261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في كفاية الأصول/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
(152ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1733/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1733) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
0-95-699-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في كفاية الأصول
تقريراً لما أفاده الأستاذ
للشهيد السعيد
آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أكمل خلق الله الحبيب المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آله الهداة الميامين حجج الله على الخلق أجمعين.
وبعد..
الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم هو أحد نوادر التراث المخطوط للشهيد السعيد السيد محمد الصدر.. وهو عبارة عن تقرير (٣٠) محاضرة في شرح كتاب كفاية الأصول حضرها السيد الشهيد من خلال درس خاص عند أستاذه الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر في كتاب الكفاية.. وهي محاضرات تؤّرخ لفترة مهمة واستثنائية من الحياة العلمية للشهيدين الصدرين قدّس سرّهما حيث بدأ هذا الدرس بتاريخ ٢٨ ربيع١ سنة
ــــــــــ[7]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
١٣٨٢هـ الموافق ٢٩/ ٨/١٩٦٢م، وانتهى بالمحاضرة رقم (٣٠) بتاريخ ١٦ جمادى الآخر ١٣٨٢ هـ الموافق ١٤/١١/١٩٦٢م كما هو مثبت في دفتر النسخة الخطّية.. ويبدو من خلال المقارنة بين نهاية هذا الدرس وبين حضور السيد الشهيد محمد الصدر في بحث خارج الأصول أن أستاذه الشهيد السيد محمد باقر الصدر اقترح عليه الالتحاق ببحث خارج الأصول الخاص به في هذه الفترة والتي كانت تمثّل الدورة الأصولية الأولى للشهيد الصدر الأول.
وقد تشرّفت هيئة التراث بإخراج هذا البحث من التراث المخطوط للسيد الشهيد محمد الصدر وتحقيقه وطبعه بالصورة اللائقة لكي يكون حلقة أخرى تمثّل إحدى مراحل الحياة العلمية لسيدنا الشهيد.
ولا يسعنا في هذه المقدمة المختصرة إلّا أن نتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير للأمين على فكر الشهيدين الصدرين وابنهما البارّ سماحة السيد المجاهد مقتدى الصدر (أعزّه الله) الذي أجاز لنا التصدي لتحقيق وطباعة هذا الكتاب وقدّم كلّ ما تحتاجه هيئة التراث من الدعم المعنوي والمادّي في سبيل الوصول الى هدفها المنشود في طباعة التراث الكامل لسيدنا الشهيد.
والشكر موصول أيضاً الى الأخوة الأعزاء في قسم تحقيق المخطوطات والمقابلة والتصميم والإخراج في هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
ــــــــــ[8]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
في النجف الأشرف الذين تجشّموا عناء العمل والتشرّف بإخراج هذا الكتاب بحلّته النهائية.
والحمد لله ربّ العالمين أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
الإشراف العام
على هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
ــــــــــ[9]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــــــ[11]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر
ــــــــــ[12]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين
ــــــــــ[13]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
[قال ص7: “أن موضوع كل علم وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض”](1).
وتتمّ ببيان أمور:
الأمر الأول: نستطيع حصر مقاصد الآخوند في الأمر الأول في الأربعة التالية وإن لم يشر إليها صراحة، ولكنّنا نقسمها تقسيماً جوهرياً لُبياً وهي:
ــــــــــ[15]ــــــــــ
() اعتمدنا في نقل نصوص الكفاية على (طبعة مؤسسة آل البيت) الأولى – قم.
محاضرات في كفاية الأصول
أما موضوع علم الأصول فهو ما تقرّره عبارة الآخوند “إن موضوع كل علم هو الذي يبحث عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض، هو نفس موضوعات مسائله عيناً وما يتحد معها خارجاً“.
وقد حدّدت غرض العلم بأمرين:
1- إن كل علم هوما يبحث عن عوارض موضوعه الذاتية.
2- أنه نفس موضوعات مسائله عيناً وما يتّحد معها خارجاً.
ومن الملحوظ أن الآخوند قد اعتبر الموضوع أمراً مفروغاً منه وبدأ بتعريفه وذلك: لأن حمل شيء على شيء يستدعي وجود المحمول عليه، والحكم بشيء على شيء يستدعي وجود المحكوم عليه. والخاصية الأولى التي ذكرها الآخوند للعلم ذكرها كتعريف له. أما الثانية فليست تعريفاً وإنما هي من الأمور المرتبطة به التي يحسن الاطلاع عليها.
وقد عرّف الآخوند موضوع العلم بأنه “ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية“، وهذه العبارة موجودة من زمن أرسطو(1). ولم يذكر الآخوند أنه كيف
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) وللاطلاع على ما يخص العبارة المذكورة انظر: منطق أرسطو3: ٤١٥، مسألة وحدة العلوم وتنوعها.
محاضرات في كفاية الأصول
عَرَفَ أن لكل علم موضوعاً لأنه لم يكن بصدد بيان ذلك حتى نعرف منه، والواقع أن هناك طريقتين لمعرفة هذا الأمر:
الطريقة الأولى: طريقة استقرائية غير برهانية، أي: أن الآخوند لابدّ أنه استقرأ كل علم فوجد أن له موضوعاً.
الطريقة الثانية: طريقة برهانية مبتنية على القاعدة الفلسفية القائلة: “أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد“(1)، والواحد ينقسم إلى الواحد بالشخص وواحد بالنوع، والقاعدة منطبقة على كلا القسمين.
ولمّا كانت نتائج كل علم متحدة في النوع -بتقريب أن كل مسألة من مسائله تُصدر فائدة خاصّة، ولما كانت مجموع فوائده الذي صدر عن مجموع مسائله ذات طابع نوعي واحد- إذن فلابدّ أن تكون المسائل التي صدر عنها هذا الواحد بالنوع واحدة في النوع أيضاً؛ لأنّ الواحد في النوع لا يصدر إلّا عن واحد في النوع، وإن كانت مسائل العلم متباينة لا يربطها موضوع واحد لما صدر عنها واحد بالنوع وحيث كان الصادر عنها واحداً بالنوع بالوجدان إذن فلابدّ أن ينتظم العلم بموضوع واحد.
قال: ص7 ” أي بلا واسطة في العروض”.
ونحن في سبيل فهم عبارة التعريف لابدّ أن نعرف معنى العوارض ومعنى الذاتية وأخيراً نفهم معنى العوارض الذاتية.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) انظر: الحكمة المتعالية 2: 331، 8:62، شرح المنظومة (قسم الحكمة) 4: 44 7.
محاضرات في كفاية الأصول
والعرض له في الفلسفة اصطلاحان(1):
الاصطلاح الأول: أنه أحد العوارض التسعة التي في مقابل الجوهر، حيث يُكوِّن معها المقولات العشر ومنها الكم والكيف والأين والفعل والانفعال وغيرها.
الاصطلاح الثاني: العرضي في مقابل الذاتي: وهو -أي الذاتي- ما يكون منتزعاً من مقام الذات، وهوما يكون جنساً أو نوعاً أو فصلاً، ولا صلة بين العرض والعرضي، فقد يكون الشيء جوهراً عرضياً كالناطقية بالنسبة إلى الحيوان، فإنّها ليست جنساً له ولا نوعاً ولا فصلاً في حين أنّها عبارة عن النفس الناطقة التي هي من أعظم الجواهر، كما أنّه قد يكون هناك عرض ذاتي كما في الهندسة التي تبحث عن الخطوط وفصولها من الاستقامة والانحناء والانكسار، وهي فصول للخطوط مع أنها عوارض وليست جواهر ونحن نعني بالعوارض القسم الثاني من الأعراض، ومن هذا نعرف أن العلم يبحث في الأعراض الذاتية للموضوع ولا يبحث في ذاتياته؛ لأنّ ذاتياته عبارة عن نفس وجوده في حين أنّنا يجب أن نحرز الموضوع قبل الدخول في العلم.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) انظر شرح الإشارات والتنبيهات (للطوسي) 1: 92، شرح المنظومة (قسم المنطق) 1: 178-179.
محاضرات في كفاية الأصول
قال: “أي بلا واسطة في العروض”.
قلنا: إنّ للعرض معنيين:
المعنى الأول: العرض في قِبال الجوهر.
المعنى الثاني: العرضي في قِبال الذاتي.
والذاتية هنا ليس المقصود منها ما يقصد في الكليات الخمسة، حيث تعد الجنس والنوع والفصل ذاتيات، وإلّاَ وقعنا في تناقض بين كونه عرضاً وكونه ذاتياً، بل المقصود منه شيء آخر قرّره الآخوند بقوله: “أي بلا واسطة في العروض“.
والعوارض خمسة أقسام:
أ) مثال المساوية كالضحك الناشئ عن التعجّب والتعجّب أمر خارج عن الإنسان مساوق لإنسانيته.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ب) ومثال الأعم عروض المشي على العالم والمشي من صفات الحيوان في حين أن الحيوانية غير داخلة في مفهوم العالم.
جـ) ومثال الأخص: عروض الرفع على الكلمة بواسطة الفاعلية والفاعل أخص من الكلمة، أو عروض الضحك على الإنسان بوصفه حيواناً.
د) ومثال الواسطة الخارجية المباينة: عروض الحرارة على الماء بواسطة النار.
فالعرض الذاتي هو الذي يعرض بلا واسطة أو المساوي والباقي ليس بذاتي(1)، ولكن الآخوند لم يقبل هذا التقسيم بل قال بتقسيم آخر من حيث إن هذه الواسطة إما واسطة في الثبوت أو واسطة في العروض، والواسطة في الثبوت هي الجهة التعليلية أي أنها تكون علة لاتصاف الشيء بذلك العرض المعّين، والواسطة في العروض هي في الواقع الموضوع للعرض ولكن العرض ينسب إلى آخر مجازاً كالسفينة وراكبها، حيث تعرض الحركة على السفينة حقيقة وتُنسَب إلى راكبها مجازاً وفي الواقع أنه لم يتحرك.
فما يعرض بلا واسطة أو يكون واسطة في الثبوت وإن كان مبايناً فهو الذاتي وغيره العرض الغريب.
ونستطيع أن نميّز بين العرض الذاتي والعرض الغريب بأن نحمل العرض على معروضه فإن كان الحمل حقيقياً فالعرض ذاتي؛ وإن كان مجازياً فالعرض غريب.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) انظر بذلك الإشارات والتنبيهات 55، وحاشية الملا عبد الله على تهذيب المنطق للتفتازاني 18.
محاضرات في كفاية الأصول
قلنا: إنّ الأقدمين أطلقوا العرض الذاتي على ما يعرض بلا واسطة أو يعرض بواسطة مساوية سواء كانت داخلية أو خارجية، أما ما يعرض بواسطة أمر أعم أو أخص أو مباين فقد أخرجوه عن حيّز العرض الذاتي(1).
والوجه الفني في هذا الموضوع، أنهم حين نظروا إلى العلوم وجدوها متسلسلة إما من الأعم إلى الأخص أومن الأخص إلى الأعم، فالأول كالسلسلة التي تبدأ بمباحث الوجود في الفلسفة ثمَّ الطبيعيات ثمَّ علم الحيوان ثمَّ علم النبات، والثاني بالعكس. فالعلوم متنازلة في موضوعاتها، وكل موضوع يندرج في العلم الذي هو أعم منه إلى أن تصل إلى موضوع ليس هناك ما هو أعم منه كما أننا نتنازل في سلسلة العلوم حتى نصل إلى موضوع لا يوجد أخص منه(2).
وهنا يتوجّه إشكال التداخل بين العلوم؛ وذلك لأن ما يعرض للأعم يعرض للأخص، فإنّ العوارض التي تعرض للوجود تعرض للجسم والعوارض التي تعرض للجسم تعرض للحيوان وهكذا. وكذلك فالعرض الذي يعرض للموضوع الأخصّ يعرض للأعم من حيث هو مندرج فيه، فعوارض الحيوان عوارض الجسم وعوارض الجسم عوارض الوجود.
فلأجل هذه الناحية قالوا بأنّ موضوع العلوم هي العرض الذاتي، وقد أخرجوا من العرض الذاتي العرض الأعم والعرض الأخصّ، ومقصودهم من
ــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) الإشارات والتنبيهات، حاشية الملا عبد الله، مصدر سابق.
(2) لمزيد اطلاع راجع شرح الإشارات والتنبيهات،1: 302- 305.
محاضرات في كفاية الأصول
ذلك منع التداخل في موضوعات العلوم. الآخوند لا يقبل بهذا الرأي ويقول: إنّ العرض الذاتي هو ما يعرض للموضوع حقيقة، وما يعرض للموضوع حقيقة هوما يعرض بدون واسطة أو بواسطة في الثبوت وهي الجهة التعليلية، أما الأقسام الأخرى فهي ليس بأعراض ذاتية، وأما مسألة انضباط العلوم وتداخلها فيمكن حلّها بوجه آخر سيأتي بيانه في هذه المحاضرة، هذا من الناحية الأولى.
قال ص7: “هو نفس موضوعات مسائله عيناً وما يتحد معها خارجاً وإن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلي ومصاديقه والطبيعي وأفراده“.
أما الناحية الثانية وهي مسألة تمايز العلوم عن بعضها البعض، فقد قرّرها الآخوند بقوله (هو نفس موضوعات مسائله عيناً وما يتحد معها خارجاً وإن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلي ومصاديقه والطبيعي وأفراده).
في المسألة السابقة تكلّمنا حول نسبة موضوع العلم إلى محمولات مسائله وقلنا: إنّ المحمولات ذاتية بالنسبة إلى موضوعاتها، هنا ننظر إلى موضوعات المسائل.
وموضوع العلم لا يخرج عن أحد أمرين:
الأمر الأول: إما أن يكون نفس مسائله حقيقة وعينها واقعاً.
الأمر الثاني: أو أنها مصداق من مصاديقه وحصة من حصصه.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
فالأول نحو الكلمة اسم وفعل وحرف، فالكلمة التي هي موضوع علم النحو هي عينها التي تكون موضوعاً لمسائله بوصفها اسماً أو فعلاً أو حرفاً.
وقد يكون الموضوع كلياً وتكون موضوعات المسائل مصاديق له ويكون حينئذٍ متغايراً معها مفهوماً متحداً خارجاً.
الآن نرى أنه ما الدليل على الخاصية الثانية، أي: إنه ما الدليل على أن يكون موضوع العلم إما نفس موضوعات مسائله أو كلياً تندرج تحته تلك الموضوعات؟ وذلك؛ لأنه لوكان موضوع العلم مبايناً لموضوع المسألة لما كان محمولها عرضياً ذاتياً بالنسبة إلى العلم بل يكون عرضاً غريباً لوجود هذا التباين المفروض فإنّ محمول المسألة يكون عرضياً ذاتياً للمسألة نفسها لا لما هو مباين عنها كموضوع العلم، وبذلك تنتقض القاعدة الأولى، ومادامت القاعدة الأولى ثابتة إذن فالثانية ثابتة، فالقاعدة الأولى تصلح أن تكون دليلاً على الثانية.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص7: “والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم”.
إنّ كل مجموعة قد جمعت عن قصد وتفكير، مهما كانت تلك المجموعة، يحق لنا أن نتساءل عن القدر المشترك الذي وحّد بينها وعن الجهة التي ميّزتها عن غيرها من حيث إنه لماذا لم يُدخل الجامعُ أفراداً أخرى في حيّز هذه الأفراد.
نفس هذا التساؤل يرد في العلوم أيضاً؛ لأنّ العلم مسائل متفرقة ومتغايرة إما موضوعاً أو محمولاً أومن حيث الموضوع والمحمول فما الجهة الجامعة بينهما وما هي جهة الامتياز؟ أما الاتحاد في الموضوع مع التغاير في المحمول فنحو الصلاة واجبة، والصلاة في الحمام مكروهة، وأما الاتحاد في المحمول مع التغاير في الموضوع فنحو الصلاة واجبة والزكاة واجبة وأما التغاير في المحمول والموضوع فنحو الصلاة واجبة والكذب حرام.
وهذا ما أجاب عنه الآخوند بقوله: “المسائل عبارة عن جملة من قضايا مشتّتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم“. فجهة الاشتراك هو الغرض الواحد الذي جمعت من أجله مسائل العلم ووحدت في إطار واحد، إذن فهذه المسائل قد وحّدت لأجل دخلها في غرض
ــــــــــ[25]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الكاتب في تدوين العلم. وهذا نفسه يكون جهة الامتياز فإن المسائل الفلانية إنّما لم تدخل في العلم، لأنها غير داخلة في الغرض. ومن هنا نستطيع أن نفهم الجواب عن مسألة تداخل العلوم، فموضوعات العلوم التي هي أعم أو أخص لا يجوز أن تذكر في العلم المعيّن لا لأنّها أعراض غريبة كما ذكروا بل لأنها خارجة عن الغرض الذي لأجله دوّن العلم.
قال ص7: “فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل مما كان له دخل في مهمين لأجل كل منهما دوِّن علم على حدة فيصير من مسائل العلمين”.
قلنا: إنّ رأي الآخوند أن ما به الاشتراك بين مسائل العلم الواحد وما به التمايز بين العلوم هو الغرض الذي لأجله دوّن ذلك العلم. وهذا من القضايا الواضحة التي قياساتها معها؛ لأنّ تأليفات العلوم كانت مقصودة للعلماء الذين وضعوها ولم يكن أمراً طبيعياً ولا أنه وقع صدفة بل هو حركة مقصودة للعقلاء فلا بد أن يكون الغرض ملحوظاً فيها.
يوجد في مقابل هذا الرأي رأي آخر واحتمال وإن لم يقل بهذا الاحتمال أحد، أحدهما: وهو الرأي أن التمايز والاشتراك إنما يكون بين العلوم بموضوعاتها فمسائل علم النحو تشترك بموضوع واحد هو الكلمة، ويمتاز عن علم الفقه بأن موضوعه الكلمة وعلم الفقه موضوعه فعل المكلف.
ثانيهما -وهو الاحتمال-: إن المحمولات هي منشأ التمايز والاشتراك وهي
ــــــــــ[26]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
بالنسبة إلى النحو الإعراب والبناء ويمتاز عن علم الفقه أن الأخير لا يبحث حول ذلك بل إن المحمولات فيه هو الاقتضاء والتخيير.
ثمَّ قال الآخوند “فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل مما كان له دخل في مهمّين لأجل كل منهما دوّن علم على حدة فيصير من مسائل العلمين”.
فرّع على رأيه في أن جهة التمايز والاشتراك هو الغرض، إمكان التداخل الجزئي، فيمكن أن يكون هناك علمان وهناك بعض المسائل مندرجة في كلا العلمين، مثل أن صيغة (افعل) للوجوب، وأن (كل) للعموم فإنهما مسألتان كما تذكران في الأصول تذكران في اللغة؛ وذلك لأن غرض علم الأصول هو القدرة على الاستنباط وغرض علم اللغة هو القدرة على التعبير العربي، فدخول هاتين المسألتين فيهما إنما هو لاندراجهما في غرض كُلٍ من العلمين. إذن فالتداخل الجزئي مفهوم بالنسبة إلى مسلكنا.
وهذا في قبال من يقول: بأن التمايز إنما يكون بنفس مسائل العلم وبناء على هذا فالتداخل بهذا المعنى غير معقول، لأنهما إن اشتركا في بعض المسائل يبطل ما به الامتياز ويبطل حينئذٍ تعددهما فلا يكونان علمين بل علماً واحداً، بخلاف ما هو على مبنانا فإن ما به الامتياز هو الغرض وهولا يبطل بالتداخل الجزئي.
قال: ص7 “لا يُقال علي هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما في ما كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا لا يكاد انفكاكهما…”.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
لا يُقال: بأنه على القول بأن التمايز يحصل عن طريق الغرض لا مسائل العلم فإنه يجوز التداخل الكلي، وذلك إذا فرضنا أن هناك خمسين مسألة لها دخل في غرضين متباينين ولكنهما متلازمان، مثل (حاشية ملا عبد الله)(1)، فإنّها تؤثر صون العقل عن الخطأ في الفكر والقدرة على الجدل وحينئذٍ فيمكن أن يُؤسَس عليها علمان: علم المنطق بالنسبة إلى الغرض الأول، وعلم الجدل بالنسبة إلى الغرض الثاني.
وعلى كل حال فإنكم بين محذورين فإما أن تقولوا بأن الغرض هو الأساس في تمايز العلوم فلا بدّ أن تلتزموا بإمكان التداخل الكلي، وإما أن تلتزموا بأن التمايز يكون عن طريق المسائل فتعترفوا بعدم إمكان التداخل الجزئي فضلاً عن الكلي.
قال ص7: “فإنه يُقال مضافاً إلى بُعد ذلك بل امتناعه عادة…”.
فإنّه يقال: بأن هذا مردود من جهتين:
الجهة الأولى: إنه بعيد بل ممتنع عادة، أما الاستبعاد فواضح، أما الامتناع فيمكن أن يفسر بوجهين:
الوجه الأول: إن المقصود منه هو من باب استحالة صدور الكثير من الواحد؛ لأنّ مجموعة المسائل هذه إذا أثّرت في غرضين يلزم منه صدور الكثير من الواحد وهو محال. إلَّا أنّ الاستحالة تكون حينئذٍ عقلية.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) حاشية الملا عبد الله بن الحسين اليزدي على تهذيب المنطق لعمر بن مسعود التفتازاني.
محاضرات في كفاية الأصول
إذن، فلماذا عبّر الآخوند بأن الاستحالة عادية، ونحن في هذا السبيل لا بدّ أن نعرف معنى المستحيل العقلي والمستحيل العادي.
الامتناع: هو حكم العقل دائماً، وليس لدينا امتناع غير عقلي وإنما نسمي ذلك باعتبار الموضوع فتارة يحكم العقل بالنظر إلى ذات الشيء وتارة يحكم العقل على الشيء مع ملاحظة ظروفه الطبيعية المحيطة به، فإذا لاحظنا الإنسان بذاته يُحكَم باستحالة وجوده في مكانين في آن واحد، وإذا لاحظنا مع الإنسان ظروفه المتعارفة فإنه يحكم عليه باستحالة الطيران؛ لأنّ من ظروفه المتعارفة كونه مفقود الجناح وليس له القوة الروحية التي تمكنه من الطيران كالتي كانت لنبي الإسلام(1).
قلنا: إن الإشكال ينحصر بين شقّين فإما أن نلتزم بأن المسائل هي المواد في وحدة العلوم وتمايزها فلا بدّ أن نلتزم بامتناع التداخل حتى الجزئي منه، وأما أن نلتزم بأنه الغرض فلا بدّ أن نلتزم بإمكان التداخل الكلي لإمكان وجود مجموعة من المسائل يصدر منهما غرضين متباينين.
وقد أجاب الآخوند على هذا الإشكال بجوابين:
الأول: إنه بعيد بل ممتنع عادة، وقلنا: إنّ معنى الامتناع العادي يمكن أن يفسر بشكلين:
الشكل الأول: باعتبار استحالة صدور الكثير عن الواحد، ولكننا قلنا: إنّ
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() من 5/4/1382 إلى 10/4/1382 شاغر من الدرس لمرض ألمّ بالسيد سلّمه الله تعالى. (المقرر).
محاضرات في كفاية الأصول
هذا امتناع عقلي وليس بعادي، والفرق بين الامتناع العقلي والعادي مع أنهما جميعاً يُدركَان بالعقل بأن الامتناع العقلي يكون للشيء بلحاظ ذاته، والعادي يكون للشيء بلحاظ ظروفه الطبيعية المحيطة به.
الشكل الثاني: ففي المقام يناسب أن يكون المراد من الامتناع العادي هو أن المسائل الموجودة في تاريخ الفكر البشري يستحيل أن يترتّب عليها غرضان، أي: أنّ هذه المسائل المسبوكة بهذا النحو من السبك بما لها من الموضوعات والمحمولات والنسب هي قاصرة عن إصدار غرضين قصوراً ذاتياً، وذلك كأن نقول: إنّ الطاقات الحرارية الموجودة على وجه الأرض فيها قصور ذاتي(1) عن أن تحرق العالم بلحاظ الأوضاع التي سادت قبل التوصل إلى فلق الذرة. وذلك لا ينافي أن تترتب المسائل بشكل يغاير هذا الشكل ويكون لها تاريخ غير هذا التاريخ وبالجملة تمرّ عليها ظروف طبيعية غير الظروف التي مرّت عليها فيكون باستطاعة مسائل العلم إصدار غرضين في آن واحد تكون بلحاظ كل غرض علماً مستقلاً، كما أنّه حدث بعد التوصل إلى تفجير الذرة أن ارتفع
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) الجمود الركود، وهو فقدان النشاط والمبادرة، والعجز عن الفعل والحركة، وله عند العلماء معنيان: أحدهما مادي، والآخر نفسي. اما الجمود المادي فهو صفة للمادة تحافظ بها على سكونها، او ركتها، ما دامت بمعزل عن التأثير الخارجي، ويسمى هذا الجمود بالقصور الذاتي، واما الجمود المعنوي فهو حالة للنفس تفقد معها نشاطها واقدامها حتى تصبح عاجزة عن ردّ الفعل على المؤثرات التي تتعرض لها. المعجم الفلسفي لجميل صليبا 1: 141 بتصرف، وانظر ايضاً، فلسفتنا محمد باقر الصدر 378.
محاضرات في كفاية الأصول
القصور الذاتي الذي كانت تتصف بها القوى الحرارية الأرضية وأصبح باستطاعتها أن تشمل العالم بأسره، وليس معنى ذلك أن المستحيل قد أصبح ممكناً بل أن الظروف قد تبدّلت عليها.
فإذا كان التداخل الكلي ممتنع عادة لم يبقَ من مستلزمات القول بأن الغرض هو سبب تمايز العلوم سوى التداخل الجزئي، وهو شيء معقول. إذن فهذا الضابط إنما يتم بالنسبة إلى المسائل الموجودة بين يدينا الآن والممكن كسبها بالشكل الحالي، لا كل المسائل على الإطلاق.
قال ص7: “وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل فإن حسن تدوين علمين…”.
الجواب الثاني: ينظر الآخوند في هذا الجواب إلى زاوية أخرى فيقول: إن مسألة تعدد العلوم ووحدتها ليست مسألة عقلية بل هي مسألة عقلائية، ترجع إلى استحسان العقلاء واستهجانهم، إذن فلا بد أن نلتزم بالتعدّد والوحدة في حدود ما يستحسنونه وما يستهجنونه، ونحن نراهم يستهجنون التداخل الكلي في حين أنهم لا يستهجنون التداخل الجزئي ولا يرون ضيراً بانتماء المسألة الواحدة إلى علمين مختلفين.
إذن، فلا بدّ أن نقيّد القاعدة التي وضعناها أنه إذا تعدّد الغرض تعدّد العلم نقيّدها برأي العقلاء فما استلزم استهجانهم وهو التداخل الكلي نرفضه وإلّا قبلناه.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ثمَّ يقول الآخوند الذي كان قد ذكر فقط أن الغرض يكون سبباً لوحدة العلم واشتراك مسائله فيه في قوله “والمسائل عبارة عن جملة من قضايا مشتتّة جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم”. يقول الآن أن الغرض هو عينه ما به الامتياز أيضاً وهذه عبارته “وقد انقدح بما ذكرنا أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين، لا الموضوعات ولا المحمولات وإلاّ كان كل باب بل كل مسألة من كل علم علماً على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل” وذلك لأن؛ المسائل ربما اختلفت بموضوعاتها أو بمحمولاتها أو بكلا هذين الأمرين.
ويمكن أن يجاب على الآخوند بأنه: لعلّ المراد من الموضوع الذي يكون مدار التمايز والاتحاد في العلوم هو الموضوع الكلي، كالكلمة بالنسبة إلى النحو، لا الموضوعات الخاصة في مسائله. ويمكن أن يدافع صاحب الكتاب في المقام بأن هذا الموضوع الواحد إنما استكشفناه من الغرض الواحد عن طريق قاعدة الواحد، إذن فالغرض سابق عليه في الرتبة، فلماذا نجعل المدار هو المتأخر رتبة، ولا نجعل المتقدّم (وهو الغرض) هو المدار.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص8: “ثم إنه ربما لا يكون لموضوع العلم وهو الكلي المتّحد مع موضوعات المسائل”.
قدّم الآخوند مقدمة للاعتذار عن ذكر موضوع علم الأصول فذكر أن موضوع العلم ككل حقيقة في العالم لها مقامان مقام ثبوت ومقام إثبات وعدم وجودها في مرحلة الإثبات لا يدل على عدم وجودها في مقام الثبوت أي أن عدم معرفتنا للحقيقة لا يضر بوجودها الواقعي.
فإذا وجدنا علماً تامّ التفاصيل، وله غرض واحد واستكشفنا عن طريق القاعدة العقلية أن له موضوعاً وإن هذا الموضوع هو واحد كلي. فإن عدم كشفنا له تفصيلاً وتحديدنا له بالضبط لا يضر بعدم وجوده في الواقع ولا في موضوعيته للعلم بعد أن علمنا بمقتضى القاعدة السابقة إجمالاً بوجوه.
ونحن في هذا الحال نكتفي بالإشارة إليه إشارة إجمالية فنقول: إنّه الكلي المنطبق على خصوصيات مسائل العلم والذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية والذي هو نفس موضوعات مسائله عيناً وما يتحد معها خارجاً، إذن فموضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله، وتعبيرنا عنه بالإجمال لا يضر في وجوده الواقعي ولا بموضوعيته لعلم الأصول.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال الآخوند ص8: “لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة”.
وإنما نرى هذا الرأي حتى لا نَبتليَ بما ابتُليَ به صاحب القوانين حيث ذكر أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة بما هي أدلة(1)، وصاحب الفصول حيث ذكر مشكلاً على صاحب القوانين أن موضوع علم الأصول هي ذوات الأدلة الأربعة لا بما هي أدلة(2).
أما صاحب القوانين فقد أخذ الدليلية قيداً في موضوع العلم، ولعلّ الوجه في ذلك أن علم الأصول مكرّس للبحث حول أعراض الأدلة الأربعة بما هي أدلة لا بما هي شيء آخر. فإن البحث في التقييد والإطلاق والنسخ في القرآن هو بحث عن دليليته الشرعية.
لا كالبحث عنه في علم التجويد باعتباره كلاماً ذا نغمة خاصة، فلو قال قائل بأن الموضوع هو نفس الأدلة لا بما هي أدلة لوجب أن يبحث عن جميع أعراض الموضوع، مما يوجب دخول مباحث علم التجويد كلها في علم الأصول.
قال الآخوند ص 8: “بل ولا بما هي هي”.
أما رأي صاحب الفصول فلعلّ الوجه فيه هو أن قيد الدليلية لو أدخلناه
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) قوانين الأصول: 9.
(2) الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 12.
محاضرات في كفاية الأصول
في موضوع علم الأصول لما جاز أن يبحث عنها -أي الدليلية- فيه لأنه لا يبحث في العلم عن نفس موضوعه بل عن عوارضه الذاتية بعد تمامية موضوعه، مع أننا نبحث عن الدليلية والحجية فنقول هل ظواهر الكتاب حجة هل الإجماع حجة. ولعلّ صاحب الفصول ردّ إشكال صاحب القوانين عن وجوب البحث في كل علم عن تمام أعراضه الذاتية بانه ليس من الضروري ذلك فنحن قلنا أنه لا يبحث في العلم إلّاَ عن عوارض موضوعه الذاتية ولم نقل أنّه يجب أن يبحث فيه عن تمام تلك العوارض وكم فرق بين العبارتين؟
قال ص8: “ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها…“.
الآخوند لا يقبل هذين القولين ويُشكل بإشكال مشترك وحاصله: إن السنة لها تفسيران:
التفسير الأول: أنها قول المعصوم وفعله أو تقريره.
التفسير الثاني: أنها قول المعصوم وفعله وتقريره وهي أيضاً الخبر الذي يحكي هذه الأمور كقول زرارة.
فإذا أخذنا بالنظرية الأولى في تفسير السُنّة، فجملة من أهم مباحث الأصول تخرج عن موضوع العلم؛ لأنها لا يبحث فيها عن الأدلة الأربعة مع أنّه يجب أن تكون جميع موضوعات المسائل أعراض له. وذلك مثل حجية خبر الواحد فالموضوع هنا هو الخبر الواحد وهو ليس سّنة لأنه ليس قولاً للمعصوم
ــــــــــ[35]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ولا فعلاً ولا تقريراً بل هو نقل لأحد هذه العناصر ونحن قد أخرجنا النقل عن نطاق السُنة وهو بالطبع ليس كتاباً ولا عقلاً ولا إجماعاً إذن فنحن بحثنا عن عرض لموضوع ليس من موضوعات العلم. وأيضاً تخرج عمدة مسائل التعادل والتراجيح لأن البحث فيها منصب على حجية الخبرين الظنيين وعدمها عند تعارضهما، وهذان الـخبران ليسا داخلين تـحت أي عنـوان من الأدلة الأربـعة -كما سبق وجهه-. وإنما قال عمدة المسائل لأن هذه العمدة هي البحث عن تعارض الخبرين الظنيين. أما البحث عن تعارض الدليلين القطعيين كالآيتين إذا تعارضتا والعقل والإجماع فإنه بحث عن نفس الأدلة فتدخل ضمن الأدلة الأربعة ولكنها ليست عمدة مباحث التعادل والتراجيح.
قال ص8: “ورجوع البحث فيهما في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد في مسألة حجية الخبر كما أفيد…”.
قلنا: إنه لوكان الموضوع هو الأدلة الأربعة وأخذنا السنة بمقتضى التفسير الأول، يلزم خروج بحث حجية الخبر الواحد وحجيته عند التعارض؛ لأنّ هذه الحجية من عوارض الخبر لا من عوارض السنة.
والآن ينقل الآخوند جواباً ذكره الشيخ الأعظم في الرسائل(1) ثمَّ يجيب عنه بجوابين.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) فوائد الأصول 1: 108.
محاضرات في كفاية الأصول
لا يُقال: إنّنا نرى بحسب المستوى الظاهري للعنوان في حجية خبر الواحد إن البحث يدور حول نفس الخبر من حيث هو نقل لقول الإمام ولكنّنا إذا دققنا النظر ونظرنا من ناحية أعمق وجدنا أن البحث يرجع إلى السُنّة نفسها، وذلك بأن نقول بأن مرجع حجية خبر الواحد ومعناها هو البحث عن أن السُنّة هل تثبت بالخبر الواحد أو لا تثبت؟ فالبحث يدور إذن عن عوارض السُنّة نفسها لا عن عوارض الخبر الواحد كما يبدو لأول وهلة.
فإنه يُقال: إننا نتساءل عن قولنا إن السُنة هل تثبت بخبر الواحد أو لا؟ ماذا نريد بالثبوت في المقام؟ فإن للثبوت معانٍ ثلاث: فتارة يراد به الثبوت الحقيقي الواقعي الوجداني أي أن كلام المعصوم يوجد بكلام زرارة، بحيث يكون كلام زرارة من علل كلام المعصوم، وتارة يكون المقصود به العلم بكلام المعصوم علماً حقيقياً عن طريق الخبر، فيكون واسطة في الإثبات، وتارة ثالثة يراد منه الثبوت الشرعي التعبدي بمعنى أنّه هل يكون الخبر حجة شرعية أو لا؟
والآخوند ذكر الوجهين الأول والثالث وأما الوجه الأوسط قد أضفناه من عندنا.
فإن كان مراد الشيخ الثبوت الواقعي فلا يمكن أن يدخل البحث في علم الأصول عن الأدلة الأربعة، لأن البحث عن وجود كلام المعصوم الواقعي كلام حول وجود السنة لا بحث عن أعراضها في حين أنّه لا يبحث في كل علم عن وجود موضوعه، بل عن عوارض ذلك الموضوع بعد تمامية وجوده.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
وإن كان المراد هو الشقّ الثاني فهو غير صحيح لأن معنى الخبر الواحد هو الخبر الظني فلا معنى للتساؤل والبحث حول ثبوته عن طريق العلم.
أما الوجه الثالث فهو أقوى الوجوه ولكن هذا الثبوت التعبدي مرجعه إلى ثبوت حجيته، ومعنى حجيته هو جعل الحكم على مؤداه، وهذا الجعل من أعراض الخبر لا من أعراض كلام الإمام، لأنه لوكان من أعراض كلام الإمام لما أمكن وجوده مع عدم وجود الكلام واقعاً، في حين أننا نرتب الحكم على الخبر، ونعتبره حجة مع وجود احتمال توهّم زرارة في نقله.
هذا بالنسبة إلى الوجه الأول من معنى السنة، وأما إذا عمّمنا السُنّة إلى الخبر فإن هذا الإشكال يندفع حيث يدخل البحث حول الخبر عن السُنّة نفسها، إذن فلابد أن نبحث عن إشكال آخر.
قال ص9: “وأما إذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها فلأن البحث في تلك المباحث وإن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى”.
أما إذا أخذنا النظرية الثانية في السُنّة وأدخلنا في جملتها الخبر الحاكي عن كلام المعصوم وفعله وتقريره فالإشكال السابق يندفع لأن البحث يكون حول السنة نفسها حينئذٍ، إذن فلا بد أن نبحث عن إشكال آخر.
والإشكال هو كما يلي: إن البحث في جملة من علم الأصول لا يخص الأدلة الأربعة فقط بل يعمّ غيرها أيضاً.
قلنا في أول البحث أن موضوع العلم يشترط فيه أحد أمرين:
ــــــــــ[38]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الأمر الأول: أن تكون محمولات مسائل العلم أعراضاً ذاتية له.
الأمر الثاني: أنه نفس موضوع المسألة أو مصداق من مصاديقها يتّحد معها خارجاً وإن كان يغايرها مفهوماً.
والإشكال السابق انصبّ على أن الخاصية الأولى غير موجودة بتقريب أن البحث عن عوارض الخبر الحاكي عن السنة -كثبوت الحجة له مثلاً- بحث عن عرض غريب بالنسبة إلى علم الأصول وليس من عوارض علم الأصول الذاتية؛ لأنّ موضوع علم الأصول هوالأدلة الأربعة كما هو المفروض في حين أن الخبر ليس من واحد منها فما يعرض عليه يكون عرضاً غريباً بالنسبة إليها.
والإشكال هنا منصبّ على أن الشرط الثاني للموضوع غير متوفر في موضوع علم الأصول إذا كان هو الأدلة الأربعة، بتقرير أنه يبحث في علم الأصول أبحاثاً لا هي من الأدلة الأربعة نفسها ولا مصداق من مصاديقها كصيغة (افعل) التي هي للوجوب، فإنها ليست من الأدلة الأربعة، بل بين الجهتين عموم وخصوص من وجه، من حيث إنها قد ترد في الكتاب والسنة وقد ترد في غيرهما. إذن فهو ليس نفس موضوع الأدلة الأربعة ولا هو مصداق من مصاديقها بل هما كلّيان بينهما عموم من وجه، وهذا يرد في جميع مباحث الألفاظ لأن موضوعات المسائل فيها طبيعي اللفظ العربي لا خصوص ما ورد منها (أي من الألفاظ) في الأدلة الأربعة (وإن كان المهم معرفة أحوال خصوصها كما لا يخفى).
ويرد أيضاً في غير مباحث الألفاظ حيث لا يكون نفس مسائل الأدلة
ــــــــــ[39]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الأربعة ولا مصداقاً من مصاديقها كأن نتساءل هل أنّه في مورد الشك في التكليف تجري أصالة البراءة أو الاحتياط؟ فما الصلة بين هذه المسألة وبين الأدلة الأربعة؟
(ويؤيد ذلك تعريف الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية) ففي هذا التعريف لم تدخل الأدلة الأربعة فنعرف من إطلاقه أنّه ليست الأدلة الأربعة هو الموضوع الكلي لعلم الأصول.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال في ص9: “ويؤيد ذلك تعريف الأصول بأنه (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية) وإن كان الأولى تعريفه بأنه صناعة...”.
استشكل الآخوند على هذا التعريف من نواحٍ ثلاثة:
الناحية الأولى: أخذ العلم فيه وظاهر العلم الفعلية، مع أن علم الأصول لم يؤخذ بنحو الفعلية بل بنحو المَلَكَة، فأبدل لفظ العلم بلفظ الصناعة.
الناحية الثانية: قُيِّدت القاعدة بأنها التي مُهّدت لاستنباط الحكم الشرعي، مع أن القاعدة الأصولية تكون ثابتة وإن لم يلتفت إليها العلماء، فالقاعدة وإن لم تُمهّد هي أصولية فالإعداد الفعلي ليس شرطاً فيها، ومن هنا أبدلها الآخوند في تعريفه الذي اختاره بـ“القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام“.
الناحية الثالثة: لو فرضنا أننا قَصرنا التعريف على هذه القواعد لخرج من التعريف الأصول العملية، وحجية الظن على الحكومة.
الأدلة على أقسام:
ــــــــــ[41]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ثمَّ شرح أستاذنا سلّمه الله عبارة الآخوند حول مسألة حجية الظن على الحكومة فقال:
هناك استدلال يُستَدَل به على حجية الظن يسمّى بدليل الانسداد والذي من مقدّماته، العلم بوجود تكاليف إجمالية لدى الشارع، ومنها القطع بعدم تنازل الشارع عن حكمه، ومنها انسداد باب العلم والعلمي.
هناك خلاف أن حجية الظن المستنتجة من دليل الانسداد هل هي عقلية
ــــــــــ[42]ــــــــــ
() ثمَّ شرح أستاذنا سلّمه الله عبارة الآخوند حول مسألة حجية الظن على الحكومة فقال… (المقرر)
محاضرات في كفاية الأصول
أو شرعية، ومعنى كونها من حكم العقل أنها عبارة عن معذورية عقلية للعامل بالحكم القائم على مقتضاها، ومعنى كونها شرعية أن الظن أمارة عند الشارع كخبر الثقة، فإن كانت حجية الظن شرعية فإنها تدخل في القسم الثاني، أما إذا كانت عقلية فتدخل في القسم الثالث لأن القاعدة العقلية لا تدل على الحكم الشرعي لا واقعاً ولا تعبداً، فإذا أخذنا بالتعريف المشهور تخرج مثل هذه القاعدة. ولذا فقد أدخلها الآخوند في تعريفه.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال: ص10 “الوضع هو نحو اختصاص للفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما…”.
ويرد الكلام في الوضع من عدّة جهات:
الجهة الأولى: في تعريف الوضع.
الجهة الثانية: في الأقسام الممكنة للوضع.
الجهة الثالثة: فيما وقع من الأقسام الممكنة.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
فلا إشكال من وجود علقة خاصّة بين اللفظ والمعنى لم تكن موجودة قبل الوضع، وهذه العلقة هي من مميزات الوضع.
ولكن الكلام وقع في أن الوضع هل هو نتيجة جعل العلقة أو هو الجعل نفسه بمعنى أنّه هل هو التخصيص بمعنى المصدر أو الاختصاص بمعنى اسم المصدر؟ الآخوند يذهب إلى أنه اختصاص بمعنى اسم المصدر لذا يضاف إلى اللفظ حقيقة ولا يضاف إلى الواضع إلّاَ بمؤونة، فهو عبارة عن نتيجة العملية التي أجراها الواضع حين ربط بين اللفظ والمعنى. ولذا قال الآخوند (نحو اختصاص) في مقابل من يذهب إلى أنّه نحو تخصيص.
وهنا يجمل الآخوند في تعبيره فيقول (نحو اختصاص) حيث لم يُفصِح عن ماهية هذا الاختصاص، هل هو حقيقي تكويني أو جعلي؟ إنها أمور غير موجودة في الكفاية.
قال ص9: “ناشٍ من تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيه أخرى وبهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني والتعيني كما لا يخفى”.
وينقسم الوضع إلى تعييني وتعيّني فالأول هو ذو واضع واحد مخصوص،
ــــــــــ[47]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
والثاني هو الوضع الذي نشأ من كثرة الاستعمال حيث استعمل في أول الأمر كمجاز عادي بقرينة من القرائن ثمَّ أصبح مجازاً مشهوراً ثمَّ ترقّى إلى الحقيقة، ومن هنا نرى أن تعريفنا للوضع بالاختصاص يمكن أن ينقسم إلى هذين القسمين. أما إذا فسّرنا الوضع بأنه تخصيص فلا يمكن أن ينقسم إلى كلا هذين القسمين لانتفاء التعيّني فيه حيث لا واضع فيه.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال في ص10: “ثم إن الملحوظ حال الوضع إما يكون معنى عاماً فيوضع اللفظ…“.
الوضع عملية اختيارية قائمة بين طرفين هما اللفظ والمعنى وصاحبه هو الواضع، وكل عملية تصدر من فاعل مختار تتوقف على تصور طرفي العملية وهما هنا اللفظ والمعنى.
وحينئذٍ فالوضع باعتبار تصوّر المعنى ينقسم إلى أقسام، أما أقسامه الفرضية فأربعة:
ــــــــــ[49]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال: ص10 “وذلك لأن العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك فإنه من وجوهها…”.
وأما بحسب الإمكان فلا إشكال بإمكان القسمين الأولين لأن شرط الوضع متوفر فيهما وهو تصور كُلاً من اللفظ والمعنى، أما بالنسبة إلى القسم الثالث وهو أن يكون المتصور عاماً والموضوع له خاصاً فقد يقال إنه مستحيل لأن؛ المتصور فيه غير الموضوع له، ولكن يجاب عن هذا أن الشرط في الوضع ليس هو التصور التفصيلي أي بلحاظ جميع العناوين المنطبقة عليه بل يكفي التصور الإجمالي بعنوان واحد يدل عليه. فالعنوان مرآة ذهنية إلى المعنى فمرة نتصور المعنى بجميع العناوين وتارة نتصور بأحد العناوين، وهذا الأخير هو التصور الإجمالي، وفي الوضع يكفي التصور الإجمالي لأنه كافٍ في تحقق العملية الاختيارية، إذن فهذا القسم (الثالث) معقول.
أما القسم الرابع فهو غير معقول لأنه تصور زيداً الخاص ويريد أن يضع للعام والخاص ليس عنواناً للعام بوجه من الوجوه، فلا يكون العام متصوراً لا بكل العناوين ولا بعنوان واحد، إذن فهذا شيء غير معقول لأن المعنى فيه غير متصور.
قوله: ص10 “نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاما…“.
قد يقال: إنّ هذا ممكن بنحو تداعي المعاني حيث ينتقل ذهنه من الخاص
ــــــــــ[50]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إلى العام فيضع له. فيجاب أن هذا يكون من باب الوضع العام والموضوع له عام لأن الواضع بعد أن انتقل ذهنه إلى العام تصوّره ووضع له نفسه، وذلك كما إذا انتقل ذهنه من الكلي إلى الجزئي ووضع اللفظ للجزئي فإنّ الوضع هنا يكون خاصاً لا عاماً لأن المتصور هو الجزئي نفسه، والموضوع له خاصاً أيضاً.
ولكن كلامنا في القسمين الأخيرين يتم مع تجرّدهما عن تداعي المعاني، وعلى هذا الأساس يكون القسم الرابع مستحيلاً لأن الخاص لا يكون وجهاً للعام.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال في ص10: “ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص والموضوع له الخاص كوضع الأعلام وكذا الوضع العام والموضوع له العام…”.
لا إشكال من وقوع الأول كأعلام الأجناس وأسماء الأجناس ووقوع الثاني كأعلام الأشخاص.
وأما الثالث فقد قال الآخوند بأنه (قد تُوهّم) وقوعه ومثّلوا له بالحروف وأسماء الموصول.
وقد اختلف في وضع الحروف فقيل إن الوضع فيها عام والموضوع له خاص وقيل إن الوضع والموضوع له فيها عامّان، ولكنها مستعملة في المعنى الخاص، ومعنى ذلك أن الاستعمال يكون مجازياً دائماً لأنه استعمال في غير ما وضع له، لذا فقد أهمل ذكره الآخوند.
ومشكلة الحروف تثار في كل لغة باعتبارها مسألة وجدانية، فإن هناك فرقاً بين الحروف وبين الاسم الذي يعطي معناه كالفرق بين (من) وبين الابتداء وبين (في) والظرفية وبين (عن) والتجاوز وصار المحققون يفكرون في تحقيق هذا الفرق.
إشكال الآخوند على القول بأن الوضع في الحروف عام والموضوع خاص.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال في ص11: “وأما الوضع العام والموضوع له الخاص فقد توهم أنه وضع الحروف وما ألحق بها من الأسماء…”.
فقيل في أول الأمر أن الفرق بينهما من حيث العمومية والخصوصية، لا من حيث الذات، فلهما إذن معنى واحد إلّاَ أن الوضع يختلف فيهما، ففي الحروف الوضع عام، والموضوع له خاص والاسم الذي بمعناهما الوضع والموضوع له عامان(1)، فالواضع حين وضع كلمة (من) وكلمة الابتداء قد تصور نفس الشيء وهو كلي الابتداء ولكنه وضع كلمة الابتداء لهذا الكلي بنفسه ووضع كلمة (من) لجزئي الابتداء، والآخوند صار بصدد تفنيد هذه النظرية.
وإبطالها يكون بأحد مسلكين فإما أن نعمّق الفرق بينهما أكثر مما تدعيه تلك النظرية ونقول: إن بينهما فرقاً جوهرياً ذاتياً لا مجرد الوضع، وهذا هو مسلك المتأخرين عن صاحب الكفاية، أو أن نناقش النظرية بتقريب الفرق بينهما، بأن نقول بأن الوضع والموضوع له عامان في كُلٍ من الاسم والحرف. وليس بينهما من هذه الجهة أي فرق. وقد اختار الآخوند هذا المسلك.
فذكر أن الشخص الذي يقول بأن الوضع في الحروف عام والموضوع له خاص يعترف بأن الواضع قد تصور معنىً عاماً وهو كلي الابتداء، ولكنه عندما وضع لفظة (من) خصصه وجعله جزئياً، فلا بدَّ أن نعرف كيف خصصه.
وذلك يتم بعد تقديم مقدمة: وهي أن كل مفهوم يتصوره العقل فهو كلي
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) الفصول الغروية في الأصول الفقهية 16.
محاضرات في كفاية الأصول
يقبل الصدق على كثيرين بحسب طبيعته، ولا يمكن أن يخرج إلى الجزئية إلَّا بالوجود لأن الوجود جزئي بنفسه ومتشخص بنفسه ويشخص غيره أيضاً. ولا يمكن أن يتحول إلى الجزئية بانضمام مفهوم آخر إليه.
والوجود ينقسم إلى وجود ذهني ووجود خارجي، والإنسان الموجود ذهناً جزئي وإنما نصفه بالكلية إذا جردناها عن صفتها الجزئية.
قال في ص11: “لأن الخصوصية المتوهمة إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئياً خارجياً…”.
وبعد هذه المقدمة نتساءل: كيف خصّص الواضع هذا الطبيعي وجعله جزئياً، فإن هذا التقييد متوقف على تقييده بالوجود الخارجي أو الوجود الذهني، فلا بدّ أن يدّعي صاحب هذه النظرية أحد هذين الأمرين. ومعنى تقييده بالوجود الخارجي وضعه للأفراد الخارجية ومعنى تقييده بالوجود الذهني وضعه للصور الذهنية، وكلاهما باطل فالمُدْعى أيضاً باطل.
فمعناه: أن اللفظ موضوع للأفراد الخارجية من المفهوم، وهذا باطل لأننا نرى كثيراً ما تُستعمَل الحروف في معنى كلي ينطبق على كثيرين، ولوكان موضوعاً للجزئيات الخارجية لما أمكن مثل هذا الاستعمال.
يقول الآخوند: ومن هنا اضطر صاحب الفصول إلى جعل الوضع للجزئي الخارجي، بمعنى الجزئي الإضافي لا الجزئي الحقيقي، فالحرف وإن
ــــــــــ[54]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
كان موضوعاً للأفراد الخارجية إلّاَ أن هذه الأفراد جزئية بالنسبة إلى مطلق الابتداء ولكنها كلية في نفسها، إذن المقصود بالجزئي هو الجزئي الإضافي وهذا الجزئي الإضافي كلي في الواقع ينطبق على كثيرين.
ثمَّ يقول الآخوند: إنّ هذا القول (كما ترى)، وهذا القول يمكن أن يفسر بتفسيرين:
أحدهما: وهو لا يمكن أن يكون مقصوداً للآخوند: وهو أن هذا القول لا يبرر كون الموضوع له جزئياً بل هو اعتراف بأن الموضوع له كلي والتسمية لا تبرر الواقع في قولك إنه جزئي، وإنما ليس هذا مقصود للآخوند لأنه يستدعي اعتراف الآخوند بتغاير المتصور والموضوع له فيثبت مُدَّعى صاحب الفصول.
وثانيهما: وهو الذي يجب أن يكون مقصوداً له رحمه الله: أن وضع الحروف للجزئي الإضافي غير صحيح، لأنه قد يكون مدلول(من) هو مدلول الابتداء بشكل مطلق وذلك كقولنا سرت من الشيء إلى الشيء ومدلولها هنا ليس جزئياً إضافياً، بل هو كلي مطلق ولوكان جزئياً إضافياً لما صحّ استعماله هنا.
قال في ص11: “وإن كانت هي الموجبة لكونه جزئياً ذهنياً حيث إنه لا يكاد يكون المعنى حرفياً إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر…”.
وأما الشق الثاني وهو: إذا ادعى أَخْذَ الوجود الذهني في وضع الحروف، والوجود الذهني هو عبارة عن اللحاظ والقصد.
ويبدأ الآخوند بتقرير دعوى الخصم فيقول: بأنه غاية ما يمكن أن يتمسك
ــــــــــ[55]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
به الخصم في المقام أن يقول: إن الوجود الذهني عبارة عن اللحاظ واللحاظ قسمان آلي واستقلالي، والاستقلالي هو عبارة عن وجود الشيء بنفسه في عالم الذهن والآلي هو وجود الشيء بتبع غيره في عالم الذهن، فإذا تصوّرت السير من البصرة إلى الكوفة فصورة الابتداء منطبعة في ذهني لا شك في ذلك ولكنه مرتبط بالمفاهيم الاستقلالية وهي السير والبصرة والكوفة، أما إذا تصوّرت أن الابتداء أحسن من الانتهاء فهنا الوجود في ذهني استقلالي.
فإذا ثبت هذا نرى أنّه هل عُبّر في اللغة عن كلا الوجودين بتعبير واحد أو بتعبيرين اثنين وأقل ملاحظة تكفي أن نثبت أن الأسماء تعبر عن الوجود الاستقلالي والحروف تعبّر عن الوجود الآلي، وهذا برهان على أن اللحاظ الآلي مأخوذ قيداً في الوضع ومعنى هذا أن الموضوع له هو جزئي ذهني، فـ(من) موضوعة للابتداءات الذهنية الجزئية التي تتغير من شخص إلى شخص ومن تعبير إلى تعبير.
وقد أشكل عليه الآخوند ثلاثة إشكالات:
الإشكال الأول: إن كل استعمال للفظ في معناه متقوّم بلحاظ المعنى إما باللحاظ الآلي أو باللحاظ الاستقلالي، فالاستعمال متقوّم بلحاظ المعنى المستعمل فيه، وهذا اللحاظ متأخر رتبة عن المعنى المستعمل له اللفظ.
فهذا الخصم ماذا يقصد باللحاظ الآلي؟ هل يقصد هذا الذي لا بدّ منه في الاستعمال أو يقصد لحاظاً آخر؟ فإن كان الأول يلزم أخذ المتأخر في المتقدّم وهو محال لأن اللحاظ الذي عرفنا أنّه متأخر رتبة عن المعنى كيف نجعله جزءاً
ــــــــــ[56]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
من المعنى وإلاّ لزم أخذ المتقدّم في المتأخر وهو محال.
أما إذا كان المقصود لحاظ آخر فما هو؟ هل هو مفهوم اللحاظ أو حقيقة اللحاظ؟
أما مفهوم اللحاظ فلا يفيده شيئاً لأنه أمر كلي وليس وجوداً حقيقياً للحاظ، بل هو يحتاج إلى لحاظ في استعماله، أما حقيقة اللحاظ فيلزم استعمال لحاظين على ملحوظ واحد، حيث يجتمع هذا اللحاظ مع ذلك اللحاظ الذي قلناه إنه لابد منه في الاستعمال، فإما أن يجتمعا معاً فهو محال أو أن نستغني عن اللحاظ الذي هو شرط في الاستعمال فهو محال أيضاً لأن كل ملحوظ لا بدَّ له من لحاظ.
والآخوند أشار إلى أنّه يلزم اجتماع لحاظين على ملحوظ واحد، وهو إنما يلزم في الصورة الثالثة، فيما إذا كان اللحاظ حقيقياً ولكنه غير اللحاظ الاستعمالي، ولا يلزم هذا الإشكال في الصور الأولى والثانية ولعل الآخوند إنما أهملها لوضوح ضعفها.
قوله ص11: “مع أنه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات لامتناع صدق الكلي العقلي عليها حيث لا موطن له إلا الذهن…”.
الإشكال الثاني: هو لزوم كون المعنى الحرفي كلياً عقلياً لا يمكن انطباقه على الخارج إلّاَ بتجريده عن الصفة الذهنية، وحينئذٍ يكون استعماله مجازاً؛ لأنّ المقيّد بالقيد الذهني يستحيل أن يكون في الخارج كما أن ما في الخارج لا يكون في الذهن بقيد كونه خارجياً، وبنفس كونه ذهنياً يستحيل أن ينطبق على
ــــــــــ[57]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الخارجيات، والكليات إنما تنطبق على الخارج بعد تجريدها من الصفة الذهنية، فلابدّ إذن أن نلغي القيد الذهني عند الاستعمال، ويكون الاستعمال مجازاً، في حين إننا لا نرى المجاز والتجوّز فيها وجداناً، ولوكان مقيداً ذهنياً لما أمكن ذلك إلّاَ بالتجوز.
قوله ص11: “وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستَعمَل فيه فيها كذلك ذاك اللحاظ في الحروف كما لا يخفى”.
الإشكال الثالث: إشكال نقضي بالأسماء: إذا تمّ ما تقولونه قد أُخذ اللحاظ الآلي في الحروف وأن الحروف لا تستعمل إلّاَ آلة فلماذا لا تقولون ذلك في الأسماء من حيث إننا نراها لا تستعمل إلّاَ بالمعاني الاستقلالية، إذن فقد أخذ فيها شرط الاستقلالية، ويكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً شأن الحروف، مع إنكم تعترفون أن الوضع والموضوع له في الأسماء عامّان.
(إذن) الوضع في الحروف عام والموضوع له عام، والمستعمل فيه عام أيضاً.
قال في ص12: “إن قلت على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ولزم كون مثل كلمة (من) ولفظ الابتداء مترادفين…”.
(فإن قلت): إننا نشعر بوجود فرق وجداني بين الأسماء والحروف، وقد حللناها -أي هذه المشكلة- فيما سبق بالتفريق بين الأسماء فإن الوضع والموضوع له فيها عامّان وبين الحروف فإن الوضع فيها عام والموضوع له خاص، أما إذا قلنا بأن الموضوع له عام في كليهما مع كون الوضع عام في كليهما
ــــــــــ[58]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
أيضاً، فإنهما يكونان مترادفين ويصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر، مع أنه ليس كذلك بالوجدان.
الجواب: إن الفرق بين الأسماء والحروف ليس في الموضوع له ولا في المستعمل فيه بل في الوضع.
الوضع -كما سبق أن قلنا- عملية يقوم بها الواضع يشد بها حبلاً بين اللفظ والمعنى، فمرة تكون الخصوصية في نفس الحبل بأن أقول إني أشد الطرفين بحبل أبيض، ومرّة تكون الخصوصية في أحد الطرفين كأن أقول إني أشد الأبيض بالحبل، فقد يكون البياض قيداً للشد أو للمشدود.
هذا نفسه يأتي في الوضع، فتارة أضع لفظة (حيدر) لهذا الإنسان مُقيَّداً بأن يكون في النهار فيكون قيداً للمسمى، فمتى أطلقها تدلّ على ذلك الإنسان في النهار، ومرة أطلقها على ذات الإنسان لكن العلقة نفسها أوجدها في النهار لا الليل، فيصح استعمالها في النهار دون الليل.
ففي باب الحرف كلاهما وضعا للابتداء بلا قيد بل نفس الوضع مُقيَّد بلحاظ الآلية، أما الوضع في الأسماء فمقيد باللحاظ الاستقلالي، فاللحاظ الآلي والاستقلالي قيد للوضع لا للموضوع له.
إذن، فعدم صحّة استعمال الحرف في الموارد الاستقلالية يعود إلى أنّه خلاف القيد في وضع الحرف، ولأنّ الشرط غير متوفر في الموارد الاستقلالية، لا أن الحرف موضوع للابتداء غير الاستقلالي، بل لأنه وضع للابتداء المطلق وقيد بعدم الاستقلال.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
فهذا هو السر في عدم صحّة استعمال أحدهما في موضع الآخر. وإلى هنا ينتهي المعنى الحرفي.
قوله: “لامتناع صدق الكلي العقلي عليها“: كان الأولى أن يقول: (الجزئي الذهني) لأن المعنى الحرفي في نفسه ليس كلياً، وإنما هو جزئي ذهني، وإنما قال ذلك تشبيهاً للكليات بالذهنيات، فكما أن الكليات العقلية مقيدة بالعقلية وهذا مُقيَّد ذهناً وهو أيضاً عقلي فهما متشابهان من حيث القيد العقلي وهو هناك الكلية وهنا الذهنية.
قال ص12: “ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والإنشاء أيضاً كذلك…”.
وقد وقع فيهما من الكلام والخلط من حيث شرط الوضع والموضوع له كما وقع في الأسماء والحروف.
ومن الواضح أن الجملة الخبرية والجملة الإنشائية تختلفان عن بعضهما البعض من حيث المحصّل، فبعتُ هذا الكتاب مع قصد الحكاية عن واقعة سابقة غيرها عند قصد إنشاء البيع في المقام الحاضر، والمعنى واحد فيهما، وهو النسبة القائمة بين الفعل والفاعل، ولكن تارة يقصد بها الحكاية عن أمر خارجي، فتكون خبرية أو يقصد منها إيجاد النسبة في الخارج باللفظ، فتكون إنشائية.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
وقد تُوهّم(1) أن هذا القصد الحكايتي في الجملة الخبرية والإيجادي في الجملة الإنشائية قد أُخذ في الموضوع له، ولكننا نستطيع أن نقول هنا نفس ما قلناه في الحروف والأسماء من حيث إن الآلية والاستقلالية فيهما شرط في الوضع لا في الموضوع له فنقول هنا إن القصد الحكايتي والإيجادي ليس شرطاً في الموضوع له وإنما هو في الوضع فقط، حيث وضع الجملتين كليهما لمطلق النسبة القائمة بين الفعل والفاعل وشرط لوضع الخبرية أن يقصد بها الحكاية ولوضع الإنشائية أن يقصد بها إيجاد النسبة، ومن هنا لا يمكن أن يستعمل أحدهما في مكان الآخر لتخلف شرط الوضع لا شرط الموضوع له.
والآخوند قد جزم في الحروف والأسماء برأيه في حين أنّه لم يستبعد ذلك هنا من حيث إنه قد أقام الدليل هناك على كون الآلية شرط للوضع في الحروف لا للموضوع له أما هنا فلم يقم لديه ذلك الدليل.
ولكنّنا نستطيع أن نقيم نفس ذلك الدليل في هذا الموضع أيضاً:
أولاً: أنّه يلزم اجتماع لحاظين على ملحوظ واحد؛ لأننا إذا قلنا بأن قصد الحكاية أو الإنشاء مأخوذ في الموضوع له فلا بدَّ من قصده عند الاستعمال وحينئذٍ فسوف يجتمع مع ذلك القصد أو اللحاظ الذي قلنا سابقاً أنّه لابد منه في كل استعمال.
ثانياً: إن المعنى حينئذٍ يكون ذهنياً لا يمكن انطباقه على ما في الخارج إلّا
ــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) الفصول الغروية في الاصول الفقهية 16.
محاضرات في كفاية الأصول
بقرينة وتجوز فيكون مجازاً وهذا خلاف الوجدان؛ لأنّ القصد أمر ذهني مأخوذ في الموضوع له.
قوله ص12: “ثم إنه قد انقدح مما حققناه أنه يمكن أن يقال إن المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضا عام…”
وتوهّم أيضاً في الموصولات وأسماء الإشارة والضمائر أن الوضع عام والموضوع له خاص، من حيث إن الواضع عندما أراد أن يضع اسم الإشارة (هذا) تصوّر طبيعي المذكر المشار إليه ووضع لأفراده.
وهذا خلط بين قيد المعنى الموضوع له وقيد الوضع ناشئ من أن الضمائر وأسماء الإشارة لا تستعمل إلّاَ في التخاطب والإشارة وهما يساوقان التشخص؛ لأنّ المخاطب والمشار إليه لابدّ أن يكون متشخصاً خارجاً، ومن هنا تُخّيل أن التخاطب والإشارة قيد في الموضوع له ويترتّب عليه أنّه لابد من التشخص في المعنى الموضوع له لكي يصح الاستعمال.
ولكنّنا يمكن أن نقول هنا كما قلنا هناك: إنّ التخاطب والإشارة قيد في الوضع لا للموضوع له، فإن الموضوع له هو الكلي الطبيعي، ولكن الواضع وضعه في أسماء الإشارة مشروطاً بأن يكون المتكلم في مقام الإشارة، ووضعه في الضمائر مشروطاً بأن يكون المتكلّم في مقام التخاطب.
ومن هنا فقط لا يجوز استعمال أحدهما في محل الآخر؛ لأنّ شرط الوضع غير متوفر عند قولك (هذا) تقصد به (هو)، لا أنّ هناك اختلافاً في الموضوع له في هذا المقام.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
وهنا أيضاً لا يتعدى الآخوند في رأيه مرحلة الإمكان ولا يرتقي به إلى الجزم كما في الحروف؛ وذلك لأننا هناك قد أبطلنا أن تكون الآلية مأخوذة في الموضوع له لأنه يكون جزئياً ذهنياً لا يمكن أن ينطبق على الخارج إلّاَ بتكلف ومجاز. وهنا نرى استعمال أسماء الإشارة والضمائر والموصولات يستدعي التشخص الخارجي وهو شيء معقول لا غبار عليه بخلاف الجزئي الذهني فإنه يؤدي بالاستعمال إلى المجازية كما سبق مكرراً.
وعند هذا الموضع يعطي الآخوند قاعدة عامّة، مستقاة مّما سبق وهي: إن جميع التشخصات والتعيّنات الناشئة من خصوصيات الاستعمال غير مأخوذة في الموضوع له ولا في المستعمل فيه، وهي في الحروف والأسماء اللحاظ الآلي والاستقلالي وفي الجملتين الخبرية والإنشائية الحكاية والإيجاد وفي أسماء الإشارة والموصول والضمائر التشخص الخارجي.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص13: “صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالوضع أو بالطبع وجهان بل قولان…”.
(الأمر الثالث): وقع في أن الاستعمال المجازي هل يحتاج إلى وضع كالمعنى الحقيقي أو أنّه لا يحتاج إلى وضع.
ولهذا الكلام ثلاث محتملات:
ــــــــــ[65]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
علاقة الجزء بالكل المجوزة للمجاز. والفرق هنا يبدو واضحاً بين المعنى الحقيقي والمجازي فالحقيقي موضوعاً وضعاً شخصياً والمجازي وضعاً نوعياً.
وهذا -الوجه الثالث- هو الظاهر من عبارة الآخوند؛ لأنّه عبر في سياق الحديث بالجواز وعدم الجواز مما يشعر أنّه أراد الوجه الثالث وإن كان قال في مبدأ البحث (صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالطبع أو بالوضع). هذا هو تقرير المسألة:
أما التحقيق في المسألة: فهو إن المجاز لا يحتاج إلى وضع بأي معنى من هذه المعاني فُرِض بل يصح الاستعمال المجازي بلا وضع أصلاً.
وتقريب ذلك: إنّ صحّة الاستعمال ليس له معنى إلّا الحسن والقبح، وليس معنى الصحّة هنا كالصحة في باب العبادات مثلاً، فإذا كان كذلك فما كان موافقاً للذوق يكون حسناً ويكون صحيحاً وما كان غير موافق للذوق يكون قبيحاً ويكون غير صحيح. إذن فمرجع الصحّة والغلط إلى الحسن والقبح.
إذا عرفنا هذا فنحن عندما نتساءل: أنّه هل يصح استعمال المجاز بلا وضع، مرجعه إلى قولنا هل يحسن بلا وضع، والحسن والقبح مرجعهما إلى الذوق، ونحن نرى بالوجدان أن استعمال اللفظ في غير ما وضع له حسن أجاز
ــــــــــ[66]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الواضع أو لم يجز أو حتى لو حرّم ذلك الاستعمال. وإذا كان مخالفاً للطبع فلا يصح أجاز الواضع أو لم يجز كأن يقول: أنا أجيز بأن يستعمل لفظ الأسد في الرجل الضعيف.
إذن، فالمدار في الصحّة هو الموافقة للطبيعة وعدمها الموجبة للحسن والقبح الموجبان للصحّة والغلط ولا اعتبار بإجازة الواضع وعدمها في المقام.
ثمَّ يشير الآخوند إلى صحة استعمال اللفظ في نوعه أو جنسه على نفس الأساس الذي صحّ به المجاز وهو الطبع لا الوضع.
مثال استعمال الكلمة في نوعها: تقول: ضرب فعل ماضٍ فهنا لم تستعمل الكلمة في الضرب الواقع في الزمن الماضي ولا في مشابهه؛ لأنّ مشابهه ليس فعلاً ماضياً، بل أردت بها نوع هذه الكلمة (ضَرَبَ)، وهذا لا يناسب استعمال اللفظ في غير ما وضع له لأنه لا علاقة بين المعنى وهو الحدث وبين الكلمة التي أخبرت أنها فعل ماض، إذن فلا يدخل في المجاز.
مثال استعمال الكلمة في مثلها: تقول زيد في ضرب زيد فاعل فالكلمتين (زيد وزيد) متماثلتان وقد أردت بالأولى الثانية وهذا ليس من استعمال اللفظ في غير ما وضع له فليس له علاقة بالمجاز لأنك استعملت الكلمة الأولى في الثانية ولم تستعملها في المعنى ولا علاقة لهذا اللفظ (زيد) بذلك الشخص الخارجي. إذن فجواز استعمال الكلمة في مثلها أو نوعها تابع للطبع حاله حال الاستعمالات المجازية، وهو إن كان يختلف عنها من حيث الصورة إلّاَ أنه يتحد معها في الحكم.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص13: “لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه به كما إذا قيل ضرب مثلا فعل ماض أو صنفه…”.
كان الأمر الأول لتحقيق الوضع الحقيقي والأمر الثاني كان لتحقيق الوضع المجازي (وهو أمور مرقمة الثاني والثالث بحسب ترتيب الكتاب) والأمر هنا معقود لاستعمالات لا هي حقيقية ولا مجازية وهي مع ذلك استعمالات صحيحة.
وهي إطلاق اللفظ وإرادة نوعه وإطلاق اللفظ وإرادة صنفه وإطلاق اللفظ وإرادة مثله.
فالأول نحو ضرب فعل ماض إذا أردت نوع هذه الكلمة، والثاني نحو زيد في ضرب زيد فاعل فيما إذا قصدت نوع كلمة زيد فزيد هنا مستعمل على نحو كلي إلّاَ أنه مُقيَّد في كونه مسبوقاً بكلمة ضرب، ومثال الثالث: (زيد) في ضرب زيد فاعل وهنا كلمة زيد فرد مماثل لزيد الأول وليس فيه استعمال نوعي أو صنفي لأنه استعمل في خصوص زيد الثانية.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
وقلنا: إن هذه الاستعمالات صحيحة وهي لا تحتاج إلى وضع بل يكفي في صحة استعمالها استحسان الذوق لها واستحسان العقلاء وأهل العرف لاستعمالها. بل لدينا دليل على استبعاد وجود الوضع في مثل هذه الاستعمالات من حيث إن هذه الإطلاقات صحيحة حتى في المهملات نحو قولك: دَيزٌ لفظ مهمل أو ديز في (ديز لفظ مهمل) مبتدأ، والقول بأن هذه المهملات تحتاج إلى الوضع في صحة استعمالها كما ترى.
قال ص15: “وأما إطلاقه وإرادة شخصه كما إذا قيل (زيد لفظ) وأريد منه شخص نفسه ففي صحته بدون تأويل نظر لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول أو تركب القضية من جزءين كما في الفصول…”.
هذا كله لا إشكال فيه وإنما الإشكال في إطلاق اللفظ وإرادة شخصه نحو زيد اسم وأنا أقصد نفس هذه الفرد من الكلي الذي نطقت به الآن.
صاحب الفصول قال: إنّ في صحته بدون تأويل إشكال(1)، أما وجه الإشكال بلا تأويل فهو: إننا إذا أطلقنا هذا اللفظ على شخصه، فحينئذٍ إما أن أقصد بها الدلالة على نفسها أو لا أقصد بها الدلالة على أي شيء أصلاً لأن الدلالة على غيرها خُلف المفروض. وكلا الفرضين محال:
أما الأول: فإنّه يلزم أن تكون الكلمة دالة ومدلولة، والدال والمدلول مفهومان متضايفان والإضافة من أقسام التقابل، إذن فالمتضايفان متقابلان فلا
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) الفصول الغروية في الاصول الفقهية 22.
محاضرات في كفاية الأصول
يعقل أن يكون الشيء الواحد دالاً ومدلولاً كما أنّه لا يمكن أن يكون فوقاً وتحتاً في نفس الوقت.
وأما الثاني: أي إذا لم أقصد بها معنى أصلاً، فيلزم منه تركّب القضية المعنوية من جزئين فقط. فإن هذه القضية اللفظية التي نطقت بها لا شك أن ورائها قضية معنوية في ذهني أردت أن أنقلها باللفظ إلى ذهن المخاطب وهذه القضية المعنوية يجب أن تكون مركّبة من ثلاثة أجزاء الموضوع والمحمول والنسبة ولا يمكن أن تكون مركّبة من جزئين؛ لأن هذين الجزئين إذا كانا هو المحمول والموضوع دون النسبة فلا تكون هناك رابطة بينهما وإن كانا هو أحد الطرفين والنسبة فإن النسبة يجب أن تقوم بطرفين ولا يمكن أن تقوم بطرف واحد.
فإذا لم أقصد بها معنى تبقى القضية بلا موضوع؛ لأنّ الهيئة فيها تدل على النسبة المعنوية والمحمول فيها يدل على المحمول المعنوي أما الموضوع فغير موجود؛ لأنّ المفروض إني لم أقصد بالكلمة أي معنى.
أما التأويل: فهي أن آتي بها وأُدِلّ بها على الصورة الذهنية، وحينئذٍ يرتفع هذا الإشكال لأنّ الدال يكون غير المدلول.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص15: “قلت يمكن أن يقال إنه يكفي تعدد الدال والمدلول اعتباراً وإن اتحدا ذاتاً…”.
اختار الآخوند في سبيل دفع إشكال صاحب الفصول كلا شقي الإشكال ودفعه.
أما الشق الأول: وهو أن يراد باللفظ نفسه وقد قال صاحب الفصول بأنه يلزم اجتماع الدالّ والمدلول، وهما متضايفين والتضايف من أقسام التقابل.
والتحقيق: إن التضايف ليس داخلاً دائماً في باب التقابل، بل قد لا يكون بينهما تقابل بل تخالف، وحينئذٍ يمكن أن يجتمعا في موضوع واحد، وذلك كالعالم والمعلوم بالنسبة إلى الله تعالى، فإنّه ذاته هي العالمة وهي المعلومة في نفس الوقت مع أنّه لم يلزم المحذور؛ وذلك لأنهما مفهومان متخالفان لا مفهومان متقابلان، إذن فمجرد كونهما متضايفين لا يقتضي كونهما متقابلين بل نحتاج في إثبات تقابلهما إلى برهان خاص في كل مورد وذلك كالعلة والمعلول فإنّهما متضايفان ومتقابلان ولكننا لم نستفد تقابلهما من تضايفهما، بل من برهان عقلي آخر هو استحالة تقدّم الشيء على نفسه لأن معنى العلة كونها متقدّمة ومعنى المعلول كونه متأخراً فإذا اجتمعا في رتبة واحدة لزم تقدّم الشيء على نفسه وهو محال.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إذن، فالدالّ والمدلول ليسا متقابلين لعدم البرهان على ذلك بل هما متخالفين فيمكن تصادقهما على موضوع واحد. لكن بشرط أن يكون مصحح حمل أحدهما غير مصحح حمل الآخر وإلا كانا مترادفين.
إذا صحّ هذا فنقول: إنّه يكفي في الاختلاف بين الطرفين الاعتبار واختلاف الحيثيات، فاللفظ من حيث إنّه لفظ صادر عن لافظ كان دالاً، ومن حيث إنّ نفسه وشخصه مراده كان مدلولاً، وهذه التفرقة الاعتبارية إنما تصحّ إذا كانا متخالفين فإن المتقابلان لا تكفي فيهما التفرقة الاعتبارية.
قوله ص 15: “وعلى هذا ليس من باب استعمال اللفظ بشيء بل يمكن أن يقال إنه ليس أيضاً من هذا الباب…”.
أما الشق الثاني: وهو أن لا يراد به معنى أصلاً، فبأن نقول:
إنّ الأصل في التفهيم والتفهم هو إحضار المعنى في ذهن السامع، والطريقة الأولية هي إحضاره خارجاً، لكنها حيث إنّها متعذرة أبدلت بلفظ دال على المعنى فيكون بمثابة إحضار نفس المعنى. وهذا التبدل في طرق الأداء لا يعني أن الطريقة الأولى أصبحت بدون جدوى.
ففي المقام آتي بنفس المعنى الذي أريد أن أنقشه في ذهن السامع لا أن آتي بما يحكي عنه، وليس في ذلك بأس لأنه جار على الطريقة الأصلية، وهذا موجود في الحياة فإنك برؤيتك الرجل العسكري تتجسم أمامك القضية المعنوية من كونه عقيداً أو زعيماً فهو يكون موضوعاً لتلك القضية ونياشينه تكون محمولاً لها لأنها تدل على رتبته ولبسه للنياشين يكون بمثابة النسبة،
ــــــــــ[73]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ولكن هذا يخرج من باب الاستعمال لأن الاستعمال يحتاج إلى مستعمل ومستعمل فيه في حين إن هذا هو إحضار للمعنى بنفسه.
قوله ص15: “وعلى هذا ليس من باب استعمال اللفظ بشيء بل يمكن أن يقال إنه ليس أيضاً من هذا…”.
ثمَّ يترقى الآخوند أكثر من ذلك فيقول إننا بذلك نستطيع أن نفسر إرادة النوع من اللفظ فإننا لم نجعل اللفظ حاكٍ عن النوع، بل أوجدنا الموضوع للقضية المعنوية بإيجاد فرد له في الخارج وحكمنا عليه بصفته فرداً من كليه الطبيعي. ففي قولك: (زيد اسم) تأتي بكلمة زيد على أنها فرد من الكلي التي تنتسب إليه ونحكم عليها بالأسمية بنفس ذلك الاعتبار. كما أنّه يمكن اعتبارها حاكية عن الكلي المراد الحكم عليه في القضية، فتكون الموضوع من باب الاستعمال لا من باب الإيجاد.
ونفس القول يصدق بالنسبة إلى إطلاق اللفظ وإرادة صنفه فإذا قلنا: (زيد في الجملة الأسمية مرفوع) يمكن أن يكون (زيد) فرداً خارجياً من الكلي المحكوم عليه بالرفع لأن هذا الفرد مرفوع فعلاً. كما أنّه يمكن أن يقال: إنّه جيء به لقصد الاستعمال لا الإيجاد. ولكن هذا الكلام لا يصدق بالنسبة إلى إطلاق اللفظ وإرادة مثله إذ يتعين حينئذٍِ الاستعمال لأن المثلين متغايرين فلا يمكن أن يكون أحدهما إيجاد للآخر خارجاً.
قوله ص15: “وبالجملة فإذا أطلق وأريد به نوعه كما إذا أريد به فرد مثله كان من باب استعمال اللفظ في المعنى وإن كان فردا منه…”.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ثمَّ يقول الآخوند: إنّنا وإن قلنا بإمكان إيجاد الفرد نفسه كموضوع للقضية، ولكن لا يبعد أن يكون المتفاهم العرفي على أن ذلك كله من باب الاستعمال لا الإيجاد، خصوصاً إذا كان الفرد الذي هو موضوع القضية ليس داخلاً في النوع، وذلك كقولك: ضرب فعل ماض، فإنّ ضرب هنا ليست فعلاً ماضياً لأنها قد وقعت مبتدأ في المقام.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص16: “لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي لا من حيث هي مرادة…”.
كل استعمال هو فعل اختياري ولابدّ للفعل الاختياري من الإرادة، وهي في الاستعمال تسمى الإرادة الاستعمالية، وهذه الإرادة هي مدلول تصديقي للفظ، كما أنّ نفس المعنى تصوراً هو مدلول تصوري للفظ، فالنسبة بين المحمول والموضوع مدلول تصوري وإرادة تفهيم هذه النسبة هو مدلول تصديقي.
فالكلام يرد حول ما إذا كان مدلول الجملة أو الكلمة قد أخذ فيه الإرادة أو لا، فالأول يلزم منه أنّ المدلول الوضعي هو المدلول التصديقي، وعلى الثاني يكون المدلول الوضعي هو المدلول التصوري، والإرادة تكون مستفادة من الظهور الحالي أو التعهدات العقلائية الأخرى غير الوضع.
الآخوند اختار أن الإرادة غير مأخوذة في الموضوع له، وذلك طبقاً للقاعدة التي أعطاها سابقاً من أن كلّ مقومات الاستعمال لا يمكن أن تؤخذ في الموضوع له؛ لأنّ هذه الإرادة التي يدّعى أخذها في الموضوع له إما أن تكون هي شخص الإرادة الاستعمالية فيلزم أخذ المتأخر في المتقدّم، أوهي إرادة أخرى فيلزم اجتماع إرادتين.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قوله ص16: “هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل والإسناد في الجمل بلا تصرف في ألفاظ الأطراف…”.
واستدلّ على ذلك بوجه ثانٍ وحاصله: إنّ الإرادة لو كانت مأخوذة في المعنى لزم كون المعنى ذهنياً؛ لأنّ الإرادة معنى ذهني، فيمتنع الحمل والإسناد في الخارج؛ لأنّ الإسناد متقوّم بالصدور والحمل متقوّم بالاتحاد ولا صدور ولا اتحاد إذا كان المعنى ذهنياً. وحينئذٍ فإذا أردنا الحمل أو الإسناد فلابد من تجريد المعنى عن صفته الذهنية فيلزم منه التجوز والمجاز.
قوله ص16: “مع أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عامّاً والموضوع له خاصاً لمكان اعتبار خصوص إرادة…”.
وذكر في ذلك وجهاً ثالثاً وهو أنّه يلزم أن يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً، حيث إنّنا نتساءل هل يراد بالإرادة التي يدّعى أخذها في الموضوع له واقع الإرادة أي: أفراد الإرادة أو يراد منها مفهومها. أما إرادة مفهومها فواضح البطلان وإلا لزمه أن يتصور الإرادة عند كل قول موضوع لغةً في حين إنّنا لا نتصوّر مفهومها إلّاَ إذا قلنا (إرادة) دون غيره من الألفاظ.
أما إذا كان المراد منها واقع الإرادة أي: كل جزئي جزئي من الإرادة عند المتكلّمين فيلزم أن يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً، من حيث إنّ الواضع عندما وضع اللفظ تصوّر مطلق المعنى المراد ثمَّ وضع اللفظ لجزئيات المعاني المرادة. وهذا مما لا يلتزمون به في الأسماء. إذن فالإرادة غير مأخوذة في الموضوع له.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قوله ص16: “وهكذا الحال في طرف الموضوع”.
الناس يرجعون هذه العبارة إلى (الوجه الثاني)، وإن وضعها الآخوند بعد الوجه الثالث، من حيث إن الإرادة لو كانت مأخوذة في الموضوع للزم كون المعنى ذهنياً ولامتنع انطباقه على الخارج إلّاَ بالتجوز، ولكننا نستطيع إرجاعه إلى الوجه الثالث من حيث إنه لو كانت الإرادة مأخوذة في الموضوع له وكان المقصود منها مفهوم الإرادة فهو باطل لأننا لا نتصور مفهومها عند التلفظ بالموضوع بداهةً، وإن كان المراد مصاديقها يلزم كون الوضع في الموضوع عام والموضوع له خاص وهو مما لا يلتزمون به.
فمراده من هذه العبارة إن الموضوع كالمحمول لم تؤخذ الإرادة فيه.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص16: “وأما ما حكي عن العلمين (الشيخ الرئيس والمحقق الطوسي) من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الإرادة…”.
بعد أن برهن أن الألفاظ موضوعة لذوات المعاني بما هي وليست الإرادة مأخوذة فيها لأنها من مقوّمات الاستعمال وكل ما يكون مقوّماً للاستعمال لا يمكن أن يؤخذ فيه.
وقد نُسِب(1) إلى الشيخ الرئيس ابن سينا والخواجه نصير الدين الطوسي أنهما قالا كلاماً يظهر منه: إن الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة، على أن تكون الإرادة دخيلة في المعنى الموضوع له. وذلك القول الذي يظهر منه ذلك هو قولهما: إنّ الدلالة تابعة للإرادة.
وقد قالا ذلك في معرض تقسيم الدلالة إلى مطابقية وتضمنية والتزامية، وحيث إنّ معنى التقسيم التقابل بين الأقسام فقد وقع عندهم إشكال من حيث إنّ اللفظ مشترك بين الشيء ولازمه كلفظ الشمس المشترك بين القرص
ــــــــــ[80]ــــــــــ
(1) الفصول الغروية، مصدر سابق 17- 18.
محاضرات في كفاية الأصول
والضوء فيكون دالاً على الضوء بالدلالة الالتزامية وبالدلالة المطابقية معاً، وكذلك يكون دالاً على القرص أيضاً.
وقد أجابا على ذلك بأن الدلالة تابعة للإرادة فإن أريد بلفظ الشمس القرص فيكون دالاً عليه بالدلالة المطابقية وعلى الضوء بالدلالة الالتزامية وإن أريد به الضوء انعكست الدلالة، وبهذا دفعوا التداخل بين الدلالات(1).
ويستفاد من تبعية الدلالة للإرادة أخذها في المدلول ومعناه أنها مأخوذة في الموضوع له والمستعمل فيه أي: إنّ لفظ الشمس موضوع للشمس بما هي مرادة؛ وذلك لأنّ الدلالة تابعة للوضع فأينما انصبّ الوضع انصبت الدلالة، فإذا انصب الوضع على ذات المعنى انصبت عليه الدلالة أيضاً، وحيث صرّح العلمان بأن الدلالة تابعة للإرادة نستكشف بأن الإرادة مأخوذة في الموضوع له.
قوله ص17: “بل ناظر إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية…”.
وقد أجاب الآخوند على ذلك بأن هذا التوهّم نشأ من الخلط بين الدلالة التصورية والدلالة التصديقية، والدلالة التصورية هي كون اللفظ سبباً في خطور المعنى تصوراً في ذهن الإنسان والدلالة التصديقية هي كون اللفظ سبب في تصديق السامع بكون المتكلّم في مقام التفهيم. إذن فالكلام له هذان الدلالتان.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) انظر، شرح الإشارات والتنبيهات للطوسي (مع المحاکمات)، الجزء: ١: ٣٣.
محاضرات في كفاية الأصول
والدلالة التي تكون تابعة للوضع هي الدلالة التصورية فإن وضع اللفظ لمعنى ينتج منه خطور المعنى في ذهن السامع ولكن لا ينتج منه أنّ هذا الإنسان قاصداً التفهيم من كلامه، أي الدلالة التصديقية، وإنّما الأخيرة من تبعات الظهور السياقي والحالي من حيث ظهور الحال في أن الإنسان مالك لحسّه وأنه في مقام التفهيم والتفهم فنعرف أن لكلامه دلالة في هذا المقام.
والدلالة التي حكم العلمان بأنها تابعة للإرادة ليست هي الدلالة التصورية؛ لأنها لو كانت هي التصورية وهي بنت الوضع لثبت أن الإرادة داخلة في الوضع؛ لأنّ الدلالة التصورية تابعة للإرادة. ثمَّ يقول الآخوند: بأنّ هذا مما لا يمكن أن يقول به مثلهما في التحقيق والتدقيق بل لا يمكن أن يقول به عاقل لدلالة اللفظ الصادر من الساهي والغافل والنائم ومن اصطكاك الحجرين على معناه الموضوع له ولو كانت الإرادة مأخوذة في الموضوع له ما دلّ على معنى لعدم الإرادة في مثل المقام. إذن فلا نحتمل تبعية الدلالة التصورية للإرادة. بل إنّ الدلالة التابعة للإرادة هي الدلالة التصديقية؛ لأنّها دلالة عن الإرادة أي: إن المتكلم في مقام التفهيم، والدالّ متأخر عن المدلول تأخر الكاشف عن المنكشف، والدلالة التصديقية ليست بنت الوضع حتى يجب أن يكون الوضع تابع للإرادة، فإذا كان هناك دلالة تصديقية فلابد أن تكون هناك إرادة للتفهيم في الواقع لاستحالة وجود الكشف مع عدم المكشوف وإلا كان مماثلاً له متوهم الواقعية.
قوله ص17: “إن قلت على هذا يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند
ــــــــــ[82]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الخطأ والقطع بما ليس بمراد أو الاعتقاد بإرادة شيء ولم يكن له من اللفظ مراد”.
(فإن قلت): إن لازم هذا التفسير لقول العلَمين: أنّه فيما لو فرضنا أن إنساناً قال زيد مولى وكان مراده أنّه صديق ونحن فهمنا منه أنّه ابن عم أو أنّه لم يكن يقصد منه شيئاً ونحن فهمنا منه أنّه يقصد منه شيئاً وأنه في مقام التفهيم به، فيلزم أن لا تكون عندنا دلالة تصديقية لأنها تابعة للإرادة ولا إرادة في المقام على طبق ما فهمناه من اللفظ أو لا إرادة على الإطلاق.
قوله في ص17: “قلت نعم لا يكون حينئذ دلالة بل يكون هناك جهالة وضلالة يحسبها الجاهل دلالة”.
يقول الآخوند: أنا التزم بأنه لا توجد دلالة تصديقية عند عدم وجود الإرادة وإنما توجد جهالة وضلالة يحسبها الجاهل دلالة، فهو تخيّل دلالة لا واقع دلالة، والمنتقش في ذهن السامع ليس هو نفس المعنى المنكشف؛ لأنّه ليس له واقع وإنما هو بالدقة مماثله توهم الشخص بأنه هو الواقع.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص18: “لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات ضرورة عدم الحاجة إليه…”.
الجملة إذا حلّلناها تنحل إلى ثلاثة أجزاء:
والوضع في المواد شخصي وفي الهيئات نوعي والفرق بينهما: أن الواضع تصوّر في الأول نحو (زيد وعلم) اللفظ بخصوصه والمعنى بخصوصه تصوراً تفصيلياً ووضع اللفظ بإزاء المعنى، وأما في باب الهيئات سواء الإفرادية أو التركيبية فإن الواضع لا يتصوّر الدال بشخصه ولا المدلول بشخصه أي اللفظ والمعنى، فهو لم يضع هيئة عالم وعادل وفاسق بخصوصها للذات المتلبسة بالمبدأ وإلا لكان هناك أوضاع شخصية كثيرة، وإنما وضع جميع هذه الهيئات الجزئية
ــــــــــ[85]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
على نحو العموم للذات المتلبسة بالمبدأ. وقد تصوّرها بنوعها أو بعنوان جامع مشير إليها أي أنّه يقول: ما كان على وزن فاعل أضعه على المتلبس بالمبدأ سواء كان اللفظ العالم أو الفاسق أو غيرها، فكل هيئة هيئة غير متصورة بخصوصها وإنما هي مشار إليها إجمالاً، ومن هنا سمي وضع الهيئات نوعياً ووضع المواد شخصياً.
فبعد أن يضع الواضع المواد وضعاً شخصياً والهيئات المفردة والمركبة وضعاً نوعياً (أي أنّه يضع بالنسبة إلى وضع الهيئات التركيبية تقديم المسند إليه للحصر أو للتأكيد وهكذا)، هل نحن بحاجة بعد أن وضع هذه الأمور الثلاثة لمعانيها أن يأتي ويضع المجموع للمجموع كما يدّعي بعض حيث يدّعون أن للمركبات وضع زائد على وضع أجزائها.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قوله ص18: “ضرورة عدم الحاجة إليه بعد وضعها بموادها في مثل (زيد قائم) و(ضرب عمرو بكرا) شخصياً…“.
ثمَّ يقول الآخوند إن هذا غير صحيح لدليلين:
الدليل ا لأول: أنّه لا حاجة لمثل هذا الوضع؛ لأنّ فائدة الوضع هي التفهيم والتفهّم، وهو يحصل بوضع الأجزاء ولا حاجة للوضع الجديد، وحيث لا حاجة إليه يكون الوضع الثاني لغواً وهو ما لا يقوم به عاقل.
الدليل الثاني: أنّه على هذا يلزم أن تكون الجملة دالة على المعنى مرتين، وذلك أنّ كل وضع يستلزم دلالة خاصة له وحيث فرضنا تكرّر الوضع لزم تكرر الدالة، فتكون الجملة دالة على المعنى باعتبار وضع أجزائها ودالة على المعنى باعتبار وضع مجموعها، وهذا خلاف الوجدان فإن الجملة لا تدل على المعنى إلّاَ مرّة واحدة.
ولعلّ مراد هؤلاء من قولهم هذا هو وضع الهيئات التركيبية، فإذا كانوا يريدون ذلك فلا غضاضة فيه.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قوله ص19: “لا يخفى أن تبادر المعنى من اللفظ وانسباقه إلى الذهن من نفسه وبلا قرينة…”.
بعد أنّ بيّن الآخوند قانون الاستعمال الحقيقي في الأمر الثاني، وغير الحقيقي في الأمر الثالث والرابع، صار الآن في مقام التمييز بين الحقيقة والمجاز بواسطة العلامات المذكورة الآتية.
أولها التبادر: وهو انسباق معنى خاص إلى الذهن من اللفظ الخاص عند سماعه، وهذا الانسباق على ثلاثة أقسام:
أما في الصورة الأولى فإن التبادر فيها يكون علامة على الحقيقة وإنه ناشئ
ــــــــــ[89]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
من الوضع، وذلك بالبرهان الإنّي، من حيث إن الانسباق أمر حادث يحتاج إلى علّة، وهذه العلّة إما الوضع أو القرينة لعدم وجود شيء ثالث يصلح للعلية؛ وذلك لأنّ الانفهام إنما يكون بواسطة أحد هذين الأمرين، وحيث إنّنا فرضنا عدم القرينة في المقام، إذن فيتعين الوضع.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص18: “لا يقال كيف يكون علامة مع توقفه على العلم بأنه موضوع له كما هو واضح…”.
هناك إشكال على علاميّة التبادر على الحقيقة وهو الدور وذلك أن التبادر الذي هو انسباق المعنى من اللفظ متوقف على العلم بالوضع، بدليل عدم انسباق المعنى في ذهن من لا يعرف اللغة، والعلم بالوضع متوقف على التبادر حيث جعل التبادر دليلاً على الوضع، فيلزم الدور.
وقد أجاب الآخوند عليه بجوابين:
الأول: هو التفصيل بين العلم الإجمالي والتفصيلي، ويقول: إنّ التبادر يتوقف على العلم الإجمالي وينشأ من التبادر العلم التفصيلي، فالعلة غير المعلول للتبادر فينحل الدور.
والعلم الإجمالي هو العلم البسيط أي معنى اللفظ بدون التفات، والتفصيلي هو العلم الشعوري أو العلم المركب أي العلم بالعلم. والتبادر ينقل العلم من مرحلة الإجمال إلى مرحلة التفصيل، والذي نكسبه منه هو العلم المركب التفصيلي بالوضع.
قول ص18: “هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم وأما إذا كان ــــــــــ[91]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
المراد به التبادر عند أهل المحاورة…”.
الجواب الثاني: التفرقة بين من يحصل عنده التبادر وبين من يكون التبادر عنده حجة، فإن التبادر عند أهل اللغة علامة عند الأجنبي، وحينئذٍ يتغاير المعلول الذي هو علم الأجنبي بالوضع عن العلة الذي هو تبادر أهل اللغة.
الصورة الثانية: وهو انسباق المعنى باعتبار القرينة، فإنّ البرهان الإني الذي ذكرناه هناك لا يرد هنا لتعيّن سبب الانسباق بوجود القرينة.
جريان أصالة الحقيقة عند الشك في القرينة والرد عليه.
قال ص19: “وأما فيما احتمل استناده إلى قرينة فلا يجدي أصالة عدم القرينة…“.
الصورة الثالثة: أن أشك في أن الانسباق كان سببه من حاق اللفظ أو من القرينة، فهل اعتبر التبادر هنا علامة على الحقيقة؟
قد يقال: يمكن أن نجري أصالة الحقيقة فيثبت أن هذا الانسباق كان من ناحية اللفظ، ولكن هذا الأصل غير صحيح لأن أصالة الحقيقة وكل الأصول اللفظية إنما تجري إذا شك في المراد لا فيما إذا شك في الاستناد، وذلك إني مرةً أعلم بوجود معنى حقيقي ناشئ من الوضع للفظ ومعنى مجازي ناشئ من القرينة له ولكني أشك بمراد المتكلم هل أنّه استند إلى الوضع وأراد المعنى الحقيقي أو أنّه استند إلى قرينة وأراد المعنى المجازي، ففي هذه الصورة تجري أصالة الحقيقة لإثبات أن مراده المعنى الحقيقي من اللفظ لأن الأصل في استعمال اللفظ أن يكون حقيقياً والدليل عليه سيرة العقلاء. ولكنني تارة
ــــــــــ[92]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
أخرى أعرف مراده وهو أنّه أراد بالأسد الرجل الشجاع ولكني لا أعرف أن إطلاق الأسد على الرجل الشجاع في اللغة كان على نحو الحقيقة أو المجاز فهنا لا تجري أصالة الحقيقة والدليل على عدم جريانها سيرة العقلاء، من حيث إن العقلاء لا يجرون مثل هذا الأصل في مثل هذا النوع من الشك.
ويمكن أن يقال بجريان أصالة عدم القرينة في المشكوك، وحيث تنتفي القرينة يتعيّن الوضع، ويلتحق اللفظ بالقسم الأول بعد أن نقحناه بالأصل، ولكنّه يلتحق التحاقاً تعبدياً بمعونة الأصل لا التحاقاً حقيقياً
وجواب هذا الأمر كجواب سابقه من حيث إن أصالة عدم القرينة إنما تجري إذا كان الشك في المراد لا فيما إذا كان الشك في الاستناد، كما أوضحناه قبل قليل.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص19: “ثم إن عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن إجمالا…”
والحمل نوعان: أولي ذاتي وشايع صناعي، وإنما يصحّ الحمل بكلا الوجهين مع توفر شرطين:
ويفترق الحمل الأولي الذاتي عن الحمل الشايع الصناعي فيما به الاتحاد وما به المغايرة. فالحمل الأولي يقتضي الاتحاد في المفهوم بين الموضوع والمحمول، فضلاً عن الوجود -لأنّ الشيئين إذا كان متحدان مفهوماً فهما حتماً متحدان وجوداً- والتغاير فيه يكون بالاعتبار بين المحمول والموضوع. وهذا التغاير بالاعتبار إما بالإجمال والتفصيل كما في حمل الحد على المحدود نحو الإنسان حيوان ناطق من حيث إنا عرفنا في المحمول عن (الموضوع) الإنسان أكثر مما عرفنا في الموضوع، وأما من حيث علاقة المعنى باللفظ لو قيل بإمكان الترادف
ــــــــــ[94]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الحقيقي في اللغة. نحو الإنسان بشر فالمفهوم فيهما واحد والتغاير هو باعتبار انتساب المفهوم إلى هذا اللفظ تارة وإلى هذا اللفظ تارة أخرى.
وإنما سمّي حملاً أولياً لأنّ حمل الشيء على ما يتحد معه مفهوماً أسبق من حمله على ما يتحد معه وجوداً؛ لأنّ الحمل في المفهوم يحمل قبل الوجود وبعده بخلاف الحمل بمقتضى الوجود فإنّه لا يصح إلّاَ بعد الوجود كما هو واضح. وإنّما سمي ذاتياً لأنّ المحمول فيه لا يكون إلّاَ ذاتياً، فهو إما تمام الذات وإما جنساً أو نوعاً أو فصلاً.
أما الحمل الشايع الصناعي فملاك الاتحاد فيه هو الاتحاد في الوجود والمغايرة في المفهوم، فدائرة المغايرة في هذا الحمل أوسع منها في الحمل الذاتي الأولي ودائرة الاتحاد أضيق منها هناك. وإنما سمي شائعاً صناعياً؛ لأنّه مستعمل في الصناعات العلمية بخلاف الحمل الأولي فإنه شايع في كتب اللغة.
بعد هذا نعرف أنّه متى صحّ الحمل الأولي يكشف عن أن المحمول نفس الموضوع له، فإذا كنّا نعرف معنى بشر ولم نكن نعرف معنى إنسان، ورأينا صحة حمل البشر على الإنسان بالحمل الأولي، نعرف أنّه نفس المفهوم وإذا كذب انتفت العلاقة بهذا المقدار الذي يقتضيها الحمل الأولي لا مطلق العلاقة، وإذا صدق الحمل الشايع الصناعي ثبت أن الموضوع فرد من المحمول كما في زيد إنسان، ويثبت أنّه حقيقة فيه بمعنى أنّه أحد أفراده، وإذا كذب فليس فرداً منه.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص19: “بل من باب الحقيقة وأن التصرف فيه في أمر عقلي كما صار إليه السكاكي…”.
هناك بحث بين المشهور والسكاكي حيث يذهب المشهور إلى أن المجاز في الكلمة بمعنى إني أعبر عن الرجل الشجاع بكلمة أسد مجازاً أما السكاكي فيقول: إن الكلمة تستعمل دائماً بالمعنى الحقيقي حتى في الموارد المجازية غاية الأمر أنك تدّعي أن الرجل الشجاع فرد من الحيوان المفترس(1).
والمقصود من هذا الكلام إيضاح إن كذب الحمل الشايع الصناعي دليل على عدم كون الموضوع فرداً من المحمول، ولكنه لا يمنع أن يكون فرداً مجازياً كما يذهب إليه المشهور أو فرداً ادعائياً كما يذهب إليه السكاكي. فالمدار هو ثبوت الفردية الحقيقية فإن كذبه يذهب بالفردية الحقيقية لا مطلق الفردية ولا الجامع بين الفرديتين.
فمتى صحّ أحد الحملين تثبت الحقيقية أما بالاتحاد مفهوماً أو وجوداً، وإذا كذباً فهو مجاز إما على رأي المشهور أو رأي السكاكي.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) مفتاح العلوم، للسكاكي 153.
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص20: “ثم إنه قد ذكر الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز أيضاً…”.
وهو أنه إذا فرضنا أن لفظاً استعمل في معنى فلابدّ لهذا الاستعمال من مصحح والمصحح هو الذي يقع في جواب لماذا استعملت كذا في كذا فيقول لكذا فمدخول اللام هو المصحح مثلاً لماذا استعملت الأسد في الرجل الشجاع يقول لكونه مشابهاً للحيوان المفترس. قالوا: إن مصحح الاستعمال إن كان مطرداً، بمعنى انه متى وجد كان مصححاً للاستعمال، كان ذلك علامة على الحقيقة، وإن لم يطرد فالاستعمال مجازي.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قوله في ص20: “إلا أنه حينئذ لا يكون علامة لها إلا على وجه دائر…”.
وقد أشكل الآخوند على هذا الرأي، بأن جعل الاطراد علامة على الحقيقة خطأ. فماذا تريدون من أن عدم اطراد المصحح يستوجب المجاز، فهل المقصود منه طبيعي المشابهة والأول والمشارفة والمجاورة فهو صحيح، ولكنه ليس مصححاً ولا في مورد من الموارد؛ لأنّ المجاز إنما يصح في بعض أفراد هذه الأمور وهو الفرد الأظهر من المشارفة والمجاورة، إذن فالحصة الخاصة هي التي تصحح المجاز. وإن أردتم تلك الحصة وهي المشابهة الشديدة فهذا غير صحيح لأنه يكون مطرداً دائماً. إذن فالمطرد إما أن يكون مصححاً دائماً أو غير مصحح دائماً.
إلّا أن يقال: بأن الاطراد علامة إذا كان المصحح مطرداً على نحو الحقيقة.
ويجاب بأنه يلزم الدور ولا يمكن الجواب عن هذا الدور كما أجيب في التبادر، لأن المعرفة بحقيقة الحمل أخذت هنا جزءاً من العلامة في حين أنّه لا يحتاج إليها بعد المعرفة، وهناك أخذت سبباً للعلامة.
نسيت أن أذكر أن إشكال الدور قد أورد في صحّة الحمل وصحّة السلب أيضاً بنفس التقريب السابق في التبادر ويجاب عنه بنفس الجواب أيضاً.
ــــــــــ[98]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص20: “أنه للفظ أحوال خمسة وهي التجوز والاشتراك والتخصيص والنقل و…”.
اللفظ له أحوال يمكن أن تعرض له وهو أحوال ثانوية طارئة في مقابل الأحوال الأولى وهي الحقيقة.
وهذه الأحوال الثانوية هي: التجوّز والاشتراك والتخصيص والنقل والإضمار.
والتجوز: هو استعمال اللفظ فيما يشابه الموضوع له باعتبار العلاقة.
والاشتراك: وهو الاشتراك اللفظي أي: إن اللفظ الواحد يدل على معنيين.
والتخصيص: هو كون الدال على العام يراد به بعض أفراده.
والنقل: هو نقل اللفظ من معنى إلى معنى آخر.
والإضمار: هو تقدير كلمة في السياق نحو وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ(1) أي أهل القرية وإذا دار الأمر بين أحدهما وبين المعنى الحقيقي يقدّم المعنى الحقيقي
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) يوسف: 82.
محاضرات في كفاية الأصول
لأصالة الحقيقة. وهكذا في كل مورد يشك في المواد تجري أصالة الحقيقة لإثبات الحقيقة.
وأما إذا دار الأمر بين أحد هذه الخمسة وبين آخر منها كأن يدور الأمر بين الإضمار والتجوز في نحو الآية (وَسْئَلِ الْقَرْيَة) حيث يدور الأمر في أن الاستعمال مجاز من إضمار أو مستعمل مع كلمة مضمرة.
ذكر الأصوليون لبعضها مرجحات على البعض الآخر كأن يقال: إنّ المجاز أكثر في اللغة من الاشتراك فيقدّم(1). ولكن الآخوند يقول إنها مرجحات استحسانية ولا دليل على حجيتها بعد أن لم تكن مرتقية إلى مرحلة اليقين، فإن الدليل دلّ على حجية الظهور (بالإضافة إلى حجية القطع) ومادامت هذه الاستحسانات لا ظهور فيها ولا قطع فلا دليل على حجيتها.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر هداية المسترشدين 1: 290-319، قوانين الاصول 1: 32.
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص21: “أنه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال…”.
قيل بثبوتها مطلقاً وقيل بعدم ثبوتها مطلقاً وقيل: بالتفصيل بين الكلمات المشهورة الكثيرة التداول وبين غيرها.
ثمّ يقول الآخوند: “وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال“.
ومقصوده رفع استبعاد ثبوت الحقيقة الشرعية الذي تعرض له في المعالم صاحب المعالم(1). حيث اختار هناك عدم الحقيقة الشرعية محتجاً بأنها لو كانت ثابتة لكان معناها أن الألفاظ ذات الحقيقة الشرعية موضوعة للشارع والشارع هو رسول الله. إذن فهي مستلزمة للوضع من قبله ولو أنه وضعها لتلك المعاني لشاع ذلك، فإن جميع أفعال النبي وأقواله نقلت إلينا فكيف بهذه الحادثة المهمة التي تجلب الانتباه. فعدم النقل يدلّ على عدم الوضع وعدم الوضع يدل على بطلان الحقيقة الشرعية.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) معالم الأصول مع حاشية سلطان العلماء 51.
محاضرات في كفاية الأصول
ويجيب الآخوند على ذلك: أنّ الوضع على قسمين -كما سبق-: تعييني وتعيني، والتعيني هو الوضع الناشئ من كثرة الاستعمال والتعييني ناشئ من فعل واضع مخصوص في عملية مخصوصة.
والوضع التعييني يتمّ بأسلوبين:
ــــــــــ[102]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص21: “وإن كان لا بد حينئذ من نصب قرينة إلا أنه للدلالة على ذلك لا على إرادة المعنى…”.
ثمّ يذكر الآخوند إشكالين ويردهما.
الإشكال الأول: إنّ الذي يضع اللفظ بالاستعمال لابد له من قرينة وإلا لم يفهم أن مراده هو المعنى الذي يقصده وحينئذٍ لا يكون الدال على المعنى هو اللفظ بنفسه بل بمعونة القرينة، فهو استعمال بأن يدل مع القرينة لا بنفسه، وهذا الاستعمال مجاز.
جوابه: إن الاستعمال في المقام هو تخصيص للفظ بأن يدل على المعنى بنفسه، والقرينة لم تقم على المعنى ولكن قامت لتدل على أن الواضع في مقام الوضع بالاستعمال. فالدال على المعنى هو اللفظ وحده والقرينة قرينة على الوضع، فيكون الوضع بالاستعمال مصداقاً للوضع بالحمل الشايع.
الإشكال الثاني: أن هذا الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز أما كونه ليس بحقيقة فلأنها متفرعة عن الوضع وهذا الاستعمال يراد بها الوضع نفسه فلا يمكن أن يكون هذا الاستعمال حقيقة. وأما كونه ليس بمجاز فإن المجاز له شروط معيّنة كوجود علاقة بين الحقيقة والمعنى المستعمل فيه وهذه الشروط
ــــــــــ[103]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
غير متوفرة، فيكون الاستعمال غلطاً، ولا يكون عملاً عقلائياً، فيكون المقام خارجاً عن محل الكلام لأن الوضع إنما يكون – في فرضنا- بالاستعمال وهنا ليس باستعمال لأنه غلط فلا يمكن أن يتم به الوضع.
والجواب: إن الاستعمال يمكن أن لا يكون حقيقة ولا مجازاً إذا كانت مما يوافق عليها الذوق وذلك كوضع اللفظ لشخصه ونوعه وجنسه. إذن فنحتمل أن رسول الله وضع اللفظ بهذا الترتيب حين قال: صلوا كما تروني أصلي، وبنفس هذا الاستعمال وضع المعنى الشرعي.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص21: “يدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في…”.
بعد أن قدّم الآخوند مقدّمة وهي أنه من الممكن أن يحصل الوضع التعييني بالاستعمال، شرع بأصل المطلب فقال: إنّ الوضع التعييني من النبي ليس ببعيد ويقربه أن الشخص الذي يبتدع بعض المعاني الجديدة لابد أن يضع لها الأسماء. ويشهد لهذا الرأي أمران:
أحدهما: التبادر فإن المعاني الشرعية تتبادر من ألفاظها والتبادر علامة الحقيقة.
الثاني: إنّه قد لا توجد علاقة تصحح الاستعمال المجازي بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فكيف جاز هذا الإطلاق إذا لم يصحّ الاستعمال المجازي. مثاله الصلاة والدعاء حيث لا علاقة بينهما تصحح إطلاق أحدهما على الآخر، ودعوى علاقة الكل بالجزء مرفوضة لأنها ليست مصححة دائماً بل إنها إنما تصحح فقط إذا كان الجزء مقوّماً للذات كالرقبة مثلاً.
ثمّ يقول: إن هذا كله يصحّ بعد فرض الاعتراف بأن المعاني مستحدثة، وأنها لم تكن موضوعة قبل الإسلام على يد الأنبياء السابقين، أما إذا احتملنا ذلك فلا يبقى وثوق بالوضع من قبل النبي أو استعماله الألفاظ مجازاً
ــــــــــ[105]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
لاحتمال متابعة السابقين في إطلاق هذه الألفاظ. إذن فلا تثبت لدينا حقائق شرعية واردة عن النبي.
ومن هذا يظهر حال الوضع التعيّني إذ لعل الاستعمال كان اعتماداً على الأوضاع السابقة، إذن فهو من الأول كان استعمالاً حقيقياً في حين إنّ الوضع التعيّني لابد أن يمر بمراحل يكون فيها مجازاً مشهوراً أولاً ثمّ يتحول شيئاً فشيئاً إلى الحقيقة.
وأما مع قطع النظر عن هذا الاحتمال فدعوى الوضع التعيّني قريبة، وذلك بلحاظ مجموع استعمالات اللفظ في لسانه’ ولسان الصحابة، من حيث إنّ الصحابة كانوا يستعملون ذلك متابعة له فكأن الوضع التعيّني جاء من قبله وحده’. وبمجموع هذه الاستعمالات لا يبقى شك بتحقق الوضع التعيّني وثبوت الحقيقة. وإن كان لو اقتصرنا على استعماله’ فقط فإننا نشك في ثبوت مثل هذا الوضع.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص22: “وأما الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة…”.
ثمرة ثبوت الحقيقة الشرعية هو حمل الألفاظ الواردة في لسان الشارع على المعنى الشرعي على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعية وعلى المعنى اللغوي على تقدير عدم ثبوتها.
فإن قلنا بثبوتها وعلمنا بتأخر الاستعمال عن الوضع فنحمله على المعنى الشرعي أو علمنا بتقدّمه على الوضع فنحمله على المعنى اللغوي، أما إذا شككنا فتكون اللفظة محكومة بالإجمال في المقام.
قد يقال: إننا نحملها على المعنى الشرعي لاستصحاب عدم صدور هذه الكلمة إلى ما بعد الوضع فيحمل على الحقيقة الشرعية.
ولكن هذا غير صحيح لأنه:
أولاً: معارض باستصحاب عدم الوضع إلى حين صدور الكلمة، فيثبت أن الاستعمال كان قبل الوضع فلابد من حمل اللفظ على المعنى اللغوي، فيتعارض الأصلان ويتساقطان.
ثانياً: أنه أصل مثبت لأن الاستصحاب إنما يثبت أن الاستعمال لم يكن
ــــــــــ[107]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
موجوداً إلى حين الوضع، ووجوده بعد الوضع لا يعلم إلّاَ باللازم العقلي، فهو إذن أصل مثبت ولا دليل على حجيته.
قال ص22: “وأصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في أصل النقل…”.
وذكر الآخوند دليلاً يثبت عكس ذلك الدليل وهو حمل الألفاظ على المعاني اللغوية: وذلك بإجراء أصالة عدم النقل، نقول: إنّه عندما نطق الرسول بالكلمة لم تكن منقولة عن المعنى اللغوي بالأصل.
والجواب: إنّ هذا الأصل إنما يجري إذا شك في أصل النقل، وأما إذا علمنا بالنقل وشككنا أنه وقع قبلاً أو بعداً فهو لا يثبت تأخر النقل والعقلاء لا يجرون في سيرتهم على ذلك. إذن فلا استصحاب: وتكون اللفظة مجملة.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص23: “أنه وقع الخلاف في أن ألفاظ العبادات أسامٍ لخصوص الصحيحة أو للأعم منها…”.
وقع النزاع -بعد النزاع في الحقيقة الشرعية- في أن الألفاظ الموضوعة للمعاني المستحدثة في الشرع هل هي مخصوصة في الصحيح أو هي للأعم من الصحيح والفاسد، هل يصحّ إطلاقها على الفاسد حقيقة أم لا.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال: ص23 “وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين يذكر أمور…”.
ويتمّ البحث بعد تقديم عدّة مقدّمات:
والأقوال في الحقيقة الشرعية ثلاثة:
ولا إشكال في تصوير النزاع على هذا المبنى، من حيث إنه هل هذا المعنى الموضوع شرعاً للصلاة؟ مثلاً هل هو موضوع لخصوص الصحيح أو للجامع بينه وبين الفاسد.
إن استعماله للألفاظ بلحاظ معانيها المستحدثة كان مجازاً وعلى خلاف وضعها اللغوي.
هنا قد يقال: إنّ النزاع في الصحيح والأعمّ لا يرد هنا؛ لأنّ هذا النزاع إن كان مرجعه الوضع للصحيح أو للأعم فنحن لا نسلم بالوضع، وإن كان
ــــــــــ[111]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
مرجعه الاستعمال المجازي فلا إشكال في وجود التجوّز في كلا الطرفين ومع التجوّز فلا إشكال في صحّة الاستعمال فيهما معاً، فكيف يقع النزاع.
قال ص23: “وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره أن النزاع وقع على هذا في أن الأصل…”.
ذكر شيخنا في التقريرات(1) إمكان وقوع النزاع بلحاظ المجاز الأولي والمجاز الثانوي، فالقائل بالصحيح يقول: إن المجاز الأولي هو الصحيح والأعم هو المجاز الثانوي والقائل بالأعم يقول عكس ذلك، بحيث كلٌ يدّعي استقرار بناء الشارع في استعماله -إذا صرف اللفظ عن معناه الحقيقي- هو حمله على المجاز الأولي.
وقد استشكل الآخوند في ذلك من ناحية عدم إمكان إثبات مثل هذا البناء من الشارع وأن الشارع قام بناؤه على استعمال ألفاظه المستحدثة عن طريق المجاز الأولي، دون الثانوي؛ إذ قد يكون المجاز الثانوي أشيع من الأولي وأولى بالاستعمال، ثمّ إن طريقة إثبات مثل هذا الأمر يرجع إما إلى الطريقة العقلائية العامّة وهي غير ثابتة؛ لأنّ الثابت أن العقلاء يقدّمون الحقيقة على المجاز لا أنهم يقدّمون المجاز الأول على الثاني. وأما أن يرجع إلى ثبوت السيرة من الشارع نفسه ولم يرد شيء من ذلك. إذن فلا يتصور النزاع على المبنى الثاني لعدم إمكانية الاستدلال.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) مطارح الانظار: تقريرات ابو القاسم كلانتري3.
محاضرات في كفاية الأصول
قال: ص23 “وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب إلى الباقلاني”.
فقد قال: إن استعمال اللفظ في المعنى الشرعي غير موجود أصلاً، بل يستعمل في المعنى اللغوي دائماً، غاية الأمر أن المولى نصب قرينة عامة على إرادة الأجزاء والشرائط، وذلك لدخول المعنى الشرعي في ضمن اللغوي.
وعلى هذا المبنى يمكن تصوّر النزاع من حيث إن هذه القرينة التي نصبها الشارع ما هو مدلولها؟ هل هو تمام الأجزاء والشرائط، أو هو الأجزاء والشرائط في الجملة.
قال ص24: “ومنها أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد…“.
المراد بالصحة: هو معناه اللغوي وهو التمامية، الدرهم الصحيح هو
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) هو: محمّد بن الطيّب بن محمّد بن جعفر، القاضي الباقلّاني، أبو بكر؛ من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة. ولد في البصرة عام 338 هـ، وسكن بغداد فتوفي فيها عام 403هـ. وجهه عضد الدولة سفيرا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. له مصنّفات عديدة منها: (إعجاز القرآن) و(الإنصاف) و(التمهيد في الرد على الملحدة والمعطّلة والخوارج المعتزلة): راجع الأعلام للزركلي 6:176.
محاضرات في كفاية الأصول
الدرهم التام. غاية الأمر أنها تؤخذ بلحاظ الآثار، وحيث إنّ هذه الآثار مختلفة بأفكار الناس فاختلف تفسير الصحّة بينهم فقال الفقيه: إنّها إسقاط القضاء، وقال المتكلم: إنها موافقة الشريعة، وذلك على اختلاف أنظارهم بما هو المهم وأن كل إنسان يرجع إلى ما يوافق ذوقه وفنه.
ثمّ إنّ التمامية من الأمور الإضافية يتخلف فيها الحال، فما يكون تامّاً في حال يكون غير تام في حال أخرى، كصلاة الرباعية ركعتين فإنها تامّة في السفر وغير تامة في الحضر.
قال ص24: “ومنها أنه لا بد على كلا القولين من قدر جامع…”
المقدمة الثالثة: أنه لابدّ من تصوير الجامع على كلا القولين ليكون هو الموضوع له ولو لم يمكن تصوير المعنى الموضوع له، لأن الأفراد الصحيحة مختلفة في خصوصياتها اختلافاً كبيراً، فكيف بالفاسدة، إذن فلابد من تصوير الجامع. وعدم وجود الجامع بنفسه يكفي برهاناً على بطلان القول المساوق له فيكفي في بطلان القول بالوضع للصحيح عدم وجود الجامع للأفراد الصحيحة وكذلك بالنسبة إلى القول بالأعم. وأما إذا أثبتنا الجامع فلا يكون ذلك برهاناً على صحّة القول لأنّه ليس من الضروري أن يسمى ذلك الجامع باسم، والسؤال عن الوضع له في اللغة لا زال قائماً. وأما إذا احتملنا وجود الجامع وعدمه، بمعنى أننا لم نتصور جامعاً ولكننا نحتمل وجوده واقعاً، فلا يكون ذلك دليلاً على بطلان القول لاحتمال وجود جامع ملتفت إليه من قِبَل الشارع.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
ثمّ إنّه قد يقال: إنّه لابدّ من وجود الجامع، هذه اللابدية مخدوشة بالنسبة إلى مذهب الآخوند في الوضع؛ لأنّه يقول بإمكان الوضع العام والموضوع له الخاص، فلو جاز هذا فلماذا نحتاج إلى جامع؟ فالواضع يتصور طبيعي الصلاة (إما الصحيحة أو الأعم) ويضع لأفرادها.
والجواب: أنّه لابدّ للوضع العام من جامع يشير به الواضع إلى أفراده، فكلٌ من الوضع العام والموضوع له العام والوضع العام والموضوع له الخاص يحتاج إلى تصور الجامع، مع العلم أننا لا نحتمل في المقام الوضع الخاص والموضوع له الخاص، وإلاّ لاحتجنا إلى أوضاع لغوية بعدد أفراد الصلاة.
قال ص24: “وإمكان الإشارة إليه بخواصه وآثاره فإن الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد …”.
ثمّ شرع الآخوند في تصوير الجامع بناء على القول بالصحيح، وقال إنه موجود إلّا أنه ليس معلوماً عندنا بحقيقته وكنهه، وإنما نستكشفه بالبرهان بلحاظ آثاره. وتقريب البرهان:
إن الأفراد الصحيحة ذات أثر واحد هو معراجية المؤمن -مثلاً- كما ورد في بعض الروايات وظاهر هذه الأدلة اشتراك الأفراد الصحيحة في هذا الأثر، ووحدة هذا الأثر نوعية لا فردية.
إذن، فهنا أثر نوعي واحد مترتّب على أفراد الصلاة الصحيحة، فإذا علمنا أن الواحد لا يصدر إلّاَ من الواحد، إذن فلابد من وجود جامع؛ لأنّه إن فرض صدور الأثر من الفرد بخصوصيته لزم أن يكون الأثر المتحد نوعاً له علتان
ــــــــــ[115]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
متباينتان وهو مستحيل، فيجب أن يكون هذا الأثر صادراً من الأفراد باعتبار القدر المشترك بينها وهذا هو الجامع.
فبهذا البرهان نثبت الجامع وإن كنّا لا نعرف كنهه ولكننا نشير إليه بآثاره.
قال: ص24 “والإشكال فيه بأن الجامع لا يكاد يكون أمرا مركباً…”
صاحب تقريرات الشيخ الأعظم(1) أشكل على ثبوت الجامع على القول بالصحيح:
فإن الجامع لا يخلو ثبوتاً من أحد احتمالات ثلاث، وكلها باطلة. إذن فالقول بالجامع باطل:
فإذا فرضنا أن الجامع هو العنوان التركيبي فباطل؛ لأنّ أي مركب نتصوره فهو جامع بين الصحيح والفاسد، فيمكن أن يكون فاسداً في بعض الأحيان، وأما الجامع البسيط أي العنوان الذي لم تؤخذ فيه الكثرة ففيه احتمالان:
فإما أن يكون هو نفس عنوان المطلوب، وأن لفظ الصلاة موضوعة لعنوان ما يطلبه الشارع (المولى).
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) مطارح الانظار مصدر سابق 6.
محاضرات في كفاية الأصول
وإما أن يكون أسبق من عنوان المطلوب كأن يكون سبباً له، وكلاهما باطل.
أما الأول فقد ذكر لبطلانه وجوهاً ثلاثة:
فإذا دار الأمر بين تسعة أجزاء للصلاة أو عشرة فالمشهور هو إجراء البراءة في الجزء العاشر، فإنه وإن كان عندي علم إجمالي لكنه لا يكون منجزاً لانحلاله إلى علم تفصيلي وشكّ بَدوي ويكون الشك البَدوي شكاً في أصل وجوب العاشر فنجري أصالة البراءة للقاعدة القائلة بأنه كلما شكّ في أصل الوجوب نجري أصالة البراءة.
في المقام إذا فرضنا أن الجامع عنوان بسيط، فلا يبقى شك في أصل الوجوب؛ لأنّ الوجوب تعلّق بهذا العنوان البسيط، والوجوب في نفسه ثابت لا شك فيه، وإنما الشك في المحصّل والمفرغ للذمة خارجاً، فإنّنا نشك هل يحصل الواجب بتسعة أو عشرة، وفي مثل المقام تجري أصالة الاشتغال، فالوجوب لم ينصبّ على الأجزاء وإنما انصبّ على العنوان البسيط فالشك شك
ــــــــــ[117]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
في الفراغ لا في أصل التكليف.
أما الشقّ الثالث: وهو أن يكون الجامع عنوان بسيط ولكنه عنوان جامع أسبق من المطلوب إما ملزوماً له أو سبباً له. فهذا الوجه لا يرد فيه الدور؛ لأنّ ذاك العنوان أسبق من الطلب فكون الصلاة ناهية عن المنكر والفحشاء الذي هو عنوان جامع أسبق من المطلوب وسبب له وليس ناشئاً من ناحية الأمر بل الأمر متفرّع عليه. وإشكال الترادف لا يأتي أيضاً لأنه وإن كان يلزم الترادف ولكنه يلزم بين الصلاة بين ذاك العنوان الأسبق من المطلوب، وهو عنوان لا نحدده نحن بل نقول إنه من الممكن وجود مثل هذا العنوان ليكون قدراً جامعاً، فلا مانع إذن من مرادفته للصلاة.
أما الإشكال الثالث: فيرد لأنه عنوان بسيط، فيكون أصل الوجوب معلوماً ويكون الشك في الفراغ لا في أصل الوجوب فتجري أصالة الاشتغال دون البراءة التي يقول بها المشهور.
قال ص25: “مدفوع بأن الجامع إنما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة…”.
جواب إشكال صاحب التقريرات على الجامع على القول بالصحيح: هو بالالتزام بالشق الثالث وهو أن يكون الجامع عنواناً بسيطاً ملزوماً لعنوان المطلوب وهو لم يرد عليه فيما ذكر صاحب التقريرات إلّاَ إشكالاً واحداً هو عدم جريان البراءة في المقام؛ لأنّ الشك يكون حينئذٍ في السقوط.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
العناوين البسيطة على قسمين: فمنها عناوين بسيطة مغايرة للمركب ملزومة لها فإذا كان الوجوب متعلقاً بالعنوان البسيط فإنه لا يسري إلى المركب؛ لأن العنوان البسيط ليس موجوداً بوجود المركب كالقتل فإنه ليس موجوداً بوجود الضرب، ومنها ما هو موجود بوجود المركب وهو أن يكون منتزعاً منه وهو نفس وجوده كالإيلام الموجود بنفس وجود الضرب.
فإذا كان العنوان بسيطاً مغايراً للمركب ومسبَبَاً عنه فتجري أصالة الاشتغال؛ لأنّ التكليف واضح ولكن الشك في الفراغ وفيه تجري أصالة الاشتغال. وأما إذا فرضنا أن العنوان بسيط منتزع من المركّب وهو موجود بنفس وجوده فيكون الطلب المتعلّق بالبسيط سارياً إلى المركب فبحسب الحقيقة إن الوجوب متوجّهٌ إلى المركب. فإذا شك أن الأجزاء تسعة أو عشرة فيكون شكاً في أصل التكليف، فتجري البراءة.
فالمدعى هنا هو العنوان البسيط المنتزع فيكون الشك في أصل وجوب المركب فتجري أصالة البراءة.
قد يقال في الطهارة إنها مسبَّبة عن المركب وهو الوضوء، فإذا شك في أنه غسلتين أو ثلاثة، فتجري أصالة الاشتغال لأنه شك في الفراغ، ولكن هذا الأمر أجنبي عن مقامنا وانما استكشفنا الجامع ببرهان أن وحدة الأثر كاشفة عن وحدة المؤثر بقانون أن الواحد لا يصدر إلّاَ عن واحد. إذن فيمكننا أن نتصور الجامع على الصحيح.
ولكنّنا لا يمكن أن نتصوّر الجامع على القول بالأعم والوجه في الإشكال:
ــــــــــ[119]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إن الجامع إما أن يكون بسيطاً أو مركباً، فإن فرض جامعاً بسيطاً فهو في غاية الإشكال لأننا استكشفناه في الأفراد الصحيحة من ناحية وحدة الأثر فإنه يكشف عن وحدة العلة، أما الأفراد الفاسدة فليس لها أثر، فالجامع البسيط هنا لا يمكن إذن ينحصر الأمر بالجامع المركب وهو أيضاً في غاية الإشكال كما يظهر من الوجوه التي ذكروها في تقريب الجامع.
قال ص25: “أحدها أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة كالأركان في الصلاة…”.
هو عدّة من الأجزاء منتخبة وهي الأجزاء الأساسية في العبادة وهي التي تدور معها وجوداً وعدماً، وهي الأركان في الصلاة، فما اشتملت عليها كانت الصلاة فرداً في الموضوع.
أشكل الآخوند على ذلك بوجهين:
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) انظر: القوانين، الصحيح والأعم 40، الفصول الغروية في الأصول الفقهية 46.
محاضرات في كفاية الأصول
النطاق العام الذي يقصده الأعمّي كما لو صلّى بدون تكبيرة الإحرام فإنه يقال: إنّه صلّى ونسي تكبيرة الإحرام. إذن فقد تصدق الصلاة مع عدمها كما قد لا تصدق مع وجودها.
قال: ص26 “ثانيها: أن تكون موضوعة لمعظم الأجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفاً…“.
التقريب الثاني للجامع: أن يكون الجامع هو معظم الأجزاء الذي تدور التسمية مداره، عدة من الأجزاء بحيث معه يصدق عنوان الصلاة وبدونه لا يصدق عنوان الصلاة، فالصلاة موضوعة لطبيعي ثمانية أجزاء منها وهذه الثمانية تتحقّق مرة بالتشهد ومرّة بالتسليم وأخرى بالتسبيحات، ويكون المكلّف حراً بإسقاط أي جزئين من الصلاة (مع فرض أن الصلاة الصحيحة عشرة أجزاء).
وقد أشكل الآخوند عليه إشكالات ثلاثة:
الإشكال الأول: ما أشكلناه ثانياً في الوجه السابق من لزوم المجاز في الصلاة الصحيحة التامة الأجزاء والشرائط لأن هذه الصلاة ليست هي المسمّى
ــــــــــ[121]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
فاستعمال اللفظ بها استعمال في غير الموضوع له من باب استعمال لفظ الجزء في الكل.
الإشكال الثاني: يلزم تبادل المسمّى فكل جزء منها يحتمل فيه أن يكون داخلاً في الصلاة وإن يكون خارجاً عنها، لأنّه يمكن أن يدخل ضمن الأجزاء الثمانية فيدخل في الموضوع له ويمكن أن يخرج عنها فيخرج عنه.
الإشكال الثالث: إن الصلوات مختلفة الحالات اختلافاً كبيراً فمنها ما تصدق بخمسة أجزاء ومنها ما تصدق بسبعة أجزاء ومنها ما لا تصدق إلّا بعشرة فأي الأجزاء من أي هذه الصلوات نعتبره هو الموضوع له.
قال ص26: “ثالثها: أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصية كزيد…”.
التقريب الثالث للجامع على القول بالأعمّ: هو مقايسة المسألة بباب الأعلام الشخصية، فإنا وإن كنا لا نحدد الجامع في الصلاة إلّاَ أننا نقيسها على الأعلام الشخصية، ففي الأعلام الشخصية نحو زيد مثلاً المسمى وهو شخص زيد الخارجي مركّب كما أنّ الصلاة مركّبة، وبالرغم من كونه مركّباً فقد وضع له لفظة زيد ونقصان بعض الأجزاء لا يفسد المسمى بلفظ زيد، وإلاّ فإن عين إشكالكم في الصلاة يرد هنا بأن نقول: إن كان الموضوع له تمام الأجزاء فيلزم أن لا يكون ناقص الأجزاء زيداً وإن كان اللفظ موضوعاً للرأس والجذع فقط – مثلاً- إذن فإطلاق اللفظ على التمام مجاز وهو خلاف الوجدان.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إذن، فالوجه الذي تم به الإطلاق في الأسماء الشخصية يتم في العبادات.
أجاب الآخوند عن ذلك: بأنّ هناك فارقاً بين الإنسان والصلاة وحاصل الفرق أن الترتيب في الصلاة اعتباري فهي كثرة محضة لا تنتظمها وحدة حقيقية، ولكن زيد شيء واحد حقيقي فزيد من جهة (وحدة) وهي جهة شخصه الخاص بنفسه الناطقة ومن جهة (كثرة) وذلك بلحاظ أجزاءه الجسمية، فالموضوع له في زيد هو جهة الوحدة فيه أما هنا في الصلاة فليس هنا جهة وحدة لتكون هي الموضوع له.
قال ص26: “رابعها: أن ما وضِعت له الألفاظ ابتداء هو الصحيح التام…”.
التقريب الرابع لتصوير الجامع على القول بالأعم: وهو ليس -في الحقيقة- تصويراً للجامع بل تصويراً لكون استعمال لفظة الصلاة في الصحيح والاعم استعمال حقيقي، فهو قول ينتج النتيجة المطلوبة للقول بالجامع على القول بالأعم، فإننا إنما نحتاج إلى تصور الجامع ليكون هو الموضوع له اللفظ ويكون استعمال اللفظ فيه حقيقة، وهذا القول ينتج هذه النتيجة من دون النظر إلى الجامع.
يقول: إنّنا نسلم أن الجامع المتصوَّر إنما يكون بين خصوص الأفراد الصحيحة ويكون اللفظ موضوعاً لهذا الجامع. ولكن استعمل اللفظ بعد الوضع في الأفراد الفاسدة تنزيلاً للفاسد منزلة الصحيح. فلا يكون مجازاً في
ــــــــــ[123]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الكلمة؛ لأنّ الصلاة لم تستعمل في الفاسد بما أنه فاسد وإنما استعملت فيه عن طريق العناية في تنزيله منزلة الصحيح، فليس هناك عناية في استعمال اللفظ، فهو من باب الاستعارة لا المجاز.
فتستعمل (الصلاة) في الفاسد إما لاشتراكهما في الصورة أو لاشتراكهما في الآثار، ثمّ يندرج اللفظ في مراتب الشهرة إلى أن يصبح حقيقة، فيكون لفظ الصلاة حقيقة في الأعم، وترقي المجاز في الشهرة يحدث تزايد الأنس به ويحقّق بالنتيجة الوضع التعيّني، وهذا الوضع التعيني لا يحتاج إلى طول مدة لمدى المشابهة الشديدة بين الأفراد الصحيحة والفاسدة.
واعتبر ذلك بأسماء الأدوية والمعاجين فإن اسمه قد يكون موضوعاً لخصوص الصحيح من حيث إنّ الواضع قد وضع اللفظ للمادة الجامعة لجميع الخصوصيات، ثمّ يتهاون أهل العرف فيستعملونه في الناقص بتنزيله منزلة الصحيح، ثمّ يترقى هذا الاستعمال في درجات الشهرة حتى يصبح حقيقة، لا نشعر بعدها بمؤونة استعماله في الفاسد.
قال: ص27 “وفيه أنه إنما يتم في مثل أسامي المعاجين وسائر المركبات الخارجية…”.
والجواب: إنّ هذا غير صحيح لأنه فرض أولاً أن اللفظ قد وضع للجامع بين الأفراد الصحيح ثمّ استعمل في الفاسد تنزيلاً له منزلة الصحيح ثمّ كثر استعماله إلى أن أصبح حقيقة في الفاسد.
ولكن لا جامع بين الأفراد الصحيحة لأنها مختلفة في الأجزاء والشرائط
ــــــــــ[124]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
اختلافاً كبيراً، وحينئذٍ فليس عندنا جامع صحيحي يوضع اللفظ له، وينزل الفاسد منزلته، ثمّ يترقى ليكون حقيقة في الفاسد آخر الأمر.
لا يقال: كيف يقول الآخوند ذلك مع أنه اعترف في مبادئ البحث عن الصحيح والأعم بوجود الجامع بين الأفراد الصحيحة؟
فإنه يقال: إنّ ذلك الجامع الذي قال به الآخوند هو عنوان بسيط كعنوان الناهي عن المنكر، المكتشَف من وحدة الأثر، وليس هو عنوان مركب. والصلاة الفاسدة لا شباهة بينها وبين ذلك العنوان البسيط لأنها لا تنهى عن المنكر، وإنما هناك شباهة بين المركب الفاسد والمركب الصحيح لا بين المركب الفاسد والعنوان الانتزاعي عن الصحيح، والصحيح المركب لا جامع بينه ومن هنا يظهر الحال في:
قال ص27: “خامسها: أن يكون حالها حال أسامي المقادير والأوزان…”.
التقريب الخامس: الذي قال بأنه يكفينا القول بالجامع بين الأفراد الصحيحة، ولكن لا بمعنى أنه موضوع له ثمّ يستعمل في الفاسد، بل إن الواضع يتصور الجامع بين الأفراد الصحيحة ولكنه لا يضع لها بالخصوص بل يضع لها ولما هو أقل منها قليلاً وأكثر منها قليلاً، وذلك كالمقادير والأوزان حيث تصور الواضع (4000) مثقال ووضع له لفظ الحقة ولما هو أكثر قليلاً وأقل قليلاً ولذا ترى أن استعمال الحقة فيما يزيد عن المقدار بنصف مقدار
ــــــــــ[125]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
حقيقة لا مؤونة فيه. أو نقول في المقام إن الواضع وضع الحقة للـ(4000) مثقال، ثمّ تجوَّزَ العرف فاستعملها بالأكثر والأقل قليلاً تنزيلاً لها منزلة الفرد الصحيح ثمّ أصبح هذا الاستعمال حقيقة واكتسب الوضع التعيني وذلك كما قلنا في الوجه السابق.
قال ص27: “وفيه أن الصحيح كما عرفت في الوجه السابق يختلف زيادة ونقيصة…”.
وجوابه: إنّ هذا الرأي موقوف على وجود الجامع المركب بين الأفراد الصحيحة، وأما الجامع البسيط فلا معنى للقلة والكثرة فيه ليضع الواضع اللفظ للأقل أو الأكثر منه قليلاً.
قال ص27: “ومنها: أن الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات عامين…”.
المقدمة الرابعة: يمكن بحسب مقام الثبوت في أسماء العبادات أن يكون الوضع فيها عاماً والموضوع له فيها عاماً كما أنه يمكن أن يكون الوضع فيها عاماً والموضوع له خاصاً أما يكون الوضع فيها خاصاً والموضوع له خاصاً أيضاً فهذا مما لا يمكن.
ونحن على كلا القسمين الممكنين ثبوتاً نحتاج إلى تصوير الجامع؛ لأنّ الوضع في كليهما عام، ومن هنا وقع الحديث عن الجامع.
وفي هذه المقدمة نمحص الحق من الاحتمالين الممكنين، والحق منهما هو
ــــــــــ[126]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الأول: والدليل عليه: أنه لوكان الوضع في أسماء العبادات عام والموضوع له خاص لكان استعمالها في الجامع إما مجازاً أو غلطاً، لأن الجامع ليس موضوعاً له فيكون استعمال اللفظ فيه إما مجازياً أو غلطاً، يكون مجازاً إذا كانت هناك علاقة بين العام والخاص أي القدر الجامع وأفراده مجوزة للاستعمال المجازي. وإن لم تكن مثل هذه العلاقة كان الاستعمال غلطاً لان مجرّد كون الشيء جامعاً لا يصحّح العلاقة وذلك كاستعمال لفظ زيد في كلي الإنسان.
مع إننا نرى بالوجدان أن استعمال اللفظ في الجامع ليس مجازاً ولا غلطاً نحو الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والصلاة معراج المؤمن، فإن لفظ الصلاة لم يستعمل هنا في فرد مخصوص لعدم اختصاصه بهذه الآثار دون الأفراد الصحيحة الأخرى. بل قد استعمل في الجامع للأفراد الصحيحة وليس فيه أي تجوّز وغلط.
نعم، لو أمكن القول بإمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لأمكن القول بأن لفظ الصلاة في المقام -أي في نحو الصلاة تنهى الخ- مستعمل ويراد به الأفراد كلها، ولكن هذا القول غير ممكن.
إذن، نعرف أن لفظ الصلاة قد استعمل في الجامع، ولوكان الوضع في لفظ الصلاة عاماً والموضوع له خاصاً للزم المجاز في هذا الاستعمال أو الغلط، مع أن هذا بديهي البطلان بالوجدان، فيكون هذا برهاناً على أن الوضع في أسماء العبادات عام والموضوع له عام أيضاً.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص28: “ومنها: أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول…”.
ذكر عدّة ثمرات لهذا النزاع:
أحدها: إن القائل بالأعمّ يمكنه التمسك بالإطلاق لنفي الجزئية والشرطية عند الشك في ذلك، فإنه لو شك في جزئية شيء أو شرطيته في الواجب، كالسورة بالنسبة إلى الصلاة، فيمكنه التمسك بالإطلاق وإجراء مقدمات الحكمة، لنفي الجزئية أو الشرطية؛ لأنّ الأمر تعلّق بالصلاة وهي موضوعة للأركان الخمسة، وهي متوفرة مع وجود السورة وعدمها، فبمقتضى الإطلاق -مع أن المولى في مقام البيان ولم يبيّن الجزئية أو الشرطية- فلا دخالة للسورة في الصلاة وإلا لذكرها.
والسرّ في هذا الرأي واضح وهو أن مفهوم الصلاة متوفّر لدى الأعمّي والشك عنده إنما هو بجزئية شيء أو شرطيته وهو ليس داخلاً في مفهوم العبادة.
وأما الصحيحي فهو يعتقد أن لفظ الصلاة موضوع للناهي عن الفحشاء والمنكر ويشك في أن الفرد الفاقد للسورة هل هو ناهٍ عن الفحشاء والمنكر أو لا؟ فالشك منصبّ على أصل انطباق الصلاة على الفاقد، فيكون الشك في مدلول اللفظ، وفي مثله لا تجري مقدمات الحكمة لأنها إنما تجري عند إحراز المراد والشك في دخالة أمور أخرى في المسمى، وحينئذٍ يكون اللفظ مجملاً.
ونفس هذا الأمر في الصحيحي يجري لدى الأعمّي إذا شك في دخالة
ــــــــــ[128]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
شيء في المسمى، كأن يشك القائل بأن الصلاة هي الأركان الخمسة بركنية جزء وعدم ركنيته، وحينئذٍ يكون اللفظ مجملاً بالنسبة إليه لأنه لا يعلم انطباق المسمى على الفاقد لهذا الجزء، فلا تجري بالنسبة إليه مقدّمات الحكمة.
ثمّ يقول الآخوند: إنّه لا يقدح في هذه الثمرة للنزاع أن تكون تكاليف العبادات واردة لمجرد بيان الحكم وليس هي في مقام البيان من النواحي الأخرى، فلا يمكن اللجوء إلى إطلاقها لنفي جزئية شيء أو شرطيته بإجراء مقدمات الحكمة؛ لأنّ من جملة مقدمات الحكمة أن يكون المولى في مقام البيان وقد تخلف هذا الشرط في المقام.
هذا لا يضر لأننا لو فرضنا وجود خطاب للعبادات يكون المولى فيه في مقام البيان ويمكن فيه إجراء مقدمات الحكمة، لتحققت الثمرة المطلوبة المترتبة على النزاع وهذا نفسه يكفي ثمرة على هذا النزاع.
قال ص28: “وقد انقدح بذلك أن الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال الخطاب…”.
كان الكلام في ثمرات البحث على كُل من القول بالصحيح والقول بالأعم. وقد ذكرنا منها ثمرة، وهي أن الأعمّي يستطيع التمسك بالإطلاق عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته لأنه يحرز مدلول اللفظ ويشك بدخول شيء طارئ عليه، وأما الصحيحي فيحتمل دخالة الشيء المشكوك في الموضوع له، كل ذلك إذا تمّت مقدمات الحكمة وكان المولى في مقام البيان لا مقام الإجمال أو الإهمال.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الثمرة الثانية: إنه إذا لم يوجد الإطلاق ولم يمكن جريان مقدّمات الحكمة فكلاهما لا يجوز له التمسك بالإطلاق، فالأعمّي يساوي الصحيحي من هذه الناحية فعندما يشك ولا يجد دليلاً يستند عليه يرجع إلى الأصول العملية.
فالقائل بالأعم يجري البراءة والقائل بالوضع للصحيح يجري أصالة الاشتغال أو الاحتياط. والوجه في ذلك ما أشرنا إليه في إشكال الشيخ على القول بالأعم، حيث يكون اللفظ موضوعاً للمركب ويكون الشك شكاً في الوجوب الزائد فتجري البراءة. أما الصحيحي فالوجوب لديه متعلّق بالبسيط وهو واضح لا إجمال فيه ولا تردّد، وإنما الشك في المحصّل له وفي مثله تجري أصالة الاشتغال.
والآخوند يرى رجوعهما إلى البراءة أو رجوعهما إلى الاشتغال على الخلاف في مسألة ما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين وبين الأقل والأكثر غير الارتباطيين.
تارة لا يكون الواجب الأقل مرتبطاً بالواجب الأكثر كالدرهم في أداء الدين فإنّ أداءه لا يتوقف على أداء الدرهمين، وهنا لا إشكال في جريان البراءة عن الأكثر لأن الشك في الأكثر (الزائد) بَدوياً فينفى بالأصل. أما بالنسبة إلى الواجبين الارتباطيين كأن يكون الواجب مردّد بين تسعة أجزاء أو عشرة فنشك أن الصلاة هل هي مجزية في التسعة أجزاء أم أنها لا تجزي إلّاَ مع العاشر. هنا وقع خلاف في جريان البراءة أو الاشتغال. ومنشأ الخلاف في تحقيق أن العلم الإجمالي بوجوب التسعة أو العشرة هل هو موجود بالفعل أو منحل
ــــــــــ[130]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
(إلى) العلم التفصيلي بالتسعة والشك البَدوي بوجوب العاشر. فمن قال بوجوده قال بالاحتياط؛ لأنّ كل من التسعة والعشرة طرف للعلم الإجمالي فيجب الاحتياط فيه، ومن قال بأن العلم الإجمالي منحل إلى علم تفصيلي بالتسعة وشك بَدوي بالعاشر، وحينئذٍ ينفى وجوب العاشر بأصل البراءة.
فجريان البراءة والاشتغال مبني على تلك المسألة فإما إن كلاهما يرجعان إلى البراءة إذا قالا بانحلال العلم الإجمالي، أو كلاهما يرجعان إلى الاشتغال إذا قالا بتنجزه، ولا فرق بينهما من هذه الناحية.
تبقى لدينا أصل الدعوى وهو جريان الاشتغال على القول بالصحيح والبراءة على القول بالأعم عند الشك في الزائد، وقد سبق جوابها وهو أنه قد سبق أن قلنا إن العنوان البسيط للأفراد الصحيحة متحد معها وموجود بوجودها، متحد معها على حد اتحاد العنوان الانتزاعي بمنشأ انتزاعه. وموجود بنفس وجودها فهو يحمل عليها بالحمل الشايع الصناعي، فالوجوب المتعلّق به متعلق بالأجزاء، وحيث ترددت الأجزاء بين التسعة والعشرة، فإذا قلنا بالانحلال نقول بالبراءة وإلا قلنا بالاشتغال، فلا فرق بين كلا القولين، فلا يمكن أن نعتبر هذه ثمرة للخلاف في الصحيح والأعم.
قال: ص 28 “وربما قيل بظهور الثمرة في النذر أيضا…”.
لو نذر أن يعطي لمن يصلي درهماً، فعلى القول بالصحيح لا يجزي إلّاَ أن يعطي الدرهم لمن صلى صلاة صحيحة وعلى القول بالأعم يكون مجزياً في الأعم.
ــــــــــ[131]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
يقول الآخوند: إن هذه الثمرة وإن كانت صحيحة لكنها ليست أصولية لأنها تؤدي إلى استنباط حكم فرعي جزئي وهو براءة ذمة الناذر، في حين إن المسألة الأصولية هي ما يستنبط منها حكم شرعي كلي.
قال ص29: “فقد استدل للصحيحي بوجوه، أحدها: التبادر و…”.
بعد هذا يأتي على دور الاستدلال على القول بالصحيح وذلك بوجوه:
الأول: التبادر بتقريب انه إذا أطلق اللفظ فإنه يتبادر منه الصحيح. واعترض عليه أنه كيف تقولون ذلك مع أنكم تقولون أن الجامع غير معلوم بالحقيقة وإنما هو معلوم بالآثار، ومع عدم الاطلاع على حقيقته كيف تقولون أنه المتبادر من اللفظ.
فإن قلتم: إن التبادر هو مفهوم (الصحيح) فإنكم لم تقولوا إن هذا هو الجامع وإن قلتم إنه عنوان بسيط ملزوم لعنوان المطلوب فلم نعرف حقيقته ليكون متبادراً إلى أذهاننا.
جوابه: إن هذا الجامع وإن كان خفياً بحقيقته إلّاَ أنه معروف، ببعض وجوهه ولومن ناحية آثاره ونحن إنما ندّعي التبادر فيما نستطيع معرفته من وجوه الجامع. إذن فدعوى التبادر معقولة.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
قال ص 29: “ثانيها: صحة السلب عن الفاسد…”.
الدليل الثاني: صحة السلب من حيث إنه يصح سلب اسم الصلاة عن الفاسدة، وإن صح إطلاقها عليها بعناية، وقد علمنا أن صحة السلب علامة كونه ليس من الموضوع له.
قال ص29: “ثالثها: الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسميات…”.
الدليل الثالث: الأخبار وقد قسم الأخبار إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: الدالة على ثبوت بعض الخواص لطبيعي المسمى بحسب ظاهر القضية نحو[الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر](1) (والصلاة عمود الدين)(2) حيث أثبتت خصوصية النهي عن الفحشاء والمنكر أو خصوصية عمادة الدين وأضيفت إلى طبيعي المسمى، ونحن من الخارج نعرف أن هذه الخصائص ليست ثابتة إلّاَ للصلاة الصحيحة، فينتج بعد ضم القضية الداخلية التي عرفناها من الأخبار والقضية التي عرفناها من الخارج أن المسمى هو خصوص الصحيح؛ لأنّ ظاهر الأخبار أن المسمى من حيث إنه صلاة هو عمود الدين لا من حيث أي شيء آخر طارئ عليه ونحن نعلم بأن عمادة الدين
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) العنكبوت: 45.
(2) وسائل الشيعة 4: 27، الباب 6، باب تحريم الاستخفاف بالصلاة، الحديث 12.
محاضرات في كفاية الأصول
ليست إلّا للصلاة الصحيحة فينتج أن الصلاة من حيث هي صلاة ليست إلّا الصحيحة.
قال ص29: “أو نفي ماهيتها وطبائعها مثل لا صلاة الا بفاتحة الكتاب“.
الطائفة الثانية: الأخبار النافية لحقيقة الصلاة وطبيعيها عند اختلال بعض الأجزاء والشرائط نحو (لا صلاة إلّاَ بفاتحة الكتاب)(1)، فتدل على نفي الطبيعة عند انتفاء الجزء والشرط. وهو يكشف عن تقوّم المسمى بالصحيح.
الأعمّي يمكن أن يؤول هذه الأخبار فيقول: إن المراد من الطائفة الأولى خصوص حصة من الصلاة وهي الصلاة الصحيحة التي هي قسم من الجامع الأعمي، كما أن المقصود بالنفي في الطائفة الثانية نفي الصحة الذي عبّر عنه الآخوند بنفي الصفة لا نفي الذات وهو أصل الصلاة.
وجوابه أن كلاهما تأويل خلاف الظاهر، لأن ظاهر الطائفة الأولى من الأخبار أن الأثر مترتب على الصلاة على إطلاقها كما أن ظاهر الطائفة الثانية أن النفي منصبّ على نفس الصلاة لا صفة الصلاة، ونحن وإن كنا لا ننكر إمكان ذلك فإنه كما يمكن أن يكون النفي منصبّاً على الصحة، فكذلك يمكن أن ينصبّ على الكمال أيضاً وذلك في نحو لا صلاة لجار المسجد إلّاَ في المسجد، إلَّا أن هذا أمر لا يصار إليه إلَّا بدليل لأنه خلاف ظاهر التعبير.
بل يمكن أن يقال إنه حتى في الجمل التي يتراءى فيها أن النفي منصبّ
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 196، الفصل التاسع، الحديث 2.
محاضرات في كفاية الأصول
على الصفة أو الكمال، فإن النفي في المدلول اللفظي منصبّ على الحقيقة، وذلك حتى في شرائط الكمال فضلاً عن شرائط الصحة، فلا يكون مجازاً في الكلمة، وأما يكون مجازاً في تنزيل الفاسد منزلة الصحيح.
النفي منصب على الحقيقة بدعوى أن هذه القضايا مسوقة للمبالغة وشدة الاهتمام ولا مبالغة لو كانت منصبة على الكمال كأن يقول لا صلاة كاملة لجار المسجد إلّاَ في المسجد، فإن ذلك يكون بياناً للواقع لا مبالغة فيه. مع أننا بحسب المتفاهم العرفي نرى أن قوله لا صلاة لجار المسجد إلّاَ في المسجد أشد إثارة لمشاعرنا الدينية من الجملة الثانية، ولا وجه لذلك إلّاَ أن النفي وارد على الحقيقة بقصد المبالغة.
قال ص30: “رابعها: دعوى القطع بأن طريقة الواضعين وديدنهم وضع الألفاظ للمركبات التّامة…”.
الدليل الرابع: مكون من كبرى وصغرى.
الكبرى: هو أن ديدن المخترعين حيث يخترعون مركبات إما حقيقية أو اعتبارية هو أنهم يضعون اللفظ للصحيح من مخترعاتهم المركبة، لأنهم يحتاجون إلى التعبير عن الشيء الذي اخترعوه وما اخترعوه هو شيء كامل الأجزاء والشرائط.
الصغرى: إن النبي حينما اخترع هذه المركبات الاعتبارية لم يشذ عن طريقة الواضعين، بل هو تابع سيرة العقلاء في ذلك، فيثبت الوضع للصحيح.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
وفي هذا البرهان مناقشة من حيث كل من الكبرى والصغرى.
أما الكبرى: فإن الواضع قد يكون قد وضع اللفظ لمعنى جامع بين الصحيح والفاسد لأن حاجته في التعبير عن الفاسد كحاجته في التعبير عن الصحيح.
وأما الصغرى: فلوضوح أننا لا نقطع بأنه تابع هؤلاء الواضعين في سيرتهم.
قال ص30: “وقد استدل للأعمي أيضاً بوجوه. منها: تبادر الأعم…”.
واستدلوا على القول بالأعم بوجوه:
ــــــــــ[136]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
يكون مدلول كلمة الإنسان جامعاً بين كلا القسمين، وهنا في المقام أيضاً لابد أن يكون مدلول لفظ الصلاة جامعاً بين الصحيح والفاسد، إذ لوكان مدلوله أحدهما لامتنع التقسيم وفيه أنه وإن كان ظاهر الدليل حسناً إلّاَ أن الأدلة السابقة دلت على الوضع للصحيح وهي أقوى من أدلة الوضع للأعم. إذن فالأعم حين وقع مقسماً لم يكن هو المعنى الموضوع له بل هو المعنى المستعمل فيه ولو مجازاً، بحيث يصح أن ينقسم بذلك الاعتبار إلى الصحيح والفاسد.
وكقوله: “دعي الصلاة أيام أقرائك“(3)، أي أيام حيضك، فمتعلق النهي ليس هو الصحيح؛ لأنّ الحائض لا تستطيعها وإن أرادتها، ولا يعقل النهي عن الشيء غير المستطاع فلابد أن يكون المقصود هو الفاسد، فيدل على الوضع للأعم.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) الكافي 2: 18، باب دعائم الإسلام، الحديث 3.
(2) الكافي المصدر نفسه، حديث 5.
(3) المصدر نفسه 3: 85، باب جامع في الحيظ، حديث 1.
محاضرات في كفاية الأصول
وفيه: وهذا إشكال على الروايتين: إن الاستعمال ليس دليلاً على الحقيقة، ولا يمكن أن تجري أصالة الحقيقة في المقام لأنها -كما سبق- إنما تجري إذا كان الشك في المراد مع العلم باللغة ولا تجري إذا كان الشك في اللغة نفسها. مع أن المراد في الرواية الأولى هو خصوص الصحيح بقرينة أن الإسلام بني على العبادة الصحيحة، ولم يبنَ على الأعم من الصحيح والفاسد، فلابد إما من إعمال التجوز بالإسناد وأما الأخذ الأدعائي بحسب اعتقادهم، لا أنه حقيقة.
وكذلك الاستعمال في قوله فلو أن أحداً صام نهاره الخ. فهو إما ادعائي لا حقيقي أو أنه مستعمل مجازاً من باب المشابهة في الصورة.
وأما الرواية الثانية: فالاستدلال إنما يتم لوكان نهياً مولوياً بداعي الزجر والبعث، ويشترط فيه أن يكون متعلقه مقدوراً للمكلف. ولكنه نهي إرشادي إلى عدم قدرة الحائض على الصلاة لا نهيها نهياً مولوياً وإلا أي ولوكان النهي مولوياً لكان الفاسد حراماً على الحائض أيضاً مع أن هذا لا يلتزم به غالباً.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
1- القرآن الكريم
2- الإشارات والتنبيهات، الشيخ الرئيس ابن سينا، (مستل من شرح الإشارات للشيخ الطوسي)، دار نشر البلاغة – قم المقدسة، ط 1، 1403 هـ.
3- الاعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين – بيروت لبنان، ط 7، 1986م.
4- حاشية الملا عبد الله على تهذيب المنطق للتفتازاني، عبد الله بن حسين، دار جماعة المدرسين للنشر الاسلامي – قم لمقدسة، 1412هـ.
5- الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، صدر المتألهين الشيرازي، دار إحياء التراث – بيروت لبنان، ط2،1981م.
6- شرح الإشارات والتنبيهات (مع المحاكمات)، الخواجه نصير الدين الطوسي، تعليقة قطب الدين الرازي، دار نشر البلاغة – قم المقدسة، ط1، هـ1417.
7- ش7رح المنظومة (قسم المنطق) الملا هادي بن مهدي السبزواري، وتعليق: حسن زاده الآملي، تصحيح: مسعود طالبي، منشورات ناب طهران، ط1، هـ1421.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
8- شرح المنظومة (قسم الحكمة) الملا هادي بن مهدي السبزواري، وتعليق: حسن زاده الآملي، تصحيح: مسعود طالبي، منشورات ناب طهران، ط1، هـ1421.
9- عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، محمد بم زين الدين ابن ابي جمهور، دار سيد الشهداء للنشر – قم المقدسة، ط1، 1405.
10- الفصول الغروية في الأصول الفقهية، محمد حسين بن عبد الرحيم، دار إحياء العلوم الإسلامية – قم المقدسة، ط1، 1404.
11- فلسفتنا، محمد باقر الصدر، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي – قم، ط2، 1423هـ.
12- فوائد الأصول، محمد كاظم بن حسين الخراساني، دار الإرشاد – طهران، ط1، هـ1407.
13- قوانين الاصول، الميرزا ابو القاسم بن محمد حسن، دار الكتب العلمية الاسلامية/ طهران، ط2، 1378هـ.
14- الكافي، محمد بن يعقوب بن سحاق الكليني، دار الكتب العلمية – طهران، ط4، 1407هـ.
15- كفاية الأصول، محمد كاظم بن حسين الخراساني، مؤسسة آل البيت – قم المقدسة، ط1، 1409هـ.
16- معالم الأصول، حسن بن زين الدين ابن الشهيد الثاني، حاشية سلطان العلماء – قم المقدسة، ط2، 1418هـ.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
17- مفتاح العلوم، ابو يعقوب يوسف ابن ابي بكر السكاكي، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية – بيروت لبنان، ط1، 1420هـ.
18- المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، دار ذوي القربى – قم المقدسة، ط1، 1385هـ.
19- مطارح الانظار، ابو القاسم كلانتري، تقريرات ابحاث: الشيخ مرتضى الانصاري، مؤسسة آل البيت – قم المقدسة، ط1، 1404هـ.
20- منطق أرسطو، ارسطو، تصحيح: عبد الرحمن بدوي، دار القلم/بيروت لبنان، 1980م.
21- وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة، الشيخ محم بن الحسن الحر العاملي، مؤسسة آل البيت – قم المقدسة، ط1،1408هـ.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
مقدّمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر 7
المقدمة 15
الأمر الأول وفيه جهات 15
الجهة الأولى: حول موضوع العلم بصورة عامة 17
البرهان على أن لكل علم موضوعاً 17
في أقسام العوارض 18
في معنى العرض الذاتي 20
والعوارض خمسة أقسام 20
في تمايز العلوم عن بعضها البعض 23
ما هي نسبة موضوع العلم إلى موضوع المسألة 23
الجهة الثانية: فيما تشترك وما تتمايز به العلوم 25
امكان التداخل الجزئي 26
الاشكال بإمكان التداخل الكلي وجوابه 27
ــــــــــ[143]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
الجواب الثاني على الاشكال 31
الجهة الثالثة: موضوع علم الأصول 33
رأي صاحب القوانين في موضوع علم الأصول 34
رد صاحب الفصول عليه 34
إشكال الآخوند على الرأيين 35
جواب الشيخ الانصاري على الشق الأول من الإشكال والردّ عليه 36
الوجه الثاني من الاشكال 38
الجهة الرابعة: تعريف علم الأصول ومآخذ الآخوند عليه 41
الأمر الثاني: في الوضع 45
أما الجهة الأولى 47
تقسيم الوضع 47
الجهة الثانية: في تقسيم الوضع باعتبار ما هو متصور للواضع 49
الممكن من الأقسام 50
الجهة الثالثة: في الواقع من الأقسام 52
جواب صاحب الفصول على الشق الاول من الإشكال والرد عليه 54
أما بالنسبة إلى الشق الأول 54
الشق الثاني من الاشكال 55
ــــــــــ[144]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إشكال الترادف بين الحروف والاسماء وردّه 58
الخبر والإنشاء 60
الأمر الثالث: الوضع للاستعمال المجازي 65
الأمر الرابع: في صحة استعمال اللفظ في صنفه ونوعه ومثله 69
رأي صاحب الفصول في ارادة شخص اللفظ 70
دفع الآخوند لرأي صاحب الفصول 72
الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة 77
احتمال ظهور كلام ابن سينا والطوسي في تبيعة الدلالة للإرادة وردّه 80
الأمر السادس: وضع المركبات 85
إشكال الآخوند على الوضع للمركبات 87
الأمر السابع: علامات الحقيقة والمجاز 89
العلامة الأولى للحقيقة: التبادر 89
إشكال على التبادر والاجابة عنه 91
العلامة الثانية للحقيقة: صحّة الحمل وعدم صحّة السلب 94
رأي المشهور والسكاكي في الحمل الشايع الصناعي والمجاز 96
العلامة الثالثة للحقيقة: الاطّراد 97
ــــــــــ[145]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إشكال الآخوند على علامية الاطراد 98
الأمر الثامن: احوال اللفظ وتعارضها 99
الأمر التاسع: الحقيقة الشرعية 101
اشكال صاحب المعالم في ثبوتها والجواب عنه 101
إشكالان على الحقيقة الشرعية وردّهما 103
أدلة ومؤيدات القول بالحقيقة وردّها 105
ثمرة البحث في الحقيقة الشرعية 107
الأمر العاشر: الصحيح والأعم 109
متممات القول بالصحيح والأعم 111
المقدمة الأولى: في ترتّب هذا النزاع على النزاع في الحقيقة الشرعية 111
القول الأول: هو ثبوت الحقيقة الشرعية 111
القول الثاني: إنكار الحقيقة الشرعية 111
رأي الشيخ الانصاري والرد عليه 112
القول الثالث: مذهب أبوبكر الباقلاني 113
المقدمة الثانية: في تفسير الصحّة 113
المقدمة الثالثة: تصوير الجامع على كلا القولين 114
ــــــــــ[146]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
إشكال الشيخ الانصاري على ثبوت الجامع 116
الجواب عن رأي الشيخ الانصاري 118
تقريبات تصوّر الجامع(): 120
التقريب الأول للجامع 120
التقريب الثاني 121
التقريب الثالث 122
التقريب الرابع 123
التقريب الخامس 125
المقدمة الرابعة: كون الوضع والموضوع له في العبادات عامّين 126
المقدمة الخامسة: في ثمرة النزاع على القول بالصحيح أو الأعم 128
الثمرة الأولى 128
الثمرة الثانية 129
الثمرة الثالثة: مسألة النذر 131
أدلة القائلين بالصحيح والرد عليها 132
دليل التبادر 132
دليل صحة السلب 133
دليل الأخبار الظاهرة 133
ــــــــــ[147]ــــــــــ
محاضرات في كفاية الأصول
دليل الوضع للمركّبات التامة 135
أدلة القائلين بالأعم والرد عليها 136
فهرس المصادر 139
الفهرس 143