منهج الأصول
الجزء السابع
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء السابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
مبحث الترتب
عنوان المسألة
الفكرة الأساسية للترتب هي القول بوجود الأمر بالمهم ومنجّزيته وانشغال الذمة به، بالرغم من وجود الأمر بالأهم في الذمة أيضاً، مثل وجوب الصلاة ووجوب إزالة النجاسة من المسجد. وبذلك نصحح العبادة وأنّ هناك أمراً طولياً ترتبياً على ما سوف يأتي. فإذا قلنا بإمكان الترتب وفعلیته حينئذِ يكون هذا الأمر منجَّزاً وقابلاً لقصد امتثاله والتقرب به فتصح العبادة حينئذٍ.
وأصل الفكرة بشكل مبسط، أنّ هذا الأمر بالمهم يقال عند الأمر بالأهم: أيها التارك للإزالة مثلاً والمتورط بالعصيان لا تكن تاركاً لكلا الأمرين فلا أقل اشتغل بالمهم فإنّه أولى من عصيانهما.
ــــــ[9]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التحقيق في ثمرة المسألة
المعروف كما في التقريرات والمحاضرات وكذا تقريري الخاص لبحث السيد الشهيد الابتداء بذكر ثمرة البحث، فقد ذُكرت ثمرة فقهية، وفي تقريراتي ثمرة أصولية مضافاً إليها، إلا أنّ الإشكال ليس في ذلك وإنما طبيعة الأبحاث العلمية الأصولية تذكر الثمرة فيما بعد، كما في مبحث مقدمة الواجب ومبحث الضد وغيرها، حيث يُبتدأ بمقدمات المبحث من تصوير الموضوع بشكلٍ دقيق، ثم يُستدل على المطلوب ثم الثمرة.
وعليه فالإنصاف تأخير الثمرة الى آخر المبحث، فالمهم أولاً فحص الموضوع وترتيبه بشكل دقيق، ثم البحث في إثبات المحمول أو نفيه الذي هو إمكان الترتب او استحالته.
ــــــ[10]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فيقع الكلام في جهات:
جهات الترتب ومقدماته
الجهة الاولى: في تقسيمات الواجبات المتزاحمة
ولها عدّة صوّر، إلا أنّ الظاهر من بعض المصادر أنّ لها انقسامين وليس انقسامٌ واحدٌ، وإن كان كل مصدر ذكر انقساماً واحداً.
الاول: الانقسام العملي كما في المحاضرات.
الثاني: الانقسام النظري كما في التقريرات.
يقع الكلام أولاً في الأول منهما ثم الثاني وما يرد عليهما من مناقشة، ثم ننظر أيهما أدق وأيهما أسبق رتبةً من الآخر، هذا وإنّ أصل التقسيم صحيح ولكن يحتاج إلى شيءٍ من التدقيق.
الانقسام الأول: الانقسام العملي
فنقول:
إنّ ما في المحاضرات يبتني على كبرى، وهي أنّ التزاحم ينشأ من اجتماع أمرين متضادين في زمانٍ واحد، لوضوح أنه لو كان المأمور به متعدداً، أو ليس في
ــــــ[11]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
زمانٍ واحد أمكن امتثالهما معاً كلٌ في زمانه فلا يتزاحمان، فالتزاحم ناشئ من الاجتماع في الزمان وهذا المعنى لا يُنص عليه وإنما ثابت ارتكازاً.
وعليه فتزاحمهما يُتصور عند اجتماعهما في زمانٍ واحد، وحيث إنّ الواجب عندنا موسّع ومضيّق.
ولكن اثنين منهما مكرر وهو أن يكون (أ) موسّع و(ب) مضيّق وأن يكون (أ) مضيّق و(ب) موسّع، فهما عملياً واحد وبإسقاطه تكون الصوّر ثلاث وهي المذكورة في المحاضرات.
الصورة الأولى: أن يكون الواجبان موسّعين، كاجتماع الصلاة اليومية مع صلاة الآيات في سعة وقتها، وكصلاة الأداء مع صلاة القضاء على القول بالمواسعة في القضاء كما هو الأشهر، وإن كان توجد روايات مفادها «اقضِ جميع ما عليك قبل الأداء» لكن لا يُؤخذ بها.
الصورة الثانية: أن يكون أحداهما موسّعاً والآخر مضيّقاً، وذلك كصلاة الظهر وإزالة النجاسة عن المسجد -على تقدير صحته فقهياً- فالإزالة مضيّقة وفورية وصلاته موسعة، وكذا صلاة الظهر والآيات مع تضييق وقتها. الشاهد هنا أنّه يعصي المضيّق ويأتي بالموسع، وهذه الصورة في دخولها وعدمه في النزاع نقاش.
الصورة الثالثة: أن يكونا مضيّقين، كوجوب الإزالة ووجوب الصلاة في آخر وقتها، وكصلاة الآيات المضيّقة مع فريضة مضيّقة.
وقال: «أما الصورة الأولى فلا شبهة في أنّها غير داخلة في كبرى
ــــــ[12]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التزاحم، لتمكّن المكلّف من الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون أيّة منافاة ومزاحمة، ويكون الأمر في كل واحدٍ منهما فعلياً بلا تنافٍ، ومن هنا لم يقع إشكال في ذلك من أحدٍ فيما نعلم»(1).
أقول: النتيجة لم يذكرها وهي المقصودة بالبحث، أنّه كما لا تزاحم لا ترتب، ضرورة أنّ الترتب يكون في مورد التزاحم، فتكون هذه الصغرى خارجة عن باب التزاحم فتكون خارجة عن باب الترتب.
وأما الصورة الثالثة: فهي القدر المتيقن في الباب لأنّ الواجبين مضيّقان فالتزاحم حقيقي فمن الممكن القول بالترتب، فيعصي أحدهما ويمتثل الآخر، أي يصح الأمر الترتبي.
التعليق على ما أفاده صاحب المحاضرات
وتعليقنا على مجموع ما تقدم بعدة أمور:
الأمر الاول: أنّ صاحب المحاضرات في هذا التقسيم قد أهمل معنى الأهم والمهم في الواجبات المتزاحمة، فإذا أدخلنا معنى الأهم والمهم في الصوّر الثلاث تُصبح ست صوّر، وإن كان بحسب التصوّر ثمان صوّر، لكن بعد إسقاط المُكرر تُصبح ستاً كما سبق ذكره، بل قد تكثر الصوّر فيما إذا تصوّر أهمية الواجب الموسع أو أهميته على المضيّق، على أن لا نعتبر مجرد ضيق الوقت نوعاً من الأهمية كما أشار اليه الشيخ المظفر، حيث قدّم المضيّق على الموسع بأن يكون التضييق نوعاً من الأهمية، وليس كذلك دائماً بل ربما تكون الأهمية في نظر الشارع من قبيل ما احتاط به
ــــــ[13]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص386.
منهج الأصول (الجزء السابع)
من الفروج والدماء ونحوهما، وإن كان واجباً موسَّعاً في حين أنّ المضيّق أقل أهمية.
وعليه، فكما يمكن أن نتصوّر الأهمية في المضيّق نتصوّر الأهمية في الموسَّع، كذلك نتصورها في الموسَّعَين، كما نتصوّرها في المضيّقين، وكذا نتصوّر تساويهما في الأهمية. وفي الحقيقة الانقسام ثُلاثي وليس ثُنائي، فقد يكون هذا أهم أو ذاك أو ليس فيهما أهم. وطبعاً النتائج تختلف حينئذٍ، ومع ذلك أهمل هذا المعنى.
الأمر الثاني: أنّه قد أخذ التزاحم من حيث الزمان من المسلّمات، وإن كان صحيحاً في الجملة إلا أنّه يعتبر المصداق الأشهر للتزاحم، ضرورة أنّ الزمان لا دخل له في التزاحم حقيقةً، وإنما ينشأ التزاحم من العجز في القدرة ليس إلّا، فقد يكون العجز ناشئاً من الزمان كما هو الأغلب وقد يكون ناشئاً من غيره بسبب آخر كالإكراه أو الضرورة أو شيء آخر، وعندئذٍ يمكن النظر الى الواجبين من حيث التساوي في الأهمية أو التقدم فيهما، وتصوّر إمكان الترتب في المهم، أي وجود الأمر في المهم على تقدير إمكانه مع تعذّر الأهم، لا من ناحية الزمان فحسب بل من نواحٍ أُخرى أيضاً.
الأمر الثالث: من سياق كلامهم يظهر أنّ المهم المأمور به أن يكون عبادياً بغضّ النظر عن الأهم عبادياً كان أم لا، فالكلام يقع في صفة المهم فإنّه إذا لم يكن عبادياً لم يصح في صحته الى الترتب فإنّه يقع صحيحاً سواء قلنا بالترتب أو لم نقل، لأنّ الترتب مُنتج لتصحيح العبادة -عبادة الأمر المهم- وهي الثمرة الفقهية التي ذكرها صاحب المحاضرات، وقال: إنّه ليس له ثمرة أُخرى. حيث إنّ التوصّلي يصح على كل حال. هذا هو المشهور والمعروف عندهم، إلا أننا يمكن
ــــــ[14]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أن نتصور البحث الترتبي وأنّ له ثمرة فقهية أو أصولية وإن كان المهم توصلياً.
فالاقتصار على الأمر التعبدي بلا موجب.
أما الأثر الأصولي فسيأتي -إن شاء الله- ومن الواضح أنه لا فرق بين التعبدي والتوصّلي، وأما الأثر الفقهي بالنسبة الى التعبدي نقول بصحة العبادة، وأما بالنسبة الى التوصلي فإنه يمكن القول أنّ أثر القول بالترتب هو عدم الوقوع في الحرام على تقدير الاتيان بالمهم وترك الأهم، لا أقل من تقليل الحرمة، فإنّ تَركَ الأهم حرام سواءٌ أتى بالمهم أو لا، فإنّ اشتغال العبد بالمهم وإن كان عاصياً للأهم يكون أقل عقاباً.
وأما الصورة الثالثة: وهي ما إذا كانا واجبين مضيّقين، وهنا لا يأتي الترتب ولا يصدق عليهما، وهذا لابد أن يكون واضحاً.
فإنّ الترتب لا يكون إلا في موردٍ واحد وهو ما إذا كان أحد الواجبين أهم من الآخر لكي نُصحح الحكم بالمهم عن طريق الترتب، وقد سبق أنّ الأهمية يمكن تصورها بأوسع مما تصورها المشهور.
وأما إذا كانا متساويين في الأهمية كالمضيّقين، لم يدخلا في باب الترتب، بل يدخلان في باب دوران الأمر بين المحذورين، لأنّ الإتيان بكل منهما يلازم ترك الآخر وهو حرام، والصحيح فيه هو التخيير العقلي وليس الشرعي.
وأما في الموسَّع مع المضيّق عند تزاحمهما، فإن اعتبرنا الضيق نوعاً من الأهمية أمكن القول بالترتب للموسَّع وهو المهم، فإنّ الضيق نحو من الأهمية وليست أهميته من جهةٍ أُخرى ككونه من الدماء او الفروج.
ــــــ[15]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
هذا وليُعلم أنّ المراد بالأهمية هنا الأهمية الشرعية لا الأهمية العقلية، أي الأهم عند الشارع والمهم عند الشارع، مع أنّ المضيّق يكتسب الأهمية العقلية لا الشرعية باعتبار أنّ الإتيان بالمضيّق هو الاتيان بكلا الأمرين، فإنّه يأتي بالمضيّق ثم بالموسَّع بخلاف العكس فإنه يأتي بأحدهما ويخالف الآخر، وعليه، فمقتضى حق الطاعة هو الإتيان بهما معاً عقلاً وليس شرعاً، فتعين الإتيان بالمضيَّق وليس بالموسَّع، وهذه الأهمية عقلية ناشئة من حق الطاعة وليس من أهمية الوجوب، وهذه لا تدخل في بحث الترتب بطبيعة الحال.
ومن هنا نفهم أنّ ما قاله الشيخ النائيني(1) من أنّ هذه الصورة وهي تزاحم المضيّق مع الموسع، وهي الصورة الثانية بترتيب المحاضرات(2) داخلة في باب التزاحم.
أقول: إذا دخل شيء في باب التزاحم لا يعني أنّه داخل في باب الترتب، إذ ليس كل تزاحم مُنتج للترتب، ومن الممكن القول: أنّ بين مورديهما عموماً مطلقاً وليس التساوي، كما أنه ليس العموم الواجب بطبيعة الحال، فكل ترتب تزاحم لا العكس فما ذكره الشيخ النائیني أنّ هذه الصور فيها تزاحم صحيح ولكنه لا يلزم أن يكون فيها ترتب.
ــــــ[16]ـــــــ
(1) أجود التقريرات: ج2، ص23.
(2) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص386.
منهج الأصول (الجزء السابع)
مناقشة السيد الخوئي للشيخ النائيني
ويناقش السيد الخوئي كما في المحاضرات، من خروج هذه الصورة من باب التزاحم فتكون خارجة عن الترتب بطبيعة الحال وبطريق أولى.
وقال: في باب التزاحم إنّ مبنى الشيخ النائيني «وغير خفي أنّ هذا منه مبني على ما حققه في بحث التعبّدي والتوصّلي، من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فكل مورد لا يكون قابلاً للتقييد لا يكون قابلاً للإطلاق، فإذا كان التقييد مستحيلاً في مورد كان الإطلاق مستحيلاً فيه أيضاً، لأنّ استحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر، وبما أنّ فيما نحن فيه تقييد إطلاق الواجب الموسَّع بخصوص الفرد المزاحم مستحيل، فإطلاقه بالإضافة إليه أيضاً مستحيل.
ويترتب على ذلك وقوع المزاحمة بين إطلاق الواجب الموسَّع وخطاب الواجب المضيق، فلا يمكن الجمع بينهما، إذ على تقدير فعلية خطاب الواجب المضيَّق يستحيل إطلاق الواجب الموسَّع بالإضافة إلى الفرد المزاحم، إذن لا بدّ إما أن نرفع اليد عن إطلاق الموسَّع والتحفظ على فعلية خطاب المضيّق، وإما أن نرفع اليد عن خطاب المضيَّق والتحفّظ على إطلاق الموسَّع»(1).
وقال: «وعلى هذا فإن اثبتنا الأمر بالضدين على نحو الترتب نحكم بصحة الفرد المزاحم وإلا فلا. نعم، بناءً على ما ذكره من اشتماله على المِلاك صح الإتيان به من هذه الناحية أيضاً من غير حاجة إلى الالتزام بصحة الترتب»(2). انتهى.
ــــــ[17]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص387.
(2) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص387.
منهج الأصول (الجزء السابع)
قوله: (بصحة الفرد المزاحم…) يعني الفرد الموسَّع.
قوله: (وإلا فلا…) يعني إذا قلنا ببطلان الترتب بطل هذا الفرد.
ولنا على ذلك عدة تعليقات غير ما سبق:
التعليق الأول: أنّ في الإطلاق والتقييد ثلاثة مسالك:
المسلك الاول: تقابل العدم والملكة.
المسلك الثاني: تقابل التضاد.
المسلك الثالث: تقابل التناقض.
فإذا كان ما يمكن فيه التقييد يمكن فيه الإطلاق يكون عدم وملكة، كما في التقابل بين البصر والعمى.
وأما إذا كانا ثبوتيين كانا من التضاد، حيث إنّ المتضادين أمران وجوديان متنافران، ومن الواضح أنّ التقييد أمرٌ وجودي، وكذا الإطلاق فإّنه لحاظ عدم القيد.
وأما أن نقول: إنّ الإطلاق أمر عدمي -كما سنقرّ به وهو الأصح عندي- فيكون التقابل بينه وبين التقييد التناقض.
وعليه فكل ما لم يكن مقيَّداً مما جرت فيه مقدمات الحكمة، او بعبارة أخرى كلما كان المتكلم في مقام البيان إما أن يقيِّد أو لا، وهذا هو التناقض، والصحيح هو الاخير(1). وعليه، فكلما لم يكن مقيَّداً مما جرت فيه مقدمات الحكمة أو نقول
ــــــ[18]ـــــــ
(1) هذا وإن كان تحقيقه في الدورة السابقة لم أصل إلى بحث المطلق والمقيَّد، لكن الأقرب عندي هنا هو التناقض.
منهج الأصول (الجزء السابع)
كل ما كان المتكلم في مقام البيان إما أن يقيد أو لا.. وهذا هو التناقض، والسر في ذلك أنّ الإطلاق لا يحتاج الى لحاظ، بل يكفي في تحققه سريان الطبيعة بمفهومها الوضعي إلى جميع الأفراد، فلا تحتاج فيه الى لحاظ الإطلاق ولحاظ التجريد عن الخصوصية ولحاظ الغاء الخصوصيات الفردية والحصصية، مثلاً (صلّ) المادة هي الصلاة وهي تنطبق لغوياً وعرفياً على كل أفراد الصلاة.
وهذا المعنى قد سمّاه الشيخ بالإطلاق الذاتي أي ذات الطبيعة بدون زيادة لها سريان على كل الأفراد، في مقابل الإطلاق اللحاظي الذي نحتاج فيه تصوراً إلى لحاظ السريان، فالمتكلم عند تكلّمه بمطلقٍ لا بدّ أن يكون منتبهاً إلى سَريان المعنى إلى كل الأفراد، وإلا فليس بمطلق -وإن لم يكن مقيداً إثباتا- فهو ليس بمطلق إثباتي ولا مقيد إثباتي.
ومن هنا نعرف أننا لو قلنا بالإطلاق اللحاظي كانت نسبة التقابل هي التضاد، لأنّ التقييد والإطلاق لحاظيّان وجوديان متنافيان.
مناقشة أن تقابل الإطلاق والتقييد من تقابل التضاد
مناقشة المحاضرات(1): ظاهر المحاضرات متنافٍ ومتهافت من هذه الجهة،
ــــــ[19]ـــــــ
(1) قال السيد الخوئي على ما في المحاضرات: إنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة بل هو من تقابل التضاد، والوجه في ذلك ما ذكرناه غير مرة من أن الإطلاق هو رفض القيود وعدم دخل شيء منها في متعلّق الحكم واقعاً لا الجمع بينها ودخل الجميع فيه، وعليه، فمعنى إطلاق الواجب الموسَّع هو أن الواجب صِرف وجوده الجامع بين المبدأ والمنتهى، وعدم دخل شيء من خصوصيات وتشخّصات أفراده فيه، فالفرد المزاحم كالفرد غير المزاحم في عدم دخله في متعلق الوجوب ومِلاكه أصلاً، فهما من هذه الجهة على نسبة واحدة، أو فقل : إنّ متعلّق الحكم في الواقع إما مطلق بمعنى عدم دخل شيء من الخصوصيات فيه واقعا من الخصوصيات المنوعة، أو المصنفة او المشخّصة أو مقيَّد بإحداها فلا ثابت لاستحالة الإهمال في الواقعيات، فالملتفت إلى هذه الخصوصيات والانقسامات إما أن يلاحظه مطلقاً بالإضافة إليها، أو مقيَّداً بها لأنّ الإهمال في الواقع غير معقول، فلا يعقل أن يكون في الواقع لا مطلقا ولا مقيَّداً…) انتهى. محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص387-388.
منهج الأصول (الجزء السابع)
فهو يقرر للإطلاق مفهوماً قريباً من الإطلاق الذاتي، وأنّ الإطلاق ناتج عن عدم دخل شيء من الخصوصيات والتشخصات فيه -أي في الحكم- فالإطلاق لا نلحظ فيه إلا العدم.
وهو مع هذا يصرح أنّ النسبة هي التضاد، مع العلم أنّ المناسب مع فهمه للإطلاق هو التناقض، لأنّ التقييد وجودي على كل حال، فإذا لم نعتبر في جانب الإطلاق إلا عدم دخل القيد كان عدماً، والنسبة بين الوجود والعدم هي التناقض.
وأما ما ذكره بعد ذلك من استحالة انتفاء الإطلاق والتقييد معاً ثبوتاً فهو صحيح في نفسه، فإنه محال على الحكيم أن لا يكون ملتفتاً الى الحكم لا بنحو التقييد ولا بنحو الإطلاق، ولكن دخل هذا في محل الكلام قابل للمناقشة.
أولاً: إنّ الكلام في الاستفادة الظهورية وهي إثباتية لا ثبوتية، وما ذكره إنما هو ثبوتاً، والأمر في جانب الإثبات غير منحصر بين الإطلاق والتقييد، وإن كان بحسب الثبوت منحصر بينهما إما مطلق أو مقيد، أما إثباتاً فهو بحسب ظهور
ــــــ[20]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
اللفظ قد يكون له شق ثالث أو أكثر، وهو الإهمال والإجمال، ولا يتعيّن أن يكون مطلقاً أو مقيَّداً.
مضافاً إلى أنّ الثبوت هو الواقع في اللوح المحفوظ وأمره دائر بين وجود الحكم وعدمه، ولا يسمّى مطلقاً او مقيَّداً، فإنّ الإطلاق والتقييد صفة للألفاظ.
ثانياً: إنّ استحالة ارتفاعهما لا يُعيّن كونهما ضدين، لاستحالة ارتفاع النقيضين أيضاً، فما ذكره من دليل أعم من المدّعى، فإنّ استحالة الارتفاع تكون بين الضدين والنقيضين والعدم والملكة في موردهما.
مناقشة ان التقابل بين الاطلاق والتقييد هو من تقابل العدم والملكة
التعليق الثاني: من الإشكالات الواردة على كلام الشيخ النائيني بحسب ما ذكره في المحاضرات(1)، أنه على مسلكه من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو العدم والملكة، فإذا استحال تقييد الواجب الموسَّع بخصوص الفرد المزاحم، استحال أيضاً إطلاقه بالإضافة إليه.
ويُرد على هذا المعنى بعدّة ردود:
أولاً: المستحيل هو اختصاص الحكم بالفرد المزاحم بما هو مزاحم، إذ لو ورد بعنوان آخر مثلاً كالفرد الثابت الساعة الثالثة مثلاً لصلاة الظهر الواقعة بين حدي الزوال والغروب، لم يكن مستحيلاً، نعم، هذا الفرد بنحو الصدفة في الساعة الثالثة وقع مزاحماً لواجب آخر، فالتكليف بهذا الفرد بما هو ليس مستحيلاً وإنما الاستحالة بصفته مزاحماً.
ــــــ[21]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص386.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وبعبارة أوضح: أنّه لو كان ورود الأمر به بالخصوص -بذاته- بغضّ النظر عن حكمه فحينئذٍ يكون من تزاحم المضيقين، لأنّ هذا الفرد أمر به في هذه الساعة وهذا أيضاً أمر به في هذا الساعة، وعند المشهور أنّ تزاحم المضيَّقين ليس مستحيلاً.
ثانياً: قد تقدّم القول بإمكان عدم اعتبار في موارد الأهمية الشرعية مضيَّقاً أو موسَّعاً، إلا إذا قلنا إنّ الضيق نحو من الأهمية، وإلا فإنّا في مندوحة من هذه الجهة، فقد يتزاحم الموسَّعان أو الموسَّع والمضيَّق ونحو ذلك، ومن هنا لم يكن محذور في ذلك التضييق، لأننا إذا ضيّقنا الموسَّع وقيّدناه بخصوص هذا الفرد كان من تزاحم المضيَّقين. وهذا لا إشكال فيه، وخاصة لو تصوّرنا أن يكون الموسَّع هو الأهم والمضيَّق هو المهم فيرتفع الإشكال.
ثالثا: أنّ ما ذكره الشيخ النائيني بل المشهور نتيجة التقييد وليس بتقييد، من أنّ التقييد بالفرد المزاحم وهذا يعني إخراج الأفراد الأُخرى، فمثلاً وجوب الصلاة بين الحدّين بعد التقييد بالفرد المزاحم، أخرجنا سائر أفراد الصلاة إلا الفرد المزاحم بقي تحت الأمر.
مع أن الحقيقة هي التقييد بغيره وليس به، لأنّ ما خرج في التقييد هو غيره، والفرد المزاحم يبقى تحت الأمر بعد التقييد، وحينما نقول: التقييد بالفرد المزاحم يعني إخراج الفرد المزاحم بالتقييد، مع أنّ هذا ليس هو مقصودهم طبعاً، وإنما المقصود إخراج غيره وإبقاء الأمر عليه، وهذا لا نصطلح عليه التقييد بالفرد المزاحم.
ــــــ[22]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
بدليل أنّ التقييد عبارة عن إخراج الحصة، مثلاً لا تعتق رقبة كافرة بعد قوله: اعتق رقبة، فالتقييد أنتج إخراج الكافرة وأما الاختصاص بالمؤمنة فلازم التقييد، وليس هو المدلول المطابقي للتقييد.
بناءً على هذا، لو أراد التقييد بالفرد المزاحم لا بدّ من إخراج كل الأفراد ليبقى خصوص المزاحم تحت الأمر، فالمهم هو نفي الباقي وليس إثبات خصوص هذا الفرد، لاسيما إذا قلنا: إنّ التقييد لا يكون مع التساوي في النفي والإثبات بين المطلق والمقیَّد او العام والخاص، فلو قال (اعتق رقبه مؤمنة) بعد قوله (اعتق رقبة) فهذا ليس تقييداً ولا تخصيصاً، وإنما التقييد يكون مع التنافي بينهما في النفي والإثبات.
وعليه، يكون التقييد في المقام بنحوٍ لا تأتي بأي فرد إلا الفرد المزاحم، مع أنّ الموجود هو من قبيل (صلّ ما بين الحدين) مثلاً، ثم يقول ائتِ بهذا الفرد المزاحم فليس فيه تنافٍ، فلا يكون تقييداً.
التعليق الثالث: يلزم من القول: إذا استحال التقييد استحال الإطلاق -كما صار لذلك الشيخ النائيني القائل بالعدم والملكة بينهما- أنّ الفرد المزاحم غير مشمول للحكم الوارد على الطبيعة وغير مأمور به، وأما الأفراد الأخرى مأمور بها، ضرورة أنّ استحالة الإطلاق الملازمة لاستحالة التقييد تقتضي ذلك.
وعليه، يكون إطلاق الحكم في جانب الأهم -الذي هو وجوب الإزالة- ساري المفعول، لأنه أهم فلا يزاحمه المهم طبعاً.
ضرورة أنّ التزاحم بين الحكمين الفعليين كما في الصورة الثالثة وهي
ــــــ[23]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الواجبين المضَيقيَن مثل الإزالة والصلاة في ضيق وقتها، وأما بين حكمين أحدهما فعلي وهو الأهم، والآخر ساقط أو إنشائي باصطلاح الشيخ الآخوند فليس من باب التزاحم الحقيقي، وإنما هو مجازي أو اقتضائي، بمعنى أنه لو كان الأمر موجوداً لتزاحم، وأما بعد سقوطه فكيف يكون هناك تزاحم!
وعلى أي حال، بالنسبة لتصحيح عبادية الأمر المهم بالمِلاك من دون الالتزام بصحة الترتب إذا أدخلناها في البحث، وإذا لم نُدخل المِلاك بطل الفرد المهم حتى لو قلنا بالترتب، لأنّ الامر قد سقط ومع سقوطه لا تزاحم فلا ترتب في البين.
التعليق الرابع: أن ما ذكره الشيخ النائيني(1) من الملازمة بينهما -إذا استحال التقييد استحال الاطلاق- غير صحيح، فإنّ الاستحالة من طرف واحد لا من طرفين كما يقول، لوضوح أنّه إذا استحال البصر استحال العمى وليس العكس.
وفي المقام يجعل التقييد بمنزلة البصر لأنه الجانب الوجودي، والإطلاق بمنزلة العمى لأنه الجانب العدمي، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق دون العكس، فليس من الصحيح القول إذا استحال أحدهما استحال الآخر.
التعليق الخامس: قال الشيخ النائیني على ما في المحاضرات: «ويترتب على ذلك وقوع المزاحمة بين إطلاق الواجب الموسَّع وخطاب الواجب المضيَّق…»(2).
ــــــ[24]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص386،
أجود التقريرات: ج2، ص23.
(2) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص386.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: إنّه بعد سقوط الإطلاق هنا وسقوط الأمر -كما سبق تحقيقه- لا معنى لهذه المزاحمة أصلاً، لأنّ المزاحمة إنما تقع بين حكمين فعليين لهما درجة من التنجّز، لا حكمين اقتضائيين أو أحدهما اقتضائي، فالمزاحمة منتفية. نعم، قد توجد مزاحمة في رتبة سابقة على السقوط، أو لو قطعنا النظر عن سقوط الأمر لكان تزاحماً بين هذا المطلق وخطاب الواجب المضيَّق، إلا أنّ هذه المزاحمة السابقة رتبةً لا تتوقف على مسلكه من أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، بل تتوقف على أصل الإطلاق والشمول لهذا المورد بأيّ نحوٍ فُسِّر الإطلاق.
هذا وإنّ في المحاضرات تعليقاً على كلام الشيخ حيث قال: «وأما بناءً على ما حققناه في ذلك البحث من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة، بل هو من تقابل التضاد، ومن هنا قلنا إنّ استحالة تقييد متعلّق الحكم أو موضوعه بقيد خاص تستلزم كون الإطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضرورياً، فتلك الصورة خارجة عن محل النزاع وغير داخلة في كبرى باب التزاحم».
إلى أن قال: «ونتيجة ذلك هي أنّ الواجب الموسّع مطلق، بالإضافة إلى الفرد المزاحم كما هو مطلق بالإضافة إلى غيره من الأفراد أي له أن يأتي بالواجب الموسَّع في أيّ فردٍ منه سواء كان أول الوقت أو آخره أو الفرد المزاحم، وعلى ذلك الأساس فلا تنافٍ بين إطلاق الموسَّع وفعلية خطاب المضيَّق، ومن هنا ذكرنا سابقاً أنّه لا منافاة بين وجوب الصلاة مثلاً في مجموع وقتها -وهو ما بين الزوال والغروب- وبين وجوب واجب آخر، كإنقاذ الغريق أو إزالة النجاسة عن
ــــــ[25]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المسجد في بعض ذلك الوقت، إذ المفروض أنّ الوجوب تعلّق بصرف وجود الصلاة في مجموع هذه الأزمنة، لا في كل زمان من تلك الأزمنة لينافي وجوب واجب آخر في بعضها.
فبالنتيجة: أنّه لا مضادة ولا ممانعة بين إطلاق الموسَّع ووجوب المضيَّق أصلاً، ولذلك صح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الامر المتعلّق بصِرف وجود الواجب، فلا حاجة عندئذٍ إلى القول بالترتب أصلاً، فإذن لا وجه لدخول هذا القسم في محل النزاع»(1). انتهى.
أقول: هذا من الغرائب، لأننا نسأل أنّ مقتضى إطلاق الأمر بالطبيعة للمهم -كالصلاة- هو توجّه الأمر فعلاً للفرد المزاحم أم لا؟
وهل أنّ مقتضى الأمر بالصلاة -والمنبسط على جميع الأفراد- يشمل الفرد المزاحم لحصصه من الإطلاق أم لا؟
فإن قال: نعم، يشمل هذا المفرد المزاحم، يعني أنّ الأمر متوجّه إليه فعلاً بمقتضى الاطلاق، فهذا خلاف الضرورة والتسالم على سقوط الأمر، لوضوح أنه يكون من الأمر بالضدين فعلاً وهو مستحيل.
وإن قيل: لا كما هو كذلك باعتبار أنّ الإطلاق قابل للتقييد، صحّ (صلِّ ما بين الحدين) فهو تام، وهو مطلق، وكل إطلاق قابل للتقييد على نحو الاقتضاء لا العلة التامة، فحينئذٍ وجود المزاحم الأهم هنا يكون بمنزلة التقييد لإخراج الحصة المزاحمة.
ــــــ[26]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص388.
منهج الأصول (الجزء السابع)
هذا ومن موارد التقييد الأمر بالأهم المضيَّق فيخرج الفرد المهم من بحث الإطلاق، فالفرد المزاحم يكون أمره ساقط وإطلاقه ساقط، ومعه فتصحيحه بدون القول بصحة الترتب كما قال يكون له أحد شقين:
إما بأمره الساقط، أو بأمر آخر غيره، وهو الأمر المتوجّه إلى الأفراد الأخرى.
أما الأول: فمتعذر تصحيحه كما هو واضح، لأنه معدوم والمعدوم لا يصحح الموجود.
وأما الثاني: فإنّ الأمر غير متوجه إلى الفرد المزاحم، وإنما إلى غيره فليس هو المأمور به فلا يمكن تصحيحه، مع العلم أننا نفترض عدم تصحيح الأمر بالمِلاك، وعليه، فلا يصح مطلقاً لا بالأمر الساقط ولا بالأمر بالحصص الأخرى ولا بالمِلاك، فإذا قلنا بعدم الترتب نحكم حينئذٍ بالبطلان.
التعليق السادس: أن يكون الحكم واقعاً بامتثاله للآخر وليس بأمور أخرى، كالفعلية والتنجز والعلم ونحو ذلك مما سبق أن يكون الأمر واقعاً بامتثاله للآخر، كما في الكفارات من قبيل كفارة الإفطار أو كفارة القتل، فإنّه بامتثال الصوم يرتفع وجوب الكفارة، وكذلك بامتثال حرمة القتل أي عدم حرمة القتل يرتفع وجوب الكفارة.
أقول: وكذلك بالنسبة إلى التخييرية في بعض الكفارات ككفارة الإفطار والظهار، فإنّه بتطبيق إحدى الحصص يرتفع الوجوب الباقي من قبيل أن الإطعام يزيل وجوب الصيام مثلاً، وكذلك الحال في الواجبات فإنَّه بقيام البعض يرتفع موضوع الامتثال عن البعض الآخر.
ــــــ[27]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التعليق السابع: أن لا يكون المورد مشمولاً لكل ذلك، بل يكون مورد الحكم الأول وموضوعه متحققاً بالرغم من تحقق موضوع الحكم الثاني، طبعاً مثاله هو مثال التزاحم الذي هو وجوب الإزالة ووجوب الصلاة وعند تزاحمهما، وليس على أمر بمورد على حدة كما هو المفروض، وعندئذٍ المكلف عاجز عن تحقيق كِلا الامتثالين، فإن كانا متماثلين في الأهمية سقطا معاً، وإن كان أحدهما أهم كان هو المنجّز حقيقةً، والثاني يرتفع تنجيزه ولا يصح الآخر الا بالترتب.
وهنا قد انقدح لي أمر -تحقيقه يأتي- أنه كما يمكن أن يصح في الأهم والمهم الترتب لتصحيح المهم، كذلك يمكن أن يقال عند تزاحم المتماثلين والحكم بسقوطها، يصحح أحدهما بالترتب، بل هذا أولى بالترتب من ذاك، لأنّه ضده، فإذا قلنا بوجود الأمر الترتبي بالرغم من أهمية ضده كان من الأولى أن نقول بوجود الأمر الترتبي مع عدم أهمية ضده وإنما مثله، وهذا ما لم يُلتفت إليه فيما أعلم.
الانقسام الثاني: الانقسام النظري
قال في التقريرات: «وأما على القول باستحالة الترتب فالتقييد بعدم الامتثال»(1).
إذا تزاحم تكليفان، كالإزالة والصلاة في ضيق وقتها، وقلنا باستحالة الترتب حينئذ أي تقييد للأهم يصحح امتثال المهم بدون القول بالترتب.
فبالإمكان أن يقيّد الأهم بعدم الجعل، ويمكن أن نقيّده بعدم الفعلية،
ــــــ[28]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص333.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ويمكن أن نقيّده بعدم المنجّزية، ويمكن أن نقيّده بعدم الامتثال، وأي شيء من هذه التقييدات يسقط الأهم ويبقى المهم صحيحاً بدون الحكم بالترتب(1).
أقول:
أولاً: إنّ السيد الأستاذ يجد أنّ هذه المراتب معاً متسلسلة طولية وليست عرضية، فلذا لا يُصار إلى المتأخر إلا بعد العجز عن المتقدم.
ثانياً: إنّ هذا التقييد المقترَح للأهم ينبغي أن يكون بأقل مقدار ممكن لأجل تصحيح المهم ولو كان بارتفاع جعل الأهم، كما ذكره أولاً، بل أقول: ينبغي أن نُقيّده بأقل قيد ممكن لا بأكبره -كما ذكر- ومع ذلك يصح المهم، وعليه، يجب أن نأخذ بالتقييد من الأخير -الذي هو الامتثال- فإن أصاب صحّ المهم فهو، وإلا فما قبله وهكذا.
ولذا يشير إلى أننا -كأطروحة أولى- نُقيّد بالقيد الأخير، الذي قال فيه: إنّه يكون امتثال أحدهما مسقط للآخر، فإذا أفاد فهو حينئذٍ، وإلا ننتقل إلى الفقرة الأسبق منه، حيث يقول: «التقييد بعدم الامتثال لا يرفع محذور الاستحالة والامتناع، بل لا بدّ من التقييد أكثر من ذلك، والصحيح حينئذٍ هو التقييد بعدم تنجز الأهم لا بعدم حصوله أو بعدم فعليته، فإنّه بهذا المقدار من التقييد يرتفع محذور الامتناع من البين…»(2). انتهى.
ــــــ[29]ـــــــ
(1) ذكر السيد الشهيد: أن كل خطابين يكون أحدهما رافعاً لموضوع الآخر على أنحاء خمسة، إما أن يكون بجعله رافعاً للآخر أو بفعلية مجعوله، أو بوصوله وانكشافه، أو بتنجزه او بامتثاله.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص333.
منهج الأصول (الجزء السابع)
هذا ولا بدّ من معرفة أنّ الترتب مبني على أنه من لم يمتثل الأهم يجب عليه المهم ويصح منه المهم، فلأوّلِ وهلة لا بدّ أن نشترط في صحة الأمر المهم عدم امتثال الأهم، وإن كان أساساً الطلب لكلا الأمرين موجود امتثلناه أم لم نمتثله، فيبقى التزاحم.
وبتعبير آخر: إنّ الامتثال بوجوده الاقتضائي المتمثل بالطلب موجود من الطرفين، فلذا وجوده الفعلي لا يكون دخيلاً في دفع التضاد بمجرد اشتراط عدم امتثال الأهم، بل لا بدّ من التقييد بأكثر من ذلك من الرتب السابقة، ويختار السيد الشهيد ما قبل الأخيرة وهي التنجز، ولا حاجة إلى ما قبلها وإن كانت هي تؤثر نفس الأثر، ولذا قال: لأنّ جعل الأمر بالمهم مقيَّداً بعدم تنجز الأهم غير ممتنع بل معقول -لأنّ أحدهما غير منجّز- فيكون إطلاق خطاب المهم لحالة عدم تنجز الأهم غير ساقط) فيُطاع وتصح الصلاة.
ولنا على هذا التقسيم عدّة تعليقات منها تفصيل لما ذكر ومنها إشكال:
التعليق الاول: لم يصرح السيد بكون هذه الأمور مترتبة طولاً، ولكنّ الظاهر من قوله ذلك، إذ لو لم تكن كذلك لبدئنا من أيّ واحدٍ منها ولكن نبدأ بالأخير ثم ما قبله ثم ما قبله، إلا أنه ينبغي أن نلتفت إلى أنّ جميعها بترتب طولي أم بعضها؟
فإنّ الجعل مع ما بعده من الفعلية والتنجّز والامتثال هناك طولية، ضرورة أنه يلزم من عدمه عدمها، نظير ما يقال: من أنّ الأصول العملية لا تجري إلا بعد انقطاع العلم أو العلمي، والعلم أسبق رتبة من العلمي، وإن كان بالدقة ليس
ــــــ[30]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
كذلك إلا أنه متشرعياً وعرفاً كذلك.
ولكن جملة من المراتب لا طولية بينها كالفعلية والتنجّز، ولا بد من معرفة الطولية والتنجّز، كي يعرف الطولية بينها من العرضية.
فإنّ معنى الفعلية -مشهوريا- هو تحقق الموضوع، والتنجّز هو حصول الدليل على الشبهة الحكمية أو الموضوعية. فمثلاً حصول الدليل على وجوب السورة، وحصول الدليل على طهارة الإناء عرضيان، الفعلية والتنجّز لا طولية بينهما، وبينهما نسبة العموم من وجه مورداً، إذ قد يكون شيء فعلي ومتنجّز وشيء متنجز وغير فعلي، وشيء فعلي وغير متنجز، كما قد تكون النسبة بينهما العموم المطلق مورداً دون الطولية…
كما أنّه من الموارد السابقة قد تكون النسبة بين اثنين منهما هي العموم المطلق مورداً، وليس الطولية كالنسبة بين الفعلية والعلم، فإنّ العلم حصة من أسباب الفعلية يكون فعلياً بالعلم، ومنه يكون فعلياً بغيره وكذلك نسبته الى التنجز، نسبة العلم إلى التنجز، لأنه قد يكون منجّزاً بالعلم وقد يكون منجّزاً بغير العلم.
لا يقال: إنّ الفعلية والتنجّز صار بمعنى واحد.
لأنه يقال: إنّ متعلق العلم يختلف، فتارة العلم بالموضوع، وتارة بالحكم، وكل واحد ينجّز صاحبه ينجّز متعلقه.
وكذلك نسبة الفعلية بالاصطلاح الآخر -أي نسبة العموم والعموم المطلق- وليس نسبة العموم من وجه، حيث يكون التنجّز أخص وأضيق من الفعلية، لأنها في طولها في الدنية والعلية، وليس كل خاص يمكن اعتباره في طول
ــــــ[31]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
العام كالإنسان والحيوان، فليس الإنسان في طول الحيوان بعنوان أنّه أخص وأضيق دائرة.
التعليق الثاني: الكلام في مثال الإبل الزكوية، حيث ذكره في الشق الأول، فإنّه من الواضح أنّ الكبرى المذكورة في باب الزكاة وهي عدم دخول مال واحد في نصابین -أي لا يعيّن اختيار النصاب الأول- حيث ذكر بما أنه لا يكون في نصابین إذن يدخل العشرين في النصاب الاول، وهذا قد يُناقَش فنقول:
يدخلون في النصاب الثاني ويخرجون عن الأول أيضاً، فهي دخلت في نصاب واحد وليس في نصابين، ولو خرجت الإبل السابقة العشرون من النصاب ودخلت في النصاب الثاني لم تكن مشمولة لنصابين دفعة واحدة وهذا يكفي، فلماذا قال: يتعين أن تندرج في النصاب الأول؟
فإن قلت: فإنها قد أُدرِجت في نصابين ولو في زمانين، فإنّ هذه العشرين كانت من النصاب الأول يوم الأحد، وأصبحت في يوم الاثنين من النصاب الثاني، فقد اندرجت في نصابين في زمانين، وهذا على خلاف القاعدة.
قلنا: نعم، هذا صحيح، إلا أنّ المهم في هذه القاعدة عدم اندراج المال في نصابين، بمعنى عدم جواز تكليف الفرد بدفع الزكاة عن ذات الإبل مرتين، نعم، تعدد العنوان لا بأس به، أي عنوان كونه في هذا النصاب وعنوان كونه في هذا النصاب لا بأس به، ولكن لا يجوز تكليفه بدفع الزكاة مرتين -مرة من هذا النصاب ومرةً من ذاك- هذا غير جائز.
فالنتيجة العملية أنّ المكلف بدفع الزكاة مرة واحدة لا أكثر عن تحقق
ــــــ[32]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
النصاب عند رأس السنة، فإنّ الثابت في كتاب الزكاة -زكاة الإبل- أنّ نصابها قد يكون خمسة ثم عشرة، ثم تكون خمسة عشر ثم تكون عشرين، ففي كل نصاب يتحقق منها دفع الزكاة المُقدَّرة شرعاً مرةً في رأس السنة بصفته نصاباً واحداً.
التعليق الثالث: إنّ في استعمال لفظ الجعل هنا كلام، فإنّ الجعل التشريعي يعني هناك حاكم يجعل الحكم.
والتحقيق أن يقال: إنّ استعمال لفظ الجعل هنا مجازي وليس حقيقياً، لوضوح أنّ الجعل وحده لا يكفي -وسيأتي إيضاحه-
مضافاً إلى ذلك، أنّ الشبهة الموضوعية بما هي شبهة موضوعية ليس لها جعل مستقل.
وعليه، فيقال: إن كان مراد السيد -من الجعل- وجوب دفع الزكاة فشرطه غير متحقق، وهو رأس السنة على الفرض، فلا وجود للجعل أصلاً، ومجرد كونه حكم متحقق في الدين لا يكفي انطباقه على المورد كي يكون جعلاً، وأما ثبوته في اللوح المحفوظ فهذا خارج عن الابتلاء.
وإن كان مراده من الجعل -كما هو الارجح- تحقق النصاب الشرعي، فالعشرون نصاب، والخمسة والعشرون نصاب، ربما يقال: متشرعياً عن هذا جعلاً.
ولكني أقول: إنّ هذا ليس جعلاً شرعياً وإنماً هو موضوع لحكم شرعي، ولم يُسمِّ الشارع نصاباً -بمعنى أنّه لم يكن النصاب عنواناً شرعياً- فإنّ القضية الشرعية هكذا: إذا بلغت الإبل عشرون فرداً في رأس السنة فادفع خمسة شياه
ــــــ[33]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مثلاً، فهو موضوع لحكم شرعي بغض النظر عن كونه نصاباً مجعولاً شرعياً بعنوان الجعل، أو بعنوان الوضع أو بعنوان التنجيز، نعم، التعبير الفقهي العلمي هو النصاب، أما أن يكون هناك جعل للشبهة الموضوعية فلا.
إذا عرفت هذا فالقول بأنّ نصاب العشرين مثلاً مقدّم بجعله على نصاب الخمسة والعشرين، غير صحيح، فإنّه لا يوجد جعل حتى يكون مقدَّماً على الآخر، ولا أيٌّ منهما له جعل.
التعليق الرابع: لو تنزّلنا عن التعليقين السابقين، ولنفترض – كما في المثال- أنّ كُلّاً من النصابين مجعول شرعاً، وأنّ الشارع سمّاه بنصاب وجعله وحدده، فالعشرون نصاب مجعول شرعاً، وكذا الخمسة والعشرون وهكذا، ولكن ما الذي يعين أقوائية النصاب السابق لنحكم بتقدمه؟
الصحيح أنّ كلاهما على قدم المساواة من ناحية الأهمية الشرعية.
نعم، الطريق الوحيد هو استصحاب عدم ترتب حكم جديد بوجوب دفع الزكاة بإضافة الخمسـة الأخرى من الإبل، فالخمسة الجديدة من الإبل نستصحب عدم وجوب شيء، فمثلاً إذا كان الواجب أربع شياه، فبعد إضافة الخامسة نشك، فنستصحب وجوب الأربع فقط وعدم وجوب الخامسة.
والسبب في ذلك هو عدم قيام الأمارات والظواهر، فلا توجد هناك إطلاقات كي نحكم بوجوب الخامسة مثلاً، فليس في البين إلا الأصول العملية، فلذ قلنا: بالاستصحاب، وعليه فالحديث بالجعل بهذا المعنى -أي بالإطلاقات والظواهر- منسد.
ــــــ[34]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الامر الثاني: لو تنزّلنا عن الأمر الأول وكان انتفاء الأمر بالأهم رافعاً لموضوع الأمر بالمهم، فإنّ الرافع ليس هو الامتثال حقيقةً، وإنما ذلك باعتبار أنّ كل حكم يقيد عقلاً بأمرين:
أحدهما: حجيته في نفسه.
ثانيهما: القُدرة عليه وعدم وجود ما هو أهم، فلو امتثل الأهم انتفت القدرة على المهم، ومن اجل ذلك يسقط الأمر بالمهم لا لمجرد الامتثال بعنوانه وإن كان هو سبباً فعلياً للعجز.
التعليق الثاني عشر(1): قال: «وأما على القول باستحالة الترتب…. ».
إذا قلنا باستحالة الترتب فالتقييد بعدم الامتثال -بعدم امتثال الامر بالأهم- لا يرفع محذور الاستحالة والامتناع بين الأمر بالمهم والأمر بالأهم، بل لا بدّ من التقييد أكثر من ذلك بمرتبة أسبق من المراتب الخمس التي ذكرها، من قبيل عدم المنجّزية أو عدم الفعلية ونحو ذلك.
والصحيح حينئذٍ هو التقييد بعدم تنجّز الأهم لا بعدم حصوله أو بعدم فعليّته، اذ قد تقدّم -كما يعتقد بذلك السيد- وهو أنّ مقتضى القاعدة بأقل مقدار ممكن من هذه المراتب، فإذا كان تقييد المنجّزية يكفي، لم تصل النوبة إلى ما
ــــــ[35]ـــــــ
(1) يوجد هنا قطع في كلام السيد الشهيد وهو يتضمن سبعة تعليقات؛ من التعليق الخامس إلى التعليق الحادي عشر، يناقش فيها كلام السيد الشهيد محمد باقر الصدر على ما في تقريرات الهاشمي.
هذا واتماماً للفائدة لا بد من نقل كلام السيد الشهيد هنا فقد قال: الجهة الثانية: ان كل.
منهج الأصول (الجزء السابع)
قبلها وهي الفعلية، فالتقييد بعدم تنجّز الأهم يرفع المزاحمة، فإنّه بهذا المقدار من التقييد يرتفع محذور الامتناع من البين، لأنّ جعل الأمر بالمهم مقيَّداً بعدم تنجز الأهم غير ممتنع بل معقول.
فامتناع اجتماعها مرتفع، ولكنّ إطلاق خطاب المهم لحالة عدم تنجّز الأهم غير ساقط، بل موجود، فيكون المتزاحمان من القسم الرابع بناءً على هذا المسلك برأيه.
أقول: وهو أن يكون أحد الحكمين واقعاً للآخر لتنجّزه، فيكون مصداقاً من هذه الكبرى ومن هذا القسم.
وفيه:
أولاً: في مناقشة الكبرى:
وهي قوله: إنّ جعل الأمر بالمهم مقيَّداً بعدم تنجّز الأهم غير ممتنع بل معقول، فإنّ الكلام ليس في أصل الجعل للمهم بل في فعليّته وتنجّزه، وكما أننا اقتصرنا على أقل مقدار من هذه المراتب الخمس للأهم -حيث اختصرناها لأقل مقدار ممكن وهو التقييد بالمنجّزية- كذلك لا بدّ أن نقتصر بالنسبة إلى المهم بتقييد قليل، فليس من الصحيح التقييد الكثير له، والذهاب إلى نفس الجعل بأن نقول: جعل الأمر بالمهم مقيَّداً بعدم تنجّز الأهم.
بل الصحيح هو التقييد بأقل مقدار ممكن لكلٍ من الأهم والمهم، وبعد أن يكون تنجّز المهم مع تنجّز الأهم مستحيلاً، أمكن التنزّل عن أيّ من الطرفين مرحلة واحدة وترتفع الاستحالة، فيكون تنجّز المهم مع فعلية الأهم التي هي
ــــــ[36]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
دون التنجّز باصطلاحه، كما أنّ العكس أيضاً ممكن وهو تنجّز الأهم مع فعلية المهم، كما أننا إذا قيّدناهما معاً بالفعلية لم يكن ممتنعاً ما داما لم يبلغا درجة التنجّز، لأنه مادام التنجّز غير موجود فشغل الذمة منتفٍ فلا امتناع بينهما.
ثانياً: إننا إذا قلنا بإمكان هذا التقييد -بعدم الامتثال- قلنا بالترتب، حيث يقال في صيغته: (أيّها العاصي للأهم ائتِ بالمهم).
كما أنّ استحالة الترتب ترجع إلى استحالة هذا التقييد.
فظهر أنّ استحالة الترتب من ناحية، والقول بأنّ التقييد بالامتثال لا يرفع محذور الاستحالة بمنزلة المتلازمَين، نظير القضية بشرط المحمول.
فإذا قلنا باستحالة الترتب فالتقييد بعدم الامتثال لا يرفع محذور الاستحالة، كما أنه إذا قلنا: بأنّ التقييد بالامتثال لا يكفي لرفع الاستحالة، قلنا: بأنّ التقييد بالامتثال لا يكفي لرفع الاستحالة كأننا كررنا هذا، أو من زاوية أخرى إذا قلنا باستحالة الترتب، قلنا باستحالة الترتب لأنّ القول باستحالة الترتب ملازم له بل هو عينه.
ثالثاً: إنّ تجويز العقل التقييد بعدم التنجّز بالأهم عند الاتيان بالمهم -كما ذكر ذلك السيد- غير صحيح لأنه مجرد فرض.
إن قلت: بأنّا قيدنا بعدم تنجّز الأهم حيث لا دليل.
قلت: بأنّ الدليل موجود، وليس جزافا التقييد بعدم التنجّز، وهو المزاحمة بين الواجبين الأهم والمهم في مقام الامتثال.
اقول: إنّ المزاحمة غير كافية في ذلك، حيث إنّ الأهم منجَّز بالرغم من
ــــــ[37]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المزاحمة لأهميته، كما أنه لا دليل خارجي على عدم تنجز الأهم، وإنما هو مجرد فرض، وهو خلاف فرض المشهور بل هو خلاف فرض عنوان الباب، حيث تقدم أنّ الأهم والمهم متنجزان لولا أهمية أحد الطرفين.
فإذا كان مقتضى التنجّز في الأهم موجوداً والمانع مفقوداً -طبعاً لكونه أهم- فكيف نفترض عدم تنجزه؟!
هذا ولابد من الالتفات إلى أنّ ما تقدم من ذكر انقسامات الواجب والمزاحمات والامثلة التي نقلنا قسم منها من المحاضرات ومن التقريرات مع مناقشتها، هو المقدمة الوحيدة السابقة على أدلة إمكان الترتب، بل في التقريرات لم يذكر إلا هذه المقدمة ثم بعد ذلك دخل في أدلة الترتب -ذو المقدمة-.
وأما في المحاضرات فقد ذكر مقدمات أخرى لبحث الترتب، أهملها في التقريرات ربما اختصاراً، ولكن يحسن التعرض إلى المهم منها.
هذا تمام الكلام في الجهة الأولى أو المقدمة الأولى من مقدمات الترتب.
الجهة الثانية: هل الترتب مسألة عقلية أو لفظية؟
في محاولة الجواب على سؤال معين يمكن أن نعرضه على شكلين:
الشكل الاول: هل هذه المسألة عقلية أو لفظية؟ أو يقال: هل هي فقهية أو أصولية؟ وأحدها يرجع إلى الآخر فإنّ العقلية هي الأصولية، بعد التسالم على أنّ المسألة ليست كلامية، فإذا كانت عقلية فهي أصولية وليست فقهية، وأما إذا كانت فقهية فإنها لأجل التمسك بالإطلاق لتصحيح العبارة فنتيجتها فقهية.
ــــــ[38]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ونحن نبحث كلتا الجهتين باختصار.
إنّ النتيجة في كون المسألة فقهية أو أصولية يتبع أسلوب البحث، وبحسب المباني المعتمدة في البحث فإن كان الأسلوب فقهياً فهي فقهية، وإن كان أصولياً فهي أصولية.
ولإثبات أصولية المسألة طريقان أو أكثر:
الطريق الأول: أصولية النتيجة كما ذكر في التقريرات، وسيأتي الكلام في نتائج البحث، وقد أخرّت البحث فيه كما ذكرت في المقدمة.
إن قلت: إنها قد تصبح باطلة ومع البطلان تنتفي النتيجة.
قلت: يكفي احتمال وجود النتيجة الأصولية لاستحقاق بحثها في علم الاصول.
إن قلت: أنّه على هذا تصبح لها نتيجة فقهية أيضاً مضافاً لأصوليتها.
قلت: لا ينافي عندئذٍ وجود النتيجة الفقهية، لأنّ البحث هنا من ناحية أصولية ومن حيثية أصولية، وإن كان البحث حالياً-فعلاً- لكلا الجهتين.
الطريق الثاني: لو سلّمنا وجود ثمرة واحدة له وهي الفقهية -كما قال في المحاضرات- ونفى النتائج الأخرى، فهذا لا يعني كون المقدمات فقهية، لأننا نعرف أنّ البحث الأصولي يتميز بأسلوبه الأصولي وإن لم تكن نتيجته أصولية، فقد تقدّم منّا أنه يكفي الصدق العرفي العقلائي الناتج من أسلوب البحث أنه كلامي اذا كان الأسلوب كلامياً، أو فلسفي إذا كان الأسلوب فلسفياً، وهكذا الأصولي والفقهي، والمتسالم المشهوري على أنّ إلحاق المسألة بعلم الأصول، وهذا
ــــــ[39]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
متحقق صغروياً في مبحث الترتب.
ويمكن أن نتصور طريقاً ثالثاً بناءً على تعريف علم الأصول:
وهو كونه منتجاً لقواعد سيّالة في كثير من مسائل الفقه، كالاستصحاب والبراءة، وإن كان القياس منتجاً لمسألة واحدة فالقياس فقهي.
الشكل الثاني: أما بحث الترتب صغروياً فهو مُحرَز كونه أصولي، لا أقل أن نلتفت إلى أنّ مسألة تصحيح العبادة -عنوان العبادة- مما ينطبق على كثير من المسائل العبادية، وليس في خصوص المثال التقليدي -صلِّ وأزل- كلٌ من الأهم والمهم ينطبق على كثير من العبادات، وهذا كافٍ في أن يكوّن عدّة مسائل للترتب تكون فقهية.
مضافاً إلى شيء ذكرناه ۔ولو كأطروحة- وهو أنّ المهم أيضاً قد يكون له أثرٌ فقهي، فيما إذا كان توصّلياً لا عبادياً ۔ولو من باب قلّة العقوبة- ونحو ذلك من الأمور، وحينئذٍ يكون انطباقه على المسائل الفقهية أكثر مما يكون مقيَّداً بالعبادية.
وأما كونها عقلية لا لفظية -كما هو اختيار المحاضرات- إذ البحث عن الإمكان والاستحالة، بمعنى أنّ الامر بالضدين هل هو ممكن أو مستحيل؟
ومن الواضح أنّ الحاكم بالاستحالة والإمكان هو العقل لا غير، ولا دخل للفظ أبداً.
اقول: هذا من الغرائب!
فإنه بناء على كلامه تكون المسألة من المستقلات العقلية، التي هي قياسات تتركب من مقدمتين عقليتين، ولا دخل للفظ فيها -كما يقول- مع أنّ هذا غير
ــــــ[40]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
محتمل إطلاقاً، فإنّ اللفظ وإن لم يكن دخيلاً في الحكم بالاستحالة إلا أنّ له دخل في النتيجة، سواء كانت أصولية أو فقهية.
ومن هنا ذكروا المقدمة التالية، التي سيأتي البحث عنها -وهي إمكان التمسك بالإطلاق- فإنّ القول بالترتب مع وجود الأدلة الأصلية للعبادات ونحو ذلك من الأمور نتمسك بإطلاقها، وأنه لا تحتاج الى دليل مستقل.
إذن التمسك بالإطلاق صغرى لكبرى هذه الاستحالة أو عدم الاستحالة.
وكذلك بالنسبة للمسألة الأصولية أيضاً نحو من الترتب للتمسك بالإطلاقات من جهة أصولية -على ما سوف يأتي-
وعليه، فالتمسك بالإطلاقات اللفظية له كل الدخل في النتيجة صغروياً وإن لم تكن دخيلة في الكبرى.
إن قلت: إنّ البحث هنا في كبرى الترتب بغضّ النظر عن صغراه، ومعه لا دخل للفظ أصلاً، وكبرى الترتب هي الاستحالة العقلية.
قلت: الكبرى وحدها غير مُجدية وغير نافعة، ولا يمكن انتاجها بدون صغرى، بل البحث عنها يكون لغواً ولا أثر له، فإن تكلّمنا عن الصغرى فلا بدّ من تأثير اللفظ فيها -أي في نتيجة الكبرى والصغرى- فتكون من غير المستقلات العقلية.
فمبحث الترتب من المسائل العقلية غير المستقلة ضرورة أنّ الصغرى شرعية وحيث أنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين وهي المقدمة الشرعية.
ــــــ[41]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجهة الثالثة: في عدم حاجة الترتب إلى دليل مستقل وكفاية إطلاق الدليل
مذكورة في المحاضرات والظاهر أنها مشهورة بين متأخري الأصوليين، وهي أنّ الترتب لا يحتاج إلى دليل مستقل بل يكفي فيه إطلاق الدليل على الواجب المهم من قبيل الصلاة في المثال.
فلو قلنا بإمكان الترتب كفى إطلاق الدليل الدال على وجوب المهم وليس الأهم، فيشمله الأمر وتصح الصلاة حينئذٍ.
أما إذا كان الترتب مستحيلاً، يكون الإطلاق ساقطاً، ومن هنا قلنا: لا يحتاج البحث عن توجه الأمر إلى المهم إلى أكثر من هذا الاطلاق.
مناقشة رأي مشهور المتأخرين في كفاية إطلاق الدليل على صحة الترتب
أقول: إنّما نتصوّر أن يكون دليلاً على صحة الترتب على تقدير إمكانه أحد أمور:
الأمر الأول: الدليل على ثبوت الترتب كبروياً، فإنه إذا صح عقلاً وثبوتاً فقد لا يصح شرعاً، وإنما لا بدّ من إقامة الدليل على إمضاء الشارع لكبرى الترتب، وهذا مما يتعذّر وجوده في الشريعة، إذ مسالة الترتب متأخّرة لا نجد لها ما بإزاء في الكتاب والسنة.
الأمر الثاني: الدليل على ثبوت الترتب صغروياً، وعلى الأمر بالمهم خصوصاً
ــــــ[42]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
في طول الترتب، أو في خصوص حصة الترتب، فإنّ هذا الدليل لو وجِد في الكتاب والسنة وأنه تام دلالةً وسنداً ولو في مورد واحد، يمكن تعميمه لكل مورد بعد التجريد عن الخصوصية، إلا أنّ هذا أمر فرضي متعذّر تماماً.
الامر الثالث: ما قاله المشهور وافتتحت كلامي به، من إطلاق دليل الأمر بالمهم بحيث يشمل المورد نفسه بمجرد القول بارتفاع المانع، وهو استحالة الترتب -يعني مع القول بإمكانه- فلو قلنا بإمكانه شمل الوجوب المورد بلا إشكال.
وفي المحاضرات قرّبه: بأنّ الأمر يدور بين أن نرفع اليد عن أصل الامر بالمهم كالصلاة مثلاً، فإنها لا تجب على تقدير الاتيان بالأهم وعلى تقدير العصيان، فعلى كلا التقديرين لا وجوب للصلاة أصلاً.
وبين أن نرفع اليد عن إطلاقه لا عن أصله، أي على تقدير الامتثال لا على تقدير العصيان.
فلو امتثلنا الأمر بالأهم فإطلاق الأمر بالمهم ساقط، بينما إذا عصينا الأمر بالأهم فإنّ إطلاق الأمر بالمهم لا موجب لسقوطه لو قلنا بإمكان الترتب، فهذا هو المورد.
ومن الواضح كبروياً أنّ المحذور في كل مورد إذا كان قابلاً للدفع، برفع اليد عن إطلاق الأمر، أي أنّ المحذور نتصرف فيه بأقل مقدار من التصرف، فيرتفع المحذور برفع اليد عن الإطلاق، فلا موجب لأن نرفع اليد عن أصل الدليل الذي هو أكثر محذورية، بل يبقى أصل الدليل ونرفع اليد عن الإطلاق، بمعنى أن
ــــــ[43]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
نرفع اليد عن حالة الامتثال ويبقى إطلاق الدليل لحالة العصيان بالأهم الذي هو معنى الترتب.
بناءً على هذ فإنّ المحذور يندفع برفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهم في صورة امتثال الأمر بالأهم، فلا مقتضى لرفع اليد عن أصله، فيبقى الأمر شاملاً لصورة عصيان الأهم.
أقول: وهذا قابل للمناقشة، وفي النتيجة إذا سقط الدليل الإثباتي الذي قاله المشهور في هذه الامور الثلاثة سقط الدليل الإثباتي على الترتب.
لأنّ الأمر لا يدور -كما قالوا- بين رفع اليد عن أصل الدليل ورفع اليد عن إطلاقه، هكذا صُوّرت المسألة في المحاضرات وغيرها.
بل في الحقيقة يدور الأمر في رفع اليد عن حصتين من الإطلاق لا عن أصل الدليل، فإنّ أصل الدليل لا ربط له بالموضوع أصلاً، وهو باقٍ وساري المفعول في غير موارد المزاحمة، كأول الصلاة أو في آخرها.
ولا نريد أن نسقط أصل الدليل لا كبروياً ولا صغروياً.
والحصتان هما: شموله لصورة امتثال الأهم، وشموله لصورة عصيان الأهم، إما تُوجده وتمتثله وإما تُعدمه وتعصيه، فالأمر بالمهم له نحو إطلاق لكلا الحصتين، وهذا المعنى هو غاية ما يقال في الترتب.
أما حصة شموله لصورة امتثال الأهم، فهي ساقطة جزماً، وهذا لا كلام فيه، أما المشهور فيريد إثبات الحصة الثانية من الإطلاق وعدم إسقاطها لصورة عصيان الأهم ليصح بها الأمر العبادي للمهم.
ــــــ[44]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعندئذٍ يكون -القائل بذلك- الإطلاق بصورة عصيان الأهم الذي هو رأس الخيط عندهم، هل هو إطلاق متحقق او منتفٍ؟
المشهور يقول متحقق، والصحيح انتفاءه.
وحينئذٍ يكون القائل بالتحقق مسؤولاً عن إثبات المقتضي لهذا الإطلاق وعدم المانع عنه، فإذا كان المقتضي غير موجود فالإطلاق غير موجود، واذا كان المقتضي موجوداً والمانع موجوداً فالإطلاق غير موجود.
والعجيب منه أن يقول بوجود المقتضي للإطلاق والمانع مفقود.
وفيه: أنّ كلاهما غير متحقق، فالإطلاق غير موجود والمانع متحقق.
أما عدم وجود المقتضي، فلوضوح أنّ الإطلاق فرع تمامية مقدمات الحكمة، ومن جملة المقدمات أنه في مقام البيان، فهل هو في بيان حتى لصورة المزاحمة بالأهم؟
التحقيق أنه ليس في مقام البيان من هذه الجهة، لا أقل من الشك في ذلك أو انصرافه إلى الأعم الأغلب من أفراد المهم الذي هو خالٍ من المزاحمة من قبيل غير صورة الإزالة.
وأما وجود المانع، فليس المانع في الحقيقة هو استحالة الترتب ليرتفع المانع بالقول بإمكان الترتب، بل هو الأمر بالأهم، فهو مانع عن الأمر بالمهم والمفروض استمراره ومنجّزيته، فلا زال الأمر بالأهم مطلوباً من المكلّف بصفته أهم، وهم يعترفون بذلك وعدم سقوطه، فهو المانع عن منجّزية امتثال المهم، فمتى ترك المكلف امتثال المهم واشتغل بالأهم حتى خلال امتثال المهم، كمل لو
ــــــ[45]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
صلّى ركعة وقطعها وأزال النجاسة، فقد أبرأ ذمّته أكيداً، لأنّ المطلوب دائماً -قبل امتثال المهم وفي أثنائه وبعده- هو الأهم.
نعم، بعد الامتثال -امتثال المهم- لا يكون تزاحم فيكون هناك تسامح، أما في الأثناء فلا بدّ من قطع الصلاة وأداء الأهم.
وأما لو اشتغل بالمهم فقد عصى الأهم -والمشهور مُعترِف بذلك- وإن صحّ منه المهم، لو قلنا بإمكان الترتب إثباتا وثبوتاً، فالمشهور معترف بمنجّزية الأهم واستمراريتها حتى لو اشتغل بالمهم، إذن المانع موجود ومستمر، وإمكان الترتب -إن قلنا به- يحتاج الى نصٍّ خاص في مورده خصوصاً أو عموماً.
فإن قلت: في حدود كلامنا في مقتضى الإطلاق، إنّ المشهور يتمسك بالإطلاق في الموارد النادرة والتفاصيل الشاذة بلا إشكال، ولا يقول بأنّ المتكلم ليس في مقام البيان من هذه الجهة ومن تلك الجهة، لأنها من الموارد وعلى خلاف الغالب، أو أنّ الانصراف إلى غيرها. فيتمسكون بإطلاقها، وهذا صحيح في نفسه، فقد يكون هذا منها، وهو مورد التزاحم.
ومن الواضح من ناحية أخرى، صحة التمسك بالإطلاق ولا يقتصر على القدر المتيَّقن من المورد، ويكون الإطلاق غير شامل لخارج القدر المتيَّقن، بل معنى الإطلاق، هو شمول لداخل القدر المتيَّقن والخارج عنه، وإلا كان خُلف وجود الإطلاق في الحقيقة ويكون مجرد كلام مُهمَل. نعم، المُجمَل يكون حجة في القدر المتيَّقن، ولو مشينا بهذا الاتجاه لسقطت الإطلاقات كلها، وعليه فالإطلاق صحيح في مورد المزاحمة.
ــــــ[46]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
قلنا: إنّه من الصحيح شمول الإطلاق للموارد النادرة إلا أنّ المقام ليس منها لأنّ مورد التزاحم والتكاذب له موارد وأمثلة، هناك أمور وجدانية تكتسب من طريق المثال ويكون تنبيهاً للذهن في الحقيقة، فلو سألت المولى العرفي الذي أمرك بأن تأتي له بكأسٍ من الماء، هل لأمرك إطلاق؟ حتى لو وقف على ضرب شخص أو أهانته مثلاً؟ لقال: كلا، أنا لم أكن في مقام البيان من هذه الجهة، فكذلك لو سألته أنه هل لأمرك إطلاق في أمرٍ متوقف إطاعته على عصيانك في الأمر الأهم
-الذي هو الترتب-؟ أيضاً لقال: كلا. أنا لستُ في مقام البيان، وأنا لم اقصد ذلك إطلاقاً، بل اطعني في الأهم ولا عليك بالمهم، فلا إطلاق هنا، لا أقل من الشك في كونه في مقام البيان.
فإن قلتَ: من ناحية وجود المانع، أنّ القائل بإمكان الترتب إنما توصل إليه بالالتفات إلى أمرٍ معيّن، مثلاً الى نكتة -باصطلاح العلماء- ترتفع بها أهمية الأهم فلا يكون مانعاً، والالتزام بالمانعية مساوق للقول باستحالة الترتب، وهذا خُلف القول بإمكانه.
ومعنى إمكان الترتب هو وجود هذه النكتة التي ترتفع بها مانعية المانع الذي هو الأهم، ومعه يبقى إطلاق الأمر من دون مانع لأنه ارتفعت مانعية المانع.
قلنا: هذا جهل بمعنى الترتب، فإنّ من يقول بإمكانه، إنما يذهب الى أنه ليس مصداقاً بالأمر بالضدّين، وأنه يمكن الجمع بين الأمر الترتبي بالمهم والأمر العقلي بالأهم من دون أن يلزم اجتماع الضدين، لا أنّه يدّعي خروج الأهم عن أهميته كما زعم السائل، ومعه فالإطلاق للأمر بالمهم غير موجود، أي اقتضاء المقتضي غير
ــــــ[47]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
موجود وإن سلّمنا، فالمانع موجود فلا يصح الترتب إثباتاً إلا بدليل خاص به وهو مفقود.
ومن هنا أشرنا فيما سبق، الى أنّ الترتب وإن لم يدل دليل على استحالته عقلاً -كما سيأتي وأنُاقش الاستحالة- إلا أنّه مفتقر الى الدليل الإثباتي ولا يتم بدونه طبعاً.
فظهر أنّه ليس عليه دليل إثباتي ومعه فالأمر بالمهم ساقط، وبعبارة أخرى: إذا فُقِد الأمر الإثباتي فالأمر ساقط بالتزاحم ما دام الأمر بالأهم منجّزاً.
نعم، لو كنّا مِلاكيين لأمكن تصحيح العبادة بالمِلاك، إلا أنّ هذا مطعون فيه كبرى وصغرى.
أما الكبرى: فقد طعنّا بمسلك المِلاكيين أكثر من مرة.
وأما الصغرى: فلأنّ التزاحم بين أي تكليفين -بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم- كذلك هو واقع بين المِلاكين، ضرورة أنّ لكل أمر له مِلاك جزئي خاص به، فكما الأمران يتزاحمان كذلك المِلاكان والإرادتان.
وكما أنّ الامر بالأهم متقدّم على الأمر بالمهم كتكليف وكخطاب كذلك هو متقدّم بالمِلاك، فإنّه لم يكن أهم إلا لأهمية مِلاكه، بداهة أنّ كل الخطابات الشرعية سواءٌ للشارع، وإنما الفرق في المِلاك، فمن كان مِلاكه أهم فهو أهم ويتقدّم وله الغلبة، فالأمر بالأهم رافع للأمر بالمهم ومبطل له، كذلك مِلاكه رافع لمِلاك المهم، ومعه لا يبقى في جانب المهم أمر ولا مِلاك ليكون سبباً لتصحيحه.
إن قلت: إنّ بعض الفروع الفقهية يُفتى بأحكامها نتيجةً للقول بالترتب،
ــــــ[48]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإذا فسد الترتب ومنعناه، امتنع القول بالصحة في أمثال هذه الفروع، وحيث إنّ هذه الأحكام غير باطلة فالترتب صحيح.
ففي الحج مثلاً لو كان شخصاً مَديناً للناس ومَديناً لأجل الحج، فيجب عليه أن يدفع للمخلوق دَينه وللخالق كذلك، فلو عصى ولم يدفع الدين للدائن وذهب للحج، فهل نقول ببطلان حجه بعنوان منع الترتب؟ مع أنّ الظاهر صحة حجه، وصحته إنما هو للقول بالترتب.
قلت: الجواب على ذلك على عدّة مستويات: الأخير منها فيه تفصيل وتقعيد لقاعدة.
المستوى الاول: أن نقول ببطلان الحج في مثل هذه الصورة ولا محذور عقلي هنا ولا شرعي.
المستوى الثاني: أنّ مقتضى القاعدة هنا تقديم الأهم، وهنا الأهم هو حكم الله تعالى شأنه وليس الحكم العائد للناس، فيصح الحج ويسقط الإسراع والفورية لأداء دين الناس.
المستوى الثالث: أنّ الأمر بأداء الدين والأمر بالحج ليسا متزاحمين حقيقة، لأنّ التزاحم يكون عند العجز عن أدائهما معاً، وما ذكر ليس من موارد العجز عن أدائهما لأنهما في زمانين، فله أداء الدين في أول ذي القعدة، وفي عرفة يحج فالزمان مختلف فلا يتعذر عليه القيام بكلا الواجبين من الناحية النظرية، غاية الأمر أنه قصّر في صرف المادة في الدين، فيصح حجه حينئذٍ لأنهما غير متزاحمين عملياً.
المستوى الرابع : أنّ الحج ليس فيه جهة مالية مضرّة بالعبادة، نعم، هو عبادة
ــــــ[49]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مالية لا يوجد فيه إلا شيء واحد، وهو أنّ هذا المال إن لم يُدفَع للدين كان حراماً استعماله فلا يفسد الحج، لا يفسد أي منسك منه إلا لبسه للإحرام، لأنّه أُبتلي بمال حرام فكان لباسه للإحرام حراماً.
وهذا له حلٌّ شرعي، وهو أنّ الشراء كلّي وليس جزئياً فيشتري بالكلّي، مثلاً هذا الإحرام بدينار ثم يدفع من كيسه من المال الحرام، فيحلّ اللباس الذي عنده ويصح طوافه وصلاته، وكذلك الذبيحة التي يشتريها للذبح وهكذا.
المستوى الخامس: أنّ التزاحم المذكور مشهورياً ليس هذا، والذي يصح فيه الترتب إنما هو بين حكمين شرعيين تكليفين، وفي المقام ليس هو حكم تكليفي ولا شرعي.
بيان ذلك: أما أنّ دفع الدين ليس حكما تكليفياً شرعياً، لأنه حكم وضعي، وكونه ليس بشرعي فلأنه غاية ما هو متحقق هو حق الدائن في استيفاء دينه. نعم، أداء الحق وإن كان واجباً شرعياً إلا أنّه من حقوق الناس التي يمكن التنازل عنها، وليس من الأحكام الشرعية الأصلية، وباصطلاح المحقق الحلي (حق الإرفاق) بالمكلف الدائن ليس أكثر من ذلك.
وعليه، فلا يقع طرفاً للتزاحم مع الحكم الشرعي الذي هو وجوب الحج.
وأيضاً كما لو وجب -هذا نقض على الناقض- الاستحلال من الغيبة، فإنّه وجوب فوري، وينبغي على المشهور أن يقول بفوریته، فلو عصى المكلّف وصلّى فإنّه لا يُشك في صحة صلاته، وهذا من حق الإرفاق بالاصطلاح.
لكن إنما يجب لأجل حقّه وليس وجوباً شرعياً أصلياً، فإنه لا شك في صحة صلاته، حيث لم تكن مزاحَمة في البين.
ــــــ[50]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجهة الرابعة: التعرض لبحث كبروي لم يتعرض له صاحب المحاضرات
يذكر صاحب المحاضرات مطلباً، أتعرض لكبراه وأناقشها مع أنه لم يتعرض لها بالنقاش أصلاً، وإنما ناقش الصغرى التي هي مرتبطة بالبحث الفقهي، فلذا أهملت البحث فيها، وإنما أتعرض لما له مساس بعلم الأصول وهو البحث الكبروي.
نقل في المحاضرات عن الشيخ النائيني: «أنّ الترتب لا يجري فيما إذا كان أحد التكليفين مشروط بالقدرة عقلاً، والتكليف الآخر مشروط بالقدرة شرعاً»(1). انتهى.
أقول: إنّ الظاهر من كلام الشيخ النائیني أنه يقصد أنّ التكليف بالأهم مشروط بالقدرة عقلاً، والتكليف بالمهم مشروط بالقدرة شرعاً، وليس أحدها كيفما كان، بل الأمر لا بدّ أن يكون التكليف بالمهم غير مشروط بالقدرة الشرعية، فإن كان مشروطاً بها فلا يكون مورداً للترتب.
وأما بالنسبة للأهم فلا يتعرض له لأنه منجّز ومستمر التنجيز سواءٌ كان مشروطاً بالقدرة الشرعية أم لا.
وقال(2) في وجه ذلك: «إنّ التكليف المتعلّق بالمهم المترتب على عصيان التكليف بالأهم يتوقف على كون متعلّقه حال المزاحمة واجداً للمِلاك». انتهى.
ــــــ[51]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص390.
(2) الشيخ النائيني على ما في المحاضرات.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: تفصيلاً لكلام المحاضرات، هو أنّ الأمر بالأهم ساقط على كل حال -حيث إنّ التكليف المتعلّق بالمهم المترتب على عصيان التكليف بالأهم، حيث إنّ العصيان من مُسقِطات التكليف- ولا يصلح لتصحيح العبادة، إذ الذي يصلح لتصحيحها في نظر الشيخ النائيني هو المِلاك، فينبغي أن يقال هكذا: إنّ الأمر بالمهم على تقدير القول بإمكان الترتب وإن سقط أمره إلا أنّ المِلاك موجود، فيتوقف تصحيح امتثال المهم على وجود المِلاك.
قوله: «والطريق إلى إحراز اشتماله على المِلاك والكاشف عنه، إنما هو إطلاق المتعلق»(1). انتهى.
وبعبارة أخرى: إطلاق المادة في (صلّ) مثلاً أنه فيها مِلاك كما يدّعيه الشيخ.
قوله: «فإذا فرضنا أنّ المتعلق مقيّد بالقدرة شرعاً، سواءٌ أكان التقييد مستفاداً من قرينة متصلة أو منفصلة، أو كان مأخوذا في لسان الدليل لفظاً، لم يبقَ للتكليف بالمهم محل ومجال أصلاً». انتهى
أقول في بيانه: إنّه يجب صرف القدرة في امتثال الأهم فتكون القدرة الشرعية على المهم (على امتثال المهم) مسلوبة، لأنّه يجب صرفها في الأهم لا على المهم، أنت لا تستطيع أن تأتي بالمهم بحسب نظر الشارع وفي طول سلب القدرة الشرعية عن الاتيان بالمهم، نعرف عدم وجود المِلاك لأنه في كل مورد محدد بل مقيَّد بالقدرة الشرعية، إذن متى توفّرت القدرة الشرعية توفّر المِلاك ووجِد، وأما
ــــــ[52]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص390.
منهج الأصول (الجزء السابع)
إذا لم تتوفر القدرة الشرعية فالمشروط عند عدم شرطه، لا تكليف ولا مِلاك أصلاً، لأنّه لا مورد له كونه خاصاً بالقدرة الشرعية.
وهذا الذي ذكرته غير واضح جداً في المحاضرات وإن كان هو مقصود الشيخ النائيني حقيقةً، وهنا توجد مقدمات مسلّمة وأصول موضوعة في هذا الدليل أذكرها وأُناقشها بشكل مختصر، حيث إنّها غير صحيحة عندي مضافاً إلى مناقشات أخرى فنقول:
أولاً: قد أخذ سقوط الأمر مسلّماً ولهذا التجأ إلى المِلاك، إذ مع إمكان الترتب قد يقال بعدم سقوطه لعودته بعد سقوطه، وإنما يسقط مع بطلان الترتب لا مع إمكان الترتب، وكلامه على تقدير إمكان الترتب لا على تقدير بطلانه، فالأمر موجود لا ساقط، فلا حاجة مع وجود الأمر إلى التمسك بالمِلاك، فلذا تمسكوا بالإطلاق في صورة الترتب وهذا يدل على وجود الأمر.
ثانياً: كفاية تصحيح العبادة بالمِلاك أخذه مسلّماً -وبحثه في محله- فلو كان الأمر ساقطاً كفى المِلاك لتصحيح العبادة.
وهذا مطعونٌ فيه كبرى وصغرى.
أما الكبرى: فلأنّنا لا نستطيع بعد سقوط الأمر أن نحصل على المِلاك لا ثبوتاً ولا إثباتاً، كما هو المشهور -وتفصيله في محله-.
وأما الصغرى: فلأنّنا قلنا: بأنّ المِلاك لا يصحح العبادة لأنه أمر تكويني، وقصد الأمر التكويني قصدٌ يكون للمخلوق لا قصدٌ للخالق، فلا يصحح العبادة.
ــــــ[53]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثالثاً: المهم هو إقامة الحجة الشرعية -وهذا الأمر لم يأخذه مسلَّماً- على التقييد بالقدرة الشرعية، فإنّ الكلام كل الكلام في إقامة الدليل المعتبر شرعاً، وهذا لا يختلف فيما يكون مقيَّداً بدليل متصل أو منفصل.
ولكن قوله عجيب فيما ذكره بعد قوله قرينة متصلة أو منفصلة أو مأخوذاً في لسان الدليل.
فإنّ القرينة المتصلة هو نفسه المأخوذ في لسان الدليل لفظاً وليس شيئاً آخر، فتقسيمه إلى ثلاثة أقسام غير صحيح.
رابعاً: وقد أخذه مسلّماً، إنّ وجود المِلاك مستفاد من إطلاق المتعلّق –أي المأمور به والمادة كما في (صلِّ) لا إطلاق الهيئة- فإنّ كلامه محتمل أن يكون المِلاك مستفاد من إطلاق المادة أو إطلاق الهيئة، فلماذا أخذ هذا الأمر مسلَّما من إطلاق المادة؟!
وهذا قابل للمنع والمناقشة بأمرين:
الأول: إنّ المرتكز عند الإمامية والعدلية القائلين بوجود المِلاكات للأحكام الإلهية، أنّ الاحكام إنما تدل عليها الهيئة وليس المادة، فإنّ كل حكم له مِلاك، والأحكام هي نفس الأوامر والنواهي التي تدل عليها الهيئة، فإنّ المِلاكات للهيئات لا للمواد.
وإذا كان الأمر كذلك فإطلاق الهيئات يدل على المِلاك.
الثاني: لو تنزّلنا عن الأول وقلنا: إنّ مقصود الإمامية والعدلية هو أنّ المأمور به فيه المِلاك وليس الأمر بما هو أمر، لكنه في الحقيقة لو دققنا النظر -وهذا قلَّما
ــــــ[54]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
يُلتفت إليه- أنّ جملة من الأوامر تُوجد في متعلّقاتها ملِاكات، وجملة من الأوامر توجد فيها مِلاكات لا في متعلّقاتها، من قبيل ما يتصوّر حسب عقولنا -والله العالم- أنّ صلاة المغرب ثلاث ركعات، وأنّ العشاء أربع ركعات ونحو ذلك، فإنها تكون مطابقة للحكمة، لأنّ نفس الأمر فقهياً فيه مِلاك وليس أنّ المأمور فيه مِلاك.
فظهر أنّ المِلاك على قسمين: بعضها تكاليف في نفس الجعل، وبعضها في متعلّقات المجعول، فما كان المِلاك في نفس الجعل يستفاد من إطلاق الهيئة، وما كان المِلاك في متعلّقه فإنّه يستفاد من إطلاق المادة.
فتسليم القول أنّ المِلاك دائماً يُعرف ويُفهم من إطلاق المادة ليس بصحيح أكيداً.
وهنا إيرادان أيضاً مضافاً إلى ما منعناه من المسلَّمات:
الإيراد الاول : يمكن أن يقال: إنّ سلب القدرة الشرعية له حصتان:
أحدهما: حصة بالدلالة المطابقية.
أي أنّ سلب القدرة الشرعية مدلول عليه بدلالة مطابقية، كقولنا هذا حرام ونحو ذلك.
ثانيهما: حصة بالدلالة الالتزامية.
أي أنّ سلب القدرة مدلول بالالتزام.
والحصة الأولى تكون مُبطِلة للعمل ومُسقِطة للأمر لا محالة، وهذا ينبغي أن يكون مسلَّماً.
ــــــ[55]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما الحصة الثانية: فلا تكون مُسقِطة للأمر، كما لا تكون مُبطِلة للعمل والمقام من هذا القبيل، لأنّ غاية ما في الباب هو وجوب صرف القدرة في الأهم
-كالإزالة- ولازمه عدم جواز صرف القدرة في المهم -كالصلاة-، فإذا أُخِذ في المهم القدرة الشرعية بحسب ما ورد من دليل معتبر كانت مسلوبة القدرة لوجوب صرفها في الأهم.
إلا أننا نقول: إنّ هذا المورد ليس من قبيل القدرة الشرعية المأخوذة في لسان الدليل بالمطابقة.
بل إما أن تقول: إنّها قدرة عقلية أيضاً لأنها من لوازم حقّ الطاعة العقلي، لأنّ المنجّز فعلاً هو الأهم، فمقتضى الحكم العقلي بطاعة الله سبحانه وتعالى هو صرفها في الأهم، وهذا ليس من القدرة الشرعية.
أو نقول: إنّ مرجعها في الحقيقة إلى مجرد أهمية الأهم، وليس أمراً زائداً عليه، ومعه فلا يكون المورد صغرى لها -أي لأخذ القدرة الشرعية- في متعلّق المهم.
وبعبارة أخرى: ليس مورداً لسلب القدرة الشرعية المأخوذة في لسان الدليل حتى يكون تطبيق للقاعدة التي أعطاها الشيخ النائيني.
الإيراد الثاني: يمكن القول بوجود المِلاك حتى مع سلب القدرة الشرعية بهذا النحو من الارتفاع، لأنّ كلام الشيخ النائيني على أنّ المِلاك غير موجود فلا تصح العبادة على كل حال في طرف المهم.
أقول: يمكن القول بوجود المِلاك. نعم، لو كان سلب القدرة بالدلالة المطابقية، كالغصب مثلاً، فلا مِلاك، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، وأما من
ــــــ[56]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
حيث وجود صرف القدرة في الأهم فهذا لا يعني سلب المِلاك من المهم إن كنا ملاكيين، أي لا أقل من أنّ مقتضى إطلاق الدلالة الإلتزامية لوجود المِلاك في دليل المهم بأنه شامل حتى لهذا الفرد، وهو كافٍ في إثبات المِلاك مع الشك.
هذا وإنّ صاحب المحاضرات أجاب حيث قال: الصحيح هو عدم الفرق في صحة الترتب وإمكانه بين أن يكون الواجب مشروطاً بالقدرة عقلاً أو مشروطاً بها شرعاً، والوجه في ذلك:
هو أنّ مبدأ إمكان الترتب نقطة واحدة، وهي أنّ تعلّق الأمر بالمهم على تقدير عصيان الأمر بالأهم لا يقتضي طلب الجمع بين الضدين ليكون محالاً، بل يقتضي الجمع بين الطلبين في زمان واحد، ولا مانع منه أصلاً إذا كان المطلوب في أحدهما مطلقاً وفي الآخر مقيَّداً بعدم الاتيان به مترتباً عليه على نحو لو يُمكَّن المكلّف من الجمع بينهما في الخارج وايجادهما معاً فيه لم يقعا على صفة المطلوبية، ولذا لو أتى بها بقصد الأمر والمطلوبية لكان ذلك تشريعاً محرماً.
أقول: وإنما الذي يقع على صفة المطلوبية هو الأهم، وأما المهم فهو ساقط لعدم توفّر شرطه وهو عدم امتثال الأهم، فيكون المطلوب أمراً واحداً وهو الأهم.
ثم قال: «وعلى ضوء ذلك لا يُفرَق بين ما إذا كانت القدرة مأخوذة في المهم عقلاً، وما إذا كانت مأخوذة فيه شرعاً، فإنّ مِلاك صحة الترتب -وهو عدم التنافي بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم إذا كانا طوليين- مشترك فيه بين التقديرين… »(1). انتهى.
ــــــ[57]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص393.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعليه فلم يصح كلام الشيخ النائيني.
وجوابه: أنّ هذا سوء فهم لمطلب الشيخ النائيني في الحقيقة، فإنّ مراده لو كان أنّ القدرة الشرعية مأخوذة في طرف المهم لم يمكن الجمع بين الطلبين حتى لو قلنا بإمكان الترتب، لكان جواب المحاضرات وجيهاً نسبياً، باعتبار أنّ القول بإمكان الترتب يرفع القول بالاستحالة، وهذا لا يختلف فيه بين أن يكون المأخوذ في الأهم القدرة الشرعية أو القدرة العقلية، وليس أنّ القدرة الشرعية اذا أُخِذت في طرف المهم كانت مانعاً وسبباً لاستحالة الترتب، بل إنما هي كالقدرة العقلية من هذه الناحية مانعاً عن إمكان الترتب وسبباً للقول بالاستحالة.
وحينئذٍ يقال: إنّ جوابه له وجاهة، إلا أنّ مراده ليس هو ذلك جزماً.
وهناك مراد آخر لصاحب المحاضرات يمكن أن نتبرع به له:
وهو أنّ المهم متى يكون مقيَّداً بالقدرة شرعاً، فإنّ القدرة عليه تنتفي شرعاً لوجوب صدقها في امتثال الأهم المنجّز والمستمر تنجّزه في كل آن، فيكون المكلّف في طول تنجّر الأهم المستمر -لو صحّ التعبير- مسلوب القدرة على الاتيان بالمهم، ومعه يكون شرط التكليف بالمهم ساقطاً، لأنّ المشروط عدم عند عدم شرطه، فيسقط الأمر بالمهم لانتفاء شرطه.
فلا وجود للأمر في المهم لكي يكون طرفاً للترتب حتى لو قلنا بإمكانه، فيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع لانتفائه موضوعاً.
فليس عدمه وزواله لوجود المانع لكي يرتفع بالقول بإمكان الترتب لعدم المقتضي إطلاقاً إلا لعدم المانع، بل لعدم المقتضي، لا لوجود المانع.
ــــــ[58]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وهذا المعنى تام لولا ما قلناه: من أنّ التقييد بالقدرة الشرعية إنما يكون فيما إذا كانت الدلالة عليه مطابقية، كوجوب الحج المأخوذ فيه الاستطاعة -أي القدرة- لا ما إذا كانت إلتزامية أو عقلية كما في المقام، لحكم العقل لوجوب اختيار الأهم وليس حكم الشرع لوجوب اختيار الأهم، وليس من قبيل التقييد الشرعي بدليل المهم أصلاً فلا مورد لهذا الشرط في باب الترتب، على أنّ هناك إشكالات أخرى واردة على عبارة المحاضرات.
الإشكال الأول: أنه لا يوجد طلب الجمع بين الضدين من قِبل الشارع المقدّس لا بالدلالة المطابقية ولا بالدلالة الإلتزامية أصلاً، فإنه محال من غير الحكيم فضلاً عن الحكيم، وإنما هو ناتج من طلبين مستقلين غير متنافيين في أنفسهما، وهما في المثال وجوب الإزالة ووجوب الصلاة، وإنما أصبحا متنافيين لمجرد عجز المكلّف على الجمع بينهما فسمّاهما علماء الأصول ضدّين، وإلا فهما ليسا ضدّين في الحقيقة.
الاشكال الثاني: أنّ الجمع بين الطلبين في زمان واحد، الذي قال بإمكانه -حسب ظاهر العبارة- قد يقتضي المصير إلى الجمع بين الضدّين فيكون محالاً، لأنه كلاهما يكون منجّزاً فعلاً بناءً على حجة القائلين باستحالة الترتب.
الاشكال الثالث: أنّ اشتراط المهم الواجب كالصلاة بعدم الاتيان بالأهم لا يكفي فيه مجرد أهمية المهم كما هو ظاهر المشهور، بل يحتاج إلى دليل زائد وهو مفقود، بل فقدانه مفروغ عنه.
ــــــ[59]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أدلة إمكان الترتب
ما تقدم كان كله من قبيل المقدمات، ومن الآن هو المقصد، فإن تمّ الدليل العقلي على إمكان الترتب ودفع الاستحالة فهو المطلوب، وإلا بقي على الأصل وهو الاستحالة، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، بمعنى أنه لا حاجة الى ذكر أدلة استحالة الترتب، فإنه بنفسه مستحيل ما لم نجد له وجهاً للإمكان.
ما استدل به صاحب المحاضرات على إمكان الترتب
استدل في المحاضرات على الإمكان على ثلاثة مستويات:
أحدها: الوجدان.
ثانيها: الدليل الإنّي، وهو التعرّف من المعلول على العلّة، ويأتي ما فيه من مناقشة.
ثالثها: الدليل اللمّي، وفيه أيضاً مناقشة تأتي إن شاء الله.
هذا وأنه قدّم الإنّي مع أنّ حقه التأخير، واللمّي هو الأساسي والأعمق.
المستوى الاول:
الوجدان:
قال في المحاضرات: «إنّ كلَّ من رجع إلى وجدانه وشهد صفحة نفسه مع الإغماض عن أيّة شبهة ترد عليها لا يرى مانعاً من تعلّق الأمر بالضدّين على نحو
ــــــ[60]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الترتب، فلو كان هذا محالاً كاجتماع الضدين وما شاكلها لم يصدّق الوجدان ولا العقل إمكانه».
أقول: وهذا من الغرائب! ولهذا تركه في التقریرات -حسب الظاهر- وأما في المحاضرات فهذا الدليل عنده مقبول حيث لم يستشكل عليه، ولأنّ مذهبه القول بالترتب.
وهذا الدليل ضعيف غاية الضعف من وجوه عدة:
الوجه الأول: أنّ هذا النحو من الوجدان، وجدان شخصي، وليس وجداناً عاماً ونوعياً، فهو خاص بصاحبه وليس حجة على غيره، فيكفي في دفعه أنّه نُنكر حصول هذا الوجدان عندنا.
الوجه الثاني: أنّه جعل الوجدان متوقفاً على الإغماض عن شبهة ترد على المسألة، وهذا صحيح، فإنّا لو أغمضنا عن جميع الإشكالات وتنازلنا عنها لم يبقَ أيّ إشكال، فالمسالة تكون مقبولة، إلا أنّ الكلام في إمكان ذلك التنازل والإغماض ولا موجب له طبعاً، ولو قصد في المحاضرات من الإغماض الغفلة وعدم التعرّف على التفاصيل، فنحن كلامنا في وجدان الملتفِت وليس الغافل، إذ قد يكون الغافل ممن يرى إمكان المحالات وخلاف الضروريات، فكيف بالأمور النظرية الدقيقة؟!
الوجه الثالث: أنّ من يقول باستحالة الترتب لا يدّعي كونه واضح الاستحالة، كاستحالة اجتماع الضدّين أو النقيضين كما يظهر من العبارة -عبارة المحاضرات- فإنّ استحالتهما من الضروريات الأولية، واستحالة الترتب
ــــــ[61]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
استحالة نظرية قد يغفل عنها الإنسان أو يُنكرها، بل قد يُنكر الاستحالة الضرورية فضلاً عن النظرية كما يحصل عند الكثير.
مضافاً إلى ذلك أنه لا ملازمة بين استحالة الترتب ثبوتاً والذهاب الى عدم استحالته إثباتاً أو وجداناً.
المستوى الثاني:
الدليل الإنّي:
وذكر له -في المحاضرات- حصتين: عرفية وشرعية.
قوله: «أما في موارد الخطابات العرفية فهو في غاية الكثرة…».
أقول: إنّ القول بإمكان الترتب يكفي ولو لمرةٍ واحدةٍ، ولا يحتاج إلى أن يكون كثيراً إذ أنّ أدلّ دليل على إمكان شيء وقوعه ولو لمرةٍ واحدةٍ.
قال: «وعلى الجملة فالأمر بالضدّين على الترتب من الموالي العرفية بالإضافة إلى عبيدهم، ومن الآباء بالإضافة إلى أبنائهم مما لا شبهة في وقوعه خارجاً، بل وقوع ذلك في أنظارهم من الواضحات الأولية، فلا يحتاج إلى إقامة برهان ومؤونة استدلال»(1). انتهى.
تمثيله بأنّ الأب يأمر ابنه بالذهاب إلى المدرسة، والابن يخالف أمر أبيه ويعصيه، وعلى تقدير عصيانه يأمره بالجلوس في الدار والكتابة فيها مثلاً، وكذلك المولى يأمر عبده بشيء، على تقدير عصيانه يأمره بأمر آخر ضدّه.
أقول: إنّ هذا كله أجنبي عن الترتب ومطعون فيه كبرى وصغرى.
ــــــ[62]ـــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه: ج2، ص399.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أما الصغرى: فإنّي قدّمتها لأجل الإيضاح، وإلا فإنّ حقّها التأخير عن الكبرى.
إنّ ما سمّاه في المحاضرات بالأمر الترتبي ليس في الحقيقة بترتبي، فإنّ ما ذكره من أمر صادر بعد عصيان الأمر الأول، ففي المثال أنه بعدما أحرز أنّه لم يذهب إلى المدرسة أصدر الأمر بالكتابة لابنه.
وهذا بخلاف المولى الحقيقي، بل المولى العقلائي القانوني، فهل يُوجد عندهم أوامر ترتبية فليذكروا موارد لها وأمثلة؟
نعم في ما ذكر من أمثلة لو تنزّلنا عن الإشكال الأول فهو أمر ترتبي صريح باصطلاح علم الأصول والفقه بدليل خاص أو مسموع من المولى بعنوانه، وهذا غير ما يظهر في باب الترتب من الإطلاق لأجل تصحيح الأمر بالمهم.
وأما الكبرى: فلأنّ غاية تقريب الدليل العرفي أن يكون من قِبل السيرة الممضاة من قبل المعصومين، وإلا فمن الواضح أنّ العُرف ليس هو مولانا لكي نُطبّق رأيه، وهنا ترد إشكالات عدّة:
الإشكال الأول: أنّ هذا النحو من الأوامر – يأمر بشيء ثم يأمر بشيء- هل يتوقع نهي من المعصوم بحيث يكون السكوت من النهي إمضاء لها؟ بداهة أنّ الإمضاء إنما هو في مورد يتوقع نهي فيه، وفي الصورة التي لا يتوقع نهي فيها لا يوجد إمضاء.
أقول: التحقيق أنه لا يُتوقع فيه النهي والأمر، لأنه لا يفترض أنه فيه محرمات أو ترك واجب لكي يرد النهي وإنما ما ذكر من أمثلة هو سيرة العلاقات الاعتيادية
ــــــ[63]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التي هي كلّها مباحة باصطلاح الفقه، فإذا كانت السيرة مباحة لم نتوقع النهي عنها، وحينئذ لا نتوقع إجازتها وإمضائها الشرعي فيما إذا سكت المولى عنها، وعليه، فليست هي السيرة التي يمكن أن تجاز وتُمضى شرعاً، وإنما هو أمر عرفي في واقعه.
نعم، يمكن للمستدل بهذه الموارد العرفية أن يثبتها للمعصومين عليهم السلام، وأنهم فعلوا ذلك، أو أنّ الناس فعلوا ذلك بين أيديهم ولم يكن منهم نكير، أو أنّ الأمر الترتبي اُعتبر حجّة في مرافعة قضائية بين يَدي المعصومين عليهم السلام والزموا الخصم بالأمر الشرعي العرفي، وهذا كله لا وجود له في السنّة فضلاً عن الكتاب.
الإشكال الثاني: وهو الأهم، وبيانه بطريقة الإشكال مع جوابه بأن يقال:
صحيح أننا لا نتوخى الإمضاء لهذه السيرة، وإنما هذه السيرة تُشكِّل ظهوراً، والظهور حجّة وممضى وقد سار عليه الناس والمعصومون عليهم السلام والكتاب والسنة، فتُشكِّل ظهوراً لغوياً، وهو حجّة في نفسه.
قلت: إنّ هذه السيرة إنما تكون مُنتجِة لو سلّمناها كبروياً، بحيث تكون واضحة بدرجة تنتج الظهور الشمولي للأمر المهم حتى في صورة التزاحم، أو قل حتى لصورة عصيان الأمر الأهم.
الصحيح أنّ هذه السيرة بدرجة من البساطة وبلغة اليوم ظاهرة اجتماعية لا دخل لها في اللغة ولا تُنتج الظهور العرفي، ويكفي الشك في وجود السيرة المنتجة للظهور الى هذه الدرجة من الاعتبار الشرعي كي يقال: إنّ العُرف فعل ذلك والشارع فعله أيضاً.
ــــــ[64]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعليه فالحصة العرفية للدليل الإنّي ليست صحيحة.
وأما الحصة الشرعية من الدليل فبالنقض(1) بموردٍ فقهي واحد في الحقيقة، وكل ما ذكره في المحاضرات من الفروع الأربعة إنما هو فرع واحد تحليلي ومورد فقهي واحد وليس موارد متعددة بحسب زعمه حيث قال:
«الأول: ما إذا وجبت الإقامة على المسافر في بلد مخصوص»(2)، وعلى هذا فإن قَصدَ الإقامة في ذلك البلد وجب عليه الصوم لا محالة، إذا كان قصد الإقامة قبل الزوال ولم يأتِ بمفطر قبله، وأما إذا خالف ذلك وترك قصد الإقامة فيه فلا إشكال في وجوب الافطار(3) وحرمة الصوم عليه، وهذا هو عين الترتب الذي نحن بصدده، إذ لا نعني به إلا أن يكون هناك خطابان فعليان متعلّقان بالضدّين على نحو الترتب، بأن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيانه وفيما نحن فيه كذلك، فإنّ وجوب الإفطار وحرمة الصوم مترتب على عصيان الأمر بقصد الإقامة الذي هو مضاد له -أي الإفطار- ولا يمكن لأحد أن يلتزم في هذا
ــــــ[65]ـــــــ
(1) عادة النقض في الجواب أسهل من الحل وغالباً ما كان الطلاب يناقشون السيد الخوئي بالنقض، وهو يكشف عن القدرة وليس سهلاً ولكنه أسهل من الجواب الحَلي (منه).
(2) لم يذكر سبب الوجوب، ولا حاجة إلى أن يذكره من الناحية الأصولية، لكنّي أقدّم كأطروحة كسبب للوجوب كأن يكون عن نذر وشبهه، أو يكون البقاء عشرة أيام سبباً لإنقاذ مؤمن، او غير ذلك. (منه).
(3) في طول عصيان الأمر بالإقامة. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
الفرض بعدم جواز الإفطار ووجوب الصوم عليه، فإنّه في المعنى إنكار لضروري من الضروريات الفقهية(1).
الثاني: ترتب وجوب تقصير الصلاة على عصيان الأمر بقصد الإقامة وتركه في الخارج، ولا يفرق في ترتب وجوبه عليه بين أن يكون ترك قصد الاقامة قبل الزوال أو بعده، وبذلك تمتاز الصلاة عن الصوم كما عرفت.
الثالث: ما إذا حرمت الإقامة على المسافر في مكان مخصوص، فعندئذٍ كما أنه مكلّف بترك الإقامة في هذا المكان وهدم موضوع وجوب الصوم، كذلك هو مكلف بالصوم على تقدير قصد الإقامة وعصيان الخطاب الشرعي، فالخطاب التحريمي المتعلّق بقصد الإقامة خطاب مطلق وغير مشروط بشيء، والوجوب المتعلّق بالصوم وجوب مشروط بعصيان ذلك الخطاب، وعليه، فلو عصى المكلف ذلك الخطاب وقصد الإقامة فيه فلا مناصَ من الإلتزام بوجوب الصوم عليه، ومن الواضح جداً إنّ القول بوجوبه لا يمكن إلا بناءً على صحة الترتب، فلو لم نقل بترتب وجوب الصوم على عصيان الخطاب بترك الإقامة فلازمه الإلتزام بعدم الوجوب عليه وهو خلاف الضرورة.
الرابع: (ترتب وجوب إتمام الصلاة على عصيان حرمة قصد الإقامة، والكلام يظهر فيه مما تقدم).
أقول: إنّ كل هذه التشقيقات واحدة من الناحية الفقهية، دليلها واحد
ــــــ[66]ـــــــ
(1) أنا أحيانا أعبّر بـ(الضرورة الدينية). (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
وجوابها واحد، وليست هناك فروع فقهية كثيره ومن أبواب متعددة -كما زعم-، ولو تنزّلنا وسلمنا بالتعدد فإنّه ذكر مسألتين:
إحداهما: في فرض ووجوب الإقامة.
والأخرى: في فرض حرمتها، والباقي إنما تفصيل ولا نقبل أنه مسألتين، وأما العلاقة بين الإفطار والتقصير، أو الصوم والإتمام فهي واضحة إلى حدٍّ لا تُعتبر سبباً إلى تعدد المسألة أكيداً، ولو أعتبرناها متعددة ومسألة مستقلة في الفقه فليست من جهة الترتب ولا ربط لها بالترتب، وإنما من جهة إثبات هذه الملازمة، أنه لا يوجد صغرى أصلاً يجب فيها الإفطار والتمام، أو يجب فيها الصوم والتقصير.
أقول: فما ذكره من النقض في الحقيقة ليس بنقض، إذ أنّ مسألة الترتب هي تصحيح الأمر المهم مع وجود الأمر بالأهم وتنجّزه، وهذا المعنى لا وجود له في ما ذكره من المسائل الفقهية، أو هذه المسألة حقيقة، فيرد عليه عدّة ردود:
أولاً: إنّ الاقامة عشرة أيام إن وجبت أو حرمت فبالعنوان الثانوي، ومراد المشهور أنه واجب من الواجبات إنما هو بالعنوان الأولي فوجوب الإزالة واجب أولي وليس بالعنوان الثانوي.
ثانياً: إنّ مسألة الترتب يُشترط فيها أنّ أحدهما أهم من الآخر وإلا أفسد باب الترتب، ولو كانا بالأهمية على حدٍّ سواء لتساقطا -وإن كان قد تقدّم منّا أنّ الترتب يُتصوّر حتى في هذه المسألة- مع أنّ هذه المسألة -والإفطار والاتمام- ليس فيها أهم ومهم، قبل الإقامة أهم أو الصوم أهم؟
ــــــ[67]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
في حين أنّ الأمر الثاني في كلام المشهور وفي عنوان المسألة إنما هو المهم، وهو الذي يكون ترتبياً وليس الأهم.
ولو تنزّلنا عن الأهمية في كلام المشهور، فإنّ الترتب إذا كان فلا بدّ أن نفترض في موضوعه أن يكون أحدهما أهم، إما أن يكون وجوب الإقامة أهم من وجوب الصلاة أو لا؟ فهذا مما لا يُحتمَل أصلاً.
ثالثاً: إنّه في باب الترتب الاعتيادي المشهوري لم يُؤخَذ لسان الدليل المهم -وجوب الصلاة- شرطية عدم الاتيان بالأهم، وإنما هو إطلاق اعتيادي وإن خفي فيه هذه الشرطية، وإنما هي شرطية عقلية كوجوب الإطاعة، أي امتثل الأهم لأنه مقدم لأهميته، وفي المثال أُخِذ في لسان دليل القصر عدم الإقامة، وكذلك في لسان دليل التمام وجود الإقامة.
رابعاً: إنّ المكلف وإن كان يعجز أن يجمع بين الصوم وعدم الإقامة كما يعجز عن الجمع بين عدم الصوم والإقامة لأنه عصيان، كما يعجز عن الجمع بين الإزالة والصلاة، إلا أنّ العجز في الترتب المشهوري عقلي، أي لا قدرة حقيقةً على الجمع بين الإزالة والصلاة، وكما في الواجبين المضيَّقين المتزاحمين، وأما مسألة الإقامة فهو عجز شرعي وليس عقلياً ناشئاً من تقييد أحدهما، تقييد القصر بعدم الإقامة، وإلا فلا يوجد عجز عقلي، فلا يوجد ترتب.
خامساً: إنّ شمول دليل الإفطار عند عصيان الأمر بالإقامة واضح، فمن المتسالم عليه فقهياً أنّ من لا يُقيم يفطر حتى لو كانت الإقامة حراماً، وهذا واضح
ــــــ[68]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
في كل حصصه، ولا وجود للانصراف أو التخصيص، كما لا يُحتمَل سقوط الإطلاق في مورد الإلتقاء فهذا هو مورد المسألة.
وأما مسألتنا، فإنّ الأمر المهم يسقط عند منجّزية الأهم كما هو واضح، أي إنّ الإطلاق لا يشمله، فالإطلاق يتخلّف هنا في الأمر المهم، وأما في مسألة الإقامة لا الإطلاق في دليلها ساقط، ولا الإطلاق في دليل الإفطار ساقط.
هذا وتندرج في هذا الصدد مسألة الحج التي قلناها، فيما إذا عصى الفرد وجوب دفع الدين وأدى الحج، فإنه يصح حجه وهو مشهور، ولا حاجة لتكرار الإشكال وجوابه.
من الواضح جداً أنّ الحج في هذه المسألة باطل فيما إذا نوى حجة الاسلام، حيث إنّ وجوب دفع الدَين منجّز عليه ولا أمر بالحج أصلاً لكي يصحّ في حقّه أو يسقط. نعم، لو نوى الحج الاستحبابي أمكن القول بالصحة وليس هذا أخذاً بالترتب.
كما تندرج هنا جملة من الفروع الفقهية أو النقوض -لو صحّ التعبير- لإثبات الترتب ذكرها في التقريرات(1) وبسط الكلام فيها، وهي تشبه ما ذكر في المحاضرات من أنه إذا وجب السفر فلم يسافر فيجب عليه الإتمام والصيام إن كان في شهر رمضان.
ومثله أقول: لو أمرض نفسه حراماً بضررٍ معتدٍ به ومحرّم فوجب عليه التيمم
ــــــ[69]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص336.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أو الإفطار أو الصلاة من جلوس، ولا يحتمل فقهياً بقاء التكاليف الأصلية عليه بعنوان أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فيجب عليه الوضوء والغسل والصلاة من قيام والصيام، كل هذا غير محتمل، كما هو الصحيح.
وكذا لو دخل في أرض مغصوبة وكان وقت الصلاة ضيّقاً، ودخوله كان حراماً، فيجب عليه الخروج والصلاة إيماءً، وهذا واضح فقهياً ومجمَع عليه، هذا أولاً.
الامر الثاني: أنّ الجامع بين كل هذه الفروض هو أنّ الحُكم المتأخر أو الثاني والذي يزعم صاحب المحاضرات بأنه ترتبي -وفي الحقيقة ليس بترتبي- مقيَّد بتقييد لفظي شرعي أو لُبّي بعدم الأول، أو عدم ملازمه المساوي له، طبعاً لا يمكن اجتماعهما، لأنّ الثاني مع وجود الأول فاقد لشرطه فلا مورد له أصلاً، والمشروط عدم عند عدم شرطه، فإذا لم يُوجد الأول بأن سافر وهو حرام بأن عصى الحكم الشرعي، يكون الثاني واجداً لشرطه فيتنجّز، وإن أثم بترك الأول، مع ملاحظة أنّ الشرط في الثاني هو مطلق عدم الأول سواء وُجد بسبب محلل أو محرم -وهذا قلما يُلتفت اليه-
فمثلاً، إنّ الإقامة لعشرة أيام موضوع للإتمام سواء كانت محرّمة أو محللة، والحضر موضوع له أيضاً سواء كان وجوده الحضري محللاً أو محرّما، إلا أنّ السفر للقصر يختصّ بالمحلل وهذا بالدليل الخاص ولولاه لكان مطلق السفر موجب للقصر ولو كان محرماً، وهو من الضروريات الفقهية.
فلا يقال بأنّ السفر موجب للقصر خصوص المحلل وهو القدر المتيقن
ــــــ[70]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ودليله لبّي من اجماعٍ أو سيرةٍ، ولا توجد مطلقات في المسألة.
لأنه يقال:
أولاً: بوجود المطلقات الثابت إطلاقها.
وثانيا: لو سلمنا بعدمها، فإنّ الدليل اُللبّي في الحصة المحرمة إذا كان حضره محرماً فإنه يجب عليه الاتمام. إذن الدليل اللبّي موجود في كلتا الحصتين، موجود في هذه الحصة بالخصوص، وموجود في هذه بالخصوص، لأنّ للدليل اللبّي إطلاق، ويسمى بنتيجة الإطلاق وعليه فيثبت المطلوب.
الامر الثالث: وهذا بخلاف موارد الترتب، فإنّ خطاب المهم الذي هو الثاني كالصلاة في المثال، فإنه في أصل الشريعة ليس مقيَّداً بترك الأهم، لا عند الإمكان ولا عند العجز (صلِّ ما بين الحدين)، ولذا يكون كلا الحكمين -الأهم والمهم- منجَّزاً لولا العجز عن الجمع بينها، فإنّ المقتضي موجود وهو تنجّز الأهم.
وقد نقل في المحاضرات عن الشيخ النائيني ما معناه: أنّ مجرد أهمية الأهم كافية لتقييد المهم بعدمه.
أقول: إنه لا يوجد تقييد شرعي بذلك، لا نص في ذلك ولا ظاهر، فإن صلحت أهمية الأهم للتقييد فذلك عقلي كما أعتقده، وهذا المعنى يختلف عن كل ما ذُكر في الفروع الفقهية وسيأتي مناقشة الشيخ النائيني.
مناقشة مع ما أورده صاحب التقريرات
تصدى صاحب التقريرات للإيراد على هذه النقوض، نذكر الثاني والثالث منها ونناقشها بمقدار ما هو ممكن، ونترك الأول لأنه قد تبين أمره مما تقدم فلا نعيد.
ــــــ[71]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
حيث قال: «إنّ الضرورة الفقهية في الفروع المذكورة أنها تقوم على النتيجة وهي عصيان المكلف ترك الصلاة الرباعية في الفرع الاول والثنائية في الفرع الثاني وترك الصوم في الفرع الثالث، ولكنّها لا تعيّن كيفية تخريجها وصياغتها ثبوتاً وأنها على أساس الأمر الترتبي، وعليه فيكون برهان استحالة الترتب منضماً الى هذه الضرورة الفقهية معينة لصياغة ثبوتية أخرى». انتهى.
أقول: إذا ضممنا استحالة الترتب فهل في الامكان تغيير هذه الضرورة؟
يقيناً لا، فإنه حتى لو كان الترتب مستحيلاً أو ممكناً، فإنّ النتيجة هي هي لا يمكن تغييرها، لأنها من الضروريات، ولم تنشأ من الترتب.
قال: ولنا على ما ذكر في التقريرات من الوجهين عدة تعليقات:
التعليق الاول: إنّ ما ذكره في الوجهين تمحلات غير لازمة، بل الصياغة المشهورة فقهاً لا مثال هذه الفروع كافية جدا لصحة النتائج بدون القول بالترتب ونشير الى مثال لذلك:
وهو صورة وجوب السفر مع العلم أنه عصى وجوب السفر وبقي وصلّى تماماً يكون السفر واجباً بالعنوان الثانوي، ولا ربط لهذا الحكم بالقصر والتمام او الصوم والافطار، وإنما فقط نتيجته ومِلاكه، وهو انقاذ المؤمن -مِلاك وجوب السفر- وأما التمام أو القصر فهي أحكام أولية أصلية مترتبة على موضوعاتها قهراً بغض النظر عن كون الحضر حراماً أو مباحاً، فإنّ الحضر المحرم أيضاً موضوع لوجوب التمام.
فإذا ترك المكلف السفر وترك الصلاة فقد ترك واجبين منجّزين
ــــــ[72]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أما الاول: وهو السفر فلأنّه مطلق على الفرض.
وأما الثاني: فلأنّ موضوعه الشرعي حاصل، وهو عدم السفر –الحضر- فيتحقق عقابان لا محالة.
وأما إذا ترك السفر وصلى تماماً، فإنه يأثم لتركه واجباً ويثاب لإطاعته الآخر، وأما لو سافر فإنه يثاب لأنه أطاع وجوب السفر ويستحق الثواب لأنه صلى قصراً، إذا قلنا أنّ ثوابه هنا غير ثواب أصل الصلاة، بحيث يثاب الإنسان على الصلاة وعلى صلاة القصر، وكذا يثاب على الصلاة وعلى التمام فكلاهما ثواب ولا مانع للالتزام به.
وأما إذا ترك الصلاة في هذا السفر فإنه يثاب على السفر ويعاقب على ترك الصلاة، أو صلى تماماً في السفر فإنها باطلة.
وأما إذا قلنا بتعذر الثوابين وإنما هو ثواب واحد، فليس على القصر أو التمام ثواب مستقل وإنما هو أصل ثواب الصلاة، وإنما السفر فقط له الثواب حيث أطاع، وأما القصر لوحده فلا ثواب له وإنما الثواب لأصل الصلاة، وعليه فلا ربط للترتب كما هو واضح.
التعليق الثاني: الطعن في الكبرى التي أخذها مسلمة وهي وجود أمرين: أحدهما تخييري، والآخر بأحد طرفي التخيير أي تعيين أحد طرفي التخيير معه.
والمقصود أنّ امتناعهما بالعنوان الأولي لا الثانوي
فإنّ المكلف بحسب العنوان الثانوي يكون مخيراً بين الإطعام والصيام كما في كفارة شهر رمضان، فإنقاذ أرواح المؤمنين واجب فيختاره من بين أصناف
ــــــ[73]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الكفارة، وأما بحسب أصل الشرع فهو مخيّر بينه وبين غيره ومأمور بالجامع، وأما أنّ الشارع يأمر بالجامع ويأمر الفرد وكلاهما يكون منجّزا على المكلف، فهو صعب ومتعذر، حيث أنّ الأمر التعييني يكون خُلف التخييري، وقرينة إثباته على إلغاء التخيير وإسقاط الحصة الأخرى عنه.
وغاية ما يمكن عرضه بهذا الصدد دفاعاً عن هذه النظرية:
أنّ الحيثيات والمِلاكات قد تختلف، فيكون التخيير باعتبار سنخ من المِلاك ويكون التعيين ناتجاً من سنخ آخر من المِلاك، فيكون كلاهما منجّزاً بمِلاكه ولا يقع التنافي بينها، ولا يكون التعيين خُلف التخيير.
وهذا إن سلّمناه فهو غير منطبق على المقام، وليس المورد صغرى له، لأنه ليس لنا هنا إلا القصر في السفر في كلا الحالين فتأمل. لربما هنا وجه دقّي يميّز لكم بين هذين المِلاكين لا حاجة للدخول فيه.
التعليق الثالث: قوله «الأخذ بالجامع بين السفر والتمام في الحضر…».
أقول: إنّ الجامع من أين يأتي وكيف؟!
علماً أنّ السفر وجوبه بالعنوان الثانوي حتماً، إذ لا يوجد في أصل الشريعة وجوب السفر، مع الالتفات إلى أنه لا يمكن التفكيك في أمر واحد بين أمر أولي وأمر ثانوي، أو تركب بينهما أمراً واحداً يشملهما نسميه بالأمر الجامع -لأنهما طوليان- ضرورة أنّ الأمر الأولي الأصلي أسبق رتبة من الثانوي الطارئ، ومع الطولية كيف يمكن أن تتصور أمراً واحداً يشملهما؟ لأنه سوف يكونان عرضيين وهو خُلف الطولية.
ــــــ[74]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التعليق الرابع: إنه يمكن منع ما ذكره من الوجه في وحدة الثواب حيث قال: أمكن توجيهه بأنّ الامرين باعتبار نشوؤهما عن مصلحتين لا يمكن إلا تحصيل أحدهما دائماً، فلا يكون عليهما ثواب واحد، وإنما اقتضيا التكليف بالصياغة المذكورة التي يتعدد فيها الأمر لمجرد الفرار عن محذور طلب الضدين غير المقدور للمكلف)(1). انتهى.
أقول: إنّ ما هو متعذر ليس هو فعليه الثوابين فقط ليتم هذا الوجه، وفي الحقيقة إنّ الكبرى الفقهية التي تنكر الثوابين يمكن أن يتصورها على مستويين أو رتبتين، فإن أنكرت الرتبة الأولى التي هي فعلية الثوابين، فالجواب صحيح، لأنه لا يكون هناك ثوابان فعليان لاستحالة الجمع بين الطاعتين أو الامتثالين.
اما المستوى الثاني: أنّ نتصور وجود مقتضيي الثوابين وليس فعلية الثوابين فقط، وهذا واضح فقهياً ومرتكز.
وحينئذٍ نقول: مقتضيا الثواب موجودان معا، وذلك لأنه لكل من الامتثالين طاعة في نفسه ولكل طاعة ثواب وما دام أنّ الأمر في أنفسهما منجّزين، فحينئذ مقتضيا الثوابين موجودان.
وتظهر ثمرته فيما إذا أمكن الجمع بين الامتثالين، لربما في هذه المسألة لم يمكن الجمع لكن في مسألة أخرى يمكن الجمع، لأنّ الفروع الفقهية التي ذكرناها عديدة وذات صور مختلفة إلى حد ما، وليس أنها من هذه الحيثية متشابهة إذا أمكن الجمع بين الامتثالين في بعض الأمثلة السابقة، كما لو وجب على المريض أن يكون
ــــــ[75]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
منهج الأصول (الجزء السابع)
معافٍ لمصلحة ثانوية مثلاً، فتداوى حتى عوفي فوجبت عليه الصلاة قياماً وبطهارة مائية، فانقلبت وظيفته الثانوية إلى أولية، فحصل هنا ثوابان أحدهما: أنه حوّل نفسه الى العافية، والثانية: أنه مكّن نفسه من الوظائف الأولية كالطهارة والقيام الى الصلاة.
التعليق الخامس: أنّ نفس ما قلناه من تعذر الجمع بين الحكم الثانوي والحكم الاولي، بمعنى إرجاعه إلى الأمر في الجامع في الوجه الأول الذي هو ذكره في نفسه، يرد في الوجه الثاني حيث قال(1): «تحريم الجمع بين التركين –ترك السفر وترك الإتمام في الصلاة الرباعية-» كما هو واضح، لأنه ترك السفر إنما هو حرام بالعنوان الثانوي وترك الإتمام حرام بالعنوان الأولي إذا كان تكليفياً على أية حال، وإنما هو وضعي فلا يجتمعان في حكم جامع بينهما.
التعليق السادس: إنه قال في الوجه الثاني لتصحيح العبادة: أنه يصلي بعنوان التوصل إلى ترك الحرام، وهذا يكفي لتصحيح القربة حيث قال: «ويكفي في تصحيح قربيّة العمل قصد التخلص من الحرام، إذا كان متوقفاً عليه كالوضوء من أجل مس المصحف مثلاً، فيكون فعل الصلاة قُربياً بهذا الاعتبار»(2).
أقول: إنّ قصد ترك الحرام توصلّي وليس عبادياً لتصح به القربة.
إن قلت: إنّه عبادي بالمعنى الأعم لإمكان قصد القربة فيه، وإن كان هو في نفسه توصلي، لأنّ كل عمل يمكن فيه القربة فهو عبادي، وهذا مما يمكن فيه القربة.
ــــــ[76]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
منهج الأصول (الجزء السابع)
قلت:
أولاً: بناءً على هذا لا يكون هناك واجب توصلي إطلاقاً، لوضوح إمكان قصد القربى في الجميع، الراجحة والمرجوحة، ما عدا المباحات الخاصة اللاإقتضائية، فمثلاً إذا ترك شرب الخمر قربة إلى الله فإنه يكون مستحباً، وهكذا كل الاشياء، وحينئذٍ لا يوجد توصلي، فكيف قسّم الأصوليون الاحكام إلى تعبدي وتوصلي؟
والتحقيق: أنه توجد حصتان قابلة للتوصلية:
الحصة الأولى: المباحات الخاصة اللاإقتضائية، وهي التي ليس فيها مقتضى الإلزامات فعلاً ولا تركاً، وهذا لا معنى للتعبدية فيه، لأنّ كُلاً من الفعل والترك مخير حقيقي بينهما، فلا معنى لقصد القربة فيه.
الحصة الثانية: الأحكام الوضعية أيضاً بما هي وضعية ليست أفعالاً حقيقية، وإنما القربة تقصد في الأفعال لا في الاحكام الوضعية بما هي منتزعة من عالم الخارج، كالملكية والحرية والزوجية والرهن والوقف، فهي ليست أعمالاً حتى يقصد فيها القربة.
لكنّه مع ذلك فإنه أُخذ في عنوان المسألة خروج هذين السنخين من الأحكام، وإنما الكلام في باب التضاد بين حكمين تكليفيين فيهما بعث وتحريك، وعليه فالحديث ينحصر ويقتصر على الأحكام الأربعة غير الإباحة، وكلها يمكن عباديتها حيث يمكن قصد القربى.
ثانياً: لو تنزلنا عن الوجه الأول وقلنا انه تقربي وعبادي، فهل يكفي تصحيح
ــــــ[77]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
العبادة بمجرد إمكان تحويل التوصّلي إلى عبادي؟ قد يرى مشهور المتأخرين ذلك ولكن عند مشهور المتقدمين والمتوسطين تأملٌ، بل قد لا يرضى، ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بعدم الاكتفاء بمثل هذه النية.
التعليق السابع: أنّ فرض الحكم الذي هو جمع بين الترْكين خُلف تعيين السفر عليه وجوباً كما هو المفروض، إلا أن نجمع بين الحكمين أيضاً، كما جمع في الوجه الأول حيث قال بعدم استحالة ذلك، فهذا أيضاً يحتاج إلى ضم شيء من هذا القبيل وهو القول بعدم الاستحالة.
ويرد عليه: سنخ ما قلناه في التعليق الثاني والثالث.
التعليق الثامن: قال في التقریرات: «ويكون تارك السفر والصلاة معاً معاقَباً بعقابين، لتركه واجباً وفعله حراماً»(1).
وهذا واضح الفساد، لأنه عندنا وجوب واحد الذي هو حرمة الترْكين
-حرمة الجمع بين التركين- فقوله: (ترك واجباً وفعل حراماً) باطل.
لأنّ التكليف في مفروضه واحد، وهو حرمة الجمع بين الترْكين وقد عصاها بعصيان واحد، مع أنه يفترض أن يكون الواجب معزولاً ومستقلاً من الحرام حتى يكون هذا له طاعة وعصيان مستقل، وهذا يكون له طاعة وعصيان مستقل فإن كان الواجب هو الصلاة فترك واجباً، إذن فما هو الحرام؟
وإذا كان الواجب هو السفر فهو أيضاً ترك واجباً، فينبغي أن يقول ترك واجبين، لا أنه ترك واجباً وفعل حراماً.
ــــــ[78]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإن قلت: إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام، فيكون ترك السفر حراماً فقد فعل حراماً.
قلت: إنّ هذا يبتني على هذه المسالة، وهي ليست مسلَّمة بهذا المعنى، هذا أولاً.
وثانياً: إنّ نفس هذا الكلام وهو أن نطبق كبرى النهي عن الضد على الصلاة، فإنّ تركها أيضاً حرام، فيكون قد فعل حرامين بترك واجبين.
كما يمكن أن يقال: إنّه فعل حرامين أو ترك واجبين.
وأما القول أنّه فعل واجباً وترك حراماً بأن يكون النظر لأحدهما من حيثية والآخر من حيثية أخرى، فإنه لا يخلو من تسامح.
التعليق التاسع: قد سلّم صاحب التقریرات(1) بأن يكون الأمران الناشئان عن مصلحتين لا يمكن إلا تحصيل أحدهما لا يكون عليهما إلا ثواب واحد، حيث إنه طاعة واحدة.
ويرد عليه:
أولاً: إنّ عقابه أيضاً واحد ولا يمكن فرض عقابين مع ثواب واحد، وبعبارة أخرى لا يمكن فرض طاعة واحدة وعقابين.
ثانياً: إذا فرضنا عصيانين فلا بدّ أن نفرض ثوابين وكذلك عقابين، هذا وإنّ وجود ثوابين محذور عند المشهور، وقد ذكر أنه خلاف ذوق المشهور كما أشرنا إليه، ولكنه لم يتعرّض له في الوجه الثاني ولا إلى جوابه.
ــــــ[79]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثم قال: «التعليق الثالث(1): إنّ النقيضين الأولين من هذه النقوض مبنيان على القول بكون السفر والحضر من شرائط وجوب التمام والقصر، وأما لو قلنا بأنهما قيدان في الواجب(2) والوجوب مطلق متعلق بالجامع بين الرباعية الحضرية والثنائية السفرية فلا ترتب أصلاً، بل هناك أمران من أول الأمر بالسفر وبالجامع المذكور ولا ترتب بينها ولا تضاد بين متعلقيهما، إذ السفر يمكن أن يجتمع مع الجامع(3) المذكور كما هو واضح».
أقول: طرح هذه الفكرة صحيح، إلا أنّ الذهاب إلى هذا المبنى وهو رجوع القيد إلى الواجب لا إلى الوجوب غير متيسر، إلا على مسلك تقريرات الشيخ الأعظم من تعذر رجوع القيد إلى الهيئة، فلا محالة من رجوعه إلى المادة.
وعليه، فإذا أمكن الترتب كما عليه المشهور –بما فيهم الشيخ الأنصاري- لزم وتعين رجوع القيد إلى الهيئة، فيكون السفر والحضر قيداً للوجوب لا للواجب كما هو المشهور، ويكون جواب التقريرات منتفياً.
ثم قال: «نعم، هذا المسلك ليس من المسلك المتعين، بل هناك مسلك آخر يرى أنّ السفر والحضر من شرائط التكليف بالرباعية أو القصر، وقد يشكل بناءً عليه بمن كان حاضراً أول الوقت مسافراً آخره، من أنه لو كان شرط التكليف بالرباعية أن يكون المكلف حاضراً في تمام الوقت لزم عدم تكليفه في المثال
ــــــ[80]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
(2) أي قيدان للمادة –الواجب- لا الهيئة –الوجوب-. (منه)
(3) أي مع أحد فردي الجامع المذكور وهو الثنائية السفرية. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
المذكور(1) بها، مع وضوح(2) أنه لو صلى قبل سفره كان مصداقاً للواجب، ولو فرض أنّ الشرط هو الحضر ولو في أول الوقت لزم القول بوجوب الرباعية عليه قبل أن يسافر وكونه عاصياً فيما إذا سافر من دون الصلاة، مع أنّه مما لا يلتزم به أحد».
والجواب: بافتراض تقييد زائد في دليل التكليف، وشرطه بأن نقول مثلاً أنّ الشرط هو الحاضر في أول الوقت، إضافة إلى شرط آخر وهو أن لا يسافر بعد ذلك سفراً غير مسبوق بالصلاة الرباعية، فلو لم يسافر أصلاً(3) أو سافر سفراً مسبوقاً بالصلاة الرباعية كان التكليف بالرباعية فعلياً عليه من أول الأمر، وكانت صلاته الرباعية مصداقاً للواجب، لأنه في الصورتين لم يقع منه سفر غير مسبوق بالصلاة، وأما لو سافر سفراً غير مسبوق فلا يكون عليه تكليف بالرباعية من أول الأمر(4).
ــــــ[81]ـــــــ
(1) لأنه يسافر في أثناء الوقت فشرط الرباعية وهو الحضور في تمام الوقت غير موجود. (منه)
(2) هذا لا معنى له، لأن لزوم ذلك أن يصلي في وطنه قصراً، حيث قال: (مع وضوح…) مع أنّه يصدق عليه أنه ليس موجوداً –ثبوتاً في علم الله- في الحضر طول الوقت فليس مصداقاً لهذا الشرط، فيجب عليه القصر والتمام، لأن موضوع الإتمام غير تام في حقه.
(3) له مصداقان: إما أن لا يسافر أصلاً، وإما أن يصلي ويسافر، لأنه إذا لم يسافر أصلاً لم يسافر سفراً غير مسبوق، فالسفر غير المسبوق بالصلاة الرباعية غير موجود، وإذا صلى وسافر فالسفر غير المسبوق بالصلاة الرباعية أيضاً غير موجود، لأنه صلى. (منه)
(4) فلا تكليف عليه بالصلاة تماماً، وإنما يصلي قصراً في مكانه. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: تعليقنا على هذا بعدة نقاط:
أولاً: لو كان شرط الإتمام هو الحضر من أول الوقت إلى آخره، فإنّه يكون شرط القصر الذي هو السفر من أول الوقت إلى آخره، نعم تبقى عندنا صورة التلفيق بين الحضر والسفر لمن سافر أثناء الوقت أو حضر أثنائه، فإنّ هذه الصورة لا تكون داخلة في الإطلاقين أو الشرطين، لأنه لم يحضر في تمام الوقت لكي يكون موضوعاً للإتمام ولم يسافر في تمام الوقت لكي يكون موضوعاً للقصر، ومعه يتعين فيه الرجوع، أي تسقط الإطلاقات ويتعين الرجوع إلى الأصول العملية، كاستصحاب التكليف لأول الوقت تماماً كان أو قصراً، فإن كان حاضراً أول الوقت استصحبنا وجوب الإتمام إلى ما بعد سفره، فيجب أن يصلي تماماً إلى آخر الوقت حتى لو سافر، والعكس أيضاً صحيح، فيما لو كان مسافراً أول الوقت جرى استصحاب الثنائية إلى آخر الوقت حتى لو حضر.
يقابل ذلك أنّ شرط الاتمام هو الحضر طول الوقت، وشرط القصر هو السفر ولو في بعض الوقت، فقد يكون هذا –كأطروحة- فلو سافر في أثناء الوقت أو في أول الوقت أو في آخره، فإنّه يستلزم تعين القصر عليه قبل السفر، إذا كان في وطنه يجب عليه أن يقصر، لأنّ شرط الاتمام غير موجود وهو البقاء حاضراً طول الوقت، لأنّه سوف يسافر خلال الوقت وشرط القصر موجود وهو السفر في بعض الوقت، فيجب عليه أن يقصر وهو في بلده في أول الوقت.
كذلك ينقض بالعكس، وهو أن يكون شرط القصر هو السفر طول الوقت وشرط الاتمام هو الحضر ولو في بعض الوقت، فيجب عليه أن يتم إذا كان مسافراً
ــــــ[82]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
في أول الوقت، فإنه يتم حال سفره لأنه يعلم أنّ القسم الثاني من الوقت سوف يكون حاضراً.
وحينئذٍ يبقى الأمر منوطاً بالاستفادة من الأدلة والإطلاقات لأي من هذه الاحتمالات، شرط الاتمام الحضر لكل الوقت أو بعضه، وكذا شرط القصر السفر في كل الوقت أو بعضه.
لا اعتقد أن تؤدي إلى نتيجة، إذ ليست هناك إطلاقات من هذا القبيل فالمصير الى الاصول العملية وهو ينتج مراعاة أول الوقت على كل حال، ولو اختلف الحال كما إذا اجرينا استصحاب التكليف أول الوقت حاضراً كان وسافر، أو مسافراً كان وحضر، فإنّه إن كان حاضراً وسافر يصلي تماماً بعنوان أنه أول الوقت حاضرٌ وكذا العكس، وهذا وجهٌ فقهي ضعيف.
ثانياً: قد ذكر أنه لو كان الشرط للإتمام هو الحضر أول الوقت لزم المنع من السفر..).
ولازم ذلك أنه لا يجوز له السفر إلى أن يصلي وهو غير محتمل، إذ لم يقل أحد بحرمة السفر.
اقول: لا يتعين ذلك، بل إما أن نقول بحرمة السفر عليه، وإما تعيّن الإتمام في السفر مادام الوقت، لا إذا ما لم يصلي وسافر، ويجوز له السفر لكن يجب عليه الإتمام في السفر لهذه الصلاة التي لا زال وقتها موجوداً، وهو أيضاً معنى مراعاة أول الوقت، لكن لا بحسب الأصول العملية بل بحسب الأمارات والإطلاقات، وهو وإن كان شاذاً وضعيفاً فقهياً إلا أنه عليه فتاوى بعض القدماء
ــــــ[83]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
على ما أتذكر، ويقابله السفر في أول الوقت أيضاً.
ثالثاً: إنّه ليست هناك أيّة حاجة إلى التقييدات التي ذكرها أخيراً، حيث ذكر أنه لا يسافر سفراً مسبوقاً برباعية فإنه لا ملزم له، وإنما المستفاد من الأدلة أحد أمرين ينتجان نفس النتيجة المشهورة والصحيحة، وهما بمكان من الوضوح بأن يصلي كل واحد بحسب تكليفه حال الصلاة، إن كان في سفر صلى قصراً، وإن كان في حضر صلى تماماً، سواء كان في أول الوقت أو آخره.
الامر الاول: إنّ الإطلاق وإن دلّ على أنّ الإتمام مقيَّد بالحضر طول الوقت إلا أنه قابل للتقييد بمن سافر خلال الوقت، فإنه يقصّر إذا صلى في سفره بعد ذلك، وكذا العكس، فإنّ هذا من قبيل تقييد المطلق، إذ ليس المطلق علة تامة بل هو مقتضي قابل للتقييد.
الامر الثاني: إنّ الشرط من أول الأمر هو ملاحظة حال المصلي حال انجازه الصلاة بغض النظر عن أول الوقت أو كله، فإن كان حال الصلاة مسافراً قصّر، وإن كان حاضراً أتمّ، وهذا هو المستفاد من النصوص المعتبرة.
وأما التقييد الذي ذكره وهو ألّا يسافر بعد ذلك سفراً غير مسبوق بالصلاة الرباعية، فهو مطلب دقّي يتعذر استفادته العرفية من الأدلة، مضافاً إلى أننا لو قلنا هذا الكلام في جانب الحضر فلا بد أن نقول مثله في جانب السفر، بأن يقال: إنّ القصر واجب عليه في أول الوقت، ما لم يصبح في حضر غير مسبوق بالصلاة الثنائية، وهو أشد تعقيداً من الاقتراح الأول وأبعد عن فهم العرف من التقييد السابق، فإنّ المفروض استفادتهما معاً من الأدلة كتكليفين متقابلين للسفر
ــــــ[84]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
والحضر، فيزداد الأمر تعقيداً وبعداً عن الفهم العرفي الأول للأدلة.
مناقشة استدلال صاحب التقريرات على إمكان الترتب بالطولية
قال في التقريرات: الجهة الرابعة: «استدلّ على إمكان الترتب بالطولية بين الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم فلا مانع من اجتماعهما، نظير ما يقال في الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية مع عدم التمانع والتنافي بينهما، لأنّ مرتبة الحكم الظاهري متأخرة عن مرتبة الحكم الواقعي المضاد او المماثل…». انتهى
يوجد سنخ واحد من الاستدلال على إمكان الترتب وهو قدر مشترك بين الأدلة على إمكانه، وهو دعوى الطولية بين الأمر بالمهم بالنسبة إلى الأمر بالأهم وأنّ الأول متأخر رتبة، ولعل هذا هو محصّل الدليل الرئيسي الذي اختاره في المحاضرات لإمكان الترتب على ما سياتي، وهنا تحتاج الى ضم كبرى لهذه الطولية وهي انتفاء المانع من اجتماع -الأمرين- الضدين. وبعبارة اخرى: إنه ما دامت هناك طولية فلا يحصل اجتماع فلا استحالة، لأنّ الاجتماع يكون عندما يكون الأمران عرضين.
نظير ما يقال في الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية باختلاف المرتبة، فلا يلزم محذور اجتماع الضدين أو المثلين، فالطهارة الظاهرية لا تنافي الطاهرة الواقعية فضلاً عن النجاسة الواقعية لتعدد المرتبة بين الحكمين، وأنّ الظاهري متأخر رتبة عن الواقعي.
وهنا تقريبات ثلاثة للطولية، نذكرها ثم ننظر إلى الدليل الذي في
ــــــ[85]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المحاضرات، وأنه هل يرجع إلى واحد منها أو يصلح أن يكون رابعاً؟:
التقريب الاول: ما ذكره المحقق الاصفهاني(1) نقلاً عن بعض القائلين بإمكان الترتب(2) وحاصله: «إنّ الأمر بالمهم في مرتبة متأخرة عن الأمر بالأهم، فيكون اقتضائه الاتيان(3) بالمهم في غير مرتبة اقتضاء الأمر بالأهم بل في رتبة متأخرة، وذلك لأنّ الأمر بالمهم مترتب على ترك الأهم وهذا الاخير في رتبة فعل الأهم -بناءً على أنّ النقيضين في رتبة واحدة- وفعل الأهم متأخر عن الأمر بالأهم واقتضائه لأنه معلول له، فيكون الأمر بالمهم واقتضائه لفعل المهم متأخراً عن الأمر بالأهم واقتضائه فلا محذور».
وهذا التقريب يمكن أن يورد عليه بعدة وجوه:
الوجه الاول: النقض بما إذا قيّدنا الأمر بالمهم بامتثال الأهم لا بعصيانه، فإنه سوف تكون رتبة الأمر بالمهم متأخرة عن رتبة الأمر بالأهم، مع أنه لا إشكال في استحالته حتى عند القائل بإمكان الترتب.
وهذا النقص غير وجيه بهذه الصياغة، إذ يدفعه: أنه على تقدير إتيان الأهم يكون فعل المهم غير مقدور في نفسه(4) إذ الضد المقيَّد بوجود الضد الآخر ممتنع في
ــــــ[86]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص338.
(3) الإتيان هنا لا يهم ذكره وإنما المهم هو الاقتضاء، لأنّ كل أمر يقتضي الامتثال ويستلزم الامتثال الاقتضاء. (منه)
(4) في لحظة الإتيان بالأهم إذ أنّ الضد الآخر ممتنع في نفسه، كالحركة المقيَّدة بالسكون فإنها ممتنعة في نفسها، والصلاة المقيَّدة بوجوب الإزالة ممتنعة في نفسها. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
نفسه فيكون الأمر به(1) أمراً بالممتنع في نفسه، وليس من قبيل الأمر بالضد المقدور في نفسه(2).
الوجه الثاني : النقض بما إذا قصد الأمر بالمهم باقتضاء الأمر بالأهم للامتثال أو قل بفعلية الأمر بالأهم، فإنه في مثل ذلك سوف تتعدد رتبة الأمرين واقتضائهما، مع وضوح أنّ مشكلة تعلق الأمر بالضدين لا ترتفع بذلك(3). انتهى.
اقول: وهذا الوجه يتضمن منع الكبرى لأصل الجامع بين التقريبات، وهي أنّ الطولية بين الأمرين واقعة للمانع من الاجتماع فيهما إلا في الأمرين نفسهما، إذ لو كانت الكبرى صحيحة وأنّ الطولية رافعة للمانع من الاجتماع لانتفت استحالة تعلق الأمر بالضدين بمجرد الطولية أيّاً كان تقريبها بما فيها هذا الوجه -الثاني- فقوله: (بأنه لا يرفع مشكلة تعلق الأمر بالضدين مبني على منع هذه الكبرى)، وسيأتي الكلام فيها وليس هذا محل كلامنا فيها.
الوجه الثالث(4): إنّ غائلة المنافاة والتضاد في اجتماع المتضادين تكمن في اجتماعها في زمان واحد لا في رتبة واحدة، لأنها من شؤون وجود الضدين في الزمان، ولذلك قلنا فيما تقدم من الابحاث بأنّ استحالة اجتماع الضدين لا ترتفع
ــــــ[87]ـــــــ
(1) بالمهم المقيَّد بامتثال الأهم. (منه)
(2) لأنّه مقيَّد بالإتيان بالأهم. (منه)
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص339.
(4) كأنّه يصلح استدلالاً على منع الكبرى المذكورة أخيراً من دون إشارة الى هذا الترتيب الفكري هناك في التقريرات. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
حتى لو فرض الطولية بينهما كما لو كان احدهما علة للآخر، ففي المقام اجتماع اقتضاء الأمرين بالضدين في زمان واحد يكون مستحيلاً ولو كان في رتبتين، فإنّ مِلاك الاستحالة المعيّة في زمان، لا في الرتبة وغاية ما يثبت بهذا التقريب عدم المعيّة في الرتبة). انتهى.
وتعليقنا على ذلك من جهتين:
الأولى: من الواضح أنّ عليّة أحد الضدين للآخر مستحيل ولا حاجة للبرهنة عليه، ضرورة أنّ بين العلة والمعلول سنخية ولا سنخية بين الضدين أو النقيضين، فيستحيل أن يكون أحد الضدين موجِداً للآخر، فلا طولية بين الضدين، وقد برهنا على ذلك في حينه وقلنا: إنّ الطولية التي يتكلم عنها غير الطولية المقصودة، وأما الطولية المقصودة فهي مستحيلة بين الضدين والنقيضين فكل شيئين طوليين لا يمكن أن يكون بينهما مضادة، فإذا أثبتت الطولية بين الأمر الأهم والمهم ارتفعت المضادة بينهما وأمكن الاجتماع.
الثانية: إنّ ما ذكره من: «غائلة المنافاة….».
أقول: إنّ هذا من ناحية استحالة اجتماع المثلين في زمان واحد، إذن فامتثالهما متضادان، وأما اقتضاء الأمرين في أنفسها فإنما يكون متضاداً إذا كان هناك أمر بالضدين، ومع تعدد المرتبة سينتفي هذا المعنى عن الأمرين فلا يكونان أمرين بالضدين، وإنما بينهما طولية حقيقة ولذا اجتمعا، إذ لا طولية بين الضدين والنقيضين فإنها محال.
قال صاحب التقريرات: الوجه الخامس: «إنّ هذا التضاد بين الأمرين ليس
ــــــ[88]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ذاتياً وإنما باعتبار التضاد بين متعلقهما أي الصلاة والإزالة مثلاً، فتعدد الرتبة بين نفس الأمرين لا يدفع مشكلة الأمر بالضدين التي هي منشأ التنافي بين الأمرين، بل يتعين في رفع التنافي والتضاد العرضي بين الأمرين من علاج التضاد الذاتي بين المتعلقين بأن لا يكون من اجتماع الضدين في مرتبة واحدة، وحينئذٍ إذا قبلنا قانون أنّ النقيضين في رتبة واحدة أمكن العلاج المذكور، حيث يكون فعل المهم متأخراً عن الأمر به المتأخر عن ترك الأهم، الذي هو في رتبة فعل الأهم فيتأخر المهم عن الأهم رتبة، وأما إذا أنكرنا ذلك بقيت الممانعة والمضادة بين المتعلقين على حالها، فيكون الأمر بهما ولو في رتبتين أمراً بالضدين.
نعم، الأمر بالأهم يتطلب عدم موضوع الأمر بالمهم، إلا أنّ هذه النكتة مستقلة للقول بإمكان الترتب سوف يأتي ذكرها في برهان مستقل»(1). انتهى.
أقول: قد أشرنا قبل أسطر إلى قبول كبرى اتحاد الضدين في الرتبة، وأنّ الضدين رتبتهما واحدة، فيكون الدليل -أي التقريب الأول- تامّاً بإقراره لأنّه قال: «إذا قبلنا أنّ النقيضين في رتبة واحدة أمكن العلاج المذكور…».
مضافاً إلى إمكان القول باستحالة اجتماعها في التنجّز بعد تقييد أحدهما بعدم امتثال الآخر بناءً على القول بالترتب، يعني حتى لو قلنا بأنهما في مرتبتين وليسا في مرتبة واحدة، فإنما يستحيل اجتماعها فيما إذا تنجزا معاً، وأما إذا تنجز أحدهما دون الآخر فلا استحالة، وبناءً على القول بالترتب يتنجز أحدهما دون الآخر وهو
ــــــ[89]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص340.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر بالمهم، وبذلك تحفظ مرتبة الإمكان وهذا ثابت سواء قلنا بوحدة الرتبة بالنقيضين أم تعددهما.
مضافاً إلى ما تقدم أنّ نفي وحدة الرتبة فيهما أنّ النقيضين ليسا في رتبة واحدة، وهذا معناه أحد أمرين وليس امراً واحداً:
الأمر الأول: إنّ نفي كونهما في مرتبة واحدة يعني أنّهما في رتبتين طوليتين، كما هو ظاهر سياق كلامهم من يقول بذلك، وأن النقيضين ليسا في رتبة واحدة فيكون الترتب أولى بالصحة وليس أنّه يكون باطلاً، لأنّ فعل المهم في طول أمر المهم، الذي هو في طول ترك الأهم الذي هو في طول الأمر بالأهم، لأنّ النقيضين طوليان، فمن هذه الناحية، ومن الواضح أنّ النقيضين اللذان هما فعل الأهم وتركه سواء كانا في رتبة واحدة أو رتبتين لا يفرق في استحالة الترتب، بل إذا كانا في رتبتين فهو أولى في جانب الامكان والمعقولية، لأنه يزداد بعداً برتبة واحدة بين فعل المهم وعصيان الأهم.
الأمر الثاني: لفهم عدم كونها في رتبة واحدة، هو أنّ الرتبة هنا منتفية، لا هما في رتبة واحدة ولا هما طوليان، بأن يقال: إنّ النسبة بينهما منتفية، وإنما الطولية والعرضية في الرتبة فرع وجود النسبة، وأما ما لا نسبة بينهما فلا يقال: إنهما في رتبة واحدة أو رتبتين، وهذا إن بنينا عليه فالمناقشة فيه بأكثر من وجه واحد:
الوجه الاول: الطعن بالكبرى، بأن يقال: نعم صحيح أنّ ما لا نسبة بينهما لا يصلح لاتحاد الرتبة وتعددها، ولكن النسبة هنا موجودة، وهي نسبة التناقض، فإذا لم تكن وحدة في الرتبة إذن فطولية.
ــــــ[90]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الوجه الثاني: لو تنزّلنا وقلنا إنهما ليسا متحدين رتبة ولا طوليين لم يضر بإمكان الترتب، لأنّ الأمر بالمهم مقيَّد بترك الأهم مع إهمال نسبته إلى نقيضه وهو فعل الأهم، فإنّ الأمر بالمهم مقيَّد بترك الأهم، وأما ترك الأهم منسوب إلى فعل الأهم، فإنه لا دخل له بإمكان الترتب الذي هما النقيضان -ترك الأهم وفعل الأهم-.
إلى هنا نسلم بعد التنزّل عن الوجه الأول أنّ النقيضين لا نسبة بينهما، وحيث أنّ الأمر بالمهم منوط بترك الأهم وليس بفعله، ولا نسبة بينه وبين فعل الأهم وترك الأهم، إذن لا دخل لفعل الأهم في صدق الترتب نظرياً.
والحاصل، إن فعل الأهم سواء كان في نفس في رتبة تركه أم لم یكن، لا يكون مضراً في إمكان الترتب.
قال في التقريرات(1):
التقريب الثاني للطولية بين الأمرين:
إنّ الأمر بالمهم معلول لعصيان الأهم(2)، وسقوط الأهم أيضاً معلول لعصيان الأهم، أو ما هو لازمه وهو انتفاء الموضوع وعدم الامتثال ولو بنحو الشرط المتأخر، لأنّ العصيان كالامتثال سبب للسقوط، إذن فالأمر بالمهم مع سقوط الأمر بالأهم في رتبة واحدة، لأنهما معلولان لشيء واحد، وهذا يعني أنه في رتبة الأمر بالمهم، لا أمر بالأهم كي يقتضي الامتثال فلا يتنافى الأمران. وهذا
ــــــ[91]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص340.
(2) يُعصى الأهم ويتنجز المهم وهو معنى الترتب. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
التقريب له بعض امتيازات على سابقه، حيث إنّه لا يحتاج فيه إلى قانون أنّ النقيضين في رتبة واحدة(1)، لأننا لا ننطلق في هذا التقريب من أنّ الأمر بالمهم متأخر عن ترك الأهم فيكون متأخراً عن نفس الأهم والأمر به، بل ننطلق من أنّ مرتبة الأمر بالمهم هي مرتبة سقوط الأمر بالأهم لكونهما معلولين لشيء واحد.
كما أنه لا يرد على هذا الوجه ما قد يورد على سابقه من أنّ الأمر بالمهم وإن لم يكن يصعد إلى مرتبة الأمر بالأهم، ولكن الأمر بالأهم ينزل إلى مرتبة الأمر بالمهم، فإنّ العلة وإن كانت أقدم من المعلول رتبة لكن معنى التقييد في الرتبة إنما هو أنّ العلة غير متقيدة بالرتبة المتأخرة لا أنها متقيدة بالرتبة المتقدمة، بل لها إطلاق ولذلك صح أن يقال: وُجدت العلة فانضم إليها المعلول.
فهذا الإيراد لو تمّ لأبطل الوجه السابق، حيث يستلزم فعلية الاقتضاء في كل من الأمرين في الرتبة المتأخرة، ولكنه لا يرد على هذا الوجه لأنّ هذا الوجه يثبت فيه سقوط الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم، لأنّ علته وهو العصيان علة لسقوط الأمر بالأهم، فلا يجتمع الأمر بالأهم حتى بإطلاقه، مع الأمر بالمهم في مرتبة واحدة). انتهى.
ــــــ[92]ـــــــ
(1) هذه الكبرى لا نحتاجها هنا فلا يرد ما تقدم من إشكال، المهم هنا هو كون مرتبة سقوط الأمر بالأهم ومرتبة ثبوت الأمر بالمهم هي مرتبة واحدة لكونهما معلولين لشيء واحد وهو عصيان الأمر بالأهم الذي يترتب عليه سقوط الأهم من ناحية، وثبوت الأمر بالمهم من ناحية. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: إنّ هذا الإطلاق ممنوع، حيث قال(1): «لكن معنى التقدم هو عدم تقييده بالرتبة المتأخرة لا تقييده بالرتبة المتقدمة، فيكون له إطلاق للرتبة المتقدمة والرتبة المتأخرة». انتهى بتوضيح منّا.
وفيه: أنّ هذا ليس بصحيح بل معنى التقدم الرتبي أو التقدم في العليّة نفس الشيء، وهو التقييد بالرتبة المتقدمة، وإلا كان معناه وجود الشيء في مرتبتين وهو مستحيل.
فإن قلت: إنّ المعلول يوجد مع وجود العلة، إذ لو زالت العلة لزال المعلول، مع العلم إنّ الممكن محتاج إلى العلة حدوثاً وبقاءً.
قلت: هذا صحيح، ولكنه لا دخل له هنا، فإنّ بين العلة والمعلول مقارنة زمانية خارجا وتحققاً، والتقدم والانفكاك هو في الرتبة العقلية.
مضافاً إلى أنّ الإطلاق لا معنى له هنا في العلل الثبوتية التكوينية، فإنّ الإطلاق إما أن يراد به السعة والسريان المستفاد من الظهور اللفظي، أو السعة في الصدق على كثيرين، المعبر عنه بالكلي، أو من قبيل اسم الجنس ونحوه، وهذه لا معنى لها في العلل الوجودية.
قال في التقریرات: «ولكن يرد على هذا التقريب أيضاً:
أولاً: ما تقدم من أنّ غائلة اجتماع الضدين أو الأمر بالضدين لا ترتفع بتعدد الرتبة، لأنّ الاستحالة تكمن في المعيّة الزمانية فلا ينفع عدم المعيّة في الرتبة لدفع
ــــــ[93]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص341.
منهج الأصول (الجزء السابع)
المحذور»(1)(2). انتهى.
أقول: هذا مطعون كبرى وصغرى:
أما الكبرى: فلما مضى من أنّ تعدد الرتبة كافٍ في رفع غائلة الاجتماع، وتفصيل القول موكول إلى البحث عن أدلة استحالة الترتب.
وأما الصغرى: فلأنهما لم يجتمعا حتى زماناً على فرض التقريب الثاني، بقطع النظر عن الثبوت في علم الله لغرض سقوط الأمر بالأهم في الزمان الثاني وينجّز الأمر بالمهم، وبعبارة أخرى أنه في زمان تنجّز الأمر بالمهم لا يوجد أمر بالأهم أصلاً فلم يجتمعا زماناً.
قال في التقريرات «ثانياً: ما مضى من أنّ الاختلاف في الرتبة لو أفاد لوجب تصويره بين المتعلقين لا بين الأمرين»(3). انتهى.
أقول: وهذا واضح الفساد فإنّ المتعلق تابع للأمر في رتبته، فإذا كان الأمر متأخراً كان المتعلّق متأخراً، ولا بد من الالتفات إلى أنّ المتعلّق هو المطلوب الكلي كالصلاة مثلاً، وليس الامتثال الخارجي، وهذا المطلوب الكلي سواء قلنا إنه متقدم رتبة على الطلب أو متأخر عنه، فإنه تابع لتأخر نفس الطلب والأمر وتقدمه لأنه من خصائصه وتابع له عقلاً وعرفاً.
ويرد أيضاً على هذا التقريب: بأن يقال: هل مورد هذا التقريب هو في
ــــــ[94]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص341.
(2) أي أنهما متنافيان حتى لو تعددت رتبتهما ما داما مجتمعين زماناً. (منه)
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص341.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الواجبين المضيَّقين أو في الواجب المضيّق والموسَّع كما مثل المشهور بالإزالة والصلاة؟
أما في المضيَّقين: فمن الواضح أنّ الأمر بالأهم لا يسقط بالعصيان إلا بصدق العصيان، وصدق العصيان يكون بانقضاء زمانه حيث يعجز المكلف عندئذ عن امتثاله، وبالتالي يعجز عن امتثال كلا الواجبين، لأنّ زمان المهم أيضاً انقضى حيث إنّهما مضيَّقان، وعليه فلا معنى لتنجّز الأمر بالمهم لأنه يصبح محلاً للعجر والأمر بما لا يطاق.
وأما في الموسَّع والمضيَّق كما يمثل له المشهور بـ(ازلْ وصلِّ) فكذلك، لأنّ الكلام في الحصة المزاحمة الأهم خاصة، فإذا انتهى زمان الأهم سقط الأهم واستحال الاتيان بالحصة المزاحمة له، لأنه أمر بها مع العجز عن الاتيان وهو مستحيل.
وأما ثبوت الحصص الأخرى بين الحدّين للواجب المهم التي هي غير مزاحمة للأهم لا كلام فيها كي يقال بتوقف صحتها على القول بإمكان الترتب، لأنّ فرض الترتب تحقق المزاحمة.
التقريب الثالث للطولية: إنّ الأمر بالمهم باعتباره مترتباً على عصيان الأمر بالأهم المترتب على الأمر بالأهم فلا يعقل مانعيته عنه ومزاحمته له(1)، إذ ما يكون وجوده في طول شيء آخر يستحيل أن يكون مانعاً عنه ورافعاً له، إذ لو كان مانعاً عنه في ظرف عدمه كان مستحيلاً لأنّ مانعية المعدوم مستحيلة، وإن كان مانعاً في
ــــــ[95]ـــــــ
(1) المراد أنّ المهم لا يزاحمه الأهم.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ظرف وجوده فظرف وجوده هو ظرف ثبوت الأول في الرتبة السابقة بحسب الفرض فمانعيته عنه خُلف، بل يستلزم أن يكون عادماً لنفسه وهو مستحيل، وعليه فلا يمكن أن يكون الامر بالمهم طارداً أو مزاحماً للأمر بالأهم، وهو معنى عدم المانعية والتضاد بينهما، ومعه لا وجه لفرض المطاردة من قِبل الامر بالأهم أيضاً، لأنّ مِلاك المطاردة هو التضاد وهو لو كان، كانت المطاردة من الطرفين وإلا فلا مطاردة حتى من الطرف الأهم للمهم* .
أقول: ويرد عليه عدة أمور:
الأمر الاول: إنّ عدم مطاردة المهم للأهم صحيحة فإنّ المهم متأخر رتبة فلا يطارد الأهم المتقدم عليه لأمرين:
الاول: كونه متأخر رتبة، ولا يمكن للمتأخر أن يمنع المتقدم.
الثاني: إنّه أدنى في الأهمية ولا يمكن للأدنى أن يمنع الأعلى.
وكلتا هاتين الجهتين غير متحققة في طرف الأهم، فللأهم أن يمنع عن المهم حيث إنه متقدم وأعلى في الأهمية، فلا يلزم من عدم منع المهم عن الأهم عدم منع الأهم عن المهم.
الأمر الثاني: ظهر أنه ليس السبب في التمانع هو مجرد التضاد وإن كان هو جزء العلة، إذ لو كان وحده كافٍ لما قال المشهور بالترتب، فالمشهور لا يقول بالترتب في ظرف التساوي وإنما لابد أن يتصف أحدهما بالأهمية والتقدم الرتبي،
ــــــ[96]ـــــــ
*لأنّ المهم منسحب عن طرفية التضاد، لانه لا يزاحم الأهم، إذن فلا تضاد، فالأهم لا يزاحم المهم.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ومن هنا أمكن أن يكون سبب المطاردة مختصاً بالأهم ولا يعم المهم.
الأمر الثالث: ما اورده في التقريرات(1): «من أنّ هذا التقريب مبني على توّهم أنّ المطاردة بين الضدين من جهة المقدمية وكون كل منهما مانعاً للآخر، وأنّ استحالة اجتماعها استحالة بالغير عند عدم العلة، إذ يلزم منه وجود المعلول مع عدم علته.
فيدفع بإقامة البرهان على عدم المانعية في المقام باعتبار الطولية، ولكن قد تقدم فيما سبق أنّ استحالة اجتماع الضدين ليست استحالة بالغير بل استحالة بالذات». انتهى قوله.
أقول: وهذا وإن صح كبروياً من أنّ استحالة اجتماع الضدين بالذات لا بالغير إلا أنّ لا صغرى له في المقام، لأنه لا يوجد في محل الكلام ضدان بالمعني الحقيقي أصلاً، غاية ما هنالك أنه حصل التمانع بين الامتثالين لفرض العجز عن الجمع بينهما وفي طول ذلك حصل التمانع بين الإطلاقين -للأمر المهم والاهم- لئلا يلزم الجمع بين الضدين وهو غير حاصل في مرتبة الأهم لأهميته وتقدمه، وفي مرتبة الأهم فقط وترك المهم، فلا يلزم الجمع بين الضدين، وإنما يحصل الجمع بينهما في مرتبة المهم حيث يلزم اجتماع المنجزيتين كما سيأتي في أدلة استحالة الترتب مع مناقشته.
مضافاً إلى هذا فإنه قد أهمل مسألة الأهمية في طرف الأهم وكأنه اعتبرهما ضدين متساويين. وقال أيضاً: «إنّ الضدين متمانعان بالذات» إلا أنه من الواضح
ــــــ[97]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص342.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أنّ هذا لا يكفي في التكوينيات لأنّه مع التزاحم يتقدم الأقوى لا محالة.
الأمر الرابع: هو ما أورده السيد الهاشمي في هامش التقريرات: «بأنّ امتناع الأمر بالضدين إنما كان من جهة التضاد بين متعلقيهما ولزوم طلب الضدين لا التضاد بينهما بالذات، ومن المعلوم أنّ هذا الامتناع لا يرتفع إذا كان المتعلق لكل منهما باقياً على مضادته لمتعلق الآخر فلا بد من بيان لرفع محذور الجمع بين الضدين»(1). انتهى.
أقول في جوابه: إنّه بغض النظر عن مناقشتنا للأمر الثالث يمكن الإيراد عليه بأمرين:
الإيراد الأول: إنّ التضاد عنوان عام وكلي قابل للصدق على كثيرين، منشأ انتزاعه هو التمانع بين ذاتين وجوديتين، كما أنّ التناقض عنوان عام منشأ انتزاعه التنافر بين الوجود والعدم، والجعل الشرعي أيضاً ذاتٌ وجودية في الجملة، فيكون التمانع بين الجعلين تضاداً ولا ينحصر التضاد بين المتعلّقين كما زعم.
مع الالتفات إلى أنّ التضاد بين الجعلين لا يراد به التضاد بين أصل الجعلين، جعل وجوب الإزالة وجعل وجوب الصلاة، وإنما بين الجعلين الموجودين في زمن المزاحمة -هذا مشمول بإطلاق هذا الدليل وهذا مشمول بإطلاق هذا الدليل- فهذا الجزئي من الإطلاق مع هذا الجزئي من الإطلاق يتنافيان فيحصل التضاد بينهما في زمن التزاحم.
ــــــ[98]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص342.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الإيراد الثاني: إنّ هذا التضاد المذكور في الإيراد الأول -أي بين الجعلين الجزئيين- يزول بالطولية بين الجعلين وهذا واضح بغض النظر عن المتعلّقين.
هذا مع الالتفات إلى الفرق بين المتعلّقين وبين الامتثالين، فإنّ المتعلق كلي مأمور به فقط، والامتثال جزئي خارجي، يصلي فعلاً ويزيل فعلاً.
وعليه فنقول: إنّ هذا التضاد المذكور يزول بالطولية بين جعل الأهم والمهم بغض النظر عن المتعلّقين، فإنهما كليان لا تضاد بينهما حتى عند من يرجع التزاحم بين مفهومين كليين منتزعين من مورد التزاحم وزمانه فإنه لا تزاحم بين المفهومين.
وما قلناه من تبعية المتعلّق في الرتبة بنفس الجعل، فإن كان الجعل متقدماً رتبةً كان المتعلّق متقدماً، وإن كان الجعل متأخراً كان المتعلّق متأخراً.
ينتج عن ذلك أنّ جعل المهم بناءً على صحة الترتب متأخر رتبة عن جعل الأهم، فيكون متعلّقه أيضاً -متعلّقه الكلي بهذا المعنى- متأخراً عن متعلّق جعل الأهم الذي هو أسبق رتبة متقدم رتبةً.
تحصل مما تقدم: إنّ غايته التضاد في الامتثال الخارجي وليس هو المتعلق، ومن الواضح جداً أنه لا تضاد في الامتثال لاستحالة اجتماع الضدين خارجاً، ويكون حال المكلف بمنزلة المخير بينهما -وهذا قلّما يُلتفت اليه- بين امتثال الأهم والمهم وأي منهما جاء به فقد أبرأ ذمته، مع فرقه عن التخيير، هذا مع إعطاء الأولوية للأهم، حيث إنّه لو أتى به وامتثله فقد برأت ذمته تماماً، أما لو امتثل المهم أجزاً عن المهم بناءً على صحة الترتب وعُوقب على ترك الأهم.
ــــــ[99]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وبهذا ننتهي من التقريبات الثلاثة للطولية في التقريرات، وقد عرفنا أنّ التقريب الاول والثالث وخصوص النكتة الأخيرة التي ذكرتها قبل أسطر لا تخلو من وجاهة، ويبقى التقريب الأخير الذي يحتمل وجوده في المحاضرات.
التعليق على استدلال صاحب المحاضرات على إمكان الترتب بالطولية
التقريب الرابع للطولية: بين الأمر المهم والأهم ما هو مذكور في المحاضرات وقد بيّنه بتطويل واسهاب(1).
وخلاصته: إنّ الخطابات الشرعية بشتى أشكالها لا تتعرض لحال موضوعاتها وضعاً ولا رفعاً ولا وجوداً ولا عدماً، وإنما تتعرض لحال متعلقاتها على تقدير وجود موضوعاتها، وذلك لأنّ جعل الأحكام الشرعية يرجع إلى قضايا حقيقية وهي ترجع إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول، ومن الواضحات الأولية أنّ الجزاء لا يقتضي وجود الشرط ولا عدمه، إذا طلعت الشمس فإنها موجودة، فوجود النهار لا يقتضي أنّ الشمس موجودة أو معدومة، وعلى ذلك الأساس نقول: إنّ عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه في المثال وهو عدم التصدي للإزالة بما أنه مأخوذ في موضوع الأمر بالمهم فلا يكون الأمر بالمهم متعرضاً لحال الأمر بالمهم وضعاً ولا رفعاً، لأنّ الأمر بالأهم مأخوذ موضوعاً للأمر بالمهم، والجعل في المهم لا يتعرض إلى موضوعه وضعاً ولا رفعاً.
ــــــ[100]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص417 وما بعدها ومن اراد الاطلاع فليرجع اليه.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ومن ناحية أخرى: إنّ الأمر بالأهم محفوظ في ظرف عصيانه، إما من جهة إطلاقه لصورة عصيانه، أو من جهة أنّ الأمر يقتضي الاتيان بمتعلقه في الخارج، فأتِ بالصلاة –المتعلق- فهذا الاقتضاء للإتيان بمتعلقه شامل لصورة عصيانه، وهذا عبارة أخرى عن اقتضاء هدم موضوع الأمر بالمهم، حيث إنّ الأمر بالأهم يقتضي الإتيان بمتعلقه، أي امتثال نفس الأمر فيقتضي بذلك إزالة الموضوع للأمر بالمهم.
فقال: وهذا عبارة أخرى عن اقتضاء هدم موضوع الأمر بالمهم ورفعه وهو عصيانه وعدم الاتيان بمتعلقة.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي عدم التنافي بين هذين الأمرين أبداً.
أما بين ذاتيهما أو قل أما عدم التنافي بين ذاتيهما أي بغض النظر عن التزاحم فواضح.
وأما بين الاقتضائين، وأما عدم التنافي بين الاقتضائين فالأمر أيضاً كذلك، لأنّ الأمر بالمهم الذي هو متأخر رتبة إنما يقتضي إيجاد متعلّقه في الخارج على تقدير عصيان الأمر بالأهم من دون تعرض لحال عصيانه الأمر بالأهم وضعاً ولا رفعاً ولا وجوداً ولا عدماً، والأمر بالأهم يقتضي هدم عصيان نفسه الذي هو موضوع الأمر بالمهم، فاقتضاء الأمر بالمهم بعد تأثير الأمر بالأهم وعدم العمل بمقتضى الأمر بالأهم وعدم امتثاله يستحيل أن يزاحمه في تأثيره.
فظهر أنّ الأمر بالمهم لا يزاحم الأهم، ولكنه يقول: هذا وإن كان صحيحاً إلا أنّ الأمر بالأهم يزاحم المهم، ولا بد من الالتفات إلى ذلك، ولكنه يقول: إذا
ــــــ[101]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
كان دعوى الأمر بالأهم إلى إيجاد الإزالة إلى امتثال نفسه على وجه الإطلاق وفي عرض الامر بالمهم واقتضاءه لامتثال الصلاة وإيجادها بأن يكون الغرض من الأهم فعلية مقتضاه، ثم يبسط الكلام أكثر بذكر الأمثلة إلى أن يقول: إنّ طولية الأمر بالمهم بالنسبة للأهم كطولية الحكم لموضوعه أو الجزاء لشرطه.
أقول: إنّ التعليق على هذا الكلام كثير نذكر منه ما هو الأهم:
التعليق الأول: قوله: «الأحكام الشرعية ترجع إلى قضايا حقيقية…».
وإن كان صحيحاً، لكن الموضوع مفهوم تصوري لا يصلح أن يكون شرطاً في جملة شرطية إلا بتقدير الوجود أو تقدير جملة مثلا: (إلى زوال الشمس صلّ)، أي بتقدير وجود زوال الشمس، وهذا وإن كان صحيحاً إلا أنّ معناه التعدي عن ذات الموضوع إلى صِيَغٍ أخرى، كصيغة الفعل الماضي أو المضارع غير الدخيلة في حقيقة ذات الموضوع.
التعليق الثاني: أنّ التعرض إلى جعل الأحكام على نحو القضية الحقيقية لا دخل له في برهان المسألة، بل يكفي القول إنه ليس للحكم تعرض إلى موضوعه وجوداً وعدماً، وهذا لا يختلف حاله سواء كانت القضية شرطية أم حقيقية أو غير ذلك، فإنّ النتيجة أنّ الأمر بالمهم لا تعرض له إلى امتثال الأمر بالأهم وجوداً ولا عدماً.
التعليق الثالث: قوله: «إنّ الأمر بالأهم محفوظ في ظرف عصيانه…».
وهذا بظاهره واضح البطلان، فإنّ العصيان من مسقِطات التكليف، فإذا سقط التكليف بالأهم زال التزاحم وخرج عن الترتب.
ــــــ[102]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التعليق الرابع: لو تنزّلنا عن الإشكال الثالث، بأن نقبل الإطلاق حتى لعصيانه، فمعناه وجود الأمر بالأهم ومنجّزيته في ظرف الأمر بالمهم ومنجزيته، لأنّ غايته أنّ الأمر بالمهم منوط بعصيان الأمر بالأهم وفي هذا الظرف -أي ظرف عصيان الأمر بالأهم- لم يسقط الأمر بالأهم لأنه محفوظ في ظرف عصيانه كما ادعى، إذن فهو محفوظ فی ظرف منجّزية المهم، إذ أنّ محفوظيته يعني منجّزيته، فتجتمع المنجزيتان وهو مستحيل.
التعليق الخامس: قوله: «إنّ الامر بالأهم محفوظ… إلى أن قال: أما من جهة الاطلاق…».
أقول: إنّ كلتا الجهتين مشتركة في إيجاد هذه النتيجة، وإحداها لا تكفي لهذه النتيجة، فالإطلاق وحده الذي هو غاية ما يثبت وجود الأمر، فيحتاج إلى ضم الاقتضاء المذكور وأنّ الأمر يقتضي متعلّقة في الخارج، إذا لم يقتضِ متعلّقه في الخارج فالإطلاق لا يكفي وحده، وإلا لم تجب طاعته أصلاً، فإنّ اقتضاء الأمر بوجود متعلّقه وحده لا يكفي مع غض النظر عن الإطلاق، وهو ضروري لأنه بدون الإطلاق لم يثبت وجود الأمر أصلاً في صورة المزاحمة لتجب طاعته.
التعليق السادس: قوله: «إنّ الأمر بالأهم يقتضي هدم موضوع الأمر بالمهم…». هذا صحيح، لأنّ موضوع الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم، في حين إنّ الأمر بالأهم يقتصر عدم عصيان نفسه وامتثال نفسه..
هذه المقدمة وإن صحت إلا أنّ فيها أمرين:
الأمر الأول: أنّها لا دخل لها في تصحيح الأمر بالمهم، أي لا دخل لها بالترتب.
ــــــ[103]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر الثاني: وهو المهم، إنّ هذه المقدمة لها دخل في إبطال الترتب، لأنها تبرهن على اجتماع الاقتضائين في رتبة الأمر بالمهم، حيث إنّ الأمر بالمهم يقتضي طاعة نفسه، واقتضاء الأمر بالأهم يقتضي إزالة موضوع الأمر بالمهم فيحصل هذا النحو من التنافي وتحصل الاستحالة، لأنّ الأمر بالمهم يقتضي امتثال نفسه والأمر بالأهم يقتضي إزالة موضوع الأمر بالمهم، فكان الأمر بالمهم يقتضي الوجود والأمر بالأهم يقتضي العدم للأمر بالمهم، فهنا اقتضاءان متقابلان ومستمران وهذا مستحيل.
التعليق السابع: أننا سلمنا عدم مزاحمة الأمر بالمهم للأهم، وهذا لعله من الضروريات، وإنما المهم في المسألة في الإشكال على الترتب هو عكس ما يدّعي، أي مزاحمة الأهم للأمر بالمهم، وهو قد اقرّ بذلك في بعض كلماته حيث قال: «إذا كانت دعوته إلى إيجاد الإزالة واقتضاءه لها فلا يجري الإطلاق، وفي عرض إطلاق الأمر بالصلاة يعني الأمر بالمهم، عندئذ ينافي الأمر بالصلاة بمعنى منافاة الأمر بالإزالة الامر بالصلاة، فيحصل الأمر بالضدين».
اقول: وهذا هو الحال فعلاً، أي أنّ الأمر بالأهم له إطلاق لصورة الأمر بالمهم وامتثال الأمر بالمهم، لأنّ إطلاقه الأزماني شامل لصورة الاتيان بالمهم الذي هو الصلاة في المثال، وغير ساقط بل مستمر، لأنه هو الأهم ولأهميته لا يسقط، ومن هنا حصل التمانع في رتبة الأمر بالمهم لاجتماعهما، إلا أن نمنع عن الترتب أصلاً، وهذا يكون دليلاً على منع الترتب لا على صحته.
التعليق الثامن: أنّ التقريبات السابقة للطولية تتعرض إلى هذه الجهة، وهي أنّ الأمر بالأهم لا يزاحم الأمر بالمهم من أجل إصلاح إمكان الترتب، في حين لم
ــــــ[104]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
يتعرض لها في المحاضرات بل تعرض إلى ما ينافيها والذي يؤدي إلى بطلان الترتب، وهذا مما لم يُلتفَت إليه.
الخلاصة:
أهم المطالب من التقريبات السابقة:
1- في التقريب الثاني: أنّ الأمر بالمهم معلول لسقوط الأمر بالأهم بالعصيان، فلا يمكن للأمر بالأهم أن يزاحم الأمر بالمهم بعد سقوطه، فانتفت المزاحمة بينها، وهذا وإن لم يكن صحيحاً لكنه محاولة لنفي التزاحم، وقد ناقشناه وأبطلناه.
2- في التقريب الثالث: أنّ الأمر بالمهم لا يزاحم الأمر بالأهم، إذن فالأمر بالأهم لا يزاحم الأمر بالمهم، لانّ المزاحمة لا تكون إلا بطرفين، وهذه محاولة جيدة لا يوجد مقابلها في المحاضرات.
3- الفرق بين معنى المتعلق الكلي والامتثال الجزئي، فالأمر الأهم لا يزاحم المتعلق الكلي للمهم، وإنما تقع المزاحمة في عالم الامتثال وليس في عالم التعلق، وهذا أيضاً مما لم يلتفت إليه صاحب المحاضرات.
مناقشة أدلة الشيخ النائيني على إمكان الترتب
من الواضح أنّ الشيخ من أبرز الأصوليين القائلين بصحة الترتب، وله عدة أدلة وتُعرَف أدلته مما قرره تلامذته كما في (أجود التقریرات) و(فوائد الأصول)، وما ذكره المحققون ممن تأخر عنه كما في تقريرات الهاشمي.
نعم، لا يتحصّل من المحاضرات ومن التقریرات دليل محدد أساسي يُنسَب
ــــــ[105]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
للشيخ النائيني على الإمكان كما في غيره من المسائل، وأما في (أجود التقريرات) فإنّ فيها كلام كثير جداً في المسألة، بعضها لا دخل لها في المسألة.
والمتحصّل منها ثلاثة تقريبات لإمكان الترتب، نذكرها ونناقشها وإن كان بعضها يرجع الى ما سبق.
التقريب الأول: أنّ القول بالترتب لا يستلزم طلب الجمع بين الضدين
حيث قال الميرزا النائیني(1): «وأما إذا فرضنا أنّ أحد الخطابين مشروط بعدم الإتيان بمتعلق الآخر كما في المقام، فيستحيل أن تكون نتيجة فعلية الخطابين طلب الجمع، لأنّ فعلية الخطاب المشروط إما أن تكون على نحو إنشائه(2)، فتكون مطلوبية متعلّقه في ظرف ترك متعلًق الآخر، وهذا نقيض طلب الجمع(3) ومعانده، فعليه يستحيل وقوع الفعلين معاً على صفة المطلوبية(4)، وإن كان المكلف متمكناً من الجمع بينهما في الخارج.
وأما أن لا تكون كذلك(5)، بأن يتخلف مقام الفعلية عن مقام الإنشاء، فالخطاب في مرحلة الإنشاء وإن فرض كونه مشروطاً بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر
ــــــ[106]ـــــــ
(1) اجود التقريرات: ج2، ص81.
(2) فعلية الخطاب مثل إنشائه فالفعلية مقيّدة مثل قيد إنشائه ونفسه. (منه)
(3) الأمر المهم يكون فعلياً عند ترك الأمر الأهم وعصيانه، فهو منوط بعدم الأهم، وهذا المعنى نقيض طلب الجمع. (منه).
(4) يستحيل وقوع الفعلين –الأهم والمهم- على صفة المطلوبية وإن كان المكلف متمكناً من الجمع بينهما خارجاً، حيث إنّ أحدهما مشروط بعدم الآخر. (منه).
(5) أي لا تكون الفعلية على نحو الإنشاء وإنما تختلف، فإن مقام الإنشاء هو مقام الجعل.
منهج الأصول (الجزء السابع)
إلا أنه في مقام الفعلية يتخلف عما كان عليه، ويكون مشروطاً بالإتيان بمتعلّق الآخر أو مطلقاً بالإضافة إليه، وعلى كلا التقديرين ففعلية الخطابين وإن كانت تستلزم طلب الجمع(1) إلا أنه يستحيل تخلف مقام الفعلية عن مقام الإنشاء(2).
لما قد عرفت من أنه يستحيل خروج الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الإطلاق فضلاً(3) عن كونه في مقام الفعلية مشروطاً بنقيض ما كان مشروطاً به في مقام الإنشاء(4).
ــــــ[107]ـــــــ
(1) لأنه إذا كان أحد الخطابين مشروطاً بإتيان الأخر لا بعصيانه فيلزم طلب الجمع مثل (إن صليت فصم)، فإذا كان عاجزاً عنهما صار طلباً للمستحيل.
وأما إذا كان مطلقاً بالإضافة إليه -أي المتعلّق الآخر- مطلقاً من حيث الوجود والعدم، فأيضاً يلزم طلب الجمع بين المتعلقين وبين الامتثالين. (منه).
(2) لأنّ الفعلية صورة طبق الأصل عن الإنشاء ودرجة من درجات وجوده. (منه)
(3) هذا من نتائجه، أنه إذا قلنا إنّ الواجب المشروط كالحج المشروط بالاستطاعة بعد حصول شرطه الذي هو الاستطاعة يصبح مطلقاً غير مقيَّد بالاستطاعة طبعاً.
قلت: هذا ليس بصحيح، فهو وإن كان بمنزلة المطلق، حيث إنّ المطلق فعلي وما تحقق شرطه فعلي أيضاً، ولكنه ليس معناه أن ما هو متحقق شرطه فهو غير مشروط بهذا الشرط، هو يجعل هذا دليلاً على القاعدة، مع أنه قابل للمناقشة، لأن الفرع لا يكون دليلاً على الأصل. وعلى هذا فإنه يستحيل خروج الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الإطلاق. (منه).
(4) هذا أشد في الاستحالة من سابقه، حيث إنه في مقام الفعلية مشروطاً بنقيض ما كان مشروطاً في مقام الانشاء بوجوده وفي مقام الفعلية بعدمه أو بالعكس فإنه غير ممكن. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعلى ذلك فالخطاب بالمهم بما أنه فرض اشتراطه بترك الأهم فيستحيل أن يكون بعثاً إليه في فرض وجود الأهم(1) ليكون لازم فعلية الخطابين عند تحقق عصيان خطاب الأهم هو طلب الجمع بينهما(2)، وبالجملة فرض اشتراط طلب المهم بترك الأهم وفرض كونه مطلوباً معه لا يجتمعان، بل إنّ لازم اجتماع الفرضين هو استلزام الشيء لنقيضه واجتماع الشيء مع علة عدمه وكلاهما مستحيل…»(3). انتهى.
أقول: يرد عليه ثلاثة إيرادات، الثالث هو المهم في ردّ الترتب والأولان حول عبارته:
الإشكال الأول: أنه أورد مقدمات لا دخل لها في تصحيح الترتب أصلاً، حيث إنّ أهم المقدمات المذكورة وهي أنّ الفعلية قد تكون على وفق الإنشاء وقد لا تكون، لا تنتج الترتب، ضرورة أنه لا يحتمل في بحث الترتب أن يكون إنشاء خطاب المهم مقيَّدا بترك الأهم، كل ما في الأمر هو التمسك بإطلاقه -بإطلاق دليل المهم لصوره التزاحم- والقول بعدم سقوطه في صورة التزاحم.
نعم، إذا تنزلنا وقبلنا التقييد فهو تقييد للفعلية في المورد وليس للإنشاء وعليه فهذه القاعدة تكون بلا مورد.
ــــــ[108]ـــــــ
(1) لو أوجد المكلف الأهم وأطاعه وأزال النجاسة، فالمهم غير مطلوب إطلاقاً هو طلب الجمع بينهما. (منه).
(2) اجود التقريرات: ج2، ص82.
(3) اجود التقريرات: ج2، ص82.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الإشكال الثاني: أنه ذكر مقدمة وأقرّ باستحالتها، فالأولى له عدم التعرض لذكرها، وهي قوله: «أن لا تكون فعليته كذلك -أي على نحو الإنشاء-» ثم ذكر بعد سطرين أنه يستحيل تخلف مقام الفعلية عن مقام الإنشاء، وعليه فما ذكره من الانقسام الفعلي غير صحيح، لأنّ أحد أقسامه مستحيل، فيتعين أمر واحد وهو أن تكون الفعلية على نحو الإنشاء.
الإشكال الثالث: إنّ عدم اجتماع فعلية المهم مع فعلية الأهم مُسلَّم، وإنما الكلام في اجتماع فعلية الأهم مع فعلية المهم، لا فعلية المهم مع فعليه الأهم، لشمول إطلاق دليل الأهم حتى لصورة الاتيان بالمهم، فإنه لا يوجد إطلاق، فإذا جاء بالأهم سقط المهم اكيداً، لكن اذا جاء بالمهم لم يسقط الأهم.
التقريب الثاني: قوله(1): «لازم اشتراط طلب المهم بعدم الأهم أن يكون وجود الأهم وامتثال خطابه في الخارج علة لارتفاع موضوع خطاب المهم»(2).
وحينئذٍ ففي ظرف امتثال الأهم إما أن يترتب عليه معلوله وهو ارتفاع موضوع طلب المهم، ومع ذلك يكون المهم مطلوباً، فيلزم اجتماع الشيء – أعني به طلب المهم – مع علة عدمه، أعني به امتثال خطاب الأهم، وإما أن لا يترتب عليه ذلك، وعدم الترتب إما أن يكون لأجل قصور في ناحية العلة أو المعلول، وإما أن يكون بلا قصور في ناحيتهما، وكل ذلك خُلف محال، فتوّهم استلزام فعلية الطلبين على نحو الترتب لطلب الجمع يستلزم محاذير عديدة لا يمكن الالتزام
ــــــ[109]ـــــــ
(1) أجود التقريرات: ج2، ص82.
(1) بداهة أنه بامتثال الأهم خارجاً يسقط خطاب المهم لارتفاع موضوع خطابه. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
بواحد منها(1).
أقول: من الواضح أنه عند امتثال الأهم والإتيان به يكون موضوع وجود المهم ساقطاً، إما لأجل الاشتراط الشرعي بعدمه -الأهم- بناءً على القول بالترتب، وإما للاشتراط العقلي به بناءً على نفيه، إذ أنّ الاهم لأهميته مقدم عقلاً على المهم.
فإذا امتثل الأهم المتقدم لأهميته سقط المهم عقلاً وشرعاً، و يستحيل أن يكون المهم مطلوباً مع امتثال الأهم، إلا أنّ هذا لا يستلزم إمكان الترتب فإنّ الترتب لو قلنا بإمكانه يحصل في صورة عصيان الأهم لا امتثاله، فإنّ عند عصيانه يحصل موضوع المهم فيكون الترتب، فيجتمع الفعليتان معاً، فعلية الأهم والمهم، أما الأهم لإطلاقه وأهميته وأما المهم فلحصول موضوعه وهو عصيان الأهم، ولا دخل للتشقيق الأخير الذي ذكره في المسألة، فإنّ عدم الترتب يكفي فيه عدم علة الوجود لانّ علة العدم عدم العلة، والعدم لا يحتاج إلى علة مستقلة، وإنما عدم العلة يكفي، فعدم الأمر بالمهم يكفي فيه عدم موضوعه وهو عصيان الأهم، ولا ربط له بقصور العلة أو قصور المعلول أو عدم قصورهما كما فصّله، فإنه لا محصّل له.
ومثله في الخلل ما ذكره المقرر في الحاشية، وهو إن كان يريد الإصلاح ولكنه إصلاح من حيث المنهجية والترتيب الفكري ولكنه ليس إصلاحاً له من حيث النتيجة، فقد قال: إذا فرض اشتراط طلب المهم بعصيان طلب الأهم
ــــــ[110]ـــــــ
(1) يعني أن الترتب عندئذ يكون ممكناً وليس مستحيلاً.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وتركه، فلو كان المهم مطلوباً في ظرف وجود الأهم، للزم اجتماع النقيضين أو الخُلف، وكلاهما مستحيل.
بيان ذلك: إنّ طلب المهم تتوقف فعليته على فعلية موضوعه وشرطه، أعني به ترك الأهم، فلو فرض كون الأهم متروكاً في ظرف وجوده للزم اجتماع النقيضين(1)، كما أنه لو فرض فعلية طلب المهم في ظرف عدم تحقق شرطه(2) للزم الخُلف، وعلى كلا التقديرين يستحيل فعلية طلب المهم في ظرف وجود الأهم وتحقق امتثال طلبه، فيستحيل استلزام فعلية الطلبين -المترتب أحدهما على عصيان الأخر- لطلب الجمع بين متعلقيهما). انتهى.
أقول: غاية ما يثبت ذلك هو استحالة طلب المهم مع امتثال الأهم، لأنه مع امتثال الأهم لم يتحقق شرط المهم، والمشروط عدم عند عدم شرطه للزوم المحاذير فيه، الذي هو إما اجتماع النقيضين وإما الخُلف، وهذا مسلّم ولعله من توضيح الواضحات وليس الكلام فيه، وإنما الكلام كما كررنا هو في صورة عصيان الأمر بالأهم وتحقق موضوع المهم فيلزم الاجتماع.
ــــــ[111]ـــــــ
(1) لأنّ فرض تركه هو فرض فعلية الأهم وفرض وجوده هو فرض عدم فعلية الأهم، وحينئذ إذا كان متروكاً فهو –وكأنما ليس بفعلي- والأهم فعلي فلا يتعارضان، ففعلية المهم تقتضي تركه، فإذا فرضنا التعارض، أي وجود الأهم والمهم فعلاً، فإذا فرضنا أنّ المهم معدوماً ثم فرضناه موجوداً لزم التناقض، أما فرض عدمية الاهم لكي يتحقق موضوع المهم، ونفرضه موجوداً حتى تتحقق المعارضة بينه وبين المهم وإلا لو كان معدوماً لا تتحقق المعارضة.
(2) بمعنى أنّ المهم موجود مع عدم شرطه الذي هو عصيان الأهم.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وبعبارة أخرى: يوجد لبس في طرف الأهم بين امتثاله وبين فعليته، فإنّ المهم منوط بعدم امتثال الأمر لا بعدم فعليته، ولو كان المهم منوطاً بعدم فعلية الأهم لكان الأهم غير فعلي، مع أنّ فعليته لا شك فيها، إذن المهم منوط بعدم امتثال الأهم، فإذا عصى الأهم فهنا يوجد الأمر المهم، إذ عصيان الأهم كاشف عن فعليته.
وبعبارة اخرى: إنّ الاجتماع المتصور يكون على مستويين:
المستوي الأول: اجتماع الأمرين في مرتبة الأهم، وهذا هو الذي برهن على استحالته وهو برهان تام، إلا أنه لا يستلزم نفي المستوى الثاني الآتي الذي هو الإشكال الرئيسي على الترتب.
المستوى الثاني: اجتماع الأمرين في مرتبة المهم، يعني عند فعليته بتحقق شرطه وهو صورة عصيان الأهم، وهذا الاجتماع حاصل لا محالة، أما الأهم فلإطلاقه وأهميته، وأما المهم فلتحقق شرطه.
اللهم إلا أن نقول: سقوط الأمر بالأهم بالعصيان، وحينئذٍ تسقط فعليته بسقوط امتثاله، فيخرج عن باب الترتب وعندئذ لا يكونان متعاندين على كلا المستويين، لا في مرتبة الأهم ولا في مرتبة المهم، إلا أنه ليس مراد المشهور ذلك.
التقريب الثالث: الذي يتحصّل من كلام الشيخ النائیني في (أجود التقريرات) ولعله هو التقريب الرئيسي له أنه يورد على تقريباته السابقة إشكالاً ويجيب عليه نقضاً أولاً وحلاً ثانياً، وهذه هي الخريطة العامة للمطالب التي
ــــــ[112]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
سوف نبحثها، وذلك أنه قال(1): «فإن قلت: إنّ ما ذكرته من عدم لزوم طلب الجمع من الخطابين على نحو الترتب إنما هو شبهة في مقابل البداهة، ضرورة أنّ الخطاب بالأهم لا يسقط حين الاشتغال بالمهم الذي هو ظرف عصيان الأهم، لأنّ سقوط الخطاب لا يكون إلا بالامتثال أو انقضاء ظرف امتثاله، ولو كان ذلك بالعصيان، فالأمر بالأهم يبقى على فعليته حين الاشتغال بالمهم(2)، وبما أنّ المفروض هو فعلية الأمر بالمهم أيضاً(3) يجتمع الأمران الفعليان في زمان واحد لا محالة(4)، ولازم فعليتهما في زمان واحد هو طلب الجمع بين متعلقيهما في ذلك الزمان بالضرورة، وهذا هو محذور القول يتعلق الطلب بالضدين على نحو الترتب.
قلت: يندفع ما ذكرته بالحلّ والنقض.
أما النقض: فلأنّ الأمر بالأهم كما أنه لا(5) يقتضي سقوط الإباحة عن أضداده الوجودية، بناءً على عدم كون ترك أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر كما مرّ، كذلك لا يقتضي سقوط وجوب المهم المضاد له(6)، وليس حال المهم عند فعلية
ــــــ[113]ـــــــ
(1) اجود التقريرات: ج2، ص83.
(2) إذا اشتغل بالصلاة وترك الإزالة فقد تحقق موضوع الأمر بالمهم الذي هو عصيان الأهم، ولا يسقط الأمر بالأهم بعصيانه بل يبقى على فعليته. (منه).
(3) يقتضي أن يقول إذن بحسب السياق. (منه).
(4) ويلزم منه طلب الضدين حيث يجتمع الأمران في مرتبة المهم ولا يجتمعان في مرتبة الأهم. (منه).
(5) كما أنه لا يقتضي المزاحمة لا يقتضي سقوط الإباحة. (منه).
(6) وحيث لا يوجب سقوط الإباحات لأنه غير محتمل، كذلك لا يوجب سقوط المهم. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر بالأهم إلا كحال المباحات في جواز تركه والاشتغال بالأهم، فكما أنّ الأمر بالأهم يجتمع مع إباحة ضده على تقدير عصيانه، كذلك يجتمع مع وجوب ضده على هذا التقدير، ولازم إنكار الترتب في المقام هو إنكار إباحة أضداد الواجب من المباحات الكثيرة، وهو باطل بالضرورة»(1). انتهى.
ونُجيب على هذا النقض بوجوه:
الوجه الاول: إنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عند ضده الخاص -كما توصلنا اليه-، وكان من جملة الاستدلال على ذلك هو عدم كون عدم أحد الضدين مقدمة لوجود ضده وليس أنّ عدم أحد الضدين مقدمة لوجود ضده، فلا يقتضي تحريم أي شيء من المباحات سواء فعل الواجب الأهم أو تركه.
الوجه الثاني: أننا لا نضايق من أنه إذا وقعت المزاحمة بين واجب أهم وبين واجب أو مباح -مزاحمة فعلية في مكان وزمان حقيقين- أن يكون حراماً، لأنّ الأهم مقدم على الواجب المهم فضلاً عن المباح، إلا أن يقال بالإباحة الترتبية على عصيان الأهم، مثلاً بأن يقول الشارع: (أنت إذا تركت الأهم فالفعل الآخر مباح لك) كما قال أنه في الترتب الفعل الآخر واجب عليك على كل حال.
الوجه الثالث: المفروض في الترتب أنّ المهم مشروط بعدم الأهم وليس مطلقاً من ناحيته، أي مشروط بعصيانه وتركه وعدمه -ما شئت فعبّر- في حين أنّ المباحات مطلقة من هذه الناحية لا ربط لها بترك الأهم ووجوده، وهذا فرق معتد به بين الجانبين.
ــــــ[114]ـــــــ
(1) فإن قلنا بأن المهم يسقط لا بد أن نقول: إن الإباحات تسقط، وحيث إنها لا تسقط فالمهم لا يسقط، لأنهما متماثلان. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
الوجه الرابع: إنّ ما تحصّل حرمته -لو سلّمناه- في غير ذات المزاحمة الفعلية من المباحات ما تحصل حرمته من المباحات هو الجامع ما بين المباحات وليس خصوص مباح معين، فمثلاً أنه إذا لم يفعل هذا الواجب فهو مخير بين وجوه من الأفعال المباحة، هو أو مئة وجه من الأفعال المباحة، لا يجب أي واحد منها على التعيين، وإنما يكون الجامع بينها وهو يرجع في الحقيقة إلى حرمة الضد العام لا الضد الخاص، لأنه ملازم مع ترك الواجب فيكون حراماً، ولو سلّمنا حرمة الجامع بنحو الضد الخاص -أي الجامع الوجودي- لزم القول باقتصار الحرمة على الجامع، فعدم سريانها إلى الأفراد لأنه خلاف الضرورة الفقهية، وحرمة الجامع بهذا المقدار محتملة على أية حال وليست محذوراً.
فاتضح من ذلك عدم الملازمة بين إنكار الترتب والقول بإنكار إباحة المباحات التي هي أضداد الواجب.
وأما الحل: فلأنّ طلب الجمع إنما هو من لوازم انحفاظ كل من إطلاقَي الخطابين بالنسبة إلى الإتيان بمتعلق الآخر وعدمه، كما ذكرناه مفصلاً، وأما إذا كان أحد الطلبين مقيَّداً بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر، فلا يستوي الحال في فعليته بالإضافة الى الإتيان بمتعلق الآخر وعدمه، بل يستحيل أن يقع متعلّقه على صفة المطلوبية في عرض الإتيان بمتعلق الآخر، إذ المقيَّد بعدم شيء يستحيل أن يوجد معه.
وأما ما ذكر(1): «من انحفاظ الخطابين في ظرف عصيان الأمر بالأهم فهو وإن كان حقاً إلا أنهما ليسا في مرتبة واحدة ليلزم من فعليتهما معاً طلب الجمع بين
ــــــ[115]ـــــــ
(1) اكتفي بذكر هذا الجواب من هنا حيث هو الأهم. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
متعلقيهما(1)، لما عرفتَ في المقدمة الرابعة من أنّ الأمر بالأهم إنما يقتضي هدم عصيانه فحسب، والأمر بالمهم لا يقتضي وضع هذا التقدير ليقع التنافي بينهما، وإنما يقتضي أمراً آخر على هذا التقدير، فاشتراط أحد الخطابين بعدم الإتيان بمتعلق الآخر ينافي طلب الجمع لا أن يقتضيه، وإنما المقتضي له هو اتحاد الطلبين في الرتبة لا مجرد فعليتها في زمان واحد»(2). انتهى.
أقول: هذا بعينه أحد التقريبات السابقة التي ذكرناها وأجبنا عليها، والظاهر أنها نُقلت ولم يُنسب إلى الشيخ النائیني في حين أنها من نظرياته.
وملخص القول في ذلك: أننا إذا غضضنا النظر عن أمرين سابقين سبق أن قلناهما لم يتمّ هذا الوجه، يعني لم تكفي الطولية والتعدد في الرتبة لدفع المحذور، وهو أن يكونا طلبين لضدين أو طلب الضدين أو لاجتماع الضدين، بل يبقيان طلباً لاجتماع الضدين ما لم نضم إليهما أمرين سبق أن قلناهما الآن:
أحدهما: أنّ الامتثال غير المتعلّق لأنّ المتعلّق هو الكلي الذي تحت الأمر في الجعل مثلاً أو حتى في عالم الفعلية، المهم هو الكلي المأمور به، وأما الامتثال فهو الجزئي الذي يأتي به المكلف، أي مصداق ذلك الكلي ولاسيما على ما هو المشهور من أنّ تعلق الأوامر بالطبائع، فالطبيعة هي الكلي وهي المتعلّق للأمر.
ثانيهما: أنّ المتعلق يتبع الأمر في التقدم والتأخر الرتبي حتى الزماني، فمتعلّق
ــــــ[116]ـــــــ
(1) لأنّ أحدهما مترتب على عصيان الآخر فهو في طول الأمر كما في التقريبات السابقة، فالأمر الأهم متقدم بأكثر من رتبة واحدة على الأمر بالمهم. (منه).
(2) اجود التقريرات: ج2، ص84.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر المتقدم متقدم، ومتعلّق الأمر المتأخر متأخر، بخلاف الامتثال فإنه جزئي خارجي وليس مفهوماً كلياً لكي يتبع أمره في الرتبة.
فإن ضممنا هذين الأمرين إلى دليل الشيخ النائيني أصبح الترتب بالتقريب المركب من هذه الأفكار ممكناً وليس مستحيلاً، ولذا قلنا في أول بحث الترتب: إنّ اشكال الترتب إثباتي بعد استظهار الإطلاق من الأدلة بما يشمل صور المزاحمة، لا ثبوتي، بل نقول بإمكان الترتب ثبوتاً إلا أنّ هذا لا يكفي لاستفادته من الأدلة لأنه يمكن شيء والواقع شيء، آخر، فهو ممكن ولكنه غير واقع.
فيتم الاستدلال النائيني لتعدد الرتبة بين الأمرين بضم هذين الأمرين، وأما إذا غضضنا النظر عنهما لم يتم دليله، إذ من الواضح أنه لم يذكرهما ولم يلتفت إليهما، فدليله غير تام، لأّنّ الخطابين وإن اختلفا رتبة إلا أنّ المطلوبين فيهما هما في رتبة واحدة، لأنه بغض النظر عن المطلوب والمتعلّق يختلف باختلاف رتبة الأمر، فالمطلوبان في رتبة واحدة وفي زمان واحد، ولو غض النظر عن أنّ المتعلّق والامتثال شيئان، والامتثال مطلوب في الزمان الذي يطلب فيه هذا الأمر فتقع الاستحالة بمجرد كون المكلف عاصياً لأحدهما الذي هو الأهم طبعاً، لا نعني أنه غير مطلوب على ما هو المفروض مشهورياً من عدم سقوطه بالعصيان، إذن فطلب الضدين الملازم للجمع بينهما زماناً ورتبة موجود.
أذكر مثالاً واحداً فيما يخص نظريتي، إذ قد سبق أن قلنا: إننا إذا نظرنا إلى عالم الامتثال الذي هو عالم الخارج وليس عالم المتعلّق لم نجد اجتماع الضدين، لأنّ عالم الخارج يستحيل فيه اجتماع الضدين، وكذلك يستحيل فيه اجتماع النقيضين،
ــــــ[117]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ضرورة أنّ عالم الخارج خالٍ من المستحيلات، فالمكلف عاجز عن الجمع بين الإزالة والصلاة مثلاً، الذي عليه أن يأتي بأحدهما إما الأهم أو المهم، وليس له أن يمتثلهما معاً لاستحالة واقعية، وهي اجتماع الضدين، فإن أتى بالأهم فهو المطلوب، وقد برأت ذمته من كلا الحكمين ولا يكون المهم مطلوباً إطلاقاً عند امتثال الأهم، سواء قلنا بالترتب أو لم نقل، وهذا قلّما يُلتفت اليه، وهنا نكتة قلّما يلتفت إليها ضرورة أنّ الأهم متقدم وغير منوط بالترتب، فبامتثاله يرتفع موضوع المهم. وإن أتى المكلف بالمهم أجزأ عن الأمر به إذا قلنا بصحة الترتب مع استحقاق العقاب على ترك الأهم المأخوذ في موضوع المهم حرام، وأما إذا لم نقل بالترتب بطل امتثال المهم، وهذه هي الفائدة الفقهية الرئيسية لبحث الترتب وهي تصحيح الأمر المهم.
ــــــ[118]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ادلة استحالة الترتب
ولعل أهم وأقدم تلك الأدلة بين الأصوليين المتأخرين هو ما أورده الشيخ الآخوند في الكفاية، حيث دافع بصلابة عن استحالة الترتب، ولنأخذ ما ذكره فقرة فقرة وننظر ما فيها.
التعليق على ما أفاده الشيخ الآخوند من أدلة استحالة الترتب
قال الشيخ الآخوند: «ما هو مِلاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آتٍ في طلبهما كذلك، فإنه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما، إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة وعدم سقوطه بعد بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً، لنحقق ما هو شرط فعليته فرضاً»(1). انتهى.
أقول: إنّ الأهم لم يُعصَ بتركه -وإلا لو عُصي لسقط أمره- ومع ذلك أنّ الأمر بالمهم منجّز، وهذا تهافت صريح، لأنّ شرط المهم هو عصيان الأهم، فما لم يتحقق عصيان الأهم لا يتحقق شرط المهم وموضوعه، يفترض من الشيخ الآخوند أن يتخلص من هذا التهافت ببساطة.
ــــــ[119]ـــــــ
(1) كفاية الاصول: ص169.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعلى كل حال، فإنّ هذا الإشعار وهو تحقيق موضوع الأمر بالمهم بعصيان الأهم، وسقوطه الكاشف عن المزاحمة في البين المحققة للترتب غير موجود في عبارته.
وأقول أيضاً: إنّ هذا التقريب لاستحالة الترتب ساذج، حيث إنّ كِلا الفعليتين متحققتان في ظرف عصيان الأهم، أما الأهم فلإطلاقه ولأهميته، وأما المهم فلتحقق شرطه وهو ترك الأهم.
ربما يقال: الأمر بالمهم هو الشروع في ترك الأهم أو العزم على تركه وإرادة تركه ونحو ذلك، وليس الترك حقيقة وإلا لا يتحقق الترك إلا بخروج الزمان، فتخرج به المسألة عن باب الترتب.
قلت: إنّ هذا خلاف المشهور، بل خلاف مفروض الشيخ الآخوند، وقد سبق أن أجبنا عن ذلك بأنه لا تضاد بين الأمرين لتعدد المرتبة، ولا بين المتعلّقين لتعدد رتبتهما لتعدد مرتبة الأمرين، ولا بين الامتثالين لاستحالة تحقق الاجتماع في الخارج، إذ لم يجتمع الضدان خارجاً.
نعم، لم يبقَ إلا فقرة وهو أن يقال: إنّه يلزم من الجمع بين الفعليتين بالرغم من تعددهما الرتبي طلب الجمع بين امتثالهما وهو مستحيل بالعقل العملي، أي ظلم المكلف حيث إنّه تكليف بما لا يُطاق.
وجوابه: أنّ غايته الجمع بين الطلبين لا بين المطلوبين، ومن الواضح أنّ الجمع بين الطلبين ليس فيه محذور، كما في طلب الصلاة في نهار شهر رمضان بطلب الصيام، ولم يكن المطلوب هو المتعلّقين المتزاحمين أو الامتثالين المتزاحمين.
ــــــ[120]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
هذا وأنّ مفهوم طلب الجمع هو عنوان انتزاعي ومنشأه هو اجتماع الطلبين، وهذا لم يحصل بالدلالة المطابقية، فلم يقل (اجمع بين الضدين) فليس الترتب شيء من هذا القبيل.
مناقشة صاحب المحاضرات لأدلة الشيخ الآخوند
أما صاحب المحاضرات الذي يدعم إمكان الترتب ويقول بصحته تصدى للرد على الشيخ الآخوند وتكلم كثيراً عن عدم مزاحمة المهم للأهم، مع أنه مسلّم لا يحتاج إلى بيان، فإن الأمر بالمهم اكيداً لا يزاحم الأهم، إذ كل مهم لا يزاحم الأهم سواء في مورد الترتب أو غيره.
وحاصل ما ذكره في المحاضرات(1) رداً على الكفاية: هو أنّ الأمر بالمهم ليس بمطلق وإنما هو مقيَّد بترك الأهم وعصيانه، وأيضاً هو غير متعرضٍ لحال موضوعه، بل هو ثابت على تقدير تحقق موضوعه، فلا يكون طارداً للأمر الأهم ومنافياً له.
أقول: هذا بمجرده غير كافٍ، إذ أنّ مقتضى الفهم العرفي من أي أمر بما فيه الأمر بالأهم استفادة دلالتين:
إحداهما: دلالة مطابقية: وهي اقتضاء الإتيان بمتعلّقه (صلِّ) و(ازلْ) و(صم).
ثانيتهما: دلالة التزامية: وهي ترك ما سواه وتفريغ الوقت له وإرادته
ــــــ[121]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص441.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وامتثاله، وترك ما عداه أهم منه، أو هناك عسر وحرج يقتضي تركه.
ومن الواضح أنّ هاتين الدلالتين تكون أوضح في جانب الأهم (ائت بالأهم مطابقةً واترك المهم التزاماً)، فالمطابقة تنفي موضوع المهم وبذلك لا تعارض بينهما، كما أشار إليه في المحاضرات.
وأما الالتزام فهو ينفي به امتثال الأمر بالمهم، وأنّ اللازم على طول الخط الاتيان بالأهم خاصة وترك المهم، وهذا معناه أنّ الأهم ناظر إلى متعلّق الأمر المهم وطارد له وليس فقط مزيل لموضوعه، فإنّ الأهم مزيل لموضوع المهم بالدلالة المطابقية أو طارد له بالدلالة الالتزامية وكلاهما أمارة وحجة.
إن قلت: إنّ هذا يؤدي الى حرمة المباحات المضادة لأي واجب.
قلتُ: كلا، لوجهين:
الوجه الاول: لأنها لا تقول بحصول الحرمة، ولكن سقوط الأمر بالمهم، الأمر الذي يؤدي إلى إمكان الترتب، وتصحيح العبادة الترتبية، وهذا كافٍ للقول بالحرمة بالإلتزام بأقل مراتب وجودها.
الوجه الثاني: لأنّا نقول لا مضايقة لحصول الحرمة على الجامع بين المباحات بشكل لا يسري إلى مصاديقه كي يكون خلاف الضرورة، حيث إنّه خلاف الضرورة.
ثم قال الشيخ الآخوند: «لا يقال: نعم، لكنه(1) بسوء اختيار المكلف
ــــــ[122]ـــــــ
(1) الضمير عائد لترك الأهم.
منهج الأصول (الجزء السابع)
حيث يعصي(1) فيما بعد بالاختيار، فلولاه لما كان متوجّهاً إليه إلا الطلب بالأهم، ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار»(2). انتهى.
أجاب(3) الشيخ الآخوند بقوله: «فإنه يقال: استحالة طلب الضدين ليست إلا لأجل استحالة طلب المحال، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محالیته لا تختص بحال دون حال(4)، وإلا لصح فيما علق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب، مع أنه محال بلا ريب ولا إشكال»(5). انتهى.
أقول: وهذا الكلام منه صحيح لو سلمنا أصوله الموضوعية، ولكن للخصم أن يدافع بدفاعين:
أولهما: سبق أن قلنا: إنه لا يلزم منه طلب الضدين، فلا يكون صغرى لطلب ما هو مستحيل سواء قلنا أنّ المستحيل هو الجانب الاختياري او مطلقاً.
ثانيهما: إنّ المولى قد لا يلتفت إلى الاستحالة، كما يمثل به المشهور للمولى الحقيقي بالمولى العرفي بأنّه لا يلتفت إلى المصاديق وإنما يلتفت إلى القضية الحقيقية،
ــــــ[123]ـــــــ
(1) أي يصدق العصيان بالحمل الشايع وذلك حين ينقضي وقت المضيَّقين.
(2) كفاية الاصول.
(3) جوابه بالطعن بالكبرى، فإن المستحيل واقع وغير مرهون بالاختيار وعدمه، فإن اجتماع الضدين والنقيضين باطل. (منه).
(4) لو كانت الكبرى صحيحة بأن يجتمع الضدان إذا كانت المقدمات اختيارية لا حاجة إلى الترتب، الآمر يأمر بالضدين بمقدمات اختيارية حتى لو قلنا ببطلان الترتب. (منه).
(5) كفاية الاصول.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما الشيخ فقد ذكر (واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى…..) وهذا رد صحيح على مقالة المشهور.
هذا والمفروض في المسألة أن لا يكون الأمران خاصين بالمورد (صلّ وأزلْ)، بل المورد حاصل من اجتماع إطلاقين متباينين في أنفسهما، أزل النجاسة عن المسجد كبروياً صلّ كبروياً، وفي مثل هذين الجعلين لا يشترط الاجتماع فيهما، هذا وإنّ مولى الأصوليين العرفي يمكن أن يغفل عن صورة الاجتماع، وأما مولانا لا يغفل إطلاقا.
ثم قال: «إن قلت: فرق بين الاجتماع في عرض واحد(1) والاجتماع كذلك(2)، فإنّ الطلب في كل منهما في الأول يطارد الآخر، بخلافه في الثاني(3) فانّ الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم، فإنه يكون على تقدير عدم الاتيان بالأهم فلا يكاد يريد غيره(4) على تقدير اتيانه وعدم عصيان أمره.
قلت: ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم(5)؟ وهل يكون طرده له إلا من جهة فعليته ومضادة متعلّقه له، وعدم إرادة غير الأهم على تقدير عدم الإتيان به لا يوجب عدم طرده، لطلبه مع تحققه على تقدير عدم الإتيان به وعصيان
ــــــ[124]ـــــــ
(1) وفي مرتبة واحدة فيكون مستحيلاً. (منه).
(2) أي بنحو الرتب. (منه).
(3) الذي هو اشتراط تنجّز الأمر بالمهم بترك وعصيان الأهم. (منه).
(4) أي المهم على تقدير إتيان المهم وعدم عصيان أمره كذلك. (منه).
(5) وهذا وهم، فإنّ الامر بالمهم لا يطارد الأمر بالأهم أصلاً قلنا بالترتب أم لم نقل. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلّقين، مع أنه يكفي الطرد من أطرف الأمر بالأهم(1)، فإنه على هذا الحال يكون طارداً لطلب الضد -كما كان في غير هذا الحال- فلا يكون له معه أصلاً بمجال». انتهى.
أقول: رجع الأمر إلى التقريب السابق للمزاحمة وسبق أن منعناه، وقوله: (وهل يكون طرده…) باطل لعدة وجوه، منها الأهمية التي ذكرناها، ولا مانع أن يكون المهم طارداً للأهم حتى ولو كان فعلياً منجّزاً.
قوله: «وعدم إرادة غير الأهم على تقدير الاتيان به لا يوجب عدم طرده…»(2). انتهى.
أقول: وعدم إرادة المولى غير الأهم يعني يريد المهم على تقدير الإتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه -الأهم- فمع تحقق المهم مادام موجوداً بطرد الأهم مع تحققه، وعلى تقدير عدم الإتيان بالأهم بتحقق موضوع المهم فيلزم اجتماعهما، أما الأهم فلأهميته، وأما المهم فلتحقق موضوعه.
أقول أيضاً: اجتماعهما شيء غير مطاردة المهم للأهم ونفيه له، فإنهما يجتمعان، لكن ليس بمعنى أنّ المهم يطرد الأهم وينفيه ويدفعه فإنّ ذلك لعله مخالف للضرورة، وأما مجرد الاجتماع في الزمان فصحيح، ولكن سبق أن عرفنا عدم كفايته في الاستحالة.
ــــــ[125]ـــــــ
(1) يكفي في بطلان الترتب الطرد في طرف الأهم. (منه).
(2) كفاية الاصول: ص134.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثم قال: «ثم إنّه لا أظن(1) أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين(2)، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر(3) عليه العبد، ولذا كان سيدنا الاستاذ لا يلتزم به على ما هو ببالي، وكنا نورد به على الترتب وكان بصدد تصحيحه». انتهى.
أو أنها مفروضة التعذر في عنوان المسألة وليست مفروضة الوجود، وإلا لما احتجنا إلى الترتب لأنه يستطيع الجمع بينهما فلا إشكال.
ثم ذكر في المحاضرات موارد فيها عقابين، کما لو فرض وقوع المزاحمة بين صلاة الفريضة في آخر الوقت وصلاة الآيات في آخر وقتها حتى يصيرا مضيَّقين…
ومرة يقول نقض على وجود العقابين وعلى أي حال فلا بد أن يكون مقصوده إتماماً للدليل، أنّ المكلف لو ترك إحدى الصلاتين كان مستحقاً لعقابين لأنه ترك واجبين مستقلين، كما لو ترك الإزالة والصلاة، كذلك لو ترك صلاتين.
أقول: يجب أن نفترض عدم اشتراط صحة أي من الصلاتين بالإتيان بالصلاة الأخرى، كما يجب أن لا نفترض أهمية إحدى الصلاتين على الأخرى،
ــــــ[126]ـــــــ
(1) لا أعلم أنه يلتزم القائل بالترتب بوجود عقابين بل عقاب واحد حيث إنّه ترك الأهم، وليس على ترك المهم عقاب فالترتب باطل. (منه).
(2) من الواضح أنه إذا لم يأتِ بالأهم ولا بالمهم فقد عصى عصيانين لتركه الأهم لأهميته، وأما المهم فلفعليته وتحقق موضوعه. (منه).
(3) بحسب القدرة يتحدد العقاب، والقدرة هنا واحدة فالعقاب واحد، نعم مع الالتزام بصحة الترتب لا بد من الالتزام بعقابين لتنجز الخطابين وعصيانهما. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
وإلا دخل الأمر في باب الترتب الصوري ولم يكن نقضاً من خارج باب الترتب.
وعبارة المحاضرات مرددة بين هذين الأمرين: مرة يقول نقض على استحالة الترتب.
أقول: إنّ هذا من الغرائب لأمور:
اولاً: إننا لو اعتبرنا ذلك من باب الترتب نفسه لم يصلح نقضاً كما عرفنا، لأنّ الإيراد ضد الترتب سيكون شاملاً لهذا الفرع وهو فرع الترتب.
ثانياً: إذا اعتبرناه خارج الترتب لزمنا القول بوحدة العقاب لوحدة القدرة على ما هو المفروض، ولا معنى للعقاب بدون قدرة بل هو القبيح بعينه حاشا المولى من ذلك.
ولكن يبقى السؤال على ثبوت العقاب على أي منهما؟
وحيث إنّ له قدرة واحدة فإنه يصرفها في الأهم في باب الترتب، فإن عصى وتركه يعاقب عقاباً واحداً، ولكن إذا كان الأمران بدرجة واحدة من الأهمية.
فنقول: إنّ أحدهما أهم عوقب عليه وكان الآخر ساقطاً حقيقة، إلا إذا قلنا بالترتب وإن كانا متساويين في الأهمية، وإذا كانا متساويين كانا متساويين في العقوبة فيعاقب على أحدهما على إجماله، نفس هذا العقاب المستحق على هذا، يستحق على هذا، فيعاقب بأحد العقابين لا بمجموعهما.
وفي ظرف تساويهما في الأهمية وعدم القول بالترتب لا يحتمل تعارضهما وتساقطهما، لأنه قد يقال: إنهما تعارضا وتساقطا.
فإنه يقال: غير صحيح لأنهما متساويان في الأهمية.
ــــــ[127]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وإنما أمرهما من باب التخيير، ائتِ بأحدهما في طول تعذر الجمع بينهما، لأنّ القدرة على الجامع والأمر يقتصر فيه على ما هو المقدور.
أقول: وهذا من الغرائب! فإنه باطل:
أولاً: لأهمية الأهم فيعاقب عليه خاصة.
ثانياً: لكونه عقاباً على غير المقدور، لأنه ليست هناك قدرتين ليعاقب بعقابين، ومعه نستكشف من بطلان اللازم بطلان الملزوم، حيث إنّ العقاب واحد فالترتب باطل أو كما قال في المحاضرات: (نستكشف…. عدم صحة الترتب)، لانّ ترتب العقابين له معلولاته ولوازمه، فلّما بطل لا بد من بطلان الترتب.
من الواضح أنّ السيد الخوئي شيّد أركان الترتب تبعاً لشيخه النائيني، ولابد من دفعه.
فإنّه يقال: إنّه لا ملازمة بين القول بالترتب والقول بعقابين.
وحاصل ما أجاب به في المحاضرات: أنّ العقاب فرع القدرة أو القدرة متحققة وعلى كلا الفعلين على نحو الترتب، أما على الأهم فواضح وأما على المهم فهو في ظرف ترك الأهم، فإذا ترك الأمرين فيتحقق عصيانين فتتحقق عقوبتين. وليس هذا من قبيل الأمر بالجمع بالضدين، فإنه لو كان اُمِر بالجمع بين الضدين لاستحق عقاباً واحداً، وليس هو من قبيل الجمع بين الضدين ليكون مستحيلاً.
أقول: هذا وحده لا يكفي، لأنّ المفروض وجود زمن واحد لواجب واحد هو أحدهما لا لمجموعهما، والعقابين لا يكونان إلا على تركين، ولم يحصل تركان في الزمان
ــــــ[128]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الواحد بل ترك واحد، وأما التركان فهما محالان لاستحالة الجمع بين الفعلين.
فإذا لم يكن الفرد قادراً على الفعل لم يكن قادراً على الترك، فإذا لم يتعدد الترك كان العقاب ظلماً، أي أنّ المكلف غير مستحق لعقابين.
وأما القدرة الطولية -التي يزعمها في المحاضرات- الحاصلة بعصيان الأهم لا يعني فعليتها حقيقة، بل هو في هذا الظرف مأمور بالأهم وقادر عليه بغض النظر عصيانه، ولذا يعاقب لو جاء بالمهم وأجزأ منه ويُعاقَب على ترك الأهم.
وأما قدرته على كلا الفعلين فمستحيلة لأنها تساوق الجمع بين الضدين.
كان الكلام عن الإشكال في تعدد العقاب في صورة الترتب مع القول بإمكانه، ولربما أنّ القول بوحدة العقاب تؤدي إلى نفي إمكان الترتب، وقد أشرتُ إلى إمكانية الجمع بين القول بالترتب ووحدة العقاب، خلافاً لما في المحاضرات.
ثم إنّ الاعتقاد بتعدد العقاب ناشئ من كبرى ارتكازية، وهي أنّ كل تكليف فعلي في عصيانه عقاب، وحيث كان بالترتب تكليفان إذن فعليهما عقابان، إلا إنّ هذه الكبرى ليست واردة في ظهور معتبر بإطلاقه لا في آية ولا رواية، وإنما غايته إدراك العقل أو العقلاء لذلك، وهو دليل لبّي يُقتصَر منه على القدر المتيَّقن، وهي غير هذه الصغرى -صغرى إمكان الترتب- أو يقال ابتداءً إنّ العقل لا يحكم بتعدد العقاب هنا لدليل خاص بالمورد، سواء قلنا بصحة الترتب أو لم نقل.
الخطوة الاخرى: أنّ العقل لا يلزم من وحدة العقاب وحدة التكليف المنجز الملازم مع بطلان الترتب، لأنّ الترتب فيه تكليفان منجّزان، وإذا كان التكليف واحد ومنجّز بدليل على أنه لا عقاب واحد إذن فالترتب باطل، ليس كذلك، بل
ــــــ[129]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لا يلزم من وحدة العقاب وحدة التكليف المنجّز الملازم مع بطلان الترتب كما هو مقصود الشيخ الآخوند، فليكن هذا من تعدد التكليف كما في مورد الترتب مع وحدة العقاب.
أما تعدد التكليف باعتبار الطولية المنتجة للترتب، وأما وحدة العقاب باعتبار وحدة القدرة خارجاً وليس يستطيع أن يجمع بينهما طبعاً، والقدرة الطولية التي ذكرها في المحاضرات لا تكفي لتصحيح العقاب.
فإن قلت: إنّ وحدة القدرة تقتضي وحدة التكليف، فليس هناك قدرة على الجامع، هذا ملازم مع بطلان الترتب، لأنّ الترتب فيه تكليفان منجّزان وليس تكليفاً واحداً.
قلنا: كلا، إنّ القدرة الواحدة تقتضي وحدة التكليف، وهذا خلاف ما اشتهر.
هذا وأنّ القدرة الطولية تكفي لصحة الترتب كما ذكر في المحاضرات، فإنّ المكلف حين لا يكون منشغلاً بالأهم فهو قادر على المهم، وحيث إنّه عاصٍ للأهم يكون موضوع المهم موجوداً فهو مأمور به فهو قادر عليه، غير إنّ القدرة الطولية إن كانت تجيز العقابين فلابد أن يكونا طوليين، وهي طولية رتبية، لا وجود لها في العين والخارج وإن وجد لها منشأ انتزاع، كالعلة والمعلول، فإنّ في عالم العين الوحدة في المكان والزمان، وليس الوحدة في الآتية.
العقاب أينما يكون في عالم العين حيث جهنم خارجاً، وهو يترتب على عصيان التكليف فإذا كان تكليفان طوليين فيمكن أن نتصور عقابين طوليين
ــــــ[130]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لعصيانين طوليين، وأما أن يكون عقابان عرضيين وعصيانان عرضيين فهو ظلم يجلّ عنه المولى، بخلاف التكليف النظري واشتغال الذمة فإنه تكفي فيه القدرة الطولية.
فإن قلت: إنّ القدرة موجودة في عالم العين وهي طولية، فانتقضت القاعدة وأنّ المأمور به موجود، وما هو موجود في العين لا أثر لتعدد الرتبة فيه.
قلتُ: القدرة لها جانبان عملي و نظري:
أما الجانب النظري: فهي تصلح أن تكون طولية من الناحية العقلية والتحليل العقلي، بأن تتعلق بأمور كثيرة ومتضادة في نفس الوقت، بأن نقول: إني قادر على فعل كذا وكذا، وإن كان عملياً قادر على واحد منها دون الجميع دفعة وجمعاً.
وأما القدرة العملية: فهي منحصرة بواحد في موضوع المسألة، إما امتثال الأهم وإما امتثال المهم بنحو مانعة الخلو ومانعة الجمع، ولذا لم يكن المكلف قادراً عملياً على المهم ما لم يترك الأهم، لو كان قادراً على الجمع لأتى بالأهم والمهم، فهو من الناحية العملية غير قادر على المهم إلا بترك الأهم، وأما كون المكلف قادراً على الجمع خلاف مسألة الترتب كما هو معلوم.
رد صاحب التقريرات على كلام الشيخ النائيني
ثم إنّ صاحب التقريرات(1) قال: «وقد أجاب عن هذا الإشكال المحقق النائیني(2) بجوابين نقضاً وحلاً:
ــــــ[131]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص361.
(2) المحقق النائيني ممن يدعم الترتب بقوة، وهو يرد على استاذه الآخوند القائل باستحالة الترتب. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
أما النقض: فبالواجب الكفائي إذا ما كان لا يتحمل التكرار(1) كقتل حيوان مفترس مثلاً، فإنه في مثل ذلك أيضاً لا يكون صدور الفعل من الكل مقدوراً(2) إلا مشروطاً بترك الآخرين، في حين أنه لا إشكال في معاقبة الجميع اذا عُصيَ الواجب الكفائي»(3). انتهى.
أقول: إنّ هذا إشكالاً على الشارع المقدس نفسه، وهو تعدد العقاب على تكليف واحد وهو قبيح لا يصدر من الحكيم العادل، فلا ينبغي الاعتراف بمثل هذه النتيجة.
قال: -على ما في التقریرات-: «والأفضل تبديل هذا النقض بالنقض بالتكليف بالضدين في زمانين، كما إذا فرض أنّ الزيارة صباحاً مع الزيارة ليلاً وقع بينهما تضاد لدى المكلف بحيث لم يكن يمكنه أن يأتي بهما معاً أي عجز عن الجمع بينها، وكان هناك تكليف بالزيارة صباحاً أو الزيارة ليلاً على تقدير عدم الزيارة صباحاً، وهو تكليف جائز حتى عند القائل باستحالة الترتب إذ لا يستلزم اجتماع التكليف في الضدين في زمان واحد كي يلزم المطاردة بينهما، وإنما التكليف لكل منهم في زمان غير زمان الآخر، فلو فرض عصيان المكلف وتركه للفعلين معاً كان
ــــــ[132]ـــــــ
(1) الواجبات الكفائية لا تتحمل التكرار، كدفن الميت الواحد وأمثلته كثيرة. (منه).
(2) لأنه يلزم منه تحصيل الحاصل، فإن المقتول لا يُقتل، لا معنى لقتله مرة ثانية. (منه).
(3) فإذا أمكن في الوجوب الكفائي مع وحدة القدرة معاقبة الجميع عند تركهم التكليف أمكن في الترتب، فإن فيه قدرة واحدة ويعاقب بعقابين، أما في الكفائي فإن العقاب للجميع ولو كانوا بقدر الجميع. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
هناك عقابان لا محالة حتى عند القائل بعدم إمكان الترتب، مع أنه يجري فيه الإشكال المزبور إذ لا قدرة على الفعلين معاً فأحد العقابين على ما ليس بالاختيار لا محالة»(1). انتهى.
ويرد عليه:
الإيراد الأول: أنّ عبارة التقریرات مجملة، من ناحية حكم الزيارة الثانية ليلاً، ما هو حكمها؟ تارة قال: إنهما معاً مأمور بهما استقلالاً، ولكن بالصدفة حصل العجر عن أحدهما غير المعين، ولكن حصل التضاد بينهما وعجز المكلف عن أحدهما ومقتضى ذلك هو التخيير بينهما، أي يأتي بما هو الممكن وإذا لم يأتِ به فالعقاب يكون على ما هو ممكن، أي واحد لا متعدد.
وتارةً أخرى: إنه يوجد تكليف بالثانية مشروط بترك الأولى والأولى مطلقة مثلاً: (زر صباحاً فإذا لم تزر صباحاً فرز ليلاً) وهذا المعنى له أحد تفسيرين:
أحدهما: نفس الوجود التخييري الناشئ من العجز عن أحدهما، لأنه حيث ترك الأولى التي هي الزيارة صباحاً تنجز الامتثال بالثانية، وهذا هو حصة من لسان التخيير، (فإذا لم تزر صباحاً فامتثل مساءً)، ففرصة الامتثال موجودة حينئذٍ يأتي نفس الكلام السابق فيه.
ثانيها: أو الاحتمال الآخر في تفسير عبارة التقریرات: وهو أن يكون تكليفاً ثانياً بمعنى أن يجتمع تكليفان على الزيارة المسائية أحدهما: أن تكون مأموراً بها مستقلاً، والزيارة الصباحية أيضاً مأمور بها مستقلاً، وثانيهما: أن يكون مأموراً بها
ــــــ[133]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص361.
منهج الأصول (الجزء السابع)
بنحو الترتب على تقدير ترك الزيارة الصباحية وعلى تقدير عصيان الأمر الأول فيكون هناك تكليفان يجتمعان على الزيارة الثانية أو المسائية وهو محال، إذ يستحيل تعلق تكليفين بمتعلًق واحد لأنه تحصيل الحاصل.
فإن أراد هذا كاحتمال ندافع به عن التقريرات بعد حذف الأطروحة الأولى نقول: إنّ الزيارة المسائية ليس فيها حكم مستقل فقط، بل فيها حكم ترتبي (زر صباحاً) فإن لم تزر صباحاً فزر مساءً، فالثانية منوطة بترك الأولى.
وإن أراد تعلق التكليفين بهما على وجه الترتب ابتداءً بحيث تكون الأولى مطلقة والثانية مشروطة بعدم الأولى، مع العجز عن أحدهما لا مع القدرة عليهما كما هو المفروض في المسألة فهو هو بعينه مسألة الترتب، وفرقه عن الترتب المشهوري هو تعدد الزمان، لأنّ المشهوري هو في زمان واحد كالإزالة والصلاة، وأما الترتب هنا فزمان الواجبين مختلف، وحيث اختلف زمانهما زعم صاحب التقريرات أنه حتى على القول ببطلان الترتب يمكن القول بإمكان هذه الجهة في هذه المسألة.
أقول: طبعاً هذا ليس بصحيح، وأنّ هذه الحالة هي عين مسألة الترتب ولا دخل للزمان فيها تعدداً ووحدة، وإنما أخذ المشهور وحدة الزمان باعتباره سبباً رئيسياً للعجز، حيث إنّه عملين في زمن واحد لا يمكن أدائها أو أنه أوضح أسباب العجز، فالمناط في مسألة الترتب هو العجز وليس وحدة الزمان أو تعدده، فلو عجز مع تعدد الزمان كانت نفس النتيجة وهو متحقق بحسب فرض المسألة، سواء كان الزمان واحداً أو متعدداً.
ــــــ[134]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الإيراد الثاني: على نقض التقريرات:
إنه مع وحدة القدرة على الامتثال له قدرة واحدة على الامتثال، لأنّ القدرة على الامتثال منتفية في مفروض المسألة أكيداً، فهو يستطيع أن يمتثل امتثالاً واحداً، ومع وحدة القدرة على الامتثال يتعذر القول بالعقاب المتعدد، إنما يعاقب على ما تركه عن قدرة لا ما تركه عن عجز فإنه يكون ظلماً.
فإن التزمنا بتعدده بنحو كما قلناه في الواجب الكفائي، كان ذلك لوجود قصدين سيئين في النفس كما قلناه، وهو فرض جهلهِ بالمسألة الأصولية، وهو ارتفاع أحد التكليفين بالعجز أو غفلته عنها، وإلا كان قصده واحداً.
ويتضح أكثر لو فرضنا أنّ الامر كان ترتبياً مع القدرة عليهما معاً بأن قال: (زر صباحاً) بالإطلاق فإن لم تزر صباحاً فزر مساءً، وهو قادر على كلتا الزيارتين ولكنه عصاهما معاً، فيعاقب بعقابين لا محالة لوجود قدرتين مستقلتين، لأنه عصى الزيارة صباحاً فيعاقب على عصيان الزيارة هذه، فحصل العصيان بعصيان الأولى (الزيارة الصباحية) وتحقق موضوع وجوب الزيارة المسائية (الثانية) فعصاها أيضاً وهو قادر عليها، فيستحق العقاب عليها أيضاً في هذه الصورة، وأما في صور العجز فلا.
ــــــ[135]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الاشكالات على الترتب
هناك جملة من الإشكالات على الترتب ذكرها السيد الأستاذ الشهيد في الجهة الخامسة نتيجتها امتناع الترتب وسقوطه نذكرها:
مناقشة ما أورده صاحب التقريرات على فكرة الترتب
قال في التقريرات: «الجهة الخامسة: إنّ القول بالترتب عليه إشكال رئيسي، هو استلزام الأمرين بالضدين ولو بنحو الترتب لطلب الجمع بين الضدين وهو غير معقول، غير أنّ هناك إشكالات أخرى جانبية قد تُورد على القول بالترتب لا بد من تمحيصها:
الإشكال الاول: دعوى استحالة الترتب، باعتبار أنّ المترتب عليه الأمر بالمهم وهو عصيان الأهم، إما أن يُؤخذ بنحو الشرط أو المقارن أو المتأخر(1)(2).
أما أخذه بنحو الشرط المتقدم(3)، فيلزم منه أن يكون الأمر بالمهم فعلياً في الزمن
ــــــ[136]ـــــــ
(1) احتمالات ثلاثة لا رابع لها. (منه)
(2) هذه الاحتمالات كلها باطلة فأصل اخذ عصيان الأهم في موضوع المهم باطل فلا يبقى أساس للترتب. (منه)
(3) معنى الشرط المتقدم هنا هو أن يتم عصيان الأهم، ويكون سبباً لتولد الأمر بالمهم ويكون واجباً. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
الثاني بعد زمن العصيان وترك الأهم، وهذا خارج عن محل الكلام، إذ ليس هو الترتب المبحوث عن إمكانه واستحالته، إذ يقصد به أن يجتمع الأمران في زمان واحد، لا أن يكون فعلية أحدهما في زمن متأخر عن زمن فعلية الأول»(1). انتهى.
الإشكال الثاني: ذكره في التقريرات: «من أنّ موضوع البحث وقوع التزاحم بين واجبين مضيَّقين متضادين في الزمان الواحد(2) بحيث لو فرض مضي جزء من ذلك الزمان بنحو يتحقق به عصيان الواجب الأهم كان ذلك موجباً لمضي جزء من زمن امتثال المهم أيضاً بحيث لا يمكن امتثاله بعد ذلك(3).
وأما أخذه بنحو الشرط المقارن فغير ممكن أيضاً، لاستلزامه أن يكون الأمر بالمهم مقارناً مع زمان عصيان الأهم الذي هو زمان امتثال المهم، فيكون الأمر المهم معاصراً زماناً مع امتثاله وهو غير ممكن، بل لا بد من تقدم الأمر الباعث على الامتثال والانبعاث.
وأما أخذه بنحو الشرط المتأخر(4)، فلأنه يستلزم القول بإمكان الشرط المتأخر
ــــــ[137]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص342.
(2) كالصلاة في آخر وقتها والإزالة المضيقة. (منه)
(3) اذا كانت هناك خمس دقائق هي وقت للأهم والمهم فاذا مضى دقيقتان من وقت الأهم ولكنه أيضاً مضى من وقت المهم، والباقي لا يسع لوقت المهم اذا كان مأموراً به فيكون عاجزاً عن امتثاله.
(4) إنّ عصيان الأمر بالأهم لا يحصل إلا في آخر الزمان وهي الخمس دقائق حتى يصدق العصيان، فيلزم الإشكال، وهو أنّ زمان الأمر بالمهم أيضاً قد انتهى، فيؤخذ عصيان الأمر بالأهم شرطاً متأخراً من أول أزمنة الأمر بالمهم. وهذا غير ممكن إلا أنّه متوقف على القول بصحة القول بالشرط المتأخر والواجب المعلق، والمفروض أنّ الأصولي لا يقول بهما. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
والواجب المعلّق، إذ يستلزم أن يكون الأمر بالمهم متقدماً زماناً على زمان عصيان الأهم الذي هو زمان امتثال المهم أيضاً، فيكون كل من الشرط والواجب في الأمر بالمهم متأخراً عنه وهو مستحيل»(1). انتهى.
مناقشة هذا الاستدلال:
أما الشق الأول فنتجاوز عنه لأنه خارج باب الترتب، وإن لم يكن باطلاً في نفسه.
وأما الشقين الأخيرين فالمناقشة فيهما إما بالطعن بالكبرى أو بالصغرى.
وأما الشق الثالث الذي هو أسهلها رداً، وهو مبني على كبرى بطلان الشرط المتأخر، وبطلان الواجب المعلّق.
تبقى الإشارة هنا إلى أمرين:
الأمر الاول: أنّ ظاهر التقریرات لزوم كِلا المحذورين، الشرط المتأخر والواجب المعلّق، فلو كان الأصولي مانعاً لإحدى الكبريين، مثلاً يقول: بإمكان الشرط المتأخر ويمنع الواجب المعلّق أو بالعكس، كان هذا محذوراً يندفع به الشق الثالث، لأنه إذا كان كبرى باطلة كافية لإسقاط الشق الثالث.
ولكن الصحيح ليس كذلك، إذ لا ملازمة بين القول بالشرط المتأخر والواجب المعلّق، فهما متباينان لا ربط لأحدهما بالآخر.
ــــــ[138]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص342.
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإنّ الواجب المعلّق من قبيل أنّ الاستطاعة شرط المادة لا الهيئة للحج، فإنّ وجوب الحج موجود قبل الاستطاعة، وحينما تحصل الاستطاعة ينكشف وجوب الحج قبلها، وهذا يشبه الشرط المتأخر، بعنوان أنّ الوجوب كان موجوداً وهو مشروط بوجود الاستطاعة في الزمن الثاني.
ولكن الصحيح أنه أمر آخر فإنه من قبيل غـسل المستحاضة في الليلة بعد نهار الصوم، إذا قلنا بشرطيته.
والفرق بينهما، أنّ في الواجب المعلّق الوجوب موجود من أول التكليف أو من أول الإسلام، وهو مشروط بحصول الاستطاعة، وحينما حصلت الاستطاعة استمر الوجوب لا أنه سقط الوجوب.
وأما الشرط المتأخر، فإنّ وجوب الصوم ينتهي عند الغروب ويبدأ الشرط المتأخر بعد الغروب وهو وجوب الغسل، فلم يجتمع الشرط مع الوجوب، في حين هناك اجتمع شرط الاستطاعة مع الوجوب واستمر بالاستطاعة الى زمان الامتثال أو العصيان.
نعم، وجه الشبه الصورية بينهما، أنّ الواجب المعلّق مشروط بوجود الاستطاعة في زمان متأخر، ولكن المغايرة بينهما حقيقية وليس هذا شرط متأخر، إذن فصدق إحدى الكبريين غير صدق الأخرى.
وهنا في باب الترتب إن قلنا بأنه نأخذه بنحو الشرط المتأخر، بأن يكون عصيان الأمر بالأهم مأخوذ بنحو الشرط المتأخر لوجوب الأمر بالمهم، لأنّ عصيانه يحصل بعد تمام الوقت، وتمام الوقت بالنسبة إلى أوله شرط متأخر هذا تام
ــــــ[139]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وصحيح، لكن هل يكون بنحو الواجب المعلّق؟
التحقيق أنه لا يكون بنحو الواجب المعلّق، الآن الوجوب قد انتهى، أي أنّ وجوب الأهم انتهى في آخر الوقت، كما انتهى وجوب الصوم في آخر النهار، إلا أنه استمر مع وجود الشرط، كالاستطاعة لوجوب الحج، فإنها مصداق للشرط المتأخر وليس مصداقاً للواجب المعلّق.
وعليه، فهو يتوقف على تصحيح كبرى الشرط المتأخر، وليس على تصحيح كبرى الواجب المعلّق.
وقد سبق منا القول بإمكان الشرط المتأخر والمنع من الواجب المعلّق كبرى وصغرى، إذن فكبرى الشرط المتأخر هنا صحيحة.
فظهر أنّ الشق الثالث يمكن اختياره وليس فيه محذور.
الأمر الثاني: وهو متوقف على فهم الاول وامكانية الشرط المتأخر ثبوتاً وإثباتاً.
أما الإثبات، فإنّ إمكانه لا يقتضي وقوعه طبعاً، فلا بد من دلالة ما لإثبات واقعيته، فإن كان بدلالة مطابقية من قبل المولى بالشرع التفصيلي بأنه كذا وكذا، وأنه عصيان الأمر بالأهم، جعله شرطاً متأخراً لوجوب المهم فهو، ولكن المسألة ليست هكذا، وإنما المشهور حينما ذكر أنّ الترتب لا يحتاج إلى دليل وإنما نفس التمسك بالإطلاقات الأولية كافٍ.
وهنا مرحلتان:
المرحلة الاولى: إنّ التمسك بالإطلاقات الأولية ليست كافية، لأنها منصرفة
ــــــ[140]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
عن صغرى التزاحم أصلاً، ولا ترتب في غير صورة التزاحم، خاصة الإطلاق بالنسبة إلى الأمر بالمهم لا الأمر بالأهم.
فمن هذه الناحية يسقط الأمر بالمهم تماماً ولا يتجدد بعد سقوطه، لأنّ تجدده بعد سقوطه بعنوان أنه مشروط بترك الأهم، فإنّ الإطلاق لا يثبته وغير كافٍ لذلك.
المرحلة الثانية: إننا لا نريد مطلق الشرطية بالعصيان -عصيان الأمر بالأهم- بل الشرطية بنحو الشرط المتأخر، فإن فهمنا مطلق الشرطية فلا نقبلها بنحو الشرط المتأخر، فتزداد المسألة غموضاً وبُعداً عن الإطلاق، فإذا كان أصل المطلب -أصل الشرطية- قابل للمناقشة فكيف بقبولها في طول فرضها شرطاً متأخراً؟! فمن هذه الناحية الشرط المتأخر إثباتاً –وليس ثبوتاً- إمكانه صحيح.
هذا كله في الشق الثالث
وأما الشق الثاني وهو أخذ شرطية عصيان الأمر بالأهم بنحو الشرط المقارن لامتثال الأمر بالمهم، فقد كان محذوره تزامن الأمر والمأمور به ابتداءً وانتهاءً، وهذا مستحيل للزوم تقدم الأمر على المأمور به، إلا أنّ هذا باطل على ما سوف يأتي.
وهذا يمكن الجواب عليه بعدة أجوبة:
اثنان منها موجودة في التقريرات وواحد أضفته وهو الأول:
الجواب الأول: أنه يكفي في كل أمر مع كل امتثاله بما فيه الترتب -الذي إذا قلنا بإمكانه ولو فرضاً- فإنه يكفي التقدم الرتبي ولا حاجة إلى التقدم الزماني.
نعم، بحسب الإثبات تحتاج إلى التقدم الزماني، لأنّ المهم من التكليف هو
ــــــ[141]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
انتهاء ترتب المولى بالجعل، مثل أن يقول: (صلّ) وهذا يحتاج إلى زمان، فإذا أراد المكلف أن يصلي فوراً فهو بحاجة إلى الانبعاث وانقداح الإرادة للامتثال، وهذا كلي بحاجة إلى زمان قطعاً وإن كان قليلاً.
ومن هنا يقال: بأنّ الإطاعة لا تكون إلا بعد الأمر، ويستحيل أن تكون مع الأمر.
هذا تام جداً فيما إذا كان المكلف يسمع من المولى ويعرف أمره، مثل (صلّ) أو أي تكليف آخر، وليس هكذا دائماً، فلربما أنّ المولى أمرني بدون أن أسمع خطابه، حيث عندي دليل على أنه يأمرني في اللحظة الفلانیة، فأنا امتثل في نفس اللحظة لأنّ الامر جعل ثبوتي.
وهذا تام في نفسه، إلا أنّ المورد -الترتب- قد لا يكون منه، فلو كان الفرد ملتفتاً إلى الأمر من أول آنات وجوده، والإرادة منقدحة في نفسـه من أول آنات امتثاله، فلا يبقى هناك أي فرق زماني بينهما سوى التعدد الرتبي، وهذا هو الحال في الحقيقة وليس ما ذكره في التقریرات. وسيأتي في الجواب الثالث.
الجواب الثاني: وهو ما ذكره في التقريرات حيث قال: «(أولاً بالنقض…) النقض بسائر التكاليف(1)، فإنها تثبت في أول أزمنة الامتثال(2)، فلو التزم فيها بتقدم
ــــــ[142]ـــــــ
(1) المراد هو التكاليف الموسَّعة وليس المضيَّقة، لأن فيها سعة أن يتوجه الأمر في أول الوقت، وأما التكاليف المضيَّقة التي يبدأ الامتثال بأول الوقت إلى آخره كالصوم. (منه)
(2) كالصوم.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر على الامتثال زماناً وإنّ زمان الواجب يكون متأخراً ولو آنا ما(1) بنحو الواجب المعلّق والمشروط بالشرط المتأخر، حيث إنّ القدرة على الواجب في ظرفه شرط للتكليف المتقدم(2) في كل واجب معلّق قلنا به في المقام أيضاً»(3). انتهى.
ــــــ[143]ـــــــ
(1) عن زمان الأمر وتفصيله:
إنّ هذا الأمر المتقدم زماناً على الامتثال إن كان متوجهاً للمكلف بعد الوقت المضيَّق، من قبيل أنه يبزغ الفجر فيؤمر بالصوم فيصوم، وهذا يعني أنّ الصوم لم يكن من أول الفجر، وأن يكون المكلف عاجزاً عن الصوم من أول الفجر إلى غروب الشمس، لأنه يحتاج ولو لمدة دقيقتين إلى توجه الأمر وانقداح الإرادة إلى الامتثال ونحو ذلك من الأمور، ويكون أمراً بما يعجز عنه المكلف وخلاف المفروض فقهياً، وإن فرض أنه قبل الفجر أمر بالصوم الفجر، يصوم ما بعد الفجر، فهذا في الحقيقة هو الذي تعرض له في التقريرات، وهذا له أحد أسلوبين: إما القول بالواجب المعلّق، أي الوجوب حاصل ولكن الواجب متوقف على شرطه، فالوجوب موجود قبل الشرط لأنه للواجب. أو القول بنحو الشرط المتأخر، أي أن الوجوب مشروط بنحو الشرط المتأخر، كطلوع الفجر فيكون موجوداً قبل شرطه أيضاً. فإن قلنا بهاتين الفكرتين، أمكن تقدم الوجوب على الشرط الذي هو الوقت مثلاً. وأما إذا ناقشنا ذلك ومنعنا القول بالواجب المعلّق والشرط المتأخر، فإنه يلزم الإشكال، وهو أنه لا يمكن تقدم الوجوب على الواجب، وإنما هذا واقع، وهو أن الوجوب في لحظة زمان الامتثال يبدأ، فإذا كان مستحيلاً لما كان واقعاً، وهذا الذي ذكرناه قد لا تفيده عبارة التقريرات بشكل واضح. (منه).
(2) طلوع الفجر شرط للتكليف المتقدم على التكليف في كل من الواجب المعلّق والشرط المتأخر. وهنا نقص في العبارة حيث قال: (فلو التزم) وجوابه غير موجود في العبارة، وعليه فلو اقتصرنا على العبارة لم يكن هناك ظهور في بطلان الواجب المعلًق والشرط المتأخر. وإذا كان صحيحاً لا يكون هذا نقضاً، وإنما يكون وجهاً للالتزام بالفكرة وليس نقضاً، وإنما النقض يصح فيما إذا قلنا ببطلان الشرط المتأخر وبطلان الواجب المعلّق. (منه).
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص343.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثم قال:
وإن شئت قلت: «الجمع بين إبطال الاحتمال الثالث -الشرط المتأخر- والاحتمال الثاني -الشرط المقارن- تهافت، فإنّ القول بلزوم تقدم الأمر على الامتثال زماناً يستلزم القول بالشرط المتأخر والواجب المعلّق في الواجبات». انتهى.
هذا كلامه إن قلنا ببطلان هذين الأمرين بالشرط المتأخر والواجب المعلّق لزمنا القول بعدم تقدم الأمر على الامتثال فيبطل الشق الأول من الدليل، مع أنّ المفروض صحته.
وإن قلنا بإمكانها توصّلاً للقول بالتقدم -تقدم الأمر على الامتثال- بطل الشق الثالث من الدليل، لأنه مبني على بطلانهما فإذا قلنا بصحتهما لزم الخُلف، فيكون بين الشقين تهافت في الالتزام بهذين الأمرين أو عدمهما.
اللهم إلا أن يقال: إما بعدم محذورية بطلان الشق الأول، حيث إنّ الشق الأول مرتفع أساساً وخارج عن باب الترتب فلا محذور من سقوطه، وإما بالقول بأحد هذين الأمرين دون الثاني منهما، فنقول: إما بالواجب المعلّق واستحالة الشرط المتأخر، والشق الثالث مبني على استحالة الشرط المتأخر فلا يكون باطلاً،
ــــــ[144]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لأننا اعترفنا بأصله الموضوعي وقاعدته العامة وهذا يكفي، وكذلك قلنا بتقدم الوجوب على الواجب بنحو الواجب المعلّق.
الجواب الثالث: من الإشكالات على أصل هذا الدليل ما ذكر في التقريرات وهو الحل في نظره، لأنه ذكر نقضاً وحلاً وخلاصته:
إنه لم يقم دليلاً على لزوم تقدم الأمر على الامتثال، وذكر لذلك ثلاث وجوه محتملة وردّها، وعليه فيبقى هذا التقدم بدون دليل، وما كان دليل فهو باطل، هذا محصّله.
فظهر أنه لم يقدم حلاً حقيقياً، نعم، هو ناقش الوجوه التي تدل على لزوم التقدم، وهذا علمياً لا يكفي، إذ للخصم أن يستدل بدليل آخر رابع مثلاً.
وقد يخطر بالبال أنّ الأمر هنا كما لو شك بتكليف بوجوب السورة بعد الفاتحة، وبحثنا عن دليلها فلم نجده فالحكم الذي لا دليل عليه لا يكون موجوداً، كذلك هنا الفكرة لا دليل عليها فلا تصح.
وفي الحقيقة هذا قياس باطل، وذلك لأنّ الوجوب أو الحرمة حينما لا يكون عليها دليل تكون مجرى لأصالة البراءة، تكون الحجة على نفيها وذلك بالبراءة أو الاستصحاب ونحو ذلك، وأما هنا فالفكرة عقلية فهو مجرى البراءة بطبيعة الحال.
ومن هنا تبقى الفكرة لا هي مستدل عليها ولا هي مستدل ضدها، يعني هي مجرد أطروحة محتملة، والأطروحة المحتملة تضر بالاستدلال المقابل، وإن لم يقم عليها دليل، لكن الاستدلال المقابل ينتقض بالاحتمال، لأنّ الاحتمال مبطل للاستدلال وهذا كافٍ بلا حاجة إلى الاستدلال على هذه الأطروحة، أيُّ اطروحة كانت بما فيها هذا المورد.
ــــــ[145]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثم إني أشرتُ قبل أسطر على أنه في إمكان الخصم أن يقدم دليلاً رابعاً غير هذه الأدلة التي ذكرها، ونقاشها سيأتي.
وخلاصته:
من الناحية العرفية -لا أقل- أنه لابد من تقدّم الأمر على الامتثال، لأنّ هناك عدة مقدمات زمانية تحتاج إلى الحصول والتحقق، وهي إرادة المولى بما فيها التصور والتصديق ونحو ذلك، ثم التلفظ بالجعل مثل (صلّ)، والخطاب بالصيغة، وبعد الانتهاء منها يتحقق الوجوب على المكلف وهي تحتاج الى زمان.
وكذلك ما يعود إلى المكلف من إرادة ومقدماتها والفعل ومقدماته الخارجية من التوجه، التوجه إلى القبلة للصلاة مثلاً، كل ذلك بحاجة إلى زمان قلّ أو كثر.
هذا ونلاحظ أنّ الأصوليين يعتبرون المولى الشرعي كالمولى العرفي في كثير من المباحث، وأما هنا فلا يعتبرونه كذلك، ولا يتعرضون الى أنّ الجعل يحتاج الى زمن، بل يأخذون المطلب كأنه مسلم لأنّ الجعل صدر في صدر الاسلام ولا يحتاج الى تكرار، وقد تقدم منا أنّ التقدم الرتبي كافٍ في المسألة ولا يحتاج إلى تقدم أكثر من ذلك.
مناقشة الوجوه التي ذكرها صاحب التقريرات للإشكال على الترتب
الوجه الاول: ما نسبه إلى صاحب الكفاية من أنّ الأمر يكون بداعي جعل الداعي الأول في نفس المولى، حيث أنّ المولى له داعٍ في أن يجعل الداعي في نفس المكلف نحو الامتثال، والامتثال متوقف على حصول مباديه من التصور والتصديق والفائدة والجزم، وهذه أمور زمانية لا بد من تحققها من زمن ولابد
ــــــ[146]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
من تأخر الأمر عن تحقق الداعي لامتثاله.
قال: وفيه أنّ هذه المبادي لا يتوقف تحققها على وجود الأمر وفعليته، بل يمكن تماميتها قبل فعليته كما هو واضح).
كما في الصوم، حيث يقدم المكلف الإرادة ومقدماتها قبل الفجر بدقيقة أو بثانية، ثم حينما يبدو الفجر يبدأ بالصوم بالإرادة -هذا لو أمكن وبحسب الدقة العقلية- إذا قلنا إنّ الإرادة علة والعلة لا تتقدم على معلولها ولو آنا ما.
أقول:
أولاً: هذا الدليل مع جوابه هو نفس ما سبق ذكره، حيث أنّ هناك زماناً عند المولى في مقام جعله للأحكام وزماناً عند المكلف في مقام الامتثال، والشيخ الآخوند ذكر الزمان المربوط بالمكلف ولم يتعرض إلى زمان الجعل عند المولى، وصاحب التقريرات صدق الآخوند بالنسبة إلى المكلف وإنّ الإرادة عنده قبل الفجر، ولكنّا ندافع عن الآخوند بأنّ الزمان ضروري لدى المولى أيضاً.
ثانياً: يمكن القول بأنّ مبادي الاختيار في النفس ليست زمانية لأنها من صفات النفس، والزمان من خصائص عالم المادة والنفس مجردة، إذ انقداح التصور والعزم والجزم في أقل من طرفة عين -هذا للتقريب- ويكفي تجربة للإنسان في ذلك استمراه في العمل -كما ندرك ذلك حضوراً- حيث إنّنا نستمر في الكلام مع أنّ كل كلمة وكل حرف هو عمل مستقل بالدقة يحتاج إلى تصور وتصديق وعزم وجزم، وهذا مما لا يحتاج إلى زمان حيث إنّه متسلسل تلقائياً وهو موجود عند الكل.
لكننا إذا اقتصرنا على هذا المقدار أمكن الجواب وبه يسقط كلام
ــــــ[147]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الآخوند، لأنه في المبادئ للفعل الاختياري، وهي لا زمان لها -ولو تنزلاً- إلا أنّ كلامنا ليس في المبادئ، وإنما في العمل الخارجي المادي وهو بحاجة إلى زمان قطعاً.
نعم، لو كان العمل عدمياً لم يحتج إلى زمان، كالصوم الذي هو ترك المفطرات، وخاصة إذا اكتفينا منه بالنية الارتكازية بلا حاجة إلى الالتفات التفصيلي إليها بعد الفجر. وأما ما يعود إلى العمل الوجودي كالصلاة والحج والزكاة والخمس فيتعين تقدم الجعل عليها ولو آنا ما، وخاصة لو لاحظنا الإمكان العرفي دون الإمكان العقلي، إذ الأخير دقي جداً. أما بالنسبة إلى الشيء المتعارف فليس المطلب ممكناً، ومن هنا نستطيع القول إنّه لا يوجد واجب مضيَّق بهذا المعنى العرفي في العمل الوجودي لا العمل العدمي، فالفعل المطلوب امتثاله هو بمقدار الزمان الذي يطيقه أقل مقدار من الزمان مجزئ، وهذا لا يوجد في الشريعة أصلاً.
نعم، التروك موجودة ولعله المثال الوحيد للواجب المضيَّق هو الصوم، وإنما صار مضيَّقاً بهذا المعنى لأنه ترك وليس فعلاً وجودياً.
الوجه الثاني: المنسوب إلى الشيخ النائیني حيث قال:
من أنّ الامر لا بد في تقدمه زماناً على زمان حصول الامتثال، وإلا لزم إما تحصيل الحاصل إذا كان الطلب في زمان وجود الامتثال المحقق، أو طلب المستحيل إذا كان الامتثال في زمان الأمر معدوماً). انتهى.
وقد أجاب عنه في التقریرات نقضاً وحلاً بتعبيري.
ــــــ[148]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أما النقض: فبالعلة التكوينية، فإنه يقال: إنّ المعلول موجود في زمان العلة ولا انفكاك بين العلة والمعلول في الزمان، ويترتب على ذلك:
إنّ المعلول حاصل في زمان العلة وهو من تحصيل الحاصل وهو مستحيل.
ثم يترقى ويقول: «بل لو تمّ المحذور لانطبق على الطلب الموجود في الآن الثاني تحليلاً» وهذا منه لغو في الحقيقة! لأنه في الموسَّع يوجد هناك طلب للصلاة في الساعة الأولى، وألغي في الساعة الثانية والثالثة، وهنا في أحد هذه الأزمنة المكلف قد صلى، فنتكلم عن الطلب الموجود عليه حين امتثاله فيكون من طلب الحاصل، فأما أن نقول أنه ليس الطلب موجوداً حين الامتثال، فهذا خلاف إطلاق الأدلة، والمفروض أنه موجود من زوال الشمس إلى غروبها سواء صلى أم لا، فإنّ استمرار الطلب إلى ذلك الحين -حين الامتثال- مستحيل لأنه تحصيل الحاصل. وهذا نقض آخر فما قلته هناك قله هنا.
وأما حلاً: حيث قال في التقریرات: «فإنّ طلب الحاصل أو الممتنع هو ذلك الطلب الذي يكون المطلوب حاصلاً أو ممتنعاً بقطع النظر عن ذلك التحصيل». انتهى.
كما لو كان شيء موجوداً بعلةٍ ما، ثم تريد علة ثانية أن توجده، فيكون تحصيل الحاصل بقطع النظر عن العلة الثانية المفروضة، فهو حاصل سواء وجدت تلك العلة أم لا، وأما إذا كان موجوداً به بنفس تلك العلة…(1)
أقول: المطلب مرتب بدرجةٍ ما، ولكني أقول: -وقلّما يلتفت إليه- هو أنّ
ــــــ[149]ـــــــ
(1) قطع في تسجيل الدرس.
منهج الأصول (الجزء السابع)
المراد من تحصيل الحاصل المستحيل إما الحاصل في الزمان أو في المرتبة.
فإن قلنا: بالثاني صح كلامه لتعدد المرتبة، فإنّ المعلول غير حاصل في رتبة العلة وإن كان مع العلة زماناً، وهذا المعنى لا فرق فيه بين التشريع والتكوين.
الا أنّ ظاهر المشهور هو الأول، أي الحاصل في الزمان، والمطلب على هذا ينسد، وكل الصور الثلاث تكون باطلة، وهي العلة التكوينية والأمر المضيَّق والأمر الموسَّع.
وهذا له جوابان: إما أن تُصحَّح الكبرى، بأن تشترط الاستحالة في وحدة الرتبة، لا وحدة الزمان، فإنّ وحدة الزمان ليست مِلاكاً للاستحالة في تحصيل الحاصل، ولا تُشترط الاستحالة كونه متحداً زماناً، لأنّ هذا مسلك أهل المنطق والفلسفة فلا ننسبه إلى المشهور، وإنما ننسبه إلى المحققين.
وإما أن نطعن في الكبرى، ونأخذ في المحذور المشهوري، أي وحدة الزمان كافية في الاستحالة لتحصيل الحاصل، ونفسر مورد الحل والنقض بتفاسير أخرى ليست طبقا لهذه القاعدة بل لقواعد أخرى.
مثل أن نقول: إنّ العلة المبقية غير العلة المحُدِثة، فإنّ المحدثة لم تبقَ مع المعلول مزامنةً.
وحينئذٍ يأتي الإشكال أما في مقام التشريع، ومن الواضح أنه لا يقاس بالتكوين، حيث إنّ جعل الأحكام التشريعية من عالم الاعتبار.
وفيه: إنّ هذا قابل للطعن، وذلك لأنه لو كانت العلة المحدثة غير المبقية، فالمبقية هي مزامنة للمعلول فيقع الإشكال فيها، هذا أولاً.
ــــــ[150]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وثانياً: إنّ الأمر له نحو علية، ولو جزء العلة، إذ لولاه لما حصل الامتثال، فلو تقدم أن اشترطنا التقدم الزماني، فالعلة بكل أجزائها تكون متقدمة.
ومن الواضح أنّ الأمر والجعل هو علة تكونية للامتثال، وليس عله تشريعية، لأنّه محرك حقيقي لإرادة المكلف نحو الامتثال.
وعليه، فإما أن تختار تفسير وحدة الرتبة، حيث إنّ الوحدة الزمانية ليس فيها استحالة وإنما وحدة الرتبة فيها الاستحالة.
وإما أن ننكر العلية، إذ لا وجود لها خلافاً لما توهمه الفلاسفة، فإنّه ليس في حاقّ المطلب من عليّة بشكلها الأدنى والأعلى.
أما الأول: فإنّ المتحقق مجرد الترتب، وأما اللزوم العلي فهو تفسير ذهني لا وجود لمنشأ الانتزاع في العالم الخارجي.
وأما الثاني: الذي هو أعلى صورها، فإنّ العلية موكولة إلى المسبب الحقيقي فقط، وهذا المعنى لا يعرفه سوى أهله وهو من المطالب الباطنية.
وعلى أية حال، تكون قاعدة تحصيل الحاصل سالبة بانتفاء الموضوع، إذ ليس هنالك تحصيل أصلاً حتى يكون تحصيلاً للحاصل، لأن التحصيل عبارة عن التسبيب والعليّة، وعلى أيٍ من هذين الوجهين انتفت العليّة.
هذا وإنّ في التقريرات لم يجب عن الشق الآخر، وهو أنه لو كان الامتثال متروكاً ومعدوماً كان من طلب المستحيل، كأنّ الامتثال إذا انعدم فقد أصبح مستحيلاً.
ومن الواضح أنّ هذا إنما يصدق في المضيّقات تضييقاً كاملاً، بحيث أنّ
ــــــ[151]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الزمن فقط بقدر الامتثال، بحيث لو فات الزمان لحظة لم يبقَ الباقي كافياً للامتثال، فيكون مستحيلاً -أي إيجاد الامتثال في هذا الوقت- والاستحالة بمعنى العجز لا بذاك المعنى العقلي الدقيّ فيكون من تكليف العاجز.
وأما في الموسَّعات فلا عجز ولا من طلب المستحيل، فحينما يترك المكلف الامتثال في زمان، له أن يوجده في الزمان الثاني والثالث والرابع ما دام الوقت واسعاً، ومن هنا يتضح أنه لا ينطبق النقض المذكور هنا، والكلام هو في المضيّقات.
توجد هنا فكرة نذكرها وإن كانت فقهياً منتفية لا واقع لها، وهي لو كان المطلوب عملاً وجودياً ولم يكن الزمان بمقداره تماماً، فلو فرضنا وجوبه، فإنه يقال: إذا ترك لحظة لا يستحق العقوبة، لأنه من تكليف العاجز فيما إذا عقل أو نسي شيئاً من هذا القبيل.
وهذا في الحقيقة مبني على أنّ تحصيل الحاصل مفسَّراً بتحصيل الحاصل الزماني، حينئذٍ يصح المطلب، لأنه إذا مضى لحظة فقد عجز، وهذا في مفروض المسألة، وأما من أول الوقت إلى آخره فهو من تحصيل الحاصل الزماني فيكون مستحيلاً، وعلى كلا التقديرين يكون مستحيلاً.
وأما إذا فسرنا المطلب بوحدة الرتبة كما هو الأرجح بغض النظر عن بعض المناقشات السابقة، فيترتب استحقاق العقوبة إذا تعمد الترك دون الغفلة والنسيان.
ــــــ[152]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الوجه الثالث: لتقدم الأمر على الامتثال ما قاله في التقريرات(1): «إن كان من أجل كون الطلب علة لوقوع الامتثال، فلا بد أن يكون متقدماً عليه». انتهى.
هذا مع ضم الكبرى وهي تقدم العلة على المعلول، وهذا التقدم هو الزماني.
أقول: هذا مطعون كبرى وصغرى، أو قل في المقيس والمقيس عليه، حيث أنّ فيه قياس العلل الشرعية على العلل التكوينية، إذ يقول: الطلب علة للامتثال، أي علة تكوينية او -تشبهها- مع العلم أنه وبالآخرة هذا مطلب نظري قد نوافق عليه وقد لا نوافق.
أما المقيس عليه، أي الحالة التكوينية، والمقيس هو العلة التشريعية، وقد أجبنا عن ذلك في الإشكال السابق، وظهر كفاية التقدم الرتبي، وهذا هو ما ذكره في التقريرات حيث قال: «إنّ هذا غاية ما يلزم منه التقدم في الرتبة لا في الزمان»(2).
وأما المقيس فلأنه ليس علة، حيث أنّ الطلب التشريعي هو جزء العلة أو شرط بالمعنى التكويني، وأما العلة فهي مكونة من عدة أجزاء، أهمها إرادة المكلف نفسه للامتثال التي هي المقتضي.
على أنّ قياس العلة التشريعية بالتكوينية خطأ، وإنما غايته هنا هو طلب المستحيل أي القبيح بالعقل العملي، وليس المستحيل الذي هو حكم العقل النظري.
الوجه الرابع: أنّ الامتثال علة لسقوط الأمر، فإذا امتثل سقط الأمر والطلب.
ــــــ[153]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص344.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص344.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعليه، فيستحيل أن يكون الأمر ثابتاً في زمن الامتثال، لأنّ زمنه هو زمن سقوط الأمر، في حين أننا تشترط وجوده فيجتمع ثبوته مع سقوطه! وهو تهافت ومن قبيل اجتماع النقيضين، فلا بد من تقدّم الطلب على الامتثال زماناً ولو آناً ما.
ويمكن الجواب عليه بعده أجوبة:
الجواب الأول: التأخر الزماني لسقوط الأمر، فإنّ الامتثال سبب سقوط الأمر صحيح، ولكنه يسقط عند انتهاء الامتثال زماناً، فعند الانتهاء من التسليم في الصلاة يسقط الأمر بها، وأما في أثناءها فلا سقوط للطلب، بل هو مراعى بالانتهاء من العمل. فلم يجتمع السقوط الثبوت.
الجواب الثاني: ما ذكره في التقريرات من كفاية التأخر الرتبي، فإنّ الأمر ثابت في الرتبة السابقة على الامتثال، وساقط في الآتية المتأخرة عنه.
أقول: عندئذٍ نحتاج إلى التقييد في الرتبة في كلتا الناحيتين، في ناحية الثبوت وناحية السقوط، بداهة أنه إذا أدخلنا الاتحاد الزماني في أي منهما بطل هذا الوجه فضلاً عما إذا أدخلناه في كليهما؛ السقوط معه زماناً والثبوت معه زماناً، فإنه يجتمع النقيضان، لوضوح أنه يكون ثابتاً وساقطاً في زمان واحد، وهو مستحيل حتى مع تعدد الرتبة على ما هو مفروض.
الجواب الثالث: أنّ ما قاله المشهور من أنّ الامتثال مُسقِط للأمر، غير تام. فإنّ السيد الشهيد خالف هذه المقالة، ضرورة أنّ في الامتثال يتحقق المطلوب لا أنه يسقط الأمر، إذ لو سقط الأمر وكان معنى ذلك انّ الامتثال ملغيٌ، لأنه لا أمر حتى في الزمن الماضي، لأنّ الأمر قد سقط على قولهم.
ــــــ[154]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وإنما الذي يحصل حسب العادة وعند المولى العرفي أنّ المولى يرغب في حصول مراده بطلبه ويرتاح عندما يتحقق مِلاكه، والمشهور يفسر هذا بسقوط الأمر، حيث إنّ المأمور أطاع الأمر بالامتثال وحقق المِلاك، لكن الصحيح أنّ هذا سقوطا للأمر.
نعم، يبقى شيء واحد لا بد من الاعتراف به، وهو سقوط فاعلية الأمر مع بقاء الأمر، إذ لو لم يسقط فاعليته للزم التكرار في الامتثال وهو غير محتمل، إذن لا بد من أن نقول بسقوط شيء وهو الفاعلية، وأنّ فاعلية الأمر لا تكون إلا بدليل، أي أنه لا يجب على من امتثل التكليف بالصلاة وصلى أن يصلي مرة ثانية.
وبالجملة، فما نقوله عن أصل الأمر نقوله عن الفاعلية، فهل الفاعلية موجودة مزامنة معه أو قبله أو بعده أو تسقط أو لا تسقط؟
قال في التقريرات(1): «الإشكال الثاني من الإشكالات الجانبية: إنه بناءً على القاعدة الميرزائية القائلة باستحالة الإطلاق إذا استحال التقييد لكون التقابل بينها بالعدم والملكة»(2)، ربما يقال باستحالة الترتب وذلك بأحد تقربين:
التقريب الاول: أنّ إطلاق الأمر بالمهم كحالتي عصيان الأمر بالاهم وامتثاله مستحيل، اذ يلزم منه طلب الضدين في عرض واحد، فيكون تقييده بعصيان الأهم أيضاً مستحيلاً للتقابل بينهما تقابل العدم والملكة.
ــــــ[155]ـــــــ
(1) إذا تم الإشكال فالنتيجة استحالة الترتب. (منه).
(2) لا نناقش المبنى هنا، بل نأخذه مسلّما، وإن لم يكن في نفسه صحيحاً، ولكن مقتضى قواعد النقاش هو الطعن في البناء، وفي أحد الأجوبة هناك يوجد طعن في المعنى. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
وفيه:
أولاً: «النقض بالتكاليف كلها، فإنها لا يمكن إطلاقها للعاجز باعتبارها بداعي جعل الداعي، وهو غير معقول في حق العاجز، فيلزم أن يكون تقييدها بالقادر مستحيلاً أيضاً، لأنّ التقييد المقابل لذلك الإطلاق تقابل العدم والملكة»(1). انتهى.
أقول: للخصم أن يعترف بنتيجة النقض، حيث لا بأس بعدم تقييد التكاليف بالقادر، فيرى عدم إمكان تقييدها بالقادر، وإنما هذا الاختصاص بالقادر أو بحال القدرة ناشئ من العذر العقلي في العاجز، وليس ناشئاً من التقييد، لا سيما إذا قلنا في بابه أنّ التقييد بعنوانه لا يلزم منه إنصاف المطلق أو العام بضد ذلك العنوان، إذا كان من باب التقييد بالعاجز، وليس هكذا طبعاً.
وقال: ثانياً: «إنّ استحالة التقييد هي الموجبة لاستحالة الإطلاق دون العكس»(2).
أقول: لما كان إطلاق المهم مستحيلاً لصورتي امتثال الأهم وعصيانه، كان التقييد أيضاً مستحيلاً، وهذا عكس القاعدة المسلّمة وليس نصاً لها، والمفروض صحة القاعدة وليس عكسها.
وهذا إشكال صحيح، إلا أنه فسره في التقريرات بتفسير آخر يصلح أن يكون إشكالاً مستقلاً، وذلك أنه بيّن نكتة لاستحالة الإطلاق عند استحالة
ــــــ[156]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص345.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص345.
منهج الأصول (الجزء السابع)
التقييد في العدم والملكة، فإنها إذا لم تكن موجودة كانت الملكة متعينة وواجبة وليست مستحيلة، حيث قال: «لأنّ الوجه في هذا القانون هو أنه يُشترط في التقابل بنحو العدم والملكة أن يكون المورد قابلاً للملكة، التي هي الوجود كي يكون عدمها مقابلاً لذلك الوجود فليس مطلق عدم ذلك الوجود مقابلاً له بل عدمه الخاص، أي في المورد الذي من شأنه وقابليته الوجود كالعمى مثلاً فإنه عبارة عن عدم البصر في المورد القابل للبصر لا غير القابل له، فإذا استحال الوجود وخرج المورد عن قابليته للاتصاف به لم يكن العدم صادقاً فيه أيضاً، كالحائط فإنه ليس بأعمى ولا بصير، وأما إذا كان المورد قابلاً للوجود ولكنه استحال عليه العدم لضرورة الوجود في حقه فهناك تجب الملكة لا أنها تستحيل، فالله سبحانه يستحيل فيه العمى ومع ذلك هو البصير بعباده، وعليه ففي المقام استحالة الإطلاق لا تنفع في إثبات استحالة الأمر بالمهم مقيَّداً بعصيان الأهم»(1). انتهى.
أقول: ويمكن أن يجاب على ذلك بعدة مستويات:
المستوى الاول: أنّنا قلنا اكثر من مرة: إنّ العدم والملكة لا يرجع في حقيقته إلى استحالة عقلية وإن تخيلها المشهور كذلك، بل يرجع في الحقيقة إلى عدم الصدق العرفي اللغوي، فلا يصدق عرفاً على الحائط أنه أعمى، لأنه أخذ قيد الملكة والقابلية في الوضع اللغوي في كلمة أعمى، فالأعمى هو الذي له قابلية البصر وموضوعاً لهذه الحصة من عدم البصر، كل ما في الموضوع هو هذا وليس أزيد من ذلك، عليه فمتى قبل العرف صدق اللفظ بدون هذا الشرط كما في الله
ــــــ[157]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص345.
منهج الأصول (الجزء السابع)
سبحانه وتعالى أمكن استعماله بلا إشكال، على أنّ استعمال اللفظ مجازاً أيضاً ليس فيه إشكال، حيث إنّنا نستعمل العمى حتى في صورة عدم القابلية مثلاً.
المستوى الثاني: النقض بمن استحال عليه العمى لعارض كدعوة معصوم أو نحو ذلك، فيتعين البصر في حقه، إلا أنه مع ذلك لا يكون خارجاً عن القاعدة لأنّ الوجود النوعي له هو ذلك، وهو إمكان البصر والعمى وكذلك من تعين عليه العمى.
المستوى الثالث: أنّ الكلام في من لا يصدق عليه العمى لا في من استحال عليه، كالباري سبحانه، وعدم صدق العمى غير استحالة العمى.
المستوى الرابع: إنّ هنا تعاكساً بين مورد القاعدة ومورد نقضها، فالحائط استحال عليه البصر، ومن هنا لم يصدق عليه العمى، في حين أنّ الله سبحانه وتعالى استحال عليه العمى لا أنه استحال عليه البصر، فهو عكـس القاعدة فلا يكون مشمولاً لها ولا نقضاً عليها.
المستوى الخامس: أنّه يمكن القول بأنّ باب الإطلاق والتقييد من عكس القاعدة لا من طرفها، لأنّ المراد من الملكة هو جانب الوجود، وجانب الوجود هو جانب التقييد كما هو عند المشهور.
المستوى السادس: المنافشة في الصغرى وتطبيق القاعدة على مورد الترتب فنقول: إنّ كِلا فردي الإطلاق بالنسبة إلى المهم متعذر -يعني ثبوت المهم في صورة امتثال الأهم متعذر- وكذلك ثبوت المهم في صورة عصيان الأهم أيضاً متعذر بغض النظر عن القول بالترتب، حتى لو أنّ المكلف عصى الأهم يكون
ــــــ[158]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المهم ساقطاً، لوضوح أنّ المهم لا يكون مطلوباً على كلا التقديرين وهذا ليس من الإطلاق بل هو حكم عقلي ثابت في كِلا الموردين، وهذا نتيجة الإطلاق وليس هو الإطلاق، فإنه حكم ناشئ من أهمية الأهم لأنه إذا عصى لا يخرج عن كونه أهم على كلا التقديرين، إذن فالمهم ساقط على كِلا التقديرين، سواء أطيع الأهم أم عُصي.
فحتى لو عصاه لم يجب الاتيان بالمهم لأجل إيجاد فرصة مولوية لامتثال الأهم مادام وقته باقياً، وحتى لو عصى الأهم تقول له (ائتِ بالأهم وأسرع إلى امتثاله ولا تشتغل بالمهم).
فإذا لم يكن هذا من باب الإطلاق فلا يلزم من استحالته استحالة التقييد، وإنما هو حكم عقلي، حينئذ نسأل العقل هل التقييد ممكن أو ليس بممكن؟
لأنّ حكم العقل في الموردين اقتضائي مادام الشارع حاكماً بالأهمية مثلاً أو جاعلاً للتكليف الأهم. فالعقل يحكم بوجوب إطاعة الأهم وهذا اقتضائي بالنسبة إلى الشارع يعني يستطيع الشارع أن ينقضه، فهو منوط بعدم حكم الشارع بضده، فيمكن للشارع أن يوجب على المكلف الإتيان بالمهم في حالة عصيان الأهم بنحو الترتب، ولا ينافي الحكم العقلي بتقديم الأهم، لأنّ الشارع هو الذي حكم بتقديم المهم في طول عصيان الأهم -أي الترتب- وهذا يكفي لرفع موضوع الحكم العقلي بوجوب إطاعة الأهم.
المستوى السابع: أنّه يمكن أن يقال: إنّ منطوق القاعدة أنّ استحالة التقييد بكلا الموردين ثابت لقضية العدم والملكة، يعني استحالة تقييد الحائط -كما
ــــــ[159]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
يعبّرون- بالعمى واستحالة تقييده بالبصر، وكلاهما غير صادق عليه.
إنّ مورد الترتب ليس كذلك، لأنّ الاستحالة في إحدى الحصتين وليس في الحصة الثانية، لأنه إما يستحيل تقييد الأمر بالمهم في صورة امتثال الأهم، او تقييده في صورة عصيان الأهم، وهو ليس بمستحيل على ما هو المفروض في كلام الشيخ النائيني الذي يقول بإمكان الترتب.
وبتعبير آخر: إنّ امتناع الإطلاق إنما يكون باعتبار امتناع إحدى الحصتين، وهو التقييد بصورة امتثال الأهم، وهذا لا يلزم منه امتناع التقييد بالحصة الأخرى، وهو صورة عصيان الأهم.
وقال في التقريرات: «التقريب الثاني(1): إنّ تقييد الأمر بالمهم مستحيل، لأنه من التكليف بغير المقدور، فيكون الإطلاق بمعنى رفض هذا القيد(2) المستتبع لشمول الأمر بالمهم لحالة عدم امتثال الأهم أيضاً مستحيلاً، لأنه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، والقائل بالترتب يريد إثبات الأمر بالمهم في حال عدم امتثال الأهم، وقد ثبت بهذه القاعدة استحال ثبوته فيه»(3).
في مقام الجواب على ذلك لنا مستويان:
المستوى الأول: فيه مقارنة بين التقريب الأول والثاني، فإن لم يكن مختلفاً عنه وكان الثاني راجعاً إليه فتأتي الإشكالات وأجوبتها بلا حاجة إلى تكرارها، هذا
ــــــ[160]ـــــــ
(1) للقول باستحالة الترتب طبقا للقاعدة الميرزائية. (منه).
(2) شموله للصورتين؛ الامتثال والعصيان. (منه).
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص345.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأني أقول: بأنّ الثاني راجع إلى الأول ولس مستقلاً.
والمقارنة بينها تقع ضمن نقطتين:
النقطة الأولى: حيث أنه قال «في التقريب الأول: إنّ إطلاق الأمر بالمهم لحالة عصيان الأمر بالأهم وامتثاله مستحيل، إذ يلزم منه…».
فهنا أمران اللازم والملزوم.
أما اللازم: وهو طلب الضدين، أو طلب الجمع بين الضدين هو من طلب غير المقدور فيكون مرجعه في مسألة الترتب إلى امر واحد، وإن كان في غيرها قد يكون عموماً من وجه أو عموماً مطلقاً، وهو العجز عن الجمع بين العملين الذين هما ضدان.
وأما الملزوم: هو أنّ إطلاق الأمر بالمهم لحالتَي الامتثال والعصيان للأمر الأهم مستحيل لاستحالة إحدى حصتيه، وهو شموله لحال امتثال الأهم لا إلى حال عصيانه، وإلا لانسد باب الترتب الذي يقول هو بإمكانه كما قلت في أحد الاجوبة السابقة.
إذن، فقد يرجع استحالة الإطلاق إلى استحالة حصة واحدة، وهي التقييد بالامتثال المذكور في التقريب الثاني، وإن كان التقريب في الثاني في اللازم والملزوم راجع إلى التقريب الأول.
النقطة الثانية: ذكرت أنّ التقريب الأول كان مبنياً على عكس القاعدة، أي إذا استحال الإطلاق استحال التقييد، في حين أنّ القاعدة إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، وهذا ينتج عدم ورود الإشكال من هذه الناحية على التقريب
ــــــ[161]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الثاني، والظاهر أنه هو كان مقصود السيد حينما عزل هذين التقريبين.
إلا أنّه مع ذلك لا يتم، لأنّ رفض القيد من ناحية امتثال الأهم لا يعني إلا الإطلاق من ناحية الامتثال -امتثال الأهم- لا من ناحية ترك الأهم المناقض له.
وبتعبير آخر: إنّ رفض هذا القيد – أي التقييد بامتثال الأهم- إنما يقتضي استحالته، أو أنّ استحالته تقتضي رفضه، هو استحالة الحصة الثانية من الإطلاق وهي التقييد بترك الأهم، وهذا يعني المستوى الأول الذي قارناه وأرجعناه إلى نفس الشيء، وحينئذٍ تكون الأجوبة التي قلناها في التقريب الأول واردة على التقريب الثاني، ونحن نُكفى مهمة الجواب.
قال في التقريرات. «أولاً: النقض أيضاً بسائر التكاليف، فإنّ تقييدها بحالة العجز مستحيل، فلا بد أن يكون إطلاقها المستلزم لثبوتها في حق القادر مستحيلاً، وهذا يعني أنه لا يمكن ثبوت التكليف أصلاً لا في حق العاجز ولا القادر»(1). انتهى.
أقول: هذا في الحقيقة إشكال على أصل نظرية الشيخ النائيني في الإطلاق والتقييد، وإشكال أيضاً على حصصه ومن جملته مورد الكلام.
أقول: وحله ما قلنا قبل أسطر من أنّ استحالة التقييد في إحدى الحصتين لا تقتضي استحالة التقييد في الحصة الأخرى من الإطلاق، وهذا مرجعه في الحقيقة إلى رفض النظرية، وهي تبعية الإطلاق والتقييد إلى مسألة الملكة والعدم، فإنّ ذلك من لوازمه الباطلة.
ــــــ[162]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص345.
منهج الأصول (الجزء السابع)
المفروض أننا لا نجيب ونلتزم بعدم الإشكال على أصل النظرية، لكن الآن تبين لازم باطل لها ولا بد من التنبيه عليه.
فإنه إذا استحال العمى استحال البصر، لكن إذا استحال التقييد لم يستحل الإطلاق، لأنّ هذا ليس صغرى من ذلك الإطلاق، والتقييد -ليس صغرى من الملكة والعدم- وهذا مرجعه إلى التقييد بالحصة الثانية وليس التقييد بالحصة الأولى المستحيلة.
قال في التقريرات: «وثانياً: إنّ ثبوت الحكم في مورد تارة يكون ثبوتاً إطلاقياً، الذي يكون بالإطلاق وعدم التقييد بالخصوصية المقابلة المفقودة في ذلك المورد(1).
وأخرى يكون ثبوتاً تخصيصياً، الذي يكون بأخذ ذلك المورد وخصوصيته قيداً في الحكم(2).
والذي يكون استحالة التقييد موجباً لاستحالته، إنما هو الثبوت بالنحو الأول، أي الثبوت الإطلاقي الذي يتقابل مع التقييد تقابل العدم والملكة، وأما الثبوت التخصيصي وبالنحو الثاني فلا يكون تقابله مع التقييد تقابل العدم والملكة بل تقابل الضدين والتقييدين، فلا يلزم من استحالة أحدها استحالة الآخر»(3).
ــــــ[163]ـــــــ
(1) حيث أنّ التقييد بالعمى للحائط مستحيل، فتكون الخصوصية الثابتة في ذلك -حسب تعبيراته وهو البصر- التقييد حال البصر أيضاً مستحيل. (منه).
(2) يعني تقييده بخصوص عصيان الأهم، بحيث لا يشمل صورة امتثال الأهم إطلاق. (منه).
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص346.
منهج الأصول (الجزء السابع)
اقول: هذا الكلام إن رجع إلى ما قلناه من كون معنى الإطلاق راجعاً إلى التقييد بالحصة الثانية فصحيح، فلا يلزم من استحالة التقييد بإحدى الحصتين التقييد بالحصة الثانية.
إلا أنه لا يتمّ، إذ لا وجود إثباتاً للتقييد بعصيان الأهم في الشريعة، لا في الكتاب ولا السنة، فلم يرد: (ائتِ بالصلاة حينما تعصي الأهم).
وإنما غايته شمول الإطلاق له، وشموله له موقوف على إمكان التقييد والمفروض استحالته، والمفروض أيضاً صحة العدم والملكة، أي أنه صغرى من مسألة العدم والملكة، فيستحيل الإطلاق طبقاً للنظرية المسلّمة في هذا المورد.
قال في التقريرات: «الإشكال الثالث: إنّ الأمر بالمهم المعلّق على عصيان الأهم إن أُخِذ عصيان الأهم شرطاً متقدماً أو متأخراً بالنسبة إليه لزمت المحاذير المتقدمة في الإشكال الأول،
وإن أُخِذ بنحو الشرط المقارن، فيلزم عدم اجتماع الامرين الترتبيّين في زمان واحد، لأنّ ظرف عصيان الأهم هو ظرف سقوطه، لأنّ العصيان علة لسقوط الخطاب، والعلة مع المعلول متعاصران زماناً، فيكون ثبوت الأمر بالمهم فعلياً في ظرف لا يكون الأمر بالأهم فعلياً فيه، وهذا خارج عن محل كلام القائل بالترتب، فإنه يقول بإمكان تصوير الأمرين الفعليين بالضدين في زمان واحد بنحو الترتب». انتهى.
أقول: هذا الإشكال يفتح لنا نقطتين رئيسيتين لم نفصل فيها القول:
إحداهما: أنّ العصيان ليس سبباً للسقوط خلافا للمشهور الذي يعتبره سبباً
ــــــ[164]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
للسقوط، وعليه فالترتب انسد بابه.
ثانيتهما: أن يبدل العصيان بقصد العصيان وإرادته، فإنّ العصيان هو الموضوع لفعلية وتنجز الأمر بالمهم، وهذا باطل في نفسه، وسيأتي تحقيقه، حيث إنّه احتمال وأطروحة تذكر، فإنّ العصيان مُسقِط للأمر بالأهم ومُسقِط للترتب، إلا أنّ قصد العصيان ليس مُسقِطاً للأمر بالأهم، فيكون الشرط في فعلية الأمر بالمهم هو قصد العصيان وليس نفس العصيان.
يمكن الجواب على الإشكال بعد تسليم أصله من حيث إنّنا لو قبلنا الكبرى والصغرى انسدّ باب الترتب وأصبح مستحيلاً فعلاً، إلا أنه يمكن الجواب عليه بثلاثة مستويات.
المستوى الاول: أن نسلم أنّ شرط الترتب هو العصيان الذي هو فعلية الأمر بالمهم، حيث يسقط التكليف بالأهم، والأمر الترتبي بالمهم يحصل في أي آنات العصيان، وهذا كافٍ في المقام.
هذا وأنّ القول بأسبقية الترتب على العصيان، أي أسبقية فعلية الأمر بالمهم زماناً أو رتبةً، وأخذُ العصيان موضوعاً في الأمر الترتبي للمهم فيكون متقدماً على الأمر الترتبي رتبةً جرماً أو زماناً أحياناً، بل لا حاجة إلى تقدمه زماناً، إذ يكفي في صحة الترتب التقدم الرتبي.
وعليه فنقول: إنّ عصيان الأمر بالأهم متقدم رتبةً على تنجز الأمر بالمهم، فلو قلنا بالواجبين المضيَّقين ـوإن كان لا تحقق لهما في الشريعة- ففي الآن الأول من الوقت المضيَّق يفترض في الترتب ثلاثة أمور متحدة زماناً: عصيان الأمر
ــــــ[165]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
بالأهم، وفعلية الأمر بالمهم -وهو الأمر الترتبي-، وبدء المكلف بإطاعة الأمر بالمهم، إذ لو تأخر الإتيان به فسوف تحصل عدة أمور:
الأمر الأول: يسقط الأمر بالأهم بالعصيان سقوطاً كاملاً، لأنّ الإتيان بالأهم في بقية الوقت متعذر للعجز، وإذا سقط الأمر بالأهم خرجنا عن باب الترتب. في حين لا يتوقف تصحيح الأمر بالمهم على الترتب، فيكون المكلف على رسله.
الأمر الثاني: عجز المكلف عن امتثال الأمر بالمهم بل يعجز عنهما -الأهم والمهم- فيسقط الأمر بالمهم أيضاً، لأنّ المفروض أنّه في وقتين مضيَّقين بنفس الوقت، أي نفس المقدار، فيعجز عن امتثال الأمر بالمهم فيسقط أمره أيضاً، حيث إنّ باقي الزمان غير كافٍ لامتثاله، كما لا يكفي لامتثال الأهم وبذلك يسقط الأمر بالمهم أيضاً ويخرج عن باب الترتب، فلا أمر لا بالأهم ولا بالمهم.
لكنا نقول: إنّ عصيان الأمر بالأهم إن كان حاصلاً فقد سقط الأمر به ولزم الإشكال واستحال الترتب، وإن لم يكن حاصلاً لم يتحقق الأمر بالمهم، لأنّ موضوعه العصيان وهو غير موجود، فلم يحصل الترتب أيضاً.
وأما فرض تحقق العصيان للأهم ولا يسقط الأمر به، فهو خلاف الكبرى المسلّمة من أنّ العصيان مُسقِط للأمر، فلا توجد صورة فيها عصيان وليس فيها سقوط، والمفروض اجتماع الأمر بالأهم مع الأمر بالمهم يدخل في باب الترتب، وأما مع فرض سقوط الأمر بالأهم فلا يدخل في باب الترتب.
إن قلتَ: هذا في المضيَّقين صحيح، ولكنّ المثال المشهوري يفترض فيه أنّ
ــــــ[166]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المهم موسَّعاً حيث مثَّلوا بالصلاة والإزالة، فيكون الامتثال مقدوراً عليه، لأنّ مزاحم الأهم بعض حصص المهم.
قلتُ: الكلام ليس في سعة الوقت في الأمر المهم، بل في سعة وقت الأهم وضيقه، والصور أربع: إما واجبين موسَّعين، أو مضيَّقين، أو الأهم موسَّع والمهم مضيَّق، أو العكس.
فإذا كانا موسَّعين لم يحصل الترتب، حيث للمكلف أن يأتي بأي منهما، وإذا كان الأهم موسَّعاً والمهم مضيَّقاً فلا يحصل ترتب أيضاً، إذ الإتيان بالمهم في بعض أوقات الأهم لا إشكال فيه، وإنما التزاحم يكون فيما إذا كانا مضيَّقين أو كان الأهم مضيَّقاً والمهم موسَّعاً، حينئذ يكون الترتب، فضيق وقت الأهم هو الضروري فيه.
ولابد أن يُعلم أنّ ضيق وقت الأهم هو أن يكون الوقت بقدر الأهم، فلو فات منه دقيقة أو أقل بكثير فإنّ المكلف يعجز عن الاتيان به، وأما إذا فات منه دقيقة مثلاً ولا يفوت الأهم فإنّ وقته موسَّع.
فينحصر الحديث في الأهم المضيَّق حقيقة الذي إذا تركه المكلف وعصى تحقق موضوع الأمر بالمهم، وهو الترتب، ومع حصول العصيان يسقط الأمر بالأهم ولو في الدقيقة الأولى، ولا يتوقف على خروج وقته جميعاً، ويخرج من باب الترتب ولا يتوقف على بقائه إلى نهاية الوقت وإن كان ذلك أولى واوضح من الخروج عن باب الترتب.
فمن هنا لا بد لأجل المناقشة في الإشكال الثالث والدفاع عن صحة
ــــــ[167]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الترتب، وإنّا في هذا المستوى قد سلمنا بالكبرى -وهي أنّ العصيان مُسقِط للترتب- وأما في المستوى الثاني نطعن بها.
المستوى الثاني: الطعن في الكبرى -وهي سقوط الأمر بالعصيان- فإنّ العصيان ليس من مسقِطات الأمر، وموضوع وجود الأمر بالمهم هو عصيان الأهم بعنوانه التفصيلي للعصيان ولا يسقط الأهم، بل يبقى منجَّزاً ولو مع عصيانه، وعليه يحصل الأمر بالمهم ويتنجز لوجود موضوعه وهو الأمر بالأهم، وهذه هي صورة الترتب.
قد ذكر المشهور أنّ سقوط الأمر بأربعة أسباب: إما الامتثال أو العصيان أو تبدل الموضوع أو العجز.
وهذا معناه التسليم بالكبرى مشهورياً، أي أنّ العصيان من المسقِطات، إلا أنّ هناك بعض التقريبات بإرجاع كل هذه الأمور إلى العجز المسقِط، لقبح تكليف العاجز أو التكليف بما لا يطاق.
فإذا لم يكن العصيان بعنوانه التفصيلي مأخوذاً في الإسقاط، وحيث إنّ العصيان مأخوذ في موضوع الأمر بالمهم، إلا أنّ الإسقاط غير مأخوذ في موضوع العصيان على ما هو المفروض في الترتب، إذن لم يسقط الأمر بالأهم بعصيانه.
وأما تبدل الموضوع في إرجاعه إلى العجز فواضح، لأنه بعد زواله لا يمكن استئناف العمل، لأنه بنحو السالبة بانتفاء الموضوع بموت الإنسان الذي يجب إكرامه أو دفن الذي يجب دفنه، ومنه خروج الوقت في الموقتات بغض النظر عن القضاء الذي هو بأمر جديد كما هو الصحيح، وهذا كله من العجز عن الأداء.
ــــــ[168]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما العصيان، فإنّه قد يكون لتبدل الموضوع، أو خروج الوقت، فهو عصيان لخروج الموضوع.
وإن كان داخل الوقت وبعد الامتثال لم يحصل العصيان، وإن ضاق الوقت عن الامتثال فقد حصل العجز عنه، وفي طول العجز ينتزع منه العصيان، إذ لولا العجز عن الامتثال لما حصل العصيان.
ويوضح ذلك: أنّه إذا حصل العجز بسبب غير اختياري في أثناء الوقت -كما في العجز عن دفن الميت أو تغسيله لمرض مثلاً- فقد حصل العصيان بسبب غير اختياري، سقط التكليف حينئذٍ ولم يثبت العصيان، لأنّ العاجز غير عاصٍ، إذن العجز سبب السقوط سواء حصل العصيان أم لا.
أو قل: إنّ النسبة بين العجز والعصيان عموم مطلق، وكل عصيان عجز، وليس كل عجز عصيان.
وأما الامتثال: لا بد من إرجاع الامتثال إلى العجز، فإما أن يكون الامتثال مسقِطاً مستقلاً -كأطروحة- بعنوان كونه محقِقا للمِلاك، بها ونعمت، وإما أن يرجع إلى العجز لأنّه بالامتثال يسقط الأمر ويتحقق المِلاك، فيتعذر التكرار كما يتعذر وجود الأمر مرة ثانية.
فالمهم أننا هل نجد حصة من العصيان تحصل بدون عجز، حتى تصح بها فكرة الترتب؟
لأنّه في هذه الصورة يكون كِلا الأمرين منجّزین: أما الأهم فلعدم العجز عنه وإن عصى، وأما المهم فلفرض تحقق عصيان الأمر بالأهم وهو موضوع تنجزه.
ــــــ[169]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإن قلنا بإرجاع العصيان إلى العجز وكما مثلنا له، انحصر العصيان بالعجز فلا يمكن أن يكون العصيان متحقِقاً بدون عجز، لأنه أخص منه، أو لأنه مساوٍ له، وقولنا أخص منه في تحقق العصيان يكون ملازماً، على العكس عن الأهم الملازم مع سقوط الأمر بالأهم الملازم مع خروج المسألة عن مسألة الترتب.
وإذا تنزلنا عن ذلك فلا أقل أنّه مساوٍ له، فتحققه يكون ملازماً مع العكس عن الأهم الملازم مع سقوط الأهم مع خروج المسألة عن باب الترتب، فإنَّه إذا سقط الأهم لا تبقى المسألة في باب الترتب كما سبق أكثر من مرة، ولكن مع ذلك ينحصر الأمر بين العصيان والعجز، فنقول: إنّ العصيان حاصل إلا أنّ العجز غير حاصل، وذلك لأنّ العصيان يحصل الأمر بالمهم، لأنّ موضوع الأمر بالمهم وبعدم العجز يحصل الأمر بالأهم فيجتمعان ويصح الترتب.
يبقى بذلك أحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: التفريق بين الدقة العقلية والدقة العرفية، فإذا مشينا بالدقة العقلية لزم الإشكال، إلا أننا يمكن أن نتنزل عن ذلك إلى الدقة العرفية أو الفهم العرفي الذي هو مورد التعامل في ظواهر الألفاظ في الشريعة كتاباً وسنة.
فبحسب الفهم العرف نقول: إنّ التأخير القليل للأهم لعدة ثوانٍ لا يضر بالقدرة ولا يُحصّل العجز، مع أنّ العصيان يحصل لا محالة لضيق الوقت فيتحقق موضوع الأمر بالمهم وهو العصيان مع عدم سقوط الأمر بالأهم بالعجز، بل يبقى لأنّ العجز لا يحصل ويتحقق الترتب.
إلا أنّ هذا قابل للمناقشة من عدة جهات:
ــــــ[170]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجهة الأولى: الطعن بالكبرى كما هو مسلك السيد الخوئي وغيره ولعله المشهور بین المتأخرين، من أنّ العرف حجة في الظواهر لا في الموضوعات والمفاهيم، وإن كان خارجاً عن الظواهر فليس العرف حجة فيه، وإنما ذلك موكول إلى إدراك العقل.
وغاية تقريب كون العرف حجة في الظواهر لأنّ فهم الموضوعات عنده ولكي يكون حجة فيه ويشمله الإطلاق وعلى تقدير صحة الترتب، وهذا إطلاق عرفي إذن يرجع الأمر إلى الظواهر.
وجوابه: أنّ هذا لا يخرجه عن كونه موضوعاً للإطلاق وليس هو الإطلاق نفسه، لأنه مع الاستحالة لا يكون مورداً للإطلاق، وأما صحة هذه القاعدة المشهورة فليس هنا محل بحثها، وأنا لا احتاج اليها لورود الإشكالات الآتية أيضاً
الجهة الثانية: أننا في هذا التقريب فهمنا العجز بالدقة العقلية، وفهمنا العصيان بالدقة العرفية، فقلنا بوجود أحدهما ونفي الآخر، مع أنّ المبنى لو كان على الفهم العرفي فلا بد من فهمها -العصيان والعجز- معاً بذلك أي بالفهم العرفي، لا أن نفهم أحدهما عقلاً والآخر عرفاً.
وعندئذ –أي بحسب الفهم العرفي- لا بد من القول بحصول العجز عند حصول العصيان، غاية الأمر أنّ فرقه عن العقل أنّه بحسب العرف لا يكون في لحظة دقية بل في زمان عرفي قليل مثلاً، وإذا حصل العجز عرفاً سقط الأمر بالأهم فرجع الحال كما كان، أي أنّ العصيان والعجز متساويان إما بالتساوي العقلي وإما بالتساوي العرفي.
ــــــ[171]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجهة الثالثة: أنّ الاشكال السابق الذي قلناه -وارد على كِلا المسلكين العقلي والعرفي- وهو أنّ العصيان إما حاصل أو ليس بحاصل:
فإن حصل العصيان سقط الأمر بالأهم، وإن لم يحصل لم يتحقق الأمر بالمهم لأنه موضوع الأمر بالمهم.
وعلى كِلا التقديرين فإنّ الترتب منتفٍ، حيث إذا سقط الأمر بالأهم سقط الترتب، وإذا لم يوجد الأمر بالمهم أيضاً سقط الترتب.
نعم، لو برهنا على تأخر العجز عن العصيان جاز ذلك، يعني يحصل عصيان ولكن العجز لا يحصل.
وهذا الدليل لا يتكفله لأنّا وصلنا به إلى أنّ العصيان والعجز متساويان زماناً.
ولكنه مما حاوله في التقریرات الذي هو الأسلوب الثاني.
الأسلوب الثاني: كما في التقریرات، حيث قال: «إنّ العصيان ليس سبباً لسقوط الأمر، وإنما المسقِط هو العجز عن امتثال التكليف»(1).
وقد حصل العصيان ولم يحصل العجز فيصح الترتب.
وهذا الأمر بهذا المقدار كأنه واضح، إذ لا دليل من عقل ولا نقل على سقوط الأمر بالعصيان، إلا إذا قلنا إنَّه لازم مساوٍ للعكس أو أخص كما سبق أن قربناه.
وأما إذا تصورنا انفكاكه عنه فقد تمّ الترتب:
ــــــ[172]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2ن ص346.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعلى كل حال حتى لو كان العصيان أخص من العجز أو مساوٍ له فسقوط التكليف بالعجز لا بالعصيان فقول: نعم، إذا كانت النسبة هذه فكل عصيان فمعه سقوط لأنّه ليس بسببه بل بسبب العجز.
قال في التقريرات: «وظرف العصيان ليس ظرف العجز لأنّ العصيان ندٌّ للامتثال، ويعني إعمال القدرة في الترك وظرف إعمال القدرة هو ظرف القدرة، فيستحيل أن يكون ظرف العصيان هو ظرف العجز لاستحالة اجتماع الضدين في زمان واحد ولو في رتبتين، وعليه ففي ظرف العصيان يكون الأمر باقيا بعد وغير ساقط، وإنما يسقط بعد العجز الحاصل في طول العصيان زماناً». انتهى.
ويجاب على ذلك:
له مناقشات عدة ولكن الخلاصة، هو أنّ غاية ما يثبت بهذا الكلام هو أنّ زمان العصيان هو زمان القدرة لأنّ زمان العصيان هو زمان الامتثال بصفته بدلاً للعصيان، فزمان الامتثال هو زمان القدرة. هذا محصّل كلامه.
ولكنا نقول: فإن وسع الوقت ولو قليلاً فلا عصيان لإمكان التدارك بعد التأخير ولو قليلاً، وإن لم يسع الوقت حصل العصيان وحصل العجز أيضاً، ولا يشفع في ذلك أنّ وقت العصيان هو وقت القدرة، لأنّ هذا إنما يُفهَم عقلاً قبل حصول العصيان، وأما بعد حصوله وتحققه فالعجز حاصل بفاصل رتبي لا زماني، كما أنّ الحال في الامتثال كذلك، ظرف حصول الامتثال هو ظرف حصول العجز، فإنه إذا صدق الامتثال حصل العجز أيضاً عن الامتثال مرة ثانية، وكذا لا عصيان بعده الامتثال أيضاً.
ــــــ[173]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
غاية الأمر أنّ الامتثال لا يصدق إلا بعد انتهاء العمل الذي هو نهاية الوقت في الواجب المضيَّق، إذا امتثل في الوقت المضيَّق فلا يصدق الامتثال إلا بانتهاء الصلاة مثلاً أو بانتهاء العمل وهو يكون بانتهاء الوقت، فيخرج عن محل الكلام، إذ الكلام ليس في الامتثال، ولكن ذكره لأجل المقارنة مع العصيان، فإنّ الامتثال لا يصدق إلا بعد انتهاء العمل الذي هو بنهاية الوقت في الواجب المضيَّق.
وأما العجز فيحصل في آنات الوقت الدقية من أول الوقت أو في ثاني آنات الوقت الدقية، لانّ المفروض عدم كفاية الوقت أو أنّ الوقت باقٍ للامتثال فيعجز حتى لو كان في أول الوقت -يعني تقريبا۔ يعجز، وإذا عجز حصل العصيان وحصل العجز وسقط الترتب، وبالتالي نرجع إلى القول بتساوي العصيان والعجز بالنسبة إلى الخارج، وإن كان العجز متأخراً رتبة، والتأخر الرتبي لا دخل له في عدم السقوط زماناً، لأنه بحسب الزمان يصبح المكلف عاجزاً، وإن كان في الرتبة المتأخرة يسقط الأمر. وانتهى الحال، لا دخل له في عدم السقوط زماناً لكي يصح الترتب، وهذا المقدار من الجواب كافٍ.
الاسلوب الثالث: أن يقال: إنما هو الشرط لتنجز الأمر بالمهم ليس هو عصيان الأهم الذي يسقط الأمر به، وإنما هو العزم على عصيانه وإرادة عصيانه.
قال في التقريرات: «ثم أنه قد يحاول التخلص من هذا الإشكال، والإشكال الأول من هذه الإشكالات الجانبية، بأخذ العزم على العصيان أو عدم العصيان أو عدم العزم على الامتثال شرطاً في فعلية الأمر بالمهم، فيكون من الشرط المتقدم أو
ــــــ[174]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المقارن»(1)(2). انتهى.
أقول: هذا في نفسه واضح لو كان الشرط في تنجز الأهم هو قصد العصيان أو إرادة العصيان أو العزم عليه، لكان الترتب صحيحاً، إلا أنّ الكلام كما قلنا أصلاً في الترتب، أنّ في الجانب الإثباتي إذا كان نفس العصيان لم يستطع الاستدلال عليه إثباتاً بحسب إطلاقات الأدلة الأصلية، فكيف بالعزم على العصيان؟!
وقال أيضاً: «وقد علق على ذلك كلٌ من المحقق الأصفهاني والمحقق النائیني، أما ما علقه المصنف الأصفهاني فحاصله: أنّ أخذ العزم على العصيان شرطاً في فعلية الأمر المهم يؤدي إلى محذور الواجب المعلق، أو ھو محذور الشرط المتقدم، وذلك لأنّ الأمر بالمهم إن كان في زمن العزم على العصيان المتقدم على زمان العصيان كان فيه محذور الواجب المعلّق، لأنّ زمان الواجب المهم إنما هو زمان العصيان المتأخر بحسب الفرض على زمان العزم على العصيان».
أقول: في إيضاحه…
إنّ العصيان يحدث في أول الوقت المضيَّق، ونحن بحسب الفرض تخلصنا من هذا الإشكال، لأنّ الشرط والعزم على العصيان وهو سابق على الوقت الواجب إذ أنه يعزم فيدخل الوقت فيعصي فيكون شرط فعلية أو تنجز المهم موجوداً، إذن فشرط المهم حاصل قبل وقته، أي يحصل الأمر بالمهم قبل وقته
ــــــ[175]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص347.
(2) وليس من الشرط المتأخر.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وهذا هو الواجب المعلّق إذا قلنا به، فإنّه قبل الاستطاعة يجب الحج، وقبل الزوال تجب الصلاة، والقيد إنما هو للواجب لا للوجوب.
ونحن قد أبطلنا الواجب المعلّق في حينه فهنا نقول ببطلانه، فيكون محذوراً لأنه في نفسه باطلٌ، وأناً أيضاً لا أقول بصحته ومشهور المتأخرين لا يقولون بصحته، في حين يلزم هنا أنّ الأمر بالمهم موجود قبل وقته الذي هو وقت الأمر بالمهم ووقت الأمر بالأهم، وهذا هو الوقت المضيَّق الذي لهما معاً كما يفترض في أصل المسألة.
وأما الفرض الثاني وهو (زمان العزم على العصيان المتقدم على زمان العصيان).
نقول: في أول الوقت يحصل العزم على العصيان ويحصل العصيان بالعزم على العصيان، أي العلة والمعلول يحصلان معاً في أول الوقت.
وقال: «وإن فرض أنّ زمانه زمان العصيان المتأخر عن زمان العزم كان فيه محذور الشرط المتقدم(1)، لأنّ العزم متقدم زماناً على الوجوب المشروط. وإن فُرِض أنّ زمان الوجوب متخلل بين زمان العزم وزمان العصيان، لزم المحذوران(2)
ــــــ[176]ـــــــ
(1) يقول الشيخ الأصفهاني إن إرادة العصيان قبل الوقت موجودة، لكن إن قلت بانّ الأمر بالمهم يوجد قبل الوقت فهذا من الواجب المعلَّق، وإن لم يوجد الأمر بالمهم قبل الوقت بل حصل بالوقت يعني سببه هو العزم على العصيان قبله موجود إلا أنه لم يوجد بسببه بل تأخر الوقت المهم إلى حين أول الوقت، فهذا يكون إشكاله الشرط المتقدم، لأنه وجد بسببه ولم يوجد هو. (منه).
(2) من ناحية تقدم الوجوب على الوقت الذي هو الواجب المعلّق، ومن ناحية تقدم العزم على العصيان فعلى كِلا التقديرين يكون باطلاً. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
معاً»(1). انتهى.
وجوابه: من البديهي أنّ المقدمة التي بنى عليها الشيخ الأصفهاني استدلاله والتي أخذها مسلّمة هي غير صحيحة، وهي كون العزم على العصيان متقدّم زماناً على العصيان.
وهذه المقدّمة لا دليل عليها، بل الدليل على خلافها، لأنّ العزم المنتج للعصيان-وبعبارة اخرى العزم على العصيان المنتج للعصيان- إنما هو مزامن في العصيان مزامنة العلة للمعلول، والعلة لا تكون مقدمة على المعلول وإنما هي معه زماناً، وكذلك العزم على العصيان المنتج للعصيان، فإنّ العصيان معلول العزم وهو معه زماناً.
وحين إذ لا يلزم القول بالوجوب المعلّق، لأنه لم يحصل شرطه قبل وقته، وإنما حصل شرطه في وقته ومزامناً مع وقته، ولا القول بالشرط المتقدم لعدم كون الشوق المتقدم شرطاً أو لعدم كون المتقدم شرطاً بل المقارن أُخِذ شرطاً وهذا كافٍ، وأما ما هو متقدم فهو مجرد شوق للأمر استقبالي، قد يكون هو عازم قبل الظهر أن لا يصلي الظهر ولكنه مجرد شوق وليس هو العلة.
إنما الكلام بالدقة عن العلة، وهي الشوق المزامن زماناً مع المعلول الذي هو العصيان، لا أقل أننا نتصور للعزم على العصيان إطلاقاً زمانياً واستمراراً زمانياً مما قبل الوقت إلى ما بعد الوقت.
فإما أن نقول: إنّ وجوده متأخر عن أول الوقت هو العلة كما قلنا
ــــــ[177]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص347.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وإما أن نقول: إنه ليس بالضرورة أن نأخذ الحصة السابقة على الوقت شرطاً في تنجّز المهم، وإنما نأخذ الحصة المتأخّرة سواء فرضناها علة أو لا بلا فرق.
فإن هذه الحصة المتأخرة عن أول الوقت أو التي تبدأ بأول الوقت شرطاً في تنجّز الأمر بالمهم، وهو تلك الحصة، وأما الحصة المتقدمة ليست شرطاً لكي يلزم المحذور.
فإن قلتَ: إنّ العصيان من سنخ العدم إذ هو عدم الامتثال، والعدم ليس له علة وإنما عدم العلة علة العدم، فالعدم لا يحتاج إلى العلة، هكذا حقق في الفلسفة وينبغي أن نأخذه مسلّماً، وعليه فليس العزم على العصيان علة للعصيان الذي هو عدمي، ليلزم أن يكون مزامناً له وليس متقدماً عليه، فسقط الكلام السابق.
قلتُ: نحن نتكلم في المباني على الاحتمالات، فلا يلزم كلام الشيخ الأصفهاني، فإن كان العصيان وجودياً لا يخلو من احتمال أخذنا العزم عليه شرطاً مزامناً وليس شرطاً متقدماً، فلا إشكال ولا محذور.
وإن كان عدمياً أمكن أن يكون الشرط عدم العزم على الامتثال-أي امتثال الأهم- بنحو الشرط المقارن أيضاً وليس بنحو الشرط المتقدم، كما يمكن أن يكون الشرط العزم على عمل آخر غير الأهم حتى يصير وجودياً إذا كان العزم على ترك الأهم عدمي، ولكننا نعزم على قراءة الكفاية بدل امتثال الأهم فلا يلزم الإشكال نحو الشرط المقارن.
ولكن يبقى الإشكال وهو أنّ العمل الآخر مفوت للأهم والمهم معاً، فيبقى احتمال واحد في هذا الصدد: وهو أننا نأخذ العزم على المهم شرطاً في تنجّز الأمر بالمهم، لا العزم على عصيان الأهم ولا عدم العزم على الأهم، وإنما نفس العزم
ــــــ[178]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
على المهم وهو أمر وجودي العزم على الأهم وبنحو الشرط المقارن.
ولكن قد ينشأ إشكال آخر في ذهن البعض:
وهو أنّ العزم على المهم مقارن لامتثال المهم فلا يكون موضوعا له، لأنّ الشرط للامتثال وهو متأخر عن الموضوع، وأما الموضوع فهو متقدم بتقدم العلة على المعلول وهذا بديهي.
قلتُ: ما ذكرناه سابقاً رافعاً لهذا الأشكال، هو كفاية تعدد الرتبة في أول آنات الوقت المضيَّق، فيكون أسبقها رتبة هو العزم على المهم ثم الأمر بالمهم ثم الإتيان بالمهم، مع أنها كلها تكون في لحظة واحدة ولا يلزم شيء من تلك الإشكالات.
وما ذكر من الكبرى في الإشكال من تقدم الموضوع على الحكم زماناً غير صحيح.
نعم، هو متقدم على الحكم رتبة لا زماناً، فإنه بمجرد تمامية الموضوع واجتماع الشرائط بالموضوع لا في المتعلق ينصبّ الحكم فوراً ولا يتأخر طرفة عين زماناً.
مناقشة الدليل اللمي لإثبات صحة الترتب على ما ذُكِر في المحاضرات
ذكر في المحاضرات دليلاً لمّياً لإثبات صحة الترتب، ولكني أعرض هذا البرهان هنا بعد أدلة استحالة الترتب، ولكن بصيغة البرهان على الاستحالة لا الإمكان كما ذكروه.
وحيث إني أصوغه كدليل على امتناع الترتب أركبه من عبارتي وعبارة
ــــــ[179]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المحاضرات فأقول: إنّ الواجبين يعني الأهم والمهم اذا كان كلاهما تدريجياً، كما هو في المثال المتعارف وهو الصلاة والإزالة، وكلاهما تدريجي الوجود ويحتاج إلى مدة من الزمن عندما تقع المزاحمة بينهما كما في صورة الترتب، فلا يخلو الحال من احتمالين لا ثالث لهما.
الاحتمال الأول: إما أن يكون شرط تنجز المهم وفعليته عصيان الأهم آناً ما في أول آنات الوقت، نعصي الأمر بالأهم فيتحقق شرط المهم، ويكون فعلياً في جميع أزمنة امتثاله، ولا تتوقففعلية الأمر بالمهم على استقرار المعصية للأمر الأهم.
الاحتمال الثاني: إما أن نقول بأنّ شرط فعلية الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم في جميع أزمنة امتثال الأمر بالأهم، بمعنى أنّ فعلية الأمر بالمهم تدور مدار عصيان الأهم حدوثاً وبقاءً، فلا يكفي عصيان الأهم آناً ما، بل لا بد في كل آنات الزمان.
وكِلا الشقين باطل فيثبت بطلان الترتب.
أما الأول: فإنه يلزم طلب الجمع بين الضدين لا محالة لفعلية الأهم لأهميته وفعلية المهم لتحقق شرطه وهو عصيان الأهم آناً ما.
وأما الثاني: فإنه يلزم القول بالشرط المتأخر وهو محذور عند من يرى امتناعه، فإنّ الإبتداء بالتكبيرة للصلاة التي هي أول الأجزاء منوطاً بعصيان الأمر بالأهم في كل الأجزاء الحالي والاستقبالي، فيكون من قبيل الشرط المتأخر، وهو مستحيل فيثبت بطلان الترتب، هذا في الأمر بالمهم الذي يكون واجباً ارتباطياً
ــــــ[180]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
-كالصلاة والحج والصوم- فإنه لو لم يكن ارتباطياً لم يلزم المحذور، وهو الجمع بين الضدين.
وعلى الثاني يلزم القول بالشرط المتأخر، هذا بحسب ما في المحاضرات.
وجوابه في الحقيقة على مستويين:
المستوى الأول: هذا الإشكال مبني -كما هو واضح- على تصور العصيان المستمر في صورة الترتب وليس دائماً.
فنقول: إنّ العصيان المستمر للأهم لا وجود له وهو من خطل القول وواضح البطلان، بداهة أنّ الكلام إما في الوقت الموسَّع أو الوقت المضيَّق، ولا ثالث لهما.
أما في الموسَّع فلا يصدق العصيان بالتأخير أصلاً، وعليه فلا يحصل موضوع الأمر بالمهم، وعليه فلا ترتب.
وأما في المضيَّق فإنّ العصيان آناً ما وإن قلنا ليس بالدقة العقلية وانما آناً ما عرفية، فإنه يقتضي العصيان الكامل، لأنّ باقي الوقت لا يسع الاتيان للأهم فيكون قد عصى كل الوقت بعصيان آنٍ ما، فلو تنزلت عن الإشكالات الأخرى عن سقوط الأمر بالعصيان لزم اجتماع الضدين، أما الأهم فلأهميته وأما المهم فلتحقق شرطه، وهو عصيان الأهم في كل الوقت وإن كان ظاهراً آناً ما.
المستوى الثاني: مضافاً إلى ما تقدم نقول بمناقشات تفصيلية:
أولاً: إنه قال: «بل لو تبدلت معصيته بالإطاعة في الزمن الثاني كان الأمر بالمهم باقياً على فعليته لغرض تحقق شرطة، وهو معصية الأمر بالأهم في الآن
ــــــ[181]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأول، فهو مسلتزم لطلب الجمع بين الضدين لا محالة..»(1)
وجوابه: إنّ تبدل المعصية بالطاعة لا يمكن أن يحدث، لأننا إما أن نتكلم عن الوقت الموسَّع أو المضيَّق.
أما في الموسَّع، فلعدم صدق المعصية وإنما يصدق التأخير، فالطاعة بعد المعصية لا تحدث لأنه لا معصية.
وأما في المضيَّق، فلعدم إمكان الطاعة، لأنه لا يبقى من الوقت ما يمكن فيه الامتثال والطاعة، فما ذكره مجرد فرض.
ثانياً: قال: «إنّ الفرض الأول مستلزم لطلب الجمع بين الضدين لا محالة».
وجوابه: إنّ هذا الإشكال على أصل الترتب، وقد عرفنا في الإشكالات السابقة على استحالة الترتب وإمكانه أنه لا يلزم الجمع بين الضدين لتعدد المرتبة ولا حاجة للتكرار.
فلولا -عدم تحقق إشكال اجتماع الضدين- فيكون سقوط الأمر بالعصيان الذي هو الأخير الذي لم نستطع دفعه صحيح.
بعبارة أخرى: لولا سقوط الأمر بالعصيان لكان الترتب خالياً من المحذور. نعم، لو تنزلنا عن الأجوبة السابقة كان هذا المحذور قائماً.
ثالثاً: قال: «لكن ذلك ليس مراد القائلين بالترتب أصلاً…».
وفيه: وهذا منه غريب! بل هو عين مورد الترتب فإنه ليس للترتب مورد سواه، بعدما عرفنا عدم إمكان الشق الثاني المتوقف على تصور المعصية المستمرة
ــــــ[182]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2 ص403.
منهج الأصول (الجزء السابع)
في كل وقت، وهو باطل، إذ ليس هناك معصية مستمرة، إنما شرط المهم في الترتب هو العصيان في أول آنات الزمان، وعليه يتعين الترتب في الشق الأول.
لا أقل لو تنزلنا عن ذلك ولا أقل من اعتباره حصة من حصص الترتب، أما نفيه عن باب الترتب فهو مجازفة، وعليه، فكيف عرف أنه ليس مراد القائلين بالترتب مع عدم الرجوع إلى كلماتهم؟!
رابعاً: أجاب عن الإشكال باختيار الشق الثاني مع دفع محذوره، وهو استحالة الشرط المتأخر حيث قال: «بناءً على وجهة نظرنا من إمكان الشرط المتأخر»(1). وجعل هذا دليلاً على إمكان الترتب لا على استحالته.
أقول: الصحيح عندنا هو إمكان الشرط المتأخر، ومع ذلك لا أقول بالشق الثاني موضوعاً ولا محمولاً، الذي هو استمرار العصيان طول الوقت، فقط الشق الثاني موضوعاً ومحمولاً.
ثم ذكر أنّه من وجهة نظر شيخه الأستاذ النائيني القائل باستحالة الشرط المتأخر، وكذا الواجب المعلّق ولكنه أجاب بجواب آخر مع عدم الالتفات إلى ما ذكرناه من مناقشات.
حيث قال: الشيخ النائیني على ما في المحاضرات: «أجاب عن الإشكال في اشتراط القدرة في الواجبات التدريجية، وقال: إنّ المقام داخل في تلك الكبرى، أي اشتراط التكليف بالقدرة، ومن إحدى صغرياتها، فإنّ اشتراط التكليف بالمهم بعصيان تكليف الأهم إنما هو لأجل أنه غير مقدور إلا في هذا الفرض»(2).
ــــــ[183]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2 ص405.
(2) محاضرات في اصول الفقه: ج2 ص405.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ومراده: أنّ القدرة بالتكليف بالمهم مشروطة في كل أجزائه وأزمنته.
وقال: «وحاصل ما أجاب به الشيخ النائیني أنّ الشرط هو القدرة على الجزء الأول من أجزاء الواجب التدريجي المتعقبة بالقدرة على بقية الأجزاء، فشرط وجوب الصلاة مثلاً إنما هو القدرة على التكبيرة المتعقبة على بقية أجزائها»(1). انتهى.
مثلاً التكبيرة والفاتحة منوطة بالقدرة على الركعة الأولى والثانية والثالثة، وهي منوطة بعلتها وهي ترك الأهم المزامن مع الركعة الأولى والثانية وهكذا، فيرجع هذا إلى القدرة مع التقييد بالقدرة المتعقبة، أي قيد يتبع قيداً، كما نقول: الفاتحة الصحيحة هي المتعقبة للركوع المتعقب للسجود إلى آخر الأجزاء، كذلك هنا مقيد بالقدرة المتعقبة بالقدرة المتعقبة، أي مقيَّد بعضها ببعض إلى آخر الصلاة.
وقال أيضاً: «ومن الواضح أنّ عنوان التعقب عنوان حاصل بالفعل»(2).
أقول: إنّ هذا ليس واضحاً، لأنّ المفرض أنّ المكلف قد عصى الأهم في كل الأزمنة وأتى بالمهم في كل الأزمنة أو في كل أجزاء الزمان المفروض، وليس بالفعل موجوداً، ولكنه في عنوان مسألة الترتب يقال ذلك: أي نفترض ذلك والمفروض هو غير ما هو واقع.
وقال أيضاً: «ولكن قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط أنّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وذكرنا هناك أنّه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر
ــــــ[184]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2 ص406.
(2) محاضرات في اصول الفقه: ج2 ص406.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أصلاً، وأنّه لا محصّل لجعل عنوان التعقب شرطاً لعدم الدليل عليه»(1).
فهو بهذا رفض القدرة المتعقبة للقدرة المتعقبة، حيث يرى إمكان الشرط المتأخر لأنه لا دليل عليها، لكنه لم يذكر لماذا ولم يبين وجه الخلل في كلام الشيخ النائيني، وإنما هو أحال المسألة إلى بحث الشرط المتأخر وانتهى.
أقول:
إنّ منشأ انتزاع الشرط المتأخر موجود في كثير من موارد الشريعة، كالأجزاء المتأخرة في كل واجب تدريجي كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك، حتى بغض النظر عن الترتّب، فمن يقول بامتناع الشرط المتأخر مضطر إلى أن يقول بأمثال هذه التقييدات المعقدة، وأما مع القول بإمكانه -كما هو الصحيح- فلا حاجة إلى ذلك، أذ مثل هذه التقييدات تحتاج إلى دليل خاص بها وهو مفقود.
يمكن أن يقال: هو موجود، لأنّ مقتضى الإطلاقات هو ذلك.
لكنه يقال إنّ في الترتب أشد غموضاً وأكثر تعقيداً، وذلك لأنّ القدرة على أي جزء من أجزاء المهم منوط بعلته وهو عصيان جزء من أجزاء الأهم، فلا تكون القدرة على الجزء الأول منوطة فقط بالقدرة بل على القدرة على الباقي هذا صحيح، ولكن منوط أيضاً بعلته التي هي عدم أجزاء الأهم، فلا تكون القدرة على الجزء الأول من المهم منوطة فقط بالقدرة على الباقي من المهم، بل مع ضم علتها أيضاً وهي عصيان أجزاء الأمر الأهم جزءاً بعد جزء في طول الزمان، ومثل هذا التقييد بهذا الترتيب الدقّي أمر غير عرفي لا يستفاد فهمه من المطلقات.
ــــــ[185]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2 ص406.
منهج الأصول (الجزء السابع)
و قال في التقريرات: «وأما ما علقه المحقق النائيني: فدعوى رجوع محذور المصادمة والمطاردة بين الأمرين بالضدين على تقدير أخذ العزم عن المعصية شرطاً للأمر بالمهم، حيث أفاد أنّ النكتة التي بها تعقلنا إمكان الترتّب تقتضي أن يكون المترتّب عليه الأمر بالمهم هو عصيان الأهم، ولا تكفي شرطية العزم على العصيان في دفع المحذور، فأنّ تلك النكتة هي أن يكون ما يترتب عليه الامر بالمهم مما يقتضي الأمر بالأهم هدمه أولاً وبالذات، فإنّه على هذا سوف ترتفع غائلة المطاردة بين الأمرين-على ما سوف يأتي شرحه مفصلاً-، ومن الواضح أنّ الأمر بالأهم يقتضي بذاته هدم عصيان الأهم وتركه لا العزم على عصيانه، فلو عزم على العصيان ولكنه لم يعصِ وصدر منه الأهم لم يكن الأمر بالمهم فعلياً.
وتعليقنا على هذا الكلام:
أولاً: إنما يقتضي الأمر بالأهم هدمه أولاً وبالذات ليس هو العصيان وترك الأهم، وإنما هو العزم عليه وعدم العزم على الامتثال، لأنّ التكليف إنما يُجعل من أجل أن يكون داعياً في نفس العبد، فمقتضاه الأولي إيجاد الداعي والعزم في نفس العبد على الامتثال، فهو يهدم عدم العزم على الامتثال والعزم على العصيان أولاً وبالذات»(1). انتهى.
أقول: لا بد أن يكون مقصوده: أنّ جعل الشرط وهو عدم الداعي وليس العصيان يكون أنسب لأنه الأسبق رتبة، فإنّ عدم الداعي أسبق من وجود العصيان، لو قلنا إنّ النقيضين في رتبة واحدة كما هو الصحيح، فيكون جعل
ــــــ[186]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص348.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الداعي وعدمه في رتبة واحدة أسبق من الامتثال والعصيان الذينِ هما أيضاً نقيضان، وجعل ما هو أسبق شرطاً أنسب بلا شك.
ثانياً: ما أفاده السيد الأستاذ السيد الخوئي، حيث قال في التقريرات نقلاً عنه: «من عدم تمامية ذلك لو تمّ في الواجبات العبادية التي يكون الداعي والعزم فيها مأخوذاً في الواجب، بل في الواجبات التوصّلية أيضاً فيما إذا قلنا بأنّ التكليف يقتضي تخصيص متعلقه بالحصة الاختيارية، كما هو مسلك المحقق النائيني»(1).
أقول: هذا ينبغي أن يكون واضح الفساد، لأنّ ما يُؤخَذ في موضوع الأمر بالمهم هو عدم الأهم، فإن كان هو عدم الداعي للمهم بنفسه فسدت العبادة، لأنه يُؤخَذ فيها قصد القربة، وعدم قصد الامتثال مفسد للعبادة، حيث إنّ الأمر بالمهم عبادة كما هو المفروض، فإذا أخذ عدم الداعي إليها قيداً في الأمر بها فسدت العبادة.
هذا وأنّ السيد محمود الهاشمي صاحب التقريرات قد علّق على كلام الشيخ النائيني في خصوص التوصليات والمعاملات، لأنه على تقدير كلام الشيخ لا تكون اختيارية فقد قال في الهامش: «وهذا الإشكال غير صحيح في شطره الثاني أي بلحاظ التوصليات، لأنه خلط بين الإرادة والقدرة، فإنّ متعلق التكليف يتقيد بالقدرة لا بالإرادة والقصد المتوقف على العزم، فإنّ القدرة والاختيار لدى هذا المحقق وعندنا غير الإرادة»(2). انتهى.
ــــــ[187]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص348.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص348.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: والحق مع السيد الهاشمي إلى حدٍ ما، لأنّ أخذ عدم الداعي إلى الأمر بالمهم في موضوع الأمر بالمهم غلط ولا يصح، بل الذي يُؤخَذ عدم الداعي للأهم في موضوع الأمر بالمهم، وهذا مما لا ضير فيه وغير مبطل للعبادة التي هي في المهم فضلاً عما إذا كان الأهم توصّلياً، فيكون الداعي للأمر التوصلي أخذ في موضوع الأمر العبادي وهذا لا يبطل العبادي.
نعم، لو أخذ عدم الداعي نفسه للأمر التعبدي تبطل العبادة، وهذا مطلب آخر أجنبي عن الترتب، فضلاً عما إذا كان الأهم توصّلياً كما في المثال المشهور من الإزالة والصلاة في موضوع الأمر المهم -الصلاة-.
نعم، لو كان مراده الإشكال من ناحية تقدم العزم على الوقت المضيَّق فيكون غير صحيح، وإنما المقصود أخذ العزم بمقدار ما هو مأخوذ في الواجب نفسه، يعني إذا كان مراد المحقق الخوئي على أنه يُؤخَذ العزم المتقدم على الوقت، أي العزم على عدم امتثال الأهم المتقدم على الوقت موضوعاً لامتثال المهم، فهذا غير صحيح، وحينئذ يكون هذا أشبه بكلامنا السابق.
ولكنه ليس هذا مراده -ولكنه قد يحمل عليه- وإنما المأخوذ هو العزم بمقدار ما هو مزامن مع الواجب ومقارن معه زماناً، فهذا وإن اتحد في النتيجة مع ما قلناه من عدم تقدم الشرط، يعني لا وجود للشرط المتقدم، وكذلك من عدم الواجب المعلّق، إلا أنّ معناه أخذ عدم الداعي الموجود خلال امتثال الأهم العبادي أو غيره بالأمر بالمهم، لأن عدم الداعي نقيض للداعي، والداعي يكون مزامناً مع الامتثال، وعدم الداعي يكون مزامناً أيضاً مع العصيان ولا يكون متقدما عليه، إلا أنّ معناه أخذ عدم الداعي الموجود خلال امتثال الأهم العبادي
ــــــ[188]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أو غيره في الأمر بالمهم، فلا بد أن نأخذ عدم الداعي الموجود والمزامن مع امتثال الأهم، وهذا القيد لعدم الداعي إنما يتحقق خلال امتثال الأهم، والمفروض في باب الترتب عدم وجود امتثال الأهم، فيكون هذا الداعي -الداعي إلى عدم امتثال الأهم- بنحو السالبة بانتفاء الموضوع وجوداً وعدماً، إلا أن يراد عدمه الشامل لنحو السالبة بانتفاء الموضوع نفسها، وهو بعيد عن قصد من يقول بالترتب -وهو عدم الداعي حتى مع عدم الامتثال-.
قال في التقريرات: «ثالثاً: لا وجه لتخصيص نكتة إمكان الترتب بأن يكون شرط الأمر بالمهم مما يقتضي الأمر بالأهم أولاً وبالذات هدمه ورفعه(1)، بل الميزان في ذلك أن يكون مقتضى الأمر بالأهم مساوقاً مع انهدام وارتفاع موضوع الأمر بالمهم(2)سواء كان بنفسه مقتضى الأمر بالأهم أم ملازماً له ومساوقاً معه، بحيث لو فرض محالاً اجتماع الضدين ووجودهما معاً في الخارج لم يكن موضوع الأمر بالمهم فعلياً لعدم تحقق شرطه، أي لا يكونان معاً فعليين لو جمع بين الضدين»(3). انتهى(4)
ــــــ[189]ـــــــ
(1) ليس ضرورياً أن نأخذ موضوع الأمر المهم عدم ما يدعو عليه الأمر بالأهم بصراحة ومطابقة، بل نأخذ في موضوع الأمر بالمهم أي شيء وأي خصوصية، إما مطابقة أو تضمّن أو التزام مما يمُت إلى الأهم بصلة، ونفرض عدمها فيكون موضوعاً وشرطاً لتحقق الأمر بالمهم. (منه).
(2) كل شيء يهدم موضوع الأمر بالمهم نأخذ عدمه في الأمر بالمهم ليصح الترتب. (منه).
(3) يعني باعتبار تقدم الأهم في الأهمية. (منه).
(4) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص348.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: وهذا في نفسه صادق، فإنه إن أُخِذ عدم أي شيء من خصائص الأمر بالأهم في موضوع الأمر بالمهم أمكن صياغة الترتب، ولا حاجة إلى أن نأخذ ما هو مطابقي، بل ربما ما هو تضمني وما هو التزامي، إلا أنّ المسألة ليست عشوائية، وإنما يؤخذ الشرط أو في الشرط ما هو الأكثر منطقية من ناحية، وأسبق رتبة من ناحية أخرى، لعدم معقولية أخذ اللوازم البعيدة شرطاً.
إلى هنا تمّ الكلام في الإشكالات على استحالة الترتب ثبوتاً، وقد تمّ منها إشكال واحد على بعض التقادير، وهو سقوط الأمر بالأهم بالعصيان ما لم يُؤخذ قصد العصيان شرطاً.
وأما من جهة الإثبات فقد قلنا: إنّ الترتب مما يتعذر استفادته من إطلاقات الأدلة الاولية.
ــــــ[190]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثمرة البحث
بقي التعرض إلى ثمرة البحث كما وعدناكم أول البحث، وهي الثمرة الأصولية لباب الترتب، والتي أشار إليها في التقريرات في بداية المسألة وآخرها إشارة إجمالية.
هذا وأنّ المشهور ذكر ثمرة واحدة فقهية مما لزم الإشكال عندئذ على كون بحث الترتب ليس أصولياً، وهذا بخلاف ما لو ترتبت عليه ثمرة أصولية في الجمع بين الأدلة.
وخلاصة ما ذكره: أنّ ثمرة القول بإمكان الترتب عدم التعارض بين الخطابين، وصيرورة باب التزاحم بين الضدين في مرحلة الامتثال باباً مستقلاً له أحكامه وقوانينه في قبال باب التعارض.
بيان ذلك:
إنّ المشهور بما فيهم السيد الشهيد كما ذكرنا غير مرة أنه عند استحكام التزاحم فإنه يتحول إلى التعارض، ويطبقون فيه قوانين باب التعارض. وهذا ما نفيناه أصلاً في حينه، وسيأتي تفصيله في محله.
ولكن لو بنينا عليه فإننا في بحث الترتب إن منعنا الترتب وقلنا باستحالته
ــــــ[191]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
استحكم التزاحم بين الواجبين، فيتحول البحث إلى التعارض، وبذلك نقل مصاديق التزاحم بل ربما تزول أصلاً، لأنّ مصداقه الوحيد هو مورد الترتب، فلا تطبق قوانين التزاحم وإنما يكون مورداً لقوانين التعارض. بخلاف ما لو قلنا بإمكان الترتب، فإنه نحو من حل لهذا التزاحم، ويكون باباً مستقلاً له قوانينه غير باب التعارض.
أقول: وهذا مطعون فيه كبرى وصغرى:
أما الكبرى: فلما قلناه قبل قليل من منع رجوع التزاحم إلى باب التعارض مطلقاً حتى لو قلنا باستحالة الترتب.
وأما الصغرى: فلأنّ مورد الترتب وإن كان من باب التزاحم لأول وهلة، إلا أنه ليس كذلك، لا أقل ليس من باب التزاحم المستحكم، فحتى لو قلنا باستحالة الترتب افترضوا هنا أننا قلنا بالاستحالة، لكن مع ذلك لا يكون من باب التزاحم المستحكم، وذلك لوضوح أهمية المهم وتقدمه لأهميته كما هو بيّن، فلا يبقى معه التزاحم الحقيقي في البين، بل لعل الأمر بالعكس، فإنّ التزاحم إنما ينتج من القول بإمكان الترتب، لا من القول باستحالته، لأننا إذا قلنا بإمكان الترتب تنجّز علينا أمران متعارضان بمعنى من المعاني أو متنافيان أو متضادان، وأما مع القول باستحالته فلا تزاحم، لأنّ الأمر بالأهم هو وحده المنجَّز.
وعليه، لم تتمً الثمرة الأصولية وأن الثمرة الفقهية تامة كما سبق.
التقريب الثالث: وهو ما يتحصل من عبارة التقريرات، ولا بد أن يلاحظ أنّ الواجبين المتضادين متساويان في الأهمية، فيقترح فعل الترتب من الطرفين ويلزم
ــــــ[192]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الدور بهذا التقريب، وهو أن يقال: كما قال في التقريرات: «أنّ فعل الصلاة يتوقف على وجود الداعي نحوها الموقوف على فعلية الأمر بها الموقوف على ترك الإزالة وكذلك العكس، وحينئذ يكون تحقيق كل من الفعلين في مقام الامتثال متوقفاً على عدم الآخر، وهذا مستحيل إذ يلزم من وجودهما معاً عدم وجودهما ومن عدمهما وجودهما»(1). انتهى.
بیان الدور: إنّ فعل الصلاة موقوف على الداعي إليها، والداعي موقوف على فعلية الأمر بها، وفعلية الصلاة موقوف على ترك الإزالة لأنّ ترك الازالة موقوف على عدم الداعي إلى الإزالة، كما أنّ الفعل موقوف على وجود الداعي، وعلة العدم عدم العلة فعدم الداعي يكفي للترك، وعدم الداعي للإزالة موقوف على عدم الأمر أو عدم فعلية الأمر، الموقوف على فعلية الأمر بها الموقوف على فعلية الصلاة.
لأنه لو تُرِكت الصلاة لكان هذا منجَّزاً يتحقق موضوعه -وهو وجوب الإزالة- بترك الصلاة، فإنما ينعدم الأمر بالإزالة بفعل الصلاة، فالموقوف على عدم الأمر بالإزالة الموقوف على فعل فعل الصلاة، فقد بدأنا بفعل الصلاة وانتهينا بفعل الصلاة، وهو دور، لأنه ينتج أنّ فعل الصلاة موقوف على فعل الصلاة.
وجوابه:
الأمر الأول: يتحصل من جواب التقريب السابق بعدة وجوه كلها تنصب على فك الملازمة في أي قضية شرطية من هذه القضايا يسقط الدور طبعاً، ويكفينا فك واحدة منها، وهي فك الملازمة بين عدم الإزالة وعدم الأمر بها، إذ لا يعني
ــــــ[193]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص363.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر بها وجودها، فقد يكون هناك أمر بها وتترك.
نعم، مع عدم الأمر بها يتعين الترك، ولكن لا يعني الأمر بها وجودها، وإلا لزم الجمع بين الضدين، إذا كان وجود الإزالة مع فعل الصلاة المفروض يعني أمر بالجمع بين الضدين أو يجمع ما عجز عنه في فرض الترتب، أو وجود الداعي إلى الضدين وكله مستحيل.
هذا وأنّ الأجوبة السابقة يمكن أن نطبقها هنا أو في طول فك الملازمة، فقد يمكن تغيير صيغة الشرط كما قلنا في الجواب الأول، بأن يكون العصيان لأي منهما اختيارياً فينشأ صيغة الشرط، وكذلك لو كان الشرط العزم على الترك لا العزم على العصيان، أو عدم العزم على الامتثال أو العزم على نفس الأمر الآخر، فهذه الأمور كلها يمكن أن تنطبق هنا.
الأمر الثاني: إنّا قلنا أنّ المسألة اختيارية، إما أن يترك الإزالة وإما أن يترك الصلاة أو أن يكون العصيان لأي منهما اختیاریاً، والترجيح في الأمر الاختياري ممكن، وليس تابعاً لقاعدة الترجيح بلا مرجح فيكون مستحيلاً.
هذا مضافاً إلى ما قاله في التقريرات من إمكان الداعي التقديري غير المنجّز بغض النظر عن الإشكال عليه، وهذا الداعي التقديري يكفي وإن لم يكن الداعي منجَّزاً، فلو غضضنا عن الإشكال عليه أيضاً يأتي هذا الجواب.
وأما جواب التقریرات على إشكال الدور هذا:
إما نقضاً أو حلاً:
أما النقض: فبتصوير دورٍ بشكل آخر يزعم أنه مشابه للدور في هذا الترتب
ــــــ[194]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الذي ذكره من الطرفين، ومع ذلك ينبغي أن يقال بإمكانه في هذه الصورة التي ذكرناها في مورد النقض، فإذا قلنا بإمكانه فلنقل بإمكان الدور.
قال في التقريرات: «وذلك ما إذا افترضنا شخصين كل منهم داعية على تحريك الحجر مثلاً موقوف على إعطائه الجائزة والجائزة يفترض وضعها لمن يقدم على رفع الحجر بشرط عدم إقدام الآخر، أي بشرط كونه الوحيد في الإقدام، فإنه في مثل ذلك سوف يتحقق الدور، إذ إقدام كل منها موقوف على فعلية الجائزة له الموقوف على عدم إقدام الأول.
والجواب السابق لا يرد هنا إذ الفاعل هنا شخصان لا شخص واحد، وليس لكل منهما إلا الداعي نحو الفعل، والجامع بينهما ليس شخصاً قابلاً لأن يكون له داع»(1). انتهى.
أقول: والحق في ذلك هو عدم المماثلة حقيقة بين هذا المورد وذاك، ولا بد من إبراز الفروق حتى لو قسنا العلل الشرعية بالعلل التكوينية، لأنّ هذه أوامر النقض علل تكوينية وتلك أوامر تشريعية؛ أمر بالصلاة وأمر بالإزالة.
فإن قلنا بانفكاكها وعدم التماثل بينها فهو.
وإن قلنا بالتماثل من هذه الجهة فليس هنا دور، لوضوح أنّ الأمر ليس علة حقيقة للامتثال، وإنما يبقى بعد الأمر قضية اختيارية المكلف وإرادته في أن يفعل أو لا يفعل.
وفرض كون العبد منقاداً للامتثال لا يخرجه عن الاختيار، ويبقى الاختيار
ــــــ[195]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص366.
منهج الأصول (الجزء السابع)
موجوداً في العصيان في الترك، بل يتعين عليه أحد العصيانين، لأنه يستحيل أن يمتثل كِلا الأمرين بما هو جامع بين الضدين، فيتعين عليه أحد العصيانين، في حين أنّ كل هذا لا مورد له في هذا الصدد في مورد الدور.
بعبارة اخرى: إنّ كل الاجوبة التي لا ترد هنا للتغاير بين الاتجاهين، أو بين التقريبين، وعليه فالدور مستحكم إذ الأجوبة هناك لحل الدور لا تأتي هنا.
ولا يتحقق الشرط لأي منهما لتحصل الجائزة، لأنّ مقتضى القاعدة أنهما يقتربان معاً ويحملان الحجر، فلا موضوع الجائزة لـ(زيد) يحصل ولا موضوع الجائزة لـ(عمر) يحصل، لأنه أيضاً ليس وحده، وإذا لم يقترنا معاً فلا يحصل الحمل فلا يحصل موضوع الجائزة، لأنّ موضوعها الحمل مستقلاً، فعلى كِلا التقديرين لا يمكن.
إلا أنّ في التقريرات قال: «والتحقيق أنّ هذا ليس دوراً حقيقة بل يرجع بالتدقيق إلى محذور آخر شبه الدور في الاستحالة، ومن أجل توضيحه نفترض أنّ انساناً ما لا يريد أن يحتاط، وإنما يعمل بالأمر المعلوم المنجَّز، فإنّ صدور فعل الصلاة من قبل هذا الشخص موقوف على الداعي له نحو الصلاة، والداعي له ليس متوفقاً على واقع الأمر بها بل على العلم بالأمر وإحرازه الموقوف على إحراز موضوعه، وهو ترك الإزالة الموقوف على عدم العلم بالأمر بها، الموقوف على عدم العلم بفعل الصلاة، فصار فعل الصلاة موقوفاً على عدم العلم بفعل الصلاة لا علم نفسه، وهذا ليس دوراً لكنه مستحيل بنكتة استحالة الدور، لأنّ العلم وعدم العلم بالشيء يكون دائماً في نظر صاحبه بنحو كأنه يرى المعلوم شيئاً مفروغاً عنه
ــــــ[196]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
في مرتبة سابقة، يعرض عليه العلم وعدم العلم فيستحيل أن يعلم، إذ يحتمل شيئاً متقوماً بذلك العلم أو الاحتمال، وعلى هذا الأساس نقول باستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه لا على أساس الدور، وهذا المحذور غير موجود في المثال المنقوض به، فإذا افترضنا الفاعل لا يحتاط فإقدامه على الفعل، يصبح موقوفاً على علمه بعدم علم الآخر بإقدامه وليس في ذلك محذور. نعم، لو فرضنا كِلا الشخصين ذكيين ملتفتين إلى كل هذه الحسابات الأصولية وإلى صاحبه يقع فيها أيضاً فسوف يقع كلاهما في حيرة تجعل صدور الفعل منها ممتنعاً»(1). انتهى.
أقول: إنه لم يفعل شيئاً إلا أنّه نقل الدور من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات فقط، أو العلم الذي هو معنى الإثبات بمعنى من المعاني، والعلم قابل للوجود والعدم، وكذلك قابل للزيادة والنقيصة، لأنّ الأمر الوجداني قد يكون ظنياً وقد يكون اطمئنانياً وغير ذلك، فإنه قابل للمطابقة مع الواقع وعدم المطابقة، وبذلك إمكان حل الدور، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
لكن من البديهي أنّ الذي يُؤخَذ مسلّماً عادة كون العلم مطابقاً في عنوان المسألة، فإذا كان معلومه مطابقاً للواقع فهو اليقين كما هو الغالب في أفعال نفسه، وأما القول بأنّ المكلف يترك الصلاة وهو لا يعلم أنه ترك الصلاة أو يفعل الصلاة وهو لا يفعل الصلاة، فهذا من خطل القول لا يتفوه به أحد.
إذن، يعود الدور بغض النظر عن إشكالاتنا الأخرى، مضافاً إلى ما هو واضح من سياق كلامه، أنّ شيئاً ليس هو من الدور وإنما يشبه الدور أو ملحقاً به في الاستحالة.
ــــــ[197]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص363.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وهذا لا معنى له، حيث إنّ محمول كل مسألة يخصها ويستحيل أن يشمل غيرها بحكم العقل النظري، فإنّ الدور مستحيل وأما غير الدور تأتي به وتلحقه به تعبداً لا معنى له.
فإذا لم يكن هذا دوراً فكيف يكون مستحيلاً بنفس النكتة التي في الدور؟ وكيف تشمل نكتة الدور ما ليس بدور؟
أو نقول أنه مادام مشمولاً لنكتة الدور فهو دور، فلماذا نفيت عنه صفة الدور؟
التقريب الرابع لإشكال الدور: ما هو مبين في التقريرات حيث قال: «إنّ فعل الصلاة موقوف على الداعي اليها الموقوف -فيمن لا يحتاط- على العلم بالأمر الموقوف على العلم بترك الإزالة المتولد إما من نفس ترك الإزالة أو من العلم بعدم الداعي إلى الإزالة، فعلى الأول يكون كل من الفعلين متوقفاً على عدم الآخر، وعلى الثاني يكون كل من الداعيين متوقفاً على عدم الآخر، واذا توقف شيئان كل منهما على عدم الآخر لزم الدور»(1). انتهى
أقول: هذا المطلب لا يزيد على أصل إشكال الترتب أساساً من حيث إنّ وجود أحد الضدين موقوف على عدم ضده، وهذا ثابت في كِلا الطرفين، إذن وجود الضد موقوف على عدم ضده، أي أنّ وجود الضد (أ) موقوف على عدم (ب) والضد (ب) موقوف على عدم (أ).
هذا وأنّ التضاد كما أنه شامل للعمل الخارجي شامل للداعي أيضاً، لأنّ
ــــــ[198]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص363.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وجود الداعي كوجود تكويني يتوقف أحدهما على عدم الآخر، حيث إنّ الداعيين الفعليين إلى الضدين محال، كالجمع بين الضدين وكالأمر بالضدين، فيكون جواب ما قيل هناك من أنّ عدم أحد الضدين لا يكون مقدمة لفعل ضده، أو أنّ وجود أحد الضدين غير متوقف على عدم ضده، أو على ترك ضده، وقد أجيب على ذلك التقريب بعدة أجوية.
وقد قلنا هناك: إنّ هذه المانعية راجعة في الحقيقة إلى مجرد التمانع والتضاد بين الضدين لا إلى أمر زائد مضافاً إلى ما قلناه أخيراً، من أنّ العبد لا بد له من أحد التركين؛ إما ترك هذا الضد وإما هذا الضد -إما الإزالة وإما الصلاة كما في المثال- وهذا داخل تحت اختياره في كِلا الأمرين.
فإنّ توقف فعل الصلاة على ترك الإزالة لم يتوقف فعل الإزالة على ترك الصلاة، لأنه لا بد أن يترك أحد الفعلين ويمكنه فعل الآخر.
وقال: «وجوابه فيما نحن فيه ما تقدم من أنّ الداعي ينقدح نحو الجامع».
أقول: بغض النظر عما قلناه الآن في الجواب لا يكون هذا -انقداح الداعي نحو الجامع- ممكناً، لأنّ فعل الصلاة بالخصوص مثلاً يصدر من الداعي الجامع بين الصلاة والإزالة في الذهن الداعي إلى الجامع، وأنا أطبق أحد الفردين فيصدر الفرد من الداعي الى الجامع، وهذا غير معقول، بل الداعي إلى الجامع بعنوانه التفصيلي متعلقه كلي، والكل ممتنع الوجود في عالم الخارج، وما هو الموجود ليس هو الجامع مطلوب بل الفرد.
ــــــ[199]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإن قلتَ: إنّ الداعي إلى الجامع دائماً منتج للفرد الجزئي، وهذا موجود دائماً كالداعي إلى الصدقة بدينار داعي إلى جامع الصدقة بدينار، فإنه منتج للصدقة بدينار خارجي فليكن محل الكلام أيضاً منه.
قلتُ: هذا بالنسبة إلى الجامع الماهوي أو المفهومي صحيح، لا أقل إنه مشهوري متسالم على صحته بغض النظر عما سنقوله في باب تعلق الأمر بالفرد فإنه فيه مناقشة وجدل، وأما هذا فنأخذه مسلَّماً، ولكنه بالنسبة إلى الجامع الانتزاعي باطل أكيداً، وهو عنوان أحدهما كالداعي إلى الكفارة التخييرية أو إلى الفدية التخييرية فإنه غير منتج، حيث إنّ عندي داعٍ إلى أن أدفع كفارة ما من هذه الثلاثة فإنه غير منتج لأي واحد من أطراف التخيير ما لم يتعلق الداعي فعلاً بأحد الأطراف بعينه، والمقام من هذا القبيل فإنه جامع انتزاعي بعنوان أحدهما، إما الصلاة وإما الإزالة، أو قل جامع انتزاعي بين المتباينين كما كان في خصال الكفارة بين ثلاثة أمور متباينة، وأما بالنسبة إلى الجوامع المفهومية والماهوية فهي من هذه الناحية غير متباينة، بل هي من نوع واحد، لكنه في عنوان أحدهما ليس من أي شيء -أي غير متعين في أمر أصلاً- إذن الداعي إلى العام أو إلى الكلي أو إلى الجامع لا ينتج فرداً فلا بد للفرد من وجود داع خاص به، وإذا كان الداعي خاصاً بأحدهما بالتعيين رجع إشكال الدور.
ثم قال: «وفي مثال النقض(1) لا يأتي هذا التقريب، لأنّ غاية ما هنالك أن
ــــــ[200]ـــــــ
(1) يعني مثال الحجر. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
يصبح إقدام أحدهما(1) موقوفاً على علمه بعدم علم الآخر بإقدامه لا على عدم إقدام الآخر.
بل قد يقال: بأنّ الالتزام بالترتب من كلا الجانين أسهل من الترتب من جانب واحد، خلافاً لما ذكره المحقق النائيني(2)، من أنه إذا استحال الترتب من طرف واحد فهو من الطرفين كذلك، ولذلك أستغرب من الشيخ(3) الذي أنكر الترتب من طرف واحد، ولكن ذهب في تعارض الخبرين بناءً على السببية أنّ الأمر بالعمل بكل واحد منها مشروط بترك الآخر، وهذا ليس إلا الترتب من الطرفين، وهل يكون ضم محال إلى محال موجباً للإمكان؟!».
أقول: بعد أن منعنا وجود الدور بهذا الصدد، لم يبقَ مانع من هذه الناحية أيضاً، بل لم يبقَ مانع عن أصل التقريب الذي كان ضد الترتب من حيث ما قلناه: من أنّ عصيان الأمر يقتضي سقوطه، حيث قلنا في الإشكال الرئيسي الذي قلنا به بامتناع الترتب، وهو أنّ عصيان الأمر بالأهم يقتضي سقوط الأمر بالاهم، ومعه لا یتضادان ولا يتزاحمان، وبرهاننا هذا لا يأتي ولا يكفينا في اشتراط العمل بكل من الخبرين بترك الآخر، فإنّ عنوان العصيان هنا غير مأخوذ بجامع الترك أو عنوان الترك.
إن قلتَ: إنّ الترك هنا عصيان، حيث إنّ المكلف يعصي هذا الخبر ويطيع
ــــــ[201]ـــــــ
(1) اصحاب الجائزة في المثال. (منه)
(2) الذي يرى جواز الترتب. (منه)
(3) الشيخ الانصاري الذي ذهب الى امتناع اصل الترتب.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الخبر الآخر، وعليه فلا يكون هنا عصياناً في طول حكم العقل بالتخيير في العمل بين الخبرين المتعارضين، فأي منهما يختاره المكلف كان هو مبرئ للذمة، فلا يصدق العصيان بالنسبة إلى الطرف الآخر، إذن لا يوجد عصيان، وعليه فالدليل الذي هو متوقف على قضية العصيان وأنّ الامر يسقط بالعصيان ليس له مورد هنا.
هذا ولم يشر في التقريرات إلى ما زعمه في الدليل، من أنّ الالتزام بالترتب من جانب واحد، وإنما ذكر كلام الشيخ والشيخ النائیني من زاوية السببية.
ولا بد حينئذٍ من إيجاد مخرج له، بأن يقال: أن يكون مراده تعذر الترتب من جانب واحد في المتساويين في الأهمية، فإذا تعذر من جانب واحد كان الترتب من الجانبين ممكناً وسهلاً كما قال، وهذا ليس في الأهم والمهم وإنما كلامنا هنا في المتساويين في الأهمية.
وعليه فنقول: يتعذر الترتب من جانب واحد إثباتاً وثبوتاً في المتساويين في الأهمية ما لم ينص الشارع عليه بالخصوص، فإن نص عليه فلا بأس، وأما حسب إطلاقات الأدلة فإنّ تقييد أحدهما بعدم الآخر ليست أولى من العكس، فيكون ترجيحاً بلا مرجح.
فتقييد (أ) بعدم (ب) وتقييد (ب) بعدم (أ) مضافاً إلى سقوط المهم في مختلِفَي الأهمية في باب الترتب أصلاً مضافاً إلى سقوط المهم كان من أجل المزاحمة بالأهم، وهذا لا يتأتّى هنا، لأنّ أياً منهما ليس بأهم من الآخر، فالأهمية سالبة بانتفاء الموضوع، وإنما يسقطان معاً بالتضاد والتعارض على القاعدة، فإذا سقطا سقطت فاعليتهما ومنجزيتهما ولا يتضادان ولا يكون بينهما ترتب.
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما إذا تصورنا الترتب من الطرفين فقد تجنبنا سقوطهما معاً حينئذ، هذا لا يسقط وهذا لا يسقط، أي يكون لكل منهم حصة من الثبوت على تقدير ترك الآخر أو عصيانه، فقد تجنبنا سقوطها معاً كما تجنبنا الترجيح بلا مرجح، لأن الصفة الترتبية أعطيت لكلا الطرفين وليس لأحدهما، فلا ترجيح بلا مرجح.
إنّ الترتب بحسب النصوص ليس له حصص وانقسامات، من قبيل أن يكون الواجب أهم أو مهم أو متساويين في الأهمية، ومن قبيل أن يكون الترتب من جانب واحد أو من جانبين، ومن قبيل أن يكون الترتب بين مضيَّقين او مَّوسع ومضيَّق، ونحو ذلك وتكون النتيجة ثمانية، نتيجة ضرب اثنين في اثنين في اثنين، ولربما تقسيمات أخرى نتصور لها، فغالب ما يأتي إنما في الحقيقة خلاصتها، وإن كان في المحاضرات اهتم بها اهتماماً خصوصياً، وهي في الحقيقة تفاصيل في الترتب، يذكر عدة فروع ومسائل، ويكفينا أن بيّن أصل المسألة والمسألة الجديدة وهذا ينمي الملكة في البحث العلمي، وإن كنا قد منعنا الترتب ولكن لأجل الاطلاع على جملة من التفاصيل.
وفي التقريرات عندما ذكرنا الإشكال الرئيسي للترتب في المتساويين في الأهمية في الواجبين المضيَّقين، وذكر لذلك عدة تقريبات كلها تدور حول الدور، أنا أضيف اليها واحداً خارج عن الدور.
فإنّ نفس الإشكالات التي على أصل المسألة -أي بين الأهم والمهم- تأتي هنا مع زيادة الدور، بل تختلف إلى حد ما بسبب اختلاف الموضوع هنا، حيث أنّ هناك الأهم والمهم، وهنا المتساويان في الأهمية.
ــــــ[202]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
التقريب الآخر لبطلان الترتب من الطرفين في الواجبين المتساويين في الأهمية هو من سنخ ما قيل هناك في أصل المسألة، وإن كان قد يختلف ما هنا عما هناك في بعض الجهات، وإن كان البرهان هو هو، ولكن نتكلم في الصغرى في جهة من الجهات.
بأن يقال: لو عصاهما معاً كان ذلك سبباً لتنجّز الواجبين المتساويين في الأهمية لتنجّز كِلا الواجبين في ذمته، وفي طول هذا العصيان في الواجبين المنجَّزين يستحق عقابين باعتبار عصيانه للواجبين المنجَّزين مع أنّ هذا غير ممكن، لأنّ المفروض كونه عاجزاً عن الجمع بين الامتثالين كما هو المفروض في المسألة من التضاد بين الواجبين.
وهذا له نقطة قوة عن المثال السابق المشهور ونقطة ضعف عن صورة الأهم.
أما نقطة الضعف: باعتبار ما يقال هناك من غلبة الأهم لأهميته، فيكون هو المتقدم طبعاً، فيعود العقاب واحداً، وهناك دُفع هذا الإشكال لأهمية الأهم في الحقيقة، إلا أنه هنا لا يوجد أهم كما هو المفروض في المسألة، والترجيح بلا مرجع مستحيل، فيبقى الأمر مهملاً في استحقاق أي من العقابين، فهل يستحق على الواجب (أ) ام على الواجب (ب)؟ أو يستحق على عصيان الإزالة أو عصيان الصلاة؟ لو كانا متساويين بعد اليقين بعدم استحقاقهما معاً.
وبتعبير آخر: إنك ما بين ثلاثة شقوق كلها باطلة:
إن قلتَ: باستحقاقها معاً للعقاب لزم المحال، وهو العقاب على ما يعجز عنه المكلف، بتعبير المشهور العقاب على عصيان الجامع بين الضدين مثلاً ونحو
ــــــ[204]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ذلك، وما قيل بالقدرة التقديرية هناك لا يتم في محله.
وإن قلتَ: باستحقاق أحد العقابين دون الآخر لزم الترجيح بلا مرجح، وهو أسوء من الترجيح بلا مرجح المشهوري، لأنه هناك ليس له مصداق ثبوتي أصلاً لأنه في الحقيقة وعلم الله تعالى لا يتعين أن يعاقب على هذا الواجب وهذا الواجب، فإذا لم يكن له مصداق ثبوتي فلا مصداق له إثباتاً، هذا وإنّ الترجيح هو بذل الاختيار في الترجيح، وأما هنا فهو ثبوتاً وواقعاً مجمل ومردد وليس فقط إثباتياً ومعرفةً واختياراً، فإذا كان ثبوتياً مردد فيكون مستحيلاً حقيقة، وحتى لو قلنا بأنّ بذل الاختيار في الترجيح ممكن إلا أنّ هذا لا يصح هنا لأنه محال بغض النظر عن الاختيار.
وإن قلتَ: إنّه لا يستحقهما معاً لزم المحال لوجود أحد العصيانين قطعاً، والمفروض وجود الاستحقاق على قدر العصيان وليس هناك احتمال رابع، وفي هذا الشق الأخير ينبغي أن نلتفت إلى أنّ استحقاق العقاب ووجوده ليس ضرورياً وعدمه محالاً، وإنما الكلام في الاستحقاق وهو عند العصيان متعين وإن لم يُعاقَب فعلاً، بل ربما يندفع العقاب برحمة أو شفاعة أو أي شيء.
وأما نقطة القوة: فإنّ العقاب في صورة الأهم والمهم يدور بين الأقل والأكثر، لأنّ المفروض أنّ عقاب الأهم أكثر وعقاب المهم أقل، لأنّ زيادة العقاب تدور مدار أهمية الواجب، وهذا ارتكازاً ينبغي أن يكون واضحاً، أما هنا فالمفروض أنهما -الواجبين- متساويان في الأهمية، فمقتضى القاعدة تساويهما في العقوبة.
ولا يدرك العقل فرقاً بينهما، ربما في الحكمة التي لا نعقلها هذا شيء آخر، لكن في
ــــــ[205]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
حدود فهمنا وعقولنا القاصرة المقصرة لا يوجد فرق بينهما، لأنّ فرض المسألة هو التساوي، ولازم التساوي هو التساوي في العقاب، فيكون في الإمكان ضم مقدمتين:
إحداهما: وجود المقتضي لاستحقاق العقوبتين.
ثانيهما: وجود المانع عند أحدهما إجمالاً.
لأنّ الجمع بين الاستحقاقين لا يمكن لأنه فرع ثبوت العصيانين، والعصيانين فرع القدرة وهي غير موجودة، إذن المانع موجود على أحدهما إجمالاً، فتبقى إحدى العقوبتين ذات مقتضي بدون مانع، لأنّ المانع عن أحدهما دون الآخر، فتبقى إحدى العقوبتين إجمالاً ذات مقتضي بدون المانع، حينئذٍ يأتي الإشكال السابق وهو أنّ هذا ليس له تعيّن ثبوتي، ولا يوجد في الواقع تعين له -معاذ الله- لا لهذا الواجب التعيين ولا لهذا الواجب التعيين، لا الذي يعاقب عليه معين، ولا الذي لا يعاقب عليه معين.
ولكن الحل أنهما متساويان في الأهمية -والأهم هو محل الشاهد- وأنهما متساويان في مقدار العقوبة، فيجوز عقلاً على الله تعالى شأنه أن يعاقب بتلك العقوبة الواحدة -وهي غير مشككة وغير قابله للزيادة والنقيصة في كل منهما- يستحقها على أي منهما باعتبار أنّه فوّت أحد الواجبين إجمالاً، إلا أنّ العقوبة ستكون على عصيان أمر غير متعين ثبوتاً وهذا واضح.
الا أنّ هذا لا إشكال فيه بعد اليقين بأصل الاستحقاق بعقوبة ما واحدة، بخلاف وجود عقوبة غير متعينة ثبوتاً كما كان في الفرع السابق، لأنّ العقوبة أمر خارجي وهي لا بد أن تكون متعينة، إذ الخارج يستحيل فيه غير المتعين والمورد والأمور الكلية.
ــــــ[206]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
والعقل العملي لا يدرك استحقاق العقوبة على عصيان ما مردد، لأنه حكم ثابت في الآخرة، ويستحق العقوبة على واجب عصاه ولا نعلم ثبوتاً أنه (أ) او (ب).
ثم أنه قال في المحاضرات: «إنّ الترتب كما يجري بين الواجبين المضيَّقين الذين أحدهما أهم من الآخر كما سبق، فهل يجري بين الواجبين الذين يكون أحدهما موسَّعاً والآخر مضيَّقاً». انتهى.
أقول: هذا واضح في طول القول بإمكان الترتب ثبوتاً أي لا استحالة فيه إثباتاً، أي يمكن استفادته من الإطلاقات والأدلة، وقد نفيناهما معاً فإنّ الترتب غير صحيح ثبوتاً وإثباتاً.
وهذا العنوان المذكور في المحاضرات هل يشمل الواجبين المتضادين أو المتزاحمين؟ أحدهما موسَّع والآخر مضيَّق، مع العلم أنّ أصل عنوان باب الترتب هو تزاحم المضيَّق مع الموسَّع وقد تقدم في أول الباب، ثم أنجز الكلام وانقلب إلى المضيَّقين، وهنا نرجع إلى الموسَّع والمضيَّق الذي هو أول المسألة كما في المثال المشهور -صلِّ وأزل- الصلاة هي المهم الموسَّع، والإزالة هي الأهم المضيَّق، ولكنه بالبحث والاستدلال حدث الاضطرار عند المشهور وعندي إلى انحصار الترتب في المضيَّق، وعليه فما عرضه هنا في المحاضرات لا حاجة له وهو تكرار لما في أصل المسألة.
ولكن لا بأس بزيادة الإيضاح بشكل مختصر، فنقول: على فرض إمكان الترتب ثبوتاً وإثباتاً، والفائدة من المقارنة بين حصتي الترتب في المضيَّقين من ناحية والموسَّع والمضيَّق من ناحية أخرى.
ــــــ[207]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
قال في المحاضرات: «قد اختار شيخنا الاستاذ(1) جريانه فيهما، ببيان أنّ الواجب المهم إذا كان موسَّعاً(2) له أفراد كثيرة، وكان بعض أفراده مزاحماً للأهم دون بعضها الآخر، فبناءً على ما ذكرناه من أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك(3)، فلا محالة يتقيد المأمور به بالحصة الخاصة وهم الحصة المقدورة، فيخرج غير المقدور من الأفراد عن إطلاقه، وعليه فلا محالة يتوقف شمول الإطلاق للفرد المزاحم على القول بإمكان الترتب وجوازه(4)، فإن قلنا به يدخل في الإطلاق عند عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه، وإلا فهو خارج عنه مطلقاً(5). نعم، يمكن الحكم بصحته حينئذٍ من جهة اشتماله على المِلاك»(6). انتهى.
ــــــ[208]ـــــــ
(1) اختار الشيخ النائيني إمكان الترتب ثبوتاً وإثباتاً ودافع عنه، وفي المحاضرات يذكر أن الشيخ النائيني قال بالإمكان في المضيَّقين ويشمل الموسَّع والمضيَّق أيضاً. (منه).
(2) المهم هو الموسَّع لأن الأهم إذا كان موسَّعا فلا ترتب أصلاً. (منه).
(3) الذي وقع طرفاً للمزاحمة للأهم، وحينئذٍ لا يكون المهم في مورد تنجّز الأهم مقدوراً فيسقط عن التكليف ويسقط الإطلاق المتعلق بهذا الفرد من المهم. (منه).
(4) مقتضى القاعدة (لولا الترتب) سقوط هذا الامر بالمهم هنا لمزاحمته للأهم، ولكن إذا قلنا بالترتب يصح أنه يشترط في تحقق موضوعه عصيان الأهم. (منه).
(5) وإلا الفرد المزاحم للمهم خارج عن الإطلاق مطلقاً. (منه).
(6) اشتمال المهم على المِلاك بالرغم من سقوط الخطاب، وهذا المِلاك مما يتبناه الشيخ النائيني، حيث طبقه على عدة مسائل. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: يُجاب على هذا من عدة جهات:
الجهة الأولى: شمول الاستحالة الإثباتية له للترتب حتى لهذه الصورة، فلا فرق في الاستحالة بين المضيَّقين أو الموسع والمضيَّق، لأننا قلنا:
إنّ الاطلاق منصرف عن ثبوت الأمر حتى مع المزاحمة مع الأهم، وهذا الإطلاق هو الإطلاق الأزماني المتعلق في الموسَّع والإطلاق الأفرادي في المضيَّقين.
توضيح ذلك: إنّ الإطلاق الأزماني يقتضي كون المتعلق في الموسَّع مطلوباً ما بين الحدين من الزوال إلى الغروب، فقسم من الإطلاق الأزماني يبتدئ بالمزاحم بوجوب الإزالة، فيسقط الإطلاق من هذه الناحية، وهذا نحو من القياس وفرق ما بين حصتي الترتب.
وأما في المضيَّقين فلا يوجد إطلاق أزماني، لأنه هو كله موجود في هذا الزمان المضيَّق، وإنما هو إطلاق أفرادي، فوجوب الصلاة المضيَّقة في هذا اليوم ووجوب الصلاة في غد وبعد سنة أفرادي، وأفراده هو المتعلق لا المكلف هو يكون ما بين الحدين.
وحينئذٍ ما يرتبط بالإطلاق لهذا اليوم الذي هو محل الإطلاق الأزماني بهذا اليوم يعود إلى أصل التكليف بالمتعلق في هذا اليوم، لكنه مع ذلك هو بمنزلة الإطلاق الأفرادي للجعل الأصلي في الدين طبعاً، فيسقط كل التكليف بالمهم وليس بالأهم، يسقط كل التكليف المتعلق بهذا اليوم أصلاً بمزاحمته للأهم بغض النظر عن الترتب.
ــــــ[209]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
والحاصل: أنّ الإطلاق في الموسَّع والمضيَّق هو الأزماني وفي المضيَّق هو الأفرادي.
وأما لو قلنا: إنّ تعلق الأوامر بالأفراد فالنتيجة تكون أوضح، باستحالة تعلق الأمر بهذا الفرد المزاحم بالأهم رأساً.
الجهة الثانية: شمول الاستحالة الثبوتية له أيضاً فلا فرق في الاستحالة بين المضيَّقين الذي تم الكلام فيه حسب المحاضرات والموسَّع والمضيَّق، بل كان هذا المورد في الحقيقة في أول الباب هو المورد الرئيسي والمشهور الذي جرى عليه الحديث في عنوان الترتب، ومع ذلك قلنا باستحالته.
ولكن القول باستحالته له وجوه: فإن كان ذلك لسقوط الأمر بالأهم في طول العصيان أو بالعصيان، فإنه لا يختلف فيه الموسَّع والمضيَّق من المهم، فإنّ الأمر بالأهم الذي هو مضيَّق في كلتا الصورتين سقط قبل العصيان، فإذا كان سقط العصيان لا يبقى مزاحم للمهم سواء كان مضيَّقاً في نفسه أو موسَّعاً في نفسه أو فرداً في نفسه، ويكون سالبة بانتفاء الموضوع.
وإن كان القول بمنع الترتب واستحالته لاستحالة اجتماع الضدين ونحوها من الإشكالات السابقة، فلأنّ وقوع المزاحمة بين أصل التكليفين كما شرحت في الجهة الأولى، وفي الموسَّع والمضيَّق بين أصل التكليف في الأهم الذي هو المضيَّق والفرد المزاحم الإطلاقي في جانب المهم الموسَّع، وهذا الفرد الإطلاقي في الموسَّع لا يقصر عن غيره في الإلزام الشرعي، أيضاً هو وجوب شرعي في هذا المورد وفي هذا الزمان وفي هذا المكان لا يقصر عن غيره في الإلزام الشرعي إثباتاً ولا ثبوتاً في
ــــــ[210]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
نفسه، ويصلح أن يكون بمعنى من المعاني طرفاً للمزاحمة في تكليف آخر، والقدرة على الأفراد الأخرى من الموسَّع، وهذا المعنى يوجد عند بعضهم -أي المشهور- حيث إنّ الصلاة في وقتها الواسع مقدورة، فإذن هذا المهم مقدور حتى عند التزاحم فإنّ هذا ليس بصحيح.
والقدرة على الأفراد الأخرى من الموسَّع غير ملازمة مع القدرة عليه على هذا المزاحم كما هو واضح، كما لا ملازمة بين ثبوت الأمر على تلك الحصص الأخرى وكونها غير مزاحمة، ولم يسقط أمرها سببا لوجود الأمر وثبوته في طول المزاحمة في جانب المهم، أو لكونه سبباً لكون هذه القدرة على الأفراد الأخرى سبباً لصحة الترتب، وأنه في صورة المزاحمة يكون موجوداً مشروطاً بترك الأهم، هذا لا يكون دليله أنّ الحصص الأخرى التي هي الوقت الواسع ممكنة أو مأمور بها لا ملازمة بين الأمر بينها وبين صحة الترتب.
الجهة الثالثة: ذكر أنه لو لم نقل بالترتب لأمكن تصحيح الامتثال للأمر بالمهم، لكن بعد أن كان مقتضى القاعدة سقوط الخطاب المهم لولا المِلاك فإنه به يصح، ولكننا حيث نقول بسقوط المِلاك مع سقوط الخطاب إما إثباتاً أي لا دليل على وجود المِلاك مع سقوط الخطاب، وإما ثبوتاً أي في علم الله تعالى، وفي الواقع يثبتان معاً ويسقطان معاً، والمراد بالخطاب ليس الجعل الكبروي وإنما دقائق التفاصيل الإطلاقية في كل زمان ومكان، فإنه إذا سقط المِلاك سقط الخطاب ولم يمكن تصحيح الامتثال للأمر بالمهم لا خطاباً ولا مِلاكاً.
الجهة الرابعة: ما ذكره في المحاضرات: «من أنّ جريان الترتب فيه يبتني على
ــــــ[211]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وجهة نظر شيخنا الأستاذ، من أنّ استحالة التقييد تسلتزم استحالة الإطلاق، وبما أنّ تقييد المهم بخصوص الفرد المزاحم محال، فإطلاقه بالإضافة إليه ايضاً محال، وعليه، فلا يمكن الحكم بصحته من جهة الإطلاق، فلا محالة تبتني صحته على القول بالترتب مع قطع النظر عن كفاية المِلاك»(1). انتهى.
وقال في مناقشة ذلك: «ولكن قد ذكرنا غير مرة أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل التضاد، فاستحالة أحدهما في مورد لا يستلزم استحالة الآخر، وعليه فلا يتوقف الحكم بصحته على القول بجواز الترتب، ضرورة أنه عندئذ يمكن الإتيان به بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة»(2). انتهى.
أي يمكن الإتيان بالمهم كالصلاة فتصح بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة.
أقول: إنّ هذا لا يتم لعدة وجوه:
أولاً: إنّ هذا تكرار لمناقشة الشيخ الآخوند السابقة المفروغ عن صحتها وفسادها في المورد الأصلي للباب، ونحن هنا في التفريعات فلا يصح تكرارها، وإنما تذكر ما يخص الفرع فقط، فمثلاً إذا قايسنا هذا المطلب بما ذكر في التقريرات من أنه يأتي فيه نفس ما يأتي في أصل المسألة مع زيادة كذا، وكذا يختص هذا المورد بإشكالات، مثلا بإشكال الدور الذي هو الترتب في المتساوي الأهمية.
وأما مسألة أصل الإشكال المتعرض له، وهو النسبة بين الإطلاق والتقييد
ــــــ[212]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص491.
(2) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص491.
منهج الأصول (الجزء السابع)
-هل هي التضاد أو التناقض أو العدم والملكة- وماذا يترتب على ذلك فهذا تحقيقه في باب الإطلاق والتقييد، وإن كان قد سبق منا المناقشة في ذلك فراجع.
ثانياً: قوله: (لا يتوقف الحكم بصحته على القول بجواز الترتب..).
اقول: إنّ هذا لا يصح طبعاً، لأنّ مقتضى القاعدة سقوط هذا الفرد من الحكم بالمزاحمة مع الأهم المضيَّق، وفيه جهتان للتفضيل والأهمية وهي أنه أهم في نفسه وأنه مضيَّق أيضاً وفوري ونحو ذلك من الأمور، فإذا سقط الأمر الجزئي المتعلق بهذا المورد فلا معنى لشمول الإطلاق له.
ثالثاً: قوله: (ليكن الإتيان به عندئذً..)
أقول: إنه لولا الترتب يكون الحكم الجزئي الثابت للمورد ساقطاً جزماً، فيتوقف القول بصحته على أحد أمرين:
الأمر الأول: إما بمعنى إطاعة حصة أخرى من الأمر الإطلاقي للأمر الموسَّع المهم وهي الثانية من أزمنة أخرى خارجة عن التزاحم، أي يطيع الأمر بالصلاة مثلاً الذي يحصل بعد ساعة، أو الذي حصل قبل ساعة أو قبل التزاحم، وهذا مستحيل لأنّ معناه أحد أمرين أو كلاهما.
أ- إما دعوة الأمر إلى غير متعلقه، بمعنى أنّ انبساط الانطلاق على ساعات الزمان ما بين الحدين من الزوال إلى الغروب لصلاة الظهر مثلاً وكل واحد في محله يدعو إلى متعلق نفسه، فإنّ الأمر في الساعة الثالثة يدعو إلى الصلاة في الساعة الثالثة، وفي الثانية يدعو إلى الثانية، وفي ساعة التزاحم يدعو إلى الصلاة المزاحمة، ولا يمكن أن يدعو إلى غير متعلقه فإنه لا يصح، لا يدعو الأمر في ساعة التزاحم
ــــــ[213]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
إلى الساعة الثالثة غير المزاحمة، وهكذا.
ب- أو صحة المتعلق لغير أمره، أي صحة المتعلق الذي يؤتى به امتثالاً حال التزاحم الذي هو المهم وليس الأهم، فيصح بالأمر الذي قبله أو بالأمر الذي بعده وإن لم يكن داعياً له، لكن يصح به بما أنّ الأمر متعلق بالطبيعة، فيصح هذا بذاك وهذا غير صحيح، وإنما يصح كل امتثال بالأمر المتوجه إليه خاصة.
وأما صحته بالمِلاك فقد رفضناه.
وأما صحته بالترتب فقد رفضناه أيضاً.
وأما صحته بدون أمر ولا مِلاك فهو غير محتمل.
الأمر الثاني: وهو الثالث في المحاضرات حيث قال: «ذكر شيخنا الأستاذ أنّ المكلف قد يكون عالماً بخطاب الأهم قبل الشروع في امتثال خطاب المهم، او قد يكون عالماً به بعد الشروع فيه». انتهى.
المكلف إما عالماً بالأمر بالأهم قبل أن يدخل إلى المسجد فأنه يعلم بوجوب الإزالة ووجوب الصلاة، أي يعلم بالتزاحم وهذا هو القدر المتيقن من الترتب.
وإما في أثناء الصلاة علم بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد، والمسألة يمكن أن تكون صغرى وكبرى، والفرض أنه يتنجز في ذمته الأهم خلال امتثال المهم، وهو صورة الترتب تنعقد أثناء انشغاله بالمهم وهو الصلاة.
وعليه، فهنا مسألة في هذه الصورة التي هي التفريع الأساسي في هذا الكلام، أنّه إذا تنجز عليه التكليف خلال امتثال المهم بالأهم فحينئذٍ المسألة لها بعض الصور.
ــــــ[214]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
إما أنّ الواجب المهم الذي هو في أثنائه مما لا يحرم قطعه، فيجب عليه قطعه لامتثال الأهم بلا كلام، ويشمله مسألة الترتب إمكاناً وامتناعاً.
وإن كان مما يحرم قطعه، الذي هو مفروض المسألة طبعاً حيث يحرم قطع الفريضة، كما إذا دخل المسجد وشرع في الصلاة ثم علم بتنجسه، بحيث يعجز
-كبروياً وصغروياً- وحينئذٍ لا يتوقف بقاء الأمر بالمهم على القول بالترتب، أي لا يتوقف بقاء الأمر بالمهم وهو الصلاة بإتمام الصلاة وليس الدخول في الصلاة، إتمام الصلاة واجب سواء قلنا بالترتب أو لم نقل به، يمكن الحكم بصحته من دون الالتزام بالترتب.
«والوجه في ذلك: أنّ إزالة النجاسة من المسجد وإن كان أهم من الصلاة فرضاً باعتبار أنها فورية دون الصلاة، إلا أنّ المكلف إذا شرع فيها وحرم عليه قطعها على الفرض لم يكن عندئذٍ موجب لتقديم الأمر بالإزالة على الأمر بالصلاة، وأّنه أهم، وعليه فلا يتحقق عصيان لخطابها ليكون الأمر بإتمامها متوقف على جواز الترتب وعليه فيجب إتمام الصلاة ولا أهمية لوجوب الإزالة.
والسر في ذلك: هو أنّ الدليل على وجوب الإزالة إنما هو الإجماع، وليس دليلاً لفظاً ليكون له إطلاق أو عموم يشمل هذه الصورة أيضاً، وعلى هذا فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن منه، والمقدار المتيقن منه غير تلك الصورة، فلا يشملها، إذن يبقى الأمر بالإتمام بلا مزاحم، وعلى الجملة فالإجماع بما أنه دليل لبّي فالقدر المتيقن منه غير هذا الفرض فلا يشمل ذلك.
نعم، إذا كان هناك واجب آخر أهم من إتمام الصلاة كحفظ النفس المحترمة
ــــــ[215]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أو ما شاكله، توقف الأمر بإتمام الصلاة عندئذٍ على القول بالترتب أيضاً، ضرورة أنّ الأمر بالإتمام من جهة مزاحمته بالأهم قد سقط يقينا، فثبوته له حينئذٍ لا محالة يتوقف على عصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه خارجاً»(1). انتهى.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
الأول: إنّ المفروض في باب الترتب هو الواجبان المضيَّقان، وإن كان العنوان الأصلي في الباب هو الموسَّع والمضيَّق لكنه صورة الترتب منحصرة في المضيَّقين، ومعه ينسد هذا الفرض تماماً، لأنه إذا مضى من الوقت قليلاً امتنع الإتيان بالأهم، إذ لا يكفي الباقي للإتيان به فسقط أمره للعجز وهو متلبس بالمهم فيتمه بدون مزاحمة.
بل هذا لا يفرق فيه بين ما إذا كان المهم موسَّعاً او مضيَّقاً بعد فرض كون الأهم مضيَّقا دائماً في باب الترتب، ولذا توجد إشارة في المحاضرات إلى أنّ الأهم لو كان موسَّعاً فلا ترتب وهذا صحيح، إذن فالأهم لا بد أن يُفرَض مضيَّقا دائماً.
ففرضه مضيَّقاً معناه سقوطه مع التأخير عن أول الوقت، لأنه لا يبقى زمان كافٍ لامتثاله، سواء كان الأمر بالمهم موسَّعاً او مضيَّقاً من هذه الناحية لا يختلف.
وأقول: أنه ليس معنى المضيَّق كونه مأموراً به فوراً ففوراً، بل المضيَّق هو أنّ زمانه بمقداره، فلو كان وقت الواجب هو الساعة الواحدة إلى الواحدة وعشر دقائق فوقته بهذا المقدار تماماً، وأما كونه يُؤتى به فوراً فليس بمضيَّق بل هو من التوسيع في الوقت، بأن تكون لك فرصة إذا عصيته في الوقت الأول فلا تعصه في الثاني ولا تعصه في الثالث إلى آخر المدة، هذا توسيع في الوقت وإذا كان كذلك
ــــــ[216]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص493.
منهج الأصول (الجزء السابع)
يكون الواجب الأهم والمهم من الموسَّعين، ولا ترتب في الموسَّعين.
وعليه، انسد الباب في جميع الحالات.
الثاني: إنّ علم المكلف بوجود الواجب المضيَّق وأنه الأهم وقد غفلتُ عنه، وأتيتُ بالمهم ومضى زمان ثم علمتُ بالأهم، فقد علمت بالأهم وقت سقوطه
-أي في وقت عدم وجود الزمان الكافي لامتثاله كما هو فرض التضييق- وعليه فلا مزاحمة له مع إتمام المهم.
ومن باب الالتفات أنه إذا علمت بالخطاب الأهم بعد أول زمانه، أي عند سقوطه لأنه المفروض أنه في الآن الثاني فصاعداً لا أستطيع الإتيان بالأهم، فقد سقط سواء كان حال امتثال المهم أو بدون امتثال المهم.
الثالث: أما الدليل على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد كما قال الشيخ النائیني هو الإجماع إلى حدٍ ما صحيح، او لا أقل على الفورية الذي هو معنى المضيَّق باصطلاحهم هو الإجماع، فإن لاحظنا هذه الجهة لم يجب قطع الصلاة كما قال، وهذا صحيح.
الا أنّ حرمة قطع الفريضة أيضاً دليلها إجماعي غير لفظي، وكل ما استدل به على ذلك من الأدلة اللفظية ليست بصحيحة، مثل “لا تبطلوا أعمالكم” ونحوها، وعليه فالإجماع دليل لُبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن، ويكون القدر المتيقن من حرمة قطع الفريضة غير هذا المورد، أي الفريضة غير المزاحمة بالأهم، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، إلا أنّ هذا لا ينتج التخيير بين الأمرين، حينئذٍ فله أن يقطع لجواز قطع الفريضة وله أن يستمر لأنه لا يجب عليه أن يبادر إلى إزالة
ــــــ[217]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
النجاسة أيضاً، وهذا خارج القدر المتيقن، أي قصور في كِلا الدليلين وفي كِلا الموردين، وهذا ينتج التخيير بين الأمرين من هذا المكلف، وعليه يكون المكلف في فسحة، فإن اختار الاستمرار في الصلاة صحت.
الرابع: أنّه يمكن القول أنه لا يمكن فهم أهمية الأهم من دليله، فإنه يقول: إنّ الإزالة أهم ودليله هو الإجماع، وليس هنا علم واقعي واطلاع على اللوح المحفوظ أنه أهم، وإنما يُعرَف من الدليل ومن لحن الخطاب وتأكيده ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمولى لحن الخطاب كالإجماع، فإنه ليس بخطاب ولا إطلاق له ولا بيان ولا لسان، فكيف نستطيع أن نعرف إنّ هذا أهم؟
وعليه، فالدليل على الأهمية ساقط فيخرج عن مسألة الترتب.
وفي المحاضرات نفى الدليل على حرمة قطع الفريضة، لأنه ذكر دليلاً وناقشه ثم ذكر احتمال الاستدلال بالإجماع وناقشه، فتحصّل أنه لا دليل على حرمة قطع الفريضة وقال: «إنّ الاجماع لم يتم فإنّ المحصّل منه غير ثابت والمنقول منه غير معتبر، على أنه يحتمل إما أن يكون مَدرَكه تلك الروايات أو غيرها» والإجماع المَدرَكي ليس بحجة، لأنّ النقاش يكون مع مَدرَكه، ووجه مَدركيته هو الاستدلال بالأدلة اللفظية المحتملة والمنتجة لحرمة قطع الفريضة.
وقال: «مع هذا كيف يمكن أن يكون كاشفاً عن قول المعصوم؟»(1).
أقول: وهذا يؤدي إلى إنكار حرمة قطع الفريضة، حينئذٍ إذا كان لا دليل عليها تجري أصالة البراءة، بما في ذلك الصلاة اليومية التي في القدر المتيقن من هذا
ــــــ[218]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج2، ص494.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الاستدلال وهذه جرأة فقهية، وهذا معناه أنّ الحدس الاطمئناني يوافق الإجماع في مورد القدر المتيقن منه الذي هو الصلاة غير المزاحمة وغير المشكوك فيها، أما الواجبات غير اليومية فهي خارجة عن القدر المتيقن فضلاً عن غير الصلوات، وكذلك الصلوات المزاحمة للإزالة أو أي مثال آخر، كإنقاذ الغريق(1) خرج عن القدر المتيقن ومن هذا الإجماع، إذن فإنكار الإجماع لا يخلو من مجازفة.
وهنا إشكال آخر: إنّ الكلام ينبغي أن يقع كلياً عن الواجب الأهم والمهم -أي واجب أهم أو أي مهم- وليس الكلام في المثال لأنه غير علمي. وهذه النقاشات والأمثلة كلام فقهي، ويكون كلام المحاضرات بحث فقهي ولذا تركته، وما ذكره الشيخ النائيني والمحاضرات إنما هو عن المثال لا عن الكلي، لوضوح أنّ الكلي افتراضي وليس أنه دليل إجماعي في مسألة معينة مثلاً.
والأفضل جعل الكلام على سبيل الاحتمال، والكلام في كل صورة فمثلاً إن كان الدليلان لفظيين أو كانا لُبيّين أو كان أحدهما لُبياً والآخر لفظياً ونحو ذلك، مع أنّ الأصحاب لم يفعلوا ذلك.
ثم ذكر في المحاضرات عنواناً جديداً جعله ملحقاً لبحث الضد، وهو بيان حال التزاحم والتعارض، معناهما ومقتضى القواعد فيهما، ولا بد أن توجد مناسبة تقتضي ذكر هذا البحث هنا باعتبار أنّ بحث الضد من الابحاث التي يُذكر فيها التزاحم، فلا بأس بالمقارنة بينه وبين التعارض.
ــــــ[219]ـــــــ
(1) ذكرتُ في المنهج انه كل فريضة شُكّ فيها مهما قلّ فيها الشك خرجت عن القدر المتيقن. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
وهذا قابل للمناقشة بأمرين:
أولاً: إنّ بحث الضد ليس هو بحث التزاحم وإنما هو تطبيق من تطبيقاته، ومن الواضح أنّ عنوان المسألة هو بحث الضد أو الترتب وليس فيه، وإنما يُؤخَذ التزاحم مفروغ عنه.
ثانياً: إنّ المحل الرئيسي الذي يُذكر فيه التزاحم هو المحل الرئيسي الذي يُذكر فيه التعارض بين الأمارات وبين الأخبار، وهو إما بحث التعادل والتراجيح، أو بعد الحديث عن حجية الخبر الواحد.
هذا ولا بد من الالتفات إلى أنّ التقريرات لا يوجد فيها هذا البحث إلى موضعه الطبيعي والمشهور في علم الأصول.
يبقى شيء عن حجية الخبر الواحد ثم يقع الكلام عن تعارض الخبرين، فهناك تعرض المسألة ويفرق بين التعارض والتزاحم، وعندئذٍ نطبق القواعد في كل منهما بحسب مورده.
هذا ولا بد من الالتفات إلى أنه لا يوجد في التقريرات هنا هذا المبحث، بل تركه إلى موضعه الطبيعي كما هو المشهور في علم الأصول.
ــــــ[220]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
حالات خاصة للأمر
أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه
وهو بحث صغير نسبياً ذكره المشهور في هذا الموضع من بحث الأوامر، وهذا صحيح، إذ لا زال البحث في الأوامر ولم تصل النواهي، وأما كونه بعد مبحث الضد أو ليس قبل مقدمة الواجب ونحو ذلك من الكلمات فليس له تبرير صحيح، إذ المهم أنه من مبحث الأوامر.
ويقع الكلام عنه في عدة جهات:
الجهة الاولى: في فهم العنوان(1)
فنقول: أنه ما المقصود من أمر الآمر مع علمه بانتقاء شرطه؟ وذلك لأنه وقع الإشكال في العنوان، بأنه على بعض تقادير فهمه مسلَّم الاستحالة بحيث لا يحتاج إلى بحث وينبغي أن يحذف، كما أنه قد يبين بشكل مسلّم الإمكان بحيث لا يحتاج إلى بحث، وهذا سوف أبينه وليس موجوداً في المصادر.
ــــــ[221]ـــــــ
(1) ليس المراد شرح مفردات العنوان من الامر ما هو والآمر من هو والعلم ما معناه والشرط ما هو، كما هو في بعض المباحث كالأجزاء وغيره من شرح المفردات، بل ما يتحصل من معناه في طول الجدل الآتي او الاشكالات الآتية مع اجوبتها. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
هذا وإنّ الشيخ النائيني ذكر كما في المحاضرات: «أنّ هذه المسألة باطلة من رأسها، وليس فيها معنى معقول ليبحث عنه لا في القضايا الحقيقية التي كان الحكم فيها مجعولاً للموضوع المفروض الوجود خارجاً، ولا في القضايا الخارجية…. »(1).
والعبارة مرتبكة إلى حدٍ أستطيع أن أقول أنّ كاتبها لم يفهم مطلب الشيخ النائیني.
أما في القضايا الحقيقية: فلعدم دخل علم الحاكم أو الآمر بوجود الشرط أو عدمه، فإنّ المِلاك في فعلية الأمر وتنجزه هو وجود الموضوع خارجاً وليس علم الآمر بوجود الموضوع من دخل، علم به الآمر أو لم يعلم، الموضوع ثبوتاً موجود.
وعليه، فلا يعقل صحة توجيه هذا التكليف فعلاً إلى فاقد الشرط، إذ الشرط جزء الموضوع وله دخل في تحققه، حيث أنّ الموضوع يتكون من وجود المكلف مضافاً إلى شرط آخر وهو المكلف الذي دخل عليه الوقت، فيستحيل قبل الزوال أن يوجه التكليف بـ(صلّ) الصلاة التي تجب بعد الزوال، وعليه فلا يعقل صحة توجه هذا التكليف فعلاً بنحو منجّز إلى فاقد الشرط والموضوع، بداهة أنّ انتفاء الموضوع بانتفاء شرطه عقلي، وانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عقلي، كما يقال (عدم المعلول لعدم العلة).
وأما في القضايا الخارجية: فلأنّ جعل الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم بوجود شرائط الحكم، فإنّ الآمر عَلِمَ وشَخّص وجود الشرط والموضوع يأمر به،
ــــــ[222]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج3، ص181.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما وجود هذه الشرائط في الخارج أو عدم وجودها فيه أجنبي عنه رأساً فليس المهم وجوده الثبوتي، وإنما وجوده الإثباتي هو المناط وهو علم الآمر، فإذن لا معنى للبحث عن جوازه مع علمه بانتفاء تلك الشرائط وعدم جوازه، وأما مع عدم علمه فلا معنى لأن يأمر به، ضرورة أنّ البحث على هذا الشكل أجنبي عما هو دخيل في هذا الحكم بالكلية، وعليه فلا معنى له أصلاً كما لا يخفى(1).
أقول: إنّ هذه العبارات هي أقرب للخطابة والإقناع، وفيها من التسامح ما لا يخفى وغير منتجة نتيجة محددة من الإمكان والاستحالة.
مع أنه من الواضح أنّ نص المحاضرات هي من كتابة المقرر وليس من كتابة المحقق الخوئي ولا الشيخ النائيني، فيبقى عندي مراد الشيخ النائيني مجهولا.
وعلى أي حال، لا بد أن نفحص عن حال القضايا الحقيقية والخارجية توصلاً إلى ضبط المسألة، ولعلنا من خلال ذلك نستطيع أن نضبط بعض الاحتمالات على أنها مقصود الشيخ النائيني.
والفرق بين القضيتين في نظر المشهور: أنّ الحقيقية كلية ذات موضوع كلي ومتعلق كلي، (المكلف مَن زالت عليه الشمس يصلي) كلي المكلف وكلي الصلاة.
وأما القضايا الخارجية فهي ذات موضوع جزئي ومتعلق جزئي، مثل (أنت يا زيد اذهب إلى هذا السوق واشترِ لحماً).
غاية ما يتحصّل من عبارة المحاضرات في الفرق بين القضايا، أنّ موضوع
ــــــ[223]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج3، ص182.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الحقيقية واقعي ثبوتي ولا دخل لعلم الآمر به، في حين أنّ القضايا الخارجية علم الآمر دخيل بها ولا دخل لوجود الموضوع ثبوتاً وعدماً، فالثبوت دون الإثبات هو موضوع القضية الحقيقية، والإثبات دون الثبوت هو موضوع القضية الخارجية، ولا دخل لمطابقة علم الآمر للواقع، المهم علم الآمر بتحقق الموضوع سواء كان مطابقاً للواقع أو لا، هذا في الخارجية.
وذكر المشهور أنّ القضايا الشرعية في الشريعة المقدسة هي دائماً بنحو القضية الحقيقية وهذه قضية موروثة، إذ لا يناسب الشارع مخاطبة الأفراد فرداً فرداً، وافعل هذا ولا تفعل ذاك.
أقول: إنّ تسمية القضية الحقيقية بالقضية، والحقيقية غلط وغير صحيح، وإنما أذكره تمشياً مع المشهور واصطلاحهم بذلك.
فتسميتها بالقضية قابل للمناقشة، حيث إنّ باب التشريع كله إنشاءات (افعل) و(لا تفعل) إلزاما واستحباباً ونحو ذلك، في حين القضية هي الخبرية، كلية كانت أو جزئية، موجهة أو غير موجهة، ليس فيها فرد إنشائي، في حين أنّ المشهور يسمي القضايا الإنشائية قضايا.
إذ ليس في الشريعة إخبار، وحتى لو جاء بصيغة الإخبار فالمراد الإنشاء.
كما أنّ تسميتها بالحقيقية أيضاً ليس بصحيح، لأنّ هذا الاصطلاح مأخوذ من اصطلاح حقائق الأشياء، وهي تُطلق على ما يسمى بالماهيات أو الأنواع الذاتية والمقولات المتأصلة، فإنها حقائق الأشياء، وإن كان الصحيح ما عليه المدققين من أنّ حقائق الأشياء غير معروفة إلا لخالقها، ولكنّا الآن نقبل مقالة
ــــــ[224]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المشهور تمشياً معهم، إلا أنّ التشريع كله ليس كذلك، فليس من الحقائق بذلك المعنى لا موضوعاً ولا متعلقاً، وإنما هي عناوين انتزاعية من قبيل الصلاة والحج، حيث أنّ الصلاة مجموعة من الأفعال والأقوال والحركات، وكذا الحج عبارة عن مجموعة من الافعال، والزكاة كذلك والخُمس والصوم كذلك، كلها عناوين انتزاعية مأمور بها، فإنّ موضوع التكاليف والتشريع ليس هو الإنسان كحقيقة، بل الإنسان البالغ العاقل الذي دخل عليه الوقت إلى آخره من الشروط، فهذا المجموع عنوان انتزاعي.
وعليه، فالقضية انتزاعية وليست حقيقية. نعم، حيث إنّ لها نحو من الشمول والعموم والانطباق على أفراد كثيرة غير قابلة للإحصاء نسميها قضية كلية وليست حقيقية.
إذا عرفت هذا يظهر لك أنّا إذا ذكرنا القضية الحقيقية كاصطلاح، إنما هو تمشياً مع المشهور.
وعلى أية حال فالقضايا تارة تتحدث عن الجعل الكلي مثل وجوب الصلاة، أو وجوب الحج منذ أول الشريعة وصدر الإسلام.
وأخرى عن المجعول أو الحكم الجزئي الذي يقع مصداقاً للجعل الكلي.
وعلى كِلا الحالين: فإما أن يكون المقصود الشرط الموجود في نفس المرتبة، مثلاً الشرط الموجود في مرتبة الجعل، نلاحظ أنّ هذا الشرط هل هو باقٍ بعنوان الباب، أو الشرط الموجود في مرتبة الموجود؟
وإما نلاحظ الشرط الموجود في مرتبة أدنى من ذلك، كما لو لاحظنا بالنسبة
ــــــ[225]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
إلى مرحلة الجعل شرط المجعول ونحو ذلك من الكلمات التي سوف تأتي بشيء من التفصيل، وهذا قد أشار إليه السيد في التقریرات(1) بمعنى الشرط في غير المرتبة التي تتحدث عن الجعل فيها.
أما إذا كان المقصود الشرط في نفس المرتبة، فإذا لاحظنا عالم الجعل وجدناه -عنوان الباب- أنّ أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه في كل صوره مستحيلٌ واستحالته بالعقل العملي وليس النظري، لأنه لغوٌ وهو لا يصدر من الحكيم، وهذه القضية أساسها حكم العقل بالتحسين والتقبيح العقليين.
وعليه، فعندما نقول في عنوان المسألة (أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه) يعني جعل الجاعل بالجعل الأصلي الكبروي الكلي مع علمه بانتفاء شرطه، أي شرط ذلك الجعل الكلي.
هذا فكيف نستطيع أن نتصور أنّ الجعل معلوم بعد شرطه أو يعلم الآمر بعدم شرطه؟
فإنّه يقال: لا يخلو من أحد أمرين يصدق فيهما عدم تحقق الشرط أصلاً.
إما أن يعلم الآمر المولى أنّ شرطه مستحيل عقلاً بالعقل النظري، من قبيل اجتماع الضدين مثلاً، فيصدق أنه مستحيل هذا الجعل، مع العلم بعدم تحقق الشرط، أو بالقانون الطبيعي كما في رمي الحجر فإنه طبعاً يسقط على الأرض، فإذا لم يسقط إلى الأرض تصدق الاستحالة بحسب القانون الطبيعي العادي.
وعليه، فإنّ الآمر والجاعل يعلم في طول التعذر العقلي أو العادي بعدم
ــــــ[226]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص379.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الشرط، ومعه يكون الجعل لغواً، لأنّ كل أفراده متعذرة إما عقلاً أو عادةً، واللغو لا يصدر من الحكيم.
وإما أن يكون الشرط ممكناً وليس مستحيلاً لا عقلاً ولا عادةً، بأن يعلم بأنّ المولى الآمر بعدم حصول الشرط خارجاً بالرغم من إمكانه، إذ ليس كلُّ ما هو ممكن حاصلاً خارجاً، فهو يعلم بعدم حصوله في الخارج من باب علم الغيب والإلهام والحدس، إذن لا يكون له مرحلة مجعول ومنجّزية، مثلاً يجعل الحج على المستطيع وهو يعلم أنه لا توجد الاستطاعة في البشرية من أولها إلى آخرها، فإنّ هذا الفعل الكلي ليس له مجعول وفعليّة ومنجّزية، باعتبار أنه جعلٌ لا يتحقق شرطه إطلاقاً، فهذا الجعل باطل ومستحيل، وأي جعل من هذا القبيل قبيح لا يصدر من حكيم بحكم العقل العملي.
وإذا تحدثنا عن مرحلة الجعل ولاحظنا الشرط في المراتب المتأخرة قلنا: إنّه إما في نفس مرتبته، وإما في مراتب متأخرة كشرط الفعلية وشرط التنجّز، ويكون عنوان المسألة أو الباب أنّ أمر الآمر وهو يعلم عدم تحقق شرطه في عالم المجعول.
فيها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يعلم بعدم تحقق الشرط على مدى الزمان إطلاقاً وقد أشرنا إلى استحالته ولغويته.
الصورة الثانية: أن يعلم بعدم تحققه أحياناً، فلربما يتحقق أحياناً ولربما لا يتحقق أحياناً، فيكون الجعل معقولاً باعتبار صور تحققه، وكلُّ أحكام الشريعة من هذا القبيل كوجوب الحج على المستطيع، فبعض الناس يكون مستطيعاً
ــــــ[227]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وجماعة لا يكونون مستطيعين، فهو يعلم بعدم تحققه أحياناً، بغض النظر عن أنه يعلم بتحققه من طرف آخر.
الصورة الثالثة: أن يكون جعلاً خاصاً في مورد بحيث يكون امتثاله واحداً أو مرات محدودة ونحو ذلك، مثل أن يأمر شخصاً بأمر معين، أو يأمر عدة أشخاص بأمر معين، وهو يعلم بعدم حصول الشرط في كل المرات، فهذه الصورة حالها حال الأولى في الاستحالة.
نعم، يصح أن يكون أمراً امتحانياً بالرغم من أنه يتعذر شرطه أو يعلم بعدم شرطه، مثل أن يأمر بالتصدق إذا جاء زيد وهو يعلم أنه لم يأتِ، وإنما قال يريد ذلك لأجل أن يأخذ منه التسليم والرضا بهذا الأمر والانقياد، وهذه هي طبيعة الأوامر الامتحانية أمام الله تعالى، كالأمر بذبح إسماعيل سلام الله عليه.
إنّ هذا قابل للمناقشة من جهة وهو أن نقول:
إنّ الشرط هنا أحد أمرين: إما شرط الأمر الظاهري الذي كان شرطاً (إذا جاء زيد فتصدق) ولم يأتِ زيد.
وإما شرط الأمر الواقعي كما في الأوامر الامتحانية.
فإذا قصدنا الثاني خرج من عنوان الباب، لأنّ هذا لا يعلم بعدم تحقق الشرط الامتحاني حيث إنّه قابل لأن يتصدق، في حين أنّ الشرط المنصوص والظاهري في الأمر يُفترض به أن يعلم بعدم تحققه، ومعه يمكن القول بأنّ الأمر الامتحاني واقعاً لا يكون من الآمر مع علمه بانتفاء شرطه، فلا يكون داخلاً في عنوان الباب، إلا إذا قصدنا كل شرط هو الشرط المذكور في الجعل.
ــــــ[228]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وقبل أن ننتهي من مرحلة الجعل ينبغي أن نلتفت إلى ما قاله الشيخ النائيني بعبارة الشيخ الفياض المرتبكة.
حيث قال: «وعليه، فلا يعقل صحة توجيه هذا التكليف فعلاً إلى فاقد الشرط والموضوع».
فهذه العبارة أقرب إلى القضية الخارجية وليس على نحو القضية الحقيقية، بل كالنص في الخارجية.
مضافاً إلى ذلك أننا سواء قلنا بالاستحالة أو الإمكان باختلاف الموارد أو مطلقاً بالاستحالة أو مطلقاً بالإمكان أو بالتفصيل في الموارد، لا معنى لسد باب البحث في هذه المسألة، بل الصحيح حتى مع القول بالاستحالة مطلقاً هناك مورد لفتح الباب في البحث العلمي للتعرف على الاستحالة ووجهها ومن جميع الوجوه، إذ المسألة نظرية، إلا أن يقال: أنّ المسألة من الوضوح والبداهة بحيث لا تحتاج إلى البحث والاستدلال فلا وجه للبحث فيها.
ولكن هذه الكبرى والصغرى مطعون فيهما:
أما الكبرى: فلأنّ البديهي ليس دائماً وأبداً لا معنى للبحث فيه، بل قد يُبحَث في البديهي ويذكر برهانه، لأجل التنبيه لمّا تعتري الإنسان الغفلة والنسيان، وليس في ذلك قبح في البحث العلمي حتى لو ذكرت قضايا جداً بديهية، فإنها صادقة.
وأما صغروياً: فلو فرضنا أنّ هذا البحث في هذه المسالة من الواضحات، ولكنه ليس كوضوح السماء فوقنا والأرض تحتنا، بل المسألة نظرية فيها خلاف واختلاف ولربما نستنتج شيئاً جديداً فليس البحث فيها مسدود.
ــــــ[229]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مضافاً إلى أنّ عالم الجعل المذكور في عنوان الباب (أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه) هل يصح فيه أن يكون علم الجاعل لعدم وجود في زمان الجعل بغض النظر عن تحققه في المستقبل.
وعليه فنقول: من باب المثال أنّ آية وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(1)، إما هذا الخطاب بحسب الفرض وإما بالحقيقة.
فقد يكون نزولها ولا يوجد مستطيع على وجه الأرض، فهو عند الجعل يعلم بعدم وجود الموضوع أصلاً وعدم تحقق الشرط أصلاً، ومع ذلك لا يقبح التكليف بعنوان أنه سوف يتحقق في المستقبل عند بعض الأفراد، فقد حصل جعل الجاعل مع علمه بانتفاء شرطه عند الجعل في زمان الجعل ولا بأس بذلك، وهذا مطلب مسلّم الصحة وأي ضير فيه، وليس هو مسلَّم البطلان، فهو من موارد التسليم بالصحة في الإمكان والحصول.
هذا مجمل الكلام في عالم الجعل.
وأما إذا لاحظنا عالم المجعول، فليس هناك أمر متجدد، فحينما تزول الشمس يحصل حكم وجوب صلاة الظهر وهذا صحيح وتام، ولكن هل هو أمر متعدد أو جعل جزئي؟
أقول: لا يحصل شيء من الأمر المتجدد، ولا هناك جعل كلي ولا جزئي وإنما الذي يحصل هو حكم جزئي مترتب على موضوع جزئي، كمصداقين للحكم الكلي والموضوع الكلي الموجودين في عام الجعل الكلي، فإنّ كليّ الصلاة هذا
ــــــ[230]ـــــــ
(1) آل عمران: 97.
منهج الأصول (الجزء السابع)
مصداقها وحصة منها.
وعليه فنقول: أما أنّ هذا الحكم الجزئي ليس من قبيل الجعل أو تعدد الأمر، فلا يدخل في الباب أصلاً، فإنه ليس من قبيل أمر الآمر، فهو أجنبي عن المسألة، فيكون من السالبة بانتفاء الموضوع.
ولكن هذا لا يعني الاستحالة، لأنها فرع الصدق، والصدق هنا منتفٍ.
وأما أن نقول: إننا نتنزّل ونعتبر ونقول ولو فرضاً: إنّ هذا أمر جديد حصل بعد الزوال فنعتبر تجدد الحكم الجزئي بمنزلة أمر الآمر من جديد وهذا واضح البطلان، وبالرغم من بطلانه لكننا لو قبلناه -فرضاً- فمن الواضح أنّ الحكم الفعلي أو الجزئي منوط بموضوعه، بل هو لا يكون له وجود إلا في طول موضوعه كالمعلول بالنسبة إلى العلة، ومعه فوجود الأمر بدون وجود الموضوع محال بالعقل النظري وهذا محال من المستحيلات.
نعم، لو أخذنا مجرد العلم عنواناً للباب مع علم الآمر ليس مع وجود الموضوع حقيقة وثبوتاً، ولاحظنا المولى الحقيقي كالمولى العرفي -كما عليه مشهور الأصوليين- أمكن القول بأنّ الحكم الجزئي الذي يحصل عند الزوال أو عند تحقق الاستطاعة عند حصول موضوعه بدون علم الآمر بتحققه، فينطبق عليه عنوان الباب، بل حتى مع علمه بعدمه إذا لم يكن علمه مطابقاً للواقع، كما لو علم بأني غير مستطيع مع أني مستطيع واقعاً ويجب عليّ الحج، لأنّ تحقق الحكم وفعليته منوط بواقع الموضوع لا بعلم المولى -الذي حاله حال المولى العرفي-،بعبارة أخرى منوط بعلم المكلف لا بعلم المولى، وأيضاً من الممكن أن يكون المولى غافلاً
ــــــ[231]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وناسياً و مشتبهاً فيصح أمر الآمر بهذا المستوى من التفكير -علمه بعدم شرطه-
قال في المحاضرات: «لا شبهة في انتفاء الجعل بانتفاء شرطه وذلك لأنّ الجعل فعل اختياري للمولى كبقية أفعاله الاختيارية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: إنّ كل فعل اختياري مسبوق بالمبادي النفسانية وهي الإرادة بمقدماتها من التصور والتصديق ونحوهما».
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أنه لا يمكن جعل الحكم من المولى مع انتفاء شيء من تلك المبادي والمقدمات، ضرورة أنه معلول لها ومشروط بها ومن الطبيعي استحالة وجود المعلول بدون وجود علته، ووجود المشروط بدون تحقق شرطه، وهذا من الواضحات الأولية وغير قابل لأن يكون ذلك محل البحث والانظار). انتهى.
أقول: وهذا لا يختلف بين القضايا الكلية والجزئية، وهذا تقريب أعم من القضايا الحقيقة والخارجية، وليس خاصة بالحقيقية كما يستشم من عبارة المحاضرات، لأنّ كل جعل سواء كان بنحو القضايا الحقيقية أو الخارجية فإنه فعل اختياري ومشروط بمبادئ الاختيار، سواء كانت حقيقية أو خارجية بلا فرق، لأنها كلها من قبيل الجعل الاختياري، ومع ذلك يبقى كلام المحاضرات من الغرائب لوجوه:
أولاً: أنه ليس المقصود من الشرط في عنوان الباب حينما يقول أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه، الشرط التكويني كما يظهر من المحاضرات، لأنّ مبادي الاختيار إنما هي شرط تكويني للفعل الاختياري، بل المراد هو الشرط التشريعي
ــــــ[232]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الذي هو قيد للحكم كالاستطاعة للحج، وإلا إذا كان الشرط هو التكويني لم ينحصر ذلك بأمر الآمر بل يعم كل معلول وعلته سواء كان من الأفعال الاختيارية أو من غيرها، وتكون المسألة كلامية وليست أصولية.
ثانياً: إنه قد أخذ العلم في عنوان الباب ولم يأخذ واقع الأمر أو واقع العلة أو واقع السبب والشرط -ما شئت فعبّر- في العنوان، سواء كان واقع وجوده أو واقع عدمه، وإنما العلم أخِذ قيداً كما هو معلوم.
وأما في المحاضرات فالذي ذكره في عبارته هو الواقع وليس العلم، لأنّ الفعل الاختياري مسبَّب عن واقع مبادئه الاختيارية وليس العلم بها، إذ لا معنى لأن نقول: إنه بتعذر الفعل الاختياري مع علم الفاعل بعدم وجود مباديه، لأنّ المبادي أمر قائم بالنفس، ومعلوم بالعلم الحضوري، فعدم علمه مع وجودها غير ممكن، فإنها توجد فيعلم بها بالضرورة، لا أنها موجودة ولا يعلم بها كما في الأمور الأخرى.
ولو سلّمنا بعدم علمه لأنها غير موجودة أمكن الفاعل إيجادها في باطن نفسه باختياره أيضاً.
وبعبارة اخرى: إن لم تكن مبادئ الاختيار موجودة، له أن يوجد مبادي الاختيار ويفعلها وهو ممكن، وخاصة بناءً على ما حققناه خلافاً لكثير منهم -كالآخوند- القائلين بأنّ الإرادة ليست بالإرادة، وقد سبق منا في مباحث الطلب والإرادة ما أسميناه بالإرادة الحرة –كأطروحة-.
فنقول: إنّ كثيراً من فقرات مبادي الاختيار النفسية هي بالاختيار، لا أقل أنّ
ــــــ[223]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الانسان يستطيع أن يعرض عنها متى شاء، وأنّ الشوق مثلاً لا يصعد إلى كونه شوقاً مؤكداً باختيار الإنسان، فإن صعد أيضاً باختيار الإنسان لأنه قادر على تصعيده وعلى عودته، فإذن هو يستطيع أن يوجد مبادي الاختيار في نفسه.
ثالثاً: إنّ كلامه يدل بالالتزام على أننا إذا قصدنا من الشرط في عنوان الباب الشرط التشريعي الذي هو قيد الجعل والتكليف كالاستطاعة للحج، كان أمر الآمر به ممكناً مع علمه بعدمه، وإنما المستحيل هو الشرط التكويني وليس التشريعي، هكذا يقتضي أن يكون سياق عبارته.
ولذا حينما يريد أن يحكم بالاستحالة صرف الكلام من الشرط التشريعي إلى الشرط التكويني، وإلا لو كان المذكور التشريعي لحكم بالإمكان.
وعليه، فليست كل الصور مستحيلة، فالشرط التشريعي واضح الإمكان وبعضها واضح الاستحالة.
وأما بالنسبة إلى القضايا الخارجية، فقد تعرض لها الأصوليون توسعاً في الباب، لوضوح أنها خارجة من الفقه، لوضوح أنّ كل تعاليم الدين إنما هي على نحو القضايا الحقيقية، كل الأحكام التكليفية الخمسة والوضعية ونحو ذلك.
إلا أن يُراد به الأمر بالولاية الذي ينكره المشهور، والذي قد يكون أحياناً شخصياً جزئياً بنحو القضية الخارجية، ولكنه بالنسبة إلى الجعل التشريعي بالشريعة المقدسة فلا يمكن، حتى لو كان المعصومون موجودين فضلاً عن عصر الغيبة كلها بنحو القضية الحقيقية وليس فيها قضية خارجية أصلاً، فالتعرّض للخارجية لمجرد توسع الكلام.
ــــــ[234]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ولا يشفع لهم قياس المولى الحقيقي بالمولى العرفي، وأنّ العرفي عنده قضايا خارجية، وحيث إنّ الاصوليين قاسوا ومثلّوا المولى الحقيقي بالمولى العرفي فينبغي أن تكون قضاياه أيضاً خارجية.
هذا ليس بصحيح، لأنه يختلف وإن مثّلوا به، فإنّ في مستطاع المولى العرفي أن يدق كل الأبواب فيأمرهم واحداً واحداً، وأن يتصل بكل المأمورين في حين لا يستطيع المولى الحقيقي بما هو شارع لا بما هو خالق، أو على الأقل أنّ المشهور يعترف بنفي هذه الجهة عنه، وأنّ الشارع المقدس لا يدقّ كل الأبواب ويخاطب الجميع بلسان المواجهة.
وعليه، فالتعرض للقضايا الخارجية بلا موجب.
وهنا يسأل هل أنّ أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرط من القضايا الخارجية؟
فنقول: من الواضح أنّ هناك تهافتاً واضحاً بين أمر الآمر وبين علمه بعدم شرطه، لوضوح أنّ أمره في هذا الحال يدل بالالتزام عن أحد أمرين لا ثالث لهما:
الأول: أما أنه غافل عن هذه الجهة -الاشتراط- وفي الحقيقة هذا ينحلُّ إلى كبرى وصغرى:
إما غافل عن الاشتراط، وإما يتخيّل وجود الشرط.
الثاني: إنه تنازل عن شرطه كأن يقول: (صلّ الآن زالت الشمس أو لم تزل)، أي (اسقطتُ شرطي).
فإذا أحرزنا التفاته وعصمته وأنّ المولى الحقيقي يستحيل الاشتباه عنده ولا يغفل ولا ينسى ولا يتخيل أنّ الشرط موجود بالجهل المركب انحصرت الدلالة
ــــــ[235]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الإلتزامية بالشق الثاني، وهو التنازل عن شرطه فيقول (صلّ) وهو يعلم واقعاً
-كبرى وصغرى- أنّ الزوال غير موجود فهو متنازل عن شرطه.
وأما النتيجة -تمسكه بالشرط مع أمره بدونه والتفاته أيضاً- فهو تهافت لا يصدر عن عاقل فضلاً عن الحكيم، ولا يشفع له أنه يأمر، أنّ المولى قد يأمر برجاء وجود شرطه أو احتمال تحققه، أي يمكن أن يكون الزوال موجوداً.
هذا الكلام باطل لأنه خُلف عنوان الباب، هو مع علمه بعدمه والاحتمال منافٍ للعلم. نعم، مع الاحتمال لا بأس به كمولى عرفي.
وأما إذا كان عالماً بالعدم، فلا مجال للاحتمال، إذ العالم لا يرى نفسه خاطئاً ما دام عالماً، بل يرى علمه مطابقاً للواقع دائماً فيعلم بعدم شرطه، وأنّ الزوال لم يحصل فلا يرى نفسه خاطئاً ما دام عالماً، وإن لم يكن علمه مطابقاً للواقع -فيما كان المولى عرفياً-.
نعم، لو عمّمنا معنى العلم إلى الظن كما قد يراد منه الظن الراجح المناسب مع رجاء المطلوبية أحياناً، أمكن ذلك، إلا أنّ دخول الاحتمال هنا وإن كان بنسبة قليلة يعني انتفاء العلم لا محالة، الذي هو المنساق من عنوان الباب.
نعم، لو كان الشرط اختيارياً غير محدد بزمان مثلاً أمكن الأمر بإيجاده لأجل تحقيق موضوع الأمر المطلوب، لأنّ الشرط إذا كان غير اختياري كالزمان -مثلاً يوم عرفة- حينئذٍ لا يمكن طلبه، وأما إذا كان اختيارياً أمكن طلب الشرط والأمر الذي يترتب عليه معاً.
كأن يقول: (ادعُ زيداً ليجيء عندك فتُكرمه) فيطلب الشرط ويطلب الإكرام
ــــــ[236]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أيضاً كما يمثّلوا: (إذا جاء زيد فأكرمه). إلا أنّ وجود مثل هذا الأمر بإيجاد الشرط يحتاج إلى أمرين: أوجد الموضوع وأوجد المحمول -أوجد المعلول وأوجد العلة- وهذا خُلف ما عُنوِن في الباب، حيث المذكور فيه أمر واحد بالمحمول -حسبما أُعبّر- وليس بالموضوع.
هذا وقد ذكر في المحاضرات الفرق بين شرط القضايا الحقيقية والخارجية، بأنّ مدار الحقيقية هو وجود الشرط خارجاً ولا دخل للعلم الحاكم أو الجاعل فيه، وإنما المهم هو وجوده أو عدمه الثبوتي والعلم أجنبي عن المسألة.
وأما القضايا الخارجية فإنّ المدار فيها هو علم الحاكم، بغض النظر عن وجوده الثبوتي حيث قال: «وأما وجود هذه الشرائط في الخارج أو عدم وجودها فيه أجنبي عنه رأساً وليس له أي دخل فيه»(1).
أقول: إنّ كِلا الأمرين غير مقبولين على إطلاقهما، لا هذا عالم الثبوت وحده مع إسقاط عالم الإثبات كلياً، وكذلك الآخر عالم الإثبات مع إسقاط عالم الثبوت كلياً، وإنما الصحيح التأثير لعالم الإثبات والثبوت بمقداره وصلاحيته.
فالشرط بالأساس وجوده، وأما صحته متفرعة عن وجوده، فشرط صحة القضايا الحقيقية والخارجية هو وجود الشرط في الخارج ثبوتاً، وانما بجعل العلم في تلك الجهتين طريقاً محضاً لإثبات عالم الخارج.
وأما إذا لاحظنا العلم مستقلاً عن عالم الخارج أو عن عالم الثبوت، أمكن القول بنوع من مدخلية العلم في كلتا الجهتين، وليس أنّ هذا متمحض الثبوت
ــــــ[237]ـــــــ
(1) محاضرات في اصول الفقه: ج3، ص183.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وهذا متمحض الإثبات كما سبق، بل أقول أنّ العلم وعالم الإثبات مؤثر حتى في القضايا الحقيقية، فضلا عن الخارجية.
لما عرفنا من إمكان تعذر وجود الشرط خارجاً على مدى الزمان، كأن يأمر الآمر مع علمه بتعذر وجود الشرط أصلاً وانتفائه خارجاً إلى الأبد كما لو قال: (إذا رأيت جبلاً من ذهب فتصدق) وهو يعلم أنه لم يرَ جبلاً من ذهب طول عمره.
ولما عرفناه من تعذر وجود الشرط أحياناً في الخارج على مدى الزمان، سواء في القضايا الحقيقية أو الخارجية، فيكون الأمر المشروط قبيحاً مع الإلتزام بالشرط لغواً، واللغو لا يصدر من الحكيم، لأنه يكون من تكليف العاجز بمعنى من المعاني إذا كان الآمر يعلم بذلك.
وأما إذا كان لا يعلم كان معذوراً إلا أنّ معناه عدم مطابقة علمه للواقع، وهو خُلف كونه حكيماً ومولىً حقيقياً.
وعليه، فكل من العلم والخارج أو عالم الإثبات والثبوت، له نحو من التأثير في القضايا الحقيقية والخارجية.
بقي في هذا الفصل الإشارة إلى أمرين نجمعهما كون تعذر الشرط مستنداً إلى الجعل نفسه.
هذا قسمان وليس قسماً واحداً، إلا أنّ أحدهما يُؤخَذ فيه عدم الجعل، والآخر يُؤخَذ فيه عدم فعل اختياري للمأمور أو المكلّف.
فالأول مثل قولنا: (لو لم يجعل عليك وجوب الصلاة فصلّ)، يُؤخَذ عدم
ــــــ[238]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجعل في الجعل، والآخر مثل الكفارات (إذا أفطرت فكفّر) وإذا فعلت كذا فكذا.
أما القسم الأول: فقد ذهب في التقريرات(1) إلى استحالته، وهو مبنيٌّ على أنّ المقصود من الجعل هو نفس هذا الجعل خصوصاً إذا لم يجعل هذا الجعل بالذات، وهذا مستحيل لأنه يلزم من وجود الجعل عدمه، أو أخِذ في موضوع الجعل عدمه وهو تهافت، فلا يجب عليه الصلاة.
ولكن هذا غير مفروض في عنوان المسألة أنّ الجعل مأخوذ عدمه في نفسه، بل أقول: بأنه يمكن في عنوان الباب التفصيل في كلتا الحصتين: إذا أخذ عدم نفسه فمستحيل، وإذا لم يأخذ عدم نفسه فليس بمستحيل، كلتا الحصتين داخلة في عنوان الباب.
وحينئذٍ ننظر إلى إحدى الحصتين ونقول بالاستحالة، وهذا غير صحيح، ولا فرض في عنوان الباب، بل يمكن أخذه كحصة من حصص العنوان، وأنه الجعل بنفسه مأخوذ في موضوع نفسه عدم الجعل مأخوذ في موضوع نفسه، وفي مقابل ذلك احتمال تعدد الجعل، سواء كان له نفس المتعلق أو كان له متعلق آخر، فلو قال: (لو لم يجعل عليك الصلاة فصلّ) وأراد بالجعل جعلاً آخر، لو لم يجعل عليك الصلاة في يوم الأحد فصلّ في يوم الاثنين ليس مستحيلاً طبعاً، وهو لم يجعل عليه الصلاة قبل ذلك.
والمفروض أن يخاطب بأول مرة أنه (إذا لم تُجعل عليك الصلاة إلى الآن في حياتك فصلّ من الآن) وهي لم تجعل عليه قبل ذلك، فتجب عليه الصلاة بهذا
ــــــ[239]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص380.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجعل لا بأس به، وهو متعلق آخر كما لو قال: (لو لم يجعل عليك الصوم فصلّ) وهو أوضح في الإمكان، إلا أن الكلام في الكلام وليس في عالم التطبيق، إذ لا وجود لهذه الأمور في الشريعة.
وأما القسم الثاني: فهو يشمل كل الأوامر الموجبة للردع، وهي كل العقوبات، فإنها قد تكون على نفس الإنسان كالكفارات والفدية ونحو ذلك من الذبح في الحج، وقد تكون عليه من قبل غيره، كالحدود والتعزيرات والقصاصات، فهذا كله موجب للإرتداع.
بمعنى أنّ الأمر بنفسه موجب لسلب متعلقه بسلب موضوعه.
وأثره أن يكون الإنسان متورعاً يخاف من العقاب فيترك الموضوع، (إذا أفطرت فكفّر) بمعنى لا تفطر، وكذلك النذر بعضه للحث على العمل وبعضه للحث على الترك، فيجعل على نفسه ضريبة كبيرة في سبيل أن يترك التدخين مثلاً، أو بعض المحرمات فينذر وتجب عليه لأنه راجح في نفسه، فيكون الأمر بنفسه موجباً لردع المكلف عن العمل.
القسم الثاني من الأوامر: وهي التي يقتضي وجودها عدم الموضوع وهي الأوامر الردعية أو العقوبات.
وفي الإمكان أن يعلم بعدم وجود الموضوع إطلاقاً، لأنّ المطلوب هو عدم وجود الموضوع، فمن هذه الناحية يصح أن يعلم بعدم وجود الموضوع بعدم وجود الشرط.
هذا وقد أشرت سابقاً إلى أنّ الشرط لا يتحول من المكروه إلى المحبوب، فإنّ
ــــــ[240]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
جريمة الإفطار العمدي هو جريمة عند الشارع ومكروه لديه، ويجب عليه العقوبة وهو دفع الكفارة، غاية الأمر أنه ينبغي الإلماع إلى أنّ العقوبة تارة يؤمر بها الفرد نفسه لكي يعاقب نفسه بكفارة أو فدية أو نحو ذلك، أو أنه يأمر بها غيره لكي يوقعها عليه، كالقاضي الشرعي أو الخصم مع إقامة الحجة ونحو ذلك من الأمور.
فالمكروه شرعاً والذي نسميه جريمة جُعِل عليه عقوبة تناسبه ولا يتحول إلى أمر محبوب، لأنّ كل موضوع بما هو موضوع ليس بمحبوب، وإنما هو مفروغ وجوديته ليترتب عليه الحكم شرعاً من قبيل (إذا زالت الشمس فصلّ) فالزوال غير مطلوب ولا محبوب، لكن قد يكون الموضوع محبوباً شرعاً لا من جهة موضوعية من قبيل (إذا صليت ركعتين فتصدق) فالصلاة أمر مطلوب ومحبوب.
وقد يكون الموضوع مبغوضاً ومكروهاً كما في الجرائم التي عليها العقوبات، وقد لا يكون محبوباً ولا مبغوضاً من قبيل (إذا جاءك زيد فأكرمه) وقد يكون خارجاً عن الاختيار بالمرة.
الكلام كل الكلام هو في المبغوض والمكروه في الأفعال الاختيارية، وأما الخارج عن الاختيار كالوقت، فلا معنى لأن يكون محبوباً ولا مكروهاً.
وعليه، فيتحصّل من العنوان أنّ أمر الآمر مع علمه بعدم شرطه منوط باستحالته بعدة شروط:
أولاً: أن يكون عدم الشرط مستمراً، بمعنى أنه يعلم من حيث الأمر إلى الأزل أن لا يوجد شرط إطلاقاً فيكون الأمر لغواً، سواء كان هذا في القضية الحقيقية أم الخارجية.
ــــــ[241]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ثانياً: أن لا يكون الأمر امتحانياً على بعض الوجوه التي سبقت.
ثالثاً: أن لا يكون الأمر للردع كما في العقوبات التي قلناها، وإلا لو التزمنا ببعض الجهات وفي بعض القيود يصبح العنوان ممكناً بل متعيّناً.
الجهة الثانية في ثمرة البحث في أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه
ثم تعرض في المحاضرات لثمرة البحث، وتكلم كثيراً في ذلك، بخلاف التقريرات فإنه تكلم بشكل مختصر جداً.
حيث قال: «أنّه لا ثمرة لهذه المسألة أصلاً ولا تترتب على البحث أية فائدة علمية…».
نعم الثمرة إن كانت فهي علمية أو باصطلاحي لتنمية الملكة أو لمجرد الاطلاع، وإذا صح هذا فهو داخل في علم الأصول لأنه يدخل في تعريف العلم، ولا يستند أي شيء من الفقه عليه، أو كل ما كان كذلك فينبغي خروجه من علم الأصول.
ولكن هذا لا يكفي لخروجه عن العلم، لأنه قد قلت: إنّ الوحدة العرفية المتمثلة بالطريقة العامة للعلم كافية في كون أي بحث أو فصلٍ هو مصداق بالحمل الشايع من علم الأصول، وهذا كذلك فحينئذٍ يدخل في علم الأصول، سواء كانت له ثمرة أم لا.
والمسألة الوحيدة التي ذكرت ثمرة المسألة(1) هي وجوب الكفارة على من
ــــــ[242]ـــــــ
(1) أود الإلماع إلى أنّ في المسألة طرف واحد فقهي ولكنه من الناحية الأصولية أو المنطقية كلي قابل للصدق على كثيرين، وليس المورد إلا باعتبار كونه فقهياً ولا نتصور له مورد فقهي آخر غير ما ذكرناه من مسألة وجوب الكفارة، وإلا ككبرى كلية يمكن أن نتصور لها أي شيء من التطبيقات، ولكن الأوضح تطبيقاً هو ما ذكرناه. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
أفطر في شهر رمضان عمداً، ثم انكشف وجوب الصوم عليه بعد ذلك ثبوتاً، كما لو سافر أو مرض أو جُنّ إلى غير ذلك، أو حاضت المرأة أو وَلَدت ونحو ذلك.
ولم يذكر في المحاضرات تقريب المسألة في صحة الثمرة، وإنما ذكر الثمرة من دون بيان كيف تصح ثمرة ولو بوجه.
أقول: إذا قلنا بالإمكان في عنوان الباب فلازمه انتفاء شرطه، أي أنّ الأمر بالصوم مثلاً موجود من أول الصبح حتى مع علم الآمر بانتفاء شرطه خلال النهار، كأن يسافر صبحاً أو يمرض، ولكنه يأمر من حين الفجر إلى حين المرض أو السفر لعدم استحالته أو مساعدة الإطلاقات عليه، وما دام الأمر موجوداً يكون الإفطار متعمداً ضده فتجب الكفارة عصياناً، وهذا بخلاف ما لو قلنا بالاستحالة، فإنّه بطروّ الموانع المتأخرة ينكشف عدم الأمر السابق من الفجر، فلم يكن الصوم أصلاً لاستحالة وروده، وحينما يأكل لم يكن في ذمته صوم، فلا يكون إفطاره عن عمد، فلا تجب الكفارة لأنه لم يكن عصيان.
والمتحصَّل من المحاضرات جوابان على ذلك: حيث إنّه يقول لا ثمرة للبحث فيجيب بجوابين:
الجواب الأول: إنّ المفهوم من سياق وإطلاق أدلة الكفارة على الإفطار كونه خلال الصوم الشرعي الذي فيه نية القربة، لأنّ الفرد إذا لم يكن عالماً عند إفطاره بطروّ المانع المتأخر فتجب عليه الكفارة على كل حال.
ــــــ[243]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: وهذا معناه أننا إذا شككنا بارتفاع وجوب الكفارة أمكن استصحابه، إذ أنه لو لم يسافر في الصبح لكان الصوم في ذمته موجوداً بحسب إطلاقات الروايات، وحينئذٍ نقول: إنّ وجوب الصوم في الصبح مطلوباً منه، وقد أفطر فوجبت عليه الكفارة، فهل سقطت بالسفر أو المرض المتأخر؟ فنستصحب وجوبها -الكفارة-.
الجواب الثاني: حيث قال: «إنّ مقتضى الروايات الواردة في المقام هو ثبوت الملازمة بين وجوب القصر ووجوب الإفطار، وبين وجوب الإتمام وعدم جوازه، ففي كل مورد وجب التقصير جاز الإفطار، وفي كل مورد وجب التمام حرم الإفطار».
أقول: إنّه لم يذكر الوجه في ذلك ولم يذكر النتيجة وحاصلها:
إنّ هذا الفرد الذي أفطر متعمداً هو قطعاً ممن يجب عليه الإتمام، فبمقتضى الملازمة -وهي كل من يجب عليه الاتمام يجب عليه الصوم- يجب عليه الكفارة، لأنّه بحسب الإطلاقات كل من صام صياماً مشروعاً -ومشروعية صيامه لأنه يجب عليه الإتمام في الصلاة- فتجب عليه الكفارة إذا أفطر متعمداً.
هذا ولكن من الواضح أنّ كِلا الجوابين لا يقومان ضد المدّعى، لأنّ من يقول باستحالة أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه له أن يناقش:
أما من الوجه الأول: فلأننا نسلم أنّ سياق الروايات هو كون الحرام هو الإفطار من الصوم المشروع أو من الصوم المقصود به القربة، إلا أنّ الظهور إنما يؤخذ به إذا كان مضمونه ممكن فعلاً، وأما إذا أصبح مضمونه مستحيلاً سقطت
ــــــ[244]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
حجية الظهور، والمفروض هنا وجود الاستحالة ولا دخل لعلم المكلف بطروّ المانع، لأننا قلنا أنه لا يعلم بطروّ المانع فيكون إفطاره حراماً، بل الذي له دخل هو علم المولى بطروّ المانع، وهو عالم بذلك لا محالة حيث هو عالم الغيب والشهادة يعلم أنه في المستقبل يطرأ عليه المانع في إتمام الصيام، فيستحيل على المولى أن يأمره من أول النهار، فلا تجب عليه الكفارة لأنها تقع بدون أمر الصوم.
وكذلك فإنّ الاستصحاب لا يجري.
إن قلتَ: إنّه حينما أفطر وجبت عليه الكفارة وحينما سافر أو مرض فمن المحتمل الراجح أنها سقطت فنستصحبها.
قلتُ: لا معنى للاستصحاب، فإنّه لا يجري، لأنه متقوم بالعلم بالحدوث، فإنّ الاستصحاب بلا علم بالحدوث لا يجري، وهنا نعلم بعدم الحدوث للأمر قطعاً من أول النهار لأنه محال، فلا وجوب للصيام، وعليه فلا كفارة فلا استصحاب.
وأما الجواب الثاني: إننا إن سلّمنا الملازمة بين القصر والإفطار من ناحية، والإتمام والصيام من ناحية كما هو الارجح فقهياً، إذ توجد ملازمة غالباً وهو مقتضى إطلاق الروايات ما لم تخرج من هذه القاعدة بدليل عقلي أو نقلي. وهنا قد خرج بدليل عقلي وهو استحالة الأمر مع علم الآمر بعدم شرطه، فلا وجود للإطلاقات أصلاً.
كما أنّه يُنقض على إطلاق الملازمة بنقضين:
1- من يجب عليه الإتمام وهو معذور من الصوم، فأين الملازمة؟ فلو كانت
ــــــ[245]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
موجودة لا معنى للعذر عن الصوم، وهذا موجود في الشريعة.
2- من يجب عليه القصر والصوم، كما في ثلاثة أيام بدل الهَدي أو النذر إذا صححناه في السفر.
إذن فهذه القاعدة ليست ضرورية على الإطلاق حتى يُؤخَذ على سعتها حتى للمستحيلات.
وعليه، فلم يصح أيٍّ من جوابيَ المحاضرات.
نعم، يمكن أن يُجاب على هذا الفرض وأمثاله(1) بأجوبة اخرى:
أولاً: إنّ المراد من عنوان الباب ما قلناہ، من أنه تكرار أمر الآمر أي تجديده وتوجيهه، وليس هناك شمول إطلاقي لهذه الحصة أو تلك.
إنما هو شمول إطلاقي بأصل الجعل وليس لخصوص حصة معيّنة.
وقد قلنا في مثل ذلك في المجعول إنّه لا يحدث أمر جديد أصلاً، وإنما ينكشف بطرد العذر كونه غير مشمول للإطلاق من أول الأمر، لأنّ الإطلاق يشمل الفرد الفاقد للموانع والجامع للشرائط طول اليوم والذي لم يسافر والذي لم يمرض، وهذا قد مرض وسافر، فينكشف أنه من أول الأمر ليس هناك في الإطلاقات ما يشمله.
ثانياً: إنه بمقتضى قياس المولى الحقيقي على العرفي كما ذكره المشهور أنّ شرطه يحصل أم لا؟
وقد أجبنا في آخر التقريب عن المحاضرات: أنّ المكلف هو الذي لا يعلم أنه
ــــــ[246]ـــــــ
(1) حيث ذكرنا أنّ المسألة كلية، وإن كان ذكر لها مورداً واحداً فقهياً. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
يسافر أو يمرض، إلا أنّ المولى يعلم ذلك، وعليه فيستحيل من أول الأمر.
ولكن لو تنزلنا عن الوجه الأول، وقلنا إنّ المولى العرفي لا يعلم مكلفه ومأموره أنه يسافر، فإنه يبني على عدم سفره أو استصحاب حالته الحالية ويأمره بالصوم، ولا يقبح منه ذلك.
ثالثاً: ما قاله في المحاضرات من كون ظاهر سياق أدلة الكفارة هو وجوبها في هذه الصورة.
مدفوع: بأنّ سياقها خاص بصورة وجوب الصوم، وهذا ليس منه، إلا أن نفهم أحد أمرين في الحقيقة:
إما كون الإفطار هو الإفطار بالصدق العرفي وقد حصل، وهذا الصائم أفطر عرفاً ومتشرعياً، وإما أنه في علم الله تعالى لم يكن صائماً، لا كلام لنا فيه ولا يترتب عليه أثر عندنا، بل على علم المكلف وهو حيث إنّه صائم وأفطر متعمداً فقد وجبت عليه الكفارة، وإما أنّ موضوع وجوب الكفارة -بحسب العلة أو الحكمة- الإفطار مع التمرد على المولى وهذا قد حصل، ولأنّ المكلف لا يعلم أنه سوف يسافر ويرتفع عنه الوجوب، وإنما يعتقد بنفسه أنه صائم ومع ذلك أفطر وتمرّد، فتجب عليه الكفارة.
ويترتب على كِلا الجوابين: أنه لو أفطر بالحرام وجبت عليه كفارة الجمع، لو قلنا بها بالرغم من وجود المانع الاستقبالي من سفر ونحوه، ولا يجب عليه الصوم ولكنه تجب عليه كفارة الجمع فماذا يقال؟! والمسألة ليست فقهية لكي تبحث أكثر من ذلك.
ــــــ[247]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأمر بالأمر
يوجد عنوانان من تفريعات الأوامر قد حذفها الشيخ الآخوند، وكذلك الشيخ الفياض في المحاضرات، وأثبتهما السيد في التقريرات، ونحن وإن كان اتجاهنا على مسلك الكفاية إلا أنه لا بأس بذكرهما إتماماً للفائدة وتنمية للملكة، مع الاعتراف أنه لا أثر لأي منهما فقهياً على الإطلاق، لأنه لا يوجد لأيٍّ منهما مصداق معتد به في الكتاب والسنة، إلا أنه بالنسبة إلى الموالي العرفيين يمكن الحصول على ذلك ثبوتاً.
وعلى أية حال فهما ليسا من علم الأصول ويمكن حذفهما.
والعنوانان هما: الأمر بالأمر والأمر بعد الأمر(1) وهما طوليان رتبةً أو طوليان زماناً، ثم يأتي بحث آخر وهو تعلق الأوامر بالطبائع.
أما العنوان الأول: الأمر بالأمر:
ــــــ[248]ـــــــ
(1) الفرق بين العنوانين يكمن في أمرين:
الفرق الاول: أنّ أحدهما متعدد بالتعدد الرُتبي وهو الأمر بالأمر، لأنه لولا الأول لما كان الثاني، فالأمر الأول يقع في علل الأمر الثاني، فالفاصل بينهما رتبي، وأما الأمر بعد الأمر الفرق بينهما زماني فهناك فاصل زماني، ولا يفترض أن يكون الأمر الأول من أسباب الأمر الثاني، قد يكون وقد لا يكون.
الفرق الثاني: أنّ أحدهما صادر من شخص واحد وهو الأمر بعد الأمر، وأما الأمر بالأمر فإنّه صادر من اثنين، لأنه لا معنى لأن يأمر الإنسان نفسه بأي شيء لا أقل عرفاً أو اجتماعياً.
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإنّا نتصور أن يكون الأمر الثاني مجرد طريق إلى الأمر الأول، وأنّ المأمور الثاني يجب عليه إطاعة الأمر الاول عن طريق وساطة وطريقية الأمر الثاني، وإن كان في الحقيقة هذا ليس عنوان الباب، وإنما العنوان الأمر بالأمر على سعته فلربما يكون له حصص متعددة، إلا أنّ الموافق للظهور هو أنّ الأمر الثاني يكون مجرد طريق إلى تكرار الأمر الأول وإبلاغه إلى الشخص الثالث، مع وجود تفاصيل تأتي ان شاء الله.
ولعل أفضل من عرض المسألة هو سيدنا الاستاذ في التقريرات(1) حيث قال: «هناك عدة احتمالات معقولة ومتصورة:
الاحتمال الأول: أن يكون مطلوب المولى صدور الفعل عن المأمور الثاني، وأمر المأمور الاول(2) ليس إلا لمجرد إيصال أمره إلى المأمور الثاني».
الكلام مرة ثبوتي ومرة إثباتي، أما الثبوتي فهو بحث في صور المسألة وبأي مقدار يمكن تقسيمها بحسب التصور، وأما إثباتاً فهو أي من هذه الأقسام هو المطابق للعرف أو الظاهر العرفي.
والمصدر الوحيد الذي بحث المسألة على كِلا المستويين هو التقريرات فقد بين أربع احتمالات.
وفي الحقيقة لا بد أن تكون عدة تقسيمات وليس مجرد أربع احتمالات.
ــــــ[249]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص381.
(2) مثلاً زيد يقول لعمر: قل لثالث (صلّ) فالثالث هو الذي يصدر منه الفعل –الصلاة- وعمر هو المأمور الأول والآمر بصدور الفعل. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
فمثلاً يمكن التقسيم إلى أنّ الملحوظ هو أحدهما أو كلاهما معاً -الأمر الثاني والمتعلق- لأنّ الأول بأمر الثاني، والثاني بأمر الثالث، فالأمر الثاني -أي الأمر الصادر من الشخص الثاني والمتعلق هو العمل كالصلاة الصادر من الثالث- فإما أن نلاحظ أحدهما -إما الأمر الثاني أو المتعلق- أو كلاهما معاً
فعلى الأول توجد بعض الانقسامات والاحتمالات.
وعلى الثاني توجد بعض الانقسامات أيضاً.
ومعنى لحاظ أحدهما أنّ الشيء الرئيسي والمطلوب للآمر الأول إما أن يكون المتعلق وهو العمل الصادر من الشخص الثالث ويكون الآمر الثاني مجرد طريق لذلك، هذا احتمال.
والاحتمال الآخر بالعكس، أن يكون الشيء الرئيسي للأول هو أن يكون الشخص الثاني آمراً ولا يريد من الثالث العمل، بل لمجرد أن يُدرّبه الثاني على إصدار الأمر.
وإذا كان الملحوظ كلاهما -الأمر الثاني والمتعلق- فإذا أرِيد أحدهما فعدة انقسامات، وإذا أرِيد كلاهما فعدة انقسامات، من قبيل العموم المجموعي أو العموم الاستغراقي، وإما بنحو أن يكون أحدهما مستقلاً أو أحدهما مقيَّداً بالآخر، ونحو ذلك من الأمور.
فإذا أرِيد أحدهما دون الآخر وطبقاً للذوق المشهوري الأصولي فإنه يكون الثالث عادةً، أي أنّ المراد من الأمر هو المتعلق والعمل، ويكون الأمر الصادر من الثاني إما بنحو المقدمة للمتعلق أو التوكيل بالنسبة للمتعلق أو الطريقية وغير ذلك.
ــــــ[250]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فالمجعول التشريعي بالأمر الأول إنما هو طلب الفعل من المأمور الثاني، فيكون المدلول التصديقي هو وجود أمرين؛ أمر بالفعل على المأمور الثاني، وأمر إيصال ذلك الأمر إليه على المأمور الاول).
أقول: وهذا لا يكفي لأنّ فرض وجود أمرين ينافي طريقية الأمر الثاني، أي أنّ الأمر الثاني مأمور به من قبل الآمر الاول، كما أنّ الفعل مأمور به من قبل الآمر الأول، وهذا معناه النظر إلى الأمر الثاني استقلالاً وليس طريقيةً، فما فُرض طريقاً لا يصبح طريقاً فإنّ معناه أنّ المأمور الذي هو الشخص الأول يريد كِلا العملين؛ الأمر من الثاني والفعل من الشخص الثالث، كلٌ بعنوانه التفصيلي وهو أحد المحتملات.
وعليه، فلو كان هو المقصود حقيقةً وجبت طاعته على هذا النحو وعلى كلا الفردين، ولكن بالالتفات إلى الاحتمال الآخر وهو النظر الطريقي المحض إلى الأمر الثاني، وأنّ المقصود حقيقة هو وجوب صدور الفعل من المأمور الثاني الذي هو الشخص الثالث، وإنما أوجب الأول على الثاني الأمر الثاني، لأنّه بمنزلة المقدمة إلى الثالث، وهنا وإن وجب الامتثال على كِلا الشخصين إلا أنّ مِلاك الأمر الثاني يختلف عن الصورة الأولى بطبيعة الحال، فهو في الأول استقلالي، وفي الثاني مقدمي.
الاحتمال الثاني: فقد قال: «أن يكون المجعول(1) في الأمر بالأمر هو إيجاب أن يأمر المأمور الأول المأمور(2) الثاني، لا إيجاب الفعل على المأمور الثاني، إلا
ــــــ[251]ـــــــ
(1) أو المتعلق كما أعبر. (منه).
(2) يقصد أن يأمره فقط بقطع النظر عن امتثال الثالث. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
أنّ هذا الأمر ليس نفسياً، بل أمر طريقي إلى حصول الفعل من المأمور الثاني، ينعقد مدلول التزامي عرفي له على طلب الفعل من المأمور الثاني»(1).
أقول: وقوفه عن الاحتمالين الذي هو ضمن الاحتمال الأول، يعني احتمال التقريرات واحتمالي.
أما الأول: فإنّ النظر هناك كان استقلالياً إلى الأمر من الآمر الثاني، وهنا طريقي أي في الاحتمال الأخير الذي قلتُه.
وأما في الثاني: فلأنّ طلب الفعل من المأمور الثاني كان بالمطابقة هناك في الاحتمال الذي أنا عرضته قبل قليل وهنا بالالتزام، وإن كان الأمر في كلتا الصورتين طريقياً إلى امتثال الثالث، ومن هنا يتضح أنّ معنى الطريقية أوضح في الاحتمال الثاني الذي عرضناه أكثر من هذا الاحتمال الثاني الذي عرضه في التقريرات، مضافاً إلى أنّ عبارة التقريرات لا تناسب، لأنّ المجعول هو إيجاب أن يأمر المأمور الأول المأمور الثاني، لا إيجاب الفعل على المأمور الثاني، بمعنى أنه لوحظ الأمر استقلالياً محضاً وليس طريقياً إلى الامتثال من قبل الثالث، لأنه لا يهم الأول أنّ الثالث يحصل منه عمل أم لا يحصل منه عمل، وهذا معناه أنه لا يمكن أن نتصور في مثل هذه الصورة نحواً من الطريقية لا مطابقة ولا التزاماً حسب عبارة التقريرات.
الاحتمال الثالث:
قال: «نفس الاحتمال الثاني مع افتراض أنّ أمر المأمور الأول للمأمور الثاني له
ــــــ[252]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص381.
منهج الأصول (الجزء السابع)
موضوعية للمولى، فيكون هو المطلوب المولوي، وأما صدور الفعل من المأمور الثاني فلا يطلبه المولى ولا يريده لولا أمر المأمور الأول، وبناءً على هذا الاحتمال لا يثبت وجوب الفعل على المأمور الثاني إلا إذا استظهر من الأمر بالأمر إعطاء مقام الآمرية والولاية للمأمور الأول على المأمور الثاني، فيجب على المأمور الثاني حينئذٍ الفعل، لا باعتباره أمراً من المولى الحقيقي ابتداءً بل باعتباره أمر من المأمور الأول المجعول له الولاية، ولذلك لا يتحقق هذا الوجوب إلا بعد صدور الأمر منه حقيقة»(1).
أقول: وهذا المعنى بكلا شقيه معقول ثبوتاً إلا أنه ليس نفس الاحتمال السابق، لأنه هو يقول في أول هذا الاحتمال الثالث (نفس الاحتمال الثاني مع افتراض…..) إلى آخر قوله.
ولكن الصحيح أنه ليس هو نفسه أصلاً بل يختلف معه اختلافاً جذرياً، لوضوح أنه في الاحتمال السابق كان الأمر طريقياً صرفاً، في حين أنه في هذا الاحتمال استقلالي صرف، ولعله إنما قال ذلك باعتبار اشتراك الاحتمالين في مطلوبية صدور الأمر الثاني في الجملة، في حين يكون الأمر الثاني مجرد واسطة في الاحتمال الأول، مع وضوح أنّ الواسطة غير الطريقية بطبيعة الحال، فإنّ الواسطة إنما تتضمن نحو من التوكيل لا أكثر.
الاحتمال الرابع: حيث قال: «أن يكون غرض المولى في مجموع أمر المأمور الأول وفعل المأمور الثاني(2)، إما بأن يكون هناك غرض واحد متقوّم بهما ويكون
ــــــ[253]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص382.
(2) كلا المتعلقين مطلوبان مجموعاً. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
أمر المأمور الأول(1) من شرائط وجود ذلك الغرض بفعل المأمور الثاني(2) فيكون متوقفاً على أمره، أو بأن يكون أمره من شرائط انصاف فعل المأمور الثاني بالغرضية(3) فلا بدّ من تعدد الغرض حينئذٍ، وافتراض وجود غرض مستقل في أمر المأمور الأول(4) وإلا لم يكن وجه لأمره، وعلى كِلا التقديرين فلا يجب الفعل على المأمور الثاني قبل أمر المأمور الأول(5)»(6). انتهى.
أقول: وإذا دخل احتمال أن يكون المجموع هو المطلوب فلا ينحصر الاحتمال عندئذٍ في الشقين الذين ذكرهما، لأنّ المجموع قد يلحظ مترابطاً بنحو العموم المجموعي، وقد يلحظ استقلالياً بنحو العموم الاستغراقي، وعلى كِلا التقديرين ففي الإمكان أن نتصور نحواً من التقييدية الزائدة بينهما بغض النظر عن المجموعية والاستغراقية، وأما أن لا نتصور هذه التقييدية فتصير اثنين في اثنين أربعة احتمالات.
وعلى الأول: أي هذه التقييدية إما أن نلحظ أنّ القيد هو الأمر والمقيَّد هو
ــــــ[254]ـــــــ
(1) الذي هو الشخص الثاني. (منه)
(2) يعني المطلوب هو الصلاة الصادرة عن أمر الآمر الثاني. (منه)
(3) على الاحتمال الأول له غرض مِلاك ولكنه منوط بصدور الأمر من الثاني، وأما هنا أصل وجود المِلاك منوط بصدور الأمر من الثاني، بحيث إذا لم يصدر منه فلا مِلاك له، أو بأن يكون أمره أمر الثاني من شرائط اتصاف المأمور الثاني بالغرضية. (منه).
(4) حينئذٍ يحصل غرضان بالفعل وصدور الفعل من الثالث.
(5) إنما يأمره المأمور الأول –الشخص الثاني- لكي يجب الفعل على الثالث. (منه).
(6) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص382.
منهج الأصول (الجزء السابع)
المأمورية، أي صدور العمل الثالث الذي هو لحاظ التقريرات، كما يمكن العكس بأن نقول: إنّ العمل هو قيد الأمر كله فيصير غيره وإنما نتصور صورة ثبوتية، هذا بحسب عالم الثبوت.
فأما أن يكون القيد هو الأمر والمقيَّد هو الفعل كما ذكر ويكون العكس، فهذه هي أهم الاحتمالات الثبوتية.
وحينئذٍ نأتي إلى عالم الإثبات والمُستَظهر من الأدلة هو أدلة افتراضية، وهي أنه إذا حصل أمر بالأمر، أي: (يا عمرو مرّ بكراً أن يصلي)
وفي التقريرات قال: «والمُستَظهر من هذه الاحتمالات عرفاً إنما هو أحد الأولين، إن لم تدع ظهوره في الأول منها، ولو باعتبار كون الأمر فعلاً طريقياً عادةً وليس لمصلحة فيه بالخصوص، مما يجعل ظهور الأمر بالأمر ابتداءً في ايجاب الفعل على المأمور الثاني» انتهى.
أقول: المستفاد من الأمر بالأمر هو الطريقية المحضة وليس الاستقلالية، إلا أنه مجمل من حيث التوكيل أو الإيصال الذي هو الطريقية بالاصطلاح الأصولي، أو التوكيل من باب أنّ يد الوكيل يد الأصيل، فهو أيضاً نحو من الطريقية لكنه بتنزيل الوكيل منزلة الموكل لا تنزيل الأمر الثاني منزلة الأمر الأول، وهو وجه دقّي إلا أنه مجمل من حيث التوکيل والإيصال، وكلاهما نتيجته واحدة عملياً وهو أنه يجب بحسب أمر الشخص الأول يجب على الثالث الامتثال، وأما أن يكون الفعل الأصلي كما قال أخيراً: «مما يجعل ظهور الأمر بالأمر ابتداءً في إيجاب الفعل على المأمور الثاني».
ــــــ[255]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
بحيث يكون الثالث ملزَّماً وجوباً من قبل الآمر الأول بالصلاة مثلاً، وهذا صحيح لكنه في الحقيقة بنسبة من الصحة وهو أن نفترض أنّ صدور الأمر أساساً وجوبي في حين أنه قد يكون استحبابياً، الأمر بالآمر مستحب لِمَ لا؟ أو الامر بالأمر في مورد الحظر فإنه دال على الإباحة أو دال على الرجوع إلى الحالة الأولى كما قلنا في بعض الاحتمالات.
هذا وأنّ ما له مصداق في الشريعة -لعله المصداق الوحيد في الشريعة حسب اطلاعي الضيق- هو: (مروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين)(1) -لست سنين- وهذا أمر بالمستحب وليس امراً بالواجب فلا يدل على الوجوب، لا الأمر الأول للوجوب ولا الأمر الثاني للوجوب، لأنه لا يُحتمَل أن تكون الصلاة واجبة على غير المكلفين.
ــــــ[256]ـــــــ
(1) مستدرك الوسائل: ج2، ص19.
منهج الأصول (الجزء السابع)
كيفيات تعلق الأمر
تعلق الأمر بالطبيعة أو الفرد
قال في التقريرات: «أنه لو فرض اختيار المسلك القائل بعروض الوجود على الماهية الشخصية الذي يعني تعلق التشخص في الماهية بغير الوجود(1) أمكن تعلق الحكم بالفرد، بمعنى الماهية الشخصية دون أن يلزم تحصيل الحاصل ولا يكون تخييراً عقلياً(2) حينئذٍ، إلا أنّ هذا المسلك غير مقبول في نفسه على ما حقق في محله(3)»(4). انتهى.
ــــــ[257]ـــــــ
(1) أي ان التشخّص في رتبة سابقة على الوجود الخارجي فاذا قلنا بذلك أمكن القول بتعلق الحكم بالفرد المتشخّص قبل الوجود أي الماهية الشخصية.
(2) كأنّ التخيير العقلي منحصر بصورة تعلق التكليف بالماهية وانحلاله على الأفراد، وأما بالنسبة الى هذه الصورة فليس تخييراً عقلياً، وذكرت في المناقشة أنّه لم ينفِ التخيير الشرعي. (منه)
(3) وهو كون التشخص موجود في المرتبة السابقة على الوجود فتتعلق الأوامر بالأفراد ولكن يلزم تحصيل الحاصل وهو باطل فالصحيح أنّ التشخّص في طول الوجود لا في المرتبة السابقة فالأوامر تتعلق بالطبائع. (منه)
(4) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص402.
منهج الأصول (الجزء السابع)
التعليق على مناقشة التقريرات لمسلك عروض الوجود على الماهية الشخصية
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: إنّ في كلامه اعتراف ضمني بإمكان تعلق الأوامر بالأفراد ولو على بعض المسالك، ولو على هذا المسلك الذي ذكره فيما لو صححناه كبروياً، وهذا يكفي مقاماً على المبنى ولو في الجملة كما سوف يأتي.
ثانياً: إنّ المبنى الذي نفاه وأنه غير مقبول في نفسه وهو التشخص بغض النظر عن الموجود الخارجي، يمكن الذهاب إلى صحته بناءً على وجود عالم الواقع وراء عالم الخارج الذي تعرضنا له أكثر من مرة، والذي في حدود فهمي وإن كان السيد أول من أشار إليه وطرحه وشيّد أركانه وزدت عليه بتفاصيل أخرى، وبناءً عليه فبالإمكان أن نتصور اطروحتين:
الأطروحة الأولى: إنّ عالم الواقع يحتوي على الكليات فقط دون الجزئيات، لأنّ الكليات لا يمكن نفيها نفياً مطلقاً بل هي صادقة إجمالاً حتى في القضايا التي من قبيل (واحد زائد واحد يساوي اثنين)، فإنّ كلي الواحد زائد كلي الواحد يساوي اثنين، فإنه لا يمكن نفيها مع العلم أنه لا يفترض وجودها في الخارج، فيتعين وجودها في الواقع.
وعليه، فيكون عالم الواقع عبارة عن الكليات، فإذا قلنا بذلك تمّ كلام السيد، حيث إنّ ما هو متشخص وموجود في عالم الواقع هو الكليات ولا
ــــــ[258]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
يمكن تحققها في عالم الخارج، فلا يمكن تعلق الإرادة التكوينية ولا التشريعية بها، لأنها لا تتحقق في عالم الخارج، إذ أنه ينبو عن الكليات كما يعبّرون، وأما الأفراد فوجودها في الخارج فقط، ولا وجود لها في الواقع، فيكون الفرد فيها من قبيل تحصيل الحاصل.
الأطروحة الثانية: لا دليل عندنا على أنّ الواقع ليس فيه أفراد، فإنّ عالم الواقع فيه الكلي وفيه أفراده، وإذا لم يكن فيه أفراد فلا وجود له ولا تحقق لأنه ليس كلياً، لأنه يكون كلياً فيما إذا كان له أفراد، ولو فرد واحد، وأما ما ليس له فرد فليس بكلي لكي يوجد في عالم الواقع.
وهذه النتيجة غير صحيحة، حيث إنّ واجب الوجود كلي وله فرد، وكذا شريك الباري واجتماع النقيضين كلي وغير ذلك، كلها قابلة للانطباق على ما لا يتناهى من الأفراد، إذ إنّ عالم الواقع واسع جداً وقابل على أن يكون كل كلي ينطبق على ما لا يتناهى من الأفراد، فإنّ الممتنِعات هي ممتنِعات في الوجود الخارجي لا في عالم الواقع، ولو تنزلنا عن ذلك فلا أقل الكليات الممكنة، فإن هي داخلة في حيز الإمكان فلها وجود في عالم الواقع.
والحاصل هنا ذلك -كنتيجة أصولية- أنّ الفرد موجود في عالم الواقع، فما ذكره السيد من أنّ الشخص موجود واقعي في الرتبة السابقة على الوجود، وحينئذٍ يفاض عليه الوجود إما من قبل العلة -علة العلل- جل جلاله، وإما من قبل العلة التامة، فإنها تكون سبباً لوجوده وخروجه من عالم الواقع إلى عالم الخارج، فإنه يُفاض على شيء واقعي لإخراجه إلى عالم الخارج، فإذا كان الواقع ليس فيه أفراد فعلى أي شيء تكون الإفاضة؟!
ــــــ[259]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
إذن لا يُفاض عليه لأنه ليس هناك أفراد، لأنّ الكلي هو في عالم الواقع، فإن كان يُفاض على الكل فلا يوجد في الخارج الكلي، وإن كان يُفاض على الجزئي فإنه لا يوجد في عالم الواقع جزئي.
وعليه، فلا بد من القول أنّ الوجود يُفاض على شيء واقعي جزئي لكي يوجد في الخارج، فارتفع الإشكال بلا حاجة إلى أنّ القول به غير معقول.
ثالثاً: بناءً على المسلك المبني على التخيير العقلي كما ذكره لا بد أن يكون مقصوده كون التخيير شرعي، لفرض انحصار الأمر بين التخييرين الشرعي والعقلي، فإذا نفى العقلي فيتعين أن يكون الشرعي.
وهذا مطعون فيه كبرى وصغرى كما سبق أن أشرنا لذلك:
أما كبروياً: فالطعن بالانحصار بين التخييرين الشرعي والعقلي غير صحيح، بل التخيير أكثر من قسمين، لأنّ هذا النحو من التخيير يختلف عنهما معاً، أما عن التخيير الشرعي فلتباين الشرعي وجوداً وماهية، لتباين أفراد التخيير الشرعي وجوداً وماهية كالكفارات، وهنا يتباين وجوداً لا ماهية، لأنّ الماهية واحدة كالصلاة مثلاً وإنما التباين في وجود الأفراد الجزئية.
وأما الصغرى: فلِما قلناه من أنه يختلف عنهما معاً، إلا أنّه بالتخيير العقلي أشبه، وكونه قسماً ثالثاً هو الأصوب.
تمّ الكلام في الأطروحة الاولى لأجل فهم العنوان الذي أشكل عليه بأنّ تعلق الأوامر بالطبائع مستحيل، وتعلق الأوامر بالأفراد مستحيل، وقد أجبنا عن هذه الأطروحة بغير ما أجاب به في التقريرات ولم تتم.
ــــــ[260]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مناقشة ما أفاده المحقق النائيني في تعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد وربطه بالمسألة الفلسفية
الأطروحة الثالثة: ما ذكره في التقريرات عن المحقق النائیني: «من أنّ البحث عن تعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد مربوط بالمسألة الفلسفية في تشخيص معروض الوجود والإيجاد الخارجي، أو أنه هل يعرض على الماهية الشخصية أو على ذات الماهية(1) والطبيعة، ويكون التشخّص بالوجود نفسه؟ فعلى الأول يلزم أن يكون الحكم متعلقاً بالفرد لا الطبيعة، لأنّ الإرادة التكوينية دائماً سوف تتعلق بإيجاد الماهية الشخصية(2)، فلا بد للإرادة التشريعية أن تتعلق بها أيضاً لأنها إنما تتعلق بما يتعلق به الإيجاد والإرادة التكوينية، وتكون على وزانها(3).
ــــــ[261]ـــــــ
(1) إن الإيجاد هل هو إيجاد للفرد أو لمصداق الكلي ولا نقول للكلي، هو يقول: يعرض على الماهية الشخصية أو على ذات الماهية والطبيعة، إذ الكلي لا يعرض على الكلي بل على مصداق الكلي ويكون التشخَّص بالوجود، فإن قلنا بالأول كان التشخَّص سابقاً رتبة على الوجود، أي أنّ التشخّص الفردي سابق على الوجود، وإن قلنا بالثاني كان التشخص الفردي لاحقاً للوجود، أي في مرتبة متأخرة عنه، هذا فلسفياً. أما أصولياً فالنتيجة أنه على الأول يلزم أن يكون الحكم متعلقاً بالفرد، لأن الوجود يعرض على الفرد وعلى الماهية الشخصية، فيكون الحكم متعلقاً بالفرد لا بالطبيعة. (منه).
(2) هذا للإيضاح، فإننا ننظر إلى الأفعال الشخصية من الذهاب وإلقاء الدرس وغيرها، فإنّ الإرادة التكوينية تتعلق بإيجادها، فينتقل من عالم الواقع إلى عالم الخارج، فالإرادة تتعلق بالماهية الشخصية أو الجزئي المتشخص في عالم الواقع. (منه).
(3) الله تعالى شأنه يأمر بما يمكن أن تتعلق الإرادة التكوينية الفردية به، فهو تعالى شأنه يأمر بالصلاة، وأنا بإرادتي التكوينية أمتثل الصلاة فأوجد فرداً متشخّصاً أخرجه من عالم الواقع إلى عالم الخارج، فالأوامر التشريعية تتعلق بما تتعلق به الإرادة التكوينية، فلا بد للإرادة التشريعية أن تتعلق بها أيضاً. (منه).
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما إذا قيل بعروض الوجود على ذات الماهية كانت الإرادة التكوينية(1) متعلقة بها لا محالة(2)، ومعه لا مانع من تعلق الإرادة التشريعية والحكم بالطبيعة»(3). انتهى.
أقول: وفي هذا الكلام نقطة قوة ونقطة ضعف:
أما نقطة القوة: فالقاعدة التي أعطاها وهي تساوق الإرادة الشريعة مع الإرادة التكوينية، وأنّ الله تعالي يأمر بما يمكن الفرد أن يريده أي بما تتعلق به الإرادة.
فالإرادة التشريعية المولوية إنما تتعلق بما تتعلق به الإرادة الشخصية الفردية، فإنها -أي الإرادة التشريعية- إنما تكون محركة للامتثال أي الإرادة الفردية التكوينية، فهي والتشريعية على وزان واحد، لوضوح أنّ ما لا يمكن أن تتعلق به الإرادة الشخصية التكوينية لا يمكن أن تتعلق به الإرادة التشريعية المولوية لكونه خارجاً من الاختيار، لا يمكن أن يريده ولا يدخل تحت الإرادة فيكون طلبه هو طلباً للمحال.
ــــــ[262]ـــــــ
(1) مثلاً إذا أردت الذهاب إلى السوق فإني أوجد المصداق لا الكلي، فإن المصداق هو وجود الكلي خارجاً، فالإرادة تعلقت بأصل الماهية وليس الفرد بحدّه. (منه).
(2) الإرادة التشريعية تتعلق بما تتعلق به الإرادة التكوينية، فيكون المطلوب بالدلالة التشريعية هو الماهية أو الطبيعة. (منه).
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص403.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما نقطة الضعف: فلأنّ الأمر غير مربوط بالمسألة الفلسفية وهذا متفق عليه مع التقريرات، إلا أنني أبرره بتبرير آخر: فإنّ المطلوب بالإرادة التشريعية هو الفرد دائماً، إما بعنوانه إذا قلنا بتعلق الأوامر بالأفراد، وإما كونه حصة من الماهية إذا قلنا بتعلق الأوامر بالطبائع أو الماهيات، على الخلاف في هذا الباب. ومن الواضح على كل تقدير أنّ الإرادة التكوينية تتعلق بالفرد؛ مثلاً فرد من الصلاة وفرد من الصيام وهكذا، فهو لا يريد الكلي طبعاً فإن ترتب الأثر من نفع أو ضرر على الفرد، ومن الواضح أيضاً أنّ الإرادة التكوينية تتعلق بالفرد حتى وإن قلنا إنّها تتعلق بالماهية لأنه فرد للماهية، فإنّ الماهية الكلية يستحيل وجودها وإيجادها في الخارج فيعود الحال إلى إيجاد الفرد منها، فتكون الإرادة التشريعية المولوية والإرادة التكوينية في مقام الامتثال متساوقتان في الفرد، كما أنّ الإرادة التكوينية في مقام الامتثال، مثلاً عندما زيد يريد الفرد كذلك الله تعالى يطلب منه الفرد، فإذا قبلنا الكبرى كان بمعنى أنّ كلتا الإرادتين متعلقة بالفرد، وهذا مما ينبغي أن يعترف به المشهور الذي يقول بتعلق الأوامر بالطبائع، وطبعاً تعلق الأوامر بالطبائع ليس معناه إيجاد الطبائع على كلياتها، إذ المراد فرد منها، وهذا لا بد أن يعترف به أيضاً.
وقوله: «إنّ البحث عن تعلق الأحكام مربوط في تشخص معروض الوجود).
أقول: الظاهر أنّ مراده الإيجاد، لأنّ أفعال المكلفين كلها نحو إيجاد، أما الوجود فهو غير داخل في محل الكلام، إذ الكلام هو في فعل المريد دون الوجود
ــــــ[263]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الذي يُؤخَذ مفروغاً عنه، والظاهر أنّ العبارة من إنشاء السيد المقرِر وليست موروثة من الشيخ النائیني لكي نناقشها أكثر.
وأما في التقريرات: فقد طعن في الكبرى حيث قال: (ودعوى(1) لزوم كون متعلق الإرادة التشريعية ومتعلق الإرادة التكوينية، أول الكلام، إذ البرهان قائم على أنّ الإرادة التشريعية للمولى لا بد وأن تكون متعلقة بشيء يعقل صدوره من المكلف خارجاً لكيلا يلزم التكليف بغير المقدور، ومن الواضح أنّ ذات الماهية في المقام يمكن صدورها وتحت قدرة المكلف، وليس التكليف بها تكليفاً بغير المقدور»(2). انتهى.
أقول: الكبرى التي تمسّك بها الآن في التقريرات وإن كانت صحيحة وهي أنّ التكليف ينبغي أن يكون بالممكن، فإذا كانت الصغرى هي إمكان التكليف لم تحتج إلى شيء زائد فهو صحيح، إلا أنّ للخصم أن يدّعي أنّ المكلف لا يستطيع أن يأتي بالماهية كما هو زعمه، وإنما يستطيع أن يأتي بالفرد خاصة لا أنه يستطيع أن يأتي بالماهية، وأما اتيانها بالماهية الكلية فمتعذرة، لأنّ عالم الخارج ليس ظرف الكليات، وإنما يتوقف الأمر هنا على كلام فلسفي آخر:
وهو أنّ الإتيان بالفرد هل هو إتيان بالماهية باعتبار تضمن الفرد للكلي؟ كما هو المشهور، أو الإتيان بالفرد ليس إتيانا للماهية لعدم تضمن الفرد للكلي؟
فعلى الأول: يستطيع المكلف الإتيان بالماهية التي في ضمن الفرد، وعلى الثاني يكون المكلف عاجزاً تماماً عن الإتيان بالماهية، لأنّ المأتي به وهو الفرد ليس ماهية
ــــــ[264]ـــــــ
(1) أي المساوقة بين الإرادتين والتي ذكرناها في نقطة القوة.
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص403.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ولا متضمناً لها، الماهية على سعتها يستحيل وجودها في الخارج، أو أن يكون التكليف بالماهية تكليفاً بما لا يطاق، ويعود اختصاص التكليف إلى الفرد وبالفرد.
الأمر الآخر: أننا وإن قلنا بأنّ الفرد من ضمن الماهية فهو يعني أنّ الكلي موجود في الخارج.
والصحيح أنّ الماهية المتضمنة للفرد ليس إلا الفرد نفسه، أي الوجود الجزئي الخارجي بعد التجريد عن الخصوصيات، والأمر بالفرد ليس أمراً بالخصوصيات الزائدة التي يتوقف عليها الوجود الفردي، وإنما أمر بفرد الماهية من حيث كونه فرداً لها، إذن الوجود الخارجي إذا قلنا إنّ الفرد متضمن للماهية هو الفرد وليس شيئاً آخر، وأما الزائد على ذلك فليس من ضمن الفردية، وعليه فعلى كِلا الوجهين لا يستطيع المكلف الاتيان بشيء إلا فرد الماهية على الوجه الأول، أو مصداقها على الوجه الثاني.
فما هو داخل في القدرة هو خصوص الفرد لا الماهية، فيتعين تعلق الأمر بالفرد، ولو تعلق بغيره كان أمراً بما لا يطاق.
مناقشة ما أفاده المحقق الاصفهاني في بحث تعلق الحكم بالطبيعة أو الفرد وارتباطه بالمسألة الفلسفة
الأطروحة الرابعة: قال في التقريرات: ما أفاده المحقق الاصفهاني وحاصله: «إنّ البحث المذكور مرتبط بالمسألة الفلسفية المعروفة لوجود الطبيعي في الخارج وعدم وجوده، فعلى القول بوجوده يكون تعلق الحكم به(1) أيضاً
ــــــ[265]ـــــــ
(1) على القول بوجود الطبيعي في الخارج أي تمكّن المكلف من الإتيان به فيكون الأمر به بالمقدور. (منه)
منهج الأصول (الجزء السابع)
معقولاً، مع القول بعدم وجوده في الخارج وأنّ الموجود في الخارج الفرد دائماً لا يمكن تعلق الحكم به، لأنه تكليف بغير المقدور»(1).
وأشكل في التقريرات بأنّ هذه النظرية الفلسفية تعود إلى ما أفاده الميرزا النائیني في الأطروحة الثالثة، نعم، هما يختلفان في اللازم أو الاستنتاج لا في أصل النظرية.
إلى حدٍّ ما يوجد تشابه، إلا أنه مع ذلك يوجد هناك اختلاف بحيث من الصعب أن نقول: إنّ أحدهما راجعة إلى الآخر.
نعم، نقول بالرجوع فيما إذا فهمنا من الماهية الشخصية التي كان يعبّر بها في الأطروحة الثانية الفرد، وفهمنا من ذات الماهية الطبيعة أو الطبيعي الكلي، حينئذٍ تكون المسألة واحدة.
وهذا وإن كان محتملاً إلا أنّ طرح المسألتين مختلف قطعاً، حيث إنّه في الأطروحة الثالثة أنّ معروض الوجود هل هو الفرد أو الماهية؟ وفي الأطروحة الرابعة أنّ ظرف الوجود الخارجي أو العالم الخارجي هل يصح أن يكون ظرفاً للكليات كما هو ظرف للأفراد أو لا؟
وهذان سؤالان مستقلان وإن اشتركا في بعض الجهات.
وبعبارة أخرى: إنّ أحدهما يصلح أن يكون مقدمة لاستنتاج الآخر، وإلا فليس أحدهما عين الآخر.
وعليه، فالمبنى الفلسفي للأطروحتين مختلف وليس كما ذكر في التقريرات.
ــــــ[266]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص403.
منهج الأصول (الجزء السابع)
غير أنّ هذه الأطروحة لا تتم لأكثر من وجه:
أولاً: إنّ المشهور والصحيح هو عدم قابلية الخارج لوجود الكليات فيه على سعتها فإنّ ذلك مستحيل عقلاً، والمستحيل لا تتعلق به علة اختيارية ولا اضطرارية، حيث أنّ الأوامر تتعلق بالأفعال الاختيارية، فإذا كانت الأفعال الاختيارية لا يمكنها إيجاد الكليات فلا تتعلق بها الأوامر، فإنه يكون أمراً بغير المقدور وبما لا يطاق.
نعم، النادر من الفلاسفة والمتكلمين قال بوجود الكلي خارجاً كما نُسب إلى الرجل الهمداني، حيث يقول بوجود الكلي خارجاً، وأنه موجود بوجود أفراده، وأنّ نسبة الأفراد إلى الكلي كنسبة النقاط إلى الصفحة المنقطة، وأنّ الاساس هو وجود الكلي لا الفرد على عكس المشهور.
وقد اعترض عليه الجميع، وأنا في حدود فهمي أنّ هذا الذي يُدَعى بالرجل الهمداني الذي عرف بهذا الاسم والعنوان أنّ مراده هو الوجود العرفي للكلي، لأنّ العرف يرى وجوده في الخارج، حيث يقول: إنّ الانسانية موجودة في الخارج، وكذا الحيوانية وغير ذلك من الأنواع.
نعم، بالوجه الدقي الذي هو محل كلامنا ليس كذلك، إذ لا تحقق للكلي في الخارج وإنما الكلي هو الصورة الذهنية المفهومية، أو كما نعبر: بأنها موجودة في الواقع، والمهم أن عالم الخارج لا يتسع للكليات.
ثانياً: لو سلمنا أنّ الكلي موجود في الخارج فإنما نسلمه في الماهيات الحقيقية، الذي هو محل النفي والإثبات بين الرجل الهمداني وخصومه في الحقيقة الإنسانية
ــــــ[267]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لا الحيوانية ولا الماهيات الانتزاعية، فإنّ الانتزاعية من قبيل المِلْكية والزوجية والفوقية والتحتية، فإنّ الموجود منها خصوصاً الأفراد، ومعنى كونها انتزاعية هو أنّ المنتزِع هو الذهن، أي أنها ذهنية وليست خارجية.
ومن الواضح أنّ الماهيات المنطبقة على الأفعال الاختيارية للفرد ليست هي الحقيقة الفردية للإنسان -اي ذات زيد- وإنما يأتي بفرد من الماهية الانتزاعية الذي هو عنوان الصلاة والصيام والحج والزكاة، أي أنّ الماهية غير موجودة في الخارج، فيتعين تعلق الأوامر بها أي بأفرادها في الحقيقة.
ثالثاً: لو سلمنا مع الرجل الهمداني أنّ الكلي موجود في الخارج، وأنه يمكن إيجاده، فهل هذا معناه أنّ الإنسان -أي الفرد المكلف كإنسان- يستطيع إيجاد الكلي في الخارج؟
لا يلزم ذلك؛ فالهمداني يتكلم من جهة وعن شيء ونحن في شيء آخر، فإنّا نسلمه بالنسبة إلى الفاعل الحقيقي وهو الله تعالى شأنه، وأما كلامنا في الفاعل الاختياري المأمور بامتثال الأوامر التشريعية الداخلة تحت اختياره، وعليه فما وقع لم يُقصَد وما قُصِد لم يقع.
فإنّ ما كان ممكناً من الكليات إيجاده في الخارج الذي هو الله تعالى شأنه، وكذا من العلل القسرية فهو ليس محلاً للأمر والنهي، أما الله تعالى فهو الآمر والناهي وليس المأمور.
وعليه، فإنّ المكلف لا يستطيع على أي حال إيجاد الكلي في الخارج، فيكون الأمر به لغواً، وإنما يأتي بالفرد هذا على كِلا تقديري المسألة الفلسفية.
ــــــ[268]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
رابعاً: إنّ مشهور الأصوليين بالرغم من ذهابهم إلى استحالة وجود الكلي في الخارج، ذهبوا إلى تعلق الأوامر بالكليات، وهم يعلمون أنها لا توجد في الخارج باعتبار أحد مسلكين:
إما باعتبار أنّ المطلوب هو فرد الماهية وليس إيجاد الماهية الكلية على سعتها، وإما باعتبار أنّ المطلوب هو الفرد المتضمن للماهية.
وبعبارة أخرى أنّ المطلوب إما إيجاد جزئي الماهية بما هو جزئي، أو إيجاد مصداق الماهية بما هو مصداقها.
وهما لحاظان للفرد الخارجي يختلفان من الناحية النظرية.
وكِلا المسـلكين لا يتوقف على القول بوجود الكلي في الخارج.
هذا وأجاب في التقريرات على هذه الأطروحة فقال: «إنّ النزاع حول وجود الطبيعي في الخارج وعدم وجوده، إنما هو في الوجود بالذات والحقيقة لا في مطلق الوجود ولو بالعَرَض، إذ لا إشكال في أنّ الطبيعة يكون لها نحو وجود في الخارج ولو بالعَرَض، ببرهان صحة حملها على الوجود الخارجي بالحمل الشائع فيقال (زيد إنسان) ولولا الاتحاد لما صح الحمل، فهذا يكشف عن وجود اتحاد في الوجود بين الطبيعي والفرد الخارجي، وهذا يكفي لتعلق الأمر والإرادة التشريعية بها وبطلب إيجادها بهذا النحو في الخارج، فلا يلزم منه التكليف بغير المقدور كما هو واضح». انتهى.
إلا أنّ هذا لا يتمَ لعدّة وجوه:
أولاً: أنه يؤدَي إلى القول بصحة الحمل الشائع بالعَرَض كما ذكر في (زيد
ــــــ[269]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
إنسان) أنه يصدق بالعرض، في حين أنّ الإنسانية هي من الحقائق المتأصلة عندهم، فكيف يكون صدقها بالعرض؟! وهذا مما لا يقره المشهور.
ثانياً: إنّ الماهية معنى انتزاعي في طول وجود الفرد، وليس معنى سابق خلافاً للمشهور الذي يقول: إنّ الماهية معنى سابق رتبة على الفرد، فإنّ الانسانية يفترض كونها قبل وجود الفرد.
هذا وإنّ الكليات ليست بحقائق وإنما هي مفاهيم انتزاعية وخارجة عن محل كلامنا في عنوان المسألة.
فلو اقتصرنا وقلنا: إنّ الآمر يأمر بإيجاد فرد ينتزع منه معنى الماهية وينتزع منه في طول وجوده أنه صلاة وصيام فلا إشكال، وهذا راجع إلى تعلق الأوامر بالأفراد، وهو خلاف مقصودهم من تحقق الماهية في المرتبة السابقة على الأمر وعلى وجود الفرد، وهذا يلزم أنّ الآمر يأمر بما هو مفروض الوجود ومفروض الصدق في المرتبة السابقة على الأمر، وهذا هو الذي عقد له عنوان المسألة.
ثالثاً: يمكن القول أنّ كِلا طرفي الحمل الشائع يُراد به الفرد لا أنه يُراد به الماهية، حيث قال: نحو من الاتحاد موجود بين الفرد والماهية، ولذلك بدليل صحة الحمل عليه (زيد إنسان) فتحمل ماهية الإنسان على الفرد، ولا يصح الحمل إلا بنحو من الاتحاد.
وفيه: إنّ كِلا طرفي الحمل يُراد به الفرد، ولا يختلف المحصّل العقلي بينهما ويؤيده، تنوين التنكير الذي في المحمول (إنسان) أي إنسان واحد، وليس هو حمل الماهية على سعتها، لوضوح أنه لو حملت الماهية على سعتها لكذب الحمل، لأنّ
ــــــ[270]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
زيداً هو كلي الإنسان وإنما هو إنسان في الجملة أو فرد الإنسان.
رابعاً: يمكن أن يقال: إنه يكفي في الحمل وجود الاتصاف، مجرد اتصاف زيد بأنه إنسان لا وجود الاتحاد، فإنّ مِلاك الاتحاد بينهما غير ضروري، فاتصاف الفرد بكونه مصداقاً للكلي ثبوتاً لا أنه متحد مع الكلي لكي يصار إلى القول بوجود الكلي في الخارج.
خامساً: إنّ هذا الاتحاد الذي زعمه إنما هو لتصحيح الحمل، ومن الواضح أنه يكفي فيه مجرد المصداقية عرفاً، هذا كأنما تكرار للوجه السابق، لكن مع إضافة وهي:
إمكان القول باستحالة الاتحاد بين الكلي والجزئي، فإنّ هذا نحو من الاتحاد بين الماهية والفرد، في حين أنّ أحد الطرفين جزئي والآخر كلي، ويستحيل الاتحاد بين الكلي والجزئي لكونهما من عالمين ومن سنخين متباينين.
اللهم إلا أن يقال: تفسير الفرد بمعنى الماهية المتشخّصة بعد تجريدها عن الخصوصيات الزائدة فرد كلي من حيث كونه فرداً للكلي.
فنحتاج إلى ضم مقدمة كبرى: وهي أنّ الكثرة عين الوحدة فنقول: إنّ هذه الماهية الجزئية هي عين ذاك الكلي على سعته فتحقق الاتحاد.
الا أنّ كلتا المقدمتين: الكثرة في عين الوحدة والماهية المتشخّصة لا يقبلها السيد، وطعن فيهما في بعض سياقات كلماته.
فمن هذه الناحية يؤدي إلى صحة ما قلنا من استحالة اتحاد الكلي بالجزئي.
ــــــ[271]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأطروحة الخامسة:
قال في التقريرات(1): «إنّ التشخص الحقيقي وإن كان بالوجود إلا أنه مع ذلك بحسب النظر العرفي تكون بالمشخّصات الخارجية التي هي في طول الشخص الحقيقي، من قبيل اللون والطول والعرض والسكون في مكان معين وزمان معين وغير ذلك هي المشخصة للفرد، رغم كونها بالدقة ضمائم عرضية ومصاديق لماهيات أخرى كلية، فحينما يسأل أحد (من هو زيد؟) يُستعان بهذه المشخصات لتعيينها وبضمها إلى الوجود المصور لهذه المشخّصات يتحقق ما نطلق عليه اسم الفرد ونطلق على ذات الوجود اسم الحصة، فالفرد عبارة عن ذاك الوجود المنضم إليه تلك المشخّصات العرفية، والحصة عبارة عن ذات ذاك الوجود المتشخص مع غض النظر عن مشخّصاته العرفية». انتهى.
الذي أفهم من الحصة هي جزء الكلي، كالعراقي جزء من الإنسان تسمى حصة، وأما الكلي الفردي أيضاً يطلق عليه حصة، فهو اصطلاح ولا مشاحة فيه، لكن المشهور لا يقول بالكلي الفردي، وإنما لا يوجد الكلي في الخارج لا متشخصاً بالفرد ولا على سعته فإذن ليس هو الحصة، لأنّ أصل الفرد ليس جزءً من الكلى وإنما مصداق له.
فيكون محصّل رجوع الأمر إلى الأفراد أنّ الأوامر ترجع إلى الأفراد، حيث إنّ الأمر يسري بحسب جعله المولوي الفوقاني، أو بحسب التطبيق وعالم الامتثال إلى الأفراد، أي إلى الوجود بما له من ضمائم، ولا يسري، بناءً على المسلك الآخر
ــــــ[272]ـــــــ
(1) الظاهر أنها مختاره لانه لم ينسبها الى احد ومقتضى سياق كلامه دفاعه عنها.
منهج الأصول (الجزء السابع)
بل يختص بالفرد الذي يمثل الكلي فقط.
فإنّ كان لا يعقل السريان بحسب التكليف وجعل الحكم، ولكن حيث لا بُدية ونوع هذه المشخصات وحتميتها لا أقل من السريان بحسب روح التكليف وهو الحُبّ لاحتياج الصلاة إليها.
يريد أن يبيّن: إنّا إذا تنزّلنا وقلنا أنّ الجعل لا ينال الضمائم والمشخّصات لكن عندنا أمر على أساسه تكون الضمائم مشمولة وهو الحُبّ الذي نسميه روح الحكم المولوي والإرادة المولوية، التي هي علة الحكم وإن كان نفس الحكم لا يشملها، فعندما أقول (أكرم زيداً) فإنّ الحُبّ يشمل الجميع.
وقوله: (لاحتياج الصلاة إليها..) عبارة نافعة ومهمة
إنّ الفرد بصفته فقط مصداقاً للكلي لا وجود له في الخارج بل هو بحاجة إلى ضمائم بالضرورة، وعليه لا بد أن تكون هناك مقدمات تكوينية لوجوده، إذ لا الكلي وحده، فهذه المقدمات محبوبة للمولى لأنها ضمائم لمحبوبه وسبب وجوده، وبهذا المعنى يمكن أن يشمل حتى عالم الجعل، وإن كان قد توسعت في العبارة أكثر، لأنّ الجعل وإن كان يختص بذاك المعنى التحليلي إلا أنه يعلم أنّ مجعوله أو متعلقه لا يكون إلا بهذه الضمائم، فهو يشمل الضمائم لكي يكون الأمر سبباً لإيجاد المتعلق، وإلا يكون متعذراً على المكلف أنه يوجده فقط، لأنه معنىً تجريدي.
قال في التقريرات: «وفي مقابل ذلك القول يتعلق الأمر بالطبيعة، أي أنه لا يسري إلى تلك الضمائم لا بحسب الجعل ولا بحسب روحه ولا بحسب التطبيق،
ــــــ[273]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لأنّ الجعل تابع لمِلاكه، والمِلاك إنما هو في ذات الطبيعة ولو فرضت لا في زمان أو مكان، ومجرد الملازمة لا يوجب سريان الحُبّ إلا بناءً على وحدة المتلازمين في الحكم، وأما بحسب التطبيق فلأنّ مطبق الماهية إنما هو الحصة والعوارض كل واحد منها مطبق لماهية أخرى، فلا معنى للسريان إليها»(1). انتهى.
السيد بين أمرين من ثلاثة، وهي عالم الجعل، وعالم الامتثال، وعالم الحُبّ، ترك الأخير وبحثه في عالم الجعل.
أما الجعل فهو تابع لمِلاكه، والمِلاك هو لذات الطبيعة، والضمائم ليس فيها مِلاك، ولو فرضت أن توجد الطبيعة من دون زمان ومكان ونحو ذلك من الضمائم لتحقق المِلاك.
إن قلتَ: إنّ الضمائم ملازمة وسبب لوجود المتعلق أو الفرد.
قلتُ: إنّ مجرد الملازمة لا يوجب سريان الحُبّ كما عبّر، ومقتضى القاعدة أن يقول: لا يوجب سريان الجعل. لأنّ الكلام على مستوى الجعل والمِلاك متعلق بالجعل.
ويرد على ذلك عدة إشكالات:
أولاً: إنّ في كلامه في مقدمة الدليل خلطاً بين الماهية والوجود، فإنّ الماهية معنى عقلي له خصائصه موضوعاً وحكماً، والوجود معنىً عقلي له خصائصه موضوعاً ومحمولاً -حكماً- وكلاهما معنى ثبوتي.
ولا بد أن يعلم أنّ الوجود يباين الماهية مفهوماً ومصداقاً، أما السيد فقد
ــــــ[274]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص405.
منهج الأصول (الجزء السابع)
خلط بينها حيث قال: «إنّ التشخّص الحقيقي بالوجود(1)….» إلى أن قال: «وإنّ هذا الوجود يسمى حصة مع غضّ النظر عن الضمائم والصفات الخارجية..».
وهذا الذي يسميه بالحصة من سنخ الماهية لا من سنخ الوجود، فإنّ كلي الإنسان ماهية، وعليه فالحُبّ مهما فسرناه هو حصة من الماهية لا من الوجود، لأنها هي مثلاً الإنسانية الموجودة في زيد وهي غير معنى الوجود، وإن كان تحققه الخارجي بالوجود.
ثانياً: إنّ هذا يستلزم كون الحصة بهذا المعنى موجودة في الخارج، وهذا المسلك مخالف لمسلك المشهور، لأنّ المشهور يقول: إنّ الفرد يحتوي على الكلي خارجاً أو أنه يوجد في الخارج، بل الخارج ينبو عن الكليات.
وقد سبق من السيد ما يظهر منه عدم قبول مثل هذه المباني، ومعه يتعين القول إنّ الحصة بهذا المعنى هي معنى تحليلي عقلي وليس لها وجود خارجي، وإنما هو موجود في الخارج وهو منشأ انتزاع المصداقية، وهو من الناحية الخارجية أو التطبيقية عين الفرد وليس شيئاً زائداً عليها.
ثالثاً: لا يمكن القول بسريان الحكم إلى الأفراد بالمعنى الذي اقترحه، فإنّ معناه مطلوبية الخصائص الزائدة لدى الفرد، وهي غير محتملة ولا نعرف من يذهب إليه من قدماء الأصوليين ومحدثيهم.
نعم، حينما يقول لأجل حاجة الفرد -أي فرد الصلاة- إليها في تحققه الخارجي فهو مطلب صحيح.
ــــــ[275]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص405.
منهج الأصول (الجزء السابع)
رابعاً: إنه اعترف أنّ الحُبّ يتعلق بالفرد بما له من خصائص زائدة لحاجة الماهية إليها في مقام التحقق، مع ضم مقدمة أخرى وهي: أنّ الجعل يأتي بمقدار ما هو محبوب -بمقدار ما يحب المولى أن يأمر به- ولا يمكن أن يزيد عليه أو ينقص منه، ومعنى ذلك أنّ الجعل أيضاً يشمل الضمائم، كما أنّ الحب يشمل الضمائم.
خامساً: إنه في عنوان مناقشته لتعلق الأمر بالأفراد أنه لا يتم لا بحسب الجعل ولا روحه -الحب- ولا بحسب عالم التطبيق، ولكنه بين عالم الجعل والتطبيق وترك روح الجعل -الحب- وإنما تعرض له عرضاً.
سادساً: إنّ في بيانه عن تعلق الجعل بالطبائع خلط بين الجعل والحب، لأنه ذكرهما في بيان واحد، وهو مبني على ارتكازية أنّ نسبة الحب والجعل التساوي بينهما أو قل: بين متعلق الحب ومتعلق الجعل، فإنّ ما هو محبوب مجعول وهذا صحيح، إلا أنّ الظاهر من عبارته السابقة كون الحب أوسع من الجعل لتعلق الحب بالخصائص الزائدة دون الجعل، وهذا ينتج ضد ما أراده، وهو أنّ الملازمة كافية بين المصداقية والضمائم الزائدة لسريان الحُب إلى الضمائم وإن لم يسرِ الحكم إليها، فإنّه لا يسري، ولكن الحُب يسري لأنه أوسع من الحكم.
ومنه يتضح الخلط بين الحكم والحب، فإنّ عدم السريان على ذلك خاص بالحكم وغير شامل للحب وهو اشتباه.
ــــــ[276]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مناقشة رأي المشهور في تعلق الأمر بالطبائع أو بالأفراد
كان الكلام في أحد الإشكالات على المشهور، وذكر في الإشكال أنّ الكليات هي عناوين انتزاعية ذهنية متحققة في طول الوجود الجزئي الخارجي وليس العكس كما عليه المشهور، واستشهدت لذلك بعدة امور نستمر في ذكر بعضها:
ومن ذلك أنهم قالوا: إنّ الصورة الذهنية بالحمل الشائع أي الملحوظة بما هي جزئي ومن صفات النفس، وهي بالحمل الأولي كلي لأنها فانية في شيء خارج الذهن، إذا كان مدلولها كلياً، من قبيل صورة الإنسان أو الإنسانية أو الحيوان أو الحيوانية، وليست صورة الفرد، إذ الكلام عن الكلي فتكون صورة الكلي بالحمل الأولى كلية لأنها فانية في شيء خارج الذهن وهذا صحيح، إلا أنه لا يستقيم إلا مع الاعتراف بعالم الواقع، وأما المشهور فقد أهمل هذه الجهة وأنكر عالم الواقع، فإنه يتعين عليه القول بذلك.
الخطوة الأخرى: نستنتج من ذلك أنّ الصورة الذهنية فانية لا معنى لها ولا محصّل إطلاقاً، لأنّ الفناء معنى إضافي، ومع فقد أحد الطرفين ينتفي المعنى الإضافي، وخاصة إذا كان هو الأهم، إذا كان الطرف المفقود هو الأهم وهو المفني فيه، فلا يمكن أن يكون الفناء متحققاً بدون المفني فيه.
إذن، فالصورة الذهنية لا تعطي صورة للكليات خارجاً عن الذهن، لأنّ الكليات خارجة عن الذهن لا موجودة لا في عالم الواقع ولا في عالم الذهن ولا في عالم الخارج، إذن فهي غير موجودة، فطرف الفناء في الصورة الذهنية عن الكلي غير موجود، لأنّ الكلي في نفسه غير موجود، فالفناء لا يتحقق في الصورة الذهنية
ــــــ[277]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لأنّ طرف الإضافة منتفٍ.
نعم، الصورة الذهنية تعطي صورة الجزئيات الخارجية، لأنها قابلة للفناء فيها مادامت متحققة خارجاً أو مفروضة التحقق، وأما فرض تحقق الكليات خارجاً فهو فرض المستحيل ولا مورد له.
إن قلتَ: إن قصد في الافراد الموجودة حقيقة وخارجاً، تكون المسألة ضيقة جداً بل لا بد من تعميمها إلى الأفراد المفروضة مضافاً إلى الأفراد الموجودة، لا أقل أن نتصور أنها موجودة في الزمان المستقبل ونحو ذلك، أو في الزمان الماضي إن لم يكن في الزمان الحاضر.
الخطوة التالية: إننا كما قلنا ذلك في الأفراد من حيث انقسامها إلى ما هو متحقق وإلى ما هو مفروض الوجود، نقول ذلك بالنسبة إلى الكليات أيضاً، تنقسم إلى ما هو متحقق وما هو مفروض الوجود، فما هو مفروض الوجود تفنى الصورة فيه في طول فرض وجوده، وهذا لا محذور فيه.
جوابه: إنّ هناك فرق بين فرض وجود الجزئيات خارجاً وفرض وجود الكليات خارجاً، فإنّ فرض وجود الجزئيات معقول لأنّها في نفسها معقولة، إذ الخارج هو عالم الجزئيات. وأما فرض الكليات فهو مستحيل، لأنّ المشهور إنما يطلب الوجود إنما هو الوجود الخارجي، وفرض وجود خارجي للكليات مستحيل لا مورد له.
وإذا سرنا بهذا الاتجاه تعيّن تعلق الجعل المولوي بالأفراد واستحال تعلقه بالكليات أو الطبائع، لأنها وهمية ولأنّ الصورة الذهنية لا تعطي صورة عنها
ــــــ[278]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لتعذر فنائها فيها، ومادام الجعل إنما هو عن طريق الصور الذهنية في نفس المولى لا غير فيتعين أنّ متعلق الجعل بالأفراد المفترضة الوجود على طول خط الزمان، هذا لازم كلام المشهور.
وعليه فتنتفي الكليات بما فيها من حقيقة -أي الكليات الحقيقية والانتزاعية- وصح ذلك برهاناً ضد المشهور على عدمها كما قلنا: بأنّ الكليات الحقيقية غير موجودة ولا يعرفها إلا الله تعالى شأنه، فهي غير موجودة لا في الخارج ولا في الذهن ولا في الواقع.
كما يترتب على ذلك عدم كون الفرد محتوياً على الكلي، لأنه إحدى النظريتين أنه معنوي على الكلي ومتضمن له وجزئه التحليلي هو الكلي، كما لو قلنا: (زيد حيوان ناطق) فجزئه التحليلي لزيد هو جزئي ويأكل ويمشي هو حيوان لا بكونه ناطق، فالكلي في ضمن الجزئي موجود وكذلك كونه زيد نقول: (زيد إنسان)، الجزء التحليلي لزيد هو الإنسانية، وهكذا كل الكليات المنطبقة عليه هي أجزاء تحليلية من الجزئي من الفرد.
لكن طبقاً للاتجاه الذي سرنا به ضد المشهور أنه يترتب على ذلك عدم كون الفرد معنوياً على الكلي، فإنّ ذلك مضافاً إلى أنه لا دليل عليه لأنه إنما استنتج باعتبار صحة الحمل حينما نقول: (زيد حيوان ناطق) صحة الحمل يكفي في المصداقية.
فليكن الكلى الواقعي قد أصبح جزءً من الكلي.
بما أن عالم الواقع مشارِك لعالم الخارج بالحياة -اي أنه ليس أمراً عدمياً- إلا
ــــــ[279]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أنّ الواقع الموجود مباين بالحمل الأولي مع ما هو خارجي، فإنّ النسبة في الحمل الأولي مباينة لطرفيها.
وأما المدّعى هنا في الجزء التحليلي، إما أن يكون جزئي واحد بعينه مكوّن من شيء واقعي وشيء خارجي مع كون الواقع ليس له وجود خارجي بحسب ما هو مفروض وإلّا يكون خارجياً محضاً.
هذا مضافاً إلى أنّه مما لا دليل عليه، فإنّه مخالف للفهم العقلي المستقيم بل هو محال كذلك.
قلتُ: إنّ الفرد الجزئي مكوّن مما هو موجود ومما هو معدوم، لأنّ الواقعي معدوم خارجي، والفرد الجزئي الخارجي لا يمكن أن يكون مكوّناً مما هو موجود وما هو معدوم.
ثالثاً(1): إنّ ما قيل بأنّ الجزئي يحتوي على الكلي، إنما هو في الكليات الحقيقية ومصاديقها من قبيل الإنسانية والحيوانية لا في الكليات الاعتبارية والانتزاعية والإضافية، فإنها مما لم يقل به أحد وهو غير محتمل.
ومن المعلوم أنّ متعلقات الأحكام إنما هي الأفعال الاختيارية؛ (افعل) و(اترك) وليس شيئاً آخر.
والمهم في المتعلق ليس هو المقولات الحقيقية المنطبقة على الأفعال الاختيارية كالحركة والسكون والانتقال وغيرها، وإنما المهم تشريعياً انطباق عناوين انتزاعية أخرى ليست أصلية، كالصلاة والصيام والحج ونحو ذلك، وهي مما تخلو أفرادها
ــــــ[280]ـــــــ
(1) يوجد سقط في الأسطر السابقة.
منهج الأصول (الجزء السابع)
من الكليات الحقيقية، وإنما هي أفراد انتزاعية ليس أكثر من ذلك، فالكليات المنطبقة عليها أولى أن تكون كليات انتزاعية.
وعليه، فإذا كان المأمور به دائماً هو الفعل الاختياري الانتزاعي، فهذا المأمور به أو قل هو المتعلق لا يكون جزئه التحليلي الكلي المنطبق عليه، ومعه يتعين أن يكون الأمر بالفرد وليس بالكلي لا على سعته ولا بوجوده الجزئي التحليلي، لأنه لا وجود لشيء من هذا القبيل.
تقريباً مازلنا في مقدمات النتيجة التي لم نصل إليها بعد، وهنا توجد إشكالات لا بد من التعرض إليها مع أجوبتها.
فإن قلتَ: إنك أشرتَ إلى أنّ العرف يوافق الرجل الهمداني في وجود الكلي في الخارج، فليكن هو المأمور به شرعاً كما هو المأمور به عرفاً، وخاصة نحن نفهم الظواهر الشرعية من ناحية عرفية، فاستظهار الكلي العرفي منها ليس بعسير، فنفهم من متعلقات الأحكام أنها متعلقة بالكلي الذي يفهمه العرف وهذا كافٍ.
قلنا: هذا مضمون فيه كبرى وصغرى:
أما الكبرى: فلإمكان القول بأنّ العرف لا يفهم الكلي على سعته وأنّ فهم تطبيقاته وحصصه ارتكازاً، ولذا لو سُئل أي عرفي على الإطلاق بأنه هل الكلي أو ما يؤدي مؤداه موجود في الخارج؟ فإنه لن يستطيع أن يجيب، فضلاً عن أن نقول أنّ المتسالم عرفاً هو ذلك.
إن قلتَ: إنّ ما هو المعتمد عرفاً هو الظواهر وهذا صحيح، إلا أننا لا نعتمد على العرف في الأحكام العقلية، وعليه فإنّ فهم العرف وجود الكلي في الخارج
ــــــ[281]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فهم عقلي مربوط بالأحكام العقلية لا بالأمور الاستظهارية، فمن هذه الناحية لا يقبل من العرف ذلك وهذا إشكال مشهور.
قلتُ: هذا غير وارد، لأنّ فهم العرف مادام مستظهراً من الظاهر يقبل على كل حال، وإن كان مبتنياً على مقدمات خاطئة بالدقة، فإنّ العرف يعتبرها صحيحة أما عند العقل فهي باطلة. هذه المقدمات الصحيحة عند العرف يتكون منها ظهور عَرَضي، وهذا كافٍ في الاعتبار والحجية الشرعية.
وأما الصغرى: فلأنّ السير العرفية والعقلائية بمنزلة الدليل اللُبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو الماهيات الحقيقية دون الاعتبارية والانتزاعية. مع الالتفات إلى ما قلناه من أنّ متعلقات الأوامر كلها اعتبارية وانتزاعية وليس منها ما هو ملحوظ جانبه الحقيقي.
والظاهر أنه ليس مراد الرجل الهمداني في وجود الكلي في الخارج إلا الكليات الحقيقية دون الكليات الاعتبارية والانتزاعية، ولا يحتمل الرجل الهمداني وجود الكليات الاعتبارية بنفس هذا المعنى.
بل إنّ العرف يدرك ارتكازاً أنّ ما تتعلق به الأوامر هو الجزئيات دون الكليات، بل هذا المعنى هو المتعين إذا التفتنا إلى أنّ سير العرف حسياً وثبوتياً ضيقاً وسطحياً، فالزعم أنّ الأوامر العرفية تتعلق بالكليات لا يمكن قبوله وإن فرضنا أنه تام عقلاً.
فإن قلتَ: إنّ الآمر العرفي إذا التفت يدرك أنّ متعلق أمره كلياً، حيث قراءة الكتاب الذي يأمر به يمكن أن يوجد في هذا المكان وفي ذاك وفي هذا الزمان
ــــــ[282]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
صبحاً وفي ذاك عصراً مثلاً، وكله لا مانع منه.
قلتُ: هذا في الحقيقة لا يرجع إلى تعلق الأمر بالكلي، وإنما يرجع إلى التخيير الشرعي بين الأفراد التي هي متفقة بالحقيقة والماهية وإن كانت مختلفة بالوجود، والتخيير أمره موكول إلى المكلف واختياره في أن يمثل الأمر بأي نحو يحقق الأمر، بعد وضوح عدم وجوب التكرار في أكثر من مكان أو زمان، بعد وضوح أنّ الآمر إذا التفت إلى هذه التفاصيل فإنه يخير عبده بينها، لأنه جعل الأمر متعلقا بالجامع بينها، ولا مانع له من أي منها.
فإن قلتَ: لو سرنا بهذا الاتجاه انسدت حصة أو عدة حصص من الأوضاع اللغوية، إذ لا شك أنّ المفهوم أو المتبادر أو المنساق -باللغة الحديثة- من غير الهيئات هو ذلك الكلي المفهوم من الهيئات وهو الجزئي، وهذا مثبت في مبحث المعنى الحرفي، والمفهوم من غير الهيئات هو الكلي كائناً ما كان بما فيها أسماء الأجناس والمصادر ومواد الأفعال والمشتقات -مواد المشتقات- فيكون الأمر الذي زعمناه واضح البطلان.
قلنا: إنّنا لو أنكرنا معنى الكلي إطلاقاً لزم ذلك، إلا أننا لم نقل ذلك، وليس لنا أن نقول، وإنما أنكرنا أمرين في هذه المقدمات السابقة:
أحدهما: وجود الكلي في المرتبة السابقة على الأفراد، كما هو المشهور عند المناطقة.
ثانيهما: تصور الكلي قد أنكرناه، إمكان تصور الكلي بناءً على مسلك المشهور المنكِر لعالم الواقع ولو بلسان حاله، لأننا قلنا أنّ الكلي في الواقع غير موجود، فلا
ــــــ[283]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وجود له في الخارج ولا في الذهن، لأنّ ما في الذهن هو الصورة الذهنية وليست هي كلية بل هي جزئية، فعلى مسلك المشهور لا وجود للكلي وليس أني اقول بذلك.
ومعنى ذلك أننا لو طبقنا كلا هذين الشرطين، إذن فالكليات موجودة، إذ أنها متصورة في المرتبة اللاحقة للأفراد وموجودة في عالم الواقع.
وأيضاً فإنّ الصورة الذهنية الملحوظة بالحمل الأولي تكون فانية في معانيها التي هي كليات واقعية بما هي واقعية ولست خارجية.
وأما لحوق وتأخر تصور الكليات عن تصور الجزئيات فهو دائماً مقتضى تطور العقل البشري من الجهل إلى العلم، كل جاهل يبدأ برؤية الجزئي ثم ينتقل منه إلى الكلي، وهذا المعنى يؤيد ما قلناه وإن كان ليس ببرهان.
فإن قلتَ: إنّه يلزم من كلامك تأخر عالم الواقع رتبة عن عالم الخارج، لأنه عالم الكليات والخارج عالم الجزئيات، والكليات متأخرة عن الجزئيات، مع العلم أنّ المفهوم المفروض خلافه، الذي ينساق أولاً لفهم العقل والحدس هو أنّ عالم الواقع أسبق رتبة من عالم الخارج، فيلزم بطلان ما قلناه.
قلنا: بأنه مضافاً إلى أنه لا محذور من ذلك، فإنّ عالم الواقع موجود وفيه كليات متأخرة، إذن يكون هو متأخراً وما الضير في ذلك، فإنه يمكن التفريق بين عالم الثبوت وعالم الإثبات. ففي عالم الثبوت -أي الواقع ونفس الأمر- يعني في علم الله يكون متقدماً رتبة على الخارج، وفي عالم الإثبات والانتزاع يكون متأخراً، أي فهمه يكون متأخراً عن فهم الخارج أو جزئيات الخارج.
ــــــ[284]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإن قلتَ: بحسب هذه النتيجة إنّ الواقع متقدم ثبوتاً على الخارج، فقد رجعنا إلى التصور المشهوري من وجود الكليات، فإنه يوجد هناك كليات واقعية موجودة في الرتبة السابقة على الأفراد الخارجية، ومعه يمكن توجه الأمر إليها ولم يكن المشهور في ذلك مقصراً.
قلنا: إنه من غير المعقول توجه الأمر إلى الكلي بما هو كلي، وإنما المطلوب هو فرد منه، فلا محال يرجع الأمر إلى الفرد، لأننا قلنا: إنّه هناك إيجاد الكلي إن كان في عالم الواقع فهو من تحصيل الحاصل، وإن كان في عالم الخارج فهو من طلب المستحيل، لأنّ الخارج ليس ظرفاً للكلي.
فإن قلتَ: إنّ الفرد إنما يتحقق في عالم الامتثال والتطبيق وهو العالم المجعول، وأما عالم الجعل فيمكن أن يكون الحكم متعلقاً بأمر كلي، وهذا مشهور متسالم على صحته.
قلنا: إنّه إنما يصدق الامتثال -متى يكون الامتثال امتثالاً- مع مطابقة المأتي به مع المأمور به، إذ لا بد من مطابقة عالم الامتثال الذي هو المأتي به مع عالم الجعل، فإذا ماثله العكس أيضاً يكون صحيحاً، بمعنى مطابقة عالم الجعل لعالم الامتثال.
هذا وقد سلمنا أنّ المتعلق في عالم الامتثال جزئياً إذن يستحيل أن يكون في عالم الجعل كلياً، بحكم المطابقة بينهما والمماثلة من حيث الكلية والجزئية، وإلا كان أمراً بالمستحيل، بمعنى أنه يأمره بشيء لا يمكنه تطبيقه في عالم الامتثال، وهذا على خلاف الحكمة.
ــــــ[285]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإن قلتَ: إنّه يلزم من تعلق الأمر بالفرد دخول الخصائص الفردية الخارجية تحت الأمر لدخولها في حقيقة الفرد وإن لم تدخل في حقيقة الكلي، حيث إنّ الفرد متكون منها، وخاصة إذا التفتنا إلى الفهم العرفي ونحن نفهم الكتاب والسنة فهماً عرفياً لا محالة، والفهم العرفي للفرد متكوّن من هذا المجموع بما فيه من خصائص إضافية، إذن كله يدخل تحت الأمر، وهذا كأنه غير محتمل ولازم باطل.
قلنا: يمكن الجواب على ذلك على مستويين عقلي وعرفي، وقد سبق أن ذكرته من زاوية الإشكال على المشهور، ولكن هنا أريد أن أطبقه على نظريتي فأقول:
أما على المستوى العقلي: فلإمكان القول بأنّ المراد بالفرد ليس هو هذا المجموع من الخصائص، بل المراد هو الجزء التحليلي الذي به يصدق كون الفرد مصداقاً للكلي، بأن يصدق على زيد إنسان، فهناك جزء تحليلي في زيد يجعله إنساناً، الجزء التحليلي الذي به يصدق كون الفرد مصداقاً للكلي لا أكثر، هو جزء معنوي وليس قطعة من جسمه، وهذا الجزء التحليلي ليس هو الكلي لكي يلزم وجود الكلي في الخارج، وإنما فيه حيثية أو صفة تحليلية خارجية ضرورية الوجود في الفرد، وهي التي تربط عالم الخارج بعالم الواقع، لأنّ الفرد خارجي والكلي واقعي.
وليست هذه الحيثية هي حيثية واقعية فقط، لنقول: وجود ما هو معدوم أو تكون الفرد مما هو موجود خارجي ومما هو معدوم خارجي كما أشكلنا سابقاً، وإنما هي حيثية خارجية وموجودة خارجاً وصادقة حقيقةً، تمثل انتقال ما هو واقعي إلى الخارج مع ضمائم ضرورية غير دخيلة في المصداقية التي هي الأشياء
ــــــ[286]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الأخرى، فهذا من الناحية العقلية.
وأما من الناحية العرفية: فقد سبق أن أشرنا إلى الضمائم الثابتة والضمائم المتحركة، حيث إنّ الضمائم على حصتين أو على قسمين ثابتة ومتحركة.
وهذا ما يفهمه العرف إذا التفت إليه، لأنّ السائل في الإشكال حوّلنا على العرف، مع أنّ الناحية العقلية ليس فيها شيء عرفي فتركنا التعرض لها، ولكن الآن لا بد من الالتفات إلى العرف، والعرف يفهم الخصائص الثابتة والمتحركة.
أما الضمائم المتحركة، فلا يحتمل دخلها تحت الأمر، وأما الضمائم الثابتة، فلنا تجاهها أحد موقفين: الأرجح عندي والأقرب إلى وجداني عدم دخولها تحت الأمر، فإما إنّا ننفيها عن الأفعال الاختيارية بأن يكون الفعل فقط ليس له ضميمة، وإنما الضمائم الثابتة في الإنسان الذي يأكل ويمشي ويتحرك ويتكلم وو…. وأما الحركة فإنّه ليس لها ضميمة ثابتة.
وإما أن نقر بدخولها تحت الأمر فنقول: نعم، هي مأمور بها ولا محذور من ذلك عرفاً ولا شرعاً، باعتبارها مقدمة تكوينية لوجود المأمور به، وهو حيثية المصداقية في الفرد، وهذا من الضروري أن توجد هذه الضمائم الثابتة لكي يوجد الفرد، فتكون بمنزلة المقدمة التكوينية لوجوده، مع ضم مقدمة، وهي أنّ حبّ المأمور يسري إلى حب مقدماته، كما أنّ الأمر بذي المقدمة أمر بمقدماته، وإن لم تصح مقدمة اصطلاحية من قبيل الوضوء، ولو كان المراد من المقدمات الداخلية ذلك فلنسمها مقدمات داخلية، أي في داخل الفرد ومتضمنة للفرد وهي واجبة أيضاً في ضمن وجوب الفرد.
ــــــ[287]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
بعد أن انتهينا من مجموع النظرية ينبغي أن نلتفت إلى ما قيل في المصادر وننظر فيها على بعض التفاصيل، ولا أعلم أنّ في المحاضرات شيء فننظر في التقريرات فإنّ فيها شيئاً يذكر.
في التقريرات كلام كثير لا أريد الدخول فيه وإنما أذكر أهم ما فيه وخلاصته وننظر فيه.
ومحصّل ما ذكره: «إنّ الطلب إنما يتعلق بالمفهوم بما هو مرآة لا بما هو هو(1)»، ويقصد بالمفهوم الصورة الذهنية، ويقصد بالمرآة النظر إلى الصورة الذهنية بالحمل الأولي، أي بما هي فانية في ذيها، ويقصد (بما هو هو) النظر إلى الصورة الذهنية بالحمل الشايع أي بما هي ذات وجود استقلالي نفسي، ونفس المفهوم يكون بمعروضه بالذات والصورة الذهنية هي التي تكون معروضة للطلب، فالطلب بعرض الصورة الذهنية بما هي منظورة بالحمل الأولي، أي بما هي مرآة لما هو خارج الذهن، إذ لا يمكن أن يعرض الطلب للفرد الخارجي، لأنّ وجود الفرد مساوق للتشخص، فيكون تعلق الأمر به تحصيلاً للحاصل، كما لا يمكن عروض الطلب على المفهوم بالعرض.
بعبارة أخرى: إنّ رأي السيد أنّ الطلب يعرض على المفهوم بالذات عروضاً بالذات لا بالعرض، فلو عرض بالعرض على المفهوم لكان هذا محلاً للإشكال.
ــــــ[288]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص399.
منهج الأصول (الجزء السابع)
لأنّ وجود المعروض بالعرض مساوق للتشخّص، فيكون تعلق الأمر به تحصيلاً للحاصل.
نعم، الذي يوجد في الخارج عند الامتثال يكون مصداقاً لمعروض الطلب الذي هو المفهوم، لا أنه معروضه لا بالحقيقة ولا بالذات ولا بالعرض.
وجوابه على عدة مستويات:
المستوى الأول:
إنّ تعلق الأمر بالفرد المفروض الوجود في الخارج تحصيل للحاصل، أو أمر بالحاصل، وهو مستحيل لا بمطلق الفرد.
وأما تعلق الطلب بمطلق الفرد فليس بمستحيل، ولا تحصيل الحاصل، لأنه يتعلق بالحصة الأخرى التي هي ليست مفروضة الوجود وهذا كافٍ، بل يمكن التعبير أنه يتعلق بالفرد حال كونه مفروض العدم ويكون المطلوب إيجاده.
المستوى الثاني: إنّ عروض الطلب على الأفراد وإن لم يكن مستحيلاً لأنه قد يأمر المولى بأمر فردي وهو جائز، إلا أنه متعذر لعدم انحصار الأفراد، فلا محالة يكون المعروض المباشر للطلب هو المفهوم الجامع بينها، سواء سميناه بالماهية أو بالمفهوم الانتزاعي، وسواء قلنا بالنظر الاستقلالي له أو بالنظر الطريقي إلى الأفراد.
المستوى الثالث: إنّ النظر الطريقي إلى هذا المفهوم كما قلنا ينتج انطباق الاصطلاحي، بأنّ المفهوم هو المتعلق بالذات والأفراد هي المتعلق بالعرض للطلب، كما نقول: إنّ الصورة الذهنية مدرَكة بالذات وواقعها مدرَك بالعرض،
ــــــ[289]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
كذلك الصورة الذهنية مأمور بها بالذات وواقعها أو متعلقها مأمور بالعرض.
وقال: «إنّ الفرد ليس مأموراً لا بالذات ولا بالعرض…».
ويقول أيضاً: «الصورة الذهنية ليست ملحوظة بما هي هي وإنما ملحوظة بما هي مرآة وبالحمل الأولي» كما ذكرناه.
مع العلم أنه عندنا أمران: المطلوب أولاً وبالذات، والمطلوب ثانياً وبالعرض، فما هما؟ علماً أنّ السيد قد حصر المأمور به في شيء واحد وهو المطلوب بالذات.
وعليه، فهنا اطروحتان في الجواب:
الأطروحة الأولى:
أن نقول: إنّ المطلوب بالذات هو الصورة بما هي هي، أي منظوراً إليها بالحمل الشائع، والمطلوب بالعرض هو الصورة بالحمل الأولي، أي بما هي مرآة، فهو صحيح لكنه بالتالي.
الأطروحة الثانية: وهي أقرب إلى النظر المشهوري، وهو أن يكون المعروض بالذات في الطلب هو الصورة، والعرض هو في الصورة بالحمل الأولي، أي بما هي مرآة، والمعروض بالعرض هو الفرد المطلوب بالعرض، هو الفرد الذي هو ذو الصورة، كما نقول أنّ المُدرَك بالذات هو الصورة، والمُدرَك بالعرض هو ذو الصورة. وهذا أيضاً على خلاف كلامه من أنّ الفرد لا يكون معروضاً للطلب، لا بالذات ولا بالعرض، فمن هذه الناحية يكون كلامه نحو من القصور حينما حصر المطلب بشيء واحد، وهو الصورة المنظورة إليها مرآة وبالحمل الأولي،
ــــــ[290]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأهمل التي هي أسبق منها رتبة وألحقُ منها رتبة ولم يجعلها لا مطلوبة بالذات ولا مطلوبة بالعرض.
إننا نلاحظ أنّ كون الصورة الذهنية مطلوبة بالذات لا يعني أنّ الفرد المأمور به مأمور به بالعرض أو مطلوب بالعرض، لأنني قلتُ: إنّ الأوامر تتوجه إلى الأفراد.
وهذا عكس النظرية المشهورة، لأنها على أساس أنّ المطلوب أولاً وبالذات هو الصورة الذهنية، والمطلوب ثانياً وبالعرض هو الفرد، بغض النظر عما قلناه قبل قليل.
وأما على الرأي الذي أسستُه أنّ المطلوب أولاً وبالذات هو الصورة الذهنية، وأما المطلوب ثانياً وبالعرض هو الفرد وليس الصورة الذهنية، ولكن مع هذا التفريق:
بين عالم الإثبات وعالم الثبوت، فهذا الذي قلناه ووافقنا به المشهور إنما هو عالم الإثبات، أي طريق تعرف المولى على ما هو المأمور به، الذي هو معنى الإثبات بهذا المعنى، فإنه يدرك بالذات الصورة ويدرك بالعرض الفرد، فيأمر بالذات ما أدركه بالذات، ويأمر بالعرض ما أدركه بالعرض.
أما الجعل الأصلي القانوني الناشئ من الحب والإرادة بغض النظر عن الصورة الذهنية فبالعكس، أي أنّ مرحلة الثبوت عكس مرحلة الإثبات.
فإذا قلنا: إنّ محله الثبوت فإنّ الطلب يتعلق بالماهية، أي تتوافق مرحلة الإثبات ومرحلة الثبوت.
ــــــ[291]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما إذا قلنا: إنّ الطلب يتعلق بالأفراد، فيكون بالعكس، مرحلة الإثبات تكون على الطريقة المشهورية، ومرحلة الثبوت يكون عكسها، أي أنّ المرغوب والمطلوب بحسب الحب والإرادة والمِلاك هو الفرد، وثانياً وبالعرض لأجل الإشارة إليه واختصار الطريق بالأمر به، هو الصورة الذهنية ليست هي ملحوظة حقيقةً تحت الأمر فإنما هي ثانياً وبالعرض وليست محمودة إلا بصفتها ممثلة للمحبوب وصورة عن المحبوب ليس أكثر من ذلك.
قال في التقريرات: «رابعاً: إنما يوجده المكلف في الخارج، أي يصبح بعد وجوده مصداقاً لمعروض الطلب الذي هو الماهية المطلوبة في عالم الجعل، المطلوب هو كلي الصلاة ومفهومها وهذا في مقام الامتثال صلاة بالحمل الشائع. وهذا بمكان من الوضوح».
وهذا صحيح في عالم الإثبات، إذ لولا هذه المصداقية لا بد أن أحرز أنّ ما أتيت به هو مصداق من المأمور به، مطابقة المأتي به للمأمور به ضرورية، وبهذه المطابقة تثبت المصداقية، فلولاها لم يمكن تشخيص صحة المأتي به ومطابقته، ولما أمكن التمسك بالإطلاق، لأنّ هذا الإثبات إطلاق ظهوري يشمل كل الأفراد.
ولا ينافي هذه المصداقية للفرد الخارجي من المفهوم العكس من الناحية الثبوتية كما قلنا.
وبإحراز المصداقية -مصداقية المأتي به من المأمور به الكلي- يحرز أنه فرد مأمور به، قبل تحققه، أي أنه إذا أتيت بالصلاة جامعة لهذه الشرائط وفاقدة للموانع فهي صلاة مأمور بها قبل تحقق الأمر ومجزية بعد تحققه، فيحرز أنه فرد
ــــــ[292]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مأمور به قبل تحققه، أي تصور الفرد والعزم على الاتيان بالصلاة الجامعة للشرائط، فإذا أتى بالصلاة يحكم بكونها مجزية بعد تحققه.
قال في التقريرات: «خامساً: إنّ الوجود مساوق مع التشخص…».
وهذه عبارة مشهورة وصحيحة إذا قصد من الوجود الوجودَ الخارجي، وأما إذا قصد الوجود الواقعي، أي الحصة الأخرى من الواقع التي ليست هي خارجية، فهي غير مساوقة مع التشخص.
وعليه، يمكن للمشهور أن يقول: يتعلق الأمر بالكلي بهذا المعنى، وهو موجود في عالم الواقع عندنا، وهذا الوجود غير مساوق للتشخص ليحكم بأنه تحصيل الحاصل، وعليه فيأمر بالكليات من هذه الناحية، لأنه يتعلق بالذات بالصورة الذهنية ويتعلق بالعرض بذيها.
ولكن السيد يزعم أنّ ذا الصورة الذهنية هو الخارج، وهو وجود الشيء في الخارج، فيلزم منه الأمر بتحصيل الحاصل، لأنّ الوجود الخارجي مساوق مع التشخص.
أقول: إنّ ذي الصورة الذهنية هو الواقع كماهية الصلاة وهي كلية وهي ليست خارجية، لأنّ الخارج ليس عالم الكليات، وإنما الواقع هو عالم الكليات.
ثم نقل في التقریرات كلام صاحب الكفاية: «وقد أجاب عن هذا الإشكال(1) صاحب الكفاية، بأنّ الذي يتعلق به الطلب هو إيجاد الطبيعة لا وجودها، فلا يلزم تعلق الطلب بالطبيعة الموجودة كي يلزم طلب الحاصل»(2).
ــــــ[293]ـــــــ
(1) الامر بالطبيعة تحصيل للحاصل. (منه).
(2) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص399.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أقول: وهذا جوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: إنّ المشهور يقول: إنّ إشكال طلب الحاصل إن كان يأتي في الفرد فإنه لا يأتي في الطبيعة طلب الحاصل وهذا صحيح، لأنّ الفرد أي الموجود الخارجي طلبه تحصيل للحاصل، لكن الطبيعة ليس كذلك، لأنّ الطبيعة لم تؤخذ بما هي موجودة كي يلزم المحذور.
الوجه الثاني: إنه لا حاجة للإشكال أصلاً فإنه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، سواء قلنا إيجاداً أو وجوداً لم يتعلق بها بما هي موجودة لكي يلزم تحصيل الحاصل.
وعليه، فتغيير التعبير من الوجود إلى الإيجاد لا محصّل له، إذ يأتي الإشكال عليه أيضاً، لأنّ الايجاد هو التام والناجز فيكون من طلب الحاصل، أيضاً لو كان معناه الاشتغال بالإيجاد، فإنّ الإيجاد هو العلة التامة وهي مساوقة لوجود المعلول.
الوجه الثالث: إنّ هذا التغيير من الوجود إلى الإيجاد لا يمكن، لأنه إما حال الوجود أو العدم، فإن كان حال العدم لم يصح الأمر بالمعدوم، وإن كان حال الوجود لزم تحصيل الحاصل.
الوجه الرابع: ما ذكره في التقريرات حيث قال في مناقشة الآخوند: «أنه لا فرق بين الإيجاد والوجود إلا بالاعتبار، وإضافة الشيء إلى الفاعل تارة وإلى نفسه أخرى لا يغير الواقع شيئاً فمحذور طلب الحاصل باقٍ على حاله حتى لو كان الطلب متعلقاً بإيجاد الطبيعة، فإنه سوف يكون متأخراً عن مرتبة هذا الإيجاد،
ــــــ[294]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
ومعه يكون طلبه الحاصل». انتهى
أقول: إنّ مقصوده أنّ جانب الاعتبار والحيثية لا يغير من الواقع شيئاً، ولكني أقول بالفرق الدلالي أو اللغوي بين الإيجاد والوجود، وإن لم يكن هناك فرق بالدقة العقلية، ولكن بحسب الدلالة اللغوية يوجد فرق وهذا كافٍ في تعلق الأمر به -أي الإيجاد- ويشهد لذلك أنه أعترف على ما في التقریرات من أنّ معنى الايجاد يكون تارة بلحاظ الشيء إلى فاعله، وبهذه الحيثية لا يكون مفروض الحصول ليكون الأمر به تحصيلاً للحاصل.
ومما يتحصل من التقريرات من الإشكالات على تعلق الطلب بالفرد، أنّ الفرد عندئذٍ يكون هو المتعلق بالعرض، لأنّ المتعلق بالذات هو الصورة الذهنية الفانية في الفرد على ما هو المفروض، فيكون الفرد متعلقاً بالعرض بالطلب، فلو كان المطلوب أو المتعلق -وكلاهما بمعنى واحد- هو الوجود الخارجي لزم تأخر الطلب عنه، أي يكون في مرتبة متأخرة عن الوجود الخارجي، لأنّ مرتبته متأخرة عن المعروض بالعرض، فيكون طلبه طلباً للحاصل.
وقد تحصّل من الجواب على مثل هذه الشبهة مستويين:
المستوى الأول: إنّ الفرد وإن كان معروضاً للطلب بالعرض -كما قال- في عالم الجعل لكنه لا يلحظ بما هو موجود، بل بصفته شيئاً يراد وجوده أو إيجاده، كما يقال عرفاً: (أوجد فرداً من الصلاة)، فيُشار في الجعل أو عند الجعل إلى الفرد قبل وجوده ولكي يوجد بإرادة المكلف، أي يُشار قبل وجوده إلى العنوان الذي يتحصل منه بعد وجوده وهو عنوان الفرد، أوجد عملاً يتحصّل منه في المرتبة
ــــــ[295]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
المتأخرة عن وجود عنوان الصلاة، أما نفس العمل فليس مفروض الوجود، وإن كان العنوان متأخراً فلا يلزم تحصيل الحاصل، هذا بغض النظر عما سنقوله في المستوى الثاني بغض النظر عن هذا.
المستوى الثاني: إنّ المأمور به وإن كان هو الفرد إلا أنه لا حاجة إلى القول بضرورة انتزاع مفهوم الفردية منه بصفته فرداً، فهو وإن كان انتزاعه مفهوم الفردية في طول الوجود صحيح، إلا أننا في غنى عن ضرورة الانتزاع هذه.
بل يكفي أن نقول:
إنّ المأمور به واقع الفرد ثبوتاً، أي المصداق الكامل المصداقية والمطابقة مع العنوان المأمور به بغض النظر عن الانتزاع، فسواء انتزع منه هذا المعنى أم لا، بداهة أنّ الكلام في مرحلة ثبوت الفرد المأمور به واقعاً، لا في مرحلة إثباته كي نحتاج الانتزاع، لأنه يتوقف على وجود المنتزع والالتفات إليه.
ثمرة البحث: في تعلق الأمر بالطبيعة أو بالفرد
يمكن أن يقال للثمرة عدة وجوه:
الوجه الأول: أنّه بناءً على تعلق الأمر بالطبائع يكفي الاتيان بالحصة كما يسميه في المحاضرات -وإن كان في التسمية تأمل ولكن لا بأس من استعماله- والحصة بحسب التحليل هي الكلي في ضمن الفرد على القول بتضمنه خارجاً.
فالأمر المتعلق بالماهية يكفي في تحققها خارجاً هو الإتيان بالحصة، بعد تعذر وجودها على سعتها، وأما لو قلنا بالتعلق بالفرد فلا يكفي ذلك، بل لا بد من
ــــــ[296]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الاتيان بالفرد كاملاً بجميع خصائصه ومشخصاته وإضافاته.
وجوابه: ما أشير إليه في المحاضرات، ولكن أعرضه بحسب ما عندي إذ لا يخلو ما فيها من قصور في التعبير وحاصله:
إنّ على كِلا المسلكين لا بد من الإتيان بالفرد، إما على القول بتعلق الأوامر بالأفراد فواضح، وإما بناءً على تعلق الأوامر بالطبيعة فالمشهور وإن قال بذلك إلا أنه يقول: لو فرض محالاً وجود الطبيعة بدون الخصائص الفردية لكان مجزياً، إلا أنّ هذا وحده لا يكفي لكونه مستحيلاً، فيتعين على المكلف حتى على هذا المسلك أن يأتي بالفرد.
وكذلك على مسلكنا الذي أسسناه نقول: إنّه لو أمكن -بحسب ما هو مشهور في الفلسفة- وجود الجهة التحليلية للفرد التي تمثل المصداقية مع الخصائص الثابتة وليس المتحركة لأجزأ، إلا أنّ هذا أيضاً مستحيل، فلا بد على كل حال من الإتيان بالأفراد مع خصائصها الثابتة والمتحركة.
الوجه الثاني: إنه بناءً على تعلق الأوامر بالطبائع فإنّ ما هو العلة لإيجاد المِلاك أو إسقاطه على الخلاف؟ فإنّ العلة هي الحصة، بخلاف تعلقها بالفرد، فإنّ ما يكون علة لإيجاد المِلاك أو إسقاطه هو الفرد المأمور به.
وبعبارة أخرى: إنّ ما هو سبب إيجاد المِلاك أو إسقاطه هو المتعلق، فإن كان هو الحصة إذن فالسير في إيجاد المِلاك أو إسقاطه هو الحصة فإن كان الفرد فهو.
وجوابه: أما من الناحية العملية، فالفرد هو المُسقِط على كل حال أو الموجِد للمِلاك على كل حال، لاستحالة الاتيان بالحصة وحدها، فلا ثمرة من هذه الجهة.
ــــــ[297]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
و أما من الناحية النظرية، فالخصائص الفردية لا دخل لها لإسقاط المِلاك على كِلا المسلكين، إلا إذا قلنا: بأنّ المطلوب هو الفرد الكامل بجميع خصائصه حتى المتحركة، وهو غير محتمل لا أصولياً ولا فقهياً ولا متشرعياً.
إذن فالمسقط هو الجزء التحليلي من الفرد على كل حال، فإنه هو المتعلق الحقيقي لكن مع الاختلاف النظري في تفسير ذلك الجزء التحليلي، وهذا الاختلاف النظري صحيح، فإن صلح لكونه ثمرة فلا بأس به.
الوجه الثالث: إمكان التمسك بالإطلاق بناءً على تعلق الأوامر بالطبيعة دونه، بناءً على تعلقها بالأفراد، فإنّ تعلقه بها لا يمكن التمسك بالإطلاق، إذن الفرد لا إطلاق له.
وجوابه: إمكان ذلك على كِلا المسلكين.
أما بناءً على تعلقه بالطبائع فلا إشكال، وأما بناءً على تعلقه بالأفراد فلِما أوضحناه، من أنّ هذا التعلق له مقتضىً ثبوتي، فإنّ البرهان الثبوتي يقتضي تعلق الجعل أو الأمر بالأفراد، وهذا لا ينافي المقتضى الإثباتي للدلالة في العنوان الذي يأخذه المولى تحت الأمر مشيراً به إلى الأفراد غير المنحصرة، وهذا العنوان له دلالة وهي قابلة للانطباق على كثيرين، وهذا هو معنى الإطلاق بعد تمامية مقدمات الحكمة.
وعليه فلا ثمرة من هذه الجهة.
الوجه الرابع: ما ذكره في التقریرات: من أنه بناءً على مسلك تعلق الأوامر بالطبائع يمكن القول باجتماع الأمر والنهي، لكونهما متوجهين إلى عنوانين
ــــــ[298]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مستقلين، فيجوز اجتماعهما، المأمور عنوان والمنهي عنه عنوان آخر.
وأما بناءً على تعلقهما -الأمر والنهي- بالأفراد فلا بد من القول باستحالة الاجتماع، لأنّ المأمور به والمنهي عنه هو الفرد وهو واحد ذاتاً، مضافاً إلى باقي الإشكالات المذكورة هناك فيستحيل الاجتماع.
أقول: الظاهر أنّ هذا لا يمكن أخذه على إطلاقه، فإنه على كِلا المسلكين لا بد من القول بالاستحالة.
أما بناءً على تعلق الأوامر بالأفراد فاستحالة الاجتماع واضحة.
وأما بناءً على تعلقها بالطبائع، فهو أمر يختلف باختلاف المسالك الأصولية، فلو اقتصرنا على عنصر المتعلق أو عنوان المتعلق أو ماهية المأمور به -ما شئت فعبر- فهو لا محالة يكون مختلفاً، ولا مانع من ذلك الاجتماع فإنها صلاة وغصبية.
ولكن قد يجد الأصولي موانع أخرى تنتج الاستحالة، كما لو قال: بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص أو قال: بكفاية التزاحم في عالم المصداق.
ومن هنا نجد أنّ عدداً من الأصوليين يقولون بالاستحالة بالرغم من ذهابهم وذهاب المشهور إلى تعلق الأوامر بالطبائع، فلا يتعين مع تعلق الأوامر بالطبائع أن نذهب إلى الإمكان، لأنّ كثيراً منهم يقولون بالاستحالة.
الوجه الخامس: إنه بناءً على مسلك تعلق الأوامر بالطبائع يمكن إجراء استصحاب الكلي، لأنّ الكلي عبارة عن الطبيعة التي اصبحت متعلقة للأمر، فيمكن استصحابها مع الشك في بقائها، لا أقل من القسم الأول من استصحاب الكلي.
ــــــ[299]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وأما بناءً على تعلق الأمر بالفرد فينسد استصحاب الكلي حتى قدره المتيقن وهو القسم الاول، لأنّ فرضه هو فرض زوال الفرد مع احتمال بقاء الكلي ومع إحراز زوال الفرد يكون شرط الاستصحاب منتفياً، لأننا حينما نستصحب المتعلق فما هو المتعلق هو الفرد وقد زال يقيناً، وما هو محتمل البقاء هو الكلي وهو ليس بمتعلق للحكم على ما هو المفروض في هذا المسلك، فينسد استصحاب الكلي، ويأتي الكلام على ذلك…(1).
الوجه السادس: الثمرة الأخرى والأخيرة المحتملة لهذا المبحث أنّه بناءً على مسلك تعلق الأمر بالطبائع يمكن إجراء استصحاب الكلي، لأنّ الكلي عبارة عن الطبيعة التي أصبحت متعلقاً للأمر، فيجري فيها الاستصحاب مع الشك فيها على شرائط جريان الاستصحاب، لا أقل أن نقول بجريان القسم الأول من استصحاب الكلي المتسالم على جريانه وصحته.
إنه بناءً على تعلق الأمر بالأفراد فينسد باب استصحاب الكلي حتى قدره المتيقن، وهو القسم الأول، لأنّ فرضه هو فرض زوال الفرد مع احتمال بقاء الكلي ومع إحراز زوال الفرد الذي هو متعلق الحكم يكون شرط الاستصحاب منتفياً، لأنّ شرط الاستصحاب هو الشك في البقاء، ولا شك في البقاء مع العلم بالزوال.
ولكنه توهّمٌ ناشئ من غفلة بسيطة وغريبة، فإنّ جريان الاستصحاب حسب ما هو محصور بَدوياً هو أحد ثلاثة لا رابع لها:
إما في الحكم وإما في المتعلق وإما في الموضوع.
ــــــ[300]ـــــــ
(1) يوجد هنا قطع في شريط التسجيل.
منهج الأصول (الجزء السابع)
أما استصحاب الحكم: فهو خارج عن محل الكلام ومحله الشبهة الحكمية، كالعلم بحرمة الجماع خلال الدم، واستصحاب الحرمة بعد انقطاعه، لولا الدليل الخاص في الورد على الجواز إذا غسلت الموضع.
ولو تنزلنا وقلنا بشمول محل الكلام له فهو استصحاب الحكم الجزئي في مورد الامتثال، حرمة معينة على امرأة معينة في حيض معين، ولا نقصد من الجزئي إلا ذلك، في عالم المجعول، أي عالم الامتثال، وليس هو من استصحاب الكلي، لأنّ الحكم الكلي نعلم ببقائه بعد جعله فإنه حكم كلي مجعول في الإسلام لا رافع له، فلا مورد للاستصحاب إلا عند احتمال النسخ، واحتمال النسخ غير وارد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، فينسد هذا الباب بالنسبة إلى استصحاب الحكم.
وأما استصحاب المتعلق فلا مورد له، لأنّ المتعلق عبارة عن المأمور به كالصلاة مثلا، وهو الفعل الاختياري للمكلف وهو متعلق الأمر والنهي، فلا يكون مورداً لاستصحاب الوجود، فمتى علمنا بوجوده حتى نستصحبه؟!
فمثلاً إذا علمت بوجود الصلاة، ثم شككت بارتفاعها فإنه لا مورد للاستصحاب لمثل هذا أصلاً.
نعم، يكون مورداً لاستصحاب العدم مع الشك بحصوله، كما لو أحرزت عدم الصلاة في أول الوقت فاستصحب، ولكنه خارج عن محل الكلام، لأنّ استصحاب الكلي هو استصحاب وجوده وليس عدم الكلي.
مضافاً إلى أننا لو تنزلنا فالمستصحَب هو الجزئي لو قبلنا استصحاب الوجود
ــــــ[301]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أو الاستصحاب الوجودي في المتعلق، فلو افترضنا أننا شككنا بارتفاع المتعلق الجزئي بعينه وليس كلياً فالمستصحَب هو الجزئي على كِلا المسلكين.
أما إذا قلنا بتعلق الأوامر بالأفراد فواضح وينبغي أن يكون مسلماً.
وأما إذا قلنا بتعلق الأوامر بالطبائع، فإنما هو مورد الاستصحاب، وهو ما يكون معلوم الوجود أو معلوم العدم، وهو الفرد دائماً، وكذلك مشكوك بعده في الحالة اللاحقة وليس هو الكلي إلا إذا قلنا بأحد مسلكين باطلين، إلا إذا قلنا بتضمن الفرد للكلي أو بوجود الكلي في الخارج، وكلاهما مما نفاه المشهور ونفيناه. هذا بالنسبة إلى استصحاب المتعلق وأما استصحاب الموضوع أو متعلق المتعلق كما يصطلح عليه، فاستصحاب كلي الموضوع مثلا (زيد في الدار) إذن الإنسان في الدار، فإذا خرج زيد شككنا في بقاء الإنسان.
فالكلي بلحاظ الموضوع ثابت، سواء قلنا بثبوته في المرتبة السابقة على الفرد أو اللاحقة له على الخلاف مثلاً، لكن بالتالي الكلي ثابت في الجملة، وهذا كافٍ وقابلٍ لاستصحاب وجوده.
هذا وإنّ كون الكلي سابق أو لاحق رتبة لا دخل له في جريان الاستصحاب فقهياً وأصولياً.
وأما لو نفينا وجود الكلي أصلاً وأنّ الكليات وهمٌ لا واقع له لكان وجهاً في نفي جريان استصحاب الكليات، من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
إلا أننا نقبل ذلك قطعاً، فإنّ الكلي له واقع وصحيح في نفسه أكثر مما قاله المشهور، إذ أنه لم يلتفت إلى عالم الواقع.
ــــــ[302]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
نتيجة ما تقدم:
أنه هل ينسد باب استصحاب الكلي أم لا؟
فإننا حينما نقول في عنوان الباب أنّ مورد تعلق الأوامر الفرد أو الطبيعة؟
إنما هو حديث عن المتعلق أو المأمور به، كما هو صريح العنوان في قولهم: هل أنّ الأوامر تتعلق،أي متعلق الأوامر والمأمور به ما هو؟ الفرد أم الطبيعة؟
فالمتعلق هو الفعل الاختياري، الذي قلنا به أنه لا مورد فيه لاستصحاب الوجود، الذي هو الملحوظ في استصحاب الكليات وإنما يستصحب عدمه.
نعم، أما نستصحب وجوده فلا، لا جزئياً ولا كلياً، فاستصحاب الكل فيه -في المتعلق- الذي هو في عنوان الباب منسد تماماً، فاستصحاب وجود الكلي منسد تماماً بل هو سالبة بانتفاء الموضوع، ولا يقول به أحد وخارج عن البحث في استصحاب الكليات.
والإشكال ناشئ من الخلط بين المتعلق والموضوع، ومن الواضح أنّ منع جريان استصحاب الكلي في المتعلق لا يلازم منع جريانه في الموضوعات، وهذا باب مفتوح تعرض له صاحب الكفاية وهو غير ما نحن فيه، لأنّ كلامنا في المتعلق وكلام الكفاية في الموضوع.
ــــــ[303]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الامر بعد نسخ الوجوب
مبحث مختصر تعرض له الشيخ الآخوند والسيد الخوئي في المحاضرات وستعرف بعد قليل إن شاء الله أنه لا أثر له، ولو ثنيت لي الوسادة أسميه بالنسج وليس النسخ وعلى أي حال.
إذا نسخ دليل الوجوب فهل يكون ذلك دليلاً على بقاء الجواز؟
وهذا بقطع النظر عن أي دليل خارجي، سواء كان قرينة متصلة أو منفصلة، بل يقصر النظر على الدليل الناسخ والمنسوخ.
ومن الواضح أنّ هذا البحث لا أثر له كبروياً ولا صغروياً، ولولا تعرض صاحب الكفاية له لتركناه، إلا أننا عازمون على متابعته، مضافاً إلى ما فيه من تنمية الملكة وما تقتضيه الصناعة.
أما كبروياً: فلانسداد باب النسخ بعد عصر النبوة ووفاة النبي صلى الله عليه وآله، بل حتى في عصر النبوة على وجه ينسب إلى المشهور، من أنّ النسخ غير موجود في الإسلام.
وأما صغروياً: فلأنّا لو سلمنا بوجود النسخ كبروياً، فجملة من الموارد المدعى فيها النسخ خارجة عن عنوان الباب، لأنها غالباً محتفة بقرائن دالة على الحكم الثابت بعد النسخ، ومورد الكلام إنما هو في المورد الذي ليس فيه قرائن، فلا يبقى لعنوان المسألة أي مورد.
ــــــ[304]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
وعلينا أن نبحث أهم موردين للنسخ المدّعى في القرآن الكريم.
المورد الأول: إنّ الصدقة الواجبة عند لقاء النبي صلى الله عليه وآله ومناجاته عندما نسخت فهل حكمها باقٍ على الجواز أو لا؟
فمن المقطوع به أنّ الصدقة لا تكون من المحرمات ولا من المباحات بالمعنى الآخر والخاص، ضرورة أنّ الصدقة من المستحبات على كل حال، وإنما الذي سقط شرطيتها الإلزامية لمناجاة النبي صلى الله عليه وآله، أي الحكم الوضعي الإلزامي.
بل يمكن القول: إنّ شرطية الصدقة الاستحبابية ثابتة دائماً حتى في مناجاة النبي صلى الله عليه وآله ولا دليل على نسخها، ضرورة أنه إنما يلغي الحكم بالنسخ مقدار التذمر منه اجتماعياً وعدم التحمل، وهذا فرع التحميل والإلزام، وأما الاستحباب فلا تحميل ولا إلزام فيه كما هو واضح، فلا يكون دليل الناسخ دليلاً على نسخه.
المورد الثاني: نسخه هو الحكم الآخر المدعى نسخه، المبيَّن في قوله تعالى: الْآَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا(1).
كان الحكم الإلزامي على المسلمين هو الصمود أمام عشرة أضعافهم من الكفار فأنزل الله تعالى الآية: الْآَنَ خَفَّفَ اللهُ.
هذا ولا بد من عرض المسألة من جديد، فنقول: بعد نسخ الحكم ماذا يكون الموقف الشرعي للموضوع؟
ــــــ[305]ـــــــ
(1) الأنفال: 66.
منهج الأصول (الجزء السابع)
فإنّ المسلمين الذين يواجهون عشرة أضعاف من الكفار إذا كان الواجب عليهم قبل النسخ هو الصمود والمواجهة، فإذا نسخ الحكم يكون حراماً لأنه تعريض للنفس للتهلكة، وهو من موارد إذا جاز حرم.
وهناك أمر آخر إذا جاز وجب.
وبعبارة أخرى: الفرار من الزحف يجب -هكذا بعد النسخ- فيقال: الفرار إذا جاز وجب، والصبر إذا جاز حرم، وهما متضادان في مورد واحد.
هذا وإنّ المسألة البحث فيها افتراضي ولس هناك مورد عملي وحقيقي، فلا بد من إخراجها من علم الأصول، كما عرَّفه المشهور من أنه كل مطلب دخيل في الاستنباط، ومسألتنا غير دخيلة في عملية الاستنباط لانتفاء أي مورد لها.
هذا ولا بد أن نلتفت إلى أنّ عنوان المسألة غير مختص بالنسخ في القرآن، بل الكلام عن مطلق النسخ لو ثبت، أي يبحث فرضاً وإلا فهو ممتنع واقعاً فنقول: إنه لو ثبت النسخ خارج القرآن أمكن أن يكون مصداقاً له، فالكلام في إمكانه، وإلا فهو قطعي العدم، ولكنه ذكرناه كمجرد فرض يمكن أن يكون صغرى لهذا الباب. أما النسخ في القرآن فقد اختلف المشهور في ثبوته، فالبحث هنا في النسخ في القرآن لا ينافي من يقول بامتناعه واقعاً فيه، فإنّ البحث هنا افتراضي.
نعم، من الناحية العملية لو وجدت فهي منحصرة في ما يُنسَب إلى القرآن من النسخ مما استشهدنا به.
والأظهر عندنا ثبوت النسخ في القرآن، وربما هاتان الآيتان أوضح ما يقال في النسخ وتبديل الحكم، نعم دخولها في عنوان الباب مورداً وصغروياً ممنوع،
ــــــ[306]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
لكونها محتفة بقرائن متصلة ومنفصلة تدل على سنخ الحكم أو طبيعة الحكم
-بالاصطلاح الحديث- بعد النسخ.
مع أنّ عنوان الباب أخذ فيه ما كان فاقداً لأي قرينة(1).
مناقشة إثبات بقاء الأمر بالاستصحاب بعد النسخ
إنّ الاستصحاب إما أن يجري لإثبات الظهور، وإما أن يجري في أمور أخرى، وأما قضية الظهور فقد ناقشناها وأبطلنا الظهور، فإذا لم يكن ظهور في المقام، نجري الأصول العملية حينئذ.
وعليه فهنا مستويان لجريان الاستصحاب:
المستوى الأول: وهو الأهم، في إثبات مؤدى الظهور بالاستصحاب فنقول: كان الكلام في القسم الأول من هذا الفصل أنّ الامر يبقى ظاهراً بعد النسخ بمطلق الطلب أو بمطلق الجواز، وهذا الظهور قد نفيناه.
وأما هنا فنريد إثباته بالأصل حيث نشك، وذلك لأنّ الظهور قبل النسخ كان حجة في هذه الأمور المستصحَبة، ومن المعلوم أنّ شرط الاستصحاب هو العلم بحصول الحكم وهو موجود، فنشك أنه ارتفع مؤداه بالنسخ أم لا، فنستصحب ثبوته.
والذي يمكن أن يكون الأمر ظاهراً فيه بشكل معتبر، وأنه لازال غير منسوخ مطابقة أو تضمناً أو التزاماً، هو عدة أمور: الوجوب والجواز بالمعنى الأعم، والطلب والإرادة المولوية أو الحب المولوي، بعضها يدل عليه بالمطابقة،
ــــــ[307]ـــــــ
(1) يوجد قطع في التسجيل الصوتي لهذه المسألة.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وبعضها يدل عليه بالإلتزام، وكل هذه الأمور أو جملة منها يمكن استصحابها.
أما الوجوب فقد ارتفع بالنسخ، وتبقى الأمور الأخرى قابلة للاستصحاب، فلا بد من فحصها واحدة واحدة.
مناقشة في الإشكالات الواردة على استصحاب الجواز بالمعنى الاعم
أما استصحاب الجواز بالمعنى الأعم، وهو صغرى من صغريات الاستصحاب، وهو محرز في نفسه بغض النظر عن الإشكالات الواردة، ضرورة أنّ الدليل قبل نسخه كان يدل بالإلتزام على الجواز بالمعنى الأعم، وبعد نسخ الوجوب ارتفع الوجوب ونشك بارتفاع الجواز بالمعنى الأعم فنستصحبه، وهذا لا كلام فيه.
وإنما الكلام في الإشكالات الواردة عليه بعد التسليم أنّ مقتضى الاستصحاب موجود وصغراه موجودة.
الإشكال الأول: ما نسبه في التقریرات إلى المحاضرات، من أنّ هذا الاستصحاب مبني على جريانه في القسم الثالث من الكلي، والمحقَّق في محله بطلانه، باعتبار أنّ الجواز بالمعنى الأعم معلوم ثبوته سابقاً أنه كان في ضمن الوجوب واجب، إذن فهو جائز بالمعنى الأعم، والآن نسخ الوجوب وبعد النسخ يبقى الجواز في ضمن فرد آخر هو الإباحة أو الاستحباب أو الكراهة، وهذا هو القسم الثالث المعلوم بطلانه.
وأجاب عنه في التقريرات بإعطاء معنيين للجواز بالمعنى الأعم.
ــــــ[308]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
أحدهما: إنّ الجواز بالمعنى الأعم معناه أنه ليس بحرام، وهذا يجري فيه الاستصحاب الشخصي، لأنّ عدم الحرمة كان معلوماً سابقاً ومحتمل استمراره وثباته فيستصحَب، وكونه سابقاً مقترناً مع الوجوب لا يجعله متغيراً، بل هو مشخص ذلك العدم، إذ الأعدام لا تتعدد باختلاف مقارناتها، والأثر هو التأمين بعدم الحرمة وفراغ الذمة، فالأثر وهو التأمين يعني عدم استحقاق العقاب إنما يترتب على عدم الحرمة.
أقول: هذا وجيه إلا أنه ليس مقصود المستدلين على الظاهر، ولذا اعتبروا الجواز بالمعنى الأعم بمنزلة الجنس، وما فسره السيد في التقریرات لا يصح أن يكون بمنزلة الجنس، إنما الجنس كلي منطبق على حصص متعددة وهو ليس كذلك، ولذا صاحب المحاضرات فهم الجنسية والكلية منه، ولهذا اعتبره من استصحاب الكلي، ولا يريد منه مجرد عدم الحرمة.
ثانيهما: الجواز بالمعنى الأعم، بحيث يفترض جامعاً بين الأحكام الأربعة غير الحرمة من الوجوب والاستحباب والكراهة والإباحة، وبعد نسخ الوجوب بقي جامعاً بين الثلاثة، وهذا المعنى عند السيد الاستاذ على ما في التقریرات يقول: وأن لا نتعقله -ولا نفهمه- وليس موضوعاً لأثر علمي الذي هو التأمين.
أقول: إذا كان السيد لا يتعقله، فالمشهور يتعقله ونحن نتعقله فهو كلي قابل للانطباق على عدة حصص، وقد يُعبَّر عنه مطلق الرجحان مقابل مطلق المرجوحية.
مضافاً إلى أنّ له أثر شرعياً وهو التأمين، فهو مبرئ للذمة، ولیس بحرام ولا يجب اجتنابه ولا فرق بينه وبين المعنى الأول من هذه الجهة.
ــــــ[309]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مناقشة صاحب المحاضرات في استصحاب الجواز بالمعنى الأعم
لكن هذا المعنى لا يكون من استصحاب الكلي من القسم الثالث كما زعمه صاحب المحاضرات، لأنه مبني على توهم وجود تفصّل الكلي بفصول حيث الجنس -الجواز- متحصّل بفصول عدّة، كل فصل منها حقق نوعاً، وبعد ارتفاع الوجوب بالنسخ، يبقى الجواز متحصلا بباقي الفصول إما استصحاب أو كراهة أو إباحة.
أقول: هذا المعنى وإن كان صحيحاً في العقليات، إلا إنه غير صحيح في الشرعيات والانتزاعيات الاعتيادية.
وعليه، فيمكن استصحاب الكلي وحده بدون فصل، صحيح الجواز بالمعنى الأعم كان ثابتاً مع الوجوب، إلا أنه بعد نسخ الوجوب نستصحبه وحده من دون خصوصية، استحباب أو إباحة أو كراهة، فلا يكون من استصحاب الكلي القسم الثالث، لأننا يمكن أن نستصحب استصحاب شخص الكلي أي نفس الكلي، هناك -في التقریرات- نفس الشخصي نستصحبه.
هذا وأنّ استصحاب الكلي استصحاب ثبوتي لا علاقة له بالمسألة الظهورية بتبعية الدلالة الإلتزامية للدلالة المطابقية، ولا بالمسألة العقلية ببقاء الجنس بدون الفصل، إمكانا وعدماً.
الإشكال الثاني: نسبه في التقريرات(1) إلى السيد الخوئي كما في المحاضرات، من أنّ الجواز بالمعنى الأعم استصحابه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية غير جارٍ.
ــــــ[310]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص391.
منهج الأصول (الجزء السابع)
وقال في التقريرات في رده: «إنّ هذا لا يمكن المساعدة عليه لا مبنىً ولا بناءً(1)، أما مبنىً فلما سوف يأتي في مباحث الاستصحاب من حجيته في الشبهات الحكمية والموضوعية معاً(2)، وأما بناءً فلأنه حتى لو بني على ذلك المبنى -الذي هو عدم جريان الاستصحاب للحكم الإلزامي في الشبهات الحكمية- فتطبيقه في المقام خلاف ما اعترف به الاستاذ نفسه، من التفصيل بين استصحاب الحكم الإلزامي واستصحاب الحكم الترخيصي، فالذي يراه الأستاذ غير جارٍ للمعارضة مع استصحاب عدم الجعل إنما هو استصحاب بقاء الحكم الإلزامي في الشبهات الحكمية، لا استصحاب عدم الحكم والترخيص كما في المقام)(3). انتهى.
فإذن المقام ليس مورداً لكبرى عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وهذه غفلة من السيد الخوئي عجيبة.
الإشكال الثالث: ما ذكره في التقريرات بعنوان: لا يقال أنّ استصحاب عدم الحرمة مُعارَض باستصحاب عدم الاستحباب والكراهة والإباحة، للعلم إجمالاً بأنّ أحد هذه الأعدام…. تبدل بالوجود بعد (نسخ الوجوب) بالدليل الناسخ، لأنه تحول إما إلى وجود الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة، مع أنّ هذه الثلاثة مستصحَبات العدم، مع العلم أنه يتعين إجمالاً بأحدها فتتعارض الاستصحابات وتتساقط.
ــــــ[311]ـــــــ
(1) أي لا كبرى ولا صغرى. (منه).
(2) وهذا موافق للتحقيق عندنا وسياتي بيانه في محله. (منه)..
(3) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص391.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ويمكن الجواب على هذا بوجوه:
أولاً: أنه مبني على ما ذكره من كون الجواز بالمعنى الأعم حكم شخصي وليس كلي، مع أنّا ذكرنا استصحاب الحكم الكلي ممكن بغض النظر عن حصصه، ومعه لا تتعارض هذه الاستصحابات المذكورة، إذ المهم أنّ المورد ليس بواجب حيث أنه نسخ، وليس بحرام فنعلم بعدمها أساساً فليستصحب المستحب أو المكروه أو المباح كل ذلك لا بأس به.
ثانياً: إنّ مبنى هذا الوجه تعارض الاستصحابات على لزوم تفصل الكلي بأحد الفصول، وحيث إنّ فصل الوجوب بالنسخ يتعين حصول أحد الأحكام الأخرى، كما لو خرج زيد ودخل في نفس الوقت عمر، لأنه لا بد عقلياً من تفصّل الكلي بأحد الفصول.
وقد قلنا: إنّه ليس ضرورياً تفصّل الكلي بفصل، لأنه الكلام في الكلي الاعتباري الشرعي وليس العقلي، وعليه فلا يتعين وجود أحد الأحكام الثلاثة ثبوتاً، بل يبقى الحال مقتصراً على الكلي فيرتفع التعارض فليست مجرى لاستصحاب العدم، فلا مقتضى لها أصلاً حتى تتعارض وتتساقط.
ثالثاً: ما أشير إليه أيضاً في التقريرات(1) عرضاً عبارة تدل عليه: «من أنّ الإباحة ليست حكماً وجودياً اقتضائياً» حيث إنّ الإباحة منها اقتضائية ومنها لا اقتضائية، وحينئذٍ هنا يقال: إنّ الإباحة ليست اقتضائية ولا وجودية، فلا تقع طرفاً للتعارض. وكأن السيد يريد القول: بأنّ التعارض المشار إليه يكون
ــــــ[312]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص391.
منهج الأصول (الجزء السابع)
مرتفعاً، التعارض إنما هو بين استصحاب عدم الاستحباب وعدم الكراهة، لأنه استصحاب عدم الإباحة لا يجري، إذ الإباحة ليست حكماً وجودياً اقتضائياً، فلا يستصحب عدمها.
وجوابه: بحسب التفكير في المسألة الكلامية لا أصولياً أنه لا يوجد حكم اقتضائي، ضرورة أنّ وجوده فرع أمرين:
إما أنه حكم لا مِلاك له، وإما أنه حكم غفل عنه المولى، وكلاهما مستحيل على المولى المشرع إذ أنّ لكل واقعة حكم، والمولى ملتفت إلى كل القضايا والوقائع على كثرتها، بداهة أنه عالم بكل الحقائق.
هذا أولاً.
وثانياً: إنّ كل الأحكام لها مِلاكات حتى الإباحة، فلا يوجد حكم لا اقتضائي، لا أقل أننا ندرك عقلائياً أنّ مِلاكها -كما يعبرون- إطلاق السراح، وعدم التقييد والتخيير بين الفعل والترك، فإنّ المصلحة تقتضي ذلك للعبد، فبحكم الشارع بالإباحة، كما أنّ هناك مِلاكات ومصالح تقتضي الأحكام الأخرى من وجوب واستحباب وهكذا.
نعم، يمكن توجيه ما عليه المشهور من التعبير عن الإباحة بأنها لا اقتضائية، لا لأنها ليس لها مِلاك، أو ليس لها إرادة، أو ليس فيها التفات -والعياذ بالله- وأنّها لا اقتضاء الأحكام الاخرى، فهي ليست فيها اقتضاء الوجوب ولا اقتضاء الحرمة ولا الاستحباب ولا الكراهة.
ثالثاً: لو قلنا بمنع جريان استصحاب عدم الإباحة بعنوان كونها ليست
ــــــ[313]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
اقتضائية ولا وجودية، فغاية ما يحصل هو أنّ طرف واحد من الأفراد الثلاثة المتعارضة يخرج عن التعارض، لأنه لا مورد للاستصحاب فيها على كلامه على أية حال، لو تنزلنا عن الإشكال الأول.
ولكن يبقى التعارض بين استصحابين: هما استصحاب عدم الاستحباب واستصحاب عدم الكراهة، فالتعارض يبقى ساري المفعول، لا أنه يتلاشى ويزول.
ولكن عرض هذا الأمر بهذا المقدار ينبغي أن يكون واضح الجواب، لأنّ سبب التعارض إنما كان باعتبار علمنا -العلم الخارجي- باتصاف المتعلق بأحد الأحكام الثلاثة، فيكون استصحاب عدم الأحكام الثلاثة معاً بمجموعه تكاذباً وهو معنى التعارض، لأنه لا بد إما يكون مستحباً أو مكروهاً أو مباحاً، وهذا المعنى يزول إذا أخرجنا الإباحة عن طرفية التعارض، لاحتمال أن تكون الصفة التي يتصف بها المتعلق الآن هي الإباحة، فيصدق استصحاب عدم الاستحباب، كما يصدق استصحاب عدم الكراهة ولا يتكاذبان لأننا لا نعلم إجمالاً، إما مستحب وإما مكروه، بل لعله حكم ثالث وهو الإباحة، ونحن على الفرض أخرجنا الإباحة عن طرفية التعارض لخروجها عن اقتضاء الاستصحاب.
وهذا جوابه على ثلاثة أشكال أو صور:
الأول: إما أن تعود إلى الإشكال الأول وهو نفي الإباحة الاقتضائية، وأنه لا وجود لها لكي لا تكون مجرى للاستصحاب، وانما كل الإباحات اقتضائية ومِلاكية، فيعود التعارض الثلاثي.
ــــــ[314]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الثاني: إننا وإن كنا نسلم الأمر بأنّ الإباحة اللااقتضائية موجودة، إلا أنها لا تكون مجرى للاستصحاب على حد وجودها الاعتباري العرفي أو اللااقتضائي، بل ممكن أن تكون مجرى للاستصحاب ولها اثر وهو التأمين كما هو يقول في مورده، وحينئذٍ يعود التعارض الثلاثي بين الاستصحابات.
الثالث: إننا نلغي الاستصحابات التفصيلية، ونقتصر على استصحاب الكلي على المعنى الجامع بين هذه الأحكام الثلاثة -الاستحباب، الإباحة، الكراهة- وهو جامع الجواز بالمعنى الأعم لها، بهذا المعنى بغض النظر عن التفاصيل.
وبذلك يزول التعارض بين الاستصحابات الثلاثة، بمعنى أنه أيّاً كان الآن حكمه الشرعي من هذه الخصائص الثلاث غير مهم إنما المهم هو فراغ الذمة.
الإشكال الرابع: الممكن إيراده على استصحاب الجواز بالمعنى الأعم:
أنّ الجواز المستصحَب هنا فيه احتمالان لا أكثر، وكلاهما باطلان فالاستصحاب باطل.
الأول: إما أن يراد الإباحة بالمعنى الأخص، وليس لها حالة سابقة، حيث أنه عند حال الوجوب لم يكن مباحاً، وبعد الوجوب لا نعلم طروّ الإباحة، عدم الحالة السابقة معناه أن شرط الاستصحاب غير موجود.
الثاني: أن يراد به الكلي المنطبق على ما ليس بحرام، الأعم من الوجوب، والاستحباب والإباحة والكراهة، وحاصل الإشكال أنّ الكلي لا يكون إلا بفصل، وأما استصحاب الكلي بما هو كلي من دون التفصّل بفصل فهو لغو مثلاً، أو في غير محله، أو غير ممكن، لأنّ الجنس بدون فصل لا يثبت، لا بحسب الحكم
ــــــ[315]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الواقعي ولا بحسب الحكم الظاهري.
نجيب على ذلك باختيار الشق الثاني -وهذا واضح- أما الشق الأول فغير صحيح، إذ قد سبق منا القول أنّ الكلي في الأمور الاعتبارية الشرعية ممكن أن لا يتفصل بفصل، مضافاً إلى ما عرضه السيد في التقريرات من استصحاب عدم الحرمة شخصياً.
الإشكال الخامس: إنّ الحالة المتبقية هنا في مورد الكلام إنما تعرف من الظهور، ومن المفروض أنّ الظهور هنا ساقط -كما سبق- فتصل النوبة إلى إجراء الأصول، ومن المعلوم أنّ الاستصحاب لا يجري إلا أن يكون هناك حالة متيقنة سابقة وهي مفقودة في المقام، فكيف نجري الاستصحاب؟
وجوابه: أنّ هذا وإن كان صحيحاً، إلا أننا ممكن أن نستصحب اللازم بدون دلالة عليه بنحو الدلالة الالتزامية، وبعبارة أخرى:
نحن لا نستصحب الدلالة الالتزامية أو مدلول الدلالة الإلتزامية، وإنما نستصحب ذات المدلول بالدلالة الالتزامية -أي بغض النظر عن الدلالة- فلا ربط للدلالة في المقام.
لأنّ الوجوب قبل النسخ له دليل كان ثابتاً بحجة شرعية، فمثلاً وجوب صوم النصف من شعبان وبعد ذلك نُسِخ هذا الوجوب، وهذا الوجوب موجود ثبوتاً بغض النظر عن الظهور اللفظي للصيغة، فهو مراد من قبل الشارع، وله لازم ثبوتي بغض النظر عن الظهور اللفظي، وهو الجواز بالمعنى الأعم إذ لو كان حراماً لما كان واجباً، وهذا واضح جداً، ونتيجة ذلك أنه لو سقطت كل
ــــــ[316]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الدلالات، لبقي معلوماً وهو اللازم للوجوب المنسوخ -معلوم الحدوث- فنستصحب بغض النظر عن الدلالات.
أو نقول: إنه كان بمنزلة الجنس مدلولاً للدلالة المطابقية لدليل الوجوب المنسوخ، فإنّ الوجوب مكوّن من جنس وفصل، وكلاهما مدلول بالمطابقة وليس بالإلتزام، نظير الإنسان المكون من جنس وفصل، فالجنس الذي نريد أن نستصحبه وهو الجواز بالمعنى الأعم مدلول بالمطابقة، فحينئذ يثبت بالدليل قبل النسخ وجود الدليل على الجواز ثبوتاً فنستصحبه.
والفرق بين التقريبين: أنّ الاول زعمنا أنه مدلول للدلالة الإلتزامية، وفي الثاني أنه مدلول للدلالة المطابقية.
وعلى كل تقدير غضضنا النظر عن الدلالة ولاحظنا نفس المدلول ثبوتاً فيمكن استصحابه، مع الالتفات إلى لا بدية ضم مقدمة للتقريب الثاني، من أنّ الجنس من الأمور الاعتبارية الشرعية التي يمكن معها بقاء الجنس من دون فصل.
قد قلنا: إنّ هناك موردين آخرين للاستصحاب، وهو استصحاب الطلب
-جامع الطلب- واستصحاب الإرادة والحب المولويينِ.
جامع الطلب أساساً موجود لأنه من فصول الوجوب -أي الطلب الإلزامي- والجواز بالمعنى الأعم موجود، وأخص منه الطلب بالمعنى الأعم، ضرورة أنّ ما يجوز بالمعنى الأعم يُطلب، أما ما لا يجوز فلا يُطلب أكيداً.
وأخص منه أنّ هذا الطلب إلزامي، والجهة الإلزامية فيها الطلب وكل
ــــــ[317]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الخصائص الثلاث مدلولة للفظ وموجودة ثبوتاً، فيمكن استصحابها.
وعليه، فبدل أن نستصحب جامع الجواز كما هو في عنوان الباب، كذلك يمكن استصحاب الطلب بالمعنى العام، وقد تكرر منا أنه يمكن بقاء الكلي في الأمور الاعتبارية بدون فصل، فإذا ارتفع الفصل الذي هو الإلزام نستصحب أصل الطلب.
والمفروض إنّا دفعنا الإشكالات السابقة كلها والواردة على أصل الفكرة.
يبقى في المقام نقطتان:
النقطة الأولى: إنّ هذا خلاف المقصود لعنوان الباب، أي أنه يثبت الاستحباب لا أنه يثبت الجواز كما هو المعنون.
النقطة الثانية: إنه من الأصل المثبِت، لأنّ جامع الطلب إن كان مصداقه الوجوب فهو قطعي الارتفاع بالدليل الناسخ، وإن كان الحصة الاستحبابية فإنها لا تثبت بالاستصحاب، إلا باللازم الذي هو الأصل المثبِت.
إن قلتَ: إنّ هذا أيضاً موجود في قضية الجواز بالمعنى الأعم.
قلتُ: إنّ المقصود من استصحاب الجواز بالمعنى الأعم هو مجرد فراغ الذمة عن الالتزام الوجوبي أو التخييري ونحو ذلك من الأمور، وهذا يحصل سواء كان منفصلاً بفصل الاستحباب أو الإباحة أو الكراهة، بالآخرة إفراغ الذمة موجود وهذا كأنه بمنزلة الدلالة المطابقية للجواز بالمعنى الأعم أو لمورد الاستصحاب وليست دلالة التزامية، فهو ليس مُثبِت.
نعم، يكون مثبتاً فيما لو أردنا أنّ من الجواز بالمعنى الأعم إلى الإباحة، أي أنه
ــــــ[318]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
يثبت الإباحة بعنوان الاستحباب، فيكون الجواز بالمعنى الأعم مثبت.
أي نريد أن نثبت الاستحباب باستصحاب الطلب بالمعنى الأعم وهو غير ممكن.
وأما استصحاب الإرادة المولوية التشريعية بعد نسخ الوجوب
فقد قال في التقريرات: بإمكانه وأنه لا مانع منه بناءً على أنه من الاستصحاب الشخصي، أي بالإرادة الشخصية الموجودة في ذهن المولى وفي نفسه، لعلها زالت ولعلها بقيت بعد النسخ، فنستصحبها فيثبت أنه مراد في الجملة، لا أقل أنه يثبت أنه جائز في الجملة، وليس محرماً ونحوه.
إلا أنّ هذا غير تامٍ لعدة إشكالات:
الأول: إن الجواز إذا كان مدلولاً بالدلالة الالتزامية لدليل الواجب، أو كان كلياً منطبقاً على الوجوب -كما سبق- المدلول عليه بصيغة افعل، وهو ليس كذلك بالنسبة إلى الإرادة، حيث إنّ إرادة الوجوب مرتفعة بالدليل الناسخ، ولا دليل على وجود غيرها أصلاً، حتى نستصحبه.
وأما ما أشير اليه في التقريرات(1) من الإشكال على هذا الوجه، من أنّ استصحاب الإرادة ولو برتبة ضعيفة فمحتملة الاستمرار فنستصحب، فكأنما هذا نحو جواب على هذا الوجه متيقن الحدوث وهو أصل الإرادة.
وجوابه: إنّ هذا مبني على تحليل الإرادة القوية، فقوتها حال الوجوب.
فالإرادة منحلة إلى مرتبتين: القوية منها إلزامية، والضعيفة موجودة في ضمن
ــــــ[319]ـــــــ
(1) مباحث الدليل اللفظي: ج2، ص390.
منهج الأصول (الجزء السابع)
الإرادة القوية، هكذا ينبغي أن نتصورها حتى أنّ الدليل الناسخ يزيل المرتبة القوية، ولا دليل على أنه أزال الضعيفة فنستصحبها.
وهذا خلاف الوجدان، ضرورة أنّ الإرادة بسيطة واحدة في النفس، أمرها دائر بين الوجود والعدم وليس لها مراتب متعددة تحليلية متحققة فعلاً.
الثاني: على أصل الاستصحاب:
إننا نعلم أنّ الارادة التي حصل بها الجعل في صدر الإسلام قد زالت وهي ليست مستمرة، إذ الجعل عبارة عن تلفظ (صلّ و صم وحج) وهذا فعل له إرادة ومقدمات، وقد حصل الفعل وزال وزالت علته أيضاً من الأول قبل الف وأربعمائة سنة، فكيف نستصحبها؟!
نحن نعلم بارتفاعها فلا يمكن استصحابها، لأنه متقوم باستمرارها وبقائها، واستمرارها متوقف على استمرار الالتفات إليها من قبل المولى إلى موضوع المسألة أو متعلقها، ومريداً لاستمرار ذلك المتعلق كالصلاة أو الصيام، فنحتمل أنه حينما نسخ الوجوب، بقيت الإرادة ضعيفة في نفس المولى وملتفتاً إليها باستمرار حتى نستصحبها.
بلا شك هذا إذا كان المولى الله تعالى العالم بالحقائق اللّانهائي العلم، ولكن مقتضى فهم المشهور من الفقهاء والأصوليين للمولى أنه عرفي يصيبه ما يصيب العرفيين من النسيان والغفلة، وتصرفه وقوله كله على المستوى العرفي، فيغفل عن إرادته السابقة، وإذا غفل ارتفعت، فكيف نستصحبها؟
وهنا توجد أطروحة أو مبرر لإجراء الاستصحاب في الاإرادة، وهي أن
ــــــ[320]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
نقول: إنه حينما يحدث الموضوع لأي متعلق كدخول الوقت تحصل إرادة مولوية جديدة، وأنّ كل تنجّز فيه إرادة مولوية جديدة، فإذا نسخ الوجوب بقي أصل الإرادة ولو بمرتبتها الضعيفة، هذا بعد التنزل عن الوجه الأول.
وهذا أيضاً مما لا يقول به المشهور، وأنّ التنجّز عندهم ليس بإرادة وانما هو تحقق الموضوع.
وجوابه: إنّ الكلام في المجعول ليس فيه إرادة، وإن كان الجعل يحتاج إلى إرادة، والمشهور قد صرح في أكثر من موضع بأنه المولى عرفي لا يفترض علمه أصلاً بدخول الوقت أو خروجه ونحو ذلك.
فإذا كان لا تحصل إرادة فنحن نعلم بعدمها فكيف نستصحبها؟(1)
ــــــ[321]ـــــــ
(1) انتهى الكلام وهذا آخر ما عثرنا عليه في بحث النسخ.
منهج الأصول (الجزء السابع)
ــــــ[322]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الفهرس
مبحث الترتب 7
عنوان المسألة 9
التحقيق في ثمرة المسألة 10
جهات الترتب ومقدماته 11
الجهة الاولى: في تقسيمات الواجبات المتزاحمة 11
الانقسام الأول: الانقسام العملي 11
التعليق على ما أفاده صاحب المحاضرات 13
مناقشة السيد الخوئي للشيخ النائيني 17
مناقشة أن تقابل الإطلاق والتقييد من تقابل التضاد 19
مناقشة ان التقابل بين الاطلاق والتقييد هو من تقابل العدم والملكة 21
الانقسام الثاني: الانقسام النظري 28
الجهة الثانية: هل الترتب مسألة عقلية أو لفظية؟ 38
ــــــ[323]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الجهة الثالثة: في عدم حاجة الترتب إلى دليل مستقل وكفاية إطلاق الدليل 42
مناقشة رأي مشهور المتأخرين في كفاية إطلاق الدليل على صحة الترتب 42
الجهة الرابعة: التعرض لبحث كبروي لم يتعرض له صاحب المحاضرات 51
أدلة إمكان الترتب 60
ما استدل به صاحب المحاضرات على إمكان الترتب 60
مناقشة مع ما أورده صاحب التقريرات 71
مناقشة استدلال صاحب التقريرات على إمكان الترتب بالطولية 85
التعليق على استدلال صاحب المحاضرات على إمكان الترتب بالطولية 100
الخلاصة: 105
مناقشة أدلة الشيخ النائيني على إمكان الترتب 105
ادلة استحالة الترتب 119
التعليق على ما أفاده الشيخ الآخوند من أدلة استحالة الترتب 119
مناقشة صاحب المحاضرات لأدلة الشيخ الآخوند 121
رد صاحب التقريرات على كلام الشيخ النائيني 131
الاشكالات على الترتب 136
مناقشة ما أورده صاحب التقريرات على فكرة الترتب 136
مناقشة الوجوه التي ذكرها صاحب التقريرات للإشكال على الترتب 146
ــــــ[324]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
مناقشة الدليل اللمي لإثبات صحة الترتب على ما ذُكِر في المحاضرات 179
ثمرة البحث 191
حالات خاصة للأمر 221
أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه 221
الجهة الاولى: في فهم العنوان 221
الجهة الثانية في ثمرة البحث في أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه 242
الأمر بالأمر 248
كيفيات تعلق الأمر 257
تعلق الأمر بالطبيعة أو الفرد 257
التعليق على مناقشة التقريرات لمسلك عروض الوجود على الماهية الشخصية 258
مناقشة ما أفاده المحقق النائيني في تعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد وربطه بالمسألة الفلسفية 261
مناقشة ما أفاده المحقق الاصفهاني في بحث تعلق الحكم بالطبيعة أو الفرد وارتباطه بالمسألة الفلسفة 265
مناقشة رأي المشهور في تعلق الأمر بالطبائع أو بالأفراد 277
ثمرة البحث: في تعلق الأمر بالطبيعة أو بالفرد 296
ــــــ[325]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)
الامر بعد نسخ الوجوب 304
مناقشة إثبات بقاء الأمر بالاستصحاب بعد النسخ 307
مناقشة في الإشكالات الواردة على استصحاب الجواز بالمعنى الاعم 308
مناقشة صاحب المحاضرات في استصحاب الجواز بالمعنى الأعم 310
الفهرس 323
ــــــ[326]ـــــــ
منهج الأصول (الجزء السابع)