الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد
تصنيف
السيّد الشهيد محمّد الصدر+
تحقيق مؤسّسة المنتظر
لإحياء تراث آل الصدر
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.
قد آليت على نفسي أن أكتب لكلِّ كتابٍ يوفّقنا الله جلّ جلاله لطباعته مقدّمةً؛ ليخرج ذلك المؤلَّف بقلم السيّد الوالد+ إلى النور بإذن الله وفضله ورعايته.
وحينما وصلت النوبة إلى كتاب >الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد< استهواني كثيراً؛ لما فيه من خروجٍ عن المتعارف الحوزوي، بإبقاء المرجع أو العالم أو حتّى طالب العلم في قوقعة الفقه والأُصول، أو قد يعرّج على اللّغة والرجال ليس إلّاَ.
وبطبيعة الحال فلا مجال للرياضيّات والنظريّات، وما إلى ذلك من علوم الفيزياء والكيمياء و بقيّة العلوم – مع شديد الأسف- حتّى كادت تنقرض في حوزتنا الشريفة المقدّسة.
بيدَ أنَّ الله يرسل مَن هو أهل لذلك فيحيي فيها روح التجديد والتطوير والاتّساع في المعارف شتّى، بلا تحديد وتقليص وتحجيم؛ لتكبر الحوزة العلميّة وعلماؤها بعيون كلّ طبقات المجتمع وعلى رأسها (مثقّفيها).
وقد كان ما قرأته في هذا الكتاب حرفة جديدة سطّرت فيها علوم تفتح الأُفق العقلي لدى القرّاء، وخصوصاً بعد الالتفات إلى أمرٍ مهمّ جدّاً، وهو كون أنَّ هذا المؤلَّف قد أُلّف قبل أكثر من خمسين عاماً، كما هو مبيّن في الصفحات الأُولى من الكتاب الذي قد تعبت أيادي الخير على إخراجه، ولا سيّما: >هيئة التراث< وشركاؤها في >مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر<.
ثُمَّ إنّي أحببت أن أنوّه إلى إمكان أن نستلهم من هذا الكتاب الذي بين أيدينا عبرةً معنويةً خارجةً عن نطاق المادّة والرياضيّات والفيزياء التي هي الواجهة في هذا الكتاب. فننظر نظرةً معنويّة إليه فنجعل من (الناظر) هو (طالب الحقيقة) ومن (المنظور إليه) هو (الهدف) إلّاَ من جهةٍ واحدة فقد يختلف، ألا وهي أنَّ (المنظور إليه) هو ما فرض ابتعاده عن (الناظر) في الكتاب.
بيدَ أنَّ الهدف في عالم المعنى لا يبتعد ولا يقترب، بل إنَّ الناظر هو مَن يبتعد ويقترب، وهذا هو التكامل والتسافل.
وكما ورد في الكتاب: أنَّ هناك حاجب يحجب النظر، وقد يكون حجبه: أو . فإنَّ في عالم المعنى أيضاً قد يحجب الهدف عن (الطالب) وبنفس تلك النسبة أو أو حتّى ( )، وخصوصاً مع كون الصغر في عالم المعنى قد يؤثّر ليس مَثَلَه كمثل عالم المادّة. وهذا ما قد يسمّيه أهل المعرفة بـ(الحاجب) أو (الحجب)، وهي إمّا نورانيّة أو ظلمانيّة، والأوّل قد يحجب ( )، إلّاَ أنَّه حاجب وقد لا يزول.
ويمكننا القول -وهو غير بعيدٍ على أيّ حال-: إنَّ النفس الأمارة بالسوء هي المسبّب الأوّل لصيرورة تلك الحجب، وأُمور معنويّة أُخرى قد ترتبط بالشهوات والنزوات ليس إلّاَ.
إلّاَ أنَّها- أي: النفس الأمارة بالسوء- إن حجبت فهذا العار بعينه في نطاق عالم المعنى، وقد تكون نهاية (الطالب) أو نهاية الشخص، وبالتالي عدم إمكانه النظر المعنوي على الإطلاق، و{لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}( ).
وممّا له دخل في البين أيضاً هو سعة الأُفق وضيقه، فإنَّ الإنسان قد ينظر إلى (المنظور) مع أُفقٍ قليل أو كثير أو معدوم، كما في النسب التالية: = أو = وهكذا، وهي لها مدخليّة في سعة النظر وضيقه، حتّى في عالم المعنى. ولذا قد يكون الطالب بمرحلةٍ من مراحله في ضمن سعيه للهدف أو قد لا يكون محيطاً.
ويبقى الفرق بين العالمين أنَّ المنظور في عالم المادّة هو الوحيد الذي يقاس معه الأُفق. أمّا في عالم المعنى فقد يحتاج إلى بعض متعلّقاته في ضمن الأُفق؛ لكي يكون سيره شموليّاً مع بقاء وحدة الهدف الأسمى، ومنه الأسفار الأربعة وما شابه.
وقد تصل الأُمور مع سعة الأُفق ودقّة النظر إلى الوصول إلى المراتب العليا، بمعنى: أنَّ نظر العارف يقرّب البعيد وقد يبعّد القريب أو ما نجده نحن قريباً؛ ولذلك قال الشاعر:
يا ربّ جوهر علمٍ لـو أبـوح بـه
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي
لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا
يرون أقبح مـا يأتونه حسـنا
وبما أنَّ الكلام هذا لأجل أن يكون مقدّمة لكتاب السيّد الوالد+ لذا ارتأيت اقتصاره، على الرغم من أنَّ له الكثير من التفريعات، ولذا نكتفي بهذا القدر.
وأرجو من الله أن يتقبّل عملنا وكلّ الأُخوة أجمعين.
مقتدى الصدر
28/ذي الحجّة/ 1432 هـ
مقدمة المؤسسة
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
وبعد؛
تعود كتابة هذا البحث القيّم إلى 17/12/1378هـ، حيث كان السيّد الشهيد+ لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره المبارك.
يدلّ ما في هذا الكتاب على نبوغ السيّد الشهيد وقوّة ذهنيّته مُنذ نعومة أظفاره؛ فإنَّ مثل هكذا بحث لا يمكن أن يصدر – عادة- عن شخصٍ بهذا العمر؛ حيث لم يتجاوز عمره الحوزوي الثلاث أو الأربع سنين.
وبالرغم من ذلك كلّه فهذا الكتاب يمثّل مرحلة من مراحل المستوى الفكري للسيّد الشهيد+، وليس بالضرورة أن يكون مقبولاً عنده فيما بعد، إلَّا أنَّه – وللإنصاف- فيه فائدة كبيرة في مجاله وتقدّم متميّز في بابه، وعلى ذلك ارتأينا تحقيقه وإخراجه للنور تعميماً للفائدة، بعدما كان بين طيّات مخطوطاته الثمينة.
نسأل الله أن يكون مساهمة جادّة في تطوّر المكتبة الفكريّة، والإسلاميّة بصورة خاصّة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
عادل الطائي
مؤسّسة المنتظر
لإحياء تراث آل الصدر
29/محرّم الحرام/1433
الإهداء
إلى كلّ مثقّفٍ عبقريٍّ نبيل.
إلى كلّ مفكّرٍ شحَذَ عقلَهُ بالعلم، وأنارَهُ بالمعرفة وأضاءَهُ بالاطّلاع.
إلى كلّ مفكّرٍ نابهٍ اسْتَهوَتهُ هذه الظاهرةُ العجيبة، ظاهرةُ الصغر عند البعد، وألفتت انتباهه في السفر وعند الحضر، وفي البراري والمباني، وفي كلِّ مشهدٍ ومقام.
إلى كلِّ عالمٍ فحَصَ عن تفسيرها فتاه، أو أراده فعجز، أو طلبه فاستعصى.
إلى كلّ متذرّعٍ بالعلم والفضيلة، ومتلفّع بالتدقيق والتنقيب.
أهدي هذه النظريّة الفذّة، هديّةً متواضعة. راجياً منه حسن القبول من أخٍ له في العلم والعمل.
والحمد لله أوّلاً وآخراً
محمّد الصدر
النجف ـ العراق
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ ظاهرة صغر الشيء عند بعده من الظواهر العجيبة التي لفتت أنظار الناس إليها من قديم الزمان، وعجز أكثر الباحثين عن تفسير هذه الظاهرة، إلَّا على نحو التوقّع والاحتمال.
وتظهر هذه الظاهرة جليّة واضحة في السفر، عندما يكون الإنسان في البرِّ، فنرى سيّارةً تسير بأسرع من سيّارتنا، فإنَّها تصغر بأعيننا صغراً ملموساً مستمرّاً، إلى أن تختفي بسرعة.
وهذا ما قد رآه أكثر الناس، إن لم أقل جميعهم. ولكن قلَّ مَن ينتبه له، وأقلّ منه مَن يفكّر في سببها. والقليل النادر مَن يهتدي بعد تلك المراحل إلى حلٍّ يوافق فكره ويشبع فضوله – على الأقلّ- فضلاً عن أنَّه يرضي الناس به ويهديهم إلى حقيقة سببه، ولو كان هذا الرأي ليس متيقّناً ولا مجزوماً به، بل هو ليس إلَّا من باب أنَّه يحتمل أن يكون هكذا، [أو] يمكن أن يكون هكذا.
وتتضارب آراء الباحثين حول هذه النقطة بالذّات، وسبب اختلافهم الأوّلي الرئيسيّ هو كون بعضهم ينظرها بمنظار ما عرف من الفلسفة، وبعضهم ينظر إليها بمنظار آخر، في ضوء ما يعرف من الفيزياء مثلاً، وحتّى إنَّ بعض مدارس علم النفس قد أدلت بدلوها بين الدلاء، فالمدرسة الكليّة (الكشتالت)( ) و(الغرضيّة)( ) كلّ له رأيه في ذلك؟
فمدرسة الكشتالت قالت: إنَّنا نرى الشيء أوّلاً ككلٍّ – أي بمجموعه- ثُمَّ نجزّئه إلى أجزائه( ).
أمّا المدرسة الغرضيّة فقالت: إنَّنا نرى الأجزاء أوّلاً ثُمَّ نركّبها فيحصل عندنا الكلّ( ).
هذه الآراء وغيرها من الآراء التي لا تؤدّي إلى نتيجةٍ حاسمةٍ مرضيّة، ويدور الرأس عند سبرها واستقصائها والإحاطة بها. هذا إلى كون هذه النظريّات لا يمكن تطبيقها خارجاً؛ لنزوعها منزعاً نظريّاً يتنافى مع الواقع الخارجي تماماً.
هذا بالإضافة [إلى] أنَّنا حين نسمع هذه المتناقضات، يجب علينا بالضرورة طرحها؛ لتناقض أدلّتها وعدم وجود دليلٍ آخر يدلّ على الأخذ بأحد الطرفين، ثُمَّ التماس رأي ثالث أجنبيّ عنهما، يبحث هذا الموضوع، وهو في المقام هذه النظريّة.
ثُمَّ إنَّ هذه النظريّة يمكن أن يقال عنها نفس ما قيل في تلك الأقوال، من كونها من باب الاحتمال أو الإمكان.
نعم، إنَّها من باب الاحتمال والإمكان، ولكن إلى حدٍّ محدود، أي: أنَّ ابتداء القول بها فرضيّ، ولكن أدلّتها القائمة أغلبها على الوجدان والحسّ والتجربة والخبرة الشخصيّة للإنسان التي مارسها بنفسه ورآها بعينه، لتعطيك أكبر القناعة في رجحانها والأخذ بها، بل تبنّيها والإعلان عنها.
ستقول: ولكن أين الأدلّة العقليّة والبراهين النظريّة، أليست هي التي يعتمد عليها العلم ويدعم بها أركانه ويقوّي دعائمه؟
وإنَّني حينئذٍ أُجيبك: بإنَّه لا مجال في مثل هذه النظريّات التي تفسّر الواقع الخارجي الملموس من الاستدلال عليها بالعقل، كما يفعل الفلاسفة، ولا مجال أيضاً لفحص المادّة وتحليلها، كما يفعل الكيميائيّون، ولا لقياسها ومعرفة كيفيّاتها، كما يفعل الفيزيائيّون؛ لأنَّها تبحث حول بعض عوارض المادّة، لا في ذاتها وداخليّاتها.
ثُمَّ إنَّه ما أيسر وأسهل تطبيق هذه النظريّة في المجال الخارجي، وإن لم تكن بها ناحية عمليّة من أيِّ جهةٍ من الجهات، بل هي تبحث ظاهرة صغر الشيء عند بعده عن الناظر من ناحية نظريّة فقط، ويمكن تطبيقها – مع ذلك- في الخارج بأدنى تأمّلٍ وأقلّ تفكيرٍ، كما سيأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.
إنَّني أعرض بين يديك هذه النظريّة لعلّها تنال قسطاً من رضاك وقسطاً من تفكيرك وتأمُّلك، بل لعلّها تنال رضاك الكامل، وتجدها أنَّها النظريّة الوحيدة التي نهجت المنهج الصحيح الصائب من غير شائبة خطأ. فتتبنّاها وتنادي بها في المحافل والحواضر العلميّة.
أرجو كلّ ذلك، وأرجو فوق ذلك من صميم القلب، وأرجو أيضاً إن وجد الخطأ في أيّة ناحية من نواحيها الصفح والعفو والمغفرة، فهذا رأيي، وأنا المسؤول عنه دون غيري. ولست ألزم أحداً أن يلتزم به بأيِّ حالٍ من الأحوال. وإنَّني أدخل [البحث] متوكّلاً على الله فهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله العليّ العظيم.
تمهيد
دأب كلّ المؤلّفين – الذين يكتبون في علمٍ أو فنٍّ، سواء كانوا هم الواضعين أم كان غيرهم هو الواضع – على ذكر أُمورٍ قبل الدخول في العلم.
وهذه الأُمور وإن لم تكن ضروريّة ولابدَّ منها، ولكنّها
– على كلِّ حال- خطوة حسنة في الدخول في صميم الموضوع.
ثُمَّ إنَّ هذا الموضوع بالذات هو (نظريّة) وليس (بعلم)، ومع ذلك حيث إنَّ هذه النظريّة تحتوي على نفس تلك الأُمور التي ذكروها، فلا بأس من ذكرها توطئة للدخول في البحث، وإن لم تفد إلَّا بعد سبر أعماق هذه النظريّة؛ لأنَّنا سوف نذكرها بعباراتها العلميّة، وفهم مثل هذه العبارات ممّا لا يتأتّى للمبتدئ في قراءتها، ولكنّني دأبت على غرار المؤلّفين في تقديمها، مع أنَّها من الحقِّ أن تُؤخّر؛ لأنَّ ذلك أيسر لفهمها، وهي:
1. موضوع هذه النظريّة: وهو صغر الحاجب بالنسبة لأُفقه عند الابتعاد عن الناظر، أو أنَّ موضوعها هو سبب هذا الصغر. وقد يقال: إنَّ صغر الحاجب هو الموضوع، وسبب صغره هو مدار البحث، ولا بأس به.
2. فائدتها: التعرّف على سبب صغر الحاجب عند بعده عن الناظر.
3. تعريفها: [هي] نظريّة تبحث في صغر الحاجب عند بعده عن الناظر بالنسبة إلى أُفقه.
فخرج بقولنا (نظريّة) الآراء والأفكار والعلوم والفنون وغيرها. وخرج بقولنا: (تبحث في صغر الحاجب عند بعده عن الناظر) النظريّات التي تتناول أشياء أُخرى بالبحث، ولا يهمّنا في مجالنا هذا التصدّي لها وشرحها، وبقيت داخلة كلّ النظريّات التي تبحث في هذا الموضوع، ولكنّها خرجت بقولنا: (بنسبته إلى أُفقه)، فإنَّ باقي النظريّات من هذا النوع لا تدّعي هذا المدّعى ولا تذهب هذا المذهب، بل تعزو الصغر عند البعد إلى أسبابٍ أُخرى سنتعرّض لردّ بعضها بعد قليل.
هذه هي المرحلة الأُولى من التمهيد.
أمّا المرحلة الثانية: فهي ردّ الأقوال التي أُطلقت رجماً بالغيب، وبعضها يردّ بعضاً، بل أنَّ بعضها يردّ نفسه بنفسه، ويدلّ على فساده بأسلوبه، إمّا بالتناقض أو الركاكة أو الافتقار الشديد إلى الدليل المرضي وغيرها.
وقد قيل: أنَّ الجسم عندما يبتعد تختفي منه هنا بعض أجزائه فيصغر.
وهذا الرأي فوق كونه ركيكاً مفكّك العرى، ومنقوضاً بالبديهة العقليّة، فإنَّنا نلزم أصحاب هذا الرأي بعدّة إلزامات:
1. إنَّنا حينئذٍ نرى الجسم ناقصاً، ومعنى ذلك: أنَّ شكله حينئذٍ يبدو لنا ناقصاً، أي: بالتوضيح التامّ، إنَّ الإنسان إذا ابتعد عنّا يختفي – من فحوى هذا القول- هنا بعض أعضائه وأطرافه، هذا إذا فرض الاختفاء من حول الشيء، أمّا إذا فرض الاختفاء من الوسط، فيلزم أن نراه مثقوب الوسط – أو ناقصاً على الأقل- وكلاهما على ما نرى من البطلان.
2. الترجيح بلا مرجّح، وهذا الردّ يورده بعضهم على بعض، وهو: أنَّه أيّ مرجّح جعل اتّصاف الاختفاء بهذه الأجزاء المختفية دون غيرها [فإنَّ] هذا هو محض الترجيح بلا مرجّح.
ويذكرون ردّاً لهذا الإشكال: هو أنَّ العلّة الموجبة لاختفاء الأجزاء المختفية، وهي عندهم شرائط الرؤية، لم تتمّ في الأجزاء المختفية ممّا سبّب اختفاءها، وقد تمّت في الأجزاء الظاهرة. ولكنّه يُردّ أيضاً؛ إذ إنَّ هذه العلّة من الأُمور الممكنة، ولابدَّ لها من علّة موجدة، فما هي هذه العلّة، ولماذا أوجدتها في هذه الأجزاء دون غيرها؟
وهذا الادّعاء لا يستحقّ الإسهاب في ردّه، لولا أنَّ لنا وجهاً آخر في تفنيده أحببنا ذكره، ونراعي الاختصار في ذكره.
3. إنَّنا نرى الشيء يصغر في أيّ بعدٍ فُرض، قليلاً كان أو كثيراً، ولا نستطيع أن نحكم باختفاء أيّ أجزاءٍ في البعد القليل، أي: إذا كان قريباً من الناظر، مع أنَّنا نراه أصغر ممّا لو كان أقرب إلينا من هذا البعد. فهل اختفت منه أجزاءٌ عندما صار أصغر؟ مع العلم أنَّ كلتا المرحلتين في مرحلة قريبة من الإنسان إنَّنا لا نستطيع أن نحكم بذلك قطعاً، وهذا ممّا يوافقوننا عليه، ومع ذلك اعتنقوا هذا الاعتقاد، ناسين أو متناسين التناقض الشبه الصريح الموجود في كلامهم.
هذا وجهٌ من عدّة وجوه ركيكة مفكّكة متناقضة فُسّرت بها هذه الظاهرة – ظاهرة صغر الشيء عند بعده- ولا يهمّنا ردّها أو التعرّض لمناقشتها؛ لأنَّنا ندلي برأينا في مضمار الآراء، ولا يهمّنا وجود آراء أُخرى أو عدمها. والله وليّ التوفيق.
ثُمَّ إنَّ كلّ مقاصدنا فيما نريد أن نشرح لك فيها هذه النظريّة مبتنية على مقدّمة وتمهيد، وقد قرأتهما.
ثُمَّ باب تبحث الاصطلاحات التي تأتي في هذه النظريّة.
ثُمَّ باب تشرح به النظريّة نفسها بشكلٍ مبسّط وموضّح جهد الإمكان.
ثُمَّ باب ثالث نذكر فيه بعض الفروع والتشقيقات والفروض على هامش هذه النظريّة.
ثُمَّ نودّعك، بعد أن أودعنا عندك كنزاً لا يبلى وذخراً لا يفنى، راجين من الله العليّ القدير التوفيق والصبر، وإلهام الصواب والسداد، إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير.
الباب الأول
في المصطلحات التي ترد في غضون شرح هذه النظرية
تمهيد
قد يرد عليَّ من الإشكال جعلي لهذه النظريّة اصطلاحات ملتوية المعنى صعبة المران، وذلك ممّا يجعل فهمها عسيراً على كثيرٍ من الناس.
وجواب ذلك سهل واضح:
وهو أنَّني دأبت دأب العلوم والنظريّات التي تصادفنا في أثناء حياتنا العلميّة، وكلّها مشحونة بالاصطلاحات والتعقيد على أصعب صوره، وحتّى الكلام غير المصطلح فيها، فإنَّه قد يكون أصعب فهماً من المصطلحات العلميّة في نفس العلم.
هذا، بالإضافة [إلى] أنَّني لم أقصد بكلامي هذا عن النظريّة فهم العوامّ وسائر الناس، بل لابدَّ لهم من كلامٍ آخر معهم، وسبيل آخر لتفهيمهم هذه النظريّة. مع العلم أنَّ فهمها بالنسبة لهم ليس من الأُمور الضروريّة، وإنَّما وضعت هذه النظريّة لتشقيق الذّهن وتفتّحه، ولم توضع لتوضيح ناحية من النواحي العلميّة في الحياة العامّة أو الخاصّة.
ثُمَّ إنَّ الاصطلاحات منحصرة في سبعة بدليل الاستقراء الوضعي، وهي:
1. الناظر.
2. درجات النظر.
3. جهة النظر.
4. نقطة جهة النظر.
5. الحاجب.
6. أُفق الحاجب.
7. الدرجات العرضيّة.
ثُمَّ إنَّ هناك عبارات علميّة متعدّدة، واصطلاحات تركيبيّة كثيرة، يتوضّح معناها في محلّها، وإن كان فهم المقصود منها عسيراً، فإنَّنا سنوضّحه ونجليه، بعون الله وقوّته وحسن توفيقه.
وهاك شرح كلّ منها بالترتيب السابق، مرتّباً على فصول، وبه التوفيق، ومنه البدء وإليه المعاد، وعليه فليتوكّل المتوكّلون.
الفصل الأوّل
الناظر
الناظر: هو الشخص الواقف موقفاً بحيث يصغر الشيء أمامه كلّما ابتعد عنه، ويكبر كلّما اقترب منه، سواء لاحظ ذلك أم لم يلاحظه.
لاحظ وجود هذا القيد الأخير (سواء لاحظ ذلك أم لا) ليعمّ الحيوان والإنسان الغافل والمجنون وغيرها، وهم لا يلتفتون إلى هذا الصغر والكبر، مع كون الشيء يصغر بالابتعاد ويكبر بالاقتراب؛ لأنَّ هذه النظريّة كما تبحث في مرحلة الإثبات تبحث في مرحلة الثبوت والواقع ونفس الأمر.
ثُمَّ إنَّ هناك مسألة أُخرى، وهي: قيد (الوحدة) في الناظر، فالناظر لا يجوز أن يكون إلَّا واحداً، وإن فرض أنَّ هناك ناظرين، فتترتّب النظريّة عند كلّ منهما على حدة.
وقد يقال: بأنَّ الناظر هو العين الواحدة؛ لأنَّ كلّ عينٍ تستطيع النظر إلى نقطةٍ غير نقطة العين الأُخرى، فضلاً عن أنَّ العين الواحدة تنظر في زيادةٍ من جهتها على شريكتها، فيثبت أنَّ البحث يأتي في كلِّ عينٍ على حدة.
وهذا القول من السخافة بمكان؛ لأنَّ الله تعالى حين خلقهما قد خلقهما لتؤدّيا وظيفة واحدة، وتنظرا لجهةٍ واحدة، بالإضافة إلى بطلان الادّعاء – بأنَّ كلّ عين تستطيع النظر إلى نقطةٍ غير نقطة العين الأُخرى- فهو غير ثابت تماماً، بل الثابت عند الإنسان وأغلب الحيوان خلافه.
ولكن يقول علماء الحيوان: إنَّ الحرباء هي الحيوان الوحيد الذي يدير إحدى عينيه، بخلاف ما يدير الأُخرى.
والظاهر أنَّ مثل هذا أيضاً نقطة نظره واحدة ( )، رغم حركة عينيه بهذا الشكل؛ لوجود قدرٍ مشترك بينهما على كلِّ حال.
هذا بالإضافة إلى استحالة توجّه النفس لمنظرين في آنٍ واحد – وذلك في الحرباء وغيرها- {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}( ).
الفصل الثاني
درجات النظر
وتسمّى أيضاً (الدرجات النظريّة)، وهي: درجات النصف الأمامي لدائرة مقسّمة إلى 360 درجة، يكون الناظر مركزاً لها، وعلى هذا يكون عددها 180 درجة.
قسّم علماء الهندسة – على ما هو مقرّر عندهم في محلّه- الدائرة إلى 360 درجة، وعلى هذا جرينا في بحثنا، فالناظر يكون مركزاً لدائرة حوله مقسّمة إلى 360 درجة، وحيث إنَّ الناظر لا ينظر إلَّا من خلال النصف الأمامي للدائرة، فمحطّ البحث هو القسم الأمامي منها فقط، أمّا الخلفي فليس داخلاً ضمن نطاق هذه النظريّة.
ومن الطبائع الضروريّة لهذه الدرجات أنَّها ضيّقة تمام الضيق حول الناظر مباشرة، ثُمَّ تبدأ بالاتساع شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي فرضنا لها، وذلك في محلِّ وجود الحاجب( ).
وممّا تجدر ملاحظته، أنَّ قولنا: القسم الأمامي من الدائرة يعمّ ما إذا كان نظر الناظر متوجّهاً إلى أيّ جهةٍ من الجهات، حتّى إلى الأعلى أو إلى الأسفل، فإنَّ الدرجات النظريّة تتبعها حينئذٍ.
وبقي موضوع، هو غاية في الأهمّيّة وفي الأثر بهذه النظريّة، وهو: أنَّ الناظر – وخاصّة الإنسان- لا يستطيع النظر في الالتفاتة الواحدة إلى جميع هذه الـ 180 درجة، وإنَّما يقلّ عنه مقداراً قدّرناه بـ 30 درجة. فإذن، أنَّ الإنسان لا يمكنه النظر في الالتفاتة الواحدة إلَّا إلى 150 درجة فقط، وهذه الـ 150 درجة هي درجات النظر للإنسان، وعند غيره كلّ بحسب ما يستطيع النظر من خلاله من الدرجات، وإن غلبت على الـ 180 درجة مجازاً.
وقد يُشكل عليّ إذا فرضت أنَّ درجات نظر الإنسان 150؛ إذ لا دليل مرضيّ يدلّ عليه، فضلاً عن أنَّ الحيوان ينظر في مكان أضيق من الإنسان، فقد ينظر في 50 درجة أو 70 درجة أو 100 درجة – مثلاً- أو غيرها.
أقول: إنَّ كلّ كائن حيٍّ لابدَّ أن يفرض لنظره عدّة من الدرجات النظريّة ينظر من خلالها، تكون هذه الدرجات هي درجاته النظريّة، وعندي أنَّ درجات النظر للإنسان هي الـ 150، إلَّا إذا ثبت الخلاف؛ لأنَّ هذا ممّا أجريت عليه عدّة من العمليّات الرياضيّة لاستنتاجه.
ومهما كان عدد درجات النظر، فإنَّ الدرجات العرضيّة( ) تتبع عددها تماماً، فلا فائدة من الخلاف مطلقاً، إلَّا من حيث المثال.
الفصل الثالث
جهة النظر
جهة النظر: هي مقدار الدرجات التي يستطيع الناظر النظر من خلالها في الالتفاتة الواحدة.
وهذه هي الدرجات التي شرحناها في الفصل السابق، وقلنا: إنَّ للإنسان حصّة 150 درجة منها. ولكنّني لا أقصد أنَّ هذه الدرجات هي جهة النظر، ولكنّها تسمّى درجات النظر – كما سبق- ولكنّني أقصد أنَّ جهة النظر هو هذا المجموع من الدرجات الذي ينظر من خلاله الناظر في جهة معيّنة، والتعريف أيضاً يتحمّل هذا المعنى، فإنَّني قلت فيه: (مقدار الدرجات …إلخ).
ثُمَّ لاحظ القيد الأخير في التعريف، وهو: (في الالتفاتة الواحدة) فإنَّ جهة النظر تتعدّد بتعدّد الالتفات إلى أيِّ جهةٍ من الجهات.
وما تجدر ملاحظته أنَّ فرض الالتفاتة الواحدة يجب أن يكون عقليّاً دقيّاً لا عرفيّاً مجازيّاً، فهذا الأخير مرفوضٌ تماماً.
الفصل الرابع
نقطة جهة النظر
وقد تسمّى: نقطة النظر فقط، وهي النقطة المقابلة للالتفات تماماً، وتقع في وسط جهة النظر تماماً أيضاً.
لاحظ قولنا – النقطة- أي: إنَّها جزءٌ عقليّ أقلّ من الدرجة بكثير. ولا يجوز أن تتعدّد هذه النقطة في الالتفات الواحد، وتتعدّد بتعدّده.
الفصل الخامس
الحاجب
الحاجب: هو الجسم الذي يصغر في البعد ويكبر في القرب، ويتحمّل في الحالين درجات عرضيّة ونظريّة معيّنة.
ويسمّى حاجباً؛ لأنَّه يحجب ما وراءه عن الناظر، ويحجب من أُفقه( ) من الدرجات ما يساوي موقعه من الناظر.
ويجب فرض الحاجب مسطّحاً دائماً، أي: ولو كان بحسب الواقع مكعّباً أو كرويّاً، أو بأيّ شكلٍ من الأشكال. وتعتبر – في هذه النظريّة- سعته بقدر غاية ما يخفي خلفه؛ إذ لا فائدة من كونه مكعّباً أو كرويّاً في موضوع هذه النظريّة. والحاجب لا يجب أن يكون في وسط أُفقه، بل يجوز أن يكون بطرفه، وذلك إذا كانت نقطة جهة النظر منحرفة عنه، وهذا الشرط لابدَّ من فرضه، وإلَّا لزم القول بأنَّ الحاجب المنحرف عن وسط أُفقه لا يصغر بالبعد، وهو باطل ضرورة، حسب التجربة القطعيّة الخارجيّة.
الفصل السادس
أُفق الحاجب
أُفق الحاجب: هو ما ساواه في البعد عن الناظر بالمسافة في ضمن درجات النظر.
لاحظ لفظ (ما) في التعريف، ما هو مدلولها؟
إنَّنا نقصد منها كلّ الأشياء التي تبتعد عن الناظر بقدر ابتعاد الحاجب عنه، وإن لم توجد أشياء أو أجسام، فالفضاء المساوي له يكون أُفقه حينئذٍ.
وقد يطلق لفظ الأُفق وحده على هذا الاصطلاح بدون التقيّد بلفظ الحاجب.
ثُمَّ إنَّ حصْرنا سعة الأُفق بدرجات النظر الـ 150 للإنسان – مثلاً- لأنَّ ما خرج عن هذه الدرجات لا تترتّب عليه هذه النظريّة بأيّ حالٍ من الأحوال؛ وذلك لعدم تمكّن الناظر من النظر من خلال أكثر من درجاته النظريّة.
ثُمَّ إنَّ الأُفق لا يلزم أن يفرض ممتدّاً بموازاة الأرض، بل أنَّ الأُفق يجوز أن يُفرض في أيّ جهةٍ من الجهات إلى الأعلى أو إلى الأسفل أو غير ذلك.
ثُمَّ إنَّ الأُفق ينقسم إلى واسع، وهو الذي يتكوّن نتيجة ابتعاد الحاجب عن الناظر، وصغير وهو الذي يتكوّن نتيجة اقتراب الحاجب من الناظر( ).
وينقسم أيضاً إلى مخروم، وهو المصدود بشيءٍ يخفي عن الناظر مجرى الأُفق، بمعنى: أنَّ الناظر لا يرى ما بعد هذا الشيء ممّا يساوي بعد الحاجب عنه بضمن 150 درجة، وإلى كامل وهو خلافه.
وينقسم أيضاً إلى مجموعي، وهو الأُفق الذي يتميّز به الحاجب بمجموعه عن باقي الحواجب الأقرب منه أو الأبعد كلّ بمجموعه، وإلى ذاتي، وهو الأُفق الذي يتميّز به أجزاء نفس الحاجب صغراً وكبراً عن بعضها البعض( ).
وعلى هذا ينقسم الأُفق إلى ثمانية أقسام، وذلك بضرب التقسيمين الأوّلين في الثانيين، ثُمَّ تضرب في الأخيرين، فيحصل ثمانية أقسام، نذكرها بالترتيب:
1. أُفق كامل واسع مجموعي.
2. أُفق كامل واسع ذاتي.
3. أُفق كامل صغير مجموعي.
4. أُفق كامل صغير ذاتي.
5. أُفق مخروم واسع مجموعي.
6. أُفق مخروم واسع ذاتي.
7. أُفق مخروم صغير مجموعي.
8. أُفق مخروم صغير ذاتي.
وكلّها أقسام ممكنة وواقعة فعلاً، كما نراها بالوجدان والتجربة. هذا بالإضافة إلى تقسيم الأُفق إلى طولي وعرضي( )، فيحصل عندنا 16 قسماً.
تتمة:1
في توضيح الأُفق المجموعي والذاتي وبعض الأشياء الأُخرى
إنَّ الحاجب إذا فُرض له أُفق مجموعي فلابدَّ أن يكون هذا الأُفق واحداً يتبعه صغراً وكبراً، وبه يتميّز عن غيره من الحواجب من صغرٍ وكبر، وإذا فُرض له أُفق ذاتي فلابدَّ أن يكون متعدّداً بتعدّد الوحدة القياسيّة المأخوذة فيه، ويكون لكلِّ منها أُفق خاصّ يتميّز به صغراً وكبراً عن صغر وكبر الأجزاء التي تقدّمته أو تأخّرت عنه من نفس الحاجب.
هذا مثال يوضّح لك كيف يكون مرّةً للحاجب أُفق واحد يسمّى بالمجموعي، ومرةً آفاق متعدّدة ذاتيّة.
أقول: اعتبر بالماء الذي وضع في إنائين فوق نارين، أمّا أحدهما ففي حرارة تعادل 50 درجة حراريّة فقط، والثاني فوق حرارة تعادل 150 درجة حراريّة، فهذا الاختلاف بينهما مجموعي – على حسب اصطلاحنا السابق- ولكن كلّ منهما أجزاؤه السفلى المقاربة للنار تكون أكثر حرارة من الأجزاء العليا البعيدة نسبيّاً عنها، فهذا الاختلاف بينها – بين الأجزاء – ذاتي على حسب الاصطلاح.
ثُمَّ إنَّ التقسيمين الأوّلين للأُفق متنافيان تمام التنافي
– بمعنى: أنَّنا لا نستطيع أن نفرض للحاجب أُفقاً صغيراً وواسعاً، أو كاملاً ومخروماً في آنٍ واحد- ولكن التقسيم الأخير لا يتنافى طرفاه تماماً، بل أنَّ بينهما تنافياً جزئيّاً فقط، وذلك أنَّه يجوز أن يفرضا في آنٍ واحد، بمعنى: أنَّه يجوز أن يُفرض للحاجب أُفق مجموعي وآفاق ذاتيّة في نفس الوقت. ولا أقصد أنَّ الأُفق يسمّى مجموعيّاً وذاتيّاً في آنٍ واحد، فهذا ممّا لا يجوز قطعاً، وهو وجه أنَّ التنافي بينهما جزئي فقط.
وعطفاً على أوّل ما ذكرنا بالتتمّة، من أنَّ الحاجب يتميّز بأُفقه المجموعي عن غيره من الحواجب، وبآفاقه الذاتيّة تتميّز بعض أجزائه عن بعض.
وذلك بأن يقال: إنَّ الشيء الفلاني أصغر من الشيء الفلاني؛ نتيجة الابتعاد عنه، وإنَّما يتمّ هذا بنسبة كلّ منهما إلى الآخر بأُفقهما المجموعي.
وتقول: إنَّي أرى آخر الحبل أدقّ من أوّله- بأن كان ممتدّاً أمام عينيك من طرف رأسه- فهذا الصغر إنَّما يتمّ بنسبة أجزائه بعضها إلى بعض بآفاقها الذاتيّة.
ثُمَّ إنَّ الحاجب حين يتميّز عن غيره بأُفقه المجموعي، ويكون ذلك الغير مساوياً له في البُعد عن الناظر، فإنَّه يمكن أن يُنسب إلى غيره، رُغم أنَّه مساوٍ له، غاية الأمر أنَّ كلاً منهما يقع في طريق أُفق الآخر ولا بأس به.
تتمّة:2
في أنَّه هل ينقسم الأُفق المخروم إلى 150 درجة، أم يقسّم إلى مقدار ما بقي منه من الدرجات؟
الظاهر، بل المتيقّن الثاني، وإلَّا لكانت نسبة الحاجب إلى الأُفق مخروماً، كنسبته إليه كاملاً، وهذا باطلٌ كما سيأتي في محلّه( ).
ووجه آخر لبطلانه، وهو: أنَّ الدرجات لا يمكن أن تصغر البتّة؛ لأنَّ الدائرة من حيث هي مقسّمة إلى 360 درجة لا يمكن أن تقسّم إلى غير هذا التقسيم إلَّا باعتبارٍ آخر، وإلَّا لضاقت عمّا هي عليه، وهو باطل عقلاً ضرورة.
الفصل السابع
الدرجات العرضيّة
ما دمنا في سياق شرح موضوع الدرجات العرضيّة، لابدَّ لنا من أن نطلعك على بعض مضمون هذه النظريّة قبل موعده في الباب الثاني إن شاء الله، وهو من البداهة بمكان فرضاً عن كونه فعليّاً وعمليّاً.
والدرجات العرضيّة: هي هذه الدرجات التي تتكّون من نسبة الحاجب إلى أُفقه بسبب درجات النظر.
اعلم، أنَّ الحاجب إذا اقترب من الناظر بحيث لا يكون له أيّ أُفقٍ بالنسبة إلى الناظر، فهذه درجة تكون ابتداء الدرجات العرضيّة.
ثُمَّ إنَّه قد يبتعد ويظهر حوله أُفق يقدّر – على ما قلنا في الفصل الثاني، [من] أنَّ الإنسان ينظر من خلال 150 درجة- بدرجة نظريّة واحدة، فيكون الحاجب من أُفقه، فتتكوّن درجة عرضيّة واحدة، ثُمَّ يبتعد إلى أن يظهر من الأُفق حول الحاجب درجتان من درجات النظر، فيكون الحاجب بالنسبة لأُفقه ، فهذه درجة عرضيّة ثانية، وهكذا إلى أن تبلغ نسبته إلى . ثُمَّ إنَّه قد يبلغ وهو درجة الاختفاء واضمحلال الحاجب أمام الناظر.
وهذا الترتيب في الدرجات العرضيّة يأتي من الدرجات النظريّة -كما أشرنا إليه في التعريف بقولنا (بسبب درجات النظر)- فإنَّ الحاجب إن كان قريباً من الناظر بحيث لا يظهر حوله أُفق مطلقاً، فقد ملأَ أمام الناظر جميع ما ينظر إليه لو لم يكن الحاجب موجوداً، أي: أنَّه ملأَ مقدار ما ينظر من خلاله من الدرجات النظريّة: وهي عند الإنسان 150 درجة، وتختلف عند غيره، كما سنشير إلى توضيحه بعد قليل.
ثُمَّ إنَّه إذا ابتعد الحاجب عن الناظر، بحيث ظهرت أمامه من الأُفق درجة واحدة نظريّة، فإنَّ الحاجب حينئذٍ يكون مالئاً لـ 149 درجة نظريّة، أي: من أُفقه، وإذا ظهرت – بعد الابتعاد قليلاً أمام الناظر- درجتان نظريّتان من الأُفق فحينئذٍ يكون الحاجب مالئاً لـ 148 درجة نظريّة، أي: من مجموع أُفقه وهكذا.
ثُمَّ إنَّه قد يصبح الحاجب أمام الناظر يحتوي على 25 درجة أو 10 أو 3 درجات من درجات النظر، فإنَّه حينئذٍ يكون مالئاً لـ أو أو من أُفقه، وكلّها درجات عرضيّة. ودرجة الاختفاء هي وبها تنتهي الدرجات العرضيّة. أرجو أن لا يخفى عليك أنَّ الأُفق يمتدّ بقدر امتداد درجات النظر تماماً، وقد أشرنا في تعريفه إلى ذلك بقولنان (في ضمن درجات النظر).
ثُمَّ إنَّه ممّا يحسن العلم به، أنَّه مهما فرض أنَّ الكائن الذي ينظر من خلال أيّ مقدارٍ من درجات النظر، فإنَّ الدرجات العرضيّة تابعة لها [و] سائرة في ركابها عدداً وترتّباً.
وهاك مثالاً على حيوان ينظر من خلال 50 درجة نظريّة:
إنَّ الحاجب إذا كان قريباً من الناظر، بحيث لا يظهر من أُفقه شيء، فقد ملأَ جميع ما يستطيع الناظر النظر من خلاله، وهو في المقام 50 درجة نظريّة، ثُمَّ إنَّه قد يبتعد ويظهر أمام الناظر حول الحاجب من الأُفق درجة نظريّة واحدة، فيكون الحاجب حينئذٍ مالئاً لـ 49 درجة نظريّة، أي: من أُفقه، فتتكّون درجة عرضيّة واحدة، ثُمَّ يبتعد فيظهر حول الحاجب درجتان نظريّتان فيملأ الحاجب حينئذٍ 48 درجة، أي: من أُفقه، فتتكوّن درجتان عرضيّتان لهذا الناظر، وهكذا إلى أن يصبح و مثلاً. ثُمَّ وهو درجة الاختفاء، وبه تنتهي الدرجات العرضيّة.
وبهذا قد رأيت أنَّ الدرجات العرضيّة تتبع الدرجات النظريّة بالعدد تماماً، ففي الوقت الذي فرضناها 150 درجة كانت 150، وعندما فرضناها 50 أصبحت 50، وكذلك أيّ عدد تفرضه.
ثُمَّ إنَّه قد مضى منّا في شرح درجات النظر – الفصل الثاني- أنَّها ضيّقة حول الناظر، وأنَّها تبدأ تتّسع باستمرار إلى أن ينتهي فرضنا لها، وذلك في محلِّ وجود الحاجب.
ويترتّب على هذا: أنَّ الدرجات العرضيّة تكون ضيّقة أيضاً أمام الناظر، ثُمَّ تتّسع نسبتها شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي فرضنا لها، وذلك في محلِّ وجود الحاجب.
وتوضيح ذلك: أنَّنا حين نقول: إنَّ الحاجب يبتعد عن الناظر فيظهر حول الحاجب من الأُفق درجة واحدة لابدَّ وأن تكون هذه الدرجة من الدرجات النظريّة الضيّقة؛ لأنَّها من الدرجات القريبة من الإنسان.
ثُمَّ إنَّنا إذا قلنا: إنَّ الحاجب يبتعد، وبهذا الابتعاد تظهر 110 درجات نظريّة تكون أُفقاً للحاجب، وبه تكون نسبة الحاجب إلى أُفقه ، فإذا ابتعد الحاجب، أي: ظهر أمام الناظر درجة مثلاً، فإنَّ هذه الدرجة التي اتّسع الأُفق بها بعيدة عن الناظر وهي واسعة، ويحتاج الحاجب إلى الابتعاد عن الناظر بكثرة حتّى يستوفيها، وبذلك تكون الدرجة العرضيّة في الأواخر أكبر منها في الأوائل.
ملحوظة
قد ترى أنَّ التعاريف التي ذكرتها للاصطلاحات أكثرها تعاريف محض لفظيّة، وذلك:
أوّلاً: أنَّ هذه الاصطلاحات لا تتحمّل الجنس والفصل.
وثانياً: أنَّ المقصود منها تعريفها اللفظي وتوضيحها لدى القارئ الكريم، تعريفاً لفظيّاً دون التعريف العقلي، وتعريفها بالعرضيّات دون الذاتيّات.
وثالثاً: أنَّ هذه التعاريف لا تجتمع تحت جنسٍ واحد لأميّزها عن بعضها بالفصل.
وعلى كلِّ حال، فهذه الاصطلاحات واضحة وبديهيّة. وإنَّما الذي ذكرته لجلاء الفكر وتوضيح المعنى، معتمداً على القليل من التفكير الذي تستعمله في قراءتك لهذه النظريّة، ومن التمعّن والتعمّق في مطالعتك إيّاها.
ومن الله التوفيق والسداد، وعليه التوكّل في الشدّة والرخاء.
(انتهى الباب الأوّل)
الباب الثاني
في نسبة الحاجب إلى أُفقه وهي خلاصة النظريّة
تمهيد
هاك أوّلاً قاعدة بديهيّة جليّة واضحة، وهي من أوضح المسائل الرياضيّة وأجلاها، ولا يحتاج إلى الحكم ببداهتها إلى أدنى تفكير.
وهي صغر المنسوب عند كبر المنسوب إليه. ومن ذلك نسبة الاثنين – مثلاً- إلى الواحد، ونسبتها إلى مثلها، ونسبتها إلى الأربعة، أو إلى الستّة أو إلى الثمانية أو العشرة وهكذا … .
فإنَّ الاثنين بقيت اثنين في كلِّ الحالات، ولكنّها كانت في الحالة الأُولى ثُمَّ في الثانية وفي الثالثة وفي الرابعة وإلى آخره. فمع أنَّ الاثنين لم تتغيّر، ولكنّها صغرت في نظرك هذا الصغر المستمرّ.
وهاك مثالاً بالخطوط:
____ ____ ____
____ ________ ___________
فإنَّ الخطّ الأعلى لم يتغيّر، ولكن الخط الأسفل هو الذي قد تغير، وبه تغيّرت نسبة الأوّل إلى الثاني، فصغر الأعلى في نظرك قهراً، كما صغرت الاثنين في المثال الأوّل.
خلاصة النظرية
قبل الدخول في الشرح، إليك هذا المخطّط الهندسيّ( ):
يذكر مخطّط هندسيّ تبيّن فيه مختلف جهات هذه النظريّة، مثل: الناظر، جهة النظر، نقطة جهة النظر، الحاجب، الأُفق، بعض الدرجات النظريّة والعرضيّة، وغير ذلك من التفاصيل.
وعطفاً على ما قلناه- في كلِّ من الفصل الثاني والسادس من أنَّ درجات النظر وأُفق الحاجب لا يجب أن يفرض ممتدّاً بموازاة الأرض- لابدَّ أن نشير إلى أنَّ ترتّب الدرجات النظريّة والعرضيّة، والأُفق والحاجب وجهة النظر ونقطتها، كلّها يجوز أن تكون إلى أيّ جهةٍ من الجهات كذلك، تبعاً لمكان وجود الحاجب، سواء كان إلى الأعلى أم الأسفل أم إلى الشمال أم الجنوب أم إلى الإمام، لا الخلف وما بمعناه من الأماكن التي لا يراها الناظر في الالتفاتة الواحدة، فإنَّها غير داخلةٍ في هذه النظريّة كما سبق، وهذا كلّه واضح بديهيّ.
ثُمَّ إنَّه قد مضى منها في شرح الدرجات العرضيّة – الفصل السابع- بعض الكلام حول نسبة الحاجب إلى أُفقه، وحول منشأ الدرجات العرضيّة من التقدّم والتأخّر الذي يطرأ على الحاجب، وذلك كلّه وارد في محلّه. وعليك الآن فهم خلاصة النظريّة:
اعلم أنَّ الحاجب قد يحجب كلّ ما هو أمام الناظر من المنظورات، فيكون في هذه الحالة في غاية القرب( )، وغاية كبره بعين الناظر.
ثُمَّ إنَّه تظهر – مع فرض ابتعاده- درجة واحدة، أو حسب الفرض من الدرجات النظريّة، فينسب الناظر الحاجب إلى أُفقه، فيكون عند الإنسان منه، فيكون الحاجب والحال هذه في غاية القرب إلَّا درجة واحدة، وبهذا يصغر قليلاً.
ثُمَّ إنَّه قد تظهر حوله درجتان أو ثلاث أو أربع أو عشر وهكذا … . وفي جميع الحالات هو ينسب إلى أُفقه فيصغر بهذه النسبة حسب نسبته، إلى أن يصل إلى فيكون الحاجب نصف أُفقه، أي: أنَّ المسافة التي يستوعبها الأُفق والحاجب متساوية.
ثُمَّ يبتعد أكثر ويظهر حول الحاجب درجات نظريّة أكثر، وبه يزيد صغره في عين الناظر إلى أن يأتي زمان يكون فيه الحاجب قد وصل إلى درجة. ومعنى ذلك أنَّه لم يبقَ إلَّا درجة واحدة يرى الناظر من خلالها الحاجب، ومعناه: أنَّه وصل موصلاً يقارب آخر درجة في الصغر.
ثُمَّ إنَّه يبتعد ويفرق في الابتعاد إلى أن يختفي فتصبح النسبة ، فلا يملأ الحاجب شيئاً من أُفقه ولا يستوعب شيئاً من الدرجات النظريّة، ولا يحتوي على أيّ درجةٍ عرضيّة، ودرجة:
هو درجة الاختفاء، وبها تنتهي الدرجات العرضيّة كما سبق.
وتحصّل من الكلام السابق: أنَّ الحاجب إنَّما يصغر بنسبته إلى أُفقه الذي يكبر ويطول باستمرار بعد الحاجب عن الناظر؛ وذلك لأنَّ الدرجات النظريّة – كما مضى- ضيّقة حول الناظر مباشرةً وتتّسع شيئاً فشيئاً، وعلى هذا يتّسع الأُفق شيئاً فشيئاً، وعليه فإنَّ نسبة الحاجب إلى أُفقه تقلّ شيئاً فشيئاً، وبهذا يصغر تدريجاً شيئاً فشيئاً.
فتحصّل من كلِّ ذلك: أنَّ صغر الحاجب ليس صغراً حقيقيّاً بل نسبيّ، وليس من باب اختفاء بعض أجزائه عن الناظر – كما زعموا – وشاهدنا أنَّه إذا وجد ناظران أو أكثر فإنَّهما يريان الحاجب بحجمين مختلفين، كلّ بنسبة الحاجب إلى أُفقه الخاصّ.
ثُمَّ إنَّه لابدَّ لنا من أن نشير – إن لم يكن قد اتّضح ذلك- إلى مناسبة المطالب التي ذكرتها بالتمهيد لهذا الباب بينها وبين النظريّة، وهذا سهل واضح؛ إذ أنَّ الاثنين في المثال الذي ذكرته هناك لم تصغر، ولكن نسبتها إلى العدد الذي هو أكبر منها هي التي صغرت، فبانت الاثنان أصغر (حجماً) من ذي قبل.
والخطوط التي ذكرتها هناك أيضاً من هذا الباب. وهذا كلّه لتمهيد الدليل على نظريّتنا التي شُرحت على مسامعك قبل قليل. أمّا وجه الاستدلال: فإنَّك لابدَّ أن تفرض الحاجب في محلِّ الاثنين، والأُفق في محلِّ الأعداد الأُخرى التي نسبت الاثنين إليها. فإنَّ الحاجب لا يصغر – كما لم تصغر الاثنان- ولكن طرأ عليه صغر نسبي – كما طرأ على الاثنين- بعد أن طال أُفقه بالابتعاد عن الناظر – كما كبرت الأعداد التي تنسب الاثنان إليها- وتطبيق هذا كلّه على الخطوط منوط إليك.
ملحوظة
قد مضت- في ضمن الشرح الأخير للنظريّة- عبارةٌ لابدَّ لي من شرحها؛ لئلا تثير إشكالاً عليّ بشكلٍ من الأشكال.
وذلك إذا وصل الحاجب إلى عند الإنسان، فإنَّني قلت في ذاك السياق، ومعناه: أنَّه وصل موصلاً يقارب آخر درجة في الصغر.
والإشكال: هو أنَّ هذا البعد في الحاجب هو آخر درجة نظريّة وعرضيّة، فلماذا قلت يقارب، وقد وصل هذا الموصل فعلاً؟
والجواب: إنَّ هذا البعد في الحاجب هو آخر درجة اصطلاحاً؛ لأنَّه لم يبقَ سوى درجة واحدة في البعد ويختفي بعدها عن الناظر، وهذا بخلاف الاصطلاح اللغوي الذي يقتضي بتسمية الحاجب أنَّه في آخر درجة في الصغر – من بعده- حين يكون بحالة من الصغر بحيث يختفي في الآن الثاني فقط، أي: بالابتعاد ولو قدر قيد أنملة. وهذا ليس من الاصطلاح في هذه النظريّة إن كان في آخر درجة اصطلاحاً، فإنَّه يحتاج إلى الاختفاء للابتعاد إلى مسافة كبيرة. وإنَّني قصدت في كلامي الاصطلاحي اللغوي والتسمية العرفيّة لا الاصطلاح العلمي الدقيق.
وعلى هذا يصحّ لفظ (يقارب) على هذا الأساس؛ لأنَّ الحاجب إن كان في آخر درجة اصطلاحاً، فإنَّه قد قارب التسمية العرفيّة ولم يبلغها.
تنبيه
ذكرت في التمثيل على نسبة الحاجب إلى أُفقه نسبة النظر عند الإنسان الذي درجاته 150 درجة نظريّة وعرضيّة، ولم أذكر غيرها وذلك:
أوّلاً: أنَّ هذا على سبيل المثال، وتطبيقه على غيره الذي ينظر خلال درجات نظريّة تختلف عنه سهل يسير( ).
وثانياً: لأنَّ الإنسان هو محلّ الأهميّة، وإنَّما تناولت نظر غيره بالبحث لجعل النظريّة عامّة شاملة وغير ضيّقة ومحدودة؛ إذ هي تعمّ الإنسان وغيره من أيِّ مقدارٍ من الدرجات العرضيّة والنظريّة، وتشمل جميع أشكال الحواجب والآفاق وغير ذلك.
فأعرها شيئاً من تأمّلك، ولك الشكر سلفاً.
والحمد لله ربِّ العالمين.
(انتهى الباب الثاني)
الباب الثالث
في الملحقات والفروع على هذه النظريّة
تمهيد
فتحت هذا الباب الثالث تفريعاً على البابين الأوّلين لذكر ما قد ترد من فروع، وما قد تنشعب من شعب وتشقيقات، وما قد تفرض من مسائل خاصّة، وأنَّه لم يكن المجال مفتوحاً في غضون البابين الأوّلين لذكرها؛ لترتّبها – أو بعضها على الأقلّ- على فهم مجموع النظريّة، ولم يتمّ شرح النظريّة تماماً إلَّا في آخر لحظة من الباب الثاني.
وعليه، فتحنا هذا الباب لذكر هذا النوع من المسائل، ومسائل أُخرى. ولردّ بعض الإشكالات إن وردت، وتسجيل بعض الخواطر المترتّبة على بعض النقاط في غضون شرح النظريّة التي تخطر لي ولم ترد ببالي حينما سجّلت الفصل الذي يجب أن تلتحق به. وإنَّني أذكرها على شكل مسائل أو ملاحظات أو فروع أو غيرها على حسب اختلاف المناسبات والمطالب.
وعلى الله توكّلت وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
1. مسألة: في أيِّ مقدار من الابتعاد يكون الحاجب على حجمه الطبيعي بأعيننا؟
عندنا مرحلتان: مرحلة الواقع ونفس الأمر، ولا إشكال أنَّ الحاجب حينئذٍ لا يصغر ولا يكبر في الخارج لا وهماً ولا حقيقةً، بل لا يصدق عليه الابتعاد والاقتراب إذا لم ينسب لناظرٍ ما، وعلى هذا لا يتصوّر فيه الصغر والكبر بأيِّ حالٍ من الأحوال.
ومرحلة أُخرى هي مرحلة الإثبات ورؤيتنا الشخصيّة، فالحاجب في حالة فرض استمرار ابتعاده لا يستقرّ – وهماً وخيالاً- على حجمٍ معيّن، بل هو في صغر مستمرّ ما دام يبتعد عنّا باستمرار.
فيحدث بين يدينا سؤال مهمّ، وهو في أيّ الحالات يكون الحاجب في حجمه الطبيعي الحقيقي بالنسبة إلينا؟
والظاهر أنَّه باقٍ على حجمه الطبيعي في جميع الأحوال التي يُنسب فيها إلى أُفقه؛ وذلك لأنَّ الصغر وهميٌّ لا حقيقيٌّ، ولأنَّ نسبته إلى أُفقه ثابتةٌ لا يمكن أن تتغيّر، ولا يمكن أن نتصوّر الحاجب وحده مستقلاً عن نسبته إلى أُفقه، أنَّه في حجمه الطبيعي بالنسبة لما ساواه في البعد عن الناظر لا بالنسبة إلى ما هو أقرب منه إلينا، فهو أصغر من هذا الأخير – وهماً وخيالاً- كما سبق، ولا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه عنّا، فإنَّه أكبر منه – وهماً وخيالاً- أيضاً.
وعندنا مرحلة ثالثة، وهي وإن كانت غير داخلة في موضوع النظريّة إلَّا بالتبع، فلا بأس من ذكرها إتماماً للفائدة، وهي: أنَّه إذا كان الإنسان قد رأى الحاجب بأحجام ابتعاديّة( ) مختلفة. فلو فرض أنَّه أراد أن يتصوّره وهو ليس أمامه فبأيّ حجمٍ ابتعاديّ يتصوّره؟
والجواب بسيط حسب ما يظهر ويكون ذا وجهين: فهو إمّا أن نقول أنه بعد أن حكمنا أنَّه باقٍ بحجمه الطبيعي بالنسبة إلينا في جميع مراحل صغره فالناظر يتصوّره على […]( ).
2. مسألة: في الفرق بين الصغر الحقيقي والنسبي
خُذ بالوناً – وهو جسم مطاطي مجوّف سريع الكبر بالنفخ فيه- وانفخ فيه حتّى يمتلئ، ثُمَّ أفرغه من الهواء واملأه مرةً ثانية وأبعده عنك – أو تصوّره بعيداً- بحيث تراه صغيراً بقدر ما هو غير منفوخ.
فالصغر في الحالة الأُولى حقيقيّ وفي الثانية نسبيّ، وهو في الحالة الأُولى صغر بدون حركة ابتعادٍ عنك، وفي الثانية لم يصغر إلَّا بعد فرض ابتعاده. وكذلك هو في الحالة الأُولى قد تغيّر شكله وفي الثانية لم يتغيّر. وإذا سحبت الحاجب إلى حيث ابتعد فلن تراه يصغر في الحالة الثانية، أمّا في الأُولى فإنَّك تراه يصغر وإن لم يبتعد منك.
ونستطيع أن نتصوّر حاجباً يصغر صغراً نسبيّاً وحقيقيّاً في آنٍ واحد بأن كان في حالة ابتعاده يصغر صغراً حقيقيّاً في جرمه، فإنَّنا نراه في هذه الحالة يصغر بأسرع ممّا إذا كان صغره نسبيّاً بالابتعاد فقط، أو حقيقيّاً فقط.
وما ذلك إلَّا لأنَّنا ننسبه في كلِّ حالةٍ من أحوال صغره الحقيقي – مع فرض ابتعاده أيضاً، أي: صغره صغراً نسبيّاً- إلى أُفقه، فتقلّ النسبة بصورةٍ أسرع ممّا إذا كان لم يصغر صغراً حقيقيّاً، ويلزم من ذلك أيضاً اختفاؤه من الناظر بصورةٍ أسرع.
والصغر الحقيقي والنسبي واضحان جليّان لا يحتاجان إلى إسهابٍ في التعريف، ولكن عقدنا هذه المسألة لإلفات النظر والتوضيح المختصر إلى هذه الجهة. والله وليّ التوفيق.
3. توضيح: لفظ المنظور إليه
قد مضى منّا في تمهيد الباب الأوّل القول: بأنَّ هناك عبارات علميّة متعدّدة واصطلاحات تركيبيّة كثيرة يتوضّح معناها في محلّها، وإن كان فهم المقصود منها عسيراً، فإنَّنا سنوضّحه ونجلّيه بعون الله وقوّته.
وهاك لفظاً من الألفاظ الاصطلاحيّة التي لا تستحقّ شرحاً مفصّلاً، فلم أذكرها مع المصطلحات، ولكنّها على كلِّ حالٍ لم تستعمل في هذه النظريّة على نفس مدلولها اللغوي، وهو لفظة (المنظور إليه).
فالمنظور إليه- لغةً- هو كلّ ما أمام الناظر، ويعمّ الحاجب ولا يعمّ ما وراء الحاجب( ).
أمّا في الاصطلاح، فهو لا يعمّ الحاجب، ولكن يعمّ ما وراءه، بمعنى: أنَّنا لا نستطيع أن نقول في ضوء المدلول اللغويّ: إنَّ الحاجب يخفي من المنظور إليه 50 درجة مثلاً؛ لأنَّ ما أخفاه الحاجب ليس من المنظور إليه في ادّعاء هذا المدلول. ولكن بالمدلول الاصطلاحي لهذه النظريّة نستطيع أن نطلق هذه العبارة؛ لأنَّ ما وراء الحاجب داخلٌ ضمن الاصطلاح.
وهذا ما أردت توضيحه فقط.
4. مسألة: فيما إذا كان الأُفق مخروماً، فهل يصغر الحاجب بنسبته إلى هذا الأُفق المخروم أم بنسبته إلى الأُفق التقديري التامّ؟
هذه مسألة مطّاطة الدليل؛ إذ أنَّني أذكر رأياً من الآراء وأقيم الدليل عليه، وتستطيع أنت أن تأخذ بضدّ هذا الرأي وتقيم عليه الدليل.
وما ذلك إلَّا لاختلاف إحساس الأشخاص واختلافهم في فهم الظواهر الخارجيّة وتباينهم في إقامة الأدلّة والبراهين النظريّة.
وعلى كلِّ حال: إنَّ الظاهر من الواقع الخارجي المحسوس من أنَّ الحاجب يصغر بنسبته إلى الأُفق المخروم لا بنسبته إلى الأُفق الكامل التقديري، وذلك موافق للوجدان والإحساس والتجربة؛ وذلك لأنَّنا نجد الحاجب – ونفرضه إنساناً- حينما يكون في غرفة حيث يكون الأُفق مخروماً أكبر جرماً – وهماً وخيالاً- ممّا إذا كان في نفس البعد عنّا – بالمسافة لا بالدرجات- في البريّة، حيث يكون الأُفق تامّاً, وما ذلك إلَّا لأنَّنا نسبناه إلى أُفقه المخروم في الحالة الأُولى وإلى أُفقه الكامل في الحالة الثانية.
وهذا أيضاً موافق للاعتبار العقلي، فلا يصحّ نسبة الحاجب إلى الأُفق التامّ، مع أنَّ الناظر لا يرى من الأُفق إلَّا بعضه، وكيف ينسبه إلى أُفقٍ لا يراه؟
وشاهدٌ آخر على ما قلناه، وهو ما يستعمله ضعيف النظر، بأن يضع يده بشكلٍ اسطواني حول عينيه؛ ليستطيع قراءة كتابة أو التمتع بصورة شخصٍ أو مكان.
وما ذلك إلَّا لأنَّ الأُفق حينئذٍ ينخرم بيده وينسب الحاجب – الكتابة أو الصورة في المقام- إلى الأُفق المخروم، فتبدو أصغر بصورة ملحوظة؛ لأنَّه صغر فجائي.
وأمّا عند استمرار الابتعاد فتدريجي، فلا يلاحظ إلَّا عندما يزيد الفرق بصورةٍ كبيرة.
وهذه الظاهرة لا تختصّ بضعاف النظر، بل تستطيع أنت أن تجرّبها الآن على هذه الكتابة أو في وقتٍ آخر على غيرها. بل أنَّها على الظاهر لا تختصّ بالإنسان، بل تعمّ غيره على الأرجح.
وبقيت مسألة أُخرى، وهي: ترتّب الدرجات العرضيّة إذا لم يكن يرى من الدرجات النظريّة إلَّا بعضها بالنسبة لحاجبٍ معيّن. وهذه مسألة ليس لها ثمرة في صياغة النظريّة، ولكن من ناحية علميّة محضة لا بأس من النظر فيها والتفكير حولها.
الظاهر بل المتيقّن أنَّ الدرجات العرضيّة تترتّب على أساس الدرجات النظريّة الكاملة؛ لأنَّ ترتّبها في الابتداء حينما تكون الدرجات النظريّة ضيّقة، والأُفق صغير وكامل يكون عاديّاً، ثُمَّ لا يتوسع الأُفق، ثُمَّ ينصدّ بحائطٍ أو أيّ شيءٍ آخر، يترتّب على أساس الدرجات النظريّة غير المخرومة؛ لأنَّ الدرجات العرضيّة تنتظم في مرحلة الواقع لا في مرحلة النظر، وهذا خلاف ما ذكرناه أوّلاً من نسبة الحاجب إلى أُفقه المخروم فإنَّه يتبع النظر.
وعلى كلِّ حال، فهذا رأيي، ولكن دليله مطاطي يمكن الاختلاف فيه، وقد اخترت هذا الرأي على أساسٍ من التدقيق العقليّ كما هو واضح.
5. مسألة: في أنَّ القرب والبعد هل هما نسبيّان أم حقيقيّان، وكيف؟
هذه مسألة كثيرة التفاصيل لمَن أراد التعمّق والتدقيق والبحث والتجربة. ولكنّنا ننظرها من المنظار العقلي فقط، أي: من الناحية الفلسفيّة، وإن كانت ناقصة الفائدة كما سيظهر؛ لعسر البحث الخارجي حول هذا الموضوع.
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّنا نذكر – مع جعل درجات نظر الإنسان مثالاً- أنَّ (مدّ البصر) ابتداءً من إلى مقسّم إلى ثلاثة مراحل، مرحلة القرب ومرحلة الوسط ومرحلة البعد، وهذا شيءٌ لا شكَّ فيه، ولكن تعيين أوّل وآخر كلّ من المراحل الثلاث شيءٌ عسير جدّاً، بل لا يمكنني شخصيّاً تعيينها بأيّ حالٍ من الأحوال؛ لعدم توفّر الظروف لذلك.
وعلى كلِّ حالٍ فالمتيقّن هو أنَّ ابتداء مرحلة القرب هو درجة ، وغاية مرحلة البعد هو ، وأنَّ وهو كون الحاجب يملأ نصف أُفقه في مرحلة القرب إن لم يكن آخر هذه المرحلة.
هذه الأرقام الثلاثة هي المتيقّنة، أمّا غيرها فذكرها نوع من الدجل والجزاف؛ لعدم قيام أيّ دليلٍ عليها مهما كان نوعه.
وشيءٌ متيقّن آخر، وهو أنَّه في الواقع لابدَّ وأن تكون هذه المراحل معيّنة، وإن لم تتكشّف لنا لحدِّ الآن، وعليه فنذكر أنَّ كلّ رقم يكون نهاية مرحلة، يكون ابتداء مرحلة جديدة، وأنَّ الحاجب في مرحلة القرب يسمّى قريباً، وفي مرحلة الوسط متوسطاً، وفي مرحلة البعد بعيداً، هذا إذا كان هو وحده، أمّا إذا نسب إلى حاجب آخر فهو إمّا أن يكون متأخّراً عنه أو متقدّماً عليه أو بجانبه في خلال درجة عرضيّة معيّنة. وكلِّ من الحالات الثلاث يفرض في كلِّ من المراحل الثلاث، فهذه تسع حالات تختلف في بعضها بعض الأحكام عليها في القرب والبعد، نذكرها مع العلم إنَّنا نعبّر عن الحاجب [الأوّل] بـ (أ) وعن الحاجب الآخر بـ (ب).
1. في مرحلة القرب و(أ) متقدّم على (ب).
2. في مرحلة القرب و(أ) مساوٍ لـ (ب).
3. في مرحلة القرب و(أ) متأخّر عن (ب).
4. في مرحلة الوسط و(أ) متقدّم على (ب).
5. في مرحلة الوسط و(أ) مساوٍ لـ (ب).
6. في مرحلة الوسط و(أ) متأخّر عن (ب).
7. في مرحلة البعد و(أ) متقدّم على (ب).
8. في مرحلة البعد و(أ) مساوٍ لـ (ب).
9. في مرحلة البعد و(أ) متأخّر عن (ب).
ففي الصورة الأُولى يقال: إنَّ (أ) أقرب من (ب)، ولا يقال: إنَّ (ب) أبعد من (أ)؛ لأنَّ هذه هي مرحلة القرب.
وفي الصورة الثانية يقال: إنَّ (أ) مساوٍ لـ (ب).
وفي الثالثة يقال: (ب) أقرب من (أ)، ولا يقال: إنَّ (أ) أبعد من (ب). هذا كلّه بخلاف مرحلة الوسط، فإنَّ المتقدّم فيها يقال عنه: أنَّه أقرب، والمتأخّر يقال عنه: أنَّه أبعد؛ لأنَّها (منطقة محايدة) بين البعد والقرب.
أمّا في مرحلة البعد، ففي الحالة الأُولى – وهي السابعة في الترتيب السابق- يقال: إنَّ (ب) أبعد من (أ)، ولا يقال: إنَّ (أ) أقرب من (ب)؛ لأنَّ هذه هي مرحلة البعد، ولا يصدق على الشيء بأيّ حالٍ من الأحوال فيما أنَّه أقرب، وكذلك في مرحلة القرب لا يمكن أن يصدق على الشيء أنَّه أبعد، كيف وهي مرحلة القرب.
أمّا في الحالة الأخيرة – التاسعة- فتتبع نفس القاعدة، فإنَّه يقال: إنَّ (أ) أبعد من (ب)، ولا يقال: إنَّ (ب) أقرب من (أ).
هذا هو المدلول العلمي الدقيق للحكم على الحاجب بأنَّه قريب أو بعيد، وهذا يختلف عن المدلول اللغوي الذي يقضي بتسمية كلّ متقدّم أقرب ولو كان في مرحلة البعد، وتسمية كلّ مـتأخّر أبعد وإن كان في مرحلة القرب.
هذا إذا كان الحاجبان في مرحلة واحدة، وإذا كانا في مرحلتين مختلفتين فيطلق عليهما أقرب وأبعد بدون إشكالٍ أو شكٍّ.
6. بيان حول الدرجات النظريّة والعرضيّة للإنسان وغيره
إنَّ الإنسان ينظر من خلال 150 درجة نظريّة، كما مضى القول فيه في الفصل الثاني من الباب الأوّل، حول شرح الدرجات النظريّة.
وعليه فيترتّب على هذا العدد للدرجات النظريّة وجود نفس العدد من الدرجات العرضيّة، كما مضى شرحها. ولكن هذا في الإنسان فقط، فهو الذي يستطيع النظر إلى كلِّ هذا المقدار من الدرجات، أمّا أكثر الحيوانات فليست كذلك، بل أنَّ جهة نظرهم أقلّ بكثير أو قليل من الإنسان، وهذا شيءٌ بديهيّ واقعي، ويترتّب عليه وجود درجات عرضيّة بعدده أيضاً، مهما فرض هذا العدد.
وشيءٌ آخر هو بيديه ومعلوم، وهو: أنَّه كلّما ضاق النظر عرضاً، قصر طولاً، وهذا شيءٌ يعرفه كلّ إنسانٍ، بل يمكن استنتاجه من نفس عدد درجات النظر. فإذا كانت 150 كانت 150، وإذا كانت غير ذلك مثل 50 مثلاً كانت مثلها 50 أيضاً، فيلزم منه أن يكون نظر الحيوان أقصر من نظر الإنسان طولاً وعرضاً، وهو الواقع فعلاً والمحسوس بلا شكّ.
هذا ما أردنا بيانه من الدرجات العرضيّة والنظريّة. ولكن بقي إشكال قد يرد على مسألة أنَّ نظر الحيوان أضيق من نظر الإنسان، وهو إشكالٌ مهم ويأتي على هذه الصورة.
فالحاجب إن احتوى 40 درجة – مثلاً- فهو بالنسبة إلى أُفق الإنسان ، ومعناه: أنَّ الإنسان يراه صغيراً، ولكنّه بالنسبة إلى الحيوان لا ينظر إلَّا من خلال 50 درجة، هو: ، ومعناه: أنَّه يراه كبيراً، ويترتّب عليه أنَّ الحاجب يحتاج إلى الابتعاد عن الحيوان أكثر من الإنسان لتختفي عنه، ومعناه: أنَّ نظر الحيوان أطول من نظر الإنسان مع كونه أضيق.
ونحن إذا اعتبرنا هذا الإشكال حقيقة واقعة، أي: أنَّه وارد وفي محلّه، فيجب علينا الاعتراف بأحد الأُمور الآتية، ولا مناص منها، وكلّها باطلة بالبديهة، وهي:
1. أن نقول: بأنَّ نظر الحيوان أطول من نظر الإنسان، وهو باطل على ما ذكرناه قبل قليل، من أنَّ الضرورة تقضي بعدمه.
2. أنَّ الحيوان ينظر بدرجات، هي بقدر درجات نظر الإنسان، ولا يوجد حيوان ينظر من خلال درجاتٍ أقلّ من الإنسان، وهو باطل بالضرورة.
3. أنَّ الحيوان وإن كان ينظر الى 50 درجة فقط، ولكنّه ينسب الحاجب إلى 150 درجة، كالإنسان، وهذا منقوض بأنَّه لا يجوز نسبة الحاجب إلى أُفقٍ لا يراه الناظر.
4. أنَّ نسبة للحيوان بنفس نسبة للإنسان، وهذا باطل بالضرورة الرياضيّة، وكيف يكون ذلك مع أنَّ الفرق بينهما 100 درجة.
5. أن نقول: إنَّ المسافة في الابتعاد بين درجةٍ وأُخرى تختلف عند الحيوان ممّا هي عند الإنسان، ويلزم منه أن تكون الدرجات غير متساوية، واسعة عند الحيوان وضيّقة عند الإنسان، وهو باطل عقلاً ضرورة؛ لأنَّ الدائرة من حيث هي مقسّمة إلى 360 درجة لا يصح أن تقسّم إلى غير هذه الدرجات، إلَّا باعتبار آخر( ).
6. أو أن نقول: إنَّ الحاجب يختفي عن الحيوان وهو كبير، وهذا خطأ أيضاً. وأحد هذه الادعاءات إن صحّت، فتحلّ هذه المشكلة، ولكنّها خطأ. إذن، المشكلة لا تزال موجودة، ولابدَّ لها من حلٍّ صحيح.
والحلّ هو كما يلي:
إنَّه لا فرق بين الإنسان الذي لم يبقَ من نظره إلى الحاجب سوى 50 درجة قد استوعبها الحاجب، وبين حيوان ينظر من خلال 50 درجة فقط، وقد استوعب الحاجب كلّ هذه الـ 50 درجة، وبهذا استوعب جميع نظره.
أمّا وجه كونه لا فرق بينهما؛ فلأنَّ الحاجب يحتوي على 50 درجة في كلتا الحالتين وتجري عليه نفس الأحكام، وتترتّب عليه الدرجات النظريّة والعرضيّة بعدد واحد، سواء كان الناظر يرى حوله شيئاً، كما عند الإنسان، أو لا يرى حوله شيئاً، كما هي الحالة عند الحيوان. وعند طرح الزائد الذي يحتوي عليه نظر الإنسان من درجات عرضيّة ونظريّة يبقى نظر الحيوان أقلّ طولاً وعرضاً من نظر الإنسان وهو المطلوب؛ وذلك لأنَّ طرح الزائد من الدرجات النظريّة يستلزم ضيق النظر وقصر الأُفق، كما أنَّ طرح الدرجات العرضيّة يستلزم قلّة المسافة بين الناظر والحاجب.
هذا بالإضافة إلى أنَّ درجات النظر الـ 50 لدى الحيوان ضيّقة حوله، فتكون الدرجات العرضيّة الـ 50 ضيّقة أيضاً، بخلاف الإنسان الذي لم يبقَ من اختفاء الحاجب أمامه غير 50 درجة؛ لأنَّ 100 درجة ابتعد بها الحاجب تكفي لأن توسّع الدرجات النظريّة والعرضيّة بصورةٍ كبيرة.
7. تنبيه
قد يرد في كلامي هذا القيد: (بالمسافة لا بالدرجات)، وهو وارد في محلّه فلا نحتاج إلى تفسيره. ولكنّني أحبّ أن أُلمّح إلى أنَّ المسافة- أقصد بها الجهة الماديّة من قياس المسافة- بأيّ وحدةٍ قياسيّة أُخذت، أمّا الدرجات فالمقصود بها في المقام (الدرجات العرضيّة)، وهي ليست من ذلك الباب، بل هي غير ماديّة. وعلاوة على ذلك أنَّها لا تقاس بأيّ وحدةٍ قياسيّة، وأنَّها قد تختلف المسافة بين درجة ودرجة في ابتدائها فيما حول الناظر وانتهائها، وذلك في البعد عنه.
8. بيان في الأُفق الطولي والعرضي
إنَّ الحاجب لابدَّ وأن يكون جسماً – كما نصَّ عليه تعريفه- فلابدَّ أن يكون له طول وعرض وعمق، ويترتّب على هذا أنَّ له ستّ جهات – مهما كان شكله- جهة مواجهة للناظر ونعبر عنها بـ (أ)، وجهة ضدّها ونعبّر عنها بـ(ب)، وجهة إلى يمين الناظر نعبّر عنها بـ (ج)، وجهة إلى يساره ونعبّر عنها بـ(د)، وجهة إلى الأعلى ونعبّر عنها بـ (هـ)، وجهة إلى الأسفل ونعبّر عنها بـ (و).
وأوضح مصداق لهذا الترتيب هو المكعّب، وما يشابهه كمتوازي المستطيلات.
وعلى هذا الترتيب، فالأقسام العقليّة للأُفق الذي يكون للحاجب ثلاثة:
1. أُفق يكون جزؤه جهة (أ)، أي: فيما بين الحاجب والناظر، وجزؤه الآخر جهة (ب)، أي: فيما وراء الحاجب.
2. أُفق يكون جزؤه جهة (ج)، أي: إلى يمين الناظر، وجزؤه الآخر جهة (د)، أي: إلى يساره.
3. أُفق يكون جزؤه جهة (هـ)، أي: إلى الأعلى، وجزؤه جهة (و)، أي: إلى الأسفل.
أمّا ما هو موقع هذه الأقسام الثلاثة العقليّة من الإمكان والوجود؟!
أمّا القسم الأوّل: فهو مستحيلٌ عقلاً بالنسبة إلى الناظر؛ لأنَّه لا ينظر إلى (ب) حسب الفرض، وأنَّ مثل هذا الأُفق لا ينطبق عليه تعريف الأُفق، وهو الذي ينصّ على: (ما ساواه في البعد عن الناظر… الخ) ( )، والمفروض أنَّ هذا الأُفق هو بين (أ) وبين الناظر، فلا يكون أُفقاً.
وأمّا القسمان الثاني والثالث فممكنان وواقعيّان تماماً، فالقسم الثاني هو الأُفق العرضي، والقسم الثالث هو الأُفق الطولي؛ وذلك لأنَّ الثاني يمتدّ عرضاً من اليمين إلى الشمال، والثالث يمتدّ طولاً من الأعلى إلى الأسفل.
ثُمَّ اعلم أنَّ الناظر ينسب ما بين اليمين واليسار من الحاجب إلى الأُفق العرضي، وما بين الأعلى والأسفل ينسبه إلى الأُفق الطولي.
هذا، وقد بقيت مسألتان جديرتان بالبحث، وهما:
1. هل أنَّ هذه الآفاق مجموعيّة أو ذاتيّة؟
2. ما حكم الحاجب في الصغر والكبر إذا انخرم أحدهما ولم ينخرم الآخر؟
أمّا المسالة الأُولى: فالأمر فيها سهل؛ لأنَّها لا تدخل في الصميم.
ورأيي: أنَّ الحاجب إذا لوحظ وله يمين ويسار فقط، أو أعلى أو أسفل فقط، فالأُفق حينئذٍ يكون مجموعيّاً، وإذا لوحظ بالاعتبارين – كما هو في الخارج والواقع- فإنَّ الحاجب يحتوي في الواقع على كلا الأُفقين في وقتٍ واحد فهو محلّ الخلاف؛ لأنَّ دليلها مطاطي.
ويمكن أن يقال: إنَّهما ذاتيّان؛ لأنَّ كلاً من الجهة العليا والسفلى من الجهة اليمنى واليسرى أجزاء للحاجب، وعليه فينطبق تعريف الأُفق الذاتي عليه.
وقد يقال: إنَّهما مجموعيّان؛ لأنَّ كلاً منهما منقسم إلى آفاق ذاتيّة.
والجواب: إنَّ هذا لا ينافي كونهما ذاتيّين، فقد ينقسم الأُفق الذاتي إلى آفاق ذاتيّة كثيرة، ولا يضرّ ذلك بذاتيّته.
والأرجح أنَّهما بالنسبة إلى المجموع- بما هو مجموع- ذاتيّان وإلى أجزائهما الذاتيّة مجموعيّان.
وأمّا بخصوص المسألة الثانية:
فالقاعدة فيه هي: أن ينسب ذو الأُفق المخروم إلى الأُفق المخروم، وذو الأُفق التامّ إلى التامّ، وهذا من البداهة بمكان. ولكن قد يبدو أنَّه يلزم من النسبة إلى الأُفق المخروم – بهذا الأُسلوب- ظهور الحاجب بغير صورته الحقيقيّة؛ لكبر المنسوب إلى الأُفق المخروم وصغر المنسوب إلى الأُفق التامّ، وهذا ممّا لا يجوز.
ولكن هذا وهمٌ طارئ – على كلِّ حال- لأنَّ تلك القاعدة جارية في الطبيعة منذ أن خلقها الله تعالى، وما رأينا تطبيقاً لهذا الإشكال في أيّ ناحية من نواحي الحياة.
9. مسألة: في الاختفاء عند الابتعاد
قد يرد الإشكال بأنَّ الحاجب مهما ابتعد لا يمكن أن يختفي، خاصّة إذا لم تواجهه أسباب طبيعيّة لاختفائه، وهو صحيح ووارد. وعلى هذا لابدَّ أن نلتزم بأنَّ الحاجب يصغر بنسبته إلى أُفقه ما شاء الله له أن يصغر – في صورة فرض ابتعاده باستمرار- ولكن الاختفاء ليس بسبب نسبة الحاجب إلى أُفقه، فإنَّ هذه النسبة تصغر الحاجب حتّى يمكن أن يبلغ واحداً من ملايين الملايين من الدرجة النظريّة الواحدة فرضاً عن مجموع الأُفق، وذلك بعد أن يبلغ عرض الدرجة الواحدة آلاف أو عشرات الآلاف من الأميال. وقصدي أنَّ كلّ ذلك ممكن، ولا يحصل بواسطة الاختفاء، خاصّة إذا حصلت ظروف مؤاتية للرؤية.
وهذا لا ينافي قولنا في الباب الثاني: أنَّ
هي درجة الاختفاء، وأنَّها آخر الدرجات العرضيّة؛ وذلك لأنَّه لابدَّ أن يختفي أخيراً، غاية الأمر أنَّه ليس له صلة بنسبته إلى أُفقه.
والاختفاء قد يحدث من عجز العين عن الرؤية، أو غبار في الجوّ، أو من كرويّة الأرض، أو غير ذلك. وذلك مثلما يختفي الحاجب القريب في بعض العوامل الشاذّة.
10. ملاحظة: في صغر المسافة والسرعة عند البعد
هذه المسألة متفرّعة على مسائل الصغر عند البعد المتعلّقة بالحاجب الذي يشترط أن يكون جسماً.
وهي أنَّنا نرى السرعة تقلّ تدريجاً بالابتعاد، والمسافة تقلّ نسبتها أيضاً، أي: أنَّها تقصر كلّما كان الحاجب المتحمّل لها بعيداً. وهذه المسألة وإن لم تكن فرع النظريّة؛ لأنَّ هذه النظريّة تبحث حول صغر الحاجب، والمسافة والسرعة ليست حاجباً، ولكنّنا على كلِّ حال نذكرها تشقيقاً وتفريعاً.
أمّا صغر المسافة، فمعلوم بأنَّه معلول لصغر ذيها، وهو الحاجب المتحمّل لها، فكلّما صغر الحاجب بعين الناظر قلّت المسافة بين أبعاده، وهذا معلوم بديهيّ.
أمّا سبب قلّة السرعة، سواء كانت بحركة ابتعاديّة أو بحركة عرضيّة. أمّا السرعة بالحركة الابتعاديّة فمعلولة لِصغَر – أو بالأحرى قِصر- خطّ الابتعاد، وهو المسافة التي يجري عليها الشيء المتحرّك مبتعداً عن الناظر.
وخطّ الابتعاد إن كان موجوداً واضحاً فبها، وإلَّا فمقدّر.
وأمّا السرعة العرضيّة فمعلولة لصغر الحاجب نفسه، فكلّما صغر الحاجب قصر الخطّ الذي يرسمه في الفضاء أثناء حركته، وهذا شيءٌ بديهيّ حسب التجربة والبرهان الحسّي.
وأعلم أنَّ صغر المسافة والسرعة نسبيّ كما في الحاجب؛ لأنَّه معلول للصغر النسبي في الحاجب، ولكن صغر الحاجب هو بالنسبة لأُفقه، وصغر المسافة والسرعة معلول لهذا الصغر في الحاجب.
ولا نقول إنَّهما يصغران لنسبتهما إلى الحاجب أو لنسبتهما إلى أُفقه، فهو باطل قطعاً؛ لعدم إمكان تصوّر أُفق لهما، ولعدم تعلّق أُفق الحاجب بهما [لا] بقليلٍ ولا كثير، والصحيح ما أسلفناه.
11. ملاحظة: في صغر الثقب عند بعده
الثقب هو كلّ فضاءٍ محدّد بجسمٍ حاجبٍ من طرف واحد – على الأقلّ- أو طرفين أو ثلاثة، أو من جميع أطرافه.
فيعمّ الفضاء المجاور للمستقيم، أو الذي في داخل زاوية، أو بين ثلاثة أطراف، أو محصور من جميع أطرافه. وكذلك يعمّ الدائرة التي يرسمها الخيط الدائر في الهواء، أو الخطّ الذي يرسمه جناح الديك عندما يصفق وإلى آخره.
أمّا حكمه في الصغر والكبر، فإنَّ صغره وكبره معلول لصغر الحاجب الذي يحدّده بأيّ شكلٍ من الأشكال، وذلك كما قلنا في صغر المسافة والسرعة تماماً( ).
والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
وبهذا أيّها القارئ الكريم نستودعك الله، بعد أن أودعنا عندك رأياً صائباً ونظراً ثاقباً. راجين من الله أن يجعله قربة لوجهه الكريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمّد الصدر
النجف ـ العراق
يوم الثلاثاء 17/12/1378هـ
الموافق لـ 23/6/1959م
فهرس المصادر
القرآن الكريم.
1. أُصول علم النفس، أ. د. أحمد عزّت راجح، الناشر: دار الفكر، المملكة الأردنيّة الهاشميّة – عمّان، الطبعة الأُولى: 1430هـ – 2009م.
2. تاج اللغة وصحاح العربيّة، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة: الرابعة، دار العلم للملايين, بيروت: 1407 هـ . ق- 1987م.
3. علم النفس، الدكتور فاخر عاقل، رئيس قسم علم النفس بجامعة دمشق، الناشر: دار العم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الخامسة: 1977م.
4. لسان العرب، للإمام العلّامة أبي الفضل جمال الدين محمّد بن مكرّم ابن منظور الإفريقي المصري، الناشر: أدب الحوزة، قم- إيران، 1405هـ .
فهرس الكتاب
مقدمة المؤسسة 11
الإهداء 15
مقدمة 17
تمهيد 23
الباب الأول
في المصطلحات التي ترد في غضون شرح هذه النظرية
تمهيد 29
الفصل الأوّل: الناظر 31
الفصل الثاني: درجات النظر 33
الفصل الثالث: جهة النظر 36
الفصل الرابع: نقطة جهة النظر 37
الفصل الخامس: الحاجب 38
الفصل السادس: أُفق الحاجب 39
تتمة:1: في توضيح الأُفق المجموعي والذاتي وبعض الأشياء 42
تتمّة:2 45
الفصل السابع: الدرجات العرضيّة 46
ملحوظة 51
الباب الثاني
في نسبة الحاجب إلى أُفقه وهي خلاصة النظريّة
تمهيد 53
خلاصة النظريّة 55
ملحوظة 59
تنبيه 61
الباب الثالث
في الملحقات والفروع على هذه النظريّة
تمهيد 63
1. مسألة: (في أيِّ مقدار من الابتعاد يكون الحاجب على حجمه الطبيعي بأعيننا)؟ 64
2. مسألة: (في الفرق بين الصغر الحقيقي والنسبي) 66
3. توضيح: لفظ المنظور إليه 67
4. مسألة: (فيما إذا كان الأُفق مخروماً، فهل يصغر الحاجب بنسبته إلى هذا الأُفق المخروم أم بنسبته إلى الأُفق التقديري التامّ)؟ 68
5. مسألة: (في أنَّ القرب والبعد هل هما نسبيّان أم حقيقيّان 71
6. بيان حول الدرجات النظريّة والعرضيّة للإنسان وغيره 74
7. تنبيه 78
8. بيان في الأُفق الطولي والعرضي 78
9. مسألة في الاختفاء عند الابتعاد 82
10. ملاحظة: في صغر المسافة والسرعة عند البعد 83
11. ملاحظة: في صغر الثقب عند بعده 84
فهرس مصادر التحقيق 87
فهرس الكتاب 89