حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله)
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
أقف عاجزاً عن وصف تلك الكلمات الرائعة التي خطّها السيّد الوالد+ في بحثه الرائع هذا.
والذي أفاض به علينا من علمه فيما يخصّ (حبّ الذّات) الذي جعل منه المحرّك الأوّل لكلِّ الأُمور، سواء الشرّ منها أم الخير على حدٍّ سواء.
ولم يكتفِ به محرّكاً نفسيّاً فحسب- وأعني: أنَّه لم يكتفِ به محرّكاً فرديّاً- بل قد يكون محرّكاً للمجتمعات كافّة، فمنه قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×: >ما جاع فقير إلَّا بما مُتّع به غنيّ<، وكذلك قول أبي ذر×: عجبت لمـَن لا يجد الطعام في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه.
فإنَّ تلك الروايات إن دلّت على شيءٍ فإنَّما تدلّ برأيه+أنَّ المحرّك للفقير هو حبّ الذّات، بل وإنَّ المحرّك للخلاص هو حبّ الذّات.
أو نقول بصورةٍ أدقّ: إنَّ حبّ الذّات هو المحرّك نحو ما يجده الإنسان مفيداً له، فإن وجد الشرّ مفيداً له، وأنَّه هو الذي يمثّل التكامل في نظره، انتهجه وجعله طريقاً له – والعياذ بالله- وإن وجد الخير وفعله هو الذي ينتج بقاءً له ولذاته، فسينتهجه، وسيكون متكاملاً نحو الكمالات العليا.
ولعلّ كلّ هذا على الصعيد الشخصي والفردي، ولكنّه – أي: حبّ الذّات- يُعدّ محرّكاً للمجتمعات عموماً- أيضاً- نحو التسافل أو التكامل، أو قل: نحو ما يختارونه من طريقٍ لهم، وما يرونه بحسب حبّ ذاتهم.
فإنَّ المجتمع قد يرى الاقتصاد هو الذي سينتشله من الظلم والعبوديّة، فيجعله الهدف الأسمى الذي يسعى له؛ طبقاً لنظريّة (كارل ماركس)، وستتألّف شيئاً فشيئاً أقوام ومدن عريقة تقوم على مبدأ أصالة الاقتصاد، والذي بدوره يرجع إلى (حبّ الذّات)، وإلَّا لا معنى لكون الاقتصاد هدفاً إلَّا بعد أن يكون ضمن هذا النطاق.
ولعلّ هناك أهداف أُخر يتّخذها الفرد أو المجتمع حسب حبّ ذاته، كما في نظريّة (فرويد) التي يقول عنها+: أنَّها وإن لم تكن صادقة وصحيحة، إلَّا أنَّها أيضاً بنحوٍ من الأنحاء قد تعتمد على (حبّ الذّات).
ولا نقف عند هذا الحدّ من الأهداف التي قد سنّها البعض بعيداً عن عالم المعنى وعالم الخير، بل هناك أهداف يستطيع من خلالها الفرد المؤمن أن يسعى إليها وضمن هذا النطاق أيضاً، ألا وهو (حبّ ا لذّات)، فإنَّ حبّ الذّات أمر قد يستعمل للشرّ فيكون (شرّاً) وقد يستعمل للخير فيكون (خيراً).
فإنَّه إن استعمل للوصول إلى الهدف الأسمى والأعلى، وليكن مثلاً (ظهور الإمام المهدي #) أو قل: المصلح أيّاً كان، فسيسعى فيها المجتمع- ومن خلال (حبّ الذات)- إلى الخلاص من الظلم والاستكبار والاضطهاد، وغيرها ممّا يسعى إليها دول الاستكبار العالمي لإذلال الشعوب وإخضاعهم وجعلهم قرية صغيرة بيدها.
أو أن يستعمل (حبّ الذّات) إلى التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى على الصعيد الأخلاقي أو الباطني كلّ بحسبه، فينتهج كلّ ما يفيد النفس والعقل والقلب وإزالة كلّ الشهوات وإبعاد كلّ الملذّات، وما إلى ذلك ممّا يصقل النفس على الخير ويبعدها عن شرور الدنيا وملذّاتها.
وعموماً فإنَّه+ استطاع من خلال هذا الكتاب الذي بين يديك (حبّ الذّات وتأثيره في السلوك الإنساني) أن يجعل بعض ما يمكن استعماله- أو قل ما اشتهر استعماله- بالشرّ والتسافل سلاحاً فعّالاً وآليّة كاملة متكاملة في الوصول إلى (الخير). فإنَّ (الأنا) وهي التعبير الآخر لـ (النفس الناطقة) التي هي عين (الروح)- كما ذكر+ في طيّات الكتاب- كلّها أُمور يمكن استعمالها بالخير، إذا وجَد الإنسان منها وسائل لتخليصه، أو قل لاستمراره فيما اختار لنفسه.
ولعلّ اصطلاح (النفس الناطقة) هي المحرّك لكلِّ القوى الإنسانيّة الكامنة بين جنبيه من إدراك العقل والحبّ القلبي والتفكير العقلي والشهوات النفسيّة، وغيرها من الكوامن التي هي سلاح ذو حدّين.
وبالتالي يمكن الوصول إلى طرق الكمال عن طريقٍ لم يخطر ببال أحدٍ من ذي قبل، استوحاه +من فيض علمه وأعلميّته.
فجزى الله القائمين على هذا العمل خير الجزاء، وتقبّل الله عملنا وعملهم بأحسن قبول؛ فإنَّ إخراج مثل تلك الكتب إلى النور لهو الخير كلّ الخير للمجتمع عامّة؛ لنصقل بها ذواتنا ونجعلها سلاحاً للخير لا للباطل. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
مقتدى الصدر
27/جمادى الثانية/ 1433- 19/5/2012
مقدّمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر+
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
وبعد؛
أربعون سنة من الجهاد في سبيل الدين الحنيف، حتّى سكن ذلك القلب الكبير، وصعدت تلك النفس المطمئنّة إلى بارئها، وتوقّفت تلك الأنامل التي طالما تحرّكت من أجل الدين والدفاع عنه. أربعة عقودٍ من العطاء والخدمة، تحمّل ذلك الرجل الإلهيّ ما تحمّل من المحن والمصاعب والنكبات التي أصابت جسد الأُمّة الإسلاميّة. عقود مرّت على مأساةٍ شهدتها الساحة الإسلاميّة، حيث ندر المدافعون عن تلك القيم والمبادئ الإسلاميّة السامية، فانبرت تلك الثلّة الطيّبة من أعلام مدرسة أهل البيت^ للتصدّي والدفاع عن حياض الإسلام والمذهب الحقّ.
فأين مَن يُنصف تلك الأنفس الزكيّة التي بذلت الغالي والنفيس من أجل الإسلام والمسلمين، بذلت كلّ ما تملك من أجل إيصال الحقّ وكلمته إلى طالبيه، بذلت أنفسها الغالية والعزيزة وأرخصتها لدينها وانتمائها.
أين مَن ينصف هذه الشموع التي احترقت من أجل الإسلام العزيز؟!
إنّي لأقف عاجزاً أمام هذا الصرح الكبير الذي لم يعرف الكلل والملل، ولم يعرف غير الجدّ والعمل. رجل أعطى كلّ ما لديه من أجل أن تستمرّ حركة المعصومين^، تلك الحركة التي طالما استأنست بالأولياء المدافعين عن حياض الإسلام الأصيل.
إنَّ هذا المؤلَّف هو هدف لكلِّ أهل العلم والعمل، فإنَّ هدف العلم الحقّ، بل هدف الشرائع السماويّة كافّة معرفة وتهذيب النفس والذوات الإنسانيّة، كما قال النبيّ’>إنَّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق<. فكلّ علمٍ لا تنتهي فائدته إلى الخلق وتهذيب النفس فلا خير فيه.
هذا الكتاب حبّ الذّات وتأثيره في السلوك الإنساني هو من تلك الجهود النبيلة التي تهدف إلى تهذيب النفس ورجوعها إلى صراط الحقّ الذي خُلقت من أجله، رغم أنَّ ما في هذا الكتاب يمثّل تلك المرحلة الفكريّة للسيّد الشهيد محمد الصدر +، حيث لـم يتجاوز- عند كتابته- الثانية والعشرين من عمره المبارك.
ولمّا كان ما في هذا المؤلَّف من فوائد كبيرةٍ واستفادات مهمّة ارتأينا إخراجه للنور بعد ما كان بين طيّات مخطوطات مكتبته العامرة.
موجز عن حياة آية الله العظمى
السيد الشهيد محمّد الصدر+
نسبه الشريف:
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر+ إلى الإمام موسى بن جعفر× في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها، حتّى وصفت بـ(السلسلة الذهبيّة) لما فيها من رجالاتٍ عرفوا بالزعامة والسيادة، ولعلّ هذه المزيّة قد انفردت بها هذه العائلة الكريمة؛ حيث إنَّها من لدن المعصومين عليهم الصلاة والسلام وحتّى الآن في كلّ جيل منهم هو سيّد جيله والمعترف له بالعلم والفضل والزعامة في عصره؛ فهو (1)محمّد بن (2)محمّد صادق بن (3)محمّد مهدي بن (4) إسماعيل بن (5) محمّد صدر الدين بن (6) صالح بن (7) محمّد بن (8) إبراهيم شرف الدين بن (9) زين العابدين إبراهيم بن (10) نور الدين علي بن (11) علي نور الدين بن (12) الحسين عزّ الدين بن (13) محمّد بن (14) الحسين بن (15) علي بن (16) محمّد بن (17) عبّاس تاج الدين أبي الحسن بن (18) محمّد شمس الدين بن (19) عبد الله جلال الدين بن (20) أحمد بن (21) حمزة أبي الفوارس بن (22) سعد الله أبي محمّد بن (23) حمزة القصير أبي أحمد بن (24) محمّد أبي السعادات بن (25) عبد الله أبي محمّد بن (26) محمّد الحارث أبي الحرث بن (27) علي ابن الديلميّة أبي الحسن بن (28) عبد الله أبي طاهر بن (29) محمّد المحدّث أبي الحسن بن (30) طاهر أبي الطيّب بن (31) الحسين القطعي بن (32) موسى أبي سبحة بن (33) إبراهيم المرتضى الأصغر ابن (34) الإمام موسى الكاظم× ابن (35) الإمام جعفر الصادق× ابن (36) الإمام محمّد الباقر× ابن (37) الإمام علي زين العابدين× ابن (38) الإمام الحسين الشهيد× ابن (39) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×.
ولادته ونشأته:
ولد+ في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ .ق، أي: يوم المولد النبوي الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين+، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني+، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر+ لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي’ دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى’، فكان الولد الوحيد لهما.
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة+. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه – بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة- يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة إلَّا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}( ).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر+، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، وله بنتان تزوّجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر+.
نشأته العلمية:
بدأ+ الدرس الحوزوي في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزوي وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، ثمَّ على يد السيّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العاملي، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم+ والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ . دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر+.
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم+.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
4. علوم اللغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر+.
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات غير الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبي في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه.
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1383 هـ . ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه.
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي الحكيم+. وقد كان لدراسته عند هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل شخصيته العلمائية ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته أنفسهم، ثمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبي+، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر+ فقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي+ فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني+ فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم+ فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر+ فقهاً.
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني+ وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلمي أمرين:
الأوّل: اطّلاعه+ على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئي والسيّد الخميني والسيّد الحكيم (قدّس الله أسرارهم أجمعين). وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ من حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته:
كان+ غاية بالجدّ والاجتهاد في حضوره أبحاث أساتذته؛ حيث كان معروفاً عند أقرانه بتميّزه لكتابة تلك الأبحاث، فلم يكن يترك شاردة وواردة إلَّا وسجّلها، سواء كان ذلك إشكالاً له أم لغيره في داخل الدرس وخارجه، حتّى أنَّه أثبت تأخّر الأُستاذ عن الدرس أو غيابه، ومن تلك المميّزات أيضاً:
• حضوره المتواصل وعدم انقطاعه عن الحضور، ما أنتج استيعاب كتاباته لتلك الأبحاث.
• جامعيّة ما كتبه لأبحاث أساتذته، وهذه المزيّة تفتقدها أكثر كتابات زملائه.
• كان أغلب زملائه يستعينون بكتاباته؛ حيث كان جملة منهم كثير السفر والانقطاع، حتّى أنَّ أحد التلامذة كان جديد العهد في حضوره عند السيّد الشهيد الصدر الأوّل+ ولم يدرك درس الأُستاذ إلَّا قليلاً، فأخذ من كتابات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ قرابة ألف وثمانمائة صفحة. وهذه المزيّة قلّما تُوجد عند الآخرين، فهي تعبّر عن نفسٍ طيّبةٍ همّها خدمة الشريعة سواء كان عن طريق نفسها أم كان عن طريق الآخرين.
نعم، إنَّ جملة من أبحاث أُصول السيّد الصدر الأوّل+ لم نعثر عليها، وأغلب الظنّ أنَّ ذلك كان للسبب المذكور، أي: بسبب إعارته الآخرين كتاباته.
إجازته في الرواية:
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملّا محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني+) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوري صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين+، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة+، والسيّد رضا الصدر+، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم+، والسيّد حسن الخرسان+، والسيّد عبد الأعلى السبزواري+ والدكتور حسين علي محفوظ&.
اجتهاده:
أُجيز بالاجتهاد من قِبَل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ في سنة 1398 هـ .ق (وكان عمره آنذاك 36 سنة)، حيث اتّفق أنَّ جملة من الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلالي كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورة فقهيّة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسي+، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلاب.
ثمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد+ إلى إلقاء البحث الفقهي بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس الملاصق للحرم العلويّ المقدّس، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد أبحاثه في كلّ يوم كالتالي:
أوّلاً: البحث الفقهي صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصولي عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنية في يومي الخميس والجمعة من كلّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات – أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا+ أُسلوباً مغايراً لأُسلوب سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلَّا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجة لعاملين نفسي وعقلي: أمّا العامل النفسي: فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في النصف [الثاني] من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه أقلّ أهمّيّة أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<( ).
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباع آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
من أقوال العلماء في حقّه:
قال المفكّر الإسلامي الكبير آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ عند تقديمه لكتاب (موسوعة الإمام المهدي#) للشهيد الصدر الثاني+: >… وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسّع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيِّم الذي أمامنا، فإنَّنا بين يدي موسوعةٍ جليلةٍ في الإمام المهدي، وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزّاء، وهو العلّامة البحّاثة السيّد محمّد الصدر حفظه الله تعالى، وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تأريخ التصنيف الشيعي حول المهدي# في إحاطتها وشمولها لقضيّة الإمام المنتظر من كلّ جوانبها، وفيها من سعة الأُفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللفتات، ما يعبِّر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلّف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.
وإنّي لأحسّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملؤه هذه الموسوعة من فراغ، وما تعبِّر عنه من فضل ونباهةٍ وألمعيّة. أسأل المولى سبحانه وتعالى أن يقرّ عيني به ويريني فيه عَلَماً من أعلام الدين…<( ).
وقال والده آية الله الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+ في حقّه: >… وإنَّ من نعم الله وآلائه على هذا العبد الفقير إلى عفوه وصفحه أن رزقني من الأولاد واحداً كألف، وبه يحفظ الله لنا هذه السلسلة الذهبيّة أن تفقد بعض حلقاتها، وبه تحتفظ السلسلة بكامل نضارتها وهيبتها وجميل هيأتها. ولد حفظه الله في السنة الثانية والستّين بعد الألف والثلاثمائة في ضحى يوم عيد مولد النبيّ الأعظم’ وبهذه المناسبة سميّته محمّداً. نشأ والحمد لله نشأة حسنة تحت ظلّ جدّه شيخنا آية الله العظمى مرجع عصره الشيخ محمّد رضا آل يس رضوان الله عليه، فلمّا تقلّص ظلّ الشيخ عنّا في سنة 1370هـ كان لا يزال ولدي طفلاً في الثامنة. فاشتغل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثمَّ اشتغل بمقدّمات العلوم فأتمّها، وبعدها درس السطوح فأتقنها. وهو في الوقت الحاضر يحضر دروس الخارج على العلماء الأعلام وآيات الله العظام، وقد دنا من الاجتهاد قاب قوسين أو أدنى إن لم يكن قد لمسه باليسرى واليمنى. وزيادةً على ذلك حصّل من العلوم ما هو خارج عن دائرة اختصاص المجتهدين، وألمّ إلمامة بسيطة بلغةٍ أجنبيّة، وقد أحاط كلّ ذلك بالتقوى والعفاف والطهر. فشكراً لله إن كان الشكر يفي ويكفي … وهذا ولدي العالم الفاضل التقيّ النقيّ المؤلّف المجيد والشاعر الناثر محمّد الصدر… ولا أراني بحاجةٍ إلى نصحه ووعظه؛ فإنَّه مستغنٍ عن ذلك بل هو الذي يجب أن ينصح ويعظ الناس، وهنا يأتي المثل المشهور: ما المسؤول بأعلم من السائل، فقد رضع درّ الدين وتربّى في حجر الدين، والمأمول منه أن يصرف همّه وهمّته إلى نصرة الدين…<( ).
وقال آية الله العظمى الشيخ آغا بزرك الطهراني+ في إجازته إيّاه بالرواية: >فإنَّ الفاضل الكامل البارع الباهر المحقّق المصنّف الماهر ثقة الإسلام وعماد الأعلام وسلالة الفقهاء الفخام مولانا الممجّد جناب السيّد محمّد نجل العالم الجليل السيّد محمّد صادق بن العلّامة الأجل السيّد محمّد مهدي الصدر ابن آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر الموسوي العاملي الكاظمي طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه ووفّق حفيده المذكور لإنجاز ما رغب فيه من الخدمة لدين الإسلام الحنيف وإبلاغ أُصوله وفروعه إلى الخاصّ والعامّ والوضيع والشريف…<( ).
وقال العلّامة الحجّة السيّد عبد الرزاق المقرم+ في إجازته إيّاه بالرواية: >… فإنَّ العلّامة البارع في فنون المعارف الإلهيّة والباحث عن مخبّئات حقايق الشريعة وآدابها السيّد محمّد نجل حجّة الإسلام التقي الورع السيّد محمّد صادق آل آية الله السيّد إسماعيل الصدر نوّر الله ضريحه، لما عرف من قدر العلم وقدر مساعي أعلام الأُمّة فأخذ بسيرتهم واستضاء بأنوار تعاليمهم…<( ).
وقال آية الله السيّد رضا الصدر+: >قرّة عيوننا المفدّى وكعبة آمالنا المرجّى، ركن التقى وحصن الهدى ملاذ الإسلام وكهفه، وقدوة المتّقين حبيبنا محمّد من آل الصدر حفظه الله بقدرته التي لا تضام، ورعاه بعينه التي لا تنام… قرأت كتابك العزيز فشممت من خلال سطوره رائحة التقوى والعلم، ولقيني منه روح الفضل والصدق، والفضائل النفسيّة والفواضل الإنسانيّة مزيّنة بالهمّة والجدّ والعمل. أسأله تعالى أن يوفّقكم لخدمة الإسلام وأن يجعلكم شرفاً لنا وفخراً، آمين يا ربّ العالمين…<( ).
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد+ جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وبالاقتراب منه+ يتّضح سلوكه العرفاني الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة، والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت^، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم يكن يرضى أن تقبّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛ لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى قائلاً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثير من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه+ يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
وقد امتاز+ بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلَّا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلَّا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر.
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر+ ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفري، ولم يبق منها إلَّا صُبابة لا تروي من ظمأٍ، ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلَّا تصدّيه+؛ لأنَّه أفضل علاج ناجع لأخطر قضيّة عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي والحوزوي على وجه الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحات بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الديني مقوّمات أساسية: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروري لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فإنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه+ يمثّل امتداداً للخطّ المرجعي الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمّر؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلمي – الفقهي والأُصولي والمعرفي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلّبه ويقتضيه.
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتداد لخطّ ومدرسة أهل البيت^، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر الثاني+ جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه+ لم يكن فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علوم فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه+ المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلَّا أنَّ ما قام به+ وما بذله من جهود جبّارة لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلَّا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى أنحاء العراق كافّة لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلَّا أنَّه+ استطاع -وبفترة زمنية قياسيّة- ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه+ حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة، ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
كما سعى إلى تربية طلاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربية إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورة طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ له من إمكانات مادّيّة، فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلامي رفيعٍ، فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر+ مؤلّفات كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
أولاً: مؤلفاته
1- منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة أجزاء.
2- بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعيّ للقرآن الكريم.
3- فوز الأنام في أدعية الليالي والأيّام.
4- ما وراء الفقه، في خمسة عشر مجلّداً.
5- بيان الفقه، وهو بحثٌ فقهيّ استدلاليّ في سبعة أجزاء.
6- حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء.
7- مبحث ولاية الفقيه.
8- مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء.
9- الفكرة الحيّة في حكم حلق اللحية.
10- الكلمة التامّة في الولاية العامّة.
11- الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام.
12- الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
13- تعليقة على (بعض كتب) شرائع الإسلام للمحقق الحلي أبو القاسم نجم الدين بن جعفر بن الحسن.
14- تعليقة على الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية (في أحكام القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات) للشيخ زين الدين الجبلي العاملي.
15- تعليقة على الرسالة العمليّة كتاب الحج من (العروة الوثقى) للسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي.
16- تعليقة على (مستحدثات المسائل) للسيد الخوئيّ.
17- تعليقة على الرسالة العمليّة (مناسك الحجّ) للسيّد الخوئيّ.
18- تعليقة على الرسالة العمليّة (منهاج الصالحين) للسيّد الخوئيّ في جزئين.
19- تعليقة على تكملة منهاج الصالحين للسيد الخوئيّ.
20- تعليقة على الرسالة العمليّة (وسيلة النجاة) للسيّد أبي الحسن الأصفهاني في جزئين.
21- تعليقة على رسالة السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (الفتاوى الواضحة) في جزئين.
22- منهج الصالحين، وهو رسالة عمليّة موسّعة في خمسة مجلّدات.
23- مسائل وردود في خمسة أجزاء (بمجلدين).
24- الصراط القويم، وهو رسالة عمليّة مختصرة.
25- الرسائل الاستفتائيّة.
26- فقه الطب.
27- فقه الفضاء، وهو رسالة عمليّة في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
28- فقه العشائر.
29- فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عمليّة في المسائل المستحدثة أيضاً.
30- مناسك الحجّ.
31- الزكاة بين السائل والمجيب.
32- الصوم بين السائل والمجيب.
33- الخمس بين السائل والمجيب.
34- الطهارة بين السائل والمجيب.
35- مسائل في الحجاب.
36- فقه المجتمع.
37- مختصر أحكام الصلاة.
38- مسائل في حرمة الغناء.
39- موارد جواز النظر.
40- فقه الدماء الثلاثة.
41- منهج الأُصول، في سبعة أجزاء.
42- شرح كفاية الأُصول للآخوند في أربعة أجزاء.
43- أُصول علم الأُصول.
44- موسوعة الإمام المهديّ، وتحتوي على:
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
ج. تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادّي والدينيّ.
هـ. هل الإمام المهديّ طويل العمر.
45- الإمام المهدي المنتظر، مختصر موسوعة الإمام المهدي.
46- المهدي للسيد صدر الدين الصدر/ تحقيق.
47- أضواء على ثورة الإمام الحسين.
48- شذرات من تاريخ فلسفة الإمام الحسين.
49- رفع الشبهات عن الأنبياء.
50- تعليقات على كتاب (الشيعة والسنّة) لإحسان إلهي ظهير.
51- أشعّةٌ من عقائد الإسلام.
52- الإجازات عن الأئمة الهداة.
53- حبّ الذات وتأثيره في السلوك الإنساني.
54- الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد. بحث فيزيائي.
55- فقه الأخلاق في جزئين.
56- رسائل ومقالات طبع بثلاثة أجزاء، جزئين منها بعنوان اشراقات فكرية والثالث بعنوان اشراقات أدبية.
57- مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيّدنا الشهيد.
58- الكتاب الحبيب (مختصر مغني اللبيب).
59- خطب الجمعة لشهيد صلاة الجمعة.
60- مواعظ ولقاءات في جزئين.
61- نظراتٌ إسلاميةٌ في إعلان حقوق الإنسان.
62- الأُسرة في الإسلام.
63- فلسفة الحجّ ومصالحه في الإسلام.
64- حديث حول الكذب.
65- بحث حول الرجعة.
66- كلمة في البداء.
67- الرد على الشبهات من السنة والآيات.
ثانياً: تقريراته
1- كتاب الطهارة للسيّد محمد باقر الصدر في عشرة أجزاء.
2- محاضرات في علم أصول الفقه للسيّد محمد باقر الصدر في خمسة وعشرين جزءاً.
3- تقريرات في علم أُصول الفقه للسيّد الخوئيّ في اثنى عشر جزءاً.
4- كتاب البيع للسيّد الخميني في أحد عشر جزءاً.
5- محاضرات أساتذته في كليّة الفقه في اثنى عشر جزءاً.
6- دروس في شرح كفاية الأُصول، من أبحاث السيّد محمد باقر الصدر.
7- اللّمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد إسماعيل الصدر.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ بالفقه المعاصر، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة الاغتيال
كان من عادة السيّد+ أنْ يجلس في مكتبه (البرانيّ) بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعه ولداه – السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل قدّس سرهما- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
* * * *
منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد +.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
سادساً: إضافة بعض العناوين في ثنايا الكتاب.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شانه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فانَّ الكمال لله وحده.
الإشراف العام
هيئة تراث ا لشهيد السعيد السيد محمد الصدر+
25 /جمادى الثانية/1433هـ – 17/5/2012م
ويقع في فصلين
1. تحليل حب الذات وشؤونه المختلفة
2. أثر حبّ الذات في جوانب الحياة المختلفة
الفصل الأول
تحليل حبّ الذات وشؤونه المختلفة
• تمهيد
• أثر حبّ الذات
• أثر حب الذات في تكوّن الجماعات
نظرية العامل الواحد والنظريات الأخرى
نظريتنا والجبر والتفويض
• أثر حبّ الذات على الإرادة
تمهيد
الذّات هي: كلّ ما لدى الإنسان من نعمةٍ إلهيّةٍ داخليّة، وهي كلّ شيءٍ في حياة الإنسان، فمنها ينظر إلى الحياة، ومنها يعلم، ومنها يفهم، ومنها يتكلّم، وعليها يعتمد في سائر سلوكه وتصرّفاته، ومنها: يستمدّ وعيه وإدراكه للحقائق والوقائع، وكلّ ما يدور حوله من حوادث. فالذّات هي المركز الرئيسيّ للإنسان الحيّ.
ومن هنا كانت الذّات مركز تفكير الإنسان ومركز حبّه، ومركز عاطفته، لا يمكن – بل يستحيل- أن يحيد بعاطفته عنها مقدار شعرة، فهو محبٌّ لكلِّ خيرٍ لها ومبغضٌ لكلِّ شرٍّ ينالها، بل هو مبغضٌ لكلِّ احتمال شرٍّ ينالها، فهو يتجنّب مكاره الحياة وصعوبات العيش وكلّ ما ينالها بسببه [من] مكروه؛ لأجل أن يدفع عنها أكبر مقدارٍ من احتمال الضرر. فاحتمال الضرر – فضلاً عن يقينه، وفضلاً عن وجوده- منفّر للنفس، مبعّدٌ لها، دافع للعقل بأن لا يصل نحوه وأن لا يتوجّه إليه.
أمّا النفع بالنسبة إلى نفس الإنسان فهو كلّ شيء، فهو ما يريده الإنسان وما يسعى إليه بعقله وتفكيره وإدراكه وإحساسه.
إذن، فكلّ ما في حياة الإنسان هو جرّ النفع إلى شخص نفسه ودفع المكاره عنها، ولا يستثنى من ذلك شيء، إنَّما تختلف مشخّصات الخير ومشخّصات الشرّ في نظر البشر. ومن هنا يختلف سلوكهم وتختلف عاداتهم وتختلف طرائقهم في الحياة ونظراتهم إلى الحياة، وإلى ما قبل الحياة وما بعد الحياة.
فثمَّ شخص يرى التوجّه إلى الله والتوكّل عليه والعمل في سبيله خيراً لذاته، فيفني ذاته في سبيل الله، ويتجشّم كثيراً من المصاعب والآفات والبليّات طمعاً في ثواب الله أو خوفاً من عقابه، أو لأنَّه أهل للعبادة( ). وعلى كلّ حالٍ فهو يحبّ ذاته ويريد لها أقصى ما يمكن أن يناله من كمال.
وثمَّ إنسانٍ آخر يرى خير ذاته في مغريات الدنيا وزبارجها ولطائف عيشها، فهو يتوجّه إلى تلك الأُمور بكليّته وينغمس فيها إلى أنفه، متخيّلاً أنَّه نال أقصى السعادة وأنَّه وفَّر لنفسه ما تحبّ.
ولحبّ الذّات آثارٌ كثيرةٌ متعدّدةٌ تنعكس في داخل شخصيّة الإنسان وتنعكس في سلوكه الاجتماعي، وتنعكس في نظرته إلى الحياة، وتنعكس في نظرته إلى المعتقدات السائدة وإلى الأشخاص وإلى الوقائع وإلى سائر أُمور الدنيا.
ومن هنا يمكن أن نقسّم الكلام إلى أقسامٍ متعدّدة:
منها: أثرُ حبّ الذّات في الكيان الداخلي للإنسان.
ومنها: أثرُ حبّ الذّات في الكيان الخارجي للإنسان.
ونقسّم كلا هذين الموضوعين إلى أقسامٍ كثيرة، فإنَّه من أثر حبّ الذّات على الإنسان من الناحية الداخليّة، أثره [على] تفكيره العقلي وعلى عواطفه وعلى إشباع شهواته ورغباته وعلى تنفيذ إرادته. والمهمّ في هذا المجال هو التعرّف على أثر حبّ الذّات في التفكير العقلي للإنسان، على ما سنبحثه بعد قليل.
وفي المجال الخارجي نجد أثر حبّ الذّات بالنسبة للمواقف الاجتماعيّة في مختلف صورها، فالتجمّعات والتحزّبات والعصبيّات والدول والمجتمعات، وكثير من الظواهر الاجتماعيّة والجمعيّات والقوانين، وغيرها من الظواهر الاجتماعيّة، كلّها نابعةٌ – في صميم أسبابها- من حبّ الذّات هذا.
أثر حبّ الذات في الكيان الداخلي للإنسان
ومن هنا كان لابدَّ لنا أن نبدأ بالقسم الأوّل من الكلام، وهو تأثيرُ حبّ الذّات على تفكير الإنسان:
لمّا كان الإنسان محبّاً لذاته، مريداً للخير لها، مبغضاً للشرّ الذي يصيبها، فهو محبٌّ لكلِّ عقيدةٍ يراها خيراً، ومبغضٌ لكلِّ عقيدةٍ يراها شرّاً، فهو ينظر بعقله وتفكيره وفي حدود ما يعرفه من استدلال وبراهين، إلى ما يسود من العقائد، وإلى ما يتخيّله ذهنه، وإلى ما يصل إليه تفكيره وبحثه من المسائل والعقائد والأُمور العلميّة والنظريّة وغير ذلك. فما وجده منها صحيحاً اعتقده وجزم به، ولعلّه تعصّب له ودعا إليه، كما سوف يأتي في أثر حبّ النفس في المجال الخارجي.
وكلّ ما رآه خطأً لا يقوم عليه دليل ولا يدعمه برهان – من خلال فهمه للأدلّة والبراهين- فهو يبغضه ولا يحبّه ولا يعتقد به، ويحاول أن يطرده لا شعوريّاً عن أُفق تفكيره وذهنه.
ومن هنا كان الشخص غير موضوعيٍّ في تفكيره، أي: أنَّ من آثار حبّ الذّات على الشخصيّة الإنسانيّة وعلى التفكير الإنساني بالخصوص، هو أنَّه يسلخ موضوعيّته في النظر بمقدارٍ مّا! وهذا المقدار في بعض حدوده ضروريٌّ لا يمكن للإنسان ويستحيل عليه أن ينفكّ عنه. فهو دائماً يعيش في إطار ذاته ويعيش في حلقةٍ مفرغةٍ من تفكيراته الذّاتيّة وتأمّلاته الباطنيّة، بما يوحيه إليه سائر إحساساته التي على رأسها حبّ الذّات، ويتدخّل كلّ ذلك في تفكيراته العلميّة وتأمّلاته النظريّة ممّا يؤثّر قطعاً فيها، ولا يمكن أن تتخلّى عنها.
فقد تتدخّل العواطف وقد تتدخّل العصبيّات وقد تتدخّل أُمور أُخرى كثيرة، اجتماعيّة أو داخليّة، وقد يتدخّل قصور التفكير وقد يتدخّل ضيق أُفق الذهن، وقد يتدخّل ما هو عكس ذلك من عدم العصبيّة ومن سعة الأُفق ومن عمق التفكير ومن غير ذلك، فيحدث كلّ ذلك آثاراً مختلفة على المسألة، وعلى طريقة البرهنة، وعلى سنخ الاستنتاج.
ولا يخفى في هذا الصدد: أنَّ ما يقرّره حبّ الذّات من المواقف الاجتماعيّة – كما سوف يأتي في القسم الثاني من هذا الكلام- يؤثّر أيضاً تأثيراً داخليّاً في تفكير الإنسان وفي وجهة نظره، ويبعده بمقدارٍ مّا – قليلاً أو كثيراً- عن الموضوعيّة. فلو تحزّب لجماعةٍ من الجماعات أو لمبدأٍ معيّن أو لدينٍ معيّن أو لفكرةٍ خاصّةٍ، فإنَّه – لا شعوريّاً، ومن جراء حبّ الذّات الذي يملي عليه حبّ هذه الأفكار- يندفع اندفاعاً إلى تأييد هذه الفكرة ووضع البراهين لها، وإلى رفض ما عداها، وفهمه على أساس كونه خاطئاً أو تفسيره تفسيراً يكون في صالح ما يراه.
اعتبر بالمذاهب الإسلاميّة المختلفة، وكيف تفسّر قرآنها المجيد بمختلف التفسيرات، كلٌّ حسب ما يحبّ ويشتهي. وهذا أجلى مثال لذلك؛ على اختصاره وعدم تفصيله.
تقسيم فرانسيس بيكن للمؤثرات على موضوعيّة الذهن( ):
ولعلّ فرانسيس بَيكُن [Francis Bacon]، الذي قسّم ما يمكن أن يكون مؤثّراً( ) على موضوعيّة الذهن في التفكير إلى أربعة أقسام، إذا لم يخنّي الذهن في تذكّرها:
القسم الأوّل: تأثيرات العلماء السابقين عليه – على الذهن، [و] على التفكير الإنساني- بمعنى: أنَّ ما تعلّمه من آراء العلماء السابقين وما قرأه من نظريّات وما تفهّمه من آراء، ربّما يؤثّر على تفكيره وعلى نشاط ذهنه العقلي.
القسم الثاني: هو تأثير اللغة، وتأثير الألفاظ على نشاط الإنسان العقلي، بما تحدّده من معانٍ، وما توحيه من أُطر ومنعكسات لفظيّة ومعنويّة.
القسم الثالث: تأثير المجتمع عليه، المجتمع الذي يعيشه ويتفاعل مع أفراده تفاعلاً مستمرّاً، يحبّ بعضهم ويكره بعضهم ويتعصّب لبعضهم حبّاً أو كرهاً، ويتعاون مع بعضهم ويرفض التعاون مع آخرين، كلّ ذلك لابدَّ أن يُؤثّر على تفكيره قليلاً أو كثيراً.
القسم الرابع – من التأثير على التفكير الإنساني وسلبه لموضوعيّته-: هو كون الإنسان ابناً لسلسلةٍ متطاولةٍ من البشر تبدأ بأوّل بشريٍّ على وجه الأرض، [و] هو آدم حسب العقيدة الإسلاميّة. وبذلك يتكوّن لديه لا شعور بشري راسخ ورثه من أوّل البشريّة، وتكوّن لديه بشكلٍ تدريجيّ بطيء.
فهو على هذا يندفع من خلال هذا اللاشعور إلى أُمور خاصّة توجبه، بمعنى: أنَّ اللاشعور هذا يؤثّر بقليلٍ أو كثيرٍ في مجال بحثه وفي نشاط تفكيره العقلي.
مناقشة القسم الأوّل:
لعلّ بيكن عندما قسّم هذه الأقسام وذكر أنَّ لكلٍّ تأثيره على التفكير، لم يعدُ حبّ الذّات بشكلٍ من الأشكال.
أمّا كلامنا في القسم الأوّل، وأنَّه لا يعدو حبّ الذّات، فالقسم الأوّل كان هو تأثير آراء العلماء السابقين عليه.
طبعاً أنَّ الإنسان إنَّما يتأثّر بالكلام الذي يراه صحيحاً، وبالآراء التي قامت- في وجهة نظره- الأدلّة والبراهين عليها. ولا يتأثّر بالآراء التي يراها خطأ وغلطاً، وقام الدليل- من وجهة نظره- على خطئها وتفنيدها.
ومن هنا كان واضحاً جدّاً أثر حبّ الذّات في تأثّره بالعلماء السابقين، فإنَّه – كما سبق أن ذكرنا قبل قليل- كلّ رأي يراه الإنسان صحيحاً يحبّه ويعتقده؛ مندفعاً بذلك عن حبّ الذّات، وكلّ رأي لا يراه صحيحاً يرفضه ويبعده عن حيّز عقله ومعتقده إبعاداً لا شعوريّاً؛ مندفعاً بذلك عن حبّ الذّات أيضاً.
وبهذا كان تبنّي الذّات للآراء التي رأتها صحيحة من العلماء السابقين ورفض الآراء التي رأتها فاسدة وغير صحيحة، كلّ ذلك من أثر حبّ الذّات. وكان تأثّرها بالآراء الصحيحة أيضاً من حبّ الذّات؛ باعتبار ما رأت بها من قدسيّة وصحّة ورجاحة برّرت عندها الأخذ بها والسير على مقتضاها، فكانت النتيجة هو ما يسمّيه بيكن بـ(التقليد)( ).
مناقشة القسم الثاني:
وأمّا آثار اللغة عليه: فكلّ إنسانٍ ينظر إلى اللغة من خلال ما يفهمه من ألفاظها وما توحيه إليه من معانٍ وإحساسات. وهذه الإحساسات كلّها- على الإطلاق- ذاتيّة نابعة من صميم النفس، ومن خلق النفس وإنشائها، لا أنَّها أُمور موضوعيّة خارجيّة، وهذا أمرٌ ثبت في الفلسفة ولا مجال هنا إلى البرهنة عليه.
ولا يخفى عليك في هذا المجال ما يُذكر في الأدب: من أنَّ لكلّ لفظٍ رنيناً خاصّاً في الأذن( )، وأنَّ الجملتين وإن كانتا تؤدّيان معنىً واحداً، إلَّا أنَّهما تختلفان من حيث التأثير النفسي، وهذا يُؤيّد ما نقول، فإنَّ هذا التأثير النفسي إنَّما هو من أثر حبّ الذّات، [و] من أثر التكوين الذّاتي الخاصّ للإنسان الذي يشارك فيه حبّ الذّات بشكلٍ رئيسي.
إذن فمن هذا المنطلق بالذّات، كان أثر حبّ الذّات في الفهم اللغوي للشخص. فكلّ معنى رآه صحيحاً وكلّ إحساس انبثق في نفسه من هذا اللفظ، استعمل اللفظ على مقتضاه، [أي:] على مقتضى المعنى وعلى مقتضى الإحساس، كما يراه مصوّراً له وكما يدّعي ذلك لنفسه، لا يهمّه بعد ذلك أن يفهم الآخرون نفس هذا المعنى، وأن يكون لهم بسببه نفس الإحساس أو أن لا يكون.
وعن هذا الطريق بالضبط تنشأ المغالطات وينشأ الخلط في العلوم وفي الفنون، وتنشأ الخلافات وتضارب الآراء مع شديد الأسف.
مناقشة القسم الثالث:
وأمّا بصدد أثر حبّ الذّات في تأثير المجتمع على الذهنيّة الإنسانيّة. فهذا من الواضحات الجليّات، كما سوف يأتي في القسم الثاني من هذا الكلام حول تأثير حبّ الذّات في المجال الخارجي للإنسان، وفي السلوك الاجتماعي له.
فإنَّ للذّات في المجتمع ما تحبّه وما تكرهه وما تعتقده وما تحسّه إلى آخر مجالات نشاطها. وكلّ ما تحبّه فهو قريبٌ إليها لصيقٌ بها. وكلّ ما تكرهه فهو بعيدٌ عنها منفّر لديها.
وعليه، فكان ما تحبّه وما تهواه وما تعتقده وما تفكّر فيه من الأُمور الاجتماعيّة، مختزناً في لا شعورها، مختلجاً في أفكارها، مختلطاً بدمائها العقائديّة والروحيّة. ولا يخفى ما لكلّ هذا المجموع من الخطوط الاجتماعيّة المنحصرة في ذهن الشخص من أثرٍ عميق وعظيم في تفكيره وفي تحديد إطاره الذهني، وفي توسيع أو تضييق أُفق تفكيره.
مناقشة القسم الرابع:
وأمّا بالنسبة إلى اللاشعور الإنساني العميق، الذي ورثه الإنسان من آبائه وأجداده البشر، فهو أيضاً ناشئ من حبّ الذّات، غاية الأمر أنَّه حبّ ذاتٍ يختلف عمّا سبق. إنَّه حبّ الذّات للجماعة. إنَّه حبّ الجماعة، وحبّ الجماعة أيضاً ناشئ من حبّ الذّات بالمعنى الطبيعي العادي، إلَّا أنَّه انفرد منه بخصائص ومميّزات سوف تأتي في الشقّ الثاني من هذا الكلام.
فهذا الفرد حينما يحبّ جماعته البشريّة، ويشعر برباط الأُخوّة بشكلٍ من الأشكال معها، ولو شعوراً عميقاً لا شعوريّاً خفيّاً على كلّ حال، فإنَّه يرى أنَّ ما تعتقده هذه المجموعة من المخلوقات صحيح ومتين، أي: ما تجمع عليه من الأفكار والآراء، وأنَّ كلّ ما تجمع على رفضه ونقضه فهو غير صحيحٍ وغير متين.
إذن، نعود مرّةً أُخرى في دائرة مفرغة (حبّ الذّات). ونرى أنَّ الشخص حينما يحبّ هذه الآراء النابعة من البشر المحبوبين له، فهو يعتقدها ويتبنّاها، ولو اعتقاداً لا شعوريّاً، ويسعى إلى إدخالها في بحوثه، أو أنَّها تدخل وتندسّ قهريّاً ولا شعوريّاً إليها.
وبهذا يتبيّن بوضوحٍ مدى تأثير حبّ الذّات، على تفكير الإنسان وعلى عواطفه وعلى آرائه العلميّة بالخصوص.
ومن هنا كان يميل الإنسان إلى البرهنة وإلى تبنّي ما يراه صحيحاً وراجحاً بلحاظ حبّ ذاته، ويميل لا شعوريّاً إلى تسطير البراهين عليه وإلى حشد الأدلّة على صحّته.
كيفية التخلص من أثر حبّ الذات في البحث العلمي:
وينفتح لنا من هذه النقطة بالذّات بابٌ آخر، هو كيفيّة تجنّب أثر حبّ الذّات في البحث العلمي؛ لجعله بحثاً موضوعيّاً خالصاً من الشوائب ومن القاذورات الذهنيّة البغيضة.
ولا يخفى في هذا المجال أنَّ ما هو ضروريّ وقهريّ من حبّ الذّات لا يمكن أن يرتفع بشكلٍ من الأشكال مهما أُوتي الإنسان من سعة أُفقٍ وعمق تفكيرٍ ودقّة نظر.
نعم، إنَّ الذي يمكن أن يرتفع من آثار حبّ الذّات على التفكير الإنساني هو حواشيه وفروعه وتأثيراته، لا نفس تأثيره الذّاتي الخاصّ. وأعني بفروعه وتأثيراته: هو ما قد يكون حبّ الذّات قد أثّر على عاطفة من العواطف أو على إحساس من الإحساسات، فجعل الفرد يشعر بشكلٍ من الأشكال ويتأثّر به في ناحية من النواحي ويصوغه صياغة خاصّة؛ وبذلك جعل حبّ الذّات تلك العاطفة تؤثّر في البحث العلمي.
فهذا يمكن تجنّبه بالنسبة إلى الباحث بعمق نظره ودقّة تفكيره، بمعنى: أنَّ للباحث أن يستغني عن هذا الديدن من البحث العلمي، وهو أن يحشد الأدلّة لما يحبّه ويهواه، بل يتبنّى كلّ رأي يسوقه إليه الدليل وإن كان يكرهه وينفر منه، وكان خلاف مسبقاته الذهنيّة وعقائده الكلاسيكيّة المألوفة.
كما يمكنه أن يأخذ بالمعنى اللفظي المجرّد الذي تهديه إليه القواميس اللغويّة، لا أن يأخذ بإحساسه الخاصّ وإن لم يفهمه الناس.
إذن نستنتج من ذلك كلّه، أنَّ ما كان بينه وبين حبّ الذّات واسطة بشكلٍ من الإشكال – كعاطفة من العواطف أو إحساس من الإحساسات أو عصبيّة من العصبيّات- يمكن تجنّبه، بمعنى: أنَّه يمكن تجنّب تأثير هذه العاطفة على البحث العلمي، [وهي] التي نشأت بدورها من حبّ الذّات. أمّا إذا كان حبّ الذّات مباشراً، فهذا ممّا لا يمكن تجنّبه ولا التحوّط منه على الإطلاق.
أمّا إذا أردنا أن ننظر في هذا الصدد إلى الرأي الإسلامي، فنجده لا يكلّف ذاتاً إلَّا وسعها، فما لا يمكن تجنّبه من تأثير حبّ الذّات على التفكير فهو قطعاً لا ينهى عنه ولا يصدّ عنه، بل لعلّه يؤيّده ويراه صحيحاً. نعم، ما كان من تأثير حبّ الذّات بواسطة عاطفةٍ أو بواسطة عصبيّة أو أيّ شيءٍ آخر يتوسّط بين الذّات وبين حبّها، بين العقل وبين حبّ الذّات، فهو يرفض تأثيره وينهى عنه، ويوصي الباحث بكثير من التأكيد بالتجرّد عنه والتفكير الموضوعي الصحيح.
وليس أدلّ على ذلك من أمر القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته بالتفكير في آيات السموات والأرض، وحشد كثير من الأدلّة والبراهين على مسائله العقائديّة ومشكلاته الدينيّة؛ وذلك من أجل إبعاد الإنسان إلى أكبر قدر ممكن عن عواطفه وإحساساته وعصبيّاته التي تندسّ بينه وبين حبّه لذاته، وإفهامه بوجهٍ خاصّ إلى أنَّ الاعتقاد بهذه الأُمور خيرٌ له وفي مصلحته، وأنَّه موافق لحبّ ذاته.
فحين ينظر الإنسان ويتدبّر في القرآن الكريم وفي أدلّته على العقائد، وفي البراهين الإسلاميّة المتينة، يجد أنَّ الاعتقاد بها ممّا ينبغي عمله وممّا يصحّ فعله، ويجد أنَّ العمل في سبيل الإسلام له نتيجة حسنة راجحة عظيمة، وأنَّ له عوضاً عن ذلك أجراً عظيماً لدى الربّ العظيم. ومن هنا كان يندفع إلى الاعتقاد بهذه العقائد وإلى العمل في هذا السبيل حبّاً لذاته.
والكلام يطول على كلّ حال في الجانب الذّاتي من تأثير حبّ الذّات على النفس، ومن هنا نختتم هذا القسم من الكلام.
أثر حبّ الذات في تكوّن الجماعات
ونفتتح قسماً جديداً هو تأثير حبّ الذّات على السلوك الاجتماعي للفرد.
ولا ننسى في هذا الصدد ما سبق أن قلناه من القانون الذّاتي لحبّ الذّات، وهو أنَّه مقتضى أو علّة تامّة لجلب الخير إلى النفس ودفع الشرّ عنها، والاعتقاد بكلّ ما هو محبوب لديها، والتفكير بكلّ ما هو راجحٌ في نظرها، وإبعاد كلّ ما هو مكروهٌ عنها إبعاداً لا شعوريّاً تلقائيّاً.
إذا اتّضح ذلك فنقول: أنَّ في صميم ذات الإنسان ومن نبع حبّ الذّات بالذّات، توقاناً خاصّاً إلى الكمال، وشوقاً شديداً ورغبة أكيدة إلى التطوّر من الكامل إلى الأكمل فالأكمل. وهذا موجودٌ لدى كلّ البشر على اختلاف نزعاتهم وأذواقهم. غاية الأمر – وكما أشرنا فيما سبق- أنَّه تختلف التشخيصات وتختلف التفكيرات في تصوّر هذا الكمال باختلاف النزعة الذّاتيّة لكلّ إنسان من خلال التأثير الذّاتي لحبّ الذّات، الذي قرّرناه قبل قليل في القسم الأوّل من الكلام.
وبذلك، وتحت تأثير حبّ الذّات في شوقه إلى الكمال، كان لابدَّ للإنسان من أن يندفع مكافحاً عقبات الحياة، متلفّحاً صعوباتها ومحنها وامتحاناتها في سبيل صعوده إلى الأرقى فالأرقى في سبيل توجّهه نحو الكمال، ومن هنا كان الكمال هو الهدف الرئيسي لكلّ إنسان.
ومن هنا [و] من هذا المنطلق بالذّات، كان الإنسان يحبّ كلّ من يتوجّه إلى هدفه ويشاركه العمل في التوجّه إلى هذا الهدف، ويبغض قهراً ولا شعوريّاً كلّ من لا يتوجّه إلى هدفه وكلّ من لا يشاركه العمل في التوجّه إلى هذا الهدف. وباختلاف تصوّر الكمال في أذهان الناس، بالسبب السابق، الناشئ – كما قلنا- من حبّ الذّات أيضاً، تختلف الأهداف وتتمايز في أذهان الناس، وبتمايز الأهداف تختلف وتتعدّد الجماعات فيما بينها، كلّ جماعةٍ ساعيةٌ إلى هدفٍ معيّن، ومكافحة في سبيله، تتوسّل إلى ذلك بمختلف الوسائل، وتتذرّع بمختلف السبل والوسائط. وتكون الجماعة بذلك محبّة لنفسها، متمركزة حول ذاتها، كارهةً لغيرها الساعين إلى غير هدفها والماضين في غير سبيلها.
ومن هنا ينشأ ما يسمّيه علم الاجتماع بالشعور بـ(نحن)( )، وهو عبارة عن انعكاس حبّ الذّات على مجموع هذا التجمّع أو هذه الجماعة، باعتبار أنَّ كلّ شخص من أشخاصها وكلّ فردٍ من أفرادها يعتبر الانخراط فيها والدخول في حوزتها والسعي نحو هدفها واتّخاذ طرائقها، كلّ ذلك أمراً صحيحاً راجحاً؛ فبمقتضى حبّ ذاته يتبنّاه ويعتقده ويدخل ضمن إطاره وينخرط في هذه الجماعة. فهو بمقتضى حبّ ذاته محبّ لهذه الجماعة، مقتنعٌ بانخراطه فيها وبعمله في سبيلها.
ولما كان هذا الشعور موجوداً لدى كلّ فردٍ من أفرادها، فينشأ منه شعور عامّ مختلطٌ متكوّن من تمام هذه الشعورات، هو عبارة عن الشعور بـ(نحن)، الذي يمثّل التعصّب للجماعة والتحزّب نحو فكرتها والحماس في السعي نحو هدفها، وفي منافحة أعدائها ونضالهم.
وبغضُ الأعداء أيضاً ظاهرةٌ أُخرى من ظواهر الشعور بـ(نحن) الناشئة من حبّ الذّات، من خلال ما قلنا من أنَّ كلّ مبغوضٍ لدى النفس ومكروهٍ لها، تبعّده عنها إبعاداً لا شعوريّاً، إبعاداً ناشئاً من حبّ الذّات، فهؤلاء يسعون إلى هدفٍ آخر، ويتّخذون وسائل أُخرى في سبيل هذا الهدف، وهم أيضاً يبغضون هؤلاء الجماعة ويناوئونها ويضادّونها في سبيل وصولهم إلى هدفهم.
ومن هنا ما كان على الفرد في أيّة جماعة إلَّا أن يشارك جماعته في جهاد أعدائها والقضاء عليهم والإجهاز على هدفهم وعلى وسائلهم بشكلٍ خاصّ.
ولعلّنا في هذا الصدد نستطيع أن نتذكّر ما قلناه في القسم الأوّل من هذا الكلام، وهو في تأثير المجتمع على الفرد. فإنَّ الإنسان في هذا الصدد يحاول أن يفهم جميع أُمور الحياة على ضوء فهم جماعته، وعلى ضوء ما تمليه عليه مصالحه الخاصّة وإحساساته الناشئة من خلال سعيه نحو هذا الهدف المعيّن، ومن خلال اتّخاذه الوسائل التي اتّخذها جماعته في سبيل الوصول إلى الهدف.
ومن هنا كان يميل إلى حشد الأدلّة والبراهين على صحّة وجهة نظره، ورجاحة رأيه، وعلى رجاحة رأي جماعته من خلال ما يراه هو صحيحاً من آرائها ومن معتقداتها – وهو في الأغلب يرى جميعها، أو على الأقلّ الأكثرية الغالبة منها، صحيحاً- لأنَّه يمثّل الهدف المشترك بينهم.
ويميل أيضاً إلى دحض معتقدات الآخرين، وحشد الأدلة والبراهين لنقضها والبرهنة على فسادها وعلى عدم صلاحيّتها للوصول إلى الحقيقة.
ويميل على وجه الخصوص إلى فهم كلّ ما يقرأه في الكتب وما يطالعه على صفحات المجلّات، وإلى فهم سلوك الناس وأقوالهم وأفعالهم، في حدود هذا الهدف وفي حدود ما تمليه عليه عصبيّته وحبّه للذّات وشعوره بنحن من خلال هذه الجماعة المعيّنة التي ينتمي إليها.
انقسام الجماعات:
وانقسام الجماعات أيضاً من تأثير حبّ الذّات بالذّات. فإنَّ الجماعة الواحدة ذات الهدف المشترك والوسائل المعيّنة المحدّدة ليس عليها إلَّا أن تسعى نحو ذلك الهدف بهذه الوسائل وهذه الأفكار وهذه الوجهة في النظر، وهذا الفهم المعيّن للحياة ولحوادث الكون والتاريخ، فهي تكافح وتناضل وتجاهد في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف، وتذلّل العقبات وتتخطّى الزمان في سبيل ذلك.
ثمَّ هي تنتصر .. وتصل إلى هدفها، وتفوز على خصومها وتدحرهم دحراً تامّاً. ومن هنا بالذّات يبدأ الانقسام، فإنَّ حبّ الكمال وحبّ الترقّي أكثر فأكثر لا زال موجوداً لدى كلّ فردٍ من أفرادها، والهدف بعد أن صار فعليّاً وصار واقعاً في حياتهم ومطبّقاً في معيشتهم، لا يرونه شيئاً ويودّون الترقّي عليه والصعود إلى مستوى أرقى وأحسن. ومن هنا تختلف الأفكار وتتشعّب النظريّات، كلٌّ في حدود ما يمليه عليه تفكيره وتجاربه الخاصّة من خلال تأثير حبّ الذّات في القسم الأوّل من الكلام.
وفي هذا الصدد، يتجسّم الهدف الجديد في ذهن كلّ شخصٍ على شكلٍ من الأشكال، غير ما يتجسّم في ذهن شخصٍ آخر، وعلى هذا الأساس تنقسم الجماعة إلى عدّة أقسام، فكلّ جماعة تشخّص الهدف الجديد تشخيصاً معيّناً يختلف عن الجماعة الأُخرى، وتضع له وسائل جديدة وطرقاً خاصّة غير الجماعة الأُخرى. ويكون فيها أيضاً الشعور بـ(نحن) بنفس السبب الذي كان موجوداً في الجماعة الكبرى السابقة. ويكون لها مؤيّدون ومعارضون أيضاً بنفس التبرير السابق.
وهكذا ترى الجماعة الواحدة ذات الهدف المشترك قد انقسمت إلى عدّة أقسام بعد أن وصلت إلى هدفها وحقّقت غايتها؛ لأنَّ لكلّ ذهنٍ هدفاً خاصّاً ومجالاً شعوريّاً في تصوّر هذا الهدف وفي تجسيمه. وحبّ الكمال غير واقفٍ عند حدّ، فإن صار هدفه فعليّاً فهو يطمع في أكثر من ذلك، ويحدّد لنفسه هدفاً جديداً يسعى إليه. ولعلّ قائل هذا المثل على بعض الحقّ: (إنَّ السعادة كالكرة كلّما اقتربت منّا ضربناها برجلنا بعيداً لكي نركض وراءها مرّةً أُخرى)( ).
ولعلّنا في هذا الصدد نستطيع أن نقسم انقسام الجماعات إلى قسمين:
أحدهما: انقسام طبيعي.
والثاني: انقسام صناعي أو اصطناعي – لو صحّ هذا التعبير-.
فالانقسام الطبيعي هو كلّ انقسام ناتج عن حاجةٍ خارجيّة وملابسات اجتماعيّة اقتضت من خلال حبّ الذّات، انقسام الجماعة بعد تحقّق هدفها، أو تحقّق أُمور اقتضت انحراف بعض أفرادها بمقتضى مصالحهم الخاصّة عن ذلك الهدف الكبير وتعيين هدفٍ آخر لهم. وبذلك يكون الانقسام ماشياً على القانون العامّ لحبّ الذّات.
أمّا الانقسامات الاصطناعيّة، فهي تلك التكتّلات والتحزّبات [التي] قد نراها في هذه الأيام بالخصوص( )، بعد أن يرى جماعة من الناس حاجة خاصّة إلى تكوين شيءٍ من الأشياء، إلى تطبيق عقيدة مثلاً، أو جمع تبرّعات مثلاً، أو لتدريس ثقافة مثلاً، وإلى آخره. وعلى كلٍّ يرون الحاجة إلى تطبيق هدف من الأهداف، فيتكتّلون ويتجمّعون ويسعون إلى هذا الهدف، وهو هدف – على كلّ حال- ليس هدفاً طبيعيّاً نابعاً من صميم المجتمع البشري ومن داخل الذّات الإنسانيّة، وإنَّما هو هدف تصويري رتّبه أعضاء الحزب في أذهانهم وحاولوا أن يضعوا له المناهج والخطط والوسائل، وأن يسعوا إليه جهدهم. وبهذا أصبح هذا التكتّل تكتّلاً اصطناعيّاً وليس تكتّلاً طبيعيّاً.
إلَّا أنَّه لا يخفى أنَّ هذا التكتّل الاصطناعي، أيضاً يحتوي على نفس ما تحتويه التكتّلات الطبيعيّة من مظاهر نتجت عن قانون حبّ الذّات، كالشعور بـ(نحن) واضطهاد الآخرين والميل اللاشعوري في كلّ فردٍ منهم إلى تأييده وحشد الأدلّة على رجحان رأيه وبطلان رأي الآخرين، وفهم الحياة على مقتضاه( ).
ولا تلبث هذه الجماعات المنقسمة حول نفسها أن تصل إلى هدفها وتحقّق غايتها. فتأمل هدفاً آخر، وتسعى إلى هدفٍ أرقى وتنقسم مرّةً أُخرى.
وبهذا نجد أنَّ حبّ الذّات لا يجعل هناك وحدة خاصّة بين البشر، بل [هم] في انقسام مستمرّ وتأييد لمختلف الأهداف والمبادئ، ولا يمكن أن يقرّ قرارهم أو أن تسكن نفسهم وأن تثوب ثائرتهم إلى الهدوء إلَّا بتفهيمهم أمراً واحداً صحيحاً ووصولهم إلى الحقيقة الكبرى، تلك الحقيقة التي يطمع بها المفكّرون وينحو نحوها الفلاسفة والعلماء وجميع البشر بعواطفهم وأفكارهم وعقولهم وأهوائهم وأعمالهم، تلك الحقيقة المجهولة العميقة التي يختلف تشخيصها في ذهن كلّ فردٍ عن ذهن كلّ فردٍ آخر في الغالب.
ومن هنا نرى بوضوحٍ أثر الإسلام، أثر العقائد الإسلاميّة وتأثيرها في توحيد الصفّ البشري كلّه، وإبعاده عن هذه الحزازات. فالإسلام يُفهم البشر كلّه بصفته ديناً عالميّاً: أنَّ الاعتقاد بهذه العقائد التي أتى بها، والسير على مقتضى ما أمر به ونهى عنه، والسعي في سبيل تطبيق هدفه الأسمى، هو الخير للبشر والصحيح للعقل البشري أن يعتقده. ومن هنا كان على كلّ عقلٍ بشري أن يعتقد هذه العقائد وأن يعمل هذه الأعمال.
ومن هنا وعلى صخرة هذا اليقين يجب – نظريّاً على الأقلّ في حدود الفهم الإسلامي- أن ترفع سائر الحزازات وأن يسمو البشر على كلّ الخلافات والمفارقات؛ ليجتمعوا تحت راية الإسلام وليتعصّبوا إلى هذا الدين الحقّ، ويحيّوا هذه العقيدة ويسعوا إلى هذا الهدف الكبير العظيم. ويعرفوا بوضوحٍ أنَّه هو الممثّل الأكبر لتلك الحقيقة المجهولة التي يسعون إليها، ويبذلون حياتهم ودماءهم أيضاً في بعض الأحيان في سبيلها.
إلَّا أنَّه من هذا الباب بالذّات تنفتح الحاجة إلى التبليغ والتبشير العامّ الشامل الذي يعمّ وجه الكرة الأرضيّة كلّه، وإلى بذل الجهود القصوى في ذلك. ولا يخفى أنَّ هذا التبشير والتبليغ أيضاً منبعث من حبّ الذّات للمسلمين، من حبّ ذاتهم والشعور بـ(نحن) والتعصّب نحو الهدف الذي يسعون إليه، والنظر إلى الجماعات الأُخرى كمذاهب باطلة وعقائد منحرفة، وأنَّها ينبغي أن تنخرط ضمن جماعتها وتدخل في سلك إطارها وترى نفس هدفها.
إلَّا أنَّ الناظر في الدليل الإسلامي قد يسمو بذهنه عن هذا المستوى، ويرى في الإسلام هو الحقيقة المطلقة الصحيحة، وأنَّ كلّ ما هو نازل عن الله تعالى في هذا الدين الحنيف صحيحٌ ومتيقّن المطابقة للواقع.
وبذلك كان [هذا] التعصّب وهذا الشعور بـ(نحن) وهذا السعي نحو الهدف، كلّه حقّاً وصحيحاً؛ لأنَّ التعصّب للحقّ على كلّ حال، أمرٌ صحيح وراجح بحكم العقل.
ولعلّنا لا ننسى بهذا الصدد أنَّ الأمر القبيح هو تأثير العواطف والإحساسات والانفعالات النفسيّة على العقل، تلك الانفعالات التي كانت واسطة بين حبّ الذّات وبين التفكير، أمّا تأثير حبّ الذّات مباشرة على التفكير والأخذ بما يراه الإنسان صحيحاً وراجحاً، فهذا ممّا لا ضير فيه ولا شبهة تعتريه.
والأخذ بحبّ الذّات في هذه الحدود في نظر الإسلام صحيح وراجحٌ ولا غبار عليه.
[تعريف] الذّات:
ليس من الضروريّ إعطاء تعريفٍ محدّد للذّات، بعد أن كانت بالنسبة إلى الإنسان من أبْدَه البديهيّات ومن أقرب مخلوقات الله إليه، ومن أوضحها في شعوره ووجدانه.
ولعلّنا إذا أردنا أن نعطيها تعريفاً محدّداً ونصوغها من خلال قوالب معيّنة من الكلام، فإنَّنا سنبوء بالفشل الذريع، فإنَّ هذا الكيان المسمّى بالإنسان معقدٌ كلّ التعقيد، متكوّن من خطوط كثيرة طويلة وعريضة، من الصعب أن نشير إلى أحدها أو إلى مجموعةٍ منها.
فنقول: إنَّها الذّات، ومن الصعب أيضاً أن نشير إلى الجميع بلحاظه كلاً مترابطاً فنقول إنَّه الذّات، فإنَّ هذا غير معلومٍ بعد أن كان هذا المجموع يحتوي بالوجدان على أُمورٍ لا ترتبط بالكيان الذّاتي للإنسان.
ولعلّ أقرب لفظٍ يمكن أن نستعمله وأن نستخدمه للوصول إلى غرضنا المباشر، هو ما اصطلحت عليه الفلسفة من لفظ (النفس الناطقة)( )، فإنَّه خير رمز يمكن أن يستهلّ في المقام.
ولعلّه أولى بالاستعمال بكثير من ألفاظ فرويد[Sigmund Freud]( ) التي استعملها للدلالة على مثل هذه المجالات من لفظ (أنا)، وهي واللاشعور والأنا الأعلى( )، وغير ذلك من الألفاظ، فإنَّه: لعلّ أقرب هذه الألفاظ الفرويديّة إلى مقصودنا هو لفظ (الأنا). إلَّا أنَّ فرويد قد عنى به القسم الشعوري من الذّات، وفصله عن مفهوم القسم اللاشعوري وقسم الأنا الأعلى، وبذلك جعل (فرويد) الأنا قسماً صغيراً، ربما قدّره بالعشر من مجموع الذّات.
إلَّا أنّنا يمكن أن نستعمل لفظ (الأنا) أيضاً، خلال اصطلاحٍ آخر غير ما ذكره فرويد، فنعبّر بـ(الأنا) عن نفس ما كنّا نعبّر عنه بالنفس الناطقة. ونقصد به في المقام – إن لم يخنّا التعبير- تلك الماهيّة الغامضة التي ينشأ منها الشعور، أو التي هي ملازمة للشعور وملازمة للعقل وللإدراك وللإحساس والإرادة والفعل، وغير ذلك من الظواهر الحيويّة التي يقوم بها الإنسان. فإنَّ تمام هذه الظواهر لابدَّ وأن تكون ناشئة من منشأ معيّن، ذلك المنشأ الذي يحدّد وحدة التفكير العقلي عند الإنسان ووحدة الإحساس ووحدة الإرادة والشعور. ذلك المنشأ الذي يسمّى بـ(النفس الناطقة) مرّة وبـ(الأنا) أُخرى وبـ(الروح) ثالثة.
ولعلّنا لا ننسى ما قاله القرآن في هذا الصدد، وهو قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}( ). ولعلّ هذه الآية أوضح دليل على ما قصدناه وأسلفناه من صعوبة تعريف الذّات، بل قصور العقل البشري عن إدراك ماهيّة الذّات وكنهها بواقعها أو بمفهومها، وإن لم يكن قاصراً عن إدراك فعاليّاتها وحدود نشاطها، فالتعريف ينبغي أن يقتصر على الجانب الثاني دون الأوّل، كما قد فعلناه فيما مرّ.
وهذه الذّات بنفسها هي التي تنفصل عن البدن عند الموت، وهي التي يُكتب لها الخلود بعد ذلك، وهي التي تكون مستحقّة للثواب والعقاب، وهي التي تحسّ بسرور الثواب وألم العقاب؛ وذلك: باعتبارها المركز الأساسي للإرادة والشعور والاختيار.
إذن فليس من المهمّ أن نعطي تعريفاً محدّداً لها.
حب الذات:
إلَّا أنَّ المهمّ في هذا الصدد هو أن نعرف أنَّ الله تعالى بعدما يمنّ على الذّات بالوجود ويهبها نعمة الحياة، فتكون شاعرة بكيانها عارفة بوجودها شاكرةً لأنعُم ربّها.
عندئذٍ – وفي خلال سبحها في هذا البحر الوجودي المتلاطم- تكون جاهدة لجلب الخير لنفسها إلى أكبر قدرٍ ممكن، ودرء الشرّ عن ذاتها إلى أكبر حدٍّ ممكن أيضاً؛ وذلك لأنَّها تحبّ هذه الحصّة الخاصّة من الوجود التي وهبت لها من قبل بارئها وتحرص عليها حرصاً شديداً، وتعضّ عليها بناجذيها عضّاً صلباً، وذلك لأنَّها ليس لها غيرها، والشيء كلّما قلّ صار أعزّ!! ومن هنا كانت تسعى إلى المحافظة على هذه الحصّة ما وسعتها المحافظة، وإلى مداراتها والإبقاء عليها ما وسعها المداراة والإبقاء.
ومن هنا كانت تحاول إبعاد أكبر قدرٍ ممكن من الشرّ وتحاول جلب أكبر قدرٍ ممكن من الخير. وكانت تسخّر جميع ملكاتها وطاقاتها التي أُعطيت لها من قبل بارئها في نفس وجودها في سبيل ذلك. وكانت تشعر بالسرور كلّما مسّها خيرٌ وسعادة وكلّما ترقّت من كمالٍ إلى أكمل، وتشعر بالحزن كلّما مسّها شرٌّ وسوء، وكلّما انحطّت من حيث الكمال.
ومن هنا كانت تعاني كثيراً من المتاعب والمشقّات في سبيل المحافظة على ذاتها، وفي سبيل توفير أكبر قدرٍ ممكن من السعادة والكمال لنفسها، فإنَّ من جملة ما يقتضيه حبّها لنفسها، هو أنَّها عندما تواجه شكلين من الشرّ، فإنَّها تختار أهونهما على نفسها، وأسهلهما من حيث الطريقة وأخفّهما من حيث النتيجة.
وكلّما واجهت خيرين دار الأمر بينهما بالنسبة إليها، فإنَّها تختار أهمّهما وأعظمهما وأجملهما وسيلة وأنبلهما غايةً وكمالاً( ).
وإنَّ خير الخير عند الذّات وأكمل الكمالات عندها هو وجودها والمحافظة على كيانها وترقيتها من كاملٍ إلى أكمل، فإذا اقتضى ذلك التعب في سبيل الرزق أو في سبيل تعلّم العلم، أو في سبيل طلب الراحة، أو في سبيل الترفيه عن النفس أو في سبيل تحصيل المال أو الجمال، أو غير ذلك من الأهداف المحبوبة للنفس المؤيّدة لوجودها، والتي تتخيّل الذّات أنَّها تصعد بها من كمالٍ إلى أكمل، فإنَّ النفس عندئذ تضحّي بكثيرٍ من المتاعب والآلام والصعوبات في سبيل الحصول على هذه النتائج العظيمة، حتّى ولو كانت هذه الصعوبات في بعض الأحيان، وأمام بعض الأهداف الكبرى، من الوخامة والخطورة، بحيث إنَّها تودي بالنفس ذاتها.
نظرية العامل الواحد:
والآن وبعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من البحث، وقبل الدخول في تفاصيل أُخرى، لا بأس من إيضاح هذه النقطة:
وهي: أنَّ الاعتراف بحبّ الذّات، كعاملٍ أساسيّ رئيسيّ في خلق السلوك البشري، والتأثير على النشاط الجسمي والعقلي والأخلاقي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي للإنسان، هذه النظريّة يمكن أن تسمّى نظريّة من نظريّات ذات العامل الواحد.
فإنَّ النظريّات ذات العامل الواحد، هي تلك النظريّات التي ترجع جميع التاريخ البشري والسلوك الإنساني إلى عاملٍ واحدٍ هو الاقتصاد مثلاً، أو الغريزة الجنسيّة مثلاً، أو حبّ السيطرة مثلاً، على ما قال بكلّ من ذلك بعض العلماء من مختلف البلدان.
وهذه النظريّة – نظريّة تأثير حبّ الذّات في التاريخ البشري والسلوك الإنساني- أيضاً ترجع كلّ ذلك إلى عامل واحد، هو حبّ الذّات، فتكون أيضاً من نظريّات العامل الواحد.
إلَّا أنَّه ينبغي أن يلاحظ في المقام، أنَّ هذه النظريّة وإن كانت ترجع كلّ السلوك الإنساني والعقلي والاجتماعي، وأيّ شيءٍ من شؤون الإنسان -بل الحيوان- إلى حبّ الذّات، فإنَّها في عين الوقت لا تقول بوجود هذا العامل مجرّداً في هذه الدنيا. بل هناك من العوامل الكثيرة المؤثّرة أيضاً في مختلف المجالات، والمؤثّرة أيضاً في مجال الأفعال الاختياريّة الذي هو حدود نشاط حبّ الذّات.
إلَّا أنَّ هذا العامل – وهو حبّ الذّات- يعتبر في حدود فهم هذه النظريّة هو العامل الرئيسيّ الأوّل المحرّك لسائر العوامل الأُخرى في حدود ما يستطيعه من فعاليّات وما يدخل تحت سلطته من نشاط.
فمثلاً: أنَّ العقل يؤثّر في التفكير بلا إشكال، ولولا العقل لما استطاع الإنسان أن يفكّر، إلَّا أنَّ حبّ الذّات في عين الوقت هو الذي يدفع الإنسان إلى التفكير، ولولاه لما كان هناك داعٍ للإنسان لاستخدام عقله، ولما استنكف من الخطأ ومن البعد عن الحقيقة. إذن فوجود العقل في نفسه غير ذي فائدة لولا دفع حبّ الذّات إلى استعماله.
ومثلاً: أنَّ الجوع هو الذي يحمل الإنسان على تناول الطعام، إلَّا أنَّ الإنسان لولا حبّ ذاته لما تناول الطعام، ولما انزعج من الجوع وحاول أن يبعده عن نفسه. إذن فحبّ الذّات هو العامل الرئيسيّ في إرادة إشباع هذه الغريزة (الجوع).
وكذلك فإنَّ التعب دافع للإنسان إلى الراحة، إلَّا أنَّ الإنسان لا يمكن أن يطلب الراحة لولا حبّ الذّات، فإنَّه لو لم يكن محبّاً لنفسه لما انزعج من تعبه، ولما فضّل راحته. إذن فالسبب الأوّلي الرئيسيّ لطلب الراحة والسعي نحوها، هو حبّ الذّات، وإن كان يعتبر التعب مثيراً ثانويّاً لذلك، كما كان الجوع مثيراً ثانويّاً لإرادة تناول الطعام.
وهكذا وهكذا، يمكنك أن تقيس على ذلك جميع المؤثّرات الموجودة على سطح الأرض، ممّا يشارك حبّ الذّات في ميدان نشاطه، وهو الأفعال الاختياريّة.
وأنت بعد اطّلاعك على هذه الملحوظة يمكنك أن تسمّي هذه النظريّة (نظريّة ذات العامل الواحد)؛ لأنَّها ترجع جميع العوامل والمؤثّرات إلى شيءٍ واحد ومؤثّر واحد هو (حبّ الذّات). كما يمكنك أن تخرجها أيضاً عن هذا النطاق؛ لأنَّها تعترف في نفس الوقت بسببيّة جميع المسبّبات، وبتأثير كلّ ما في هذا الكون من مؤثّرات في سلوك الإنسان العقلي والخارجي وغير ذلك، إلَّا أنَّها تعتبرها مثيرات ثانويّة.
النظريات الأخرى:
ومما أُريد ملاحظته في المقام بهذه المناسبة، هو أنَّ النظريّات الأُخرى ذات العامل الواحد، والتي ترجع السلوك الإنساني إلى عواملٍ أُخرى مختلفة، منها: الاقتصاد، ومنها: الغريزة الجنسيّة، ومنها: حبّ السيطرة، ومنها: حبّ الحياة، وغير ذلك، كلّها في جوهرها ترجع إلى حبّ الذّات بالخصوص.
فـ(فرويد) حينما قال: بأنَّ الغريزة الجنسيّة هي العامل الوحيد المؤثّر في السلوك البشري والحضارة البشريّة والتأريخ الإنساني( )، لم يكن يعدو حبّ الذّات بشكلٍ من الأشكال.
فإنَّ إرادة إشباع الغريزة الجنسيّة، ليست إلَّا من تأثيرات حبّ الذّات، فإنَّ إشباعها على كلّ حالٍ أحسن في نظر صاحب الغريزة من عدم إشباعها، ولذلك هو يتوق إلى الأحسن، من جرّاء حبّ ذاته، ويتمنّى لها السلوك الأفضل.
فهو يحبّ أن يشبع هذه الغريزة (الغريزة الجنسيّة)، ومن هنا كان يعمل لإشباعها بمختلف الأشكال.
وعلى زعم فرويد، أنَّه من هنا نشأ تأريخ البشر ونشأ سلوكهم وفلسفاتهم وأفكارهم( ).
ولا نعني من ذلك أنَّ نظريّة فرويد صحيحة، إلَّا أنَّها على تقدير التسليم بها، فهي ناشئة عن حبّ الذّات، وعلى تقدير التسليم بها جزئيّاً، وأنَّ هناك سلوكاً – على كلّ حال- ناشئاً من الغريزة الجنسيّة، فإنَّه أيضاً ناشئٌ من حبّ الذّات، فإنَّ الغريزة الجنسيّة ناشئة من حبّ الذّات بدورها.
فنظريّة فرويد على كلّ تقدير، راجعة إلى نظرتنا في حبّ الذّات.
وكذلك نظريّة كارل ماركس[karl marx]( ) في إرجاع جميع السلوك البشري والفلسفات البشريّة والحضارات الإنسانيّة والتاريخ الإنساني إلى الاقتصاد؛ فإنَّه أيضاً بذلك لم يعدُ حبّ الذّات بشكلٍ من الأشكال؛ فإنَّ كارل ماركس عندما أرجع جميع السلوك البشري إلى صراع الطبقات، الصراع بين الطبقة الفقيرة والطبقة المتموّلة الارستقراطيّة، وافترض أنَّ كلّ سلوك يصدر من أحد أفراد المجتمع – وهو بدوره لابدَّ أن يكون منتمياً إلى إحدى الطبقات- لابدَّ أن يكون هذا السلوك صادراً منه باعتبار نضاله عن طبقته ودفاعه عنها، سواءٌ كان هذا السلوك علماً أو فنّاً أو نظريّة أو سلوكاً اجتماعيّاً أو أخلاقاً أو تقاليداً أو حضارة أو مدنيّة، أو غير ذلك من أنماط السلوك البشري العامّ( ).
ولسنا الآن بصدد تلخيص نظريّات كارل ماركس، [و] إنَّ المقصود أنَّ جميع نظريّاته ترجع إلى العامل الاقتصادي، وهنا نسأل ما هو العامل الاقتصادي؟
إنَّه حاجة الإنسان لكي يشبع، [و] لكي يسدّ تلك الحاجة الغريزيّة الفطريّة فيه [و] التي هي الجوع. ومن هنا يندفع اندفاعاً تلقائيّاً إلى تحصيل القوت، ممّا يسدّ رمقه ويملأ جوفه من الطعام، ولذلك يكدح ويسعى ويضع النظم الاقتصاديّة والقوانين الماليّة لتطوير اقتصاده من حسنٍ إلى أحسن، كلّ ذلك لكي يوفّر لنفسه إشباعاً أحسن وأفضل لتلك الغريزة الفطريّة الذّاتيّة.
ولا ننسى بهذا الصدد قول أبي ذر×: عجبت لـِمَن لا يجد الطعام في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه( ).
وقول أمير المؤمنين×: >ما جاع فقيرٌ إلَّا بما مُتّع به غنيّ<( ).
وغير ذلك من النصوص الإسلاميّة التي تؤكّد هذه الحقيقة جزئيّاً.
إلَّا أنَّنا لو نظرنا نظرة دقيقة لوجدنا كلّ ذلك، كلّ من نظريّة كارل ماركس ومدلول هذه الأحاديث الإسلاميّة، هي راجعة في واقعها إلى حبّ الذّات.
فإنَّه لماذا يودّ الإنسان إشباع جوعه؟ ولماذا يكافح في سبيل ذلك ولماذا لا يستكين على كظّة الألم الذي يحدثه الجوع؟ ولماذا يناضل الطبقة الحاكمة المحتكرة لأمواله والمانعة له من الإشباع التامّ؟ ولماذا يخرج الفقير من بيته شاهراً سيفه إذا لم يجد الطعام في بيته، ولماذا تنظّم الطبقات الفقيرة النشاط الاجتماعي والسياسي والعلمي والفكري لأجل الدفاع عن مطالبها والأخذ بحقوقها التي تدّعي مشروعيّتها؟ لماذا كلّ ذلك؟ ليس ذلك إلَّا لحبّ الذّات.
ليس ذلك إلَّا لأنَّ كلّ غريزة تطلب إشباع نفسها طلباً حثيثاً مستمرّاً، وحبّ الذّات يستدعي الخروج عن هذا الألم المستمرّ وتحويله إلى خيرٍ وسعادة. فإنَّ الرقيّ إلى الأحسن من لوازم حبّ الذّات الذّاتيّة. ومن هنا كان الإنسان يطلب بسعي حثيث وعملٍ مضنٍ إلى إشباع غريزة الجوع وإلى السيطرة على الموانع مهما كانت [الموانع] التي تقف في سبيل هذا الإشباع، ولو كان ذلك بنضال طبقة أُخرى وتأليف كتب أو وضع نظريّات فلسفيّة وعلميّة أو النشاط السياسي والاجتماعي أو الخروج من الدار شاهراً سيفه.
وهذا الإشباع ناشئ من حبّ الذّات؛ إذ لولاه لتحمّل الإنسان الألم ولصبر على الجوع، وإنَّما حبّ الذّات هو الذي يأمره بطرد هذا الألم والسيطرة عليه وتحويله إلى سعادة ورفاه. ومن هنا كان يطيع هذا الأمر، ويطلب تحويله إلى سعادة ورفاهٍ وكمالٍ وإشباع.
وكذلك النظريّة الأُخرى القائلة بالعامل الواحد المؤثّر في السلوك البشري والتأريخ الإنساني، وهي نظريّة حبّ السيطرة – التي قال بها أدلر[Alfred Adler] ( ) تلميذ (فرويد) ومؤسّس مدرسة علم النفس التحليلي( )- القائلة: بأنَّ حبّ السيطرة هو العامل الأوّلي الرئيسيّ في السلوك الإنساني( )، أيضاً هي بدورها راجعة إلى حبّ الذّات.
وذلك لأنَّ السيطرة والتفوّق والشهرة وحبّ الآخرين للإنسان أو خوفهم منه أو خضوعهم له، كلّ ذلك ملذّ للإنسان، طيّب عليه، حبيب إلى نفسه، وإنَّما كان حبيباً إلى نفسه باعتبار حبّ الذّات.
فإنَّ هناك من الأشخاص، أو كلّ الأشخاص باعتبار وجهة نظر هذه النظريّة ذات العامل الواحد فيهم، يحتوون على هذا الاعتقاد، وهو أنَّ من الخير للإنسان أن يكون مسيطراً، وأنَّ من الخير للإنسان أن يكون محبوباً، [و] من الخير للإنسان أن يكون مشهوراً، [و] من الخير للإنسان أن يكون حاكماً، وليس من الخير للإنسان أضداد هذه الأُمور، [كـ]أن يكون ذليلاً ومغموراً وخائفاً ومسيطراً عليه.
إذن فبحبّ الذّات وبشكلٍ قهري لا شعوري يختار الشقّ الأحسن [و]الأفضل باعتقاده، ويدع الشقّ الآخر ويبعده عن ذهنه إبعاداً لا شعوريّاً، ويكافح في سبيل إبعاده، كما يكافح في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف، هدف السيطرة والشهرة والتحكّم في رقاب الناس.
وعليه فإن صحّت هذه النظريّة كليّاً أو جزئيّاً على كلّ حال، فإنَّها ترجع على كلّ تقدير إلى نظريّتنا في حبّ الذّات.
أمّا النظريات الأُخرى ذات العامل الواحد، والتي ترجع السلوك الإنساني والحضارة الإنسانيّة إلى عوامل أُخرى، منها: البيئة الاجتماعيّة، ومنها: المحيط الجغرافي.
أمّا إرجاع السلوك الإنساني إلى البيئة فهو راجعٌ أيضاً إلى نظريّتنا؛ باعتبار أنَّ البيئة الاجتماعيّة كلّها بما فيها من سلوك وأفكار وقوانين وأنظمة ودول، كلّها راجعة إلى حبّ الذّات – كما أسلفناه وكما سوف يأتي- إذن فكلّ ما ينتج عنها من أفكار ومن سلوك راجع بآخره إلى حبّ الذّات.
وهذا واضح.
إلَّا أنَّ النظريّة التي تقول بإرجاع السلوك الإنساني إلى تأثير البيئة الجغرافيّة والمحيط الجغرافي، فذلك لا يمتّ إلى نظريّتنا بصلة.
وذلك يحتاج إلى بيان مقدّمة حول نشاط حبّ الذّات ومجاله، وهي: أنَّ نظريّتنا في تأثير حبّ الذّات في السلوك الإنساني، إنَّما تتناول في حقيقتها وجوهرها السلوك الاختياري للإنسان، وكلّ عملٍ يصدر عنه عن إرادةٍ واختيارٍ، فإنَّ هذا هو الحدود الحقيقية لحبّ الذّات، وحبّ الذّات لا يشمل الأُمور التكوينيّة والخلقيّة كوجود الطبيعة ووجود الغرائز في الإنسان، وكوجود الإنسان نفسه، ووجود الكون، وغير ذلك من الظواهر التكوينيّة الخارجيّة، فإنَّ هذا لا يمتّ إلى حبّ الذّات بصلة.
وكلّ ما يتفرّع بشكلٍ علّي ومعلولي عن الأُمور الطبيعيّة أيضاً لا يمتّ إلى حبّ الذّات بصلة، كلون الإنسان مثلاً أو طوله أو قصره، وكوجود الأنهار والمعادن والأشجار والحيوانات وغير ذلك، فإنَّه لا يدخل في نطاق نظريّتنا.
ولا يخفى عليك ما في هذه المقدّمة من الإشارة، فإنَّه بابٌ واسع تستطيع بموجبه أن تدخل وأن تخرج من حيّز النظريّة ما تشاء.
بعد هذه المقدّمة تعرف ما ينبغي معرفته حول النظريّة ذات العامل الواحد التي تقول بتأثير العامل الجغرافي على سلوك الإنسان.
فإنَّ العامل الجغرافي ليس عاملاً اختياريّاً، بل هو عامل تكوينيّ طبيعيّ، ولذلك لم يكن داخلاً في حيّز ونطاق نظريّتنا.
إذن فالقائل بتسبّب السلوك البشري عن العامل الجغرافي، غير قائل بتسبّبه بالآخرة عن حبّ الذّات.
ونظريّتنا وإن كانت لا تعترف بالتأثير الكلّي للعامل الجغرافي في السلوك الإنساني؛ لأنَّه مخالف لفحوى نظريّتها، ولمدلول فكرتها، وهو أيضاً في نفس الوقت قد أصبح واضح الفساد في أذهان كثيرٍ من المفكّرين. فإنَّ غاية ما يتسبّب للمحيط الجغرافي من تأثيرٍ عند المفكّرين المحدثين، هو التأثير الجزئي بسلوك الإنسان دون التأثير الكليّ – شأنه في ذلك شأن سائر العوامل المتعدّدة التي تؤكّد عليها نظريّات العامل الواحد- وهذا هو الصحيح في حدود نظريّتنا. فإنَّ نظريّتنا في حبّ الذّات تعترف بالعامل الجغرافي، إلَّا أنَّها تعتبره عاملاً ثانويّاً بالنسبة لسلوك الإنسان ولصياغته وخلقته.
حدود تأثير العامل الجغرافي:
ولحدود تأثير العامل الجغرافي مجالان:
المجال الأوّل: تأثيره في التكوين الخِلقي للإنسان، كتعيين لونه وطوله وقصره، فكلّ ذلك غير داخل في نظريّتنا أساساً.
والمجال الثاني: هو تأثير العامل الجغرافي في السلوك الإنساني، حسب هذه النظريّة ذات العامل الواحد. إلَّا أنَّ نظريّتنا تعتبره عاملاً ثانويّاً، بمعنى: أنَّه لولاه لما سلك الإنسان عدّة سلوكات وأعمال في حياته، فلولا البرد لما احتاج إلى التدفئة، ولولا الحرّ لما احتاج إلى التبريد، ولولا الشمس والمطر لما احتاج إلى اتّخاذ السقوف لبيته، ولولا الزوابع والأخطار السماويّة والأرضيّة لما بنى البيوت ولما أحكمها، وغير ذلك من المؤثّرات الجغرافيّة.
إلَّا أنَّ كلّ هذه الأعمال التي صدرت عنه ناشئة أيضاً من حبّ الذات؛ وذلك: لأنَّ الإنسان يحبّ ذاته، ميّالٌ إلى التدفئة في البرد وإلى التبريد في الحرّ وإلى تجنّب المخاوف والآفات السماويّة والأرضيّة؛ باعتبار أنَّ كلّ ذلك خيرٌ له وفي مصلحة نفسه. ولولا حبّ ذاته لما كان هناك أيُّ داعٍ في نفسه إلى تجنّب تلك المخاوف والآفات، ولما سعى بشكلٍ من الأشكال إلى تداركها وإلى الفرار منها، ولما كان نفس العامل الجغرافي، دافعاً كافياً إلى الترقّي والاحتراز.
علاقة نظريتنا بالجبر والتفويض والأمر بين الأمرين:
كما أنَّه ينبغي أن يلاحظ في المقام [الفرق] بين أن نقول بالجبر الفلسفي أو بالتفويض الفلسفي، أو بالأمر بين الأمرين، في تأثير حبّ الذّات بالنسبة إلى أفعال الإنسان.
فإنَّ جميع هذه المذاهب الفلسفيّة بمنزلة الأجنبيّة عن المقام، وذلك: أمّا التفويض فهو واضح؛ فإنَّه لن يكون حينئذٍ للإرادة الإلهيّة أيّ تأثيرٍ على سلوك الإنسان، ويتمحّض الإنسان بخلق أفعال من قبل نفسه وبما تمليه عليه نفسه من إرادة واختيار؛ وبما تتأثّر به نفسه من حبّها لذاتها ومن العوامل الخارجيّة الثانويّة المؤثّرة في سلوكها، وهذا واضح.
وأمّا بالنسبة إلى مسلك الأمر بين الأمرين، فهو أيضاً كذلك، فإنَّ أفعال الإنسان وإن كانت منتسبة – بشكلٍ من الأشكال، وعلى اختلاف تفسيرات هذا المذهب- إلى الله تعالى( )، إلَّا أنَّها في عين الوقت منتسبةٌ إلى الإنسان وصادرةٌ منه ومن خُلقِه واختياره، وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين.
إذن نأخذ هذه الحصّة من الأفعال فنفحصها، ونسأل إنَّ هذه الأفعال كيف تصدر من الإنسان باختياره وإرادته، وإن كانت صادرة من الله تعالى من طرفٍ آخر وبلحاظ آخر. فنجد أنَّ الإنسان إنَّما يصدر أفعاله باختياره مندفعاً عن حبّ ذاته ومتكيّفاً للعوامل الثانويّة بما يوافق مصلحته، وما يوافق إشباع رغباته وشهواته، وما يكون في سبيل سعيه نحو الكمال.
إذن فتأثير حبّ الذّات بالنسبة إلى مسلك الأمر بين الأمرين يكون بهذا الترتيب: فإنَّ مسلك الأمر بين الأمرين عبارة عن الاعتراف بأنَّ خلق الأفعال مشترك بنحوٍ من الأنحاء بين العبد وربّه، على اختلاف تفسيراتها. ونحن في المقام نأخذ الجانب الأدنى من هذين الجانبين، ونسأل عن كيفيّة نشوء الأفعال من العبد، وعن تفسير هذا الجانب من خلق الأفعال، فيأتي الجواب متمثّلاً في حبّ الذّات كما شرحناه آنفاً.
أمّا مسلك الجبر، فهو في بعض صوره أجنبيٌّ عن المقام: فإنَّنا إمّا أن نقول بالجبر بهذا النحو، وهو أنَّ الله تعالى جعل قانوناً عامّاً يسلك عليه البشر، فهم عند حدوث كذا يعملون كذا وعند حدوث كذا يعملون كذا، وهم مجبورون عند حدوث ذلك المؤثّر على عمل ذلك الفعل. فأعمالهم جميعاً مكيّفة على قانونٍ معيّن، وليس لهم التخلّف عن ذلك.
إذا قلنا بهذا، إذن فحبّ الذّات داخلٌ في هذا القانون، ويكون أحد حلقاته المهمّة، وأحد جذوره الرئيسيّة.
نعم، إذا قلنا بالجبر بنحوٍ آخر، وهو أنَّ الله تعالى يشرف على كلّ جزئيّ جزئيّ من أفعال كلّ إنسان، فيجبره في كلّ لحظةٍ من لحظات حياته على فعلٍ معين، كما هو ظاهر القائلين بالجبر، عندئذٍ يشكل الأمر في تطبيق هذه النظريّة على نظريّتنا في حبّ الذّات.
ولعلّه يكون أجنبيّاً عن نظريّتنا بالكليّة؛ وذلك لأنَّ الأفعال الصادرة عن الإنسان، لا تكون اختياريّة عندئذٍ، بل هي من الأفعال التكوينيّة الخارجيّة والمؤثّرات العليّة والمعلوليّة التي لا أثر للإرادة فيها، كالاحتراق بالنسبة إلى النّار، والسقوط بالنسبة إلى الحجر، وعند ذلك يكون خارجاً عن نطاق نظريّتنا؛ لأنَّها إنَّما تتناول الأفعال الاختياريّة الإراديّة ولا تتناول الأُمور التكوينيّة الخارجيّة بصفتها أسباباً ومسبّبات.
تأثير حبّ الذات على الإرادة والاختيار
وحيث وصلنا إلى هذا الموضع من البحث وعرفنا أنَّ نظريّتنا في حبّ الذّات إنَّما تتناول الجانب الاختياري من أفعال الإنسان، إذن لا بأس أن نلمّ إلمامة مختصرة بتأثير حبّ الذّات على نفس الإرادة، وعلى نفس الاختيار.
اعلم أنَّ حبّ الذّات هو المصدر الرئيسيّ المثير للإرادة والدافع للإنسان إلى اختيار أيّ فعلٍ من أفعاله الاختياريّة، وأنَّ الإنسان في سبيل المحافظة على الحصّة الوجوديّة الموهوبة له من الله تعالى، التي هي ذاته، قد كرّس جميع مواهبه وملكاته وشعوراته في خدمة هذه الحصّة الوجوديّة، وفي سبيل صلاحها وإبعاد الشرّ عنها.
وكانت من جملة الملكات الموهوبة له من الله عزّ وجلّ هي (الإرادة والاختيار)، وأنَّ الإنسان يستطيع أن يعمل عملاً مّا باختياره وبمحض إرادته، وشعوره وإحساسه، من دون أن يكون مجبوراً عليه من أيّ جهةٍ من الجهات.
ولسنا الآن في مقام تحديد الإرادة وماهيّتها وتعريفها ومقدار نشاطها ومقدار تأثير الإرادة الإلهيّة فيها، وغير ذلك من الأُمور الفلسفيّة، فإنَّ ذلك خارج عن نطاق بحثنا، والتعرّض إليه يندرج في جملة نوافل القول.
وإنَّما المهمّ أن تعرف أنَّ الإنسان يتعرّض لجملةٍ من المثيرات ومن المنبّهات الثانويّة في حياته، تقتضي التكيّف بنحوٍ معيّن للإنسان، فالجوع يستدعي الإشباع، والعطش يستدعي الإرواء، والجلوس بين الناس يستدعي الأخلاق، وغير ذلك من المثيرات والمنبّهات.
وعندئذٍ تكون أمام الإنسان عدّة احتمالات للتصرّف والتكيّف، يمكنه أن يختار أيّ [واحد] منها يريد فيفعله، إلَّا أنَّ هذه الاحتمالات في جملتها تندرج تحت عنوانين: فإنَّ الإنسان إمّا أن يسلك سلوكاً يكون في صالح ذاته وموافقاً لإشباع غريزته، وإمّا أن يسلك سلوكاً آخر مخالفاً لذلك. فبالنسبة إلى الجوع مثلاً، يستطيع باختياره أن يشبعه ويستطيع باختياره أن يبقى جائعاً، وبالنسبة إلى الخوف مثلاً يستطيع باختياره أن يرفع الخوف – مثلاً- أو أن يهرب منه على الأقلّ، كما يستطيع باختياره أن يبقى خائفاً.
وهنا يأتي تأثير حبّ الذّات على السلوك الإنساني؛ تأثيره في ترجيح أحد الطرفين على الطرف الآخر، فحبّ الذّات هو الذي يفرض على الإنسان أن يخرج من هذه المشكلة، وأن يتكيّف لهذا المثير الثانوي في حياته بشكلٍ خاصّ يوافق مصلحته ويوافق حبّ ذاته وإشباع رغباته، فهو إذن يملي عليه وجوب الهرب من الخوف ووجوب الإشباع والإرواء.
ومن هنا سمّي الاختيار اختياراً؛ فإنَّه مأخوذ من طلب الخير للنفس، أي: ترجيح أحد الطرفين على الآخر، ممّا يكون موافقاً لحبّ الذّات.
وكذلك بالنسبة للسلوك العقلي، فإنَّ الإنسان يستطيع أن يفكّر وأن لا يفكّر، إلَّا أنَّه يفكّر؛ وذلك لأنَّه يرى أن الوصول إلى الحقيقة أولى وأحسن من عدم الوصول إليها، وأنَّ السعي نحوها خيرٌ من التخاذل عن ذلك. إذن فحبّ ذاته يعيّن عليه هذا الشقّ من الفعل الاختياري وهو التفكير.
وتعيين أحد الشقّين على الإنسان من قبل حبّ الذّات في رفضٍ قبال الشقّ الآخر وإبعاده إبعاداً لا شعوريّاً من سلك الحياة، لا يستدعي القول بالجبر من هذه الناحية بشكلٍ من الأشكال.
وذلك لأنَّ حبّ الذّات ليس عاملاً خارجيّاً مؤثّراً على الذّات لنقول أنَّه يقوم بإرغام الذّات على عملٍ من الأعمال، فتكون الذّات لذلك مجبورة عليه.
وإنَّما هو عامل منبثق من نفس الذّات ومن لوازم الذّات الذّاتيّة، إذن فهو نفس الذّات وليس أمراً خارجيّاً عنها، فالذّات حينما تقوم بما يوافق مصلحتها من الأعمال الاختياريّة وبما يشبع رغبتها، وبما يوصلها إلى الكمال من ذلك، فهي تقوم باختيارها ومن تلقاء نفسها وبمحض إرادتها.
فإنَّ تلك الأفعال وإن كانت نابعة من حبّ ذاتها، إلَّا أنَّ حبّ ذاتها ممثّل لشعورها ولإرادتها وليس شيئاً خارجاً عن ذلك، وخاصّة هو يمثّل دور المقتضي في ذلك دون العلّة التامّة. نعم، يكون هو جزء العلّة، ويكون الجزء الأخير منها هو الإرادة التي تخضع لمقتضاه في تأثيرها الخارجي.
إذن فلا يمكن أن نصف الأفعال الصادرة عن الذّات بسبب حبّ ذاتها أفعالاً جبريّة من هذه الناحية.
التزاحم:
إذا واجه الإنسان مثيراً ثانويّاً معيّناً، وكان أمامه شكلان من الاختيار، فإنَّه حتماً يختار ما هو في صالح نفسه، وما يوصله إلى ما يعتقده كمالاً وسعادة، وهذا واضح على ما سبق، ويمثّل الصورة البسيطة للاختيار.
إلَّا أنَّ هناك صوراً معقّدةً، قد تكون أمام حبّ الذّات ويصعب عندئذٍ الاختيار فيها، فإن كان السبيل فيها واضحاً، بمعنى: وضوح أنَّ أحد الأطراف في مصلحة ذاته، فإنَّه يتبعه، وإذا كان هناك شكّ وأناة استخدم فكره للتوصّل إلى كون أيِّهما الأصلح لنفسه، وإذا غمض الأمر ودقّ على فهم صاحب المشكلة أو كانت هناك عوائق خارجيّة تمنعه من الفعل الموافق لحبّ ذاته، فإنَّه حينئذٍ يقع في حيرة وتردّد من أمره، ويختار عندئذٍ أقرب صور المشكلة إلى مصلحة ذاته، ويتقبّل ما فيها من المشقّة والجهد على مضض.
فإنَّ الإنسان قد يواجه مثيرات ثانويّة متعدّدة أحدها أهمّ من الآخر، ومقتضى كلّ منها مخالفٌ بشكلٍ من الأشكال لمقتضى المثير الآخر. عندئذٍ يحصل التزاحم بين المثيرات والتعارض بين مقتضياتها؛ وبذلك يحصل التزاحم والتعارض بين مقتضيات حبّ الذّات نفسه، فإنَّ حبّ الذّات عندئذٍ يحار في بدء النظر، بأمر الإنسان بالتكيّف نحو أيٍّ من هذه المقتضيات الثانويّة الخارجيّة.
إلَّا أنَّه بعد تدقيق النظر نراه يحكم بوجوب اتّباع أصلحهما وأضمنهما وصولاً وأقربهما نحو السعادة والكمال. فإن كان أحدهما أصعب من الآخر اختار الأسهل، وإن كان أحدهما أجمل من الآخر اختار الأجمل، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر اختار الأفضل، وإن كانا متساويين اختار أسرعهما وصولاً وأسلمهما عاقبة.
وفي بعض الأحيان يكون أحد العاملين أكثر ضنىً وأشدّ تعباً من الآخر، إلَّا أنَّ نتيجته تكون من الأهميّة بمكانٍ بحيث يوجب عليه حبّ الذّات اختياره والسلوك في طريقه للوصول إلى تلك النتيجة العظيمة المتوخّاة.
وقد يحتوي أحد العاملين في بعض الأحيان على شيءٍ من التقيّدات والإزعاجات، إلَّا أنَّ حبّ ذاته يوجب عليه سلوكه؛ باعتبار أنَّه موافق لمصلحته من حيث النتيجة. وفي هذه الحدود بالذّات نستطيع أن نحصل على صورةٍ واضحةٍ للتزاحم بين مقتضيات حبّ الذّات.
فطلب الرزق لا شكّ يحتوي في كثيرٍ من الأحيان على السعي والإجهاد، وهذا بدوره مخالف للراحة المحبوبة للنفس في بادئ النظر، إلَّا أنَّه بعد التأمّل يرى أنَّ النتيجة المتوخّاة من وراء هذا السعي أحسن بكثيرٍ من الراحة وأولى بالاتّباع، وأنَّ وراء هذه الراحة الوقتيّة نتيجة وخيمة يمكن تجنبّها بالسعي للرزق. ومن هنا يملي عليه حبّ ذاته وجوب السعي للرزق.
وكذلك فإنَّ الأخلاق والتقيّد بالتقاليد مخالفة للحريّة السائبة المحبوبة للنفس، إلَّا أنَّ الفرد بعد أن يعلم أنَّ هذا التقيّد ضامن له للوصول إلى الكمال في ضمن المجتمع المتضامن، أكثر من تلك الحريّة السائبة، فإنَّه يندفع إلى التقيّد بالأخلاق والتقاليد متفرّعاً في ذلك عن حبّ ذاته، بل أنَّه يعارض بشدّة كلّ خارجٍ على ذلك؛ باعتبار أنَّ الخروج عنها معيق للمجتمع عن التضامن في السعي نحو الكمال، ومن هنا كان مضرّاً لهذا الفرد بصفته فرداً من المجتمع.
وكذلك فإنَّ إطاعة القوانين والأنظمة التي تضعها الجهات الحاكمة، تكون محتوية – عادةً – على كثيرٍ من التقيّد والإزعاج ومدعمة بالعقاب الصارم على مخالفتها، وهو مخالف لحبّ الإنسان الأوّلي للحريّة. إلَّا أنَّ الإنسان حين يرى أنَّ اتّباع القوانين في مصلحته وفي مصلحة مجتمعه، وأنَّها مؤيّدة لسعيه نحو الكمال، فإنَّه عندئذٍ يطيعها من تلقاء نفسه أو بتأثير قانون العقوبات المدعمة به، حسب ما يراه موافقاً لمصلحته، وقد يميل إلى ارتكاب الجريمة والخروج على القانون إن رأى ذلك خيراً له من اتّباع القانون، ورأى أنَّه يستطيع بعد ذلك أن يفلت من العقاب.
وكذلك فإنَّ شرب الدواء بالنسبة إلى المريض كريه الطعم مرّ المذاق، بحيث لو كان صحيحاً لَما شربه؛ تفضيلاً لحسن طعم فمه على سوئه، إلَّا أنَّه في حال المرض يرى المريض أنَّ شرب الدواء أَولى له وفي مصلحته أكثر من عدمه، بل أنَّ عدمه يستوجب طول المرض وهو في غير صالحه.
وكذلك التخلّص من المخاوف الطبيعيّة والصناعيّة ببناء الدور والحصون، فإنَّه لا يخلو من مشقّة وصعوبة، إلَّا أنَّ التخلّص من الخوف يكون أهمّ في نظر الذّات، بحيث يكون أهلاً لكلِّ ذاك التعب، ومن هنا يأمرها حبّها لنفسها بأن تقوم بكلِّ هذه الصعوبات.
ومن هنا ترى أنَّ باب التزاحم بابٌ واسع تدخل فيه كثير من مقتضيات الحياة، بل الأكثريّة منها. فإنَّ الحياة – عادةً- لا تخلو من المقتضيات المتزاحمة والأسباب المتضادّة بهذا الترتيب، كما لا يخفى على المتأمّل.
والتزاحم كما قد يكون في الحياة بسيطاً وواقعاً بين طرفين، قد يقع بين أطراف كثيرة، وقد يدقّ على نظر صاحبه، فيقع في حيرةٍ من أمره، فيضطرّ إلى طول التفكير أو إلى المشورة، وعلى كلّ حالٍ فإن استطاع حلّه بذلك واختيار ما هو الأفضل لنفسه عمله، وإلَّا فإمّا أن يضطرّ إلى أحد الأطراف اضطراراً، وأمّا أن يختار ما هو في صالحه في بعض الحدود الضيّقة.
التزاحم في المقتضيات التشريعية:
والمقتضي المثير لحبّ الذّات على إصدار الأمر للذّات بفعل شيءٍ معيّن، قد يكون تكوينيّاً، كما في الخوف والمرض والجوع، وقد يكون تشريعيّاً كما في القوانين الوضعيّة والشرائع السماويّة. ومن هنا نستطيع أن نعرف بوضوح: أنَّ التزاحم كما قد يقع بين المقتضيين التكوينيّين كما في حالة شرب الدواء للمريض، قد يقع أيضاً بين مقتضٍ تكوينيّ ومقتضٍ تشريعي، وذلك موجودٌ دائماً، فإنَّ أيّ قيدٍ ديني أو اجتماعي أو قانوني يكون ضدّ المقتضى الطبيعي التكوينيّ للحريّة، والذي يميل إليه الفرد بطبعه. كما قد يقع التزاحم بين مقتضيين تشريعيّين، وهذا في الغالب إذا كان التشريعان من سنخين مختلفين، كما لو وقع التزاحم في حياة الإنسان بين مادّةٍ قانونيّة تقتضي إطاعتها عملاً من الأعمال وبين تعليمٍ دينيٍّ يخالفه، أو بين قانونٍ وتقليدٍ اجتماعيّ، أو بين تقليدٍ اجتماعيٍّ وتعليم ديني، وحينئذٍ ينظر الفرد إلى مصلحته في ذلك، فيرجح المتديّن دينه على كلّ تلك الاعتبارات، ويرى أنَّ إرغامه على غير ذلك مخالفٌ لمقتضيات حبّ ذاته، فينفر منه ويثور عليه.
ويتبع الرجل القانوني مقتضيات القانون، والاجتماعي مقتضيات التقاليد السائدة، وإن كان اتّباعهما لذلك مخالفاً لتعاليم قوانين أُخرى.
أمّا التزاحم بين تعليمين من قانونٍ واحد، فهو قد يقع نادراً، إلَّا أنَّه حينئذٍ يجب اتّباع المتأخّر منهما؛ باعتبار نسخه للأوّل، أو الأهمّ منهما في نظر المشرّع، وعلى كلّ حال تخرج المسألة عن نطاق نظريّتنا وتدخل فيما يراه القانون المدنيّ أو الدينيّ في مثل هذه الصور.
وهذا التزاحم الموجود بين مقتضيات القوانين وبين المقتضيات الطبيعيّة، ملحوظ لكلّ قانونٍ يوضع، سواء من قبل البشر أو من قبل خالقهم.
وذلك لأنَّ الطبيعة الأوّليّة العميقة للإنسان بمقتضى حبّه لذاته تقتضي الحريّة وحبّ الانطلاق ولا تقتضي التقيّد بالقانون، [بل] تقتضي أن يسعى الإنسان لكماله بالنحو الذي يشاء غير مقيّدٍ بنظامٍ ولا قانونٍ ولا تقليد ولا أخلاق.
إلَّا أنَّه بعد أن تقيّد، وبعد أن تنظّم في المجتمع، حبّاً لذاته وتوخّياً لمصلحته، ولأنَّه رأى أنَّ هذا التقيّد يوصل إلى الكمال أسرع من تلك الحريّة السائبة – لأنَّه رأى أنَّ القوانين والنظم، بصرف وجودها شيءٌ ضروري للوصول إلى الكمال، وأنَّ وجودها على كلّ حالٍ، موافقٌ لحبّ ذاته – إذن فهو عندما يرى قانوناً من القوانين، موافقاً لمصلحته وماشياً بالطريق الذي يوصله نحو الكمال، فهو حينئذٍ يندفع معه اندفاعاً تلقائيّاً ويطيعه إطاعةً عمياء، ويتكيّف لمقتضيات أوامره ونواهيه، غير متوقّع ثواباً أو خائف عقاباً، وإنَّما هو يطيعه لأجل الوصول إلى نتيجته التي يحسبها أو يراها موافقة لكماله ولمصلحة نفسه وحبّ ذاته.
ولا يخفى علينا في هذا السبيل قول أمير المؤمنين×: >ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في جنّتك، ولكنّني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك<( ).
أمّا إذا لم يتعقّل الفرد – والناس في الغالب لا يتعقّلون ذلك- أنَّ النظام المعيّن الفلاني في مصلحتهم وأن اتّباعه موافقٌ للوصول إلى كمالهم، وأنَّه أهل لتقييد تلك الحريّة الطبيعيّة المحبوبة لهم، فإنَّهم يحتاجون بذلك إلى وضع العقاب أو الثواب على اتّباع هذه القوانين وعلى عصيانها، لكي تكون لهم مثيراً تكوينيّاً، وحافزاً قويّاً إلى إطاعتها وعدم عصيانها.
وذلك: أنَّ كلّ فردٍ يواجه التزاحم الموجود بين الشرّ الذي سوف يصيبه من اتّباع القانون – أو خسارة المصلحة التي سوف يقع فيها- وبين الذي سوف يصيبه من عدم إطاعته وهو العقاب، فيوازن بينهما في ذهنه، فيرى حتماً أنَّ الشرّ الذي يصيبه من عدم إطاعة القانون من الشرّ والعقاب الذي يصيبه عند عصيانه، فعند ذلك يرى أنَّ من حبّ ذاته أن يمتثل القانون.
ومن هنا نرى أنَّ الشخص الذي يستطيع إخفاء فعله على القانون والهرب من العقاب ومن يد القضاء، يقدم نحو الجريمة إقداماً؛ وذلك لأنَّه يرى أنَّ عصيان القانون لن يناله به شرّاً، وأنَّ القيام بالجريمة في مصلحته وموافق لحبّ ذاته حسب قصر نظره.
وكذلك بالنسبة إلى وضع الثواب على القوانين، فإنَّها أيضاً مثيرات ومقتضيات ثانويّة لطاعتها؛ فإنَّ الفرد أيضاً يوازن بذهنه بين المصلحة التي سوف تناله عند طاعة القانون – وهو الثواب- وبين المصالح التي سوف تناله عند عدم طاعته – وهي الحريّة الطبيعيّة- وعند المشي على هداه واختياره، فهو يرى حتماً أنَّ المصلحة التي ضمّنها له القانون أكبر وأكثر، وأنَّ ثوابه أجزل وأعظم، فهو إذن يتوجّه إلى هذا الثواب فيطيع القانون على هذا الأساس.
ومن هنا جعلت الأديان – وبخاصّة الدين الإسلامي- ثواباً وعقاباً على عُصاة أوامرها ومطيعيها؛ وذلك لكي تجعل حافزاً أقوى (من الحوافز الكثيرة لاتّباع الشهوات ومغريات العيش التي يتخيّلها الإنسان، موافقةً لحبّ ذاته)؛ لكي يرى الإنسان أنَّ اتّباع تعاليم الدين أكثر موافقة لذاته، وذات مصالح أعظم بالنسبة إليه.
فيوازن الفرد بين ترك شهواته وبين الحصول على تلك المغانم، أو بين عمل هذه الشهوات وبين ذلك العقاب الكبير الذي سوف يناله، وبمقتضى حبّ ذاته يحكم قهراً – لو كان مصدّقاً بالدين- أنَّ الحصول على الثواب وعدم الوقوع في العقاب، أهمّ بكثيرٍ من عمل شهوات الدنيا وزبارجها، ومن هنا يندفع إلى ترك الشهوات والقيام بالواجبات والانزجار عن المحرّمات (الشهوات) في سبيل الحصول على تلك الغايات الكبرى.
ومن هنا نرى أنَّ مَن لا يعتقد بالدين ولا يخاف ربّ العالمين، ولا يعتقد بالحشر والمعاد، نراه يتبع شهواته ويميل حسب رغباته، وحسب المخطّطات العقليّة التي وضعها لنفسه والأهداف التي رسمها لذاته في اتّجاهه نحو الكمال. فهو يتصوّر كمالاً آخر ويسعى بسبلٍ أُخرى غير الكمال والسبل التي خطّطها الدين الحنيف للبشريّة جميعاً.
وبهذا، استطعنا أيضاً أن نعرف أنَّه لماذا تضع كلّ دولةٍ قوانين للجزاء على مخالفي قوانينها وتعاليمها؛ وذلك لكي تضع حافزاً قويّاً في نفس الفرد لاتّباع قوانينها.
ولهذا أيضاً تبني السجون والمعتقلات، وتُنفِّذ في بعض الأحيان الإعدام في بعض الأشخاص، كلّ ذلك لكي يقع الشعب أمام الأمر الواقع، وتجاه هذا التزاحم الصريح بين رغباته الطبيعيّة وبين مقتضيات القوانين، فيوازن بين هذه الفضائع التي تناله عند العصيان وبين إطاعة القوانين، فيرى أنَّ إطاعة القانون على كلّ حالٍ أفضل وموافق لحبّ الذّات أكثر من الوقوع في مثل هذه الفضائع.
وعلى كلّ حال، استطعنا أن نرى أنَّ التأثير للمقتضيات التشريعيّة في نفس الفرد، وحمله على إطاعتها، إنَّما هو من باب التزاحم في حبّ الذّات، التزاحم بين إطاعة القوانين وبين الشهوات الفطريّة للإنسان.
والآن وبعد أن حلّلنا حبّ الذّات، وعرفنا مختلف شؤونه وحصلنا فكرةً مفصّلة عنه، لا بأس أن ننظر إلى أثره ولوازمه من عدّةٍ من جوانب الحياة.
الفصل الثاني
أثر حبّ الذات ودوره في جوانب الحياة المختلفة
ومن هذه الجوانب
• النشاط العقلي
• الأخلاق
• تكوّن المجتمعات والدول
• نشأة اللغة وتطوّرها
• الحرية بأقسامها المختلفة
• حب الحياة
• العصمة
• العقيدة
• حب الجمال
الفنون وتطوّرها
الأدب
أثر حبّ الذات في النشاط العقلي
حبّ الذّات يقتضي شوق الإنسان إلى الترقّي والكمال شيئاً فشيئاً. وممّا هو واضح لدى الإنسان أنَّ العلم خيرٌ من الجهل، وأنَّ الوصول إلى الحقيقة خيرٌ من البعد عنها، فمن هنا كان الإنسان دائم الجهاد في سبيل الوصول إلى الحقائق واكتشاف كنه أسرار الكون والحياة والعلوم، وما قد يصادفه في طريقه الحياتي من مشاكل وعقبات.
ومن هنا، وبعد أنَّ علم الإنسان أنَّ لديه تفكيراً وعقلاً، وأنَّ لديه شعوراً وإحساساً، أصبح يسخّر هذه الملكات العظيمة في سبيل تحصيل تلك الحقيقة المجهولة.
ولعلّنا نستطيع أن نلاحظ في المقام: أنَّه لولا توقان الإنسان إلى رؤية الحقيقة بسبب حبّ ذاته، لما استعمل عقله ولما التفت إلى تفكير، ولما استنكف من الخطأ والبعد عن الحقيقة، ولما رأى فيهما ما يزعج، بل لكان وجود العقل والتفكير لديه لغواً محضاً لا فائدة فيه.
إلَّا أنَّ الإنسان بعد أن وجد لديه عقلاً ووعياً وتفكيراً، استخدمه في سبيل تحصيل الحقيقة وأطاع أحكامه إطاعة عمياء؛ لأنَّ ما توصّل إليه العقل بالقطع واليقين، فقد توصّلت إليه الذّات أيضاً بالقطع واليقين؛ لأنَّ العقل ملكة من ملكات الذّات نفسها. واعتراف الذّات بما يقطع به عقلها لا شكّ كمالٌ لها، موافق لحبّ ذاتها، لذا كانت الذّات تنصاع انصياعاً تلقائيّاً لقطوعات عقلها ولمدركات وجدانها البديهيّة.
ومن هنا كانت بديهيّات الإنسان الأُولى، أقرب القضايا لديه وأولاها بالاتّباع بالنسبة إليه، وكانت القضايا المستنتجة منها عن طريقٍ واضحٍ بديهيّ الإنتاج، أَولى القضايا بالاتّباع أيضاً بالدرجة الثانية.
ومن هنا أيضاً – وبحسب الحقيقة- كانت كلّ قضيّة مشكوك فيها، أهلاً للبحث والتنقيب والدراسة للوصول إلى حقيقتها والاطّلاع على واقع حلّها وعلى جوابها الصحيح، وحينئذٍ فإمّا أن يُستدلّ عليها بالبديهيّات الأوّليّة، وإمّا أن يُستدلّ عليها بالتجربة إن كانت من القضايا الطبيعيّة التجريبيّة، وإمّا أن يبقى العالم يفكّر ويجيل ذهنه بمختلف الميادين بحثاً حول الحقيقة المختفية وراء هذه المسألة المشكلة؛ توصّلاً إلى إشباع حبّ الذّات.
ومن هذا المنطلق بالذّات، وُجدت العلوم ووجدت الفنون وأُلّفت الكتب والطوامير، ووُجدت أيضاً معامل التجربة والصناعات الثقيلة والخفيفة وجميع أنواع نتائج التفكير البشري.
ولنفس السبب من حبّ الحقيقة أصبح الإنسان يعيد نظره في العلوم بين آونةٍ وأُخرى، ويبحثها بحثاً مستمرّاً ويمحّصها تمحيصاً كاملاً، وبذلك أصبحت العلوم والفنون في تصاعد مستمرّ نحو الكمال، تعضدها بذلك حاجة الإنسان إلى الانتفاع في حياته العمليّة والعقليّة منها، وهي حاجة نابعة من حبّ الذّات أيضاً على ما سوف يأتي.
وأحكام العقل العملي أيضاً ممّا تطيعه الذّات وتخضع له، توصّلاً إلى الكمال المنشود، فإنَّه لا شكّ أنَّ اتّباع أحكام العقل العملي على كلّ حال، خيرٌ من عصيانها والتمرّد عليها، فما دام هذا خيراً، إذن فاتّباعه موافق لحبّ الذّات، فالعدالة والصدق مثلاً أحسن من أضدادها وأولى بالاتّباع، وأحسن نتيجة عند التزاحم مع غيرها من المؤثّرات والمقتضيات( ).
هذا بحسب القاعدة العامّة، وإلَّا فقد يحاول الإنسان عصيان أحكام عقله العملي، وذلك عند وجود التزاحم بينه وبين مقتضٍ تكوينيّ أو تشريعيّ يعتقده أهمّ من حكم عقله العملي، فيكون إطاعة ذلك المقتضي ورفض حكم عقله موافقاً لحبّ ذاته، إلَّا أنَّ القاعدة العامّة في أحكام هذا العقل، على خلاف هذه الصورة الاستثنائيّة على كلّ حال.
ومن هنا كان العقل العملي فعّالاً نشطاً في تحديد حركات الإنسان وأفعاله، وكان الإنسان مخلصاً في تطبيق هذه الأوامر والنواهي الصادرة إليه من عقله العملي.
ولا ننسى ما قلناه، من أنَّه لولا ذلك لكان وجود العقل العملي لغواً صرفاً لا فائدة فيه.
حبّ الذات وتأثيره في الأخلاق
ومن هنا ينفتح لنا بابٌ آخر حول تأثير حبّ الذّات في بعض المجالات البشريّة، وهو تأثيره في الأخلاق:
فإنَّ أحكام العقل العملي عندما تصدر للإنسان، وعندما يضطرّ الإنسان بمقتضى حبّه لذاته، وبمقتضى معرفته حسن أحكام العقل العملي، يكيّف سلوكه على مقتضاها، فيقوم ببعض السلوك ويستغني عن بعضه الآخر، ويتصرّف بشكلٍ معيّن لأجل هذه الأوامر والنواهي، فمن هذا تنشأ الأخلاق، وبهذا السبب ينشأ السلوك الطيّب ويرتدع الأفراد عن السلوك البغيض السيّئ.
أمّا إذا تناسى الأفراد أحكام عقلهم العملي، ورأوا أنَّ رفضه والانهماك في تحقيق شهواتهم والاستجابة إلى المقتضيات الضيّقة في حياتهم، أفضل لهم ويكفل لهم سعادتهم ورفاههم، أكثر من أحكام عقلهم العملي، عندئذٍ تسود الفوضى وسوء النظام، ولعلّ هذا هو المقصود من قوله عزّ من قائل: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}( ).
وعندئذٍ يأتي دور التنظيم والتقنين الذي لابدَّ أن يُفرَض على البشر من قوّةٍ عُليا أو سلطةٍ قادرةٍ لتحفظ بينهم توازنهم، ولتحفظ لهم مصالحهم التي تضيع بالفوضى وسوء النظام. وهذا هو دور الدين الذي يذكّرهم بأحكام عقلهم العملي، ويرجعهم إلى جادّة الفضيلة والأخلاق والنظام، ويربطهم بهدفٍ مشتركٍ أسمى يسعون نحوه بتضامنٍ وإخلاص( ).
أمّا إذا نسي الأفراد دينهم وتبخّر الإخلاص والحماس الدينيّ فيما بينهم، وأصبحوا لا يقيمون لأوامره ونواهيه وزناً مهمّاً، عندئذٍ يأتي دور القوانين الوضعيّة، فإنَّ رفض التعاليم الدينيّة مستلزم حتماً للعودة إلى الفوضى، فكان لابدَّ من بديلٍ آخر يقوم مقام الدين لتنظيم الحياة الاجتماعيّة وحلّها، وحيث رفض الناس صوت السماء، إذن فلابدَّ من الإصغاء إلى صوت إنسانٍ من الأرض، وليس ذلك إلَّا مشرّع القانون، وإلَّا ذلك الحاكم القويّ المتسلّط الذي يستطيع تطبيقه بقوّة الحديد والنّار.
ولعلّنا نستطيع أن نرى بهذا الصدد منشأ آخر لنشوء الأخلاق، ونستطيع أن نعمّم هذا المنشأ لأُمور أُخرى على ما سيأتي في نتيجته.
وهو أن نقول: إنَّ حبّ الذّات بعد أن كان موجوداً في البشر أجمعين، كان مقتضياً لحريّة التصرّف وحريّة السعي نحو الكمال، حريّة مطلقة لا يحدّها حدّ ولا يقيّدها قيد، فإنَّ طبيعة الإنسان الفرديّة تميل إلى السعي الدائم الحثيث غير المقيّد وغير المنقطع نحو الكمال، الكمال بالنحو الذي تفهمه وتعيه.
ومن هنا كان يحصل بين البشر تصادم شديد وصراعٌ مرير، ومن هنا كان لابدَّ لكلّ إنسانٍ أن يحدّد من غلواء اندفاعه ومن كثيرٍ من تصرّفاته في سبيل حفظ حريّة الآخرين، وفي سبيل عدم الاعتداء عليهم، وفي سبيل ضمان سعادتهم وراحتهم، وفي سبيل حصولهم على الكمال أو على بعض الكمال.
وكان هذا التحديد أيضاً في صالح الإنسان وناشئاً من حبّ ذاته بالذّات، فإنَّه يوازن في ذهنه بين حريّته المطلقة وما تستطيع أن تضمنه من وصوله نحو الكمال من خلال المجتمع الفوضوي المضطرب الذي تقمّص كلّ فردٍ فيه حريّته المطلقة، ويوازن بين القيود الجديدة والتحديدات التي وضعها المجتمع عليه، وما يمكن لهذه القيود والتحديدات أن تصل وتسعى به نحو الكمال.
وعند ذلك لا شكّ أنَّه واجدٌ أنَّ هذه القيود أضمن من تلك الحريّة في الوصول نحو الكمال وأسرع إليه. وعليه فقد اختار البشر أجمعين
– تقريباً- تحديد تلك الحريّة، والتقيّد بكثيرٍ من الأنظمة والقوانين في سبيل الخير لأنفسهم والإسراع إلى كمالهم.
وأيضاً لأجل أن لا يوصل أحدٌ لأحدٍ أذى وضرراً في ظلّ تلك الحريّة المطلقة؛ فإنَّ من لوازم حبّ الذّات: هو النُفرة من الشرّ والضرر، فكانت القوانين والتقييدات رادعة عن مثل هذا الشرّ البغيض.
ومن هذا المنطلق بالذّات كانت الأخلاق شيئاً محبّباً، وكانت النظم والقوانين – بصرف وجودها- شيئاً مطلوباً عقلائيّاً عامّاً، يضعها المجتمع ويحدّد خطوطها واتّجاهها لأجل راحته وضمان وصول أفراده إلى سعادتهم وكمالهم، على اختلاف مستويات تفكيرهم.
ولا يخفى أنَّ الخروج على الأخلاق والنظم والقوانين، كلّها أيضاً من حبّ الذّات، فقد يتخيّل الإنسان أنَّ ارتكابه الجريمة الفلانيّة يجرّ له النفع أكثر من إطاعته للمادّة القانونيّة أو العرف الأخلاقي الذي يحرّم ذلك، وعندئذٍ يحصل التزاحم عنده بين المقتضيين، فيقدّم ما تخيّله مصلحة أقوى؛ انصياعاً مع حبّ ذاته ويرتكب الجريمة.
وعندئذٍ يتعرّض لسخط المجتمع وسخط القانون عليه، وذلك لحبّ المجتمع لنفسه أيضاً، فإنَّه يودّ أن لا تقع فيه جريمة وأن لا يعتدى عليه، وأن لا يهتك عرضه وماله، فإنَّ ذلك مضرّ بكلّ فردٍ من أفراد المجتمع، فهم ينفرون من هذا الضرر نتيجة لحبّهم لذاتهم.
أثر حبّ الذات في تكوّن المجتمعات والدول
ولعلّنا ونحن في هذا الشوط نستطيع أن نتميّز بوضوح أثراً آخر من آثار حبّ الذّات، هو أثره في تكوّن المجتمعات والدول.
فإنَّ الإنسان بعد أن رأى نفسه غير قادرٍ على أن يحيا حياة طيّبة مرفّهة بمفرده، بل لابدَّ له – وقد تعقّدت الحياة وتفرّعت سبل العيش وكثرت الاختصاصات- أن يتعاون مع أخيه الإنسان، لكي يسعيا متكاتفين مخلصين نحو كمالهم المنشود المشترك، وأن يحفظ كلّ منهما خير الآخر ويدفع كلّ منهما عن الآخر الشرّ المحدق به، ومن هنا تكوّنت المجتمعات.
فقد تكتّلت جماعة من الناس في سبيل المصلحة المشتركة، وهو إسعاد كلّ فردٍ منهم، لكي يتعاونوا في تذليل صعوبات الحياة وجلب الرفاهيّة والسعادة إلى ربوع مجتمعهم الجديد، ولا ننسى في المقام نظريّة (العقد الاجتماعي) التي تقول بنشوء المجتمع بشكلٍ يختلف عن ذلك( )، وسوف نتعرّض لها فيما يأتي ونناقشها على ضوء نظريّتنا في حبّ الذّات.
ولعلّنا لا ننسى العنصر الآخر المهمّ في تكوّن المجتمعات، وهو عنصر القرابة والرحميّة، وخاصّة عند بدأ تكوّن المجتمعات في العهود القديمة، فإنَّ من أثر حبّ الذّات محبّة الأبوين وكلّ من يمتّ إلى الذّات بصلة، فإنَّ من لوازم حبّ الذّات حبّ الشخص المتفضّل عليها، وحبّ الشخص المحبّ لها، وحبّ من اعتادت العيش معه، وحبّ من أخلص لها وتعاون معها، وهذا حينئذٍ متوفّر في الوالدين، وهو متوفّرٌ أيضاً في الغالب في سائر الأقارب، كما أنَّه متوفّر في الأصدقاء.
والقدر المتيقّن من كلّ هؤلاء، والفرد الصحيح العميق منهم هم الوالدان، فإنَّهما من أكبر المتفضّلين على الذّات والمربّين لها والساهرين على خيرها ودفع الشرّ عنها، حبّاً لذاتهم أيضاً؛ لأنَّها من نتاجهم ومن ثمرات دمائهم ونفوسهم، ويشعرون بالمسؤوليّة أمام المجتمع والتاريخ في تربية أولادهم( )، ويشعرون بحسن تربية الطفل على شكلٍ طيّب، وأنَّه سوف يعود عليهم بالمدح والثناء، أو على الأقلّ بإرضاء ضميرهم، وبقبح تربيته بشكلٍ منحرف غير صحيح، ممّا يجرّ عليهم العتب والتأنيب، لذا فهما يواجهان تزاحماً بين الراحة الناشئة من عدم التربية وبين المصلحة الكبرى الناشئة من حسن التربية، ولما كانت هذه المصلحة أهمّ بكثيرٍ من تلك الراحة، وأهل لبذل الجهود في سبيلها، فهما يجهدان لتربية ولدهما تربيةً صالحة.
وبذلك يكونان من أعظم المتفضّلين عليه والساهرين على مصلحته، فيكون الولد محبّاً ومخلصاً لهما لذلك.
والإخوة أيضاً وسائر الأقرباء، ممّن اعتادت النفس على معاونتهم، والتفاعل معهم، والتبادل معهم مختلف المصالح، فكانوا بهذا اللحاظ مقرّبين لدى النفس محبوبين لها.
وهذا بحسب القاعدة العامّة، إلَّا أنَّه قد يحصل هناك من المقتضيات التي تزاحم هذه القاعدة، وتوجب سلب الإنسان من حبّ إخوته وأقاربه، كما أنَّه قد يحصل نفس التعاون بين آخرين من الأباعد، فيخلص لهم بدرجة إخلاصه لإخوته أو أضعاف ذلك، ومن هنا جاء المثل المشهور، ربّ أخٍ لك لم تلده أمّك.
ومن هنا كان الأقارب والأصدقاء بلحاظ حبّهم لبعضهم البعض، يميلون إلى أن يجتمعوا وإلى أن يتكتّلوا وأن يتعاون بعضهم مع بعض، لكي يكافحوا صعوبات الحياة وعقباتها، ولكي يسعوا سعياً مشتركاً إلى الكمال المشترك الذي يأملونه، فإنَّه لا شكّ عند كلّ فردٍ منهم أنَّ التعاون مع شخصٍ يتبادل معه الحبّ والإخلاص خيرٌ من التعاون مع أشخاص لا يتّصفون بذلك؛ لذلك كان الأقارب والأصدقاء أولى الناس بالتعاون معهم في سبيل الهدف المشترك. وهذه الأولويّة ناشئة من حبّ الذّات كما لا يخفى.
وهكذا تكوّنت المجتمعات.
أمّا تكوّن الدول؛ فإنَّ المجتمع عندما أحسّ أنَّ مواطنيه بمفردهم
-وإن تعاونوا- لا يستطيعون أن يضمنوا سعادتهم ورفاههم، وأن يدفعوا جميع الأسواء عنهم، وأنَّ هناك حاجات عامّة مشتركة، أن تقوم بها جهة عامّة مشتركة، وأنَّ هناك أخطاراً عامّة مشتركة أيضاً وصعوبات اجتماعيّة ومشاكل اقتصاديّة مشتركة أيضاً، يجب على منظّمةٍ مشتركةٍ أن تذلّلها وأن توجد الحلول لها، إذن يجب إيجاد مثل هذه المنظّمة لذلك، ومن هنا كانت الحكومات وكانت الدول.
وكان قيام الحكومة محبّباً إلى الشعب من حيث كونها ساهرة عليه محافظة على أمنه وعلى مستوى أخلاقه واقتصاده.
وكان التعب في سبيل ذلك بالنسبة إلى أشخاص الحاكمين أيضاً محبّباً وجميلاً؛ باعتبار أنَّه موجب لشهرتهم ولحصولهم على السيطرة وعلى المال. وغير ذلك من المصالح التي يهون معها التعب والسهر في سبيل المجتمع.
ومن هنا كان على الحكومة أن تُصدر الأنظمة والقوانين في سبيل رعاية المجتمع والمحافظة عليه، ذلك المجتمع الذي بوّأها قمّته في سبيل المحافظة على مصالحه ورعاية أمنه واستقراره.
ومن هنا كانت القوانين – بصرف وجودها- محبوبة أيضاً للأفراد، وكان ينبغي على كلّ فردٍ الخضوع لها والالتزام بمقتضياتها؛ لكي يتمّ انسجام المجتمع ونظامه، وتوصّلاً إلى المصلحة الكبرى التي وضعت القوانين لأجلها( ).
ولا يخفى في هذا الصدد، أنَّ توقان المجتمع إلى الترقّي و النموّ وإلى تكوين الصناعات وترقية مستوى المعيشة والدقّة في الأُمور الاقتصاديّة وفي الأُمور العلميّة، وإلى الشهرة الدوليّة، ومساهمة الحكومة، بقسط وافر من ذلك … كلّ ذلك ناشئ من حبّ الكمال الغريزيّ الموجود في أفراد المجتمع، بما فيهم الحكّام، الناشئ بدوره من حبّ الذّات.
فما عمل الزُرّاع ولا عمل الصنّاع، ولا عمل المؤتمرين الباحثين حول فكرة اجتماعية معيّنة، ولا عمل النوّاب في برلمانهم، وهم يناقشون لائحة قانون معيّن، ولا عمل مجلس الوزراء في جلساته، إلَّا منبثقاً من نفس هذا المبدأ ومبتنياً عليه، وما البيانات والإعلانات والقرارات والمراسيم إلَّا ناشئة منه.
ولا بأس أن نرى الآن وبعد أن قطعنا هذه المراحل من البحث:
تأثير حبّ الذات في نشأة اللغات وتطوّرها
وذلك أنَّ الإنسان بعد أن كان اجتماعيّاً بالطبع، بمعنى ما شرحناه من أنَّه يشعر بأنَّ سعادته ورفاهه لا يمكن أن يضمن مستقلاً ومنفرداً، ومن هنا اتّجه إلى الاجتماع بالآخرين والتعاون معهم، والسعي مشتركاً نحو الكمال الذي ينشدونه، كلّ ذلك من تأثير حبّ الذّات عليهم.
وكان لابدَّ لكي يكون التفاعل بينهم صحيحاً والتعاون بينهم مجدياً ومنتجاً، أن يحصل هناك تفاهم وتناقل أفكار لكي يتّفقوا على الفكرة الصحيحة للوسيلة وللغاية التي ينشدونها، ومن هنا كان وضع اللّغة ضروريّاً جدّاً وجوهريّاً، في سبيل ترقّي المجتمع.
فاندفاعاً من هذه الزاوية بالذّات، وضعت اللّغات وسطّرت الألفاظ؛ لأجل إيجاد التفاهم بين البشر وجعله طريقاً للسعي المشترك نحو الكمال المنشود.
ولا يفرق في ذلك بين أن نقول بقول بعض الأُصوليّين القدماء، من أنَّ اللّغة وضعت من قبل فردٍ فيلسوفٍ عبقريٍّ أو جماعةٍ اجتمعوا لهذا الغرض، فإنَّ هذا وإن كان فاسداً كما ثبت في محلّه( )، فإنَّه مقطوع العدم تاريخيّاً، إلَّا أنَّ هذا الفيلسوف أو هذه الجماعة إنَّما تصدّوا للتفكير في وضع اللّغات لأجل إيجاد التفاهم المطلوب وجوده في المجتمع، تلك المطلوبيّة الناشئة من حبّ الذّات كما سبق.
أو أن نقول بأنَّ اللّغة بنت التفاعل الاجتماعي، وأنَّ الألفاظ وضعت تدريجاً من قبل المجتمع البشري، فإنَّ هؤلاء البشر لو لم يكونوا يحتاجون إلى التفاهم من أجل مصلحة ذاتهم لما تصدّوا إلى وضع اللّغات، ولما اضطرّوا إلى استعمال أساليبهم البدائيّة في سبيل نقل الأفكار، كتقليد الأصوات الطبيعيّة لنقل صورة مصدر الصوت إلى ذهن المخاطب، وغير ذلك ممّا هو مذكورٌ في محلّه.
إذن فكلّ ذلك ناشئٌ من حبّ الذّات نفسه.
منشأ تفرع اللغات وتعددها
أمّا منشأ تفرّع اللغات وتعدّدها:
فإنَّ كلّ جماعةٍ بعد أن رأت أنَّ من صالحها أن تنفرد وأن تكوّن مجتمعاً معيّناً، ورأت أنَّ ذلك أضمن للوصول إلى سعادتها وكمالها، عندئذٍ انفصلت وكوّنت مجتمعاً يحمل نفس الأفكار واللّغة والتقاليد التي كانت سائدة في المجتمع الذي انفصلت عنه.
إلَّا أنَّه من جرّاء التفاعل الطويل الذي يحصل خلال السنين بين أفراده، والناتج أيضاً بالآخرة من حبّ الذّات، حصل هنا تطوّرٌ جديد، بطيء أو سريع في ذلك المجتمع، واحتيج لذلك إلى تطوير اللّغة وإلى إيجاد ألفاظٍ جديدة وقواعد جديدة للكلام، فنشأت في ذلك المجتمع لغةٌ جديد، قد تصبح على مرّ السنين غير مشابهة للّغة التي انبثقت منها، وولدت فوق أنقاضها.
وذلك أنَّ التطوّر الجديد الذي يحصل في المجتمع لا شكّ أنَّه ملازم لازدياد الوعي الذهني وسعة أُفق التفكير وحصول المخترعات والمكتشفات، ممّا يوجد لدى المجتمع مجموعة ضخمة من المعاني التي يحتاج إلى التعبير عنها من دون أن يكون بإزائها أيّ لفظٍ، فمن هنا يضطرّ المجتمع إلى تحوير لغته وتطويرها بالشكل الذي يناسب الشكل الفكري والاجتماعي الجديد للمجتمع. وليس هذا التطوير إلَّا ناشئاً من حبّ الذّات. فإنَّ بقاء اللغة على حالها من غير تطويرٍ، لا شكّ أنَّه خلاف مصلحة التفاهم الذي يحتاج إليه المجتمع لحفظ مصالحه وبسبب حبّ ذاته. إذن ما دام هذا التطوير شيئاً حسناً وأفضل من عدمه، والميل نحو الأفضل غريزة طبيعيّة في الإنسان منبثقة من حبّ ذاته، إذن فتطوير اللّغة أمر مطلوب ومحبوب؛ بسبب حبّ الذّات.
وكثر تفرّع المجتمعات وانفصالها عن بعضها البعض بمقتضى مصالحها الخاصّة، فتعدّدت اللّغات وتكثّرت واختلفت أساليب الكلام
-بنفس التقريب السابق- وكان لكلّ قومٍ أسلوبهم الخاصّ ولسانهم المعيّن.
لهذا نجد أنَّ هناك ظاهرة لغويّة معيّنة، هي قرب اللّغة المتفرّعة إلى اللّغة الأُم المتفرّع منها، وبعد لغةٍ أُخرى عنها؛ وذلك لأنَّ اللّغات تنامت بالتقريب السابق، بشكل شجرةٍ طويلة الأمد مترامية الأطراف كثيرة الأغصان، فكان الغصن مُشبهاً للأصل بشكلٍ من الأشكال، إلَّا أنَّ الغصن الثاني ليس من الضروري أن يكون مُشبهاً للغصن الأوّل بأيّ حالٍ.
ولأجل حبّ الذّات أيضاً نشأت قواعد اللّغة ونشأت القواميس والتحديدات اللّغويّة والوضع اللّغوي الجديد؛ وذلك لأنَّ اللّغات في تطوّرٍ مستمرّ وحياة متجدّدة طويلة؛ وذلك بتطوّر الحاجات الاجتماعيّة التي تُلجئ الأفراد إلى الحاجة إلى وضعٍ جديد؛ بسبب حبّهم لمصالح ذاتهم.
فاحتاجت إلى ضبط مفرداتها وقواعدها، وإلى إضافة الألفاظ الجديدة كلّما استجدّ هناك حادث جديد يحتاج في سبيل التفاهم حوله إلى اسمٍ جديد.
وكان احتياج المجتمع لذلك داعياً له – طبقاً لحبّ ذاته- وضع قواعد اللّغة ووضع المعاجم، واستنباط الألفاظ الجديدة من بعض الكلمات القديمة، أو استجلاب كلماتٍ من لغاتٍ أُخرى، ضماناً لسرعة تفاهمه وإتقان لغته.
ولا يخفى ما يسبّبه حبّ الذّات، بخصوص التركيب اللّغوي للمجتمع من عصبيّةٍ ومن حبّ اللّغة وتعصّب لها وحرص عليها.
فإنَّ اللّغة بعد أن كانت وليدة حبّ الذّات، كان المجتمع محبّاً لها حريصاً عليها، ونشأ من ذلك أُمور عديدة:
منها: ما عرفناه من حرصه عليها وجهده في سبيل تطويرها، وفي ضبط مفرداتها وقواعدها.
ومنها: وهو الأثر الثاني لذلك، وهو محاولة إثبات وجودها والإعلان عنها والتنويه بها، والاعتقاد أنَّها خير لغةٍ يمكن أن تعبّر عن أكبر مقدارٍ ممكنٍ من المعاني وأدقّ مقدار منها.
ولعلّنا في هذا الصدد لا ننسى أنَّ الشعب – كلّ شعب- يتخيّل أنَّ المعاني السائدة في ربوعه والعلوم والأفكار السائدة في بلاده، والعقائد والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعه، خير العقائد والعادات والعلوم والمعاني؛ لأنَّه محبّ لها معتادٌ عليها مطمئنّ إليها، فيحبّها بحبّ ذاته.
ومن هنا كانت اللّغة المعبّرة عن هذه الأفكار والتقاليد، هي خير لغات العالم في نظر المجتمع، إذن فهو يرى أنَّ لغته خير لغات العالم.
ومن هذا ينشأ الأثر الثالث لحبّ اللّغة، وهو التعصّب لها والتحزّب لجهتها، وشعور الشخص من أهل اللغة، بأنَّ أهل لغته قوم ينسبون إليه ويمتّون إليه بصلة من الصِّلات، وما دامت نفسه محبوبة إليه وجميع شؤونها بما فيها لغته محبوبة إليه أيضاً، وما دام مجتمعه يتكلّم بنفس هذه اللّغة المحبوبة. إذن فينبغي أن يحبَّ جميع من تكلّموا بلغته ونطقوا بلسانه.
وخصوصاً إذا تخيّل أنَّ لهم معه مصالح مشتركة وتاريخاً معيّناً واحداً، وغير ذلك من التخيّلات. وهذا وإن كان قد يصحّ بالنسبة للمجتمع الواحد ذي التاريخ والمصالح المشتركة، إلَّا أنَّ هذا لا يمكن أن يصحّ بالنسبة إلى المجتمعات المتباعدة، وإن كانت ناطقة بلغةٍ واحدة، وليس الاعتقاد بذلك إلَّا من قبل الدعايات السياسيّة.
فعند ذلك يحصل التعصّب للغةٍ والتحزّب لها، وجعلها هدفاً اجتماعيّاً سياسيّاً يكافح عنه ويدافع، وتبذل في سبيله الأموال والنفوس وتراق الدماء، وتكون اللّغة بذلك نازلة في النفس منزلة العقيدة، ومحبوبة لها ومهمّة لديها أهمّية العقائد الكبرى التي تستحقّ الدفاع عنها وبذل الأموال والنفوس في سبيلها، كما سوف يأتي في تأثير حبّ الذّات على التكوين العقائدي للإنسان.
وينشأ من التعصّب للّغة أيضاً شيءٌ آخر، هو الاعتقاد برفعة المتكلّمين بها وتميّزهم عن باقي البشر، وأنَّ غير المتكلّمين بهذه اللّغة، كلّهم أحطّ منهم وأقلّ شأناً. ولا يخفى أنَّ حبّ الذّات وحبّ المجتمع والشعور بنحن وحبّ اللّغة، هو الدافع الرئيس الأعمق لهذا الشعور.
ولعلّ هذا الشعور بالذّات، هو الذي دفع ألمانيا الهتلريّة للاعتقاد بأنَّ الدم الألماني هو أنقى الدماء وأعلاها في سلسلة الدماء البشريّة.
الحرية وحبّ الذات
لعلّ من أقرب الأشياء إلى النفس وأوضحها لديها، وأحبّها في نظرها وأحسنها عندها، هو الحريّة، فإنَّ هناك في أعماق الذّات ميلاً غريزيّاً فطريّاً أوّليّاً إلى حبّ التحرّر والانعتاق. وذلك: أنَّ النفس حين كانت – بطبع حبّها لذاتها- توّاقة إلى الكمال، محبّة للرقيّ من حسن إلى أحسن، فهي تحبّ في عين الوقت كلّ سبيل يوصل إلى ذلك، وكلّ وسيلةٍ تحقّق هذا الهدف الكبير.
ولعلّ الذّات تعتقد أنَّ الحريّة من أهمّ تلك الوسائل ومن أعظمها وأقدسها، فإنَّ العقل عندما يخطّط ويضع المناهج – أو يُؤمن ببعض المناهج الموضوعة- لأجل سيره نحو الكمال، [و]لأجل الوصول إلى غايته المُثلى، فإنَّه يودّ في عين الوقت أن تثنى له الوسادة ويسمح له سماحاً تامّاً بتطبيق هذه المناهج والخطط.
فإنَّ كلّ عقلٍ حينما يواجه حبّ ذاته وحبّ توقانه إلى الكمال، يفكّر في وسائل ذلك ويفكّر في نتائجه وغاياته، ويتوصّل بعد كلّ هذا التفكير إلى شيء [و]إلى منهجٍ معيّن، وعندئذٍ يودّ تطبيقه بحريّة.
ومن هذا المنطلق بالذّات يبدأ تقديس الحريّة؛ لأنَّها عبارة عن السماح للإنسان بأن يتّخذ النهج والطريق الذي يفضّله في سعيه نحو الكمال.
ومن هنا كان الأمل الأوّلي الرئيس في الإنسان أن يكون حرّاً وأن لا يكون مقيّداً بشيءٍ من القيود، ولعلّ هذا هو مدلول الحديث الوارد عن أمير المؤمنين×: >كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أُمّهاتهم أحراراً<( ).
ومعنى كون الحريّة أصلاً هو أنَّ القيود والقوانين والأنظمة، لم تؤخذ إلَّا متأخّرة رتبةً عن وجود الذّات وخلقتها، فلذا ترى أنَّ هذا الحديث يعبّر عن طروّ التغييرات على الإنسان، أنَّه يكون بعد ميلاده، في حين إنَّ الحريّة توجد معه، وتخلق بخلقه، فإنَّه يولد مزوّداً بذاتٍ موجودة وبحبٍّ لها، وبملكات عديدة كالعقل والإدراك والشعور والإحساس، ولا يولد معه شيءٌ آخر، غير السماح المطلق بالتصرّف بها كيفما يشاء، إلَّا أنَّ القيود بعد ذلك تضع عليه ما تشاء من التقييدات الثقيلة والإلزامات المختلفة.
نظرية العقد الاجتماعي:
ولعلّ هذا الأصل هو الذي أغرى جماعة من المفكّرين الأوروبيّين إلى الذهاب إلى أنَّ هناك حالة طبيعيّة كان يعيشها الإنسان قبل تكوّن المجتمعات والدول، وقبل سَنّ القوانين والأنظمة وقبل وجود التقاليد. وهي حالة كان يتّصف [فيها] كلّ فردٍ من أفراد المجتمع بالحريّة التامّة والانطلاق حسب ما يريد ويشتهي( ).
وقد ذهب (روسو) [Jean-Jacques Rousseau]( ) بهذا الخصوص إلى أنَّها حالة جميلة جدّاً ومُلذّة للغاية، وأنَّ الإنسان يكون عندها في قمّة السعادة والهناء، وأنَّه بها يكون الإنسان متخلّصاً من قيود المدنيّة ومن تعقيداتها ومسؤوليّتها الطويلة العريضة( ).
وهنا يمكننا أن نرى أنَّ (روسو) بذلك يشير – لا شعوريّاً- إلى تأثير حبّ الذّات في المقام، وذلك أنَّ حبّ الذّات بعد أن كان يقتضي حبّ التحرّر والسعي إلى الكمال كما يشاء الإنسان ويريد، لا كما يريد الآخرون أن يوجّهوه نحوه. إذن فهو يحبّ الحريّة وهو يلتذّ بها، وهو يتعشّق لها ويسعد عندها. إذن فهذه السعادة مأخوذة عن حبّ الذّات مباشرة.
وذهب آخرون- ممّـن قالوا بوجود هذه الحالة الطبيعيّة، كجون لوك[John Locke] ( ) الفيلسوف الإنكليزي المعروف، وهو ابن الفيلسوف الإنكليزي أيضاً( )- إلى أنَّ هذه الحالة الطبيعيّة التي كان يعيشها الإنسان حالةٌ شاذّةٌ وخطرة ومتعبة وغير سعيدة، يتقاتل فيها الأفراد وينهب بعضهم مال بعض، ويعتدي بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضاً؛ لانعدام النظام وانعدام القوانين فيها وانعدام السلطة التنفيذيّة والتشريعيّة فيها.
والفرد بغرائزه الهدّامة وبشهواته المنطلقة انطلاقاً جنونيّاً لا يستطيع أن يكبح جماح نفسه عن الاعتداء، وعن نهب الأموال، وعن الالتذاذ على حساب راحة الآخرين.
إذن فهذه الحالة الطبيعيّة حالةٌ شديدة لا تطاق، ويجب التخلّص منها( ).
وهذان الفيلسوفان بدورهما أيضاً ينظران إلى حبّ الذّات؛ وذلك أنَّ الإنسان في تلك الحالة الطبيعيّة وعندما يكون مالكاً لحريّته تمام الملك، ولا يشعر بأيّ تقييدٍ من أيّ قانونٍ أو تقليد أو نظام، فإنَّه لا شكّ ينطلق مع غرائزه طالباً إشباعها بأيّ شكلٍ من الأشكال، وإشباع الغرائز – كما هو معلوم ممّا سبق- ناشئ من حبّ الذّات.
والتلذّذ بآلام الآخرين أيضاً ناشئٌ من حبّ الذّات؛ وذلك لأنَّ طلب اللذّة بنفسه أمرٌ ناشئ من حبّ الذّات، إلَّا أنَّ التلذّذ بآلام الآخرين لا يكون بنفسه مباشرة مطلوباً، إلَّا إذا كان فيه كسب للمعتدي ومصلحة يمكن أن يصل إليها عن طريقه، فهو إذن يعتدي على الآخرين، ويرتكب جريمة قد يؤنّبه ضميره عليها، في سبيل الحصول على مصلحةٍ أكبر وفي سبيل السعي نحو كمال يتصوّره، وهذه لا تعدو بحال خطّة الميكيافيليّة المعروفة من أنَّ (الغاية تبرّر الوسيلة)( ).
إذن فأعمال الناس الوحشيّة التي لا تطاق في تلك الحالة الطبيعيّة، كلّها ناشئةٌ من حبّ الذّات، انطلاقاً مع غرائزهم وشهواتهم وإراداتهم غير المقيّدة بنظامٍ ولا قانون.
و(روسو) وإن كان يقول بأنَّ هذه الحالة بنفسها حالة ملذّة، تجلب أقصى السعادة والهناء، إلَّا أنَّه يقول: إنَّه بعد تكاثر الناس وازديادهم في المجتمع يحصل بينهم تعارض في المصالح والشهوات والآراء، فيحصل هناك تزاحم وصراع مرير يؤدّي إلى شرٍّ مستطير( ).
وهنا تكون النتيجة عند (روسو) موافقة للنتيجة عند الفيلسوفين الآخرين (لوك) و(هوبز)( ).
وهنا تدلي مدرسة العقد الاجتماعي برأيها، متمثّلةً في هؤلاء المفكّرين الثلاثة؛ فإنَّهم يشتركون بالقول بأنَّ هذا المجتمع عندما رأى نفسه في حالة لا تطاق، اجتمع مفكّرو أفراده وعقلاؤهم وفكّروا في حالتهم وفي أوضاعهم، [و] فيما ينبغي أن يؤول إليه حالهم، وفيما يخلّصهم من متاعبهم ومشاكلهم، ويخرجهم من حالتهم التي لا تطاق.
وهنا أجمعوا رأيهم على التعاقد، وأن يبرموا عقداً فيما بينهم، فيتنازل كلّ واحدٍ منهم عن قسطٍ من حرّيته في سبيل حريّة الآخرين، فيوكلوا أمرهم إلى شخصٍ أو إلى جماعة معيّنةٍ تتكفّل الحكم بينهم وفضّ الخصومات التي تنجم فيما بينهم، وحلّ مشاكلهم والنظر في شؤونهم، وإصدار الأنظمة والقوانين لهم، وتنفيذها عليهم، وعليهم أن يطيعوه وأن يخضعوا لأوامره ولزواجره. ومن هنا تتشكّل الدولة.
إذن فالدولة عند مدرسة العقد الاجتماعي ناشئة من هذا العقد الذي وقع بين هؤلاء الناس.
ونحن لا يهمّنا التعرّض إلى تفاصيل آرائهم الأُخرى، وما يتميّز فليسوف عن آخر في الآراء والنظريّات، بعد أن وصفت هذه العمليّة التعاقديّة: بأنَّها أكبر أكذوبة في العصر الحديث، صدرت من مفكّرين كبار.
إلَّا أنَّ الذي نريد أن نتميّزه في المقام، هو أنَّ هؤلاء المفكّرين صدروا في تصوّر هذه الحالة الطبيعيّة، وفيما نتج عنها من اجتماعٍ وتعاقد، عن حبّ الذّات بالذّات.
أمّا تأثير حبّ الذّات في الحالة الطبيعيّة، فقد تكلّمنا عنه فيما سلف.
وأمّا أثره فيما بعد ذلك: فإنَّ هؤلاء الناس التوّاق كلّ واحدٍ منهم إلى الكمال والمتشوّق للسعي إليه، والذي كان يحسب أنَّ الحريّة السائبة والحالة الطبيعيّة، يمكن أن تضمن له – بشكلٍ أكثر وأعمق وأسرع- وصوله نحو الكمال، ورقيّه إليه، إلَّا أنَّه وبعد تطوّر الحالة إلى ما لا يطاق، وتعقّد المشاكل واعتداء بعض الناس على بعض، وتضرّرهم من بعضهم البعض، والضرر أمرٌ ينفر منه الإنسان نفراناً لا شعوريّاً، ونفراناً خارجيّاً ناشئاً من ذلك النفور اللاشعوري، من جرّاء حبّ الذّات، فإنَّ حبّ الذّات كما يستدعي جلب الخير والكمال للإنسان يستدعي دفع الضرر عنه.
إذن فكلّ فردٍ في هذا المجتمع أصبح متضرّراً من الأشخاص الآخرين، وخائفاً أن يقع عليه ضررٌ جديد. إذن فمن مصلحته ارتفاع هذا الضرر، اندفاعاً من حبّ ذاته.
ولعلّه يفكّر ضمناً أنَّ في الحالة الجديدة التي ينشأ منها فرصاً أكبر ووسائل أكثر لجلب الخير والكمال، ولدفع الشرّ والمفاسد.
إذن فهم يجتمعون، وهم يتفاوضون، وهم يتعاقدون، كلّ ذلك اندفاعاً من حبّ الذّات بالذّات.
وهم يتعاقدون؛ لأجل أنَّهم بتجاربهم الماضية وجدوا أنَّ التضامن والإخلاص المشترك في العمل هو السبيل المهيع الصحيح للوصول إلى الخير والكمال، وأنَّ التفرّق والتشاحن والاعتداء هو طريق إلى الشرّ والدماء.
وهم يضعون على رأسهم حاكماً؛ لأنَّهم شعروا أنَّ هذا الشرّ والضرر ناشئٌ من التسيّب ومن عدم النظام، ومن عدم شعور كلّ فردٍ بمسؤوليّته. إذن فينبغي رفع أسباب هذا التسيّب وعدم النظام موافقةً لحبّ الذّات. وينبغي أن يوضع لهذا المجتمع موجّه، وأن يوضع له مقنّن، وأن يوضع له مُنفّذ، وأن يُستَخدم كلّ فردٍ من أفراده كعضو في هذا المجتمع العامل، وكمشارك في حصّته من بناء المجتمع الجديد؛ لكي يستطيعوا أن يعيشوا برفاه وسعادةٍ أرقى وأكمل من ذلك الرفاه و[تلك] السعادة التي كانوا يعيشونها خلال الحريّة السائبة.
حقّ الثورة:
إذن فما دامت الدولة قد أُسّست على أساسٍ من حبّ الذّات، إذن فمتى وافقت مصالحها مصالح الأفراد، تبعوها وأخلصوا إليها. وكلّما خالفت مصلحتها مصلحتهم أو مصلحتهم مصلحتها، خالفوها وتمرّدوا عليها.
فالحكومة عندما يظهر منها أنَّها تريد نشر العدل والرفاه وازدهار الصناعة والاقتصاد في ربوع المجتمع، فإنَّ الناس يرضون عنها، ويخضعون لها ويحبّونها، وعندما يحدث العكس، ويظهر من الحكومة التصلّب والتشدّد وإصدار المراسيم الاستثنائيّة وتأسيس المحاكم العسكريّة وغير ذلك، فإنَّ الشعب ينفر منها ويتقزّز من حكمها، وذلك انطلاقاً من [جري] الشعب وراء نشدان العدل والرفاه، المنبثق من حبّ الذّات.
والقانون الذي تصدره الحكومة أيضاً لا يمكن أن يطاع، إلَّا بحبّ الذّات، كما سبق أن أعطينا فكرة عنه، فإنَّ كلّ موافق عليه ناظرٌ إليه على أنَّ فيه سعادة ورفاهاً للمجتمع، مستعدّ أن يطيعه وأن يخضع لتعاليمه، في حين أنَّ غير الموافق عليه، غير مستعدّ لذلك، وغير راغب في اتّباعه؛ وذلك لأنَّه يرى به على المجتمع – ومن ثمَّ على نفسه- ضرراً بشكلٍ من الأشكال؛ لأنَّه مخالفٌ لسيادة العدالة والرفاه في المجتمع في نظره، ومن ثمَّ يندفع عن حبّ ذاته إلى عصيانه وإلى التمرّد عليه.
ومن ثمَّ كانت الأقليّات في حكومة الأكثريّة دائمة التمرّد ودائمة الاعتراض ودائمة المشاكسة للحكومة؛ باعتبار أنَّ قوانين الحكومة لا تمثّل رأيها، ولا تمثّل ما تراه صالحاً للمجتمع ولحلّ مشاكله ولتذليل صعوباته.
ومن ثمَّ أيضاً كانت الحكومة إذا أصدرت قوانين وتعليمات ضدّ آراء أكثريّة الشعب أو ضدّ آراء فئات قويّة فيه، فإنَّها تتعرّض لتمرّداتٍ وثوراتٍ وانقلاباتٍ خطيرة قد تطيح بكيانها وتأتي بأُناسٍ جدد إلى كرسيّ الحكم.
إذن فحقّ الثورة على الحكومة إنَّما ينبع عندما تنحرف الحكومة عن إرادة الشعب وعن مصالحه وعن نشر العدالة فيه، وبالتلخيص: عندما تنحرف عمّا يراه لنفسه كمالاً وعمّا خطّطه لنفسه من وسائل وسبلٍ للوصول إلى ذلك الكمال الناشئ حبّه من حبّ الذات.
وهذا هو ما قاله أيضاً (جون لوك)( ) من الاعتراف بحقّ الثورة عندما تنحرف الحكومة وتكون دكتاتوريّة وضدّ رغبة الأكثريّة.
وليس هذا التفسير لحقّ الثورة ولا ذاك إلَّا منبعثاً من حبّ الذّات بالذّات؛ وذلك: أنَّ الشعب عندما يرى الحكومة مخالفة لهواه ماشية على غير الطريق الذي رسمه لنفسه نحو الكمال، ذلك الكمال الذي يحبّه بحبّ ذاته، فإنَّه يثور عليها ويتمرّد على مقتضيات تشريعها.
الثورة:
والثورة تكون أيضاً بمقتضى حبّ الذّات، فإنَّ هؤلاء الرجال الثائرين، إنَّما يثورون وإنّما يتسنّمون زمام الحكم وكرسيّه، اندفاعاً من حبّ ذاتهم؛ وذلك من وجوه:
أوّلاً: لأنَّهم سوف يكونون مسيطرين ومشهورين ومخيفين مرهوبين بالنسبة إلى الشعب، وذلك شيء محبوب للإنسان، يتخيّله أفضل من عدمه.
ثانياً: أنَّهم يكونون مطاعين، فإنَّ على الشعب أن يطيع جميع ما يصدّرونه من قوانين وتنظيمات وتعليمات، وهذا أيضاً شيءٌ حسنٌ يفضّله الإنسان عادة.
ثالثاً: وأنَّهم أيضاً يبعدون الشرّ السابق عن المجتمع، ويبعدونه بالضمن عن أنفسهم، ويرفعون ما كان المجتمع يشكو منه من ظلمٍ ومن إهانةٍ ومن تعسّف، وهذا بنفسه أيضاً محبوب للإنسان من جرّاء حبّه لذاته.
ولعلّ الثوّار أيضاً يأملون عند مجيئهم إلى كرسيّ الحكم، أن يتمكّنوا من نشر العدل والرفاه والسعادة في المجتمع، ولديهم مخطّطاتٌ واضحةٌ أو غير واضحةٍ لذلك، وهم بذلك يجلبون قلوب الناس وحبّهم إليهم، والتحبّب للناس أيضاً مطلوبٌ للإنسان من جراء حبّ الذّات.
وهم عندما ينفّذون خططهم، فهم ينفّذون الهدف الذي سعوا إليه أثناء ثورتهم، والهدف في نظر الجماعة من أهمّ مقوّماتها، ومحبوب عندها بحبّ ذاتها، فتطبيقه محبوب أيضاً بحبّ الذّات( ).
وهؤلاء الثوّار أيضاً ينكّلون بأعدائهم ويؤسّسون المحاكم العسكريّة لمحاكمتهم والمعتقلات لحبسهم، وذلك أيضاً من حبّ الذّات.
وذلك من وجوه:
أوّلاً: أنَّ النفرة من الأعداء أمرٌ طبيعيّ بالنسبة إلى الشخص، وذلك كما نقلنا في أُسلوب تكوّن الجماعات، فإنَّ الشعور بنحن يستدعي النفرة من الأفراد التي لا تدخل ضمن الجماعة المعبّر عنها بـ(نحن).
وهم المعبّر عنهم بالأعداء، والذين يحملون هدفاً آخر ويسعون بوسيلةٍ أُخرى لا تتّخذها هذه الجماعة المعيّنة.
فالثوّار عندما سيطروا وعندما ملكوا زمام الأمر، يُنزلون العقاب الشديد على هذه الجماعة البائسة المندحرة المهزومة، اندفاعاً من حبّ الذّات.
وثانياً: هم يرون في محاكمة الأعداء تعزيزاً لكيانهم وإرغاماً لمَن بقي من مؤيّديهم بين أفراد الشعب، وذلك أيضاً نحوٌ من أنحاء دحر الجماعة الأُخرى.
وثالثاً: ولعلّهم يرون في نفس الوقت أنَّ هذه الجماعة كانت متعسّفة بالشعب ظالمة له نافية للعدالة من بين ظهرانيه، فهي إذن تستأهل العقاب والتنكيل، لذلك تحاسبها على جرائمها وتوقع عليها عقابها المستحقّ؛ وذلك لأنَّ الاعتداء على المجتمع مبغوض بصفته نائلاً للذات من بعيدٍ أو قريب، لذلك يكون عقاب هؤلاء على ظلمهم للمجتمع نابعاً من حبّ الذّات، هذا إن لم يكن بعض أو كلّ أشخاص الثوّار قد ذاقوا منهم بعض الظلم، فإنَّه حينئذٍ يكون حبّ الذّات في عقابهم واضحاً.
ولعلّ هذا هو التبرير الوحيد الذي تبديه للشعب؛ لأنَّ إبداء تلك التبريرات ليس في صالحها على كلّ حال، إذن واندفاعاً من حبّ ذاتها تخفي تلك التبريرات، وتبدي هذا التبرير الثالث؛ لأنَّ الشعب يرى فيه أنَّ الحكومة مؤيّدة له، وأنَّها عازمة على تطبيق مصالحه ومعاقبة لأعدائه ولظالميه.
انشقاق الثورة:
والثورة عندما تنشب، تكون عادة متكوّنة في عدّة أشخاص، يكون الثوّار عدّة أشخاص متوافقين على الهدف وعلى الغاية، والهدف هو الثورة – على الحكم القديم- والوسيلة هي ما كانت لها من مقدّماتٍ وما حصل فيها من انقلاب، متوافقين على ذلك شعوراً من كلّ واحدٍ منهم بأنَّها موافقة لحبّ ذاته، حسب مبرّرات الثورة السابقة التي ذكرناها فيما سبق.
ومن هنا كانوا يسعون سعياً متضامناً مخلصاً نحو الهدف المشترك المتّفق عليه، وهو القضاء على الجهاز الحاكم السابق، وتأسيس جهاز حاكم جديد يتكوّن من أشخاصهم أنفسهم، ليطبّقوا نظاماً معيّناً.
إلَّا أنَّ الثورة بعد أن تنشب وبعد أن يتمّ الإجهاز على النظام السابق، يحدث هناك انشقاقٌ بين صفوفها، فيوجد هناك أُناسٌ متطرّفون إلى اليسار يودّون زيادة الهدم والإغراق فيه وطول مدّته، وهناك أُناس معتدلون، كما أنَّ هناك أُناساً يمينيّون يميلون إلى الاكتفاء بما هدم الانقلاب في يومه الأوّل، ولا يريدون من الهدم أكثر من ذلك، كلّ بحسب ما يراه صحيحاً وما يراه مطابقاً لمصالحه ولهدفه الذي كان يتصوّره فيما سبق، واتّباع الصحيح واتّباع المصلحة والدقّة في اتّباع الهدف، كلّها نابعة من حبّ الذّات.
وكلٌّ يرى -بحسب نظره وتفكيره- أنَّ هذا موافق لمصلحته ولمصلحة شعبه، ومن ثمَّ موافق لحبّ ذاته.
ومن هنا ينقسم الهدف وتنقسم الغاية وتنقسم الواسطة والوسيلة، وتتعدّد تلك الجماعة الثائرة الكبرى إلى جماعات صغيرة ثلاث، أو ربّما أكثر، أو ربّما اثنتين مثلاً – حسب مقدار اختلاف وجهات النظر وتقدير المصالح وتقدير الأُمور- كلّ يكافح في سبيل ما يراه من رأي جديد.
وهنا يأتي دور القوّة، فأيّ فريقٍ كان أقوى وكان أقدر على التصرّف في شؤون المجتمع وشؤون الجيش والقوّات المسلّحة، فإنَّه هو الذي يستطيع أن يسيطر على الجهات الأُخرى والجماعات الأُخرى، فيفنيها ويزيلها من الوجود، ويبقى متوحّداً فريداً في الحكم، يطبّق أسلوبه كما يشاء على رؤوس الشعب.
وهو عندما يزيل معارضيه، مندفع أيضاً بحبّ ذاته، نفرةً من الأعداء وتخلّصاً من الإزعاج، وتوحّداً بالحكم والبقاء.
ولعلّنا لا نستطيع أن نستمرّ أكثر في التطرّق إلى تأثير حبّ الذّات في الثورات، ونحن في صدد الكلام عن تأثيره في (الحريّة) فينبغي إذن أن نرجع إلى صلب موضوعنا، وهو التكلّم عن تأثير حبّ الذّات في الحريّة.
الحرية: معناها وأقسامها:
ويجب أوّلاً: أن نعرف أقسام الحريّة ومعناها، ومن ثمَّ نرى تأثير حبّ الذّات عليها.
لا يخفى في المقام، أنَّنا إنَّما نقصد بالحريّة، تلك الحريّة التي تكون في قبال التشريعات وفي قبال تقنين القوانين وتنظيم النظم وإنزال الأديان وجعل التقاليد والأعراف والأخلاق وغير ذلك. ونستطيع أن نسمّيها بالحريّة التشريعيّة.
ولا نقصد بالحريّة تلك الحريّة التي تكون في مقابل الجبر، والتي نستطيع أن نسمّيها بالحريّة التكوينيّة؛ فإنَّ ذلك مقام خارج عن صدد كلامنا الآن، وقد تعرّضنا لفكرة عنه في محلّ آخر( ).
أما أقسام الحريّة، فإنَّ الحريّة قد تكون مطلقة كلّ الإطلاق، والانطلاق بأن لا يكون الإنسان مقيّداً بأيّ شكلّ من الأشكال. وهذه الحريّة هي التي تخيّلها أولئك العلماء الثلاثة القائلون بنظريّة العقد الاجتماعي في تكوين الدولة، وأنَّها موجودة في الحالة الطبيعيّة قبل تقنين القوانين ووجود الدولة.
وهي حريّة يميل الفرد بفطرته إليها، ويتخيّل أنَّها تضمن له السعادة والكمال، إلَّا أنَّه بعد أن يرى أنَّ القوانين والأنظمة والأخلاق والأديان وغير ذلك من الوسائل الحقة، توصله إلى كمال الرقيّ وبشكل أسرع من تلك الحريّة السائبة التي تكون فيها الحالة بشكلٍ لا تطاق، فهو إذن – لحبّ ذاته- يفضّل هذه القوانين والتنظيمات والتعقيدات على تلك الحريّة السائبة، وهذا واضح.
وهناك أقسامٌ أُخرى للحريّة:
منها: حريّة إبداء الرأي.
ومنها: حريّة الفكر.
ومنها: حريّة التصرّف.
ومنها: حريّة التنقّل.
ومنها: الحريّة الاقتصاديّة.
ومنها: الحريّة ضدّ الاستعمار.
ومنها: حريّة الأديان.
ومنها: تلك الحريّة التي يمارسها الإنسان في الحياة والانتخابات.
ومنها: حريّة العمل السياسي.
وغير ذلك من الأقسام.
وكلّ هذه الأقسام تكون عادة محبوبة لدى الإنسان موافقةً لحبّ ذاته؛ لأنَّه يتخيّله موصلاً له إلى الكمال.
نعم، قد يصرف الإنسان نظره عن بعض مصاديق بعض هذه الحريّات، فيمتنع عن تصرّف معيّن في موردٍ مسموح له بالتصرّف، أو يمتنع عن إبداء رأيه في موضوعٍ مسموحٍ له بذلك، أو يمتنع عن الانتخاب مثلاً أو غير ذلك من الامتناعات التي قد تحدث في المجتمع؛ وما ذلك إلَّا لأنَّه يرى أنَّ هنالك مصلحة أكبر من استعمال هذه الحريّة تجرّه إلى نتائج أحسن وأفضل، ممّا تجرّه إليه هذه الحريّة، ولذلك كان هذا التقيّد أهمّ عنده وأحبّ لديه وأقرب إلى حبّ ذاته، من استعمال هذه الحريّة، وهذا شيءٌ آخر( ) من كون نفس الحريّة بمعناها المطلق أو بأقسامها محبوبة لدى الإنسان بشكلها الطبيعيّ الأوّلي.
وينبغي في هذا المقام التعرّض إلى تفاصيل كلّ حريّةٍ من هذه الحريّات، وتأثير حبّ الذّات فيها، وما قد يزاحمها من المقتضيات والتأثيرات الخارجيّة التكوينيّة، أو التشريعيّة وغير ذلك، فنقول:
الحرية الاقتصادية:
لمّا كان يُسْر العيش ورفاه الحياة من الأُمور الكماليّة المطلوبة للنفس، المحبوبة لها بحبّ ذاتها، كانت الوسيلة إلى ذلك مطلوبة أيضاً، وليست تلك الوسيلة عادةً إلَّا تحصيل المال، فإنَّه بالمال يحصل الرفاه ويحصل سعة العيش، إذن كان المال مطلوباً ومحبوباً إلى النفس بحبّ ذاتها.
ولعلّ لدى البعض من الناس حبّاً للمال بذاته، حيث يرون أنَّ جمع المال شيء حسن وعدمه شيء غير حسن، على كلّ حال. فـ [هم] مهتمّون بجمع المال وخزنه؛ لأجل كونه موجوداً عندهم، لا للانتفاع به في حياتهم، بأيّ وجهٍ من وجوه الانتفاع، ما عدا استخدامه في تحصيل مالٍ أكثر.
وعلى كلّ – ومهما كان التبرير لحبّ المال- فإنَّ المال كان محبوباً ومطلوباً لحبّ النفس لذاتها، ومن هنا كانت الوسيلة إلى تحصيل المال محبوبة أيضاً، وكان الإنسان يبذل جهوداً قصوى ومتاعب كثيرة في سبيل الحصول على المال، لسدّ رمق العيش تارة وللرفاه أُخرى، وللحصول على مجرّد المال ثالثة.
وإنَّ من أعظم السبل لسرعة تحصيل المال وكثرته هو الحريّة الاقتصاديّة، حيث تكون الوسادة مثنيّة للشخص، بأن يحصل المال من أيّ طريقٍ يشاء وبأيّ أسلوبٍ يشاء، فيتصرّف كما يشاء ويعمل كما يريد ويجلب المال من أين يريد، من دون أيّ وازعٍ قانونيّ أو أدبيّ أو شرعيّ.
ومن ثمَّ يحدث الاستغلال، ويحدث زيادة ساعات العمل وقلّة الأُجور، وتحدث كثير من المضاعفات التي يستدعيها جشع أصحاب المال، وتحدث في المجتمع قلّة متموّلة وكثرة فقيرة كادحة.
وذلك أنَّ رجل المال وإن كان – كإنسان وكصاحب عقل عملي- يستقبح ظلم الإنسان واستغلاله فيما لا يحسن، إلَّا أنَّه حيث جعل جمع المال وتكريسه غاية في ذاتها لنفسه، وكانت من الأهميّة بنظره بمكان، إذن فهو يستبيح ما يكون في سبيلها من عقبات وما يحدث خلالها من ظلم ومن تعسّف.
وبعبارة أُخرى: يحصل التزاحم في ذهنه بين رحمة العمّال وبين جمع المال، أو يحصل التزاحم بين فقره وبين ظلم العمّال، وبالطبع فهو يرجّح ما يكون في مصلحته على ما يكون في مصلحة غيره، وما يجرّ النفع إلى نفسه وإن كان فيه فساد وسوء وضرر للآخرين.
ومن ثمَّ يستخدم العمّال أكبر قدر ممكن في اليوم من الساعات؛ لكي يجلبوا له أكبر مقدار ممكن من الغلات ومن الثمرات، وبالآخرة من المال، ويعطيهم أقلّ أُجرة ممكنة؛ لكي يحتفظ بأكبر قسم ممكن من المال.
وهو يحتكر؛ لأنَّ الاحتكار وإن كان خلاف مصلحة المجتمع، كما هو يعلم أيضاً، إلَّا أنَّه لمّا كان يفضّل مصلحة نفسه، ولمّا كان في الاحتكار غلاء المال المحتكر؛ وذلك لحبّ الذّات أيضاً، فإنَّ المجتمع إذ يحتاج إلى هذه السلعة ويضطرّ إلى شرائها، يكون مستعدّاً -بمقتضى حبّه لذاته- أن يدفع في قبالها رقماً أكبر من المال، ومن هنا يعرف أنَّ قانون العرض والطلب ناشئ من حبّ الذّات أيضاً، ومن ثَمَّ دخول ثروة جديدة لديه.
إذن فهو يحتكر تفضيلاً لهذه المصلحة المهمّة في نظره على مصلحة المجتمع التي تأتي من عدم الاحتكار.
وهو يبيع بالربح ويقرض بالربح؛ وذلك لأنَّه وإن كان يدرك أنَّ في هذه الزيادة الفائضة ضرراً على معطيها، إلَّا أنَّها تجلب إليه زيادة من المال بمقدارٍ أسرع ممّا إذا لم يكن يتقاضاها. إذن فهذه الغاية تبرّر تلك الواسطة، وتبرّر تضرّر معطي هذه الزيادة، وليذهب المعطي إلى سقر.
إذن فجميع مساوئ تكدّس رأس المال والرأسماليّة، و[بالخصوص] تكدّس رأس المال نفسه، كلّه ناشئ من حبّ الذّات.
ومحاسن رأس المال وما يمكن أن يترتّب عليه من نتائج طيّبة أيضاً ناشئة من حبّ الذّات.
فإنَّ الرأسمالي عادةً يقوم بتوسيع التجارة إلى أكبر نطاقٍ ممكن، ويبعث بالأموال إلى أكبر عدد ممكن من أسواق العالم، وهو أيضاً ينشئ أكبر عدد ممكن من المصانع، ويشغل أكبر عدد ممكن من العمّال، ويستغلّ أكبر مقدار ممكن من الموادّ الخامّ كالمعادن وغيرها من الموادّ الطبيعيّة.
وهو بذلك يفيد البشريّة، إلَّا أنَّه بذلك مندفعٌ عن حبّ ذاته أيضاً؛ توصّلاً إلى تلك الغاية المنشودة المحبوبة لنفسه بحبّ ذاتها، وهو الحصول على أكبر كميّة ممكنة من المال.
الاشتراكية:
وهنا تأتي مذاهب أُخرى، فترى إمكان الإبقاء على سعة التجارة وسعة الصناعة مع إلغاء تكدّس رأس المال، ومع وضع كثير من التقييدات عليه، وإنَّما ترى ذلك لمصلحة المجتمع النابعة في النهاية من حبّ الذّات. فإنَّ تقليل أسواء الرأسماليّة أيضاً ممّا يودّه كلّ فردٍ من البشر بصفته يتضرّر، إمّا مباشرة أو بالتسبّب منها، أو يرى أحد أفراد جنسه يتضرّر منها على كلّ حال، وتضرّر أحد أفراد الجنس تضرّر في النهاية للنفس، بشكلٍ من الأشكال؛ باعتبار أنَّه مخالف للشعور بالنوع النابع من الشعور بالذّات، والشعور بالنوع عبارة عن حبّه والميل إليه، كما كان الشعور بالذّات عبارة عن حبّها. فالفرد يحبّ نوعه بحبّ ذاته، فهو مخالف لحبّ الذّات أيضاً، وارتفاعه موافق له.
فإذا أمكن ارتفاع مساوئ الرأسماليّة مع إبقاء محاسنها فما أحسن ذلك؟ مع حبّ ذاتهم وما تمليه عليهم رغباتهم، ولم تجد هذه المذاهب من المعارضة إلَّا من قبل الرأسماليّين أنفسهم، فإنَّها – أي: هذه المبادئ- معارضة لذلك الهدف العظيم المهمّ الذي وضعوه نصب أعينهم، وهو جمع أكبر قدر ممكن من المال. فإنَّهم حينئذٍ -أي: عند تطبيق هذه المبادئ- سوف يخسرون وسوف تقلّ ثروتهم، وسوف تحدّد فرص إنتاجهم وتجارتهم وصناعاتهم، وذلك حتماً يقف حجر عثرة في سبيل الغاية التي يتوخّونها. إذن فهم ينزعجون من ذلك – من هذه المبادئ والدعوة إليها- انزعاجاً كبيراً، بمقتضى حبّهم لذاتهم.
وتمضي المبادئ المخالفة للرأسماليّة – كالاشتراكيّة مثلاً- فتقترح أنظمة معيّنة، كوضع الضرائب التصاعديّة أو التأميم أو زيادة أُجور العمّال وقلّة ساعات العمل وغير ذلك. كلّ ذلك لمصلحة المجتمع ولمصلحة العمّال، ولمصلحة المستهلكين مثلاً، حسب ادّعائها – أي: الاشتراكية- فهي بذلك في النهاية تخدم حبّ الذّات؛ لأنَّ مصلحة كلّ فردٍ محبوبة لديه على كلّ حال.
وهنا تأتي الشيوعيّة، فترى أنَّ زوال الملكيّة وأنَّ إعطاء كلّ فردٍ بقدر ما يحتاجه لا بقدر عمله( )، وزوال الحكومة وتنظيم المجتمع على الأساس النقابي، كلّ ذلك في مصلحة المجتمع، وما دام في مصلحة المجتمع فهو إذن موافق لحبّ الذّات.
ثمَّ يأتي المعترض فيقول( ): إنَّ إعطاء كلّ فردٍ بقدر ما يحتاجه مخالف لحبّ الذّات؛ وذلك لأنَّه لا يبقى فرق عندئذٍ – في الأُجور- بين المهندس الفنّي الخبير والعامل البسيط، وذلك لأنَّ الحاجات في العادة لا تختلف اختلافاً كبيراً بين الناس، في حين إنَّ الفنّ والمهارة والعقل ودقّة التفكير تختلف اختلافاً كبيراً. فهل من العدل أن يعطى العامل الفقير بقدر ما يحتاجه، ويعطى المهندس الكبير بقدر ما يحتاجه أيضاً، فلا تختلف أُجرتهم اختلافاً كبيراً؟!
ومن ثمَّ يثبت هذا الناقد: أنَّ هذا المذهب الشيوعيّ خلاف حبّ الذّات؛ باعتبار أنَّه خلاف مصلحة المهندس الفنّي، إذ يأخذ أقلّ من مقدار عمله، وخلاف مصلحة المجتمع؛ إذ لا يرى الفنّي [أيَّ] داعٍ للعمل أكثر من العامل البسيط بعد أن كان يأخذ أجرة بقدره، فإنَّ من المخالف لحبّ ذاته أن يتعب نفسه بدون عوض، وبذلك يتضرّر المجتمع.
نعم، قد يمكن للمهندس أن يعمل رغم ذلك باعتبار شكر المجتمع له، وهذا تابعٌ إلى اعتقاد المهندس.
فإن علم أنَّ راحته أهمّ من شكر المجتمع أو أنَّه لن ينال شكراً واحتراماً مهمّاً، تقاعس عن العمل، وهذا هو الغالب في العاملين، بل في جميع البشر، حيث يفضّلون مصلحتهم الذّاتيّة على مصلحة المجتمع، ولا يرون في الشكر عوضاً كافياً.
أمّا إذا كان الفرد بشكلٍ يرضى بهذا العوض، فهو يعمل، إلَّا أنَّ ذلك قليل جدّاً في العاملين، بل غير موجود على الإطلاق، بعد أن كان العامل إنَّما يبذل عمله في سبيل الحصول على الرزق، إذن فهو مرفوض.
ويقول الناقد مرّةً أُخرى: إنَّ تقرير زوال الملكيّة مخالف لحبّ الذّات أيضاً؛ وذلك لما سبق أن قلناه من أنَّ حبّ جمع المال من الأُمور الواضحة الموافقة لحبّ الذّات، فإذا أُجبر الإنسان على الانسلاخ من أمواله وانعدام المال لديه، إذن فهذا مخالفٌ لحبّ ذاته، وينفر الإنسان منه نفراناً طبيعيّاً.
بالإضافة إلى أنَّه يكون حينئذٍ كلّاً على المجتمع يقتات من حكّامه ويعيش على ما يتصدّقون عليه من الأرزاق التي تكون بقدر حاجته، وذلك أيضاً أمرٌ مخالفٌ لحبّ الذّات، فإنَّ الذّات تميل عادةً إلى الاستقلال وإلى تصريف شؤونها بنفسها دون الاعتماد على غيرها إلَّا عند الحاجة، وهذا مخالف لهذه الغريزة الذّاتيّة.
ولعلّ الإسلام بمذهبه الاقتصاديّ قد ضمن إشباع حبّ الذّات لكلٍّ من صاحب رأس المال والمجتمع أيضاً، فإنَّه اعترف بالملكيّة الخاصّة وفتح سبل وفرص تحصيل المال على مصراعيها تقريباً، فكان صاحب المال حرّاً في نطاقٍ واسع بالاتّجار وزيادة المال، موفياً بذلك حبّ ذاته، وكانت القيود التي وضعها على سعة المال، كتحريم الربا، والاستغلال والاحتكار، وفرض بعض الضرائب على رأس المال وعلى الربح، كلّ ذلك موافقاً لحبّ الذّات في المجتمع، وإن كان مخالفاً لحبّ الذّات عند الشخص، فإنَّ الآخرين في المجتمع لا يضرّ بهم أن يكون المال متكدّساً لدى الإنسان بشكلٍ فضيع، ولا أن يكون مستغلاً، ولا أن يكون متعسّفاً من رؤوس الأموال، ومسيطراً سيطرة كبيرة – أو تامّة- على الأسواق، فإنَّ جميع ذلك مضرّ بالمجتمع، فيكون مبغوضاً لأفراده بحبّ ذاتهم، وقد ارتفع كلّ ذلك ببركة النظام الإسلامي.
ويجب على نفس صاحب المال أن يخضع لذلك وأن يحبّه أيضاً، بصفته عقيدة حقّه من العقائد أوّلاً، وبصفته في صالح مجتمعه الذي هو فرد منه ثانياً، وما كان في صالح المجتمع يكون في صالح النفس أيضاً، إذن فينبغي أن يعرف أنَّ هذه النظم موافقة لحبّ ذاته أيضاً، ولعلّه إن كان مخلصاً لدينه، فهو يرى ذلك، ويتقيّد بهذه النظم تقيّداً تلقائيّاً لا جبر فيه ولا امتعاض.
حرية العمل السياسية
وبعد أن عرفنا هذا الملخّص عن الحريّة الاقتصاديّة، لا بأس أن ننظر نظرة مختصرة إلى حريّة العمل السياسي: فهذه الحريّة تكون مطلوبة لعدّة جهات:
أوّلاً: لأنَّها مصداق من مصاديق الحريّة على كلّ حال، وكلّ حريّة مطلوبة، إذن فهذه مطلوبة.
وثانياً: لأنَّها توجد أمام الفرد فرصة لنقد حكومته وللاعتراض عليها عندما تشذّ عمّا يراه هو عدلاً وإنصافاً، وتفسح له المجال لتقويمها ولنصحها ولإرجاعها إلى جادّة الصواب، فإن لم ترجع، فيثور عليها ويغيّر نظامها.
ثالثاً: فهي – أي: حرية العمل السياسي- تعطيه الفرصة إلى تسنّم بعض الكراسي المهمّة في الدولة، ومن ثمَّ الوصول إلى الحكم والشهرة والتسلّط على الآخرين. وكلّ ذلك أيضاً مطلوبٌ للنفس محبوب إليها. إذن فحريّة العمل السياسيّ بنفسها مطلوبة ومرغوب إليها.
ولا يخفى أنَّها مطلوبة بشكلٍ خاصّ لتلك الجماعات التي تجعل لها هدفاً سياسيّاً معيّناً، فهي تودّ من جرّاء حبّها لهدفها المحبوب بحبّ ذاتها، أن يُفسَح لها المجال للعمل السريع الجدّي للوصول إلى ذلك الهدف، وما دام ذلك الهدف سياسيّاً فالعمل له يكون سياسيّاً أيضاً، فمن ثمَّ تطالب هذه الجماعات والأحزاب بحريّة العمل السياسي في دولةٍ لا تكون هي حاكمة فيها( ).
إذن فحريّة العمل السياسيّ بنفسها مطلوبة ومرغوبٌ فيها، يستغلّها الشعب في سبيل الحصول على مصلحة ومقتضيات حبّ نفسه ورغباته، وتستغلّها الحكومة في سبيل تنفيذ مآربها ومصالحها ورغباتها، فيحصل هناك تصادم مّا قليلاً أو كثيراً بين الفئات المختلفة، بين البرلمان ومجلس الوزراء مثلاً، أو بين الحكومة والشعب مثلاً، أو بين الأحزاب والوزارة مثلاً، كلّ حسب وجهته في تصوّر العدالة وتصوّر ما ينبغي أن يطبّق في المجتمع من قوانين ومن نظم، وفي تصوّر ما ينبغي أن تسير عليه الحكومة من أُسلوبٍ وسلوك.
ومن هنا قد يترتّب على حريّة العمل السياسيّ بعض المفاسد، فإنَّ هذه الحريّة بوجودها المعقول، التي تستهدف النقد البنّاء والنصيحة الصريحة، هي من أفضل الطرق إلى تقويم المعوّج وإلى تعديل المنكسر، إلَّا أنَّها في بعض الأحيان تكون وسيلة هدّامة للقتل والنهب والتخريب، فيستغلّها البعض للشتائم أو الاغتيال أو للانقلاب أو لكثير من التخريبات مثلاً، كلّ حسب ما يتصوّر ويشتهي، فيكون ذلك خلاف مصلحة المجتمع، وخلاف مصلحة الحكومة أيضاً.
وعند ذلك تضطرّ الحكومة إلى تحريم العمل السياسيّ وسدّ باب الحريّة السياسيّة، أو تقليصها إلى أكبر حدٍّ ممكنٍ، ووضع كثير من القيود الثقيلة عليها. وذلك أيضاً لحفظ مصلحة المجتمع ولتخليصه من هذه التخريبات ولمصلحتها أيضاً.
وعندئذ يبدأ المخرّبون بالشكوى، أولئك الذين انسدّ باب حريّة العمل السياسيّ المحبوبة في وجوههم، ويقولون: بأنَّ الحكومة قد سدّت هذا الباب المحبوب لدى النفس، وسدّ باب المحبوب مبغوض حتماً. فيا أيّها الشعب اعترض عليها؛ لأنَّها سدّت باباً محبوباً لديك.
وهنا طبعاً يكتب النصر لصاحب القوّة والمتسلّط، وهو الحكومة في الأعمّ الأغلب من الأحوال، فحينئذٍ تعمل ما تشاء، إلَّا أنَّها قد تواجه ضغطاً شديداً من قبل برلمانٍ أو من قبل ثوارٍ أو من قبل الصحافة مثلاً، فقد تغيّر من رأيها؛ باعتبار ما تتصوّر من مصالحها ومن مقتضيات سلوكها.
ومن الحريّات المربوطة بهذه الحريّة ربطاً وثيقاً: حريّة إبداء الرأي، والتصدّي لنقد الأُمور الاجتماعيّة أو التقاليد أو القوانين أو النظم أو الجهاز الحاكم مثلاً، وهي حريّة مطلوبة أيضاً باعتبارها حريّة أوّلاً، وباعتبار أنَّ المتكلم لابدَّ وأن يكون مقتنعاً بفساد ما ينقده، إذن فهو مقتنع بوجوب زواله، وأنَّ زواله في مصلحة ذاته، أو في مصلحة مجتمعه التي ترجع في النهاية إلى مصلحة ذاته. إذن فهذا النقد المسبّب – ولو من بُعد- لزواله أيضاً في مصلحة ذاته، إذن فهو يودّ أن يبقى حرّاً في النقد حتّى يزول هذا الأمر الذي ينتقده، وحيث إنَّ الأُمور في الغالب تكون دائماً عرضة للخطأ، لذلك يودّ كلّ فردٍ من الشعب أن يبقى دائم الحريّة لإبداء رأيه كلّما عَنَّ ما لا يرضيه في المجتمع … .
إلَّا أنَّ هذه الحريّة تواجه مشاكل كثيرة، فإنَّ حريّة الرأي بمعناه السياسيّ يضادّ غالباً رأي الحكومة، ويعارض سياستها، وبذلك تكون الحكومة واقفة أمام مثل هذا الرأي، إلَّا أنَّه قد توجد حكومات قويّة وراسخة وذات أنظمة ثابتة لا تهتمّ بمثل هذه الزعقات، فتجيز إجازة مطلقة إبداء الرأي مهما كان شكله، ولكنّها لا ترتّب على الرأي أثراً، إلَّا إذا كان قويّاً، وكان من شخصٍ قويّ ذي منصب رسميّ مهمّ.
وعلى اعتراف الحكومة بهذه الحريّة يترتّب إجازتها للصحافة ونشر الكتب، فإن هي أجازت هذه الحريّة فإنَّها تبيح ذلك إباحة مطلقة ولا تضعه تحت رقابةٍ بأيّ شكلٍ من الأشكال، إلَّا أنَّها إذا لم تجز هذه الحريّة وقيّدتها بعدم نقد سياستها وعدم التعرّض لما قد اقتنعت به من مفاهيم وما تعلن عنه من آراء، إذن فهي لا تجيز ذلك الكلام الذي ينقد آراءها والذي ينتقص سياستها، وتضع رقابة مشدّدة على الصحف والمجلّات والكتب لأجل ذلك.
ومن هنا نعرف أنَّ هذه الرقابة أيضاً ناشئة من حبّ الذّات، من حبّ الحكومة لنفسها ولسياستها.
أمّا حريّة الرأي بالنسبة إلى الميادين الأُخرى، كحريّة نقد التقاليد مثلاً، أو نقد الأديان مثلاً أو نقد العلوم مثلاً، فإنَّها تكون معارضة في الغالب بالفئات القويّة التي تتبنّى مثل تلك الآراء إن وجدت.
فالمتديّنون بدين معيّن – مثلاً- لا يودّون طبعاً نقد دينهم، ويكون ذلك خلاف عقيدتهم، وبالآخرة خلاف حبّ ذاتهم؛ لأنَّ عقيدتهم وإخلاصهم ناشئان من حبّ الذّات بدورهما.
كما أنَّ نقد تقليد معيّن سائد في مجتمع، لا يمكن أن يكون صادراً في ذلك المجتمع، فإنَّ ذلك المجتمع عندئذٍ يغضب ويثور؛ لأنَّ هذا الرأي قد انتقد تقليداً سائداً فيه، قد اقتنع أفراده به واطمأنّوا إليه، وصار جزءاً محبوباً من نظامهم، وأحبّوه بحبّ ذاتهم، إذن فهم يكرهون نقده ويثورون عليه.
ومن هنا كانت حريّة الرأي في كثيرٍ من الميادين، معارضة بالجماعات القويّة التي تكون مقتنعة عادة بالرأي المنتقد.
إلَّا أنَّ هناك آراء أُخرى لا يناصرها – ويتعصّب لها- جماعة معيّنة، كالآراء العلميّة البحتة، فإنَّ الانتقاد في أيّ ميدانٍ من العلوم يكون سهلاً ومسموحاً به من قبل أيّ جماعةٍ من الجماعات، وبذلك يأخذ العلم حريّته التامّة في التفكير وفي النقد وفي التحليل والبرهنة، وفي تسطير المقدّمات واستنتاج النتائج. ولعلّ أقرب الحريّات الأُخرى إلى مقام كلامنا هذا، هي الحريّة الانتخابية؛ فإنَّ القوانين لمّا كانت بصرف وجودها مطلوبة، وكان عدمها يوجب الحريّة السائبة، الموجبة للفوضى وسوء النظام، كان على المجتمع أن يضع قوانين، وأن ينظّم دساتير لتنظيم نفسه وتسيير شؤونه.
وحيث لا يمكن أن يضع القوانين جميع أفراد المجتمع بالاشتراك المتبادل، إذن فينبغي انتخاب جماعة لذلك تضع القوانين، وليس ذلك إلَّا البرلمان، فيمارس كلّ فردٍ حريّته في انتخاب الشخص الذي يرغب به، والذي تجتمع الصفات المطلوبة في نظره فيه، إذن فتصدّي هذا الشخص لانتخاب أيّ فردٍ هو ناشئ من حبّ الذّات؛ لأنَّه وسيلة إلى وضع القوانين الضامنة لمصلحته، واختياره لهذا الشخص بالخصوص يكون ناشئاً من حبّ الذّات أيضاً؛ لأنَّ المفروض أنَّ رأيه يمثّل رأيه وأنَّه يجده شخصاً أهلاً لذلك، ويضع القوانين أو يصوّت عليها بالشكل الذي يطلبه هذا الناخب ويحبّ أن تكون قوانين دولته عليه. وانتخاب الشخص الأهل على كلّ حال أحسن من انتخاب الشخص غير الأهل، وعمل الأحسن موافق لحبّ الذّات على كلّ حال.
وهذا الشخص المنتخب والذي سيصبح نائباً بعد انتخابه، إنَّما يتصدّى للنيابة بحبّ الذّات أيضاً، وذلك لمبرّرات عديدة:
منها: خدمة مجتمعه وبذلك يخدم نفسه أيضاً.
ومنها: حبّ الشهرة والبروز والمعروفيّة، وذلك أيضاً مطلوب للنفس مرغوب لديها.
ومنها: زيادة راتبه ورفاه معيشته وحصوله بشكلٍ أكثر على مالٍ أوفر، وهذا أيضاً محبوب للنفس مطلوب لها.
والنائب بعد انتخابه إنَّما يتصدّى لمناقشة القوانين والمصادقة عليها أو رفضها، إنَّما يتصدّى لذلك اندفاعاً من حبّ الذّات، فإنَّ في ذلك مصالح عديدة له:
منها: خدمة مجتمعه إن كان يعتقد أنَّ في الموافقة على القانون – أو رفضه مثلاً- خدمة له.
ومنها: التصدّي للكلام وإبداء الرأي بين جماعة كبيرة من أمثاله وأقرانه والتصدّي للمناقشة وإقحام آراء الآخرين والحماس في سبيل ما يتبنّاه من رأيٍ وحشد الأدلّة عليه، وفي ذلك لذّة كبيرة أيضاً ناشئة من حبّ الذّات، كما أعرب عن ذلك مَن جرّبها وعرفها. كما أنَّ الجلوس في البرلمان كممثّل لعددٍ ضخم من الناس، كمئة ألف شخص مثلاً، أو نائباً عن مدينة معيّنة، أو عن حزبٍ معيّن، كلّ ذلك محبوب لدى النفس مطلوب لها أيضاً.
ولا يخفى في هذا الصدد أنَّ الحريّة الانتخابيّة، إنَّما تكون مطلوبة في المدنية الحاضرة لأجل رفض الدين والانصراف عنه؛ وذلك: لأنَّه عند ذلك لا تكون هناك قواعد ونظم وقوانين تُتّبع، إذن فلابدَّ للناس أن ينتخبوا جماعة تضع لهم القوانين وتسنّ لهم التشريعات والتنظيمات.
أمّا إذا كان هناك تعاليم إلهيّة وقوانين سماويّة تطبّق في المجتمع فهي حتماً تكون في صالح أفراده، كما يشعر بذلك كلّ معتقدٍ بالدين أكثر من تلك النظم التي يضعها البشر، ومن ثمَّ يكون المتديّن محبّاً لقوانين دينه أكثر من حبّه لتلك القوانين التي تسنّها الدولة، ولا يكون بحاجة إلى ممارسة حريّته الانتخابيّة لانتخاب أيّ شخص، لأنَّ هذا الانتخاب إنَّما يحتاج إليه في سنّ القوانين ولدى المتديّن من القوانين ما يكفيه في دينه، بالإضافة إلى أنَّه قد يسبّب عليه ضرراً، وهو أنَّ القانون الذي قد يسنّ في البرلمان قد يكون مضادّاً للقانون الديني الذي يعتقد به، وبذلك قد يجبر في يومٍ من الأيّام من قبل السلطة الحاكمة على تنفيذ خلاف ما يقول به دينه، ودينه محبوب لديه، والقيام بمقتضياته محبوب لديه، إذن فالقيام بضدّ هذه المقتضيات من قبل القوانين الأُخرى مرفوض لديه مبغوض عنده.
إذن فانتخاب الشخص الذي يحتمل في حقّه سنّ مثل هذا القانون يكون مبغوضاً لديه مرفوضاً عنده.
ولا يخفى في هذا المجال أيضاً أنَّ هذه الحريّة الانتخابيّة قد تتعرّض للتقييد بأيدي بعض الحكومات، وهي تلك الحكومات التي تكون لديها عادة أيدلوجيّة معيّنة تحبّها بحبّ ذاتها، وهدفاً خاصّاً تريد تطبيقه على المجتمع، ولا تودّ صدور رأي أو نظامٍ أو العمل لأيّ هدفٍ يخالف أيدلوجيّتها. ومن ثمَّ ترى أنَّها إذا حفظت الحريّة الانتخابيّة حفظاً تامّاً واعترفت به كاملاً فسوف ينتخب الشعب حسب ما يسود فيه من آراء وتقاليد، أشخاصاً يمثّلون رأيه وتقاليده. إذن وما دامت الحكومة تريد أن تطبّق أيدلوجيّة وهدفاً آخر على المجتمع، فهي لا تودّ وجود أمثال هؤلاء الناس في البرلمان لكي يتصدّوا لسنّ القوانين على حسب رغباتهم ومصالحهم، ويستطيعوا أن يرفضوا بأكثريّتهم تلك القوانين التي تقدّمها الحكومة.
ومن ثمَّ تتصدّى الحكومة إلى مختلف الوسائل للحدّ من الحريّة الانتخابيّة، وذلك بوسائل عديدة، إمّا بجعل قوانين للانتخابات ذات شروط معيّنة، بحيث تستطيع أن تضمن خلالها مجيء الأكثريّة في صالحها، وإمّا بتزوير الانتخابات وإلقاء أصوات كثيرة في صناديق الاقتراع التي تكون في مصلحتها من دون أن تكون صادرة – هذه الأصوات- من الشعب، وإمّا بحلّ المجلس عندما يعارض سياستها والتصدّي لانتخابٍ جديد، قد تحرز به بعض الفوز، وإمّا بالاستغناء عن البرلمان بالكليّة وإصدار القوانين بمراسيم موقّعة من قبل الحكومة نفسها.
وتستطيع الحكومة بإحدى هذه الطرق، وخاصّة الطريق الأخير إن استطاعت أن تلجأ إليه، أن تكفل لنفسها أكبر مقدارٍ ممكن من الحريّة في تطبيق فكرتها وهدفها على المجتمع، وفي حريّة سنّ القوانين التي تريدها فيه. وبذلك تكون قد توصّلت إلى خدمة الهدف والأيديولوجيّة التي تُؤمن بها والتي تحبّها بحبّ ذاتها.
إلَّا أنَّ كلّ ذلك لا يكون غالباً، إلَّا في الحكومات الإيديولوجية، أمّا تلك الحكومات النوعيّة والتي لا تقوم على أساسٍ معيّن، وإنَّما تسير على ما يبديه الشعب من آراء، وما يسنّه عن طريق نوّابه من القوانين، وتقيم أيديولوجيتها على ذلك، فمثل هذه الحكومات تكون أيديولوجيّتها دائماً موافقة لفكرة الشعب على مصالحه، ووجهة نظره من العدالة، فهي دائماً تستطيع أن تضمن النجاح لهذه الأيديولوجيّة، كما أنَّها دائماً تستطيع أن تسنّ من القوانين ما يرضيها – من خلال هذه الإيديولوجيّة- ويرضي شعبها أيضاً، ويقلّ في هذه الحكومة إلى حدٍّ بعيد، التصادم بينها وبين الشعب. ومن هنا تكون مثل هذه الحكومة مطلوبة للشعب؛ باعتبار أنَّها مستعدّة لتطبيق مصالحه وأفكاره وأهدافه، تلك المصالح والأهداف التي يحبّها بحبّ ذاته.
الحرية من الاستعمار
وما دمنا بصدد التكلّم عن الحريّات السياسيّة، لا بأس بالتعرّض إلى هذا القسم منها، وهو الحريّة من الاستعمار:
لا يخفى أنَّ كلّ مجتمع يطلب الرفاه والسعادة – بمقتضى حبّ ذاته- إذن فهو يطلب من حكومته ضمناً أن توفّر له أكبر مقدار ممكن من الرفاه واليسر والرخاء والحضارة، فتكون الحكومة بذلك مسؤولة عن توفير ذلك له، ويكون توفير ذلك أيضاً موافقاً لحبّها لذاتها؛ لأنَّه:
أوّلاً: خروج من المسؤوليّة، والخروج من المسؤوليّة محبوب لدى النفس.
وثانياً: لأنَّ أفراد الحكومة من الشعب، ومصلحة الشعب مصلحتهم على كلّ حال.
وثالثاً: لأنَّها بذلك تكون محبوبة لدى الشعب، وهذا هدف أيضاً جميل لدى الحكومة.
إذن فهي تتصدّى لجلب أكبر مقدارٍ ممكن من الرفاه والحضارة والسعادة لشعبها، فإذا كان في البلاد ما يكفي لسدّ ذلك وما يكفي للتكامل الذّاتي، بحيث لا يحتاج إلى أيّ دولة أُخرى، فبها ونعمت، وإلَّا – كما هو الغالب في طموح البشر ذلك الطموح الناتج من حبّ الذّات أيضاً- تصدّت الحكومة إلى الأخذ من خيرات الآخرين ونهبها والاستيلاء عليها، ومن ذلك كان الاستعمار.
فالحكومات [تستخدم] القوّة في سبيل توفير سعادة شعبها، تحاول السيطرة على الشعوب الضعيفة، وتستغلّها وتستبزّ أحوالها، وتستغلّ خيرات أرضها وسمائها، وتحتكر كلّ تلك المنافع لنفسها ولشعبها، وتحرم الشعب المظلوم المغبون حقّه- وصاحب الاختصاص الحقيقي بهذه الخيرات- من ذلك: وهي بذلك تجلب للشعب المظلوم ضنكاً وسوءاً وضرراً ممّا يجعل فيه حقداً وغضباً على هذا الاستعمار، وعلى الحكومة المستعمرة وعلى الشعب المستعمر في بعض الأحيان. ويتصدّى للعمل جاهداً للتخلّص منه تدريجاً؛ وذلك للمحافظة على الخيرات المنهوبة والأموال المتسلّلة إلى خارج الحدود، ومن ثمَّ حفظ الرفاه والسعادة في هذا المجتمع المظلوم، والحصول على السعادة موافق لحبّ الذّات.
ومن هنا نشأ حبّ التحرّر والانطلاق من الاستعمار، وكانت هذه الحريّة هدفاً مهمّاً لكثير من المنظّمات والأحزاب والشعوب، وهو من الأهميّة بمكان، بحيث يستحقّ في نظرها إراقة الدماء وبذل الأموال والجهود المضنية الكثيرة في سبيل التخلّص من هذا الاستعمار.
إلَّا أنَّه قد تحصل بعض الفئات التي تحبّ سيطرة بلادٍ أُخرى على بلادها ونهبها لأموالها؛ وذلك لأنَّها تشعر بأنَّ مصلحةً كبرى سوف تنال نفسها، أهمّ – في نظرها- من مصلحة المجتمع الذي تعيش فيه، وبذلك تكون هذه الفئات مبغوضة للشعب ساخطاً عليها، واصماً لها بالعمالة للاستعمار؛ وذلك لأنَّ الاستعمار ما دام مخالفاً لحبّ الذّات، إذن فحبّه أيضاً مخالف لحبّ الذّات. ومن هنا كان التحرّر من الاستعمار شعاراً موسّعاً يميل إليه كثير من الفئات والحكومات، وكانت العمالة إلى الاستعمار وصمة عارٍ يوصم بها كثير من الفئات في سبيل هدمها والإجهاز عليها إذا كانت مخالفة لمَن هو أقوى منها.
ولا يخفى في هذا المقام أنَّ الاستعمار حينما يرى هذا الشعور عامّاً في الشعب، فإنَّه يخفّف من غلوائه ومن احتكاراته واستغلاله وظلمه؛ لأنَّه بدون ذلك سوف تسوء سمعته ويكون عرضة للحرب الباردة أو الحارّة، وبالآخرة سوف تصيبه مفسدة لا توازيها تلك المصالح التي كان يجلبها لبلاده من هذا الاستعمار. وأيضاً لكي يحفظ المصلحة الكبرى لديه، وهي كون البلاد تحت أمره ونهيه ولو بالواسطة، وإن كان مستغنياً في عين الوقت عن الأموال والثمرات التي كانت تجبى إليه؛ وذلك لأنَّ تلك الغاية أهمّ لديه من جلب الأموال، وتقديم الأهمّ أيضاً موافق لحبّ الذّات، إذن فالاستعمار لحبّ ذاته يستغني عن جلب الأموال ويكتفي بالسيطرة المعنويّة على البلاد، كما حدث في الأزمنة المتأخّرة مع شديد الأسف.
ولا يخفى أنَّ حبّ هذه الحريّة أوجب أن تتصدّى جماعات ودول، كالدول الشيوعيّة إلى تبنّيها والدفاع عنها؛ وذلك باعتبار أنَّ محبّ المحبوب والمدافع عنه محبوب أيضاً، فبذلك تكون محبوبة للشعوب المظلومة متقرّبة لها، فهي بذلك تخدم مصلحتها من هذه الناحية، وتشارك من ناحية أُخرى في قهر الاستعمار الذي يعتبر عدوّها؛ لاختلافه في الأيديولوجيّة والمصالح عنها، فهي بدفاعها عن هذه الحريّة تخدم حبّ ذاتها وتشبع هذه الغريزة الأصليّة في نفسها.
وبذلك كانت هذه الدول، كالدول الشيوعيّة على وجه الخصوص، تحصل على الحبّ المتزايد عند عشّاق هذه الحريّة في الشعوب المضطهدة المظلومة، وبذلك تفسح المجال في قلوب هؤلاء وعواطفهم لأيديولوجيّتها، أن تدخل إلى حريم أفكارهم وعقولهم، وأن يحبّوها بحبّ ذاتهم، باعتبار أنَّها الأيديولوجيّة المفضّلة للدولة المحبوبة التي ترعى مصالحهم وترى وجوب خروج الاستعمار من بلادهم.
وبذلك، استطاعت الدول الشيوعيّة أن تُؤسّس أحزاباً عميلة لها في مختلف بقاع العالم، وأن تُؤثّر هذه الأحزاب في قلوب الأفراد البسطاء من الشعوب المظلومة عن هذا الطريق، وهم يسمعون لهم بشوقٍ وشغفٍ بمقتضى حبّ ذاتهم، وهم يجهلون المستقبل المظلم الذي يكمن وراء هذا الإنصات، وهو تبديل الاستعمار القديم بالاستعمار الأحمر الجديد، وتقييدهم بظلمٍ أشدّ وأفضع ممّا سبق؛ وذلك لأنَّ الدول الشيوعيّة دول أيديولوجيّة، والدول الإيديولوجيّة تكون عادةً حريصة على تطبيق فكرتها أكثر من الدول ذات الحريّة العقائديّة، ومن ثمَّ تكون الدول الشيوعيّة متعسّفة مع الشعب أكثر من غيرها؛ توصّلاً إلى تطبيق فكرتها المفضّلة. ومن هنا كان الاستعمار الشيوعي أفضع بكثيرٍ ممّا ذاق الشعوب من ألوان الاستعمار إلى الآن، على فضاعته وشدّة طغيانه، ومن ثمَّ يكون أبغض إلى الذّات، وأبعد عن مصالحها وحبّها لو كانوا يعلمون.
الحرب:
ولا يخفى ونحن في صدد الحديث عن التحرّر من الاستعمار، أنَّ سبب الاستعمار لا ينحصر بما ذكرناه في أوّل البحث من هذه الحريّة، من توقان الشعوب القويّة إلى جلب السعادة والرفاه إلى شعوبها، وإنَّما نستطيع أن نجد له سبباً آخر نابعاً من حبّ الذّات أيضاً، هو ما قلناه في أسباب تكوّن الجماعات من شعور الجماعة بنحن، المعبّر عن حبّها لذاتها، وإخلاصها لهدفها، ومن أنَّ هذا الشعور يلازم شعوراً آخر بالنفرة من الأعداء، وبغضهم، أولئك الأعداء الذين يسعون إلى هدفٍ آخر وبوسائل أُخرى غير الهدف والوسائل التي تتبنّاها هذه الجماعة.
وإذا كانت هذه الجماعات حاكمة لدول معيّنة، فتكون العداوة لا محالة ناشبة بين هذه الدول، ومتمثّلة على الصعيد الدولي، وتكون الحالة بينها مهدّدة من قريبٍ أو بعيدٍ بالحرب، وبهذا نعرف نشوء الحرب من حبّ الذّات أيضاً. وتسعى كلّ دولة عادةً إلى ما يخالف مصالح عدوّها.
فإذا رأت الدولة المعيّنة في نفسها من القوّة والإقدام ما يكفل لها النجاح في حربٍ تخوضها مع عدوّها لتضمن بذلك السيطرة عليه وتحفظ مصالحها المهدّدة في يده، وتتخلّص من الدولة المناوئة لها على كلّ حال. وكلّ هذه الأُمور محبوبه لها بحبّ ذاتها، على شرط أن تحرز أنَّ المكاسب التي سوف تنالها بالحرب فيها ما يعوّض الخسارة التي سوف تسبّبها الحرب لها، بحيث يكون لها من الأهميّة في نظرها بحيث تكون أهلاً لجهود الحرب المضنية وإزهاق النفوس البريئة.
عندئذٍ تتصدّى للحرب، مندفعةً من تفضيل المهمّ من مصالحها على الأهمّ، وهنا لا يخلو إمّا أن تكون الدولة المعتدى عليها من القوّة بحيث تصمد أمام الدولة المحاربة، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن تنتهي الحرب بفوز أحد الطرفين، وإنَّما تنتهي بعقد معاهدة يتنازل فيه كلّ من الطرفين عن بعض مطالبه للآخر، حسب ما يراه من المصلحة لنفسه.
وأمّا إذا كانت تلك الدول ضعيفة وليس لها من القوّة ما يقاوم الدولة المعتدية، فعندئذٍ تندحر أمام القوّة الغاشمة، وتضطرّ إلى الخضوع لها. ومن ثمَّ تكون الدولة المغلوبة داخلة تحت سيطرة الدولة الغالبة، وتكون الدولة المنتصرة حاكمة لها، بمقتضى قانون القوّة، متحكّمة فيها كما تشاء.
ومن هنا نعرف بوضوح: أنَّ سائر الحروب التي نشأت بين البشر، سواء منها التي تمخّضت عن الاستعمار، أو عن أيّ أمرٍ آخر، إنَّما هي ناشئة في النهاية من حبّ الذّات، باعتبار اختلاف البشر في المصالح أو العقائد أو الطموح، تلك الأُمور المحبوبة بحبّ الذّات، ولعلّ من أوضح الحروب التي قامت على أساسٍ عقائدي هي الحروب الصليبيّة، حيث أعلن البابا … أنَّ سكَّان المشرق من المسلمين كفرة أنجاس يجب تخليص البشريّة منهم، وكان بذلك يخدم مصلحته وعقيدته، ويخدم في النهاية حبّ ذاته.
و[لعلّ] من أوضح الحروب المتأخّرة التي قامت على أساسٍ مصلحيٍّ: الحربين العالميّتين الأخيرتين.
وأمّا مثال الحرب التي نشأت عن الطموح، وهو إحدى العواطف التي تنشأ عند البشر بدرجات مختلفة عن حبّها لذاتها، ولكمالها، مثاله: هي ما استعمرته ألمانيا الهتلريّة من حول حدودها؛ عملاً بنظريّة المجال الحيوي، منضمّاً إلى تفضيل الدم الألماني على سائر الدماء، (تلك النظريّتين المنبثقتين عن حبّ الذّات أيضاً).
أمّا حبّ الدم فكما سبق في مبحث نشأة اللغات وتطوّرها. وأمّا المجال الحيوي فإنَّ النازيّة كانت تُؤمن بأنَّ من حقّ الدولة – وطبعاً تقصد بذلك نفسها دون غيرها- إذا كانت لا تجد السعادة الكافية في وطنها، أن تسيطر على ما حولها من البلدان وتجلب خيراتها إلى نفسها حتّى تصل إلى هذه الغاية العظيمة، ثمَّ لا يكون لها حقّ بعد ذلك للسيطرة على أيّ أحد؛ لأنَّ المسألة ليست مسألة طمع وجشع!!؟ وإنَّما هي مسألة جلب الخير للألمانيّين!! وحبّ الخير حتماً نابع من حبّ الذّات.
وبهذه النظريّة التي أسمتها (بالمجال الحيوي) سيطرت ألمانيا بما كانت تملك من قوّة وحماس على ما حول حدودها من بلاد، كسويسرا والنمسا وشيء من بلجيكا، وبعض البلدان التي تدخل الآن وراء الجدار الحديدي وتُعدّ خاضعة للاتّحاد السوفيتي( ).
السلام
وبذلك نعرف، أنَّ حبّ السلام أيضاً ناشئ من حبّ الذّات؛ وذلك لما عرفه البشر وجرّبه مراراً من ويلات الحروب وما تجرّ عليه من خراب ودمار في العمران والنظام والاقتصاد والحياة، والخراب والدمار حتماً مبغوض لدى النفس بمقتضى حبّها لذاتها، فيكون سببه – وهو الحرب- أيضاً مبغوضاً لدى النفس، بالإضافة إلى ما قلناه من أنَّ من مقتضيات حبّ الذّات الأوّليّة هي حبّ الذّات للحصّة الوجوديّة التي تتمتّع بها، وما سوف يأتي من حبّها للحياة ونفرها من الموت، فهي إذن تنفر منها [الحروب] بسبب فقدانها لحياتها، و[لأنَّها] تذيقها كأس المنون.
وعلى رأس هذه الأسباب [المفقدة للحياة]: الحرب، فإنَّ الأفراد عادة يكونون مهدّدين من قريبٍ أو بعيدٍ بذلك، فتكون الحرب منفورة للنفس لذلك.
من هنا كان ضدُّ الحرب – وهو السلام وسيادة الطمأنينة والرفاه- مطلوباً لدى البشر، وخاصّة بما ينتجه السلام من تطوّر ونموّ في الحضارة والاجتماع والاقتصاد والعلم، وما يضمنه من حياة مرفّهة سعيدة [و] من أُمورٍ محبوبة للنفس بحبّ ذاتها.
ومن ثمَّ كانت الدول حرصاً على سعادتها ورفاه شعبها، تتحاشى الدخول في حربٍ مهما أمكن، إلَّا إذا كان الدخول فيها يجلب لها من المصلحة أكثر ممّا تخسر، أو كانت مهاجمة من قبل دولةٍ أُخرى، وردّ المعتدي أمرٌ في صالح المجتمع، وحبّه أيضاً من حبّ الذّات، ولذا كان الدفاع حقّاً، وكان يعبّر عنه بأنَّه مقدّس.
وكانت الدول الإيديولوجيّة، ممّن لا يميلون إلى السلام، إذا لم تستطع نشر أيديولوجيّتها إلَّا بالحرب. نعم، إن هي استطاعت أن تضمن نشره مع حفظ السلام، عملت ذلك، فإنَّه حتماً أوفق بمصلحتها ومصلحة أيديولوجيّتها.
ولأجل [علاقة] حبّ السلام بحبّ الذّات، ووضوح ذلك لدى النفس، كانت بعض الدعوات والمبادئ التي تحاول نشر نفسها بين الناس تنتحل لنفسها السلام شعاراً تنادي به، لكي تكون محبوبة للناس، بحبّ الناس للسلام نفسه؛ باعتبار أنَّ محبّ المحبوب والمدافع عنه محبوب أيضاً، إلَّا أنَّ من سخريّة القدر تجاه هذه المبادئ: أنَّ هذه المبادئ بصفتها الإيديولوجيّة تكون أكثر استعداداً للحرب دفاعاً عن إيديولوجيّتها من الأُناس الآخرين، والدول الأُخرى التي ليس لها إيديولوجيّة معيّنة، فهي في حقيقتها تكون مبادئ حرب لا مبادئ سلام، وهي: إن تُؤكّد على السلام، إنَّما تعني السلام بين مناصري مبدئها والساعين إلى هدفها والمتحمّسين لإيديولوجيّتها لا السلام مع أعدائها ومناوئيها من الدول والأفراد.
والسلام بين الجماعة المعيّنة المتضامنة في السعي نحو هدفٍ معيّن، أمرٌ واضح لا يحتاج إلى الإعلان عنه والتطبيل والتزمير له. أمّا السلام مع الأعداء فهو غير محتملٍ حتّى عند التأكيد عليه، وإطلاق الألفاظ بشكلٍ يوهم به، وإن كان غير مقصود في الواقع.
وإلى هنا ننتهي من شرح الحريّات السياسيّة، أي: تلك الحريّات التي تكون بنفسها موجبة لعملٍ سياسيٍّ بشكلٍ من الأشكال، وندخل الآن في الحريّات غير السياسيّة، أي: تلك الحريّات التي لا تكون بنفسها موجبة لعملٍ سياسيٍّ، وإن كانت قد تكون موجبة للنفع أو التضرّر السياسيّ في بعض الأحيان، إلَّا أنَّ ذلك خارج عن مفهومها، وعن نفس ماهيّتها ومدلولها، فمنها حريّة الفكر وحريّة التنقّل وحريّة الأديان وحريّة التصرّف.
حرية الأديان
ولعلّ الآن أولى الحريّات بالبحث في المقام هي حريّة الأديان؛ فإنَّه من لغو القول التعرّض لرأي الدين المعيّن في حريّة نفسه، ورأي العقيدة المعيّنة في حريّة نفسها، فإنَّ حريّة العقيدة والدّين عند نفس المبدأ، من أوّليّات البديهيّات وأوضح الواضحات؛ وذلك: أنَّ العقيدة لم تضع تعاليم وقوانين ونظم إلَّا لكي تسير بمتّبعيها ومعتنقيها إلى الكمال الذي تريده لهم. إذن فهي تريد ضمناً أن يكونوا متحرّرين من اتّباع أوامرها ونواهيها لكي يصلوا بأسرع وقتٍ ممكن إلى الكمال، فإنَّ عدم حريّتهم لا شكّ تعيقهم في ذلك، وذلك غير مرضيّ للعقيدة والدين نفسه، وغير مرضيّ بالنسبة إلى معتنقيه أو المؤمنين به. فإنَّهم أيضاً يشعرون أنَّ الحريّة تسمح لهم باتّباع أوامر العقيدة ونواهيها والقيام بشعائرها ونظمها، أكثر من صورة التقييد بكثير.
ومن ثمَّ كان أتباع العقيدة المعيّنة أو الدّين المعيّن، يتذمّرون تذمّراً شديداً عند تقييد حريّتهم الدينيّة، وحصرهم في نطاقٍ ضيّقٍ أو القضاء عليهم قضاء نهائيّاً؛ وذلك: لأنَّ عقيدتهم بعد أن أحلّوها جزءاً سامياً من نفسهم؛ فإنَّهم يحبّونها بحبّهم لأنفسهم، وبذلك يكون تقييدها أو القضاء عليها منافياً لحبّ ذاتهم ولمصالحهم الدينيّة والعقائديّة.
إلَّا أنَّ هذه الحريّة الدينيّة والعقائديّة، قد تكون معرّضة لبعض التقييدات أمام القوى المعتنقة لمذاهب أو أديانٍ أُخرى، فإنَّ الحكومات إمّا أن تكون غير ذات مبدأ معيّن وعقيدة [معيّنة] ودين معيّن، أو تكون من القوّة بمكان بحيث لا تهتمّ بالسماح لأيّ شخصٍ أن يعمل ما يشاء، فحينئذٍ تكون – مثل هذه الحكومات في الغالب- مطلِقةً حريّة الأديان بشكلها الواسع الصحيح، فتسمح لكلّ فردٍ متديّن أن يقوم بشعائر دينه وأن يطيع أوامره ونواهيه كما يشاء، إلَّا أنَّها مع ذلك تشترط أن لا تكون إطاعة الدين مخالفة لما تسنّه من قوانين أو ما تراه من المصلحة العامّة.
فإنَّ قوانينها بعد أن كانت صادرة لمصلحة المجتمع باعتقادها، كانت مخالفتها مخالفة لمصلحة المجتمع، ولو كان ذلك بأمر من دينٍ من الأديان.
ومن ثمَّ يضطرّ الفرد المتديّن، إمّا إلى ترك ما يأمره به دينه أو فعل ما ينهاه عنه؛ باعتبار الأمر القانوني الحكومي؛ تفضيلاً للمصلحة الوقتيّة وهو درء العقاب القانوني عن نفسه، على المصلحة الكبرى الدينيّة. وإمّا إن كان مخلصاً أكثر من ذلك؛ فإنَّه حتماً يعمل بأوامر دينه ونواهيه ويحاول جهده إخفاء ذلك على القانون؛ لأجل أن لا يتضرّر، والضرر مخالف لحبّ النفس على ما سبق، وإمّا أنَّه يطيعه وإن كان مخالفاً للقانون ويعلن عن ذلك، وليفعل القانون ما يشاء، وذلك إذا كان ذلك الأمر الديني من الأهميّة بمكان، بحيث يهون معه عقاب القانون في نظر هذا المخلص، أو أنَّ إطاعته تجلب له صيتاً وشهرةً ومنزلةً اجتماعيّة بحيث يهون معها أمر القانون مثلاً.
أمّا إذا كانت الدولة أيديولوجيّة، أي: ذات فكرة معيّنة تتبنّاها في سياستها وتتمشّى معها في تمام خطوطها، فهي ابتداء تحرّم كلّ عقيدة وكلّ دين يخالف معتقدها، ويخالف أيديولوجيّتها، فإذا كانت تلك الأيديولوجيّة مصادمة للدين ابتداءً، فإنَّها تحرّمه تحريماً مطلقاً وتضغط على أصحابه ضغطاً شديداً، وتنكّل بهم تنكيلاً عظيماً، كما حدث في الدول الشيوعيّة.
وإن لم يكن في التعالم الدينيّة خطر مباشر وصريح عليها، فإنَّها تجيزه بالمقدار الذي تسمح به عقيدتها وإيديولوجيّتها، أمّا المقدار الزائد من الأفكار الدقيقة والتعاليم العميقة التي يقول بها الدين ممّا يخالف إيديولوجيّتها، فذلك مرفوض عندها معاقب عليه في قانونها؛ لأنَّه مخالف لإيديولوجيّتها التي تحبّها بحبّ نفسها.
ولعلّ مثل هذه الحكومة تستغلّ بعض الأفكار الدينيّة، بشكلها الغامض غير المشروح، فتشرحه بشكل يوافق مصلحتها ويوافق البرهنة على إيديولوجيّتها، متوصّلة بذلك إلى أنَّ هذا الدين الذي يتبنّاه الشعب مؤيّد لإيديولوجيّتها ولفكرتها، مستغلّة بذلك جهل البسطاء بواقع دينهم وبعدهم عنه في إيحاء هذه الفكرة إلى أذهانهم، وحينئذٍ ربَّما يصدّق البعض منهم هذه الدعايات ويميل بطبعه إلى حبّ تلك الإيديولوجيّة؛ باعتبار أنَّها غير مخالفةٍ لدينه، بل هي موافقة له كما أصبح يسمع، ومادام الدين محبوباً بحبّ الذّات إذن تصبح هذه الإيديولوجيّة ذات مركز قريب من ذلك، وتتدهور الحالة بعد قليل، فتحلّ هذه الإيديولوجيّة محلّ الدين، وينمحي الدين بالتدريج من القلوب.
أمّا إذا كان المجتمع صلباً وقويّاً، ومخلصاً لدينه ولتعاليم عقيدته، فإنَّه حينئذٍ لا يمكن أن يرضى بحالٍ من الأحوال بهذه الدعايات والأعمال، ومن ثمَّ يتصدّى لمحاسبتها حساباً عسيراً متمثّلاً باحتجاجه في البرلمان أو في الصحافة أو بقيامه بالتمرّدات والاضطرابات أو الانقلاب إن أحوج الأمر.
ومثل هذا النشاط الديني بالطبع، وما هو أدنى منه قوّة، يكون غير مسموحٍ به عند تلك الحكومة، وتَعتَبر مثل هذا النشاط الديني والاحتجاج على تحريف المفاهيم الدينيّة أمراً مخلاً بالنظام والقانون، ويستحقّ عليه الفرد العقاب الشديد.
أمّا حريّة العقائد والأديان في الدولة الإسلاميّة:
ولا يخفى أنَّ الدولة الإسلاميّة دولة إيديولوجيّة أيضاً، بمعنى: أنَّها تتبنّى فكرة معيّنة ونظماً خاصّاً ونظرة خاصّة إلى الكون والحياة؛ فهي بذلك تعارض كلّ عقيدة تخالفها وتناقض تعاليمها وأحكامها وقانونها ونظامها، وتشجب كلّ محاولة لتطبيق قانون مخالف لإيديولوجيّتها في المجتمع.
ومن ثمَّ نعرف أنَّ العقيدة السائدة في المجتمع إن كانت عقيدة مخالفة للدّين الإسلامي، فإنَّها تحاربها وتحاول القضاء عليها؛ وذلك لأنَّها تعتقد أنَّ الدّين الحقّ [هو الدين] النازل عن الله عزّ وجلّ على نبيّه الرسول الأعظم’، وبذلك يكون هو العقيدة الفضلى التي هي في صالح المجتمع اعتناقها والسير عليها؛ لأنَّها هي وحدها التي توصله إلى الكمال الأعلى الذي يريده الإسلام له، وليس هناك عقيدة أُخرى يمكن أن تقوم مقام الإسلام في الوسيلة وفي الغاية.
إذن فالإسلام هو الموافق لحبّ الذّات في المجتمع، وغيره من العقائد مخالف لذلك، ومن ثمَّ يجب القضاء على غيره من العقائد المنافية له والمضادّة لتعاليمه.
أمّا إذا كانت العقيدة تتناول جانباً من جوانب الحياة، بشكل لا يتعارض مع الدّين ولا يتعارض مع تعاليم رسول ربّ العالمين، فإنَّ ذلك مجاز في الدولة الإسلاميّة، ولا بأس بالإعلان عنه والتنويه به، وجلب الأنصار إليه والتحرّر من هذه الناحية، تحرّراً كاملاً من خلال ما لا يخلّ بالنظام العامّ ولا ينافي قوانين الدولة الإسلاميّة ولا يزاحمها.
أمّا حريّة الأديان الأُخرى في الدولة الإسلاميّة، فإنَّ الأديان الأُخرى إمّا أن تكون مشركة، أي: غير كتابيّة، فمعتنقها بحسب حكم الإسلام، إمّا أن يقتل وإمّا أن يعتنق الدين الإسلامي، وليس وراءه شيء غير ذلك.
والإسلام بذلك وإن كان يخالف حبّ العقيدة عند هذا الفرد، ذلك الحبّ الناشئ من حبّ ذاته، إلَّا أنَّه في عين الوقت يريد له تمام الخير، حيث يحاول أن يُؤمن به وأن يصل إلى الكمال الذي يريده له، فهو يجلبه بذلك إلى الخير. أمّا إذا لم يُؤمن، فيكون وجوده خلاف مصلحة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلاميّة، وعليه فينبغي التخلّص منه تقديماً لهذه المصلحة على مصلحته الخاصّة.
وأمّا بالنسبة إلى الكتابيّين: اليهود والنصارى والمجوس( )، فهم بين أحد ثلاثة شقوق، إمّا أن يكونوا حربيّين مع الإسلام، فيكون وجودهم مخالفاً لمصلحة الدولة الإسلاميّة، فيُقتلون. وإمّا أن يكونوا مسلمين، فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإمّا أن يكونوا ذمّيين يدخلون في ذمّة الإسلام، وتكون الدولة الإسلاميّة مسؤولة عن المحافظة عليهم وحفظ أمنهم واستقرارهم، ويكون على هؤلاء الذمّيين دفع الجزية إلى الدولة الإسلاميّة، على كلّ رأسٍ دينارٌ واحد مثلاً، أو على كلّ مقدارٍ من الأرض ضريبة معيّنة، وعند ذلك يكونون في حمى الدولة الإسلاميّة، ولا يجوز مسّ أفرادهم بضرر في النفس أو المال أو العرض، وتكون حريّتهم في القيام بشعائر دينهم محدودة طبعاً؛ وذلك لأنَّها -على كلّ حال- تنافي الأيديولوجيّة الإسلاميّة، فعليهم أن يتستّروا حين القيام بهذه الشعائر، وأن لا يبنوا صوامع وبيعاً جديدة، وأن لا يدقّوا ناقوساً، وأن لا يحملوا صليباً جهاراً، وأن لا يشربوا الخمر جهاراً، وبالتلخيص: عليهم أن لا يعلنوا شعائر دينهم في المجتمع إعلاناً.
وهم بعد ذلك في السرّ متحرّرون بالقيام بأيّ وظيفةٍ يفرضها عليهم دينهم.
حرية التفكير :
وطبعاً نقصد – كما قلنا سابقاً- بالحريّة: الحريّة التشريعيّة، وبحريّة التفكير بالخصوص: حريّة التفكير التشريعيّة، بمعنى: سماح السلطات القائمة والقوّة المسيطرة للإنسان بأن يفكّر كما يشاء وأن يجيل ذهنه حيث يريد.
ولا يخفى أنَّ الفكر شيءٌ داخليّ في الإنسان لا يمكن أن يعلم به سوى نفس الفرد، وسوى ربّه العزيز العليم، ومن ثمَّ كانت لدى الفرد حريّة تكوينيّة مطلقة في أن يفكّر كما يشاء، وأن يسطّر البراهين وأن يستنتج النتائج كما يُريد، ومن ثمَّ لا يمكن أن تصل يد القانون إلى مثل هذه الحريّة بشكلٍ من الأشكال، بمعنى: أنَّ الحريّة التشريعيّة أقصر باعاً من أن تزاحم هذه الحريّة التكوينيّة للفكر.
إلَّا أنَّ الدول الإيديولوجيّة – في الغالب- تحرّم التفكير على الأفراد بغير إيديولوجيّتها وبغير ما تدعو إليه من عقيدة ونظام، وتسعى إلى ذلك بمختلف الوسائل، فتحرّم الإعلان عن أيِّ عقيدةٍ أُخرى، في أيّ صحيفةٍ أو مجلّةٍ أو كتابٍ أو خطبةٍ أو أيّ شيءٍ آخر، كالإذاعة والسينما والتلفزيون والأفلام وغير ذلك. كما أنَّها تمارس الدعوة إلى عقيدتها بجميع تلك الوسائل، دعوة موسّعة ممّا يسدّ أمام شعبها وسيلة التفكير بأيّ عقيدةٍ أُخرى سوى ما تدعو إليه وما تبشّر به.
وذلك خير وسيلةٍ لصرف أذهان الناس عن عقائدهم السابقة، وصرفها نحو العقيدة الجديدة المدعوّين إليها.
وذلك نافعٌ في الغالب للجمهور العامّ من الناس، الذين هم في العادة لا يخلصون لعقيدةٍ معيّنة، وإنَّما هم يخلصون لمصالحهم الخاصّة، الغير الناشئة من العقيدة، فإذا وجدوا أنَّ مصالحهم تقضى وتنجز عند اعتقادهم هذه العقيدة الجديدة أو عند تأييدهم لأصحابها، فإنَّهم يطبّلون لها ويزمّرون لأصحابها؛ طبعاً بأنَّ الحكومة المسيطرة تقضي لهم حوائجهم وتنفّذ لهم مآربهم، وتسعى بهم إلى كمالهم الذي يريدونه لأنفسهم.
ومن ذلك يتّضح أنَّ اتّباع مثل هذا الجمهور المصلحي الانتهازي لعقيدة الدولة، وإن كان يزيد عدد مؤيّديها ومعتنقي مبدئها، إلَّا أنَّهم لا يضيفون عليها قوّة معنويّة كبيرة؛ باعتبار أنَّ اتّباعهم لها عن انتهازٍ وطمعٍ في قضاء حوائجهم، أمّا إذا علموا منها خلاف ذلك، أو علموا أنَّ هناك جهة أُخرى يمكن أن تقضيه لهم، فإنَّهم ينحازون إليها، ويبيعون ولاءهم لها. وتأييد مثل هؤلاء لأيّ مبدأ من المبادئ نابع من حبّ المصلحة النابعة من حبّ الذّات.
أمّا إذا كان الفرد مخلصاً لإيمانه ومندفعاً نحو عقيدته ودينه، فإنَّه لن تستطيع هذه الحكومة بما تملك من أجهزة للدعاية ووسائل للإعلام أن تسيطر على إيمانه وأن تزلزل يقينه بعقيدته، بل أنَّ يقينه بذلك يزداد، وأنَّه ليشبع عقيدته تفكيراً وبحثاً وتحقيقاً، على الأقلّ في داخل نفسه حيث لا يعلم ذلك إلَّا الله، ولا يصغي بشكلٍ من الأشكال إلى تلك الدعايات الموسّعة والأبواق الطويلة العريضة، التي تنفخ بها الحكومة.
وذلك: لأنَّه أحَلَّ عقيدته جزءاً سامياً من نفسه وأحبّها بحبّ ذاته، كما سوف يأتي في تأثير حبّ الذّات في الكيان العقائدي للإنسان. وجعلت عقيدته في ذهنه حصانة معيّنة عن دخول أيّ شائبةٍ عليه، كما ربّما مضت الإشارة إليه في تأثير حبّ الذّات في السلوك العقلي للإنسان.
وهنا قد يتصدّى للعمل ولإنقاذ عقائده المهدّدة ومبدئه المنهزم؛ لكي ينتصر في المجتمع ولكي يطبّق في يوم من الأيّام عليه، وهنا قد يتحمّل أنواع العقاب وأنواع المتاعب والعذاب في سبيل ذلك؛ لأنَّ مبدأه وهدفه من الأهميّة – في نظره- بمكانٍ بحيث يكون أهلاً لكلّ ذلك.
وذلك؛ لأنَّ الحكومة الإيديولوجيّة قد تتصدّى لعقاب مَن يعلن أو يعمل لمذهبٍ مخالفٍ لقوانينها ولإيديولوجيّتها، وعليه يكون الفرد في صورةٍ من صور التزاحم بين المقتضيات. فهناك مقتضٍ للدعوة إلى دينه وهناك مقتضٍ للتخلّص من العقاب، فإن لم يكن الفرد على درجةٍ كبيرةٍ من الإخلاص والاندفاع، فإنَّه يفضّل المقتضي الثاني على الأوّل، فيتخلّص من العقاب بالكفّ عن الدعوة إلى دينه. وأمّا إذا كان الفرد بدرجةٍ كبيرةٍ من الإخلاص والاندفاع، فإنَّه يفضّل المقتضي الأوّل على الثاني، ويتحمّل العذاب والعقاب في سبيل الدعوة إلى دينه، كما سبق أن قلنا في صور التزاحم في تأثير حبّ الذّات وفي المقتضيات المؤثّرة في حبّ الذّات.
بعد هذا لم يبقَ لدينا من الحديث حول الحريّة، إلَّا التعرّض لحريّات غير سياسيّةٍ، ومختصرة.
منها: حريّة السكن، ونقصد بها: أن يكون الإنسان حرّاً في أن يختار مكانه في أيّ قطعةٍ من الأرض كانت.
ومنها: حريّة التصرّف، وهو أن يكون الإنسان حرّاً في أن يعمل ما يشاء. ولا يخفى أنَّ حريّة إبداء الرأي وحريّة العمل السياسي، وسائر الحريّات الأُخرى تندرج في حريّة التصرّف، إلَّا أنَّ حريّة التصرّف أعمّ منها أوّلاً، وثانياً: تكون مخصّصة بغير ما سبق من الحريّات، فالمقصود بها إذن التحرّر من حيث التصرّف العادي في الأُمور الحياتيّة والمعاشيّة الاعتياديّة.
ومنها: حريّة التنقل، ونقصد بها: أن يكون الإنسان حرّاً في أن ينتقل من أيّ مكانٍ إلى مكانٍ بأيّ وسيلةٍ شاء.
وأمثال هذه الحريّات مضمونة في الغالب في القانون وفي سائر العقائد والأديان، وإلَّا لأوجبت العسر والحرج لأفراد المجتمع، ولأوجبت ضرراً كبيراً عليهم، ولأوجبت غضبهم وتنفّرهم؛ لأنَّ ذلك مخالف لحبّهم لذاتهم.
ومن ثمَّ تسعى العقائد والقوانين والأديان إلى حفظ أكبر مقدارٍ ممكن من أمثال هذه الحريّات؛ لكي تسمح لأفراد المجتمع أن يسعوا إلى كمالهم بالشكل الذي يريدونه وبالشكل الذي لا يتعارض مع تعاليمها ومقتضيات تشريعاتها.
نعم، هي تحرّم أُموراً معيّنة ومصاديق خاصّة من هذه الحريّات، وذلك: كتحريم القانون التنقُّلَ من وراء الحدود إلَّا بإذنٍ خاصّ، وكتحريم القانون خروجَ شخص محجوز في بلدةٍ معيّنةٍ عن تلك البلدة وإيجابَ السكن فيها عليه، وكنهي التعاليم الأخلاقيّة عن كثيرٍ من التصرّفات التي تكون مخلّة بالشرف أو مضرّة بالآخرين.
وكإيجاب الدين الإسلامي الخروج إلى الحجّ أو إلى الجهاد، وكإيجابه على المعتكف اللبث في المسجد في اليومين الأخيرين من أيّام الاعتكاف، وكتحريمه للمجنب والحائض أن يلبثا في المسجد، وإجازته لهما باجتيازه فقط، من غير المسجدين الإسلاميّين الكبيرين: المسجد الحرام ومسجد النبي’.
وعلى كلّ حالٍ، فإنَّ هذه الحريّات مضمونة في الغالب، إلَّا أنَّها تكون مورداً لبعض التقييد القليل – نسبيّاً- ممّا يخالف المصالح الكبرى التي تستهدفها المبادئ والأديان والقوانين.
ولا يخفى في المقام أنَّ حريّة التصرّف، من هذه الحريّات بالخصوص، تكون عرضة للتقييد أكثر من غيرها؛ باعتبار ما تحرّمه الأديان والقوانين والعقائد، وما توجبه على الإنسان إيجاباً تشريعيّاً، ومعنى ذلك: أنَّها تلزمه ببعض الأعمال وتمنعه عن بعضٍ آخر منها، وذلك مخالفٌ لحريّة التصرّف، إلَّا أنَّها تجيز لنفسها ذلك؛ لأنَّها تستهدف بذلك رقيّ الإنسان إلى كماله.
ومن ثمَّ كان القانون، والعقيدة التي تضع القيود بالشكل الملائم على هذه الحريّة بأحسن ترتيبٍ ممكنٍ يضمن أسرع وأكبر كمال للإنسان، يكون ذلك القانون أو العقيدة أحسن وأكمل، ويكون اتّباعه في مصلحة الفرد وموافقاً لحبّ ذاته أكثر وأكثر.
وذلك ليس إلَّا الدين الإسلامي الحنيف، فإنَّ قانونه البشريّ العامّ، المنزل من السماء خيرٌ من جميع ما على الأرض من عقائد وقوانين، وأسرعها وأضمنها وصولاً إلى الكمال.
ولا يخفى أنَّ إجازة الأديان والقوانين لمثل هذه الحريّات محبوبٌ لدى النفس؛ لأنَّه – كما قلنا سابقاً- إنَّ كلّ فردٍ يودّ أن يسعى إلى كماله بالشكل الذي يراه، ومن ثمَّ قد يرى أنَّ من مصلحته أن يسكن في مكانٍ معيّنٍ أو أن ينتقل من مكانٍ إلى آخر، أو أن يتصرّف بشكلٍ خاصّ، فإذا أجازه القانون أو التعليم الديني، فإنَّ ذلك يكون موافقاً لحبّ ذاته ولمصلحته. أمّا إذا لم يجز فإنَّه حتماً يكون مخالفاً لحبّ ذاته، بالشكل الأوّلي، وإن كان موافقاً لحبّ ذاته أيضاً، من حيث كونه إطاعة للقانون أو إطاعة للدين، ومن حيث كونه وصولاً إلى المصالح الكبرى التي بُني الدّين أو القانون عليها.
ومن ثمَّ فهو يحصل لديه تعارضٌ بين مقتضى القانون والمقتضى الأوّليّ الذي يريد به تنفيذ تلك المصلحة، فإن كان مخلصاً لتلك التعاليم، فإنَّه يترك مصلحته في سبيل إطاعتها، وإلَّا فهو ينفّذ مآربه ويعصي تلك التعاليم، إلَّا إذا كان عليها [أي: على عصيانها] عقاب شديد، ويحتمل الوقوع فيه، فإنَّه عندئذٍ يحصل عنده تعارضٌ آخر بين ترك مصلحته وبين العقاب، ويوازن بين الضررين، فإذا وجد أنَّ ضرر عقاب القانون أو عقاب الدّين أكثر، فإنَّه يترك مصلحته في سبيل عدم الوقوع في العقاب، وذلك كما سبق أن شرحناه في تأثير المقتضيات التشريعيّة والتكوينيّة في حبّ الذّات، أو تأثير حبّ الذّات فيها. أمّا إذا وجد بأنَّ مصلحته أهمّ من العقاب، أو لم يكن يعتقد بوجود العقاب الديني مثلاً، فحينئذٍ يكون له شأن آخر.
حبّ الذات وحبّ الحياة
لا شكّ أنَّ كلاً منّا يحبّ الحياة، ويودّ البقاء على وجه هذه الأرض أكبر مقدارٍ ممكن، وحبّ الحياة من لوازم حبّ الذّات الرئيسيّة، حيث يعتقد الفرد أنَّه لن يستطيع الوصول إلى كماله والحصول على سعادته إلَّا بإعطائه فرصةً كافية للسعي نحوه والتوصّل إليه في ظلال هذه الحياة التي يعيشها.
وهو أيضاً – كما سبق أن ذكرنا في أوّل بحثنا حول حبّ الذّات- حريصٌ على الحصّة الوجوديّة التي اختصّ بها عن سائر الكائنات، حريصٌ عليها حرصاً شديداً يعضّ عليها بناجذيه عضّاً محكماً، ويحاول حمايتها ما وسعته الطاقة والقدرة، وعليه فهو يتمنّى بقاءها في الحياة؛ لأنَّ الحياة هي النور الوحيد الذي يراه بين يديه. والنور والحياة حتماً أفضل من الظلمات ومن التلاشي والموت، فكانت الحياة أفضل لهذه الحصّة الوجوديّة من الموت.
والموت إذ يتصوّره الإنسان، يتصوّره شيئاً مرعباً ثقيلاً جافياً، أو أنَّه عدم للذّات، عدماً مطلقاً، فهو يطرده طرداً لا شعوريّاً عن شعوره وينفِرُ منه لحبّ ذاته. وهذا أمرٌ طبيعي.
وهو أمرٌ واضح، فيمَن لا يُؤمن بما وراء الحياة، ويُؤمن بأنَّ الموت هو التلاشي المطلق للذّات والاضمحلال، فهو بالطبع يفضّل وجود ذاته على عدمها، أمّا الذي يُؤمن بذلك، فهو إمّا أن يُؤمن أنَّه من الفائزين الخالدين في الدار الآخرة، أو من الهالكين، أو أن يشكّ في ذلك، فإن كان هو الأوّل، إذن فهو يستهين بالموت في سبيل الوصول إلى الخلود ويستهين بهذه الحياة في سبيل ذلك، ويجد في الموت وسيلةً وطريقاً وعراً للوصول إلى الخلود، والخلود – وهو تلك الغاية القصوى للإنسان- أهل لأن يركب من أجله هذه الوسيلة الوعرة، إذن فهو يحبّ الموت في بعض الحدود، وإن كان يبغضه بسبب وعورته، وبهذا نستطيع أن نفسّر قول سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين× عندما ضربه اللعين ابن ملجم: >فزتُ وربّ الكعبة<( ).
وأمّا إن كان متيقّناً الهلاك في الدار الآخرة، فهو بالطبع – واندفاعاً من حبّ ذاته- يودّ البقاء في هذه الحياة أكبر مقدار ممكن لكي يبطئ عند العذاب ويتأخّر أكبر مقدارٍ ممكن، ويرى في الموت تلك الواسطة التي توصله إلى ذلك العذاب، فهو ينفر منه نفوراً عظيماً، ويتألّم منه ألماً شديداً، ويودّ {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}( ).
وأمّا إذا كان شاكّاً في ذلك، فهو يكره الموت أيضاً لحبّه لذاته؛ باعتبار صعوبته في نفسه حتماً، وباعتبار ما يحتمل أن يراه من ضررٍ ومكروهٍ وراءه. وحبّ الذّات كما يستدعي النفرة من الضرر القطعي، يستدعي النفرة من الضرر المحتمل أيضاً، بمعنى: أنَّ الإنسان إذا دار أمره بين قطعه بالنجاة واحتماله للضرر، اختار قطعاً الأمر الأوّل، وعليه فهو ينفر من الموت لاحتمال ما سوف يراه بعده، ويحبّ الحياة لأنَّها منجاة له من ذلك.
إلَّا أنَّنا نرى في بعض الأحيان أنَّ الشخص قد يميل إلى ترك حياته وهو (الموت) بعبارة صريحة؛ وذلك لاعتباراتٍ شتّى.
منها: حالة ذلك المؤمن بربّه، المعتقد بدينه، المتوجّه إليه بكثيرٍ من الحسنات والأفعال الخيّرة الطيّبة، وهو في عين الوقت قد لاقى في عيشه العادي الدنيوي ضنكاً وصعوبة وتقشّفاً، وهو على يقين واضح بأنَّه إذا ذهب إلى ربّه فهو سوف يلاقي في الآخرة نعيماً خالداً وعزّاً غير قابل للزوال، وجنّة عرضها السموات والأرض.
ومن ثمَّ نجد من الطبيعيّ أن يتمنّى الذهاب إلى ذلك المكان، وأن يزول عنه مثل هذا الألم الذي لا زال يساوره طول حياته، وأن يتبدّل ألمهُ بالخلود السرمديّ، ومن ثمَّ كان الانتقال من هذا الألم إلى ذلك النعيم الخالد موافقاً لحبّ ذاته.
ونستطيع أن نهتدي بهذا الصدد بقوله تعالى: {فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}( ) بمعنى: أنَّكم لو كنتم صادقين في إيمانكم لكنتم تحرزون الفوز في الآخرة، ولكنتم تتمنّون الوصول إلى ذلك الفوز والخلود اندفاعاً من حبّ ذاتكم، ولكنّكم حيث تشكّون في إيمانكم ومن ثمَّ في فوزكم في آخرتكم، فإنَّكم لهذا لا تتمنّون الموت، وإنَّما تتمنّون الحياة. ولذا أضاف الله عزّ وجلّ في قرآنه قائلاً: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}( ).
ومن حالات تمنّي الموت والسعي نحوه اختياراً: هو محاولة الانتحار؛ وذلك أنَّ الفرد قد يعيش عيشة ضنكاً ومُؤلمة له إلى أكبر حدٍّ، ويعتبرها عيشة لا تطاق، بحيث يعتبر أنَّ العدم خير منها، وأنَّ التخلّص من نور الحياة الموجود بين يديه [خير] من الاستمرار فيه؛ لما يجرّه الاستمرار فيه من الشقاء والبؤس والألم عليه، ولذلك فهو ينتحر، وهو يطفي بفمه تلك الجذوة الوقّادة من نور الحياة، لأجل التخلّص من آلام طويلة وعريضة ألـمّت به أثناء وجوده فوق هذه الأرض. ويكون هذا الانتحار موافقاً لحبّ ذاته؛ لأنَّه انتقالٌ من ألم إلى راحة على كلّ حال.
وخاصّة إذا كان هذا الفرد لا يُؤمن بالآخر، وأنَّه سوف يعاقب على مثل هذا الانتحار، لذا نجد أنَّ المتديّنين لا يحاولون الانتحار مهما زاد ضنكهم ومهما شقيت بهم حياتهم؛ لأنَّهم يرون أنَّ هذا الألم زائل على كلّ حال، وأنَّه مهما طال فسوف يختمه الموت في يومٍ من الأيام، أمّا العذاب الذي يأتي من قتل النفس – وهو الانتحار- فهو أزليّ سرمديّ لا يمكن أن يزول. فهم إذا انتحروا يجرّون على أنفسهم ألماً طويلاً خالداً، لقاء التخلّص من ألم قصيرٍ زائل، وهذا حتماً يكون مخالفاً لحبّ الذّات.
فالانتحار لدى المتدّينين مخالفٌ لحبّ الذّات، ولذلك لا يقع بينهم، إلَّا عند المتهاونين منهم بالدين.
ونجد ظاهرة أيضاً عند المنتحرين، وذلك أنَّهم ينتحرون بشكلٍ فظيع، وتتقزّز منه النفوس، وذلك على قسمين: إمّا أن يسبّب هذا الشكل القضاء السريع على نفوسهم، بحيث لا يبقون في حالة احتضار إلَّا مدّة يسيرة جدّاً من الزمن، يدخلون بعدها في عالم الموت، ومن الواضح أنَّ هذه الطريقة أقرب لحبّ الذّات؛ لأنَّ الأمر إذا دار بين موت صعب وطويل شاقّ، وبين موت سريع خاطف، كان الموت السريع الخاطف أقرب إلى النفس وأحبّ إليها من ذلك الموت الطويل الشاقّ.
وفي صورة أُخرى يحاول المنتحر أن يذيق نفسه ألوان العذاب قبل أن ينتحر، وذلك قد يكون تنفيساً عمّا ألمّ به من عواطف قاسية وإحساسات متناهية، من الضغط والكراهيّة، أو أنَّه ينفّس عن نفسه شعوراً بالإثم أو تأنيباً للضمير، أو غيظاً مكبوتاً مثلاً، أو حبّاً مكبوتاً لم يستطع نيله، وغير ذلك من العواطف المتطرّفة التي لم تجد لنفسها تنفيساً وإشباعاً طبيعيّاً، فتتّجه إلى مثل هذا التنفيس والإشباع الهدّام.
فيكون هذا التنفيس قبل الموت إلى حدٍّ مّا في مصلحته على ما يتصوّر، فيكون موافقاً لحبّ ذاته.
ومن جملة أنواع الموت الاختياري: ذلك الموت الذي يكون في سبيل العقيدة، فإنَّ العقيدة بعد أن تحتلّ جزءاً مهمّاً من الإنسان، وبعد أن يحبّها بحبّ ذاته، ويخلص لها إخلاصاً عظيماً، ويتحمّس لأجلها، ويصبح مطيعاً لأوامرها ونواهيها، محبّاً لأهلها، مبغضاً لأعدائها، عندئذٍ يكون مستعدّاً للدفاع عنها، وبذل النفس والنفيس في سبيلها، معتقداً أنَّ المصلحة التي سوف تناله من فوز عقيدته، أكبر من المصلحة التي سوف تناله من الحياة نفسها.
وهذا واضحٌ جدّاً، في الأديان التي تعد بالثواب الأُخروي، فإنَّ الشهيد الدينيّ لا يعتبر نفسه قد دخل في عالم العدم، وإنّما ينتقل بهذه الطريقة الشريفة في الجهاد الدينيّ من العالم الأدنى إلى العالم الخالد الأفضل؛ وذلك قوله تعالى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}( )، ومن ثمَّ تكون الشهادة موافقة لحبّ ذاته، على اعتبار أنَّها سبيل إلى الخلود الموعود، وما هذه الآية إلَّا حثٌّ للمؤمنين على الشهادة، على اعتبار إقناعهم بعدم زوالهم عند الموت، بل سموّهم ورقيّهم أكثر فأكثر؛ لكي يكون الموت في هذا السبيل موافقاً لمصلحتهم ولحبّ ذاتهم. وطبعاً هي ليست لمجرّد مثل هذا الوعظ وإنَّما هي تعرب عن أمرٍ واقعيّ، هي حياة الشهداء بعد الموت، وهذا الأمر الواقعيّ هو الذي يتوق إليه الشهيد بعد شهادته، فإعرابها عن هذا الأمر الواقعيّ هو الذي جعل لها دافعاً للمؤمن إلى بذل نفسه.
أمّا مَن لا يُؤمن بذلك، فيكون تفضيله للموت على الحياة في سبيل عقيدته لا يخلو من صعوبة.
ولعلّنا نستطيع أن نقول: إنَّ العقيدة بعد أن بلغت في نفسه مبلغاً عظيماً، وبعد أن تحمّس لها حماساً شديداً، رأى أنَّ حبّ ذاته يقتضي نصرتها، ونصرتها فحسب، وليس وراء هذا الهدف أيّ هدفٍ أهمّ أو أحسن في نظره، ومن ثمَّ فهو يندفع إلى نصرتها وإلى تحقيق هدفها مهما كان الثمن. ولو كان ثمن ذلك حياته نفسها، مبرّراً ذلك بأنَّه على الأقلّ عندما يموت يتصوّر أنَّه شهيد من شهداء عقيدته، وأنَّ عقيدته بعد أن يُزرع طريقها بالشهداء سوف تصل إلى ساحة النصر، وسوف تكلّل جهودها بالنجاح ويتحقّق هدفها الذي تسعى إليه، وذلك غير ما يتمنّاه، ولو كان حادثاً بعد موته على كلّ حال.
إلَّا أنَّه ربّما يقال: بأنَّ حبّ العقيدة إذا كان ناشئاً من حبّ الذّات، فكيف يمكن أن يكون أقوى منه؟ والمفهوم من حال هؤلاء الشهداء أنَّهم يفضّلون نصرة عقيدتهم على وجودهم في الحياة، مع أنَّهم يرون الموت عدماً مطلقاً ولا يؤمنون بالدار الآخرة.
والمؤمنون تزاحم عقيدتهم حبّ الحياة، أمّا غيرهم فيزاحمها حبّ وجود الذّات نفسها.
ويمكن أن يبرّر ذلك بناءً على نظريّتنا بعدّة مبرّرات:
أوّلاً: أنَّ هؤلاء المناصرين للعقيدة يحدث بينهم حماس واندفاع، ويتكوّن بينهم لا شعور جمعيّ يدفعهم إلى الدفاع عن عقيدتهم غافلين – وهم في تلك الموجة العارمة من الحماس والاندفاع- عمّا قد يترتّب عليه من الأُمور والأضرار، وما قد يصيبه من قتل وموت.
ثانياً: أنَّهم حين يندفعون نحو ثورتهم أو هدفهم المعيّن لا يجزمون ولا يقطعون بالموت، وإنّما يحتملونه، مع أنَّهم لا يقدمون على حركةٍ حماسيّة ثوريّة مثل ذلك، إلَّا إذا كانوا يظنّون ظنّاً عقلائيّاً بالفوز. إذن فيقع التزاحم في أنفسهم بين ظنٍّ قليلٍ بالموت؛ باعتبار كثرتهم وقوّتهم، وبين ظنٍّ كثيرٍ بالفوز، وحينئذٍ يقدّمون الظنّ الأقوى على الظنّ الأضعف. فإنَّ المظنون الأضعف وإن كان أصيلاً وأهمّ – على الفرض- من المظنون الأقوى، إلَّا أنَّ المظنون الأقوى من الأهميّة في نظرهم بحيث يمكن أن يسيطر على الظنّ الأضعف ويلاشيه من أذهانهم.
ثالثاً: أن يُقال: إنَّ الغرائز وبعض الاندفاعات الحماسيّة البالغة، تطلب الإشباع لنفسها من دون أن [يكون] هناك عقل ورويّة من قبلها، فهي تطلب الإشباع من صاحبها إلى أكبر حدٍّ ممكن، ويكون صاحبها مضطرّاً إلى الانصياع إلى مقتضياتها بمقتضى حبّ ذاته، تخلصّاً من الألم الذي يوجده جوعها في نفسه. وطبعاً فإنَّ هذه الغرائز والاندفاعات تطلب من صاحبها الإشباع حتّى لو استلزم ذلك فناء نفسه؛ لأنَّ الغرائز لا عقل لها ولا تفكير، فحينئذٍ يحصل في نفس الفرد تزاحم بين تحمّل الألم الكبير الناتج عن عدم الإشباع وبين الألم الناتج عن انعدام الذّات، وبالطبع فإنَّ الإنسان في الأعمّ الأغلب من الأحوال يفضّل البقاء على ألم الجوع – في مقابل الإشباع- على ألم الفناء.
إلَّا أنَّه في بعض الأحيان، وخاصّة إذا دار أمره بين الموت جوعاً وبين الموت في طريق الإشباع، فإنَّه يتصدّى للإشباع ولو كان في ذلك حياته؛ لأنَّه متيقّن للموت، إمّا في كلا الحالين، فيكون الموت في طريق الإشباع أفضل على كلّ حال، فيكون أوفق بحبّ ذاته، أو أنَّه يتيقّن الموت عند الجوع ولا يجزم بالموت عند طلب الإشباع، إذن فهو يفضّل الموت المظنون على الموت المتيقّن لا محالة.
إلَّا أنَّ الغرائز والاندفاعات، وإن لم تكن موجبة للموت في نفسها، إلَّا أنَّها تسيطر على ذهن الفرد وتدفعه في هياجٍ شديدٍ إلى إشباعها، ويرى نفسه في النتيجة – من حيث كان غافلاً- على فراش الموت، وهذا هو الوجه الأوّل الذي ذكرناه.
إلَّا أنَّنا نريد أن نزيد في المقام فنقول: إنَّ الغرائز والاندفاعات الشعوريّة واللاشعوريّة القويّة، وإن كانت منعكسة من حبّ الذّات، ولا تستطيع العمل إلَّا من خلاله عادةً، إلَّا أنَّها قد تكون من القوّة والاندفاع، بحيث يتخيّل الفرد أنَّها أصبحت أقوى من ذاته وأنَّها أصبحت أحبّ إليه منها، فتشكّل في النهايّة حبّاً مستقلاً عن حبّ الذّات في نفسه، حبّاً أهمّ في نظره منها وأقوى تأثيراً واندفاعاً. فهو يندفع نحو الهدف المعيّن، فإن استطاع أن يشبع غريزته واندفاعه وأن يحظى على حياته، كليهما، فقد أشبع كلا الحبّين، وأوفاهما حقّهما، وأمّا إن لم يستطع ذلك ودار الأمر بين الإشباع والحياة، فهو يفضّل الإشباع على الحياة.
وبذلك تستطيع أن تفسّر كثيراً من أحوال الاندفاع الاختياري نحو الموت، كالدفاع عن العقيدة أو المال أو العرض والمجتمع، أو في سبيل تحصيل لقمة العيش الضروريّة، أو الشعور بعشقٍ شديدٍ أو بإثمٍ متزايد.
وهذه الفكرة وإن كانت تغضّ من التأثير الكلّي لحبّ الذّات في أفعال الإنسان؛ لأنَّ هذا الموت حينئذٍ يكون مخالفاً لحبّ ذاته، وموافقاً لغريزةٍ أُخرى، ومع ذلك فإنَّ الشخص فضّل إطاعة الدافع الآخر على دافع حبّ الذّات. إلَّا أنَّنا أشرنا في سياق هذا الكلام، أنَّ الدافع الآخر إنَّما نشأ وتفاقم عن طريق حبّ الذّات، ثمَّ حاول أن يعمّ عليه ويسيطر، وأن يأخذ لنفسه محلّاً منفرداً في ذهن هذا الرجل المسكين( ). إذن فالقتل في سبيل هذا الدافع الآخر قتل في سبيل الذّات، وإن لم يكن قتلاً في سبيل حبّها بشكل مباشر.
وعلى كلّ حال، فإنَّنا في بحثنا هذا إنَّما نريد أن نرى مدى تأثير حبّ الذّات في الإنسان، وفي عواطفه وأفكاره الداخليّة، وأفعاله الخارجيّة، وأن ندّعي ضمناً أنَّه مؤثّرٌ في جميع أفعاله، فليس من الصعب أن نستثني بعض الحالات على أساس أنَّها مخالفة للقاعدة العامّة بملاكٍ يخصّها، وهذا كما لا يخفى موافق للموضوعيّة في البحث، وبعيدٌ عن التعسّف على حمل أيّ فعلٍ من أفعال الإنسان على حبّ الذّات مهما كان.
ومن هنا نعرف، أنَّ ما يُقال: إنَّ في الذّات غريزة حبّ الموت وحبّ الفناء، وأنَّ الإنسان بأفعاله الاختياريّة يهدم حياته ويساعد على فنائها بالتدريج، وأنَّ كلّ يوم يمضي منها، وكل فعلٍ يقوم به، هو معْوَل هدم فيها باختيار الإنسان.
هذه النظريّة ليست من الحقّ في شيء، فإنَّها إمّا أن تقصد بذلك الهدم، هدماً تكوينيّاً لا يستطيع الإنسان ردعه، فهذا أمرٌ خارج عن حدود اختصاص حبّ الذّات، ومن ثمَّ يكون خارجاً عن نظريّتنا؛ لأنَّ غاية ما ندّعيه هو تأثير حبّ الذّات في الأفعال الاختياريّة للإنسان، لا مطلق الأفعال وإن كانت علّيّة تكوينيّة.
وإمّا إذا كانت هذه النظريّة ترى أنَّ حبّ الممات أمرٌ غريزيّ كحبّ الذّات مثلاً، أو كأيّ غريزةٍ أُخرى، وأنَّ أفعال الإنسان الاختياريّة دافعها الرئيس هو حبّ الموت وحبّ القضاء على الذّات، فهذا أمرٌ اعتباطيّ جزافيّ ليس وراءه محصّل، وهو مجرّدُ فرض لم يتمّ عليه دليل، إن لم يقم الدليل على خلافه، وهو بداهة وجود حبّ الذّات في النفس، وحبّ الذّات مقتضٍ لحبّ الحياة بكلّ وضوح، ومقتضٍ لحبّ المحافظة على هذه الجذوة المنوّرة من الحياة التي تعيشها هذه الحصّة الوجوديّة التي يختصّ بها دون باقي الكون. فكيف يمكن أن يحبّ الموت لنفسه، وليس الموت إلَّا تلاشياً واضمحلالاً على كلّ حال، وليس إلَّا تردّياً من السيّئ إلى الأسوأ، على العموم.
نعم، إذا كانت هناك مصلحتان في نظر الفرد، فضّل المصلحة العظمى أو الأحسن، والمصلحة الأحسن قد تكون هي الموت في نظره، أو أنَّ هناك أَلمَان يدور أمر الإنسان بينهما تخيّر الألم الأخفّ، والألم الأخفّ قد يكون هو الموت في نظره. ومن هنا كان اختيار الإنسان للموت بالانتحار موافقاً لحبّ ذاته.
العصمة وحبّ الذات
لعلّ من المشكلات التي نصطدم بها ونحن في صراط بحثنا عن حبّ الذّات: هو وجود هذه الغريزة الذّاتيّة في النفوس المعصومة -وجوباً- عليها الصلاة والسلام، فيثور السؤال عمّا إذا كانت هذه النفوس تحتوي كباقي البشر على هذه الغريزة الذّاتيّة، أو أنَّها لا تحتوي عليها، بل هي أعظم من ذلك وأجلّ، وحبّ الذّات إنَّما هو من شأن أُولئك الذين لا عصمة واجبة لهم؟
ويمكن الاستدلال على كلّ حال لوجود حبّ الذّات في الأنفس المعصومة ^، بهذا الطريق أو بعرض هذه الفكرة، وهي:
إنَّ المعصومين^ بشر وليسوا خارجين عن هذا النوع (الإنسان)، كما يؤكّد عليه القرآن بالنسبة إلى رسول الله’، مثلاً كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}( )، والنبي’ طبعاً على رأس واجبي العصمة، غاية الأمر أنَّهم النموذج المثالي الأعلى في الكمال البشري، إذن فكلّ ما يوجد عادةً في نوع البشر من عواطف وأحاسيس وغرائز ذاتيّة، كلّه موجود فيهم، فإنَّ عدم وجوده فيهم يقتضي أنَّهم ليسوا من هذا الجنس العامّ من البشر، وإنَّما هم متفوّقون بصفاتٍ ذاتيّة أُخرى، وهذا خلف المفروض.
وليس وجود حبّ الذّات عندهم شيئاً ينقص من قدرهم أو يغضّ من عصمتهم، حاشا وكلّا، بل إنّ حبّ الذّات هو الذي يساعد الإنسان عادةً على تمشية أُمور حياته، وهو الذي يجعل في نفسه حبّ الكمال والرقيّ من الكامل إلى الأكمل. ولا يعني حبّ الذّات بشكلٍ من الأشكال الأنانيّة أو النزوع إلى عدم مساعدة الغير مثلاً، أو الحبّ المتزايد للنفس، فإنَّ تلك انطباعات سيّئة ومنحرفة تطبعها النفوس المنحرفة على حبّ الذّات، فينتج حبّ الذّات مثل هذه الثمرات المنحرفة.
أمّا إذا كانت النفس قويّة، وكان العقل مدركاً ومتّصلاً بالحقائق الواقعيّة الأزليّة، فمثل تلك النفس ترى من حبّ ذاتها أن تتّفق مع تلك الحقائق وأن تجري على مقتضياتها، بل إنَّ مجرّد معرفة تلك الحقائق يكفي في جعل الدافع النفسي لدى الإنسان بمقتضى حبّ ذاته أن يندفع نحوها وأن يسير على مقتضاها، وأن يسير على هداها؛ لأنَّها في مصلحته وموافقة لحبّ ذاته لا محالة.
إذن فما دام الأئمّة المعصومون^ ملهمين ومهديّين من قبل الله عزّ وجلّ، إذن فهم بحبّ ذاتهم -على الفرض- يتابعون هدى الله تعالى، ويمشون على مقتضيات تشريعاته وتكويناته.
وتتجلّى العصمةُ فيهم عن هذا الطريق، وهو أنَّهم يعرفون ما هو الخير لأنفسهم بشكلٍ واضح محدّد أكثر من كلّ البشر، فيتبعونه بحبّ ذاتهم، وأمّا سائر البشر فهم يدركون الخير مشوّشاً وغير واصل إلى الحقيقة (مائة بالمائة)، على اختلافٍ في مراتب القرب والبعد بينهم، وبذلك يكون الأئمّة^ النموذج المثالي للبشر، وتكون أفعالهم وأقوالهم وسائر تشريعاتهم وأعمالهم صادرة عن إطاعة أوامر الله ونواهيه، وتوجيهاته وإلهامه إليهم، وتكون في عين الوقت صادرة عن حبّهم لذاتهم؛ باعتبار أنَّه الحافز الرئيسي لهم – على الفرض- باتّباع أوامر الله ونواهيه.
ولا يمكن أن يكون حبّ الذّات لديهم – وهم في هذه المرتبة من العظمة والسموّ والاتّصال بالحقائق الأزليّة الواقعيّة الثابتة- مقتضياً بأن يفضّلوا أيّ شيءٍ من الأشياء الدنيويّة على أوامر الله وعلى القرب والاتّصال به. فإنَّهم^ يدركون بوضوحٍ تامٍّ: أنَّ ذلك [القرب] خير لهم، وأنَّه موجب لكمالهم ووفق مصلحتهم، وليس ثمّة شيء آخر على الإطلاق أفضل من ذلك، ومن ثمَّ [فَهُم] يحبّونه بحبّهم لذاتهم.
وبهذا نستطيع أن نفسّر معنى العصمة على هذا المسلك، فإنَّ العصمة الواجبة ترجع إلى أمر تكويني مخلوقٍ في نفوسهم، إلَّا أنَّه غير مقتضٍ للجبر – على المذهب الصحيح- فإذا فسّرناها على مسلكنا: بأنَّ الشيء الذي اختصّ به الأئمّة^ عن باقي البشر هو أنَّهم ملهمون وأنَّهم مهديّون، وأنَّهم مكشوفة لهم الحقائق الواقعيّة، ومن البديهيّ الطبيعيّ – وفقاً لحبّ الذّات- أنَّ كلّ مَن ينكشف له ذلك، فإنَّه يكيّف أفعاله على وفقه، ولا يمكن بحال أن ينحرف عنها؛ لأنَّ لحبّ الذّات تأثيراً تكوينيّاً قويّاً على الإرادة، كما سبق أن شرحناه في بحثٍ سابق.
وعليه فكلّ إنسانٍ ملهم مكشوف له الحقائق، لا محالة لا يختار إلَّا ما يقتضيه هذا العلم الذي لديه، فيكون واجب العصمة، وحيث انحصر هذا العلم بالأربعة عشر معصوماً^ انحصر وجوب العصمة فيهم أيضاً.
وبهذا المسلك نستطيع بكلّ وضوحٍ أن نعرف وجهات الأعمال والأقوال التي قالها الأئمّة وعملوها في مختلف أدوار حياتهم؛ فإنَّها كلّها صادرة عن النبع الإلهيّ الفيّاض، غير مشوبة بشيءٍ على الإطلاق، فإنَّ حبّ الذّات ليس شائبة، ولا يعتبر عيباً ولا نقصاً، وإنَّما هو مؤيّد لطاعة الأوامر الإلهيّة والنواهي والتوجيهات والإلهامات.
وحتّى إقدامهم^ على الأضرار الدنيويّة بأنفسهم كالزهد وتحمّل المشاقّ والحبوس واختيار الشهادة، ليس إلَّا إقداماً إلى الخلود في ذات الله تعالى، وعلى الرقيّ في الدرجات العليا التي وعدها لهم^، حيث لا يرون في هذه الدنيا إلَّا مقدار عفطة عنز، ويرون أنَّ الخلود الحقيقي هو في تلك الجذوة السرمديّة الاشتعال. فلذلك يهفون إليها بذاتهم ولحبّ ذاتهم، ويتحمّلون الأضرار البالغة في سبيلها، ويتحمّلون القتل والشهادة من أجلها.
وفي المقام يمكن أن نستأنس بهذا الحديث، وهو ما ورد من: >أنَّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر<( )؛ باعتبار أنَّ المؤمن في الدنيا معذّب مظلوم وفي الآخرة منعّم مكرّم. إذن فمن حبّ ذاته أن يهفو إلى الآخرة وإلى الثواب العظيم، وأن ينفر من هذه الدنيا الفانية.
والكافر حيث إنَّه يكون في الآخرة معذّباً عذاباً شديداً، فهو في هذه الدنيا، بحساب المنعّمين والمكرّمين. إذن فمن حبّ ذاته أن يهفو إلى الدنيا وأن يميل إليها، وأن يكره الموت كرهاً شديداً، ومن هنا قال الله تعالى: {…فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ … * … يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}( ).
هذا ما ينبغي أن يقال على وفق نظريّتنا.
إلَّا أنَّه يمكن القول بأنَّ السلوك الاختياري للإنسان إنَّما يكون ناشئاً عن حبّ الذّات في غير المعصومين^، أمّا المعصومون، فهم وإن كانوا من البشر سواء بسواء، إلَّا أنَّهم معصومون واجبو العصمة. ومعنى كونهم معصومين: أنَّ الله تعالى لم يخلق فيهم حبّاً لذاتهم على الإطلاق، وإنَّما خلق عوضاً عن ذلك حبّ الله تعالى، وحبّ التوجّه إليه وإطاعة أوامره، وفي ذلك ما يكفي كفاية تامّة عن حبّ الذّات، في خلق السلوك وتوجيه الأفعال نحو أفضل ما يمكن أن تكون عليه، فجميع أقوالهم وأعمالهم وتصرّفاتهم، نابعة عن حبّ الله تعالى.
فهم يحافظون على أبدانهم من الأضرار الطبيعيّة والآلام الجسديّة عادة؛ لأنَّ أبدانهم أمانة لديهم وهم مكلّفون بالمحافظة عليها. وهم يبلّغون الأحكام وينشرون دين الله تعالى؛ لأنَّه دين الله؛ ولأنَّ الله كلّفهم بنشره وهداية الناس نحوه، وهم أيضاً يضحّون بأنفسهم في سبيل الله تعالى، إطاعة لأوامر الله تعالى، ولأنَّهم لا يشعرون لأنفسهم قيمة، في سوى حبّ الله تعالى؛ لأنَّهم لا يحبّون ذواتهم على الفرض، إلَّا بالمقدار الذي يريد الله تعالى أن يحبّوها فيه، فإذا أراد لهم الشهادة والانتقال من هذه الدنيا الفانية إلى الأُخرى الباقية، وإلى دار خلوده ورضوانه، إذن فهم يهفون إلى ذلك ويريدونه بإرادة الله تعالى له، وهم يقدمون اختياراً على القتل والشهادة في سبيل ذلك.
فهذان مسلكان في تفسير العصمة عند الأئمّة^، وكلّ منهما يمكن أن يقوم بتفسير أيّ فعلٍ من أفعالهم وأيّ قولٍ من أقوالهم^. وطبعاً فإنَّ المسلك الأوّل هو المسلك الموافق لنظريّتنا، وهو الموافق لكونهم بشراً، ولكونهم يحتوون على نفس الغرائز والخصوصيّات التي يحتوي عليها عادةً النوع البشري، لأنَّهم ليسوا خارجين عنهم وفوق مستواه على كلّ حال، وإن كانوا الفرد الأكمل الأمثل منه.
إلَّا أنَّ هذين المسلكين إنَّما يصحّان بالنسبة إلى العصمة الواجبة، ولا يمكن صحّتهما بالنسبة إلى العصمة الاختياريّة، وهي تلك الملكة التي تنشأ في النفس من كثرة ممارسة الأفعال الحسنة، ومن بعد النظر توجب لها – أي: النفس- عدم الوقوع في الهفوات والذنوب.
فإنَّ مثل هذه الملكة لابدَّ أن تكون ناشئة في النهاية من حبّ الذّات؛ وذلك: باعتبار أنَّها تكون عادةً ناشئة من ممارسة الأفعال الحسنة، وترك القبائح مدّة من الزمن بحيث يسهل على صاحبها الاستمرار على هذه العادة، وتوطين النفس عليها، فتحصل له مثل هذه الملكة والتي يمكن أن تسمّى بالعصمة الاختياريّة، وهذه الأفعال التي نشأت منها هذه الملكة، وذلك الإعراض عن الذنوب الذي نشأت عنه هذه الملكة، كلّه ناشئ عن حبّ الذّات؛ وذلك: أنَّ التقيّد بالأوامر الدينيّة، وإن كان مخالفاً للحريّة الأوّليّة الموافقة لحبّ الذّات – على ما سبق أن قرّرنا في محلّه- إلَّا أنَّ المؤمن بعد أن كان يعتقد أنَّ الخير الذي سوف يناله بطاعة الأوامر الدينيّة أضعاف ما سوف يناله بتلك الحريّة السائبة، فهو إذاً يفضّل الأوامر الدينيّة على تلك الحريّة؛ لكي ينال الأهداف العظمى التي يريدها له الدين، ومن ثمَّ يطيع أوامره ونواهيه ويقوم بسائر مقتضياته. وإذا استمرّ على ذلك فإنَّه تحصل له مثل هذه الملكة، ملكة العصمة الاختياريّة، إذن فهذه الملكة نابعة بالآخرة من حبّ الذّات.
ولا يمكن أن تطبّق على هذه العصمة الاختياريّة -المسلك الثاني- وهو أن تكون أفعال الفرد ناشئة عن حبّ الله تعالى محضاً لا عن حبّ الذّات؛ وذلك: أنَّها إذا كانت ناشئة عن ذلك فإنَّها توجب العصمة لصاحبها، لا أن تكون العصمة اختياريّة حينئذٍ؛ باعتبار أنَّ كلّ فعل إذا كان صادراً عن حبّ الله تعالى، فإنَّه يكون مبرّأً عن الخطأ وعن الزلل، ويكون قائماً بالواجبات وسائر ما ينبغي له، ويكون مرضيّاً لديه، وبذلك يكون الإنسان معصوماً ابتداءً، وواجب العصمة، باعتبار أنَّ حبّ الله – الذي أخذناه في الذّات- أمرٌ ذاتيّ لها، فيكون مقتضاه – وهو الارتداع عمّا لا ينبغي، والقيام بما ينبغي- ذاتيّاً له أيضاً، فيكون واجب العصمة، وهذا مخالفٌ لما فرضناه من العصمة الاختياريّة.
العقيدة وحبّ الذات
لا شكّ أنَّ في نفس كلّ فردٍ من البشر توقاناً تلقائيّاً نابعاً من حبّ ذاته إلى الاعتقاد بعقيدةٍ معيّنةٍ وتبنّيها، والسير على وفق دستورها ومقتضياتها؛ وذلك: أنَّ كلّ فردٍ من البشر يعرف بوجدانه الصحيح أنَّ هناك حقيقة معيّنة واحدة، وأنَّ هذه الحقيقة مجهولة، وأنَّه لا يمكن التوصّل إليها، إلَّا عن طريق البحث والتنقيب والتفكير، وأنَّ العلوم والفنون والعقائد بدقّتها وعمقها وتوسّعها، إنَّما تحاول أن تشير إليها.
ومن جملة ميادين الحياة التي تحتوي على حقيقةٍ مجهولةٍ من الحقائق: هو ما ينبغي أن يكون عليه النظام الأكمل للبشر، بجميع أشكاله، السياسيّ والاجتماعيّ والأخلاقيّ والاقتصاديّ وغير ذلك من ميادين الحياة.
وبالطبع فإنَّ العقيدة المعيّنة تتناول جميع ذلك بالبحث والتنقيب، وكلّما كانت العقيدة أقرب إلى الحقيقة وأدقّ وأبعد عن الشطط والباطل، كانت أحسن وأولى بالاعتناق.
أمّا ميزان الحقّ والباطل الذي يقيس به الفرد صدق العقيدة وكذبها، فذلك ميدان آخر ليس هذا محلّه.
وإنَّما المقصود أنَّ كلّ فردٍ يؤمن أنَّ هناك عقيدة واحدة يمكن أن تعبّر عن الحقيقة المجهولة، ويمكن أن تقول كلمتها فيها، وأن تشير إليها بإصبع ثابتة. ويعرف كلّ إنسان أنَّ العقائد عادة تكون متدرّجة في الوصول إليها وفي تشخيصها، وفي السعي نحوها. فإذن، فالفرد إمّا أن يعتقد أن ليس ثمّة عقيدة قد وافقت الحقيقة مائة في المائة، إذن فهو يبحث عن أقرب تلك العقائد إلى الحقيقة وأحواها لنسبة الصدق فيها. فإذا وجد مثل ذلك، فيكون اعتناقها بالنسبة إليه أمراً محبّباً إليه بحبّ ذاته.
وأمّا أن يجد الفرد أنَّ عقيدة معيّنة من العقائد قد بلغت الحقيقة وأصابت كبدها، فذلك هو المطلب وغاية المرجوّ والمأمول، فيعتنقها ويكون اعتناقه لها موافقاً لحبّ ذاته.
ولا يمكن – على كلّ حال- أن يبقى الإنسان بدون عقيدة؛ وذلك أنَّ البشر يحتاجون إلى التنظيم والتقنين، ولا يمكن أن يبقوا على الحالة الطبيعيّة التي لا تطاق، فعندئذٍ لابدَّ من التفكير بنظامٍ بشريٍّ معيّنٍ يسود المجتمع، فما هو ذلك النظام؟ وهنا تأتي العقائد فتجيب بأجوبةٍ مختلفة. وعلى كلّ حال، كان الاعتقاد بإحدى تلك العقائد خيراً من عدم الاعتقاد بشيء، وكان الاعتقاد بأقربها إلى الحقيقة أو بالعقيدة التي أصابت الحقيقة نفسها، أحسن من غيرها حتماً، وأقرب إلى حبّ الذّات.
إلَّا أنَّ لزوم الاعتقاد بعقيدةٍ معيّنةٍ يحتاج إلى درجةٍ معيّنة من الوعي والثقافة، ولا يتأتى من كلّ أحد. لذا ترى عامّة الجماهير في الغالب لا تعي عقيدة أو نظاماً معيّناً، وإنَّما هي سائرة وراء تلك القوّة التي تحقّق لها مصالحها، مهما كان اتّجاه تلك القوّة، وما ذلك إلَّا انطلاقاً من حب مصلحتها، وحبّ ذاتها، ومن هنا قيل: الناس بدين ملوكهم.
ومن هنا نرى أنَّ كلّ عقيدةٍ عندما تدعو إلى نفسها وتنشر رأيها بين الناس، تحشّد أكبر مقدارٍ ممكن من الأدلّة والبراهين والأساليب الخطابيّة والجدليّة لإثبات أنَّها موافقة للحقيقة، وأنَّها هي نفسها تلك العقيدة الوحيدة التي تكون موافقة للحقيقة ومصيبة لها وينبغي للإنسان أن يعتنقها، وأنَّ سائر العقائد والمذاهب والآراء كلّها مخالفة للحقيقة من قريب أو بعيد، وتذكر أيضاً لذلك – أي: لبطلان المذاهب المخالفة لها- قائمة طويلة من الأدلّة ومن الأساليب الخطابيّة الدعائيّة.
ومن هنا ينتشر في العالم كثير من الدعايات المتضاربة والآراء المتنافية المتباينة التي ينقض بعضها بعضاً، ويستدلّ بعضها على فساد بعض، ويعمل بعضها ضدّ بعض، وليس على الفرد عندئذٍ إلَّا أن ينظر وأن يفكّر وأن يوازن بين هذه النظريّات؛ لكي يستخرج ما يهديه إليه نور عقله من مطابقة إحدى هذه العقائد للحقيقة أو قربها منها على الأقلّ.
والفرد على كلّ حال، يكون مضطرّاً لمثل هذا التفكير، وذلك أنَّه بعد أن علم أنَّه ينبغي له أن يعتقد شيئاً، ولا ينبغي له أن يبقى بدون عقيدة، إذن فهو ينبغي عليه أن يعتقد إحدى هذه العقائد القائمة مثلاً، أو أن يعتقد شيئاً آخر، إلَّا إذا لزم الشذوذ في العقيدة، فإنَّه أيضاً مخالف لحبّ الذّات، فيكون حينئذٍ حبّ الذّات مانعاً عن التفكير في وضع عقيدة جديدة، إلَّا عند إحراز النصّ.
والاعتقاد بعقيدة معيّنة بدون نظر ولا رويّة، أمر لا ينبغي أن يصدر منه؛ لأنَّه يحتمل – على كلّ حال- أن تكون هذه العقيدة بعيدة عن الحقيقة وغير مطابقة لها، ومن ثمَّ يكون اعتناقها والدفاع عنها مخالفاً للحقيقة ومن ثمَّ مخالفاً لحبّ الذّات. إذن -وتحاشياً من هذا الخطأ- كانت البرهنة على العقائد وتمحيصها والموازنة بينها أمراً موافقاً لحبّ الذّات، وكان ينبغي للإنسان أن يقوم به على كلّ حال.
فإذا توصّل في النهاية إلى أمرٍ معيّنٍ وعقيدةٍ معيّنةٍ، قائمة أو جديدة مثلاً، وزعم لنفسه أنَّها هي العقيدة المطابقة للواقع وللحقيقة، اعتنقها ومشى على مقتضاها وحاول التبشير بها.
والتبشير ومحاولة العمل لتطبيق الفكرة أمرٌ جوهريّ في العقيدة؛ إذ إنَّ معنى كونها عقيدة ومبدأ هو أنَّها قد جاءت لمجتمعها أو للمجتمع البشريّ بنظامٍ معيّن تودّ تطبيقه فيه؛ لكي يسعد ويكمل ويسود فيه العدل والرفاه حسب نظرها، إذن فلا معنى للعقيدة بدون تطبيق أو محاولة تطبيق على كلّ حال، أو صلاحيّة تطبيق على الأقلّ، ومن ثمَّ كان الموافق لحبّ العقيدة لذاتها – إذا صحّ هذا التعبير- والموافق لحبّ الذّات عند معتنقيها أن ينشروها وأن يبشّروا بها ويحاولوا إقناع الناس بها وتطبيقها.
والعقائد بالطبع تأخذ مثل هذا التفكير بنظر الاعتبار، وتفترض سلفاً أنَّ كلّ إنسانٍ سوف يفكّر باعتناقها قبل اعتناقها، وسيفكّر بصحّتها وخطئها قبل تبنّيها، إذن فينبغي لها أن تبدو للبشر – للعقول البشريّة- كأحسن ما تكون، من حيث أدلّتها الواقعيّة ومن حيث أساليبها الخطابيّة ومن حيث تشريعاتها القانونيّة والاقتصاديّة وغير ذلك.
فكانت العقائد تحاول تقريب أدلّتها للفطرة والوجدان، وتحاول تقريب تشريعاتها إلى العدالة، وتبعيدها عن الظلم مهما أمكن، وذلك لكي يكون الشخص المتصدّي للتفكير بها، بأنَّ اعتناقه لهذه العقيدة في صالحه ومقرّب له للحقيقة، وبذلك يكون موافقاً لحبّ ذاته.
درجة الإيمان بالعقيدة:
والعقيدة بعد أن توجد، إمّا نابعة من ذهن شخصٍ على هذه الأرض، أو نازلة كدين من السماء، فإنَّ الناس يبدأون بالنظر فيها، وبالبحث حولها، ومن ثمَّ ينقسمون إلى أقسامٍ كثيرةٍ، باعتبار اختلاف أفكارهم وعقولهم، وباعتبار اختلاف مصالحهم وأغراضهم ومشتهياتهم وتصوّراتهم للكمال.
فمنهم مَن نجده معتنقاً إيّاها، متحمّساً لها، عاملاً في سبيلها، ومنهم مَن نجده معادياً لها، مراغماً لأهلها، ساعياً إلى هدمها وتقويضها، ومنهم مَن نجده مشكّكاً لا أدريّاً بالنسبة إليها، ومنهم مَن تراه معرضاً عنها، لا يهتمّ بوجودها ولا بعدمها، وذلك كلّه انعكاس من حبّ الذّات في أنفس هؤلاء؛ باعتبار اختلاف أجوائهم ودرجة تفكيرهم وما يرونه من مصالحهم.
وعلى كلّ حال، فإنَّ العقيدة عندما تنشأ، تحتاج إلى الأعوان والأنصار لنشرها ولتبليغها والدعوة إليها، لذا يجتمع إليها أولئك الذين اقتضى حبّ ذاتهم الإيمان بها؛ باعتبار أنَّهم وجدوها مطابقة للحقيقة مثلاً، أو اقتضى حبّ ذاتهم التملّق إليها والتقرّب لها؛ باعتبار أنَّهم وجدوا أنَّ مصلحتهم الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة وغير ذلك من مصالحهم يقتضي ذلك.
ومن هنا كانت الجماعة المؤيّدة للعقيدة المعيّنة تنقسم إلى عدّة أقسام، لا إلى قسمٍ واحد مؤمن بها مخلص لها، وإنَّما تنقسم إلى سلّم طويل من المؤيّدين والمنافقين والمشكّكين، كما أن أعداءها يختلفون بالنسبة إليها من حيث اختلافهم في فهمها وفي أسلوب ومقدار مناقضتها لمصالحهم، واختلاف وجهات نظرهم في نقدها وفي تفنيدها، فمثلاً: أنَّ اليهوديّة باطلة في نظر النصارى مثلاً، بدليل آخر غير بطلانها – مثلاً- في نظر المسلمين، وهكذا.
الموضوعية والعقيدة:
والفرد إذا آمن بالعقيدة، واعتبر أنَّها هي العقيدة المطابقة للواقع وللحقيقة، وأنَّها هي تلك العقيدة الوحيدة التي ينبغي عليه الاعتقاد بها، عندئذٍ ينزلها منزلة عظمية من نفسه، ويحبّها حبّاً عظيماً بحبّ ذاته، ويكون مستعدّاً لبذل المال والجهد والوقت في سبيلها، والدفاع عنها دفاعاً مستميتاً. بل لعلّ الإخلاص الشديد لها – ربّما- يحلّها محلاً عظيماً من النفس، بحيث يحاول حبّها التغلّب على حبّ الذّات نفسه، فيكون الإنسان حينئذٍ مستعدّاً لإفناء ذاته في سبيل عقيدته – كما سبق أن ذكرنا في فصل حبّ الذّات وحبّ الحياة- ويكون مثل هذا الإنسان دائراً في تفكيره وتصوّراته واعتقاداته، ضمن ما تقتضيه العقيدة من توجيهات وما فيها من أوامر ونواهٍ وتعاليم، فهو يفهم الكون والحياة على أساسها، ويفهم المذاهب الأُخرى، ويفهم العلوم ويفهم المجتمع والاقتصاد والأخلاق والسياسة، وغير ذلك من نواحي الحياة على ضوء نظريّات هذه العقيدة، ومن ثمَّ يكون ذهنه مصطبغاً بعدم الموضوعيّة بشكل من الأشكال.
إلَّا أنَّه على كلّ حال، على فرض أن تكون هذه العقيدة التي اعتقدها واقعيّة ومطابقة للحقيقة في نفس الأمر والواقع فرضاً، فإنَّ سيطرتها على ذهنه، تكون مرضيّة وصحيحة وعدلاً؛ باعتبار مطابقتها للواقع وباعتبارها حقّاً، وسيطرة الحقّ على ذهن الإنسان أمر لا بأس به ولا ريب يعتريه.
المؤمن والمشكك:
ويتصدّى المؤمن بالعقيدة المعيّنة إلى تجنيد قواه وملكاته وخبراته في سبيلها وفي سبيل الدعوة إليها، ونصرتها، فإن كان أديباً استخدم أدبه كلسان للدعوة الجديدة، وإن كان شاعراً استخدم شعره في ذلك، وإن كان رسّاماً أو فنّاناً استخدم فنّه في ذلك، وإن كان عالماً أو خبيراً اجتماعيّاً أو خبيراً اقتصاديّاً – مثلاً- استخدم خبرته في علوم الحياة، في سبيل خدمة دعوته.
وهذا أمرٌ طبيعيّ كنتيجة للإيمان العميق بأيّ عقيدة من العقائد، حيث يرى الإنسان أن حرفته ينبغي أن تكون مكرّسة تماماً لأجل خدمة معتقده؛ وذلك: لأنَّ عقيدته بعد أن أحبّها بحبّ ذاته تكون خدمتها والسهر عليها محبوبة له بحبّ ذاته، وقد يرى الفرد أنَّه من الخيانة لعقيدته المفضّلة، أو من التهاون في سبيلها، أنَّها تكون محتاجة إلى بعض العون، وهو يملك فنّاً أو خبرة ولا يستخدم فنّه وخبرته في سبيل نصرتها، فيكون هذا الاستخدام محبوباً للذّات، كاستخدام هذه الخبرات في صالح الذّات نفسها.
ولعلّنا نستطيع أن نرى في كثيرٍ من الأحيان أنَّ الاندفاع العقائدي بأيّ فنٍّ من الفنون والالتزام به خلال عقيدة معيّنة يجعله ثوريّاً نشطاً فعلاً، وبالآخرة يكون مؤثّراً في أذهان قارئيه أو سامعيه أو مشاهديه أكثر من ذلك الفنّ السائب غير الموجّه، ومن ثمَّ كانت الدعوة إلى خلق الأدب الإسلامي الملتزم موافقة لحبّ الذّات لدى المسلمين.
إذن فحال المؤمن وهو مطمئنّ بعقيدته، راكن إليها، فرح بها، محبّ لها، بحبّ ذاته، حالة تبعث على الارتياح وعلى الغبطة له؛ وذلك: لأنَّ اليقين مريح للقلب، والاطمئنان بمبدأ معيّن والركون إليه مريح للضمير والعقل، أمّا ذلك المشكّك الحائر الذي لا يعلم أين يتّجه ولا إلى أين يصير ولا كيف يفكّر، فذلك نكد في حياته العقليّة، بل وفي حياته الاجتماعيّة، لا يعرف كيف يفكّر ولا كيف يدخل ولا من أين يخرج، فينعكس هذا القلق الذهني العقليّ على تصرّفاته وعلى أفعاله، فتكون تصرّفاته قلقة واهية لا مغزى لها، فهو لا يعلم مَن يحترم ومَن يحتقر ومع مَن يتعاون ومع مَن يرفض التعاون مثلاً؛ وذلك: لأنَّه مشكك في العقائد، غير متّجه إلى عقيدةٍ معيّنة، فهو يكون نكداً في حياته [باعثاً] على الرثاء والاشمئزاز.
ويكون موقف مثل هذا المشكّك خطراً، حيث يحتمل أن تلتهم عقله وتفكيره أيّ عقيدة صادفته في طريقه وسيطرت على أعصابه، مهما كانت تلك العقيدة من البعد عن الحقيقة أو القرب إليها.
ومثل هذا المشكّك عندئذٍ يرتفع تشكيكه ويصبح مندفعاً في تأييد هذه العقيدة أكثر من دعاتها الرئيسيّين.
ومثل هذه الحالة بالنسبة إلى هذا المشكّك خطرة؛ لاحتمال وقوعه بين آونةٍ وأُخرى في عقيدة بعيدة عن الحقيقة. إذن فينبغي له أن يفكّر في موقفه، وأن يدبّر حياته العقليّة برشدٍ وإناةٍ قبل أن يعتنق أيّ عقيدة كانت، ثمَّ إن هو رأى إحدى العقائد صالحة لاعتناقه وأهل لأن تأخذ عليه تفكيره وحياته وأعماله، اعتنقها ودعا إليها، وقال بمقتضيات تشريعاتها، ويكون كلّ من ذلك التفكير وهذا الاعتناق في مصلحته وموافقاً لحبّ ذاته أكثر من ذلك التشكيك الهدّام.
إلَّا أنَّ هذا المشكّك بعد أن يعيش فترة من الزمن بين أحضان دعوة معيّنة، فإنَّه حتماً سوف يسمع كلامها وينصت إلى أدلّتها وتتسطّر في ذهنه براهينها، وعندئذٍ يبدأ شيئاً فشيئاً الاعتقاد بها والميل إليها، وخاصّة إذا كانت هذه العقيدة، عقيدة تتبنّاها قوّة من القوى كالحكومة مثلاً، أو حزب مسيطر مثلاً، بحيث يمنع صوت أيّ دعوة أُخرى أن تزاحمه وأن تجيب عليه، ففي مثل ذلك يكون السامعون لهذه الدعوة مقتنعين بها غالباً، وغير عارفين بنقاط الضعف فيها؛ لأنَّهم لا يجدون الجواب عليها من أيّ جهةٍ أُخرى، وليس هناك إلَّا المفكّر الناقد البصير مَن يتصدّى إلى النظر فيها والتفكير في صوابها وخطئها، ولن يستطيع أن يُعلن عن رأيه أيضاً.
إلَّا أنَّه في البلد الذي تتزاحم الدعوات ويكثر فيه الكلام وتتعدّد وجهات الجدل والخصام، وتجيب كلّ عقيدة على مدّعيات العقيدة الأُخرى، وعلى إشكالاتها واعتراضاتها، عندئذٍ يكثر الشكّاكون ويكثر أولئك الذين يغرقون في التفكير ولا يجدون منفذاً ينفذون منه إلى الحقيقة.
عندئذٍ تتعقّد الحياة وتقلق ويبقى الناس حائرين، كأنَّ على رؤوسهم الطير. ومن ثمَّ كان في مصلحة المجتمع وموافقاً لحبّ ذاته، أن تسوده عقيدة معيّنة وأن يسوده نظام واحد، يركن إليه الجميع ويعتقدون به؛ لكي تطمئنّ الحياة ولكي يصفو المجتمع، ولكي يمشي على نظامٍ وقانونٍ معيّن، وعلى هوى عقيدة معيّنة، لكي يسيروا متضامنين خلالها إلى كمالهم المنشود، الذي يهفون إليه ويحبّونه بحبّهم لذاتهم.
التحزب العقائدي:
ويشعر المؤمنون بحاجة الدعوة الجديدة إلى الانتشار وإلى الذيوع، ويشعرون بحاجة الناس إلى اعتناقها وإلى تبنّيها؛ باعتبار أنَّهم يرون أنَّها موافقة للحقيقة، وهم ضمناً يودّون حصول الناس على الحقيقة، ويودّون لهم اعتقاد العقيدة الموافقة لها؛ لأنَّ الناس -على كلّ حال- من أبناء جنسهم، وحبّ أبناء الجنس من مقتضيات حبّ الذّات.
وأيضاً، فإنَّ إيمان الناس بعقيدتهم قوّة لهم، وتأييد لعقيدتهم، ونصرة لها فمن ثمَّ يكون إيمان الناس بعقيدتهم موافقاً لحبّ ذاتهم.
ومن ثمَّ يجتمع هؤلاء المؤمنون ويفكّرون ويخطّطون ويتوصّلون إلى نتائج معيّنة نابعة من توجيهات نفس العقيدة، بما تمليه من أفكار، وبما توجّهه إليهم من تعاليم وإرشادات، فمثلاً: إنَّ بعض العقائد كالإسلام مثلاً، لا يحبّذ استخدام محرّماته في طريق نشره والدعوة إليه، على حين تجيز المذاهب الميكيافيليّة ذلك.
ولعلّ العقيدة نفسها لا تنسى هذا الجانب الجوهريّ المهمّ في حياتها، فهي بنفسها تضع الخطط والوسائل لنشرها وإذاعتها وتبليغها، بالشكل الذي ينسجم مع أفكارها ويقوم مع سنخ أدلّتها وبراهينها.
وبذلك يعمل العاملون في سبيل هذه العقيدة من المؤمنين المخلصين، ويبذلون في ذلك الجهود الجبّارة المضنية، ويواجهون كثيراً من الصعوبات والمتاعب من قبل المرجفين ومن قبل المصلحيين، ومن قبل الأعداء، ومن قبل الخارجين على عقائدهم، والمتمرّدين عليها إذا اقتضت مصالح بعض الناس أن يقوموا بذلك مثلاً، وهكذا.
ومن ثمَّ تكوّن جماعة الدعوة الجديدة، جماعةً أو حزباً اجتماعيّاً معيّناً، يدعى باسمٍ خاصٍّ مثلاً، ويتمثّل في أذهان الناس بصورة معيّنة وله أفكار ومبادئ وأهداف خاصّة، يتبنّاها أفراده ويسعون إليها بوسائله المعيّنة، ويتقمّص – على كلّ حال- شخصيّة معيّنة في مقابل الشخصيّات الحزبيّة والتكتّلات الاجتماعيّة الأُخرى، حيث يكون لها أهداف ومبادئ أُخرى، ومن ثمَّ يكونون أعداء لها مناوئين لسلطتها ولنشرها وذيوعها.
وبذلك يقع التنافر بين الجماعتين أو الجماعات التي تكون من هذا القبيل، ويجري فيهم نفس ما قلناه في أسلوب تكوّن الجماعات فلا نعيد.
درجة تأييد العقيدة من قبل الناس:
ولا يخفى أنَّ الجماعة عندما تبذل القوى والجهود من أجل البقاء، وإذ تواجه مشكلات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة كثيرة، فإنَّ أفرادها يكونون بين أحد شقّين، فإمّا أن يفضّلوا تحمل الألم الناتج من مناصرة الدعوة الجديدة، على الألم الناتج عن الإعراض عنها وتثبيطها، وإمّا أن يفضّلوا الإعراض عنها وتثبيطها على الألم الناتج من مشكلات تأييدها.
وبذلك يتفرّق الناس في الإخلاص على درجات طويلة، كلّ ينظر حسب مصلحته في المجتمع، وبالنسبة إلى الدعوة الجديدة، وبالنسبة إلى الآراء الأُخرى، وبالنسبة إلى مصالحه الخاصّة.
وإنَّ خير الخير بالنسبة إلى الدعوة هو ذلك الشخص الذي تراه يفضّل جميع أُمور الدعوة، بما فيها خصوصيّات، وبما فيها من مشاكل وعقد، على جميع ما في المجتمع من أُمور الحياة ومن رفاهٍ ومن سعادة.
فذلك الشخص وأمثاله يكونون النصراء الأُول لكلّ دعوة – عادةً- يحبّونها بحبّ ذاتهم، ويفضّلونها على جميع مقتضيات حياتهم.
إلَّا أنَّ الأعمّ الأغلب من الجمهور هم الذين يرون اتّباع المنتصر من الدعوات والموافق لمصلحتهم ولحبّ ذاتهم، فلذا نجدهم يقفون على التلّ متفرّجين ما دامت هناك خلافات وصراع على البقاء، فإذا انتصرت دعوة ما من الدعوات، أيّاً كانت، وأحرزوا أنَّها تستطيع أن تقوم بمصالحهم وأن تنفّذ طلباتهم، عندئذٍ ناصروها وأحبّوها وأخلصوا إليها، وهذه هي عادة الجماهير في كلّ مكان.
ويكونون مستعدّين، إذا هي خدمتهم خدمة صادقة أن يبذلوا في سبيلها الشيء الكثير من المتاعب والأموال، وهم بذلك إنَّما يبذلونها لمصالحهم، في الحقيقة والواقع، باعتبار أنَّ تلك الدعوة التي يبذلون لها المال والجهد إنَّما هي في مصلحتهم حسب ما يتصوّرون.
وتتخيّل الدعوة عندئذٍ أنَّ هذه الجماهير الموسّعة، كلّها مناصرة لها ومؤيّدة لتخطيطاتها وأفكارها؛ باعتبار أنَّها تراهم مخلصين لها متفانين في سبيلها، وهم ليسوا إلَّا مخلصين لمصالحهم ولأهوائهم الخاصّة.
أمّا أولئك المناصرون لدعوة أُخرى ولفكرة مباينة، فأولئك هم الأعداء وهم المتصلّبون أمام أيّة دعوة جديدة؛ لأنَّهم قد ارتبط حبّ ذاتهم ومصالحهم وارتبطت علاقاتهم الاجتماعيّة وفهمهم للحياة، بطريقةٍ أُخرى وتفكيرٍ آخر وأسلوبٍ وهدفٍ آخر، ومن ثمَّ كانوا مكرّسين حياتهم لنصرة عقيدة أُخرى وللسعي نحو هدفٍ آخر، ولا يرضون بأيّ شكلٍ من الأشكال، أن تنتصر عقيدة غير عقيدتهم، وأن تنتشر، ولا يكون ذلك موافقاً لحبّ ذاتهم.
ومن ثمَّ يتصدّون لإثبات زيفها وبطلانها وإبعاد الناس عنها، بمختلف الوسائل والأعمال، ويتصدّون للجواب على أدلّتها وأقوالها وإلى إثبات وجودهم أنفسهم بأقوالٍ جديدةٍ وأفعالٍ جديدةٍ، وهكذا.
ويستمرّ النزاع إلى أن تنتصر إحدى الجبهتين على الأُخرى، فيتبعها الجمهور الانتهازي المصلحي، وعندئذٍ تعتبر تلك الفئة قد سيطرت على البلاد وتولّت زمام الحكم مثلاً.
نشأة العقائد والأديان من حبّ الذات:
ومن هنا تستطيع أن تتميّز بوضوحٍ تامّ: أنَّ الأحزاب والجماعات العقائديّة والتكتّلات المبدئيّة، كلّها ناشئة من حبّ الذّات، بما فيها العقائد الأرضيّة والأديان السماويّة.
نعم، الفرق من هذه الناحية واحد، بين الأديان الأرضيّة والسماويّة، وهو أنَّ حدوث العقائد والأديان الأرضيّة من حبّ الذّات أيضاً كما كان انتشارها والعمل في سبيلها بحبّ الذّات أيضاً، أمّا الأديان السماوية، فإنَّ نزولها ليس من حبّ الذّات، وإنَّما هو نزول إلهي عن طريق الوحي إلى شخصٍ من الأشخاص.
وهذا الوحي وإن كان موافقاً لحبّ الذّات في المجتمع، حيث إنَّ الله تعالى يريد أن يسعى بالمجتمع إلى الكمال والسعادة والرفاه، لذا يوحي بدينه إلى نبيّه’، وهذا موافق بالطبع لحبّ الذّات في المجتمع، إلَّا أنَّ الوحي
– على كلّ حال- ليس صادراً من قبل الله تعالى بحبّ الذّات، أو أنَّه – على كلّ حال- خارج عن نطاق بحثنا في المقام.
أمّا انتشار الأديان وأمّا تبليغها وأمّا السعي الحثيث إلى نشرها وإلى الدفاع عنها، فذلك كلّه من حبّ الذّات طبقاً للقاعدة العامّة التي أعطيناها لسائر المبادئ والعقائد.
النضال الحزبي:
ومن هنا نعرف أنَّ جميع ما يُرى بين الجماعات والأحزاب من نضال ومن جاسوسيّة ومن تبليغات متعارضة ومن نشر صحف وكتابة كتب ومن قتل وحروب في بعض الأحيان، بين الدول مثلاً، الدول المبدئيّة مثلاً، كلّ ذلك ناشئ من حبّ الذّات، وفي هذا تندرج قائمة طويلة من تلك الأُمور، التي تبذل الإنسانيّة الهدّامة جهدها فيها، وتقضي السنين الطوال في التفكير فيها وتسطير الوسائل والأهداف من أجلها، وهي بذلك ليست إلَّا خادمة لذاتها، ساعية وراء مصالحها الشخصيّة مع شديد الأسف.
انقسام الجماعات:
ولا ننسى ما قلناه في طريق تكوّن الجماعات، وانقسامها، أنَّ المبدأ إذا تطبّق، والهدف للجماعة إذا صار فعليّاً خارجيّاً مطبّقاً بين الناس، وأصبح الناس يعتقدونه ويعتنقونه، فحينئذٍ يكون هذا الهدف المثالي للجماعة قد تطبّق، وقد نزل إلى حيّز التنفيذ عندئذٍ. وجذوة حبّ الذّات وحبّ الكمال غير منطفئة، يودّ كلّ فردٍ من الجماعة الرقيّ إلى كمال أكثر وإلى سعادة ورفاه أزيد، عندئذٍ يختلف أفراد هذه الجماعة، فترى كلّ كتلةٍ منها أنَّ الهدف الجديد الذي ينبغي السعي له هو شيء آخر غير ما تراه الجماعة الأُخرى، وبذلك تنقسم هذه الجماعة إلى أقسام متناحرة كتلك الجماعات الأُولى الكبيرة، ليس بينها أيّ فرقٍ على كلّ حال. فراجع ما قلناه في طريق تكوّن الجماعات وانقسامها، فهو وافٍ في المطلوب.
ولا يخفى في المقام أنّ تحقّق الهدف الذي تتوق إليه الجماعة في الخارج، ومن ثمَّ توقانها إلى هدفٍ جديد، هو أحد الأسباب لانشقاق الجماعات، كما يحدث في الثورات – مثلاً- بين المشاركين في الثورة عادة أو بين المذاهب الدينيّة مثلاً.
إلَّا أنَّ هذا ليس هو السبب الوحيد لذلك، فإنَّه وإن كان ناشئاً من حبّ الذّات، إلَّا أنَّ لحبّ الذّات صوراً أُخرى في انقسام الجماعات، فمنها ما إذا كان فرد أو أفراد مؤيّدين لحزبٍ معيّنٍ أو لجماعةٍ معيّنة، على اعتبار أنَّها تُؤمن بعقيدةٍ خاصّةٍ أو تسعى نحو هدفٍ معيّنٍ، حسب فهم هؤلاء المؤيّدين، ثمَّ تتوالى الحوادث ويثبت لدى هؤلاء أنَّ هذه الجماعة تُؤمن بهذه العقيدة أو الهدف بشكلٍ لا يستسيغونه ولا يُؤمنون به، عندئذٍ لا شكّ يكون من مقتضيات حبّ ذاتهم الخروج عنها وسحب تأييدهم لها.
ومنها ما إذا لم يرتح الفرد أو الأفراد المؤيّدون لجماعةٍ معيّنة لعمل من أعمالها، وكان هذا العمل جوهريّاً ومهمّاً، بحيث يحدّد موقفها العقائدي والاجتماعي، فحينئذٍ وما دام هذا العمل مبغوضاً لدى هؤلاء الأفراد، إذن يكون عاملوه مبغوضين أيضاً ويُعتبرون مخطئين في نظرهم، ومن هنا لا يكون موافقاً لحبّ ذاتهم الاستمرار في تأييد الحزب، أو تأييده أكثر من ذلك.
ومنها: ما إذا رأى هؤلاء الأفراد المؤيّدون بأنَّ رجال الحزب وقادته قد انحرفوا عن واقع عقيدتهم وعن هدفهم ووسائلهم، وأصبحوا يقومون بأفعال، ويتفوّهون بكلامٍ يعتقد هؤلاء الأفراد أنَّه مخالف لأهدافهم وعقيدتهم، ويعتقد هؤلاء الأفراد أنَّهم إنَّما يعملون ذلك استجابة للدوافع النفسيّة وتفضيلاً لأهوائهم الشخصيَّة على عقائدهم الاجتماعيّة، وهذا تحريف مغلوط لحبّ الذّات، إذن فمن المنطقي لهؤلاء الأفراد – طبقاً لحبّهم لذاتهم- أن ينسحبوا من هذه الجماعة وأن يعرضوا عن تأييدهم لها؛ إلَّا إذا ثبت خطؤهم في اعتقادهم ذلك، وأنَّ الحزب لا زال يمارس عمله في سبيل هدفه بنشاط، أو أنَّ الحزب قد أخذ حركتهم الانفصاليّة بنظر الاعتبار، ووجد أنَّ انفصالهم عنه مضرٌّ له، ومخالف لحبّ ذاته، فعدّل من سلوكه وحوّر من سياسته وتصرّفاته.
حبّ الذات وحبّ الجمال
لا يخفى أنَّ في النفس غريزة جماليّة وقّادة ناعمة الذوق دقيقة التقييم لكلّ ما هو جميل ولذيذ، وبالطبع فإنَّ من حبّ الذّات إشباع هذه الغريزة وهذا الميل الفطري، وأن يعرض عليه أجمل الأشياء [في] رأيه وأحسنها لديه، إذ كلّما كان الإشباع أكمل كان أقرب إلى حبّ الذّات، ومن المخالف لحبّ الذّات حتماً، أن يعرض عليه ما هو قبيح في نظره ويشمئزّ منه.
ولا يخفى في المقام أنَّ لكلّ حاسّة من حواسّ الإنسان الخمس، أُموراً يحبّها ويهفو إليها ويجدها لذيذة مستساغة، وأُموراً ينفر منها ويجدها فظّة غليظة ويشمئزّ من قربها منه. إذن فتنقسم الحاسّة الجماليّة النفسيّة على الحواسّ الخمس، فيقيّم كلّ قسمٍ منها قسماً من المحسوسات من حيث الجمال والقبح.
فالسمع مثلاً: يودّ الكلام الرقيق والصوت الرخيم، ويبغض الصوت الخشن الجافي – مثلاً- والعين تحبّ تناسق الألوان وترتيبها، وتبغض تشويش الألوان وكونها كالحة غير منظّمة مثلاً، والأنف يستسيغ الرائحة الجميلة كرائحة العطر والورود، وينفر من الروائح الكريهة كالنتن والجيفة مثلاً، والفم يتذوّق الطعوم الجميلة ولا يستسيغ الطعوم الخبيثة الكريهة، واللمس يميل إلى اللمس الناعم الليّن عادةً، وينفر من أضدادها، وهكذا. كلّ هذه الحواسّ عاملة تحت إشراف مشترك، هي حاسّة الجمال عند الإنسان، فهي التي تحكم وهي التي تقيّم وهي التي تفرح وتحزن بمقتضى حبّها لذاتها، أو بمقتضى حبّ الذّات لذاتها.
ومن هنا صرنا نرى البشر يميلون مثلاً بالنسبة إلى السماع؛ إلى سماع الأصوات الرخيمة من الأطيار والأشجار والمياه والأغاني والموسيقى والأشعار المنظومة وغير ذلك من الأصوات الجميلة المنظّمة. وبالنسبة إلى الطعوم نرى البشر يميلون إلى طعوم معيّنة ويميلون إلى جعلها في طعامهم، وينفرون من طعوم معيّنة ويحاولون إبعادها عن حياتهم. وبالنسبة إلى النظر مثلاً، نرى البشر يودّ النظر إلى الجمال الطبيعي كالأزهار والبساتين والجبال والنجوم والجنس الآخر، إلى آخر ما في هذه القائمة من أمثلة، والتي كان المقصود من ذكرها هو أنَّ كلّ ما هو موافق لغريزة الجمال يكون ارتكابه أو القرب منه موافقاً لحبّ الذّات. وهكذا بالنسبة إلى باقي الحواس.
ولا يخفى ما تتدخّل به البيئات والمسبقات الذهنيّة والثقافات في هذا التقييم والتحديد، ودخولها في ذلك لا يعني عزل حبّ الذّات عن التأثير، فإنَّها أيضاً أُمور اختياريّة، ناشئة عن حبّ الذّات بدورها، فيكون التقييم ناشئاً عن حبّ الذّات بالواسطة. نعم، إذا كان المؤثّر تكوينيّاً (كالمحيط الجغرافي) فإنَّه حينئذٍ يدخل عنصر تكوينيّ في الموضوع في تغيير التقييم الفنّي، وبذلك يخرج هذا التغيير عن نطاق نظريّتنا.
فإنَّ الأُوروبي مثلاً يحبّ الخمر، على حين إنَّ الشرقي المسلم لا يحبّه بل ينفر منه، والهندي مثلاً يحبّ الإكثار من الفلفل، على حين إنَّ الشرقي ينفر من ذلك إلى حدٍّ ما.
إلَّا أنَّ هناك – على كلّ حال- قدراً كبيراً من الأُمور المشتركة بين جميع البشر.
وبالطبع فإنَّ الأُمور اللذيذة التي يبيحها المجتمع وتبيحها العقيدة للإنسان، يميل الإنسان بطبعه إلى ممارستها والاستزادة منها مهما استطاع.
فيستزيد مثلاً من الشعر الجميل، أو النثر الفنّي اللذيذ، أو الأغاني أو الموسيقى أو النظر إلى المناظر الطبيعيّة، عند إجازة هذه الأُمور مثلاً في مجتمعه أو عقيدته.
أمّا إذا لم يكن ارتكاب أحد اللذائذ مباحاً اجتماعيّاً أو عقائديّاً، فإنَّ الفرد إمّا أن يكون مؤمناً بهذا القانون الاجتماعيّ أو العقائديّ، فحينئذٍ تكون هذه اللذّة في الغالب مرتفعة عنه ويشعر بالاشمئزاز من ارتكابها؛ باعتبار أنَّها مخالفة لما يعتقده حقّاً من عدم جواز ارتكاب هذه اللذّة.
أمّا إذا لم يكن مؤمناً بهذا القانون، بأنَّ كان مشكّكاً أو كان مؤمناً بعدمه، فحينئذٍ إمّا أن لا يكون للقانون عليه أيّة سلطة تنفيذيّة تجبره على عدم الارتكاب، فحينئذٍ ينطلق إلى ارتكابها بدون وازع أو رادع؛ انطلاقاً من حبّ ذاته، وأمّا إذا كان للقانون قوّة تنفيذيّة تجبره على عدم ارتكاب هذه اللذّة، كالعقاب القانوني أو الانتقاد الاجتماعي للفرد مثلاً، فحينئذٍ يقع الفرد بين مقتضيين متزاحمين، مقتضى اللذّة ومقتضى القانون، وهو في الغالب يفضّل مقتضى القانون إلَّا إذا كان يستطيع الاستخفاء منه؛ باعتبار أنَّ الألم الذي يوقعه القانون أكثر غالباً من الألم المتأتّي من ترك اللذّة.
ولا يخفى أنَّ نظريّة اختلاط الجنسين أيضاً نابع من ذلك؛ باعتبار أنَّه نابع من غريزة الجمال في الإنسان، وموافق لغريزةٍ أُخرى، هي الغريزة الجنسيّة. ومن هنا كان الاختلاط يؤدّي إلى رؤية أحد الجنسين الجنس الآخر، وإلى أُمورٍ أُخرى أحياناً. ومن هنا يجد لذّة مّا في نفسه، موافقة لحبّ ذاته، وهذه اللذّة تكون منعدمة عادة عند الفصل بين الجنسين، وانعدام اللذّة مع إمكان وجودها مخالف لحبّ الذّات، ومن هنا كان الحجاب مخالفاً لحبّ الذّات عند الإنسان.
أمّا تلك اللذائذ التي تكون محرّمة بحسب التقاليد أو الأديان، أو بحسب القانون مثلاً، فهي لا يستطيع الإنسان ممارستها، بل في بعض الأحيان تكون مخالفة لحبّ ذاته؛ لوقوع التزاحم بينها وبين مقتضيات التشريعات التي تنهى عنها.
فالإسلام مثلاً، عندما يحرّم شرب الخمر أو سماع الغناء أو الموسيقى أو الاختلاط بين الجنسين مثلاً، يقع في نفس الفرد المسلم تزاحم بين الإعراض عن هذه اللذّة وبين إطاعة أوامر الإسلام، وبالطبع فإنَّ الديِّن المخلص يقدّم إطاعة أوامر الإسلام وامتثال نواهيه على القيام بهذه اللذّة وإشباع غريزته الجماليّة عن هذا الطريق، وبخاصّة وهو يعلم أنَّ الألم الذي يأتيه من عدم إشباع هذه اللذّة، ليس ألماً قاتلاً، وإنَّما هو ألم مؤقّت يزول عمّا قليل، إلَّا أنَّه على تقدير إشباعه، فإنَّ الألم الذي توعّده به الإسلام قاسٍ وكبير ولا يمكن زواله بوقتٍ قليل، ومن ثمَّ بالطبع يكون حبّ ذاته مقتضٍ للنفرة من العذاب السرمدي، ومن ثمَّ الإعراض عن سببه، وهو الوقوع في هذه الشهوة المحرّمة.
وبالطبع فإنَّ الإسلام إنَّما حرّم مثل هذه الإشباعات المتطرّفة لأجل ما فيها من ضررٍ على المجتمع، فإنَّه بحسب ما يرى ببعد نظره وحكمته البالغة، أنَّ الغريزة الجنسيّة ينبغي أن تبقى مصونة ومنظّمة، وينبغي أن لا تنطلق انطلاقاً حيوانيّاً مروّعاً؛ لذلك فهو ينظّمها بقوانينه وبتشريعاته، واضعاً العراقيل أمام الانطلاق المتزايد الذي يؤدّي إلى الانحلال وفساد الأخلاق، فيحرّم الاختلاط ويوجب الحجاب، ويحرّم الأغاني والموسيقى التي تثير في النفس الميول المتطرّفة الحيوانيّة، وبهذا تكون أحكامه تلك موافقة لحبّ الذّات في المجتمع، على اعتبار ما سوف يسوده من انحلالٍ وفسادٍ إذا ما استشرت فيه هذه المحرّمات، وما سوف يسوده من نظام وأخلاق وفضيلة، عند تطبيق أوامر الإسلام، وبذلك يكون تطبيق أوامر الإسلام موافقاً لحبّ الذّات في المجتمع. وبالطبع فإنَّ المجتمع المتديّن يجد ذلك جميلاً لديه عزيزاً عليه، وهو ينصاع إلى تلك الأوامر انصياعاً تلقائيّاً اندفاعاً من حبّ ذاته؛ مبرّراً ذلك بأنَّ دينه يأمره بذلك، ويكفي هذا مبرّراً عند المتديّن المخلص.
أمّا باقي الاستمتاعات وإشباع اللذائذ، فإنَّها مباحة في الإسلام بل مأمور بها في بعض الأحيان، كالنظر إلى الطبيعة والاعتبار بما فيها من نقاط قوّة وقوانين كونيّة وجمال أخّاذ؛ باعتبار أنَّه كاشف عن قدرة لا متناهية صانعة له، وكالحثّ على الزواج في الإسلام، وكالاستماع إلى الأشعار والأدب، والالتذاذ بالجنس الآخر بطريق محلّل مثلاً، وإلى آخره.
الفنون وتطوراتها:
ولا يخفى أنَّ الفنون كما كانت في مبدأ وجودها، إيفاء لغريزة الجمال الأصيلة في الإنسان، وبالآخرة إيفاء لحبّ الذّات نفسه، فإذا أراد الإنسان في أوّل الأمر أن يشبع تلك الغرائز الجوعى لديه، استخدم مثل هذه اللذائذ لإشباعها، ومن هنا ولدت الفنون.
وكذلك فإنَّ دوامها واستمرارها منوطٌ بنفس السبب أيضاً، فإنَّ كلّ جيلٍ من البشر يحمل نفس الغريزة ونفس العواطف، ويحمل حبّ الذّات أيضاً، إذن فالبشر دائماً يميل إلى الاستزادة من هذه الفنون وإلى إشباع غرائزهم عن طريقها.
وكذلك فإنَّ تطوّر هذه الفنون وترقّيها من الحسن إلى الأحسن، وتعب البشر على رقيّها وعلى تحسينها منبثق من حبّ الذّات أيضاً؛ لأنَّ الغريزة الجماليّة في الإنسان كما تطلب الإشباع تطلب أيضاً حسن الإشباع وكماله، والتطوّر باللذّة من حسنٍ إلى أحسن، فإنَّ هذه الغريزة كلّما التذّت أكثر تكون في صالح حبّ الذّات أكثر حتماً.
ومن ثمَّ يميل الإنسان إلى التعب على تطوير الفنون وعلى زخرفتها وتجميلها إلى أكبر حدٍّ ممكن، ومن ثمَّ يتطوّر الشعر ويتطوّر الغناء، ويتطوّر الرقص مثلاً، وتتطوّر فنون تجميل أثاث المنزل وتجميل الثياب وتجميل زراعة الحدائق مثلاً، كلّ ذلك انطلاقاً من حبّ الذّات؛ باعتبار ما فيها من غريزةٍ جماليّة توّاقة إلى حسن الإشباع.
وبهذا نستطيع أن نفسّر تطوّرات الأدب والشعر مثلاً، وأن نفسّر تطوّرات الموضة في بناء الدور ولبس الثياب مثلاً. بالإضافة إلى تطوير الأُمور الأُخرى في الحياة ممّا يمتّ إلى الفنّ بصلة، كلّ ذلك من أجل هذا التبرير.
وذلك أنَّ الجيل عندما يعيش على طريقةٍ معيّنةٍ من هذه الفنون، يجتّرها مدّة سنين طويلة، ما دام موجوداً فعلاً على هذه الأرض. ثُمَّ يأتي الجيل الأخر فيجد نفسه سائماً منها سامعاً لها متكرّرة على أذنيه، فلا يجد من ذلك لذّة مضاعفة، وإنَّما يجدها شيئاً معتاداً غير جميل، فيحاول تطويرها وتغييرها والإضافة عليها، حسب ذوقه الجديد. فيضيف إلى جمالها جمالاً وإلى رونقها رونقاً ليستزيد من إشباع غريزته الجماليّة.
ويأتي جيل آخر فيطوّرها أيضاً، وهكذا تتطوّر الفنون على مدى عمر الإنسانيّة الطويل.
ولا يخفى أنَّ تطوّر الفنون منوطٌ أيضاً باختلاف الثقافات واختلاف البيئات واختلاف طرق التفكير والمسبقات الذهنيّة لدى الشعوب ولدى الأشخاص، وهذا الاختلاف أمر يرجع إلى حبّ الذّات، إلَّا ما كان سببه تكوينيّاً كما قلنا سابقاً.
فإنَّ ذلك كما يُؤثّر على نفس الذوق، يُؤثّر على تطويره أيضاً، ويُؤثّر على شكل التطوير، وعلى الفنون المطوّرة أيضاً.
فلذا نجد أنَّ الفنّ قد يتطوّر لدى شعبٍ معيّنٍ بشكلٍ آخر عن تطوّره في شعبٍ آخر، وإن كان القدر المشترك – الإنساني- بينهما محفوظاً.
أمّا بالنسبة إلى تلك الفنون التي تكون ذات طابع لغويّ، كالأدب والشعر والغناء، فذلك أمر يتبع ذوق أصحاب اللّغة وذوق أذنهم الموسيقيّة، فكلّ جيلٍ يعبّر عن نوعٍ معيّن من الذوق في تلك اللّغة ويطوّر أدبه وغناءه على أساسه، على حين قد يجد أهل لغةٍ أُخرى من نفس الجيل أنَّ هذه الأُمور ينبغي أن تتطوّر بشكلٍ آخر وتسير بخطّ آخر بمقتضى أذنهم الموسيقيّة التي يحملونها.
التقليد في الفن:
إلَّا أنَّنا نرى في مثل هذه الأيّام عند انتشار الثقافة وتوحّد الرأي العالمي إلى حدّ ما، أنَّ الصيحات الفكرية والفنّية التي تكون في طرفٍ من أطراف العالم، قد تسري إلى طرفٍ آخر، رغم اختلاف اللّغات والبيئات؛ وذلك لما في داخل الإنسان من حبّ للتقليد، وحبّ للتطوّر من الكامل إلى الأكمل، فعند ذلك يتخيّل الشعب الناقد لهذا التطوّر أنَّ في هذه الصيحة تطوّراً ورقيّاً إلى الكمال بشكلٍ من الأشكال، فلاحتمال ذلك، أو الاعتقاد به أحياناً، يتبنّاه ويدعو إليه، ويطوّر أدبه وفنّه على هذا الأساس.
إلَّا أنَّه سوف يجيء جيل آخر حاملاً ذوقاً آخر وفنّاً آخر وسوف يميل إلى تطوير الفنّ الموجود في بلاده، وحينئذٍ تنتفي موضة التقليد، بعد أن يعرف الجيل الآخر بوضوح أنَّ ما لديه من فنٍّ وثقافة وتفكير، هو الموجب لكماله ورقيّه دون التفكيرات الأُخرى الموجودة في البلاد البعيدة، والتي تحمل تاريخاً آخر، وواقعاً آخر، وعقيدة وأنظمة أُخرى. وبالطبع فإنَّ اتّباع العقيدة السائدة موافق لحبّ الذّات حتماً، إمّا للاعتقاد بها، أو لأجل الانتظام مع مسلك المجتمع المؤمن بها! بخلاف استجلاب عقيدةٍ أُخرى من وراء الحدود، فإنَّه مخالف لحبّ الذّات للفرد وللمجتمع؛ باعتبار أنَّه محدث للتشويش العقائدي، وإحداث الاضطراب الفكري والبلبلة في نظمه ودساتيره، ومن ثمَّ يكون مخالفاً لمصلحته، لما قلناه – فيما سبق- من أنَّ الاطمئنان العقائدي خير ضمان للمجتمع؛ لسيادة الرفاه والسعادة فيه.
الأدب:
وبهذه المناسبة لا بأس أن ننظر نظرة خاصّة إلى الأدب من خلال القاعدة التي عرفناها، فنعرف أنَّ تطوّرات الأدب في الشعر والنثر كلّه نابع عن حبّ إشباع تلك الغريزة الجماليّة، وأنَّ التطوّرات الجديدة في الأدب، كالشعر الحرّ والشعر الرمزيّ مثلاً، كلّه لإشباع تلك الغريزة، ومن ثمَّ هو نابع من حبّ الذّات؛ وذلك: لأنَّ القوم اعتبروا أنَّ الشعر القديم غير موافق لإشباع هذه الغريزة؛ لأنَّه كان يشبع غريزة أُناس قدماء، والآن وقد تطوّر المجتمع فلا بأس من إيجاد تطويرٍ جديدٍ لإشباع غريزته، ومن ثمَّ وجدت هذه الأساليب الجديدة في الأدب.
ولا يخفى ما للأدب من أسلوب إقناعيٍّ أخّاذ في المجتمع، وما يستطيع به خدمة فكرة معيّنة أو تأييدها، أو خدمة فردٍ معيّن وتهديمه والقضاء عليه مثلاً؛ وذلك باعتبار أنَّ الأدب مرغوب للمجتمع، فنجد أنَّ أكثر أفراده يمارسون مطالعته ومعرفته توصّلاً إلى إشباع غريزتهم الجماليّة، ومن ثمَّ تدخل أفكاره ومحتوياته إلى أذهانهم وتبقى راسخة في لا شعورهم، شأن كلّ ثقافة عامّة يطالعها الفرد.
ولا يخفى أنَّ الأدب السائد في المجتمع في كلّ جيلٍ، هو المؤثّر في ذلك الجيل، في إقناعه بعقيدةٍ أو إشباع غريزته الجماليّة، دون الأدب القديم، أو الأدب الذي سوف يأتي في الجيل القادم، فإنَّ ذلك وإن كان يعتبر عند أصحاب هذا الجيل أدباً في حدود الجيل الذي خلق فيه، إلَّا انَّه ليس أدباً لهم ولا يعتبر مشبِعاً لغريزتهم الجماليّة، ومن ثمَّ لا يكون مقنِعاً لهم ولا محبوباً لديهم.
ومن ثمَّ نجد أنَّ الأدباء الشباب ينفرون من أدب الأدباء القدامى، ولا يجدون فيه إشباعاً لغريزتهم الجماليّة، كما أنَّ الأدباء القدامى لينفرون من الأدباء الجدد، ويعتبرون أدبهم أدباً لجيلٍ آخر غير الجيل الذي يعيش الأدباء القدامى فيه، ومن ثمَّ لا يكون فيه إشباعاً لغريزتهم الجماليّة ولا لأذنهم الموسيقيّة، بعد أن انصهرت أذنهم وغريزتهم بأسلوب الأدب الذي صنعوه وعاشوا معه خلال جيلهم، فمن الصعب جدّاً عليهم أن يعترفوا للأدب الجديد أنَّه موافق للذوق أو للغريزة الجماليّة.
الأدب الخالد:
وليس هناك إلَّا بعض النصوص القليلة في الأدب واللّغة، هي التي تستحقّ الخلود، والتي تشبع الغريزة الجماليّة عند أهل اللّغة جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر، مهما تطوّرت اللّغات والأذواق، وتلك نصوص قليلة موجودة في كثير من اللّغات عامّة، وهي تلك النصوص التي تعبّر عن الغرائز الأساسيّة في الإنسان وعن طرق إشباعٍ أساسية فيها أو عن خصوصيّاتٍ اجتماعيّةٍ أو ثقافيّةٍ لا تتغيّر عادةً على مرّ الزمان. فمثل هذه الخصوصيّات يكون التعبير عنها ثابتاً أيضاً على مدى عمر البشر.
ولعلّنا تستطيع أن نمثّل لذلك بالنسبة إلى اللّغة العربيّة، في النثر بالقرآن الكريم، وفي الشعر ببعض شعر المتنبّي، وذلك أنَّ القرآن الكريم حينما جاء للدعوة إلى الإسلام وإلى تبليغ أحكامه للناس، جاء على طبق الطبيعة الأساسيّة في البشر، وعلى طبق ما يتذّوقونه من أسلوب كلامه، وما يدخل إلى أذهانهم عادةً من طرقٍ في التفكير والتعبير، فجاء معبّراً عن تلك الخصوصيّات الثابتة في النفس البشريّة، فكانت النفس البشريّة كلّما تترقّى وكلّما تتغيّر تبقى ثابتة في حدود ما نزل فيه القرآن من تعبيرٍ وتصوير ومن تشريع وتنظيم.
وكذلك شأن بعض أشعار المتنبّي المعبّرة عن بعض الخلجات والتصوّرات في النفس البشريّة التي يشترك فيها عادةً كثير من الناس، أو أجيال متطاولة منهم.
ومن ثمَّ بقي القرآن، وبقيت قطع من أشعار المتنبّي خالدة مع الزمن لا تبليها الأيّام ولا تمحوها الدهور، وتبقى ملذّة للإنسان ما بقيت فيه غريزة جماليّة تواقة إلى الجمال، وما دام فيه حبّ الذّات نشيطاً عاملاً.
ولا يخفى أنَّ الفرق بين القرآن وأشعار المتنبّي وإن لم يكن هو في صرف الدوام والخلود، إلَّا أنَّه متمثّل في العمق والدقّة التي يتّصف بها القرآن الكريم، فلئن كانت أشعار المتنبّي مستحقّة للخلود من جهةٍ واحدةٍ، هي إيفاء الغريزة الجماليّة والتعبير عن بعض خصوصيّات النفس البشريّة غير القابلة للتغير، فإنَّ القرآن مستحقّ لذلك من جهاتٍ عديدة:
أوّلها: هو ما كان شعر المتنبّي مستحقّاً للخلود من أجله وهو التعبير عن خصوصيّات ثابتة في النفس.
ثانيها: التعبير عن خصوصيّات ثابتة في المجتمع.
ثالثها: أخذ جملة من الخصوصيّات البشريّة الثابتة بنظر الاعتبار بالنسبة إلى القرآن، وإنزال القرآن على أساسها كمقدار اقتناع البشر ومقدار تأثّرهم ومقدار تلقّيهم للدعوة وسنخ حاجاتهم وآمالهم وآلامهم، وأخذ كلّ ذلك بمستوى عامّ لا يتغيّر على مدى الأجيال؛ فإنَّ الإنسانيّة عادةً ذات خصائص ثابتة لا يمكن أن تتطوّر. وعلى هذه الخصائص نزل القرآن، ومن هنا كان ملذّاً ومشوّقاً لمختلف الأجيال، وكان >حلال محمّد’ حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة<( ).
حبّ الذات والسلوك الاجتماعي للإنسان
يتصرّف الناس في حياتهم اليوميّة كثيراً من التصرّفات وأنواعاً من السلوك تختلف في ماهيّاتها وتتضارب في أهدافها وتتباين في محتوياتها ومغازيها.
فمن هذه الأفعال ما يكون ذا طابعٍ عامّ يطبع الفرد ويسمه بميسمه الخاصّ [كـ] الانطوائيّة والانبساطية والأنانيّة والبخل والكرم وغير ذلك من أساليب السلوك العامّة، وكذلك كون الإنسان متديّناً أو خلوقاً أو مجرماً وغير ذلك.
ومن السلوك ما يكون جزئيّاً خاصّاً، كالأكل والشرب والنوم ومحادثةٍ صديقٍ أو شراء حاجةٍ من السوق، أو الذهاب إلى حديقةٍ للنزهة، أو أيّ شيء آخر من هذا القبيل.
وقد يكون من الأفعال ما ليس له إلَّا تأثير آنيّ في حياة الإنسان، [فهو] يقتضي تأثيراً آنيّا ويتبخّر بمجرّد [تحقّقه] فعلاً ولا يترك أثراً بعده، كأكثر ما نقوم به في حياتنا من تحرّكات وتصرّفات.
ومن الأفعال ما يكون بعيد الأثر في حياة الإنسان، وخاصّة إذا كان هذا الفعل موضوعاً وضعاً خاصّاً ليكون وسيلة إلى هدفٍ معيّن، فإنَّه حينئذٍ يكون ذا أثرٍ بليغ في حياة الإنسان، وقد يكون مصاحباً له حتّى الموت، كتخصّص الإنسان في مادّة علميّة معيّنة، وكاعتناقه ديناً معيّناً، وكسكناه في مدينةٍ معيّنة بشكلٍ دائم، أو كزواجه من امرأة معيّنة، وكاختيار عمل معيّن يداوم عليه.
وعلى كلّ حال، فإنَّ جميع أنواع هذه الأفعال وغيرها ممّا لم نذكرها، كلّه صادر عن حبّ الذّات.
إلَّا أنَّه لا يخفى: أنَّه وإن كان العمل صادراً من حبّ الذّات بشكلٍ رئيسيّ، إلَّا أنَّ هناك كثيراً من المقتضيات والمؤثّرات التي تدعو القيام بهذا العمل، ويكون حبّ الذّات هو المقتضى الأوّلي الرئيسيّ المؤثّر في السلوك، والذي لولاه لما استطاع المؤثّر الطبيعي الخارجي أن يُؤثّر في الإنسان للقيام بهذا العمل، كما أشرنا إلى ذلك في مبدأ بحثنا عن حبّ الذّات من كون هذه النظريّة نظريّة ذات عاملٍ واحد أم لا؟
وضابط السلوك البشري، هو أنَّ الإنسان إذا وجد حاجة في نفسه ووجد مقتضياً خارجيّاً يحفّزه على العمل بأيّ شكلٍ من الأشكال، فإنَّه يفكّر فيه، بمقتضى ما يهديه إليه حبّ ذاته، فيجد نوع المصلحة التي ينالها [من] القيام بهذا العمل، ونوع المفسدة التي يدرأها عن نفسه، ونوع الآثار التي يخلّفها هذا العمل في حياته، فحينئذٍ يستجيب بأحسن شكلٍ ممكنٍ يعتقده لهذا المؤثّر الطبيعي الخارجي أو الداخلي، بما يوافق حبّ ذاته.
وقد لا يمكنه أن يبتّ بسرعةٍ في هذا الأمر فيطول تفكيره ويعرض، وقد يحتاج إلى الاستشارة أو إلى أُمورٍ أُخرى.
حبّ الذات والطبائع البشرية:
وما دامت الحريّة المطلقة غير المقيّدة بأيّ نظامٍ ولا قانونٍ هي المقتضي الأوّلي الرئيسيّ المحبوب بحبّ الذّات، كانت هذه الحريّة هي أولى الأُمور بالمحبّة وبالإخلاص، إلَّا أنَّ الإنسان لمّا رأى أنَّ هذه الحريّة لا تستطيع لنفسه الكمال الذي يريده بعد تعقّد المدنيّة، وبعد تكثّر البشر وصدور القوانين والتشريعات والنظم والأخلاق، فلماذا تنازل المرء عن هذه الحريّة راضياً مختاراً، وتقيّد بكثير من النظم والأديان والقوانين والأخلاق، آملاً أن تسير به هذه النظم والقوانين، بشكلٍ أحسن ممّا تسير به تلك الحريّة إلى الكمال.
ومن هنا اختلفت التشخيصات لدى كلّ فردٍ من الأفراد، لحدود التقييدات التي يضعها كلّ فردٍ على نفسه، على تلك الحريّة السائبة.
فنجد شخصاً يرى كثرة التقييد لنفسه وكثرة الاضطلاع بالقيام بالواجبات والخروج عن الحقوق، واجباً مقدّساً ينبغي أن يقوم به؛ لأنَّه يرى بذلك الوصول إلى الكمال، وإلى الهدف الأعلى الذي يستهدفه لنفسه.
ومن هنا كان قائماً بسائر ما يجب عليه بحسب التقاليد والقوانين وبحسب الدين الذي يعتنقه. ومن هنا يطغى على سلوك هذا الفرد التديّن والأخلاق وزيادة التزمّت والتحنث.
ونرى شخصاً آخر، يرى أنَّ إشباع رغباته وشهواته، والبقاء جزئيّاً على تلك الحريّة السائبة – وتحميلها أقلّ قدر يمكن من القيود- أمرٌ جوهريّ لحبّ ذاته، وينبغي أن لا يقيّده المجتمع تقييداً ثقيلاً مطلقاً، فهو لا يفضّل مصلحة الآخرين على مصلحة نفسه، ولا يتقيّد بعرفٍ أو قانونٍ أو دينٍ إلَّا بشكلٍ ضئيل، لذا يسمّى هذا الشخص أنانياً أو مجرماً.
فالأناني: مَن لا يقدّم مصلحة غيره على مصلحة نفسه، اعتقاداً منه بأنَّ ذلك موافق لحبّ ذاته.
والمجرم: هو نفس هذا الشخص إذا انعكست أفعاله على شكلٍ مخالف للقوانين وخارج على النظم المرعيّة.
ونجد شخصاً آخر، قد تألّم للحياة ووجد وجهها عابساً مكفهرّاً عليه، فهو لا يريد المشي معها ولا يريد الانخراط في سلكها الحيويّ الفعّال. فهو يطوي نفسه على نفسه ويجلس قابعاً في عقر داره، ويقلّل اتّصاله بالنّاس، متخيّلاً أنَّ ذلك في مصلحته وأنَّه موافق لحبّ ذاته، من حيث إنَّه مبعد له عن الآلام التي تجرّه إليها الحياة، ومن ثمَّ فهو يسمّى بالشخص الانطوائي.
وثمَّ شخص آخر يرى بالاتّصال بالنّاس والتعاون معهم والفعّاليّة بشكلٍ مشترك نحو الهدف المشترك، الذي يهدفون إليه، وهو نشر السعادة والعدل في المجتمع، ومن ثمَّ فهو يختلط بالنّاس وهو يعمل معهم، وهو يتجاذب معهم أطراف الحديث والابتسام، ومن ثَمَّ يسمّى هذا الفرد انبساطيّاً.
وثمَّ شخص يرى أنَّ منزلته بما قد تلقّى من علوم – مثلاً- أو بما له من مال واسع، أو بما له من وظيفة عالية تمكّنه من التحكّم في رقاب الناس، يرى نفسه أهلاً للاحترام والتبجيل، فهو يجلس في أفضل الأماكن وأعلاها وأشهرها عند وجوده بين الجمهور أو الإخوان، وإذا تكلّم مع الناس تكلّم فأوجز وتكلّم بشكلٍ جافٍّ ومتعجرف، فمثل هذا الفرد يسمّى بـ(المتكبّر).
وهناك فرد آخر يرى في التواضع أمراً جميلاً، فهو وإن كان بالغاً مرتبةً عظيمة، إلَّا أنَّ التواضع يجعله محبوباً في قلوب الناس، ويجعل الناس معجبين به، إذن فينبغي أن يتواضع وأن يتكلّم مع أدنى الجالسين قدراً، وأن يجلس بجانبه وأن يتباسط معه في الحديث مثلاً، ويتعاون معه على حلّ مشاكل الحياة وأن يقضي حوائجه.
أو أنَّ هذا الشخص المتواضع يرى نفسه غير أهل للترفّع، وأنَّه إذا حاول الترفّع فسوف يُعتب عليه وسوف يُنتقد، وسوف يُدفع عن تلك المنطقة التي يتمنّاها لنفسه، إذن فهو يتنازل ويتواضع ويعرف قدره بين النّاس بشكلٍ واضح.
وثمّة شخص آخر يسمّى بـ (الغضوب)، وهو ذلك الفرد الذي يحمل ذهناً معيّناً يرى النّاس – أيضاً- يضايقونه بكثيرٍ من أفعالهم وأقوالهم، ولعلّ الناس ضمناً يرون فيه شخصاً ثقيل الظلّ، فهم يتضايقون منه، ولذلك يضايقونه آملين التخلّص منه اندفاعاً من حبّهم لذاتهم.
وعلى كلّ حال، فهو يغضب وهو يثور وهو يتكلّم بحدّة في وجه مخاطبه بين حين وآخر، ولعلّه إن وجد المخاطب ليّناً ضاعف ثورته وغضبه توصّلاً إلى النتيجة التي يتوخّاها، وهي قلّة مضايقة النّاس له، متخيّلاً أنَّ الغضب والحدّة وسيلة حسنة لهذه الغاية. مع أنَّ ذلك يوجب حقد الناس عليه ونفرتهم منه، وبالآخرة مضايقتهم له بشكلٍ أكثر، أو لعلّهم يتجنّبونه حينئذٍ ويبقى فريداً منعزلاً عن النّاس.
ولذا ورد في الحديث >شرّ النّاس مَن خافه الناس<( ) و>خير الناس مَن أحبّه الناس<( ). كما ورد أنَّ (الغضب ريح تطفئ سراج العقل)( ).
وثمّة شخص آخر سمع هذا الحديث فاتّعظ به – مثلاً- أو عرف نتائج الغضب وما يجرّه عليه من وبال وسخيمة، ومن ثمَّ نراه خلوقاً ونراه هشّاً بشّاً يحترم الناس ويتعاون معهم، وكلّ مَن يلقاه يجده صديقاً حميماً له. ومن ثمَّ نراه شخصاً مرحاً باسماً للحياة، ونميل بطبعنا إليه؛ باعتبار أنَّ من طبع الإنسان الميل نحو محبّه والتعاون معه، اندفاعاً من حبّ الإنسان لذاته.
وهناك شخص لديه ثروة مالية بمقدارٍ ما، قد جمعها بكدّ يمينه وعرق جبينه، طمعاً في جمع المال وتوفير رفاه العيش، فهو حريص على ماله محبّ له بحبّ ذاته، غير مستعدّ لإعطائها مجّاناً، إلَّا بربحٍ كبير، فهو لا يساعد فقيراً ولا يعاون محتاجاً ولا يحلّ مشكلة مضطّر، ولا يساهم في مشروعٍ خيريّ اجتماعيّ أو دينيّ، ومن ثمَّ يسمّى بالبخيل.
إلَّا أنَّ شخصاً آخر لاحظ مساوئ البخل وعرفها وفهم بوضوح أنَّ الناس ينفرون بطبعهم من البخيل؛ لأنَّهم يجدون عنده ثروة زائدةً مكنوزة بدون سبب، فيطمعون في الاستيلاء عليها، فإذا لم يتجاوب معهم، بغضوه واحتقروه تجاوباً مع حبّهم لذاتهم، وعرف صاحبنا أنَّ النّاس يميلون بطبعهم إلى الكريم الذي يكون مستعدّاً للتعاون معهم، تعاوناً ماليّاً، وإفادتهم عن هذا الطريق، ومن ثمَّ استجاب إلى هذه المصالح، اندفاعاً من حبّ ذاته، فكان يبرّ الفقير ويطعم الجائع ويأوي المسكين ويقري الضيف، ويساهم في المشروعات الاجتماعيّة الكبرى، ومن ثمَّ يسمّى مثل هذا الشخص كريماً( ).
ولسنا نريد أن نطيل في الأمثلة للأفعال العامّة التي تطبع الفرد بطابعها العامّ، فإنَّ ذلك كثير بين الناس، بل لكلّ فردٍ طابعه الخاصّ، النابع من حبّ ذاته.
إلَّا أنَّنا نريد أن نستخلص القاعدة العامّة، وهي أنَّ الفرد بمقتضى حبّ ذاته، يختار ما يعتقده الأفضل لنفسه، بالشكل الذي يتوصّل إليه ذهنه، ومن ثَمَّ نرى كلّ فرد يتكيّف بشكلٍ مخالف للفرد الآخر، حيث إنَّ ذهنه يتوصّل إلى غير ما يتوصّل له ذهن الآخر؛ لأنَّه يختلف عنه في طبيعة وسنخ التفكير، فيترتّب على ذلك اختلاف في سنخ السلوك أيضاً.
ولعلّنا الآن نستطيع أن ندخل إلى النظر في الأفعال الجزئيّة، التي يقوم بها البشر فندرس بعضها؛ لأجل أن نجد الأثر القويّ البليغ البعيد لحبّ الذّات في سائر الأعمال الاجتماعيّة.
التعلم والتعليم وحب الذات:
فمثلاً لماذا يتعلّم الإنسان، ولماذا يبذل الكثير من الناس أعمارهم في سبيل ذلك؟ ليس ذلك إلَّا من حبّ الذّات نفسه، فإنَّ الوصول إلى الحقيقة والاطّلاع عليها أمرٌ واضح أنَّه أحسن من الجهل ومن البعد عن الحقيقة، ولذلك فالإنسان توّاق بطبيعته وبمقتضى حبّ ذاته للوصول إلى الحقيقة.
والوصول إلى الحقيقة عادةً لا يكون بوحي ولا إلهام، ولا بتفكير لحظة من الزمن، وإنَّما يكون بعد تعبٍ شديدٍ ونصبٍ طويلٍ وعمرٍ يقضى بالبحث والتنقيب، ومن ثَمَّ كان هدف الوصول إلى الحقيقة مهمّاً إلى حدٍّ يهون معه هذا التعب ويكون الإنسان مستعدّاً لتجشّمه وقضاء السنوات الطوال فيه، في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف العظيم.
فيقضي الفرد أوّل عمره تلميذاً يتلقّى الدروس ويتدرّج فيها من الهيّن إلى الأصعب شيئاً فشيئاً، والطفل وإن لم يجد في نفسه ذلك الميل إلى الوصول إلى الحقيقة؛ لأنَّه لا يعرف أن ثمّة حقيقة موجودة أو غير موجودة ولا يلتفت إلى ذلك التفاتاً شعوريّاً، إلَّا أنَّ أهله الذين يحبّونه بحبّ ذاتهم يودّون وصوله إلى ذلك ويودّون رقيّه إلى المستوى العامّ الذي رقى إليه المثقّفون العارفون بشيءٍ من الحقيقة على كلّ حال( ).
ومن ثَمَّ فهم يجبرونه على الدراسة، وهم يضعونه في المدرسة، وهم يتعهّدونه بالمال والتعليم، وهو يقبل منهم ذلك، لا لأجل الوصول إلى الحقيقة، بل لأنَّه يحبهم ويودّ إطاعة أمرهم، ولأنَّه يخاف من عقابهم، أو بعبارة ثانية: أنَّه يحصل تزاحم في نظر الطفل بين الألم الناتج إليه من الدراسة والألم الناتج لديه من عصيان أبويه، وبالطبع يكون الأوّل في نظره أخفّ لدى إصرار والديه على إدخاله المدرسة، فيختار الثاني لا محالة.
ولا يخفى في المقام أنَّ اختيار الأفضل والأسهل، أمرٌ نابع من حبّ الذّات، وهو أمرٌ تكوينيّ لا شعوريّ، لا فرق فيه بين الرجل الرشيد المفكّر، وبين الطفل والمجنون، بل يشمل الحيوانات أيضاً.
إلَّا أنَّه بعد برهة من الدراسة وبعد سنين قليلة تقضى في المدرسة الابتدائيّة مثلاً، يجد نفسه ميّالاً قهراً إلى ازدياد التعلّم وإلى الاستمرار فيه؛ وذلك: لأنه ينكشف لديه شيئاً فشيئاً وجود ما يسمّى بالعلم وما يسمّى بالحقيقة، وما يسمّى بالتفكير العلمي الدقيق والنظر العميق، فيكون توّاقاً إلى معرفته ومشتاقاً إلى الوصول إليه مندفعاً في ذلك عن حبّ ذاته( ).
وعند ذلك يندفع من تلقاء نفسه للدراسة راغباً فيها، متطرّفاً إليها، ويتدرّج من الكامل فالأكمل فالأكمل، ومن الدقيق فالأدقّ فالأدقّ، حتّى يكون اختصاصيّاً كبيراً، وبعد ذلك يكون المجال له مفتوحاً تماماً للتفكير والتدقيق والوصول بالشكل اللائق الذي هو يراه إلى الحقيقة التي يتوخّاها، ومن ثمَّ يقضي الأيام والليالي الطوال في التفكير والتنقيب والبحث والتدقيق.
التدريس وحبّ الذات:
وهو أيضاً يدرس، وهو أيضاً يعلن عن آرائه، ويضع التلاميذ الجدد أمامه ليلقي عليهم شيئاً من أفكاره، لماذا؟ اندفاعاً من حبّ ذاته؛ وذلك لمبرّرات عديدة:
أوّلها: أنَّ الأفكار التي توصّل إليها لا ينبغي أن تبقى مطمورة بينه وبين نفسه، بل ينبغي الإعلان عنها والتنوير بها؛ لأجل أن يكون شخصاً مشاراً إليه بالبنان، وأنَّه مفكّر عالم مدقّق بشهادة العلماء والمفكّرين الذين يقرأون كتاباته وأفكاره.
وثانيها: أنَّ الإنسانيّة لا ينبغي أن تبقى مهملة، ومن ثمَّ يكون على كلّ جيل من الأجيال مسؤوليّة تعليم الجيل القادم، وحبّ نفع الإنسانيّة شيء مركوز في الذّات محبوب لها بحبّ ذاتها؛ لأنَّ الإنسانيّة نوع واحد، وحبّ الذّات كما ينعكس على حبّ شخص النفس كذلك ينعكس على المعنى النوعي للنفس أيضاً.
فبذلك يندفع هذا الفرد إلى تعليم الطلاب وإلى وضع البرامج لهم، وإلى تسهيل المطالب العلميّة وتوضيحها في أذهانهم.
وثالثاً: هو يطمح أن يكون له زمرة خاصّة تمثّل آراءه ومعتقداته، وتتبنّاها بعد حياته، وتكون له عمراً ثانياً، ليقول هؤلاء التلاميذ إنَّنا تلاميذ فلان، وإنَّنا تلقّينا هذه النظريّات عنه، وأنه كان عالماً فذّاً في وقته، وإلى آخر هذا الكلام.
بالإضافة -رابعاً- إلى ما قد يناله الأُستاذ الذي يمارس التدريس في المدارس، من ضمان معيشته بواسطة الرواتب التي ينالها.
وثمَّ سبب آخر لتصدّيه لبثّ آرائه، ينبغي أن يكون هو الأوّل، وهو أنَّه يرى أنَّ هذه الآراء التي تعب في التفكير بها واستنباطها صحيحة وحقيقيّة، ومطابقة للواقع أكثر من رأي أيّ عالمٍ ومفكّرٍ آخر، ومن ثمَّ فهو يرى فيها الواقع الصريح والحقيقة المجرّدة، ويضفي عليها من حبّ ذاته، شيئاً طويلاً عريضاً، ومن ثمَّ يكون له عدّة مبرّرات لنشرها، والإعلان عنها، من أهمّها: أن يعرف الناس وصوله إلى الحقيقة ويقتنعون بذلك، ومنها خدمة الإنسانية المحبوبة بحبّ الذّات وإيصالها إلى ما توصّل إليه من الحقيقة. بالإضافة إلى المبرّرات التي ذكرناها قبل قليل.
ومن ثَمَّ يتّفق مقتضى حبّ الذّات لدى التلاميذ في التعلّم ومقتضى حبّ الذّات عند المعلّم في التعليم، ويتوافقان على هذا الهدف المشترك، وهو جلوسهم أمام المعلّم وجلوس المعلّم أمامهم؛ لأجل أن يعطيهم شيئاً من أفكاره ويطعمهم شيئاً من ثمار ذهنه.
ولهذا السبب نفسه أُسّست المدارس وبنيت المعاهد التعليميّة الابتدائيّة والمتوسّطة والنهائيّة. ومن ثمَّ تعهّدت الحكومات إلى بناء مثل هذه المدارس؛ لأنَّ المجتمع في حاجة إلى الوصول إلى الحقيقة وإلى مزيد من الثقافة والعلم؛ لأجل رقيّه وحضارته، إذن فكلّ ذلك محبوب له بحبّ مصلحته وحبّ ذاته، وعلى الحكومة توفير كلّ ذلك له، والخروج من المسؤوليّة بالطبع محبوب للحكومة بحبّ ذاتها، وخدمة الشعب أيضاً محبوب لها بحبّ ذاتها.
وهي ضمناً أيضاً تجعل التلاميذ تحت سيطرتها الروحيّة المعنويّة، فتبث في نفوسهم الناشئة ما تريد من المفاهيم وما تُؤمن به من الأفكار، وهم لصفاء ذهنهم وقابليّتهم المطلقة لتلقّي أيّ علمٍ وأيّ فكرةٍ – كما فسّرناه في آخر المبحث السابق- يتلقّون ذلك برحابة صدر، ولا يتلقّون جواباً عليه أو مناقشة له، ومن ثمَّ ينشؤون على ما تريد الحكومة وتهوى. فيكون ذلك في مصلحة الحكومة وموافقاً لحبّها لذاتها.
ومثل هذا التوجيه يكون غالباً في الحكومات الإيديولوجيّة التي تحمل في سياستها فكرة معيّنة، وتتّجه إلى هدفٍ خاصٍّ، ومن ثَمَّ تودّ تسريب هذه الفكرة وهذا الهدف إلى نفوس ناشئتها وطلّاب مدارسها، وبخاصّة وهم أسرع الناس لها تقبّلاً، وأكثرهم شوقاً، وأبعدهم عن استطاعة المناقشة والجواب.
أمّا الدول غير الإيديولوجيّة، والتي لا تحمل فكرة معيّنة أو هدفاً خاصّاً، سوى نفس آراء الشعب وخدمته، فمثل تلك الدول عادةً وبشكلٍ عامّ لا يوجد في مدارسها شيء من التوجيه إلَّا ما ربما يكون لا شعوريّاً وخفيّاً إلى أكبر حدٍّ ممكن، ويكون في العادة غير دائر حول أيديولوجيّة معيّنة وإنَّما يحمل التأكيد على حبّ الحكومة والوطن والحماس في الدفاع عنه، وإلى روح الدستور العامّ الذي تتبنّاه الحكومة وغير هذه الأفكار ممّا لا يدور حول عقيدة معيّنة بالذّات.
لماذا يتزوج الإنسان؟
لماذا يتزوّج الإنسان، ولماذا ينجب الأولاد، ويكوّن الأُسرة، ويبني الدور ويؤثّثها بأحسن الأثاث، ويحاول جلب أكبر مقدار من المال من أجلها؟
يقول فرويد: إنَّ كلّ ذلك من أجل الغريزة الجنسيّة، واندفاعاً إلى إشباعها( ).
ويقول كارل ماركس: إنَّه من أجل الاقتصاد، ومن أجل تأثير هذا العامل الكبير( ).
وأقول: إنَّه من حبّ الذّات.
فإنَّه من الغريب أن يكون الزواج أمراً ناشئاً عن الاقتصاد. كما أنَّه من الغريب أن يكون جلب المال أمراً ناشئاً عن الغريزة الجنسية كما هو واضح. كما أنَّه من الغريب أن يكون بناء الدور مثلاً، وتأثيثها بأجمل الأثاث، ناشئاً من أيٍّ منهما، إلَّا أنَّ كلّ ذلك ناشئ من حبّ الذّات، بشكلٍ طبيعيّ وواضح.
أمّا الزواج، فباعتبار ما يجده الجنسان في نفسيهما من الميل نحو بعضهما البعض، ذلك الميل الغريزي الأوّلي الذي يودّ الإشباع بأيّ طريقٍ كان، والإنسان يعلم ضمناً أنَّ الإشباع غير المنظّم خلاف القانون وخلاف التعاليم الدينية، وخلاف الأخلاق والأعراف الاجتماعيّة عادةً، ومن ثمَّ فهو يتجنّبه مندفعاً من حبّ ذاته؛ وذلك تحاشياً للأضرار التي قد يقع فيها من جرّاء مخالفته، بالإضافة إلى أنَّه لن ينال منها ما يناله من الزواج، وتنظيم حياته وأسرته وإنجاب الأطفال وغير ذلك من فضائل الحياة الزوجيّة التي لا تنال بالإشباع السائب كما هو واضح.
ومن ثمَّ يميل الفرد إلى الإعراض عن الإشباع السائب، وتكوين الحياة الزوجيّة إشباعاً لغريزته الجنسيّة من ناحية وميلاً إلى ما في الزواج من مصالح تعود على الذّات بالخير في النهاية، ممّا لا يمكن توفّرها بدون الزواج.
ومن ثمَّ يتزوّج مفضّلاً إشباع غريزته على الراحة التي كان عليها قبل زواجه، ومفضّلاً التعب الذي سوف يلاقيه والمسؤوليّة التي سوف يتحمّلها على ذلك التعب الجنسيّ الذي كان لديه قبل زواجه.
وبعد أن يتزوّج الفرد، تكون عليه مسؤوليّة إدارة الأُسرة وحمايتها، سواء من قبل الرجل بما هي وظيفته، أو من قبل المرأة بما هي وظيفتها، حسب التقاليد والقوانين. ومن ثمَّ نجد الرجل والمرأة يتعاونان تعاوناً مشتركاً لأجل الوصول إلى تنظيم حياتهما وراحة نفسيهما اندفاعاً من حبّهما لذاتهما.
وهما أيضاً يودّان إنجاب الأطفال؛ وذلك لمبرّرات عديدة، فإنَّ الأطفال يغيّرون الجوّ الحياتي للإنسان وينشرون فيه المرح والسرور عادة، كما أنَّهم يخدمون الأبوين بعد شيبهما ويلمّون شعثهما بعد تفرّقه، بعد أن كانا قد ربّياهم وتعبا عليهم، وهم أيضاً يكونون للفرد بعده حياة ثانية له، يذكرونه بالخير ويتبادلون معه الحبّ والإخلاص، وهو في عالمه الآخر، ولربّما يكون منهم من هو شهير وعظيم – بشكل من الأشكال- فينسب إليه ويقال إنَّ هذا الشهير هو ابن فلان، وذلك أيضاً نصر عظيم للأب.
فلهذه المبرّرات ولما قد يجده الفرد من مبرّرات أُخرى في ذهنه، يندفع اندفاعاً تلقائيّاً من أجل حبّ ذاته إلى تربيته الأطفال وإلى التعب عليهم، وتكون هذه التربية من الأهميّة في نظره بمكان، بحيث تستحقّ في نظره كلّ تعبٍ وإجهاد، وكلّ صرف مالٍ وبذل وقتٍ وجهد.
الحصول على المال:
لهذا، ولأجل توفير سائر حوائجه الحياتيّة، يودّ الحصول على المال، فيتصدّى لطرق أبوابه بأيّ شكلٍ من الأشكال، فيكون تاجراً أو موظّفاً أو عاملاً أو فلّاحاً، أو غير ذلك من الحرف والصناعات التي تدرّ له المال، وهو ضمناً نراه يختار أكبر مهنة يمكن أن يمارسها ممّا يجلب له المال، فإنَّ هناك من المهن ما لا يستطيع ممارستها من حيث قابليّته النفسيّة أو الاجتماعيّة أو غير ذلك، إلَّا أنَّ هناك طبعاً قائمة معيّنة من المهن يستطيع ممارستها في حياته من خلال مجموع ما يتّصف به من قابليّات نفسيّة واجتماعيّة، وهو يختار أكثرها رزقاً وأسهلها عملاً – حتماً- اندفاعاً من حبّ ذاته.
الحصول على الأولاد:
ويوجد الأولاد فيجدون والديهما يتعبون عليهم ويحبّونهم ويبذلون من أجلهم من المال والجهود. ولا يخفى أن هذا التعب الذي يبذله الوالدان ناشئ من حبّ الذّات أيضاً باعتبار وقوع التزاحم في نظر الوالدين، بين إهمال الولد بشكلٍ يقضي على حياته أو بشكلٍ يجعل منه مجرماً، وعدوّاً لأبويه وللمجتمع، وبين التعب عليه لأجل إثمار نتيجة طيّبة منه، فبالطبع يفضّل الوالدان هذا التعب على تلك النتيجة السيّئة التي يستتبعها الإهمال.
وحبّ الشخص المحبّ والنافع للإنسان، أمرٌ ناشئ من حبّ ذاته، ومن ثمَّ يصبح هؤلاء الأولاد محبّين لأبويهم مخلصين لهما، وهم في المدى البعيد يجدون مسؤوليّة ردّ الإحسان إليهما بإحسان، وذلك بالتعب عليهما بعد شيبهما وصرف المال في سبيلهما وإيفاء حقّهما إليهما عند ذلك، فإن شعر الأولاد بذلك كانوا كرماء أوفياء.
وهناك أولاد أنانيّون لا يهمّهم إلَّا مصلحة أنفسهم وحبّ ذاتهم، ومن ثمَّ لا يرون مقتضياً – من حبّ ذاتهم – للاندفاع إلى إيفاء حقّ أبويهما؛ تفضيلاً للمصالح الآنيّة المؤقّتة التي يعيشونها في حياتهم على مصلحة أبويهما اللذين خدماهما وتعبا عليهما في صغرهم، ومن ثمَّ فهم ينصرفون إلى أعمالهم معرضين عن والديهم.
والولد الصغير عادةً ينفر من أوامر أبويه ويجد لها ظلاً ثقيلاً على نفسه؛ وذلك: لأنَّه يميل بطبعه إلى تلك الحريّة السائبة التي يميل إليها الإنسان حسب القاعدة الأوّليّة، ولا يدرك ضمناً أنَّ القوانين والقواعد والأخلاق ينبغي أن تراعى وأنَّها توصل الفرد إلى كماله أسرع من تلك الحريّة السائبة. فمن ثمَّ يرى الطفل بأنَّ اتّباع الحريّة السائبة أولى من اتّباع القوانين والأوامر التي يوجّهها له أبوه أو المجتمع أو أيّ شيءٍ آخر.
إلَّا أنَّ الأب والمجتمع طبعاً لا يكفّان عن إصدار الأوامر والنواهي إلى هذا الولد، ولا يكفّان عن تنشئته تنشئةً موافقة لهما، وذلك لأجل أن لا يخرج الولد شاذّاً على مجتمعه وتقاليد قومه، فيكون بذلك مخالفاً لحبّ الذّات في المجتمع، وعند الأهل والأب والأسرة، فيتعب عليه، ويأمر وينهى رغماً على أنفه.
إلَّا أنَّه شيئاً فشيئاً وبصورة تدريجيّة بطيئة، يصبح مدركاً لمغزى القوانين وللأخلاق والنظم، ويصبح عارفاً لمصالحها، وبأنَّها موافقة لحبّ ذاته، أكثر من الحريّة السائبة التي كان يتوق إليها، ومن ثمَّ يستجيب لها استجابة تلقائيّة.
بل إنَّه حينئذٍ يتصدّى للبحث والتنقيب عن أفضل الطرق الأخلاقيّة وأحسنها أثراً بين الناس – مثلاً – حسب قريحته وحسب تفكيره.
وبعد أن يكبر الطفل ويتعرّض لكثيرٍ من حوادث الحياة ويعيش تاريخاً طويلاً فيها، يصبح مجرّباً محنّكاً، بمعنى: أنَّه يدرك مصلحته ومقتضيات حبّ ذاته، في أكبر مقدارٍ ممكن في حوادث الحياة، ويستطيع أن يقدّر ما ينبغي أن تكون مصلحته عليه في النظر العميق. وبعبارة أُخرى: إنَّ الشخص المحنّك هو الذي يدرك بوضوحٍ كيفيّة التكيّف للمقتضيات الحياتيّة – مهما كان نوع تأثيرها- بما يوافق حبّ ذاته أكبر قدر ممكن، وبذلك يحقّق صغرى متينة لقياس حبّ الذّات، أمّا الكبرى فهي مشتركة حكماً بين المحنّك والغرّ.
أمّا الشخص الغرّ المتهوّر، فهو ذلك الشخص الذي ينظر إلى حبّ ذاته وإلى مصلحته بالشكل الآنيّ الوقتيّ الذي يمكن أن يتحوّل ضدّه في يومٍ من الأيّام، وليس له ذلك البصر البعيد والبصيرة العميقة التي تدلّه على النتائج النهائيّة لأفعاله. فهو يختار مصلحة ومقتضى حبّ ذاته في ذلك الآن الذي يحتاج فيه إلى شيءٍ من الأشياء، أمّا بعيد النظر فهو الذي يختار أن تكون النتيجة في صالحه، وإن أوجب تضرّره بشكلٍ من الأشكال في أوّل وهلة من النظر.
بناء المساكن ونشأتها من حبّ الذات:
لماذا يبني الإنسان المساكن؟ ولماذا يعتني بها ويزخرفها؟ ولماذا يتمنّى أن يكون منزله أحسن ما يمكن أن يكون بالنسبة إلى تمكّنه وإلى منزلته الاجتماعيّة والاقتصاديّة؟
أمّا أصل بناء المنازل، فذلك ممّا التفت إليه الأقدمون من الناس، حيث التفت الإنسان بُعَيد وجوده على سطح هذه الأرض: أنَّ في الطبيعة قوىً جبّارة ووحوشاً كاسرة، وأُموراً كثيرة، قد تطيح بحياة الإنسان بين لحظة وأُخرى، لذا فقد اضطرّ الإنسان – تحاشياً عن هذه الأضرار- إلى التعب على السكن في بناء البيوت، وكانت البيوت أوّلاً عبارة عن كهوف يلجأ إليها الإنسان القديم احتماءً من تلك الأضرار الطبيعيّة، ولا تزال بعض الحيوانات تلجأ إليها حتّى الآن.
واللجوء إليها موافق لحبّ الذّات، كما اتّضح من سير هذا الحديث، حيث إنَّه منجٍى له من الأخطار الطبيعيّة.
تطوّر المساكن:
إلَّا أنَّ الإنسان لم يكتف بهذا البيت البسيط الذي اختاره لنفسه أوّل وهلة – وهو الكهف- بل أصبح يترقّى به شيئاً فشيئاً؛ لأنَّه كلّما يمرّ زمان معيّن يرى أنَّ البيت الذي تحت استعماله لا يصلح لتمام الحماية وتمام الأمن والسعادة، فيطمح إلى بيتٍ أحسن وأجمل وأقوى، ويكون اختيار البيت الأحسن – حتماً- أفضل وأقرب إلى حبّ الذّات من البيت القديم.
وبذلك تطوّرت البيوت على مدى [تاريخ] البشريّة تطوّراً مستمرّاً، واتّخذت أشكالاً مختلفة، في مختلف الأمكنة والأزمنة، وعلى اختلاف البيئات والعصور، كلّ بيئة حسب ما يعرف ساكنوها أنَّ هذا الشكل من البناء يكفي لحمايتهم التامّة من الأخطار الطبيعية، ويرضي طموحهم بنيل بعض المنافع منه. ثمَّ يبدو النقص على هذا الأسلوب أيضاً، ويتوقون مرّةً أُخرى إلى الأفضل فالأفضل.
الاعتناء بها:
ويعتني الإنسان بالبيت ويجلب له أكبر قدر ممكن من الأثاث، ومن موجبات الراحة والرفاه والسعادة، في حدود إمكاناته الاقتصاديّة ومقتضياته الاجتماعيّة واعتباراته النفسيّة، وحاجاته البيولوجيّة والعلميّة وغير ذلك. وهذه الأُمور تختلف بين بلدٍ وآخر وبين أُسرة وأُخرى، لذا نجد أنَّ ترتيب بيت كلّ أُسرة يختلف قليلاً أو كثيراً عن ترتيب بيت الأُسرة الأُخرى، ونجد أنَّ ترتيب كلَّ بيتٍ بالنسبة إلى الأُسرة نفسها الساكنة فيه والمرتّبة له أفضل من ترتيب باقي البيوت، بحيث لو قُدّر لهذه الأُسرة أن تعيش بترتيبٍ آخر لتعذّر عليها العيش مثلاً.
ولا يخفى أنَّ هذه العناية الكبرى بالبيوت نابعة من حبّ الذّات نفسه.
لبس الثياب:
والتباني بين العقلاء من البشر على لبس الثياب، أيضاً أمرٌ نابع من حبّ الذّات، فالثياب بوجودها الصرف أمرٌ ضروريّ للحاجة البايولوجيّة لبدن الإنسان، حيث تقيه من الحرّ والبرد، ومن كثير من أضرار الطبيعة وأخطارها، ولذا كان وضعها على البدن خير من عدم وضعها على كلِّ حال.
بالإضافة إلى ما فيها من جنبة أخلاقيّة واجتماعيّة كبيرة تجعل لبسها أيضاً موافقاً لحبّ الذّات.
العناية بالثياب:
وتجميل الثياب أيضاً منبثق من حبّ الذّات، وذلك لتوقان الإنسان من الكامل إلى الأكمل في جميع ميادين الحياة، وهذا التوقان بنفسه نابع من حبّ الذّات أيضاً، إذن فمهما استطاع الإنسان أن يجعل هندامه أجمل وأظرف في نظر النّاس بالمقدار الذي يناسب مقداره الاجتماعيّ والاقتصاديّ يكون أولى وأوفق بحبّ ذاته.
ولا يستثنى من هذا التفكير أحد، إلَّا أنواع معيّنة من الناس يجدون مصالحهم الاجتماعيّة وأحياناً الاقتصادية وأحياناً مصالح أُخرى، مرتبطة بلبس الثياب الرثّة والقديمة، وعدم إظهار البزّة الجميلة للنّاس، ومن ثمَّ فهم يفضّلون هذه المصالح على مصلحة تجميل الثياب وزروقتها.
والأمر الغالب بالنسبة إلى الرجال المنهمكين في علمٍ أو عملٍ أو تجارةٍ وما إلى ذلك أنَّهم يرون القيام بواجبات اختصاصهم خير من التأكيد الكبير على منظرهم الخارجي، ومن ثمَّ نرى مثل هؤلاء النّاس لا يلبسون إلَّا بالمقدار الذي لا يكون قبيحاً في نظر الناس أو جالباً لهم العيب والعتب.
أمّا النساء فالأمر فيهنّ على العكس، حيث يكون من مصلحتهنّ المباشرة لبس أجمل الثياب وأحسن الحُليّ، لذا تراهنّ يتُقن إلى الأحسن فالأحسن في هذا السبيل، ويصنعن في سبيله المستحيل. ولا يستثنى من ذلك إلَّا عدد من النساء قليل يكنّ مهتمّات جدّاً بدراسةٍ أو علمٍ أو عملٍ أو تديّنٍ متطرّف، أو كانت الشيخوخة قد أخذت مأخذها من المرأة بحيث لا تجمّل عليها الثياب مهما كانت.
البزّة الموحدة:
أمّا لبس البزّة المعيّنة لكلّ شخصٍ معيّن، فهو أيضاً ناشئ من حبّ الذّات، وذلك أنَّ الشخص ذا المهنة المعيّنة، إذ يرى أنَّ أصحاب مهنته يلبسون زيّاً معيناً فهو يرى أنَّه ينبغي له أن يلبس مثلهم وأن ينخرط في سلكهم عملاً ولباساً. ولذا نرى أنَّه يجد أنَّه من مصلحته مماثلتهم في الثياب، وإتّباع المصلحة أمرٌ محبوب لدى النفس بحبّ ذاتها.
بالإضافة إلى أنَّ محافظته على الزيّ المعيّن لأهل مهنةٍ سوف يعيّن له طابعه الاجتماعي، ويركّز شخصه كصاحب حرفة معيّنة في المجتمع، وبما أنَّه قد يحبّ عمله بحبّ ذاته، إذا كان قد اختاره لنفسه بحريّة، فهو يحبّ لباسه الذي يدلّ النّاس أنه يعمل مثل ذلك العمل، ومن ثمَّ تكون محافظته على ذلك اللّباس من حبّ ذاته.
أمّا نشوء هذه الفكرة، وهي أن يكون لكلّ طبقةٍ ولكلّ مهنةٍ في المجتمع لباساً معيّناً، فذلك أمرٌ تاريخيّ طويل، شاركت فيه كثير من المؤثّرات والعوامل، وعلى رأسها حبّ الذّات نفسه.
وذلك: أولاً: أنَّ عضو كلّ طبقةٍ وصاحب كلّ مهنةٍ، له دخل معيّن، فلذا يكون طبيعيّاً أن يلبس من الثياب كميّة ومظهراً بقدر دخله، لذا اختلفت ثياب أصحاب الدخول المختلفة، وكان العامل أحطّ ثياباً من التاجر مثلاً؛ لعدم استطاعته شراء الثياب التي يلبسها التاجر عادةً، فلبسها وإن كان موافقاً لحبّ ذاته – بالقاعدة الأوّليّة لا بالاعتبارات الاجتماعيّة- إلَّا أنَّه غير ممكنٍ له، وأمّا التاجر فلا يلبس مثل ثياب العامل؛ باعتبار أنَّه متمكّن [على] اللّباس الأحسن، فهو يتوق إليه بحسب حبّ ذاته.
وثانياً: أنَّ تمييز كلّ مهنة بلباسٍ معيّن يجعل لأصحاب المهنة طابعاً معيّناً يُعرفون به ويتميّزون عن سائر النّاس به، وبذلك يوضعون من الناحية الاجتماعيّة حسب قدرتهم ومنزلتهم في الحياة، فتكون هذه الفكرة في صالح المجتمع، وموافقة لحبّ الذّات فيه؛ إذ إنَّ كلّ فردٍ فيه يحرص على عمله وعلى طبقته التي هو فيها، لذا فهو يفتخر ضمناً – ما دام في ضمن هذه الطبقة أو هذا العمل على الأقلّ- أن يلبس نفس الثياب التي يلبسها أهل مهنته، وأن يعرفه الناس بها، فيكون لبس هذه الثياب موافقاً لحبّ ذاته.
الطعام وحب الذات:
وطعام الإنسان أيضاً من حبّ الذّات، وذلك: أمّا أصل وجوده؛ فلأنَّه مشبع لحاجة بايولوجيّة أساسيّة هي الجوع، فيكون إشباع هذه الحاجة موافقاً لحبّ الذّات وفي مصلحة الإنسان؛ وذلك لأنَّ عدم إشباعها يؤدّي إلى الألم وقد يؤدّي إلى الهلاك. وبهذا الصدد لا بأس أن نتذكّر قول أبي ذر عليه الرحمة والرضوان: عجبت لمَن لم يجد الطعام في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه.
وأمّا تزويقه والتفنّن فيه، وبذل المال عليه في كثير من الأحيان
-وحسب منزلة الإنسان الاقتصاديّة والاجتماعيّة- فذلك أيضاً موافق لحبّ الذّات؛ وذلك لأنَّ للإنسان ذوقاً جماليّاً في الأطعمة وفي الألوان وفي كثير من نواحي الطبيعة، وذوقه في الأطعمة يستدعيه – بحسب حبّ ذاته- إشباعه بشكلٍ جميل، وينفر من الطعوم الخبيثة النتنة، كما أنَّ ذوق الألوان مثلاً يستدعي وجود الألوان بشكلٍ جميلٍ وبترتيب حسنٍ، وينفر من بعثرة الألوان وقتامها؛ وذلك كلّه انطلاقاً من حبّ الذّات نفسه.
ولا يخفى أنَّ توقان الإنسان من الكامل إلى الأكمل، تلك الغريزة الناشئة من حبّ الذّات، منطبعة أيضاً على الذوق الجمالي، فنرى هذا الذوق يطالب صاحبه بإشباع أكبر فأكبر، وكلّما كان الإشباع مركزاً أكثر كان إيفاءً وإشباعاً ولذّة للذوق أكثر، ويستجيب الإنسان لهذه المطالبة على اعتبار أنَّ إجابتها تحتوي على لذّة، ونيل اللذّة موافق لحبّ الذّات حتماً.
ومن ثمَّ نرى الإنسان يتعب في سبيل هذه الغاية، وهي تزويق الطعام وإزادة طعومه وألوانه وجعله بشكلٍ يبعث [على] الشهيّة. [فهو] يتعب على ذلك من نواحٍ كثيرةٍ بالحصول على مزيد من المال، وبالحصول على الموادّ من مظانّ وجودها، وببذل الجهد على طبخه بالشكل المناسب الصحيح، وهو إنَّما يبذل هذه الأتعاب لأنَّه قد يرى الغاية التي استهدفها في طعامه أهلاً لمثل هذه الأتعاب، إذاً فهذه الأتعاب موافقة لحبّ ذاته.
كلّ ذلك في حدود إمكانيّاته الاقتصاديّة ومنزلته الاجتماعيّة، فإذا كان عاملاً فقيراً محدود الرزق، فهو يتمنّى كلّ ذلك، إلَّا أنَّه قاصرٌ عن الوصول إليه، وهنا يختلف الفقراء، فقد نرى أنَّ عدم إشباع هذه الحاجة يحدث في نفس الفقير همّاً وغمّاً، وقد تتجلّى في نفسه بشكل اندفاعٍ حماسيّ إلى اجتلاب المال، وقد تتجلّى في نفسه بشكل تضحيةٍ في سبيل عقيدةٍ من العقائد، وقد تتجلّى بشكل قناعة ورضى وطيب نفس. كلّ ذلك حسب ما يشخّصه الإنسان من المقتضيات الموافقة لحبّ ذاته.
وأمّا إذا كان متموّلاً يستطيع بسط أكبر مقدارٍ من ألوان الطعام أمامه، فهو يعمل ذلك انطلاقاً من حبّ ذاته.
ونرى العامل الذي لا يستطيع ذلك، نراه يكدح ويشتغل في سبيل ترقية معاشه، وتحصيل لونٍ جديدٍ من الطعام في سفرته.
إكرام الضيوف:
وبالمناسبة نأتي إلى إكرام الضيوف، فإنَّ الضيوف – عادة- تنقل لهم الجفان وتستطاب لهم الألوان ويدمث معهم الخُلق ويتعب معهم المضيّف، ويتحمّل ما فيهم من نقص وقصور وما فيهم من زحمات؛ وذلك كلّه انطلاقاً من حبّ ذاته، لئلّا يقال عنه أنَّه قاصرٌ عن الإضافة أو أنَّه بخيل، أو غير ذلك من الصفات التي إذا اشتهرت عنه كانت خلاف مصلحته، ومن ثمَّ خلاف حبّ ذاته. هذا إذا كان الضيوف من الغرباء.
أمّا إذا كانوا أصدقاء أو أقرباء، بحيث إنَّهم كانوا محبوبين إلى نفسه، فيكون إكرامهم إكراماً للنفس، وانطلاقاً من حبّ الذّات بشكل مباشر.
وعلى كلّ حالٍ فالتقاليد العامّة والنصائح الإسلاميّة كلّها توحي بإكرام الضيف، وإكرامه بأيّ شكلٍ من الأشكال انطلاقاً من حبّ الذّات بالذّات.
الأسواق التجاريّة:
ومن هنا نصل إلى موضوعٍ آخر، وهو أنَّ توقان الإنسان إلى الأكمل فالأكمل فيما طرقناه من الأُمور وفيما لم نطرقه في العلوم، وفي تدبير المنزل وفي الطعام وفي اللباس، وفي غير ذلك من الحاجات الدنيويّة الأساسيّة للمعيشة، كلّ ذلك فتح باباً واسعاً للأسواق، وجعلها تتفنّن في توفير سبل المعيشة المرفّهة للناس؛ لكي يكون سوقهم مرغوباً، وليكثر فيه المشترون. إذن، كان هذا التفنّن في تزويق اللّباس والطعام والدور والاستزادة من طبع الكتب والقصص مثلاً، كلّه وإن كان عملاً تجاريّاً، إلَّا أنَّه في نفس الوقت في مصلحة الناس أوّلاً، وفي مصلحة أهل السوق ثانياً؛ باعتبار أنَّه يكثر الرغبة عليهم ويزداد مشتروهم، ومن هنا نلاحظ أنَّ مصلحة أهل السوق وما يوافق حبّ ذاتهم، مشترك، مع ما يوافق المستهلكين في الغالب.
ومن هذا المنطلق بالذّات، وإيفاءً لحاجات الإنسان، عُملت المعامل، وبُنيت الصناعات وأُسّست الزراعات، وغير ذلك من أُمور الحياة الموسّعة، والأسواق العالميّة، فكان كلّ ذلك ناشئاً من حبّ الذّات.
إلَّا أنَّه لا يخفى أنَّ التجّار حيث إنَّهم يعرضون بضائعهم لأجل حبّ ذاتهم لأنفسهم، لا لأجل حبّ الناس في الأغلب فهم يراعون في بضائعهم حبّ ذاتهم، فيريدونها بأغلى مقدارٍ من الثمن، يمكنهم أن يبيعونها فيه، والمشتري يريدها بأقلّ مقدار يمكن أن يشتريها فيه.
وهم يعرضون المادّة بكميّة معيّنة بحيث توحي أنَّها قليلة الوجود في الأسواق، وهم قد يغشّون وقد يحتكرون ويحاولون أخذ أكبر مقدارٍ ممكنِ من المال لقاء أقلّ مقدارٍ من السلعة أو من العمل – بالنسبة إلى العمّال مثلاً- وذلك كلّه انطلاقاً من حبّ ذاتهم، وحرصاً على مالهم من الضياع والتفرّق، وعلى بضاعتهم من التوزّع والتلف.
وطبعاً، فإنَّ حبّ الذّات عند المشتري يكون مخالفاً لحبّ الذّات عند البائع، ومن هنا يحصل تصادم وتحصل بعض المشكلات، ومن هنا تقنّن القوانين وتوضع الدساتير وتفكَّر الأفكار، فينبع في الوجود علم الاقتصاد والقوانين الاقتصاديّة والتجاريّة لتنظيم الحالة بين البائع والمشتري.
ومن هنا تنقسم المذاهب وتتفرّق الأفكار في تشخيص ما ينبغي أن يكون عليه السوق في هذا الحال، فالرأسماليّة – مثلاً- تفضّل الحريّة في البيع والشراء، ممّا يجلب النفع بصورة أكبر لـِمَن لديه مال أكثر. فتكون الطبقيّة في المجتمع، ويكون هناك ناس متموّلون وآخرون فقراء. ويكون هناك تحكّم وتعسف، إلى آخر مفاسد الرأسماليّة ممّا لسنا بصدده.
وتأتي مذاهب أُخرى فتضمن محاسن الرأسماليّة، وتشطب مساوئها، وتضع حلولاً أُخرى لها، وكلّ هذه المذاهب – على كلّ حال- نابعة من حبّ الذّات؛ باعتبار تنظيم السوق والرقيّ به من الحسن إلى الأحسن، وهذا الرقيّ نابع من حبّ الذّات بطبعه.
المال:
ولا بأس بالمناسبة أن نحلّل سنخ عاطفة الإنسان عادة إلى المال. ولا يخفى في المقام أنَّ حبّ المال أمرٌ طبيعيّ وأنَّه منبثقٌ من حبّ الذّات، وأنَّ الإنسان يودّ أن تكون له ملكيّة خاصّة يعيش بها ويقتات على أساسها وينمو من كامل إلى أكمل بواسطتها، ومن ثمَّ تُنتقد المذاهب التي تلغي الملكيّة الخاصّة إلغاءً تامّاً.
وعلى كلّ حال، فإنَّ الإنسان يودّ بطبيعته الحصول على أكبر مقدارٍ ممكنٍ من المال، وصرف أقلّ مقدارٍ ممكنٍ منه، إلَّا فيما هو أهمّ من المال في نظره، من أُموره الحياتيّة والعلميّة والمعاشيّة وغير ذلك.
وقد تكون الأُمور المعنويّة أيضاً دافعة للإنسان على بذل المال، كبذله في إكرام الضيوف – مثلاً- لتحصيل المدح والثناء، أو لتحصيل الثواب بالنسبة إلى إطاعة الأمر الإسلامي على إكرامهم، ومثل بذل المال في سبيل العقيدة أو في سبيل ترويج مذهب معيّن مثلاً.
وذلك كلّه تابع لذوق الإنسان، ومقدار تفكيره. فإن رأى هذه الأُمور من الأهمّية بحيث تكون لها الصلاحيّة على مزاحمة حبّ المال، وتكون أفضل منه، فإنَّه يبذل المال في سبيلها، وأمّا إذا رأى حبّ المال في نفسه شديداً، وأنَّ تلك الأُمور لا تهمّه بشكلٍ من الأشكال، فإنَّه يكون غير مستعدٍّ لبذل المال في سبيلها والتضيحة به – وهو العزيز عليه- من أجلها. لذا يوصم مثل هذا الشخص بالبخل، ويسمّى الشخص الذي يكون من قبيل الأوّل بالكريم.
والبشر عادة يكونون بين هذا وذاك، متدرّجين في سلّمٍ طويلٍ متصاعد، كلّ في حسب فهم ومقدار ثقافته وعقليّته، يصرف المال فيما يراه حاجة وضرورة لنفسه، ويُبقي المقدار الآخر لوقتٍ آخر.
عقد الصداقات:
ولماذا يعقد الإنسان الصداقات ويكوّن مع الآخرين أواصر من المحبّة والإخلاص؟ سبق أن عرفنا في أكثر من موضع: أنَّ هناك أهدافاً معيّنة يحتاج الإنسان إلى السعي نحوها، ولا يستطيع ضمناً أن يسير نحوها بمفرده، وإنَّما يحتاج إلى الآخرين لكي يتعاون معهم في سبيل السعي نحو هذا الهدف وهذا الكمال، كتيسير الحياة الاجتماعيّة، وكنشر العدل والرفاه في المجتمع، وكالتعاون لتذليل مشكلة معيّنة أو جمع المال من جهة معيّنة وإلى آخره. وعلى كلّ حال فإنَّ الحياة الفرديّة لا يمكن أن تكون إلَّا منضمّة إلى حياة الآخرين. ومن ثمَّ كان من مصلحة الفرد أن يتصادق وأن يكوّن مع غيره محبّة مّا بشكلٍ من الأشكال؛ لكي يتعاونا أو يتعاونوا في الوصول إلى الهدف المشترك. وكلّما زاد تعاونهم زادت محبّتهم؛ لأنَّ محبة الإنسان لـمَن ينفعه من مقتضيات حبّ ذاته أيضاً.
والهدف كما يكون اجتماعيّاً كذلك قد يكون عقائديّاً، فإنَّ الهدف المشترك بين الجماعة قد يكون هو نشر العدل والرفاه في المجتمع، وقد يكون هو السعي نحو هدفٍ معيّنٍ أو نشر عقيدةٍ معيّنةٍ، أو هو الرقيّ نحو الكمال الإلهي مثلاً.
ومن هذا الشقّ الأخير نعرف معنى الأخوّة في الله تعالى، فإنَّها عبارة عن أواصر المحبّة والولاء التي تُعقد بين الشخصين في سبيل مرضاة الله تعالى، وفي سبيل الرقيّ إلى هدفه العظيم الذي يريده لهما.
وقد تكون الصداقة بنفسها محبوبة لحبّ الذّات، لا لما تجنيه من أهداف ولما تنال النفس بسببها من مكاسب، وإنَّما تكون الصداقة بنفسها مكسباً، وذلك في موارد:
منها: صلة الأرحام في العرف الإسلامي، فإنَّ صلة الأرحام بنفسها مندوبة في الإسلام وإن لم تجر وراءها شيئاً من النفع، وإنَّما ينتفع الإنسان عند صلة قرابته من الثواب الإلهي الموعود به، إذا وصل رحمه.
ومنها: مّا يتقرّب به الفقراء إلى الأغنياء لجلب المال، أو ما يتقرّب به الضعفاء للأقوياء لتحصيل القوّة أو إلى الحكّام لجلب المصالح وقضاء الحوائج، فإنَّه في مثل ذلك لا يكون الغنيّ ولا يكون الحاكم مشاركاً للضعيف بالسعي نحو هدفٍ معيّن، إلَّا أنَّ الضعيف هو الذي يتقدّم ويحاول جلب قلب القويّ ومحبّته؛ لأجل أن ينال منه بعض الخير طمعاً في ثوابه ولأجل مصلحة نفسه.
فسخ الصداقات:
ومن هنا نستطيع أن نرى الأسباب التي قد تؤدّي إلى فسخ الصداقات.
أمّا بالنسبة إلى الصداقة التي تنشأ طمعاً، فهي تزول بمجرّد زوال ذلك الطمع. أو تلك الصداقة التي تنشأ لنيل مصلحةٍ معيّنةٍ من فردٍ معيّن كقضاء حاجةٍ أو السعي في حلّ مشكلة، فإنَّها تنفسخ عندما يرى أنَّ ذلك الفرد غير مستعدّ لقضاء الحاجة أو لحلّ تلك المشكلة.
وأمّا الصداقات الاجتماعيّة التي هي عبارة عن التوافق لأجل نشر العدل والرفاه في المجتمع، فتلك في العادة صداقة لا تفسخها إلَّا بعض الطوارئ والمشكلات، حيث يرى كلّ فرد من أفرادها أنَّ بقاءه على تلك الصداقة مخلّ بحبّ ذاته، ومكروه له، وعند ذلك فهو يفضّل مصلحته على مصلحة الشخص الآخر، وعلى مصلحة المجتمع الذي أخلصا له وعملا في سبيله، أو قد يرى أنَّ فسخ الصداقة في مصلحة المجتمع أيضاً، وإن لم تكن في مصلحة الشخص الآخر.
وإنَّ أقوى الصداقات وأعمقها هي الصداقة في سبيل العقيدة والهدف المشترك، ومن هنا تبقى نافذة المفعول وسارية، يعمل الطرفان في سبيلها عملاً مشتركاً مخلصاً، وتبقى سارية المفعول ما دام الهدف موجوداً بينهما، فإذا تهدّم الهدف واختلف بينهما، فإنَّهما سوف يفترقان، وسوف يجد كلّ منهما أنَّ من مصلحته وحبّاً لهدفه وحب ذاته، أن يختلف مع صاحبه وأن يفترق عنه؛ لأنَّ في صداقته خيانة لتلك الأهداف التي سطّرها في ضميره.
ومن هنا كان اختلاف الهدف سبباً لاختلاف الجماعات واختلاف أفرادها، كما سبق أن قلنا في طريقة تكوّن الجماعة فراجع.
ولعلّنا في المقام نستطيع أن نجد للأخوّة في الله معنىً آخر، وهو التضامن والإخلاص في سبيل الهدف الإسلامي المشترك؛ في سبيل الهدف الذي سطّره الله لعباده في دينه القويم.
ويكون المسلم عادةً مخلصاً ومجتهداً في سبيله، ويكون المسلم الآخر كذلك، فعند ذلك يشتركان في سبيل ذلك الهدف المشترك، وتكون أخوتّهما أخوّة في الله تعالى مرضيّة له عزّ وجلّ، كما قال تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}( )، وقال: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}( ).
فمدَح مثل هذه الجماعة وأثنى عليها، وهي ما كانت هكذا إلَّا لحبّ عقيدتها والإخلاص لها، تلك العقيدة المحبوبة لها بحبّ ذاتها.
محمّد الصدر
النجف الأشرف- العراق
شعبان 1384 هـ/كانون الأوّل 1964م
فهرس المصادر والمراجع
• القرآن الكريم
• نهج البلاغة
1. الاختصاص، الشيخ محمّد بن محمّد المفيد، تحقیق: علي أكبر الغفاري، دار المفيد ـ بيروت، الطبعة الأُولى، 1413 هـ.
2. الأُصول الستّة عشر، تأليف جماعة من المؤلّفين، تحقيق: ضياء الدين المحمودي ونعمت الله جليلي ومهدي غلامعلي، مؤسّسة دار الحديث الثقافيّة ـ قم، الطبعة الأُولى، 1423هـ.
3. أُصول الفلسفة الماركسيّة، جورج بوليتزر وجي بيس وموريس كافين، تعريب شعبان بركات، المكتبة العصريّة ـ صيدا، نسخة إلكترونيّة.
4. أُصول علم الأُصول، تأليف السيّد الشهيد محمّد الصدر، تحقيق: مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، الطبعة الأُولى: 1433هـ – 2012م، الناشر: دار البصائر، بيروت- لبنان.
5. الأنا والهو، سيجمند فرويد، ترجمة: الدكتور محمّد عثمان نجاتي، الطبعة الرابعة: 1402هـ – 1982م، الناشر: دار الشروق.
6. بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، تحقيق: السيّد إبراهيم الميانجي ومحمّد الباقر البهبودي، الطبعة الثانية: 1403هـ، 1983م، الناشر: مؤسّسة الوفاء، بيروت- لبنان.
7. بحوث في علم الأُصول، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر، بقلم السيّد محمود الهاشمي، الطبعة الثالثة: 1426هـ ، 2005م، الناشر: مؤسّسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت×، إيران- قم.
8. التذكرة الحمدونيّة، محمّد بن حسن بن حمدون، دار صادر ـ بيروت، الطبعة الأُولى، 1417 هـ.
9. توحيد الإماميّة، للشيخ محمّد باقر الملكي، تحقيق: محمّد البياباني الاسكوئي، الطبعة الأُولى: 1415هـ ، الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران.
10. ثلاثة مباحث في نظريّة الجنس، سيغموند فرويد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر ـ بيروت، الطبعة الثانية، 1983م.
11. الحياة الجنسيّة، سيغموند فرويد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1999م.
12. الخصال، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي الصدوق، تحقیق: علي أكبر الغفاري، مؤسّة النشر التابعة لجماعة المدرّسين ـ قم، الطبعة الأُولى، 1362 ش.
13. خصائص الأئمّة، لمحمّد بن الحسين بن موسى الموسوي البغدادي، المعروف بالشريف الرضي، تحقيق: محمّد هادي الأميني، سنة الطبع: 1406هـ ، الناشر: مجمع البحوث الإسلامية (العتبة الرضويّة المقدّسة)، إيران- مشهد.
14. خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر، جان جاك روسّو، ترجمة بولس غانم، تدقيق وتعليق وتقديم: عبد العزيز لبيب، المنظّمة العربيّة للترجمة ـ بيروت، الطبعة الأُولى، 1999م.
15. ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، جار الله الزمخشري، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، الطبعة الأُولى، 1412هـ.
16. شرح الأسماء الحسنى، لملّا هادي السبزواري، طبعة حجريّة، منشورات مكتبة بصيرتي، قم- إيران.
17. شرح نهج البلاغة، عزّ الدين أبو حامد ابن أبي الحديد، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة السيّد المرعشي النجفي ـ قم، الطبعة الأُولى، 1378 ش.
18. عقائد الإماميّة، للعلّامة الشيخ محمّد رضا المظفر، تقديم: الدكتور حامد حنفي داود، الناشر: انتشارات أنصاريّان، إيران- قم، دون ط وتاريخ.
19. العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسيّة، جان جاك روسّو، نقله إلى العربيّة: عادل زعيتر، مؤسّسة الأبحاث العربيّة ـ بيروت، الطبعة الثانية، 1995م.
20. علم النفس، الدكتور فاخر عاقل، رئيس قسم علم النفس بجامعة دمشق، الناشر: دار العم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الخامسة: 1977م.
21. عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، للشيخ المحقّق المتتبّع محمّد بن علي الأحسائي، المعروف بابن أبي جمهور، قدّم له: السيّد المرعشي النجفي، الطبعة الأُولى: 1403هـ ، 1983م، ط سيّد الشهداء، قم- إيران.
22. فلسفة فرنسيس بيكون، د. حبيب الشاروني، دار الثقافة ـ مصر، الطبعة الأُولى، 1981م.
23. فوائد الأُصول، تقريراً لأبحاث الميرزا الشيخ محمّد حسين النائيني، بقلم الشيخ محمّد عليّ الكاظمي، النائر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1417 هـ ق.
24. في الحكم المدني، جون لوك، نقله إلى العربيّة: ماجد فخري، اللجنة الدوليّة لترجمة الروائع ـ بيروت، 1959م.
25. في ظلال نهج البلاغة، الشيخ محمّد جواد مغنيّة، دار العلم للملايين ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1400 هـ.
26. الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة: 1388 هـ.
27. كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علی بن عیسى الأربلي، تحقيق: هاشم رسول محلّاتي، منشورات بني هاشم ـ قم، الطبعة الأُولى، 1381 هـ.
28. اللفياثان..الأصول الطبيعيّة والسياسيّة لسلطة الدولة، توماس هوبز، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم: الدكتور رضوان السيّد، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ـ أبو ظبي ودار الفارابي ـ بيروت، الطبعة الأُولى، 2011م.
29. ما وراء الفقه، الشهيد السيّد محمّد محمّد صادق الصدر، دار الأضواء ـ بيروت، الطبعة الأُولى، 1999م.
30. محاضرات في أُصول الفقه، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي، بقلم الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض، الطبعة الثانية: 1431هـ ، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، إيران- قم.
31. المزهر في علوم اللغة وأنواعها، عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، شرحه وضبطه وصحّحه وعنون موضوعاته وعلّق حواشيه: محمّد أحمد جاد المولى بك، محمّد أبو الفضل إبراهيم، علي محمّد البجاوي، مكتبة دار التراث، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ.
32. معاني الأخبار، لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي الصدوق، صحّحه: علي أكبر الغفاري، سنة الطبع: 1397هـ. ق، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.
33. مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي الصدوق، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الثانية.
34. مناقب آل أبي طالب، الإمام الحافظ ابن شهر آشوب، تصحيح وشرح: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، سنة الطبع: 1376هـ ، 1956م، الناشر: المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف.
35. المنطق الوضعي، الدكتور زكي نجيب، المكتبة الإنجلو المصريّة ـ القاهرة، الطبعة الثانية، 1956م.
36. منهج الأُصول، الشهيد السيّد محمّد محمّد صادق الصدر، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الأُولى: 2002م.
37. الموجز في التحليل النفسي، تأليف: سيجموند فرويد، ترجمة: سامي محمود علي وعبد السلام القفّاش، الناشر: مكتبة الأُسرة، دون ط وتاريخ.
38. موسوعة الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي، الطبعة الثانية، 1429هـ، الناشر: ذوي القربى، إيران- قم.
39. النظريّة المعاصرة في علم الاجتماع، د. محمدّ عبد الكريم الحوراني، دار مجدلاوي ـ الأردن، 2007م.
40. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الثانية: 1414 هـ، قم المقدّسة.
41. موسوعة الإمام المهدي#، الشهيد السيّد محمّد محمّد صادق الصدر، الطبعة الأُولى:1428هـ- 2007م، دار القارئ، بيروت- لبنان.
42. منّة المنّان، الشهيد السيّد محمّد محمّد صادق الصدر، الطبعة الأُولى:1432هـ- 2011م، تحقيق وتقرير: مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، الناشر: المحبّين للطباعة والنشر، إيران -قم.
43. 47. الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، لصدر الدين محمّد الشيرازي، الطبعة الثالثة: 1981 م، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان.
44. الشفاء (الطبيعيّات)، الشيخ الرئيس أبو علي سينا، راجعه وقدّم له: الدكتور ابراهيم مدكور، تحقيق: الأستاذين : الأب قنواتي و سعيد زايد، سنة الطبع : 1404هـ، الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.
45. شرح المنظومة، للمحقّق السبزواري، تصحيح وتعليق: الشيخ حسن زادة آملي، تحقيق: مسعود طالبي، الطبعة الأُولى: 1421هـ، الناشر: منشورات ناب، إيران- طهران.
المصادر الأجنبيّة
(1) Introduction To Christian Spirituality, By Fr F. Antonisamy , The Bombay Saint Paul society, 2008.
(2) The Little Book of Happiness, By Pat Killion Coate, published by Pat Killion Coate, 2006.
(3) John Locke, By Eric Mack, Continiuum International Publishing Group, 2009.
John Locke.. Champion of Modern Democracy, By Graham Faiella, The Rosen publishing group, New York, 2006.
الفهرس
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) ……………………………7
مقدّمة المؤسّسة 11
موجز عن حياة آية الله العظمى السيد الشهيد محمّد الصدر+ 13
نسبه الشريف 13
ولادته ونشأته 14
نشأته العلمية 15
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته 18
إجازته في الرواية 19
اجتهاده 19
من أقوال العلماء في حقّه 21
صفاته وسجاياه 24
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة 26
آثاره وتصانيفه الثمينة 29
جريمة الاغتيال 34
منهجنا في التحقيق 36
الفصل الأول
تحليل حبّ الذات وشؤونه المختلفة
تمهيد 47
أثر حبّ الذات في الكيان الداخلي للإنسان 50
تقسيم فرانسيس بيكن للمؤثرات على موضوعيّة الذهن 52
مناقشة القسم الأوّل: تأثير آراء العلماء السابقين عليه 53
مناقشة القسم الثاني: تأثير اللغة عليه 54
مناقشة القسم الثالث: تأثير المجتمع عليه 56
مناقشة القسم الرابع: تأثير اللاشعور الإنساني العميق، الذي ورثه الإنسان من آبائه وأجداده البشر 56
كيفية التخلص من أثر حبّ الذات في البحث العلمي 58
أثر حبّ الذات في تكوّن الجماعات 61
انقسام الجماعات 64
[تعريف] الذّات 69
حب الذات 72
نظرية العامل الواحد 73
النظريات الأخرى 76
حدود تأثير العامل الجغرافي 83
علاقة نظريتنا بالجبر والتفويض والأمر بين الأمرين 84
تأثير حبّ الذات على الإرادة والاختيار 87
التزاحم 90
التزاحم في المقتضيات التشريعية 93
الفصل الثاني
أثر حبّ الذات ودوره في جوانب الحياة المختلفة
أثر حبّ الذات في النشاط العقلي 101
حبّ الذات وتأثيره في الأخلاق 104
أثر حبّ الذات في تكوّن المجتمعات والدول 108
تأثير حبّ الذات في نشأة اللغات وتطوّرها 113
منشأ تفرع اللغات وتعدّدها 114
الحرية وحبّ الذات 119
نظرية العقد الاجتماعي 120
حق الثورة 127
الثورة 129
انشقاق الثورة 131
الحرية معناها وأقسامها 133
الحرية الاقتصادية 135
الاشتراكية 138
حرية العمل السياسية 142
الحرية من الاستعمار 151
الحرب 155
السلام 158
حرية الأديان 160
حرية التفكير 165
حبّ الذّات وحب الحياة 172
العصمة وحبّ الذات 183
العقيدة وحبّ الذات 190
درجة الإيمان بالعقيدة 194
الموضوعية والعقيدة 195
المؤمن والمشكك 196
التحزب العقائدي 199
درجة تأييد العقيدة من قبل الناس 200
نشأة العقائد والأديان من حبّ الذات 202
النضال الحزبي 203
انقسام الجماعات 204
حبّ الذات وحبّ الجمال 206
الفنون وتطوراتها 211
التقليد في الفن 213
الأدب 214
الأدب الخالد 215
حبّ الذات والسلوك الاجتماعي للإنسان 218
حبّ الذات والطبائع البشرية 220
التعلم والتعليم وحب الذات 226
التدريس وحبّ الذات 229
لماذا يتزوج الإنسان؟ 232
الحصول على المال 234
الحصول على الأولاد 235
بناء المساكن ونشأتها من حبّ الذات 237
تطوّر المساكن 238
الاعتناء بها 239
لبس الثياب 239
العناية بالثياب 239
البزة الموحدة 240
الطعام وحبّ الذات 242
إكرام الضيوف 244
الأسواق التجاريّة 244
المال 246
عقد الصداقات 247
فسخ الصداقات 249
فهرس المصادر والمراجع 251
المصادر الأجنبيّة 257
الفهرس 259