أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
أضواء على ثورة الإمام الحسين (ع)

أضواء على ثورة الحسين
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف

بسم الله الرحمن الرحيم
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر

المقدمة(1)

لا أريد الآن التعريف بثورة الحسين، ولا ينبغي لي ذلك بعد أن علم الخالق والمخلوقون بأنها غنية عن التعريف بحدودها وصمودها وارتفاعها واتساعها. ويكفي أنها هي التي صنعت التاريخ ولم يصنعها التاريخ. وهي التي قدّمت الأمثولة الكبرى للتضحية في سبيل طاعة الله بكل ما يملك الفرد من نفس ونفيس. فالتعريف بها تعريف بالمُعرَّف والمُعرَّف لا يُعرَّف. وإنما يهمني الآن التعريف بهذا الكتاب الذي بين يديك، وذلك: أن القارئ إنما يستطيع أن ينال منه الفائدة المطلوبة إذا اتصف بالصفات التي نشير إليها، وإلا فسوف يكون الإعراض له أولى وأحجى.
أولاً: أن يكون موضوعي التفكير. لم يختر سلفاً اتجاهاً مغايراً، بل يحاول أن يحكّم عقله الخالص في كل ما يسمع من الأمور، مطبّقاً ذلك على الكتاب الكريم والسُنَّة الشريفة، فإنما هي المحكّ الرئيسي للمسلمين في تشخيص الحق من الباطل.
ثانياً: أن يكون للفرد إطلاع كافٍ على تاريخ الحسين وأصحابه وأهل
ــــــ[11]ـــــــ
( ) اعتمدنا في طبعة هذا الكتاب على النسخة الخطية الموجودة لدينا (هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر).
أضواء على ثورة الحسين
بيته، قبل وأثناء وبعد واقعة كربلاء. فإن سرد هذا التاريخ خارج عن اختصاص هذا الكتاب. ومن هنا تعمّدت حذفه وتكلمت حوله، معتمداً على الاطلاع العام في أذهان القرّاء عن ذلك. فإن لم يكن القارئ الكريم مطلعاً على هذا التاريخ فالأفضل له أن يراجع مصادره أولاً. ثم يرجع إلى هذا الكتاب ثانياً.
ثالثاً: أن يكون للفرد إطلاع كافٍ عن أوضاع الخطباء المذكّرين بثورة الحسين أساليبهم وأقوالهم. فإني أخذت هذا الواقع المعاش ولو من بعض جوانبه وتكلمت حوله. فإن لم يكن القارئ قد اطّلع على ذلك فليسأل من يعرف من الآخرين.
رابعاً: أن يكون للفرد بعض التساؤلات عن حوادث الطف وتاريخ الحسين، مما قد يكون خطر على باله ولم يجد عنه جواباً، قد دفنه في ذهنه ريثما يحيا من جديد. فإن كان القارئ من هذا القبيل فليقرأ كتابي هذا فإني كرسته لأجل هذا الغرض، وهو الجواب على أهم الأسئلة المثارة حول التاريخ الإسلامي الحسيني، وأسبابه ونتائجه وتصرفات أصحابه، من حيث إمكان تصحيح ما صحّ عنهم وإبطال ما بطل.
وينبغي الإلمام سلفاً كما أشرنا في غضون الكتاب أيضاً، إلى العجز عن التعريف على الحكمة الحقيقية لتصرفاتهم، كما أن المشار في الكتاب هو مجموعة من الأسئلة المشهورة في الأذهان، وليس جميع ما قد يخطر في الذهن نظرياً عنها. من حيث إن إثارتها أو الجواب عليها قد يثير حزازات أو مضاعفات نحن في غنى عنها، في ظرف أحوج فيه إلى صقل الإيمان، والدعوة إلى وحدة الكلمة بين
ــــــ[12]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
المسلمين، وزرع الحب والأُلفة بينهم.
وعسى لهذا الجهد المتواضع، أن ينال رضا الله عزّ وجلّ أولاً وأخيراً. ورضا القارئ الكريم، وأن يُعفى عما فيه من قصور وتقصير.
ولا ينبغي -وأنا في ختام المقدمة- أن أهمل الإشارة إلى حاجة هذا الكتاب إلى المصادر فهو، كما يراه القارئ خالٍ منها، مع أنه من أحوج الناس إليها. وما ذلك إلا لضيق تواجدها، وضيق الوقت عن مراجعتها، ومن هنا أمكننا أن ندعو الله عزَّ وجلّ أن يوفر الفرصة لطبعة أخرى من هذا الكتاب، تكون هي الكفيلة بالمصادر جميعها، إنه ولي كلّ توفيق.
شهر صفر الخير عام 1414
محمد الصدر
ــــــ[13]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

ــــــ[14]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الاعتذار عن الإحاطة التامة
نحن عندما ننظر إلى أي أمر معقد، أو مربوط بالحكمة الإلهية، أو بتصرف أحد المعصومين من قول أو فعل، أو أحد الراسخين في العلم، فسوف نواجه وعورة في السير، وصعوبة في الرؤية إلى حدٍّ قد يكون أحياناً أننا نجد الباب مغلقاً أمامنا تماماً، للصعود الذي نطمع به ونطمح إليه في هذا السبيل. وذلك بعد ملاحظة الأمور التالية:
الأمر الأول: أنه تمّ البرهان في مباحث العقائد الإسلامية، على أن العلم الإلهي والحكمة الإلهية لا متناهيان ومطلقان، ولا حَدَّ لهما، وأن اطّلاعه على الواقعيات على مختلف المستويات أكيد وثابت على أوسع نطاق. بل كل صفاته الذاتية هكذا، وكثير من أسمائه، فهو لا متناهي العلم والقدرة والحكمة والعدل والرحمة والحياة والوجود والجود والنعمة إلى غير ذلك. كما ثبت أن العقل الإنساني مهما تسامى، فهو محدود بحدود لا يمكنه أن يتعدّاها، كما سنشير إليه، ومن البديهي أن المحدود يستحيل أن يدرك اللامحدود. إذن فليس للإنسان أن يدرك العلم الإلهي والحكمة الإلهية كما هي، وإنما ينال منهما بقدر استحقاقه وقابليته، وبمقدار عطاء الله له، و”العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء”.
الأمر الثاني: إننا نشعر وجداناً بعدم إحاطتنا بالواقعيات على واقعها، لا من ــــــ[15]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ناحية العقل (النظري)، ولا من ناحية العقل (العملي)(1). فإن العقل لا شكّ يدرك عدداً من القضايا كبيراً جداً بوضوح تامّ ووجدان كامل، ولكنّه حين يأتي إلى قضايا أخرى بعدد كبير أيضاً، فإنه يشكّ فيها ولا يستطيع أن يعطي حولها قناعة أو جزماً مُعيناً. إمَّا لأنها غير واضحة لذاتها، أو للشكّ في تحقّق موضوعها وموردها، أو لوقوعها موقع التعارض والتزاحم مع قضايا أخرى، ولعل العقل يجهل المحصّل أو النتيجة التي ينبغي البت بها بعد التزاحم. ولا شكّ أننا لو كان عندنا إدراك للواقعيات لما تورطنا في مثل هذه الشكوك والجهالات.
الأمر الثالث: إننا حين نتحدث عن أمر تاريخي كواقعة الحسين، فإنّنا يمكن أن نتمثل بهذا المثل، وهو قولهم: (يرى الحاضر ما لا يرى الغائب). ومن الواضح أنهم كانوا حاضرين ونحن غائبون، وهم مشاهدون ونحن غير مشاهدين، إذن، فليس من حقّنا أن نعترض على أية واقعة تاريخية لم نشاهدها، ولم نحط بها خبراً، إذ لعل أهلها والقائمين بحوادثها قد علموا ما لم نعلمه من القرائن والحوادث والعلاقات، وشخصوا التكليف لهم بأن يفعلوا كذا أو يتركوا. وليس لنا أن نفتح أفواهنا ضدّهم بشيء، ونحن غير ملمّين بالموضوع من جميع جهاته، مع أنهم لا شكّ -كمعاصرين للأحداث وملاحظين لها حال وقوعها- ملمّون بها من جميع جهاتها.
ــــــ[16]ـــــــ
( ) عرّفوا العقل النظري: بأنه إدراك ما ينبغي ان يعلم. كإدراك أن السماء فوقنا والأرض تحتنا إلى ملايين الحقائق الكونية وغيرها. وعرّفوا العقل العملي: بأنه إدراك ما ينبغي أن يعمل، يعني من التصرفات والسلوك. ما وراء الفقه، الجزء الأول, القسم الأول, ص50.
أضواء على ثورة الحسين
الأمر الرابع: إن عدداً من الأمور النظرية والعلمية، مما يتعذر على عقولنا إدراك واقعياتها، يمكن من الناحية المنطقية طرح أفكار محددة، تحمل محتملات معقولة على شكل (أطروحات)، نحاول أن نجمع القرائن على صحتها من ناحية، وندفع بها الاستدلال المضادّ من ناحية أخرى؛ لأن المشكّك حين يطعن في أي أمر إنما يطعن في حكمة فاعله وصوابه، ويحاول أن يستدل بهذا على ذلك. ومن هنا تأتي هذه الأطروحة أو تلك؛ لأجل حمل الفاعل على الصحة والصواب، وأن فعله قابل للقبول. ومعناه أن الاستدلال الذي أراده الخصم قد فشل، إذ بدخول الاحتمال يبطل الاستدلال؛ لأن الاستدلال من الناحية المنطقية يحتاج إلى الجزم بنتيجته، وهذه الأطروحات تخلخل هذا الجانب وتطيح به، ومعه يسري الفساد إلى نتيجة الاستدلال نفسها.
وهذا التكوين النظري، يمكن تطبيقه على كثير من حوادث التاريخ، بالنسبة إلى كثير من المعروفين السابقين، وخاصّة ما إذا كانوا معصومين، بل المعصومون أولى بالصحة في هذا الصدد، وأوكد من حيث قبول أفعالهم وأقوالهم، بعد ثبوت عصمتهم ببرهان ليس الآن محلّ ذكره. فإن لم نكن نعرف وجه الحكمة الحقيقية من بعض أمورهم، فلا أقلّ من وجود أطروحة أو أكثر لحملها على الصحة، مما يبطل الاستدلال والتشكيك ضدّهم جزماً.
الأمر الخامس: إن الهدف أو الحكمة من كل قول أو فعل وارد عن معصوم أو غيره، لا ينحصر أن يكون هدفاً واحداً، بل يمكن أن يكون متعدداً، سواء مما نعلمه من الأهداف أو مما نحتمله منها، أو الأهداف التي تكون في الحكمة الإلهية، والمهم
ــــــ[17]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الآن إمكان تعدّد الأهداف لأي تصرف، ومن هنا يمكن أن تتعدّد الأطروحات المحتملة المصحِّحة لتلك التصرفات.
الأمر السادس: أنه ثبت في الفلسفة، أن أي شيء في الخليقة فإن لوجوده نحواً من الحكمة والهدف أو قل: العلّة الغائيّة -كما يعبّرون هناك- وكل موجود مشمول لذلك، سواء كان إنساناً أم حيواناً أم نباتاً أم جماداً أم ملائكة، أم غيرها من الأمور، لا يشذّ عن ذلك حتى الأفعال الاختيارية للفاعلين المختارين من الناس أو غيرهم، فإنها بالرغم من أنها اختيارية منسوبة لأصحابها، ويستحقون عليها المدح أو القدح، إلا إنها بصفتها خلقاً من خلق الله سبحانه فهي منسوبة إليه، ومن ثم يكون إيجادها -طبقاً لتلك القاعدة- ذا حكمة وعلّة غائيّة.
ومن هنا يمكن القول أو يثبت الأمر: أن أي فعل من أفعالنا فهو له نحوان من المقاصد: نحو يعود إلى الفاعل نفسه. ونحو يعود إلى الخالق، لا يختلف في ذلك فعل الإنسان البسيط عن العظيم، والعالم عن الجاهل، والمعصوم عن غير المعصوم وهكذا.
فمثلاً، يمكن القول: إن الحسين إنما قام بحركته العظيمة، من أجل غرضه الشخصي، بينه وبين نفسه؛ وذلك لأجل قيامه بواجب من الواجبات الموكولة إليه والمكلف بها، تماماً كما لو صلينا صلاة الظهر؛ امتثالاً لأمر الله سبحانه علينا وجوباً من ناحية، وطمعاً بالثواب الناتج منها من ناحية أخرى، وقد أمر الله سبحانه الحسين -كما سيأتي شرحه- بهذه الحركة، فهو يمتثل هذا الأمر، متوخّياً الثواب العظيم، والمقامات العُليا التي ذخرها الله سبحانه له، والتي لن ينالها إلا بالشهادة.
ومحل الشاهد الآن، هو أن التساؤلات عن حركة الحسين، إنما هو
ــــــ[18]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
من قبيل التساؤل عن الحكمة الإلهية فيها، وليس عن الأغراض الخاصة بالحسين منها كما شرحناه، ومن هنا يكون الاعتراض عليها أعني هذه الحركة، والطعن في أهدافها، إنما هو طعن بالحكمة الإلهية مباشرة، وليس في أغراض الحسين منها؛ لأن أغراضه الشخصية لم تكن -بكل بساطة- إلا الامتثال وتحصيل الثواب، شأنه في ذلك شأن أي مؤمن آخر يمتثل عملاً واجباً أو مستحباً.
[عدم النظر الى المعصومين كقادة دنيويين]
الأمر السابع: إننا لا ينبغي، ونحن ننظر إلى فهم التاريخ الإسلامي، أن ننظر إلى القادة المعصومين (سلام الله عليهم) كقادة دنيويين، كما عليه تفكير طبقة من الناس، يدّعون التمسّك بالفكر الديني، ولكنهم متأثرون بالاتّجاه المادي الدنيوي، فهم يعتبرون المعصومين قادة دنيويين كبراء، بل هم بهذه الصفة خير من خير القادة الموجودين خلال العصور كلّها، في اتصافهم بعمق التفكير وحصافة الرأي وشجاعة التنفيذ ونحو ذلك. ومعه يكونون هم المسؤولين عن أهداف حركاتهم وأقوالهم وأفعالهم، ولا تكون تلك الأمور منسوبة إلى الحكمة الإلهية بأي حال، إلا أنني أعتبر ذلك خطأ لا يغتفر، بل لا بدّ في النظر إليهم كقادة، من أخذ كل الأصول الدينية والعقائد الصحيحة بنظر الاعتبار، وقد ثبت أنهم معصومون مسددون من قِبَل الله سبحانه. فالسؤال عن الحكمة لا بدّ وأن يكون راجعاً إلى الحكمة الإلهية، لا إلى آرائهم الشخصية مهما كانت مهمة.
وأوضح دليل على ذلك: هو أننا إذا اعتبرناهم قادة دنيويين، فإننا ينبغي أن نعترف بفشلهم في كثير من المهمات التي قاموا بها فعلاً، وتكون كثير من أفعالهم خالية من الحكمة والمصلحة، بل تكون واضحة الفشل من الناحية الدنيوية. فمثلاً
ــــــ[19]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إن الإمام الحسين قد خرج إلى الكوفة وبالتالي إلى كربلاء، وهو يعلم أنه سوف يموت، وأن عائلته سوف تسبى، وليس الأمر منحصراً به، بل يعلم بذلك عدد مهم من الناس، ومن هنا نصحه المتعدّدون أن يعيد النظر في عمله ويستدرك مهمته. ولكنّه مع ذلك كان مهتمّاً بها مقبلاً عليها، مهما كانت النتائج. فلو نظرنا إليها نظراً دنيوياً لكانت في نظرنا حركة فاشلة تماماً. أو إذا جرّدنا من الإمام الحسين قائداً دنيوياً، كان رأيه خالياً من الرشد والحكمة، وحاشاه.
إذن، فالأمر لا بدّ عائد إلى الأمر الإلهي والحكمة الإلهية، والله سبحانه يريد بإيجاد هذه الحركة أهدافاً تعدل هذه التضحيات الجسام، التي قدّمها هذا الإمام العظيم (سلام الله عليه)، والإمام نفسه مؤيَّد ومسَدَّد من قِبَل الله سبحانه، ومن هنا استطاع أن يعلم بنحو أو آخر بالأمر الإلهي المتوجّه إليه بإيجاد هذه الحركة. إما بالأمر الموروث إليه من قِبَل جده رسول الله. أو بالعلم اللدنّي، أو التسديد الإلهي الموجود لديه كواحد من المعصومين.
وهنا يمكن أن يُستدل ببعض الأدلة الدينية على إمكان النظر إلى المعصومين كقادة دنيويين، نذكر منها أهمّها، كما يلي:
[الاستدلال بقوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]
الدليل الأول: قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ(1). الدالة على أن النبي مأمور بمشاورة أصحابه في أموره، وهو إنما يحتاج إلى هذه المشاورة بصفته قائداً، إذ لو كان مؤيّداً ومسدّداً لما احتاج إلى هذه المشاورة. ثم إنه إذا ثبت ذلك للنبي
ــــــ[20]ـــــــ
( ) آل عمران: 159.
أضواء على ثورة الحسين
بنصّ الآية الكريمة، ثبت في غيره من المعصومين بطريق أولى، بصفته خيرهم وأعظمهم. ويمكن الجواب على ذلك من وجوه، نذكر بعضها:
الجواب الأول: إننا إذا أمكننا أن نجرد من أيّ قائد معصوم قائداً دنيوياً، فلا يمكن أن يكون ذلك محتملاً في حق النبي؛ لأن ذلك الاتجاه الفكري، إذا حصل تشكيكه في كون سائر المعصومين ذوي تأييد وتسديد إلهيين، فإنه لا يمكن ذلك في نبي الإسلام. لأن ذلك الاتجاه الفكري يعترف بالإسلام، واعترافه هذا معناه الاعتراف بنزول الوحي على النبي في القرآن وغير القرآن، ولا نعني من التسديد الإلهي إلا ذلك. وإذا نفينا ذلك، فمعناه نفي نزول الوحي على النبي، بصفته قائداً دنيوياً كما يعبّرون، إذن، فسوف يكون ذلك كفراً بالإسلام وخروجاً عنه. وبالتالي فلا يمكن أن يجتمع الإيمان بالإسلام مع افتراض أن يكون النبي قائداً دنيوياً غير مسدَّد. ومن الواضح أن هذه الآية الكريمة التي ذكرها المستدل نازلة على النبي. ومعه فلا بد من فهمها فهماً صحيحاً منسجماً مع سائر القواعد الإسلامية. ومعه فإذا لم يثبت الوجه الذي ذكره المستدل للنبي فإنه لا يكون غيره أولى بذلك منه، كما ذكره في الاستدلال.
[مناقشة دلالة الآية وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]
الجواب الثاني: إننا يمكن أن نناقش في دلاله الآية على ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن الآية الكريمة بنفسها دالة على أن هؤلاء الذين يكون النبي مأموراً بمشاورتهم، هم أناس واطئون من الناحية الثقافية والإيمانية،
ــــــ[21]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ومن الواضح أن مشاورة مثل هذه الطبقة لا تكون منتجة للنتائج العظيمة التي يتوخّاها المستدل، ودلالتها على ذلك في عدد من فقراتها كما سنرى. فانه تعالى يقول: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّـهِ لِنْتَ لَـهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَـهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُـتَوَكِّلِين(1).
فأولاً: قوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّـهِ لِنْتَ لَـهُمْ. يعني لولا هذه الرحمة المتزايدة، كان استحقاقهم هو الغضب عليهم، وانتقاد تصرفاتهم والجزع من معاشرتهم.
ثانياً: قوله: لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. بعنوان أن النبي إذا كان غليظ القلب فسوف يقسو عليهم بالنصيحة والتوجيه، إذن، فسوف يضيقون به ذرعاً ويتركونه، وهذا دليل على إيمان متدنٍ. إذ لو كان الإيمان عالياً لكان اللازم لهم اتّباع النبي على كل حال، حتى لو ضرب ظهورهم أو أعناقهم.
ثالثاً: قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ. الدال: أنهم مُذنبون في حقّه يحتاجون إلى العفو عنهم.
رابعاً: قوله: وَاسْتَغْفِرْ لَـهُمْ. الدال: أنهم مذنبون أمام الله سبحانه يحتاجون إلى استغفار، وهذا هو فرقه عن الوجه السابق.
وبالعفو عنهم والاستغفار لهم سوف تزداد رحمة النبي بهم وعطفه عليهم. وبالتالي، فإن الأحجى والأرجح به أن لا يعاملهم حسب استحقاقهم
ــــــ[22]ـــــــ
( ) آل عمران: 159.
أضواء على ثورة الحسين
بالعدل، بل حسب مقتضيات الرحمة الإلهية، فإِن ذلك أفضل للمصلحة العامة. وعلى أي حال، فمشاورتهم وهم بهذا المستوى المتدني، لا ينتج نتائج القيادة النبوية، ولا يكون مطابقاً للحكمة الحقيقية على أي حال. ومن هنا لا يكون قوله: فَإِذَا عَزَمْتَ يعني نتيجة للمشاورة معهم، بل نتيجة للأسباب الحقيقية لذلك العزم، بما فيها الوحي الإلهي.
الوجه الثاني: للجواب على الاستدلال بالآية الكريمة:
إن قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ليس بمعنى المشاورة الحقيقية، التي يريد أن يفهمها المستدل. بل هي شكل من أشكال التخطيط السلوكي يجعله الله سبحانه للنبي بقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَـهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الأمر. لكي ينال النبي مصالح عامة عديدة، يمكن أن نفهم منها ما يلي:
أولاً: أن يهديهم بسلوك الرحمة والشفقة معهم.
ثانياً: أن يُكفى شرَّ ذي الشرِّ منهم.
ثالثاً: إن مشاورتهم نحوٌ من الاختبار والامتحان لهم، ليرى النبي عملياً أنهم ناصحون له في الآراء التي سيبدونها، والاقتراحات التي يقولونها أم لا.
رابعاً: إن مشاورتهم نحوٌ من التدريب لهم على هذا الأسلوب، حين يكونون هم محتاجون إلى مشاورة غيرهم، فلا ينبغي أن يتكبّروا عن ذلك، بعد أن كان نبيهم يتخذ هذا الأسلوب بنفسه، وهم لا شكّ أنهم محتاجون إلى المشاورة في تاريخ حياتهم الطويل؛ لأنهم ليسوا معصومين، وقد يصبحون موجودين في زمان ومكان خالٍ من معصوم يمكنهم الاهتداء برأيه والاستعانة بتسديده، كما كانوا يعتمدون على النبي.
ــــــ[23]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[إمكان أن يكون المراد غير النبي]
الوجه الثالث: إن هذا الأمر في هذه الآية الكريمة يمكن أن يكون وارداً بعنوان: «إياك أعني فاسمعي يا جارة»، يعني أن يكون المخاطب بها النبي والمراد غيره، وعندنا عدد من الموارد القرآنية على هذا النحو. كقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى(2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3) أو يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى(1).. إلى آخر المورد. وكقوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(2). إلى غير ذلك من الموارد.
الوجه الرابع: إننا لو تنزلنا عن قبول الوجوه السابقة، فمعنى ذلك أن ظاهر القرآن الكريم دال على حاجة النبي إلى مشاورة غيره من البشر. وليس مؤيَّداً ولا مسدَّداً بالوحي الإلهي والحكمة الإلهية. فيكون هذا الظهور غير محتمل دينياً على الإطلاق، وكل ظهور قرآني أو غيره نافى القواعد العامة العقلية أو النقلية، فإنه يسقط عن الحجية، ولا بدّ من تأويله بحيث يوافق تلك القواعد، فإننا إذا تنزّلنا وقبلنا في حقّ أي معصوم أنه قائد دنيوي، فلا يمكن ذلك بالنسبة إلى النبي فإنه نبي الإسلام، والقول بذلك خروج عن دينه الحنيف.
وبهذا ينتهي الحديث عن الاستدلال بهذه الآية الكريمة.
الدليل الثاني: لإمكان أن نحمل القائد المعصوم على أنه قائد دنيوي: إننا
ــــــ[24]ـــــــ
( ) عبس: 1-4.
(2) الحاقة: 44-46.
أضواء على ثورة الحسين
مكلّفون بعرض محاسن الدين الإسلامي للكفار والفساق والدنيويين عموماً -لو صحّ التعبير-، ومن الواضح أن هذه الطبقات لا تؤمن بالمعصوم معصوماً، بل غاية ما يُستطاع إقناعهم به: هو كونه قائداً دنيوياً فذّاً حكيماً رشيداً ناجحاً في قيادته، فإذا توقف عرض محاسن الإسلام عليهم على هذا النحو من التفكير، أصبح صحيحاً ومتعيّناً.
وجواب هذا الدليل: أن الصحيح -رغم كل ذلك- ليس هو ذلك. فإن هؤلاء غير المتدينين بالإسلام، والمشار إليهم في الدليل يمكن تقسيمهم إلى عدة أقسام، في حدود ما ينفعنا في المقام:
القسم الأول: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه موافق لنا في المذهب، فلا يحتاج إلا إلى تفهيمه بحقيقة عقيدته، وصفات قادته في صدر الإسلام.
القسم الثاني: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه يتخذ أيّ مذهب آخر من مذاهب الإسلام الرئيسية، فيتمّ تفهيمه بالحقيقة، عن طريق عرض التواريخ الواردة إلينا من جميع علماء وقادة الإسلام الأوائل، من حيث أن كل المذاهب تعتقد بالضرورة أن لقادتها كرامات ومعجزات وتأييدات إلهية ونحو ذلك، مما يكاد أن يكون بالغاً حد التواتر، فالأمر ليس خاصاً بمذهب دون مذهب، بل هو أمر متفق عليه بين سائر المذاهب، فحيث إن كل المذاهب تعتقد به، فلا ضير على أي مذهب أن يعتقد به.
القسم الثالث: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه يعتنق ديناً آخر غير الإسلام، وأهمّه النصرانية واليهودية. فمثل ذلك يتمّ تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة في دينه نفسه عن قادته الأوائل، من حيث أن دينه قائم على ذلك،
ــــــ[25]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
بل كل الأديان قائمة عليه، وهو أمر متسالم بينها، على أن جميع الأنبياء والأولياء وأضرابهم أصحاب معجزات وكرامات وإلهامات وتسديدات، فلا ضير على أيّ شخص إذا اعتقد ذلك في قادة دينه. وهذه التوراة وهذا الإنجيل الموجودان طافحان بذلك في عشرات بل مئات المواضع منهما، كما هو واضح لمن يراجعهما، والنسخ منهما متوفّرة في كل العالم بلغات عديدة، والرجوع إليها سهل، مما يوفّر علينا مهمة الاستشهاد السريع على ذلك.
بل الأمر يتعدى النصرانية واليهودية إلى غيرها من الأديان، كالبوذية والهندوسية والسيك [السيخ] وغيرهم، فإنهم جميعاً يؤمنون لقادتهم بشكل وآخر حياة مليئة بالكرامات والتسديدات، ومن ثَم فهم ليسوا من قبيل البشر الاعتياديين على أي حال.
القسم الرابع: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه ملحد لا يعتقد أيّ دين، فمثل هذا الفرد أو هذا المستوى لا يمكن البدء معه بالتفاصيل، بل لا بدّ من البدء معه بالبرهان على أصل العقيدة، لنصل معه بالتدريج إلى التفاصيل.
وإذا تم كل ذلك، لم يبقَ دليل على إمكان التنزل عن الاعتقاد بالعصمة لقادتنا المعصومين، وكذلك ثبوت التأييد والتسديد الإلهي لهم، كما ثبت وجوده بالدليل، وليس هنا محلّ تفصيله. إذن فمقتضى الأدب الإسلامي الواجب أمامهم هو التسليم لأقوالهم وأفعالهم بالحكمة، وأنها مطابقة للصواب والحكمة الإلهية، والتوقيع لهم على ورقة بيضاء -كما يعبرون-؛ ليكتبوا فيها ما يشاؤون، وهذا من مداليل وجوب التسليم المأمور به في الآية الكريمة، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللهَ
ــــــ[26]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً(1).
وإذا ثبت لنا بنصّ القرآن الكريم عن النبيأنه لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ(1) وأن الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّـهِ(2) مع أنه خير الخلق وأفضلهم وأولاهم بالولاية. وقد نصّ القرآن الكريم على الإطراء عليه، ووصفه بأوصاف عالية جداً، في العديد من آياته، كقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(3) وقوله: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4).
وقوله: سَيُؤْتِينَا اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ(5) وقوله: مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(7) وقوله: أَطِيعُواْ اللَّـهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ(8) وقوله: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ(9) إلى غير ذلك. فمن تكون له هذه المزايا العظيمة وغيرها ممّا نعرف أو لا نعرف، يستحق حسب فهمنا أن يكون الأمر بيده. ومع ذلك فإن الله سبحانه ينصّ على نفي ذلك:
ــــــ[27]ـــــــ
( ) الأحزاب: 56.
(2) آل عمران: 128.
(3) آل عمران: 154.
(4) القلم: 4.
(5) النجم: 3-4.
(6) التوبة: 59.
(7) التكوير: 21.
(8) النساء: 59.
(9) الفتح: 29.
أضواء على ثورة الحسين
لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ(1)، وإذا كان خير الخلق كذلك فغيره أولى بذلك.
إذن، فليس شيء من تصرفات المعصومين مما يرتبط بالمصالح العامة، موكولاً إليهم ولا ناتجاً عن رأيهم، وإنما هو وارد إليهم من الحكمة الإلهية، إما عن طريق جدهم النبي أو عن طريق التسديد الإلهي الخاص بأيّ واحد منهم.
ــــــ[28]ـــــــ
( ) آل عمران: 128.
أضواء على ثورة الحسين

تعارض الروايات

هناك إشكال موجود في عدد من الأذهان، يفيد الجواب عليه بصدد المعنى الذي تحدثنا عنه، يحسن عرضه ومحاولة الجواب عليه، فإنه قد يخطر في الذهن: إن الروايات متعارضة في نسبة التأييد والتسديد إلى المعصومين، فبينها عدد من الروايات تنصّ على وجوده كالمضامين التالية:
“إن الإمام إذا أراد أن يعلم شيئا أعلمه الله تعالى به”. وقولهم: “إننا نزداد في كل جمعة ولولا ذلك لنفد ما عندنا”، وقولهم: “إن الأعمال تُعرَض على الإمام في كل عام في ليلة القدر”، وقولهم: “إن للإمام في كل بلدة عموداً من نور، يرى ويسمع به ما يحدث هناك”، وقولهم: “إن العلم على أقسام: خطور في البال، وقرع في السمع ونَكْتٌ في القلب”. وإنَّما يتحدثون عمّن هو دون النبي للتسالم على نزول الوحي عليه، فلا حاجة له إلى كل ذلك، وإذا تمّ ذلك إجمالاً لغيره كان المعصومون أولى به من غيرهم، ويندرج في ذلك قول النبي لعلي: “أنك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع”، وقوله له أيضاً: “يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت”، إلى غير ذلك من ألسِنَة الروايات.
في حين يوجد في بعض الروايات ما يدلّ على ضدّه، إمَّا بمضمون قول الإمام: “إنني ربما بحثت عن الجارية فلم أجدها”، مع أنها في الغرفة المجاورة.
ــــــ[29]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وإما بمضمون قوله: “لم أدَّع ولم يدَّع أحد من آبائي أننا نعلم الغيب”.
وفي مثل ذلك: قد يقول المستشكل: إن الروايات هنا متعارضة، والروايات المتعارضة تسقط عن الحجية، وإذا سقطت عن الحجية لم يبقَ دليل على وجود الإلهام والتسديد للمعصومين غير النبي، لأن الطائفة الدالة على ذلك تكون قد سقطت بالمعارضة.
ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه، نذكر أهمها:
الجواب الأول: إن مضمون الطائفة الثانية الدالة على حيرة الإمام في البحث عن الجارية ونحو ذلك، إنّما يكون في الحكمة الإلهية لدفع احتمال الربوبية عنهم، لأن من تكون له مميزات عُليا ومهمّة، لا شكّ أن الناس بالتدريج قد تعتقد به الربوبية.
وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ لعدد من الناس كعلي وبوذا والمسيح وغيرهم. وهذا ما لا يريد الله حدوثه وسريانه في المجتمع، رحمة بالناس عن الضلال والجهل.
فمن هنا تحصل هذه الحوادث البسيطة أمام الناس، لكي يندفع احتمال الربوبية بوضوح وبالحسّ والعيان. وهذا لا يعني أنهم أناس عاديون، بل يبقى مضمون الطائفة الأولى من الأخبار الدالة على التسديد لهم قائماً.
الجواب الثاني: إن مضمون الطائفة الثانية الدالّ على حيرة الإمام في البحث عن الجارية ونحوها، يكون في الحكمة الإلهية، لإثبات السيطرة الإلهية والقهر الإلهي على المعصومين، لكي يفهم الناس أجمعون أن هذه المميزات التي
ــــــ[30]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
دلّت عليها الطائفة الأولى وغيرها، إنما هي هبات من الله سبحانه وليست قائمة بهم ذاتاً، فالله هو الذي شرّفهم وطهرّهم وعلّمهم واجتباهم وهداهم وعظّمهم وسدَّدَهم وعصمهم إلى غير ذلك من الصفات.
ولو انقطعوا عن العطاء الإلهي طرفة عين، أو أوكلوا إلى أنفسهم طرفة عين، لكان في الإمكان انقطاع كل هذا العطاء الإلهي. ولذا ورد عن الإمام: “اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر يا رب العالمين”.
فلأجل إثبات السيطرة الإلهية والتحسس بالعطاء الإلهي باستمرار، يكون مضمون الطائفة الثانية من الأخبار، حتى يكون محسوساً أن الإمام مهما كان عظيماً، فإنه إذا أوكل إلى نفسه فسوف يحتار في مكان الجارية، ولن يستطيع أن يجدها. والأمر في كل شيء هكذا أيضاً.
الجواب الثالث: إن المعصومين عموماً، بما فيهم النبي وغيره لهم عالمان: عالم الظاهر الذي يعايشون به الناس، وعالم الباطن الذي يتصلون عن طريقه بالله سبحانه، ويأخذون منه التسديد والتأييد، ومن الممكن القول: إن لكلٍّ من هذين العالمين قوانينه وقواعده الخاصة به، وأن كلاً من هذين العالمين يؤثّر ويشتغل بالاستقلال عن العالم الثاني. ومن هنا كانت الطائفة الأولى من الروايات -وهي الدالّة على الإلهام والتسديد- تعبيراً عن العالم الباطن لهم. والطائفة الثانية -الدالّة على حيرة الإمام في البحث عن الجارية- تعبيراً عن العالم الظاهر لهم. فتكون كِلتا الطائفتين صادقة في حقّهم.
إلا أن هذا الجواب بالذات لا ينبغي المبالغة في نتائجه، لأننا لو أخذناه على
ــــــ[31]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
سعته للزم منه: أنهم لا يستعملون الإلهام الباطني في علاقاتهم الظاهرية على الإطلاق، وهذا غير صحيح بكل تأكيد. ومن موارد النقض على ذلك تصريح الإمام الحسين بمقتله قبل خروجه إلى العراق. إلى غير ذلك الكثير منهم.
نعم، يمكن أن يكون ذلك مبرراً لبعض الأمور فقط، كالذي ورد في الطائفة الثانية من المضمون، وكذلك يصلح أن يكون أحد التفاسير لإقبالهم على الموت عن اختيار وطواعية. فقد يكون بعنوان غفلتهم عن نتائج ذلك المخطط، أخذاً بجانب الظاهر من الحياة الدنيا، على أن لذلك عدّة مبررات أخرى قد نتعرض لها في مستقبل هذا البحث.
هذا، وأما نفيهم عن أنفسهم تلقّي الوحي، فالمراد به أحد أمور:
الأمر الأول: التقية في مقابل الإرجاف بذلك من قِبَل المغرضين.
الأمر الثاني: إن المنفي في الرواية هو عدم ادعاء ذلك، وهو لا ينافي وجوده الواقعي لهم.
الأمر الثالث: إن المنفي عن الرواية هو الوحي الخاصّ بالنبوة. إذ لا إشكال بنزول الوحي على شكل آخر، على عدد من الخلق، منهم إنسان وحيوان، كأمّ موسى ومريم بنت عمران والنحل وغيرهم بنصّ القرآن الكريم. فليس غريباً أن ينزل الوحي بسبب رحمة الله ونعمته على أعاظم الخلق عند الله سبحانه، بما فيهم المعصومون (سلام الله عليهم).
ــــــ[32]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

أصحاب المعصومين

إذ قد يخطر في الذهن السؤال، عمّا إذا كان أصحاب المعصومين (رضوان الله عليهم)، وبعض الخاصّة من أقاربهم، كالعباس بن علي ومسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر الأسدي وأضرابهم، أيضاً يمكن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحّة والحكمة كالمعصومين، مع أنه لا ملازمة في ذلك، للاحتمال الراجح بل المتعين أن للعصمة دخلاً في الإلهام والتوجيه لهم، وهي غير متوفّرة في أصحابهم عليهم الرضوان، فلا يكون الدليل السابق شاملاً لهم. فإن كانت النتيجة صحيحة، أعني مطابقة أعمالهم للحكمة، فلا بد أن يكون ذلك بدليل آخر، لا بنفس الدليل السابق.
وجواب ذلك: إن الدليل على ذلك متوفّر في عدد من خاصّة أصحاب الأئمة. وذلك لعدّة وجوه:
[إنهم معصومون بالعصمة غير الواجبة]
الوجه الأول: إن مثل هؤلاء الخاصة معصومون بالعصمة غير الواجبة، كما إن الأئمة معصومون بالعصمة الواجبة. فإن العصمة على قسمين:
القسم الأول: العصمة الواجبة، وهي التي دلّ الدليل العقلي على ثبوتها
ــــــ[33]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
بالضرورة للأنبياء وأوصيائهم، كما هو مبحوث في العقائد الإسلامية، وهذه المرتبة عطاء من قِبَل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يمكن أن يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.
القسم الثاني: العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جدّاً من العدالة، والانصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدور الذنب عن الفرد المتّصف بها نادراً أو منعدماً، لمدى الملكة الراسخة لديه، والقوة المانعة عن الذنوب فيه.
وفكرتها نفس الفكرة السابقة، لأن معناها واحد من الناحية المنطقية، إلا أنها تفرق عنها ببعض الفروق:
أولاً: عدم شمول البرهان على العصمة الواجبة للعصمة الأخرى.
ثانياً: عدم شمول العصمة الواجبة للخطأ والنسيان بخلاف الأخرى.
ثالثاً: ملازمة العصمة الواجبة مع درجة عالية من العلم، بخلاف الأخرى فإنها قد تحصل لغير العالم كما تحصل للعالم.
رابعاً: انحصار عدد أفراد المعصومين بالعصمة الواجبة بالأنبياء والأوصياء، وأما العصمة الأخرى فبابها مفتوح لكل البشر، في أن يسيروا في مقدّماتها وأسبابها حتى ينالوها، وليست الرحمة الإلهية خاصّة بقوم دون قوم.
إذا عرفنا ذلك، أمكننا القول بكل تأكيد: إن عدداً من أصحاب الأئمة معصومون بالعصمة غير الواجبة هذه، ومعه يتعيّن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحة والحكمة، شأنهم في ذلك شأن أي معصوم.
ــــــ[34]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[إنهم فهموا الاتجاه المعمق والإرتكازي للمعصومين]
الوجه الثاني: إن أمثال هؤلاء الأصحاب والمقرّبين للأئمة قد ربّاهم المعصومون، وكانوا تحت رعايتهم وتوجيههم وأمرهم ونهيهم ردحاً طويلاً من الزمن، إلى حد يُستطاع القول إنهم فهموا الاتجاه المعمق والإرتكازي -لو صحّ التعبير- للمعصومين. ومن هنا كان باستطاعتهم أن يطبّقوا هذا الاتجاه في كل أقوالهم وأفعالهم.
كما يُستطاع القول: إن الأصحاب (رضوان الله عليهم) تلقّوا من الأئمة توجيهات وقواعد عامة في السلوك والتصرف، أكثر مما هو مُعلن بين الناس بكثير، بحيث استطاعوا أن يطبّقوا هذه القواعد طيلة حياتهم.
[انهم من الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ]
الوجه الثالث: إن هؤلاء من خاصّة الأصحاب هم من الراسخين في العلم، وقد أصبحوا كذلك لكثرة ما سمعوا ورووا عن المعصومين، ابتداءً بالنبي وانتهاءً بالأئمة، من حقائق الشريعة ودقائقها وأفكارها.
وقد يخطر في البال: أن عنوان الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ(1) خاصّ بقسم من الناس ولا يمكن أن يشمل قسماً آخر، فهو خاصّ: إمّا بالأئمة المعصومين. أو بمن هو معصوم بالعصمة الواجبة بما فيهم الأنبياء. وأَمّا شمول هذا العنوان لغيرهم فهو محلّ إشكال، وخاصّة بعد أن ورد في بعض الروايات تفسيره بأحد هذين المعنيين.
ــــــ[35]ـــــــ
( ) آل عمران: 7.
أضواء على ثورة الحسين
وجوابه: إن أخصّ الناس ممّن يمكن اتصافه بهذه الصفة هم المعصومون عامة والأئمة خاصة، وهم القدر المتيقّن من هذا العنوان، أعني (الراسخين في العلم)، وهم فعلاً كذلك، ولا يمكن أن يضاهيهم بدرجتهم أحد. ومن هنا ورد التفسير في ذلك إلا أن هذا لا ينافي أن يكون الباب مفتوحاً لكثيرين في أن يتصفوا بهذه الصفة، بعد أن يصلوا إلى درجات عالية من طهارة النفس والإخلاص واليقين، وإن أهم وأخصّ من يمكن أن يتّصف بذلك هم أصحاب الأئمة. ممّن تربّوا على أيديهم وانصاعوا إلى توجيهاتهم.
فإذا تمّ لنا ذلك، أمكننا أن نعقّب عليه ما يتصف به الراسخون بالعلم، من مزايا وصفات تفوق غيرهم بما لا يقاس ولا يعرفه الناس، بما فيه الاطلاع على مراتب من تفسير وتأويل القرآن الكريم. وكذلك الاطلاع على كثير من واقعيات الأمور التي لا يعرفها إلا الخاصّة من الخلق. وإنما نحن نعترض ونستشكل لمدى جهلنا بهذه المراتب العليا، ولمدى قصورنا وتقصيرنا لا أكثر ولا أقلّ.
[انهم من المقربين]
الوجه الرابع: إن هؤلاء من خاصّة أصحاب الأئمة من (المقرَّبين). بعد أن نلتفت أن (سورة الواقعة) من القرآن الكريم، قسّمت البشر إلى ثلاثة أقسام لا تزيد ولا تنقص، هم:
أولاً: أصْحَاب الشِّمَالِ(1) أو أصْحَابِ المَشْأمَةِ(2) وهم أصحاب النار هم فيها خالدون.
ــــــ[36]ـــــــ
( ) الواقعة: 41.
(2) الواقعة: 9.
أضواء على ثورة الحسين
ثانياً: أَصْحَابُ الْيَمِينِ(1).
ثالثاً: الْـمُقَرَّبُونَ(2).
إذن، فالأخيار من الناس، غير أصْحَاب الشِّمَالِ على قسمين: أصحاب يمين ومقرّبون. وهذان القسمان يختلفان كثيراً في الدرجات عند الله سبحانه، إلى حد يُستطاع القول: إن العوالم التي يعيشونها في الجنان بعد هذه الحياة ليست من جنس واحد، بل هي من جنسين مختلفين تماماً، ولا يمكن إيضاح تفاصيله في هذه العجالة، يكفي أن نشير إلى أن الجنة الموصوفة في ظاهر القرآن الكريم، والتي يطمع بها سائر الناس، إنّما هي جنّة أصحاب اليمين. وأما جنان المقرّبين فهي شيء آخر، ومن جنس مختلف لا يشبه ذاك على الإطلاق.
وينبغي الالتفات إلى أن الباب بالرحمة الإلهية مفتوح لكل أحد، في أن يصبح من أصحاب اليمين أو من المقرّبين، بمقدار ما أدّى من عمل، وبمقدار ما يطيقه من قواه العقلية والنفسية والروحية، ونحو ذلك من الأمور.
فإذا تمّ لنا ذلك أمكننا بكل تأكيد أن نقول: إن خاصّة أصحاب الأئمة، هم فعلاً من المقرّبين، وليسوا فقط من أصحاب اليمين، ومن كان من المقرّبين كان من الملهَمين المسدَّدين من قِبَل الله سبحانه جزماً بنصّ القرآن، ومثاله نزول الوحي على مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وأم موسى والعبد الصالح، وكلهم ليسوا من الأنبياء ولا المرسلين.
ــــــ[37]ـــــــ
( ) الواقعة: 91 .
(2) الواقعة: 11.
أضواء على ثورة الحسين
وإذا ثبت كون خاصّة أصحاب الأئمة من الراسخين في العلم ومن المقرّبين، فلا عجب في اتصافهم بأوصاف تفوق غيرهم بمراتب مثل قوله: “سلمان منّا أهل البيت”، وقوله: “ما أقلّت الغبراء وما أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر”. وما ورد من أن حذيفة وميثم التمار وحبيب بن مظاهر كان لديهم علوم خاصّة قد نسميها: علم المنايا والبلايا، أو علم ما كان وما يكون، أو علم الجفر ونحو ذلك. ومثله ما ورد: “أن علياً قال لابنه العباس وهو صغير: قل واحد. فقال: واحد، فقال له: قل اثنين, فرفض”؛ لأنه يجد الوجود الإلهي والنور الإلهي هو الواحد الأحد، ولا شيء غيره. إذن، فلا يوجد اثنان ليقول: اثنين. وهذا كان ثابتاً له في صغره فكيف يصبح وماذا ينال من مدارج اليقين في كبره؟ إلى غير ذلك من الروايات.
[أن لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جلّ جلاله]
الوجه الخامس: إن التصرفات المهمة التي ترتبط بالمصالح العامة وبالحكمة الإلهية في تدبير المجتمع وتسبيب أسبابه، هي دائماً محلّ عناية الله سبحانه وتدبيره، وكل شيء يتوقف على ذلك فهو حاصل لا محالة بقدرة الله سبحانه، وكل مانع يمنع عنه فهو منتفٍ بقدرته أيضاً. لكن مع حفظ ظاهر الأسباب والمسببات المعهودة بطبيعة الحال، والمقصود صدق ما ورد من: “أن لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جلّ جلاله”. وأن الأمور تسير كنظام الخرز يتبع بعضها بعضاً. الأمر الذي ينتج أن ما يريده الله سبحانه في البشر حاصل لا محالة، ولا يستطيع أحد على الإطلاق تغييره، وإن خطر في ذهنه كونه مؤثراً أو فاعلاً لشيء من الأشياء قلَّ أو كثر من هذه الجهة أو أي جهة أخرى.
ــــــ[38]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
فإذا تمّ لنا ذلك: أمكننا القول بأن تصرفات الأئمة وأصحابهم لا شكّ مندرجة في هذا النظام الإلهي العام، ومؤثّرة في سير التاريخ البشري عامّة والإسلامي خاصّة، وحيث عرفنا أن كل ما يريده الله سبحانه في هذا التاريخ فإنه لا بدّ من حدوثه، يعني حتى لو توقف على أي سبب خارق للطبيعة. ومن المستطاع القول عندئذ إن الإلهام والتوجيه الإلهيين لهؤلاء ضروري في هذه المرحلة من التاريخ، بل في كل مرحلة منه، بل ليس من الضروري في الفرد أن يعلم كونه مُوجَّهاً ومسدَّداً من قِبَل الله سبحانه، بل قد يكون كذلك من حيث لا يعلم؛ لمدى أهمية تأثيره في المصالح العامة والتاريخ الإسلامي أو العام.
[مدى تأثير أصحاب الأئمة في التاريخ]
ولا شكّ أننا نستطيع إبراز بعض النقاط لأصحاب الأئمة، لإيضاح مدى تأثير أعمالهم وأقوالهم في التاريخ القريب والبعيد:
النقطة الأولى: كونهم منسوبين إلى الأئمة، مع أن تأثير الأئمة أنفسهم في التاريخ أوضح من أن يخفى، وقد يكون ذلك عن طريق أصحابهم، بل كثيراً ما يكون ذلك.
النقطة الثانية: كون الدين الإسلامي في صدر الإسلام كان محصوراً في منطقة محددة، وغير منتشر في بقاع عديدة من العالم، ممّا بلغه بعد ذلك.
النقطة الثالثة: قوة الأعداء المتربّصين بالدين وأهل الدين بالمكر والحيلة والغيلة، من الداخل ومن الخارج على السواء.
النقطة الرابعة: الإعداد لظهور المهدي في آخر الزمان، فإن نجاح حركته
ــــــ[39]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إذ يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. وكما هي وظيفته الإلهية في ذلك.
أقول: نجاحها يتوقف على أسباب، وتلك الأسباب ينبغي أن يعدّها الله قبله. وهو فاعل ذلك لا محالة؛ لأن ظهور المهدي وعدٌ، والله لا يخلف الميعاد.
وقد يخطر في الذهن: أنه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة، السابقة عليه في علم الله سبحانه. قلنا: كلّا، فإن الحال في هذه العشر سنوات أيضاً تحتاج إلى سبب، وسببه يحصل في العشر سنوات التي قبلها، وهكذا إلى أن يصل إلى عصر صدر الإسلام، ويتصلّ بالأئمة المعصومين وأصحابهم، بل يتصلّ بما قبل الإسلام منذ نزول آدم فما بعده، لأن ذلك كله نظام واحد متصلّ ومتسلسل، يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهية كنظام الخرز.
الوجه السادس: إن ما ذكرناه من الوجوه السابقة قد يناقش في عمومها لكل أصحاب الأئمة، أو قل: لكل تصرفاتهم، وإن كان الوضوح السابق يجعلها شاملة على أيّ حال، ولكن المقصود الآن: إن بعض التصرفات من بعض أصحابهم غير الخاصّة منهم، يمكن أن تكون على خطأ، أو قابلة للمناقشة بشكل وآخر. وليس بالضرورة أن تكون كل الأقوال والأفعال والتصرفات الموجودة في ذلك الحين، ضرورية الحمل على الصحّة، ويكون التاريخ مسؤولاً عن تصحيحها. بل يمكن نقدها واعتبارها باطلاً فعلاً، وتحميل مسؤوليتها على أصحابها، سواء اعتبرناهم معذورين فعلاً عنها غفلة أو جهلاً. أو غير معذورين باعتبار التفاتهم إليها وتعمّدهم لها، وهذا ما يكون موكولاً إلى الباحث التاريخي. ولا حاجة الآن إلى تسمية أحد بهذا الصدد.
ــــــ[40]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

إلقاء النفس في التهلكة
ينبغي لنا، ونحن بصدد الحديث عن حركة الحسين وثورته، أن نتصدى للجواب عن بعض الأسئلة الرئيسية بهذا الصدد، ومن أهمها ما قد يرد على بعض الألسن: من أن الحسين ألقى نفسه في التهلكة، وإلقاء النفس في التهلكة حرام بنص القرآن(1).
وهذا الوجه لا يخص الإمام الحسين، وإن كان فيه أوضح باعتبار القرائن المتوفرة الواضحة التي تدل على مقتله لو سار في هذا الطريق، وعدم إمكانه الحصول على الانتصار العسكري المباشر، ولكنها أيضاً شبهة موجودة بالنسبة إلى الأئمة الآخرين، من حيث سيرهم في طريق الموت، في حين أنهم يعلمون بحصوله، كما هو المبرهن عليه والوارد عندنا في حقهم، وقد حملنا فكرة كافية عن إحاطة علومهم فيما سبق. إذن, فهم يعلمون بحصول هذه الوفاة في هذا الطريق، فلماذا ساروا فيه؟ سواء كان المراد الإمام الحسين، أو غيره من المعصومين. وهل السير في ذلك إلا السير في طريق التهلكة المحرّمة بنصّ القرآن الكريم؟
ــــــ[41]ـــــــ
( ) وهو قوله تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، (البقرة: 195).
أضواء على ثورة الحسين
[مناقشة الآية الكريمة: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]
ويمكن الجواب على ذلك بعدّة وجوه، نذكر أهمها:
الوجه الأول: أنه يمكن القول إن الآية الكريمة: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(1). خاصّة غير عامّة. فإن خصوصها وعمومها إنما هو ناشئ من المخاطب فيها في قوله: وَلاَ تُلْقُواْ. والمخاطب فيها غير محدد، إذن فعمومها غير محدد.
وأوضح المصاديق الأخرى من القرآن الكريم لذلك، قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً(2)، فإن المخاطب فيها غير محدد، وإذا لم يكن محدّداً لم يكن عمومها أكيداً، كما يفهم سائر الناس.
وقد يستشكل: إن الظاهر هو العموم، وإن الضمير يعود إلى سائر المسلمين، بما فيهم الأئمة.
وجوابه: أن هذا صحيح لو خلّي وطبعه، إلا أنه توجد في الآية التي نتحدث عنها قرائن صارفة عن كون الخطاب للمعصومين.
فإنه تعالى يقول: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ(3). ومن الواضح أن الأمرين الأول والأخير: أَنفِقُواْ وأَحْسِنُوَاْ خاصّ بغير الأئمة، بل بغير المعصومين وغير الراسخين في العلم عموماً؛ لأن أمثال هذه المستويات العليا من الإدراك لا تحتاجه، وإنما يعتبر بالنسبة
ــــــ[42]ـــــــ
( ) البقرة: 195.
(2) مريم: 71.
(3) البقرة: 195.
أضواء على ثورة الحسين
إليها من توضيح الواضحات، بل يكون الخطاب بهذه الأمور لها قبيحاً وحاشا الله وكلامه من القبيح. إذن, فالمخاطب غيرهم (سلام الله عليهم).
إذن، فقد وقع النهي عن التهلكة في سياق الخطاب لغيرهم، فنعرف من وحدة السياق -وهي قرينة عرفية مبحوثة في (علم الأصول)-: إن النهي عن التهلكة، غير شامل لهم أيضاً، ومعه لا يمكن القول: بأن القرآن الكريم نصَّ عليهم بعدم إلقاء النفس في التهلكة، كما يريد المستشكل أن يقول.
الوجه الثاني: أنه بعد أن ثبت أن المعصومين مسددون بالإلهام من قِبَل الله سبحانه. إذن، يكون عندهم نوعان من التكاليف: ظاهرية وباطنية. أمَّا الظاهرية فهي الموافقة لظاهر الشريعة والمعلنة بين الناس. وأمّا الباطنية فهي التعاليم التي يعرفونها بالإلهام، فإذا تعارض الأمران، الظاهري والباطني، كان الباطني أهم، كما هو أخصّ أيضاً، فيتقيّد إطلاق الآية الكريمة -لو تمّ- بغير هذا المورد، فلا يكون هذا المورد على المعصوم حراماً، بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الإلهي الثابت لديه. فيتقدم نحوه بخطوات ثابتة متمثلاً أمر الله سبحانه، وراجياً ثوابه الجزيل ببذل النفس في هذا السبيل. وهذا الأمر لا يختلف فيه الإمام الحسين عن غيره من المعصومين.
الوجه الثالث: إنه من الممكن أن لا يراد من التَّهْلُكَةِ المنهي عنها في الآية الكريمة.. التهلكة الدنيوية، بمعنى تحمّل الموت أو المصاعب العظيمة، كما يريد الناس أن يفهموا منها، بل يراد منها الهلاك المعنوي، وهو الكفر وإلقاء النفس في الباطل والعصيان والانحراف، وهو أمر منهي عنه بضرورة الدين.
ــــــ[43]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وبتعبير آخر: إن المراد من (التهلكة) ليس هو التهلكة الدنيوية، بل التهلكة الأخروية، وهو التسبيب إلى الوقوع في جهنم بالذنوب والباطل، ولا أقلّ من احتمال ذلك، بل من الواضح أن التعاليم الأخرى الموجودة في سياقها كما سمعنا فيما سبق، هي من الطاعات، إذن، فتكون قرينة محتملة، على أن المراد من هذا النهي: التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي.
وإذا تم ذلك، لم يكن في الآية أي دليل على ما يريد الناس، أو يميل إليه المستدلّ، بل تكون بعيدة عن ذلك كل البعد.
الوجه الرابع: إننا لو تنزّلنا جدلاً عن الوجوه السابقة، وقلنا بحرمة التهلكة. فإنها إنما تحرم ما دام صدق العنوان موجوداً، أو قل: إذا كان العرف يوافق على أنها تهلكة فعلاً. وأما إذا لم تكن كذلك، خرجت عن موضوع التهلكة، فلم تصبح محرمة، ولا شكّ أن المفهوم عرفاً وعقلائياً إن التهلكة إنما تكون كذلك، والصعوبة إنما تكون صعوبة، فيما إذا كانت بدون عوض أو بدل. فلو مرّ الإنسان بصعوبة بليغة، من دون نتيجة صالحة لتعويضها؛ كان ذلك (تهلكة). وأمّا إذا كانت نتائجها حسنة فليست تهلكة بأي حال.
ونحن نرى الناس كلهم، تقريباً بل تحديداً، يضحّون مختلف التضحيات في سبيل نتائج أفضل، سواء من ناحية الأرباح الاقتصادية أو المصالح الاجتماعية أو النتائج السياسية أو الثمرات العلمية، أو أيّ حقل من حقول هذه الدنيا الوسيعة، فإنه يحتاج إلى تضحية قبل الوصول إلى نتائجه. ومن الواضح أن هذه النتائج ما دامت مستهدفة لم يعتبرها الناس تهلكة، أو خسارة، بل يعتبرونها ربحاً وفيراً، ورزقاً
ــــــ[44]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
كثيراً؛ لأنها مقدمات لها، بأي حال. فإذا طبقنا ذلك على حركة الحسين، أمكننا ملاحظتها مع نتائجها بكل تأكيد، سواء النتائج المطلوب تحقّقها منها في الدنيا، أو المطلوب تحقّقها في الآخرة، فإنها نتائج كبيرة ومهمّة جداً. ولعلنا في المستقبل القريب لهذا البحث سنحمل فكرة كافية عن ذلك. وليس من حقّنا أصلاً أن نلاحظ هذه الحركة منفصلة عن النتائج، وخاصة بعد أن نعلم علم اليقين على أن الحسين إنّما أرادها لذلك، وأن الله سبحانه إنّما أرادها منه لذلك، إذن فتسعيرها الواقعي وإعطاؤها قيمتها الحقيقية، إنّما تكون مع ملاحظة نتائجها لا محالة.
ومن الواضح عقلاً وعرفاً وعقلائياً، إننا إذا لاحظناها مع نتائجها لم تكن التَّهْلُكَةِ بأي حال. بل كانت تضحية بسيطة -مهما كانت مريرة- في سبيل نتائج عظيمة، ومقامات عُليا في الدنيا والآخرة، لا تخطر على بال، ولم يعرفها مخلوق، ويكون الأمر بالرغم من أهمّيته القصوى، بمنزلة التضحية بالمصلحة الخاصّة في سبيل المصلحة العامة. وفي مثل ذلك لا يكون من حق أحد الإرجاف بأنها (تهلكة)، فإذا لم تكن تهلكة لم تكن مشمولة لحكم التحريم في الآية الكريمة.
الوجه الخامس: إنه لا يتحمل فقهياً وشرعياً في الدين الإسلامي، أن تكون كل تهلكة محرّمة، بل الآية الكريمة إن وجد لها إطلاق وشمول، فهي مخصصة بكثير من الموارد، مما يجب فيه إلقاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل، أو يستحب كالجهاد بقسميه الهجومي والدفاعي، ومثل: “كلمة الحق عند سلطان جائر”(1)، ومثل تسليم المجرم نفسه إلى القضاء الشرعي، ليقام عليه الحدّ الذي قد يؤدّي به
ــــــ[45]ـــــــ
( ) مضمون الحديث: “أعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر”.
أضواء على ثورة الحسين
إلى الموت، كالرجم والجَلد والقطع وغيرها. وكلّها جزماً من مصاديق التهلكة بالمعنى العام، ولكنها واجبة حيناً ومستحبةٌ أحياناً.
إذن، فليس كل تهلكة محرّمة، فكما أصبحت الأمور المذكورة جائزة ومستثناة من عموم الآية الكريمة، فلتكن ثورة الحسين كذلك.
وما يمكن أن يكون دليلاً على الاستثناء أحد ثلاثة أمور متصورة، أصبحت سبباً لقناعة الإمام الحسين بحركته:
الأمر الأول: الإلهام الذي يأمره بالخروج في هذا السبيل أمراً وجوبياً.
الأمر الثاني: أنه تلقّى الوجوب عن جدّه نبي الإسلام.
الأمر الثالث: أنه رأى مصلحة عامة واضحة الصحة وبعيدة المدى، بحيث يكون سلوك هذا السبيل من قبيل التضحية بالأمور الخاصّة من أجل المصالح العامة.
ــــــ[46]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

بقية الحديث عن التهلكة

وإذا تمّ لنا -كما حصل فعلاً مما قلناه- تأويل الآية بالشكل المعقول الذي يصرفها عن محل الكلام ومورد الإشكال، إذن، سوف لن يكون سير الحسين في هذا السبيل، ولا سَير غيره من المعصومين في طريق موتهم، لا يكون أمراً محرّماً، بل هو جائز، يختاره برضاه وطيب نفسه من أجل رضاء الله عزّ وجلّ، والنتائج المطلوبة في المستقبل، ولكنّنا مع ذلك نعرض في ما يلي الوجوه الأخرى لتفسير ذلك، مما قيل أو يمكن أن يقال في هذا الصدد:
الوجه الأول: النظر إلى المعصوم كقائد دنيوي. ومن المعلوم إن القائد الدنيوي قد لا يلتفت أو لا يتأكد من وقوعه في الموت في هذا الصدد الذي هو فيه، وإنما يأتيه سبب الموت على حين غرة، غير أن هذا الوجه غير تامّ لأكثر من جواب:
أولاً: المنع عن النظر إليهم كقواد دنيويين، بعد كل الذي برهنّا عليه من كونهم مسددين ملهمين من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: إننا حتى لو نظرنا إلى التسبيب الطبيعي، فإنه كثيراً ما يكون من الراجح جداً حصول الموت في الطرق التي سلكها الأئمة في التسبيب لموتهم. وأوضح مصاديق ذلك حركة الحسين, إذ كان هو يعلم بموته، وكذلك عدد ممن ناقشه في سيره، وأراد صرف رأيه عنه، كان ممن يرجّح حصول مثل هذه الكارثة التي حصلت له.
ــــــ[47]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ومعه فمن سخف القول: إن الإمام لم يكن ملتفتاً إلى ذلك أو محتملاً له سلفاً، وإلا فقد أنزلناه إلى مرتبة وضيعة من التفكير.
الوجه الثاني: ما هو المشهور بين بعض المفكرين في الدين، من أن المعصوم وإن كان بحسب طبعه الأول معصوماً عن الخطأ والنسيان، إلا أنه في تلك الواقعة، يعني حين يريد الله سبحانه التسبيب إلى موته، يجعله ناسياً أو جاهلاً بالنتائج، فيذهب في هذا الطريق وهو لا يعلم.
أقول: وهذا الوجه إنما قالوه، لكي يصبح المورد خارجاً عن حرمة إلقاء النفس في التهلكة؛ لأن هذا الإلقاء إنما يكون حراماً إذا كان عمديّاً، وأما إذا كان عن جهل أو نسيان، فلا يكون محرّماً؛ لاستحالة تكليف الناسي والجاهل ما دام بهذه الصفة. والمفروض أن هذه الصفة تلازم المعصوم إلى حين تورّطه في الحادث.
إلا أن هذا الوجه -أيضاً- ليس بصحيح؛ لأنه منقوض بما دلّ من الروايات الواردة عنهم، على علمهم بحصول الموت لدى السير في هذا الطريق قبل التورّط فيه، كالذي ورد عن الحسين، حين يقول:
“كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين”.
ثم قال في نفس الخطبة: “ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه. فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى”. وكل ذلك واضح الدلالة في علمه بموته وموت كل أصحابه (سلام الله عليهم أجمعين).
ــــــ[48]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وكذلك الإمام الرضا، حين مشى في طريق الموت، فإنه قال فيما قال لأبي الصلت الهروي: “إن خرجت إليك وأنا مكشوف الرأس فكلّمني وإن خرجت إليك مقنع الرأس فلا تكلّمني”. فحين خرج إليه مقنّع الرأس هابه أبو الصلت عن أن يتكلّم معه، مضافاً إلى الرواية التي تقول: فقال له: إلى أين أنت ذاهب يا ابن رسول الله؟ فقال: “إلى حيث أرسلتني”. إذن، فهو يعلم أنه أرسله إلى الموت. ولم تكن إلى ذلك الحين أي دلالة طبيعية أو عرفية دالّة على ذلك.
الوجه الثالث: إن المعصوم يعلم بتكليف شرعي من الله عزّ وجلّ، بالإلهام أو بالرواية عن جدّه النبي، تكليفاً وجوبياً أو استحبابياً بالسير في هذا الطريق، طريق الموت. فهو بذلك يؤدي امتثاله لذلك التكليف الوجوبي أو الاستحبابي قربةً إلى الله تعالى، ورجاءً لرضاء الله سبحانه وثوابه، تماماً كالعبد المؤمن الاعتيادي حين يصلي أو يصوم أو يحجّ أو يتعبّد عبادة واجبة أو مستحبة. وهذا أحسن الوجوه التي عرفناها للجواب على مثل هذا السؤال، على تقدير دلالة الآية الكريمة على حرمة التهلكة. وقد عرفنا فيما سبق عدم دلالتها على ذلك إطلاقاً.

ــــــ[49]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
رضا الله رضانا أهل البيت

سمعنا الإمام الحسين فيما سبق في الخطبة المرويّة عنه أنه قال: “رضا الله رضانا أهل البيت”. فنريد هنا إعطاء فكرة كافية عن ذلك:
فإن فهم هذه الجملة يحتوي على تقسيمين:
التقسيم الأول: النظر إلى معنى (الرضا) في هذه الجملة، فإننا تارة نفهم نفس الرضا بصفته عاطفة نفسية محبوبة. وأخرى نفهم منها: الأمر المرضي، يعني الذي يتعلّق بها الرضا، كما هو المتعارف عرفاً التعبير عنه بذلك ولو مجازاً.
التقسيم الثاني: النظر إلى ما هو المبتدأ والخبر في هذه الجملة، فإنه قد يكون (رضا الله) مبتدأ و(رضانا) خبره، كما هو مقتضى الترتيب اللفظي لهذه الجملة. كما إنّه قد يكون العكس صحيحاً، وهو أن يكون (رضا الله) خبراً مقدماً، و(رضانا) مبتدأ مؤخراً.
وإذا لا حظنا كِلا التقسيمين، كانت الاحتمالات أربعة، بضرب اثنين في اثنين، ولكلٍّ من هذه المحتملات معناها المهم، ويمكن أن نعطي فيما يلي بعض الأمثلة لذلك في الفهوم التالية:
الفهم الأول: أن يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون (رضا الله) في هذه الجملة هو المبتدأ، فيكون المعنى: إن الأمر الذي يرضاه الله عزّ وجلّ نرضاه نحن
ــــــ[50]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
أهل البيت. وهذا هو الفهم الاعتيادي والمناسب مع السياق في هذه الخطبة. من حيث إنه يُعبّر عن رضاه بمقتله؛ لأنه أمر مرضي لله عزّ وجلّ.
الفهم الثاني: أن يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون (رضا الله) في هذه الجملة خبراً مقدماً، فيكون المعنى: إن الأمر الذي نرضاه نحن أهل البيت يرضاه الله عزّ وجلّ. أو قل: هو مرضي لله عزّ وجلّ بدوره.
وهذا أمر صحيح وعلى القاعدة، مطابق لما ورد عنهم -بمضمون-: (إننا أعطينا الله ما يريد فأعطانا ما نريد). فتكون تلك الجملة بمعنى الفقرة الثانية من هذه الجملة، كما هو واضح للقارئ اللبيب.
الفهم الثالث: أن يكون المراد بالرضا معناه المطابقي، وليس الأمر المرضي. ويكون (رضا الله) في هذه الجملة مبتدأ، وليس خبراً مقدماً.
فيكون المعنى: إن رضا الله سبحانه هو رضاء أهل البيت، وهذا أمر صحيح أيضاً ومطابق للقاعدة؛ لأن الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين قالوا: إنه ورد في الكتاب الكريم والسُنَّة الشريفة نسبة كثير من الأمور إلى الله سبحانه، كالرضا والغضب والحبّ والبغض والكره والإرادة، وغير ذلك من الصفات. مع أنه قد ثبت في مورد آخر، أن الله تعالى ليس محلاً للحوادث، ويستحيل فيه ذلك، وكل هذه الأمور من قبيل العواطف المتجددة التي تستحيل على ذات الله سبحانه، فكيف صحّ نسبتها إليه سبحانه في الكتاب والسُنَّة؟
وقد أجاب الفلاسفة والمتكلمون بعدّة أجوبة عن ذلك، كان من أهمها: أنه يجعل هذه العواطف المتجددة في نفوس أوليائه وأنبيائه وأصفيائه، فإذا
ــــــ[51]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
علمنا أن أهل البيت هم أولياء الله وأصفياؤه، إذن فيصدق: أن رضا الله رضاهم أهل البيت؛ لأن رضا الله كما قال الفلاسفة ليس قائماً بذاته، بل قائم بذواتهم (سلام الله عليهم).
ــــــ[52]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

لماذا لم يعمل الحسين بالتقية؟

لا شكّ أن التقية واجبة عندنا، بنصّ القرآن الكريم والسُنَّة الشريفة وإجماع علمائنا:
أمّا في القرآن الكريم ففي أكثر من آية واحدة كقوله تعالى: إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً(1). وأما السُنَّة الشريفة فأكثر من نصّ كقوله: “التقية ديني ودين آبائي”. وقوله: “لا دين لمن لا تقية له”. وقوله: “التقية درع المؤمن الحصينة”. وغير ذلك. وأمّا الإجماع فهو واضح لمن استعرض فتاوى علمائنا، بل الحكم يعتبر من ضروريات المذهب.
إذن, فالتقية واجبة، وهذا ما حدى بالمعصومين جميعاً العمل بها إلا الحسين. فلماذا لم يعمل بها هذا الإمام الجليل؟ إذ من الواضح أن أحداً من المعصومين غيره لم يتحرّك مثل حركته، بل كانت الثورات متعدّدة، والحروب في داخل البلاد الإسلامية وخارجها موجودة. وهم مُعرِضون عنها، لا يشاركون بأيّ شيء منها، حتى لو كان الثوّار أو المحاربون من أبناء عمومتهم كذرية الحسن أو الحسين الذين تحركوا خلال العهدين الأموي والعباسي بكثرة، حتى عدَّ منهم في
ــــــ[53]ـــــــ
( ) آل عمران: 28.
أضواء على ثورة الحسين
(مقاتل الطالبيين) عشرات، إلا أن المعصومين، لم يكونوا من بينهم بأيّ حال من الأحوال، بل كانوا يسلكون سلوكاً مغايراً لذلك تماماً، عملاً بالتقية الواجبة، التي يحسّون بضرورتها التشريعية والواقعية عليهم. لا يستثنى من ذلك إلا واحد معيّن منهم، هو الإمام الحسين في حركته العظيمة، فلماذا كان ذلك؟
والأسباب المتصوَّرة لذلك عدّة أمور محتملة، وإن لم تكن كلّها صحيحة، إلا إننا نذكر الأمور التي قد تخطر على بال القارئ الاعتيادي أيضاً:
الأمر الأول: إن الأخبار الدالّة على وجوب التقية لم تكن صادرة في زمن الحسين؛ لأنها إنّما صدرت عن الإمامين الصادقين، وهما عاشا بعد واقعة كربلاء بحوالي قرن من الزمن. وإذا لم تكن هذه الأخبار موجودة، فلا دليل على وجوب التقية يوم حركة الحسين، ومن هنا لم يعمل بها.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح؛ لأكثر من جواب واحد:
أولاً: إن هذه الأخبار المشار إليها تدلّنا على حكم واقعي ثابت في الشريعة، يعلم به المعصومون جميعاً (سلام الله عليهم)، بما فيهم الحسين. فإنهم جميعاً عالمون بجميع أحكام الشريعة المقدسة.
ثانياً: إن الآيات الكريمة دالّة على ذلك أيضاً، وقد كانت موجودة ومقروءة في زمن الحسين.
الأمر الثاني: إن الحسين كسائر المعصومين، عمل بالتقية ردحاً طويلا ًفي حياته. وإنما ترك العمل بها من ناحية واحدة فقط، هي الناحية التي أدت إلى مقتله في واقعة الطف، وهي رفض الطلب الصادر من قِبَل الحاكم الأموي
ــــــ[54]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
بالبيعة له، وتهديد له بكل بلاء إذا لم يبايع، الأمر الذي استوجب صموده ضد هذا المعنى حتى الموت.
[في ان التقية تخييرية]
الأمر الثالث: إن الأدلّة الدالّة في الكتاب والسُنَّة على مشروعية التقية، ليست دالّة على الإلزام والوجوب، بل على الجواز على ما سنرى.
أو -بتعبير آخر-: إن العمل بالتقية رخصة لا عزيمة. ومن هنا يمكن القول: إن الإمام الحسين كان مخيّراً يومئذ بين العمل بالتقية وبين تركها، ولم يكن يجب العمل بالتقية في حقّه. وما دام مخيّراً فقد اختار الجانب الأفضل في نظره، وهو فعلاً الأفضل في الدنيا والأفضل في الآخرة، وهو نيله للشهادة بعد صموده ضد الانحراف والظلم والضلال.
ومن هنا أيضاً، كان عمل أصحاب الأئمة والمعصومين عموماً، مع العلم أنهم كانوا عارفين بالأحكام، متفقهين في الشريعة، مرتفعين في درجات الإيمان.
فعمّار بن ياسر عمل بالتقية حين طلب منه مشركو قريش الطعن بالإسلام ونبي الإسلام. وبتلك المناسبة نزلت الآية الكريمة. في حين أن عدداً من الآخرين تركوا العمل بها ودفعوا حياتهم في سبيل ذلك، كميثم التمار وسعيد بن جبير وحجر بن عدي وزيد بن علي الشهيد وغيرهم.
ولو كانت التقية واجبة إلزاماً لكان حال هؤلاء وغيرهم على باطل، مع العلم أنهم لا شك على حقّ؛ لأنهم متفقهون بالأحكام الإسلامية جزماً. ولا شك أنها -مع ذلك- مشروعة، فيتعيّن أن تكون مشروعة بنحو التخيير لا بنحو الإلزام.
ــــــ[55]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ومما دلّ على ذلك ما روي عن رجلين من أهل الكوفة أُخِذا، فقيل لهما: إبرئا من أمير المؤمنين. فبرئ واحد منهما، وأبى الآخر. فخلي سبيل الذي بَرِئ، وقُتِل الآخر، فقال الإمام الباقر: “أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجّل الجنة”.
ولذا يمكن القول: بأنه لم يثبت أن تَركْ التقية حرام، إلا قوله في إحدى الروايات: “التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له”.
وهي لا شك دالّة على الإلزام، إلا أنها ساقطة بالمعارضة مع الروايات الدالّة على الرخصة، كالرواية السابقة. فيبقى حكم التقية على التخيير.
والآيات الكريمات أيضاً غير دالّة على الإلزام، منها قوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّـهِ الْمَصِيرُ(1).
وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّـهِ مِنْ بَعدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(2).
وفي كِلتا الآيتين يُعتبر حكم التقية استثناء من أمر حرام، وهو: موالاة الكافرين في الآية الأولى. والكفر في الآية الثانية. والاستثناء من مورد الحظر أو الحرمة لا يدلّ على أكثر من الجواز، وذلك كما قال الفقهاء حول قوله تعالى: وَإِذَا
ــــــ[56]ـــــــ
( ) آل عمران: 28.
(2) النحل: 106.
أضواء على ثورة الحسين
حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ(1). فإن حكم الصيد فيها استثناء من جانب حرمته في حال الإحرام، مع احتمال استمراره بعده، فيكون دالاً على مجرد الجواز.
نعم، قد تكون التقية واجبة إلزاماً، فيما إذا توقف عليها هدف اجتماعي عامّ مهمّ، كالمحافظة على بيضة الإسلام. إلا أنه لم يكن الأمر يومئذ هكذا، بل بالعكس على ما سوف نعرف، فإن حفظ الإسلام يومئذ كان متوقّفاً على التضحية، لا على التقية.
الأمر الرابع: من أسباب ترك الإمام الحسين للعمل بالتقية:
إننا حتى لو تنزّلنا عمّا قلناه في الأمر الثالث، وفرضنا التقية إلزامية، إلا أن هذا الحكم بالإلزام ساقط بالمزاحمة مع الأهمّ. إذ من الواضح من سياق الآيات إن الأمر بالتقية إنما هو في موارد فردية متفرّقة، والإمام الحسين واجه قضايا عامّة، تقتضي ترك التقية والعمل بالتضحية -أهمها-: الطلب منه بمبايعة الحاكم الأموي يومئذ, يزيد بن معاوية. وهو ما يترتب عليه نتائج وخيمة بالغة في الأهمّية، قد تؤدي إلى اندراس الإسلام الحقيقي منذ عصره إلى يوم القيامة.
ومن القضايا العامة المهمة التي واجهها (سلام الله عليه)، طلب أهل الكوفة لمبايعتهم له، وولايته الفعلية عليهم. وهو حكم عام ومهم شرعاً ومتقدم على حكم التقية.
وكِلا الأمرين لم يواجهه أحد من أولاده المعصومين التسعة. ومن هنا
ــــــ[57]ـــــــ
( ) المائدة: 2.
أضواء على ثورة الحسين
كان عملهم بالتقية متعيناً، ومن الممكن القول أنهم لو واجهوا ما واجهه الحسين، لكان ردّ فعلهم كردّ فعله تماماً.
الأمر الخامس: إن الحسين علم علماً طبيعياً أو إلهامياً، بأنه سوف يموت على كل حال حتى في مكّة، فضلاً عن غيرها من بلاد الله، ولذا ورد عنه: “إنهم سوف يقتلوني حتى لو وجدوني متعلّقاً بأستار الكعبة”.
ومن يكون حاله هو العلم اليقين بموته، يرتفع عنه حكم التقية من قاتله، وله أن يفعل ما يشاء. تصوّر شخصاً محكوماً عليه بالإعدام، وسوف يصعد عما قليل على خشبة المشنقة، فعندئذ تهون الدنيا في نظره، ويمكنه أن يفعل أو يقول ما يشاء تجاه جلاديه؛ لأنهم سوف لن يزيدوا على قتله على أيّ حال.
فعلى ذلك كان حال الإمام الحسين. ومعه, فضّل أن يموت بهذا الشكل، عن أن يموت خامل الذكر محوطاً بالذلة والنسيان.
إلا أن هذا الوجه بمجرده لا يتم، لأنه لو كان قد قَبِلَ بالمبايعة لكفّوا عن العزم عن قتله، وهذا واضح لديه ولدى غيره. إذن, فالعلم بموته إنما هو بصفته رافضاً للمبايعة صامداً ضدها. إذن، فيرجع هذا الوجه إلى وجه آخر مما ذكرناه كالوجه الرابع السابق.
الأمر السادس: إن حكم التقية وإن كان نافذ المفعول عليه وغيره من البشر، إلا أنه مخصّص في حقّه، فهو خارج عن حكمها بالتخصيص والاستثناء. وقد ثبت لديه التخصيص، إمّا بالإلهام وإمّا بالرواية عن جده رسول الله. ولذا لم تكن التقية في حقّه واجبة، ولا تركها عليه حراماً.
ــــــ[58]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وربما عُدّ من الأدلّة في هذا الصدد، ما ورد من بكاء النبي على مقتل الحسين يوم ميلاده، لعلمه المسبق بذلك. وهو مما يستفاد منه جواز حركته واحترام ثورته. فيكون مخصّصاً لما دلّ على حرمة التقية لو وجد. وهذا الوجه أكيد الصحة لو تمّ بالدليل، كون التقية عزيمة لا رخصة. وهو الوجه الذي يشمل أهله وأصحابه وأهل بيته، الذين رافقوه في حركته وآزروه في ثورته. فإن التقية إن كانت واجبة في حقهم أساساً، فهي لم تكن واجبة عندئذ، بل مستثناة عنهم بأمر إمامهم الحسين نفسه، حيث أوجب عليهم المسير معه والقتل بين يديه، بل التقية لم تكن واجبة من هذه الناحية على أيّ واحد من البشر على الإطلاق، تمسّكاً بما ورد عنه (سلام الله عليه): “من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبه الله في النار”.
وهو دالّ بوضوح على لزوم نصره، ووجوب ترك التقية من هذه الناحية. وكذلك ما ورد عنه، انه قال حين بقى وحيداً بعد مقتل أصحابه وأهل بيته: “هل من ناصر ينصرنا، هل من ذابّ عن حرم رسول الله”. وسنذكر بعونه تعالى أن هذا إنّما قاله الحسين؛ لأجل إقامة الحجّة على الآخرين.
كما يشمل أهله وأصحابه (رضوان الله عليهم) وجوه أخرى لترك التقية مما سبق، كالأمر الثالث الذي ذكرناه، وهو كونها تخييرية وليست إلزامية، والأمر الثاني والأمر الرابع، فراجع.
والسرّ في سقوط وجوب التقية، كما أشرنا عن جميع البشر في ذلك العصر، من هذه الجهة، لا ينبغي أن يكون خافياً، وحاصله: أن الناس لو كانوا قد استجابوا بكثرة وزخم حقيقيين، وإذا كانت أعداد مهمة منهم قد أدركت مصالحها الواقعية
ــــــ[59]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
في نصر الحسين، لتحقق النصر العسكري له فعلاً، ولفشل عدوه الأموي الظالم. بل في المستطاع القول بأنه مع حُسن التأييد يمكن أن يكون زعيماً فعليّاً على كل بلاد الإسلام، فيحكمها بالعدل، وبشريعة جدّه رسول الله. غير إن المجتمع في ذلك الحين كان متخاذلاً جاهلاً. ولله في خلقه شؤون.
ــــــ[60]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

حدود أهداف الحسين

حينما نريد أن نتحدث عن أهداف الحسين في ثورته، فإنما نتحدث كما أسلفنا في حدود فهمنا ومدى إدراكنا، وهو البعيد عن فهم الواقعيات، والمحجوب أساساً عن الوصول إلى تلك المستويات. فنحن نتحدّث عن أقصى ما ندركه من أمر منطقي ومعقول، كأطروحة مقبولة ومحتملة في هذا الصدد، وليس كشيء قطعي وناجز، ونحن نعلم أن ما خفي علينا من الحقّ أكثر مما اتضح لنا بكثير، وخاصّة ونحن نعترف -كما سبق أيضاً- بأن أقوال المعصومين وأفعالهم مطابقة للحكمة الإلهية، ومساوقة للعلم الإلهي، لما لهم من التأييد والتسديد منه. ومن المعلوم أن الحكمة والعلم الإلهيين غير محدودين ونحن محدودون، (ولا يمكن للمحدود أن يدرك اللامحدود).
ولو تنزّلنا عن ذلك جدلاً، أمكننا القول بأن الواحد من المعصومين هو أفضل من أفضل واحد من البشر رأيناه أو سمعنا عنه، في جميع المستويات وعلى أي صعيد. والفرد مهما أوتي من قوة تفكير، وحِدّة ذكاء، فهو أدنى منهم بمراتب عظيمة. ومن المعلوم أن الأدنى لا يمكن أن يدرك جميع ما لدى الأعلى، ولا يمكن أن يفهم مستواه إلا إذا كان مساوياً له.
خذ إليك مثلاً: إن الطفل الدارس في المدارس الابتدائية، أو من هو على
ــــــ[61]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
شاكلته، هل يصح أن نتصور أنه يفهم الرياضيات المعمّقة أو الفلسفة المحقّقة، أو علوم الفيزياء أو الكيمياء المفصّلة؟! وهكذا مستوى أيّ واحد منّا تجاه أيّ واحد من المعصومين. إذن فالتعرّف على كل حقيقتهم وأهدافهم إن لم يكن محالاً، فهو بمنزلة المحال.
ولكن في حدود ما نفهم، فإننا حين نريد أن نطرح بعض الأفكار عن أهداف الإمام الحسين في ثورته، فتلك الأفكار لا بدّ أن تكون حاوية على عدد من الشروط لا بدّ منها. ولا يمكن أن تكون أفكارنا جزافية أو مطلقة:
الشرط الأول: أن يكون الشيء الذي نتصوّره هدفاً للإمام الحسين، أمراً مرضياً لله عزّ وجلّ، لا تشوبه شائبة عصيان، أو أن يكون مرجوحاً في الشريعة المقدسة، بما في ذلك حبّ الدنيا، وطلب المال والجاه، والسيطرة المنفصلة عن الأمر الإلهي والتكليف الشرعي.
الشرط الثاني: أن يكون الهدف الذي نتصوّره مناسباً مع حال الحسين وشأنه. لا أن يكون هدفاً مؤقتاً أو متدنياً أو ضئيلاً، فان ذلك مما لا يصحّ له وجود هذه التضحية الكبيرة، التي أقامها الحسين وعاناها، فإنها عندئذ لا تكون معقولة ولا عقلائية. وإنما لا بدّ أن يكون الهدف معمّقاً وواسعاً وأكيداً وشديداً، بحيث يسع كل هذه التضحيات.
الشرط الثالث: أن يكون أمراً متحقّقاً، إمّا في الحال أو في الاستقبال، ولا يجوز أن نطرح له هدفاً فاشلاً وغير متحقق، أو غير قابل للتحقّق، فإنه خلاف الحكمة الإلهية، ولا يمكن أن ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة اللامتناهية.
ــــــ[62]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مثال ذلك: أن الإمام الحسين لو كان قد استهدف النصر العسكري العاجل، أو إزالة حكم بني أمية، أو ممارسة الحكم في المجتمع فعلاً، فهذا ونحوه من الأهداف القطعية الفشل؛ لأنها لم تحدث، ولم يكن من الممكن أن تحدث. إذن فهو ليس بأمر مستهدف، وإن تخيّله بعض المفكرين أو عدد منهم، إلا أنه لا شكّ في بطلانه؛ لأن هدفه راجع إلى أهداف الحكمة الإلهية، ومثل هذه الأهداف لا يمكن أن تكون فاشلة؛ لأن الله تعالى كما هو حكيم هو قادر، فهو يستطيع أن ينفذ ما في حكمته بكل تقدير. فلو استهدف الله سبحانه هدفاً لحصل. وحيث أنه لم يحصل فهو إذن غير مستهدَف.
الشرط الرابع: إنه يمكن أن يقال: إن من شروط فهم أهدافه، أن يكون مذكوراً في كلامه. لأننا إنما نعلم بالأمور من أصحابها، وأهل الحلّ والعقد فيها. وقديماً قال الشاعر: (وأهل البيت أدرى بالذي فيه). وليس لنا أن نضيف من عندنا شيئاً، وإنما نسمع منه (سلام الله عليه) مثل قوله: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”. بعد أن وصف المجتمع بضعف الدين وقلّة الالتزام بالتعاليم: “ألا ترون أن الحق لا يُعمَل به وإن الباطل لا يُتنَاهى عنه. ولم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء أو خسّة عيش كالمرعى الوبيل”.
فالغرض من هذا العرض، هو أن الهدف إن كان مذكوراً في كلامه (سلام الله عليه) أخذنا به، وإن لم يكن قد ذكره أعرضنا عنه، ولم نعتبره هدفاً حقيقياً له. إلا أن هذا الشرط غير صحيح، لعدة أجوبة يمكن أن تورد ضدّه:
ــــــ[63]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الجواب الأول: ضعف الروايات الناقلة لكلامه (سلام الله عليه)، إذن فلم يردنا عن طريق صحيح بيان أهدافه (سلام الله عليه)، فلو اشترطنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة الأهداف إطلاقاً.
الجواب الثاني: إن هناك قانوناً عرفياً وشرعياً، متّبعاً في التفاهم بين جميع الناس، وإن لم يكن يلتفت إليه الكثيرون بصراحة، وهو قانون: «كلم الناس على قدر عقولهم». والحسين لا شكّ هكذا كان، كما لا شك أن المجتمع في ذلك الحين لم يكن يطيق فهم واستيعاب أهدافه الحقيقية من حركته؛ لأنه كان حديث عهد بالدين وبشريعة سيد المرسلين، ولم يكن المجتمع يومئذ قد تربّى بالمقدار المطلوب، وإنما كان فهمه للدين بسيطاً، وتطبيقه للتعاليم قليلاً، ما عدا نُزرٌ يسير من الناس. وبالتالي، لم تكن هذه الألف وحوالي النصف من السنين قد مرّت وأثرّت في تربية المجتمع، وتكامل فهمه العقلي والنفسي تكاملاً معتدّاً به، وكلّما مرّت السنين أكثر كان هذا التكامل أكثر لا محالة.
فإذا لم يكن بيان أهدافه ممكناً عندئذ، فخير له أن يطويها في نفسه، وأن يكتمها عن غيره، وإنّما يقول للآخرين بمقدار ما هو الممكن فقط، مما لا يكون هو الهدف الحقيقي لحركته. ولا أقلّ من احتمال ذلك، الأمر الذي يسقط به هذا الشرط الرابع.
الجواب الثالث: على هذا الشرط: إن هناك بعض الأعمال يُعتبر التصريح بأهدافها إفساداً لها، وتكون عندئذ عقيمة وغير منتجة، وهذا أحد التأويلات المهمة لما ورد: “استعينوا على أموركم بالكتمان”. وما ورد من “أن التصريح بالشيء قبل
ــــــ[64]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
نجازه موجب لإفساده”. وهذا المعنى ظاهر للعيان بالتجربة، في كثير من الأمور الشخصية والعامة.
إذن, فمن المحتمل، والاحتمال قاطع للاستدلال، كما عرفنا في مقدمات هذا البحث، -من المحتمل- أن يكون تصريح الحسين بأهدافه قبل حركته، مفسداً لها مخرباً لنتائجها. ومن هنا سيكون المتعيّن عليه كتمان ما يريده، والصمت عمّا يستهدفه؛ حفظاً للنتائج من الضياع. إذ من المؤسف حقاً وجدّاً وجود حركة مهمّة من هذا القبيل الذي قام به، وتضحية ضخمة على هذا الغرار، ومع ذلك لا تكون منتجة ولا نافعة. إذن فمن الضروري أن يكتم أهدافه الحقيقية في سبيل صحتها وإنتاجها. إذن، فهذا الشرط الرابع، وهو أن نتوقع سماع الأهداف منه، ليس بصحيح.
وهذا بخلاف ما سوف نذكره بعون الله تعالى من الأهداف، فإنها إنما تأتي بعد نجاز حركته ووجودها وانتهائها، بل بعد حصول عدد معتدّ به من نتائجها. وإنّما يختصّ ما قلنا بالتصريح بالهدف قبل الحركة لا بعدها.
ــــــ[65]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

الأهداف المحتملة للحسين
ما يُحتمل أن يكون هدفاً للإمام الحسين، في حدود تفكيرنا وإدراكنا، كما يلي. نذكرها جميعاً لنرى ما هو صحيح منها، وما هو قابل للمناقشة، بعد الالتفات إلى أننا نفينا خلال الحديث السابق عن الشروط، عدداً من الأهداف التي قد تخطر في الذهن، كالانتصار العسكري المباشر أو مباشرة الحكم فعلاً في المجتمع ونحو ذلك؛ لأنها لم تكن جامعة للشرائط. إذن فهي ليست هدفاً للحسين في حركته. إذن، فينبغي أن نعرض عنها الآن، ونذكر غيرها مما يدور في الحسبان.
الهدف الأول: [ان لا يبايع الحاكم الأموي]
أن لا يبايع الحاكم الأموي يومئذ كما طلب منه، فإنه رفض ذلك بكل قوّة وصمود. كما ورد عنه أنه قال: “ومثلي لا يبايع مثله”. فقد تحمّل القتل، وهذه التضحيات الجسام، في سبيل ترك هذه البيعة الدنيئة.
وقد يناقش هذا الهدف بعدّة مناقشات، يحسن بنا أن نذكر المهم منها، لكي يتكامل فهمنا لهذا الهدف في نفس الوقت من خلال الحديث:
المناقشة الأولى: أنه كان يمكنه (سلام الله عليه) تجنّب كِلا الأمرين، أعني المبايعة والتضحية معاً، فلماذا اختار التضحية مع إمكانه تجنّبها؟ غير أن هذه المناقشة
ــــــ[66]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
بمجردها غير تامّة. للوضوح التاريخي أنه كان مكرهاً على أحد الأمرين: المبايعة أو الشهادة، ولم يكن في مستطاعه طبيعياً أن يتجنّبهما معاً، لمدى الضغط العظيم الذي وجّهته الدولة يومئذ عليه، طلباً للمبايعة، وتهديداً بالموت إن تركها.
ويدلّ على هذا الأمر مضافاً إلى وضوحه التاريخي، والارتكاز العام لفهم الدولة الأموية يومئذ. وكذلك ما فعل يزيد بن معاوية بسائر معارضيه من المحاربة والتنكيل، ولم يكن الحسين ببدع من ذلك، كما يعبّرون.
يدلّ عليه أيضاً، ما ورد عنه من قوله: “ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين السلة والذلة. وهيهات منّا الذلة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون”. والدعي بن الدعي: هو الحاكم الأموي، والسِلّة: هو سل السيف للقتل، والمراد به التهديد بالقتل، والذلة: هو المبايعة والدخول تحت السيطرة الأموية. وقوله: “وهيهات منّا الذلة”، يعني هيهات منّا المبايعة كما يريد الحاكم الأموي. كما قال في الخطبة نفسها: “أن نؤثر بيعة اللئام على مصارع الكرام”.
كما يدلّ على ذلك ما ورد من أن الحكم القائم يومئذٍ، دسّ في مكّة أربعين من العتاة، وبثّهم ما بين الناس، وأوصاهم أن يقتلوا الحسين حيث وجدوه، ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة. وقد علم الحسين ذلك، ومن هنا خرج من مكّة قاصداً المدينة المنورة؛ لكي لا يكون مقتولاً داخل الحرم المكي، الذي جعله الله آمناً، وحرّم فيه كل أشكال إهراق الدم حتى الصيد. فكرِهَ أن يكون سبباً لهتك هذا الحرم المقدس.
إذن، فلم يكن مستطيعاً أن يتجنب كِلا الأمرين، البيعة والتضحية معاً. بل
ــــــ[67]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
كان مكرهاً أن يقبَل بأحدهما. وقد اختار لنفسه أعلاهما وأشرفهما وهو التضحية.
المناقشة الثانية: إن هذا الهدف إنما هو هدفه الشخصي من حركته، ونحن نريد التعرّف على ما يكون محتملاً من أهداف الحكمة الإلهية في ذلك.
وقد أشرنا في مقدمات هذا البحث، إلى ثبوت كِلا هذين النحوين من الأهداف. غير أن هذه المناقشة أيضاً لا تتمّ لعدة وجوه. نذكر المهم منها:
أولاً: إن انقسام الأهداف كما ذكرنا وإن كان صحيحاً، غير أن الباحث أو المفكّر، كما يطمح أن يتعرّف على الهدف الثابت في الحكمة الإلهية، يطمح أيضاً أن يتعرف على الهدف الشخصي سواء بسواء. فالقول: باختصاص الطموح بأحد النوعين من الأهداف دون الثاني، قول بلا موجب.
إذن، فحتى لو كان عدم المبايعة هدفاً شخصياً، فنحن يحسن بنا أن نلتفت إليه، ونأخذه بنظر الاعتبار.
ثانياً: إن عدم المبايعة هذا، كما هو هدف شخصي للحسين، هو هدف للحكمة الإلهية أيضاً. وأوضح سبيل إلى إيضاحه: هو أن نقيس الأمر بحصول المبايعة. فكم سوف يحصل من المفاسد بوجودها! وكيف سوف يتغير الدين الخالص! ويبقى متغيراً فاسداً -وحاشاه- إلى يوم القيامة. وهذا بكل تأكيد خلاف الحكمة الإلهية. إذن، فوجود البيعة مخالفٌ للحكمة الإلهية، فيكون عدمها موافقاً لها لا محالة.
المناقشة الثالثة لهذا الهدف: إنه هدفٌ وقتي، منوط لا محالة بحياة الإمام الحسين، كما هو منوط بحياة الحاكم الأموي، لوضوح أنه لا معنى للمبايعة
ــــــ[68]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
لدى موت أحدهما. ونحن إنما نريد الاطلاع على الأهداف الدائمة، لا الأهداف الوقتية. غير أن هذه المناقشة غير صحيحة. ونورد عليها ما يشبه الوجهين اللذين أوردناهما على المناقشة السابقة:
أولاً: إن هذا الهدف وإن سلّمنا إنه هدف وقتي، إلا أن اختصاص تعرّف الباحث أو المفكّر بالأهداف الدائمة وغير الوقتية بلا موجب، بل نحن نريد التعرف على كِلا الشكلين من الأهداف.
ثانياً: إن هذا الهدف وإن كان منوطاً بحياة هذين الشخصين، إلا أنه -مع ذلك- ليس وقتياً بل مستمراً. ولنا أن نقيس ذلك إلى صورة حصول المبايعة. فكما أن المفاسد مع حصول المبايعة سوف لن تكون وقتية بكل تأكيد، كذلك المصالح والأهداف الناتجة عن ترك المبايعة سوف لن تكون وقتية. ويكفي بها أن تكون تخلّصاً ودفعاً لتلك المفاسد المستمرة. إذن فهي أهداف مستمرة.
المناقشة الرابعة لهذا الهدف: إن الإمام الحسين لم يكن مضطراً أو مكرهاً على هذين الأمرين، البيعة أو التضحية، بل كان يمكنه أن يتجنبهما معاً، كما قلنا في المناقشة الأولى. ولكننا قلنا هناك: إنه يمكنه أن يتجنبهما وهو مرتاح في بلده، ولم يكن هذا صحيحاً كما عرفناه.
أما هنا فنقول: إنه كان يمكنه أن يخرج إلى بلاد بعيدة لا تنالها يد الأمويين، كاليمن أو الهند أو الأفغان أو غيرها، لينجو من القتل والبيعة معاً. وخاصّة وأن الدول في ذلك الحين لم تكن تملك إمكانيات الدول الحاضرة. ولم يكن في مستطاعها الحرب في الأماكن البعيدة، وقد ورد عن بعض ناصحيه والمشفقين عليه من
ــــــ[69]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الخروج: هذا المعنى. فلماذا لم يفعل؟
وجواب ذلك يتمّ في وجوه. نذكر أهمها:
أولاً: إن ما قاله المستشكل من ضعف الدول القديمة، وإن كان صحيحاً إجمالاً، إلا أنه ليس صحيحاً تماماً. إذ يكفي أن نتصور كيف سار الفتح الإسلامي في ذلك القرن الأول نفسه، بل قبل مقتل الحسين، إلى العراق وإيران وسوريا وفلسطين ومصر، وأَذلَّ الجبابرة والقياصرة والأكاسرة. فكيف حصل ذلك إلا باستعداد تامّ ومعنويات عالية.
كما يكفي أن نتذكر كيف خاض الإمام أمير المؤمنين، قبل مقتل الحسين، بمدّة طويلة، حروباً مروّعة كصفين والنهروان. أما عن الحديث عن حروب الجاهلية السابقة على الإسلام فحدِّث ولا حرج.
إذن، فالناس في ذلك الحين، كانوا مقاتلين شجعاناً، ومتدربين على تحمل أنواع المصاعب في سبيل تحقيق ما يطمحون إليه من الأهداف، أو ما يؤمرون به من الأغراض. إذن فمن المحتمل جداً، بل السائغ تماماً، أن نتصور أن الحسين أينما ذهب، فسوف يرسل الحاكم الأموي خلفه جيشاً عرمرماً للقضاء عليه وقتله، أو أن يدس إليه من يقتله غيلة أينما وجده. وليس كل ذلك على المفسدين ببعيد. إذن، فهذا التخيير بين (السلّة والذلّة)، أو (البيعة والتضحية)، كان مكرهاً عليه في كل وجه الأرض المنظور يومئذ بكل تأكيد. ولم يمكن النجاة منه على أيّ حال.
ثانياً: إن الإمام الحسين لو ذهب بعيداً، لأرجف عنه أعداؤه؛ أنه ذهب منهزماً عن المواجهة، وفارّاً من الملاقاة، ولوصفوه بكل عظيمة. والإعلام يومئذ
ــــــ[70]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وفي كل يوم على استعداد لذلك على أيّ حال. وهذا ما لا يريده لنفسه، بعد أن كان يعيش من نقطة قوة، وبروز في المجتمع؛ بصفته سبط رسول الله وابنه، وسيد شباب أهل الجنة، والإمام المفترض الطاعة لطائفة من المسلمين.
كيف، ونحن نجد أعداءه قد أرجفوا ضدّ، بالرغم من تضحيته وصبره وصموده. فكيف كان عليه الحال لو اختار الاحتمال الآخر! وإن كان يدرك أن فيه بعض المصالح على أي حال، يكفي أن هذا الإرجاف عندئذ يستطيع أن يسيطر في المجتمع الجاهل، وأن يسلب بعض نقاط القوة التي كان يعيشها الحسين، فقد لا يكون عندئذ ناجحاً في عمله، حتى لو ذهب إلى مكان بعيد.
ثالثاً: إننا لا ينبغي أن نتوقع أن يذهب الحسين إلى أي نقطة من العالم، كيف كانت؛ ولذا لم يذكر له الذين ناقشوه على الخروج إلّا منطقة واحدة هي اليمن. وقالوا له: (إن فيها شيعة لأبيك). لأن أباه أمير المؤمنين ذهب إلى اليمن، بأمر النبي ردحاً من الزمن، ورآه اليمنيون وأحبّوه.
أما ذهابه إلى مناطق أخرى، فغير معقول إطلاقاً. إما لكونهم ضد الحسين، كما حصل في الكوفة وكربلاء، وإما لأنهم غير مسلمين أساساً، وإما لأنهم غير عرب أساساً، يتعذر العيش بينهم لاختلاف لغتهم. وإما لأنهم متخلفون حضارياً، بحيث يضيع وجوده بينهم، وينقطع خبره عن الآخرين. وكل ذلك غير معقول ولا يريده الحسين لنفسه.
وأكرر الآن: أن المكان الوحيد البعيد الذي كان مناسباً نسبياً، لم يكن إلا اليمن، وهو الوحيد الذي ذكروه له، إلا أنه رفضه. وكان رفضه بحسب فهمنا
ــــــ[71]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
معتمداً على الوجهين الأولين، اللذين قلناهما قبل قليل لهذه المناقشة فراجع وفكّر. مضافاً إلى أمور أخرى تعرفها من أجوبة المناقشات السابقة. وحيث لم تتمّ ولا مناقشة واحدة لهذا الهدف الحسيني الجليل، إذن، يتعين الأخذ به، وهو ترك البيعة ليزيد بن معاوية، واختيار التضحية عليه. فإذا تمّ لدينا هدف آخر فيما يلي، كان نوراً على نور، وإلا ففي هذا الهدف الكفاية.
[الهدف الثاني: الامتثال لأمر الله عزّ وجلّ]
الهدف الثاني الممكن لحركة الحسين: الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى إياه بها، ذلك الأمر المعروف لديه إما بالإلهام، أو بالرواية عن جدّه النبي. وكان يطلب ثواب الله وجزاءه الأخروي على ذلك، تماماً كما يفعل أيّ مؤمن حين يؤدي أيّ واجب ديني، كالصلاة أو الصوم أو الحج.
ويدلّ على ذلك: ما ورد عن جدّه: إنه قال له في المنام: “يا بني: إنه لا بدّ لك من الشهادة، وإن لك درجات عند الله عز وجل لن تنالها إلا بالشهادة”. كما يدلّ عليه ما ورد: أنه بعد مقتله، وضعت أخته الحوراء زينب (سلام الله عليها) يديها تحت جسده الطاهر وقالت: “اللهم تقبّل منّا هذا القربان”. لوضوح أن القبول إنما يكون لعمل من أعمال الامتثال والطاعة.
وهذا الهدف صحيح بكل تأكيد، كما أنه بكل تأكيد هدف شخصي له، وليس من أهداف الحكمة الإلهية في حركته، فإن الحكمة الإلهية وإن كانت تريد امتثاله وطاعته (سلام الله عليه)، إلا أن هذا مما يعود إليه، لا أنه يعود على غيره. والأهداف التي نتحدث عنها إنما هي الأهداف التي تعود إلى غيره بالنفع، مما قلنا أنه من
ــــــ[72]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
أهداف الحكمة الإلهية من حركته، في حدود ما نستطيع تعقله.
إلا أننا قلنا في نفس الوقت: إن الطموح غير خاص بالأهداف العامة، بل تشمل الأهداف الخاصة أيضاً.
مضافاً إلى إمكان أن يقال بكل تأكيد -أيضاً-: إن عدم انتفاع الآخرين من هذا الهدف غير صحيح إطلاقاً، لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا: فلِما سنذكره من الأهداف الآتية: من أن حركته أوجبت هداية الناس، وتعريفهم أهمّية الدين، ولزوم التضحية له عند الحاجة بالنفس والأهل والمال والولد. وأن طاعة الله سبحانه لازمة على كل حال. وأما في الآخرة: فلأنه أصبح واسع الشفاعة يوم القيامة، أكثر من أيّ واحد من المعصومين الآخرين (سلام الله عليهم)، كما ثبت في محله، ووردت عليه بعض النصوص. ولم يكن لينال هذه المنزلة؛ لولا تلك المقامات والدرجات التي حصلت له بالشهادة نفسها.
إذن، فالأمر كما يعود إليه يعود إلى غيره، والرحمة الإلهية عامة للجميع.
[الهدف الثالث: الانتصار العسكري المباشر]
الهدف الثالث الذي قد يخطر في بعض الأذهان لحركة الحسين: هو الانتصار العسكري المباشر، أو قل: إزالة الحكم الأموي فورياً.
وهذا مما سبق أن أشرنا إلى نفيه، خلال حديثنا عن الشروط السابقة، ولكننا نذكره الآن؛ لأن عدداً من الناس بما فيهم بعض المفكّرين قد يتصورونه. وقد يستدل عليه بما ورد من أنه قيل لمسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، حين تألّب عليه الأعداء في الكوفة: “إن الذي يطلب ما تطلب، لا يبكي، إذا نزل به ما نزل بك”.
ــــــ[73]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إذن، فهو يطلب السيطرة على الحكم، أعني من الناحية الدينية، ويدافع عن هذا الهدف ضمن دفاع الحسين؛ لأنه رسوله إلى الكوفة. غير أن صحة هذا الهدف تتوقف على أمور، لو تمّ أيّ واحد منها أمكن قبوله، وإلا فلا:
الأمر الأول: أن نتصور الإمام الحسين قائداً دنيوياً، قد تخفى عليه بعض النتائج، وأن عدم سيطرته الفعلية على الحكم، أمر لم يكن يتوقعه أول الأمر. ثم أصبح مغلوباً على أمره متورّطاً في فعله. وقد سبق أن ناقشنا ذلك مفصّلاً، وعلمنا أنه عالم بالنتائج قبل حدوثها، أما بالإلهام أو بالرواية عن جدّه رسول الله. ومن هنا فمن غير المعقول أن نجرّد منه قائداً دنيوياً، مهما كان عبقرياً.
الأمر الثاني: أن يكون هذا الهدف الذي يُقال أو أيّ هدف يُقال، جامعاً للشرائط الأربعة التي أسلفناها، في حين أن هذا الهدف غير جامع لتلك الشرائط؛ لأنه ينقص منه شرط واحد، وهو التحقق فعلاً، فإن هذا الهدف لم يتحقق أصلاً قطعاً. فلا ينبغي أن نعتبره هدفاً كما سبق أن برهنّا عليه هناك.
الأمر الثالث: أن نفهم من التاريخ أن انتصار الحسين وفوزه المباشر على أعدائه أمر محتمل، وأن احتماله وارد ومعقول، بحيث يكون استهدافه أمراً معقولاً. وأما إذا كان في نفسه أمراً غير محتمل، كما يعرفه جماعة من حذّاق المجتمع ومفكّريه، بما فيهم الذين ناقشوه في الخروج إلى الجهاد. إذن، فلا يكون استهداف مثل هذا الهدف معقولاً، عرفاً وعقلائياً وسياسياً، فضلاً عن الالتفات إلى العلم الإلهي والحكمة الإلهية.
ــــــ[74]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[الهدف الرابع: فضح بني أمية ومن كان على شاكلتهم]
الهدف الرابع المحتمل لحركة الإمام الحسين: فضح بني أمية ومن كان على شاكلتهم، من يومه إلى يوم القيامة، بأنهم ليسوا فقط ظالمين لأنفسهم، بينهم وبين الله سبحانه. بل، ولا ظالمين للناس في حكمهم غير العادل فحسب، وإنما الأمر أكثر من ذلك. فإنهم على استعداد أن يقتلوا الرجال والأطفال، وأن يسبوا النساء، وان يقتلوا خير الخلق الموجودين على وجه الأرض، من أجل التمسك بالحكم والكرسي. وهذا معناه أنهم مستعدون أن يقتلوا أيّ إنسان، أو أي عدد من الناس، مهما كثر عدده أو كثرت أهمّيته، في سبيل ذلك. كما أن معناه عدم اهتمامهم بقليل ولا بكثير بالدين وبشريعة سيد المرسلين. كما أن معناه: عدم وجود عاطفة الإنسانية في قلوبهم على الإطلاق. كما أن معناه: أنهم على استعداد أن يفعلوا أي منكر آخر، مما يرتبط بالمُلك أو لا يرتبط، بعد أن انسلخوا تماماً عن الإنسانية، وعن الورع عن المحارم.
وهذا الهدف صحيح وواقعي. وقد حصل فعلاً على إثر واقعة كربلاء مباشرة، ولا زال ساري المفعول، وسيبقى إلى يوم القيامة، ضدّ بني أمية الحكّام السابقين، وضد أضرابهم من الظالمين من البشر إلى قيام يوم الدين.
ومن هنا فإني أعتقد أن هذا الحاكم الأموي، قد أخطأ خطأً كبيراً حين سوَّد صحيفة أعماله، بأمور كثيرة ومنكرات فضيعة جداً. وأوجب سوء ظن الناس والتاريخ به، وبعشيرته وأمثاله باستمرار. مضافاً إلى غضب الله سبحانه. وذلك أنه فعل ثلاثة أمور مهمّة، مضافاً إلى منكراته الشخصية، أهمها: قتل الحسين،
ــــــ[75]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وجيشه في كربلاء، والتنكيل بهم تنكلاً فضيعاً. مضافاً إلى رمي الكعبة بالمجانيق، وكان بمنزلة القصف المدفعي في زماننا، إذ يشعلون النار في بعض المواد، ويقذفونها بعيداً على العدو، بواسطة الآلة القاذفة التي تسمى بالمنجنيق، وقد بقيت الكعبة المشرفة تحت هذا القصف المركّز أياماً بلياليها، هذا مضافاً إلى واقعة الحرّة، بقيادة مسلم بن عقبة، الذي أباح المدينة المنورة ثلاثة أيام كاملة، قتلاً ونهباً وسلباً واعتداءً على الأموال والنساء والأطفال، بشكل لم يسبق له مثيل.
[الهدف الخامس: طلب الإصلاح]
الهدف الخامس المحتمل لثورة الحسين: هو طلب الإصلاح أو محاولة الإصلاح في الأمّة المسلمة، أمّة جدّه رسول الله. وهذا هو الذي روي عنه حين يقول: “والله ما خرجت أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر”. وذلك حين رأى (سلام الله عليه)، أن الدين قد تغيّر عن القلوب، وأن المعروف لا يُعمَل به، وأن المنكر لا يُتناهى عنه، وأنه لم يبقَ منه إلا كصبابة الإناء، أو خساسة عيش كالمرعى الوبيل. كما يُستفاد من الكلام المروي عنه (سلام الله عليه).
وهذا هدف محترم جدّاً، وكان الحسين أهلاً له. إلا أنني أعتقد إن الإصلاح المقصود على قسمين: إصلاح يحصل منه مباشرة قبل مقتله. وإصلاح يحصل من المجتمع بعد مقتله، وبسبب شهادته. وهو أيضاً إصلاح منسوب إليه، ويمكن أن يكون قد تعمدّه واستهدفه.
أمّا الإصلاح المباشر في حياته، فهو لا يحتمل أن يكون هدفاً؛ لأنه فاقد لأحد
ــــــ[76]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الشرائط السابقة، وهو عدم التحقق في المجتمع. وقد كررنا أن الأمر الذي لم يتحقّق، لا يمكن أن يكون هدفاً.
وقد يخطر في البال: أن الإصلاح المباشر قد حصل خلال الخطب والأقوال، التي قيلت من قِبَل الحسين نفسه وأصحابه وأهل بيته قبل مقتله، وهذه تكفي للمشاركة بالإصلاح مشاركة فعليّة وفعّالة.
وجواب ذلك: أن الخطب والأقوال قد حصلت فعلاً، إلا أنها كانت مكرّسة كلها لأجل الحديث عن حركة الحسين، وشرح أبعادها والدفاع عنها. ومعه فلا يمكن أن تكون هي الإصلاح المعهود والموعود، وإنما التوقّع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في جوانب الدين عامّة وفي فروعه كافّة. وهو مما لم يحصل على الإطلاق؛ لأن الأجل لم يمهله وأصحابه للقيام بهذه المهمة الشريفة الموعودة.
وإنما الذي حصل هو الهداية والرعاية للبشر، دينياً ومعنوياً وإنسانياً وأخروياً، بمقتله وشهادته (سلام الله عليه). إذ أعطى المثال الأعظم للتضحية الضخمة بهذا الصدد. فكان النبراس الأفضل، الذي يضيء للأجيال طريقهم باستمرار وإلى يوم القيامة.
ونستطيع أن نؤكّد أن هذا الإصلاح هو الذي كان مقصوداً للحسين ومستهدفاً له. وإن لم يصرّح به تماماً، آخذاً بقانون «كلم الناس على قدر عقولهم». وهو هدف جليل وصحيح ولا غبار عليه.
ــــــ[77]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[الهدف السادس: الاستجابة لأهل الكوفة]
الهدف السادس المحتمل للحسين في حركته: هو الاستجابة لأهل الكوفة، حين طلبوا منه القدوم عليهم، وأخذ البيعة منهم، وممارسة الحكم بينهم، وقالوا: «وإنما تُقدِم على جند لك مجندة». فأجابهم بالموافقة، وعزم على المسير إليهم. إلا أنه لم يوفق للوصول إلى الكوفة، حيث اجتمع عليه الجيش المعادي في كربلاء، وتمّ الإجهاز على حركته هناك.
وهذه الاستجابة وإن كانت صحيحة، بحسب الحكم الظاهري في الشريعة، إذ يجب عليه (سلام الله عليه) أن يستجيب لمثل هذا الطلب الجليل. ولكنّنا مع ذلك لا يمكن أن نعتبره هدفاً حقيقياً للحركة. وإنما هي استجابة لا بدّ منها لسد الألسنة، وقطع المعاذير من ناحية، والتكلّم مع الناس على قدر عقولهم. وأمّا لو لاحظنا الأمر أعمق من ذلك بقليل، لوجدنا عدّة إشكالات ترد على هذا الهدف:
أولاً: لأننا نعلم أنه يعلم أن أهل الكوفة يومئذ كاذبون، عن الإعراب عن موالاتهم ومبايعتهم، وإنما هم فسقة ومنافقون.
ولا يتوقّف الاطلاع على هذا الأمر على الإلهام، أو التسديد الإلهي، وإن كان هذا صحيحاً في نفسه. إلا أنه أيضاً كان واضحاً لكثير من الناس يومئذ، بما فيهم الذين ناقشوه في خروجه، وقالوا له في ما قالوا: «إن أهل الكوفة قد غدروا بأبيك وأخيك، فمن الحري أن يغدروا بك. وإنما الأفضل أن تذهب إلى اليمن، فإن فيها شيعة لأبيك». ويمكن أن يكون هناك حصيناً ضدّ الأعداء، آمناً من شرور الزمان. فمن هذه الناحية لا يُحتمل في حقّه أنه كان موافقاً حقيقة على الأمر، أو أن يكون
ــــــ[78]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مصدقاً لهذا الخبر بالرغم من أهميته.
ثانياً: أنه بَشَّر بمقتله قبل خروجه أكثر من مرّة، وقد سبق أن ذكرنا ما يدلّ على ذلك، مما روي عنه (سلام الله عليه). إذن، فقد كان يعلم بالنتيجة قبل حصولها، بمعنى أنه يعلم بعدم وصوله إلى الكوفة، ولا مبايعتهم له، ولا نصرتهم إياه. بل يعلم محاربتهم له، ومقتله على أيديهم، فإنهم قالوا له: «بأن قلوبنا معك وسيوفنا عليك».
ثالثاً: انه هدف لم يحصل. وقد سبق أن تحدّثنا في الشرائط، أن كل هدف لم يحصل فهو ليس هدفاً حقيقياً.
رابعاً: إنه علم وهو في الطريق إلى العراق، بغدر أهل الكوفة، وقتلهم لمسلم بن عقيل، وارتدادهم عن بيعته، وهذا يستلزم بوضوح سقوط تكليفه الشرعي عن الاستمرار بالذهاب إليهم، والهمّة إلى الوصول لهم.
فإن قيل: إن الأمر كذلك، غير أن الحرّ الرياحي جعجع به، ومنعه عن المسير إلى حيث يريد، وعن الرجوع إلى المدينة المنورة. وبذلك سبّبَ إلى وقوع الواقعة المروّعة في كربلاء. ولولا ذلك؛ لأمكنه الرجوع إلى المدينة، أو الذهاب إلى أيّ مكان آخر، بعد أن سقط تكليفه الشرعي بالذهاب إلى الكوفة، كما عرفنا.
إلا أن جواب ذلك: إن في مثل هذا التفكير جهلاً بالتاريخ الإسلامي، كما وصل إلينا. فإن الحسين عَلِم بمقتل مسلم بن عقيل، وغدر أهل الكوفة، حين كان ركبه في منطقة تسمى (زرود)، ولم يفكّر بالرجوع يومئذ، بل استمرّ في المسير، وهذا معناه: أنه استمرّ بالمسير رغم سقوط تكليفه الشرعي، المشار إليه في هذا
ــــــ[79]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الهدف. وذلك من أجل هدف آخر أعمق وأهمّ منه. ولم يكن قد التقى بالحرّ الرياحي يومئذٍ. وإنما التقى به بعد ذلك في منطقة تسمى (شروف [شراف])، وعندئذ عرض عليه العودة إلى المدينة المنورة، إذا كان أهل الكوفة قد بدّلوا رأيهم به، وأعرضوا عنه. فمنعه الحرّ الرياحي عن الرجوع، وذكر له أنه مأمور بمصاحبته، حتى يُدخله على عبيد الله بن زياد في الكوفة.
إذن، فهناك فترة زمنية كافية لم يحدّد التاريخ مقدارها، لعلها أسبوعاً أو أكثر أو أقلّ، كان يمكن للإمام الحسين أن يعود بركبه إلى المدينة، وعندئذ لم يكن ليلتقي بالحرّ ولا يجعجع به، وإنما كان (سلام الله عليه) طالباً للشهادة على كل حال.
اللهم إلا أن يقال: أنه أدرك بوضوح -بعد أن أخبر بغدر الكوفة ببيعته- انه لا يستطيع أن ينجو، وهو في هذه المنطقة بالذات من بلاد الله. وبهذا يختلف حاله هنا، عن حاله وهو في مكّة أو المدينة. فإنه كان يستطيع أن يذهب من هناك إلى اليمن مثلاً، في حين لا يستطيع الآن أن يفعل شيئاً بحسب القانون الطبيعي؛ لأنه أصبح بمنزلة المحاصر لجيوش بني أمية. وإن لم يكن كذلك فعلاً، إلا إن الرجوع يحتاج إلى زمن طويل نسبياً، الأمر الذي يستلزم أنهم يدركونه أينما وجدوه.
وهذا ينتج أنه (سلام الله عليه) كان يائساً من الحياة. وقد تحدثنا فيما سبق؛ أن اليائس من الحياة، يختلف تكليفه الشرعي عن غيره، ويستطيع أن يختار الموتة التي يتمنّاها لنفسه، إن كان في مقدوره ذلك، وكان في مقدوره (سلام الله عليه) ذلك، فاختارها لنفسه.
ــــــ[80]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[الهدف السابع: إعطاء الأمثولة للدين الحنيف]
الهدف السابع المحتمل لحركة الحسين: إعطاء الأمثولة للدين الحنيف القويم، وأنه يستحق هذا المقدار العظيم من التضحية والفداء في سبيل الله، وفي سبيل إقامة الأحكام الإسلامية والشعائر الدينية.
وينبغي هنا أن نلاحظ أن الأمر إنما هو مربوط بالله سبحانه، قبل أن يكون مربوطاً بشيء آخر؛ لأن الدين على عظمته، إنما اكتسب الأهمية؛ لأنه أمر الله ونهيه. والرسول إنما اكتسب الأهمية؛ لأنه رسول الله. والمعصومون إنما حصلوا عليها؛ لأنهم أولياء الله. إذن، فالأمر مربوط بالله مباشرة، وليس غيره من قريب ولا بعيد. وهو الذي يستحق الفداء في الحقيقة، وإن كان هو في غنى عن العالمين. ولذا ورد في تفسير قوله تعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(1). يعني الحسين. وهو لم يفدِ إسماعيل الذبيح (سلام الله عليه). كما هو ظاهر السياق، بل وقع الفداء في سبيل الله، وفي طريق توحيد الله وطاعته. وهو نفس الطريق الذي ذُبِح من أجله إسماعيل، وبُعِث فيه الأنبياء، وأرسلت الكتب السماوية، وحصل ما حصل.
وفي هذا السبيل، قال الحسين: “هوّن ما نزل بي أنه بعين الله”. كما روي: أنه حين سقط جريحاً لا يستطيع أن يواصل القتال، كان يردّد قول رابعة العدوية:
تركت الخلق طُرّا في هواكا وأيتمْت العيالَ لكيْ أراكا
ولو قطَّعْتَني في الحب إرْباً لما مالَ الفؤادُ إلى سِواكا
ــــــ[81]ـــــــ
( ) الصافات: 107.
أضواء على ثورة الحسين
وفي هذا السبيل أيضاً روي عن زينب العقيلة، بنت علي أمير المؤمنين (عليه وعليها السلام)، أنها بعد المقتل وضعت يديها تحت الجثمان وقالت: “اللهم تقبل منّا هذا القربان”. وفي بعض الروايات: “هذا القربان القليل”، يعني القليل مهما كان شريفاً وعظيماً أمام عظمة الله اللامتناهية، وأمام استحقاقه اللامتناهي للتضحية والفداء.
إذن, فالمسألة الأهمّ من كل شيء هي أهمّية التوجه إلى الله، والتضحية في سبيله، وتطبيق طاعته، والحصول على رضوانه بكل صورة، مهما كانت الوسائط، ومهما كانت النتائج. وهذا هدف صحيح تحقّق فعلاً، وقد عرفت الأجيال ذلك بكل وضوح.
وقد يخطر في البال: عن قول زينب (سلام الله عليها): “اللهم تقبل منّا هذا القربان”. أن قولها (منّا) ليس بصحيح؛ لأنه وإن كان قرباناً عظيماً، إلا أنه إنما قدّمه الحسين نفسه، وليس لأحد آخر أن يقدّمه، بل لا معنى لذلك؛ لأن التضحية الحقيقية، والألم الحقيقي لم يتحمّله غيره، ولم يشعر به غيره. فما تفسير كلامها (سلام الله عليها)؟
جواب ذلك: أن تضحية عظيمة من هذا القبيل، أو أيّة تضحية أخرى مهمّة، لا تكون ذات مستوى واحد، بل على مستويات متعدّدة؛ لأن انطباعها في نفس صاحبها وفي نفوس الآخرين يكون متعدداً، لا محالة. وفي حدود ما نستطيع أن نستفيد منه هنا من المستويات، نذكر ثلاثة منها:
المستوى الأول: التضحية بمعنى تحمّل الألم، والجروح والقتل والصبر عليه
ــــــ[82]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
طواعية. وهذا المستوى خاصّ بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره، كما قال السائل.
المستوى الثاني: التضحية بمعنى الإعانة لصاحب التضحية، بكل ما يمكن من جهد وجهاد، وتحمّل كل بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمّل فراقه كشخص محبوب أسرياً ودينياً واجتماعياً، وتحمّل الحرمان عن فوائده وتوجيهاته ولطفه.
وهذا المستوى خاصّ بمن كان مع الحسين، من الركب المعاون له في الحياة، والموافق له في الأهداف. فإنهم نساءً ورجالاً وشيباً وشباناً، أتعبوا أنفسهم في سبيله تماماً، وتحمّلوا شظف العيش، وبلاء الدنيا؛ لأجل رضاه، الذي يكون سبباً لرضاء الله عز وجل. كما قال: “رضا الله رضانا أهل البيت”. ومن هذه الناحية، وعلى هذا المستوى كانت التضحية تشملهم. فكأنهم هم الذين رفعوا الحسين، قرباناً لله عزّ وجلّ.
ولا شكّ إن العقيلة زينب (سلام الله عليها) بنت علي، من ذلك الركب المضحي في سبيل الحسين. ولعلها أهمّ النساء الموجودات فيه على الإطلاق. ومن هنا صحّ لها أن تدعو وتقول: “اللهم تقبل منّا هذا القربان”.
المستوى الثالث: الموافقة مع الحسين نفسياً وقلبياً وعاطفياً، وبالتالي الموافقة الحقيقية على عمل الحسين وتضحيته، وعلى هدف الحسين ورسالته. حتى أن الفرد المحب له يحسّ كأنه قد أعطى قطعة من قلبه أو كبده، وأنها قتلت فعلاً بمقتل الحسين.
وأنه -أعني المحبّ-، وإن كان حيّاً يرزق في هذه الدنيا وفي كل جيل، إلا أن
ــــــ[83]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
التضحية تضحيته والعمل عمله، يكفينا من ذلك ما ورد: “إن الأعمال بالنيات”. وأن “نية المؤمن خير من عمله”.
وما ورد: “أن الراضي بفعل قوم كفاعله”.
وما ورد: “أن الفرد يُحشَر مع من يحب”.
إلى غير ذلك من المضامين، التي تجعل التضحية التي قام بها الحسين، منتشرة فعلاً لدى كل محبيه، والمتعاطفين معه على مدى الأجيال. وأن كل واحد منهم يستطيع أن يقول:
اللهم تقبل منّا هذا القربان. وليس العقيلة زينب فقط.
وقد يخطر في البال: في حدود هذه التضحيات المشار إليها: أن الأجيال كلها يجب أن تكون مثل الحسين، في تضحيته الجسيمة وفعلته الكريمة. فتضحي بالنفس والنفيس في سبيل الأهداف التي قُتِل لأجلها الحسين.
وجواب ذلك: إن الأمر ليس كذلك باستمرار، وإنما قد يحصل ذلك أحياناً قليلة، ولا يحصل ذلك أحياناً كثيرة، وكل فرد يجب أن يحسب حساب تكليفه الشرعي أمام الله عزّ وجلّ. ونشير فيما يلي إلى أن التكليف الشرعي كثيراً ما لا يقتضي ذلك, على عدة مستويات:
المستوى الأول: إن التضحية التي أرادها الحسين واستهدف حصولها، وقد حصلت فعلاً، هي من الأهمّية والعظمة بحيث لا تكون مقدورة لأحد إطلاقاً. وإن زعم الزاعم لنفسه أنه يتحمّلها، إلا أنه يخدع نفسه لا محالة. يكفي في ذلك أنه
ــــــ[84]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
(سلام الله عليه) معصوم، وأعمال المعصومين بلا شكّ فوق طاقة الأفراد الاعتياديين، مهما تصاعدوا في درجات الإيمان والإخلاص.
ومن هذا القبيل ما قاله أمير المؤمنين عن زهده: “ألا إنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني -يعني على أنفسكم الأمارة بالسوء- بعفة وسداد”… إلى آخر ما قاله.
المستوى الثاني: إنه لو كانت تضحيات الحسين واجبة على الأجيال بعده، لكان أولى من يقوم بها أولاده المعصومون، مع العلم إنه لم يفعل ذلك ولا واحد منهم. إذن، فلماذا يجب أن يكون تكليفنا في الأجيال المتأخرة مثل تكليفه، ولا يكون مثل تكليف وعمل أولاده؟ مع أنهم جميعاً معصومون. يكفي أننا يمكن أن نأخذ بعمل العدد الأكثر من المعصومين، وهو الهدوء وليس الثورة، فإن أولاده المعصومين تسعة وهو واحد.
المستوى الثالث: إن الأصوب والأحجى لكل جيل، هو أن ينظر إلى تكليفه الشرعي أمام الله سبحانه، هل هو التضحية أو التقية؟ ولا شكّ أن التكليف الغالب في عصورنا هذه (عصور الغيبة الكبرى)، هو التقية وليس التضحية؛ لمدى تألب الأعداء، وترصّدهم في العالم ضدّنا من كل صوب وحدب، بدون وجود طاقة فعليّة عند ذوي الإخلاص لمقابلتهم ومضادّتهم. ومن تخيّل فيه هذه القابلية، فهو متوهم، سوف يثبت له الدهر -أعني بالتجربة- وهمه، والأفضل له هو العمل بالتكليف الفعلي، وهو التقية المنتجة لحفظ أهل الحق من الهلاك المحقق، في أي نقطة من نقاط هذا العالم المعروف.
ــــــ[85]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[الهدف الثامن: إقامة المآتم والبكاء عليه]
الهدف الثامن المحتمل لحركة الحسين: ما يذكره بعض الناس أو طبقة من الناس، من أن الحسين قتِل من أجل إقامة المأتم عليه، والبكاء عليه، فإنها من الشعائر الدينية المهمّة، التي توجب هداية الكثيرين من الباطل إلى الحق.
ويمكن أن يستدلّ على ذلك، بما ورد عن النبي ما مضمونه: (إن لولدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين، لا تخمد إلى يوم القيامة). وهذه الحرارة أمر وجداني قائم فعلاً، يحسّ بها الفرد المحبّ للحسين في قلبه، وهي التي تدفعه إلى التعب في هذا الطريق.
[الكلام عن الهدف الثامن]
ونتكلم عن هذا الهدف ضمن المستويات التالية:
المستوى الأول: إنه ينبغي أن يكون واضحاً إن هذا الهدف بمجرده، لا يصلح أن يكون هدفاً لكل تلك التضحيات التي قام بها الحسين. إلا إذا اندرجت تحت عنوان أهمّ وأعمّ، وهو طاعة الله سبحانه، أو هداية الناس، أو الأجيال لهذه الطاعة، أو التضحية في سبيل عقيدة التوحيد، كما أسلفنا، ونحو ذلك، مما تكون الشعائر والمآتم مصداقاً لها وتطبيقاً لها، وليس النظر إليها نظراً مستقلاً عن غيرها. وهذا ما سيتضح أكثر ضمن المستويات التالية بعونه سبحانه.
المستوى الثاني: إنني أعتقد إن الله سبحانه جعل بإزاء تضحية الحسين، نوعين مهمين من الثواب، لا نوعاً واحداً:
ــــــ[86]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
أحدهما: الثواب الأخروي: وهو المشار إليه بقول النبي -في الرواية-: “إن لك عند الله مقامات أو درجات لن تنالها إلا بالشهادة”.
وثانيهما: الثواب الدنيوي: وهي عدّة أمور يسّرها الله سبحانه وتعالى، خلال الأعوام والأجيال المتأخرة عن مقتله. وأعتقد أنه إنما يسّرها لمصلحة الأجيال. وإلا فإن الحسين أجلّ من أن تناله الفائدة منها بقليل ولا بكثير. وإن كنا نقول: إنها تصلح أن تكون جزاءً له على تضحيته، لمدى أهميتها البالغة كما سنعرف. إلا إنها دنيوية أي حاصلة في الدنيا، والحسين لم يقصد في تضحيته أي شيء من أمور الدنيا، مما قل أو كثر يقيناً. وإنما حصلت لأجل مصلحة هداية الآخرين لا أكثر. ونستطيع أن نعدّ منها الأمور التالية:
الأمر الأول: إن الإمامة في ذريته، لا في ذرية الحسن أخيه.
الأمر الثاني: حسن الظن به خلال الأجيال، ابتداءً من قاتليه أنفسهم، إلى الأجيال المتأخّرة عنه إلى يوم القيامة، حتى في ضمائر الأعداء وغير المسلمين؛ ولذا نسمع قاتله يقول للحاكم الأموي، بعد انتهاء الواقعة، على ما ورد:
املأ ركابي فضّةً وذهبا إني قتلتُ الفارسُ المحجَّبا
قتلتُ خيرَ الناسِ أمّاً وأباً
الأمر الثالث: تأثير تضحيته الجسيمة في هداية الناس وتكاملهم إيمانيّاً، كلٌ حسب استحقاقه، في أي مكان وزمان وجِد الفرد إلى يوم القيامة. أو مهما كانت نقطة بدايته، حتى لو كان كافراً، بل حتى لو كان معانداً أحياناً.
الأمر الرابع: هذه الحرارة التي في قلوب المؤمنين من محبيه، والتي أشرنا إليها
ــــــ[86]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
في ما سبق. والتي أوجبت تزايد ذكراه، وتزايد اللوعة على ما أدّاه من تضحيات، وما عاناه من بلاء.
الأمر الخامس: إن ذكر أي معصوم غير الحسين، بما فيهم النبي وعلي، في أي مجلس من مجالس محبيه، وفي أي مناسبة للحديث، سواء كانت مأتماً أو خطبةً أو موعظةً أو غيرها، فإنها لا تكاد تكون تامّة ولا مرضيّة للقلوب، ما لم تقترن بذكر الحسين، والتألّم لمصابه.
الأمر السادس: البكاء عليه لدى محبيه جيلاً بعد جيل، وإقامة المآتم والشعائر عليه (سلام الله عليه)، وهذا هو الذي ذكره بعض الناس كهدف مستقل كما ذكرنا. وهو إنما يصلح كنتيجة طبيعية، وَفَّقَ الله سبحانه وتعالى محبيه إليها؛ لأجل مصلحتهم وهدايتهم. وسنتكلم عنها في المستوى الآتي من الحديث بعونه سبحانه، لنفهمها بشكل أوضح.
[جوانب معركة الحسين مع الاستبشار أو الحزن]
المستوى الثالث: الحديث عن البكاء عليه وإقامة المآتم لذكرى مصابه. وهنا ينبغي لنا أن نقول: إن في قضية الحسين جانبين مهمين، لا يكاد أحدهما أن يكون أقلّ أهمّية من الآخر:
الجانب الأول: جانب النعمة والرحمة، بهذا التوفيق الإلهي العظيم للحسين وأصحابه وأهل بيته، بهذه المقامات وهذا الثواب الجزيل والعطاء الهنيء، وهذا الجانب يقتضي الفرح والاستبشار لا الحزن والتألّم، بل كلما كان البلاء
ــــــ[88]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الدنيوي أكثر، كان الثواب الأخروي والقرب الإلهي أكثر، فيكون الاستبشار أكثر.
وهذا ما ورد فعلاً عن بعض أصحابه المقاتلين معه، أنه قال أحدهم: «عمّا قليل سنعانق الحور العين». وقال آخر: «ليس بيننا وبين الجنة إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم». وهم يعلمون أنهم سيعانون الجرح والقتل والبلاء الصارم. ومن ذلك قول الشاعر يصف العباس أخا الحسين، وقد حارب معه وأبلى بلاءً حسناً وعظيماً، قال الشاعر:
عبست وجوه القوم خوف الموت والعباس فيهم ضاحك يتبسم
ومنه: قول علي بن الحسين (الأكبر)، في ما ورد عنه: “لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا”، يعني ما دمنا على الحق، كما ورد في أول الرواية. وعدم المبالاة يعني عدم الحزن والتألّم لهذا البلاء النازل. وإنما هو الصبر بإيمان والجَلد بيقين، بل الاستبشار برحمة الله ورضوانه. وإذا كان غير المعصومين يحسّ بذلك، فكيف بالمعصومين ومنهم الحسين نفسه! وإذا كان أصحابه وذووه ممن تحت ذلك البلاء العظيم نفسه، لا يشعرون بالحزن والألم النفسي، بل بالاستبشار فكيف ينبغي أن يكون حال مَنْ سواهم من الناس مِنْ محبين وأولياء!
الجانب الثاني: جانب الحزن والألم لما أصاب الحسين، وأهل بيته وأصحابه ونسائه، من بلاء وقتل وتشريد وسبي وإذلال. وهي حادثة بمجموعها تُعتبر أعظم ما وقع من البلاء الدنيوي، على أي مجموعة أخرى من البشر، خلال التاريخ البشري الطويل. ومن هنا كان ردّ فعلها المأساوي أعظم وأجلّ من كل حادثة أخرى في العالم، مماثلة أو غير مماثلة. ومن هنا قال الشاعر عنها:
ــــــ[89]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وفجائع الأيام تبقى فترة وتزول وهــــي إلى القيامة باقـــية
وكِلا هذين الجانبين المشار إليهما، ناجزان فعلاً في حادثة الحسين. ويحتوي كل منهما على نقطة قوّة ونقطة ضعف، ينبغي أن نلاحظهما؛ لكي نعرف القيمة الحقيقيّة لكل منهما أولاً. ولماذا اختير الجانب الثاني المأساوي في هذا الصدد؟
ولكل نقطة قوّة في أحدهما، يقابله نقطة ضعف في الجانب الآخر. فنقطة القوّة في الجانب الأول: هو كونه جانباً أخروياً محضاً، تقابله النقطة في الجانب الآخر، وهو كونه جانباً دنيوياً. لوضوح أن البلاء الذي عاناه الحسين ومن معه بلاء دنيوي خالص، لا يشوبه بلاء أخروي إطلاقاً، بل له في الآخرة أعلى المقامات وأرفع الدرجات. ونقطة القوة في الجانب الثاني كونه سبباً لتربية المجتمع، تربية صالحة ومؤكدة، أكثر من الجانب الأول بكثير. ذلك المجتمع المتربّي في حالته الاعتيادية على العواطف الشخصية والأسرية والدنيوية عموماً. إذن فمن المصلحة توجيه هذه العواطف إلى وجهة صالحة ومربّية. فكما يبكي المؤمن على ولده أو والديه، فليبك على الحسين وأصحابه؛ لينال في الآخرة ثواباً، ويقيم للدين شعاراً. ومن هنا يكون توجيه البكاء والحزن للمؤمنين نحو الدين ونتائجه الطيبة، أكثر بكثير مما يوجبه الفرح والاستبشار، المشار إليه في الجانب الأول.
مضافاً إلى أن الفهم العام لأيّ شيء، بما فيها واقعة الحسين، إنما هو ظاهرها الدنيوي، وليس واقعها الأخروي، فكان من الأفضل توجيه الناس إلى ما يفهمون، والاستفادة لهم بمقدار ما يدركون.
ومن هنا ورد عن الشريعة المقدسة، وقادتها الأوائل بشكل متواتر، لا يقبل
ــــــ[90]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الشكّ: الحث على البكاء على الحسين وحادثته المروعة. وكان الطعن في ذلك، ومناقشته بقصد مخلص أو مغرض، ناشئاً من خطأ فاحش لا يغتفر.
فمن أمثلة ما ورد: إن النبي بكى على الحسين عند ولادته. وأن أمير المؤمنين ذكر واقعة الطف، وأنه نظر إلى كفّي ولده العباس، وتنبأ بأنهما يقطعان في تلك الواقعة. وأن الإمام الحسن حين كان على فراش الموت مسموماً، سمع أخاه الحسين يبكي عليه، فقال له: “أتبكي عليّ أم أنا أبكي عليك. لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، فان لك يوماً أعظم من هذا اليوم”.
وأما الإمام زين العابدين علي بن الحسين، فقد أصبح أحد الخمسة البكّائين من البشر. وهم: آدم ويعقوب ويوسف والزهراء وهو (سلام الله عليهم أجمعين). وذلك لكثرة بكائه على أبيه (سلام الله عليه)، في زمن صعب، كان يعيشه من حال المطاردة والتقية، فكان لا يمكنه الدعوة إلى حقّ أبيه، وإعلان الاهتمام به إلا بالبكاء, ومن هنا كان من البكائين, حتى كان يخلط طعامه وشرابه بالدموع.
وأما قصيدة دعبل (رحمة الله عليه) التي قرأها على الإمام الرضا، فبكى لها، وجمع العلويات خلف الستر؛ لكي يسمعن ويبكين، فهي رواية أشهر من أن تذكر. وفيها يقول دعبل:
أفاطمُ لو خِلْتِ الحسينَ مُجَدَّلاً وقدْ ماتَ عطشاناً بشَطِّ فراتِ
إذن لَلَطَمْتِ الخدَّ فاطمُ عندَهُ وأجْرَيْتِ دمْعَ العَينِ في الوَجَناتِ
وحسب فهمي أنه لمدى تأثير البكاء في النفوس أولاً، وفي الإعلام ثانياً، وفي التربية ثالثاً، حصلت هناك من المعصومين (سلام الله عليهم) عدّة أمور، مما اقتضى
ــــــ[91]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
التركيز عليها:
منها: أنه بكى رسول الله بعد موت أولاده. كما ورد عنه أنه قال: “يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يغضب الرب”.
ومنها: إن الإمام الباقر كما ورد: أوصى بمال يصرف من ثلثه في نوادب يندبنه في عرفة، عند الحجّ عشر سنوات.
ومنها: إن نساء الحسين، من قريبات وبعيدات بقين على حالة الحزن والبكاء المتواصل، وترك الراحة والهدوء عدّة سنوات. حتى حصلت حركة المختار الثقفي، الذي حاول قتل المعتدين من قتلة الحسين وأصحابه في الطف.
ومنها: إن الدعاء الموسوم بالندبة، إنما هو إشعار للنفس بالحزن العميق لغيبة الإمام المهدي. فلماذا الحزن إذا كان في غيبته حكمة إلهية وتسبيب لانتصاره يوم ظهوره؟ وما ذلك إلا أن البكاء شكل من أشكال التربية، وشكل من أشكال الإعلام.
ولنسمع في ما يلي فقرات من دعاء الندبة هذا، لنجد التركيز فيه على الحزن العميق: “ليت شعري أين استقرت بك النوى، بل أيّ أرض تقلّك أو ثرى، أبرضوى أو غيرها أم ذي طوى، عزيز عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيز عليَّ أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى… هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء، هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا… هل قُذِيَتْ عين فساعدتها عيني على القذى، هل إليك يا بن أحمد سبيل فتُلقى، هل يتّصل يومنا منك بغده فنحظى… الخ”. هذا، وسيأتي مزيد إيضاح وتفصيل حول هذه الفكرة بعون الله تعالى.
ــــــ[92]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

أسئلة حول شخص الحسين

نثير فيما يلي عدداً من الأسئلة عن بعض الجوانب العامة من واقعة كربلاء، مما يرتبط بشخص الحسين جهد الإمكان، بصفته الشخص الرئيسي والأهم هناك. وكذلك بصفته الشخص الوحيد المعصوم المطّلع على الواقعيات فيهم. نثير هذه الأسئلة لكي نستفيد من أجوبتها تاريخياً ومعنوياً:
السؤال الأول: [هل بقي الحسين وحيداً -معنوياً- ولماذا طلب الناصر؟]
لا شكّ أن الإمام الحسين، قد حصل تاريخياً -أنه- بعد أن قُتِل أصحابه وأهل بيته، بقى وحيداً فريداً بين الأعداء، لا يجد له ناصراً ولا معيناً. فهل شعر بذلك من الناحية المعنوية؟
جوابه: النفي بطبيعة الحال؛ لأنه يشعر أنه مع الله، ومن كان مع الله كان الله معه، وقال تعالى: إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(1). وقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ(2)، وما دام الحسين مع الله سبحانه، إذن، لا يهمّه أن يكون أحد من الخلق معه على الإطلاق.
ــــــ[93]ـــــــ
( ) محمد: 7.
(2) البقرة: 152.
أضواء على ثورة الحسين
وقد يخطر في البال: أن هذا الذي قلناه ينافي ما ورد عنه، أنه قال في ذلك الحال: “هل من ناصر ينصرنا، هل من معين يُعيننا، هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله”. وهذا يدلّ على أنه طلب النصرة من الآخرين على أي حال.
وهذا هو الفهم العام بكل تأكيد لهذه العبارة، من كل من جعل الدنيا مبلغ علمه، وأقصى همّه، وغاية تفكيره.
وهو لا شك يحتوي على سوء فهم فضيع لهذه العبارة، فإن الحسين إنما قالها لا لأجل نفسه، وحاشاه أن ينظر إلى غير الله عزّ وجلّ، وهو الذي روي أنه استشهد ببعض الأبيات، مما سمعناه في ما سبق:
تركت الخلق طرّاً في هواكا وأيتمْتُ العيالَ لكي أراكا
ولو قطَّعْتَني في الحبِّ إرباً لما مالَ الفؤادُ إلى سوِاكا
والمهم أن هذا الأمر شعر به عدد لا يستهان به من الناس طول التاريخ، ممن لا يتصف بالعصمة، فكيف حال المعصوم نفسه. وإنما نتخيل نحن غير ذلك؛ لأننا لا نفهم مستوى المعصوم، ولا يخطر في بالنا ما يمكن أن يكون عليه تجاه الله عزّ وجلّ. وإنما طلب الناصر من قِبَله، كان لفائدة الآخرين بلا شكّ، ولكنه اتخذ حاله تلك سبيلاً للنطق بتلك التعبيرات، حتى لا يضع كل موعظة في غير محلها، ولكي يتكلّم مع الناس على قدر عقولهم.
وما يمكن أن يُتصوَّر من فوائد لهذه الجملة، عدة أمور:
الأمر الأول: طلب الناصر ممن يولد ويوجد خلال الأجيال، ليكون محبّاً للحسين، سائراً في طريقه، مضحياً في سبيل دينه، بمقدار ما يقتضيه حاله.
ــــــ[94]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وكل من كان كذلك في أيّ زمان ومكان فقد أجاب الحسين للنصرة.
الأمر الثاني: طلب الناصر من البشر الموجودين في ذلك العصر، وتذكيرهم بمسؤوليتهم الكبرى المباشرة في الذبّ عن إمامهم المعصوم أمام الله عزّ وجلّ. وذلك يكون موازياً لمضمون ما ورد من أن: “من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبّه الله على منخريه في النار”.
الأمر الثالث: طلب الناصر من الجيش المعادي الواقف أمامه في ذلك الحين. وذلك لنتيجتين: لأنهم كلهم حين يسمعون ذلك، فإما أن يستجيب منهم أحد أو لا، فإن لم يستجيب كان هذا النداء حجّة عليه، وقهراً له في الآخرة، وتركيزاً لأهمّية عقابه. وإن استجاب بعضهم كان ذلك النداء رحمة له، وسبباً لتوبته وهدايته، كما تاب الحرّ الرياحي (رضوان الله عليه) ساعتئذ، وأثّر هذا النداء في نفسه تأثيره الصحيح.
ويكفينا أن نتصور: لو أن عدداً مهماً من الجيش المعادي قد التحق بالحسين، أو التحق الجيش كلّه، كيف سيكون حال التاريخ الإسلامي عندئذ؟ ولكنهم على أي حال لم يكونوا يستحقون التوبة، ولا الرجوع عن الحوبة، قبّحهم الله.
ولا ينبغي أن يخطر على البال: إنه من خطل القول طلب النصرة من الأعداء مباشرة، ولم يحصل مثل ذلك خلال التاريخ البشري.
وجوابه: إن ذلك منطلق من عدّة أسس، لا يمكن أن تكون موجودة في غير الحسين:
ــــــ[95]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الأساس الأول: إنهم جميعاً يعلمون شأنه العظيم، وقربه إلى الرسول، وفاطمة الزهراء، وأنه سيّد شباب أهل الجنة، وغير ذلك مما لا يخفاهم أجمعين.
الأساس الثاني: إن التعاليم العسكرية في ذلك الحين، لم تكن متزمتة وصارمة ودقيقة، مثل ما عليه هذا اليوم، بل كان كل فرد من الجيش له رأيه وتفكيره وتصرفه، كشخص اعتيادي تماماً. ومن هنا أمكن للحسين أن يتكلّم معهم كأفراد أو كبشر، بغض النظر عن موقفهم العسكري.
الأساس الثالث: إن عامة هؤلاء الموجودين ضدّه، ليسوا أعداء له بأشخاصهم، بل العدو الحقيقي ليس إلا الحاكم الأموي، ثم المأمورون الأساسيون في الجيش كعبيد الله بن زياد، الذي كان حاكم الكوفة يومئذ. وعمر بن سعد الذي كان القائد العام للجيش المعادي للحسين، وأضرابهم. أما الباقون فهم مجلوبون بأسباب عديدة، أهمّها: الخوف والطمع، وليسوا أعداء حقيقيين. ولذا قال قائلهم: «قلوبنا معك وسيوفنا عليك». ولذا صحّ للإمام الحسين طلب النصرة منهم؛ لأجل مصلحتهم، لعلّهم يتوبون أو يذَّكرون.
السؤال الثاني: [هل كان يدافع عن عصبية وعنصرية؟]
هل كان الإمام الحسين يدافع عن عصبية أو عنصرية، من عشيرة أو جنس أو لغة أو غير ذلك، أو كان يختصّ دفاعه إلى جانب الدين الحنيف؟
ولعل هناك من محبّيه وأعدائه على السواء، من يعتقد أنه كان يدافع عن عنصرية أو قبلية، وحاشاه. ومن هنا جاء أمثال قول الشاعر:
قوّضي يا خيامُ عليا نزارٍ فلقد قُوِّضَ العمادُ الرفيع
ــــــ[96]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
واملئي العينَ يا أميةُ نوماً فحسينٌ على الصعيدِ صريعُ
وهو واضح بأن الحرب كانت بين (نزار) المتمثل بالحسين، وأميّة المتمثل بيزيد بن معاوية. إذن, فالحرب قبلية وعنصرية، وليست دينية. ونلاحظ مع شديد الأسف: أن هذا الشاعر يشعر أنه محب للحسين، وأنه مدافع عن قضيته، وأنه ممن يثير الأسى من أجله، هكذا بالباطل تماماً مع شديد الأسف. فالبكاء ينبغي أن يكون على اعتقاد هذا الشاعر، قبل أن يكون على مقتل الحسين!!..
مع أنه لا يوجد على الإطلاق في التصريحات التي قالها الحسين وأصحابه قبل الواقعة أو فيها، ما يدلّ على ذلك أو ما يُشَمُّ منه ذلك من قريب أو بعيد. يكفينا الآن أن نتحدّى أيّ واحد من البشر، أن يأتينا بنقل موثوق واحد عنهم (رضوان الله عليهم)، دالّ على ثبوت هذه العصبية في نفوسهم، فإذا لم يأتنا أحد بذلك، كفى ذلك حجّة على ما نقول.
وأما في هذه العُجالة، فينبغي أن نستدلّ ببعض النصوص، الدالّة على أن الدفاع كان عن الدين وعن شريعة سيد المرسلين.
مضافاً إلى وضوح هذه الفكرة، وهي أنهم لو كانوا يدافعون عن عصبية أو قبلية، لما كانت لهم جنّة، ولذهبوا إلى النار جميعاً، ولما أيّدهم وبكى من أجلهم رسول الله، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، وزين العابدين، والإمام الرضا، وغيرهم من أولياء الله. فتأييدهم لهم دليل قطعي على صحّة هدفهم وقصدهم في شهادتهم تلك. مضافاً إلى ما ننقل الآن من بعض تصريحاتهم:
أنشد الحسين خلال بعض حملاته:
ــــــ[97]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
“أنا الحسينُ بنُ علي آليــــتُ أن لا أنثنـــــــــي
أحمـــــــي عيالاتِ أبي أمضي على دينِ النبي”
وحمايته للعيال على القاعدة؛ لأنه مسؤول عن حمايتهم من الأعداء ما دام حياً، وهم نساء وأطفال عُزّل. وليس هذا من باب التعصب.
وأنشد علي بن الحسين (الأكبر) في بعض حملاته ضدّ الأعداء:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن -وبيتِ الله- أولى بالنبي
والله لا يحكمُ فينا ابنُ الدعي أطعنُكم بالرمْحِ حتّى ينثني
أضرُبكم بالسيف أحمي عن أبي ضرْبَ غـلامٍ هاشمي علوي
وكونه هاشمياً لا يعني كونها قضية يجب الدفاع عنها، وإنما الهاشميون متصفون بصفات خاصّة محجوبة عن غيرهم، كالعزّة الاجتماعية والشجاعة والخبرة في فنون الحرب.
كما أنشد العباس بن علي عدّة مرات في حملاته ضد الأعداء، منها قوله:
لا أرهب الموتَ إذا الموت زقا حتى أوارى في المصاليتِ لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهرِ وِقا إني أنا العباسُ أغدو بالسِّقا
ولا أخاف الموت يوم الملتقى
وقوله بعد قطع يمينه:
والله إن قطعتموا يميني إني أحامي أبداً عن ديني
وعن إمامٍ صادقِ اليقين نجْلِ النبي الطاهر الأمين
ــــــ[98]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وقوله بعد قطع يده اليسرى:
يا نفسُ لا تخشَيْ من الكفارِ وابشري برحمة الجبّارِ
مع النبيِّ المصطفى المختارِ قد قطعوا ببغْيِهم يساري
فأصلِهِم يا ربِّ حرَّ النارِ
وقوله (رضوان الله عليه) عند إعراضه عن شرب الماء:
يا نفسُ من بعد الحسين هوني وبعدَه لا كنتِ أن تكوني
هذا الحسينُ وارد المنون وتشربين باردَ المعينِ
تالله ما هذا فعال ديني
وخطب زهير بن القين (رضوان الله عليه)، وهو أحد مبرّزي أصحاب الحسين، وقال في خطبته: “إن الله ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون. إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد”.
وخطب برير بن خضير (رضوان الله عليه) أيضاً فقال: “يا معشر الناس: إن الله بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً. وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله أفجزاء محمد هذا؟!..”.
وخطب الحرّ الرياحي بعد توبته مخاطباً الجيش المعادي. وقال في ما قال: “يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، إذ دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه. وزعمتم إنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه… الخ”.
وأنشد وهب بن عبد الله بن خباب الكلبي خلال حملته أبيات، يقول فيها:
ــــــ[99]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إن تنكروني فأنا ابن وهب إني زعيمٌ لك أمَّ وَهْـــــــب
بالطعْنِ فيهمْ مُقدماً والضرْبِ ضرْبَ غلامٍ مؤمنٍ بالربِّ
وأنشد حبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه) في مثل ذلك. وهو من مبرّزي أصحاب الحسين:
إني حبيبٌ وأبي مظاهرُ فارسُ هيجاءٍ وحربٍ تسعرُ
أنتم أعدُّ عدةً وأكثرُ ونحنُ أوفى منكمُ وأصبرُ
ونحن أعلى حجَةً وأظْهرُ حقاً، وأنقى منكمُ وأعـذرُ
وأنشد نافع بن هلال الجملي في مثل ذلك. وهو أيضاً من مبرّزيهم:
أنا الغلامُ اليمنيِّ الجملي ديني على دينِ حسينٍ وعلي
إن أقتل اليومَ فهذا أملي وذاك رأيي وألاقي عملي
وأنشد جون مولى أبي ذر الغفاري، وهو عبد أسود:
كيف ترى الكفارُ ضرْبَ الأسْودِ بالسيفِ ضرْباً عن بني محمّدِ
أذبُّ عنهم باللسان واليدِ أرجو به الجنةَ يوْمَ الموْردِ
وأنشد عمرو بن جنادة في مثل ذلك:
أميري حسينٌ ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير
عليٌّ وفاطمةٌ والداه فهل تعلمون لهُ من نظير
له طلعةٌ مثل شمس الضحى له غرَّةٌ مثل بدرٍ منير
وانشد الحجّاج بن مسروق الجعفي:
أقدم حسين هادياً مهديا اليوم ألقى جدك النبيا
ــــــ[100]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ثم أباك ذا الندى عليا ذاك الذي نعرفه الوصيا
إلى غير ذلك من النصوص. وفي ما نقلناه الكفاية لوضوح الفكرة، وهو تسالم الحسين وأصحابه على خدمة الدين، ونصر سيد المرسلين.
هذا وينبغي أن نلتفت إلى أن مقصد هذا المعسكر الشريف وإن كان ذلك. إلا أن مقصد المعسكر المعادي لا نحاشيه من كل عنوان زائف، وقصد دنيوي هزيل، بما فيها العصبية والعنصرية والتعصّب الأعمى. حتى لعلّ المعاندين منهم كانوا ينظرون إلى الحسين بهذه الصفة وحاشاه.
السؤال الثالث: [هل حصل له الذل في واقعة الطف؟]
السؤال الثالث من الأسئلة العامّة حول الحسين: هل حصل للحسين وأصحابه الذلّ والمهانة في واقعة كربلاء؟
هناك بلا شكّ من يعتقد ذلك على أيّ حال، ومنه جاء قول الشاعر:
ويصيح واذلّاه أين عشيرتي وسراة قومي أين أهل ودادي
وحاشاه (سلام الله عليه). وليس هذا إلا من الكذب على المعصومين (سلام الله عليهم)، فيكون من أشد المحرمات، بل هو لا ينوي ذلك في قلبه، فضلاً عن أن يقوله، فضلاً عن أن يصيح به، كما يزعم هذا الشاعر. وفي مقابله قول الشاعر:
فأبى أن يعيش إلا عزيزاً أو تجلى الحتوف وهو صريع
بل القول بالذلّة مخالف للقرآن الكريم الذي يقول:
ــــــ[101]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(1). والحسين كان في زمانه ولا زال إمام المؤمنين، وأولى المؤمنين بصفات الإيمان. ومن هنا جاء قوله في بعض خطبه، ذاكراً طلب الحاكم الأموي للبيعة: “ألا إن الدعيَّ ابن الدعيِّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وأرحام طهرت، على أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”.
وهو واضح جداً بالاعتزاز بالإيمان، والصمود في جانب الحق. وليس هذا من التكبر الباطل في شيء، وإنما هو من الاعتزاز بالله ورسوله. حسبنا أن نسمع قوله: “من أراد عِزّاً بلا عشيرة، وهيبة من غير سلطان، وعزاً من غير مال، وطاعة من غير نبل، فليتحول من ذلّ معصيته إلى عِزّ طاعته، فإنه يجد ذلك”. وكذلك قوله: “فأولياؤه بعزّته يعتزّون”، وليس لهم كبرياء مستقلة عن كبرياء الله عزّ وجلّ. ولا شكّ أن الحسين وأصحابه من خيرة من يكون مصداقاً وتطبيقاً لهذه النصوص.
بل هو العزيز في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فلصموده وصبره، وأمّا في الآخرة فللمقامات العُليا التي ينالها بالشهادة.
نعم، لا شكّ أن المعسكر المعادي وقادته أرادوا إذلاله، وحاولوا إهانته. وهذا أكيد، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل؛ لأن الذلّة الحقيقية إنما تحصل لو حصلت المبايعة للحاكم الأموي والخضوع له، تلك هي الذلّة التي تجنبها الحسين بكل جهده، وضحّى ضدها بنفسه. وأمّا الصمود في ساحة القتال فلن يكون ذلّة، لا في نظر أصدقائه ولا في نظر أعدائه ولا في نظر ربه جلّ جلاله.
ــــــ[102]ـــــــ
( ) المنافقون:8.
أضواء على ثورة الحسين
وهنا قد يخطر في البال: أن قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّـهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ(1) دالّ على حصول الذلّة لجيش النبي في واقعة بدر.
وإذا صحّ وصف جيش النبي بذلك، صحّ وصف غيره بطريق أولى.
فلماذا نتحاشى عن وصف الحسين وجيشه بالذلّة؟
وجوابه: إن الآية الكريمة غير داّلة أصلاً على ثبوت الذلةّ، بمعنى المهانة للنبي وجيشه. ولو دلّت على ذلك؛ لوجب تأويلها بما يناسب الحال. شأنها في ذلك شأن الظواهر القرآنية، التي دلّ الدليل على عدم إمكان التعبد بظاهرها. وذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن المنظور هو الذلّة بالمعنى العرفي، يعني أن الانطباع هو ذلك، بغض النظر عن الإحساس به، وذلك مثل قوله تعالى: وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ(2). وهذا تعبير عن انطباع معين، يمكن التعبير عنه بالذلّة مجازاً، بعد النظر إلى قلّة المسلمين وضعفهم، تجاه عدد الكفار وعدتّهم وجبروتهم.
الوجه الثاني: إن المنظور في الآية الكريمة هو الذلّة لولا العناية الإلهية، وبالاستقلال عنها، وإلا فمن غير المحتمل حصول الذلّة مع وجود تلك العناية. ولا شكّ أن تلك العناية موجودة باستمرار مع طرف الحقّ، سواء كان الرسول أو الحسين، أو أي شخص آخر مهمّ دينياً أو إلهياً.
ــــــ[103]ـــــــ
( ) آل عمران: 123.
(2) الأنفال: 26.
أضواء على ثورة الحسين
الوجه الثالث: إن الآية الكريمة وإن صرّحت بالذّلة، إلا أنها لم تصرّح بمن يكونون أذلّاء أمامه. فلو تصوّرنا أنهم أذلّاء أمام الأعداء، لورد الإشكال. ولكن يمكن أن نفهم أن المراد كونهم أذلاء أمام الله عزّ وجلّ، ونجعل التبشير بالنصر كقرينة متّصلة على ذلك، يعني: أنه إنما نصرهم؛ لأنهم كانوا أذلّاء أمامه، وخاشعين له ومتوسلين به. إذن, فالآية الكريمة لا تدلّ بحال على تحقق الذلّة الفعلية لطرف الحقّ أينما كان. ولو دلّت على ذلك؛ لتعارضت مع الآيات الأخرى جزماً، كقوله تعالى: وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(1). فتكون هذه الآيات أولى بالصحّة، ويكون من الواجب تأويل تلك الآية الكريمة. وإذا تنزّلنا جدلاً عن التأويل، أمكن تساقط دلالتها مع دلالة الآيات الأخرى. ومعه لا يبقى دليل على وجود الذلّة.
السؤال الرابع: هل اهتمّ الإمام الحسين بعياله؟
هذا ما يؤكّد عليه الخطباء الحسينيون كثيراً. ولكنني أعتقد أنه أمر لا ينبغي المبالغة فيه إطلاقاً، بل يجب أخذه من أقلّ زاوية، وأضيق نطاق.
فإنه لو أراد الاهتمام الحقيقي بعياله، كما يعتني أهل الدنيا بعوائلهم، ويحرصون عليهم، إذن لكان الأولى به أن يعمل أحد أمور:
أولاً: أن يبايع الحاكم الأموي؛ لينال الدنيا وأموالها وزخارفها، ويرتاح هو وأهله وعياله فيها خير راحة، بغضّ النظر عن الآخرة، أعوذ بالله من ذلك.
ــــــ[104]ـــــــ
( ) المنافقون: 8.
أضواء على ثورة الحسين
ثانياً: إن كان هو يريد عدم البيعة، فليخرج بهم إلى اليمن، أو غيرها من بلاد الله؛ ليكونوا سعداء مرتاحين هناك.
ثالثاً: إن كان لا يريد ذلك، فليتحمّل القتل في المدينة المنورة، ولا حاجة إلى أن يخرج إلى العراق؛ لكي يكون هو المقتول ولا يكون على عياله من بأس.
وقد ورد عنه: “إنهم يطلبونني وحدي. ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري”.
رابعاً: إن كان يريد الخروج إلى الكوفة، فليدع عياله في المدينة مرتاحين في طيب العيش، حتى يصل إليهم تارة أخرى، أو يصل إليهم خبر مقتله.
وهنا قد يخطر في البال: أنه أخذ عياله معه؛ لأجل قيامهن بالخدمات الاعتيادية في الأسرة، كتقديم الطعام وغسل الثياب.
وجوابه: إن هذا من خطل القول، فإن هذه المهمّة يمكن أن تكون موكولة إلى بعض الرجال المرافقين له. كما يمكن استئجار نساء اعتياديات يقمن بها. ولا تكون هذه المهمّة مبرراً لاصطحاب النساء الجليلات معه، كزوجاته وبناته وأخته وغيرهن من الهاشميات. إذن فتعريضه لهن للتعب والسهر أولاً، وللسبي ثانياً؛ إطاعة لله عزّ وجلّ حين: “شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا”، ولكثير من المصاعب الأخرى، دليل صريح على أنه لم يهتم بهم الاهتمام الدنيوي المتوقع من أيّ واحد من أهل الدنيا. أما أنه لماذا أخذ عياله معه؟ فهذا ما سنجيب عليه في سؤال آتٍ.
نعم، ينحصر الاهتمام بالعيال بمقدار الضرورة، وقد فعل ذلك (سلام الله
ــــــ[105]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
عليه)؛ وذلك لأنه هو المسؤول الحقيقي والرئيسي عنهم أمام الله سبحانه، فلا يمكنه التخلّي عن وظيفته الشرعية تجاههم. وذلك في عدة أمور:
الأمر الأول: حماية العيال من الأعداء ما دام حيّاً. ولذا ورد عنه:
“أحمي عيالات أبي أمضي على دين النبي”
وقد ورد عنه أيضاً مخاطباً الجيش المعادي: “أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا جُهّالكم وعتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً”. إذن فهو عملياً كان يفديهم بنفسه.
الأمر الثاني: الاعتناء بشؤونهم بعد وفاته. ومن هنا ورد أنه أوصى إلى أخته الحوراء زينب بنت أمير المؤمنين، أن تقوم بهذه المهمّة، حين كان ولده الإمام السجاد مريضاً، لا يستطيع أن يقوم بشيء. وقد قامت (سلام الله عليها) بمهمّتها خير قيام.
الأمر الثالث: العناية الدينية بهم في الدنيا والآخرة. وخاصّة وهو يعلم أنهم مُقبِلون على بلاء لا يكادون يطيقونه، وهو حالهم بعد مقتله. ومن هنا وردت بعض التعليمات عنه، ولعلّ له تعليمات كثيرة لم تُنقل في التاريخ. فمن ذلك قوله: “إذا أنا قُتِلت يا أخية أقسم عليك فأبرّي قسمي فلا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تشقّي عليَّ ثوباً، ولا تدعي بعدي بالويل والثبور”.
هذا، ومع ذلك يبقى السؤال المهم عن العيال، وهو أنه لماذا أخذهم معه؟ أو قل: لماذا شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا؟ كما ورد عنه. وهذا ما نجيب عليه ضمن السؤال الآتي:
ــــــ[106]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
السؤال الخامس: لماذا أخذ عياله معه؟
وجوابه: إننا في حدود تصوّرنا الممكن لنا، يمكننا أن نحدّد ونعدد عدّة مصالح حقيقية ومهمّة لذلك، نوجزها فيما يلي:
أولاً: إنه أخذهم امتثالاً لأمر الله سبحانه؛ لأنه هو الذي أمره بذلك. وهذا صحيح أكيداً، ومن شواهده تلك العبارة الواردة: “شاء الله أن يراهن سبايا”. ولكننا إذا أردنا الغرض من الحكمة الإلهية في ذلك، وأن الله سبحانه لماذا أمره بذلك، لم نجد في هذا السبب وجهاً كافياً، فنعود إلى الوجوه الأخرى التالية.
ثانياً: إنه أخذهم معه؛ ليشاركوه في نيل الثواب العظيم المذخور لشهداء كربلاء، كلٌ منهم بمقدار استحقاقه، فلماذا يكون الثواب حكراً على الرجال دون النساء! ولماذا يكون له منه حصّة الأسد، ويحرم الباقون! بل الثواب ينبغي أن يوزّع على أوسع نطاق ممكن، وهكذا كان.
ثالثاً: إنهم جاءوا معه بطلب منهم، وقد استجاب لطلبهم، فأخذهم معه. وقد جاء هذا الطلب؛ حبّاً له وشوقاً إليه واستيحاشاً من فراقه، وليس كل ذلك أمراً دنيوياً فحسب، بل هو كذلك بصفته إمامهم وقائدهم وولي الله بينهم. مضافاً إلى توقعهم نيل الثواب معه، كما أشرنا في الوجه السابق.
رابعاً: إنهم جاءوا معه أو أنه أخذهم معه، بحسب الحكمة الإلهية؛ ليكملوا ثورة الحسين بعد مقتله، كما حصل ذلك على أفضل وجه. وذلك بأن يكونوا ناطقين أمام المجتمع بأهداف الحسين، وأهمّية مقتله، والإزراء بأعدائه. ويمارسوا الإعلام الواسع حينما لا يكون الرجال قادرين على ذلك، بعد موتهم واستئصالهم.
ــــــ[107]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وهذا الإعلام كان ضرورياً للمجتمع تماماً، وإلا لذهبت حركة الحسين في طي النسيان والكتمان، ولما أثّرت أثرها البليغ في مستقبل الدهر. فكان من الضروري في الحكمة الإلهية وجود النساء معه؛ لكي يُعبِّرن عن الحسين ويدافعن عنه بعد مقتله.
ومن هنا “شاء الله أن يراهنّ سبايا”. لأن هذا السبي، دليل عملي قاطع على فظاظة أعدائهم، وما يتصفون به من القسوة واللؤم، وعدم العناية بالدين، وهذا وحده يكفي للإعلام إلى مصلحة الحسين، فضلاً عن غيره.
وهذا التعريف المتأخّر عن ثورة الحسين، ليس لأجل مصلحة الحسين نفسه، ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه، لأنهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله من المقامات العالية في الدار الآخرة. وإنما هذا الإعلام أراده الله سبحانه؛ لأجل الناس وهداية المجتمع. فما يُقال: من أنه إكمال لثورة الحسين، يُراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة.
وهذا التعريف كما يصلح أن يكون تبكيتاً وفضحاً لأعداء الحسين في كل جيل، ودعّاً عن التفكير في مثل هذه الجريمة النكراء، لكل حاكم ظالم على مدى التاريخ. كذلك يصلح لهداية الناس نحو الحسين، وبالتالي نحو دين الله عزّ وجلّ، ونحو أهداف الحسين الإلهية، وبالتالي نحو طاعة الله عزّ وجلّ، والتربية الصالحة في إطاعة الدين، وعصيان الشهوات، والتمرد على كل ظلم وفساد، سواء كان في المجتمع أو في النفس الأمارة بالسوء.
فهذا هو الجواب على السؤال الرئيسي الرابع: هل اهتمّ الحسين بعياله؟
ــــــ[108]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
السؤال السادس: هل اغتمّ الحسين، وحزن لوقوع هذا البلاء العظيم عليه وعلى أهل بيته وأصحابه؟
لعل من الواضح الجواب بالنفي لعدّة اعتبارات:
منها: إن الحزن والبكاء فيه إشعار بالاعتراض على الله سبحانه وحاشاه.
ومنها: إن الحزن والبكاء ناتج من ضعف التحمل وقلة الصبر وحاشاه
ومنها: ما ذكرناه فيما سبق من أن للشهادة في سبيل الله جانبين: أهمهما الاستبشار برحمة الله ولطفه. واستشهدنا على ذلك بعدّة نصوص سابقة.
وأما الحزن والبكاء المطلوب من محبي الحسين في الشريعة، فلأن تكليفه يختلف عن تكليفنا، وتقديره غير تقديرنا، ونظره إلى الأمور غير نظرنا.
أما البكاء والحزن فهو لنا؛ لأجل تربيتنا دينياً، وثوابنا أخروياً. وأما الاستبشار فله ولأصحابه؛ لأجل الشعور بالسعادة بنِعم الله ورحمته.
وكلما ازداد البلاء كان أكثر نعمة ورحمة, كما ورد: “إن أكثر الناس بلاءً في الدنيا هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”. وورد بما مضمونه: (أنه لولا دعاء المؤمن وإصراره على ربه بالرزق, لأفقره؛ لمدى ما يريد أن يعطيه من الثواب). إلى غير ذلك من النصوص.
ومن علامات ما قلناه: ما ورد عن علي بن الحسين (الأكبر)، أنه قال لأبيه الحسين، وهو في الرمق الأخير: “هذا جدّي رسول الله قد سقاني من حوضه شربة لا أظمأ بعدها أبداً”.
ومن دلائل ذلك: إنه ورد عن العديد من الناس في التاريخ، أنهم كانوا يدعون
ــــــ[109]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الله عزّ وجلّ للحصول على الشهادة، ثم يشكرونه حين يجدون أنفسهم عندها. فكيف الحال في الحسين وأصحابه وأهل بيته، ومقدار إدراكهم لذلك!
ومن دلائل ذلك: أيضاً، ما ورد من أنه كشف لأصحابه وأهل بيته بعد أن اختبرهم وأحرز إخلاصهم، كشف لهم عن بصائرهم، وأراهم مواقعهم في الجنّة ليلة مقتلهم، فهشّت نفوسهم إليها ورغبت بها، فكانوا فرحين مستبشرين لذلك. وهذا معنى ما سمعناه من قول أحدهم: “ليس بيننا وبين أن نعانق الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم”.
[مبررات البكاء]
وقد يخطر في الذهن: أن البكاء ليس دائماً على أمور الدنيا، بل له مبررات عديدة مما هو صحيح دينياً. نذكر منها ما يلي:
أولاً: البكاء من الذنوب.
ثانياً: البكاء شوقاً إلى الثواب.
ثالثاً: البكاء خوفاً من العقاب.
رابعاً: البكاء لأجل قلّة الصبر على البلاء.
خامساً: البكاء لأجل إقامة الحجّة على الخصوم.
فمن هنا يمكن، أن يكون بعض هذه الأسباب موجوداً لدى الحسين وأصحابه.
جوابه: أما الأسباب الثلاثة الأولى، فهي خارجة عن محلّ كلامنا هذا؛ لأننا نتكلّم عن البكاء الناتج بسبب الواقعة نفسها. وأما البكاء لأجل قلة الصبر فهو غير
ــــــ[110]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
صحيح للحسين؛ لأنه معصوم. وأما غيره فلعدّة أمور منها:
أولاً: قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا(1). إذن، فالبلاء أو أي شيء آخر لا يكون إلا بمقدار التحمّل، ويستحيل أن يكون أكثر من ذلك بمشيئة الله سبحانه.
ثانياً: الاستبشار الذي ذكرناه وكررنا الحديث عنه، فانه مما يقوّي العزيمة، ويشدّ الهمّة، ويمنع الانهيار. فلا يكون لقلّة الصبر مورد بالنسبة لهم، ليسبب لهم البكاء.
وأما السبب الأخير وهو إقامة الحجّة على الأعداء، فهو صحيح، إلا أنه ليس من وظيفة الشهداء أنفسهم، وإنما هي وظيفة من بقي منهم ومن ذويهم ونسائهم، لكي يكشفوا للعالم الخارجي عن أهمية الأمر، وعظمة قضية الحسين.
مضافاً إلى أن الأسلوب الوحيد لإقامة الحجة، ليس هو البكاء، بل ليس هو الأسلوب الأفضل. وإنما الأسلوب الأفضل هو الكلام والإفهام، والبكاء أسلوب صامت وسلبي، مهما كان مؤثّراً. نعم، حين لا يكون الكلام ممكناً، يكون أسلوب البكاء لإقامة الحجة متعيّناً. وهو ما فعلته فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، بعد أبيها، وفعلته زينب بنت علي بعد أخيها الحسين وأصحابه، وفعله الإمام السجاد بعد أبيه، إلى غير ذلك من الموارد. وأما لماذا كان الكلام متعذّراً، أو صعباً بالنسبة إلى هؤلاء؟ فهذا ما لا ينبغي أن نطيل الكلام فيه.
ــــــ[111]ـــــــ
( ) البقرة: 286.
أضواء على ثورة الحسين

يا ليتنا كُنّا معكم

هناك عبارة يكررها خطباء المنبر الحسيني، حتى أصبحت متعارفة وتقليدية، وهي قولهم: يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً. والخطاب -بطبيعة الحال- للحسين وأصحابه. وأودّ الآن، بمناسبة حديثي عن هؤلاء العظماء، أن أتعرض إلى معنى هذه العبارة، فإن في ذلك عبرة أولاً، وموعظة ثانياً، وتربية للخطباء ثالثاً، لعلهم يأخذون ما سوف أقول بنظر الاعتبار.
واللفظ الذي هو الأهمّ والأشدّ تركيزاً في هذه الجملة، هو (معكم)، فإن المعيّة قد تكون مكانيّة، وقد تكون زمانية، وقد تكون معنوية. فإن المتكلّم بهذه الجملة، مرّة يتمنّى أن يكون مع شهداء كربلاء في الزمان والمكان المعينين، اللذين كانوا فيه. وأخرى يتمنّى أن يكون معهم معنوياً.
والأداة (ليت) للتمنّي، والمشهور في علوم العربية أن التمنّي لا يكون إلا للمستحيل. ويوردون كشاهد على ذلك قول الشاعر:
ألا ليت الشبابَ يعودُ يوماً فأخبره بما فَعَلَ المشيبُ
وسنناقش ذلك بعد قليل، ونعود إلى الحديث عن (المَعيّة):
أما تمنّي الفرد للكون معهم في نفس الزمان والمكان الذي كانوا فيه، فيُراد به عادة تمنّي الحصول على الشهادة معهم؛ لكي يفوز فوزاً عظيماً. وهو أمر جليل
ــــــ[112]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ولطيف في حدّ نفسه، إلا أنه قابل للمناقشة من أكثر من جهة:
الجهة الأولى: إن تمنّي العود إلى الماضي من تمنّي المستحيل طبيعياً، وتمنّي المستحيل مستحيل. أو قل: إنه لا يتصوّره ولا يقتنع به إلا مَنْ خولط في عقله. وليس من تمنّي الأسوياء ما كان مستحيلاً.
الجهة الثانية: إن مجرد وجود الفرد هناك في الماضي -لو تمّ له- لا يعني كونه يفوز بالشهادة، أو يفوز فوزاً عظيماً! بعد أن نأخذ بنظر الاعتبار هذه النفوس الضعيفة الأمارة بالسوء والمعتادة على الترف والضيق من مصاعب الحياة. ومن الواضح إن حركة الحسين كلّها مصاعب وبلاء وضيق من الناحية الظاهرية أو الدنيوية. ومن هنا لا يكون من المؤكّد أن الفرد إذا كان موجوداً في ذلك الزمان والمكان، أن يكون ناصراً للحسين، بل لعلّه يكون مع الجيش المعادي تحت إمرة عبيد الله بن زياد؛ لأجل الحصول على المال أو الشهرة أو دفع الشر والتهديد، تماماً كما مَالَ أهل الكوفة إليه، بعد إعطائهم الولاء للحسين ومسلم بن عقيل، من أجل شيء من الطمع والخوف.
وإذا كان الفرد أحسن نفساً وأكثر ثقافة، فلا اقلّ من أنه ينهزم من المعسكر، فلا يكون مع معادي الحسين، كما لا يكون مع الحسين نفسه، تماماً كما ورد عن بعضهم أنه قال: «الصلاة خلف علي أتمّ وطعام معاوية أدسم، والوقوف على التلّ أسلم». وإذا لم يكن مع الحسين فسوف يحصل:
أولاً: إنه لن ينال الشهادة، ولن يفوز فوزاً عظيماً.
وثانياً: إنه سينال اللعنة الأبدية، طبقاً لقوله: “من سمع واعيتنا ولم ينصرنا
ــــــ[113]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
أكبه الله على منخريه في النار”.
وعلى أي حال، فمن أين يأتي التأكيد على أن الفرد إذا كان في ذلك الزمان، وذلك المكان مع الحسين، لفاز فوزاً عظيماً! بل لعله يخسر خسراناً مبيناً، كما ألمعنا قبل قليل؛ لأن مجرد المصاحبة في المكان لا يعني أكثر من ذلك.
وقد يستدلّ على أن المطلوب من أيّ فرد، محب للحسين، يحسن به أن يتمنّى ذلك، فيستدلّ عليه بالشعر المنسوب إلى الحسين:
شيعتي، ما إن شربتم عذْبَ ماءٍ فاذكروني
أو سمعتم بقتيلٍ أو جريح فاندبوني
فأنا السبط الذي من دون جُرْمٍ قتلوني
ليتكم في يوم عاشورا جميعاً تنظروني
فقد تمنّى الحسين، أن يكون معه شيعته في يوم عاشوراء، وهو المطلوب.
وجواب ذلك من عدة وجوه، منها:
الوجه الأول: إن هذا الشعر ليس للحسين قطعاً، بل هو مما قيل على لسانه قطعاً. وأول دليل على ذلك أنه يذكر فيه مقتله، وما حدث بعد مقتله، وهو ما لا يمكن أن يكون من قوله (سلام الله عليه). وفي ما سمعناه ما يشير إلى ذلك، مضافاً إلى قوله:
وبجرد الخيل بعد الــ قتل ظلماً سحقوني
إلى غير ذلك.
إذن, فهذا الشعر إنما قاله الشاعر، بعد أن سمع قول الخطباء: «يا ليتنا كنّا
ــــــ[114]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
معكم»، فأحبّ أن يكون هذا التمنّي صادراً عن الحسين أيضاً. إذن فلا يكون لهذا الشعر قيمة إثبات تاريخية، أكثر من هذه الجملة التي يكرّرها الخطباء.
[حول المَعية المعنوية]
الوجه الثاني: إن مثل هذا التمنّي، لو كان صادراً عن الحسين أو محبيه، فإنما يُراد به تمنّي الاجتماع معنوياً، كما سوف نذكر، لا مادياً، أو تمنّي الاجتماع مادياً ومعنوياً حتى يتمّ الأمر. وإلا فمن الواضح -كما أسلفنا-، أن الاجتماع المادي في الزمان والمكان وحده لا يكفي.
وأمّا المَعيَّة المعنوية، وهي الاتحاد في الهدف والمحبة والإيمان، فقد يُستشكل فيه من حيث أن (ليت) إنما تأتي لتمنّي المستحيل، على ما هو المشهور كما أسلفنا. ومن الواضح أن المَعيَّة المعنوية ليست مستحيلة، بل بابها مفتوح لكل والج، وواسع بسعة رحمة الله سبحانه، ينال منها كل فرد حسب استحقاقه. فمن هنا ناسب أن تُستعمل (ليت) للمستحيل، وهو الكون المادي معهم لا المعنوي.
وجواب ذلك: إن اختصاص التمنّي بالمستحيل غير صحيح تماماً، وإن ذهب إليه المشهور، وذلك لعدّة وجوه، منها:
أولاً: ما أشرنا إليه في ما سبق، من أن تمنّي المستحيل مستحيل. إلا من المجانين ومن خولطوا في عقولهم. أو أنه يتحدّث حديثاً مجازيا،ً بعيداً عن الواقع تماماً، كبيت الشعر الذي استشهدوا به: (ألا ليت الشباب يعود يوماً).
ثانياً: إن التمنّي وأضرابه من موارد ما يُسمّى في علوم البلاغة بالإنشاء، كالاستفهام والترجّي، وهي حالات نفسية وجدانية محسوسة في النفس، تختلف في
ــــــ[115]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
معانيها ومداليلها. فالترجّي المدلول عليه بالأداة (لعلّ)، إنما يعني مجرد الاحتمال كقولنا: لعلّ فلاناً عاد من سفره، أو لعلّي أسافر غداً. وأما التمني فهو: إرادة حصول شيء في المستقبل، والرغبة فيه كقولنا: ليتني أسافر غداً. أي أحبّ ذلك وأرغب به. ولا ربط له بمجرد الاحتمال. فالتمني والترجّي أمران مختلفان تماماً، كما لا ربط له بالأمور المستحيلة، بل يستحيل أن يتعلق التمنّي بالمستحيل.
ثالثاً: في القرآن الكريم موارد استعملت فيه الأداة (ليت) فيما هو ممكن، وليس بمستحيل، وظاهر القرآن الكريم حجّة على كل من يناقش في ذلك، كقوله تعالى: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً(1). مع العلم أن الموت في أيّ وقت ممكن بقدرة الله سبحانه. وقوله تعالى: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً(2). يعني: ميت قد زالت معالم قبره، وهو أمر ممكن على أيّ حال.
بل حتى ما يبدو مستحيلاً من الاستعمالات، كقوله تعالى: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(3). وقوله تعالى: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا(4). ونحوها، إنما تكون مستحيلة باعتبار النظام الإلهي للخلق، لا باعتبار قدرة الله على إنجاز ما يتمنونه، إلا أنه لا ينجزه؛ لأنهم لا يستحقون ذلك.
ومحل الشاهد من كل ذلك: أن التمنّي للممكن أمر ممكن. فإذا عرفنا أن
ــــــ[116]ـــــــ
( ) مريم: 23.
(2) النبأ: 40.
(3) الزخرف: 38.
(4) الأنعام: 27.
أضواء على ثورة الحسين
(المَعيَّة) المعنوية مع أصحاب الحسين، أمر ممكن في أي مكان وزمان؛ لأنها تُعبر عن المَعيَّة القلبية والفكرية، وهي المَعيَّة الأهمّ والألزم. فإذا كانت ممكنة كان تمنّيها ممكناً. ويمكن أن يقصدها الفرد حين يقول: «يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزا عظيماً». والحقّ أن المَعيَّة المعنوية توجب الفوز العظيم بلا إشكال. ولكننا يحسن أن نلتفت إلى أن هذا التعبير وارد في القرآن، عن قول فرد فاسق أو متدني الإيمان وقليل اليقين؛ لأنه سبحانه يقول: وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً(72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّـهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً(1). إذن فتكرار هذا المضمون من قِبَل الفرد، لا يكاد أن يكون معقولاً؛ لأنه سيعتبر نفسه متدني الإيمان أو قليل اليقين. وهذا لا يكون إلا مع الغفلة عن المضمون الحقيقي للعبارة، كما هو الأغلب، أو لأجل كسر النفس والوقيعة فيها، كما هو شأن الزهّاد والسالكين.
كما ينبغي أن نلتفت إلى أمر أهمّ حول الآية الكريمة وهو: إنه سبحانه يقول: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّـهِ لَيَقُولَنَّ… (2) الخ.
وهذا يعني بالنسبة إلى الأفراد الاعتياديين -بغض النظر عن المعاني التي أسلفناها- أمرين:
الأمر الأول: إن الحسين أصابه فضل من الله بالشهادة، والفرد يتمنّى أن ينال من هذا الفضل. وقد سبق أن قلنا: إن هذا الفضل من دواعي الاستبشار، لا
ــــــ[117]ـــــــ
( ) النساء: 72-73.
أضواء على ثورة الحسين

من دواعي البكاء. مع العلم أنهم يجعلونه مقدمة للبكاء، كما هو المعهود أكيداً. ومعه, فلا يكون وضعه في هذا الموضع مناسباً.
الأمر الثاني: إن الفضل الذي ناله الحسين وأصحابه من الله سبحانه ليس مجانياً، ولا يمكن أن يكون كذلك. ولذا ورد: “لك مقامات لن تنالها إلا بالشهادة”. فقد دفع الحسين تحمّله لأنواع البلاء الدنيوي، بما فيه نفسه ونفوس أهل بيته وأصحابه، فداءً لذلك الفضل العظيم. فهل سيكون الفرد على استعداد حقّاً في المشاركة مع الحسين في بلائه؟ كما هو على استعداد أن يشاركه في جزائه. أم يتمنّى الفرد أن يحصل على ثواب الحسين مجاناً، مع أن الحسين نفسه وهو المعصوم لم يحصل عليه إلا بالثمن الغالي. إن هذا من سخف القول حقّاً!!
كما يحسن بنا أن نتساءل في هذا الصدد: إننا لماذا نتمنى أن نكون مع الحسين خاصّة لنفوز فوزاً عظيماً. مع أن الآية الكريمة مطلقة من هذه الناحية، بل هي خاصّة بالرسول. والكون معه أيضاً فوز عظيم بلا إشكال، فهلّا نتمنّى ذلك، أو نتمنّى الكون مع أمير المؤمنين، أو أحد الأئمة المعصومين. وأن لنا إماماً حيّاً مسؤولاً عنّا فعلاً، ونحن مسؤولون عنه أيضاً. فهلّا نتمنى أن نكون معه. وليت شعري فإن الكون مع إمامنا الحيّ ليس سهلاً على الإطلاق، بل هو امتحان عسير، وبلاء كبير، ويحتاج إلى إيمان عظيم، وتسليم جسيم. يكفينا ما ورد: “ما هذا الذي تمدّون إليه أعينكم وهل هو إلا لبس الخشن وأكل الجشب”. وفي خبر آخر: “وهل هو إلا السيف والموت تحت ظلّ السيف”.
فإنه (سلام الله عليه) يطبق الإسلام كما أنزله رسول الله. ولن يكون ذلك
ــــــ[118]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
في مصلحة أهل الدنيا ومتبعي الشهوات، والمعتادين على الملذات، بل سيكون هذا العدل المطلق اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً وعقلياً ودنيوياً وأخروياً. وهذا لا محالة يكون على الفرد الاعتيادي -كما قلنا- امتحاناً عسيراً وبلاءً كبيراً. إذن, فالتمنّي مع إمامنا الحيّ ليس سهلاً بأي معنى قصدناه.
[في تقديم الحسين بالذكر]
ولكن -مع ذلك- فقد يحسن الخطباء صنعاً حين يخصّون الحسين بالذكر: لأمرين أو أكثر:
الأمر الأول: إن الحديث في المجلس عنه والمأتم المنعقد له.
الأمر الثاني: إن الحديث في المجلس وإن لم يكن عنه (سلام الله عليه)، بل عن غيره من المعصومين، إلا أنه لا بدّ من ذكره خلال الحديث، وإلا لم تطمئن النفس، ولم يهدأ الخاطر، ولم يتمّ الاستحباب الشرعي الكامل.
الأمر الثالث: إن شفاعة الحسين أوسع من غيره من المعصومين جميعاً، كما ورد. وورد إن عدداً من المعصومين لا يصل إليهم إلا الخاصّة، كعلي والرضا والمهدي، في حين يصل إلى الحسين الخاصّة والعامّة. فهو يشفع للجميع، وزياراتهم لديه مقبولة، وشفاعته واسعة يوم القيامة.
إلا إننا مع ذلك ينبغي أن نتوخّى أن نضمّ إلى هذا الأمر الشعور على مستويين:
المستوى الأول: إن شفاعة الحسين لن تكون عامّة بالمعنى الكامل، بل بشرطها وشروطها، كما ورد في الخبر، تماماً كما قال الإمام الرضا في حديث سلسلة الذهب: “لا اله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمِنَ من عذابي”. ثم قال:
ــــــ[119]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
“بشرطها وشروطها وأنا من شروطها”.
المستوى الثاني: أن لا نفهم من سعة شفاعة الحسين، سعتها دنيوياً، بل سعتها أخروياً. ولكن وجِد العديد ممن يقول: إن سِفرَة الحسين أوسع، ويريد به الأرباح المادية المجلوبة بسبب ذكره (سلام الله عليه)، أكثر من الأرباح المجلوبة بسبب ذكر غيره.
وهذا وإن كان صحيحاً عملياً، وداخلاً ضمن النعم الإلهية على الحسين ومحبّي الحسين، إلا أن المطلوب أخلاقياً هو عدم النظر إلى حطام الدنيا مهما كان مهمّاً، وقصر النظر على ثواب الآخرة. ومن الواضح أخلاقياً ودينياً، أن من قصد الدنيا وحدها، أو من قصد الدنيا والآخرة معاً، فليس له الثواب في الآخرة إطلاقاً، وإنما يأخذ الثواب من خص قصده على الآخرة تماماً. وهذا لا يعني عدم جواز أخذ الأجرة على ذكره، وخاصّة ممن كان عمله ذلك، ورزقه متوقفاً عليه. وإنما يعني أن يسقط هذا عن نظر الاعتبار في نيته، ويجعله بمنزلة الرزق صدفة أو تفضلاً من الله عز وجل، وليس بإزاء مأتم الحسين، بأي حال من الأحوال.
ــــــ[120]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

رواة واقعة الطف

اعتقد أن الرواة الأوائل أو المباشرين لحادثة الطف، منحصرون في الأقسام التالية، فينبغي أن ننظر إلى وثاقتهم من ناحية، وإلى مقدار شرحهم للحوادث ونحو ذلك من الخصائص.
القسم الأول: الأئمة المعصومون،المتأخّرون عن الحسين. وخاصّة الثلاثة الذين كانوا بعده بالمباشرة، وهم الإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق، فإن لهؤلاء الأئمة قسطاً من ذكر واقعة الطف.
إلا أنني أعتقد أننا -مع ذلك- لا نستطيع أن نأخذ عنهم التفاصيل كما نريدها؛ لأنهم كانوا يتحدثون بمقدار ما تقتضي المصلحة في زمانهم، فكانوا يركّزون على الجانب المعنوي لواقعة الطف، والدفاع عن قضية الحسين. ولا يكون همّهم رواية أو نقل الحوادث، إلا ما جاء عرضاً خلال الحديث. إذن فلا ينبغي أن نتوقع سماع حديثهم عن التفاصيل الكثيرة التي نريدها.
القسم الثاني: النساء من ذراري الحسين وأصحابه، بعد عودتهن إلى المدينة المنورة. فإنهن لم يُصبنَ بسوء، وبَقينَ أحياء بعد مقتل رجالهن، ورجِعنَ إلى محل سكنهن، فمن الممكن لهن أن يتحدثن عمّا رأينه عن تلك التفاصيل. وتعتبر كل واحدة منهن كشاهد حال حاضر للواقعة.
ــــــ[121]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إلا أنني أعتقد أننا لا ينبغي أن نبالغ في ذلك، لأمرين على الأقلّ:
الأمر الأول: حاصل لدى وجود الواقعة نفسها في كربلاء. وذلك لأن النساء كنَّ موجودات في الخيام، ولسن مشرفات على الواقعة، ولا متابعات للحوادث، ولا يعرفن أشخاص الرجال الأجانب بأسمائهم. فمن هذه الناحية ستكون فكرتهن عن التفاصيل غائمة ومجملة لا محالة.
الأمر الثاني: حاصل لدى وجودهن في المدينة المنورة، حيث كانت المصلحة الدينية والاجتماعية تقتضي إقامة المزيد من المآتم على واقعة الطف، وإظهار المزيد من الحزن والبكاء على من قُتِل فيها. إذن فقد انشغل النساء بمهمّتهن المقدّسة تلك، ولم تجد إحداهن الفرصة الكافية لرواية التفاصيل.
القسم الثالث: الأطفال القلائل الذين نجوا من واقعة الطف، واستطاعوا الهرب منها، كأحمد بن مسلم بن عقيل، أو عادوا مع النساء كالحسن المثنى وغيرهم. فإنهم أصبحوا كباراً بالتدريج. فمن الممكن لهم عندئذ أن يرووا ما رأوا وما سمعوا.
إلا أننا مع ذلك لا ينبغي أن نبالغ في إمكان أخذ التفاصيل من هؤلاء تاريخياً، لعدة أمور لعلّها تندرج في أمرين:
الأمر الأول: حالهم في واقعة الطف نفسها، فإنهم:
1 – كانوا محجوزين في الخيام مع النساء، ولا يشاهدون التفاصيل.
2 – لا يعرفون أسماء الرجال الموالين والمعادين، لكي يرووا تفاصيل أعمالهم.
3 – إن فهمهم الطفولي يومئذ لم يكن يساعد على الاستيعاب. وكان عمر أحدهم يومئذ قد لا يزيد على خمس سنوات بالمعدل. ولم يكونوا معصومين لكي
ــــــ[122]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
نقول: إن الفهم فيهم لا يختلف باختلاف سِني العمر.
الأمر الثاني: إنني لا أعتقد أنهم مذكورون في أسناد الروايات الناقلة للتفاصيل عن واقعة الطف إلا نادراً. ولو كان الرواة المتأخّرون نسبياً، قد سمعوا منهم لذكروهم في السند. اللهم إلا أن يُقال: إن الحذف من السند كان لداعي التقية يومئذ. فإن نقل قصّة الحسين كان مورداً للتقية المكثفة والصعبة في زمن الأمويين، الذين قتلوه ورضوا بمقتله، بل الأمر كذلك في زمن أكثر الخلفاء العباسيين أيضاً.
القسم الرابع: الأعداء الذين حاربوا الحسين فعلاً في واقعة كربلاء، وكانوا حاضرين خلالها، ولكنهم نجوا من الموت، ورجعوا إلى بلدانهم. فأمكنهم أن ينقلوا القصّة، ويسمع منهم الناس عنها الشيء الكثير.
ويُروى: أن المختار الثقفي حين أعلن الأخذ بثأر الحسين كان يقبض على أعدائه واحداً واحداً، فيسأله عمّا فعله في واقعة الطف، فيقتله بالشكل الذي قتل به الشهداء هناك. فقد حصل من ناحية الأعداء روايات تفصيلية عن حوادث كربلاء. وهناك أخبار أخرى من غير هذا الأسلوب، رويت عن حميد بن مسلم وزيد بن أرقم وغيرهما.
فهل نستطيع أن نعتبر هذه الأخبار عنهم هي من أخبار الثقات؟ مع أننا نعلم أنهم أشدّ الناس فسقاً وعناداً ضدّ الإمام المعصوم، بل ضدّ الله ورسوله أيضاً. فإذا لم يكن الخبر خبر ثقة فكيف يمكننا الأخذ به؟
وقد يخطر في البال هنا: أن هذا الشخص أو غيره من الأعداء، حين يروي شيئاً
ــــــ[123]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
من الحوادث، إنما يقرّ على نفسه بالجريمة. وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز. فمن الممكن الأخذ بخبره من هذه الجهة. إلا أن هذا غير صحيح، لعدة أسباب أو وجوه:
الوجه الأول: إن قاعدة إقرار العقلاء، إنما تجعل الخبر معتبراً بالنسبة إلى العقوبة للمتكلم به، أو تحميله مسؤوليته بشكل وآخر. ولا تجعل الخبر معتبراً بمعنى كونه مشهوداً له بالصحة بشكل مطلق.
الوجه الثاني: إن هذا الشخص أو ذاك ممن كان في معسكر الأعداء، قد لا يروي الحادثة عن نفسه بل يروي ما قال أو ما فعل غيره. وفي مثله لا معنى لأن يكون إقراراً؛ لكي نأخذ به، كما توقع السائل.
الوجه الثالث: إن هذا الشخص أو ذاك من المتحدثين، قد لا يكون كلامه إقراراً ضدّ نفسه، وإن تكلم عن نفسه، أعني عمّا قاله وفعله في كربلاء. إلا أنه يروي ذلك مدافعاً عن نفسه. يعني يريد أن يثبت أنه قد رحم الآخرين، وتعطف عليهم، في الوقت الذي قسى معهم غيره. وهذا شامل لعدد من النقول الواردة. ومعه لا تكون إقراراً حتى نثبت حجّيتها بقاعدة الإقرار.
إذن، ينتج أنه ينبغي الحذر كثيراً حين نسمع من أو عن أمثال هؤلاء الأعداء إخبارهم عن واقعة كربلاء. ومن المؤكّد أن أخبارهم ليست أخبار ثقات، بل هو خبر ضعيف، باصطلاح أهل الحديث؛ لأنه رواية فاسق ومعاند للحق، ومن الذي يقول بحجية الخبر الضعيف؟
ــــــ[124]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

الرواة المتأخرون

لكن الذي يهون الخطب، أننا نأخذ التفاصيل من كتب علمائنا الموثوقين الأجلاء، كالشيخ المفيد في الإرشاد، والشيخ الأربلي في كشف الغمة، وأبي مخنف والخوارزمي في مقاتلهم، والشيخ التستري في كتابه عن الحسين، وأضرابهم.
إلا إننا مع ذلك ينبغي أن نكون حذرين في النقل، لعدة أمور:
الأمر الأول: إن كثيراً مما نقلوا من الروايات هي ضعيفة السند ومرسلة، وعلى كل تقدير لا يمكن الأخذ بها فقهياً.
وقد يخطر في البال: إن هؤلاء العلماء هم الذين تكفّلوا صحّتها على عاتقهم، فهي معتبرة وصحيحة في نظرهم، وهذا يكفي في النقل، وإن كانت مرسلة أو ضعيفة بالنسبة إلينا.
وجوابه: بالنفي طبعاً، يعني لا يكفي ذلك؛ لأن صحّتها التي يعتقدون بها، إنما هي صحّة اجتهادية وحدسية، وليست حسّية؛ لتكون حجّة على الآخرين، أو قل: على الأجيال المتأخّرة. كما هو مبحوث عنه في علم الأصول.
الأمر الثاني: إنه ينبغي التأكّد من نسبة الكتاب إلى مؤلّفه، فقد يكون كله مُنتحَلاً، أو بعضه، أو يكون مزيداً عليه أو محذوفاً منه، وغير ذلك من الاحتمالات. وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال. ولعلّ أهمّ وأوضح ما هو مشكوك النسبة إلى
ــــــ[125]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مؤلفه، هو مقتل أبي مخنف، وهو مما يعتمد عليه الناس كثيراً. وأبو مخنف رجل صالح وموثق، إلا إن نسبة كتابه إليه مشكوكة.
الأمر الثالث: إنه ينبغي التأكّد أن النقل في الكتاب، إنما هو بنحو الرواية، لا بنحو الحدس. فإنه وجِد خلال التأريخ مَن كتب عن واقعة الطفّ، من زاوية الحدس والكشف العرفاني، لا بنحو الرواية. وحاول فهمها من جهة نظره تلك، وهذا هو الذي يبدو من الشيخ التستري في كتابه (الخصائص الحسينية) وأضرابه، حيث يقول مثلاً: (إن الحسين حصلت له حالة الاحتضار ثلاث مرات). فإن هذا إن صحّ فقد أخذه بالكشف العرفاني، لا رواية، فإنه لا توجد أيّ رواية بذلك، وهكذا كثير من التفاصيل.
ومن المعلوم في علم الأصول: إن هذه الحدوس والكشوف إن كانت حجّة، فهي حجة على صاحبها، بصفته عالماً بصحّتها. ولا يمكن أن تكون حجّة على غيره، مع احتماله لتوهمّ الآخر وانفعاله. ومن ثم فقد لا يكون ما قاله مطابقاً للواقع، إلا أن يحصل لنا أو لأيّ شخص العلم بالمطابقة، أو حسن الظن بالقائل، بحيث يعلم أن كشوفه الوجدانية دائمة المطابقة للواقع. ومن أين لنا ذلك؟

ــــــ[126]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مجوّزات النقل شرعاً

وما يمكن أن يكون مجوّزاً للنقل شرعاً، عن المعصومين (سلام الله عليهم) من الروايات، في واقعة كربلاء أو غيرها، عدّة أمور:
الأمر الأول: صحّة السند، فإن السند وهو مجموعة الرواة الناقلون له، إن كانوا كلهم ثقات جاز الإخبار به، وتكفّل مسؤوليته أمام الله سبحانه.
الأمر الثاني: نسبة القول إلى صاحبه، بعد العلم بانتساب الكتاب إليه، فنقول: قال فلان أو روى فلان كذا. أو نقول: روي أو قيل. أو كقول: قال أرباب المقاتل، أو المؤلفون في واقعة كربلاء، ونحو ذلك.. وبذلك تخرج عن العهدة أمام المعصومين، وتكون صادقاً في قولك؛ لأن هذا الذي نقلت عن كتابه قد قال ذلك فعلاً، لكن هذا مشروط بشرطين:
1- أن يكون الأمر مرويّاً عن كتاب ما، وأمّا إذا لم يكون مرويّاً إطلاقاً، وأنت تقول عنه: روي كذا. فهذا غير جائز، بل هو الكذب نفسه.
2- أن يكون الكتاب صحيح النسبة إلى مؤلفه، وإلا فسيكون نسبة القول إلى مؤلفه نسبة كاذبة. فأنت تكذب على المؤلف، وإن لم تكذب على المعصومين.
الأمر الثالث: من مجوّزات النقل المشهورة بين الخطباء والشعراء الحسينيين، النقل بلسان الحال. فكأنّهم يرون أن الحديث يكون صادقاً مع التقييد بهذا المعنى،
ــــــ[127]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ومن هنا أباح الشعراء لأنفسهم إضافة أقوال وأفعال كثيرة جداً إلى واقعة الطف، بعنوان أنها بلسان الحال، لا بلسان المقال. وهذا ليس خطأ كله، بل يحمل جانباً من الصواب من الناحية الفقهية، فإن النقل بالمعنى عن الروايات جائز، إذا كانت الرواية بدورها محرزة الصحّة. كما إن النقل بلسان الحال جائز، إذا أحرزنا إن حال المتكلم في تلك الساعة على ذلك. إلا أننا مع ذلك ينبغي أن نكون على حذر شديد من هذه الناحية، لعدّة وجوه:
الوجه الأول: إننا لا نستطيع أن نعلم حالهم (رضوان الله عليهم)، لا الحسين ولا أصحابه، ولا نساءه ولا أيّ واحد هناك منهم؛ لأنهم أعلى وأجلّ من أن نعلم ما يدور في خواطرهم، وما تخفيه سرائرهم، في حين إننا بعيدون عنهم زماناً ومكاناً وثقافة ومستوى، وغير ذلك. إذن فنحن جاهلون بحالهم، لا إننا عالمون به؛ لنستطيع التعبير عنه بأيّ حال من الأحوال، وإنما يجوز الحديث بلسان الحال، مع إحراز المطابقة للواقع, وأنّى لنا ذلك؟
الوجه الثاني: إن ما يكون بلسان الحال إنما هو الأقوال لا الأفعال، فلو تنزّلنا جدلاً عن الوجه الأول، أو تمّ لدينا ذلك الوجه، فإنما يجوز النقل بلسان الحال في الأقوال وحدها. أما نقل الأفعال والتلفيق فيها بعنوان كونها بلسان الحال، فهذا لا معنى له؛ لوضوح ان لسان الحال هو النُطق، وليس الفعل؛ لأن الفعل لا لسان له ولا بيان له.
الوجه الثالث: إننا لو تنزّلنا جدلاً عن الوجه الأول، أو تمّ لنا ذلك الوجه، فإنه يتم بمعنى إن الحال العامّة التي كانوا فيها معلومة لنا إجمالاً. وأما التفاصيل
ــــــ[128]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
فمن غير المحتمل أن ننال منها شيئاً، فمثلاً ما الذي خطر في ذهن الحسين حين أخذ رضيعه معه ليسقيه الماء؟ أو في أيّة حادثة معينة أخرى، هذا متعذّر فهمه تماماً في حدود البعد الزمني والثقافي والإيماني عنه.
وفي صدد النقل بلسان الحال، يمكن أن نذكر منشأين لجواز النقل بهذا الشكل، فإن تمّ أخذنا به، وإن لم يتمّ أعرضنا عنه:
المنشأ الأول: ما وردنا من الروايات عن واقعة كربلاء. فإنها تدلناّ على الحال الذي كانوا فيه. فنستطيع أن نتحدث زيادة على ذلك، في حدود الحال الذي فهمناه من تلك الروايات.
وجوابه:
أولاً: إن الرواية ينبغي أن تكون صحيحة ومعتبرة سنداً، لكي يمكننا استكشاف الحال من خلالها.
ثانياً: إن المفروض أننا نتحدث عن أقوال وأفعال زائدة عمّا هو المروي؛ لأنه بلسان الحال. فلا نستطيع أن نقول (روي ذلك) لنكون صادقين؛ لأنه لم يُرْوَ إطلاقاً.
ثالثاً: إن المفروض أحياناً أننا نروي حوادث وأقوالاً غير متشابهة على الإطلاق عمّا هو مروي ووارد، لا في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة. فكيف يتم لنا ذلك شرعاً، وهل هو إلا من الكذب الصريح؟
المنشأ الثاني: لجواز النقل بلسان الحال، العُرف: فما كان يناسب من الناحية العرفية أن يكون حالهم عليه، جاز التعبير عنه. وما لا يناسب ذلك لم يجز التعبير
ــــــ[129]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
عنه، واتّباع العُرف أمر جائز عرفاً، وحجّة كما ثبت في علم الأصول.
إلا إن هذا غير صحيح لعدّة مناقشات ترد عليه:
أولاً: إن العرف إنما ثبتت حجّيته في علم الأصول في موارد معينة لا يمكن تعدّيها، ولا قياس غيرها عليها، وهي حجّية الظواهر المأخوذ بها عرفاً، وحجية المعاملات المتعارفة في العرف. وأما الكذب والكلام الزائد فهو وإن كان عرفاً سائراً، إلا أنه منهي عنه قطعاً في الشريعة ومحرماً أكيداً.
ثانياً: إن العرف إنما يكون حجة في ما يناسب حال العرف ومستواه، وأما ما كان خارجاً عن حال العرف كالأمور الرياضية والفلسفية، فلا سبيل للعرف إليها. ونحن نعلم أن حال أولئك الأبطال الأفذاذ أعلى من أن يفهمه العرف، فالتنزّل بمستواهم إلى درجة العرف الشائع، ظلم لهم لا محالة.
ثالثاً: إن لسان الحال أصبح مبرِّراً لدى البعض إلى نقل كثير من التفاصيل الكاذبة، وهذا أمر خارج عن هذا الدليل لو تمّ، بعد التنزّل عن الوجهين السابقين جدلاً. فإنه إنما يُثبت إمكان البكاء والتضجّر واللطم ونحو ذلك، لا أنه يُثبت جواز الكذب والدسّ بطبيعة الحال.
الأمر الرابع: من مجوّزات النقل المحتملة عن حوادث كربلاء:
ما ورد بنحو القاعدة العامّة حيث تقول: “قولوا فينا ما شئتم ونزّهونا عن الربوبية”.
وتقريب الاستدلال بها للنقل: هو التمسّك بإطلاق قوله (ما شئتم)، فإن الفرد قد يشاء أن ينقل الأمور غير المروية، أو غير المناسبة مع الحال وغير ذلك. ومقتضى
ــــــ[130]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إطلاق القاعدة جواز ذلك كله، إلا إن هذا غير صحيح بكل تأكيد، لعدّة وجوه:
الوجه الأول: إن مثل هذه الرواية غير تامّة سنداً، ومعه لا تكون ثابتة أصلاً، فالاستدلال بها، كما هو المشهور بينهم غير جائز.
الوجه الثاني: إنها مخدوشة في الدلالة أو التعبير، وهو قوله فيها: “ونزّهونا عن الربوبية”. في حين إن الربوبية كمال وعظمة، والتنزيه إنما يكون عن النقص والخسّة والرذيلة. فهذا إنما يدل على ضعف سندها وعدم ورودها إطلاقاً. ويمكن أن يكون المتكلّم بها قد قال: “ونزّلونا عن الربوبية”: فنقلها الراوي بالهاء وهو قوله: (نزهونا). إلا أن هذا الاعتذار لا يجعلها تامّة سنداً.
الوجه الثالث: إن التمسك بإطلاقها على سعته غير محتمل، فمثلاً هل يمكن أن يشمل قوله: (قولوا فينا ما شئتم) القول السيئ من القدح والشتم ونحوه؟ إن هذا غير محتمل طبعاً. إذن فالمراد: ما شئتم مما هو مناسب مع شأننا. ومن الواضح إن كثيراً مما نقول عنهم بلسان الحال ليس مناسباً مع شأنهم.
الوجه الرابع: إن قوله فيها: (ما شئتم) يُراد به الأوصاف الإجمالية ككونهم علماء أو عظماء وغير ذلك. ولا يراد بها التفاصيل من نقل الأقوال والأفعال الكاذبة عنهم، وإن كانت مناسبة لشأنهم، فضلاً عمّا إذا لم تكن. والمفروض لدى الحديث عن لسان الحال أنه يكون بالتفاصيل لا بالإجمال.
الوجه الخامس: في المعنى الأصلي الذي أفهمه من هذه الرواية، وهو إن فهمناه لا يكون لها أي ارتباط للنقل بالمعنى من قريب أو بعيد، والمعنى الذي أفهمه كما يلي: (قولوا فينا ما شئتم من المدائح أو من صفات الكمال والجلال، فإنكم لا
ــــــ[131]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
تصلون إلى الواقع الذي اختاره الله لنا. وستكون كل مدائحكم وأوصافكم دون مستوانا الواقعي).
وإذا تصاعدنا في الأوصاف، لن نصل إلى صفتهم الحقيقية، فضلاً عن إننا يمكن أن نتعدّاهم، إلا إذا ذكرنا لهم الربوبية، فإنها غير ثابتة في حقّهم. فمثلاً نقول: إنهم مؤمنون، ثم نقول: إنهم ورعون، ثم نقول: إنهم متّقون، ثم نقول: إنهم علماء، ثم نقول: إنهم راسخون في العلم، ثم نقول: إنهم أولياء، ثم نقول: إنهم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل منهم. كل ذلك ونحن لم نصل إلى حقائقهم ومستوياتهم الواقعية.
الأمر الخامس: من مجوّزات النقل المحتملة عن واقعة كربلاء:
ما ورد بنحو القاعدة العامة: “من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة”.
وتقريب الاستدلال بها: هو التمسّك بإطلاقها لكل قول أو فعل، صار سبباً للبكاء على الحسين وأصحابه، فإنه يكون سبباً لدخول الجنة، أو وجوبها للفرد، سواء كان مطابقاً للواقع، أو لم يكن. وهذا المضمون وإن كان مطابقاً للقاعدة؛ لأن من بكى أو أبكى أو تباكى بإخلاص لله سبحانه وتعالى وللحسين، فإنه يستحق الثواب الجزيل بلا إشكال. إلا أن التمسّك بإطلاقها المفروض إنما يتم بغض النظر عن المناقشات التالية، وتلك المناقشات ترد عليها كرواية منقولة كما هو المشهور، لا كمضمون مشهود على صحته.
أولاً: ضعف سند هذه الرواية، فلا تكون معتبرة.
ثانياً: إن متعلق البكاء لم يُذكر في هذه العبارة، ومعه يكون من الواضح أنه
ــــــ[132]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ليس كل أهداف البكاء مشروعة، أو لا ثواب عليها على الأقلّ. أو قل لا تجب له الجنة بكل تأكيد، كمن بكى للدنيا أو لمصيبة عاطفية ونحوها. إذن فالأمر مقيَّد بالبكاء المرضي لله عزّ وجلّ.
ثالثاً: إن متعلق البكاء لم يُذكر في هذه العبارة، حتى الصالح منه، يعني لم يقل: إن البكاء من أجل الحسين كما يفهم المشهور، أو من خوف الله عزّ وجلّ، أو شوقاً إلى الثواب، أو أي شيء آخر. ومن هنا لا دليل على اختصاصه بالحسين.
رابعاً: إن وجوب الجنّة بل مطلق الثواب، لا يكون إلا بحفظ الشرائط الأخرى الضرورية في الدين، لوضوح عدم شمولها للكفّار والفسقة وأضرابهم. إذن فيكون المعنى: (من أضاف إلى حسناته البكاء وجبت له الجنة). ومن الواضح إنها لم تَقُل ذلك بوضوح. إذن، فيبقى إطلاقها غير ثابت.
خامساً: إن وجوب دخول الجنّة غير محرز لأي إنسان غير معصوم، ما لم يمت مرضياً لله عز وجل. وأما لو زالت حسناته بظلم أو سوء ونحوه لم يستحق الجنة بكل تأكيد. والشاهد على ذلك قوله تعالى: وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً(1). والسيئات قد تذهب بالحسنات، كما أن الحسنات قد تذهب بالسيئات.
ومعه, فيكون المعنى: (من داوم على الطاعة طول حياته مع البكاء، وجبت له الجنّة). ومن الواضح أنه لم يقل ذلك، كل ما في الأمر إن التمسك بإطلاقها مشكل.
ــــــ[133]ـــــــ
( ) الفرقان: 23.
أضواء على ثورة الحسين
سادساً: الإخلاص في العمل لم تنصّ عليه الرواية، وهو البكاء في سبيل الله من دون عُجب ولا رياء. فلو بكى الفرد على أمواته أو على مصاعب الدنيا، لم يستحق الجنّة، فضلاً عن أنها تجب له. لكننا ينبغي أن نفصل الحديث في البكاء على الأموات بعنوان مستقل.
ــــــ[134]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

البكاء على الأموات

وليس المراد البكاء على الأموات حقيقة، بل البكاء الذي يكون في الظاهر على الحسين، وفي القصد الواقعي على الأموات، فهل يكون الفرد عليه مستحقاً للثواب أم لا؟ وقد عرفنا قبل قليل عدم استحقاقه للثواب لا محالة؛ لعدم وجود الإخلاص والقصد القربي لديه. ولكن وردت في ذلك رواية من حيث إن الراوي يسأل الإمام -بما مضمونه-: «إنني أبكي على الحسين، فأتذكر أمواتي فأبكي عليهم». فأجابه بما مضمونه. (نعم، إبكِ ولو على أمواتك).
وهذه الرواية أيضاً غير معتبرة السند، ومعه يبقى الأمر على القاعدة الأولية، وهي عدم وجود الثواب، إلا في بعض الموارد التي نشير إليها فيما بعد. وإن كانت الرواية معتبرة السند، فقد تمّ المطلب، يعني أننا نأخذ بمحتواها، وهو وجود الاستحباب، حتى في هذه الصورة وهي البكاء على الأموات، ما دام الظاهر هو البكاء على الحسين. والأمر غير خاص بواحد معين بطبيعة الحال، فقد يبكي ألف من الموجودين على أمواتهم بهذه الصورة. وهذا ما يدلّ على أن الشارع المقدس -لو صحّت لرواية- يريد حفظ الظاهر أو الصورة الظاهرية لبكاء الناس، وإن كان قصدهم مختلفاً، وهذا ليس جزافاً، بل فيه فوائد وحِكم ومصالح حقيقية، يمكن أن ندرك منها ما يلي:
ــــــ[135]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
أولاً: حفظ تسلسل الشعائر الدينية واستمرارها.
ثانياً: إثبات جود هذه الشعائر أمام من لا يؤمن بها، أو لا ينجزها.
ثالثاً: الإسعاد في البكاء للآخرين؛ لأنهم لا يعلمون إني أبكي على أمواتي، بل يتخيلون إني أبكي على الحسين بحرارة فيبكون على الحسين بحرارة؛ لأن البكاء فيه إسعاد، وهو انتقال أو عدوى العاطفة من فرد إلى آخر، والإسعاد في البكاء معنى لغوي مأخوذ من السعادة؛ لأن الباكي يشعر براحة وسعادة، حين يجد نفسه بين الباكين من أجله.
رابعاً: التربية النفسية من الناحية الدينية للفرد نفسه وللآخرين أيضاً. فإنه إذا قصد اليوم البكاء على أمواته، فسوف يقصد غداً البكاء على الحسين، بمعنى أن الدافع المتدنّي سوف يتقلّص في نفسه حتى يزول.
ومن هنا نعرف ما أشرنا إليه، من أن الفرد يمكن أن يحصل على الثواب، حتى لو بكى على أمواته، وإن كان القصد الظاهري هو البكاء على الحسين، لكن بشرط أن يقصد هذه الأمور الصحيحة، التي ذكرناها الآن ونحوها، لا أن يكون البكاء متمحضاً للأموات حقيقة.
نعود الآن إلى ما كنّا فيه من تعداد الوجوه المحتملة، المجوّزة للنقل عن حوادث كربلاء المقدسة. وقد سبق أن ذكرنا منها خمسة وجوه.
ــــــ[136]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[المبالغة في الشعر]
الوجه السادس(1): من مجوّزات النقل المحتملة: جواز قول الشعر في حادثة الطفّ بلا إشكال، وهذا مما عليه السيرة المتشرعية في مذهبنا، من زمن الأئمة المعصومين وإلى الآن، فالسيرة قطعيّة الصحة، والشعر عن الحسين قطعيّ الجواز، بل قطعيّ الاستحباب، بل لعل فيه جنبة من الوجوب الكفائي، إذا شحّ معينه في مكان أو زمان معين. ومن المعلوم أن الشعر يحتوي على المجاز، وعلى المبالغة والتورية، والمعاني العاطفية والخيالية، وغير ذلك كثير.. وهذا ما يدلّ على جواز أن ننسب إلى موضوع القصيدة بما فيها حوادث كربلاء، ما نشاء من خلال القصيدة نفسها، سواء كان وارداً في رواية معتبرة، أو غير وارد على الإطلاق.
إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة في عدّة أمور:
أولاً: إنه لو تمّ لاختص بالشعر، ولا يمكن أن يشمل النثر؛ لأن النثر خالٍ عرفاً وعادة عن الخيالات المستعملة في الشعر. وهذا الوجه لو تمّ فإنما يجيز تلك الخيالات دون غيرها.
ــــــ[137]ـــــــ
( ) من الأمر الرابع: مجوزات النقل المحتملة عن حوادث كربلاء “قولو فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية”.
أضواء على ثورة الحسين
ثانياً: إن الخيالات والمبالغات ليست من نوع الكذب عرفاً وعقلائياً. إذن فالتعميم من جواز ذلك إلى جواز الكذب والدسّ في الشعر غير صحيح تماماً.
ثالثاً: إن السيرة -كما ثبت في علم الأصول- دليل لا إطلاق له، ولا لسان له، يؤخذ منه بالقدر المُـتَـيَقَّن. والقدر المُتيقَّن هنا هو الشعر الخالي من الكذب والدسّ فيكون جائزاً. ولا يمكن التعميم بدليل السيرة إلى غيره.
وقد يخطر في البال: إن السيرة الموروثة عندنا، هي على وجود الكذب في الشعر بهذا الصدد, وهي سيرة ممضاة من قِبَل الأئمة المعصومين.
فمن ذلك قول دعبل الخزاعي عليه الرحمة أمام الإمام الرضا:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات
إذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات
فقد أثبت اللطم والبكاء لفاطمة الزهراء. مع أنه غير متحقق جزماً؛ لأن الزهراء لم تكن موجودة في الدنيا لدى مقتل ولدها الحسين، ومع ذلك فقد سمعها الإمام الرضا ولم يعترض عليها.
وجواب ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأول: ما قاله علماء المنطق: من أن القضية الشرطية تصدق حتى مع كذب طرفيها، وأوضح مثال له: إن قولنا: إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، يصدق في الليل كما يصدق في النهار، ولا يتوقف على طلوع الشمس فعلاً، أو وجود النهار فعلاً، بل يكفي في صدق الشرطية صدق الملازمة والتوقف ما بين فعل الشرط وفعل الجزاء. وهو في المثال توقف وجود النهار على طلوع الشمس.
ــــــ[138]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ومن الواضح إن هذين البيتين لدعبل الخزاعي إنما هو قضية شرطية، وليست فعلية أو واقعية. فلا يدلّ على أن الزهراء قد بكت فعلاً أو لطمت وإنما قال: (لو خلت الحسين)، و(لو) حرف من حروف الشرط، فتكون قضية شرطية. فيمكن أن تصدق مع كذب طرفيها، كما سبق في المثال.
المستوى الثاني: إنه قد يخطر في البال، إننا قلنا في المستوى الأول الذي انتهينا منه، إن القضية الشرطية تصدق بصدق الملازمة بين فعل الشرط والجزاء، وهذه الملازمة وإن كانت موجودة في مثل قولنا: إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، إلا أنها غير موجودة في قول دعبل: (أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً). ولا أقل من الشكّ في ذلك، لأننا لا نعلم أن الزهراء ماذا سيكون ردّ فعلها إذا علمت بمقتل ولدها، وخاصّة بعد أن أشرنا فيما سبق من أن قضية الإمام الحسين فيها جانبان: الاستبشار والحزن. ولا شكّ أن الحزن أقرب إلى المضمون الدنيوي، وإن كانت له نتائج دينية كما سبق. كما لا شكّ أن الاستبشار أقرب إلى المضمون الأخروي أو الواقعي. ومن المعلوم أن الزهراء (سلام الله عليها) في عليائها في الآخرة، مطّلعة على الواقعيات، ومع الاطلاع على الواقعيات، فمن الممكن أن يكون ردّ فعلها هو الاستبشار لا الحزن، فكيف يقول دعبل الخزاعي هذين البيتين؟ نعيدهما لكي يطّلع القارئ الكريم عليهما:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقـد مـات عطشاناً بشط فـــرات
إذن, للطمت الخـد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات
فإذا التفتنا -والحال هذه- إلى أن الإمام الرضا قد أقرّ عمل دعبل وباركه،
ــــــ[139]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إذن, فمن الممكن القول: إن أمثال ذلك من جنس الكذب، وهو عرض ما هو محتمل باعتبار أنه يقين، يكون جائزاً بإقرار الإمام.
وجواب ذلك من عدّة وجوه، نذكر المهم منها: وهو إن دعبل الخزاعي حين قال هذين البيتين واضرابهما، إنما يُعبّر عن مستواه في الإيمان واليقين، ومقتضى مستواه هو أنه يفهم الزهراء (سلام الله عليها) بهذا المقدار لا أكثر، ومن الصعب عليه أن يلتفت إلى ما ذكرناه، من احتمال الاستبشار برحمة الله عزّ وجلّ، والإمام الرضا لم يجد مصلحة في تنبيهه على ذلك، إذ لعلّها من الحقائق التي يصعب عليه تحمّلها، فمن الأفضل استمرار غفلته عنها، طبقاً لقانون «دعوا الناس على غفلاتهم» أو قانون «كلموا الناس على قدر عقولهم».
ومن هنا يتضح إنه ليس كل إقرار من قِبَل الأئمة (سلام الله عليهم) حجة في إثبات الصحة، بل يُشترط في الإقرار إمكان المناقشة فيه والنهي عنه، فإذا لم ينهِ وهو يمكنه النهي. إذن، يدلّ ذلك على الإقرار. وأما إذا لم يمكنه النهي على الإطلاق، إذن، فسوف لن يكون سكوته دالاً على الإقرار.
وموردنا من هذا القبيل؛ لأن دعبل لم يكن يتحمّل إيضاح الفكرة له. وخاصّة وإن الإمام لا يجد في ذلك مفسدة دينية؛ لأن الأعم الأغلب من الناس إنما هم بمنزلة دعبل أو دون مستواه، فلا يكون من المنافي مع مستواهم أن يسمعوا أبياته.
إذن، فليس في هذه الرواية -لو تمّت سنداً- أيّ إقرار على قول ما خالف الواقع من الحوادث، أو الأقوال أو الأفعال، لا في الشعر ولا في النثر.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أن الحزن الحقيقي، إنما هو على أهل الدنيا وأهل الشر
ــــــ[140]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وأهل العناد، على اعتبار أنهم اختاروا لأنفسهم الغفلة والشر والعناد. وقد رُوي إن الإمام الحسين بكى على أعدائه في كربلاء، باعتبار أنهم اجتمعوا ضد إمامهم ومولاهم الحقيقي، وعرّضوا أنفسهم لهذه الجرائم النكراء. وأما تصوّره عن شهادته، والبلاء الذي مرّ عليه؛ فهو الاستبشار والفرح برحمة الله ونعمته. كما إن الحزن يكون على أولئك المشمولين لقوله: “من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبّه الله على منخريه في النار”. وهذا هو بكاء الأبوّة الواقعية، حين يحسّ الأب بتمرد أولاده عليه. والواقع إن تمردهم ليس ضدّه بل ضدّ ربهم من ناحية، وضدّ أنفسهم من ناحية أخرى، فتكون المصيبة عليهم منهم أكبر؛ لأنه لن يعاقب إلا فاعل الجريمة.
وقد يخطر في البال: إن هذا البلاء الواقع في كربلاء، أصبح بحسب ما شرحناه سبباً للاستبشار وللبكاء، في نفس الوقت في نفس الحسين، وهذا تناقض غير معقول، فلا بدّ أن يكون للمسألة تفسير آخر.
وجواب ذلك: إن هذا البلاء بنفسه له جانبان أو نظرتان أو لحاظان:
أحدهما: جانب نسبته إلى فاعليه وهم الجيش المعادي. وهو بهذا الاعتبار موجب للحزن والبكاء من الناحية الدينية، للأسف الشديد، على وجود هذا العصيان والطغيان من قِبَل أفراد الجيش المعادي.
الجانب الثاني: جانب نسبته إلى المظلومين بهذا البلاء وهم الحسين وأصحابه، وهو الجانب المسبب لفيض رحمة الله ونعمته، وهو الموجب للاستبشار.
ومن اعتبار آخر يمكن أن نقول: إن لهذا البلاء، كأي بلاء آخر، نسبتين: نسبة
ــــــ[141]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إلى الخالق ونسبة إلى المخلوق. باعتبار أن أفعالنا الاختيارية كلها لها هاتان النسبتان. فالفاعل المباشر المختار لها هو الواحد البشري، والفاعل الخالق لها بصفتها أحد أفراد الكون المخلوق هو الله سبحانه. إذن فالنسبتان ثابتتان لكل الأفعال الاختيارية، بما فيها المظالم والبلاء الذي ينزله الظالمون بالمظلومين، ومنه البلاء الواقع على جيش الحقّ في كربلاء. فمن زاوية نسبته إلى فاعليه البشريين، وهم الجيش المعادي تترتب عدة نتائج، منها:
أولاً: كونهم يتحملون مسؤوليته الأخلاقية والقانونية في الدنيا والآخرة، وهم بهذا الاعتبار يكون لهم عقاب الدنيا والآخرة.
ثانياً: جانب الحزن والبكاء عليهم؛ أسفاً على توريط أنفسهم في ذلك، وتزايد عصيانهم لله سبحانه.
ومن زاوية نسبة هذا البلاء إلى الله عزّ وجلّ تترتب عدة نتائج منها:
أولاً: وجوب الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، بإيجاده للبلاء. ومن هنا ورد عنه (سلام الله عليه): “رضا الله رضانا أهل البيت”. وقد سبق تفسيره.
ثانياً: إن هذا البلاء مهما كان كثيراً، فهو أقلّ من استحقاق الله سبحانه للطاعة، وأقلّ من استحقاق النفس للقهر. ومن هنا ورد عنه (سلام الله عليه): “هوّن ما نزل بي أنه بعين الله”.
ثالثاً: الاستبشار بوجود نعمة الله وثوابه، الذي يُعتبر هذا البلاء على عظمته مقدمة أو سبباً بسيطاً بالنسبة إليه.
ــــــ[142]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

تألب الناس ضده

إن مما يبالغ في التأكيد عليه الخطباء الحسينيون؛ لأجل الزيادة في المصيبة، وحشد العواطف، التأكيد على تألب الناس ضدّ الحسين، حتى أن أفراد القبائل، وهي مئات الألوف، قد خرجت كلها لحرب الحسين. ولبعض الخطباء سياق كلامي خاصّ يعدّد فيه رايات القبائل التي أقبلت للحرب، فيعدّد أسماء خمسة عشر قبيلة أو أكثر، من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق، كتميم وفزارة وبجيلة ومذحج وربيعة وطي وأسد وبني فلان وبني فلان… كما وردنا في التاريخ أن سوق الحدّادين في الكوفة، بقي مشتغلاً ليلاً ونهاراً أياماً متطاولة، قد تبلغ شهراً أو أكثر؛ لإصلاح السيوف والرماح والسهام والنبال، مقدمة للخروج لحرب الحسين. كما وردنا: إن الناس الخارجين في هذا السبيل، كانوا من الكثرة بحيث لم يستطيعوا أن يجدوا وسائط النقل، من الجمال والأفراس والحمير، حتى ركبوا البقر والثيران. ثم يستشهد الخطباء بقول الشاعر:
بجحافلٍ في الطفِّ أولهُا وأخيرُها بالشام متَّصلُ
وهذا المفهوم الشعري يناسب أن تكون آلاف الكيلومترات بين كربلاء والشام (وهي منطقة دمشق الآن). وهي ليست في الحدود الشرقية لسوريا على الحدود العراقية، بل قرب الحدود الغربية لها وهي الحدود مع لبنان. فتكون المسافة
ــــــ[143]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
بينهما تقدر بحوالي ألفي كيلومتر. فإذا كانت كلها مملوءة بالجيش المعادي كخطّ طويل محتشد في هذا البر المتطاول، فكم سوف يكون عدد أفراده؟
إن الكيلومتر الواحد الممتد لن يكفي في امتلائه بالناس ألف إنسان بطبيعة الحال، بل لن يكفي ضعف هذا العدد. ولكننا لو اقتصرنا على ألف، لكان المجموع مليونين من الناس على أقل تقدير.
وقد يصل الرقم إلى أربعة ملايين. مع أن أعلى رقم محتمل للجيش المعادي للحسين هو مائة وعشرون ألفاً.
صحيح إن هذا الرقم بالنسبة إلى جيوش الدول في العالم المعاصر، بسيط جداً. وقد استطاعت الدول أن تبلغ الملايين في تعداد أفراد جيوشها. لكن هذا لا ينطبق على إمكانيات الدول السابقة، ولا على أسلحتها ولا على وسائط نقلها، وخاصّة بعد أن كان النظام القديم هو الخروج الاختياري للفرد أولاً. وتحمّل مسؤوليته الاقتصادية، والعناية بأموره وأسلحته بنفسه ثانياً. ولا دخل للقيادة في ذلك، حتى التدريب على الأسلحة لم يكن، فكيف يمكن أن تحصل الأعداد الضخمة من الجيوش؟
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار طريقة القتال القديمة، وقد كانت كلها، بالسلاح الأبيض، كما هو المصطلح اليوم، وهذه طريقة تعتبر لحدّ الآن مؤلمة ألماً شديداً، وليس في النفوس الهمّة الكافية لتحمّلها، ولا شكّ أن الناس يفضلون الراحة على التورط في الحروب مهما كانت، فضلاً عن التورط بقتال شخص محقّ جليل القدر كالإمام الحسين.
ــــــ[144]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
على أنه توجد فيما يخصّ الحسين عدة نقاط، تصلح كقرائن واضحة على عدم تألب الناس عليه إلى الحد الذي يتصوّره الآخرون:
النقطة الأولى: كون الحسين معروفاً بالنسبة إلى رسول الله وفاطمة الزهراء وأمير المؤمنين. كما هو معروف بالعلم والصلاح، سواء من قِبَل من يؤمن بإمامته أو من لا يؤمن.
النقطة الثانية: إنه اجتمع إليه في جيشه أناس معرفون بالصلاح والأهمّية، كحبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة وبرير بن خضير وغيرهم كثير. فمن كان غافلاً عن أهمّية الحسين، باعتباره عاش أغلب حياته في الحجاز، بعيداً عن الكوفة، فلا أقلّ من أنه يتعرف على أمثال هؤلاء من أصحابه (رضوان الله عليهم).
النقطة الثالثة: الخطب والمواعظ التي صدرت من الحسين وأصحابه وأهل بيته إلى الجيش المعادي قبل التحام الحرب. فإنها وإن لم تكن تؤثّر في توبة هذا الجيش، أو تفرّقهم أو التحاقهم بمعسكر الحسين، ولكنها لا شكّ أثّرت على أقلّ تقدير في تحريك بعض عواطفهم إليه، كالشفقة دنيوياً والتعرف على مستواه دينياً. وهذا أمر يقتضي فتور الهمة عن ممارسة حربه وضربه لا محالة.
النقطة الرابع: قولهم للحسين: «قلوبنا معك وسيوفنا عليك». وهذا معناه إن السيوف وإن كانت عليه ظاهراً، إلا إن القلوب معه واقعاً، فمن غير المحتمل أن توجد لهم همة حقيقية لحربه.
النقطة الخامسة: ما وردنا في التاريخ عنه شخصياً، أن أفراد الجيش المعادي
ــــــ[145]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
كانوا يتحامون عن قتله. ولا يريد كل منهم أن يكون هو البادئ بالضرب ضدّه. ومن دلائل ذلك: أنه ورد عن أصحابه، أنهم التحموا في مبارزات مفردة مع الأعداء، مع أنه لم يرد ضدّ الحسين ذلك أصلاً، بل كان يكتفي بالهجوم على الجيش ككل. وهم يفرّون من بين يديه فرار المعزى إذا شدّ فيها الذئب. كما ورد مثاله في التاريخ.
النقطة السادسة: ما ورد أن بعض أفراد الجيش المعادي، بل ربما عدد مهم منهم، كانوا يشفقون على الحسين وأصحابه، حتى أن عمر بن سعد وهو قائد الجيش كله، شوهد والدموع تنزل من عينيه أكثر من مرّة. ومما يدعم ذلك ما ورد: من أن الحسين حين أخذ ولده الرضيع ليطلب له الماء، اختلف العسكر في شأنه، فقال بعضهم: “إن كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار”. وقال البعض: “لا تبقوا لأهل هذا البيت باقية”. إذن, فليسوا كلهم على رأي واحد، وكان يوجد فيهم من هو مستعد للمناقشة، وإنه لم يكن يظن إن الأمر سوف يؤول بالحسين وأصحابه إلى هذه الدرجة من البلاء.
النقطة السابعة: إن أهل الكوفة وضواحيها يومئذ، مما لا دليل تاريخياً على كثرتهم بهذا المقدار الوفير، ولعلّ مجموع أفرادهم من رجال ونساء وأطفال، لم يكونوا يتجاوزون المائة ألف أو المائة والعشرين. فكيف يخرج من المائة وعشرين مائة وعشرون؟ وهل يخرجون كلهم من نساء وأطفال وشيوخ وعجزة؟ مع العلم أنهم يقولون: إنهم مائة وعشرون ألف محارب، وليسوا من هذا القبيل. وهل يمكن أن نقول: إن الكوفة خلت تماماً من الرجال في ذلك الحين، ولم يبقَ من يحرس البيوت ويقوم بشؤونها؟
ــــــ[146]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
فإذا ضممنا إلى هذا الاستبعاد أمر آخر، وهو إن كثيراً من أهل الكوفة، كان يمكنهم عدم تسليم أنفسهم للحرب ضدّ الحسين، إما بالجلوس في داره عدّة أيام، أو بالسفر خارج الكوفة عدّة أيام، أو بالتعلّل بالمرض أو بحاجة العائلة إليه، أو بوجود مريض لديه، وغير ذلك كثير. وعلمنا مع ذلك: إنهم كانوا يتحامون عن حربه وضربه. إذن فكم من النسبة بقيت ممن يمكن أن يخرج من أهل الكوفة فعلاً لحرب الحسين؟
النقطة الثامنة: إن من جملة ما أوجب تجمع الجيش، هو أن أمير الكوفة يومئذ عبيد الله بن زياد، وعد بمضاعفة العطاء للأفراد الخارجين في هذا الجيش. أو أنه وعد بزيادة كل فرد منهم عشرة دنانير، وهي دنانير ذهبية في ذلك الحين، على اختلاف النقل التاريخي. ونحن إذا أخذنا بأضعف الاحتمالات وأقلّها، وهو أن يكون الجيش ثلاثين ألفاً، وإن العطاء عشرة لكل فرد. فستكون الدنانير الموزعة ثلاثمائة ألف دينار ذهبي، فهل كان عبيد الله بن زياد يملك هذا المقدار من الدنانير؟
مضافاً إلى ما يحتاجه هو، وتحتاجه قيادة الجيش المعادي الذاهب إلى كربلاء منها. مع العلم إن النقد بالأساس في تلك العهود كان قليلاً، والمسكوك منه يكاد يكون نادراً. فمن أين حصلت هذه الألوف من الدنانير الذهبية؟
وهنا قد يخطر في البال: إن الناس اكتفوا بمجرد الوعد، وإن لم يقبضوا المال. وكان هذا كافياً لحثّهم على الخروج إلى الحرب.
وجواب ذلك من وجوه أهمّها: إن الفرد المحارب، يحتاج إلى المال لخروجه ويحتاج إلى المال لعائلته الباقية في المدينة، ويحتاج المال لسلاحه، وحاله الاقتصادي
ــــــ[147]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الخاصّ به لا يساعد في الأعمّ الأغلب من الأفراد على ذلك. إذن، فاكتفاؤهم بالوعد أمر مستبعد. فإذا ضممنا إلى ذلك علمهم بقلّة النقد أساساً، وصعوبة توزيعه من قِبَل عبيد الله بن زياد، كما أشرنا، لم يبقَ لهم أيّ دافع حقيقي للتصديق بهذا الوعد الزائف.
النقطة التاسعة: ولعلّها الأهمّ، وإن جعلناها في المؤخّرة من هذه النقاط؟ هي أن الكوفة بلد أمير المؤمنين والد الحسين قبل سنوات قليلة من ذلك الحين، وأغلبهم جدّاً قد شاهد ذلك الإمام، وسمع خطبه ومواعظه (سلام الله عليه)، وشاهد ولده الإمام الحسن وسمع منه، بل وشاهد الإمام الحسين نفسه في مقتبل عمره. ولم يعرفوا منهم إلا الخير والصلاح، بل ما هو أفضل كما هو معلوم. فمن أين يأتي هذا الحقد المتزايد، والتألب المكثّف على الإمام الحسين فجأة، وبدون سابق إنذار كما يعبّرون، لمجرد أن عبيد الله بن زياد أمر بالزيادة المالية القليلة؟!
صحيح، إن الكوفة أو إن سكانها لم يكونوا مجمعين على الولاء لأمير المؤمنين، بل كان فيها اتجاهات مختلفة حتى من الدهرية والخوارج وغيرهم. إلا أن الذي يفيدنا في المقام أمور:
أولاً: إن أغلب سكانها كان وما زال موالياً لأمير المؤمنين.
ثانياً: إن الاتجاهات الأخرى في الكوفة تمثل (جاليات) قليلة جدّاً.
ثالثاً: إن هناك عدد من النفوس أو الأفراد تشكّ -على الأقلّ- في جواز حرب الحسين أمام الله سبحانه، وإن لم تجزم بحرمته وهذا يكفي.
ــــــ[148]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وصحيح أن الكوفة غدرت بأبيه وأخيه، كما قالوا للحسين، حين أرادوا إرجاع نظره عن السفر إليها، إلا أن هذا هو الظاهر الذي فعله الأشرار وهم القلّة منهم. وهذا لا ينافي وجود من يواليه فعلاً، أو يتورّع أمام الله سبحانه وتعالى عن حربه. وصحيح أن الحسين لو وصل إلى الكوفة فعلاً، وهي تحت حكم عبيد الله بن زياد، لم يستطع أن يجد أحداً يبايعه. إلا أن هذا لا ينتج معنى الإخلاص لابن زياد من قِبَل الجميع. بل ينتج أن الناس كانوا يومئذ في خوف ورعب من إظهار الولاء للحسين، وهذا لا يعني -بكل وضوح- استعدادهم لحمل السيف ضدّه. أو قل: لحمله بهذه السعة وبهذه المرارة والقسوة.
النقطة العاشرة: جهود رسول الحسين إلى الكوفة، مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه). فإنه أخذ البيعة على نطاق واسع، وألّب العواطف باتجاه الحسين، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً، وسمع الناس مواعظه وخطبه، وقرأوا الكتاب الذي كان معه من الحسين. حتى أثمرت جهوده بإرسال الكتب إليه للوفود إليهم والورود عليهم. وقالوا في كتابهم الأخير: “فأقبِل يا بن رسول الله، إنما تُقبِل على جند لك مجندة والسلام”.
وبحسب ما هو المعروف من نظام النفوس أو القلوب -لو صحّ التعبير-، إنها لا يمكن أن تنقلب من هذه الصداقة الحميمة إلى العداوة القاسية بين عشية وضحاها، بدون أن ترى الحسين، أو أن تسمع منه شراً أو ترى منه ضرراً وحاشاه.
وقد يخطر في الذهن: إذن فكيف قُتِل الحسين. إذ لو تمّ ما قلناه إذن لم
ــــــ[149]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
يخرج إلى قتاله أحد، إلا شرذمة قليلة قابلة للسيطرة عليهم، أو صدّهم بكل سهولة، ولم يحتج الأمر إلى تلك المظالم والآثام؟
وجواب ذلك: إن الجيش المعادي للحسين، في حدود ما نحتاج إليه من فكرة الآن، يمكن تقسيمه إلى قسمين:
القسم الأول: وهو الأغلب أو الأغلب جدّاً، وهم الواردون مع الأعداء خوفاً أو طمعاً أو إحراجاً، أو نحو ذلك من المصاعب الدنيوية، مع كونهم يتورّعون بقليل أو بكثير عن ضرب معسكر الحسين، إلا تحت ضغط مماثل من قِبَل قادتهم. وربما كان بعضهم إذا تلقّى الأمر بالهجوم مع جماعة يجول بفرسه هنا وهناك باعتبار أنه متصدٍّ للهجوم، ولكنه لا يضرب أو يضرب أقلّ المجزي، أو لا يضرب إلا تحت الإحراج الشديد.
ولا ينبغي أن يخطر في البال: أن هؤلاء وأمثالهم ناجون من العقوبة الأخروية، وأنهم أخيار أو أبرار، كلا ثم كلا. يكفي أنهم يقفون موقفاً معادياً للحسين، ويشاركون في ترويع أصحابه وأهل بيته، وينصرون أعداءه، ويكونون مشمولين لقوله: “من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبّه الله على منخريه في النار”. وهم وإن لم يحاربوا الحسين حقيقة، إلا أنهم لم ينصروه بكل تأكيد.
والمهم الآن: إن هذا القسم من الناس هو الذي كان يشكّل الجمهور الغفير من الجيش المعادي. وإن هذا المستوى من التفكير لديهم، هو الذي أدى إلى احتشاد الجمهور ضدّ الحسين.
القسم الثاني: وهم المعاندون ضدّ الحسين والحاقدون عليه، وهم قلّة
ــــــ[150]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
موجودة في الكوفة فعلاً. ولا شكّ أنهم استغلوا الموقف للخروج، كما لا شكّ إن ابن زياد استغلهم للقتال. كما أنهم بلا شكّ يشكّلون جماعة مهمة، وقابلة للتأثير الكبير في المجتمع في الكوفة وما حولها، سواء حال جمع الجيش أو حال القتال، مما يشكل في كربلاء عدداً معتدّاً به من المحاربين. وهو الذي أوجب الانتصار العسكري بالمعنى المباشر للجيش المعادي للحسين.
ــــــ[151]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

توصيات عامة للخطباء

يحسن بنا قبل الدخول في التفاصيل الآتية، أن نلمّ إلمامة بما ينبغي أن يكون عليه حال الخطباء الحسينيين؛ لكي يتطوّروا إلى الأفضل في الدنيا والآخرة. وبذلك يحرزون خير الدارين وكل ما تقرّ به العين. والنصائح العامة تنقسم إلى قسمين، منها ما يرتبط بالمسؤولية الدينية العامة. ومنها ما يرتبط بواقعة الحسين. ونحن فيما يلي ذاكرون (بعون الله) الأهم مما يخطر على البال من كِلا القسمين:
أولاً: البدء بالخطبة بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، لا شيء آخر، حتى لو كان ذكراً للحسين. فإن كل كلام لا يبدأ بـ(بسم الله) فهو أبتر، وبالبسملة يمكن للخطيب أن يعاذ في خطبته من الشيطان، وأن يؤيَّد برحمة الرحمن.
ثانياً: الوعظ والإرشاد؛ فإنه من الضروريات والواجبات في هذا المجتمع، وفي كل مجتمع، وفي هذا الزمان وفي كل زمان؛ لكي تصل الموعظة إلى أهلها، ويستفيد منها أكبر عدد ممكن، سواء كانت الموعظة مرتبطة بقضايا الحسين، أم لا. فإن في تلك القضايا من العِبر والمواعظ ما لا حدّ له، فضلاً عن غيرها.
ثالثاً: عدم إيذاء أحد من الناس، أو من الطوائف في كلام الخطباء، وهو معنى (التقية)، فإنها واجبة على كل حال، ما لم يكن الأمر خارجاً عن موردها، يعني أن يحرز الفرد أن كلامه سالم النتيجة.
ــــــ[152]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
رابعاً: التورّع عن نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومين وغيرهم كذباً. فإن الكذب على المعصومين من أعظم الكبائر. والكذب على غيرهم كبيرة، سواء على الأشخاص التاريخيين، أو على مؤلفي المصادر أو على أيّ مؤمن ومؤمنة. وأوضح أسلوب يتخذه في هذا الصدد أن يقول: (قيل) أو (روي) أو (يقال)، ونحو ذلك، حتى لا ينبغي له ذكر أحد من أسماء المؤلفين، ما لم يحرز باليقين وجوده في كتابه، وصحة انتساب الكتاب إليه باليقين أو بدليل معتبر.
خامساً: أن يتورّع من نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومين وغيرهم، باعتبار لسان الحال، شعراً كان ما يقوله الخطيب أم نثراً، فصيحاً كان الكلام أم دارجاً. ما لم يعلم أو يطمئن بأن لسان حالهم هو كذلك فعلاً. وقد ناقشنا ذلك مفصّلاً فيما سبق، فراجع.
سادساً: أن يتورّع الخطيب عن ذكر الأمور النظرية والتاريخية أو غيرها، مما قد يثير شبهات حول الأمور الاعتقادية في أذهان السامعين، ويكون هو قاصراً أو عاجزاً عن ردّها ومناقشتها أو غافلاً عن ذلك، بل يجب عليه أن يختار ما سيقوله بدقة وإحكام، وإلا فسوف يكون هو المسؤول عن عمله. فيقع في الحرام من حيث يعلم أو لا يعلم.
وينبغي أن نلتفت إلى أن هذا مما لا يفرق فيه بين أن يكون مرتبطاً بحوادث الحسين أو غير مرتبط. أو كان مسلّم الصحة في اعتقادهم أو غير مسلّم.
سابعاً: أن يحاول الخطيب ستر ما ستره الله سبحانه وتعالى من الأمور. فلا يصرِّح بأمور قد حدثت خلال الحرب أو القتل، قد توجب ذلة أو مهانة المقتول، أو
ــــــ[153]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ما يسمّى في عرفنا (بالبهذلة)، فيسكت عن كل شيء يوجب (بهذلة) المؤمنين الموجودين يومئذ، بل كل المؤمنين في كل جيل، وخاصّة الحسين ونسائه وأصحابه وأهل بيته.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أمرين:
الأمر الأول: إن هذا الذي قلناه الآن غير ما سبق أن نفيناه من وجود الذلّة للحسين وأنصاره، فإنهم لم يمرّوا في الذلّة بكل تأكيد. ولكن المقتولين مرّوا بالبهذلة بكل تأكيد. وهذا ما تعمّده الأعداء، وما يكون طبيعياً وجوده عند الحرب، إلا أن ستره واجب والتصريح به حرام.
الأمر الثاني: إن هذا الذي قلناه غير ما سبق من حرمة نسبة الأقوال والأفعال إلى المعصومين وغيرهم كذباً. بمعنى إن الخطيب حتى لو كان عالماً بالحال أو متأكداً منه، أو قامت عنده الحجة الشرعية لديه، فإنه أيضاً لا يجوز عليه أن يفتح فمه بالأمور التي توجب مهانتهم (رضوان الله عليهم).
ثامناً: أن لا يروي الخطيب أموراً مستحيلة بحسب القانون الطبيعي، حتى وإن ثبتت لديه بطريق معتبر؛ لأنها على أي حال ستكون صعبة التحمل على السامعين. ولعلّ أوضح أمثلة ذلك ما يذكره بعض الخطباء عن علي بن الحسين (الأكبر) سلام الله عليه، إنه حين ضُرِبَ على رأسه بالعمود تناثر مخُّه، وفي بعض المصادر أنه سال مخّه على كتفيه. ثم يقول الخطباء: إنه في آخر رمق من حياته دعا أباه الحسين، فبادر بالذهاب إليه، فأخبره قائلاً: “هذا جدي رسول الله قد سقاني شربة لا أظمأ بعدها أبداً”.
ــــــ[154]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مع العلم اليقين أن من تناثر مخّه، فهو ميت لا محالة، ولا يستطيع الكلام ولا بكلمة واحدة، فضلاً عن الإنتظار مدّة إلى أن يصل إليه أبوه. فإن تلف المخّ طبّياً يعني الوفاة، وعدم إمكان استمرار الحياة بكل تأكيد، فيكون ما يقوله الخطباء من كلامه بعد ذلك ممتنعاً بحسب القانون الطبيعي، إلا أن نقول إن مخّه لم يتناثر، ولم يسل على كتفيه، عندئذ تكون له فرصة الكلام.
[حصول المعجزات للحسين]
وقد يخطر في البال أمران:
الأمر الأول: إن هذا وأمثاله يمكن أن يحصل بنحو المعجزة، فإنه وإن كان خارقاً للناموس الطبيعي، إلا أن كل معجزة خارقة له بطبيعة الحال، فليكن هذا منها.
وجواب ذلك: إننا بحسب ما نفهم، فإن واقعة كربلاء بكل تفاصيلها ليست قائمة على شيء من المعجزات، وإلا لم يكن الإمام الحسين في حاجة إلى الحرب، وإلى تحمّل هذا البلاء الدنيوي العظيم، بل كان يمكنه بدعاء واحد لله عزّ وجلّ أن يقتل كل أعدائه، أو أن يعود إلى المدينة بأسلوب طيّ الأرض، أو أن يسخِّر الجن أو الملائكة في القتال، أو أن يصرف قلوب أو أذهان أعدائه عن مقاتلته أو قتله… إلى غير ذلك من احتمالات السلامة. ولعلّنا نبحث هذا الأمر بمزيد من التفاصيل حين تسنح الفرصة إليه قريباً.
الأمر الثاني: إنه من المروي بل المؤكّد حصول بعض المعجزات في ساحة كربلاء يومئذ، حين يوجد شخص أو أكثر وربما متعددون دعا عليهم الحسين،
ــــــ[155]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
فحصل فيه حادث مروّع كالموت حرقاً أو غرقاً وغير ذلك. وإذا أمكنت المعجزة هناك مرّة أمكنت مرّات.
وجواب ذلك على مستويين:
المستوى الأول: إن المروي أن أمثال هذه الحوادث قد حدثت بأسباب طبيعية، مهما كانت ضعيفة. فهي وإن كانت استجابةً لدعاء الحسين، ومن أقسام المعجزة, إلا أن الله سبحانه لم يشأ أن تحدث فجأة وبدون سبب. وإذا عُرِف السبب زال العَجبْ.
المستوى الثاني: إننا لو تنزلنا عن المستوى الأول، وفرضناها معجزات ناجزة، فيمكننا أن نلتفت إلى أن المعجزات على قسمين في حدود ما نستهدفه الآن:
القسم الأول: معجزات قد تحصل لإقامة الحجّة على المعسكر المعادي؛ لجلب الانتباه إلى أن الحق إلى جانب الحسين وأصحابه, وتركيز ذلك في أذهانهم. فإنني أعتقد أنهم لم يكونوا يحتاجون إلى ذلك في موقفهم أمام الله سبحانه، لوضوح ذلك للمعاندين وغيرهم، ولكن قد تقتضي الحكمة الإلهية الزيادة في ذلك التركيز، وإثبات ذلك حسّياً أمامهم، لإمكان أن يرجع بعضهم إلى التوبة. وإن لم يرجع عليها فسوف يشعر بضخامة عمله ووخامة عاقبته. وهذا ما يندرج فيه إجابة دعاء الحسين في بعض الأفراد كما سبق.
القسم الثاني: معجزات لا ربط لها بإقامة الحجّة على المعسكر المعادي، بل لعلّ الحكمة تقتضي عدم تحققها؛ ليكون البلاء الدنيوي الواقع على معسكر الحسين أشدّ، لتكون المقامات لهم أعلى، والثواب أجزل، ورضاء الله سبحانه وتعالى أفضل.
ــــــ[156]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
تاسعاً: من الأمور التي ننصح بها الخطيب الحسيني أيّاً كان:
أن يحاول برمجة مصادره وأقواله جهد الإمكان، ويدعمها في قالب موحّد ومنسجم، وليس متنافراً أو متناقضاً من ناحية، ولا متباعداً ومتناثراً من ناحية، بل يذكر أموراً متقاربة تاريخياً، ومنسجمة نظرياً. ويبذل أقصى إمكانه فيه.
عاشراً: أن يدع ما أمكنه التفلسف في الحوادث، أعني التعرض إلى الحِكَم والأسباب التي اقتضتها، ما لم يحرز في نفسه الأهلّية لذلك. وإلا فليدع ذلك إلى أهله، وهو خير له في الدنيا والآخرة أن يكلّف نفسه ما لا يطيق، أو أن يكلّف السامعين ما لا يطيقون. فقد تثبت الشبهة في أذهانهم، ويكون الخطيب عاجزاً عن ردّها، أو عن إقناع السامعين بالردّ، فيتورّط بالحرام من حيث لا يعلم، وليس ذلك فقط -أعني فيما يخصّ كربلاء أو حركة الحسين- بل كل أمور الشريعة على هذا الغرار. فلا ينبغي لأيّ فرد التصدي إلى التفلسف فيها ما لم يحرز في نفسه الأهلّية والقدرة، وإلا فمن الأولى له إيكال علمها إلى الله سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا(1).
ومن أمثلة ذلك: ما سمعته شخصياً من بعض الخطباء، حيث كان يحلّل معنى ما ورد: (لا عدوى في الإسلام). ولم يكن يفلح في ذلك. وسمعت من بعضهم أيضاً: أنه كان يحلّل قول رسول الله لعلي، على ما هو مروي في نهج البلاغة: “يا علي إنك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع”.
ــــــ[157]ـــــــ
)) آل عمران:7.
أضواء على ثورة الحسين
وكلاهما كان عاجزاً عن الوصول إلى حقيقة المعنى، فلو كانا قد تعرّضا إلى ما ينفع الناس من أمورهم الخاصة والعامة، لكان خيراً لهم وأحسن تأويلاً.
حادي عشر: أن يدع الخطيب التشكيك فيما تسالم العامة -أعني جمهور الناس- على صحته، فضلاً عن إنكاره، وبصراحة فإنه ينبغي أن يستهدف هدايتهم وتوجيههم نحو الطاعة والعقيدة، ومن الواضح أنهم إذا وجدوا مثل هذا التشكيك في كلامه سوف ينتقدونه وسيسقط من أنظارهم، فيسبب ذلك عدم سماعهم لمواعظه وإرشاده أو بُعده عنهم أو مقاطعتهم له عملياً.
ومن هذا القبيل ما طرق سمعي من أن شخصاً معروفاً في هذا العصر، طبع كتاباً عن الحسين، حاول فيه بوضوح أن يبرهن على أنه (سلام الله عليه) لم يكن يعلم بمقتله قبل حصوله، فسقط الكتاب والمؤلف عن أعين الناس، كما هو أهل له فعلاً، لو صح النقل.
ثاني عشر: أن لا ينسب الخطيب الحسيني وغيره إلى غير المعصومين من المؤمنين فضلاً عن المعصومين: الوقوع في الحرام قلّ ذلك أم كثر. فإن غير المعصومين وإن كان يمكن ذلك في حقّهم، إلا أنه مع ذلك يجب السكوت عن مثله:
أولاً: لأنهم علماء عظماء من تربية الأئمة المعصومين.
ثانياً: لأن نسبة المحرم إليهم لم يثبت بطريق معتبر لو وجِد، فيكون ذكره من الكذب الحرام.
ثالثاً: لو تنزَّلنا وفرضنا ثبوته بدليل معتبر، فالستر على فاعله أولى وأفضل.
رابعاً: لو تنزَّلنا عن كل ذلك، فلا أقلّ من عدم تحمّل الجمهور لمثل هذه
ــــــ[158]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الروايات، مما يحصل ردّ فعل غير مناسب لديهم. فإما أن يسقط الخطيب من أنظارهم، وإما أن يتجرأوا على الحرام. بعنوان: إن أصحاب الأئمة كانوا يعملون الحرام، فلماذا لا نعمله! وتكون الخطيئة في النتيجة في ذمّة الخطيب الناقل للرواية. ويحسن بنا الآن أن نذكر لهذا الأمر مثالين يخطران على البال؛ لأجل التدليل بهما أولاً, ولأجل التعرّض إلى فلسفتهما وأسبابهما ثانياً:
[في أن النساء ناشرات الشعور]
المثال الأول: قوله عن نساء الحسين في وصف حالهن بعد مقتله، وذلك في زيارة الناحية: “فخرجن ربات الخدور ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وبالويل والثبور مولولات وإلى مصرعك مبادرات”.
حيث إن الظاهر الأولي لقوله: (ناشرات الشعور). كونهن كذلك أمام الرجال الأجانب من المعسكر المعادي، وهو مما لا شكّ في حرمته في الشريعة المقدسة، فيكون ذكره من نسبة المحرم إلى نساء الحسين.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ضعف هذه الرواية سنداً، فهي لا تقوم كدليل معتبر على أي شيء فيها, فينتفي الأمر من أصله.
الوجه الثاني: لو تنزّلنا وفرضناها معتبرة، فالدليل إنما يكون معتبراً في حدود ما يمكن تصديقه والأخذ به من المعاني والأفكار. وأما ما لا يمكن فيه ذلك فلا يكون الدليل معتبراً أو حجّة فيه. فإذا نسبت أيّة رواية إلى هؤلاء الأجلّاء أيّ محرم، والعياذ بالله، كانت هي الساقطة عن الحجّية، لا أن التصديق بمضمونها يكون
ــــــ[159]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ممكناً، وليست هذه الرواية ببدع عن ظواهر القرآن الكريم، حيث ثبت في علم الأصول أنها إنما تكون حجّة إذا لم تكن منافية للدليل القطعي، وأما إذا كانت منافية له لم تكن حجة، كقوله تعالى: يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(1). أو قوله تعالى: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(2). بعد قيام الدليل العقلي القطعي على استحالة ثبوت مثل هذه الأمور للذات الإلهية المقدسة.
الوجه الثالث: إن النساء كنّ مدهوشات وحائرات الفكر، وغير شاعرات بواقعهن لمدى الحزن والأسى الذي تملّكهُنّ وسيطر عليهن لمقتل الحسين وأصحابه. فإذا كنّ قد خرجن أمام الرجال الأجانب، فهن غير ملتفتات إلى واقعهن، وغافلات عن الحكم الشرعي، أو قل: ناسيات له. فلا يكون الحكم فعلياً أو منجزاً في حقّهنّ، أو قل: إنهنَّ معذورات بالنسبة إليه. وهذا الوجه له درجة من الوجاهة، بعد التنزّل عن الوجهين السابقين، وهو المشهور بين الناس، ولعلّه هو المقصود في الزيارة، لو كانت معتبرة سنداً. إلا أنه مع ذلك لا يخلو من استبعاد؛ لأمرين نذكرهما مع إحالة القناعة بهما إلى وجدان القارئ اللبيب:
الأمر الأول: إن النساء كُنَّ كثيرات كعشرة أو أكثر، ولم تكن واحدة أو اثنتين مثلاً، فإذا أمكن سيطرة الحزن بشدّة على واحدة أو اثنتين ونحو ذلك، لم يكن ذلك في الجميع باستمرار، أو قل: طيلة الوقت. فلا أقلّ من أن واحدة أو أكثر تلتفت لحالهن، فيجب عليها تنبيههن على ذلك ويتمّ الأمر.
ــــــ[160]ـــــــ
( ) الفتح: 10.
(2) طه: 5.
أضواء على ثورة الحسين
الأمر الثاني: إنه يُستبعد جدّاً أن يكون مقتضى الحكمة الإلهية ذلك؛ لأن الحسين وأصحابه قُتِلوا في سبيل الله والدين، فمن الصعب أو من السخف أن نتصور: أنه في التقدير الإلهي أن يصدر العصيان الصريح، والمنظر القبيح من نسائه الأشد ارتباطاً به بعد مقتله مباشرة.
الوجه الرابع: للجواب على هذه الرواية:
إنه لم يقل في الرواية، (ناشرات الشعور) أمام الرجال الأجانب، أم أمام الأعداء، ونحو ذلك، بل من الواضح أنهن ناشرات الشعور فقط. وهذا من الممكن بل المتعيّن أن يكون ضمن التعاليم الدينية والحجاب الإسلامي، فإذا ضممنا إلى ذلك هذه الفكرة، وهي أن النساء في الشرق كنّ ولا زلن، وقد ورثنا الأمر عن الأجيال السابقة ورأيناه عياناً، وهو اعتياد النساء في حالة الحزن والمصيبة على الالتزام بنشر شعورهن وإرسالها؛ وذلك لأمرين:
أحدهما: إن ذلك بنفسه علامة الحزن والحداد.
وثانيهما: إن ذلك ناشئ من إعراضها عن الزينة؛ حزناً، أو من ضيق نفسها عن التمشّط أساساً، إما حقيقة، أو إن المرأة تريد أن تظهر ذلك أمام الآخرين، أو أن تكون في هذا الحال كغيرها من النساء. فإن التزام النساء بعادات بعضهن البعض مما هو واضح ومُسلَّم.
فإذا ضممنا هذه الفكرة إلى ما سبق أمكننا أن نقول: إن نساء الحسين ناشرات الشعور؛ حداداً على هذا المصاب الجلل، وحزناً وإظهاراً لزيادة المصاب، وليس في الأمر ولا في الرواية بالمرّة إنهن كنّ ناشرات الشعور أمام الرجال
ــــــ[161]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الأجانب، بل كنّ كذلك في مجتمعهن الخاصّ، أعني النساء أمام بعضهن البعض.
فإن قال قائل: إن هذا الوجه محتمل، وليس أكيداً. قلنا: إنه بعد التنزّل عن كل ما سبق مما يقتضي كونه أكيداً، فإن مجرد الاحتمال هنا يكفينا كأطروحة موهنة للاستدلال بهذه الرواية ضد نساء الحسين، وقيامهن بالمحرّمات، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
[طلب مسلم بن عقيل للماء]
المثال الثاني: لِما روي من قضايا الحسين. مما يكون ظاهره العمل بشيء من المحرّمات. مع التعرّض إلى جوابه: ما ورد في تأريخ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، من أنه حين أخِذ مكتوفاً إلى عبيد الله بن زياد، رأى قُلَّة ماء بارد، فقال: “أسقوني منها”. فقال له بعضهم: “أنظر إليها ما أبردها، لن تذوق منها حتى تذوق الحميم..” إلى أن تقول القصّة، إنه صبّ له في قدح ماء، وقرّبه إلى فمه لكي يشرب، فامتلأ القدح دماً. لأنه كان قد حصلت له ضربة على شفته العليا ووصلت إلى أسنانه، فسكب الماء، فملأوه له مرة أخرى، فامتلأ القدح دماً فسكبه. فلما كانت الثالثة قال: “لو كان من الرزق المقسوم لشربته”.
ففي هذه الحادثة يمكن أن نلاحظ، كملاحظة أوّلية، عدم مشروعيّة مطالبة مسلم بن عقيل بالماء؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ملتفتاً إلى جرحه الذي في فمه، أو لا. والجرح لم يكُن قد مضت عليه مدّة طويلة. ولعله كان ينزف لحدّ الآن.
أما عدم التفاته إليه فهذا مستبعدٌ جداً، باعتبار الدم الذي ينزف، وإن لم يكن له دم كان الألم موجوداً. ومن الصحيح أنه (سلام الله عليه) يتحمّله ويصبر عليه،
ــــــ[162]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
إلا أن ذلك لا يعني نسيانه، بحيث يستطيع أن يأكل أو يشرب كأيّ إنسان اعتيادي.
فإذا كان ملتفتاً إلى الجرح فلماذا طلب الماء، وهو يعلم سلفاً باختلاطه بالدم؟ لأن الدم وإن لم يكن ينزف بشدّة، ولكنه إذا شرب الماء فسوف يدخل الماء في الجرح، ويحدث نزف جديد يقيناً، فهذا فيه احتمالان باطلان لإتمام الاستشكال، ومحتمل ثالث صحيح للجواب عليه.
أما الاحتمالان الباطلان فهما:
الأول: أن يكون مسلم بن عقيل مستعداً لشرب الماء المختلط بالدم بالرغم من نجاسته، وهذا الاحتمال باطل؛ لأنه حرام أوّلاً، وينصّ التاريخ على تركه وإراقة الماء ثلاث مرات ثانياً.
والثاني: تبذير الماء، بحيث كان كلّما امتلأ دماً أراقه، وخاصّة في المرّة الثالثة، حيث كان من المعلوم حصول نفس النتيجة. وهذا الاحتمال باطل أيضاً؛ لأنه وإن كان تبذيراً، إلا أنه ليس بمحرم على مسلم بن عقيل في ذلك المورد، لوجود المصلحة فيه على ما سيأتي.
ولكن لو صحّ أحد هذين الاحتمالين لَتمّ الاستشكال، ولم يبقَ عندنا من جواب إلا الطعن بسند هذه القصّة نفسها. واحتمال كونها مكذوبة أساساً أو تأكيد ذلك، لأننا نُجِلُّ مسلم بن عقيل عن مثل هذا الإسفاف.
ولكن الاحتمال الثالث والأخير يصلح جواباً على الإشكال أساساً: وهو أننا ينبغي أن نلتفت إلى أن طلبه للماء كان في أوّل دخوله على عبيد الله بن زياد، فأراد أن يبرهن له عملياً وحسّياً على حاله السيئة دنيوياً، والبلاء الحاصل عليه قبل
ــــــ[163]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
القبض عليه وشدّ وثاقه، فهو متعب جدّاً وعطشان جدّاً ومجروح جرحاً بليغاً، مضافاً إلى كونه أسيراً ومكتوفاً، ولئن كان في شرب الماء نوع من الراحة له؛ فهو قد أصبح بحال بحيث لا يستطيع أن يشرب الماء ليرتاح حتى بهذا المقدار. كل هذا فهمه عبيد الله بن زياد من تنفيذ طلبه، ومحاولته لشرب الماء، بل أكثر من ذلك، وهو أن الجرح بليغ إلى درجة لا يؤمّل معه انقطاع الدم، حتى في الصبة الثالثة للماء. وهذا الذي أشرنا إليه من أن المصلحة تقتضي وجود هذه الصبّة، فلا تكون تبذيراً. فقد كان طلبه بياناً عملياً لشرح حاله لا أكثر. وبهذا يندفع الإشكال السابق جملةً وتفصيلاً.
ــــــ[164]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

مسلم بن عقيل في الكوفة

حيث تحدّثنا عن مسلم بن عقيل، ويعتبر الحديث عنه حديثاً عن أوّل قضايا الحسين تقريباً. وأود بهذه المناسبة أن أعرض عدّة أفكار، أعرضها في العناوين التالية:
الأخوّة
حين أرسل الإمام الحسين مسلم بن عقيل إلى الكوفة، كتب معه كتاباً، يعرّفه فيه لأهلها، ويصفه بأنه “أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي والمفضل عندي”. فهذه عدّة صفات. أما كونه (ابن عمّه): فهو تعبير عن قرابته فعلاً؛ لأن علياً وعقيل (سلام الله عليهما) أخوان شقيقان، وهما أبوا الحسين ومسلم.
وأما كونه (أخاه): فهي على ما أعتقد أهمّ هذه الصفات على الإطلاق؛ لأنه بعد أن لم يكن أخاً شقيقاً حقيقة ولا غير شقيق، فلا بد من حمّله على أحد معنيين: إما المعنى المجازي، وأما المعنى المعنوي، ولا تنافي بينهما.
لأنه في الظاهر أخ مجازي، وفي الباطن أخ معنوي. وفي هذا الصدد ينبغي أن نلتفت إلى أن رسول الله، حين آخى بين أفراد المهاجرين والأنصار، وترك علياً، شكى إليه علي بأنه لم يعيّن له أخاً، فقال: “جعلتك أخاً لنفسي”. ومن هنا
ــــــ[165]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ورد تشريفه بهذا الصفة بأنه: “المخصوص بالأخوّة”، يعني مع رسول الله، وهذه ليست أخوّة مجازية، بل أخوة معنوية وحقيقية على المستوى الإلهي.
ومحلّ الشاهد من ذلك إننا نسأل: لماذا نحمل أخوّة رسول الله على الأخوة المعنوية، ولا نحمل أخوّة الحسين على نفس المضمون؟ فإما أن نحملهما معاً على عالم المجاز، وإما أن نحملهما معاً على عالم المعنى. ولا يحق لنا أن نحمل بعضها هكذا وبعضها هكذا. وحيث تعيَّن أن تكون أخوّة علي لرسول الله معنوية، كذلك يتعين أن تكون أخوّة مسلم بن عقيل للحسين معنوية، كل ما في الأمر أن الفرق بين الأخوّتين هو الفرق بين الشخصين، أعني علياً ومسلماً من ناحية، ورسول الله والحسين من ناحية ثانية. فهذه الأخوّة أدنى من تلك الأخوّة؛ لأنها تختلف عنها باختلاف الحسين عن رسول الله، ولكنها مع ذلك شريفة وعظيمة جداً، بحيث لا تقاس معها أي أخوّة أخرى في البشرية.
[ثقتي من أهل بيتي]
هذا، وأما قوله: (ثقتي من أهل بيتي): فهو واضح المعنى، غير أن فيه جهتين من الحديث لا بدّ من خوضهما:
الجهة الأولى: إن الوثاقة لا محالة تختلف، فهناك الثقة وهناك الأوثق، وهناك الأوثق منه وهكذا. أما كلام الإمام الحسين فيدلّ على أن مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) ثقة للإمام المعصوم، وهذه أعلى أشكال الوثاقة بعد العصمة.
الجهة الثانية: إنه قد يقع السؤال أن في العبارة دلالة أو إشعاراً بأنه أوثق من غيره من الهاشميين (من أهل بيتي)، ولا يوجد من هو في مستواه، مع أن فيهم ممن
ــــــ[166]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
يعدلونه في الوثاقة، كالعباس بن علي وعلي بن الحسين (الأكبر) والقاسم بن الحسن السبط، فضلاً عن الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه وعليهم السلام)، وهو الإمام المعصوم بعد الحسين. وجواب ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأول: إن قوله: (ثقتي من أهل بيتي)، لا دلالة فيه على أن ثقاته منحصرون فيه، وأن غيره ليس من ثقاته، أو أدنى منه في وثاقته، فإن هذه الاستفادة وأمثالها تسمّى في علم الأصول من مفهوم الوصف، وهو باطل على ما هو المبرهن عليه هناك. فإنك لو وصفت شخصاً كريماً، لم يكن معناه أن الآخرين ليسوا كرماء، أو لا يوجد كريم غيره، وخاصّة إذا فصلنا بنقطة بين الصفتين: أعني (ثقتي) من ناحية، و(من أهل بيتي) من ناحية أخرى. فإن هذا المعنى يكون أوضح جداً، ولا دليل على ارتباطهما من هذه الناحية. وعلى أي حال، فلو كان ظاهر العبارة ذلك، فلا بد من صرفها عن ظاهرها وتأويلها؛ لأن الظاهر إنما يكون حجّة مع عدم قيام الدليل على بطلانه. ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الظاهر -بعد التنزّل جدلاً عما قلناه- يكون غير محتمل الصحّة.
هذا، وكل هذه المستويات من الكلام يمكن أن نقولها في الصفة الأخرى، وهي قوله: (والمفضل عندي). فراجع وتأمّل، مضافاً إلى أنها رواية غير معتبرة السند.
وأما قياسه -أعني مسلم بن عقيل بالإمام المعصوم- فهو غير محتمل أصلاً، في ضمير المؤمنين ووجدانهم، وإنما مراد الحسين لو أراد تفضيله على الآخرين، فإنما يريد غير المعصومين منهم بطبيعة الحال.
ــــــ[167]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
المستوى الثاني: أن ننظر إلى أن الحسين لماذا اختار مسلماً بالذات للسفارة عنه في الكوفة؟ مع أن أهل بيته عديدون. فإذا أجبنا -كما سنسمع بعد قليل- إنه هو الوحيد الصالح منهم للسفارة، أمكننا عندئذ أن نفهم من العبارة، أنه (ثقتي من أهل بيتي والمفضل عندي), ممن هو صالح لهذه السفارة والمهمة. وعندئذ لا بأس أن يكون هو الوحيد الموصوف بها.
وعلينا الآن استعراض بعض الموانع المحتملة، التي كانت تحول دون إرسال غيره في هذه المهمّة:
أولاً: كان هناك جماعة لا يناسبهم العمر اجتماعياً للقيام بهذه المهمّة، مهما كانوا علماء حكماء؛ لأنهم كانوا شباباً صغاراً، كالقاسم بن الحسن والإمام السجاد، وكذلك علي بن الحسين (الأكبر) على بعض الروايات.
ثانياً: كان هناك أكثر من واحد، يتصف بالعوق المانع عن أداء المهمّة، كالعمى في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والضعف العام عن الحرب أو ضعف الذراعين عن الضرب، كما ورد عن محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب.
ثالثاً: يبدو أن الإمام الحسين تجنّب عن عمد إيكال المهمّة إلى أولاد علي وأحفاده، بل أخرجها عن هذه العائلة تماماً. والوجه الذي يبدو من ذلك، بغضّ النظر عمّا يأتي، هو إجلال هذه العائلة عن مهمّة أدنى منها، ويمكن لكثيرين من غيرهم القيام بها. وسيكون مسلم بن عقيل هو خير من يكون من خارج الأسرة.
ــــــ[168]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
رابعاً: ما يذكره عدد من الخطباء من أن الحسين، حين حجب المهمّة أو منعها عن أخيه العباس وابنه علي الأكبر وأضرابهما، إنما ذخرها بذلك لنيل الشهادة معه في كربلاء، وهو مقام أسمى وأعظم، فأن مسلم بن عقيل وإن كان من شهداء الحسين، إلا أن الشهادة بين يدي الحسين وسمعه وبصره، ولأجل الدفاع المباشر عنه، مهمّة أعلى وأصفى وأقدس أمام الله عزّ وجلّ. وهذا على أي حال مربوط بالعلم الإلهامي الذي يعرفه الإمام الحسين من قضاء الله وقدره.
احتلال الكوفة
قد يخطر على البال السؤال: إن مسلم بن عقيل لماذا لم يحتلّ الكوفة احتلالاً عسكرياً، ويسيطر على الحكم فيها، وخاصّة بعد أن تمّ لديه مبايعة اثني عشر ألفاً من أنصاره، وقد كانوا وعدوه أو وعدوا الحسين في بعض كتبهم إليه أن يطردوا النعمان بن بشير، حاكم الكوفة ممثلاً عن الحاكم الأموي. وقالوا: «والنعمان بن بشير في قصر الأمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى». وواضح إن إقبال ممثل الحسين ورسوله عليهم، كإقبال الحسين نفسه، فلماذا لم يفعلوا ذلك، ويتسببوا في أخذ زمام السلطة من قِبَل مسلم بن عقيل؟
والجواب على ذلك: بغضّ النظر عمّا قلناه في مقدمات هذا البحث، من أن عقولنا قد تقصر عن نيل الواقعيات أولاً. وأن هؤلاء العظماء عند الله كأمثال مسلم بن عقيل ممن لهم التأييد والتسديد من الله سبحانه ثانياً. ومعه ينسدّ السؤال عن
ــــــ[169]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ذلك وغيره. ولكن بغض النظر عن ذلك يمكن الجواب بأمور:
الأمر الأول: إن مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، لم يكن مخوّلاً من قِبَل الحسين بالحرب، ولا باستلام الحكم في الكوفة، وإنما كان مخولاً فقط لاستكشاف الحال في الكوفة، وإرسال الخبر إلى الحسين. ومن المعلوم إن السيطرة على الكوفة تحتاج إلى قتال، وهو مما لم يأذن به الحسين.
فإن نصّ جواب الحسين يقول: “أما بعد: فقد فهمت كل الذي اقتصصتم، وقد بعثت إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم. فإن كتب إليّ أنه قد اجتمع رأي ملإكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قَدمتْ به رسلكم أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله» إلى آخر ما قال. وهو خالٍ من التخويل بالحرب، كما هو واضح.
الأمر الثاني: إن استلام حكم الكوفة من قِبَل مسلم بن عقيل إن كان بدون حرب، كما يشعر به كتّاب أهلها، الذي سمعناه حين يقولون عن حاكمها: (أخرجناه وألحقناه بالشام) هكذا بكل سهولة. لهان الأمر، بل أمكن القول شرعاً، بأنه تجب السيطرة على الكوفة عندئذ. إلا أن الأمر لم يكن كذلك جزماً، لعدّة أمور من أهمّها:
أولاً: وجود المنافقين والمعاندين في الكوفة بمقدار معتدّ به، وهم بلا شكّ مستعدون للوقوف ضدّ هذا الاتجاه، سواء بالحرب لمنعه، أو بالتآمر لإفشاله وإسقاطه لو تمّ. ومن هنا يصعب حصول الأمر بالنجاح التامّ والمستمر.
ثانياً: إن حاكم الكوفة يومئذ النعمان بن بشير, وإن كان حسب ما ورد في
ــــــ[170]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
التاريخ أنه كان رجلاً متخاذلاً مشككاً يحبّ العافية، ويفضل الراحة والسلامة، ولكنه مع ذلك ورد: أنه خطب وهدّد الكوفيين بأن استعمالهم للسلاح ضدّه يعني استعماله للسلاح ضدّهم، ولن يستطيعوا أن يزيلوه بسهولة، وإنما لا بدّ أن تنشب الحرب بينهم، وسيستعين في نفس الوقت بالمعاندين والمنافقين والفسقة، الذين هم على استعداد لمعونته جزماً.
ونسمعه يقول في خطبته: “إني لا أقاتل من لا يقاتلني ولا أثب على من لا يثب عليَّ… ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم -يعني الحاكم الأموي- فو الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولم يكن لي منكم ناصر ولا معين”. إلى آخر ما قاله. وهذا يعني عدّة أمور:
أولاً: مناجزته الحرب لهم إذا هم حاربوا.
ثانياً: إعطاء الحرية لهم في أن يفعلوا ما يشاءون، ضمن التصرف السلمي غير القائم على السلاح. وأعتقد أن هذا من النعم الإلهية على مسلم بن عقيل وأنصاره، استطاعوا فيه أن يثبتوا وجودهم تماماً، ويكفينا تقييماً للحالة، لو استطعنا المقايسة بينها وبين ما أصبح عليه الحال عند حكم عبيد الله بن زياد، الذي عيَّنه الحاكم الأموي بعد النعمان بن بشير.
ثالثاً: المسؤولية الأخلاقية تجاه النعمان بن بشير هذا، من حيث أنه كفّ عنهم شرّه، فاللازم أن يكفّوا عنه شرّهم. وإذا لم يحاربوه لم يمكنهم عزله والسيطرة على الحكم. وعلى أي حال فقد استطاع النعمان بن بشير بذلك أن يبقى هو الحاكم، ما دام غير معزول من قِبَل سيّده الأصلي، الحاكم الأموي.
ــــــ[171]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الأمر الثالث: إن مسلم بن عقيل شعر أن قيام حرب واسعة في داخل المجتمع الإسلامي الجديد، الذي لم يكن قد تجاوز قرنه الأول، سوف يكون كارثة على الإسلام كله، وسيُقتل من المسلمين عامّة ومن المخلصين خاصة العدد الكثير. وسيفتح ثغرة أو فرصة لأعداء الإسلام من الخارج والداخل للسيطرة على المجتمع سيطرة كاملة ومحكمة. إذن، فقد اقتنع مسلم بكِلا الأمرين، وهما: تعذّر السيطرة سلمياً على الكوفة، والآخر: عدم المصلحة في السيطرة عليها عسكرياً. إذن فلا ضرورة إلى تلك السيطرة، حتى لو كان مسموحاً له من قِبَل الحسين بها، ما لم يكن مأموراً بها. وهو جزماً لم يكن كذلك.
الأمر الرابع: إن هناك أمراً قلَّما يأخذه عامّة الناس بنظر الاعتبار، وهو التناسل البشري، يعني احتمال ولادة مؤمن من مؤمن أو من كافر أو منافق. غير أن هذا مما يؤخذ في الحكمة الإلهية جزماً.
فيكون من الحكمة المحافظة على بعض النفوس، لكي يوجد من ذراريها ولو بعد جيل أو أجيال، جماعة من المؤمنين الذين يعبدون الله، وينصرون دين الله بإخلاص. وإذا كانت أي حرب مانعة عن ذلك، والحرب بطبيعتها مانعة عن ذلك، إذن فمن الضروري عدم وقوعها.
وهناك وجه آخر مهم ذكرنا أسسه في كتابنا اليوم الموعود(1) إلا أن إيضاحه الكامل يتوقف على ذكر تلك الأسس فيطول المقام بنا. ومن هنا يكون الأحجى الإعراض عن ذلك مؤقتاً.

ــــــ[172]ـــــــ
( )موسوعة الإمام المهدي: اليوم الموعود، السؤال الرابع: لماذا صالح الإمام الحسن معاوية بن أبي سفيان، ص806 وما بعدها، أنظر الشرط الثاني .
أضواء على ثورة الحسين
اغتيال بن زياد

يقول لنا المؤرخون ما مضمونه باختصار: أن شريك بن عبد الله الحارثي ومسلم بن عقيل، كانا معاً نازلين في دار هانئ بن عروة المذحجي. فتمرض شريك واشتدّ به المرض، فعلم بذلك عبيد الله بن زياد حاكم الكوفة يومئذ، وكان له معه رفاقة، فأرسل إليه أنه سيعوده في دار هانئ، وقبل مجيء ابن زياد تواطأ شريك مع مسلم على أن يغتال ابن زياد عند مجيئه، فلمّا كان من العشي أقبل ابن زياد، وتخفّى مسلم في إحدى الغرف كأنه يستعد لاغتياله. ولكن هانئاً اعترضه قائلاً: “إني لا أحبّ أن يُقتل في داري”.
والمهم أن مسلماً لم يقبل بقتل ابن زياد، وخرج ابن زياد سالماً، فخرج مسلم من مكانه. فقال له شريك: “ما منعك من قتله؟”، قال: “خصلتان، أما أحدهما: فكراهة هانئ أن يُقتل في داره، وأما الأخرى: فحديث حدثنيه الناس عن النبي: “إن الإيمان قيد الفتك. ولا يفتك مؤمن”».
فقال هانئ: “أمَ والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً، ولكن كرهت أن يقتل في داري”.
فمن هنا قد يخطر في البال السؤال عن السبب الذي حدا بمسلم بن عقيل على أن لا يقتل عبيد الله بن زياد، بعد أن أصبح كاللّقمة السائغة بيده، وهو يعلم أنه عدوه وعدو الحسين وعدو الله عزّ وجل، وإن قتله مهم جدّاً في إمكان السيطرة على المجتمع في الكوفة، وتفريق القيادة من المنافقين الذين جمعهم ابن زياد حوله، وتركيزها بيد أهل الحقّ.
ــــــ[173]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
والجواب على ذلك يكون من وجوه:
الوجه الأول: كراهة هانئ بن عروة أن يُقتل عبيد الله بن زياد في داره، ومسلم بن عقيل كان ضيفاً لدى هانئ، وكان ولا زال يخدمه بالسمع والبصر، ويؤدي لمسلم أيّ مصلحة عامّة أو خاصّة، فإذا فعل في داره ما يكرهه حصلت عدة مضاعفات:
أولاً: الإحراج أمام هانئ نفسه أخلاقياً. فإن مقتضى المسؤولية الأخلاقية أن لا يفعل في داره ما لا يحبّ، وخاصّة وهو بهذه الصفة العظيمة في الانتصار له.
ثانياً: تحريم تصرّفه في الدار بعد ذلك، لو كان قد فعل ما يكرهه صاحبها، مما يضطرّه للانتقال إلى دار شخص آخر، وقد لا يجد شخصاً جامعاً للشرائط المتوفّرة في هانئ، أو قل: لا يجد مثيلاً له في سكان الكوفة.
ثالثاً: إحراج موقف هانئ من حصول هذا القتل في داره. الأمر الذي أثار في نفسه هذه الكراهة، فإنه كان رئيساً لقبيلة مذحج، وله اتصالات ومجاملات ومصالح في مختلف أوساط المجتمع، فإذا قُتل ابن زياد في داره كان ذلك إحراجاً له أمام شريحة مهمة في المجتمع، وهذا ما يكرهه، ولا يريد مسلم بن عقيل إثارة هذا الإحراج أمامه. وتفكير هانئ بهذا الشكل تفكير على المستوى الدنيوي، ولكنه قائم على أي حال. وهو بطبيعة الحال لا يدرك ما ندركه أو نحتمله نحن الآن، بعد ألف سنة وحوالي النصف من ذلك التاريخ، من وجود مصلحة عامة في قتله، بحيث يجب عليه التضحية في سبيلها بكل غالٍ وعزيز، وإذا كان غافلاً عن ذلك، وهو غير معصوم على أي حال، فالله سبحانه يعذر الغافل.
ــــــ[174]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الوجه الثاني: لعدم اغتيال ابن زياد: ما ذكره مسلم نفسه حسب الرواية: “إن الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن”. إلا إن هذا بمجرده لا يتمّ، إلا أن يرجع معناه إلى الوجه الآتي، وذلك؛ لأن هذا الخبر يحتاج إلى الصحة سنداً ودلالة. أما السند فيظهر حصول مسلم عليه مرسلاً غير موثوق، لأنه عبّر عن أنه: حديث حدثنيه الناس عن رسول الله، الأمر الذي يدل على إنه يجهل راويه، أو لا يوثّقه على أقلّ تقدير.
وأما من ناحية الدلالة، فهذا الأمر الذي كان عازماً عليه هو الغيلة أو الاغتيال، وليس الفتك، فإنه وإن كان قد يرد في اللغة بهذا المعنى أيضاً، إلا إن له معانٍ أخرى كالشجاعة بحيث لا يهاب أحداً، والاستقلال بالرأي عن الآخرين وغير ذلك. فلا يتعيّن أن يكون المراد من الخبر ذلك.
مضافاً إلى أن الاعتماد على خبر من هذا القبيل، بل حتى لو كان صحيحاً، في دفع مصلحة عامّة في قتله، أو جلب مفسدة عامّة في حياته، كما قد حصل فعلاً، غير صحيح جزماً وغير مرضي لله عزّ وجلّ. ما لم يَعُد الأمر إلى وجوه أخرى، أو إلى الوجه الآتي الذي سنذكره الآن.
الوجه الثالث: الأخلاقية في العلاقة مع الآخرين، الأصدقاء منهم والأعداء، سلماً كانت العلاقة أم حرباً أم قتلاً. ومن جملة الأسس الأخلاقية التي التزم بها المسلمون ونصحت بها تعاليم الإسلام، عدم البدء بالحرب والضرب، وإنما يكون أهل الحق هم ثاني الضاربين لو صحّ التعبير، ليكون موقفهم أمام الله والناس هو الدفاع فقط. وكان ولا زال النبي هو نبي الرحمة، وليس من مقتضى الرحمة
ــــــ[175]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
البدء بالهجوم، حتى أن الحسين في ساحة كربلاء العسكرية التزم بذلك، وهذه مصلحة أخلاقية جليلة في الحرب والقتل والقتال، ذات تأثير عامّ في إحسان الظنّ بالمعسكر المحق، وجلب القلوب نحوه. وهي مصلحة عامّة تعدل الكثير من المصالح العامة الأخرى التي قد ندركها، مما تكون مصالح وقتيّة وإن كانت صحيحة، في حين إن هذه القاعدة الأخلاقية دائمة الصحة جيلاً بعد جيل.
فإذا عرفنا ذلك استطعنا تقييم وتمييز موقف ابن عقيل من ابن زياد، من حيث إن ابن زياد لم يكن محارباً في ذلك الحين، ولا ناوياً لقتل أحد. إذن، فهو لم يبدأ بالقتال ولم ينوِ السوء، فلا يجوز بدؤه به أو نيّة السوء ضدّه؛ لأنه خلاف القاعدة الأخلاقية المشار إليها.
الوجه الرابع: ما ذكرناه في ما سبق، من كون مسلم بن عقيل، مسدّداً ملهماً، ولا أقل من احتمال ذلك. إذن, فيمكن أن يكون قد واجه نهياً عن قتل عبيد الله بن زياد، كما يحتمل أن يكون هذا النهي مأخوذاً عنده من الحسين، أو من جده النبي، بخصوص هذه الواقعة أو ما يشملها، فيجب عليه الامتثال، وقد سبق أن قلنا في أمثال ذلك: إن مجرد الاحتمال يكفينا. لأنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. يعني ينسدّ السؤال عن إعراضه عن اغتيال ابن زياد، وإن ذلك كان على خلاف المصلحة أو السياسة العامة.
الوجه الخامس: ما أشرنا إليه أو إلى مثله، من أحد الوجوه التي قلناها في نفي سيطرة مسلم بن عقيل على الكوفة، وهو اقتضاء الحكمة الإلهية الإبقاء على بعض الفاسقين والكافرين، من أجل ميلاد بعض المؤمنين من ذراريهم ولو في جيل
ــــــ[176]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
متأخّر، ولو عدّة مئات من السنين أو أكثر. فليكن ابن زياد كذلك. وهذا لا يتوقف على علم مسلم بن عقيل أو التفاته إلى ذلك، بل إما أن يكون ملتفتاً، وإما أن الله سبحانه صرفه عن قتله لهذه الجهة. والاحتمال في ذلك يكفينا لقطع الاستدلال المعاكس، كما كرّرنا في أمثاله.
الوجه السادس: ما ذكرناه أيضاً هناك من الأمر المربوط بكتابنا (اليوم الموعود). فإنه أيضاً من الأمور المربوطة بتلك الأسس فراجع.

السيطرة على الكوفة مؤخّراً

إذ قد يخطر على البال: إن مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، ما دام لم يسيطر على الكوفة في زمن النعمان بن بشير، ولم يقتل عبيد الله بن زياد، فلا أقلّ من أن يحاول السيطرة على الكوفة عندما أصبح ابن زياد حاكماً عليها.
إذ كان الشرّ قليلاً وغير واضح، في زمن ابن بشير. في حين أصبح واضحاً في زمن عبيد الله بن زياد. ومن هنا كانت السيطرة على الكوفة أرجح جداً من ذلك الزمن السابق، فلماذا لم يفعل ذلك مسلم؟
وجواب ذلك: أنه يمكن القول بورود جميع الأجوبة التي قلناها فيما سبق، عن سيطرة مسلم بن عقيل في الماضي -يعني في عهد النعمان بن بشير-، كلها تأتي عن سيطرته الآن، مع زيادات معتدّ بها كما سنذكر، ويكفينا أن نلتفت إلى أن زيادة الشرّ تقتضي زيادة الصعوبة في السيطرة، الأمر الذي يجرّ إلى أمور غير محمودة، كما سنرى. وهذه الصعوبة تتمثل في أمور:
الأمر الأول: الزيادة في الضيق لجانب مسلم بن عقيل، أعني في الحرية العامّة،
ــــــ[177]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وإعطاء الجانب الأفضل والتحرك الأشمل لأعدائه.
الأمر الثاني: وجود تجسّس دقيق وكامل على كل أقوال وأفعال ابن عقيل وأصحابه، ويمكن أن تكون العيون كثيرة، غير أن التاريخ ينصّ على واحد بعينه يسمّى معقل، استطاع الوصول بدهاء إلى الدار التي يرتادها مسلم وأصحابه، فكان أول داخل وآخر خارج، بعنوان كونه مؤيِّداً لهم. وينقل كل ما سمعه ورآه إلى عبيد الله بن زياد.
الأمر الثالث: السرّيّة والتكتّم التي تعمّدها جانب مسلم بن عقيل وأصحابه، بغضّ النظر عن التجسّس المشار إليه. ومع التكتّم المتعمّد يصعب جدّاً وضع برنامج واضح وواسع لأجل السيطرة على المجتمع، كما يتوقّع السائل أن يكون.
الأمر الرابع: إمكان التشكيك في العدّة والعدد اللذين يمكن لابن عقيل أن يجمعهما في ذلك المجتمع، فإن أفراد الناس هناك لم يكونوا معتادين على الحرب ومصاعبها وويلاتها. وإنما استطاع عبيد الله بن زياد أن يجمع منهم جيشاً ضخماً، بعد التفكير بعدة خطط ماكرة، اكتسبها بصفته ممثّلاً للدولة الحاكمة لا أكثر. وهذا ما لا يستطيع طبعاً مسلم بن عقيل توفيره للناس بصفته معارضاً للدولة، فيكون احتمال حصوله على الجيش الكافي في العدّة والعدد احتمالاً غير قوي.
وحسبنا أن ننظر إلى أهم الأفكار التي حاول عبيد الله بن زياد بثّها في المجتمع صدقاً أو كذباً؛ ليستقطب الناس إلى جانبه:
أولاً: التهديد العسكري، حيث زعم لهم أن هناك جيشاً مُقبِلاً عليهم من الشام، ضخم جداً، يريد استئصالهم إذا هم عصوا الدولة.
ــــــ[178]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ثانياً: التهديد الشخصي بالسجن والضرب، بل والقتل أيضاً.
ثالثاً: التهديد الاقتصادي بالمقاطعة مع كل معارض.
رابعاً: الطمع، بإضافة مبلغ من المال إلى راتب كل واحد يكون إلى جانبه ويخرج في حرب الحسين. وينقل ذلك تاريخياً على شكلين: أشهرهما: إضافة عشرة دنانير ذهبية إلى أيّ فرد. والآخر: مضاعفة الراتب الذي يصله.
خامساً: الإحراج الاجتماعي، عن طريق العلاقات والصداقات المبثوثة في تلك المدينة المنكوبة، وكل هذه الأمور قائمة ضدّ مسلم بن عقيل، ومن المتعذر أن يكون مثلها إلى جانبه، سوى التضحية في الرضوخ للحقّ لا أكثر، وهو مما يقلّ العاملون به في أيّ مجتمع، وخاصّة تحت ظروف من ذلك القبيل. وقد بادر عبيد الله بن زياد إلى تغيير كفّة المجتمع إلى جانبه بمجرد وروده. وألقى في الناس خطبة تتكفّل بيان تلك التهديدات والأطماع، مع بث شرطته وأنصاره بين الناس؛ لأجل التطميع والتخويف والإحراج، مما أنتج ما ينقله بعض الخطباء الحسينيين، من أن الأم أصبحت تأتي إلى ابنها، والزوجة إلى زوجها، والبنت إلى أبيها، والأخ إلى أخيه؛ فيحذرونه مغبّة مناصرة مسلم، ويقال لهم: (ما لَك والدخول بين السلاطين). ويأخذون بيده ويرجعونه إلى بيته، ومهما يكن في هذا النقل التاريخي من المبالغة إن أخذناه على سعته، كما سبق أن قلنا: إن الكوفة والمجتمع الكوفي لا يمكن أن ينقلب تماماً من الولاء إلى العداء بين عشية وضحاها، وقد أقمنا على ذلك ما يكفي من القرائن والدلائل، إلا أنه من الممكن أن يكون قد حدث مثل هذا التخذيل فعلاً على نطاق ضيّق قلّ أو كثر. فإنه على أي حال مضرّ بجانب مسلم بن عقيل، ويضاعف عليه الصعوبة والبلاء.
ــــــ[179]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

مَعقِل

يقول المؤرخون إن معقلاً حين أراد التجسّس لابن زياد، أقبل إلى المسجد فرأى مسلم بن عوسجة يصلي فيهّ فسأل عنه، فقيل له: هذا يبايع للحسين بن علي، فجاءه وجلس إلى جنبه. حتى إذا فرغ من صلاته أقبلَ وسلّم عليه، وأظهر له أنه رجل من أهل الشام، وأنه مولى لذي الكلاع الحميري، وممن أنعم الله عليه بحب أهل البيت، وحب من أحبهم، وتباكى له, وقال له: إن عنده ثلاثة آلاف درهم، يريد بها لقاء رجل من أهل البيت، بَلَغه أنه قَدِم الكوفة، يبايع لابن بنت رسول الله، فقبل منه مسلم بن عوسجة، وأخذ منه البيعة على يده فوراً، ثم أخذه إلى مسلم بن عقيل، فأخذ عليه البيعة والمواثيق المغلّظة ليناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاه (معقل) من ذلك ما رضي به، ثم أمر مسلم؛ أبا ثمامة الصائدي بقبض المال منه، وكان قد عيّنه مسلم لقبض الأموال من الناس، وتجهيزهم بما يحتاجونه من السلاح والعتاد، وظلّ معقل يختلف إلى دار هانئ كل صباح ومساء. فهو أول داخل وآخر خارج، فينطلق بجميع الأخبار والأسرار، فيقرأها في أذُن ابن زياد، مما أدّى في النتيجة إلى فشل مهمّة هذه الجماعة المحقّة وتفرّقها عن مسلم بن عقيل.
[سبب إنخداع مسلم ابن عوسجة ومسلم ابن عقيل بمعقل]
فهنا قد يرد السؤال عن السبب في انخداع مسلم بن عوسجة ومسلم بن عقيل وأصحابهما بهذا الرجل المعين ضدهم، ولئن كان مسلم بن عوسجة رجلاً اعتيادياً، مهما كان عالي الإيمان، فإن مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) قد أثبتنا له أنه مؤيّد ومسدّد بالإلهام، فكيف لم يلتفت إلى ذلك؟!
ــــــ[180]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وجواب ذلك يكون على عدّة مستويات:
المستوى الأول: إن هذا موجود في قضاء الله وقدره. وكلما كان كذلك فلا بدّ من حدوثه، ومطابق للحكمة الإلهية، سواء علمنا بسببه أو جهلنا.
المستوى الثاني: مستوى من نعلم أو نحتمل عدم تسديده وتأييده بالإلهام المباشر -لو صحّ التعبير- وهم أصحاب مسلم بن عقيل، سواه. فمن الواضح أن العادة في تلك الأجيال، وهي عادة استمرت مئات وآلاف السنين، حين لم تكن كتابة وأوراق تدلّ على الشخصية، كما في الدول الحالية. فكان الناس يسألون الفرد عن اسمه وانتسابه، ويصدّقون منه ذلك على السجية والعادة المتّبعة، وواضح أنه لو كذب أي شخص في اسمه أو نسبته فسوف يقع في أنواع من المصاعب اجتماعياً واقتصادياً، أو يحتمل وقوعه في ذلك على بعض التقادير، فكان الناس يصدّقون في أقوالهم تلك، وكانوا يصدّقون أقوال الآخرين في ذلك، وليس أصحاب مسلم بن عقيل (سلام الله عليه وعليهم) إلا جماعة من ذلك المجتمع المعتاد على ذلك.
فإذا انضم إلى ذلك حسن الظاهر والملاينة والمسايسة، فقد أصبح الفرد ناجحاً في الامتحان أو الاختبار الاجتماعي، وانتهى الأمر.
المستوى الثالث: مستوى النظر إلى المواثيق المغلّظة التي أخذها مسلم بن عقيل وأصحابه على (معقل)، وقد أعطاهم من نفسه ما يريدون، ولم يكونوا يتصورون أن شخصاً ما من المسلمين يمكن أن يخيس بالعهد، أو أن يحيف باليمين، وإنما قيام العلاقات بين الأفراد والمجتمعات كانت ولا زالت على شرف الالتزام بالعهود، وإلا كان الفرد ساقطاً بالمرّة أمام الله والناس، ولم يكن يخطر على البال أن هذا الإنسان من الساقطين إلى هذه الدرجة.
ــــــ[181]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى ما ورد في تفسير قوله تعالى عن قول إبليس: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أو تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ(20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ(1). من أن آدم وزوجته لم يتصوّرا شخصاً يقسم بالله كاذباً، يعني أنهما حين سمعا إبليس يقسم بالله سبحانه صدّقاه وأكلا من الشجرة.
أقول: فكذلك الحال في مسلم وأصحابه، من حيث أن العهد ملزم في الدنيا، واليمين ملزم في الآخرة، فماذا بقي مما يمكن أن يفعلوه تجاهه؟
المستوى الرابع: إن مسلماً وأضرابه من خاصّة أصحاب المعصومين، وإن قلنا بأنهم مؤيّدون ومسدّدون بالإلهام، إلا أن ذلك مما لا ينبغي أن يؤخذ على أوسع نطاق.
أولاً: لأنهم ليسوا معصومين بالعصمة الواجبة، كما يُعبَّر عنها في (علم الكلام). والمعصوم بالعصمة الواجبة، يكون معصوماً من الخطأ والنسيان، مضافاً إلى عصمته من الذنوب والمحرمات، بخلاف المعصوم بالعصمة غير الواجبة، فإنه يكون معصوماً من الذنوب لا من الخطأ والنسيان.
ثانياً: إن الإلهام والتسديد إلى أمثال هؤلاء، يختلف في السعة والضيق أو القلّة والكثرة. ينال منه كلٌّ منهم… بمقدار قابليته واستحقاقه وعمله وغير ذلك من الأسباب، وليس بالضرورة أن يناله بشكل مطلق ومستمر. إذن, فمن الجائز أن يحجب الإلهام والتسديد عن الفرد حيناً أو أحياناً، بمقدار ما تقتضي الحكمة الإلهية ذلك. وهناك مستويات أخرى للجواب لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.

ــــــ[182]ـــــــ
( ) الأعراف: 20 – 21.
أضواء على ثورة الحسين
تفرّق الناس عنه

ولعل السؤال الأخير الذي يمكن عرضه في هذا الصدد، ما قاله بعض الأذكياء لبعض العلماء عمّا رُوِي في التاريخ، أن مسلم بن عقيل تفرّق عنه أصحابه كلهم في يوم واحد أو عشية واحدة، حتى أصبح يتلدد في أزقة الكوفة في ظلام الليل، لا يجد من يؤويه. مع العلم أن من الكوفيين من هم على درجة عالية من الإخلاص للحق المتمثل في مسلم بن عقيل والحسين، أمثال: حبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة وآخرين، بدليل على أن هذين المذكورين قد استشهدا مع الحسين في كربلاء. إذن, فإخلاصهما محرز، فلماذا تفرّقوا عن مسلم في تلك الليلة، وتركوه وحيداً حائراً؟
وقد أجاب ذلك العالم: بأنهم أعدّوا أنفسهم للشهادة بين يدي الحسين. أقول: وهذا وحده لا يكفي للإقناع؛ لأن حادثة الحسين كانت في ضمير المستقبل، بالنسبة إليهم، ولم يكونوا يعلمون من حصولها شيئاً. فكيف نتعقّل كونهم استهدفوها بصراحة؟
ولكن تفصيل الجواب أن يقال: إن المخلصين الكاملين كانوا قلّة، لا يستطيعون وحدهم الدفاع عن مسلم بن عقيل، ولا حفظ حياته وحياتهم. فلما رأوا فشل الحركة وتفرّق الجيش عنه، لم يشعروا بوجوب المحافظة على حياته شرعاً، لليقين بكونه مقتولاً لا محالة، حتى ولو كانوا هم إلى جنبه، بل سيُقتلون معه أيضاً. إذن فمسؤولية الدفاع عنه والحفاظ عليه ساقطة عنهم يقيناً. إذن فخير لهم أن
ــــــ[183]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
يحافظوا على حياتهم، وهم كوفيون يعرفون المدينة وطبيعة سكانيها، وهو غريب جديد عهد بهذا المجتمع.
وأما سبب محافظتهم على أنفسهم، فلا ينبغي الإشكال فيه في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فواضح؛ لصعوبة تعريض النفس للقتل، وخاصة إذا كان بلا موجب، وبشكل غير منتج كما عرفنا. وأما في الآخرة، أعني في التكليف الشرعي في الدين؛ فلأن بقاءهم خيراً من موتهم؛ لاحتمال أن يفيدوا المجتمع بقليل أو بكثير، وأن لا تخلو الساحة بالمرّة لعبيد الله بن زياد وجماعته يفعلون ما يشاءون، دون وازع من دين أو ضمير أو رقيب أو حسيب، مضافاً إلى احتمال تأييدهم للحسين، فإنهم كانوا عالمين بأنه مُقبِل عليهم، وقريب الوصول إليهم، بالرغم من طول السفر وبُعد الشّقة. إذن فلعلّهم يستطيعون رؤيته أو معاونته أو نصره أو امتثال أوامره.
صحيح: إنهم لم يكونوا يعلمون بحادثة كربلاء كما وقعت؛ لأنها لم تكن قد وقعت، إلا أن نصرتهم للإمام الحسين إجمالاً، ولقاءه وامتثال أوامره أيّاً كانت، هذا مما كان هؤلاء الخاصّة يستهدفونه بصراحة ووضوح. فإن بقي الحسين وانتصر بقوا معه، وإن قُتِل قُتِلوا معه، وعلى أي حال فينبغي لهم في التكليف الشرعي الذي يعرفونه، أن يحافظوا على حياتهم الآن؛ ليطبقوا مثل هذا التكليف في المستقبل عند لقاء الحسين.
بقي السؤال الذي يخطر في الذهن: وهو أن مسلم بن عقيل لماذا بقي متلدداً في أزقة الكوفة، وقد كان من الأفضل له أن يلتجئ إلى بيت أحد الثقات من أصحابه، أو أن يخرج إلى البرّ ويلتحق بالأعراب فلا يعرفه أحد؟
ــــــ[184]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
والجواب عن ذلك يكون على مستويات:
المستوى الأول: إن مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) رجل غريب في الكوفة، لا يعرف بيوتها ولا طرقاتها، وقد كان أصحابه يقصدونه من منازلهم، وهو لا يعلم أين تقع منازلهم، ولم يكن خلال هذه المدة التي عاش فيها في الكوفة متيسّراً له المشي في الطرقات، والتعرف على البيوت؛ لأنه كان بمنزلة القائد، فلا بدّ له من البقاء في مركزه، وإنما يشتغل له الأتباع فقط.
المستوى الثاني: إن مسلم بن عقيل، أدرك لا محالة ما التفتنا إليه قبل قليل، من تفرّق خاصّته عنه، وأدرك سبب ذلك، وهذا السبب مما ينبغي أن يحترمه تجاههم، مضافاً إلى إدراكه كراهتهم البقاء معه في ذلك الحين، وكان إذا أراد متابعتهم فسوف يعمل ما يكرهونه، ويدخل بيوتهم عنوة عنهم، ويبقى فيها، فيكون حراماً عليه.
المستوى الثالث: إنه لا يوجد في ذلك الحين من أصحابه من يستطيع حمايته على الإطلاق؛ لأن بعضهم كان قد سُجِن كهانئ بن عروة والمختار بن عبيدة الثقفي وآخرين. إذن فدُورُهم مغلقة في وجهه، وهم منكوبون قبل نكبته، وبعضهم مراقب ومطارد، وليس أسهل على الحكام من أن يجدوا مسلماً في بيت أحد أصحابه، فإنها أرجح الاحتمالات لوجوده، بخلاف ما إذا تخفّى في محل غير ملفت للنظر كما فعل.
المستوى الرابع: إن خروجه بالبرّ لم يكن منجياً له؛ لأنه لم يكن يملك فرساً، أو أية دابّة في ذلك الحين، وإنما كان يمشي راجلاً في الطرقات ومتعباً، بعد يوم حافل بالنشاط والحركة. إذن، فحتى لو خرج إلى البرّ فسوف لن يستطيع أن يبتعد كثيراً، حتى يطلع الصبح، وسوف يدركه أعداؤه لا محالة، بل سوف يُقبض عليه عاجلاً؛ ــــــ[185]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
لأن ابن زياد جعل في المدينة وأطرافها عيوناً ساهرة، تراقب الحال باستمرار، فما أسهل ما يقع مسلم بن عقيل بيد أحد هؤلاء أو جماعة منهم. إذن, فما فعله (سلام الله عليه) كان أفضل الاحتمالات، وهو الالتجاء إلى محلّ غير ملفت للنظر على الإطلاق، عسى الله أن يكتب له فيه الخير.
المستوى الخامس: إنه قد يقع السؤال عن إمكانه النجاة بالمعجزة، أو طي الأرض ونحو ذلك. وقد ناقشنا ذلك فيما سبق، والتفتنا إلى أنه لم يكن في الحكمة الإلهية حصول المعجزات لنصرة أهل الحق، بل يبقى الأمر مطابقاً للقانون الطبيعي باستمرار. وإلا لم تكن أيّة حاجة إلى أيّ حرب خاضها رسول الله أو أمير المؤمنين أو الحسين، أو أيّ شخص آخر.

تألّب الناس ضده

وكما نفينا فيما سبق إمكان المبالغة في تألّب الناس ضدّ الحسين، كذلك ننفي هنا المبالغة في تألّب الناس ضدّ مسلم بن عقيل (سلام الله عليه)، وذلك: إن مقتضى كلام الخطباء الحسينيين عنه: أنه جمع الناس في أحد الأيام كجيش محارب، وزوّدهم بالأسلحة، وأمَّر عليهم الأمراء والقُوّاد، ونادى بشعار رسول الله يوم بدر: «يا منصور أمت».
واجتمعت إليه الكوفة برمّتها. حتى إذا كان المساء نفسه تفرّقوا عنه، حتى بقي وحده يتلدد في أزقة الكوفة، فلما كان الصباح نفسه تألّبوا جميعاً ضدّه وقاتلوه، حتى أن النساء والأطفال كانوا يرمونه من السطوح بالحجارة، ويشعلون النار في أطناب القصب ويرمونها عليه.
ــــــ[186]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
وهذه (خربطة) ذهنية غير معقولة، ولئن كان يمكن حصولها في مدّة طويلة، فلا يمكن حصولها في مدّة قصيرة، في عشية واحدة. فلئن كان يمكن تفرّق الناس عنه؛ لمدى الضغط والمكر الذي مارسه ابن زياد وأصحابه، غير أنه لا يمكن تألبهم ضدّه إلى هذه الدرجة. فإذا علمنا أنه كان يحارب وحده حين هجموا عليه في الدار، بقصد إلقاء القبض عليه. إذن لم يكن الحاكم في حاجة إلى جيش عرمرم ضدّه، مهما كان شجاعاً ومقاتلاً بارعاً.
ويكفي أن يجد ابن زياد من أصحابه عدّة مئات يكفونه المؤونة، بدون حاجة إلى أن نتصوّر أن الكوفة كلها قد انقلبت ضدّه في عشية واحدة. وقد نظرتُ في المصادر التاريخية فوجدت إن الرمي من سطوح المنازل ضدّ مسلم بن عقيل مذكور فعلاً، إلا أن هذا لا يعني أن الشعب كله فعل ذلك، وذلك:
أولاً: إنه لا وجود لذكر النساء والأطفال الفاعلين لذلك.
ثانياً: إننا لو سلمنا ذلك فإنما هم شرذمة من عوائل أعدائه.
ثالثاً: إن أصحاب بعض البيوت من أعدائه من الرجال فعلوا ذلك.
رابعاً: أن الجيش المعادي له الذي أرسله ابن زياد للقبض عليه، وجد من الحيل للسيطرة عليه أن يدخل البيوت عنوة، ويرميه البعض من السطوح بالحجارة والنار. فإذا كان كل ذلك محتملاً، والاحتمال مبطل للاستدلال، فلماذا نفترض ما هو مستبعد في نفسه، وهو انقلاب الشعب كله ضدّه في عشية وضحاها؟
تأسيسه للجيش
سمعنا قبل قليل ما نقله التاريخ، من تأسيسه (سلام الله عليه) في أيامه الأخيرة من حياته، ومن وجوده في الكوفة. جيشاً مهمّاً أمَّر عليه القادة، ونادى بشعار
ــــــ[187]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
رسول الله، وأصبح هو القائد العام له. ولكنهم تفرقوا عنه بسبب مكر أعدائه.
والمهم الآن أنه قد يخطر في الذهن سؤالان:
الأول: إنه لماذا أراد تأسيس الجيش، مع أننا عرفنا فيما سبق أنه غير مخوّل بذلك، وأن نصّ الرسالة التي أرسلها الإمام الحسين معه لا يساعد على ذلك؟
الثاني: إنه لماذا لم يحتلّ بهذا الجيش قصر الإمارة في نفس اليوم، ويقضي على عبيد الله بن زياد، ويستلم الحكم، ولقد كان ذلك أفضل بكل تأكيد له وللحسين وللدِّين عموماً، من هذا التأخير الذي حصل، والذي أدى إلى فشل تلك المهمة؟
أما السؤال الأول، فيمكن أن يُجاب عنه بعدّة مستويات:
المستوى الأول: إن تأسيس هذا الجيش لمجرد الدفاع عن الوضع الذي كان فيه مسلم بن عقيل وأصحابه. أو قُل: إنه محاولة لإرجاع الوضع المرتبك الذي استطاع ابن زياد زرعه ضدّه، إلى أول حاله من حرية التحرك والكلام. وإذا كان هذا الجيش لمجرد الدفاع، لم يكن فيه بأس على الإطلاق؛ لأنه لا يستلزم إهراق أيّ دم.
المستوى الثاني: إن تأسيس الجيش والسيطرة على الحكم في الكوفة، وإن لم يكن مذكوراً في كتاب الحسين، غير أن مسلم بن عقيل -ضمناً- مخوّل لا محالة بأن يفعل في الكوفة كل ما يرى فيه المصلحة والإصلاح، فإن وجد من حال الكوفة ومن حال أصحابه إمكان أو وجوب تأسيس مثل هذا الجيش، لم يكن فيه بأس، حتى لو استلزم الحرب وإراقة الدماء. لكننا سبق أن قلنا أن مسلماً (سلام الله عليه) كان يتجنّب ذلك جهد الإمكان، لكي لا يكون مسؤولاً أمام الله سبحانه في
ــــــ[188]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
التسبيب لضرب المجتمع بعضه بعضاً، وهو جديد عهد بالإسلام، وقد فعل ذلك إلى آخر لحظات حياته.
مضافاً إلى أننا يحسن أن نلتفت إلى أنه إذا كان قاصداً للسيطرة على الحكم، فالمظنون جدّاً، إنها سوف تتمّ بدون إراقة دماء على الإطلاق أو بدماء قليلة جدّاً؛ لإمكان السيطرة على قصر الإمارة بسهولة وسرعة، مع نجاح الجيش العقيلي وانضباطه.
المستوى الثالث: إن تأسيس هذا الجيش، ليس لكل ما ذكرناه، بل لاستقبال
الحسين به حين يَرِد الكوفة، فيرد على جيش منظّم ومن نقطة قوّة عالية وكافية، وهذا سبب محترم جدّاً لانتصاره وسيطرته على العراق كله، لو شاء الله له الاستمرار.
ومسلم وإن لم يصرّح بذلك لأحد، ولكنه من الأرجح جداً أن يكون قد أضمر ذلك، وإذا تمّ له الجيش، لم يكن في الإمارة المعادية له في الكوفة أية أهمّية عملية وهي ضعيفة عندئذٍ، بل يمكن السيطرة عليها لحظة ورود الحسين، أو قبل ذلك لو اقتضت المصلحة ذلك.
وأما الجواب على السؤال الثاني: فلعلّ نفس إثارة السؤال يعتبر هذراً وسخفاً، وإن كان طالما خطر في عدد من الأذهان، لوضوح أن العمل الجاد والحقيقي يكاد أن يكون مستحيلاً في اليوم الأول، حين لم يكن الجيش مرتّباً ولا مضبوطاً لحد الآن، وإنما يعتبر اليوم الأول جمعاً للأفراد، وتسجيلاً لهم في هذا الجيش. وينصّ التاريخ أن الكوفة بقيت خلال ذلك اليوم في حركة ولغط طيلة ذلك اليوم، وليس هناك
ــــــ[189]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
من هدف لهم إلا التجمع، وتطبيق الشعار الذي قاله مسلم بن عقيل (سلام الله عليه). وأما مسلم نفسه -فمع استمرار هذا الارتباك واللغط وكثرة الحركة- فمن المتعذّر عليه إصدار الأمر باحتلال قصر الإمارة بهذه السرعة والسهولة. ولعلّ فيه أو في خارجه من يحارب إلى جانبه، فيستفحل الأمر إلى ما لا تحمد عقباه.
ونحن لو التفتنا إلى تفرّق الناس عن مسلم لمجرد التهديد والخديعة، فكيف لا يكون تفرّقهم عنه إذا دخلوا تحت ضغط الحرب الحقيقية.
وهذا أمر لا يفوت إدراكه لمسلم، وقد عاشرهم هذا الردح من الزمن. إذن فتأسيسه للجيش ليس للحرب الفعلية، وإنما هو للدفاع الفعلي، أو قُل للاطمئنان الفعلي، ودفع مكر الأعداء عنه أولاً، وانتظار دخول الإمام الحسين إلى الكوفة ثانياً. ثم يكون هو المتكفل بما يفعل وما يأمر، بعد أن ساعده مسلم بتأليب القلوب والنفوس إلى جانبه. غير أن كل ذلك أو غير ذلك، مما لا يذعن له أعداؤه بطبيعة الحال. ومن هنا تسبّب ابن زياد إلى إفشال هذه المهمّة على كل حال.
ــــــ[190]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين

أسئلة حول واقعة الطف

بعد أن انتهينا من المهمّ من موارد مقدمات واقعة الطف -لو صحّ التعبير- فلنا الآن أن نلتفت إلى الواقعة نفسها، لنسمع ما قد يُثار حولها من استفهامات يمكننا أن نعرضها في الجهات التالية:
[لماذا أذِنَ الحسين لأصحابه بالتفرّق؟]
الجهة الأولى: أنه ورد في التاريخ أن الحسين جمع أصحابه ليلة اليوم العاشر من محرم، وأذِنَ لهم بالانفصال عنه والتفرّق في البلدان؛ لكي ينجون من القتل، وقال فيما قال: “ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً. ألا وإني قد أذنت لكم جميعاً، فانطلقوا في حلّ ليس عليكم مني حرج ولا ذمام. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري”. فرفضوا ولم يتفرّقوا.
فهنا قد ترد عدّة أسئلة:
أحدها: لماذا أذِنَ لهم بالتفرّق عنه مع حاجته إليهم في الدفاع عنه؟
ثانيها: لماذا لم يتفرّقوا عنه، وماذا كان هدفهم في ذلك؟
ــــــ[191]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ثالثها: إنهم كان يجب عليهم أن يهربوا؛ لأن التعرض للقتل حرام، فلماذا لم يفعلوا؟
أما عن السؤال الأول: فأول خطوة ينبغي اتخاذها بهذا الصدد، هو نفي ما زعمه السائل من أن الحسين كان محتاجاً إلى أصحابه في الدفاع عنه، بل لم يكن في حاجة إلى ذلك أصلاً، لأنه يعلم أنه مقتول لا محالة، ولم يكن في وضع يؤهّله للنجاة طبيعياً بكل صورة، ولم يكن كل أصحابه بالعدد الكافي للدفاع عنه، وإنما يدور الأمر بين مقتله وحده أو قتله مع أصحابه. أما التسبيب إلى نجاته فهو غير محتمل إطلاقاً.
وقد كان ذلك غير محتمل في زمن سابق، حال وجوده في الحجاز، أو حين بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهو في الطريق، أو حين جعجع به الحرّ الرياحي، ففي مثل وقته هذا وقد تجمهر عليه الجيش كله، يكون العلم بالنتيجة أولى وروداً وأوضح ثبوتاً. هذا مضافاً إلى ما حصل فعلاً، تاريخياً، وهو أن أصحابه صمدوا معه وحاربوا إلى جنبه، ومع ذلك لم يدفعوا عنه القتل. وهذا كان معلوماً سلفاً، وقد ثبت بالتجربة صدقه.
فإذا انتفت حاجته إليهم عملياً، لم يكن هناك إشكال شرعي في الإذن لهم بالتفرّق، ولا يجب عليه الاحتفاظ بهم؛ لأنهم سوف لن يسعفوه بشيء، بل الأمر قد يكون بالعكس، وهو أنه (عليه الصلاة والسلام) قد يحسّ بتكليفه الشرعي بلزوم أمرهم بالإنصراف، إنقاذاً لهم من الموت الذي يمكن أن يكونوا في غنى عنه. مضافاً إلى جهة أخرى، وهي: الحفاظ على النفوس، يعني الحفاظ على جماعة من المؤمنين،
ــــــ[192]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الذين يصلحون للدعوة إلى قضية الحسين وهداية الناس، وقد قام بهذه المهمّة. ومن هنا قد يتخيّل الفرد أنه يجب عليهم أن يتفرّقوا لأجل إحراز هذه النتائج، وسيأتي الكلام عنه.
إلا أن الحقيقة أن المقصد الرئيسي -حسب ما نفهم- لم يكن هو ذلك، بل كان لأجل اختبار هممهم في نصره، وفي السير في سبيل الشهادة، وتحصيل طاعة الله ورضاه سبحانه من هذه الناحية. ومن هنا يمكن أن يقعوا تحت طائلة نفسية قوية في التضادّ أو في الشعور المتضادّ في ضرورة البقاء وضرورة الذهاب، إلا أنهم مع ذلك لم يفكّروا طرفة عين في الذهاب، بل أدركوا بكل وضوح ضرورة البقاء مع الحسين، ونيل الشهادة بين يديه. جزاهم الله خير جزاء المحسنين. وبذلك صاروا أفضل الشهداء على الإطلاق.
فهذا هو مختصر الكلام في الجواب عن السؤال الأول.
[لماذا رفض أصحاب الحسين التفرّق؟]
وأما السؤال الثاني: وهو عن سبب التحاقهم به وعدم تفرّقهم عنه، -بالرغم مما سبق قبل قليل من احتمال وجوب ذلك في ذممهم-.
وجواب ذلك يتمّ على عدّة مستويات، نذكر منها:
المستوى الأول: إن المهم في نظر المؤمن ليس هو النظر إلى التكليف الشرعي بالذات، بل إلى رضاء الله عزّ وجلّ، وإنما يكون تطبيق التكليف وطاعته مقدمة لذلك وأسلوباً لتحصيله. فإذا أحرز الفرد إن هناك منبعاً لرضا الله عزّ وجلّ أفضل وأهمّ وأعلى من مجرد تطبيق بعض الأحكام، كما أحرز أصحاب الحسين، كان لهم بل لزمهم اختيار الأفضل والمحلّ الأعلى لا محالة.
ــــــ[193]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
المستوى الثاني: إمكان المناقشة في ذينك التكليفين اللزوميين، اللذينِ أشرنا إليهما في ما سبق، وذلك بالقول إنهما كانا ساقطين تماماً عن ذمة هؤلاء الجماعة الناصرين للحسين. بالرغم من أن مقتضى القواعد المعروفة ثبوتها في كثير من الموارد الأخرى.
أما التكليف الشرعي بهداية الناس والدفاع الكلامي عن قضية الحسين خاصّة والدين عامة، فلأن ذلك كله لم يكن يتوقف عليهم ولا يستند إليهم، بل هم يعرفون وجود ناس آخرين على قدر الحاجّة، متفرقين في البلدان يمكن أن يقوموا بهذه المهام، ومن المعلوم أنه مع وجود ما يكفي للحاجة، يكون التكليف الإلزامي الكفائي ساقطاً عن الآخرين.
وأما المحافظة على النفس وحرمة إلقاء النفس في التهلكة، أو قل وجوب الهرب عن مثل هذا السبب، فلا شكّ أنهم علموا بجواز البقاء مع الحسين، حتى لو أذِنَ لهم بالتفرّق، فإنه لم يأذن لهم إلزاماً، وإنما أذِنَ لهم جوازاً، وإذا عرفوا منه وهو أميرهم وإمامهم ومصدر شريعتهم جواز البقاء والتعرّض للقتل، إذن فقد سقط تكليفهم بذلك أمام الله عزّ وجلّ. فلم يبقَ أمامهم إلا البقاء وتحصيل المقامات العُليا التي ينالونها بالشهادة.
المستوى الثالث: مستوى الامتحان أو التمحيص الذي مرّوا به وأحسّوا به، وقد أسلفنا أنه من الواضح أن المقصود الرئيسي للحسين في الإذن لأصحابه بالانصراف، هو امتحان درجة همّتهم في نصره واستعدادهم للفداء دونه، ومن هنا ورد في الرواية: “ولقد بلوتهم وخبرتهم فلم أجد فيهم إلا الأشوس الأقعس يشتاقون إلى المنية دوني اشتياق الرضيع إلى محالب أمه”.
ــــــ[194]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
فهذه هي نتيجة التمحيص والامتحان وهي نتيجة ناجحة. ولو كانوا قد قالوا غير ذلك لفشلوا في نظر الحسين، ولم يؤدوا تكليفهم الكامل أمام الله وأمام إمامهم ومصدر شريعتهم. والظاهر أن فيما ذكرناه الكفاية عن الدخول في المزيد من التفصيل.
[لماذا لم يشرب العباس الماء؟]
الجهة الثانية: قالوا في تاريخ واقعة الحسين: إن العباس حين ذهب ليملأ القربة بالماء، وحارب أعداءه إلى أن وصل إلى ضفة النهر، قالوا: ثم اغترف غرفة من الماء وأدناها من فمه ليشرب، ثم رمى بها من يده وقال:
يا نفسُ من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون وتشربين باردَ المعين
تالله ما هذا فعال ديني
فقد يخطر في البال السؤال: عمّا إذا كان الأولى بالعباس شرب الماء؛ للتقوّي على الأعداء، ومن ثم نصرة الحسين، ومن ثم نصرة الدين أساساً؟
إلا أنه ينبغي أن يكون الجواب واضحاً، بعد كل الذي سبق أن عرفناه، وذلك على عدّة مستويات، نذكر منها:
المستوى الأول: إنه لم يكن يوجد أي سبب في ذلك الحين ممّا يؤدي إلى نجاة
الحسين من القتل، فحتى لو شرب العباس الماء بالمقدار الذي يحتاجه جسمه أو أكثر وتشبّع بذلك وقاتل أكثر مما قاتل، فإنه لم يكن بالممكن أن ينجو هو ولا أخوه الحسين من القتل، بل السبب لقتلهم موجود ومتحكّم لا محالة.
ــــــ[195]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
المستوى الثاني: إنه وجد من الخيانة لأخيه وذويه أن يكون ريّاناً بالماء وهم عطاشى، وهذا ما يصرح به التاريخ. وقد نطق به الشعر الذي نقلناه عنه بصراحة. وهو أدب إسلامي عالٍ أمام الله سبحانه. ومن هنا قال: “تالله ما هذا فعال ديني”.
المستوى الثالث: إنه شعر بتكليفه في ذلك الحين بوجوب الإعراض عن شرب الماء، وأطاع تكليفه ذاك. وهذا الشعور يكون بأحد أساليب: إما بالإلهام، أو بالرواية عن جده رسول الله أو عن فاطمة الزهراء، كما نُقل في بعض الروايات.
المستوى الرابع: إنه أراد أن يموت عطشاناً عمداً أمام الله سبحانه؛ لأن ذلك أكثر أجراً وأعلى مقاماً. ومن هذا القبيل ما روي عن أبيه أمير المؤمنين: «إنه دعاه أخوه في بعض الأيام في منزله على مأدبة، فأكل ثلاث لقم فقط، ثم سحب يده، فقال له أخوه: هلّا أكلت يا أمير المؤمنين، فقال: “إن هي إلا ثلاث وأريد أن ألقى ربي خميصاً”».
إذن, فكما إن أمير المؤمنين يريد أن يلقى الله جوعاناً، فكذلك أبنه العباس يريد أن يلقى الله عطشاناً.
وينبغي أن نلتفت أن المستوى الأول هو الأهمّ فقهياً، وهو الذي فتح الباب
للعباس إلى أحد المستويات الثلاثة الأخرى، لوضوح أن شرب الماء لو كان سبباً للنجاة كان واجباً، ولا تقوم أمامه المستويات الأخرى إطلاقاً، إلا أننا عرفنا أنه لا يحتمل فيه ذلك.
ــــــ[196]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[لماذا لم يَسقِ الإمام الحسين ابنه علي الأكبر الماء لدى طلبه؟]
الجهة الثالثة: إنه نُقِل إلينا التاريخ أن علي بن الحسين (الأكبر)، خرج إلى الحرب فترة من النهار، ثم رجع إلى الحسين، فقال: “يا أبة العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء”. فبكى الحسين وقال: “واغوثاه من أين آتي لك بالماء. قاتل قليلاً، فما أسرع ما تلقى جدّك رسول الله، فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً”.
وروي أن الحسين قال له: “يا بني هات لسانك”. فأخذ لسانه فمصه ودفع إليه خاتمه الشريف، وقال له: “يا بني امسكه في فمك وارجع إلى قتال عدوك”.
أقول: وفي النتيجة إنه لم يدفع له شربة ماء. فقد يثار السؤال عن السبب في ذلك، وخاصّة عن استعمال المعجزة في هذا الصدد؟
وجواب ذلك على عدة مستويات، نذكر منها:
المستوى الأول: ما يشبه ما ذكرناه في المستوى الرابع من الحديث عن العباس. من أن المصلحة عند الله عزّ وجلّ تقتضي أن يستشهد عطشاناً، هكذا أراد له أبوه، وهكذا أراد لنفسه، وقَبِل العرض من أبيه.
المستوى الثاني: إن المستوى الطبيعي أو السبب الطبيعي كان متعذّراً تماماً، ولذا قال الحسين في الرواية: “واغوثاه من أين آتي لك بالماء”. وأما مستوى المعجزة، فقد سبق أكثر من مرة: أن أسلوب الإسلام من عصر النبي فما بعده لم يكن قائماً على ذلك: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ(1). ولا شك أن
ــــــ[197]ـــــــ
( ) الأنفال:42.
أضواء على ثورة الحسين
أسلوب المعجزة يختلف عن ذلك.
المستوى الثالث: ما تقوله الرواية عن: أنه مدّ له لسانه وأعطاه خاتمه، وكلنا نعرف أن اللعاب يمكن أن يتحلّب مع وجود شيء في الفم، فيشعر الفرد بشيء من الارتواء. ويساعده ذلك على تحمل الحرب.
[لماذا حمل الإمام الحسين الرضيع إلى الأعداء طلباً للماء؟]
الجهة الرابعة: قالوا: كما في بعض المقاتل عن رضيع الحسين: ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء. وقال: “إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل”. فاختلف العسكر فيما بينهم، فقال بعض: “إن كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار”، وقال آخرون: “لا تبقوا لأهل هذا البيت باقية”. وكادت الفتنة أن تقع بينهم. فصاح ابن سعد في حرملة بن كاهل: “اقطع نزاع القوم”. قال: فوضعت السهم في كبد القوس. وقلت: “أللوالد أم الولد؟”. قال: “بل الولد”. قال: فرميته وهو في حجر أبيه فذبحته من الوريد إلى الوريد، فتلقى الحسين الدم بكفه، ورمى به نحو السماء.
فقد يخطر في الذهن: أنه لماذا أخذ الحسين رضيعه إلى جانب الأعداء؟ مع أنه من الواضح حصول قتله على أيديهم. وهو أمر لا يخفى على الحسين، حتى بالتسبيب الطبيعي فضلاً عن العلم الإلهامي. ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات، نذكر منها:
المستوى الأول: إقامة الحجّة على الأعداء، وفضحهم في النتيجة. إذ يثبت بالحسّ والعيان قتلهم للأطفال والعزّل. وهو أمر يثبت على عدة مستويات:
منها: أمام أفراد الجيش المعادي نفسه.
ــــــ[198]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
ومنها: أمام الجيل المعاصر للحسين.
ومنها: أمام الأجيال المتأخّرة عنه.
ودلالة ذلك ما سمعناه عن المؤرّخين من وقوع الخلاف بين أفراد الجيش المعادي، فقال بعض المنصفين منهم: «إذا كان ذنب للكبار فما ذنب الأطفال أو الصغار» وقال بعض المعاندين: «لا تبقوا لأهل هذا البيت باقية». فقد حصل التمحيص والامتحان آنيّاً، فضلاً عن إقامة الحجة في المدى القريب والبعيد.
وينبغي أن نلتفت أيضاً، إلى أن هذا المستوى من التفكير؛ يقتضي التسليم بأن
الحسين رأى إن إقامة الحجة أمام الأعداء ذو مصلحة أكيدة، حتى لو فدى في سبيلها ولده الرضيع. وهذا أمر مقنع وجداناً؛ لأن ما حصل من فضيحة هؤلاء لم يكن له مثيل.
المستوى الثاني: إن الحسين أراد التضحية بولده أمام الله سبحانه قبل موته أو استشهاده. ومثله ما روي عن العباس حين قال لإخوته، الذين كانوا معه في واقعة الطف: “تقدموا يا بني أمّي لكي أقدمكم أمام الله سبحانه” فهو يعتبر استشهاد إخوته عملاً وطاعة له شخصياً. ففي مثل ذلك فكّر الحسين.
المستوى الثالث: إن الإمام الحسين نفذ قضاء الله وقدره الذي يعلمه بالإلهام أو بالرواية، والذي لم يكن منه بدّ، بل كان واجباً عليه تنفيذه كوجوب صلاة الظهر علينا، وقد ضحّى به امتثالاً لأمر الله سبحانه، وتسليماً لقضائه. ومن هنا ورد -عن نسائه-: “شاء الله أن يراهن سبايا”. وعن طفله “شاء الله أن يراه مذبوحاً”. والمشيئة إما أن تكون تكوينية، يعني من القضاء والقدر. أو تشريعية،
ــــــ[199]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
يعني التكليف والوجوب. وهي على كِلا التقديرين محبوبة لأهل الله سبحانه، ومنهم الحسين. وهناك مستويات أخرى من الجواب لا حاجة إلى التطويل بها.
[حديث عن السهم المثلث]
الجهة الخامسة: روي أنه «كان من جملة أساليب المحاربة ضدّ الحسين بعد مقتل أصحابه وأهل بيته، إنه رماه أحد القوم بسهم محدّد مسموم له ثلاث شُعب وقع على صدره. وفي بعض الروايات: وقع على قلبه، فأخذ السهم فأخرجه من قفاه، فانبعث الدم كالميزاب».
فهنا قد يحصل سؤالان:
السؤال الأول: كيف يمكن أن يكون للسهم ثلاث شُعب، وهذا غير معهود في التاريخ، بل لا يصلح مثل ذلك للرمي كسائر السهام؟
والسؤال الثاني: عن إخراجه من قفاه، وهل يمكن ذلك؟ وإذا أمكن فهو يؤدي إلى الوفاة فوراً، مع أن هذا لم يحصل.
أما الجواب عن السؤال الأول: فبعد تسليم صحّة سند الرواية، لا نجد أنها تشير إلى أن الشُعب الثلاث متساوية في الارتفاع أم لا. ولا أنها قد أصابت جميعاً صدر الحسين. بل من الممكن أن يكون له رأس واحد كبير ورأسان أصغر منه، والتأثير الأساسي سواء في الرمي أم في الإصابة للكبير دون الصغيرين، وإنما تأثيرهما جانبي أو قليل، ولا يمنعان الرامي من الرمي، ولا السهم من الانطلاق. مضافاً إلى أنه من المحتمل أن تكون الشُعب الثلاث من خلف النبلة لا من أمامها.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: بعد تسليم صحة سند الرواية أيضاً، احتمال أن يكون الضمير في قولنا: (أخرجه من قفاه)، يعني السهم، أي سحب السهم من
ــــــ[200]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
قفاه. وهو أمر اعتيادي ومما لا بدّ من وقوعه، لو كان في الفرد جرأة على سحب السهام من جسمه. وإنما تدفّق الدم بكثرة باعتبار كثرة انغراسه في جسم الحسين، ووجود شُعب فيه.
هذا مضافاً إلى أن الضمير المشار إليه إذا رجع إلى الحسين، أمكن القول: بأن السهم لم يقع في وسط صدره، بل في أحد جانبيه نسبياً.
ومن هنا لم يكن إخراجه من القفا مستلزماً لتشقّق القلب، أو إحدى الرئتين؛ لتحدث الوفاة السريعة.
وأما عدم تأثير السمّ فيه سريعاً، مع أنه وردنا في التاريخ كون السهم مسموماً كما سمعنا، فإن ذلك يعزى إلى تدفّق الدم بكثرة، الأمر الذي أوجب خروج المواد السامّة مع الدم، بعد سحب السهم نفسه.
هذا وفي كل ذلك فإن الاحتمال مبطل للاستدلال وقاطع للسؤال. ولا نحتاج إلى الجزم أو التأكيد على أحد الوجوه بالذات.
[حديث حول الأمر برضّ جسد الحسين بحوافر الخيول]
الجهة السادسة: وردنا في التاريخ: «أنه بعد أن حارب الحسين أعداءه وسقط على الأرض، أمر قائد الجيش المعادي جماعة منهم أن يركبوا الخيول، ويدوسوا بحوافرها جسد الحسين. فانتدب له عشرة من الفوارس، فداسوا جسد الحسين بخيولهم حتى رضّوا ظهره وصدره».
وقد سمعت شخصياً من يستشكل على ذلك بما مؤداه: “إنني راكب مُجيد للخيل وأعرف طبائعها. فهي تقفز القفزة الطويلة وتتحامى في طريقها العوائق. ومن المعلوم أن جسد الإنسان مهما يكن ضخماً، لا يعدّ عائقاً مهمّاً عن سير الفرس.
ــــــ[201]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مما يسبب استبعاد أن يتعمّد الفرس وضع حوافره على جسد الإنسان، بل سوف يتجنّبه لا محالة”.
مضافاً إلى سؤالين آخرين لا يخلوان من الأهمّية:
السؤال الأول: إن الخيل لو داست الجسد الشريف أو جسد أي إنسان، فسوف لن تؤثّر فيه أثراً يذكر؛ لصلابة لحمه وقوة عظمه؟
والسؤال الثاني: إن المتوقع أن تتحامى الخيل، وتتجنب عن عمد الدوس على الجسد الشريف، وتعصي راكبيها، وان كانت حيوانات؛ لأن الجسد الشريف من وضوح الأهمّية والعظمة، بحيث لا يخفى حتى على الحيوانات، وخاصّة لحيوان ذكي كالفرس، أو لأن هذه مهانة، لا ينبغي أن يريدها الله عزّ وجلّ لوليه الجليل، فلا بد أن يصرف هذه الحيوانات عن عملها هذا على كل حال؟
أما الجواب عن السؤال الأول، وهو الرئيسي الذي عرضناه في هذه الجهة: وهو عن تجنّب الفرس الدوس على جسد إنسان، بل نراها تطفر فوقه لا محالة. وهذا صحيح لو نظرنا إلى طبيعة الفرس في الظروف الاعتيادية. أو قل: إذا نظرنا إلى السير الاعتيادي للفرس، إلا أن هذا النظام سوف يختل بكل وضوح؛ لو أراد راكبها -على أن يكون فارساً ماهراً- أن يأمرها أو يقهرها على أن تدوس على أيّ شيء، فهي سوف تفعل لا محالة. وهذا واضح لا ينبغي الشكّ فيه، ومعه ينسدّ ذلك السؤال تماماً، بل يبدو سخفه وضِعته.
وأما السؤال الثاني: وقد كان عن صلابة الجسد، بحيث لا يمكن أن تؤثر فيه الخيل: فهو أسخف من سابقه؛ لأننا إن تحدّثنا عن اليدين والرجلين، كان لهذا السؤال قسط من الوجاهة، وأما لو تحدّثنا عن الجسد نفسه أو ما يسمى بالجذع
ــــــ[202]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
طبيّاً، وهو المتكوّن من الصدر والبطن فلا وجه للسؤال أصلاً.
وأما السؤال الثالث: وهو عن تجنّب الحيوان فعل ذلك؛ هيبةً للحسين وإجلالاً:
فجوابه: إن هذا إنما يكون بالمعجزة دون غيرها، وقد كرّرنا عدم إمكان وقوعها في مثل ذلك، وإذا أراد الله سبحانه مزيد البلاء لمزيد الثواب للحسين، ففي قدرته أن يحجب هيبة الحسين وعظمته عن هذه الحيوانات، ويدعها تعمل على المستوى الطبيعي، ومن المعلوم أيضاً أن الله عزّ وجلّ حين يريد المزيد من البلاء، فإن جزءاً مهماً منه سيكون هو تحمّل المهانة لا محالة، وهذا لا ينافي ما قلناه في أول هذا البحث من أن الحسين لم يجد الذلّة، ولم يمرّ بها على الإطلاق؛ لأن غاية ما يثبت هنا هو إن الأعداء أرادوا له الذلّة، وهذا أمر أكيد لا نستبعده عنهم. أما وقوعها حقيقة عليه أو وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه (سلام الله عليه)، فإن لِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين(1).
[حديث حول فرس الحسين]
الجهة السابعة: قالوا: «وأقبل فرس الحسين بعد سقوطه عنه، يدور حوله، ويلطّخ عُرفَه وناصيته بدمه، فصاح ابن سعد بقومه: دونكم الفرس فإنه من جياد خيل رسول الله، فأحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه، حتى قتل رجالاً وأفراساً كثيرة. فقال ابن سعد: دعوه لننظر ما يصنع. فلمّا أمن الطلب، أقبل نحو الحسين فأخذ يمرغ ناصيته بدمه ويشمّه، ويصهل صهيلاً عالياً، ثم توجه إلى
ــــــ[203]ـــــــ
( ) المنافقون: 8.
أضواء على ثورة الحسين
المخيم بذلك الصهيل الحزين».
وفي بعض الأخبار المنقولة: «إنه ضرب رأسه بعمود الخيمة حتى مات».
فقد يقع السؤال: عن إمكان إدراكه وتشخيصه للموقف، بغض النظر عن حصول المعجزة، وهو حيوان وليس بإنسان بطبيعة الحال.
وجواب ذلك: إننا إن أخذنا بفكرة المعجزة، أمكن القول بأن معاشرة المعصومين (سلام الله عليهم) من قِبَل الإنسان والحيوان معاً مؤثّرة في تكامله وفهمه، كل واحد بمقدار استحقاقه واستعداده. أما كيفية تقبّل ذلك بالنسبة إلى الحيوان، فهو أمر غير واضح؛ لأن مستوى فهم الحيوانات أمر غير واضح بدوره، إلا أن عدم وضوحه لا يعني عدم ثبوته، ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال.
وإن لم نأخذ بفكرة المعجزة، فمن الأكيد إن الفرس من أذكى الحيوانات وأرقاها، وهي عند علماء الحيوان تأتي بعد القرد مباشرة، وخاصّة الأفراس العربية الأصيلة، وقد كان فرس الحسين واحداً منها، فهي تعرف صاحبها وتحبّه وتعرف ذويه، وتصبر على ما ينوبها في سبيله من جوع أو عطش، وتحسّ بإكرام صاحبها لها وغير ذلك من الأمور، فليس عجباً أن يفعل فرس الحسين ذلك. نعم، يبقى قتله لنفسه منوطاً بفكرة المعجزة أو بصحّة الرواية.
[حديث حول تكلم رأس الحسين]
الجهة الثامنة: نقل التاريخ عن زيد بن أرقم وهو أحد الصحابة، وقد كان يومئذ بالشام، إنه سمع رأس الحسين يتلو قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ
ــــــ[204]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً(1). فقال زيد بن أرقم: “سيدي رأسك أعجب وأغرب”.
فهل نصدّق هذه الرواية أو نستبعدها؟ باعتبار أنه من المستحيل طبيعياً أن ينطق الموتى مطلقاً، أو قل: أن ينطق الرأس وهو متصل بصاحبه فضلاً عما إذا كان مقطوعاً، فضلاً عما إذا كان مرّ على قطعه ردح من الزمن؟
إلا إن هذا الاستبعاد في غير محلّه؛ لعدة مستويات من التفكير نذكر منها:
المستوى الأول: إنه من الواضح أن مثل هذه الروايات، لا ينبغي أن نعرضها أمام القانون الطبيعي؛ لأنها قائمة على خصوص المعجزة، وليس لها من القانون الطبيعي أيّ نصيب. وإذا حدثت المعجزة أمكن ذلك وغيره، وبالمعجزة نطق رأسان في البشرية المعروفة، هما رأس يحيى بن زكريا ورأس الحسين.
المستوى الثاني: إن نطق الرأس إنما كان لإقامة الحجة على أهل الشام، الذين كانوا يجهلون شأن الحسين وإمامته وصدق قضيته، بل كان الحكّام لديهم يغرسون في أذهانهم، أن هذا الموكب لسبايا غير مسلمين من الروم أو الزنج أو القبط ونحو ذلك، وكان لا بدّ لهذا الجانب -أعني لموكب الحسين- أن يثبت صدق قضيته، وفي الواقع أنهم لم يقصّروا في ذلك، بعد أن تكلم الإمام زين العابدين وزينب بنت علي وآخرون، وحدثت له عدة مآتم في الشام فوريّاً.
ومحل الشاهد الآن؛ أن الحسين نفسه شارك في هذه الحملة الموسعة للهداية
ــــــ[205]ـــــــ
( ) الكهف: 9.
أضواء على ثورة الحسين
والإعلام، وذلك بقراءته القرآن، وهو فوق رأس رمح طويل. وكانت مشاركته أوكد من كل المشاركات؛ لأنه الشخص الرئيسي والأهمّ أولاً. ولأن مشاركته إعجازية ثانياً، وهاتان الصفتان لم تحصلا لأيّ من المشاركين الآخرين في معسكر الحسين، وإن علا شأنهم وغلا.
[حديث حول تكلم رأس الحسين سبع مرّات]
المستوى الثالث: إنني شخصياً كنت موجوداً في ليلة من الليالي، قبل خمس وعشرين سنة تقريباً، في جلسة من جلسات تحضير الأرواح. وقد خطر لي أن أسأل إحداها قائلاً: هل تكلّم رأس الحسين، وكان في حسباني أن تقول: نعم أو لا. فكان من العجب أنها قالت: تكلّم سبع مرات. فقلنا لعلّه تكلّم بهذا المقدار، ولم ينقل في التاريخ إلينا، وإذا أمكن ذلك مرّة أمكن مرّات عديدة، وليس في قدرة الله بمستغرب.
وحصلت على كتاب بعد خمس وعشرين سنة أو أكثر، بعنوان (الحسين في الفكر المسيحي)، تأليف: انطوان بارا، وهو مسيحي منصف مَجّدَ الحسين ورثا له، وقارن شهادته بما يعتقدونه من مقتل المسيح وشهادته، وإذا بي أجد في هذا الكتاب النقول التاريخية عن كلام رأس الحسين. فأحصيتها فإذا بها سبعة، كما سمعت من تلك الروح قبل خمس وعشرين سنة. وربّ صدفة خير من ميعاد.
وأود فيما يلي أن أنقل عبارة المؤلف، وما أجاده من التعب في نقل الجانب التاريخي الإسلامي، الناطق بتاريخ رأس الحسين الناطق (سلام الله عليه).
وسأقوم بترقيمها تنبيهاً للقارئ على عددها، وبالرغم من أنها في المصدر الذي
ــــــ[206]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
أنقل عنه غير مرقّمة، ولعل المؤلّف لم يلتفت إلى أنها سبعة موارد، أو إلى أهمية كونها سبعة. قال:
1- ولما حُمِل الرأس الشريف إلى دمشق، ونُصِب في موضع الصيارفة. وهناك لغط المارة وضوضاء المتعاملين، فأراد سيد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليسمعوا عِضاته، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالياً. فاتجهت إليه الناس، واعترتهم الدهشة، حيث لم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(1).
2- وصُلِب على شجرة، فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع فأخذ يقرأ: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(2).
3- وقال هلال بن معاوية: رأيت رجلاً يحمل رأس الحسين والرأس يخاطبه: “فرقت بين رأسي وبدني”. فرفع السوط وأخذ يضرب الرأس حتى سكت.
4- ويحدّث بن وكيدة: إنه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف، فشكّ في أنه صوته أو غيره، فترك القراءة، والتفت إليه يخاطبه: “يا ابن وكيدة: أما علمت إنّا معشر الأئمة أحياء عند ربهم يرزقون”.
5- فعزم على أن يسرق الرأس ويدفنه، وإذا الخطاب من الرأس الشريف: “يا ابن وكيدة ليس إلى ذلك من سبيل، إن سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييري على الرمح، فذرهم فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون”.
ــــــ[207]ـــــــ
( ) الكهف: 13.
(2) الشعراء: 227.
أضواء على ثورة الحسين
6- وقال المنهال بن عمرو: رأيت رأس الحسين بدمشق على رمح، وأمامه رجل يقرأ سورة الكهف، حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(1). نطق الرأس بلسان فصيح: “أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي”.
7- ولما أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث أنكر عليه فعلته، نطق الرأس الشريف بصوت رفيع: “لا حول ولا قوة إلا بالله”(2).
أقول: وقد أخرجها المؤلف من مصادرها، وذكرها في هامش كتابه هذا فراجعه.
وينبغي هنا أن نلتفت: أن كثرة النقل يسمى بالاصطلاح بالاستفاضة. فلو كان النقل مقصوراً على رواية زيد ابن أرقم التي هي أشهرها، لأمكن مناقشتها أو التشكيك فيها، ولكن ليس إلى ذلك من سبيل بعد الذي سمعناه من كثرة النقل، وكان فيما نقل عنه المؤلف المذكور كتب من كِلا الفريقين.
[حديث عن قابلية بقاء الرؤوس تحت الشمس]
بقي أن نشير إلى ما ذكرناه في نهاية السؤال نفسه، من طول المدّة على الرأس الشريف، وسيره من كربلاء إلى دمشق تحت حرارة الشمس، فهل يعني هذا تغيّره أو تبدّل معالمه أو تعذّر نطقه؟ كلّا بطبيعة الحال، إذا التفتنا لأمرين:
أحدهما: إن المعجزة لا يختلف فيها طول المدّة وقصرها، بل ولا انحفاظ
ــــــ[208]ـــــــ
( ) الكهف: 9.
(2) أنظر المصدر ص110 – 111، (منه).
أضواء على ثورة الحسين
الصورة وعدمها، وإن كان من الواضح أن رأس الحسين، كان باقياً على الشكل الذي قُطِع فيه لم يتغيّر إطلاقاً، وهذا ما نعرفه فيما يلي:
ثانيهما: إننا نعرف بوضوح في الدين، أن أجساد الأفراد الذين يكونون في درجة عالية من الإيمان، قابلة للبقاء والاستمرار بدون أن تبلى أو تتفسخ، أو تحصل منها روائح نتنة ونحو ذلك، بل يبقى الجسد نظيفاً طرياً، كأنه مات من ساعته، وهو أمر متواتر ومحسوس في كثير من الموارد.
ومحل الشاهد الآن، إن هذا لا يفرق فيه بين المدفون وغير المدفون. وهذا هو الذي يفسّر حفظ الأجساد لشهداء كربلاء، وقد بقيت قبل الدفن ثلاثة أيام كاملة تحت الشمس، فلم تُصَب بسوء. ويفسّر أيضاً حفظ الرؤوس وقد سُيّرت على الرماح من كربلاء إلى الكوفة إلى دمشق، في الفصل القائض الشديد الحر؛ فلم تُصَب بسوء.
وهذا من جملة الأمور العديدة، التي كانت سبباً لإقامة الحجّة على كل الجيل المعاصر لقتل الحسين، بل والأجيال المتأخرة عنه، وخاصّة أولئك الأعداء الذين قطعوا الرؤوس بكل قسوة ولا إنسانية، وحملوها على الرماح، وسيّروها كل هذا السير الطويل. بل الأمر يمكن أن نسير فيه خطوة أخرى: وهو الجزم بأن هؤلاء الأعداء، كانوا يعلمون لدى قطعهم الرؤوس لأول مرّة، وعزمهم على حملها وتسييرها، كانوا يعلمون إنها غير قابلة للتغيّر والتعفّن، وإلا فمن الواضح جدّاً أن الرؤوس الاعتيادية، سوف لن (تعيش) تحت الشمس بشكل سليم أكثر من نهار واحد، ثم يكون لها رائحة نتنة، غير قابلة للتحمل بالنسبة إلى حامل الرأس، ولا
ــــــ[209]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
من حوله، وهذا ما ينبغي أن يكون معلوماً لهم سلفاً، ومع ذلك عزموا على قطعها وتسييرها، الأمر الذي يدلّ على علمهم بأن قضية الحسين على حقّ، وأنه وأصحابه من الأولياء، وأن أعداءه على خطأ وباطل، بما فيهم هم الذين قطعوا الرؤوس. ولا غرابة في ذلك حين نسمع قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(1). وقول بعض أعداءه له: «قلوبنا معك وسيوفنا عليك». الأمر الذي يبرهن أنهم كانوا يعيشون انشطاراً في الشخصية. وهذا هو الذي يجعل موقفهم أمام الله سبحانه أشدّ مسؤولية وأعظم عقوبة.
فهذه ثمان جهات لأهمّ الأسئلة التي قد تثار حول واقعة الطفّ وما بعدها، وأحسب أن الأمور الأخرى فيها واضحة، لا تحتاج إلى توضيح، وإنما يحتاج القارئ الكريم بالنسبة إليها إلى إطلاع؛ لكي يجد مواطن العظمة والجهاد والصبر للحسين وأصحابه (سلام الله عليهم أجمعين).

حرره بتاريخ 19/2/1414ﻫ
محمد الصدر
ــــــ[210]ـــــــ
( ) النمل: 14.
أضواء على ثورة الحسين
الفهرس
المقدمة 11
الاعتذار عن الإحاطة التامة 15
[عدم النظر إلى المعصومين كقادة دنيويين ] 19
[ الاستدلا بقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}] 20
[مناقشة دلالة الآية: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}] 21
[إمكان أن يكون المراد غير النبي] 24
تعارض الروايات 29
أصحاب المعصومين 33
[إنهم معصومون بالعصمة غير الواجبة] 33
[ انهم فهموا الاتجاه المعمق والإرتكازي للمعصومين] 35
[انهم من (الراسخون في العلم) ] 35
[انهم من المقربين] 36
[أن لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله] 38
ــــــ[211]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[مدى تأثير أصحاب الأئمة في التاريخ] 39
إلقاء النفس في التهلكة 41
[مناقشة الآية الكريمة: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ] 42
بقية الحديث عن التهلكة 47
رضا الله رضانا أهل البيت 50
لماذا لم يعمل الحسين بالتقية؟ 53
[في ان التقية تخيرية] 55
حدود أهداف الحسين 61
الأهداف المحتملة للحسين 66
[الهدف الأول: ان لا يبايع الحاكم الأموي] 66
[الهدف الثاني: الامتثال لأمر الله عزّ وجلّ] 72
[الهدف الثالث: الانتصار العسكري المباشر] 73
[الهدف الرابع: فضح بني أمية ومن كان على شاكلتهم] 75
[الهدف الخامس: طلب الإصلاح] 76
[الهدف السادس: الاستجابة لأهل الكوفة] 78
[ الهدف السابع: إعطاء الأمثولة للدين الحنيف] 81
ــــــ[212]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
[الهدف الثامن: إقامة المآتم والبكاء عليه] 86
[الكلام عن الهدف الثامن] 86
[جوانب معركة الحسين مع الاستبشار أو الحزن] 88
أسئلة حول شخص الحسين 93
السؤال الأول: [هل بقي الحسين وحيداً -معنوياً- ولماذا طلب الناصر؟]93
السؤال الثاني: [هل كان يدافع عن عصبية وعنصرية؟] 96
السؤال الثالث: [هل حصل له الذل في واقعة الطف؟] 101
السؤال الرابع: هل اهتم الإمام الحسين بعياله؟ 104
السؤال الخامس: لماذا أخذ عياله معه؟ 107
السؤال السادس: هل اغتم الحسين، وحزن لوقوع هذا البلاء العظيم عليه وعلى أهل بيته وأصحابه؟ 109
[مبررات البكاء] 110
ياليتنا كُنّا معكم 112
[ حول المَعية المعنوية] 115
[في تقديم الحسين بالذكر] 119
رواة واقعة الطف 121
الرواة المتأخرون 125
ــــــ[213]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
مجوّزات النقل شرعاً 127
البكاء على الأموات 135
[المبالغة في الشعر] 137
تألب الناس ضده 143
توصيات عامة للخطباء 152
[حصول المعجزات للحسين] 155
[في أن النساء ناشرات الشعور] 159
[طلب مسلم بن عقيل للماء] 162
مسلم بن عقيل في الكوفة 165
الأخوّة 165
[ثقتي من أهل بيتي] 166
احتلال الكوفة 169
اغتيال بن زياد 173
السيطرة على الكوفة مؤخراً 177
معقل 180
[سبب إنخداع مسلم بن عوسجة ومسلم بن عقيل بمعقل] 180
ــــــ[214]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين
تفرق الناس عنه 183
تألب الناس ضده 186
تأسيسه للجيش 187
أسئلة حول واقعة الطف 191
[لماذا أذِن الحسين لأصحابه بالتفرق؟] 191
[لماذا رفض أصحاب الحسين التفرق؟] 193
[لماذا لم يشرب العباس الماء؟] 195
[لماذا لم يَسقِ الإمام الحسين ابنه علي الأكبر الماء لدى طلبه؟] 197
[لماذا حمل الإمام الحسين الرضيع إلى الأعداء طلباً للماء؟] 198
[حديث عن السهم المثلث] 200
[حديث حول الأمر برضّ جسد الحسين بحوافر الخيول] 201
[حديث حول فرس الحسين] 203
[حديث حول تكلّم رأس الحسين] 204
[حديث حول تكلّم رأس الحسين سبع مرّات] 206
[حديث عن قابلية بقاء الرؤوس تحت الشمس] 208
الفهرس 211
ــــــ[215]ـــــــ
أضواء على ثورة الحسين