عدم وجوبها الشرعي (بداهة عدم اتصافها بالوجوب). لأنها خارج حد المتعلق الواقعي على ما هو المفروض. إلا انه ذكر ان العقل يستقل بوجوبها. لأنه من باب وجوب الطاعة إرشاداً. ليأمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز.
وقد ظهر الإشكال فيه. لأنه في الإمكان إحراز الامتثال بدون زيادة، مما يسمى بالمقدمة العلمية.
وبتعبير آخر: ان هذا العمل، هل هو من المأمور به أو خارج عنه، فان كان ضمن المأمور به فليس هو مقدمة، بل يشمله الوجوب النفسي، إلا إذا قلنا ان الجزء مقدمة، وقد نفيناه. وان كان خارجا عن المأمور به. فلا يحتمل ان يكون واجبا شرعا، لأن وجوبه خلف كونه خارجا. إذن، فلا تصدق عليه الطاعة الواجبة عقلا. لأنها فرع التكليف. ولا تكليف. وبتعبير آخر: ان حكم العقل في طول حكم الشرع. ومع الاعتراف بعدم حكم الشرع، لا يبقى لحكم العقل مجال.
نعم، في الإمكان الاعتذار عن ذلك بجريان الأصل النافي للإتيان بالمأمور به الكامل، مكانا وزمانا. وعندئذ يجب على المكلف الإتيان بالمقدمة العلمية
ــــــ[275]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التي تقطع هذا الأصل، وتبدل الشك باليقين بالامتثال.
وهذا جيد لو لم يكن تحصيل العلم ولو عرفا بالامتثال الكامل. ولكن مع ذلك يرد عليه عدة أمور:
أولاً: ان هذا حكم شرعي ظاهري بوجوب المقدمة وليس عقليا.
ثانياً: انه قد يكون وهميا واقعا، فيما لو زاد الامتثال عن المطلوب، ولو قليلا. ولا دليل في الشرع ولا في العقل على طلب الزائد. اما في الشرع فواضح. لأنه خارج عن المأمور به. واما في العقل. فلأن وجوب الطاعة العقلية في طول وجود الأمر الشرعي، وهو منتف.
نعم، قد يقال: بوجوب مثل هذه المقدمة عقلا بعنوانها. وعندئذ لا يكون حكم العقل بالطاعة هو النافذ هنا. وانما حكم عقلي زائد على ذلك بلزوم إحراز الطاعة والاحتياط بالإتيان بالمتعلقات الشرعية. أو قل: بالوجوب العقلي للانقياد من هذه الناحية. والمفروض بهذا الحكم العقلي، ان لا يكون في طول الحكم الشرعي في ورده، بل في طول اصل وجوده.
ويدعم ذلك، بعنوان ان طاعة الله سبحانه من الأهمية بحيث لا يمكن التسامح فيها والغض عن إحراز متعلقاتها الكاملة. بل يحكم العقل بوجوب الانقياد المقدمي أيضاً، ولو لم يكن الحكم الشرعي موجودا.
إلا انه يمكن الطعن بذلك صغرى وكبرى.
اما كبرى. فللشك بوجود مثل هذا الحكم العقلي:
1- بعد فرض إمكان تحصيل العلم العرفي بالامتثال.
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- ان المصلحة ترجع إلى المكلف لا إلى المولى. فالأهمية انما هي بمقدار أهمية مصلحة المكلف ليس إلا.
وبتعبير آخر: انه هل يوجد شك في كمال الامتثال أم لا. فان لم يوجد شك، فلا معنى للحكم العقلي مع إحراز الامتثال. وغاية ما قيل، هو وجوب الانقياد مع الاحتمال لا مع إحراز الامتثال. وان وجد شك، كان نفس الحكم الشرعي كافيا في الدفع نحوه ولا حاجة إلى حكم العقل. فان وجد حكم العقل هنا، فهو حكم بوجوب الطاعة، وليس زائدا عليها.
واما صغرى، فلإمكان النقض ببعض الموارد. كالصوم ما بين سقوط القرص إلى ذهاب الحمرة. فهل ينوي القربة القطعية، أو الرجاء. أو لا ينوي شيئا ؟. فان لم ينوي شيئا قط، خرج العمل عن كونه عبادة. وان نوى القربة القطعية كان خلف كونه حكما عقليا وخاليا عن الحكم الشرعي أو محتمل الخلو منه. فيتعين قصد الرجاء، وهو مما لا يقبله المشهور، حسب ما اعرفه من مقاصدهم.
ثم ان هذه الزيادة تكون حسنة شرعا وعقلا في مورد واحد. وهو لدى الاطمئنان بالامتثال. ويراد تحصيل العلم به. فينحصر ذلك عن طريق هذه الزيادة. إلا ان الحجة قائمة على إتمام الامتثال في الرتبة السابقة عليها وهو الاطمئنان، كما فرضنا. فيكون الزائد انقيادا مستحبا للشارع، عقلا وشرعا. إلا ان يدخل في باب الوسواس المرجوح.
لكن يمكن السؤال عما إذا كان هذا الحكم الشرعي والعقلي استقلالي أم غيري. فان قلنا انه استقلالي بعنوان حسن الانقياد فلا كلام. إلا انه لا يكون من باب المقدمة. وان قلنا انه غيري، أمكن ذلك.
ــــــ[277]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فان المفروض انه قد حصل الاطمئنان بالامتثال.
قلنا: نعم. إلا ان من مقتضيات التكليف الشرعي أو قل من استحقاقات الشارع المقدس، هو الوصول بدرجة الوجدان إلى درجة العلم وعدم الاكتفاء بالاطمئنان. نعم، الحجة قائمة على الامتثال، إلا ان المكلف لا يريد فقط الزحزحة عن العذاب، بل المزيد من طاعة الشارع واحترامه، وهو راجح.
وفي طول ثبوت هذا الحكم يمكن القول: بانه يترشح من الحكم النفسي الاستقلالي، أمر استحبابي إلى مثل هذه المقدمات التي تحرز العلم. وهي هذه المقدمة العلمية أو الزيادة التي نتكلم عنها.
فانه كما يترشح وجوب غير إلزامي على مقدمات الوجود، وهي مقدمة الواجب. كذلك يمكن ان يترشح من حكم استحبابي على هذه المقدمات.
فان قلت: فان الاستحباب سنخ آخر غير الوجوب، فيستحيل ان يصدر منه. وانما يصدر منه ما كان من سنخه.
جوابه:
1- انهم قالوا: ان الوجوب الغيري ليس من سنخ الوجوب النفسي. لعدة فروق بينهما. إذن فقد ترشح منه وجوب من غير سنخه فليكن هذا كذلك.
2- انه كما ان الوجوب موجود، كذلك الكلي المنطبق عليه أيضاً موجود، وهو جامع الطلب. فيترشح عليه من جامع الطلب. وحيث ان مصداقيته في المقدمة لا يمكن ان تكون هي الوجوب. إذن يكون استحبابيا فتأمل(1).
ــــــ[278]ـــــــ
(1) وجهه: 1ـ ان الكلي غير موجود في الخارج، بل واقعي. إلا إذا قلنا بالوضع لجامع الطلب. ولم نقل به. 2ـ ان جامع الطلب غير مقصود للمولى بالدلالة المطابقية. وما يترشح منه هو الامر المقصود لا التحليلي.
منهج الأصول (الجزء الخامس)
3- ان نرجع هذا الحكم إلى حكم العقل. فان تصور استحقاق التكليف بوجوب مقدماته، ليس ذاتيا، بل طريقي ناشئ من استحقاق الشارع للطاعة، والحاكم بوجوب الطاعة، وأهميتها الجزمية والاحتمالية هو العقل. إلا انه لو تم هذا الوجه وحده، تعذر قصد القربة. فتأمل.
الشرط المتأخر:
ويعنون بذلك: تقسيم المقدمة التي هي حصة من حصص الشرط، بل معناها فقهيا وأصوليا، أو قل: شرعا عين معناه. فكل مقدمة فهي شرط وكل شرط فهو مقدمة. اما كونه شرطا، فلأنه ليس من الأجزاء التي لا يصدق عليها ذلك. واما كونه مقدمة، فلأنه مما يتوقف عليها الواجب.
والأصوليون هنا لا يأخذون العرف بنظر الاعتبار. لأنه قد يقال: ان المقدمة عرفا ما يتقدم على الشيء، أي يحدث قبله. وهذا متوفر في الشريعة، كالطهارات الثلاث. واما ما كان مقارنا أو متأخرا، فهو ليس مقدمة. لأن ذلك خلف عدم تقدمه عليه.
وجوابه: عدم لحاظ العرف بهذا الصدد. وانما يراد بالمقدمة: مطلق ما كان شرطا. أي يلزم من عدمه عدمه شرعا أو عقلا. ولو كان مجازا أصلاً. لأن المهم في المقدمة المتقدمة، هو التوقف، لا مطلق التقدم كما هو واضح. والتوقف موجود مفروض في الشرط المقارن والمتأخر أيضاً.
وينطبق هنا نفس ما قلناه سابقا: من ان البحث في الحقيقة راجع إلى صحة التقسيم. وذلك بالاستدلال على إمكان القسم واستحالته. فان استحال القسم، استحال التقسيم وبطل. وان أمكن القسم، جاز التقسيم بلحاظه. وهنا: ان استحال الشرط المتأخر، لم يكن التقسيم ممكنا له ولغيره. وان كان ممكنا،
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
كان التقسيم ممكنا أيضاً.
وواضح لمن يتأمل: ان الإشكال في الشرط المتأخر، ناشئ من قياس العلل الشرعية على العلل التكوينية. فان صح هذا القياس، استحال الشرط المتأخر. لاستحالته في العلل التكوينية. وان بطل هذا القياس، أمكن الشرط المتأخر في الشرعيات.
وبناء على ثبوت هذا القياس، فأحسن من بينه هو السيد الأستاذ في كل من تقريرات الهاشمي وتقريراتي: إذ قال ما مؤداه ببيان منا: ان امتن الأدلة لاستحالة الشرط المتأخر ان يقال:
ان الشرط المتأخر: اما ان يفرض انه لا يؤثر (لأنه متأخر) في مشروطه شيئا، أو انه يؤثر. اما على الأول: فهو خلف الشرطية. إذ لا نتعقل للشرطية معنى إلا التأثير الضمني للشرط. وكونه جزء العلة. إذن، فتأثيره مفروض ويستحيل ان لا يؤثر.
فان فرض تأثيره. فهل يؤثر في ظرف وجود مشروطه الذي هو متأخر منه أو في ظرف الشرط المتأخر نفسه.
اما كونه في زمان المشروط فهو غير معقول. لأنه خلف كونه متأخرا. لوضوح انه في زمان المشروط معدوم. لأن المشروط متقدم زمانا عليه. فيلزم من تأثيره تأثير المعدوم، وهو باطل بالبداهة العقلية.
وان كان ظرف تأثيره هو الزمان الثاني، وهو فرض وجود الشرط. فلا يلزم منه التأثير في المعدوم، لكنه يلزم ان يكون مؤثرا في الماضي. مع ان الماضي قد وقع ويستحيل ان ينقلب الواقع عما وقع عليه.
ــــــ[280]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا ما قاله مع شيء قليل من التدقيق والتوضيح. وأضيف الآن: انه ان فرض تأثير الشرط المتأخر في الزمان الثاني. فاما ان يفرض تأثيره في الماضي أو في الحاضر. وكلاهما باطل. اما الماضي فهو من تحصيل الحاصل. لأن العمل قد حصل فعلا على ما هو المفروض في وقته. وتحصيل الحاصل مستحيل. أو قل: هو من التأثير في المعدوم. لأن الامتثال انتهي. نعم لو نظرنا إلى الماضي، كان موجودا. إلا انه خلف كون التأثير في الحاضر.
لا اننا نقول هنا – كما قال – : يلزم منه انقلاب الواقع وهو محال. لأنه ليس المتوقع من الشرط المتأخر ان يقلب الواقع. بل المفروض انه شرط متأخر لواجب حاصل فعلا من العبد المطيع. وإلا لم يكن شرطا حقيقة. وليس المتوقع منه ان يقلب الموجود معدوما، يعني الامتثال إلى عدم الامتثال، ولا المعدوم إلى موجود، يعني عدم الامتثال والعصيان إلى امتثال. لتطبق عليه كبرى استحالة انقلاب الواقع. بل ما ينطبق عليه هو كبرى تحصيل الحاصل.
نعم، هو يقلب واقع المشروط إلى حصول شرطه، بعد ان لم يكن حاصلا. وهذا يتحقق بتحقق الشرط المتأخر نفسه. ولا محذور فيه من هذه الناحية.
وان كان تأثيره في الحاضر، أي من وجود الشرط المتأخر نفسه. فاما ان يفرض ان المشروط باق أو غير باق (وهو غالبا يفرض غير باق. ومن هنا سمي بالشرط المتأخر). فان فرض باقيا لزم احد أمرين:
1- انه يكون خلف كونه شرطا متأخرا، بل يكون من الشرط المقارن.
2- انه من تحصيل الحاصل. لأن معنى بقائه: وجود واستمراره. فتأثير العلة بما هو موجود من تحصيل الحاصل.
ــــــ[281]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نعم، هو يتحول من عدم تحقق شرطه إلى تحققه. ولا محذور فيه. ولكن يستحيل ان يوجد قبل تمامية علته.
وان لم يكن المشروط موجودا – كما هو الغالب – لزم تأثير الموجود في المعدوم.
فان قلت: فان العلة توجد المعلول بعد عدمه. ولا بأس بذلك.
قلنا: هذا لا ينطبق هنا بعد فوات وقته الشرعي على ما هو المفروض. وبتعبير آخر: ان الشرط المتأخر ليس علة تامة، وانما هو جزء العلة. وهو انما يؤثر مع اجتماع سائر الأجزاء. اما حدوث جزء منها بعد زوال جزء، فلا يؤثر. والأمر هنا كذلك بعد خروج الوقت.
ثم ان الشيخ الآخوند عمم الإشكال إلى الشرط المتقدم أيضاً. وأوضح أمثلته: الطهارات الثلاث. لأنه قياسا على العلل التكوينية. فلم يوجد المعلول عند وجود علته، ووجوده بعد زوالها معناه انه وجد بدون علة. وهو خلاف الضرورة العقلية. ولا يفرق في ذلك بين جزء العلة أو جميعها أو المقتضي أو الشرط. فانها جميعا يجب عقلا ان تجتمع في زمن واحد مع المعلول. ولا يجوز ان تتقدم أو تتأخر.
بل حتى في المقارن العرفي، كالقبول بالنسبة إلى الإيجاب. لتصرمه زمانا. وكذلك القبض بالنسبة إلى الصرف والسلم والهبة اللازمة. ونحو ذلك.
ثم قسم الشيخ الآخوند الكلام إلى مقامات ثلاث:
الأولى: ما إذا كان الشرط المتأخر شرطا للتكليف، يعني لأصل الحكم. وهو ما سبق ان اشرنا انه لا مثال له في الشريعة. وعليه، فينبغي حذفه من علم
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأصول. وانما يتكلم به الأصوليون، استطرادا من ناحية، وإبرازا لقوة المعارضة من ناحية ثانية.
الثانية: ما إذا كان شرطا للحكم الوضعي.
الثالثة: ما إذا كان شرطا للمأمور به.
ولا يخفى ان هذا الأخير هو الشرط المتأخر الاصطلاحي الذي يدخل مصداقا من مقدمة الواجب، يعني كونه مقدمة للواجب المأمور به. والباقي كله بحوث استطرادية دخيلة.
ولم يتعرض السيد الأستاذ في بحثه إلى الحكم الوضعي كمقام مستقل، بل تكلم في المقام الثالث عن الشرط المتقدم الذي أضافه الشيخ الآخوند.
ونحن لابد ان نمر على كل ذلك بعون الله سبحانه. فينبغي ان يكون الكلام في أربع مقامات:
1- في التكليف.
2- في الوضع.
3- في المأمور به.
4- في الشرط المتقدم للمأمور به. ولا يوجد شرط متقدم للتكليف بمعنى الجعل الكلي في الدين. وانما يتصور فقط فيما يسمى: عالم المجعول أو الحكم الجزئي.
المقام الأول: وهو الشرط المتأخر للتكليف.
ذهب صاحب الكفاية إلى إمكانه. لكون الدخيل في الأمر هو اللحاظ في
ــــــ[283]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نفس المولى وليس وجوده الخارجي حقيقة. قال: كالشرط المقارن بعينه. فكما ان اشتراطه بما يقارنه ليس إلا لتصوره دخلا في أمره. بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلا إلى الأمر. كذلك المتقدم والمتأخر.
أقول: محل كلامنا الآن في خصوص المتأخر.
ثم قال: وبالجملة، حيث كان الأمر في الأفعال الاختيارية، كان من مباديه بما هو كذلك (يعني فعلا اختياريا) تصور الشيء بأطرافه. ليرغب في طلبه والأمر به، بحيث لولاه لما رغب فيه ولا أراده واختاره. فيسمى كل من هذه الأطراف التي لتصورها دخلا في حصول الرغبة فيه وإرادته شرطا. لأجل دخل لحاظه في حصوله، كان مقارنا له أو لم يكن متقدما أو متأخرا. فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا، كان فيهما كذلك. فلا إشكال.
وتفسيره مطبقا على المثال: ان المولى يتصور الصوم الملحوق بالغسل فيرغب به فيأمر به. والمرأة يجب عليها الامتثال بإيجاد الصوم الملحوق بالغسل. فيجب عليها الإتيان بالشرط المتأخر من اجل إيجاد شرط الامتثال، وهو كونه ملحوقا بالغسل.
وبفهم المشهور انه ما دام شرطا لحاظيا في ذهن المولى، فلا يكون شرطا متأخرا. بل يكون مقارنا دائماً.
قال السيد الأستاذ : اعترضت على ذلك مدرسة المحقق النائيني  – ولم ينسبه إلى شخص الشيخ النائيني -.
بان هذا الكلام منه ، خلط بين الجعل والمجعول. فانه يوجد في عالم إنشاء الحكم أمران: احدهما: الجعل. وهو يتحقق في لحظة وينتهي. ومرجعه إلى ان المولى يلحظ موضوعا كليا يفترض وجوده وينشئ عليه حكما بنحو
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
القضية الشرطية، وهو يتحقق من المولى حتى لو لم يوجد مكلف أصلاً.
ثانيهما: المجعول: وهو عبارة عن فعلية هذه القضة الشرطية، بفعلية شرطها. كما إذا وجد شخص مستطيع، أو ملك لنصاب زكوي.
وما ذكره الشيخ الآخوند: من ان الشرط هو الوجود اللحاظي لا الخارجي، انما يناسب عالم الجعل وإنشاء القضية الشرطية. فانه مقارن للحاظ الشرط. واما في عالم فعلية المجعول، فهي تابعة لوجود الشرط خارجا لا للحاظه. فإذا فرضنا ان الشرط كان متأخرا، فيلزم ان يكون الوجوب نتيجة شرطه لم يوجد. فلم يتم ما ذكره صاحب الكفاية.
أقول: كان هذا الإشكال واردا على كلام الشيخ الآخوند من حيث ما يسمى بعالم المجعول أو عالم الحكم الجزئي. وينبغي ان نتذكر، اننا نتحدث عن علة الحكم لا عن علة الامتثال. والحكم لا يوجد إلا بوجود كل أجزاء العلة. فيوجد في الرتبة المتأخرة عنه أو الزمان المتأخر. واما وجوده قبل ذلك. فمستحيل: وذلك:
1- لأنه من قبيل وجود المعلول قبل وجود علته، أو قبل تماميتها.
2- لأنه من قبيل وجود الحكم قبل تحقق موضوعه.
فان قلت: اننا نجيب على الإشكال الأول: بمنع قياس الأمور التشريعية بالأمور التكوينية.
قلنا: كلا. فان الأحكام جزء من عالم الإمكان، يشملها ما يشملها من قانون.
ونجيب عن الإشكال الثاني: ان المفروض ان موضوعه موجود في علم
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الله في احد الأزمنة الثلاثة، ولو في المستقبل. وهذا يكفي.
قلنا: نعم، لو تنزلنا عن الإشكال الأول. لكن: أولاً: ان هذا لا مصداق له في الفقه إطلاقا. ثانياً: انه لا يجب إيجاد الشرط المتأخر لأنه شرط الوجوب. أو قل: انه الموضوع، ولا يجب إيجاد الموضوع. فلو حج، وكان حجه مشروطا باستطاعة متأخرة، لم يجب عليه إيجاد الاستطاعة. فان لم يوجدها، انكشف استحباب حجه. وان اوجدها صدفة، انكشف وجوب حجه. فهل يقبل المشهور هذه النتيجة ؟
وبتعبير آخر: اننا قلنا تبعا للمشهور، بل المتسالم عليه: ان شرط الوجوب أو الموضوع لا يترشح عليه من الوجوب شيء. ولا يجب إيجاده. والمفروض اننا نتكلم الآن عن الشرط المتأخر للوجوب. فهو مصداق للشرط المتأخر، وهو مصداق لشرط الوجوب أيضاً. فمن هذه الناحية لا يحتمل اتصافه بالوجوب، متقدما كان أو متأخرا.
نعم، لو حصل على سبيل الصدفة، كان القول بوجوب الامتثال السابق عليه ممكنا، بعد منع القياس على الموارد التكوينية، وإمكان عالم الجعل فيه، كما عرضه الشيخ الآخوند.
فان قلت: فان وجود الحكم الجزئي في الذمة، موجود تكويني. فيحتاج إلى علة.
قلنا: نعم. انه يحتاج إلى علته المناسبة له في احد الأزمنة الثلاثة: والمفروض انها جميعا متحققة.
وإذا سرنا بهذا الاتجاه، لم يبق فرق بين عالم الجعل وعالم المجعول. فكما يشترط في عالم الجعل أصل وجود العلة اللحاظية، كذلك يشترط في
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عالم المجعول وجود منشأ انتزاعها في احد الأزمنة الثلاثة. ولا يتم ما قاله الشيخ الآخوند من التفصيل بينهما.
تبقى الإشارة إلى حكمه الفقهي. فانه ان كان توصليا فلا إشكال. واما إذا كان عباديا، فماذا ينبغي ان ينوي المكلف وهو جاهل بالوجوب. لجهله بحدوث الشرط في المستقبل. والاحتمالات ثلاثة: نية الوجوب. وهي منافية لاحتمال عدمه. بل تكون تشريعا محرما. ونية الاستحباب. وهي منافية لاحتمال وجوده. ونية رجاء المطلوبية. وهو مما لا يقبله المشهور. فان نوى الاستحباب غفلة أو عمدا، ثم تحقق شرطه. فهل يجب عليه القضاء أو الإعادة أم لا ؟. كل ذلك من اجل ضعف أصل المسألة: وهو كون الشرط المتأخر، شرطا للتكليف أو الوجوب. ومن هنا يتضح وجه حكمة الشارع في تركه.
بل من الممكن القول: ان المكلف يمكن ان يجري استصحاب عدم تحققه في المستقبل، ان قلنا به. فيترك محتمل الوجوب ويعمل محتم الحرمة. طبقا لأصالة البراءة. ثم إذا تحقق الشرط، كان واجبا وحراما. فهل يتسجل عليه الذنب ؟
وبتعبير آخر: ان الشرط المتأخر اما ان يكون اختياريا، كالاستطاعة أو قهريا، كالوقت. فان علم بحدوثه في وقته، وجب. وان لم يعلم: فان كان اختياريا، كان له العزم على تركه لكي لا يتسجل عليه الوجوب. فيترك المتعلق طبقا لذلك. وان كان قهريا، كان له استصحاب عدمه. ومن هنا يتضح وجه الحكم في تركه في الشريعة بالرغم من إمكانه.
مضافا إلى انه غير عرفي، حيث يقال للفرد: ان الفعل الفلاني واجب عليك الآن. لأن شيئا ما يحدث في المستقبل، أو إذا حدث وانما يتكلم
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الشارع مع الناس بلسانهم ومستواهم العقلي المحدود.
وهنا قال في تقريرات الهاشمي: اما بلحاظ عالم الجعل فتارة يقرب المحذور فيه بصيغة استحالة تأثير المتأخر في المتقدم. وجوابه: ما ذكره المحقق الخراساني . وأخرى يقرب بما يستفاد من كلمات المحقق النائيني ، كمحذور آخر يرد حتى إذا افترض ان الشرط هو اللحاظ للشرط. وحاصله: لزوم التهافت في عالم اللحاظ لدى الجاعل. لأن المولى إذا أراد ان يوجب على العبد مثلا صوم يوم السبت على تقدير ان يغتسل ليلة الأحد. فلابد له من تقدير ولحاظ صدور الغسل منه ليلة الأحد. وهذا التقدير تقدير انتهاء يوم السبت ومضيه والفراغ منه. فكيف يمكنه ان يوجب على هذا التقدير صوم يوم السبت.
والجواب: ان تقدير الغسل في ليلة الأحد لا ينحصر في تقديرها ماضية وفي الزمان السابق. بل أمر التقدير والفرض واللحاظ بيد الملاحظ. فله ان يلاحظ ذلك مستقبليا. أي يقدر ان العبد سوف يصلي في الليلة القادمة. لأن تحديد ظرف المقدر من حيث فرضه مستقبلا أو ماضيا يكون بيد المقدر نفسه، فلا يلزم أي تهافت في اللحاظ.
واما بلحاظ عالم المجعول. فقد تقدم تقريب الإشكال فيه عن مدرسة المحقق النائيني والجواب: ما سنذكره في بحث الواجب المشروط من إنكار وجود عالم حقيقي باسم عالم المجعول. لأنه لو أريد بالمجعول الذي يفرض تحققه بعد تحقق الجعل حين فعلية موضوعه وجود شيء نسبته إلى الجعل انه مجعول ذلك الجعل، فهذا غير معقول، لأن الجعل والمجعول كالإيجاد والوجود شيء واحد مختلفان بالاعتبار والإضافة.
ــــــ[288]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ولو أريد وجود شيء نسبته إلى الجعل نسبة المسبَّب والمقتضى إلى المقتضي والسبب والذي  يتأخر عنه في الوجود. فان أريد بذلك حصول مسبب في الخارج فهو واضح البطلان. وان أريد حصول مسبب وحالة في نفس المولى حين تحقق الموضوع في الخارج نسميه بالوجوب الفعلي فهو أيضاً واضح الفساد. إذ يكفي في فعلية الحكم تحقق الموضوع في الخارج ولو لم يطلع المولى عليه ولم يلتفت إليه أصلاً أو اعتقد خطأ عدمه. فليس الوجوب الفعلي – المجعول – إلا أمراً تصوريا بمعنى ان الجاعل عندما يجعل الوجوب على المستطيع يرى بنظره التصوري وبالحمل الأولي، كأنه قذف بهذا الوجوب على المستطيع عندما يصبح مستطيعا.
وبهذا أنكرنا ما اصطلحوا عليه بالوجوب الفعلي أو فعلية الوجوب. فان كل وجوب فعلي منذ فعلية جعله. نعم تحصل هناك فاعلية ومحركية عقلا لهذا الجعل عندما يتحقق موضوعه في الخارج وينطبق على المكلف. فباب المجعول ليس أكثر من باب الانطباق والانتزاع ولا ربط له بباب التأثير والتأثر. وباب الانطباق والانتزاع ثابت بقطع النظر عن الحكم والوجوب من قبل المولى. فيقال: فلان سيغتسل في الليلة القادمة. ولا يعني ذلك تأثير شيء متأخر في زمان متقدم. انتهي بلفظه.
ولنا عليه عدة إيرادات:
الأول: قوله: إذ يكفي في فعلية الحكم تحقق الموضوع في الخارج ولو لم يطلع المولى عليه ولم يلتفت إليه أصلاً أو اعتقد خطأ عدمه.
أقول: هذا في المولى العرفي. اما في مولانا علام الغيوب، فليس الأمر كذلك. مضافا إلى إمكان القول: انه إذا اعتقد عدمه. فانه سوف لن يأمر بهذا
ــــــ[289]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمر الجزئي، وسيكون عصيانه في هذا المورد جائزا.
الثاني: قوله: نعم، تحصل هناك فاعلية ومحركية عقلا لهذا الجعل.
فنحن نسأل عن سبب هذه المحركية والفاعلية. ويمكن تلخيصها بأمرين:
الأمر الأول: حصول رغبة صغروية عند المولى في انجاز الفعل من المكلف. فيكون الحكم كأنه تحول من كلي إلى جزئي. نسبته إليه، كالفرد إلى الإنسان. بحيث لو التفت إليه المولى لأراده. أو نقول: انه ملتفت إليه ويريده فعلا.
الأمر الثاني: إشغال ذمة المكلف. وهذا لا يصدق قبل تحقق الموضوع. بالرغم من وجود التشريعات الكثيرة الكلية في الدين، والفرد مسلم. ولكن لا يصدق عليه اشتغال الذمة، ما لم يتحقق الموضوع. وإذا اشتغلت الذمة، حصل أمران:
احدهما: فاعلية الأمر نفسه مولويا بفعلية ونجاز موضوعه.
ثانيهما: حكم العقل بوجوب الطاعة، حكما جزئيا بالمورد. بعد ان كان يحكم حكما كليا على كل مورد. فقد ذكر في التقريرات هذين المعلولين بدون ذكر سببهما. إذن فمرتبة المجعول يمكن ان تكون بهذا المعنى.
الثالث: انه بناء على ذلك، تكون اقرب إلى فكرة العلة والمعلول على ما تخيل الشيخ النائيني ، إذا قصدنا من العلة كل ما يلزم من عدمه عدمه. فانه لاشك يلزم من عدم الجعل عدم المجعول.
ان قلت: فان الإرادة جزئية، والأمر (الجعل) جزئي لدى المولى. فيكون الجعل والمجعول جزئيان. فليست النسبة بينهما هي نسبة الجزئي إلى الكلي،
ــــــ[290]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بل بنسبة أخرى. وهنا تكون اقرب إلى فهم الشيخ النائيني. لأن الاحتمال الأرجح عندئذ لكون النسبة هي نسبة العلة إلى المعلول.
ويمكن الجواب بعدة وجوه. لكنها بالدقة ترجع إلى وجه واحد:
الوجه الأول: اننا لم نقل ان هذه النسبة ثابتة في كل التفاصيل، بل يكفي ان يكون بعضها لدى المولى كليا، كالمتعلقات والموضوعات. فيكون الموضوع والمتعلق في مرتبة المجعول جزئيا فيه. وهذا يكفي.
وخاصة إذا التفتنا إلى ان المجموع من الكلي والجزئي كلي. بفهم ما. لأن الجزئي والكلي ليس احدهما أخس من الآخر ليتبعه في النتيجة.
الوجه الثاني: ان الإرادة والأمر وان كانت جزئية، إلا انها يمكن وصفها بالكلية، باعتبار كلية متعلقاتها. وهو الموضوع والمتعلق والمكلف.
الوجه الثالث: انها وان كانت جزئية، إلا اننا نستطيع ان نتصور لها نحوا من الشمول، تكون به بمنزلة الكلي. لأنها عامة ومستوعبة لكل الإفراد بشكل إجمالي. وهذا صادق في الإرادة وفي الأمر معا. ولو لم تكن مستوعبة، لامكن خروج بعض المصاديق أو الحصص منها. وليس هذا مفروضا، بل ليس ممكنا بدون تخصيص.
إذن، فالمصاديق موجودة بشكل انضمامي وإجمالي في ذلك المبدأ الأعلى. واما على ساحة الواقع، فهي منبسطة ومتحققة باستقلالها. وهذا معنى: ان تلك الإرادة وذلك الجعل بمنزلة الكلي. والافراد بمنزلة المصاديق.
إذن، الصحيح هو ان نسبته إليه نسبة الفرد إلى الكلي لا المعلول إلى العلة. وان كان يلزم من عدمه عدمه. لوضوح انه لو لم يكن الكلي موجودا،
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لم يكن الجزئي موجودا. فكونه يلزم من عدمه عدمه، اعم من العلة. لأنه يشمل الكلي والكل أيضاً مع انهما ليسا بعلة.
ومعه: فلو فرضنا اننا عاملنا عالم المجعول معاملة العلل القهرية. وغضضنا النظر عن جوابنا: بكفاية وجود الموضوع في احد الأزمنة الثلاثة، تم إشكال الشيخ النائيني بلا إشكال.
الرابع: قوله: فليس الوجوب الفعلي – المجعول – إلا أمرا تصوريا. بمعنى ان الجاعل عندما يجعل الوجوب على المستطيع، يرى بنظره التصوري وبالحمل الأولي، كأنه قذف بهذا الوجوب على المستطيع عندما يصبح مستطيعا.
وفيه عدة مناقشات:
أ – ان هذا ليس من قبيل الحمل الأولي. فان ملاكه هو الاتحاد مفهوما بين المحمول والموضوع، كالإنسان حيوان ناطق. ولا يحتمل تحققه في الأمور التشريعية ولا العرفية. ومن هنا سمي الحمل الآخر بالحمل الشايع الصناعي. لأنه الغالب في الأمور العرفية والصناعية.
بل لا يوجد هنا إلا توجيه الأمر بالحج إلى المستطيع. ولا يوجد حمل لنقول انه أولي أو شايع. نعم، هي عملية ذهنية. فلو كان كل أمر ذهني نصفه بكونه بالحمل الأولي، لصح. باعتبار ان الحمل الأولي يعبر عن مطلق عالم الذهن، والحمل الشايع يعبر عن مطلق عالم الخارج. إلا ان الأمر ليس كذلك اصطلاحا. ومخالفة الاصطلاح يفسد النتائج أكثر مما يصلحها.
ب – انه قال: يرى بنظره التصوري وبالحمل الأولي. كأن احد التعبيرين شرح للآخر. مع انهما متنافيان. فانه مع وجود الحمل يوجد التصديق. وهو
ــــــ[292]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ينافي النظر التصوري الذي افترضه للجاعل. إلا إذا قلنا ان المراد بالحمل الأولي مطلق عالم الذهن. وقد ناقشناه. إذن، بعد التنزل عن المناقشة السابقة يأتي هذا الإشكال.
ج – انه يلزم منه: ان عالم المجعول ملازم مع عالم الجعل. وكلاهما موجود في ذهن المولى عند الجعل. وهذا فيه عدة محاذير. منها: انه لا يتحقق ولا يفرق الحال إطلاقا عند تحقق الموضوع ولا يكون هو المجعول. وهذا خلاف الوجدان.
ومنها: انه يلزم ان عالم الجعل وعالم المجعول واحد. أو قل: ان الجعل والمجعول واحد. لأن الجعل عبارة عن قذف الحكم على سائر المكلفين بما فيها هذا الفرد المفروض. وهذا هو المجعول بعينه.
وهذا يلزم منه إلغاء معنى الجعل ومعنى المجعول الذي يقول بهما المشهور. وفي نفس العبارة يقول: انه مع تحقق الموضوع تحصل فاعلية وتأثير، فليكن هو المجعول.
د – انه يقول: انه يقذف بالوجوب على المستطيع. هذا فيه عدة إشكالات:
منها: ان المولى ملتفت إلى استطاعات المكلفين. وطالما عرفنا السيد  : ان المولى لا يعلم بكل التفاصيل كالمولى البشري تماما.
ومنها: ان هذا القذف ناشئ من اعتبار تصور الاستطاعة من حين الجعل (وهذا في نفسه صحيح) إلا انه يتصورها موجودة والفرد متصف بها. فيقذف بالوجوب عليه من حين الجعل. وانما نتصور القذف. لأننا نتصور الفاصل بين الجعل والاستطاعة زمانا ومكانا.
ــــــ[293]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
في حين ان مولانا موجود في كل زمان ومكان، ولا بُعد بينه وبين خلقه مكانا ولا زمانا.
هـ – ان القذف انما يحصل فيما إذا حصل المستطيع فعلا في الخارج. مع العلم انه قد لا يحصل إطلاقا. والجعل كلي قابل للصدق على كثيرين، أكثر مما هو في الخارج أكيداً. والقذف على تقدير الوجود، ينافي كليته من ناحية، وإضافية القذف من ناحية أخرى. لأنه لا يكون مصيبا على تقدير عدمه.
و – ان الحمل الأولي انما يحصل على تقدير حصول حمل ضمن قضية تامة النسبة كلا طرفيها من عالم المفهوم. واما إذا كان احد طرفيها أو كلا طرفيها من عالم المصداق، فتكون بالحمل الشايع.
فأين الحمل الأولي في المورد؟ فانه لا يوجد إلا التشريع، والتشريع إنشاء. والإنشاء لا ينقسم إلى حمل أولي وشايع !.
فان قلت: فان الموجود في الحج، هو الآية الشريفة وهي إخبار. فيصدق عليها ذلك.
قلنا:
1- ليس كلامنا في الحج فقط، وانما هو مجرد مثال.
2- ينبغي ان ننظر ما هو الطرفان في الآية الكريمة، وكذلك إلى الحاكم فيها.
فان وجدنا الحاكم هو العقل النظري والطرفان مفهوميان، كان ذلك من الحمل الأولي. مع ان كلا الشرطين غير متوفرين:
ــــــ[294]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
1- ان الطرفين من عالم الخارج ولا أقل من احدهما الذي هو الحج.
2- ان الحاكم بذلك – بغض النظر عن التشريع – هو العقل العملي لا النظري، وهو لا ينقسم هذا الانقسام.
ز – قوله: فان كل وجوب فعلي منذ فعلية جعله. هنا الفعلية بمعنى أصل الوجود لا أكثر. يعني موجود من أول جعله. وهو خلاف اصطلاح الفعلية. واما الفعلية المصطلحة، فيستحيل وجودها في الجعل. وانما توجد بلحاظ تحقق الموضوع.
ح – قوله: نعم تحصل هنا فاعلية ومحركية عقلا لهذا الجعل منذ تحقق موضوعه في الخارج.
أقول: فهذه حالة جديدة، هي التي سموها بالفعلية. وهي تتكون من أمور ثلاثة: واحدة من الشارع: وهو الرغبة الآنية للعمل. وواحدة من العقل: وهو وجوب الطاعة بصفتها جزءا من الكبرى العقلية. وواحدة من المكلف: وهو اشتغال ذمته فعليا. كما سبق.
ط – قوله: من باب الانطباق.
أقول: يعني المصداقية. وهذا صحيح.
وقوله: والانتزاع ليس بصحيح. لأنه ليس من الأمور الإضافية الانتزاعية. نعم، هو من الأمور الاعتبارية. وهي غير الانتزاعية. كما اتضح ان تفسير الانطباق بالانتزاع خطأ.
ثم قال: وباب الانطباق والانتزاع ثابت، بقطع النظر عن الحكم والوجوب من قبل المولى.
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهذا من غرائبه، لأنه هل يقصد كبرى الانتزاع أو صغراه ؟. فان قصد الكبرى، فهي مربوطة بالمولى. إلا انها لا تنفع بهذا الصدد. لأن معناها: صحة الانطباق والانتزاع من أي شيء لا من خصوص المورد.
وان قصد الصغرى أي المورد، فهو مربوط بالمولى أكيداً. وكيف يكون انتزاع الانطباق من دون جعل المولى وحكمه ؟ وإلا كان سالبة بانتفاء الموضوع. فكأنه استخدم ذكر الكبرى في كلامه، وهي غير مربوطة بالمولى، من دون صغراها المربوطة به. وهو يشكل مغالطة بلا إشكال.
ثم ان السيد الأستاذ  ذكر ان إشكال الشرط المتأخر في التكليف. له ثلاث مراتب: اما عالم الجعل واما عالم المجعول واما عالم الملاك. والحديث عن الأولين قد تم. ونأتي إلى عالم الملاك.
قال: والإشكال في عالم الملاك اشد. باعتبار ان شرط الوجوب يكون مؤثرا في اتصاف الفعل بانه ذو ملاك ومصلحة. وهو أمر تكويني خارجي يكون المؤثر فيه الشرط بوجوده الخارجي لا اللحاظي. فيلزم محذور تأثير المتأخر في المتقدم.
إلا ان هذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
اما كبرى: فلأن الملاك يراد به العلة الغائية. وهي لها مرتبتان:
مرتبة الوجود الذهني (أو الواقعي) السابق على الأمر. وهو الذي يكون علة للأمر. ومرتبة التحقق في الخارج، وهو يكون معلولا للامتثال. وفي كلا الحالين لا إشكال في الشرط المتأخر.
اما الوجود الذهني، فهو سابق على الأمر وشرائطه. وليس معلولا للشرط
ــــــ[296]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المتأخر، لكي يقع الإشكال. بل المولى يدرك المصلحة أولاً. ثم يأمر لا محالة. فمن الممكن ان يقع لحاظ الشرط المتأخر قيدا في المصلحة المتصورة في المرتبة السابقة على الأمر.
فان قلت: فان قلنا: بان المصلحة السابقة على الأمر واقعية وليست ذهنية فيلزم الإشكال.
قلنا: كلا. فان التقدم والتأخر في علم الواقع منتفٍ. والعلية أيضاً منتفية. وانما الموجود فيه كليات ثابتة على قدم المساوات ليس فيها ما هو متأخر ولا ما هو متقدم. فمن الممكن ان تكون هناك مجموعة أمور واقعية سببت إلى صدور الأمر من المولى. غاية الأمر ان وجودها الخارجي متأخر. وهنا لا نتكلم عن الوجود الخارجي، بل عن الوجود الواقعي.
واما الوجود الخارجي المعلول للامتثال. فيمكن القول: ان هذا الوجود كما هو مقيد بالامتثال مقيد بشرطه المتأخر. لأنه مقيد بالامتثال المتحقق شرطه. ولن يكون كذلك إلا بعد وجود الشرط المتأخر. أو قل: ان الامتثال علة لتحقق الملاك، والشرط المتأخر للتكليف علة – بنحو وآخر – للامتثال. إذن، فهو علة لتحقق الملاك. لأن علة العلة علة. إذن يمكن القول: ان تحقق الملاك يتأخر إلى ان يحصل الاثنان معا. ولا إشكال.
اما حصوله بعد الامتثال وقبل حصول الشرط المتأخر، فهو غير محتمل. لأنه خلف كونه معلولا للامتثال المقيد بالشرط.
فان قلت: فانه يلزم ان تكون النسبة بين المجعول والجعل نسبة المعلول لا المصداق، كما سبق.
قلنا: كلاهما صادق. فلو لاحظنا المتعلق والموضوع والمكلف والأمر
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الجزئي، لكان مصداقا. ولو لاحظنا إرادة المكلف المتقدمة بسبب إرادة المولى، لكان معلولا وكذلك إرادة المولى من الملاك. فنسبة المعلولية غير خاصة بمرتبة المجعول، بينما المصداقية خاصة بها.
إلا انه في التقريرات لم يناقش في الكبرى وانما ناقش في الصغرى.
قال: ان الشرط المتأخر يمكن ان يفترض دخله في الملاك والحاجة إلى الواجب المتقدم بأحد نحوين. ولم يبين معنى الحاجة هنا. إلا ان يرجع إلى ما قلناه. إذن يكفيه الطعن في الكبرى عن تجشم الصغرى وتصحيحها بالدقة. وفي الحقيقة: الحاجة في تطبيق الملاك إلى الشرط المتأخر، كما هو محل الكلام لا الامتثال نفسه.
وحاصل الأمرين الذين ذكرهما:
1- ان يكون دخيلا في احتياجه إلى الواجب المتقدم لا في الزمن المتقدم (الذي هو زمن الامتثال) بل في زمن الشرط المتأخر.
إلا ان المحتاج إليه هو اما جامع الفعل، كالصوم في المثال الأعم من الواقع في اليوم المتقدم والمتأخر. فلا محالة يكون الوجوب بلحاظ أول أزمنته متقدما على الشرط.
أقول: وهذا خلف المسألة. لأن المفروض توقف الجزئي عليه لا الجامع. ومثال الصوم أيضاً خلف عنوان المسألة. لأنه مشهوريا شرط الامتثال لا شرط التكليف.
مضافا إلى ان بعض المصاديق يكون شرطها متأخرا، فيلزم المحذور.
قال: أو خصوص الفعل المتقدم لخصوصية فيه تفوت على المكلف إذا لم
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يفعله في اليوم المتقدم. كشراء الفحم في الصيف من اجل الشتاء.
أقول: هذه الخصوصية دخيلة في الملاك إلى جنب دخالة الامتثال فيه. وهي خصوصية متأخرة زمانا كما هو واضح من المثال. فلو سلمنا الكبرى، لزم المستحيل. لفرض ان الامتثال الجزئي له علة متأخرة.
وفي تقريراتي يقول خارج الدرس: إذا كان صوم يوم السبت يحدث أثرا باقيا في المكلف إلى ليلة الأحد. وإلا فلا معنى لهذا التأثير.
أقول: هو مجرد فرض لا واقع له.
2- ان يكون الاحتياج حاصلا في زمان الواجب المتقدم، وليس الشرط المتأخر هو الذي يولد الاحتياج. إلا انه يكون عدم تحققه فيما بعد موجبا لمفسدة اشد كشرب الدواء بشرط عدم التعرض للبرد بعده.
ولنا في ذلك كلامان: كلام في المقيس وكلام في المقيس عليه.
اما في المقيس عليه، فالمفروض ان المعلول وهو السلامة من المرض يحدث بعد كلا الأمرين: شرب الدواء وعدم المانع من تأثيره وهو البرد. فلا يكون من قبيل محل كلامنا. لا ان عدم التعرض للبرد يحدث أثرا متقدما عليه في زمان شرب الدواء. ولا ان التعرض للبرد في الزمن المتأخر يوجد مفسدة اشد من عدم شرب الدواء. وانما تقترن حالة المكلف الناشئة من عدم شرب الدواء إلى التعرض للبرد، فتحصل المفسدة. فهي حاصلة متأخرا وليس في الزمان السابق على التعرض للبرد.
واما في المقيس. وهو مسألتنا، فالمفسدة الأشد من أين هي حاصلة؟
ان قلت: انها حاصلة من ضم عدم الامتثال إلى عدم الشرط.
ــــــ[299]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلنا: هذا فرض عدم وجوبه أصلاً. لأن الشرط المتأخر شرط للوجوب.
وان قلت: انها حاصلة من وجود الامتثال بدون شرطه. فوجود الامتثال ليس فيه مفسدة، بل هو مصلحة. فان وجد شرطه، فقد تم المطلب. وان لم يوجد شرطه، فقد انتفى وجوبه.
وان قلت: ان المراد بالمفسدة الأشد: المصلحة الأقل.
قلنا: يعني ان المصلحة الناتجة عن الامتثال، تكون أقل مع عدم وجود الشرط المتأخر. وهذا كلام غريب. لأنه مع عدم الشرط المتأخر، لا تكليف ولا ملاك أصلاً.
مضافا إلى قوله: وليس الشرط المتأخر هو الذي يولد الاحتياج. وأفضل ما فهمنا من الاحتياج دخالته في الملاك. والمفروض ان الشرط المتأخر، شرط في التكليف، فيكون شرطا في الملاك أيضاً، فيكون دخيلا في الاحتياج إليه.
هذا هو الكلام في الشرط المتأخر للوجوب.
………………………..
واما الكلام في الشرط المتأخر للواجب. يعني انها مقدمة الواجب، لكنها متأخرة عن الواجب، كالغسل المتأخر عن يوم الصوم.
وتقسيمه أيضاً من حيث ان الإشكال اما في الخطاب واما في الامتثال واما في الملاك. والمفروض ان الشرط المتأخر متأخر عنها جميعا، فلا يجوز ان يكون مؤثرا على كلي هذه المستويات.
اما الإشكال في الخطاب فجوابه ما ذكره السيد  في تقريرات
ــــــ[300]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الهاشمي من حيث انه يرجع حسب الحقيقة إلى تحصيص الواجب بخصوص الحصة التي يعقبها الشرط. وهذا ليس بابه باب الشرط والتأثير حقيقة ليقال: كيف أثر المتأخر في المتقدم ؟
أقول: وانما هو قيد ذهني مقارن لدى المولى. وهذا يكفي.
واما بالنسبة إلى الامتثال، فجوابه ما ذكر في تقريراتي، وحاصله: ان الشرط المتأخر غير دخيل في وجود الامتثال خارجا ليلزم المحذور. وانما له دخل في التحصيص الذهني.
أقول: لابد ان يراد بالتحصيص هنا وجود المصداق الكامل المصداقية للحصة المأمور بها. وهذا لا يكون إلا بوجود الصوم المتعقب أو الملحوق بالغسل. فالمهم ان القيد في عالم الجعل، يكون في احد الأزمنة الثلاثة وجزئيه يكون كما هو مطلوب. والشرط المتأخر ليس سبباً تكوينياً في وجود الامتثال السابق عليه. فلا إشكال من هذه الناحية. واما التسبيب إلى اتصافه بأنه ملحوق، فهذه الصفة انما تنتزع بعد حصول الشرط المتأخر لا قبله.
فان قلت: فان الامتثال كيف يتصف بذلك بعد انعدامه وتصرمه.
قلنا: انه يمكن الجواب عليه على مستويات ثلاث:
1- في علم الله: انه بعد ان يحصل الشرط يحصل الاتصاف. والأزمنة الثلاثة في علم الله زائلة كلها. أو قل: ان الامتثال من أول وجوده متصف بالملحوقية، لكون الشرط المتأخر في علم الله، حاصل من حينه.
2 – في عالم التكليف: ان الشارع لا يريد من المكلف إلا حصول أمرين في زمانين وقد حصل. أو قل: انه من حين الجعل كان يعلم بانعدام الامتثال
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عند وجود الشرط المتأخر. وقد اكتفى بذلك. وهذا يعني ان المصداق الكامل للمطلوب، يحصل سواء سميناه باتصاف المعدوم أم لا.
3- في الفهم العرفي: واضح ان العرف يدرك تعاقب هذين الأمرين يعني الصوم والغسل. وهذا يكفي. وبتعبير آخر: ان العرف يدرك وجود الصوم في زمانه ولا يدرك زواله ويجد انه يتصف بالملحوقية أو التعقب. وهذا أمر ثابت في كل المتقدمات والمتأخرات. ولذا نقول مثلا: ان التعقب العرفي والعقلي في الزمانيات، كلها هكذا. لأن شأن الزمان هو التصرم، فلا يمكن ان يمنع القبل والبعد فيه. بخلاف المكان. فان النسبة الإضافية لا تكون عرفية إلا مع وجودهما معا.
واما الإشكال في الملاك. فالملاك له ثلاث أشكال من الفهم:
الأول: الملاك السابق على الأمر الموجود في عالم الواقع. كما عليه مشهور المتشرعية.
الثاني: الملاك، يعني المصلحة الحاصلة في طول الامتثال. وهو الذي تعرض له السيد الأستاذ في تقريراتي.
الثالث: الجمع بينهما كما قلنا: بان الملاك هو العلة الغائية. وهو صورة ذهنية في أول أمره، وتطبيق في نهايته. والصورة الذهنية عبارة عن ان ذيها هو تلك المصلحة الواقعية أو التي تقع بعد الامتثال.
وعلى أي حال، فالإشكال يقع في مستويين فقط: في الملاك السابق على الجعل، والملاك اللاحق للامتثال. لأن الجمع بينهما يتضمنهما.
اما الملاك السابق على الجعل، فمن الواضح انه بوجوده النفس الامري
ــــــ[302]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بغض النظر عن تصور المولى له. لا معنى لتأثيره. وانما هو مؤثر في الجعل على طريق الصورة الذهنية التي تشارك في التصديق بالمصلحة. ونفس الشيء نقوله بناء على العلة الغائية، فانها أيضاً صورة ذهنية. وعلى كلا التقديرين، فالجواب واضح: وهو ان الصورة الذهنية للشرط المتأخر تكفي قيدا للجعل أو الملاك أو لهما معا. وهي صورة مقارنة وغير متأخرة.
واما الملاك اللاحق للامتثال، فينبغي ان يكون هو الأهم في الحديث.
وحسب فهم السيد الأستاذ، فان الامتثال مقتضي له والغسل شرط له. فنسأل: ان المصلحة هل تترتب في نهار السبت أو في ليلة الأحد ؟. فان قلت في النهار، يلزم تأثير المتأخر في المتقدم، كما لو احترقت ورقة في يوم السبت لأجل الملاقات في ليلة الأحد (والملاقات شرط) أو قل: يلزم تأثير الشرط قبل وجوده. لفرض تأخر الشرط.
وان كانت المصلحة مترتبة في ليلة الأحد عند الغسل. فلا يكون الغسل مؤثرا قبل وجوده (يعني لا إشكال من هذه الناحية). ولكن هذه المصلحة كيف وجدت بعد انعدام المقتضي لها. كما لو كانت النار في يوم السبت (وهي المقتضي) وأنطفأت. ثم جفت الورقة وحصل الاحتراق بعد جفافها. وهذا غير معقول.
وخاصة إذا فهمنا ان وجود المصلحة وجود تكويني، فهو محكوم لاحكام التكوين العقلية والعلية وغيرها.
وقد تصدى في الكفاية للجواب على ذلك. وأحسن من فهم عبارة الكفاية هو السيد الأستاذ في تقريراتي. وهو انما يقدم فهمه لمراد الشيخ الآخوند، بغض النظر عن مطابقته لواقع. وهذا ما سوف يأتي. إلا انه عرض طريف
ــــــ[303]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
محتمل المطابقة لمراد الآخوند – ولو كأطروحة – ومن هنا انقله لكم الآن:
قال: وتوضيحه: يتوقف على بيان أمرين:
الأمر الأول: ان الأشياء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أشياء واقعية في الخارج، كوجود الماء والبياض والحلاوة في الخارج.
القسم الثاني: أشياء اعتبارية صرفة يخلقها العقل متى شاء ويتحكم فيها، كاعتبار بحر من زئبق أو جبل من ذهب (هذا خيال وليس اعتبار) ونسبة العقل إليها نسبة الفاعلية (في حين كانت نسبته في الأول نسبة الانفعال).
القسم الثالث: وسط بين الأمرين يسميها الحكماء بالاعتبارات الواقعية. فهي اعتبارات لا وجود لها في الخارج. ولكنها ليست خيالية بحتة، بل لها جنبة واقعية ولا يستطيع العقل التحكم فيها. كالاضافات كالتقدم والتأخر.
والعقل يرى ان دوره فيها دور الانفعال لا الفاعلية. فهي ليست من القسم الثاني، كما انها ليست عندهم من القسم الأول. فان التقدم ليس له وجود في الخارج ليدخل في القسم الأول. لوضوح انه لو كان للتقدم وجود لابد له من تقدم، فيلزم التسلسل في العلل والمعلولات الخارجية، وهو مستحيل.
قال: ونحن في أبحاثنا في المعنى الحرفي سمينا هذا القسم الثالث بأشياء لوح الواقع في قبال الثاني الذي هو لوح الاعتبار.
الأمر الثاني: ان الحسن والقبح يختلف عن المصلحة والمفسدة. فان المصلحة والمفسدة موجودة في الخارج، تكون راجعة إلى القسم الأول. واما الحسن والقبح فقد يحكم العقل بحسن شيء وفيه أعظم المفاسد وقد يحكم
ــــــ[304]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بقبحه وفيه أعظم المصالح. كإنقاذ النبي وهو في الواقع عدوه. فهذا راجع إلى القسم الثالث.
فالعقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم بشكل لا دخل له في تغييره.
فإذا تم هذان الأمران، فصاحب الكفاية كأنه يريد ان يقول:
ان إشكال الشرط المتأخر في الموقع الثاني، لو كان الملاك هو عبارة عن المصالح والمفاسد الموجودة خارجا، للزم الإشكال. إذ يستحيل تأثير المتأخر في وجود المتقدم.
ولكن إذا كان الملاك هو الحسن والقبح، كوجوب الصوم لأجل حسنه. وحيث انها من القسم الثالث، فيعقل ان يكون معلولا مستندا إلى أمر اعتباري مثله، يكونان من القسم الثالث. فالحسن مستند إلى أمر اعتباري هو التقدم. فان العقل حين يقيس صوم المستحاضة إلى الغسل ويقول: انه قبله. إذن، فالحسن ناشئ من عنوان القبلية الذي هو ناشئ من مقايسة العقل بين الأمرين، فلم يلزم محذور أصلاً.
ويكون دور الغسل الواقع في الليل، هو انه احد طرفي المقايسة بين الأمرين. وهذا الكلام كأنه لا يأتي لو كان الكلام في المصلحة. لأنها موجود خارجي، فلا يعقل ان تنشأ من عنوان اعتباري عقلي هو عنوان التقدم بانها ناشئة من نفس الغسل الذي هو من القسم الأول، فيكون إشكال الشرط المتأخر محكّما.
ولنا على ذلك عدة خطوات:
الخطوة الأولى تطبيقه على كلام الشيخ الآخوند في الكفاية. والظاهر ان
ــــــ[305]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
السيد الأستاذ لا يشهد بالموافقة لكلامه. لأنه قال: كأنه يريد ان يقول. ولكن بغض النظر عن ذلك، فانه مخالف لكلام صاحب الكفاية من عدة أمور:
أولاً: انه ذكر الحسن والقبح والغرض، وعطف بينهما أكثر من مرة. والغرض عبارة عن المصلحة الواقعية اصطلاحا، وهي التي حاول السيد نفيها عن كلامه.
ثانياً: ان المهم في نظره، هو الإضافة أو بلغة السيد الأستاذ: المقايسة بين أمرين. وهذه الإضافة تكون منشأ للحسن والغرض سواء كانت بين أمرين متزامنين أو أمرين مترتبين.
ثالثاً: ظاهر الآخوند ليس هو حصول الحسن أو الغرض بمجرد ترتب ذينك الأمرين ومقايستهما، كما هو ظاهر تقرير السيد عنه. وانما المهم عنده -كما هو المهم اصوليا وفقهيا – هو أصل الامتثال، وهو الصوم المتقدم. لكن لولا الشرط المتأخر، لم يكتسب المتقدم حسنا إضافيا يكون به جامعا للشرط.
فليس المهم هو مجرد كونه ملحوقا بالغسل – كما قلنا – بل انه يكتسب حسنا إضافيا به يكون الامتثال.
وهذا الاتجاه ليس عبثا. لأنه يحتوي على أمر أساسي عند العدلية، وهو ان يقال: انه ليس المتعلق بمجرده ذو مصلحة، وانما بضميمة الشرط أيضاً. فاما ان نقول: ان المتعلق بشرطه ذو مصلحة لا مجردا. أو نقول: انه كما ان المتعلق ذو مصلحة فكذلك الشرط فيه مصلحة.
إلا ان هذا يمكن ان يجاب: بان الأمور المتصورة للعدلية على ثلاث مستويات:
ــــــ[306]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
1- ان المتعلق ذو مصلحة دون شرطه. واما الشروط، فتكون اختيارية للمولى. غاية الأمر انها حصة من المتعلق ذو المصلحة على أي حال.
2- ان المتعلق المشروط ذو مصلحة فقط. وهو المتعلق حقيقة لا ذات الماهية. 3- ان المتعلق ذو مصلحة والشرط ذو مصلحة أخرى، يزداد به المتعلق أهمية أو حسنا ونحو ذلك.
ظاهر كلام الشيخ الآخوند هو الثالث، والمشهور هو الثاني. وكلها محتملة. بل الثالث أردأ الاحتمالات. من حيث ان المصلحة إذا كانت في المطلق، فلماذا أمر بالمقيد ؟ وهل يكون هذا القيد إلا استحبابيا فلماذا جعله وجوبيا ؟ في حين لم يكن الغرض ملحوظا للسيد الأستاذ مع انه قد يترتب على الحسن والقبح أكيداً.
وعلى أي حال، فإذا تجاوزنا مسألة الحسن والقبح إلى الغرض، لزم المحذور على الغرض، لكون الغرض أمرا خارجيا على المفروض.
لا يقال (ضد الشيخ الآخوند): ان الأمر الاعتباري لا يؤثر في الأمر الخارجي. لأن كل واحد من عالم، ويستحيل تأثير جزئي من احد العالمين في جزئي من عالم آخر. أو قل: ان وجود عالم الاعتبار لا يمكن ان يكون علة ولا جزء علة لعالم الخارج. والمفروض عند الشيخ الآخوند ان هذا حاصل. لأن الاعتبار بالتأخر اوجد المصلحة.
فانه يقال: ان هذا الأمر لو لوحظ بالعقل النظري، فنعم. وانما يقال عادة: ان المؤثر هو وجود الامتثال أو الامتثال والشرط. وليس الاعتبار الناتج عن المقايسة بينهما. ومعه، فان قلنا بان المصلحة خارجية كما عليه المشهور، ثبت الإشكال.
ــــــ[307]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ولكن يمكن ان يقال: ان المصلحة أيضاً أخلاقية واعتبارية، أو قل: هي هبة من الله في طول حصول الإضافة والمقايسة. واما نسبتها إلى هذه الإضافة، فهي مجازية. أو قل: انها بذلك تصبح موضوعا لإحكام العقل العملي بالحسن والقبح. والعقل العملي كما يأخذ بنظر الاعتبار ويلاحظ الأمور الخارجية، كذلك يلاحظ الأمور الاعتبارية كقبح السرقة الناتج من الحكم الاعتباري بملكية المسروق منه.
فان قلت: فان هذا مساوق لنفي المصلحة. لأنها مجرد هبة من الله.
قلنا:
1- ان المصلحة هي استحقاق الهبة.
2- انه تعالى يعلم انه يهب.
3- كبروي: وهو ان كل المعلولات هكذا. وخاصة الأمور المعنوية.
الخطوة الثانية: في الجواب على كلام الشيخ الآخوند، بغض النظر عما سبق.
فانه بغض النظر عما قلناه من الفهم العرفي وان العرف يرى الشيء الماضي مستمرا في الوجود ولا يزول: واما إذا حكمنا بزواله عقلا، استحالت الإضافة والمقايسة، لأن احدهما زال والآخر لم يحدث. فتتعذر الإضافة في كلا الزمانين. مضافا إلى انننا نقول: انه متى أصبح الصوم واجدا لشرطه أو لشرط حسنه ؟ لا في الزمان الأول، كما هو واضح، ولا في الزمان الثاني بعد انعدامه وزواله.
وانما تصح هذه المقايسة في طول فهم العرف من ثبوت كلا الأمرين في
ــــــ[308]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
زمانهما. وهو مما لم يُفهم من عبارة الكفاية. وهذا بخلاف الشرط المقارن، كما هو واضح. فقوله: انه لا فرق بينهما من هذه الناحية، واضح الفساد.
نعم، لو غضضنا النظر عن ذلك، كان السبب هو مجموع الامتثال والشرط المتأخر. وهذا هو ظاهر الشيخ الآخوند، من حيث ان المؤثر هو المشروط الذي أصبح أفضل بشرطه. وليس مجرد المقايسة والإضافة. لأن هذه الإضافة كما لا يمكن ان تكون سببا لشيء خارجي، كذلك لا تكون سببا للتحسين والتقبيح، أو قل انها يستحيل ان تكون سببا لأي شيء خارج عالمها. وكلا هذين الأمرين خارج عالمها.
فان قلت: فان الإضافة يمكن ان تكون موضوعا لحكم العقل بالحسن، ويعبر عن الموضوع بالسبب مجازا.
قلنا: ان الإضافة بطرفيها. واما ملاحظتها بدون طرفيها، فلا معنى لها، بل لا وجود لها. وإذا رجعت إلى طرفيها، رجع الكلام إلى الوجه السابق الذي اخترناه. وهو ذات الامتثال وذات الشرط، أو قل: الامتثال الملحوق بالشرط والملحوظ وجوده عرفا في الزمن الماضي.
الخطوة الثالثة: في نقاش السيد الأستاذ:
اما ما ذكره: من ان الشيء الذي فيه مصلحة قد يكون قبيحا وبالعكس، فهو راجع إلى التمييز بين القبح الفاعلي والقبح الفعلي، كما ذكر الشيخ النائيني في بابه. والمشهور: هو القبح الفعلي ولا وجود للقبح الفاعلي. وهذا هو الصحيح.
وعليه: فالجهل المركب لا دخل له عقلا بتقبيح العمل بالعقل العملي. بل يتبع ذات العمل بما هو. غاية الأمر، انه إذا قصد العكس، كان ذلك مسقطا له
ــــــ[309]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عن الاستحقاق، وهو لا ينافي كون الواقع حسنا أو قبيحا في نفسه.
وانما مقابله واقع آخر وهو نيته، فهو يمدح عليها وان قبح فعله في الواقع. ويكون معذورا عنه، وهو معنى إسقاط الجهة الواقعية عن ذمته. إلا ان الأصل هو الواقع بالتحسين والتقبيح. وانما تكون النتيجة المخالفة للواقع بمنزلة العنوان الثانوي الطارئ.
ثم ان هذا كان لمجرد الاستطراد والتوضيح، فلا بأس. واما دخله في محل الكلام. فهذا له مستويان. من حيث دخالة الشدة أو دخالة القبح والحسن الفاعلي:
المستوى الأول: في دخالة هذه الشدة المخالفة للواقع. فهذا خارج فرض المسألة أكيداً إذ لا يوجد ما هو كذلك. كل ما في الموضوع: انه يراد إيضاح تغير قيمة الفعل بالقصد. فإذا كان حسنا يزداد حسنا. وإذا كان قبيحا يزداد حسنا. فإذا قبلنا الثاني، كان الأول أولى بالقبول.
إلا اننا أشكلنا على ذلك بأمرين: الأول: ان المتعلق بمطلق وجوده، ليس له حسن. وانما الشرط يؤثر في حسنه ابتداء. يعني في كونه امتثالا.
ثانياً: اننا لا نقول بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. فليس بالضرورة ان يكون المأمور به حسنا عقلا. بل كثير من المأمورات الشرعية تعبدية لا يدرك العقل حسنها. فان قلنا بالملازمة، فهي تبعية حكم الشرع لحكم العقل وليس بالعكس.
نعم، العقل يحكم بحسن الطاعة والانقياد، وهذا أمر خارج عن محل الكلام. لأن المفروض ان طبيعي الامتثال يزداد حسنا بالشرط أو يتصف به.
ــــــ[310]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الثاني: اننا قلنا ان الشرط المتأخر يأتي بعد زوال الامتثال فيستحيل ان يتصف بالحسن ما كان معدوما.
المستوى الثاني: في دخالة الحسن الفاعلي، وهو أكيد على خلاف مقصودهم. إلا اننا لو قبلناه كبرويا لامكن تطبيقه هنا. لأنه يصدق على الفاعل انه فاعل للصوم إجمالا. فإذا أصبح فاعلا للغسل، ازداد حسناً. إلا ان هذا:
1- فرع الملازمة العقلية من هذا الطرف. يعني كلما أمر به الشرع أمر به العقل.
2- انه بناء على وضع المشتق للأعم ولا نقول به.
الخطوة الرابعة: في كلام السيد الأستاذ، في رده على الشيخ الآخوند:
قال: ان هذا الذي ذكره لا يصلح تفسيرا للواقع المحسوس في موارد الشرط المتأخر. لأننا لو سلمنا الأصول الموضوعية لكلامه. فغاية ما ينتج هو تفسير الشرط المتأخر في الموارد التي يكون فيها المولى، مولى حكيما عقلائيا تكون أحكامه صادرة عن الحسن والقبح العقليين.
لكن الشرط المتأخر لا ينحصر في ذلك، بل يجري في التكاليف الناتجة عن المصالح والمفاسد، سواء كان المراد مصالح المولى ومفاسده أو مصالح المكلف ومفاسده. فقد يكلف المريض بشرب دواء مشروط بشرط متأخر كالمشي أو النوم ونحوها. ومن الواضح انها قيود باعتبار المصلحة والمفسدة لا باعتبار الحسن والقبح العقليين.
أقول: وكان خيرا له ان يقول: ان المصالح والمفاسد ليست منحصرة بالتحسين والتقبيح، بل توجد مصالح واقعية أو خارجية. لا يختلف في ذلك
ــــــ[311]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
شارعنا عن الشارع العرفي.
ولو قال ذلك، لأجاب الشيخ الآخوند : بان المصلحة ان كانت واقعية، فينبغي ان نسلم بالاستحالة. فلا يوجد شيء من هذا القبيل. وهنا ننكر الصغرى. وانما تنحصر صورة الإمكان بالتحسين والتقبيح.
واما ان يقول السيد: بان الكلام ليس في الشارع المقدس فقط، بل في غيره أيضاً. لأن تشريع الشارع المقدس كله حسن، فيكون مشمولا لكبرى الآخوند. وانما الكلام في غيره كالطبيب وغيره.
فهذا سيكون اغرب وجوابه أسهل، وهو اننا ننكر – أو الشيخ الآخوند ينكر- ان يكون الكلام عاما لما هو خارج الشريعة. لأن الأصول هو أصول الفقه الشرعي وليس العرفي. بل حتى لو كان الأمر كذلك، فلنا ان ننكر إمكان الشرط المتأخر أساساً.
واغرب من ذلك انه يقول: سواء كانت مصالح المولى أو مصالح العبد. ولا نعلم انه ايها يعتبرها من التحسين والتقبيح، وأي منها يعتبرها من المصالح الواقعية. مقتضى التبادر الأولي: ان التحسين خاص بالمكلف من حيث الطاعة. واما المولى، فيرجع الأمر إلى مصالحه الشخصية الواقعية. إلا ان سياق كلامه بالعكس على الظاهر. من حيث انه يعتبر ما يرجع إلى المولى حسنا، وما يرجع إلى العبد واقعا. في حين ان أصل رجوع المصالح إلى المولى الواقعي غير صحيحة.
ولولا ما قلناه من لحاظ الامتثال السابق موجودا عرفا وكذلك في علم الله سبحانه، لما أمكن التقييد. إلا ان هذا يحصر حصول المصلحة في الزمان الثاني عند حصول الشرط المتأخر، لا في الزمان الأول. لأن العرف لا يوافق
ــــــ[312]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
على ان الموجود المستقبلي موجود. وان وافق على الموجود الماضي. لأنه واضح ان العرف يقول: انه لم يغتسل إلى الآن. ومن المعقول والمنطقي ان يترتب الغرض بعد حصول شرطه لا قبله. وان افتراض ذلك في بعض الاحتمالات، افتراض عاطل.
واما مثاله في دواء الطبيب، فالشرط المتأخر مستحيل، وانما يحدث الشفاء بعد اجتماع كلا الأمرين مع لحاظ شيء معين أشار إليه السيد الأستاذ خارج الدرس، وهو انه ينبغي ان يبقى أثره إلى حين زمان الشرط المتأخر، وإلا كان الشرط المتأخر لاغيا باعتباره تكوينيا وليس تعبديا.
ثم ان السيد الأستاذ تصدى بنفسه للجواب على استحالة الشرط المتأخر في الملاك. وقد أجاب عنه بلحاظين: احدهما: واضح من تقريرات الهاشمي: وهو بقاء اثر الدواء إلى حين المشي ليلا، كحرارة معينة، ونحو ذلك. والآخر: محتمل من تقريراتي، وهو ان نعبر عن الأثر بالمعلول وانه ليس الصوم هو المؤثر حقيقة في الملاك. ولكن معلوله المجتمع مع الشرط المتأخر. وهو في تقريراتي يعبر تارة بالأثر، وأخرى بالمعلول، كأن المراد منهما واحد. باعتبار ان الأثر هو معلول بدوره.
ويضيف نتيجتين: الأولى: ان هذا معناه إنكار الشرط المتأخر وليس الاعتراف به. لأنه أصبح معاصرا مع معلول شرب الدواء. وثانيهما: ان هذا الطلب نتعقله في غسل المستحاضة تعقلا غيبياً. بان نقول: انه بالإمكان ان يكون كذلك. وينتج وجود المصلحة في الليل لا عند الصوم في النهار. لأن العلة انما تتم في ذلك الحين.
ونحن قد قلنا بإمكان الشرط المتأخر في الملاك، كما سبق. فهل يصلح
ــــــ[313]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ان يكون هذا وجها مستقلا عما قلناه ؟
ان الأمر لا يخلو اما ان يراد من الأثر المعلول، أو يراد به استمرار الامتثال بنفسه ولو بوجود ضعيف نسميه بالأثر. فان قلنا بالثاني، فهو خلف تأخر الشرط. لأنه سيكون مزامنا مع الامتثال لا متأخرا عنه.
مضافا إلى ان ذلك الوجود المفروض دقي وليس عرفيا. والمفروض اننا نبحث في ظواهر الكتاب والسنة على مستوى العرف. ولا يمكن ان نفهم من الصوم هذا الوجود الدقي الباقي إلى الليل. واما من حيث فهم العرف، فقد انتهي الامتثال وليس له اثر باقي وهو خلف الفرضية أو الأطروحة. أو قل معناه فشلها.
وان أخذنا الآن بمعنى المعلول. فهو أمر محتمل، إلا انه مخالف للظاهر من جهات أخرى:
1- ان الشرط شرط للامتثال لا شرط لمعلوله. وهو بهذا اللحاظ متأخر عنه زمانا ورتبة.
2- ان المعلول ليس مأموراً به أصلاً، ولا دخل له بالمتعلق حسب ظهور الدليل. فكونه مزامنا مع الشرط المتأخر، لا اثر له.
فان قلت: فان الشارع اخذ ذلك بنظر الاعتبار حين قيد الامتثال بالشرط المتأخر.
قلنا: 1- ان كان ذلك باعتبار الاستحالة، فقد قلنا بالإمكان. وبتعبير آخر: ان أمر الشارع يدل على الإمكان، ولكنه لا يدل على ان وجهه هو هذا دون ذاك. فهو استدلال بالأعم على الأخص. وهو باطل.
ــــــ[314]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- انه لو أخذه بنظر الاعتبار، لأمر به أو لنبّه عليه، مع انه لم يقل بذلك على الفرض.
3- يمكن التمسك بإطلاق الدليل لإثبات عدمه. يعني يصح الصوم المقيد بالشرط المتأخر، سواء حصل منه معلول فلاني أم لا. اللهم إلا ان يقال: انه ملازم معه دائما في علم الله سبحانه.
هذا تمام الكلام في الشرط المتأخر للمأمور به.
وقد سبق ان الكلام في أربع مقامات:
1- في التكليف.
2- في المأمور به. وقد سبقت.
3- في الشرط المتقدم.
4- في شرط الوضع.
الشرط المتقدم:
فيقع الكلام الآن في الشر ط المتقدم من حيث ان صاحب الكفاية عمم الإشكال إليه. باعتبار ان قانون العلية كما يقول باستحالة تأخر العلة، يقول باستحالة تقدمها. فلو قسنا المؤثرات الشرعية على التكوينية، كانت مستحيلة أيضاً.
وقد سبق ان اشرنا في محله، ان الشرط المتقدم غير موجود لو حصل التكليف، يعني الجعل الكبروي في الدين. وانما هو موجود في مرتبة المجعول أو الصغرى والتطبيق. نعم، هو مشروع بنحو الكبرى، ولكنه ليس شرطا في
ــــــ[315]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الكبرى، وانما هو شرط للمأمور به.
وكما وقع التقسيم في الشرط المتأخر من حيث كونه شرطا للتكليف تارة وللمأمور به أخرى فلابد هنا من إعطاء فكرة كافية عن الجهتين:
اما شرط التكليف، فالمسألة فيه واضحة. ولذا لم يذكروه إطلاقا. وحاصل فكرته: إنكار كونه متقدما وان وجد متقدما في التكوين. كما لو كان بالغا رشيدا قبل الوقت، أو مستطيعا قبل وقت الحج. إلا ان الشرط حقيقة ليس هو الاستطاعة المتقدمة أو البلوغ المتقدم. وانما هو الاتصاف حال العمل. واما الوجود السابق عليه، فله اثر في وجوب مقدماته تعبدا. وإلا فما تشتغل به الذمة ابتداء هو الحج في يوم عرفة والأضحى فقط. وكذلك باقي الأمثلة.
ويوضح ذلك: ان الشرط المتقدم لو ارتفع، ارتفع معه التكليف. كما لو زالت الاستطاعة قهرا، أو حصل الجنون، ونحو ذلك قبل الوقت أو أثناء الوقت، زال التكليف. إذن، فمن الواضح ان العمدة في الشرط هو الشرط المقارن خاصة. ولا دخل للوجود السابق إطلاقا. وليس هذا مراد الشيخ الآخوند أصلاً.
وانما الكلام الأهم: هو كون الشرط متقدما للمأمور به.
والخطوة الأولى التي يمكن تقديمها في ذلك، هو إنكار ان يكون الشرط متقدما وان توهمنا ذلك. كالطهارات الثلاث، فان الشرط حقيقة ما كان منها خلال الصلاة. ما لم نجعل الأعمال بنفسها شرطا، وهذا ما يمكن منعه. فكذلك الوقت، فان الواجب منه ما كان خلال الصلاة، يعني ان تكون الصلاة في الوقت وهكذا.
وكذلك الأحكام الوضعية، فان المهم كون المكلف عاقلا مختارا خلال
ــــــ[316]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المعاملة وهكذا. فيكون الشرط المتقدم سالبة بانتفاء الموضوع. فلا حاجة إلى بحثه.
والخطوة الثانية: ان هذا السؤال انما يثار لو قال الأصولي باستحالة الشرط المتأخر، فهل ان دليل الاستحالة يشمل المتقدم أم لا ؟ فيحتاج الأصولي إلى استئناف كلام في ذلك.
واما إذا قلنا بإمكان الشرط المتأخر، فلا مضيقة في الشرط المتقدم أصلاً. بل هو أولى في الصحة. فإذا لم يكن أولى، فهو مثله. ولا أقل من القول: ان نفس التقريبات التي قيلت هناك، تأتي نفسها هنا، حرفا بحرف.
سواء قال الآخوند من انه بالشرط يزداد حسنا، أو ما قاله السيد الأستاذ من بقاء أثره، فهنا يمكن ان نتصور للشرط أثرا باقيا إلى حين المشروط. أو ما قلناه من عدم انعدام الماضي في علم الله وعلم العرف. فيكون الشرط بمنزلة المتحقق في زمان المشروط. ولا إشكال.
وانما يحصل الإشكال لو تنزلنا عن كل هذه الوجوه.
وفي التقريرات للهاشمي، أجاب بنفس أجوبته على الشرط المتأخر. ولا حاجة إلى تكرارها. ثم قال:
ثم ان الأصحاب لم يستشكل احد منهم في الشرط المتقدم، حتى من استشكل في الشرط المتأخر. فكأنهم وجدانا يجدون فرقا بينهما. مع ان إشكال المحقق الخراساني برهان متين. فان العلة بتمام أجزائها كما لا يمكن تأخرها عن المعلول، كذلك لا يمكن تقدمها عليه.
ولهذا تصدى المحقق الأصفهاني والسيد الأستاذ للجمع بين هذا الوجدان
ــــــ[317]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهذا البرهان.
أقول: ما قيل أو يمكن ان يقال حول ذلك عدة أمور بعد تجاوز احتمال الغفلة بين الأصوليين. لأنم محققون مدققون وان لم يكونوا معصومين.
1- عدم قياس العلل الشرعية بالعلل التكوينية. وهو معنى عام فهمنا محصله فيما سبق.
جوابه: انه يرجع إلى ان كلا نحوي الشرط واحد وليس ان المتقدم أولى بالإمكان من المتأخر. كما هو عنوان هذا الكلام.
2- ما قلناه: من ان الشرط ليس هو المتقدم، وانما المعاصر والمزامن له، كما سبق ان أوضحنا.
فان قلت: فان الإيجاب والقبول في المعاملات ليس كذلك.
جوابه من وجوه:
الوجه الأول: ان نأخذ الإيجاب والقبول طريقين إلى بيان الرضا. وبعد ضم احدهما إلى الآخر. نستكشف تزامن الرضا من الطرفين. ولا مانع – بعد ذلك – من ان يكون الكاشف منعدما.
الوجه الثاني: ان نأخذ الإيجاب والقبول صفة للطرف نفسه. يعني الموجب والقابل. على ان نقبل صدق المشتق على من انقضى عنه المبدأ. ولو في هذا المورد للقرينة العرفية. وبانضمام القبول، يصبح احدهما موجبا والآخر قابلا. وهو أمر متزامن وتتم المعاملة.
الوجه الثالث: ما قلناه في الجواب على الشرط المتأخر من كن الماضي
ــــــ[318]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
غير منعدم عرفا كما هو غير منعدم في علم الله تعالى. إذن، فالإيجاب موجود إلى حين القبول.
فان قلت: فاننا نعكس ونقول: ان الإيجاب شرط متقدم للقبول، وهو أمر مستقبلي غير موجود عرفا. فلا يتم الوجه.
قلنا: نعم. لكننا نعلم ان المعاملة الحقيقة هي الإيجاب. والقبول هو رد الفعل المناسب لها ليس أكثر. إذن، فالقبول شرط متأخر للإيجاب دون العكس. فيتم المطلب بتطبيق قاعدة الشرط المتأخر هنا: اعني جوابنا السابق فيه.
وعلى أي حال، سنرى انه بدون تطبيق الوجه الذي اخترناه، لا تتم الوجوه الأخرى التي قيلت في أولوية الشرط المتقدم لا في المعاملات ولا غيرها، كما سنرى الآن.
3- ما نسب إلى المحقق الخوئي: بدعوى: ان الشرط قد يكون مقدمة إعدادية. وهي لا يستحيل تقدمها على المعلول زمانا.
أقول: وهذا يتضمن ان العلل التكوينية على هذا النحو، يعني يتقدم فيها الشرط والمقدمة الإعدادية. فإذا جاز في التكوين، جاز في التشريع. لأنه مثله أو أولى منه.
وفي هذا غفلة شديدة عن التكوين والتشريع معا. لأن هذه المقدمة الإعدادية ان فرض زوالها قبل وجود المعلول. لم تؤثر بطبيعة الحال. لأستحالة تأثير المعدوم. ومن ثم لن يوجد المعلول، ولن تكون مقدمة إعدادية، والمفروض توقفه عليها، وانه يلزم من عدمها عدمه.
ــــــ[319]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إذن، لابد ان يكون لها نحو استمرار، اما بنفسها أو بأثرها إلى حين وجود المعلول فتكون معاصرة ومزامنة له، وليست اسبق منه. وإلا، فأصل وجودها في التكوين لا يعني كونها مقدمة إعدادية لشيء، ما لم تكن مزامنة. فوجود الأم والأب قبل وجود الولد بسنين، ليس مقدمة إعدادية، ولا وجود البناء للسكنى، ولا وجود الدنيا لوجود البشرية أو الجيل. ومن السذاجة تسميتها مقدمة إعدادية، بل هو مجاز، ما لم تشارك فعلا في وجود المعلول. وهي لا تكون كذلك إلا مزامنة له.
ونفس ما قلناه في التكوين نقوله في التشريع، كما سبق ان أوضحنا. وقلنا ان الشرط في الحقيقة هو المزامن مع الامتثال لا المتقدم عليه. سواء كان شرط التكليف أم شرط المأمور به.
ثم قال في التقريرات: وقد أوضح ذلك المحقق الأصفهاني، بان الشرط إذا كان متمما لفاعلية الفاعل أو قابلية القابل، فلابد وان يكون مقارنا مع المعلول. واما إذا كان معدّا أو مقدمة إعدادية بمعنى مقرّبا للشيء من الامتناع نحو الإمكان. حتى إذا تحققت علته، صار موجودا. كمن يريد الجلوس على الكرسي فيتقدم بخطوات نحوه لكي يتمكن من الجلوس عليه. فان هذه الخطوات تكون مقدمة على المعلول، وهو الجلوس على الكرسي. لأنها غير دخيلة لا في قابلية القابل ولا في فاعلية الفاعل.
وواضح ان هذا الكلام لصاحب التقريرات لا للمحقق الأصفهاني. لأن لهجة الأخير اقرب إلى اللهجة الفلسفية منها إلى اللهجة العرفية. بالرغم من انه يحولنا على المصدر، وهو نهاية الدارية. إلا ان أصل المطلب محفوظ، وهو ان اثر المعد هو تقريب المعلول نحو الإمكان عن الامتناع.
ــــــ[320]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهو من الغرائب. لأن معناه: ان الشيء في حال عدمه، يتحول من الامتناع إلى الإمكان، وهو لغو من القول لا في التشريع، ولا في التكوين. وهو يرجع بالدقة إلى سد باب العدم من ناحية علة العلة أو التي قبلها. يعني يرفع الامتناع الحاصل من ناحية علته الثالثة أو الثانية وهكذا.
إلا ان هذا يرجع إلى متمم فاعلية الفاعل. لأن الفاعل هو العلة والآخر علتها، فهو يوجدها لتكون هي العلة أو هي الفاعل. واما بدون ذلك، فهو واضح الفساد.
هذا مضافا إلى ان هذا البيان لو قبلناه، لتم في العبادات، كالطهارات. واما في المعاملات كالإيجاب بالنسبة إلى القبول، فقد سبق ان قلنا ان المعاملة الحقيقة متمثلة في الإيجاب. فيكون القبول بمنزلة الشرط المتأخر له. ولا يمكن اعتبار الإيجاب مقدمة إعدادية للقبول.
اللهم إلا ان نجيب:
1- انه يمكن تقدم القبول على الإيجاب.
2- ان هذا الحديث، يكون خارجا عن موضوع المسألة. لأنه حديث عن الشرط المتأخر، وليس هو حديثنا الذي هو عن الشرط المتقدم.
وهذا ليس إيضاحا لعبارة المحقق الخوئي. لأنها أعمق منها بكثير. مضافا إلى انها تصلح تقييدا لها بتلك المقدمة التي لا تؤثر في فاعلية الفاعل ولا في قابلية القابل. إلا انه سماها مقدمة إعدادية، كما في نفس العبارة.
ثم أجاب السيد الأستاذ في التقريرات عليه قائلا: هذا الكلام رغم اشتهاره، لا يرجع إلى محصل عندنا. لأنه:
ــــــ[321]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
1- ان أريد بتقريب الشيء من الامتناع إلى الإمكان تقريب الشيء الممتنع بالذات كاجتماع النقيضين إلى الإمكان. فهذا خلف كون ممتنعا بالذات.
2- وان أريد تقريبه من الامتناع بالغير، أي الامتناع بعدم علته، فهذا لا يعقل إلا بتقريبه إلى علته، بان يكون شرطا دخيلا في وجوده. فبوجوده يقترب الشيء إلى الإمكان الذي هو مقابل الامتناع بعدم العلة. وحينئذ يقال: كيف يكون دخيلا في وجوده، وهو متقدم أو متأخر عنه في الوجود.
وهذا نفسه معناه انه يؤثر فيه حال عدمه، وهو محال.
أقول: نعم، لا يمكن تقدمه إذا كان بنحو الشرط. لأن الشرط هو جزء العلة التامة المزامنة مع المعلول في الوجود. وانما يتم إذا كان بنحو علة العلة. وهكذا. إلا انه عندئذ لا يكون من قبيل المقدمة الإعدادية كما اشرنا بل متمم لفاعلية الفاعل.
ثم أضاف: وان أريد ما يسمونه بالإمكان الاستعدادي فيقال مثلا: ان البيضة يمكن ان تصبح فرخ دجاجة، لكن ذلك بحاجة إلى استعداد خاص في البيضة. وهذا الاستعداد والتهيؤ، يوفر في البيضة من خلال إعطائها درجة من الحرارة والدفء مثلا.
ففيما نحن فيه، يفترض ان الشرط المتقدم يعطي للشيء الإمكان الاستعدادي لإيجاد المصلحة خارجا.
قلنا: ان هذا الاستعداد والتهيؤ ان فرض أمر اعتباريا، فمن الواضح ان الأمر الاعتباري لا يمكن ان يكون دخيلا حقيقة في إيجاد شيء في الخارج، وهو المصلحة. وان فرض أمراً حقيقياً ينشأ في البيضة مثلا، وتبقى إلى ان تأتي سائر أجزاء العلة، فهذا في الحقيقة شرط مقارن. ويرجع إلى الشيء الذي
ــــــ[322]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ذكرناه في تفسير هذا النوع من الشرائط التي سميت عندهم بالإمكان الاستعدادي، ولا مشاحة في التسمية.
تعليقنا على ذلك:
أولاً: ان الشقين الأخيرين في كلامه، يرجع إلى محصل واحد. يعني ان الإمكان الاستعدادي نفسه هو الفرع السابق، وهو تقليل الامتناع والتقريب من الإمكان. لكن كأننا إذا تصورناه في جانب العلة، كان هو الشق أول. وان تصورناه صفة للمعلول، كان هو الشق الثاني الذي هو الإمكان الاستعدادي.
غير ان اتصاف العلة بما هو علة، راجع إلى اتصاف المعلول. فانها لو لم تؤثر في إمكان المعلول، كان خلف المسألة. فرجع احد الشقين إلى الآخر.
ثانياً: ان المعلول متى يتصف بالإمكان الاستعدادي هل حال وجوده أو حال عدمه؟ اما حال عدمه فواضح الاستحالة. واما حال وجوده، فهذا من تحصيل الحاصل. بل أسوأ. لأنه لم يوجد إلا بالوجوب الغير، والواجب لا يتصف بالإمكان. أو قل: انه خرج إلى عالم الفعلية، وما هو فعلي لا يتصف بالاستعداد الذي هو معنى أدنى منه.
بقي المقام الرابع في الوضع. وفي الحقيقة، لا يحتاج إلى مزيد كلام. فان سائر التقريبات التي قيلت في التكليف تأتي في الوضع. سواء على مستوى الملاك أو الخطاب وهو الجعل أو مرتبة المجعول. وليس فيه كلام زائد. وخاصة ونحن ذكرنا المعاملات وأشكالها.
واما الوضع بمعنى الضمانات بالمعنى الأعم كالقرض والإتلاف والاعتداء والقتل، فمن الممكن القول: ان اسبابها ليست متقدمة ولا متأخرة عنها. كما انها ليست سببا حقيقا، بل هو موضوع لحكم الشارع بالضمان. ولذا يتبعها
ــــــ[323]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مباشرة، ولا يمكن ان يحصل خلالها. كما لا يوجد في الشريعة لها شرط متأخر.
الواجب المطلق والمشروط:
ولنا على ذلك تعليقان:
الأول: تذكر ما قلناه من ان هذه العناوين ترجع إلى تصحيح التقسيم. فان صح كلا القسمين وزالت عنها الإشكالات، كان التقسيم صحيحا. وإلا انحصر الواجب في القسم الممكن.
والظاهر على ما سوف يأتي ان إشكالاتهم تنصب إلى المشروط، يعني على إمكان ان يكون الواجب مقيدا. بعد التسالم على إمكان جعله مطلقا. وسيأتي الحديث عن ذلك.
الثاني: ان متعلق الشرط هنا في اصطلاحهم، ليس هو الواجب، فلا يدخل في عنوان الباب، وهو مقدمة الواجب. وانما متعلقه هو الوجوب من حيث إمكان تقييده وعدمه ونحو ذلك من الإشكالات. ولذا عبر في تقريرات الهاشمي: ان المراد الواجب المشروط بما هو واجب. أي مشروط وجوبه. وفي هذا مغالطة من المشهور في العنوان، كما هو خروج عن عنوان الباب. وان كنا سنتابعهم الآن بطبيعة الحال.
وأفضل من ذكر عنوان المسألة هو تقريرات الهاشمي، حيث قال: وقد وقع البحث في إمكان الواجب المشروط (الوجوب المشروط) عقلا تارة بلحاظ عالم الثبوت أي في معقوليته في نفسه وأخرى بلحاظ عالم الإثبات وإبراز الإيجاب بصيغة الأمر وإمكان إرجاع الشرط إلى مدلولها (يعني إلى مدلول الصيغة دون المادة).
ــــــ[324]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فالبحث في مقامين: (ثبوتي وإثباتي).
المقام الأول: في الواجب (الوجوب) المشروط في عالم نفس الأمر وبقطع النظر عن الإبراز.
وفي هذا المقام توجد بحسب الحقيقة ثلاث مراحل:
1- مرحلة الملاك 2- مرحلة الإرادة (المولوية للتشريع) 3- مرحلة الجعل والاعتبار. فلنتتبع الواجب (الوجوب) المشروط في كل واحدة من هذه المراحل.
أقول: وكلها مراحل الوجوب ولا ربط لها بالواجب. لأنها من الواضح انها حديث عن جعل الوجوب مع النظر إلى علل الجعل: وهي الإرادة والملاك.
أقول: وقبل ذلك، يحسن ان نلتفت إلى سؤالين:
الأول: عن معنى المطلق والمشروط. فالشرط بمعنى القيد أو الحصة أيا كانت والمطلق في مقابله. فان كانت قيدا للوجوب، لم يوجد الوجوب بدونها. لأن وجوده خلف الشرطية. لا ملاكا ولا إرادة ولا خطابا. وان كانت قيدا للواجب، أصبح تحت الطلب ومتعلقا له، وهو مقدمة الواجب. وهو في نفس الوقت متعلق الملاك ومتعلق الإرادة ومتعلق الخطاب.
وسنجد بعض التذبذب في كلمات الأصوليين بين هذين النحوين من الشروط. وان كان ظاهر تقييدهم للعنوان هو كونه شرطا للوجوب لا للواجب.
الثاني: هل يوجد وجوب مطلق حقيقة أم لا ؟. فإذا لم يوجد وجوب مطلق عقلا أو خارجا، تعين الوجوب المشروط، يعني ان كل الواجبات لابد
ــــــ[325]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ان تكون مشروطة.
والوجوب المطلق يراد به احد أمرين:
1- الوجوب غير المشروط ولا المقيد بأي قيد على الإطلاق.
2- الوجوب الذي حصل قيده، فأصبح فعليا بفعلية قيده.
وجامعهما هو الواجب الفعلي. لأن الوجوب المطلق الخالي من أي قيد لابد ان يكون فعليا أيضاً مهما كان الزمان والمكان والمكلف.
اما المعنى الثاني، فهو ليس مطلقا حقيقة، لأن فرضه مطلقا خلف كونه مشروطا، بشرط حاصل أو غير حاصل، وحصول شرطه لا يخرج به عن كونه مشروطا. نعم، قد نعبر عنه بالمطلق مجازا أو مسامحة. باعتبار شبهه مع المطلق بالفعلية.
واما المعنى الثاني، فينبغي ان نلتفت إلى اننا نتحدث عن الوجوب لا عن الواجب. كما اننا نتحدث عن الوجوب الشرعي في فروع الدين لا الوجوب العقلي في أصول الدين ليقال: ان الإيمان بالتوحيد والعدل وجوبه مطلق. بل حتى النبوة وجوبها ليس بمطلق، ما لم تقم عليها الحجة الكافية ويصدر بها أمر من الله سبحانه. أو قل: إذا أرسله نبيا، وجب الإيمان به. فلم يكن مطلقا. نعم، هو مما تحقق شرطه في نبي الإسلام.
فهل يوجد في الأحكام الشرعية حكم ليس له موضوع. نستطيع ان ننكر ذلك خارجا أكيداً. ونتحدى أي واحد ان يمثل لها به
بل هو مستحيل: لفرض شرطية القدرة والعلم. وان خطاب العاجز والجاهل مستحيل. فهذا نحو من الشرط في الوجوب.
ــــــ[326]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مضافا إلى استحالته من جهة أخرى: وهي عدم تقييده بالمكان والزمان على الفرض، فيجب اما ان يؤتى به في الحياة مرة واحدة، أو يؤتى به طول الحياة بلا توقف. تبعا لفهم المرة والتكرار. وكلاهما غير محتمل.
واما إذا قصدنا من الشرط شرط الواجب لا الوجوب. ففي الإمكان ان يقال: انها كلها مطلقة. وان القيود كلها تعود إلى الوجوب لا الواجب. وان الباقي انما هي شرائط وأجزاء من نفس الماهية لا خارجة عنها، كما هو لعله المفروض في الباب.
نعم، هو ممكن كالطهارات الثلاث، ولكن لو تعديناها لم نجد غيرها. إلا ما دل الدليل عليه من المقدمات المفوتة. وهي بما انها مقدمات قبل حصول الوجوب، فلا تدخل في ضمن مقدمات الواجب وشرطه حقيقة. وانما الواجب فيها هو إعداد النفس لا طاعة الوجوب المستقبلي لا أكثر. وهي لا تجب إلا بالدليل الخاص.
ومن هنا يمكن ان يقال: ان الوجوب كله مشروط، ولا يمكن ان يكون مطلقا. والواجب كله مطلق ولا يوجد واجب مشروط إلا ما كان من المقدمات المفوتة، وقد ناقشناها والطهارات الثلاث إذا فهمنا الأعمال. واما إذا فهمنا النتائج، كانت الأعمال بمنزلة المقدمات الإعدادية للطاعة. والأمر سهل من هذه الناحية (يعني من ناحية شرط الواجب) وسندخل في المطالب تدريجياً.
وعلى أي حال: فبالنسبة إلى شرط الوجوب إذا تم كلا الدليلين أنتج نتيجة غريبة وغير محتملة. يعني إذا دل الدليل على عدم الوجوب المطلق وعلى عدم الوجوب المشروط، مع انحصار الحال بينهما. كما هو واضح. أنتج استحالة حصول الوجوب بكلا شقيه. وهي نتيجة غير محتملة. لوجدانية وجود
ــــــ[327]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وجوبات كثيرة في الشريعة وغيرها. وأدل دليل على إمكان شيء: وقوعه.
اما الوجوب المطلق من أي قيد، فلا نتنازل عن استحالته. فاما ان نقول بإمكان الوجوب المشروط، كما سيأتي، واما ان نفسر الوجوب المطلق إلى المطلق النسبي أو الإضافي. وهو يحتوي على اعتراف ضمني على وجود الاشتراط من ناحية أخرى وان كان مطلقا من هذه الناحية.
………………………..
وبعد ان قسم في التقريرات المقام الأول إلى ثلاث مراحل: في الملاك وفي الإرادة وفي الخطاب. قال:
اما بلحاظ مرحلة الملاك فلا إشكال في معقولية ان يكون الملاك والحاجة إلى شيء، مشروطا بتحقق شيء آخر. كالحاجة إلى شرب الماء بالعطش والنار بالبرد.
وهذا غريب منه جدا. فانه اما ان يقصد الملاكات التكوينية أو التشريعية. وعلى الثاني، فاما ان يقصد مصلحة المولى وحاجته أو مصلحة العبد.
فان قصد الملاكات التكوينية التي هي الأظهر من كلامه. بمعنى ان حاجة الفرد إلى الماء لنفسه تكوينا منوطة بالعطش. فهذا وان كان صحيحا، إلا ان الكلام ليس فيه وانما في الملاك التشريعي المنتج للخطاب. ومن الواضح ان الملاك التكويني غير منتج للخطاب.
اللهم إلا ان يقال بالملازمة بين السنخين في الملاكات بل أولوية الملاك التشريعي. لأنه اقل صعوبة وموؤنة. وهي قابلة للمنع لما سنرى من اختلاف السنخ بينهما.
ــــــ[328]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وان قصد الملاكات التشريعية، وقصد مصالح المولى لنفسه. كما كان يقول في عدد من الموارد. فهذا ان صدق بالنسبة إلى الموالي العرفيين، فهو لا يصدق على المولى الحقيقي. ولا قياس بينهما أصلا.
أو قل: ان ملاكات المولى الحقيقي كلها راجعة إلى غيره، وهذه الملاكات التي ذكرها راجعة إلى نفسه. ولا ملازمة بينهما. إذ من المحتمل ان يكون الاشتراط لنفسه ممكنا ولغيره متعذراً.
وان قصد الملاك التشريعي لغيره، فقد تحقق موضوع المسألة. إلا انه لم يبرهن بهذا الصدد على الإمكان وأرسله إرسال المسلمات وأوكله إلى الوجدان.
وما عرفناه فيما سبق: اننا ينبغي ان نتصور الملاك على نحو العلة الغائية: فهو فكرة في أوله ومصلحة في آخره. لا ان نتصوره وجودا ناجزا واقعيا سابقا رتبة على الأمر والإرادة. فاننا إذا تصورناه هكذا، لم يكن تصوره مشروطا، لان وجوده الخارجي أو الواقعي ناجز وفعلي. ومعه لا معنى لتوقع اشتراط حصول قيد آخر.
وإذا تعذر اشتراط الملاك، تعذر اشتراط الإرادة والخطاب أيضاً. لأنها معلولات له. ولا يمكن ان تتخلف العلة عن المعلول بحكم العقل النظري. أو قل: ان الاشتراط المفروض في الإرادة أو الجعل، لا ملاك له. وهو خلف حكم العقل العملي.
اللهم إلا ان يقال: ان هذا الملاك مقيد في نفسه بغض النظر عن الجعل ويكون الجعل كاشفا عنه.
جوابه: ان هذا تقيد واقعي وليس تقييدا، كما هو محل الكلام. ومعه:
ــــــ[329]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فتصور الملاك على المشهور لا يمكن تقييده.
واما إذا تصورناه بنحو العلة الغائية، ففي الإمكان تصور اشتراطه في مرحلته الأولى الذهنية، ومرحلته الأخيرة الخارجية. اما المرحلة الذهنية فواضح. لأنها ليست أكثر من صورة ذهنية كلية مقيدة، يعني ان المقصود حصة من تلك الماهية لا مطلقها.
واما في المرحلة الخارجية، فانها بطبيعة الحال يجب ان تكون مصداقا تام المصداقية للصورة الذهنية المولوية الأولى. بحيث انها ذي الصورة وليست غيره. ولا يكون ذلك إلا بحصول الاشتراط أو قل بتحقق الشرط.
ولنا ان نلاحظ: ان جانب ملاك التكوين يكون حاويا على منشأ انتزاع الشرط لا محالة، كاشتراط الاحتراق بالإلقاء بالنار. فكذلك هذا النحو من الملاك الذي يكون بطبعه خارجيا محكوما للنظام العام للعلل والمعلولات. فلا تحصل المعراجية إلا بالصلاة الحاوية على قيودها كالطهارة والاستقبال، لا من مطلق الصلاة.
واما بلحاظ المرحلة الثانية: وهو اشتراط الإرادة والشوق. فالإشكال الرئيسي الذي ساقهم إلى البحث فيه، هو ان يقال: ان الإرادة إذا كانت مشروطة، فهي لا توجد إلا بوجود شرطها. والمفروض انه غير موجود، إذن فهي غير موجودة. وان كانت موجودة، فهي خلف كونها مشروطة. لأن المشروط عدم عند عدم شرطه.
في حين انهم قالوا: ان الأوامر والنواهي كما لابد ان تصدر عن ملاكات لابد ان تصدر عن إرادة. والمفروض ان الأمر بالواجب المشروط قد صدر، وصدوره يكشف عن وجود علته وهو الإرادة. إذن، فالإرادة موجودة في نفس
ــــــ[330]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المولى ومؤثرة فعلا في صدور الأمر. مع العلم انها إذا كانت مشروطة لم تكن موجودة إلا بوجود شرطها، فيستحيل وجودها. ومعه يستحيل وجود الأمر. مع انه موجود. فيستكشف انها مطلقة.
وبالرغم من انه في التقريرات يمثل بالإرادات التكوينية لفعل نفسه. إلا اننا ينبغي ان لا نخرج عن محل الكلام الذي هو الإرادة التشريعية. ولعله منها ينكشف حال التكوينية.
ويمكن ان نقيس الإرادة التشريعية بالأمر أو الطلب التشريعي. فان المأمور به قد يكون له مقدمة وجوب وقد تكن له مقدمة وجود. اما مقدمات الوجود فلا إشكال انها قيد للمتعلق سواء في مرحلة الجعل أو في مرحلة الإرادة. ولهذا فهي تدخل تحت الطلب. ويكون الطلب مطلقا وفعليا وما هو مشروط هو المتعلق. وهنا لابد من الإذعان بعدم كون الإرادة مشروطة ليقع الإشكال.
وانما يقع الإشكال فيما إذا كان الشرط من قبيل مقدمات الوجوب أو شرط التكليف. فان مقتضى كونه شرطا للتكليف كونه شرطا للإرادة أيضاً. لمطابقة المعلول مع علته، ومطابقة الأمر مع الإرادة. فنتج ان الإرادة مشروطة.
مع اننا نجمع مقدمتين تنتج الاستحالة:
1- ان الشرط غير موجود عند أول التشريع لا محالة.
2- ان الإرادة موجودة وإلا لم يصدر الأمر.
3- ان المشروط عدم عند عدم شرطه.
ومن هنا وقع الأصوليون في ارتباك من هذه الناحية. لأن كلتا القاعدتين صحيحتان. ومن هنا يبدأ الإشكال حقيقة. وان كان كلامهم مطلقا لصور
ــــــ[331]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أخرى.
بل ظاهرهم ان الشرط موجود، فان جاز رجوعه إلى الإرادة، أرجعناه إليها، وان استحال ذلك أرجعناه إلى المتعلق. ونتيجته: ان الشرط مع إمكان رجوعه إلى الإرادة يكون مقدمة وجوب، ومع الاستحالة يكون مقدمة وجود يعني واجب، وهذا من الغرائب التي لا وجود لها في الشريعة. إذ لا يوجد شرط ولا واحد مشكوك، بل كلها متعينة من حيث إحدى الناحيتين.
وهنا أولاً نبين الرأي الممكن، ثم نتعرض لآراء الآخرين:
وهنا ينبغي تقسيم الإرادة إلى حصتين: كلية وجزئية، فالكلية هي الموجودة بالجعل الأصلي في صدر الإسلام، والجزئية هي الموجودة في مرتبة المجعول. فيما إذا دخل الوقت أراد مني الشارع المقدس الصلاة وجوبا.
اما الإرادة الجزئية فلا إشكال فيها. لأنها مشروطة بشرطها ولا توجد قبل شرطها إلا بناء على الواجب المعلق الذي لا نقول به. وينفيه المشهور أيضاً. فهي تابعة لقانون العلية الاعتيادي.
واما الإرادة الكلية، فهي ليست إرادة تشريعية بالمعنى الحقيقي، بل هي إرادة بيان التشريع أو قل منظور إليها بصفتها طريقا إلى الإرادات الجزئية. ومن ثم لا تجب طاعتها إطلاقا، ما لم تحصل الإرادات الجزئية بوجود موضوعاتها.
ومن هنا لم تكن تلك الإرادة مشروطة، بل مطلقة. لأنها تمثل إرادة بيان التشريع وهي فعلية ومطلقة ومؤثرة في معلولها وهو الأمر الكلي الواقع على موضوع كلي مقدر الوجود ومكلف كلي مقدر الوجود. فقد ارتفع الإشكال من كلتا الناحيتين. ولا توجد إرادة مشروطة ولكنها موجودة قبل شرطها. كما لم يوجد الأمر بلا إرادة. لأنه قبل الوقت لا إرادة ولا أمر، وبعد الوقت إرادة
ــــــ[331]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وأمر. والإرادة الأصلية الكلية غير مشروطة وقد أوجدت الأمر الكلي.
ولكن أجاب الأصوليون بأجوبة ننقل جملة منها عن تقريرات الهاشمي وتقريراتي.
النظرية الأولى: وهي المنسوبة إلى تقريرات الشيخ الأعظم ويظهر من المحقق الخراساني والسيد الأستاذ متابعتهما عليها.
من ان الإرادة المشروطة كالإرادة غير المشروطة كلتاهما إرادة فعلية موجودة في أفق نفس المريد بالفعل وهي غير مشروطة. وانما القيد راجع إلى المراد لا إلى الإرادة. والإنسان يريد شرب الدواء المقيد بالمرض ونظافة الإناء. إلا ان قيد النظافة اخذ بحيث تسري الإرادة إليه فكان من مقدمات الواجب. إلا ان قيد المرض اخذ بحيث لا تسري الإرادة إليه، وانما اخذ وجوده الاتفاقي وفي نفسه قيدا. ومعه لا يعقل سريان الإلزام إليه من قبل الإرادة.
وهذه تارة ننظرها كأطروحة في نفسها تفسر فعلية الإرادة. فيكفي ان تكون محتملة ومعقولة. ولا تحتاج إلى برهان.
إلا انهم مع ذلك استدلوا عليه بأحد دليلين:
الأول: دليل وجداني: من ان المولى إذا التفت إلى نفسه بالنسبة إلى شيء، فاما ان يريده واما ان لا يريده. فان لم يرده (كما هو مقتضى الاشتراط في الإرادة) خرج عن البحث. فانما نتكلم فيما يريد المولى لا فيما لا يريده. وان أراده. فالإرادة موجودة. فكيف نفترض انها معلقة على وجود شيء آخر؟
قال في التقريرات: وربما يعمق هذا البيان الوجداني إلى دعوى ان فرض
ــــــ[333]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عدم الإرادة نهائيا خارج عن محل البحث. بل لابد من فرض وجود إرادة في الجملة. وحينئذ يقال: هل ان هذه الإرادة فعلية قبل تحقق الشرط أم لا ؟ فان فرض كونها فعلية، فلا بد من رجوع القيد إلى المراد لا محالة. وهو المطلوب. وان فرض انها ليست فعلية، فهذا خلاف الوجدان القاضي بوجود فرق بين ما قبل تحقق الشرط كالإنسان قبل مرضه وتحققه بعد المرض. فهذا يدل على فعلية الإرادة قبل الشرط أيضاً.
ولو نسبناها إلى نظريتنا نجد فيها خلطا بين ما سميناه بالإرادة الكلية والإرادة الجزئية. وكذلك بين الإرادة الجزئية قبل وجود شرطها كدخول الوقت وبعده.
كما ينبغي الاعتراف ان هذا كله من الإرادة المطلقة. واما الشرط كله فراجع إلى المراد أو المتعلق، سواء منه الاتفاقي الذي لا يجب تحصيله، أو الذي يجب تحصيله كالطهارات الثلاث.
وفي العبارة إشكال: ان هذا الذي لا يجب تحصيله شرط في الإرادة لا في المراد. ولو صح لاستحال وجود الإرادة قبله. لأن المشروط عدم عند عدم شرطه. وحيث ان الإرادة موجودة وجدانا، فهو ليس قيدا للإرادة بل المراد.
وانما ينفع هذا الإشعار لأجل التوهيم بنفي الواجب المعلق. لأن هذا الشرط إذا رجع إلى المراد وكانت الإرادة مطلقة. فقد حصلت الإرادة قبل الشرط. وهو معنى الواجب المعلق، وهم لا يقولون به كما لا نقول به.
مضافا إلى ان الدليلين غير كافيين: اما الوجدان فباعتبار إمكان الغفلة بل تعينها. كيف ومشهور الأصوليين يذهب إلى الحديث عن المولى العرفي. كل ما في الأمر ان الإرادة الكلية ملتفت إليها حين الجعل. واما الإرادة الجزئية
ــــــ[334]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فغير ملتفت إليها إطلاقا. وسياق الحديث كأنه عن الإرادة الجزئية، وهي التي اخذ فيها الوجود ألاتفاقي للوقت (الشرط) قيدا. ونحو ذلك. ولم يؤخذ في الإرادة الكلية. والإرادة الجزئية غير متحققة للغفلة.
وكذلك قوله: ان الإرادة موجودة ولا يختلف حالها قبل وجود الشرط وبعده. فانها:
1- تتحدث عن الإرادة الجزئية.
2- انها اقرب إلى الوجوب المعلق، بل هو كالصريح به.
ومن ثم يكون ما أوردناه على الوجه الوجداني، يأتي على البرهاني أيضاً.
ثم انه يبرهن بوجه برهاني آخر في التقريرات : ان نفس تصدي المولى وتحركه نحو طلب الفعل من العبد بنحو الواجب المشروط قبل تحقق الشرط ، برهان على فعلية الإرادة في نفس المولى. لأن تشريع الإيجاب مقدمة بحسب الحقيقة وتصدي من المولى لإيجاد المراد خارجا. ولا يمكن ان تترشح الإرادة نحو المقدمات، إلا بعد فرض فعلية الإرادة.
أقول: يحتاج إلى ضم مقدمة أخذها مسلمة، وهي ان فعلية المعلول دال على فعلية العلة. أو قل: ان وجود المعلول دال آناً على وجود المعلول. وصغراها: ان الأمر هو معلول الإرادة موجود يقيناً، إذن، فالإرادة التي هي علته موجودة يقيناً.
وهذا صحيح بالنسبة إلى الإرادة الكلية. لأنها في الحقيقة غير مشروطة بشيء. وانما هي مطلقة وفعلية. واما الإرادة الجزئية، فهي غير موجودة لعدم وجود شرطها.
ــــــ[335]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ومن هنا يتضح ان الوجه السابق كأنه يتحدث عن الإرادة الجزئية، وهذا كأنه يتحدث عن الإرادة الكلية. وهذا هو الخلط الذي اشرنا إليه.
ولو أردنا ان المشروط هو الإرادة الجزئية. فهو اما مستحيل. لأن وجود المشروط قبل شرطه مستحيل، واما يلزم منه المصير إلى الواجب المعلق. بينما فعلية ووجود الإرادة التشريعية الكلية على مجموع المكلفين لا يلزم منه الواجب المعلق.
نعم، لو قلنا انها طلب فعلي، يلزم منه وجود الواجب المعلق منذ صدر الإسلام. وهو غير محتمل وخاصة قبل وجود المكلف أصلا. ولكننا قلنا انها ليست إرادة تشريعية وانما هي إرادة تكوينية لإصدار الأمر لا أكثر. ومن ثم لا تجب طاعتها. كما سبق.
ويبدو ان لهذا البرهان الأخير ثلاث تقريبات:
التقريب الأول: وهو ما يتحصل من تقريرات الهاشمي.
وحاصله: مركب من صغرى وكبرى: اما الكبرى فهي انه لا يمكن ان تترشح الإرادة نحو المقدمات إلا بعد فرض فعلية الإرادة نحو ذي المقدمة. والصغرى: انه قد ترشحت الإرادة إلى المقدمات بالأمر، لأن الأمر مقدمة لإيجاد الامتثال. فهو يدل على فعلية الإرادة لذي المقدمة.
التقريب الثاني: ما يتحصل من تقريراتي.
وحاصله يختلف بأمرين عما في تقريرات الهاشمي: الأول: انه عبر بانه يتعلق إرادة غيرية بالأمر في طول تعلق الإرادة النفسية بالواجب المشروط. الثاني: ان ظاهر التقريرات: ان المطلوب للمولى هو الامتثال، بينما ظاهر
ــــــ[336]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
تقريراتي: هو ان مطلوب المولى هو جعل الوجوب المشروط أو قل: جعل وجوب الحج كليا مربوطا بالاستطاعة. فيترشح منه إرادة غيرية للأمر بصفته احد مقدماته.
التقريب الثالث: ما قربناه: من ان فعلية المعلول دال على فعلية العلة ووجودها. والأمر الذي هو معلول موجود فعلا. لأننا عرفناه من الشريعة. إذن فعلته موجودة وهي الإرادة. والمفروض ان إرادة الأمر هي إرادة الخطاب نفسها.
وعلى العموم، فنحن نصحح كل هذه التقريبات في الإرادة الكلية (نسبة إلى الكل لا إلى الكلي) بغض النظر عن بعض المناقشات. وينتج منها انها غير مشروطة. كما هو كذلك. ولو كانت كذلك لاستحال وجودها. ولو وجدت، كان لابد من إرجاع القيد إلى المتعلق، فيلزم وجود الواجب المعلق الباطل.
إلا انه مع ذلك لا تخلو التقريبات من مناقشة:
أولاً: انه لا يمكن اعتبار ان الأمر مقدمة إلى الامتثال بأي نحو من أنحاء المقدمة المصطلحة في علم الفقه والأصول. نعم، هو مقدمة تكوينية، ولذا قلنا في مبحث اتحاد الطلب والإرادة انها نحو طلب للامتثال، كما يطلب العبد الآبق. والمقدمة التكوينية كالمشي إلى الصحن، مطلوبة استقلالا وان كان الداعي لها شيء آخر.
ثانياً: اتضح ان الإرادة التي تتعلق بالمقدمة التكوينية، إرادة كاملة واستقلالية وليس غيرية. كل ما في الأمر: انه يدخل الهدف ضمن مقدمات التصديق بالمصلحة لا أكثر. بل ان وجود إرادة غيرية لا معنى إطلاقا، لا في التكوين ولا في التشريع. ولا يقاس ذلك بالأمر الغيري للمقدمات.
ــــــ[337]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان الأمر يكون غيريا لو سلمناه. ولكن إرادة الأمر. وكذلك إرادة المقدمات كإرادة الوضوء للصلاة، ليست إرادة غيرية.
ثالثاً: اننا لو طبقناها على الإرادة الجزئية المشروطة، لم تصح. لعدم تحققها قبل شرطها: وهو دخول الوقت إلا بنحو الواجب المعلق الذي لا نقول به.
وفي تقريراتي قال: وهذا البرهان يمكن ان يجاب عليه بأحد افتراضين قاطعين للاستدلال. لأنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
الافتراض الأول: ان يقال: ان صدور الخطاب من المريد لعله باعتبار ملاك نفسي قائم في الخطاب، لا بصفته مقدمة من مقدمات المراد. فلا يكون صدوره كاشفا عن فعلية إرادة الحج. بل تكون للمولى إرادتان: احدهما: تكوينية مطلقة هي إرادة نفس الخطاب، والأخرى تشريعية مشروطة وهي إرادة الحج.
الافتراض الثاني: اننا لو سلمنا كون الأمر لمحض الاستطراد إلى إرادة مراده الأصلي. فلعل صدور الخطاب يكون من قبيل المقدمات المفوتة، فلا تكون كاشفا عن فعلية الإرادة للمراد.
فان المولى لو كان يعلم بتحقق شرط الإرادة في حينه، وانه سوف يعجز عن إبلاغ الخطاب في حينه لكل مكلف. فهو من الآن يُصدر هذا الخطاب، فيكون هذا مقدمة لمطلوب لم ينجز طلبه بعد. وهو الذي يسميه الأصوليون بالمقدمة المفوتة، وليس صادرا من اجل كون الإرادة فعلية.
أقول: اما الافتراض الأول، فهو خلف المقدمية، إلا ان نقول: ان إرادة المقدمة تكوينا هي إرادة استقلالية كما قلنا، وليس مجرد افتراض.
ــــــ[338]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما الافتراض الثاني، فهو يعني تأخر أو تخلف الإرادة عن المراد. فاما ان نقول انها عندئذ إرادة ناقصة وليست تامة. لأنها لو كانت تامة، لوجبت طاعتها. واما ان نقول: انها إرادة تكوينية وليست تشريعية كما قلنا، لأنها تكوينا لبيان الأمر لا أكثر، ولذا لا يجب طاعتها.
ثم قال السيد الأستاذ : إذن، فلا الوجدان تام ولا البرهان تام. بل البرهان على خلاف ذلك (يعني النظرية الأولى السابقة) أي دعوى فعلية الإرادة المشروطة على الإطلاق. وانها غير مربوطة بالشرط أصلا. وانما الشرط في المراد لا في الإرادة.
والبرهان على بطلانه ينشأ من مشكلة اشرنا إليها (كما في تقريراتي) حيث قلنا: انهم التفتوا إلى ان الشرط إذا كان قيدا في المطلوب كان واجب التحصيل. فيصبح تحصيل الاستطاعة للحج واجبا.
وعالجوا ذلك: بان الاستطاعة اخذ وجودها الاتفاقي قيدا في الحج. ومعه يستحيل سريان الإلزام إليه وانبعاث الإيجاب نحوه. لأنه بمجرد الإلزام يخرج عن كونه اتفاقياً، فلا يتحقق قيد المطلوب.
إلا انه جواب ناقص. لأنه يفسر لنا انه لماذا لا يسري الإلزام المولوي إلى القيد. لكن لا يفسر لنا عدم ترشح الشوق الغيري إلى هذا القيد في عالم الشوق. فانه يلزم من الشوق النفسي نحو المقيد ترشح شوق غيري نحو القيد.
وان كان المولى لا يستطيع ان يلزم به، لأنه إذا ألزم به خرج عن كونه قيدا. مع ان المولى لا يحب القيد في كثير من الأحيان. بل أحيانا يبغضه. لأنه يكون حراما فمثلا: وجوب الكفارة مشروط بالإفطار عمدا، وهو مبغوض للمولى. وإذا رجع القيد إلى المشروط لكان معناه ان حب المولى للكفارة
ــــــ[339]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فعلي. فيلزم ان يترشح شوق من الشرط إلى المشروط (بالعكس) مع انه مبغوض غاية البغض.
واخذ القيد بوجوده الاتفاقي يمنع عن الإلزام به. لا انه يمنع عن حبه والشوق إليه. لأنه كل من اشتاق إلى المقيد، فقد اشتاق إلى قيده.
أقول: وهذا من الغرائب. فانه يمكن ان يجاب على أكثر من مستوى واحد:
المستوى الأول: ان يقال: انه كما ان قيد الاستطاعة أو غيره قيد اتفاقي في الوجوب، كذلك هو قيد اتفاقي في الشوق. فهو يشتاق فعلا إلى الحج المترتب على الاستطاعة الاتفاقية لا مطلق الحج.
المستوى الثاني: اننا نعرف من قيد الوجوب قيد الشوق. لتناسب العلة مع المعلول، إذ لو كان الشوق مطلقا لكان الأمر مطلقا. وحيث ان الأمر مقيد، فالشوق مقيد بنفس سنخ قيده.
المستوى الثالث: ان الشوق لو كان مطلقا لكان غير مناسب مع علته، وهي الغرض أو الملاك، ومع معلوله وهو الأمر. اما مع الأمر فواضح. لأنه مقيد بالوجود الاتفاقي للشرط. واما الملاك فالمفروض انه كذلك أيضاً. فكيف كان الشوق بينهما مطلقا ؟
المستوى الرابع: ان كبرى من اشتاق إلى شيء اشتاق إلى قيده. لا نقبل بها على سعتها، وانما يشتاق إلى القيد الذي صار قيدا بوجوده المطلق. فالذي يشتاق إلى الصلاة ، يشتاق إلى الطهارات الثلاث. ولكن الذي يشتاق إلى المقيد، لا يشتاق إلى القيد الاتفاقي.
ــــــ[340]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المستوى الخامس: ظهر ان كلامهم وان لم يفسر الشوق. لأنه لم يتعرض له مطابقة. إلا انه في غنى عن ذلك علة ومعلولا. اما علة، فلأن محل الكلام في الخطاب لا في الشوق. واما معلولا، فلما قلناه قبل قليل: من اننا نعرف من القيد الاتفاقي للأمر كون الشوق أيضاً مقيدا بالاتفاق.
المستوى السادس: انه بعد التطبيق على نظريتنا، نجد انه لا يوجد في الجعل الأصلي أي شوق حقيقي، كما لا يوجد أمر فعلي. لعدم تحقق الشرط الموحد لهما. وانما ذلك بمنزلة الإخبار: انه إذا حصلت الاستطاعة، حصل الشوق الجزئي الفعلي إلى الحج، وإذا حصل الإفطار، حصل الشوق الفعلي الجزئي إلى الكفارة.
النظرية الثانية: لشرطية الإرادة.
ما نسبه في تقريرات الهاشمي وتقريراتي إلى المحقق العراقي. من ان الإرادة المشروطة كالمطلقة فعلية من أول الأمر، كما هو الحال على النظرية الأولى. ولكنها تختلف عنها في ان النظرية الأولى كانت تفترض فعلية الإرادة ورجوع القيد إلى المراد. إلا ان هذه النظرية تقبل ان الشرط راجع إلى الإرادة، ولكنها تفترض ان الإرادة تكون فعلية كفعلية شرطها. لأن شرطها ليس وجود القيد خارجا، بل لحاظه ووجوده الذهني في أفق نفس المولى. وهو فعلي حين فعلية الإرادة.
نعم، فاعلية هذه الإرادة الفعلية عقلا مشروطة بتحقق الشرط خارجا. وكأن منشأ هذه النظرية، ان الإرادة من موجودات عالم النفس فلابد ان يكون شرطه المؤثر فيه من سنخه وعالمه، لا من عالم آخر وهو العالم الخارجي.
ــــــ[341]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أقول: كما انه مبني على ان فاعلية الأمر فاعلية عقلية وهو الذي ذهب إليه من ظهور حقيقة الأمر بالوجوب عقلا.
وفي تقريراتي: انه برهن عليه: بان الوجود الخارجي للاستطاعة لا يعقل ان يكون مؤثرا في نفس المولى ابتداء. وانما يكون مؤثرا بلحاظه وتصوره. وهو شرط فعلي متحقق مع الإرادة.
أقول: يحتاج ذلك إلى ضم مقدمة أخرى: وهي ان نتصور الموضوع (كالاستطاعة) اسبق رتبة من الإرادة ليكون واقعا في عللها، واما إذا تصورناه في رتبة الإرادة لم يفدنا شيئا، لأنها انما توجد بوجود شرطها وموضوعها المتقدم عنها رتبة.
إلا ان هذا – اعني تقدم تصور الموضوع على الإرادة رتبة – صحيح. لأنه يدخل في سلسلة علل الإرادة من حيث تأثيره في التصديق بالمصلحة. فيكون اسبق رتبة. وانما عبروا مجازاً وتسامحاً، من باب ان كليهما من عالم النفس.
ثم قال في تقريراتي: ان هناك فارق آخر بين النظرتين: وهو الجواب على عدم فعلية الإرادة ومحركيتها نحو الشرط. فقد أجابوا عليه هناك بان القيد اخذ في المراد بوجوده الاتفاقي.
إلا ان أصحاب هذه النظرية يجيبون بجواب آخر: وهو: ان الإرادة منوطة بلحاظ الاستطاعة، ومن نتائج ذلك تكوينا: ان فاعلية الإرادة منوط بوجود الملحوظ: وهو وجود الاستطاعة خارجا.
أقول: يعني انه حين يتحقق منشأ انتزاع العلة وهو الاستطاعة، يتحقق منشأ انتزاع المعلول وهو المراد أو فعلية الوجوب.
ــــــ[342]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ويمكن ان يناقش ذلك بعدة أمور:
الأمر الأول: وجود الخلط بين الإرادة الكلية والإرادة الجزئية. والمشهور كأنه لا يرى وجود إرادة جزئية في مرتبة المجعول. مع العلم انه يرى فعلية ومنجزية الملاك، وفعلية ومنجزية الأمر بحصول الشرط كالزوال والاستطاعة. فكأن الأمر يحصل باعتبار الملاك مباشرة. وهو خطأ، إذ لابد من توسط الإرادة بلا إشكال.
لأنهم حين يعتبرون الملاك أمرا واقعيا ثبوتيا، فليس من المستطاع صدور الأمر منه. وانما من المولى. ولا يكون ذلك إلا بالإرادة.
إلا انهم حيث قاسوا المولى الحقيقي بالمولى العرفي لزمهم القول بغفلته عند حصول الشرط. ومع الغفلة يتعذر وجود الإرادة. ولكن يتعذر وجود الأمر أيضاً. لأنه معلولا لها.
مضافا إلى ما قلناه: من ان المطاع حقيقة هو الإرادة وليس هو الملاك ولا الأمر. فإذا لم تكن الإرادة موجودة، لم تجب الطاعة أصلا. وخاصة إذا قلنا ان الإرادة الكلية لا تجب طاعتها إلا على نحو الواجب المعلق الذي لا نقول به. إذن لا تبقى إرادة تجب إطاعتها. وهو غير محتمل.
الأمر الثاني: ان نسأل: ان الصورة الذهنية للشرط وهو الاستطاعة في الجعل الأول الكلي. هل هو شرط للإرادة الكلية أم الجزئية ؟ اما شرطيتها للإرادة الجزئية فواضح بان يكون المراد من الصورة الذهنية حقيقة هو المكشوف الثانوي فيها، وهو تحقق الاستطاعة. فيكون ذلك سببا لفعلية وجوب الحج والإرادة الجزئية.
واما عليتها لوجود الإرادة الكلية، فهي في طول عليتها للإرادة الجزئية،
ــــــ[343]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
يعني حيث ان المولى يجد من المصلحة تحقق الأمر بالحج عند تحقق الاستطاعة، إذن فهو يريد ان يبين ذلك بالبيان الكلي في صدر الإسلام.
واما بغض النظر عنها، فلا فعلية لها أصلا، كما هو واضح. فان مجرد تصور الاستطاعة لا دخل له في تحقق الإرادة الكلية بذاتها.
الأمر الثالث: ان تصور الاستطاعة متى حصل ؟ فان حصل في المرتبة السابقة على الإرادة الكلية، كان علة لها أو جزء علة. إلا اننا هنا نقول: انه حصل في المرتبة المتأخرة عنها. لوضوح انه شرط الوجوب، والجوب هو المراد المتأخر رتبة عن الإرادة. فتصور الشرط شرط ما هو متأخر رتبة عن الإرادة، فيكون متأخرا عنها. وليس متقدما عليها ليكون علة لها.
فان قلت: فان تصور الاستطاعة دخيل في التصديق بالمصلحة الذي كان من مبادئ الإرادة السابقة عليها رتبة، فيكون هو بدوره متقدما رتبة على الإرادة.
قلنا: نعم. إلا ان معنى ذلك وجود تصور الاستطاعة مرتين، مرة سابقا عن الإرادة ومرة لاحقا لها. وهذا صحيح، إلا انه لم تصدر من المحقق العراقي أية إشارة إلى ان مراده أياً منهما.
بل الظاهر ان مراده هو صورة الاستطاعة المتأخرة رتبة، باعتبار ان مكشوفها الثانوي هو سبب فعلية الحج. وهذه المتأخرة لا تكون واقعة في علل الإرادة.
الأمر الرابع: ما اشرنا إليه: من توقف نظريته على المسلك العقلي في وجوب إطاعة الأمر الشرعي، وهو مما لا نقول به. بل قلنا في حينه: ان الأمر إذا لم يكن ظاهرا لغة ووضعا بالوجوب، لم يكن من وظيفة العقل الحكم بوجوب الطاعة. وانما يكون في طول إيجاب المولى.
ــــــ[344]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلا ان المشهور حين حذف الإرادة الجزئية الفعلية التي تتحقق بتحقق الشرط. لم يبق إلا الأمر من دون سناد أو غطاء. فاستندوا إلى حكم العقل. وهذا خاطئ. لأن المورد إذا كان خاليا من الإرادة وخاليا من ظهور الأمر بالوجوب، كيف يحكم العقل باللزوم ؟.
فان قلت: تكفينا الإرادة الكلية لحكم العقل باللزوم.
قلنا: نسأل: هل هي موجودة بعد تحقق الشرط كالزوال أم لا ؟. فان لم تكن موجودة، كانت سالبة بانتفاء الموضوع بالنسبة إلى حكم العقل. وان كانت موجودة. كان خُلفاً لأمور كثيرة منها:
1- انها إرادة كلية لا جزئية، يعني سابقة لطبيعتها.
2- كون المولى غافلا عن إرادته يومئذ.
3- ان الإرادة الكلية لا تجب طاعتها. لأنها لا تعين فردا ومصداقا.
الهم إلا ان يقال: ان الإرادة الكلية ليست إلا مجموع الإرادات الجزئية مصبوبة في قالب واحد. فتكون تلك الإرادة الأولى كافية للفاعلية بعد حصول الوقت. وتكون هناك إرادة واحدة لا اثنان. وتكون هي عين الإرادة الجزئية. كل ما في الأمر، ان موضوعها قد تحقق.
إلا انه يبقى على المشهور:
1- انه يصبح الجعل الأولي بمنزلة الخبر عن حصول الإرادة في حينها، وليست جعلا تشريعيا حقيقيا.
2- احتمال غفلة المولى عنه عند تحقق الشرط.
ــــــ[345]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
3- انه لا مجال لنفي الإرادة الجزئية والاكتفاء بالملاك والخطاب. لأنها متحققة من أول الأمر والى الآن.
الأمر الخامس: ما أورده السيد الأستاذ عليه كما في تقريرات الهاشمي قائلا: ان ما ذكر من ان الإرادة من موجودات عالم النفس لا الخارج. فلابد وان يكون شرطه كذلك أيضاً، وان كان صحيحا. إلا انه لا يعني ان يكون مجرد لحاظ وتصور الشرط الخارجي شرطا للإرادة، بل التصديق بوجوده والإحساس به هو الذي يكون شرطا في انقداح الإرادة في النفس. والوجدان قاضي (كذا) بان مجرد تصور العطش لا يكفي لحصول الإرادة نحو شرب الماء ولا يحدث شوقا إذا كان الفرد مرتويا، بل قد يضر بحاله، والشوق فرع الملائمة حقيقة لا تصور الملائم.
أقول: ان هذا بمجرده غير تام. إذ للمحقق العراقي ان يقول احد أمرين:
الأمر الأول: منع قياس العلل التشريعية على التكوينية. فبينما التكوينية يكون وجود الموضوع خارجا سببا لها، تكون الإرادة التشريعية تصور الموضوع سببا لها.
الأمر الثاني: ان تصور الاستطاعة سبب الأمر بالحج. ووجود الاستطاعة سبب لفعليته ومنجزيته.
إلا ان كلا الأمرين غير صحيح، بعد الالتفات إلى تفصيلنا بين الإرادة الكلية والإرادة الجزئية.
اما الأمر الأول فلا يحتمل ان يكون وجد الاستطاعة خارجا سببا للارادة الكلية. كما لا يحتمل ان يكون تصور الاستطاعة في عالم الجعل سببا للإرادة الجزئية.
ــــــ[346]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فقوله: ان الإرادة التشريعية يكفي فيها تصور الاستطاعة، لا يتم. وانما هو سبب للإرادة الكلية التي هي ليست تشريعية ولا تامة الاقتضاء. وانما هي إرادة تكوينية لبيان الأمر كما قلنا. فقد أصبح تصور الاستطاعة سببا للإرادة التكوينية. واما الإرادة الجزئية التي هي تشريعية، فليس تصور الاستطاعة سببا لها بل وجودها.
واما الأمر الثاني: فهو وان كان تاما، إلا انه لو تم كلام السيد الأستاذ من قيام الإرادة التشريعية بالتكوينية، وان وجود العطش هو سبب إرادة شرب الماء لا تصوره. إذن تنتفي المرحلة الأولى، وهي مرحلة الجعل أساساً. لان فعلية العطش بمنزلة فعلية الحج. وليس له ما يقابله في عالم الجعل.
إلا ان الصحيح: ان ثمة مقارنة مشهورية بين الإرادتين. وان كليهما فيه مرحلتان:
المرحلة الأولى: موجودة على نحو القضية الشرطية. والمرحلة الثانية: موجودة بفعلية شرطها، فيكون الجزاء فعليا. وهذا لا يختلف حاله في كلتا الإرادتين. كل ما في الأمر، ان احدهما يكون جواب الشرط تكوينياً والأخرى تشريعي.
إلا ان هذا يواجه بعض الإشكالات:
أولاً: ان الفرد قد لا يواجه المرحلة الأولى أصلا: لغفلته التامة عن النتائج. فانها غاية ما فيها ان يقال: انه لو التفت إليها لانعقدت في ذهنه قضية شرطية. فكيف إذا لم يلتفت أصلا ؟
وهذا غير موجود في القضايا التشريعية، فان صدور الأمر في مرحلة الجعل، فرع الالتفات دائما. مضافا إلى ان مولانا علام الغيوب ولا يضل ولا
ــــــ[347]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ينسى. والأزمنة الثلاثة قائمة به ومعلولة له.
ثانياً: ان هذا يثبت وجود إرادة كليه في عالم الجعل متعلقة بمجموع المكلفين، بحيث يكون المكلف كليا والموضوع كليا. والمتعلق كليا. وتكون الإرادة في عالم الجعل متعلقة بهذه الكليات على نحو القضية الشرطية، ويكون عالم المجعول بمنزلة المصداق لها. فإذا وجد مصداق من الشرط، وجد مصداق من الجزاء وهكذا.
ومعه تكون الإرادة الكلية تشريعية واحدة. ولكنها اقتضائية ناقصة. ولكننا بدلنا التصور وقلنا بان الإرادة الكلية في عالم الجعل انما هي إرادة تكوينية لبيان الأمر، وان بيان الأمر يحتوي على مجموع الإرادات الجزئية التي تحصل في زمانها ومكانها وأشخاصها. فتكون متعددة بتعدد الموضوعات. وكل منها إرادة جزئية واحدة يكون متعلقها محدودا بحدوده. فإذا حصلت تلك الحدود لم تجدد الإرادة وانما تحصل فعلية الموضوع والمتعلق.
وهذا لا ينافي بيان الأمر ابتداء بنحو القضية الشرطية الكلية. لأنها تكون تعبيراً عن مجموع الإرادات الجزئية التي يتعذر بيانها. وهي بحسب التحليل ترجع إلى قولنا: يا فلان تستطيع الحج بتاريخ كذا، وأنا آمرك بالحج في طول تلك الاستطاعة. وهكذا كل الأفراد وكل الواجبات الشرعية.
فيكون التشريع العام الأول بمنزلة: أكرم كل علماء البلد، لا بمنزلة أكرم كل عالم.
فان قلت: فان هذا ينافي بعض الأمور المشهورية:
1- لأن الجعل يكون بالتحليل مجموعة جزئيات ولا يكون كليا.
ــــــ[348]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- انه لا يشمل القضايا المقدرة الوجود.
3- ان الشارع قد يغفل عن وجود الموضوع أو قل: ان وجوده موكول تشخيصه إلى المكلف لا إلى الشارع.
اما الأمر الأول فنعترف به. واما الأمر الثاني فلأجل لغوية الأمر لأفراد موهومة غير متحققة في الخارج. واما الأمر الثالث: فلأن مولانا لا يغفل. وقضية إيكال التشخيص إلى المكلف وان كان صحيحا، إلا انه لا ينافي علم الشارع به. فإذا علم بوجود الموضوع أصبحت الإرادة الجزئية فعلية.
ان قلت (انتصارا للمشهور) : بانه يوجد في عالم الجعل إرادتان: احدهما تكوينية والأخرى تشريعية. والأساس أو الأسبق رتبة هي التشريعية وهي الناتجة عن الملاك ومتعلقها كلي. ثم حينما يرى المصلحة في الأمر توجد إرادة تكوينية طولية لبيان الأمر. وتلك الإرادة التشريعية يجب طاعتها وان كنا لا نضايق من وجود الإرادة التكوينية. وانما يجب طاعة التشريعية مع تنجز التكليف لا بدونه.
قلنا: أولاً: لا فرق عمليا ان نفترض في عالم الجعل إرادات متعددة جزئية، أو إرادة واحدة كلية. ثانياً: ان تعلقها بالكلي لا يفيد شيئاً. لأنه لا يشمل الأفراد الموهومة. ثالثاً: ان تنجز الأمر في عالم المجعول هل يكون بنفس الإرادة الكلية (هذا خلف تعدد العالم) أو بإرادة موجودة، فهذا مما لا يعترف به المشهور. لأنه اما سكت عنه المشهور أو قال بإمكان غفلة المولى حال تنجز تكليفه. وانما قال: بتنجز الملاك والخطاب فقط. وقد سبق الإشكال عليه:
1- ان تنجز الخطاب بدون إرادة متعذر
ــــــ[349]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
2- ان تنجز الملاك لا معنى له. لأنه ان كان أمرا واقعيا سابقا على الأمر، فانه لا يختلف حاله بحدوث الموضوع.
وان كان لاحقا للامتثال، فهو غير موجود لكي يتنجز. مضافا إلى ما قلناه من عدم وجوب طاعة الملاك فلا معنى لتنجزه. بل الظاهر ان مرادهم بتنجز الملاك ليس إلا تنجز الأمر. نعم، من قال بوجوب طاعة الملاك بعد سقوط الأمر لزمه التفسير.
فان قلت: بانك أجبت على الإرادة المشروطة بانها إرادة تكوينية غير مشروطة متعلقة ببيان الأمر. فإذا اعتبرتها جزئية تشريعية، عاد السؤال من جديد وانها هل هي مشروطة أم لا ؟. فان لم تكن مشروطة، فهي خلف التشريع الناتج منها. لأنه مشروط على الفرض ويدل على ان علته وهي الإرادة مشروطة. وان كانت مشروطة فهي غير موجودة. لعدم وجود شرطها.
قلنا: ان الواقع الموجود اشتراط الإرادة التشريعية بالاستطاعة. وهذا يعني ان الإرادة الجزئية الفاعلة غير موجودة في عالم الجعل.
1- اما هي إرادات إخبارية لا إنشائية تشريعية، يعني سوف تستطيع وسوف أريد منك الحج عندئذ.
2- واما هي إرادات ناقصة غير مشروطة. وقد سبقت في مبحث الطلب والإرادة اننا قلنا ان الإرادة الناقصة ليست بإرادة، وانما هي شوق. إذن ينتج ان الإرادة الفاعلية الجزئية التشريعية غير موجودة في عالم الجعل.
3- انها إرادات ظلية أو قل خيالية وليست حقيقية، وانما هي تعبير أو استنساخ أو صورة ذهنية للإرادات الفاعلة التي توجد عند وجود
ــــــ[350]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
موضوعاتها. وهي غير مشروطة. وانما اقتضت الحكمة وجودها. لتوقف بيان الأمر عليها.
ويمكننا في ذلك تنظير عالم التشريع بالتكوين. كإرادة شرب الدواء مع فرض المرض، يعني إرادة القضية الشرطية: إذا مرضت فاشرب الدواء. فانها إرادة ظلية وليست حقيقة، أو قل: متوهمة لعدم تحقق شرطها. فيفنى الظل في ذي الظل بعد حصوله فلا تكون إلا إرادة جزئية واحدة.
………………………..
النظرية الثالثة: ما ذهب إليه المحقق النائيني على ما في تقريرات بحثه. من ان الإرادة المشروطة كالمطلقة فعلي (كذا) من أول الأمر كما هو الحال في النظريتين السابقتين. إلا ان الإرادة المشروطة تعني وجود إرادة معلقة (على الشرط الذي لم يحصل ومع ذلك فهي فعلية). بينما الإرادة المطلقة تعني وجود إرادة فعلية وغير معلقة.
فالوجود للإرادة في كليهما فعلي. إلا ان الموجود في المشروطة معلق، وفي المطلقة فعلي (وحسب فهم التقريرات : ان الوجود والموجود فعليان في المطلقة، والوجود في المشروطة فعلي والموجود غير فعلي). وهذا نظير وجود حرمة فعلية لشرب الخمر، ووجود حرمة معلقة على الغليان لشرب العصير العنبي في الأحكام الاعتبارية.
أجاب عليه في التقريرات : وفيه: ان التفكيك بين الوجود والموجود غير معقول. لأن الوجود عين الموجود بذلك الوجود. فيستحيل ان يكون احدهما معلقا والأخر فعليا.
ــــــ[351]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
نعم، يصح هذا التفكيك في الوجودات الاعتبارية العنوانية التي لا يكون الموجود فيها حقيقيا، بل مسامحياً واعتباريا. كباب الجعل والمجعول. إلا ان الكلام في المقام ليس في الجعل بل في الإرادة. فالشوق الذي هو من مبادئ الجعل: وهو وجود حقيقي في عالم النفس، فيستحيل ان يكون وجوده فعليا والموجود استقباليا.
أو لا نناقش جواب التقريرات بعدة وجوه:
أولاً: ان ما قاله من استحالة التفكيك بين الوجود والموجود به. مستحيل في كل شيء حتى في الاعتبارات. كل ما في الأمر، ان الصورة الذهنية قد لا تطابق ذيها تماما. وهذا غير التفكيك بين الوجود والموجود.
لوضوح ان الوجود والموجود الاعتباري أيضاً قرينان لا يمكن ان يكون احدهما مطلقا والآخر معلقا. وخاصة إذا قلنا بان عالم الاعتبار من عالم الواقع وان لم يكن من عالم الخارج وليس مسامحيا كما قال.
الثاني: انه يمكن المناقشة بالقاعدة العقلية التي ذكرها وهي استحالة التفكيك بين الوجود والموجود. من حيث ان الموجود هو الماهية وهي مغابرة سنخا عن الوجود وليست عينه. وتحكمه أنظمة تكوينية مختلفة. فمثلا ان الزوجية من لوازم الماهية لا من لوازم الوجود. كما ان الإدراك من لوازم الوجود لا من لوازم الماهية. فليس بالضرورة ان يكون محركهما نفسه. ولو كان عينها لما اختلفت اللوازم. وحيث أمكن اختلافهما أحيانا، أمكن دائما.
ثالثاً: اننا نجل الشيخ النائيني ان يقول بمثل هذا الكلام الواضح البطلان. وانما قدم السيد فهمه وأشكل عليه. فربما كان له مقصود آخر، إلا ان تكون عبارته نصا بذلك.
ــــــ[352]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فلربما كان مقصوده: ان الإرادة مطلقة وذيها مشروط. ولا يراد هنا بذيها المكشوف الثانوي كما في الأطروحة الأولى، بل وجوده النفسي القائم بالإرادة مباشرة والذي هو عين الإرادة ولا يختلف عنها إلا بالتحليل العقلي. ونسبتها كنسبة الوجود إلى الموجود. ومعه لا يكون قد فكك بين الوجود والموجود، فسقط إشكال التقريرات.
إلا انه على هذا الفهم في الحقيقة، ارجع القيد إلى المراد فبقيت الإرادة مطلقة. مع سكوته عن الإشكال الذي التفت إليه الآخرون. وهو ان الإرادة مشروطة بشرط ذيها ولا توجد إلا عند وجود شرطه. فكيف أصبحت الآن موجودة؟ وقد قالت النظرية الأولى انه اخذ على نحو اتفاقي. إلا ان هذا متروك في هذه النظرية والإشكال عليه وارد.
فان قلت: فاننا قلنا ان احدهما عين الآخر خارجا، فالقيد الراجع إلى احدهما راجع إلى الآخر. فلا إشكال.
جوابه: أولاً: ان هذا معناه ان الإرادة مشروطة. والمشروط عد م عند عدم شرطه، فكيف كانت موجودة. هذا مستحيل.
ثانياً: ان المراد بالذات عين الإرادة خارجا، إلا انه غيرها عرفا وعقلا. اما عقلا، فلتغايرهما بالتحليل كما سبق. واما عرفا، فلأن المراد غير الإرادة والمطلوب غير الطلب. فقيد احدهما لا يسري إلى الآخر. إلا ان يقال بالملازمة. وانه كلما تقيد المراد تقيدت الإرادة. فيأتي الإشكال السابق من حيث ان الإرادة تصبح مشروطة وموجودة بدون شرطها، وهو محال.
واما أصل النظرية إذا كانت كما فهمها في التقريرات، فساقطة أيضاً، سواء قلنا بوحدة الوجود والموجود أو تغايرهما. فان قلنا بالوحدة فواضح. وان قلنا
ــــــ[353]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالتغاير، بمعنى ان الموجود هو ذات الإرادة لا متعلقها كما سبق ان احتملنا. ويكون الوجود وجودا لذات الإرادة.
فهنا اما ان نتكلم على مستوى العرف، واما على مستوى العقل. اما العرف فلا يفهم للوجود معنى زائدا على الماهية، بل يقول: ان ما هو المتحقق هو ذات الماهية فقط. وهذا فهمه في كل شيء. فالوجود ليس متحققا بحياله عرفا لكي يكون مطلقا أو مقيدا. فرجع القيد إلى الموجود الذي هو الإرادة فيرد إشكالان:
الأول: انها إرادة مشروطة وموجودة بدون شرطها.
الثاني: ان الموجود بما هو موجود أو في طول وجوده لا يكون قابلا للاشتراط. وانما الاشتراط يؤثر في المرتبة السابقة على وجوده. والمفروض اننا تحدثنا عن إرادة موجودة. فلا تكون قابلة للاشتراط.
واما عقلا فنسأل: ان هذا الوجود المطلق للإرادة المشروطة. هل اوجب تحقق الإرادة أم لا؟ فان اوجب تحققها فهو خلف شرطيتها. وان لم يوجب فهو خلف كونه وجودا لها. ولا يمكن الزعم بان وجود الشيء يتحقق ومع ذلك يبقى الشيء معدوما، فانه من اجتماع النقيضين.
يبقى احتمال واحد يمكن ان ندافع به عن الشيخ النائيني في نظريته هذه. وذلك لأنه قال في تقريراتي: ان الموجود بهذا الوجود الفعلي ليس هو الإرادة الفعلية، بل هو الإرادة المعلقة.
ومعه في الإمكان ان يقال: ان الموجود بذلك الوجود الفعلي، وعالم الجعل هو الإرادة في عالم المجعول، حين يتحقق شرطها. وحينئذ تكون الإرادة موجودة بوجود شرطها كما ان الوجود موجود.
ــــــ[354]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلا انه لا يتم:
1- للتفريق بين الوجود والموجود في الزمان وفي الرتبة وفي العالم. فان الوجود في عالم الجعل في صدر الإسلام، والموجود في عالم المجعول المتأخر عنه رتبة في زمان المكلف وهذا مستحيل.
2- انه يلزم من تحقق الوجود بدون موجود مقارن له. وهو مستحيل في غير الواجب.
3- اننا نسأل عن الإرادة الفعلية، باعتبار تحقق شرطها في عالم المجعول هل وجدت بوجود أم لا ؟. فان لم توجد بوجود كان محالا. وان وجدت بوجود مقارن لها، اجتمع عليها وجودان وهو محال. وان وجدت فقط بذات الوجود السابق كان محالا أيضاً كما سبق.
………………………..
النظرية الرابعة: ما قال السيد : والصحيح في المقام ان يقال: انه في جميع موارد الإرادة المشروطة إرادتان:
الأولى: إرادة شرب الماء على تقدير العطش. وهي ليست بفعلية قبل العطش. بل لا توجد إلا بعد تحقق شرطها خارجا والتصديق بوجوده. لما ذكرناه من ان الإرادة فرع الملائمة للقوى والملائمة لا تكون إلا عند تحقق الشرط خارجا.
الثانية: وهي إرادة فعلية ومطلقة وغير مشروطة. كما قال أصحاب النظرية الأولى. إلا انهم أعطوا صفات الإرادة الثانية للأولى، بتخيل انها إرادة واحدة.
ــــــ[355]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وهذه الإرادة المطلقة توجد دائما جنبا إلى جنب مع الإرادة المشروطة. وصيغتها: ان هذا الذي يريد شرب الماء على تقدير العطش يريد شيئا آخر: وهو ان لا يتحقق العطش مع عدم شرب الماء، أي لا يتحقق شرط الوجوب مع عدم الواجب. فان هذا مبغوض إليه بإرادة فعلية. فان الإنسان في حال الارتواء يبغض فعلا العطش الذي لا ماء معه. ويريد عدمه بإرادة فعلية فانه مناف لقواه الفعلية.
وهذه الإرادة المطلقة غير إرادة شرب الماء. لأنها لا تبعث نحو شرب الماء، بل تبعث نحو ان لا يتحقق العطش الذي لا ارتواء معه.
وبهذا يكون التقريران مختلفان: ففي تقريري: ان متعلق الإرادة المطلقة هو عدم العطش الفاقد للماء. وفي تقريرات الهاشمي: ان متعلقها هو الجامع بين شرب الماء وعدم العطش. والسر في ذلك: ان انعدام الجامع يكون بانعدام كلا فرديه، فيحصل مجموع العطش وعدم شرب الماء الذي هو المبغوض. ويرتفع ذلك بأحد فردين: اما عدم العطش أو شرب الماء لو حصل العطش. فيرجع إلى ان المراد واحد من كلا التقديرين.
ثم قال: وبنظر أكثر تحليلية يمكن ان يقال: ان إرادة شرب الماء الذي تحصل بعد العطش انما هي تطور للإرادة الأولى المطلقة. فان الإرادة المطلقة أول الأمر ذات اقتضاء تخييري بين شرب الماء واللاعطش. وبعد حدوث العطش يتعين اقتضاؤها إلى التعيين، وهو إرادة شرب الماء. فانقلابها إلى التعيين فرع وجود الشرط خارجا.
أقول: بعد تعذر احد فردي الجامع يكون الثاني متعيناً.
وأضاف في تقريرات الهاشمي في بيان ما هو النتيجة:
ــــــ[356]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وبهذا ظهر الجواب الفني التفصيلي على ما جعل برهانا عندهم على فعلية الإرادة قبل تحقق الشرط. من انه لو لم تكن الإرادة فعلية وثابتة قبل الشرط، فكيف يتصدى المريد لجعل الخطاب والأمر من أول الأمر. مع ان الخطاب والجعل من مقدمات المراد ولا يعقل التحرك نحوها من دون فعلية الإرادة.
فانه قد اتضح ان الباعث على الخطاب والجعل هو الإرادة الثابتة المتعلقة بالجامع، والتي هي فعلية قبل تحقق الشرط وبعده وتتطور إلى إرادة متعلقة بالجزاء كلما تحقق الشرط في الخارج.
أقول: وفي الحقيقة يكون الأمر والجعل لمنع حصول ارتفاع كلا فردي الجامع، بحيث يحصل العطش بدون شرب الماء. فيأمر بشرب الماء على تقدير العطش ليحصل احد فردي الجامع مع انتفاء الفرد الآخر.
كما انه من الواضح جدا، ان قاعدة ضمنية أخذت مسلمة وهي قياس الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية. لوضوح ان الأمثلة التي ذكرها انما هي في الإرادة التكوينية بل ان ملائمة القوى أيضاً كذلك. فلابد ان يفرض انهما من نوع واحد تكويناً. وان المصلحة تعود في التشريعية إلى المولى وتكون ملائمة مع قواه بغض النظر عن العبد، يعني انه لا يقول: إذا عطشت فاشرب الماء. وانما يقول: إذا عطشت فاجلب لي الماء.
إذن، هذا أول الإشكالات بالنسبة إليه. لأننا نؤمن ان الملائمات والملاكات كلها خاصة بالمكلفين ولا تشمل الشارع بحال. بل هذا شامل حتى للتشريع الدنيوي القانوني فضلا عن التشريع الإلهي. فإذا صدقت القاعدة بانه لا يفعل إلا بالملائمة. إذن يستحيل صدور أي تشريع الهي. لانعدام الملائمة كما هو واضح ومبرهن.
ــــــ[357]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: ان هذه الملائمة يمكن تعويضها بأحد أمرين: اما الملائمة مع طبع المكلف، واما الملاكات الواقعية. وكلاهما لا يتم:
اما الملائمة مع طبع المكلف، فهو موجود – وان كان هذا أيضاً قابل للمناقشة. لأن اغلب التكاليف غير ملائمة. وإنما هي ترجع إلى الملائمة مع مصلحته الواقعية، فترجع إلى مسألة الملاك -. لكن لو سلمناها، فما هو ارتباط مصلحة الأمر بالمأمورين ؟. فإذا صدقت القاعدة بعدم التحرك إلا بالملائمة، استحال التحرك من الآمر لعدم الملائمة وان لم تحصل المتأخرة. ولم يشترط السيد الأستاذ مجرد عدم المتأخرة. مع العلم ان كل القوانين صدرت من الخالق، والمخلوقين على هذا الاعتبار.
واما الملاكات الواقعية، فهي أيضاً لا تفيد إذا اشترطنا خصوص الملائمة. لأننا أيضاً نؤمن برجوع الملاكات الواقعية إلى المأمورين لا إلى الشارع المقدس. مضافا إلى الاختلاف السابق في معنى الملاك. فان كان هو المجال السابق على الجعل سلمنا به، إلا انه ليس معنى الملائمة ولكن إذا كان هو مما يترتب في المرتبة المتأخرة عن الامتثال. لم يكن موجودا حال الجعل، ولا ملائماً مع طبع الآمر ولا المأمور. فكيف يصدر عنه الجعل لأن الملائمة فرع الوجود، وهو غير موجود.
ثانياً: ان الإرادة المطلقة التي تحدث عنها وان كانت صحيحة لو التفت إليها الفرد، إلا انها مما لا يلتفت إليها غالبا. لأنها دقية وغير عرفية. وخاصة بعد قياس المولى الشرعي بالمولى العرفي كما عليه المشهور.
ثالثاً: ان هذه الإرادة المطلقة لا يمكن ان تكون تشريعية، فلا يجب طاعتها. لأننا لو طبقناها على عالم التشريع قلنا: عدم الاستطاعة أو الحج
ــــــ[358]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
معها. ولاشك ان إرادة عدم الاستطاعة ليس تشريعا، وإلا لأمر بعدمها أو بالجامع بينها وبين الحج، ولم يفعل.
فان قلت: فان احد الشقين هو الحج على تقدير الاستطاعة وهذا يكفي. لأنها إرادة تشريعية.
قلنا: انها إرادة الجامع بين التشريع وغيره، فلا تكون تشريعية . لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات.
رابعاً: ان إرادة مثل هذا الجمع في عالم التشريع قلما تكون موجودة، كعدم القتل والدية على تقدير تحققه. وإلا ففي الغالب هي غير موجودة، كإرادة عدم الزوال أو عدم الاستطاعة أو عدم السفر للإتمام وغيره. وهذا واضح بالضرورة.
خامساً: وهي خلف كونها إرادة واحدة. كإرادة عدم القتل ودفع الدية على تقدير تحققه.
سادساً: ان إرادة الجامع ليست إرادة للأمر، فلا يترتب عليها الأمر. مع ان المفروض ان الإرادة المتحققة هي إرادة علة الأمر. ولو تحقق الأمر من إرادة الجامع، لكان أمرا بالجامع لا بأحد فرديه.
سابعاً: ان الإرادة التشريعية التي يمكن ان تكون علة للأمر، اعترف بكونها مشروطة ومنوطة بالشرط. وهذا يترتب عليه أمران:
1- هي غير موجودة في عالم الجعل ليترتب عليها الأمر. فكيف صدر الأمر ؟.
2- انها موجودة في عالم المجعول. وهو ما سميناه بالإرادة الجزئية، وهو
ــــــ[359]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ما لا يقره المشهور.
ثامناً: ما قاله من ان الإرادة الفعلية للجامع، والإرادة المشروطة توجد جنبا إلى جنب. يعني متساويان بالحمل الشايع حدوثا وارتفاعا. هذا خاطئ بوضوح حتى على مبناه. اما في عالم الجعل فالإرادة المشروطة غير موجودة. لأن وجودها خلف عدم تحقق شرطها. واما في عالم المجعول. فيمكن ان يقال: ان الإرادة الفعلية للجامع غير موجودة. لغفلة المولى عنها عندئذ لدى المشهور.
فان قلت: فاننا عرفنا ان الإرادة المشروطة حصة من الإرادة الفعلية. وتحقق الحصة تحقق للجامع، فتكون متحققة بتحققها.
قلنا: ان المتعلقان بينهما نسبة العموم المطلق. فينطبق متعلق الإرادة الفعلية على متعلق الإرادة المشروطة، كانطباق الكلي على الجزئي. إلا ان هذا لا يعني انطباق الإرادة نفسها. فان الإرادة المطلقة، بل كل إرادة ليست كليا بل جزئي. ولا تكون نسبتها إلى أي شيء نسبة الكلي على جزئيه. ولو كانت كليا، لم توجد في عالم الخارج، وعالم النفس من عالم الخارج بهذا المعنى.
والمفروض انطباق الإرادة على الإرادة، وهو متعذر لا انطباق المتعلق على المتعلق ليكون ممكنا.
………………………..
ــــــ[360]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما المرحلة الثالثة، وهي عالم الجعل.
حيث قسم السيد الأستاذ الكلام في باب الواجب المشروط إلى مقامين: ثبوتي وإثباتي. وقسم الثبوتي إلى ثلاث مراحل: لأن الشرط ثبوتا اما ان يرجع إلى الملاك أو الإرادة أو الجعل. وقد سبق الكلام في مرحلتي الملاك والإرادة. ويقع الكلام في مرحلة الجعل. من حيث إمكان تقييده بالشرط وعدمه. كما كان توجيه الإشكال في المراحل السابقة.
ومن الطرائف التي يمكنكم ملاحظتها: انه في المحاضرات لم يتعرض إلى مقام الثبوت أصلا. وانما كلامه على كثرته في مقام الإثبات، وهو رجوع القيد إلى المادة أو الهيئة. في حين أكثر كلام التقريرات عن مقام الثبوت ولم يتكلم عن مقام الإثبات إلا قليلا جداً كصفحة واحدة. وما تكلم عنه في التقريرات صفحة واحدة، تكلم عنه في المحاضرات حوالي الثلاثين صفحة. في حين انه في التقريرات كرس الفصل كله تقريبا في مقام الثبوت، ولم يوجد منه شيء في المحاضرات إطلاقا.
مع ان الأصولي مسؤول عن كلتا الجهتين لا محالة. فانه بدون تذليل المصاعب في كلتا المرحلتين لا تنتج النتيجة المطلوبة. فمقام الإثبات كيف يكون تاما مع استحالة مقام الثبوت؟. بل لابد من القول بالإمكان ثبوتا لندخل في مقام الإثبات. وهذا ما أهمله في المحاضرات. كما انه مقام الثبوت وحده لا يجزي إذا كان مقام الإثبات مجملا. كما فعل في التقريرات.
وعلى أي حال، فكما ان مصدرنا الرئيسي الآن في مقام الثبوت هو التقريرات، فسيكون في مقام الإثبات هو المحاضرات.
ــــــ[361]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وما زلنا الآن في أول المرحلة الثالثة من مقام الثبوت وهو الكلام في إمكان الشرط في الجعل.
والكلام في ذلك ينبغي ان يكون مختصرا أساساً. وذلك لأن المفروض اننا إلى الآن أمكننا ان نتصور رجوع الشرط إلى الملاك والى الإرادة. وهما علة ومعلول. والمفروض تساويهما من هذه الناحية. فرجوع الشرط إلى احدهما كأنه رجوع إلى الآخر. أو انه يكشف عن رجوعه إلى الآخر. وانما يبقى الكلام في الجعل المترتب على الملاك والإرادة، فان كانا مطلقين كان مطلقا. وان كانا مشروطين، كانا مشروطا. باعتبار مناسبته معهما كمعلول لهما. ولا معنى لان تكون الإرادة مشروطة، والوجوب الناتج عنها مطلقا، كما لا يمكن العكس.
كما لا يمكن الاستدلال على الإمكان بطرق أخرى. نقولها بعد قليل. غير ان نقطة الضعف في هذا المطلب انهم لم يذكروا أي وجه أو تقريب لاحتمال استحالة رجوع الشرط إلى الجعل. كما كان الحال في الإرادة مثلا. لكي تكون التقريبات الآتية بمنزلة الجواب على تقريب الاستحالة. بل الإمكان مسلم ظاهراً. وانما هذه التقريبات لمجرد الترتيب الفني كما يعبرون.
وقد ذكروا للإمكان عدة طرق:
الطريق الأول: انه متحقق في كل القضايا الشرعية والقانونية والعقلائية بلا إشكال. والوجود أدل دليل على الإمكان.
الطريق الثاني: ما ذكره في التقريرات: من استحالة رجوع بعض القيود إلى الواجب. لأنه يدور أمر الشرط الموجود بين رجوعه إلى الوجوب أو إلى
ــــــ[362]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الواجب. فإذا استحال رجوعه إلى الوجوب تعين رجوعه إلى الواجب. وإذا استحال رجوعه إلى الواجب تعين رجوعه إلى الوجوب.
وفي جملة من الشروط، يستحيل ان تعود إلى الواجب لكي تكون بمنزلة مقدمة الواجب، بحيث تشتغل بها ذمة المكلف. كالقيود التي اخذ وجودها الاتفاقي قيدا، كالاستطاعة، وكالقيود الخارجة عن اختيار المكلف، كالوقت، وكالقيود التي هي من فعل الغير نحو: إذا جاءك زيد فأكرمه. وكالقيود التي تسمى بقيود الاتصاف، أي قيود اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة. يعني انه بدونه لا يتصف بالمصلحة، وإذا لم يكن ذا مصلحة وملاك لا يؤمر به. فيكون بطبعه قيدا للجعل لا للمجعول.
ولم يذكر كل هذه التفاصيل في التقريرات، وان كانت أصل الفكرة منه.
فتحصل انه مع استحالة رجوع بعض القيود إلى المجعول، أمكن رجوعها إلى الجعل. والمفروض انه ممكن واما إذا أمكن رجوعه إلى أي منهما، فتصل النوبة إلى مرحلة الإثبات الآتية والفهم من الدليل.
ولكن يخطر في البال فعلا: وجهين لاستحالة رجوع الشرط إلى الجعل: احدهما: اننا إذا قلنا بالاستحالة في جانب العلة التي هي الإرادة، كانت الإرادة مطلقة، فلابد ان يكون الجعل وهو المعلول مطلقا. لاشتراط التناسب بينهما.
وجوابه من وجوه: أولاً: اننا توصلنا إلى إمكان تقييد الإرادة. فالكبرى باطلة.
ثانياً: المنع من اشتراط التناسب بين العلة والمعلول اما مطلقا أو في خصوص الأمور الاعتبارية الجعلية.
ــــــ[363]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ثالثاً: ان يقال: ان الشرط موجود. كما كان الملاك مشروطا. إلا ان الإرادة حين استحال تقييدها أصبحت مطلقة. ولكن ليس معناه الإطلاق الحقيقي، ولذا تعين ان يكون الجعل والتكليف مقيدا ومشروطا. أو قل هو تبع للملاك المقيد أو الممكن تقييده. أو قل: ان التقييد متعين، غاية الأمر: انه المانع في جانب الإرادة ولم يحصل في جانب الجعل.
ثانيهما: ان الجعل وجود دفعي واحد، يحصل آناً وينتهي، فكيف نتصور تقييده بالشرط ؟ كما ان زيد الذي يأكل ويمشي لا معنى لتقييد وجوده بالشرط، وان أمكن تقييده الاحوالي والازماني. إلا ان الكلام عن أصل الوجود.
ويمكن الجواب على ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: ان الأمر ليس آنياً وان كان كذلك في عالم الخارج، إلا انه في عالم الاعتبار وجود ممتد بالزمان شاغل للذمة، يكون الأمر اللفظي سببا لوجوده. فذلك هو الجعل المولوي الناتج حقيقة عن الإرادة والملاك. وهو مما يمكن تقييده.
جوابه: اننا ان قلنا ان عالم الاعتبار غير محكوم باحكام الخارج فهو المطلوب. وإلا فهذا الوجود الاعتباري بعد تحققه لا معنى لتقييده أيضاً.
الوجه الثاني: ان التقييدات للجعول الكثيرة موجودة وأدل دليل على إمكان الشيء وجوده. إذن فالتقييد ممكن.
جوابه: ان الكلام حقيقة ليس عن أصل إمكانه، وانما عن فلسفة إمكانه وسببه. لأننا لو سرنا على الطريقة الساذجة المشهورية لكان اللازم القول باستحالته.
ــــــ[364]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الوجه الثالث: النقض بالمعلولات عموما. فانها كلها موجودة. ومع ذلك فهي كلها مشروطة. والجواب نفس الجواب السابق.
الوجه الرابع: ان الجواب الأساسي على ذلك هو ان الشرط انما هو شرط للعلة وليس شرطا للمعلول، يعني شرط لتمامية العلة بحيث تكون مؤثرة خارجا في وجود المعلول. وانما ننسبه إلى المعلول مجازا. لأنه متى يكون شرطا له: هل حال وجوده أم حال عدمه ؟ وكلاهما غير معقول. وانما هو شرط لتمامية العلة المنتجة للمعلول.
فإذا طبقنا ذلك في عالم التشريع قلنا في جانب المجعول: ان الزوال شرط لوجوب الصلاة. يعني لتنجز الإرادة الجزئية والجعل الجزئي في ذمة المكلف. فقد حصل الشرط في الرتبة السابقة على الوجوب، شأنه في ذلك شأن أي علة أخرى متقدمة رتبة على معلولها.
فكأن الزوال شرط العلة لانشغال الذمة أو قل الجزء الأخير من العلة أو الموضوع، بعد وجود المكلف وعلمه والتفاته وبلوغه وعقله.
واما في عالم الجعل، فان مشينا على التصور المشهوري، كان الشرط بوجوده التصوري واقعيا في علل صدور الأمر. وهذا يكفي. أو نقول: ان الملاك في عالم الواقع مقيد، فمعلوله مقيد وهو الإرادة، ومعلولها مقيد وهو الأمر أو الجعل.
وهذا يرده ما قلناه: من ان عالم الواقع غير قابل للتأثير العلي. فلا اقل انه لا يؤثر وان كان يتأثر. فان كان الملاك من نوع الواقع شملته القاعدة. مضافا إلى احتمال عدم كون الملاك من هذا القبيل، بل هو مما يترتب على الامتثال.
ــــــ[365]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فيكون وجوده في المرتبة السابقة على الإرادة سالبة بانتفاء الموضوع.
ولكن يمكن ان يجاب بعد تسليم بعض المسلمات المشهورية. ان الملاك الواقعي بصفته واقعيا، وان لم يكن مؤثرا. إلا انه مشروط في عالمه بشيء. ومن الحكمة ان يطبق الجاعل إرادته طبقا للملاك الواقعي، فيكون مقتضى الحكمة تقييد الإرادة. فهي ليست معلولاً حقيقياً للملاك وانما منسوبة إلى فاعلها. وانما تنسب إلى الملاك الواقعي لأن صورته الذهنية داخلة ضمن التصديق بالمصلحة التي هو من مقدمات وجود الإرادة.
ومعه يتم تصور المشهور في الجملة. ولا يبقى إلا الإشكال المبنائي وهو اننا قلنا انه لا يوجد في عالم الجعل إرادة تشريعية مشروطة. بل هي إرادة تكوينية غير مشروطة، ومتعلقها بيان الأمر نفسه، كفعل من أفعال المولى.
إلا اننا مع ذلك يمكن ان نتصورها مشروطة بالرغم من كونها إرادة تكوينية، لوضوح انه ليس من حقه ان يريد بالإرادة التكوينية وجود الأمر خارج الشرط المطابق للملاك. وهي مشروطة بالتصديق بالمصلحة. والتصديق مشروط حصوله بوجود المصلحة وهو الملاك. فأصبح شرط الملاك شرطا للإرادة. لأن الملاك ذو مصلحة بشرطه لا بمطلقه على ما هو الفرض.
إذن، فكل ما في الأمر ان الإرادة التكوينية مشروطة ولكن شرطها متحقق، لأنه يأمر في ضمن الشرط. وما تحقق شرطه مشروط أيضاً حقيقة وان ظهر لنا كونه غير مشروط.
ومن هنا يمكن القول: اننا إذا قلنا بوجود الملاك الواقعي المشروط. فان صورته الذهنية تقع في علل وجود هذه الإرادة التكوينية.
ــــــ[366]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وان قلنا بان الملاك هو ما يترتب على الامتثال. فان صورته الذهنية أيضاً في عالم الجعل تكون في علل تلك الإرادة. وعندئذ تكون المسألة من قبيل العلة الغائية كما قلنا. أولها فكرة وآخرها وجود، وهو الملاك المترتب على الامتثال. إذن فعلى العموم يمكن ان يكون الجعل مقيدا.
هذا تمام الكلام في المرحلة الثالثة من المقام الأول. في مقام الثبوت للواجب المشروط. الذي قلنا انه بمعنى الوجوب المشروط. وقد فسره في التقريرات – كما سبق – بأنه الواجب المشروط من حيث كونه واجباً، يعني المشروط وجوبه.
هذا تمام الكلام في المقام الأول.
المقام الثاني: وهو البحث عن مرحلة الإثبات والاستظهار بعد التوصل إلى عدم استحالة وعدم المانع ثبوتا في رجوع القيد إلى الملاك ولا إلى الإرادة ولا إلى الجعل. فهل نفهم ظهورا رجوع القيد إلى المادة أو إلى الهيئة؟.
ورجوعه إلى الهيئة يعني انه قيد للوجوب، لأن الوجوب هو مدلول الهيئة. ورجوعه إلى المادة يعني انه قيد للواجب أو المتعلق. لأنه هو مدلول المادة. فإذا كان قيدا للهيئة كان قيدا للواجب فلا يجب تحصيله ويدخل ضمن الموضوع الذي لا يجب تحصيله. وإذا كان قيدا للمادة كان قيدا للواجب أو مقدمة واجب أو شرطا فيه، فيجب تحصيله.
وينبغي الالتفات إلى ان هذا بحث نظري صرف لا اثر له حقيقة في الفقه. وانما نخوضه لمجرد تنمية الملكة. والظاهر انه لهذا قلص الحديث عنه في التقريرات. لأن كل الشروط محددة بقرائن داخلية أو خارجية معتبرة في
ــــــ[367]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
رجوعها إلى الوجوب أو إلى الواجب. ولا يوجد ولا فرض واحد في أية مسألة فقهية يكون الشرط مرددا بين المادة والهيئة. فيبقى الشرط نظريا صرفا.
إلا ان هذا لا يستدعي حذفه من علم الأصول، لأنه يمكن ان يكون له اثر، بخلاف الوضع والمعنى الحرفي ومبحث الخبر والإنشاء ودلالة الفعل على الزمن وغيرها. فانها مما لا يمكن ان يكون لها أدنى تأثير في الفقه إطلاقا.
والكلام في هذا المقام هو الكلام فيما يسميه في المحاضرات بالكلام المعروف بين شيخنا الأنصاري  وغيره من الأعلام، وهي ان القيود المأخوذة في لسان الأدلة هل ترجع إلى مفاد الهيئة أو إلى نفس المادة. فنسب صاحب التقرير إلى الشيخ رجوعها إلى المادة دون الهيئة وان كان ظاهر القضية الشرطية بحسب التفاهم العرفي هو رجوعها إلى مفاد الهيئة. إلا انه حيث كان هذا محالا، إذن لابد من إرجاعها إلى مفاد المادة. ففي قولنا: إذا جاء زيد فأكرمه، لا يكون القيد قيداً للوجوب بل للمادة. يعني الإكرام المقيد بالمجئ ويكون الوجوب مطلقا ثابتا قبل الإكرام بنحو الوجوب المعلق، ولعل هذه هي أهم المقدمات التي دعت بعض الأصوليين إلى الذهاب إلى الوجوب المعلق. وكان ينبغي ان يسمى بالوجوب غير المعلق. لأنه غير معلق ولا مشروط بالشرط المذكور في الجعل الشرعي. وانما أصله: وجوب المعلق يعني وجوب الشيء المعلق بالشرط، على ان لا يكون الوجوب نفسه معلقا.
ثم حصل التوسع في العبارة فبدلا من ان يقولوا: وجوب المعلق. قالوا: الوجوب المعلق، تسامحا. ومشى على ذلك الاصطلاح.
أو ان أصله الواجب المعلق، وهو معلق حقا. إلا انهم فكروا ان الواجب
ــــــ[367]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إذا كان معلقا، كان وجوبه معلقا. فقالوا: الوجوب المعلق. وإلا فالوجوب في الواجب المعلق ليس بمعلق.
وقال في المحاضرات: ان هنا نقطتان، ( أو بالأحرى مرحلتان من البحث): الأولى: في دعوى استحالة رجوع القيد إلى مقام الهيئة. والثانية: في دعوى لزوم رجوعه إلى المادة لباً.
اما المرحلة الأولى: فما قيل من الاستدلالات المحتملة على استحالة تقييد الهيئة عدة أمور:
الأمر الأول: وهو موجود في التقريرات والمحاضرات معاً، مع اختلاف في اللفظ. وحاصله: ان مقام الهيئة معنى حرفي، والمعنى الحرفي جزئي حقيقي، ومن البديهي ان الجزئي غير قابل للتقييد. فان ما هو قابل للتقييد هو المعنى الكلي، حيث يصدق على حصص متعددة. واما المعنى الجزئي فلا يعقل فيه الإطلاق والتقييد.
وما قيل أو يمكن ان يقال في جوابه عدة أمور:
الأول: ما أجاب به في التقريرات:
من ان هذا يختلف باختلاف نتائج البحث في المعنى الحرفي والمباني في جزئيته. وقد اخترنا في محله ان جزئية المعنى الحرفي تعني نسبيته وتقومه بشخص طرفيه، أي ان النسبة تختلف وتتباين باختلاف أطرافها ولا يعقل انتزاع جامع حقيقي بين النسب الحقيقية.
وهذا لا يقتضي جزئية المعنى الحرفي المحفوظ في طرفيه. من حيث
ــــــ[369]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
صدقه خارجا، ومن حيث سائر الجهات كي لا يحصل تحصيصه وتقييده بطرف آخر.
أقول: وهذا يرجع إلى تسليم الكبرى، وان الجزئي لا يمكن تقييده. مع الطعن في الصغرى، وهي ان المعنى الحرفي جزئي، بل هو كلي. وإذا كان كليا أمكن تقييده.
إلا ان هذا وحده لا يكفي. لأن معنى تقومه بطرفيه كونه قيدا لطرفيه وكن طرفيه قيدا له. فيتكون من الأطراف الثلاثة مفهوم تصوري واحد. كقولنا الذهاب إلى الكوفة. فكيف يمكن تقييد الأجزاء التحليلية لهذا المعنى التصوري الواحد في نفس رتبته أو في المرتبة المتأخرة عنه. واما تقييده في المرتبة المتقدمة عليه، فهذا معناه انه لم يحصل تقييد بعض هذه المفاهيم ببعض. ومعناه انفصال الهيئة الحرفية عن طرفيها، ومعه لا وجود لها لكي تتقيد.
فان قلت: فانه يمكن تقييد هذا المفهوم التصوري ككل.
قلنا: كلا. لأنه سيكون تقييدا إلى كل الأطراف، أو قل: للهيئة والمادة معا. وهو غير محتمل.
ثانياً: التفصيل بين معاني الأدوات فلا يمكن تقييدها والمشتقات فيمكن. وما هو محل كلامنا هو الثاني.
ثالثاً: اننا قلنا في محله ان المعنى الحرفي كلي بكلية أطرافه فان كان طرفاه كليين كان كليا وان كان طرفاه جزئيين كان جزئياً.
رابعاً: ما أجاب به في المحاضرات من ان الحروف كما ذكره هو في
ــــــ[370]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مبحث المعنى الحرفي لم توضع للمعاني الجزئية الحقيقية حتى لا تكون قابلة للتقييد. وانما وضعت للدلالة على تضييق المعاني الاسمية وتخصيصها بخصوصية ما.
ومن الواضح ان المعنى الاسمي بعد تخصيصه وتضييقه، قابل للانطباق على حصص وأفراد كثيرة في الخارج. فعندئذ بطبيعة الحال يصير المعنى الحرفي كليا بتبعه.
إلا ان هذا لا يتم لوجوه غير الإشكال المبنائي، حيث ناقشنا هذا الكلام في مبحث المعنى الحرفي. لكن لو سلمناه لم يسلم هذا الجواب من مناقشة كبرى وصغرى:
اما كبرى: فلأن الذي ذكره انما هو تقييد المعنى الاسمي بعد تقييده بالمعنى الحرفي. وليس تقييدا للمعنى الحرفي، كما هو محل الكلام.
واما صغرى: فلأنه لو تم لكان صادقا في الأدوات (الحروف) التي هي محل اهتمام الأصوليين في المعنى الحرفي. وكلامنا ليس منها. وانما كلامنا في تقييد هيئة الأمر لا تقييد طرفيها، لأن طرفيها هما المكلف والمادة. فإذا قلنا بتقييد المادة لا معنى لتقييد المكلف.
وبتعبير آخر: ان المسلك الذي قاله هو والمسلك الذي قاله الشيخ الآخوند واغلب المسالك الأخرى عن المعنى الحرفي، انما تنطبق في الأدوات لا في الهيئات. مع ان المشهور بنفسه فيما بعد الآخوند، ذهب إلى تعميم المعنى الحرفي إلى الهيئات التامة والناقصة والفردية. فماذا يجيب فيها مما يخص هذا الإشكال ؟
ــــــ[371]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان قلت: فانك قلت بإمكان تقييد المعنى الحرفي. لأنه كلي، وفي المحاضرات كذلك. فاتفق الرأي.
نقول: هذا صحيح في النتيجة لا في التفاصيل: فان كلامه يرجع إلى تقييد المعنى الاسمي بعد تقييده بالمعنى الحرفي. واما كلامنا فيرجع إلى كون المعنى الحرفي بنفسه كلياً، فيمكن تقييده.
ومن الواضح هنا، ان طرفي الهيئة كليان، وهو كلي المادة (كالصلاة مثلا) وكلي المكلف. فيكون المعنى الحرفي كليا، قابلا للتقييد.
فان قلت: فانه قلت: ان المعنى الحرفي تحليلي فلا يقيد عرفا.
قلنا: هذا في الأدوات، واما في محل الكلام وهو صيغة الأمر فهي ملحوظة عرفا وان كانت متقدمة بطرفيها.
خامساً: ما ذكره في المحاضرات أيضاً: من ان التقييد على قسمين: الأول يعني التضييق والتخصيص وفي مقابله الإطلاق والتوسعة. والثاني: بمعنى التعليق وفي مقابله الإطلاق بمعنى التخيير.
وعليه، فلو سلمنا ان المعنى الحرفي جزئي حقيقي. إلا ان الجزئي الحقيقي غير قابل للتقييد بالمعنى الأول، واما تقييده بالمعنى الثاني، فهو بمكان من الوضوح بداهة انه لا مانع من تعليق الطلب الجزئي المنشأ بالصيغة على شيء، كما إذا علق وجوب إكرام زيد مثلا على مجيئه، حيث لا محذور فيه أبدا.
وهذا أيضاً قابل للمناقشة كبرى وصغرى: اما كبرى، فلرجوع كلا المعنيين
ــــــ[372]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للإطلاق إلى معنى واحد. غاية الأمر: ان المعنى الثاني تقييد أزماني. واما تسميته بالتعليق، فهو صفة اللازم. لأنه إذا كان مقيدا زمانا كان معلقا على مجيء زمانه. فإذا استحال تقييد الجزئي، كان هذا حصة من التقييد أيضاً فيكون مستحيلا.
واما صغرى: فلأن هنا أمران: الصيغة الدالة على الطلب. والطلب المدلول بالصيغة. والكلام في الأول. وما قال بإمكانه هو الثاني. مع ان كلامهم في رجوع القيد إلى الصيغة بصفتها معنى حرفيا جزئيا آنياً. فان الطلب:
1- خارج عن محل الكلام.
2- اعتباري، فلربما يمكن فيه ما لا يمكن في غيره.
3- يمكن القول بعموميته وكليته وان كان الدال عليه وهو الصيغة جزئياً. شأن كل لفظ مع المعنى. فان ماء لفظ جزئي يدل على معنى كلي.
سادساً: انه بعد التنزل عن كل الوجوه السابقة، يمكن القول بإمكان تقييد الجزئي مع كونه جزئيا. ولا حاجة لأن نأخذ مسلما كبرى استحالة تقييده. كما أخذه المحققون. نعم، هو بعد وجوده لا يكون له إطلاق إفرادي لأنه فرد واحد، فلا يمكن تقييد إطلاقه الافرادي. لأنه سالبة بانتفاء الموضوع. ولكن يمكن تقييده بأحد شكلين:
الأول: تقييد ماهيته قبل وجوده وفي المرتبة السابقة على وجوده. فيوجد مقيدا. وما هو مستحيل هو تقييده بعد وجوده.
الثاني: ان الفرد الجزئي ليس له إطلاق إفرادي، ولكن له إطلاق أحوالي
ــــــ[373]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وأزماني وإطلاق في الملازمات والمقارنات ونحو ذلك، فيمكن تقييده به في مرتبة وجوده، بل في المرتبة المتأخرة عن وجوده ولا محذور.
الأمر الثاني: من الإشكالات على تقييد الهيئة، ما ذكر في التقريرات والمحاضرات، وهو في المحاضرات منسوب إلى الشيخ النائيني  ولم ينسب في التقريرات إلى احد.
وحاصله: ان المعنى الحرفي وان كان كليا، إلا انه ملحوظ باللحاظ الآلي، فلا يرد عليه الإطلاق والتقييد. وما قيل في سبب ذلك في المصدرين عدة أمور:
الأول: ان الإطلاق والتقييد من شؤون المعاني الملحوظة باللحاظ الاستقلالي.
الثاني: ان الإطلاق والتقييد حكم من قبل المتكلم، فلابد من التوجه إلى موضوعه توجها استقلاليا، وهو مما لا يتوفر مع اللحاظ الآلي.
الثالث: ما تشعره عبارة المحاضرات: من ان النسبة بين الإطلاق والتقييد هي العدم والملكة. والمعنى الحرفي لا يتصف بالتقييد. إذن فهو لا يتصف بالإطلاق.
وأفضل جواب على ذلك: ان يقال بفشل الاستدلالات الثلاثة كلها على المطلوب.
اما الدليل الأول: وهو ان الإطلاق والتقييد من شؤون المعاني الملحوظة باللحاظ الاستقلالي. فهو دعوى بلا دليل، بل هو عين المدعى، فيكون
ــــــ[374]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مصادرة على المطلوب. فان سلم بعض الوجوه الآتية كدليل عليه، فلا يكون وجها مستقلا. واما ان ندعي انه مُدرك وجداناً، ففي الإمكان منعه. لأنه أمر نظري وليس بديهياً.
واما الدليل الثاني: وهو ان الإطلاق والتقييد حكم من قبل المكلف. فنمنع الكبرى هذه. وهو انهما ليسا من قبيل الحكم إطلاقا، وخاصة في طرف الإطلاق، سواء قلنا بالإطلاق اللحاظي أو الإطلاق الذاتي. اما الإطلاق الذاتي فواضح. لأنه لا يزيد على لحاظ نفس الماهية الكلية. واما الإطلاق اللحاظين فباعتبار ان اللحاظ غير الحكم، وانما المهم ان يكون في مقام البيان من حيث سعة الماهية، ويكون الحكم هو المحمول في القضية وليس الإطلاق. ولو كان حكما، كان في القضية حكمان: احدهما المحمول والآخر الإطلاق. وهو لا يصح لا عقلا ولا عرفا.
فان قلت: فان الإطلاق ليس حكما، ولكن التقييد حكم. لأنه معنى التقييد بالمعنى المصدري. ومحل كلامنا في التقييد لا في الإطلاق.
قلنا: يرد عليه: ان التقييد هو لحاظ القيد منسوبا إلى المقيد في الرتبة السابقة على حكمه. ولو سميناه حكما، كان في القضية حكمان كما قلنا في الإطلاق: احدهما المحمول والآخر القيد وهو مما لا يصح حتما.
فان قلت: ان التقييد وان لم يكن حكما، إلا انه يحتاج إلى لحاظ القيد. والمفهوم الآلي لا يمكن لحاظه فلا يمكن تقييده.
قلنا: ان هذا فرع ان نتصور طرو التقييد في المرتبة المتأخرة عن وجود المعنى الحرفي. واما تقييده في مرتبته فلا إشكال فيه. لأنه عندئذ يوجد مقيدا
ــــــ[375]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
آلياً، وهذا يكفي. هذا لو سلمنا ان الملحوظ الآلي غير قابل للحاظ الاستقلالي، وهذا ما سيأتي.
مضافا إلى ما قلناه: من ان هذا إذا تم فانما يتم في مداليل الأدوات وليس الكلام فيها. واما الهيئة فلها مدلول عرفي ملحوظ.
واما الدليل الثالث: وهو ان النسبة بين الإطلاق والتقييد هو العدم والملكة، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق. والمعنى الحرفي لا‏يتصف بالتقييد فلا يتصف بالإطلاق.
فهو لا يتم. لأننا ان لاحظنا جانب الإطلاق في هذا الدليل، فنقول: انه ليس الكلام في الإطلاق بل في التقييد. يعني رجوع القيد إلى الهيئة وليس إطلاقها. ولو كانوا قالوا العكس لكان وجها. وهو انه مع تعذر الإطلاق يتعذر التقييد لا انه مع تعذر التقييد يتعذر الإطلاق. إلا ان الأمر سيكون اشد فسادا ولم يقل به احد.
وان نظرنا إلى التقييد فهو ممنوع كبرى وصغرى.
اما صغرى، فعدم رجوع القيد إليه أول الكلام، وقد أخذه مسلما في الدليل، كما في الدليل الأول، فيكون مصادرة.
واما كبرى فلأنه اخذ هذا المسلك بنظر الاعتبار، وهو انه بين الإطلاق والتقييد نسبة العدم والملكة. وهو مما يتوقف عليه الدليل وان لم يذكره في المحاضرات. لوضوح ان النسبة ان كانت هي التضاد أو هي التناقض تعين الإطلاق باستحالة التقييد. مع ان اتخاذ هذا المسلك في ذلك الباب ليس أكيداً، إلا ان يكون مختاره اعني الشيخ النائيني  هناك.
ــــــ[376]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمر الثالث: من الأدلة على استحالة رجوع القيد إلى الهيئة:
ما ذكره الشيخ الآخوند في الكفاية وعرضه في المحاضرات مفصلا.
وعبارة الكفاية: فان قلت: على ذلك يلزم تفكيك الإنشاء عن المنشأ، حيث لا طلب (وهو المنشأ) قبل حصول الشرط.
أقول: يعني ان الإنشاء يكون حاليا باعتبار وجود الدال عليه، وهو صيغة افعل، إلا ان المنشأ يكون استقباليا أي عند تحقق الشرط، وهو مستحيل.
اما ما يتصور وجها لاستحالته فأمران:
الأمر الأول: كون الإنشاء علة تامة لوجود المنشأ. والعلة التامة فورية التأثير ويستحيل تأخر معلولها، ففرض وجود المنشأ متأخرا زمانا وهو المعلول مستحيل.
وجوابه: ان الإنشاء ليس علة تامة لوجود المنشأ، وانما هو المقتضي فقط. والعلة لا تتم إلا بوجود الشرط كما هو معلوم. وعندئذ يوجد الوجوب المنشأ ولا يتخلف.
الأمر الثاني: ان المنشأ عين الإنشاء وليس غيره فإذا تخلف عنه، تخلف عن نفسه، وهو مستحيل. ويقاس ذلك بموارد التكوين وهو الإيجاد والوجود، واحدهما عين الآخر فكذلك الحال في جانب التشريع، فيكون الفصل بينهما مستحيلا. وهذا هو العرض الموجود في المحاضرات.
وما قيل أو يمكن ان يقال في جوابه عدة أمور:
الأمر الأول: ان المنشأ يقابله الموجود وليس الوجود. فلا قياس بين
ــــــ[377]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الصورتين. وان لاحظنا القياس كان مقابل الوجود الإنشاء بمعنى الاسم المصدري. فيكون الإنشاء بالمعنى المصدري والإنشاء بالمعنى الاسم المصدري متلازمان أو احدهما عين الآخر ولا ينفكان. وهذا خارج عن محل الكلام.
الأمر الثاني: انه عبر في المحاضرات بالإيجاب والوجوب. فان سلمنا بعدم إمكان تفكيكهما. فلا نسلم عدم إمكان التفكيك بين الإنشاء والمنشأ، من حيث كونه ليس علة تامة لوجوده وانما هو مجرد مقتضي له.
الأمر الثالث: ان الإنشاء ليس هو عين المنشأ كما زُعم، بل غايته انه علته أو جزء علته كما سبق.
الأمر الرابع: انه يمكن القول بعدم الانفكاك بينهما، غاية الأمر ان المنشأ بهذا الإنشاء موجود اعتباري غير منجز وبوجود الشرط يكون منجزا.
الأمر الخامس: ما أجاب به صاحب الكفاية من ان المنشأ ليس هو الطلب المطلق بل الطلب المقيد على تقدير حصول الشرط. فيوجد الطلب المشروط بغير انفكاك لكن مع كونه مشروطا. ولعل لب المعنى بين هذا الوجه والذي سبق هو نفسه.
ولكنه أورد عليه في المحاضرات : بأنه مصادرة على الموضوع. لأن الكلام في إمكان هذا النحو من الإنشاء مع استلزامه تخلف الوجوب عن الإيجاب، وهو مساوق لتخلف الوجود عن الإيجاد.
إلا اننا حيث عرضناه لا يكون هذا الإشكال واردا عليه. لان ما يحصل فورا في الإنشاء موجود، وما هو متأخر عن الشرط موجود أيضاً، وكلاهما
ــــــ[378]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مرتبة من الحكم أو من الطلب غير الأخرى. فلم يلزم التخلف ليلزم ان يكون مصادرة على المطلوب.
الأمر السادس: ما يتحصل أيضاً من عبارة الكفاية ، وهو قياس الإنشاء بالإخبار. فإذا كان الأمر مستحيلا، كان في كليهما مستحيلا. لأن الإخبار بالمعنى المصدري عين الإخبار بالمعنى الاسم المصدري ولا ينفكان مع ان الخبر قد يقيد، وتقييد الاخبارات موجودة وجدانا. فكما انه ممكن هنا، ممكن هناك أيضاً.
إلا انه هذا وحده لا يكفي. لأن غايته الإقرار بسريان الدليل أو الشبهة إلى الإخبار أيضاً. وهو مما يعترف الخصم باستحالته أيضاً.
فان قال: (الشيخ الآخوند): انه وجداني.
قلنا: ان أراد من الوجدان كونه من البديهيات، فممنوع. لأنه نظري وليس بديهياً. وان قصد الوقوع، فهو أول الكلام. لأن للخصم ان يقول: بان ما وقع يمكن تفسيره بشكل آخر، كإرجاع القيد إلى المادة في الإنشاء والإخبار معا. بل الأظهر في جانب الإخبار أكيداً.
إلا ان جوابه ما سبق ان ذكرناه: من ان الكلام ليس في تلازم الإنشاء بالمعنى المصدري والإنشاء بالمعنى الاسم المصدري ليقاس بالإخبار كذلك. إذ عندئذ يقال ان انفكاك كل منها محال، إلا ان هذا خارج عن محل كلامنا، وانما الكلام في الانفكاك بين الإنشاء والمنشأ، والمنشأ ليس هو الإنشاء بالمعنى الاسم المصدري ليقاس بالإخبار بالمعنى الاسم المصدري. إمكانا وامتناعا. نعم، لو تنزلنا وقسناه به، كانت الاستحالة هي الأصح وكان الإشكال
ــــــ[379]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
على كلام الشيخ الآخوند صحيحا.
الأمر السابع: ما أجاب به في المحاضرات : من ان الإشكال وارد بناء على نظرية المشهور: من ان الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ. ضرورة عدم إمكان تخلف الوجود عن الإيجاد.
أقول: دفعنا كلا هذين الأمرين:
1- انه حتى على مسلك المشهور ليس مستحيلا. لأن ما هو موجود بالإنشاء ليس فعلية الوجوب، بل وجوده الاعتباري وهو غير متخلف عن الإنشاء.
2- ان قياس الإنشاء والمنشأ بالإيجاد والوجود باطل. فان الوجود عبارة عن الإيجاد ملحوظا بالمعنى الاسم المصدري، بخلاف المنشأ فانه اسم لأمر مباين بالحمل الشايع مع الإنشاء.
ثم قال: واما بناء على نظريتنا من ان الإنشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج بمبرز من قول أو عمل، يندفع الإشكال المذكور من أصله.
والسبب في ذلك: هو ان المراد من الإيجاب سواء كان إبراز الأمر الاعتباري النفساني أم كان نفس ذلك الأمر الاعتباري. فعلى كلا التقديرين لا يلزم محذور من رجوع القيد إلى مفاد الهيئة.
اما على الأول: فلأن كل من الإبراز والهيئة والبروز فعلي. وليس شيء منها معلقاً على أمر متأخر. وهذا ظاهر.
ــــــ[380]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما على الثاني: فلأن الاعتبار بما انه من الأمور النفسانية ذات الإضافة كالعلم والشوق وما شاكلهما من الصفات الحقيقية، فلا مانع من تعلقه بأمر متأخر كما يتعلق بأمر حالي، نظير العلم فانه كما يتعلق بأمر حالي كذلك يتعلق بأمر استقبالي. فكذلك يمكن تأخير المعتبر عن الاعتبار بان يكون الاعتبار حاليا والمعتبر أمراً متأخرا كاعتبار وجوب الصوم على زيد غداً أو نحو ذلك.
وتعليقنا على ذلك عدة أمور:
أولاً: الطعن في المبنى، فاننا لم نوافق في باب الخبر والإنشاء على مسلكه هذا الناتج من مسلكه الآخر في الوضع. وانه هو التعهد. وكله فاسد.
ولكن مقتضى القاعدة هنا التنزل عن هذا الإشكال المبنائي. لترد الإشكالات الآتية.
ثانياً: ان الاعتبار ليس كما زعم من الصفات الحقيقية ذات الإضافة. كالعلم والشوق. نعم، هو معنى إضافي بين أمرين: المعتبر بالكسر والمعتبر بالفتح. إلا انه يفرق عن العلم والشوق ونحوه بأمور:
1- انه يكون على مبناه صفة للنفس. واما على غير مبناه فلا.
2- ان الاعتبار يعتبره المشهور خفيف المؤونة، يعني غير مشمول لقوانين الكون بخلاف العلم والشوق. فانهم يعتبرونها من الصفات الحقيقية بمعنى كونها داخلة في المقولات الأصلية للماهيات بخلاف الاعتبار فانه خيال.
3- ان العلم والشوق والإرادة ونحو ذلك من صفات النفس. نسبتها إليها نسبة المنفعل إلى الفاعل. واما الاعتبار فهو أمر واقعي نسبته
ــــــ[381]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلى النفس نسبة المعلول إلى العلة. بعكس تلك الأمور. والنفس في الأول منفعلة وفي الثاني فاعلة. وكل الصفات ذات الإضافة ذكروها من القسم الأول.
ثالثاً: لو سلمنا كل تلك الأمور. فلا بد من القول بالاستحالة.
وانما يرجع كلامه إلى أمرين كلاهما مصادرة على المطلوب:
احدهما: العلم الوجداني بالإمكان مع كونه هو محل الشك والبرهان.
ثانيهما: الاستدلال بالوجود على الإمكان. وهذا ما قلنا في مثله بان للخصم ان يقول: ان الموجود منها ليس صغرى لما هو مستحيل، بل له تفسير آخر لا محالة.
رابعاً: انه يمكن القول: بان الصفات الحقيقية ذات الإضافة يستحيل ان يتخلف طرفها عنها. وما يبدو للنظر المتسامح كما استشهد به من العلم بأمر استقبالي. فهذا هو المعلوم بالعرض أو المراد بالعرض. واما المعلوم والمراد بالذات فهو متحقق. ولو لم يكن متحققا لاستحال تحقق العلم. لأنه يكون بدون طرف. وكذلك الشوق والإرادة.
فكذلك الإنشاء. فان الصادر منه هو الإنشاء بالمعنى المصدري. وطرفه: اما هو الإنشاء بالمعنى الاسم المصدري. أو هو المنشأ الاعتباري غير المنجز. وكلاهما يلحقه فوراً. ويستحيل وجود إنشاء بلا منشأ بهذا المعنى. إلا ان هذا لا ينافي تأخر التنجيز بطبيعة الحال. أو بتعبير آخر: ان ما يلحقه هو المنشـأ بالذات لا المنشأ بالعرض. والكلام انما هو في المنشأ بالعرض لا في المنشـأ بالذات.
ــــــ[382]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
خامساً: قال كما سبق: ان المراد بالأمر سواء كان هو إبراز الأمر النفساني أم كان ذلك الأمر الاعتباري (يعني النفسي المبرز (بالفتح) ).
فهنا نستطيع ان نمنع كلا التفسيرين حتى على مبناه. اما الإبراز الذي هو صيغة افعل، فليست هي الوجوب بل هي سببه. واما الاعتبار النفساني فهو ليس هو الوجوب أيضاً، بل هو من سنخ الإرادة التي تقع في علل الوجود أيضاً.
وانما الوجوب أمر اعتباري معلول لصيغة الأمر، وهو الذي يكون قابلا للتنجز وتشتغل به الذمة. ووجوده قانوني وعقلائي. أو قل هو موجود بحكم العقل العملي لا بحكم العقل النظري. فانه بحكم العقل النظري وهم، واما بحكم العقل العملي فحقيقة. فان سنخ التشريع حاله كذلك. وكل أحكام العقل العملي والعقلاء من ذلك.
فان قلت: فاننا بعد تسليم المبنى نفينا انه يترتب على الإنشاء وهو إبراز الصيغة أي وجود. وإذا قلنا بذلك الذي سمعناه، كان هو من هذا الباب يعني ترتب وجود اعتباري زائد على الصيغة وقد نفيناه.
قلنا: اننا إذا نفينا كلام المشهور في تحقق وجودات اعتبارية معلولة للإنشاء كوجود الاستفهام والتمني والترجي. وهذا صحيح لا نقاش لنا فيه. إلا انه لا ربط له بالموجودات الاعتبارية العقلائية التي تترتب على بعض الإنشاءات كالأوامر والنواهي والمعاملات. وليس قياسها في النفي والإثبات قياس واحد.
أو قل: انه لا يترتب على الإنشاء معلول بمقتضى القاعدة إلا ما خرج بدليل، وهذا مما خرج بدليل.
ــــــ[383]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
أو قل: ان هذا الذي ثبت له ليس معلولا. بل يكون الإنشاء بمنزلة الموضوع، وهذا الآخر بمنزلة الحكم. واما علته الحقيقة فهو حكم العقلاء أو العقل العملي به. وهذا غير متحقق في جانب الاستفهام والتمني والترجي.
ومن هنا لم يكن ثبوت هذا الأثر في المعاملات دليلا على ثبوته في مطلق الإنشاء حتى التمني والترجي. كما ان نفيه في التمني والترجي ليس دليلا على نفيه في المعاملات والأوامر والنواهي. بل ان قياس كل منهما بالآخر باطل ولكل واحد حكمه.
فتحصل انه يترتب على صيغة افعل وجود قانوني اعتباري يكون هو الأمر. وليس الأمر كما قال: هو الاعتبار النفسي ولا إبرازه بصيغة افعل. فان كلا الأمرين من علل ذلك الوجود الاعتباري الذي هو الأمر حقيقة.
ثم قال في المحاضرات: ومما يشهد لما ذكرناه صحة الوصية التمليكية. (بنحو شرط النتيجة) فلو قال الموصي هذه الدار لزيد بعد وفاتي (وخرجت من ثلثه طبعا) فلا شبهة في تحقق الملكية للموصى له بعد وفاته. مع ان الاعتبار فعلي. ومن البديهي ان هذا ليس إلا من ناحية ان الموصى اعتبر فعلا الملكية للموصى له في ظرف الوفاة. (فانفصل الاعتبار عن المعتبر بالفتح أو الإنشاء عن المنشأ مع ان هذا الفرع الفقهي مسلم الصحة).
أقول: ظهر جوابه مما قدمناه:
أولاً: ان التمليك من الصفات الإضافية، فلو كان فاقدا حال وجوده
ــــــ[384]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للطرف استحال وجوده. ومن المعلوم انه بعد الوفاة لا تكون صفة التمليك موجودة ليكون هذا طرفها اعني فعلية الملكية لزيد.
ثانياً: ان ما هو الطرف حقيقة هو المعلوم بالذات وهي الصورة الذهنية للدار وزيد. غاية الأمر ان الصورة الذهنية تدل على شيء متأخر. وهذا لا إشكال فيه.
ثالثاً: ان ما يحدث بهذا الإنشاء هو التمليك ألاقتضائي القانوني أو العقلائي الذي هو شأن التشريع دائماً. وهو فوري ومزامن مع الجعل وليس متأخرا عنه. وانما المتأخر هو الفعلية بتحقق الموضوع بالوفاة.
رابعاً: اننا لو تنزلنا عن ذلك أمكن للخصم ان يقول: ان وقوع أمثال هذه الفروع الفقهية لا تدل على صحة النظرية، إذ لعل هناك نظرية أخرى تصححها.
ثم قال في المحاضرات: ومن هنا لم يستشكل احد في صحة تلك الوصية، حتى من القائلين برجوع القيد إلى المادة دون الهيئة. وتوهم ان الملكية فعلية ولكن المملوك وهو العين الخارجية مقيدة بما بعد الوفاة.
وهذا من الغرائب، فان العين ليست هي مادة (ملكت) كما هو واضح، بل هو متعلقها أو قل: متعلق المتعلق. وقد اعتبر المشهور الملكية بمنزلة الهيئة. والعين بمنزلة المادة. وهو مؤسف حقا. فهل يقولون ذلك في بعت ووقفت وزوجت ؟ وانما الهيئة دالة على صرف الإنشاء (كالطلب المدلول عليه بصيغة الأمر) والمادة هي الملكية نفسها. كما هو واضح من صيغت ملكت.
ومعه، فإذا رجع القيد إلى المكلية، فقد رجع إلى المادة لا إلى الهيئة. ولم يلزم تقييد العين كما سيقول. واما إذا رجع إلى الهيئة فمعناه تقييد إنشاء
ــــــ[385]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الوصية لا الملكية ولا العين.
ثم قال: وهذا (يعني رجوع القيد إلى العين) خاطئ جدا. فانه يقوم على أساس قابلية تقييد الجواهر بالزمان. ومن المعلوم ان الجواهر غير قابلة لذلك. نعم يمكن هذا في الأمر الحدثي يعني الاعراض والأمور الاعتبارية كالضرب والقيام وما شاكلها.
وهذا أيضاً من الغرائب لعدة أمور:
أولاً: ان المقصود ليس تقييد العين نفسها، بل تقييد ملكيتها. وإلا فالعين بما هي موجود تكويني لا دخل لها بالتشريع أصلا. وانما الدخيل فيه هو منفعتها أو ملكيتها ونحو ذلك. والملكية من سنخ الاعراض القابلة للتقييد كما قال.
ثانياً: اننا يمكن ان ننكر استحالة تقييد الأعيان بالزمان. لأنها فعلا زمانية ومقيدة بالزمان تكوينا. فيرجع تقييدها بالزمان إلى النظر إلى ذلك الزمان الذي تكون فيه مستقبلا. يعني هذه العين من حيث وجودها في شهر رمضان مثلا. وهكذا. وهذا يعود إلى تحصيص الزمان حقيقة لا إلى تقييد العين بما هي موجود تكويني.
وعلى أية حال، فالنتيجة العرفية لتقييد العين ممكنة.
ثالثاً: انه قال – كما سمعنا – : يعني الاعراض والأمور الاعتبارية كالضرب والقيام وما شاكلهما. وكان المفروض به ان يمثل للاعراض وللأمور الاعتبارية معا. فان اعتبر الضرب والقيام من الاعراض – كما هي كذلك – إذن، فهو لم يمثل للأمور الاعتبارية. وان اعتبرها من الأمور الاعتبارية فهو خاطئ. وان
ــــــ[386]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
اعتبر احدهما منها فهو خاطئ أيضاً، كما هو واضح.
فهذا نهاية الحديث عن المرحلة الأولى عن إمكان رجوع القيد إلى الهيئة. وقد ثبت الإمكان بعد دفع التقريبات التي ذكروها للاستحالة.
………………………..
واما المرحلة الثانية التي ذكروها: في رجوع القيد إلى المادة هو الكلام في الفعلية لا في الإمكان.
ويمكن القول: بأن هذه المرحلة مستأنفة تماما، على كلا التقديرين اعني القول باستحالة رجوع القيد إلى الهيئة وعدمها.
اما إذا قلنا بالإمكان، فواضح. كل ما في الأمر اننا نحتاج إلى دليل على الفعلية. لوضوح ان الإمكان وحده لا يكفي. والدليل على الفعلية هو الظهور. وقد اعترف كلا الجانبين بان الظهور العرفي هو في رجوع القيد إلى الهيئة. وانما أرجعه إلى المادة من قال بالاستحالة، فمن باب ضيق الخناق. فمع الإمكان يتعين العمل بهذا الظهور وكفى.
وبحسب النتيجة تكون الهيئة مقيدة، أي المعنى المدلول بها وهو الطلب أو الوجوب. وتبقى المادة مطلقة دالة على الطبيعي على سعته. إذ لا يحتمل رجوع القيد إلى كل من الهيئة والمادة معا، كما لا يحتمل عدم رجوعه إليهما معا. فإذا اخذ حاجته في رجوعه إلى الهيئة، كفى ذلك وكان رجوعه إلى المادة لغواً. ومدلول المادة، وهو المتعلق أو المأمور به، فيبقى مطلقا.
وهذا له اثر. لأنه إذا رجع القيد إلى الهيئة كان قيدا للوجوب وهو غير
ــــــ[387]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واجب التحصيل. وانما يثبت الوجوب على تقدير حصوله وإذا رجع إلى المادة كان شرطا واجب التحصيل كالمقيد نفسه، بمنزلة مقدمة الواجب. إلا إذا فهمنا من الدليل انه اخذ وجوده الاتفاقي قيدا.
غير اننا ينبغي ان نلتفت إلى ان هذا الكلام انما قيل في طول استحالة رجوع القيد إلى الهيئة، فيقع الإشكال من حيث انه إذا رجع إلى المادة، كان واجب التحصيل. فأجابوا بذلك الجواب. اما مع رجوعه إلى الهيئة فأصل الإشكال يكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع. لأن القيد لا يرجع إلى المادة ليجب تحصيله. فعدم وجوب تحصيله على القاعدة، لأنه شرط الوجوب.
وعلى أية حال، فإذا أمكن رجوعه إلى الهيئة تعين حسب الظهور.
واما إذا كان رجوعه إلى الهيئة مستحيلا. تعين رجوعه إلى المادة. بعد مقدمتين:
1- ان ظهور رجوعه إلى الهيئة يكون مستحيلا فيسقط عن الحجية.
2- انه لو لم يرجع إلى المادة ولا إلى الهيئة، كان ذلك باطلا: لتعين رجوعه إلى احدهما. فيكون الدليل على استحالة رجوعه إلى الهيئة دليلا باللازم على رجوعه إلى المادة. وهذا يكفي.
ومعه لا حاجة إلى استئناف دليل آخر غير دليل الاستحالة على رجوع القيد إلى المادة.
ولا احسب ان مراد الشيخ في البيان المنقول في المحاضرات هو ذلك. فانه ان كان المطلوب منه هو ذلك، كانت النتيجة خاطئة. لأنه لا يُثبت ذلك.
ــــــ[388]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لأن الشيخ يقتصر على تعداد محتملات أشكال التقييد المحتمل وورودها في الدليل. وقد اخذ مسلما كونها كلها عائدة إلى المادة. لا انها دليل على رجوعها إلى المادة.
ومن هنا نستطيع ان نفهم منه نقطتين:
الأولى: انه انما اخذ مسلما رجوعها إلى المادة، في طول قوله باستحالة رجوعه إلى الهيئة. والتسليم بعدم إمكان سلبه عن الطرفين. فيتعين رجوعه إلى المادة قطعا.
ثانياً: انه انما ذكر هذا البيان التفصيلي للتقسيم وليس لأجل الاستدلال على رجوع القيد إلى المادة. بل لأجل الجواب على السؤال عن عدم وجوب تحصيله بالرّغم من انه قيد للمادة. فيقال في الجواب باختصار: ان هذا القيد إذا كان تحت الطلب ومما يمكن تحصيله وجب. ولكن ليست كل القيود كذلك، بل فيها ما لا يكون اختياريا كالوقت.
ومنها: ما اخذ مفروض الوجود. أو بالتعبير السابق: انه اخذ وجوده الاتفاقي قيدا. فعلى كلا التقديرين لا يجب تحصيله. ومن هنا كانت بعض القيود لا يجب تحصيلها. وإلا فان مقتضى القاعدة الأولية لقيود المادة هو وجوب التحصيل.
وعلى أية حال، فما توهمه في المحاضرات من ان كلام الشيخ لأجل إثبات أو البرهنة على رجوع القيد إلى المادة وهم عاطل.
وانما هو ترتيب دقي وبذكاء، لأجل ضبط أنحاء وأقسام القيود الراجعة إلى المادة في الشريعة مما يكون واجب التحصيل أو لا يكون.
ــــــ[389]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وقبل سرد بيانه لابد من الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: اننا قلنا في أول هذا البحث انه لا اثر له إطلاقا. لأن كل ما ورد في الشريعة على الإطلاق انما هو في رجوع القيد إلى الهيئة أو إلى المادة. إلا بناء على الوجوب التعليقي الذي لا نقول به. والقرائن على ذلك ثابتة في كل مورد. فلا حاجة إلى هذه التفاصيل إلا لمجرد الاطلاع.
الأمر الثاني: اننا بعد ان انتهينا من صحة الكبرى والصغرى اعني إمكان وظهور رجوع القيد إلى الهيئة، ففي الإمكان القول: ان مقتضى القاعدة هو تعين رجوع القيد إلى الهيئة، ما لم يدل دليل على رجوعه إلى المادة. ومن الممكن تقديم بيان كمقدمات الحكمة في ذلك.
فان المولى يعلم بظهور رجوع قيده إلى الهيئة، فان كان يريد رجوعه إلى المادة لبينه، وهو في محل البيان وقادر عليه ومع ذلك لم يبين. إذن يتعين إتباع وحجية ظهور رجوعه إلى الهيئة.
الآن نسمع كلام الشيخ  لمجرد الاطلاع أولاً. ولنعرف ان تعليقات المحاضرات عليه صائبة أم لا ثانياً.
وحاصله: ان الإنسان (المولى) إذا توجه إلى شيء والتفت إليه، فلا يخلو من ان يطلبه أم لا. ولا ثالث في البين (لاستحالة ارتفاع النقيضين) لا كلام لنا على الثاني.
وعلى الأول: فانه لا يخلو من ان الفائدة (الملاك) تقوم بطبيعي ذلك الشيء من دون دخل خصوصية من الخصوصيات فيها (أو الخصوصية الملحوظة كالطهارة أو الاستقبال) أو تقوم بحصة خاصة منها.
ــــــ[390]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وعلى الأول بطبيعة الحال يطلبه المولى على إطلاقه وسعته. (لأن الأمر يجب ان يوافق الملاك وإلا كان نقضا لغرضه).
وعلى الثاني يطلبه بقيد خاص (أيضاً لموافقة الملاك) لغرض عدم قيام المصلحة إلا بالحصة الخاصة، وهو الحصة المقيدة بهذا القيد، لا بصرف وجوده على نحو السعة والإطلاق. (فيكون الأمر بالحصة الأخرى الخارجة عن القيد لغوا. أو قل بدون ملاك، فتكون مستحيلة بالعقل العملي).
وهذا القيد مرة يكون اختياريا ومرة أخرى غير اختياري. وعلى الأول، تارة يكون موردا للطلب والبعث (ويدخل تحت الأمر) وذلك كالطهارة مثلا بالإضافة إلى الصلاة.
وتارة أخرى لا يكون كذلك، بل اخذ مفروض الوجود. وذلك كالاستطاعة بالإضافة إلى الحج. فان المولى لم يرد الحج مطلقا وانما الحصة الخاصة الحاصلة من المكلف المستطيع (وهو معنى تقييد المادة).
وعلى الثاني (وهو القيد غير الاختياري) فهو لا محالة اخذ مفروض الوجود في مقام الطلب والجعل لعدم (إمكان) صحة تعلق التكليف به. (لاستحالة تكليف العاجز). وذلك كزوال الشمس مثلا بالإضافة إلى وجوب الصلاة. فان المولى لم يطلب مطلق الصلاة، بل الحصة الواقعة بعد الزوال.
قال: وعلى جميع التقادير فالطلب فعلي ومطلق (وبعض حصصه بنحو الواجب المعلق) والمطلوب مقيد من دون فرق بين كونه اختياريا أو غير اختياري.
فالنتيجة: ان ما ذكره من رجوع القيد بشتى ألوانه إلى المادة أمر وجداني
ــــــ[391]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
لا ريب فيه ولا مناقشة فيه.
أقول: فهذا تقسيم تصوري لأنحاء رجوع القيد إلى المادة بعد أخذه مسلما أو مبرهنا ببرهان سابق ولا يحتوي هو على أي برهان.
وإذا كان هذا هو مراد الشيخ بدون تحريف. فليس فيه أية إشارة إلى الدليل على تعين رجوع القيد إلى المادة. وانما بيّن أمرين:
احدهما: هذه الأقسام المتصورة.
وثانيهما: معنى رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة، كقوله: ان المولى لم يرد مطلق الحج، بل الحج المقيد بصدوره من المستطيع، ولم يرد مطلق الصلاة، بل الصلاة المقيدة بدخول الوقت.
إذن، فمن يفهم منه انه استدلال على رجوع القيد إلى المادة، خاطئ للغاية. ومع ذلك، فقد فهم منه في المحاضرات ذلك وناقشه.
واما جواب المحاضرات، فهو على طوله لا يتحصل منه إلا كلام واحد يصح ان يكون بمنزلة المناقشة لكلام الشيخ الأنصاري لو تنزلنا وقبلنا كونه برهانا على ثبوت رجوع القيد للمادة.
وحاصل المناقشة: ان الملاك قد يكون مقيدا من ناحية الحكم أو الوجوب. وهذا يلازم تقييد الأمر ببيانه اللفظي. إذ لو اختلف عنه لزم مخالفة الغرض وهو محال.
وإذا أراد المولى موافقته، فلابد من إرجاع القيد إلى الهيئة. لأنها هي الدالة على معنى الحكم أو الوجوب. وإلا لم يبق إثباتا دال على رجوع القيد
ــــــ[392]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلى الوجوب ولزم المحذور مرة أخرى، اعني تخلف الغرض.
إلا ان للشيخ ان يجيب بأحد جوابين:
الأول: ان يقال: انه ما دام قد تعذر إثباتا رجوع القيد إلى الهيئة، نعرف ان الأمر ثبوتا وملاكا كذلك. وان القيود كلها راجعة إلى المتعلقات لا إلى الأحكام. لأننا انما نعرف مرحلة الثبوت من مرحلة الإثبات. فإذا لم تساعد مرحلة الإثبات على أمر، عرفنا ان مرحلة الثبوت مثلها. ومعه ينتهي كلام المحاضرات.
أقول: إلا ان هذا بمجرده غير تام. لأن المولى إثباتا في كلامه لو كان على رسله، لعرفنا مطابقة الإثبات مع الثبوت. إلا انه منعته الاستحالة في رجوع القيد إلى الهيئة. فلربما كان القيد قيدا للوجوب ثبوتا، ولكنه ليس قيدا للدال عليه وهو الهيئة إثباتا.
غير انه يمكن ان يجاب عليه بعد تسليم الاستحالة: ان المولى يعلم بهذه الاستحالة الاثباتية. فإذا كان يريد ان يقيم دلالة إلى إرجاع القيد إلى الوجوب أو الهيئة، لزمه إقامة قرائن واضحة على ذلك. وهو أمر ممكن له غير مجرد رجوع القيد إلى الهيئة. وحيث لم يفعل، إذن فمراده هو ما عليه مرحلة الإثبات وهو رجوع القيد إلى المادة.
كما يمكن ان يقال: ان المولى يمكن ان يكتفي بالظهور الاقتضائي لرجوع القيد إلى الهيئة، وان منع منه المانع وهو الاستحالة. وهذا كاف للتفهيم. إلا انه لا يتم. لعدم كونه حجة بعد حصول المانع، بل وجود الحجة بخلافه: وهو الظهور بالرجوع إلى المادة.
ــــــ[393]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
على ان للقائل به ان يمنع وجود المقتضي للظهور أصلا.
الثاني: ان نقبل اختلاف الملاكات في القيود في الأحكام وعدمها، إلا انه يمكن إجراء ما يشبه مقدمات الحكم لإثبات رجوع القيد إلى المادة. لأنه لو أراد إثباتا رجوعه إلى الهيئة، لأقام قرائن على ذلك وهو قادر عليه وملتفت إليه، وملتفت إلى الاستحالة. ولكنه لم يفعل، إذن فهو يريد رجوع القيد إلى المادة.
وهذا ليس جوابا بنائيا، وانما جواب مبنائي. وهو ان يقال بإمكان رجوع القيد إلى الهيئة. فينسد هذا الكلام تماما.
أو نقول: ان المولى لا يعرف وغير ملتفت إلى استحالة رجوع القيد إلى الهيئة. فلا تجري هذه المقدمات لإثبات رجوع القيد إلى المادة. وهو كما ترى. لأن مولانا علام الغيوب. نعم، لو كان الحديث عن المولى العرفي، لتم الإشكال.
وبالرغم من ان كلام المحاضرات لا يخلو من عدد من المناقشات في هذا الصدد. ولكن لا نطيل الوقت بها. غير ان واحدة منها لا تخلو من أهمية وددت الإشارة إليها.
لأنه قال: وان أراد من الطلب في كلامه  الإرادة. بمعنى الاختيار (ليست الإرادة بمعنى الاختيار كما بينا في مبحث اتحاد الطلب والإرادة).
فيرد عليه: انه لا يتعلق بفعل الغير حتى نبحث عن ان القيد راجع إليه أو إلى متعلقه. بل ذكرنا في مبحث (اتحاد) الطلب والإرادة، انه لا يتعلق بفعل نفسه في ظرف متأخر فضلا عن فعل الغير. لأن الإرادة بهذا المعنى انما تعقل
ــــــ[394]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
في الأفعال المقدورة للإنسان وفعل الغير خارج عن إطار قدرته. وكذا فعل الإنسان نفسه إذا كان متأخرا زمانا.
ثم أشار إلى ان الله لو أراد فعل الغير لزم الجبر، وهو ينافي اختيار العبد.
أقول: وهذا من الغرائب من ناحيتين على الأقل:
الناحية الأولى: انه نسي انقسام الإرادة إلى إرادة تكوينية وإرادة تشريعية. فالتكوينية هي المتعلقة بفعل النفس. والتشريعية هي المتعلقة بفعل الغير. وهي لا تكون إلا بتوجيه الأمر والتشريع بعد التجاوز عن الجبر والإلجاء.
نعم، لو أراد الله عمل العبد بالإرادة التكوينية، لزم الجبر. واما إرادتها بالإرادة التشريعية، فلا.
فكلتا الإرادتين موجودة لدى مطلق الفاعل المختار سواء الخالق أو المخلوقين. فبالنسة إلى الخالق قد اوجد الخلق بالإرادة التكوينية، واوجد الشرائع بالإرادة التشريعية.
وبالنسبة إلى المخلوق يريد افعال نفسه بالإرادة التكوينية ويريد أمر غيره بالإرادة التشريعية. وعليه العرف والعقلاء والقانون.
وقد ذكرنا هناك (في مبحث اتحاد الطلب والإرادة): ان الإرادة إذا نسبت إلى إيجاد الأمر، فانها تكوينية. لأنها من فعل نفسه. وإذا نسبت إلى فعل الغير، فهي تشريعية. ومقدمتها المنحصرة هو الأمر بعد التجاوز عن الإلجاء. فيكون الأمر مصداقا للطلب بالحمل الشايع. يعني التسبيب إلى فعل الغير بهذا الأسلوب.
ــــــ[395]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الناحية الثانية: انه قال: انه يستحيل تعلق الإرادة فيما هو متأخر زمانا، سواء كان بفعل النفس أو الغير.
أقول: اما فعل الغير، فالمفروض انه متأخر زمانا. لأن الامتثال دائما لا يكون إلا بعد الأمر ولو بلحظة. وليس المفروض ان الآمر يقدر على فعل الغير تكوينا. وانما يقدر عليه تشريعا فقط. يعني على الأمر به. والإرادة التشريعية يتعين تعلقها بأمر متأخر.
واما فعل النفس، فقد قلنا في ذلك المبحث: اننا لو أردنا من الإرادة: العلة التامة المحركة للعضلات. فمن الصحيح انه يستحيل تعلقها بأمر متأخر. إلا اننا إذا أردنا منها الأعم من ذلك ومن الشوق أو الشوق المؤكد. فلا. فان الفرد قد يشتاق إلى ما هو متأخر. ولكننا قلنا هنا: ان الإرادة هي العلية فقط دون سواها، إذن يستحيل تعلقها بأمر متأخر.
ولكنه في المحاضرات اختار ما هو الأعم من ذلك، وهي في الإمكان تعلقها بأمر متأخر. مع انه هنا قال بالاستحالة. فتكون هذه النتيجة غير صحيحة.
وكذلك نراه يقول، فيما قال: وكذلك الحال فيما إذا كان الملاك فيه تاما، ولكن وجوده وتحققه في الخارج يتوقف على مقدمات خارجة عن اختيار المكلف.
إذ يبدو من العبارة ان هناك ملاك تام وهناك ملاك موجود، وكلاهما أمر موجود ومتحقق في التشريع. والذي افهمه من الملاك التام هو الملاك السابق على الأمر، والملاك الموجود هو الملاك المتأخر عن الامتثال، وانما يوجد
ــــــ[396]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بسبب تحققه.
فان رجع هذا الكلام إلى ما قلناه من تفسير الملاك بالعلة الغائية، فلا بأس. لأن هناك شيئان موجودان: شيء قبل الأمر وهو الفكرة، وشيء بعد الامتثال وهو التعيين.
وبذلك يبرهن على وجود الملاك بحكم العقل النظري. مضافا إلى برهان الامامية عليه بالعقل العملي من باب قبح أمر الحكيم بدون ملاك.
فهنا نقول بالعقل النظري: ان التشريع أو قل إصدار الأمر وجود تكويني له كل أقسام العلل الأربعة ومنها العلة الغائية ويستحيل ان يوجد أي شيء بدون علة غائية.
وفائدته: ان هذا البرهان مما ينبغي ان يقبل به الاشاعرة المنكرون للعقل العملي، فيلزمهم القول بوجود الملاكات للتشريع وان لم يقولوا بها.
وعلى أي حال، فان رجع كلام المحاضرات إلى ذلك فلا بأس.
واما إذا لم يرجع فمعناه وجود ملاكين للتشريع: احدهما سابق على الأمر، والآخر لاحق للامتثال. وهو مما لم يقل به احد. وكأنه بالامتثال يسقط الملاك السابق رتبة ويتحقق الملاك اللاحق رتبة. وبذلك نجمع بين الفكرتين المتهافتتين في كلام المتأخرين من الأصوليين: من ان الملاك يوجد أو ينعدم بالامتثال. فيقال هنا: ان الملاك السابق رتبة يسقط وينعدم، والملاك اللاحق للامتثال يوجد ويتحقق:
إلا ان تحقق الملاك كوجود كامل غير محتمل إلا ان يحمل على
ــــــ[397]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بعض الوجوه:
الوجه الأول: ان الوجود السابق اقتضائي، والوجود اللاحق علّي. وكلا الأمرين غير صحيح. اما السابق، فان كان اقتضائيا لم يكف لوجود الأمر. لأن المقتضي وحده غير كاف للتأثير. واما اللاحق فانه معلول. فتسميته بالعلي جزاف. إذن، فهما معا ليسا ملاكا عليا للتشريع. إذن فالتشريع ليس له ملاك علي. وهذا لا يتم على مسلك الامامية.
الوجه الثاني: ان يراد بالملاك التام السابق الملاك الوجوبي أو الإلزامي، في مقابل غير التام وهو الاستحبابي.
إلا ان هذا ليس وجها لتصحيح الجمع بين الملاكين. وخاصة إذا التفتنا ان كلا الملاكين ينبغي ان يتصفا بنفس الصفة من وجوب أو استحباب، حسب نوعية الأمر.
الوجه الثالث: ان نتصور ان يكون الملاك السابق تاما، يعني بكل أجزائه، في مقابل الناقص.
إلا انه لا يتم: لأن الملاك الناقص لا ينتج أمراً. لأنه ليس علة تامة له. وصدور المعلول بدون علته التامة مستحيل. والملاك الكامل ان كان موجودا في المرتبة السابقة على الأمر كفى عن تحققه بعد الامتثال. فالجمع بينهما بلا موجب.
نعم، لو كان ناقصا أمكن ان يكون ما بعد الامتثال مكملا له.
إلا انه غير محتمل: إذ معناه نقصان كلا الملاكين لكي يتكون من
ــــــ[398]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مجموعهما ملاك واحد. وهو مما لم يقل به احد.
مضافا إلى ما قلناه: من ان الملاك السابق ان كان ناقصا لم ينتج الأمر. مضافا إلى ان الامتثال الجامع للشرائط يجب ان يحدث ملاكا كاملا لتناسب العلة والمعلول. ولا يمكن ان يوجد الامتثال الكامل معلولا ناقصاً.
………………………..
ثم انهم استدلوا على رجوع القيد إلى الهيئة بدليلين: احدهما ثبوتي والآخر إثباتي أو ظهوري. وهو فرع القول بالإمكان: وبه يكون استظهار رجوعه إلى الهيئة.
الدليل الأول: ما ذكره الشيخ الآخوند. وحاصله: ان الملاك قد يكون كذلك، أي ان القيد فيه راجع إلى الوجوب لا إلى الواجب. فإذا أراد المولى التطابق بين الأمر والملاك لزم إرجاع القيد إلى الهيئة. لأنها هي الدالة على الوجوب لا إرجاع القيد إلى المادة، بان يكون الوجوب المدلول بالخطاب مطلق، والمادة مقيدة. فانه خلف الملاك. وهو مستحيل بالعقل العملي.
إلا انه من الواضح ان هذا وحده لا يكفي:
أولاً: ان الملاك لو كان كذلك (اعني يرجع فيه القيد إلى الوجوب. إلا ان تقييد الهيئة مستحيل). فهو مضطر إلى ان يجعل القيد قيدا للمادة. لأنه اقرب أشكال البيان إلى مقصوده. أو ان يبينه بتفاصيل وقرائن إضافية. والمهم ان هذا البيان فرع إمكان الرجوع إلى الهيئة كبرويا.
ثانياً: ان هذا البيان فرع رجوع القيد إلى الهيئة صغرويا. ولذا قال: ان القيد
ــــــ[399]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ملاكا لو كان كذلك.
أقول: اما لو لم يكن كذلك، بل كان القيد ملاكا راجعا إلى المتعلق، لزم المولى إرجاعه ظهورا إلى المادة. لأنها هي الدال على التمعلق. ولو صنع خلاف ذلك لكان خلف الملاك وهو مستحيل.
والمهم ان المكلف كيف يعلم ماهية الملاك بغض النظر عن الظهور؟ وانما نحن نفهمه من الظهور نفسه. إذن، فالدليل الثبوتي غير مفيد.
والدليل الثاني: إثباتي: وهو الذي ذكره في المحاضرات وحاصله: – ببيان منا -: ان الأحكام لا محالة راجعة إلى قضايا شرطية يكون الموضوع فعل الشرط والمتعلق هو الجزاء. نحو: إذا زالت الشمس فصل، أو إذا جاء زيد فأكرمه.
وعندئذ نقول: ان ظاهر القضايا الشرطية هو رجوع القيد إلى الهيئة لا إلى المادة.
قال: وذلك لأنها لو لم تكن نصّاً في هذا، فلا شبهة في ان التفاهم العرفي منها: هو تعليق مفاد الجملة الجزائية على مفاد الجملة الشرطية (يعني الشرط) سواء كانت القضية إخبارية أو إنشائية.
اما الأولى فمثل قولنا: ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. فانها تدل على تعليق وجود النهار على طلوع الشمس.
واما الثانية فمثل قولنا: ان جاءك زيد فأكرمه. فانها تدل على تعليق وجوب الإكرام على مجئ زيد.
ــــــ[400]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وحمله على كون الوجوب فعلياً والقيد، وهو المجئ راجعا إلى المادة، وهي الإكرام خلاف الظاهر جدا، فلا يمكن الالتزام به بدون قرينة. بل يمكن دعوى ان ذلك غلط. فان أدوات الشرط لا تدل على تعليق المعنى الافرادي.
أقول: ان هذا وحده لا يكفي لوضوح ان قولنا: ان ظاهر القضايا الشرطية هو تعليق مفاد الجملة الجزائية على الشرط معنى مجمل. لأن مفاد الجملة الجزائية يحتوي على صيغة الأمر بمادتها وهيئتها. فهذا المفاد كما هو حاوٍ على الهيئة حاوٍ هو على المادة. فكما يمكن ان يكون الشرط قيدا للهيئة، يمكن ان يكون قيدا للمادة. إذن، تبقى المسألة بهذا المقدار مجرد استظهار وجداني لا دليل عليه، اعني رجوع القيد إلى الهيئة خاصة. وليست الهيئة فقط هي مفاد الجزاء لكي يكون القيد خاصا بها.
كما ان الكبرى التي ذكرها لا مصداق لها: وهي ان أدوات الشرط لا تدل على تعليق المعنى الافرادي. فانه ما المراد من المعنى الافرادي: ان كان المراد وجود المعنى بدون وجود جملة ذات نسبة تامة. فهذا لا يوجد في طرف الجزاء. لوضوح ان كلا من الهيئة والمادة هما طرف لجملة تامة. وان أريد كونه معنى افراديا وان حصل في جملة. فمن الواضح ان كلامنا ان الهيئة والمادة كذلك أيضاً. فاما ان ندعي ان المادة معنى إفرادي والهيئة ليست معنى افراديا فيرجع إليها القيد، فهذا مجرد دعوى بلا دليل. بل كلاهما في نفسه معنى إفرادي.
وان كان المراد رجوع القيد إلى النسبة في الجملة التامة في طرف الجزاء لا إلى الطرف. لكي لا يكون معنى افراديا. كما هو متحقق في الجملة الخبرية: إذا طلعت الشمس النهار موجود. لأن النسبة الشرطية في الواقع تعقد
ــــــ[401]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
علاقة بين نسبة الجملة في طرف الشرط والنسبة في طرف الجزاء لا أكثر. فكذلك في الجمل الإنشائية. وعندئذ لا يكون جزاء الشرط افراديا بل جمليا.
ان كان هذا مراده، فهو لا خلو من وجاهة. إلا انه مع ذلك قابل للخدشة: بان الظاهر هو الربط الشرطي بين الموضوعين: وهو زيد في الشرط وإكرامه في الجزاء. ومعناه رجوع القيد إلى المادة. اللهم إلا ان نستظهر رجوع الربط الشرطي إلى المحمولين: وهو المجئ والوجوب. إلا ان هذا يحتاج إلى نكتة زائدة لم يكف هذا المختصر في المحاضرات لبيانها.
وعلى أي حال، فان مجرد رجوعه إلى النسبة الجملية لا يكفي. لأنها متساوية النسبة بين المحمول والموضوع فيها. ومعلوم ان تقييد كليها غير محتمل، فيعود الأمر إلى تقييد احدهما، وحيث تتساوى نسبة النسبة بين طرفيها، فيكون رجوعه إلى احدهما بلا مرجح لا ثبوتا ولا إثباتا.
اللهم إلا ان نقول: احد أمرين:
الأمر الأول: ان نقتصر على نفس المضمون: وهو العلاقة بين النسبتين في الشرط والجزاء. إلا اننا نقول: ان معنى النسبة هو اتصاف الموضوع بالمحمول. وهذا الاتصاف متأخر رتبة عن الموضوع نفسه. فالمجئ في طرف الشرط متأخر رتبة عن زيد. والوجوب في طرف الجزاء متأخر رتبة عن الإكرام.
فرجوع القيد إلى النسبة معناه رجوعه في الرتبة المتأخرة عن موضوعه. يعني انه ليس قيدا للمادة التي هي موضوع الجزاء. وهذا يكفي. وانما هو قيد للنسبة أو الهيئة الجملية فيه.
ــــــ[402]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الأمر الثاني: ان نفهم من النسبة الصفة أو المحمول. فان المهم في الماشي صفة المشي وليس ذات الماشي وهكذا. فنسبة أو انتساب المشي إليه تعني النظر إلى المشي الذي هو صفته أو محموله.
فإذا طبقنا ذلك على الشرط والجزاء في الشرطية في مثال: إذا جاء زيد اكرمه. نقول: ان المهم في طرف الشرط هو الصفة وهي المجئ. والمهم في طرف الجزاء هو الصفة وهو الوجوب الذي هو صفة الإكرام في الدلالة المطابقية للجملة. وهو ينتج: ان المهم هو النظر إلى المحمولين أو الصفتين في طرفي الشرط والجزاء. وهو ينتج: ان الجملة الشرطية الاساسية انما تعقد علاقة بين المحمولين لا بين الموضوعين. يعني ليس بين زيد والإكرام. بل بين المجئ والوجوب. وانما تنعقد العلاقة بين الموضوعين في طول المجئ والعلاقة بين المحمولين.
وهذا ينتج بصراحة ان القيد قيدا للهيئة. لأننا نريد من القيد محمول جانب الشرط، ومن الهيئة محمول جانب الجزاء.
وهذا هو السر في الاستظهار الساذج الذي ادعاه في المحاضرات، وهو المطابق للوجدان. إلا ان عرضه بسذاجة يعتبر مصادرة أو قولا بلا دليل بخلاف محاولة إقامة القرائن عليه.
ويمكن الجمع بين هذين الأمرين بمركب أدق. لأن المطابق للواقع هو كون الشرطية الأساسية تعقد علاقة بين النسبتين. لا بين المحمولين ولا بين الموضوعين.
إلا اننا نستطيع ان ندعي عرفا ولغة: ان النظر إلى النسبة هو بعينه النظر
ــــــ[403]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلى المحمول. بعد ان عرفنا انها تطرأ في المرتبة المتأخرة عن الموضوع. وان الطرف الأساسي فيها هو المحمول. لأنه طرف الاتصاف كما قلنا في الأمر الثاني. فيكون الأمر الثاني جهة تعليلية للأمر الأول أو هو بمنزلة الموضوع له. لأننا أولاً نربط النسبة بالمحمول. ثم نرى ان الشرطية الأساسية تربط بين النسبتين. إذن، فهي تربط بين المحمولين. وهذا ينتج رجوع القيد إلى الهيئة ظهورا.
فان قلت: فان مفاد الهيئة معنى حرفي والمعنى الحرفي جزئي، والجزئي غير قابل للتقييد. فلا يمكن ان تقيد النسبة في طرف الجزاء بالنسبة في طرف الشرط.
قلنا: أولاً: اننا نطعن بالكبرى: من حيث ان الجزئي في نفسه وان لم يكن قابلا للتقييد، إلا انه قابل له بحسب الإطلاق الاحوالي والازماني. وان كان متعذرا في الإطلاق الافرادي. لأنه فرد واحد.
ثانياً: الطعن في الصغرى: وذلك: اننا قلنا في محله ان المعنى الحرفي يمكن ان يكون كليا بل يتعين ذلك إذا كان طرفاه كليان. والكلي قابل للتقييد. وقد سمعنا ذلك، اعني كلية المعنى الحرفي من مشهور المتأخرين.
ثالثاً: اننا يمكن ان نقول: كما قلنا في بعض الموارد: اننا نقبل من العرف حتى ما كان مستحيلا عقلا، ما دام المورد داخلا تحت حكمه. كالظواهر ومنها محل الكلام. بدليل: ان المستفاد من ظهور الشرطية الكبيرة هو ما قلناه من تقييد نسبة الجزاء بنسبة الشرط. وهذه قاعدة عامة غير قابلة للتقييد، سواء كان المعنى الحرفي كليا أو جزئيا.
ــــــ[404]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
رابعاً: اننا يمكن ان نقول: ان نتيجة ما قلنا هو تقييد المحول أو الهيئة. وليست النسبة في طرف الجزاء بحد ذاتها.
إلا ان هذا لا يتم بمجرده – بعد التنزل عن الأجوبة السابقة – : لأننا قلنا ان القيد أولاً وبالذات هو النسبة ومن ذلك نفهم تقييد الهيئة – يعني صيغة افعل – التي هي طرف النسبة. فإذا فسد أو تعذر رجوع القيد إلى النسبة تعذر رجوع القيد إلى الهيئة.
اللهم إلا ان نلتفت إلى دليل آخر يتكون من عدة مقدمات:
الأولى: ان الهيئة في صيغة افعل وان كانت معنى حرفيا، إلا انه كلي بكلية طرفيه وهو مفهوم المادة الدال على الماهية والمكلف. فيكون قابلا للتقييد.
الثانية: ان المأمور به اسبق رتبة من الأمر ثبوتا. لأنه يفترض واقعيته أو إمكانه ليؤمر به. إذن فالمتعلق أو الموضوع في جانب الجزاء اسبق رتبة من الهيئة. كما انه اسبق رتبة من النسبة في جملة الجزاء. لأن النسبة تطرأ في المرتبة المتأخرة عن طرفيها.
وعندئذ نقول: ان الجملة في جانب الشرط وان كانت بمنزلة العلة ثبوتا للجزاء، فتكون متقدمة عليه رتبة ثبوتا. إلا انها متأخرة عنه إثباتا وإعلاما. لأننا نريد بيان العلة للمعلول.
الثالثة: ان ما يكون متأخرا رتبة وهو الشرط يكون قيدا لما هو متأخر رتبة وهو النسبة أو المحمول دون ما هو متقدم رتبة وهو الموضوع أو المادة وهو متعلق الأمر.
ــــــ[405]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
إلا ان هذا بمجرده لا يتم إلا ان يتمم بما قلناه من ظهور رجوع القيد ابتداء إلى النسبة الراجعة إلى المحمول. ومعه لا حاجة إلى المقدمة الثانية والثالثة في هذا التقريب. فانه ان بقي بدون تتميم. يرد عليه:
أولاً: منع الكبرى. وهو قولنا: ان المتأخر رتبة يكون قيدا لما هو متأخر رتبة. فان هذا يحتاج إلى دليل. وهو مفقود.
ثانياً: ان تقدم المرتبة في الجملة الجزائية ثبوتي، يعني للنسبة والمحمول. وتقدم المرتبة بجانب الشرط على جانب الجزاء إثباتي. فيتعدد عالم الإثبات عن عالم الثبوت.
اللهم إلا ان يقال: ان النسبة والمحمول في جانب الجزاء كما هو متأخر ثبوتا كذلك إثباتا. إلا ان هذا يحتاج إلى استئناف دليل أيضاً.
ثالثاً: ان تقدم جانب الشرط إثباتا على جانب الجزاء ليس دائميا، بل ما إذا أريد بيان العلة بعد اخذ المعلول مسلما. فيقال: ان العلة لهذا المعلول هكذا. ولكن قد يكون العكس، وذلك: بان تؤخذ العلة مسلمة ويراد بيان معلولها. ومعه يكون جانب الشرط متقدما إثباتا على الجزاء كما هو متقدم ثبوتا.
وعلى أي حال، فقد أثبتنا من كل ما سبق إمكان رجوع القيد إلى الهيئة ثبوتا وتعينه بظهور عرفي معتبر إثباتا.
ومعه لا مجال للفرض الذي نسب للشيخ الأنصاري من تردد القيد في رجوعه إلى الهيئة أو إلى المادة. واستظهارة انه راجع إلى المادة.
اما عدم الترديد فواضح. لأننا قلنا بان الظاهر رجوعه إلى الهيئة. فلا
ــــــ[406]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ترديد. واما رجوعه إلى المادة، فلا سبيل إليه إلا استحالة رجوعه إلى الهيئة فيتعين رجوعه إلى المادة. واما مع إمكانه فاننا ننكر ظهور رجوعه إلى المادة. فانه جزاف صرف ولم يقل به احد. كل ما في الأمر اننا لو منعنا الظهور الذي قلناه وهو ظهور رجوعه إلى الهيئة. فانه تبقى الجملة مجملة في الرجوع إلى أي من الطرفين، ويصير الأمر إلى الأصول العملية.
وهنا قال في المحاضرات : وعلى هذا الفرض، فان علم من الخارج: ان القيد راجع إلى المادة دون الهيئة وجب تحصيله.
لكننا ينبغي ان يلتفت: ان هذا على إطلاقه غير تام. فانه ليس كل قيد راجع إلى المادة يجب تحصيله أو يقع تحت الأمر. فانه ان كان خارجا عن الاختيار كالوقت أو كعمل الآخرين (كقولنا: إذا جاءك زيد فأكرمه) لم يجب تحصيله. وكذلك: إذا كان وجوده الاتفاقي مأخوذا قيدا أو اخذ مفروض الوجود في جانب المتعلق أيضاً لم يجب تحصيله. وعلى أي حال، فالنقض في الإطلاق لا في أصل المطلب.
………………………..

ثم قال في المحاضرات: انه بعد ذلك يقع الكلام في مقامين:
الأول: في مقتضى الأصول اللفظية، يعني عند تردد القيد في رجوعه إلى المادة أو إلى الهيئة.
والثاني: في مقتضى الأصول العملية.
أقول: ولم يذكر من الأصول العملية أي شيء إلى عنوان الواجب المعلق وبالتأكيد يكون قد نسيه.
ــــــ[407]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والواقع: ان كل هذا العنوان بلا موجب، بل واقع المطلب ان للشيخ الأنصاري  وجهين لتقريب رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة، لدى تردد القيد بينهما. فالمراد من الأصول اللفظية هو الكلام في تقديم أي من الاطلاقين: اعني إطلاق الهيئة أو إطلاق المادة. ولا مجال في ذلك للحديث عن الأصول العملية. فذكر عنوان الأصول العملية بلا موجب. نعم لو تنزلنا عن ذلك، وأصبحت الجملة الشرطية مجملة، أمكن الرجوع إلى الأصول العملية، ولم يذكرها.
ومقتضى تسلسل الفكرة هو ان نذكر الوجهين المنسوبين للشيخ الأنصاري ونناقشهما:
الوجه الأول: ظاهر المحاضرات عرضه بأحد أسلوبين، لكل منهما كبرى تخصه.
الأسلوب الأول: كبرى ان العام متقدم على المطلق. وقد أفاد الشيخ في وجهه: ان دلالة العام على العموم تنجيزية فلا تتوقف على أية مقدمة خارجية. وهذا بخلاف دلالة المطلق على الإطلاق، فانها تتوقف على مقدمات الحكمة، ومنها عدم البيان على خلافه. ومن الطبيعي ان عموم العام يصلح ان يكون بيانا على ذلك. ومعه لا تتم المقدمات.
أقول: وهذا قابل للمناقشة من أكثر من وجه:
الوجه الأول: انه يتم ويصح في دليلين منفصلين احدهما بالإطلاق والآخر بالعموم. وليس المورد كذلك. لأن الكلام في تعارض إطلاق الهيئة والمادة. وهي قرائن متصلة لا منفصلة. ومعه يمكن القول: انه كما لا ينعقد الإطلاق لا ينعقد العموم أيضاً لابتلائه بالمتصل المحتمل القرينة. فتأمل.
ــــــ[408]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الوجه الثاني: ان المورد ليس صغرى منها جزما، فانه لا يوجد عموم لا في طرف المادة ولا في طرف الهيئة. وانما غايته انه من تعارض الاطلاقين لا العموم والإطلاق.
وهذا من الوضوح إلى حد يكون تسجيله في المحاضرات بلا موجب. والشيخ ذكر ذلك – حسب قوله – في مبحث التعادل والتراجيح لا في المقام. فتطبيق تلك الكبرى على المقام ضرورية البطلان.
كما ان ظاهر المحاضرات ان الشيخ  استدل على تقديم العام الشمولي على الإطلاق البدلي، بكبرى تقدم العام على المطلق التي ذكرناها. وهذا يراد به احد أمرين:
الأمر الأول: ان يكون فيما سماه: العام الشمولي احد أدوات العموم ككل وجميع. فيتقدم ذلك على الآخر، سواء كان هو البدلي أو الشمولي. كل ما في الأمر اننا نتصور ان العام الشمولي هو المحتوي على الأداة. لأنه اقرب إلى معنى العموم.
الأمر الثاني: ان يكون كلا اللفظين خاليا من أدوات العموم. فيكون كلاهما إطلاقا يثبت بمقدمات الحكمة، لا بالأداة. فيكون من تعارض الاطلاقين بما هما اطلاقان، وليس من تعارض العام والمطلق. فلا يكون صغرى لكبرى تقدم العام على المطلق. وهذا واضح إلى حد نجلّ الشيخ الأنصاري عن ذلك. ومجرد تسمية الشمولي منهما بالعام لا يقتضي تقدمه، ما لم يتصل بأداة العموم.
فإذا بطل هذا الأسلوب، تعين الانتقال إلى الأسلوب الثاني:
الأسلوب الثاني: وهو انه متى تعارض الإطلاق الشمولي مع الإطلاق
ــــــ[409]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
البدلي، وكان كلاهما مستندا إلى مقدمات الحكمة ، تقدم الإطلاق الشمولي على البدلي في مورد التعارض والاجتماع.
وذكر في صغراه: ان مفاد الهيئة إطلاق شمولي، فان معناه ثبوت الوجوب على كل تقدير (أي تقديري حصول القيد وعدمه). ومفاد المادة إطلاق بدلي. فان معناه طلب فرد ما من الطبيعة التي تعلق بها الوجوب على سبيل البدل. إذن، فإذا دار الأمر بين تقييد إطلاق الهيئة وتقييد إطلاق المادة، تعين الثاني. وذلك: لأن رفع اليد عن الإطلاق البدلي أولى من رفع اليد عن الإطلاق الشمولي.
أقول: وهذا ممنوع كبرى وصغرى:
اما كبرى، فلما نقله في المحاضرات عن الكفاية وقال عنه انه في غاية المتانة. وحاصله ببيان منا: ان سر تقدم العموم على الإطلاق أو قل تقدم العام على المطلق هو كون العام وضعيا والمطلق بمقدمات الحكمة. فيصلح الجانب الوضعي ان يكون قرينة على عدم تمامية مقدمات الحكمة، وهو انه لم يبين لأنه قد بين ببيان هذا العام.
واما لو كان كلاهما بمقدمات الحكمة، فهما على مرتبة واحدة عرفا من ناحية درجة الظهور لو صح التعبير، وليس احدهما اظهر لكي يتقدم. فيتعارضان ويتساقطان، اما بسقوط المقتضي يعني نفس مقدمات الحكمة، لأنه يثبت في كل منهما ان المتكلم قد بين في الدليل الآخر. أو لوجود المانع: وهو الكلام المضاد مع العلم بصدق احدهما فقط.
وفي كلا المستويين: اعني تقدم العام وتعارض المطلق. لا يختلف فيه سنخ المدلول من ان يكون شموليا أو بدليا. فكما يتقدم العام الشمولي على
ــــــ[410]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المطلق بقسميه بالقرينية. كذلك يتقدم العام البدلي (مثل: أي ونحوها) على المطلق بقسميه أو قل: ولو كان شموليا.
وكذلك تعارض المطلقين وتساقطهما لا يختلف فيه سنخ المدلول أيضاً من الشمولي والبدلي باعتبار ان الأساس لهما معا مشترك وهو مقدمات الحكمة.
والى هنا ينتهي بيان الآخوند الذي أيد في المحاضرات. ولكن يمكن السير خطوة أخرى، وذلك بان يقال: ان كلا الاطلاقين الشمولي والبدلي وان كان بمقدمات الحكمة، إلا ان هذا لا يقتضي تساويهما في الظهور. بل تبقى قاعدة تقديم الأظهر سارية المفعول. ولا يبعد ان يكون جانب الشمولية في الشمولي يعطيه ظهورا وأهمية أكثر من جانب البدلية في البدلي. فيصلح ان يكون الشمولي قرينة على البدلي دون العكس. وهذا معنى تقدم الإطلاق الشمولي. فتصح الكبرى التي ذكرها الشيخ الأنصاري .
إلا ان هذا لا يتم لأمرين:
الأول: ان هذا سوء فهم لمعنى الشمولية، فان معناها ليس أكثر من الاستيعاب لكل الافراد. وهو ظهور كسائر الظهورات العرفية. ومن الممكن منع أهميته واظهريته. إذن يبقى ظهور بإزاء ظهور معارض له، وكلاهما سببه مقدمات الحكمة، فيتساقطان.
الأمر الثاني: ان هذا لو كان باليد وبحسب الرغبة، لامكن العكس. وذلك بتقديم الإطلاق البدلي. باعتبار اظهريته في فرد واحد ذو أهمية خاصة، فيتقدم على الشمولي. لأن نسبته إلى سائر الافراد على حد واحد.
وجوابه نفس الجواب السابق. لاشتراك المقتضي بين هذين الظهورين المتعارضين وهو أصل الوضع واشتراك الشرط وهو مقدمات الحكمة.
ــــــ[411]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما اختلاف سنخ الظهور من البدلية والشمولية، فهو ناشئ من أصل الوضع، وهو متساوي النسبة بينهما.
هذا هو الطعن في الكبرى.
واما الطعن في الصغرى. فان تمامية الدليل تتوقف على كون إطلاق الهيئة شمولي وإطلاق المادة بدلي ليتقدم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة.
وهذا غريب غايته: لأننا اما ان نلاحظ حال المكلفين عموما فلا شك ان كلا الاطلاقين شمولي للجميع. وهذا من الضروريات. واما ان نلاحظ حال الفرد الواحد من المكلفين، فكل فرد اقتضته دلالة المادة باطلاقها البدلي يشمله الوجوب في الهيئة، ولا يمكن ان يزيد الوجوب في الهيئة على الافراد المتصورة في جانب المادة، كمالا يمكن ان نلحظ الهيئة في حال كل المكلفين ونلحظ المادة في حال مكلف واحد. فانه من التهافت في التصور.
إلا ان كل هذا غير مفيد. بل هو بعيد عن مراد الشيخ الأنصاري، وانما توجد عبارة صغيرة في المحاضرات تدل على مراده. فان المطلوب ليس هو تقدم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة بأية قرينية. وانما المطلوب إعادة القرينة وهو المقيد إلى المادة دون الهيئة.
فهنا يقال: ان إطلاق المادة بما انه بدلي يكون اضعف فيكون قابلا للتقييد أكثر من الإطلاق الشمولي الذي هو أقوى منه. وبذلك يتعين إرجاع القيد إلى المادة لأن إطلاقها بدلي. وهذا هو مراد الشيخ أكيداً. لأنه المناسب مع عنوان المسألة أساساً. وليس المراد تقديم مدلول الهيئة على مدلول المادة. لأن هذا ليس له اثر في عنوان المسألة.
وعبارة المحاضرات المختصرة الدالة عليه هو قوله: وذلك لأن رفع اليد
ــــــ[412]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
عن الإطلاق البدلي (يعني بالتقييد) أولى من رفع اليد عن الإطلاق الشمولي (يعني لأن الشمولي أقوى).
وإذا عرفنا المطلب بهذا الشكل فانه أيضاً لا يتم لا كبرى ولا صغرى.
اما كبرى وهي ان الإطلاق البدلي اضعف فيكون أولى برجوع القيد إليه. لا تتم: لأن كِلا سنخي الإطلاق ناشئ من مقتضي مشترك وهو الوضع، وشرط مشترك وهو مقدمات الحكمة. فلا ترجيح من هاتين الناحيتين. كما ان تخيل ان مجرد معنى الشمولية يجعله أقوى قابل للمنع بعد الالتفات إلى معنى الشمولية كما سبق.
مضافا إلى الكبرى الأخرى: وهي ان رجوع القيد إلى الظهور الأضعف أولى من رجوعها إلى الظهور الأقوى. مع تردده بينهما. قابل للمنع.
نعم، لو كان احدهما نصاً والآخر ظهورا أمكن قبوله عرفا. واما إذا كانا معا ظهورين ومشتركين في المنشأ، كما هو الحال في المورد، فمجرد اقوائية احدهما، لو تمت ، لا توجب منع القرينة عنه. بل يبقى ظهورا قابلا للتقليص بالمقيد أو بأية قرينة.
على ان المورد قابل للمنع صغرى لما اشرنا إليه من ان إطلاق الهيئة وإطلاق المادة معا شمولي بالنسبة إلى لحاظ مجموع المكلفين. وهما معا بدليان بلحاظ المكلف الواحد.
نعم، لو تنزلنا عن كل ما سبق يبقى تقريب واحد سيكون هو مراد الشيخ الأنصاري ظاهراً. وهو اننا لو لاحظنا المكلف الواحد. كان إطلاق الهيئة شمولياً. لأنه شامل لكل أزمان الصلاة من أول الوقت إلى آخره. وكان إطلاق المادة بدليا. لأنه لا يراد به إلا صلاة واحدة. فيتقدم الشمولي ويكون القيد
ــــــ[413]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
راجعا إلى البدلي منهما.
وهذا متوقف على شمولية الهيئة أو الوجوب. مع اننا قلنا: انه يستحيل ان يكون الوجوب لشيء زائد على مدلول المادة. وحيث ان مدلول المادة واحد. إذن يكون المطلوب بالوجوب أو بالهيئة أيضاً واحداً. وهذا واضح. ولو كانت هناك عدة وجوبات، لكانت كلها معصيّة إلا واحداً. وكما نستطيع ان نتصور للهيئة إطلاق أزماني يشمل الوقت كله، كذلك نستطيع ان نتصور للمادة إطلاق أزماني يشمل الوقت كله، بدليل انه متى لو صلى من الوقت فهو مجزئ وصحيح. فلا أفضلية لأحدهما على الأخر. وبهذا المعنى يكون إطلاق المادة كإطلاق الهيئة شموليا. أو قل انهما معا اما شمولي أو بدلي ولا نقبل التبعيض فيهما.
ثم انه تعرض في المحاضرات لمطالب الشيخ النائيني في هذا الصدد. وقال عنه انه اختار مقالة شيخنا الأنصاري  من تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي. وخالف بذلك المحقق الخراساني صاحب الكفاية.
أقول: عرفنا ان هذه الكبرى لا صغرى لها في المقام إذ لا تعارض بين الهيئة والمادة، وانما السؤال عن رجوع القيد إلى أي منهما. وهذا تعارض ثانوي وليس أوليا. وتقديم الإطلاق الشمولي ان تم فانما يتم في التعارض الأولي لا الثانوي. ومن هنا قالوا انه يتقدم في محل الاجتماع وفي المقام لا معنى لتصور مورد الاجتماع. لأن النسبة بينهما ليست هي العموم من وجه، بل التساوي. ونسبة العموم من وجه لا تكون إلا في الدليلين المستقلين المتعارضين تعارضا أوليا، كما سميناه.
هذا، ولا نعلم ان المحقق النائيني هل هو ملتفت إلى ما قلناه: من ان هذه
ــــــ[414]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الكبرى لا صغرى لها في المقام أم لا ؟ بدليل ان الوجوه التي ذكرها لم يتعرض إلى صغراها إطلاقا. وانما تعرض للكبرى والقاعدة العامة فقط. فلربما ذكر هذه القاعدة في مبحث آخر لا ربط له في المقام، وتخيل في المحاضرات انه يستلزم ذلك تقييد المادة دون الهيئة مع اننا عرفنا انه لا يستلزم ذلك. ونجد في تعليقاته وأجوبته تعرضا لذلك لا في أصل تلك الوجوه.
وكان في ودي الدخول في عرض هذه الوجوه ومناقشتها. إلا اننا حيث عرفنا عدم ربطها بالمقام، وان مقامها الأساسي هو باب المطلق والمقيد، فلذا يكون الأولى ترك التعرض لها هنا اختصارا للوقت.
الوجه الثاني: الذي ادعاه الشيخ الأنصاري  لإثبات رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة. ويمكن كما كان في الوجه الأول، تحليل الوجه إلى أسلوبين:
الأسلوب الأول: ببيان منا: ان القيد إذا رجع إلى الهيئة فقد رجع إلى المادة أيضاً. لأنه إذا لم يرجع إلى المادة بقي للمادة إطلاق خارج الهيئة. وهذا غير مفروض في سياق الأمر المولوي. باعتبار وضوح ان الهيئة والمادة متساويان بالنسبة إلى بعضهما. ولا يحتمل ان يبقى للمادة إطلاق زائد غير داخل في الوجوب ولا يكون مأمورا به. إذن، فإذا رجع القيد إلى الهيئة فقد رجع إلى كلا الأمرين من الهيئة والمادة. واما إذا رجع إلى المادة فهو لا يؤثر في الهيئة. لأنه يبقى لها نحو إطلاق زماني قابل للتصور قبل حصول شرط المادة.
وفي هذا الأسلوب نقول: ان عرض دوران الأمر بين التقييدين بهذا الشكل ينافي عنوان المسألة من دوران الأمر بين رجوعه إلى الهيئة أو رجوعه إلى
ــــــ[415]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
المادة، يعني كل واحدة بحيالها واستقلالها. فيكون هذا أسلوبا آخر خلف عنوان المسألة، لأننا في عنوانها لا نحتمل تقييدهما معا. فيكون فرضا باطلا.
الأسلوب الثاني: ان يطبق عليه كبرى أخرى: وذلك بان يقال: ان تقييد الهيئة يستلزم تقييدين، وهما تقييد المادة والهيئة معا. بخلاف تقييد المادة، فانه لا يستلزم تقييد الهيئة. إذن فرجوعه إلى الهيئة يستلزم تقييدين، ورجوعه إلى المادة يستلزم تقييدا واحدا.
والكبرى: انه إذا دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق واحد أو إطلاقين، تعين رفع اليد عن إطلاق واحد. وتكون النتيجة هي تعيين رجوع القيد إلى المادة.
إلا ان كلا الأسلوبين غير تامين لا كبرى ولا صغرى:
اما صغرى، فلأن الأمر يدور بين تقييدهما معا على كلا التقديرين أو تقييد واحد منهما على كلا التقديرين:
اما تقييدهما على كلا التقديرين: فان رجع القيد إلى الهيئة لم يكن في المادة زيادة غير مأمور بها في سياق الأمر المولوي. وكذلك إذا رجع القيد إلى المادة لا معنى لوجود زيادة في الهيئة فانها تكون لغوا. وبتعبير آخر: ان الزيادة في كلا الطرفين لغو، فيتعين التساوي وان تقييد أي منهما تقييد للأخرى لا محالة.
وإذا نظرنا من زاوية أخرى أمكننا القول: بان القيد يرجع إلى أي منهما ولا يرجع إلى الأخرى: اما لدى رجوعه إلى المادة، فتبقى الهيئة سارية المفعول قبل حصول قيد المادة بنحو الواجب المعلق. واما لدى رجوعه إلى الهيئة. فتبقى للطبيعة مدلول زائد خارج الأمر والوجوب كمدلول الإكرام الثابت
ــــــ[416]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والمتصور سواء حصل المجئ أم لم يحصل. وهذا لا محذور فيه لغة ولا عرفا ولا شرعا، بل هو مما لابد منه على أية حال .
إذن، فقد حصلت لنا نظرتان متهافتتان. وفي المحاضرات أيد النظرة الثانية إجمالا – أي بدون الالتفات إلى ما ذكرنا من التفاصيل – وقال: ان بين تقييد المادة والهيئة عموما من وجه.
ولكننا إذا نظرنا إلى النسبة بين النظرين (أو هذين الوجهين) أمكننا تقديم الوجه الأول، وان كان السياق اللغوي يقتضي الوجه الثاني. إلا ان السياق المولوي لتوجيه الأمر يقتضي الأول. إذ لا معنى للوجوب بدون مادة أو بدون واجب. كما لا معنى للمادة بدون وجوب.
اما زيادة المادة لغة على الهيئة المقيدة فهي وان كانت موجودة، إلا اننا نعرف من تقييد الهيئة انها غير مقصودة. إذ يكون قصدها خاليا من الحكمة. وانما يصير الذهن إليها بقانون تداعي المعاني لا محالة فقط.
واما زيادة الهيئة على المادة، فذلك يعني وجوب الواجب المعلق. وهو أيضاً خال من الحكمة. لأنه لا اثر له قبل حصول شرط المادة. نعم، لو كان له بعض الأثر لم يكن لغوا ولعله الوجه الرئيسي للقول بوجوب المقدمات المفوتة قبل وقتها. وسيأتي الحديث عنها.
وهذا هو المشهور بين الأصحاب، ولذا قال المشهور بعدم جواز الوضوء لنية الوجوب قبل الوقت ولم يخالف في ذلك إلا الشاذ. وذلك دليل عدم ذهابهم إلى الوجوب المعلق. وانهم فهموا بذوقهم العرفي ان رجوع القيد إلى المادة لا يستلزم ذلك. لتحدد الهيئة بمقدار حد المادة.
إذن، فهما متساويان تقييدا وإطلاقا. فالصغرى غير تامة.
ــــــ[417]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مضافا إلى ما سبق ان اشرنا إليه من ان الزيادة في جانب الهيئة ان حصل فهذا لا يعني نقض الإطلاق الازماني الملازم مع ثبوت الوجوب المعلق. وانما يعني وجوب شيء آخر غير المادة، وهو غير محتمل. ومعه يكون تقييد الهيئة ضروريا ولو قلنا بالوجوب المعلق. لأن هذا الوجوب انما هو وجوب لنفس الشيء لا لشيء آخر.
واما المناقشة كبرى ففيه أكثر من كبرى واحدة اعني في كلا الأسلوبين:
اما كبرى الأسلوب الأول: فهي ان رجوعه إلى الهيئة يقتضي تقييد المادة والهيئة معا بخلاف رجوعه إلى المادة. فتقييدهما معا خلف عنوان الباب برجوعه إلى احدهما خاصة.
وجوابه: اننا لم نفعل شيئا، إلا اننا أرجعناه إلى احدهما بالدلالة المطابقية ولم يرجع إلى الآخر في كلتا الصورتين. غاية الأمر: انه استلزم بالدلالة الالتزامية تقييد الآخر، يعني استلزم تقييد الهيئة تقييد المادة. وهذا لا يعني رجوع القيد إلى المادة ابتداء. ليكون خلاف عنوان الباب. بل كل ما في الأمر انه لابد من الالتزام بالتقييد مع نتائجه.
مضافا إلى ان صنع شيء خلاف عنوان الباب، ليس محذورا. فليكن كذلك. إذ قد يكون عنوان الباب قائما على الخطأ. اللهم إلا ان نقول : بانه مبرهن بالوجدان أو بالبرهان. وهو مفقود.
نعم، ما هو وجداني هو رجوعه إلى احدهما بالدلالة المطابقية. لا رجوعه إلى كليهما على هذا المستوى. واما رجوعه إلى الأمرين احدهما بالمطابقة والآخر بالالتزام فلا محذور فيه. سواء حدث من طرف واحد، كما قلنا في هذا الأسلوب، أو حدث من طرفين كما أيدناه فيما سبق.
ــــــ[418]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما الكبرى الأخرى: وهي ان تقييد الهيئة يستلزم تقييدين، وتقييد المادة يستلزم تقييدا واحدا. والالتزام بتقييد واحد أولى من الالتزام بتقييدين، فيرد عليه أكثر من وجه:
أولاً: اننا عرفنا الطعن في صغراه من جهتين:
الأولى: ان تقييد الهيئة تقييد واحد وليس تقييدين أي بالدلالة المطابقية، كما ان تقييد المادة واحد بنفس المستوى. والتقييد باللازم تقييد طولي أو ثانوي، فلا يمكن ان يؤخذ بنفس المرتبة بنظر الاعتبار.
الثانية: اننا قلنا ان هذا اللازم لازم لتقييد كل من المادة والهيئة. فان كانا تقييدين، كان التقيد من طرف المادة تقييدين أيضا وليس واحدا كما ادعي.
الثاني: النقاش في الكبرى وهو ان تقييد الواحد أولى من التقيدين.
أولاً: ان هذا ان تم فانما يتم في دليل واحد لا في دليلين. فلو دار الأمر بين تقييد واحد في دليل أو تقييدين فيه نفسه. أمكن الاقتصار على واحد. والتمسك بالإطلاق في الثاني. لأن مقتضي الإطلاق موجود ومانعه مشكوك. واما في دليلين بحيث يدور الأمر بين تقييد دليل بتقييد واحد وتقييد دليل آخر بتقييدين. فيكون التقييد الواحد مقدما بحيث يكون لازمه حجة وهو الرجوع إلى الدليل الذي له تقييد واحد. فهذا عهدته على مدعيه. والمورد مبني على العرفية.
ثانياً: ان نفي التقييدين ليس بالأصل العملي طبعا، يعني نفي التقييد الزائد أو الثاني، بل بالأصل اللفظي وهو الإطلاق. فيمكن المناقشة في وجود هذا الإطلاق. لأنه طرف للعلم الإجمالي بالتقييد الذي يدور أمره بين الدليلين. وإذا رجع إلى هذا الطرف تعين التقييدين. فاصل الإطلاق باطل لأنه ساقط
ــــــ[419]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
بالمعارضة مع الإطلاق الأخر. لا بالنظر إلى المقتضي، بل بالنظر إلى وجود المانع.
غير ان المفروض ان احد طرفي العلم الإجمالي تقييد واحد والطرف الثاني مجموع تقييدين. وهذا لا يضر بحجة هذا العلم الإجمالي. فلا يصح التمسك بالإطلاق النفي التقييد الثاني من التقييدين لكونهما معا ساقطين.
ولعله يتحصل من كلمات الشيخ الآخوند المنقولة في المحاضرات سنخ هذا الجواب بعرض آخر. وهو ان هذا العلم الإجمالي ليس فقط يجعل تعارضا بين مدلولي الاطلاقين لحصول المانع. بل بين مقتضيي الاطلاقين وهو مقدمات الحكمة. لأن من مقدماتها: انه في مقام البيان فنعلم انه في احد الموردين ليس في مقام البيان إلا اننا لا نميز بينهما. كما ان من مقدماتها انه لم يبين ونحن نعلم إجمالا انه قد بين. فالإطلاق منتف اقتضاءا أصلا.
وان كان تحصيل هذا المعنى من العبارة ليس سهلا. إلا انه الأقرب لمراده ظاهرا، لأنه خصه بالمتصل، والمتصل يقطع مقتضي الظهور بخلاف المنفصل فانه يجعله المانع. والمفروض في المورد كون المقيد متصلا، فيكون مقتضى الظهور في الرجوع إلى الهيئة والمادة معا منتفيا بالعلم الإجمالي.
ثم انه ينسب إلى الشيخ النائيني  موافقة الشيخ الأنصاري في رجوع القرينة المتصلة إلى المادة دون القرينة المنفصلة:
وذكر في ذلك وجهين:
الوجه الأول: ببيان منا: اننا نشك ان قيد المادة هل هو لذات المادة أم للمادة المنتسبة إلى الهيئة أو المعروضة للوجوب. فنعين الأول بالإطلاق . لأن الثاني يحتاج إلى بيان زائد على ذكر القيد والمفروض عدمه.
ــــــ[420]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الوجه الثاني: ان القيد إذا كان راجعا إلى المادة في طولا الانتساب، فلابد ان يؤخذ مفروض في مقام الجعل. وهذا يحتاج إلى قرينة مفقودة على الفرض. فيكون مقتضى الإطلاق كونه واردا على ذات المادة، لا بقيد كونها منتسبة.
وهذا: 1- ان ظاهر الشيخ النائيني هنا انه يرى ان معنى رجوع القيد إلى الهيئة هو رجوعه إلى المادة المنتسبة إليها لا إلى الهيئة مباشرة. فبهذين الوجهين يتمحض رجوعه إلى المادة بما هي، لا بما هي منتسبة.
2- ما قاله من انه ظهر الفرق بين الوجهين، وهو ان الوجه الأول تمسك بإطلاق المادة المنسبة، والوجه الثاني تمسك بإطلاق القيد.
ثم قال: واما في القرينة المنفصلة، فالقرينة اما لفظية أو لبية. فان كانت لبية شملها نفس الكلام (لأنها بمنزلة القرينة المتصلة) وان كانت لفظية لم يشمله. لفرض انعقاد الإطلاق في المرتبة السابقة على التقييد.
ويمكن المناقشة في ذلك من عدة وجوه:
الأول: ان القيد لا يكون إلى ذات المادة بما هي وجود تكويني، بل إليها بصفتها متعلقا للوجوب. أو قل: إلى المادة المنتسبة فقط. لأن ذات المادة أمر خارج عن الشريعة، وانما تنسب إليها بصفتها متعلقا للأمر. فلولا هذا الانتساب لم يصح التقييد.
ينتج من ذلك بطلان الوجه الأول. لأن الترديد فيه كان بين تقييد ذات المادة والمادة المنتسبة، وقد أعاده إلى ذات المادة وتمسك بإطلاق المادة المنتسبة. في حين عرفنا ان القيد يرجع رأسا إلى المادة المنتسبة ولا يمكن التمسك باطلاقها.
ــــــ[421]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الثاني: ان المادة المنتسبة ثابتة في طول ذات المادة. فأي طارئ طرأ على ذات المادة، فانه يسري إلى حال انتسابها إلى الوجوب. ومعه، فلا يمكن تقييد ذات المادة، وبقاء المادة المنتسبة على حد الإطلاق.
الثالث: ان ظاهر كلا التقريبين: ان رجوع القيد إلى المادة المنتسبة، كأنه رجوع إلى الهيئة، بخلاف رجوعه إلى ذات المادة، فانه رجوع إلى المادة. وهذا وهم واضح البطلان. لأن رجوعه إلى المادة المنتسبة معناه رجوعه إلى المادة لا إلى الهيئة، غايته انه رجع إليها في طول اتصافها بالوجوب. وهذا غير رجوع القيد إلى الهيئة.
وأدل دليل على ذلك هو ان القيد مع رجوعه إلى المادة يجب تحصيله غالبا، سواء رجع إليها بذاتها أو بصفة الوجوب. بخلاف ما يرجع إلى الهيئة.
الرابع: ان المادة لا تكتسب صفة الانتساب إلى الوجوب إلا في طول طرو الوجوب عليها. وفي طول طرو الوجوب عليها لا معنى للتقييد. وانما الوجوب يطرأ على المادة المقيدة، أو قل ان القيد يطرأ في المرتبة المتقدمة على الوجوب. ولا معنى لطروه في المرتبة المتأخرة عليه.
فان قلت: فانك قلت: ان ذات المادة لا يطرأ القيد عليها. لأنها خارجة عن الشريعة.
قلنا: هذا أمر راجع إلى المولى، فانه يمكنه ان لا يلحظ المادة كوجود تكويني خارج عن الشريعة، بل كوجود تكويني يكون في مصلحة المكلف الأمر به وانه متعلق الملاك فيمكنه ان يقيده بالشكل المطابق للملاك.
الخامس: ما قاله في الوجه الثاني من ان القيد إذا رجع إلى المادة في طول الانتساب، فلابد ان يؤخذ مفروض الوجود في مقام الجعل.
ــــــ[422]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا سببه الوحيد يرجع إلى تخيل انه عندئذ يكون قيدا للهيئة أي الوجوب، وقيد الوجوب لابد ان يؤخذ مفروض الوجود. وقد قلنا انه قيد للمادة. فان كان قيدا لها وجب تحصيله. اما لمجرد كونه قيدا للمادة، على القاعدة. واما لكون المفروض انه قيد للمادة الواجبة كما هو المفروض، فيكون تحصيله أولى بالوجوب من قيد ذات المادة التي لم يفرض طرو الوجوب عليها.
السادس: ان الوجه الثاني قياس استثنائي لأن أخذه في المادة المنتسبة يعني انه مفروض الوجود. وحيث نعرف من الإطلاق وجوب تحصيله، إذن فهو راجع إلى ذات المادة لا إلى المادة المنتسبة.
جوابه: انه لا ملازمة بين الأمرين، إذ لعل المولى أراد رجوعه إلى المادة المنتسبة بشكل واجب التحصيل. إلا ان يرجع إلى الهيئة وقد نفيناه.
السابع: انه اخذ مسلما عدم رجوع القيد إلى الهيئة مع انه لا يرى استحالة ذلك. ولكنه يريد ان يقرب الظهور بالرجوع إلى المادة.
وقد أجاب عليه في المحاضرات : بما محصله: ان القيد إذا كان قيدا للهيئة لم يكن مطلوبا للمولى، وانما يكون مأخوذا مفروض الوجود بدون فرق بين كونه اختياريا أو غير اختياري. وإذا كان قيدا للمادة كان تحت الجعل والإنشاء من دون فرق بين القيد الاختياري وغيره. غايته انه إذا لم يكن اختياريا لم يجب تحصيله.
فالنتيجة ان تقييد كل من الهيئة والمادة مشتمل على خصوصية مباينة لما اشتمل عليه الآخر من الخصوصية. فليس في البين قدر متيقن لنأخذ به وندفع الزائد بالإطلاق.
ويرد عليه: أولاً: انه ليس معنى رجوع القيد إلى المادة كونه مطلوبا
ــــــ[423]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للمولى. بل توجد بعض الصور في عدم مطلوبيته. كما لو لم يكن اختياريا وكما لو اخذ وجوده الاتفاقي قيدا. فأصبح هذا القيد مشابها في هذه الصفة لقيد الهيئة. بينما قيد الوجوب أو الهيئة لا يمكن ان يدخل تحت الطلب بحال. إذن، فبين الشكلين من القيد عموم مطلق وليس تباين كما زعم.
ثانياً: ان رجوعه إلى المادة في الجملة معترف به من قبل الشيخ النائيني، وانما التفصيل في رأيه بين مراتب المادة، من حيث كونها منتسبة أو غير منتسبة. ولم يبين في الجواب شيئا من ذلك.
ثالثاً: ان مؤدى التقريب الثاني السابق هو التمسك بإطلاق القيد لنفي كونه راجعا إلى المادة المنتسبة ليكون واجب التحصيل. ولم ينف هذا الإطلاق بحال لا من باب نفي المقتضي ولا لوجود المانع.
ثم قال في المحاضرات : وبكلمة أخرى: قد سبق في ضمن البحوث السالفة ان معنى الإطلاق هو رفض القيود عن شيء وعدم ملاحظتها معه لا وجودا ولا عدما.
أقول: يرد عليه أولاً: ان هذا ما يذكر في باب الإطلاق والتقييد، وليس في البحوث السالفة، بل الآتية. فان كان قد حصل هناك تعرض مختصر، فلا حجية فيه ما لم يتم الاستدلال عليه. وانما يتم الاستدلال عليه في مبحث الإطلاق والتقييد.
ثانياً: انه فيما اعلم مشهوري في باب الإطلاق والتقييد في انه لحاظ عدم القيد، وخاصة وهو يقول بان المقصود قصد نفسي، فلحاظ الإطلاق والتقييد هو قصد نفسي ولحاظ تفصيلي، وليس الإطلاق هو رفض القيود.
وانما هذا المسلك هو مسلك سيدنا الأستاذ ينسبه إلى نفسه زوراً، لأنه
ــــــ[424]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
طرق سمعه واستحسنه مؤقتاً. وهو ناشئ من مبانيه التي لا يوافق عليها جملة وتفصيلا.
ثم قال أيضاً: ومن هنا يظهر ان النسبة بين تقييد المادة وتقييد الهيئة عموم من وجه.
أقول: هذا يعني العوم من وجه موردا وخارجا بالحمل الشايع. لا وجود هذه النسبة بالحمل الأولي. إذ يعني ان مفهوم تقييد الهيئة هو بعينه تقييد مفهوم المادة، وهو غير محتمل.
فيكون معنى العموم من وجه موردا انه يمكن ان يكون القيد قيدا للمادة، ويمكن ان يكون قيدا للهيئة ويمكن ان يكون قيدا لهما معا. الذي هو محل الالتقاء لتصدق نسبة العموم من وجه.
وهذا: أولاً: أهمله في المحاضرات تماما. وقد أطال في الأمثلة في قيود المادة من جهة وقيود الهيئة من جهة ولم يذكر محل الاجتماع. إذن، فلازمه انه ليست النسبة هي العموم من وجه موردا، بل التباين يعني ثبوته بنحو القضية المنفصلة : اما تقييد الهيئة واما تقييد المادة.
ثانياً: ان رجوعه إلى كل منهما غير محتمل ولم يقل به احد. إذن فمحل الالتقاء منتف بالمرة وليس بين التقييدين عموم من وجه.
نعم، سبق ان قلنا ان تقييد احدهما بالمطابقة يستلزم تقييد الآخر بالملازمة. اما تقييدهما معا بالمطابقة فغير محتمل بل غير ممكن عرفا ولا عقلا إلا بتكرار القيد للدلالة على تقييد الآخر، والمفروض عدمه.
وإذا لاحظنا مجموع التقييد بالمطابقة والتقييد بالملازمة، كانت النسبة بين
ــــــ[425]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
التقييدين التساوي، كما قلنا وليس العموم من وجه.
كما ينقدح بذلك إمكان الاستغناء من قبل المولى عن التقييد المطابقي لأحدهما بالتقييد الالتزامي له. فيكون التقييد المطابقي لهما لغواً.
ثم قال: وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر ان القيد المردد بين رجوعه إلى المادة أو الهيئة ان كان متصلا فهو مانع عن أصل انعقاد الظهور لفرض احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.
وجوابه على مستويين:
1- ان هذا يصح لو سلمنا حدوثه رياضيا. إلا انه لا يحدث لوجود ظهورات نافية له كظهور رجوعه إلى الهيئة أساساً.
2- اننا قلنا بان تقييد احدهما بالمطابقة تقييد للآخر بالالتزام. إذن، لا يحصل إجمال، بل هو من الناحية الواقعية راجع لهما معا. ولا علينا انه راجع إلى أيهما بالمطابقة والى الأخر بالالتزام، فان هذا مما لا اثر له عمليا وفقهيا.
تذنيب :
موجود في الكفاية أهملته المصادر الأخرى، والحق معها، لأنه لا دخل له أصوليا وفقهيا. ولكن حيث اننا نسير على نهج الكفاية أولاً. وله دخل في تنمية الملكة وتدريس الكفاية والخارج ثانياً. ولأنه مما تعرض له عدد من العلماء السابقين كالشيخ البهائي وغيره، كان الراجح ذكره.
وهو محاولة للجواب على السؤال: انه متى يكون إطلاق الواجب على الواجب حقيقة ومتى يكون مجازا.
ــــــ[426]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وعلى أي حال، فالأمر لا يخلو من حالين: اما ان يكون الشرط حاصلا كالزوال والاستطاعة أم لا ؟. فهنا مستويان من الكلام:
المستوى الأول: ما إذا كان الشرط حاصلا أو يفترض حصوله أو بلحاظ حصوله – كما يعبر في الكفاية – فقد قال الشيخ الآخوند  انه استعمال على الحقيقة مطلقا.
أقول: لأنه مورد التلبس، والجري على المشتق في حال تلبسه حقيقة. أو هو القدر المتيقن من الاستعمال الحقيقي.
نعم، يبقى إشكال أشار إليه الشيخ المشكيني . وذلك بعرض منا: ان القدر المتيقن ما إذا اتحد حال الجري وحال النطق. بحيث يكون واجبا في الحال. اما إذا اختلف. فقد يقال بمجازيته لأنه ليس حال النطق متحققاً.
وجوابه: كما اتفق عليه الشيخ الآخوند والشيخ المشكيني، انه ما دام الجري بلحاظ حال التلبس يكون الاستعمال حقيقيا، وان لم يكن فعلا متحققا ولذا قال الآخوند: على الحقيقة مطلقا، يعني سواء كان متحققا حال النطق أو لم يكن. أو قل: في الأزمنة الثلاثة ما دام شرطه متحققاً.
فان قلت: فانه تلبس افتراضي وليس حقيقيا فينبغي ان يكون مجازيا.
قلنا: نعم هو افتراضي، إلا ان خصوصية الذهن في الكشف عن الواقع خارج الصورة الذهنية انه يراه متلبساً فعلا. فيراه موضوعا أو صغرى للاستعمال الحقيقي. وهذا يكفي. سواء كانت الصورة الذهنية مطابقة للواقع في علم الله أم لا ؟ أو من باب الجهل المركب. فان هذا لا دخل له في اللغة عموما وفي المفاهيم التصورية خصوصا.
ــــــ[427]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
هذا، وإذا قلنا في المستوى الثاني بان الاستعمال حقيقي كما سيأتي، كان هذا المستوى أولى بالاتصاف بكونه حقيقياً.
المستوى الثاني: ما إذا كان الشرط غير حاصل، كالزوال والاستطاعة. فهنا مسلكان: فاننا اما ان نقول بوجود الوجوب قبل حصول الشرط أو لا نقول به.
اما على السلك الأول وهو القائل بوجود الوجوب قبل حصول الشرط وهو مبني على مبنيين: مبنى صاحب الفصول من الواجب المعلق. ومبنى تقريرات الشيخ الأنصاري  في رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة. فيكون الوجوب غير مقيد فيكون متحققا قبل حصول الشرط.
وعندئذ يقال على كلا المبنيين: انه ما دام الوجوب متحققا، فإطلاق الواجب على المتعلق صادق حقيقة، لأنه صفته – وهو الوجوب – متحقق حقيقة.
وهنا بعض النقاط: 1- ان لحاظ هذا الوجود المتصور للوجوب لا يختلف فيه ان يكون في زمن النطق أو في زمن التلبس. فلو اختلفا وكان الملحوظ زمن التلبس كفى كما سبق في المستوى الأول.
2- ان هذا الوجوب السابق على الشرط لأحد لأولويته عندهم، بل هو موجود منذ صدر الإسلام، أو لعله موجود من حين أول زمان تكليف الفرد وليس محدودا بمكان أو زمان. فمثلا إذا كان محدودا بالتكليف، كان استعماله بلحاظ حقيقة. و بلحاظ الزمن السابق عليه مجازا. وهكذا. على نقاش سوف يأتي في المجازية.
3- ان قد يقال: بان شرط الواجب وهو الصلاة في المثال ما دام غير
ــــــ[428]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
متحقق إذن، فالصلاة لا وجود لها، وانما وجودها وهو صرف. والاتصاف فرع وجود الموصوف. وحيث لا يكون الموصوف موجودا، كان سالبة بانتفاء الموضوع.
وقد يعمم الإشكال حتى لصورة تحقق الشرط بان يقال: ان الموضوع الذي نتحدث في باب المشتق عن اتصافه وزواله هو الجزئي كزيد عالم ونحو ذلك. فانه قد يتصف بالعلم وقد يتجرد عنه. اما الكلي فلا معنى لاتصافه ولا معنى لزوال الصفة. والصلاة بما هي متعلق للحكم سواء قبل الوقت أو بعده انما هي كلي وليست جزئيا. فلا محل لاتصافها بالوجوب. وإحساسنا بصحة الاستعمال انما هو مجاز دائماً.
قلنا: الجواب فيما قبل تحقق الشرط وفيما بعده واحد. وهو ان هذا الذي قيل من استحالة الاتصاف في الكليات صحيح، إلا انه صادق في الكليات الصرفة. كالإنسان الأبيض والطير الأسود. فانه اما ان يكون الاتصاف متعذرا أو تصور الزوال متعذرا.
إلا ان مورد الكلام ليس منها: لأن المطلوب فرد واحد من كلي الصلاة. وليس الكلي على سعته مطلوبا. وهذا الفرد الواحد وان لم يكن له تحقق في الخارج – كما في صورة العصيان -، فهو من هذه الناحية كلي منطقيا أو واقعيا.
إلا انه يمكن القول: بان العرف يجد له أو يتصور له نحواً من الوجود الجزئي غير الخارجي. وهذا الوجود العرفي قابل للاتصاف والزوال.
ويمكن ان يقال: ان منشأ تصور العرف لذلك أمران: احدهما: غالبية وجود الفرد في الخارج.
ــــــ[429]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
ثانيهما: كون الصورة الذهنية التصورية كاشفة تلقائيا عن شيء خارجي وراءها. وهذا الكشف وان كان دقيا، إلا انه يعرفه العرف بطبعه تلقائيا ويتعامل على أساسه. فحين يقال: يجب علينا صلاة بعد الزوال. يتصورها العرف فردا خارجيا قائما بذاته. بالرغم من انها لا زالت صورة ذهنية غير متحققة. فهذا الفرد العرفي التنزلي يصح فيه الاتصاف والزوال.
ولا يفرق في ذلك بين المباني من تحقق الوجوب قبل الوقت أو بعده. فاننا لو قلنا بتحققه قبله فانه أيضاً يكون هذا الوجود الجزئي العرفي للصلاة واجبا. غاية الأمر ان الواجب منه هو المقيد بالزوال باعتبار تقييد المادة في نظر الشيخ الأنصاري. فقبل الوقت يجب فعلاً فرد من الصلاة بعد الزوال. وحيث كان الوجوب فعليا. كان الاتصاف حقيقياً.
فان قلت: فان الصفة متحققة قبل الزوال والموصوف متحقق بعد الزوال. فالاتصاف والتلبس غير متحقق بناء على هذين المسلكين ( الفصول والتقريرات). فيكون الاستعمال مجازيا، بل هو من التصور المتيقن من المجازية. لأنه قبل التلبس.
وأحسن جواب على ذلك ان يقال: ان فرد الصلاة المتصور عرفا غير خاص بالوقت، بل هو متصور دائما كما هو واضح. ففي الإمكان تصوره قبل الوقت ووصفه بالوجوب بناء على هذين المسلكين.
إلا انه مع ذلك يبقى المطلب قابلا للمناقشة من حيث ان الواجب هو الفرد الصحيح الجامع للشرائط بما فيها شرط الوقت. فيلزم انفصال الصفة عن الموصوف. ما لم يدخل الوقت.
فان قلت: فنحن قبل الوقت نتصور الصلاة المقيدة بالوقت.
ــــــ[430]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
قلنا: نعم، هذا بنحو كلي صحيح. واما الفرد المفهوم عرفا، فهو انما يكون صحيحا شرعا بعد دخول الوقت فتصوره قبل الوقت يحتوي على تناقض في التصور. فيعود الحال إلى المجاز لعدم الاتصاف.
فان قلت: فاننا على المسلك الآخر وهو عدم تحقق الوجوب قبل الوقت سنقول بان الاستعمال حقيقي خلافا للآخوند. فيكون على هذا المسلك أولى بكونه حقيقياً.
قلنا: بل هو مختلف من إحدى ناحيتين كما سوف يأتي، فلا يكون مصداقا من مورد الاستعمال الحقيقي:
1- كون ما يأتي يراد به الوجوب الاقتضائي لا العلي على ما سنقول.
2- كون ما يأتي يراد به الكلي لا الجزئي. وهنا تكلمنا عن الجزئي لا الكلي، إذن، يتعين المجاز بناء على هذين المسلكين من تحقق الوجوب قبل الشرط.
هذا كله بناء على مسلك الواجب المعلق ووجود الوجوب قبل الوقت.
واما على المسلك الآخر وهو عدم حصول الوجوب قبله. من باب رجوع القيد إلى الهيئة. فقد سلم صاحب الكفاية بمجازيته بمعنى انه أرسله إرسال المسلمات. قائلا: ومجاز على المختار، حيث لا تلبس بالوجوب عليه قبله. كما عن البهائي (ره) تصريحه بان لفظ الواجب مجاز في المشروط بعلاقة الأول والمشارفة.
وهذا يرد عليه أمران واضحان:
احدهما: عدم وجود الأول والمشارفة في كثر من الحالات، ومع ذلك
ــــــ[431]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
فان الاستعمال صحيح، ولا نقول كما يقول هو، بان استعمال المجاز بدون قرينة صحيح. بل هذا المورد من باب آخر: وهو استعمال المجاز بدون علاقة مجازية مصححة، فلا تفيد القرينة في تصحيحه، لاشتراطهما معا في المجاز.
ثانياً: انه يمكن ان يقال بوضوح بان الاستعمال حقيقي وليس بمجازي، بمعنى ان الحج واجب في الإسلام. والاقتران فيه كامل وليس فيه تسامح أصلا. مع انه قد لا يكون واجبا في ذلك الحين على احد إطلاقا. لعدم حصول الاستطاعة.أو نمثل بوجوب الجهاد الذي يبعد تحقق موضوعه أو بوجوب إنقاذ النفس المتحرمة مثلا، وغير ذلك.
والجواب على كلا الوجهين واحد. وهو ان الوجوب المحمول عليه تارة يراد به الوجوب الفعلي وأخرى الوجوب الاقتضائي. فان قصد الوجوب الفعلي، كان مجازا أو غلطا إذا كان بدون علاقة مصححة، كما لو قال الفقير أو المريض: الحج واجب عليّ أو في ذمتي. فهو كذب وليس مجازا.
وان قصد الوجوب الاقتضائي أو الحرمة أو الاستحباب أو الوضع، بمعنى انه مأمور به في الجملة في الإسلام فهو حق واستعماله حقيقي. لأن التلبس متحقق فعلا.
فان قلت: فان ما هو متعلق الحكم هو الكلي وقد سبق ان الكلي مما لا يمكن تلبسه أو زوال التلبس فلا يقع مصداقا أو صغرى لباب المشتق.
قلنا: هذا يجاب بأحد أمرين:
الأمر الأول: نفس ما قلناه في المستوى السابق من الكلام. من حيث ان ظواهر اللغة عرفية والعرف لا يفهم الكليات بوضوح وانما يفهم الافراد. فما هو متصف هو الفرد العرفي الخيالي أو التنزيلي.
ــــــ[432]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
وبتعبير آخر: ان وجوب الحج الكلي الاقتضائي في الإسلام انما يوجب حجا واحدا على كل فرد وكذلك الصلاة المقيدة بوقتها والصوم المقيد بيومه. وهكذا. فرجع الحال إلى تصور فرد معين يمكن اتصافه.
الأمر الثاني: اننا لو تنزلنا عن الوجه الأول وتصورنا للمتعلق نحوا من الكلية والسعة كما هو عقلا كذلك. إلا اننا يمكن ان نقول: ان ما قلناه من تعذر الاتصاف والزوال. انما هو الكليات الصرفة أو الواقعية.
واما الكليات التي هي متعلق للأحكام الشرعية فهي خارجية لا بالمعنى الكامل بل بمعنى انها جزء من عالم الاعتبار، وعالم الاعتبار جزء من عالم الخارج لا من عالم الواقع بذلك المعنى. ومن هنا نجد إمكان ان يتصف الكلي بالوجوب بعد ان لم يكن واجبا، ثم يمكن ان يسقط المولى بوجوبه. ويجعله مستحبا أو مباحا أو حراما حسب ما يرى من المصلحة.
غاية الأمر ان هذا لا يتحقق في عصرنا الحاضر لبُعدنا عن المولى، وانما يتحقق في الموالي العرفية، وكذلك يتحقق شرعا ممن هو واجب الطاعة كالولي العام أو الخاص. وعلى أي حال يصبح الكلي قابلا للاتصاف والزوال على كليته.
وهذه الكليات لها وجود عرفي وانتزاعي أو اعتباري مثل الكتب، فان كتاب الكفاية معنى كلي وكذلك القرآن الكريم أو ما وراء الفقه، ونسخته مصداقه. وكذلك مثلا: منتجات المعمل الفلاني أو الذهاب إلى المصيف أو إلى بغداد من دون العزم على مكان محدد حقيقي وهكذا. وهي بمعنى عرفي كليات خارجية ليست من الحصة الأخرى من عالم الواقع.
والنتيجة: ان هذا الوجود الكلي الخارجي الاعتباري أو الانتزاعي قابل
ــــــ[433]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
للاتصاف والزوال. ولاشك صغرويا ان كلي الصلاة متصفة بالوجوب الاقتضائي شرعا في الدين، فيكون الحمل عليها حقيقيا قبل الوقت وبعده. وانما الفرق بينها في الوجوب الفعلي. فما قاله صاحب الكفاية والبهائي من المجاز لا يتم. ولذا لا نحسّ بأية مسامحة أو حاجة إلى علاقة مجازية.
ثم قال الشيخ الآخوند : واما الصيغة مع الشرط، فهي حقيقة على كل حال. لاستعمالها على مختاره في الطلب المطلق وعلى المختار في الطلب المقيد على نحو تعدد الدال والمدلول.
فكأنه في الشق الأول من التذنيب تكلم في المادة، وفي الشق الثاني يريد ان يتكلم في الهيئة.
ولكن يرد عليه إشكال واضح: وهو انه متى كانت الهيئات ذات استعمال مجازي ؟ فاما ان نقول: انها دائمة الاستعمال الحقيقي، واما ان نقول: ان النسبة بين الاستعمالين هو العدم والملكة. فما لا يصدق عليه المجاز لا يصدق عليه الحقيقة، فالانقسام من هذه الناحية منسد أصلا. فيكون وصفه الاستعمال للهيئة بكونه حقيقياً لاغيا.
و أوضح بيان لاستحالته ان يقال: بضم مقدمتين:
1- ان الهيئة من سنخ الحروف.
2- ان الحروف لا مجاز فيها كما تسالم المشهور. ولا يوجد المجاز إلا في الكلمات اللغوية. فمثلا الأفعال لا مجاز فيها وكذلك الحروف. وكذلك الهيئات. فيكون المورد صغرى للعدم والملكة الذي ذكرناه.
ومن هنا قالوا ان صيغة افعل مستعملة في غير الطلب كالاستهزاء والتهديد
ــــــ[434]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
والتسخير وغير ذلك كثير. ولم يقل احد انها استعمالات مجازية. في حين ان تعريف المجاز منطبق عليها تماماً، لأنها موضوعة للطلب أو للطلب الإلزامي. فاستعمالها في غيره مجاز. لأنه الاستعمال في غير المعنى الموضوع له. والمفروض ان العلاقة موجودة والقرينة متحققة.
فان قلت: فان الشيخ الآخوند يرى وضع الحروف لمعنى عام وكلي فيمكن استعمالها مجازا.
قلنا: 1- هذا على خلاف ما تسالم عليه المشهور قطعا.
2- النقض بأمور كثيرة موضوعة لمعنى كلي، ولا يقرّ المشهور باستعمالها المجازي كمواد الأفعال. ولعل أوضح أمثلته قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). بتفسير المادة بالمعرفة، فيكون الاستعمال مجازيا. ولم يقل به احد.
إلى حد يمكن اعتبار هذا التعبير من غرائبه . لأنه قال: واما الصيغة فهي حقيقة على كل حال. لأنها استعملت في الطلب. ومراده من الإطلاق ما نص عليه يعني سواء استعملت في الطلب المطلق أو المقيد. فانها موضوعة لمطلق الطلب أو استعمال الكلي في حصته حقيقة.
فان قلت: فانه يمكن ان يكون بين الحقيقة والمجاز نسبة التناقض. فحيث انتفى المجاز ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع ثبت وصف الحقيقة.
قلنا: إذن تكون كل استعمالات الأفعال والحروف حقيقة. مع انها يعتبرونها كقسم ثالث غير المجاز والحقيقة، أو بتعبير آخر: يعتبرون النسبة بين الحقيقة والمجاز هي العدم والملكة، وليس التناقض كما زعمنا في الإشكال. ولا نعلم ان الشيخ الآخوند ماذا سوف يجيب لو سألناه بهذا السؤال.
ــــــ[435]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
واما على مسلكنا، فكلا النسبتين يمكن ان تكون صادقة بلحاظين، فلو لاحظنا الاستعمالات اللغوية كان بينهما نسبة التناقض، بما يشمل الأفعال والحروف والهيئات والمواد وغيرها.
وان لاحظنا غير الاستعمالات اللغوية كالاستعمالات المهملة أو الإشارات أو الدلالات العقلية فضلا عن الأمور الأخرى في عالم الإمكان كانت النسبة بينهما هي العدم والملكة لا محالة.
ــــــ[436]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)

الفهرس
مبحث الإجزاء …..7
ما المراد بقولهم: على وجه …..7
في معنى الإقتضاء …..13
في معنى الإجزاء …..31
في إجزاء الحكم الاضطراري …..42
في الفرق بين هذه المسألة وبعض المسائل الأخرى …..45
في مسألة تبعية القضاء للأداء …..49
في الاستدلال على الإجزاء …..50
في إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن المأمور الواقعي …..55
إذا بقيت من الملاك بقية غير ممكنة الاستيفاء …..60
إذا بقيت من الملاك بقية ممكنة الاستيفاء …..63
فيما وقع عليه الاضطرار من الانحاء…..87
إذا صلى حال الاضطرار وارتفع العذر خلال الوقت …..93
المنهج العقلي الذي ذكره في التقريرات …..99
المنهج الاستظهاري الذي ذكره في التقريرات …..105
ــــــ[437]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
مقتضى الأصل العملي في المسألة …..114
المقام الثاني: في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري وعدمه …..127
معنى الحكم الظاهري ….. 130
الإجزاء بناءً على السببية ….. 154
الإجزاء بملاك التعذّر ….. 160
فيما إذا كان كِلا الدليلين ظاهريين ….. 164
وأما بناءً على السببية ….. 174
إذا انكشف الخلاف بالأصل العملي ….. 181
فيما إذا كان الأصل العملي هو أصالة الاشتغال بملاك منجزية العلم الإجمالي ….. 187
صور انكشاف الحكم الظاهري بحكمٍ ظاهري آخر ….. 196
في ظهور الخطأ بالقطع ….. 203
مبحث مقدمة الواجب ….. 207
المراد بمقدمات الواجب ….. 208
في ان المسألة أصولية أم فقهية ….. 214
في ان المسألة عقلية أم لفظية ….. 218
المقدمة الداخلية والخارجية ….. 224
في الاقتضاء الذاتي للأجزاء ان تكون مقدمات ….. 231
كلام في اندكاك الحكمين المتماثلين ….. 248
المقدمة العقلية والشرعية والعادية ….. 261
مقدمة الوجود ومقدمة الصحة ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم ….. 267
المقدمة العلمية ….. 273
ــــــ[438]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)
الشرط المتأخر….. 279
في الشرط المتأخر للتكليف …..283
فيما ذكره السيد الأستاذ عن ذلك ….. 284
في الشرط المتأخر للواجب ….. 300
الشرط المتقدم ….. 315
الواجب المطلق والمشروط ….. 324
تقسيم الكلام إلى الملاك والإرادة والخطاب ….. 325
نظرية المحقق العراقي في الإرادة المشروطة ….. 341
نظرية المحقق النائيني في الإرادة المشروطة ….. 351
نظرية السيد الأستاذ في الإرادة المشروطة ….. 355
مرحلة عالم الجعل ….. 361
كلام المحاضرات في هذا الصدد ….. 384
كلام المحاضرات في الوصية التمليكية ….. 387
في فعلية رجوع القيد إلى الهيئة ….. 388
في الاستدلال على رجوع القيد إلى الهيئة ….. 399
في مقتضى الأصول اللفظية والعملية ….. 407
تذنيب: انه متى يكون إطلاق الواجب على الواجب حقيقة؟ …..426
الفهرس …..437
ــــــ[439]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء الخامس)