أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
فقه الأخلاق الجزء الثاني

فقه الأخلاق
الجزء الثاني

تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر (قدس سره)
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر (قدس سره)
النجف الأشرف

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد (قدس سره) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له (قدس سره) لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429

الفقرة (1) معنى الزكاة
يمكن أن ترد الزكاة في اللغة على معنيين: الكثرة والطيبة. فيكون زكا بمعنى كثر وزاد، وبمعنى طاب وطهر ولا تنافي بينهما، إذن يمكن ان يجتمعا بل هما في أكثر الموارد متفقان.
وموارد الزكاة منحصرة بموارد الخير، ولا تشمل موارد الشر، فزيادة العصيان والطغيان. وزيادة العقاب في الدنيا وفي الآخرة، لا يمكن أن يسمى زكاة وإن كان فيها معنى الكثرة. وأما عدم توفر الطيبة فيها فهو واضح.
ومن هنا يمكن الجمع بين المفهومين بالقول بأن الزكاة هي كثرة الطيبة والطهارة أو كثرة الخير وزيادته. يعني كثرة أي شيء يمثل جانب الخير في هذا الكون.
نعم قد نسمي الطيبة زكاة وإن لم يكن فيها كثرة، إلاَّ أن الصحيح أن مجرد حصول الطيبة هي زيادة بالمعنى المعنوي.
والزكاة في هذا المعنى المشترك لها موارد عديدة أهمها: المال والبدن والنفس.
فزكاة المال هي الزكاة المعروفة في الدين. والمقرونة في النص والأهمية بوجوب الصلاة في عدد من آيات القرآن الكريم. وهي التي تكون في الأنعام الثلاثة والغلات الأربع وفي الذهب والفضة.
وزكاة البدن هي تعبير متشرعي عن زكاة الفطرة التي تدفع في عيد الفطر
ــــــــــــ[9]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
بعد صوم شهرٍ كاملٍ من شهر رمضان المبارك.
وزكاة النفس هي التسبيب إلى تحليتها بالفضائل وتخليتها عن الرذائل وإصلاحها من كل زيغ ورين. ومن ثم الاتجاه بها نحو الكمال.
ولكل من هذه الموارد فلسفته الخاصة به والتي يمكن أن نحمل عنها فكرة كافية في الفقرات الآتية.
ولكننا ينبغي أن نلتفت إلى أن التقسيم الرئيسي للزكاة إنما هو إلى قسمين: قسم اقتصادي أو مالي، وهو زكاة المال وزكاة الفطرة وقسم معنوي وهو زكاة النفس وزكاة الأعمال. ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الزكاة زكاة المال وزكاة الأعمال.
ــــــــــــ[10]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (2) إن تفاصيل الشريعة هي زكاة للنفس وتكامل
ونحن بعد أن نعرف أن كل التشريعات الإسلامية إنما سنّت وطلبت من الناس، باعتبار أن الله سبحانه يريد لهم التكامل المعنوي والصعود إلى درجات المغفرة والثواب. فإن التشريع لا يرتبط بالله في نفع ولا ضرر، لأنه لا تضره ذنوب عباده ولا تنفعه طاعاتهم. وإنما أمرنا ونهانا لمصالحنا، ولأنه يريد لنا الأفضل وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ أي لعباده، كما في نص القرآن الكريم.
إذن نعرف أن زكاة المال، بصفتها إحدى التشريعات المهمة في الدين، إنما شرعت لأجل حصول زكاة النفس وتكاملها. وكذلك كل أشكال الأداء المالي في سبيل الله سبحانه بصفته محتوياً للتضحية والصبر في سبيل الله، وفي سبيل تنفيذ إرادته وتشريعاته.
وكذلك الحال في زكاة الأعمال سواء على المستوى الواجب أو المستحب، فإنه أيضاً لأجل زكاة النفس وتكاملها وطهارتها المعنوية.
فإن زكاة الأعمال قد تكون سبباً لزكاة النفس، بأن يحاول الفرد أن يزكي عمله ويطيع ربه من أجل تكامل نفسه. كما قد تكون مسبباً عن زكاة النفس، فإن من كانت نفسه طاهرةً وصالحةً كانت أعماله بارّة وزكية بطبيعة الحال. فهناك نحو تفاعل مستمر بين زكاة الأعمال وزكاة النفس، وكلما دخل الفرد في
ــــــــــــ[11]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
درجة من الكمال استحق الدرجة التي تليها.
فإذا علمنا أيضاً أن من جملة زكاة الأعمال، هو أداء زكاة المال اقتصادياً، عرفنا مدى ارتباط زكاة المال بزكاة النفس، إلى حد يمكن القول إن من وجد آثارها في نفسه، فمعناه أن زكاته مقبولة ومبرورة، وأما إذا لم يجد آثارها في نفسه فهي مجزية، ولكنها غير مقبولة.
تماماً كالصلاة التي ورد أنها تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن وجد آثارها في نفسه فهي مقبولة مبرورة، وإلا فهي مجزية ولكنها غير مقبولة.
ــــــــــــ[12]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (3) الحديث عن الصدقة
نبدأ من الآن ببيان بعض التفاصيل الأخلاقية لزكاة المال. وأفضل مقدمة لذلك هو الحديث عن الصدقة، فإنها بالمعنى الواسع مما تندرج زكاة المال في ضمنها. وقد سماها القرآن الكريم بالصدقة في عدد من آياته.
يمكن تقسيم التعاليم الدينية إلى تقسيمين:
الأول: انقسامها إلى عبادات وغيرها، ويراد بالعبادات ما يؤثر قصد القربة في كمالها لزوماً أو استحباباً.
الثاني: انقسامها إلى ما يكون خاصاً بين العبد وربه. وإلى ما يكون شاملاً للآخرين من أفراد المجتمع. ويمكن أن نسمي الأول بالواجبات الفردية، والثاني بالواجبات الاجتماعية.
وبضرب التقسيمين ببعضهما ينتج أربعة أقسام:
الأول: الواجبات الفردية العبادية، إما لزوماً كالصلاة والصوم، وإما استحباباً كالاعتكاف.
الثاني: الواجبات الفردية غير العبادية كالتطهير بالماء.
الثالث: الواجبات الاجتماعية غير العبادية كصلة الرحم.
الرابع: الواجبات الاجتماعية العبادية إما لزوماً كالزكاة الواجبة والفطرة
ــــــــــــ[13]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والخمس وأضرابها، وإما استحباباً كالصدقات الأخرى، وقضاء حاجات المحتاجين.
إذن تندرج الصدقات في هذا القسم الأخير، ولا يمكن أن تكون قائمة بذاتها ما لم يكن هناك طرف آخر. كما لا يصدق عليها (صدقة) ما لم يكن قصد القربة متوفراً فيها. وإلاَّ فهي هدية.
إذن، فالمتصدق يقضي حوائج المحتاجين في سبيل إطاعة رب العالمين، ويحرز بذلك عدة فوائد، تكون هي النتائج الرئيسية للصدقة:
النتيجة الأولى: أنه أحرز لنفسه الحصول على الثواب ورضاء الله سبحانه. قال تعالى:إِنَّ اللّـهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ وقال:إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّـهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَـهُمْ.
النتيجة الثانية: أنه أحرز قضاء حاجة الآخر المحتاج الذي تصدق عليه. فقد تيسر أمره وأدخل السرور على قلبه، وإدخال السرور على قلب المؤمن عبادة.
النتيجة الثالثة: أنه شارك في البناء الاجتماعي العام وفي تحريك الثروة القومية نحو الأفضل، ولو لخطوة واحدة، ولو تصدق على محتاج واحد. فإن المجتمع إنما هو متكون من أفراد. فإذا انخفضت حاجات المحتاجين منهم كان المجتمع على خير.
ــــــــــــ[14]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (4) خصائص الصدقة في القرآن الكريم
يعطي القرآن الكريم عدة خصائص للصدقات يحسن استعراضها بهذا الصدد.
أولاً: إن دافع الصدقة ممدوحٌ ذكراً كان أم أنثى قال تعالى: وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ.
ثانياً: إن طلب الصدقة لغير الضرورة أمر شائن أخلاقياً ودينياً: قال تعالى: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ.
ثالثاً: إن الصدقة تصل إلى الله سبحانه قبل أن تصل إلى المحتاج. قال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّـهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ. ومعنى أخذه لها قبوله لها ومباركته إياها. وإلاَّ فهو غني عن العالمين، قال تعالى: لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ.
رابعاً: إن صدقة السر خير من صدقة العلن، لما في ذلك من ترك الرياء، والمفاخرة بين الناس، وإن كان كلا الصنفين فيه قضاء حاجة المحتاجين قال تعالى: إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ.
خامساً: إن الصدقة ينبغي أن تكون خالصة للمحتاج بدون إيذائه أو المن عليه. وإلاَّ بطلت الصدقة ولم تكن مقبولة. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى. وقال: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ
ــــــــــــ[15]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يَتْبَعُهَا أَذًى.
سادساً: إن الرياء مبطل للصدقات، كما هو مبطل لسائر العبادات. قال تعالى: كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ.
سابعاً: إن الصدقات يجب أن تكون خالصة مخلصة لله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ.
ثامناً: إن الله تعالى يضاعف لدافع الصدقات أضعافاً مضاعفة وهو أمر مجرب عملياً مراراً وتكراراً، حيث يصل إلى الفرد من الرزق أضعاف ما دفعه وقضى به حاجة المحتاجين. مضافاً إلى ثواب الآخرة. قال تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. بل الأمر أكثر من ذلك بكثير حيث يقول الله سبحانه:  يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ.
تاسعاً: إن الصدقة تشمل كل أشكال قضاء حاجات المحتاجين وخاصة من الناحية الاقتصادية، فليس من الضروري قضاؤها بمال مدفوع. بل يكفي العفو عن مال مستحق وإبراء ذمة المدين قال تعالى: وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ يعني بإبراء الذمة عن الدية، بالرغم من أن دم القتيل لا زال حاراً ومؤثراً من الناحية النفسية. والصدقة كلما كانت أصعب نفسياً كانت أشد ثواباً.
عاشراً: أنه من جملة موارد صعوبة الصدقة أن يكون المتصدق نفسه محتاجاً. فهو يقضي حاجة الآخرين، ولو بخسارة نفسه من الناحية الاقتصادية. وهذا هو الإيثار.
قال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فهذا بعض ما للصدقة من خصائص وصفات في القرآن الكريم.
ــــــــــــ[16]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (5) شمول معنى الصدقة للجانب المعنوي
إن معنى الصدقة غير خاص بالجانب الاقتصادي بل هو شامل لموارد أخرى أعمق وأشد تأثيراً.
أولاً: أن حاجة المحتاج قد لا تكون اقتصادية بل هي أمر آخر، كالشفاء من مرض أو الحاجة إلى الزواج.
ثانياً: إن الهداية نحو من الصدقة على من يحتاجها، سواء بالتعليم أو بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو بالتسبيب للتكامل المعنوي والروحي للفرد.
ثالثاً: إن الصدقة قد تكون صدقة على نفس الإنسان لا على غيره، كالبحث عن علم أو هداية أو التفكير المجدد في خلق الله أو ذكر الله، أو إعطاء عبرة للنفس لم تكن سابقاً مورداً للالتفات وغير ذلك.
رابعاً: إن الصدقة كما تكون بالأعمال تكون أيضاً بالأقوال. فالكلمة الحسنة صدقة، وكتم الغيظ صدقة، والصبر على الآخرين أو على قضاء حاجتهم صدقة. وهكذا.
خامساً: إن الصدقة قد تكون بالنفس نفسها في سبيل الله سبحانه وهبةً له جل جلاله، وهو الذي يقبل هذه الصدقة ويأخذها، ويشكرها لمسديها، وهي أعظم صدقة على الإطلاق، قال الشاعر:
والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ــــــــــــ[17]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وقال شاعر آخر:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله
وقال تعالى: فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ.
وقال:لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّـهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّـهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً(95) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً.
وقال تعالى: إِنَّ اللّـهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَـهُم بِأَنَّ لَـهُمُ الجَنَّةَ.
وقال: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّـهِ.
سادساً: إن العبادة أيضاً صدقة وقد ورد في النوافل اليومية أنها صدقاتكم فأتوا بها في أي وقت من ليل أو نهار. أقول: يعني أداء أو قضاء.
وأما أن طرف الصدقة من هو؟ فقد يقال: إنه هو المؤمن المتنفل نفسه، لأنه في الحقيقة ينفع نفسه بعبادته. وقد يقال: إنه الله سبحانه، بعد أن نسمع قوله تعالى: وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ والنوافل من الصدقات كما نصت الروايات.
ــــــــــــ[18]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (6) الحكمة المتصورة لوجوب الزكاة
زكاة المال أيضاً من الصدقة، فإن الصدقة هي الدفع إلى الآخرين لا بقصد عوض دنيوي، أو قل: قربة إلى الله تعالى. وهذا لا يختلف حكمها بالوجوب تارة وبالاستحباب أخرى. ومعه يكون كلا الجانبين من الصدقة.
وقد فرضها الله سبحانه كما فرض غيرها من الضرائب على أموال الأغنياء، منعاً لتجمع الثروة لدى القليل وعدم وصولها إلى الكثير من الناس، كما قال سبحانه: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ ودولة بضم الدال هو تجمع الثروة. مما قد يؤدي هذا التجمع إلى مضاعفات غير محمودة، قد تأتي الإشارة إلى المهم منها.
وهو لم يجعلها مستحبة بل جعلها واجبة، لمصلحتين يمكن أن ندركهما للتشريع:
أحدهما: في جانب المالك الثري، وذلك تحاشياً من عدم الدفع، باعتبار أن المستحب مما يجوز تركه، فقد تسول له نفسه عدم الدفع لكونها مستحبة. فقد جعلت واجبة لتلافي هذا التفكير، لأنه مع صحته تبقى الحال المأساوية والمضاعفات كما هي.
ثانيهما: من جانب الفقير أو المستحق، فإنها لو كانت مستحبة أو طوعية لاحتاجت إلى الطلب من قبله، فيقع في ذُل السؤال وخجل المقال،
ــــــــــــ[19]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
في حين لا حاجة إلى ذلك بعد أن جعلها الله في أصل الشريعة وضرورة الدين واجباً على الغني وحقاً للفقير فإن طالب بها طالب بحقه، وناجز الغني لإبراء ما في ذمته. وإن لم يطالب بها وجب على الغني أن يقصده ويدفعها إليه فإنها حقه سواء طالب بها أو لم يطالب.
ــــــــــــ[20]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (7) الحكمة من كون نسبة الزكاة قليلة
والله سبحانه وتعالى لم يوجب نسبة عالية من الصدقات. مع إمكان ذلك في التشريع. إلاَّ أنه لم يفعل ذلك، بل جعل النسب العالية من العطاء على نطاق الاستحباب. ولكن حثّ عليه جداً.
والسر الذي ندركه لعدم الوجوب هو أخذ كل من الغني والفقير، أو قل: المعطي والآخذ بنظر الاعتبار.
أما الفقير الآخذ، فلأنه سبحانه يعلم بكفاية ما يصله من الزكاة لسد حاجته وسعادة عائلته، ولا حاجة بعد ذلك للزيادة على ذلك. بحيث يصير الفقير تاجراً غنياً. وإنما المهم فقط إزجاء الحاجات الضرورية وضمانها، وهذا ما يحصل أكيداً لكل الفقراء، إذا دفعت كل الزكوات.
وليس من المصلحة أن يصبح الفقراء أغنياء حقيقة. فإنه لهم مظنة الفساد في الدين والدنيا معاً. وقد كان اختيار الفقر له في القضاء الإلهي صحيحاً، فلا حاجة إلى التجاوز عليه وجعله في مصاف الأثرياء.
هذا، وإنما يحصل بقاء الفقر والفقراء، واستمرار الضرورات لكثير من الناس نتيجة عدم إطاعة الأحكام الشرعية، وترك تطبيق الواجبات الدينية، بدفع حقوق الفقراء. ولذا ورد عن أمير المؤمنين: “ما جاع فقير إلاَّ بما متع به غني”. هذا من جانب الفقير.
ــــــــــــ[21]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وأما من جانب الغني: فإنه أوجبت عليه الضرائب الشرعية بنسب قليلة لمصالح ندركها:
منها: عدم إطاقة الأغنياء من الناحية النفسية لدفع الزائد. فإننا نجد أن المال قد يصبح للفرد أعز عليه من نفسه وولده، بدليل أنه مستعد أن يقتل في سبيله، وأن يضحي بنفسه من أجل الحصول عليه أو المحافظة عليه، إذاً فدفعه لنسبة عالية منه، بعد أن حصل عليه بتعبه وكد يمينه وعرق جبينه أمر بمنزلة المستحيل.
ومنها: أن حال الغنى عليهم موجودة في القضاء الإلهي، ولم يكن ذلك جزافاً. بل عن علم وحكمة من العليم الحكيم. كما ورد في الحديث القدسي ما مضمونه: رب فقير لو اخترت له الغنى لأفسده ورب غني لو اخترت له الفقر لأفسده.
ومن المعلوم أن دفع المال كله أو نسبة عالية منه موجبة لفقره وصعوبة معيشته. وهذا ما لم يكن في المصلحة بحسب القدر أو النظام الإلهي. ومعه فلا ينبغي أن يكلف الغني بذلك، بل ينبغي الاقتصار على وجوب دفع القليل.
ولكن هذا القليل يكفي الفقراء كلهم. وذلك لو التفتنا إلى أمرين:
الأمر الأول: تعدد الأغنياء وكثرتهم. فلو دفع كل الأغنياء زكوات أموالهم لتجمع من ذلك عدد ضخم من الميزانية.
الأمر الثاني: إن هذه النسبة المدفوعة من أي فرد من الأغنياء وإن قلنا إنها قليلة. وهي قليلة فعلاً، بصفتها نسبة أو منسوبة إلى المال كله. إلاَّ أن المقدار المدفوع يزداد كلما ازداد المال. ومن هنا سوف تكون المقادير المدفوعة من أصحاب الملايين تعد بالملايين.
ــــــــــــ[22]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (8) إمكان تلافي تلك القلة في سعة موارد الزكاة
وقد جعل الله الزكاة على أهم الأشياء وأعمها في المجتمع وأكثرها ضرورة للفقراء. وأهمه الطعام بشكل رئيسي من حيوان ونبات. ثم المال الذي يمكن به للفقير أن يشتري به حاجاته الأخرى. أعني النقدين: الذهب والفضة.
وإذا كُفي الفرد الفقير مشكلة طعامه ولباسه، لم تبق له مشكلة حقيقية في الجوانب الأخرى، حتى لو فرضناه عاطلاً عن العمل. مع العلم أنه ليس المفروض فيه ذلك. لا شرعاً ولا اجتماعياً ولا قانونياً ولا عقلائياً. وليست البطالة هي الحال الغالبة في أي مجتمع. فيكون ما يحصل عليه من الزكاة إلى جنب عمله كافياً جداً لسير حياته.
هذا مضافاً إلى موارد استحباب الزكاة، فإنها موارد كثيرة في الدواب وفي الحبوب وفي أنواع التجارات. والمستحب وإن لم يكن ملتزماً به التزاماً كاملاً، من قبل المتشرعة، إلاَّ أنه يعتبر تعليماً شرعياً متكاملاً وصحيحاً، وأمراً شرعياً محترماً. والمفروض بالتشريع تطبيقه وامتثاله. فإذا فرضنا أن المتمولين كلهم أصبحوا متشرعة ومتورعة. كما هو المفروض في المجتمع المؤمن، إذن سوف تكثر موارد الزكاة كثرة كبرى. ولعلها تفيض عن حاجة الفقراء كثيراً.
إلاَّ ان الذي يهون الخطب أن الشريعة فتحت أبواباً أخرى غير سهم الفقراء لصرف الزكاة، كما سنقول. وأهمها وأعمها في سبيل الله. فإنه باب لكل قربة ولن تستطيع أية كمية من المال مهما كثرت ان توفي حقه بالكامل.
ــــــــــــ[23]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (9) أن الزكاة غير مجحفة
بالمالك وتطبيق ذلك على النصب الزكوية
ونسبة الزكاة ضئيلة ولا يمكن أن يخطر في البال كونها مجحفة بالمالك أو أنها صعبة عليه ولو قليلاً.
فهي في الغالب لا تتعدى جزءاً من أربعين جزءاً من المال (النصاب) بل قد تصل إلى نسبة واحدٍ بالمائة.
وقد لا يكون في المال زكاة بالرغم من أنه لا يختلف عن المال الآخر الزكوي بمقدار معتد به أو ملفت للنظر، إلاَّ لمجرد أنه غير حاصل على شرائط وجوبها، كالغنم المعلوفة أو الجمال العاملة لمصلحة مالكها. كما لو كان يستعملها في الحمل أو السفر. فلا يكون فيها زكاة إطلاقاً.
ولو أردنا أن ننظر إلى النسب التقريبية الضئيلة للزكاة. أمكننا استعراض مواردها كما يلي. وإنما قلنا تقريبية لعدم انضباط القيمة السوقية في النصاب والطريقة المدفوعة إلى المستحق. فقد تختلف قليلاً أو كثيراً وباختلافها تختلف النسب. ولكنها على أي حال لا تعدو أن تكون نسباً ضئيلة.
أما نصب الانعام الثلاثة فكما يلي:
فللإبل خمسة نصب في كل خمس من الإبل شاة واحدة. ولعلها لا تعدو جزءاً من مائة جزء من قيمتها أو أقل.
ــــــــــــ[24]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ثم ستٌّ وعشرون، وفيها بنت مخاض، ثم ستٌّ وثلاثون، وفيها بنتٌّ لبونٍ، ثم ستٌّ وأربعون، وفيها حقة، ثم إحدى وستون وفيها جذعة. وهذا معناه أن المدفوع من هذه الأعداد من الإبل واحدٌ منها فقط وله عمر صغير. والصغير هنا كما هو أسهل على المالك أفضل، في نفس الوقت للمستحق، باعتبار كونه أرق لحماً من ناحية وأكثر فرصة للاستفادة التجارية منه من ناحية أخرى.
ثم ستٌّ وسبعون، من الإبل وفيها بنتا لبون، ثم إحدى تسعون وفيها حقتان. وهذا معناه أننا دفعنا عن هاتين الكميتين اثنين من الإبل فقط. وهي نسبة لا تختلف كثيراً عن النسب السابقة. وإن كانت أكثر منها بجزءٍ ضئيلٍ كما هو معلوم لمن يفكر.
والنصاب الأخير من الإبل هو مائة وإحدى وعشرون، فإذا ملك الفرد ذلك، وجب عليه أن يدفع لكل أربعين بنت لبون ولكل خمسين حقة.
وبهذا نعرف أن الواجب في الإبل من الزكاة هو نسبة واحد من أربعين فأقل، أو قل: واحد بالأربعين إلى واحدٍ بالمائة، وهذا بالتقريب مع أخذ اختلاف القيمة في الأسواق بنظر الاعتبار.
وأما البقر ففيه نصابان:
ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة. وفي كل أربعين منها: مسنة.
وواضح أن معناه أننا دفعنا واحداً من البقر الصغير فقط عن ثلاثين منها وعن الأربعين. فالنسبة هي جزء من ثلاثين وجزء من أربعين.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أن (العفو) من الأنصبة، وهو ما بين النصابين،
ــــــــــــ[25]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يغير النسبة إلى الأقل. فإننا -مثلاً- كما ندفع تبيعاً من البقر من ثلاثين كذلك ندفعه عن ثمانيةٍ وثلاثين، ولا يتبدل النصاب ما لم يبلغ أربعين. وكما تدفع شاة واحدة عن خمسة من الإبل كذلك ندفعها عن تسعة، ولا يتبدل النصاب ما لم تبلغ عشرة، وهكذا. هذا مضافاً إلى الحيوانات التي لم تبلغ حد النصاب الأول، فلا تكون عليها زكاة إطلاقاً. وهذا أيضاً ينطبق على نصب الغنم التي نقولها الآن.
ففي الغنم خمسة نصب: أربعون وفيها شاة. وهي واضحة في نسبة الواحد من الأربعين.
ثم مائة وإحدى وعشرون، ففيها شاتان، وهي نسبة واحدٍ من ستين تقريباً.
ثم مائتان وواحدة، وفيها ثلاث شياه. وهي نسبة تقرب من واحد من سبعين: إذ لو كان النصاب مائتين وعشرة لكانت هذه النسبة تامة عندئذٍ…
ثم إذا بلغت ثلاثمائة وواحدة، وقيل إذا بلغت أربعمائة وواحدة، ففي كل مائة شاة والنسبة هنا واضحة أنها جزء واحد بالمائة. كما أنه واضح في الغنم أنه كلما زاد العدد قلت النسبة. ولم يكن هذا الأمر واضحاً في الإبل والبقر. فهذه نسب زكوات الحيوان أو الأنعام الثلاثة.
أما النبات، وهو الحنطة والشعير والتمر والعنب. فإذا بلغ النصاب. كان المدفوع منه هو جزء من عشرة إذا كان السقي بدون تعب وأجور كنزول المطر وفيضان النهر. وجزء من عشرين إذا كان السقي بالآلات أو الأجور.
ومن هنا نعرف أن النسبة في النبات أعلى منها في الحيوان. بل هي أعلى من زكاة الذهب والفضة أيضاً، كما سنقول. فبعد أن نعلم أن الزكاة لا تجب
ــــــــــــ[26]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
في غير هذا المجموع، نعلم أن النسبة الزكوية في النبات هي أعلى النسب على الإطلاق.
وليس كل ذهب وفضة مما تجب دفع الزكاة عنه أو فيه. بل خصوص الذهب المسكوك بسكة المعاملة، يعني القابل للتداول سوقياً. ومن المعلوم أن هذا غير موجود في عصورنا الحاضرة، فيكون هذا النوع من الزكاة غير موجود بطبيعة الحال وإنما يكون متوقعاً على وجود موضوعه، وهو تداول النقود الذهبية والفضية في الأسواق. وإنما يذكره الفقهاء لأجل حفظ مضمون الشريعة ككل. فإنه جزء منها بطبيعة الحال.
والنصاب في الذهب عشرون ديناراً. وفيه عشرة قراريط. وهو جزء من أربعين جزءاً من النصاب. على اعتبار أن الدينار الواحد عشرون قيراطاً، فما يجب دفعه إنما هو نصف دينار من عشرين ديناراً.
ونفس النسبة محفوظة في النصاب الذي بعده وهو أربعة دنانير، وفيها قيراطان. فإنها ثمانون قيراطاً. فيكون القيراطان جزءاً من أربعين جزءاً منها.
ونفس النسبة تجري في زكاة الفضة، فإن النصاب الأول مائتا درهم وفيها خمسة دراهم، وكلما زادت أربعين كان فيها درهم وهو واضح بقليل من التأمل.
ــــــــــــ[27]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (10) الفرق بين الفقير والمسكين
من أهم المستحقين للزكاة بنص القرآن الكريم الفقراء والمساكين، وهم ضعاف الحال من الناحية الاقتصادية، لكي تكون الزكاة هي موردهم الرئيسي أو الثانوي لسد النقص الذي قد يحصل في غيرها.
وللفقهاء جانبان من الكلام في ذلك، ولا حاجة لنا إلى تفصيلهما.
الجانب الأول: في الفرق بين المسكين والفقير، وقد اختلفوا في ذلك جداً.
وما اخترناه هو كون المسكنة هي الذلة ولا ترتبط بالفقر مفهوماً إطلاقاً. كل ما في الأمر أن الذليل ستكون ذلته سبباً لفقره لانقطاع الناس عنه وانسداد موارد العيش أمامه. ومقتضى إطلاق الآية الكريمة جواز إعطاء المسكين من حيث كونه ذليلاً. ولو كان غنياً. إلاَّ أن هذا غير محتمل فقهياً.
فالنتيجة أن كلا اللفظين دالان على الفقر عملياً، إلاَّ أن الفقير قد يكون عزيزاً وشريفاً في قومه. فهو المقصود من اللفظ الأول (الفقراء). وقد يكون الفقير ذليلاً يعني من الطبقة المتدنية في المجتمع. ومن المستطاع القول بأنهم كلهم فقراء اقتصادياً. فيكون المراد هو الإشارة إليهم في الآية الكريمة في قوله: (المساكين).
ومن هنا قد يكون الترجيح لكون المسكين أجهد حالاً من الفقير كما في بعض التخريجات المشهورة، على اعتبار أن الفقير يتصف بصفة واحدة هي الضعف الاقتصادي، والمسكين يتصف بصفتين هما الضعف والذلة. أو باعتبار أن الفقير قد يكون شريفاً في قومه بخلاف المسكين.
ــــــــــــ[28]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (11) الفرق بين الفقير والمسكين معنوياً
وإذا فهمنا من الزكاة المعنى المعنوي، أمكننا أن نفهم من الفقير والمسكين الأمر المعنوي أيضاً. ويكونان من المستحقين لتلك الزكاة المعنوية.
وقد وردت الإشارة إلى الزكاة المعنوية في القرآن الكريم في عدد من آياته، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. أي من زكى نفسه. وقال: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وقال: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ وقال:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّـهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ. والمشهور أن الإشارة في الآيتين الأخيرين على ادعاء الزكاة والصلاح للنفس وهو قبيح.
بل زكاة المال وغيرها لا تصلح أن تكون متصفة حقيقة بهذه الصفة، ما لم ترجع إلى الزكاة المعنوية. باعتبارها معمولة في سبيل الله سبحانه، فتكون سبباً لطهارة النفس وتعميق صفة الصبر والتقوى فيها. قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا. فسواء كان المراد أن الطهارة بدفع الزكاة تكون للأموال أو أنها تكون للنفوس، فإن المراد بها على أي حال هو الطهارة المعنوية الناتجة عن الزكاة. وأن كان الأقرب أن المراد بها طهارة النفس. ولذا نسبته إلى الدافع لا إلى المال بقوله: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا.
والوجهان محتملان من قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ أعني الزكاة المالية والزكاة المعنوية. ولكننا حيث فهمنا الجانب المعنوي على أي حال، كان السياق أقرب إليه لا محالة. ولذا فهم منها الراغب في المفردات:
ــــــــــــ[29]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كل عبادة وتقرب إلى الله تعالى يوجب زكاة النفس وترقيها في عالم الكمال.
وعلى أي حال، فالمستحق للزكاة المعنوية، ذو جانب معنوي أيضاً. فلا يكون المراد من الفقير: الفقير اقتصادياً، ولا من المسكين الذليل اجتماعياً.
وقد أشير إلى هذا الفقر بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّـهِ كل ما في الأمر: أن بعض الناس لا يشعر بهذه الصفة ولا يعيشها وجداناً، والبعض الآخر يشعر بها ويعيشها، وهي الصفة الواقعية بنص الآية، والشعور بها نحو أدب أمام الله سبحانه والتزام بالواقع، ويكون مقدمة لنيل العطاء الإلهي.
قال تعالى: إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ. يعني أنهم إذا لم يكونوا فقراء ولم يشعروا في أنفسهم بهذه الصفة، لم يكونوا مستحقين للعطاء. وبهذا يتبين معنى استحقاق الزكاة أيضاً.
وأما صفة المسكين، فيمكن أن نفهمها معنوياً، باعتبار الذلة أمام الله سبحانه. وليس للإنسان أن يقدم غير الذلة والعبودية والخضوع أمامه جل جلاله.
ــــــــــــ[30]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (12) تقسيم الفقر والمسكنة
ولا ينبغي أن يفوتنا أنه يمكن تقسيم الفقر والمسكنة إلى تقسيمين:
التقسيم الأول: تقسيمها إلى صفة دنيوية وصفة أخروية. أو قل: اجتماعية ومعنوية.
التقسيم الثاني: تقسيمهما إلى صفة ثبوتية وصفة إثباتية. يعني إلى صفة واقعية يتصف بها الفرد حقيقة، وإلى صفة إثباتية مدعاة للفرد يشعر بها في وجدانه.
وبضرب نتيجة التقسيمين تكون الأقسام أربعة:
القسم الأول: الفقر والذلة الدنيوية، من ناحية واقعية، أي اتصاف الأفراد بها. وهي التي تكون موضوعاً لاستحقاق زكاة المال وسائر الصدقات.
القسم الثاني: الفقر والذلة الأخرويان أو المعنويان، من ناحية واقعية، اي اتصاف الفرد بها. وهي أمر ثابت لكل الخليقة، بغض النظر عن مراتبها وخصائصها.
القسم الثالث: الشعور بالفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين، وهما الموضوع المتكامل للعطاء الإلهي معنوياً. وباصطلاح المتشرعة: إن عليه ثواباً جزيلاً.
القسم الرابع: الشعور بالفقر والذلة الدنيويين. وإبرازهما أمام الآخرين، بصدق لشكوى أو الترحم ونحو ذلك.
ــــــــــــ[31]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وهذا القسم مذموم في النصوص الإسلامية قال الله تعالى: وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ، ويراد من الذلة هنا الصفة الواقعية ومن المسكنة إظهارها للآخرين، وفي الحديث: كاد الفقر أن يكون كفراً.
ويقابل الفقر الغنى، كما يقابل المسكنة والذلة العزة. وكلاهما ينقسمان أيضاً بنفس التقسيمين السابقين، فتكون بذلك، أقسامها أربعة أيضاً:
القسم الأول: الغنى والعزة الدنيوية، من ناحية الصفة الواقعية ويراد هنا بالغنى الثروة وبالعزة الأهمية والشرف في المجتمع ولكل منهما نتائجها التي لا تخفى.
القسم الثاني: الشعور بهذه الصفات الدنيوية، لمن يكون متصفاً بها. وهو أمر مذموم في النصوص الإسلامية.
فمن ذم الشعور بالغنى قوله تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللّـهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّـهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء. ومن ذم الشعور بالعزة قوله تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعاً. وقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّـهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ.
وهو نفسه التكبر والاستكبار المذموم في القرآن أيضاً، لأنه قد ينتج، بل غالباً ما ينتج التكبر عن الحق والهدى، فيقع الفرد في الضلالة والعصيان، قال الله تعالى: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ – فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ – فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ – إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَـهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، إلى غير ذلك من الآيات.
القسم الثالث: الاتصاف الواقعي بالغنى والعزة، المعنويين.
ــــــــــــ[32]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أما الغنى فهو إما بمعنى الاستغناء عن آمال الدنيا وآلامها، والإعراض عن حبها، وهي صفة لله لو نظرت بالمعنى الكامل، باعتباره سبحانه مستغنياً عن كل خلقه: هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ. وصفة للمؤمنين باعتبار استغنائهم بالله سبحانه عن الدنيا وما فيها.
وإما أن يكون الغنى بالمعنى القناعة. ومنه ما ورد، بمضمون أنه: إذا ظهر القائم ملأ الله قلوب أمة محمد (ص) غنى. ولم يقل جيوبهم أو بيوتهم.
وأما العزة فهي أيضاً بالغنى المطلق منسوبة إلى الله سبحانه وصفة له، فهو: الْعَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعاً. وبمعنى أدنى من ذلك منسوبة إلى المؤمنين قال تعالى: وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ. وقال: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً. يعني أن العزة الحقيقية للمؤمنين هي المستقاة من عزة الله سبحانه، وليس باعتبار الأمور الدنيوية وأضرابها. وفي بعض النصوص في وصف المؤمنين. “فأولياؤه بعزه يعتزون”.
القسم الرابع:الشعور بالغنى المعنوي والعزة المعنوية. فإن كان ذلك ثابتاً كان مثل التكبر، بل هو التكبر بعينه، لا يختلف عن الاستكبار الدنيوي بشيء معتد به. وإن كان منسوباً إلى الله سبحانه دائماً، فأكرم به وأنعم.
فإن المفروض بالمؤمن الشعور بالذلة في الدنيا. قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. والعزة في الآية باعتبار الاستغناء عن الكافرين أو باعتبار أن التكبر على المتكبر عبادة. والتذلل أمام المؤمنين وأمام ذوي الحق هو تذلل أمام الله سبحانه: قال تعالى: وَاخْفِضْ لَـهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
ــــــــــــ[33]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والذلة المعنوية في الدنيا مطلوبة ومحمودة، وأما في الآخرة، فمذمومة. قال تعالى: سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ. وأهل جهنم عموماً أذلاء مذمومون. قال تعالى: يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً.
والواجب على العبد أن يقدم أمام الله الذلة والخضوع ليتصف بالعزة. والذلة لها معنى العبودية لله سبحانه. وهي بالمعنى المتكامل أفضل من النبوة والرسالة. وقد ورد: إنه جعلني عبداً قبل أن يجعلني رسولاً، كما ورد: “عبده ورسوله”.
وكذلك الحال بالمؤمنين قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً.
وقال: لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ. وقال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ، إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً. إلى غير ذلك من الذكر الحكيم.
ــــــــــــ[34]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (13) العاملون عليها
من جملة العناوين المستحقة للزكاة ويجوز صرفها عليهم: العاملون عليها. وهم جباة الزكاة وجامعوها من مالكيها. فيأخذون أجراً على جبايتها، أو يتعيشون مما يجبون بإذن الحاكم العادل.
هذا إذا فهمنا من الزكاة الجانب المادي أو الاقتصادي.
وأما إذا فهمنا الجانب المعنوي، كان للعاملين عليها أمر معين، من حيث إن الإنسان إما أن يزكي نفسه بالعمل الصالح، وإما أن يزكي غيره بالهداية والتعلم.
ولا ينبغي هنا أن يخطر في البال كيف يجوز أن يزكي الفرد نفسه وقد قال الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ.
فإن جوابه: إن هذا راجع إلى بيان مدح النفس وذكر مميزاتها. فإنه ممنوع أخلاقياً. وأما التسبب إلى التكامل فهو مسلم الصحة وواضح الإنتاج. وفي الحكمة: إن القدم الأول من العبد والباقي من الرب. وقال الله تعالى: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. ولا يحتمل حصول الثواب والرحمة بدون عمل. فالمراد من تزكية النفس هو العمل لإصلاحها، وهو غير منهي عنه في الآية الكريمة.
إذن، فالعاملون على الزكاة المعنوية منقسمون إلى من يصلح نفسه وإلى
ــــــــــــ[35]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
من يصلح غيره، وكلاهما مستحق لها. أما من يصلح نفسه فباعتبار أنها هي النتيجة الطبيعية أو الحقيقية لعمله. وأما من يصلح غيره، فباعتبار أن التعليم والهداية نفسهما عمل من الأعمال الصالحة ينتفع بها كما ينفع بها غيره.
مضافاً إلى أن تعليم الغير نافع للمعلم فكرياً وعقلياً أيضاً، فإنه كثيراً ما يكون موجباً لانفتاح الذهن إلى عدد من الحقائق والأفكار لم يكن ملتفتاً إليها فيما سبق.
ولا ينبغي إهمال الإشارة باختصار إلى أن إصلاح النفس سابق على إصلاح الغير. ولا معنى لإصلاح الغير مع فساد النفس. وقد قالوا في الفلسفة: إن فاقد الشيء لا يعطيه.
وقال الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليـم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيـم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيـها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ــــــــــــ[36]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (14) المؤلفة قلوبهم
ومن جملة مستحقي الزكاة هم المؤلفة قلوبهم. وقد خصهم مشهور الفقهاء بالكفار الذين يستمالون إلى الجهاد في صف المسلمين بالمال. ويسمون باللغة الحديثة بالمرتزقة. وهو أمر لا مانع منه عقلاً ولا شرعاً ولا أخلاقياً. بل هو أمر راجح ما دام في ذلك مصلحة للدين وحفظ لنفوس المسلمين.
وأما المؤلف، فقد عرفهم في (المنهج) قائلاً: وهم المسلمون الذين يضعف اعتقادهم بالمعارف الدينية، يعني أصول الدين فيعطون من الزكاة ليحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم. أو الكفار الذين يوجب إعطاؤهم الزكاة ميلهم إلى الإسلام، أو معاونة المسلمين في الدفاع أو الجهاد ضد الكفار.
ومن هنا يتضح أن المسألة هنا ترتبط بضعف العقيدة عموماً بحيث يكون الصرف فيها نافعاً للدين بشكل وآخر. فإن تأليف القلوب عبارة عن كسب المحبة. وله أسباب عديدة، منها المجاملة ومنها القربى ومنها المال.
ومن الاعتيادي أن ضعيف العقيدة بعيد المحبة عن المؤمنين، وخاصة الكافر ونحوه. فيمكن استمالتهم وتأليف قلوبهم بالمال. وتكون لذلك عدة نتائج نظرية وعملية. منها:
1- قوة العقيدة في نفس المؤمن الذي كان ضعيفاً فيها.
2- تقريب المسلمين الآخرين إلى جانب الحق. إما بالتزامهم به أو بجلب
ــــــــــــ[37]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
عاطفتهم له أو بكفاية شرهم عنه.
3- تقريب الكفار من أي دين أو مذهب إلى جانب الحق بأحد الأشكال الثلاثة السابقة.
4- استعمال الكفار كمقاومين في ضمن الجهاد المقدس الإسلامي.
وهو المعنى المشهور به، وهذا يشمل كثيراً من فعاليات الجهاد وأساليب وحاجات الحرب كما هو واضح. ولا ينبغي أن يكون المقصود هو خصوص الوقوف في خط المواجهة.
هذا. وأما استعمال كل هؤلاء في أعمال أخرى غير الجهاد ودفع أجور لهم، فهو لا يدخل في هذا السهم.
كما أن استعمال ضعاف العقيدة من المؤمنين في الجهاد، باعتبار هذا السهم أيضاً مشكل فقيهاً. ولكن قد يكون استعماله لسائر المسلمين لدفاعهم عن الحق وجه وجيه.
وأما استعمال هذا السهم في تعليم هؤلاء للدين الحق وتثبيتهم فيه نظرياً، أو استعماله للمكر بهم من أجل دفع شرورهم. فهو أيضاً مشكل فقهياً. ولكنه إن تمّ فهو مندرج في سهم آخر من الزكاة وهو سبيل الله على ما سيأتي.
فهذا مختصر عن الجانب الفقهي للمستحقين لهذا السهم.
وأما معناه الأخلاقي، فتأليف القلوب وتقريبها إلى المحبة، يكون بأسلوب من أساليب النفع. وفي الحكمة: أحبك يا نافعي. فلو انتفى النفع انتفى الحب. وهذا صادق حتى على الأرحام بل الأرحام القريبة كالأب والأخ.
ــــــــــــ[38]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وإن كان افتراض عدم وجود النفع بينهم نادر.
بل هو شامل -في مستوى الإنسان الاعتيادي- حتى لله سبحانه وأوليائه. فيما لو تصور الفرد أنهم غير نافعين له.
وعلى أي حال، فالنفع إن كان دنيوياً اكتسب مسديه أو مؤديه الحب الدنيوي، لو صح التعبير، من قبل المستفيد، وإن كان النفع أخروياً اكتسب الحب الأخروي. وهو الحب الأهم والأوضح في الشريعة وفي ارتكاز المتشرعة، وهو المفهوم من قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. وقوله: “ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك”.
وهناك تعليق بسيط على هذه الآية. باعتبار أن حب المؤمنين لله سبحانه بني على انتفاعهم منه دنيوياً وأخروياً وحب الله للمؤمنين باعتبار طاعتهم له وتركهم لما ينهى عنه، فقد اعتبرها الله سبحانه شكلاً من أشكال الانتفاع لذاته، وإن كان هو سبحانه غنياً عن العالمين حقيقة.
وعلى أي حال، فتأليف القلوب بالنفع موجود على كل المستويات، إلا من استطاع الارتفاع عن ذلك في مدارج الكمال، وهو أيضاً يمر لا محالة في مراتب تكامله بمثل هذه الأمور.
فبمجرد أن يكون الفرد محتاجاً لشيء دنيوياً أو أخروياً. ويحزر الفرد الآخر أن عنده قضاء حاجته، يكون الأول مستحقاً لدفع هذه المنحة أو الصدقة أو الزكاة ما شئت فعبر. وكل قضاء حاجة هي صدقة وزكاة وقربة إلى الله سبحانه ما دام الإخلاص فيها متوفراً.
فإن قلت: إن المؤلفة قلوبهم لا يعرفون بإعطائهم المال أنهم من المؤلفة قلوبهم، بل هم لا يعرفون ذلك ولا يلتفتون إليه لا قبل دفع المال ولا بعده،
ــــــــــــ[39]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ولا يقال لهم أيضاً: إننا نعطيكم من سهم المؤلفة قلوبهم. إذ لو قيل لهم ذلك، لكان احتمال رفضهم راجحاً، فيفشل المشروع لا محالة.
وهذا بخلاف الفقراء والمساكين والعاملين عليها وابن السبيل، فإنهم يعلمون بصفتهم هذه قبل دفع المال وبعده. ويمكن أن يقال لهم ذلك.
والفرق الآخر: أنهم غير مشترطين بالفقر. وإلا لاندرجوا في سهم الفقراء. ومقتضى إطلاق الآية عدم الاشتراط.
فما هو المعطى الأخلاقي لهذه الفروق؟
أما الفرق الأول: فينبغي أن يكون واضحاً، لإمكان القول: بأن المعطي، وهو من يقضي حاجة الآخر، لا يكون ملتفتاً إلى أن عمله ينطبق عليه معنى سهم المؤلفة قلوبهم. كما قلنا الآن بالتحليل فكيف بالأخذ.
وأما الفرق الثاني: فالفقر –أخلاقياً-، هو الافتقار إلى التكامل، أو إلى الدخول أو الوصول إلى أي درجة أو رتبة لم يكن الفرد قد وصل إليها. سواء كان ذلك في الدرجات الدانية أو الدرجات العالية.
أما إذا كان في الدرجات الدانية، فهو فقير أخلاقياً، بمعنى كامل أو بقول مطلق. وأما إذا كان في الدرجات العالية، فهو وإن كان يصدق عليه الغنى أخلاقياً من هذه الناحية، إلا أنه مفتقر إلى وصوله إلى الدرجة التي بعدها، وهذا يكفي.
وأما مسألة إطلاق الآية لكون المؤلفة قلوبهم لم يشترطوا بالفقر، فهو صحيح أخلاقياً، ومعناه عدم اشتراط التربية بالدرجات المتدنية من الكمال، بل تشمل الدرجات العليا أيضاً.
ــــــــــــ[40]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يبقى سؤال واحد قد يخطر على بال القارئ الكريم، وهو أن سهم المؤلفة قالوا إنه خاص بالكفار الذين يستمالون إلى الجهاد. في حين لا يمكن أن نسمي المتكاملين كفاراً بأي حال.
ويجاب: بأننا قلنا إن هذا السهم يشمل المسلمين أيضاً من حيث تشجيعهم وتقوية عقائدهم. ومن هنا أمكن الشمول أيضاً في المعنى الأخلاقي.
بل يمكن القول: إننا نستطيع أن نسمي المتدنين في الكمال كفاراً ونسمي المتكاملين مسلمين. أخذا بقوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّـهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ. وكل مشرك كافر. وبقوله تعالى: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً.
ــــــــــــ[41]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (15) الرقاب
ومن جملة مستحقي الزكاة: الرقاب. وهم العبيد يشترون ويعتقون، على تفصيل مذكور في محله.
ولا شك أن العتق في نفسه يحتوي على جانب أخلاقي عالٍ، سواء كان معوضاً أو غير معوض.
فإن لم يكن معوضاً، بل كان خسارة وتضحية مجانية في سبيل الله، فهذا واضح. وإن كان معوضاً، أعني بإزاء ذنب ارتكبه الفرد. بحيث يكون العتق كفارة له، وسداً لنقصه فهو أيضاً مهم. لأن الثغرة التي أحدثها الذنب أخلاقياً تحتاج إلى سد على أي حال. فالعتق خير سد أخلاقي لكلا قسميه.
إلا أن العتق مقابل للرق والعبودية، فلا بد من السؤال عن معنى العبودية أخلاقياً.
تلك العبودية مقابل أي سيطرة وتسلط فكل ما يسيطر عليك فقد ملكك وكل ما ملكك فقد أصبحت عبداً له، لا يختلف ذلك في إنسانٍ حاكم أو شهوةٍ قائمة أو مذهبٍ ملتزم أو فكرةٍ مسيطرة.
فإن كل ذلك إن كان بالباطل، كان رقية باطلة، والعتق منها ضروري. وأما العبودية الحقة فهي مطلوبة، والعتق منها مرفوض.
فمن جملة موارد العبودية الباطلة أو المتدنية، عدة موارد:
ــــــــــــ[42]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
منها: الأهداف الدنيوية للمصالح الشخصية مهما كانت صفتها.
ومنها: صور الإدمان، والاعتماد على بعض الأمور، كالكحول أو المخدرات أو السكاير أو الشاي بل حتى الاعتياد على مخالطة الناس أو ممارسة لعبة معينة. أو على كثرة الأكل أو حتى تكرار كلمة معينة تكون عكازة في الكلام. وغير ذلك كثير.
والمهم أخلاقياً، هو سيطرة فكرة باطلة، أو مسلك غير صحيح، أو شك من الشكوك في القلب أو مرض نفسي وغير ذلك كثير.
فإن كل ذلك في الحقيقة عدو من الأعداء أو قل هو سلاح العدو الأكبر وهو الشيطان. ومن هنا يكون الانعتاق منها لطفاً ونعمة، ونجاة من مثل هذا العدو.
وفي الحقيقة إن العبودية الدنيوية ليست إلا لأمرين للأسباب التي ليس لها حقيقة، وإنما الله هو مسبب الأسباب، وللشهوات المبعدة عن الله والمضلة عن طريق الحق، ويكون العتق بقطع كل ذلك لا محالة.
وقد قال الفقهاء: إن هذا السهم يصرف للعبيد تحت الشدة.
والعبودية الأخلاقية المشار إليها لا تكون ذات شدة ما دام الفرد منسجماً معها ومقتنعاً بها. وإنما تبدأ الشدة حين يعرف الفرد ضلالتها وسوءها ويحب التخلص منها والترفع عنها. مع أنه يجدها غلاً في عنقه وقيداً في يده، لا يمكنه رفعه، وإنما حصل ذلك باختياره في زمن جهله. فيقول لنفسه: (على أهلها تجني براقش). وهو اسم لكلبة. فيبقى ينوح ويتأوه إلى أن يجعل الله له من أمره يسراً.
ــــــــــــ[43]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (16) الغارمون
ومن جملة مستحقي الزكاة: الغارمون.
وفسرها الفقهاء بأنهم الأفراد الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها.
ويشترط فيها أمران:
أحدهما: أن لا تكون هذه الديون مصروفة بالباطل. فإن كانت كذلك لم يعط من الزكاة لأدائها.
ثانيهما: أن يكون الفرد صالحاً في نفسه مؤدياً لفرائض ربه. كالصلاة التي هي عمود الدين.
مضافاً إلى شروط أخرى يمكن أن يستفاد من عباراتهم ذاتها. وهي قولهم: ركبتهم الديون. حيث قد يراد منها فداحة الدين لصاحبه. يعني زيادة نسبة الدين على الدخل، بحيث تستبعد قدرته على أدائه بأية حال. فلو كانت حاله أفضل من ذلك اقتصادياً لم يعط.
ولكن قد تفسر العبارة بكون رقم الديون عالياً. وكلها مما يعجز عن أدائها عادة. فلو كان الدين قليلاً لم يعط من الزكاة، ولو كان عاجزاً عن أدائها.
وهذا الوجه قابل للمناقشة فقهياً، لا أقل من كونه مخالفاً لإطلاق الآية، من حيث صدق الغارم على المدين بالقليل وعلى المدين بالكثير، ما دام يستبعد قدرته على أدائه. وتمام الكلام في محله.
وإنما المهم الآن أن نلتفت إلى معنى الغارم أخلاقياً. ويمكن أن نعبر عنه
ــــــــــــ[44]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أنه الذي أكل حق الغير وغمطه بدون استحقاق، كما أن المدين يأكل أموال الدائن وهي ليست له.
وهذا الغير الذي يغمط حقه صنفان لأنه: إما أن يكون هو المخلوق وإما أن يكون هو الخالق، فذاك الآخر يكون دائنا وهذا الفرد الآكل للحق يكون مديناً أو غارماً.
وإذا استقام هذا الفهم ارتبط الأمر مباشرة بحق الناس وحق الله. فأي حق أديته لصاحبه، فهو المطلوب، وإلا كنت مديناً على أدائه، ومشغول الذمة أو المسؤولية في التحلل من صاحبه والتوبة أمامه جهد الإمكان.
وتفترق حقوق الناس عن حقوق الله تعالى بنقطة ضعف ونقطة قوة.
أما نقطة الضعف: فلأن حقوق الناس أهون غمطاً من حقوق الله. للفرق بين أهمية الله وأهمية الناس أنفسهم. لوضوح أن الفرق كلما كان أهم كان غمطه أصعب، يعني أشد مسؤولية.
وأما نقطة القوة: في حقوق الناس، فلأن حقوق الله سبحانه أسهل أداء بالتوبة والإنابة، والله سبحانه غفور رحيم، وسريع الرضا. وهكذا أراد لنفسه جل جلاله معاملة الخلق بالرحمة التي وسعت كل شيء. في حين أن أداء حقوق الناس يتوقف على رضاء الطرف. مع أنه قد لا يرضى إلا بصعوبة أو يكون استرضاؤه صعباً ويحتاج إلى المرور بذلةٍ ونحو ذلك. أو قد تترتب عليه فتنٌ. فيبقى الحق مسجلاً غير قابل للأداء.
ولسنا الآن بصدد ذكر تفاصيل هذه الحقوق، فإنها تخرج بنا عن صدد موضوعنا. وإنما نريد الآن أن نعطي بعض الأمثلة لحقوق الله سبحانه التي يمكن للعبد أن يغمطها ويتجاوز عليها، وعند ذلك يكون العبد مديناً، ويكون
ــــــــــــ[45]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الله دائناً بالمعنى الأخلاقي، إلا أنه يختلف عن سائر الدائنين من عدة جهات:
أولاً: إنه يحلل دائنيه ويفرغ ذممهم من كثير من ديونه بالعفو والصفح والمغفرة.
ثانياً: إنه يصبر على طول الدين. فإن تباطأ الفرد في أدائه عفا عنه.
وبالرغم من أن البطء دين آخر. إلا أن المهم هو الأداء ولو بعد حين. وهذا معنى كون باب التوبة والإنابة مفتوحاً ما دام النفس موجوداً أي ما دام الفرد في هذه الحياة الدنيا.
ثالثاً: إن هذا الدائن هو الذي يسبب للمدين طريق وفاء دينه. كأنه يعطيه مالا ليدفعه الى الدائن الذي هو نفس معطي هذا المال. ومع ذلك فهو يعتبره وفاء لما في ذمة المدين.
بل المسألة أكثر من ذلك، فإن هذا الدائن يعتبر ما أخذه من الدين من مدينه ديناً في ذمته يستحق عليه أداءه.
وهذا معناه أن الله تعالى كأنه يعتبر نفسه مديناً بالثواب لعبده على أعماله الصالحة وطاعته. غير أن الفرق أن العبد كان بمنزلة العاجز عن أداء حق ربه. عندما يكون مديناً له. ولكن الله سبحانه قادر على أداء الدين الذي اعتبره على نفسه، من إعطاء الثواب الجزيل والجزاء الجميل.
وهذا من المعاني المقصودة في العبارة الواردة في الدعاء: وأنت الوهاب ثم لما وهبت لنا من المستقرضين.
بل الأمر أكثر من ذلك، فإن العبد بصفته مديناً لله سبحانه لا يستطيع أن يدفع كل دينه، بل تبقى نسبة منه غير مدفوعة لا محالة، لاستحالة أن يطاع الله تعالى حق طاعته وأن يؤدى لله كل حقه. فيبقى العبد راجياً للمغفرة والتسامح
ــــــــــــ[46]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
من هذه الجهة.
في حين أن الله سبحانه بصفته مديناً لعبده بالثواب فهو قادر على أدائه، بل يؤدي بأضعاف مضاعفة. ويعطي بالحسنة عشرة أمثالها بل أكثر حينما يقول: ولدينا مزيد. فهي من هذه الناحية أشبه بالمعادلة الربوية حيث يعطي المدين أكثر مما أخذ. إلا أنه يختلف عنهما، بكون الربح الإضافي إنما هو مدفوع برضا المدين وبطيب قلب منه.
وقد شبّه الله تعالى ذلك في آية أخرى بالتجارة، وأن هذه الزيادة كأنها ربح تجاري يأخذه الفرد من ربه تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. يكون فيها الله مشترياً والعبد بائعاً.
ويحسن الآن أن نفي بالوعد الذي ذكرناه قبل صفحة بتعداد بعض حقوق الله سبحانه على عبده. أعني من جهة ما يتوقع من العبد أن يفعله تجاه ربه. فإن لم يفعل أو انه قصر في ذلك كان مديناً. وقد عرفنا أنه مقصر لا محال لاستحالة أن يعطي لله سبحانه كل حقه عن كل تلك الجوانب.
فمن حق الله أن يطاع في كل أوامره ونواهيه سواء الإلزامية منها أو الاستحبابية. ومن حقه زيادة التركيز في الطاعة. ومن حقه الأخذ بالرخصة، كما ورد في بعض الأخبار.
ومن حقه أن يشكر على كل نعمة من نعمه. ومن حقه أن يذكر حق ذكره في اللسان والجنان. ومن حقه أن ندرك عظمته وهيبته ومن حقه أن ننسب نعمه إليه، ومن حقه أن ندرك أنه رقيبنا في الصغيرة والكبيرة من ذنوبنا ومن كل أفعالنا. إلى غيره ذلك من الموارد. فهل خرجنا من بعض هذه الحقوق؟
ــــــــــــ[47]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (17) دفع الزكاة للغارمين أخلاقياً
عرفنا في الفقرة السابقة معنى الغارمين أخلاقياً. فما هو معنى دفع الزكاة إليهم أخلاقياً أيضاً؟
وبحسب فهمي فإن ذلك يعني إعانة هذا المدين على أداء دينه. وهذه الإعانة يمكن أن تحصل من المخلوقين، ويمكن أن تحصل من الخالق.
أما حصولها من المخلوقين، فبعدة أمور:
الأمر الأول: هدايته إلى الدين الحق أساساً، لو كان غير مؤمن في أول أمره.
الأمر الثاني: هدايته إلى المسائل الفقهية أو الأخلاقية في أي مورد بذاته.
الأمر الثالث: حثّه على الطاعة. وشحذ همته على المزيد منها.
الأمر الرابع: إعانته على طاعة الله سبحانه بتوفير الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية المناسبة.
وهذا قد يحصل من المؤمنين أو من الإخوة في الإيمان. وهو من مداليل قوله تعالى: وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ. وقد يحصل من غير المؤمنين كما ورد في الحديث القدسي: (الظالم جندي)، يعني من قبل الله سبحانه، سواء علم أو لم يعلم، وقد يحصل من الملائكة، وهو من مداليل
ــــــــــــ[48]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
قوله تعالى، الملائكة: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ.
ولا ينبغي أن ننسى هنا أن دفع الزكاة واجب في ذمة المالك. وهذا معناه أن هذه الأمور وأنحاءها، واجبة التنفيذ على من يستطيعها. ومن حق الطرف المتورط (الغارم) أن يطالب الآخرين المتمكنين من هذا التسبيب بإنجازه.
كما لا ينبغي أن نغفل عن أن كل المؤمنين هم غارمون، بهذا المعنى، لقصورهم عن أداء حق الله سبحانه. كما أنهم جميعاً ضامنون لمثل هذه الزكاة، لاستطاعتهم إعانة الآخرين على الطاعة وهدايتهم ونحو ذلك. ومن هناك انطبقت على المؤمن كلتا الصفتين. من جهة اختلاف الاعتبار والنظر.
وأما إعانة الله سبحانه للعبد (الغارم) على حسن الطاعة فهو أوضح من أن يذكر بالتوفيق والتسديد وتوفير الفرص المناسبة.
ــــــــــــ[49]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (18) ابن السبيل
ومن جملة المستحقين للزكاة: ابن السبيل، نقدمه في الذكر على سبيل الله بالرغم من تأخره في الآية الكريمة ليكون سبيل الله –وهو أهم وأوسع المصارف الزكوية- بمنزلة مسك الختام لذكر المستحقين.
وقد ذكر الفقهاء: أن ابن السبيل هو كل شخص منقطع به في أي بلد، بحيث أصبح لا يجد طعامه وشرابه وأجرة سفره راجعاً إلى أهله. والمهم أن يكون بهذه الصفة سواء كان في أهله غنياً أم لا.
وعلى أي حال فيعطى من الزكاة بمقدار حاجته وما يرد به إلى أهله، فإن كان فقيراً في أهله، وفضل منها شيء كان له تناوله بصفته فقيراً. وإن كان غنياً في أهله وجب عليه رد الباقي أو إعطاؤه إلى مستحقيه بإذن الحاكم الشرعي.
وهذه التفاتة إنسانية رائعة في القرآن الكريم إلى مثل هذه المرحمة وإنقاذ النفس المحترمة إذ لو لا ذلك لكان من المحتمل هلاك هذا المؤمن جوعا أو بردا أو ان تفترسه الوحوش ونحو ذلك. فان لم نجد في (فقه الأخلاق) من أخلاقية أو إنسانية من التشريع إلا ذلك لكفى.
إلا أن هناك معنى آخر أعمق من ذلك يمكن أن نفهمه من ابن السبيل. وهو من تقتضي ظروفه أو ضرورته أو جهله أن ينقطع عن جماعته الأصلية التي يتصل بها وتحمل له في قلبها الإخلاص، إلى جماعة أخرى مضرة بحاله من
ــــــــــــ[50]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
حيث يعلم أو لا يعلم.
وهذا يمكن أن يكون على مستوى دنيوي كمن ينفصل عن أسرته أو عن مشاركيه اقتصادياً أو اجتماعياً، فيسوء حاله لهذا الانفصال، ويكون عرضة لمكر الماكرين وإيذاء المخادعين. فيصبح بهذا المعنى ابن السبيل، وكون المطلوب إنسانياً ودينياً، إنقاذه من ورطته وإرجاعه إلى مركز انتفاعه، ونحو ذلك.
كما يمكن أن يكون على مستوى عقائدي أو ديني، كمن كان مستفيداً من معلم أو شيخ أو أصدقاء طيبين، ثم اقتضت ظروفه الانفصال عنهم لأي سبب دنيوي، الأمر الذي ينتج تسيبه عقائدياً أو تشتت أمره دينياً، ومن ثم احتمال انزلاقه في المحرمات الفاحشة أو السرقة أو أي شيء من هذا القبيل.
فمثل هذا الفرد يكون ابن السبيل يحتاج إلى إنقاذ من ورطته وإرجاعه إلى عشه، وإعادة ما يحتاج من هداية وتوجيه، من قبل أي قلب طاهر قادر على ذلك.
ويمكن أن نخطو خطوة أخرى في معنى ابن السبيل. وهو من كانت له فرصة طاعة الله سبحانه، ثم انسلبت منه، فبدلاً من أن نقول كما قلنا، من أنه يفارق معلمه أو صديقه، نقول الآن: إنه كان في طاعة الله وابتعد عنها. أو كان مع الله والآن هو مع الشيطان. فيحتاج إلى من يرجعه إلى الله وطاعته.
كما نستطيع بيان معنى آخر مقارب نسبياً مبني على القول بوجود الأرواح قبل وجود الأجسام. ولعله هو الذي يسمى بعالم المثل فلسفياً، وينسب مشهورياً إلى أفلاطون، ويدعمه ابن سينا في قصيدته العينية المشهورة، والتي أولها: نزلت إليك من المحل الأرفع. إلى أن يقول:
تبكي وقد نسيت عهوداً بالحمـى بمدامع تهــــمي ولما تقلع
حتى إذا اقترب المسير إلى الحمى ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
ــــــــــــ[51]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فإذا أرسلت الروح إلى الدنيا، وولدت فيها، كانت ابن السبيل، لأنها منقطعة عن عالمها التي كانت فيه وسعادتها التي تميل إليها غريزياً. وتحتاج إلى الرجوع إليها حاجة الرضيع إلى محالب أمه.
إلا أن الزكاة المدفوعة لإنقاذه من هذه الورطة بالذات، لا يمكن أن تكون من قبل غيره. بل إن نظرنا إلى الأسباب قلنا إن نفس الفرد يجب أن يكون كفيلاً لذلك بالتزامه السلوك الصالح والطريق المؤدي إلى عالم المعنى ومستويات الروح. وإن نظرنا إلى المسبب جل جلاله، قلنا إن الإنقاذ بيده. وهو المنقذ الوحيد من هذه الورطة وكل ورطة. ومن مصاديق ذلك، قوله في بعض الأدعية: إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك. واجذبني بمنك حتى أقبل عليك. ويقول في نفس الدعاء أيضاً: منك أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك. فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك.
فهذه هي الزكاة التي ترجعه إلى وطنه، وتنقذه من صفته الطارئة، وهي ابن السبيل.
إلا أن صفته هذه، بهذا المعنى، ضرورية له وفي مصلحته وليست ورطة حقيقية، وإن كانت صعبة بل هي رحمة وليست نقمة، لأننا ولدنا في الدنيا لكي نتعلم ونتكامل ونتطهر، ففتح هذه الفرصة لنا من أعظم النعم.
ــــــــــــ[52]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (19) سبيل الله تعالى
لعل أهم وأوسع ما ذكرته الآية الكريمة من موارد مصارف الزكاة هو: سبيل الله سبحانه. وقد قلنا عنه في المنهج: وهو جميع سبل الخير، كبناء القناطر والمدارس والمساجد وإصلاح ذات البين ورفع الفساد، والإعانة على الطاعات.
والظاهر جواز دفع هذا السهم في كل طاعة، مع عدم تمكن المدفوع إليه من فعلها بدونه، بل مع تمكنه إذا لم يكن مقدماً عليه إلا بها.
والأمر الارتكازي الذي اعتبرناه هناك غنياً عن الذكر هو أن المراد بسبل الخير كل ما كان تقرباً إلى الله. وبقصد الإخلاص له.
فقرينته كون العنوان العام لهذا السهم هو سبيل الله. والخير هو الله سبحانه، فسبيل الخير هو سبيل الله سبحانه.
ولا يراد بها ما هو أوسع من ذلك وأعم. كما لو كان يريد الجهة الإنسانية أو العاطفية أو غير ذلك. معزولاً عن القربة لله عز وجل. فإن ذلك مما لا يجوز صرف الزكاة فيه.
ولكن يستثنى من ذلك أمران أو موردان:
المورد الأول: البذل من هذا السهم على النفس وعلى من تجب نفقته. إن كان في ذلك طاعة لله عز وجل وتسبب إلى رضاه. فيكونا مصداقاً لسبيل الله
ــــــــــــ[53]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
تعالى.
إلا أنه ممنوع باعتبار كون المفهوم نصاً وارتكازاً هو بذل الحقوق الشرعية عموماً، بما فيها الزكاة خارج الأسرة التي ينتمي إليها المالك. ولا يجزئ إذا كان كذلك.
المورد الثاني: ما كان مندرجاً تحت العناوين الأخرى للزكاة. فإنها جميعاً أيضاً، بذل للمال في مرضاة الله ومن ثم يصدق عليها أنها في سبيل الله، وبخاصة العنوان الأول منها وهو سهم الفقراء والمساكين. وهو أشملها. فإن قضاء حاجة المحتاجين سبب لرضاء الله سبحانه.
ولكنه مع ذلك لا يندرج في هذا المورد، لكونه مذكوراً في الآية سلفاً. بمعنى أن ذكر الموارد الأخرى فيها يكون كالقرينة المتصلة بأن المراد في سبيل الله غير ما سبق ذكره. ولذا مثل لها الفقهاء بأمور خارجة عن ذلك المجموع. وإلا لزم التداخل بين العناوين وهو غير محتمل.
وبهذا نعرف أن في أخذ هذا العنوان توسعاً للزكاة بشكل أكبر من تلك العناوين بالرغم من سعتها في أنفسها. ومن هنا يكتسب هذا العنوان أهمية خاصة لأنه يشمل كل نواحي المجتمع وطبقاته وحاجاته. والتي يدركها القارئ اللبيب بدون حاجة إلى التفصيل.
ــــــــــــ[54]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (20) توزيع الزكاة من قبل المالك
إلا إذا طلبها الحاكم الشرعي
وينبغي الإشارة هنا، إلى ما قاله الفقهاء من أن المالك يجوز أن يوزع الزكاة بنفسه. ما لم يطلبها الحاكم الشرعي، فإن طلبها وجب دفعها إليه.
ولكنهم قالوا: إن الأفضل دفعها إليه ولو لم يطلبها، لأنه أبصر بمواقعها وأخبر بمواضعها.
أقول: أما مع طلبه فمن الواضح أنه يجب طاعته على المسلمين عامة، وعلى مالكي الزكاة خاصة، فلا يجوز لهم أن يتخلفوا مع الطلب. ويكون دفعها إليه مجزياً ومبرئاً لذممهم. باعتبار كونه ولياً لجهة المستحقين بالولاية العامة أو ما دونها.
ويكون غرضه في هذا الطلب بطبيعة الحال تكوين الميزانية اللازمة لإنجاز المهام الاجتماعية العامة والخاصة. أو بتعبير آخر: صرفها في مواردها السابقة والمذكورة في الآية الكريمة. بما فيها ما عرفناه من معانٍ ظاهرة ومعاني أخلاقية. ومصالح عامة.
وأما إذا لم يطلبها الحاكم الشرعي. فالمكلف له أن يتصدى لدفعها إلى المستحقين. وهنا ينبغي أن نلتفت إلى نقطتين:
الأولى: أن إيكال التوزيع شرعاً إلى كل من الحاكم الشرعي والمالكين،
ــــــــــــ[55]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يجعل في التوزيع سعة وشمولاً على كل الموارد المحتملة، بحيث لا يبقى مورد محتاج إطلاقاً. باعتبار أن ما يجهله الحاكم الشرعي أو لا يمكنه الاتصال به فإن المالكين يعرفونه. وما يجهله المالكون أو لا يمكنهم الاتصال به يعرفه الحاكم الشرعي.
الثانية: أن بعض العناوين المذكورة في الآية الكريمة تختص بالحاكم الشرعي. ولا يحتمل تصدي المالكين لها. فقول الفقهاء بأن للمالك دفعها، لا يريدون العموم بكلامهم هذا، بل أرادوا أن المالكين يدفعونها إلى الفقراء والمساكين. وبعض موارد سبيل الله وابن السبيل.
في حين أن عدداً من الموارد مختص بالحاكم الشرعي، وليست من عمل المالكين إطلاقاً كالعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وأكثر موارد سبيل الله سبحانه.
بل ظاهر الفقهاء أن الرقاب والغارمين كذلك بل حتى ابن السبيل. ولذا يقولون إنه يعطي من سهم الغارمين أو من سهم ابن السبيل. ومعناه: ان هناك أموالاً زكوية معزولة لكل صنف على حدة. وهذا لا يكون عند المالكين قطعاً، وإنماً لدى الحاكم الشرعي إن قلنا بحجة مثل هذا العزل وتعيينه للصنف قبل الدفع، كما عليه ظاهر المشهور.
ــــــــــــ[56]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (21) عمل العاملين عليها
وهنا لا ينبغي إهمال الإشارة إلى أسلوب عمل العاملين على الزكاة وهم الجباة لها والسعاة عليها. فقد وردت بعض التعاليم لذلك في السنة الشريفة وأخذ بها الفقهاء.
وظاهرها الوجوب لا الاستحباب، بمعنى أن العامل ملزم بتطبيق هذه التعاليم ولا يجوز له عصيانها، وهي جهة أخلاقية رفيعة على الرحمة بالمالكين أكيداً.
فمن ذلك أن المالك إذا قال للعامل: إن أموالي ليس فيها نصاب زكوي، أو أنها لم تبلغ النصاب، صدقه ولم يطالبه بالإثبات أو البينة.
وكذلك لو قال له: دفعت الزكاة عن أموالي. ولا يجبر على دفع حيوان معين، بل يعطيه الحرية بالاختيار في ضمن التعاليم الفقهية الشرعية. وإذا أخذ منه الزكاة دعا له وجوباً.
ومثل هذه التعاليم كما تمثل الرحمة بالمالكين والتنازل معهم إلى أقصى حد، تمثل أيضاً الإعراض عن الطمع بالمال وحب جمعه على كل حال. وإنما يأخذ العامل ممن الزكاة بمقدار ما طابت نفس المالك بدفعه، في حدود التعاليم الشرعية.
ولا يستلزم ذلك قلة الدخل لدى الحاكم الشرعي أو صعوبة تنفيذه لبعض المصالح العامة أو الخاصة، أو حرمان بعض الفقراء أو المساكين. لأن
ــــــــــــ[57]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
مفروض الشريعة الإسلامية حين أوجبت الزكاة، أنها كافية على كل حال لكل تلك الجهات. أو أن ما يجمع وما ييسره الله تعالى منها طبقاً لكل هذه القواعد، فيه ما يكفي على كل حال.
وظاهر السنة الشريفة هو تطبيق هذه القواعد، يعني التنازل مع المالكين والرحمة بهم حتى لو وجب العوز في جانب المستحقين. فإن هذا من جانب المستحقين من رزق الله سبحانه. فقد يوسعه وقد يضيقه. والحكمة تقول، إن وسع وسعنا وإن ضيق ضيقنا.
إلا أنه ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار أمرين:
أحدهما: أنه مع حصول النقص والحاجة، يمكن صرف أموال أخرى من الحقوق الشرعية غير الزكاة في موارد الزكاة نفسها. وأوضحها ما يسمى في لغة الفقهاء بحق الإمام. فإنه يمكن صرفه في كل تلك الموارد على الإطلاق، ما دام فيها رضاء الله عز وجل، وإزجاء حاجات الإسلام والمسلمين.
ثانيهما: أنه لو لم يحصل ذلك وبقيت الضرورة مفتوحة لو صح التعبير، فيمكن للحاكم الشرعي بل عليه أحياناً أن يأمر بجلب فرائض إضافية على أموال الأغنياء لدفعها إلى الفقراء خاصة وفي كل تلك الموارد عامة.
وهنا لا ينبغي أن ننسى أن منكر وجوب الزكاة كافر، لأنه منكر لضروري من ضروريات الدين. وأن مانع الزكاة يجوز قتاله مع الإمكان لأخذ الزكاة منه. ولا يكون مشمولاً للرحمة التي أشرنا إليها بالمالكين. إذن، فينحصر مورد وجوب الضرائب الإضافية فيما لو عجزت الزكاة عن إيفاء الضروري من مواردها، أو عجز الحاكم الشرعي عن جلبها كما هو المتوقع في الشريعة الإسلامية.
ــــــــــــ[58]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (22) معنى النصاب
يشترط النصاب في دفع الزكاة، ومقتضاه أنه لا يجب دفع الزكاة من كل مال، بل من خصوص الأموال التي تبلغ حد النصاب. وفي هذا تسهيل على المالكين بطبيعة الحال وتوفير نسبي لأموال الأغنياء.
والمراد الآن فهم معنى النصاب معنوياً وهو يعبر عن مرحلة من مراحل الكمال. نفسياً أو عقلياً أو روحياً وفي الحكمة. إن كل من وصل إلى مرحلة من مراحل الكمال استحق المرحلة التي تلي. لكنه لن يستطيع الوصول إليها إلا بتأسيس العمل عليها، والجهد الموصل إليها. وإلا فسيكون الطريق إليها مسدوداً.
لازم ذلك أن (الطفرة) في مراتب الكمال متعذرة بل مستحيلة، وأنه لا بد من التدرج المستمر. ولا يمكن المرور في أكثر من مرحلتين بدون المرور بسوابقها ولو قليلاً.
وهذا لا يختلف في كل أنحاء تكامل الإنسان. فالتكامل العلمي من الناحية الثقافية كذلك، لا يمكن أن يدخل الفرد في العلم الأعمق إلا بعد اطلاعه على الأقل والأخف. وهكذا كل درجة.
فيكون معنى النصاب هو درجة الكمال التي وصل إليها. ولا تجب الزكاة قبل ذلك، أي لا يستحق التكامل إلى التي بعدها، ما لم يصل إلى هذه الدرجة
ــــــــــــ[59]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
من الكمال بالذات. ونصب الزكاة متعددة. وكذلك مراتب الكمال. وكلما زاد النصاب زاد المقدار المدفوع وكذلك الحال في الكمال.
والمقدار المدفوع في الجانب المعنوي له أكثر من معنى: إما بمعنى تعليم العلم للآخرين المستحقين له. وليس لكل واحد. وإلا لم يكن دفعها مجزياً ولا جائزاً. وفي خطبة أمير المؤمنين: “المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق”.
وإما بمعنى تقديم التضحية المناسبة مع المقام الذي وصل الفرد إليه لأجل التسبيب للوصول إلى المقام الذي بعده. كما قال الله تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وكل مقام يحتاج إلى سعيه المناسب له.
وإما بمعنى التنازل عن الذات أو عن بعضها لله عز وجل في الأوصاف والأفعال. وذلك بالتوكل عليه سبحانه وإخلاص النية له والرضا بقضائه، ونحو ذلك.
ــــــــــــ[60]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (23) استثناء حصة السلطان
قال مشهور الفقهاء: إنه لا يستثنى من النصاب الزكوي في حساب الحصة المدفوعة إلا حصة السلطان.
والأمر في جانب المعنى كذلك، فإنه يجب تكريس النفس كلها للتكامل العقلي أو النفسي أو الروحي. ليس يحفظ الفرد لنفسه قسطاً منها. لا يكون مشاركاً في التكامل وفي التضحية من أجله. إلا حصة السلطان ويريد الفقهاء عادة من ذلك: السلطان الجائر أو الظالم، أعاذنا الله من كل سوء.
والمراد به في الجانب المعنوي جانب الدنيا والأمور المعيشية التي يمر بها الفرد، فإنها يجوز تركها وعدم تكريسها لجانب التكامل، سواء قلّت أو كثرت. والمراد من جانب الدنيا أحد أمور:
الأمر الأول: الأمور الضرورية للمعيشة إما بالكسب أو التنازل أو النفقة على العائلة.
ومن ذلك أيضاً أوقات الراحة من عناء التسبيب إلى التكامل وتلقي العلوم العليا، فإن جانباً من الراحة مما لا بد منه.
الأمر الثاني: ما يستلزمه كتم الحال عن الآخرين. فإنه ليس باستطاعة الآخرين عموماً فهم مستوى الفرد وهضم تصرفاته وأهدافه.
ومن هنا كان اللازم على الفرد العالي أن يخالط الناس على مستواهم. لا على مستواه، ويعايشهم على مقتضى طباعهم ويكلمهم على مقدار عقولهم
ــــــــــــ[61]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وأفهامهم، ويكون هذا الجانب ضاغطاً عليه، وبمنزلة السلطان المتطلب لحصته.
الأمر الثالث: ما يتطلبه البلاء الدنيوي المتسلط على الفرد من التنازلات الظاهرية عن اتجاهه الواقعي ومعتقداته الفردية، إما باعتبار ما يسمى بالتقية، وإما باعتبار كون البلاء موجباً لضيق النفس الموجب لقلة الأعمال الأخروية نسبياً. ومن هنا ورد عن الإمام الكاظم أنه كان إذا اشتد عليه الأمر قلل من النوافل.
هذا ويمكن ان يراد به أمور أخرى لا تخفى على القارئ اللبيب.
ــــــــــــ[62]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (24) أن المدفوع من الزكاة العُشر
والزكاة كما هي في العشر ظاهراً، هي كذلك في الجانب المعنوي، بل قد لا يكون من الضروري دفع نسبة أعلى من نصف العشر. وهذا له معنى على عدة مراحل، منها:
أن وجود الكيان الإنساني ككل، وجود حق، وليس فيه من الباطل إلا القليل. فلا يجب شيء إلا الاستغناء عن هذا القليل. كل ما في الأمر أن هذا الذي سميناه أو رأيناه قليلاً قد يسيطر على حياة الفرد كلها ويصوغ شخصية الإنسان، فيصبح أكثرها باطلاً، أو كلها. ويبقى الجزء الحق ضخامته كامناً لا يشعر به الفرد ولا يعرفه وقد يستمر ذلك طول حياته.
ولكن هناك من يلتفت إلى الجانب الحق الكبير في نفسه، فإن كان في ابتداء أمره لزمه بذل الجزء الأعظم من الباطل، أعني العشر وليس نصف العشر، ولذا تسمى الزكاة أوساخ أموال الناس.
وإن كان قد تحلى بالفضائل، فقد أدى أحد النصفين وبقي عليه النصف الآخر. وهذا معنى ما سميناه في الزكاة من أنه إذا بذل المالك على سقي الزرع لم يلزمه إلا نصف العشر، بخلاف ما إذا سقي بدون أجور ومتاعب (ديماً أو سيحاً).
ومن ذلك أيضاً أن نلتفت إلى أن حسن التوفيق الإلهي للطاعات والمبرات والتكامل، كله عطاء ابتدائي وما على الفرد إذا أراد أن يكون مستحقاً له إلا أن يعطي الجزء القليل من نفسه متجاوباً مع العطاء الإلهي. ولذا يقال في حكمة التكامل: القدم الأول من العبد والباقي من الله. وفي الحديث القدسي: من تقدم إليّ شبراً تقدمت إليه ذراعاً، ومن تقدم إليَّ ذراعاً تقدمت إليه باعاً.
ــــــــــــ[63]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (25) اشتراط السوم
من جملة شرائط زكاة الأنعام أن تكون سائمة وأن لا تكون عوامل. ويمكن إرجاع هذين الشرطين إلى محصل واحد، يعني أن يكونا نفياً وإثباتاً لشيء متشابه وإن قصد بهما الفقهاء أمرين مختلفين. فإن الأغلب من النعم السائمة أن لا تكون عاملة، والأغلب من العاملة أن لا تكون سائمة.
وهذا الشرط على واقعه فيه جانبان إنساني وأخلاقي.
أما الجانب الإنساني: فهو الرحمة بالمالك من حيث إنه إذا كان يصرف عليها مالاً لأعلافها، فقد صرف بمقدار الحصة الزكوية عادةً، فلا يجب عليه الزكاة.
وإذا كان يحتاجها في العمل والنقل والتحميل وما إليه، فليس من الرحمة إنقاص عددها، وجعله في حاجة ونقص من هذه الجهة.
وأما الجانب الأخلاقي: فالعوامل يمكن أن نفهم منه العاملين لأجل الدنيا، ومن كان كذلك لم تمكن تربيته، فينسد باب دفع الزكاة عنه وتطهيره، بخلاف ما إذا كان سائحاً بأرض الله لا يحمل هم الدنيا ولا يعمل لها إلا في حدود الضرورة، فهذا هو الفرد الأنسب للتكامل والأسرع في السير فيه.
ــــــــــــ[64]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (26) أن لا يكون المستحق من أهل المعاصي
وقالوا أيضاً: إن من شرائط المستحقين أن لا يكون الفرد منهم من أهل المعاصي، فلو كان كذلك لم يكن مستحقاً، كما لو كان تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو سارقاً أو زانياً، بحيث يكون معتاداً على بعض هذه المفاسد أو غيرها.
ومعناه الأخلاقي واضح، وهو أن مثل هذا الفرد لا أمل بتكامله إلا بعد توبته، أو قل: لا أمل في تكامله وهو على تلك الصفة المتدنية.
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً، فَأُوْلَئِكَ لَـهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، ولا يخاطب بطريق التكامل المعنوي، إلا من كانت ذمته خالية من العصيان للشريعة الظاهرية، بحيث يكون مؤدياً للواجبات كلها ومجتنباً عن المحرمات كلها.
وأما لو كان تاركاً لبعض الواجبات أو فاعلاً لبعض المحرمات، فخطابه يختص بفعل ما ترك وترك ما فعل والتوبة من العصيان، ولا يكون له في طريق التكامل أي فرصة مفتوحة.
نعم، فرصة التوبة مفتوحة ما دام النَّفَس متحركاً، والتوبة من التكامل. إلا أنه يُراد أخلاقياً بالتكامل تلك الدرجات التي تلي هذه المرحلة.
ــــــــــــ[65]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (27) أن لا يكون المستحق واجب النفقة
وقالوا أيضاً: إن من شرائط مستحق الزكاة أن لا يكون واجب النفقة، فلو كان كذلك لم يجز دفع الزكاة إليه.
وهذا له كالشرائط السابقة، جانبان: وجداني وأخلاقي:
أما الجانب الوجداني: فلأن هناك تهافتاً في الفكرة بين ما يصرفه الفرد على نفسه وأهله. وبين ما يصرفه على المحتاجين من خارج العائلة، ويريد الشارع الإسلامي المقدس أن يكون بين هذين الشكلين من الصرف، مغايرة تامة وعدم تداخل.
إذن، فما يصرفه الفرد على نفسه وعائلته لا يمكن أن يعتبر من موارد قضاء حاجة المحتاجين لأن ما يصرفه من ذلك كأنه صرفه على نفسه، ولأجل حفظ حاجة عاطفته فلا تكون تلك صدقة، بالمعنى الكامل. بخلاف ما يصرفه خارج أسرته من قضاء حاجة المحتاجين.
وهذه هي القاعدة النفسية أو الوجدانية التي انطلق منها الحكم الذي ذكرناه في هذه الفقرة، حسب ما نفهم من الشريعة.
فالزكاة يجب أن تُدفع إلى (الغير). والمراد بالغير ما كان غير المالك وغير عائلته، فلو دفعها إلى عائلته فكأنه دفعها إلى نفسه، ولم يخرجها عن ملكه. ومن هنا جاء المنع عن دفعها في موارد النفقة الواجبة.
ومن ناحية فقهية: فإنه يجب أن تكون الزكاة مدفوعة بسبب وجوبها لا
ــــــــــــ[66]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
بسبب وجوب آخر كوجوبٍ النفقة، فإن الأصل عدم تداخل هذه الواجبات، وعدم إمكان تطبيقها على مصداق واحد.
وأما الجانب الأخلاقي: فيمكن فهمه على عدة مستوياتٍ، نذكر بعضها:
المستوى الأول: إن العائلة عامة والأولاد خاصة مما تقع مسؤولية تربيتهم الصالحة على عاتق رب الأسرة وهو مسؤول عنهم في يوم القيامة. فتربيتهم تعتبر من النفقة الواجبة. وليس الأمر هنا كعامة موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يبذل عادة ويصرف غالباً في خارج الأسرة.
المستوى الثاني: إن نفس موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تختلف من حيث الأهمية. ولا أقل من أن نلتفت إلى أن بعضها واجب وبعضها مستحب. فإن الأمر بالواجب واجب والنهي عن الحرام واجب بخلاف المستحب والمكروه.
فمن هنا يمكن أن نعتبر الواجب هنا، في طرف النفقة الواجبة، واعتبار الزكاة في جانب المستحب.
المستوى الثالث: إن المتكاملين على مستويين: مستوى يكون تحت تربيتك وعنايتك، فهذا تخصه بسرك ويخصك بشكره أو قل إنك تخصه بسره ويخصك بشكرك. ومستوى آخر تكون علاقتك معه مطلقة أو عامة، ولست ذا مسؤولية واضحة ومركزة أمامه.
وعليه، فمن الممكن القول إن المسؤولية من المستوى الأول هي على غرار وجوب الإنفاق، وأما التي على المستوى الثاني، فهي على غرار الزكاة. ويمكن الالتفات إلى مستويات أخرى مع التسديد.
ــــــــــــ[67]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (28) أنه يحرم دفع زكاة غير الهاشمي إلى الهاشمي
قال الفقهاء أيضاً: إنه يحرم دفع زكاة غير الهاشمي إلى الهاشمي بمعنى أن صفة المستحق أن لا يكون هاشمياً، إذا كان الدافع مثله. في حين أن الهاشمي له الحرية في الدفع إلى مثله وإلى غيره من هذه الناحية.
وهذا له جانبان: دنيوي ومعنوي. بعد الالتفات إلى أن الشريعة تعتبر أن الهاشمي أفضل وأشرف من غيره، باعتبار انتسابه إلى الأسرة التي ينتسب إليها رسول الله (ص).
أما من حيث الجانب الدنيوي: فقد أحرزت الشريعة لذلك نتيجتين لمصلحة الهاشمي.
إحداهما: عدم الذلة أمام الآخرين والاحتياج إلى أموالهم، كائناً ما كانوا. بل حتى لو احتاج، فإن أموالهم عليه حرام، فلا يجوز أن يمد يده إليهم مهما كان السبب إلا في حالة الضرورة القصوى. فلا يكون لغير الهاشمي تجاه الهاشمي منة ولا يكون بإزائها ذلة.
ثانيهما: أنه وضع نصف الخمس، وهو ما يسمى بسهم السادة، للهاشمين، بعد أن حرم عليهم الزكاة.
والخمس هنا هو عشر المال، وهو أكثر من الزكاة، لأنها كما عرفنا تمثل
ــــــــــــ[68]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
واحداً بالأربعين من المال. فالخمس أربعة أضعاف الزكاة، وهو من استحقاق الهاشمي، بالرغم من أنهم النسبة الأقل في البشر. وفي هذا ما فيه من إظهار إكرامهم وتشريفهم. وسيأتي المزيد من إيضاح ذلك في كتاب الخمس بعونه سبحانه.
وأما الجانب المعنوي: فيمكن أن يقسم على عدة مستويات، نقتصر على بيان واحد منها، ويبقى الباقي منوطاً بالالتفات المسدد.
وحاصله أن الهاشمي يمكن أن يكون تعبيراً عن الأشرف، وغير الهاشمي تعبيراً عن الأدنى. والأشرف هو من حصل فعلاً على مراتب عالية ودرجات متكاملة، بإزاء من لم يحصل على مثل تلك الدرجات.
وبالطبع فإن زكاة الأدنى، لا تنفع الأعلى، ولن يكون له منها تأثير يذكر، سواء قصدنا منها التربية أو الموعظة أو التسبب للتكامل أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، فإن كل ذلك مما لا مجال له في هذه الحدود.
ــــــــــــ[69]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (29) مستحبات الزكاة
قال الفقهاء: تستحب الزكاة في كل ما تنبت الأرض مما يكال أو يوزن، عدا الخضر كاللفت والباذنجان والخيار وما شاكله. وهذا معناه استحبابها في الحبوب كالرز والماش والحمص، وفي الفواكه كالبرتقال والتين، وفي الأدوية النباتية ونحوها كالحناء والقهوة، وفي البذور المستعملة للدواء أو للرائحة كالكزبرة واليانسون والكمون وغيرها. وشروط استحبابها هي شروط وجوب زكاة الغلات من النصاب وغيره.
والمشهور في مال التجارة الاستحباب، يعني استحباب دفع زكاته بنصاب النقدين: الذهب والفضة، وهناك قول بالوجوب، غير أنه نادر.
قالوا: ويستحب لولي الصبي والمجنون إخراج زكاة مال التجارة. إذا اتجر بمالهما لهما.
ويستحب ايضاً لولي الصبي إخراج زكاة غلاته بل هو الاحوط استحباباً. وفي استحباب اخراجها من مواشيه وجه.
وقد عقد المحقق الحلي في كتابه (شرائع الإسلام) فصلاً كاملاً لاستحباب زكاة مال التجارة وشرائطه.
فمن ذلك أنه قال: زكاة التجارة يتعلق بقيمة المتاع لا بعينه، ويقوم بالدنانير والدراهم. وقال: إذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون
ــــــــــــ[70]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الآخر، تعلقت بها الزكاة لحصول ما يسمى نصاباً. وقال: إذا ملك أحد النصب الزكاتية للتجارة، مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة، سقطت زكاة التجارة ووجبت زكاة المال، ولا تجتمع الزكاتان، ويشكل ذلك على القول بوجوب زكاة التجارة. وقيل: تجتمع الزكاتان هذه وجوباً وهذه استحباباً.
أقول: وهذا هو الأوجه.
ــــــــــــ[71]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (30) زكاة الفطرة
وصل بنا الحديث الآن إلى زكاة الفطرة وهي واجبة بإزاء وجوب زكاة المال تماماً.
وهي تجب في ضحى يوم عيد الفطر الذي هو أول أيام شهر شوال بعد شهر كامل حافل بالصوم والعبادة. ومن هنا أمكن فهمها على عدة مستويات:
المستوى الأول: إن عيد الفطر وكل عيد مما ينبغي فيه للمسلمين عامة إظهار الفرح والسرور، ابتهاجاً بالمناسبة الدينية. وهذا الحال يحتاج إلى بذل شيء من المال على أي حال. فإذا كان الفرد قادراً على ذلك، فهو المطلوب، ويشارك سائر المجتمع بما يعيشه في ذلك اليوم من أفراح.
وأما إذا لم يكن قادراً على ذلك، فهو الفقير الذي تجب مساعدته على ذلك، ومن هنا كانت زكاة الفطرة قدماً من هذا الطريق، إذ أصبحت مساعدته من ذمته المجتمع ككل.
المستوى الثاني: إن الفقير ينبغي أن يشارك المسلمين في أفراحهم فكيف نستطيع أن نحمله على الفرح في حين هو يقاسي شظف العيش وصعوباته؟
وإدخال السرور على قلب المؤمن راجح في كل وقت وبأي عمل أو قول، وإن الأولى من تلك الأوقات ما يكون مطلوباً منه مشاركة الآخرين في أفراحهم.
ــــــــــــ[72]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فعند إعطاء هذه الزكاة إليه، تحصل عدة أمور مستحبة: إدخال السرور على قلب المؤمن والتسبيب إلى مشاركته في السرور مع الآخرين والتسبيب إلى إظهاره الفرح عملياً بلبس اللباس الجميل الذي قد يشتريه بهذا المال. وعلى أي حال فنحن لم نتمحض في كل ذلك للدنيا ما دام المال مأموراً بدفعه شرعاً وفيه رضا الله سبحانه وتعالى.
ــــــــــــ[73]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (31) من المستويات المعنوية لزكاة الفطرة
ومن المستويات المعنوية والأخلاقية التي يمكننا أن نفهمها من زكاة الفطرة، كما يلي:
المستوى الأول: إن العبادة قد تكون تامة وقد تكون ناقصة أمام الله سبحانه، بل العبادة عموماً ناقصة أمامه جل جلاله، لأنها لم تؤد حق طاعته ومقدار عظمته، والمطلوب من بذل العبودية تجاهه، بما في ذلك صوم شهر رمضان، الذي يقول عنه في الدعاء: “إننا قد أديناه مع اعتراف بالتقصير وإقرار بالتضييع”.
ومن هنا أمكن لزكاة الفطرة أن تكون سداً لتلك الثغرة، إما بعنوان ملء الفراغ الحاصل، أو التسبيب إلى غفران ذلك التقصير، أو بعنوان إضافة تضحية المال إلى تضحية البدن، لتكون التضحية أتم وأكمل وأشمل.
المستوى الثاني: ان فطرة الإنسان خلقته، وماله هو ما يحصل عليه من نتائج في هذه الدنيا. فكما ان المال يحتاج إلى زكاة وتطهير ضمن زكاة المال، تحتاج الفطرة إلى زكاة وتطهير، ضمن زكاة الفطرة.
والفطرة الأصلية وإن كانت طاهرة حقيقة، إلاَّ أن الفطرة الفعلية، التي وجد بها الإنسان في الدنيا ليست كذلك، فإن المودع في الإنسان كل من جانبي الحق والباطل، قال تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ لا يستثنى من ذلك حتى
ــــــــــــ[74]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المعصومين، ولكن حصل بلطف الله ورحمته أن اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
فالفطرة إذن، قد تكون متدنسة بالباطل. ومن هنا احتاجت إلى زكاة وتطهير، وكان دفع هذه الزكاة واجباً لا مستحباً.
المستوى الثالث: إن السبب المشهور لأداء العبادات هو شكر المنعم وزكاة الفطرة من العبادات، فتكون مصداقاً من الشكر لله عز وجل.
وباعتبار موعدها، وهو الزمن اللاحق لشهر رمضان المبارك، فقد تكون شكراً على توفيقه لأداء العبادة، أو على إعطائه فرصة التوبة والغفران في شهر رمضان، ونحو ذلك.
المستوى الرابع: إننا فسرنا الإفطار في كتاب الصوم من كتابنا هذا بأنه يعبر عن ممارسة شيء من لذائذ الدنيا ومتابعة بعض الشهوات، في مقابل الإعراض عن حب الدنيا وقطع الشهوات والزهد فيها.
ولما كان حب الدنيا مبغوضاً أخلاقياً، وممارسة الشهوات أياً كانت مرجوحة فيها. وفي الدعاء: “اللهم أخرج حب الدنيا من قلبي” إذن سيكون ممارستها ذنباً أخلاقياً أكيداً.
فإذا كان الإعراض عن الدنيا وحبها هو الصوم، فإن ممارسة ما يضاده من الأمور بمنزلة الإفطار والإنسان لا محالة يمارس شيئاً من ذلك في هذه الحياة الدنيا، فيكون قد مارس ذنباً أخلاقياً لا محالة، أو عدة ذنوب.
وكل ذنب يحتاج إلى تسبيب إلى غفرانه أو تطهيره، أو التطهير منه أو من آثاره المعنوية.
ــــــــــــ[75]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومن هذه الزاوية تماماً يمكن أن نفهم زكاة الفطر، على اعتبار أن الفطر هو ممارسة بعض الشهوات، وهي تحتاج إلى زكاة وتطهير. فكل ما يعمله الفرد من الطاعات والاستغفار في سبيل ذلك، يكون من (زكاة الفطر).
فإن قلت: فإنه كيف يكون الفطر بهذا المعنى عيداً للمسلمين، في حين أن سببه من المرجوحات الأخلاقية.
فجوابه: ان الجواب الكامل مما لا يمكن بيانه الآن، ولكن يكفينا أن نلتفت إلى ما قلناه في الجزء الأول من هذا الكتاب: من أن الزهد ليس مطلوباً بالذات بل إنما هو مقدمة للتكامل والصعود في الدرجات. فقد يصل الفرد إلى درجة معتد بها من الكمال، بحيث يستغنى عن الزهد ويمكنه التخفيف منه أو تركه، بدون أن يلازم ذلك حب الدنيا أو الميل إلى الشهوة. وعندئذ يجوز له الإفطار المعنوي.
وعندئذ يكون العيد، لا باعتبار العود إلى ممارسة الإفطار، بل باعتبار الوصول إلى تلك المرحلة المهمة، أو باعتبار الإفطار عندئذ بالعطاء المعنوي والرحمة الخاصة.
وأما سائر الناس فيبقى فهم عيدهم، على مستوى الفهم الظاهري للشريعة.
ــــــــــــ[76]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كتاب الخمس
ــــــــــــ[77]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ــــــــــــ[78]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (1) المناقشة حول آية الخمس
قال الله عز وجل في كتابه الكريم: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّـهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ وَاللَّـهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
والفهم الفقهي لهذه الآية الكريمة هو الحكم بملكية هؤلاء الأصناف لخمس الغنيمة، وقد فسرت السنة الشريفة، هذه الأصناف: بأن ما كان لله فهو لرسوله، وما كان للرسول فهو لذي القربى، وهو الإمام المعصوم، وما كان للإمام فهو لنائبه العام أو الخاص. وما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو مشروط بأن يكونوا من بني هاشم، ولا يجوز إعطاؤها لغيرهم، كما لا يجوز إعطاء الزكاة إليهم.
والآية لا تدل على وجوب الدفع، بل تدل على ملكيتهم في العين، بهذا المقدار من الكسر العشري، فيجب دفع ما يملكون إليهم. من حيث أنه يجب إيصال كل مملوك إلى مالكه.
وفسر فقهاؤنا الغنيمة، طبقاً للسنة المعتبرة بمطلق الغنيمة، يعني كل مال يدخل في ملكية الإنسان مجدداً ولا تكون خاصة بالغنائم الحربية الجهادية، ومن هنا شملت الهدية وأرباح السنة وغيرها.
ــــــــــــ[79]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ولا نريد أن نناقش في ذلك، إذ لعل كل ذلك من ضروريات الفقه عندنا، والأخذ به يكاد أن يكون إجماعاً.
وإنما نريد أن نخطو خطوة واحدة إلى باطن الآية لكي نستفيد من الجهة الأخلاقية. ومثل هذا الباطن يحتاج إلى مفتاح يدل عليه وطريق يوصل إليه.
واهم تلك الطرق وأسهلها هو إظهار فشل الفهم الظاهري للآية، لينسحب عن الميدان، ويحل محله الفهم الآخر الذي يصبح عند ذلك مبرهناً ومفهوماً أيضاً.
إذ يمكن أن يرد على الفهم المشهوري للفقهاء بعض الإيرادات:
الوجه الأول: بيان الوجه في فتح همزة (أن) في قوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ فإن ذلك، يبقى بلا وجه في هذا الفهم المشهوري. وكل فهم أوصلناه إلى تفسير ذلك، يكون هو الأولى والأوفق بظاهر القرآن الكريم.
الوجه الثاني: إن العطف يكون حسب القواعد بتقدير تكرار العامل. فما هو العامل المكرر بالعطف في قوله تعالى: وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى؟
إن قلت: هو اللام.
قلنا: كلا فإن هذا ظاهر وليس بمقدر، فنحتاج إلى عامل مقدر غيره فقد نقول: إن المقدار هو المبتدأ أو اسم (أن)، يعني وخمسه للرسول وخمسه لذي القربى. وعندئذ لا يكون من الممكن أن تحمل كل هذه الأخماس على كونها خمساً واحداً، بل يتعين أن يكون متعدداً على إيضاح سيأتي بعونه سبحانه.
فإن قلت: إن الظاهر هو تكراره بنفس المدلول فلا يكون المراد منه
ــــــــــــ[80]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
متعدداً.
قلنا: إن قلنا به لزم تعدد ملكية المال الواحد لمالكين متعددين وهو محال فقهياً، إلاَّ أن يحمل على معنى قد نشير إليه بعد ذلك.
الوجه الثالث: أنه قال: إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ. وهي جملة شرطية، وفعل الشرط موجود، وأما جوابها فيعرف مما قبله، أي فلله خمسه وهذا متعين على القاعدة.
ومعنى ذلك أنكم إذا لم تكونوا آمنتم فليس لله خمسه. أو أن الحكم بوجوب دفع الخمس غير ثابت لأن المشروط لزم عند عدم شرطه. وهذا غير محتمل فقهياً.
الوجه الرابع: علاقة الخمس بالقتال فإنه يقول: يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ. فيختص الخمس بغنيمة الحرب وهو على خلاف مشهور علمائنا.
فإن قلت: فإنه فسر بالأخبار المعتبرة بكل غنيمة.
قلنا: إذا اقتصرنا على هذا المقدار من التفكير، لم تكن هذه الأخبار معتبرة، لأنها مخالفة لظاهر القرآن وما خالفه سقط عن الحجية.
فلأي من هذه الوجوه الأربعة فضلاً عن الجميع لا بد أن نستأنف فهماً جديداً للآية الكريمة، مع اعترافنا بأن ظاهرها المشهوري هو الصحيح والمتعين فقهياً.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى فكرة مقابلة لتلك الفكرة الواردة في السنة الشريفة والتي تقول كما سمعنا: ما كان لله فهو للرسول وما كان للرسول فهو للإمام وهذا صحيح، إلاَّ أننا مع ذلك يمكن أن نقول العكس من حيث إن ما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل، فهو للإمام، وما كان للإمام فهو للرسول، وما
ــــــــــــ[81]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كان للرسول فهو لله، فرجعت الأشياء كلها لله سبحانه فإنه لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ولَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ووَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ.
فيكون المعنى المختصر للآية الكريمة أن كل غنيمة وعطاء ظاهري ومعنوي أو دنيوي وأخروي، فهو لله سبحانه في المرتبة الأولى والأعلى والأكثر واقعية. فإن تنزلنا عن ذلك درجة قلنا إن ملكيته مقسمة خمسة أقسام: لله وللرسول ولذي القربى والمساكين ولأبناء السبيل. أما اليتامى فيكون إدراجهم ضمن المساكين، وسيأتي عنهم مزيد إيضاح.
فينقسم جميع ذلك بين هؤلاء الخمسة بصفتهم فاعلين ومؤثرين لا بصفتهم منفعلين أو آخذين، كما هو ظاهر الشريعة. وهذا كما ذكرنا في الوجه الثاني السابق.
كما يمكن أن نفهم منه: أن كلي العطاء منوط بهذه المؤثرات أو الأسباب الخمسة كل بحياله واستقلاله، بحيث يصلح أي واحد منها أن يكون مؤثراً. وهذا العطاء أيضاً يحتاج من جانب الفرد إلى مزيتين لا يمكن أن يناله بدونهما، وهما الإيمان والجهاد، بمعناهما الظاهري أو الباطني. ومن هنا يرتبط صدر الآية بنهايتها: إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّـهِ… يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ.
ــــــــــــ[82]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (2 ) الحديث عن الصنف الثاني في آية الخمس
إن قلت: أما تسبيب الله ورسوله فقد عرفناه لأنه تعالى يقول: أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ. فما هو الوجه في تسبيب المساكين وأبناء السبيل وأضرابهم؟
أقول: لا شك أن الآية ميزت بين الصنفين فصنف اعتبرته المسبب الأعلى وهم الثلاثة الأوائل في الآية. وصنف اعتبرته المسبب الأدنى وهم الثلاثة المتأخرون فيها. بدليل عدم تكرار اللام وتغير السياق اللفظي.
فهذا الصف الثاني يمكن أن نفهمه على فهمين:
الفهم الأول: كونه من ضمن المسببين والمؤثرين كما سبق. وذلك بأن نحمل المعنى على كونه إشارة إلى الفرد المعطي نفسه من حيث إنه لا يكتسب صفة الاستحقاق للعطاء، إلاَّ إذا اتصف بكونه من الفقراء وأبناء السبيل.
أما كونه من الفقراء فلتقديم فقره الحقيقي إلى الله عز وجل. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّـهِ. وأما كونه ابن سبيل، فلانقطاعه عن الأسباب الدنيوية وخروج حب الدنيا من قلبه.
وأما كونه يتيماً فليأسه من المخلوقين. وأن الأب المربي والمدرس
ــــــــــــ[83]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المربي ليس لهما تأثير حقيقي، ما لم يكن الله سبحانه هو الواهب والموفق.
ومن هنا كان الصنف الأول في الآية هو الفاعل الحقيقي، وكان الصنف الثاني فيها متمم الاستحقاق للعطاء أو قل: إن الأول يمثل المقتضي والثاني يمثل عدم المانع، باصطلاح الفلسفة.
الفهم الثاني: أن نعتبر الصنف الأول هو الصنف الفاعل والمؤثر فقط، والصنف الثاني هو الطرف المنفعل والآخذ. باعتبار أن العطاء الذي يأتي إلى المؤمن، يجب أن لا يكون حكراً عليه، بل يجب عليه أن يوزعه بين المستحقين له والمتحملين لمسؤوليته، وبالآخرة: على المحتاجين إليه والمريدين له وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، على المعنى الذي ذكرناه في الفهم الأول.
ــــــــــــ[84]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (3) انتساب العطاء إلى الله سبحانه
فإن قلت: إنما فهمنا مما سبق أن الشيء الواحد من العطاء مقسم خمسة أقسام، لكل صنف من المذكورات قسم. مع أن الواقع أنها جميعاً لله عز وجل.
قلنا: نعم، إلاَّ أن هذا بالنظرة الأعلى. وأما بنظر أدنى منه فهو موزع فعلاً بين هذه الأصناف.
ويمكن أن نفهم معنى آخر، وهو أن يكون كل صنف مالكاً للجميع وليس هذا من قبيل الملكية الفقهية ليستحيل تعلقها بالجميع، بل بمعنى تسبيب كل واحد منها، بما هو أهله وبمقدار تأثيره في إيجاد هذا الشيء كله. ويكفينا أن نلتفت إلى أنه يلزم من عدمِهِ عدمُه، أي أنه لولا هذا التأثير لكان هذا الشيء منعدماً أو هذا العطاء زائلاً.
فإن قلت: فإن الآية قالت: خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. واللام تفيد الملكية لا التسبيب والعلية.
قلنا: إن العلة دائماً مالكة للمعلول، بل هي الملكية الواقعية، وليست الملكية الظاهرية إلاَّ وهماً بإزائها.
وقد قالوا في الفلسفة: بأن المعلول يحتاج في وجوده وفي استمراره إلى العلة، إذن فالعلة مالكة ومسيطرة على معلولها، ما دام المعلول موجوداً ولا
ــــــــــــ[85]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يمكنه أن ينفك عنها.
فإن قلت: فإن الآية ذكرت ستة عناوين مؤثرة، مع أنها ذكرت الخمس ولم تذكر السدس.
قلنا: هذا له عدة أجوبة:
الجواب الأول: إرجاع العناوين الثلاثة الأخيرة إلى عنوان واحد، هو: المحتاج عموماً. فتندرج الثلاثة فيه. وذلك: بقرينة عدم تكرار اللام فيما بينها.
إلاَّ أن هذا لا يتم لأن العناوين عموماً ستصبح أربعةً لا خمسةً، فيتجدد الإشكال.
الجواب الثاني: أن نفهم انتساب العطاء إلى الفاعل المسبب ونفهم – كما سبق في بعض الوجوه – اقتصار التسبيب على الصنف الأول دون الصنف الثاني، الذي اعتبر منفعلاً مستحقاً.
إلاَّ أن هذا لا يتم لأن المؤثرات سوف تصبح ثلاثة لا خمسة، فيعود الإشكال. ما لم يتم الجواب عليه من زاوية باطنية أخرى لا مجال لشرحها.
الجواب الثالث: أن نحذف أحد العناوين الثلاثة المتأخرة. وقد أشرنا فيما سبق إلى أنه عنوان اليتيم -بالرغم من كونه غنياً وعزيزاً في مجتمعه- يكون مستحقاً. فإنه إنما يكون مستحقاً بصفته فقيراً أو مسكيناً فيندرج تحته.
فإن قلت: فإنه لا ضرورة لتقدير لفظ (خمسه) مراراً بعد تكرار اللام الظاهرة: وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى، فإنه يكفي في تكرار العامل بالعطف.
قلنا: إننا إذا سلمنا بذلك خلافاً لما ذكرناه فيما سبق، فقد اقتربنا إلى الفهم
ــــــــــــ[86]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المشهوري، ولكننا هنا فقط نريد أن نفهم من الغنيمة معنى معنوياً مع الاحتفاظ بأن العناوين الستة المدرجة في الآية الكريمة هم من الآخذين والمنفعلين، ولم نلاحظ فيهم جهة الفاعلية والتسبب لأن مقتضى فهم المشهور هو ذلك.
وهنا يمكن أن نفهم من الغنيمة أحد أمرين:
الأمر الأول: ما سبق أن ذكرناه من أن المراد منه العطاء الإلهي على كل أشكاله. فيراد من دفع الخمس التسبيب إلى ذلك العطاء بالشكل المناسب له. فيكون الفاعل فيه هو الفرد وتلك العناوين منفعلة أو آخذة. ومن هنا قيل: ان القدم الأولى من العبد والباقي من الله. وعلى أي حال، فيكون الفرد فاعلاً للخمس، ومنفعلاً في غيره على الترتيب الذي سبق.
الأمر الثاني: أن نفهم من الغنيمة ما يشمل الذات نفسها فإنها أيضاً من عطاء الله سبحانه، وعندئذ فلا بد من دفع جزء منها لله عز وجل خصوصاً، ولكل هؤلاء المستحقين عموماً.
فإن قلت: فإنه ينبغي دفع كل الذات إليه سبحانه، وليس خمسها أو كسر ضئيل منها.
قلنا: نعم، فإن تلك الأخماس الباقية هي لله سبحانه وإنما يدفع الفرد بمقدار ما يشعر به من السيطرة على ذاته وقيادتها، وهو ليس إلاَّ جزءٌ ضئيلٌ من الذات الكلية فإذا دفعه إلى الله سبحانه كانت الذات كلها له سبحانه. مع الالتفات هنا، إلى أنه لا يراد بالخمس تحديد الكسر المعين، بل مطلق الكسر الضئيل، الذي قد يختلف باختلاف الأفراد أنفسهم.
ــــــــــــ[87]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فإن قلت: فإن الذات لا تدفع لغير الله سبحانه فكيف نصت الآية الكريمة على خلاف ذلك؟
قلنا: إن الأمر كما قال السائل، إلاَّ أن إعطاء الذات لله على غير مستوى إعطائها لغير الله، ولو كان على غرار واحد أو مستوى فارد لكان شركاً. غير أنها لله ومن يأمر الله بحبه أو نفعه فينفذ إرادة الله تعالى فيه. ولا شك أنه أمر بحب النبي وقرباه وبقضاء حاجة المحتاجين اقتصادياً ونفسياً وعقلياً وعلمياً.
ــــــــــــ[88]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (4) اشتراط أن يكون الصنف الثاني هاشمياً
في أن يكون الصنف الثاني في الآية، مشترطاً بكونه هاشمياً عموماً أو علويّاً خصوصاً. كما دلت على ذلك السنة المعتبرة الشريفة، وللسنة المعتبرة أن تقيد القرآن الكريم.
ونحن حسب التفسيرين السابقين، إما أن نعتبر الصنف الثاني فاعلاً وإما أن نعتبره منفعلاً. فإذا اعتبرناه فاعلاً، توقف فهم الآية على مقدمة مختصرة وحاصلها: أن الانتساب إما أن يكون نسبياً أو سببياً أي تربوياً وعلمياً.
ونحن نعلم أن الانتساب السببي أهم عند الله من الانتساب النسبي. بل هو الانتساب الحقيقي عقلياً وروحياً ونفسياً، وعليه تترتب الآثار المعنوية المهمة وتدل على ذلك جملة النصوص كقوله تعالى: يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيَّتَ مِنَ الحَيّ وهو إشارة إلى الولادة الاعتيادية، وإنما يختلف الولد عن أبيه بهذه الصفات باعتبار تربيته وثقافته التي هي الولادة المعنوية الأساسية.
ومن هنا قال تعالى عن أحد أولاد نوح : لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. فنفي الولادة النسبية باعتبار عدم أهميتها تجاه الولادة السببية التي كانت منتفية تجاه نوح باعتبار فسق الولد وفساده.
ومن هنا ورد: اللهم العن بني أمية قاطبة. وليس المراد من كان منهم نسباً بل من كان منهم سبباً. وعندئذ لا يمكن أن يكون صالحاً أو لا يستحق
ــــــــــــ[89]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
اللعن. وأما إذا كان منهم نسباً ولم يكن منهم سبباً لم يستحق اللعن.
إذن فالعمدة الأهم هو الانتساب المعنوي لا النسبي. ومن هذا القبيل الانتساب إلى بني هاشم وإلى النسب العلوي الشريف. فإنه إنما يكون بالجانب الأهم وهو عالم المعنى. فقد لا يكون هاشمياً نسباً ولكنه يصبح كذلك سبباً. وكذلك العكس، وهو ما إذا كان هاشمياً ولكن النسب الهاشمي بريء منه لتطرفه في العصيان والطغيان.
إذن، فمن الحق أن يكون هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس فاعلاً للخيرات وواسطة في فيض الله سبحانه.
وأوضح ذلك هم المعصومون، ومن هنا ورد أنهم أبواب الله وأمناء الله، وأن إرادته تصدر من بيوتهم. هذا إذا اعتبرنا هذا الصنف فاعلاً.
وأما إذا اعتبرناه منفعلاً، فمن الواضح أن هذا الانتساب بأي معنى فهمناه هو الأحق بالنفع والانتفاع، لأن فيهم شرف النبوة والعصمة. وقد كان من العارفين من يقول: إن النطفة النبوية تطهر ذات المولود. فيكون أكثر قابلية للتكامل وأكثر استحقاقاً للعطاء. وهو معنى تكويني في الخلقة، ناتج من مشيئة الله سبحانه ولطفه.
ــــــــــــ[90]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (5) دفع إشكالٍ على اشتراط الهاشمية
قد يخطر في البال: أن الفقراء من غير بني هاشم أضعاف فقراء بني هاشم، مع أن المبالغ المرصودة بالخمس لهم أضعاف المبالغ المرصودة لغيرهم بالزكاة. لأننا عرفنا أن نسبة الزكاة هي حوالي جزء واحد من أربعين جزءاً. في حين أن الخمس يمثل العشرين بالمائة من مجموع المال.
ويمكن أن يجاب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: إننا لا ينبغي أن نلحظ النسبة بين الهاشميين وغيرهم في كل البشرية، بل في خصوص المسلمين المؤمنين، فقط.
فإذا لاحظنا أن نسبة التوالد بين الهاشميين متصاعدة نسبياً، كانت النسبة الفارقة بين الجماعتين أقل من المتصور بكثير.
المستوى الثاني: إننا لا ينبغي أن نلحظ إعطاء الخمس من البشرية كلها، فإن هذا مما يخالف الواقع المعاش مئات من السنين فإن أغلبهم ليسوا من المسلمين، ولا يؤمنون بدفع الزكاة ولا الخمس.
بل إن دفع الزكاة في المجتمع أوسع من دفع الخمس، إذا لاحظنا مذاهب المسلمين عموماً. مضافاً إلى إمكان التزام طبقة أكبر من الناس بها، باعتبارها أرخص من الخمس وأقل تكليفاً للمالك، فيكون وقعها على الناس أسهل.
ــــــــــــ[91]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومن هنا أمكن أن يجتمع من الزكاة بما يقارب أو يزيد عما يجتمع من أموال الخمس.
المستوى الثالث: أن نلحظ القوى المضادة في العالم الإسلامي والمسلمين. فإنها بلا شك أنها مضادة للانتساب الهاشمي عامة والعلوي خاصة، سواء فهمنا منه الانتساب المعنوي أو النسبي. بل فيما إذا فهمنا منه الانتساب المعنوي كان أولى بذلك العداء، كما هو معلوم ومجرب، سواء كان الانتساب النسبي موجوداً للفرد أم لا.
وعلى أي حال، فسيكون الفرد منهم أحوج إلى المال وأحوج إلى زيادة الصرف لدفع أنواع البلاء وكفاية الشر، مما وقع فيه من الفقر والمرض، أو مهما يتوقع أن يقع فيه. في حين يكون سواهم من الأفراد أقل بلاء منهم بكثير، ومن هنا فهم أقل حاجة للمال بطبيعة الحال.
المستوى الرابع: إن الله تعالى يعلم، عند تشريع مثل هذا الحكم، أن من سيكون لهم الهمة في إطاعة دفع الخمس وتطبيقه قليلون نسبياً في المجتمع. في حين أن دافعي الزكاة كثيرون نسبياً، بل هم أكثر من دافعي الخمس بأضعاف.
وهذا غير المستوى الثاني السابق فإن ذلك كان باعتبار الاعتقاد بوجوبه دينياً أو مذهبياً، وهذا المستوى باعتبار إطاعته وتطبيقه.
المستوى الخامس: أن نلحظ قول الفقهاء حين قالوا: إنه إن قلّ مورد الخمس عن الهاشميين أمكن تعويضهم من الزكاة. وإن قلّ مورد الزكاة على غيرهم أمكن تعويضهم من الخمس.
إذن، فالتخصيص غالبي وليس دائمياً أكيداً.
ــــــــــــ[92]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المستوى السادس: إن الحكم الممنوع شرعاً أمران:
أحدهما: تحريم دفع زكاة غير الهاشمي إلى الهاشمي، وأما العكس فلا مانع منه.
ثانيهما: تحريم دفع حصة الخمس التي تعود إلى الهاشميين إلى غيرهم وهو نصف الخمس، وأما النصف الآخر الذي يعود إلى الإمام فهو مطلق من هذه الناحية.
إذن، فكما وجدنا في جانب الخمس منعاً عن غير الهاشميين وجدنا في جانب الزكاة منعاً عن الهاشميين أنفسهم.
وليس أي من المتعين مستوعباً لصنفه، لا للزكاة كلها ولا للخمس كله، بل في كل منهما جانب عام يمكن أن يستوعب أي فرد هاشمياً كان أم لم يكن.
المستوى السابع: إننا إن فهمنا من الخمس والزكاة شكلاً من أشكال العطاء المعنوي، لا المادي فينبغي أن نفهم إلى جنب ذلك من الهاشميين وغيرهم الجانب المعنوي أيضاً، كما سبق أن ذكرناه.
عندئذ يكون من الطبيعي أن لا يكون الهاشمي مستحقاً لزكاة غيره، لأن كلام المتدني عن الكمال لا يكاد يفيد الشخص المتكامل.
كما يكون من الطبيعي أن لا يكون غير الهاشمي مستحقاً للخمس المرصود للهاشمي لأنه سيكون أعلى منه مستوى ومع اختلاف المستوى تتعذر التربية والهداية. فإن التربية دائماً يجب أن تكون في حدود ما يحتاجه الفرد ويتحمله.
فإن قلت: فإن كان سهم الهاشميين يجب حجبه عن العوام بهذا المعنى،
ــــــــــــ[93]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فكيف بسهم الإمام الذي لا بد أن يكون أعمق من ذلك وأهم. في حين لم يقل أحد بحرمة وصوله إلى العوام.
قلنا: إن سهم الإمام ، لا يمكن أن يعني من الناحية المعنوية، العلم الخاص بالإمام ، وإلاّ لم يتحمله أحد على الإطلاق. بل نعني به ما يمكن للإمام أن يدفعه إلى الآخرين من مساعدات وعنايات وهدايات، كل بحسب مقداره واستحقاقه. وهذا يكفي للجزم بإمكان وصوله إلى كل أحد بهذا المقدار. وقد كان ديدن الأئمة  على ذلك جيلاً بعد جيل.
ــــــــــــ[94]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (6) موارد وجوب الخمس من الناحية الأخلاقية
إنه مما ينبغي أن ننظر فيه، موارد وجوب الخمس من ناحية أخلاقية، وهي كما يلي كما هي موجودة في كلام الفقهاء:
غنائم الحرب والمعدن والكنز والغوص والأرض التي اشتراها الذمي من المسلم، والمال الحلال المخلوط بالحرام وما يفضل عن مؤونة السنة.
فهذه سبعة موارد يمكن ان نعطي كلاً منها فهماً أخلاقياً معيناً، بعد ان فهمنا مما سبق وجوب دفع خمسها إلى من يستحقها، ولا يجوز ان تبقى حكراً لصاحبها، فان الصدقة بالشيء أو ببعضه، من أنحاء الشكر لنعمة الحصول عليه.
أما غنائم الحرب: فهو العطاء الذي يصل نتيجة لتعرض الفرد إلى البلاء الدنيوي الشديد، أياً كان نوعه ومصدره فإنه على أي حال سيعيش نوعاً من الحرب النفسية والاقتصادية والفكرية مع البلاء. وهو منتج لا محالة للغنائم المعنوية والعطاء الحقيقي مع حسن التسديد والتوفيق.
وأما المعدن: فهو ما ارتكز في النفس من ملكات مجهولة قد تتفجر وتفصح عن ذاتها بين عشية وضحاها. ومثاله من كان بعيداً عن الشعر والشعراء ولكنه فجأة يصبح من أحسن الشعراء في عمر متقدم كالأربعين أو
ــــــــــــ[95]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أكثر.
وهذا ممكن بالنسبة لكثير من الملكات النفسية التي تتفجر وتظهر بعد أن كانت مجهولة لصاحبها فضلاً عن غيره. ومن ثم فهو يفيد بها نفسه ويفيد الآخرين.
وأما الكنز: فهو المذخور من العلم في باطن النفس أو ما يسمى باللاشعور أو الذاكرة، وقد يكون ذلك غزيراً أو وفيراً، وقد يكون مهماً ومؤثراً. ولكنه منسيّ. ولكنه يبرز إلى عالم الوجود والالتفات عند حصول سببه فيفيد به الفرد الصالح نفسه والآخرين.
وأما الغوص: فهو الغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ أو الأجناس الثمينة. وفي عالم المعنى قد نعتبر هذا البحر كلياً، وقد نعتبره جزئياً.
فإن اعتبرناه كلياً، كان من جملة مصاديقه ومعانيه: الغوص في بحر العلم لإخراج درره ولآلئه ونتائجه وخلاصته. وهو بحر عميق قد لا يكون متناهياً، يضيع فيه السالك ويهلك فيه الهالك، ويفوز فيه الفائز برحمة الله وتوفيقه.
وإن اعتبرناه جزئياً، فهو الغوص إلى باطن النفس لاستخراج مكامنها والاطلاع على بواطنها والوصول إلى مدارجها، سواء من الناحية العملية أو العقلية أو النفسية أو الروحية.
وأما المال الحلال المختلط بالحرام، فيمكن فهمه على مستويين:
المستوى الأول: العلم المحلل المختلط بالعلم المحرم مما قد يكسبه الفرد من المجتمع ومن كتب الضلال وأصدقاء السوء. ويكون دفع خمسه باستعمال العلم الحق في دفع العلم الباطل، في هداية النفس وهداية الآخرين.
ــــــــــــ[96]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المستوى الثاني: العمل أو السلوك المحلل المختلط بالمحرم. ويكون دفع خمسه باستعمال السلوك المحلل لنفع الفرد نفسه معنوياً ونفع الآخرين، والتنصل والتوبة عن السلوك المحرم.
وأما ما يفضل عن مؤونه السنة: فهو ما يفيض عن حاجة الفرد من العلم والعمل. فإن كان ذلك فهو كما يمكن نفع النفس به يمكن نفع الآخرين به.
ومن الصحيح كما ورد: “الله الله في أعز الأنفس عليكم”. وهي نفس الفرد أو كما قال الشاعر:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
إذن، فالاستحقاق الأولي هو العمل على تربية نفس الفرد وهدايته. وهذا هو المتعين لو نظرنا إلى كل من مصلحة الفرد ومصلحة الآخرين. فإن من لا كمال له لا يستطيع أن يعطي الكمال للآخرين ومن لا هداية له لا يستطيع أن يهدي الآخرين لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى وفاقد الشيء لا يعطيه.
ولكن إذا وصل الفرد إلى مرحلة معتد بها أو مقبولة من الكمال العلمي أو العقلي أو الروحي فقد فاض الزائد عن حاجته وزاد عن مؤونته. فيجب أن يعطي جزءاً منه للآخرين ويبذله في مصالحهم.
وهو -حتماً- لا يستطيع أن يعطي الجميع، ولكنه يعطي البعض، وهو معنى دفع الخمس.
بل هذا مجرد فهو ظاهري، وإلاَّ فإنه لا يعطي شيئاً أصلاً، لأنه لم ينقص من عمله أو مستواه شيء حين قام بتربية الآخرين. كما قال الإمام أمير المؤمنين: “المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق”. فالبذل منه
ــــــــــــ[97]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يكون سبباً في زيادته لا في نقصه.
وبتعبير آخر: إن نفع الآخرين سبب لنفع الفرد نفسه من عدة جهات لا محالة بينما استفادة الآخرين من جهة واحدة.
وأما الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم: فالذمي هو الداخل في ذمة الإسلام من غير المسلمين، بمعنى أن على المجتمع المسلم حمايته ورعايته.
ولا يدخل في الذمة إلاَّ من كان تحت الرعاية والتربية، فكل طالب فهو في ذمة أستاذه وموجهه، وكل ولد فهو في ذمة والده، وكل عامل فهو في ذمة مديره، وهكذا يعني أن هؤلاء مسؤولون أمام الله سبحانه تجاه من هو في ذمتهم أكيداً.
فإذا فهمنا من الأرض: المستوى الثقافي أو العقلي أو الروحي الذي عليه الفرد، أمكننا عندئذ أن نفهم كيف أن هذا المستوى انتقل من الكفيل إلى المكفول، حسب الإيضاح السابق. يعني من صاحب الذمة إلى من هو في ذمته، طبقاً للوفاء بما في الذمة من مسؤولية. فيكون مصداقاً كاملاً للمفهوم الذي نتكلم عنه وهو (الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم).
وهو لم يأخذ الأرض مجاناً بل اشتراها من صاحبه الكفيل له وهذا له أحد معنيين:
فإما أن نفهم من الثمن: التعب المدفوع من قبل المكفول أو الطالب بإزاء تلقي العلم فإن هذا التلقي موجب للتعب لا محالة، من المعلم والدارس معاً، وإلاَّ لم يتحصل شيء حقيقي.
وإما أن نفهم الإشارة إلى ما سبق أن قلناه من أن منح العلم موجب
ــــــــــــ[98]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
لاستفادة المانح وهو المدرس، كما قال أمير المؤمنين: العلم يزكو على الإنفاق.
إذن، فالمدرس لم يعط للطالب شيئاً إلاَّ بعد أن أخذ منه شيئاً، وهو الثمن الذي يكون قد دفعه الطالب إلى مدرسه من حيث يعلم أو لا يعلم وبهذا يكون هذا الوجه أفضل من الوجه السابق في فهم المعنى.
وعندئذ فهذه الأرض التي وصلت إلى المشتري، وهو الطالب، تحتاج إلى دفع الخمس من أجل أن تتطهر وتتزكى حق زكاتها وطهارتها. وذلك يفهم على أحد شكلين: فإما أن نفهم منه المزيد من العمل لتطهير نفسه وسلامة قلبه بما فيه المزيد من العمل على تلقي العلم من المدرس.
وإما أن نفهم منه لزوم إيصال هذا العلم إلى الآخرين وعدم احتكاره في باطن النفس. كل ما في الأمر أن الفرد الآخر الجديد يجب أن يكون مستحقاً للعطاء لكي يعطيه. وبذلك تبقى هذه الحركة مستمرة جيلاً بعد جيل، بذمة ومسؤولية غير قابلة للانقطاع.
ــــــــــــ[99]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (7) أن الخمس منوط بإذن الإمام
يبقى الحديث عما قاله الفقهاء من كون دفع الخمس منوطاً بإذن الإمام.
ولو اقتصرنا على الفكرة بهذا المقدار، لأمكننا أن نفهم من الإمام الموجه أو المدرس. وبذلك يكون المعنى: أن الطالب لا حق له بتدريس الآخرين وتوجيههم ما لم يأخذ الإذن من مدرسه، وكلما كان هذا الإذن أوسع وأدق كان أفضل، فإنه يمكن أن يكون على أحد مستويات:
أولاً: إن هذا الطالب هل أصبح قابلاً لتدريس الآخرين أم لا؟ فقد يؤذن له بالشروع بالتدريس أساساً، وقد لا يؤذن.
ثانياً: إنه بعد تجاوز المستوى الأول، والإذن بالتدريس، فهل هو فارغ الذمة ومطلق السراح في أن يدرس من شاء أو يجب عليه أن يستأذن من أستاذه في كل طالب جديد لديه.
ثالثاً: بعد تجاوز المستوى الثاني وحصول الإذن في طالب معين، فهل هو مطلق السراح من أن يقول له ما يشاء، أو أن يرجع إلى أستاذه في التعيين.
ــــــــــــ[100]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (8) الرجوع إلى نائب الإمام
وقال الفقهاء أيضاً: إنه مع تعذر الرجوع إلى الإمام والاستئذان منه، يتعين الرجوع في التصرف إلى نائبه الخاص أو العام.
وهذا يمكن أن يفهم على عدة مستويات:
المستوى الأول: أن نفهم من الإمام ما يعبر عنه الفقهاء بإمام الأصل يعني المعصوم، فتكون النتيجة أن الجميع مسؤولون أصلاً، بالرجوع إلى المعصومين سلام الله عليهم أجمعين. فإن أمكن الرجوع عليهم بالمباشرة وجب. وإلاَّ جاز الرجوع إلى من نصبوه لأجل هذه الوظيفة والعمل.
والنصب يكون بالعلم أولاً وبالإذن بالتربية ثانياً وهو معنى الولاية، فتتسلسل الولاية في الأجيال طبقاً للمسؤولية المشار إليها سابقاً.
المستوى الثاني: أن نفهم من الإمام شيخ الحلقة أو الحوزة أو مدير المدرسة لو صح التعبير، فلا يمكن أن يعمل في هذه المدرسة شيء خارج عن إذنه.
المستوى الثالث: أن نفهم من الإمام العقل، باعتبار ما ورد فيه من أنه: نبي من الداخل، فهو الإمام الباطني الذي يجب أن يعتمد عليه الفرد في كل تصرفاته وفي مراحل تكامله، لا أن يقدم طاعة نفسه وشهواته وحب دنياه. وبهذا ينوب العقل عن الإمام الأصل عند تعذر الرجوع إليه.
ــــــــــــ[101]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (9) الفرق بين الزكاة والخمس من الناحية المعنوية
لا ينبغي في ختام الحديث عن الخمس إهمال فكرة الفرق بين الزكاة والخمس من الناحية المعنوية والأخلاقية، بعد أن عرفنا أن كليهما يتكفلان جهة واحدة أو متشابهة تتضمن إفادة الآخرين وعدم احتكار الفوائد للنفس. وهذا معنى ثابت لهما معاً سواء لوحظا من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو العملية أو الأخلاقية. فإنهما على أي حال، من سنخ الضرائب التي يكون في ذمة الفرد أداؤها للآخرين المستحقين، ولا يجزي إيصالهما إلى غير المستحقين. يبقى الحديث عن الفرق بينهما أخلاقياً، بعد إحراز الفرق بينهما فقهياً واقتصادياً واجتماعياً.
تعود الزكاة إلى معنى الطهارة، فهي تعبير آخر عن تطهير الأموال من أوساخها. فإذا فهمنا من الأموال معنى صفات الفرد وغرائزه وثقافته، وهي الأموال التي يملكها باطنياً، كما يملك الأموال ظاهرياً. إذن فتحتاج تلك الأموال الباطنية إلى تطهير أيضاً بدفع الزكاة. وهذا معناه أننا ما زلنا في المرحلة الأولى أو الأصلية من تطهير النفس.
أما الخمس فهو ضريبة على الواردات والعطاء الذي يحصل بعد ذلك. فيجب على الفرد دفع بعضه إلى المستحقين. وهذا هو الخمس. وقد لاحظنا
ــــــــــــ[102]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
في ما سبق أنه مجعول كله في زيادة الأرباح، سواء سميناه غوصاً أو معدناً أو كنزاً أو فاضل المؤونة أو غير ذلك.
إذن، فالزكاة إشارة للطهارة النفسية التي تكون أسبق رتبة من العطاء المتزايد الذي يترتب عليها.
ومعه يتضح أن السهم المدفوع في أصل التطهير أقل من السهم المدفوع من العطاء، لما عرفنا من أن الزكاة أقل في نسبتها من الخمس.
ولكن قد يختلف ذلك باختلاف الأشخاص، فيما يستغرقه من الزمان ومن الجهد في تطهير نفسه.
ولكن على أي حال، ينبغي الالتفات إلى أن الخمس أكثر من الزكاة، يعني أن ما يجب أن يدفعه الفرد المتكامل إلى الآخرين من النفع العقلي والروحي والمعنوي أكثر مما صرفه على نفسه من جهد ووقت. فإذا عرفنا أن الجهد الذي بذله في تربية نفسه وتطهيرها كان صعباً وشديداً وطويلاً، نعرف كمية ما يجب أن يبذله في نفع الآخرين في الزمن اللاحق والمرتبة المتأخرة. ولا يجوز أن يعنى الفرد بنفسه أكثر من عنايته بغيره بل يجب أن تكون هذه العناية أكثر بمقدار ملحوظ.
ــــــــــــ[103]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كتاب الاعتكاف
ــــــــــــ[105]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (1) أهم أحكام الاعتكاف
تعتبر أهم أحكام الاعتكاف فقهياً كما يلي:
كون مكانه المسجد الجامع في البلد، ومدته ثلاثة أيام، ولا يجوز أن يخرج من المسجد إلاَّ لضرورة وأن يكون الفرد صائماً خلال هذه الأيام الثلاثة، وتاركاً لمقاربة زوجته طيلة المدة.
فينبغي أن نعرف فيما يلي المعطيات الأخلاقية والاجتماعية لهذه الأحكام، وخاصة مع الاطلاع على بعض تفاصيلها بالتدريج.
ــــــــــــ[107]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (2) في معنى المسجد
المسجد -كما قلنا في الفقرة (11) من كتاب الصلاة- هو المعبد أو محل العبادة، على أن تكون العبادة المنجزة فيه هي السجود بصفته غاية الخضوع لله سبحانه وتعالى. وهو السجود الحق والسجود لغيره باطل ومحرم.
وأضفنا هناك: إذن، ففي كل مكان أو زمان كبر أو صغر، حصل فيه ذلك المعنى من السجود، فهو مسجد. ومن هنا أمكن أن يكون للمسجد معان ومستويات عديدة، منها:
أولاً: الكون كله، مع التفكير في خلق الله سبحانه.
ثانياً: النفس، مع التفكير في الآيات الباطنة لها.
ثالثاً: القلب حين يكون منوراً بنور الحق.
رابعاً: العقل، مع إمكان صعوده إلى أعلى الدرجات.
خامساً: كل مكان أو زمان يحصل فيه التوجه التام.
سادساً: المسجد، بالمعنى الفقهي المتعارف.
ويمكننا الآن أن نضيف معاني أخرى للمسجد، بملاحظة أنه لم يؤخذ في مفهومه نوع الساجد فيه ونوعية سجوده أو عبادته. فقد تصل المعاني إلى عشرة أو أكثر نذكر بعضها بنفس التسلسل السابق.
ــــــــــــ[108]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
سابعاً: بيت المرأة من حيث ورد: إن مسجد المرأة بيتها.
ثامناً: الكعبة المشرفة باعتبارها بيت الله الحرام، وأقدم مسجد معروف في البشرية.
تاسعاً: الضُّراح وهو المسجد الذي ورد وجوده في السماء، مقابلاً للمسجد الحرام، تطوف به الملائكة وتتعبد.
عاشراً: مراقد المعصومين (ع) من حيث فتاوى الفقهاء بإلحاقها بالمساجد، وشمول أحكام المساجد لها.
ــــــــــــ[109]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (3) معنى الصوم
والفقرة الرئيسية الأخرى في الاعتكاف هو الصوم، وقد عرفه الفقهاء بأنه كف النفس عن المفطرات مع النية، والمفطرات أخلاقياً، هي كل شيء يكون تناوله مرجوحاً أو منتجاً لنتائج وضعية سيئة على الفرد. فالصوم هو كف النفس أو الإمساك عن كل شيء يكون من هذا القبيل.
والإمساك لا يكون صوماً إلاَّ مع النية أي نية القربة إلى الله سبحانه. دون ما إذا كان بقصد دنيوي صحي أو اجتماعي مثلاً.
والفقرة المهمة الأخرى في الاعتكاف هو استمرار اللبث لمدة ثلاثة أيام، وهي طويلة نسبياً ولكنها مؤقتة ومحدودة على أي حال، وقد ورد إمكان استدامة الاعتكاف شهراً أو شهرين.
إذن فالفرد في أي مسجد له سجود أي عبادة رئيسية معينة وله إمساك عن المحرمات والمرجوحات، وينبغي أن يبقى في هذه الحال مدة معتداً بها من الزمن.
ويحسن بنا الآن أن نذكر المعاني العشرة السابقة للمساجد مع ذكر عبادة كل منها والإمساك المشروع فيها ليصدق الاعتكاف المعنوي في كل تلك المساجد. فإن الإمساك في ضمن تلك العبادة لا يكون إلاَّ لله سبحانه، فيتم بذلك معنى الصوم، ومن ثم يتم معنى الاعتكاف ما لم تسول النفس إلى الفرد
ــــــــــــ[110]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الخروج إلى عالم الشهوات والآثام.
هذا، وقد ذكرنا فيما نقلناه عن كتاب الصلاة، معنى العبادة، أكرره الان مع ضم هذه الزيادة المشار إليها:
أولاً: الكون كله وعبادته هو التفكر في الخلق، كما أمر الله في كتابه الكريم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً.
وإمساكه نفي الأسباب وإسناد كل تدبيره إلى الله سبحانه. كما أمر الله سبحانه: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَـهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ. وقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا(35) السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ.
ثانياً: النفس وعبادتها التفكر في آياتها الباطنة أو الأنفسية كما يعبرون، كما قال الله سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ وإمساكها عصيان الشهوات، كما قال الله سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّـهُ عَلَى عِلْمٍ وقال: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى.
ثالثاً: القلب، وعبادته حب الله سبحانه، كما قال سبحانه: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. وإمساكه بغض أعدائه كما قال جل جلاله: إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ وقال: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.
وكذلك عبادته خوف الله تعالى والخشية منه وإمساكه ترك الخوف مما سواه كائناً ما كان. كما قال سبحانه: وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّـهَ.
رابعاً: العقل، وعبادته الاطلاع على الحقائق العليا بمقدار إمكانه، مع محاولة كف النفس عن شهواتها. وإمساكه ترك السير مع الوهم أو مع الشهوات أو مع الغفلة.
ــــــــــــ[111]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
خامساً: كل مكان أو زمان يحصل فيه التوجه التام. وعبادته هذا التوجه. وإمساكه عن الغفلة والسير في الأهداف الدنيّة والدنيوية.
سادساً: المسجد بالمعنى الفقهي المتعارف. وعبادته الصلاة والدعاء. وإمساكه ما يحرم في المسجد فعله أو يكون مرجوحاً، أو مطلق المحرمات. فإن المعروف أن المحرمات إذا أوقعت في محل مقدس كانت أشد حرمة وأشد عقاباً.
والمهم أن المعتكف في هذه المساجد منهي عن الجنابة، حتى ليلاً وعن البيع والشراء، وقضاء الوقت بغير ذكر الله. وكله مرجوح في أي مسجد، ولو لم يكن الفرد معتكفاً.
سابعاً: بيت المرأة. وعبادتها بالنسبة إلى كل امرأة الامتناع عن مخالطة الرجال، كائناً ما كانوا. وبالنسبة إلى المتزوجة: حسن التبعل فإنه من جهاد المرأة كما ورد.
وإمساكها: إما بعدم مخالطة الرجال، وإما بعدم الاعتراض على واقعها الذي تعيش فيه، كائناً ما كان كما ورد: (قد ابتليت فاصبري).
ثامناً: الكعبة المشرفة وعبادتها من خارجها، كما أن أي مسجد آخر تكون عبادته في داخله. فالعبادة في داخل الكعبة المشرفة تكون كأي مسجد، إلاَّ أنها تمتاز بأن العبادة تصح من داخلها ومن خارجها.
والعبادة من الخارج هو الطواف حولها، والصلاة إليها. والإمساك بالنسبة إليها ترك المحرمات أو المكروهات لها، كاستقبال أو استدبارها ببول أو غائط أو جماع وكذلك هتكها والحديث ضدها، والعياذ بالله.
ــــــــــــ[112]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
تاسعاً: الضُّراح، الذي هو كعبة الملائكة، وعبادتهم نية الطواف وذكر الله سبحانه، وإمساكهم فيه – فيما ندرك – ترك ضعف العبادة أو التقصير فيها.
عاشراً: المراقد المقدسة للمعصومينوالعبادة فيها هي التقرب إلى الله سبحانه بزيارتهم واحترامهم وإهداء ثواب الأعمال الصالحة إليهم، والإمساك هناك عن سوء الأدب تجاه صاحب القبر أو الكلام في أمور الدنيا تجاهه.
ــــــــــــ[113]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (4) اللبث المتطاول في المسجد
وقال الفقهاء أيضاً: إن الاعتكاف هو اللبث المتطاول في المسجد. ولكن من الصحيح أنه محدد في الشرع بثلاثة أيام. إلاَّ أنه بقابليته للتكرار غير محدد بأية مدة، كما سبق أن أشرنا.
والمهم الالتفات الآن إلى أن كل تلك المساجد التي عددناها مما لا ينبغي إهمالها أو الإعراض عنها، أو الخروج منها أو الإفطار فيها، يعني ترك ما ذكرناه من وجود الإمساك. فإن كل ذلك يؤدي إلى البعد عن الرحمة الإلهية والساحة القدسية، والانشغال بالهموم الدنيوية والآلام البشرية. ومن ثم لا يمكن أن يكتب للفرد النجاة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلب سليم.
كل ما في الأمر أن الاستمرار والتركيز على العبادة، قد يورث في النفس ضيقاً أو حرجاً أو جزعاً، فإن أغلب النفوس ضعيفة وقليلة الصبر ومتدنية التربية، وهذا معنى ما قاله الفقهاء: من أنَّ الفرد لا يجوز أن يخرج من المسجد إلا لضرورة.
ومن هنا كان ينبغي للشارع أن يجعل من أمثال هذا الضغط النفسي متنفساً وراحة نسبية. لا أن يكون الفرد في عبادة دائمة و (صوم) دائم على كل حال. ومن هنا ورد: أن الإمام الكاظم  كان إذا اشتد عليه البلاء يقلل من النوافل.
ــــــــــــ[114]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أقول: ومن هذه الناحية كان الاعتكاف محدداً، أخذاً للنفوس الضعيفة بنظر الاعتبار.
كما أنه كلما كان أكثر كان أفضل عند الله وأقرب منه وأرضى له. وللفرد أو على الفرد أن يطلب المزيد من ذلك ما وسعه الجهد.
ومن الملاحظ أن النفس إذا تعبت من شيء تلهت بشيء آخر. وإنما يضجرها زيادة التكرار والرتابة لشيء واحد.
ومن هنا قد يكون الشيء الذي تتلهى به النفس، هي أمور الدنيا بعد تعبها من العبادة الجسدية والعقلية والقلبية. ولكن اللبيب المسدد من لا يكف عن العبادة لكن مع تغيير نوعها. وبتغير النوع ينتفي الجزع وتتغير الرتابة. فمرة يتعبد بالعبادة الجسدية ومرة بالعبادة العقلية وثالثة بالعبادة القلبية ورابعة بزيارة قبور المعصومين، إلى غير ذلك.
ــــــــــــ[115]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (5) الثلاثة أيام
وممكن أن نفهم من الثلاثة أيام ثلاث مراحل: تكون أولاها بسيطة وأخراها معمقة، ومجموعها يوصل الفرد إلى هدفه.
فانتهاء الثلاثة لأجل عدم الحاجة إلى الزيادة والاستغناء عنها بالحصول على الهدف. لا لأجل احتمال الجزع والضيق كما سبق أن احتملناه.
وهذا لا يكون بالاعتكاف في المسجد الفقهي الظاهري بطبيعة الحال. بل بالاعتكاف ببعض المساجد المعنوية، مما سبق أن أشرنا إليه.
ويمكن لنا كأطروحة محتملة أن نلخص تلك المراحل الثلاث بما هو معروف بين بعض طبقات المتشرعة، من أن المرحلة الأولى أو الأدنى هي التخلي عن الآثام والمحرمات. والمرحلة الوسطى هي التحلي بالفضائل والمكرمات. والمرحلة الثالثة هي التجلي والوصول إلى الحقائق والفيوضات. إلاَّ أنها لا تخلو من إشكال لأن المقدمة للوصول أصبحت يومين لا ثلاثة إلاَّ أن نقول: إن الوصول إنما يحصل بعد كل هذه المراحل. وإن الفرد في المرحلة الثالثة ليس بواصل، وإن زعم لنفسه الوصول.
ــــــــــــ[116]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (6) عن مستحبات الاعتكاف
يشمل الاعتكاف ما يختص بالصوم من المستحبات والمكروهات بصفته محتوياً على الصوم، ويختص هو بأمور أخرى.
فقد قلنا في كتاب الصوم من المنهج: يكره للصائم ملامسة النساء وتقبيلها ومداعبتها، إذا لم يكن بقصد الإنزال ولا كان من عادته، وإن قصد الإنزال كان من قصد المفطر، سواء كان من عادته ذلك أو لم يكن.
ويكره له الاكتحال بما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق، كالعنبر والمسك. وكذا دخول الحمام إذا خشي الضعف وإخراج الدم المضعف مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق وإلاَّ ففيه إشكال. وشم كل نبات طيب الريح، وبل الثوب على الجسد. وجلوس المرأة في الماء. والحقنة بالجامد وقلع الضرس بل مطلق إدماء الفم. والسواك بالعود الرطب. والمضمضة عبثاً وإنشاد الشعر إلاَّ في مراثي الأئمة ومدائحهم.
وقلنا أيضاً: إنه ورد في بعض الأخبار كثيراً من المواعظ للصائمين لكي يكون صومهم مقبولاً مبروراً، وذكرنا طرقاً منها في كتاب الصوم من كتابنا هذا فراجع. وهو كما يشمل شهر رمضان يشمل غيره، ويشمل الاعتكاف وسائر أنواع الصيام كالكفارة وغيرها، والمستحب والواجب.
ومما يختص بالاعتكاف، قلنا كما قال الفقهاء: يجوز الخروج لتشييع
ــــــــــــ[117]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الجنائز والصلاة عليها، وتغسيلها وتكفينها ودفنها، وأي واحد في هذه الأمور على حدة، فضلاً عن الأكثر. كما يجوز الخروج لعيادة المريض وإقامة الشهادة أمام القاضي الشرعي العادل.
أما جواز تشييع المؤمن وتحمل الشهادة وغير ذلك من الأمور الراجحة، ففي جوازها إشكال وإلاَّ ظهر الجواز فيما إن أعدت من الضرورات عرفاً.
وقلنا تعليقاً على ذلك: الأحوط استحباباً عند الخروج مراعاة أقرب الطرق ولا تجوز زيادة المكث عن قدر الحاجة.
أما التشاغل على وجه تنمحي به صورة الاعتكاف فهو مبطل، وإن كان عن إكراه أو اضطرار. إلاَّ أن الظاهر أن هذا إنما يحسب بعد الانتهاء عرفاً من أحد الأعمال المذكورة سابقاً ويحسب في غيره مطلقاً.
ــــــــــــ[118]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كتاب الحج
ــــــــــــ[119]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ــــــــــــ[120]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (1) معنى قصد الحج
الحج في اللغة هو القصد. وكل هدف فهو يقصد الفرد إليه ويسبب الأسباب نحوه. فالحج صادق ومنطبق على كل هدف، وكل ما قد قصدته واستهدفته فقد حججت إليه.
فقد يكون ذلك بالسير المادي على الأرض أو بالسفر، كالحج الشرعي الاعتيادي وهو قصد الأعمال المخصوصة في البقاع المقدسة، أو السفر إلى زيارة صديق أو زيارة أحد المعصومين أو السفر إلى الدراسة ونحو ذلك. فإن كل ذلك مما يصدق عليه الحج لغة.
وقد يكون بالسير المعنوي أو المجازي، أعني تسبيب الأسباب بغض النظر عن السير في المكان. فإنه قصد للنتيجة على أي حال، كقصد تعلم العلم أو الاسترباح أو التداوي، ونحو ذلك.
فإذا التفتنا إلى أن بعض المقاصد قد تكون مرجوحة أو محرمة، كما التفتنا قبل قليل إلى كون السير إما مادياً أو معنوياً، انقسمت الاحتمالات إلى أربعة: فالسير المادي الراجح، هو الحج الاعتيادي أو الزيارات المطلوبة شرعاً.
والسير المادي المرجوح هو السير في الهدف الحرام كقتل المؤمن أو السرقة أو الهدف المرجوح كزيادة الاسترباح أكثر من الحاجة. والسير المعنوي المرجوح كقصد تعلم العلم المرجوح أو التداوي
ــــــــــــ[121]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المرجوح أو الوصول إلى مكان مرجوح ونحو ذلك.
والسير المعنوي الراجح هو السير نحو الأهداف المعنوية الحقة، والتي يعبر عنها معنوياً بالسير إلى الله سبحانه. كما قال الله في كتابه الكريم: فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ. وقال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ.
وقال بعض الشعراء الفرس ما ترجمته: إنه ذاهب إلى (البيت) وأنا ذاهب إلى صاحب البيت أو رب البيت، وذلك هو الحج الحقيقي.
وإنما يكون الحج المتشرعي الاعتيادي صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً منه وتطبيقاً له. وذلك مع توفر الإخلاص وحسن التوفيق. وأما إذا كان لأجل الدنيا، كالشهرة والتجارة والرياء فهو منفصل عنه تماماً، بل قد لا يكون مجزياً إطلاقاً.
تماماً كما قلنا في جانب الجهاد: إن الجهاد الأصغر إنما يكون صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً من الجهاد الأكبر وتطبيقاً له دون ما إذا كان منفصلاً عنه.
تماماً كما نقول في الصوم. إن الصوم الظاهري وهو الإمساك عن المفطرات مع النية، إنما يكون صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً من الصوم الحقيقي والمعنوي وهو الكف عن كل ما لا يرضي الله سبحانه كما قال في الدعاء: اللهم لا تجعل الدنيا أقصى همنا ومبلغ علمنا.
ــــــــــــ[122]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (2) النيّة
الحج هو القصد. والقصد هو النية. إذن فالحج هو النية، يعني نية الوصول إلى الهدف بالمعنى السابق. إلا أن الفقهاء لا يفهمون منه ذلك، بل يقصدون من القصد: تطبيق تلك النية والسير في ذلك الهدف فعلاً. إلا أن المعنى اللغوي بالدقة ليس كذلك.
وبطبيعة الحال، فإن الحج الاعتيادي لن يكون بدون ممارسة العمل وقطع الطريق بخلاف الحج المعنوي، فإن النية قد تكون كافية فيه فإن الله سبحانه غني عن المكان والزمان. وإنما يكون القصد إليه بالقلوب والعقول. وفي الحديث القدسي: “لا يسعني أرضي وسمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن”.
فالنية كافية بصفتها حباً لهذا الطريق بل هي سير معنوي فيه، بل قد يكون هذا السير طويلاً وعميقاً إذا كانت النية خالصة ومخلصة ولم يكن العبد ممن تأخذه في الله لومة لائم، مهما كان زمان النية أو مكانها قليلاً.
ــــــــــــ[123]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (3) الاستطاعة
يعتبر الشرط الأساسي في وجوب الحج هو الاستطاعة. وهي كما عرفها الفقهاء: توفر الزاد والراحة وتخلية السرب وضمان معيشة أهله خلال سفره.
والاستطاعة عموماً هي القدرة والتمكن من العمل، وهي شرط في الواجبات لاستحالة تكليف غير المستطيع أو غير القادر. ولولا بعض التقييدات في السنة الشريفة، لحمل عليه معنى الاستطاعة حتى في الحج. وأنه هو المراد بقوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
لكن مع ملاحظة أن المراد من القدرة في لغة الفقهاء ليست هي القدرة العقلية الصرفة، بل القدرة العرفية، فلو كان الفرد قادراً عقلاً ولكنه عاجز عرفاً، لم يمكن تكليفه.
فإذا التفتنا إلى ذلك أمكننا أن نحمل معنى الاستطاعة المبينة في السنة الشريفة على نفس المعنى، بمعنى أنها قد بينت ما يصبح به الفرد مستطيعاً عرفاً للحج، وذلك بتوفر تلك الشروط لديه، إذ مع عدمها لا يكون قادراً عرفاً ولا مستطيعاً للحج.
وإذا تمّ ذلك، لا تكون شروط الحج مختلفة عن سائر شروط الواجبات لتحديدها جميعاً بالقدرة العرفية فقط. غاية الأمر أن القدرة العرفية في كل واحد
ــــــــــــ[124]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
منها تختلف عن الآخر باختلاف سنخ العمل المطلوب بطبيعة الحال. والحج بما أنه يحتوي على سفر وابتعاد عن الأهل والوطن سيكون أكثر قيوداً، وتكون الاستطاعة له أقل وجوداً.
ومن هنا نلاحظ أن القدرة عليه والاستطاعة له تختلف بين القريب من مكة المكرمة والبعيد عنها. وكل ما كان الفرد أبعد في بلده كانت استطاعته للحج أصعب.
وعندئذ فمن المنطقي أن تكون كل تلك الشرائط موجودة له لكي يكون مستطيعاً عرفاً للحج بما فيه المال الذي يضعه عند أهله، ولا يوقعهم في حرج أو حاجة إلى الغير. وبما فيه ما يسمى بالفقه بالرجوع إلى كفاية وهو أن لا ينقطع عمله ورزقه بعد رجوعه فإن سبب ذهابه شيئاً من هذا القبيل لم يكن مستطيعاً للحج.
ــــــــــــ[125]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (4) في معنى الحج المعنوي
وإذا كان الحج هو القصد إلى صاحب البيت كما سمعنا وليس البيت بالذات، وإنما يقصد البيت لأجل قصد صاحبه بالحقيقة. كما قال الشاعر:
أمرُ بذي الديار ديار ليلى أقبـل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
وعندئذٍ فهل تكون الاستطاعة شرطاً أم لا؟
فإن نظرنا من الناحية الفقهية، وجدنا هذا التكليف مثل سائر التكاليف مشروطاً بالقدرة العرفية كما سمعنا.
وإن نظرنا من الناحية الواقعية، وجدنا أن التكليف بالوصول إلى هذا الهدف السامي، مما يفدى له النفس والمال والولد وكل الدنيا وما فيها. ومعه يكاد أن يسقط شرط الاستطاعة سقوطاً كاملاً.
وإذا نظرنا من الناحية العملية، استطعنا تقسيم الاستطاعة للوصول إلى ذلك الهدف أو الحج المعنوي إلى قسمين: استطاعة اقتضائية واستطاعة فعلية. فالاستطاعة أو القدرة الاقتضائية متوفرة في كل أحد إلاَّ المتخلفين خلقياً، ويبقى سائر البشر، بمختلف طبقاتهم وأديانهم وأماكنهم وأزمانهم، قادرين بهذا المعنى على الوصول إلى ذلك الهدف لأنه هو الهدف الذي خلق الفرد من أجله وأرسل إلى هذه الدنيا من أجله، قال تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فمن غير المحتمل أن تكون الحجة قائمة على البشر في ذلك مع أنهم غير قادرين بالمرة عليه وإلاَّ كانت الحجة لهم
ــــــــــــ[126]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وليست عليهم. وهذا على خلاف كلام الله سبحانه في كتابه الكريم.
ولكن القدرة الاقتضائية لا تكفي، لوضوح أن المقتضي وحده لا يؤثر بل قد تحول دونه الموانع وفقد الشرائط فلا تتم العلة التامة للقدرة. ومعه يبقى الفرد متورطاً في النقص وغافلاً عن الحق.
فإذا علمنا أنه لا يخاطب فعلياً بذلك الهدف، إلاَّ الفرد المتورع الملتزم بترك كل المحرمات والإتيان بكل الواجبات بالإسلام، عرفنا كيف تخرج أكثر البشرية عن نطاق السير نحو الهدف، لأن أغلبها كفار وفسقة ومنافقون ومرتكبون للمعاصي، بمختلف أنواعها.
وهؤلاء وإن كانوا قادرين، بالقدرة الاقتضائية – كما سبق – على السير والوصول، لقدرتهم على تطبيق الحق والتورع عن كل باطل. إلاًَّ أنهم من التطرف والغفلة بحيث لا يصبح معهم ذلك عملياً إطلاقاً.
لأن الموانع فيهم قد أثرت في سحب ذلك المقتضى والإجهاز عليه، إلى حد يكون رجوعهم إلى طريق الحق يحتاج إلى شيء يشبه المعجزة.
ومن هنا يتحصل ويتضح أن المستطيع بالقدرة الفعلية التامة للوصول إلى ذلك الهدف، ليس إلاَّ أقل القليل من البشر، وهم خاصة الخاصة لو صح التعبير.
وخاصة إذا التفتنا إلى أن الحج الإسلامي الاعتيادي، بالرغم مما قد يحصل فيه من مصاعب وعقبات، أسهل بكثير من الحج المعنوي. ولذا كانت الاستطاعة الفعلية لكثير من الناس موجودة للحج الاعتيادي، ولكنها غير موجودة في الحج المعنوي.
ــــــــــــ[127]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ويكفينا إيضاحاً أن نسمع أن عدداً من الأخيار الذين قضوا أعمارهم بالأعمال الصالحة والصلاة والحج ونفع الآخرين. ومع ذلك فهم يتأوهون من قلة الزاد وبُعد الطريق وقلة الناصر والصديق.
وذلك لأن الله تعالى وإن جعل المقتضي في الخلقة الإنسانية تاماً، وهو قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ إلاَّ أنه جعل هذه موانع ضخمة جداً، امتحاناً للفرد وانتظاراً لتحصيل حسن نيته وقوة همته.
ويمكن تقسيم هذه الموانع إلى صنفين، أحدهما: مربوط بالفرد وهو جنود الباطل، لو صح التعبير، وتتلخص في ثلاث فئات، النفس الأمارة والشيطان وحب الدنيا.
وثانيهما: مربوط بالله سبحانه وتعالى: فإنه من المتعذر حقاً أداء حق الله كله بل المطلوب هو السير في هذا الطريق في مقدار الإمكان ولن يصل الفرد إلى نهايته، لأن حق الله وطاعته ونعمته وعظمته أكثر من طاقة كل فرد بحياله. وكل ما عمل الفرد من طاعة فإنما هي نعمة الله وحسن توفيقه. ومن هنا ورد في بعض الأدعية: “إنه كلما قُلت لك الشكر وجب عليّ أن أقول لك الحمد”.
بل لو استطاع الفرد إيقاع الطاعة والانقياد بشكل لامتناهي، لم يستطع أداء حق الله سبحانه لأكثر من سبب:
أولاً: كما يقول الشيخ المحقق السبزواري: (إن الله فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى).
ثانياً: إن كل نعمه ابتداء ومع الاستغناء عن الفرد وعن عمله. في حين أن عمل الفرد مع الحاجة والافتقار إلى الله سبحانه، وكردّ الجميل وشكر
ــــــــــــ[128]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
للنعمة. وهذا غير صادق على الله سبحانه.
إذن، فكيف ندعي أن الاستطاعة والقدرة الفعلية التامة متوفرة للفرد. ولذا قال في بعض الأدعية: “لم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك إلاَّ بالعجز عن معرفتك”.
إلاَّ أن هذا الحديث لا ينبغي أن يوجد اليأس والقنوط لدى الفرد، أو الإشكال بأن التكليف بما هو متعذر غير معقول، إذن فالتكليف بالحج المعنوي غير معقول.
فإن جوابه: إن ما هو مطلوب من العبد ليس إلاَّ شحذ الهمة وتصفية النفس وصدق النية. ويبقى الطريق الباقي على حسن توفيق الله سبحانه، فهو الكفيل به والقادر عليه بأن يوصل عبده إلى أي درجة يشاء. ومن هنا ورد في الدعاء: “اجمعني عليك بخدمةٍ توصلني إليك”. وقال: “منك أطلب الوصول إليك وبك استدل عليك، فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك”.
وقال تعالى:يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ(27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً(28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29) وَادْخُلِي جَنَّتِي.
ــــــــــــ[129]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (5) الإحرام اجتماعياً
لعل من أهم واجبات الحج وأعمها هو الإحرام، لأنه الخصيصة والصفة المستمرة في أكثر أو كل أفعال الحج.
وقد قلنا عنه في (ما وراء الفقه): وأهم ما ندرك في ذلك هو التجرد عن علائق المادة وزخارف الدنيا في سبيل الله، لأجل تمحيض التوحيد لله وتركيز الإخلاص له وتعميق التوجه إليه.
فإن الإحرام بما فيه من زواجر وروادع صارمة، يدع الإنسان يشعر بعمق أنه باختياره وطيب نفسه، أراد أن يعيش هذه التضحية، وأن يخطو في هذا السبيل خطوات لا يريد بها إلاَّ رضا الله سبحانه وتعالى، وترك الأمور الدنية واللاأخلاقية، كالجدال والفسوق من أجل طاعته.
وهذا يعطي بحق، رمزية واضحة عما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم في سائر أيام حياته من الالتفات إلى تقديم رضا الله عز وجل على مصالحه وأطماعه وشهواته ونزواته، فليس ينبغي أن يحول دون هذا السبيل حائل أو أن يعيق الفرد أي عائق، في جميع أعماله وأحواله خاصة وعامة.
ثم قلنا بعد صفحة عن زي الإحرام أنه يعطي عدة انطباعات صحيحية، نذكرها الآن باختصار:
الانطباع الأول: إن زي الإحرام يتساوى فيه الرئيس والمرؤوس والغني
ــــــــــــ[130]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والفقير والعزيز والحقير، كلهم بزي واحد وعمل واحد وفي سبيل هدف واحد وعبادة واحدة. جمعهم التشريع الإلهي على صعيد واحد، وألغى بينهم الفوارق الدنيوية والزخارف الزائفة الفانية، وتبقى اللذة الحقيقية الباقية، وهي حلاوة التقوى وطعم الإيمان وبرد اليقين.
الانطباع الثاني: إن زي الإحرام يذكر بحال الموت وزيه وما يلبس الفرد خلاله من الأكفان. تلك الحال التي تعرب وتفصح عن التساوي بين الناس بشكل أصرح ويكون انعدام الفوارق بين القبور أجلى وأوضح.
الانطباع الثالث: إن احتشاد الناس المحرمين في المسجد الحرام للطواف أو في الموقفين أو في منى أو غيرها لأداء فرائض الحج وواجباته، يعطي صورة واضحة عن احتشاد الناس في المحشر يوم القيامة، حين يقوم الناس لرب العالمين، للحساب والثواب والعقاب.
ومن المعلوم أن الفرد إذا تذكر آخرته لم يبق بينه وبين الرغبة في الطاعة ولا الإرتداع عن المعصية أي عائق غير الغفلة والتناسي.
ــــــــــــ[131]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (6) الإحرام معنوياً
وإذا كان المراد من الحج: الحج المعنوي، فماذا سيكون معنى الإحرام المعنوي؟
بعد أن نعرف فقهياً أن الإحرام يحتوي على ثلاثة أمور أساسية، أصلها، وأهمها ما يسمى بتروك الإحرام، وهي المحرمات على المحرم، مع كونه مشترطاً بالتلبية وحرمة لبس المخيط، الذي يمثل الزي الخاص للإحرام.
أما تروك الإحرام، فتختلف في الإحرام المعنوي باختلاف مستوى الفرد وإدراكه، أو قل حسب درجة إحرامه. فمنها ترك الشهوات ومنها ترك حب الدنيا ومنها الزهد في الدنيا فعلياً، ومنها ترك النظر إلى الأسباب إلى غير ذلك. فإنه بدون هذه التروك لا يكون الفرد محرماً، وإذا لم يكن محرماً لم يقبل حجه.
وأما زي الإحرام، فيمثل ترك الزي الاعتيادي الدنيوي. والزي بالمعنى الدقي، هو كل صفة عامة اتصف بها الفرد سواء كانت ناشئة من الثياب أو غيرها. كالشهرة والمال والتجارة والعلم. وكذلك صفات النية كدرجة الإخلاص والهمة للدنيا أو للآخرة، وهكذا. فالفرد في الإحرام ينبغي أن يبدل زيه كله ويكتفي منه بما يستر جسمه. على أن لا يكون مخيطاً أو معتنى به، وأن لا يكون ملوناً أو مزخرفاً. والأفضل أن يكون أبيض اللون. وهو يمثل بياض النية وبياض العمل.
ــــــــــــ[132]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وأما التلبية فهو الجواب الحقيقي لنداء الله عز وجل حين دعانا إليه بقوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ ووعدنا بأن يجعلنا بمنزلة ضيوفه وأحبابه. ولذا يقول فيها: لبيك اللهم لبيك. وهي إجابة النداء لا محالة (كما برهنا عليه فيما وراء الفقه).
وكما أن العبد قد يجيب ربه، فكذلك قد يجيب الرب عبده. وهو قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. وقوله الشاعر عن الحديث القدسي: لبيك عبدي أنت في كنفي.
لأننا كما أننا داعون الله، فكذلك مدعون من قبله سبحانه. ولكل دعوة إجابة، فما لم تحصل الإجابة من العبد لم تحصل الإجابة من الرب. ولذا لا يستجاب الدعاء من الألسن القاصرة المقصرة. وقد ورد: أعطيناه ما يريد فأعطانا ما نريد. أقول: فإذا لم يعطه العبد ما يريد كان حقيقياً أن يحرمه مما يريد. وكذلك فإن الله تعالى قد ابتدأ عبده بالنعم والفضل بالرحمة العامة فكأنه يقول بلسان الحال: قد أعطيناك ما تريد فأعطنا ما نريد.
ــــــــــــ[133]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (7) الحديث عن المواقيت
بقي لنا الحديث عن المواقيت، وهي الأماكن الرئيسية التي وقّتها رسول الله لدخول مكة محرماً وهي ستة.
ولكنها فقهياً أوسع من ذلك كما يتضح لمن راجع كلام الفقهاء. حتى إنه يستطيع الفرد أن يحرم من بلده بالنذر كما يستطيع أن يحرم في مكة نفسها مباشرة، كما في حج التمتع وحج أهل مكة أنفسهم. والأول هو أبعد إحرام من حيث المكان والأخير هو أقربها. والستة هي المشهور والمطابقة للقاعدة العامة المناسبة مع كل أحد وكل طبقة واتجاه. ونستطيع أن نعدها وسطى بين ذينك الحدين.
والميقات مأخوذ من الوقت، والوقت في لغة العرب يشمل الزمان والمكان، ولهذا سميت هذه الأماكن مواقيت بالرغم من كون الوقت أوضح في الزمان عرفاً.
وقد قيل في الحكمة: إن الأمور مرهونة بأوقاتها أي في الزمان والمكان الذي تتم فيها مقدماتها وتبدأ فيها نتائجها.
ولكل شيء كهدف أو نتيجة، مقدمات وأسباب والأمور مرهونة بأسبابها والله سبحانه هو مسبب الأسباب وهذا نظام لا يمكن اختلاله إلاَّ بمعجزة قاهرة.
ــــــــــــ[134]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والمقدمات تكون على شكلين تبعاً لنتائجها: مقدمات الاستحقاق ومقدمات الفعلية. فالاستحقاق في الدين هو حلول أجله، والفعلية فيه دفعه إلى الدائن.
ولا توجد فعلية بدون استحقاق وكل فعلية لابد أن يسبقها استحقاق، وإلاَّ كانت ظلماً، وطريق العدل بريء من الظلم. ولكن قد يحصل استحقاق بدون فعلية إذا منعت الموانع دونها. وإلاَّ فالاستحقاق التام مساوٍ للفعلية، إذ لا بخل في العطاء بطبيعة الحال. فالاستحقاق هو الميقات، والفعلية هي العطاء وقد يتأخر العطاء عن الاستحقاق، حتى ترتفع عنه الموانع تماماً.
غير أن الأفراد مختلفون جداً في مواعيد استحقاقاتهم. وهذا أحد تأويلات تعدد المواقيت واختلافها، حتى قيل عنها فقهياً إنها لا حصر لها. فمنهم من لا يقصد الحج إطلاقاً، ومنهم من يقصده ولا يوفق للوصول إلى الميقات، ومنهم من يصل إليه ولا يتجاوزه إلى ما بعده، ومنهم من يتجاوزه ولا يصل إلى هدفه وهكذا.
ــــــــــــ[135]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (8) الطواف
جئنا إلى الطواف حول الكعبة المشرفة، وهو أحد الأجزاء الرئيسية في الحج والعمرة، فما هو معناه وإلى أي شيء يشير؟
قلنا عن ذلك في (ما وراء الفقه) ما ملخصه: إنه تمثل الكعبة الوجود المادي الرمزي للتوحيد الخالص الذي جاء به الإسلام، وجاء به إبراهيم الذي وضع قواعد البيت، وهُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمينَ وقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وبالتالي، تمثل الكعبة بنحو الرمز: الوجود الإلهي على الأرض… ويكون إظهار الإخلاص لها إظهاراً للإخلاص للتوحيد… ويكون التقرب إليها بالذبح والنحر تقرباً إلى التوحيد الإلهي في عالم المعنى والكمال الروحي والعقلي.
ويكون الدوران حول الكعبة بالطواف وجعلها مركز الإحساس المادي، رمزاً حياً عن الدوران حول التوحيد وحول الحق الصريح وجعله مركز الإحساس المعنوي، ومركز النشاط النفسي والاجتماعي.
أقول: وبطبيعة الحال، لابد للفرد من كعبة يطوف حولها ومركز إحساس يلوذ به ويكون طوافه مستمراً غير منقطع فهو يطوف إما حول علائق الدنيا أو حول علائق الآخرة، والكعبة من علائق الآخرة، فإن تصدى
ــــــــــــ[136]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفرد للطواف حولها شهد على نفسه بترك الطواف حول الشهوات والنزوات ولكنه قد يعود إليها وقد لا يعود.
ويمكن أن نفهم من الطواف، نحواً من العبادة، بعد أن فهمنا من الكعبة معنى التوحيد فإن الله الواحد جل جلاله معبود لا محالة. ومن أهم أنحاء العبادة إظهار الأهمية وله والتعظيم، وذلك بالطواف المعنوي به فنحن نطوف حول الكعبة المادية، ونقصد العبادة للكعبة المعنوية.
كما يمكن أن نفهم من الطواف، شكلاً من أشكال بذل الجهد في سبيل الله وهذا واضح إلاَّ أنه غير خالص بالطواف بل يشمل كل الطاعات.
كما يمكن أن نفهم من الطواف معنى آخر، يحتاج إلى الالتفاف إلى مقدمة معينة، وهي أن المرتكز لدى بعض العوام أن الإنسان إذا دار حول أي شيء – كإنسان آخر مثلاً – فإنه يموت فداء له. ولذا إذا صادف أن دار الولد حول أبيه أو أمه، فإنهما ينهرانه ويمنعانه، حباً به لكي لا يموت فداء لهما.
ومعه يكتسب الدوران هذا المعنى بلسان الحال، وهو بذل الفداء في سبيل من تدور حوله. فإذا كانت الكعبة رمزاً للتوحيد كما سبق، فمعناه ان الحاج يبذل نفسه فداء سبيل التوحيد ويتبرع بها لله عز وجل كما قال الله جل جلاله: إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَـهُم بِأَنَّ لَـهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً.
والطواف أيضاً نحو من إظهار الحب والإخلاص والاحترام لمن تطوف حوله، وخاصة فيما إذا كانت شواخص جامدة كقبور الموتى أو بيوت الأحياء. فكذلك الحال في الطواف حول الكعبة المشرفة بصفتها مظهراً من مظاهر التوحيد.
ــــــــــــ[137]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كما أن الطواف في اللغة هو الوصول إلى الشيء، سواء دار حوله أم لا. فنقول طفت به إذا زرته أو وصلت إليه. ومن هنا يكون الفرد طائفاً بالحال الذي وصل إليه أو بالمستوى هو فيه أو بالدرجة التي يراها له.
فهذه حوالي ستة معانٍ للطواف غير متنافية، بمعنى أنها قابلة للصدق جميعاً معاً ولا ينبغي أن نزيد هنا على ذلك.
ــــــــــــ[138]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (9) السعي
وأما السعي بين الصفا والمروة، فقد قلنا في المصدر المزبور إنه يمثل السعي في حدود الشريعة الإسلامية والأوامر الإلهية التي هي حدود الله وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
فالفرد المؤمن ملتزم بتعاليم الله مقتصر عليها متردد في سلوكه ضمن حدودها. فإن حام حول الشبهة رجع إلى الشريعة، وإن ارتكب مخالفة لجأ إلى التوبة، وإن شط به المزار ذكر الله فإذا هو مبصر.
ثم قلنا هناك: وهناك جانب آخر مشار إليه في الروايات من مصالح السعي، فإنه يحتوي على ذلة وكفكفة من غلواء النفس، وخاصة في الهرولة المستحبة من بعض ذلك الطريق.
أقول: ويرى الفقهاء الالتفات خلال السعي يميناً وشمالاً مرجوحاً ومكروهاً، والخروج عن السعي حراماً ومبطلاً للسعي هذا يكون رمزاً باختصاص السعي بالهدف الذي يسعى إليه وتكريس النفس فيه، والإعراض عن غيره مما لا يناسبه.
وعلى أي حال، فالإنسان لا يخلو من سعي في حياته لهدف من الأهداف، إما الدنيوية وإما الأخروية، وسعي الحج، يعني السعي للهدف الذي حج من أجله حجاً معنوياً، كما سبق أن قلناه.
ــــــــــــ[139]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ولكن قد يبقى هنا سؤالان:
الأول: إن السعي والحج بهذا الأسلوب، يكونان بمعنى واحد، وهو القصد إلى الهدف وليسا بمعنيين. مع العلم أنهما عرفاً ومتشرعاً بمعنيين أكيداً، فكيف صار ذلك؟
جوابه: إن قصد الهدف له مراتب بعضها أقرب وبعضها أبعد، فيكون البعيد هو السير من بلده إلى الديار المقدسة ويكون القريب هو السعي في داخل تلك الديار.
الثاني: إن السعي يحتوي على تردد ذهاب ومجيء بين الصفا والمروة، في حين أن السعي نحو الهدف -أياً كان- لا مجال للتردد فيه والرجوع عنه ثم العود إليه. وخاصة فيما إذا كان هدفاً معنوياً عالياً فكيف صح ذلك؟
جوابه: إن ذلك يصح من عدة وجوه.
الوجه الأول: إن السعي كما التفتنا قبل قليل يكون في الديار المقدسة نفسها. إذن فهو بأي حال لا يتضمن الرجوع عنها، وإنما يتضمن التجوال فيها، وهو أمر مطلوب.
الوجه الثاني: إن الفرد ما دام في الحياة الدنيا، فهو لا يخلو في مضاعفاتها ومصاعبها، من الغفلة والنسيان والأطماع ونحوها، مما يسبب ابتعاد الفرد أحياناً عن هدفه الحقيقي. فإذا التفت إلى حالة رجع إلى هدفه تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ، فيمكن أن يمثل أحد الشوطين شوط الهدف والآخر شوط الغفلة والنسيان، ثم العود إلى شوط الهدف
ــــــــــــ[140]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وهكذا، أو قل: إن العدد الفرد منها هو شوط الهدف والعدد الزوج منها شوط الغفلة. أو قل شوط الدنيا وشوط الآخرة.
الوجه الثالث: إن الفرد قد لا يتم له التعرف على منطقة وجود هدفه بالتعيين، فيبقى متردداً في سعيه، فتارة يذهب إلى هذه الجهة وأخرى إلى تلك الجهة، تبعاً لاحتمال وجود الهدف وتحققه، فليكن السعي شيئاً من هذا القبيل ورمزاً عن نحو من أنحاء الحيرة في الهدف المستلزم لشكل من أشكال الحيرة في السعي، وقد ورد: اللهم زدني حيرة.
ــــــــــــ[141]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (10) إحرام العمرة وإحرام الحج
يختلف الإحرام في عمرة التمتع عن إحرام الحج، بأن إحرام الحج يحتاج إلى عدة أعمال للتحلل والتخلص منه، بعد أداء وظيفته، كالذبح والحلق وطواف الحج، في حين لا يحتاج التحلل من إحرام العمرة إلى شيء من ذلك.
ويحتاج إحرام الحج في حلية النساء الى طواف النساء، في حين لا يحتاج إحرام العمرة الى ذلك. بل تحل النساء رأساً بعد الانتهاء من العمرة. ولأجل ذلك سميت بعمرة التمتع وحج التمتع. أي انها تفتح فرصة للتمتع بالنساء بعدها مباشرة.
وهذا المعنى يمكن أن نفهم منه معنيين مختلفين وإن لم يكونا متنافيين بالدقة، على ما سنقول:
المعنى الأول: إن معنى العمرة المعنوية، أو من معانيها أن يعمر الفرد نفسه، بعد أن كانت خراباً، قبل البدء بالحج، وهو المسير الأساسي نحو الهدف.
وفي هذا التعمير لا يكون التزمت والتشدد في ترك ما هو مرجوح شديداً، مما سيكون بعدها من درجات التكامل فإذا خرج الفرد من حال العمرة، والتفت إلى دنياه ولو قليلاً، جاز له أن يترك اعتزال النساء.
المعنى الثاني: إنه يمكن القول معنوياً إن الإحرام يستمر من العمرة إلى الحج، بدليل أن الفرد لا يقوم بأي عمل مسبب لانحلاله فلا ينحل بل
ــــــــــــ[142]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يستمر. كل ما في الأمر أن النفس قد تضجر أحياناً فيعطيها من الدنيا بمقدار ما يغلق فمها عن الصياح. وإذا فعل ذلك جدد التلبية والتوجه إلى الهدف لينعقد إحرامه من جديد.
وهذا بخلاف استمرار الإحرام بعد الحج كما سيأتي. فإنه عندئذ سيكون مستغنياً عنه بعد انجاز الحج، فلا بد من رفعه وإزالته.
وبهذا يتضح عدم التنافي بين المعنيين، كما أشرنا، فإن عدم انحلال الإحرام، كما أشرنا في المعنى الثاني، لا ينافي بعض الالتفات إلى الدنيا، بعد أن كان أصل الإحرام غير شديد، كما في المعنى الأول.
ــــــــــــ[143]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (11) المواقف الثلاثة
وصلنا الآن إلى المواقف الثلاثة الرئيسية في الحج في البقاع المقدسة الثلاث، عرفة ومزدلفة ومنى. وكلها داخلة في الحرم المكي، كما ذكرنا في (ما وراء الفقه).
وهناك حديث يشملها جميعاً، كما أن هناك أحاديث تخص بعضها. وفي هذه الفقرة نتحدث الحديث الأول.
قلنا في (ما وراء الفقه) عن الموقفين: (عرفة والمشعر): إن هذين الموقفين هما الفرصة الأساسية لاطلاع كل فرد من الحجاج على إخوانه في الله والمساهمين معه في إجابة ندائه.
فإن الحاج في سائر أعماله -عدا الموقفين- لن يستطيع أن يحتك في هذا الجمع الغفير المتلاطم، ويحس عن قرب بالعدد الضخم العامل في سبيل إطاعة ربه وأداء فريضة حجه.
إن الحجاج يكونون عادةً في العمرة، وفي الطواف، وفي السعي، وفي رمي الجمرات، وغيرها من الأعمال متفرقين مشتتين لا يؤدون العمل في زمان واحد، ولا يجتمعون على صعيد واحد، إلا في أرض عرفات والمشعر.
فما هو شعور الفرد المسلم عند مواجهة إخوانه؟ وما أعظم الحكم الإسلامي، وما أكبر نداء الإسلام الذي يستطيع أن يجمع هذه الآلاف في هذا العام وفي كل عام.
ــــــــــــ[144]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وما أعظم الأخوة التي تشد بعضهم إلى بعض، بالرغم من تباعد البلدان وتشتت اللغات. إنها أخوة الهدف والعمل والعقيدة وهي أقوى الأخوات وأرسخها في منطق الإنسانية والتاريخ.
أقول: إن هذا من ناحية اجتماعية، وأما من ناحية أخلاقية فهو أوضح أيضاً، بعد الالتفات إلى عدة مقدمات:
أولاً: إن الأراضي أو المناطق التي يحصل فيها الاجتماع في الحج هي مقدسة وكل أرض مقدسة يمكن نسبتها إلى الله سبحانه فهي أرض الله، كما في الزيارة: السلام عليكم يا أمين الله في أرضه. وقال سبحانه: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، إذن فالاجتماع على أرض الله وليست على أرض اعتيادية أو ظلمانية.
ثانياً: إن الاجتماع يحدث تجاوباً نفسياً وعقلياً عالياً كما ذكرنا في فصل صلاة الجماعة من هذا الكتاب. وهذا التجاوب يكون حاصلاً، ما دام النطق مسموعاً بلحاظ الحال أو بلسان المقال. وهذا التجاوب يؤثر في الإعانة على طاعة الله سبحانه وفي الترقي في مقامات التكامل لمن كان قابلاً لها مستحقاً.
ثالثاً: إن تعدد البقاع أو المناطق، يعبر عن تعدد مقامات الكمال، ولا شك أن هذا حاصل لكل واحد سواء قصدنا الكمال السيء أو الكمال العادل، وسواء قصدنا التكامل الواطئ أم التكامل العالي. كل ما في الأمر أنه ما دامت هذه الأراضي مقدسة ومنسوبة إلى الله سبحانه، فهي تمثل مرحلة عالية من الكمال العادل لا محالة.
ونلاحظ أن من لم يكن مستحقاً لمثل تلك الدرجة، لم يكن فيها، فقد
ــــــــــــ[145]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يستطيع الذهاب إلى واحدة وتتعذر عليه الأخرى، فيتعذر حجه ويبطل. إلاّ أن يعمل له العمل المناسب له والذي يبلغ به درجة الاستحقاق، الذي هو معنى السفر من بقعة إلى بقعة من تلك البقاع المقدسة.
أما ترتيب تلك البقاع فهو عرفات أولاً ثم المشعر ثم منى، كما هو معروف. وعلى ذلك فـ(منى) تكون بمنزلة الخلاصة والنتيجة للموقفين السابقين عليها. وإذا حصلت النتيجة انتهى السفر كما قال الشاعر:
وألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر
وإذا حصلت النتيجة وانتهى السفر، كان هناك أمران:
الأمر الأول: أن لا حاجة إلى الإحرام، بعد انتهاء العمل بل ينبغي التحلل منه والتخلص منه.
الأمر الثاني: أن يوم حصول النتيجة يوم عيد لا محالة ويوم راحة بعد تعب ويوم لذة بعد شقاء، ويوم لقاء بعد فراق. وهو عيد الأضحى الذي تشرق فيه شمس الكمال في ضحاها على الأرض والسموات.
فهذا ترتيب هذه البقاع وأما معانيها الأخلاقية التفصيلية، وما تعبر عنه كل بقعة، من درجة من الدرجات. فهذا ما يمكن أن نعرضه كأطروحة مختصرة.
وهي أن عرفات من المعرفة والمشعر من الشعور بالذات ومنى من المنية وهي حصول ما يتمناه الفرد السالك في طريق الكمال. ولذا كان فيها عيد وفيها انحلال الإحرام.
ــــــــــــ[146]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (12) الهديُ في منى
قلنا في ما وراء الفقه عن الهدي في منى يوم الأضحى:
يمثل الهدي، وهو التقرب إلى الله عز وجل بالذبح أو النحر، عدة معانٍ سامية يكفي كل منها أن يكون سبباً لتشريع هذه العبادة الجليلة، فضلاً عن مجموع المعاني.
أولاً: هو نوع من التضحية المالية في سبيل الله عز وجل، شأنه في ذلك شأن الزكاة والخمس، بل والحج نفسه بما يكلف الحاج من أموال.
ثانياً: هو نوع من التضحية بالدم الذي يعطي رمزية عن التضحية في سبيل الله بالنفس والنفيس. فإنه ليس لدماء الأنعام أهمية تذكر، لولا نتائجها والأفكار الدالة عليها قال الله تعالى: لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ.
ثالثاً: هو من التضحية بالدم كرمز عن التضحية بالشهوات والمطامح والمطامع الدنيوية والدنيئة في سبيل الله سبحانه. فإن المهم الحقيقي هو أن يذبح الفرد نفسه الأمارة بالسوء تجاه قدس الله عز وجل وعظمته. تلك النفس التي تكون سبباً لكل عصيان وطغيان ويكون القضاء عليها سبباً لكل خير وكمال.
إلى وجوه أخرى ذكرناها هناك.
ــــــــــــ[147]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومرادنا من الوجه الثاني هو الالتفات إلى ما يسمى بالجهاد الأصغر، ومن الوجه الثالث إلى ما يسمى بالجهاد الأكبر. كما ورد عن النبي  أنه قال لأصحابه بعد رجوعهم من إحدى الغزوات (بدر أو أحد): “مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. فقيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس “.
وأعتقد أن الجهاد الأصغر إنما يكون حقيقياً مقبولاً فيما إذا كان بنية مخلصة بحيث أصبح مصداقاً وتطبيقاً للجهاد الأكبر، وإلا فلا.
كما أن نتيجة الجهاد الأكبر هو موت الشهوات كما ورد: “موتوا قبل أن تموتوا”. فهو ذبح حقيقي ولكنه معنوي للنفس الأمارة. وهو معنى التضحية في أرض الله التي هي أرض المنى والأماني.
ــــــــــــ[148]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (13) الحلق والتقصير
ذكرنا في (ما وراء الفقه) عن الحلق والتقصير عدة معانٍ مهمة:
أولاً: إن الحلق هو أول فعل يقوم به الحاج، حينما يريد أن يتحلل من إحرامه فإن الإحرام بعد أن كان يحتوي على جملة من الممنوعات، كان التحلل منه لا محالة بالإتيان بإحدى تلك الممنوعات المحللة في أصل الشريعة على الآخرين للدلالة على عدم الالتزام بالإحرام من الآن فصاعداً. وقد اختار الله تعالى لعباده الحجاج الحلق والتقصير ليكون قائماً بهذه المهمة.
ثانياً: إننا حين ننظر إلى الشعر وإلى حلاقته، نجد له عدة معانٍ متعارفة عند الناس يمكن تطبيق أي منها على المفهوم الشرعي ونعطي لكل واحد منها رقماً من المصلحة:
فمن ذلك: أن الشعر قد يعتبر جمالاً للإنسان وتكون حلاقته نوعاً من الزهد والإعراض عن الدنيا.
ثالثاً: إن الشعر قد ينظر إليه على أنه نوع من الوسخ والإزعاج فيكون حلقه أو تقصيره تنظيفاً وتجملاً. ولطالما أمرت الشريعة بالنظافة والتنظيف.
رابعاً: إن الحلق قد ينظر إليه في بعض الأعراف كعقوبة على بعض أفعال الإجرام.
ومن هنا يكون الحلق في الحج رمزاً على الاعتراف بالذنب واستحقاق
ــــــــــــ[149]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
العقوبة. بل من قبيل إنزال الفرد العقوبة على نفسه اختياراً.
خامساً: إن الحلق إنقاص من جمال الجسم، فيكون مندرجاً في مفهوم ضرورة إنقاص الشهوات واللذات الدنيوية ومحاربة النفس الأمارة بالسوء.
ويختلف هذا الوجه عن الثاني، بأنه يحتوي على محاربة النفس وليس لمجرد الزهد المستحب.
وقد يعرض هذا الوجه بتوجيه آخر: وهو أن الحلق يعتبر بتراً لجزء من الجسم، فكذلك يجب بتر الشهوات السيئة، كما يجب أيضاً بتر الأعضاء المذنبة من الجسم كيد السارق وبتر العضو الفاسد في المجتمع.
مع بعض الوجوه التي ذكرناها هناك وليس لنا هنا من زيادة سوى الاقتراح على القارئ اللبيب بأن يفهمها هنا بشكل أعمق مما فهمها هناك، في حدود إمكانه.
ــــــــــــ[150]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (14) رميُ الجمرات
والآن يجب أن يكون رمي الجمرات، وقد تحدثنا هناك عن ذلك بالقول إنه: إذا كانت الكعبة المشرفة هي الرمز المادي لتوحيد الله تعالى، وكان الطواف واستلام الحجر، هو العمل الأساسي الذي يمثل الإخلاص له، وجعل توحيده المركز الحقيقي للإحساس والسلوك في كل أيام الحياة.
فما أحرى أن يكون هناك رمز آخر يضاد هذا الرمز ويناقضه. ولئن كانت الكعبة مستنبطة لكل معاني الخير والعدل باعتبارهما المنتوجين الأساسين لعقيدة التوحيد. فإن الرمز الآخر لا بد أن يستقطب كل معاني الشر والظلم، باعتبارهما المنتوجين الأساسيين لما ترمز إليه الجمرة، وهي: فكرة الشيطان.
ولئن كان الطواف تعبيراً عن الولاء للخير والعدل، وإظهاراً عملياً لتأييدهما، فإن رمي الجمرة بالحصى هو العمل المهم في إظهار الشجب والاستنكار العملي للشر والظلم. وبشجبهما يفهم الفرد بوضوح شجب كل فكرة ناتجة عنهما أو عمل مترتب عليهما، من الكفر والضلال والعصيان والانحراف، وما تستتبعه هذه الأمور من ذنوب وموبقات.
على أننا لا يجب أن نغفل بهذا الصدد، فرقاً أساسياً، بين هذين الرمزين المستقطبين، فالكعبة بما انها رمز عن الله سبحانه وعن توحيده، إذن فيجب أن يبقى الرمز واحداً لا يتعدد.
على حين أن الجمرة بما هي رمز عن الشيطان، والشياطين كثيرون. بنص
ــــــــــــ[151]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
القرآن الكريم، فقد ناسب أن يتعدد الرمز بتعدد المرموز إليه.
فمن هنا نستطيع أن نعزو تعدد الجمرات إلى الرمز عن تعدد الشياطين. كما يمكن أن تعزى إلى تعدد وجهات الفساد والظلم الصادرة عن الشيطان.
ونستطيع أن نلاحظ في هذا الصدد، أن القسط الواجب من إظهار الولاء لله عز وجل بالطواف، يعادل بالعدد تقريباً ما تناله كل جمرة من دفعات الاستنكار والرمي. والطواف الواجب ثلاثة: طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء. وعدد دفعات الرمي لغير جمرة العقبة ثلاثة أيضاً…..كما أننا إذا لاحظنا عدد أشواط الطواف وعدد الحصى المرمي في كل جمرة لرأيناه متحداً أيضاً وهو السبعة في كلا الحالين.
فنفهم من ذلك معنى مهماً وهو: أن الوازع إلى الله تعالى والوازع عن الشيطان يجب أن يكونا متعادلين في نفس الإنسان متعاونين في تربيته وكماله وأي منهما نقص عن الآخر، كان في ضرر الفرد لا محالة.
فهذا ما قلناه هناك وهو جيد، إلاَّ أننا هنا نستطيع أن نلاحظ: ان القسم المرفوض أخلاقياً والذي يجب أو ينبغي شجبه واستنكاره، ومن ثم رميه ومحاربته، ليس هو الشيطان فقط، وإن كان هو أشهر هذه الجهات لدى المتشرعة، بل توجد أمور أخرى وعلى مستويات مختلفة في هذا الصدد.
ومن هنا يمكن القول إن رمي الحجرات سيكون رمزاً عن أي شيء من ذلك حسب اختلاف المراتب. كالشيطان، والنفس الأمارة بالسوء. حيث ورد في الشيطان قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً. وورد في النفس: (اجعل نفسك عدواً تحاربه). ففكرة العداوة والمحاربة مع العدو موجودة على كلا الصعيدين.
ــــــــــــ[152]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ونحوهما: حب الدنيا، وما يترتب على ذلك من حب المال والشهرة والسيطرة وغير ذلك.
فإذا تقدمنا خطوة كان النظر إلى الذات وإلى الأسباب عموماً مرفوضاًً عند أهل النظر، ومما تجب محاربته ونفيه.
والحج المخلص إلى الله سبحانه، كما يجب أن يقترن بإظهار الولاء له جل جلاله كما يرمز إليه الطواف، يجب أن يقترن أيضاً بإظهار البراءة من جانب الشر والعدوان.
إلاَّ أنه يمكن القول إننا لو دققنا أكثر لوجدنا بعض الفروق من الجانبين:
الفرق الأول: إن جانب البراءة عن الأعداء أسبق رتبة من جانب الولاء والإخلاص. وقد قيل في العرف: إن الهدم قبل البناء. ومن المعلوم أيضاً أن الإخلاص لا يدخل إلاَ في القلب الخالي من الجانب الآخر. كما لا يكلف السير في الطريق المعنوي إلاَّ المبرأ من فعل المحرمات والاتجاه نحو السفاهات.
الفرق الثاني: إن ما قيل -كما أشرنا إلى تعادل الوازع إلى الله تعالى والوازع إلى الشيطان، أو قل توقع الرحمة وتجنب النقمة- إن هذا وأن كان صحيحاً إلاَّ أنه سيصبح في مراحل متقدمة من الكمال غير صحيح لأنه يكفي همة واحدة ونية خالصة في البراءة عن كل ما يشينه في طريق الله سبحانه وسبيل طاعته ولا يحتاج إلى تكرار ذلك على طول الخط للفرد. بل قد يصبح مجرد تذكر ذلك حجاباً مانعاً عن التكامل.
وهذا لا يعني انتهاء البراءة عن الشر والأعداء، والعياذ بالله، وإنما يعني
ــــــــــــ[153]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أخذه مسلماً، بحيث لا يحتاج إلى تفكير، لكي يوفر الفرد تفكيره وجهده للأمور الأهم والأعلى.
الفرق الثالث: إننا قلنا في وقت سابق، إن مجموع الوجود الخير في الكون أكثر بكثير جداً من قوى السوء والشر. وإن بدت في الظاهر أكثر وأشد، على صعيد هذه الحياة الدنيا.
بل هي من الكثرة بحيث لا يمكن أن تقاس بها إطلاقاً، إلى حد قد يقال بأن النسبة هي المحدود إلى اللامحدود. فإن الشر مهما كان متزايداً، فهو محدود، على أن الخير غير محدود ولا يمكن أن يكون محدوداً.
ومعه، فمن الطبيعي أن نلتفت إلى أن المحدود لا يحتاج إلاَّ إلى اهتمام محدود، في حين أن غير المحدود، يحتاج إلى اهتمام غير محدود فيما وسعت طاقة الفرد وقابليته واستحقاقه.
ــــــــــــ[154]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (15) طواف النساء
بقي اللازم هنا، إعطاء فطرة عن طواف النساء. وذلك أن الإحرام يحتوي على عدة محرمات منها النساء. وكذلك الإحرام المعنوي. ومن هنا يكتسب معنى تحريم النساء عدة أفكار أو أسباب.
أولاً: إن المحرم المعنوي لا ينبغي أن يمارس شيئاً من الشهوات، ومن أهمها الشهوة الجنسية.
ثانياً: إن المحرم المعنوي لا ينبغي أن يمارس شيئاً مرتبطاً بحب الدنيا وما فيها، ومن جملة ذلك الميل إلى النساء. ومن هنا مدح النبي يحيى (ع) في القرآن الكريم بكونه وحصوراً أي صابراً عن الزواج ومعرضاً عن النساء.
وهذا التكليف ليس لكل أحد، بل لخصوص الذين يريدون (وجه الله) ويقصدون الوصول إلى الكمال العالي. وإلاَّ فمن الواضح عموماً في الشريعة الإسلامية استحباب النكاح والاستزادة من الذرية.
ثالثاً: نستطيع أن نفهم من النساء النفس الأمارة بالسوء باعتبار كون المرأة تغلب عاطفتها على عقلها غالباً، فكذلك هذه النفس، فهي بمنزلة المرأة في باطن الإنسان. وعلى الفرد المحرم المعنوي، كما على المحرم في الحج أن يعتزلها تماماً. ولكن حينما ينتهي الحج، ويؤدي الإحرام المعنوي نتيجته، وينال الحاجُّ
ــــــــــــ[155]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المعنوي مناه في أرض المنى المعنوية وفي سماء المنى النورية، لا يبقى وجه أو حاجة لاستمرار الإحرام أو بقاء ذلك التحريم فإنه إنما كان مقدمة ولا يمكن أن يكون نتيجة.
ومن هنا يكون طواف النساء إيذاناً بحلية النساء وسبباً له. وهو نحو من العمل العبادي لحلية العمل غير العبادي، فكأن الفرد فيه يعطي عهداً ببذل الولاء لله عز وجل، حتى حال علاقته بالنساء وممارسته لشيء من علائق الدنيا.
وهكذا ينبغي أن يكون الفرد دائماً في علاقته بالله عز وجل.
ــــــــــــ[156]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (16) مستحبات الإحرام
قال الفقهاء: إنه يستحب في الإحرام أمور:
أولاً: تنظيف الجسد وتقليم الأظفار وأخذ الشارب وإزالة الشعر من الإبطين والعانة. كل ذلك قبل الإحرام.
ثانياً: ترك حلاقة شعر الرأس واللحية من أول ذي القعدة لمن أراد الحج، وقبل شهر واحد لمن أراد العمرة.
وقال بعض الفقهاء: بوجوب ذلك. وهذا القول، وإن كان ضعيفاً إلاَّ أنه أحوط.
ثالثاً: الغسل للإحرام. وإذا خاف عوز الماء في الميقات قدمه عليه. وإن وجد الماء في الميقات أعاده.
رابعاً: أن يدعو الغسل بما ذكره الصدوق ويقول:
“بسم الله وبالله، اللهم اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وأمناً من كل خوف وشفاء من كل داء وسقم. اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك فإنه لا قوة إلاَّ بك. وقد علمت أن قوام ديني التسليم لك والإتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله”.
خامساً: أن يدعو عند لبس ثوبي الإحرام، ويقول: “الحمد لله الذي رزقني
ــــــــــــ[157]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ما أواري به عورتي وأؤدي به فريضتي وأعبد به ربي وأنتهي فيه إلى ما أمرني. الحمد لله الذي قصدته فبلغني، وأردته فأعانني، وقبلني ولم يقطع بي وجهه. أردت فسلمني فهو حصني وكهفي وحرزي وظهري وملاذي ورجائي ومنجاي وذخري وعدتي في شدتي ورخائي”.
سادساً: أن يكون ثوباه للإحرام من القطن.
سابعاً: أن يكون إحرامه بعد فريضة الظهر فإن لم يتمكن فبعد فريضة أخرى. وإلاَّ فبعد ركعتين أو ست ركعات من النوافل. وهي صلاة الإحرام. والست أفضل يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة التوحيد، وفي الثانية الفاتحة وسورة الحج. فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله، ثم قال:
“اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك واتبع أمرك. فإني عبدك وفي قبضتك. لا أوفي إلاَّ ما وفيت ولا آخذ إلاَّ ما أعطيت. وقد ذكرت الحج، فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله. وتقويني على ما ضعفت. وتسلم لي مناسكي في يسر منك وعافية.
واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وسميت وكتبت. اللهم إني خرجت من شقة بعيدة، وأنفقت مالي ابتغاء مرضاتك. اللهم فتمم لي حجتي وعمرتي.
اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله. فإن عرض لي عارض يحبسني فخلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليّ. اللهم إن لم تكن حجة فعمرة.
ــــــــــــ[158]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب. أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة.
ثامناً: التلفظ بنية الإحرام مقارناً للتلبية وليس التلفظ واجباً بل هو مستحب أو أحوط استحباباً. ومقارنته للتلبية، بمعنى تلاوة التلبية بعد النية مباشرة، مستحب آخر. ومن المعلوم فقهياً أنه ما لم تقترن النية بالتلبية لم ينعقد الإحرام.
فإذا تأجلت التلبية عن النية، كانت التلبية مقارنة للنية القلبية لا اللفظية وانعقد الإحرام عند التلبية وكانت النية اللفظية السابقة عاطلة”.
تاسعاً: رفع الصوت بالتلبية للرجال.
عاشراً: أن التلبية الواجبة عبارة عن جملة من واحدة وهي أن تقول: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك وهي تكرار رباعي للفظ، ومن هنا سميت التلبيات الأربع. وتكرارها أربعاً هو الأحوط وجوباً.
غير أن المستحب أن يطيل في تلبياته ويكثر خلالها الثناء والذكر لله سبحانه ويقول: “لبيك ذا المعارج، لبيك لبيك داعياً إلى دار السلام، لبيك غفار الذنوب لبيك لبيك. أهل التلبية لبيك لبيك ذا الجلال والإكرام. لبيك، لبيك تبدئ والمعاد إليك، لبيك لبيك تستغني ويفتقر إليك، لبيك لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك. لبيك لبيك إله الحق لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل لبيك كشاف الكرب العظام لبيك لبيك عبدك وابن عبديك لبيك لبيك يا كريم لبيك”.
ثم يقول: لبيك أتقرب إليك بمحمد وآل محمد لبيك لبيك بحجة أو عمرة لبيك، لبيك وهذه عمرة متعة إلى الحج، لبيك لبيك تلبية تمامها وبلاغها
ــــــــــــ[159]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
عليك.
حادي عشر: تكرار التلبية حالة الإحرام في وقت اليقظة من النوم وبعد كل صلاة، وعند الركوب على البعير والنزول منه. وعند كل علو وهبوط، وعند ملاقاة الراكب.
وفي الأسحار يستحب إكثارها، ولو كان جنباً أو حائضاً ولا يقطعها في عمرة التمتع إلى أن يشاهد بيوت مكة. وفي حج التمتع إلى زوال يوم عرفة.
ــــــــــــ[160]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (17) مكروهات الإحرام
وقال الفقهاء في مكرهات الإحرام:
أولاً: الإحرام في ثوب أسود، بل الأحوط استحباباً ترك ذلك، والأفضل الإحرام في ثوب أبيض.
ثانياً: النوم على الفراش الأصفر، وعلى الوسادة الصفراء.
ثالثاً: الإحرام في الثياب الوسخة، ولو أصابها الوسخ حال الإحرام، فالأولى أن لا يغسلها ما دام محرماً، ولا بأس بتبديلها.
رابعاً: الإحرام في ثياب مخططة.
خامساً: استعمال الحناء قبل الإحرام، إذا كان أثره باقياً إلى حين الإحرام.
سادساً: دخول الحمام، والأولى بل الأحوط أن لا يدلك المحرم جسده.
سابعاً: تلبية من يناديه، بل الأحوط ترك ذلك.
ــــــــــــ[161]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (18) مستحبات دخول الحرم المكي
قالوا: يستحب في دخول الحرم المكي عدة أمور:
أولاً: النزول عن المركوب عند وصوله الحرم.
ثانياً: الغسل لدخول الحرم.
ثالثاً: خلع نعليه عند دخوله الحرم، وأخذها بيده تواضعاً وخشوعاً لله سبحانه.
رابعاً: أن يدعو بهذا الدعاء عند دخول الحرم:
“اللهم إنك قلت في كتابك وقولك الحق: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق. اللهم إني أرجو أن أكون ممن أجاب دعوتك. قد جئت من شقة بعيدة وفج عميق سامعاً لندائك ومستجيباً لك مطيعاً لأمرك. وكل ذلك بفضلك عليّ وإحسانك إليّ. فلك الحمد على ما وفقتني له أبتغي بذلك الزلفى عندك والقربى إليك والمنزلة لديك والمغفرة لذنوبي والتوبة عليّ منها بمنك. اللهم صل على محمد وآل محمد وحرم بدني على النار وآمني من عذابك برحمتك يا أرحم الراحمين”.
خامساً: أن يمضغ شيئاً من الإذخر، عند دخوله الحرم وهو نبات طيب الرائحة.
ــــــــــــ[162]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (19) مستحبات وآداب دخول مكة المكرمة والمسجد الحرام
وقالوا في مستحبات وآداب دخول مكة المكرمة والمسجد الحرام:
إنه يستحب لمن أراد ان يدخل مكة المكرمة أن يغتسل قبل دخولها، وأن يدخلها بسكينة ووقار.
ويستحب لمن جاء عن طريق المدينة المنورة أن يدخل من أعلاها (يعني مكة) ويخرج من أسفلها.
ويستحب أن يكون حال دخول المسجد حافياً على سكينة ووقار، وخشوع. وأن يكون دخوله من باب بني شيبة، لأنه قيل في التاريخ: إن هبل بعد قلعه دفن تحت هذا الباب. فإذا دخله وطأ هبل تحت قدميه.
قالوا: وهذا الباب وإن جهل فعلاً من جهة توسعة المسجد، إلاّ أنه قال بعضهم: إنه كان بإزاء باب السلام فالأولى الدخول من باب السلام.
أقول: ذكرنا في (ما وراء الفقه)، أن هذا الباب موجود الآن على شكل قوس أو عقد مقابل مقام إبراهيم، قالوا: ثم يأتي مستقيماً إلى أن يتجاوز الأسطوانات.
ويستحب أن يقف على باب المسجد ويقول:
ــــــــــــ[163]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
“السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وما شاء الله، بسم الله وبالله ومن الله وما شاء الله، والسلام على أنبياء الله ورسله السلام على رسول الله والسلام على إبراهيم خليل الله والحمد لله رب العالمين”.
ثم يدخل المسجد متوجهاً إلى الكعبة رافعاً يديه إلى السماء ويقول:
“اللهم إني أسألك في مقامي هذا وفي أول مناسكي، أن تقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي وأن تضع عني وزري. الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام. اللهم أشهد أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمناً مباركاً وهدى للعالمين. اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك، جئت أطلب رحمتك وأؤمُّ طاعتك، مطيعاً لأمرك بقدرك. أسألك مسألة المضطر إليك الخائف لعقوبتك. اللهم افتح لي أبواب رحمتك واستعملني بطاعتك ومرضاتك.
وفي رواية أخرى: أنه يقف على باب المسجد ويقول: “بسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وما شاء الله، وعلى ملة رسول الله  وخير الأسماء لله والحمد لله والسلام على رسول الله السلام على محمد بن عبد الله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام على أنبياء الله ورسله السلام على إبراهيم خليل الرحمن السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد. وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم صل على محمد وآل محمد عبدك ورسولك، اللهم صل على إبراهيم
ــــــــــــ[164]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
خليلك وعلى أنبيائك ورسلك، وسلم عليهم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
اللهم افتح لي أبواب رحمتك واستعملني في طاعتك ومرضاتك واحفظني بحفظ الإيمان أبداً ما أبقيتني جل ثناء وجهك.
الحمد لله الذي جعلني من وفده وزواره، وجعلني ممن يعمر مساجده وجعلني ممن يناجيه. اللهم إني عبدك وزائرتك في بيتك، وعلى كل مأتي حق لمن أتاه وزاره، وأنت خير مأتي وأكرم مزور. فأسألك يا الله يا رحمن وبأنك أنت الله لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وبأنك واحد أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد وأن محمداَ عبدك ورسولك صلى الله عليه وعلى أهل بيته. يا جواد يا كريم يا ماجد يا جبار يا كريم أسألك أن تجعل تحفتك إياي بزيارتي إياك أول شيء تعطيني فكاك رقبتي من النار.
ثم يقول ثلاثاً: (اللهم فك رقبتي من النار).
ثم يقول: (وأوسع عليّ من رزقك الحلال الطيب وادرأ عني شر شياطين الجن والإنس، وشر فسقة العرب والعجم).
ويستحب أنه عندما يحاذي الحجر الأسود أن يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت واللات والعزى وبعبادة الشيطان وبعبادة كل ندّ يدعى من دون الله.
ثم يذهب إلى الحجر الأسود ويمسكه ويقول: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولاً أن هدانا الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر. الله أكبر من خلقه والله أكبر مما أخشى وأحذر. لا إله إلاّ الله وحده لا
ــــــــــــ[165]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
شريك له. له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير).
ويصلي على محمد وآل محمد ويسلم على الأنبياء كما كان يصلي ويسلم عند دخوله المسجد الحرام ثم يقول: إني أؤمن بوعدك وأوفِ بعهدك.
قالوا: وفي رواية صحيحة عن أبي عبد الله : إذا دنوت من الحجر الأسود فارفع يديك واحمد الله وأثن عليه وصلّ على النبي واسأل الله يتقبل منك. ثم استلم الحجر وقبله فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك فإن لم تستطع أن تستلمه بيدك. فأشر إليه، وقل:
(اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد في بالموافاة. اللهم تصديقاً بكتابك وعلى سنة نبيك صلواتك عليه وآله أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت واللات والعزى وعبادة الشيطان وعبادة كل ندّ يدعى من دون الله تعالى).
فإن لم تستطع أن تقول هذا، فبعضه، وقل:
(اللهم إليك بسطت يدي، وفيما عندك عظمت رغبتي، فاقبل سبحتي، واغفر لي وارحمني. اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة).
ــــــــــــ[166]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (20) في آداب الطواف
وقالوا في آداب الطواف أن تقول خلاله:
(اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء كما يمشى به على جدد الأرض. أسألك باسمك الذي يهتز له عرشك، واسألك باسمك الذي تهتز له أقدام ملائكتك، وأسألك باسمك الذي دعاك به موسى من جانب الطور الأيمن فاستجبت له وألقيت عليه محبة منك، وأسألك باسمك الذي غفرت به لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأتممت نعمتك عليه. ان تفعل بي كذا وكذا. وتطلب حاجتك).
وكلما انتهيت إلى باب الكعبة، فصلِّ على محمد وآل محمد.
وتقول فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود:
“ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.
وقل في الطواف: اللهم إني إليك فقير، وإني خائف مستجير، فلا تغير جسمي ولا تبدل اسمي.
وعن أبي عبد الله ، قال: “كان علي بن الحسين  إذا بلغ الحجر قبل أن يبلغ الميزاب يرفع رأسه وهو ينظر إلى الميزاب: اللهم أدخلني الجنة برحمتك وأجرني برحمتك من النار. وعافني من السقم وأوسع عليّ من الرزق الحلال وادرأ عني شر فسقة الجن والإنس وشر فسقة العرب والعجم”.
وفي الصحيح عن أبي عبد الله (ع): “أنه لما انتهى إلى ظهر الكعبة حين
ــــــــــــ[167]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يجوز الحجر قال: يا ذا المن والطول والجود والكرم إن عملي ضعيف فضاعفه لي وتقبله مني إنك أنت السميع العليم”.
وعن أبي الحسن الرضا  “أنه صار بحذاء الركن اليماني أقام (يعني وقف ولم يستمر بالطواف) فرفع يديه ثم قال: يا الله يا ولي العافية وخالق العافية ورازق العافية والمتمم بالعافية والمنان بالعافية والمتفضل بالعافية عليّ وعلى جميع خلقك. يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، صلّ على محمد وآل محمد، وارزقنا العافية ودوام العافية وتمام العافية وشكر العافية في الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين”.
وعن أبي عبد الله : “إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل، فابسط يديك على البيت والصق بدنك وخدك بالبيت. وقل: اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مكان العائذ بك من النار. ثم أقر لربك بما عملت فإنه ليس من عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه في هذا المكان إلاّ غفر الله له إن شاء الله.
وتقول: اللهم من قبلك الروح والفرج والعافية. اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي واغفر لي ما اطلعت عليه مني وخفي على خلقك.
ثم تستجير بالله من النار، وتخير لنفسك من الدعاء. ثم استلم الركن اليماني.
وفي رواية أخرى عنه : “ثم استقبل الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود واختم به. وتقول: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني”.
ويستحب للطائف في كل شوط أن يستلم الأركان كلها. وأن يقول عند استلام الحجر الأسود: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة.
ــــــــــــ[168]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (21) في آداب صلاة الطواف
وقالوا في آداب صلاة الطواف ومستحباتها زيادة على مستحبات الصلوات الاعتيادية:
إنه يستحب في صلاة الطواف أن يقرأ بعد الفاتحة سورة التوحيد في الركعة الأولى وسورة الجحد في الركعة الثانية. فإذا فرغ من صلاته حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وآل محمد، وطلب من الله تعالى أن يتقبل منه.
وعن الصادق : “انه سجد بعد ركعتي الطواف وقال في سجوده: سجد وجهي لك تعبداً ورقاً لا إله إلاَّ أنت حقاً حقاً. الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء. وها أنا ذا بين يديك ناصيتي بيدك واغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم غيرك فاغفر لي فإني مقر بذنوبي على نفسي ولا يدفع الذنب العظيم غيرك”.
ويستحب أن يشرب من ماء (زمزم) قبل أن يخرج إلى الصفا ويقول: اللهم اجعله علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء وسقم.
وإن أمكنه أتى (زمزم) بعد صلاة الطواف وأخذ منه ذنوباً أو ذنوبين فيشرب منه ويصب الماء على رأسه وظهره وبطنه ويقول: اللهم اجعله علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء وسقم.
ثم يأتي الحجر الأسود، فيخرج منه إلى الصفا.
ــــــــــــ[169]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (22) في آداب السعي
قالوا: يستحب الخروج إلى (الصفا) من الباب الذي يقابل الحجر الأسود على سكينة ووقار وخشوع.
فإذا صعد على الصفا نظر إلى الكعبة وتوجه إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود وحمد الله وأثنى عليه وتذكر آلاء الله ونعمه. ثم يقول: الله أكبر سبع مرات. الحمد لله سبع مرات. لا إله إلاَّ الله سبع مرات. ثم يقول ثلاث مرات: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ثم يصلي على محمد وآل محمد. ثم يقول ثلاث مرات: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا والحمد لله الحي القيوم والحمد لله الدائم.
ثم يقول ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لا نعبد إلاَّ إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركين.
ثم يقول ثلاث مرات: اللهم إني أسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة.
ثم يقول ثلاث مرات: اللهمَّ آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
ثم يقول: الله أكبر مائة مرة. ولا إله إلاَّ الله مائة مرة. والحمد لله مائة مرة. وسبحانه الله مائة مرة. ثم يقول: لا إله إلاَّ الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده. فله الملك وله الحمد وحده وحده: اللهم بارك لي في الموت وفيما بعد الموت. اللهم إني أعوذ بك من ظلمة القبر
ــــــــــــ[170]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ووحشته. اللهم أظلني في ظل عرشك يوم لا ظل إلاَّ ظلك.
ويستودع الله دينه ونفسه وأهله كثيراً، فيقول: استودع الله الرحمن الرحيم الذي لا تضيع ودائعه ديني ونفسي وأهلي. اللهم استعملني على كتابك وسنة نبيك وتوفني على ملته، واهدني من الفتنة.
ثم يقول: الله أكبر ثلاثاً ثم يعيدها مرتين ثم يكبر واحدة ثم يعيدها على هذا النسق أيضاً فإن لم يستطع هذا فبعضه.
وعن أمير المؤمنين (ع): أنه إذا صعد الصفا استقبل الكعبة، ثم يرفع رأسه ثم يقول:
“اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته قط، فإن عدت فعد عليّ بالمغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم. اللهم افعل بي ما أنت أهله، فإنك إن تفعل بي ما أنت أهله ترحمني وإن تعذبني فأنت غني عن عذابي وأنا محتاج إلى رحمتك. فيا من أنا محتاج إلى رحمته ارحمني. اللهم لا تفعل بي ما أنا أهله فإنك إن تفعل بي ما أنا أهله تعذبني ولم تظلمني. أصبحت أتقي عدلك ولا أخاف جورك فيا من هو عدل لا يجور ارحمني”.
وعن أبي عبد الله (ع): “إن أردت أن يكثر مالك، فأكثر من الوقوف على الصفا”.
ويستحب أن يسعى ماشياً، بل هو أحوط. وأن يمشي على سكينة ووقار، حتى يأتي محل المنارة الأولى، فيهرول إلى محل المنارة الأخرى. ثم يمشي مع سكينة ووقار حتى يصعد على المروة، فيصنع عليها كما صنع على الصفا. ويرجع عن المروة إلى الصفا على هذا النهج أيضاً. وإذا كان راكباً أسرع فيما بين المنارتين.
وينبغي أن يجدّ في البكاء ويدعو الله كثيراً، ولا هرولة على النساء.
ــــــــــــ[171]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (23) في مستحبات وآداب إحرام الحج
وقالوا في آداب ومستحبات إحرام الحج: إن ما تقدم من الآداب في إحرام العمرة يجري في إحرام الحج أيضاً.
فإذا أحرم للحج وخرج من مكة، يلبي في طريقه غير رافع صوته. حتى إذا أشرف على الأبطح رفع صوته، فإذا توجه إلى منى قال: (اللهم إياك أرجو وإياك أدعو فبلغني أملي وأصلح لي عملي).
ثم يذهب إلى منى بسكينة ووقار وخشوع مشتغلاً بذكر الله سبحانه. فإذا وصل إليها قال: (الحمد لله الذي أقدمنيها صالحاً في عافية، بلغني هذا المكان). ثم يقول: (اللهم هذه منى وهي ما مننت به علينا من المناسك. فأسألك أن تمن عليّ بما مننت به على أنبيائك، فإنما أنا عبدك وفي قبضتك).
ويستحب له المبيت في منى ليلة عرفة يقضيها في طاعة الله تبارك وتعالى. والأفضل أن تكون عباداته ولا سيما صلواته في مسجد الخيف. فإذا صلى الفجر عقب إلى طلوع الشمس. ثم يذهب إلى عرفات ولا بأس بخروجه بعد طلوع الفجر. بل الأحوط أن لا يتجاوز (وادي محسر) قبل طلوع الشمس. ويكره خروجه منها قبل الفجر.
وذهب بعضهم إلى عدم جوازه إلاَّ لضرورة كمرض أو خوف من الزحام.
فإذا توجه إلى عرفات، قال: (اللهم إليك صمدت، وإياك اعتمدت، ووجهك أردت، فأسألك أن تبارك لي في رحلتي، وأن تقضي لي حاجتي وأن تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني). ثم يلبي إلى أن يصل إلى عرفات.
ــــــــــــ[172]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (24) في مستحبات وآداب الوقوف بعرفات
وقالوا في آداب ومستحبات الوقوف بعرفات: إنه يستحب في الوقوف بعرفات أمور كثيرة نذكر بعضها:
أولاً: الطهارة حال الوقوف. بمعنى استمرار الكون على الطهارة خلال مدة الوقوف المطلوب شرعاً وهو من الزوال إلى الغروب، من اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام.
ثانياً: الغسل عند الزوال.
ثالثاً: التفرغ للدعاء والتوجه إلى الله سبحانه.
رابعاً: الوقوف بسفح الجبل في ميسرته، إي في جانب اليسار منه عند الإقبال عليه والذهاب إليه.
ولابد من الانتباه إلى أن الفقهاء يريدون من الوقوف هنا مجرد الكون والوجود في المكان والزمان المعنيين، لا الوقوف الفعلي.
خامساً: الجمع بين صلاتي الظهرين بأذان وإقامتين.
سادساً: الدعاء بما تيسر من المأثور وغيره والمأثور أفضل أكيداً. وهي أدعية عديدة، ومنها ما هو مطول وتقرأ كلها ما بين الزوال إلى المغرب وليس قبل ذلك ولا بعده.
ــــــــــــ[173]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فمن ذلك: دعاء الإمام الحسين  يوم عرفة، ومنها دعاء ولده السجاد زين العابدين  بنفس المناسبة. وهما دعاءان جليلان ومطولان ويحتويان على مضامين عالية جداً في التضرع إلى الله سبحانه وعلى مستوى بلاغي ولغوي شامخ. إلاَّ أننا هنا لا يسعنا إيرادهما للزوم التطويل، فليرجع بها القارئ إلى مصادرهما.
وإنما نشير إلى قسم من دعاء الإمام الحسين  فإن فيه فوائد إضافية. وذلك أنه روى بشر وبشير ابنا غالب الأسدي قالا: كنا مع الحسين بن علي عشية عرفة، فخرج  من فسطاطه متذللاً خاشعاً، فجعل يمشي هوناً هوناً حتى وقف هو وجماعة من أهل بيته وولده ومواليه في ميسرة الجبل، مستقبل البيت، ثم رفع يديه تلقاء وجهه كاستطعام المسكين ثم قال: الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ولا لعطائه مانع ولا كصنعه صنع صانع. إلى آخر الدعاء وزاد فيه السيد ابن طاووس في الإقبال هذه الزيادة:
“إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري. إلهي أن الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي. إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك، منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاء واليأس منك في بلاء. إلهي مني ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك. الهي وصفت نفسك باللطف والرأفة لي قبل وجود ضعفي، افتمنعني منهما بعد وجود ضعفي؟!
إلهي إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة عليّ. وإن ظهرت المساوئ مني فبعدك ولك الحجة عليّ إلهي كيف تكلني وقد تكفلت لي، وكيف أضام وأنت الناصر لي أم كيف أخيب وأنت الحفيّ بي. ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك. أم كيف
ــــــــــــ[174]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أشكو إليك حالي وهو لا يخفي عليك. أم كيف أترجم بمقالي وهو منك برز إليك. أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك، أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت؟!
إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي. وما أرحمك بي مع قبيح فعلي. إلهي ما أقربك مني وأبعدني عنك، وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك؟!
إلهي علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلي في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء. إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، وكلما آيستني أوصافي أطعمتني مننك. إلهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لا تكون مساويه مساوي. ومن كانت حقائقه دعاوى فكيف لا تكون دعاوية دعاوي؟!
إلهي حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً ولا لذي حال حالاً. إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك بل أقالني عنها فضلك. إلهي إنك تعلم إني وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً جزماً فقد دامت محبة وعزماً. إلهي كيف أعزم وأنت القاهر وكيف أعزم وأنت الآمر؟!
إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار. فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك. كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك. عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً.
إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية
ــــــــــــ[175]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الاستبصار. حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها. إنك على كل شيء قدير.
إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك. وهذا حالي لا يخفى عليك. منك أطلب الوصول إليك، وبك استدل عليك، فأهدني بنورك إليك وأقمعني بصدق العبودية بين يديك. إلهي علمني من علمك المخزون وصني بسترك المصون. إلهي حققني بحقائق أهل القرب واسلك بي مسلك أهل الجذب. إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري.
إلهي أخرجني من ذل نفسي وطهرني من شكي وشركي قبل حلول رمسي. بك أنتصر فانصرفي، وعليك أتوكل فلا تكلني. وإياك اسأل فلا تخيبني. وفي فضلك أرغب فلا تحرمني. وبجانبك أنتسب فلا تبعدني. وببابك أقف فلا تطردني.
إلهي تقدس رضاك أن يكون له علة منك، فكيف يكون له علة مني، إلهي أنت الغني بذاتك أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنياً عني. إلهي إن القضاء والقدر يمنيني وإن الهوى بوثائق الشهوة أسرني. فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتبصرني، وأغنني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي. أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك. وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجئوا إلى غيرك. أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم. وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم.
ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك. لقد خاب من رضي دونك
ــــــــــــ[176]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحولاً. كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان. وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟!
يا من أذاق أحباءه حلاوة المؤانسة، فقاوموا بين يديه متملقين. ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين. أنت الذاكر قبل الذاكرين، وأنت البادي بالإحسان قبل توجه العابدين وأنت الجواد بالعطاء قبل طلب الطالبين. وأنت الوهاب ثم لما وهبت لنا من المستقرضين.
إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك واجذبني بمنك حتى أقبل عليك ألهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك، كما إن خوفي لا يزايلني وإن أطعتك. فقد دفعتني العوالم إليك، وقد أوقعني علمي بكرمك عليك.
إلهي كيف أخيب وأنت أملي، أم كيف أهان وعليك متكلي. إلهي كيف أستعز وفي الذلة أركزتني. أم كيف لا استعز وإليك نسبتي. إلهي كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقراء أقمتني. أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني.
وأنت الذي لا إله غيرك تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء. وأنت الذي تعرفت إلي في كل شيء. فرأيتك ظاهراً في كل شيء وأنت الظاهر لكل شيء.
يا من استوى برحمانيته، فصار العرش غيباً في ذاته. محقت الآثار بالآثار ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. يا من احتجب في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الاستواء. كيف تخفي وأنت الظاهر، أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر، إنك على كل شيء قدير والحمد لله وحده”.
وليكن أيضاً مما تقول في عرفات:
ــــــــــــ[177]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
(اللهم رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار، وأوسع عليّ من رزقك الحلال ادرأ عني شر فسقة الجن والإنس).
وتقول: (اللهم لا تمكر بي ولا تخدعني ولا تستدرجني).
وتقول: (اللهم إني أسألك بحولك وجودك وكرمك وفضلك ومنّك، يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين. أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا. وتطلب حاجتك).
وليكن فيما تقول وأنت رافع رأسك إلى السماء. (اللهم حاجتي إليك التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار).
وليكن فيما تقول: (اللهم إني عبدك وملك يدك ناصيتي بيدك وأجلي بعلمك. أسألك أن توفقني لما يرضيك عني وأن تسلم مني مناسكي التي أريتها خليلك إبراهيم ودللت عليها نبيك محمداً ).
وليكن فيما تقول: (اللهم اجعلني ممن رضيت عمله وأطلت عمره وأحييته بعد الموت حياة طيبة).
ومن الأدعية المأثورة أن تقول: “لا إله إلاَّ الله وحده ولا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
اللهم لك الحمد كما تقول وخيراً مما يقول القائلون. اللهم لك صلاتي وديني ومحياي ومماتي ولك تراثي وبك حولي ومنك قوتي. اللهم إني أعوذ بك من الفقر ومن وسواس الصدر ومن شتات الأمر ومن عذاب
ــــــــــــ[178]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
القبر. اللهم إني أسألك من خير ما تأتي به الرياح وأعوذ بك من شر ما تأتي به الرياح وأسألك خير الليل والنهار”.
ومما روي أن رسول الله  وقف بعرفات فلما همت الشمس أن تغيب قبل أن يندفع قال: “اللهم إني أعوذ بك من الفقر ومن تشتت الأمر ومن شر ما يحدث بالليل والنهار. أمسى ظلمي مستجيراً بعفوك وأمسى خوفي مستجيراً بأمانك، وأمست ذنوبي مستجيرةً بمغفرتك، وأمسى ذلِّي مستجيراً بعزك، وأمسى وجهي الفاني البالي مستجيراً بوجهك الباقي. يا خير من سئل ويا أجود من أعطى، جللني برحمتك وألبسني عافيتك واصرف عني شر جميع خلقك”.
وإذا غربت الشمس يوم عرفة فقل:
“اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه من قابل أبداً ما أبقيتني وأقبلني اليوم مفلحاً منجحاً مستجاباً لي مرحوماً مغفوراً لي بأفضل ما ينقلب يه اليوم أحد من وفدك وبيتك الحرام. واجعلني اليوم من أكرم وفدك عليك. وأعطني أفضل ما أعطيت أحداً منهم من الخير والبركة والرحمة والرضوان والمغفرة. وبارك لي فيما أرجع إليه من أهلٍ أو مالٍ أو قليلٍ أو كثيرٍ وبارك لهم فيَّ”.
ــــــــــــ[179]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (25) في آداب ومستحبات الوقوف بالمشعر الحرام
وقالوا في آداب ومستحبات الوقوف بالمشعر الحرام: إنها كثيرة نذكر بعضها:
أولاً: الإفاضة من عرفات على سكينة ووقار مستغفراً فإذا انتهى إلى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق، قال: اللهم ارحم موقفي وزد في عملي وسلم لي ديني وتقبل مناسكي.
ثانياً: الاقتصاد في السير وهو البطء فيه.
ثالثاً: تأخير العشاءين إلى المزدلفة والجمع بينهما. بأذان واحد وإقامتين وإن ذهب ثلث الليل.
رابعاً: نزول بطن الوادي عن يمين الطريق قريباً من المشعر.
خامساً: يستحب للضرورة أن يطأ المشعر برجله يعني: بحيث تمسُ الأرض قدمه.
سادساً: إحياء تلك الليلة بالعبادة والدعاء بالمأثور وغيره.
ومن المأثور ان تقول: “اللهم هذه جمع. اللهم إني أسألك أن تجمع لي فيها جوامع الخير. اللهم لا تؤيسني من الخير الذي سألتك أن تجمعه لي في
ــــــــــــ[180]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
قلبي وأطلب إليك أن تعرفني ما عرفت أولياءك في منزلي هذا وأن تقيني جوامع الشر”.
سابعاً: أن يصبح فجراً على طهر فيصلي الغداة، ويحمد الله ويثني عليه ويذكر من آلائه ما قدر عليه ويصلي على النبي وآله. ويقول: “اللهم رب المشعر الحرام فك رقبتي من النار وأوسع عليّ من رزقك الحلال، وادرأ عني شر فسقة الجن والإنس.
اللهم أنت خير مطلوب إليه وخير مدعو وخير مسؤول. ولكل وافد جائزة فاجعل جائزتي في موطني هذا أن تقيلني عثرتي وتقبل معذرتي وأن تجاوز عني خطيئتي ثم اجعل التقوى من الدنيا زادي”.
ثامناً: التقاط حصى الجمار من المزدلفة وعددها سبعون. بل ينبغي أن تكون أكثر احتياطاً لمواطن الشك.
تاسعاً: السعي في وادي محسر مائة خطوة. ويقول:
(اللهم سلم لي عهدي واقبل توبتي واجب دعوتي واخلفني بخير في من تركت بعدي).
ــــــــــــ[181]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (26) آداب ومستحبات رمي الجمرات
وقالوا في آداب ومستحبات رمي الجمرات:
أولاً: أن يكون على طهارة حال الرمي.
ثانياً: ان يقول إذا أخذ الحصيات بيده: (اللهم هؤلاء حصياتي فأحصهن لي وارفعهن في عملي).
ثالثاً: أن يكون الحصى برشاً رخوة بقدر الأنملة كحليَّة منقَّطة ملتقطة يعني: منقاة.
ويكره أن تكون صلبة أو مكسورة.
رابعاً: أن يقول عند كل رمية: (الله أكبر اللهم ادحر عني الشيطان. اللهم تصديقاً بكتابك وعلى سنّة نبيك. اللهم اجعله لي حجاً مبروراً وعملاً مقبولاً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً).
والظاهر أن مرادهم من (كل رمية) رمي السبع حصيات. وليس كل حصاة.
خامساً: أن يقف الرامي على بعد من جمرة العقبة بعشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعاً.
سادساً: أن يرمي جمرة العقبة متوجهاً إليها مستدبر القبلة، ويرمي الجمرتين الأولى والوسطى مستقبل القبلة.
سابعاً: أن يضع الحصاة على إبهامه ويدفعها بظفر السبابة.
ثامناً: أن يقول إذا رجع إلى منزله من منى: (اللهم بك وثقت وعليك توكلت فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير).
ــــــــــــ[182]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (27) في مستحبات الهدي
وقالوا: في مستحبات الهدي أمور، منها:
أولاً: أن يكون بدنة أو بقرة، وإلاَّ فكبشاً فحلاً.
ثانياً: أن تكون سمينة، تنظر في سواد وتبرك في سواد وتمشي في سواد، أي يكون لها ظل تمشي فيه. وقيل: أن يكون هذه المواضع منها سواداً.
ثالثاً: أن تكون الأضحية مما عرف به، يعني أحضر بعرفات في عشية عرفة، خلال موقفها.
رابعاً: أن يقول عند الذبح أو النحر: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له بذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم منك ولك بسم الله والله أكبر. اللهم تقبل مني.
خامساً: أن يباشر الذبح بنفسه. فإن لم يتمكن فليضع السكين بيده ويقبض على يد الذابح عند الذبح وإلا فليشهد ذبحه.
سادساً: أن يقسم الهدي أثلاثاً: يأكل ثلثه ويتصدق بثلثه، ويهدي ثلثه. وقيل يجب الأكل منه، وهو الأحوط استحباباً.
سابعاً: أن يكره التضحية بالجاموس وبالثور وبالموجوء وهو من سلت خصيته.
ــــــــــــ[183]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (28) في مستحبات الحلق
وقالوا: في مستحبات الحلق:
أولاً: أن يبتدي فيه من الطرف الأيمن.
ثانياً: أن يقول عند الحلق: (اللهم أعطني بكل شعرة نوراً يوم القيامة).
ثالثاً: أن يدفن شعره في خيمته في منى، فإن حلق في خارج منى اضطراراً أرسله ليدفن في منى.
رابعاً: أن يأخذ من لحيته وشاربه ويقلم أظفاره بعد الحلق.
ــــــــــــ[184]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (29) آداب ومستحبات البقاء في مكة
وقالوا: في آداب ومستحبات البقاء في مكة المكرمة:
أولاً: الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن.
ثانياً: ختم القرآن فيها. والظاهر أن مرادهم قراءة القرآن كله. لا مجرد
الانتهاء منه لو كان قد قرأ قبل ذلك.
ثالثاً: الشرب من ماء زمزم. ثم يقول: (اللهم اجعله علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء وسقم. ثم يقول: بسم الله وبالله والشكر لله).
رابعاً: الإكثار من النظر إلى الكعبة.
خامساً: الطواف حول الكعبة عشر مرات، يعني في كل مرة طواف متكون من سبعة أشواط. فيكون المجموع سبعين شوطاً. ثلاثة في أول الليل وثلاثة في آخره وطوفان بعد الفجر وطوفان بعد الظهر.
أقول: ويمكن أن يحسب الطواف الواجب من هذا العدد، وإن كان الأفضل خلافه.
سادساً: أن يطوف أيام إقامته في مكة ثلاثة وستين طوافاً. وظاهر كلام الفقهاء أنه لا تحسب العشرة المشار إليها من ضمن ذلك. وإن كان الصحيح إمكان التداخل أي حسابها من ضمنها وإن كان الفضل خلافه.
ــــــــــــ[185]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
قالوا: فإن لم يتمكن فاثنين وخمسين طوافاً، فإن لم يتمكن أتى بما قدر عليه.
سابعاً: دخول الكعبة للصرورة.
ثامناً: أنه يستحب أن يغتسل قبل دخوله مكة. وأن يقول عند دخوله: اللهم إنك قلت: ومن دخله كان آمناً فآمني عذاب النار.
تاسعاً: ان يصلي ركعتين بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء (من المسجد الحرام) يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة حم السجدة، وفي الثانية بعد الفاتحة خمساً وخمسين آية.
عاشراً: أن يصلي في كل زاوية من زوايا البيت. ويقول بعد الصلاة:
“اللهم من تهيأ أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته ونوافله وفواضله، فإليك يا سيدي تهيئتي وتعبيتي وإعدادي واستعدادي، رجاء رفدك ونوافلك وجائزتك. فلا تخيب اليوم رجائي.
يا من لا يخيب عليه سائل ولا ينقصه نائل. فإني لم آتك اليوم ثقة بعمل صالح قدمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته. ولكني أتيتك مقراً بالظلم والإساءة على نفسي، فإنه لا حاجة لي ولا عذر.
فأسألك يا من هو كذلك، ان تصلي على محمد وآله، وتعطيني مسألتي وتقبلني برغبتي، ولا تردني مجبوهاً ممنوعاً ولا خائباً. يا عظيم يا عظيم. أرجوك للعظيم. أسألك يا عظيم ان تغفر لي الذنب العظيم. لا إله إلاَّ أنت”.
حادي عشر: يستحب التكبير ثلاثاً عند خروجه من الكعبة.
وأن يقول: (اللهم لا تجهد بلاءنا، ربنا ولا تشمت بنا أعداءنا. فإنك أنت الضار النافع).
ــــــــــــ[186]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (30) في آداب الخروج من مكة المكرمة
وقالوا: إنه يستحب لمن أراد الخروج من مكة أن يطوف طواف الوداع. وأن يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل شوط، وأن يلتزم المستجار كما سبق ويدعو الله بما شاء.
ثم يستلم الحجر الأسود ويلصق بطنه بالبيت، ويضع إحدى يديه على الحجر والأخرى نحو الباب. ثم يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي وآله ثم يقول:
(اللهم صلّ على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك وحبيبك ونجبيك وخيرتك من خلقك. اللهم كما بلّغ رسالاتك وجاهد في سبيلك وصدع بأمرك وأوذي في جنبك، وعبدك حتى أتاه اليقين. اللهم اقبلني مفلحاً منجحاً مستجاباً لي بأفضل ما يرجع أحد ولديه من المغفرة والبركة والرحمة والرضوان والعاقبة).
ويستحب له الخروج من باب الحناطين. ويقع قبال الركن الشامي ويطلب من الله التوفيق لرجوعه من أخرى. ويستحب أن يشتري عند الخروج مقدار درهم من التمر، ويتصدق به على الفقراء.
ــــــــــــ[187]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (31) في آداب المدينة المنورة
قالوا: يستحب للحاج استحباباً مؤكداً أن يكون رجوعه عن طريق المدينة المنورة ليزور الرسول الأعظم . والصديقة الزهراء الطاهرة ، وأئمة البقيع سلام الله عليهم أجمعين. هذا إذا لم يكن قد زارهم قبل البدء بالحج. والتكرار قبل الحج وبعده أفضل.
وتستحب المجاورة بالمدينة المنورة والغسل عند دخولها. وتستحب الصلاة بين القبر والمنبر وهو الروضة.
والمدينة المنورة من ناحية استحباب المجاورة مخالفة لمكة المكرمة، فإنه يكره فيها ذلك. وقالوا إنه يورث قسوة القلب. وكذلك وردت بعض الروايات التي تقول إنها هي المقصودة من الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا المشار إليها في القرآن الكريم.
ويستحب أن يصوم الإنسان بالمدينة ثلاثة أيام للحاجة. ويستحب أن يصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة. وفي ليلة الخميس عند الأسطوانة التي تلي مقام رسول الله (ص).
ويستحب له أن يأتي المساجد بالمدينة، كمسجد الأحزاب ومسجد الفتح ومسجد الفضيخ. وقبور الشهداء بأحد. خصوصاً قبر حمزة سيد الشهداء .
ــــــــــــ[188]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ويكون النوم في المساجد. وتتأكد الكراهة في مسجد النبي .
قالوا: ويستحب النزول بالمعرس عن طريق المدينة وصلاة ركعتين فيه.
أقول: والمقصود من أئمة البقيع المشار إليهم: أربعة من الأئمة المعصومين المدفونين في تلك المقبرة العامة في المدينة. وهم الإمام الحسن البسط ، والإمام علي بن الحسين زين العابدين ، والإمام محمد بن علي الباقر  والإمام جعفر بن محمد الصادق . ويستحب الغسل لزيارتهم وهو من الأغسال المستحبة المجزئة عن الوضوء.
ــــــــــــ[189]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ــــــــــــ[190]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــــــــــــ[191]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ــــــــــــ[192]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتخذان معنى مشتركاً. باعتبار أنه من الناحية العرفية والمتشرعية، يكون ترك الواجب حراماً وترك الحرام واجباً.
أو قل: إن ترك المعروف منكر وترك المنكر معروف. وإن لم يكن كذلك بالدقة العقلية. كما ذكرنا ذلك في (ما وراء الفقه). وقد سمينا هذا المعنى المشترك هناك بوظيفة الهداية.
والمهم هنا هو أن هذه الوظيفة خالية التعرض أو مطلقة من حيث ثلاثة أمور: الأمر بالمعروف والمأمور بالمعروف ومحتوى الأمر نفسه. مضافاً إلى أمور أخرى خارج ذلك نسبياً وهو فعل المأمور الذي سبب ذلك الأمر، والمصلحة التي اكتنفت ذلك الحال، والمستوى الذي صدر منه ذلك الأمر.
فمن ناحية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يمكن أن نفهمه من مستويات متعددة:
أولاً: الله سبحانه وتعالى في هدايته التكوينية والتشريعية لخلقه.
ثانياً: الأنبياء عموماً في أدائهم لوظيفتهم النبوية أو الرسالية.
ثالثاً: الأوصياء عموما في أدائهم لوظائفهم أيضاً.
ــــــــــــ[193]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
رابعاً: نبي الإسلام كذلك .
خامساً: الأئمة المعصومون سلام الله عليهم.
سادساً: الفقهاء العاملون جيلاً بعد جيل من أجيال الإسلام.
سابعاً: المؤلفون لكتب الهداية الدينية بغض النظر عن موضوعها سواء كان تاريخياً أو فقهياً أو تفسيراً أو حديثاً أو غيرها.
ثامناً: أي آمر بالمعروف أو ناه عن المنكر في حوادث جزئية مشتتة. وهو الفهم التقليدي له.
تاسعاً: أي شهير أو أمير أو مدير خطرت في ذهنه فكرة راجحة دينياً وإنسانياً، فطبقها على فرد أو جماعة.
عاشراً: العقل، باعتبار ما ورد أنه نبي من الداخل.
حادي عشر: الإلهام لأولئك الصفوة من المقربين الذين يشعرون به.
ثاني عشر: جبرائيل سلام الله عليه، بصفته محدثاً للنبي  وغيره.
ثالث عشر: أي شيء من الخلق بصفته مصدراً للعبرة والهداية، طبقاً لقوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ. غير أن الأمر هنا إنما هو بلسان الحال لا بلسان المقال.
لا يختلف في ذلك أرض عن سماء وحيوان عن جمادٍ. كما قال الشاعر:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
ــــــــــــ[194]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
رابع عشر: أعداء الله وأعداء رسوله فقد يكونون سبباً من حيث لا يعلمون للهداية والتفات الفرد إلى بعض الأفكار المهمة التي لم يكن ملتفتاً إليها، أو سبباً لرسوخ العقيدة بعد أن كانت ضعيفة وهكذا.
ونستطع القول هنا إن الأمر هنا ضمني، وليس مطابقاً، لأن نواياهم لا يمكن أن تحمل على الصحة.
خامس عشر: البلاء الدنيوي، فإن أغلب حالاته، أنه موجب للهداية، والتفات الفرد -كما قلنا- إلى أفكار مهمة ونافعة.
واختلاف هذا عن سابقه أنه قد يتداخل معه فيما إذا كان أعداء الله هم سبب البلاء. وقد يختلفان فيما إذا كان البلاء وارداً بسبب آخر كالمرض والفقر. فهذه خمسة عشر مورداً، نستطيع أن نقول فيها أخلاقياً غنها مصاديق وتطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن الواضح عندئذ أن المأمور بالمعروف يختلف باختلاف هذه الموارد. فلكل آمر مأموره لا محالة. كما أن مضمون الأمر يختلف فقد يكون لهداية أو لحكم شرعي أو لحقيقة اجتماعية أو قرآنية أو غير ذلك.
بقي لنا الالتفات في هذا الصدد إلى أمرين لا يخلوان من أهمية، نذكرهما في الفقرتين الآتيتين:
ــــــــــــ[195]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (2) الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف
إن الأمر والنهي، كما قد يكون متعلقهما معروفاً وحقاً. فقد يكون متعلقهما منكراً وباطلاً. فيكون من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وقد ورد في بعض روايات الملاحم في أوصاف آخر الزمان: أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف بل سيصبح المعروف عندهم منكراً والمنكر معروفاً.
أقول: ولا يتعين أن يكون الآمر بالمنكر ملتفتاً إلى نتيجة كلامه، أي إلى كونه منكراً، بل لعله يراه حقاً. كما لم يكن يتعين في الآمر بالمعروف التفاته إلى ذلك أيضاً، كما لا يخفى على القارئ اللبيب.
من هنا يمكن أن نسلسل الأمر بالمنكر في عدة فقرات:
أولاً: الشيطان، فإنه بنص القرآن عدو بني آدم، ويأمر بالمنكر ويعد بالفقر، ويدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.
ثانياً: النفس الأمارة بالسوء، بما فيها من شهوات ونزوات وأطماع دنيوية ورخيصة. فإنها تأمر صاحبها بذلك، وتنهاه عما ينافي ذلك وإن كان حقاً صحيحاً.
ثالثاً: العقل حين يكون ضالاً منحرفاً، أو قل: عبداً للنفس الأمارة بالسوء، فيأمر طبقاً لأمرها وينهى طبقاً لنهيها.
رابعاً: حب الدنيا بصفته مؤيداً لكل تلك المواقف.
ــــــــــــ[196]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
خامساً: كل من أمرك بفعل سيء أو نهاك عن حسن، سواء علم بهذه الواقع أم لا.
سادساً: كل من أمرك بما يضرك في الدنيا أو في الآخرة. سواء علم بهذه الواقع أم لا. إذ قد تكون نيته حسنة من أجل نفعك. ولكن تؤول النتيجة إلى سوء.
إلى غير ذلك مما قد نعتبره أو نلتفت إليه من الوجوه. ولكل آمر مأموره كما سبق أن التفتنا إليه في الفقر السابقة.
إلاّ أننا ينبغي أن ننتبه إلى أن الآمرين بالمعروف أكثر عدداً من الآمرين بالمنكر بكثير. كما أنهم أقوى تأثيراً في الكون عامة، وإن كان التأثير الآخر أقوى اجتماعياً واقتصادياً في المجتمع البشري، طبقاً لما سبق أن قلناه من أن قوى الخير أقوى وأوسع بكثير في الكون من قوى الشر، غير أن قوى الشر أقوى وأوسع في المجتمع البشري المنظور.
ــــــــــــ[197]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (3) مستويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إننا ينبغي أن ننظر إلى مستويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنها تنقسم إلى عدة انقسامات:
أولاً: انقسامه إلى القلب واللسان واليد والسلاح.
ثانياً: انقسامه إلى الفعل والترك والمستحب والواجب ونحوهما.
ثالثاً: انقسامه إلى العالم الذي يقع فيه، هل هو عالم النفس أو العقل أو الروح أو عالم الدنيا المنظورة.
ومن الناحية النظرية يمكن ضرب هذه الانقسامات بعضها ببعض. فإذا رجحنا أن أقسام كل واحد منها أربعة كان 4 × 4 × 4 = 64 قسماً.
غير أنه يمكن النقاش في هذه النتيجة، من حيث عدم الحاجة إلى كل الأقسام. فعالم الروح مثلاً لا نحتاج فيه إلى السلاح وكذلك لا نحتاج فيه إلى النهي عن المحرمات أو ترك الواجبات. إلاّ مع إمكان فهم هذه الأمور على مستويات أعلى.
ولكن ينبغي هنا أن نشير إلى أهم الأقسام المتبقية، بدون أن يكون القصد هو الاستيعاب.
القسم الأول: ما يقع من الأمر والنهي والتوجيه والتعليم في هذا العالم
ــــــــــــ[198]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المنظور. بغض النظر عن مضمون الأمر والآمر والمأمور.
ولعلك ترى أن هذا هو القسم الوحيد الذي لا يوجد غيره وأن جميع الأوامر والنواهي إنما تقع في هذه الدنيا.
إلاّ أن الأمر ليس كذلك بالضبط. بل سنرى أن هذا القسم ليس له وجود لكونه مندرجاً في جملة من الأقسام الآتية. ولن يكون له وجود إلاّ في نظر الماديين الذين ينكرون النفس والروح. ولن يستطيعوا أن ينكروا العقل والتفكير.
ويكفي أن نلتفت هنا إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إن جملة من الأوامر التي نؤمن بوجودها أكيداً، إنما تحدث في غير هذا العالم. كما لو أمر الله عز وجل جبرائيل سلام الله عليه أو أمر ملك الموت أتباعه في قبض بعض الأرواح. كما في القرآن الكريم: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ.
الأمر الثاني: إن الأمر المسموع وإن كان حاصلاً في هذا العالم، إلاّ أننا ينبغي أن نرى كونه متجهاً إلى أي عالم. فإنه ليس متوجهاً إلى المادة الصماء، بل إلى النفس والعقل. وهو المخاطب بالكلام عموماً والأمر والنهي خصوصاً. وهو من عالم آخر غير عالم المادة.
إذن، فكل ما حصل من أمر ونهي، يكون المخاطب بها خارجاً عن هذا العالم. وإن كان صاحبه موجوداً فيه فعلاً. مضافاً إلى أمر آخر نذكره فيما يلي:
الأمر الثالث: إن الأمر والنهي لا محالة يراد بهما سد نقص حاصل للإنسان، إذ بدون وجود النص لا معنى للتوجيه والأمر والنهي. وهذا النقص
ــــــــــــ[199]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
لا محالة موجود في جزء من كيان الفرد إما في جسمه أو نفسه أو في عقله أو في روحه.
فالنقص الجسمي يكون موكلاً إلى كالطبيب يأمر فيه وينهى. والنقص العقلي أي الثقافي يكون موكلاً إلى الموجه والمربي. والنقص النفسي يكون موكلاً إلى نحو آخر من التوجيه يكون موجباً لسد ذلك النقص كطبيب النفسي من ناحية أو شكل من أشكال العزائم والأوراد. والنقص الروحي موكول إلى المربي الروحي والشيخ الموجه نحو التكامل المعنوي.
فليس في هذه التوجيهات العديدة ما هو متوجه أو متهم بالمادة إلا الطب الاعتيادي الذي يهتم بالجسد. ولكنه في نفس الوقت إنما يتكلم الطبيب مع المريض، أي مع إحساسه وشعوره وعقله، لا مع جسده الخالص.
مضافاً إلى أن المريض نفسه إنما يطلب التداوي لأجل النقص الذي يجده في نفسه لا النقص الموجود في جسده. لأنه إنما ينفر من الألم والضيق. فلو كان النقص الجسدي موجباً للفرح والاستبشار لما ركض الفرد وراء الطب. وكذلك لو وجد مصلحة معتد بها في مرضه عن صحته، وإن كان هذا نادراً على أي حال.
فإنما يرفض الفرد تجاه الطب والأطباء، لدفع ألمه النفسي وانزعاجه لا لألمه الجسدي وحده.
إذن، فهذا القسم مندرج في الأقسام الآتية، ولا يمكن أن يقوم وحده. وقد عرفنا الآن ضمناً جملة من التقريبات التي تدلنا على الأقسام الآتية. بحيث إن القارئ سيجد فيها تكراراً لما قلناه في هذا القسم، بالرغم من أن وجودها هناك ضروري، ووجودها هنا ضمني.
ــــــــــــ[200]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
القسم الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاعتياديان. سواء كان ذلك بالقلب، والذي ورد انه أقل الإيمان. أو باللسان أو باليد.
والمهم أنه يختلف القلبي عن غيره من عدة جهات:
الأولى: كون الجهة القلبية ما لم تبين باللسان لا تكون معروفة للآخرين ومن هنا يمكن القول: بأن هذا الأمر خال من المأمور لأن المأمور لا يمكن تعرفه عليه. أو في الحقيقة إنه أمر ونهي مجازيان.
الثانية: إنه ناتج من عدم وجود المصلحة للإظهار والبيان، وفي الأغلب من وجود المفسدة فيه، كظروف التقية والعسر والحرج. وبالتالي فالبيان يحتاج إلى شجاعة غير متوفرة لدى الفرد أحياناً، ومن هنا يقتصر على الشعور القلبي.
الثالثة: إن الجهة القلبية ضرورية الثبوت مع الإيمان وملازمة له، لوضوح أنه مع عدم استنكار المحرم أو ترك الواجب قلبياً. عندئذ يبدو ان لا يكون الإيمان ثابتاً إطلاقاً.
ــــــــــــ[201]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (4) الأقسام المعنوية للأمر بالمعروف
وهنا ندخل بذكر بعض الأقسام التي تقرب من الجانب الأخلاقي أو المعنوي. نذكرها بنفس الترقيم السابق:
القسم الثالث: الوحي النازل على نبي الإسلام  قرآناً أو غيره. والذي كان يعتبره  زاده في حياته وموجهه الرئيسي، وكان يحزن لتأخره وانقطاعه، إلى حد روي أنه حاول أن يلقي بنفسه من الجبل لانقطاع الوحي عنه فترة من الزمن.
القسم الرابع: الإلهام الوارد إلى الأولياء والمعصومين سلام الله عليهم.
وهو أيضاً زادهم في حياتهم وموجههم الرئيسي. وقد وردت في ذلك عدة مضامين من الروايات. من أن الإمام يزداد في كل ليلة قدر، ويزداد في كل ليلة جمعة وغيرها.
القسم الخامس: تربية المعصومين سلام الله عليهم للمجتمع المسلم، من النواحي التشريعية والتربوية والأخلاقية والثقافية. وقد قاموا بذلك ضمن تضحيات جلّى ومختلف المصاعب، حتى أدت بهم إلى الشهادة.
القسم السادس: التربية والتوجيه الاعتيادي لكل أبوين بالنسبة إلى أولادهم ذكوراً وإناثاً. ومن الواضح أنه من الواجب على كل أبوين أن يقوما بتربية أولادهما تربية صالحة. ولن يستطيعا أن يرفعا من مستوى أولادهما أكثر من
ــــــــــــ[202]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
مستواهما، ما لم يوفق الله تعالى البعض منهم إلى موجه أو معلم آخر.
القسم السابع: التربية والتوجيه العلمي أو العقلي من قبل أي مدرس إلى طلابه. وهو –عادة- يختص بمادة معينة. وكما قلت في الأبوين، لن يستطيع هذا المربي أن يرفع مستوى من يوجهه إلى ما هو أعلى من درجته نفسه، ولا يمكن لأي أحد ذلك، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
فيحتاج الطالب إذا أراد الخطوة العلمية التالية أن يبدل أستاذه ويتصل بمن هو أعلى منه.
القسم الثامن: المربي في اتجاه التكامل الروحي. وهو أيضاً لا يستطيع أن يتجاوز بالطالب أكثر من مستواه الذي هو فيه. غير أنه يختلف عن سابقه بعدة أمور:-
الأمر الأول: إن الدراسة في ذلك القسم خاصة بعلم معين أو حقل واحد من حقول الطبيعة أو المعرفة. وأما في هذا القسم فهو شامل للكيان الروحي والنفسي كله.
الأمر الثاني: إن هذا القسم قسم عملي وليس نظرياً، شأنه في ذلك شأن الصناعات اليدوية بالنسبة إلى العلوم النظرية، فإذا لم يفعل الطالب شيئاً لم يتقدم في مدارج الكمال.
الأمر الثالث: إن القسم السابق يخاطب العقل، أو قل إنه تعبير آخر عن مجموعة العلوم العقلية. في حين أن هذا القسم يخاطب الكيان المعنوي للإنسان ككل، جسماً ونفساً وعقلاً وروحاً.
الأمر الرابع: إن القسم السابق يوجب تكامل جانب واحد من الإنسان، وهو الثقافة العقلية، في حين ان هذا القسم مع حسن التوفيق فيه، فهو
ــــــــــــ[203]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
موجب لتكامل كل الذات.
الأمر الخامس: إن الهدف من القسم السابق محدد وهو معرفة واستيعاب علم محدد ونحو ذلك. في حين أن هذا القسم هدفه غير محدد بل هو يصعد في مدارج الكمال دائماً. والكمال لانهائي، فهو يستمر بالصعود، في مدارج رحمة الله سبحانه بلا انقطاع.
الأمر السادس: إن ما يستطيع أن يناله الفرد في القسم السابق هو من الرحمة العامة الموزعة بين كل الخلق، وإنما ينالها الفرد بمقدماتها العقلية.
وأما ما يستطيع أن يناله الفرد في العمل من هذا القسم فهو الرحمة الخاصة التي لا تنال عادة إلاَّ من المتكاملين من الناس.
ــــــــــــ[204]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (5) التطبيقات الأخلاقية
لشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نتعرض الآن غلى التطبيقات الأخلاقية لشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنها بمعناها الأوسع ينبغي انطباقها على المستوى الأخلاقي، بل على كل مستوى من مستويات التوجيه والتعليم.
فقد ذكر الفقهاء للأمر بالمعروف عدة شرائط، كما يلي:
الشرط الأول: معرفة المعروف والمنكر ولو إجمالاً، فلا يجبان (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على الجاهل بالمعروف والمنكر.
أقول: وهذا الجهل إما أن يكون متعلقاً بالكبرى أو أن يكون متعلقاً بالصغرى، كما عليه لغة المنطقيين. أو بتعبير لآخر: إما أن يتعلق بالآمر وإما أن يتعلق بالمأمور. وكلاهما في الحقيقة شرط مستقل دمجوه في شرط واحد خطأ.
أما تعلقه بالمأمور فهو الذي يقصده الفقهاء: بأن يعلم الآمر أن الفعل الذي يراه أمامه محرم فينهى عنه، وأما إذا احتمل كونه جائزاً لم يكن مورد النهي متحققاً.
وهذا معنى شامل لكل العلوم العقلية والروحية معاً. ويمكن أن نعبر عنه بإمكان التأثير فيه من حيث التعليم والتربية.
ــــــــــــ[205]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وأما إذا لم يكن من المحتمل تأثير التعليم فيه فلا مجال لتعليمه. سواء كان من الناحية العقلية أو الروحية.
وذلك على أحد قسمين:
القسم الأول: أن يكون الفرد قاصراً على التربية بالمرة كما لو كان قاصر العقل أو سفيهاً. ومن الناحية الأخلاقية يصل الفرد إلى الداء الذي لا دواء له ولا شفاء له من حيث إمكان التوبة والتدارك. فلا يحتمل أن يسمع الموعظة ولا يحتمل أن يوفق إلى التوبة.
وهذا ممكن التحقق في مختلف مراتب الكمال. ومع حصوله ينسدّ التكامل ويعجز المعلم عن التوجيه. فلا يبقى معه مجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
القسم الثاني: أن يكون الفرد عارفاً بالأمر الذي أريد أن أقوله له أو المرتبة التي أريد أن أوصله إليها. والحكمة تقول: العارف لا يعرف. وذلك لاستحالة تحصيل الحاصل، فلا يكون معه مجال للأمر بالمعروف أيضاً.
هذا من حيث تعقله بالمأمور. وأما من حيث تعلقه بالآمر. فقد يكون الآمر ناقصاً قاصراً عن التوجيه والتعليم، وإن حسب نفسه أو حسبه الآخرون متكاملاً.
وهذا النقص يكون على مستويات، أهمها قسمان يقابلان القسمين اللذين ذكرناهما في المأمور:
القسم الأول: قصوره من حيث المادة والاطلاع. لوضوح أن من لا يعرف المادة لا يستطيع تعليمها. وهذا ثابت على كل المستويات.
ــــــــــــ[206]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
القسم الثاني: قصوره من حيث إمكان إيصال المادة إلى الغير. وإن كان الفرد فاهماً عالماً في نفسه. غير ان طريقته في إيصال علمه إلى الآخرين وبيانه لهم، ومن ثم قدرته على توجيه غيره وتكامله لا تخلو من قصور قليل أو كثير.
وهذا في العلوم العقلية يسمى قصور البيان أو عدم التمكن من التفهيم. وفي العلوم الروحية هي حالة ملازمة لعدم معرفة الداء أو عدم معرفة الدواء، أقصد داء النفس ودواءها لدى الطالب. ومعه فليس من حقه أن يكون موجهاً أو آمراً بالمعروف أو ناهياً عن المنكر.
ــــــــــــ[207]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (6) من الشرائط: احتمال الامتثال
من شرائط الأمر بالمعروف: احتمال امتثال المأمور بالمعروف للأمر وانتهاء المنهي عن المنكر للنهي. فإذا لم يحتمل ذلك، وعلم الفرد الآمر أن الشخص الفاعل لا يبالي بالأمر أو النهي، ولا يكترث بهما لم يجب عليه شيء.
وهذا المعنى ناشئ من القسم الأول من قصور المأمور الذي عرفناه في الفقرة السابقة، حيث يتعذر معه الأمر بالمعروف، والتوجيه إلى الحق والنهي عن المنكر.
كل ما في الأمر أنه من الناحية الأخلاقية فإن هذا القصور ينشأ من أسباب متعددة، يعتبرها القرآن الكريم من اختلال الحواس وفقدانها، لا من اختلال أصل الخلقة بطبيعة الحال، وذلك هو الاختلال في العين والأذن والقلب. وهي الأعضاء الأهم التي يدخل من خلالها العلم والإيمان، لو كانت متوفرة وسليمة.
ومع اختلالها يحصل العمه والعمى والصمم من الناحية المعنوية، وإن كان الجانب الجسدي سليماً. كما قال الله تعالى: لَـهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَـهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَـهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا. وقال سبحانه: فإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
وقال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. فبدون السماع لا يمكن إيصال المعرفة إلى العقل ولا إلى
ــــــــــــ[208]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الروح. قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
فإذا أضفنا إلى ذلك فكرة فهمها السيد الطباطبائي في الميزان، حول قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ: إن الغفلة لا تكون إلاَّ عن شيء موجود، وأما إذا كان الإحساس به متعذراً أو مستحيلاً لم تصدق الغفلة على عدم الإحساس به.
فكذلك الحال في الرؤية والسماع. إذن، فكثير من الأمور موجودة ومتحققة وفي الإمكان الإحساس بها، إلاَّ أن الإحساس المعنوي، أو قل العين المعنوية والأذن المعنوية أو الروحية لما كانت متوقفة عن العمل، فإن الغفلة تكون صادقة لا محالة.
بل الأمر أكثر من ذلك. فإن الغفلة أقل من الصمم والعمى. فإن من له قابلية الإحساس يمكن أن يغفل، وأما من لا قابلية له عملياً، فهو الأعمى والأصم الذي لا أمل لرجوع السمع والبصر المعنويين إليه.
ومحل الشاهد أن الجميع يسمعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى السماع الطبيعي لصوت المتكلم. إلاَّ أن السامع أو المأمور به قد يمتثله ويطبقه وقد يعصيه.
فإن كان سمعه بأذنه المعنوية -بمعنى أنه اعتبر به واقتنع به- طبقه وإلاَّ عصاه. فالعمدة هي الأذن المعنوية. فإذا استعمل أذنه المادية دون المعنوية عصى لا محالة طبقاً لقوله تعالى: وَلَـهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا.
وفي اللغة الدارجة نعبر عن الطاعة بالسماع. يقال: اسمع كلامي يعني أطعني. وسمعت أمرك يعني أطعته. وكذلك يعبر في القرآن الكريم: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وليس المراد بالسماع هنا سماع الصوت ولا فهمه من الناحية اللغوية أو العرفية، لأن كل ذلك حاصل.
ــــــــــــ[209]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (7) مراتب شرط احتمال الامتثال
وهذا الشرط وهو احتمال امتثال المأمور، له مراتب، لما قلناه من عدم تعيين الأمر والمأمور ومضمون الأمر. وإن أخذه الفقهاء من ناحية الشريعة الإسلامية العامة. إلاَّ اننا من الناحية الأخلاقية، يمكن أن نأخذه أوسع من ذلك.
فإن المأمور دائماً إن وجد مصلحته في الامتثال امتثل، وإن وجد مصلحته في العصيان عصى. وهذا موجود على مختلف المستويات، كل ما في الأمر أن هناك فروقاً بين الأوامر الدانية والأوامر العالية. منها:
أولاً: إن المأمور في الأوامر الدانية يلحظ مصلحته الدنيوية فقط. دون مصلحته الأخروية. في حين يكون العكس موجوداً في الأوامر العليا.
ثانياً: إن المأمور إذا لم يثق بالآمر واحتمل اشتباهه عصاه. وهذا موجود في الأوامر الدانية كلها. وقد يحصل أيضاً في الأوامر العالية.
ثالثاً: إن العصيان في الأوامر الدانية هو الأغلب، أو لا أقل من كون الاحتمال متساوياً. في حين أن العصيان في الأوامر العليا نادر. وأما في الأمور البالغة في الارتفاع فهو معدوم تماماً. والطاعة هي الصفة المسيطرة: لا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وتدخل هنا فكرة لا ينبغي إهمالها في هذا المجال. وهي أن بعض الأوامر يجب عصيانها وليس عندنا أن كل أمر يجب أن يطاع على الإطلاق. بل قد
ــــــــــــ[210]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يجب عصيانه حتى لو كان الآمر به مقدساً أو واجب الطاعة.
ومثاله في العرف الأوامر التي تكون للمجاملة. كالمضيف حينما يزيد من احترام ضيفه فيقوم له أو يستقبله ماشياً: أو يودعه ماشياً فيقول الضيف: تفضلوا. يعني اجلس من قيامك أو ارجع من مشيتك. فإذا امتثل المأمور كان مقتصراً على القليل من احترام صاحبه. ومن ثم سيكون ذلك على خلاف المجاملة. بل يجب عليه أن يستمر في الاحترام حتى لو استلزم العصيان.
ونستطيع أن نسمي مثل هذه الأوامر بالأوامر الامتحانية. بمعنى أن قصد الآمر منها ليس هو الامتثال، بل معرفة مستوى الفرد المأمور نفسياً أو عقلياً أو إيمانياً ونحو ذلك. فإن عصى نجح في الامتحان، يعني أثبت عملياً كون مستواه عالياً، وإن امتثل أثبت كون مستواه واطئاً.
فالمهم الآن أن نلتفت إلى أن أمثال هذه الأوامر، ليست مشروطة بهذا الشرط الفقهي الذي نحن بصدده، وهو العلم بالامتثال أو احتماله، بل ينبغي توجيهها حتى مع العلم بالعصيان لأن موردها هو ذلك. وهذا المستوى غير موجود على مستوى الواجبات والمحرمات العامة. ومن هنا لم يكن له في الفقه إي مورد.
ــــــــــــ[211]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (8) من شرائطه: أن يكون الفاعل مصراً على العصيان
قالوا: ومن جملة شروط الأمر بالمعروف: أن يكون الفاعل مصراً على ترك المعروف أو ارتكاب المنكر. فإذا كانت هناك أمارة على الإقلاع وترك الإصرار لم يجب شيء.
أقول: المهم أن تكون إرادته قوية في ترك المعروف أو فعل المنكر. إما بمعنى الاستمرار عليه، حيناً بعد حين، وإما بأن يفعله لأول مرة. وعلمنا أن إرادته قوية فيه فيجب ردعه.
وهذا واضح على كل المستويات لو حصلت الإرادة القوية للعصيان أو المنكر. ولكن هذا قليل جداً في الأوامر العليا بطبيعة الحال.
لكن هذا مما يجب تقييده بأن الإرادة القوية، ينبغي أن تتعلق بالعصيان، بما هو عصيان، لا بمجرد الفعل، وإن لم يعلم الفاعل بكونه عصياناً. وذلك فيما إذا لم يعلم المأمور بالتكليف الذي عليه، كما لو لم يكن مأموراً وأردنا توجيه أمر جديد إليه. أو كان عصيانه على وجه الغفلة أو النسيان. أو الجهل ببعض تفاصيل الأمر وقيوده، بحيث يكون فعله على حسب علمه طاعة وليس عصياناً. ففي مثل ذلك لا يكون هذا الشرط متحققاً.
وهذا يحصل كثيراً في الأوامر المتدنية. وقليلاً في الأوامر العليا، إلاَّ أن
ــــــــــــ[212]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
هذا القيد في الحقيقة يرجع إلى تقييد هذا الشرط بالشرط الآتي وهو تنجز التكليف في ذمة المأمور. إذ مع جهله أو نسيانه لا يكون التكليف منجزاً عليه.
والمفروض في مقصود الفقهاء هو حصول هذا التقييد، لأنهم يقولون إنه لا يجب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر إلاَّ بعد اجتماع الشرائط، وحصولها جميعاً. ومع حصولها يحصل شرط التقييد لا محالة.
من تطبيقاتها أنه من الواضح أننا إذا أردنا توجيه أمر جديد إلى الفرد فلا مورد لاشتراط كونه قوي الإرادة في العصيان. وتوجيه الأمر الجديد ليس متوفراً في الأوامر الدينية العامة بعد عصر الرسالة. ولكنه متوفر في الأوامر العرفية من ناحية، وفي الأوامر التربوية على مختلف المستويات من ناحية أخرى.
ــــــــــــ[213]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (9) من شرائطه: أن يكون المعروف منجزاً على الفاعل
قال الفقهاء: إن من جملة شرائط الأمر بالمعروف، أن يكون المعروف والمنكر منجزاً في حق الفاعل أو على الفاعل، فإن كان الفاعل معذوراً في فعله المنكر أو تركه المعروف، لاعتقاد أن ما فعله مباح وليس بحرام، أو أن ما تركه ليس بواجب. وكان معذوراً في ذلك للاشتباه في الموضوع أو الحكم اجتهاداً أو تقليداً، لم يجب شيء.
وكونه (منجزاً) اصطلاح في علم الأصول، يقابله عدة أمور لا يكون فيها الأمر منجزاً، ومن ثم لا يكون الأمر بالمعروف واجباً طبقاً لهذا الشرط. فمن ذلك ما لو كان الفاعل ناسياً أو غافلاً أو جاهلاً قاصراً أو جاهلاً مقصراً، لا يختلف في ذلك منشأ جهله بين أن يكون عن اجتهادٍ أو عن تقليدٍ، أو بدونهما.
وهذا الشرط صحيح في الجملة، ولا يحول دون صحته المطلقة إلّا أحد أمرين:
الأمر الأول: كون الفرد الفاعل مقصراً في المقدمات، فيكون معاتباً على تقصيره، وبالنتيجة لا يعذر عن جهله. كما لو كان ناسياً للموضوع عن إهمال وتسامح. أو كان جاهلاً بالحكم عن إهمال أيضاً للتعلم.
فالجهة الأخلاقية هنا تكون صحيحة ومؤكدة ضده، وإن كانت الجهة
ــــــــــــ[214]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقهية هينة نسبياً، لأنه داخل تحت إطلاق حديث الرفع المشهور المروي عن النبي : “رفع عن أمتي تسع”. وعد منها الخطأ والنسيان وما لا يعلمون وهو الجهل. ولم يفصل بين القاصر والمقصر في جهله أو نسيانه.
الأمر الثاني: ما يقال عرفاً وقانوناً من أن الأصل العلم بالقانون. ولولا هذا الأصل أمكن للجميع أو الأكثر الاعتذار بالجهل بالمادة القانونية. وهذا معناه أنهم لا يعذرون حتى مع الجهل قصوراً، فضلاً عن التقصير. إلاَّ أن الأخذ بإطلاق ذلك لا يتم لا عند العقلاء ولا عند الشريعة، إذ لو كان الفرد معذوراً في قصوره كان معذوراً في جهله لا محالة، ولكان القانون في مثل ذلك ظالماً.
وإنما يبدأ الخلاف بين النظرية الفقهية من ناحية والنظرية الأخلاقية في الجاهل المقصر ومراتب تقصيره، فقد نجده في الفقه معذوراً في جهله. بينما لا يكون معذوراً أخلاقياً. إذ من الواجب عليه أن يكون ملتفتاً أقصى مقدار ممكن إلى حاله وإلى أفعاله. فإن قصر في ذلك أو أهمل، لم يكن معذوراً.
على أنه يوجد احتمال معتد به من الناحية الفقهية أيضاً ألا يكون معذوراً. وإن قلنا به فهو خاص بالأحكام التكليفية دون الأحكام الوضعية وأصول الدين.
ــــــــــــ[215]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (10) من شرائطه: أن لا يلزم منه ضرر
قالوا: من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن لا يلزم منها ضرر على النفس أو العرض أو المال على الآمر أو على غيره من المسلمين. فإذا لزم الضرر لم يجب شيء.
وأضافوا: بأن الظاهر أنه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر والظن به، والاحتمال المعتد به عند العقلاء، الموجب لصدق الخوف.
قالوا: هذا فيما إذا لم يحرز تأثير الأمر أو النهي، وأما إذا أحرز ذلك، فلا بد من رعاية الأهمية، فقد يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر أيضاً، فضلاً عن الظن به أو احتماله.
وأخلاقيته المباشرة ينبغي أن تكون واضحة، فإنه يرجع إلى رجحان المحافظة على النفس من الأضرار المحتملة، وان حرم الطرف الآخر من النفع. وإذا نظرنا إلى الطرف الآخر نفسه قلنا، إن الأرجح هو حرمانه من الهداية والتوجيه باعتباره مصدراً للضرر يقيناً أو احتمالاً. فلو لم يكن مصدراً له كان أهلاً للهداية وإلاَّ فلا.
وهذا مطلب صحيح في نفسه، فإن محتمل الضرر ينبغي أن نهديه أولاً، بحيث نجعله غير محتمل الضرر، ثم ندخل معه في التفاصيل الأخرى. فالدخول في التفاصيل مع احتمال الضرر لا يكون مورداً للاستحقاق، فضلاً عن
ــــــــــــ[216]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
اليقين به.
ولكننا لو تجاوزنا الضرر المادي إلى الضرر المعنوي، لوجدنا أن الأمر والنهي والهداية، ليس فيها ضرر في الأعم الأغلب. بل هي النفع ومسببة للنفع أيضاً من أكثر من جهة. كما قال أمير المؤمنين : “المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق”. فإذا زكا العلم بالإنفاق أي بالتعليم والهداية للغير، وحصلت فيه الزيادة، فهذا هو النفع لمعطيه، مضافاً إلى الثواب الأخروي، فلا يمكن أن يكون فيه ضرر.
ولكن مع ذلك قد يوجد ضرر في التعليم والهداية المعنوية، وذلك في موارد. منها: التصدي لتعليم غير المستحق، بما فيه الاستعجال في تربيته وتكميله قبل استحقاقه. ومنها: تحميل الفرد أكثر من تحمله وطاقته من العلم والعمل. ومنها: كشف الحكمة لغير أهله، والتصريح بما لا ينبغي التصريح به من جهة معنوية.
فإن قلت: فإن الضرر في ذلك أو في أكثره على المخاطب لا على المتكلم، مع أن الكلام في كون الضرر على المتكلم.
قلنا: نعم، ولكن إذا تضرر المخاطب تضرر المتكلم. لأنه أوقع صاحبه في الضرر فيتحمل أمام الله مسؤوليته ومسؤولية الحكمة التي أوصلها إلى غير أهلها. ويكون مخاطباً ومكلفاً بإصلاح الأمر الذي أفسده طبقاً لما ورد: “من كسر مؤمناً فعليه جبره”. وفي الأعم الأغلب أنه يكون عاجزاً عن هذا الإصلاح.
ولو كان قد كتم الحكمة وفكر قبل خروج الكلمة، لكان خيراً له. ولكفي الشر كله.
ــــــــــــ[217]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (11) في الأمر بالمعروف للأسرة
قالوا: وإن أخص من يجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وهدايته لطريق الله، هو الأهل والأسرة كالزوجة والذرية ذكوراً وإناثاً فإن الأب يكون مسؤولاً عن حسن تربيتهم وتوجيههم سواء في أصول العقائد أو في الفروع كالصلاة وغيرها.
وإذا فسد هؤلاء أو انحرفوا عن جادّة الاستقامة، كانت مسؤوليتهم عليه، إذا كان قد أهمل أو قصر أو قلل أهمية الهداية أو العمل على تركيزها فيهم. فضلاً عما هو أكثر من ذلك، كما لو علمهم طريق الضلال وهداهم لأساليب الشر والعياذ بالله.
وهذا من الناحية الأخلاقية المباشرة أو الظاهرة واضح جداً، فإن الهداية والخير والأخلاق، يجب على كل جيل حفظها في الجيل الآخر، لكي تبقى تحت التداول جيلاً بعد جيل. لكي يتوارث الناس التقوى والصلاح، بدلاً من الخبث والفساد.
وهو مسؤولية أخلاقية ضخمة ومهمة في رقاب الجيل كله. ويختص كل فرد منهم بمن يعرفه ويتصل به. وأهم كل ذلك هو الأسرة والذرية بطبيعة الحال.
إلاَّ أننا إذا خطونا خطوة أخلاقية أخرى، كان اللازم علينا أن نعرف معنى
ــــــــــــ[218]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الأهل أولاً. لكي نطبق معنى الهداية لهم ثانياً.
فإن معنى الأهل غير معنى الأسرة، وبذلك المعنى قد يكون من في الأسرة من الأهل وقد لا يكون. بل تنص الآية على أن بعض الأسرة قد يكون عدواً فعلاً، من حيث يعلم الفرد أو لا يعلم. فإن العدو من يريد بك الشر، وما أكثر من يريد بك الشر من داخل الأسرة وخارجها. قال الله تعالى: مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. وبالطبع إذا كان عدواً فإنه يستحيل أن يكون من الأهل. فإن معنى الأهل قائم على معنى الأخوة والتعاطف والحب. مع أن العداوة منبع البغضاء والشر. فلا يمكن أن يجتمعا. وإن كان الظاهر السطحي على ذلك، باعتباره من الأسرة.
وقد عرّفنا الأهل في الجزء الأول من هذا الكتاب بأنهم: هم الذين يتجاوب ويتناسب معهم الفرد عقلياً وروحياً ونفسياً ونشاطاً. لا يتكبر عنهم في حاجة ولا يحجب عنهم سراً ولا يحصل من ناحيتهم عليه هم أو غم. فهم متلائمون متعاونون محبوبون متفقون على الأمور كلها. فهؤلاء هم الأهل.
وهذا المعنى من الأهل، قلما يوجد في الأسرة نفسها، بل ذلك نادر الوجود. كما انها من النادر أن يكون العدد كثيراً، بل هو قليل لا محالة. ومن هنا يمكن أن يمثل كل مجموعة أسرة معنوية. وإن كانوا من أسر متعددة وبلدان متفرقة.
فإن مثلت هذه الأسرة جانب الحق وتكفلت به، فهي الأسرة المحقة أو الهادية المهدية. وإن مثلت جانب الباطل، فهي الأسرة الضالة المضلة. وكلامنا الآن عن الأسرة المحقة، بطبيعة الحال.
ومن الطبيعي أن يكون في الأسرة أولاد وذرية، ذكوراً وإناثاً، وهم الذين
ــــــــــــ[219]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
اقتضت المصلحة العقلية والعلمية أن تتكفل أنت مسؤولية تعليمهم وتوجيههم وتكاملهم. فهم بمنزلة أولادك وأنت الأب الروحي لهم. كما أن أمثالك في المستوى يكونون بمنزلة إخوتك. بل هم فعلاً إخوانك في الإيمان والعلم والعمل الصالح.
ومن هنا يتضح بجلاء كيف أن الأولاد يكونون هم الأهم والمقدَّمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بل مطلق من في الأسرة المعنوية، ما دام بعضهم يتكفل مسؤولية البعض الآخر، وما دام أفرادهم يتقبلون التربية والتوجيه، ولا يتكبرون عن تنفيذ الأوامر الحقة. كما لا يحصل منهم ضرر أو يتوجه إليك منهم عتاب. وإلا فمن الواضح أن من لم يكن كذلك، فهو ليس من أسرتك المعنوية بأية حالة.
ــــــــــــ[220]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (12) في فائدة القتل في طريق الأمر بالمعروف
قال الفقهاء -كما سمعنا قسطاً منه-: إن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب متعددة. أقلها الإنكار بالقلب، وهو أقل الإيمان، ثم الإنكار باللسان ثم الإنكار باليد. والمهم الآن الإلماع إلى أن الإنكار باليد له مراتب. قد يصل معه إلى القتل. ومن هنا جوز الفقهاء القتل أحياناً من أجل تنفيذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فهنا قد يتوجه السؤال أكيداً، عن فائدة الأمر بالمعروف للمقتول فإن المفروض بالأمر والنهي أن يستتبع العمل والطاعة والتنفيذ، فإذا قتل المأمور كان عاجزاً عن العمل. بل لا معنى لأمره وتوجيهه مع قتله. بل ينبغي المحافظة على حياته من أجل توقع الطاعة والتنفيذ من قبله.
وجواب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: إننا ينبغي أن نلتفت إلى أن القتل لا ينال إلاَّ المعاند ولا يشمل غيره، لأن الفرد إذا لم يكن معانداً ومصراً على المعصية، لما احتاج الحال إلى قتله. ولكفى فيه التوجيه باللسان أو الضرب باليد ونحو ذلك. ولما لم يكف فيه كل ذلك، إذن فهو مصر ومعاند ضد الحق. ومثل هذا الفرد يجوز قتله، ودمه هدر، ولا أسف عليه، بل يتسبب القاتل إلى خلاص المجتمع من شره، جزاه الله خيراً.
ــــــــــــ[221]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المستوى الثاني: إن في القتل نفعاً للمأمور نفسه، لأن المفروض كونه معانداً على الاستمرار في المعصية، كشرب الخمر مثلاً، فيكون قتله سبباً لانقطاع سيئاته وتقليل ذنوبه. إذ لو كان قد عاش لتكرر منه ذلك أكثر وأكثر.
ومن هنا ورد: إن الموت نعمة على الكافر والمؤمن. أما الكافر فلتقليل ذنوبه وستر عيوبه. وأما المؤمن فللمبادرة إلى ثوابه ومقاماته في الجنة.
المستوى الثالث: إن في قتل المعاند نفعاً للآخرين لا محالة وخلاصاً للمجتمع من مكره وفساده وما قد يصل منه من توجيه فاسد وأمر بالمنكر ونهي عن المعروف.
المستوى الرابع: إنه قد يراد من القتل أخلاقياً قتل الشهوات في النفس وقتل حب الدنيا في القلب. وهذا هو الموت المعنوي الممدوح. وقد ورد: (موتوا قبل أن تموتوا).
ومن هنا كان التوجيه والتدريب الحقيقي نحو التكامل سبباً للقتل لا محالة. فإذا ربيت شخصاً فإن تربيته تؤدي إلى قتله وموته المعنوي لا محالة. وإلاَّ فإن تربيتك فاشلة أو دنيوية لا أكثر ولا أقل.
وهذا هو المعنى الأخلاقي لقولهم: إن الأمر بالمعروف قد يكون سبباً للقتل. فإنه إذا كان ناجحاً مؤثراً أدى إليه لا محالة. وإلاَّ فالنقص إما في المعلم أو في التلميذ أو فيهما معاً. أو في أسلوب التربية على أي حال.
ــــــــــــ[222]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (13) إن الأمر بالمعروف قد يؤدي إلى الإكراه وأضرابه
قد يخطر في البال: أن ما سمعناه من الفقهاء من كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون باليد أو بالقتل، أن ذلك يؤدي إلى الإكراه على فعل المعروف أو الإرتداع عن المنكر والإكراه غير محمود النتيجة. فإن المهم هو الطاعة على رضا وطواعية من المخاطب وليس الإكراه.
فإن الفرد المكره، قد يعود إلى العمل الفاسد، عند ارتفاع الإكراه، بل الغالب هو ذلك. والإكراه على أي حال ليس من التربية الحقيقية، بل ينافيها، فكيف الجواب على ذلك؟ مع العلم ان هذه الأمور تعتبر من الأفكار الواضحة فقهياً ومتسالماً عليها لدى الفقهاء.
وهذا يمكن أن يجاب على عدة مستويات:
المستوى الأول: إن المهم في نظر الشارع المقدس هي النتيجة بالنسبة إلى الفرد.
فإنه من الواضح أن المخاطب أو المأمور لو كان قابلاً للتربية. لانصاع وأطاع من المخاطبة باللسان والموعظة. وحيث وصلت الحال إلى الضرب والتهديد، إذن فهو معاند بدرجة أو أخرى.
وعندئذ يكون المهم هو النتيجة، وهو أن يفعل هذا الفرد فعل الحق ولو كان مكرهاً. ولا أقل أن لا يصدر منه الحرام والباطل، ويكون مستحقاً للعقاب عليه.
ــــــــــــ[223]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المستوى الثاني: إن الإكراه قد يقع عن طريق التربية فعلاً، فإن الفرد قد يعمل ذلك إكراهاً، مرة أو مرتين أو مرات، ولكنه بالتدريج سوف يقتنع به ويعتاد عليه. فيكون قد خطا خطوة معتد بها في المجال التربوي.
المستوى الثالث: إننا لو تنزلنا عن مصلحة الفرد، كما بيناها. في المستويين الأولين، فهناك مصلحة المجتمع، وهي أكيدة الصحة. من حيث إن المجتمع يخلو -ولو بالإكراه- من المفاسد والمحرمات والانحرافات.
وبالطبع فإن العقوبات وضعت لزجر الفاعلين عن الفساد والإفساد. والتهديد بالعقوبة، له نحو من الإكراه والضغط على النفس، مع أنه موجود في الشريعة الإسلامية وفي كل شريعة وقانون، وواضح الصحة عند العقلاء. وما ذلك إلاَّ لأجل تصفية المجتمع من الآثام والمفاسد.
المستوى الرابع: إن مثل ذلك شامل للتربية المعنوية، أعني الضغط النفسي والضرب وإضرابهما من الأساليب الحادة.
فإن التربية المعنوية قد تحتاج إلى مثل ذلك لا محالة. إلاَّ أن الأمر يصبح صعباً بطبيعة الحال. إذ قد يحتاج إلى أن يشخص الفرد كونه هذا العمل الحاد هو الدواء الناجح للنقص الموجود في الآخر. إذ لو لم يكن دواءً له لكان استعماله معه ظلماً له، ومن هنا يصبح ضرراً لكلا الفردين، وضرره على الآمر أشد، من حيث كونه هو الظالم.
كما أن التجربة بأقل من هذا الأسلوب أو ذاك، ظلم له، من حيث احتمال عدم التأثير. بل يحتاج قبل التنفيذ إلى الاطمئنان بحسن النتيجة. وإلاَّ كان استعماله طغياناً حراماً.
وهذا المعنى شامل حتى للنهي عن المحرمات العامة، ومن هنا قال الفقهاء بوجوب الاقتصار من الضرب على مقدار الحاجة. وهو ما يحصل به ارتداع الفاعل. وعندئذ يكون الزائد ظلماً حراماً.
ــــــــــــ[224]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (14) صفات هي كمالٌ للإنسان
ذكر الفقهاء في نهاية كتاب الأمر بالمعروف عدداً من الصفات باعتبار كونها مصاديق للمعروف وتكون كمالاً للإنسان. نذكر الآن أهمها، مع مراعاة الاختصار.
وهنا ننقل ما ذكرناه في رسالتنا (منهج الصالحين) مع بعض الإضافات.
منها: الاعتصام بالله عز وجل، قال تعالى: وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. وقال أبو عبد الله (ع): أوحى الله عز وجل إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي، دون أحد من خلقي وعرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلاَّ جعلت له المخرج من بينهن. والاعتصام هو التسبيب لدفع المكروه ببعض الأمور، فهو يعتصم بذلك السبب. وأوضحه عرفاً الاعتصام بالكبراء والوجهاء ضد الآخرين. ومنه الاعتصام بالحصن ضد الأعداء.
والاعتصام قد يكون بالخلق وقد يكون بالخالق. حسب حال الفرد وتصوراته. والاعتصام بالخالق مع إخلاص النية منجٍ من جميع الشرور على الإطلاق، لأن الله قادر على كل شيء، بخلاف الخلق، فإنه يكون قادراً على شيء وعاجزاً عن شيء آخر. وإذا ترك الفرد الاعتصام بالله واعتصم بغيره أوكله الله إليه.
ــــــــــــ[225]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومنها: التوكل على الله عز وجل. قال الله سبحان: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. وقال أبو عبد الله  الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطنا. والمراد من الغنى القناعة، ومن العز: الاعتزاز بعزة الله سبحانه.
ومراد الرواية أن الغنى لا يكون حقيقياً إلا بعد الإخلاص في التوكل والتمحُّض فيه. وأما بدونه فلا. كما أن العز كذلك. فإنه لا يعطيه الله سبحانه إلا في ذلك المورد.
ومنها: حسن الظن بالله عز وجل. قال أمير المؤمنين  فيما قال: والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن. لأن الله كريم بيده الخير. يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه فأحسنوا الظن بالله وارغبوا إليه.
وحسن الظن تارة يكون بما هو حاصل في الحال أو في الماضي. وأخرى بما هو غير حاصل. وكلاهما مطلوب من العبد تجاه ربه.
أما فيما هو حاصل: فبالاعتقاد أنه لا يكون إلاّ لمصلحة وحكمة وخير، سواء حسبه الفرد خيراً أو شراً. لأن الله سبحانه أعلم بمصلحتي مني ومن والدي وولدي وكل الخلق. وهو لا شك أنه فاعل لأفضل الوجوه الممكنة لي على الإطلاق.
وأما فيما هو غير حاصل، فمما يتوقع حصوله في المستقبل. فإن مقتضى حسن الظن بالله سبحانه أن لا يصنع بالفرد إلاّ ما هو خير وصلاح وعلى أفضل الوجوه أيضاً. كما فعل فيما مضى تماماً.
إلاّ أن نقطة الضعف في الفرد في كلا الحالين: الماضي والمستقبل:
ــــــــــــ[226]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
اختلاف تقييمه للحوادث عن تقييم الحكمة الإلهية لها. ومقتضى حسن الظن بالله سبحانه هو أن يفعل الأفضل في حكمته، لا الأفضل في نظر الفرد، وهو قاصر مقصر. ومن هنا قال تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ.
ومعه فلا بد من تطوير حسن الظن بالله سبحانه إلى الاطمئنان بكل أفعاله.
ومنها: الصبر، وهو على أقسام: صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على البلاء. قال الله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وقال أيضاً: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ(127) إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ.
وقال رسول اللهفي حديث: “فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. واعلم ان النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً “.
وقال أمير المؤمنين : “لا يعدم الصبور الظفر، وإن طال به الزمان”.
وقال : “الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن منه ذلك الصبر عند ما حرَّم الله تعالى عليك”.
والصبر هو بذل طاقة لخزن طاقة أكبر منها. مثاله: قالوا: إن المولد (الداينمو) يأخذ طاقة ليعطي طاقة. واما كون الصبر بذل طاقة فلأنه صعب التحمل على النفس، وأما كونه لأجل خزن طاقة أكبر، فلأن الفرد إذا اعتاد على القليل تمكن من الكثير.
ــــــــــــ[227]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وكل الصبر واحد، وهو بذل الطاقة وتحمل المشقة ضد ما ترغب النفس. وإنما قسموه أقساماً باعتبار اختلاف موارده وكلها ما لا ترغب فيها النفس. كالصبر على الطاعة والصبر على المعصية والصبر على البلاء. وإنما يكون الحاكم فيه والحامل عليه هو العقل وقوة الإرادة، ولكن توجد هنا نقطتان ضروريتان:
النقطة الأولى: في مضمون ما ورد: إن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له. كما لا حياة لجسد لا رأس له.
وهذا واضح، فإن الصبر إذا زال تماماً، انقلب الموقف النفسي تماماً إلى الاعتراض على القدر الإلهي بالبلاء ونحوه، والدنيا هي دار البلاء، فإذا دخل الاعتراض في القلب خرج الإيمان، لأنهما لا يجتمعان في قلب واحد.
ونحوه قول الشاعر:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديـع
لو كان حبك خالصاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيـع
النقطة الثانية: إن الصابر موعود بالظفر أو الفرج. والظفر يراد به الانتصار على حاله التي هو فيها من البلاء. ولعمري إن الصبر الكامل عليه شكل من أشكال الانتصار فضلاً عن الوعد بزواله. وفي الحديث: “أفضل العبادة انتظار الفرج”. وقد سمعنا فيما سبق: “لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان”. وفي الحكمة: “من صبر ظفر”.
ومنها: العفة. قال أبو جعفر(ع): “ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج”. وقال أبو عبد الله (ع): “إنما شيعة جعفر من عف بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه، يرجو ربه ويخاف عقابه فإذا رأيت أولئك، فأولئك شيعة
ــــــــــــ[228]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
جعفر”.
والعفة هي الترك استغناءً عن الشيء. يعني سواء رغبت نفسه به فعلاً أو لا. ومنه التعفف عن أموال الآخرين. وهي عفة البطن، والتعفف عن أزواج الآخرين والنساء الأخريات، وهي عفة الفرج.
فإن كان الفعل حراماً، كانت عفة واجبة. وإلاَّ فهي راجحة على أي حال. لأن التعفف والاستغناء عن أمور الدنيا مطلوب أخلاقياً. إلاَّ أنه سيكون صعباً مع حب الدنيا وسهلاً مع تركه وتركها.
ومنها: الحلم. وهو كظم الغيظ. قال رسول الله : “ما أعز الله بجهل قط، ولا أذل بحلم قط”. وقال أمير المؤمنين (ع): “أول عوض للحليم على حكمه: إن الناس أنصاره على الجاهل”. وقال الرضا (ع): “لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً”. ومن الواضح من هذه النصوص أن اللغة قد جعلت الجهل ضد الحلم. وليس ضد العلم كما هو المتعارف الآن. ومنه قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فإذا كان الحلم هو كظم الغيظ، كان الجهل إظهاره، وهو ما يسمى الآن بالعصبية والغضب. وهو مما قد تحمل عليه النفس وتدعو إليه وخاصة في أوقات الحرج والتحدي. مع العلم أن الاستجابة لها قد تكون حراماً. كما لو كان غضباً ضد بعض الأولياء أو العلماء. وأما أخلاقياً فالاستجابة لها مطلقاً ممنوع. إلاَّ في موارد الغضب الواجب، وهو الغضب لله ضد وقوع المحرمات أو ترك الواجب أو هتك الحرمات.
ومنها: التواضع: قال الله تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً.
ــــــــــــ[229]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وقال رسول الله : “من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله، ومن اقتصر في معيشته رزقه الله ومن بذَّر صرعه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله”.
والتواضع إظهار الضعة، كما أن التكبر إظهار الكبر. والمراد اخلاقياً من العفَّة والكبر الصفة الواقعية لا الظاهرية. أو قل: المعنوية وليس الدنيوية.
فإن الصفة الدنيوية ممقوتة على أي حال، كإظهار التكبر الدنيوي، حتى لو كان صادقاً، بل إن إظهار التواضع الدنيوي لمجرد أنه فقير الحال أو أنه أقل من صاحبه في المنزلة الاجتماعية، لا أثر له أخلاقياً إطلاقاً. وإنما لا بد من أن يكون التواضع للخلق تواضعاً لله وفي سبيل الله لكي يكسب الأهمية الأخلاقية المحمودة.
والتكبر مذموم حتى لو كان أخروياً وكان صادقاً، إلاَّ في موارد إقامة الحجة على صفات معينة ضد الخصوم كصفة الرسالة للنبي  والإمامة للإمام  وإلاَّ لم تجز، بخلاف التواضع الأخروي، فإنه محمود مطلقاً ومنتج للتكامل أكيداً.
ومن هنا سمي أمير المؤمنين  أبا تراب، لأنه كان يقنع من نفسه الجلوس على التراب. وكان رسول الله  يجلس جلسة العبد ويأكل أكل العبد ويأكل مع العبيد وورد: أنه من كان في قلبه ذرة كبر فهو شرك. وورد: أنه من كان يرى نفسه أحسن من بعض خلق الله ففي قلبه شيء من الكبر.
ومنها: إنصاف الناس ولو من النفس. قال رسول الله (ص): “سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك. ومواساة الأخ في الله وذكر الله عزّ وجل على كل حال”.
ــــــــــــ[230]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وهذا الإنصاف يكون بالأخذ بحقوقهم والعمل بها والاهتمام بها. فأن انضم إلى ذلك ترك حق نفسه والتنازل عنه كان أفضل.
ومن ذلك دفع دين الدائن والقبول بالعقوبة كالحد والتعزير، وإرضاء الغضبان، واحترام من يستحق الاحترام شرعاً، وصلة الرحم، وقضاء حاجة المحتاج ولو بحرمان النفس ولو قليلاً، أو كان في قضاء تلك الحاجة جهد أو ذلة، إلى غير ذلك.
ومنها: اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس. قال رسول الله : “طوبى لمن شغله خوف الله عزَّ وجل عن خوف الناس. طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين”.
وقال : “إن أسرع الخير ثواباً البر وإن أسرع الشر عقاباً البغي وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه في نفسه. وأن يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه. وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه”.
والمقصود هنا اشتغال الإنسان بعيبه بإزاء النظر إلى عيوب الناس واشتغاله بالإزراء بهم والتكبر عليهم. فإن ذلك يعد منقصة أخلاقية أكيدة.
وأما النظر إلى عيوب الناس لأجل إصلاحهم، فهو راجح بل قد يكون واجباً والتذكير بها من الأمر بالمعروف بكل تأكيد.
كما أنه ليس المراد اشتغال الإنسان بعيبه حتى عن ذكر الله سبحانه. فإنه ممقوت أخلاقياً، بل يمكن الجمع بينهما يعني الالتفات إلى العيوب تواضعاً أمام الله سبحانه وتقديماً للذلة والعجز أمامه.
وأما قوله (ص): “طوبى لمن شغله خوف الله عن خوف الناس”. فهو مطابق
ــــــــــــ[231]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
لقوله تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّـهَ. وقوله تعالى: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ.لأن المفروض قوة الإرادة ضد كل ما يبعد عن الله سبحانه وتعالى.
ومنها: إصلاح النفس عند ميلها إلى الشر. قال الله تعالى: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ. وقال سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.
وقال أمير المؤمنين: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه. ومن أحسن فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس”.
ومنها: الزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها. قال أبو عبد الله : “من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه. وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها. وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام”.
وقال رجل: قلت لأبي عبد الله (ع): إني لا ألقاك إلاَّ في السنين، فأوصني بشيء حتى آخذ به. فقال: أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد وإياك أن تطمع إلى من فوقك. وكفى بما قال الله عز وجل لرسوله: ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا. وقال تعالى: وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ. فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله (ص) فإنما كان قوته من الشعير وحلواه من التمر ووقوده من السعف إذا وجده.
وإن أصبت في نفسك أو مالك أو ولدك، فاذكر مصابك برسول الله (ص) فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط.
ــــــــــــ[232]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (15) خطبة أمير المؤمنين
وقال أمير المؤمنين  في نهج البلاغة: “من عظمت الدنيا في عينه وكبر موقعها في قلبه آثرها على الله تعالى، فانقطع إليها وصار عبداً لها. ولقد كان في رسول الله  كاف في الأسوة. ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيها ومساويها. إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها وزوي عن زخارفها.
وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. والله ما سأله إلاَّ خبزاً يأكله، لأنه كان يأكل من بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه.
وإن شئت ثلثت بدواد صلى الله عليه وسلم صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة. فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها. ويأكل قرص الشعير من ثمنها.
وإن شئت قلت في عيسى بن مريم. فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب، وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها. وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته ولا طمع
ــــــــــــ[233]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يذله. دابته رجلاه وخادمه يداه! فتأسّ بنبيك الأطيب الأطهر (ص)، فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى. وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه المقتص لأثره قضم الدنيا قضماً ولم يعرها طرفاً. أهضم أهل الدنيا كشحاً وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها. وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه وحقر شيئاً فحقره، وصغر شيئاً فصغره.
ولو لم يكن فينا إلاَّ حبنا ما أبغض الله ورسوله، وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقاً لله ومحادة عن أمر الله.
ولقد كان  يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه. ويركب الحمار العاري ويردف خلفه. ويكون الستر على باب بيته، فتكون فيه التصاوير، فيقول: يا فلانة -لإحدى أزواجه- غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها.
فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكي يتخذ منها رياشاً، ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيها مقاماً. فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيبها عن البصر. وكذا من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده.
ولقد كان في رسول الله  ، ما يدل على مساوئ الدنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته.
فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه؟! فإن قال: أهانه، فقد كذب والعظيم. وإن قال: أكرمه. فليعلم أن الله تعالى قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه.
ــــــــــــ[234]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فتأسى متأسٍ بنبيه، واقتص أثره، وولج مولجه. وإلاَّ فلا يأمن الهلكة. فإن الله جعل محمداً  علماً للساعة ومبشراً بالجنة ومنذراً بالعقوبة. خرج من الدنيا خميصاً وورد الآخرة سليماً. لم يضع حجراً على حجر، حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه.
فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه، وقائداً نطأ عقبه. والله قد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها. ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك. فقلت: اعرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى”.
ــــــــــــ[235]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (16) في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر
في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر.
منها: الغضب. قال رسول الله : “الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل”.
وقال أبو عبد الله : “الغضب مفتاح كل شر”، وقال أبو جعفر : “إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار. فأيما رجل غضب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره ذلك. فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان. وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه. فإن الرحم إذا مست سكنت”.
أقول: فهنا نقطتان:
النقطة الأولى: إن الغضب قد يكون للدنيا، كما هو الأغلب في أوضاع الناس، وقد يكون للآخرة، والمفهوم منه إنما هو الأول. وهو المراد من هذه الأخبار، حملاً لها على الأعم الأغلب.
وبملاحظة أخرى: إن المهم في تحمل المسؤولية هو استعمال الغضب وإظهاره والسير في اتجاهه. وعندئذ فقد يكون ما يفعله الفرد حراماً وقد يكون مباحاً وقد يكون واجباً من الناحية الشرعية.
فإن كان واجباً فلا غضاضة فيه، بل يعتبر تركه جريمة شرعاً وأخلاقياً، وهو الغضب لله سبحانه. وأما غيره ففيه خلة أخلاقية بلا أشكال. وإن كان من
ــــــــــــ[236]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الناحية الفقهية لا يمكن القول بحرمته، إلا إذا استتبع فعلاً حراماً. وأما الفعل المباح فليس ممنوعاً فقهياً، ولكنه مرجوح أخلاقياً.
فإذا علمنا أن نسبة الغضب الواجب إلى غيره نسبة قليلة لا محالة. علمنا كيف أن الصفة الأخلاقية العامة للغضب هي الغضاضة والمرجوحية. ومن هنا كان النهي عنه في الروايات مطلقاً.
النقطة الثانية: إن الرواية تعطي طريقتين لكتم الغضب ودفعه، إن لم يمكن الصبر عليه بالمباشرة. وذلك بأحد طريقتين، كلتاهما من الفهم الباطن للقوانين الكونية.
الطريقة الأولى: إنه إذا غضب وهو قائم فإنه يجلس، فإنه يذهب عنه رجس الشيطان. وبحسب فهمي، فإن المهم تغيير الحالة التي هو فيها، وإنما ذكر ذلك لمجرد المثال.
وبالطبع فإنه إنما يذهب إذا أراد الفرد بذلك زواله، دون ما إذا تمسك به، أو لم يقصد ذلك أو كان غافلاً عن نتيجته كما هو الأغلب.
الطريقة الثانية: إنه إذا كان الطرفان من ذوي الأرحام، أي من عشيرة واحدة، كفى اللمس المباشر في إطفاء الغضب. لأن الرحم قد تضطرب “فإذا مست سكنت” وهو قانون باطني لا حاجة إلى الإفاضة في ذكره.
وظاهر العبارة أن أياً منهما مس الآخر سكن غضب الغضبان. فإن الغاضب نفسه إن مس صاحبه سكن. وكذلك العكس، وهو واضح في سياق الرواية، لأنه قال: “فليدن منه والدنو من الغضبان صعب ما دام الغضب ضده. إذن، فالماس هو الآخر وليس الغاضب نفسه”.
وهذا معناه أن غضب الغاضب سوف يقل أو يزول رغماً عليه، وإن لم يرد
ــــــــــــ[237]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ذلك وإن لم يلتفت إليه، بل وإن لم يكن مطلعاً على هذه الفكرة، وهذا القانون. وهذا أمر محتمل، بل مجرب.
ومنها: الحسد. قال أبو جعفر وأبو عبد الله: “إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب”. وقال رسول الله  ذات يوم لأصحابه: “إنه قد دبّ إليكم داء الأمم ممن قبلكم. وهو الحسد. ليس بحالق الشعر ولكنه حالق الدين. وينجي منه أنه يكف الإنسان يده ويخزن لسانه، ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن”.
والحسد أخلاقياً هو تمني زوال النعمة عن الآخر، وانتقالها إليه أو اتصافه بها، ومن هنا قد يفعل الأفاعيل ضد الآخر حسداً له. ولذا تنهى الرواية عن ذلك بقوله: “ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن”.
ومن ذلك: الحسد الذي اتصف به إبليس ضد آدم ، لما رآه أشرف منه، فسعى به حتى خدعه وورطه.
وقال الأخلاقيون: إن الحسد هو تمني زوال النعمة عن الآخر، فإن لم يكن فيه ذلك، وإن كان يتمناها لنفسه، بحيث يتمنى اجتماع النعمتين لهما معاً. فهو الغبطة وليس الحسد. ومن الواضح انه إذا لم يتمن زوال النعمة عن صاحبه لم يمكر به. فلا تكون للغبطة نتائج السوء التي للحسد.
ومن الطبيعي أن الحسد يحلق الدين، كما في الرواية، أي يزيله ويتلفه. لأن المهم وإن كان هو عاطفة الحسد، إلاَّ أن الأهم هو العمل السيئ الذي يقوم به الحاسد. وكله عمل محرم، لأنه من إيذاء المؤمن والإضرار به. وكل من يفعل المحرم، أو لا مانع له من ذلك، فهو غير متورع أكيداً، يعني غير متصف بالورع فضلاً عن التقوى. فيكون مشمولاً للقاعدة التي تقول: لا دين لمن لا ورع له.
ــــــــــــ[238]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومما يحسبه الناس من الحسد: الإصابة بالعين. وإنما حسبوه منه عجزاً منهم عن تفسيره. وإلاَّ فهو أيضاً من القوانين الكونية الباطنة، كما سبق أن قلنا في بعض حالات الغضب.
وربما تستفاد إصابة العين من بعض آيات القرآن الكريم. حيث يوصي النبي يعقوب أولاده قائلاً: لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ. فإن هدفه من ذلك دفع العين عنهم وعدم إصابتهم بالضرر من هذه الناحية. إذ أن الناس إذا رأوا تجمعهم وجمالهم وقوتهم، فقد يصابون بالعين، بخلاف ما إذا تفرقوا ودخلوا من أبواب متفرقة.
وهذه جهة مجربة لكثير من الناس. ويحتوي من الناحية النفسية للناظر على استعظام ما ينظر إليه، إما لكثرته أو لجماله أو لغناه أو لصحته أو لأي شيء آخر. فيكون الجانب المنظور والمركز عليه مؤذناً بالزوال سواء أراد الناظر ذلك أم أباه، وسواء التفت إليه أو لا.
وهذا معنى أن إصابة العين تكون قهرية على الناظر فضلاً عن المنظور إليه. فلا تكون قسماً من الحسد بطبيعة الحال. ولكن قد تكون اختيارية للناظر، فيكون فيها تعمد الإضرار بالغير، فتكون شبيهة بالحسد جداً.
ومن ذلك ما إذا قلنا إن إصابة العين متوقفة على التلفظ بالاستعظام. كقولك: ما أجمله أو ما أحسنه. فيكون هذا الكلام اختيارياً مضراً للآخر. لكنني لا أعتقد كونه متوقفاً على التلفظ، ومن هنا أمكن أن يكون قهرياً، ولو كان متوقفاً عليه أمكن دفعه بالسكوت. إلاَّ أن المجرب كثيراً خلاف ذلك.
ومنها: كون الإنسان ممن يتقى شره. قال رسول الله : “شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم”. وقال أبو عبد الله : “من خاف الناس لسانه فهو في النار”. وقال : “إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه”.
ــــــــــــ[239]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والمهم في الصفة الرديئة أخلاقياً، هو كون الإنسان ذا شر على الآخرين. فإن هذه الصفة لو كانت عامة، أعني إيقاع الفرد لها بأي أحد شاء. كان معناه وصولها إلى من لا يستحقها وإلى المظلومين بها. فيصبح هذا الفرد ظالماً. مضافاً إلى المنع الأخلاقي للشر حتى مع درجة من الاستحقاق. ولذا ورد في الحكمة: أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك. وورد: “العفو عند المقدرة”، أي المقدرة على العقوبة.
فالمهم -كما قلنا- هو كون الإنسان ذا شر على الآخرين. وإذا أحرز الناس منه ذلك خافوا شره. فيكون من هذه الناحية مذموماً أيضاً. ولذا سمعنا الرواية: من خاف الناس لسانه فهو في النار. ولا خصوصية للسان بل المراد مطلق الشر بأي أسلوب كان.
والأدهى من ذلك: أن يكرمه الناس دفعاً لشره. عسى أن يرحمهم ويكفيهم سوء فعله. ولذا يقول: شر الناس الذين يكرمون اتقاء شرهم، وإلاَّ فالإكرام في نفسه جيد. غير أن مقصده على طرفه خبيث، لأنه لو لم يكن معلوم الشر لما أكرمه.
وهذا لا يختلف فيه الغني عن الفقير والشريف عن الوضيع والحاكم عن المحكوم والعالم عن الجاهل. كل ما في الأمر أن أشكال الشر التي يمكن صدورها منهم مختلفة لاختلاف إمكانياتهم واختلاف طبائعهم وطبقاتهم. كما أن إكرامهم يمكن أن يكون مختلفاً أيضاً.
ومن هنا يمكن القول: بأن هذا الإكرام، وإن كان مذموماً للطرف الذي يخاف الناس شره، إلاَّ أنه ليس مذموماً غالباً من قبل فاعله. بل قد يكون واجباً أو مستحباً أحياناً. ليدفع به عن نفسه البلاء. ما لم يبلغ درجة الاعتراض وعدم التسليم بالقدر الإلهي فيحرم، أو عدم الصبر على البلاء فيقبح أخلاقياً.
ــــــــــــ[240]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ــــــــــــ[241]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كتاب الجهاد
ــــــــــــ[142]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (1) معنى الجهاد
تحتوي فكرة الجهاد على محاولة دفع الصعوبة بصعوبة ضدها. فإذا لم تكن صعوبة في أحد الطرفين أو كليهما لم يكن جهاداً. كما لو كان دفع الشر سهلاً، أو كان الشر المدفوع بسيطاً. كما أن المفروض أن يكون الشر المدفوع أو الذي يراد دفعه، أن يراه الطرف شراً وأن يراه صعباً. سواء كان مصيباً في وجهة نظره أم مخطئاً. فلو لم يكن شراً لم يكن عمله ضده جهاداً. كما لو لم يكن يراه صعباً، كما لو كان صابراً عليه أو متماهلاً في دفعه، لم يكن جهاداً.
فالمهم هو محاولة دفع الصعوبة بصعوبة مع حسبان الصعوبة المقابلة شراً، وإن كان الفرد مخطئاً في نظره. ومن ذلك ما ورد: “اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت على قتله”. لأن وجود الحسين ، كان صعباً على أعدائه، وربما حسبوه شراً عليهم، لأنه يحاول فضحهم وإزالة ملكهم.
إلاَّ أن المهم في كتاب الجهاد هو أن يكون الطرف الآخر شراً وباطلاً حقيقة. أي من وجهة النظر الدينية والإلهية. ومن هنا يمكن تعريفه بأنه: محاولة دفع الشر الصعب بصعوبة.
ولم يؤخذ في هذه المحاولة أن تنجح وإن كان نجاحها هو الغالب، بل يعتبر الفرد مجاهداً وإن فشل. كما لم يؤخذ في الشر المدفوع أو المكروه، نوع معين من الشر. ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة، يعتبر السعي لدفعها
ــــــــــــ[243]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعرف.
أولاً: الكفار، لأجل إدخالهم في الإسلام أو تحت سيطرة الإسلام.
ثانياً: الكفار، لأجل دفع شرهم عند الهجوم على المجتمع المسلم، والخوف على بيضة الإسلام، كما يعبرون.
ثالثاً: المسلمون المحاربون للحق، وهم البغاة المذكورون في قوله تعالى: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّـهِ.
رابعاً: الفقر. ودفعه لأجل التوسعة على العيال جهاد.
خامساً: الشيطان. فإن محاولة دفع كيده ووسوسته جهاد.
سادساً: النفس الأمارة بالسوء. فإن محاولة كبحها وقمعها وكبت سيطرتها، جهاد. بل هو أعظم الجهاد.
وفي الرواية إنه الجهاد الأكبر. وإن الشجاع من قدر على كبح نفسه.
سابعاً: حاجة المحتاجين في المجتمع. فإن السعي لقضائها وإنجاحها جهاد، على أن لا يختص بواحد بل يكون الفرد متصدياً للمجتمع ككل. فيكون مجاهداً.
ثامناً: الجهاد لدفع مظالم المظلومين أينما كانوا، ومهما كانت ظلامتهم.
وبأي أسلوب مشروع تمت محاولة دفعه.
تاسعاً: الجهاد للدفاع النظري عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين. وتنوير من كان متصفاً منهم وهدايته إلى الصراط المستقيم.
عاشراً: الجهاد في تحمل المصاعب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل المجتمع المسلم وتركيز طاعة الله سبحانه وتقليل العصيان فيه.
وقد نستطيع أن نجد موارد أخرى للجهاد، لا حاجة الآن إلى استقصائها.
ــــــــــــ[244]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (2) ورود الجهاد في القرآن الكريم
وقد ورد معنى الجهاد في القرآن الكريم بكثير من هذه المعاني التي ذكرناها.
فالجهاد ضد الحق مشار إليه في قوله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا. وجهاد النفس الأمارة بالسوء مشار إليه في عدد من الآيات كقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.
وقوله تعالى: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّـهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
وجهاد الكفار لأجل إدخالهم في سيطرة الإسلام في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. وجهادهم النظري لأجل دفع مكرهم وشبهاتهم. في قوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً. والضمير في (به) يعود إلى القرآن الكريم. وفيه من العلوم الكافية لغنى البشرية ودفع كل شبهة.
وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه مشار إليه في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
ــــــــــــ[245]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وجهاد البغاة أشرنا إلى ذكره في القرآن الكريم.
وجهاد الشيطان ومدافعته وضرورة عصيانه مذكور في كثير من آيات القرآن الكريم. منها قوله تعالى: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً(44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً.
وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً. وقوله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ(19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ(20) كَتَبَ اللَّـهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.
وأما الجهاد لسد حاجة المحتاجين سواء في عائلة الفرد أم المجتمع، فيشمله قوله تعالى: اَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّـهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلّاً وَعَدَ اللَّـهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّـهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً. بعد الالتفات إلى أن الجهاد بالأموال قد يكون منضماً إلى الجهاد بالنفوس وقد يكون منعزلاً عنه. كما أن فكرة الجهاد بالأموال تشمل الجهاد في بذله، والجهاد في تحصيله لدى الضرورة إليه.
وأما الجهاد في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فموجود في كثير من آيات القرآن الكريم. منها قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. وقوله تعالى: ليْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ
ــــــــــــ[246]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
مِنَ الصَّالِحِينَ. وقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّـهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110) لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ. الأمر الذي يكشف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يصل إلى درجة القتال الفعلي والجهاد المقدس.
وأما الجهاد النظري للدفاع عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين.
فهذا هو من الأمر بالمعروف فتشمله نفس الآيات السابقة. مضافاً إلى قوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
ــــــــــــ[247]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (3) جهاد النفس
يحسن أن نتحدث فيما يلي عن بعض هذه الأنواع من الجهاد تفصيلاً. ومنها جهاد النفس.
روي -ما مضمونه-: “أنه حين رجع أصحاب الرسول ، من إحدى غزواته المهمة كبدر أو أحد، قال لهم : “رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر. قيل: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: جهاد النفس.
ومن هنا اصطلح المتشرعة على جهاد الأعداء بالجهاد الأصغر، وعلى جهاد النفس بالجهاد الأكبر.
ولا شك أن هؤلاء الأصحاب قد اندهشوا من كلام النبي  بعد مجاهدتهم الأعداء وتحملهم آلام الرماح والسيوف وانتصارهم على المئات والألوف. ومع ذلك فإنه  يسمي ذلك الجهاد بالجهاد الأصغر. ويكون شيء آخر أكبر منه وأهم هو الجهاد الأكبر. فماذا هو الأهم من الحرب الطاحنة والآلام المدمرة؟ ومن هنا قالوا له بدهشة وذهول، “وما هو الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: جهاد النفس”.
ويختلف جهاد النفس عن جهاد الغير بعدة نقاط منها:
1- إن العدو قد يموت بضربة أو ضربتين. في حين أن النفس لا تموت بعشرات الضربات.
2- إن العدو يمكن أن تفارقه، فلا تراه ولا يراك. في حين لا تستطيع أن
ــــــــــــ[248]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
تفارق نفسك طرفة عين.
3- إن العدو قد تكون ضربته عليك خفيفة أو يمكن تجنبها والابتعاد عنها. وهذا غير ممكن بالنسبة إلى النفس.
4- إن العدو ذو وجهة نظر معينة ورأي واحد أو عدد محدود من الآراء أو الاقتراحات، في حين أن النفس تتدخل في كل شيء وتعطي رأيها في القليل والكثير.
5- إنك تحس أن العدو هو غيرك وأنه منافسك وأنه يريد بك الضرر. في حين لا تحس نفس الشيء لنفسك. بل هي أنت فآراء نفسك هي آراؤك ولا يمكن أن تكون مضرة لأن الفرد لا يريد الضرر لنفسه.
6- إن العدو قد اتخذ رأيه بروية وتفكير وتعقل. في حين أن النفس تصر على بعض الأمور لمجرد الهوى والشهوة. ومن هنا قيل: إن الشهوات لا عقل لها. بل تريد إشباع نفسها بكل صورة. ومن هنا تصدق الحكمة القائلة: عدو عاقل خير من صديق جاهل.
7- إن العدو يمكن أحياناً أو في كثير من الأحيان المكر به والخديعة له. في حين لا يمكن ذلك للنفس لأن الإنسان لا يمكر بنفسه. وإذا حصل منه ذلك فإن نفسه تفهمها، لأنها حاضرة لديه.
8- إنك تشعر أنك تشمئز من عدوك ولا تحبه، في حين تحب نفسك وتشفق عليها وتدأب في توفير متطلباتها.
9- إن الفرد قد يمكنه التقصي عن آراء الآخرين والخلاص منها بعصيانها أو الابتعاد عنـها أو الهرب منها. في حين لا يتوفر ذلك بالنسبة إلى النفس.
10- إنك ترى أن آراء عدوك أياً كانت فهي باطلة ومزعجة، ولا أقل أنك
ــــــــــــ[249]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ترى آراء الآخرين قابلة للنقد والمناقشة في حين لا ترى في آراء نفسك أية مناقشة أو إزعاج لأنها آراؤك أو أنت مقتنع بها وواثق بصحتها وراكن إليها.
فهذه عشر مزايا للنفس عن الآخرين من أعداء وأصدقاء. ومن هنا لم يكن جهاد النفس مقنعاً للكثيرين ولا يؤمن به إلاَّ القلة القليلة من البشر.
ومن هنا أيضاً لم يكن جهاد النفس ناجحاً ومنتجاً، أو قل سريع النجاح والإنتاج. بل غالباً ما يفشل تماماً أو غالباً.
ومن هنا أيضاً، كان جهاد النفس صعباً وفظيعاً. يكفي أن النبي  في الرواية اعتبره الأكبر، في حين اعتبر المقارعة بالسيوف هو الأصغر والأهون والأخف.
ولا يبعد التمثيل في جهاد النفس بذلك التنين الخرافي ذي الرؤوس السبعة. فكلما قطعت منه رأساً نبتت فوراً له في محله سبعة رؤوس. ولن يموت ما لم تعرف مقتله، يعني محل ضربته القاتلة التي لا قيام له بعدها. هذا إذا لم تفر منه وتكفَّ عن قتاله أو تضعف عن مبارزته، أو يعضك بعضةٍ يدعك بها ثقيل الظهر قليل الوفر.
ومن هنا صح القول المسموع: أشجع الناس من جاهد نفسه. والقول: بأن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك.
وعداوتها ليست قليلة ولا هينة، لأنها لو أعطى الفرد لها الفرصة وأرخى لها الرسن فإنها توقعه في أضرار الدنيا والآخرة.
ويكفي في ذلك ما عرضناه من أن الشهوات لا عقل لها. إذن فالنفس لا عقل لها، والنفس غير العقل في باطن الإنسان. إذن فهي تريد متطلباتها مهما ترتب على ذلك من أضرار في الدنيا أو في الآخرة، ومن هنا ورد في الدعاء في وصفه أثر النفس: إنها تسلك بي سبيل المهالك وتجعلني عندك أهون هالك.
ــــــــــــ[250]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (4) تحكيم العقل في النفس
المفروض في الفرد إذا كان فاهماً لخير دنياه وآخرته. أن يحكم عقله في نفسه، لا أن يحكم نفسه في عقله. فبالرغم من أنه من السهل والطيب في نظر الفرد أن يكون عقله عبداً لنفسه ومنفذاً لأغراضها ولذاتها، إلاَّ أن المفروض في ذلك هو العكس. وهو أن يحكم عقله في نفسه ويكبح به شهواتها ولذاتها، ويأخذ منها عبوديتها للعقل، وإن أبت ذلك وتمردت عليه.
وبالأحرى فإن المفروض بالفرد أن يحكم المصلحة الواقعية لذاته وينجزها، فإن وجد ذلك في أحكام عقله أخذ بها، وإن وجدها في أحكام مجتمعه تصرف طبقاً لها. وإن وجدها في أحكام دينه سار عليها. ومهما يكن من حال، فليس لنفسه فيها نصيب.
إلاَّ أن هناك فقرةٌ صعبةٌ لا يجب أو يجب أن لا يهملها الفرد. وهي ظاهرة موجودة في كل الأفراد إلاَّ من عصمه الله. وهو أن النفس يمكنها أن توهم الفرد أن حكمها هو حكم العقل، فيجب الأخذ به. أو أن تأخذ بحكم العقل فعلاً، ولكنه قد يكون حكماً خاطئاً. أو أن تستخدم العقل لأجل تذليل مصاعب شهواتها وأهدافها الدنية، كمن يفكر ويخطط بعقله لأجل أن يسرق أو أن يزني أو أن يشرب الخمر.
وفي كل ذلك سيلبس الحكم ثوب كونه عقلياً، ويتخذ بنظر صاحبه قدسية وأهمية. فيتحمس من أجله. في حين أنه قد يكون هاجس نفسه أو شيطانه.
ــــــــــــ[251]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وهذا غير مسألة التفات الفرد إلى أن الحكم يجب أن يعصى أو يكذب إذا لم يثبت أنه من العقل. أو إذا ثبت كونه من النفس. فإن أغلب الأفراد لا يؤمنون بذلك ولا يلتفتون إليه، بل يجدون أغلب طموحاتهم ورغباتهم مشروعة وواجبة التنفيذ. ويعتبرونها حاجة ضرورية لا بد من السعي لإنجازها.
في حين أن الفرق بين حكم العقل وحكم النفس لا ينبغي أن يخفى. فإن النفس ليس لها أحكام نظرية. وإنما هي الرغبة والشهوة والطمع. وأوضح أمثلته الجوع والعطش والغضب. فكما قد يستهدف الفرد شرب كأس من الماء قد يستهدف الشهرة أو سرقة بناية أو الاستماع إلى أغنية حلوة.
وأما ما قد يقال: من أن التخطيط لإنجاز ذلك، هو من أحكام النفس فغير صحيح لأنه إنما هو من أحكام العقل. إلاَّ أنه حكم بذلك بصفته عبداً للنفس ومنفذاً لأغراضها. ومن هنا نسب إلى النفس مجازاً. لأن لها نحواً من التسبيب لها.
يكفي في ذلك الالتفات إلى أن ما يقال عادة من أن الحيوان لا عقل له إطلاقاً. قلنا إنه غير صحيح إطلاقاً بل له مقدار من العقل ما يزجي به حوائج نفسه ويحفظ به حياته.
ولو لم يكن له عقل إطلاقاً، لما فهم كيفية تلافي جوعه وعطشه وشهوته الجنسية. ولما أدرك طعامه وشرابه ومنامه. في حين أننا نرى الحيوانات يتصرفون في مثل ذلك بشكل جيد نسبياً. وهذا علامة وجود العقل عندهم لا محالة. وإن لم يكن بطبيعة الحال، كالعقل البشري، ولو كانت الشهوة فيه وحدها لقتلته.
وعلى أي حال، فقد حملنا بذلك، فكرة كافية عن التفريق بين اتجاهات النفس واتجاهات العقل.
ــــــــــــ[252]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (5) في أن الجهاد الأصغر مهم باعتباره تطبيقاً للجهاد الأكبر
وأنا أجد أن كل أنواع الجهاد الحق، إنما تكون حقاً ومرضية لله سبحانه، فيما إذا كانت مصداقاً وتطبيقاً لجهاد النفس، فإن جهادها يورث القناعة بالواقع الشخصي والرضا بالقدر والقضاء.
فإذا حصل ذلك كان الفرد مقتنعاً بحاله الصعبة التي هو فيها والتي دخلها مرغماً أو محرجاً، كالفقر أو الحرب أو المرض أو أية مصاعب أو بلايا في الدنيا. فيستطيع أن يقدم قناعته بصحة ذلك أمام الله سبحانه. فيكون على حق من زاوية توافق رضاه مع رضى الله سبحانه، حيث اختار له هذا النوع من البلاء، لا أنه يسخط ويتمرد على شيءٍ يرضاه الله سبحانه في خلقه.
فإذا لم يحصل الرضا والتسليم، كان الفرد في الباطل، ولم ينفعه الجهاد والبلاء الذي هو فيه، بل زاده شراً في الدنيا والآخرة. وإن كان الجهاد في نفسه حقاً.
ومن هنا يستطاع القول: بأن الجهاد الأصغر يعود في معناه إلى الجهاد الأكبر، أو هو جزء منه ولو لم يكن جزءاً منه لم يفد العبد ثواباً إطلاقاً. ومن هنا ورد: لا فتنة أعلى من السيف. لأن مؤداه التضحية بالنفس كاملة لله سبحانه وتعالى. ومن المعلوم أن الرضا بذلك والتسليم له من أفضل العبادات، بل هو أفضلها على الإطلاق، سواء حصل فعلاً أم لا. ومن هنا قيل: والجود بالنفس
ــــــــــــ[253]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أقصى غاية الجود.
وكما يمكن أن يهب الفرد نفسه لله عز وجل، يمكن أن يهب بعض صفاته أيضاً، كالصحة بتحمل المرض، والغنى بتحمل الفقر، والزواج بتحمل العزوبة. وغير ذلك الكثير. كل حسب حاله. على معنى الرضا والتسليم بتلك الحال التي اختارها الله تعالى له.
ــــــــــــ[254]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (6) في تحمل البلاء
والبلاء الذي يمكن للفرد أن يتحمله في الدنيا، إما اضطراري وإما اختياري. وكلاهما ينقسم إلى قسمين: فالاضطراري ينقسم إلى ما يتسبب من المؤثرات الخارجية القهرية كالمرض أو الجرح أو الرض نتيجة السقوط مثلاً وإلى ما يتسبب من فعل الآخرين. وهو في الغالب البلاء الأصعب والأهم، فإن البشر يؤذي بعضهم البعض لا محالة. ما دامت أنفسهم أمارة بالسوء فعلاً. ومن هنا نسمع بعضنا يدعو لبعض: كفاك الله شر ابن آدم. فلو استجاب الله هذا الدعاء زال حوالي تسعين بالمائة من مصاعب الدنيا.
وعلى أي حال، فكلا النوعين من البلاء يجب -أمام الله سبحانه- أن يواجهه الفرد بالرضا والتسليم.
وينقسم البلاء الاختياري إلى قسمين أيضاً: من حيث إنه مرة يفيد الآخرين وتارة لا يفيد به إلاَّ نفسه.
فإفادة الآخرين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، وبالحرب الجهادية عند حصول مشروعيتها، وبذل المال في سبيل المصالح الخاصة للآخرين كالتزويج أو المصالح العامة لهم كبناء مستشفى أو مسجد. فإذا أدى الفرد مثل هذه التضحيات راضياً لله عز وجل، كان سعيداً وشهيداً في الدنيا والآخرة.
وإفادة النفس تكون بما يسمى بالرياضات الروحية التي يتكفلها الإنسان
ــــــــــــ[255]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
لنفسه كالجوع والعطش والسهر. والناس في ذلك مختلفون، فمنهم من يتحمل الرياضات الشديدة، ومنهم من يعجز عن الضعيفة. وكلها تنتج التكامل الروحي والسمو في عالم المعنى. وأحياناً تنتج آثاراً وضعية غريبة وصفات لصاحبها غير معهودة. وكل ذلك يكون بقهر النفس وإرغامها بالمصاعب.
فإن قلت: كيف يجتمع قهر النفس وإفادة النفس؟ قلنا: نعم، النفس تستفيد من قهرها. كما قيل:
اقتلوني يا فتاتي إن في قتلي حياتي
أو نقول: إن ما يقهر ويكبت إنما هو درجة متدنية من النفس، لكي تحصل الفوائد الجمة في درجة عالية منها.
ــــــــــــ[256]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (7) في تحمل البلاء الاختياري
بقي أن نشير إلى أن تحمل البلاء الاختياري، قد يكون سبباً غالباً لدفع البلاء الاضطراري.
فإن الدنيا دار بلاء، ولا يستفيد الفرد في الآخرة إلاَّ من مزيد البلاء في الدنيا. فإن لم يكن الفرد مدركاً لأهمية البلاء الاختياري ولزومه له، بل كان سادراً في دنياه لاهياً عن أخراه، أتاه البلاء الاضطراري قهراً عليه. من أجل أن يعي واقعه وأن يلتفت إلى خالقه.
وهذا هو النوع الأغلب من البلاء. باعتبار أن أكثر البشر من هذا النوع الذي يكون مستحقاً له، وأما إذا اختار الفرد لنفسه البلاء الاختياري، بأي واحد من قسميه أو بكلا قسميه، فقد حصل سبب الثواب والتكامل، فلا تبقى هناك حاجة لحصول البلاء الاضطراري. فيدفعه الله تعالى عنه. ومن هنا ورد بالمضمون: من أعرض عن الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة. ولا يجمع الله سبحانه على الفرد البلاءين -الاضطراري والاختياري- إلاَّ نادراً، حين يراه متحملاً صابراً من ناحية، ومستحقاً لمزيد الثواب من ناحية ثانية.
وإذا حصلت درجة من الضيق من البلاء الاضطراري أمكن التخفيف من البلاء الاختياري. لكي لا تجزع النفس فيرتفع الرضا والتسليم ويسقط الثواب. ومن هنا ورد عن بعض الأئمة سلام الله عليهم: أنه كان إذا اشتد به الحال قلل من النوافل.
ــــــــــــ[257]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (8) في الجهاد الفردي والجهاد الاجتماعي
عرفنا أن البلاء الاختياري أو الجهاد الاختياري قسمان: اجتماعي وفردي. وكلاهما موجب للتكامل والثواب، ما دام الإخلاص في النية حاصلاً. ومعنى ذلك أن الفرد يستطيع أن ينال من كلا القسمين ليتكامل بكلا السببين.
غير أن هنا إشكالاً على الجهاد الاختياري الاجتماعي. من حيث إن الجهاد الفردي خير منه، لأنه يتضمن العزلة والابتعاد عن الناس قليلاً أو كثيراً، ومن ثم يستطيع الفرد بذلك أن يكفى كثيراً من المصاعب الدنيوية والمعنوية الناتجة عن الاختلاط بالمجتمع. على حين لا تكون إفادة الآخرين إلاَّ الاتصال بهم، وإن لزم من ذلك بعض المضاعفات فأي من هذين النوعين يجب أن يتخذه الفرد، ليكون مرضياً لله عز وجل.
ولذلك عدة أجوبة محتملة نذكر منها:
الأول: أن يختار الجهاد الاجتماعي، لأنه يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الشعائر الدينية ونحو ذلك. مما هو مطلوب وجوباً أو استحباباً في الشريعة في حين أن الجهاد الفردي بالجوع والعطش مما لم يثبت فيه ذلك.
إلاَّ أن هذا الوجه غير تام لأكثر من جواب واحد:
أولاً: إن الفرد لا يمكنه أن ينفع المجتمع نفعاً صحيحاً ما لم يكن هو
ــــــــــــ[258]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
متكاملاً. فإن الفائدة التي يؤديها الناقص ناقصة لا محالة. بخلاف الفائدة التي يؤديها الكامل. كما قال الشاعر:
يا أيهـا الرجــل المعلـم غيــره هـلا لنفسك كان ذا التعليـم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيــما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّــهـــا فـإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فإذا لم يتكامل بالجهاد الفردي، لم يكن الجهاد الاجتماعي منه متكاملاً ومقبولاً.
ثانياً: إن ما زعمه السائل من عدم ثبوت الدليل على رجحان الجهاد الفردي، قصور في القول. لوضوح أن الزهد مطلوب في الشريعة أكيدا ً. والتكامل الروحي والعقلي مطلوب أيضاً، فكلما كان سبباً لذلك كان مطلوباً أيضاً. والجهاد الفردي مع الإخلاص في النية سبب لذلك بلا شك.
الثاني: أن يختار الجهاد الفردي ويدع الجهاد الاجتماعي تماماً. وهذا ما عليه حال العباد والزهاد والصوفية بمختلف مذاهبهم وعقائدهم. بعنوان ما أشرنا إليه من أن تقويم النفس خير من تقويم الغير. وأن تحصيل التكامل المعنوي أولى من تحصيل التكامل الاجتماعي. وأن العمل الاجتماعي فيه مظنة الرياء وحب الدنيا ونحو ذلك، في حين لا يكون ذلك في الاعتزال موجوداً.
وهذا ليس صحيحاً على إطلاقه، بل قد يكون -في الغالب- ناتجاً من قلّة الشعور بالمسؤولية الدينية، بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضاء حاجة المحتاجين، التي كثيراً ما تكون واجبة شرعاً. فهل يترك الواجب الشرعي في سبيل إنجاز شيء مستحب؟!
الثالث: أن يختار الفرد العمل بكلا النوعين، حسب ما يشعر وجداناً في
ــــــــــــ[259]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كونه أرضى الله عز وجل. وهذا أمر يختلف بين الأفراد جداً. وليس له ضابط معين سوى الشعور بكونه أرضى لله عز وجل.
وما يقال عادة: من أن الجهاد الاجتماعي يستلزم الاختلاط بالأفراد، وهذا الاختلاط يورث تشوش النفس، ومن ثم وقوف التكامل. ونحو ذلك من التسويلات.
فجوابه: لأكثر من وجه واحد:
أولاً: إن كلاً منهما عبادة مطلوبة لله عز وجل إجمالاً، وأي منهما جاء به الفرد مع إخلاص النية، كان مقبولاً وسبباً للتكامل.
ومعنى إخلاص النية في الجهاد الاجتماعي: أن الفرد يستغني في عمله ذاك عن نوايا الرياء والعجب وحب الدنيا ونحو ذلك.
ثانياً: إن كلا النحوين من الجهاد -الفردي والاجتماعي- له درجة من الصعوبة. وكلما كان الجهاد أصعب كان أرضى لله عز وجل، كما قيل أفضل الأعمال أحمزها.
ومن المعلوم في الأعم الأغلب أن الجهاد الاجتماعي أصعب من الجهاد الفردي، في الحاضر وفي المستقبل أما في الحاضر ففيما قد يراه الفرد من الآخرين من ردود فعلٍ سيئةٍ تجاهه قلّت أو كثرت. وأما في المستقبل فللمخاوف مما قد يحصل من مضاعفات سيئة دنيوياً وبلاء ضده. فإذا وضع في فكره تحمل ذلك. كان مجاهداً بالجهادين معاً: الأصغر والأكبر. ومستفيداً للمقامات المعنوية لا محالة.
ــــــــــــ[260]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (9) عموم السلوك المعنوي لسائر الأديان
ومما لا ينبغي إهماله الالتفات إلى أن ما سميناه بالجهاد الفردي أو السلوك المعنوي الروحي، مما يلتزم به عدد من الناس من مختلف الأديان والمذاهب. وقد نرى انه ناجح ومنتج للجميع، ولا يخص ديناً دون دين ولا مذهباً مذهب. في حين ان المفروض اختصاصه بالعقيدة الحقة فكيف حصل ذلك؟
وجوابه من وجوهٍ، نذكر منها:
الوجه الأول: إن ما قيل في السؤال صحيح أكيداً، إلاَّ أن الدرجة المعنوية أو الروحية التي يصل إليها الفرد تختلف لأسباب عديدة منها ما هو داخل تحت سيطرة الفرد وقدرته كإدراكاته وطلبه، ومنها ما هو خارج منها كتأثير الآخرين ضده بما يعلمون وبما لا يعلمون، وكتأثير الحكمة المطلقة في حرمانه من بعض النتائج.
فإذا اقتضت كل تلك الأسباب وصوله إلى درجة معينة، وصل إليها، وإن لم تقتض ذلك حرم منها.
ومن المعلوم أن اختلاف الإدراك والأديان، يقتضي اختلاف الأهداف المطلوبة للفرد في جهاده الفردي. فإذا أوصله جهاده إلى أية مرتبة، فقد أصبح محروماً من المرتبة التي فوقها. لأنه لم يلتفت إليها ولم يطلب الوصول إليها؛ لأن مستوى إدراكه هو ذلك.
ــــــــــــ[261]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الوجه الثاني: إننا نعلم أن الأهداف العليا المعنوية الحقانية، لا تنال إلاَّ بالولاية الحقانية. وأما بدونها فلا، بل يبقى الفرد متردداً في المقامات الأدنى منها، مهما تخيل نفسه مرتفعاً وواصلاً. فهو متوهم وخاطئ لا محالة.
الوجه الثالث: إن هناك ما يسمى بالعوالم الوسطى أو البرزخية وتسمى قوانينها بالقوانين الوسطى. ومن أوضح أمثلتها المعروفة السحر بأنواعه والباراسايكولوجي بأنواعه. فإنها كلها تنتج نتائج غريبة وغير متوقعة وخارقة للنواميس الطبيعية الكونية. ولكنها مع ذلك فهي متدنية عن الأهداف الروحية الحقانية.
ومن هنا تتصف بعدة صفات:
أولاً: أنها لا تعتبر وصولاً إلى أي هدف حق.
ثانياً: إن طلبها لا يختلف عن طلب الدنيا كثيراً، بل هو انشغال بالمخلوق عن الخالق.
ثالثاً: إنها تحصل لأي دين ولأي مذهب. مع العلم أن الدين الحق واحد لا يتعدد. فيكف تحصل لدى من يكون باطلاً في دينه، إلاَّ كونها متدنية. وأما الهدف الأعلى فلا يحصل إلاَّ بالحق.
رابعاً: إن هذا السير الفكري ينتج أن للكون أو الوجود بالمعنى العام ثلاثة مستويات من القوانين:
المستوى الأول: القوانين الطبيعية المعهودة للكون المادي.
المستوى الثاني: القوانين الوسطى للعوالم الوسطى.
المستوى الثالث: القوانين العليا للعالم الأعلى.
ــــــــــــ[262]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فمن المستوى الأول ينتج التبريد في الصيف والتدفئة في الشتاء مثلاً. ومن المستوى الثاني تنتج نتائج السحر والشعبذة والباراسايكولوجي، ومن المستوى الثالث تنتج المعجزات والكرامات.
ومن هنا قلنا في مناسبات سابقة إن من أهم الاختلافات بين نتائج السحر ونتائج المعاجز، هو القوانين الصادرة منها. فبينما يكون السحر ناتجاً عن القوانين الوسطى تكون المعجزة ناتجة عن القوانين العليا.
ولكن نقطة صعوبة ذلك، هو عدم إمكان التمييز بين هذين الشكلين من القوانين بالنسبة إلى الأفراد الاعتياديين. فإنه مما لا ينالها إلاَّ ذو حظ عظيم، من خاصة الخلق.
خامساً: إن نتائج القوانين الوسطى، لا تكون دليلاً على أحقية المذهب أو الدين للفرد الذي يعملها ويعاملها. لأنها تنتج من مختلف المذاهب والأديان. مع أن الحق واحد عقلاً وإجماعاً، بخلاف نتائج القوانين العليا، فإنها تدل على صحة معتقدات أصحابها ومدعياتهم، ومن هنا كانت المعجزات دليلاً على صدق النبوة، لأن الأنبياء يكونون على هذا المستوى العالي لا محالة. ولا يمكن أن تصدر عنهم ولا عن أي فرد إذا كان كاذباً أو سقيماً في سلوكه أو عقيدته.
ــــــــــــ[263]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (10) من كلام لأمير المؤمنين
من قول سيد الخلفاء وأمير المؤمنين في الزهد بالدنيا وما فيها.
“انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادفين عنها. فإنها والله عما قليل تزيل الثاوي الساكن وتفجع المترف الآمن. لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر. سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن. فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها.
رحم الله امرأً تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر. فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن. وكأن ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل. وكل معدود منقضٍ وكل متوقع آتٍ وكل آت قريب دان”.
ومن خطبة له في ذلك أيضاً:
“أما بعد، فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وراقت بالقليل، وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور. لا تدوم حيرتها ولا تؤمن فجعتها. غرارة ضرارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة، أكالة غوالة.
لا تعدو -إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضاء بها- أن تكون كما قال الله تعالى: كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّـهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً
ــــــــــــ[264]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
لم يكن امرؤ منها في حيرة إلاَّ أعقبته بعدها عبرة. ولم يلق في سرائها بطناً إلاَّ منحته من ضرائها ظهراً. ولم تطله فيها ديمة رخاء إلاَّ هتنت عليه مزنة بلاء وحيريٌ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة وإن جانب منها اعذوذب واحلولى، أمر منها جانب فأوبى.
لا ينال امرؤٌ من غضارتها رغباً، إلاَّ أرهقته من نوائبها تعباً. ولا يمسي منها في جناح آمن إلاَّ أصبح على قوادم خوف.
غرارة غرور ما فيها. فانية فان من عليها. لا خير في شيء من أزوادها إلاَّ التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه وزال عما قليل عنه.
كم واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة قد صرعته، وذي أبهة قد جعلته حقيراً، وذي نخوة قد ردَّته ذليلاً، سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلولها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام. حيّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وموفورها منكوب، وجارها محروب.
ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعد عديداً وأكثف جنوداً! تعبدوا للدنيا أي تعبد وأثاروها أي إيثار. ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع. فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة؟!
بل أرهقتهم بالفوادح وأوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب،
ــــــــــــ[265]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وعفرتهم للمناخر ووطأتهم بالمناسم. وأعانت عليهم ريب المنون. فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها، وآثرها وأخلد إليها، حتى ضعفوا عنها لفراق الأبد.
وهل زودتهم إلاَّ السغب أو أحلتهم إلاَّ الضنك أو نورت لهم إلاَّ الظلمة أو أعقبتهم إلاَّ الندامة!
أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون!
فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها. فاعلموا – وأنتم تعلمون – بأنكم تاركوها وطاعنون عنها. واتعظوا فيها بالذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفاناً. وجعل لهم من الصفيح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران”.
إلى آخر الخطبة.
ومن خطبة أخرى له  في ذلك:
“يدعي بزعمه أنه يرجو الله. كذب والعظيم! ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله! فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله. وكل رجاء -إلاَّ رجاء الله تعالى- فإنه مدخول. وكل خوف محقق إلاَّ خوف الله فإنه معلول. يرجو الله في الكبير ويرجو العباد في الصغير، فيعطي العبد ما لا يعطي الرب! فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده. أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً، أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً. وكذلك إن هو خاف عبداً من عبيده، أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه، فجعل خوفه من العباد نقداً، وخوفه من خالقه ضماراً ووعداً. وكذلك من عظمت الدنيا في عينه، وكبر موقعها في قلبه، آثرها على الله تعالى فانقطـع إليها وصار عبداً لها.
ــــــــــــ[266]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ولقد كان في رسول الله . كاف لك في الأسوة، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها. وفطم عن رضاعها وزوي على زخارفها.
إلى أن قال (عليه الصلاة والسلام):
فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه، فإن قال: أهانه، فقد كذب والعظيم. وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه.
فتأسى متأس بنبيه، واقتصى أثره وولج مولجه. وإلاَّ فلا يأمن الهلكة. فإن الله جعل محمداً  علماً للساعة ومبشراً بالجنة ومنذراً بالعقوبة. خرج من الدنيا خميصاً، وورد إلى الآخرة سليما. لم يضع حجراً على حجر حتى مضى لسبيله، وأجاب داعي ربه. فما أعظم منة الله عندنا، حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه، وقائداً نطأ عقبه! ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها. ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها. فقلت: اعرب عني. فعند الصباح يحمد القوم السرى!”.
ــــــــــــ[267]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (11) خطبته في وصف المؤمنين
ومن خطبة له  في وصف المؤمنين:
“روى أن صاحباً لأمير المؤمنين ، يقال له همام، كان رجلاً عابداً، فقال: يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم. فتثاقل  من جوابه. ثم قال: يا همام اتقِ الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه. فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ، ثم قال:
أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى، خلق الخلق -حين خلقهم- غنياً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه. فقسم بينهم معايشهم ووضعهم في الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع.
غضّوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم. نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب.
عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم. فهم والجنة كمن قد
ــــــــــــ[268]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
رآها فهم فيها منعمون. وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة.
صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة، يسرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها.
أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً. يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا أنها نصب أعينهم.
وإذا مروا بآية فيها تخويف، أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم. فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم. يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم.
وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح. ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض. ويقول: لقد خولطوا! ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير. فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون. إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي!
اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون.
فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزماً في لين وإيماناً في
ــــــــــــ[269]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
يقين. وحرصاً في علم وعلماً في حلم وقصداً في غنى وخشوعاً في عبادة، وتجملاً في فاقة وصبراً في شدة وطلباً في حلال ونشاطاً في هدى وتحرجاً عن طمع. يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر. يبيت حذراً، ويصبح فرحاً. حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة.
إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب. قرة عينه فيما لا يزول وزهادته فيما لا يبقى. يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل. تراه قريباً أمله قليلاً زللـه، خاشعاً قلبه قانعة نفسه. منزوراً أكله سهلاً أمره، حريزاً دينه، ميتة شهوته مكظوماً غيظه.
الخير منه مأمول والشر منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب من الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين.
يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه. بعيداً فحشه ليناً قوله غائباً منكره حاضراً معروفه، مقبلاً خيره، مدبراً شره.
في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرضاء شكور. لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب.
يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ ولا ينسى ما ذكر ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار ولا يشمت بالمصائب ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق.
إن صمت لم يغمه صمته وإن ضحك لم يعل صوته. وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له.
نفسه منه في عناء والناس منه في راحة. أتعب نفسه لآخرته، وأراح
ــــــــــــ[270]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الناس من نفسه. بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة. ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة.
ليس تباعده بكبر وعظمة ولا دنوه بمكر وخديعة.
قال: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها.
فقال أمير المؤمنين : أما والله لقد كنت أخافها عليه.
ثم قال: أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها!
فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين.
فقال: ويحك إن لكل أجل وقتاً لا يعدوه وسبباً لا يتجاوزه، فمهلاً لا تعد لمثلها. فإنما نفث الشيطان على لسانك”.
ــــــــــــ[271]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (12) مناقشة بعض الإشكالات عن الزهد
ومن زهده  أنه كان يكسر قرص الشعير بركبته ويأكله، لشدة جفافه. كما أن المروي أنه دعا ابنته بجلب الطعام فأتته بخبز الشعير مع ملح وخل، فزجرها وقال لها: “أتقبلين أن يطول وقوف أبيك يوم القيامة”. وأمرها أن تحمل أحد الإدامين فحملت الخل واكتفى بإدام الملح.
ولنا به كما لنا برسول الله  أسوة حسنة.
غير أن هنا بعض الإشكالات المشورة التي قد تتوجه إلى اللزوم الأخلاقي في الالتزام بهذه المراتب من الزهد، أود إيراد بعضها مع ما أمكن من مناقشتها:
الإشكال الأول: إن أمير المؤمنيننفسه رفع عنا هذا الثقل بمثل قوله: “ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك. ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد”.
أقول: فإذا كنا لا نقدر على ذلك فكيف يكون المطلوب منا ما لا نقدر عليه، وهل هذا إلاَّ من طلب المحال؟
وجوابه: من عدة وجوه:
أولاً: إنه ثبت بالتأكيد أن زهد أمير المؤمنين  وعبادته، مما لا يطيقها أحد، حتى أبناؤه المعصومين  فضلاً عن غيرهم. ولذا ورد عن الإمام زين العابدين  وهو من أشهر الزاهدين العابدين قوله: “ومن الذي يقدر على
ــــــــــــ[272]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
عبادة علي بن أبي طالب؟”
إلاّ أن هذا لا ينافي صحة السير في هذا الطريق ومطلوبيته ورجحانه من كل فرد بمقدار ما أمكنه وتيسر له. ولو بالتدريج البطيء والتمرين المستمر.
ثانياً: إن كل ما قيل في الإشكال عن حال أمير المؤمنين يقال عن حال رسول الله ، فإن عبادته وزهده مما لا يطيقها أحد، فإنها لا تقصر عن عبادة أمير المؤمنين وزهده. ولكن مع ذلك نص القرآن بوجوب الأسوة الحسنة برسول الله (ص). فإذا تمّ الإشكال، كان هذا الأمر القرآني خاطئاً، وحاشاه، لأنه من الأمر بالمستحيل.
ثالثاً: إن هؤلاء المعصومين (سلام الله عليهم) تزهدوا، وهم في غنى عن الزهد. لأن الزهد يطلب من أجل تطهير النفس والتكامل بها في الدرجات العلا. وهم سلام الله عليهم متصفون بذلك. فلا حاجة لهم إلى مقدماته وهو الزهد.
في حين أن الآخرين جميعاً في حاجة إلى التكامل لأنهم ناقصون ومتدنو الدرجات والكمالات فهم في حاجة إلى مقدماته وهو الزهد، فإذا كان من الراجح اتخاذ مسلك الزهد لمن لا يحتاجه أدباً أمام الله سبحانه وتعالى، فكيف الحال بمن يحتاجه وليس له باب للتكامل إلاَّ به؟!
رابعاً: أنه (سلام الله عليه) حين قال: “إلاَّ أنكم لا تقدرون على ذلك. قال أيضاً: ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد”. فهل أننا حين أيسنا من زهده وتركنا الزهد، أعناه على أنفسنا بهذه الأمور. وهل عرفنا معنى هذه الأمور، ومرمى كلامه سلام الله عليه، وطبقناه على أنفسنا؟!
أسفاً للإشكالات الواهية والنفوس الخاوية.
ــــــــــــ[273]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (13) الإشكال الثاني والإشكال الثالث
الإشكال الثاني: إن أمير المؤمنين كان يتخذ مسلك الزهد بصفته أميراً للمؤمنين أو رئيساً للدولة أو متصرفاً في المجتمع وليس بصفته مسلماً اعتيادياً، ليكون من الراجح اتخاذ نفس لسائر المسلمين.
والشاهد على ذلك أنه يقول، فيما يقول أيضاً: فكيف أرضى أن يقال:
أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر وخشونة العيش.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إنه لا شك أن منصب الإمارة والرئاسة على المجتمع أولى بكثير من الأفراد الاعتياديين بذلك، وهذه الدرجة من الأولوية الأخلاقية كان يشعر بها سلام الله عليه. ومن هنا عبّر عنها في هذه الفقرة من كلامه. وهو لا ينافي وجود الرجحان الكامل بالنسبة لغيره أيضاً. كل ما في الأمر أنه رجحان أقل من تلك المرتبة العظيمة.
الوجه الثاني: إننا يمكن أن نتحدى أي أحد في أن يورد لنا أي دليل على أن الزهد ساقط تماماً عن غير منصب الرئاسة والإمارة. وهذه العبارة التي سمعناها عنه ، لا تدل على نفيه عن غيره، وإن دلت على أهميتها بالنسبة إليه.
الوجه الثالث: إن الدليل موجود على لزوم المواساة أخلاقياً بين كل الناس. ولا يختص بمنصب معين. وذلك كقوله في بعض الأدعية: “اللهم
ــــــــــــ[274]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ارزقني مواساة من قترت عليه من رزقك بما وسعت عليّ من فضلك وأحييتني تحت ظلك”. ومن الواضح أن مواساة الفقير تكون بعدم الزيادة على مستوى حياته من المأكل والملبس والمسكن. وإن كان الفرد متمكناً منها.
الوجه الرابع: إنه لو تمّ قول المستشكل للزم الفتوى فقهياً بوجوب الزهد على من يتولى رئاسة المجتمع، كالملك أو رئيس القبيلة أو المرجع الديني أو رئيس الجمهورية وأضرابهم، في حين لا يفتي أحد بذلك إجماعاً.
ونماذج المتدينين الذين أصبحوا في مثل هذه المناصب موجودة – ولو قليلاً – على مدى التاريخ. ولم ينقل عنهم أنهم التزموا بالزهد الواجب.
وهذا معناه أن الفقهاء فهموا فعلاً من الشريعة عدم وجوب الزهد على مثل هذه المناصب. إذن فالأمر يكون شاملاً حتى لأمير المؤمنين (ع)، يعني أن الزهد لم يكن واجباً عليه بهذه الصفة كما زعم المستشكل.
الإشكال الثالث: إن الموارد في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانت ضعيفة والزراعة والصناعة والتجارة قليلة ومتدنية. ومن هنا كان الناس يكتفون بالقليل من المأكل والملبس والمسكن، لأنهم لم يكونوا يستطيعون أكثر من ذلك. وكان مسلك الزهد مبنياً على ذلك. يعني كونه تجاوباً مع الظروف المعيشية. وإلاّ لو كان الأمر مختلفاً لما كان زهد الزاهدين موجوداً.
ويدل على ضعف الموارد ما ورد عن عائشة: إننا ما شبعنا من التمر حتى فتح الله خبير. وفي الرواية عن بعض الأئمة المتأخرين عن تلك الحقبة، حين يسأل عن حسن لباسه مع تقشف أمير المؤمنين  فيجيب بما مضمونه: أنه كانت الظروف الاقتصادية صعبة. وأما اليوم فقد أرسلت السماء عزاليها. يعني أمطرت وأنتجت زراعة كافية. إذن فلا حاجة إلى الزهد.
أقول: أما ما أشرنا إليه من ترك الزهد في العصر المتأخر عن صدر
ــــــــــــ[275]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الإسلام. فهذا ما سنجيب عليه في الإشكال الآتي. ولكن نجيب الآن عن الإشكال الحالي. من كون الزهد في صدر الإسلام ناشئاً عن الظروف الصعبة اقتصادياً، ليس إلاَّ.
وجوابه من وجوه:
أولاً: إن الظروف لم تكن صعبة إلى هذه الدرجة، وكانت التجارة السنوية بين مكة والشام ومكة واليمن ناجحة ورابحة رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ، وكان هناك عدد من المتمولين الأثرياء في عصر الجاهلية وصدر الإسلام.
ثانياً: إن المعصومين سلام الله عليهم كانوا يستطيعون أن يكونوا من المتمولين دنيوياً لو أرادوا ذلك. ولكنهم رفضوه عن قناعة وعمد. وقد سمع الجميع ما في الرواية من أن قريش قد عرضت على النبي أن تجعله ملكاً على المنطقة وأن تمكنه من الأموال والنفوس بشرط أن يتنازل عن دعوته فأبى قائلاً: والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه. وكان في مستطاعه القبول منهم على أي حال.
وأما أمير المؤمنين فيقول في بعض خطبه: “لو شئت لاهتديت إلى نسائج هذا القز، ومصفى هذا العسل”. وهذا كاف في العبرة لنا أجمعين.
ثالثاً: إن زهدهم (سلام الله عليهم) كان أكثر من ظروفهم مهما كانت صعبة. ولو كانوا تبعاً للظروف لما فعلوا ذلك بكل تأكيد.
فمن ذلك ما سمعناه عن رسول الله  أنه كان يأمر زوجته بإماطة القماش الذي عليه التصاوير لأنه يذكره بالدنيا. وما سمعناه عن أمير المؤمنين من أنه أمر ابنته بحمل أحد الادامين الموجودين مع قرص الشعير. وما سمعناه عنه : “ولقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها”. وقد كان في
ــــــــــــ[276]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
مستطاعه أن يجددها. ولذا يقول بعد ذلك: “ولقد قيل لي: هلا تنبذها. فقلت: اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى”. يعني عند رؤية الثواب والمنازل العالية في الآخرة.
رابعاً: إنه يصادف خلال الأجيال أن يمر بعض المجتمعات المسلمة في أزمات اقتصادية وفقر ومصاعب. فهل سوف يقنع الناس بالقليل ويتخذون مسلك الزهد عن قناعة وفهم؟ بل سوف لن نسمع منهم إلاَّ الاستغاثة والاعتراض على القضاء والقدر ولعن الظروف القاسية، ولن نرى منهم إلاَّ الاشمئزاز وقلة الصبر على البلاء.
فإن قلت: فإن الناس في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانوا متعودين على التقشف، ولم يكن يخطر في بالهم غير ذلك، لكي نسمع منهم الاعتراض والتمرد كما سمعناه من غيرهم.
قلنا: كلّا. فإن صورة الترف والثروة كانت معروفة لهم جميعاً، وكان في مجتمعهم من هو ثري يعيش بالبذخ والإسراف. فضلاً عن الأخبار التي تردهم عن دول الأكاسرة والقياصرة وما فيها من رفاه وحضارة.
إذن، كان هناك مجال واسع للاعتراض وقلة الصبر في ذلك المجتمع، مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك ولو بخبر ضعيف.
ــــــــــــ[277]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (14) الإشكال الرابع والإشكال الخامس
الإشكال الرابع: ما أشرنا إليه من أن الزهد إن كان خاصاً ببعض المعصومين  ولم يكن عاماً للجميع. فلقد كان عدد منهم كالإمام الحسن المجتبى والإمام الباقر والإمام الصادق  يلبسون اللباس الفاخر ويأكلون الطعام الفاخر، وينصحون الآخرين بذلك. فإذا سألوهم عن ذلك قالوا: إن زهد المتقدمين كان لصعوبة الزمان.
فإذا كان لنا بالمعصومين  أسوة حسنة. فنحن نكون بالخيار بين الزهد وعدمه، لأن بعضهم كان هكذا وبعضهم كان هكذا.
بل ينبغي لنا أن نتبع جانب الأغلب، لأن أغلبهم لم يكونوا من الزاهدين المتقشفين.
وجواب ذلك من وجوه:
أولاً: إنه لا دليل على كون طعامهم ولباسهم فاخراً بالمعنى الدنيوي، وإن كان أفضل من بعض الجهات من صدر الإسلام.
ثانياً: إن المصلحة العامة الظاهرية كانت تقتضي ذلك. باعتبار كون المجتمع في ذلك الحين كان قد اعتاد على أنواع اللباس والرياش، وخاصة للمشاهير والرؤساء، وكان يعد الشخص المخالف لمثل هذه الحال ذليلاً ومحتقراً.
ولا شك أن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم، كانوا مشاهير ورؤساء في
ــــــــــــ[278]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المجتمع في الجملة، وإن لم تكن لهم الرئاسة الفعلية، فكانت المصلحة العامة تقتضي تجاوبهم مع هذا المسلك، وعدم إعطاء الأعداء مغمزاً ونقطة ضعف يدخل منها النقد والتجريح.
ثالثاً: ما ورد من أن الإمام سلام الله عليه، بينما كان يلبس اللباس الفاخر ظاهراً كان يلبس تحته لباساً صوفياً مؤلماً لجلده، بينما يفعل بعض الزاهدين بالعكس. فهو يلبس الصوف والمسوح ظاهراً ويلبس تحته قماشاً رقيقاً يقي جلده من الألم.
وإذا جمعنا بين الوجهين الآخرين اتضح المطلب بجلاء. وأصبح ما ورد في الرواية مفهوماً تماماً حين يقول : “هذا لكم وهذا لنفسي”.
أقول: يعني هذا للناس وهو اللباس الفاخر، وهذا لله وهو اللباس المؤلم الداخلي.
وهذا كله ينتج أن كل المعصومين سلام الله عليهم زهاد عباد. ولكن بعضهم زهدهم ظاهر كمن كان منهم في صدر الإسلام، وبعضهم زهدهم خفي. إذن ينسد وينقطع ما قلناه في الإشكال من أننا نتبع الأغلب ونترك الزهد. بل ينتج أن المتعين هو طريق الزهد لأن جميعهم متسالمون عليه بشكل وآخر.
الإشكال الخامس: أنه ورد في بعض الروايات ما قد يستفاد منه النهي عن الزهد.
وذلك في روايتين:
الأولى: بما مؤداه أنه جيء إلى الإمام  بشخص متزهد يأكل الجشب ويلبس الخشن. فزجره وعنفه وقال له: “إن الله تعالى غني عن زهدك، وإن حالك إنما هو من الشيطان”.
الثانية: ما ورد بما مؤداه أن شخصاً يقول للإمام : “إني أصبحت أفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة والموت على الحياة. فأجاب
ــــــــــــ[279]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الإمام : أما أنا فأفضل ما اختاره الله تعالى لي من هذه الأحوال”.
فإن دلت هذه الروايات على شيء، فإنما تدل على نفي الزهد وإبعاد الناس عنه وعدم التفكير بنتائجه، كتفضيل الفقر على الغنى ونحو ذلك.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن هناك أشخاصاً قد تتصاعد عندهم الرغبة في الزهد أكثر من تحملهم وطاقتهم وصبرهم. فيتخذون مسلكاً صعباً على أنفسهم ويحملون أنفسهم ما لا يطيقون. وهذا معنى خاطئ لأن فيه مضاعفات محتملة بل أكيدة، غير محمودة. بل لا بد أن يكون الزهد تدريجياً وتحت إشراف وبحذاقة وفهم. ولا يكون بتسيب ولا بتسامح، لكي ينتج نتائجه المفضلة.
وعندئذ أمكن أن نقول: إن مثل هذا الشخص زجره الإمام عن الزهد، لأنه لم يكن قادراً على تحمله أو لم يكن مناسباً له أو كان قد خطى فيه خطوات صعبة. فلم يكن من الإمام (ع) إلاَّ أن زجره عن مسلكه مع عدم إمكان تفهيمه -الفرق الذي أشرنا إليه- باعتبار قانون: كلم الناس على قدر عقولهم. وإذا بقي على مسلكه فسوف يؤول إلى الفساد بدل أن يصير إلى الصلاح. فكان خيراً له تبديل حاله وتغيير مسلكه. ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
الوجه الثاني: إن الإمام . لو أقر هذا المتزهد ومدحه لفتح باباً في الدين أراده الأئمة مغلقاً. بمعنى أنه لو أقره على مسلكه لفتح للآخرين باب السير عليه والاتخاذ له، ولأصبح كثير من أفراد المجتمع من الزاهدين.
وهذا ليس فيه مصلحة، كما عهدنا قبل قليل بأن الأئمة  أرادوا دائماً إغلاق بابه. وذلك لعدة مصالح منها:
ــــــــــــ[280]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أولاً: إن الزهد ينتج نتائج جيدة في عالم التكامل العقلي والروحي. تلك النتائج التي ينبغي أن تختص بالأفراد والأفذاذ المستحقين لها. ولا تتوزع بين الناس من الفسقة والمنحرفين وغيرهم.
ثانياً: إن هذا الباب لو فتح للناس، لأصبح المجتمع في تسيب من هذه الناحية، فقد يحملون على أنفسهم ما لا يطيقون، فتحصل نتائج غير محمودة كما أشرنا.
ثالثاً: إنه مع زيادة الزهاد في المجتمع تنسد باب الحاجات الاجتماعية والفردية في المجتمع. باعتبار قلة العاملين وقلة المنتجين. وهذا حال لا يريده الله سبحانه لعباده. بل يريد أن تكون عجلة المجتمع سائرة. ودائرة بشكل طبيعي ومتصاعد نحو الرفاه والأفضل دائماً. بحسب ظاهر الحياة الدنيا.
الوجه الثالث: إن الإمام  علم أنه لو أجاز حال هذا الرجل ومدحه لحصل له العجب في نفسه، والعجب مضر جداً بالمستوى الروحي المطلوب للفرد. فزجره من أجل أن يذله في باطن نفسه، فيكون بذلك أقرب إلى الله تعالى.
الوجه الرابع: إنه بالإمكان أن يقال أيضاً: إن هذا الرجل كان قد حصل له العجب بحاله فعلاً، فأراد الإمام أن يذله من أجل الفائدة التي عرفناها. ورفع تصور العجب من نفسه.
ولا ينبغي إهمال الالتفات إلى إمكان ضم هذه الوجوه بعضها إلى بعض لتنتج نفس النتيجة. كما لا يخفى على القارئ اللبيب.
وأما الخبر الآخر الذي ذكرناه ومضمونه أن الفرد ينبغي أن يرضى بما يرضاه الله له من الحال، كالمرض والصحة أو الفقر والغنى. لا أنه يفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة.
ــــــــــــ[281]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فجوابه من وجوه:
أولاً: إن الإمام لم ينهه عن اعتقاده، وإنما ذكر له الاعتقاد الأفضل وهو لا يتضمن الزجر عن الاعتقاد الذي ذكره السائل.
ثانياً: ما قاله بعض أهل المعرفة من أن السائل ذكر له مقاماً معيناً فذكر له الإمام مقاماً آخر وكلاهما قد يكون مناسباً مع الحال الذي يمر به الفرد. فمقام السائل هو التفويض ومقام الإمام هو الرضا، أو مقام الإمام هو الرضا ومقام السائل هو التسليم ونحو ذلك.
ثالثاً: إن الإمام وجد مصلحة في تغيير حال السائل وإظهار نهيه عنه، بعد التنزل عن الوجهين الأولين. لأنه كان غير مناسب مع مستواه النفسي والروحي، وإنما كان المناسب له هو ما ذكره الإمام .
ــــــــــــ[282]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (15) الاعتماد على النفس
المفهوم ما بين الناس أن أحسن موقف يمكن أن يتخذه الفرد مع استعمال ذكائه ورشده وإعمال تفكيره وعقله تجاه مختلف الحوادث والمصاعب التي تمر بالفرد باستمرار، هو الاعتداد بالنفس وقوة الإرادة والبت بالأمور بحزم وقوة والاعتماد على النفس في القليل والكثير. فإنه خير من الاعتماد على الغير، وبذل الحاجة أمامه، والتذلل تجاهه.
أقول: إن هذا الموقف بالرغم من كونه مفروغاً من صحته اجتماعياً وعقلائياً واقتصادياً، وهو معنى لا يخلو من أهمية واحترام. إلاَّ أنه مع ذلك، لا يخلو من مناقشة بحيث قد يبدو في النتيجة سقوطه عن الاعتبار تماماً كما سيظهر ذلك:
أولاً: إنه مناف لمعنى التوكل على الله سبحانه. فضلاً عن تمحيض التوكل به تعالى. لأن معناه أنه يتوكل على نفسه لا على ربه. وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وأما من أوكل الأمر إلى نفسه، أوكله الله إلى نفسه، فيفشل لا محالة، ولا أقل أنه يكون بين احتمالي النجاح والفشل. بخلاف ما لو شعر بالتوكل الحقيقي واستعان بالله سبحانه فإن الله يعينه لا محالة.
ثانياً: إن الاعتماد على النفس من الشرك الخفي، بصفته نظراً إلى الأسباب دون مسببها. فإن من الأسباب في نظر الفرد هو إنجازه الخاص وكد يمينه وعرق جبينه.
ــــــــــــ[283]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومن هنا ورد عن امثال هؤلاء من الناس. أن الفرد منهم يقول قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي يفتخر بذلك ويتمدح. وكل ذلك من الشرك الخفي المنهي عنه أخلاقياً ومتشرعياً. لأن النظر الحقيقي إنما هو إلى مسبب الأسباب لا إلى الأسباب نفسها.
ثالثاً: إننا يمكن أن نحسب حساب نسبة النجاح في أعمال الفرد الذي يكون على هذا المستوى، فقد نجدها بسيطة، تتخللها أشكال من الفشل والمصاعب ومعاكسات الآخرين والأمراض وغيرها. إلى حد أننا لو نظرنا إلى مجموع المجتمع، لوجدناها تنقص عن خمسين بالمائة بكثير. بل لعلها لا تزيد على نسبة عشرة إلى خمسة عشر بالمئة. من مجموع الجهود لأفراد المجتمع.
ومعنى ذلك أن نسبة الفشل والخسران تتراوح بين خمسة وثمانين إلى تسعين بالمائة. وهي نسبة مؤسفة جداً. فماذا أنتج الاعتماد على النفس وقوة الإرادة إلاَّ الفشل.
بل لو سرنا على هذا الخط أمكننا اعتبار هذه النسبة من الفشل موجبة للاطمئنان بحصوله. ولا أقل من الظن الراجح جداً به. ومعنى ذلك بوضوح أن اعتماد الفرد على نفسه موجب لاطمئنانه بفشله سلفاً قبل الدخول في عمله. بغض النظر عن بعض القرائن التي قد تحصل أحياناً. فتوجب الوثوق بالنجاح. وهي غير حاصلة للكثيرين على أية حال.
غير أن الفرد الاعتيادي حين لا يجد بديلاً مفهوماً عن الاعتماد على نفسه وتحكيم إرادته، فإنه يركزها بنفسه ويستعملها في حياته. غير أن الله سبحانه علمنا في كتابه الكريم وأعطانا البديل بكثير من آياته، كقـوله تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً……
ــــــــــــ[284]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ونحو ذلك. وإذا كان الله سبحانه معيناً للفرد مسدداً له كان النجاح مضموناً، ما لم تقتض الحكمة خلافه.
وقد يستشكل في هذا الصدد، فيقال: إن الأسباب إذا سقطت سقط العمل. لأن العمل بالمفهوم المتشرعي هو سبب الثواب وسبب العقاب. فإذا سقطت الأسباب لم يبق أي معنى للعمل ولا للثواب ولا للعقاب. مع أن الشريعة قد نصت على ذلك بكل تأكيد، بل إنه من ضروريات الدين. فإذا صحت الأسباب في العمل الديني، صحت في غيرها من الأسباب، وأمكن الاعتماد على النفس.
وجواب ذلك، من وجوه:
الوجه الأول: إن ظاهر الشريعة على ذلك بكل تأكيد، إلاّ أنه في الحقيقة خطاب لأهل الظاهر، وهم هذه الطبقة من البشر التي تتمسك بالأسباب وتنظر إلى الأعمال. وذلك لتنظيم حالهم وعدم إمكان إهمالهم.
الوجه الثاني: إن الأخلاقيين قالوا: إن الخطوة الأولى من العبد والباقي من الله سبحانه. وهذا صحيح. لأن العبد في خطوته الأولى لا زال أحد الأفراد الاعتياديين الذين ينظرون إلى إرادتهم وأعمالهم. بخلاف ما لو تطور في التكامل، وأدرك حقيقة التوكل.
الوجه الثالث: إن إدراك حقيقة التوكل لا يعني بحال انغلاق العمل وسقوطه، فإن هذا من تسويل الشيطان الذي يجب عصيانه ومعاداته. كل ما في الأمر أنه بدل أن ينسب الطاعة إلى نفسه فإنه ينسبها إلى توفيق ربه وحسن عنايته بعبده. كما أنه بدلاً عن أن ينسب عصيانه إلى نفسه، فإنه ينسبه إلى كون الله سبحانه قد أوكله إلى نفسه، وعامله بعدله، فضعف عن تحمل البلاء، واختار لنفسه سوء التصرف.
ــــــــــــ[285]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وعلى أي حال، فمع الإيكال إلى النفس لا تصدر الطاعة، ومع حسن التسديد لا تصدر المعصية. ولا ربط لهذا الأمر بالقول بالجبر الذي نفاه الله سبحانه في كتابه الكريم بقوله: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. ودل الدليل العقلي على بطلانه.
الوجه الرابع: إن الجهة الساقطة في الأسباب حقيقة، هي تصور فاعليتها وتأثيرها الحتمي بغض النظر عن إرادة الله ومشيئته أو مع إهمال هذه الجهة وتناسيها.
وأما لو لاحظ الفرد ارتباط الأسباب بالإرادة الإلهية، فلا بأس، فإنه تعالى مسبب الأسباب. وفي الدعاء يقول: سقطت الأسباب إلاَّ سبب متصل بسببك. وفي القرآن الكريم ذكر كثيراً من الأسباب وأمضاها. إلاَّ أنه ربطها بقدرة الله سبحانه. ومن هنا يكون السبب أمراً ظاهراً. والفاعل الحقيقي إنما هو المسبب جل جلاله.
ــــــــــــ[286]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (16) إجمال الهدف المعنوي
ومما قد يخطر في البال بهذا الصدد: شبهة إجمال الهدف المعنوي الذي ينبغي أن يستهدفه الفرد في حياته، بخلاف الأهداف الظاهرية الدنيوية والدينية، فإنها واضحة وممكنة ومفهومة من ناحية أسبابها ونتائجها.
فإذا التفتنا إلى أن الفرد، لا يمكنه عادة أن يستهدف الهدف المجمل والغامض. وإنما يستهدف فقط الهدف الواضح. إذن فلماذا نقول بلزوم السير المعنوي مع إجمال هدفه؟
وجواب ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذا الهدف وان كان مجملاً في بعض الأذهان، إلا ان القرآن الكريم قد بينه بوضوح وذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. وقوله تعالى: فِطْرَةَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.
ففطرة الله المركوزة في النفس هي النور الحق والدين القيّم. وهي التي تكون سبباً للعبادة الحقيقية التي استهدفها الله تعالى في عباده، وجعل سببها مركوزاً في النفوس، وهو الفطرة.
الوجه الثاني: إنه لا بأس أن يكون الهدف مجملاً، ومع ذلك فإن الفرد يستهدفه ما دام كونه حقاً وصحيحاً، وهو موجود في علم الله سبحانه وإن كان
ــــــــــــ[287]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفرد جاهلاً به. إذن، يمكنه أن يستهدف ذلك الهدف الذي يعلمه الله سبحانه والذي ذخره لعباده الصالحين.
الوجه الثالث: إنه يمكن القول: إن الهدف غير موجود بتاتاً لأن الهدف معناه التوقف عنده مهما كان بعيداً ومهماً. في حين أن الكمال لا متناهي الدرجات، وكلما وصل الفرد إلى أي مرتبة استحق المرتبة التي بعدها، وهكذا إلى ما لا نهاية.
إذن، فالهدف هو الاستمرار بالتكامل بعون الله سبحانه وليس هناك منطقة تصل إليها ولا تتعداها لتصلح أن تكون هدفاً عرفياً أو واضحاً. ومن هنا جاء غموض الهدف المعنوي لأنه غير موجود بالمرة.
فإن قلت: فأين قوله تعالى: لِيَعْبُدُونِ، وهل هو إلّا تعبير عن هدف معين.
قلنا: أولاً: إن هذا لأجل خطاب المتدنين الذين لا بد أن يشعروا بوجود الهدف. ولا يمكنهم أن يسيروا بدونه.
ثانياً: ان العبادة على مراتب لا متناهية، تسير مع الفرد في سيره التكاملي مهما تصاعد. فهي تعبير عن خط طويل، وليس عن نقطة معينة لتكون تلك هي الهدف.
الوجه الرابع: في جواب السؤال الرئيسي:
إن الفرد الاعتيادي يمكنه أن يجعل صفاء القلب وطيبة النفس هدفاً لسلوكه في الحياة. وهذا هدف واضح وصحيح ومطلوب لكل المنصفين والإنسانيين.
فإذا حصل له ذلك، فصفا قلبه وطابت نفسه، أدرك عندئذ الهدف الحقيقي الذي يلي هذه المرحلة. وليس لا بد أن يعرف الهدف الحقيقي من أول الأمر.
ــــــــــــ[288]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ومن الإشكالات المهمة التي يمكن أن تعرض بهذا الصدد: أن المستشكل يقول: إنه كما أن الهدف -كما ذكرنا- مجمل وغامض في أذهان الناس كذلك مقدماته وطرق الوصول إليه أيضاً مجملة وغامضة في الأذهان. ولئن عرفنا قبل قليل وجه الدفاع والجواب عن إجمال الهدف، فإننا لم نعرف لحد الآن وجه الدفاع والجواب عن إجمال الطريق.
وإذا كان الطريق مجملاً تعذر سلوكه وتشوش حاله، ومن ثم فسوف لن يكون سيره منتجاً للهدف.
ويكفينا دلالة على غموض المقدمات كون الناس المتخذين لمثل هذه الأمور، ليسوا على شاكلة واحدة في تصرفاتهم وأفهامهم واعتقاداتهم. بل هم على أشكال مختلفة وطرق متباينة، فأي منها يمكن أن يأخذه الفرد إذا التفت إلى حاله، وقصد رضا ربه؟! فإنه سوف يقع في حيرة من هذه الناحية.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إنه يمكن القول بأن أي أسلوب من هذه الأساليب التي نجد الآخرين يتخذونها كافية في التقديم للهدف. ما دام حاصلاً عن إخلاص وحسن نية على ما هو المفروض. ويؤيد ذلك ما ورد في الحكمة: إن الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق. وكلها توصل إلى نتيجة واحدة.
الوجه الثاني: إنه يمكن القول: بأن المحصل العام من مجموع الطرق والأساليب هو الصحيح، وإن كان كل أسلوب بعينه قد يكون قابلاً للمناقشة، فإن كان طريق الفرد محتوياً على المحصل العام، كان كافياً في صحته ولو بشكل نسبي أو بشكل قابل للتحرك به نحو الهدف.
الوجه الثالث: إنه لو أريد الضبط الكامل أو المتكامل، فلا بد من السير تحت إشراف عارف وموجه، ولا يمكن أن يكون بدونه. لأنه ينتج تبذر الجهد
ــــــــــــ[289]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والوقت وتعذر الحصول على الهدف.
والمفروض بالموجه والمرشد أن يكون بمنزلة الطبيب، يعرف الداء ويعرف الدواء. وإلاَّ لم يصلح أن يكون مرشداً البتة.
والحاجة إلى المرشد أو الشيخ ضرورية. حتى قيل في الحكمة المتداولة: من لا شيخ له فشيخه الشيطان. ولعلنا نعرض لهذه العبارة في مستقبل البحث.
الوجه الرابع: إنه ينبغي التسليم أن التقدم نحو التكامل يحتاج إلى رحمة وتسديد من الله سبحانه. وإلاّ لم يحصل إطلاقاً.
وهذا كما هو مجرب للأفراد، وارد في السنة الشريفة، فمن ذلك قولهم: لا ينجي إلاّ عمل معه رحمة. ومعناه أن العمل بدون الرحمة فاشل، والرحمة هنا بمعنى التسديد والإعانة الإلهية. وكلنا نقول أعانك الله على مصاعب الدهر. أو كان الله في عونك. فهل نقصد معنى ذلك حقيقة؟
ومن ذلك ما ورد في المناجاة: ” إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك “.
إلى أن يقول: ” منك أطلب الوصول إليك، وبك استدل عليك، فأهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك. إلهي علمني من علمك المخزون وصني بسترك المصون. إلهي حققني بحقائق أهل القرب واسلك بي مسلك أهل الجذب. إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك عن اختياري “. إلى آخر ما قال.
وهو واضح في إيكال الأمر إلى الله سبحانه، وتعذر العمل بدون رحمته. كل ما في الأمر أن الله تعالى يريد أن يرى في نفس الفرد النية المخلصة والهمة القوية والنفس الطاهرة، لكي يفتح له أبواب ملكوته.
ــــــــــــ[290]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (17) إن حب التكامل من حب الذات
ومن الإشكالات المهمة بهذا الصدد: أن حب التكامل من الأنانية وحب الذات. فإذا كان الفرد لا ينبغي له ذلك، إذن فلا ينبغي له أن يتكامل. ولا فرق عملياً في الأنانية بين طلب المال وطلب العلم أو قل بين طلب الدنيا وطلب الآخرة. فإن كل ذلك من حب الذات.
وهذا معنى سمعته من بعض أعداء الله سبحانه، كإشكال موجه إلى هذا الطريق. كما سمعته من بعض الملتفتين، كإشكال يوجب الحيرة في أنه هل يقصد بسلوكه هذا رضا الله سبحانه أم رضا نفسه. فيكون عمله مشركاً بدل أن يكون حقاً.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره أهل المعرفة من أن طريق التكامل الحق هو طريق كل الأنبياء والأولياء والصالحين، وهم لا شك على حق في ذلك، فإذا سلكه الفرد أمكنه الاطمئنان إليه. لأنه لا يمكن أن يكون كل هؤلاء العظماء على خطأ.
الوجه الثاني: إن حب التكامل أمر خلقي جبل في ذات كل الخلق بما فيهم البشر. وليس خاصاً بواحد دون آخر. ومن هنا كان السير عليه والتجاوب معه طبيعياً وصحيحاً. بل هو التجاوب مع الخلقة الكاملة والنور الإلهي المركوز في باطن النفس. ولا شك في صحته.
ــــــــــــ[291]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الوجه الثالث: إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً لكان من حب الذات والأنانية، مهما كان مهماً وعظيماً. إلاَّ أننا ذكرنا أن التكامل لا متناهي الدرجات. وبذل النفس للتعب المتواصل اللامتناهي لا يمكن أن يكون من حب النفس، لأن النفس تحب الاستقرار والراحة وتكره التعب المستمر، ولو في سبيل الوصول إلى الأفضل.
الوجه الرابع: إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً – كما قلنا -. لكان استهدافه من الأنانية، إلاّ أنه غير محدود. بمعنى أن مقصود الفرد هو الوصول إلى الحق المطلق والنور الإلهي الشامل واللامتناهي. لا يريد بذلك جزاءً ولا شكوراً. ومن هنا ورد في الحكمة: إن الآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا حرام على أهل الآخرة. والدنيا والآخرة حرام على أهل الله.
وإذا شعر الفرد بحرمة الدنيا والآخرة عليه، إذن فهو لا يحتمل أنه أطاع نفسه أو أنه تجنب رضا ربه.
الوجه الخامس: أن الفرد لو كان سالكاً مسلك التكامل لأجل أنانيته وحب ذاته لكان ملعوناً ومغبوناً، وكذلك لو سلكه لأجل الشهرة به أو الحصول على بعض المغانم.
وإنما أريد التكامل لنفسي لأن الله سبحانه يريده لي. كما قال الله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وقوله: وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ. وإذا سرت في الطريق الذي يريده الله تعالى لي، فلا يحتمل أن أكون قد اتبعت أنانيتي ورغباتي.
فحسبي أن أقول لربي: إني قد جئتك لأنك تريدني لا لأني أريدك. فلئن كان في إرادتي له -مهما كانت حقاً- نوعٌ من الأنانية. فليس من إرادته لي وطاعتي له من هذه الناحية أية شائبة.
ــــــــــــ[292]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
مضافاً إلى بيانات أخرى من القرآن الكريم تدل على أن الله سبحانه يريد لنا كل خير. كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ. وقوله سبحانه: وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ. وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ. وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ. وقوله عز من قائل: وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ. إلى آخر ما قال.
ــــــــــــ[293]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (18) النسبة بين التربية التكوينية والتربية المتعمدة
مما قد يخطر على البال من وجوه الإشكال: أن هناك إهمالاً وإجمالاً بل تهافتاً وتناقضاً بين اتجاهين للتكامل. لا نعلم أن أياً منهما هو الصحيح.
وذلك: أن هنا نحوين من أساليب التكامل يبدو من كلمات أهل المعرفة أنهما صحيحان:
النحو الأول: التكامل الخلقي أو التكويني الذي فطرت عليه الخلائق.
فكلها جملة وتفصيلاً متجهة نحو الكمال. وهذا معنى لا يحتاج إلى تربية وتوجيه، كما هو معلوم. بل هو موجه بعناية من قبل الله سبحانه فقط.
النحو الثاني: التكامل التربوي المتعمد والمكرس بإرادة وهمة. وهنا قالوا بالحاجة إلى وجود المربي والموجه وهو الشيخ أو الأستاذ. وقالوا: بأن من لا شيخ له فشيخه الشيطان.
فهنا يقول المستشكل إننا يمكن أن نتخذ أحد موقفين كلاهما ليس في مصلحة هذا الكلام من قبل أهل المعرفة:
الموقف الأول: أن ندع التربية المتعمدة تسير على وتيرة التكامل التكويني. لأن الفرد تكويناً هو متجه نحو الكمال لا محالة، فأي حاجة له إلى تربية خاصة؟!
ــــــــــــ[294]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الموقف الثاني: إننا بعد أن عرفنا أن التربية التكوينية، تقع تحت الإشراف المباشر لله سبحانه وتعالى إذن فشيخها وأستاذها هو الله سبحانه. فمن الممكن أن يكون الحال في التربية المتعمدة أيضاً ذلك. فلا يكون: من لا شيخ له فشيخه الشيطان. بل: من لا شيخ له فشيخه الله سبحانه. كما يميل البعض إلى الاعتقاد به.
وجواب ذلك: أن كلا هذين الموقفين قابلان للمناقشة:
أما الموقف الأول: فبعد الالتفات إلى نكتة أو فكرة معينة، وهي أن التكامل التكويني الذي سنّه الله في خلقه بطيء في سيره شديد البطء جداً، قد لا تكفيه آلاف السنين بل ملايينها. وبالتالي لا يكفيه العمر البشري أكيداً.
في حين أن التربية المتعمدة: يكون المفروض فيها التسارع في التربية والتكامل والحصول على النتائج في أقصر زمان ممكن. وهذا لا يكون إلاّ بسبب، ما دام الفرد موجوداً في الحياة الدنيا. وذلك يكون بعنايته بنفسه أولاً، والالتفات إلى حاله ومعرفة دائه ودوائه. ويكون بعناية غيره به، وهو معنى التكامل على يد مشرف معين أو شيخ محدد.
أما إذا بقي تكامل الفرد طبقاً للتكامل التكويني العام. فسيبقى واقعاً طيلة أيام حياته، أي منقطعاً عن التكامل، بل سيكون متسافلاً حتماً. لأن المتوقع من براعة الإنسان طلب التكامل السريع، فإذا لم يفعل فقد أهمل، ومن ثم قد تسافل.
وأما الموقف الثاني: فإن الذي ثبت كما قلنا، هو أن الإشراف الحقيقي على التكامل التكويني العام مختص بالله سبحانه. ولكننا بعد أن قلنا إن اقتصار الفرد على ذلك سوف يوجب تسافله وضرره، ولن يوجب نفعه بحال. إذن فمشيخة الله سبحانه وتعليمه للفرد بهذا المعنى لن يوجب نفعه بحال.
ــــــــــــ[295]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وإنما المتوقع من الفرد كما قلنا أيضاً هو اتخاذ التكامل المتسارع. وهذا ينحصر سببه بالشيخ والموجه. ما عدا بعض الألطاف التي يتفضل بها الله سبحانه حسب نعمته ورحمته. إلاَّ أن هذه الألطاف بالنسبة إلى المراتب المتدنية من التكامل أو قل: للمبتدئين، لا تكون كافية في التسبيب إلى الاستمرار وإنما المطلوب هو السبب الآخر، وهو الكفيل والموجه والمرشد.
ــــــــــــ[296]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (19) إن الجهاد بابٌ فتحه الله لأوليائه
ينبغي أن ندخل الآن بالتدريج إلى قضايا الجهاد الأصغر، وهو محاربة العدو الكافر أو الفاسق ورد مكائده، بأي مستوى من المستويات.
وأول حقيقة يمكن أن نعرضها أو نواجهها في هذا الصدد. هو مضمون ما ورد من أن الجهاد باب فتحه الله لأوليائه أو لخاصة أوليائه. وليس هو باباً عاماً للناس يدخله كل داخل، وإن كان نظرياً كذلك. إلاَّ أنه من الناحية العملية لن يوفق إليه شخص إلاَّ إذا كان من الخاصة أو من الأولياء. ولا أقل أنه مؤهل لذلك، بحيث يكون بينل الشهادة نفسها بالغاً تلك الدرجة.
وهذا هو ظاهر القرآن الكريم أيضاً. كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إلى ان يقول: وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّـهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّـهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ.
لا أقل -أيضاً- إن هذا الباب مفتوح، مما يمكن أن يستفيد منه هؤلاء، في
ــــــــــــ[297]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
النيل من درجات الآخرة، أكثر من غيرهم بكثير، لأنهم سيبدأون هذا الطريق من أواخره، في حين يبدؤه الآخرون من نقطة الصفر.
بل لن ينال لذة الجهاد إلاَّ هؤلاء بصفته الطريق الأمثل إلى الله ورضوانه وثوابه، والبلاء الأصعب – من الناحية الدنيوية – الذي يمكن به الوصول إلى تلك النتائج. والبلاء لدى هؤلاء محبوب ومطلوب، حباً للمقدمة بحب هدفها ونتائجها.
ولن يكون بدرجة الإخلاص الكامل والهمة الكاملة في هذا الجهاد إلاَّ أمثال هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، كما قالت الآية وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ. فإن المجاهدين على مستويات متعددة وإن اجتمعوا على صعيد واحد. يردون مورداً واحداً، ويصدرون أشتاتاً، ويحشر كل منهم حسب نيته.
فإنهم -بلا شك- على مستويات متعددة لا أقل من أربعة:
المستوى الأول: مستوى الخارجين إلى الجهاد بالدفع الدنيوي، خوفاً أو طمعاً أو إحراجاً، أو نحو ذلك. بحيث ربما يستغيثون في باطن أنفسهم من وضع الجهاد المؤلم والوخيم، والموجب للعوق أو الموت أو التعذيب.
المستوى الثاني: مستوى الخارجين إلى الجهاد لنيل الثواب في الجنان، يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ باعتبار أن الجنة تحت ظلال السيوف. فهم يريدون معانقة الحور العين. ويفدون من أجلهن أنفسهم. وذلك كقول بعضهم: عما قليل نعانق الحور العين، وقول آخر: أطأ بعرجتي هذه الجنة.
المستوى الثالث: مستوى الخارجين إلى الجهاد للمصلحة العامة الدينية، من إعلاء كلمة الدين والتوحيد. وتطبيق حكم الله سبحانه وشريعته وانتشار سلطان المتدينين ونحو ذلك من الأهداف الدينية الموجودة في هذه الحياة الدنيا.
المستوى الرابع: مستوى الخارجين إلى الجهاد لأجل حب الله وحب
ــــــــــــ[298]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
رسوله، والوصول إلى الأهداف الحقيقية الروحية عند الله عز وجل.
والمستوى الأول باطل، وفي الروايات ما يدل عليه، ومن يَمُت بهذا الشكل فليس بشهيد. ولكن المستويات الثلاثة الأخرى كلها حق في الجملة، وإن كانت مختلفة في الدرجات والإدراكات والنتائج. ومن الواضح أن الفرد كلما كان أعلى هدفاً كان أعلى همة وكلما كان أعلى همة كان أكثر إخلاصاً وكلما كان أكثر إخلاصاً كان أسرع وصولاً وأقرب إلى الله سبحانه درجة.
ويمكن ملاحظة بعض المقارنات البسيطة بين هذه المستويات الثلاثة. فلو قارنا المستوى الثاني بالمستوى الثالث، نجد أن الثاني هو ممن يهتم بمصلحة نفسه ولا شعور له بمصلحة الآخرين. في حين نجد أن الثالث له الشعور الكامل بالآخرين ومصالحهم، ولو استلزم ذلك الموت. فهو يفديهم بنفسه ويقدم ضرره على أضرارهم. في حين نشعر أن الثاني لولا أمله بالحصول على الجنة لما قدم أية تضحية.
ولو قارنا بين المستوى الثاني والرابع، كفانا أن نلتفت إلى الفرق بين حب الجنان والحور العين الموجود في المستوى الثاني وحب الله ورسوله الموجود في المستوى الرابع. فأيهما الأفضل حقيقة والأكثر وعياً وإدراكاً لحقيقة الدنيا والآخرة؟
ولو قارنا بين المستوى الثالث والرابع وجدنا الثالث مخلوطا بحب الدنيا وان كانت دينية وحب التوسع والرئاسة والمال غالبا، في حين يكون له تسليم كامل بما يحب الله ورسوله وبما يأمر به الله ورسوله. فأن أتته الدنيا كانت هي دنيا الله ورسوله وليست دنياه. وان فاتت عنه فقد خسر الآخرون المغنم الدنيوي، وفاز هو بالمغنم الأخروي.
ــــــــــــ[299]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (20) الدوافع المخلصة للجهاد
الجهاد الأصغر بالرغم من كونه منتجاً للانتصار والغلبة، على ما هو المفروض. فإنه لا يحتمل ولا يمكن أن يكون ناشئاً من حب الدنيا أو حب السلطة والشهرة والمال. وكل من سار في طريق حب الدنيا فجهاده غير مقدس وغير مشروع بكل تأكيد. وإن كان اسمه في الدين. وكل ما يحصل عليه من ذلك فإنه بمنزلة الاستدراج لكي يتحمل مسؤوليته الكاملة يوم القيامة.
وإنما الفرد المخلص في نيته وإيمانه، لا يمكن أن يكون كذلك لعدة أسباب:
أولاً: إن الدافع الحقيقي للجهاد إنما هو التكليف الشرعي، وهو أمر الله سبحانه وتعالى بذلك. وليس شيئاً آخر. فلو لم يأمر الله تعالى به لتركه.
وهذا يكفـي دليلاً على أن حب الدنيا بمعزل عن قلبه. أو أنه – على الأقل – ليس هو الدافع الأصلي أو الأكبر له.
ثانياً: إن الجهاد مظنة الخطر بكل تأكيد، على النفس والنفيس. فالفرد حينما يشارك فيه فإنه يضع نفسه موضع الموت والفقر والعوق وغير ذلك كثير. فهل يمكن أن يكون مثل هذا الفرد طالباً للدنيا، وهل يمكن أن ينال الدنيا مع حصول هذه الأمور؟
نعم، الانتصار محتمل، إلاَّ أن الفرار والخذلان أيضاً محتمل. وإنما ساحة
ــــــــــــ[300]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
القتال كرقعة الشطرنج لا نعلم سابقها من لاحقها. أو كموج البحر لا نعلم ما الذي يعلو منه من الذي ينخفض. فإلقاء النفس في معمعة القتال من الصعب جداً أن يكون بقصد الحصول على الدنيا. ما لم يكن احتمال الانتصار عالياً جداً وهو ما يحدث أحياناً، وليس أمراً غالباً.
فإن قلت: فإن الفرد الجندي المحارب، يخرج إلى القتال مرغماً كما في الجيوش المعاصرة، قلنا: كلا. فإن هذا على خلاف ديدن القادة الإسلاميين في صدر الإسلام. فإن النفير حين يحدث، يخرج من يستطيع إلى الجهاد بإرادته وقناعته لا بالجبر والإكراه. نعم، هو مجبور تشريعاً، أي يحرم عليه التخلف. كما يحرم عليه ترك الصلاة. وأما أنه مجبور دنيوياً فلا. وعلى هذا الغرار كان جمع الجيوش إلى حد تأسيس الجيوش الحديثة قبل حوالي قرن من الآن لا أكثر، بكل تأكيد.
ثالثاً: إن الجهاد المقدس في الدين. إنما هو لأجل مصلحة العدو حقيقية، وليس من أجل الحقد عليه والانتقام منه. ولذا تكون ظاهرة الأبوة والأخوة هي المسيطرة على قلوب الجيش المؤمن. مهما كان الاتجاه العاطفي عند الجيش المعادي. ولذا ورد أن الإمام الحسين  في عرصة الطف بكى على الجيش المعادي له، لاقترافهم هذه الجريمة بحقه، وبالتالي بحق ربهم وظلمهم لأنفسهم.
فإن المقصود الأساسي من الجهاد هو حب البشرية وإدخال البلاد الأخرى في العدل والرفاه وإخراجها من الظلمات إلى النور، وهداية المجتمع إلى الصراط المستقيم. وهذا كان مقصود رسول الله  وأمير المؤمنين  في حروبهم التي خاضوها.
ــــــــــــ[301]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
فإن قلت: فإن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. ويقول جل جلاله: وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ. وهذا ينافي ما قلت من ابتناء الدين على الأبوة والرحمة والعطف.
قلنا: لا منافاة بينهما. فإن الأبوة والعطف والهداية هي الهدف الأهم أو الأبعد. وهذا قد يستدعي مقدمات شديدة الصعوبة أو عظيمة القسوة. بما فيها استئصال كل المعاندين والمنافقين والماكرين في دين الله. فإن هؤلاء بمنزلة الجراثيم في المجتمع فيجب إزالتهم قبل توقع استتباب العدل. لأنهم ما داموا أحياء فلن يكون المجتمع عادلاً. إذن، ينبغي القسوة معهم مهما أمكن.
وبتعبيرٍ آخر: إن الأصل الحقيقي والأساسي هو الأخوة والرحمة، عدا من كان قاسياً ضد الإيمان والإسلام. فيجب مقابلة القسوة بالقسوة، (ويبقى الأصل) الأساسي سارياً على سائر المجتمع.
ــــــــــــ[302]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (21) مناقشة من يقول: الدين أفيون الشعوب
ومن هنا، بل من مجموع التعاليم الدينية نعرف، أن المقولة التي قالها (كارل ماركس) مؤسس الفلسفة الشيوعية، من أن (الدين أفيون الشعوب) ليس بصحيح تماماً.
فإن الأفيون مخدر والدين لا يمكن أن يكون مخدراً باعتبار عدة أمور:
أولاً: إيجاده للعاطفة التي سمعنا عنها. وهي نشر العدل والرحمة في أمم الأرض كلها، لكي تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
ثانياً: إيجاده للعاطفة المضادة للظلم والظالمين، سواء في المجتمع الذي يعيش فيه الفرد أو المجتمعات الأخرى.
ثالثاً: الأحكام المضادة للظلم من واجبات ومحرمات، وعدم جواز الاعتداء على الآخرين وغمط حقوقهم إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
رابعاً: إننا لو فرضنا غض النظر عن ذلك كله، فإن الدين لا يستطيع أن يكبت عواطف الإحساس بالظلم والقهر في قلوب الشعوب. فإن هذا مما يحصل بكل تأكيد، ولا يستطيع أي فاعل أو جاعل أن يغيره، وإنما في الحقيقة أننا وجدنا كلاً من المذهبين الشيوعي والرأسمالي قد خافوا من وثبة المظلومين وتحرر الشعوب. فاتخذوا الإجراءات المضادة لذلك.
ــــــــــــ[303]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
أما الشيوعية والدول الراديكالية، فقد اتخذت أسلوب القمع والتنكيل والتخويف بإزاء ذلك. وأما الدول الرأسمالية، فقد ألهت شعوبها والشعوب الأخرى بالمال والمشاكل الاقتصادية وبالبرامج الرياضية والخلاعية وغير ذلك.
مما أدّى إلى أن لا تحس الشعوب بمشاكلهم الواقعية وآلامهم الأساسية. وهم – مع ذلك – غير فارغين من الاغتشاش والاحتجاج في كل بقاع العالم.
وليس في الدين المقدس الحق، شيء من هذا القبيل، فأن كل ما فعلوه، هو محرم في الدين وممنوع في شريعة سيد المرسلين. ولا سبيل إلى مشروعية إيجاده.
نعم يوجد في بعض الاتجاهات الإسلامية ما يخالف ذلك، فقد ورد في صحيح مسلم ما يدل على وجوب طاعة الحاكم وان كان ظالماً ووجوب المحافظة على حكمه والخضوع له وان كان فاسقاً. وفي بعض الأخبار هناك (لا، ما أقاموا الصلاة) أي ما داموا على ظاهر الإسلام. وفي بعضها وجوب الطاعة (حتى لو ضرب ظهرك أو أخذ مالك) ونحو ذلك. وسياقها يدل على أنه حتى لو فعل ذلك عن طريق الظلم والاعتداء. فأنه يجب طاعته والحفاظ عليه.
وهذا اتجاه شاذ في الدين، ورواياته ضعيفة، وهو ناشئ من فهم معين لقوله تعالى: أَطِيعُواْ اللَّـهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ. على أن المراد من أولي الأمر كل حاكم مسلم مهما كانت صفاته وعمله. إلا أننا لو سلمناه، فلا أقل من تقييده بأن يكون عادلاً في نفسه وفي أفعاله. فإذا خرج من العدالة لم تجز قبول ولايته.
ولعل ماركس قد أعتمد على مثل هذه الاتجاهات المنسوبة إلى الدين، في الطعن في الدين، والدين منها براء.
ــــــــــــ[304]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
كما قد يفهم البعض أن في الدين اتجاها آخر منافياً لهذا المعنى الذي قلناه، متمثلاً باتجاه التصوف. وهو اتجاه كثير السريان في المجتمع المسلم بمختلف طبقاته ومذاهبه. ومن المعلوم أن التصوف يؤدي إلى الابتعاد عن الناس ومحاولة التسليم بالواقع، على ما هو عليه والصبر في تحمل البلاء وعدم لزوم دفعه. وكذلك إخراج حب الدنيا من القلب. مما يلزم عدم الاهتمام بشأن نفسه وشأن الآخرين بما فيهم من عدل أو ظلم.
ولهذا لم يعارض (الغرب) وجود التصوف والطرق الصوفية في المجتمع المسلم. لأن وجودها لا ينافي مصالحه، بل هي بالتأكيد في مصلحته لأنها تبعد الناس من التفكير في مظالمه وفضائحه.
بل الأمر أكثر من ذلك، فقد كانت من الوصايا الأساسية الصادرة من الغرب في الجيل السابق، هو حث الناس على تعلم وصايا (ابن عربي) ونصائحه والسير طبقاً لمنهجه. وليس ذلك صداقة مع ابن عربي أو لأجل حسن الظن به، وإنما لأجل جعل ذلك ذريعة لإبعاد الناس عن الاهتمام بأمور الدنيا، الأمر الذي يوفر لهم الفرصة لكي ينفذوا مصالحهم بحرية تامة.
ومن الناحية العملية فإننا نرى أن أصحاب الطرق الصوفية كذلك، ليس لهم تدخل في الحكم ولا في السياسة ولا في العدل والظلم الاجتماعيين. وهذا هو المقصود الأساسي للغرب المستعمر بكل تأكيد.
ولعل هذه الفكرة هي التي كانت أوضح في ذهن (ماركس) حين قال قولته المشهورة التي سمعناها. والأمر بكل تأكيد، إذا كان الدين مقتصراً على هذا الاتجاه وخاصاً به.
وجواب ذلك في عدة نقاط:
ــــــــــــ[305]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
النقطة الأولى: ان اتجاه التصوف ليس هو الاتجاه الوحيد في الدين، كما انه لا يعتبر صحيحاً عند الكثير من المسلمين والمؤمنين والمخلصين.
ويكفينا في ذلك أن نسمع منهم الحث على إشاعة وإعلان تعاليم ابن عربي وحث الناس عليها، مما نفهم منه أن الناس بعيدون عن هذا الاتجاه وغير فاهمين له وغير متبعين له. بل ان أغلبهم جاهلون له تماماً، وهم الأعم الأغلب، في المجتمع المسلم بكل تأكيد. إذن فرد الفعل المفهوم والمتوقع من الصوفية تجاه الظلم والمصاعب والبلاء، غير متوقع من غالبية الناس.
النقطة الثانية: ان في الدين أحكاماً منافية لمثل هذه الاتجاهات الصوفية كوجوب العدل وتفاصيله وحرمة الظلم وتفاصيله. مما هو معلوم من محله.
النقطة الثالثة: ان الاتجاه الصوفي ان كان يربي الأنانية في النفس وعدم الاهتمام بالمسلمين فهو مما يخالف الدين ويعصي شريعة سيد المرسلين. من حيث ما يدعي الاتصال به والطاعة له.
وأما إذا كان يربي الإخلاص لله سبحانه ولرسوله ولتعاليمه، فالأمر ليس كذلك بكل تأكيد. بل يجب عليه أن يضع كل تعليم في موضعه ويطبق كل حكم في موضعه. وإذا كان الأمر كذلك، اختلف الأمر تماماً عما يعتقده أصحاب تلك الاتجاهات الصوفية.
ــــــــــــ[306]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (22) تشريع قتل ملايين البشر من المشركين
يوجد على فكرة الجهاد المقدس في الإسلام إشكال معتد به نسبياً قلما يلتفت إليه الناس. أود الان أن أواجهه بقوة قلب وثقة بالرب. بأن نذكره ونناقشه.
وحاصله متكون من مقدمتين:
المقدمة الأولى: انه يجب قتل المشرك مهما كان دينه ومذهبه. ولا يمكن إقراره على دينه وطقوسه بحال من الأحوال. ولعل هذا من واضحات الفقه، وإجماع علماء المسلمين عليه.
وهذا من النقاط الأساسية التي يختلف فيها المشرك عن الكتابي. فبينما نرى أن التعاليم الدينية في الإسلام، تحفظ للكتابي حياته وأمواله وعائلته، وتقره على تعاليم دينه، وتعتبره (ذمياً) يعني في ذمتها المحافظة عليه. فان كل ذلك غير موجود بالنسبة إلى المشرك، ولا يمكن أن يكون (ذمياً) بحال.
المقدمة الثانية: ان عدد المشركين على وجه الكرة الأرضية، الآن وفي أكثر الأجيال المنظورة في الماضي وفي المستقبل، عدد كبير جداً. بل لعله يمثل أكثر من نصف البشرية، أو الأكثرية فيها.
إذن، نعلم من هاتين المقدمتين، أن الدين الإسلامي أجاز قتل أكثرية
ــــــــــــ[307]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
البشرية ولم يحفظ لهم حقوقهم في الحياة والعيش الرغيد. وأن ذلك يؤدي حتماً إلى وجوب قتل الملايين وإبادة شعوب بكاملها ما داموا مشركين.
وجواب ذلك يكون في عدة نقاط:
النقطة الأولى: أنه لم يرد في الدين وجوب المبادرة إلى قتال المشركين أو قتلهم. بل ذلك غير جائز حتى تعرض عليهم تعاليم الإسلام وهداه ومحاسنه. وينبغي أن ينتظر فيهم مدة كافية حول ذلك. فأن اهتدوا وأسلموا فهو المطلوب. وإلا كانوا معاندين يستحقون القتل.
النقطة الثانية: أنه لم يرد في الدين وجوب المبادرة إلى قتال المشركين أو قتلهم. ما لم يبدؤوا هم بالقتال. فإن بدأوا كانوا محاربين فعلاً، وكان مقتضى ذلك وجوب الدفاع حتى وإن لزم من ذلك إبادتهم جميعاً.
وهذا لا يعني أن الشعوب الآمنة والبلدان الهادئة للمشركين، يجب المبادرة إليها وقتل أهلها جملة وتفصيلاً. فإن هذا لم يحدث فيما سبق ولم يقره تشريع ديني.
النقطة الثالثة: إن الحكم الأصلي في الشريعة قابل للتخصيص أو التقييد بمقتضى الولاية العامة في كل عصر للفقيه أو للقائد. فهو يرى مقتضى المصلحة من جميع الجهات، قبل أن ينفذ الحكم المشار إليه في السؤال. مع العلم أنه قلما تقتضي المصلحة ذلك في المستقبل المنظور.
النقطة الرابعة: إن الفقهاء قسموا الجاهل إلى قاصر ومقصر. فالمقصر الذي يستطيع أن يتعلم ولم يتعلم. والقاصر هو العاجز عن التعلم. والقاصر معذور فيما يجهله، بخلاف المقصر فإنه غير معذور ومستحق عقوبة الدنيا
ــــــــــــ[308]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
والآخرة.
وبالتأكيد فإن كثيراً من هؤلاء الذين نعدهم مشركين، قاصرون عن التوصل إلى الحق والإيمان به، فيكونون من هذه الجهة معذورين. وإذا كانوا معذورين لم يستحقوا القتل إلا بعد الإيضاح والتنبيه والتعليم.
وهذه الصفة لا شك عامة لكثير من عمال المعامل ومزارعي الريف، والموجودة مدنهم وقراهم في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، ونحو ذلك. لا يختلف في ذلك وجود أمثال هذه الطبقات في الصين أو الهند أو استراليا أو غيرها.
وعلى أي حال، فلا يحتمل أن يحكم الدين المقدس العادل، بوجوب قتل أمثال هؤلاء، ما داموا على قصورهم وقلة ثقافتهم وتدني تفكيرهم.
إذن، فما قاله السائل من أن الحكم الفعلي في الدين هو قتل الملايين، مما لا أساس له من الصحة.
نعم، لو تم تنبيه المشرك أو المشركين إلى الإسلام وتعليمه لكنه أستمر على غيه وعناده، فإنه يعتبر جرثومة سيئة في المجتمع، لا يمكن استتباب العدل فيه ولا استقرار الأمور به، إلا بالتخلص من هذه الجرثومة وقطع شأفتها، والتخلص من شرها ومن هنا كان الحكم بوجوب القتل صحيحاً وعادلاً تماماً.
ــــــــــــ[309]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (23) مناقشة أن الجهاد يقتضي الإكراه في الدخول في الإسلام
إنه قد يخطر في البال في الجهاد بأنه يقتضي الإكراه والاضطرار للدخول في الإسلام. بالنسبة إلى الشعوب المشركة الذين لا يقرون على أديانهم، بل يدور أمرهم بين الدخول في الإسلام أو القتل والإبادة. وليس حالهم حال أهل الكتاب الذين يمكن في الدين إقرارهم على دينهم وإقامة شعائره في الجملة، وعدم إلزامهم بالدخول في الإسلام.
ومن الواضح أن المسألة أمام المشركين ستكون: إما الإسلام أو القتل. وليس هناك إكراه عرفي أو عقلاني أشد من القتل. فإذا قيل لشخص أعطني ألف دينار أو أقتلك فإنه يدفع الألف لينجي نفسه. فكذلك الحال في الدين. ومن المعلوم أن الدخول في الدين بالإكراه لا أثر له لا شرعاً ولا عقلائياً، ولا ينتج الهداية ولا العدل ولا التكامل، فما الفائدة من ذلك؟
ويمكن أن يجاب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: أن الفقهاء عموماً قالوا، وقلنا أيضاً فيما سبق، بضرورة عرض الإسلام عليهم قبل مناجزتهم القتال. وهذا لا يصدق إلا بأمرين:
أولهما: أن الإسلام يعرض بجميع تشريعاته المهمة، أي بمحاسنه وعدله ولطفه، بحيث يكون كل ذلك مما يفهمه أكثر الناس هناك. ثانيهما: أن يمضي
ــــــــــــ[310]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
زمان كاف لأجل إمكان تحصيل هذه النتيجة. ولا يجوز تضييق الوقت عليهم وتهديدهم بمناجزة القتال في وقت سريع.
ومن المعلوم أن أكثر الشعوب الآن وفي المستقبل المنظور هم جاهلون بمفاهيم الإسلام وعدله ولطفه. وإنما هم مقلدون لآبائهم في تعصبهم لعبادة الأصنام وغيرها. فإذا اتضح لهم ذلك، فالمظنون جداً أنهم سيميلون إلى الإسلام ميلة واحدة ويدخلون فيه أفواجاً. وكفى الله المؤمنين القتال.
المستوى الثاني: إننا بعد أن نعلم أنه لا أثر للدخول بالجبر والاضطرار إلى الدين. وهذا ما أدركه الإسلام حين قال: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. إذن فهذا مما لا يطلب منهم، بل يقال لهم بصراحة ادخلوا في الدين الإسلامي عن رغبة وقناعة. ويشرح ذلك عن طريق الإيضاح والدليل. إذن ستكون النتيجة هي نفس المطلوب شرعاً.
المستوى الثالث: لا يبعد القول في هذا المورد أن أي مشرك دخل في الإسلام قبل إسلامه. لا نسأله عندئذ هل أنت مجبور على إسلامك أو راغب به. بل نحمله على الصحة ونعامله معاملة المسلمين، حتى لو كان في باطن نفسه مجبوراً. وهذا المعنى كما يعم الواحد، يعم المجتمع ككل.
والدين حينما خير المشركين بين الإسلام والقتل، كان يعلم ذلك. ومعناه أن المشرك إذا أظهر الإسلام كفى في حرمة قتله وصون نفسه ومال عرضه. وإنما يفرق ذلك -أعني جهة الجبر والاختبار- في آخرته. فإن كان عن قناعة واختيار فاز في الآخرة بالثواب. وإن كان عن جبر وإكراه سقط ثوابه. ومن المعلوم أن الفقهاء في الفقه يحسبون حال نظام الدنيا في أمثال هذه المسائل، بغض النظر عن الآخرة.
ــــــــــــ[311]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المستوى الرابع: إن المجتمع إن كان قد دخل في الإسلام بالإكراه، أو آمن به في أقل المجزي، -لو صح التعبير- فيقبل منه مجرد إظهار أصول الدين ولا يكلف عملياً بفروعه، أعني الصلاة والصوم ونحوها. يعني أن ذلك ليس له دخل في الجهاد. بحيث إنهم إذا لم يصلوا أو يصوموا وجب قتالهم. كلا بل يحرم ذلك ما داموا قد دخلوا في الإسلام والتزموا بأصول الدين. كل ما في الأمر أنهم سيكونون مسلمين فسقة. وهذا أمر له علاج آخر غير القتال.
المستوى الخامس: إن المجتمع وإن كان قد دخل في الإسلام بالإكراه ونحوه، إلا أنه لن يبقى على هذا الحال طويلاً بعد أن تستمر الهداية والتعليم. وسيبدأ أفراد المجتمع بالتدريج بالاقتناع بذلك والتحمس له بعد زيادة الوضوح والتفصيل.
المستوى السادس: إن الهدف الإسلامي من الجهاد المقدس لبلاد المشركين أمران:
أحدهما: هداية المجتمع، وهو هدف أساسي وأصيل لا محالة.
وثانيهما: بسط العدل الإسلامي والحكم الإسلامي على أكبر منطقة ممكنة في البشرية أو قل على ذلك المجتمع الذي ذهب إليه المسلمون أياً كان.
ومن المعلوم أنه على تقدير انتصار المسلمين، فإن الهداية محتملة الحصول. إلا أن بسط العدل أكيد الحصول سواء دخلوا في الإسلام عن قناعة أو دخلوا عن أكراه أو لم يدخلوا فيه إطلاقاً. وسينبسط العدل عليهم بمقدار ما يناسب حالهم من الأحكام الشرعية. وهذا هو الهدف الأهم الاستراتيجي بطبيعة الحال.
ــــــــــــ[312]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (24) مناقشة جواز قتل الأسير
هناك إشكال آخر من ضمن أحكام الجهاد، قد يلتفت أليه البعض يحسن عرضه ومحاولة الجواب عليه والدفاع عنه. وهو جواز قتل الأسير مع العلم أنه لا شك في الذوق العالمي المعاصر، أن ذلك من أشد الإجرام.
ويحسن في هذا الصدد قبل التصدي للجواب نقل أحكام ذلك من الناحية الفقهية من كتابنا (منهج الصالحين) لنكون على بينة من أمرنا قبل التصدي للتفاصيل، حيث قلنا هناك:
الأسارى: وهم إما ذكور أو إناث، فإن كانوا إناثاً لم يجز قتلهن ولو كانت الحرب قائمة، وإنما يملكن بالسبي ويقسمن تقسيم الغنيمة الذي سيأتي. وكذلك الحال في الذراري غير البالغين والشيوخ… وإذا شكوا بحصول البلوغ كانت العلامة الفارقة هي الإنبات. بمعنى أنبات الشعر الخشن على العانة. فمن لم ينبت بلوغه وجهلوا سِنَّه ألحق بالذراري.
وإذا كان الأسرى ذكوراً بالغين، سواء كانوا تحت السلاح أم لا، فمقتضى القاعدة هو وجوب قتلهم إلا إذا أسلموا ما دامت الحرب قائمة، ولكن يمكن الخروج عن هذه القاعدة لعناوين ثانوية قد تقتضيها المصلحة العامة التي يراها الإمام أو نائبه.
وإن تم أسرهم بعد انقضاء الحرب لم يجز قتلهم، ما لم تكن هناك مصالح
ــــــــــــ[313]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
عامة ثانوية. وكان الإمام مخيراً بين المن والفداء والاسترقاق.
والمن هو إطلاق السراح مجاناً. والفداء هو إطلاقه مقابل مبلغ من المال. والاسترقاق هو اعتباره رقاً مملوكاً. وهو السبب الوحيد للاسترقاق في الإسلام. وهذا التخيير ثابت ضد الأسير ما لم يسلم. فإن أسلم بعد حكم الإمام بأحدها وتطبيقه فلا إشكال. وإن أسلم بعد الحكم وقبل التطبيق فكذلك على الأظهر. وإن أسلم قبل الحكم فالأقوى وجوب إطلاقه مجاناً وسقوط الحكم في حقه. وإن كان هو مقتضى الاستصحاب. انتهى.
نعم نسب إلى بعض الفقهاء أنه جعل تخيير الإمام بعد الحرب بأربعة أمور: المن والفداء والاسترقاق والقتل. بإدخال القتل زيادة على الاحتمالات الثلاثة الأخرى. إلا أن مشهور المتأخرين، بل المشهور عموماً لا يفتي به، واحتجوا على هذا الحكم بأنه لا دليل عليه لا في كتاب ولا في سنة. ولا ملازمة بين جواز القتل خلال الحرب وجوازه بعده. وإذا لم يثبت جواز القتل حرم بطبيعة الحال.
ومن هنا يتضح أن المورد الوحيد لجواز قتل الأسير في الإسلام، هو ما إذا كانت الحرب قائمة. بل قالوا عندئذ وقلنا بوجوب القتل خلالها ما لم توجد مصلحة ثانوية مهمة يراها الإمام في الحفاظ على حياة الأسير أو الأسرى.
إذن، فالقتل، عموماً، خلال الحرب واجب وبعد الحرب حرام. في حين أن الرأي العام المعاصر على قبحه وعدم صحته حتى لو كانت الحرب قائمة.
وجواب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: المنع من قتل الأسرى ليس جهة عامة واعتقاداً سائداً بين كل أجيال العقلاء والبشر المتفهم. بل هم مختلفون في ذلك. ويكفي الشك
ــــــــــــ[314]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
في ذلك لمنع قبحه ومنعه عقلانياً. إذن فمن يعلمه أو يأمر به لا يكون عمله شنيعاً كما يميل إليه السائل. فإذا عرفنا -مع ذلك- وجود الحكمة والحق في التشريع الإسلامي ارتفع هذا الإشكال أساساً.
المستوى الثاني: أن هذا الاعتقاد بقبح قتل الأسرى ناشئ من أحد سببين كلاهما أوروبي أو غربي. وليس له منشأ ديني إطلاقاً فهو إما يعتبر مادة من مواد إحدى الدول أو مادة من مواد نظام الأمم المتحدة ونحو ذلك. ومعه لا يكون مسؤولاً عن تطبيقه إلا من يكون تحت رعاية تلك الدولة أو من يعترف وينصاع للأمم المتحدة، ومن غيره. ومن المعلوم أن الدين الإسلامي في حل من ذلك.
وهو قد يكون مجرد إشاعة غربية ضد أعدائهم. عندما يريدون أن ينبزوهم بكل داهية، فيقولون عنهم إنهم يقتلون الأسرى. في حين أن قتل الأسرى في دولهم نفسها وفي حروبهم فيما بينهم، وخاصة فيما يسمى بالحربين العالميتين الأولى والثانية، كان أمراً سائغاً ومستمراً ولا غبار عليه؟!!
المستوى الثالث: إننا سمعنا قبل قليل أن نسبة معتداً بها من الأسرى لا يجوز قتلها إطلاقاً، كالنساء والأطفال والشيوخ والعبيد وغيرهم. إذن فالقول -حتى مع التنزل عن الأجوبة الأخرى- بأن الإسلام يجيز قتل الأسرى عموماً، افتراء باطل. وإنما هو على أقصى تقدير يجيز قتل البعض فقط.
المستوى الرابع: كذلك سمعنا أنه أنما يجوز قتلهم خلال كون الحرب قائمة دون ما بعدها، فالقول بأن الدين يجيز ذلك مطلقاً أيضاً افتراء باطل.
المستوى الخامس: إننا سمعنا أيضاً قتل الأسير فيما إذا أسلم طواعية
ــــــــــــ[315]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وقناعة مما لا يجوز. إذن فالقول بجواز قتل عموم الأسرى كاذب أيضاً.
المستوى السادس: إن حالة الحرب لا شك أنها صعبة من كثير من الجهات. ولا شك أن قتل الأسرى مما يخفف هذه الصعوبة من أكثر من جهة.
أولاً: لاحتمال أن يهرب الأسير أو تحصل خيانة أو رشوة في تهريبه. فيعود حاملاً سلاحه ضد المسلمين. ومن هنا يكون قتله قاطعاً لمثل هذا الاحتمال.
ثانياً: إن الأسير ما دام موجوداً فلا بد من قضاء حاجاته الضرورية من طعام وشراب ولباس وغيرها. وهو مما قد لا يتوفر في حالة الحرب. فيكون قتل الأسير توفيراً لكثير من هذه الجهود والأموال.
المستوى السابع: إننا وأن قلنا بوجوب قتل بعض الأسرى _كما سبق_ إلا أن هذا الوجوب طريقي وليس نفسياً كوجوب الصلاة والصوم. بل هو أهون من ذلك لو صح التعبير. ومن هنا قلنا بأن للحكم الشرعي أو الإمام أن يفعل ما يرى فيه المصلحة من القتل أو عدمه. فيما إذا رأى أن الحفاظ على حياة البعض أو الكل هو الأوفق بالمصلحة. ولعل من جملة المصالح هي موافقته الرأي العام، ما في قبح قتل الأسرى والمنع عنه، قطعاً لجانب التشنيع والدعاية المضادة.
ــــــــــــ[316]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (25) في جواز إفادة الأسير والاستفادة منه
إن الأسير تجوز إفادته والاستفادة منه بل قد يجب ذلك.
أما إفادته فعلى عدة مستويات:
أولاً: وجوب حفظ حاجاته الضرورية من طعام وشراب ومسكن وملبس ودفء وغير ذلك، وعدم جواز تعريضه إلى حوادث أو ظروف صعبة أو موجبة للموت أو للمرض.
ثانياً: إرشاده دينياً وعرض محاسن الإسلام عليه، وإلقاء المحاضرات على الأسرى بتركيز. وقد سمعنا في هذه العصر من يقول عن الأسرى: إننا لا ينبغي أن نتصور عنهم أنهم خدموا الظالم فقط. بل هم بشر قبل كل شيء.
وهم بهذا الصفة يمكن أن يتلقوا أي علم أو أي حقيقة كانوا يجهلونها.
ثالثاً: إن قتل الفرد قد يكون إكراماً له إجمالاً أو أحياناً. وخاصة إذا كان معانداً وماكراً، فإن الموت مفيد له من حيث كونه قاطعاً لذنوبه وساتراً لعيوبه.
وأما الاستفادة منه فبعدة أمور:
أولاً: وهو الأهم جعله طريقاً لهداية الآخرين فإنه بعد أن يكون في الأسر
ــــــــــــ[317]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
قد اهتدى واطلع على بعض الحقائق من الكتاب والسنة، فإنه إذا أطلق سراحه ورجع إلى أهله، فسيكون موقفه منهم موقف الهادي والمرشد، يعرفهم على ما عرفه، ويقنعهم بما يريد.
وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ.
وهذه نتيجة حاصلة في الأسر أو الاستجارة أو في الضيافة أو الجيرة أو بأي سبب آخر.
ثانياً: الاستفادة منه في بعض الصناعات اليدوية وغيرها. ولا يتعين ذلك عن طريق السخرة أو التسخير، أعني بدون أجور، بل لا يجوز. بل تكون هذه الإفادات بأجور يستفيد منها المساجين والأسراء بدورهم.
ثالثاً: إن الأسير ما دام مشركاً أمكنت الاستفادة منه في الحرب نفسها بعدة طرق معلومة. فإما أن يحارب مع جيش المسلمين لكي يراهم المشركون فيشفقوا عليهم، فلا يضربونهم. وبذلك يندفع بعض الشر عن المسلمين أيضاً، فهم يجعلون كالترس الواقي للمسلمين.
ــــــــــــ[318]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (26) لماذا يأخذ الجيش المحارب أموال المشركين؟
يوجد في الغنائم التي يكسبها الجيش المسلم من الكفار إشكالان رئيسيان يحسن ذكرهما ومحاولة الجواب عنهما. نذكر أحدهما في هذه الفقرة من الكلام والآخر في الفقرة التالية:
فالأول منهما: أنه لماذا يأخذ الجيش المسلم أموال الشعب المشترك. بل ينبغي بقاء أموالهم عندهم يستفيدون منها حياتياً خلال الحرب وبعد الحرب. وربما كان في الأخذ منهم سبباً لانتشار الأمراض فيهم أو المجاعة أو غير ذلك. وهو جانب ظالم في الإنسانية.
مضافاً إلى أمر آخر في هذا الصدد، وهو أن المسلمين إذا أخذوا منهم، فسوف يواجهون رد فعل نفسي واجتماعي هم في غنى عنه على أي حال، فإن المطلوب أساساً هو هداية المجتمع المشترك ودخول شعبه في الإسلام. فإذا حصل الانطباع لدى المشركين أن هؤلاء المسلمين غاصبون لأموالهم وسارقون لحاجاتهم، لم يفد عندئذ بهم النصح والإرشاد. وهو رد فعل يكون المسلمون في غنى عنه. وليس ذلك إلا بالاستغناء عن الأخذ منهم والعفاف عما في أيديهم.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: إنه لم يقل أحد من الفقهاء بوجوب الأخذ منهم، كل ما في
ــــــــــــ[319]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الأمر أنه يجوز ذلك ولا يجب.
المستوى الثاني: أنه يمكن مع وجود المصلحة المذكورة في السؤال أو غيرها، المنع من الأخذ عنهم بأمر الحاكم الشرعي واجب الطاعة.
المستوى الثالث: إن الحال في ذلك يباح بإجماع العقلاء. وكل من يحارب وينتصر، لا شك أنه يأخذ من الجيش المندحر ومن المجتمع المغلوب على أمره أموراً كثيرة، ويفرض عليه إرادته. ولم يناقش عن ذلك أحد. فهو مسلك عقلاني عام، أقره الدين الإسلامي أيضاً. وليس فيه قبح أو غضاضة.
المستوى الرابع: إننا لا ينبغي أن نتصور أن الأخذ سيكون من كل أحد. بل من المحاربين فقط. بل إن الأخذ من المحاربين بعد فشلهم بمنزلة الضروري. وإن لم يكن الأخذ من غيرهم بهذه المثابة. ومن هنا ورد: من قتل شخصاً فله سلبه، وهذا يشمل أي فرد مشرك أو بيت أو بناية أو حيوان أو أراضي وغير ذلك، ما دامت تحت الحرب الفعلية، ومن هنا قد يجتمع لدى الجيش المسلم مال كثير.
ــــــــــــ[320]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (27) لماذا تُقسّم الغنائم بين المحاربين أنفسهم لا في المجتمع كَكُل؟
الإشكال الآخر: حول الغنائم: إنها لماذا تقسم بين أفراد الجيش المحارب كما ذكر الفقهاء في الفقه، للفارس سهمان وللراجل سهم واحد إلى غير ذلك من التفاصيل. بل ينبغي صرفه فيما هو الأهم من مصالح المسلمين كالصرف على الحرب نفسها أو على المجتمع لدعم اقتصاده أو بعض مصالحه كالتعليم أو القضاء أو غيرها.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات:
أولاً: إن أفراد الجيش المحارب والمعاون في الحرب. هم أولى الناس بالغنائم، لأنهم أكثر الناس تأثيراً فعلياً في الانتصار وإنتاج هذه النتيجة العظيمة، وهي دخول بلاد المشركين ضمن بلاد المسلمين. وهم أكثر تعباً وأبعد همة وأكثر عملاً في ذلك بلا إشكال.
ثانياً: إن ذلك وإن كان ضرورياً في الشريعة، أعني التقسيم على الجيش المحارب. إلا أنه إذا كانت هناك مصلحة أهم، وجب الصرف فيها، بما فيها الصرف على الحرب نفسها، إنما يوزع الباقي بين المحاربين.
ثالثاً: إن ذلك ليس متعيناً على الإمام أو القائد بالضرورة، بل له الرأي في ذلك أيضاً. في منع التقسيم لبعض الأموال وصرفها على مصالح أخرى.
ــــــــــــ[321]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
رابعاً: إن بعض الأموال خلال الحرب ستكون ملكاً شخصياً للمحاربين. طبقاً لبعض القواعد، كقولهم: من قتل شخصاً فله سلبه وغيرها. وهذا ينتج أن الملكية المباشرة والغالبة إنما هي للجيش نفسه. ولن يكون أولئك الراقدون في منازلهم أو الهاربون من وجه الحرب من الأهمية ما للمحاربين والضاربين بأنفسهم في موارد الخطر.
ــــــــــــ[322]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (28) لماذا يرجع المشرك إلى مأمنه؟
إننا نسمع في الفقه كثيراً على المشهور بينهم: أن المشرك الذي يدخل في أمان المسلمين إذا انتهى أمانه لم يجز قتله وإنما يجب إرجاعه آمناً إلى مأمنه وبلده. وهذا قد ينتج وجود أيدٍ عديدة ومحاربين كثيرين ضد الإسلام والمسلمين بعد رجوعهم إلى محل أمانهم، ولذا قد يكون من الأحجى والأقرب إلى المصلحة قتلهم قبل ذلك، وخاصة وإننا لا نتحدث عن أسير واحد، بل يكونون جماعة وأفراداً كثيرين.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات:
أولاً: إن في ذلك بكل وضوح مراعاة للجانب الأخلاقي على الجانب المادي أو الدنيوي. والأخلاق هي أصل النبوة وعمادها، كما قال النبيإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. فضلاً عن التفاصيل. وإذا تخلى الفرد عن الأخلاق فقد تخلى عن كل شيء في الحقيقة، بل قد تخلى عن ذاته نفسها.
ثانياً: إن هذا المعنى الأخلاقي سوف يدركه هؤلاء الراجعون إلى بلادهم من المسلمين لا محالة. وسوف يكون له بليغ الأثر في نفوسهم. مما يرجح عدم تصديهم لمحاربة المسلمين مرة أخرى. وذلك: إما بعنوان أنهم عرفوا الجانب الأخلاقي في الدين، فاحترموه. وإما بعنوان: إن المجتمع المسلم أصبح
ــــــــــــ[323]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
ذا فضل مباشر على هؤلاء. فمن الواجب اجتماعياً وأخلاقياً حفظ هذا الحق لهم وعد مبادرتهم بالشر.
ثالثاً: إنه يمكن أن يقال فقهياً إن قتل المستأمن وإن كان حراماً أكيداً. إلا أن إرجاعه إلى مأمنه غير واجب. بل هو على وجه الرخصة لا العزيمة.
ومعه فإذا خاف الطرف المسلم من دسائس هؤلاء المستأمنين وسوء تصرفهم لو رجعوا إلى بلادهم. لم يجز إرجاعهم، فإذا كان الأمان قد انتهى زمانه أمكن حجزهم كأسرى، وبذلك يأمنون شرهم.
رابعاً: إن إرجاعه إلى بلاده ومأمنه لا يعني تسليطه على السلاح أو إعطاءه الفرصة للاتصال بأصحابه. وإنما يمكن قتله أو محاربته لمجرد وصوله إلى بلده. لأننا عندئذ نكون قد طبقنا الحكم الشرعي بإيصاله. وبذلك برأت الذمة منه بوجوب المحافظة على حياته فجاز قتله.
خامساً: إنه يمكن القول فقهياً وشرعاً، إن وجوب المحافظة على المستأمن وإن كان هو القاعدة العامة، إلا أنه كما يقال: (ما من عام إلا وقد خصّ). فإذا اقتضت الضرورة القصوى اجتماعياً أو دينياً، أو غير ذلك قتله جاز قتله، بل وجب.
سادساً: إن هذا المستأمن أو الجماعة المستأمنة، كما أنهم في ذمة الإسلام، يجب الحفاظ عليهم، كذلك أن المسلمين في ذمتهم بمعنى وآخر. فلا يجوز مقابلة فضلهم بالعداء. بمعنى ان يكيدوا لهم وهم في أسرهم وأمانهم. فإن حصل شيء من ذلك، فقد سقط الأمان وجاز القتل.
ــــــــــــ[324]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (29) لماذا لا يجب تغسيل الشهيد وتكفينه؟
إنه من الثابت فقهياً أن كل ميت مسلم يجب تغسيله وتكفينه، ما عدا الشهيد المقتول في المعركة، فإنه لا يغسل ولا يكفن بل يصلى عليه ويدفن بثيابه. فهل من حقنا الآن ان نسأل عن وجه الحكمة في هذا الحكم؟
بحسب ما ندركه من الأمور والله اعلم بما ينزل. أن الحكمة يمكن بيانها في عدة أمور:
الأمر الأول: اختصاص الشهيد بأهمية أكثر من غيره، باعتبار عمله القيم الذي قام به، ولا يبدو لنا أفضل من هذه الطريقة التي تخص جسمه وثيابه نفسها. فهو -حسب هذا الوجه- أسلوب إعلامي لإبراز أهمية الشهيد.
الأمر الثاني: إن كل أجزائه التي لاقت الشهادة -لو صح التعبير- أو كانت في حال الشهادة، ينبغي المحافظة عليها، وتسليمها إلى التراب ومن ثم كأنها تسلم إلى الآخرة بتمامها.
ومن المعلوم أن جثمانه إذا غُسِّل ذهب دمه الذي يجلل جسده، وإذا كُفِّن نزعت عنه ثيابه، وكل ذلك ينافي ما ذكرناه.
الأمر الثالث: إن الشهادة أصبحت سبباً مباشراً وأصيلاً لطهارة الشهيد من جميع الجهات، فلا يحتمل أن يكون هو نجساً بأي حال، ولا دمه ولا ثيابه.
بل كل ذلك منه طاهر مطهر. باعتبار الجانب المعنوي الجليل الذي اكتسبه
ــــــــــــ[325]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
بالشهادة. ومعه لا حاجة إلى غسله من الدم والعرق، كما لا حاجة إلى نزع ثيابه، بل إن ثيابه قد تكون معنوياً، أطهر من أي كفن يمكن أن يحصل عليه.
الأمر الرابع: أنه صبر على أمر عظيم وكل من صبر على أمر عظيم كان كذلك، يعني محكوماً بمثل هذا الحكم من ترك التغسيل والتكفين.
حيث روي أن شخصاً ما جاء إلى أمير المؤمنين ، فاعترف أمامه بالزنا وطلب منه التطهير بإقامة الحد. فأقام  عليه الحد، بأن دفنه في حفيرة إلى وسطه ثم ضربه الناس بالحجارة إلى أن مات. والمفهوم من سياق الرواية انه مات صابراً محتسباً. وبعد أن مات أخرجه من الحفرة وصلى عليه ودفنه. فقيل له: إنه قد تُرك تغسيله وتكفينه. فقال: إنه صبر على أمر عظيم.
وهذه الرواية تعطي قاعدة عامة وهي ان كل من صبر على إطاعة الله ورضاه إلى الموت احتساباً وإخلاصاً، فهو ممن ينبغي ترك تغسيله وتكفينه، ولا شك أن الشهيد كذلك. غير أن الرواية غير معتبرة السند. ومن هنا لم يفت الفقهاء بمضمونها. ولكنها على أي حال، يمكن أن تعطينا فكرة كافية عن وجه الحكمة في ذلك.
ــــــــــــ[326]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفقرة (30) لماذا يعتبر الجيش المسلم منتصراً دائماً
لا شك أن المرتكز لدى الفقهاء عموماً، أن الجيش المسلم المجاهد بالجهاد المقدس منتصر دائماً، لا يمكن أن يندحر بأي حال، أو أن يفشل في جهاده بأي حال.
ولعل أول دليل على ذلك هو أنهم لا يذكرون في كتبهم -حين يتعرضون لأحكام الجهاد وتفاصيله- لا يذكرون أية مسألة تتضمن احتمال ذلك بقليل ولا بكثير.
فلماذا كان ذلك؟ وكيف يصح لهم ذلك؟ مع أننا نرى الحروب دائماً كموج البحر قابلة للزيادة والنقصان والانتصار والخسران. وإنما يتقدم الجيش بقوة سلاحه وزيادته على عدوه عدداً وعدة، فإذا لم يكن الجيش المسلم كذلك باء بالفشل لا محالة.
وجواب ذلك يمكن أن يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: إنه في الإمكان القول: إن الجهاد المشروع حقيقة في الدين، لا يكون إلا بين يدي الإمام المعصوم ولم ولن يكون مع غيره. وذلك على أحد وجهين، يمكن التزام أحدهما في الفقه:
الوجه الأول: أن نقول في الفقه، بعدم مشروعية الجهاد إلا بين يدي الإمام
ــــــــــــ[327]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المعصوم فإذا لم يكن القائد أو الآمر به معصوماً، لم يكن الجهاد مشروعاً بل كان عملاً اعتدائياً محرماً.
الوجه الثاني: إننا إذا لم نقل في الفقه بذلك وعممنا الجواز إلى غير المعصوم، فإنه يمكن القول: إن الله تعالى لا يوفر موضوع الجهاد المقدس وشرائطه الشرعية، تلقائياً بين البشر، إلا في زمن يكون فيه الإمام المعصوم موجوداً. ومن ثم سيكون الجهاد بقيادته أيضاً. ولن يكون غيره قادراً عليه وإن جاز له نظرياً.
فإذا تعين أن يكون القائد هو المعصوم  ، اندفع ذلك الإشكال. لأن قيادة المعصوم وتعاليمه، مسددة من قبل الله تعالى. ولا يمكن أن نتصورها فاشلة أو مندحرة، بل الأمر أكثر من ذلك. فإن أعماله وتطبيقه الفعلي للجهاد مسدد أيضاً ومنصور بإذن الله تعالى.
المستوى الثاني: إن الجهاد ضمن تحقق موضوعه وشروطه، إذا صادف قلوباً مخلصة ونفوساً طاهرة، فإنه سينتصر لا محالة، إلا أنه من النادر وجود أمثال هؤلاء المخلصين الكاملين، ولكن لو فرضنا وجودهم بعدد كافٍ، فسيكون الجيش منتصراً لا محالة مهما كان الثمن. ومنه قول بعضهم مما نقله القرآن الكريم: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وقوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146) وَمَا كَانَ قَوْلَـهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
فالمهم أن يكونوا ربيين أي إلهيين منسوبين إلى الرب سبحانه وتعالى،
ــــــــــــ[328]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
وهؤلاء لا يكونون إلا صابرين ومحتملين لكل أنواع الأذى في سبيل الله سبحانه، وناصرين لله سبحانه، وقد وعد الله بنصرة من ينصره. قال تعالى: إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. ومن ثم فهم منتصرون على أي حال.
المستوى الثالث: إن الجهاد المقدس الحق، موضوع تحت عناية الله تعالى ومحروس بعينه التي لا تنام، بطبيعة الحال، ولذا فهو ينصره بالملائكة، كما قال الله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ(124) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ(125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الحَكِيم.
كما أن هناك أساليب أخرى من العناية بالمحاربين أشار إليها القرآن الكريم، كإلقاء الرعب في قلوب الكفار وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين ورؤية الجيش المعادي قليلاً.
بل قد يصل الحال، إلى ما هو أكثر من ذلك، بإعمال المعجزة إذا لزم الأمر، وتوقف عليها وجود الحق، كوقف الأسلحة عن القتال أو هلاك بعض الظالمين وغير ذلك.
المستوى الرابع: إن الجهاد المقدس، يكون ضد الكفار والمشركين.
وهذا الصنف من الناس وإن كثروا، وظهروا للآخرين بالعدد والعدة والقوة والشدة، إلا أن قلوبهم خاوية ونفوسهم ساقطة.
وأوضح دليل على ذلك: أنهم أهل دنيا وطالبون لنتائج الدنيا، فإذا وضعوا في جبهة الحرب ورأوا الموت رأي العين، انهارت عزائمهم وخاب ظنهم وفألهم وتأسفوا على دنياهم وعلى أهدافهم المقطوعة.
ــــــــــــ[329]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
بخلاف أهل الحق، فإن هدفهم رضا الله وثوابه وحسن النجاة في الآخرة. وليس همهم الدنيا بما فيها ومن فيها، وهم مقبلون على الموت بقلوب صابرة ونيات صادقة.
كما قال الله تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ، وقال تعالى: إِن تَكُونُواْ تَأْلَـمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَـمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّـهِ مَا لاَ يَرْجُونَ.
وقال سبحانه: لأنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّـهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ(13) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ(14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَـهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ.
وإذا كانوا كأنهم خشب مسندة وجبناء لأنهم: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ ولو كانوا شجعاناً لقاتلوا وجهاً لوجه، وإذا كان بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، لأنهم مختلفون على أمور دنياهم ومتناصرون على مصالحهم الشخصية، إذن فلا أمل من انتصارهم وكل الأمل منحصر بانتصار الجيش الإلهي المسلم.
المستوى الخامس: الاتصال بالله سبحانه في عالم الروح وباطن النفس. والله تعالى لا يخيب عبده إذا كان على هذا المستوى وذلك في عدة أمور.
الأمر الأول: حسن الظن بالله سبحانه، وأنه سيكتب لهم النصر والله تعالى عند حسن ظن عبده كما ورد.
ــــــــــــ[330]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الأمر الثاني: حسن التوكل على الله سبحانه، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. وإذا كان الله حسب عبده أعطاه ما يريد.
الأمر الثالث: حسن الذكر لله عز وجل. وهو جل ذاكر الذاكرين كما في الدعاء، وكما ينص عليه القرآن الكريم: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. وإذا ذكر الله عبده آتاه ما يريد.
الأمر الرابع: البراءة من الحول والقوة، وإيكال كل ذلك إلى مسبب الأسباب، وذلك بمنطوق الحكمة التي تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
المستوى السادس: حسن التخطيط من قبل قيادة دقيقة رشيدة. فهم لا يبدؤون الحرب إن لم تكن هناك مبررات واقعية محسوسة للانتصار. وإلا فهم في هدنة وتوقف وتقية، والمهم أنه إذا كان التخطيط دقيقاً والالتفات إلى الأمور عميقاً، فمن المناسب جداً أن يكون الفوز للجيش المقاتل لا محالة، حتى لو تنزلنا عن المستويات الخمسة السابقة.
والأهم من ذلك إمكان بل فعلية اجتماع كل هذه المستويات، فيكون الانتصار في ذلك الحين قطعياً. ومن هنا لم تتخلف ولم تندحر غزوة ولا واحدة، من غزوات الرسول  بل كلها كانت منتصرة وظافرة بعون الله سبحانه، كما أن حروب أمير المؤمنين  التي خاضها بعد الرسول  كلها كان هو المنتصر فيها وجيشه هو المتقدم على خصمه.
بل الأمر بقي مستمراً على ذلك ردحاً طويلاً من الزمن، بالرغم مما اختلط به الفتح الإسلامي من مطامع دنيوية، إلا أن روح التقدم النبوي كان مخلوطاً بأرواحهم ونفوسهم فكانت الغزوات منتصرة باستمرار.
وبذلك سقطت فارس والروم واسبانيا والهند وغيرها بيد الجيش الإسلامي
ــــــــــــ[331]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
الفاتح، وكان من أهم وأشهر ما سقط أخيراً هو القسطنطينية التي دخلها محمد الفاتح وهو من أوائل الملوك العثمانيين، غير أن تطور الأسلحة لدى أوروبا، حال دون الاستمرار بذلك، وكان أول علامة واضحة لاندحار المسلمين، الذين أصبحوا طامعين في الدنيا وبعيدين عن ذكر الله، هو سقوط الأندلس بيد الإفرنج، وكذلك دخول نابليون في مصر بالسلاح الحديث ودخول الصليبيين إلى القدس، وما استتبع ذلك من الاستعمار القديم والحديث.
19 جمادي الثاني
1417 للهجرة النبوية الشريفة
محمد الصدر
ــــــــــــ[332]ــــــــــــ
فقه الأخلاق الجزء الثاني، محمد الصدر
المحتويات
كتاب الزكاة
الفقرة (1) معنى الزكاة…..9
الفقرة (2) إن تفاصيل الشريعة هي زكاة للنفس وتكامل…..11
الفقرة (3) الحديث عن الصدقة…..13
الفقرة (4) خصائص الصدقة في القرآن الكريم…..15
الفقرة (5) شمول معنى الصدقة للجانب المعنوي…..17
الفقرة (6) الحكمة المتصورة لوجوب الزكاة…..19
الفقرة (7) الحكمة من كون نسبة الزكاة قليلة…..21
الفقرة (8) إمكان تلافي تلك القلة في سعة موارد الزكاة…..23
الفقرة (9) أن الزكاة غير مجحفة بالمالك وتطبيق ذلك على النصب الزكوية…..24
الفقرة (10) الفرق بين الفقير والمسكين…..28
الفقرة (11) الفرق بين الفقير والمسكين معنوياً…..29
الفقرة (12) تقسيم الفقر والمسكنة…..31
الفقرة (13) العاملون عليها…..35
الفقرة (14) المؤلفة قلوبهم…..37
الفقرة (15) الرقاب…..42
الفقرة (16) الغارمون…..44
الفقرة (17) دفع الزكاة للغارمين أخلاقياً…..48
الفقرة (18) ابن السبيل…..50
الفقرة (19) سبيل الله تعالى…..53
الفقرة (20) توزيع الزكاة من قِبَل المالك إلا إذا طلبها الحاكم الشرعي….. 55
الفقرة (21) عمل العاملين عليها…..57
الفقرة (22) معنى النصاب…..59
الفقرة (23) استثناء حصة السلطان…..61
الفقرة (24) أن المدفوع من الزكاة العشر…..63
الفقرة (25) اشتراط السوم…..64
الفقرة (26) أن لا يكون المستحق من أهل المعاصي…..65
الفقرة (27) أن لا يكون المستحق واجب النفقة…..66
الفقرة (28) أنه يحرم دفع زكاة غير الهاشمي إلى الهاشمي…..68
الفقرة (29) مستحبات الزكاة…..70
الفقرة (30) زكاة الفطرة…..72
الفقرة (31) من المستويات المعنوية لزكاة الفطرة…..74
كتاب الخمس
الفقرة (1) المناقشة حول آية الخمس…..79
الفقرة (2) الحديث عن الصنف الثاني في آية الخمس…..83
الفقرة (3) انتساب العطاء إلى الله سبحانه…..85
الفقرة (4) اشتراط أن يكون الصنف الثاني هاشمياً…..98
الفقرة (5) دفع إشكالٍ على اشتراط الهاشمية…..91
الفقرة (6) موارد وجوب الخمس من الناحية الأخلاقية…..95
الفقرة (7) أن الخمس منوط بإذن الإمام عليه السلام…..100
الفقرة (8) الرجوع إلى نائب الإمام…..101
الفقرة (9) الفرق بين الزكاة والخمس من الناحية المعنوية…..102
كتاب الاعتكاف
الفقرة (1) أهم أحكام الاعتكاف…..107
الفقرة (2) في معنى المسجد…..108
الفقرة (3) معنى الصوم…..110
الفقرة (4) اللبث المتطاول في المسجد…..114
الفقرة (5) الثلاثة أيام…..116
الفقرة (6) عن مستحبات الاعتكاف…..117
كتاب الحج
الفقرة (1) معنى القصد في الحج…..121
الفقرة (2) النيَّة…..123
الفقرة (3) الاستطاعة…..124
الفقرة (4) في معنى الحج المعنوي…..126
الفقرة (5) الإحرام اجتماعياً…..130
الفقرة (6) الإحرام معنوياً…..132
الفقرة (7) الحديث عن المواقيت…..134
الفقرة (8) الطواف…..136
الفقرة (9) السعي…..139
الفقرة (10) إحرام العمرة وإحرام الحج…..142
الفقرة (11) المواقف الثلاثة…..144
الفقرة (12) الهدي في منى…..147
الفقرة (13) الحلق والتقصير…..149
الفقرة (14) رميُ الجمرات…..151
الفقرة (15) طواف النساء…..155
الفقرة (16) مستحبات الإحرام…..157
الفقرة (17) مكروهات الإحرام…..161
الفقرة (18) مستحبات دخول الحرم المكي…..162
الفقرة (19) مستحبات وآداب دخول مكة المكرمة والمسجد الحرام…..163
الفقرة (20) في آداب الطواف…..167
الفقرة (21) في آداب صلاة الطواف…..169
الفقرة (22) في آداب السعي…..170
الفقرة (23) في مستحبات وآداب إحرام الحج…..172
الفقرة (24) مستحبات وآداب الوقوف بعرفات…..173
الفقرة (25) في آداب ومستحبات الوقوف بالمشعر الحرام…..180
الفقرة (26) آداب ومستحبات رمي الجمرات…..182
الفقرة (27) في مستحبات الهدي…..183
الفقرة (28) في مستحبات الحلق…..184
الفقرة (29) آدب ومستحبات البقاء في مكة…..185
الفقرة (30) في آداب الخروج من مكة المكرمة…..187
الفقرة (31) في آداب المدينة المنورة…..188
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الفقرة (1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…..193
الفقرة (2) الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف…..196
الفقرة (3) مستويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…..198
الفقرة (4) الأقسام المعنوية للأمر بالمعروف…..202
الفقرة (5) التطبيقات الأخلاقية…..205
الفقرة (6) من الشرائط: احتمال الإمتثال…..208
الفقرة (7) مراتب شرط احتمال الإمتثال…..210
الفقرة (8) من شرائطه: أن يكون الفاعل مصراً على العصيان…..212
الفقرة (9) من شرائطه: أن يكون المعروف منجزاً على الفاعل…..214
الفقرة (10) من شرائطه: أن لا يلزم منه ضرر …..216
الفقرة (11) في الأمر بالمعروف للأسرة…..218
الفقرة (12) في فائدة القتل في طريق الأمر بالمعروف…..221
الفقرة (13) إن الأمر بالمعروف قد يؤدي إلى الإكراه وأضرابه…..223
الفقرة (14) صفات هي كمال للإنسان…..225
الفقرة (15) خطبة أمير المؤمنين…..233
الفقرة (16) في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر…..236
كتاب الجهاد
الفقرة (1) معنى الجهاد…..243
الفقرة (2) ورود الجهاد في القرآن الكريم…..245
الفقرة (3) جهاد النفس…..248
الفقرة (4) تحكيم العقل في النفس…..251
الفقرة (5) في أن الجهاد الأصغر مهم باعتباره تطبيقاً للجهاد الأكبر…..253
الفقرة (6) في تحمّل البلاء…..255
الفقرة (7) في تحمّل البلاء الاختياري…..257
الفقرة (8) في الجهاد الفردي والجهاد الاجتماعي…..258
الفقرة (9) عموم السلوك المعنوي لسائر الأديان…..261
الفقرة (10) من كلام لأمير المؤمنين…..264
الفقرة (11) خطبته في وصف المؤمنين…..268
الفقرة (12) مناقشة بعض الإشكالات عن الزهد…..272
الفقرة (13) الإشكال الثاني والإشكال الثالث…..274
الفقرة (14) الإشكال الرابع والإشكال الخامس…..278
الفقرة (15) الاعتماد على النفس…..283
الفقرة (16) إجمال الهدف المعنوي…..287
الفقرة (17) إن حب التكامل من حب الذات…..291
الفقرة (18) النسبة بين التربية التكوينية والتربية المتعمَّدة…..294
الفقرة (19) إن الجهاد بابٌ فتحه الله لأوليائه…..297
الفقرة (20) الدوافع المخلصة للجهاد…..300
الفقرة (21) مناقشة مَنْ يقول: الدين أفيون الشعوب…..303
الفقرة (22) تشريع قتل ملايين البشر من المشركين…..307
الفقرة (23) مناقشة أن الجهاد يقتضي الإكراه في الدخول في الإسلام…..310
الفقرة (24) مناقشة جواز قتل الأسير…..313
الفقرة (25) في جواز إفادة الأسير والاستفادة منه…..317
الفقرة (26) لماذا يأخذ الجيش المحارب أموال المشركين؟…..319
الفقرة (27)لماذا تقسم الغنائم بين المحاربين أنفسهم لا في المجتمع ككل؟…..321
الفقرة (28) لماذا يرجع المشرك إلى مأمنه؟…..323
الفقرة (29) لماذا لا يجب تغسيل الشهيد وتكفينه؟…..325
الفقرة (30) لماذا يعتبر الجيش المسلم منتصراً دائماً…..327
المحتويات…..333