أشعة من عقائد الإسلام
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ـــــــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الكتاب والمؤلف
* هذه هي الحلقة الخامسة و الثلاثون من سلسلة (منابع الثقافة الإسلامية).
* تحليل علمي مُمتع على أن العقيدة بالله وتوحيده منبعثان عن الفطرة الأصيلة، وأن الفطرة هي التي تهدي الإنسان إلى الاعتراف بالله تعالى، وإلى توحيده، وأن الأدلة التي تثبت وجود الله تعالى، وتوحيده إنما هي مُوَجِّهات للإنسان إلى ملاحظة فطرته، ومؤشرات إليها.
* فيه موضوعان آخران، هما: ((بين يدي التجارة الرابحة)) و ((من أشعة الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه)).
* مؤلفه الأستاذ العلامة السيد محمد الصدر نجل سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد صادق الصدر من بيت الصدر الشهير بالعلم والتقوى والزعامة.
* ولد سنة (1362 هـ) في النجف الأشرف.
ـــــــــــــــــــــــــ[7]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
* نشأ وترعرع بظل تربية والده وفي أحضان العلم والعلماء.
* دخل (كلية الفقه) وتخرج منها حائزاً على شهادتها في سنة (1382هـ).
* له مقالات إسلامية في بعض النشرات والمجلات الإسلامية كـ (الأضواء) و(النجف) النجفيتين، كما أن له كتاب (نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان) وكتب أخرى لا تزال مخطوطة.
* هو اليوم من خِيرة الرجال الذين جمعوا بين العلم والعمل، والدراسة والإرشاد، وفَّقَه الله تعالى لمراضيه وجعله قدوة وأُسوة.
كربلاء المقدسة – مكتب (منابع الثقافة الإسلامية)
مع القارئ
إن هذا المجهود المتواضع الذي تراه بين يديك، ليس إلا عبارة عن مقالات إسلامية، تتناول بالبحث بعض الشؤون التي تخص العقائد الرئيسية في الإسلام. وهي مقالات متفرقة كُتِبَت في أزمنة مختلفة، وقد نُشِرَ بعضها على صفحات بعض المجلات الإسلامية، وبقيت الكثرة منها على الرَّف في انتظار النور. حتى كان أن تفضلت إدارة مكتب ((منابع الثقافة الإسلامية)) فشرَّفتني مشكورة بالمطالبة ببعض المواضيع الإسلامية، ليكون حلقة من سلسلتها المجاهدة، فكان أن جمعت ما كان قد سنح لي حول بعض عقائد الإسلام، وكان أن وُفِّقَتْ للنور بعد انتظار طويل.
وحيث قَسَّم سلفنا الصالح، العقائد الإسلامية الرئيسة إلى خمسة أقسام هي (أصول الدين) والتي تَتلخَّص بالاعتقاد بالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد. وعليه فقد صَمَّمتُ شكل هذه الفصول على أساس هذه العقائد. وكانت فصول الكتاب متناولة لثلاثة أشياء، تمسُّها مَسّاً رفيقاً وتبحث بعض جوانبها، وإن لم تكن تتناول كل أصل على سعته وشموله.
ـــــــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
حيث تَكفَّل الفصل الأول الاستدلال على وجود الله تعالى وتوحيده، عن طريق الفطرة والعقل السليم. وتكفَّل الثاني بيان عدة تعاليم ومفاهيم إسلامية، جُعِلَت طريقاً للبرهنة على صلاحية الإسلام لأن يكون منهجاً نحو الكمال الأعلى والسعادة والخلود. ويمثل هذا الفصل الأصل الثالث من أصول الدين.
وأما الفصل الثالث، فهو يتناول أحد جوانب الأصل الرابع، وهو مفهوم الإمامة. يتناوله من أهم جوانبه وأعقدها وأولاها بالبحث والاستدلال، وهو وجود الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، وما يكتنف هذا الموضوع من ملابسات. ذلك الموضوع الذي ما زلنا نرى مفكرينا الإسلاميين يحجمون عن الكلام فيه ويخشون خوض غِمارِهِ، مع أنه من أهم قضايا الإسلام وأولاها بالاهتمام.
وبعد…
فكلي أملٌ أن تتوفَّق هذه الأقباس من عقائد الإسلام، إلى إعطائك صورة صادقة، لبعض جوانب هذا الدين الحنيف على شكل منطقي موضوعي سليم. لأكون قد أدَّيتُ إلى ديني وإلى المجتمع الإسلامي خدمة متواضعة، أرجو من الله العلي العظيم أن يجعلها قربة لوجهه الكريم، إنه على كل شيء قدير.
محمد الصدر
ـــــــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الفطرة وأثرها في العقيدة الإسلامية والتوحيد
قال الإسلام بالعقيدة الإلهية، وقال بالتوحيد، وجعلهما العقيدتين الرئيسيتين في دينه. ولكنه في نفس الوقت أكَّدَ بأن هاتين العقيدتين ليستا من مخترعاته ومبتكراته، بل إنه إنما قال بهما على أساس من الفطرة، وإنما أوجبهما استجابة لندائها الحثيث.
فهو لم يكلِّف الناس في هاتين العقيدتين، أكثر مما تَضُجُّ به نفوسهم وتؤمن به بواطن عقولهم، ولم يأمرهم في سبيل البرهنة عليهما، أكثر من الرجوع إلى صميم ضمائرهم وتَلَمُّس حقيقة فطرتهم، ليجدوا هناك جَذْوة الإيمان مُتَّقِدةً في الأعماق تنشر دفء الإيمان وحرارة اليقين في ربوع النفس.
فالنفوس كلها مطبوعة على الحق، ومفطورة على الاعتراف بوجود المبدأ الأعلى عزَّ وعلا، والخضوع له، وعلى الإيمان بتوحيده. وإنما تُشَوِّشُها، وتُبَعثِر عليها عقائدها وأفكارها، تلك الغرائز الحيوانية، والمصالح الضَيِّقة التي تسير بالإنسان إلى هُوَّة الفساد.
ـــــــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وليس على الإنسان في سبيل الرجوع إلى ذلك الحق النابع في أعماقه، إلا التَّجَرُّد من الثياب الزائفة، والنظر إلى الحقيقة بعين الإنصاف المخلص.
وفي ذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(1). فالدين إذن فطرة، وهي فطرة أودعها الله عز وجل في نفس الإنسان لترشده إلى الحق، ولتهديه إلى الصراط المستقيم. وليس لأحد إنكار هذه الفطرة أو المكابرة عليها، فضلاً عن تغييرها أو تبديلها، فإنه لا تبديل لخلق الله. إذن فليس على الإنسان الطالب للحق إلا أن يقيم وجهه للدين حنيفاً، ويستجيب لنداء الفطرة، لكي يهتدي ولكي يَرشُد، ولكي يصل عن طريق الإسلام إلى كماله المنشود.
ولا شك أن هذا النداء الصادر من أعماق النفس، هو ألصق النداءات بالإنسان وأبلغُها أثراً في نفسه، وأن الوصول إلى الحق عن هذا الطريق لهو أيسر الطرق وأسهلها، لذا فقد كان الاعتراف بالإسلام وبعقائده سهلاً يسيراً وموافقاً للبداهة والفطرة وللبرهان العقلي الصحيح.
* * *
وهنا قد يثور التَّساؤُل عن الفطرة، ما هي؟ وما محلُّها من الغرائز الإنسانية والملكات النفسية، ومن العقل البشري؟ وما هو مدى تأثير أحدهما
ـــــــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــــ
(1) الروم: 30.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
بالآخر، وما هو بالضبط ما يمكن للفطرة أن تدركه؟ وما هو أثر العقل والتعاليم الإسلامية في صقل إدراكات الفطرة وبَلوَرَتها. هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه فيما يلي من البحث، لننظر في النهاية مدى صواب نظر الإسلام في اعتماده على الفطرة في الاستدلال على عقائده الرئيسية.
يمكن أن نقسم الفطرة بلحاظ مدركاتها إلى ثلاثة أقسام: نصطلح عليها بهذه العناوين، الثلاثة. فهناك فطرة ذاتية، وفطرة كونية، وفطرة عقلية. وهذا التقسيم لا يعني التَّبايُن والتَّنافي بين الأقسام، فإن الفطرة بحقيقتها واحدة، وهي القضايا التي فُطِرَت النفس أي خُلِقَت على إدراكها تلقائياً، من دون أن تجد نفسها بحاجة إلى البرهنة عليها بأي شكل من أشكال الاستدلال.
أما الفطرة الذاتية، فتُشير إلى ما ثَبُتَ في محله من الفلسفة الإسلامية، من أن النفس تدرك ذاتها وتدرك علَّتها وتدرك معلولاتها. وأن هذا الإدراك قائم بالنفس ملازم لوجودها لا يمكن أن ينفك عنها ما دامت النفس موجودة. فهي تشعر بذاتها أي بالحصة الوجودية التي تَتَّصف وتختص بها من دون كل الموجودات وهي تشعر بعلتها بلحاظ هذه الحصة من الوجود التي تتصف بها، فهي تُدرك علَّتها من خلال هذه الحصة وعلى مقدارها، ومن ثم فهي لا تدرك علَّتها على سعتها وشمولها، وإنما تدركها بالقدر الذي يسمح لها وجودها أن تدركه. وهي تدرك معلولاتها، وهي الأفعال التي تقوم بها النفس مباشرة
ـــــــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
كالأفكار والخيالات والصور الذهنية، وحركات الجسم ما دامت الحركة موجودة.
وليست معرفة النفس بهذه الأمور، إلا معرفة بسيطة ساذجة وإدراكاً صِرفاً غير مشعورٌ به(1) وهو ما يسمى بالعلم الحضوري في مقابل العلم الحصولي، وهو العلم المركَّب المشعور به، وذلك بأن يشعر الإنسان بأنه يشعر ويعلم بأنه يعلم. وهذا القسم الثاني من العلم هو الذي نفهمه عادة من هذا اللفظ، لمدى وضوحه في النفس، لأنه علم مشعور به.
وأما الفطرة الكونية، فهي ما يجده الإنسان في نفسه من الاندفاع إلى التَّساؤُل عن علَّة كل ما يقع عليه بصره وسمعه وسائر حواسه، وما يعتقده من أن لكل حادث سبباً ولكلِّ ممكن علة، وأن من لَغْوِ القول، أن نقول بأن شيئاً ما خرج من العدم إلى الوجود، هكذا، وبدون أي سبب ولا فاعل. فالإنسان عندما واجه هذا الكون ورأى غريب صنعته وبديع شكله ودقيق قوانينه ونظمه، أخذت هذه الأمور بِلُبِّه وحيَّرت عقله، وخضع خضوعاً تلقائياً فطرياً، وآمن إيماناً عميقاً، بأن وراء هذه الحوادث الجارية ووراء هذه الأكوان العظيمة خالقاً جباراً قادراً، وعقلاً مدبراً حكيماً، خلق هذا الكون وبسط عليه قدرته وأعْمَلَ فيه حكمته، فبدا للناظرين بهذه الـحُلَّة القَشِيبة.
ووجود هذه الفطرة لدى الإنسان أوضح من أن يحتاج إلى برهان، فإنه
ـــــــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــــ
(1) مثال ذلك: هو شعور الإنسان بنفسه سواء كان ملتفتاً إلى ذلك أم غافلاً.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
يكفي للاستدلال عليها رجوع الإنسان إلى نفسه ونَظَرِه إلى باطن ضميره، فإنه سوف يجد نفسه خاضعاً لهذه الفطرة، مُنقاداً لندائها انقياداً تلقائياً، فإن من فطرة الإنسان مثلاً أن يتساءل عن مصدر الصوت إذا سمعه ولن يحتمل أن هذا الصوت قد ثار من تلقاء نفسه. وأن هذه الفطرة لتبدو في الكون بصورة أوضح وأظهر، حيث التنظيم الرائع والجمال البديع والدقَّة المتناهية، تلك المناظر التي تُثير في النفس روعة وإعجاباً، وتوحي لها بوجود تلك العلَّة اللانهائية الحكيمة، التي أوجدت هذا الكون، وقامت بهذا التنظيم.
وإنا لنرجع بالإنسانية إلى عصورها الأولى، فنستعرضها عصراً عصراً، ومجتمعاً مجتمعاً، فلا نجد إلا أقواماً قد أدركوا أن للكون خالقاً وأن لهذا التنظيم مدبراً ومنظِّماً، كل حسب أفق تفكيره وسعة مداركه وثقافته، وليس الإلحاد إلا نابعاً من جملة أشياء متراكمة من المصالح والغرائز والمسبقات الذهنية والثقافات المادية التي تخرج بالإنسان عن طريق فطرته، وتسلك به طريق الضلال والفساد. وحتى أولئك المفكرين الذين تبجَّحوا بأنهم ملحدون وبأن قانون العِلِّية لا يقوم على أساس، ومن ثم حاولوا أن يصوغوا من النظريات التي تبرِّر خلق هذا الكون من العدم، ما يعوِّض عن هذا القانون القتيل. ولكنهم في محاولاتهم هذه لإيجاد مثل هذه النظريات، قد اصطدموا، لو كانوا يعلمون، بالقانون نفسه، واضطروا إلى الانصياع إلى ندائه، وإلا فلماذا لم
ـــــــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
يفترضوا وجود هذا الكون، هكذا وبدون أي سبب وخالق يكون مبرراً لوجوده، من دون أن يتجشَّموا صياغة مثل هذه النظريات المختلفة؟
وأما الفطرة العقلية: فهي ما نعنيه عندما نقول أن للعقل عدة قضايا معينة لا تحتاج في نظره إلى برهان، بل إنه بذاته مجبول على تصديقها والإيمان بمحتواها، ومن ثم لا يحتاج إلى التصديق بها إلى أكثر من تصور طرفيها: المحمول والموضوع، وفهمهما فهماً صحيحاً. لأنه سوف يرجع تلقائياً إلى فطرته فيجدها موافقة لمضمون القضية، مذعنة بمدلولها. ولأجل ما تتصف به هذه القضايا من البداهة والوضوح يجعلها العقل القضايا الأولى التي يقيم عليها أدلته وبراهينه على سائر القضايا النظرية التي تحتاج إلى برهنة واستدلال. ونحن نرى أنه لا بد من وجود مثل هذه القضايا البديهية في العقل، وإلا لما أمكن الوصول إلى التصديق بأي قضية على الإطلاق. فإنه إذا كانت كل القضايا مشكوكة الصدق فسوف لن نستطيع الوصول إلى اليقين أبداً، لأنه لا بد للبرهان من أن يعتمد على قضايا يقينية أو مُسَلَّمة، لكي يُنتِج نتيجته المقصودة، أما إذا كانت كل القضايا مشكوكة، فمن أين تبدأ البرهنة وإلى أين تنتهي، وما الذي سوف يكون الحد الفاصل بصورة قاطعة بين الشك واليقين، هذا الحد الفاصل في نظر العقل، هو هذه القضايا البديهية الفطرية التي يقف عندها الاستدلال ويعتمد عليها البرهان. مثل: لا بد لكل ممكن من علَّة،
ـــــــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
والنقيضان لا يجتمعان والكل أكبر من الجزء. والعقل بمجرد أن يدرك معنى الممكن ومعنى العلَّة فإنه يحكم بضرورة العلَّة بالنسبة إلى الممكن، وبمجرد أن يتصور معنى النقيضين فإنه يحكم باستحالة اجتماعهما، وبمجرد أن يتصور معنى الكل والجزء فإنه يذعن بأن الكل أكبر من الجزء، مُستمِداً إذعانه من فطرته الطبيعية.
* * *
بعد هذه المرحلة من البحث، وبعد أن عرفنا ما يجب أن نفهمه عن الفطرة. ينبغي أن ننظر في صحة تقسيمها إلى هذه الأقسام الثلاثة ((أولاً))، ثم إلى مدى تأثير الفطرة بأقسامها في الإيمان بالعقيدة الإلهية وعقيدة التوحيد، ((ثانياً))، ثم إلى مدى تأثير هذه الأقسام بعضها ببعض، ومدى تأثرها بالبرهان الصحيح وبما جاء به الإسلام ((ثالثاً)).
أما بالنسبة إلى صحة تقسيم الفطرة إلى هذه الأقسام الثلاثة فمن الواضح استقلال القسم الأول، وقيامه بنفسه في مقابل القسمين الآخرين. إلا أنه قد يثار الشك حول استقلال القسم الثاني، ومن حيث احتمال اندماجه في القسم الثالث، لأن الفطرة الكونية إنما نشأت من إدراك الإنسان بفطرته العقلية أنه لا بد لكل معلول من علة، فهي إذن مندرجة في القسم الأخير، وليست قسماً مستقلاً في نفسه. ولكن يمكن الجواب على ذلك، بأن نشأة الفطرة الكونية من
ـــــــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
قانون العلية العقلي وإن كان صحيحاً، إلا أنه لا يعني اندماجه في القسم الثالث. فإن مظاهر الكون وغرائبه قد أثارت في الإنسان الإعجاب والإحساس بالضعف والضعة ومن ثم الاعتراف بوجود الخالق القدير، ومثل هذه العواطف ليست من خصاص العقل، كما أن الفطرة الكونية ليست إدراكاً عقلياً جامداً بعد اتِّصافها بهذه العواطف، ومن ثم كانت قسماً مستقلاً من الإدراك الفطري.
وأما بالنسبة إلى ما يمكن أن تدركه بالضبط، هذه الأقسام الثلاثة للفطرة الإنسانية، من العقيدة الإلهية، أي الاعتراف بوجود الله تعالى، ومن التوحيد. فإننا يجب أن نعرف أولاً أن الإنسان مزيج غريب من العقل والعاطفة، والغريزة والفطرة، وملكات أخرى كثيرة، ولهذه الملكات من التأثير ببعضها البعض الشيء الكثير، بحيث أن ما يقوم به الإنسان من الأفعال، سواء في دخيلة نفسه كالتفكير، أو في الخارج من سائر أفعاله أو أقواله، إنما هي منبثقة عن هذا المزيج الغريب، لا عن عاطفة معينة بخصوصها وإنما قد ننسب فعلاً أو قولاً ما إلى أحد هذه الملكات، على سبيل التجوُّز، من باب أنها العاطفة الغالبة على هذا الفعل. ومن هنا كان الالتفات إلى ما تدركه الفطرة فقط من دون جميع الملكات ومجرداً عن تأثيراتها، أمراً في غاية الصعوبة. إلا أنه يمكن القول بأن الفطرة هي أعمق الملكات النفسية وأخفاها، وأبسطها علماً وإدراكاً، وأن
ـــــــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
إدراكها ساذج بسيط غير مُلتفَت إليه، أي أنه ليس علماً مركباً من ناحية، وغير معقَّد يَعمَدُ إلى تسطير المقدمات واستنتاج النتائج، من ناحية ثانية. ولكنها رغم كل ما تَتَّصف به من الخفاء والسذاجة، ألصق من جميع الملكات بتكوين النفس وأدخلها بوجودها. ولن يضير الفطرة خفاءها ولا سذاجتها، لأن الله عز وجل إنما خلقها في النفس لكي توحي بمستلزماتها وأوامرها إلى العقل، لكي يقوم العقل، بدوره، بما ينبغي أن يقوم به من إدراك الحق ورفض الباطل، وكأنه يقوم من تلقاء نفسه من دون أي إيحاء أو تأثير. وليس للعقل حاجة إلى الالتفات إلى الفطرة بعد أن يكون قد أطاع أوامرها ونواهيها. بل لعل خفاء الفطرة أبعث على إيمان العقل واطمئنانه، مما إذا كان ملتفتاً إلى مصدر الصوت وعارفاً به، لأنه يظن أن يدرك ذلك من تلقاء نفسه.
أما ما تُدركه الفطرة الذاتية من العقيدة الإلهية، فقد سبق أن أشرنا إلى المقدار الذي تُدركه النفس من علَّتها الأولى، وأوضحنا كيف أن ذلك مساوق لوجودها ولإدراكها لنفسها، وهي إنما تدرك علَّتها بالقدر الذي تسمح به الحصة الوجودية التي تَتَّصف بها، فالنفس إذن تدرك وجود الله عز وجل إدراكاً تلقائياً ذاتياً، كما تدرك نفسها وأفعالها، لأنها معلولة له عز وعلا، ومن فيض وجوده وإحسانه.
أما بالنسبة إلى إدراك الفطرة الذاتية لعقيدة التوحيد، فإن لهذا الإدراك
ـــــــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
مرتبة أعمق غموضاً في باطن النفس، بل إن تسميتها إدراكاً لا يخلو من مسامحة في التعبير، فإن النفس، كما سبق، تدرك علَّتها من خلال حصتها من الوجود، يعني أنها لا تدرك لها علتين. فالفطرة وإن لم تكن تدرك بوضوح، أن علتها واحدة، ولكنها في واقع أمرها، لا تدرك إلا علة واحدة، وهذا هو نوع من الإدراك لعقيدة التوحيد، وهذا يعني أن عقيدة التوحيد فطرية ذاتية في نفس الإنسان.
وأما ما تدركه الفكرة الكونية من هاتين العقيدتين الرئيسيتين في الإسلام، فقد سبق أن أشرنا إلى وجه إدراكها للعقيدة الإلهية، وأن ما في الكون من كمال وجمال ودقة وإحكام في الصُّنع والتدبير قد أثار عجب الإنسان واستغرابه، من ناحية، والإحساس بضعفه وقلة خطره، لأنه ليس إلا جزءاً بسيطاً من هذا الكون، وليس هو من أهم أجزائه، لأن كثيراً من حوادثه يمكن أن تطيح بحياته، من ناحية أخرى. وعززت فهمه للجمال والكمال اللانهائي المطلق عن طريق انتقاله بقانون تداعي المعاني، من هذا الكمال القاصر إلى ذلك الكمال المطلق، حقاً ناحية ثالثة. وقد ساعدت هذه الإدراكات الثلاثة مُنضَمَّة متعاضدة على إدراك الإنسان لعظمة الله عز وجل ووجوب عبادته والخضوع له.
وقد استخدم القرآن هذه الفطرة الكونية للبرهنة على وجود الله عز وعلا. فقد عَمد إلى جمال الكون وحَسَّنَ صُنعه، فوضَّحه وفَصَّل القول فيه، ليزيد من عجب الإنسان وإعجابه وليقربه عن هذا الطريق إلى إدراك صانع هذا الكون ـــــــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الكبير، وهو بذلك ينقل تلك الفطرة الغامضة العميقة من مرحلة الشعور البسيط الغامض إلى سطح الإدراك الواضح والشعور الجلي. فمن ذلك قوله عز من قائل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ(22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(1). فكل هذه المظاهر الكونية، وهي بين ما يعيشها الإنسان بنفسه وتجري حوادثها بين سمعه وبصره، وبين ما تجري بعيدة عنه فيعجب منها ولا يعرف كنهها، كل هذه الأمور، إنما هي بالفطرة، آيات ودلائل على وجود مُبدِعها ومُدبِّرها.
ومن هنا نرى الإسلام قد دعا إلى التفكير في خلق الله تعالى، وإمعان النظر فيما احتواه من جمال وكمال، لكي يستطيع الفرد أن يعيش فطرته خلال هذا التفكير، متى بدا له أن يعيشها، ولكي يتميَّز قدرة الله تعالى التي أبدعت هذا الكون العظيم. فقال عز من قائل: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ(2).
ـــــــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــــ
(1) الروم: 21-24.
(2) الروم: 8.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
أما إدراك الفطرة الكونية للتوحيد، فهو، كما سبق أن أشرنا في إدراك الفطرة الذاتية لهذه العقيدة، غامض وعميق، ولكنه في نفس الوقت ثابت راسخ. فإن الإنسان عندما واجه هذا الكون، وهَزَّ قلبه وخَلَبَ لُبَّه ما فيه من مناظر وحوادث، حكم بأن لهذا الكون خالقاً ومدبراً حكيماً، ولم يحكم بأن له أكثر من خالق، ولم يَدُرْ ذلك في خلده في يوم من الأيام. فكأنه يدرك ضمناً، بأن مثل هذا النظام الكامل والقوانين الدقيقة لا يمكن أن يتم إلا في يدي إله واحد، لما سوف يحل به من التبعثر والخراب لو كان محكوماً لإلهين. لأنهما سوف يتعارضان بالإرادة ويتنافيان في طرق التنظيم. وأن بين يدي الإنسان أمثلة كثيرة على ذلك، ومنه ما يضربه الناس من مثل قائلين: إذا كثر ملاحو السفينة فإنها سوف تغرق(1).
وقد حاول القرآن التأكيد على هذا المعنى عن طريق نقل هذا الإحساس الفطري الغامض إلى مرحلة الشعور الواضح. فقال عز من قائل: قُلِ الحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61) أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ـــــــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــــ
(1) يقوم هذا المثل على افتراض تخالف إرادة الملاحين ، بأن يُـجَدِّف كل جماعة منهم إلى جهة.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ(62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63) أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(1). فليس من الممكن لكل هذه المخلوقات، ولكل هذه النِّعَم الإلهية ولكل هذه النُّظُم الدقيقة، أن تصدر بالفطرة، إلا من إله واحد، يُدبِّـرُ أمرها بحكمته ويدير شؤونها بقدرته. وأن من لغو القول أن ننسب خلق ذلك وتدبيره إلى إلهين أو أكثر، لأنهما حتماً سوف يتعارضان ويتخالفان ويحاول أحدهما السيطرة على الآخر. قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ(2). وأين يكون النظام في ظل هذا الصراع الرهيب العجيب؟!
* * *
لا يمكن الاعتراض على دلالة الفطرة الكونية على التوحيد، بما شاع بين بعض الجماعات من البشر من الاعتقاد بتعدُّد الآلهة. فإن هذا الاعتقاد غير ناشئ من الفطرة، كما أنه ليس دليلاً على بطلان دلالتها على التوحيد. فإن هذا الاعتقاد إنما ترعرع في الأوساط الـمُتخلِّفة البدائية الضيِّقة التفكير المؤمنة
ـــــــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــــ
(1) النمل: 59-64.
(2) المؤمنون: 91.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
بالخرافات والأساطير، ولا زالت مثل هذه البيئات هي التي تعتنقه وتعتقد به. وإنه لبعيد كل البعد عن الأفكار الثاقبة والنظر البعيد والرأي السديد.
وأن للإشراك بالله تعالى صوراً متعددة، لكلٍّ منها دوافع وأسباب مختلفة، وهي ترجع في الغالب، في أصولها العميقة وأسبابها الأولى إلى غريزة التوحيد نفسها.
أما عبادة الأصنام والشجر والحيوان، فإن كل قبيلة كانت تدرك بفطرتها إله الكون الواحد، وتندفع إلى عبادته اندفاعاً تلقائياً. ولكنها لما كانت لا تتصور، لقلة مدركاتها، وضآلة تفكيرها، وارتباط معقولاتها بمحسوساتها، إمكان عبادة المجرَّد، فقد جسَّمته صنماً أو تمثَّلته مُتجلياً في بعض الحيوانات أو النباتات أو الحوادث الطبيعية، وعبدت ذلك رمزاً عن ذلك الإله العظيم. ومن ذلك قول قريش الذي نقله الله تعالى عنهم في كتابه الكريم فقال عز من قائل: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى(1) وبهذا كان لكل قبيلة إله معبود. ولما توالت الأجيال، واعتاد الناس على الخضوع إلى هذه الآلهة المزعومة، نُسِيَ المعنى الفطري الذي اُنشِئَت بسببه هذه العبادات، واعتُقِدَ بتعدُّد الآلهة.
ولعل هناك أسباباً أخرى لنُشوء قسم من عبادة المجسمات لا تَـمُتُّ في واقعها بسبب إلى التّألِيه، وإنما هو أن تصنع القبيلة لرئيسها أو جَدِّها الأعلى تمثالاً رمزاً لحبهم وإخلاصهم له، وحين يموت هذا الشخص يبدأون بتعظيم ـــــــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــــ
(1) الزمر: 3.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
تمثاله كرمز لتعظيم ذلك الجد. ثم ينقل على مدى الأجيال هذا الإخلاص الرمزي، إلى الإخلاص إلى هذا التمثال بالخصوص، ويُنسى أنه كان في حينٍ من الأحيان تمثالاً لجدهم الأعلى. ثم يبدأ هذا الإخلاص بالانتقال إلى نوع من التقديس، ثم إلى نوع من العبادة والخضوع، ويبدأون بالاعتقاد بأن هذا التمثال ليس إلا تمثالاً لإله الكون الذي يدركونه ويخافونه بفطرتهم.
وأما الاعتقاد بوجود آلهة لكل ظاهرة كونية ولكل معنى من معاني الكمال، كما كان شائعاً في بلاد اليونان القديمة. فهناك بزعمهم، إلهٌ للريح وإلهٌ للمطر وإلهٌ للأرض وإلهٌ للبحر، من ناحية، كما أن هناك إلهاً للجمال وإلهاً للحب وإلهاً للخير، من ناحية أخرى. فلعله ناشئٌ من اعتقاد هؤلاء البشر، من قُصْرِ نظرهم وسوء تفكيرهم، بأنه يناسب أن يكون لكل ظاهرة كونية إلهٌ مستقل منفرد بإدارتها وتدبيرها، بزعم عدم إمكان صدور هذه الظواهر المتعددة جميعاً من إلهٍ واحد. وقد كان اعتقاد هؤلاء الناس بالأرواح والعفاريت، واعتقادهم أن لها أعمالاً تقوم بها لإزعاج البشر ومضايقتهم، الأثر الكبير في تأكيد هذه العقيدة في نفوسهم، ومن ثم نرى أن هناك خلطاً كبيراً في أذهان هؤلاء بين تلك الأرواح وهؤلاء الآلهة، فليست الآلهة في نظرهم إلا نوعاً من تلك العفاريت والأرواح.
أما بالنسبة إلى الاعتقاد بوجود آلهة لكل معنى من معاني الكمال، فقد يكون ذلك ناشئاً من تداعي المعاني، الذي سبق أن أشرنا إليه، من أن الذهن ينتقل في تصور الكمال من هذا الكمال الناقص الذي يراه، إلى تصور الكمال المطلق،
ـــــــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
ولكنهم إنما تصوروا الكمال لكل معنى على حِدَة. وهذا مشابه لنظرية الـمُثُل الإفلاطونية التي بزغت في ذلك المحيط نفسه، ولعلها تأثَّرت وأثَّرت في هذه العقائد، وفحواها أن لكل نوع من الأنواع فرداً كاملاً يتَّصف بجميع ما يمكن أن يتَّصف به ذلك النوع من الكمال ويتجرد عن كل ما يمكن أن يلحق بنوعه من النواقص والأسواء يسميه إفلاطون بالمثال. ثم أن هناك فرداً أكمل لمجموع هذه الـمُثُل بصفتها نوعاً واحداً، هو المثال المطلق للخير والكمال، وهذا المثال لا يمكن إلا أن يكون واحداً، لأن الكمال المطلق لا يمكن أن يتعدد، كما أن مثال كل نوع لا يمكن أن يكون إلا واحداً أيضاً، لأن الكمال لكل نوع لا يتعدد. وبهذا نرى إفلاطون يصل بنظريته إلى الاعتراف بالله عز وجل وتوحيده، على طريقته الخاصة، في حين لم يَصِل أولئك الرُّعاع إلى مثل هذا المرتقى الدقيق.
وأما الاعتقاد بوجود إلهين، إلهٌ للخير وإلهٌ للشر، فهو ناشئ من الاعتقاد بتناقض الخير مع الشر، وعدم إمكان صدور المتناقضين عن إلهٍ واحد. فاستنتجوا من ذلك ضرورة وجود إلهين للكون، يكون أحدهما خالقاً للخير، والآخر خالقاً للشر. ونحن بهذا الصدد نراهم قد حكموا بتناقض الخير والشر، وفي هذا اتِّباعٌ للفطرة العقلية التي تحكم باستحالة اجتماع النقيضين، كما سبق أن أشرنا وحكموا بأن للخير إلهاً واحداً، كما أن للشر إلهاً واحداً أيضاً، وفي هذا اتِّباعٌ لفطرة التوحيد على شكل مغلوط.
وقد تصدى الفلاسفة المسلمون لحل هذه الأُغلوطة، فأوضحوا بأن الخير
ـــــــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
عبارة عن الكمال، وهو عبارة عن الوجود، فالخير والكمال إنما يمثلان القسم الوجودي من هذا الكون. وأن الشر عبارة عن النقص، والنقص عبارة عن العدم، عدم الكمال، والعدم ليس أمراً وجودياً لكي يُـخلَق. فالله عز وجل خالق للوجود، أي للأمور الكمالية، وليست الشرور إلا من أثر عدم خلقِهِ للكمال المطلق. على تفصيل مذكور في محله من الفلسفة الإسلامية.
وأما القول بالثالوث المسيحي، فهو ناشئ من أثر تحريف المسيحية عن واقعها النازل من الله عز وجل. ولعلَّ اعتقاد المسيحيين بألوهية المسيح، ناشئ من استغرابهم من طريقة حمل مريم لابنها، مع عدم إمكانهم الاعتقاد بأن ذلك ناشئ عن طريق غير شرعي، لأنه نبيهم ورئيس عقيدتهم. إذن فلا بد أن يكون ذلك ناشئاً عن طريق الإعجاز، وكأنهم فكروا أنه لا يمكن لأحد القيام بالمعجزة إلا إذا كان إلهاً. غافلين عن إمكان ذلك لأي بشر مع إقدار الله تعالى له وتوفيقه إياه. وليست هذه العقيدة صادرة من قبل المسيح نفسه، فإن عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام، لأجَلُّ قَدْراً وأبعدُ نظراً من أن يدَّعي الألوهية في قبال الله عز وجل، وأن يأمر أتباعه بعبادته مع عبادة الله تعالى. وإنما كان ذلك بِدعَة اختلقها المسيحيون ومسخوا بها دينهم بعد أن رفعه الله إليه.
وقد تصدى القرآن لمناقشة هؤلاء الناس في عقيدتهم تلك، مع إثبات كل معاني الشرف والفضيلة، إلى المسيح وأمه، فقال عز من قائل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
ـــــــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلَّا الحَقِّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ(1). فهو ليس إلهاً بل رسولٌ من الله عز وجل، أرسله الله تعالى بشريعة مُعيَّنة وبالاعتراف بوجود الله وتوحيده، ليهدي البشر، ويخرجهم من ظلمات الجهل والضلالة إلى نور العلم والإيمان. وقد جعل أسلوب حَـملِه وكلامه في المهد صبياً آيتين مَنَّ الله عليه بهما، لتأييد صِدْق بِعثَتِه وإتمام الحجة على قومه. وقال أيضاً تبارك وتعالى: مَّا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ(2)، فالمسيح إذن رسول كمن سبقه من الرسل، وأمه صدِّيقة لأنها امرأة صالحة مقرَّبة من الله عز وجل، وقد خصَّها الله بهذه الكرامة حيث جعلها أماً لنبيٍ من أنبيائه، وأجرى عليها هذه المعجزة الفريدة. وليس هو وليست أمه إلهين لأنهما كانا يأكلان الطعام، باعتراف المسيحيين أنفسهم، وليس من شأن الإله أن يحتاج إلى الطعام فيأكله، وأن يكون محلاً للحوادث والعوارض التي هي من صفات الممكنات ويتنَـزَّه عنها مقام الربوبية. أنظر كيف يخاطب القرآن الناس على مقدار مداركهم وكيف خَصَّ الطعام بالذكر، لأنه أقرب الأفعال إلى الإنسان وأدلّـها على الضعف والحاجة، كما يعلمه الإنسان بما سوف يصيبه لو امتنع عن تناوله.
ـــــــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــــ
(1) النساء: 171.
(2) المائدة: 75.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وإننا لنرى علماء المسيحيين ومفكريهم قد حاروا، بعد أن عرفوا استحالة وجود أكثر من إله واحد، بالفطرة والدليل العقلي، حاروا في اتِّباع أيٍّ من القولين، أو في تأويل ثالوثهم المقدس بشكل يرضي الحكم العقلي الفطري. وقد انشعبوا في ذلك إلى مذاهب مُتكثِّرَة عديدة، ليس في المقام مجال لذكرها. كما أننا نرى من ناحية أخرى أن العلماء المحدثين المختصين بأي فرع من فروع العلم، إنما هم علماء موحدون رغم نشأتهم في بيئة مسيحية، فهم يُرجِعون الظواهر الكونية التي يدرسونها إلى إلهٍ حكيم، وهو أيضاً إلهٌ واحد، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك. وفي كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) وكتاب (العلم يدعو إلى الإيمان) أكبر دليل على ذلك. ولا يبقى بعد ذلك إلا حفنة ممن أعماهم الضلال ورانَتْ على عقولهم الشبهات، وأخذ بمجامع قلوبهم التَّعصُّب الأعمى، فادَّعوا الإلحاد وتبجحوا به. في حين لم نَرَ مفكراً واحداً ادَّعى الثَّنويَّة أو التَّثلِيث، وافتخر بهما على الإطلاق.
* * *
والآن يجب أن ننظر إلى القسم الثالث من الفطرة، وهي الفطرة العقلية، وإلى ما يمكن أن تدركه من العقيدة الإلهية والتوحيد. وهي التي سبق أن أشرنا إلى أنها عبارة عن القضايا التي لا يحتاج العقل في تصديقها والإيمان بمقتضياتها، إلا إلى إدراك وفهم موضوعها ومحمولها. وأشرنا إلى أن العقل يجعل هذه
ـــــــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
القضايا، الركيزة الأولى لبراهينه واستدلالاته على سائر القضايا المحتاجة إلى الاستدلال. وأشرنا إلى أن من جملة هذه القضايا الأوليات، هي إدراك العقل بأن لا بد لكل ممكن من عِلَّة. ومن هذه القضية يستنتج العقل الإيمان بوجود الخالق عز وعلا. لأن هذا الكون متجدد الحوادث، وكل حادث منه مسبوق بعدم، وكل ما كان كذلك فهو ممكن، أي متساوي طرفي الوجود والعدم، لا اقتضاء له بذاته إلى أحدهما، وما دام هذا الكون ممكناً، فهو محتاج إلى عِلَّة طبقاً للقاعدة التي يدركها بفطرته من احتياج كل ممكن إلى عِلَّة. إذن فهناك عِلَّة خالقة لهذا الكون.
ومن هذا المنطلق يبدأ العقل بالبرهنة على صفات هذه العِلَّة الخالقة للكون، فيثبت عن طريق البرهان، أنها يجب أن تكون واجبة الوجود لذاتها، وأنها يجب أن تكون كاملة من جميع جهات الكمال، وأنها يجب أن تكون مُنـزَّهة عن كل النواقص والصفات العدمية الإمكانية التي تُزرِي بذلك المقام الرفيع. على تفصيل مذكور في محله من الفلسفة الإسلامية، حتى يصل الإسلام بالخالق العظيم إلى أوج التَّنـزُّه والكمال.
أما التوحيد فإننا لا نحتاج في إثباته إلى البرهنة والاستدلال، فإنه أيضاً من الأمور الفطرية المرتكزة في كيان العقل، فإن العقل إنما حكم بوجوب وجود العِلَّة بالنسبة إلى الممكن توصُّلاً لإيجاده ولم يحكم بوجوب وجود علتين، ولم
ـــــــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
يكن له أن يحكم بذلك، للبرهان الفلسفي القائم على استحالة صدور الشيء الواحد من علتين تامتين. ومن ناحية أخرى، يدرك العقل، عطفاً على ما تدركه الفطرة الكونية من عظمة الخالق وكماله، أن الكامل المطلق لا يكون إلا واحداً، لأن الكمال المطلق الذي يتصوره ليس إلا واحداً ولا يمكن أن يتعدد.
ولئن كان إدراك الفطرة للتوحيد، هو الدليل الرئيسي عليه، وهو الذي اعتمده القرآن في الاستدلال عليه، كما سبق أن أشرنا إليه. فإن ذلك لا يعني عدم وجود براهين مطوَّلة فلسفية وكلامية على هذه العقيدة الرئيسية في الإسلام، فإن للفلاسفة والمتكلِّمين المسلمين طُرُقاً كثيرة إلى أثبات ذلك. ولكن أقرب تلك الأدلة إلى الوجدان ما كان منبثقاً من فطرة النفس، ونابعاً من صميم الضمير.
* * *
بعد هذه الجولة المفصلة في البحث عن ماهيَّة الفطرة ومدركاتها، يمكننا أن نميز بوضوح تام، مدى صحة وجهة النظر الإسلامية، في إيكال عقائده الرئيسية إلى الفطرة النفسية النابعة من باطن العقل. فإن هذا الصوت الداخلي لهو أقرب الأصوات إلى الإنسان، وأدعاها بالإطاعة والامتثال، كما أن الاستجابة إليه هي أقرب الطرق إلى الوصول إلى الحق، إلى الإسلام. فالإسلام لم يَدْعُ في عقائده الرئيسية إلا إلى ما تدعو إليه الفطرة والجِبلة الإنسانية، كما لم
ـــــــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
يذهب في تفاصيلها إلا إلى ما يدعو إليه البرهان العقلي الصحيح المعتمِد على تلك المدركات الأولية.
هدانا الله إلى هداه، ووفقنا إلى رضاه، ويَسَّرَ لنا الإصغاء إلى نداء الحق المنبثق من داخل ضمائرنا، لنفوز بصراطه المستقيم فنحظى بالسعادة والخلود.
ـــــــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
بين يدي التجارة الرابحة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(1)
صدق الله العلي العظيم
أيُّ تجارةٍ تلك التي تكلِّف القليل وتعطي الكثير؟ وكم تكون رابحة هذه التجارة التي يكون الثمن فيها شيئاً صغيراً فانياً، والسلعة فيها أمراً عظيماً خالداً؟ وكم يكون سعيداً هذا الإنسان الذي يقوم بهذه التجارة، وتتمُّ في يديه هذه المعاوضة الرابحة؟ إنه يعطي قليلاً ويأخذ كثيراً، يعطي عدماً ويأخذ وجوداً، يعطي ظلاماً ويأخذ نوراً. إنها تجارة رائعة لا يمكن أن تخطِئ أبداً، ولا يشوبها احتمال خسارة أو نُقصان. تجارة تكفل للفرد الشرف والعزَّة، أثناء دفع الثمن، وبعد قبض السلعة.
ـــــــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــــ
(1) الصف: 10-11.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
رغم ذلك، فإنها تجارة، بما للتجارة من معنى. إنها مسألة بيع وشراء، بيع لهذه الدنيا الفانية، ولما فيها من زخارف وأباطيل، وشراء للسعادة والخلود في الدار الآخرة. وفي ذلك يقول الله عز وجل: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَـهُم بِأَنَّ لَـهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(1).
وأيُّ فوز أكبر من هذا البيع الرابح، الذي يكون فيه أحد العِوَضين هو المال، ذلك المال الذي لا بد أن يفنى مهما طال أمده، والنفس، تلك النفس التي لا بد لها أن تموت في طريق الكمال والخلود. ويكون العِوَض الآخرة، هو الخلود في السعادة الأبدية، وفي الضوء الوهاج السرمدي الاشتعال.
ومن الواضح الوجداني، أن ليس بذل المال والنفس سهلاً ولا يسيراً، إنه عقبة شاقة، على المؤمن أن يجتازها لكي يستطيع الوصول إلى مثله الأعلى الخالد. إلا أننا نرى المؤمن، سواء في صدر الإسلام، حين كان النبي يقود الجيوش لحرب أهل الضلال، أو في الأزمنة التالية، عندما كان يتهدد الإسلام خطر محدِق مَـخُوف، نرى المؤمن ينسى عزة نفسه وماله، وينسى حبه لهما وحرصه عليهما، ويندفع إلى حومة الوغى بكل إخلاص وإيمان، يندفع عن طيب خاطر ـــــــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــــ
(1) التوبة: 111.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
واطمئنان ضمير، بل إنه ليندفع بحماس بالغ، وقوة دافعة شديدة التأثير.
إن لهذه الظاهرة سراً، إلتفت إليه الإسلام، فصاغ أنفس معتنقيه بهذا النحو الفريد. ذلك السر هو أن الفرد المؤمن يشعر بأن أَلمَ بذل النفس والمال، ألم وقتي زائل مهما طالت مدته، وأن وراء خسارته هذه ربحاً عظيماً خالداً، وأنه وإن كان يمر بالموت ساعة من الدهر إلا أنه سوف يكون هناك من الأحياء الخالدين وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ(1).
ومن أجل ذلك، يندفع المؤمن إلى التضحية والجهاد، وعلى شفتيه ابتسامة النصر وفي قلبه برد الإيمان. وأي شيء غير النصر يمكن أن يراه هذا المؤمن المجاهد، فإنه بين أمرين كلاهما مُـحبَّب إليه وجميل لديه، فإما أن يهزم أعداء الإسلام، وإما أن يفوز بالشهادة، فيصعد إلى مثله الأعلى وكماله المنشود. وإلى ذلك أشار الله عز وجل في كتابه الكريم، قائلاً: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ(2) النصر أو الشهادة.
من هذا المنطلق بالذات، يمكننا أن نعرف بوضوح تام، مدى الدفع القوي الذي يُـحدِثُه الوعد والوعيد الإسلاميَّين في نفس المسلم، وما هو أثر وصف هذه التجارة بأنها تُنجِي من عذاب أليم، وأنها توجب غفران الذنوب ودخول
ـــــــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران: 169-170.
(2) التوبة: 52.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الجنة(1)، في رفع معنويات المسلمين، وإذكاء أوار حماسهم، ودفعهم دفعاً شديداً نحو الانصياع إلى تعاليم دينهم الحنيف.
فإن في ذهن الإنسان صورة للكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص ولا يُكدِّره شر، والإنسان يرى بطبيعته الناقصة، أن هذه الصورة جميلة جداً ورائعة جداً، ويرى أن الشخص الذي يعيش في ذلك المحيط الكامل هو في أقصى السعادة وقمة الراحة والاطمئنان. ومن ثم كان الكمال المطلق، -بواقعه لا بصورته الذهنية- هو المثل الأعلى لكل إنسان، يتَّجه إليه في كل أعماله وفي جميع حركاته وسكناته، يتَّجه إليه بطبيعة وجوده وجبلة فطرته. إلا أن السعيد من يستطيع أن يقترب من ذلك الحِمى الآمن، فإن الأخطاء في هذا الطريق كثيرة والعثرات متعددة، والسقطات موجعة مؤلمة، وكم من إنسان تخيَّلَ نفسه مُتَّجهاً إلى الكمال، فإذا به يدور في حلقة مُفرَغة، حتى تَقطَّعت أنفاسه ومات.
وصورة الكمال المطلق وإن كانت موجودة في أذهان البشر، إلا أنها صورة غير واضحة المعالم ولا محددة في كثير من الأذهان، وغير محرزة الوصول عند أكثر الناس. وهنا يبدو فضل الإسلام على البشر، ومدى حكمته البالغة في قيادتهم وتوجيههم، فقد عمد إلى الصورة فأوضحها في أذهان معتنقيه إلى أكبر
ـــــــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــــ
( ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)… يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، الصف: الآيات 10 – 12.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
حد ممكن، وأفهمهم بالضبط ما هو مثلهم الأعلى الذي ينبغي أن يسيروا نحوه، وأن يجعلوا همَّهُم الوصول إليه، كما دَلَّـهُم بالضبط، على الوسائل التي تؤدي حتماً إلى ذلك الكمال.
فالكمال المطلق هو الله عز وجل، ورضاؤه وقربه هو غاية كل آمل، ورجاء كل مرتجٍ، وإلى جنب ذلك فالجنة مثواه. أما إذا عصى وخالف تعاليم دينه القويم، فهناك (مثل أدنى) وضعه الإسلام وأوعد به، ذلك هو غضب الله عز وجل والنار، وذلك هو العذاب الأليم والخسران المبين. وأما الوسائل المؤدية إلى الكمال المنشود، فهو ما حدَّدته الآية باختصار: تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ(1). وحقٌ للواعد بهذا الكمال والـموعِد بذلك الخسران، أن يقترح في سبيله ما يشاء. وما رأيك بالإنسان حين يُعيَّن له العمل ويُعيَّن له الكمال بحيث يكاد يراه رأي العين، هل يمكن أن لا يندفع ذلك الاندفاع الحماسي في سبيله.
إذن فهي تجارة، أحد طرفيها الحياة الفانية والمال الزائل، وطرفها الآخر، الحياة الباقية الخالدة، التي لا يشوبها نقص أو قصور، فهل يمكن للمسلم، بعد ذلك أن يتوانى أو يُقصِّر؟.
والآية التي نحن بصددها، إذ تحدد المعنى الحقيقي للمثل الأعلى والكمال المنشود، تُعطي أيضاً الخطوط العريضة للمنهج للوصول إلى الكمال، وهو منهج
ـــــــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــــ
(1) الصف: 11.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
كلّه نور وإشراق وخير وكمال، حتى مع صرف النظر عن كونه منهجاً موصولاً إلى الكمال. ذلك هو الإيمان بالله عز وجل، وبرسوله، رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم الجهاد في سبيله بالنفس والنفيس. وهذا المنهج في نفسه هو من أعظم الأرباح والغنائم، فإن غاية الإنسان أن يصل ببحوثه واستدلاله العلمي إلى الحقيقة، تلك الحقيقة، التي تشوَّق لها المفكرون وأتعب أنفسهم من أجلها المخلصون. وهذه الحقيقة، في أكبر صورها، وأوضح مصاديقها، هي وجود الله عز وعلا، ومن ثم كان الإيمان به وصولاً إلى الحقيقة المطلقة بأدقِّ شكلٍ وأعمقه. وبهذا يكون الإسلام، دين الله القويم وصراطه المستقيم، حقيقة مطلقة أيضاً، لأنه من أنوار الحقيقة المطلقة، هو المنهج الموصل إلى حِمى الحقيقة المطلقة. وليس الجهاد إلا العمل بجد وإخلاص وبذل الغالي والرخيص في سبيل الوصول، ضمن المنهج الإسلامي، إلى ذلك الحق الأعلى والحقيقة المطلقة، إلى الله عز وجل.
وينبغي لنا فيما يلي من البحث، أن نتميَّز بوضوح معالـم المنهج الإسلامي، الذي وضعته هذه الآية الكريمة. وما الذي يمكن أن تجنيه البشرية منه، حتى ولو لـم يكن طريقاً موصولاً إلى الكمال.
ومما ينبغي أن يلاحَظ في المقام، أن فوائد هذا المنهج تعود على الفرد وتعود على المجتمع، والفائدة التي تعود إلى أحدهما يجنيها الآخر ضمناً. فإن الفرد مواطن في المجتمع، كما أن المجتمع هو المحيط الذي ينشأ فيه الفرد وتنضج على
ـــــــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
أساسه عواطفه وعقائده. بهذا نرى أن الإسلام يذهب إلى أن كل ما هو فردي هو اجتماعي ضمناً، وكل ما هو اجتماعي هو فردي ضمناً، سواء في تشريعاته، أو في الثمرات التي تجنيها البشرية من وراء تلك التشريعات.
وبهذا يتخلَّص الإسلام من الثنائية التي يتصف بها الفكر الحديث، تلك الثنائية التي لا يستطيع الفكر الحديث التخلُّص منها، لأنها فكرة رئيسية في تشريعاته ونُظُمه. وذلك حيث يفرِّق بين الإنسان كفرد والإنسان كمواطن اجتماعي، فيهمل الجانب الفردي ويهتم بتنظيم الجانب الاجتماعي. وقد ترتَّب على ذلك عدة مفاسد، كان من أهمها إباحة الفكر الحديث لكل عمل يعمله الإنسان كفرد، ما لم يكن مصطدماً بحقوق الآخرين، ومنها عدم إقامته وزناً لعمل الخير الفردي، ما لم يَعُد على المجتمع ببعض الفوائد، ومنها عدم إقامته الوزن للنيات الحسنة والسيئة، لأنها مما لا اتصال لها بالخارج.
في حين أن الإسلام قد حلَّق فوق هذا المستوى، ونظر إلى كل هذه الأمور وغيرها، بمنظار المزج بين الشخصية الفردية للإنسان والشخصية الاجتماعية له، فتخلَّص من هذه المفاسد على ما سنرى نموذجاً منه فيما يلي:
فمن فوائد الإيمان الفردية، تكوين ضمير إسلامي في نفس الفرد، يأمره بالخير ويردعه عن الشر. وهذا الضمير هو الوازع الرئيسي للإنسان في جميع أعماله، لأنه صوت نابع من داخل النفس صاعد من حناياها وأضلاعها، وهو ـــــــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
صوت تحبه النفس وتصدِّق به، وهو أقرب الأصوات إلى الإنسان وألصقها به، وأشدها أثراً في توجيه سلوكه. وهو أكثر الأصوات ملاحقة للإنسان في جميع ظواهر أعماله وخفاياه.
وبهذا الدرع الحصين، الذي يتدرَّع به أفراد المجتمع المسلم ضد الخبائث والرذائل، وفي سبيل الخير والصلاح، تضمحل الجرائم والاعتداءات ويسود الخير والسلام في ربوع المجتمع.
ومن فوائد الإسلام الفردية، تكوين ضمان قوي في نفس المؤمن يستهين بالغالي والرخيص في سبيل الاتجاه إلى الله تعالى وإطاعة أوامره ونواهيه، كما سبق أن تحدثنا. وهذا الضمان يكون في نفس الفرد، الأثر الثالث للإيمان: وهو عدم اندفاعه، اندفاعاً حماسياً، في سبيل جمع المال وبهارج العيش، واقتصاره على ما يَسُدُّ به حاجته. ومن ثم تقل قيمة المال في نظره، مما هو فائض عن الحاجة، فيسخو به عن طيب نفسٍ للفقراء والمعوزين والمرضى والمحتاجين، من مواطنيه في المجتمع وإخوته في الدين. وبذلك يتخلَّص المجتمع الإسلامي من ويلات الرأسمالية والإقطاع ويسود في ربوعه الرَّخاء والرَّفاه.
ومما ينبغي أن يلاحَظ بهذا الصدد أن الإسلام لم يُـحرِّم من طرق جمع المال إلا أموراً معينة نَظَّم بها الحياة الاقتصادية وحدد معالمها. وقد أباح ما وراء ذلك من الطيبات من الرزق، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الرِّزْقِ(1). إلا أنه في نفس الوقت صاغ نفسيَّة المسلم بشكل يستغني معه حتى عن الأمر المباح، فإنه ليس كل مُباح هو راجح الارتكاب بالنظر الحكمي الدقيق.
وأما فوائد الإيمان الاجتماعية، فمنها، هذه الوحدة العقائدية الجبارة التي تربط الأفراد بعضهم إلى بعض، والمجتمعات الإسلامية ببعضها البعض. حيث أن جميعهم يفكرون بأسلوب واحد، وينظرون إلى الحياة من زاوية واحدة ويفسرون الأحداث بشكل واحد، ويقومون بعمل واحد، ويتجهون إلى هدف واحد ومَثَل أعلى واحد. بحيث أن المسلم في زاوية من زوايا الأرض، يعلم أن المسلم في أقاصي الدنيا يرى ما يراه وينظر إلى الحياة من خلال الزاوية التي ينظر خلالها هو.
وقد بدأت هذه الوحدة بالتفكُّك والاضمحلال في العصر الحديث، عندما غزت بلاد الإسلام المبادئ الوافدة من وراء الحدود، تحمل بين طياتها الشر والدمار، وعندما صار المسلمون آخر همّهم الحديث عن دينهم والتفكير في إسلامهم، إن كان هناك حديث وتفكير.
ومن فوائد الإيمان على المجتمع، سيادة الأخوَّة والمحبة والتضامن بين أفراده، بما تربطهم من وحدة في الدين والشعور أولاً، ولما أمر به الإسلام من التزاحم والتعاطف بين الأفراد ثانياً، فقد حثَّ الإسلام على الأخوَّة في الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــــ
(1) الأعراف: 32.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وعلى صلة الرحم وعلى بِرِّ الفقير وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج، والتعاون على البر والتقوى، إلى غير ذلك من الأعمال البنّاءة التي تبذر في المجتمع المحبة والتعاون وتقضي على البغضاء والخلاف وسوء الظن، ومن ثم تصعد بالمجتمع إلى قمة السعادة والعدل.
ومن فوائد الإيمان على المجتمع أيضاً إلغاء الفروق الشاسعة بين الطبقات، فإن الإسلام لمدى تأكيده على بذل المال ومعونة الفقراء والمحتاجين، ولجعله في نفس الفرد مَلَكَة قوية تقاوم إغراء المال، على ما سبق أن عرفنا، ولحثِّه على التعاطف والتراحم، فمن مجموع هذه العوامل، بالإضافة إلى شعور الأفراد بالأخوَّة فيما بينهم، وبأن المال أهون في نظر الإسلام من أن يكون ميزاناً للتفاضل بين الناس.
من كل ذلك تذوب الطبقات، وتضمحل الفوارق الشاسعة فيما بينها، وتنشأ الثقة المتبادلة بين الفقراء والأغنياء وبين العمال وأرباب العمل، وبين الفلاحين والمزارعين.
ومن هذا المنطلق بالذات، يمكننا أن نعرف نظرة الإسلام إلى المال، فإن المال ليس هو ميزان التفاضل بين أفراد المجتمع. بل الميزان الصحيح للعلوِّ والهبوط، هو هذه القيم الثلاث: التقوى والعلم والجهاد. وأخلق بهذه القيم الأخلاقية الروحية أن تسود المجتمع، وأن تكون ميزاناً للتفاضل بين البشر.
ـــــــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وغاية ما للمال في نظر الإسلام من منـزلة، أنه وسيلة لا غاية وطريقاً لا هدفاً. فهو وسيلة للتقوى، بعمل الخير وإعانة الفقير والمحتاج، والبذل على الجوانب التي تعود على المجتمع بالخير والرفاه، وتوفر له الحياة الإسلامية الفضلى، وبالتالي الحصول على رضاء الله تعالى، الذي هو المثل الأعلى للفرد المسلم.
والمال أيضاً وسيلة لطلب العلم والسعي وراء الحقيقة، فإن الحقيقة أهل لصرف المال في سبيلها مهما كَثُر، وإن الإنسان لينسى متاعبه عند الوصول إليها، وعندما يجني ثمارها شهية ناضجة.
وينبغي بكلمة أخيرة، أن نعرف المقصود الإسلامي من الجهاد. وهو كما تشير إليه الآية، جهاد بالأموال وجهاد بالنفوس. وبهذا نعرف أن مفهوم الجهاد غير مختصٍّ بحمل السيف والدفاع عن الإسلام في حرب ضروس، وإنما هو الإخلاص والتفاني في سبيل إطاعة تعاليم الإسلام وتطبيقها بأمانة وإخلاص، سواء بالأموال أو بالنفوس.
فمن الجهاد بالأموال، بذل المال في سبيل الله تعالى، ولمعونة الفقراء والمعوزين وقضاء حاجة المحتاجين، ولتكوين مرافق اجتماعية ومؤسسات إسلامية، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان.
ومن الجهاد بالنفس، بالإضافة إلى بذلها في الحرب ضد أعداء الإسلام، صرف القوة البدنية والطاقة الفكرية في سبيل الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه،
ـــــــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وفي سبيل خدمة الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي. كما أن من الجهاد بالنفس أيضاً، الضغط على الاندفاع الغرائزي المقيت، الذي تقوم به الغرائز البشرية عند تجردها عن الوازع الصحيح، والتقيُّد بها ضمن إطار التعاليم الإسلامية والحدود الدينية.
ومن هنا يمكن أن نرى، منشأ الأهمية العظمى التي وضعها الإسلام على الجهاد، كعنصر هام من عناصره الرئيسية، في قُبال التقوى والعلم من ناحية، وبعد الإيمان بالله ورسوله، على ما نطقت به الآية، من ناحية أخرى. كما يمكننا بهذا أن نتميز بوضوح الفوائد الكبرى والثمرات العظيمة من سَنِّ هذا المفهوم في شريعة الإسلام. وصدق الله العلي العظيم حين قال، بعد ذكر المنهج الإسلامي المؤدي إلى الكمال، ذلك المنهج الذي عرفنا بعض خطوطه العريضة فيما سبق، قال تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(1) وإنه لخيرٌ وأيُّ خير؟
ومن مجموع ما مضى يتَّضح وجه ما في الآية من بلاغة وإعجاز، فإنها حين لخصت المنهج الإسلامي، الذي ينبغي للفرد اتِّباعه في اتجاهه نحو الكمال، حين لخصته بهذين المفهومين: الإيمان والجهاد، إنما جمعت بهذين المفهومين جميع فرائض الإسلام وسُنَنِهِ وجميع أصوله وفروعه، فإن كل ذلك لا يعدو مفهومي الجهاد والإيمان بأوسع صورهما وبأشمل مصاديقهما.
ـــــــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــــ
(1) الصف: 11.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
من أشعة الإمام المهدي المنتظر
(1)
كان من جملة موارد اللطف الإلهي بالبشر وتفضُّلِه عليهم، ورحمته بهم، أن رأى أنهم بوضعهم الذي هم عليه، من طبائع خاصة، ومُيولٍ فطرية وحاجات أساسية، لا يمكن أن يبقوا بدون قانون يرشدهم ونظام يدبِّر أمرهم. فإن ميولهم مختلفة وأهوائهم متفرقة ومصالحهم متعارضة وغرائزهم شديدة الاندفاع قوية التأثير، مما يسبب الفوضى ووقوع الفساد فيما بينهم، إن لم يكن لهم رادع أو مُنظِّم.
كما أنه عزَّ وجل، علم أن قوانينهم التي يضعونها بآرائهم، وعلى حسب مصالحهم وفي حدود آفاق تفكيرهم، قاصرة عن أن تؤدي التنظيم الكامل الذي يريده لهم وأن تسعى بهم إلى كمالهم الذي أعدَّه لأجلهم. فإن المصالح
ـــــــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
والأهواء لا بد أن تتدخل بصورة شعورية أو لاشعورية، في وضع القوانين، كما أن هناك جهاتاً كثيرة ومهمَّة من المصالح الاجتماعية ومن الوقائع الخارجية التي تحتاج إلى تنظيم وتقنين، لا يمكن أن يحيط بها واضع القانون، ولا أن يتصور لها ضابطاً صحيحاً. كما أنه عز وعلا يرى أن هناك مصالح حقيقية عظيمة موجودة في علمه الأزلي لا يمكن أن يدركها العقل البشري مهما أُوتي من رجاحة وقوة تفكير، كالكمالات الروحية السامية من رضاء الله عز وجل والفوز بالجنة والنجاة من غضبه تعالى ومن النار، وما إلى ذلك مما لا يُعرَف إلا عن طريق الهداية الإلهية.
إذن فكان لا بد للبشر من شريعة واردة من المورد الإلهي العالـم بحقائق البشر والمطَّلِع على واقع مصالحهم وآمالهم وآلامهم والعالـم بالطرق الصالحة الصحيحة التي تؤدي بهم إلى السعادة والرفاه، وإلى الفوز والكمال.
ومن ثم فقد تفضل الله عز وجل على عباده فبعث إليهم الأنبياء مبشرين ومنذرين ليخرجوهم من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى الهدى، ولينظموا شؤونهم وليدبِّروا أمرهم، كما يريد الله أن ينظموا وأن يدبِّروا.
وقد نزلت بمقتضى ذلك عدة شرائع متتابعة، روعِيَ في كلٍّ منها مصلحة البشرية في زمان نزولها. ولوحظ فيها درجة الوعي الذهني والروحي لأولئك البشر.
ـــــــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وإذا كانت البشرية تترقّى في مراتب الوعي الذهني والروحي وكان يمرُّ على النظام النازل زمان معين، ينتهي بعده أمده ويفقد صلاحيته لقيادة البشرية وهدايتها، في وعيها الذهني الروحي الجديد. فلا بد لها من شرع جديد.
إلا أن البشرية قد بلغت أوجَ وعيها الذهني الروحي وغاية ما يمكن أن تصل إليه في هذا المضمار، في القرن الخامس الميلادي فكان أن سقط الدين السابق الذي كان نافذ المفعول بين ظهرانيها عن قابلية التوجيه وعن صلاحية قيادة البشرية في وعيها الجديد.
فكان أن أنزل الله تعالى دينه الخالد وشريعته الباقية، على يد نبيه العظيم، كنظام نهائي للبشرية في أرقى مراحل وعيها، وكمنهاجٍ أكمل للسعي بالبشرية نحو الكمال.
وحيث أن البشرية قد وصلت في ذلك العصر إلى غاية ما يمكن وصولها إليه من الوعي الذهني والروحي، فهي إذن غير قابلة للتكامل والرُّقي من هذه الناحية أكثر من ذلك، لأن الكمال ليس فوقه كمال، والتمام ليس ورائه تمام. ومن ثم تكون شريعة الإسلام أهلاً لقيادة البشرية إلى نهاية المطاف، فتكون شريعته باقية خالدة، ويكون (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة).
وكان لا بد لهذا الدين الإنساني العظيم، الذي شُرِّعَ للقيام بهذه المهمة الكبيرة، في سبيل تطبيقه على البشر، وضمان تنفيذ تعاليمه وتطبيق قوانينه، كان
ـــــــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
لا بد له من مُرشدٍ ومُبلِّغ، وقائد نحوه، ومنظِّم للبشرية على طبقه، لكي يمكن أن تفوز البشرية بهذا النظام المثالي العظيم.
فإن من عادة الغرائز النفسية المندفعة والمصالح الشخصية المتعصِّبة أن لا تتقبل تنظيماً ولا تعترف بقانون، بل ترى أن من حقها الاندفاع في سبيل تحقيق مقتضياتها إلى نهاية الشوط مهما كانت الغاية والوسيلة. ومن ثم كان لا يمكن تطبيق الأنظمة والقوانين، إلا بأحد وجهين:
أما بإثارة حافز غريزي ذي اندفاع أشد وأقوى من اندفاع تلك الغرائز، لكي يستطيع أن يقف في وجهها ويكفكف من جماحها. وذلك بإثارة حب الذات ضد ما يراه واضع القانون أمراً صالحاً ينبغي فعله، وذلك بفرض العقاب عليه. فإن من المقتضيات الطبيعية الأولية لحب الذات، هو الخوف من الضرر والفرار من العقاب، مهما أمكن، ومهما كان نوعه. وهذا الوازع هو الذي فرضته القوانين لإطاعة أوامرها ونواهيها، حين ألحقت بمواد تشريعاتها قوانين للعقوبات.
وأما أن يكون بمخاطبة العقل ومواجهته بالنصح والتوجيه، وإفهامه بأن مصالحه الحقيقية هي ما تقوم على أساس متين وبرهان صحيح، دون المصالح الضيِّقة والأهداف السيئة، وتنبيهه إلى أن السير في ركاب المصالح الحقيقية خير له وأجدى عليه من الانخراط في سلك الأهواء والمصالح العشوائية الضيقة.
والإسلام قد وفر كُلاً من هذين العنصرين في تعاليمه، على أحسن وجه
ـــــــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وأتمه. فإن العقاب الذي تَوعَّد به غليظ وعظيم وقد شفعه أيضاً بالوعد على الثواب، زيادة في إثارة الدافع النفسي وغريزة حب الذات. كما أن المصالح التي يقوم على أساسها الدين الإسلامي، مصالح حقيقية كاملة، قد عُيِّنت من قبل المصدر الإلهي اللانهائي، خالق البشر ورازقهم.
فكان لا بد للدين الإسلامي، لكي يتم تطبيق منهجه الكامل لكي تستطيع البشرية أن تجني منه أطيب الثمار، لا بد له من قائد مُنظِّم، ومرشد مُوجِّه، يستطيع أن يخرج البشرية بالإسلام من الظلمات إلى النور ويهديها إلى الصراط المستقيم.
وقد تولى ذلك في مبدأ الأمر، الرسول الأعظم، بنفسه، فكان مُبلِّغاً للدين ومُرشِداً للناس وقائداً للبشرية ومنظماً لشؤونها، ومُطبِّقاً للدين الذي جاء به. وما أن انتهى دوره في الحياة حتى كان قد غرس في العالـم هذه الشجرة العظيمة التي تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها.
إلا أنه كان لا بد لهذا الدين الخالد، من قائد خالد، أو من سلسلة من الناس يقومون بهذه المهمة الكبيرة، حتى لا تضيع نُظُمه، وتُدْرَس معالمه، وتنتفي المصلحة الكبرى الذي جاء من أجلها هذا الدين، وهي قيادة البشرية إلى شواطئ العدل والكمال.
إلا أن الدين الإسلامي مُنِيَ منذ أيامه الأولى بنفوس سقيمة ومصالح
ـــــــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
منحرفة ووجهات نظر فاسدة، أفسدت عليه أمره من داخله وخارجه. فكان عليه أن يحبُوَ وئيداً مُتعثِّراً يقوم مرة ويسقط مراراً، وكان على قادته ورجاله الذين جعلهم الله أمناءه في أرضه وحججه على عباده وأناط بهم تطبيق الدين الإسلامي الخالد، كان عليهم أن يعتكفوا في دورهم بمعزل عن الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، لا يجدون مجالاً للحركة والكلام إلا نادراً.
ومن ثم فقد مشى الإسلام يجد نفسه بنفسه، ويجري في أذهان البشر بحسب طاقته الذاتية للتوسع والانتشار من دون أن يجد ناصراً أو معيناً، ما عدا النزر القليل، بل ومن دون أن يخلو جوُّه من شَنِّ الحرب عليه، ومناقضة تعاليمه والخروج على مقتضيات تشريعه.
إلا أن الإرادة الإلهية، لا يمكن أن تهمل هذا الدين إلى الأبد، فإنها هي التي أرسلته وهي التي وضعته دستوراً للبشر، ونظاماً لحياتهم، فهل من الحكمة أن تدعه مُهمَلاً وأن تترك تأييده والدفاع عنه، وأن لا يُقدَّر للبشرية بعد صدر الإسلام أن تطبق فيها الشريعة الإسلامية كما يريد الله أن تطبق، وكما أنزلها على رسوله؟
كلا، وألف كلا. ما هكذا أرادت المشيئة الإلهية، وإنما دبَّرت لذلك أمره وأسَّست أساسه. فقد: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَـهُمْ دِينَهُمُ
ـــــــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الَّذِي ارْتَضَى لَـهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(1).
وهذه الآية نص في الوعد القاطع من الله عز وجل للمخلصين من المؤمنين، بتطبيق الدين الإسلامي بوجهه المشرق المضيء في ربوع البشرية في يوم من الأيام. وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(2).
وكان لا بد أن يتم تطبيق الدين الإسلامي، ذلك النظام الإلهي الشامل، على يدٍ مخلصة أمينة، ومحنَّكة مفكرة، تتوفر فيها المعرفة التامة بالتشريع وخفاياه وأسراره، وبأساليب تطبيق هذا التشريع على البشر، وأحسن الطرق وأفضلها في الوصول إلى ذلك. وتتوفر فيها العصمة عن الخطأ والزلل، لكي لا تخيس بوعدها، أو تخرج عن مقتضيات دينها، في يوم من الأيام.
فإن الزعامة والقيادة، تحتاج إلى نفس رشيدة كاملة، ولا يمكن أن تصلح لها النفوس الناقصة الضعيفة. فإن الزعامة تطلق كثيراً من الغرائز والشهوات من عقالها، كحب السيطرة والطمع بالمال والتلذذ بالحكم التعسُّفي، حيث يكون الفرد حراً في أن يعمل ما يشاء. ولا يقف في وجهه ويحدُّ من غلوائه إلا أحد أمرين: إما القوانين التي تُفرَض على الرئيس من قبل سلطة أعلى منه، فتجبره على الوقوف عند حد العدل والإنصاف. وإما صفاء نفس الرئيس
ـــــــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــــ
(1) النور: 55.
(2) الروم: 6.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وطهارة قلبه وعصمته من الخطأ والزلل. ولئن كان القانون ممكن العصيان إذا كان الرئيس سيِّئ النفس خبيث السريرة فإن طهارة النفس والعصمة هي الأساس الأولي الرئيسي لضمان حسن القيادة في الرئيس.
وبالتلخيص، لا بد أن يوكل تطبيق هذا الدين إلى رجل قائد يوازي في عبقريته وميزانه النفسي والعقلي، قوّاد الإسلام الأوائل الذين بزغ على يديهم الإسلام وانتشر إلى مشارق الأرض ومغاربها. ويكون في صفاته كأولئك الذين نصَّبهم الله تعالى خلفاء لنبيه الكريم ليُتِمُّوا من بعده نشر دينه وإرساء قواعد رسالته.
ولنا أن نتساءل الآن، أنه كيف يمكننا أن نحصل على شخص كهذا، لكي يتولى مركز القيادة الإسلامية. والجواب طبيعي وبديهي، وهو أنه يمكن الحصول على مثل هذا الشخص بالطريقة التي حصلنا فيها على أولئك الأشخاص، وعلى نفس الوتيرة والأسلوب، لكي نستطيع أن نجني منه نفس النتائج الكبرى التي جنيناها من أولئك الرجال.
وعليه، لا بد أن نتساءل ثانياً، عن الطريقة التي حصل بها على أولئك القُوّاد الأوائل عليهم الصلاة والسلام.
والجواب عن هذا السؤال أيضاً جاهز وواضح، فإن تكوُّن مثل هذه الشخصية العظيمة يحتاج إلى توفر عنصرين: عنصر ذاتي داخلي، هو الاستعداد الطبيعي لنيل هذه المرتبة الكبيرة، والكمال من حيث جميع الطاقات والإمكانيات
ـــــــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
النفسية والعقلية، للتأهُّل للقيادة العامة. وهذه مرتبة جليلة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده. وقد انحصر توفُّرها بصورتها الكاملة، بعد النبي في الأئمة الاثني عشر من بعده عليهم الصلاة والسلام، ومن ثم نصَّبهم الله تعالى خلفاء في أرضه وأمناء على وحيه.
والعنصر الثاني المؤثر في هذا المجال، هو التربية، فإننا لا يمكن أن نحصل على هذا القائد العظيم، إلا إذا كان قد رُبِّيَ بين يدي قائد عظيم مثله، يعطيه خبرته، ويعلمه علمه، ويرشده إلى خفايا الأمور التي يتفرَّد بمعرفتها، فيتقبَّلها صاحبنا بما أعطي من قابلية نفسية على تلقِّي مثل هذه الأمور.
وهذا الأمر واضح وجداني، فإن الفرد مِنّا مهما كان عظيماً والمجتمع مهما كان مُتحضِّراً ومثقفاً، لا يستطيع أن يُنتِج مثل هذا القائد العظيم. فإن التربية بدون القابلية غير ذات جدوى، كما أن القابلية دون التربية المناسبة غير مفيدة، والمجتمع مهما أوتي من طاقة فكرية ونفسية وعقلية، فإنه يطغى فيه بصورة شعورية أو لاشعورية، الطبع البشري الناقص، ولا يستطيع توفير التربية المناسبة لقابلية هذا القائد العظيم. وإنما الذي يمكنه توفير مثل هذه التربية، هو قائد مثله عارف بخفايا الأمور وطرق التدبير، وبما ينبغي أن يُعلِّمه وأن يقول له.
وبهذا القانون نفسه، أصبح أمير المؤمنين أبو الأئمة الهداة عليه الصلاة والسلام، أفضل البشر بعد رسول الله، وكان أول من صَدَّقَه وآمن به، حين دعا عشيرته الأقربين فقال لهم: (ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بأفضل مما
ـــــــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
جئتكم به. قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه. فأيُّكم يؤازرني على هذا الأمر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأعرضوا عنه وهمُّوا بتركه، لكن علياً نهض -وهو ما يزال صبياً دون الحلم- وقال: أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت)(1).
وما ذلك إلا لأن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، رُبِّيَ بين يدي رسول الله، ونشأ في محيط رعايته وتحت نور عنايته. وذلك لأن أبا طالب كان كثير العيال، فقال محمد لعمه العباس، وكان أكثر بني هاشم يساراً، (إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف من عياله، آخذ من بنيه رجلاً، وتأخذ أنت رجلاً فنكفلهما عنه. وكفل العباس جعفراً، وكفل محمد علياً، فلم يزل معه، حتى بعثه الله تعالى)(2).
وبهذا نرى وجه الحكمة الإلهية التي دبرت كفالة النبيلأمير المؤمنين وتربيته، ليكون أميراً للمؤمنين وأباً للأئمة الهداة المعصومين، ونبراساً خالداً يضيء للبشرية طريق الكمال.
ـــــــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــــ
(1) حياة محمد ، محمد حسنين هيكل ص104 طبعة سنة 1354. (وينظر مع رجال الفكر للسيد مرتضى الرضوي ص323، وكذلك نقد كتاب حياة محمد للسيد عبد الحسين نور الدين العاملي ص33، وكتاب الغدير للشيخ الاميني ج2، ص88).
(2) حياة محمد، محمد حسنين هيكل، ص103(وينظر تاريخ الطبري، ج2،ص58، وعلل الشرائع للشيخ الصدوق، ج1 ص169، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ص27، وبحار الأنوار، ج18، ص208).
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
ونعرف أيضاً على نفس الأساس، وجه الحكمة الإلهية في جعل الإمامة وراثية بعد الإمام الحسين الشهيد عليه الصلاة والسلام. فإنه من المعلوم أن الأب أقرب شخص إلى الإنسان وألصقهم به، وأكثرهم معاشرة له وأقدرهم على تربية ولده على الشكل الذي يريده(1). فكم تكون النتائج كثيرة وعظيمة إذا كان الابن مزوداً بالقابلية الذاتية على القيادة، وكان الأب قائداً فعلياً محنَّكاً، عارفاً بكيفية تربية ولده، لكي يتولى بدوره مركز القيادة في يوم من الأيام، خَلَفاً عنه.
إذن نعرف أن الشخص الذي نريد الحصول عليه، لكي ينفذ وعد الله القاطع، ويقوم بتطبيق دين الله القويم، ينبغي أن يكون حاصلاً على هذه الصفات، وليس ذلك إلا الإمام المهدي، الحجة المنتظر عجل الله فرجه.
وذلك لأنه الابن الوحيد لآخر قائد إسلامي معصوم.
ومن ثم فقد ولد الإمام المهدي عجل الله فرجه، لكي يتولى زمام القيادة الإسلامية، ولكي يتحمل مسؤولية تطبيق الشريعة الإلهية بعد آبائه عليهم أفضل الصلاة والسلام.
إلا أن قوى الطغيان والنفاق، قد تولَّته بالمطاردة والإرهاب منذ أول أيامه، لعلمها أنه هو الذي سوف يمثِّل المعارضة القوية ضد الدولة القائمة، كما قد مثَّلها آباؤه الكرام عليهم الصلاة والسلام.
ـــــــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــــ
(1) إذن نعرف أن التوارث بين أئمتنا عليهم الصلاة و السلام ليس غاية في نفسه، و إنما هو وسيلة اقتضتها الحكمة الإلهية، لكي يتربى الابن قائداً فذاً عبقرياً بين يدي والده العظيم.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
والذي يبدو واضحاً من الحكمة الإلهية، أن قيام هذا القائد العظيم، بالسيف، في ذلك الحين، لم يكن أمراً ممكناً، على الإطلاق، بل لم يكن من المصلحة في شيء، فإنه حتماً سيؤدي إلى القضاء على آخر عنصر من عناصر الخير والنور الموجودة على هذه الأرض، لمدى قوة النِّفاق وطغيانه. وأن التَّحفُّظ على البقية القليلة الباقية من الصالحين، لكي ينتجوا أولاداً صالحين ولكي ينفعوا المجتمع بأقوالهم وأعمالهم، خير ألف مرة من حركة عشوائية طائشة تثير حقد قوى الطغيان، فتقضي عليهم أجمعين.
كما أنه يبدو أيضاً من الواضح من الحكمة الإلهية، أنها رأت أنه ليس من المجدي شيئاً تسلسل القواد الخاملين المظلومين إلى أكثر من هذا المقدار. فإن من وظيفة القائد أن يمتلك زمام القيادة وأن يتولى توجيه المجتمع وإدارته. وحيث أنه تعالى يعلم أن ذلك لن يتوفر للأئمة عليهم الصلاة والسلام، إلى أمد معلوم، إذن فلا بد من إنهاء هذه السلسلة، والاكتفاء بالأئمة الاثني عشر.
ومن ثم كان الإمام الثاني عشر الحجة المهدي عجل الله فرجه آخر الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام.
وعليه، فلا بد من التحفُّظ على هذا القائد الأخير، لكي يُنفَّذ على يديه وعد الله عز وجل الذي قطعه لعباده المؤمنين، ولكي يُطبِّق القانون الإسلامي الخالد، فإنه الوحيد المتبقي ممن يحمل الأهليَّة التامة للقيادة والإمامة. أما إذا قُضي عليه من قبل القوى المطاردة له، فسوف لن يمكن الحصول على شخص آخر مثله.
ـــــــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وذلك لما سبق أن ذكرناه، من وجوب توفر القابلية النفسية والتربية المناسبة للقائد الصحيح. والقابلية وإن كانت مما يمكن أن يهبها الله تعالى أن يشاء من عباده، إلا أن التربية لا يمكن أن تحصل إلا من قبل القائد الـمُربِّي، فإن التوجيه الإلهي المباشر كالوحي والإلهام، يمكن أن يقوم بهذه المهمة، إلا أن الشخص الذي يرى مثل هذا التوجيه يكون نبياً، ولا نبي بعد رسول الإسلام.
إذن فالشخص الوحيد الذي رُبِّيَ بين يدي قائد عظيم معصوم، هو إمامنا الحجة المنتظر. إذن فلا بد من التحفُّظ عليه، لكي يتمَّ على يديه تنفيذ وعد الله عز وجل.
وإذا لم يمكن أن يتم تنفيذ وعد الله تعالى في ذلك الزمان، كان لا بد من تأجيله إلى الوقت الذي تراه الحكمة الإلهية صالحاً ومناسباً تماماً لذلك. وعليه، فقد أعملت الإرادة الإلهية قدرتها اللانهائية وغيَّبَته عن الأنظار تحفُّظاً عليه من أيدي السوء والشر من ذوي المصالح الفاسدة والنفوس المنحرفة، واحتفظت به، ليكون القائد الإسلامي المنتصر في يومها الموعود.
ـــــــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
(2)
وإن في غيبته هذه عليه الصلاة والسلام، لحكمة إلهية كبيرة، وغرض إلهي سامٍ، ولذا وُصِفَت في الخبر عن النبي بأنها: (من مكنون سر الله، ومخزون علم الله)(1).
فإنه يكفي فيها، بالإضافة إلى ما أسلفناه من حجبه عن أعين السوء والاحتفاظ به لليوم الموعود، يكفي فيها أن يكون الحجة عليه الصلاة والسلام، أملاً للمؤمنين في خلاص هذا العالـم البشري من عنصر الشيطان، ولسيادة العدل والرَّفاه فيه، وانتهاء العهود التي كان فيها حقهم مغدوراً وإمامهم غائباً، ودينهم بعيداً عن المسرح السياسي والاجتماعي والثقافي.
ويكفي فيها، أن يكون الإمام عجل الله فرجه، سنداً لقلوب المؤمنين، وركيزة لإيمانهم، يشعرون بوجوده بينهم وعلمه بأعمالهم وأقوالهم، وسروره بعباداتهم وبخدماتهم الدينية والاجتماعية، وغضبه من قبائحهم وآثامهم. وبالجملة، يشعرون بأنه قائدهم وموجِّههم ومرشدهم، وهو بينهم، وإن كان غائباً عن أبصارهم.
ـــــــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــــ
(1) كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق، ص250.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
ويكفي في الغيبة فائدة أيضاً، أن تكون امتحاناً إلهياً لإخلاص الناس وتجربة مقدار إيمانهم بعقيدتهم واطمئنانهم بالدين وتعاليمه. فإن الله تعالى لا بد أن يميَّز الخبيث من الطيب والمخلص من المشكِّك، فإنه عز وجل عندما أنزل على البشر ديناً يهديهم به وقانوناً ينظم شؤونهم على ضوئه، وأقام عليهم الحجة فيه، لم يدعهم هَمَلاً، يعتنقونه إن شاءوا ويرفضونه إن أرادوا ويهملون واجباته وتعاليمه إن رغبوا تسري العقيدة فيهم سريان النار في الهشيم، من دون ضابط مُعيَّن أو ميزان محدود.
وإنما أراد مخض السِّقاء، وإيضاح الفاسد من المؤمن، والصالح من الطالح. فوضع البشر حيال حوادث معينة تتصف بصبغة خاصة، يحتاج التصديق بها إلى إيمان قوي وعقيدة راسخة، تلك العقيدة هي التي يريدها الله تعالى لعباده، وهي التي يستحق حاملها الجزاء بأوفر الثواب والفوز برضاء الله عز وعلا.
وهذا الامتحان تدبير إلهي دائم، فهو غير مختص بالشريعة الإسلامية، وإنما يعمُّ كثيراً من الشرائع السابقة. ولعلنا نستطيع أن نقتبس من القرآن بعض الأمثلة على ذلك:
فمنها الطوفان الذي تَوَعَّد به نوح قومه، ومن ثم عكف على صنع السفينة لكي ينجو منه هو ومن اتبعه. إلا أنه حين طال الأمد وتأخر الطوفان، فإنه لم يكن صنع السفينة في تلك الأزمنة السحيقة في القِدَم سهلاً ولا يسيراً، بل كان يحتاج إلى عدد من السنين لإنجازه، ولم يكن الطوفان ليأتي قبل أن يتم صنعها.
ـــــــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
عندئذ ضحك منه الكفار، وشَكَّ به كثير من المؤمنين ولم يبقَ لديه إلا الصفوة المختارة، ممن امتحن الله قلوبهم للإيمان فركبوا معه فنجوا، وأغرق الله الآخرين.
ومن أمثلة ذلك في القرآن أيضاً ما حدث في الجيش الذي كان يقوده طالوت لقتال جالوت، حيث مَرُّوا على نهر، فقال لهم طالوت: إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ(1). ولما كان كل واحد منهم منهوك القوى عاطش الفؤاد فقد مالوا على النهر فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ(2) ممن قَوِيَت عقدته وأخلص لدينه، وبهذه الصفوة الخالصة استطاع طالوت أن ينتصر على جالوت، وأن يهزمه.
بل إن هذا الامتحان الإلهي غير مختصٍ بزمان دون زمان، وإنما هو موجود دائماً ونافذ المفعول على جميع البشر فرداً فرداً، فإنه حيث يكون الدين موجوداً والأوامر الإلهية قائمة، يكون إلى جانبها مغريات المادة وبهارج العيش، من السلطة والمال والتَّهالُك على اللذة، وإذ يكون المرء عاقلاً مختاراً، فعليه أن يختار أحد هذين الطريقين، إما اللذة المؤقتة وإما النعيم الخالد، فهو الذي يقرِّر مصيره بيديه في هذا الامتحان الرهيب. فإما النجاح وإما الرسوب، وعند الامتحان يكرم المرء أو يُهان.
إذن نعرف أن غيبة الإمام المنتظر عجل الله فرجه، من هذا القبيل، فهي
ـــــــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 249.
(2) البقرة: 249.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
امتحان للقلوب المؤمنة وفضح للنيات السيئة، وامتحان إلهي رهيب. وفي ذلك يقول أبو عبد الله الصادق عليه الصلاة والسلام للراوي: (يا منصور، هذا الأمر -ويعني به ظهور القائم عجل الله فرجه – لا يأتيكم إلا بعد يأس، ولا والله حتى تميزوا، ولا والله حتى تمحصوا، ولا والله حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد)(1).
وقد تنبأت الأخبار الواردة عن أئمة الهدى، عليهم أفضل الصلاة والسلام، أنه في زمان الغيبة، يكثر الفساد وتشيع الحيرة والضلال ولا يثبت على دينه إلا من امتحن الله قلبه للإيمان. فمن ذلك ما ورد عن الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، من أنه عجل الله فرجه لا يظهر إلا (بعد غيبة وحيرة لا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه)(2).
ـــــــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــــ
( ) الكافي، باب التمحيص و الامتحان. نسخة خطية. الكافي، للكليني ج1، باب التمحيص والامتحان، ص370. دار الكتب الاسلامية طهران، الطبعة الثالثة 1388هـ.
(2) كشف الغمة ج3 ، ص311. إلا أن الرواية ذكرت في المصدر المشار إليه، هكذا: {وعن الرضا عن آبائهعن علي أنه قال للحسين: التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق والمظهر للدين والباسط للعدل قال الحسين عليه السلام فقلت له: وإن ذلك لكائن فقال إي والذي بعث محمداً بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة، لا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وهذه التنبؤات من قبل أئمة الهدى، وإن كانت يمكن أن توصف بأنها علم بالغيب، بإحدى درجاته، إلا أنه أقرب للفراسة الصادقة والحدس الصائب الصادر من شخص عارف بمزايا الأمور وطريقة تطور حوادث الزمان. فإنهم كانوا يرون حال الإسلام في أزمنتهم وكيف مُنِيَ بحكام الجَور المارقين عن تعاليمه والمتصرِّفين على حسب مصالحهم وأهوائهم، وكانوا يرون مدى التأثير السيِّئ لهؤلاء الحكام في المجتمع الإسلامي، وفي التأثير على نفوس المسلمين وفي إبعاد الإسلام عن المسرح السياسي والاجتماعي، وعزله عن الركب البشري السائر. إذن ماذا ينبغي أن يكون بعد خمسمائة أو ألف أو أكثر من السنين، إنه حتماً سوف يزداد وَهْناً وضَعفاً، وسيقلُّ أصحابه ويكثر أعداؤه، وتَعمل المكائد والمؤامرات السوداء عملها ضدّه.
إلا أن عنصر علم الغيب يبدو واضحاً جَليّاً، عندما تبدأ أحاديث أئمة الهدى عليهم الصلاة والسلام، بذكر حوادث معينة تقع في عصر الغيبة. وكثير من هذه الحوادث قد حدث بالفعل بين سمعنا وبصرنا وفي مجتمعاتنا، مما يبعث على التأكد من حدوث الأمور الأخرى الموعودة في الأخبار الموثوقة المعتبرة. فمن ذلك ما يقوله الإمام أبو جعفر الباقر ، حين يسأله الراوي: (يا ابن رسول الله، ومتى يخرج قائمكم؟ قال: إذا تَشَبَّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء. وركب ذوات الفروج السروج(1)
ـــــــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــــ
(1) يمكن أن نفهم من السروج ، كل مركوب يركبه الرجل ولا يليق بالمرأة، و كان ذلك منحصراً بالخيل عندئذ، إلا أننا نراه الآن يشمل الدراجة الهوائية والدراجة البخارية، و سياقة السيارة إلى غير ذلك من الميادين التي غزتها المرأة و زاحمت الرجل فيها. و هذا هو الذي يمكن أن نفهمه أيضاً من تشبه النساء بالرجال، بالإضافة إلى تقليدهن الرجال بالزي و العمل و الحقوق. كما يمكن أن نفهم من تشبه الرجال بالنساء كثرة عنايتهم بجمالهم و هندامهم، و غير ذلك مما هو أليق بالمرأة منه بالرجل. و على هذا الضوء يمكن أن نفهم التنبؤات الأخرى.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وقُبِلت شهادات الزور ورَّدت شهادات العدول، واستخف الناس بالرياء وارتكاب الزنا وأكل الربا، واتقى الأشرار مخافة ألسنتهم)(1).
أما المؤمنون المخلصون فسوف يقلُّ عددهم، وسوف يضطهَدون ويحارَبون، وفي ذلك يقول حذيفة رضوان الله تعالى عليه، سمعت رسول الله يقول: (ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويخيفون المطيعين، إلا من أظهر طاعتهم. فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه، ويفرُّ منهم بقلبه)(2).
إلا أن هؤلاء سوف تعزُّ في قلوبهم عقيدتهم ويرسخ إيمانهم ويمتحَن إخلاصهم، لذا فقد أثنى عليهم في الأخبار. فمن ذلك ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر أنه قال: (طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا، في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا. أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة، ورضينا بهم شيعة. فطوبى لهم ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجتنا يوم القيامة)(2).
ـــــــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمة ج3 ، ص324.
(2) نفس المصدر، ص262.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
ويبقى هؤلاء المؤمنون في زمان الغيبة، بانتظار اليوم الموعود، حين ترى الحكمة الإلهية، أن الوقت المناسب قد حان لتنفيذ الوعد الإلهي، فتأذن للإمام المنتظر عجل الله فرجه، بالظهور، لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئَت ظلماً وجوراً.
ويطول بالمؤمنين الانتظار، فما هذا اليوم بمحدود ولا معلوم إلا في علم الله عز وجل. ومن ثم يتمتمون خاشعين، بقلوب يعمرها الإيمان بالله والثقة بوعده، (اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة)(1).
* * *
ومما ينبغي التنبيه عليه، أنه ليس معنى انتظار الإمام المهدي عجل الله فرجه، الاكتفاء بمجرد الانتظار، والاستسلام السلبي إليه. فما بهذا أمر الإسلام، ولا هكذا أراد منا أئمتنا عليهم الصلاة والسلام، حين أمرونا بموالاته، وانتظاره، ولا كانت هذه هي الحكمة الكبرى التي غاب من أجلها.
إن على المؤمنين المخلصين أن يعملوا في سبيل الله تعالى، وأن يدعوا إلى دينهم الحنيف، بمقدار جهدهم وطاقتهم، ولا يختلف الحال في ذلك بين زمان الغيبة والحضور. فإن أوامر الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ـــــــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــــ
(1) من دعاء الافتتاح ، مفاتيح الجنان ، للشيخ عباس القمي ص182.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وبمحاربة الضلال وبتطبيق نظام الإسلام لا زالت نافذة المفعول، لمن يؤمن بها ويريد أن يطيعها. كما أن وعد الله عز وجل للعاملين في سبيله والمجاهدين لنصرة دينه، بالجزاء الأوفر، موجود دائماً ولا يختص بزمان دون زمان.
بل ينبغي أن يفكر المؤمنون ويمعنوا النظر، ليَروا أنهم إنما ينتظرون إمامهم عجل الله فرجه، لأجل تطبيق دينهم وتنفيذ أوامر ربهم والقضاء على أعدائه والحاقدين عليه. فإذا كان ذلك هو الهدف السامي للإمام المنتظر في غيبته وعند حضوره، فلماذا لا يكون هو هدفهم في حياتهم ومثلهم الأعلى الذي يستهدفونه ويسعون إليه بقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم، يعملون في سبيله ما وسعهم العمل، وجهد الطاقة والمستطاع.
بل إننا يمكننا أن نرى أن الإخلاد إلى الكسل والتواكل، وأن عدم الشعور بالمسؤولية والسلبية إزاء الأحداث، شططٌ عظيم وخطأ كبير، له الأثر السيِّئ العميق على الإسلام وعلى المسلمين وعلى المجتمع الإسلامي. فإننا قد لمسنا هذا الخطر بأيدينا ورأيناه بأعيننا، بعد أن غزانا الكفر في عُقْرِ دارنا، ووفدت علينا المبادئ من وراء حدودنا وسدَّت علينا منافذ تفكيرنا. فإن ذلك لم يكن ليوجد لولا تخاذل المسلمين وتواكلهم وسلبيتهم إزاء الأحداث التي تدور حولهم وتعصف بكيانهم، وعدم الشعور بالمسؤولية إزاء نصرة الدين الحنيف، والجهاد في سبيل النظام الإلهي الخالد.
ـــــــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
نعم، إن الذي ينبغي لنا أن ننتظره وأن ندعو الله بتعجيله، هو تنفيذ الوعد الإلهي العظيم، وظهور الإمام الحجة القائم عجل الله فرجه، ليملأ الأرض قسطاً كما ملئت جوراً، ويطبق الدين الإسلامي الحنيف بوجهه الوضّاء المنير (ويعمل في الناس بسنة نبيهم )(1). ويكون قائداً للبشرية كلها. (ويبلغه الله تعالى شرق الأرض وغربها، حتى لا يبقى منهل ولا موضع سهل أو جبل وطئه ذو القرنين إلا وطئه. ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً)(2).
وبالطبع فإن هذا الشيء يستحق الانتظار، فإنه لن يكون إلا عند ظهور الإمام الحجة المهدي المنتظر عجل الله فرجه.
ـــــــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمة ج3، ص269.
(2) نفس المصدر، ص317.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
(3)
وعند ظهوره عجل الله فرجه، يبدأ فوراً بتطهير العالم من الكفر والرجس والضلال، ويسعى حثيثاً إلى تطبيق القانون الإسلامي الخالد. وتكون العناية الإلهية حليفة في صراعه مع قوى الكفر والطغيان، فينتصر نصراً عظيماً ويفتح مشارق الأرض ومغاربها، وينصره الله بالرعب، بأن يكون مرهوب الجانب قوي الركن تخافه الدول وتخضع له، عندما يملأ عليها كيانها الرعب والفزع من احتمال هجومه عليها وفتحه لأراضيها.
والسر العميق الكامن في هذا النصر العظيم الذي يحرزه عجل الله فرجه، إلى جانب العناية الإلهية وإلى جانب حنكته وخبرته وصواب تدبيره، هو أنه عليه الصلاة والسلام يصوغ نفوس تابعيه بالصياغة الإسلامية، ويصهرهم في بوتقة الدين الحنيف، ويبذر فيهم حب التضحية والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق والتفاني في سبيل الله عز وجل.
فبمثل هذا الجيش المتحمِّس المندفع، يفتح الإمام المهدي العالم، ويُذلُّ الجبابرة ويُخضِع قوى الكفر والطغيان.
وإن مثل هذا الجيش لضروري له الحصول على مثل هذا النصر العظيم، إذ أن كل فرد منهم يشعر بالمسؤولية، ويعلم أنه ذاهب في سبيل هدف سامٍ عظيم
ـــــــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
وأنه مسؤول عن نصرته ومجزيٌّ بأوفر الثواب لقاء الموت في سبيله.
ولا يمكن أن ينال مثل هذا النصر بحال من الأحوال بواسطة هذه الجيوش المتحللة، التي لا تعرف لحياتها هدفاً، ولا لأعمالها غاية، وإنما تُقاد قود القطيع لتنفيذ فكرة لمعت في رأس القائد أو الحاكم المسيطر، لا يعرف الجيش مغزاها ولا مراميها، فيذهب ليقاتل من لا يعرفه لسبب لا يعرفه. فلذلك فهي تفقد العنصر الأساسي الضروري للفتح الفعال والنصر الأكيد وهو الحماس والشعور بالمسؤولية.
ويمكننا أن نمثل للجيش المتحمس بتلك الجيوش التي أحرزت الانتصارات الهائلة في العالم، ولا يجود الدهر بها إلا بمقدار. فمنها الجيش الإسلامي الأول الذي كان يقوده النبي، إما بنفسه أو بأحد مخلصيه، ذلك الجيش الذي استطاع فتح العالم من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي.
ومنه الجيش الذي كوَّنه (هتلر) من الشعب الألماني بعد إثارته الروح العنصرية فيه، وإفهامه لكل فرد منه أنه ألماني فحسب! وأنه مسؤول عن مجد ألمانيا وسؤددها.
فبهذا الحماس والاندفاع يفتح الإمام المهدي عجل الله فرجه هذا العالـم وينتصر على الكفر والضلال، وما ذلك إلا لأن رجاله (رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته)(1).
وحالما يتم الفتح، يبدأ الإمام القائم عجل الله فرجه، بتطبيق نظامه الأمثل
ـــــــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمة ج3 ، ص268.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
في البلاد، ونشر الدين الإلهي القيِّم كما جاء به رسول الله، ذلك الدين القيِّم الذي يستهدف سعادة البشرية ورفاهها ورقيها وكمالها. وذلك، كما جاء في الحديث عن النبي، أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ – أي يماثل- اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(1).
وعند تطبيق النظام الإسلامي الخالد يبدأ الإمام ويبدأ المجتمع الإسلامي معه بِـجَني الثمار الكبرى التي يغرسها النظام الإسلامي حين تطبيقه، فينتشر العدل ويعم الرفاه ربوع المجتمع الإنساني. قال رسول الله: (يخرج المهدي في أمتي يبعثه الله غياثاً للناس وتعيش الماشية وتخرِج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً)(2)، أي بالسوية بين الناس، كما جاء في خبر آخر(3). وقال: (تتنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم يتنعموا مثلها قط، يرسل السماء عليهم مدراراً، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلا أخرجته)(4).
ولا عجب من ذلك بعد انتشار العدل الإلهي في الأرض ووضع كل شيء موضعه اللائق وانتفاء عنصر الرجس والفساد قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ
ـــــــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمة ج3، ص261.
(2) نفس المصدر، ص260.
(3) انظر ص261 من نفس المصدر.
(4) نفس المصدر، ص263.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(1).
ومن ناحية أخرى تنصهر نفوس المسلمين في البوتقة الإسلامية وتقوم مصالحهم وعواطفهم وروابطهم على أساس إسلامي، ويكونون إخواناً متحابّين في الله تعالى، وترتفع من بينهم العداوة والشحناء التي أوجدتها المبادئ المتفرقة المتناحرة التي كانت سائدة بينهم قبل ظهور إمامهم.
وذلك كما ورد عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (قلت يا رسول الله، أمنِّا آل محمد المهدي، أم من غيرنا؟ فقال رسول الله: لا بل منا، يختم الله به الدين، كما فتح بنا. وبنا ينقذون من الفتن كما أُنقذوا من الشرك، وبنا يؤلِّف الله قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً، كما ألف بينهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً، كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً في دينهم)(2).
وفي هذا الحديث مزاوجة دقيقة يقيمها النبي بين ما عمله بنفسه في صدر الإسلام، من الدعوة إلى الله، ونشر دينه القويم، وبين ما يعمله الحجة المهدي عند ظهوره، من ذلك.
فإنه، بنا، أي بالقادة الإسلاميين تنجو البشرية من ظلمات المادية والحيرة والضلال، كما نجت من المادية والحيرة والضلال في صدر الإسلام. وبنا سوف يؤلِّف الله بين قلوب الشعب الإسلامي المخلص، بعد العداوات التي غرستها
ـــــــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــــ
(1) الاعراف: 96.
(2) كشف الغمة ج3، ص263.
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
عصور المادية والضلالة، كما ألَّف الله بين قلوب المسلمين في صدر الإسلام، بعد عداوة الشرك والضلال.
إذن فهناك مزاوجة جميلة بين بعثة النبي وظهور الإمام القائم عجل الله فرجه، وبين هدف النبي في جهاده، وهدف المهدي في الجهاد، وبين النتائج الكبرى التي حصل عليها رسول الله في بعثته، وبين النتائج الكبرى التي سوف يحصل عليها الإمام المهدي في ظهوره.
كما أن هناك مزاوجة أخرى، بين العصر الجاهلي الضال، الذي أُرسِل فيه النبي، وبين العصر المادي الضال الذي يظهر فيه الحجة المنتظر عجل الله فرجه. وهناك مماثلة تامة بين جهاد النبي وصراعه ضد الكفر والضلال، وصراع المهدي عليه الصلاة والسلام معه، وبين الفوز العظيم والنصر الباهر الذي أحرزه النبي والنصر الذي يحرزه إمامنا المنتظر عجل الله فرجه.
كما أن هناك مماثلة أخرى بين النظام العظيم الذي جاء به نبي الإسلام وطبَّقه، وبين النظام الذي سيطبقه الإمام المنتظر. ذلك النظام الأمثل الذي يُـخرِج البشرية من الظلمات إلى النور ويهديها إلى الصراط المستقيم.
ـــــــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــــ
أشعة من عقائد الإسلام، السيد محمد الصدر
الفهرس
الكتاب والمؤلف 7
مع القارئ 9
الفطرة وأثرها في العقيدة الإسلامية والتوحيد 11
بين يدي التجارة الرابحة 33
من أشعة الإمام المهدي المنتظر 45
(1) 45
(2) 58
(3) 67
الفهرس 72