أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
منهج الأصول/ ج6

منهج الأصول
الجزء السادس

تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء السادس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف

بسم الله الرحمن الرحيم

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر

مبحث الضد

مبحث الضد أو مسألة الضد
المقدّمة

قال المشهور بنحو السؤال: «هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده أم لا»؟ يعني أن وجوب شيء هل يقتضي حرمة ضده أم لا؟ لأنه من الواضح أنه يراد بالأمر، الأمر الوجوبي، ويراد بالنهي، النهي التحريمي بطبيعة الحال، الذي هو أهم الحصص ولا يراد به الأمر الاستحبابي، ولا نهي الكراهة بطبيعة الحال، وإن كانا حصة منهما.
وكما في باب الإجزاء تكلموا عن معنى العنوان الذي كان هناك: أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء، فتكلموا هناك عن معنى المأمور به، وعن معنى وجهه، ومعنى الأقتضاء، ومعنى الإجزاء، لكي يخرجوا عن محصّل واضح لو صح التعبير، وكل ذلك سبق في محله(1)، فكذلك هنا لابد من النظر إلى خصوصيات العنوان، ومعاني ما هو مشكل منه.
والمشكل هنا أمران ليس أكثر: الأقتضاء، والضد. فتكلموا عن معنى هاتين المادتين، وأما الأمور الأخرى فإنها واضحة في نفسها، ونحن تبعاً لهم لا بد من الدخول بمقدار معتد به في مثل هذه المسألة.
ــــــ[9]ـــــــ
(1) منهج الأصول، السيّد الشهيد محمّد الصدر 4: 7.
منهج الأصول (الجزء السادس)
معنى الاقتضاء
أما الاقتضاء فمن جهة الارتكاز المشهور، بما فيهم صاحب الكفاية أنه لا بد -حسب فهمي من ارتكازهم طبعاً- من إعطائه معنى عاماً لكي ينطبق على كل المسالك المحتملة في الباب التي سوف تأتي في مسألة الضد، والتي فيها قول لبعض الأصوليين القدماء أو المحدثين، لأننا إذا أعطيناه معنى أضيق من ذلك كان الباقي خارجاً عن عنوان الباب، مع العلم بأنّه منها بطبيعة الحال، فإخراجه غير محتمل، فلا يكون التعريف مضطرداً، وإنما يكون مضطرداً إذا استوعب كل الأقوال المحتملة، فلذا يقولون إن الإقتضاء معناه كذا وكذا وكذا، يعطون خمسة أو ستة معانٍ أو أكثر للاقتضاء، لاستيعاب كل الأقوال المحتملة، وهنا ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: إن معنى الإقتضاء -غالباً- مأخوذ من المقتضي المقابل للشرط وعدم المانع، الذي يُذكَر عادة في أجزاء العلة التامة، إلا أنّه ليس مقصوداً هنا، وإنما أصبح أمراً اصطلاحياً في طول الأقوال المحتملة بحيث يشملها جميعاً، في حين أن المفروض أن تكون الأقوال في طوله، إذ لا معنى لأن نأخذ النتيجة مسلَّمة في عنوان المسألة، أو عنوان الباب، وإنما نأخذ عنوان الباب مسلَّما ثم نبحث عنه وعن الأقوال فيه، لا أننا نبحث عن الأقوال ثم نجعل عنوان المسألة مناسباً مع الأقوال كما هو الارتكاز المشهور.
الملاحظة الثانية: إنّ معنى الاقتضاء، أيّ شيء توصّل إليه الأصولي من الأنحاء المحتملة في نتائج البحث، مثلاً نفترض أنه توصل إلى اللزوم، فمعنى أنه
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
يقتضي النهي عن ضده، أي يُلازم النهي عن ضده، فحينئذٍ أي نتيجة محتملة توصّل لها، أصبح معنى الأقتضاء هو ذلك عنده دون غيره، لأن المفروض أن المسالك الأخرى مدفوعة وقابلة للمناقشة، أي المفروض أننا ناقشناها ودفعناها واستنتجنا بطلانها، وأن الوجه الصحيح للاقتضاء هو الذي تم البرهان عليه في نتيجة الباب أيّاً كان، فحينئذٍ يكون معنى الإقتضاء في عنوان الباب هو الرأي المختار، أيّاً كان.
وعلى أي حال فبناءً على التعميم المركوز لدى المشهور قال صاحب الكفاية: «الاقتضاء في العنوان أعم من أن يكون بنحو العينية، أو الجزئية، أو اللزوم من جهة التلازم بين طلب أحد الضدين وطلب ترك الآخر، أو المقدمية على ما سيظهر»((1)). فإذا علمنا أن العنوان من جهة أخرى ينقسم إلى عالم الثبوت وعالم الإثبات، أصبحت هذه العناوين الأربعة ثمانية، والظاهر أن صاحب الكفاية يريد بالثلاثة الأولى جانب الإثبات فقط، غير ملتفت لجانب الثبوت، يعني يريد بالعينية الدلالة المطابقية، ويريد بالجزئية الدلالة التضمنية، أي جزء معنى، ويريد باللزوم الالتزام، أو الدلالة الالتزامية.
ويريد بالمقدمية جانب الثبوت، أي المقدمية الواقعية، بغض النظر عن التأخر، فالثلاثة الأولى كما يمكن أن يكون فيها إثبات، يمكن فيها جانب الثبوت أيضاً في عالم الإرادة أو في عالم المِلاك؛ لأنه في عالم الجعل، الذي هو الجعل اللفظي فيها مطابقة وتضمن والتزام، وأما في عالم الإرادة، الذي هو جهة نفسية، أو في
ــــــ[11]ـــــــ
(1) كفاية الأصول، الشيخ محمد كاظم الخراساني 129، طبعة مؤسسة آل البيت.
منهج الأصول (الجزء السادس)
عالم المِلاك الذي هو عالم ثبوتي، وكلاهما عالم ثبوتي على أية حال، فله أيضاً عينية وجزئية ولزوم، ولكن بغض النظر عن الظهور، كما أن المقدمية قد يراد بها جانب الإثبات، من حيث ظهور الدليل بها، أي ظهور أحد الدليلين على الآخر، كما قلنا هناك مثلاً: إن ظهور الأمر بالواجب النفسي بالأمر بالمقدمة(1)، وهنا نقول: ظهور الأمر بالشيء بالنهي عن ضدّه بالدلالة الالتزامية، ولا يخفى -وهذا إشكال على صاحب الكفاية- أن المقدمية تندرج في الالتزام، فلا حاجة إلى عدها مستقلة، سواء قصدنا جانب الثبوت (مقدمة ثبوتية، ولازم ثبوتي) أم جانب الإثبات (الظهور) لوضوح أن المقدمة من سنخ جزء العلة، فهي جزء علة أكيداً، وهناك تلازم جزئي أو نسبي تقريباً بين جزء العلة وبين المعلول، وعلى كل حال التلازم موجود أساساً، غاية الأمر أن التلازم قد يكون بين العلة ومعلولها كما في المقدمة، وقد يكون بين المعلولين لعلة ثالثة كما في الموارد الأخرى، فالتلازم أعم من المقدمية، فحينئذٍ إذا كان أعم، فالمقدمية هي حصة من التلازم، وتندرج بالتلازم، فلا حاجة إلى ذكرها كعنوان مستقل.
إن قلتَ: إنّ الشيخ الآخوند يقصد من اللزوم أو التلازم غير المقدمية، بل يقصد المعلولين لعلة ثالثة؟
قلنا: على العين والرأس، له ذلك، ولكن كان ينبغي أن يبين ذلك بطبيعة الحال. هذا هو الكلام باختصار عن معنى الاقتضاء.
ــــــ[12]ـــــــ
(1) ينظر: منهج الأصول 4: 171.
منهج الأصول (الجزء السادس)
معنى الضد
وأما عن معنى الضد، فقد قال المشهور عنه هنا أنه مطلق المعاند والمنافي، وهذه العبارة موجودة في المحاضرات(1)، والظاهر أنها مشهورة، لإيضاح أنه ليس المراد هنا من الضد ما يراد به في علم المنطق من الذات الوجودية المنافرة لشيء آخر، فالضدان في علم المنطق، هما أمران وجوديان يتعاقبان على موضوع واحد، ولا يمكن تصوّر اجتماعهما فيه(2)، وهنا يراد به شيء آخر، هو الأعم من الضد والنقيض باصطلاح المنطق.
[التعليق على تعريف صاحب المحاضرات في معنى الضد]
قال في المحاضرات(3) عن الضد: «سواء أكان أمراً وجودياً كالأضداد الخاصة»، الذي هو ضد في اصطلاح المنطق، «أو الجامع بينهما»، أي مجموع الأضداد، أو الجامع بين كل الأضداد المتصورة، «وقد يعبر عن هذا الجامع، بالضد العام أيضا»، أي ضد المنظور بنظر عام. «أم كان أمراً عدمياً كالترك الذي هو المسمى عندهم بالضد العام». ولنا على ذلك عدة تعليقات:
ــــــ[13]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه، تقريرات الشيخ محمد إسحاق الفياض على درس السيد أبو القاسم الخوئي 2: 289. الجزء 44 من موسوعة الامام الخوئي.
(2) ينظر: الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد، العلامة الحلي (726ه) 65. والمنطق، الشيخ المظفر 43.
(3) محاضرات في أصول الفقه 2: 289.
منهج الأصول (الجزء السادس)
التعليق الأول:
إن التعبير بالضد العام عن جامع الأضداد الوجودية ينبغي إلغاؤه؛ لأننا في طول هذا التعبير سوف لن نفهم المراد من الضد العام، هل هو الضد الوجودي؟ أو الضد العدمي؟، وهذه مغالطة لا ينبغي التورط بها، بل يكون عندنا اصطلاحان:
الضد الخاص (الأمر الوجودي)، سواء قصدنا واحداً، أو قصدنا المتعدد، أو الجامع. والضد العام (الأمر العدمي)، الذي هو الترك، وهذا يكون تركيزاً في الاصطلاح أسهل وأوضح بطبيعة الحال.
التعليق الثاني:
إن المراد بالضد العام بهذا المعنى هو الترك كما سمعنا من المحاضرات، ولكن هذا يواجه إشكالا، فالترك عرفاً معنى وجودي، أو يُنتزَع منه عنوانٌ وجوديٌ، ومن هنا لا يصلح أن يكون جامعاً بين الأضداد الخاصة كما سيأتي، من قبيل أن الإنسان إذا ترك فعلاً اشتغل بأحد أضداده الخاصة، فيقع الضد العام ملازماً لأحد الأضداد الخاصة، وهذا الضد العام الملازم مع أحد الأضداد الخاصة، هو عدم فعل، من قبيل عدم فعل ألف مناسب مع فعل باء، وفعل جيم، وفعل دال، وفعل هاء، لا أنه ترك ألف؛ لأن الترك معنى كأنما عرفاً له نحو من الوجودية، ولذا في بعض مسائل الفقه والاستدلال الفقهي يقال: إن الفعل أعم من الفعل الوجودي والعدمي، أي أنّ الفعل يشمل الترك؛ لأن الترك فعل عرفاً، فإذا عرّفنا الضد العام بالترك، إذن أعطيناه نحواً من الوجود، والذي أرجحه
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
وأقترحه أن يكون الضد بمعنى النقيض، أي العدم وارتفاع ذاك الشيء، بغض النظر عن صدق الترك عليه، أو عدم صدق الترك عليه، لأنه إذا أعطيناه معنى الترك يكون له حصة من الوجود لو صح التعبير، وهو خلاف المقصود.
التعليق الثالث:
إن قصدنا من الضد كلا هذين المعنيين، أعني الضد الوجودي والضد العدمي، -ومسألة الضد في العنوان أصلاً أعم من الضد الوجودي والضد العدمي- فهل هناك جامع بين الوجود والعدم؟
بطبيعة الحال يتعذر الجامع بين الوجود والعدم، فالذي نسميه بالضد ليس إلا جامعاً وهمياً وليس جامعاً حقيقياً. والجامع المتصور هنا عموماً على شكلين، وليس على شكل واحد، جامع انتزاعي، وجامع مفهومي.
ويراد بالجامع الانتزاعي عنوان أحد الأمرين أو أحد الأمور، الذي يصدق على البدل، لا يصدق صدقاً متساوياً على الكل دفعة واحدة، بل يصدق على البدل، هذا أحدها وهذا أيضا أحدها.
والجامع المفهومي، هو مفهوم يتمثل في كلمة تنطبق على الأمرين معاً كانطباق الإنسان على أفراده، فكلمة مفهوم إنسان ينطبق على أفراد الإنسان انطباقاً مشتركاً لا بدلياً، وهذا هو فرق العنوانين، وكلاهما مفهوم انتزاعي، فإذا لم تكن المفاهيم من الماهيات الحقيقية فهي انتزاعية، من قبيل عنوان الملكية والرّقية والزوجية الخ. فهي مفاهيم اعتبارية أو انتزاعية. وهذا عموما ككبرى مثلاً أو قاعدة عامة.
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
نأتي إلى محل الكلام، ماذا نريد بهذا الضد؟، أي جامع من هذين الجامعين؟ لا بد أنه جامع بين الضد الخاص والضد العام، أي جامع بين الأمر الوجودي والأمر العدمي، فأيّاً من هذين الجامعين نريد؟
أما إذا أردنا الجامع على النحو الأول (الجامع الانتزاعي)، أي أحدها يصدق على وجه البدل، فغير مفيد؛ لأننا أحيانا نريد أن نحكم على كِلا الحصتين من الضد بحكم مشترك، من قبيل أننا توصلنا مثلاً في نهاية البحث إلى أنّ الأمر بأي من الضدين يقتضي النهي عن ضده العام والخاص، فنقول بعبارة بسيطة: إن الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده فعلاً، ونريد بهذا الضد أحدهما، فلا يتحصل المعنى، لأن معناه أن أحدهما يقتضي النهي عن ضده دون الآخر، وهذا ليس صحيحاً، وإنما في مثل هذه الموارد ينبغي أن نأتي بمفهوم من السنخ الثاني، أي مفهوم عام ينطبق عليهما معاً، مجموعاً ودفعة واحدة، لكي نقول: إنّ هذا الضد يقصد به كِلا الفردين أو كِلا الحصتين، وأن كلتا الحصتين يقتضي النهي عن ضده.
أمّا إن قصدنا الثاني (الجامع المفهومي)، واجهنا عدم وجود الجامع بين فردين أو بين أفراد أو بين حصتين، إذ الجامع بين الوجود والعدم متعذّر.
وهذا إشكال كأنما لا جواب عليه إلا بأن يقال: بأننا لأجل تسهيل البحث، وتسهيل المطلب، نصطلح اصطلاحاً تعمليّاً، ونفرضه جامعاً وهميّاً بين الوجود والعدم، وهو معنى الضد الاصطلاحي هنا، الذي ينطبق انطباقاً متساوياً وغير بدلي على كِلا الحصتين، وهو مطلق ما يقتضي زوال الآخر، الأعم من أن يكون وجودياً أو عدمياً، وهذه العبارة فيها تسامح طبعاً لا بدّ منه.
ــــــ[16]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
مناقشة معنى الضد عند المشهور
أما قول المشهور، بما فيه كلام المحاضرات الذي هو جزء المشهور، يقول: إنّ الضدّ هو مطلق المعاند والمنافي(1). فلا يكفي، وليس صحيحاً؛ لأنه عندئذٍ ينطبق على الضد الوجودي، أما الضد العدمي فلا، لوضوح أن العدم لا يصدق عليه أي وصف، كوصف المعاند والمنافي لأنه سالبة بانتفاء الموضوع.
نعم العدم بمعنى من المعاني -وإن كان فيه تسامح باعتبار علله ونحو ذلك-يستلزم او يقتضي زوال الوجود المتمثل بالضد الموجود منهما، لأنّ النقيض يقتضي زوال نقيضه، فإذا حصل الوجود زال العدم، وإذا حصل العدم -لو صح التعبير-زال الوجود. كما أن أحد الضدين الوجوديين المتعاورين على مكان واحد، أو موضوع واحد، يستلزم، ويقتضي أحدهما زوال الآخر بطبيعة الحال، كما إذا حصلت الحرارة فقد زالت البرودة، وإذا وجدت البرودة فقد زالت الحرارة.
إذن يوجد تشابه ما بين النقيضين وما بين الضدين من هذه الناحية، وهذا هو التشابه الذي نتمسك به في علم الأصول ونسميه ضدّاً بالمعنى العام. مع لحاظ الاختلاف في الاقتضاء بين البابين: بين الضدين المنطقيين، والنقيضين المنطقيين، فهذا يقتضي شكلاً، وهذا يقتضي شكلاً آخر طبعاً، إلى حد لا جامع لهذا الاقتضاء بينهما.
إنّ العدم في النقيضين يقتضي إزالة الوجود، أو أن الوجود يقتضي إزالة الوجود في الضدين الوجوديين، وهنا الاقتضاء غير ذلك الاقتضاء، ومن الممكن
ــــــ[17]ـــــــ
(1) ينظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 289.
منهج الأصول (الجزء السادس)
القول أن لا جامع بين هذين الاقتضاءين لأنه أيضاً أحدهما عدمي والآخر وجودي، ولا جامع بين الوجود والعدم. وكذلك إذا رجعنا إلى أنّ الجامع المفهومي، -الذي ليس ببدلي، المنطبق عليهما معاً أيضاً- جامع اصطلاحي تعملي ووهمي وليس جامعاً حقيقياً، وعلى أية حال فلا مشاحة في الاصطلاح كما يقال، وإن كان بعيداً عن المفاهيم اللغوية والعرفية.
الضد وضابط المسألة الأصولية
بقيت فقرة قبل الدخول في الفصول الأصلية لمبحث الضد، وهي أنه تكلّم في المحاضرات باختصار عن كون المسألة أصولية عقلية، وليست فقهية وليست من المبادئ الأحكامية(1)، ونحو ذلك، ونحن هنا سنُعرض عن ذلك كله، كما أعرض عنه في التقريرات(2)، جزاه الله خيراً؛ لعدم وجود ثمرة حقيقية له، وخاصة بعد أن قلنا في بحث تعريف الأصول أن ما يندرج في كل علم، وكذلك في علم الأصول ليس إلا ما يناسبه من المسائل بغض النظر عن الموضوع أو المحمول، أو
ــــــ[18]ـــــــ
(1) ينظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 287.
(2) ينظر: بحوث في علم الأصول، تقريرات السيد محمود الهاشمي على دروس السيد الشهيد محمد باقر الصدر 2: 292. وكلما ورد في المتن لفظ (التقريرات) فهو إحالة الى هذا الكتاب، بقرينة ما ذكره السيد الشهيد في مقدمة الجزء الأول من منهج الأصول أنّ الإحالة الى التقريرات تشمل تقريراته المخطوطة على دروس السيد الشهيد محمد باقر الصّدر.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الهدف وأنّه لا وحدة من حيث الموضوع، ولا وحدة من حيث المحمول، ولا من حيث الهدف، في علم الأصول لا أقل(1).
ولا شك أن مبحث الضد مما يناسب علم الأصول وله نتائج فقهية على أية حال معتد بها، فمن هذه الناحية يكفي هذا الشيء لأجل ضبط هذه المقدمة.
تنبيه منهجي
بقي شيء واحد، وهو أنهم بدأوا في كتاب الكفاية، والمحاضرات وتوابعها بالضد الخاص(2)، ثم بعد انتهاء الكلام عنه، بحثوا فصلاً في الضد العام وتكلموا عنه، وأنا سوف أقلب البحث واتكلم عن الضد العام أولاً، ثم عن الضد الخاص؛ ذلك لوضوح أنّ جملة من مقدمات القياس(3) في الضد الخاص، هو النهي عن الضد العام، فلا بد من أخذه مسلّما، فلا بد من بحثه أولاً، لئلا نعوّل على مجهول.
ــــــ[19]ـــــــ
(1) ينظر: أصول علم الأصول، السيد الشهيد محمد الصدر: 129.
(2) ينظر: كفاية الأصول 133، والمحاضرات 2: 390، 330، وبحوث في علم الأصول.
(3) وهذا موجود في التقريرات، (منه). ينظر: بحوث في أصول الفقه 2: 294 وما بعدها.
منهج الأصول (الجزء السادس)

ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)

الفصل الأول: الضد العام

ذكر في المحاضرات بنحو تحرير المسألة وعنوانها، أنه قد اختلفت كلماتهم في كيفية دلالة الأمر بالشيء على النهي عنه -أي عن الضد العام- بعد الفراغ من أصل الدلالة إلى ثلاثة أقوال، التي هي إما العينية وإما التضمن وإما الالتزام.
القول الأول: أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده العام، فالأمر بالصلاة مثلاً عين النهي عن تركها.
القول الثاني: أن الامر بالشيء يدل على النهي عنه بالتضمن، بدعوى أنه مركب من طلب الفعل والمنع عن الترك، فالمنع من الترك مأخوذ في مفهوم الأمر، وفي ضمن الأمر فيكون دالاً عليه بالتضمن.
القول الثالث: أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده بالدلالة الالتزامية، إما باللزوم البين بالمعنى الأخص، وإما باللزوم البين بالمعنى الاعم(1).
فإذا قسمنا اللزوم إلى قسمين، فستصبح الأقوال أربعة، ويضاف إليها قول آخر، وإن كان على خلاف مشهور المتأخرين، وهو أن الأمر بشيء لا يقتضي النهي
ــــــ[21]ـــــــ
(1) المحاضرات 2: 331.
منهج الأصول (الجزء السادس)
عن ضده العام(1)، فتصبح الأقوال خمسة.
وهنا ينبغي أن نلتفت حينما ندخل في المسالة تدريجاً، أن نتذكر ونلتفت إلى الأقسام الثمانية السابقة، لنجد أنه في أي من تلك الأقسام يكون الاقتضاء موجوداً، وفي أي منها يكون الاقتضاء منتفياً، ولكن ينبغي الالتفات قبل ذلك إلى ملاحظتين.
الملاحظة الأولى: أن ما قاله في المحاضرات وسمعناه قبل قليل من الفراغ والتسالم على الاقتضاء، أي على أن الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده العام متسالم على صحته. في الإمكان تأويل عبارة المحاضرات بأن يقال: إنّه بعد الفراغ عن هذا، أي على تقدير القول به، يعني القائلين بالاقتضاء انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
دلالة مطابقية، ودلالة تضمنية، ودلالة التزامية، ولم يذكر القول بعدم الاقتضاء، كأن القول بعدم الاقتضاء واحد بسيط وهو نفي الاقتضاء، فنذكر لكم إثبات الاقتضاء وأقسامه.
لكن هذا تأويل ربما يكون مخالفاً للظاهر؛ لأنّه يقول: بعد الفراغ عن أصل الدلالة. وكأنّ هناك نحو شهرة أو أجماع في أنّ الدلالة على النهي عن الضد العام موجودة، فإذا فهمنا منه هذا الفهم كما هو الأقرب فهو ليس بأكيد، فلعله ثابت لدى المتأخرين منذ صاحب الكفاية إلى الآن، أما السابقين فالظاهر أن المسألة
ــــــ[22]ـــــــ
(1) ذهب الى ذلك المعتزلة، ومن الأصحاب السيّد المرتضى. ينظر: الذريعة إلى أصول الشريعة، الشريف المرتضى (436ه) 88، ونهاية الوصول إلى علم الأصول، العلامة الحلي (726ه) 2: 200.
منهج الأصول (الجزء السادس)
كانت مورد الجدل بينهم كما يظهر من المعالم(1) وغيرها، وخاصة إذا التفتنا إلى أن التدقيق العقلي لا يقتضي الأمر بالشيء النهي ضده العام كما سوف يأتي، فالأصولي الذي يعتمد على هذا التدقيق العقلي سوف يمنع هذا الاقتضاء لا محالة، كل ما في الأمر أننا في الفقه والأصول نعتمد على الفهم العرفي في فهم الأمر والنهي، الأمر بالشيء والنهي عن ضده ونحو ذلك، لا على التدقيق العقلي، فحينئذٍ لا بأس أن نقول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، ومن هنا نجد أنّ الغالب اثبتوا الاقتضاء الإثباتي، ونفوا الاقتضاء الثبوتي على ما سوف يأتي.
الملاحظة الثانية: أننا قلنا في المقدّمة، إن معنى الضد العام هو النقيض في اصطلاح المنطق، وفي حدود قناعتي أنّ الضد الخاص هو الضد في اصطلاح المنطق، والضد العام هو النقيض في اصطلاح المنطق، والنقيض يؤول إلى أن يكون ضد المأمور به، إذ هو عدمه، وليس الترك بعنوانه التفصيلي أو بصيغته تركاً، وإلا كان معنىً انتزاعياً ثبوتياً، وانقلب إلى الضد المنطقي وليس نقيضاً، ولكننا هنا لا بأس أن نعبر بالترك أحياناً عن الضد العام وذلك من جهتين:
أولاً: لأن الترك حصة من النقيض، أي حصة من العدم، بعضها يصدق عليها أنها ترك، وبعضها لا يصدق عليها أنها ترك، فنعبر بهذه الحصة أو بالترك عن النقيض، لأنه بوجود الخاص يوجد العام، الذي هو النقيض، ولكن نعبّر بها عن النقيض عندما لا نحتاج إلى التعبير عن الحصة الأخرى، الذي هو عدم لا
ــــــ[23]ـــــــ
(1) ينظر: معالم الأصول، الشيخ حسن بن الشهيد الثاني (1101هـ) 89.
منهج الأصول (الجزء السادس)
يصدق عليه الترك. وأما إذا احتجنا إلى الحصة الأخرى من النقيض لو صح التعبير، فلا يجوز أن نستعمل لفظ الترك طبعاً.
ثانياً: إن الترك هو العدم العرفي، غير أن نقيضه هو العدم، فإذا ضممنا إلى ذلك أننا نفهم في الفقه والأصول الفهم العرفي، فحينئذ نفهم من العدم، العدم العرفي، وإذا فهمنا من العدم العدم العرفي، يعني فهمنا الترك وليس شيئاً آخر، لأنه هو عدم الفعل الاختياري، وهذا يكفي ما دمنا نتكلم أو حين نتكلم على المستوى العرفي.
ــــــ[24]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)

[مناقشة الأقسام الثمانية في مرحلة الإثبات والثبوت في دلالة الأمر بالشيء للنهي عن ضده على ما جاء في المحاضرات والتقريرات]
الأقسام الثمانية
والآن نرجع إلى الأقسام الثمانية، الناتجة من تقسيم العنوان إلى مرحلة الإثبات ومرحلة الثبوت، وتقسيم كل منها أربعة أقسام، إما المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو المقدمية(1).
أقسام مرحلة الإثبات
الملاحظ في المصادر أنهم يبحثون المطابقة إثباتا وثبوتاً، والتضمن إثباتاً وثبوتاً وهكذا، ولكن هنا سوف أبحث الإثبات كله للأقسام الأربعة، ونفحصه واحداً واحداً، ثم نبحث الثبوت هكذا أيضاً للأربعة، وهذا المنهج هو الأفضل كما يبدو؛ لأنّ التقسيم الرئيسي هو الإثبات والثبوت، فنعنون الإثبات وندرجها كلها، ثم نعون الثبوت وندرجها كلها، وبحسب النتيجة لا فرق بين المنهجين.
ــــــ[25]ـــــــ
(1) لو عزلنا لها (للمقدمية) عنوانا مستقلا، وغضضنا النظر عن اشكالنا السابق عليها، فتكون الاقسام ثمانية (ضرب اربعة في اثنين)، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
القسم الأول: العينية الإثباتية
من الأقسام الثمانية في مرحلة الإثبات، العينية، أو المطابقية في عالم الإثبات، فقد اتفقت المحاضرات والتقريرات على العينية، وهو بطبيعة الحال منظور من جهة عرفية، لأن عالم الإثبات هو عالم الظهور، والظهور أمر عرفي، فيقال هنا أنه لا فرق عرفاً -كما قالوا فعلاً والتصريح به موجود- بين قولنا صلِّ، وبين قولنا لا تترك الصلاة، وإن اختلفا في المدلول التصوري، والمفاهيم التفصيلية، واستشهد لذلك في المحاضرات(1) بأنه أمر متعارف في الروايات، في باب الواجبات والمستحبات وكلمات الفقهاء، حتى أنهم (أي الفقهاء) يعبرون عن الاحتياط الواجب بقولهم لا يترك الاحتياط(2).
تفسير الدلالة العينية
غير أن هذه الدلالة العينية والمطابقية لها أحد ثلاثة تفاسير بالمعنى العرفي(3):
التفسير الأوّل: إما أن يراد بها الدلالات المطابقية للألفاظ، أي أنّ هذه الدلالات المطابقية هي عين هذه الدلالات المطابقية، وهو غير محتمل، وقد نفاه في كِلا المصدرين.
ــــــ[26]ـــــــ
(1) ينظر: المحاضرات 2: 332، وبحوث في علم الأصول 2: 315.
(2) لم يذكروا من ألفاظ الاخبار شيئاً شاهداً على ذلك، رغم الاخبار الكثيرة في الواجبات والمستحبات، (منه).
(3) تفسير العينية بالمعنى العقلي لا يحتمل، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
التفسير الثاني: وإما أن يراد بها المدلول السياقي للجملة، والظاهر أنه هو المراد، حيث يقال: إن العرف يوافق على وجود مثل هذا المدلول، وهذا يكفي، وهو إجمالا صحيح، وأنا بهذا المعنى أصحّحه، إلا أنه قابل للتفسير بالتفسير الآتي، بحيث لا يكون مطابقيا كما سنرى وإن كان واضحاً في نفسه.
التفسير الثالث: وإما أن يراد به اللازم العرفي، من حيث أن اللازم من عدم الترك هو الفعل، واللازم من عدم الفعل هو الترك، بحيث لو التفت العرف إلى ذلك لوجده واضحاً، ولوافق عليه، ولم يجد أن الدلالة المطابقية تتضمنه.
وإنما نفهم ذلك ونتوهم من باب المطابقة باعتبار وضوح الاستفادة، ولا ملازمة بين الوضوح والمطابقية، كما لا منافاة بين الوضوح والالتزام، بل قد تكون الدلالة الالتزامية أحياناً وفي أفراد نادرة أظهر من الدلالة المطابقية.
قال في المحاضرات «وعلى ضوء ذلك صح أن يقال(1): إن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده العام، بحسب المعنى والدلالة عليه، فإنه إن أريد بالعينية، العينية بهذا المعنى فهي صحيحة، ولا بأس بها، ولكن الظاهر أن العينية بذلك المعنى ليست مراداً للقائل بها كما لا يخفى»(2)، أقول: ونحن خلال الأقسام الثمانية سنمر على كل احتمالات العينية ونناقشها لا محالة، فإن ثبت منها شيء فهو المطلوب وإلا انتقلنا إلى غيره، فإذا لم يكن هذا مقصوداً وكان المقصود شيئاً آخر، فسوف يذكر ويناقش، وهذا ملخص الكلام في العينية أو المطابقية.
ــــــ[27]ـــــــ
(1) على ضوء دليله بغض النظر عن مناقشتي طبعاً، (منه).
(2) المحاضرات 2: 332.
منهج الأصول (الجزء السادس)
القسم الثاني: التضمنيّة الإثباتيّة
وأما الدلالة التضمنية فقد قال عنها في التقريرات أنها تتوقف «على أن يكون الأمر عبارة عن طلب الفعل مع المنع من الترك»(1) كما عليه أصوليون متقدمون، أن الامر فيه جنس وفيه فصل، وجنسه طلب الفعل الذي هو الأعم، فالطلب هو مطلق الرجحان، الأعم من الاستحباب والوجوب، ويحتاج إلى فصل، وهو المنع من الترك، فإذا لم يحصل هذا الفصل، أي عدم المنع من الترك، صار الأمر استحباباً، وإن حصل هذا الفصل فهو وجوب.
وذكر في التقريرات ذلك بتقريب: أن مجرد الفعل لا يقتضي الإلزام، ومجرد الطلب لا يقتضي الإلزام، بعبارة أخرى: أنّ الطلب والفعل لا يقتضيان الإلزام، فإنه -الطلب أو الفعل- يتناسب مع الاستحباب أيضاً؛ لأن الطلب موضوع مثلاً عندهم لجامع الرجحان، فلا بد أن يكون مركباً من الطلب للشيء والمنع عن نقيضه، أو عن تركه، وهو معنى الدلالة التضمنية(2). أي أنّ فصل الطلب ضمنه
كما أن الناطق ضمن الإنسان، كذلك هذا ضمن الطلب موجود(3).
ــــــ[28]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 316.
(2 ) ينظر: يحوث في علم الأصول 2: 316.
(3) كأنما نحن نتكلم عن مرحلة الاثبات أي الظهور، فيدعى هنا أننا نستفيد من الطلب، أو من الامر هذا المعنى: وهو أنه يوجد هناك طلب بالمعنى الاعم ومنع من الترك، بحيث نستظهر عرفا من صيغة الامر او مادة الامر او مادة الطلب ونحو ذلك من الأمور، هكذا يزعم الاصوليون القدماء من متوسطي علمائنا من قبيل ما بعد العلامة الحلي او المعالم او غيرها، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وقال في التقريرات: «بأنّ هذا التقريب لا ينبغي أن يورد عليه بما أورده السيد الاستاذ الخوئي، وغيره من أن الحكم أمر اعتباري، والأمور الاعتبارية بسائط وليست مركبات، ولا يتعقل أنّ لها جنساً وفصلاً»(1)؛ وذلك لأن التركب المقصود في هذا البحث الأصولي لا يراد به التركب الماهوي المبحوث عنه في الحكمة والفلسفة والمنطق، فليكن الاعتبار أمراً بسيطاً لا يتعقل فيه الاجزاء الماهوية ومع ذلك يقول الخصم في المقام أن الامر ينحل انحلالاً ظهورياً لا انحلالاً ماهوياً، إلى اعتبارين: اعتبار الفعل واعتبار المنع من الترك(2)، إذن فلا بأس من التحليل بهذا المعنى.
وإنما الصحيح في الجواب أن يقال: بأن إضافة المنع من الترك لا يحل من العقدة شيئاً، فإنّ المنع من الترك بنفسه كالطلب، ينقسم إلى لزومي وغير لزومي، كما في الكراهة، فإذا اعتبرنا أن الطلب موضوع لجامع الرجحان، والمنع من الترك موضوع لجامع المرجوحية، صارت النتيجة استحباباً وليس وجوباً، فلا بد من تعديله بعدم الترخيص في الترك، لا المنع من الترك، لأن عدم الترخيص ارتفاع للجواز من الأساس، أما المنع فقد يكون أعم، ولكنّ عدم الترخيص يتعين بالحرمة(3).
فإذن المركب الظهوري هو الأمر من طلب الفعل مع عدم الترخيص
ــــــ[29]ـــــــ
(1) لاحظ هناك في أصل التقرير لم يأت على ذكر الجنس والفصل، وذكره في مورد الاشكال، (منه).
(2) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 316.
(3) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 316.
منهج الأصول (الجزء السادس)
بالترك، ولكن هل هذا الظهور موجود؟ سيدنا الاستاذ في التقريرات يقول: أنه «هذه دعوى على مدعيها»، أنّ الأمر بمعنى طلب الفعل مع عدم الترخيص بالترك وينتهي الحال، ونحن لا نستظهر هذا المعنى.
وكذلك يمكن أن نضيف ما حاصله أنّ المسالة كأنما منوطة بجعل الجاعل، وقصد القاصد، أي أنّ الآمر تارة يأمر ويقصد أمراً مركباً كما يقول به المشهور، وتارة يأمر ويقصد أمراً بسيطاً، بلا حاجة إلى التركيب، فيمكن أن ينحل الأمر إلى تلك الحصتين، تارة يكون بسيطاً، وتارة يكون مركباً، حسب قصد الآمر، وإلا فإنّ مقتضى القاعدة البساطة وليس التركيب.
فحينئذٍ يمكن أن أجيب بجواب آخر: أننا لا حاجة لنا في استفادة الإلزام من الأمر، أو استفادة الوجوب الإلزامي من الأمر إلى مثل هذا الفصل، وهو عدم الترخيص، أو المنع ونحو ذلك، لا حاجة إلى ذلك، بل مجرد أننا نفهم من الدلالة المطابقية نفسها للصيغة (الوجوبَ والالزامَ) من دون حاجة إلى ضم جزء آخر تضمني أو فصلي ونحو ذلك من الأمور، فإننا إن تصورنا الالزام في المنع التضمني، الذي هو فصل الأمر عندهم، أمكننا تصور الإلزام في الطلب المطابقي رأساً، مع الاستغناء عن المنع التضمني، كما هو الصحيح من دلالة الأمر على الوجوب بالوضع كما قلنا في محله.
القسم الثالث: الالتزامية الإثباتية
وأما الدلالة الالتزامية، في قولهم: أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، فقد قال عنها في المحاضرات: أنه قد ذهب إلى الاستلزام أو الالتزام جماعة،
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
ولكنهم اختلفوا في أنّ هذا الاقتضاء، -في عبارة: أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده التزاما-، هل هو على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص؟ بأن يكون نفس تصور الوجوب كافياً في تصور المنع من الترك، من دون حاجة إلى أمر زائد، أو أنّه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأعم، لذلك يحتاج إلى شيء زائد. على قولين:
أوّلاً: اللزوم البين بالمعنى الأخص
فقد قرب شيخنا الاستاذ -يعني به الشيخ النائيني- القول الأول وهو «أن اللزوم هنا لزوم بيّن بالمعنى الأخص، وقال: إنّه لا يُبعَد أن تكون دلالته، أي: دلالة الأمر على النهي عن ضده العام طبعاً، على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص، وعلى تقدير التنزل عن ذلك فالدلالة الالتزامية بنحو اللزوم بالمعنى الأعم مما لا إشكال فيه ولا كلام»(1).
والظاهر أن الحق هنا مع الشيخ النائيني، فقد سبق أن ناقشنا الدلالة المطابقية، بأن الضدّ قد يكون مدلولا التزامياً، ولكنه مدلول التزامي واضح بحيث يكون عدلاً في ظهوره للدلالة المطابقية، وفي وضوح الدلالة المطابقية، وبنفس ظهورها، إلى حد قد نتخيل أنه عينها، فلا دليل على كونه مدلولاً عليه بالمطابقة، نعم، بحسب الظهور نعترف، ولكن هل نسميها مطابقة وهو ظهور وضعي؟ ليس كذلك، ولا دليل على كون الضد مدلولاً عليه بالمطابقة، وإذ لا دليل على كونه بالمطابقة، فهو ظاهر بالالتزام، أي: الدلالة الالتزامية ظاهرة إلى درجة ظهور الدلالة المطابقية أو قريباً منها، وهذا يعني بوضوح أنّه لازم بيّن
ــــــ[31]ـــــــ
(1) ينظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 335.
منهج الأصول (الجزء السادس)
بالمعنى الأخص، لأنه لو لم يكن كذلك لما كان له هذا الظهور، ولما تخيل صاحب الدلالة المطابقية(1) أنّ هذا دلالة مطابقية، وإنّما ذلك لظهوره، ولعرفية ذلك الرجل لكنه مع شيء من الغموض في تفكيره على كل حال، وهذا مما يحكم به الوجدان، ولذا نجد أن الشيخ النائيني لم يقدم برهاناً أو تقريباً أو بياناً بهذا الصدد، بل اكتفى بأن قال: بأنّ «الظاهر هو هكذا»، إذ يكفي الفهم العرفي دليلاً على ذلك، وكما قال: «إنّه على تقدير التنزل عن ذلك فالدلالة الالتزامية بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم مما لا إشكال فيه ولا كلام».
جواب السيّد الخوئي على النائيني وردّه
وأجاب عليه في المحاضرات ما حاصله: لا تدل الدلالة الالتزامية على الضد، لا بالمعنى الأخص ولا بالمعنى الأعم، قال: بأنّ التحقيق هو عدم الاقتضاء، وتمسك هنا بمسألة الغفلة، أي: غفلة المولى أو المتكلم، لأنّ الآمر ربما يأمر بشيء ويغفل عن الالتفات إلى تركه، مثلاً يقول الآمر: صلّ، فإنّ الالتفات إلى أنّ الصلاة قد تكون متروكة فهذا يحتاج إلى تداعي المعاني، أو لحاظ ثاني، وقد لا يحصل في الذهن من هذا القبيل أو قد يغفل عنه، فإذا كان غفل عنه فكيف ينهى عنه؟!
والحاصل: أنّ الآمر ربما يأمر بشيء ويغفل عن تركه، ولا يلتفت إليه أصلاً ليكون كارهاً له على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص. وهذا مطعون كبرى وصغرى.
ــــــ[32]ـــــــ
(1) السيد الخوئي والسيد الصدر. والمقصود بالرجل النائيني.
منهج الأصول (الجزء السادس)
أمّا صغرى: فلِما قلنا مكرراً من أنّ مولانا (جل جلاله) لا يتصور فيه الغفلة، وهذا يكفي.
وأمّا كبرى: فإنّ المهم -لو تنزلنا عن مناقشة الصغرى وقلنا بأن المولى يمكن فيه الغفلة- ليس هو الالتفات إلى الترك، بل المهم هو الاستلزام أوّلاً، والظهور العرفي ثانياً، والاستلزام هنا بمعنى أنّه متى التفت إليه كرهه، ونهى عنه. وهذا يكفي جداً لأنه دليل على الارتكاز اللاشعوري لديه، والقناعة النفسية المركوزة عنده، وإن لم يكن ملتفتاً إليها فعلاً بالتفصيل.
توجد كثير من المسائل التي يقتنع الفرد بها حباً أو كراهةً، ولكنّها في طيّ النسيان، وإنما تظهر في محلها، وكل البشر على ذلك، وكثير من الأمور العرفية على هذا الغرار، كإمضاء المعاملات وكذلك القدرة على فهم الظواهر، وفهم الوصايا، والأقارير، والأوقاف، وغيرها، فإننا ننسبها إلى العرف، وأنّها معاملات عرفية، مع أنّه يمكن أن يقال إنها ليست عرفية، إذ ليس جميع الناس تخطر في بالهم معاملة البيع -مثلا-، وإذا لم تخطر في بالهم، فإن محمولها -وهو الصحة والامضاء- أيضاً لا يخطر على باله، لأنه يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، فإذا كان كل البشر ناسين أو غافلين لهذه الجهة لأنهم غير معصومين، فلا يوجد حينئذٍ فهم عرفي، وإذا كانت نسبة من البشر ملتفتة فهي لا تشكّل فهماً عرفياً، والجواب على هذا: أنّ الفهم العرفي موجود بالارتكاز العرفي، بحيث لو التفت الغافل أو الناسي لمعاملة البيع لصححها، وهكذا، فالعرف لديه قناعته النفسية، وليس بالضرورة أن يكون متذكراً لذلك، فالمهم أنّهم لو التفتوا لأذعنوا.
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
مناقشة رأي النائيني
هذا والذي يبدو من سياقات كلام الأصوليين المتأخرين أنه لا يوجد استدلال على الاستلزام بالمعنى الأعم، إلا التنزل عن الاستلزام بالمعنى الأخص، كما قال النائيني: إذا تنزلنا عن الاستلزام بالمعنى الأخص، فإنّ الاستلزام بالمعنى الأعم لا إشكال فيه ولا كلام.
أو يكون إثباته بنحو الأولوية، بعنوان أنه إذا ثبت الاستلزام الأخص، كان جامع الاستلزام ثابتاً، ولو في الحصة الأعم أو الأخص، وهو الاستلزام الخفي أو الخفيف -ما شئت فعبّر-، فإذا كان القوي موجوداً، فالخفيف في ضمنه أولى وجوداً.
يشعر ما قاله الشيخ النائيني ارتكازاً بالأولوية، ولذا قال: «إنّه إذا ثبت الأخص فالأعم لا إشكال فيه»، وهذا هو معنى الأولوية.
إلا أن كليهما واضح الفساد، أعني التنزل عن الاستلزام بالمعنى الأعم، والأولوية، أما التنزل فغير موجود، لأنّنا برهنا على الاستلزام بالمعنى الأخص، ولا موجب لأن نتنزل عنه.
وأمّا الأولوية فلأننا لا يخلو إمّا أن نثبت الاستلزام بالمعنى الأخص، أو ننفي الاستلزام بالمعنى الأخص، فالنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، فإن أثبتنا الاستلزام بالمعنى الأخص، استغنينا عن الاستلزام بالمعنى الأعم تماماً، وإن نفينا الاستلزام بالمعنى الأخص، احتجنا إلى استئناف دليل على الأخف وعلى الأضعف؛ لأننا في الحصة الذي هو الأقوى، نفي للجامع الذي هو فيها، إلا أن
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
يثبت وجوده بدليل آخر في الحصة الأخرى الخفيفة، والمفروض عدم وجود الدليل على ذلك.
ثانياً: اللزوم البيّن بالمعنى الأعم
ناقش في المحاضرات الاستلزام بالمعنى الاعم من ناحية العقل، ومن ناحية الشرع، فقال: «إمّا أن يثبت عقلاً، وإما أن يثبت شرعاً». والجهة العقلية هي جهة ثبوتية، والجهة الشرعية هي جهة ظهورية وإثباتية، ومناقشة الجهة العقلية سوف تأتي في الجهة الثبوتية وليس هذا محلها.
قال: «وأما من ناحية الشرع، (أي من ناحية ظهور الكتاب والسنة)(1)، فلأنّ ما دل على وجوب شيء، لا يدل على حرمة تركه، بداهة أنّ الحكم الواحد وهو الوجوب في المقام، لا ينحل إلى حكمين أحدهما يتعلق بالفعل، والآخر يتعلق بالترك، ليكون تاركه مستحقاً لعقابين من جهة تركه الواجب، (الذي هو ترك الفعل)، ومن أجل ارتكابه الحرام، (الذي هو ترك الواجب أيضاً)، ومن هنا قلنا: إنّه لا مفسدة في ترك الواجب ليكون تركه محرما(2)»(3)، فالمصلحة في نفس الفعل في الصلاة، وليس في تركها مفسدة، ليكون هذا الترك حراماً، كما أنّه لا مصلحة في ترك الحرام، نعم، المفسدة في فعل الحرام، وأما ترك الحرام فليس فيه مصلحة ليكون واجباً، وكأن مراده من هذه العبارة الأخيرة أنّه لا يمكن أن يكون هذا
ــــــ[35]ـــــــ
(1) ما بين القوسين شرح مزجي من السيد الشهيد لأصل المتن.
(2) الأفضل أن يقال: ليكون حراماً. لأنّ ترك الترك هو الفعل، (منه).
(3) محاضرات في أصول الفقه 2: 336.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الحكم الالتزامي صحيحاً؛ لأنّ كل حكم له مِلاك، ومادام أنّه لا مفسدة فيه ولا مصلحة فلا مِلاك له فإذا كان لا مِلاك له فالحكم غير موجود، لأن المِلاك بمنزلة العلة للحكم فإذا انتفى المِلاك انتفى الحكم؛ لأنّه عندئذ يحتاج إلى مِلاك كما عليه تسالم العدلية، وحيث لا مِلاك فإذن لا حكم، لأن المِلاك خاص بالدلالة المطابقية، فأمر المولى: صلِّ، -مثلاً-، فيه مِلاك، بالدلالة المطابقية يقول بالوجوب، ولا مِلاك في حرمة الترك، إذن فوجوب الحكم أو حرمة الترك سيكون (كل منهما) بمنزلة المعلول من دون علة، أو من دون مِلاك.
مناقشة المحاضرات
وجوابه على عدة وجوه:
الوجه الأول: إنّ الكلام هنا في الاستلزام بالمعنى الأعم، وليس بالمعنى الأخص، وهذا المعنى لا يشكل ظهوراً عرفياً، فالاستلزام بالمعنى الأعم، استلزام ضعيف لا يشكل ظهوراً لدلالة التزامية، نعم هو استلزام عقلي، ولكن ليس فيه دلالة التزامية، وإنما الدلالة الالتزامية الظهورية العرفية، ناشئة من الاستلزام بالمعنى الأخص فقط. إذن فالظهور خاص بالوجوب، وغير شامل لحرمة الترك، فلا يوجد حكمان في ظهور العبارة.
الوجه الثاني: أننا لو تنزلنا وقبلنا الظهور، أو قلنا بالاستلزام بالمعنى الأخص كما قد قلنا به، فالظهور المطابقي موجود في الأمر بالفعل، والظهور الالتزامي موجود بالنهي عن ترك الفعل، فلا محذور في ذلك لأن الدلالات الالتزامية عموماً، أمر عرفي وموجودة، ولا يستلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى كما هو محقق في محله.
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الوجه الثالث: إن انحلال الحكم الواحد إلى حكمين في نفسه، لا محذور فيه، بغض النظر عن أمرين سوف يأتيان، وهما تعدد العقاب، والمِلاك، فإذا غضضنا النظر عن ذلك، وقلنا بأنّه من تلك الجهات لا بأس به، إذن فالانحلال لا بأس به، ليس هذا إشكالاً، كما في انحلال الأمر النفسي على أجزائه وشرائطه الداخلية ونحو ذلك من الأمور.
الوجه الرابع: أفاد في المحاضرات أنّه لو كان هناك حكمان، لكان هناك عقابان وحيث نعلم أنّه لا يوجد هناك عقابان، وإنّما يوجد عقاب واحد، إذن فهنا حكم واحد وليس حكمان.
إن الإشكال بتعدد العقاب غير وارد، لأنّ العقاب واحد، ولا يحتمل ان يكون متعدداً؛ لأنّ الحكم واحد، والجعل واحد، والطاعة واحدة، والعصيان واحد، وهذا لا ينافي وجود ظهور التزامي بحرمة الترك، فإنّه -هذا الظهور- تبعي وطولي، أي في طول وجوب الفعل، وليس حكما مستقلاً ليعاقب عليه بعقاب مستقل، أو قل: كما أنّه طولي ظهوراً، أي إثباتاً، فإنّه طولي ثبوتاً ومعنىً أيضاً. أي أنّه ثابت من أجل ثبوت الأمر الأول من دون شيء زائد أو من دون زيادة.
الوجه الخامس: ومنه يتضح دفع الإشكال في تعدد الملاك(1)؛ لوضوح أنّه مطعون كبرى وصغرى، أمّا الصغرى فواضحة لما قلناه من أنّ الظهور وإن كان موجوداً بصفته دلالة التزامية، إلا أنّه تبعي وطولي، وليس حكماً مستقلاً ليكون له
ــــــ[37]ـــــــ
(1) في أنه لو كان هناك حكم آخر مدلول بالدلالة الالتزامية، لكان له مِلاك، بحسب برهان العدلية. إنّ هذا ليس ضرورياً، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
مِلاك مستقل، فإن كان له مِلاك فهو مِلاك الحكم الأصلي، وليس أكثر من ذلك، وأمّا كبرى فلإمكان القول: بأنّ ما أجمع عليه العدلية من وجود مِلاكات للأحكام، والإجماع دليل لُبّي، يقتصر منه على القدر المتيَّقن، والقدر المتيَّقن هنا الأحكام الأصلية الاستقلالية، وأما الأحكام التبعية والطولية، فلا دليل على وجود المِلاكات فيها، أو قل ليس فيها مِلاكات، وخاصة -وهذا نقض على المشهور- على ما هو المشهور من عدم وجود المِلاك للحكم التبعي الغيري المقدمي، فكذلك فليكن هنا.
إشكال وجواب
فإن قلتَ: إنك قلت بوجود ملاك تبعي للحكم التبعي في مقدمة الواجب، وأنّه في الإمكان أن نتصور حكماً تبعياً مجعولاً وله مِلاك تبعي أيضاً(1)، فإذا كان الأمر هكذا فلا نستطيع أن نقول: كل حكم تبعي ليس له مِلاك، فمن الممكن أن يكون لكل حكم تبعي مِلاك، بما في ذلك الحكم بوجوب المقدمة، وحرمة الضد أيضاً.
قلنا: هذا ليس بصحيح؛ لأننا نستطيع أن نبرز فرقاً بين وجوب المقدمة، وحرمة الضد، أو وحرمة الترك، مع العلم أنّ عنوان الحكم التبعي يُنتزَع من كليهما، ولكن مع ذلك نستطيع أن نعبر بدرجة من درجات اللغة أنّ النهي عن الترك أردأ وأدنى في الشرف من الحكم بوجوب المقدمة، وذلك بأن يقال: يفترق مورد الكلام وهو النهي عن الضد، عن مورد وجوب المقدمة بوضوح، لأنّ المقدمة يستحيل أن تكون عين ذيها، أو فانية في ذيها، بضرورة تغاير العلة مع
ــــــ[38]ـــــــ
(1) ينظر: منهج الأصول 5: 210، 243.
منهج الأصول (الجزء السادس)
المعلول، ولو كانت عين ذيها، أو فانية في ذيها، لم يكن هناك علة ومعلول، أو قل: إنّ ذلك خلف كونهما علة ومعلول، أما في المقام، أي: في النهي عن الترك، أو عن الضد، فبالإمكان تصور الاندكاك والفناء بين الحكمين، أي بين وجوب الفعل، والنهي عن تركه، وصيرورتهما بالضرورة حكماً واحداً، فإنّ حرمة الترك ترجع إلى وجوب الفعل، كما أنّ وجوب الترك يرجع إلى حرمة الفعل، فليس هناك دلالة التزامية ذات مضمون مستقل.
نعم، توجد دلالة التزامية، ولكنها ليست ذات مضمون مستقل عن مضمون الدلالة المطابقية، وإنّما أحدهما عين الآخر، أو قل إنّ مدلول الدلالة الالتزامية عين مدلول الدلالة المطابقية، ولعله لهذا قيل بالعينية، أي عينية وجوب الشيء مع النهي عن ضده، الا إنّ هذه العينية بدرجة ما هي صحيحة، ولكن ليست دلالية، أو ليست عينية في الدلالة، كما أنّها ليست إخطارية، ومعنى أنها ليست دلالية، يجب أن يكون واضحاً؛ لتغاير الدلالة الالتزامية مع الدلالة المطابقية، وأما كونها ليست إخطارية، أي ليست ذهنية، أي ليست عينية ذهنية؛ لوضوح أنّنا يمكن أن نتصور في الذهن حكمين مستقلين، أحدهما وجوب الشيء، والآخر النهي عن ضده، وليس حكماً واحداً حتى نقول بالعينية الإخطارية أو الذهنية، وإنما هو فناء في عالم الجعل؛ لأنّ الجعل واحد، يرجع إلى وجوب الفعل أصلاً، وهو (أي وجوب الفعل) يستلزم في طوله حرمة تركه، أو كراهة تركه من قبل المولى بكل وضوح، إلا أنّ كراهة تركه وحرمته، إنما كانت لوجوب فعله، فهي مندكة وفانية فيه في عالم الجعل والإرادة، وليس لها وجود بحيالها إطلاقا.
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
نتائج
وهذا ينتج عدة نتائج منها:
أولاً: عدم الحاجة إلى المِلاك في الحرمة التبعية في محل الكلام، وهو النهي عن الضد، وإن احتجنا إلى المِلاك بمعنى من المعاني في الوجوب التبعي لمقدمة الواجب.
ثانياً: صحة القول بأنّ الالزام في الوجوب ليس على الترك بل على الفعل، أي أنّ الوجوب ينصب على الفعل، فالإلزام في الأمر: صلِّ، بمعنى أوجد الصلاة. والإلزام في الحرمة ليس على الترك أيضاً، بل على الفعل، فالنهي ينصب على الفعل، فالإلزام في النهي: لا تشرب الخمر، أي: لا تُوجِد شرب الخمر. وأما لحاظ الترك فهو في الموردين مأخوذ تبعاً.
ثالثاً: إمكان الغفلة عن النهي عن الترك -لو قلنا بأنّ المولى بشكل من الإشكال، أو أنّ المولى العرفي يغفل عن الترك- لا تخل بدرجة الإلزام؛ من حيث أنّ (النهي عن الترك) أمر مستأنف مولوياً، يعني تجب الطاعة للجعل الأصلي، سواء وجدت له دلالة التزامية بالنهي عن الترك أم لا، فلو تنزلنا وقبلنا نسبة الغفلة للمولى، لم يكن هذا مخلاً بوجوب الطاعة؛ لأنّ نفس الأمر المطابقي يكفي في وجوب الطاعة.
رابعاً: لا فرق في الأدلة بين أن تكون بلسان وجوب الفعل -وهو الأغلب، أو تكون بلسان حرمة الترك، غاية الأمر أنّ المتكلم بالخيار، تارة يدرج الحكم الأصلي بوجوب الفعل، وأخرى يدرج الحكم التبعي بحرمة الترك، فيكون الحكم الأصلي في مثل هذه الصورة مدلولاً التزامياً ويكون الحكم التبعي مدلولا مطابقياً.
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
هذا هو الكلام إثباتا عن كل الدلالات الثلاثة؛ المطابقية والتضمنية والالتزامية، وقد اخترنا كون النهي عن الترك من الدلالة الالتزامية؛ لأنه من اللازم البين بالمعنى الأخص.
القسم الرابع: المقدّمية الاثباتية
وأما العنوان الرابع الذي أضافه صاحب الكفاية وهو المقدمية، فهو فرع المقدمية والعلية ثبوتاً، إذا كانت هناك مقدمية ثبوتاً وعليّة ثبوتاً، وأما إذا قلنا بأنّ المقدمية ثبوتاً غير صحيحة ومنتفية، فأولى بالانتفاء الجانب الإثباتي، لأنه سيكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع. وسيأتي بأنه لا مقدمية بين الوجود والعدم، فهما يتعاوران ويتحولان في مرتبة واحدة، وعلى شيء واحد، وليس أحدهما متقدما على الآخر، فإذا انتفت المقدمية انتفت الدلالة عليها؛ لأنّها بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، ولكن إن تنزلنا عن ذلك، وقبلنا المقدمية، أمكن استفادة المقدمية من الدلالة الالتزامية، كسائر الدلالات الالتزامية في باب الوجوب الغيري.
فان قلتَ: بأننا فهمنا أن النهي عن الترك أيضاً بالدلالة الالتزامية، ووجوب المقدمة، كما في باب المقدمة، عرفنا أيضاً أنه بالدلالة الالتزامية، فهل هذان دلالتان التزاميتان، أو دلالة التزامية واحدة؟ والجواب أنّها دلالة التزامية واحدة؛ لأن المفروض أننا نتحدث عن نفس الترك الذي هو مقدمة، فالنهي عن الترك الذي هو مقدمة وليس شيئاً آخر، وهو بعينه وليس غيره، حتى يكون دلالة التزامية أخرى. وإنما الإشكال هنا أننا عرفنا قبل قليل اختلاف مضمون الدلالتين: الدلالة الالتزامية المقدمية، والدلالة الالتزامية للنهي عن الضد، وأنّ الدلالة عن
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
النهي عن الضد، أضعف من الدلالة على وجوب المقدمة؛ لأنّ الدلالة على النهي عن الضد لا مِلاك لها ولا جعل لها، بخلاف الدلالة على وجوب المقدمة، فإنّ لها جعل تبعي وغيري، ولها مِلاك أيضاً تبعي وغيري. فإذا كانت دلالة واحدة، فما هو مقتضى القاعدة فيهما؟ إحدى اطروحتين:
الأولى: أن تتضمن دلالة النهي عن الضد على نقاط القوة لدلالة وجوب المقدمة، وبعد الاجتماع قد تكون هذه الدلالة المركبة من الدلالتين حاوية على صفات كِلا الجانبين.
الثانية: أن تتصف دلالة المقدمة بنقاط الضعف لدلالة الضد، لأنَّ النتيجة تتبع أخس المقدمتين طبعاً. والظاهر هو الأخير؛ لأن الحديث السابق نفسه يأتي في الضد الذي هو المقدمة، إلا أن الذي يخفف الوطء ويوضح الأمر، هو أن المقدمة، ليست هي الترك، بل الترك هو العصيان نفسه، وإنّما المقدمة هي ترك الترك، وذلك بإطاعة النهي عن الترك، فإذا انتهينا عن الترك تركناه، وترك الترك هو الفعل نفسه وليس أمراً زائداً لا عقلاً ولا عقلائياً، وإن كان عنوان ترك الترك عنواناً انتزاعياً مستقلاً، إلا أنه ليس زائداً عن الفعل نفسه، فيعود الأمر إلى أن يكون الفعل مقدمة لنفسه، وهو مستحيل، ومن هنا ينسد باب المقدمية في النهي عن الضد.
أقسام مرحلة الثبوت
كان الكلام في مرحلة الاثبات في الأربعة، بعد أن أضفنا عنوان المقدمية وانتهينا منها، وأما الكلام في مرحلة الثبوت، فيقع أيضاً في العناوين الأربعة
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
السابقة، وينبغي أن نلتفت إلى شيء بسيط، هو أننا في مقام الإثبات كنا نقول: الدلالة المطابقية والدلالة التضمنية والدلالة الالتزامية، أما في مرحلة الثبوت فلا توجد دلالة، وإنما نقول: العينية والتضمن واللزوم.
القسم الأوّل: العينية الثبوتية
أما العينية فيمكن أن يراد منها أكثر من معنى، منها:
المعنى الأوّل: عينية الأمر بالفعل، مع النهي عن الترك ثبوتاً، أي أنّ الأمر بالفعل هو بعينه النهي عن الترك، وهذا غير محتمل لا عقلاً ولا عرفاً.
المعنى الثاني: عينية الفعل مع ترك الترك، وهذا صحيح كما قلنا، إلا أنه لا دخل لعنوان ترك الترك، لا عقلاً ولا عرفاً بعد أن وجدنا عنه العوض بالفعل نفسه، فنعبر بالصلاة ولا نقول ترك ترك الصلاة.
فإن قلتَ: إنّ عنوان ترك الترك مباين للفعل، وليس عينه، بل مباين له بالحمل الأولي، أي مفهوماً، وأعم منه بالحمل الشايع، أي مصداقاً.
قلتُ: هذا ليس صحيحاً، أما مفهوماً فإنّ ترك الترك وإن كان عنوانا مستقلاً، إلا أنه عنوان وهمي لا محالة، إذا لوحظ زائداً عن الفعل، لكونه راجعاً إلى معنىً واحد عقلاً وعرفاً.
وأما مصداقاً، أي بالحمل الشايع، فمتساويان وليس أحدهما أعم من الآخر، وليس هناك أية حالة يصدق فيها ترك الترك مع انتفاء الفعل.
المعنى الثالث: عينية طاعة وجوب الفعل، مع طاعة النهي عن الترك، فإنّهما
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
يُطاعَان بطاعة واحدة، وذلك بأن يصلي فإذا صلى، فقد أطاع الأمر: صلّ، واطاع النهي: لا تترك الصلاة، فأطاع كِلا الالزامينِ التشريعيينِ اللذينِ هما الأمر والنهي، بشيء واحد خارجي، وهو الامتثال، وهو الفعل في الحقيقة، فهذا عينه؛ لأن طاعة الوجوب بإيجاد الفعل، هو طاعة النهي عن الترك، بترك الترك، وترك الترك هو عين الفعل كما عرفنا فيرجعان إلى طاعة واحدة، وربما من يرى العينية يقصد هذا ونحوه.
إلا أن عليه نفس الجواب السابق وهو الاستغناء بنفس عنوان الفعل ومدلوله، عن مفهوم ترك الترك، الذي هو ليس بعرفي في نفسه.
وهنا في المحاضرات عبارة وهو قوله: «إن في عالم التحقق والوجود(1)، أحد شيئين لا ثالث لهما، أحدهما الوجود، والثاني العدم، الذي هو البديل له(2)، وأما عدم العدم فهو لا يتجاوز حد الفرض والتقدير، وليس له واقع في قبالهما، وإلا لأمكن أن يكون في الواقع(3) أعدام غير متناهية، فإن لكل شيء عدم، ولعدمه عدم إلى ما لا نهاية»(4).
وهنا أكثر من نقطة فيها مناقشة، وينبغي الإلماع اليها كما يعبرون.
أوّلاً: يقول إنّ عدم العدم لا يتجاوز حد الفرض والتقدير، لأن الفرض
ــــــ[44]ـــــــ
(1) عالم الخارج الذي نسميه عالم الخارج في مقابل عالم الواقع، (منه).
(2) لان الشيء الممكن اما موجود واما معدوم، (منه).
(3) في عالم التحقق أي في الخارج، يقصد بالواقع الخارج، (منه).
(4) المحاضرات 2: 333.
منهج الأصول (الجزء السادس)
والتقدير إنما هو لفرض شيء يمكن تحققه، ويتصور تحققه ولو في لحظة نادرة، وأما شيء لا يتصور تحققه، ولا حتى في لحظة نادرة إطلاقاً، فإنه لا يصلح فرضه وتقديره، فلا يمكن أن نقول: إنّ هناك حالة يوجد فيها ترك الترك ولا يوجد فيها الفعل، إذ لا يوجد شيء من هذا القبيل، إنّما هو كذب ووهم، وليس أنه فرضي وتقديري.
ثانياً: وأما قضية التسلسل في قوله: «وإلا لأمكن أن يكون في الواقع أعدام غير متناهية، فإن لكل شيء عدماً ولعدمه عدم إلى ما لا نهاية»، فإنّ هذا يجاب عليه بوجوه:
الوجه الأول: إن عدم العدم يرجع إلى الوجود، فإذا انتفى العدم حصل الوجود، وليس أنه حصل عدم عدم العدم، لكي يتسلسل، فينتفي التسلسل ويرجع الأمر إلى الانحصار بين الوجود والعدم، حسب علله ومشيئة ربه.
الوجه الثاني: إن هذا من التسلسل الإخطاري الذهني، وهو أن نتصور العدم، ثم عدم العدم، ثم عدم عدم العدم، وهكذا تتكرر العبارة إلى ما لا نهاية، فهذا تسلسل إخطاري ذهني، والمسمى باصطلاح الفلاسفة تسلسل لا يقف (التسلسل اللايقفي)، يعني أنه يقف عند انتهاء اللحاظ والتفكير، وقد قالوا: إن التسلسل الذي يسمى بالتسلسل اللايقفي ليس محالاً، وبرهان استحالة التسلسل لا يشمله(1)، هو في الحقيقة ليس تسلسلاً؛ إذ بمجرد أن ينام الفرد -مثلاً- ينقطع
ــــــ[45]ـــــــ
(1) ينظر: الحكمة المتعالية، صدر الدين الشيرازي، تحقيق حسن زادة الآملي 2: 193. ونهاية الحكمة، السيد محمد حسين الطباطبائي 170.
منهج الأصول (الجزء السادس)
التسلسل، وليس إلى ما لا نهاية.
الوجه الثالث: إننا لو تنزلنا عن الجوابين السابقين، أمكن لصاحب هذا الدليل التسليم بصحة التسلسل، لا بأس؛ لأنه لا دليل على استحالة كل تسلسل، إلّا التسلسل النافي لوجود واجب الوجود، وهذا ليس منه، فالمحال من قبيل التسلسل الذي ينفي وجود الكون، والكون موجود بالضرورة، والتسلسل المذكور ليس من التسلسل المحال.
المعنى الرابع: ادعاء العينية بين إرادة الفعل، وإرادة ترك الترك، وهذه العينية في عالم الإرادة أو المراد، أي: إما نفس الإرادة، أو المتعلق بالإرادة، فإما أن نقول: إنّ هناك إرادة واحدة تتعلق بالفعل وبترك تركه، أو أن نقول: تتعلق بهما إرادتان، فلا عينية بينهما، أو أن نقول: إنّ إرادة الفعل عين البغض لتركه.
وتعليقي هنا بسيط: أنّ كل ذلك بمنزلة النسج الذي اتضح الآن أنّه بمنزلة الهواء في الشبك، فلا حاجة إلى الإطالة فيه.
مع الالتفات إلى أن الصحيح من ذلك هو الأول، وهو تعلق إرادة واحدة بالفعل وبترك الترك، باعتبار رجوع أحدهما إلى الآخر مصداقاً، وإن كان غيره مفهوماً. وأما إذا التفت المولى أو المتكلم إلى عنوان الترك صرفاً، وليس إلى ترك الترك، بل التفت إلى الفعل مع الترك، فيحتاج النهي عنه إلى إرادة أخرى لا محالة، فتتعلق إرادة بالأمر أو الفعل، وتتعلق إرادة أخرى بالنهي عن الترك، فيحتاج النهي عنه إلى إرادة أخرى لا محالة، غير إرادة الأمر، إذ يستحيل القول بعينية الأمر والنهي، أو عينية إرادتيهما كما هو واضح، إلا أنها -أي إرادة النهي- إرادة
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
تبعية ضرورية كما سبق أن قررنا في نفس الدلالة الالتزامية، وأنها فانية في ذيها، إلا أنّها موجودة على كل حال، موجودة إجمالاً، بعد الالتفات إلى مقدمتين:
الأولى: وجود ما يدل عليها، وهي نفس الدلالة الالتزامية التي أثبتناها، وقلنا إنّها واضحة كالدلالة المطابقية بالنهي عن الترك.
الثانية: كون مولانا لا يضل ولا ينسى شيئاً جلّ جلاله، فحينئذٍ قد أقام دلالة على وجوب النهي عن الترك، وهذه الدلالة معناها أنّ لها منشأ انتزاع في نفس المولى، فتكون الإرادة إرادتان: إرادة وجوب الفعل، والإرادة الثانية، هي إرادة ضرورية طولية بالنهي عن الترك، هذا هو الكلام بالعينية.
القسم الثاني: التضمنيّة الثبوتية
وأما التضمن ثبوتاً فهو أمر معقول في عالم الجعل، بعد أن عرفنا كون النهي عن الترك فانٍ في الأمر بالفعل، فكذلك جعلوا النهي عن الترك فانٍ في جعل الأمر بالفعل، أو بالامتثال، مع الالتفات إلى كبرى ينبغي أن تطبق هنا، وهي أنّ الفاني في الشيء كأنه جزء منه، متضمن له، وحيث أنّ النهي عن الترك فانٍ في الأمر بالفعل، اذن فهو جزء منه، طبقا لهذه الكبرى، إلا أنّ هذه الكبرى قابلة للنقاش، فإنّ الفناء مغاير للتضمن لا محالة، لأن هذا الفاني له أحد موقفين لو صح التعبير، إما أن نتصوره موجوداً، وإما أن نتصوره معدوماً فإن تصورناه موجوداً فهو مباين للآخر، فالنهي عن الترك مباين للأمر بالفعل، وإن تصوّرناه فانياً حقيقة، فقد زال عن الوجود فلا تكون له أيّة نسبة إلى الآخر، وعلى كِلا
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
التقديرين فهو ليس متضمناً، بل هو إما مباين، وإما من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، إذ ليس له أية نسبة إلى الآخر؛ لأن النسبة فرع الوجود، والمفروض أنّه معدوم.
ويوجد هناك شق ثالث وهو أن نقول إنّه فانٍ، ولكن الفاني شيء والمعدوم بالمنظور الفلسفي شيء آخر، فالفاني ليس بمعدوم، فيمكن أن نتصور للفاني نحواً من الوجود الضعيف والمستهلك، من قبيل إذا رميت قطرة من الماء في بحر، فهي قد فنيت فيه، أو استهلكت، ولكنّها لم تنعدم، فكل أجزائها لا زالت على قيد الحياة وفيها حالة من الوجود. إذن الفاني شيء آخر غير المعدوم، فإن تصورنا له نحواً من الوجود الضعيف المستهلك، فهو في طول الأمر بالفعل، أي أنّ الآمر، الذي هو المتكلم أو المولى، أمر بالفعل، وفي طوله نهى عن الترك، وليس عينه بهذا المعنى، وإلا لولا الأمر بالفعل لما نهى عن تركه. ونستطيع أن نتصور هذا، أي يلزم من عدم الأمر بالفعل عدم النهي عن الترك.
إذن الأمر بالفعل بمنزلة العلة للنهي عن الترك، أي أنّ الترك طولي في الحقيقة، وإذا كان طولياً فلا يسع أن يكون متضمناً. فالمتضمن الثبوتي أيضا زال لأنّ العلة لا تتضمن في المعلول.
مناقشة ما أفاده صاحب المحاضرات
وهنا قال في المحاضرات: أنّه «من الواضح جداً أنّ المنع من الترك لم يؤخذ في حقيقة الوجوب بأي معنى من المعاني فرضناه، سواء أكان (أي الوجوب) إرادة نفسانية (أي لاحظنا الإرادة الموجودة في نفس المولى للتشريع) أم كان حكماً عقلياً
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
(الذي هو وجوب الطاعة العقلية) أو مجعولاً شرعياً (الذي هو الأمر الاعتيادي المتلقى من قبل الشارع، والذي يفترض على المكلف أن يسمعه ويطيعه) فإنه على الأول (أي إذا لاحظنا عالم الإرادة) من الأعراض، وهي من البسائط الخارجية، (الإرادة من الأعراض صغرى، والكبرى أنّ الأعراض من البسائط الخارجية، وإذا كانت بسيطة فلا يمكن أن تكون متضمنة لشيء، لأنّ التضمن يعني التركيب، والتركيب خلاف البساطة المفروضة). وعلى الثاني (وهو اذا ما كان حكماً عقلياً) فهو من الأمور الانتزاعية العقلية، (بمعنى أن العقل يحكم باللزوم عند اعتبار المولى فعلاً على ذمة المكلف، وهذا باصطلاحه -أي صاحب المحاضرات- بأنّ الجعل هو اعتبار شيء في ذمة المكلف، وفي طول اعتبار شيء في ذمة المكلف، فإنّ العقل يحكم على العبد المأمور بلزوم الاطاعة والامتثال)، بمعنى أنّ العقل يحكم باللزوم عند اعتبار المولى فعلاً ما، على ذمّة المكلف مع عدم نصبه على قرينة في الترخيص في تركه، ومن الظاهر أنّه (أي حكم العقل الذي فسره بالحكم الانتزاعي العقلي) أشد بساطة من الأعراض، فلا يعقل له جنس وفصل (وقد تقدّم أنّه قال في الإرادة بأنّها من الأعراض، والأعراض بسائط، فحكم العقل أشد بساطة، فإنّ البساطة لها تدرج وتشكيك في الوجود، فإذا كان الأقل بساطة يستحيل فيه التركيب والتجزئة والتضمن، فكذلك هذا أولى به بالاستحالة)، وعلى الثالث فهو من المجعولات الشرعية ومن الواضح أنّها في غاية البساطة، ولا يعقل لها جنس وفصل، (الشيء الذي أفهمه من وجهة نظره، أنّ الجعل له معنيان: نفس الجعل كعملية اختيارية للمولى، والمجعول الذي هو
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الحكم المجعول بغض النظر عن المتعلق والموضوع أي الوجوب والحرمة، وكلاهما من وجهة نظره حسب ما أفهم ولو حدساً أنّها بسيطة، أي نفس عملية الجعل بسيطة، وكذلك الحكم المجعول بسيط أيضاً، وعلى كِلا التقديرينِ يكون التضمن مستحيلا؛ لأنه خلف البساطة)، نعم ( وهذا دفع دخل) المنع من الترك لازم للوجوب لا أنّه جزؤه»(1) ولازم البسيط ممكن، ولكنّ جزء البسيط غير ممكن.
أقول: فالمتحصل من كلامه أنّ الأمر في كل المستويات بسيط، ولا يعقل فيه الجزء(2)، وبالرغم من أن النتيجة صحيحة عملياً في أكثر حصصها، وهي أنّ النهي عن الترك ليس متضمناً في الأمر بالفعل، ولكن مع ذلك يتوجه على هذه العبارة عدة إشكالات نذكر منها:
الإشكال الأوّل: دعواه إنّ الإرادة من الأعراض، وربما بعض المتكلمين يدعي أنّ الإرادة من الأعراض، والعرض عرفاً هو العرض المادي كاللون مثلاً والكثافة والليونة ونحو ذلك من الأمور، فلا تكون الإرادة عرضاً لكونها مجردة
ــــــ[50]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 2: 334. وما بين قوسين داخل النص هو شرح مزجي للسيد الشهيد.
(2) ذكر في المحاضرات ثلاثة مستويات للأمر، والحال أنّ فيه مستوى رابعاً قبل هذه المستويات، وهو عالم الجعل، الجعل والإرادة والعقل وعالم المجعول. في المحاضرات ذكر ثلاثة: الإرادة وحكم العقل والمجعول، أما عالم الجعل فقد أهمله، وهو أسبق منها رتبة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
عن المادة. ولو عمّمنا معنى العرض إلى المجرد أيضاً، وأنّ في المجردات عارض ومعروض، لم تكن الإرادة عرضا للنفس، بل معلولاً لها، والمعلول لا يكون عرضاً على الأشد بطبيعة الحال، ولها وجود منحاز عنها بمعنى من معاني الانحياز والاستقلال، وليست هي عين النفس بهذا المعنى.
الإشكال الثاني: إنّ مراده من كون الإرادة بسيطة -حسب كلامه الآتي في الحكم العقلي والشرعي، هو كونه خال من الجنس والفصل- أنّه يقصد من البساطة هنا خلوها من الجنس والفصل، وهذا ما لم يصرح به في طرف الإرادة، مع أنّ الإرادة فيها جنس وفصل، بصفتها من جملة عالم التكوين، وداخلة في جملة المقولات العشر، فلها جنس وفصل حقيقةً، وليست أجزاءً اعتبارية ولا انتزاعية، فإذا كان كل ما له جنس وفصل فهو مركب، إذن فهي مركبة، حتى الأعراض الخارجية لها جنس وفصل، كالألوان، فإنّ لها جنس وفصل، فإذا كانت الأعراض أساساً ليست بسيطة، فتكون الإرادة مركبة بهذا المعنى وليست بسيطة كما زعم.
الإشكال الثالث: ما قاله من أن حكم العقل باللزوم عند اعتبار المولى فعلا ًعلى ذمة المكلف، أشد بساطة من الأعراض، فلا يعقل له جنس وفصل. وفي الحقيقة إن العقل ليس حاكماً على العباد والبلاد وإنما هو مدرِك، فالعقل قوة درَّاكة، وليست حاكمة، غاية الأمر أنّ العقل عقلان: عملي، ونظري، وكلاهما قوة درَّاكة لِما ينبغي أن يُعلَم، وما ينبغي أن يُعمَل، فإذا كان الحكم العقلي هو إدراك حقيقةً، فإنّ محموله، وهو البساطة في قولهم: إنّ الاحكام العقلية بسائط غير قابلة للاتصاف بالجنس والفصل، يصبح من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
ــــــ[51]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
إنّ الذي هو مدرَك للعقل العملي جزء من عالم الواقع، أي الحصة الأخرى المتعلقة بالواقع، التي هي ليست خارجية، وعالم الواقع يحتوي على ماهيات كثيرة لا متناهية العدد، وجملة من الماهيات يمكن تعريفها، بل هي معرّفة فعلاً بجنس وفصل، ولها رسم وحدّ، كماهية الإنسانية الواقعية، الإنسان حيوان ناطق، الإنسانية عبارة عن حيوانية مع ناطقية، بهذا المعنى هي واقعية وبنفس الوقت مركبة من جنس وفصل، والعقل النظري يدركها تصوراً، وكذلك العقل العملي يدرك جملة من الأشياء تصوراً، وكونها واقعية ليس برهاناً على أنّها بسيطة، وليس لها جنس وفصل، ليس برهاناً على ذلك، فمن هذه الناحية ليس لدينا حكم عقلي، وإنّما هو إدراك، والمدرَك يمكن أن يكون له جنس وفصل.
مضافاً إلى الالتفات لما قلناه: من كون النهي عن الترك، معنى فانٍ في جعل الأمر نفسه، فالعقل إذن يدرك هذا المعنى، يدرك الأمر بالفعل، ويدرك فناء النهي عن الترك، وبعبارة أحسن: يدرك الأمر بالفعل، ويدرك النهي عن الترك، ويدرك فناء الثاني في الأول، ويدرك لزوم الطاعة بمقداره، أي لزوم الطاعة للأمر الاستقلالي الأصلي، ولزوم الطاعة للأمر الثاني أيضاً لزوم ثانٍ بلحاظ الأمر الأول، وليس زائداً على ذلك، ففي الإمكان القول إنّ إدراكه للنهي عن الترك بمقدارٍ فنائي أيضاً في إدراكه للزوم الفعل، من حيث وجوب طاعة المولى.
الإشكال الرابع: ما قاله من أن المجعولات الشرعية في غاية البساطة وليس لها جنس وفصل، لكن يرد عليها ما سمعناه من التقريرات مما تقدّم، أنّ الكلام ليس في جنسها وفصلها أو في تركيبها الماهوي، حتى نقول: ليس لها جنس
ــــــ[52]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
وفصل، بل المطلب ملحوظ من ناحية ثانية في علم الأصول، بخلاف ما هو ملحوظ في علم الكلام والفلسفة.
إنّ الكلام في علم الأصول ليس في التركيب الماهوي، وإنّما في الانحلال، أي أنّ الأمر ينحل إلى طلب الفعل، والنهي عن الترك، وهذا ليس جنساً، ولا فصلاً، ولا مستحيلاً حتى لو كان الأمر بسيطاً.
ولكن كان ظاهر التقريرات بانحلال الظهور، أعني ظهور الأمر إلى طلب الفعل، والنهي عن الترك، أنّ مدعى القائل إنما هو الانحلال، وليس هو التركيب الماهوي، ولكن أقول: بأنّ هذا انحلال ظهوري، أي انحلال في عالم الاثبات الذي انتهينا عنه، وليس انحلالاً في عالم الثبوت الذي نتكلم عنه، الا أنّنا الآن نتكلم كما هو واضح على المستوى التصوري، هل يمكن أن نتصور جعلاً ثبوتياً متضمناً للنهي عن الترك؟ أم يستحيل هذا التصور؟ والواقع أنّه ليس مستحيلا ولا برهان على استحالته، ولا شك أنّه يمكن تصور أن يكون الأمر ثبوتاً، أو الوجوب ثبوتاً، منحلاً إلى طلب الفعل، والنهي عن الترك، أو قل: إنّ ما نسميه الأمر، أو الوجوب، مركب من إلزامين: أحدهما إيجابي وهو طلب الفعل، والآخر سلبي، وهو النهي عن الترك، غير أنّنا ناقشنا ذلك فيما سبق، كما ناقشه في التقريرات وقلنا: يمكن الاستغناء عن النهي عن الترك، بالإلزام بالفعل، ولا حاجة إلى القول بانحلاله، ومعه فكل أنحاء التضمن ثبوتاً وإثباتاً محل مناقشة.
القسم الثالث: الالتزامية الثبوتية
بمعنى أنّ وجوب شيء يقتضي ثبوتاً وواقعاً النهي عن تركه، وهذا صحيح سواء قلنا بأنّ ترك الترك هو عين الفعل، أو قلنا أنّه زائد عليه؛ لأنّ الملحوظ هنا
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
هو الترك، وليس ترك الترك، والترك يكون ممنوعاً عقلاً مع الالزام بالفعل بنحو اللزوم العقلي والعرفي معاً، ثبوتاً وإثباتاً؛ لأنّنا في مرحلة الإثبات قلنا بوجود الدلالة الالتزامية الإثباتية، وفي مرحلة الثبوت أيضاً، ولا نزيد عن التحليل الذي قلناه هناك، وهو أن المطلب إنّما يثبت بصورة فنائية وليس في صورة استقلالية.
القسم الرابع: المقدميّة الثبوتية
وأما المقدمية فهي فرع أن يكون زوال أحد النقيضين، مقدمة لثبوت النقيض الآخر، أو بلسان أصولي آخر: أن يكون ترك الترك مقدمة للفعل. أما من ناحية عقلية فلا شك أنّ النقيضين في رتبة واحدة، وزوالهما أيضا في رتبة واحدة، أو قل: تبدلهما أيضاً في رتبة واحدة، فلا يصح أن يكون أحدهما مقدمة للآخر؛ لأنّ المقدمية فيها نحو من التقدم الرتبي، والمفروض هنا في النقيضين عدم التقدم.
اللهم إلا أن يقال: إنّ غاية ما ثبت هو أنّ النقيضين في رتبة واحدة، وأنّ زوالهما(1) أيضاً في رتبة واحدة بعين القاعدة، وأما أن يكون الأربعة(2)، بمعنى ثبوت النقيضين وزوالهما في رتبة واحدة، فلم يثبت، فمن الممكن أن أحد هذين الاثنين أسبق رتبة من الاثنين الآخرين، فيمكن أن يكون أحدهما هنا بمنزلة المقدمة للآخر.
ــــــ[54]ـــــــ
(1) يعني تصور النقيضين بالعكس، بحيث نتصور ان العدم تحول الى وجود والوجود تحول الى عدم الذي يعني زوالهما معا، (منه).
(2) اثنان نقيضان في فرض، ثم زوالهما وتبدلهما الى النقيضين بالعكس، فصار عندنا أربعة مصاديق، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
إلّا أنّ هذا لا يتم؛ لأن معناه أنّ زوال العدم في طول العدم، وزوال الوجود في طول الوجود، وهذا لا معنى له؛ لأنّنا قررنا، وثبت في الفلسفة على أنّ النقيضين في رتبة واحدة، فحينئذ زوالهما عبارة عن نقيضهما ليس أكثر من ذلك، فيكون زوال كل منهما في رتبة نفسه، لأنّه نقيضه بدوره، فيكون الأربعة كما عبّرنا برتبة واحدة، فيستحيل وجود المقدمية بين بعض حصصها والبعض الاخر، إذن فالمقدمية منتفية. هذا تمام الكلام في الضد العام.
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)

ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الفصل الثاني: الضد الخاص

وقد عرّفناه في مقدمات البحث بأنّه الضد باصطلاح المنطق، من حيث كونه ذاتا وجودية منافرة لذات أخرى، بحيث يستحيل اجتماعهما، بل يستحيل ارتفاعهما إلى ثالث. وفرقه عن الضد العام، أنّ الضدّ العام هو النقيض وهو أمر عدمي، والضدّ الخاص أمر وجودي. فيقع السؤال هنا عما إذا كان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الوجودي؟ كما توصلنا إلى الاقتضاء في الضد العدمي، الذي هو النقيض، فإذا توصّلنا في الاقتضاء في كلا نحوي الضد -بالاصطلاح الأصولي-فستكون القاعدة العامة أنّ كل أمرٍ بشيء يقتضي نهياً عن ضده مطلقاً، سواء كان عاماً أم خاصاً. أو أنّنا نفصل بين الضد العام والضد الخاص.
[مناقشة أدلة المشهور على حرمة الضد الخاص]
إنّ الذي يبدو من المصادر أنّ المشهور قد استدل على حرمة الضد بدليلين فقط أحدهما مبتنٍ على الملازمة بين عدم أحد الضدين ووجود الآخر، والدليل الثاني مبتنٍ على المقدمية، وأنّ زوال أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر، فإن تمّ شيء منهما فهو المطلوب.
ــــــ[57]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
وأما نحو هذا الاقتضاء أو مضمونه، من كونه تضمنياً، أو التزامياً، أو إثباتياً، أو ثبوتياً، ونحو ذلك فهذا ما سوف يظهر من سياق الكلام وليس الآن وقت بيانه، والمهم على أنّنا حملنا في المبحث السابق -وهو الضد العام- فكرة متكاملة عن مثل هذه الأمور.
وقد اختلف المصدران اللذين أعتمد عليهما في الدرس، وهما التقريرات والمحاضرات، من حيث التقديم والتأخير، ففي المحاضرات قدّم دليل المقدّمية، وربما عذره لأهميته فكرياً وأصولياً، فيقدم ما هو الأهم، وفي التقريرات قدّم دليل التلازم وأنا سوف أقدّم دليل التلازم لأمرين:
الأمر الأول: كونه -أي دليل التلازم- أوضح وأكثر اختصاراً، فنتخلّص منه بسرعة، لنخلص إلى المهم.
الأمر الثاني: احتمال التقدم الرتبي للتلازم على المقدميّة؛ لأنّ المقدمية تتوقف على التلازم بمعنى من المعاني، ولا أقل من أنّه يلزم من عدم التلازم عدم المقدمية، فنقدم الكلام على ما هو أسبق رتبة، كما قدّمنا الكلام في الضد العام لأنّه اسبق رتبة.
الدليل الأوّل: مسلك التلازم
قال في التقريرات: إنّ مسلك التلازم موقوف على ثلاث دعاوى، أي: ثلاث مقدمات مدعاة، في حين اعتبره في المحاضرات موقوفاً على مقدمتين: إحداهما صغرى، والأخرى كبرى(1)، والمقدمات الثلاث التي ذكرها في
ــــــ[58]ـــــــ
(1) قد يخطر في ذهن أنصاف الفضلاء أنّ كل برهان يتوقف على مقدمتين، لا على ثلاث مقدمات، فمن أين جاءت هذه المقدمة الثالثة؟ وهذا جهل بالمنطق، والمطلب في حدود فهمي أنّ البرهان على أي شيء في علم الأصول يُبَيَّنُ باللغة المنحرفة –حسب اصطلاح الشيخ محمد رضا المظفر- لا بلغة دقية منطقية، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، حينئذ لو بُيِّن باللغة الدقية المنطقية لتوقف على عدة قياسات، لا على قياس واحد يتكون من صغرى وكبرى، بل عدة قياسات بعضها في طول بعض، وبعض المقدمات في هذه القياسات المتتابعة مسلَّمة لا تحتاج الى إثارة وإشكال، وإنما تُؤخَذ لا شعورياً وارتكازاً على أنّها صحيحة، إنما تذكر عادة المقدمات التي هي مع إشكال واحتمال البطلان ونحو ذلك من الأمور، تذكر ويجاب عليها، يحاول أن يبرهن على ذلك، فإذا كانت المسالة أنها عدة قياسات، وليست قياساً واحداً، إذن يجب أن نختار من جملة القياسات جملة من المقدمات التي هي محل شك وجدل، ونكتبها ونحاول ان نبرهن عليها، ليست المسالة أنها محصورة في قياس واحد صغرى وكبرى إطلاقاً، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
التقريرات هي(1):
الأولى: إنّ كل ضد يلازم مع عدم ضده الآخر، أي أنّ وجود الضد يلازم مع عدم ضد الآخر، فإذا وجِد هذا فينبغي أن ينعدم ذاك، وإذا وجِد ذاك فينبغي أن ينعدم الآخر، وهكذا، أما أن يوجدان معاً فينبغي أن يلزم منهما اجتماع الضدين، وهو مستحيل.
الثانية: إن المتلازمين وجوداً متلازمان حكماً أيضاً، بحيث إذا كان أحدهما واجباً كان الآخر واجباً بقرينة عقلية، بحيث أنّهما متلازمان وجوداً لا حكماً، فهذا الضد إذا كان واجباً، فإنّ عدمه يكون واجباً.
ــــــ[59]ـــــــ
(1) ينظر: بحوث في علم الأصول 2:293.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الثالثة: إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، وقد أهمل في المحاضرات هذه المقدمة مع أنّها ضرورية كما سنشير، وقد ذكر له في التقريرات مثالاً: «الصلاة مثلاً المضادة مع الإزالة الواجبة(1)، ملازمة مع عدمها بحكم المقدمة الأولى فيكون هذا العدم واجباً بحكم المقدمة الثانية»؛ لأنّه إذا وجدت الإزالة زالت الصلاة وانعدمت، والإزالة واجبة -حسب الفرض- فعدم الصلاة واجب، أي يحرم النقيض وهو نفس الصلاة بحكم المقدمة الثالثة؛ لأنّنا بالمقدمة الثالثة قلنا: إنّ الأمر بشيء وهو الأمر بعدم الصلاة يقتضي النهي عن ضده العام، الذي هو الصلاة، فتقع الصلاة حراماً، ولو لم نقل ذلك وأهملنا هذه المقدمة كما أهملها في المحاضرات فلا تنتج هذه النتيجة كما هو واضح.
وهنا نشير إلى فكرة بسيطة أنّ النقيض أو الضد العام يتصوّر من جهتين، ولا يفرق من هذه الجهة أو هذه الجهة، نقول مثلاً إذا أمر بالصلاة نهى عن عدمها، أو عن تركها، وهذا الذي قرآناه سابقاً، ومن الجهة الثانية نقول: إنّ عدم الصلاة واجب، فوجوبها حرام، ليس أنّ وجودها واجب فعدمها حرام. وهي التفاتة بسيطة لا تحتاج إلى دقة أكثر من ذلك، وإذا كان في المحاضرات قد حذف هذه المقدمة لأجل عدم الالتفات إلى هذا الفرق البسيط، فإذن من الصعب أن نحكم عليه.
ــــــ[60]ـــــــ
(1) إزالة النجاسة عن المسجد واجبة، والصلاة أيضاً واجبة، ولا يجتمعان لعجز المكلف عن الجمع، ففي طول تضادهما يكون وجود أحدهما ملازما مع عدم الآخر كما عرفنا في المقدمة الأولى، فوجود الازالة متوقف على عدم الصلاة، وكذلك إذا صلى، يلزم منه عدم الازالة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
فحص المقدّمات
إنّ المصدرين اللذين أعتمد عليهما، قد سلّما بالمقدمة الأولى والثالثة، فقال في المحاضرات: «أنّ المقدمة الأولى مسلّمة ولا إشكال فيها»(1)، وفي التقريرات تكلّم بعدّة أسطر كلاماً ليس برهانياً عن بداهتها(2). وحيث أنّ هذا المطلب لم يبحث، وأنّ محل بحثه عادة في الفلسفة وعلم الكلام، ولكن مع ذلك يحسن أن نحمل فكرة عن البرهان عليه، ولو باختصار، فيمكن تقريبه بعدة تقريبات نذكر منها اثنين ولربما يشار إلى الثالث بمعنى آخر سوف يأتي:
التقريب الأول: ان وجود الضد يعتبر مانعاً عن وجود الضد الآخر
لفرض التنافر والتمانع واستحالة الاجتماع، وعدم المانع جزء من العلة، فلا تتم علة أحد الضدين إلا بزوال ضده الآخر(3)، وهو نحو من الملازمة.
التقريب الثاني: إنّ المتلازمين فيهما اصطلاحان:
الأول: وهو الأشهر والأكثر، التلازم بين العلة والمعلول، وهذا صحيح في نفسه، ولكنّه غير مراد به هنا.
الثاني: إنّ المتلازمين -وهو المراد به هنا- المعلولان لعلة ثالثة، وارتباطهما أيضاً عِلِّي، ولكن ليس بمعنى أنّ أحدهما علة للآخر، أو معلولاً للآخر، وإنما هما معلولان لعلة ثالثة.
ــــــ[61]ـــــــ
(1) ينظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 221.
(2) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 294.
(3) التعبير بالزوال أدق من التعبير بالعدم، لأنّه أعم من الوجود والعدم، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وهذا التقريب سيكون هكذا: إنّ العلة الثالثة التي اقتضت أحد الضدين، قد اقتضت في نفس الوقت إزالة ضده الآخر، فوجود أحد الضدين، وعدم الآخر، معلولان بعلة ثالثة مشتركة، هي سبب هذا التلازم.
ولا يقال إنّ العلة الثالثة أوجدت وجود أحد الضدين، وعدم الضد الآخر، فيكون للعلة الواحدة معلولان، وهو مستحيل، لأنّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد.
جواب ذلك: أنّنا إن سلمنا بالكبرى -ولست أريد الان أن أبحثها- وهي أنّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، خاصة في العلل القهرية، وموردنا هنا يفترض فيه أن يكون من العلل القهرية، وليس من العلل الاختيارية، ولكن هذا فيما إذا تصورنا أن المعلول شيئان وجوديّان، بمعنى أنّ العلة أوجدت شيئين، مثلا حمرة وسواد، فيكون ذلك محالاً، ولكن هنا لم توجد العلّة شيئين وجوديين، بل أوجدت وجود أحد الضدين، وعدم الضد الاخر، فالمعلول هو واحد، والعلة أوجدت أحد الضدين، وأما بالنسبة إلى العدم، فالعدم لا يكون معلولاً حقيقياً، وإنّما هو معلول تسامحي، أو بالملازمة العقلية ونحو ذلك من الأمور. فإذن لم توجد العلة معلولين لكي يكون محالاً، وكذلك فإنّ قاعدة الواحد، خاصة بالوجوديين، لا بالوجودي والعدمي.
وفرق التقريبين أنّ عدم الضد في الأوّل جعلناه في علل وجود ضده، وهنا في التقريب الثاني جعلناه في رتبة نفسه كمعلول ثاني بعلة ثالثة، وكلاهما نحو من التلازم.
ــــــ[62]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
التقريب الثالث: أن يكون عدم أحدهما علة لوجود الآخر أو جزء العلة لوجود الآخر
وهذا هو نفس المنطق الذي يتبناه الاتجاه الآخر وهو اتجاه المقدمية، وسوف تأتي مناقشته وإثبات زيفه.
إلى هنا ثبتت مقدمتان من المقدمات الثلاث التي ذكرها في التقريرات، وهي الأولى وهي أن كل ضد ملازم مع عدم ضده الآخر. والثالثة وهي أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام.
ويبقى الكلام الآن في المقدمة الثانية، وهي التي حصروا الكلام فيها، وهي التي تقول: إنّ المتلازمين وجوداً، متلازمان حكماً. وقد نفاها كلا المصدرين: التقريرات، والمحاضرات، وحاصل الفكرة التي ذكرها في المحاضرات(1): من المستحيل أن يكون المتلازمان محكومين بحكمين متضادين؛ لأن كون أحدهما واجباً، والآخر حراماً، يلزم منه التكليف بما لا يطاق.
وأما لزوم كونهما محكومين بحكم واحد، بحيث كلاهما واجبان، أو كلاهما مستحبان، أو كلاهما حرام، فلا موجب له أصلاً؛ لأنّ المحذور المتقدم -وهو لزوم التكليف بما لا يطاق- كما يندفع بالتوافق بالحكم، كذلك يندفع بكون أحدهما غير محكوم بحكم من الأحكام(2). فليكن الملازم الآخر أو عدم الضد
ــــــ[63]ـــــــ
(1) ينظر: المحاضرات 2: 322.
(2) ينظر: المحاضرات 2: 322.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الآخر، غير محكوم بحكم أصلاً، بل أحدهما واجب والآخر ليس له شيء من الأحكام التكليفية، وإذا كان هكذا، أي لا يتعين أن يكون واجباً، فلا دليل في المقام على لزوم التوافق.
الا أنّ الذي يتحصل من مجموع عباراته في المحاضرات -مع الالتفات إلى بعض المقدمات التي سوف أقولها عما قليل إن شاء الله- وجوب الدليل على وجوب التوافق.
مناقشة التقريرات والمحاضرات
المناقشة الأولى:
وهنا نبدأ أوّلاً بهذا الذي زعمه، وهو أنّ أحد المتلازمين يمكن ألّا يكون محكوماً بأي حكم من الأحكام، فهل يمكن في وجدان المتشرعة أن يكون شيئاً غير محكوم بحكم من الأحكام أصلاً؟ إنّ هذا على خلاف الإجماع والتسالم من أنّ لكل واقعة حكماً، ولكل فعل من الأفعال الاختيارية حكم من أحد الأحكام الخمسة، لا أقل الإباحة، وإباحة فعلٍ ما، لا يعني أنّه غير محكوم بحكم، بل حتى بالإباحة اللااقتضائية أيضاً، هو محكوم فعلاً بها، أو محكوم باللامقتضي للأحكام الاربعة الأخرى، أمّا أن لا يكون محكوماً بشيء أصلاً من الأحكام الخمسة، فهذا مستحيل على الحكيم الملتفت، ومولانا حكيم ملتفت، وليس كالمولى العرفي، فهذا خلاف الوجدان، ولعله خلاف الضرورة الدينية، أو الإسلامية، إذن فلا يمكن أن يكون أحد المتلازمين خالياً من الحكم.
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المناقشة الثانية
المقدمة الأخرى وهي استحالة أن يكون أحدهما واجب والآخر حرام؛ لأنّهما متلازمان فيكون تكليفاً لما لا يطاق، والمقدمة الأخرى أيضاً وهي استحالة تخالفهما (أي المتلازمين) حتى في الاستحباب والكراهة، كما أشار إليه، بأنّه مع وجود أحدهما يكون استحباب الآخر لغواً، فضلا عن إمكان الحكم بكراهته. ولم يذكر الإباحة، إلا أنّ مقتضى سياق كلامه كونها مستحيلة أيضاً؛ لأنّه مع تعين أحد المتلازمين، -أي إذا كان أحدهما متعيناً وواجباً- يستحيل أن يكون الآخر مباحاً متساوي الطرفين، لك أن تأتي به أو لا تأتي به(1).
إذن لا يجتمع حكمان متغايران من الأحكام التكليفية في المتلازمين، بمعنى أنّه يتعين أن يكون الحكمان الموجودان في المتلازمين متشابهين، وهو المقصود من القاعدة: أنّ المتلازمين وجوباً متلازمان في الحكم أيضاً.
الخطوة الأخرى، وأمّا الحكمان المتماثلان في المتلازمين، فقد قال في المحاضرات بأنّه مستحيل؛ وذلك لأنّ الشارع إذا أمر بأحد المتلازمين فالأمر بالآخر لغو، فإنّ تلك الأمور من ملازمات وجود المأمور به في الخارج، ويأتي بها المكلف عقلاً رغماً عنه، سواء كانت متعلقة بالأمر أم لم تكن، وما كان كذلك فلا يمكن تعلق الأمر به؛ لأنّه سيأتي المكلّف به قهراً وعقلاً، ولا حاجة إلى الأمر
ــــــ[65]ـــــــ
(1) وكذلك مع استحباب أحدهما وكراهة الاخر، أي ان يكون أحدهما مستحبا والاخر مكروها مستحيل أيضا، وكذلك أحدهما مستحباً والاخر مباحاً، أو أحدهما مكروهاً والاخر مباحاً، مستحيل أيضاً؛ لنفس برهان اللغوية، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الشرعي فيكون الأمر الشرعي مستحيلاً، أي لغواً في العقل العملي.
وجوابه أمران:
الأول: لو جمعنا بين كل المقدمات، يتبيّن أنّ الملازم سيكون شيئاً مستحيلاً، لا هو مثله، ولا هو محكوم بحكم آخر مغاير له من الأحكام الأربعة الأخرى، ولا هو غير محكوم بحكم أصلاً، بمعنى أنّه يتبرهن بذلك أنّ الملازم ليس حكماً أصلاً، كما أنّه لا يمكن أن يحكم بحكم مغاير، كذلك لا يحكم بنفس الحكم، فأما أن نستنتج أنّه ليس له حكمٌ أصلاً، وهو خلاف الإجماع. وأما أنّ هذه المقدمة أيضاً نأخذها بنظر الاعتبار، وهي: أنّه ليس له حكم، هو غير مستحيل، فوجود الحكم مستحيل، وعدمه مستحيل، والنتيجة أيضاً مستحيلة.
الأمر الثاني: لا بد أنّ صاحب المحاضرات يقصد ما قصده في الأمر الغيري في مقدمة الواجب، إذ قال هناك: «أنّ الأمر بمقدمة الواجب مستحيل»، لأنّ المولى يتعين عليه أن يعتمد على الوجوب العقلي فيكون أمره لغواً.
هنا تطبيق للفكرة نفسها، وإن لم يكن مصرح بها، فإن المولى يعتمد على الوجوب العقلي لانجاز اللازم غير المأمور به بالمطابقة، مثلاً: صلوا، ولازم هذا الأمر -مثلاً- اترك قراءة الكفاية لأجل الصلاة، والمصلي حينما يصلي فإنّه يترك الأمور الأخرى تلقائياً، ولا حاجة إلى أن يؤمر بها، بل يكون الأمر بها لغواً، وقد سبق أن أجبنا عليه فلا نعيد، فإنّ هذا ليس صحيحاً، بنفس الجواب الذي هناك يأتي هنا.
بل الأمر أكثر من ذلك، وهو وجود الدلالة الالتزامية الواضحة بالمعنى
ــــــ[66]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الأخص بوجوب مقدمات الواجب ولوازمه كما عرفنا في باب المقدمة وهنا أيضاً؛ لأنّ انتفاء اللوازم يلازم انتفاء الواجب نفسه، يعني هو يلزم من عدمها عدمه، والضد العام منهي عنه كما عرفنا، فعدمه حرام. والمفروض أنّ عدمه مساوٍ في التحقق مع عدم سائر لوازمه، فيكون هذا العدم مجموعاً حراماً، أو قل مدلولاً عليه بالدلالة الالتزامية بالحرمة.
وحل الإشكال هو منع اللغوية التي ذكرها فيما إذا كان هناك حكمين مختلفين غير متضادين، لأنّ ذلك يدفع إشكال التكليف بما لا يطاق، فلو كان أحد المتلازمين واجباً، والآخر مستحباً، فليس هذا تكليف بما لا يطاق، أو كان أحد المتلازمين حراماً والآخر مكروهاً فليس هذا تكليف بما لا يطاق، لأنّ ذلك يرفع إشكال التكليف بما لا يطاق، ولا يكون لغواً؛ لنفس ما قلناه في مقدمة الواجب، من إمكان أنّ المولى يتصدى للتشريع بالرغم من وجود الحكم العقلي، فلو كان أحد المتلازمين واجباً والآخر مستحباً، لم يلزم ذلك تكليف بما لا يطاق، وكذلك لو كان الآخر مكروهاً أو مباحاً، فمثلاً لو كان أحدهما واجباً والآخر مباحاً لم يلزم تكليف بما لا يطاق وهو كذلك، بل يأتي بالواجب، وبذلك يسقط دليل حرمة الاتيان بما لا يطاق، إلا أنّه يحسن ما قلناه بتعين أن يكون واجباً، لأنّنا قلنا بأنّ هذا ليس بصحيح، وعلى الرغم من أنّ دليل التكليف بما لا يطاق يسقط، ولكن الدلالة الالتزامية على الوجوب تبقى، إلا أنّ هذه (الدلالة الالتزامية) ليست هي مقصودة طبعاً، إلا أنّه مع ذلك لا تتم الكبرى ككبرى لكل الأحكام الخمسة في كل الأمور، أي أنّ المتلازمين وجوداً
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
متلازمان في الحكم أيضاً في الأحكام التكليفية الخمسة كلها، وذلك:
أولاً: في الإمكان القول في غير الوجوب والحرمة بإمكان الاجتماع، لأنّه لا يلزم التكليف بما لا يطاق.
ثانياً: في الإمكان القول بأنّ المصلحة متعلقة بأحد المتلازمين، وهو ما كان موضوعاً للتكليف دون الاخر، فالآخر ليس فيه مِلاك.
فإذا كان المطلب هكذا، إذن فيؤمر بأحدهما ولا يؤمر بالآخر، لأنه إذا أمر بالآخر، فسيكون الأمر من دون مِلاك، إلا من ناحية واحدة، وهي أنّ مِلاكه هو الاتيان بالواجب نفسه، والمفروض أنّ الواجب له مِلاك، فحينئذٍ إذا كان هناك أمر به فإنما هو أمر تبعي ظلي، فإن قلنا بأنّهما مشتركان في وجوب استقلالي أصلي ملحوظ في نفسه فهذا غلط، وإنّما يشتركان في الوجوب، بمعنى أنّ الوجوب الآخر إنما هو تبعي وظلي وفانٍ في الوجود الأصلي المطابقي. حينئذٍ تكون النتيجة باطلة، فإنّنا إذا اعترفنا بالوجود الظلّي التبعي لم تتم القاعدة في الباب، كما لو لاحظنا في المثال، لأنّ الإزالة إذا وجبت، وجب عدم الصلاة بالوجوب التبعي الظلي بوجوب الإزالة، وهذا الوجوب -أي عدم الصلاة- لضعفه لا يكون مشمولاً للمقدمة الأخرى وهي أنّ الأمر بالضد العام يقتضي النهي عن الضد الآخر، الذي هو وجوب الصلاة، لأنّ عدم الصلاة غير مأمور به بالأمر الأصلي لكي تحرم الصلاة، وإنّما مأمور به بالأمر التبعي الظلّي الكمالي، فالمأمور به بهذا الوجوب الضعيف لا يمكن أن ينتج أمراً أو نهياً عن الضد الآخر في الحقيقة، فما عرفنا من أنّ الأمر يقتضي النهي عن ضده العام، ففي الأوامر الأصلية، وليس في الأوامر الظلية، فإذا سحبنا الأمر الظلي من الوسط، يبقى أنّ الأمر بالإزالة يقتضي
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
النهي عن الصلاة مباشرة، يعني أنّ الأمر بأحد الضدين يقتضي النهي عن الآخر، الذي هو أول الكلام.
شبهة الكعبي بانتفاء المباح
تعرض لها في المحاضرات(1) ولم يتعرض لها صاحب التقريرات، وقد جعلها الأصوليون في مبحث النهي عن الضد؛ لأن من جملة مقدماتها الرئيسية هو أن الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص وليس مطلق الضد.
والظاهر أن شبهة الكعبي مبتنية على مطلق الملازمة، أي الأعم من المقصود من الملازمة والمقصود من المقدمية، على اعتبار أن المقدمية هي نحو من الملازمة في الحقيقة، وحينما ندخل في الشبهة نستطيع أن نطبق كِلا المسلكين على شبهة الكعبي بعونه سبحانه وتعالى.
رد المحاضرات على شبهة الكعبي
وقد ذكر في المحاضرات للشبهة مقدمتين فقط ترتكز عليها، ولم يُشر إلى أنهما كبرى وصغرى، وحسب فهمي أنهما معاً كبرى في قياسين من الأقيسة التي تثبت هذه الشبهة، ولكن بقيت هناك مقدمتان -سوف أشير إليهما- لم يذكرهما، فإذا قصد من المقدمتين اللتين ذكرهما أنّهما المقدمتان المنحصرتان لشبهة الكعبي فهذا غير صحيح، وإذا لم يقصد الانحصار بهما، فكان ينبغي أن يشير إلى أنّ هاتين المقدمتين -مثلاً- هما الأهم من المقدمات، أو من جملة المقدمات.
ومن هنا تكون المقدمات الرئيسية التي ترتكز عليها الشبهة، وينبغي ــــــ[69]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 2: 326.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الالتفات اليها ثلاثة(1):
المقدمة الأولى:
أنّ الامر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، بنحو الملازمة أو بنحو المقدمية على ما سوف نُشير.
المقدمة الثانية:
أن الفعل الاختياري(2) يحتاج في حدوثه وبقائه إلى المؤثر، كأي ممكن من الممكِنات الأخرى، فإنها تحتاج في حدوثها وبقائها إلى علة، والفعل الاختياري طبعاً من جملة الممكِنات اكيداً، وهو تابع لقاعدته العامة أيضاً.
المقدمة الثالثة:
إنّ ترك الحرام يتوقف أو يلازم(3) أحد الأفعال الاختيارية لا محالة، فإذا ترك الحرام فهو لا بد أن يكون داخلاً في فعل اختياري ما، مهما كان حاله، لاستحالة خلو المكلف من فعل ما، ومن كونٍ من الأكوان الاختيارية -بحسب عبارة المحاضرات- وإذا لم يكن الكون الاختياري هو الحرام إذن انحصر في الأضداد
ــــــ[70]ـــــــ
(1) المقدمات وإن قلتَ إنّها أربع، لكنّ واحدةً منها، وهي وجوب مقدمة الواجب، لا ينبغي أن تُذكَر كمقدمة قابلة للنقاش؛ لأن كل المقدمات المسلّمة التي هي غير قابلة للنقاش، عادة لا تُذكَر فهذه المقدمة التي انتهينا منها، سواء قيل هناك بالوجوب أم قيل بعدم الوجوب، لا ينبغي التركيز عليها الآن، (منه).
(2) هو الفعل الذي يكون متعلقا بالتكليف، أي مأمورا به ومنهيا عنه، أو قل هو الذي يكون متعلقا للأمر والنهي، أو للوجوب أو للحرمة، (منه).
(3) اما من باب المقدمية أو من باب الملازمة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الأخرى، أي الأفعال الأخرى الاختيارية، فإذا لم يشتغل الفرد بأحد الأفعال المباحة غير الحرام وقع بالحرام لا محالة، إذن يكون الاشتغال بغير الحرام واجباً بتقريبين، وهذان التقريبان غير واضحين طبعاً في المحاضرات:
التقريب الأول:
لأنه ملازم للضد العام الواجب، لأنّ الضد العام للحرام هو تركه، وهو واجب، بناءً على ما قرروه -وأنا أيضاً وافقت على ذلك- من أنّ الضد العام منهي عنه. والفعل الاختياري ملازم مع الضد العام فيكون مأموراً به.
التقريب الثاني:
لأنّه مقدمة لترك الحرام، وترك الحرام واجب، ومقدمة الواجب واجبة. ومن هنا دخلت هذه المقدمة وهي وجوب مقدمة الواجب.
ومن الواضح أنّ أي واحدة من هذه المقدمات الضمنية أو التفصيلية إذا طُعِن بها ومُنِعت، فلا تكون الشبهة المذكورة صحيحة. وفي المحاضرات طعن في المقدمة الثانية، وهي أنّ الفعل الاختياري يحتاج في حدوثه وبقائه إلى مؤثّر، وقال: إنّ ما ذكره الكعبي في هذه المقدمة، إما مبتنٍ على مانعية وجود أحد الضدين عن الضد الآخر، وهو معنى المقدمية، وأما مبتنٍ على دعوى الملازمة بين حرمة شيء ووجوب ضده، أي ضده الخاص، وكِلا الامرين واضح الفساد:
أما الأمر الأول:
وهو المقدمية فقد تقدمت استحالة مانعية أحد الضدين عن الضد الآخر
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
بصورة مفصلة(1)، وعلى هذا لا يكون ترك الحرام متوقفاً على فعل ما غير الحرام من الأفعال الوجودية بل يكفي في عدمه عدم إرادته، وعدم الداعي إليه او إرادة إيجاد فعل آخر، وكيف كان فلا يتوقف ترك الحرام على أحد تلك الافعال الاختيارية(2).
اقول: إلا أن الجواب بهذا المقدار لا يكفي، إذ يمكن أن يجاب أنّ الملازمة والتوقف وإن كانت منتفية عقلاً بين عدم أحد الفعلين ووجود الآخر، إلا أنّها ثابتة عرفاً، وحيث أننا نفهم ظواهر الكتاب والسنة من الجهة العرفية، إذن فالتوقف موجود.
مضافاً إلى إشكال آخر وهو أننا ننقل الكلام من الأفعال إلى ارادات الأفعال، فهذه الأفعال لها ارادات في المرتبة السابقة عليها، وفي الباطن أي في داخل النفس، فإن ما نقوله في الأفعال يأتي عيناً في الارادات، وما نقوله في العلة التي هي مرتبة الإرادة، نقوله في المعلول الذي هو مرتبة الأفعال.
وفي ضوء ذلك فكما يكون ترك الفعل بمنزلة عدم المانع للفعل الآخر، كذلك عدم إرادته بالنسبة الى إرادة الفعل الآخر، فعدم إرادة الحرام مقدمة لإرادة
ــــــ[72]ـــــــ
(1) برهن في المحاضرات بان أحد الضدين لا يكون مانعا عن الضد الاخر، فلا يكون عدم الضد مستندا الى وجود ضده، بل هو إما مستند الى عدم وجود مقتضي له لكي يوجد، أو الى وجود مقتضي للضد الاخر، فالمانع ليس هو الضد، وانما مقتضي الضد الاخر، (منه).
(2) ينظر: محاضرات في علم الأصول 2: 326.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الفعل المباح، وحيث حرمت إرادة الفعل الحرام، وجب ترك إرادة الفعل الحرام، وتركها مقدمة لإرادة الفعل المباح، وملازمة لها، فيكون ذلك الفعل المباح أصلاً واجباً، وكذلك إرادته، ما لم نقل إنّ الإرادة ليست بالإرادة كما ربما يستفاد ذلك من كلام الشيخ الآخوند في الكفاية(1)، لكنه هذا ما نفيناه(2) في باب بحث اتحاد الطلب والإرادة.
وأمّا الأمر الثاني :
وهو الملازمة، لما عرفت من أنّه لا دليل على سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الآخر(3)، وقد سبق تفصيله وقلنا: إنّه لا ملازمة بين الحكمين الالزاميين، فلا يؤدي الحال إلى ثبوت شبهة الكعبي.
ونفى في المحاضرات أيضاً مقدمة أخرى، وهي لزوم مقدمة الواجب، وقال: إنّنا قلنا في محله بأنه مقدمة الواجب غير واجبة، وقد قلنا -بخلافه- في محله أنّ مقدمة الواجب واجبة، ثم قال: «نعم ربما يمكن للمكلف أن يعلم بأنّه لو لم يأتِ بفعل ما غير الحرام لوقع في الحرام باختياره وإرادته، حتى لو وقع في الحرام باختياره وإرادته، فحينئذٍ وإن وجب الاتيان به لدفع الوقوع في الحرام إلا أنّ وجوبه عقلي لا شرعي كما تقدم»(4)، أي أنّ للشارع أن يستغني بالحكم العقلي عن
ــــــ[73]ـــــــ
(1) ينظر: كفاية الأصول 64.
(2) ينظر: منهج الأصول 3: 85.
(3) في هذه الكبرى حتى لو قلنا بالملازمة، فانه لا دليل على ان المتلازمين في الوجوب، متلازمان في الحكم، (منه).
(4) محاضرات في أصول الفقه 2: 327. من قبيل شخص ما تتحرك عنده الشهوة الجنسية فلابد حينئذ ان يقرا كتابا او يخرج الى السوق او الى الحرم حتى يهدئ نفسه فيفعل شيئا من الافعال المباحة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الحكم الشرعي، ويكون الحكم الشرعي في مورد وجود الحكم العقلي لغواً.
اقول: وقد ظهر إمكان دفعه بما قلناه أكثر من مرة، من عدم إمكان الاكتفاء من قبل الشارع بحكم العقل، وكذلك ظهور الدلالة الالتزامية بحكم الشارع؛ لأنّ وجوب شيءٍ، له دلالة التزامية على مثل هذه الأمور، كالمقدمات وحرمة الضد العام ونحو ذلك.
مسلكنا في الرد على شبهة الكعبي
إلا أن الذي يهون الخطب أمران أحدهما عقلي والآخر شرعي، ويمكن إضافة أمر ثالث عرفي، وبهذه الأمور الثلاثة تنتفي شبهة الكعبي وتكون واضحة الفساد:
أولاً: الامر العقلي
وهو أنّ الواجب لو تَمت الشبهة، ليس انتفاء المباح كما يزعم الكعبي، لأنّ ترك شرب الخمر-مثلاً- يتوقف على فعلٍ ما، من الأفعال الاختيارية، أي يتوقف على كلي الفعل الاختياري، وليس على فعلٍ اختياريٍ بعينه، حينئذ ينتج هذا الجامع لنا علما إجمالياً، بأنّ واحداً من الأفعال الاختيارية يجب هنا، وليس هذا بعينه، ولا ذاك بعينه، ولا أي شيء معين من العناوين التفصيلية بعينه، وإنّما واحدٌ ما من الافعال الاختيارية يكون بديلاً للحرام، إذن حينئذٍ يكون التفكير على أحد مستويين:
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المستوى الأول:
أن نقول: إنّ هذا الجامع الإجمالي غاية ما يحصل منه أنّ واحداً من الأفعال الاختيارية واجب. وعلى افتراض أننا بهذا المستوى من التفكير نقبل ذلك، فلا بد من انتفاء الحرام، ولا يلزم انتفاء المباح، لأنه نحن نعلم أنّ غالبية الأفعال هي المباحة، والقليل جداً منها هو الواجب، وحينئذ لا يكون عندنا انتفاء المباح، ولو بنحو العلم الإجمالي، إذ لدينا علم اجمالي بوجود المباح، كما أنّ لدينا علم إجمالي بوجود الحرام وهذا يكفي لثبوت الإباحة في كثير من الأفعال.
ولكن لو اقتصرنا على هذا المقدار لقال الكعبي: إنّ كل واحد منها هو طرف في العلم الإجمالي المنجَّز على ما هو المفروض، الا أن ننفي تنجيزه بالمستوى الثاني، ففي هذا المستوى لدينا ظهور بأن العلم الإجمالي منجَّز، فإذا كان منجَّزا تحرم التفاصيل أيضاً، أي يحرم كل واحد بعينه من جهة أنّه طرف بالعلم الإجمالي.
المستوى الثاني:
أن نقول: هذا العلم الإجمالي غير منجَّز؛ لأنّه علم إجمالي بشبهة غير محصورة، لأنّ احتمالات الأفعال الاختيارية غير داخلة تحت الحصر فلا تدخل تحت التكليف، فإذا كانت هكذا فحينئذٍ لا يكون العلم الإجمالي منجَّزا، وإذا لم يكن منجَّزا انتهت الشبهة بالمرة.
ولكن ربما يكون هذا قابلاً للنقاش؛ لأنّه يتوقف على تعريف الشبهة غير المحصورة، وهذا يأتي في مبحث العلم الإجمالي في المباحث العقلية، إذ قد يقال بأنّ المهم ليس هو العدد، وانما هو التسلط، والتسلط على كل الأفعال الاختيارية
ــــــ[75]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
موجود فلا تكون الشبهة غير محصورة، وإنما تكون محصورة؛ ذلك بأنّ ما لا يدخل تحت نطاق التكليف من قبيل إنائين أحدهما هنا والآخر في بغداد أعلم بنجاستهما، فالإناء الذي ببغداد خارج عن نطاق التكليف، وإذا كان الأمر هكذا، فإن الأفعال الاختيارية كلها تحت التكليف، لانَّها كلها تحت الاختيار وأنا استطيع أن أنجزها.
ثانياً: الأمر الشرعي
وهو أن يقال بوضوح: إنّ نتيجة هذا الكلام وهو انتفاء المباح، مما لا يُحتمَل تصديقه في الشريعة أصلاً، بل هو خلاف ضرورة الدين، وإجماع علماء المسلمين، وكذلك خلاف الارتكاز القطعي للمتشرعة، فحتى لو توصل العقل إلى تحول المباح إلى واجب، إلا أنّ الدليل القطعي دال على بقائه على الإباحة، وهو أمر بيد الشارع مهما كان حاله، كأنّ الشارع يقول أنا أسمح لك بأن تفعل هذا الفعل في هذا الزمن، وفي هذا الفرض، وإن اقتضت القواعد المعطاة من قبلي حرمته أو وجوبه، وهذا دليل يقيني في المورد لا شك فيه، إذن فالتعبد الشرعي في المورد دال على الإباحة وهذا يكفي.
ثالثاً: الأمر العرفي
إنّ الشبهة مبتنية على أنّ كل ما يصدر من المكلف ما دام بالغاً عاقلاً رشيداً، هو فعل اختياري له حكم في الشريعة، وكل فعل اختياري له حكم في الشريعة؛ لأنّه ما من واقعة إلا ولها حكم، والواقعة إنما هي فعل يقوم به الفرد اختيارياً، والأمر بالدقة كذلك، إلا أنّه قد يُناقَش من ناحية عرفية، فقد يصدق عندئذٍ على
ــــــ[76]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المكلف أنّه تارك لكل الأفعال، كما لو كان ساكناً لا يتحرك لفترة أو متأملاً أو نائماً، وهذه الأمور وإن كانت أفعالاً عقلاً، إلا أنها ليست أفعالاً عرفاً، ومعه ففي الإمكان إيجاد أحدها -أحد هذه التي هي ليست أفعالا في العرف- دفعاً للحرام، ولا ينبغي عندئذٍ أن نقول: إنّه يصدق عليها أنّها فعل من الناحية العرفية، كما لا تكون سائر الأفعال واجبة لأنّها ليست ضداً حقيقياً، وهكذا تكون الأضداد ثلاثة: حرام، وفعل اختياري، وترك الفعل، فالجامع بين ترك الفعل، والفعل، يكون واجباً، وليس الفعل الاختياري بعنوان كونه فعلاً اختيارياً، فلم تتحول الأفعال الاختيارية إلى الوجوب.
وبهذا تمّ الكلام عن مسلك الملازمة، بالاستدلال على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، أي الاستدلال على حرمة الضد عن طريق الملازمة، والآن ندخل إلى المسلك الآخر أو الدليل الآخر على حرمة الضد، وهو مسلك المقدمية، وأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، بعنوان أنّ عدم أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر.
الدليل الثاني: مسلك المقدّمية
وهو العمدة في هذا الباب، وأحسن من عنونه في حدود علمي أو حدسي، ما ذكره في التقريرات، حيث ذكر توقف النتيجة على ثلاث مقدمات، في حين ذكر في المحاضرات مقدمتين بعنوان الصغرى والكبرى، والمظنون جداً أنّهما لا تصلحان كصغرى وكبرى، وإنما تصلحان كقاعدتين كبرويتين، بقياسين تقديريين مترتبين أو متعاقبين رتبة، كما سبق أن قلنا في المباحث السابقة، والمقدمات الثلاثة كما يلي:
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المقدمة الأولى: وهي توقف كل ضد على عدم الضد الآخر
والمراد من التوقف هنا التوقف المقدمي، بحيث يكون عدم الضد مقدمة لوجود الضد الآخر، وليس مطلق التوقف؛ لأنّ مطلق التوقف ثابت في الملازمة وفي المقدمية معاً، فالعنوان في المقدمة عام ونريد منه الخاص، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، وإلا لو قصدنا مطلق التوقف، لما كانت المقدمية صغرى لها بطبيعة الحال.
المقدمة الثانية: وجوب مقدمة الواجب، إن قلنا بوجوبها في بابها.
المقدمة الثالثة: حرمة الضد العام للواجب
حرمة الضد العام للواجب، وأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام.
ويمكن أن نضع عبارة تجمع ما بين المقدمتين الثانية والثالثة، وهي: أنّ الأمر بالشيء يقتضي وجود مقدمته وحرمة ضده العام، وهما أمران قد انتهينا من صحتهما فيما سبق، والذي يطعن بإحدى المقدمتين سوف يفسد النتيجة طبعاً، لأنّ النتائج تتبع أخس المقدمات، ولكنه من زاويتي فالمسألة منتهية كما بيّنا. وينحصر الكلام في المقدمة الأولى، وهي: ما إذا كان عدم أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر(1).
[بسط الكلام في المقدمة الأولى ونقاش ما جاء في التقريرات]
قال في التقريرات(2) -وهذه المزية الثانية في التقريرات- والحديث عن هذه
ــــــ[78]ـــــــ
(1) حسب فهمي ينبغي أن يُفترَض أن الضدين لا ثالث لهما، ثم نتوسع إذا أردنا التوسع، أما الآنّ فالقدر المتيَّقن من الكلام هو الضدان اللذان لا ثالث لهما، كأن نقول عدم السكون مقدمة لوجود الحركة، وعدم الحركة مقدمة لوجود السكون، (منه).
(2) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 294.
منهج الأصول (الجزء السادس)
المقدمة تارة في تقريبات اثبات هذه المقدمية ومناقشتها، وفي البراهين التي اقاموها لإبطال المقدمية تارة أخرى، فلدينا هنا مقامان: مقام اثبات المقدمية، ومقام نفي المقدمية.
المقام الأول: تقريبات إثبات المقدمية.
التقريب الأول:
«دعوى التوقف لكل ضد على عدم ضده باعتبار التمانع والتنافي بينهما في الوجود، وهذه الدعوى بهذه الصيغة الساذجة يكفي في ردها ما في الكفاية، من أنّه لو كان مجرد التنافي في الصدق مستلزماً للتوقف لكان الأمر في النقيضين كذلك أيضاً، وللزم توقف وجوب كل نقيض على رفع النقيض الاآخر، وهو مستحيل؛ لأنّ رفع النقيض الآخر هو عين الأول فيكون من توقف الشيء على نفسه»(1).
إلا أنّ هذا النقض يمكن دفعه بأكثر من وجه:
الوجه الأول: لو كان الأمر بهذا المقدار من التفكير، لأمكن التفريق بين الضدين والنقيضين؛ لأنّ النقيضين في رتبة واحدة، وأمّا الضدان فلم يثبت فيهما أنّهما في رتبة واحدة، فغاية ما ثبت أنّ وجود الضد، وعدم نفسه في رتبة واحدة، وأما وجود ضده الآخر ففي طول عدم الآخر، وهو معنى المقدمية.
الوجه الثاني: ما ذكره في التقريرات من التفريق بين الضدين والنقيضين،
ــــــ[79]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 295.
منهج الأصول (الجزء السادس)
ومحصّله بأنّ النقيضين عبارة عن أنّ أحدهما وجودي والآخر عدمي، في حين أنّ الضدين أمران وجوديان. والتوقف المذكور يصدق في الوجوديين فقط، أي وجود أحد الضدين يتوقف على عدم الآخر، وأمّا في النقيضين حيث أنّ أحدهما وجودي، والآخر وعدمي، فلا يصدق هذا التوقف، إلا أنّ كِلا الوجهين غير تامين:
أمّا الوجه الأول: فهو مبني على فكرة أنّ النقيضين في رتبة واحدة، وأمّا الضدان فيمكن أن يكونا في رتبتين، بحيث نتصور بينهما المقدمية والعلية، فحينئذٍ إذا نفينا هذه الفكرة ومنعناها، وقلنا: كما أنّ النقيضين في رتبة واحدة، كذلك الضدان في رتبة واحدة وجوداً وعدماً -أيضا على ما سوف يأتي- فالوجه الأول يزول.
وأمّا الوجه الثاني: فلِما قاله في التقريرات، وأجاب عليه من كونه يعود مصادرة على الموضوع، بأنّه يكون عين المدّعى، وهو توقف كلّ ضد على عدم ضده. فيعود الدليل إلى نفس المدعى وهذا إشكال صحيح.
والأصوب أن يُدفَع هذا التقريب بدعوى أنّ الضدين في مرتبة واحدة كالنقيضين، وكل شيئين لم يثبت بينهما الترتب الرتبي، إذن فهما في رتبة واحدة، وهذا معنى يشمل أي موجودين لوحظا باستقلالهما، يعني لو لوحظت النسبة بينهما، فليست نسبة تعدد الرتبة أصلاً، فلا يمكن القول بأنّ أحدهما متقدم رتبة على الآخر، سواء كان ذلك في عالم الخارج أم في عالم الواقع، فإذا نسبنا أشياء العالم الخارج بعضها إلى بعض، لم نجد أحدها متقدما بغض النظر عن العلة والمعلول،
ــــــ[80]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
وكذلك لو نسبنا موجودات عالم الواقع بعضها إلى بعض، أيضا لم نجد أنّ أحدهما متقدم رتبة والآخر متأخر رتبة، وكذلك لو نسبنا موجودات عالم الخارج إلى موجودات عالم الواقع أو بالعكس، من قبيل انطباق الكلي على مصاديقه، فهل أنّ الكلي متقدم رتبة، أم المصداق متقدم رتبة؟ أنا اقول ليس هذا متقدم رتبة، ولا هذا متقدم رتبة، ذلك بأنّ الكلي واقعي، والمصداق خارجي، وقد نسبنا جزءاً من عالم الواقع إلى جزءٍ من عالم الخارج، فحينئذٍ لم نجد بينهما تقدم وتأخر رتبي. وكذلك نسبة المتناهي إلى اللامتناهي، أي منهما متقدم رتبة؟ اللامتناهي هو واقعي، والمتناهي هو خارجي، فإذا نسبنا أحدهما إلى الآخر، لم يكن بينهما تعدد رتبي، وهكذا كل الأشياء هي تقريبا بهذا الشكل ما لم يثبت أنّها علة ومعلول.
وبتعبير آخر إنّ تعدد الرتبة لا يراد بها إلا العلية والمعلولية، فإن لم يحصل ذلك فلا تعدد رتبي بين أي شيئين، والأمر كذلك بالنسبة إلى النقيضين، وكذلك بالنسبة إلى الضدين بعد ضم مقدمتين:
المقدمة الأولى: استحالة أن يكون وجود أحد الضدين دخيلاً في علّية وجود الضد الآخر، فلا يدخل وجود أحدهما كعلة تامة أو كجزء علة في وجود الآخر؛ لأنّ ذلك خلف التنافي بينهما.
المقدمة الثانية: إنّ كل ضد ونقيض نفسه في رتبة واحدة؛ لأنّ النقيضين في رتبة واحدة، فينتج أنّ نقيض أو عدم أحد الضدين في رتبة وجود الضد الآخر، فتستحيل المقدمية أيضاً؛ لأنّ المقدمية معناه هو تعدد الرتبة.
وهنا ينبغي الالتفات إلى قاعدة كبرى نطبقها في المقام؛ بسبب أنّ لدينا مجموعتين اعتبرناهما في رتبة واحدة: وجود الضدين في رتبة واحدة، ويستحيل
ــــــ[81]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
وجود المقدمية بينهما. وكذلك وجود أحد الضدين مع عدم نفسه في رتبة واحدة.
والآن ينبغي أن نقول: إنّ وجود فرد من هاتين المجموعتين، مع فرد من الاثنين الآخرين أيضاً في رتبة واحدة، من قبيل أن نقول مساوي المساوي مساوي، فيثبت على أنّ أي واحد من وجود الضدين مع أي واحد من هذه المجموعة أيضاً، هو في نفس الرتبة بالدلالة التضمنية وليس بالدلالة الالتزامية.
إذن فهذا النقيض الذي هو عدم أحد الضدين مساوي مع الضد الآخر أيضاً في الرتبة، وما دام الضد المعين مسلوب المقدمية مع نقيض نفسه ومع ضده الآخر، فهو أيضاً مسلوب المقدمية فيما بينه وبين عدم الآخر، لأنّ مساوي المساوي مساوي. ودعوى التوقف المزعومة في هذا التقريب متوقفة على معنى المقدمية، لأنّه لا توقف بدون مقدمية، أو جزء المقدمة، فإذا ثبت عدم المقدمية وعدم التعدد الرتبي، انتفى التوقف. وهذا المعنى كما دفعنا به هذا التقريب ممكن أن ندفع به بعض التقريبات الأخرى.
التقريب الثاني:
«إنّ كل ضد لو لم يكن متوقفاً على عدم ضده الآخر، لزم إمكان تحقق علته التامة مع فرض وجود ذلك الضد، وهذا يلزم منه المحال، إذ لو فرض وجود العلة التامة للضد، فإنّ فُرض تأثيره في إيجاد معلوله وهو الضد، لزم اجتماع الضدين، وإلا لزم تفكيك العلة التامة عن المعلول، وكلاهما مستحيل، فلا بد وأن يتوقف وجود كل ضد على عدم الضد الآخر(1)».
ــــــ[82]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 295.
منهج الأصول (الجزء السادس)
توضيح:
إذا لم يتوقف الضد على عدم ضدّه الآخر، اذن فهو يناسب حتى مع وجوده، فإذا ناسب مع وجوده ففي الإمكان أن العلة التامة إذا وجدت لأحد الضدين، أن يقال: إنّ هنا أحد أمرين: أنّ هذه العلة التامة إما أن تؤثر، وإما أن لا تؤثر، فإن أثّرت لزم اجتماع الضدين وهو محال. وإن لم تؤثر العلة التامة، لزم عدم تأثير العلة التامة وهو محال أيضاً؛ إذ المفروض أنّ العلة التامة ضرورية في التأثير عقلاً، فإذا لم تؤثر لزم المحال، وإذن يتعين أن يكون أحد الضدين متوقفاً على عدم الضد الآخر، لأنه نقول: لا تتم علة هذا الضد، إلا إذا زال الضد الآخر، فتؤثر العلة مع عدم وجود الضد الآخر، ويتوقف على إزالته حتى تؤثر هذه العلّة.
قال في التقريرات: «وفيه أنّ غاية ما يثبت في هذا التقريب أنّ العلة التامة للضد، لا تجتمع مع وجود الضد الآخر، لا توقف الضد على عدم الضد الآخر»(1).
وتعليقاً على ذلك أقول:
إنّ المضادة كما هي بين الضدين أنفسهم، هي بين العلتين أيضاً، وكما أنّ المعلولين متضادان كذلك فإنّ العلتين متضادتان.
الخطوة الأخرى: أنّ علة (أ) مضادة للمعلول بنفس الضد، فلا تجتمعان أيضاً، وعلة (ب) مضادة لنفس الضد الذي هو المعلول من الطرف الآخر أيضاً، وهكذا أصبح التضاد بين أربعة أشياء، فإن فرض وجود علة أحدهما، لزم فرض
ــــــ[83]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 295.
منهج الأصول (الجزء السادس)
عدم علة الضد الآخر، لأنّهما ضدان، والضدان لا يجتمعان، فإذا فرض وجود العلة التامة لأحدهما لزم نفي العلة التامة للآخر، ففي المقام إذ يفرض وجود علة أحد الضدين وعدم علة الضد الآخر، كفى ذلك في وجوده في حدود هذا التقريب، يعني يتوقف على نفي الضد الآخر، إما نفي المعلول الذي هو نفس الضد، وإما نفي علته الذي هو ضد العلة. يعني بينما كنا نقول: بأنّه يتوقف على عدم الضد، نقول الآن: يتوقف على عدم علة الضد، وعلة الضد ليست بعيدة، لأنّها بنفسها ضد أيضاً، فكذلك يتوقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر، أي وجود أحد العلتين على عدم العلة الأخرى التي هي أيضاً مضادة.
[عدم وجود نسبة بين علة أحد الضدين مع وجود الضد الآخر]
فإن قلتَ: إنّنا يمكن أن نقول: إنّنا نلاحظ كل ضد مع علته، وهو متأخر عنها رتبة، وفي هذه الرتبة المتأخرة هو مساوي لضده الآخر في الرتبة، لأنّ الضدين في مرتبة واحدة، إذن يكون الضد الآخر متأخراً عن علة ضده كما أنّ نفس المعلول الذي هو أحد الضدين متأخر، كذلك ما كان في رتبته، متأخر أيضاً.
وهذا الكلام لا يخلو من أهمية، إلا أنّه لا واقع له إذ لا نسبة بين علة أحد الضدين مع وجود الضد الآخر، ومعه لا موجب للقول بتعدد الرتبة بينهما، مضافاً إلى شيء آخر قلناه سابقا، وهو:
أولاً: إنّ كل ضدين في رتبة واحدة، وهذه كبرى.
ثانياً: إنّ علة أحد الضدين مع وجود الضد الآخر ضدان كما قررنا قبل قليل، إذن هما في رتبة واحدة، وهذه الصغرى.
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
فإن قلتَ: يلزم من هذا لازم باطل، فإن شيئاً واحداً -وهو هذا الضد الذي لم نلحظ علته- يكون في رتبة واحدة مع أمرين مختلفين في الرتبة، وهما الضد الآخر وعلته، فالضد الآخر مع علته متعدد، وهذا الضد إما هو متعدد الرتبة مع المعلول، وإما أن يكون متحداً في الرتبة مع العلة، وإما أن يكون متحداً في الرتبة مع العلة والمعلول معاً، وهذا غير معقول لأنهما في رتبتين، واتحاد شيء واحد مع رتبتين لا يمكن؛ لأنّه يلزم منه تأخر الشيء أو تقدم الشيء على نفسه.
قلنا: يجاب ذلك نقضاً وحلاً:
الجواب النقضي:
فإننا لو لاحظنا سلسلة علل ومعلولات معينة، مثلا كطلوع الشمس، ومعلوله وجود النهار، ومعلوله انكشاف الأشياء، ومعلوله رؤية الاعمش الذي لا يرى في الليل يرى في النهار، وهكذا، وقسنا هذه الأمور إلى شيء معين كهذا الرجل أو هذه الشاة أو هذا البساط، كان هذا الرجل -مثلاً- مساوي النسبة وفي نفس الرتبة مع كل العلل والمعلولات المترتبة طولياً، إذ لا علية بينها لكي يكون متقدماً عليها أو متأخراً عنها، إذ لا موجب للطولية فيه مع أي منها، وكل الاشياء على ذلك.
الجواب الحلّي:
إنما يلزم تقدم الشيء على نفسه، لو لزم أن يكون الشيء موجوداً في جانب العلة وموجود في جانب المعلول معاً، فيكون من تقدم الشيء على نفسه، وهذا مستحيل، إذن فلازمه باطل، لأنه يلزم وجود الشيء بنفسه في العلة ووجوده في
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المعلول وهذا باطل. والرجل -في مثالنا المذكور- ليس في العلة ولا في المعلول، وإنما متزامن مع العلة ومتزامن مع المعلول، وليس جزءاً من العلة، ولا تمامها، ولا جزءاً من المعلول ولا تمامه، وإنما شيء خارجي نريد أن ننسبه إلى العلة تارة وإلى المعلول تارة أخرى فيكون مساوياً مع العلة ومساوياً مع المعلول، فلا يلزم تقدم الشيء على نفسه.
مضافاً إلى أننا يمكن أن نقول -لا أقل من باب الإيضاح-: إنّ نسبة شيء إلى شيء، هو معنى إضافي، أو قل معنى ذهني، أو قل معنى انتزاعي، له درجة من الواقعية، فحينئذٍ معناه أنه ليس موجوداً في عالم الخارج وعالم الثبوت، وإنما هو مدرَك ذهنياً، وإذا كان مدرَك ذهنياً إذن في عالم الثبوت لم يلزم تقدم الشيء على نفسه.
[لزوم أن العلة التامة لا تنتج معلولها]
فإن قلتَ: فإنّه في الفرض المصرح به في التقريب يستحيل أن يوجد المعلول مع وجود ضده الآخر؛ لأنه يلزم اجتماع الضدين، وإذا استحال أن يوجد مع ضده الآخر، إذن معناه أن العلة التامة لا تنتج معلولها؛ للزوم اجتماع الضدين، فإذا لم تنتج معلولها، يلزم تخلف المعلول عن علته التامة، وهذا معناه مشاركة أحد الضدين في علية ضده الآخر بإيجاد المانع، أي أن وجود أحد الضدين أصبح مانعاً عن انتاج علة الضد الآخر، ونحن لا نعني من التقدم الرتبي إلا نحو هذه العلية، ويكون عدمه عدم المانع كما قال المستشكل.
قلنا: هذا يجاب نقضاً وحلاً:
ــــــ[86]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الجواب النقضي:
إنّ هذا معناه أن نقيض الشيء يكون متقدماً رتبة على نقيضه، أي أن العدم يكون متقدماً رتبة على وجود شيء واحد، في حين أن النقيضين في رتبة واحدة، ويستحيل أن يكون أحدهما متقدماً على الآخر، لأن عدم الضد يكون جزء العلة لضده الآخر، من باب عدم المانع فيكون جزء العلة، في حين وجود الضد- الذي هو نقيض ذلك العدم- لا يشارك في العلية، إذ لا يحتمل أن يكون المانع مشاركاً في العلية، أو في جزء العلة، أو في رتبة العلة، وإنما ذلك يختص بعدم المانع، لا بوجود المانع، فيكون العدم -عدم المانع- متقدما رتبة، وأما الوجود الذي هو نقيضه فيكون متأخراً رتبة. وهذا على خلاف قانون النقيضين لأنّ النقيضين دائماً يكونان في رتبة واحدة فهذا نقضه.
الجواب الحلّي:
وهو أن نقول: إنّ أصل فرض الإشكال محال، فأن توجد العلة التامة لأحد الضدين مع وجود الضد الآخر، فهذا لا يتصور عقلاً، فإنّه أيضاً من اجتماع الضدين لما بيناه من مضادة العلتين والمعلولين لضدين(1)، إذن مع فرض وجود أحد الضدين، يستحيل أن تتم علة الضد الآخر، لأنّه يلزم اجتماع الضدين المستحيل.
ــــــ[87]ـــــــ
(1) فهذه العلة التامة مضادة للمعلول الموجود، فإذا وجِدت علة تامة مع هذا المعلول الموجود اجتمع الضدان، لا الضدان المعلولان، وإنما علة أحدهما مع معلول الآخر لو صح التعبير، فهما ضدان لا يجتمعان أيضاً، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
التقريب الثالث:
التقريب الثالث لمقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر، ما ذكره في التقريرات(1) من دعوى مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الآخر بالطبع، أي يوجد هناك تقدم طبعي، لا تقدم رتبي، والتقريب السابق كان مبنياً على التقدم الرتبي وقد نفيناه.
والتقدم الطبعي غير التقدم في الوجود، وغير التقدم في الزمان، فالتقدم في رتبة الوجود عبارة عن العلية والمعلولية وهذا غيرها، والتقدم في الزمان من قبيل الشيء الماضي مع الشيء الحاضر، وهذا غيرها، «وقد فسر التقدم بالطبع في الحكمة بأنّه عبارة عن الذي يكون موجوداً كلما فرض وجود المتأخر بالطبع دون العكس»(2). من قبيل متى وجِد المعلول فقد وجِدت العلة، لكن ليس كلما وجِدت العلة وجد المعلول. وجملة من الأشياء هكذا تكون من دون أن تكون بينهما علية فإذا وجِدت الإنسانية فقد وجِدت الحيوانية، لكنه إذا وجِدت الحيوانية ليس بالضرورة أن توجد الإنسانية. إذن فالحيوانية وإن لم تكن متقدمة بالرتبة ولا بالزمان، وإنما متقدمة بالطبع.
«وقالوا إن هذا يكون بين الماهية وأجزائها، فالحيوانية متقدمة بالطبع على الإنسان إذ كلما فرض الإنسان كان الحيوان موجوداً دون العكس، وليس كلما فرض الحيوان موجوداً فرض الإنسان موجوداً , ويكون أيضاً بين المقتضي
ــــــ[88]ـــــــ
(1) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 295.
(2) ما بين الهلالين تنصيص من المصدر المذكور.
منهج الأصول (الجزء السادس)
ومقتضاه دون العكس، إذ كلما فرض وجود المقتضى أي المعلول كان المقتضي موجوداً، ايضا دون العكس»، والمقتضي هو العلة الناقصة، فإذا وجِد المعلول فعلته التامة موجودة، ومن جملة أجزاء العلة التامة المقتضي، فمتى ما وجِد المعلول وجد المقتضي، ولكن ليس إذا وجِد المقتضي وجِد المعلول، لأن المقتضي وحده علة ناقصة، «وموجوداً أيضاً بين الشرط والمشروط»، إي إذا وجِد المشروط فقد وجد الشرط ضمناً، وليس إذا وجِد الشرط وحده، وجِد المشروط، فليس هناك علّية، لأنّ جزء العلة ليس علة أكيداً، والمقام صغرى له، أي كلما وجِد الضد كان عدم الضد الآخر ثابتاً لا محالة، دون العكس، أي إذا كان عدم الضد الآخر موجوداً فليس بالضرورة أن الضد الآخر موجود، فبينهما تقدم طبعي، إذ قد يوجد الضد من دون وجود الضد الأول، ويرد عليه أكثر من جواب:
الجواب الأول:
ما ذكره في التقريرات «أنّ المقدمية الطبعية لا تكون مِلاكا للوجوب الغيري، وإنما المِلاك للوجوب الغيري إنما هو التوقف في الوجود، والتقدم بالطبع لا يلزم أن يكون كذلك». ونستطيع أن نقول: إنّ كل ما هو متوقف في الوجود، هو متقدم بالطبع وليس كل ما هو متقدم بالطبع متوقف في الوجود، فالعلة متقدمة رتبة وطبعاً، والتقدم الطبعي ليس من سنخ المقدمة، حتى نقول إن عدم أحد الضدين مقدمة للضد الآخر، حتى لو سلّمنا أنّه متقدم بالطبع.
أقول: وهذا الجواب صحيح؛ لأنّ كلامنا الآن في المقدمية، فما لم يثبت صغرى المقدمية، لا يمكن أن يكون مشمولاً لحكمها، أي الوجوب الغيري، فلا
ــــــ[89]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
يحكم عدم الضد الآخر بالوجوب، وإن كان متقدماً على المعلول بالطبع؛ لانتفاء التوقف في التقدم الطبعي.
الجواب الثاني:
من الواضح أنّ هذا التقريب خاص بالضدين الذين لهما ثالث، ولذا يقول: إذ قد يوجد عدم أحد الضدين، من دون وجود الضد الآخر، يعني ينعدم الضدان معاً، وهذا لا يكون طبعاً إلا في الأضداد المتعددة، وأما إذا كان ضدان فقط، من قبيل الحركة والسكون، أو النور والظلمة ونحو ذلك، فيتعين عند عدم أحدهما وجود الآخر.
فقد يقول قائل بأننا نقبل هذا الكلام في الأضداد المتعددة، وليس في الضدين الذين لا ثالث لهما، قلنا: هذا أكثر فساداً، فإننا لو تنزلنا عن كل ما قلناه فيما تقدم، لزم أن يكون عدم كل الأضداد الأخرى أجزاء علة في وجود الضد المعيّن الذي نتكلم عنه، وهذا لم يقل به فاضل فضلاً عن محقق، وإن كان مقتضى قواعدهم التقليدية هو ذلك، إلا أنّه على بطلان القاعدة أدل.
التقريب الرابع:
ما ذكره في التقريرات، وأنّه لا يحتاج إلى كبرى: أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، كما احتاجتها التقريبات السابقة، «وذلك بأن يقال ابتداءً: إنّ الفعلين المتضادين في الوجود الخارجي(1)، يلزم أن يكون بينهما تضاد بين
ــــــ[90]ـــــــ
(1) لا نقصد من الضدين من قبيل النور والظلمة، أو الحركة والسكون، وانما الفعلين الوجوديين المتضادين، اللذين يعجز الفرد عن الاتيان بهما معا، وفي طول العجز عن الاتيان بهما يصبحان ضدين، والا في الحقيقة هما ليسا بضدين، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
حكميهما، بنحو مناسب لسنخ التضاد الموجود بينهما، فإذا كان وجود أحدهما -أي أحد الضدين- موجباً لامتناع الآخر، فينبغي أن يكون إيجاب أحدهما مستلزماً للمنع عن الآخر، إلا أن هذه الدعوى لم يدعها أحد… كما أنه لا برهان ولا وجدان يقتضيها»(1).
أقول: هذا التقريب يبتني على مقدمتين:
الأولى: أنّ يكون أحد الضدين موجباً لامتناع الآخر.
الثانية: أنّ المتضادين موضوعاً، متضادان حكماً، وكلتا هاتين المقدمتين قابلتان للمناقشة:
أما المقدمة الاولى :
وهي أن يكون أحد الضدين موجباً لامتناع الآخر، فإنه بعد أن ثبت إن عدم أحد الضدين ليس علة، ولا ملازماً مع الضد الآخر، تبقى هذه الدعوى مبتنية على مجرد التمانع بين نفس الضدين، وهي من الناحية العرفية صحيحة، وأمّا من الناحية العقلية فتكون بمنزلة المصادرة؛ لأنها ترجع إلى نفس المدعى، الذي هو التمانع بين الضدين وليس شيئاً آخر.
وأما المقدمة الثانية
وهي أن المتضادين موضوعاً، متضادان حكماً، فهي تشبه ما سمعناه فيما سبق، من أنّ المتلازمين موضوعاً، متلازمان حكماً، فكذلك المتضادان موضوعاً، متضادان حكماً، لكن قد سبق أن ناقشناها بعدة وجوه، وأكثر ما قلناه في مناقشتها
ــــــ[91]ـــــــ
(1) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 298.
منهج الأصول (الجزء السادس)
هناك يصلح إيراده هنا في مناقشة هذه الملازمة، ولا حاجة إلى التفصيل فيها.
هذا هو الكلام في المقام الأول، وهو مقام إثبات المقدمية بالبراهين مع مناقشة تلك البراهين ولم يثبت أي برهان.
المقام الثاني: براهين(1) ابطال المقدّمية
وقبل الدخول في بيان البراهين ومناقشتها، نلفت النظر إلى أمرين:
الأوّل: في هذا المقام نعرض البراهين التي قيلت أو يمكن أن تقال لإبطال توقف أحد الضدين على عدم الآخر، والمفروض في حدود فهم المشهور على الأقل، أن يكون بعض هذه البراهين صحيح؛ ذلك بأنّه لا يكفي أبطال البراهين على المقدمية، فإذا لم تثبت تبقى محتملة، فلا بد من البرهنة على عدمها بشيء من هذه البراهين المذكورة في هذا المقام.
الثاني: أننا في غنى عن كل هذه البراهين، حتى لو لم يثبت شيء منها، إذ إنّ الفكرة البسيطة نسبياً التي قلتها سابقاً كافية في الرد، وتنفعنا في هذا المقام، وهو ان المتضادين أربعة أشياء، بين المعلولين، وبين العلتين، وبين كل علة ومعلول من هذه المتضادات، ومادام أنها متضادات بهذا الشكل، فإذن هي متساوية في الرتبة، ويستحيل أن يكون أحدهما متقدماً في الرتبة على الآخر، وتكون المقدمية سالبة
ــــــ[92]ـــــــ
(1) عبّر السيد الشهيد محمد باقر الصّدر في التقريرات عن أدلّة اثبات المقدمية في المقام الأوّل بالتقريبات، وعن أدلّة إبطال المقدمية في المقام الثاني بالبراهين، وهذا التغاير من جهة نفسية؛ لأنه يرى أنّ إثبات المقدمية غلط فيسميها تقريبات، ويرى نفي المقدمية صحيح، فيسميها براهين، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
بانتفاء الموضوع؛ إذ مع اتحاد الرتبة تنتفي مقدمية.
البرهان الأوّل:
وهو البرهان الذي ذكره في التقريرات ويتألف من مقدمتين:
المقدمة الأولى:
«أن مقتضى الضد إذا كان مساوياً له أو أرجح من مقتضى الضد الآخر فهو مانع عنه(1)، وذلك ببرهان أنه لو اجتمع المقتضيان معاً، وهو أمر ممكن إذ لا تضاد بينهما(2) -أي بين المقتضيين- بحسب الوجدان… وكانا بدرجة واحدة من حيث الفاعلية والتأثير، فإما أن يفترض تأثيرهما معاً(3)، أو يفترض تأثير أحدهما دون الآخر، أو يفترض عدم تأثيرهما معاً وعدم وجود شيء من الضدين. لا مجال للأول، لأنّه يستلزم اجتماع الضدين، ولا للثاني لأنّه ترجيح لأحد المتساويين على الآخر بدون مرجح(4)، وهو محال، فيتعين الثالث، وهو يعني مانعية المقتضي المساوي لأحد الضدين عن الضد الآخر(5). إذ لا يوجد غيره… وإذا صح هذا في
ــــــ[93]ـــــــ
(1) أي أنّ علة أحد الضدين مانعة عن وجود الضد الآخر بفرضين، بفرض التساوي في الاهمية بينهما، وبفرض ان تكون هذه العلة أهم وأقوى من العلة الأخرى، (منه).
(2) ونحن قلنا أنّ هناك تضاداً كما سبق، (منه).
(3) أي أنّ هذا علة تامة اوجدت معلولها، وهذا أيضاً علة تامة اوجدت معلولها، (منه).
(4) أو قل بدون مرجح ثبوتي، ولا شأن لنا مع المرجحات الاثباتية، (منه).
(5) أي أنّ كل مقتضٍ منع المقتضي الآخر من التأثير، فتبادلا المانعية، فلم يوجد هذا، ولم يوجد ذاك، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
المقتضي المساوي في درجة الفاعلية مع مقتضي الضد الآخر، فهو صادق أيضاً فيما لو كان أرجح منه وأشد فاعلية وتأثيراً.(1)».
أقول: وهذا من الغرائب لعدة وجوه:
الوجه الأوّل: إنّه يقصد من مقتضيي الضدين، العلتين التامتين للضدين، إلا من ناحية مانعية نفس الضدين، وإلا بغض النظر عن هذه المانعية فهي تامة، وقد تحصّل مما سبق: أنّ اجتماع العلتين التامتين للضدين حتى بهذا المقدار مستحيل، لأنّه من اجتماع الضدين، وليس المقصود اجتماع المعلولين بل نفس العلتين هما ضدان، فيلزم اجتماع الضدين وهو مستحيل.
الوجه الثاني: إنه لا يتعين الفرض الثالث كما زعم، لأنّ لازمه التفكيك بين العلة والمعلول، وبتعبير آخر: إذا لم تنتج كلتا العلتين يلزم ارتفاع الضدين وانعدام الضدين اللذين لا ثالث لهما، والضدان اللذان لا ثالث لهما كما لا يجتمعان لا يرتفعان بطبيعة الحال، كالنقيضين من هذه الناحية، فيبطل الدليل بكل احتمالاته الثلاثة المنحصرة.
الوجه الثالث: أننا بعد أن نفترض صحة عدم تأثيرهما معاً، فهذا يلزم منه عدة محاذير أخرى:
أولاً: ارتفاع الضدين وهو مستحيل إذا لم يكن لهما ثالث.
ثانياً: عدم تحقق المانع لأحدهما، لما قاله من أنّ المانع إنما يكون مانعاً حال
ــــــ[94]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 298.
منهج الأصول (الجزء السادس)
وجوده، لا حال عدمه، والمفروض أن هذا الضد غير موجود ليكون مانعاً، وهذا الضد الآخر غير موجود ليكون مانعاً، إذن فالمانع عن هذا المقتضي منتفٍ، والمانع عن المقتضي الآخر منتفٍ أيضاً.
ثالثا: إنه لو صح وتنزلنا عما سبق، لكان من المانعية المتقابلة، يعني يكون كل منهما مانعاً عن الآخر، مع فعلية بقية أجزاء العلة، كالمقتضي والشرط والمُعِد، ونحو ذلك، وهذا دور في جزء العلة، ومن نفس السنخ أي كلاهما عدم مانع، مثلاً إذا قلنا بانه أحدهما يلزم منه تخلف شرط، والآخر وجود مانع، ربما لا يلزم الدور، وأما من نفس السنخية، فيكون نحواً من الدور، فيكون محالاً.
الوجه الرابع: إنّ هذا الدليل لو تم فإنما يتم في الضد المساوي فقط، أو المقتضي المساوي في الفاعلية والتأثير، ولا يشمل ما إذا كان أحدهما أقوى، إذ إن الأضعف لا يصلح للمانعية عن الأقوى، ولا يكون تأثيره ترجيحاً بلا مرجح، بل ترجيحاً بالمرجح وهو الاقوائية المفروضة.
الوجه الخامس: ما ذكره السيد الهاشمي في الهامش من «أنّ هذا البرهان موقوف على إمكان افتراض وجود المقتضيين المتساويين للضدين خارجاً، وهذا لا دليل عليه بل على عدم إمكانه دليل، لأن ارتفاع الضدين أيضاً محال فلا بد من وجود أحدهما(1)، وهذا يعني لا بدية اقوائية مقتضي أحد الضدين، أو رجحانه على
ــــــ[95]ـــــــ
(1) لأنّه حسب الدليل المذكور سابقاً، انه يلزم ان يكون كلا المقتضيين غير مؤثر، فلا يحصل: لا هذا الضد، ولا هذا الضد، بل على عدم امكانه دليل؛ لان ارتفاع الضدين محال، فلابد من وجود أحدهما، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الآخر(1)، هذا في الضدين الذين لا ثالث لهما، وأما إذا كان لهما ثالث فيمكن ارتفاعهما ووجود الثالث، إلا أن الخصم يدعي هنا أن الثالث هو المانع عن الأول والثاني(2)».
أقول: تحصل جوابه مما سبق، وأنه لا فرق بين الضدين اللذين لا ثالث لهما، أو الأضداد المتعددة، من حيث أنّها جميعاً في رتبة واحدة، وجوداً وعدماً، وعلةً لو صح التعبير، إلا أنّ ما قاله من أنّ العنوان المشهور للباب هو: «والضدان اللذان ليس لهما ثالث»، فصحيح؛ ذلك بأنّ التبادر من كلام المشهور، هو أنّهم يتكلمون عن الضدين اللذين ليس لهما ثالث، وليس عن الضدين اللذين لهما ثالث.
المقدمة الثانية:
«ان نفس الضد لا يكون مانعاً -عن وجود الضد الآخر- ولو في عرض مانعية مقتضيه(3)، وذلك باعتبار أنّ منعه عن الضد الآخر، إن كان قبل وجوده فهو مستحيل، إذ المانعية فرع وجود المانع، وإن كان بعد وجوده(4)، فوجوده موقوف على تمامية مقتضيه(5)، الذي يعني وجود ذات مقتضيه وأن يكون راجحاً
ــــــ[96]ـــــــ
(1) لأنّه اجتماعهما مستحيل، فلو كانا بالتساوي فلا يصح، وارتفاعهما مستحيل، وترجيح بلا مرجح أيضاً مستحيل فلا بد من وجود مرجح دائماً في القضاء الإلهي لأحد الضدين؛ لكي ترتفع الاستحالة الثبوتية. وهذا صحيح لو تنزلنا عن الإشكالات السابقة، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول، 2: هامش 299.
(3) أي: لا يكون أحد الضدين مانعاً عن الضد الآخر، سواء افترضنا أن مقتضي الضد الآخر مانع أم لا، (منه).
(4) أي: وجِد الضد فأصبح مانعاً عن وجود الضد الآخر، (منه).
(5) أي: على علته التامة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
على مقتضي الضد الآخر(1)، وهكذا يعرف أنّ وجود الضد موقوف على تحقق المانع عن الآخر(2)، فيستحيل أن يكون مانعاً عنه(3)، بمعنى أن يكون في طول مقتضيه، وفي طول مانعية مقتضيه، بل راجحيته أيضاً (4)، إذ لولا مانعيته عن تأثير المقتضي للضد الآخر، لوجد الضد الآخر(5). فامتنع وجود الضد الأول، إما لوجود مانعه، أو لوجود الضد، ولولا راجحيته أو مساواته، لما وجِد شيء من الضدين على ما تقدم في المقدمة الأولى(6)، فإذا كان وجود أحد الضدين في طول امتناع الآخر،
ــــــ[97]ـــــــ
(1) فلو لم يكن راجحاً على مقتضي الضد الآخر لم يؤثر، ففي صورة التساوي مع الضد الآخر لا يؤثر مع مقتضي الضد الآخر، وفي صورة مرجوحيته من مقتضي الضد الآخر لا يؤثر أيضاً، (منه).
(2) أي: أنّ وجود الضد (أ) موقوف على أنّ الضد الآخر (ب) تحول دون وجوده الموانع، فإذا منع عن الوجود بمانع ولم تؤثر علته في وجوده، يجب الضد الآخر (الضد ألف) أي إن لم يوجد الضد (ب) لوجود المانع، وجِد الضد (أ) ، (منه).
(3) فيستحيل أن يكون الضد (أ) مانعاً عن الضد (ب) لأنّه متأخّر رتبة عن علة الضد (ب) فكيف يكون مانعا عنه، (منه).
(4) أي: لا يمكن أن تكون راجحيته في طول مقتضي الآخر، ولا في طول مانعية مقتضي الآخر، (منه).
(5) لولا أنّ مقتضي أحد الضدين مانع عن علية الضد الآخر، لوجِد الضد الآخر، (منه).
(6) بمعنى: لولا أنّ مقتضي هذا الضد راجح أو مساوٍ، لما وجِد أحد الضدين إطلاقاً؛ لأنّه في صورة المساواة لا يوجد أحد الضدين، وفي صورة الرجحان يوجد الضد الآخر الذي هو الأرجح، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
استحال أن يكون مانعاً عنه، أو أن يكون مؤثراً في إعدامه، فإن العلة إنما تتعقل في حق ما يكون ممكناً في مرتبة وجودها، لا ما يكون واجباً أو ممتنعاً في تلك المرتبة»(1).
أقول: ومن الواضح أنّه يكفي في نقد هذه المقدمة عدم تمامية المقدمة الأولى، لأنّ الاستنتاج النهائي ناتج من تلك المقدمتين، فإذا فشلت إحدى المقدمتين-كما قد ناقشناها وانتهينا منها- فالنتيجة النهائية لا تكون موجودة لبطلان إحدى المقدمتين، وهذا يكفي، إلّا أننا مع ذلك، وعلى مقتضى التسلسل الفكري المنهجي، هو أن نتنزل عن إشكالات المقدمة الأولى، ونحسبها الآن صحيحة، ونأتي إلى مناقشات المقدمة الثانية، لكي نرى أنّها بنفسها هل هي صحيحة أو لا؟ وفي الإمكان بيان عدة وجوه للمناقشة هنا:
الوجه الأول: أن يقال إنّ غاية ما يدل عليه هذا الوجه، في هذه المقدمة الثانية التي سمعناها هو كون وجود أحد الضدين لا يصلح أن يكون مانعاً عن وجود الضد الآخر، لأنّه متأخّر رتبة عن علة ضده، لا أنّه لا يكون موقوفاً على عدمه، فوجود أحد الضدين ليس مانعاً عن وجود الضد الآخر، ولكنّه يناسب أن يكون وجود أحد الضدين، موقوفاً على عدم الآخر، وإن لم يكن وجوده مانعاً، وهذا بالدقة غير المطلوب.
إنّ هذا الذي نتج من المقدّمة وهو أنّ وجود أحد الضدين ليس مانعاً عن
ــــــ[98]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 298-299. نستطيع القول إن كلامه هذا لا يخلو من غموض، وسيتضح من خلال الإشكالات التي سوف ترد عليه، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الضد الآخر، هو غير المطلوب في عنوان المسألة، وهو أنّ عدم أحد الضدين دخيل في وجود الضد الآخر، لا أنّ وجود أحد الضدين دخيل في عدم الضد الآخر، إلّا إذا حصلت الملازمة حينئذٍ يصح، بأنّه إذا لم يكن وجوده مانعاً، لم يكن عدمه عدم المانع. وقد برهنا هذه الملازمة، حينئذٍ يحتاج إلى مثل هذه المقدمة لتتميم المطلب. ولكنّ ذلك ليس صحيحاً؛ لأنّ الجزاء أي عبارة: (لم يكن عدمه عدم المانع)، أعم من الشرط، فمثلا تصدق هذه الشرطية في طرف الإثبات، بأن نقول: ما يكون وجوده مانعاً، يكون عدمه عدم المانع. وهذا أكيد، إلّا أنّها في طرف النفي ليست كذلك، إذ قد يكون أحد الضدين متوقفاً على عدم ضده الآخر، من دون أن يصدق عليه أنّ وجوده مانع؛ لأنّ المتوقف في الحقيقة تمامية العلة، وليس الوجود المباشر للمعلول، فقد لا يكون وجوده مانعاً عن الوجود المباشر لضده(1)، إلّا أنّ عدمه ضروري لتمامية علة الضد، أي لكي تصبح علّة الضد تامّة، ومتصفة بعدم المانع، فإذن حصل تخالف بين المدعيين، فما يثبته في الدليل شيء، وما هو في عنوان المسألة شيء آخر.
الوجه الثاني: أنّنا حين نقول: إنّما يوجد أحد الضدين عند عدم المقتضي الأقوى لضدّه، أو عدم المقتضي المساوي لضدّه(2)، فليس هذا العدم بمنزلة العلة. بعبارة أخرى إنما يوجد أحد الضدين عند نفي أمرين: الأرجحية والتساوي لعلة
ــــــ[99]ـــــــ
(1) فالتضاد الذي هو في مرتبة واحدة، لا يوجد فيه تمانع، ولكنه مع ذلك عدمه، أي: عدم ضد (ب) دخيل في علّية ضد (أ) ، (منه).
(2) بعبارة أخرى: يوجد أحد الضدين إذا لم تكن علّة ضدّه أقوى، أو مساوية، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الضد، فما هو المتقدم رتبة هو العدم، أي: عدم الارجحية وعدم التساوي. حينئذٍ يقال هنا أنّ العدم لا دخل له بالموضوع، إذ لا يؤثر العدم بما هو عدم، فعدم الأرجحية، وعدم التساوي لا يؤثر، وإنما لهما –أي لعدم الأرجحية وعدم التساوي –لازمٌ، هو المؤثر، وهذا اللازم هو علة الضد الذي نتكلم عنه.
إذن هذا العدم ليس بمنزلة العلة، أي عدم الأرجحية وعدم التساوي، بحيث يكون متقدما رتبة على الضد الآخر، ويكون ذلك الضد في طول هذا العدم؛ لاستحالة تأثير العدم، وإنما بمعنى اشتراط اللازم وهو اقوائية المقتضي في هذا الضد الآخر لكي يوجد، فلا طولية في البين(1)، لكي يستحيل أن يكون الضد الآخر مانعاً، لأنّ غايته أنّ الاستحالة تثبت في المراتب الطولية، فإنّه إذا كان أحد الضدين متأخراً عن علة الضد الآخر، وجوداً أو عدماً استحال أن يكون مانعاً عنه؛ لأنّه يكون متقدماً رتبة عليها، فيفرض ما هو متأخّر متقدماً وهو مستحيل.
الوجه الثالث: قوله: «فإنّ العلة تتعقل في حق ما يكون ممكناً في رتبة وجودها، لا ما يكون واجباً أو ممتنعاً في تلك المرتبة» على هذا الكلام إشكالان:
أولاً: وهو الإشكال البياني، وحاصله أنّ التعقل يرجع إلى مرحلة الإثبات لا إلى مرحلة الثبوت، لأنّ التعقل هو التعرّف على الشيء وفهمه، في حين أنّ المراد هو مرحلة الثبوت، يعني يستحيل واقعاً أن تكون هكذا، بغض النظر عن التعقل وعدم التعقل، وإن كان هذا تعبير مشهوري، إلّا أنّه مع ذلك فيه تسامح.
ثانياً: وهو الإشكال العلمي، وحاصله أنّ قوله في التقريرات: «إنما تتعقل
ــــــ[100]ـــــــ
(1) بين عدم الارجحية والتساوي وبين وجود هذا الضد الآخر، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
العلية في حق ما يكون ممكناً في رتبة وجودها»، والمفروض أنّ الضد متأخّر رتبة عن وجودها، فلا تتعقل المانعية، هذا فيه أكثر من جواب:
1- إنّها يستحيل أن تتوقف على شيء ممكن في رتبتها، لأنّه يقول: «ما يكون ممكناً في رتبة وجودها»، معنى ذلك: أن الممكن بما هو ممكن يكون موجوداً، والصحيح أنّ الممكن بما هو ممكن لا يكون موجوداً؛ لأنّ الإمكان عبارة عن تساوي طرفي الوجود والعدم، فالشيء بالإمكان لا يكون موجوداً، فإذا لم يكن موجوداً لم يكن مؤثراً بطبيعة الحال.
2- مما قاله: «لا ما يكون واجباً أو ممتنعاً في تلك المرتبة»، ويعني أنّ ما كان واجباً أو ممتنعاً (يعني بالغير أكيداً) في مرتبة العلة، يمكن أن يكون مؤثراً؛ لأنّ الواجب في مرتبة العلة موجود، فيؤثر بمقدار مستواه لو صح التعبير، والممتنع يكون معدوماً فيؤثر بمقدار مستواه كعدم المانع ونحو ذلك، وهذا هو ظاهر العبارة، مع الالتفات إلى أمرين:
أ‌- أنّ الواجب ذكره هنا استطراداً، يقول: «لا ما كان واجباً أو ممتنعاً»، إنما مراده الإشارة إلى الممتنع، وليس إلى الواجب بطبيعة الحال، ولكنه جاء مسروداً بنحو التقابل بين الوجوب والامتناع.
ب‌- أنّه قد يكون مراده من الامتناع، امتناع أن يكون في مرتبة العلة، بعد أن كان متأخراً عنها رتبة(1)، لا الامتناع في نفسه لأنّ علته غير موجودة، وهذا يعني
ــــــ[101]ـــــــ
(1) ان يكون الضد الآخر الذي لم توجد علته (هو اثبته متأخرا عنه رتبة) فحينئذ يمتنع ان يكون في رتبة نفس العلة لا وجودا ولا عدما، الذي هو مطلوب، ولا يكون عدمه عدم المانع بالنسبة إلى علة ضده، فيكون المراد من الامتناع امتناع مشاركته في العلة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
ت‌- أنّنا نضم مقدمة خارجية لم يذكرها، وهو ما قلناه خلال الجواب الثاني، أنّه يلزم أن يكون المتقدم متأخراً، وهو الضد الذي لم تفرض له علة فرض متأخراً، فيفرض متقدماً أي مشاركاً في علة ضده وهذا مستحيل.
وهذا سبق أن أجبنا عنه بجوابين:
أحدهما: ما قلناه في نقاش المقدمة الأولى: من أن الضدين والعلتين، -الضدين كوجودين وعلتاهما- كلها أضداد وكلها في رتبة واحدة، وليس أنّ أحدهما متقدم على الآخر، أو متأخّر عنه، فهذا الذي تصوره من أنّ الضد الثاني متأخّر رتبة عن علة الضد الأول ليس بصحيح.
ثانيهما: ما قلناه في الجواب السابق: من أنّ عدم التساوي والاقوائية في الأهمية لا يصلح للعلية، ومن ثم لا يصلح للتقدم الرتبي، إنما الوجود هو الذي يصلح للعلية.
هذا مضافا إلى قوله: «ولولا راجحيته بل مساواته لما وجِد شيء من الضدين»، وهذا ما ناقشناه في المقدمة الأولى لوضوح استحالة ارتفاع الضدين او الأضداد بحيث يخلو المكان والزمان من واحد منها، فلذا يقول لما وجِد الضدان، وهذا ما أشار إليه السيد الهاشمي في الهامش من ضرورة اقوائية علية أحد الضدين دائماً على علة الضد الآخر، حتى يلزم دائماً وجود أحد الضدين، ولا يلزم انتفاؤهما معاً؛ لأنّ هذا محال، وطبعا ناقشناه سابقاً ولا نكرر.
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)

البرهان الثاني:
وهو عبارة عن تفسير لعبارة الكفاية كما قال في التقريرات، وحاصل مضمون كلامه: أنّنا نذكر تفسير العبارة كبرهان، بغض النظر عن أن يكون مراداً للآخوند، إذ لعل المقصود من عبارته شيء آخر، ولكن مع ذلك فهذا في نفسه يصلح أن يكون دليلاً مستقلاً، وحاصله: «أنّ الضد لو كان متوقفاً على عدم ضده الآخر لكان متأخراً عن ذلك رتبة، والتالي باقٍ لوجود البرهان، على أنّ عدم الضد في رتبة الضد وليس في رتبة متقدمة عليه، فيثبت بطلان المقدم وعدم التوقف. والبرهان(1) على ذلك أنه إما أن يفرض أنّ الضد الآخر ثبوته في رتبة الضد الأول أو لا، فإن كان في رتبته لزم ثبوت الضدين واجتماعهما في رتبة واحدة، وإن فرض عدم ثبوته في رتبة ضده أو في رتبة ثبوت الضد الآخر كان عدمه ثابتاً فيها لا محالة، لاستحالة ارتفاع النقيضين، فكان كل ضد متحداً رتبة مع عدم الضد الآخر فيستحيل توقفه عليه»(2).
أقول: يعني أنّ التوقف فرع الطولية، أو يقتضي الطولية، في حين أنّها مستحيلة هنا بارتفاع الضدين، أو قل بين عدم أحد الضدين ووجود الآخر، وبالرغم أنّ النتيجة كما سبق صحيحة إجمالاً، وهذا هو الذي ذهب إليه المشهور
ــــــ[103]ـــــــ
(1) يمكن أن نقول: إنّ الملازمة في نفسها واضحة؛ لأن التوقف معناه المقدمية، والمقدمية معناها تقدم رتبي؛ لأن المقدمية عبارة عن العلية والتسبيب، وهو أعم من التقدم الرتبي لأننا لا نريد بالتقدم الرتبي إلا العلية، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 299.
منهج الأصول (الجزء السادس)
وأيدناه من هذه الناحية، إلا أنّ البرهان لا يتم، لأنَّ كِلا شقيه قابل للمناقشة.
أما الشق الأول: وهو الزعم أنّ اجتماع الضدين في الرتبة مستحيل، كالاجتماع في الوجود، أو كالاجتماع في الزمان والمكان، فهو في غاية السخف نقضاً وحلاً:
أما نقضاً: فبالنقيضين، فهما أشد تعانداً معه من الضدين، ومع ذلك فهما في رتبة واحدة، وكونهما في رتبة واحدة مسلَّمة ومبرهنة كما سبق. فما تقوله في النقيضين قله في الضدين.
وأما حلّاً: فلأنّ الاجتماع في الرتبة لا يعني الاجتماع حقيقة، بل إنّ التعبير بالاجتماع بالرتبة خطأ، بل الصحيح هما في رتبة واحدة، لا أنّه اجتمعا في الرتبة، إذ لم يجتمعا أصلاً لا في الرتبة، ولا في المكان، ولا في الزمان، لكنهما مع ذلك هما في رتبة واحدة، وهذا يكفي، لأنّ عالم الرتبة غير عالم التحقق، فقد يكون شيئان طوليان أو عرضيان، ولكنهما غير موجودين أصلاً، كالعلة والمعلول، فهما طوليان، أو المعلولان لعلة ثالثة، فهما عرضيان، نقول: أنهما في رتبة واحدة، أو في رتبتين، ولكنهما غير موجودين أصلاً، مجرد افتراض ذهني لا أكثر، وإنما يستحيل الاجتماع في عالم الخارج لا في عالم الرتب.
وهذا إجمالاً ما أشار إليه في التقريرات، مع إضافة مني، ولكنه أضاف قائلاً «ولذلك نجد استحالة اجتماع الضدين خارجاً في زمان واحد، ولو فرض تغايرهما رتبة، كما لو فرض أحدهما في طول الآخر وعلة له»(1) أقول: إنّ هذا
ــــــ[104]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 300.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الفرض من الغرائب المؤسفة كما ترى، لوضوح أنه لا بد من اجتماع العلة والمعلول في عالم الوجود الخارجي، فإن كان أحد الضدين علة للآخر لزم اجتماع الضدين أو استمرارهما في عالم الوجود، وهذا معناه أنه يستحيل أن يكون أحدهما علة للآخر، ومن ثم تستحيل الطولية بينهما، بأننا لا نريد من الطولية إلا العلية والمعلولية.
أمّا الشق الثاني: وهو قوله: «إن فُرِض عدم ثبوته في رتبة ثبوت الضد الآخر، كان عدمه ثابتاً فيها لا محالة لاستحالة ارتفاع النقيضين»(1)، وهذا أيضاً من الغرائب، إذ يلزم تعدد الرتبة للنقيضين، حيث يكون وجود الضد في رتبة، وعدمه في رتبة أخرى وهو باطل، لأنه يقول: إنّ وجوده متأخّر رتبة، وحيث أنّ وجوده هنا غير موجود، إذن عدمه موجود، يعني أنّنا قدمنا وجود الضد، وأخرنا عدمه، أي أنّ الوجود والعدم لشيء واحد وهو الضد، في رتبتين، وقد قلنا كثيراً أنّ النقيضين في رتبة واحدة، ويستحيل أن يكونا في رتبتين.
إن قلتَ: إنّ هذا المستدل يستدل باستحالة ارتفاع النقيضين لأنه يقول: وإن فُرِض عدم ثبوته في رتبة ثبوت الضد الآخر، كان عدمه ثابتاً فيها لا محالة لاستحالة ارتفاع النقيضين، وهذه مقدمة واضحة إذن فالبرهان صحيح! فلذا أقول: وأما استدلاله باستحالة ارتفاع النقيضين، فهو لا يدل على تعدد الرتبة بين النقيضين، لاستحالته أيضاً، وانما يدل على تعدد الرتبة للضدين، يعني أنّ الفرض المفروض في الشق الثاني وهو عدم ثبوت الضد في رتبة ضده، هذا الفرض بنفسه مستحيل.
ــــــ[105]ـــــــ
(1) المصدر السابق 2: 300.
منهج الأصول (الجزء السادس)
وعلق عليه في التقريرات بقوله: «والواقع أن هذا الجواب وقع فيه الخلط بين مسألتين ومعنيين، للقول باستحالة اجتماع الضدين في رتبة واحدة، كاستحالة اجتماعهما في زمان واحد»(1)، يقدم السيد معنيين لهذا القول، أحدهما هو المراد في الاستدلال، والثاني غير المراد في الاستدلال(2):
المعنى الأوّل: «أنّه يشترط في استحالة اجتماع الضدين وحدة الرتبة، كما يشترط وحدة المكان والزمان مثلاً، وهذه الدعوى بحسب الحقيقة تضييق في دائرة الاستحالة، حيث ترجع إلى دعوى أنّ استحالة اجتماع الضدين في زمان واحد ليست مستحيلة، وإنما مشروطة بوحدة رتبتهما، وأما لو كان أحدهما في طول الآخر جاز الاجتماع»، حتى مع وحدة المكان والزمان.
المعنى الثاني: «يراد بذلك أنّ ثبوت الضدين في رتبة واحدة مستحيل، كثبوتهما في زمان واحد أيضاً مستحيل(3)، وهذه الدعوى على عكس سابقتها، توسعة لدائرة الاستحالة بين الضدين، واسرائها لعالم الرتبة أيضاً الذي هو عالم التحليل العقلي، فكما يقال مثلاً أنه يستحيل ثبوت العلة والمعلول في رتبة واحدة، كذلك يستحيل ثبوت الضدين» في رتبة واحدة. ولنا على هذا الكلام عدة ملاحظات:
ــــــ[106]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 300.
(2) المصدر نفسه 2: 300.
(3) ثبوتهما في مكان واحد مستحيل، وثبوتهما في زمان واحد مستحيل، وثبوتهما في رتبة واحدة أيضا مستحيل، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الملاحظة الأولى: إنّ هناك اتجاه في الفلسفة وعلم الكلام في زيادة الوحدات، التي تعتبر شرطاً لاستحالة اجتماع النقيضين والضدين، وهي زيادة وحدة الرتبة، وكأنّ الفرد المستدل يريد بذلك أن يبرز قوة عضلاته وذكائه، ولو كان ذكياً لأدرك بوضوح، كون تعدد الرتبة في النقيضين والضدين، سالبة بانتفاء الموضوع لأنه لا طولية في الرتب، إلا في الرتب العلية، ويستحيل وجود العلية بين الضدين والنقيضين، فحتى لو اشترطنا ذلك -أي استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة- لم يكن لها مصداق أصلاً، وبتعبير آخر: أنّ اجتماع الضدين والنقيضين، يبقى مستحيلاً ؛لأنهما متحدان في الرتبة دائماً، ويستحيل تعدد الرتبة فيهما، فإذا كان هكذا فشرط اتحاد الرتبة موجود دائماً، فإذن الاستحالة ثابتة دائماً إن اشترطنا.
الملاحظة الثانية: بعد تمامية ما قلناه في الملاحظة الأولى، يتضح أنّ كِلا الشقين اللذين ذكرهما خاطئين باطلين، وهما تضييق دائرة الاستحالة بزيادة شرط اتحاد الرتبة، وتوسيع دائرة الاستحالة بدعوى الاستحالة في الرتبة، ولو بدون تحقق الشرائط الأخرى، فإنّ كل ذلك من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
الملاحظة الثالثة: إنّ قياس الضدين بالعلة والمعلول واضح البطلان، فإنّ المدعى هنا في الضدين هو استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة، والمدعى في العلة والمعلول أيضاً استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة، إلا أنّ المراد بالرتبة في جانب العلّة والمعلول، الرتبة المتأخرة، يعني يستحيل اجتماعهما بصفتهما موجودين، أو قل بعد فرض وجودهما، والمراد بالرتبة في جانب الضدين، الرتبة السابقة على وجودهما، أي مع الاعتراف باستحالة اجتماعهما بالوجود.
ــــــ[107]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
ثم قال: «وهذه الدعوى -أي الدعوة الثانية- وهي استحالة اجتماع الضدين مع الاتحاد في الرتبة بحيالها واستقلالها، هي المقصودة بالبرهان فلا يمكن ردها لاستحالة اجتماع الضدين في زمان واحد وإن كانا طوليين، إذ هو -أي المستدل- يسلّم بذلك ويدعي الزيادة في الاستحالة، كما لا يصح دعوى أنّ التنافي بين الأضداد إنما هو بلحاظ العالم الخارجي والزمان دون الرتب، فإنّ العلة والمعلول لا يجتمعان في رتبة واحدة، بمعنى أنه يستحيل ثبوتهما معاً في رتبة بلحاظ عالم التحليل العقلي، فالتضاد في عالم الرتب أيضاً غير(1) معقول كعالم الوجود الخارجي»(2).
أقول: وِكلا الشقين غير صحيحين في النتيجة، وإن كان لهما وجه من الصحة في دلالتهما المطابقية، أما الشق الاول فإنّ محل الخلاف هو اشتراط الرتبة وعدمه، فإذا برهنا على استحالة اجتماع الضدين حتى مع تعدد الرتبة كان ذلك كافياً في عدم الاشتراط، إذ لو كان مشترطاً لما استحال الاجتماع بانتفاء الاستحالة بانتفاء شرطها، وكذلك النقض من الطرف الآخر، وهو فرض اتحاد الرتبة مع الاختلاف مكاناً وزماناً، فلو كان اتحاد الرتبة وحده مِلاكاً للاستحالة، لكان ذلك مستحيلاً مع تعدد الزمان والمكان(3).
ــــــ[108]ـــــــ
(1) الموجود في متن تقريرات السيّد الهاشمي هكذا: ((فالتضاد في عالم الرتب أيضاً معقول كعالم الوجود الخارجي))، وهذه العبارة غير منسجمة مع المطلب، والصحيح إثبات (غير)، لتكون العبارة: ((فالتضاد في عالم الرتب أيضاً غير معقول كعالم الوجود الخارجي))، وربما حذفت من باب الخطأ المطبعي، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 300.
(3) لأننا -مثلا-نقول: هذا المكان ابيض، وهذا المكان اسود، ولكنهما في رتبة واحدة، فهل يكون ذلك مستحيلاً؟ من الواضح عدم الاستحالة في ذلك، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
ومنه يظهر الرد على الشق الثاني، من حيث أنّ استحالة اجتماع العلة والمعلول في رتبة واحدة، لا يلزم منه استحالة اجتماع الضدين في رتبة واحدة، ولا يكون برهاناً عليه بحال، بل لا يكون برهاناً على إمكانه تصوّراً، فضلاً عن التصديق، لمدى التغاير بين القسمين، واستحالة العلية والمعلولية بين الضدين، لوضوح أنّ الضدين لا يمكن أن يكون أحدهما علة للآخر.
[بيان المغالطة التي وردت في البرهان الثاني]
ثم قال في التقريرات: «والحري حينئذٍ أن نبين المغالطة التي احتواها الوجه المذكور فنقول: المراد باجتماع الضد مع ضده في رتبة واحدة»(1)، يمكن أن يكون له أحد معنيين:
المعنى الأول: كونهما توأمين ومعلولين لعلّة واحدة(2).
المعنى الثاني: عدم كون أحدهما في طول الآخر، بمعنى أنّه لا علِّية بينهما(3)، سواء كانا معلولين لعلة ثالثة، أم لعلتين.
ــــــ[109]ـــــــ
(1) طبعاً على مستوى التصور لا على مستوى التصديق، (منه).
(2) أي أنّ المراد بـ)رتبة واحدة( من الرتب العلّية، وهذا ينحصر بالمعلولين بعلة واحدة، (منه).
(3) أن لا يكون بينهما طولية (بحسب تعبيره) فنصطلح على كل شيئين لا يكون بينهما طولية أنهما في رتبة واحدة، إذ يكون أحدهما في طول الآخر، إذا كان هناك علّية، فإذا لم يكن هناك علّية، فليس أحدهما في طول الآخر، كزيد وعمر –مثلا-فليس أحدهما في طول الآخر، وإن قلنا هما في رتبة واحدة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
فإن أرِيد به المعنى الأول فالجواب: وإن كان هو استحالة اتحاد الضدين في رتبة واحدة، إذ يحكم العقل باستحالة كونهما معاً في رتبة المعلولين لعلة ثالثة بحسب عالم التحليل العقلي، غير أنّ هذا لا يقتضي أن يكون عدم أحدهما في رتبة الآخر بهذا المعنى، ولا يستلزم منه ارتفاع النقيضين، فإن هذا رفع للمقيد، وهو لا يستلزم الرفع المقيد، وبعبارة اخرى: نفي معلولية الضدين لعلة ثالثة لا يستلزم أن يكون كل منهما مع عدم الآخر معلولا لتلك العلة، فإنّ نفي علِّية شيء لشيء، لا يعني عليته لنقيضه كما هو واضح.
وإن أرِيد المعنى الثاني(1) فالجواب: وحدة رتبة الضدين، بمعنى أن لا طولية بينهما وليس هذا من اجتماع الضدين، لا في الزمان ولا في الرتبة الواحدة بالمعنى المتقدم المستحيل بحكم العقل»(2).
أقول: إن رجَع هذا الكلام كله إلى ما سبق أن قلناه من نفي اشتراط اتحاد الرتبة في اجتماع الضدين، أو من استحالة فرض اجتماعهما في رتبة واحدة، فهو المطلوب، ولعله هو الظاهر من بعض سياق العبارة، كنفي الاحتمال الأول في كلامه، وهو كونهما معلولين لعلة واحدة. وإن لم يرجع إلى ما قلناه، ورد عليه أكثر من جواب واحد:
الجواب الأول: إنّ فرض الاحتمال الاول بنفسه مستحيل، لا أنّه فرض للمستحيل، أي: هو فرضٌ مستحيل، وليس فرض المستحيل وذلك لعدة وجوه:
ــــــ[110]ـــــــ
(1) الذي هو المعنى الأعم، أنّ كل ما ليس بينهما طولية فبينهما عرضية، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 300 -301.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الوجه الأول: أنّ الضدين لو كانا معلولين لعلة واحدة لزم اجتماع الضدين، ومنها يلزم أن تكون العلة الواحدة علة لمعلولين، مع العلم أن هذا خلاف قاعدة انّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد.
الوجه الثاني: يلزم أن تكون العلة الواحدة، علة لأمرين متنافرين شخصاً أو سنخاً، وهذا خلاف قاعدة السنخية في العلية، فلا يمكن أن يصدر شيئان متنافران شخصاً أو سنخاً من شيء ثالث.
الجواب الثاني: ما قاله قبل قليل في التقريرات: من أنّ رفع المقيد لا يستلزم الرفع المقيد، وإن كان صحيحاً كبرويا؛ لوضوح أنّ رفع المقيد أعم من الرفع المقيد، ولكن لا صغرى له في المورد، بعد ضم مقدمتين مسلمتين في المقام:
المقدمة الأولى: أنّ الضدين معلولان بعلة واحدة كما هو المفروض.
المقدمة الثانية: استحالة اجتماع الضدين، ومعنى ذلك أن هذه العلة تُوجِد أحد الضدين لا محالة دون الآخر، فتُوجِد في الساعة الأولى (أ) وتوجد في الساعة الثانية (ب).
وحينئذٍ توجد في الساعة الأولى (أ) بشرط لا عن الانضمام إلى (ب)؛ لأنهما ضدان، وتوجد في الساعة الثانية (ب) بشرط لا عن الانضمام إلى (أ)، وهذا يعني في الاستلزام الثبوتي الواقعي، أنّ العلة كما أصبحت علة لأحدهما، اصبحت علة لعدم الآخر في نفس الوقت، وهو المفهوم الثبوتي من قولنا: إنّها أوجدت هذا فقط، يعني أنّ عدم الآخر الثاني اقترن مع وجود الضد الأول.
فإن قلتَ: إنّهما يصبحان معلولين لعلة ثالثة، المعلول الأوّل هو وجود أحد
ــــــ[111]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الضدين (أ) مع المعلول الثاني وهو عدم الثاني (ب)، وقد صدرا عن علة واحدة وهو مستحيل.
قلنا: لا بأس بذلك في جانب العدم، لأن المعلولين هما وجود الضد وعدم ضده، وليسا وجودان منفصلان، وإنما أحد الضدين مع عدم ضده، وهذا المعنى لا بأس به وليس على استحالته دليل، وأما الشيء الذي هو مستحيل مشهورياً هو معلولان وجوديان لعلة ثالثة.
الجواب الثالث: قوله: نفي معلولية الضدين لعلة ثالثة، لا يستلزم أن يكون كل منهما مع عدم الآخر معلولا لتلك العلة. ومراده نفي معلولية الضدين حال اجتماعهما، يعني منع وجودهما معاً من العلة الواحدة، مع التسليم بأنهما إجمالاً معلولان لتلك العلة ولو على نحو البدلية بينهما.
أقول: لم يُشر إلى هذه القيود لوضوح -كان لا بد من الإشارة إلى هذه القيود- أن نفي معلولية الضدين لعلة ثالثة أصلاً، يكون بالنسبة إلى النتيجة التي قالها، بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، لأنه لا يستلزم عليتها (العلة الثالثة) لأي من الضدين، فضلاً عن عدمهما، وليس هذا مراده طبعاً، فالعبارة فيها شيء من الإجمال.
الجواب الرابع: بغض النظر عن دعوى الضدين، وأنّهما معلولان لعلة ثالثة، وانما أي شيئين معلولين لعلة ثالثة ليسا بضدين، يمكن القول بانّ لوحدة الرتبة اصطلاحين:
أولاً: كونهما معلولين لعلة ثالثة، فتصبح رتبتهما واحدة، وهذا هو
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الاصطلاح المشهوري وكذلك القدر المتيقن من وحدة الرتبة لو صح التعبير.
ثانياً: أنّهما يكونان في رتبة واحدة، إذا لم يكونا طوليين، أو قل إذا لم يكن بينهما اختلاف في الرتبة، وكلما لم يكونا طوليين فهما عرضيان، والثاني أعم من الأول. إلا أنّ الثاني وإن كان محتملاً، اما أنّه لم يقل به أحد، واحتماله غير وجيه وينتج من ذلك عدة أمور، منها في حدود ما يهمنا الآن:
1- أنّ الأمور المتفرقة في الكون، وليس بينها تعدد في الرتبة، لا نستطيع أن نقول أنّ بينها اتحاد في الرتبة، وإنما يصدق عليها فقط جانبان سلبيان:
أ‌- أنّهما غير متحدين في الرتبة.
ب‌- هما ليس بينها نسبة أصلاً، فلا اتحاد، ولا اختلاف، لنقول أنّهما متحدان أو مختلفان في الرتبة، وهذا هو الذي عبرنا به فيما سبق، وينحصر الاتحاد أو الاختلاف بينهما فيما إذا كانت هناك نسبة بينهما، فحينئذٍ نقول أنّهما طوليان أو عرضيان، كالعلة والمعلول، أو المعلولين لعلة ثالثة، وأما اذا لم تكن بينهما نسبة، من قبيل شيء في النجف، وشيء في بغداد، وشيء في لندن، فلا ربط لأحدها بالآخر، ولا نسبة لأحدها بالآخر، فهما من هذه الناحية لا عرضيان ولا طوليان؛ لأنّ العرضية والطولية فرع النسبة، وهذا يكون سالبة بانتفاء الموضوع.
2- أنّ الضدين بالمعنى الثاني -إن تنزلنا عن الوجه الذي ناقشنا به-متحدان في الرتبة دائماً؛ لأنّهما من جملة موجودات الكون، ولا طولية بينهما، ومن ثم فهما متحدان في الرتبة، ومع ذلك يستحيل اجتماعهما معاً كما قلنا فيما سبق. وأما إذا اشترطنا اتحاد الرتبة بالمعنى الأول، استحال اجتماع الضدين في المكان والزمان؛
ــــــ[113]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
لأنهما لا يجتمعان رتبة إطلاقاً.
إن قلتَ: فأنك في التفسير الثاني لوحدة الرتبة، قد استنتجت وحدة الرتبة بين الأضداد وعللها ونقائضها -أي أعدامها- وهنا نقول: بأن هذا قول ضعيف واحتماله غير وجيه.
قلتُ: إنّ المهم كما عرفنا وجود النسبة بين الشيئين، أو الأشياء، لنقول إنّهما في رتبة واحدة، أو رتبتين، والأشياء الاعتيادية في الكون ليس بينهما نسبة كما سبق، في حين أن الأضداد بينهما نسبة، لمجرد فرض أنّها أضداد، وكذلك النقيضان بينهما نسبة؛ لأنّهما مربوطان بذات واحدة، أو أقل. أنّنا نضم مقدمتين حينئذٍ:
إحداها: أنّ النسبة بين الأضداد ونقائضها وعللها موجودة.
ثانيها: أنّهما ليس بينهما طولية، بل بينهما عرضية في الرتبة، وهو المطلوب.
إن قلتَ: إنّ ما تسميه بالنسبة أمر لحاظي، فيمكن لحاظه ذهنياً في أي شيئين في الكون أو الأشياء، فيعود الوجه السابق صحيحاً، فتكون كلها في رتبة واحدة ما دامت غير طولية.
قلتُ: كلا. النسبة ليست أمراً لحاظياً صرفاً، بل نحتاج إلى منشأ انتزاع واقعي، أو قل ليست لحاظياً إطلاقاً، وإنما هي أمر تكويني، كالذي يحصل بين العلة والمعلول، أو المعلولين لعلة ثالثة، أو الضدين أو النقيضين، وما لم يكن كذلك فلا نسبة له مع الآخر.
إن قلتَ: فإنّ النسبة موجودة بين الضدين والنقيضين، إلا أنها غير موجودة بين علة أحدهما ونفس الآخر.
ــــــ[114]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
قلتُ: بل النسبة بينهما موجودة، وذلك:
1- لما قلناه من أنهما ضدان فعلاً بعنوانهما التفصيلي، فإذا كان كل ضدين بينهما نسبة بهذا المعنى، فصغراه هنا محرزة.
2- بعد التنزل عن ذلك يمكن ضم نسبتين إلى بعضهما، إحداهما النسبة بين الضدين، وثانيهما النسبة بين المعلول والعلة لأحدهما.
فأصبحت علة إحداهما منسوبة بالواسطة إلى الضد الآخر، فإنّها منسوبة إلى معلولها بالعلية، وهو منسوب إلى الضد الآخر بالمضادة، وهذا يكفي لصحة النسبة.
إن قلتَ: فإن أمثال هذه النسب موجودة بين أجزاء الكون كلها.
قلتُ: هذا صحيح ثبوتاً في علم الله، إلا أن المهم فعلياً هو حكم العقل بتعدد الرتب ووحدتها، ومادام العقل لا يدرك العلية والمعلولية صغروياً بين أجزاء الكون العامة، إذن فهو لا يدرك النسبة بينهما، فلا يبقى على الأقل دليل على أن النسبة بين أي شيئين منفصلين هل هي التساوي أو الطولية؟، فيمتنع أن نرتب الأثر على أي من الأمرين.
البرهان الثالث:
قال في التقريرات: «وهو برهان صحيح أيضاً كالبرهان الأول وحاصله: أنّ افتراض توقف الضد على عدم ضده الآخر، يعني دخل عدم الضد في تحقق الضد، وحينئذٍ نسأل بأن هذا الدخل هل يراد به دخل العدم في الوجود؟ بحيث يكون عدم الضد كجزء المقتضي، أو يراد به دخل الوجود في الوجود بنحو
ــــــ[115]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
التمانع، بأن يكون عدم الضد من باب عدم المانع؟ لا مجال للأول باعتبار استحالة تأثير العدم في الوجود، بمعنى اقتضائه له، كيف وإلا جاز وجود الممكن بلا علة.
وعلى الثاني نسأل بأن تأثير الضد في وجود الضد الآخر بنحو الممانعة والمغالبة، هل يكون قبل وجوده أو بعده؟ لا مجال للأول لاستحالة مانعية المعدوم. والثاني أعني مانعيته بعد وجوده، يتوقف على أن يكون الضد الآخر معدوماً، باعتبار تسليم الخصم بتوقف الضد على عدم الآخر من كِلا الطرفين، وهذا يعنى أنّ الضد الأول ـ المانع ـ موقوف وجوده على عدم الضد الاخر ـ الممنوع ـ ومعه يستحيل أن يكون مانعاً عنه، فإنّ ما يتوقف وجوده على عدم شيء آخر يستحيل أن يكون مانعاً عن وجوده، وهذا إما يدَّعى بداهته في نفسه أو يبرهن عليه: بأنّ المانع إنما يمنع عما يكون ممكناً لا ما يكون ممتنعاً ولو بالغير، وفي رتبة وجود المانع في المقام يكون الآخر ممتنعا بالغير في رتبة سابقة، لأن التوقف من الطرفين، فلا بد من عدم الضد المعدوم ولو بعدم علته، حتى يتحقق الضد الموجود، ومعه كيف يعقل أن يكون مانعاً عنه، أو يبرهن عليه: بأنه يستلزم التهافت في الرتبة؛ لأن المانع متقدم رتبة على عدم الممنوع، فلو كان متوقفاً على عدم الممنوع، كان متأخراً عنه وهو تهافت»(1).
أقول: ونقطة الضعف الرئيسية في هذا الدليل، أنّه أخذ التقدم الرتبي دليلاً على عدم التقدم الرتبي، فإنّ المفروض أنّ الضدين متقابلان، وما يقال عن أحدهما، هو بعينه الذي يقال عن الآخر، واذا استحال شيء من أحد الطرفين،
ــــــ[116]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 301.
منهج الأصول (الجزء السادس)
استحال أيضاً وبنفس السبب من الطرف الآخر، في حين أننا نجد أنّ كلامه لا ينسجم مع هذا السياق، فهو يقول مثلاً: «وهذا يعني أنّ الضد الأول المانع موقوف وجوده على عدم الضد الآخر الممنوع، ومعه يستحيل أن يكون مانعاً عنه، فقد اعطى المنعة من طرف واحد».
مضافاً إلى مناقشة أخرى، وهي أنّه جعل تسليم الخصم بمدعاه، مقدمة في البرهان حيث قال: باعتبار تسليم الخصم بتوقف الضد على عدم الآخر من كِلا الطرفين، وهذا يعنى أن الضد الأول ـ المانع ـ موقوف وجوده على عدم الضد الآخر…
وهذا يعني أنّه أخذ النتيجة في الدليل، فيكون مصادرة، وبتعبير آخر: أنّه أخذ البرهان من زاوية وجهة نظر الخصم التي ينكرها، لا من زاوية واقعية بحتة، مضافاً إلى مناقشات تفصيلية في بعض مقدماته منها:
أولا: ما قاله من استحالة مانعية المعدوم، فإن المشهور قد يجيب على ذلك بإمكان دخل العدم في العلة، فإن عدم المانع من أجزائها الرئيسية والمشهورية، وهو يعني إما اقتضاء العدم للعلية، ولو بجزء العلة، أو مانعية المعدوم، يعني لو وجد لكان مانعاً إلا أنّه ليس بموجود.
ثانياً: ما قاله من أن المانع، إنما يمنع عما يكون ممكناً، لا ما يكون ممتنعاً ولو بالغير، فإن الممتنع بالذات، لا يمكن حصول المانع عنه، لوجوده في المرتبة المتقدمة على طروه، وأما الممتنع بالغير، فإنّه إنما أصبح كذلك لوجود المانع عن وجوده، ولا فرق بين طرو مانع واحد، أو مانعين أو أكثر، بحيث يكون كل منهما مانعاً
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
كافياً لو حصل وحده، لكن يشترط أن يكون طرو الموانع في رتبة واحدة، كما قلنا في الأضداد وعللها، فلم يمتنع ذلك مع تقدم الامتناع بالغير رتبة، لأنّ المفروض أنّه ممنوع في الرتبة السابقة، فلا مجال لمنعه في الرتبة المتأخرة، لأنه يكون من تحصيل الحاصل.
وإذا أقر بالتأخير الرتبي لوجود الضد على عدم ضده، كان ذلك كافياً للأخذ بمعنى الخصم عن مانعية عدم أحد الضدين مع وجود الآخر، لأنه إذا كان هذا العدم متقدماً رتبة لم يكن هناك مانع عن مانعيته.
ثالثاً: ما قاله من أنّه لا بد من عدم الضد المعدوم، ولو بعدم علته، ليتحقق الضد الموجود، وهذا يعني أنّ وجود الضد منوط بعدم علة ضده، وإن لم يكن منوطاً بعدم ضد نفسه، وهذا فيه أكثر من محذور:
المحذور الأول: ما قلناه من أنّ علة الضد ضد أيضاً، فيدخل في أنّ الضد متوقف على عدم ضده، ولا فرق عندئذٍ بين عدم العلة، وعدم المعلول الذي هو الضد نفسه.
المحذور الثاني: أنّ هذا يلزم من أن تكون علة أحد الضدين يتوقف أحدهما على وجودها، والآخر على عدمها، وهذا يلزم منه أنّ كِلا الضدين متأخر عن علة كل منهما، وهذا في بعض حصصه غير محتمل، وهو تأخر الضد عن علة ضده في الرتبة.
ونجد في التقريرات براهين بعنوان البرهان الرابع والبرهان الخامس، فيهما أمور اعتبارية وجدانية قابلة للإنكار، مضافاً إلى أنهما عبارة عن تبديل لبعض
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
مقدمات البرهان الأول، الذي سبق أن ذكرناه وناقشناه، ومع هذا فلا حاجة إلى ذكرها.
البرهان الرابع:
الكلام في البرهان المنسوب إلى الشيخ النائيني وهو بحسب ما في التقريرات متكون من مقدمتين(1):
المقدمة الأولى: أنّ المانع لا يكون مانعاً إلا في طول تمامية المقتضي والشرط للممنوع، لأن دور المانع إنما هو الممانعة والمزاحمة عن تأثير المقتضي، فلا بد من ثبوته وثبوت شرطه أيضاً، الذي هو بحسب الحقيقة تحصيص للمقتضي بالحصة الصالحة للتأثير.
المقدمة الثانية: أنّ المقتضي المحال محال، إمّا بداهة، أو ببرهان أنّ المقتضي من أجزاء العلّة، وهو إنما يُتعقَّل في الممكن الذي يتساوى فيه الوجود والعدم، لا المحال الذي هو واجب العدم كما هو واضح.
الآن ندخل في النتيجة التي تنتج من كلتا المقدمتين، وهو أن يقال(2): «إنّ وجود أحد الضدين لو توقف على عدم الضد الآخر، كان مانعاً عنه(3)، وحينئذ،
ــــــ[119]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 305.
(2) بحوث في علم الأصول 2: 305.
(3) إنّ وجود أحد الضدين لو توقف على عدم الضد الآخر كان وجود ذاك الضد الذي [هو] (صاحب العدم) نقيض العدم المتوقف عليه يكون مانعاً عن وجود الضد الآخر، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
إنّ فرض مانعيته قبل وجوده كان محالاً، للزوم وجود المانع في المانعية(1).
وإن فرِض مانعيته حين وجوده، فلو فُرِض عدم مقتضي الضد الآخر، كان الآخر مانعاً عنه(2)، فلو فُرِض عدم مقتضي الضد الآخر، كان الآخر مانعاً عنه(3)، وحينئذٍ إن فرض مانعيته قبل وجوده»(4).
ولو فُرِض(5) وجود مقتضي الضد الممنوع(6) لزم المحال(7)؛ لأنّ المفروض
ــــــ[120]ـــــــ
(1) بمعنى أنّ المانع لا بد أن يكون موجوداً ليمنع ويحصل منه التأثير بالمانعية، وأما مع عدمه فلا معنى للمانعية، (منه).
(2) إنّه بعد أن فرضنا بوجود (ب) الذي هو نفترضه المانع عن الآخر، فهل أنّ مقتضي (أ) (الذي هو الضد الآخر) موجود أم لا؟ فإن لم يكن موجوداً، لزم خلاف المقدمة الأولى، لأنه سوف يكون وجود (ب) مانعاً عن مقتضٍ غير موجود، وقد قلنا في المقدمة الأولى: إنّه ربما يكون تأثير المانع فيما إذا كان المقتضي الذي يمنع عنه موجوداً، وأما إذا كان المقتضي بنفسه معدوماً، فلا معنى للمانعية عنه، (منه).
(3) ينبغي في حدود فهمي أن يقال: لم يكن الآخر مانعاً عنه، (منه).
(4) أي: أنّ فرض مانعية (ب) عن مقتضي (أ) قبل وجوده كان محالاً؛ لوضوح لزوم وجود المقتضي (هكذا يقول هو)، أي أنّه ينبغي أن يكون المقتضي موجوداً ليمنع عنه المانع، لا أن يكون غير موجود كما سطر في المقدمة الأولى، (منه).
(5) الآن نفترض أنّ كلاهما موجود، أي أن مقتضي (أ) موجود، ونفس (ب) الذي هو الضد، موجود حتى يكون مانعاً؛ لأن المانع لا ينبغي أن يكون معدوماً، والمقتضي المضاد له أيضاً لا ينبغي أن يكون معدوماً وكلاهما نفترض وجودهما، (منه).
(6) مع وجود الضد المانع، (منه).
(7) المستنتج من المقدمة الثانية، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
ثبوت مقتضي الضد المانع أيضاً(1).
أقول(2): ويجاب ذلك بعدة أجوبة:
أولاً: إمكان منع المقدمة الأولى، فإنّ فعلية منع المانع وإن كانت متوقفة على وجود المقتضي، والشرط للممنوع، إلا أن أصل وجود المانع لا يتوقف على ذلك، كما هو واضح، فإنّ وجوده موقوف على علة، لا على وجود مقتضي ضده، وبتعبير آخر: إنما يسمى مانعاً اثباتاً مع وجود المقتضي والشرط للممنوع، لا وجوده الثبوتي.
ثانياً: في مناقشة المقدمة الثانية نقول: صحيح أنّ مقتضي المحال محال، ولكن هذا خاص بما هو محال بالذات، لا محال بالغير، وفي محل الكلام هو محال بالغير؛ لأن وجود المقتضي لأحد الضدين مستحيل، باعتبار وجود المقتضي للآخر، فيلزم المحال وهو اجتماع الضدين، ولكن لو لم يكن مقتضي الآخر موجوداً، لم يكن هذا المقتضي محالاً في نفسه، ولو كانت الكبرى المعروضة في هذه المقدمة هكذا: أنّ اجتماع المقتضيين للضدين مستحيل. لكان أنسب ولها نفس النتيجة، ولا يرد عليها الجواب الذي قلته في (ثانياً). ذلك لأنّ استحالة وجود مقتضي (أ)، تعود
ــــــ[121]ـــــــ
(1) إنّ (ب) الذي هو المانع، ليس عبثاً وجوده، فلا بد أن تكون علته موجودة لكي يوجد، فإذن مقتضيه موجود، و(أ) أيضاً مقتضيه موجود، إذن وجد مقتضيان لاجتماع ضدين، ذلك أنّ اجتماع المقتضيين يلزم منه اجتماع الضدين، وإذن اجتماع المقتضيين مقتضي للمحال، ومقتضي المحال محال، كما عرفنا في المقدمة الثانية، (منه).
(2) في حدود فهمي أنّ السيد الشهيد في التقريرات لم يناقش فيه، بل نقله عن الشيخ النائيني، ونقل عن المحقق الخوئي جواباً وطعن فيه وأجاب عليه، وترك الجواب من نفسه، وسياق التقريرات يقتضي ذلك، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
لوجود مقتضي (ب)، لا بغض النظر عنه، وحينئذ لا تكون استحالة بالغير، بل استحالة بالذات؛ لأن اجتماع الضدين محال بالذات، والاجتماع بين المقتضيين ينتج ما هو محال بالذات، الذي هو اجتماع الضدين. فتكون نقطة قوة من هذه الناحية في المقدمة.
إلّا أنّها ستكون قابلة للمناقشة من ناحية أخرى، وهي أنّ اجتماع المقتضيين ليس مستحيلاً، بل ممكن؛ لأنّ المقتضي بما هو مقتضٍ، لا يشترط فيه وجود الشرط، ولا عدم المانع، أي أنّ المقتضي وحده ناقص التأثير، فإذا وجد مقتضيان لضدين ناقصي التأثير، فليس ذلك مستحيل، لأنه لا ينتج اجتماع الضدين، إذ لا هذا المقتضي مؤثر، ولا هذا المقتضي مؤثر. ما لم يفسر المقتضي هنا بتفسير آخر، وهو العلة التامة، وأن يراد بمقتضيي الضدين، العلة التامة للضدين، إلا من ناحية منع الاخر له، فيقال: بأن المقتضيين بهذا المعنى يستحيل وجودهما معاً، وربما يكون هو المراد، إلا أنّ هذا مما لا تتحمله العبارة.
ثالثاً: إنّنا يمكن أن نختار بعض الشقوق في برهانه ولا يلزم المحذور، فمن ذلك أنّه لا ملازمة(1) بين أن يكون العدم -عدم (ب)- موقوفاً عليه -بالنسبة للضد الآخر- وأن يكون الوجود مانعاً، فقد يكون العدم علة، أو جزء العلة، إلا أن الوجود النقيض له، ليس بمانع أحياناً من ناحيتين:
الأولى: إنّ هذه القاعدة لو صدقت فإنما تصدق في الضدين اللذين ليس لهما ثالث، وأما فيما لهما ثالث فلا تصدق؛ لأن المانع سيكون الجامع بين الأضداد الأخرى، وليس خصوص ضد واحد معين.
ــــــ[122]ـــــــ
(1) هو قال ما معناه: ان وجود أحد الضدين (أ) لو توقف على عدم الضد الاخر (ب) كان وجود الضد (ب) مانعا عنه.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الثانية: إنّنا في الفقه والأصول لا نتحدث عن الأضداد التكوينية، من قبيل الحركة والسكون أو النور والظلمة، بل عن الأضداد الاختيارية، المأمور بها كالصلاة والإزالة، وإنما أصبحا ضدين في طول عجز الفرد عن الجمع بينهما في مفروض المسألة، ومعه فنفس اختيارية أحد الضدين، تغير النتيجة، أنّه يعني عدم التأكد من وجوده قطعاً. بخلاف الضدين التكوينيين، فإنّه لو انعدم أحد الضدين اللذين لا ثالث لهما يتعين وجود الآخر، وهناك لا يتعين؛ لكثرة الاحتمالات في الأفعال الاختيارية، وإرادات الفاعل المختار الذي هو الإنسان.
ومن ذلك أنّنا نختار مانعيته قبل وجوده، يعني أنّه لو وجِد، لكان مانعاً، أو قل في ذاته هو مانع، وهذا لا إشكال فيه، ويرجع في الحقيقة إلى تحقق نقيضيه الذي هو العدم، الذي يرى الخصم كونه موقوفاً عليه.
ومن ذلك أنّنا نختار أنّ مقتضي الضد الآخر غير موجود، ومع ذلك ممكن أن يتحقق ذات المانع المتمثل في نفس الضد أو مقتضي الضد، كما قلنا في نقاش المقدمة الأولى.
ومن ذلك أنّنا نختار وجود كِلا المقتضيين للضدين، ولا يلزم المحال مع فرض نقصانهما في انفسهما، أو نقصان واحد منهما كذلك، كما قلنا في مناقشة المقدمة الثانية، وأما لو كانا تامين في التأثير، فهو خلف كون أحدهما ليس مانعاً عن تأثير مقتضي الآخر كما يريد المستدل(1)، فأنهما إنما لا يكونان تامين من أجل ذلك -من أجل وجود الضد الآخر- في طول تحقق التضاد والتنافي بينهما، يعني
ــــــ[123]ـــــــ
(1) لأن المفروض أن العلة إذا تمت وجد المعلول، فكل مقتضي منهما ممنوع من وجود الضد الآخر، فيستحيل وجود علتين تامتين للضدين، وإلا لزم اجتماع الضدين، فهو خلفه، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
أن مقتضي الضدين يستحيل أن يكونا تامين، لا أنهما يكونان تامين، ولكن يستحيل انتاجهما باعتبار لزوم اجتماع الضدين كما هو مقتضى سياق كلام التقريرات، وبالنتيجة لو غضضنا النظر عما قلناه فيما سبق من وحدة الرتبة بين الأضداد وعلل الأضداد، وقلنا بأنّه يمكن تعدد الرتبة بين الأضداد، لم يبقَ مانع من أن يكون أحد الضدين مانعاً عن الضد الآخر، ومتقدماً عليه رتبة إمّا بوجوده أو بعدمه أو بكليهما، وهذا يعني لزوم قصور مقتضي الضدين مع الاجتماع والتساوي، حينئذٍ يستحيل أن يتم مقتضي ضد (أ) وضد (ب) مع التساوي، لأنّه ينتج إمّا أنّه كِلاهما لا ينتج، وإذا انتجا كِلاهما فيلزم اجتماع الضدين، أو ينتج أحدهما دون الآخر، فهذا خلف التساوي، وبتعبير آخر أن محذور اجتماع الضدين من انتاجهما معاً، لو انتج المقتضيان معاً اجتمع الضدان، وهذا المحذور مقدمة لاستنتاج قصورهما لتبادل المانعية من الطرفين، فتتعذر العلية الكاملة لهما معاً، وليس أنّ ذاك المحذور باجتماع الضدين يصبح قائماً بذاته، أو يصبح نتيجة وإنّما هو مقدمة في البرهان.
مناقشات صاحب التقريرات على برهان الميرزا النائيني
ذكر في التقريرات البرهان المنسوب الى الميرزا النائيني، وسوف أذكر بعض المطالب الموجودة فيها.
قال: «وقد أشكل عليه السيد الاستاذ بأن مقتضي المحال وإن كان محالاً، إلا أنّ المقام ليس منه(1)؛ لأنّ مقتضي الضد الممنوع لا يقتضي إلا وجود ذات
ــــــ[124]ـــــــ
(1) أي أنّ المقام ليس صغرى له، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الضد وهو ليس بمحال(1)، وإنّما المحال اجتماع الضدين ولا يوجد مقتضٍ له(2)، ففرق بين أن يكون شيء ما مقتضياً للمحال، وبين اجتماع مقتضيين يكون اجتماعهما محالاً كما في مورد الكلام»(3)
أقول: وهذا عين ما قلناه مع أمور أخرى ضممناها إليه، منها:
أنّ وجود المقتضي أو المقتضيين الناقصين، ليس بمحال؛ لأن المقتضي بما هو مقتضٍ ليس علة تامة، ولا يوجد شيئاً، فإذا اجتمع المقتضيان الناقصان، فلا يلزم منه اجتماع الضدين؛ فلا هذا منتج ولا هذا منتج، فإذن فلا ينتج المحال، فالمقتضيان بما هما مقتضيان لا يكون اجتماعهما محالاً.
ومنها: أنّ الاستحالة خاصة بالممتنع بالذات وهذا ممتنع بالعرض كما سبق
ــــــ[125]ـــــــ
(1) لان ما هو محال هنا هو اجتماع الضدين، أو اجتماع المقتضيين للضدين، وليس ان مقتضي أحد الضدين يوجد معلولا واحدا يكون محالا. لو لاحظنا ضدا واحدا وله مقتض، أي علة، وله معلول، وهو أحد الضدين، وهذا ليس محالاً، وانما المحال هو اجتماع المقتضيين، الذي ينتج اجتماع المعلولين الذين هما ضدان، (منه).
(2) من الواضح أنّ مقتضٍ واحد لا يتكفل باجتماع الضدين، وانما الذي يحصل اجتماع مقتضيين لضدين حتى يلزم منه اجتماع الضدين، اذن هنا لا يوجد مقتضٍ للمحال بعنوان كونه مقتضٍ للمحال، (منه).
(3) بحوث في علم الأصول 2: 305. الجملة الأخيرة من هذا النص في تقريرات السيد الهاشمي هكذا: ((وبين أن يقتضي شيء شيئاً ويقتضي شيء آخر شيئاً آخر، ويكون اجتماعهما محالاً)) مغايرة لفظاً للجملة التي أوردها السيد الشهيد أعلاه، وربما كان النص أعلاه من تقريراته الخاصّة على درس السيد الشهيد محمد باقر الصّدر.
منهج الأصول (الجزء السادس)
تقريبه، وقلنا لو كانت الكبرى هي أنّ اجتماع المقتضيين للضدين مستحيل لكان أنسب مع ما سبق من المناقشات.
البرهان الخامس:
دعوى أن توقف أحد الضدين على عدم الآخر مستلزم للدور، وهذا يمكن تقريبه بعدة بيانات كما في التقريرات(1):
البيان الأول(2): [الاستناد في تقريب الدور إلى المدلول المطابقي لمدعى الخصم]
الاستناد في تقريب الدور إلى المدلول المطابقي لمدعى الخصم، وهو توقف وجود الضد على عدم ضده الآخر، لأن المفروض أن التمانع والمطاردة من الطرفين، وهذا هو الدور. ولكن هل يتم هذا في نفسه أم لا؟ فمن الواضح أنّ هذا يستلزم فرض أمرين أو أكثر:
الأمر الأول: نستطيع هنا في حدود ما نستفيد من التقسيم أن نقسم كلّي الدور، إلى حصتين:
الحصة الأولى: الدور الذي هو القدر المتيقن من الاستحالة هو الدور بالعلية التامة، سواء كان بمرتبة واحدة أو بمراتب، لا يفرق في ذلك.
الحصة الثانية: الدور بجزء من أجزاء العلة: المقتضي، أو الشرط، وعدم المانع، فلو كان الدور في المقتضي فقط، لكان بجزء العلة، وهكذا لو كان الدور في
ــــــ[126]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 307.
(2) بعض الكلام من عبارة التقريرات وبعضه من عندي، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الشرط، وكذلك الدور بجزء العلة في أضعف نقطة من العلة وهو عدم المانع(1)، فحينئذٍ لا بد أن نضم شيئاً من هذا القبيل في الكبرى: إنّ كل دور محال حتى الدور في جزء العلة، حتى الدور بعدم المانع الذي هو جزء عدمي وأقل شرفاً من المقتضي والشرط، ولستُ الآن مسؤولاً عن تحقيق هذه الكبرى؛ لأنّ مجموع الأجوبة التي ستاتي كفيلة بنفي الضد، ولكن أقول بأنّه متوقف على نفي هذه الكبرى، فهل إن الدور في نفي هذه المطالب مستحيل، كالدور بين علتين تامتين؟ يبدو أنّ المطلب ليس كذلك.
الأمر الثاني: التساوي وعدم الارجحية من المقتضيين، إذ لو كان أحدهما أرجح فلا إشكال فيه، ولا يحصل دور، ولا ترجيح بلا مرجح، بل يتقدم الأرجح لا محالة، وإنما نقول بالاستحالة في هذا الفرض فقط، وهو فرض تساوي المقتضيين للمعلولين الضدين مفروضي الوجود، حينئذ نقول: إنّ اجتماع العلتين للضدين مستحيل؛ لأنه يلزم منه اجتماع الضدين وهو مستحيل، إذن فرض المسألة قائم على افتراض المستحيل.
وكذلك هنا شيء آخر ربما نستطيع أن نجعله أمراً ثالثاً، وهو أن نقول بأن تساوي مقتضيين للضدين محال من جهة أخرى، وهو ما سمعناه من تعليقة للسيد الهاشمي في مطلب سابق، قال: يتعين دائماً أرجحية أحد المقتضيين على الآخر؛ لأنه مع التساوي يتعارضان، فيلزم منه ارتفاع الضدين وهو محال، إذن يتعين
ــــــ[127]ـــــــ
(1) وإن كان عدم المانع مشاركاً في العلية، ولكنه أضعف جزءاً، وأدنى شرفاً من ناحية، وكذلك جزء عدمي وليس وجودي من ناحية أخرى، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
ترجيح أحدهما تكويناً؛ لكي يوجد أحد الضدين، فنفس فرض تساوي علتي الضدين ومقتضيي الضدين محال.
الامر الثالث: أنّ مراد المشهور حينما يقول: إنّ وجود أحد الضدين متوقف على عدم الآخر. أنّ وجود كل ضد فيه اقتضاء المانعية عن وجود الضد الآخر، من قبيل مثلاً تحرك الهواء فيه اقتضاء المانعية عن اشتعال النار، فوجود كل ضد فيه اقتضاء المانعية عن وجود الضد الآخر، لا فعليتها، لاستحالة اجتماع الفعليتين؛ لأنه يلزم منه اجتماع الضدين، أو يلزم منه ارتفاع الضدين، إذن نقتصر على اقتضاء المانعية، وقابلية المانعية. وإذا كان المطلب هكذا، إذن ينبغي أن نغير الكبرى التي تكلمنا عنها الآن في الوجوه السابقة، فنقول: إنّ استحالة الدور تشمل حتى اقتضاء المانعية بهذا المعنى. فهل يقبل المشهور هذا المعنى؟ هذا واضح العدم اكيداً.
الأمر الرابع: ما سبق أن أشرنا إليه، من أنّ الحديث هنا عن الضدين اللذين يتصفان بوصفين:
1- ضدان تكوينيان.
2- ضدان لا ثالث لها.
والحديث هنا عن الضدين التكوينيين الذينِ لا ثالث لهما، في حين إنّ الحديث الواقعي غير متصف بكلا الصفتين، فقد يكون الضدان لهما ثالث، كما قد يكون الضدان فعلين اختياريين، لا أمرين تكوينيين، وعندئذٍ تختلف النتائج باختلاف المقدمات.
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
هذا هو البيان الاول للدور، مع التعليق عليه، وقد اتضح بأنّه فاسد.
البيان الثاني: [الاستناد في تقريب الدور إلى المدلول الالتزامي لمدعى الخصم]
وهو يستند إلى المدلول الالتزامي لمدعى الخصم(1)، ويفترض فيه أن التوقف من الطرفين باعتبار دخل عدم الضد في وجود الآخر، والمفروض أن هذا الدخل متقابل من الطرفين فيلزم الدور.
أقول: حينئذٍ نسأل ما هو الفرق بين البيان الأول والبيان الثاني؟ المدّعى هو أنّ البيان الأول بالدلالة المطابقية، والثاني بالدلالة الالتزامية، ولكن عنوان الدلالة مطابقية أو التزامية لا يفيدنا، وإنما مضمون الكلام ومدلوله، هو الذي يفيدنا.
ومن الواضح بأنّ هذا البيان لا يفرق عن البيان الاول إلا باللحاظ، لأننا إذا لاحظنا وجود الضد (أ) من الضدين، قلنا أنه موقوف على عدم ضده، أي عدم (ب)، كما في البيان الأول القائل بالدلالة المطابقية، وإذا لاحظنا عدم (ب) قلنا إنّه دخيل في وجود ضده أي (أ)، وموقوف عليه وجود ضده، إذن فمرجع البيانين إلى بيان واحد، وما أوردناه على البيان الأول يرد على البيان الثاني.
جواب التقريرات عن البيان الثاني
قال: «وهذا البيان غير تام، لأن اللازم الذي استخرج من مدعى
ــــــ[129]ـــــــ
(1) بخلاف الأول الذي يستند الى المدلول المطابقي لمدعى الخصم.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الخصم غير تام، إذ قد يتوقف قابلية المحل للبياض(1) -مثلاً- على عدم شيء آخر، ولكن عدمه(2) لا يشترط في قابلية المحل له وجود شيء آخر، بل يكفي فيه(3) عدم قابلية المحل لوجوده(4)، فإنّ عدم عروض العارض يكفي فيه عدم قابلية المحل له، ولا يشترط وجود ما يجعل المحل قابلاً لعدمه»(5).
وجوابه:
أولا: إنّ هذا الذي ذكره ليس هو اللازم لكلام الخصم، بل إنّ المدعى المطابق لكلام الخصم، هو توقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر، ولازمه كون عدم الآخر موقوفاً عليه، ولا ينفيه ما قاله الأستاذ السيد الشهيد في هذا الإشكال.
ثانياً: إنّه حيث مثّل في بحثه أكثر من مرة للضدين بالسواد والبياض، فقد تورط في مسألة قابلية المحل، لحاجة السواد والبياض للمحل، أو قل: إنّه تصور الضدين عرضين لا جوهرين، فلو كانا جوهرين كما هو المتصور المشهوري، لم يكن جوابه صحيحاً، فلا هذا يحتاج إلى قابلية المحل، ولا هذا يحتاج إلى قابلية المحل، ويعود المطلب الأصلي في الدور على رسله، لأن أحدهما يتوقف على عدم الآخر.
ــــــ[130]ـــــــ
(1) الذي هو أحد الضدين، (منه).
(2) أي عدم البياض، (منه).
(3) في العدم، (منه).
(4) لوجود البياض، (منه).
(5) بحوث في علم الأصول 2: 307.
منهج الأصول (الجزء السادس)
ثالثاً: إنّه مثّل في السواد والبياض وهما من الضدين الذين لهما ثالث، لأن الألوان متعددة، وقلنا إنّ هذه القاعدة لا تصلح هناك، أي في الأضداد المتعددة، لأن كل واحد لا يكون موقوفاً على عدم واحد بعينه، بل على الجامع بين الأعدام، أو قل على مجموع الأعدام ولو بتعبير مسامحي.
البيان الثالث: [دعوى أن توقف أحد الضدين على عدم الآخر مستلزم للدور]
أن يقال إنّ أحد الضدين لو كان موقوفاً على عدم الآخر، كما هو مدعى الخصم، كان وجوده لا محالة علة لعدم الآخر أيضاً، بقانون أنّ نقيض العلة، علة لنقيض المعلول، فكما أن عدم (ب) سبب لوجود (أ) كذلك وجود (ب) سبب لعدم (أ)، فيلزم توقف وجود البياض على عدم السواد، الذي هو مدعى الخصم، وتوقف عدم السواد على وجود البياض فصار وجود البياض، وعدم السواد، أحدهما يتوقف على الآخر، وهو معنى الدور، أي توقف الشيء على نفسه فيكون محالاً.
وجوابه:
إنّ هذا ليس من الدور وإن اتخذ شكل الدور؛ لأن الدور ينبغي فيه حفظ الكيف، أي السلب والإيجاب، أو الوجود والعدم، بأن يتوقف الوجود على الوجود، أو العدم على العدم، وأما توقف شيئين، أحدهما على عدم الآخر فليس بدور، لإمكان صدق كلتا النسبتين أو العلاقتين بدون محذور، بخلاف الدور الحقيقي، فإن حفظ أو صدق تلك العلاقتين لا محالة مستحيل، وهذا إنما يرجع في الحقيقة إلى دخل عدم كل واحد كجزء علة في الآخر، من باب عدم المانع، بل هو
ــــــ[131]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
تعبير آخر عنه، وهذا ليس من تقريبات الدور، وإنما يرجع إلى تقريبات أخرى، وهو أنّ عدم أحد الضدين بمنزلة عدم المانع لوجود الضد الآخر، ليس أكثر من ذلك.
ثم أنّنا لو سلمنا وقوع الدور، فإنّ نتيجة كل دور هو امتناع كِلا الأمرين، أو كِلا الطرفين، فلو توقف شيئان أحدهما على الآخر لم يحصلا معاً، فما الذي لا يحصل في مسألة الضدين؟
إن قلتَ: لا يحصل كلا الضدين، والمفروض أنّه ليس لهما ثالث، قلنا يلزم منه ارتفاع الضدين.
وإن قلتَ: لا يجتمع وجود أحدهما مع وجود الآخر، قلنا نعم، إلا أنَّ هذا التمانع ناشئ من التضاد وليس للزوم الدور.
وإن قلتَ: يمتنع حصول أحدهما وعدم الآخر، أي أنّ كلاهما يمتنع، لا وجود أحدهما ممكن، ولا عدم الآخر ممكن. قلنا:
أوّلاً: هذا متعيَّن، أي وجود أحدهما مع عدم الآخر، وليس بالممتنع، فإنّ أحدهما إن وجِد، كان الآخر معدوماً لا محالة.
ثانياً: إنّنا لو تنزلنا عن هذا الإشكال الأخير فإنّ هذا الأمر شامل للطرفين، إذ أن وجود (أ) مع عدم (ب) كلاهما لا يتحقق، وكذلك وجود (ب) مع عدم (أ) أيضاً لا يتحقق، والحاصل من ذلك، لا وجود (أ) ولا وجود (ب) ولا عدم (أ) ولا عدم (ب)، فهذه الأربعة كلها لا تتحقق، وهذا يلزم منه انتفاء الضدين، وانتفاء النقيضين، وهو أوضح استحالة من غيره، ومعه فهذا الوجه سخيف غايته.
ــــــ[132]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
مناقشة التقريرات للبيان الثالث
قال في التقريرات(1): وقد نُوقِش هذا الاستدلال بمناقشتين، إحداهما للمحقق النائيني، والآخر للمحقق الاصفهاني:
المناقشة الأولى للمحقق النائيني
ما نقله المحقق النائيني عن المحقق الخوانساري (قدس الله روحيهما) من أنّ مانعية الضد وعلّية وجوده لعدم الآخر مستحيلة، فانفكت المانعية من أحد الطرفين وهذا يكفي في نفي الدور، بمعنى أنّ وجود الضد مستند إلى عدم الآخر، إلا أنّ عدم الآخر ليست من جهة مانعية الموجود، لما تقدم من أنّ مانعية المانع، فرع تمامية المقتضي الممنوع، والضد المعدوم لا مقتضي له، وإلا كان مقتضياً للمحال، وهو محال؛ لأنّه إذا كان مقتضي (أ) موجودا والمفروض ان مقتضي (ب) أيضاً موجود فيلزم منه اجتماع العلتين للضدين الذي هو محال، لأنه يلزم منه اجتماع الضدين.
وقد سبق أن أجبنا على جملة من المباني التي أخذها هذا التقريب مسلّمة بأكثر من جواب واحد:
أولاً: قد يكون مقتضي الضد المعدوم متحققاً، لا يعني أنّ الشيء أنّه يكون معدوماً يعني أنّ مقتضيه معدوم، فلا ملازمة بين هذين الأمرين، فقد يكون الشيء معدوماً ولكن مقتضيه موجود، لكنه ليس مقتضياً مؤثراً لنقصانه، إما لعدم
ــــــ[133]ـــــــ
(1) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 307.
منهج الأصول (الجزء السادس)
الشرط، وإما لوجود مانع خارجي غير الضد الآخر، وإما لوجود الضد الآخر، وقلنا فيما سبق: إنّ اجتماع مقتضيين ناقصين للضدين، لا يلزم منه اجتماع الضدين.
ثانياً: إنّ مانعية المانع مع عدم وجود المقتضي، يمكن أن تكون صادقة، لأنّنا إن قصدنا فعلية المنع فنعم، لأن المانع الفعلي لا يكون فعلياً إلا بوجود المقتضي الممنوع، إلا أنّه المانعية بحسب الطبع والشأنية والاقتضاء، فهذا لا دخل له بوجود المقتضي، فإنّ الماء -مثلاً- مانع عن النار، سواء وجدت نار أم لم تكن موجودة، وهذا ينبغي أن يكون أكيداً.
الخطوة الاخرى هنا: أنَّ الدور على هذا المستوى لا يكون محالاً؛ لأن الدور المحال يحصل في تبادل العلتين التامتين، أحدهما علة للأخر، ويشترط عليتهما تارة، ومعلوليتهما أخرى.
وأما إذا كانا علتين ناقصتين غير مؤثرتين، فلا يلزم منهما الدور، ولا يتوقف وجود أحدهما على عدم الآخر، لان وجود أحد الضدين إنما هو منتفٍ، ليس لوجود ضده، بل لنقصان مقتضيه.
قال في التقريرات: «إنَ المحقق الخراساني في الكفاية ذكر هذه المناقشة مع فرق في مقدمته الثانية، حيث لم يعتمد على كبرى أنَ مقتضي المحال محال، وإنّما سلك طريقاً آخر يؤدي أيضاً إلى الاستحالة، هو أنّه لو وجِد أحد الضدين كان وجوده كاشفاً عن عدم تعلق الإرادة الأزلية بالضد الآخر، وإلا لما تخلفت عن المراد، فيستحيل وجود مقتضي الضد المعدوم، كي يكون الضد الموجود مانعاً
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
عنه»(1)، لأن المانع إنما يصدق مع وجود الممنوع، لا مع عدم الممنوع(2).
في ضوء ذلك توصلنا إلى نفس النتيجة، وهي أنّ الضد الآخر محال، ليس لأنّ مقتضي المحال محال، بل لأنّ الإرادة الأزلية لم تتعلق بوجوده، بل تعلقت بعدمه، وعندئذٍ يستحيل وجود مقتضي الضد المعدوم كي يكون الضد الآخر مانعاً عنه، والمانع إنّما يصدق بوجود مقتضي الآخر، وأما مع عدم وجود المقتضي للآخر فلا يصدق المانع.
أقول: وهذا قابل للمناقشة من عدة جهات:
الجهة الأولى: ما سبق إن قلناه من أنّ هذه القاعدة وهي اختصاص صدق المانع مع وجود مقتضي الممنوع غير صحيحة، بل قلنا إنّ وجود المانع ممكن على كلا التقديرين، سواء وجد مقتضي الممنوع أم لم يوجد، غاية الأمر أنّ فعلية المنع منوطة بوجود الممنوع لا أصل المنع.
الجهة الثانية: إنّ التشبث بالإرادة الأزلية خلاف المفروض مشهورياً أكيداً، لأن الموجود عندهم وفي ارتكازاتهم وعقولهم هو النظر إلى الأسباب، وأنّ الله سبحانه تعلقت ارادته الأزلية بتصحيح الأسباب، وبتسبيب الأسباب، ولا يمكن خرق هذه الإرادة إلا بإرادة المعجزة، فلذا يكون تجاوز الأسباب، والنظر ابتداءً إلى الإرادة الأزلية خلاف المفروض، مع كونه يعني أنّ هذا المورد مما لا تؤثر فيه الأسباب، وهو كما ترى، لأننا نعترف في سائر الموارد بالأسباب ولا نعترف في
ــــــ[135]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 308.
(2) وهذه القاعدة او الكبرى سبق أن ناقشناها ونفيناها بطبيعة الحال، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
هذا المورد بالأسباب، هذا لا معنى له.
الجهة الثالثة: قوله: أنه لو وجد أحد الضدين، كان كاشفا عن تعلق الإرادة الأزلية بعدم الضد الآخر، أو عدم تعلق الإرادة الأزلية بالضد الاخر.
أقول: لو وجِد أحد الضدين، كان كاشفاً عن تعلق الإرادة الأزلية بوجوده، إما مباشرة كما هو ظاهر في العبارة، أو بالتسبيب، وإما عدم الآخر. فهذا في طول التضاد والمنافرة بينهما، أي بين الضدين، فإن قلنا بأن وجود أحدهما، أو وجود مقتضيه، ليس مانعاً عن وجود الآخر، أو عن مقتضيه، ولا أنّ عدمه عدم مانع، حينئذٍ فإنّ ضم فكرة المنافرة بين الضدين، إلى الإرادة الإلهية، لاستنتاج عدم تعلقها بمقتضي الضد الآخر، ضرورية.
الجهة الرابعة: إن كان وجود الضد يُستكشَف منه إثباتاً عدم تعلق الإرادة الأزلية بوجود الضد الآخر، فما هو السبب في هذا الإثبات؟ المفروض أن يكون له سبب ثبوتي واحد نعرفه إثباتاً، وهو مانعية وجود هذا الضد عن وجود الضد الآخر، لكي لا يلزم اجتماع الضدين، وإذا كان وجوده مانعاً كان عدمه عدم مانع، وهذا صادق على كِلا الطرفين، فيكون هذا الدليل على خلاف المطلوب أدل، وهو أنّ عدمه عدم مانع، وهو نفس الشيء الذي يراد الهرب منه.
المناقشة الثانية للمحقق الأصفهاني
ما أفاده المحقق الاصفهاني: «من أنّ وجود الضد وإن كان موقوفاً على عدم الضد الآخر، إلا أن عدم الآخر. ليس متوقفاً على وجود الأول لكي يلزم الدور، وإنّما عدم الآخر. متوقف على عدم عدمه، فإنّ نقيض العلة هو علة
ــــــ[136]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
لنقيض المعلول، ونقيض كل شيء رفعه، فإذا كان وجود الضد المعدوم متوقفاً على عدم الموجود، لا نفس الموجود، وعدم العدم ملازم مع الوجود لا عينه، كيف ويستحيل أن يكون العدم وجوداً»(1).
أقول: وفيه:
اولاً: ما في التقريرات، أنّ المقصود من أنّ نقيض كل شيء رفعه، ليس إلا مجرد التعبير عن أنّ الوجود نقيض العدم، والعدم نقيض الوجود(2). وليس أنّ العدم رفع الوجود، ورفع العدم هو عدم العدم، ورفع عدم العدم هو عدمه، وهذا ثابت وصحيح فلسفياً وعليه الاصطلاح، أي اصطلاح النقيضين: الوجود والعدم، وليس أنّ نقيض العدم هو عدم العدم.
ثانياً: إنّنا لو سرنا بهذا الاتجاه، لزم التسلسل في النقائض، كما هو واضح في عدم العدم أو وجود الوجود، عدم عدم عدم العدم وهكذا إلى ما لا نهاية، وهو لغو محض وإن لم يكن مستحيلاً، فليس هذا من التسلسلات المستحيلة، لأنّه ليس علّيا.
ثالثاً: قوله: ويستحيل أن يكون العدم وجوداً، لأن عدم العدم معنى عدمي فيستحيل أن يرجع إلى معنى وجودي.
ــــــ[137]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 309. وخلاصة ما أفاده الأصفهاني: وجود الضد (أ) متوقف على عدم (ب) إلا أنّ عدم (ب) ليس متوقفا على وجود (أ)، بل متوقف على عدم عدم (أ)، فانحل الدور.
(2) بحوث في علم الأصول 2: 309.
منهج الأصول (الجزء السادس)
وقد اتضح جوابه: وهو أن عدم العدم ليس أمراً عدمياً، بل هو تعبير آخر عن الوجود نفسه.
رابعاً: ما ذكره في التقريرات: من أنّ عدم العدم أمر اعتباري أو انتزاعي، معلول للوجود نفسه، فرجع التوقف على الوجود، فحينئذ يعود الدور، لأنّ معناها أن العدم متوقف على الوجود وليس على عدم العدم.
إلا أن هذا قابل للمناقشة:
1- أنّه بعد أن قال إنّ عدم العدم أمر اعتباري أو انتزاعي، إذن فهو معلول لأمر ذهني للمعتبر والمنتزع، وليس معلولاً لأمر ثبوتي خارجي، لأنّ الاعتبار والانتزاع أمور في أنفسها معلولات للنفس أو للذهن أو للفكر، ما شئت فعبر، وليست معلولة للوجود -كما قال- وإنّما الحقيقة هو -أي عدم العدم- عين الوجود، وليس غيره ليكون معلولا له.
2- ما ذكره في التقريرات: «لا يقال ليست علة عدم العدم هو الوجود، بل بقانون أن نقيض العلة علة لنقيض المعلول الوجودي، ويكون عدمها (العلة) علة لعدمه (المعلول)، ويكون عدم عدمها (عدم عدم العلّة)، علة لعدم عدمه (المعلول)، فعدم عدم المعلول معلول لعدم عدم العلة، فلا نرجع إلى الوجود في تسلسل العلل، كي يلزم توقف الشيء على نفسه»(1).
أقول: ونحن قلنا إنّه يرجع إلى الوجود وليس هو شيء آخر، وإنّما لا يلزم الدور بأجوبة وإشكالات سابقة، أما إذا انتهينا إلى خصوص هذا الإشكال فلا بد
ــــــ[138]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 309.
منهج الأصول (الجزء السادس)
من التسليم بالدور، وهذا يعني أنّ هذا الإشكال غير تام، إلا أنّه في التقريرات سلم أصله الموضوعي، بمقتضى التنزل عن الإشكالات السابقة، وهو: أنّ عدم العدم، لا يعود إلى الوجود، إلا أنه ذكر بأن هذا التفكير يؤدي إلى سريان القاعدة إلى واجب الوجود، فيؤدي في المبدأ الأول الذي هو الله سبحانه وتعالى، إلى واجبين بالذات متلازمين، أحدهما الوجود الواجب، الذي يكون هو علة لوجود المعلول (او قل لوجود العالم). والثاني عدم عدم الواجب، الذي يكون علة لعدم عدم المعلول، وكلاهما واجب، أي وجود الواجب، وعدم عدم الواجب، إذ لو كان عدم عدم الواجب معلولاً لوجوده، كما زعم في الإشكال السابق، فليقل ذلك في كل وجود(1)، وأنّ فرض كونه معلولا لشيء اخر قبله، وان فرض أنّ عدم العدم كان معلولاً لشيء آخر قبله، كان خلفاً، إذ المفروض كونه هو المبدأ الأول ولا مبدأ قبله.
أقول: وهذا يمكن دفعه بعدة أجوبة، بعد التسليم أيضاً بالأصل الموضوعي الذي ناقشناه فيما سبق، وهو أنّ عدم العدم لا يعود إلى الوجود.
الجواب الأول: وحاصله بأنّ الإشكال الذي أشكله على أنّ عدم عدم الواجب يكون معلولاً لوجود الواجب، ليس فيه محذور؛ لأنّ المعلولية ستنتهي إلى وجود الواجب، وهو المطلوب في كل شيء، وقوله: (فليقل ذلك في كل وجود)، أقول: فليقل الخصم ذلك في كل وجود، حتى وجود الواجب، ولا محذور في ذلك، إذ يكون كل وجود -حتى وجود الواجب- علة لعدم عدمه،
ــــــ[139]ـــــــ
(1) محذور هذا، ان كل وجود يصبح علة لعدم عدم نفسه، وكأنّ هذا ليس صحيحاً، ولكن لم يبيّن السبب، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وهذا بغض النظر عن إشكالات أخرى سوف تأتي.
الجواب الثاني: أنّ ما هو متحقق في الخارج هو الوجود، وليس عدم العدم، والوجود الإمكاني على سعته علته وجود الواجب، وليس هناك في الخارج عدم العدم، لتكون علته عدم عدم الواجب، ويكفي في ثبوت الكون بكل قوانينه العقلية والطبيعية جانب الوجود، وأما جانب عدم العدم فمستغنى عنه في كل شيء.
الجواب الثالث: أنّ هذه الفكرة لو سرنا فيها، لزم الإقرار بواجبِينَ للوجود لا متناهين، لأن الوجود الواجب له نقيض، وهو عدمه، وهذا له نقيض وهو عدم عدمه، ويتسلسل إلى ما لا نهاية، والآن بُرهِن في التقريرات قبل قليل على أنّ عدم العدم واجب كالوجود، فيكون كل فردي واجب الوجود، وكل زوجي ممتنع الوجود.
فإن قلتَ: فإنّه على ذلك لا يلزم أن يكون الواجب لا متناهياً، بل يكون محدوداً بالأجزاء الفردية، لأننا قلنا كل جزء فردي فهو واجب الوجود، بمعنى أنّنا سحبنا من السلسلة نصفها وهي الزوجية، ونصف اللامتناهي متناهي؟
قلنا:
1- إنّ العدد إن سلّمنا أنّه متناهي فهو ضخم جداً فوق الإحصاء من واجبي الوجود، وهو في نفسه غير محتمل.
2- يمكن القول بأن جزء اللامتناهي لا متناهي، ويتكون اللامتناهي من ضم جزئين كلاهما لا متناهيين، ببرهان على أنّنا لو حسبنا أنّ الاجزاء الفردية متناهية، إذن فالأجزاء الزوجية أيضاً متناهية، إذن فقد تكون اللامتناهي من ضم
ــــــ[140]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
جزئين وحصتين كلاهما متناهي، وضم المتناهي إلى المتناهي لا ينتج لا متناهي، فالنتيجة أنّنا نضطر إلى أن نقول: إنّ جزء اللامتناهي لامتناهي، لكي ينتج بضمهما اللا متناهي.
ثم قال في التقريرات: «وبهذا يتحصل برهان أنّ عدم العدم معلول ومنتزع عن الوجود، إذ نقول: هل أنّ عدم عدم الواجب ممكن أم واجب؟ فإن قيل: بالأول(1) كان معلولاً للوجود الواجب لا محالة على حد معلولية الأمور الاعتبارية للأمور الواقعية. وإن قيل: بالثاني(2) فإن أريد(3) من عدم العدم مجرد اللفظ المساوق مع الوجود فهو خلف(4)، وإن أريد انه أمر آخر واجب، فهو مستحيل إذ يلزم منه تعدد الواجب وتلازمهما، وهو مستحيل»(5).
والمضمون أو من الأرجح أو من الأظهر أنّ مراده اختيار الشق الأول، وهو كون عدم عدم الواجب أمراً ممكناً من ناحية، ومعلولاً للواجب من ناحية أخرى، ولا محذور فيه من هذه الناحية، لكنه متوقف على أن نسلم أنّ الأمور الاعتبارية
ــــــ[141]ـــــــ
(1) أي بان عدم عدم الواجب ممكن، (منه).
(2) أي بان عدم عدم الواجب واجب، (منه).
(3) هذا الواجب كأنما له أحد تفسيرين: اما هو ذات الوجود الاصلي للواجب، واما هو وجود آخر زائد عن الوجود الأصلي، (منه).
(4) أي خلف مبنى المستدل وهو الشيخ الاصفهاني من ان عدم العدم غير الوجود، وليس عينه، أو ليس هو الوجود الاصلي للواجب كما عبرت قبل قليل، (منه).
(5) أو قل هو خلاف دليل التوحيد، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
معلولة للأمور الواقعية الخارجية، وقد ناقشنا فيه، وإنما هي معلولة للذهن فقط وليس شيئاً خارجياً ينتج أمراً اعتبارياً أصلاً.
ولكن يمكن أن نختار كِلا الشقين الآخرين ولا يلزم محذوراً أيضاً، أما الشق الأول فقد انتهينا منه، وأما الشق الثاني، وهو أن عدم العدم تعبير آخر عن الوجود فهو الصحيح.
فإن قلتَ: إنّ ذلك خلف، وهو ما قاله في التقريرات، والمراد كونه خلف التنزل الذي يقتضيه النقاش، أو قل: خلف مسلك المستدل وهو الشيخ الاصفهاني.
قلتُ: مع أنّنا نمنع التنزل فيرتفع محذور الخلف، ومع هذا نقول: إنّ الخلف ليس دليلاً اولياً مدرَكاً بالعقل الأول ليكون محذوراً قائما بذاته؛ لأنّه خلف مسلك باطل، وليس خلف مسلكٍ صحيح.
وأما الشق الثالث وهو أن يكون عدم عدم الواجب، شيئاً مستقلاً عن وجود الواجب، أو له نحو من الاستقلالية وهو واجب الوجود أيضاً، فيلزم منه خلاف برهان التوحيد والظاهر أنّ هذا مراده.
فجوابه: أنّ عدم العدم هذا يمكن أن نعتبره باعتبارات عدّة:
1- إما أن نعتبره أمراً عدمياً كما هو ظاهره.
2- وإما أن نعتبر له نحواً من الوجود.
وعلى التقدير الثاني فإما:
أ‌- أن نسلم أنّه أمر اعتباري، بالرغم من صفة الوجوب التي فرضناها له.
ــــــ[142]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)

ب‌- وإما أن نعتبره وجوداً مستقلاً ومكافئاً للوجود الواجب الأصلي، وإن كان بينهما نحو من الملازمة.
والمحذور يلزم بناءً على الشق الأخير، الذي هو أردأ الاحتمالات، وهو أن نتصور لعدم العدم وجوداً استقلالياً وخارجياً وغير اعتباري، بل متأصل مقابل للوجود الواجب الأصلي، وهذا خلاف التوحيد، وهو ممنوع تصوراً فضلاً عن التصديق.
وأما لو كان أمراً اعتباريا فدليل التوحيد لا يشمله، لأن دليل التوحيد إنما يدل على لزوم وحدة الخالق عقلاً، والأمر الاعتباري لا يمكن أن يكون خالقاً لشيء أصلاً، لا لأمر اعتباري، ولا لشيء حقيقي أو خارجي، فضلاً عما إذا قلنا: إنّ الأمر الاعتباري معلول للذهن، كما قلنا: إن الأمر الاعتباري معلول للذهن فيستحيل أن يكون واجباً، وأوضح منه الشق الأول في عدم شمول دليل التوحيد له، وهو أن نعتبر عدم العدم أمر عدمي محض، لوضوح أنّ العدم هو لا شيء، واللاشيء أو العدم لا يتصف بالوجوب، فضلاً عن أن يتصف بالخالقية والفاعلية.
خامساً: قال في التقريرات(1): «إنّ هذا النقاش غاية ما يثبت دفع توقف وجود الضد على نفسه، إلا أنّه يستلزم توقفه على عدم عدم نفسه، وهو مستحيل أيضاً، بنكتة أخرى (غير الدور)، هي: أّن رتبة عدم عدم الشيء، يكون وجود ذلك الشيء واجباً بقانون استحالة ارتفاع النقيضين، في مرتبة عدم عدمه وجوده يكون واجباً بقانون استحالة ارتفاع النقيضين، فإنّ الوجود وإن لم يكن هو نقيض العدم بناءً على هذا المسلك، إلا أنه لا إشكال عند صاحب هذا المسلك أيضاً في
ــــــ[143]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 310.
منهج الأصول (الجزء السادس)
بداهة استحالة ارتفاع الوجود والعدم ذاتاً لا بالعرض، ومن جهة كون الوجود لازماً لعدم العدم، فيستحيل أن يكون عدم العدم علة للوجود، إذ العلة يتعقل في الأمر الممكن في رتبة وجود العلة، لا الواجب بالذات»(1).
إنّ السيّد الأستاذ أثبت في العبارات السابقة، أنّ الوجود واجب في مرتبة عدم العدم، والواجب لا تشتغل فيه العلة، فيستحيل أن يكون عدم العدم مؤثراً كعلة في الوجود، الذي هو لازم الوجود وواجب الوجود، لكنه عبّر هكذا: (إذ العلة تتعقل في الأمر الممكن في رتبة وجود العلة لا الواجب بالذات)، والواجب بالذات اصطلاح يطلق على ذات الله سبحانه وتعالى، الوجود الواجب بالأصل، أما مثل هذا فإنما هو وجوب بالعرض، أو وجوب بالغير، وليس وجوباً بالذات.
ومن هنا ليس المفروض أن يكون المقصود من الوجوب بالذات وجود الله سبحانه وتعالى، فإنّ هذا هو الحديث في الوجه السابق، والمفروض في كل وجه التنزل عن الوجوه الأخرى، فلا ينبغي أن يقع الحديث عن الوجود الواجب هنا، ولو وقع حديث عن الوجود الواجب، كان خلف التنزل الضروري منهجياً، ولكننا نتكلم على كِلا التقديرين فتكون الإشكالات متعددة:
ــــــ[144]ـــــــ
(1) لأنّه أثبت في العبارات السابقة، أنّ الوجود واجب في مرتبة عدم العدم، والواجب لا تشتغل فيه العلة، فيستحيل أن يكون عدم العدم مؤثراً كعلة في الوجود، الذي هو لازم الوجود وواجب الوجود، لكنه عبّر هكذا: (إذ العلة تتعقل في الأمر الممكن في رتبة وجود العلة لا الواجب بالذات)، والواجب بالذات اصطلاح يطلق على ذات الله سبحانه وتعالى، الوجود الواجب بالأصل، أما مثل هذا فإنما هو وجوب بالعرض، أو وجوب بالغير، وليس وجوباً بالذات، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الإشكال الأول: من غير المستطاع البرهنة بمقدمية استحالة ارتفاع النقيضين على تحقق نحو من الوجوب في مرتبة عدم العدم.
وهذا يجاب عليه بأكثر من وجه واحد:
الوجه الأوّل: أنّ الوجود مناقض للعدم، لا لعدم العدم، ونقيض عدم العدم هو عدمه، وليس الوجود كما هو مبنى الشيخ الاصفهاني في هذا الاستدلال.
الوجه الثاني: أنّنا لو تنزلنا عن ذلك، كان افتراض نحو من الوجود في تلك المرتبة، يلزم منه اجتماع النقيضين، فإنّ مرجع عدم العدم إلى العدم في هذا المستوى من التفكير فيناقض الوجود، على أنّه كيف يكون العدم ملازماً للوجود؟
الإشكال الثاني: أنّنا لو فرضنا الحديث عن الواجب بالذات، وتنزلنا عن الوجه السابق، وفهمنا من عدم العدم نحواً من الوجود، فنسأل هل هذا الوجود الذي فرضناه في مرتبة عدم العدم، هل هو عين الوجود الاول -كما هو الصحيح، لأنّه لا يراد من عدم العدم إلا الوجود الأصلي- أو وجود آخر غيره؟
أما الأول، فهو خلف مسلك الخصم، من تحقق المغايرة بين الوجود وعدم العدم، وأما على الثاني فيلزم منه خلف برهان التوحيد، فإذا كان وجوداً آخر مستقلاً مع الوجود الأصلي، وحديثنا عن الوجود الواجب طبعاً، فهذا يعني أنّ هناك واجبين مستقلين، الذي هو خلاف برهان التوحيد.
الإشكال الثالث: إنّ عدم العدم هذا مع الوجود الملازم له، هما في مرتبة واحدة أو في رتبتين؟
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
فرض الرتبة الواحدة:
فإن كانا في رتبة واحدة، فهل هما واجبان أو ممكنان؟
فإن كانا واجبين، كان خلف برهان التوحيد لتعدد الواجب، وخاصة لو قيس الوجود الملازم مع عدم العدم، بالوجود الأصلي للواجب، سيكون واضحاً أنّه خلف برهان التوحيد.
وإن كانا ممكنين، فهما معلولان، ولكن معلولان لأي شيء؟
فإن قلتَ: إنّهما معلولان للوجود الواجب، أي: أنّ الله تعالى أوجد عدم العدم، والوجود الملازم له.
فجوابه: أنّ كل علة متقدمة برتبة واحدة على معلولها، في حين أنّ المورد هنا، أنّ هذه العلة المزعومة متقدمة عن معلولها بمرتبتين أو ثلاث مراتب؛ لأنّ أول مرتبة هي مرتبة الوجود الأصلي، ثم عدمه، ثم عدم عدمه، ثم الوجود الانتزاعي منه. فلا يصلح أن يكون الوجود الواجب علة لهما.
وأشد منه سوءاً أن تدعي أن الشيء الذي قبله بمرتبة هو العلة، وهو عدم الواجب؛ لأنّ عدم الواجب ممتنع أصلاً، والممتنع لا يكون علة لشيء.
فرض تعدد الرتبة:
وان كان عدم العدم والوجود الملازم له في رتبتين، فمعناه ان أحدهما علة للآخر. وجوابه:
أولاً: أنّهما لا يمكن أن يكونا في رتبتين؛ لأنّهما إما نقيضان، والنقيضان في
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
رتبة واحدة، أو متلازمان، والمتلازمان أيضاً في رتبة واحدة(1)، وكلاهما لا يمكن أن يكونا في رتبتين.
ثانياً: أنه لا يمكن أن يكون أحدهما علة للآخر لاختلافهما في السنخ، في حين من الضروري أن تكون العلة من سنخ معلولها، في حين أن أحدهما من سنخ العدم، مهما تصورنا له من التأثير والفاعلية تنزلاً، والآخر من سنخ الوجود، فلا يمكن أن يكون أحدهما مؤثراً في الآخر أو علة للأخر.
الإشكال الرابع: إن كان المقصود من الواجب بالذات، ما كان واجباً بالعرض، وبالغير ولو على خلاف الاصطلاح بقرينة قوله: «يكون وجود الشيء واجباً بقانون استحالة ارتفاع النقيضين» فهو (واجب) بواسطة قانون ارتفاع النقيضين وليس واجب بالمعنى الكامل. يعني أنّنا نتحدث أنّ عدم العدم صفة لما هو وجود ممكن، لا صفة لما هو وجود الواجب تبارك وتعالى.
فيرد عليه أكثر من إشكال من الإشكالات السابقة التي اوردناها على الوجود الواجب، مع زيادة إشكال واحد أو ربما أكثر لكنني أذكر إشكالاً واحداً:
وهو أنه يلزم انحلال كل وجود واحد، إلى وجودات لا متناهية، بعدد التسلسل الذي نأخذه في النقائض، وهذا من اللغو المحض.
سادساً: ما ذكره في التقريرات: «أنّ عدم العدم إن أريد به إضافة العدم إلى واقع العدم، فهو مستحيل؛ لأن الوجود والعدم عارضان على الماهية، لا على
ــــــ[147]ـــــــ
(1) إلا في العلة والمعلول، أما في غيرهما، فالمتلازمان من قبيل المعلولين لعلة ثالثة ونحو ذلك إنما في رتبة واحدة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
واقع الوجود أو العدم، فإنّ اتصاف واقع الوجود بالوجود، أو بالعدم، وكذلك واقع العدم بالوجود أو بالعدم مستحيل؛ لأنه يستلزم التناقض، أو إثبات الشيء لنفسه، وإن أريد انتزاع مفهوم اعتباري للعدم، وإضافة العدم إليه، على حد إضافته إلى الماهيات، فهذا المفهوم أمر اعتباري ذهني محض، ويستحيل أن يكون عدمه (أي عدم العدم) علة للوجود الحقيقي، كما هو لازم نقاش هذا المحقق»(1)، والنتيجة أنّ لزوم الدور غير صحيح.
البرهان السادس:
ذكره في التقريرات، وحاصله: إنّ توقف أحد الضدين على عدم الآخر، مستحيل في الضدين الذين لا ثالث لهما، والذي يستحيل ارتفاعهما، فإنّه في مثل ذلك يكون فرض عدم أحد الضدين هو فرض الفراغ عن وجوب الضد الآخر لاستحالة ارتفاعهما بحسب الفرض، ومعه تكون علية عدم الضد المعدوم، في وجود الضد الموجود مستحيلة؛ لأنّها عليّة مقيَّدة بفرض يخرج فيه المعلول عن الإمكان إلى الوجوب(2)، كما قلنا بذلك في توقف الوجود على عدم عدمه.
وإذا ثبت ذلك في الضدين الذين ليس لهما ثالث، ثبت في الأضداد المتعددة أيضاً، إما بدعوى بداهة عدم الفرق، أو بدعوى أنّ في الأضداد المتعددة يكون
ــــــ[148]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 310.
(2) وعن الجواز إلى التعين، لأنه مادام هذا العدم موجوداً، يتعين ويجب أن يوجد الضد الآخر، فحينئذٍ لا يمكن أن يظل معدوماً لاستحالة ارتفاع الضدين، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
عدم ما عدا الضد الواحد علة لوجود ذلك الضد(1)، وفي ظرف عدم مجموع الأضداد الأخرى يكون الضد الأول واجباً فتستحيل العلية»(2).
يشير السيد الشهيد في التقريرات إلى: أنّه إذا أمكن أن نتصور ضدين يمكن ارتفاعهما، فحينئذٍ لا يشمله هذا البرهان، لأنّ المقدمة الرئيسية لهذا البرهان هو استحالة ارتفاع الضدين، وإذا أمكن ارتفاع ضدين، فهذا البرهان يسقط، ويمثل له بالحب والبغض فإنّهما ضدان لا يجتمعان، ولكنهما يمكن أن يرتفعا، فليس عدم أحدهما يعيِّن وجود الآخر، لوجود البديل الثالث الذي هو الغفلة.
ويقول في الأضداد التي ليس لها ثالث، إما أن تثبت بالوجدان، وإما أن تثبت بالبرهان الذي ذكره، وإذا انتفت مقدمة البرهان وهي: استحالة ارتفاع الضدين. لأنّ الضدين هنا يمكن ارتفاعهما، ينتفي البرهان، فإذا سقط البرهان بقي الوجدان، كما قال: فيتعين التمسك بوجدانية عدم الفرق، أي عدم الفرق بين الأضداد الاثنين والمتعدد.
وجوابه: أنّ هذا السياق يصح إن أمكن أن يرجع إلى أحد امرين:
الأول: إما أن يرجع إلى ما قلناه من النسبة بين الضدين، ونقائض الضدين أنها في مرتبة واحدة، الشيء ونقيضه في مرتبة واحدة، الشيء وضده في مرتبة واحدة، إذن فوجود الضدين وعدم الضدين في مرتبة واحدة. فحينئذٍ يصح، لأننا
ــــــ[149]ـــــــ
(1) مثلاً إذا كانوا أربعة، فإنّ عدم الثلاثة معيِّن، وموجِب، وسبب لوجوب وجود الرابع، فلا يلحظ ضد واحد وإنما يلحظ مجموع الأضداد الأخرى، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 311.
منهج الأصول (الجزء السادس)
قلنا بأنّه ما داما في مرتبة واحدة، إذن تتعذر العلية؛ لأنّ العلية معناها التقدم ولا تقدم بين النقيضين والضدين.
الثاني: وإما أن يرجع إلى مجرد فكرة امتناع الارتفاع بين الضدين، كما كانت هي المقدمة الرئيسية في البيان نفسه، فلا يمكن أن تزيد النتيجة على نفس المقدمة، فيعود الحديث إلى مجرد التمانع الأصلي، أو الطبيعي، بين الأضداد لا أكثر.
وإذا تنزلنا عن الوحدة في الرتبة بين الضدين والنقيضين، لا يبقى مانع عن علية عدم أحدهما لوجود الآخر، إذ في رتبته السابقة لا يكون الآخر واجباً، لأنه عندما نفترض أنّ عدم (ب) دخيل في وجود (أ)، إذن فعدم (ب) متقدم رتبة على وجود (أ) وهذا ينبغي أن يكون واضحاً. حينئذٍ نقول أن وجود (أ) لا يكون واجباً في رتبة عدم (ب) وإنما يكون واجباً في الرتبة المتأخرة عن عدم (ب)؛ لأنّه معلول، وفي رتبة المعلول يكون واجباً، لا في رتبة العلة، وإنما يحصل وجوبه في المرتبة المتأخرة لا محالة، مضافاً إلى أنّ التعبير بالواجب هنا ليس هو الواجب بالذات (الله سبحانه وتعالى)، كما ليس هو الواجب بالغير، وإنّما مراده الواجب باعتبار التنافي والتمانع بين الضدين، وهو ليس قائما على اصطلاح محدد.
وأما ما قاله من أنّ هذا البرهان خاص بالأضداد التي لا يمكن ارتفاعها، ولا يأتي في الأضداد التي يمكن ارتفاعها كلّها كالحب والبغض، فهذا صحيح، إلا أنّه قال: فيتعين التمسك بوجدانية عدم الفرق.
أقول: إذا انتفى البرهان انتفى الوجدان؛ لوضوح عدم وجوب وجوده بانتفاء الآخر، لاحتمال انتفائهما معاً، فأي وجدان يبقى في هذا المجال؟
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
البرهان السابع:
قال في التقريرات: «ما أفاده المحقق الأصفهاني في تفسير عبارة الكفاية، وهو يتألّف من مقدمتين:
الأولى: إنّ النقيضين في رتبة واحدة، فالسواد وعدمه وكذلك البياض وعدمه في رتبة واحدة لا في رتبتين، لأنهما يختلفان على محل واحد ويكون كلٌ منهما بديلاً عنه في محله، فلا يمكن أن يكونا مختلفين في الرتبة.
الثانية: إنّ ما في رتبة المتقدم يكون متقدماً أيضاً، وكأن هذه قضايا قياساتها معها، فإذا تمت المقدمتان ثبت أنّ أحد الضدين يستحيل أن يتوقف على عدم الآخر، لأن عدم الآخر في رتبة وجوده بحكم المقدمة الأولى(1)، فإذا كان يتوقف عليه وجود الأول كان متقدماً عليه رتبة، فيكون وجود الآخر أيضاً متقدماً عليه بحكم المقدمة الثانية، وباعتبار صدق ذلك في كلٍ من الضدين لزم من ذلك التهافت في الرتبة بين الضدين، وكون كلٍ منهما متقدماً على الآخر ومتأخراً عنه وهذا مستحيل.
وبهذا البيان لا نحتاج إلى إضافة دعوى وحدة رتبة الضدين كي نحتاج إلى الإثبات والبرهنة عليها في تقريب هذا البرهان كما فعله السيد الأستاذ، لأن الضدين ولو فرض عدم وحدة رتبتهما يستحيل تقدم كلٍ منهما على الآخر لأنه تهافت.
ــــــ[151]ـــــــ
(1) أي مثلا (عدم ب) في رتبة (ب)، فإذا توقف (وجود أ) على (عدم ب)، كان (عدم ب) متقدماً رتبة على (أ)، فيكون وجود الآخر (ب) أيضا متقدما رتبة على (أ) بحكم المقدمة الثانية…، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وهذا البرهان صحته موقوفة على تمامية كِلتا المقدمتين المتقدمتين، مع أنّ كلتيهما مخدوشة(1).
قلتُ: وهذا صحيح، ونحن قلنا بصحة المقدمة الأولى، أما المقدمة الثانية فهي قابلة للنقاش، وهي أنّ ما في رتبة المتقدم لا يكون متقدماً، إذ لا نسبة بين هذا المتقدم وذاك المتأخر، وقد قلنا إنّ المهم في التقدم والتأخر هو وجود النسبة، وإذا انتفت النسبة انتفى المطلب.
نعم، قلنا إنّ النسبة ليس بالضرورة أن تكون بين شيئين بالمباشرة، بل تكفي النسبة بالواسطة، وهي النسبة إلى المنسوب، والمفروض أنّ النسبة بين هذين أنّهما طوليان، أي الضد مع عدمه، والنسبة بين هذين أنهما عرضيان، أي الضد مع الضد الآخر، مع اشتراك شيء واحد في كِلتا النسبتين، ومعه يعمم هذا البرهان.
ولكن السيد في التقريرات ناقش كِلتا المقدمتين.
أما المقدمة الأولى:
وهي كون النقيضين في مرتبة واحدة، فبالرغم من وضوحه إلى حدٍ معتدٍ به في الوجدان، مع ذلك قال: فهذا ممنوع، فإن كلّاً من النقيضين، «يخلف أحدهما الآخر في لوح الواقع، لا في ظرف ثبوت الأول زماناً أو رتبة(2)، فإذا ثبت وجود شيء في زمان لا يكون عدمه مقيَّدا بذلك الزمان(3)، كما أنّ الشيء الثابت في مرتبة
ــــــ[152]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 312.
(2) أي: لا أنّه أحدهما يخلف الآخر في ظرف الآخر زماناً، ولا انه يخلفه في ظرفه الرتبي، وإنما فقط في لوح الواقع، (منه).
(3) ومعنى ذلك أنّ الزمان من هذه الناحية ملغى، فاذا كان أحد النقيضين (مثلا الوجود) في زمانٍ، لا يقتضي ان يكون عدمه ايضا مقيدا بذلك الزمان، فالنقيضين قد يكونا في زمانين مختلفين، وكذلك ان النقيضين يكونان في رتبتين مختلفتين، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
كثبوت الصاهلية مثلاً في مرتبة ذات الفرس(1)، لا يكون نقيضه عدم الصاهلية المقيَّدة بتلك المرتبة(2)، بل النقيض عدم (الوجود) المقيَّد بذلك الزمان، او الرتبة(3)، لا العدم المقيَّد(4)، والا لزم ارتفاع النقيضين في فرض ارتفاع القيد(5) كما هو واضح مثلا»(6).
أقول: وقبل الإجابة على هذا الكلام، ينبغي أن أقرر بعدّة أسطر مسلكنا.
ــــــ[153]ـــــــ
(1) يعني الصاهلية التي هي أحد النقيضين موجودة في مرتبة ذات الفرس، (منه).
(2) فإذن هما ليسا في مرتبة واحدة، لأن عدم الصاهلية المقيدة بمرتبة ذات الفرس مستحيلة، ذلك لان الصاهلية إذا انعدمت، انعدمت معها ذات الفرس، انسحبت… تأثرت الذات اساسا لان الصاهلية فصل ذاتي، وعدمه يقتضي زوال الذات، فلا يمكن ان يكون العدم مقيدا بنفس قيد الوجود، فوجود الصاهلية في نفس مرتبة ذات الفرس، واما عدمها فليس في مرتبة ذات الفرس، (منه).
(3) أي: النقيض عدم الوجود المقيد بتلك الرتبة، لا العدم المقيد بتلك الرتبة، على ان لا يكون العدم مقيداً لنفس رتبة الوجود، (منه).
(4) بتلك الرتبة، (منه).
(5) بالنسبة الى الفرس مثلاً، إذا قيدنا وجود الصاهلية وعدم الصاهلية في ذات الفرس، فإنّه يلزم ارتفاع النقيضين، يعني ان الفرس غير موجودة، فالصاهلية منعدمة فيها، وعدم الصاهلية ايضا منعدمة فيها، فيلزم من ذلك ارتفاع النقيضين، (منه).
(6) بحوث في علم الأصول 2: 313.
منهج الأصول (الجزء السادس)
قد سبق أن عرفنا لاتحاد المرتبة معنيين:
أحدهما: عام وهو مجرد عدم كون الشيئين طوليين، أو قل لا طولية بينهما، فيصبحان في رتبة واحدة، ولا شك أنّ النقيضين بهذا المعنى، في رتبة واحدة بهذا المعنى، إذ لا طولية بينهما قطعاً، لأنّنا لا نعني من الطولية إلا العلية، أي التعدد الرتبي في العلة، مع أنّه تستحيل العلية بين النقيضين كما هو واضح جداً.
ثانيهما: الأمران المتفرعان عن شيء واحد، كالمعلولين لعلة مشتركة -وهو يصدق على حصّة من المعنى السابق- لأنّه لا طولية بينهما على الفرض، فليس أحدهما علة للآخر.
إلا أنّ المعنى الثاني يستقل بخصوصية ما، لأنّنا قلنا الان إنّ المعنى الثاني أخص من المعنى الأول، وقد سبق أنّ تلك الخصوصية أو الفرق الرئيسي بين الوجهين، هو وجود النسبة (بين شيئين)، فإذا لم توجد النسبة لم يكونا عرضيين بالمعنى الثاني، وإن كانا عرضيين بالمعنى الأول، كسائر الأشياء المبعثرة في الكون فإنّها عرضية بالمعنى الأول، ولكنها ليست عرضية بالمعنى الثاني، لأنه لا نسبة بين شيئين منعزلين، وإن وجدت النسبة كانت من المعنى الثاني.
وقد سبق أيضاً، أنّ النسبة صادقة في كثير من الأشياء المنتسبة بعضها إلى بعض، كالضدين والنقيضين، والمتلازمين وهما المعلولان لعلة ثالثة، وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الطولية أيضاً تكون مع حصول النسبة لا مع انتفائها، فلو لم تكن هناك نسبة لم تصدق لا الطولية ولا العرضية، فلأجل أنّ النسبة موجودة في العلة
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
والمعلول، فلذا يصدق عليهما الطولية، وأما لو لم تكن النسبة موجودة فلا يصدق عليها الطولية، من قبيل مثلاً العقل الفعال وزيد من الناس، فالعقل الفعال أعلى من زيد من الناس بكثير، ولكنه لا علية ومعلولية بينهما، فمن هذه الناحية لا طولية بينهما.
مناقشة التقريرات
والآن نأتي الى مناقشة صغريات كلامه هنا:
المناقشة الأولى:
قال: إنّ النقيضين يخلف أحدهما الآخر في لوح الواقع. يعني ليس في لوح الخارج، وإنما في لوح الواقع، وهذا ليس بصحيح لأمرين أساسيين:
الأوّل: أنّ لوح الواقع ليس فيه (عدم) بالمعنى الفلسفي، إذ لا حركة في أجزائه، ولا تحول فيها، أو في محتوياته، بل هي كليات ثابتة سرمدية، لا علية فيها ولا معلولية، ولا عدم يعتريها، وإلا إذا كان فيه (عدم) فقد تكذب القضايا الواقعية، فقد يأتي يوم على أنّ اثنين زائد اثنين ليس أربعة، وهذا قطعي العدم أكيداً.
الثاني: وإنما التحول من الوجود إلى العدم وبالعكس إنما هو خارجي وليس واقعي، لأنَ المفروض أنّ الوجود خارجي، والعدم أيضاً خارجي، فالنقيضان خارجيان ولا ربط لهما في الواقع.
نعم -انتصاراً للتقريرات- لو اعتبرنا العدم ليس خارجياً، لمجرد كونه (عدم) فينافي صفة الخارجية، وإنما ما هو متحقق في الخارج هو الوجود، وأما العدم فلا تحقق له في الخارج، ولكنه مع ذلك له مصداق، كما نقول: زيد من
ــــــ[155]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الناس غير موجود في هذا المسجد. فعدم زيدٍ من الناس في هذا المسجد ثابت، نعم ثبوته ليس خارجياً وإنما واقعي، وإذن يتعين أن يكون (العدم) واقعياً، ويتعين أن يكون نقيضه (الوجود) أيضاً واقعياً.
إنّ الخارج حصة من الواقع وليس مبايناً له، وإنّ الواقع يشمل هذه الحصة وتلك الحصة، فكون الشيء خارجياً لا ينافي كونه واقعياً، فهو خارجي وواقعي في عين الوقت، فلا بأس من زاوية الواقع أن يكون النقيضان واقعيين، ولكن أحدهما بالإضافة إلى أنّه واقعي هو خارجي، فهما يتفقان بالصفة الواقعية.
إلّا أنّ الكلام في اعتبار العدم واقعياً غير خارجي كلام جزاف لا موجب له، وذلك:
1- لأنّه عدم خارجي وليس عدم شيء واقعي، فيتصف (العدم) بصفة نقيضه، والنقيض (الوجود) خارجي، فيكون العدم أيضاً خارجياً، ويصدق عقلاً وعرفاً أنّه معدوم في الخارج لا أنّه معدوم في الواقع.
2- لما قلناه من أنّ الحصة الأخرى لعالم الواقع، ليس فيها عدم بهذا المعنى، فيتعين أن يكون النقيضان خارجيين.
المناقشة الثانية:
قوله: «يخلف أحدهما الآخر في لوح الواقع، لا في ظرف ثبوت الأول زماناً أو رتبة»(1).
أما الزمان فهو ساقط هنا، وهذا صحيح، ولا دخل له في صدق النقيضين،
ــــــ[156]ـــــــ
(1) محل الشاهد ذيل العبارة.
منهج الأصول (الجزء السادس)
فإنّ صدق النقيضين أساساً هما الوجود والعدم، وهذا لا يختلف فيه وحدة الزمان، أو تعدده، نعم، لوحدة الزمان دخل في استحالة اجتماعهما وارتفاعهما، لكن الكلام الآن ليس في ذلك، بل في صدق النقيضين في رتبة واحدة، والزمان لا دخل له هنا، لوضوح أنّ الشيء -مثلاً- إذا كان موجوداً يوم الأحد، ثم انعدم في يوم الاثنين، فهذا العدم نقيض ذلك الوجود، لأنّه منسوب إلى ذات واحدة، بدون أن يلزم اجتماع النقيضين لتعدد الزمان، فسقوط الزمان كقيد لصدق النقيضين صحيح.
وأما نفي الرتبة كما هو نص عبارته، فهو مجرد دعوى، وكِلا الأمرين السابقين يثبت اتحاد النقيضين رتبةً:
1- لأنّ بينهما نسبة.
2- لانّهما يتعاوران على محل واحد.
المناقشة الثالثة:
قوله: فإذا ثبت وجود شيء في زمان لا يكون عدمه مقيَّدا بذلك الزمان.
ويعني أنّ صدق النقيضين -بغض النظر عن اجتماعهما وارتفاعهما- لا يكون مقيَّدا بذلك الزمان، وهذا صحيح لسقوط الزمان قيداً هنا في صدق النقيضين، كما قلنا قبل قليل، إلا أنَه خارج عن محل الكلام، ولا يتوقف عليه صدق هذا الدليل، وإنما الكلام في اتحاد الرتبة، لا في الزمان، والتعرض إلى الزمان إنما هو استطرادي ولا يضر الدليل أصلاً.
قد يقال: ربما أن يكون نفي الاتحاد في الزمان، ملازماً لنفي الاتحاد في الرتبة،
ــــــ[157]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
فإذا نفى السيد الاتحاد في الزمان، يلزم منه نفي الاتحاد في الرتبة، فيضر الدليل حينئذٍ.
وجوابه: هو عدم الملازمة بين الزمان والرتبة، فليكن الزمان ساقطاً من هذه الناحية، إلا أن الرتبة مؤثرة من هذه الناحية، وقيد من هذه الناحية، فلا ملازمة بين نفي الزمان ونفي الرتبة.
المناقشة الرابعة:
قوله: «كما أنّ الشيء الثابت في مرتبة كثبوت الصاهلية مثلاً في مرتبة ذات الفرس، لا يكون نقيضه عدم الصاهلية المقيَّدة بتلك المرتبة، التي هي مرتبة ذات الفرس».
أقول: لأّن عدم الصاهلية في تلك المرتبة يؤدي إلى نفي الذات، فمع التحفظ على الذات، فلا يمكن أن يكون النقيضان في رتبة واحدة، لأنه مع فرض وجود الذات فإنّ وجود أحد النقيضين (الصاهلية) ضروري، لأنّه الفصل ومقوّم الذات، أما عدم الفصل فلا يكون متحققاً.
وهذا عليه جوابان:
الجواب الأول: وهو يرجع إلى تحديد اصطلاح معنى الرتبة، لأنه قال في مرتبة الذات، ومصطلح (الرتبة) من الاصطلاحات المظلومة، التي لم يحدد لها معنى، وإنما فيه تشويش كثير، فحينئذٍ يمكن أن يكون معنى هذه الرتبة التي ذكرها، غير معنى الرتبة التي هي موجودة في البرهان، فنفترض أنّ هذا صادق وأن ذاك كاذب، إذ لا ملازمة بين الاصطلاحين، وانما المغالطة اللفظية هي التي انتجت ذلك.
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
يكفينا أنّه يقول: مرتبة الوجود، ومرتبة العدم، ومرتبة عدم العدم، وهكذا، حتى كأن هذه الأمور طولية؟ وإنما هي طولية وهمية، فإما أن نقول أنَّ تعدد الرتبة لا يعني الطولية، إذ لا ملازمة بين الاصطلاحين، وإما أن نخص اصطلاح الرتبة بمورد صدق الطولية، وهو الطولية العلية، وننفي تعدد الرتبة في غيرها، إلا أن نؤسس اصطلاحاً جديداً، وعلى أي حال يكون ذلك من المغالطة بكل تأكيد.
ومن اصطلاحات الرتبة التي استعملها هو((1))، وهو اصطلاح لا يخلو من شهرة وذيوع بين أهل العلم -ما يقولونه-: من رتبة الذات والذاتيات، ورتبة العوارض والعرضيات، فهي تلحظ من دون معنى العلية بينها، إذن فهي عرضية وليست طولية، وإن تعددت رتبها بالاصطلاح الآخر.
إلا أنّنا ينبغي أن نلتفت أنّ بينها طولية علية؛ لأنّ وجود الذات بمنزلة العلة للعرضيات، أو جزء العلة؛ لأنه يلزم من عدمها عدمها، وهذا يكفي في العلية، وإذن يكفي في الطولية، فدخلت في نفس المصطلح الأصلي الذي هو الرتبية العلية.
إلا أنّ كلامه مع ذلك لا يصح؛ لأنّ الرتبة معنىً إضافي لا يكون إلا بملاحظة النسبة بين الشيئين، فيقال: متقدم رتبة على شيء، أو مساوي رتبة مع شيء، وأما لحاظ شيء واحد وهو الذات، فلا نستطيع أن نعبر عنها رتبة بالمعنى الطولي للرتبية.
ــــــ[159]ـــــــ
((1)) السيد الشهيد محمد باقر الصدر.
منهج الأصول (الجزء السادس)
ولكن في حالة أن ننسب الذات إلى الذاتيات، لا إلى العرضيات، فهنا يشكل المطلب، ذلك بأنّ هذه النسبة لا تصح؛ لأننا لا نقصد من الذاتيات إلا الذات، إذن ليس هناك فرق واستقلالية بينهما لكي تحصل نسبة بينهما، وإنما هو نفس الشيء، ونسبته إلى نفسه لا يعني التعدد بطبيعة الحال، أو قل نسبة مجازية وليست حقيقية، إذن فكل نسبة خارجية تقع خارج نطاق الذات، بما فيها العرضيات، هي مندرجة في الطولية العلية، وهذا في نفسه معنى طيب.
ولكن إذا تنزلنا عن هذه الفكرة وقلنا بشيء من المغايرة بين الذات والذاتيات، لا أقل أن منشأ انتزاع الذات يختلف عن منشأ انتزاع الذاتيات، مثلاً أنّ الذات واحدة، وملحوظة بلحاظ واحد، في حين أنَ الذاتيات متعددة، لأنَها تنقسم إلى جنس وفصل وجنس قريب وجنس بعيد، ونحو ذلك، فإذا كانت هناك مغايرة بينها، فهل هناك طولية بينها بالمعنى الموجود في العرضيات؟ الجواب: لا، لا يمكن أن نقول: إنّ الذات علة لوجود الذاتيات، كما لا يمكن أن نقول: إنّ الذاتيات علة لوجود الذات، فإنّها بهذا المعنى من الرتب هي في رتبة واحدة وليست في عدة رتب.
ولكن بالإمكان أن يقال بالدقة عكس ما قلناه في العرضيات، حيث كان الموصوف علة للصفة، ولولا الموصوف لما وجدت الصفة، لكن في الذاتيات الصفة علة للموصوف، أي الذاتيات علة لوجود الذات، ولولا الذاتيات لم توجد الذات بطبيعة الحال، ولكن لا نستطيع أن نقول: إنّ الذات علة للذاتيات؛ إنّما الذات أصلاً مفهوم انتزاعي، وفرع وجود الذاتيات، فمن هذه الناحية أيضاً حفظ
ــــــ[160]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
نحوٌ من معنى الاصطلاح الطولي، وإن كان عكسياً، المهم أنّ الطولية العلية موجودة في كِلا الجانبين.
إلا أنّنا قلنا: إنّ كلامه مع ذلك لا يصح؛ لأنّ الرتبة معنىً إضافي، لا يكون إلا بملاحظة النسبة بين شيئين، وأما لحاظ شيء واحد وهو الذات، فلا نستطيع أن نعبر عنه رتبة؛ لأنه لم يلحظ مع شيء آخر.
الجواب الثاني: إنّ اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وكذلك الأضداد، يحتاج إلى حفظ الموضوع الذي يتعاوران عليه، ويختلفان فيه، ويرتفع أحدهما ويأتي الآخر، وهذا ثابت في كل شيء، فمثلاً الألوان التي هي أضداد، نقول: لا يمكن ارتفاع الضدين أو ارتفاع الأضداد، أي لا يمكن ارتفاع كل الألوان عن الجسم، ولكن بزوال الجسم وانعدامه ترتفع كل الأضداد؛ لأن الحاجة إلى اللون ستكون سالبة بانتفاء الموضوع، ولا يعني ذلك أن الأضداد ارتفعت كلها؛ لأن شرط الاستحالة إنما هو وحدة الموضوع، وأما إذا انتفى الموضوع، فقد انتفى شرط الاستحالة.
وكذلك في مثال الصاهلية بالنسبة إلى الفرس، يقول: وجود الصاهلية في مرتبة الذات متحقق، إلا أنّ عدم الصاهلية غير متحقق في مرتبة الذات.
من المستطاع القول: كِلا النقيضين في مرتبة واحدة، إلا أنّ لكلٍ من النقيضين أثراً غير أثر الآخر، فإن أثر الصاهلية وجوداً، هو وجود الذات، أي وجود الفصل والجنس المكون للفرس، وأما أثر عدم الصاهلية، فعدم الذات وزوال الذات، وهذا يعني ارتفاع النقيضين، أي: لا صاهلية ولا عدم صاهلية،
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
لأن الذات غير موجودة أصلاً، وانما يرتفع النقيضان عن موضوع واحد، وأما مع ارتفاع الموضوع، فارتفاع النقيضين يكون ممكناً، إذ لا يكون شرط الاستحالة متوفراً.
الجواب الثالث: إنّ النقيضين في رتبة واحدة، ولكن هذا لا يعني أنّنا نشترط اتحاد الرتبة في إمكان الاجتماع، فإنً الحديث عن إمكان اجتماع النقيضين، غير الحديث عن وحدة رتبة النقيضين.
إنّ وحدة الرتبة لا دخل لها في إمكان الاجتماع كما سبق أن نفينا ذلك، وإنما إذا اتحدا مكاناً وزماناً استحال، سواء كانا في رتبة واحدة، أو رتبتين، إلا أنّ لها دخلاً في أصل وجود النسبة بينهما، أي بين النقيضين أو بين الضدين. بينما الزمان بعكس ذلك، له دخل في إمكان الاجتماع وعدمه، ولا دخل له في وجود النسبة بينهما، بحيث أنّ النقيضين يجب أن يحصلا في زمان واحد، وإنما في زمانين.
وهذا لا يلزم منه ما قاله: من أنّ الرتبة التي تكون قيداً لثبوت أحد النقيضين تكون قيداً للآخر، إذ لا تنافٍ بين اتحاد النقيضين رتبة(1)، وعدم اتحادها رتبة، إذ لا تنافٍ بين اتحادهما في الرتب العلية، وعدم اتحادهما في الرتب الذاتية(2). إذ بهذا المعنى -أي في الرتب الذاتية- يكون عدم إمكان اجتماعهما في مرتبة واحدة واضحاً، إذ ينبغي أن نقول بتعدد الرتب بين النقيضين والضدين؛ لعدم احتمال أن
ــــــ[162]ـــــــ
(1) أي انهما متحدان في الرتبة من الرتب العلية، (منه).
(2) تقدمت الإشارة بأنّ هذا اصطلاح له حكمه، وهذا اصطلاح له حكمه، ولا يتحدان محمولاً لعدم الاتحاد موضوعا في الحقيقة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
يكون الوجود والعدم في رتبة واحدة ذاتية، لاختلاف السنخ بطبيعة الحال، فيتعين أن يكون النقيضان والضدان في رتبتين، لكننا لا نتحدث عن ذلك، وقلنا سابقاً إنّ هذا اصطلاح غير مشهوري، فالصحيح أن نصطلح في الرتب على المعنى العلّي، وفي الاصطلاح يتعين أن يكون النقيضان والضدان في رتبة واحدة.
الجواب الرابع: ما قاله: من أنّ الشيء الثابت في مرتبة، كثبوت الصاهلية مثلاً في مرتبة ذات الفرس، لا يكون نقيضه عدم الصاهلية المقيَّدة بتلك المرتبة -أي مرتبة ذات الفرس- بل نقيضه عدم المقيَّد بذلك الزمان، أو المرتبة، لا العدم المقيَّد بذلك الزمان أو المرتبة.
ومراده من المقيَّد، في قوله: عدم المقيد. أحد امرين: إما الصاهلية(1)، وإما الذات المقيَّدة بالصاهلية.
فإن أراد الذات المقيَّدة بالصاهلية فسد الأمر جداً، لأنه يصبح نقيض الصاهلية هو عدم الذات المقيَّدة، لا عدم الصاهلية نفسها، وهذا كما ترى ليس بصحيح أكيداً، وإنما نقيض كل شيء عدمه، لا عدم غيره.
وإن أراد نفس الصاهلية، يعني أن نقيضها هو عدمها، لا العدم المقيَّد صح تصوراً، إلا أنّه يحتاج إلى الصحة تصديقاً، يعني يحتاج إلى البرهان عليه، مع أنّ البرهان الذي ذكره، وهو لزوم ارتفاع النقيضين عند ارتفاع القيد، -أي عند ارتفاع الذات- لا يصح، لما قلناه من ان ارتفاع القيد يعني ارتفاع الذات، والذات بمنزلة المحل الذي يرتفع بارتفاعه شرط استحالة اجتماع النقيضين، فإذا ارتفعت
ــــــ[163]ـــــــ
(1) فيكون عدم المقيد بمعنى عدم الصاهلية، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الذات يرتفع النقيضان عنها أصلاً.
وأما المقدمة الثانية
وتقع المناقشة في شقّين من كلامه:
الشق الأوّل: وحاصله: أنّ ما في رتبة المتقدم متقدم، من قبيل علة ومعلول، فشيء في رتبة العلة يكون متقدماً على المعلول، يقول: «إن أرِيد به المتقدم في الرتبة، أي المقارن مع المتقدم رتبة(1)، فإن أرِيد بالمقارنة معنىً سلبياً، وهو عدم كونه علة ولا معلولاً للآخر، فهذا لا يقتضي أن يكون تقدم أحد المتقارنين بهذا المعنى موجبا لتقدم الآخر(2)، إذ مِلاك التقدم إنما هو العلية، ولا يلزم من علية المتقدم للمتأخر(3) أن يكون المقارن مع المتقدم، علة للمتأخر»(4) بل يستحيل لأنه يلزم منه اجتماع علتين على معلول واحد.
أقول: يرد عليه:
أولاً: ما قلناه من التشويش في معنى الرتب فإنّه ذكر هنا أنّ التقدم الرتبي إنما هو للعلة، وفي مكان آخر، ذكر تعدد الرتبة للذاتيات مع انتفاء العلية بينهما. بغض النظر عن الشيء الذي قلناه إنّه هو بمنزلة العلة، وإلا فإنّ الذات والذاتيات
ــــــ[164]ـــــــ
(1) من قبيل المقارن مع العلة، (منه).
(2) إذا كانت العلة متقدمة على معلولها، فهذا الذي يساويها ليس علة بطبيعة الحال، فلا موجِب لأن نقول إنّه متقدم، (منه).
(3) الذي هو العلة في المثال هذا الذي تكلمنا عنه، (منه).
(4) بحوث في علم الأصول 2: 313.
منهج الأصول (الجزء السادس)
لا علية بينها، والعرضيات إنما علتها خارجية، فإنّ الذي صبغ البساط -مثلاً- هو علة عرضياته، وليس علتها ذات البساط بطبيعة الحال، فإنه ذكر هنا أنّ التقدم الرتبي إنما هو للعلة، وفي مكان آخر ذكر تعدد الرتبة للذاتيات مع انتفاء العلية، فيكون تعدد الرتبة، غير التقدم في الرتبة، وهذا من الغرائب.
ثانياً: إنّ هذا المعنى السلبي للتقدم، وهو أنّ لا يكون علة، ولا معلولاً، يعود إلى معنىً إيجابي، حيث يُنتزَع منه العقل جامعاً مفهومياً كافياً، على ما سيأتي في مناقشة الشق الثاني لكلامه.
الشق الثاني: من كلام السيد الشهيد في التقريرات، وحاصله: أن يكون اتحاد الرتبة بمعنى إيجابي، الذي يسميه بالمقارنة او التوأمية أو التقارن في الرتبة، وهو ليس مجرد نفي العلية بينهما، بل فعلاً موجودان في رتبة واحدة، ومتحدان رتبةً. يقول: «وإن أرِيد بالمقارنة المعنى الثبوتي(1)، وهو التوأمية، وكونهما متلازمين ومعلولين لعلة ثالثة(2)، فيرد على تطبيق هذا القانون في المقام:
أولاً: إنّ وجود الضد وعدمه ليسا في رتبة واحدة بهذا المعنى(3)، إذ لا يمكن
ــــــ[165]ـــــــ
(1) ليس المقصود من الثبوتي، الثبوت في مقابل الإثبات، أي الواقعي، بل الثبوتي في مقابل السلبي أي الإيجابي. وإلا ذلك المعنى السلبي، وهذا المعنى الإيجابي، كلاهما ثبوتي، في مقابل الإثباتي، وليس أنّ أحدهما إثبات، والآخر ثبوت، بل كلاهما وجهان ثبوتيان لو صحّ التعبير، أحدهما ثبوته سلبي، وهذا ثبوته إيجابي، (منه).
(2) كأنما لا يتصور التقارن والتوأمية في المرتبة، إلا في المتلازمين المعلولين لعلة ثالثة، (منه).
(3) أي بمعنى كونهما معلولين لعلة ثالثة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
أن يكون النقيضان معلولين لعلة ثالثة، وإلا اجتمع النقيضان.
ثانياً: إنّ هذا المعنى للتقارن أيضاً لا يقتضي تقدماً ما مع المتقدم(1)، لأن مِلاك التقدم كما قلنا هو العلية، وعلية أحد المتلازمين، لا يستلزم علية الآخر أيضاً(2).
أقول: ويرد عليه عدة وجوه:
الوجه الأول: اتضح أن اتحاد الرتبة، لا ينحصر أمرها بين هذين المعنيين السلبي والايجابي، بل هناك معنىً مركب من معنى سلبي مقيَّد بمعنى إيجابي، أما المعنى السلبي، فهو أن لا يكون بينهما علية ومعلولية، وأما المعنى الإيجابي فتحقق النسبة بين الطرفين، إذن يكونان في مرتبة واحدة، لأنّ النسبة موجودة، ومعه لا ينحصر الاتحاد في الرتبة، بالمعلولين لعلة ثالثة، بل يكون الأمر أعم منهما.
الوجه الثاني: قال: «إنّ وجود الضد وعدمه ليسا في رتبة واحدة بهذا المعنى، إذ لا يمكن أن يكون النقيضان معلولين لعلة ثالثة وإلا اجتمع النقيضان».
وجوابه: أنّ الكلام ليس في كون النقيضين معلولين لعلة ثالثة، فهذا أجنبي عن محل الكلام، بل المراد أنّ النقيض، أي الوجود غالباً في مرتبة وجود شيء آخر، قد يكونان معاً معلولين لعلة ثالثة، وهذا أمر ممكن، فيكون -هذا الشيء الآخر-مساوياً رتبة مع نقيض الثاني(3)، كما هو مساوٍ رتبة مع نقيض نفسه، وكذلك متساوٍ رتبة مع نقيض ملازمه؛ لأنه هو وملازمه وجوداً في رتبة واحدة، وهذا مع نقيضه
ــــــ[166]ـــــــ
(1) أي أنّ المتقدم على شيء، ليس متقدماً على مقارنه، (منه).
(2) وإلّا لزم اجتماع علتين على معلول واحد، (منه).
(3) أو أنّ أي واحد منهما يكون مساوياً رتبة مع نقيض صاحبه، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
في رتبة واحدة، والآخر أيضاً مع نقيضه في رتبة واحدة، ومساوي المساوي مساوٍ، فيكون المتلازمان مع نقائضهما كلهم في رتبة واحدة، ولو كان هذا الشيء متقدماً رتبة عليه، كما لو كان علة له، كان متقدماً على نقيضه، لأن مقارن المقارن مقارن، كما أن المتقدم على المقارن متقدم، أو المتأخر عن المقارن متأخر، وهذا صحيح مع انحفاظ النسبة، والمفروض أنّ النسبة في كل هذه الصور موجودة، ولا يلزم منه اجتماع النقيضين كما زعم.
الوجه الثالث: فيما قاله: «ثانياً: إنّ هذا المعنى للتقارن أيضاً لا يقتضي تقدم ما مع المتقدم؛ لأنّ مِلاك التقدم كما قلنا هو العلية، وعلّية أحد المتلازمين لا يستلزم علّية الآخر أيضاً»(1)، أي إذا كان أحد المتلازمين علة لشيء، فلا يلزم أن يكون ملازمه علة لشيء.
أقول: إنّ هذا لا يتم في التقدم الذي قصدناه؛ لأننا قلنا بعدم انحصار التقارن والتوأمية بين المعلولين لعلة ثالثة، بل له مصاديق أخرى، ومثلما أنّ العلة متقدمة على المعلول، فنقيضها أيضاً متقدم على المعلول، والمقارن مع العلة أيضاً متقدم على المعلول، أي المتلازمان مع العلة أيضاً متقدم على المعلول لوجود النسبة بينهما، وبذلك تتم هاتان المقدمتان اللتان منعهما في التقريرات، وبذلك يتم البرهان القائم عليهما، بالرغم من اختصاره تقريباً، ويثبت أنّ عدم الضد ليس من مقدمات وجود ضده الآخر.
ــــــ[167]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 313.
منهج الأصول (الجزء السادس)
وهذا يعني -كنتيجة- أنّ عدم الصلاة المزاحمة مع الإزالة، ليست من مقدمات الإزالة، لأن عدم أحد الضدين ليس مقدمة لوجود الضد الآخر، ولذا لا يجب عدم الصلاة بالوجوب المقدمي، ليحرم ضده الذي هو الصلاة.
مناقشة برهان المحقق الخونساري على مقدمية عدم الضد
ثم بيّن سيدنا الأستاذ في التقريرات وجها آخر فيه اتجاه معاكس نسبياً
-على ما سنرى- للاستدلال على مقدمية عدم الضد لوجود ضده، وهذا البرهان موجود أيضاً في المحاضرات، منسوب إلى المحقق الخوانساري واُحتمِل نسبته أيضاً إلى الشيخ الأنصاري(1)، وسوف أعرض بيان المحاضرات بعد الانتهاء من عرض المطلب من التقريرات لأجل المقارنة العلمية بينهما.
قال في التقريرات: «إنّه قد يفصل في القول بتوقف الضد على عدم الآخر، بين الضد الموجود والضد المعدوم بنحو آخر بأن يقال: إنّ الضد الموجود غير موقوف على عدم الضد المعدوم، وإنما الضد المعدوم حدوثه موقوف على ارتفاع الضد الموجود بقاءً(2)، فالجسم لو فرض عدم وجود السواد ولا البياض فيه لا يتوقف وجود أحد الضدين فيه على عدم الآخر، وإنما لو كان الجسم أسود وأرِيد إيجاد البياض فيه توقف ذلك على رفع السواد. فيكون حدوث البياض
ــــــ[168]ـــــــ
(1) ينظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 312.
(2) الضد الموجود وهو (أ) لا يتوقف على عدم (ب)، ولكن إذا عكسنا النظر، وأردنا أن يوجد الضد (ب) المعدوم، فسوف نشترط إزالة (أ) وإلا سوف يجتمع الضدان، فلا يوجد (ب) إلا بانتفاء (أ)، وهذا كأنّه أمر وجداني إلى درجة من الدرجات.
منهج الأصول (الجزء السادس)
موقوفاً على ارتفاع السواد الموجود«(1).
أقول(2): ليس في هذا الوجه أية زيادة على ما سبق، كل ما في الأمر أنّنا كنا نتوهم أحد الضدين موجوداً، والآخر معدوماً، ونتساءل عن توقف الموجود على عدم المعدوم، والآن نتساءل عن توقف وجود المعدوم على عدم الموجود، وما قلناه فيما سبق من البراهين أو من البرهان المختار، لا يفرق فيه بين كلتا الناحيتين، لوضوح أنّ التمانع موجود من الطرفين، ونحن حين نقول بأنّ وجود الضد موقوف على عدم ضده، لا نقصد الضد الموجود فعلاً، لأنّه من تحصيل الحاصل(3)، بل يراد ذات الضد الذي لم يلحظ فيه إلا كونه ضداً، بصرف النظر عن لحاظ الوجود ولا العدم، كلحاظ المعلول بالنسبة إلى علته، لا يلحظ فيه كونه موجوداً أو معدوماً.
ومعه يكون هذا الفرض الذي يقول: بأنّ وجود السواد موقوف على إزالة البياض أو بالعكس، لا يزيد على فكرة التمانع بين الضدين، ويأتي فيه نفس الدليل الذي اخترناه، لورود نفس التقريب من الطرفين، فيلزم التهافت في الرتبة كما سبق، ولا يمكن القول بتقدم عدم الموجود، على وجود المعدوم في الرتبة، لأنّ
ــــــ[169]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 313، 314.
(2) وقد أورد السيد الشهيد في التقريرات مناقشات لهذا الوجه، هي عبارة عن تحويلات على البراهين السابقة، ولا حاجة الى استعراضها.
(3) لأنّ الضدّ إذا كان موجوداً، فلا بد أنّ مقتضيه قد وجد، وشرطه كذلك، ومانعه قد فقد، وبعد أن يكون كذلك –أي موجوداً -فلا معنى لأن نتكلم عن أنّ وجوده موقوف على عدم شيء ما، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
العكس أيضاً يكون صحيحاً، فيلزم التهافت في الرتبة(1).
ولكن يمكن القول في الصغرى المذكورة بكلام آخر، بعد ضم مقدمتين:
المقدمة الأولى: أنّ توقف وجود المعدوم على عدم الموجود وجداني، إذ من الواضح أنّه لا بد من إزالة أحد الألوان ليستقر اللون الآخر.
المقدمة الثانية: أنّه لا يلزم التهافت والدور في مثل ذلك، أي التهافت في الرتبة، أو لزوم الدور كما في بعض البراهين السابقة، وإنما يلزم ذلك لو تكلمنا عن ذات الضدين بما هما ضدان، وأما إذا تكلمنا عن وجود واحد بعينه، وهذا الطرف يكون هو الفعلي، ويكون الطرف الآخر سالبة بانتفاء الموضوع، فيكون التوقف من أحد الطرفين لا من الطرف الآخر، فلا يلزم خلف ولا تهافت في الرتبة ولا دور.
وهذا لا إشكال فيه إلا من جهة واحدة هي التسليم بوحدة رتبة الضدين والنقيضين كما سبق، وهذا -أي اتحاد الرتبة- لا يختلف فيه الحال بين كون الذات موجودة أو معدومة، أو غير ملحوظ فيها الوجود والعدم، وبتعبير آخر أنّنا لو سرنا بهذا الاتجاه فيصبح ما فرضناه مساوياً رتبة، متقدماً رتبة، او متأخراً(2). أو يلزم التفصيل بين حال لحاظ نفس الذات فيلزم الدور، أو التهافت في الرتبة، ولحاظ حال
ــــــ[170]ـــــــ
(1) لأنّ ما فرضناه في كِلا الضدين متقدماً، يفترض متأخراً. فيلزم الخلف والاستحالة، (منه).
(2) مثلاً وجود السواد معلول لزوال البياض، ووجود البياض معلول لزوال السواد، فتتعدد الرتبة. فيكون ما فرضناه متقدماً متأخراً، وما فرضناه مساوياً رتبة متقدماً رتبة أو متأخراً، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وجودها، أي حينما توجد يكون هذا ممكناً، وهذا أيضاً كما ترى ليس بصحيح.
فلا محيص عن أن يقال عندئذٍ: إنّ وجود السواد لا يكون إلا بإزالة اللون الآخر، أنّ هذا بنفسه ناشئ من نفس التمانع بين الضدين، ولا منشأ له من ناحية التقدم الرتبي والعلّي إطلاقاً.
بيان المحاضرات لدليل المحقق الخوانساري
تقدّم أنّ المحقق الخوانساري فرّق بين الضد الموجود والضد المعدوم لإثبات المقدّمية، وقد تناوله في المحاضرات بقوله: «وبيان ذلك: أنّ المحل(1) إما أن يكون خالياً من كل من الضدين، وإما أن يكون مشغولاً بأحدهما دون الآخر، فعلى الأول فالمحل قابل لكل منهما، بما هو مع قطع النظر عن الآخر، وقابلية المحل لذلك فعلية، فلا تتوقف على شيء، فعندئذٍ إذا وجد المقتضي لأحدهما، فلا محالة يكون(2) موجوداً من دون توقفه على عدم وجود الآخر»(3).
اقول: الحديث هو في الضدين الذي ليس لهما ثالث، أو في كل الأضداد المتكثرة، منظوراً إلى جميعها على الإطلاق، ومعه يكون فرض خلو المحل من الضدين معاً فرضاً مستحيلاً، لأنّه بعينه افتراض ارتفاع الضدين وهو محال، وكذلك في المقتضيين للضدين، فإنّ سياق كلامه واضح بأن الفرض أنّ كِلا المقتضيين غير موجودين ولذا قال: «وإذا وجد المقتضي لأحدهما فلا محالة يكون
ــــــ[171]ـــــــ
(1) الذي يجتمع عليه الأضداد من قبيل الجسم بالنسبة إلى الألوان، (منه).
(2) المعلول الذي هو أحد الضدين، (منه).
(3) محاضرات في أصول الفقه 2: 313.
منهج الأصول (الجزء السادس)
موجوداً من دون توقفه على عدم الآخر» وهذا معناه افتراض عدم المقتضي لكِلا الضدين، وهو يلازم أيضاً ارتفاع الضدين وهو محال، فهو افتراض للمحال.
والفرق واضح بين هذا الكلام وبين من سمعناه يقول في التقريرات بما مضمونه: أنّه يتعين أن يكون أحد المقتضيين أقوى إذ مع تساويهما فضلاً عن انتفائهما يلزم ارتفاع الضدين.
قال: (في المحاضرات) «وعلى الثاني فالمحل المشغول بالضد لا يقبل ضداً آخر في عرضه، بداهة أنّ المحل غير قابل بالذات لعروض كِلا الضدين معاً. نعم، يقبل الضد الآخر بدلاً عنه، وعليه فلا محالة يتوقف وجود الضد الآخر على ارتفاع الضد الموجود، ضرورة أنّ الجسم الأسود لا يقبل البياض كما أنّ الجسم الأبيض لا يقبل السواد، فوجود البياض لا محالة يتوقف على خلوّ الجسم من السواد ليقبل البياض، وكذا وجود السواد يتوقف على خلوّه من البياض، ليكون قابلاً لعروض السواد، وهذا بخلاف الضد الموجود فإنّه لا يتوقف على شيء عدا ثبوت مقتضيه»(1).
أقول: وفيه أكثر من مناقشة:
أولاً: قوله: «إنّ المحل غير قابل بالذات لعروض كِلا الضدين معا»، يعني أنّ النقص أو القصور إنما هو في المحل، أي أنّ المحلّ غير قابلٍ لعروض الضدين واتصافه بهما.
إنّ هذا وإن كان صحيحاً عمليا أو قل عرفاً، إلا أنّه لا يصح من الناحية
ــــــ[172]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 2: 313.
منهج الأصول (الجزء السادس)
النظرية؛ فإنّ التمانع الذاتي، أو قل القصور الذاتي عن الاجتماع نتيجة للتمانع، إنما هو بين الضدين أنفسهما، ولا ربط للمحل في ذلك، وإنما يستحيل أن يكونا في محل واحد للمانع الذاتي بينهما، لا لقصور المحل، لوضوح أنّ المحلّ ذاتاً قابل لأي منهما، فإذا لم يكونا متمانعين في أنفسهما أمكن اتصافه بهما معاً، ولكنهما متمانعان، فالمانع من الضدين لا من المحل.
اللهم إلا أن يقال: إنّ المراد من الضدين، الذات المتصفة لا نفس الصفة، كأن نفترض -مثلا- الحمرة والخضرة، فليس هما ضدين، بل الجسم الأحمر، والجسم الأخضر هما الضدان. وبتعبير آخر: أنّ نفس الجسم بصفته أحمر، ضد نفسه بصفته أخضر.
أقول: هذا القول أسوأ، لأنّ معناه أنّ نفس الذات تضاد نفسها، باختلاف صفاتها وهو مستحيل.
مضافاً إلى ما قلناه في مناقشات سابقة من أنّ نظر مشهور الأصوليين -بما فيها التقريرات والمحاضرات معاً- يحسبون الأضداد من قبيل الألوان الطارئة على الجسم، أو الحركة والسكون الطارئة على الجسم، أي أنّ الأضداد صفات ليس لها جانب استقلالي، أي أنّها أعراض وليست جواهر.
فحينئذٍ نفترض أننا إذا تنزلنا عن الاعتراضات الأخرى يصح في ذلك. مع أنّ الكلام ينبغي أن يعم الضدين المستقلين، كالنور والظلام ونحوهما، وفيهما لا يكون هناك محل، وإن كان هناك مكان وزمان، لأنهما شرط في وحدة استحالة الاجتماع، والمكان غير المحل المقصود، فإن المحل يتصف بذي المحل كاتصاف الجسم بالحمرة والخضرة، بخلاف المكان فإنّه لا يتصف بالمكين، أو بذي المكان أو بمن في المكان.
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
ثانياً: قوله: «بخلاف الضد الموجود فإنّه لا يتوقف على شيء(1)».
أقول: إنّ هذا واضح بعد افتراض الضد موجوداً، ولكن معنى ذلك أنّه وجِد بشرائط وجوده، وهذا يعني أمرين:
الأمر الأول: أنّ مقتضيه موجود، بل العلة التامة موجودة وإلا لما وجِد.
الأمر الثاني: أنّ مقتضيه أقوى من مقتضي الآخر، فلذا غلبه ووجِد هذا دون هذا، إذ لو كانا متساويين لما وجِد هذا، ولو كان هذا أضعف أساساً، وذاك أقوى لوجِد الآخر، فمعناه أنّ المقتضي لهذا الضد الموجود موجود، وهو أقوى وأغلب من مقتضي الضد الآخر، فإذا كان أقوى فقد ازال أثر مقتضي الضد الآخر، إما أنّ الآخر ليس له مقتضٍ أصلاً، وإما أنّه مدحور وتحت الشعاع بالنسبة إلى هذا القوي، وبهذا يتضح أنّه لو لم يكن أقوى لتوقف على عدم الآخر، ولصلح الآخر عن المنع عنه.
ثالثاً: يمكن القول إنّه لو لم يتوقف أحدهما على عدم الآخر، لأمكن وجودهما معاً(2)، فنعرف من بطلان التالي، بطلان المقدم وهو عدم التوقف، فالتوقف هو الصحيح، أي يتوقف وجود أحدهما على عدم الآخر.
وهذا الإشكال وارد عليه، إذا فكرنا بمقدار هذا الدليل الذي في
ــــــ[174]ـــــــ
(1) بمعنى أن أحد الضدين يفترض موجوداً، وهذا الموجود لا يتوقف على عدم ضده، (منه).
(2) يوجد هذا الضد، والضد الاخر موجود، لأنّه لا يتوقف وجود الضد على عدم الضد الآخر، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
المحاضرات، وغضضنا النظر عن البراهين السابقة، التي اقتضت عدم المقدمية وعدم التوقف.
رابعاً: ما قلناه في أمثاله من أنّه تكلم عن أحد الطرفين، وغفل عن الآخر، مع أنّ التقابل ثنائي ومتقابل من الطرفين، وما لأحدهما من حكم يشمل الآخر، ولا يصح أن يكون المقتضي للضد الموجود غير متوقف على شيء -بغض النظر عن الأقوائية التي لم يُشر إليها- وإلا كان المقتضيان للضدين كذلك، فيلزم اجتماع الضدين(1)، أو يتمانعان(2)، فيلزم ارتفاع الضدين، وكلاهما محال.
ثم يربط في المحاضرات الأمر بموضوع استغناء البقاء عن المؤثر، وأنّ الضد قد لا يتوقف على عدم ضده حدوثاً، ولكن لعله يتوقف على عدم ضده استمراراً. وأكتفي بالأجوبة التي ذكرتها، فلن ادخل في جوابه ومناقشة جوابه، وأما استطراده بموضوع استغناء المعلول أو عدم استغنائه عن العلة، فهذا مبحوث، بحثه صاحب المحاضرات، وبحثتُه أيضاً في مبحث اتحاد الطلب والإرادة. ونحن في غنى عن تكراره هنا.
فيبقى الكلام الآن في ثمرة المسألة، فهل أنّ مبحث الضد له ثمرة فقهية، أم لا؟ فاذا كانت له ثمرة فقهية، فسنقبل به في علم الأصول، وإلّا فلا.
ــــــ[175]ـــــــ
(1) إذا كان مقتضي الضد (أ) لا يتوقف على شيء، إذن فمقتضي (ب) أيضاً لا يتوقف على شيء، فحينئذٍ: لا هذا يتوقف على شيء، ولا هذا يتوقف على شيء، فيصبحان علتين للضدين فيلزم اجتماع الضدين، (منه).
(2) أي يكسر أحدهما الآخر فيلزم ارتفاع الضدين، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)

ــــــ[176]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الفصل الثالث: الكلام في ثمرة المسألة

المسألة هي أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، بكلا قسميه: العام والخاص، لأننا سنجد أنّ كِلا الكبريين مستعملتان ومؤثرتان في القياسات الآتية، أو البراهين الآتية، وليس أنّ أحدهما دون الآخر مستعمل.
قالوا: وقد ذكرت في ذلك ثمرتان(1):
الثمرة الأولى: تزاحم واجبين موسَّع ومضيَّق
فيما إذا تزاحم واجب مضيق مع واجب آخر عبادي موسَّع، كما في المثال المشهور: إذا تزاحمت الإزالة الفورية للنجاسة، مع الصلاة في جزء الوقت، فالإزالة واجب مضيَّق توصلي(2)، والصلاة واجب تعبدي وموسَّع.
ــــــ[177]ـــــــ
(1) حصر الثمرتين بذلك مما ينبغي أن نتكلم به بعد ذلك، لأن المسألة ليست فقط لثمرتين، والشيء الثاني المحتمل إلى حد ما وهو الذي سوف أنبه عليه بعد ذلك رجوع كلتا الثمرتين إلى معنىً واحد وإلى ثمرة واحدة، (منه).
(2) أما كونه مضيّقاً فلأنّه تجب المبادرة إليه شرعاً، وأما أنّه توصلي فينبغي أن يكون واضحاً، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
مناقشة المثال
وهو مثال أو فرض غير صحيح فقهياً، وقد اشرت إلى ذلك إجمالاً في المنهج، لعدم ثبوت الدليل على وجوب الإزالة بهذه السرعة والفورية المنافية مع صحة الصلاة، والمنافية مع الاشتغال بالعبادة.
إنّ فورية الإزالة صحيحة، ولكن دليلها الإجماع، وهو دليل لُبي يُقتصَر منه على القدر المتيّقن، وهو غير مورد الكلام (أي أنّ الإزالة تجب فوراً مع تمكن الفرد، وليس عليه ضرورة، وليس في ذمته عبادة، أما حينما يكون مسؤولاً عن أداء دين مثلاً، أو أداء صلاة، أو في حاجة حرجية، فإنّ الفورية تزول، لعدم الدليل عليها، وأنّها خارج القدر المتيّقن من الإجماع.
فالأولى ان يغير المثال، كما لو كانت صلاة الكسوف مضيَّقة، والصلاة اليومية موسَّعة، فترك الفرد المضيّقة وصلى الموسَّعة، فهل تصح صلاته؟
إلا أنّ كِلا الضدين هنا في هذا المثال، يكونان عباديين، بخلاف المثال المشهوري، الذي هو الإزالة وكما لو كان هناك واجب توصلي مضيَّق واضح الوجوب كإنقاذ غريق(1)، وكان وقت الصلاة موسَّعا، فصلى وترك الواجب المضيَّق، إلا أنّنا ينبغي أن نسير مع المثال المتعارف، مع التنزل وافتراض صحته، ما دمنا وجدنا أنّ الكبرى قابلة للانطباق على أمثلة كثيرة، وذلك لأن المتعارف أكثر ايضاحاً.
ــــــ[178]ـــــــ
(1) ليس كالإزالة لا يخرج دليله من الإجماع، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
مقدمات تتعلّق بالثمرة الأولى
وهنا عدة مقدمات:
الأولى: إنّ الإزالة مأمور بها فوراً، أو قل بوقت مضيَّق.
الثانية: إنّ كل واجب مضيَّق، مقدم على أي واجب موسَّع، فيكون وجوب الإزالة فعلياً، بصفته مضيَّقا ومقدماً، ووجوب الصلاة غير فعلي.
الثالثة: إنّ إيجاد الإزالة متوقف على عدم الصلاة، لو كنا توصلنا في مبحث الضد، لإثبات كبرى: أنّ الضد متوقف على عدم ضده الخاص، فلو قلنا هناك أن وجود أحد الضدين متوقف على عدم الضد الآخر، كانت الصغرى هنا محرزة.
الرابعة: إنّ هذا التوقف لو سلمناه، كبرى وصغرى، يعني المقدمية ومعناه أنّ عدم الصلاة مقدمة للإزالة التي يكون وجوبها فعلياً.
الخامسة: إنّ مقدمة الواجب واجبة، بناءً على المشهور الصحيح، فيكون عدم الصلاة، أو تركها واجباً بالوجوب المقدمي الغيري.
السادسة: إنّ الصلاة نقيض تركها، أو هي ضد عام له(1)، وقد قلنا: بأنّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده العام، وهو مشهور وصحيح كما سبق، وحيث أنّ الترك يكون واجباً، إذن يكون وجود الصلاة حراماً. وهذه إشارة إلى الضد العام.
السابعة: إنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد، فتبطل الصلاة لأنّها تقع منهياً عنها، وقد ناقشنا هذه النتيجة فيما سبق بالمنع من ثلاثةٍ من هذه المقدمات، وهي:
ــــــ[179]ـــــــ
(1) نقيض باصطلاح المنطق، وضد عام باصطلاح هذا الباب من أبواب الأصول.
منهج الأصول (الجزء السادس)
* المقدمة الثالثة: وهي توقف الضد على عدم ضده، فإذا لم يكن متوقفاً عليه لم يكن مقدمة له، فلا يكون الترك مأموراً به بالأمر الغيري. وقد توصلنا إلى أنّ وجود الضد لا يتوقف على عدم ضده الخاص، فكبرى النهي عن الضد الخاص لا تنطبق لأنّه لا صغرى لها.
* المقدمة الثانية: وهي أن القدر المتيّقن من حرمة الضد العام (أنّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده العام) هو الأمر النفسي، وأما الضد العام للأمر الغيري فيمكن القول بعدم سراية النهي إليه، أي: أنّ الأمر بشيء بالأمر الغيري المقدمي، لا يقتضي النهي عن ضده العام. فإذا وجب ترك الصلاة بالأمر الغيري، لم تحرم الصلاة لكي تبطل، لأنه وجوب ترك غيري، فضدها العام -الذي هو وجوب الصلاة- لا يكون منهياً عنه.
* المقدمة الثالثة: وهي أنّ القدر المتيّقن(1) من بطلان العبادة بالنهي عنها هو النهي الاستقلالي لا النهي الغيري، فإذا نهي عن العبادة بنهي استقلالي بطلت كالغصبية مثلاً، أما إذا نهي عن العبادة بنهي غيري لم تبطل، ويمكن معه تصحيح العبادة، وفي المورد هنا الصغرى للنهي الغيري.
ــــــ[180]ـــــــ
(1) وهذا أيضاً راجع إلى قصور الأمر الغيري، فالمَنْعان الاخيران إنما بسبب قصور من الأمر الغيري، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)

مناقشة المقدمات الثلاث
أولاً: قصور الوجوب الغيري
فالآن أبدأ بمناقشة منع هذه المقدمات الثلاثة فابدأ بمناقشة ضعف الوجوب الغيري، أي أنّ الوجوب الغيري ضعيف إلى حد لا ينتج النتيجة المذكورة في المقدمة الثانية والمقدمة الثالثة، لا بل هو قوي ينتج ما في المقدمة الثانية والمقدمة الثالثة، أي أنّ الأمر الغيري بشيء يقتضي النهي عن ضده العام، والنهي الغيري يقتضي فساد العبادة، لأن الأمر الغيري قوي وليس ضعيفاً كما يتخيل المشهور.
والسبب في ذلك أنّنا فهمنا الأمر الغيري من الدلالة الالتزامية للوجوب النفسي، وإذن فهو واجب ظهوري دلّ عليه الظهور والأمارة، وليس أنّنا فهمناه مثلاً بتعمل عقلي، أو بحكم العقل العملي، حتى نجده أنّه أضعف من الأمر الاستقلالي. هذا من الناحية الإثباتية.
أما من الناحية الثبوتية فقد قلنا في مقدمة الواجب أنّ أهمية المقدمات بأهمية ذيها، وكلما كان ذي المقدمة أهم كانت المقدمات أهم، وكذلك العكس صحيح، أي كلما كان ذي المقدمة أضعف وجوباً وأهمية في نظر الشارع، كانت المقدمات أقل أهمية، فليست أنّ المقدمات أضعف وجوباً أقل أهمية من وجوب ذيها، لأنه يلزم من عدمها عدمه، فترك المقدمات إنما هو ترك الواجب الأصلي، وقد يؤدي ترك مقدمة صغيرة إلى ترك واجب مهم جداً ونحو ذلك.
إذن فالوجوب الغيري مهم ثبوتاً وإثباتاً، فيرتفع المنع من كِلتا المقدمتين
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الثانية والثالثة، أي أنّ الامر بشيء أمراً مقدمياً، يقتضي النهي عن ضده العام. لأهمية الأمر المقدمي، وكذلك يقتضي النهي المقدمي بطلان العبادة، فارتفع المنع عن المقدمة الثانية والثالثة.
ثانياً: الفهم العقلي والعرفي لمقدّمية الضد
المقدمة الأولى تقول: إنّ وجود أحد الضدين لا يتوقف على عدم ضده. وقد برهنا على ذلك من الناحية الدقية العقلية، وفي الإمكان أن نقول بصحتها من الناحية العرفية، إذ لا شك أنّ العرف يفهم هذا المعنى أنّ وجود أحد الضدين متوقف على عدم ضده الآخر حقيقة، ونحن نفهم الشريعة من زاوية عرفية، وليس من زاوية عقلية.
إلا أنّ هذا غير مسلّم عندهم، لأنّ ما نفهمه من العرف ونأخذه عن العرف هو خصوص الظواهر، وأما الموضوعات والمتعلقات فنأخذها بالدقة العقلية، وهذا من الموضوعات أو المتعلقات وليس من الظواهر، ما لم تكن -الموضوعات والمتعلقات- بنفسها منصوصة، وهي في المقام ليست كذلك، وإنما أخذت بحسب الفهم الخارجي.
ويمكن أن يجاب: أنّ الفهم العرفي بالموضوعات والمتعلقات، لا شك أنّه يشكل سيرة كاملة لدى الناس، وأنّ الناس تلقائيا يعملون عليها، ولم يرد نهي عن ذلك، إذن فهي سيرة مجازة في ترتيب الآثار الشرعية على الموضوعات والمتعلقات العرفية، حينئذٍ الصغرى أنّ وجود الضد موقوف على عدم ضده، وإن أبى العقل
ــــــ[182]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
عن ذلك، فيكون عدم الضد مقدمة عرفية لوجود ضده، إذا كان وجوده موقوفاً على عدمه، وعدمه مقدمة لوجوده، فيكون عدم الآخر واجباً للوجوب الغيري، ويكون الوجوب الغيري مؤثراً بالنهي عن ضده العام، وبطلان العبادة بالنهي عنها مسلّم وهو مشهوري وصحيح.
ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ المسألة هنا ليست فقهية، وإنما الكلام في ثمرة مسألة الضد من جهة أصولية، وسبق أن بيّنتُ أنّ معنى الثمرة أنّه إذا نتجت نتيجة مختلفة من أحد المسلكين المتغايرين، مثلاً أن تصح الصلاة على أحد المسلكين، ولا تصح على المسلك الآخر، فالثمرة موجودة، وأما إذا بطلت أو صحّت الصلاة على كِلا المسلكين، فالثمرة منتفية.
ومن هنا يتضح أنّه لا بد من افتراض الواجب الموسَّع عبادياً، لكي يمكن القول ببطلانه على تقدير دون تقدير، وأما لو كان توصلياً لم يبطل على كل حال، لأن النهي عن التوصلي لا يوجب بطلانه، لأنّ الشارع يريد أصل وجوده، ومن هنا لا يحتمل ظهور الثمرة فيه.
كما يتضح أنّه لا فرق في فرض الواجب المضيَّق، أن يكون عبادياً أو توصلياً وإن كان المثال المشهور توصلياً، لأن المهم هنا هو الالتفات إلى أصل وجوبه بغض النظر عن عباديته، لأنّ مقدمة الواجب واجبة على كِلا التقديرين، سواء كانت مقدمة توصلية أم كانت مقدمة تعبدية.
كما أنّ النهي عن الضد العام للواجب صحيح على كِلا التقديرين، سواء كان الواجب توصلياً أم تعبدياً. إذن فالتمثيل مشهورياً بخصوص الواجب التوصلي المضيَّق بلا موجب، وكلاهما أي سواء كان تعبدياً أو توصلياً يكون صغرى للمقام.
ــــــ[183]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الثمرة الثانية: تزاحم واجبين مضيّقين
فيما إذا تزاحم واجبان مضيَّقان، وكان أحدهما أهم من الآخر وكان المهم عبادياً، والأهم لا يختلف فيه أن يكون عبادياً أو غير عبادي، وهنا تجري نفس المقدمات السابقة تقريباً مع شيء بسيط من الاختلاف نختصرها:
1- أنّ افتراض أحدهما أهم، يقتضي أن يكون أمره فعلياً دون الآخر، لتقديم الأهم كبروياً.
2- إنّ إيجاد الواجب الأهم متوقف على عدم المهم.
3- إنّ معنى ذلك هو المقدمية، أي مقدمية عدم المهم، لأجل إيجاد الأهم، ومقدمة الواجب واجبة.
4- إنّ المهم العبادي نقيض للمقدمة الواجبة، أو ضد عام لها. لأنه جاء بالمهم امتنع عليه الأهم، فينبغي أن ينعدم المهم ليأتي بالأهم.
5- إنّ الامر بشيء يقتضي النهي عن ضده العام، فالأمر بترك المهم يقتضي النهي عن إيجاد المهم، الذي هو العبادة فتكون الصلاة منهياً عنها.
6- إنّ العبادة المنهي عنها ولو بالنهي الغيري باطلة، ويأتي فيه نفس كلامنا السابق الذي قلناه قبل قليل، غير أنّ الملاحظ بوضوح أنّ مسألة الضد هنا المستعملة كمقدمة هي كِلتا المسألتين: الضد الخاص والضد العام، أما الخاص فباعتبار توقف الضد على عدم ضده، يعني توقف الإزالة على عدم الصلاة، وأما العام فباعتبار أنّ الأمر بعدم الصلاة، يقتضي النهي عن نقيضها، الذي هو إيجادها.
ــــــ[184]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
[رجوع الثمرتين إلى ثمرة واحدة]
ومن الممكن القول بأنّ هاتين الثمرتين ترجعان إلى ثمرة واحدة، لأنّ إحداهما هي التزاحم بين الواجب الموسَّع والواجب المضيَّق، والثانية هي التزاحم بين الواجبين المضيَّقين، أحدهما مهم والآخر أهم، والمشترك بينهما هو فعلية أحدهما دون الآخر، وقد كان أحدهما فعلياً بسبب كونه مضيَّقاً، والآخر بسبب كونه أهم.
فإن وجد سبب آخر للفعلية والتقدم للمزاحم له، كان داخلاً ضمن هذه القاعدة، والأسباب كثيرة، فبعضها ناشئ من نفس الحكم كوجوب الصلاة، ووجوب الصدقة، وبعضها ناشئ من الآمر، كالأمر الصادر من المعصوم، والأمر الصادر من الحاكم الشرعي، وبعضها ناشئ من أهمية متعلق الحكم كوجوب إكرام النبي ووجوب إكرام المؤمن، وبعضها ناشئ من أهمية الموضوع، كحق الله تعالى وحق الناس، فإنّ حق الناس أهم لأن الله سريع الرضا، والناس شحيحون، وكذلك الوجوب في الدماء والفروج والوجوب في غيرها، أو الوجوب في الأمور التي عليها حد وتعزير، والوجوب في أمور أخرى كحلق اللحية، وبعضها ناشئ من أهمية الصفة، كالركن في العبادة وغير الركن فيها.
وعلى العموم فإنّ كثيراً من مرجحات باب التزاحم يمكن تطبيقها هنا، بل لعل بعض مرجحات باب التعارض يمكن اجراؤها هنا، فبناء على المشهور من رجوع باب التزاحم إلى باب التعارض عند عدم وجود المندوحة، وعدم وجود
ــــــ[185]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المرجح، فيُقدَّم ما هو أظهر دلالة أو أصح سنداً، إلا أنّ المناقشة في الكبرى، ولو سلّمناها لأصبحت صغرى لمسألة الضد، لذا فإنّ مسألة التزاحم، ومسألة الضد، تكاد أن تكونا متساويتين، لأنّ التلازم في مسألة الضد ليس هو عن الضدين الخارجيين، بل هو عن الفعلين الاختياريين، والفعلان الاختياريان لا يكونان ضدين، إلا إذا حصل العجز عن الجمع بينهما، والعجز هو سبب التزاحم كما كان سبب التضاد، بل إنّ التضاد بنفسه هو التزاحم، والمبحوث في باب التزاحم هو اسبق رتبة من المبحوث في مسألة الضد، فالمبحوث في كبرى باب التزاحم هو أي منهما يقدم؟ المهم أو الأهم، والصغرى: أيّ منهما مهم وأيّ منهما أهم؟ وهنا يؤخذ تقّدم الأهم مسلّما، فهل يقال بصحة العبادة من دون أن نحكم بالترتب؟ كما إذا قلنا إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، أو نقول بصحة العبادة عن طريق الترتب؟ ومن هنا لم يثر صاحب الكفاية أو غيره السؤال عن الفرق بين المسألتين، مع وجود هذه الجهة من الوحدة والاشتراك، وهو الاشتراك بالموضوع، على الرغم من أنّه في كثير من المسائل يعرض الفرق بين مسألة وأخرى، كالفرق بين المرّة والتكرار، وتعلق الأوامر بالأفراد أو الطبائع، غير أنّ الفرق واضح هنا، ولكنه لم يلاحظ جهة الاشتراك كي يضع فصلاً على إثبات التعدد في مسألة التعارض والتزاحم.
ــــــ[186]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الاعتراض على ثمرة مسألة الضد
وقد اعترض على ثمرة مسألة الضد باعتراضين لنفيها:
الاعتراض الأوّل: [للشيخ البهائي]
وهو للشيخ البهائي قال: إنّ الصلاة تقع باطلة على كِلا التقديرين، سواء قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده أم لم نقل، أما إذا قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، فمن الواضح أنّ العبادة تقع باطلة، لأنّها منهي عنها، أما إذا قلنا بعدم الاقتضاء، فالعبادة أيضاً تقع باطلة لعدم الأمر بها، لأنّ الأمر لضدها، ويشترط في العبادة وجود الأمر بها(1).
الاعتراض الثاني: [للشيخ النائيني]
وهو للشيخ النائيني، وقد ذهب إلى أنّ العبادة تقع صحيحة على كِلا التقديرين، سواء قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده أم قلنا بعدم الاقتضاء، أما بناءً على الاقتضاء فواضح فيها صحة العبادة، لعدم المقتضي للفساد وهو النهي، ومع وجود المقتضي للصحة، فعلى الرغم من عدم وجود أمر بالعبادة، ولكن يكفي في صحتها وجود المِلاك، لأنّنا مِلاكيون، إذ يكفي في قصد القربة مطلق الإضافة إلى الله تعالى، ولا نحتاج إلى الأمر. وأما صحتها على تقدير القول
ــــــ[187]ـــــــ
(1) ينظر: زبدة الأصول، بهاء الدين محمد بن حسين العاملي (953ه)، تحقيق علي جبار الكلباغي 286. ومحاضرات في أصول الفقه 2: 338، وبحوث في علم الأصول 2: 319.
منهج الأصول (الجزء السادس)
بالاقتضاء فإنّ العبادة وإن كانت منهياً عنها، إلا أنّه نهيٌّ غيري، والحكم الغيري لم ينشأ من مفسدة في متعلقه، فلا يكون موجباً للفساد، إذن فالعبادة باقية على ما كانت عليه من المصلحة والمحبوبية الذاتية، فيمكن الاتيان بها(1).
ومن الممكن القول بلزوم إرجاع كِلا الشقين في الصحة، إلى معنىً واحد، وهو وجود المقتضي وارتفاع المانع، أما ارتفاع المانع فلأنّه في الأول يوجد عدم الاقتضاء، أي لا نهي أصلاً، وفي الثاني النهي غيري، أي لا فساد في العبادة، فهنا سقط المانع.
وأما وجود المقتضي فهو التمسك بالمِلاك، وفيه يجب أن نسلم صحة المقدمة: وهي عدم احتياج العبادة إلى الأمر بل يكفي المِلاك، وإذا سقطت هذه المقدمة تسقط النتيجة، ولا بد أن نناقش كل اعتراض بحياله.
مناقشة اعتراض الشيخ البهائي
وقد نوقش هذا الاعتراض بعدّة وجوه لأجل تصحيح الثمرة:
الوجه الأوّل: [مناقشة اعتراض الشيخ البهائي لتصحيح الثمرة بناءً على عدم الاقتضاء]
ما نقله المحقق الثاني، من أنّ الثمرة في الفرع الأول موجودة، إذ لا مانع بناءً على عدم الاقتضاء، من الأمر بالإزالة، والأمر بجامع الصلاة الموسَّعة، فالأمر
ــــــ[188]ـــــــ
(1) ينظر: أجود التقريرات 2: 21. ومحاضرات في أصول الفقه 2: 339. وبحوث في أصول الفقه 2: 326.
منهج الأصول (الجزء السادس)
بالعبادة موجود؛ وذلك لأنّ الأمر متوجه إلى جامع الصلاة، الشامل لهذا الفرد المزاحم والواقع موقع المضادة، فلا تضاد بين الجامع المذكور والإزالة، وإنما التضاد بين الإزالة والفرد من الصلاة الواقع في خصوص ذلك الوقت، الذي ينافس الإزالة، وكذلك فإنّ الفرد المزاحم ليس هو المأمور به، بل المأمور به هو الجامع الذي ينبسط قهراً على الفرد المزاحم أيضاً، فيكون مأموراً به، فيكون مجزياً عقلاً. وأما بناءً على الاقتضاء، فسوف يكون ذلك الفرد منهياً عنه، والنهي لا يجتمع مع الأمر بالجامع المنطبق عليه، لاستحالة اجتماع الامر والنهي في شيء واحد، فتقع العبادة باطلة(1).
مناقشة الوجه الأول للمحقق الثاني
ويمكن أن يرد على هذا الوجه عدة أمور:
الأمر الأول: أنّ هذا إنما يتم بناءً على ما هو المشهور من تعلق الأوامر بالطبائع، كما هو المشهور والمسلّم عند المتأخرين، وأما إذا قلنا بتعلق الأمر بالأفراد -كما لربما أميل إليه إلى حد معتدٍ به- فإنّ الأمر عندئذ يكون بنفسه متوجهاً إلى الفرد المضاد للإزالة، ولا يوجد أمر أوسع من ذلك متعلق بالجامع، فلا تصح هذه الصلاة، لأنّ نفس هذه الأمر المتوجه إلى هذا الفرد قد سقط ولا عوض عنه. وهناك نقاش حول تعلق الأوامر بالأفراد سيأتي في محله.
الأمر الثاني: أنّنا حتى لو قلنا بتوجه الأمر إلى الطبيعة كما هو المشهور فإن هذا الأمر انحلالي ومنبسط على حصص متعددة، وعلى أفراد متعددة، منها هذا الفرد
ــــــ[189]ـــــــ
(1) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 320.
منهج الأصول (الجزء السادس)
على القاعدة، إلا أنّ هذه الحصة المتوجهة إلى هذا الفرد من الأمر هي الواقعة موقع التزاحم والتضاد، فالأمر به خصوصاً ساقط أكيداً، وأما الحصص الأخرى الانحلالية، فهي وإن لم تكن واقعة موقع التزاحم، إلا أنّها لا تفيد في تصحيح هذا الفرد، لأنّها أجنبية عنه، لأنّ متعلقاتها ليس هو هذا الفرد، بل أفراد أخرى تقع في ساعات وأزمنة غير هذا الزمان، فلذا يكون قوله في أصل الوجه أن المأمور به هو الجامع الذي ينبسط قهراً على الفرد المزاحَم أيضاً، ليس بصحيح، بل الحصة الحاصلة على الفرد المزاحم من الجامع ساقطة جزماً، والحصص الأخرى لا تفيد في تصحيح هذا الفرد.
الأمر الثالث: ما نسب إلى المحقق النائيني من أنّ اعتبار القدرة في التكليف، ليس فقط بحكم العقل، بل من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك، أي أنّ التكليف نفسه يقتضي القدرة، وليس فقط أنّ العقل يحكم بالمعذورية مع العجز، والتكليف ليس الوجوب، وإنما توجيه الوجوب إلى الفرد العاجز بنفسه متعذر؛ لأنّ اعتبار التكليف عبارة عن جعل الداعي للمكلف نحو الفعل، وهو لا يكون إلا بلحاظ ما يعقل جعل الداعي إليه، وهو الأمر المقدور، وأما غير المقدور فلا يمكن جعل الداعي في نفس المكلف إليه، لاستحالة تحرك الداعي إلى ما هو مستحيل، فلا محالة يتضيق الخطاب بحدود ما يكون مقدوراً من متعلقه(1)، فلا يكون هناك أمر بالجامع بين الفرد المزاحم وغيره من الواجب الموسَّع، لأنه لا قدرة عليه شرعاً بحسب الفرض، فلا يقع فرداً من المأمور به، بل الأفراد المأمور بها هي غير هذا الفرد.
ــــــ[190]ـــــــ
(1) إنّ الخطاب له حصص، بعضها مقدورة، وهي الأكثر، وواحد منها غير مقدور، وهو الفرد المزاحم للإزالة التي هي واجب أهم، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وهذا في الحقيقة راجع إلى الأمر الثاني الذي ذكرناه(1)، وإلا لم يصح لوضوح أنّنا لو تنزلنا عنه، لم يبقَ مانع من شمول التكليف للفرد المزاحم، كما ادعى المحقق الثاني، حتى لهذا الفرد فيمكن تصحيحه بالأمر، وخاصة بعد التسليم بعدم مانعيته من ناحية حكم العقل، على ما هو المفروض في الأمر نفسه.
وقد أجاب السيد الأستاذ في التقريرات لدفع ما أورده الشيخ النائيني على المحقق الثاني: بأن اشتراط القدرة في الخطاب والحكم، لكونه يُجعل بداعي جعل الداعي(2)، لا يعني تخصيص متعلق الخطاب بالحصة المقدورة الخاصة، وإنما يعني اشتراط كونه مقدوراً، ومن الواضح أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، ولو كانت الأفراد طولية لا عرضية(3)، فإنّ القدرة على الجامع الّذي هو متعلق الخطاب والحكم موجود، فيكون البعث نحوه(4) معقولاً(5). نعم لو فرض أنّ التخيير بين الأفراد شرعي لا عقلي، كان تعلق الخطاب بالفرد المزاحم غير معقول، إلا أنّه خلف المفروض»(6).
ــــــ[191]ـــــــ
(1) لأننا قلنا هناك بأنه الحصة المتوجهة إلى خصوص هذا الأمر ساقطة حتماً، وهذا أيضاً يعني أن جعل الداعي في نفس المكلف في مثل هذا المورد ساقط جزماً، (منه).
(2) الداعي عند المولى هو جعل الداعي في نفس المكلف، (منه).
(3) أو قل: سواء كانت الأفراد طولية أم عرضية. ، (منه)
(4) نحو الجامع، (منه).
(5) لأن الجامع مقدور، وكل مقدور يجوز إيجاد الداعي له، فيمكن جعل الداعي وإيجاد الداعي نحو هذا الجامع، (منه).
(6) بحوث في علم الأصول 2: 323.
منهج الأصول (الجزء السادس)
أقول: إنّه من الواضح فساد هذا الكلام، وذلك لأن الداعي إنما يُجعَل في نفس المكلف لما هو ممكن، لا لما هو متعذر، والجامع بين الممكن والمتعذر وإن كان ممكناً، إلا أنّ معنى ذلك هو إمكان إيجاد الجامع ضمن الأفراد الأخرى، لا خصوص الفرد المتعذر طبعاً، ومعه فيكون انطباق الجامع على الفرد المأمور به بما هو مأمور به متعذراً، وإمكان الجامع في نفسه، لا يعني شموله بهذه الصفة للفرد المتعذر. فهذا هو الوجه الأول لتصحيح العبادة على تقدير القول بعدم الاقتضاء وهو يعني تصحيح الثمرة.
الوجه الثاني: [مناقشة اعتراض الشيخ البهائي لتصحيح الثمرة عن طريق الالتزام بالترتب]
لتصحيح الثمرة عن طريق الالتزام بالترتب، بناءً على عدم الاقتضاء أيضا، فإنّ العبادة وإن لم تكن مأموراً بها فعلاً، ولكن يمكن تصحيحها بالأمر الشرعي الوارد عن طريق الترتب، بناءً على عدم الاقتضاء، واناط في التقريرات صحته بأمرين(1):
الأمر الأول: عدم إمكان تعلق الخطاب بالجامع المنطبق على الفرد المزاحَم في عرض الأمر بالواجب الاخر الأهم(2).
ــــــ[192]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 323.
(2) بما ان الإزالة أهم إذن فالأمر بجامع الصلاة لا ينطبق على هذا الفرد المزاحم، كما قلنا آنفاً، والتوقف أيضاً صحيح، لأننا إذا قلنا بشمول الجامع لهذا الفرد، فالأمر الأصلي موجود ولا نحتاج الى أمر ترتبي، بمعنى إن الأمر غير ساقط ولو في ضمن الجامع، ولكن إذا قلنا بسقوط الأمر، وتعذر شمول الجامع المأمور به إلى هذا الفرد بصفته مأموراً به، حينئذ ينفتح باب تصحيحه في طول الترتب؛ لأن الأمر الترتبي موجود، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الامر الثاني: الذي يتوقف عليه هذا الوجه، إمكان القول بالترتب، وهو موضع نقض وإبرام في كونه أمراً صحيحاً أو باطلاً.
نبذة عن موضوع الترتب
استشكل الشيخ الآخوند في بحث الترتب في الكفاية على موضوع الترتب، وذكر الإشكالات العقلية الدالة على إبطاله، واستحالته، وهذا يعني أنّ نتيجة الترتب، عين اجتماع الأمرين المتنافيين، فيكون مستحيلاً عقلاً.
ولكن حسب فهمي أنَ تلك الإشكالات العقلية يمكن دفعها، كما سياتي في بحث الترتب، لكن يبقى السؤال الأساس: هل هناك دليل إثباتي على صحة الترتب أم لا؟ وسوف نقرّب إن شاء الله في محله، أنّ الترتب باطل لأجل المانع الإثباتي، وليس لأجل المانع الثبوتي، بمعنى أنّنا نفتقر إلى الدليل على الأمر الترتبي، وإن كان في نفسه ممكناً.
إذن فالترتب باطل في نفسه إما للإشكال الثبوتي، وإما للإشكال الإثباتي، ويترتب عليه أنّ هذا الوجه باطل، لأنه مبتنٍ على صحة الترتب، بل هو عين القول بالترتب، أو مصداق من مصاديقه.
الوجه الثالث: في تصحيح الثمرة عن طريق قصد المِلاك
في تصحيح الثمرة عن طريق قصد المِلاك، بعد سقوط الأمر، لأنّ أصل الإشكال يقول: بأنّ العبادة تحتاج في تصحيحها إلى وجود الأمر بها، وحيث لا
ــــــ[193]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
أمر، لأنّ الأمر ساقط يقيناً، وإلا لزم اجتماع الأمرين بالضدين، والأمر الأهم هو الإزالة فيسقط الأمر بالمهم.
لكن هنا نقول: بأنّه الأمر وإن كان ساقطاً، إلا أنّ المِلاك غير ساقط، فيصح قصد القربى ومن ثم تصح العبادة بقصد المِلاك، وليس بقصد الخطاب، الذي هو الأمر.
هذا طبعاً بناءً على عدم الاقتضاء، أما إذا كان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فتكون العبادة منهياً عنها فتقع باطلة، إلا أنّه بناءً على عدم الاقتضاء، لا ينبغي أن تقع باطلة، للتمسك بالأمر وهذا معناه صحة الثمرة، لوضوح أنّه على أحد القولين -وهو الاقتضاء- بطلت الصلاة، وعلى القول الآخر-وهو عدم الاقتضاء- صحت الصلاة، وطبعا يضم إلى ذلك، الكبرى التي يحتاجها أكيداً، وهي أنّه لا يشترط في صحة العبادة إلا وجود المِلاك، وتحقق القربى بالمِلاك. ويمكن أن يورد على ذلك بعدة أمور:
الأمر الأول: أنّ مقتضى القاعدة العامة كما ذكرنا في محله، سقوط المِلاك بسقوط الخطاب إما ثبوتاً أو إثباتاً، وتقريره بشكل مختصر: أنّه إذا سقط الخطاب فإما أن نقول بسقوط المِلاك ثبوتاً، وإما أن نقول: -ولعله الأصح- إذا سقط الخطاب، لا نستطيع بعد سقوطه أن نستدل على وجود المِلاك(1).
حينئذٍ أحد هذين الأمرين الذي هو السقوط الإثباتي أو الثبوتي، إما أن
ــــــ[194]ـــــــ
(1) لعل المِلاك موجود، ولعله غير موجود، فكيف نستصحب ما لا علم لنا بوجوده؟، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
نجزم به، وإما أن نحتمله، والاحتمال مبطل للاستدلال، وعلى كل تقدير فالتمسك بالمِلاك يحتاج إلى الجزم بوجوده ثبوتاً وإثباتاً، وإلا لا يمكن التمسّك به، لأننا لا نعلم بوجود المِلاك حتى نتقرب به ونصحح به العبادة، وهذا إنما هو طعن في الكبرى: إذا سقط الأمر فالمِلاك موجود.
الأمر الثاني: أنّ قصد المِلاك يحتاج إلى قصد والتفات من قبل المكلف، لأنّ قصد القربى متشرعياً، وعادةً، وعند الكل تقريباً هو قصد الأمر، في حين أنّ الشيخ النائيني يقول: بأنّ الأمر ساقط، وإنما قصد المِلاك هو المصحح للعبادة، ولا بد -إذن- أن يكون المكلف -قارئاً للكفاية كما نعبّر- ويلتفت إلى أنّه لا يقصد الأمر، وإنما يقصد خصوص المِلاك بعد سقوط الأمر! والحال أنّ الامتثال والطاعة إنما للخطاب والأمر، وليس للمِلاك.
الأمر الثالث: لو تنزلنا عن الوجوه السابقة وقلنا بإمكان بقاء المِلاك، وإمكان الالتفات اليه، مع ذلك لا يصحح الصلاة، أو بتعبير آخر لا يصحح قصد القربى؛ لأنّ المِلاك أمر تكويني، ومصلحته تعود إلى الفرد حقيقة لا إلى المولى(1)، فيكون القصد حقيقة قصداً لوجود تلك المصلحة -لو سلمنا بوجودها- وهذا فيه مطلبان:
أولاً: إنّ هذا غير معنى طاعة المولى وامتثاله.
وثانياً: إنّ هذا من قبيل قصد المخلوق وليس قصد الخالق، فيتقرب إلى
ــــــ[195]ـــــــ
(1) لو كانت مصلحة المِلاك تعود المولى، كما يتخيل الأصوليون في ارتكازاتهم، (انني نفعت المولى على كل حال حتى لو لم يأمرني)، ولكن نحن نبرهن في علم الكلام والعقائد، أنّ الله غني عن العالمين، فأنا لم أنفع مولاي ولا قدر شعرة، وإنما نفعتُ نفسي، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الخالق بقصد المخلوق وهو الأمر التكويني، وهذا هو عين الشرك الخفي.
فإن قلتَ: إنّنا لا نريد بالمِلاك المصلحة الواقعية التي هي تكوينية، لا بغض النظر عن ذلك، أو بتعبير آخر: أنّنا لا نريد تصحيح الصلاة بتلك المصلحة ليرد الإشكال، ولكننا نصحح العبادة بالمِلاك باصطلاح آخر وهو الإرادة الموجودة في نفس المولى، والإرادة هي مناط الامتثال، كما أن الخطاب مورد الامتثال، كذلك علة الخطاب الذي هو الإرادة أيضاً هو مورد الامتثال والطاعة وهذا في نفسه ككبرى صحيح، حينئذٍ فالمِلاك هنا موجود أي الإرادة ويطيعها وتصح الصلاة.
قلتُ: هذا أشد فساداً من الأول، لأنه إذا سقط الأمر، فإننا نستكشف من سقوطه سقوط علته، وهي الإرادة، فنعرف من زوال المعلول زوال علته.
ومن الواضح أيضاً عدم وجود الإرادة في مورد التزاحم؛ لأنّ المولى الحقيقي جل جلاله، أراد الأهم، وترك إرادة المهم، وهذا عندنا مبرهن كما هو المفروض، فتكون إرادة المهم ساقطة، ليس فقط خطاباً، بل مِلاكا وإرادة، ولو كان المولى يريده إلى جنب إرادة الأهم، لكان من عبادة الضدين، وهو مستحيل. وكذلك إنّ إرادة صدور الضدين من المكلف، من الأمر بما لا يطاق، وهو قبيح، فكيف يأمره بما هو محجوز عنه؟
ولا أقل أنّنا نلتفت إلى ما قلناه من أنّه إذا سقط الخطاب، لا نستطيع أن نبرهن على وجود المِلاك، سواء قصدنا من المِلاك الوجود التكويني للمِلاك، أم قصدنا الإرادة، أيضاً لا نستطيع أن نبرهن على وجود الإرادة، إن تنزلنا عن الكلمات التي قلناها قبل قليل.
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
طريقان لإثبات المِلاك
ذكر السيّد الشهيد في التقريرات طريقان لإثبات الملاك وهما(1):
الطريق الأول: هو التمسك بالدلالة الالتزامية للخطاب في الفرد المزاحم
فإنّه كما يدل على إطلاق الحكم له (للفرد المزاحم) بالمطابقة، ويدل أيضاً على ثبوت المِلاك فيه بالالتزام، فإذا فرض ارتفاع الأول(2) دفعاً لمحذور طلب غير المقدور، أمكننا التمسك بالثاني(3)، إذ وجود المِلاك في غير المقدور ليس فيه محذور(4).
[مناقشة الطريق الأول]
وهذا الطريق غير تام كبرى وصغرى لعدة أمور:
الأمر الأول: عدم تمامية الصغرى
فلأن الدليل الدال على الحكم بالمطابقة غير دال بالالتزام على وجود المِلاك،
ــــــ[197]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 324.
(2) أي ارتفاع الحكم والخطاب، ويعني سقوط الدلالة المطابقية الذي هو الحكم والخطاب، (منه).
(3) الذي هو الدلالة الالتزامية على وجود المِلاك، (منه).
(4) هذه الكبرى صرّح بها ضمناً، باختصار شديد، وحاصلها: أنّ وجود المِلاك للفرد غير المقدور لا بأس به، وغير مستحيل. نعم، وجود الخطاب له مستحيل، فحينئذٍ تدل عليه الدلالة الالتزامية ويمكن قصده حينئذ، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
وبيانه أنّ كل أدلة الأحكام لا تدل على وجود المِلاكات بالالتزام، لا في الفرد الممكن، ولا في الفرد المتعذر، إلا بضم قرينة خارجية هي الدليل على وجود المِلاكات عموماً، فينتج أنّ للحكم مِلاكا ثبوتاً، وليس أنّه ظاهر بالدلالة الالتزامية بوجود المِلاك، لأن القرينة الخارجية ليست سبباً لوجود الدلالة الالتزامية، وإنما ذاك أي وجود الدلالة الالتزامية مختص بالظهور الفعلي أو القرائن الحالية والمقالية المتصلة، وأما إذا كانت قرينة خارجية ومنفصلة، فلا تكون سبباً للظهور الفعلي بالالتزام.
فإن قلتَ: إنّ وجود المِلاك بمنزلة القرينة المتصلة الحالية، لوضوح ذلك في اذهان المتشرعة من الإمامية.
قلنا: إنّ هذا واضح في العصور المتأخرة حيث التركيز الفقهي والأصولي، في اللاشعور الحوزوي والمتشرعي، وأما في عصر المعصومين (سلام الله عليهم) فلم يثبت وضوحه في أذهان المتشرعة، بحيث يشكل دلالة التزامية، وإن كان مطابقاً للواقع.
فإن قلتَ: إنّ المعصومين عليهم السلام يعلمون بوجود المِلاك، وهذا يكفي بأنّنا نعلم أنّ من قصْدِ المتكلم (المعصوم) بيان الحكم بالمِلاك، أو مع المِلاك، وهذا كافٍ لتصّيد أو لبيان الدلالة الالتزامية.
قلنا: نعم هو يعلم ذلك، إلا أنّه لا يحتمل أن يكون علمه بذلك سبباً لقيام دلالة يعتمد عليها المتكلم في فهم السامع، فيفهم وجود المِلاك من الحكم والخطاب، فالسامع غير مسبوق بهذه المطالب الكلامية.
إلا أن نبني على بعض درجات الفهم الباطني، بأن نطبق فهم المعصوم الباطني
ــــــ[198]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
على ظاهر كلامه، وهذا ممكن، ولكن الفهم الباطني عموما ليس حجة في الفقه.
الأمر الثاني: عدم تمامية الكبرى
فلفرض سقوط الدلالة المطابقية في المقام، بسبب العجز هنا في مقام التزاحم وإذا سقطت، سقطت معها الدلالة الالتزامية أيضاً.
فإن قلتَ: إنّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الوجود، وإذا سقطت الدلالة المطابقية وزالت عن الوجود، زالت الدلالة الالتزامية أيضاً، وأما مجرد سقوطها -أي الدلالة المطابقية- عن الحجية، مع استمرار وجودها أصلاً، فالدلالة الالتزامية أيضاً موجودة تبعاً لوجودها، ولكنها ليست تابعة لها في الحجية، فتسقط الدلالة المطابقية عن الحجية، وتبقى الدلالة الالتزامية على الحجية.
قلنا: لو كان محل كلامنا من قبيل بقاء الدلالة المطابقية أصلاً مع سقوطها عن الحجية، كان هذا الكلام له وجاهة، وأما مقامنا حقيقة ليس كذلك، وإنما مقامنا من باب سقوط الدلالة المطابقية عن أصل وجودها لا عن الحجية، فإذا سقطت أصلاً عن الوجود، سقطت الدلالة الالتزامية معها عن الوجود أكيداً.
وذلك لأن الفرد أو الحصة الموجودة هنا، وهو الحصة المزاحمة، لا حكم فيها أصلاً، أي لا دلالة مطابقية فيها أصلاً، ليس أنّه فقط ساقطة عن الحجية، بل هي غير موجودة لاستحالة خطاب العاجز، وإذا كان المطلب هكذا فالدلالة الالتزامية أيضاً غير موجودة.
فإن قلتَ: فإنّ الدلالة المطابقية موجودة باعتبار شمول العنوان المأمور به
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
للمأتي به، والعنوان المأمور به هو عنوان الصلاة، وهذه صلاة تكويناً، فمن هذه الناحية تكون الدلالة المطابقية موجودة؛ لأنّنا لا نعني من الدلالة المطابقية إلا انطباق العنوان المأمور به على المأتي به، وهذا حاصل.
قلنا:
1- إنّ هذا الشمول فرع القول بالوضع للأعم شرعاً، ونحن لا نقول به، بل نقول بالوضع للأعم عرفاً، أما أنّ الشارع يأمر بما هو أعم من الصحيح والفاسد فهذا غير محتمل، وهذه صلاة على القول بالأعم، وإلا هي ليست بصلاة أو محتمل عدم الانطباق على الصلاة الصحيحة، ولا نستطيع أن نتمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية. أي أنّ الدلالة المطابقية لا تكفي
2- إنّ شمول العنوان بنفسه لا يكفي، لأنّ الدلالة المطابقية لخطاب صلِّ، ليست عنوان الصلاة لغةً، وإنما المادة مع الهيأة، ومعنى ذلك أنّ الأمر له مورد، وهو مورد القدرة، وأما إذا لم يكن له مورد، أو في المحل الذي لا مورد له، وهو مورد العجز، فلا يكون هناك إطلاق، وإذا لم يكن هناك إطلاق، فلا تكون هناك دلالة مطابقية أصلاً.
بعبارة أخرى: حينما نقول خطاب الأمر بالصلاة، فذلك يعني هيئة الأمر ومادته، وليس فقط انطباق عنوان المادة على الصلاة، فهذا لا يكفي بطبيعة الحال.
نعم، لو تنزلنا وقبلنا ببقاء الدلالة المطابقية في أصل وجودها، وإن لم تكن حجة، ومن ثم بقاء الدلالة الالتزامية في أصل وجودها، أمكن التفصيل بينهما في الحجية، حينئذٍ من الممكن أن نقول بأنّ الدلالة المطابقية تسقط حجيتها، وتبقى
ــــــ[200]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
حجية الدلالة الالتزامية، لأنّها أصلاً هي ظهور، والظهور حجة، والمفروض أنّ الدلالة الالتزامية ظهور متحقق.
إلّا أنّه تفصيل غير محتمل، وإنما المحتمل هو عدم التبعية في الحجية، لا في أصل الوجود فقط، لأنّ التبعية في أصل الوجود ضرورية، ثبوتاً وإثباتاً أي عقلاً وعرفاً، أما عقلاً: فباعتبار أنّ الدلالة الالتزامية معلولة للدلالة المطابقية، وزوال الدلالة المطابقية يعني زوال علتها، ويترتب على ذلك أن يزول المعلول، لأنّ المعلول يحتاج حدوثاً وبقاءً إلى العلة.
وأما عرفاً: فإذا زالت الدلالة المطابقية وجوداً بالوجود العرفي تزول الدلالة الالتزامية، فالتبعية بالوجود عقلاً وعرفاً موجودة.
فلذا نقل في التقريرات عن المحقق الخوئي قوله عن هذا الطريق: «نعم لو كانت التبعية بين الدلالتين في تكونهما فقط(1)، لا في الحجية، تم هذا الطريق»(2)، وهذا هو الذي ناقشناه الآن.
الأمر الثالث: قوله: «وجود المِلاك في غير المقدور ليس فيه محذور»
أقول: إنما ليس فيه محذور لوجود الملاك في الجامع، المنطبق عليه وعلى غيره(3)، وأما وجود المِلاك في خصوصه فهو لاغٍ أكيداً سواء قلنا: إنّ المِلاك أمر سابق على الخطاب، أم قلنا: إنّه لاحق للامتثال، ومترتب عليه.
ــــــ[201]ـــــــ
(1) تكونهما: يعني أصل وجودها، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 324.
(3) أي الفرد المزاحم في الوجوب الأهم
منهج الأصول (الجزء السادس)
أما على الثاني فهو واضح بأدنى تأمل بأنّه لا امتثال حقيقة، لكي يترتب عليه المِلاك، لفرض العجز عن الامتثال.
وأما على الاول فلسقوط الأمر، وحيث لا أمر لا مِلاك، وإنما الدليل دال على وجود المِلاكات في موارد الأمر لا في غيرها، ومن الواضح جداً أن الأمر منتفٍ مع العجز، وهم يسلمون بسقوطه.
مضافاً إلى إشكال آخر قاله في التقريرات، وحاصله: أنّ الدلالة الالتزامية فرع شمول الإطلاق للفرد المزاحم، فلا يمكنهم التمسك بإطلاق الدليل(1)، لإثبات المِلاك لأن شرطية القدرة في الخطاب قيد لُبي بديهي، بحيث يعد مقيداً متصلاً لدليل التكليف، وإنّ العاجز لا تكليف عليه جزماً، فلا إطلاق، لكي يُستكشَف منه المِلاك. أقول: هذا تعبير آخر عما قلناه عن سقوط الدلالة المطابقية عن الوجود، فإن سقوطها ليس إلا عدم شمول الإطلاق للفرد المزاحم بالواجب الأهم.
الطريق الثاني(2): [التمسك بإطلاق المادة]
لإثبات المِلاك هو التمسك بإطلاق المادة(3)، على ما أفاده المحقق النائيني، لأنّ الخطاب -وهو صل- يكون متكفلاً للدلالة على مطلبين:
ــــــ[202]ـــــــ
(1) حتى تصبح هناك دلالة مطابقية في الفرد المزاحم، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 325.
(3) أي مادة: (صلِّ) مثلاً.
منهج الأصول (الجزء السادس)
أحدهما طلب المادة(1)، والآخر وجود المِلاك -لهذا الطلب أو المادة- وتعلقه بها، وكِلا هذين المطلبين منصبان على المادة بحيث يُستفاد من خطاب (صلِ) قضيتان:
إحداهما: أنّ الصلاة واجبة.
والثانية: أنّ الصلاة فيها مِلاك مولوي.
غاية الأمر أنّ القضية الأولى مدلول لفظي لصيغة الأمر، في حين أنّ القضية الثانية مدلول سياقي للخطاب(2).
وفرق هذا الطريق عن الطريق السابق أنّ الدلالة على المِلاك في هذا التقريب في عرض الدلالة على الحكم(3)، وليس مدلولاً التزامياً طولياً للخطاب، كي يسقط بسقوطه بناءً على التبعية(4)
لأنّ التخصيص بالقدرة سواءً كان بحكم العقل أو كان مأخوذاً من نفس الخطاب لا يكون إلا بلحاظ الحكم والطلب، أي بلحاظ القضية الأولى المدلول
ــــــ[203]ـــــــ
(1) لان الهيئة تدل على إن المادة مطلوبة ومأمور بها، (منه).
(2) مع العلم انه كلاهما يرجع الى المدلول المطابقي سواء كان لفظياً أم سياقياً، (منه).
(3) بعبارة اخرى ان كلا الدلالتين مطابقيتان، في حين انه في التقريب السابق كان المدلول (الذي هو طلب المادة) مطابقياً والدلالة على وجود الملاك التزامياً، والدلالة الالتزامية في طول الدلالة المطابقية، في حين هنا الدلالة على الملاك مطابقي، وفي عرض الدلالة المطابقية على طلب المادة، (منه).
(4) أي تبعية المدلول الالتزامي للمدلول المطابقي، لان هذا ليس مدلولا التزاميا ليسقط بسقوط الدلالة الأولى، التي هي طلب المادة، بل في عرضه، فيكون مقتضى إطلاق القضية الثانية ثبوت الملاك حتى في الفرد المزاحم، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
عليها باللفظ دون الثانية(1)، نعم، لو فرض أخذ القدرة في الخطاب صريحاً(2)، كان ذلك رافعاً لإطلاق المادة بلحاظ محموليها(3)، فقوله (إن استطعت فحج) في قوة أن يقول (إن استطعت فالحج واجب) وفيه مِلاك، فيدل على اختصاص المِلاك بفرض القدرة(4)، وذلك باعتبار ارتباط المحمولين وحملهما معاً على المادة، فيكون القيد المأخوذ تقييداً للمادة بلحاظهما أيضاً.
وهذا بخلاف ما إذا لم تكن القدرة مأخوذة لفظاً في الخطاب الشرعي، فإنّ القرينة اللبية العقلية على شرطية القدرة لا تشترط ذلك إلا بلحاظ التكليف(5)، لا الملاك(6).
رد التقريرات
وأجاب عليه بأنكار أصله الموضوعي، الذي يبتني عليه هذا الطريق، وهذا الأصل الموضوعي لغوي، وحاصله: أنّ هناك دلالتان عرضيتان مطابقيتان: أحداهما على الأمر بالمادة، والأخرى على وجِود الملاك، غاية الأمر أنّ الأولى لفظية والثانية سياقية، وكلتاهما مطابقية ولا يعتمد أحدهما على الآخر، فهما ليسا طوليين بل عرضيين، فإذا سقطت إحداهما بقيت الأخرى.
ــــــ[204]ـــــــ
(1) المدلول عليها بالسياق، (منه).
(2) بعنوان القدرة والاستطاعة، (منه).
(3) أي دلالتها على الطلب ودلالتها على الملاك، (منه).
(4) بفرض الاستطاعة المنصوصة في نفس اللفظ بالقرينة المتصلة، (منه).
(5) فتسقط القضية الأولى، (منه).
(6) فلا تسقط القضية الثانية، فيبقى السياق دالاً على وجود المِلاك الذي هو معناه المصحح للعبادة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
قال في إنكار هذا الأصل الموضوعي: «فإنّ الخطاب يدل على الحكم والطلب أولاً وبالذات، وتكون دلالته على المِلاك في طول ذلك، أي يكون ثبوت الحكم هو الدال على ثبوت المِلاك(1).
أقول: وهذا في نفسه صحيح، أعني الطولية بين الدلالتين، إذ لولا الدلالة على الحكم لما دل على المِلاك، وبتعبير آخر: أنّه يلزم من عدمه عدمه. أو بتعبير آخر: أنّ الدلالة على الحكم بمنزلة العلة للدلالة على المِلاك، فإذا زالت العلة زال المعلول، مضافاً إلى إمكان إنكار هذه الدلالة المِلاكية الثانية، كدلالة سياقية مطابقية غير التزامية، لما قلناه من أنّها إنما تنعقد بدليل خارجي على وجود المِلاكات وهو الدليل العقلي على الحكمة الإلهية وأنّ كل حكم له مِلاك، وهذا متسالم عليه بين الإمامية، وقد قلنا في المطلب السابق إنّ هذه القرينة المنفصلة، لا تشكل سبباً للدلالة الالتزامية، ويكون من اللازم غير البين، أو الذي لا يشكل ظهوراً لفظياً، وليس بيناً بالمعنى الأخص حتى يكون ظاهراً لفظاً، ونضيف إلى ما سبق أنّه إذا كانت هذه القرينة المنفصلة لا تشكل دلالة التزامية ظهورية، فكيف تشكل دلالة سياقية مطابقية؟
تفسير آخر لكلام المحقق النائيني
ويبدو أنّ كلام الشيخ النائيني قد فُسِّر بتفسير آخر، يصلح بياناً مستقلاً
ــــــ[205]ـــــــ
(1) فلا يكونان عرضيين كما زعم المستدل، ليكون سقوط الأولى غير ملازم لسقوط الثانية، بل هما طوليان فبسقوط الأسبق رتبة تسقط اللاحقة لا محالة، سواء سميناها دلالة التزامية أم لا، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
في هذا الصدد، وهو أن يقال: إن التقييد بالقدرة تكون مرتبته مرتبة الحكم والطلب(1)، فلا يمكن أن تكون مقيِّدة لمرحلة المِلاك المتقدمة على الطلب والباعثية، التي هي أسبق رتبة من الطلب.
أقول: وقد اتضح مما سبق عدة اجوبة على ذلك:
أولاً: ما قلناه من أنّ الطلب خاص بالمقدور، والمِلاك خاص بالمطلوب، فيختص المِلاك بالمقدور، لأنّ كل مطلوب فهو مقدور، وكل مطلوب له مِلاك،
إذن فالنسبة بين هذه الأمور الثلاثة هو التساوي، ولا يزيد أحدهما مع الآخر، إذن فلا مِلاك خارج المقدور أو خارج المطلوب.
ثانياً: إنّ وجود الملاك بغير المقدور، أو لغير المقدور لغو؛ لأنّ المِلاك إنما ينشأ من الفعل الإنساني، أو قل من الطاعة والامتثال، ولا طاعة في مورد العجز، فسواء كان المِلاك متقدماً رتبة على الفعل، أو متأخراً رتبة عنه، فلا فعل هنا حتى يكون له مِلاك أصلاً، فيكون المِلاك لغواً حتى لو كان تكويناً موجوداً، إذ لا معنى لوجوده، ولا حكمة لوجوده أصلاً.
ــــــ[206]ـــــــ
(1) كأنما هناك مرتبتان من الدلالة، المرتبة الاسبق هي القضية الاولى التي ذكرها هنا وهي الامر والطلب بالمادة او بالمتعلق، والقضية المتأخرة رتبة هو الدلالة على الملاك، وهذا فرقه عن السابق حينئذ يقال: بان التقييد العقلي بالقدرة يأتي الى مرتبة الجعل، أو الى مرتبة الامر بالمادة او بالمتعلق، فيلغيه في الفرد المزاحم، يعني يسقط الامر بحكم العقل في الفرد المزاحم في مرتبة الامر، وما كان قرينة في مرتبة، لا يلزم ان يكون قرينة في مرتبة أخرى، يعني ان الملاك يبقى، والقرينة العقلية خاصة بإسقاط الامر، ولا تعم اسقاط الملاك او لا تجيز اسقاط الملاك، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
ثالثاً: ما قلناه من أنّه عند سقوط الطلب، لا يبقى دليل على المِلاك.
ولعل هذه الوجوه الثلاثة ترجع إلى محصّل واحد، بالرغم من أنّها مختلفة شكلياً، ولكن روحها -كما يعبرون- مشترك.
رابعاً: لو تنزلنا عن الوجوه السابقة، نقول: إنّ كلامه هذا خاص بتصور المِلاك السابق رتبة على الأمر، وإنّ الدلالة الالتزامية دالة على ذاك الملاك السابق على الأمر، ولا يناسب بكل وضوح النظرية الأخرى في المِلاك، والتي تقول بتأخر المِلاك عن الامتثال، إذ لا امتثال ليكون المِلاك متحققاً؛ لأنّه ينتفي بانتفاء علته وهو الامتثال، والمفروض أنّ الامتثال غير صحيح، لأنّه لصلاةٍ لا أمر فيها، فتقع باطلة، فلا يترتب عليها أي مِلاك، لا أقل من الشك المؤدي إلى فساد النتيجة.
خامساً: ما أورده المحقق الخوئي(1) بنقل التقريرات طبعا(2)، من أنّ شرطية القدرة وإن سلّم كونها متأخرة رتبة عن المِلاك، وإنما رتبتها رتبة الطلب، إلا أنّه لا مانع من تقييدها للمِلاك، فإنّ التقييد يكون بلحاظ المدلول ومقداره، ولو كان التقييد متأخراً رتبة، ولا أقل من الإجمال باعتبار صلاحيته للتقييد(3).
أقول: إنّنا لو غضضنا النظر عن كل الإشكالات السابقة كان هذا الأمر، لا يخلو من وجاهة، إذ لا تتعين القرينية في مرتبة محددة من الظهور، بل يمكن عقلاً
ــــــ[207]ـــــــ
(1) ينظر: بحوث في علم الأصول 2: 326.
(2) الظاهر أنّه غير موجود في المحاضرات، وربما هو مأخوذ مشافهةً في مناقشات سابقة، (منه).
(3) صلاحية المتصل للقرينية الذي يسبب إجمال العبارة بالدلالة على المِلاك المصحِح للعبادة، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
أن تشمل أكثر من مرتبة، لأن المراتب ثبوتية، في حين أنّ الدلالة على تلك المراتب إثباتية وظهورية، ومقترنة زماناً، ومتحققة من لفظ واحد، وسياق واحد، وإن كانت هي طولية في نفسها، فتصلح قرينة واحدة عليهما معاً أو على جميع المراتب.
وهذا أمر حاصل بالإمكان العقلي، أي أن يصلح أن يكون هناك قرينة واحد على عدة مراتب من الظهورات، وهذا هو ظاهر أصلي للمطلب الذي قاله المحقق الخوئي، وهو أمر لطيف قلّما يُلتفَت إليه، إلا أن المهم ليس هو الإمكان العقلي، بل المهم هو الإثبات العرفي والظهور العرفي، لأنّنا لا نتعامل مع اللفظ تعاملاً عقلياً، وإنما تعاملاً عرفياً، فإنّ كان العرف في أي مورد موافقاً على ذلك فهو المطلوب، وإلا لم تصح القرينية بل تختص بموردها العرفي.
والاحتمال وإن كان دافعاً للاستدلال، إلا أنه يعني احتمال القرينية العرفي لا العقلي، فإذا أحرزنا عدم القرينية العرفية، لم يكن الاحتمال العقلي للقرينية مبطلاً للاستدلال، لأنّ أصل المطلب راجع إلى الظهورات العرفية، وليس المحكم فيها هو العقل.
وأما أنّ الصغرى هل هي صحيحة عرفاً أم لا؟ يعني رجوع قيد القدرة إلى كلٍ من المِلاك والخطاب، أو اختصاصه بالخطاب عرفاً، فهذا نوكله الى القارئ، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
[تقريب لصحة الاعتراض الثاني]

وهو عكس الاعتراض الأول، بأن يقال بصحة الصلاة على كِلا التقديرين، حينئذٍ يحتاج هذا الاعتراض إلى تقريب لكيفية تصحيح الصلاة على كِلا التقديرين.
ــــــ[208]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
أما على القول بعدم الاقتضاء، فلأن العبادة غير منهي عنها، فلا موجب لفسادها.
وأما على التقدير الثاني وهو أنّنا نقول بالاقتضاء، فلأن النهي المتعلق بالعبادة المزاحمة يكون نهياً غيرياً(1)، والنهي الغيري لا يقتضي الفساد(2)، لأن النهي الغيري(3)، ليس له مِلاك مستقل، فيبقى متعلقه على ما هو عليه من الملاك المتعلق بالصلاة أصلاً، فتقع صحيحة تبعاً للمِلاك.
وجواب الأوّل: أنّ عدم النهي لا يكفي للصحة؛ لأنّ عدم النهي هو عدم المانع، فما هو المقتضي للصحة هنا؟ المقتضي له أحد أمرين:
إما الأمر، وإما المِلاك، وكلاهما قد أجبنا عليه، أما الأمر فسقوطه مسلّم، حتى على القول بعدم الاقتضاء، فضلاً عن القول بالاقتضاء.
وأما المِلاك فهو غير كافٍ في صحتها لمناقشات سابقة:
أولاً: لا نستطيع الاستدلال على وجوده إثباتاً بعد سقوط الأمر.
ثانياً: حتى لو استطعنا الاستدلال على وجوده إثباتاً، يبقى غير قابل للتقرب به، إذ هو تقرب للمخلوق لا تقرب للخالق.
ــــــ[209]ـــــــ
(1) أي أنّه نهي ناشئ من أمر غيري، (منه).
(2) عندما يكون عدم الصلاة واجباً، يصبح وجودها ضداً لذلك الواجب فيكون منهياً عنه، ولكن عدم الصلاة مقدمة لفعل الإزالة، فأصل الأمر مقدمي، النهي عن ضده أيضاً نهي مقدمي، ولا يكون الفرع أشد من الأصل، ومن هنا قيل أنّه مقدمي، (منه).
(3) وهذا من متبنيات الأصوليين المتأخرين كالشيخ النائيني والمحقق الخوئي، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
فعلى التقدير الأول، أي تقدير القول بعدم الاقتضاء، لا مجال للقول بالصحة من هذه الناحية. وأما على التقدير الثاني، أي تقدير القول بالاقتضاء، فلأنّنا وإن سلّمنا كونه أمراً غيرياً، أو نهياً غيرياً، وقلنا فيما سبق أنّه يمكن أن لا يكون مبطلاً للعبادة، لأنّ القدر المتيقن من النهي الموجب لبطلان العبادة، هو النهي الاستقلالي، وليس النهي المقدمي الغيري، ولكن يمكن أن نقول: بأنّ ما هو غير مبطل للعبادة، هو النهي الترشحي، أي النهي الغيري على الفهم المشهوري، الذي يترشح من الواجب النفسي، والذي يكون اقل شرفية، وضعيفاً جداً، فلا يكون موجباً للبطلان، وأما إذا سلكنا المسلك الذي نحن اخترناه في فهم الوجوب الغيري، في باب مقدمة الواجب السابقة، وقد قلنا بأننا نفهم الوجوب الغيري من الدلالة الالتزامية اللفظية لخطاب الواجب النفسي، وقلنا أيضاً إنّ له طاعة وله عصيان، وله ثواب وله عقاب، واستدللنا على ذلك ببعض آيات القرآن الكريم، وسبق أن قلنا أيضاً إنّ أهمية المقدمة بأهمية ذيها، لأنّ الله تعالى يريدها بإرادة ذيها، وفي مثل ذلك يمكن أن نقول: يكتسب الوجوب الغيري شأناً أو شرفية، يكون بها مبطلاً للعبادة. إلا إذا قلنا أنّ كل نهي لا يوجب الفساد، حتى النواهي الاستقلالية، وهو مسلك ضعيف في علم الاصول والفقه وعلى خلاف المشهور والمنصور.
فإن قلتَ: لو سلّمنا بهذا، ولكن قلتَ كما قيل في الدليل: إنّه لا مِلاك للنهي الغيري، وإذن فهو غير مبطل للعبادة، بخلاف النهي الاستقلالي فإنّ له مِلاكاً، فيكون مبطلا للعبادة.
قلنا: لا دخل لوجود المِلاك في البطلان، وإنما المهم هو النهي، فهو يكفي في بطلان العبادة، وإنما المِلاك لو كان دخيلا تصوراً أو ثبوتاً، فإنما يصح بالعكس،
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
يعني عند سقوط النهي وبقاء ملاكه، يكون موجباً لبطلان العبادة مشهوريا.
أما أنّ النهي بلا مِلاك، يوجب عدم بطلان العبادة، فهذا غير لازم له، أو قل أنّ أيّا من النهي -الخطاب الذي هو النهي الغيري- والمِلاك، كلٌّ باستقلاله هو موجب لبطلان العبادة.
إلا أنّنا عرفنا أنّ هذا النهي وهمي، لأنهم قالوا: إنّ عدم الضد، ليس مقدمة لوجود ضده، كما أنّ وجود الضد ليس مقدمة لعدم ضده، وقد صححنا ذلك عقلياً، ومنعناه عرفياً، إلا أنّ هذا معناه المصير إلى القول بنفي الاقتضاء، والمفروض أنّنا الآن نتكلم في هذا الشق بناءً على القول بالاقتضاء، اي نتنزل عما سبق أن قلناه.
مناقشة التقريرات لاعتراض الشيخ النائيني
قال في التقريرات: «الاعتراض الثاني، على الثمرة عكس الأول، وهو دعوى صحة العبادة حتى على القول بالاقتضاء، لأن النهي المتعلق بالعبادة المزاحمة يكون غيرياً وهو لا يقتضي الفساد. وقد أوضح هذا المعنى المحقق النائيني والسيد الأستاذ، بأن النهي الغيري ما كان من أجل الغير وليس لمِلاكٍ في متعلقه، بل متعلقه(1) لوجوب الإزالة على ما هي عليه من المِلاك الفعلي عند الله، فيكون صحيحاً باعتبار المِلاك الموجود فيه»(2).
ــــــ[211]ـــــــ
(1) يعني الصلاة في المثال المزاحمة.
(2) بحوث في علم الأصول 2: 326.
منهج الأصول (الجزء السادس)
وقد استشكل في التقريرات على هذا الاعتراض الثاني بإشكالين(1):
الإشكال الأوّل: إن اُريِد بالمِلاك(2) المحبوبية(3) فمستحيلة بناءً على الاقتضاء، لأن القائل به يدعي وجود مبغوضية في الضد، وهي لا تجتمع مع المحبوبية. وإن اُريِد بالمِلاك مجرد المصلحة(4)، فهي لا تصلح للمقربية، لما تقدم في مباحث التعبدي والتوصلي، أنّ قصد المصلحة بما هي هي، ومن دون إضافة إلى المولى، لا يكون مقرباً. وفي المقام تكون المصلحة مضافة إلى المولى بإضافة البغض لا الحب، فلا يمكن الاتيان بها من أجله(5).
وجوابه:
نحن لو تنزلنا عما قلناه، أمكننا اختيار كِلا الشقين من إشكاله، وتصحيح العبادة، أما الشق الأول وهو: إن قَصدَ بالمِلاك المحبوبية فهذا لا يحتمل، لوجود المبغوضية بنفس المولى، فالجواب عليه، أنّ المبغوضية غيرية، وهي خالية من المِلاك، فلا تكون موجبة لفساد العبادة كما قال المشهور.
إما أنّ نقول بوقوع نحو من التزاحم، بين الوجوب النفسي للعبادة، والنهي
ــــــ[212]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 327.
(2) المصحِح للعبادة المنهي عنها، (منه).
(3) في نفس المولى، (منه).
(4) الثبوتية في علم الله أو في عالم الملكوت، (منه).
(5) فلا يكون الفعل صحيحاً لأن المحبوبية غير موجودة والمِلاك الثبوتي غير مقرب، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الغيري عنها، فيتقدم النفسي؛ لأنه اقوى، أو لأن له مِلاكاً، بخلاف الغيري فإنّه ليس له مِلاك، فتصح العبادة.
وأما الشق الثاني وهو: عدم إمكان التقرب بالملاك. فهو وإن كان قريباً مما قلناه: من أنّ قصْدَ المِلاك إنما هو قصد للمخلوق، وليس قصداً للخالق، فلا يصحح العبادة، إلا أنّه خلاف مذاق المشهور، وبخاصة أنّ المشهور يتخيل بأنّ المِلاك مما يستفيد منه المولى، فيكون التقرب بالمِلاك، تقرباً إلى المولى بما يفيده، وهذا يكفي في تصحيح العبادة.
ويوجد في هامش التقريرات من كلام السيد الهاشمي شيئاً يدعم هذه الفكرة، أنّ المِلاك يفيد المولى، ومن الطريف أنّ السيد الهاشمي في الهامش يدافع عن المشهور من هذه الناحية، ويقول: «إنّ إضافة فعل إلى المولى -يعني إضافة العبادة إلى المولى بقصد القربى- يعقل كلما كان حال المولى على تقدير الفعل، أحسن منه حاله على تقدير عدمه، فيفعل الأحسن للمولى ويتقرب بذلك ولا إشكال في إن فعل المهم -الذي هو الصلاة- على تقدير ترك الأهم أحسن للمولى من تركهما»، معاً فيتقرب بذلك إلى الله سبحانه وتعالى.
[ما أورد على الإشكال الأول في مناقشة التقريرات لاعتراض الشيخ النائيني]
أولاً: أنك هل تقصد كونه أحسن من ناحية الخطاب أم من ناحية المِلاك؟ أما الخطاب بالمهم فساقط، إلا على تقدير القول بالترتب، الذي لا بد أن يؤخذ هنا مسلّم البطلان، وإنما نتحدث في الترتب في بابه، وأما هنا فلا بد من تصحيح العبادة من دون فكرة الترتب، إذن فالخطاب ساقط ولا يمكن أن نصير إليه.
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
وأما المِلاك فلأنه لا يعود حسنه إلى المولى بحال؛ لأنه غني عن العالمين، وإنما يعود حسنه إلى المكلف، فيكون طلبه من طلب المخلوق، كما سبق خلافاً للمشهور بما فيهم السيد الهاشمي من هذه الناحية.
ثانياً: لا ينبغي المقايسة بين ترك المهم، وتركهما معاً، إذ لا يفترض كون المكلف عاصياً على كل تقدير، وعلى كل حال، ولو تركهما معاً، عُوقِب بعقاب واحد، وهو عصيان الأهم خاصة، لأنه هو الفعلي، حتى لو قلنا ببقاء مِلاك المهم، لأن المِلاك في العقاب والسبب فيه، هو الخطاب لا المِلاك، وإنما المقارنة حقيقة بين الاتيان بالأهم والاتيان بالمهم، ولا شك أنّ الأحسن للمولى هو الاتيان بالأهم وترك المهم، فإذا اتى بالمهم فقد خالف الأحسن، وإذا خالف الأحسن كيف يمكن القول بصحة عبادته.
الاشكال الثاني: قال في التقريرات: «هذا فرع إثبات ردود الملاك وإحرازه في الفرد المزاحم(1)، وقد تقدم أنّه بعد سقوط الأمر بالعبادة المزاحمة، لا يمكن إثبات وجود المِلاك فيها، وبناءً على الاقتضاء لا يمكن إحرازه حتى بنحو الترتب لمكان النهي»(2).
أقول: وهذا عين ما قلناه من أنّه بعد سقوط الأمر لا يمكن إثبات وجود المِلاك، ليس فقط في العبادة، وإنما في أي شيء، وليس فقط الأمر، وإنما النهي أيضاً، فلا تصح العبادة، لا بالأمر الساقط، ولا بالمِلاك الساقط الذي لا يمكن إثباته.
ــــــ[214]ـــــــ
(1) الذي هو الصلاة المضادة للإزالة، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 327.
منهج الأصول (الجزء السادس)
إلا أنّه قال: «وبناءً على الاقتضاء لا يمكن إحرازه حتى بنحو الترتب، لمكان النهي». لأن الاعتراض الثاني مبني على أنّه تصح العبادة حتى بناء على الاقتضاء.
أقول: وهذا لا يتم لأننا إذا قلنا بصحة الترتب، فمعناه وجود الأمر الطولي المنجَّز على المكلف، بمعنى أنّ الترتب -إن قلنا بإمكانه- فهو ينقح لنا منجَّزية أمر طولي بعد عصيان الأمر بالأهم، وحينئذ نضم إليه كبرى، حاصلها: أنّ كل أمر فيه مِلاك بالضرورة. وهذا أمر -أي الأمر الترتبي- ففيه مِلاك، فهذا الذي يقول أنّه لا يمكن إحرازه حتى بناءً على الترتب لا يبدو صحيحاً.
فإن قلتَ(1): إنّ المِلاك ساقط بالنهي، فلا يمكن إحراز المِلاك لمكان النهي، فلا يمكن إحراز المِلاك للأمر الترتبي الذي قلنا قبل قليل.
قلنا: إنّ المِلاك لم يثبت سقوطه بالنهي، وإنّما سقط الأمر فقط، كل ما في الأمر أنّ المِلاك لا نستطيع إثباته عندئذٍ، ولكن حين يعود الأمر إلى الحجية، عند القول بالترتب، فسيكون كافياً في إثبات المِلاك لنفسه.
وبتعبير آخر أنّ الأمر الترتبي عند القائلين به، على أحد نحوين:
1- أنّ الأمر الترتبي هو إحياء للأمر السابق.
2- أنّ الأمر الترتبي هو ولادة لأمر جديد.
ونحن نتكلم على كِلا التقديرين:
فإن كان نفس الأمر السابق، أمكن إثبات وجود المِلاك، لأنّه الأمر السابق
ــــــ[215]ـــــــ
(1) هذا المطلب مستقى من عباراته، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
على إطلاق دليله أصلاً له ملاك، ثم سقط عن الحجية فتعذر إثبات المِلاك له، فإذا رجع إلى الحجية، أمكن إثبات نفس المِلاك لنفس الأمر، والمفروض أنّه لا يعارض النهي، لأنه في طول النهي وليس في عرضه.
وإن كان بأمر جديد، شملته القاعدة العامة لوجود المِلاكات عموما لسائر الأوامر والتشريعات، لأن كل أمر فيه مِلاك، وهذا أمرٌ ومعتبر على تقدير القول بالترتب، فحينئذٍ يكون له مِلاك، ومعه يمكن تصحيح العبادة من هذه الناحية، إذا قلنا إنّ المِلاك يصحح العبادة. وأما أن يكون الأمر الترتبي بدون مِلاك فهذا غير محتمل.
الخطوة الأخرى -وهي لا تخلو من أهمية معتد بها وقلّما يُلتفَت إليها، وفي التقريرات ذكر لمحة عنها- وحاصلها: أنّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الثمرة هنا سواء صحت أو بطلت، إنما هي ثمرة فقهية، لكونها راجعة إلى صحة العبادة وعدمها، وفي باب مقدمة الواجب، ولربما أكثر من باب سابق، أشكلوا أن الثمرة الفقهية لا اعتبار لها في علم الأصول، بل لا بد أن تكون الثمرة أصولية، وهنا نلاحظ أنّ المشهور اكتفى بهذه الثمرة ولم يذكر هذا الاشكال!
ولو مشينا على الإشكال الذي ذكر في باب مقدمة الواجب، لم يكن لدى المشهور أي ثمرة بهذا الباب، وفي التقريرات ذكر باختصار شديد ثمرتين أصوليتين، سنأتي على ذكرهما، فإن تمتا، فقد ثبت وجود ثمرة أصولية لهذا الباب، وإن بطلتا إذن لا ثمرة للباب، بعد رفض الثمرة الفقهية، فلا تبقى ثمرة للباب أصلا لو مشينا على إشكال باب مقدمة الواجب، ولكننا على كل حال، نحن ينبغي أن نتعبد بما قاله المشهور، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ــــــ[216]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
[ثمرتان أصوليتان ذكرهما صاحب التقريرات لمسألة الضد]
ذكر في التقريرات -من دون الالتفات إلى هذا الإشكال- ثمرتين أصوليتين، باختصار شديد كأنهما غير مهمتين بإزاء تلك الثمرة المبحوثة أصلاً، وهي الثمرة الفقهية، في حين أنّ هذه هي المهمة. والثمرتان هما(1):
الثمرة الأولى:
«أنّه على القول بالاقتضاء، يدخل الخطابان(2) بالضدين في باب التعارض؛ لأنّ الأمر بالأهم منهما(3)، يقتضي النهي عن الآخر، فيعارض الأمر به(4)، وبناءً على عدمه(5)، والقول بإمكان الترتب، يدخلان في باب التزاحم بينهما في مقام الامتثال». ولم يقل السيد الأستاذ في التقريرات شيئاً بناءً على عدم الاقتضاء، وعدم القول بإمكان الترتب.
مناقشة الثمرة
ويمكن المناقشة في كِلا الشقين:
الشق الأول: وهو دخول الخطابين في باب التعارض بناءً على الاقتضاء ففيه أكثر من إشكال:
ــــــ[217]ـــــــ
(1) بحوث في علم الأصول 2: 328.
(2) الخطابان هما: أزل النجاسة عن المسجد، وصلِّ، (منه).
(3) الذي هو الإزالة، (منه).
(4) أي: فيتعارض النهي مع الأمر، (منه).
(5) عدم الاقتضاء، (منه).
منهج الأصول (الجزء السادس)
الأول: أنّه مبني على مسلك مشهوري، بأنّه عند استحكام التزاحم، يعود الأمر إلى التعارض. فإذا سلّمنا أنّ صغراه محرزة هنا، إلا أنّ كبراه محل إشكال، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، إذ التزاحم يبقى تزاحماً ولا ينقلب إلى تعارض. وليس هنا محل بحثه.
الثاني: الطعن في فرض كونهما أهم ومهم، هو فرض كونهما طوليين، وأنّ الأهم نافٍ للمهم، فلا يمكن للمهم أن يقع طرفاً للمعارضة مع الأهم؛ لأنه ليس في رتبته.
الثالث: أنّه بنى التعارض على القول بالاقتضاء -أي باقتضاء النهي- وعلى القول به -إذا قلنا بالاقتضاء- يكون المهم منهياً عنه، في حين لا يكون الأهم منهياً عنه، ومعه فإما أن نقول: إنّه لا تصل النوبة إلى التعارض، لأن الجانب المنهي عنه، لا يعارض الجانب غير المنهي عنه، فليس فيه مقتضى التعارض أصلاً.
أو نقول: إنّ مقتضى التعارض موجود، إلا أنّ نتيجة التعارض غير موجودة، لأن نتيجة التعارض هو التساقط، والتساقط إنما يُصار إليه مع الترجيح بلا مرجح، وأما مع وجود المرجح، فلا يُصار إلى نتيجته، وهو أن يقال بأنّ أحدهما منهي عنه، فحينئذٍ يكون توجه النهي إلى أحدهما، وعدم توجه النهي إلى الآخر، هو المرجح في باب التعارض.
الشق الثاني: وهو الإشكال على ما أفاده من دخول الخطابين في باب التزاحم بناءً على عدم الاقتضاء، وحاصله: عدم معقولية المزاحمة بين الأمر بالأهم، والأمر الترتبي بالمهم، فإن غاية تقريبه، هو كون كل منهما منجَّزاً شرعاً،
ــــــ[218]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
فالأمر بالأهم منجَّز لأهميته، والأمر الترتبي منجَّز للقول بإمكان الترتب، ولا يمكن الجمع بينهما عقلاً فيتزاحمان، فيكون من الأمر بالضدين المتزاحمين، الذين يعجز المكلف عن الجمع بينهما.
إلا أنّ هذا غريب غايته، لوضوح أنّ الأمر الترتبي (في جانب المهم) الذي يقول به مشهور المتأخرين، إنما يثبت في طول فرض عصيان الأمر بالأهم(1)، وليس في عرضه ليكون مزاحماً له، ومما يوضح ذلك، أنّه لو عصى الأمر الترتبي وأتى بالأهم، لم يكن مقصراً، لأنّه أتى بالأهم، وهو المطلوب الأساسي، في حين يجعله العكس مقصراً أكيداً، تصح صلاته ويأثم على عدم الاتيان بالأهم (الإزالة).
وعلى أي حال فسيكون الأمر الترتبي، في طول الأمر بالأهم برتبتين؛ لأنّ عصيانه في طوله، أي متأخر عنه رتبة، والأمر الترتبي متأخر عن العصيان رتبة، فعندنا رتبتين يتأخر فيهما الأمر الترتبي عن الأمر بالأهم، فلا يكون مزاحماً له.
الثمرة الثانية:
قال في التقريرات: «ومن نتائج ذلك أنّه على القول بالتعارض، يحكم بفساد العبادة، باعتبار عدم وجود ما يُحرَز به المِلاك عادة، بخلافه على القول بعدم الاقتضاء»(2)، وهذه الثمرة في طول الثمرة الأولى، وذلك لأنّها ذكرت في طول
ــــــ[219]ـــــــ
(1) على صيغة الترتب العرفية هكذا: يا من يعصي الأمر بالأهم، ائتِ بالمهم، ولا تبقَ بطالا تعصي كِلا الامرين، (منه).
(2) بحوث في علم الأصول 2: 329.
منهج الأصول (الجزء السادس)
القول بالتعارض، المؤدي إلى التساقط، فيحكم بفساد العبادة، وأنّه لا يثبت هناك مِلاك بعد التساقط، أو عدم وجود ما يُحرَز به المِلاك عادة، لأنّ ما يُحرَز به المِلاك، هو إطلاق الدليل لهذه الحصة، وقد سقط بالتعارض، بخلافه على القول بعدم الاقتضاء، لأن أمره عندئذٍ غير ساقط، فيمكن الاستدلال به على وجود المِلاك.
[مناقشة الثمرة]
هذا وقد ظهر الوجه في عدم صحة هذه الثمرة ايضا:
أولاً: لأنّها مبنية على التعارض بناء على الاقتضاء في الثمرة الأولى، وقد منعناه، وقلنا إنّ التزاحم باقٍ، ولا ينقلب إلى تعارض.
ثانياً: أنّه يتم على المسلك الذي يقول بسقوط المِلاك بسقوط الخطاب، وهو مطلب صحيح في نفسه، وقد أخذ هذا مسلّما، ولكنه لا يتم على المسلك الآخر المشهوري بين المتأخرين، بزعامة الشيخ النائيني الذي هو أوضح المِلاكيين من هذه الناحية. وأخذ مسلك دون مسلك بنظر الاعتبار، ليس صحيحاً.
ثالثاً: أنّه حتى على القول بعدم الاقتضاء أيضاً، لا بد من القول بسقوط الإطلاق، لمكان أهمية الضد المزاحم الأهم، وهو الأمر بالإزالة، بمعنى سقوط إطلاق الأمر لهذه الحصة، ومجرد عدم النهي عنه لا يصحح العبادة، كما قلنا لعدم وجود الأمر ولعدم وجود المِلاك أيضاً، أو عدم إمكان إثبات المِلاك أيضاً.

ــــــ[220]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)

الفهرس

المقدّمة 9
معنى الاقتضاء 10
معنى الضد 13
[التعليق على تعريف صاحب المحاضرات في معنى الضد] 13
مناقشة معنى الضد عند المشهور 17
الضد وضابط المسألة الأصولية 18
تنبيه منهجي 19
الفصل الأول: الضد العام 21
[مناقشة الأقسام الثمانية في مرحلة الإثبات والثبوت في دلالة الأمر بالشيء للنهي عن ضده على ما جاء في المحاضرات والتقريرات] 25
الأقسام الثمانية 25
أقسام مرحلة الإثبات 25
ــــــ[221]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
القسم الأول: العينية الإثباتية 26
تفسير الدلالة العينية 26
القسم الثاني: التضمنيّة الإثباتيّة 28
القسم الثالث: الالتزامية الإثباتية 30
أوّلاً: اللزوم البين بالمعنى الأخص 31
جواب السيّد الخوئي على النائيني وردّه 32
مناقشة رأي النائيني 34
ثانياً: اللزوم البيّن بالمعنى الأعم 35
إشكال وجواب 38
نتائج 40
القسم الرابع: المقدّمية الاثباتية 41
أقسام مرحلة الثبوت 42
القسم الأوّل: العينية الثبوتية 43
القسم الثاني: التضمنيّة الثبوتية 47
مناقشة ما أفاده صاحب المحاضرات 48
القسم الثالث: الالتزامية الثبوتية 53
القسم الرابع: المقدميّة الثبوتية 54
الفصل الثاني: الضد الخاص 57
ــــــ[222]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
[مناقشة أدلة المشهور على حرمة الضد الخاص] 57
الدليل الأوّل: مسلك التلازم 58
فحص المقدّمات 61
التقريب الأول: ان وجود الضد يعتبر مانعاً عن وجود الضد الآخر 61
التقريب الثاني: إنّ المتلازمين فيهما اصطلاحان: 61
التقريب الثالث: أن يكون عدم أحدهما علة لوجود الآخر أو جزء العلة لوجود الآخر 63
مناقشة التقريرات والمحاضرات 64
المناقشة الأولى 64
المناقشة الثانية 65
شبهة الكعبي بانتفاء المباح 69
رد المحاضرات على شبهة الكعبي 69
مسلكنا في الرد على شبهة الكعبي 74
أولاً: الامر العقلي 74
ثانياً: الأمر الشرعي 76
ثالثاً: الأمر العرفي 76
الدليل الثاني: مسلك المقدّمية 77
المقدمة الأولى: وهي توقف كل ضد على عدم الضد الآخر 78
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
المقدمة الثانية: وجوب مقدمة الواجب، إن قلنا بوجوبها في بابها. 78
المقدمة الثالثة: حرمة الضد العام للواجب 78
[بسط الكلام في المقدمة الأولى ونقاش ما جاء في التقريرات] 78
المقام الأول: تقريبات إثبات المقدمية. 79
التقريب الأول 79
التقريب الثاني 82
توضيح 83
وتعليقاً على ذلك أقول: 83
[عدم وجود نسبة بين علة أحد الضدين مع وجود الضد الآخر] 84
الجواب النقضي 85
الجواب الحلّي 85
[لزوم أن العلة التامة لا تنتج معلولها] 86
الجواب النقضي 87
الجواب الحلّي 87
التقريب الثالث 88
التقريب الرابع 90
المقام الثاني: براهين ابطال المقدّمية 92
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
البرهان الأوّل 93
البرهان الثاني 103
[بيان المغالطة التي وردت في البرهان الثاني] 109
البرهان الثالث 115
البرهان الرابع 119
مناقشات صاحب التقريرات على برهان الميرزا النائيني 124
البرهان الخامس: 126
البيان الأول: [الاستناد في تقريب الدور إلى المدلول المطابقي لمدعى الخصم] 126
البيان الثاني: [الاستناد في تقريب الدور إلى المدلول الالتزامي لمدعى الخصم] 129
جواب التقريرات عن البيان الثاني 129
البيان الثالث: [دعوى أن توقف أحد الضدين على عدم الآخر مستلزم للدور] 131
مناقشة التقريرات للبيان الثالث 133
المناقشة الأولى للمحقق النائيني 133
المناقشة الثانية للمحقق الأصفهاني 136
البرهان السادس 148
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
البرهان السابع 151
مناقشة برهان المحقق الخونساري على مقدمية عدم الضد 168
بيان المحاضرات لدليل المحقق الخوانساري 171
الفصل الثالث: الكلام في ثمرة المسألة 177
الثمرة الأولى: تزاحم واجبين موسَّع ومضيَّق 177
مناقشة المثال 178
مقدمات تتعلّق بالثمرة الأولى 179
مناقشة المقدمات الثلاث 181
أولاً: قصور الوجوب الغيري 181
ثانياً: الفهم العقلي والعرفي لمقدّمية الضد 182
الثمرة الثانية: تزاحم واجبين مضيّقين 184
[رجوع الثمرتين إلى ثمرة واحدة] 185
الاعتراض على ثمرة مسألة الضد 187
الاعتراض الأوّل: [للشيخ البهائي] 187
الاعتراض الثاني: [للشيخ النائيني] 187
مناقشة اعتراض الشيخ البهائي 188
ــــــ[226]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
الوجه الأوّل: [مناقشة اعتراض الشيخ البهائي لتصحيح الثمرة بناءً على عدم الاقتضاء] 188
مناقشة الوجه الأول للمحقق الثاني 189
الوجه الثاني: [مناقشة اعتراض الشيخ البهائي لتصحيح الثمرة عن طريق الالتزام بالترتب] 192
نبذة عن موضوع الترتب 193
الوجه الثالث: في تصحيح الثمرة عن طريق قصد المِلاك 193
طريقان لإثبات المِلاك 197
الطريق الأول: هو التمسك بالدلالة الالتزامية للخطاب في الفرد المزاحم 197
[مناقشة الطريق الأول] 197
الأمر الأول: عدم تمامية الصغرى 197
الأمر الثاني: عدم تمامية الكبرى 199
الأمر الثالث: قوله: «وجود المِلاك في غير المقدور ليس فيه محذور» 201
الطريق الثاني: [التمسك بإطلاق المادة] 202
رد التقريرات 204
تفسير آخر لكلام المحقق النائيني 205
[تقريب لصحة الاعتراض الثاني] 208
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)
مناقشة التقريرات لاعتراض الشيخ النائيني 211
[ما أورد على الإشكال الأول في مناقشة التقريرات لاعتراض الشيخ النائيني] 213
[ثمرتان أصوليتان ذكرهما صاحب التقريرات لمسألة الضد] 217
الثمرة الأولى 217
مناقشة الثمرة 217
الثمرة الثانية: 219
[مناقشة الثمرة] 220
الفهرس 221
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السادس)