جاء الإسلام بشريعته السهلة السمحة، حين رأى الإنسانيّة مغدورة الحقوق، كثيرة الهفوات والظلم والضلال، ووجدها تفتقر بشكلٍ شديد وأكيد، إلى نظامٍ عامٍّ يرأبُ صدعَها، ودستورٍ يلمّ شعثها، وهي حاجةٌ قصوى كان من مقتضى الحكمة الإلهيّة أن يُرسل إلى هذه البشريّة قانوناً عامّاً يكفل لها جميع جهات مصالحها، ويسدّ سائر جهات النقص والظلم فيها، ويحلّ سائر مشاكلها، ويطفئ جميع آلامها وآهاتها. فكان ذلك القانون بأحسن صوره وأوج صياغته، هو الإسلام الذي يحمل بين جنبيه قابليّة التطبيق في جميع المناطق والأزمنة التي أُرسل إليها.
أمّا منطقته، فهي جميع المعمورة على وجه الأرض، قال الله عزّ وجلّ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}([2]).
وأمّا زمانه، فيبدأ من حين بعثة نبيّ الإسلام ويبقى مع الزمان إلى آخر عمر البشريّة المديد، قال النبيّ’ – كما قد تواتر عنه- أنَّه >لا نبيّ بعدي<([3])، ومعنى ذلك بقاء التعاليم والتكاليف الإسلاميّة نافذة المفعول إلى النهاية، بحيث لا تحتاج البشريّة إلى دستورٍ آخر ينزل به نبيٌّ ثانٍ؛ فإنَّه لو فرض سقوط التعاليم الإسلاميّة عن المفعول في يومٍ من الأيام، لزم بقاء البشريّة بعد ذلك قيد الحيرة والضلال، ورهن الظلم والانحلال، وهذا مخالفٌ لمقتضى الحكمة الإلهيّة التي أُرسل لأجلها دستور الإسلام، ومخالفة الحكيم لمقتضى حكمته مستحيلٌ بحكم العقل، ومن ثَمَّ فقد أصبح >حلال محمّد’ حلالٌ إلى يوم القيامة وحرام محمد’ حرامٌ إلى يوم القيامة<([4]).
كما أنَّ شريعة الإسلام لو كانت مقتصرةً على بعض المجتمعات أو قسمٍ من الشعوب، لبقي الظلم والضلال في الشعوب والمجتمعات الأُخرى التي لم يُرسَل إليها هذا التشريع، وهو أيضاً مخالفٌ للحكمة الإلهيّة، فيكون محالاً.
ومن ثَمَّ كان في شريعة الإسلام شمول، وكان فيها استيعابٌ لتمام أنحاء الحياة وجميع مشاكل بني الإنسان؛ فإنَّ هذا – أيضاً- هو الموافق للحكمة الإلهيّة التي اقتضت إنقاذ الإنسانيّة من وهدة الظلم والصعود بها إلى أوج الكمال.
وأمّا لو فرض أنَّ الإسلام كان قد اقتصر على حلّ قسم من المشاكل، أو أبدى رأيه في جهةٍ معيّنة من الجهات وأهمل الأقسام الأُخرى، فإنَّ الظلم والضلال سوف يبقى سائداً في تلك الجهات، وسوف لن يكون للتشريع قابليّة إزالته، وهو أيضاً مخالفٌ للحكمة الإلهيّة، ومخالفة الحكيم لمقتضى حكمته مستحيلٌ بحكم العقل.
وهذا الاستيعاب والشمول في تعاليم الإسلام، من بديهيّات الدين وضرورات الشريعة، وهو الذي يقتضيه البرهان العقليّ الصريح، كما قرّرناه. ويدلّ عليه كتاب الإسلام المجيد، وقرآنه الكريم حيث يقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}([5])، ودلّت عليه السنّة المجيدة وهي كثير، منها ما روي عن أبي بصير عن الإمام الصادق× أنَّه قال – وهو يتحدّث عن الشريعة الإسلاميّة واستيعابها-: >فيها كلّ حلالٍ وحرام، وكلّ شيءٍ يحتاج الناس إليه، حتّى الأرش في الخدش<([6])، وفي خبرٍ آخر عنه× أنَّه قال: >فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضيّةٍ إلَّا وهي فيها، حتّى أرش الخدش<([7])، أي: الغرامة التي يدفعها الشخص إلى الآخر إذا خدشه([8]).
كما أنَّ هذا الاستيعاب والشمول ممّا قام عليه الإجماع، بل الضرورة القطعيّة، من قبل سائر مذاهب الإسلام، وهو معنى ما اتّفقوا عليه من أنَّه: ما من واقعة إلَّا ولها حكم([9]).
ومعنى ذلك بكلِّ وضوح: أنَّ أيّ سلوكٍ اختياريٍّ لأيّ إنسانٍ وجد أو يوجد على وجه البسيطة، سواء قام بهذا السلوك بشكلٍ فرديّ أو جماعيّ، وبأيّ داعٍ أو غرض، فإنَّ للإسلام فيه رأياً، وإنَّه لابدَّ أن يكون قد حكم عليه بأحد أحكامه التكليفيّة أو الوضعيّة.
وإذا صحّت لدينا تمام هذه المقدّمات، نستطيع أن نستنج بسهولةٍ ويسر: أنَّ أيّ مادّة في أيّ قانونٍ من القوانين التي صدرت أو تصدر في أيّ دولةٍ من الدول ولأيّ سببٍ كان، ومتناولة لأيّ موضوعٍ كانت، فإنَّ للإسلام فيها رأياً وتشريعاً معيّناً. وهذا معنى وجود التكوين القانوني في شريعة الإسلام، بحيث لو أردنا أن نصوغ سائر القوانين صياغةً إسلاميّةً خالصة، لأمكننا ذلك.
إلَّا أنَّ البرهنة على وجود القانون الإسلامي، بهذا الشكل النظريّ الطوبائي، غير كافٍ بالطبع، ما لم يكن لنا اطّلاعٌ تفصيليٌّ كافٍ على موادّ هذا القانون وأُسسه؛ لكي نستطيع أن نُؤمن به ونتبنّاه، ولكي يكون قابلاً للتطبيق الفعليّ، لنستغني به عن استجلاب القوانين من هنا وهناك والعيش على فتات موائد الآخرين.
وأوّل ما يواجهنا – عندما نريد الاطّلاع على قوانين الإسلام- هذا الفقه الإسلامي الحامل لمجموعةٍ ضخمةٍ من أحكام الإسلام، والذي بنى الفقهاء – جيلاً بعد جيل من بعد عصر التشريع وإلى العصر الحاضر- كلّ مجهودهم وتفكيرهم على استخراجه واستنباطه من مصادر التشريع الأُولى في الإسلام، وفق قواعد وضوابط معيّنة.
كما أنَّ أمامنا الكتاب والسنّة، المصدرين الرئيسيّين للتشريع الإسلامي، بما أغنيانا به من فتاوى تفصيليّة وقواعد عامّة، يمكن بمجموعها معرفة حكم الإسلام في أيّ واقعةٍ، وحلّه لأيّ مشكلةٍ من المشاكل على مدى العصور.
وغاية ما نحتاج إليه هو أن نعرض القوانين الحديثة على هذه المصادر الإسلاميّة، أو نعرض هذه المصادر عليها، ونحاول في دراسةٍ بالغة في السعة والشمول والدقّة والعمق، أن نستنتج نتائج وبحوثاً تكون هي المنطلق الأساسي لوضع القوانين الإسلاميّة العمليّة.
إلَّا أنَّ مثل هذه الدراسة الموسّعة سوف تجابهها عدّة مشاكل وصعوبات، قد تقف دون سرعة إنجاز مثل هذا العمل الجبّار.
ويمكننا – فيما يلي- أن نعطي فكرةً عن أهمّ تلك الصعوبات:
فإحداها: وجود الفارق الكبير والبون الشاسع بين أُسلوب التفكير الإسلامي وأُسلوب التفكير الحديث، ذينك الأُسلوبين اللذين نشأت منهما وصدرت عنهما قوانين وتعاليم كلا الجانبين؛ فإنَّ كلاً منهما قد صدر (نشأ) من منابع معيّنةٍ وعاش حياةً خاصّة، وتبنّى أفكاراً خاصّةً تجاه نظم الكون وأحداث الحياة، تختلف كلّ الاختلاف بين ما هي عليه في الإسلام وعمّا هي عليه في الفكر الحديث. وعلى هذا الأساس المختلف بُنيت القوانين والأفكار، وصيغت العلوم والنظريّات.
ومع وجود مثل هذا الاختلاف الشاسع، يصعب على الباحث جدّاً أن يجد نقاطاً للاتّفاق يمكن أن يرتكز عليها الاستدلال، أو أن ينطلق منها الكلام، بحيث يقتنع بها الفقيه بصفته فقيهاً والقانونيّ بصفته قانونيّاً، ويطمئنّان إلى صحّتها.
إلَّا أنَّ ذلك على كلِّ حال، لا يجعل البحث ممتنعاً ولا يخرجه من حيّز الإمكان؛ فإنَّه بوسع الباحث – لو أراد إقناع الطرفين- أن يستدلّ بالقواعد العامّة البديهيّة، التي يحكم بها العقل البشريّ، وتكون واضحةً عند سائر الناس الأسوياء، بل قد يجد الباحث نقاطاً للاتّفاق بين الفقه والقانون، أخصّ من ذلك، فيتمسّك بها ويجعلها منطلق استدلاله، أمّا إذا لم يجد مثل ذلك، فإنَّ الباحث سوف يضطرّ لا محالة إلى تطبيق أُسلوبه الخاصّ في النقد والاستدلال الذي قد توصّل إلى صحّته بدليلٍ آخر متّفق عليه، على ما سوف نشير إليه.
ثانيها: اختلاف الفقه والقانون في إثارة المسائل وعرض المشكلات؛ فإنَّ كثيراً من المسائل والفروض القانونيّة التي يدور حولها البحث في الاتّجاه القانوني الحديث، غير موجودةٍ في الفقه الإسلامي أصلاً، إمّا لانعدام الإشارة إليه بالخصوص حتّى في مصادر التشريع على ما سوف نذكره، أو لانصراف الفقهاء عن البحث فيه رغم ورود حكمه الخاصّ في الكتاب والسنّة.
أمّا عن النحو الأوّل من المسائل القانونيّة: فإنَّ مصادر التشريع الإسلامي (الكتاب والسنّة)، قد وُجدت لا محالة في مجتمعٍ معيّن، وخاطبت أُناساً معيّنين، وتكلّمت معهم بالشكل الذي ينسجم مع واقع تفكيرهم وسعة ثقافتهم ومقدار وعيهم، ولهذا لم يكن من المحتمل أو المتوقّع أن ينصّ القرآن أو السنّة في تشريعاتهما، على أُمورٍ وخصوصيّاتٍ خارجةٍ عن مألوف ذلك العصر، وإنَّما سوف تتحقّق بعد عدّة مئات من السنين.
فمثلاً: لن ننتظر من الكتاب أو السنّة أن تنصّ على رأيها الصريح في (شركات التأمين) أو في استعمال (الكلاب البوليسيّة) لاستكشاف الجريمة أو في وجود (الأُمم المتّحدة) وأنظمتها وأعمالها، أو في حكم (ركوب الفضاء) والوصول إلى القمر، إلى كثير ممّا جاء به العصر الحديث، ولم يكن له في صدر الإسلام أيّ أثر.
إلَّا أنَّ الذي ينبغي أن يُعلم في المقام، هو أنَّه ليس معنى ذلك أن ليس للإسلام أيّ رأيٍ في هذا المجال؛ فإنَّ هذا خلاف السعة والشمول الذي يتّصف بهما؛ على ما سبق أن برهنّا عليه. وإنَّما قد أعطى الإسلام في مصادر تشريعه، قواعد عامّةً وضوابط كليّةً كثيرةً يمكن تطبيقها في كلِّ موردٍ، واستنتاج الحكم الإسلامي منها.
وأمّا عن النحو الثاني من المسائل القانونيّة: فإنَّ كثيراً من هذه المسائل قد وردت فعلاً في الكتاب والسنّة، بشكلٍ خاصّ، ولكنَّ الفقهاء لم يعطوها حقّها الكامل من البحث والاستدلال؛ وذلك لعدّة أسباب:
منها: أنَّهم تبعوا حاجتهم في الفتوى، على حين لم تكن تلك المسائل مورداً لحاجتهم كمسائل الجنايات والعقوبات.
ومنها: أنَّهم في بعض الموارد استوقفتهم عظمة المسألة ودقّة الموقف، بحيث لم يجرؤوا على التصريح بحكمها مستنتجاً من عدّة روايات؛ وذلك: كشؤون الرئاسة والدستور في الدولة الإسلاميّة.
وربّما يكون الفقهاء قد أعطوا هذه المسائل حقّها بحثاً وتحقيقاً، إلَّا أنَّ كتبهم تلفت على مرّ العصور وخلال الغارات الظالمة التي كانت تُشنّ على بلاد الإسلام من قبل أعدائه من التتار والصليبيّين وغيرهم. وكانت تستهدف – من جملة ما تستهدف- طمس الثقافة الإسلاميّة، وفصل المسلمين عن ماضيهم المجيد، بإحراق خزائن الكتب أو إغراقها، وقد تلفت من جرّاء ذلك مئات الآلاف من الكتب الثمينة.
وعلى أيّ حالٍ، فإنَّ الباحث يضطرّ إزاء سكوت الفقهاء، أن يجدّد بحثاً أساسيّاً من الناحية الإسلاميّة البحتة، مقتنصاً من مصادر التشريع، قبل الخوض بالمقارنة مع وجهات نظر القانون الحديث.
ثالث هذه الصعوبات: عدم توفّر شخص إلى الآن، على الاختصاص والتعمّق، بكلا هذين الموضوعين: الفقه والقانون، معاً؛ لكي يستطيع أن يأخذ كلاً منهما من مصادره الأصليّة ورجاله الرئيسيّين، ويفهمه على الشكل الذي يرغب ذووه أن يفهموه، وعندئذٍ يبدأ بالمقارنة والتفضيل؛ لئلّا يحصل في بحثه قصورٌ في عرض دعاوى أحد الجانبين واستدلالاته أو افتئات على أيّ من الطرفين، بأن ينسب إليه أيّ قولٍ لا يراه.
وبالطبع ليس المقصود هو أن نكلّف الشخص الواحد، الإلمام التامّ بجميع جهات الفقه الإسلامي والقانون الحديث؛ فإنَّ هذا خارجٌ عن طوق قدرة النفس البشريّة، وإنَّما المقصود هو أن يتوفّر أشخاصٌ للاختصاص بفرعٍ معيّن من كلا الجانبين، كالاقتصاد أو القضاء أو القانون الدستوري أو القانون المدني أو العسكري، أو غير ذلك من الموضوعات، فيتعمّق الباحث في موضوع اختصاصه من كلٍّ من الفقه والقانون إلى أقصى ما يبلغه الاختصاصيّون في هذا الموضوع من كلا الجانبين، وحينئذٍ يستطيع أن ينتج للمجتمع الإسلامي بالخصوص والعالم كلّه على العموم، بعض هذا النتاج الفذّ العظيم.
وإذ لم يوجد لحدّ الآن مثل هؤلاء الاختصاصيّين، كان على أيّ باحثٍ يحاول طرق أيّ حقلٍ في هذا الباب، سواء كان بالأصل من القانونيّين أو من الفقهاء، أن يبذل جهداً حقيقيّاً دقيقاً في فهم ما يقوله الجانب الآخر، قبل أن يبدأ بمثل هذا البحث الجليل.
وعلى أيّ حال، فإنَّ عرض القانون الإسلامي على الشكل الحديث الواضح الدلالة والقابل للتطبيق العملي، يمكن أن يكون له أُسلوبان:
الأُسلوب الأول: هو أن يعرض هذا القانون على شكلٍ تتناول كلّ مجموعةٍ منها جانباً من جوانب الحياة، فهناك قانونٌ إسلاميٌّ للتجارة، وقانونٌ إسلاميٌّ للعقوبات، وقانونٌ إسلاميٌّ للأحوال الشخصيّة، وهكذا، كما حاولت الحكومتان العثمانيّة والإيرانيّة أن تعملاه في بعض قوانينهما ودساتيرهما.
إلَّا أنَّ هذا الأُسلوب وإن كان هو أقصى وأجلى المراحل التي يمكن أن تصل إليها صياغة القانون الإسلامي، إلَّا أنَّها على كلِّ حال، متأخّرةٌ من حيث الترتيب عن الأُسلوب الثاني الذي سوف نعرض له، وإنَّما يكون هذا الأُسلوب صحيحاً وسالماً من النواقص والهفوات عند طيّ الأُسلوب الثاني والفراغ عنه. وقد كان هذا هو الخطأ الأساسي في تشريعات الحكومتين الإيرانيّة والعثمانيّة، أنَّه لم يكن مسبوقاً بأيّ أُسلوبٍ من هذا القبيل.
الأُسلوب الثاني: وهو الأُسلوب الذي ينبغي للباحث اتّباعه في حدود مقتضيات الفكر الإسلامي الحاضر، وهو أن يقوم الباحث – بعد تذليل الصعوبات التي سبق قسمٌ منها- ببحثٍ مقارن، يعرض فيه جانباً من جوانب القوانين الحديثة، ويرى رأي الإسلام في كلِّ نقطةٍ من نقاطه.
وقد أغنانا المفكّرون الإسلاميّون – إلى حدّ الآن- بجملةٍ وافيةٍ من هذه البحوث، فقد كتب حول رأي الإسلام في تنظيم الدولة ودستورها، شيخنا المحقّق الشيخ محمّد حسين النائيني+ رسالته الفريدة (تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة) باللّغة الفارسيّة، وهي – على اختصارها- قد أحرزت قصب السبق في ميدان الفقه السياسي. وكتب محمّد أسد (منهاج الإسلام في الحكم)، والأُستاذ المودودي (منهاج الانقلاب الإسلاميّ)، والشيخ باقر القرشي (النظام السياسيّ في الإسلام).
وفي الاقتصاد كتب سيّدنا الأُستاذ العلّامة المحقّق السيّد محمّد باقر الصدر كتابه الجليل (اقتصادنا) بجزئيه، و (ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي)، وكتب الأُستاذ المودودي (الربا) وغيره.
وفي موضوع التشريع الجنائي، كتب عبد القادر عودة كتابه الشهير (التشريع الجنائي الإسلاميّ مقارناً بالقانون الوضعي)، وفي باب الحقوق كتب صاحب هذه السطور (نظرات إسلاميّة في إعلان حقوق الإنسان)، ومحمّد الغزالي (حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتّحدة)، إلى غير ذلك من الكتب والبحوث التي قيلت في مختلف جهات القانون ومجالات الحياة.
إلَّا أنَّ هذه الكتب – على أنَّها تعتبر جهداً إسلاميّاً مشكوراً- لم تستوعب بالبحث تمام جوانب الحقول التي طرقتها، وتجنّب جملةٌ منهم مجابهة موضوعه بشكلٍ مباشر وصريح، بالإضافة إلى أنَّه قد بقي الشيء الكثير من موضوعات القوانين الحديثة التي لم يتعرّض لها المفكّرون الإسلاميّون لحدّ الآن، كحقوق الطبع وقوانين الضرائب والگمارك، والشكل الإداري للدولة، ووظيفة أعضائها في نظر الإسلام، والقوانين العسكريّة الحديثة، وغير ذلك كثير، رغم إمكان استنتاج أحكامها، بعد التبصّر والتدقيق في مصادر التشريع أو في الفقه الإسلامي.
والذي ينبغي أن يتّخذه الباحث في مثل هذه البحوث المقارنة من المنهج لكي يصل إلى النتيجة من أسهل الطرق وأصحّ المقدّمات، هو أن يتّبع هذه الخطوات:
أوّلاً: أن يقوم بعمليّة جمعٍ مفصّلة، في الفرع الذي يريد البحث فيه من الفقه والقانون، بأن يجمع سائر المشكلات والفروع التي وقع لها تعرّضٌ مشتركٌ في كلٍّ من الفقه والقانون.
ثانياً: أن يذكر بإزاء كلّ فرعٍ أو مشكلةٍ حلَّها من قبل كلا الجانبين. وإن لم يكن لأحد الجانبين رأيٌ محرّرٌ، حاول استنتاجه من القواعد العامّة التي يتبنّاها ذووه في طريقة الاستنتاج، ثُمَّ يشفع رأي الجانبين بدليله الذي استند عليه، إن كان للقانون الحديث ما يصلح أن يكون دليلاً على عدالة فتواه وصحّتها.
أمّا الفقه، فأدلّته هي الأربعة المعروفة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، تحت الشروط والضوابط المشروحة في علم الأُصول.
ثالثاً: على الباحث حين ينتهي من هذه المرحلة، أن يؤسّس ضابطاً كلّيّاً وقاعدةً عامّةً للنقد المنهجيّ البنّاء، الذي يستطيع على أساسه أن يضع كلّ تلك الفتاوى والاستدلالات تحت مجهر التحقيق، ويحاول الاستدلال على هذا المنهج الكلّي بشكلٍ مقنع أو ملزمٍ لكلا الطرفين؛ وذلك كالاستشهاد ببعض الأُمور الإنسانيّة العامّة، أو قواعد العدل الكليّة القطعيّة، أو الأُمور المتّفق على استحالتها وبطلانها، أو على صحّتها بين الطرفين، أو حوادث تأريخيّة معيّنة معلومة الحصول، يعترف الجانب الذي ذُكرت ضدّه بصلاحيّتها للتفنيد، أو يعترف الجانب الآخر بصلاحيّتها للتأييد.
رابعاً: وإذ ينتهي الباحث من وضع الضابط العامّ والمنهج الكلّي، يحاول إخضاع كلّ فتوى واستدلال لكلِّ من الفقه والقانون لهذا الضابط ودراسته على ضوئه واستنتاج النتيجة، وتفضيل أحدهما على الآخر على هذا الأساس.
والذي نُريد أن ندّعيه مبدئيّاً في المقام – وإن كان الاستدلال على ذلك يحتاج إلى طيّ كلّ تلك المراحل بالفعل- هو: أنَّ الفقه الإسلامي هو الذي يفوز بالنصر، وهو الذي يثبت أمام النقد، وتظهر مطابقته لقواعد العدل واتّصافه بالدقّة وبعد النظر أكثر من أيّ بحثٍ كتب في القانون الحديث.
خامساً: وهذه هي المرحلة النهائيّة التي يأتي فيها دور الأُسلوب الأوّل الذي أشرنا إليه في صياغة القانون الإسلامي، وهي أن يحاول الباحث صبّ التعاليم والتكاليف والأحكام الإسلاميّة المستخلصة على شكل موادّ محدّدة المقصود واضحة الدلالة قابلةٍ للتطبيق.
وبالطبع فإنَّه لا ينبغي الاقتصار في تطبيق هذا المنهج، على بعض ميادين القوانين الحديثة، والتجنّب عن الخوض في غمار ميادين أُخرى منها، بعد أن كان للفقه الإسلامي – كما سبق أن ذكرناه وبرهنّا عليه- قابليّة الجواب عن أيّ سؤالٍ، وحلّ أي مشكلةٍ يعرض لها القانون الحديث.
وعندئذٍ سوف يستقبل العالم الإسلامي نتاجاً إسلاميّاً فذّاً عظيماً، يثرى به الفكر الإسلامي، ويكون إحدى الخطوات الرئيسيّة الحاسمة نحو الغد الإسلامي المنشود.
([1]) [تاريخ كتابة البحث] الاثنين: 11/محرّم/1386- 2/5/1966 (منه+).
([2]) سورة الأعراف، الآية: 158.
([3]) الكافي 2: 18، الحديث 4، معاني الأخبار (للصدوق): 74، باب معاني حديث المنزلة، الحديث 1 و2.
([4]) الكافي 2: 18، باب الشرائع، الحديث 2، وبصائر الدرجات (للصفّار): 168، باب نوادر، باب 13، باب آخر فيه أمر الكتب، الحديث 7.
([6]) الكافي 1: 239، باب ذكر الصحيفة والجامعة و…، الحديث 1، وسائل الشيعة 29: 356، باب ثبوت أرش الخدش …، الحديث 1.
([7]) الكافي 1: 241، باب فيه ذكر الصحيفة والجامعة و…، الحديث 5، وبصائر الدرجات (للصفّار): 162، الحديث 2.
([8]) أُنظر: ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي [المدرسة الإسلاميّة] (للعلّامة المحقّق السيّد محمّد باقر الصدر): 47-48 (منه+) و: 144، (ط. محقّقة)، شمول الشريعة واستيعابها.
([9]) راجع الفصول الغرويّة: 342، وفرائد الأُصول 1: 247، والسنّة في الشريعة الإسلاميّة (لمحمّد تقي الحكيم): 116.