الجزء الأول
3, 373
ص44 الصدر، محمد.
كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج1 (392ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1694/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1694) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
3-00-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
كتاب البيع
تقريراً لما أفاده الأستاذ
آية الله العظمى
السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الأول
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ـــــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الكلام في المعاطاة
ويحتوي على:
ـــــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تمهيد
ـــــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قبل الدخول في المعاطاة لنعرف أحكامها، لا بأس بالتعرُّض إلى بعض المطالب التي تعرَّض لها الأكابر. وعِظم الشخص يجب أن لا يكون داعياً إلى [أخذ رأيه] والتمسّك به على كلّ حال.
وإنّما ينبغي أن يوضع الرأيُ موضع النقد والنظر، فنحن لا عمل لنا بالشخص وإنّما نهتم بالقول، والإشكال على الأكابر ليس حطّاً من مقامهم، وإنّما ننظر إلى رأيهم فما وجدناه مطابقاً وموافقاً لسليقتنا أخذناه وإلّا رفضناه.
ـــــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الشيخ المحقّق النائينييقول: إذا كانت ألفاظ البيع وسائر العقود لها السببيّة لمنشآتها، وقام الدليل على إنفاذ وإمضاء المسبّب. فإنفاذه ليس إنفاذاً للسبب(1).
وهذا يعدّه من الواضحات؛ لعدم الملازمة بين تنفيذ المسبّب وتنفيذ السبب ولا اتِّحاد بينهما أيضاً. فإذا شككنا بوقوع العقد بالعربية أو بتقدّم القبول على الإيجاب، ألَا نستطيع بأدلّة البيع الواردة لإمضاء المسبّبات تصحيح ذلك؟
يقول: نعم، ليست المسألة مسألة أسباب ومسبّبات، ولهذا نستطيع ببيانٍ آخر أن نقول: إنّ إمضاء المسبّب موجب لإمضاء السبب. وهو: أنّ نسبة المنشآت إلى الأسباب ليست نسبة السببيّة والمسبّيية، بل هذه آلات لتحقّق المنشآت، نظير الفأس بالنسبة إلى النجارة والقلم للكتابة، فليس هنا سببيّة وإنّما الكتابة فعلٌ ابتدائيّ للكاتب إلّا أنّه مع الواسطة. وكذلك نسبة العقود للمعاني المنشأة، فهي فعل ابتدائيّ للمنشئ، فحين يقول: (بِعتُ) يوجِد المعنى كإيجاد القلم للكتابة، فهو فعلٌ ابتدائيّ لا تسبيبيّ(2).
ـــــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) منية الطالب في حاشية المكاسب 1: 37- 38، كتاب البيع.
(2) المكاسب والبيع 1: 111- 114، ذيل الكلام في حقيقة البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإذا كان الأمر كذلك، فنسبة الأثر إلى اللفظ نسبة المصدر إلى اسم المصدر، وبما أنّ المصدر واسمه متّحدان ذاتاً ومختلفان اعتباراً، فباعتبار الوحدة بين الأثر والتأثير: أنّ تنفيذ المعنى المُنشأ وإمضاءه يكون إمضاءً للفظ وتنفيذاً له. وتنفيذ أحدهما عينُ تنفيذ الآخر(1).
نحن لم نفهم تمام المطالب التي أفادها في المقام، وقد ذكرت لكم جوهرها، ونحن نناقش الآن ما ذكرناه منها.
أمّا جهة تنفيذ المسبّب لا يفيد في تنفيذ السبب. فنفرض أنّ ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيح والتنفيذ وارد على المسبّب لا على السبب. فإنّنا إذا قلنا إنّ التنفيذ وارد على السبب، فالسبب يختلف بين الشرع والعرف، فيكون الدليل مجملاً ولا نستطيع التمسّك بإطلاقه.
أمّا إذا كانت موضوعة للصحيح، بأيّ معنى تصورنا الصحيح -كما سبق- لكنّ أدلّة التنفيذ واردة على المسبّب، فهنا نسأل هل السبب الصحيح عند العرف هو السبب الصحيح عند الشرع؟ ومهما شككنا هل نتمسّك بالإطلاق ونحكم بالصحّة؟
نقول: لا إشكال أنّ الماهيّة المسبّبية وهي ماهيّة البيع، لا اختلاف فيها بين الشارع والعقلاء، بمعنى أنّ الشارع يقول: إنّها مبادلة مال بمال، والعرف يقول:
ـــــــــــــ[16]ــــــــــ
(1) المكاسب والبيع 1: 114.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إنّها شيء آخر، وإنّما الاختلاف بالأسباب، حيث يُقرُّ العرف العقد الفلاني، ولا يُقرُّه الشرع، أو بالعكس -فرضاً-. والاختلاف في الأسباب يكون سبباً للاختلاف في مصاديق البيع بين الشرع والعرف، فإذا أوقع شخصٌ عقداً بالفارسيّة أو على خمر، يقول الشارع: إنّ المعنى لم يتحقّق والمعاملة لم تقع، ويقول العقلاء: إنّها قد تحقّقت. والاختلاف في شرائط البيع أو المتبايعين أو العِوضين لا يلائم الاختلاف في مفهوم البيع.
وعلى ذلك، فالاختلاف في مفهوم البيع بين الشرع والعرف ليس موجوداً، وإنّما الاختلاف في المصاديق والآثار. والشارع يتكلَّم معنا كما يتكلَّم الناس، وليس له طريقة ونهج خاصّ في الكلام وإلقاء الألفاظ. ونحن رأينا العقلاء يستعملون البيع في المسبّبي، ولا يتساءلون أنّ البيع إذا كان واقعاً بالفارسيّة هل ينفذ أو لا؟
والشارع يقول للعقلاء تحصّل النقل في نظري، فنستكشف من ذلك أنّ الأسباب عند العقلاء أسبابٌ عند الشارع، ونحن لا نشكّ في أنّ العقلاء إذا قالوا في لائحة قانون: إنّ العقود نافذة، يفهم الناس أنّ الألفاظ تؤدِّي إليها مؤثِّرة في المعاني.
والآن نُسلِّم من الشيخ النائيني أنّ في إنفاذ المسبّب في العقود والإيقاعات لا يستلزم إنفاذ الأسباب. فإنّها ليست من قبيل السبب والمسبّب، بل هي كالقلم والفأس بالنسبة للنجارة والكتابة، فعلٌ ابتدائيّ للفرد. ويعلّل ذلك، بأن الألفاظ
ـــــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بالنسبة إلى المنشئات كالآلة للنجارة، فهما متّحدان كاتّحاد المصدر واسم المصدر.
نريد أن نرى ما هو المصدر واسم المصدر في المقام؟
إذا وقع بيعٌ فقد صدرت مِنّي الصيغة بلفظ (بِعتُ)، ومنك بلفظها (قبلتُ) بصيغة الفعل الماضي. يقول: وهذه الألفاظ مع منشئاتها من قبيل الآلة مع ذي الآلة، وهما متّحدان؛ لأنّ المصدر واسمه متّحدان ذاتاً وإن اختلفا اعتباراً. فما هو المصدر هنا؟
هنا مرّةً نقول: إنّ المصدر واسمه هو التلفُّظ واللفظ، وهما واحدٌ ذاتاً ومختلفان اعتباراً، إلّا أنّنا لا نريد تنفيذ اللفظ نفسه.
أو نقول: إنّ المراد هو ما هو بالحمل الشايع تلفظ وهو (بعت) و(آجرت). فهنا لا يوجد مصدر وإنّما فعلٌ ماضٍ، فأين المصدر الذي أمضى الشارع اسمه فيلازم إمضاءه.
أو نقول: إنّ المراد هو أثر المعاملة وتأثيرها، فهذا أيُ ربط له بي؟! أنا إنّما نطقت باللفظ، والآلة عبارة عن اللفظ، فأيّ ربط بمقامنا بالمصدر واسمه؟!
أما قصّة الآلة وذي الآلة حيث يقول: إنّهما واحد ذاتاً، فنقول: هل هما واحد مفهوماً أو واقعاً؟
إذا قلتم: إنّهما متّحدان مفهوماً، فهو واضح البطلان، فإن مفهوم الآلة شيء ومفهوم ذيها شيءٌ آخر.
وإن كنتم تقولون بأنّهما متّحدان واقعاً فيلزم أن يكون الشيء آلة لإيقاع نفسه وهو محال. فالقلم لا يكون عين الكتابة. وعليه فاتّحاد الآلة وذي الآلة غير
ـــــــــــــ[18]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
معقول، فكيف يقول: إنّ النسبة بين الآلة وذيها نسبة المصدر إلى اسمه وهما متّحدان ذاتاً، وإن اختلفا اعتباراً؟!
والآن نحن نعرض عن سائر هذه المطالب، ونقول بأنّ الآلة وذيها متّحدان، وإنّ تنفيذ وإمضاء أحدهما إمضاء للآخر.
ونحن نقول: أيضاً لا نتيجة لكلامه؛ لأنّ أدلّة العقود لا تخرج عن أحد حالين: إمّا مطلقات أو عمومات، كـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(1) بالإطلاق، أو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2) بالعموم، كما يُذكر في محلّه من أنّ الألف واللام هنا كقوله (كلّ عقد). وكِلاهما لا يجري على مبناه الذي يقول: إنّنا نحتاج في سراية الحكم بالصحّة إلى الاتّحاد ذاتاً.
فلا يتمّ؛ لأنّ عنوان الإطلاق يورد الحكم على نفس الطبيعة، ولا نظر(3) له إلى الأفراد أصلاً. فإن أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ ليس معناه: أحلَّ الله هذا البيع وهذا البيع، بل أحلَّ الله الطبيعة بما هي، غايته إذا تحقّق له مصداق في الخارج يكون نافذاً. فالحكم يشمل الأفراد الذاتيّة.
والعقد الخارجي إذا وقع يكون مجمعاً لعناوين عديدة، كونه صادراً من فلان وفلان وفي المكان والزمان المعينين وهكذا. والمُطلقات التي تحكم على الطبيعة، إنّما تحكم عليها بعنوان كونها عقداً، وتكون آلة العموم موجِبة للتكثير
ـــــــــــــ[19]ــــــــــ
() البقرة: 275.
(2) المائدة: 1.
(3) وإن كان خالف في ذلك أصوله، إلّا أنّ هذا هو واقع المطلب. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
في داخل هذا النطاق، يعني إذا سألنا الشارع المقدس القائل: كلّ عقدٍ يجب الوفاء به، أنّه هل يجب الوفاء به بعنوان كونه في النجف أو في يوم الجمعة مثلاً؟ لا، بل باعتبار العقد والمعاقدة. فهذا العقد تنطبق عليه عناوين كثيرة، إلا أنّ الحكم يشمله بما أنّه مصداق للمعاقدة، وبذلك كان مصداقاً ذاتيّاً لـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ. فالآية نظرت إلى نفس الطبيعة، والألف واللام كثّرت نفس الطبيعة، ويستحيل أن تُكثّر ماهيّة أخرى، وأن يدلّ البيع على شيء غير الموضوع له، وهو نفس الطبيعة.
فإذا كان الأمر كذلك، فتنفيذ العقد إنّما هو بصفته عقداً لا بعنوانٍ آخر. ولا يعقل أن يكون غير ذلك. فإنّ الحكم إنّما يقتصر على عنوانه، ويستحيل أن يتعدّاه وأن يُكثّر غيره وأن يدلّ عليه، وإنّما يفهم شيء آخر من باب تداعي المعاني كدلالة (زيد) على أبيه مثلاً.
إذن نفرض أنّ كلامه تامّ، وأن نسبة المنشأ إلى الألفاظ نسبة المصدر إلى حاصل المصدر، فنحن نحاسب نفس المصدر وحاصل المصدر. إذا قُلت وحكمت على المصدر بأنّه ماهيّة منتسبة إلى الفاعل. فهل حكمك هذا يسري إلى اسم المصدر؟ مع أنّك قلت إنّ الحكم المتعلّق بأحدهما يسري إلى الآخر. أو أنّ المصدر واسمه مختلفان ماهيّةً وفي الخارج متّحدان، فالمصدر واسمه مختلفان عنواناً، ويستحيل سراية حكم أحدهما إلى الآخر.
فإذا كان النسبة بين البيع وألفاظه كنسبة المصدر واسمه، والحكم جاء على المسبّب، أو على قوله (يعني النائيني): ذي الآلة. فيستحيل أن يسري حكمه إلى الآلة؛ لأنّ ظرف الاتّحاد غير ظرف الاختلاف والتنفيذ والإمضاء متعلّق بذي الآلة لا الآلة، وشامل له في ظرف الاختلاف لا في ظرف الاتّحاد.
وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ واردةُ على حيثيّة المعاقدة، وهي حيثيّة الاختلاف مع
ـــــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الآلة، فإذا حَكَمَ الشارع عليها في ذلك العالم، فالحكم يأتي على جانب الاختلاف لا الاتّحاد، إذن لا يتمّ ما قاله لا من تلك الناحية ولا من هذه الناحية.
يبقى إشكال عقليّ في العقود نتعرَّض له ونناقشه.
ـــــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يوجد إشكال في مطلق المعاملات التي تحتاج إلى إيجاب وقبول، وأيضاً في بيع الفضوليّ الذي لم يمضه صاحب المال.
وهذا الإشكال يحتاج إلى مقدّمة: وهي أنه لا إشكال أنّ الإيجاب مجرّداً قبل القبول، لا يوجد النقل والانتقال، لا في الواقع ولا عند العقلاء، إنّما الكلام في أنّه عند الموجب هل يحصل النقل والانتقال؟
ولكنَّه عند العقلاء لا يحصل أوَلا يحصل عنده أيضاً.
الشيخ يقول: إنّ القبول والإيجاب من قبيل الإيجاب والوجوب لا من قبيل الكسر والانكسار؛ لأنّه في الإيجاب والوجوب قد يعتقد الشخص أنّه ينشأ الوجوب بإيجابه، ولكن بما أنّه لا مولويّة له على الطرف الآخر فلا يحصل الوجوب، ولكن في نظر نفسه أنّه قد أوجب، فالبيع وأمثاله من المعاملات، من هذا القبيل لا من قبيل الكسر والانكسار الذي لا التفات فيه، والأثر لا ينفكّ عن المؤثِّر(1).
ـــــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 18، ذيل الكلام في معنى البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الآن نجعل هذا الأمر مقدّمة للإشكال.
فإن الشيخ إمّا أن يريد إلى أنّ القبول سببٌ للنقل والانتقال عند العقلاء، فهذا الشخص إذا قال: (بعتُ) ففي عقيدته أنّه انتقل هذا بهذا؛ لأنّه يعتقد أنّ القبول ليس لازماً في النقل والانتقال، كما هو الحال في الإيجاب التكليفي، فإذا التفت الآمر أنّه ليس له أهليّة للإيجاب لا يمكن أن تتعلّق إرادته بالإيجاب جدّاً ويستحيل ذلك.
ولكن إذا غفل عن ذلك، فقد يُنشئ الوجوب ويتخيّل وقوع الإيجاب واقعاً، وإن لم يكن واقعٌ واقعاً. إلا أنّ هذا اقتصار على فردٍ نادر والنادر كالمعدوم.
أو أنّ الشيخ يريد أن يقول: إنّني وإن كنت ملتفتاً أنّ الإيجاب المجرّد عن القبول لا يُؤثِّر عند العقلاء ولا شرعاً، مع ذلك يحصل في نظري النقل والانتقال، وهذا لا يمكن تصديقه إذ كيف يحصل ذلك في نظري مع أنّي أعرف أنّه لا يترتّب أثرٌ على ذلك عند العقلاء وعند الشارع، ومع ذلك أقول إنّه يحصل في النقل والانتقال؟!
فإنّ المعاملة ليست معاملة فرديّة، وإنّما هي معاملة عقلائيّة وعمل عقلائيّ، وليس لي أن أستقلّ بالبناء على صحّة المعاملة، وإنّما الشخص يريد أن يعمل عملاً عقلائيّاً، والعقلاء لا يرون الانتقال بمجرّد الإيجاب.
فكيف يقول الشيخ: إنّ الإيجاب والقبول من قبيل الإيجاب والوجوب، حيث يوجد المطلوب في نظره؟! وإنّما يتوقّف الانتقال الخارجيّ
ـــــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
على القبول. فهل عندنا شكلان من الانتقال: انتقال خارجي وانتقال عندي.
وفي الفضوليين حيث يتعاقدان وصاحبا المال لا يعلمان، والفضوليان يعلمان أن توقّف النقل والانتقال على قبولهما.
فهل نقول: أنّه حصل ذلك عندهما واقعاً، مع أنّه يتوقّف على إجازة المالك، كيف نقول ذلك؟ فإمّا أن نقول إنّ الناس غير ملتفتين حال المعاملة أو ملتفتون، ولكن يجعلون من عندهم النقل والانتقال، وفي كِلا الفرضين إشكالٌ كما سبق.
بناءً على ذلك يتّضح الإشكال العقلّي وهو: أنّه بناءً على ما يقول الأغايون(1) من وجود السببيّة لإيجاب المعاملات في تحقّق المسبّب في الخارج، أو كما يقول النائيني: إنّ هذه الأسباب لها الآليّة في حصول المسبّبات وحصول حقائق المعاملات في الخارج(2).
إنّني أنا الذي التفت إلى الواقعيّات كيف يمكن لي أن أوقع إيقاعاً جدياً لا يقع؟
أقول: (ملّكت هذا بهذا)، فأوقع التمليك أو الإجارة أو الصلح، مع أنّى أرى أنّ الطرف الآخر لو لم يقبل فإنّه لا يحصل شيء. أو كما في الفضوليين الذين يعلمون أنّ بعت واشتريت منهم لا تؤثّر شيئاً، وإنّما يُؤثِّر عند حصول
ـــــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) مقابس الأنوار ونفائس الأسرار: 107، كتاب البيع.
(2) المكاسب والبيع 1: 106- 107، القول في حقيقة البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
شرطه وهو الإجازة، كيف يمكن منهم إيقاع هذا العقد الذي لا سببيّة له ولا آليّة له في ذلك الشيء؟! فسواء كانت ألفاظ المعاملة من قبيل الأسباب أو الآلات كيف يمكن أن أقصد قصداً جدّياً شيئاً لا يمكن أن يوجد؟! فكأنّي أقصد جدّياً -وأنا ملتفت- أن أطير في الهواء(1).
وهذا الإشكال سارٍ في أوامر الشارع المقدّس أيضاً، حيث يقولون: إنّ أوامره نافذة بالنسبة إلى كلّ الناس بما فيهم الكفّار والعصاة، فكيف يمكن أن تتعلّق إرادة الشارع الجدّية بالإيجاب في الوقت الذي يعلم بعصيانه؟! فإنّه يكون من قبيل أن آمر الحائط جدّاً بأن يمشي أو يتحرّك، أو أن آمُر رئيس جمهورية أمريكا أن يحضر الدرس في مسجد الهندي؟!
فهذا الإشكال سارٍ في الأوامر الشرعية، وفي الإيجاب في المعاملات، وفي معاملة الفضوليين.
ولعلّه لأجل ذلك قال الشيخ: إنّ الإيجاب والقبول من قبيل الإيجاب والوجوب، لا من قبيل الكسر والانكسار، وقال النائيني: إنّه من قبيل المصدر وحاصل المصدر، لعلّ سبب ذلك هو دفع هذا الإشكال حيث إنّه هو يعتقد بالسببيّة، وهذا يكفي في حصول الإرادة الجدّية عنده للنقل والانتقال. مع أنّ ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلا عند غير الملتفت، أمّا من يعلم أنّ الأثر لا يترتّب على مجرّد القبول فيستحيل ذلك منه.
ـــــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) كتاب البيع (للآراكي)1: 23، في بيان الفرق بين الإنشاء والإخبار.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نعم، في موضع واحد لا إشكال على جميع المباني، وهو أن يوكل الطرفان شخصاً واحداً في حصول المبايعة، فيقول: بعتُ هذا بهذا، ولا يحتاج إلى قبول كما هو الصحيح، فيحصل الإيجاب الحقيقيّ والقصد الحقيقيّ والنقل الحقيقيّ ولا إشكال.
ونحن لنا كلامان: كلامٌ في واقع المعاملات، وكلامٌ على مبنى الآغايون الذين يقولون إنّ اللفظ من قبيل السبب أو الآلة.
أمّا الكلام في واقع الأمر فهو: أنّ المسبّبات مسبّبات عقلائيّة، وألفاظ المعاملات لا سببيّة لها للمعاملات ولا آليّة لها.
إذا قلتم: إنّ مفاد المعاملات لها واقعيّة، ونحن لا اطّلاع لنا عليها، والشارع أطلعنا عليها، فإذا حصل العقد كان سبباً لحصول ذلك الواقع، وإن لم يلتفت إليه الشخص.
إلا أنّ هذا المبنى لا إشكال في بطلانه؛ لأنّ المعاملات غير مرتبطة بالشريعة، لأنّها كانت موجودة قبل الشرايع وموجودة عند مفكري الشرايع، فهي موجودة عند العقلاء وليس لها واقع وراء اعتبارهم وإمضائهم، فواقعيّة المعاملات ليست شيئاً سوى أمر اعتباريّ متقوّم باعتبار العقلاء. لا أقول إنّهم يحلّلون أو يحرّمون، ولا أقول إنّ المطلوب هو إمضاء كلّ عقدٍ عقد واقع في الخارج من قبل العقلاء جميعاً، بل تقع المعاملة بنحوٍ إذا عرضت على العقلاء يقبلونها ويعتبرونها.
وإن شئت قلت: إنّ المعاملات أمر جرى على وفق المصالح البشريّة من
ـــــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أوّل أمرها حتّى وصلت إلى أوجّها الحاضر. فهذه المسبّبات ليست لها واقعيّة اعتباريّة وليست من المقولات الخارجيّة.
فإذا كانت المعاملات من الأمور الاعتبارية، فنريد أن نرى هل معنى جعل الألفاظ سبباً للمعاملة أنّ اللفظ يكون علّة للتأثير في نفوس الآخرين وإرغامهم على إيجاب هذا الاعتبار؟
والشيء الذي حقيقته اعتباريّة مصداقه أيضاً اعتباريّ لا حقيقيّ، فالبيع الخارجيّ أيضاً تابع لاعتبار العقلاء بالمعنى الذي قلناه من أنّك إذا عرضته على العقلاء يحكمون باعتباره وبوقوع تبادل الإضافات بين البائع والمشتري.
فإذا كان الأمر كذلك، كيف يُعقل تأثير اللفظ تأثيراً عِلّياً في نفوس العقلاء؟ بحيث إنّهم يعتبرون هذا البيع أرادوا أم لم يريدوا.
كيف يمكن القول بمثل هذه السببيّة؟ مع أنّ الاعتبار أمرٌ نفساني له مبادئ نفسانيّة معيّنة كالتصوُّر والتصديق والإرادة، وكلّها موجودة في صقع النفس، فهل اللفظ الذي أوجده في الخارج يكون سبباً لانقلاب الاعتبارات العقلائيّة؟ كيف يمكن أن يكون ذلك، أن يُؤثِّر اللفظ في نفوس العقلاء تكويناً؟
ومثل ذلك: الآليّة. فكيف يمكن أن يكون اللفظ آلة وتكون أنت فاعلاً بلا واسطة؟ فإن أمر المعاملة بيد العقلاء واعتبارها بيدهم، واعتبارك أنت بصفتك عاقلاً أيضاً له مبادئ تكوينيّة حقيقيّة، ولا يعقل أن يحقّقها اللفظ من دون حصول مباديه.
فهذا الذي قالوه يبطل.
ـــــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن المعاملات موضوع للاعتبار لا سببٌ له، فمثلاً الحيازة بنفسها لا أثر لها في الملكيّة بل تكون موضوعاً لاعتبار العقلاء، لذا تجد أنّ كلّ من تراه يحكم بأنّ مَنْ حازَ مَلَكْ. وكذلك (بعتُ) و (اشتريتُ) موضوع لأحكام عقلائيّة لا أنّها سببٌ لها.
فإذا كان الأمر كذلك، فيمكن أن يُقال: إنّ الباب ليس بابُ السببيّة والمسبّبية، بل نريد أن نعمل شيئاً يكون موضوعاً لاعتبار العقلاء.
وأنا أعلم أنّ قولي: (ملكت) لا أثر له إلّا أنّه موضوع لحكم العقلاء، فإذا علمت بذلك تأتي الإرادة الجدّية وتتحقّق.
فمثلاً إذا أردت إيقاع الفُرقة فلا محالة تتعلّق إرادتي بإيجاد سائر مقدّماتها، والتي من جملتها التلفُّظ بالطلاق وإحضار الشاهدين وغيرها، فالمراد ذاتاً هو الفُرقة ومنها تنبسط إرادات على سائر مقدّماتها وشرائطها، وكلّ إرادة من هذه الإرادات ناشئة من أسبابها وهو التصوُّر والتصديق بالمؤثِّرية. وما دمت أعلم أنَّ إرادتي جدّاً للطلاق مؤثِّرة عند العقلاء أو عند الشرع فإنّي أريد الطلاق عن طريق مقدّمات الإرادة التكوينيّة؛ لكي تحصل الفرقة المطلوبة ذاتاً.
والإرادة للمقدّمات تنشأ من مباديها النفسيّة الحقيقيّة لا من إرادة ذي المقدمة، فإذا أنا قصدت زيارة الحرم الشريف، فإني أريد المشي، ويكون كلّ قدم أنقله مُراداً لا محالة، وتكون كلّ إرادة ناشئة من مباديها الحقيقيّة. غاية الأمر أنّها إرادات مقدّمية للمطلوب بالذات.
إذن، فإذا علمت أنّ إرادتي الجدّية موضوع لحكم العقلاء واعتبارهم، فلا
ـــــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
محالة أريد ذلك جدّاً، وأنا مطلوبي هو الحصول على الثمن، وأرى أنّ هذا المعنى يتوقّف على أمور منها الإيجاب من قبلي إيجاباً جدّياً؛ ليكون موضوعاً لاعتبار العقلاء، فأنا أُوجِد هذا الإيجاب جدّاً، ولو لم يحصل النقل والانتقال به، إلّا أنّه يكون موضوعاً لحكم العقلاء، فيتحقّق الجِد؛ لأنّ له أثراً يتعلّق به.
إذن بناءً عليه ليس الباب باب السببيّة ليأتي الإشكال. هذا على مبنانا.
أمّا(1) على مبنى القول بالأسباب والمسبّبات، فلا إشكال أنّه إذا كان الإيجاب سبباً فهو جزء السبب لا أنّه سببٌ تامّ. فإذا قلت (بعتُ) لا يكون سبباً تاماً لا عندي ولا عند العقلاء، فإن كان جزء السبب كان هناك جزء آخر للمسبّب. فيمكن أن يُقال: إنّ الإنسان حينما يرى أنّ جِدّه له جزئية السبب للمعاملة، فإن الجِد حينئذٍ يتحقّق ويحصل؛ لأنّ مباديه حاصلة.
فانا إذا قلت: (بعتُ) أقولها جدّاً بحيث لو كانت متعقّبة للقبول لحصل النقل والانتقال.
إذن يرتفع الإشكال، ومبنى الإشكال كان على أنّ الإيجاب سببٌ تامّ لا جزء السبب.
ـــــــــــــ[29]ــــــــــ
() وهذا هو الكلام الثاني. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بيان حكم المعاطاة
ـــــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نحن ينبغي في المسألة التي نعرضها للبحث، أو يُسأل الأغايون عنها، يجب أن ينظروا إلى الواقع ويعينون تكليف المسلمين على ذلك، لا أنّهم يتصوّرون تصوّراتٍ ويرتِّبون عليها أحكاماً مع أنّها مخالفة للواقع. ففي اليانصيب مثلاً نقول بالجواز على أساس أنّ المأخوذ جائزة، ولا بأس بأخذ الجائزة، أو أنّ الواقع غير هذا وأنّ مقاصدهم أشياء أخرى، فيجب أن ننظر إلى ما يريدون أن يعملوا.
وفي المعاطاة التي هي موضوع بحثنا الآن، لا ينبغي أن نتبع احتمالات الأكابر ونتصوَّر ونضع الأحكام، بل لا بُدّ من تعيين تكليف الناس في هذه المعاملة، إذن فالاحتمالات التي تُذكر في المعاطاة ليس لها فائدة سوى قتل الوقت، بل يجب أن ننظر أنّ هذه المعاملة التي تقع في الخارج والتي يقوم عليها سوق الدنيا ما هي؟ وكيف يقوم بها الناس؟ هل هي إباحة بعوض أو معاملة كسائر المعاملات. أو ننظر إلى عمل المسلمين في سوقهم ونتأمّل في حكمه؟
إذن، فالتقسيمات التي ذكرها الشيخ من أنّ المعاطاة تارةً تفيد الإباحة وأخرى تفيد التمليك، خلاف ما يقع بين الناس. ونحن الآن لا نريد أن نفسِّر كلام الفقهاء واحتمالاتهم، بل نريد أن نرى الحكم الشرعيّ الفقهيّ لها، فيجب أن ننظر إلى الواقع ونسأل الناس عنها ونُعيِّن التكليف على أساس ذلك.
ـــــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المعاطاة و(البيع بالصيغة) لا فرق بينهما في ماهيّة البيع والمسبّبية أصلاً، كِلاهما مبادلة مال بمال أو تمليك مال بعوض. فهذا التقسيم إلى (المعاطاة) و(الصيغة) ليس تقسيماً لماهيّة البيع، وإنّما هو تقسيم للأسباب، غاية الأمر أوَّلاً وبالذات تكون الأسباب مختلفة، وثانياً وبالعرض نقول إنّها معاطاة. لا أنّ البيع على قسمين بالصيغة وبدونها.
إذن، فينبغي أن نتكلّم عن المعاطاة، فإنّ البيع الجاري بالصيغة صحيح ولازم في نظر الشارع، ونفس الماهيّة التي يوقعها العقلاء باللفظ، إذا أوقعوها بالأفعال هل تترتّب عليها نفس الآثار شرعاً من اللزوم والصحّة؟ أو أنّ الحكم الشرعيّ يختلف في الأفعال عنه في الصيغة، فإنّها -أي: المعاطاة- لا توجب الملك أو تقع فاسدةً أو جائزةً مثلاً؟
فالمعاطاة -يعني سبب المعاملة- هي أفعال دالّة على إيقاع المعاملة لا التعاطي، فإن التعاطي قسم منها، بل المعاطاة أفعال تحكي عقلائيّاً عن إيقاع معاملة سواءٌ كان تعاطياً كإعطاء الثمن وأخذ المُثمَن، أو كان بيع السلف أو قرضاً أو نسيئة، فهذه أيضاً معاطاة.
نحن لسنا نتابع لفظ المعاطاة، لنقول إنّها (مفاعلة)، فإنّ هذا اللفظ ليس
ـــــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وارداً في آية أو رواية ولا نحن مسؤولون عنه، بل ينبغي النظر إلى الماهيّة التي يوقعها العقلاء بالصيغة، أو يوقعونها بالأفعال ويعتبرونها أسباباً للنقل والانتقال سواءٌ في البيع أو الإجارة أو المزارعة أو المضاربة أو النقد أو النسيئة، هل هذه الأفعال التي تدلّ على إيقاع المعاملة عقلائيّاً كما تدلّ عليها الألفاظ، هل هذه المعاملة يُمضيها الشارع كما لو أوقعوا هذه الماهيّة باللفظ أو أنّ هذه الماهيّة هنا لا تصحّ ولا تنعقد؟
وهنا الشيخ يقول)1): إنّ المعاطاة قسمان:
1- قصد الإباحة.
2- وقصد التمليك.
وهذه جعلها -على ما أظنّ- مقدّمة لنقل كلام العلماء؛ لأنّ العقلاء كانوا يقصدون الإباحة من المعاطاة.
بناءً عليه، هنا بحث طولاني، في أنّ أدلّة صحّة البيع ولزومه هل تشمل المعاطاة. فلا بد أن نذكرها ونبحث في أطرافها، وليس فقط في البيع بل في جميع المعاملات، هل هناك دليل على نفوذها؟ وطبعاً بعض الأدلّة مختصّة بالبيع وبعضها أعمّ، فنريد أن نرى أنّ المعاملة بالأفعال صحيحة أو لا.
يعلم الآغايون أنّه بلا إشكال البشر حينما خرجوا من حال الانفراد إلى
ـــــــــــــ[35]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 23، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
حال الاجتماع، بما أنّ احتياجاتهم كانت قليلة وتطورت شيئاً فشيئاً، كانوا يحتاجون إلى إيقاع المعاملات، ولعلّه حينئذٍ لم تكن ألفاظ أصلاً، وإنّما كانت هناك ألفاظ قليلة لِفهم بعض المطالب، بل من الأوّل كانت المعاطاة، غايته أنّه كان بيع سلعة بسلعة، وهذه المعاملة إذا لاحظتم تجدونها موجودة في كلّ الدنيا، بين المسلمين وغيرهم، متعارَفة وشائعة، وهذه المسألة ليست من موجودات هذا الوقت، بل موجودة من أوّل اجتماع البشر في زمان كلّ نبيّ، وفي زمان النبيّ والأئمة، في سوق المدينة ومكّة وسائر أسواق الإسلام، وهذا لا يستطيع أحد أن يُشكِل فيه.
ومن الطرف الآخر لا إشكال في أنّ نفس المعاملة التي يعملها الناس بالصيغة يعملونها بالمعاطاة، وأنتم إذا رجعتم إلى ارتكازكم تجدون المعاطاة بيعاً وتمليكاً وتملّكاً لا أنّها إباحة بعوض، لا أشكّ في ذلك حتّى لو كنت أشكّ في هذه للثمن، في أنّ هذه المعاملة شايعة بين كلّ البشر من المسلمين وغيرهم، وموجودة في سائر أنواع المعاملات من بيعٍ وغيره، تُوقع بأسباب فعليّة ويحصل منها التمليك والتملّك، وليست الإباحة موجودة في أذهان البشر وإنّما هي من بنات الأذهان الدقيقة للعلماء.
وأنا أعتقد أنّ ذلك الآغا الذي قال ذلك حينما كان يشتري من السوق شيئاً، يشتريه كما نحن نشتري لا بشكلٍ آخر.
إذن فهذه المعاملة رائجة في أسواق البشر، وفي أسواق المسلمين، وأهل الشريعة بما هم مسلمون وأهل شريعة، ولا إشكال.
ـــــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأيضاً، فإنّ المطالب التي تكون شايعة بين البشر وفي سوق المدينة في زمان النبيّ ونزول الوحي، لو كان الشارع المقدس أن يردّ وينقض هذا الأمر العامّ الشايع، لا يمكنه أن ينقضه بلفظٍ واحد، بل لا بُدّ له إذا أراد أن يردع عن هذه السيرة وأن يقلب السوق، يحتاج إلى عمل كبير. وهذا لا بُدّ أن يكون من الواضحات أوضح من وجوب الصلاة؛ لأنّك تصلّي خمس مرات في اليوم وتشتري عشر مرات أو عشرين، فلو كان الشارع قد ردع عنها، لانقلب سوق المدينة، ولنقل هذا الأمر وشاع وصار أوضح من الصلاة، أمّا وجود رواية في مكان يحتمل أن تكون رادعة عن ذلك، فهذا لا يحصل به الردع الشرعيّ.
وهذا عقلاً غير صحيح أيضاً، فإنّه لو لم تكن المعاطاة مفيدة للملكيّة عند الشارع لمَا قام للمسلمين سوق، ولاختلّ النظام، والشارع لا يمكن أن يعمل شيئاً كهذا ليقلب سوق المسلمين وسوق العالم، إنّه لا يعمل ذلك.
إذن الشيخ حينما يقول إنّ هذه سيرة نشأت من عدم المبالاة)1)، هو كان يشتري كما نشتري ظاهراً، مع أنّه مبالٍ بالدين أكثر، وهذا العمل إن كان صادراً من عشرة أو عشرين يمكن أن نقول إنّهم غير مبالين، لكن لـمّا كان العمل صادراً من تمام المسلمين حتّى شيوخهم وأذكيائهم، لا نستطيع أن نقول إنّ تمام المسلمين بما فيهم العلماء والفقهاء غير مبالين بالدين، بل مبالون بالدين، والدين هو صحّة المعاطاة، إذن قبل أن نتشبّث بالأدلّة اللفظيّة، نستدلّ بالسيرة المتشرعيّة القطعيّة والسيرة العقلائيّة القطعيّة، وهي أحسن من الإجماع الذي
ـــــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 42، المناقشة في دلالة السيرة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يكشف عن رأي المعصوم، لأن السيرة تكشف عن رضاء الشارع عن هذا المعنى، وهذا ليس فقط أنّه لم يردع، بل يكشف عن رضائه به.
ـــــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وهنا لا بُدّ من النظر في الأدلّة اللفظيّة بشكل متوسّط لا مختصر ولا مطوّل.
العقلاء يعتبرون المعاطاة بيعاً، ولا فرق بينها وبينه أصلاً، وإنّما يقرءون الصيغة لأجل توكيد البيع وإحكامه، لا لأجل دخالة الصيغة في المعاملة، وذلك ككتابة السند وإشهاد الشهود وغير ذلك. فنحن الآن إذ نبحث عن الأدلّة اللفظيّة للمعاطاة، في صدد أنّ هذا المعنى العقلائيّ الذي يقوم به العقلاء ويعتبرون المال نتيجةً له مملوكاً لهم، ولا يفرّقون بينه وبين المملوك بالصيغة، هل لنا دليل على أنّ هذا المعنى مُمضى لدى الشارع، وأنّه راضٍ به أو أنّ للشارع تكليفاً خاصّاً انفرد به؟
البيان السابق كان لأجل إثبات أنّ السيرة العقلائيّة وسيرة المتشرّعة قائمة على هذا المعنى ودائرة عليها السوق في العالم.
فلو كان المولى قد غيّر هذا المجرى في المعاملة لما بقي ذلك خفيّاً، بل لصار علنيّاً وواضحاً بين جميع المسلمين، بل لانفصل المسلمون عن غيرهم، ولما احتجنا إلى البحث عن دليل الردع في المقام.
ـــــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والآن نحن في صدد صحّة المعاملة ووجود الملكيّة عن طريق المعاطاة، ثُمَّ يتبيّن حال اللزوم، ولعلّ المعاطاة غير قابلة للردّ عند العقلاء، لا أنّها إذا جرت بدون صيغة بين الاثنين فله الردّ، وأمّا مع الصيغة فلا حقّ له في الردّ. لعلّه لا فرق بين المعاطاة والصيغة في عدم الحقّ في الإرجاع، فإذا كان المطلب عند العقلاء هكذا، فلا بُدّ أن يرد ردع من الشارع عن ذلك، ولو كان لصار واضحاً واشتهر ولم نحتج إلى التمسّك برواية واحدة، فإن ذلك محلّ الابتلاء جدّاً، بل هو أكثر شيء يقع محلّاً للابتلاء تقريباً، فلو كان عدم اللزوم موجوداً في نظر الشارع لكان ذلك أوضح من الصلاة، إذن فلا إشكال في أنّه غير مردوع عنه، وما يُتصوّر أنّه رادع فليس برادع.
أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ لا من الأدلّة التي يتمسّك بها لتنفيذ البيع وإمضائه(1).
أقول: تمام الآية هو قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّـهُ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(276) يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ(2).
ـــــــــــــ[40]ــــــــــ
() جامع المقاصد في شرح القواعد 4: 58، المقصد الثاني: في البيع، المكاسب 3: 240، الكلام في المعاطاة.
(2) (السورة: 2 الآية: 275-276). (المقرّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ولنا في المقام كلام في فهم مفاد الآية، وأنّ هذه الآية ماذا تريد أن تقول، وأنّه هل يمكن إثبات صحّة البيع وإمضائه على سائر الاحتمالات فيها؟ وبعد ذلك نأتي إلى التمسّك بإطلاقها.
الآية الواردة قبل أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وهو قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا…، وقوله تعالى: قَالُوا إنّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا…. أكل الربا ليس معناه أكل البيع الربوي، وإنّما بمعنى الزيادة الواقعة في المعاملة الربويّة، وبعده حينما يقول: يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا… ظاهره أنّه بمعنى الزيادة الربويّة لا بمعنى البيع الربويّ، بل الزيادة الحاصلة من مطلق المعاملات.
فبناءً على هذا يكون في الآية، يعني: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ احتمالان:
أحدهما أنّ الآية لا تعرَّض لها للبيع أصلاً، وإنّما تتعرّض للزيادة الربويّة وغير الربويّة، فتحرّم الأولى وتحلّل الثانية، تحلّل تلك المنافع التي تأتي إلى الإنسان من البيع غير الربويّ.
وذلك بقرينة قولهم: ..البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا…، فإنّه من المحتمل أن لا يكون المراد هو مساواتهم البيع بالربا، وإنّما أرادوا أن يساووا المنفعة الناتجة عن البيع الصحيح -في نظر الإسلام- مع المنفعة الناتجة عن الربا(1).
ـــــــــــــ[41]ــــــــــ
() ويجيبهم الله تعالى بأنّ الله أحلّ هذه الزيادة وحرّم تلك الزيادة، (منه).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا… بمعنى الزيادة الحاصلة بالبيع الربويّ، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا… يعني: الزيادة الربوية لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ….
فبهذه القرائن يتمّ هذا الاحتمال، فحينما تقول الآية: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ يعني: أحلَّ الله الزيادة الحاصلة من البيع، وحرّم الله الزيادة الحاصلة من الربا، وليس للآية من أوّلها إلى آخرها تعرُّضٌ للبيع كمعاملة، وإنّما تتعرّض للزيادة.
الآن نرى أنّه هل لازمُ هذا الاحتمال الحكم بصحّة المعاملة غير الربوية وبطلان المعاملة الربوية أم لا؟
فنقول: إنّهم حين قالوا: (إنّما البيع مثل الربا)، أردوا تسوية الزيادة الربويّة بالزيادة البيعيّة، وأجابهم الله تعالى: بأنّ الله أحلَّ الزيادة الحاصلة من البيع غير الربويّ وحرّم الأخرى.
إذا فهمنا ذلك، ذهبت الحلِّية على نتيجة المعاملة ولم ترتبط بالمعاملة، الآن نرى أنّه هل لازمُ ذلك تحليل المعاملة أيضاً؟ وفي المقام يجب أن ننظر ما الذي يصدر مِن البائع ومِن المشتري وما الذي مِن حقّهم أن يعملاه، هل من حقّه أن يقول أبحتُ لكَ التصرُّف في المال، بمعنى أنّنا نحتاج زيادة على البيع إلى إباحة التصرُّف ليكون المال حلالاً، أو أنّ المال حينما أبيعكه لا يبقى بعد ذلك شيء، وإنّما يكون ملكك وتكون إجازتي لك بالتصرُّف كإجازتي لك بالتصرُّف في أموالك وممتلكاتك. وباب البيع والشراء باب قطع يد البائع عن المُثمَن وقطع يد المشتري عن الثمن.
ـــــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بناءً عليه، حينما يقول الله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وهو عبارة عن حلِّية الزيادة الحاصلة من البيع، ليس هذا من باب أنّ هذا المُعامل قد أعطى إجازة التصرُّف كما قيل ذلك في باب المقبوض بالبيع الفاسد، ليس كذلك، بل المُعامل يبيع فقط ولا يُعطي إجازة، إذن فهذا ليس إجازة تصرُّفٍ مالكيّة.
فاحتمال الشارع حينما يقول: يحلّ لك التصرُّف بالزيادة غير الربويّة، إنّما يحلّلها بصفته وليّاً للأمر، كما يحلّ لشخص التصرُّف بمال شخص آخر. وأنّ قوله: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، فهو حكم مستقلّ وليس حكماً على المعاملة.
هذا الاحتمال ضروريّ البطلان، فإنّ حلِّية الزيادة المجعولة من قبل الله تعالى باعتبار أنّ المال صار ملكك، وأنّ الله أحلّه لأنّه صار ملكاً لك. واحتمال: أنّه ملكي والله تعالى ملّكني له، بدون أن يربط بالبيع، إلّا أنّ هذا الاحتمال بلا ربط. بل يقول: إنّه حلال لأنّه ملك، وإنّما هو ملك لأنّك أوقعت البيع.
فقوله: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، يكون دليلاً في نظر جميع العالم، دليلاً على تنفيذ المعاملات وإمضاءها؛ لأنها لو كانت فاسدة فلماذا يُحلّها بدون سبب أو تعبُّداً، هذه المطالبة بعيدة عن حكم العقل العقلاء.
بناءً على ذلك، نستكشف من حلِّية هذه الزيادة غير الربويّة، أنّ المال أصبح ملكي بالبيع، ولهذا أحلّه الله تعالى.
إذن فالبيع صحيح، وأستطيع أن أتصرّف في المال.
إذن بناءً على هذا الاحتمال البيع غير الربويّ صحيح.
وكذلك بالنسبة إلى البيع الربويّ، فإنّ قوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبَا يدلّ على
ـــــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
كون البيع الربويّ باطل لا فقط على تحريم الزيادة. فإنّ ظاهر الآية أنّ الزيادة إنّما حرّمت لبطلان نفس المعاملة، لا أنّ الزيادة حرّمت رغماً عن أنف المتبايعين، فإنّ الله تعالى وإن كان يستطيع أن يجعل مالي مال الغير، إلّا أنّه يحتاج إلى دليل خاصّ. فكون المعاملة صحيحة إلّا أنّ الربح ينبغي إرجاعه، هذا يُعدّ في نظر العقلاء(1). إذن يُفهم من الآية أنّ الربح إنّما كان حراماً لأنّ المعاملة بنفسها باطلة.
فإنّك حينما تبيع حِمْل حنطة بحِملين منها، لم يصدر منك عملان أحدهما مبادلة حِمْل بحِمل، والآخر إعطاء الزيادة؛ لكي يمضي الشارع تلك المبادلة ويحرّم الزيادة. وإنّما بادلت الحِمل بالحِملين بمعاملة واحدة، فهي إمّا أن تصحّ أو تفسد، لا أنّ المعاملة أجيزت في بعضها ورفضت في البعض الآخر. وهذا مطلب عرفيّ عقلائيّ.
إذن بناءً على هذا الاحتمال تكون المعاملة ربويّة باطلة، والمعاملة الربويّة غير صحيحة، وتكون الحلِّية حلِّيةً تكليفيّةً.
والقول بالحلّية التكليفيّة والحرمة التكليفيّة ليس بمعنى أن عندنا حلِّيةً وحرمةً تكليفيّةً وحلّيةً وحرمةً وضعيّةً، ليس الأمر كذلك. والأمر كذلك في الأوامر بعضها يستفاد منها الوضع وبعضها يستفاد منها التكليف، الأوامر
ـــــــــــــ[44]ــــــــــ
() يظهر أنّ السيد (سلّمه الله) لا يجد فرقاً بين مرتبة العقل ومرتبة العقلاء من ناحية، وبين مرتبة العقلاء ومرتبة العرف من ناحية أخرى، مع أنّ كلّ مرتبة مستقلّة عن الأخرى وذات أحكام وخصوصيات مستقلةّ. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يستفاد منها أكثر من البعث والدفع، والنواهي لا يستفاد منها أكثر من الزجر، سواءٌ في قوله: (لا تشرب الخمر)، أو قوله: (لا تُصلّ في وَبَر غير مأكول اللحم). وسواء في قوله (صلِّ) أو قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا(1). كلّها بمعنى واحد، سواء كان الأمر متوجّهاً إلى نفس الطبيعة أو إلى شرط الصلاة، وكذلك الزجر سواء كان متوجّهاً إلى نفس الطبيعة أو إلى شرط الصلاة.
لكن حينما يتعلّق النهي بالمعنى النفسي يفهم العقلاء أنّه هو الممنوع، فإذا قال: (لا تشرب الخمر)، فهم العقلاء أنّ الخمر بنفسه محرّم. وإذا قال: (لا تُصلّي في وَبَر ما لا يؤكل لحمه)، يفهم منه أنّ الصلاة في هذا الوَبَر ممنوعة، ولا يُفهم حرمة نفس الوَبَر. بل هذه الصلاة هذه الطبيعة التي تريد إيقاعها صحيحةً لا تكون صحيحة مع وَبَر ما لا يؤكل لحمه. فهذا الزجر لأجل أنّ الصلاة لا تكون صحيحةً معها، فيُستفاد منه المانعيّة. وفي طرف الأمر أيضاً، لو قال: (صلّ)ِ أو قال: (أكرِم عالماً).
فبما أنّه معنى الإكرام يفهم أنّ المطلوب هو نفس الإكرام ونفس الصلاة، وأنّه يرد إيقاع ذلك في الخارج. وأمّا إذا قال: (صلِّ مع السورة)، فلا يفهم أنّه يريد السورة، بل يريد الصلاة مع السورة، فيُفهم منه الشرطيّة. لا أنّ لفظ الأمر يأتي للشرطية تارةً وللوجوب النفسي أخرى، والنهي يأتي للتحريم تارةً وللمانعيّة أخرى، أو للجامع بينهما، بل كلّها تستعمل في معانيها اللغويّة دائماً، وإنّما يستفاد ذلك من الخارج.
ـــــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وهنا أيضاً يُقال مرّةً: (الخمر حلال) وأخرى يُقال: (الصلاة في وَبر غير مأكول اللحم حلال)، ففي الأوّل يُفهم منه الحلِّية في نفسه أو أنّ الخمر في نفسه حلال. وفي الثاني في الماهيّات التي تتّصف بالصحّة والفساد كالبيع، المعنى نفس المعنى، إلّا أنّ العقلاء يقولون إنّ الحلِّية هنا حيث إنّها متوجّهة إلى نفس البيع فهو بنفسه حلال، فيفهمون من هذه الحلِّية الحلّية التكليفيّة، ومع ذلك بملازمة عقليّة وعقلائيّة نستكشف منها إمضاء الملكيّة وإمضاء الأسباب وإمضاء المسبّبات.
هذا أحد الاحتمالين الذين أريد أن أقولهما.
كان أحد الاحتمالات في الآية أنّهم حينما قالوا: إنّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا…. وقالت الآية بعد ذلك: وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا .
المقصود هو الزيادة الحاصلة من البيع ومن الربا، إمّا أعمّ من زيادة الربا البيعي أو بخصوصها، وقد سبق الكلام في ذلك.
الاحتمال الآخر: أنّهم حين يقولون: إنّما البيع مثل الربا، مرادهم التسوية بين البيع الذي ليس فيه الربا والبيع الذي فيه ربا، وأنّه كيف يكون أحدهما حلالاً والآخر حراماً، قيل إمّا يتّصفا بالحلّية معاً أو بالحرمة معاً.
إذا كان المراد هو هذا، فتبقى دلالة الآية على صحّة وفساد البيع الربويّ وغيره محفوظة؛ لأنّهم بلا إشكال لم يكونوا يريدون التفرقة بين الإنشاءين أو التفرقة بين المبادلتين الاعتباريتين، ولم تكن الآية في مقام إبداء الفرق بينهما، بل
ـــــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هم كانوا يقولون نحن نبيع ونربح وأنتم تبيعون وتربحون، فما الفرق بين الربحين، كِلا البيعين بلحاظ النتيجة لا يفرق بينهما، والله تعالى يفرق بينهما بأن الله أحلَّ البيع، فنتيجته حلال، وحرّم الربا البيعيّ فنتيجته الحاصلة حرام.
إذا كان الأمر كذلك، فسواء لاحظنا البيع السببي أو المسبّبي فإنّ الآية تحلّله؛ لأنها تريد أن تحلّل وتحرّم النتيجة بواسطة حلِّية البيع وحرمته، وهذا دليل على أنّ هذا البيع منتج في نظر الشارع وذلك البيع ليس منتجاً في نظره، فنتيجة الأوّل حلال ونتيجة الثاني حرام.
فسواء أخذ البيع سببيّاً أو مسبّبياً تكون الآية دليلاً على نفوذ السببيّ وصحّة المسبّبي.
وهنا احتمالات أخرى قد ترد في المقصود من الآية، كأن يكون المراد من البيع مع الزيادة، أو المراد هو إنشاء المعاملة، أو نفس المبادلة، فهذه الاحتمالات ليست صحيحة ولا ينبغي احتمالها.
فقط هذان الاحتمالان صحيحان في الآية وعليهما قرائن، فإمّا أن ترجع الآية إلى الزيادة الحاصلة من البيع الربويّ وغير الربويّ، أو إلى البيع الذي فيه الربا والذي ليس فيه الربا، ويكون النظر إلى النتيجة لا إلى عنوان البيع.
وبناءً عليه، أصل الدلالة في حلِّية البيع ونفوذ المعاملة موجودة في الآية، سواء قلنا بالحلّية والحرمة التكليفيّة أو الوضعيّة، غاية الأمر الحلِّية والحرمة بالمعنى الذي قلناه، فإن الحلِّية والحرمة إن وجّهت إلى سبب متوقّع في الصحّة والفساد فظاهره العقلائيّ أنّ هذا لا يمكن أن يكون مع هذا، فظاهره الإرشاد إلى السببيّة أو المانعيّة.
ـــــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هذا راجعٌ إلى أصل الآية بنحو الإجمال على صحّة البيع وبطلانه، وأمّا ما كان راجعاً إلى إطلاقها، فإنّنا نحتاج في تتميم ما نشكّ به من الموانع والقيود أو الأسباب كالمعاطاة مثلاً، إلى التمسّك بإطلاق الآية.
ويوجد في إطلاقها بعض الإشكالات:
منها: أن يُقال: إنّ الآية ليست في مقام بيان حلِّية البيع غير الربويّ وحرمة الربويّ، بل في مقام التسوية بين الموضوعين، فإنّهم حين قالوا: (إنّما البيع مثل الربا)، لا يريدون إلا التسوية بين الموضوعين، وحينما أجابت الآية: بأن الله أحلَّ البيع وحرّم الربا، ليس مرادها إلا ذلك، إذن فالآية لا إطلاق لها من النواحي التي نظرنا إليها.
وإشكالٌ آخر: وهو أنّ هذه الآية كانت مسبوقة بتشريع الحرمة قبل نزولها، فإنّها تقول أولاً: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ يظهر منها أنّ الآية لا بُدّ وأن تكون مسبوقة بالحرمة، ولا يمكن أن تشرّع الحرمة الآن، ويكون هذا اللفظ بنفسه دالاً على ذلك، وإلا لَما كان هناك وجهٌ لتوبيخ أكلة الربا قبل نزول الآية وإنذارهم بالعقاب.
يعلم من الآية أنّه كان هناك نقاش وكلام بين الربويين وبين غيرهم في حرمة الربا وحلّيته، فكانوا يقولون إنّه لا فرق بين الربا وغيره، وأجابت الآية بإثبات الفرق بينهما، بأنّ الله تعالى قد حرّم الربا وأحلَّ البيع (بنحو الإخبار عن ذلك). فالآية في صدد القول: بأنّهم كيف يقولون لا فرق بينهما مع أنّ الله تعالى
ـــــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قد أحلَّ أحدهما وحرّم الآخر، وليست في صدد بيان التحريم فعلاً.
أما الحلِّية والحرمة السابقة فلا بُدّ أنّها كانت من كلام رسول الله أو من بعض الآيات لحاجة التجارة بالنسبة إلى حلِّية البيع، أو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً(1)(2) بالنسبة إلى حرمة الربا.
إذن فالآية ليست في مقام جعل الحكم، بل في مقام الإخبار عن واقعة معينة، وهي ليست بأيدينا، فيجب أن نبحث عنها، وننظر إلى دلالتها، أمّا في الآية فلا نستطيع أن نصحّح أيّ بيع أو نحرّمه. وإنّما نعلم منها فقط أنّ هناك بنحو الإجمال بيعاً حلال وبيعاً حرام، وأمّا الشرائط والموانع فلا بُدّ أن نبحث لها عن أدلّة أخرى، فإنّ الآية ليست في مقام الجعل لنقول بوجود الإطلاق لها.
فهذان إشكالان يمكن أن يتوجّها على ثبوت إطلاق الآية.
فهل نستطيع أن نجيب عن ذلك.
يمكن أن يُقال: بعد الاعتراف بأن القضيّة إخبارية عن حادثة معيّنة سابقة، ولكنّ الإخبار إذا أردنا صيانته عن الكذب لا بُدّ أن نعمله بشكلٍ مطابق لنفس الأمر والواقع وإلّا كان كذباً، ولا إشكال في أنّ إخبارات الله تعالى صادقة ومطابقة لنفس الأمر والواقع.
فالله تعالى حينما يقول: (أنّهم قالوا: إنّما البيع مثل الربا) فهذا الإخبار عن أنّهم قالوا ذلك، وهم لو كانوا قد قالوا: إنّ البيع الفلاني الخاصّ مثل الربا، إذن
ـــــــــــــ[49]ــــــــــ
() آل عمران: 130.
(2) لم يُشر السيد الأستاذ إلى هذه الآية، وإنّما ذكرناها لمناسبة المقام. (المقرّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لا بُدّ أن تنقل الآية نصّ قولهم لتُصان عن الكذب. إذن هم قد قالوا البيع بطبيعته مثل الربا؛ لأنّهم لو أرادوا الخصوصية لَنَقلته الآية وإلا كانت كذباً.
فالله تعالى حينما يحلّل البيع يحلّل نفس موضوع كلامهم، وحينما يحرّم الربا يحرّم نفس موضوع كلامهم، فهو تعالى يُخبر أنّ قولهم الذي قالوه غير صحيح، بل الله تعالى أحلَّ البيع الذي قالوا إنّه مثل الربا، وحرّم الربا الذي قالوا إنّه مثل البيع، فنستكشف من الآية أنّ مطلق البيع حلال، فإنّهم قالوا إنّ مطلق البيع مثل الربا، بدليل صدق إخباره سبحانه وتعالى عن ذلك، والآية تقول: وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، وهي تشير بذلك إلى نفس موضوع كلامهم.
فالآية وإن كانت للإخبار، إلّا أنّها يمكن أن نتمسّك بإطلاقها.
هذه شبهات في التمسُّك بإطلاق الآية. وقلنا: إنّه هل يمكن للإنسان أن يُتمِّم إطلاقها؟ هكذا بأن يُقال: إنّ الآية بلا إشكال في صدد حكاية قول أولئك الذين قالوا: إنّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا… ، وفي مقام بيان ذلك، ولو كانوا قد قالوا إنّ قسماً معيناً من الربا مثل البيع أو قسماً من البيع مثل الربا، لما جاز للمتكلِّم أن ينقل قولهم مطلقاً ويقول إنّهم قالوا: إنّما البيع مثل الربا، وحيث إنّه تعالى يُخبر بذلك مطلقاً، نعلم من ذلك صوناً عن الكذب أنّ قولهم كان أيضاً مطلقاً، فنحن نسلّم الآن أنّ قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا إخبار عن
ـــــــــــــ[50]ــــــــــ
() بعد أن لخّص الشبه السابق في التمسّك بإطلاق الآية، قال: هذه شبهات… (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
حرمة سابقة، لكنّه جاء على ذلك الموضوع الذي قالوه، لا أنّ المتكلم غيّر الموضوع وحكم على موضوع آخر.
فهنا عندنا إخباران:
أحدهما: هو أنّهم قالوا (إنّما البيع مثل الربا).
والآخر: أنّه (الله أحلَّ البيع وحرم الربا).
فالآية وإن لم تكن في مقام الجعل، إلّا أنّنا نفهم منها أنّ هذا الإخبار وارد على نفس ذلك الموضوع، فلو كان في ذلك الموضوع إطلاق، كان هنا إطلاق لا محالة.
إذن نفهم أن الحلِّية واردة على مطلق البيع والحرمة واردة على مطلق الربا.
فهل يمكن أن يتمّ هذا الجواب أو لا؟
فيه شبهة هي أنّه حين يقول:أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا لا يمكن أن يكون البيع حلالاً مطلقاً؛ لأنّ أقساماً أخرى من البيع غير الربويّ حرام في الإسلام، كبيع المنابذة والملامسة وبيع الغرر، فكيف يمكن أن نخرج الإخبار عن الكذب، إلّا أن نقول بعدم حرمتها وهو خلاف الثابت شرعاً، أو نقول: إنّه يخبر عن حلِّية البيع في الجملة لا على الإطلاق، فيكون هذا مضرّاً بإطلاق الكلام.
ويمكن أن يُقال في جواب هذه الشبهة أحد وجهين:
إمّا أن يُقال: إنّ ذلك التحليل والتحريم الذي أخبر عنه في الآية، كان قبل تحريم سائر أنواع البيع الأخرى وتحليل(1) بعض أنواع الربا، فان الأحكام
ـــــــــــــ[51]ــــــــــ
() هذه العبارة لم يقلها السيد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وردت بالتدريج. فإنّنا نعلم أنّ المنابذة حُرّمت في الإسلام، لكن لعلّ تحريمها كان متأخّراً عن تحريم الربا وكان تحريمه متقدّماً عليه، فالآية وإن كانت قد أخبرت بنحو الإطلاق لكن في الخارج لم يكن غير هذين القسمين: إما بيع ربويّ باطل أو بيع غير ربويّ صحيح بتمام أقسامه.
إذن فصوناً لكلامه عن مخالفة الواقع نكشف عن أنّ المحرمات الأخرى نزلت بعد ذلك.
الوجه الآخر أن نقول: إنّ أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، حكمٌ قانونيّ لا حكمٌ فعليّ، وهذا الحكم القانونيّ لا يلزم أن تكون خصوصيّاته مأخوذةً فيه، فإنّه قد تجعل الأحكام بنحوٍ قانونيّ، بل جميع الأحكام القانونيّة العقلائيّة كذلك، تجعل أوَّلاً بنحو الإطلاق والعموم، ثُمَّ تذكر القيود والشروط، لا أنّ القيود تذكر من أوّل الأمر، ففي الإسلام أيضاً كذلك ذكر الأحكام أوَّلاً بنحو الإطلاق، ووردت بعد ذلك المقيّدات والمخصّصات بالتدريج وصار الحكم فعليّاً. فمثلاً ورد أوَّلاً: قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1). ثُمَّ وردت للحجّ شروط أخرى وخصوصيّات.
فيمكن أن يكون أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا حكماً قانونيّاً كذلك، وقد وردت عليه بعد ذلك المقيّدات والمخصّصات، لا أن الحكم من الأوّل كان مقّيداً.
نعم، الإرادة الجدّية كانت كذلك، إلّا أنّ الجعل كان عامّاً، وبعد ذلك
ـــــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أخرج عن الحرمة بعض أفراد الربا، كالربا بين الزوج وزوجته، ومن الحلِّية بعض أفراد البيع، كالمنابذة والملامسة.
وأنت إذا أردت الإخبار عن الحكم القانونيّ أمكنك الإخبار عنه مطلقاً كما جعله الشارع من دون التعرُّض لمقيّداته، وتكون بذلك صادقاً، لكن إذا أردت الإخبار عن الحكم الفعليّ الذي ينبغي تطبيقه والعمل عليه، فلا بُدّ أن تذكر الحكم القانونيّ مع مقيّداته ومخصّصاته. والحكم في الآية حكمٌ قانونيّ، تحليلٌ وتحريمٌ قانونيّ، وهو لا يلزم ذكر قيوده ويكون مع ذلك صادقاً.
فهل يتمّ بذلك ما قلناه أو فيه شبهة؟
إحدى الشبه الواردة في المقام هو أن يُقال: إنّنا لماذا قلنا إنّ الآية ليست في مقام البيان؟ لأنها كانت في مقام التسوية بين البيعين الربويّ وغيره، إذن فلا يمكن التمسّك بإطلاقها.
وهذه الشبهة إذا تمّت ترد على جوابنا أيضاً: لأنّهم حينما قالوا: (إنّما البيع مثل الربا)، لم يكونوا في مقام بيان الحكم، وإنّما كانوا في مقام التسوية، لم يكونوا في مقام بيان حلِّية العقود بالصيغة أو بالمعاطاة، بل كانوا يذكرون عدم الفرق إجمالاً، والله تعالى قال: إنّه حلال. وإخباره تعالى يكون صحيحاً؛ لأنّه إخبار عن قول مهمل لا عن قول مطلق.
فإنّهم لو كانوا قد قالوا: (البيع حلال)، وأقرّهم الشارع على ذلك، لقلنا أنّ إطلاق كلامهم يكفينا، لكنّ كلامهم كان مجملاً واقعاً في مقام بيان عدم التفرقة والتسوية، والآية كانت في مقام بيان عدم التسوية والتفرقة بينهما، ولم تكن في
ـــــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مقام بيان أنّ الربا حرام مطلقاً وأنّ البيع حلال مطلقاً.
بناءً عليه لا يتمّ بياننا الذي تمّمنا به إطلاق الآية، فإن الاستدلال بها لا يتمّ؛ لأنّ قولهم (إنما البيع مثل الربا) مهمل مجمل، والحكم في الآية وارد على نفس الموضوع فيكون مهملاً مجملاً أيضاً.
فهل يمكن بعد ذلك تتميم كونها في مقام البيان؟
يمكن أن يُقال إنّها في مقام البيان، بتقريب: أنّ المتكلِّم حينما يريد أن يدفع كلامهم في أنّ البيع مثل الربا، مرّةً يكون كلامه متوجّهاً إلى التسوية في مقابل اللاتسوية، ويقول بعد ذلك (أحلَّ الله البيع وحرم الربا). ويكون كلامه وراداً على نفس ذلك الموضوع، ومرّةً أخرى يذكر التسوية في كلامه تطفّلاً، وإنّما هو يبين الموضوعين لكي نفهم أنّ التسوية غير صحيحة، فالآية بعد أن نقلت كلامهم، قالت: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، فبيّن حكم الموضوعين، أو منه يفهم من لازم الكلام عدم التسوية بينهما، لا أنّ الكلام سِيق فقط لبيان عدم التسوية.
إذا كان الأمر كذلك يمكن أن يتمّ الإطلاق، فإنّ الآية تكون في مقام بيان حكم الموضوعين لأجل أن ينتقل منه إلى مطلب آخر، لا أنّها في مقام بيان عدم التسوية ابتداءً.
إذن ينحفظ بذلك كونها في مقام البيان ويمكن التمسُّك بالإطلاق.
ويمكن أن يقال وجهاً آخر، وهو: أنّ المتكلِّم إذا أراد أن يدفع كلام أولئك الذين يقولون: إنّما البيع مثل الربا، إذا كان في الواقع أنّ البيع المحرّم في الشريعة قسمان: البيع الربويّ وغير الربويّ إذا كان غرريّاً.
ـــــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإذا كان في الشريعة في واقع الأمر، ثلاثة أقسام من البيع ربويّ وغرريّ وغيره، وكان الأوّلان باطلين والثالث جائز ونتيجته حلال، إن كان هذا هو متن الواقع، فجوابهم كأنَّه لا يصحّ؛ لأنّه عندنا في البيع قسمٌ آخر محرّم مثل الربا، وهو ينبغي أن يقع في مقابلهم البيع الحلال لا مطلق البيع، وهو لو قال: بعض البيع حلال، لا يكون ذلك فرقاً بينه وبين الربا؛ لأنّ بعض أقسام الربا أيضاً حلال.
إذن نستكشف من ذلك، أنّنا عندنا قسمان: بيعٌ ربويّ وبيعٌ غير ربويّ، ولذا ورد العنوان مطلقاً ليكون ردّاً لقولهم، وإلا لم يكن يصلح ردّاً لهم. فيمكن تتميم الإطلاق من هذا الطريق.
إلا أنّه محتاج إلى التأمّل ويشكل التمسُّك بإطلاق الآية، وإنْ تمسَّك مشايخنا به، إلّا أنّه مشكلٌ ويجب أنّ نبحث عن جوابه.
كان في البين شبهتان:
إحداهما: أنّ الآية في مقام بيان عدم التسوية بين البيعين وقد ناقشناها بوجهين أحدهما أن يقول بعد بيان عدم التساوي: أحلَّ الله البيع وحرم الربا. والآخر: أنّه بيّن الحكم للموضوعين لينتقل من ذلك إلى لازمه وهو التفرقة بين البيعين. وظاهر الآية هو الثاني.
والشبهة الأخرى الموجودة لكون الآية في مقام البيان: هي أنّه في قوله: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، مرّةً تكون الجملتان في مقام البيان، أمّا أنّهما في مقام بيان أيّ شيء؟ فذلك لا يخلوا من صور: أنّهما في مقام بيان عدم التسوية،
ـــــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأنّهما في مقام بيان كِلا الحكمين (يعني(1) عدم التسوية والحكم بالحلّية) ونريد أن ننتقل إلى مطلق آخر، وهي في مقام بيان حلِّية البيع دون الربا أو أنّهما في مقام بيان حكم الربا دون البيع، فنرى أيّاً منهما يمكن أن نصدّقه من الآية.
بحسب الظاهر أنّ محور الكلام هنا، والذي قاله المُرابون هو الاختلاف في حرمة الربا لا في حلِّية البيع، فإنّ حلِّية البيع مُتسالم عليها بين الربويين وغيرهم، وإنّما الكلام حول حرمة البيع الربوي الذي حلّله الربويون وحرّمه غيرهم.
فإذا كان النزاع في هذا المعنى، فهذا معناه أنّ النزاع ليس في كِلا الأمرين ولا في خصوص البيع، وإنّما هو في خصوص الربا، فإنّهم لم يقولوا: لماذا البيع حلال، وإنّما قالوا: لماذا الربا حرام؟
بناءً عليه يجوز أن نقول: إنّه على فرض كون الآية في مقام البيان وغضّ النظر عن المناقشات السابقة، وكانت الآية في مقام بيان الحكم، فالذي هو مورد النظر هو حرمة الربا، وليست هي في مقام بيان حلِّية البيع، فإنّ البحث والكلام إنّما هو في الربا ولا بحث في البيع. في حين أنّنا نحتاج إلى إطلاق الآية من ناحية حلِّية البيع، مع أنّها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، فإنّ المورد مورد حرمة الربا، وقد انجرَّ الكلام تطفّلاً إلى حلِّية البيع.
الشيء الذي كان عندنا هو أنّ القضيّة إخباريّة وليست في مقام بيان الحكم ليتمسّك بإطلاقها، فهل نستطيع التخلّص من هذا الإشكال أيضاً، أو نقول إنّها في مقام الإنشاء والإخبار؟
ـــــــــــــ[56]ــــــــــ
() توضيح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بهذا البيان: أن قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ. هذه ليست قضيّة خارجيّة تشير إلى أناس معيّنين، وإنّما هي قضيّة حقيقيّة، وأنّ كلّ من يأكل الربا فهذا وضعه.
والآن ننظر إلى قولهم إنّ البيع مثل الربا، لنرى مفاد الآية هل هذا الجزاء الواقعيّ الذي ينالونه، وهو أنّه لا يقومون إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ. هل هذا جزاء آكل الربا، أو جزاء قول الفرد: إنّما البيع مثل الربا، أو جزاء كِلا الأمرين؟ فمرّةً نقول: إنّه جزاء كلّ من أكل المال من الربا.
وأخرى نقول: إنّه ليس جزاء مطلق الربا، وإنّما هو فقط جزاء من أبدى هذا القول وأظهره، وهو أنّ البيع مثل الربا، ولا يفرق في ذلك بين أكل الربا وغيره، وثالثةً نقول إنّه عقوبة لِكلا الجزأين، يعني للمُرابي الذي يقول: إنّما البيع مثل الربا، فهذا عقوبة لأيٍّ منها؟
يحتمل أن يُقال: إنّ قوله: وذلك أنّهم يقولون إنّما البيع مثل الربا، ليس قولاً لفظيّاً، وإنّما قد يقول المُرابون ذلك من باب الاتّفاق، لأنّ هَمَّ المرابين وهدفهم هو تحصيل المنفعة، ولا نظر لهم إلى الحلِّية والحرمة. فعملهم يكون بهذا النحو وحالهم يكون دالّاً على أنّهم لا يفرّقون بين البيع والربا، وكلّ من كان كذلك فكأنه يقول: إنّما البيع مثل الربا.
فإذا كان الأمر كذلك فنقول: إنّ هذه الآية: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ… ليست قضيّة خارجيّة بل هي قضيّة حقيقيّة، تصدق من صدر الإسلام إلى يوم القيامة، وهو أنّ الإنسان إذا ارتكب هذه الكبيرة، فإنّه ينال هذه العقوبة في الدنيا أو في الأخرى كنايةً أو حقيقةً.
ـــــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وكلّ الذين يأكلون الربا لسانهم وعملهم على هذا اللسان والعمل، وهو أنّ البيع مثل الربا، لا أنّهم قالوا ذلك فعلاً وتكلّموا به، فإنّ المرابين غير المسلمين لا كلام لنا معهم، وأمّا المسلمون فهم يأخذون الربا على أنّه حرام، وقلَّما يتّفق شخصٌ مسلم يأخذ الربا على أساس أنّه حلال وأنّه كغيره من البيوع المحلّلة.
إذن يمكن أن يُقال من هذه القرائن: إنّ هذا الحكم وارد على المُرابي الذي لا يفرّق بين الربا والبيع، فكأنّه يقال: إنّما البيع مثل الربا. فإذا كان الأمر كذلك فيمكن أن يُقال: إنّ الآية لا تريد أن تُعيِّن الحكم إجمالاً لكي لا تتمّ حُجِّيتها، بل هي قضيّة حقيقيّة، وهذه توطئة ذكرها لأهمِّية الحكم، ذكر أوَّلاً الجزاء ثُمَّ ذكر الحكم، فتفيد الآية إنشاء الحلِّية والحرمة، وأنّ كلّ من خالف هذا الحكم فعقابه ما سبق في الآية، ويكون أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ للإنشاء، فهل يمكن أن نتأمّل في ذلك ونتمِّمه؟
ولكنّه مع ذلك لا يتمّ في نظر الإنسان، وإنّما أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ إخبار لا إنشاء، فلو لم يكن لنا إلّا هذه الآية، يشكل عندي التمسّك بإطلاقها في تتميم سائر الشروط والخصوصيّات.
ومن الآيات)1) آية التجارة وهي قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم (2) الاحتمالات
ـــــــــــــ[58]ــــــــــ
() جامع المقاصد 4: 58 المقصد الثاني: في البيع، والمكاسب 3: 54، الكلام في المعاطاة.
(2) 4/29. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الكثيرة الموجودة في هذه الآية سوف تأتي، ولكن بهذه القرائن نريد أن نرى أنّها هل تدلّ على صحّة المعاملة أو لا، وبعد ذلك نتعرّض لإطلاقها.
القرائن المعروفة هي: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُم. فهنا احتمال: أن يكون الضمير في (تكون) الذي هو اسمها راجع إلى (الأموال)، مع تقدير أموال أخرى تكون خبراً لها، والتقدير: (إلا أن تكون الأموال أموال تجارة عن تراضٍ)، فأقيم التجارة محلّ الخبر وحذف الخبر الذي هو أموال، ويكون الكلام في الآية دائراً كلّه حول الأموال.
وفي قوله تعالى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ احتمالات:
منها: النظر إلى الأسباب التي يهيّئ بها الإنسان الأموال، فإنّ الإنسان قد يهيّئ الأموال بالحقّ أو بالباطل، والآية تنهى عن أكل الأموال المكتسبة بالباطل كالربا وبيع الغرر مثلاً، إلّا أن تكون تجارةً حاضرةً عن تراضٍ منكم، فإذا كانت الأموال الحاصلة لديكم قد حصلت عن تراضٍ فلا بأس.
إذن قد بيّنت الآية مسألتين:
إحداهما: أنّ الأموال الحاصلة من الأسباب الباطلة -عند العقلاء أو عند الشارع وسنتكلّم في ذلك- حرام.
ونفهم من ذلك أنّ الأسباب الباطلة لا توجب الملكيّة. لا أنّ هذه الأسباب توجب الملكيّة، إلّا أنّ الله حرّم على الإنسان أمواله التي يملكها بهذه الأسباب، فلا نفهم من التحريم حكماً استقلاليّاً بعد تأثير الأسباب، بل نفهم
ـــــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أنّ هذه الأسباب غير منتجة في نظر الشارع المقدس.
المسألة الأخرى: هي أنّ الأموال الحاصلة من التجارة التي تكون عن تراضٍ حلال، ونفهم من ذلك أنّ هذه التجارة منتجة عند الشارع، لا أنّ الحكم بجواز أكله حكم مستقلّ رغم كون المال باقٍ على ملكيّة الغير، أو أنّه إباحة شرعية من دون دخل للتجارة فيه، أو أنّه إباحة مالكيّة حاصلة من التجارة، وقد قلنا إنّها غير معقولة، فإنّ البايع إنّما يقصد البيع لا أنّه يقصد الإباحة أيضاً.
فليس المقصود إذن جواز الأكل من قبل المالك ولا من قبل الشارع استقلالاً، بل المقصود أنّ التجارة منتجة. كأنه يقول: هذا المال مالكم فكلوه وذلك ليس مالكم فلا تأكلوه. فتدلّ هذه الآية على صحّة التجارة بنفس البيان الذي سبق في الآية الأولى.
بناءً عليه نفهم من الآية بنحو الإجمال: أنّ البيع والتجارة عن التراضي صحيح، وأنّ الأسباب الأخرى غير صحيحة، وأمّا أنّها أسباب باطلة شرعاً أو عرفاً فهذا سوف نتكلّم فيه.
قلنا إن تقريب هذا الاحتمال في الآية كالتقريب الذي ذكرنا في أحلَّ الله البيع، وهو أنّ أكل المال بالباطل محرّم وأكله بنحو التجارة محلّل، ولا شكّ أنّ هذا التحليل والتحريم ليس حكماً مستقلّاً ابتدائيّاً، فالتحليل ليس حكماً ابتدائيّاً مقارناً مع التجارة، بل يفهم العقلاء أنّ هذه التجارة منتجة، لا أنّها غير منتجة، مع هذا يكون المال محلّلاً تحليلاً شرعيّاً أو تحليلاً مالكيّاً، فإنّنا قلنا إنّ التحليل المالكيّ باطل؛ أوَّلاً لأنّه لم يحلّ، وثانياً: لأنّه لا مكان له، لأنّه ظرف كونه ليس
ـــــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مالكاً لا يمكن الإنشاء الجدّي للتحليل. إذن، فهو تحليل يتبع تأثير السبب وصيرورته باعتبار ذلك ملكه، إذن نفهم أنّ السبب نافذ في نظر الشارع وموجب للملكيّة بنحو الإجمال.
هذا على قراءة النصب وإرجاع اسمه تكون على كونه ضميراً إلى الأموال، وتكون التجارة سادّة مَسدَّ الخبر ويكون الخبر أموال مقدرة، فنحن نتكلم على هذا الفرض.
نريد الآن أن نستفيد من الآية شيئاً آخر، وهو أنّها يمكن توسعها إلى أماكن أخرى، سواء كان الاستثناء في قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم متّصلاً أو منقطعاً.
والظاهر أنّه استثناء منقطع، فكأنّه قال: إلّا التجارة التي تنشأ عن التراضي، فكأنّه قرّر كبرى مستقلّة، بخلاف إذا كان استثناءً متّصلاً.
نريد أن نرجع إلى العرف لنرى أنّهم هل يفهمون من التقييد بالباطل علّية ذلك للحرمة، وأنّه نهى عن تحصيل المال بغير طريق التجارة لأنّه باطل، فالسبب المناسب الذي يفهمه العقلاء موضوعاً وعلّةً للحرمة هو البطلان، لا المال ولا الأكل مثلاً، فالعقلاء يفهمون من التعليل أنّه علّة للحرمة.
ولا يجوز أن تُستثنى التجارة من البطلان، بمعنى كونها باطلة ومع ذلك لا بأس بها، بل يفهم العقلاء أنّ الله تعالى أوقع في الآية، مقابلة بين الباطل وغير الباطل، فالتجارة ليست باطلة وغيرها باطل، فالتجارة ليست بباطل لا أنّها
ـــــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مستثناة من الباطل، فكأنّه قال: لا تأكلوا أموالكم بأسباب غير التجارة؛ لأنها أسباب باطلة، وكلوا أموالكم من التجارة؛ لأنها حلال. فيفهمون من ذلك أنّ الباطل تمام العلّة وتمام الموضوع للحكم، والأسباب لا دخل لها وإنّما كانت حراماً لأنّها باطلة.
وبناءً عليه لا يعقل استثناء التجارة من الباطل، بل يفهم منه الحلِّية لأنّه حقّ فكأنّه قال: وكلوا مال التجارة لأنّه حقّ.
وذلك -وهو عليّة البطلان- تُفهم سواء كانت قيداً أو لم تكن، أو كان الاستثناء متّصلاً أو منفصلاً؛ لأنّنا نفهم أنّه تمام الموضوع والعلّة للحكم، وفي مقابله علّة حلِّية التجارة كونها حقّاً.
وبذلك نستطيع أن نتمسّك بهذا التعليل لتوسعة الحكم.
ونقول: إنّ تمام الأسباب كالبيع والصلح والمضاربة والمساقات، وكلّ ما هو في نظر العقلاء حقّ وله مجارٍ مستقيمة، أقرّها الشارع لأنّها حقّ، وكلّ سبب باطل عند العقلاء ألغاها الشارع لأنّها باطلة.
بل نودّ توسعتها أكثر من ذلك، توسعتها عن الأموال أيضاً، لأنّه بعد أن ألغى السببيّة الباطلة وأنفذ السببيّة الحقّة، ففي باب الفروج مثلاً كلّ ما كان سبباً حقّاً عند العقلاء نقول إنّه مُمضى عند الشارع؛ لأنّه قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، وإن كان هذا بعيداً عن الأذهان، فكما قال (لا تشرب الخمر المسكر) يفهم منه علّية الإسكار بمعنى: لأنّه مسكر، فيوسّع الحكم لكلّ مسكر، فإذا قال: لأنّه باطل يعمّ كلّ سبب باطل، وإذا قال لأنّه حقّ يعمّ كلّ سبب حق.
ـــــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فنستفيد من الآية أنّ تمام الأمور التي يعملها الناس من الأسباب، أنفذ الشارع الأسباب الحقّ منها وألغى الباطل منها.
إذن نفهم أنّ الآية تعمّ -زائداً عن البيع- التجارة، بل الإيقاعات، بل محتملاً كلّ الأمور المربوطة بالأموال كالحيازة والصيد وغيرها من الأسباب العقلائيّة.
ونحن إذا غضضنا النظر عن التعليل، وقلنا بأنّ المقصود من التجارة خصوص البيع، نستطيع أيضاً أن نقول: إنّ ذكر التجارة يعني البيع لا لخصوصيةٍ فيه، بل لأنّه السبب الشايع في تحصيل الأموال، وإلّا فإنّ العقلاء لا يفهمون خصوصيّةً للبيع
وتكون غيره من الأسباب كلها باطلة.
فاحتمال كون المراد من التجارة خصوص البيع، وإن كان غير صحيح، إلّا أنّه على تقديره فإنّ العقلاء يلغون هذه الخصوصيّة، كقول زرارة في روايته: (يسقط على ثوبي دم الرعاف) (1). فيلغي العرف خصوصيّة الثوب وخصوصيّة الرعاف وخصوصيّة شخص زرارة، ويفهم أنّ الحكم جارٍ على الدم بما هو. وكذلك الرواية الواردة في رجل شكّ بين الثلاث والأربع، يرى العرف أنّ الحكم جارٍ على الشكّ لا على الرجل، وإنّما ورد الرجل موضوعاً للحكم لأنّه مورد السؤال.
ـــــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، ووسائل الشيعة 3: 402، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فهنا في الآية نفهم أنّ ذكر البيع لا لأجل خصوصيّة فيه، بل لأنّه فردٌ غالب. فنستطيع بإلغاء الخصوصيّة أن ندخل سائر المعاملات في الحكم.
بناءً على ذلك، تدلّ الآية على تصحيح البيع وسائر المعاملات كالصلح والإجارة والزراعة والمساقاة وسائر التجارات.
فهذا أحد الاحتمالات، إلّا أنّ الآية بحسب ما قلناه على أيّ احتمال أُخذت فإنّ لها إطلاقاً أو أكثر من الإطلاق.
فأحد الاحتمالات: هو قراءة الرفع، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً، على أنّ (تكون) تامّة و(تجارة) فاعلها.
ومنها قراءة النصب إلّا أنّ اسم (كان) هو التجارة بتقدير: (إلّا أن تكون التجارةُ تجارةً عن تراضٍ).
ومنها: أن يكون الاسم والخبر هو الأموال بتقدير: إلّا أن تكون الأموالُ أموالَ تجارةٍ عن تراضٍ.
ومنها: أن يكون الاسم (الأموال) والخبر (التجارة) بتقدير: (إلّا أنّ تكون الأموالُ عن تراضٍ).
وعلى أيٍّ منها يتمّ المدّعى غايته أنّ الاحتمالين الأوّلين على قراءة النصب يحتاج إلى التقدير، بخلاف الاحتمال الأخير إلّا أنّه يحتاج إلى ادّعاء، وهو أنّ الأموال بما أنّها يُتاجر بها ادّعى أنّها هي بنفسها تجارة مجازاً، فقال: (إلا أن تكون الأموال تجارة).
وكذلك سواء أخذ الاستثناء متّصلاً أو منفصلاً.
ـــــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أما قولهم إنّ الاستثناء المنقطع خلاف البلاغة(1)، فهو لا اعتبار به.
فإنّه قد يكون موافقاً للبلاغة كقوله: “بيد أنِّى من قريش“(2) حيث أصبح الانقطاع في الاستثناء من مزايا البلاغة. أو قوله تعالى: إِلَّا قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً(3)، حيث أعطى الاستثناء المنقطع للآية بلاغةً وجمالاً. إلّا أن نتعسّف لندفع الانقطاع في الاستثناء عن كلام الحكيم.
إذن في آية التجارة ظاهر الاستثناء هو الانقطاع لا الاتّصال، وإلا لوجب أن نقول إنّ المقصود منها: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا أن تكون تجارة عن تراضٍ؛ لأنّ غيرها -التجارة- باطل، وهذا خلاف الظاهر.
وإذا أخذ الاستثناء منقطعاً يكون الإطلاق أحسن؛ لأنّ هناك كلاماً قد يُؤثِّر في الاستثناء المتّصل، وهو أن الآية في مقام بيان حكم المستثنى منه، وهو (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، وليست في مقام بيان المستثنى وإن كانت قد ذكرته، ولكن في الاستثناء المنفصل لا يمكن أن يأتي هذا الكلام، لأنّه تأسيس جديد، والمتّصل يمكن أن يكون تطفّليّاً ولا يمكن أن يكون كذلك المنفصل.
ـــــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 126- 127، في شروط المتعاقدين.
(2) مستدرك سفينة البحار 8: 203، باب فصاحة رسول الله وبلاغته، الفائق في غريب الحديث 1: 9، وكشف الخفاء 1: 201.
(3) الواقعة: 26.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن فالاستثناء المنفصل أحسن للقول بإطلاق الآية، وإن كان المتّصل لا بأس به خصوصاً أنّها قيّدت بالتراضي الذي يُعلم منه أنّه في مقام البيان من ناحية البيع.
إذن نستطيع أن نستدلّ بالآية على تمام التجارات.
نعم، يبقى إشكال وهو أن رواية أبي جعفر(1) جعلت الربا من أكل المال بالباطل، مع أنّ الربا تجارة حقّ في نظر العقلاء، فلو لم يكن الشارع قد نهى عنها لراجت بين المسلمين وغيرهم، فيُفهم من ذلك أنّ المراد من الباطل والحقّ في الآية هو الباطل الشرعيّ والحقّ الشرعيّ.
إذا كنّا نحن والآية، فكل ألفاظها: (الأموال)، (الأكل)، (التجارة)، (الباطل)… نفهمها فهماً عرفيّاً، فإذا قيل في الشرع -يعني(2) في الرواية- إنّ من جملة الباطل البيع الربويّ، وهو غير باطل عند العقلاء، نفهم أنّ الباطل المنطبق على هذا الفرد لا يكون إلا باطلاً شرعيّاً لا باطلاً عقلائيّاً؛ لأنّ الباطل لا ينطبق على الحقّ.
فإذا كان الباطل باطلاً شرعيّاً فتكون التجارة في مقابله شرعيّة أيضاً، يعني: لا تأكلوا أموالكم بالأسباب الباطلة الشرعيّة، إلّا أن تكون عن أسباب شرعيّة.
ـــــــــــــ[66]ــــــــــ
() راجع مجمع البيان3: 68، تفسير سورة النساء.
(2) توضيح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن لا يمكن الاستدلال بالآية؛ لأنّنا إذا شككنا في شيء أنّه باطل شرعاً أو حقّ شرعاً، نحتمل أنّه غير شرعيّ. فإذا شككنا في اعتبار قد يرجع ذلك إلى أنّه هل هو داخل في المستثنى أو في المستثنى منه، فلا يمكن التمسُّك بالآية للاستدلال على دخوله في المستثنى لتتميمه.
فالأمر دائر بين مطلبين:
إمّا أن نقول: إن الباطل والحقّ وأمثاله اصطلاح للشارع، وهنا نتكلّم طبقاً لذلك الاصطلاح، وهذا الاصطلاح لم نطّلع عليه إلى زمان أبي جعفر، فلمّا قال: الربا من الباطل، عرفنا أنّه يعني عند الشارع.
واحتمال آخر، وهو أنّه تخصيص حكميّ لا تخصيص موضوعيّ، ولا يستفاد من الرواية على ما أتذكر -لم أجدها وإن بحثت عنها- هذا المعنى، وهو التخصيص الموضوعيّ، فإنّنا إمّا أن نقول: إنّ الربا من الباطل حكماً يعني أنّه لا يحصل به النقل والانتقال، ونتحفّظ على ظهور الآية، أو نقول: إنّه من الباطل موضوعاً، فلا نستطيع أن نتمسّك بظهور الآية.
إلّا أنّ الأرجح هو أن نتحفّظ على ظهور الآية ونقول: إنّ الربا مُنزّل منزلة الباطل حتّى إذا كان الربا حقّاً في نظر العقلاء، أمّا إذا كان الربا باطلاً في نظرهم فلا إشكال، إلّا أنّ الصحيح هو كونه حقّاً عندهم.
وعلى كلٍّ فلا نستطيع أن نرفع اليد عن الظهور العرفي للآية، من جهة رواية أبي جعفر وهي قوله: (الربا من الباطل)، بمعنى أنّه مثله حكماً من جهة الحرمة لا أنّه توسعة للموضوع، ولا يستفاد منها ذلك.
ـــــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وسوف نبحث تفصيلاً في باب اللزوم(1) عن هذه الآية، وكذلك عن آية: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، على إجمالها تصلح دليلاً للمعاطاة؛ لأنّها القدر المتيقّن منها دون الصيغة.
ويأتي الكلام في آية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
من جملة الآيات(2) التي تمسّكوا بها آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3).
وحيث إنّه توهّم أنّ المعاطاة خارجة عن العقود؛ لأنّ العقد هو العهد المشدّد، ولا يكون ذلك إلا باللفظ، فتكون المعاطاة خارجة عنها، فهنا لا بُدّ أن نعيّن معنى العقد والعهد من متفاهم العرف واللغة، وهل هما شيء واحد أو معنيان.
أمّا العقد: فبحسب الظاهر احتمالاً أنّ يكون مأخوذاً من عقدة الحبل، فيُقال للعقد عقد باعتبار ذلك استعارةً، حيث ادّعى المتكلّم أنّ الإضافة الحاصلة للإنسان بالمال بمنزلة الحبل.
وتبادل الإضافتين الذي يحصل بالبيع والتجارة بين الطرفين كأنّه تحصل عقدة بينهما، ومن قبيل هذا الاحتمال قوله تعالى أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ
ـــــــــــــ[68]ــــــــــ
() المقصود هو لزوم المعاطاة حسب الظاهر. (المقرِّر).
(2) مجمع الفائدة والبرهان 8: 140، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 77، الكلام في المعاطاة.
(3) المائدة: 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
النِّكَاحِ(1) حيث عبّر بالعقدة وهي التي تكون في الحبل. وقوله تعالىوَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ(2)، فيُعبّر عن العقود بهذا اللفظ باعتبار ذلك.
واحتمالٌ آخر: أنّها أُخذت من عقد العسل أو اللبن بمعنى غلظ(3)، حيث ادّعي مجازاً: أنّ الأمر المعقول كالأمر المحسوس، فكما يربط المحسوس ويغلظ كذلك الأمر المعنوي، بمعنى أنّه توجد فيه غلظة كغلظة العسل، فاستعاروا له اللفظ وادّعي أنّه مصداقاً للفرد المحسوس.
واحتمال آخر: وهو أنّه مأخوذ من عقد القلادة(4)، حيث ادّعي مجازاً: أنّ هذا القرار كأنّه قلادة في رقاب الطرفين، وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني أوفوا بالقلائد التي في أعناقكم، وكلّ هذه الاحتمالات من باب الاستعارة والمجاز، وصاحب (الكشّاف)(5) و(مجمع البيان)(6) -وصاحب(7) (مجمع البحرين)(8) أيضاً- يؤيدون الأوّل وهو أنّه مأخوذ من عقد الحبل، ولعلّه هو الأوفق بالذوق.
ـــــــــــــ[69]ــــــــــ
() البقرة: 237.
(2) البقرة: 235.
(3) تاج العروس 2: 428.
(4) الصحاح2: 510.
(5) الكشّاف 1: 600، تفسير سورة المائدة.
(6) مجمع البيان 3: 233، تفسير سورة المائدة.
(7) إضافة توضيح. (المقرِّر).
(8) مجمع البحرين 3: 217.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأمّا العهد: فليس بهذا المعنى، وإنّما هو عبارة عن جعل شيء في الذمّة، عاهدت الله، بمعنى: جعلت شيئاً في ذمّتي وعهدتي لله تعالى، وتعاهدت طائفتان يعني جعل كلٌّ منهم شيئاً في عهدته، واعتبار المعاهدة كاعتبار النذر، لله عليَّ كذا، يعني: جعلت في ذمّتي كذا، أو وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(1)، عبارة عن اعتبار الماهيّة في الذمّة، فالعهد هو الإقرار في الذمّة. وهذا هو فرقه عن العقد، فإنّ العقد ربط اعتباريّ شبّه مجازاً بالربط الذي يحصل بعقد الحبل، والعهد معنى حقيقيّ؛ لأنّه عبارة عن الأخذ في الذمّة، وهذا الأخذ بنفسه عهد حقيقة.
بناءً عليه، اعتبار العهد في اعتبار العقد، وإن كان قد يصدق على شيء واحد، لكنّهما يصدقان باعتبارين، فمثلاً بيع الكالي بالكالي -بغضّ النظر عن صحّته وعدمها- جمع للاعتبارين، فهنا قد وقع عقد هو تبادل الإضافة التي شُبّهت بعقدة الحبل، ووقع عهد وهو الأخذ على الذمّة بأن يعطي كلٌّ منهما صاحبه ماله. وقد يفترقان، فيكون هناك عهد ولا عقد كمعاهدة الله تعالى، أو يكون عقد ولا عهد كالمعاطاة والصيغة أيضاً.
فالعقد غير العهد، فإذا قيل (أوفوا بالعهود)، يعني أوفوا بما ذمّتكم من الدَين مثلاً، أما إذا قيل (أوفوا بالعقود) فمعنها أوفوا بلوازم العقد من تملّك البايع الثمن والسلعة المشتري، وليس في المقام عهد، فإنّ هذا المال لهذا وذاك لذاك وليس في الذمّة شيء.
ـــــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بناءً عليه يكون اعتبار العقد اعتبار العهد، فتعبيرهم أنّ العقد هو العهد المشدّد فهذا مُسامحة لا محالة.
وفي المجمعين)1) ذكر: (أنّ الفرق بين العقد والعهد، أنّ العقد فيه معنى الاستيثاق والشدّ لا يكون إلا من متعاقدين) فاعتبر في العقد شيئين: كونه بمعنى الاستيثاق والآخر أنّه لا يكون إلا بين اثنين. (والعهد قد ينفرد به الواحد) نحو عاهدت الله (فكلّ عهد عقد، ولا يكون كلّ عقد عهداً). هكذا في كِلا الكتابين(2).
إلّا أنّ العكس هو الصحيح، فإنّ العهد قد يكون بين اثنين وقد لا يكون في حين أنّ العقد لا يكون إلّا بين الاثنين، فيكون العهد أعمّ، ومِن ثَمَّ فكلّ عقد عهد لا العكس.
وقال بعض المحقّقين: التحقيق أنّ كلّ عهدٍ عقدٌ ولا عكس(3).
مع أنّه قال: إنّ العهد هو الجعل والقرار ولو قلباً كالمعاهدة معه تعالى قلباً وجميع مجعولاته عهود، سواء كانت من المناصب المجعولة كالإمامة والخلافة، كما في قوله تعالى: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (4)، بعد قوله تعالى: إِنِّي جَاعِلُكَ
ـــــــــــــ[71]ــــــــــ
() مجمع البيان 3: 233، تفسير سورة المائدة. مجمع البحرين 3: 217.
(2) ولهذا لا يمكن أن ننسبه إلى خطأ النسّاخ. (المقرِّر).
(3) هكذا نقل السيد عبارته، والذي وجدناه في حاشية الأصفهاني إلى قوله: فكلّ عهد عقد لغةً ولا عكس وأما اصطلاحاً فكل عقدٍ عهد ولا عكس. (المقرِّر).
(4) البقرة: 124.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لِلنَّاسِ إِمَامًا. أو كانت من التكاليف كقوله تعالى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ بعد قوله تعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ(1).
وقال: وأمّا العقد فهو ربط شيءٍ بشيء انتهى.
إذن، فالعهد مطلق جعل القرار والعقد خصوص الربط، فكلّ عهدٍ عقد ولا عكس، مع أنّه قال: كل عهدٍ عقد.
وفي عبارته شيء آخر هو أنّ مطلق جعل القرار عبارة عن العهد، ومَثَّل لها بجعل الإمامة وجعل التكاليف -اُنظر ما نقلناه من عبارته- مع أنّ الذي يبدو للنظر أنّ جعل الإمامة وجعل التكاليف بمعنى الإيصاء(2) لا بمعنى الأخذ في العهدة، فقوله تعالى: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ يعني وصيّتي. وقوله تعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يعني أوصيناه. فهو جعلٌ لا عهد، وإلّا فهل كان في عهدة الله تجاه إبراهيم شيء مثلاً؟
(مَنْ أتلف مال الغير فهو ضامن)، يعني مال الغير على عهدته، لا بمعنى أنّه يجب عليه دفعه بل لازمه ذلك، وكذلك لِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، يعني على عهدتهم لا أنّه يجب عليهم، إلّا أنّ ما كان على العهدة يجب أن يؤدّى لا محالة. فلذا قالوا في الحج: إنّ دين الله أحقّ بالقضاء. لأنّ الحج اعتُبِرَ كالدين حين قال لِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ.
ـــــــــــــ[72]ــــــــــ
() البقرة: 125.
(2) قال في مجمع البحرين: والعهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمّة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصيّة انتهى. إذن فإيصاء بمعنى العهد، فلا يرد إشكال السيد على الشيخ الأصفهاني، فتأَمَّل. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وعاهدت الله أن أفعل كذا، ليس معنى ذلك: بعثت نفسي نحو الفعل فإنّ الوجوب معناه البعث، بل معناه وضعت في عهدتي إيجاد الفعل، غاية الأمر أنّ الله تعالى يُطالبني بأدائه.
وهذا هو فرقه عن التكليف، فإنّه إذا قال: (صُمْ) أو (صلّ)ِ، لم يكن على عهدتي شيء ولكن وجب عليّ إطاعته، مع أنّ الدين ليس معناه أنّه يجب عليَّ الأداء، بل معناه أنّه في ذمّتي، ولازم ذلك عقلائياً أنّني يجب أن أعطيه لصاحبه. فبذلك اختلف اعتبار الحجّ واعتبار الصلاة، فالأول كاعتبار الدين، والآخر ليس كذلك إلا مجازاً أو تجوّزاً.
وعلى أيّ حال فإنّ العقد يختلف عن العهد، بأنّ العقد ربطٌ معنوي شبّه مجازاً بالربط الخارجيّ، ومنه أُخِذَ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. والعهد الحقيقيّ اعتبار في الذمّة.
إذن، فيجب أن نبحث عن أنّ الشخص الذي يقول: العقد هو العهد المشدّد والتشديد لا يحصل إلّا بالفظ، فالمعاطاة ليست بعقد فلا تشمله آية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. ماذا يريد أن يقول هذا الشخص؟
السؤال الآن حول ما قيل من أنّنا لا نستطيع أن نتمسّك بالآية؛ لأنّ المعاطاة ليست عقداً، لأنّ العقد عبارة عن العهد المؤكّد، وذلك لا يكون إلّا باللفظ، فالمعاطاة ليست عهداً مؤكّداً، فلا تكون عقداً فلا يمكن التمسّك بآية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لتتميمها(1).
ـــــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 49، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نريد أن نرى الآن أنّه ما هو مراد صاحب هذا القول، قال: المعاطاة ليست من العهد المؤكّد، وهو لا يتحقّق إلّا باللفظ. فهل المراد من التأكيد هو العقد اللازم؟
إذا كان هذا هو المراد يكون المدّعى عين الدليل، فإن المدّعى هو: هل المعاطاة لازمة أو لا؟ وهذا الدليل يقول: إنّ المعاطاة ليست لفظاً، والعقد اللازم هو العقد اللفظيّ. وهذا هو عين المدّعى وهو الذي نحتاج فيه إلى الدليل.
وإذا كان مراده ما هو ظاهر التأكيد، فهل هو تأكيد في العقد السببيّ أو المسبّبي، يعني توكيد بحسب العقد السببيّ أو العقد المسبّبي.
إذا كان المراد تأكيد العقد المسبّبي فهو يرجع إلى الوجود والعدم، فإنّ المسبّبي عبارة عن نقل هذا بهذا والنقل المؤكّد لا يتصوّر، فإن النقل إمّا أن يحصل وإمّا أن لا يحصل ولا يتصوّر فيه التأكيد أو الضعف.
إذن هل السبب مؤكّد، بمعنى (بِعتُ) و(قبلتُ)، والمعاطاة ليست مؤكّدة، مع أنّ (بعتُ) و(اشتريتُ) ليس فيها تأكيداً، أو يقول: (بعتُ البتّة) و(قبلتُ البتّة)، فهذا خارجٌ عن العقد وهو لفظ لغو؛ لأنّ المعنى يمنع من: (بعتُ) و(قبلتُ) ولا يستند إلى البتّة أصلاً. بناءً عليه لا نفهم ما هو المراد من العقد المؤكّد.
المطلب الآخر: الذي قيل هو أنّ العقد له مفاد مطابقيّ ومفاد التزاميّ، ومفاده المطابقيّ عبارة عن نقل هذا بهذا، وهذا يحصل بالصيغة وبالمعاطاة، وله معنى التزاميّ وهو التزام المتبايعين بما أنشآ وهذا موجود في عقد الصيغة وغير موجود في المعاطاة، والعقد يقوم بكِلا هذين الأمرين، وحيث إنّ المعنى
ـــــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الالتزاميّ غير موجود في المعاطاة، فهي ليست بعقد. نعم، إذا صفقّوا في العقد، وقالوا: بارك الله في صفقة يمينك، حينئذٍ يحتوي على المعنى الالتزاميّ.
إذن آية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يمكن أن يشمل المعاطاة؛ لأنّها تتحقّق بالفعل، والفعل لا دلالة التزاميّة له، لأنّ هذه الدلالة مختصّة بالألفاظ دون الأفعال. هذا هو قول بعض الآغايون)1) رحمه الله.
نحن نقول: إنّه حين يقول إنّ المفاد الالتزاميّ لـِ(بعتُ) و (قبلتُ) هو التزام المتبايعين بمفاد الصيغة، هل هو بناء العقلاء على الوقوف عند القرار، أو مراده أنّ حقيقة اللزوم هو عبارة عن لازم البيع بالصيغة.
إذا أريد الأول، وهو الوقوف عند قولهم، فهو لازم القرار لا لازم اللفظ، واللفظ آلة لإبرازه، فهذا معنى عقلائيّ لا أنّه من الدلالات، لنقول أنّه غير موجود بالأفعال ومختصّ بالألفاظ. وبناء العقلاء على الوقوف على القرار، ولا يفرّق في ذلك بين المعاطاة وغيرها، وليس من الدلالات.
أو يقصد أنّ اللزوم لازم اللفظ، فهذا يعود إلى أوّل الكلام، من أنّ اللزوم لازم الفعل أو اللفظ، فإنّ هذا هو مورد البحث ونحتاج معه إلى دليل.
نفرض الآن أنّ البناء العقلائيّ من الدلالات، أو أنّه لازم للبيع، وحينئذٍ نقول: إنّ الدلالة الالتزاميّة ليست مربوطة باللفظ، بل هي لازم المعنى لا لازم المعنى المؤدّى باللفظ. يعني أنّ بعض المعاني لها لازم بيّن، فاللفظ يدلّ على المعنى بالمطابقة وعلى لازمه بالملازمة، فإذا قلنا: (نهار)، فإنّه يدلّ بالالتزام على طلوع
ـــــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 49، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الشمس، لا أنّ الدلالة الالتزاميّة مربوطة باللفظ ليدلّ على نفس المعنى، لا على المعنى المؤدّي بالعقلاء، فإنّ ذلك -يعني(1) البناء العقلائيّ المزبور- معنى التزاميّ، فإذا كان لازم المعنى لا يفرّق فيه بين المعاطاة وغيرها، فإنّ اللفظ يحضر المدلول المطابقيّ والمدلول المطابقيّ يحضر المدلول الالتزاميّ، وأنت تعرف أنّ المدلول المطابقيّ قد يحصل باللفظ وقد يحصل بغيره، وقد عرفنا أنّ المدلول المطابقيّ لازمه هو ذاك المعنى الذي تقولون أنّه مدلول التزاميّ، إذن بناءً عليه أنّ الدلالة المطابقيّة للمعاملات موجودة في المعاطاة وغيرها. ولا بُدّ أن تعترفوا بالدلالة الالتزاميّة للمعاطاة، وبذلك تعتبر عقداً لاحتوائها على كِلا الدلالتين.
الآن نتكلّم عن هذا المطلب، وأنّهم يقولون: إنّ العقد سُمّي كذلك باعتبار العقدة والربط، حيث ادّعي أنّ التبادل الذي يحصل هو بمنزلة العقد)2). هنا عندنا كلامان:
أحدهما: أنّ العقد مأخوذ من العُقدة.
وثانيهما: أنّ المعنى الحقيقي للعقد هو عبارة عن العقدة مطلقاً أو العُقدة المُحكَمة.
فإذا قلنا: إنّ العقد عبارة عن العقدة المشدّدة، فلا بُدّ أن نقول إنّ العقد هو اللازم بالخصوص.
ـــــــــــــ[76]ــــــــــ
() توضيح. (المقرِّر).
(2) المكاسب والبيع (للميرزا النائيني) 2: 101، الكلام في الإجازة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وكذلك إذا قلنا: إنّه موضوع للمطلق، ولكنّ العقد استعار من خصوص فرد منه وهو المشدّد، ولكنّ الاستعارة يمكن أن تكون من المعنى المطلق للعقدة، فيكون العقد أعمّ من اللازم.
أمّا المطلب الأول: العقدة لغةً كما في المُنجِد، موضع العقد، ويرسم عقدة راخية ضعيفة، وفي بعض الكتب الفارسية: أنّ العقد عبارة عن (بستن گاه)(1)، وفي الصحاح(2): الناقة العاقد هي التي تذهب إلى اللقاح فتعقد ذنبها، وأنا لاحظت النيق حين تعقد ذنبها، فإنّها تعقده عقدة ضعيفة راخية، إذن العقدة هو العقد مطلقاً لا العقد المؤكّد. وفي (القاموس)(3) بعد ذكرها في (الصحاح) يقول: عقد البيع والكذا شدّه. فيحتمل أنّ الشدّ هو عبارة عن مطلق الشدّ لا التشديد فلا تقع المخالفة بين القاموسين. لا أنّ المحكم هو العقد وإذا خفت لم تكن عقدة، فالمعنى الحقيقي في المقام هو المستعار منه اللفظ.
فإذا بنينا على أنّ العقد في اللغة عبارة عن مطلق العقد، واعتبرنا أنّه مستعار من مصداق قسم منه، ففيه شيء لا تلتزمون به، لأنّه لا بُدّ أن نعمل أوَّلاً استعارة ومنها نستعير مرّةً أخرى.
بيان ذلك: أنّ العقد إذا كان عبارة عن طبيعة العقدة، والمصاديق خارجة عن الطبيعة، مثلاً الإنسان وضع للطبيعة والعربيّة والعجميّة والعالم والجاهل
ـــــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: مغلق لا ينفك.
(2) الصحاح 2: 511.
(3) القاموس المحيط 1: 327.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من المصاديق وقيود المصاديق خارجة عنه، فالإنسان لا يدلّ إلا على الطبيعة.
بناءً عليه إذا كان العقد موضوعاً لمطلق العقد والقيود من الشدّة والضعف غير مأخوذ فيها، وأردتم استعارة اللفظ من قسم منه، فأوّلاً لا بُدّ أن تدعوا أنّ اللفظ الموضوع للمطلق مختصّ بالعقد والحكم، فهذا إمّا مجاز من باب استعمال المعنى المطلق في قسم منه، أو على ما هو الحقّ من أنّ اللفظ مستعمل في معناه، إلّا أنّه ادّعيَ أنّ هذا هو مصداقه.
وعلى كلّ حال لا بُدّ أن يقع في المقام مجاز وهو استعمال العقد في قسم خاصّ منه، ومنه حينئذٍ يستعار للعقد الاعتباري فيكون سبك استعارة من مجاز.
فإذا قلنا: إنّ هذا معنى استعاري، فلا بُدّ أن ندّعي أوَّلاً أنّ تمام حقيقة العقد عبارة عن العقد المحكم، ثُمَّ ندعي أنّ العقد الاعتباري مستعار من ذلك وأنّه مصداق له. وهذا وإنّ كان ممكناً إلّا أنّه خلاف الأصل وخلاف الظاهر.
فإذا كان العقد هو مطلق الشدّ، فتكون الاستعارة من المعنى المطلق، والاستعارة إنّما هي من المعنى ولا دخل للفظ فيها، أي معنى الربط في العقدة لا لفظها، هذا المعنى نريد بالاستعارة أن ننقله للعقدة الاعتباريّة. فهذا من باب تجانس المعنى بالمعنى لا اللفظ باللفظ، فنحن استعملنا اللفظ في معناه وادّعينا أنّ المصداق عامّ في حقيقة الموضوع له.
بناءً عليه هذا المعنى لا يختلف في الصيغة والمعاطاة، وهم تخيّلوا أنّها مربوطة باللفظ لا بالمعنى، فآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، كما يشمل الصيغة يشمل المعاطاة أيضاً.
ـــــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إلّا أن نرى ما هو المقصود من الوفاء في المعاطاة وغيرها.
قد يُقال: بأن الوفاء لغةً)1) عبارة عن الإتمام(2) والمحافظة، فمثلاً إذا عاهدت على قيامٍ بعمل، فالوفاء به هو الإتيان به (إيجاده)، وأمّا إذا صار من قبيل النتائج كالبيع الذي هو مبادلة مال بمال، فهو ليس شيء في الخارج أوجده، وإن كان يجب أن أرتّب آثار الملكيّة وهذا عمل لا محالة، لكنّه من لوازم العقد، ولكنّ الذي في عهدتي هو أنّ الثمن أصبح ملكي والمُثمَن ملك المشتري، ويكون معنى الوفاء هو أن أبقي المعاملة ولا أفسخها.
والذي يأتي إلى النظر هو أنّنا يجب أنّ ننظر إلى العرف لنرى عنده ما بعد الوفاء بالعقود يأتي إلى النظر أن معنى أوفوا بالعقود وبالعهود وغيرها ممّا يعدّى باللام، أنّ الوفاء به هو العمل به.
فالعمل بمقتضى النذر هو الإتيان بالمنذور، والوفاء بالعقد البيعيّ بحسب نظر العرف هو (بند وبستن)(3) لا مجرّد اعتبار المبادلة بل العمل على طبقه، بأن يسلّم الثمن ويأخذ المُثمَن، ولهذا إذا أرجعنا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إلى العرف العامّ يفهم العقلاء أنّه يجب التسليم والتسلّم، وإلا يعني إن لم يسلّم قيل إنّه لم يفِ بالعقد.
ـــــــــــــ[79]ــــــــــ
() اُنظر: المفردات للراغب الاصفهاني:528 (المقرِّر).
(2) اُنظر المُنجِد (المقرِّر).
(3) كلمة باللغة الفارسية تعني: شدّ وعقد. (منه).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نحن يجب ألّا ننظر إلى هذه المسائل نظراً لغويّاً بحسب الاجتهاد في اللغة أو نظراً عقليّاً بحسب الأدلّة النظريّة، بل هي مسألة عرفيّة لا بُدّ فيها من الرجوع إلى العرف. والعرف يرى أنّ مَنْ لم يسلّم الحِمل من الحنطة الذي باعه فهو غير وافٍ بعقده وإن لم يفسخ.
وبعبارةٍ أخرى: أنّ أصل العقد مفروض ونحن يجب أن نفي به، لا أنّ الوفاء به عبارة عن إبقائه، بل هو مفروض الوجود ونحن يجب أن نطبّق مقتضياته ولوازمه، فمن لم يدفع حِمل الحنطة فهو غير وافٍ عند العقلاء ولو كان العقد موجوداً.
بناءً عليه الوفاء بالعهد والعقد ممّا يتعدّى بالباء، هو العمل بمقتضاه، وإلّا لا يعتبر وافياً به، أمّا أَوْفُوا(1) الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ(2) ممّا لا يكون متعديّاً بالباء، فهو بمعنى الإتمام والمحافظة.
ولكنّه يأتي هذا الكلام، وهو أنّه بحسب ما قلناه من العقد وأنّه مغاير للعهد وأنّه عبارة عن العقدة التي تقع ادّعاءً، فهل العقدة التي باعتبارها سُمّيَ العقد عقداً يتصوّر فيها الوفاء؟ الظاهر أنّ العقدة المُدّعاة عبارة عن القرار الذي يقع بين الطرفين، والتبادل الذي يقع بينهما، شُبِّه هذا التبادل بالعقدة، إذن فالعقد ليس مطلق العقدة حتّى يرد الإشكال، بل هو التبادل بين المالين والقرار الذي وضع بين المتبايعين. والوفاء بهذا القرار يُسمّى بالوفاء.
ـــــــــــــ[80]ــــــــــ
() هذا رباعي من (أوفى) وذاك ثلاثي، ولكلٍّ منهما معنى، ولعلّه سهوٌ من السيد، فتأمَّل. (المقرِّر).
(2) هود: 85.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الآن نتكلّم في المعاطاة: وهي على ثلاثة أنحاء:
فمرّةً: تتمّ بالتعاطي بأن أعطي الثمن وآخذ المثمَن يداً بيد، فيكون أحدهما بمنزلة الإيجاب والآخر بمنزلة القبول.
وأخرى: تكون سلفاً فليس هنا إلا الثمن يدفعه المشتري، فكأنّه حينما يدفع يكون بمنزلة الإيجاب والبايع حينما يقبضه كثمن بمنزلة القبول.
وثالثةً: تكون نسيئة وليس فيها ثمن فقط السلعة هي يدفعها البايع، والكلام فيها نفس ما سبق.
فهنا الوفاء بالعقد إذا قلنا إنّه عبارة عن التسليم والتسلّم، ففي باب المعاطاة في الصورة الأولى الطرفَينيّة لا موضوع للوفاء؛ لأنّ التسليم قد تمّ. وفي الصورتين الأخيرتين إنّما يتصوّر الوفاء بالنسبة إلى من لازال الثمن أو المُثمَن بيده.
أما إذا قلنا بأنّ الوفاء أعمّ من ذلك، فإنّ استرجاع المال يكون بأحد طريقين: إمّا بالفسخ أو بالأخذ منه بعد تسليمه، وقلنا بأنّ الوفاء يعمّ ضدّ كِلتا هاتين الصورتين، فكما أنّ عدم الإعطاء الابتدائيّ خلاف الوفاء بالعقد كذلك الاسترجاع. في مثل ذلك، يكون الوفاء متصوّراً في تمام هذه الأقسام، ففي الصورة الأولى يتصوّر الوفاء بالنسبة إلى عدم الإرجاع، وأمّا في الصورتين الأخيرتين، فمن كان من الطرفين قد سلّم ما باعه فالوفاء بالنسبة إليه في عدم الإرجاع، ومن لم يكن قد سلّم كما في ثمن النسيئة وسلعة السلف فالوفاء
ـــــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بالنسبة إليه هو عدم الفسخ(1).
ولنا كلام في عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الذي هو جمعٌ محلّى بالألف واللام، فهل يكون عامّاً لذلك أو لا يكون لخصوصيّة فيه؟
قد يُقال: إنّ سورة المائدة آخر ما أُنزِل من السور، بحسب بعض الروايات الواردة، إذن آية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ جاءت بعد تمام آيات تنفيذ البيع، آية التجارة عن تراضٍ، وآية أحلَّ الله البيع وحرم الربا. وحيث إنّ الآية مسبوقة بالعقود المنفّذة من قبل الشارع، إذن تكون الألف واللام عهداً لذلك.
وعلاوةً على ذلك: أنّ الحكم بحلّية بهيمة الأنعام على ما قيل تفصيل لأوفوا بالعقود؛ لأنّ العقود ليست عبارة عن خصوص المعاملات، بالإضافة إلى الأوامر والنواهي الشرعيّة، وحيث إنّ حلِّية بهيمة الأنعام من جملة العقود فيجب الوفاء بها.
بناءً عليه تكون العقود بمعنى مطلق الأوامر الشرعيّة، وقد كانت هذه الأوامر موجودة في الشرع، إذن فهذا يعود إلى المعهودات السابقة فلا يتمّ عموم الآية.
ـــــــــــــ[82]ــــــــــ
() أقول: إنّ كِلا المعنيين للوفاء متصوّر بالنسبة إلى الجميع: فإن الفسخ كما يُتصوّر قبل التسليم يُتصوّر بعده بشرط خيار أو نحوه، كما أنّ بقاء المال عند صاحبه الذي ملكه بالعقد متصوّر ابتداءً واستدامة، فإذا لم يكن قد سلّم فالوفاء يقتض التسليم، وإذا كان قد سلّم فالوفاء يقتضي استمرار إبقاء العين عند صاحبها. وبهذا يُتصوّر كِلا معنيي الوفاء في تمام الصور. فتأمَّل تجد، ولتكن بإذن الله موفقاً، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإشكال آخر هو أنّكم تقولون إنّ عدّة من العقود والمحلّلات والمحرّمات الشرعيّة كانت موجودة والبيع كان محلّلاً أيضاً، فإذا كانت الآية عامّة يكون لها تالٍ باطل، وهو استعمال اللفظ في معنيين أحدهما التأكيد والآخر التأسيس، فبالنسبة إلى ما سبقت حلّيته يكون تأكيداً وبالنسبة إلى الأمور الأخرى التي تريدون شمول الآية لها يكون تأسيساً، وهذا أسوأ من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.
وإشكالٌ آخر، وهو أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إذا كان معنى مجازياً، تتّسع الشبهة ويكثر الإشكال؛ لأنّه لا يمكن استفادة الظهور من المجازات.
نحن نقول: هل العقود عبارة عن مطلق الواجبات والمحرّمات والمعاملات، أم لا؟ وعلى تقدير إنكار ذلك فهل يمكن الجواب أم لا؟
أما الإشكال الأول: وهو أنّه لا يمكن التمسّك بعموم الآية لأنّها آخر سورة نزلت.
أقول: إنّه ليس مطلق المسبوق بشيء يجب أن يكون عهداً إليه. فإنّه في زمان النبيّ كان القرآن منجّماً في ظرف ثلاثٍ وعشرين سنة وليس منظمّاً أو مضبوطاً، فبعضه الأقلّ كان في المعاملات والمحرّمات والواجبات، والأكثر في المواعظ وغيرها، فإذا قال شخص في سنة: (أكرِم زيداً) و قال بعد سنة: (أكرِم عمراً) وقال بعد سنة: (أكرم بكراً) وكانوا كلّهم علماء، وبعد سنة حينما أراد أن
ـــــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يموت قال: (أكرِم كلّ عالِم)(1)، فهل يريد أن يقول: أكرِم أولئك العلماء، أو يريد أن يعطي قاعدة كًلِّية لتكون عندنا دائماً.
فنحن الآن نقبل بأنّ الآية نزلت بعد تمام آيات حلِّية البيع وأنّ السورة آخر سورة نزلت، إلّا أنّه حتّى على فرض أنّ العقود أعمّ من المحرّمات والواجبات، لا يتمّ الإشكال، فإنّ هذه المحرمات جاءت متفرّقة ولم ترد بلفظٍ واحد لنقول إنّها يمكن أن تكون قرينة على الآية، فكونها آخر آية هو محلّ أن يعطي القاعدة العامّة ويكون محلّاً مناسباً لذلك، لا أن يكون كلاماً مُجملاً، بل يكون المعنى: أوفوا بجميع العقود والقرارات والأحكام التي تقع في العالم، لتكون لنا ضابطة دائمة. فإذا سلّمنا كونها آخراً يكون ذلك مؤكّداً لعمومها.
وعلى أيّ حال: الجمع المحلّى بالألف واللام له دلالة على العموم، إلّا أن ينصرف ذهنهم عنه بقرينة، ونحن نرى أنّه عند تلاوة الآية لا ينصرف ذهننا إلى شيء خاصّ، وإنّما نفهم العموم.
وأما قضيّة التأكيد والتأسيس، فمن أصله غير صحيح، ليس أنّ الأمر التأكيدي والتأسيسي كلٌّ منهما استعمل بمعنى غير المعنى الآخر. فإنّ الأمر بمعنى البعث، وليس أنّ هذا البعث وذاك البعث قد استعملا في معنيين، غاية الأمر أنّه في البعث غير المسبوق بشيء ينتزع منه التأسيس، وفي البعث المسبوق بشيء ينتزع من التأكيد، لا أن للبعث التأسيسي معنى غير البعث التأكيدي. فالتأكيد والتأسيس معنى انتزاعي وهي مستعملة بمعنى واحد، كـ(أَوْفُوا
ـــــــــــــ[84]ــــــــــ
() هكذا عبّر السيد، والأنسب أن يقول: (أكرم العلماء)؛ ليكون كالآية، وليتوهم كونه عهداً، وإلّا فهذا الوهم لا يرد في قوله: (أكرِم كلّ عالم) كما هو واضح. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بِالعُقُودِ)، فما وقعت من العقود تأكيد وما لم يقع منها تأسيس، لا أنّ الأمر استعمل بمعنيين.
وأمّا أنّ الإشكال في المجاز أوسع، فهذا غريب، فإنّ المدار هو الظهور العرفيّ، سواء كان مستفاداً من كلمة اُستعمِلت مجازاً أو حقيقةً، فلو قال: (أكرم الأسد) أو قال: (أكرم الرجل)، فسواء أراد المعنى المجازيّ أو الحقيقيّ، له ظهور عقلائيّ لا محالة.
إذن فليس المتّبع هو الدلالة على المعنى الحقيقيّ، وإنّما المتّبع الظهور العقلائيّ، سواء كان مستفاداً من الألفاظ المجازيّة أو الحقيقيّة.
هذا كله إذا سلّمنا أنّ أَوْفُوا بِالعُقُودِ يشمل جميع الواجبات والمحرّمات، إلّا أنّنا لا نقبله، بل معناه ما ذكرناه من أنّ العقود إنّما سُمّيت هكذا باعتبار العقدة والربط بين الطرفين، فبناءً عليه تخرج جميع المحرّمات والواجبات، وتدخل باب المعاملات والتجارات.
وبهذا ينتفي الإشكال الأوّل من أصله؛ لأنّ عندنا عدداً قليلاً من آيات المعاملات قد لا يزيد عن الثلاثة يفصل نزول الواحدة عن الأخرى عدّة سنين، فكيف يمكن أن تكون آية أَوْفُوا بِالعُقُودِ مشيرة إليها.
إذن فالآية باقية على عمومها وتدلّ على الصحّة -صحّة(1) المعاطاة التي هي محلّ الكلام- وسوف نبحث عن اللزوم بعد ذلك، فإذا قيل لنا: أوفوا بالعقود نفهم أنّنا عملنا عملاً فيجب أن نعمل على مقتضى ذلك.
ـــــــــــــ[85]ــــــــــ
() توضيح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ربما يُقال بأنّه لا طريق لنا ولا حيلة إلّا أن نقول بأنّ المراد من العقود في الآية العقود السابقة؛ لأنّ المراد من العقود إذا كان هو المعاملات فيلزم تخصيص الأكثر، لأنّ العقود الجائزة أكثر من اللازمة، وإذا أدخلنا البيع بجميع أنواعه فيه، يدخل ما فيه الخيار وأهمّه خيار المجلس الموجود في كلّ بيع تقريباً، فينحصر اللازم بما ليس فيه خيار، فيلزم تخصيص الأكثر.
وإذا أخذنا العقد بمعنى العهد وقلنا بأن العهد يشمل مطلق العهود والجعول الإلهيّة والأحكام الشرعية، فهنا أيضاً يلزم تخصيص الأكثر، لأنّ المستحبّات أكثر من الواجبات، وحيث تخصيص الأكثر محال في كلام الحكيم، فلا بُدّ أن نفهم من العقود المعهودة من خصوص ما كان يجب الوفاء بها)1).
نحن يجب أن نتكلّم عن أنّه هل يلزم تخصيص الأكثر أو لا أوّلاً؟ وثانياً إذا لزم ذلك فهل هو من التخصيص المستهجن أو ليس بمستهجن؟
أمّا أنّه هل هو من التخصيص بالأكثر، فمرّةً نقول: إنّ أوفوا بالعقود معناه: أوفوا بعقد البيع والإجارة والمضاربة وغير ذلك من أنّه أعمّ من العقود، فنفترض أنّ العقود معناه المعاملة وأنّ اللفظ تناول العقود بأنواعها.
إلّا أنّه لعلّ العقود الجائزة ليس أكثر من العقود اللازمة، فإنّه عندنا حوالي اثني عشر عقداً لازماً كالبيع والإجارة والنكاح والمزارعة والمساقات، والباقي
ـــــــــــــ[86]ــــــــــ
() اُنظر عوائد الأيّام: 17، عائدة (1)، في بيان قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وكتاب الإجارة (للمحقق الرشتي): 10، الفصل الأوّل، القول في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
منها جائز. وأنا أتصوّر أنّ العقود اللازمة أكثر من العقود الجائزة.
والتحقيق في المقام هو أن يُقال: إنّ العقد موضوع لنفس طبيعة المعاقدة، وأنواع العقد خارجة عن الموضوع له، وخصوصياتها من البيعيّة والصلحيّة والإجاريّة خارجة عن مفهومه، وإنّما هي مصنفات وأنواع لنفس الطبيعة، ولفظ العقد موضوع لنفس الطبيعة.
فإذا كان الأمر كذلك، فإذا دخلت عليها (كل) وهي موضوعة لأصل التكثّر فهي تكثّر الماهيّة لا أنّها تنوّعها، وتكون مصاديق كلّ نوع مصاديق لكثرة الطبيعة، فهنا عندنا ثلاثة أمور موضوعة:
إحداها: (كل) التي تدلّ على أصل التكثير وعلى تكثيرٍ ما.
والآخر: لفظ العقد الموضوع للطبيعة.
والثالث: هو إضافة (كل) إلى الطبيعيّ الموجب للدلالة على كثرته.
فـ(كل)حينما تدخل على هذه الطبيعة تكثّرها من حيث الأفراد لا من حيث الأنواع، والدلالة على النوع غير موجودة هنا بوجهٍ من الوجوه، وعلامة الجمع والألف واللام كـ (كلّ) في الدلالة على تكثير الطبيعة.
بناءً على ذلك: إذا ورد على هذه الكثرة تخصيص، فيكون تخصيصاً أفراديّاً لا محالة لا أنواعيّاً. إذن نحن يجب أن ننظر إلى أفراد العقود اللازم منها والجائز لنرى أيّاً منها هو الأكثر وقوعاً عند البشر، وبحسب الخارج أوفوا بالعقود اللازمة أكثر بملايين المرات من العقود الجائزة، فإنّ الغالب في العالم أنّ ما يقع هو البيع والنكاح والإجارة وغير ذلك من العقود اللازمة، وقلَّما تقع المضاربة
ـــــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والعارية مثلاً وغيرها من العقود الجائزة.
إذن، إذا صدق قولكم إنّ كلّ كثرة في التخصيص توجب الاستهجان، فنحن لا نقبل أنّ الكثرة هنا متحقّقة.
الآن نتكلّم عن الاستثناء: مرّةً يُقال: أوفوا بالعقود إلا عقد النكاح مثلاً. فيكون هذا تخصيصاً أنواعيّاً، لكن في المقام لم يرد هكذا، بل المخصص في المقام فرديّ لا نوعيّ، فإنّه إذا قال مثلاً: عقد المضاربة جائز، لا دليل لنا على أنّ هذا العقد بعنوانه مخصّص وخارج عن عموم وجوب الوفاء بالعقود – ليكون(1) تخصيصاً نوعياً- وليس مكتوب عليه هذا مخصّص لذلك، بحيث يكون كقوله: أوفوا بالعقود إلا عقد المضاربة.
ليس كذلك. بل غاية ما عندنا هو أن الإرادة الجدّية للعموم في قوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا تنسجم مع الإرادة الجدّية في المخصّص، فنفهم من ذلك التخصيص، وهذا لا يدلّ على أكثر من خروج أفراد المضاربة من العموم دون عنوانها النوعيّ.
فيكون التخصيص أفراديّاً لا أنواعيّاً.
بل لعلّه عندنا قرينة على الكثرة الفردية؛ لأنّ وجوب الوفاء بالعقد من تبعات وجود العقد، بمعنى أنّ كلّ عقد أوقعته في الخارج يجب الوفاء به، ونحن لا نوقع النوع في الخارج بل الفرد.
ـــــــــــــ[88]ــــــــــ
() توضيح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإن كان يمكن المناقشة في هذه القرينة من حيث إنّ الحكم الشرعيّ يرد على الأنواع ومنها يسري إلى الأفراد. لكن بحسب الفهم العرفي تدلّ الآية على أنّ العقد الذي أوقعته من الخارج يجب الوفاء به.
فإذا لم تقم قرينة على العموم الأنواعيّ نفهم العموم الأفرادي، فإذا قال: أوفوا بكل عقد، وهذا له عموم أفرادي فننظر لنرى أنّ أفراد العقود اللازمة أكثر في الدنيا.
الآن نتنزّل ونسلم بأنّ العقود الجائزة أكثر في العالم، أو أنّ العموم عموم أنواعيّ وأنواع العقود الجائزة أكثر، مع ذلك نقول: إنّه لم ترد آية أو رواية تقول: إنّ تخصيص الأكثر غير صحيح. وإنّما الشيء غير الصحيح هو أن يضع القانون الكُلِّي ثُمَّ يستثني كثيراً حتّى لا يبقى إلا أفراد معدودة. مثل أن يقول: (أكرم العلماء) ثُمَّ يستثني حصصاً وأفراداً منهم حتّى ينحصر بزيد، هذا الكلام يُعَدّ سفهياً.
أما إذا كان الأمر كما نحن فيه، من أنّ العقود اللازمة كثيرة والعقود الجائزة أكثر، فهذا لا نقبل أنّه مستهجن، فإن المستهجن هو أن يستثنى حتّى لا يبقى إلا عدد قليل، أما إذا كانت العقود اللازمة التي تبقى تحت العموم كثيرة، فهو وإن لزم تخصيص الأكثر إلّا أنّه ليس بمستهجن، سواء(1) كان بتخصيص واحد كما لو قال: (أكرم العلماء) وكان مجموعهم ألفاً أكثرهم فقهاء، فاستثنى الفقهاء وبقي ثلاثمائة نحويّ مثلاً. أو كان بتخصيصات كثيرة، كما في المثال لو
ـــــــــــــ[89]ــــــــــ
() هذا المطلب مستفاد من بعض الأسئلة والأجوبة في البحث. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
كان الفقهاء أربعمائة وكان كلّ صنف آخر من العلماء مائة حتّى تمام الألف، فاستثنى تمام الأصناف واحداً بعد الآخر ولم يبقَ إلا الفقهاء(1).
فالتخصيصات الكثيرة أيضاً ليست مستهجنة فيما إذا كان التخصيص كثيراً لكنّ المخصَّص قليلاً.
فهذا أيّ استهجان فيه؟! بل هذا هو شأن وضع القانون في الدنيا وفي جميع الدول، والإسلام تابعهم على ذلك في أن يوضع القانون أوّلاً، ثُمَّ توضع عليه التخصيصات والتقييدات بحسب المصالح التي يراها الواضع بعد ذلك.
والقانون غير الكلام والكتابة، وذلك -يعني(2) كثر التخصيص- يعدّ مستهجناً في الكلام والكتابة، حيث يجدونه متناقضاً، وإنّ التخصيص والتقييد يناقض العموم، ولا يجمعون بينهما جمعاً عقلائيّاً.
لكنّ القانون أوَّلاً يضع الكُلِّيات ويقول: أوفوا بالعقود، ثُمَّ يخصّصها شيئاً فشيئاً، ونحن حينئذٍ نذهب إلى الجمع العقلائيّ بينهما، فالتخصيص والتقييد أمر عقلائيّ، لكنّه عقلائيّ في القانون دون الكلام والكتابة.
فإنّه يرى فيهما أمراً متناقضاً. إذن فهذا الإشكال لا يرد في محلّ الكلام، فإنّ التخصيص إذا كان مستهجناً يقع التعارض بين المخصّص والعام، وإذا لم يكن مستهجناً كما في المقام فلا يقع التعارض بل يتعيّن التخصيص والحمل العقلائيّ.
ـــــــــــــ[90]ــــــــــ
() إلى هنا ينتهي المطلب ويبدأ كلامه. (المقرِّر).
(2) توضيح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وهذا أيضاً لا ننساه، وهو أنّ مهمّ الإشكال في باب الخيارات، هو خيار المجلس، الذي يعمّ تمام البيوع، فيلزم القول بإخراج كلّ بيع عن وجوب الوفاء.
فنقول: إنّ هذا ليس تخصيصاً بل تقييداً، فإنّه تارةً يدلّ الدليل على أنّ بعض أفراد البيع لا يجب الوفاء به، فهذا تخصيص، وأخرى يدلّ الدليل على أنّ البيع مطلقاً لازم ولكنّه في بعض الأحيان لا يكون كذلك، فهذا تقييد.
فإنّ اللفظ الموضوع للطبيعة، له إطلاق طبيعيّ وله إطلاق أفراديّ، فإذا خرج حالاً من أحواله كان ذلك تقييداً للمادة لا تخصيصاً للهيئة. نعم، هناك تخصيصات للبيع إلّا أنّها قليلة وليست بكثيرة.
هذا إذا أخذنا العقود بالمعنى المتعارف.
أما إذا قلنا إنّ العقد بمعنى العهد، وقلنا إنّ العهود تشمل ما فرض الله على العباد، فالإشكال هو أنّه يلزم تخصيص الأكثر من باب زيادة المستحبّات على الواجبات، والعقود الجائزة على اللازمة كما سبق.
فنقول: إذا فرضنا أنّ المراد هذا المعنى:
فأوّلاً: نستطيع أن نقول: إنّ العقود فيها انصراف عن المستحبّات التي قال الشارع أنّ الوفاء بها غير لازم، فإنّ هذه السورة آخر سورة وردت، فهي لم تأتِ
ـــــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لكي تجعل المستحبّات واجبة، بل هي لا تتناول إلا العهود الواجبة والجعول اللازمة التي أوجبها الشارع علينا، وهي منصرفة عن المستحبّات التي لا يجب الوفاء بها، وهذا أمرٌ معروف لدى المسلمين.
وثانياً: نستطيع أن نقول إنّ اللازم والجائز في باب العقود جائز ولازم عرفيّ لا شرعيّ، فلا بُدّ أن نرى أنّ الجائز عند العرف من العقود أكثر أو اللازم. والعقد الجائز عند العقلاء ليس زائداً كما هو في الشرع. وعلى تقدير كونه زائداً عرفاً وشرعاً، ففي الآية انصراف عن الجائز العقلائيّ والشرعيّ، فلا يلزم تخصيص الأكثر.
هناك مطالب أخرى في الآية، وذلك أنّنا إنّما نرجع إلى اللغويين في أخذ المعنى اللغويّ، دون الاستعارة، فإنّها مسألة ذوقيّة لا لغويّة نرجع فيها إلى ذوقنا لنرى ما هو الحقّ فيها.
نرى في اللغة حينما يقول اللغويّ: إنّ العقد هو العهد الموثق، هل هو مرادهم البيع أو لا؟ إذا لاحظتم(1) ترون أنّه قلَّما لا يعدّ البيع من العهود. نرى في القاموس والمُنجد وغيرهما عقد البيع بمعنى شدّه. نرى ما معنى شدّه، أو بعضهم يقول: العقد العهد الموثوق، نرى ما معنى الموثوق؟
وجدت شاهداً لتفسير ذلك، وهو ما يُنقل عن البيجامي حين عرّف العهد بأنّه العقد الموثّق، قال: وإنّ مطلق التكاليف الشرعيّة من العهد، وما يقع بين
ـــــــــــــ[92]ــــــــــ
() فيه: عقد البيع أو اليمين: أحكمه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الناس من الأمانات والمعاملات وجب العمل به أو حسُن العمل به. فبعد أن عبّر بالعهد الموثوق قال بأنّه يشمل الأمانات ما حسُن العمل به، فنفهم من ذلك أنّ معنى الموثّق ليس هو اللزوم، وإنّما شدّ العقد بمعنى (بستن)(1) وإلّا فهو شامل للجائز وغيره على حدٍ سواء.
وبهذا يمكن أن نفسّر كلام اللغويين الآخرين حيث عبّروا بشدِّ البيع. فإنّنا إذا فرضنا أنّه يكون بمعنى أوجد البيع ثُمَّ شدّه، فلا بُدّ أن يخرج البيع المتعارف كلّه، فإنّ الشدّ للبيع لا يحصل إلّا ما كتب فيه القبالة وتحقّق فيه الشهادة، فإذا لم تكن قبالة وشهادة فما معنى الشدّ. شدّه بمعنى أحكمه، فهل هو شدّ البيع السببيّ أو المسبّبي.
إذن لا يبقى معنى إلّا (بستن) وإحكامه.
إذن يمكن القول: إنّ اللغويين ليسوا مخالفين معنا، بل العقد هو عبارة عن أصل البيع لا عبارة عن المعنى المشدّد، واللزوم وغيره لا دخل له في البيع وخارج عن ماهيّة البيع ومفهومه، والبيع لا يعني إلا النقل والانتقال، إلّا أنّ البيع اللازم والجائز معنَيان، واللزوم والجواز من أحكامه لا أنّهما مأخوذان في ماهيّته.
فاللغويين موافقون معنا، وإلا فلا نصدّق كلامهم.
ونحن لا نستطيع أن ندخل في باقي الآيات إلا بعد شهر رمضان إن شاء الله تعالى.
ـــــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: أغلقه.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الكلام في الأدلّة التي تترتّب عليها الآثار، سبق الكلام الآية الشريفة. وهناك آية أخرى: ما في سورة النساء(1): وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً(21) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً.
فهنا آيتان تبدأ الثانية بقوله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ. والاستدلال بالآية الأولى يكون بأن يُقال: إنّ ظاهر قوله وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً أنّه مهرٌ لا نِحلة، وقد استشهد بها الخليفة الثاني على عدم جواز زيادة المهر(2).
والفقهاء تمسّكوا بها في مقام الاستدلال للمهر، وإن وردت روايات غير ثابتة تدلّ على أنّ المقصود منها ليس هو المهر، وأنّ الزائد على مهر المِثْل نِحلة(3). فإذا أريد من الآية المهر وهي تقول فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، فظاهرها أنّكم إذا جعلتم القنطار مهراً فلا بُدّ من أدائه، وإذا أدّيتموه فلا تأخذوا منه شيئاً.
وهذا يدلّ على أنّ المهر ثابت، والمهر إنّما كان كذلك في ضمن العقد، إذن
ـــــــــــــ[94]ــــــــــ
() النساء: 20-21. (المقرِّر).
(2) في كنز العرفان: في الآية دلالة على عدم تقدير المهر بقدر، بل بحسب ما يتراضيان عليه، ولذلك لمّا منع (عمر) عن المغالاة في الصِداق على المنبر قالت له امرأة: (أتمنعنا ما أحلّه الله لنا)، وتَلَت الآية. فقال: (كلٌّ أفقه من عمر حتى النساء) ورجع عن رأيه. ص59 ج3. (المقرِّر).
(3) راجع بحار الأنوار 100: 350 – 351، الباب17: المهور وأحكامها.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فالعقد لازم. إذن نفهم من الآية أنّ عقد النكاح لازم.
وندّعي أنّ صحّة النكاح ولزومه بحسب النظر والتفاهم العرفيّ ليس لأجل أنّ طرفه زوج أو زوجة، أو لأجل ألفاظه، وإنّما لأجل أنّ فيه جعل القرار، فالقرار هو الذي يعطي الصحّة واللزوم بلا دخل للطرفين أو المهر أو الألفاظ بذلك.
فإذا كان الأمر كذلك نقول: إنّ مطلق جعل القرار لازم، ولا دخل للطرفين أو المهر فيه، فإنّ تمام الموضوع لعدم جواز الأخذ هو القرار.
الآية الثانية: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً نفهم منها أنّ هناك علتين لعدم جواز الأخذ:
أحدهما: أنّه قد أفضى بعضكم إلى بعض، والذي فيه خلاف أنّه كناية عن الدخول، أو كناية عن إسدال الستر والخلوة كما دلّت عليه بعض الروايات.
والعلةّ الأخرى: هي أنّهنّ أخذن منكم ميثاقاً غليظاً ويُقال: إنّ الميثاق الغليظ هو عقد النكاح. فيأتي ذلك المطلب وهو أنّنا نفهم عرفاً أنّ العقد إنّما أصبح ميثاقاً غليظاً لا باعتبار ألفاظه أو الطرفين وإنّما باعتبار أنّ الإنسان عند اتّخاذ القرار يجب أن يقف عنده في عرف العقلاء.
ولنا طريق آخر وهو: أنّ الآية الشريفة من الأوّل إلى الآخر، مقدّمات لمطلب واحد، فقوله: وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ عبارة عن مقدّمات عقد النكاح لا نفس النكاح، والعلّة هي أنّهنّ أخذن منكم ميثاقاً غليظاً.
ثمَّ نقول: إنّ تمام الموضوع بحسب الفهم العرفيّ هو جعل القرار بالتقريب السابق.
ـــــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لكن بحسب الظاهر يشكل الاستدلال بهذه الآية حتّى في باب النكاح، فضلاً عن تعدّيه إلى سائر العقود. فإنّ قوله: فلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً إنّما هو بعد وقوع الدخول، وإلّا فإنّه لو طلّقها قبله لأجل أن يتزوّج غيرها فله أن يأخذ النصف.
إذن فهذا الاستدلال يتمّ -لو تمّ- للأشخاص الذين يشترطون التصرُّف في لزوم المعاطاة لا مطلقاً.
مضافاً إلى أنّنا نريد أن نستدلّ بإلغاء الخصوصيّة، وهنا لا يمكن إلغاؤها؛ لأنّ النكاح أمر عامّ في تمام الملل، وفي النكاح دائماً نجد كثيراً من الدقّة والتحفّظات، لأنّه ليس مسألة شراء تمر أو لبن، وإنّما مسألة إنسانين يُريدان أن يعيشا معاً.
إذن فلا يمكن تصحيح سائر العقود بالآية، إلّا إذا كان في نظر العرف لا فرق بين النكاح وغيره، مع أنّ هذا الفرق موجود وخصوصيّة النكاح ثابتة.
فعلى فرض تتميم الآية في النكاح، وأنّه لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً حتّى قبل الدخول، لا يمكن تتميمها في سائر العقود، حتّى عند أرباب القياس، فإنّ هناك فارقاً بين النكاح وغيره، والقرار الواقع فيه أشد وأثبت من القرار الواقع في غيره.
كما أنّه بالنسبة إلى الآية الثانية: أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ظاهرٌ في الدخول، وأنّه كيف تأخذونه مع هذا التصرُّف الأكيد، فينتج عكس مطلوبنا، فإنّ العلّتين اللتين ذكرناهما خلاف ظاهر الآية، فإنّها تقول: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذنَّ منكم ميثاقاً غليظاً. فهناك علّتان يترتّب
ـــــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
عليهما معاً عدم جواز التصرُّف، وهما الإفضاء وأخذ الميثاق، وإحدى العلّتين لا تكون كافية لثبوت هذا الحكم.
إذن ينتج أنّ العقد أو الميثاق بنفسه لا لزوم له فلو كان هو وحده بلا إفضاء لاستطاع ردّ المهر، وإنّما تترتّب الحرمة على الأمرين لا على أحدهما. ففي باب النكاح هذا الاستدلال لا يتمّ فضلاً عن غيره.
بالإضافة إلى أن الآية وصفت عقد النكاح بأنّه ميثاق غليظ، ونحن لا نقبل أنّ الميثاق الغليظ عبارة عن الألفاظ وعبارة عن مطلق جعل القرار، وإنّما كان في النكاح كذلك للدقّة والإحكام الذي يكون فيه. ومن ثُمَّ لا يشمل بيع اللبن أو شراء التمر.
بالإضافة إلى أنّ الفقهاء استدلّوا بالآية في باب المهر لا في باب العقد.
تبقى آيات ربما يُقال -أو صحّ- الاستدلال بها في المقام.
الآن نذهب إلى الروايات التي تنفع في المقام والتي إحداها: المرسلة المعروفة: “الناس مسلّطون على أموالهم“.
من الروايات التي يستشهد بها في المقام الرواية المشهورة “الناس مسلّطون على أموالهم“(1). وسوف نتعرّض لسندها، ولكن الآن نرى أنّها هل لها دلالة أو لا؟
ـــــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 222، الفصل التاسع، الخلاف 3: 176- 177، مسألة 29، وبحار الأنوار 2: 272، باب33.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أحد التقريبات لذلك: أنّ هذه القاعدة تجعل السلطنة بلحاظ أنواع المعاملات، وليست المراد من الأنواع النوع المنطقيّ، وإنّما المراد أقسام المعاملات المتداولة فتدخل المعاطاة ضمناً. ولازم ذلك صحّة الأسباب ومنها المعاطاة.
أمّا قول الشيخ(1): إنّ هذه القاعدة تتناول أنواع المعاملات دون أصنافها.
فنقول له: ليس المراد هو النوع المنطقيّ، بل النوع العرفيّ الذي يشمل الأصناف. فهذا أحد التقريبات.
وجميع التقريبات التي سوف ننقلها تدور حول هذا المحور، وهو أنّ هذه الرواية هل تشمل هذا العمل أو لا؟
أولاً نحن لا بُدّ أن نرجع إلى العرف لنجد أنّ قاعدة السلطنة موجودة عنده وأنّ هذه الرواية واردة على طبق القواعد العقلائية، فيجب أن نعرف الأمور المعتبرة في المعاملات، وأنّ الرواية هل تشمل سائر الأمور العقلائية أو أنّها مربوطة ببعض الحيثيات دون بعض؟
نقول: إنّه يُعتبر في محيط العقلاء للمعاملات أمران:
أحدهما: أن يكون للإنسان السلطنة على ماله الذي يريد أن ينقله. فلو كان المال للغير أو كان محجوراً عند العقلاء أو كان صغيراً غير مميّزاً أو كان مجنوناً محجوراً عليه عندهم، مثل هؤلاء لا يرونهم مسلّطين على أموالهم.
ـــــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 41، الاستدلال بحديث السلطنة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ثانيهما: هو أنّه بالإضافة إلى وجود السلطنة لصاحب المال على المال، أنّه لا بُدّ أن يسير على طبق المقرّرات العقلائيّة وتابع للعقلاء في مقرّراتهم، كبيع المجهول المطلق بالمجهول المطلق.
هذا غير نافذ عند العقلاء لا من باب قصور السلطنة على المال؛ بل لأنّه ليس على طبق المقرّرات العقلائيّة.
فهنا أمران يجب أن لا نخلط بينهما، وهي السلطنة على المال والتبعيّة للمقرّرات العقلائيّة، وفي الأوّل يعتبر الإنسان سلطاناً ومتبوعاً، وفي الثاني يعتبر تابعاً وخاضعاً. ولا ملازمة بين الأمرين، فإذا كان للشخص سلطان على حاله لا يكون أيضاً سلطاناً على مقرّرات العقلاء.
فإذا فصلنا هاتين الجهتين عن بعضهما، يتّضح أنّ المطلب الذي قاله السيد لا يتم؛ لأنّ الرواية بهذا التقريب الذي ذكره وهو: أنّها تشمل أنواع السلطنة كالبيع والصلح، والشيخ استثنى الصنف والسيّد أدخله. هذا كلّه لم يفصّل فيه بين ما للإنسان فيه السلطنة وبين ما لم يكن له فيه ذلك. فإذا فصلنا بينهما فحتّى لو كانت هذه الرواية واردة نقول: إنّها إنّما تتمّم تلك الجهة التي يكون الإنسان بالنسبة إليها صاحب سلطنة وليس فيها حجر أو قصور، ولكنّها لا تتمّم كونه سلطاناً على المقرّرات العقلائيّة.
والبيع له جهتان جهة مالية وهي تشمل الرواية، وجهة العقد وهو راجع إلى المقررات العقلائيّة ولا تشمله الرواية.
وإن شئت قلت: إنّنا إذا أخذنا بإطلاق “الناس مسلّطون على أموالهم“، تعرف أنّ المال يستطيع أن يتصرّف به صاحبه بأيّ وجه من الوجوه. ولكنّه
ـــــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مسلّط على ماله لا مسلّط على العقد على المال، والصلح والبيع ليس مالاً، فإذا قلنا “الناس مسلّطون على أموالهم” يعني البيع والصلح يكون من باب وصف الصفة بحال المتعلّق.
فنحن يجب أن ننظر إلى الموضوع وهو المال، وإطلاق الرواية ثابت بالنسبة إلى المال لا بالنسبة إلى العقد، وليس معناها أنّك إذا أردت أن تبيع بالعربيّة أو الفارسيّة أو بتقديم الإيجاب على القبول أو تأخيره كان جائزاً.
فنعرف من ذلك أنّ قوله: إنّ المعاطاة من الأصناف لا من الأنواع ولو كانت من الأنواع لشملتها الرواية، باطلٌ أساساً. وأنا لا أعلم أنّ هذه الرواية لو تمّمت البيع هل تتمّمه بنحو مهمل أو بنحوٍ مطلق؟ فإذا كان بنحوٍ مهمل فهو منافٍ لإطلاق الرواية.
وإن كان بنحوٍ مطلق فتتمّ المعاطاة إذن. ولكن لا هذا ولا ذاك، فإنّ الهبة والبيع والصلح لا يشمله إطلاق: “الناس مسلّطون على أموالهم“. فإنّه مسلّط على المال وغير محجور عليه فيه، وغير مسلّط على العقد الذي هو من جملة المقرّرات العقلائيّة.
فعلى فرض إطلاق الرواية فإنّها تتمّم السلطنة على المال لا على إيجاد السبب، فإنّه لم يقل الناس مسلّطون على عقودهم وبيوعهم.
وفرق بين أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ حيث جعل الموضوع هو البيع وبين “الناس مسلّطون على أموالهم” حيث جعل الموضوع المال. هناك يمكن الأخذ بالإطلاق لشمول العقد الفارسيّ ونحوه.
ـــــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأمّا الرواية فإنّما تشمل السلطنة على المال بجميع وجوه التصرُّف أما أسباب النقل فلا تشملها.
فإطلاق الرواية كباقي الإطلاقات يشمل كلّ تصرّف في الأموال بما أنّه تصرّف في المال، ولا يمكن أن يسري إطلاق موضوع إلى موضوع آخر، فلا يمكن أن يشمل موضوع العقد لأنّه ليس مالاً.
ومن هنا يظهر الكلام الذي قاله بعض الأعاظم(1)، بأنّ دليل السلطنة مفاده جعل القدرة على العمل، المتوقّفة على ترخيص الشارع ومنتزَعة من دليل السلطنة بلحاظ ترخيص الشارع تكليفاً أو وضعاً.
والترخيص التكليفيّ لازمه أن يكون للشخص قدرة على المعاملة بما أنّه فعلٌ من الأفعال.
والترخيص الوضعيّ لازمه أن يكون قادراً على أن يوقع هذه المعاملة بما أنّها مؤثّرة.
بناءً على هذا “الناس مسلّطون على أموالهم“، لازمه أن يلحظ المتكلّم الأسباب إمّا مستقلّاً أو بتبع لحاظ المسبّبات، ويريد جعل الحكم الوضعي بلحاظ الأسباب، ولازمه إجازة الأسباب، ولا نعني بالصحّة إلّا ذلك.
ـــــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 109، أدلّة القول بإفادة المعاطاة الملك.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هنا عندنا كلامان:
كلام: بأنّ هذه المعاني التي يقولها هل يمكن استفادتها من إطلاق الرواية؟
وكلام آخر: أوّلاً: بأنّ الرواية التي يدّعي أنّها بلحاظ الحكم الترخيصيّ التكليفيّ أو الوضعيّ، أو بلحاظ القدرة على الأسباب أو المسبّبات. هل الأمر هكذا، أو أنّ جعل السلطنة معنى مستقلّ بنفسه وقابل للجعل مستقلاً؟ فإذا كان قابلاً للجعل مستقلّاً فلماذا نقول: إنّه أمر مُنتزَع بلحاظ الترخيص تكليفاً أو وضعاً؟ بل جعل السلطنة أمرٌ قابل للجعل وليس ملحوظاً في جعله أيُّ أمرٍ آخر.
وثانياً: أنّ لحاظ الأسباب والمسبّبات أو لحاظ الأسباب مستقلّاً، أو لحاظ المسبّبات بلحاظ يتبع لحاظ الأسباب، ليس معقولاً في العموم فضلاً عن الإطلاق، فإنّ الإطلاق معناه الطبيعة ليس إلّا، لم يلحظ في الرواية إلّا المال والسلطنة والناس. وقلنا في محلّه: إنّ مصاديق الإطلاق لا يعقل أن يشملها الإطلاق، فإذا قيل: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، فهي لا تدلّ إلّا على الطبيعة. وأما خصوصيّات المصاديق فهي أمور زائدة عليها، فيستحيل أن يشملها الإطلاق. وقلنا في محلّه: إنّه تمامية مقدّمات الإطلاق لا يكون عموماً كما تخيّله بعضهم، بل لم تلحظ إلّا الطبيعة ليس إلّا.
بناءً عليه، لحاظ المصاديق غير معقول، فضلاً عن لحاظ الشيء الأجنبي كلحاظ أسباب المعاملات ومسبّباتها، هذه كلها أمور زائدة تحتاج إلى مؤونة زائدة، ولا يمكن ملاحظتها بالإطلاق مطلقاً.
ـــــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بناءً عليه هذا المطلب الذي يقوله لا نقبله.
وبالمعنى الذي قلناه وهو الفصل بين المال وبين المقرّرات العقلائيّة، لا نستطيع أن نقول: إنّ الرواية أجازت الأسباب أو لازمه ذلك، بل إنّ كلّ واحد بابٌ على حدة، فإنّ الأسباب معاني عقلائيّة نحن تابعون فيها للعقلاء، ومع ذلك لنا سلطنة على أموالنا.
ولعلّ ما قاله الآخوند(1) من أنّ: “الناس مسلّطون على أموالهم” في مقابل الحَجْر، علّته: يريد منه هذا المعنى الذي أقوله، فهذا الإشكال الذي أورده
-على ما سنذكر- لا يرد.
فإنّنا حتّى إذا أخذنا بإطلاق: “الناس مسلّطون على أموالهم“، ندّعي أنّه بالإضافة إلى أنّها لا إطلاق لها، لا يعقل أن يكون لها إطلاق أساساً.
وبيان ذلك مسألة مهمّة في باب الإطلاق وفي باب العموم أيضاً. معنى الإطلاق هو جعل الحكم على طبيعة، فإذا كان الحاكم في مقام البيان فيحكم الإطلاق بأنّ هذا الموضوع تمام الموضوع للحكم، وليس هناك لأيّ شيء آخر دخلٌ فيه، فإذا كان هناك فيه آخر بحسب نظر الحاكم لم يكن الموضوع هو كلّ الموضوع بل بعضه، وهو منافٍ للإطلاق. ولا يُستفاد من الإطلاق إلّا أنّ هذا الموضوع هو تمام الموضوع ليس إلّا.
أمّا ما يرجع إلى المصاديق والخصوصيّات والقيود فلا نظر له إليها ولا يعقل أن يكون له النظر؛ لأنّ الطبيعة المدلولة للفظ الذي وقع موضوعاً للحكم
ـــــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 14، في لزوم المعاطاة وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يستحيل أن يحكي عن شيء زائداً على الطبيعة. فمثلاً: الإنسان الموضوع لطبيعة الحيوان الناطق يستحيل أن يحكي إلّا عن الإنسان، لا عن خصوصيّة زائدة، سواء كانت تلك الخصوصيّتين المصاديق أو القيود، إذ الفرض أنّ اللفظ موضوع لنفس الطبيعة لا لها ولخصوصيّاتها فلا يمكن أن يزيد في مقام الدلالة على نفس الطبيعة، فإذا تمّت مقدّمات البيان لا يدلّ إلا على أنّ هذا الموضوع تمام الموضوع.
وإنما نقول إنّ الطبيعة في أيّ مكان وجدت فهي محكومة بهذا الحكم، لا من باب سريانها إلى تمام المصاديق (يعني لا من باب أخذ تمام المصاديق في الطبيعة التي وقعت موضوعاً للحكم) بل لأنّ الحكم سارٍ في تمام الطبيعة، فـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ على تقدير وجود إطلاق لها لا يدلّ على صحّة بيع زيد لعمرو عباءته؛ بل لأنّ هذا بيع والبيع نافذ فهذا نافذ.
وهذا يرد في العموم أيضاً، فإن (أكرم كلّ عالِم) لا يدلّ على المصاديق بجميع خصوصيّاتها، بل العامّ يدلّ على نفس الطبيعة و(كلّ) دالّ على التكثير، فـ(كلّ) كثّرت الطبيعة بما هي طبيعة لا بشيءٍ زائد عليها، ولم يأخذ فيها إلّا الطبيعة لا بصفة الأبيضيّة ولا الأسوديّة، هذا السواد والبياض ليس مدلولاً للفظ وإنّما يشمله باعتبار أنّه عالم لا باعتبار أنّه عالم أسود أو أبيض.
والفرق بين الإطلاق والعموم أن الإطلاق ناظر إلى الطبيعة بما هي وليس له نظر إلى الإطلاق، والعموم يُكثّر الطبيعة بما هي طبيعة.
إذن نأتي إلى: “الناس مسلّطون على أموالهم“، حيث جعلت السلطنة على
ـــــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المال، وهذا الجعل يستحيل أن يذهب من المال إلى مكان آخر، ويأخذ فيه خصوصيّة أخرى في العقد السبب أو المسبّب، بل الذي يدلّ عليه بعد تماميّة الإطلاق أنّ المال تمام الموضوع للسلطنة، وأنّ الإنسان مالك لكلّ سلطنة على مال. أمّا الأمور الزائدة والمغايرة لحيثيّة المال فلا يمكن أن يدلّ عليه ولا يعقل ذلك.
إذن فهذا مطلق على نحو سائر المطلقات، فإنّ قوله: البيع حلال، لا يعني أنّ الصلح حلال، كذلك كونه مسلّطاً على المال لا يعني كونه مسلّطاً على العقد، إذن لا يمكن أن نتمّم صحّة الأسباب بإطلاقها.
بناءً عليه يتّضح أنّ كلام بعض الأعاظم في ذلك غير صحيح؛ لأنّه خروج من باب الإطلاق وهو غير ممكن في باب العموم فضلاً عن الإطلاق.
هذا بناءً على وجود الإطلاق لها.
ولكن الآخوند(1) على ما نُقِلَ عنه، يُريد أن يُنكر وجود الإطلاق لهذه القاعدة: “الناس مسلّطون على أموالهم“، إذ يقول إنّها في مقابل الحجر.
فإنّنا نقول إنّها لا يعقل أن يكون لها إطلاق، وهو يقول لا إطلاق لها.
وتلميذه الأعظم(2) أشكل عليه وقال: إنّ “الناس مسلّطون على أموالهم“، في مقام جعل السلطنة لا في مقام جعل عدم الحجر، فإنّه قال الناس مسلّطون ولم يقل الناس غير محجور عليهم، وهذا إشكال عقلائيّ حول ظهور اللفظ.
ـــــــــــــ[105]ــــــــــ
() حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 14، في لزوم المعاطاة وعدمه.
(2) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 110، أدلّة القول بإفادة المعاطاة الملك.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وعلاوةً على ذلك هناك إشكال(1) عقليّ؛ لأنّ المقتضى إذا كان موجوداً فاستناد الوجود بالفعل أو بالقوّة إلى مقتضيه أمرٌ معقول. نقول: المقتضي موجود فالشيء موجود بالقوّة أو بالفعل إذا كان المانع غير موجود. وأما الحكم بعدم المانع مستنداً إلى وجود المقتضي فهو لا يعقل وأنت تريد أن تفعل ذلك.
بيانه(2): إنّ الشارع إذا انتزع السلطنة على المال من الناس واستند في هذا الحكم بأنّ المال مالهم، يعني: بما أنّ المال مالهم فهم مسلّطون عليه، فأنت تقول: هذا وهو كونه مالك هو مقتضي للسلطنة، فهذا من باب إسناد الشيء إلى وجود مقتضيه وهو أمر صحيح، وأمّا كونهم غير محجورين لأنّ الأموال أموالهم، فهذا استناد للمقتضى لعدم وجود المانع، وهو غير معقول.
أمّا إشكاله العقلائيّ، فجوابه أنّ هذا ليس هو مقصود الآخوند بل مراده. أنّ قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، فيه إهمال وليس له إطلاق، لا أنّ معناه أنّ الناس غير محجورين، بل يعني أنّ إعطاء السلطنة لهم في قبال الحجر عليهم، وليس فيها إطلاق. إذن فلا إشكال عقليّ ولا عقلائيّ.
ولكن نفرض أنّه من الأوّل جعل عدم الحجر فنقول:
أوّلاً: لو قال الشارع: الناس غير محجورين عن أموالهم، هل كنتم تقولون إنّ هذا غير معقول وتردونه، أو أنّه أمر عقلائيّ صحيح؟
ثانياً: إنّه ليس هنا قضيّة مقتضي وعدم مانع وسبب ومسبّب، وإنّما السلطنة
ـــــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 109-110، أدلّة القول بإفادة المعاطاة الملك.
(2) اُنظر عبارته في صفحة 46 من الحاشية (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أمر اعتباري مجعول إمّا من قبل العقلاء أو من قبل الشارع تأسيساً أو إمضاءً. وليس في العبارة ما يدلّ على أنّ القائل استند على وجود المقتضي أو على عدم المانع، فإنّهم في محلّه قالوا: إنّ الوصف يُشعر بالعلّية، وأما في موضوع الأحكام فلم يتخيّل أحدٌ ذلك، وهناك قالوا: (مُشعر) ولم يقولوا: إنّه دالّ على ذلك، فليس معنى القاعدة أنَّ “الناس مسلّطون على أموالهم” لأنّها أموالهم، وليس الباب باب الاقتضاء، بل باب جعل حكم اعتباري على موضوع، فلا بد أنّ المولى استند في حكمه على: أنّه مالهم.
الآن نقول: إنّه لو كان على ما تقولون، وأنّ الأموال بحسب نظر العقلاء مقتضيّة للسلطنة، فيتعيّن كلام الآخوند، وهو أنّ الشارع حينما يرى -لو تمّ كلامه- أنّ المال مقتضٍ للسلطنة عليه، ولكن قد يتخيّل الناس أنّ هناك مانعاً وحَجْراً في المانع، فقال لهم الشارع: “الناس مسلّطون على أموالهم“، فتكون واردة في مقام رفع المانع ونفيه، وليس في المقام أيّ إشكال عقليّ.
إذن فلا يتمّ ما يقوله.
أما كلام الآخوند، وهو أنّه لا إطلاق لهذه القاعدة. فإذا كان مقصوده من عدم الإطلاق في مقابل الحجر، أنّ الإنسان له تصرّفات مادّية في أمواله كالأكل واللبس وسائر الاستعمالات، بأن نحتمل أنّ إحدى هذه التصرُّفات خلاف رضاء الشارع ومنهيٌّ عنها من قِبله، إذا كان مقصوده من الإطلاق هذه الأمور، وأنّ القاعدة ليس لها إطلاق من هذه الناحية، فنحن لا نوافقه بل لها إطلاق لا محالة.
ـــــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإن أراد إطلاقها من حيث الأسباب والمسبّبات فهو صحيح.
ويمكن أن يُقال بالنسبة إلى عدم إطلاقها: إنّ هذه القاعدة “الناس مسلّطون على أموالهم“، نظير قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ، من حيث كونها حكماً حيثيّاً على الذات وليس لها إطلاق بالنسبة إلى الطوارئ والخصوصيات.
ومن ثَمَّ فليس لها معارضة مع أدلّة أحكام التصرّف في أموال الغير، بل غاية ما يدلّ عليه أنّه من جملة المحلّلات في الشريعة. وليس المقصود كونها حلالاً حتّى لو كانت من مال الغير.
ويترتّب عليه بحسب عمل المكلف أنّه لو أكل لحم غنم الغير كان عاملاً لمُحرّم واحد، أمّا شرب خمر الغير كان عاملاً لمحرّمين وعاصياً لنهيين.
إذن فهو حكمٌ حيثيّ جارٍ على المال، ولا إطلاق له بالنسبة إلى العوارض والخصوصيّات الأخرى ككونه مال الغير أو حرجيّاً أو ضرريّاً أو محجوراً أو غير ذلك.
وبالنسبة إلى تعارضه مع أدلّة المحرّمات نقول: إنّه حتّى لو كان له إطلاق فإنّه لا تعارض معها؛ لأنّ قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم” حكم عقلائيّ وليس تأسيسياً من قبل الشارع، ففي أوربا غير المتدينين بدين الإسلام لهم هذه القاعدة، فهي مسألة عقلائيّة واضحة، فلو كان لها إطلاق، أقول: الأحكام العقلائيّة معلّقة دائماً على عدم نهي الشارع عنها، وليس الأحكام العقلائيّة
ـــــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
حاكمة على الشرع، بل العقلاء التابعون لمبدأ ليس أحكامهم إلا مشروطة ومعلّقة بعدم مصادمتها لذلك المبدأ، فالناس ليسوا مسلّطين على أموالهم حتّى لو حكم الله ورسوله بعدم ذلك في مورد، فهو حكمٌ مشروط ومعلّق لا مطلق. وأيّ دليل شرعيّ ضعيف في أيّ مرتبة من مراتبه كانت، يقدّم على هذا الحكم العقلائي، وقوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، تكرار لنفس الحكم العقلائيّ لا زائدٌ عليه.
وتشييداً لأذهان المحصّلين ذكر بعض الأعاظم إشكالات عقليّة ودفاعات عقليّة، نرى أنّها واردة أنّه لا إشكال إن شاء الله تعالى.
من الإشكالات العقليّة المعروضة في الموضوع:
الإشكال الأول: أنّ السلطنة معلولة للملكيّة، إذن فهي متأخّرة عنها، فهي إذن متأخّرة عن العدم البديل عنها، إذ المراد بالعدم البديل هو العدم المتحقّق لو لم يكن هذا الشيء موجوداً فإنّ العدم المتأخّر عنه أو المتقدِّم عليه ليس بديلاً له. فإذا كان العدم البديل في رتبة الشيء، فالملكية متقدمة على السلطنة لأنها علّة لها، والسلطنة متأخّرة عنها.
إذن فهي متأخّرة عن العدم البديل للملكيّة أيضاً، والمفروض أنّك بالسلطنة تريد إزالة الملكيّة وتحقيق هذا(1) العدم، ولازمه أنّ السلطنة متقدّمة
ـــــــــــــ[109]ــــــــــ
() إلّا أنّ هذا العدم ليس بديلاً للملكية، بل متأخّر عنها، فلا يبقى إشكال (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
على ما هي متأخّرة عنه بالطبع(1).
وتوضيح العبارة: أنّ السلطنة متأخّرة عن الملكيّة وعن عدمها البديل لها، وهما في رتبةٍ واحدة، فما كان متقدماً على أحدهما متقدمٌ على الآخر، وما كان متأخراً عن أحدهما متأخرٌ عن الآخر، والسلطنة متأخّرة عن الملكيّة فهي متأخّرة عن عدمها البديل لها. وأنتم تريدون بقوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، أن تجعلوا السلطنة سبباً لإزالة الملكيّة، مع أنّ عدم الملكيّة البديل لها متقدّم على السلطنة، فيصير متأخّراً عنها، فهذا إشكال على أنّ السلطنة سبب لإزالة الملكيّة.
الإشكال الآخر: الملكيّة علّة للسلطنة والسلطنة مزيل للملكيّة، فيلزم أن تكون السلطنة علّة لإزالة نفسها -لأنّ الملكيّة إذا زالت زالت السلطنة- أو لإزالة علّة نفسها)2)، وهو مثله أو أشنع في الامتناع.
أقول: إنّ المطلب ينبغي أن يتحقّق بنحوٍ كلّي، إنّ الخلط بين التكوين والتشريع ترتّب عليه كثير من المصائب، حيث قاسوا باب الاعتبارات على باب الحقائق، مثلاً في باب الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة يُقال: إنّ جعل السببيّة والجزئيّة والمانعيّة محال؛ لأنّ سببيّة السبب وجزئيّة الجزء ذاتيّ والذاتّي لا يعلّل، وهذا كلّه من الخلط بين التشريع والتكوين.
ـــــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 110، شبهات علميّة.
(2) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 110، شبهات علميّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يجب أن نعرف أنّ العلّية ما معناها في الواقع، وأنّها هل تنسجم مع الملكيّة أو لا؟
فإذا كانت تنسجم معها يجب أن نقول كما قال بعض المحققين(1) من أنّنا قلنا في باب الضدّ من أنّ شيئاً إذا كان متقدِّماً على شيء لا يلزم أن يكون عدمه متقدِّماً.
ولكن نقول إنّ الباب هو باب الأحكام الاعتباريّة، وليس الباب باب الأحكام العقلية، إنّ السببية والجزئية والشرطيّة قابلة للجعل مستقلّاً، إنّ الملكيّة ليست حقيقة خارجيّة أو من الأعراض الخارجيّة للشيء الخارجيّ، بحيث تكون من إحدى المقولات، فلا يمكن أن يكون فيها علّة ومعلولاً، فإنّ العلّية والمعلوليّة كلّها من شؤون الوجود، وهذا أمر اعتبره العقلاء، غاية الأمر أنّهم اعتبروها في الخارج ولا يلزم من ذلك أن يكون من الأعراض أو من مقولة الجدة أو من مراتب المقولة.
فإذا كان العقلاء موجودين ولهم حياة يجعلونه على طبق احتياجاتهم، فوجدت هذه الاعتبارات، لذا ترون أنّ هناك اعتبارات حديثة لم تكن موجودة قبل ثلاثين أو خمسين سنة، كالتأمين الذي لم يكن له في الشرع أثر.
وسبب ذلك أنّ المعاملات بعد أن كبرت وكثرت، ففكّروا أن يستفيدوا من الناس عن طريق التأمين (البيمه)(2) فأضيفت اعتبارات إلى الاعتبارات
ـــــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 130 – 132، فصل في مسألة الضدّ.
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: دفتر الضمان والتأمين.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الأخرى، وقبل التمدّن لم يكن معاملات ولم تكن ملكيّة بحيث ندركها ونفكّر بها، وبعد المعاشرة وجدت الملكيّة لأجل تصحيح البيع والإجارة وغيرها، حتّى وصلت المسألة إلى أنّهم اعتبروا (البيمة) وغيرها، وربما اعتبروا معاملات أخرى في المستقبل لا نعرفها الآن.
فليست الملكيّة صفة قائمة بالعباءة، وإنّما هي اعتبار عقلائيّ فلو ذهبوا تذهب الملكيّة لا محالة، ولكن العباءة تبقى صفراء على كلّ حال.
قال بعض المحققين)1): إنّ السلطة عبارة عن القدرة والقدرة هي من الأوصاف النفسانيّة والحقائق المتأصّلة المتحقّقة بترخيص المولى وضعاً وتكليفاً.
أظن أنّ هذا اشتباه واضح بأن يُقال: إنّ هذه السلطة التي نبحث عنها حقيقةً صفة متحقّقة من قبل الترخيص الشرعيّ التكليفيّ أو الوضعيّ، فقبل أن يرخّص الشارع كانت المعاملة فاسدة وبعد أن رخَّص بها حصلت لي قدرة على البيع.
إنّ هذه الشبهة وجدت عن هذا الطريق، وهو الخلط بين التكوين والتشريع، فإنّ هنا قدرة تكوينية كالقدرة على الأفعال والكلام والإخبار والإنشاء، أما الصحّة والفساد فلا قدرة لي عليها إلى الآخر، وإنّما هو حكم شرعيّ أو عقلائيّ جارٍ على هذا الموضوع. والقدرة الأولى محفوظة سواء ورد الحكم الشرعيّ أو لا، فإنّي أستطيع أن ألفظ هذا اللفظ سواء كان للشارع حكم بالترخيص أو المنع، والوقوف أمام هذه القدرة، يجب أن تزال بعلل تكوينية لأنّ مبادئها تكوينية بدورها.
ـــــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 111، شبهات علميّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأنا لا قدرة لي على الصحّة والفساد، وإنّما تقف قدرتي عند هذا الحد، ففي قدرتي أن أقول: أنت حر، أمّا باعتبار التحرير، فهو أمر يتولّاه الشارع، والشارع لا يعطيني القدرة النفسية وإنّما أجاز هذا الإيقاع، والذي حدث هو صحّة الإيقاع أو العقد، ولم تحدث في نفسي قدرة أكثر ممّا كانت، فهو لم يعطيني القدرة على إيجاد الشيء الصحيح فما هو تشريعيّ لا ربط له بالتكوين، وإنّما نشأ ذلك من الخلط بينهما.
فهذه السلطة التي نبحث عنها سلطة تشريعية لا قدرة واقعية، كما قد جعل الله تعالى وليّ الأمر سلطاناً، أو أنّ الحكومة أو الملة (الشعب) تعطي السلطة لشخص معين، هذه أمور انتخابيّة اعتبارية، غاية الأمر أنّ الله تعالى بما أنّه صاحب السلطة المطلقة، إذا قال جعلت رسول الله سلطاناً صار سلطاناً، وإذا قال النبيّ جعلت أمير المؤمنين خليفة أصبح كذلك، وإذا قال الإمام جعلت الفقيه حاكماً أو قاضياً أصبح كذلك، وهذه كلّها أمور اعتباريّة ويجب أن لا يخلط بينها وبين التكوين.
فالسلطنة على الأموال ماهيّة اعتبارية، مجعولة إمّا من قبل العقلاء أو الشارع، والاعتبار بنفسه أمر تكويني والمعتبر أمر اعتباري. فإنّ الاعتبار أمر نفسيّ له مبادي نفسيّة، والمعتَبر الذي هو الملكيّة أو الولاية أو الخلافة بل النبوّة هو من جملة الأمور الاعتباريّة، وليس في المقام أيّ علّية أو معلوليّة أو إيجاد شيء من شيء.
إذن فقولهم الملكيّة علّة للسلطنة، فهي متقدّمة عليها، أو إنّ السلطنة ناشئة
ـــــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من الملكية، أو إنّ السلطنة معلول للملكيّة، ليس كذلك. بل إنّ الشارع اعتبر ما أشترتيه أو ورثته صِرتُ مالكاً له، وأنّ لي السلطنة على المال، والسلطنة لم تجعل على المال فإنّ الموضوع هو الناس لا المال.
“الناس مسلّطون على أموالهم” الموضوع هو (الناس) والمتعلّق هو (المال)، كما يُقال: إنّ زيداً سلطانٌ على فلان مملكة، أو جعلنا لوليه سلطاناً في القصاص.
والمال متعلّق لهذا المعنى.
إذن فلا علّية ولا معلوليّة لكي نقع في زحمة من تقدّم أحدهما على الآخر أو ندخل المطالب العقليّة في المقام. نعم، الذي نعترف به هو أنّ السلطنة الفعليّة لا بُدّ فيها من وجود المال، إلّا أنّ هذا أمر آخر عن تأخّر السلطنة عن الملكيّة.
قال المرزا(1): “الناس مسلّطون على أموالهم” ، لا بُدّ أن ينحفظ المال في المقام لكي تقوم به السلطنة، فإذا كانت لدي عباءة فمقتضى السلطنة أنّني أستطيع أن ألبسها وأن أنقلها من مكان إلى مكان، أما التصرُّفات الناقلة والإعراض والوقف وغيرها فلم تحفظ في ظرفها السلطنة فالدليل وهو الناس مسلّطون.. لا يتناول أمثال هذه التصرّفات)2).
ويمكن التأمّل فيما أفاده من وجهين:
أولاً: ننظر إلى العقلاء هل يفهمون من هذه العبارة أنّ الناس مسلّطون
ـــــــــــــ[114]ــــــــــ
() المرزا الرشتي صاحب (بدائع الأصول). (المقرِّر).
(2) كتاب الإجارة: 10، القول في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فقط على الاستعمال الخارجيّ دون الأكل والبيع والهبة والإجارة؟ فإذا كانوا يفهمون ذلك إذن فينبغي فهم الدليل فهماً عقلائيّاً لا فهماً عقليّاً.
ثانياً: نفرض المسألة عقليّة، فإنّ الدليل يقول إنّك مسلّط في التصرُّف بما لك، فإذا تصرّفت في مال غيرك كان ذلك باطلاً، هذا صحيح، ولكنّي إذا أكلته كان ذاك تصرّفاً في مالي وبعد ذهابه لا يكون مالاً، فأنا أعتقت عبدي لا عبد شخص آخر، وبعد العتق أصبح حرّاً، فاللازم انحفاظ الملك عند إعمال السلطنة، أمّا ذهاب الملك بإعمال السلطنة وفي المرتبة المتأخّرة عنها فلا بأس به.
وإذا صحّ ما يقوله الآغايون: يجب أن يبطل البيع والصلح؛ لأنّه (لا بيع إلا في ملك)، والملك -على فرضهم- ينبغي أن يحفظ بعد البيع، فيبطل البيع والصلح، وهذه نتيجة لا عقليّة ولا عقلائيّة.
هذا لم يكن بحثاً فقهياً بل كان لهواً (سرگرمي)(1).
أما الآن فلننظر في أدلّة الشروط “المؤمنون عند شروطهم“)2)
هل نستطيع أن نتمّم بها المعاطاة أو لا؟
ـــــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: اللهو.
(2) الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، من لا يحضره الفقيه 3: 128، باب المكاتبة، الاستبصار 4: 35، كتاب العتق، الباب18، تهذيب الأحكام 7: 22، كتاب التجارات، الباب2، عقود البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من جملة ما قد يستدلّ به على صحّة المعاطاة )1)، تلك الأخبار الواردة بعبارات مختلفة بأنّ “المؤمنون عند شروطهم“. بدعوى شمولها للمعاملات الابتدائيّة.
ونحن في المقام إذا أردنا الاستدلال بها، لا بُدّ أن ننظر إلى معنيين:
أولهما: هل هذه هي هذه الأدلّة تشمل الشروط الابتدائيّة أو لا تشملها؟
وثانيهما: أنّ البيع معاملة ابتدائيّة أو لا؟
فإذا لم يتمّ أحد الأمرين أو كِلاهما فلا يمكن الاستدلال بهذا الدليل ولا يشمل البيع فضلاً عن المعاطاة.
الشيخ عليه الرحمة يذكر في باب الشروط)2) للشرط معنيين، لغةً وعرفاً.
أحدهما: معنى اشتقاقي والآخر معنى جامد: هو ما يلزم من عدمه العدم وإن لم يلزم من وجوده الوجود. وينقل لهما معنيين اصطلاحيين آخرين.
وبعض المحشّين)3) هناك أراد أن يرجع المعنيين إلى معنى واحد وذكر أنّ المعنى الثاني اشتقاقي أيضاً لا جامد.
وبعضهم(4) يريد أن يرجعهما إلى أنّ الشرط مطلقُ دخل شيءٍ بشيء.
ـــــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 86، القول في المعاطاة.
(2) المكاسب 6: 11- 13، في الشروط التي يقع عليها العقد.
(3) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 105- 106، القول في الشروط.
(4) حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 2: 61، في الشروط التي يقع عليها العقد.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
واللغة عندي وإن لم تكن مستوفاة، إلّا أنّ الذي رأيته في اللغة هو المعنى الأوّل الذي أفاده الشيخ وهو المعنى الحدثي. وأما المعنى الثاني فلم أجد له شاهداً من اللغة كي نقول إنّه معنى موافق للغة أو أنه معنى لغوي.
والموجود في اللغة(1) على اختلاف بين ذويها في أنّه هل الشرط عبارة عن إلزام الشيء والتزامه في ضمن معاملة كما قاله بعضهم أو أنّه مطلق الإلزام كما يظهر من آخرين(2). وصاحب (الحدائق)(3) قال: إنّ إطلاق الشرط على البيع في كثير من الروايات.
(القاموس)(4) وقريب منه (أقرب الموارد)(5) قال: الشرط إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه والجمع شروط. والظاهر أنّ هذا بيان للماهيّة، فلو كان الشرط هو الإلزام المطلق، لا معنى لتقييد تعريف الماهيّة بوقوعها في البيع، وإلّا كان القيد مخلّاً ببيان الماهيّة.
وفي (القاموس)(6) ذو الشرط: من اشترط على قومه أن لا يدفن ميتاً حتّى يفعل كذا، ولا يُستفاد من ذلك أنّ الشرط هو مطلق الإلزام، فإنّ هذا القول
ـــــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) القاموس المحيط 2: 381.
(2) المنجد: 382.
(3) الحدائق الناضرة 20: 73، أحكام العقود والمعاملات، الفصل12.
(4) القاموس المحيط 3: 381.
(5) أقرب الموارد 1: 583.
(6) القاموس المحيط 2: 382.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
جاء بعد بيان الماهيّة فيكون بيانها قرينة عليه، وأنّ الشرط لا بُدّ أن يكون واقعاً في ضمن قرار وعقد، لا أن يكون هذا قرينة على ذاك.
ونفهم من كلام (القاموس) معنى آخر، وهو أنّ هذا المعنى هو نفس المعنى الذي قاله الفقهاء، من أنّ الشرط هو ما يكون في ضمن المعاملة، لا أنّ البيع مقيّد بالشرط أو معلّق به، وإنّما هو شرط في ضمن عقد، أما لو قال: بِعتُ هذا بهذا الذي هو كذا، يكون هذا قيداً لا شرطاً.
بل يظهر أنّ ماهيّة البيع ظرف والشرط مظروف، وليس من باب تعليق شيء بشيء أو تقييده به. وليس الشرط مطلق الإلزام والالتزام بل ماهيّة الشرط مقوّمة بأن تكون في ضمن غيرها ولا يمكن أن تكون شيئاً ابتدائيّاً. فكلام هذين اللغويين: صاحب (القاموس) و(أقرب الموارد) موافق لقول الفقهاء.
وفي (معيار اللغة)(2): شرط عليه كذا في البيع ونحوه ألزمه إيّاه والتزم. وإذا لم يكن الشرط في البيع لَما قُيّد بهذا القيد، إلّا أنّ ذينك اللغويَّين كانا في مقام بيان الماهيّة فقولهما كالصريح في ذلك.
وفي (المنجد)(3): شرط يشرط شرطاً عليه في البيع ونحوه ألزمه شيئاً فيه.
وهو نظير (معيار اللغة). إلى أن قال: الشرط مصدر إلزام الشيء والتزام جمع شروط. وهذا ليس دليلاً على أنّ الشرط هو مطلق إلزام الشيء والتزامه؛ لأنّه في مقام بيان الماهيّة.
ـــــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) معيار اللغة 2: 57.
(2) المنجد: 382.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وبعضهم تمسّكوا بقول الأصبغ بن نباتة)1) بأن الشرط هو مطلق الإلزام والالتزام، حيث سُئِل كيف تسميتكم شرطة الخميس يا أصبغ. قال: لأنا ضمنا له الذبح وضمن لنا الفتح.
إلّا أنّه على تقدير أخذنا بقوله واعتباره أمام أقوال اللغويين، يحتمل:
أولاً: أن يكون في ضمن البيعة.
وثانياً: أن يكون من الشَرْط وهو العلامة لا من الشرّط، ومن ذلك أشراط الساعة و(شرطة الخميس) وهم الناس المعروفون بعلامة معينة(2).
وصاحب (مجمع البيان)(3) جعل الشرط بمعنى العلامة، وليس الشرط في البيع كذلك، ولكنّه يقوله في باب أشراط الساعة.
فبناءً على هذا نجد أن (القاموس) و(أقرب الموارد) و(معيار اللغة) متّفقون على أخذ وجود الشرط في ضمن العقد، و(المنجد) قد تفرّد بالخلاف، فلا وجه لما يقال من أنّ (القاموس) متفرّد بقوله.
ولم أجد في اللغة معنى الشرط أنّه ما يلزم من عدمه العدم. ولعلّه معنى عرفي عقلائيّ أو معنى اصطلاحيّ، ولا شكّ أنّه يوافق عليه العرف، إذ العرف يطلق الشرط على الشرط الابتدائيّ كالجعالة مَنْ أتى بدابَّتي فله كذا، وكالصبغ إذا صبغت ثوبي فلك كذا. فهذا معنى آخر للشرط متضمّن للتعليق، بمعنى أنّك إذا عملت هذا فكذا.
ـــــــــــــ[119]ــــــــــ
() الاختصاص: 65، ذكر الأصبغ بن نباتة.
(2) ترتيب إصلاح المنطق: 35.
(3) مجمع البيان 9: 154، تفسير سورة محمّد.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فهذان معنيان للشرط:
أحدهما: الإلزام في المعاملة.
والآخر: هذا المعنى التعليقي.
ولعلّ ما يلزم من عدمه العدم مأخوذ من هذا المعنى التعليقي، ولا جامع بين هذين المعنيين، لكي تشمله الرواية، لأنّ كون شيء معلّقاً على شيء وكون شيء مظروفاً لشيء، معنيين مختلفين قد يمكن أن تشملهما الرواية معاً بنحوٍ من الاشتراك المعنوي، لا باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، وهو جائز عقلاً، إلّا أنّه لا يذهب إليه العقلاء إلا بدليل، إذن إذا عرفنا أنّ هذا القسم مراد من الرواية فهو، وإلّا كان دليل الشرط مجملاً.
إلّا أن هناك روايات كثيرة تدلّ على أنّ المقصود من: “المؤمنون عند شروطهم“، هو الشروط في ضمن العقد، وهناك روايات أخرى سوف نذكرها تدلّ على أنّ المقصود منها الشروط الابتدائيّة، فيكون ذلك قرينة على أنّ هذه الرواية واردة في أكثر من معنى.
فأمّا أن نجدها من بين هذين المعنيين(1)، فذلك ممّا لا يمكن، وإن حاول بعضهم(2) ذلك، حيث قالوا: إنّه مطلق القرار والجعل، إلّا أنّ اللغة لا توافق عليه، فهل هو معنى عرفي؟ مثلاً جعل النُصُب والإشارات هل هي شرط مع أنّها جعل؟
ـــــــــــــ[120]ــــــــــ
() هما الإلزام في المعاملة والمعنى التعليقي. (المقرِّر).
(2) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 43، أصالة لزوم البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وبعضهم قال إنّه الجعل المستتبع للضيق والإلزام، فهل جعل الحُجِّية للأمارات الذي يستتبع الضيق والإلزام من حيث إنّه يجب أن يعمل عليه المكلف، هل يسمى شرطاً؟
وقالوا: الشرط هو لزوم شيء لشيء وتقييده به، فلا بُدّ أن يكون الشرط في المعاملات ليست شرطاً لأنّها غير مقيدة، كلّ هذا قالوه لأجل تصوّر المعنى الجامع.
وقالوا: إنّ الشرط هو لزوم شيء لشيء آخر، وتخيّلوا أنّ الشرط في الطهارات هو بهذا المعنى مع أنّه بمعنى أنّه يلزم من عدمه العدم، وتخيّلوا أنّ منه الشرط في العلل التكوينية، وليس كذلك.
إذن يظهر أنّه جامع بين هذين المعنيين بوجه.
وقالوا: إنّ الشرط هو ربط شيء بشيء، فالحبل المربوط بالحائط والعباءة التي تلبسها مربوطة بك والكرسي الذي تجلس عليه مربوط بك، فهل يسمى كلّ ذلك شرطاً)1)؟
والمهمّ أن ننقح مطلبين:
أحدهما: أنّ العقود هل يشملها الشرط في عرف العقلاء.
ثانيهما: وإذا شملها فهل البيع والصلح ونحوها من الشروط الابتدائيّة أو لا؟
فإذا تمّ هذان الأمران فكان الشرط أعمّ ممّا يقع في المعاملة وما يقع بدونها،
ـــــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 43، أصالة لزوم البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وكان شاملاً للبيع ونحوه، نستطيع التمسّك حينئذٍ بأدلّة الشروط لتتميم المعاطاة.
وأمّا إذا لم يتمّ أحدهما أو كلاهما، فلا نستطيع التمسّك بها.
والحاصل: أنّ للشرط معنيين معنى عرفيّ عقلائيّ ولغويّ وهو عبارة عن القرار في المعاملة إلّا أنّه ليس معنى الشرط في البيع أو المعاملة، وأنّه ينبغي أن يكون بلفظ (إلتزمت) أو (اشترطت)، بل يتمّ لو قال: على أن يكون كذا أو خيار كذا فهذا التزام بالحمل الشايع أو قرار في ضمن قرار.
ومعنى آخر للشرط والذي قلت إنّه لا يوجد في اللغة، إلّا أنّه يوافق عليه العرف، وشايع استعماله بينهم، وهو الذي يسمّى على طبقه المقدّم في القضيّة الشرطيّة شرط أو يستعمل في العلوم العقليّة، وهو الذي يعبّر عنه بأنّه يلزم من عدمه العدم.
ومعناه أنّه إذا كان شيء معلّقاً على شيء سواء كان التعليق تكوينيّاً أو تشريعيّاً، يسمّى شرط نحو: (إذا جاءك زيدٌ فأكرمه) أو (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود)، بحيث لو لا الشرط لَما وُجِد الجزاء ولَما وجب، وهذا هو المعنى التعليقيّ للشرط.
والكلام يقع في ناحيتين، أوّلاً أنّ هذا الشرط -وهو بمعنى تعليق شيء على شيء- هل له جامع مع ذلك المعنى وهو جعل شيء لشيء، بحيث يشملهما قوله “المؤمنون عند شروطهم“، وإن لم تكن هناك قرينة أو أنّه يحتاج إلى قرينة، فإن لم تكن قرينة فهو إمّا مُجمل أو مستعمل في خصوص المعنى اللغويّ.
نقول: إنّ الشرط بالمعنى الثاني، سواء كان جامداً أو حدثيّاً مشتقّاً، لا
ـــــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
جامع بينه وبين الشرط بالمعنى الأول، فإنّ الشرط في باب البيع جُعِلَ في ضمن جعلٍ لا تعليقاً في البيع، لا في نظر العقلاء أنّه إذا لم يوجد الشرط فلا بيع ولا إنشاء أصلاً، ولا في الشرع فإنّه خلاف الإجماع. فالشروط الضمّنية ليست من باب التعليق وإنّما هي جعل في ضمن جعل.
أمّا الشرط الثاني سواء قلنا إنّه جامد أو مشتقّ فماهيّته متقوّمة بالتعليق؛ لأنّه عبارة عن تعليق شيء بشيء، فهذين المعنيين لا جامع ذاتي بينهما(1). وقد يُقال(2): إنّ الجامع هو لزوم شيء لشيء أو ربط شيء بشيء. أو تقييد شيء بشيء، إلّا أنّ هذه ليست جامعاً بينهما وإنّما هي جامع بين كثير من الأشياء، فتكون أعمّ منهما.
إذن فلا جامع بينهما، وأدلّة الشروط تأخذ شروط البيع بلا إشكال، وإنّما الشكّ في شمولها للشرط التعليقيّ.
أمّا أنّ قوله “المؤمنون عند شروطهم” هل تشمل الإلزامات والالتزامات
ـــــــــــــ[123]ــــــــــ
() هذا غريب من السيد غايته فإنّه ليس معنى الجامع انطباق أحد المعنيين على ما يصدق عليه الآخر، إلّا أن يدّعى أنّ أحدهما هو الجامع فيرد ما ذكره، إلّا أنّ المقصود ليس ذلك، وإنّما الإتيان بمفهوم قابل الانطباق على مصاديق كِلا المعنيين للشرط، ولو بأن يكون هو نفس معنى الشرط ومفهومه الكلّي. إلّا أن يمنع ذلك بتقريب استحالة صدق النسبة القائمة بين الشرط والمشروط في أحد المعنيين على الآخر، واستحالة وجود جامع بين النسب كما حُقّق في محلّه، فيكون المفهوم الكُلِّي للشرط جامعاً ومشتركاً لفظياً لا معنوياً ذاتياً. إلّا أنّ هذا مطلبٌ آخر، فتأَمَّل. (المقرِّر).
(2) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 5: 104، الشروط.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الابتدائيّة، ولا تختصّ بالشرط في ضمن العقد؟
بعضهم)1) ادّعى التبادر بأنّها كما تأخذ الشرط العقدي كذلك تتناول الشرط الابتدائيّ. ونحن ننكر هذا التبادر، بل التبادر بالعكس؛ لأنّ الإلزام الابتدائيّ لا يسمّى شرطاً عرفاً وعقلائيّاً.
الآن ننظر إلى الروايات التي أطلق فيها الشرط على الشروط الابتدائيّة، فإنّ صاحب (الحدائق)(2) يقول: بأنّه أطلق الشرط على البيع كثيراً.
أولاً: أنّ الإطلاق أعمّ من الحقيقة والمجاز، ومن الجائز أن يكون هناك بعض القرائن(3) عندهم، فأمّا أن نحمل الشرط على المعنى الذي لا يوجد في اللغة، ولا أقلّ اختلافهم فيه فذلك غير صحيح.
ثانياً: هناك روايتان تُعبِّران هكذا: “شرط الله قبل(4) شرطكم“(5)، فعبرت بالشرط عن التكليف الإلزامي، أجابوا عنها بأن هذا استعمال قرينته معه، فهو
ـــــــــــــ[124]ــــــــــ
() حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي)1: 68، القول في المعاطاة.
(2) الحدائق الناضرة 20: 73، أحكام العقود والمعاملات، الفصل12.
(3) الأصل عدم القرينة طبعاً، وهي أيضاً مدفوعة بشهادة الراوي إذ لو كان في الكلام ما يصلح للقرينيّة لنقله، وكذلك ما يحتفّ به من الحركات والأقوال، فعدم نقله نقل لعدمه لا محالة، فتأَمَّل (المقرر).
(4) اُنظر الوسائل باب من شرط لزوجته أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرى ولا يطلّقها… واُنظر ص129 من هذا الكتاب أيضاً. (المقرِّر).
(5) الاستبصار 3: 231، الباب 142، وتهذيب الأحكام 7: 370، الباب31، باب المهور والأُجور.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مثل قوله: قلت: اطبخوا لي جبّة وقميصاً، فهو استعمال بالمشاكلة، والذي يأتي في الذهن أنّه ناظر إلى قوله: “المؤمنون عند شروطهم إلّا شرطاً خالف كتاب الله“(1)، حيث يُفهم منه أنّ شرط نفوذ الشرط أن لا يكون مخالفاً لكتاب الله، فهذا استعمال للشرط بالمعنى الثاني العقلائيّ التعليقيّ لا أنّه شرط في ضمن بيع. شرط الله هو أنّه: إذا كان الشرط مخالفاً لكتاب الله فهو باطل، وهذا الشرط من الله مقدّم على قولكم، إذن فهو ناظر إلى شرط صحّة الشرط لا إلى حكم تكليفيّ آخر، ولا يستفاد من إطلاقه معنى الشرط الابتدائي.
وروايات في باب خيار الحيوان: تقول الشرط فيه ثلاثة أيام)2). وهو عبارة عن الخيار، وقيل إنّه إنّما سمي شرطاً باعتبار أنّ الشارع جعله للمتبايعين كما يجعله المتبايعان لأنفسهما بالشرط ضمن العقد. ويحتمل أنّه ناظر إلى ذلك الشرط التعليقيّ، يعني يبقى البيع متزلزلاً ثلاثة أيام وقابل للفسخ فيها، ولهذا ورد في بعض الروايات: أنّه (إذا مضى ثلاثة أيام فقد وجب البيع) (3). فشرط الوجوب مضى ثلاثة أيام، فقد استعمل بالمعنى التعليقيّ لا بالمعنى الابتدائيّ.
وفي الصحيفة الكاملة: “وَقَدْ قُلْتَ(4) -يَا إِلَهِي- فِي مُحْكَمِ كِتَابِكَ : إِنَّكَ تَقْبَلُ
ـــــــــــــ[125]ــــــــــ
() من لا يحضره الفقيه 3: 202، باب الشرط والخيار في البيع، وتهذيب الأحكام 7: 22، باب عقود البيع.
(2) الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، وتهذيب الأحكام 7: 24، باب عقود البيع.
(3) وسائل الشيعة 18: 12، أبواب الخيار، الباب2.
(4) وكان من دعائه في ذكر التوبة وطلبها (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ، وَ تَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَ تُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ، وَ اعْفُ عَنْ سَيِّئَاتِي كَمَا ضَمِنْتَ، وَأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَرَطْتَ وَ لَكَ -يَا رَبِّ- شَرْطِي أَلَّا أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ…“.
فقد استعمل الشرط مرّتين في الشرط الابتدائيّ.
أما الأول: وهو قوله “وَأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَرَطْتَ“، فهو يشير إلى قوله تعالى إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فالتوبة شرط للمحبّة والمحبّة معلة عليها، فيقول لله تعالى إنّي قد تبت وقد تحقّق الشرط فاحبّني. إذن فالشرط هو الشرط التعليقيّ.
والشرط الآخر وهو قوله: “وَلَكَ يَا رَبِّ شَرْطِي أَلَّا أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ“، هو الشرط الضمني، يقول : اقبل توبتي يا رب وأنا أشترط أن لا أعود عن توبتي، فهو ليس من الشرط الابتدائيّ.
وفي دعاءٍ آخر: (النعيم(1) الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت لهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية فقبلتهم وقربتهم)(2).
معلوم أنّ هذا الشرط من باب تعليق واشتراط القرب بالزهد بالدنيا الدنية، فهذا من تعليق شيءٍ على شيء، وقد حصل المعلّق عليه فلازمه حصول المعلّق عليه.
أمّا إطلاق الشرط على البيع، كما يقول صاحب (الحدائق) في باب حكم
ـــــــــــــ[126]ــــــــــ
() لم أجده في الصحيفة، والوقت أضيق من البحث عنه جيداً، فتَأَمَّل. (المقرِّر).
(2) الإقبال 1: 505، الفصل 18.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من باع سلعة بثمن حالاً وبأزيد منه مؤجلاً، في بعض(1) الروايات(2): “أنّ علياً قضى في رجل باع بيعاً واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين“.
وفي بعضها)3) “أنّ رسول الله بعث رجلاً إلى أهل مكّة ينهاهم عن شرطين في بيع”(4).
وإطلاق الشرط على البيع؛ لأنّه متضمّن للشرط، حيث يقول: إن كان نقداً فكذا وإن كان نسيئة فكذا، وقول النبي إنّه لا يجوز الشرطين في البيع معناه لا يجوز البيع بقسمين منه في معاملة واحداً: نقداً ونسيئة.
إذن فالمعنى هو الشرط التعليقيّ لا من باب إطلاق الشرط على البيع. إذن، فلا يستفاد من هذه الروايات شيئاً.
وهناك روايات أخرى كثيرة لو استوعبناها لطال المقام، فارجعوا إليها إن شئتم في باب السلف(5) وفي باب(6) ما لو باع الإنسان ونقص قيمة المبيع، وفي
ـــــــــــــ[127]ــــــــــ
() ما نقلناه موجود في الوسائل، فراجع. (المقرِّر).
(2) تهذيب الأحكام 7: 53، باب البيع والنسيئة، ووسائل الشيعة 18: 37، باب حكم من باع سلعةً بثمن حالاً وبأزيد منه مؤجّلاً.
(3) وسائل الشيعة 18: 37، باب حكم من باع سلعةً بثمن حالاً وبأزيد منه مؤجّلاً.
(4) وسائل الشيعة 18: 37، باب حكم من باع سلعةً بثمن حالاً وبأزيد منه مؤجّلاً.
(5) وسائل الشيعة 18: 299 و300 و302، كتاب التجارة، أبواب السلف، الباب9، والباب11.
(6) وسائل الشيعة 18: 48، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب7.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
باب من آجر بطعام(1) وتغيّر سعره، وفي باب من باع شيئاً بشيء وتغيّر سعر أحدهما. وعلى كلّ حال فإذا أطلق الشرط فهو أعمّ من الحقيقة إن لم يكن معناه تعليق شيء على شيء، ولا يمكن أن يستفاد من الروايات أنّ من معاني الشرط هو الابتدائيّ بحيث يشمله قوله: “المؤمنون عند شروطهم“.
المقصود الآخر: أنّ لنا بعض الروايات التي يستفاد منها أنّ الشرط الابتدائيّ نأخذ منه ولو كان إلحاقه حكمياً لا حقيقياً. في أبواب المهر: باب شرط أن لا يتزوج عليها ولا يتسّرى ولا يطلقها… الرواية الرابعة(2): وعنه عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن منصور بن بزرج عن العبد الصالح قال: “قلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوج امرأة ثُمَّ طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلّا أن يجعل لله عليه أن لا يُطلقها ولا يتزوّج عليها فأعطاها ذلك ثُمَّ بدا له في التزويج بعد ذلك فكيف يصنع، فقال: بئس ما صنع وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار قل له فليفِ للمرأة بشرطها فإن رسول الله قال: المؤمنون عند شروطهم“.
وهذا شرط ابتدائيّ وإن استعمل فيه مجازاً، ولم يكن جامع بينه وبين المعنى الأول، لكن تمسّكه بالنبوي قرينة على أنّ المقصود من النبوي كِلا المعنيين.
الآن نرى ما هو الشرط الذي اشترطه، أولاً: قوله: (فأبت عليه إلّا أن
ـــــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 18: 85، الباب26.
(2) جاء في المتن سابقاً إن عندنا روايتين، ثُمَّ ذكر روايات في باب خيار الحيوان فأصبحت ثلاث، وهذه هي الرابعة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يجعل لله عليه أن لا يطلقها)، يعني إلّا أن ينذر لله هذا الأمر فأعطاها ذلك، يعني نذر وقال: لله عليَّ أن لا أعمل ذلك. فهو شرط للزوجة وشرط باعتبار نذر لله عزَّ وجل. إلّا أنّ الطلاق لا محالة مرجوح فهل يصحّ النذر عليه، إلّا أنّ هذه مسألة أخرى، فإنّه على كلّ حال وفاء بالنذر والوفاء واجب.
وثانياً: أنّه لا يستفاد من الرواية أنّ هذا القرار متى كان، بل الظاهر أنّ العقد بُنيّ على هذا الشرط، والشرط الذي يبنى عليه العقد شرط ضمني في النظر العقلائي.
وهنا مسألة أخرى، وهو أنّه وردت روايات عمل بها الفقهاء وهو أنّه إذا اشترطت عليه ترك التزويج فهو شرطٌ خلاف كتاب الله، والمسألة صحيحة فقهياً.
إذن فهذه الرواية يجب أن تحمل على التقيّة أو سواها من المحامل. أو أنّهم فسّروا “المؤمنون عند شروطهم” بمعنى عامّ لقرائن كانت عندهم.
وفي رواية محمد(1))2) بن قيس في باب المهور الرواية الأولى، قال: ” قضى أمير المؤمنين في امرأة تزوجها رجل وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو أتى عليها سرية فإنّها طالق، فقال: “شرط الله قبل
ـــــــــــــ[129]ــــــــــ
() كذا نسبها السيد، ولم أجدها بهذا السند في الوسائل، وليست الرواية الأولى أيضاً. (المقرر).
(2) الاستبصار 3: 232، الباب142، تهذيب الأحكام 7: 371، الباب31، ووسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب20.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
شرطكم إن شاء أوفى بشرطه، وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها…”. فإذا وردت رواية تدلّ على أنّ هذا الشرط نافذ، لا نعمل بها ونحملها على التقيّة.
إذن فلا دليل على أنّ الشروط الابتدائيّة تشملها رواية “المؤمنون عند شروطهم“.
أقول: هناك رواية واحدة في باب المتعة استعمل فيها الشرط بمعنى العقد لم يتعرّض لها السيد سلّمه الله، وهي ما ذكر في باب عدم جواز المتعة بالمتمتع بها قبل انقضاء المدة، عن أبان بن تغلب قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يتزوّج المرأة متعة فيتزوّجها على شهر ثُمَّ إنّها تقع في قلبه، فيحبّ أن يكون شرطه أكثر من شهر فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الأيام قبل أن تنقضي أيامه التي شرط عليها؟ فقال: لا يجوز شرطان في شرط. قلت: كيف يصنع؟ قال: يتصدّق(1) عليها بما بقي من الأيام ثُمَّ يستأنف شرطاً جديداً“(2) والله عزَّ وجلّ هو العالم.
قلنا إنّ أدلّة الشرط لا تشمل الشروط الابتدائيّة، ولا تتناولها حكماً أيضاً، والروايتان الواردتان في المقام محمولة على التقيّة فلا يمكن العمل بها.
أمّا إذا بنينا على أنّ أدلّة الشروط تتناول الشروط الابتدائيّة، أو ألحقنا بها
ـــــــــــــ[130]ــــــــــ
() يعني: يهبها المدّة. (المقرر).
(2) راجع وسائل الشيعة، 21-57.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
حكماً، هل يتمّ المطلب حينئذٍ ونقول بأنّ البيع من الشرط الابتدائيّة، فيصحّ البيع وتشمل المعاطاة. أو أنّنا حتّى إذا تمّمنا هذه المطالب أيضاً، نحن ننكر أنّ البيع شرط وإلزام والتزام ابتدائي، فإنّه لم يأخذ في ماهيّة البيع شيء سوى كونه مبادلة مالٍ بمال أو تمليك شيء بعوض ليس إلّا؟
نعم، بحكم العقلاء والشرع يلزم العمل بمضمون العقد، إلّا أنّ هذا الإلزام غير أن نفس ماهيّة البيع عبارة عن الإلزام والالتزام، وإنّما تلك أحكام عقلائيّة مترتّبة على هذا الموضوع وهو المعاملة، فلا يعقل أن يكون هذا الإلزام دخيلاً جزءاً من ماهيّة المعاملة، وإنّما المعاملة موضوعٌ لها، فالبيع والصلح والإجارة وسائر العقود والإيقاعات هكذا، ليس فيها إلزام والتزام، إذن فنحن لو لم ننكر أصل المطالب، مع ذلك لا يتمّ البيع كما تخيّله الأغايون فلا يشمل المعاطاة ولا غيرها.
الآن ننظر إلى الطرف الآخر، وهو أنّنا إن قلنا إنّ أوفوا بالشروط و”المؤمنون عند شروطهم” لا يشمل البيع ولا حتّى بأدلّة الإلحاق، فهل تشمله بنظر العقلاء؟
نرى أنّ وجوب الوفاء في قوله: “المؤمنون عند شروطهم” هل يدور مدار مفهوم (الشرط)، وهل نأخذ الشروط بما أنّها تقع في ضمن العقد، أو بما أنّها تقع بلفظ (ألزمت) و(التزمُت) وأمثالها، أو باعتبار أنّ ذلك القول الذي أعطاه
ـــــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المؤمن والقرار الذي جعله مع غيره، هو قول محترم وقرار ملزم؟
فالدليل وإن كان يشمل الشروط الضمنية فقط، ولا دليل لنا على الإلحاق، إلّا أنّنا بإلغاء الخصوصية عقلائياً نجعله شاملاً للبيع ونحوه.
كما في الرواية الواردة حول الرجل شكّ بين الثلاث والأربع والذي هو بلا إشكال يشمل المرأة، وإنّما فهمنا ذلك من باب إلغاء الخصوصيّة؛ لأنّ هذا الحكم إذا ألقي على العقلاء، فإنّهم يقولون إنّ هذا هو حكم الشكّ لا حكم الرجل.
أو رواية زرارة)1) حينما يقول أصاب ثوبي دم رعاف، فيأمره الإمام بتطهيره. فهنا لا (ثوب زرارة) اُستعمِل في الأعمّ منه ولا (دم الرعاف) ولا (زرارة) اُستعمِل في الأعمّ منه ومن غيره. وإنّما كلّها استعملت في معانيها.
ولكنّ الجواب إذا ألقي على العقلاء يقولون: إنّ الحكم بالتطهير حكم للدم لا حكم لأيّ واحد من تلك الخصوصيّات، وقلَّما تجد في باب النجاسات أحكام كُلِّية، وإنّما كُلّها أحكام واردة على موارد مخصوصة، إلّا أنّ العرف يفهم أنّه حكم للنجاسة.
فليقل أحد هنا كذلك لا من باب استعمال اللفظ في معنى آخر، ولا من باب قياس موضوع على موضوع ولا من باب إدراك المعنى من نفس اللفظ، وإنّما العرف يفهم المعنى الأعمّ ويلغي الخصوصية، وإنّما كانت الخصوصية
ـــــــــــــ[132]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 421، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات، والاستبصار 1: 183، الباب 19.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بصفتها طرفاً لكلام السائل ومحلاً لابتلائه، فيلغي العرف خصوصيّة الشرط وكونه في ضمن العقد وإنّما يفهم أنّ الحكم مربوط بالقرار الذي يجعله الرجل، ومن ثَمَّ يشمل البيع وسائر المعاملات.
وهذا المطلب ليس مصدقاً عندي تماماً وغير مرتبط به كلّ الارتباط، إلّا أنّه مطلب ينظر فيه الإخوان.
ودليل (أوفوا بالشروط) و”المؤمنون عند شروطهم“، إذا فرضنا كونه دالّاً على صحّة المعاطاة، فإنّه يدلّ على ذلك سواء استفدنا منه الحكم التكليفي أو الحكم الوضعي.
أما إذا طبقناه على الحكم التكليفي، فإنّ العقلاء يفهمون أنّه حكم وارد على جعل القرار، لا أنّه حكمٌ مستقلّ ومقترن مع جعل القرار وإنّما هو موضوع له، كما أنّ الشارع لو قال: تجارة عن تراضٍ، لا نستطيع أن نقول: إنّ حكم الجواز ليس له دخل للتراضي به، بل نفهم أنّه بالتراضي يصبح المال لك ومن هذه الجهة يجوز ذلك كلّه، لا أنّه يجوز لك الأكل مع أنّه مالُ غيرك، أو أنّه حكم تعبُّدي مجعول من دون دخل شيء فيه. هذا خلاف حكم العقلاء.
فهنا أيضاً نفهم أنّ الشرط له مدخلية في الحكم، فنحكم بأنّه نافذ ومتحقّق، فلو شمل الدليل المعاطاة فرضاً نفهم أنّها صحيحة لا أنّه حكم مقارن معها.
ـــــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أمّا إذا فهمنا منه الحكم الوضعي، وذلك: بأن نقول: إنّ قوله: “المؤمنون عند شروطهم“، لا يمكن أن يبتني على الحقيقة؛ لأنّ الشرط أمرٌ اعتباريّ وليس فيه (عند) فالدليل مبنيّ على ادّعاء وهو أنّ الشرط أمر محسوس كالعهود والمؤمن يجب أن يكون ملازماً له، إذن فالشرط لا بُدّ أن يكون شيئاً معتبراً يصدق أنّ المؤمن يكون عنده.
ونفهم من ذلك أنّ الشارع لم يلغ خصوصيّة الشرط. إلّا أنّ هذا الادعاء ألغي في الاستثناء وهو قوله: “إلا شرطٌ خالف كتاب الله“. أمّا هنا فنفهم أنّ الشارع اعتبر الشرط أمراً محسوساً إذن فالشرط معتبر ونافذ عند الشارع.
فهذه جملة إخبارية بداعي تفهيم الحكم، وإن كانت قد استعملت في معناها، وحتى لو فهمنا منها الحكم التكليفي فأيضاً نفهم منها الحكم الوضعي؛ لأنّ الشارع إذ ادّعى أنّ الشرط أمر محسوس لا بُدّ أن يلازمه الإنسان، نفهم أنّه معتبر عند الشارع، ومن قوله أنّه لا بُدّ من ملازمته(1) نفهم أنّه لا بُدّ أن يقف الإنسان عند شروطه، إذن فهي قضيّة إخبارية بداعي الإنشاء.
ـــــــــــــ[134]ــــــــــ
() يعني تمسّكاً بإطلاق (عند). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إلى الآن كنّا نتكلّم عن الأدلّة الدالّة على صحّة المعاطاة، وهي صحيحة بلا إشكال ومنتجة للملكيّة على القاعدة، من دون أن ننظر إلى الإجماع.
الآن نأتي إلى أدلّة اللزوم. بعضهم يقول بعدم اللزوم إلّا بالتصرّف، ونسب)1) إلى المفيد أنّه قائل باللزوم مطلقاً، وقائل بلزومها إذا كان مظهره لفظاً، كما نسب إلى بعض المحققين)2) ونوع من الفقهاء قائلين بعدم اللزوم(3)، فنحن الآن نتحدث عن الأدلّة الدالة على اللزوم.
من جملة ما تمسّكوا به: الاستصحاب. وليس معنى تمسّكهم به أنّ عندنا دليلاً اجتهاديّاً وأصلاً عمليّاً في عرضٍ واحد، وإنّما يريدون أن يقولوا: إنّ هنا دليلين إن لم يُقبل الأوّل منهما كان الثاني فعليّاً، أمّا أنّ أيّاً منهما فعلي فهذا مطلب آخر، ولذا نرى شيخنا الأنصاري)4) العارف لهذه الأمور تماماً يستشهد بكِلا
ـــــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) المقنعة: 591- 592، كتاب التجارة، باب عقود البيوع.
(2) مسالك الأفهام 3: 147، كتاب التجارة، مفتاح الكرامة 12: 505، في المعاطاة، والحدائق الناضرة 18: 355، أحكام العقود والمعاملات، الفصل1.
(3) انظر: جامع المقاصد 4: 58، كتاب المتاجر، المقصد الثاني.
(4) المكاسب 3: 51، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الدليلين، فهو استدلال بالدليلين اقتضاءً لا فعلاً.
ودليل الاستصحاب في المقام يعرض على شكلين، فإنّنا مرّةً نستصحب الكُلِّي من القسم الثاني، ومرّةً أخرى نستصحب الأمر الشخصي لا الكُلّي، ونحن لا بُدّ أن نعرف كِلا المطلبين.
أما الكلام في استصحاب الكُلِّي: فهل هذا الاستصحاب من أصله باطل وغير جارٍ أو لا؟ وإذا كان صحيحاً في نفسه فهل يجري هنا أو لا يجري لخصوصيةٍ في المقام؟ وهل الاستصحاب من القسم الثاني مُعارَض أو لا؟ وإذا لم يكن فهل لجريانه في المقام معارض أو لا؟ أو عليه دليل حاكم؟
فنقول: إنّ الذي قرّر الاستصحاب من القسم الثاني قال: إنّ بيع المعاطاة بعد إيجاده في الخارج، يوجد قسم من البيع يسمى بالمعاطاة، ونحن نشكّ أنّ هذا القسم من هذه المعاملة (يعني البيع) من القسم اللازم أو من القسم غير اللازم منها، فإذا كانت من القسم اللازم فالملك مستقرّ ولا يزول بالفسخ وإذا كانت من القسم الجائز فهو يزول بالفسخ، إذن فأمر الملكيّة دائر بين التزلزل والاستقرار.
فإذا وُجِد مصداق من المعاطاة في الخارج، فأنا أشكّ أنّه مستقرّ غير قابل للفسخ أو متزلزل قابل له، فإذا جاء الشخص الآخر وقال: (فسخت)، فإذا كانت المعاطاة تفيد الملكيّة المستقرّة فالبيع باقٍ وإذا كانت تفيد الملكيّة المتزلزلة، فقد انفسخ العقد. فالشكّ ببقاء الملك منشأه الشكّ بالتزلزل وعدمه، كما مثّلوا له في القسم الثاني من الاستصحاب.
ـــــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن نستصحب الجامع، (أصل الطبيعة الكُلِّي)، والجامع متحقّق بوجود هذا الفرد، وأشكّ بزواله وعدم زواله فاستصحبه، ولكنّي لا أستطيع أن أستصحب أحد القسمين: اللزوم أو عدم اللزوم لشكّي بكلٍّ منهما. نعم، أنا أعلم بطبيعي الملك فاستصحبه. فهذا تقرير الاستصحاب الكُلِّي من القسم الثاني.
الشيخ)1) بعد أن يقرّر الاستصحاب يقول: فتأمّل. ونحن نريد أن نذكر إشكالات استصحاب القسم الثاني مطلقاً، أو في خصوص المقام، لتعرف السبب في أمر الشيخ بالتأمّل.
من الإشكالات في باب القسم الثاني من الاستصحاب: أنّ الكُلِّي غير موجود في الخارج، وهو النزاع الذي وقع بين الشيخ الرئيس والرجل الهمداني)2)، حيث قال الهمداني إنّ القدر الجامع موجود في الخارج والشيخ كان منكراً لوجوده في الخارج بما هو قدر جامع.
والهمداني كان يقول للشيخ إنّه هل يمكن أن ينازع شخص في عدم وجوده؟ والشيخ كتب رسالة في ردّ الرجل الهمداني.
كان يقول الهمداني، إنّ الكُلِّي الطبيعيّ بنحو الكُلِّية موجود في الخارج.
والشيخ كان يقول: الموجود في الخارج هو الكُلِّي الطبيعيّ وهو ليس كُلِّياً
ـــــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 51، الكلام في المعاطاة.
(2) راجع رسائل ابن سينا: 466، رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بل قد يكون كُلِّياً وقد يكون فرداً حقيقياً، فهذه الإنسانية الموجودة في زيد في الخارج ليست قدراً جامعاً مع زيد وعمرو، وما هو قدر جامع بينهما غير موجود في الخارج، ولهذا قال: إنسانية زيد غير إنسانية عمرو وحيوانية هذا الحيوان غير حيوانية ذلك الحيوان، ولا يعقل تحقّق الجامع في الخارج وإنّما هو كُلِّي عقليّ عبّر عنه بالكُلّي الطبيعيّ.
لعلّ وجه تأمّل الشيخ -ولو كان هذا خلاف مذاقه ومطالبه- هو أنّ أصل استصحاب الكُلِّي باطل؛ لأنّ الكُلِّي ليس له وجود خارجي، والمتحقق في الخارج إمّا الملكيّة المستقرّة أو الملكيّة المتزلزلة، والجامع بينهما لا تحقق له في الخارج، فلا يقين لي به فكيف أستصحبه.
وإذا أراد الإخوان التوسّع في ذلك فنقول: إنّ هذا المطلب المعروف عند الجميع، وهو أنّ علّة مستقلّة إذا كانت لشيء وعلّة أخرى مستقلّة كانت لنفس الشيء، فإذا وجدت العلّتين فالجامع بينهما مؤثّر، هذا من كلام الرجل الهمداني. إذن فالجامع بينهما بما هو جامع بينهما له وجود خارجي؛ لأنّ المؤثِّر لا بُدّ أن يكون موجوداً(1)
ـــــــــــــ[138]ــــــــــ
() هذا استنتاج خاطئ تماماً؛ لعدم إمكان تصوّر جامع ذاتي بين علّتين متباينتين بالذات؛ ليكون هو المؤثّر في المعلول دون أيّ واحد من العلّتين. إذن، فلا بُدّ من تأويل قولهم: إنّ الجامع حينئذٍ يكون مؤثّراً، بأحد تأويلين: فإما أن يُقال إنّ الجامع بمعنى الجامع الانتزاعي بمعنى مفهوم أحدهما، فإذا اجتمعت العلّتان كان أحدهما هو المؤثّر لا محالة دون الآخر لمرجح خارجي مثلاً. أو أنّ الجامع بمعنى المجموع، بمعنى أنّ العلّتين معاً تكونان كالعلّة الواحدة في إصدار المعلول إلى عالم الوجود، وتكون كلّ واحدة جزء العلّة. وبعد هذا يتّضح أنّه لا يبتني الاستشهاد بذلك على وجود الكُلِّي الطبيعي أو عدم وجود، ولا يكون دليلاً عليه، مضافاً إلى إمكان الطعن بأصل افتراض إمكان وجود علّتين مستقلّتين لشيءٍ واحد، فإنّ هذا بنفسه محال، فتَأَمَّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وكثيراً ما يُقال: إنّ المهملة موجودة بوجود فردٍ ما، ولا تنعدم إلا بانعدام جميع الأفراد(4)، فإنَّ المهملة تلحظ بما هو مُهمل وجامع موجود في جميع الأفراد، فإذا وجد فرد يوجد الجامع ضمنه، وإذا انعدم فرد لا ينعدم الجامع لوجوده ضمن غيره.
ولغير الرجل الهمداني أن يقول: إنّ للطبيعي وجودات وانعدامات فإذا وُجِد فرد وُجِد الطبيعيّ وإذا انعدم فرد انعدم الطبيعيّ ولو كان موجوداً في ضمن غيره.
فالإشكال هو: أنّ القدر الجامع لا تحقّق له في الخارج فلا يقين به، فلا يمكن استصحابه، فاستصحاب الكُلِّي من القسم الثاني باطل رأساً.
وتقريب الإشكال في استصحاب الكُلِّي من القسم الثاني بنحو مطلق: أنّ مصداق من طبيعة نوعية أو جنسية إذا وُجِد في الخارج توجد الطبيعة لا محالة، وإذا تردَّد الفرد بين مصداقين أحدهما طويل العمر والآخر قصير(2) العمر،
ـــــــــــــ[139]ــــــــــ
() راجع كفاية الأُصول: 149، عدم دلالة النهي على التكرار، ونهاية الأفكار 4: 126، القسم الثاني من أقسام الكلّي.
(2) ومثاله مثال البقّة والفيل (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وبعد مضي مدّة نعلم أنّه إذا كان طويل العمر فهو باقٍ وإذا كان قصير العمر فهو معدوم.
وبعبارة أخرى: الجامع المشترك هل هو موجود بالفرد الطويل العمر كي يكون باقياً، أو موجود بالفرد القصير العمر فهو مفقود. فالشكّ بوجود الفرد الطويل العمر أو القصير العمر يكون سبباً للشكّ في بقاء الطبيعة، وأركان الاستصحاب هنا موجودة، فإن طبيعي الجامع متيقّن فيستصحب.
وأما انطباقه على المقام بأنّه وُجِد فرد من الملكيّة مردَّد بين الملك المستقرّ والملك المتزلزل الزائل بالفسخ، وبعد حصول الفسخ نقول لو كان البيع مستقرّاً فهو باقٍ حتماً وإذا كان متزلزلاً فهو مفسوخ. وهذا منشأه أنّ الماهيّة المشتركة -وهي الملكيّة- موجودة أو لا. ثُمَّ إذا كان موجوداً أشكّ في أنّها ذهبت بالفسخ أو لا؛ فاستصحب الملكية.
فهذا هو تقريب استصحاب الكُلِّي.
وهناك بعض الإشكالات على هذا الاستصحاب مطلقاً:
وبعض الإشكالات مربوطة بالاستصحاب فيما نحن فيه لو ثبت جريانه مطلقاً.
وبعض الإشكالات أنّه على فرض جريان الاستصحاب الكُلِّي فهناك أصل حاكم.
وبعضها على أساس أنّ هناك أصلاً معارضاً.
وهذه المطالب لا بُدّ من التعرُّض لها في المقام إجمالاً.
ـــــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أمّا الإشكال في مطلق الاستصحابات الكُلِّية: أنّكم ماذا تستصحبون، هل تستصحبون الكُلِّي المتشخّص بهذه الخصوصيّة والمتشخّص بهذه الخصوصيّة على نحو الفرد المردّد؟ أو الكُلِّي المعرى عن كِلتا الخصوصيّتين بحسب الواقع؟ أو تستصحبون الكُلِّي مع قطع النظر عن هذا الفرد وعن ذاك؟ ببيان(1) أنّه إذا وُجِد مصداق فهو مصداق للملكيّة المشتركة بينه وبين غيره من المصاديق وفيه ملكيّة مختصّة به، وأنا إنّما أستصحب الجامع بينه وبين غيره لا الأمر المختص به ولا الأمر العاري عن الخصوصيّات بحسب متن الواقع، فهو ذو خصوصيّة إلّا أنّي أستصحب القدر المشترك منه، فهذه ثلاث احتمالات.
أمّا احتمال استصحاب الكُلِّي المعرى عن الخصوصيّة بحسب متن الواقع فهو واضح الفساد؛ لأنّ هذا الكُلِّي لا تحقّق له في الخارج، إذن فأنا أعلم أنّ هذا الأمر لا تحقّق ولا وجود له، وأنّ الباقي شيء آخر.
وأمّا احتمال استصحاب الطبيعة المختصّة إمّا بهذا الفرد أو بهذا الفرد، فهذا هو الفرد المردّد المعلوم بالإجمال، فيجب مطابقةً للشك مع اليقين أن يتعلّق الشكّ بالفرد المردّد أيضاً، ويستصحب نفس المعلوم بالإجمال أيضاً.
فإذا علمت أنّه إما زيدٌ موجود أو عمرو، فلا بُدّ أن أشكّ في هذا المعنى المردّد: أنّ زيداً أو عمراً لا زال موجوداً أو زال بمعنى أنّ كِليهما خرجا، فاستصحب نفس المعنى المردّد، إلّا أنّ هذا ليس من استصحاب الكُلِّي بل من استصحاب الفرد المردّد.
ـــــــــــــ[141]ــــــــــ
() وهو بيان للقسم الثالث (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وعلى تقدير جريانه فهو لا ينطبق على المقام، فإنّك تعلم بالكُلِّي الجامع لا بالفرد المردّد فلا يكون المشكوك عين المتيقّن(1).
وأمّا الشقّ الثالث: فهو أن يُقال: إنّه إذا وُجِد المصداق فقد وجدت الطبيعة المشتركة ما بين المصاديق، أو المشتركة ما بين هذين المصداقين، وهذه الطبيعة مردّدة ما بين المصداق القليل العمر والمصداق الكثير العمر، وأنا أشكّ في وجود هذه الطبيعة المشتركة فأستصحبها.
فهم يريدون(2) باستصحاب الكُلِّي هذا المعنى.
ونتعرّض لإشكاله العقلي وهو أنّ الجامع المشترك بين المصاديق محال أن يتحقّق في الخارج، والمتحقّق في الخارج هو الطبيعة لا الطبيعة المشتركة بين المصاديق بما هي مشتركة بين المصاديق، فالمتحقّق هو الطبيعة التي لا هي كُلِّي ولا جزئيّ، بل إذا وجدت مع الجزئيّ فهي جزئيّ وإذا وجدت في النفس فهي كُلّي.
إلّا أنّ الأغايون(3) قالوا: إنّه لو وجدت علّة مستقلّة لشيء ووجدت علّة مستقلّة أخرى لذلك الشيء نفسه، بحيث لو وجدت كلّ واحدة وحدها
ـــــــــــــ[142]ــــــــــ
() فالمشكوك وإن كان هو الفرد المردّد، إلّا أنّ المعلوم هو الكُلِّي الجامع غير المردّد (توضيحاً). (المقرِّر).
(2) قال هكذا، والأولى أن يقال: إن كانوا يريدون من استصحاب الكُلِّي هذا المعنى فيرد عليه إشكال عقلي وهو.. فيتمّم الدليل. (المقرر).
(3) وهم القائلون بوجود الكُلِّي في الخارج (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لأوجدت المعلول، فإذا وجدت كِلتا العلّتين، فيستحيل أن تؤثّر كلٌّ منهما بالاستقلال. فهل المجموع هو المؤثّر، المجموع لا شيء(1)، إذن فالجامع مؤثّر، ثُمَّ مثّلوا وقالوا لو قتل اثنان شخصاً واحداً، فمن الذي قتله؟ هل هذا أو ذاك أو الجامع بينهما؟
ونحوه لو أنّ المكان كان مضاءً بشمعتين فهذا الضوء هل حدث من هذه الشمعة أو تلك أو من الجامع بينهما؟
وهكذا الإنسانية حينما ننتزعها من أفراد البشر هل ننتزعها منهم بما هم متكثّرون؟! هذا محال.
إذن فهو ينتزع من الجامع بين الأفراد بنحو الوحدة، إذن يعلم أنّ الكُلِّي بنحو الوحدة موجود.
فهذا هو الكلام الذي قالوه، وهو خلط للمسألة العقليّة بالمسألة العرفيّة والعاديّة، والإنسان إذ يبحث في مسألة لا بُدّ أن يبحث في مباديها.
أمّا مسألة العلّتين لمعلول واحد، فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنّهم يقولون باستحالة العلّتين العرضيتين، وذلك راجع إلى العلل الإلهيّة لا العلل الطبيعيّة، والعلّة الإلهيّة هو أن تكون ذات الواجب (تعالى) موجدة لوجود آخر.
هنا قالوا: إنّ هذا الوجود البسيط (الواجب)(2) إذا استقلّ بإيجاد وجود فيستحيل أن تكون لهذا الوجود علّة أخرى، لا أنّ ذلك جائز وأنّه إذا وجدت
ـــــــــــــ[143]ــــــــــ
() عبارته: (ﭼـيزي نيست) (المقرر).
(2) إيضاح. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
العلّة الأخرى أثَّر القدر المشترك بينهما. تمام هويّة هذا معلول لتمام هويّة ذاك، وما كان كذلك يستحيل أن تكون له علّة أخرى.
وأمّا مسألة القتل، فليس أيّ من القاتلين علّة لموت هذا الشخص، وإنّما غاية ما تسببا إليه هو أن يجرحاه في مناطق من بدنه، ويُخرجا كميّة من الدم، والموت يتسبب في خروج كميّة من الدم، وقد أخرج كلّ واحد منهما قسماً منه، فليس في المقام جامعٌ بينهما.
وكذلك الأمر بين الشمعتين فإنّه ليس الجامع بينهما هو المضيء بل كلّ منهما يُعطي نوراً منحازاً عن نور الآخر بحسب الواقع، وإن كان لا يدخل تحت الإدراك عادةً، فكلّ منهما أضاء بمقدار، لا أنّ الضوء أمرٌ بسيط سُبِّب عن الجامع بين الشمعتين.
وأمّا انتزاع الأمر الكُلِّي الواحد من المصاديق الكثيرة، فليس هو بنحو انتزاع شيء من الأفراد الخارجية أو من الجامع بينهما، وإنّما أنا أتصوّر في ذهني مصداقاً في الخارج(1)، وأحلّل هذا المصداق إلى خصوصيّات وإلى قدر مشترك، وأتصوّر مصداقاً آخر وأحلّله أيضاً كذلك، فأجد أنّ القدر المشترك بينهما واحد.
فليس الجامع عبارة عن اقتلاع شيء من الخارج، ولا هو عبارة عن إنسان واحد مردَّد بين تمام الأفراد، ولا هو عبارة عن وجود واحد للأفراد المتكثّرة، فإنّ هذا ضروريّ الكذب. وإنّما هو موجود بوجود أفراده، فكما أنّ زيداً له
ـــــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) يعني: أفرضه في الخارج (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
خصوصيّات كذلك فيه قدر مشترك مع سائر الأفراد، وكذلك عمرو وبكر، إلا أن(1) الكُلِّي الذي يوجد ضمن فرد غير الكُلِّي الذي يوجد ضمن الفرد الآخر.
وتطبيق ذلك على مقامنا أن نقول: إنّنا نفرض في المقام نحوين من الملكيّة: ملكيّة مستقرّة وملكيّة متزلزلة، فإذا وجد في الخارج أحدهما فقد وجد أحد أفراد الطبيعة، والطبيعة حينما توجد في الخارج توجد بنحو التكثّر -بناءً على هذا الرأي- فهنا طبيعتان لا طبيعة واحدة، إذن(2) فلا تحقّق للكُلّي فلا يمكن استصحابه.
هذا الإشكال لا جواب عقليّ له وإنّما له جواب عقلائيّ، فإنّنا هنا لا نريد أن نستصحب بنظر الشيخ الرئيس وإنّما نريد أن نستصحب بنظر أهل السوق، فإن قوله: “لا تنقض اليقين بالشك“)3) مثل قوله: (الدم نجس)، فكما لو وقع دم على الثوب وغسلته يقول العرف هذا لون الدم وليس دماً، وإن كان بحسب الواقع أجزاءً دمويّة.
ـــــــــــــ[145]ــــــــــ
() فكأنَّ هذا الإشكال يرجع أوَّلاً إلى إنكار وجود الكُلِّي، فلا يمكن استصحابه. وثانياً أنّه على تقدير وجوده فهو متحصّص في الأفراد، فليس عندي متيقّن لكي أستصحبه. (المقرِّر).
(2) الأولى أن يُقال: إذن فلا يقين عندنا لكي نستصحبه؛ لأن الكُلِّي المتشخّص بالملكية المستقرّة مشكوك، وكذلك الكُلِّي المتشخص بالملكية المتزلزلة ولا ثالث، فماذا أستصحب؟ (المقرِّر).
(3) الكافي 3: 352، باب السهو في الثلاث والأربع، من لا يحضره الفقيه 1: 61، باب من ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الاستبصار 1: 373، باب من شكّ في اثنتين وأربعة، ووسائل الشيعة 8: 217، أبواب الخلل، الباب10.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإنّنا لا نريد أن ندقّق تدقيقات عقليّة في الأمور(1) الشرعيّة، فإنّ الشارع إنّما تكلّم معنا كلاماً عرفيّاً، وهذا لون الدم وليس دماً عند العقلاء.
“لا تنقض اليقين بالشك“، يجب أن يكون المتيقّن والمشكوك واحداً فنستصحبه، والطبيعة المشتركة موجودة عرفاً، فإنّنا نعلم بوجود إنسان ونشكّ بوجوده بعد ذلك فنستصحبه.
وشاهد ذلك: أنّنا لو سألنا العرف أنّه من زمان آدم عليه السلام إلى الآن هل النوع البشري باقٍ أو لا؟ فهنا لو أجاب بعدم بقائه لضحكوا عليه. مع أنّ الموجود -بالنظر الدقيق- هو الأفراد لا الطبيعي، لكن نظر العرف يرى أنّ الإنسان باقٍ، فلو كان جماعة في المسجد وخرجوا إلّا واحداً، يُقال إنّ الإنسان لا زال في المسجد.
إذن كون القضيّة المهملة تنعدم بانعدام تمام الأفراد وتوجد بوجود فرد واحد مسألة عرفيّة، والرجل الهمداني إنّما أجاب الشيخ الرئيس جواباً عرفيّاً عقلائيّاً. فما لم يذهب تمام الأفراد فالطبيعيّ باقٍ ويشمله “لا تنقض اليقين بالشك“. وينبغي أن لا نخلط المسائل العقليّة بالمسائل العرفيّة، والبتَّة الإشكال العقليّ موجود، ولكنّه غير جارٍ في المقام.
وحتّى الشخص القائل بالمسائل العقليّة قلَّما يتابع المسألة إلى آخِر نتائجها، بل يبني -في أكثر الأحيان- على المبنى العرفيّ وذلك لوضوحه وارتكازه.
ـــــــــــــ[146]ــــــــــ
() يعني: ما يرجع إلى ظواهر الألفاظ. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الإشكال الآخر الموجود، وهو راجع إلى بعض موارد استصحاب الكُلِّي، ومنه ما نحن فيه.
وهو أنّه في باب الاستصحاب إمّا أن يُستصحَب الحكم الشرعيّ أو الموضوع ذو الأثر الشرعيّ، أمّا الموضوع الذي لا أثر له فلا مجال للاستصحاب فيه؛ لأنّ الاستصحاب من باب التعبُّد بالآثار(1)، وفي ما نحن فيه وفي غيره من الموارد كذلك.
فمثلاً لو ورد حكم كُلّي، وتردّد أمره أنّه طويل المدّة أو موجود إلى أمد معيّن، فهنا إذا أردتم إجراء استصحاب البقَّة والفيل فلا بد لكم أن تقولوا: إنّه كما أنّ وجود هذا الشيء هو حكم شرعيّ كذلك الجامع بين الشيئين، والحال أنّ الجامع بين الحكمين أمرٌ انتزاعي ينتزعه العقل، وليس مجعولاً من قِبل الشارع، الشارع إنّما يبعث نحو شيءٍ فينتزع منه الوجوب، ويبعث نحو شيء آخر فينتزع منه الوجوب أيضاً، ثُمَّ ننتزع جامعاً بين الوجوبين.
وهذا الجامع من الأمور العقلية التي لا وجود لها في الخارج، ولا أنّ الشارع يبعث نحو هذا الجامع، فإذا أردتم استصحاب الجامع بين الأحكام فهو لا يصحّ؛ لأنّه لا حكم شرعيّ ولا موضوع ذو حكم.
إذن فيما نحن فيه ربما أنا مالك للثوب والعباءة، فهل أنا مالك للجامع بينهما؟ أو مالك لكلٍّ منهما مستقلّاً؟ فهنا قد وجدت ملكيّة مردّدة بين الملكيّة
ـــــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) المكاسب والبيع 1: 167، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المستقرّة والملكيّة المتزلزلة، فإذا كانت الملكيّة مستقرّة فأنت مالك مستقرّ، وإلا فأنت مالك متزلزل، أمّا كونك مالكاً(1) للجامع بين الملكيّة المستقرّة والمتزلزلة، فليس هكذا. إذن فالجامع لا هو حكم شرعيّ ولا موضوع لحكم شرعيّ فلا يمكن استصحابه.
هذا الإشكال: هل نستطيع أن نجيب عليه؟
إنّنا ننظر إلى ما يعتبره العرف والعقلاء، هل يعتبر العقلاء هذه الملكيّة وهذه الملكيّة وهذه الملكيّة، أو أنّ العقلاء يعتبرون هذا المعنى -مثلاً- وهو: من حازَ مَلَكْ، وهو حكم كُلِّي عقلائيّ ويكون هذا مصداقاً له، ولو كان لكلّ ملك اعتبار مستقلّ إذن فالعقلاء يجب أن يعتبروا لكلّ مال ملكاً مستقلّاً، وهذا ليس بصحيح.
وعليه، فإذا كنت مالكاً لعدّة أشياء، فأنا مالك للكُلّي، فكما أنّ كُلِّي الإنسان موجود يعيّن وجود هذا الفرد عرفاً، لا أنّ هذا إنسان وذاك إنسان والجامع إنسان ثالث.
هنا أيضاً كذلك مالكيّتي للكُلّي بعين مالكيتي لهذا الموجود في الخارج، فكما أنّ الكُلِّي الجامع في أيّ مورد موجود بنظر العرف في ضمن فرده، فهذا الجامع أيضاً موجود في هذا المصداق وذاك المصداق، إذن(2) فهو موضوع ذو أثر شرعيّ.
ـــــــــــــ[148]ــــــــــ
() لم يقل أحد إنّ الإنسان مالك للملكية ليرد هذا السؤال؟ (المقرر).
(2) في المسوّدة: فهو من الآثار الشرعية وما أثبتناه أحسن حسب الظاهر. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الإشكال الآخر الراجع إلى الاستصحاب من القسم الثاني: أنّه يعتبر في الاستصحاب وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة. وهذا المعنى غير تامّ هنا؛ لأنّ المتيقّن وهو معنى قابل للصدق على الملك المستقرّ وعلى الملك المتزلزل، وبعد وجود الفسخ نعلم أنّه لو كان متزلزلاً لانفسخ، فنحن في زمان الشكّ نعلم أنّه لا ملك متزلزل، ونشكّ في الملك المستقرّ، فاختلف المتيقّن والمشكوك(1).
وهذا يظهر جوابه ممّا قلناه، وهو أنّه إذا تحقّق مصداق للكُلّي ينظر إليه العرف أنّه قابل للصدق على كثيرين، وأنا في زمان الشكّ أشكّ في ذاك الكُلِّي القابل للصدق على الكثيرين.
أمّا إذا كان صدقه مردّداً وأحد مصداقيه مرتفع، فهذا لا يخرجه عن كونه كُلّياً قابلاً للصدق على كثيرين، والمدار هو الصدق على الكثيرين وهو موجود، والمفروض أنّنا أعرضنا عن الإشكال العقليّ القائل بعدم وجود الكُلّي، فإنّ العرف يرى أنّه موجود.
فسواء كان الوجود لهذا الفرد أو لذاك، فقد تحقّقت الملكيّة القابلة للصدق على الكثيرين، ولو لم يكن مصداقها إلا واحداً، ولم يكن كثيراً، والنظر في هذا الأمر عرفيّ لا عقليّ. فهذا الإشكال إنّما يتوجَّه بناءً على النظر في الإشكال العقليّ لا العرفيّ.
ـــــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الإيراوني) 1: 79، في لزوم المعاطاة وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وفي هذا المقام أشكلوا)1) في استصحاب القسم الثاني وقالوا: إنّه نفس الإشكال الوارد في الاستصحاب الشخصي، وهو أنّه: إذا وجد أحد الرافعين لا نقول بالاستصحاب؛ لأنّ الأمر دائر بين مقطوع الزوال ومقطوع الوجود، فلا يمكن استصحابه، فهذا الإشكال وارد أيضاً في استصحاب الكُلِّي.
ووجه ذلك: أنّه في استصحاب الكُلِّي من القسم الثاني مرّةً يجري استصحاب الكُلِّي والجزئي معاً ومرّةً يجري استصحاب الكُلِّي فقط.
أمّا في الأوّل وهو جريان استصحاب الكُلِّي والجزئي معاً، ففي المورد الذي نعلم بتحقّق أحد الحادثين وشككنا أنّه هل لأحدهما رافع أو لا؟ كما لو علم شخص أنّه محدث إمّا حدثاً أكبر أو أصغر، وشكّ في الآن الثاني أنّه هل عمل عملاً يزيل هذا الفرد المردّد أو لا؟ هنا يقال بأن استصحاب الكُلِّي جارٍ واستصحاب الشخصي جارٍ أيضاً. فنستصحب من الاستصحاب الكُلِّي القسم الثاني من ناحية، ونستصحب الشخص الموجود واقعاً من ناحية أخرى.
أمّا إذا علمنا بتحقّق أحد الحادثين، وعلمنا بتحقّق الرافع، كما -في المثال- لو توضأت وشككت بأنّ الحدث باقٍ على تقدير كونه أكبر أو زائل على تقدير كونه أصغر، فهنا يُقال إنّ الاستصحاب الشخصي غير جارٍ وإنّما يجري فقط الاستصحاب الكُلِّي.
أمّا أنّ الاستصحاب الشخصي غير جارٍ؛ فلأنّ الأمر دائر بين الحدث
ـــــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 132- 134، الاستدلال بالاستصحاب.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الأكبر والحدث الأصغر، فإذا كان هو الأصغر فهو مرتفع جزماً وإذا كان هو الأكبر فإنّنا لا نعلم بحدوثه لنستصحبه، فالأمر دائر بين مقطوع الارتفاع ومشكوك الحدوث، فلم تتوفّر أركان الاستصحاب.
وفيما نحن فيه الاستصحاب الكُلِّي أيضاً لا يجري؛ لأنّ الملك دائر بين المتزلزل والمستقرّ، وامتياز أحد الملكين عن الآخر بالزوال واللازوال والارتفاع واللاارتفاع، فمن هذه الناحية تمام حقيقة هذا الملك منحاز عن تمام حقيقة ذاك، وليس الاختلاف بينهما من باب الاختلاف السببي الناشئ من اختلاف الأسباب، وليس أيضاً ناشئاً من خصوصيّات أخرى غير الزوال والارتفاع وعدمها، فإذا أردنا استصحابه يأتي نفس الإشكال الذي قلناه في القسم الثاني من أنّ الأمر دائر بين مقطوع الزوال ومشكوك الحدوث.
يقول: يعتبر من الشيء الذي أخذ في عقد الوضع أن لا يؤخذ في عقد الحمل ليصحّ الحمل، فلا يجوز نحو: (زيدٌ القائم قائم). وفي المقام يجب أن لا نأخذ البقاء الراجع إلى عقد الحمل في الموضوع، وأنتم تقولون: إنّه بعد الفسخ الملك المتزلزل مرتفع، وإنّما الباقي هو الملك المستقرّ، فاستصحابه يرجع إلى أنّ الملك الباقي باقٍ، وهو مستحيل. وهو خلاف مدلول قوله: “لا تنقض اليقين بالشك“.
والسر في ذلك هو أنّ ماهيّة الملك المستقرّ وماهيّة الملك المتزلزل مختلفتان بتمام هويّتهما، ثُمَّ قال: ولعلّ نظر الشيخ -في أمره بالتأمّل- إلى ذلك.
ـــــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هذا ما أفاده بعض الأعاظم من المحققين)1).
ونحن لا نعلم أنّنا نوجّه الإشكال إلى المقرّر أو إلى صاحب القول، وإن كانت أصالة الصحّة تقتضي ذلك، فإنّ في العبارة خلطاً وتناقضاً بين الصدر والذيل إلّا أنّنا نأخذ المحصّل بنظر الاعتبار.
أما قوله: بأنّ الاستصحاب الشخصي يجري كالاستصحاب الكُلِّي في صورة ما إذا علم بوجود أحد الحادثين وشكّ في وجود الرافع لأحدهما.
فإن الاستصحاب الشخصي غير جارٍ في المقام ولا يعقل جريانه، وذلك لأنّ علمكم لم ينصبّ على الشخص بشخصه.
ففي مثال الملكيّة هل يحكمون بالملك المستقرّ بخصوصه والمتزلزل بخصوصه بما هو متزلزل ومستقرّ؟
وفي مثال الجنابة هل نعلم بوجود الحدث الأكبر بخصوصه أو الأصغر كذلك؟ إذا كان الأمر كذلك فيجري الاستصحاب الشخصي.
إلّا أنّ المفروض أني مردَّد ما بينهما، فمتعلّق علمكم هو وجود واقع شخصي خارجي قابل الانطباق على أيٍّ من الفردين، والعلم يستحيل أن يتعلّق بالخصوصيات الشخصية ويتردّد بين هذا وذاك، فمعلومكم هو الشخصي بالحمل الأوّلي، وهو كُلِّي قابل للصدق على كثيرين…
إذن فليس علمكم بأحد الحدثين بالخصوص، وإنّما الأمر مردَّد بين الحدثين فما وقع في الخارج وإن كان جزئياً حقيقياً لكن لم يتعلّق به علمك وما
ـــــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 60- 61، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تعلّق به علمكم هو عنوان قابل للصدق على كثيرين.
فإذا قلتم: إنّني أعلم بالجزئي الواقعي فاستصحبه، فهذا نقبله.
وإن قلتم: أنا أستصحب الفرد المردّد.
أقول: ماذا تقصدون من الفرد المردّد، هل ما هو بحسب الواقع فرد مردّد، يعني الوجود الخارجي المردّد، فهذا كلّكم يعلم أنّه محال.
وإذا قصدتم الفرد المردّد في علمي فذلك هو العلم الإجمالي الكلّي، فإنّك تعلم بوجود حدث قابل للانطباق على هذا وهذا، فأين الاستصحاب الشخصي الذي تقوله؟ ومراده من الاستصحاب الشخصي القسم الأوّل على ما يظهر من عبارته.
ويقول أيضا: إنه فيما نحن فيه، الاستصحاب الكُلِّي غير جارٍ كما أنّ الاستصحاب الشخصي غير جارٍ، وأساس الإشكال هو أنّ الملكيّتين متباينتين بهويّتهما، على ما في العبارة من تناقض واضطراب.
ما مرادكم من الهوية، هل هي عبارة عن الوجود بمعنى أن هذه الملكيّة بتمام وجودها مخالف لتلك الملكيّة بتمام وجودها؟ فهو وإن كان صحيحاً، إلّا أنّنا لا نريد استصحاب الوجود، بل نريد استصحاب الماهيّة الكلّية، أو هو عنوان الحدث أو الملكيّة لا الوجود.
وأما إذا كان التباين المدّعى بتمام الماهيّة، فهل ذلك بمعنى أنّ أحدهما وهو الملك المستقرّ مثلاً ملك والآخر ليس بملك، حتّى يتحقّق التباين التامّ بين الذاتين؟ فهذا أوَّلاً خلاف الواقع، وثانياً: خلاف فرضنا؛ لأنّ فرضنا هو أنّ
ـــــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المعاطاة مُسبِّبة للملك، إمّا متزلزل أو مستقرّ.
وإذا كان المقصود أنّ كِلاهما ليس ملكاً، وإنّما المعاطاة أنتجت شيئين متباينين، فهو بلا إشكال غير مراد.
أو تقولون: إنّ هناك اشتراكاً لفظيّاً بين الملك المستقرّ والملك المتزلزل. وإنّ واقع الملكيّة عندنا ملكيتين، هذا ما معناه؟ أن يكون كِلاهما ملك ومع ذلك هما متباينان، لا بُدّ أن يرجع إلى اتحادهما بالملك وتباينهما في الخصوصيّات الأخرى.
وأمّا قوله: إن الاختلاف بينهما بالارتفاع وعدم الارتفاع، هل المقصود هو الارتفاع فعلاً، فهما متماثلان حتّى ينفسخ أحدهما فيفترق(1)عن الآخر، أو تريدون إمكان الارتفاع؟
إذن لا يعلم أنّ عندنا ملكاً يمكن أن يرتفع، وملك لا يمكن أن يرتفع، وهذا هو معنى الكلّي، إذن قوله يلزم أخذ عقد الوضع في عقد الحمل، غير صحيح.
نحن نريد أن نستصحب الكُلّي، فإنّنا بعد المعاطاة علمنا بوجود الملك وشككنا أنَّه مستقرّ أو متزلزل، فإنّنا بعد المعاطاة علمنا بوجود الملك وشككنا أنّه مستقرّ أو متزلزل، وكُلّاً من إمكان الارتفاع وعدمه خصوصيّة للملك، ونحن نريد أن نستصحب الملك، لا خصوص المستقرّ أو المتزلزل، فإنّها غير معلومة.
بناءً على هذا، وجه تأمّل الشيخ لا يمكن أن يبتني على هذا الكلام، بل يمكن أن يكون بوجهٍ آخر.
ـــــــــــــ[154]ــــــــــ
() وهذا كأنّه بنفسه غير محتمل، وإلّا فإنّ السيد لم يذكر له نقضاً. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أمّا قضيّة أن يُقال: إنّ الشكّ هنا شكّ في المقتضي)1).
فجوابه واضح؛ لأنّ المقتضي الذي يتكلَّم حوله هنا بناءً على أقوال الشيخ في باب الاستصحاب(2) -وقد خلط به أحد الأعاظم- ليس المراد منه المقتضيات التي تقال في الأسباب والمسببات)3) نحو: النار مقتضٍ للحرارة، بل إنّ مراد الشيخ من أنّ الشكّ في المقتضي ليس حجة والشك في الرافع حجة، : إنّ الأشياء على شكلين: إما على نحو لا يبقى أكثر من مدّة معيّنة، أو أنّه مستمرّ ما لم يطرأ عليه شيء يرفعه، كعقد المتعة والعقد الدائم، والعقد الدائم أو الملكيّة لا تكون بنحو أخذ الدوام في العقد، بل إنّما يجعل الطرفان الزوجية، وهي ما لم يطرأ عليها الطلاق أو الفسخ مستمرّة وموجودة، وإذا جاء الطلاق والفسخ فهو رافع للزوجية، ففي المقام هل الشكّ في المقتضى أو في الرافع؟.
هذا الملك دائر بين المتزلزل والمستمرّ، ومعنى ذلك، أنَّه يزول بالفسخ أو لا يزول؟ فالفسخ رافع الملك المتزلزل، كما أنّ الملك المستقرّ رافعه البيع وغيره من النواقل. فالملك المتزلزل موجود ما لم يفسخ والفسخ يعدمه، لا أنّه بنفسه لا يبقى إلّا إلى أمد معين كعقد الانقطاع.
ـــــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (الآخوند الخراساني): 13، في لزوم المعاطاة وعدمه.
(2) فرائد الأُصول 2: 556، في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام.
(3) فرائد الأُصول 2: 556، في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن فالشكّ ليس شكّاً في المقتضي بلا إشكال وإنّما هو شكّ في الرافع.
هذا راجع إلى أصل جريان استصحاب الكلّي.
وأما في مقابله، أن يُقال: إنّ هذا الاستصحاب جارٍ ولكنّ له أصلاً حاكماً وإن لم يكن فأصل معارض، ونحن نؤجّل الأصل المعارض إلى ما بعد الاستصحاب الشخصي، فإنّه معارض لِكلا الاستصحابين.
أما تقريب الأصل الحاكم فبأن يُقال: إنّ هذا الشكّ في بقاء الكُلِّي ناشئ من الشكّ في حدوث الشيء الطويل وعدم حدوثه، فالشكّ في بقاء الملك وعدم بقاءه ناشئ من حدوث الشيء الطويل أو القصير، واستصحاب الأصل السببي رافع للشكّ في الأصل المسببي.
وهذه المسألة وإن كنّا نبحثها في الأصول، إلّا أنّنا نعرض الآن أساس المسألة:
في قضيّة الأصل السببي والمسبّبي، وعلى ما بنينا عليه لا حكومة بينهما أبداً، ولا يقدّم أحدهما على الآخر، وإنّما الحكومة ما بين الدليل الاجتهادي والأصل المسببي.
بيانه: أنّ الاستصحاب مطلقاً كما يستفاد من أدلّته ليس لسانه لسان ترتيب الأثر أو جعل الحكم المماثل، وإنّما لسانه لسان: (لا تنقض اليقين بالشكّ). فنحن نجري مفاد هذه الكبرى، وهو بحسب الفهم العرفي تعبّد ببقاء اليقين أو المتيقّن إلى زمان الشكّ، وبقاء اليقين لازمه بقاء المتيقّن، إلّا أنّه لا بُدّ أن يكون
ـــــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المتيقّن ذا أثر بمعنى أنّ هناك كبرى في الشرع تنطبق على هذا المصداق المراد استصحابه، وبالاستصحاب يحرز موضوعه.
بيان ذلك: أنّ الشارع إذا قال: لا بُدّ أن يكون الطلاق عند عدلين، وكان هذان شخصين عادلين ثُمَّ شككنا في عدالتهما، فهنا الاستصحاب يعبّدنا بأنهما لا زالا عادلين، ومن ثَمَّ تنطبق كبرى: يجوز الطلاق عند العادل انطباقاً تعبّدياً، فالاستصحاب ينقّح موضوع الكبرى الثابتة بالدليل الاجتهادي.
أو أنّ الدليل الاجتهادي قال: (لا صلاة إلا بطهور)، واستصحاب الطهارة لا يقول: صلِّ بطهارة، وإنّما ينقّح أني على طهور لا استصحاب الطهارة، فإنّه مثبت.
بهذا المعنى الذي نقوله يصحّ جملة من المسائل:
أحدها: الآثار مع الواسطة التي يُقال إنّ الاستصحاب مع الواسطة لا يصحّ، هو لا يصحّ على ما يقوله الآغايون ويصحّ على ما نقوله.
والأخرى: أنّ الأصول المثبتة أين تجري.
والثالثة: سرّ حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي، فنحن ننقّح ثلاثة مطالب أساسية بهذه المسألة.
[وملخّص الفكرة](1): بأن الأصل المسببي حاكم على الدليل الاجتهادي بمعنى أنه منقّح لموضوعه، والدليل الاجتهادي حينئذٍ يكون حاكماً على الأصل المسببي.
ـــــــــــــ[157]ــــــــــ
() (وهنا أعطى ملخصاً لفكرته قال:…) (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هل جريان استصحاب الكُلِّي محكوم بجريان أصل آخر، أو هو أصالة عدم تحقّق الفرد الطويل؛ لأنّ الشكّ به ناشئ منه، وفي الأصل السببي والمسبّبي يكون السببي حاكماً وبه يرتفع الشكّ في المسبّبي.
نحن نريد أن نعرف ميزان حكومة الأصل السببي على المسبّبي، وبعد هذا نطبّقها على الأماكن الأخرى لترتفع بها الشبهة.
من الشبهات هي الشبهة الراجعة إلى الآثار مع الواسطة، فإنّه إذا كان للمستصحب أثر وكان للأثر أثرٌ آخر وأثر ثالث وهكذا، هل نستطيع باستصحاب الأثر الأوّل أن نتمّم تمام الآثار وننقّحها وكذلك آثار الآثار أو لا؟
هناك إشكال في الإخبار مع الواسطة، أنّنا بواسطة: (لا تنقض اليقين بالشكّ) نثبت الأثر، أما أثر الأثر فلا يعقل أن ننقّحه بالاستصحاب؛ لأنّه يلزم أن الشيء ينقّح موضوع نفسه ثُمَّ يترتّب عليه الأثر، يلزم أن يكون الحكم محقّقاً لموضوعه وهو مستحيل، وهذا الإشكال يأتي في الأخبار مع الواسطة بأن يُقال: إنّ صدق العادل يشمل الخبر الأوّل الوجداني الذي سمعته أنا لا محالة، ولكنّني بهذه القاعدة أريد أن أتمّم قول الراوي الثاني أيضاً، فأشكلوا أنه يلزم أن يكون الحكم محقّقاً لموضوعه وهو مستحيل.
وأجابوا عنه: أنّ ذلك يتمّ بنحو القضيّة الحقيقة أو بنحو تنقيح المناطق أو غيرها.
ولكن هذه الأجوبة لا يمكن أن ترد في المقام؛ لأنّ أثر الأثر ليس مصداقاً
ـــــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لـ”لا تنقض اليقين بالشك“. وهناك الخبر الثاني كان خبراً، فيمكن تصحيحه بنحو القضيّة الحقيقة لو قلنا به، لكن هنا لا نستطيع أن نجري قاعدة (لا تنقض اليقين بالشك)، فإنّ المستفاد منها أن أكون على يقين بشيء ثُمَّ أشكّ ببقائه فاستصحبه، وهذا لا يصدق على أثر الأثر، فإنّه ليس عندي يقين به ثُمَّ أشكّ فيه، ولا كان هو موضوعاً للاستصحاب ابتداءً، فأنا لا أتيقن بأثر الأثر، وإنّما أريد أن أرتّب الآثار بالاستصحاب الأوّل وهو محال. إذن فالآثار بلا واسطة لا يشمله دليل الاستصحاب، فضلاً عن الآثار بالوسائط العقلية أو غيرها.
وأما بيان الميزان الكُلِّي للأصول المثبتة، ومسألة حكومة الأصل السببي على المسبّبي، فبالنحو الذي نحن تمّمنا المطلب وهو تامّ إلى الآخر:
هو أنّ الاستصحاب ليس معناه مرتّب الأثر أصلاً لننظر إلى الأثر مع الواسطة أو بلا واسطة، فلذا في الاستصحابات الحكمية التي يشملها الدليل بإطلاقها، ليس لها أثر وإنّما هو بنفسه أثر وأنا أستصحبه، أستصحب نفس الوجود والوجود لا أثر له، وكذلك في الطهارة استصحب كوني ذا طهارة. والاستصحاب في الموضوع يعبّدنا ببقاء الموضوع، وإنّما يعبّدنا ببقائه إذا كان له حكم وإلّا كان لغواً، وإذا كان المستصحب حكماً يعبّدنا ببقائه.
فإذا شككت في طهارة شيء بعد أن كان متيقّن الطهارة، يعبّدني الاستصحاب بطهارته، ثُمَّ يرد الدليل الآخر قائلاً: الطاهر صلاته صحيحة. أو بالنسبة إلى استصحاب الكرّية غاية ما يعمله هو أنّ الماء كرّ، فيكون موضوعاً
ـــــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لحكم آخر وهو أنّ الكُرّ طاهر ومطهّر ولا ينجسه شيء.
فالاستصحاب يُنقّح موضوع هذه الكبرى ولا عمل له أكثر من ذلك، وهذا الاستصحاب يُنقّح موضوع الدليل الاجتهادي وحاكم عليه لأنّه موسّع لموضوعه.
أما الآثار مع الواسطة، فأقول: إنها تتمّ بالكبريات المترتّبة لا بدليل (لا تنقض اليقين بالشك)، ليأتي الإشكال العقلي.
مثلاً عندنا كبرى: يصحّ الطلاق عند العادل.
وكبرى: أنّ وَالـمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ(1)..
وكبرى ثالثة هي: أنّه إذا انتهى التربّص يجوز لهنّ التزويج.
وكبرى رابعة: هو أنّه يجب على الزوجة إطاعة الزوج وعليه النفقة.
فهذه أحكام موضوعاتها مترتّبة.
فإذا شككنا في عدالة الشاهدين بعد أن كانا عادلين، فالاستصحاب يقول لنا: هذان عادلان، وبعد أن يكونا عادلين ينطبق الدليل القائل بصحّة الطلاق عند العادل، فصحّة الطلاق لم نتمّمه بالاستصحاب بل به وبالكبرى القائلة بصحّة الطلاق عند العادل، وبهما علمنا أنّ المرأة مطلّقة فتكون موضوعاً للآية القائلة بوجوب التربّص على المطلّقات، فإذا تربّصت وانتهى التربّص يشملها دليل صحّة الزواج، فإذا تزوّجت يشملها دليل وجوب النفقة على الزوج ووجوب الإطاعة عليها.
فهذه الآثار المتدرّجة نثبتها بكبريات متدرّجة وباستصحاب واحد، في
ـــــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) البقرة: 228.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
رأس السلسلة ينقّح موضوع الأثر الأوّل، لا أنّنا نثبت الجميع بالاستصحاب، فالأحكام المترتّبة كلّها غير مربوطة بالاستصحاب.
نعم، بدونه لا تترتّب؛ لأنّ الكبريات حينئذٍ لا تنطبق لعدم تمامية موضوعاتها، وإلّا لولا ذلك لورد الإشكال العقلي وغيره من الإشكالات، ولا نستطيع حينئذٍ ترتيب الآثار، فإنّ الأثر هو المتيقّن دون أثر الأثر.
ونضع بهذا المعنى أيضاً ميزان الأصول المثبتة:
فإنّ الموضوع الذي أستصحبه إذا كان له كبرى شرعية، وأنا أريد أن أنقّحه بالاستصحاب، فليس هذا أصلاً مثبتاً كاستصحاب الكُرّية الذي ينقّح موضوع كبرى أحكام الكُرّ.
أما إذا لم تكن عندنا كبرى شرعيّة، وأردتم أن ترتّبوا عليه أثراً ولازماً عقليّاً، كان ذلك مثبتاً. فإنّكم إذا استصحبتم حياة زيد فليس لذلك حكم شرعيّ ينطبق عليه، فإنّ طول اللحية ليس من جملة الآثار الشرعيّة المترتّبة على حياته.
نعم، لو كان عندنا كبرى شرعيّة تقول: (إنّ زيداً إذا طالت حياته نبتت لحيته)، لصحّ أن ننقّح موضوعها بالاستصحاب. وإنّما الذي ينطبق باستصحاب الحياة هو أنّ ماله غير موروث وزوجته غير مطلّقة.
أما إذا أردنا أن نستصحب الحياة من دون حكم شرعيّ يترتّب عليه، وإنّما نريد أن نطبّق بواسطته حكماً على موضوع آخر، فيكون هذا مثبتاً. فإنّنا إذا استصحبنا حياته فلازمه العقلي لا يمكن أن يترتّب عليه حكمه.
نعم لو كان عندنا كبرى تنقّح موضوعها بالاستصحاب، وبضمّه إلى الكبرى يتنقّح موضوع أثر آخر لكان هذا صحيحاً.
ـــــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فالاستصحاب الذي ينقّح موضوع الكبرى الشرعيّة لا يكون مثبتاً، وأمّا إذا لم تكن هناك شرعية فليس هنا مكان للاستصحاب، وإذا أجريتم الاستصحاب فلا بُدّ أن يكون ذلك باللوازم العقلية، وهذا لا يأتي في الاستصحاب؛ لأنّه لا يعقل به إلا تنقيح الموضوع.
أما مسألة تحكيم دليل على دليل، فهذا هو معناه أيضاً، فإنّني لو شككت بطهارة ثوب مغسول بماء مشكوك الكرّية، في هذا المورد الذي فيه هذا النحو من السببية، بحيث يترتّب على الأصل السببي كبرى كلّية، فيكون الأصل حاكماً بهذا المعنى، فإنّ الاستصحاب ينقّح كرية الماء فيكون حاكماً على دليل الكرّية؛ لأنّه متصرف ومنقّح لموضوعه.
وبعد ذلك تأتي الكبرى الشرعيّة القائلة: إذا غسلت الثوب في الكرّ فهو طاهر. وهي دليل اجتهادي ينطبق على هذا المورد، فالاستصحاب ينقّح موضوع الكبرى الكلّية وهي تزيل شكّي، لا أنّ نفس الاستصحاب يُزيل شكّي. بناءً عليه: الشكّ في طهارة الثوب ارتفع بواسطة الدليل الشرعي مع الاستصحاب.
وعن هذا الطريق ننقّح جملة من المطالب:
أحدها: الشيء الذي قالوه)1) في الملاقي، إذا كان هناك علم إجمالي إما هذا
ـــــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) فرائد الأُصول 2: 424، دوران الأمر بين الحرام وغير الواجب، ونهاية الأفكار 3: 357- 358، في حكم الشكّ في التكليف.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نجس أو هذا نجس، ثُمَّ لاقى أحد الطرفين شيءٌ. قالوا بأن جريان أصالة الطهارة في طرفٍ معارضٌ مع جريانها في الطرف الآخر، إلّا أنّها لا تعارض جريان الطهارة في الملاقي، فإذا تعارض الأصلان في الرتبة السابقة، ارتفع الدليل الحاكم ونرجع إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض.
نقول: من أين لنا أنّه إذا كان شيء طاهراً فملاقيه طاهر، غاية ما عندنا أنَّه إذا لاقى شيءٌ نجساً فهو نجس. فإن الشكّ في هذا ولو كان ناشئاً من هذا، إلّا أنّه ليس حاكماً عليه، فإنّه وإن كان من الممكن أن أستصحب النجاسة فيشمل الملاقي حينئذٍ قاعدة: إذا لاقى شيء نجساً فهو نجس. إلّا أنّه ليس عندنا قاعدة: إذا لاقى شيءٌ طاهراً فهو طاهر، لننقّح موضوعه باستصحاب الطهارة ليكون هذا حاكماً على ذاك، بل الأصل السببيّ والمسبّبي كِلاهما يجريان.
ومن المطالب التي تتّضح بهذا البيان:
الشبهة الموجودة في صحيحة زرارة: وهي أنّكم تقولون إنّ الأصل الحاكم مقدّم على الأصل المحكوم، والإمام الصادق في الرواية قدّم الأصل المحكوم على الأصل الحاكم. وهي ما روي عن زرارة قال: “قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلب فقد وجب الوضوء. قلت: فإن حُرّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: لا حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن، وإِلَّا فإنّه على يقينٍ من وضوئه،
ـــــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ، ولكن ينقضه بيقينٍ آخر“(1) انتهى.
فهذا ظاهر باستصحاب الوضوء، مع أنّ الشكّ بالوضوء ناشئ من الشكّ في النوم. فعلى قولهم: استصحاب النوم(2) يرفع الشكّ عنه. ولكن على ما قلناه ليس عندنا قاعدة تقول: إنّه لم ينم المكلف فهو باقٍ على وضوءه؛ لكي ننقّح موضوعها بالاستصحاب، نعم، إذا لم يصدر منه أيّ حدث فلازمه العقلي هو بقاء الوضوء لا محالة. فاستصحاب عدم النوم هنا لا يثبت أنّه على وضوء إلا بالأصل المثبت، إذن فيتعيّن إجراء استصحاب الوضوء.
بناءً على ذلك يتمّ تنقيح ما نحن فيه: إذا قلتم: إنّه ما لم يكن الفرد الطويل الأمد موجوداً، فإنّ الكُلِّي لا يتحقّق، فهذا ليس حكماً شرعياً لننقّح موضوعه بالاستصحاب.
عندنا فقط حكم العقل بأن الكُلِّي إذا وجد فرد منه فهو موجود حتّى يذهب تمام أفراده.
فأنا أعلم بوجود الطبيعة، والآن أقول إنّه إذا كان الفرد القصير متحقّقاً فهو زائل حتماً، إلّا أنّي أستصحب الطبيعة الجامعة المعلومة.
فاستصحاب الفرد الطويل لو كان موضوعاً لحكم لنقّحناه بالأصل، لكن
ـــــــــــــ[164]ــــــــــ
() اُنظر منتقى الجمان ج1 104. (المقرر). تهذيب الأحكام 1: 8، باب الأحداث الموجبة للطهارة، ووسائل الشيعة 1: 245، باب أنّه لا ينقض الوضوء إِلَّا اليقين بحصول الحدث.
(2) عندنا استصحاب عدم النوم، لا استصحاب النوم كما هو واضح. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مع الأسف ليس عندنا مثل هذا الحكم، إذن استصحاب الفرد سواء كان من استصحاب العلّة والمعلول أو بنحو العينية، يعني سواء قلنا إنّ المصداق علّة لوجود الطبيعة أو عين وجودها، وعدم الطبيعة بعدم أفرادها حكم عقلي لا شرعي. فحتّى لو كانا متّحدين لا يمكن استصحاب الفرد لأنّهما متّحدان في الوجود، لأنّ موضوع الحكم هو الطبيعة لا الطبيعة مع الخصوصيّات، والموضوع لا يتّحد مع هذه الخصوصيّات في عالم الحكم.
فهذا الفرد الخارجي أريد أن أستصحب منه الفرد المشترك دون خصوصياته.
فاستصحاب عدم الفرد ولو اتّحد مع الطبيعة لا يكفي ثبوت عدم الكُلِّي؛ لأنّه ليس عندنا حكم يقول: بأنّه إذا لم يكن الفرد موجوداً لم يكن الكُلِّي موجوداً.
فهذا الكلام في الأصل الحاكم.
ومن المطالب الأخرى: أنّ الاستصحاب الشخصي هل هو جارٍ هنا أو لا؟ فهنا مطلبان: أنّ الاستصحاب الشخصي والكلّي كِلاهما جاريين أو يجري الاستصحاب الشخصي ولا مجال لاستصحاب الكلّي.
هل يجري القسم الأوّل من الاستصحاب، نحو أنّا كنّا نعلم بوجود زيد ووجود الإنسان بوجوده، وبعد ذلك نشكّ بارتفاع الكُلّي لشكّنا بارتفاع زيد؛ فنستصحب الكُلِّي باستصحاب وجود زيد؟ هنا أيضاً إذا وجد المصداق فقد
ـــــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تحقّقت الطبيعة بوجوده، وبعده نشكّ بزوال الطبيعيّ فنستصحبه، فاستصحاب الكُلِّي على أيّ حال جارٍ، سواء قلنا بجريان القسم الثاني أو لا، وسواء قلنا بجريان الاستصحاب الشخصي أو لا.
الآن يُقال: إنّ الاستصحاب الشخصي جارٍ والاستصحاب من القسم الثاني ليس موجوداً.
ولإثبات ذلك يُقال: إنّ الملكية)1) نحو اعتبار من المقولات التي لا تخرج عن مقولة الإضافة أو الجدة، وحيث إنّ هذه المقولات ليست فيها مراتب فهذا المصداق أيضاً لا يكون فيه مراتب أو أن يكون نوعين. إذن فاستصحاب الكُلِّي المبتني على وجود مرتبتين أو نوعين من الملكيّة وهو الاستصحاب من القسم الثاني غير جارٍ لأنّ الملكيّة ليست نوعين أو مرتبتين.
لنا كلام حول أنّ اعتبار الملكيّة هل هو اعتبار مقولة لا يخرج عن مقولة الإضافة أو الجدة، أو ليس هو اعتبار مقولة أصلاً، أو اعتبار تبعاً لمقولة معتبرة أو لا، ثُمَّ نتكلّم أنّه بهذا هل يتمّ المطلب؟
أمّا أنّ الملكيّة اعتبار مقولة من المقولات، فنحن منكرون له أشدّ إنكار؛ لأنّ معنى اعتبار المقولة أنّ العقلاء كانوا مطلعين على المقولات وقد اعتبروا الملكيّة فيها، فلا بُدّ أن نرى أنّ الاطلاع على المقولات أسبق أو اعتبارهم
ـــــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) راجع الإجارة (للميرزا الرشتي): 13، القول في المعاطاة، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 133، الاستدلال بالاستصحاب.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
للملكيّة، فإذا كان اعتبار وتحقّق الملكيّة أسبق من كشف المقولات، فلا معنى لأن نقول إنّ الملكيّة هي اعتبار المقولة، ونحن نرى أنّه قبل أن يرد البشر الفلسفة والتدقيقات العقليّة، كان هناك بينهم اختصاص ملكي، فكانوا يبادلون الحنطة بالعدس، فهل كانوا يعلمون بالمقولات واعتبروا الملكيّة منها، أو أنّ هذا من أفكار الآغايون)1) ومن بناء متأخّري المتأخّرين كالشيخ وصاحب (الجواهر)، بناءً عليه أنّ الملكيّة اعتبار المقولة أو اعتبار تبع للمقولة غير صحيح.
وإنما جعل الملكيّة مقدّم ملايين السنين على كشف المقولات ومعرفتها، حين لم تكن علوم ولا كتابة ولا كشف حقائق.
الآن نفرض أن اعتبار العقلاء للملكية كان يتبع اعتبار المقولات، فهل المقولة ذات نوعين أو مرتبتين؟ وهذه المسائل العقلائية لا تحلّ بالمسائل العقلية وإنّما يجب أن يرجع إلى ارتكاز العقلاء.
أما مسألة أنّ الملكيّة ذات مرتبتين أو نوعين، نرى أوَّلاً كيف تكون الماهيّة ذات مراتب، ثُمَّ نرجع إلى الملكيّة لنرى هل هي ذات مراتب؟
الحقائق ذات المراتب كالنور، الذي يُقال إنّه حقيقة(2) مشكّكة ذات مراتب، بهذا المعنى: أنّ للنور مرتبة قوية ومرتبة ضعيفة، نور شديد في نوريّته ونور ضعيف في نوريّته، الشمس والشمعة كِلاهما نور، غايته أنّ هذا النور (يعني الشمعة) مرتبة منه وذاك النور مرتبة أقوى، وكلّما يقرب من المبدأ الخارجي يكون أشد حتّى يصل إليه فيكون على أوَجّ قوّته.
فمعنى الحقيقة ذات المراتب، أنّ الحقيقة توجد في كلّ مكان، غايته في مكان توجد ضعيفة وفي مكان توجد أقوى كالبياض والأبيض والسواد والأسود.
أمّا الملكيّة في اعتبار العقلاء، نحو: (أنا مالك لهذه العباءة ولهذا الثوب)، فهل يُقال: أنّني مالك ولهذا أملك، هل الملك المعرّض والقابل للفسخ أنا مالك فيه، وفي الملك غير القابل للفسخ فيه أنا أملك، أو أنا مالك على كلّ حال؟ غايته أنَّه عند الفسخ تزول الملكيّة وذاك لا تزول منه الملكية، لا أنّ الملكيّة ذات
ـــــــــــــ[167]ــــــــــ
() اُنظر حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 58، كتاب البيع، في التعاريف المذكورة للبيع، المكاسب والبيع (للميرزا النائيني) 1: 126، الكلام في المعاطاة، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 129- 132، الاستدلال بالاستصحاب.
(2) التشكيك إنّما يكون بالوجود لا بالماهيّة، وإن كان ظاهر عبارته غير ذلك، ومن ثَمَّ تستطيع أن تعرف أنّ معنى الملكيّة وماهيتها وإن كان واحداً -كما سوف يبرهن عليه- إلّا أنّ ذلك لا يُنافي أصلاً كونها مرّةً تكون ضعيفة الوجود، وأخرى قوّية الوجود، فتكون مراتب الملكيّة بلحاظ وجودها لا بلحاظ ماهيّتها، فتَأَمَّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مراتب عند اعتبار العقلاء، فالأمر دائرٌ بين الوجود والعدم، فإنّنا هناك نقول نور وأنوّر، ولا نقول هنا مالك وأملك، فالفسخ ليس معناه أنّ الملك نوعين أو ذو مراتب.
أما قضيّة أنّ الاختلاف بين هذا الملك وهذا الملك ليس اختلافاً جنسياً ولا نوعياً ولا صنفياً ولا بالمشخصات الشخصية)1)، هذه المسألة لا بُدّ أن تعيّن
ـــــــــــــ[168]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 73، القول في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هكذا: أنَّه إذا أراد أن يدّعي أحد أنّ هذه الاختلافات في الملك من ذاته بذاته مع قطع النظر عن السبب المُملِّك كالعقد ونحوه، ذاته بذاته نوعين مع قطع النظر عن كونه جائزاً أو لازماً إذ إنّه بواسطة الأسباب المُملِّكة اكتسب هذا المعنى.
لا أظنّ أنّ أحداً يقول بذلك، بل القائل باختلاف الفرع في الملكية، لا بُدّ أن يقول: إنّ ذلك بالسبب المملِّك كالعقد.
بناءً عليه نقول: إنّ الاختلاف الذي يوجد في الملك بسبب العقد لا بُدّ أن يكون هو أيضاً موجوداً في العقود، ولا يجوز(1) أن تكون العقود بشكل واحد، الجائز منها واللازم، ولكنّها تتسبّب إلى نوعين من الملكية، والاختلاف في الأسباب فيه احتمالات:
أمّا أنّ الأسباب بذاتها بقطع النظر عن اعتبار العقلاء والشارع من الأزل، ذاتها بذاتها مختلفة، هذا الاحتمال لا يستطيع أن يقول به أحد؛ لأنّ العقود اعتبارية وليست موجودة قبل البشر، لا بيع ولا عقد ولا ملكيّة لتكون مختلفة، بل هي موجودة باعتبار البشر.
فإذا كانت أموراً اعتبارية فإما أن نقول: إنّ سببية المسبّب للملك بكِلا نوعيه أمر وسبب تكويني غير مربوط باعتبار العقلاء، وحيث تكون الأسباب مختلفة فقهراً يحصل الاختلاف في المعلول، أو تقولوا إنّ اعتبارهم لهذا موجب لأن يضعوا اعتباراً آخر. فصار اعتبارهم للزوم في العقد منشأ لاعتبار آخر، كما
ـــــــــــــ[169]ــــــــــ
() هذا على أنّ الواحد بالنوع لا يوجد إلّا الواحد بالنوع، فإذا كان المعلول متعدّداً نوعاً كانت العلّة كذلك لا محالة. (المقرّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قالوا ذلك في باب مقدّمة الواجب من أنّ وجوب ذيها نشأ من وجوبها.
هنا أيضاً يُقال إنّ اعتبار اللزوم في العقد نشأ من اعتبار اللزوم في البيع، واعتبار الجواز فيه نشأ منه اعتبار الجواز فيه.
واحتمال آخر: هو أنّها ليست مسألة نشوء سببية، بل العقلاء اعتبروا اعتبارين مستقلّين، اعتبروا اللزوم للعقد واعتبروا اللزوم للملكية الحاصلة منه، واعتبروا الجواز للهبة واعتبروا للملكية الحاصلة منه، لا أنّ اعتباراً نشأ من اعتبار، وإنّما نشأ كلّ اعتبار من مباديه الخاصّة.
واحتمال آخر: أنّ العقلاء اعتبروا اللزوم والجواز في الملك دون العقد وإنّما اعتبروها في العقد بسببه.
واحتمال آخر: هو أنهم اعتبروا اللزوم والجواز في العقد ولم يعتبروهما في الملك، وإنّما ينسب ذلك إلى الملكيّة مجازاً، وإلى العقد حقيقةً.
أما كون العقد علّة تكوينية لشيء، فالشيء الاعتباري يستحيل أن يكون علّة لشيء من الحقائق، أو أن يوجد تكويناً أمراً حقيقياً.
وأما نشوء الاعتبار من الاعتبار كما قالوه في باب المقدّمة، من أنّ إرادة المقدّمة ناشئة من إرادة ذيها.
قلنا هناك: إنّ أصل المطلب ليس صحيحاً، نشوء وجوب من وجوب وإرادة من إرادة غير صحيح، فإنّكم حين تريدون تكويناً أن تذهبوا إلى الصحن الشريف فإنّما توجد هذه الإرادة من مباديها الخاصّة من التصوُّر والتصديق بالفائدة، إذ لا يمكن الوصول إلى الصحن من دون المشي لاستحالة الطفرة،
ـــــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والشوق وغير ذلك فهي إرادة مستقلّة ناشئة من مباديها الخاصّة، لكنها لو لا تلك الإرادة لما حصلت هذه الإرادة، لعدم توفّر مباديها حينئذٍ، وكلّ قدم تنقله نحو الصحن تنقله بإرادة مستقلّة.
وفي المقام هل يراد من نشوء اعتبار من اعتبار أنّك بمجرّد أن تعتبر السبب يوجد اعتبار آخر في عالم الوجود من دون أن يكون لك ربط به أو يكون له ربط بك؟
ليس بمجرد اعتبار اللزوم يوجد اعتبار آخر من دون مبادي، ليس كذلك، فإنّ اعتبار الملكيّة يحتاج إلى المبادي ولا يوجد من دونها.
نرى أنّه إذا اعتبر الزوم في العقد هل يحتاج إلى اعتبار اللزوم في الملكيّة أو هو أمرٌ مستأنف بلا ربط، فإنّهم -يعني العقلاء- إذا اعتبروا اللزوم في العقد فمعناه أنَّه عقدٌ لا ينحلّ، إذن فالملك باقٍ، وهذا كافٍ في اعتبار اللزوم في الملك.
نعم، لو قلنا باعتبار اللزوم في الملك كان ممكناً، إلّا أنّه حينئذٍ لا حاجة إلى اعتبار اللزوم في العقد.
إلا أنّ هذا باطل بلا إشكال؛ لأنّ انقسام العقد إلى اللازم والجائز موجود بلا إشكال، وإنّما الكلام في انقسام الملك إلى ذلك. إذن فجعل اعتبارين مستقلّين من قبل العقلاء بدون ربط، لأنّ اعتبارهم في العقد يغني عن الاعتبار الآخر.
بناءً عليه إذا قلنا بتعدّد الملكيّة نوعاً أو جنساً أو سنخاً أو شخصاً، فلا بُدّ أن يكون ذلك متوفّراً في الأسباب أيضاً، أما إذا لم تستطع الأسباب إيجاد ذلك تكويناً ولا نشأ اعتبار من اعتبارين ولا صحّ وضع اعتبارين مستقلّين، إذن فلا
ـــــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
طريق لنا إلى تكثير الملكية، بل وجد هنا فردٌ شخصي واحد للملك سواء كان سببه جائزاً أو لازماً.
وإن شئت قُلت: إنّ سبب الملكيّة هو أصل البيع لا لزومه فاللزوم ليس له أيّ دخل في النقل، واعتبار(1) اللزوم والجواز لأجل حلّ العقد وعدم حلّه.
وأمّا أنّ الملكيّة تنشأ من العقد اللازم بما هو لازم فهذا غير صحيح، فلو كانت المسألة من العقليات ولم تكن من الأمور العقلائية الاعتبارية، لما صحّ ذلك أيضاً؛ لأنّ سبب الملكيّة هو العقد لا الجواز واللزوم، فإنهما لا دخل لهما في النقل.
وإن شئت قلت: إنّ ما هو السبب وإن اتّحد مع غير السبب في الخارج، لكنّ السبب هو هذه الحيثية لا تلك، نحو: (زيدٌ عالِم)، فزيدٌ والعالم وإن اتّحدا في الخارج إلّا أنّه حين يكون جالساً لا يكون له ثقل أو حيّز بصفته عالماً، وإنّما بصفته جسماً متحيّزاً.
فهنا الجواز واللزوم وإن اتّحدا مع العقد لكنّ ما هو العلّة للنقل هو العقد لا اللزوم ولا الجواز، بحيث يكون لهما دخلٌ في النقل.
بناءً عليه بالإضافة إلى عدم كون المسألة من العقليّات، فإنّها أيضاً لا تصحّ على هذا الأساس.
ـــــــــــــ[172]ــــــــــ
() ليس عندنا –العقلاء- اعتبار، واللزوم والجواز، وإنّما اعتبروا للمشتري أو البايع مثلاً حقّ الفسخ في بعض الموارد، وأمضاه الشارع فانتزع من ذلك معنى الجواز واللزوم، وإلّا فإنّ معنى البيع وأثره واحد على أيّ حال.. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن فمطلب الشيخ من جريان الاستصحاب الشخصي صحيح، وإن كان له حوله كلام غير تامّ، كما أنّ الاستصحاب الكُلِّي من القسم الأوّل جارٍ أيضاً.
المطلب الآخر الذي أشار إليه هنا وفصّله في أوّل الخيارات، هو أنّه ولو فرضنا الاستصحاب الكُلِّي والشخصي جاريين أو لا أصل حاكم في المقام، إلّا أنّه يوجد أصل معارض، وهو بقاء الملك على مالكه واستصحاب العُلقة.
بعد(1) بيان الاستصحاب الكُلِّي والاستصحاب الشخصي في باب الخيارات ذكر جواباً عن نفس الإشكال، فيقع الكلام في الإشكال وفي الجواب:
أما بيان الإشكال: فإنّ الشكّ في اللزوم والجواز عند عدم اللزوم، والشكّ في نفس الملكية، الاستصحاب يوجبه. (كذا في العبارة والظاهر أنّ المقصود هو أنّ استصحاب بقاء العلقة الذي يدّعى كونه معارضاً للاستصحاب الكُلِّي والشخصي، هذا الاستصحاب موجب للشكّ في نفس الملكيّة بعد أن يعبّدنا ببقاء العلقة السابقة).
وينبغي أن نبيّن معنى الاستصحاب التعليقيّ والتنجيزي، أما الاستصحاب التعليقيّ فمثل قول الشارع: (إذا غلى العصير العنبي ونشَّ حرم).
ـــــــــــــ[173]ــــــــــ
() لم أحضر في هذه المحاضرة من أوّلها، لذا نقلت ما فات من الأخ الفاضل الشيخ يحيى الدارابي الشيرازي، وأثبتّه هنا بتوضيح منّي بمقدار ما أفهمه. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وقد يأتي بلسان بيان الموضوع نحو: (إذا بلغ الماء كرّاً لا ينجسه شيء). فالتعليق يختلف:
تارةً: يكون بلحاظ الحكم الشرعيّ كما في المثال الأوّل، ويكون تعليقاً متّخذاً من الدليل الشرعي.
وأخرى: يكون بلحاظ الحكم العقلي المتّخذ من الدليل الشرعيّ كما في المثال الثاني، يكون حكماً تعليقياً عقلياً على الحكم الشرعي، فهو خارج في الحقيقة عن التعليق الشرعي.
أما بيان الاستصحاب التعليقيّ الشرعي، كما إذا قال: إذا غلى العصير العنبي حرم، وهذا يُستفاد منه أحد أمور:
أولاً: إمّا جعل الحرمة على فرض الغليان.
ثانياً: أو أن يكون الشارع جعل السببية بمعنى أن يكون الغليان سبب للنجاسة والحرمة.
ثالثاً: أو أن يكون جعلاً للملازمة، بمعنى الملازمة بين الغليان والنجاسة.
رابعاً: أن يكون في مقام التنجيز لا التعليق، وحينئذٍ لا يكون إلا تفنُّناً (تصرُّفاً) في العبارة. ولا بُدّ أن نعرف أنّ النتيجة تصحّ على أيّ قسم منها(1).
أما احتمال جعل الحرمة على فرض الغليان، ومثاله أن يقول الشارع: (إذا صار زيد عالماً فأكرمه)، ثُمَّ يصبح زيد عالماً ويتنجّز وجوب إكرامه، وبعد مدّة أشكّ في بقاء علمه، فاستصحب بقاء وجوب إكرامه، على اعتبار أنّ (هذا) كان
ـــــــــــــ[174]ــــــــــ
() إلى هنا ينتهي ما نقلته من الشيخ الأخ سلمه الله تعالى. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يجب إكرامه يقيناً، وأشكّ أن (هذا) يجب إكرامه فاستصحب، وهذا تامّ بعد أن ورد الحكم على زيد بذاته لا على زيد العالم.
وفي العنب أيضاً نشير إلى محتويات هذا المخزن من العنب، وأقول كان (هذا) إذا غلى ونشَّ ينجس، وبعد أيام يصبح زبيباً، فأقول: كان هذا إذا غلى حرم فالآن كذلك، وهذا تامّ بعد جعل موضوع الاستصحاب هو (هذا) لا (العنب) لكي يتغيّر الموضوع بعد صيرورته زبيباً.
فهنا عندنا قضيّة كبرى تعليقيّة، وهو أنّ هذا إذا غلى ترتب كذا، وقد طبّقنا هذا الحكم على موضوعه في الخارج، ودليل الاستصحاب يقول اسحب هذا الحكم التعليقيّ الثابت لهذا الموضوع إلى زمان الشكّ.
فإذا احتملت أنّ هذا الحكم ثابت بعد تحوّله زبيباً أو أنّه ارتفع، أقول: كان هذا إذا غلى يحرم، فهذا إذا غلى يحرم، فآتي بالكبرى الشرعيّة على هذا الموضوع.
فإذا كان التعليق في المقام شرعياً، يعني جعل الشارع حكما على موضوع على فرض حصوله، فلا يكون الاستصحاب مثبتاً في المقام.
فإنّ موضوع هذا الحكم إذا أحرز وجداناً أو بدليل اجتهادي يترتّب عليه حكمه، فكذلك إذا أحرز تعبّداً بالاستصحاب. فهذا كان إذا غلى يحرم، فالآن كذلك بالاستصحاب ولا مثبتيّة.
وأما إذا كانت القضيّة سببية، كما إذا جعل الشارع سببية شرعية أو جعل ملازمة شرعية، وقال -مثلاً-: بين الغليان والحرمة ملازمة، أو إنّ الغليان سبب شرعيّ للحرمة. فهل هنا إذا وجد السبب يصحّ أن نرتّب المسبّب
ـــــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الشرعيّ على استصحابه يعني السبب، كما قاله الشيخ في الاستصحاب؟
أو أنّ هناك فرقاً بين حكم الشارع بوجود حكم على فرض وجود موضوع كما في الأوّل، وبين جعل السببية والملازمة، كما نذهب إليه من صحّة جعل السببية والملازمة مستقلاً؟
فهذا حكم العقل أنَّه إذا وجد السبب وجد المسبب، وحكم الشرع هو جعل السببية يعني: إذا وجد هذا وجد ذاك، فإذا وجد أحدهما وجداناً أو ثبت بدليل اجتهادي يثبت الآخر لا محالة.
أما إذا أردنا إثباته بالتعبّد الاستصحابي، وكان ترتّب المسبّب على السبب بحكم العقل لا الشرع، فإثبات المطلب بالاستصحاب يكون مثبتاً، فإنّ ما يعمله الاستصحاب هو استصحاب ما كان موضوعاً لكبرى شرعية دون أيّ شيء آخر، فإذا جعل سببية شيء لشيء فهو لم يجعل الحكم(1)، وإلّا رجع الكلام إلى القسم الأول(2).
أما إذا قلنا بأن جعل الحكم على موضوع على فرض حصوله مطلب، وجعل السبب شيء آخر، وجعل الملازمة شيء ثالث، فهنا إذا حصل السبب بالدليل الاجتهادي، نعلم بالمسبّب لا محالة، أما إذا استصحبنا السبب فإنّنا لا نستطيع أن نقول إنّه ترتّب عليه المسبّب؛ لأنّ الملازمة بينهما عقلية لا شرعية، وكذلك الكلام في الملازمة.
فهذه الموارد لا يجري فيها الاستصحاب.
ـــــــــــــ[176]ــــــــــ
() يعني إذا وجد السبب وجد المسبّب. (المقرِّر).
(2) يقصد جعل الحكم على موضوع على فرض وجوده. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما المورد الأوّل وهو جعل الحكم على موضوع على تقدير وجوده يجري الاستصحاب ولا يكون مثبتاً، ومنه قوله : (العصير العنبي إذا غلى ينجس).
فهنا عندنا استصحابان:
استصحاب حرمة تعليقيّة، وهو قولنا: هذا كان إذا غلى حرم فالآن كذلك. واستصحاب حلِّية تنجيزية: وهو أنّ هذا العصير قبل الغليان كان حلالاً، فالآن كذلك.
فيُقال: إنّ الاستصحاب التعليقيّ دائماً معارض بالتنجيزيّ.
والجواب: أنّ التعليقيّ منهما حاكم على التنجيزيّ، وذلك: لأنّ الاستصحاب التعليقيّ عبّدنا بموضوع الحرمة قبل النشيش والغليان، فلا تصل النوبة إلى استصحاب الحلّية؛ لأننا نقول: كان هذا العنب إذا غلى ينجس، فالآن أيضاً إذا غلى ينجس بمقتضى الاستصحاب، فلا يبقى موضوع لاستصحاب الحلّية إلى ما بعد الغليان. وقد كان الحكم الشرعيّ التعليقيّ ثابتاً قبل النشيش.
بناءً عليه، فالاستصحاب التعليقيّ مقدّم على الاستصحاب التنجيزيّ بالحكومة، والشيخ يشير إليه إشارةً)1).
أما فيما هو محلّ الكلام، فإذا فرضنا أنّ التعليق شرعيّ، كما لو قال الشارع:
ـــــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) اُنظر فرائد الأُصول 2: 652- 655، الاستصحاب، التنبيه الرابع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذا خرج هذا من ملكك فلك أن تعيده، فلنا أن نستصحب هذا الحكم إلى ما بعد الملك(1)، واستصحاب الملكيّة يقول: إنّه باقٍ -كذا في العبارة- والظاهر أنّ استصحاب الملكيّة تنجيزي يعبّدنا ببقاء ملكيّة المشتري حتّى بعد حصول الفسخ.
وبذلك يعارض الاستصحاب التعليقيّ الذي يجعل للبائع حقّ الإعادة(2)، إلّا أنّ الاستصحاب التعليقيّ يكون حاكماً على الاستصحاب التنجيزيّ(3).
أما إذا كان التعليق عقلياً، فإنّ الشارع لم يقل: إذا خرج المبيع من ملكك فالعلاقة باقية، وإنّما جعل حقّ الفسخ، فيستفاد منه هذه القضيّة التعليقية وهي أنَّه إذا خرج المبيع من ملكي فالعلاقة باقية، إذن فالملازمة عقلية، فلا يمكن استصحابها لأنّه يكون مثبتاً(4).
أما إذا قلتم إنّ هنا أمرين: بيعٌ لازم وبيعٌ جائز، ولي في أحدهما حقّ الاسترجاع دون الآخر، فأنا على يقين بأن البيع إذا كان جائزاً فلي حقّ الاسترجاع، فاستصحب.
ـــــــــــــ[178]ــــــــــ
() يعني إلى ما بعد العقد. (المقرِّر).
(2) المعلّق. (المقرِّر).
(3) بنفس التقريب السابق، وهو ثبوت الحكم الشرعيّ في المرتبة السابقة، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب الآخر. (المقرِّر).
(4) وحينئذٍ يجري استصحاب ملكية المشتري بلا معارض. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نقول: إنّ هذا الاستصحاب لا يفيد، بل القطع به أيضاً لا يفيد، فإنّه في كلّ بيع بعد أن يحصل العقد أعلم بأن هذا العقد لو كان جائزاً لكان لي حقّ الاسترجاع.
فهذا وجه للاستصحاب الذي يُقال.
هناك استصحابات أخرى من القسم الثالث من الكُلّي.
تحصّل ممّا ذكرناه سابقاً أنَّه في الاستصحابات التعليقية إذا كان التعليق من الشرع، بأن جعل الحكم معلّقاً على الموضوع على فرض وجوده، يجري الاستصحاب ولا ملكيّة في المقام.
وأما إذا كان التعليق الشرعيّ يعود إلى جعل الملازمة أو السببية، أو لم يكن التعليق شرعياً، بل كان حكماً تنجيزياً ويستفاد التعليق من حكم العقل، أو كان تعليقاً عقلياً في الموضوع، فهنا الاستصحاب غير جارٍ لأنّه مثبت، فالتفصيل في محلّه.
الآن يأتي شخص ويدعي استصحاباً آخر غير تعليقي، وذلك: أنَّه كنت في زمان مالكاً وكانت توجد علاقة بيني وبين الملك وهي علاقة الملكية، وإذا زالت هذه العلاقة احتمل أنَّه مقارناً مع زوالها حدثت علاقة أخرى وهي علاقة استرجاع العين، فهنا عندنا حادث زال بلا إشكال، ومقارن يحتمل حدوثه، وأنا أستصحب الجامع بين العلاقتين.
مثاله: أنّ زيداً نعلم أنّه كان في الدار، فنعلم بوجود الإنسان فيها؛ لأنّ زيداً
ـــــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إنسان، وبعد ذلك نعلم أنّه خرج منها لكن نحتمل أنّه مقارناً(1) لخروجه دخل عمرو فيها، فهنا نعلم بوجود الجامع ونشكّ ببقائه، فنستصحب بقاء الجامع، وهو من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكُلّي.
وهذا المطلب وإن كان يُبحث في الأصول إلّا أنّنا نذكره مختصراً للفائدة.
قد يُقال كما قال أحد المحققين)2): بأن زيداً حين وِجِدَ في الدار هو حصّة من الإنسان وعمراً المشكوك الحدوث حصّة أخرى منه، ولذا قيل: إنّ نسبة الكُلِّي إلى مصاديقه نسبة الآباء إلى الأولاد لا نسبة الأب الواحد إلى الأولاد.
ثمَّ قال في محلّ آخر -فإنّه تعرَّض له في أماكن متعدّدة- قال: نحن لا بُدّ لنا من الالتزام بأن هناك أباً هو أبو الآباء، فلكلّ فرد أب، ولهم جميعاً جدّ مشترك فيه بينهم.
ومن ثَمَّ قال بعدم جريان القسم الثالث من الكلّي؛ لأنّ الحصّة المتيقّنة الارتفاع غير الحصّة المشكوكة، ولا بُدّ من اتِّحاد القضيّة المتيقّنة مع المشكوكة.
وهذا التعبير: (الآباء)، وإن عُبّر به (الحاجي) إلّا أنّه ليس تعبيراً جيداً، وهم إنّما قالوه في قبال الرجل الهمداني، قالوا في ردّه: إنّ نسبة الطبيعيّ إلى الأفراد لا بنحو وجوده في الخارج، بل الإنسان متكثّر في الخارج بتكثّر الأفراد، غاية الأمر أنهم عبّروا بالآباء والأولاد، فكما أنّ الأبناء متعدّدون كذلك الآباء، فهذه إنسانيتان لا إنسان واحد. هذا المحقّق التزم بِكلا الكلامين: كلام الرجل
ـــــــــــــ[180]ــــــــــ
() أو قبل خروجه (مستفاد من المحاضرة) (المقرِّر).
(2) راجع: فوائد الأُصول 4: 423، الاستصحاب، التنبيه الثالث.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الهمداني وكلامهم؛ لأنّ كلامهم لم يعرض له جيداً.
فالذين قالوا: الآباء، أرادوا أن يفرّوا من الأب الواحد. لا أن يجعلوا له جداً، بل هذا الجدّ في الحقيقة هو ما يقوله الرجل الهمداني. زيدٌ إنسان وتمام حقيقة الإنسان يعني فيه جميع خصائص الإنسانية من كونه حيواناً ناطقاً جسماً متحركاً…، وهكذا زيد وعمرو وبكر، والإنسانية بمقتضى لا بشرطيتها لا تأبى عن التكثّر وعن الوحدة.
فإذا وجِدَ فرد تحقّق تمام حقيقة الإنسان فيه، وفي صقع العقل والتجرّد، وحين الغفلة عن تحقّقها في الذهن، ولحاظ نفس الطبيعة بما هي أراها قابلة للصدق على كثيرين.
إذن ليس في المقام حصّة، بل نفس الطبيعة موجودة، وهي متكثّرة، وليس في المقام آباء وأجداد، إنّما قالوا ذلك فراراً من الأب الواحد، لا أن نقول بالآباء وبالأب معاً.
بناءً عليه هذا الذي قاله في عدم جريان القسم الثالث من الاستصحاب الكُلِّي لا يتمّ، نعم، المرحوم الآخوند يقول)1) بأن هذين إنسانان، نعم -عقلاً- كما يقول، لكن يجب أن ننظر إلى القضيّة المشكوكة والمتيقّنة نظراً عرفياً لا عقلياً.
الشيخ(2) يظهر منه مطلب حرج به بعض الأعاظم، وهو أنّ الاستصحاب جارٍ في القسم الثاني دون القسم الثالث، والفرق ما بينهما: أنّه في القسم الثاني
ـــــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 405- 407، الاستصحاب، التنبيه الثالث.
(2) فرائد الأُصول 2: 640، الاستصحاب، التنبيه الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
احتمل بقاء نفس ما قد وجد سابقاً، وهو نفس الحيوان الشخصي الذي وِجد. وفي القسم الثالث لا أحتمل بقاء عين ذلك الشخص.
هذا خلط بين الاستصحاب الكُلِّي والشخصي، أما الشخصي فنحن لا نعلم بحدوثه، فأنت تحتمل وجود الفيل ووجود البقّ، فكيف تقول إنّي احتمل بقاء ما كان موجوداً. ما الذي كان موجوداً؟
إذا قلتم إنّه خصوص الفيل، فهو محتمل الحدوث ومتيقّنه.
وإذا قلتم إنّه الكُلِّي من دون خصوصيّة أحدهما، فهذا جارٍ أيضاً في القسم الثالث من استصحاب الكلّي، فإنّ الكُلِّي موجود في نظر العرف لا في نظر العقل، وإلّا لَما جرى القسم الثاني أيضاً. بل في نظر العرف أنّ نفس ما تعلّق به علمي أستصحبه لا فرق بين القسمين.
بناء عليه فالخلط بين المصداق والطبيعة أنتج هذا التفصيل بين القسمين.
نعم في بعض الأحيان العرف لا يقبل الاستصحاب من القسم الثالث أيضاً، فيجب أن ننظر إلى العرف أين يُساعد وأين لا يُساعد؟
إذن فالمسألة من المسائل العرفية لا العقلية. العقلاء يقولون إنّ نوع الإنسان موجود وباقٍ من لدن آدم إلى الآن، يحكمون بذلك من دون مسامحة مع أنّه في كلّ قرن يتبدّل جميع الأفراد تقريباً، وذلك لأنّ العرف حينما ينظر إلى الجميع يقول ببقائه، ولا ينظر إلى أنّ قسماً منه ذهب وقسماً وِجِد.
وفي المقام يساعد العرف لا ما يقوله الشيخ والنائيني(1)، من أنّ استصحاب
ـــــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) فوائد الأصول 4: 423- 430، الاستصحاب، التنبيه الثالث.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
القسم الثالث غير جارٍ معلّلاً بما قالوه، فإن هذا غير صحيح عرفاً، فإنّا لا نوافق على أنّه يوافق على ذلك دائماً(1).
لكن الإشكال هنا أنّك تريد أن تستصحب الفرد الجامع وترتّب عليه آثاره، أو تريد أن ترتّب آثار الفرد، إذا كنت تستصحب الجامع بين العلاقتين الذي هو أمر انتزاعي، فلا بأس.
وإذا كان له أثر يترتّب عليه، لكنّه لا يفيدنا؛ لأنّا نريد إثبات علاقة الاسترجاع بالخصوص وقسم ومصداق من العلاقة، والأثر وهو نفوذ الفسخ مترتّب على هذه العلاقة الخاصّة، لا على الجامع بين العلاقتين. واستصحاب الجامع لإثبات خصوصيّة الفرد، مثبت.
[الشبهة العبائية والجواب عنها]
وبهذا البيان أجبنا على الشبهة العبائية للسيد إسماعيل الصدر (عليه الرحمة)، وذلك: أنّي أعلم إجمالاً أنّ هذه العباءة إما أعلاها نجس أو أسفلها نجس، وقد طهرت الأسفل، فاستصحاب(2) النجاسة موجود، فإذا لاقت يدي كِلا القسمين يجب تطهيرها لأني أعلم بملاقاة النجاسة، ولكنّ الطرف المحتمل النجاسة إذا لاقيناه لا ينجس الملاقي، وهو خلاف الضرورة.
ـــــــــــــ[183]ــــــــــ
() وهنا أعاد تقريب الاستصحاب من القسم الثالث الجاري في الملكية، كما ذكره في أوّل المحاضرة فارجع إليه. (المقرِّر).
(2) بل هو غير موجود ليجري أصل الطهارة في الأعلى المشكوك النجاسة. ولا يعارضه الأصل الجاري في القسم الأسفل لغرض تطهير فلا تبقى في المقام شبهة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأجبنا عليه أنَّه عندنا في المقام استصحاب كُلِّي لا استصحاب جزئي، فإنّه حينما يكون عندي علم إجمالي بأن هذا نجس، فإذا أردنا استصحاب الفرد المردّد، بناءً على جريانه لا محلّ له؛ لأنّه لا ترديد لنا لأنّكم تقولون إنّ أحد الطرفين مسلَّم الطهارة.
أو تقولون إنّي كنت أعلم بوجود طبيعة النجاسة في العباءة، فحينما طهَّرت أحد الطرفين احتمل بقاء الكُلّي(1)، فأنتم إذن تستصحبون بقاء الكلّي، فإذا كان هناك أثر للكلّي يكون جارياً، لعدم جواز الصلاة فيها.
أما إذا كان الأثر أثراً للملاقي، فأنتم لا تستطيعون أن تثبتوه بالاستصحاب الكُلِّي فإنّه مثبت؛ لأنّه من باب الملازمة العقلية، وهو أنّى إذا لاقيت تمام الأطراف والطبيعة موجودة فيها، إذن أنا لاقيت الطبيعة.
مثاله: أنّ زيداً وعمراً كانا موجودين في الدار وأحدهما عالم لا محالة، ثُمَّ خرج زيد، فأنت تستطيع استصحاب بقاء العالِم في الدار؛ لأنك كنت تعلم بوجود الطبيعة وتحتمل بقاءها، لكن إذا كان العالم واجب الإكرام، لا يجوز الاكتفاء بإكرام عمرو الموجود في الدار، تمسّكاً بالاستصحاب لأنّه مثبت، فاستصحاب الكُلِّي في الدار لا يثبت أنّ هذا فرد له؛ لأنّه من باب الملازمة العقلية.
إذن فأنت تستطيع ترتيب الأثر على نفس الطبيعة المستصحبة، لا على نجاسة الملاقي لأنّه استصحاب مثبت.
ـــــــــــــ[184]ــــــــــ
() بجواز كون النجاسة في القسم الأعلى. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ولا يُقال إنّ الملاقاة وجداني، فان الوجداني هو الملاقاة مع العباءة لا الملاقاة مع النجس، واستصحاب بقاء كُلِّي النجاسة في الثوب لا يثبت أنّ هذا نجس، لكي يكون ملاقاته ملاقاة للنجس وجداناً.
نعم، العقل يحكم بأن كُلِّي النجس إن كان موجوداً في العباءة فلا بُدّ أنّ ملاقاتها ملاقاة للنجس.
فهذا هو التحقيق في جواب الشبهة العبائية.
لا ما يقوله بعض الأعاظم(1)(2) من أنّ المقام ليس محلّاً لجريان الاستصحاب الكلّي، لأنّه لو كان في الدار حيوان لا أعلم أنَّه في الجهة اليمنى منها أو اليسرى، ثُمَّ خرب الجانب الأيسر، فهنا أعلم أنَّه إذا كان في الجهة اليسرى فقد هلك وإذا كان في الجهة اليمنى فهو موجود. ففي مثل ذلك الاستصحاب الكُلِّي غير جارٍ؛ لأني أشكّ في محلّ هذا الحيوان لا في وجوده.
نقول: إنّك ألَا تشكّ في موته أو لا؟ وتشكّ ببقاء الكُلِّي في الدار. وأما قوله أنَّه أشبه شيء باستصحاب الفرد المردّد، فإنه لا ترديد في المقام أصلاً، لأنّه لو كان من جهة اليسار فقد مات يقيناً. وإنّما هو استصحاب كُلِّي طبيعي الإنسان حيث إنّه قبل حدوث الخراب كان موجوداً وأشكّ ببقائه فاستصحب.
هذا هو استصحاب القسم الثالث وجوابه.
ـــــــــــــ[185]ــــــــــ
() اُنظر تقريرات الكاظمي ص154 ج4 (المقرر).
(2) اُنظر فوائد الأُصول 4: 422، الاستصحاب، التنبيه الثالث.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من جملة الاستصحابات التي قد يُقال: إنّه في زمان الخيار كان إذا فسخت نفذ الفسخ، فاستصحب هذا المعنى التعليقيّ إلى ما بعد زمان الخيار، فإذا حصل المعلّق عليه يحصل الفسخ.
هذا اتّضح جوابه ممّا قلناه، فإنّ هذا تعليق في الموضوع، وغير وارد من الشرع، فإنّ الحكم الشرعيّ هو الخيار، والعقل يحكم بنفوذه عند حصول الفسخ، فهذا معنى عقلي لا يجري فيه الاستصحاب.
أو يُقال: إنّه كان عندنا في زمان الخيار جواز وضعي موجود، فهنا نستصحب معنى تنجيزياً لا تعليقياً فنستصحب، وذلك أنّنا نحتمل بقاء جواز هذا المعنى الوضعي بعد زمان الخيار فنستصحبه.
جوابه: أنّنا قلنا إنّ النفوذ الوضعي ليس مجعولاً شرعياً وإنّما الجعل الشرعيّ هو حقّ الخيار (البيعان بالخيار حتّى يفترقا))1) وأنت تنتزع منه النفوذ الوضعي، والجامع بين حقّ الخيار والنفوذ الشرعيّ لا أثر له، وأمّا استصحاب الجامع وترتيب أثر الفرد فمثبت كما سبق.
أما إذا أراد أن يستصحب الشخص في استصحاب عدم الملك، فإنّنا إذا أحرزنا أنّ اللزوم والجواز من خصوصيّات السبب لا من خصوصيّات المسبّب
ـــــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث4، تهذيب الأحكام 7: 24، باب عقود البيع، مع فارقٍ يسيرٍ، ووسائل الشيعة 18: 5، أبواب الخيار، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يفترقا، الحديث 23011.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فهنا نستصحب استصحاباً شخصياً.
إلّا أنّ هذا الاستصحاب مبتلى بالأصل الحاكم؛ لأنّ الشكّ ببقاء الملك وعدمه ناشئ من الشكّ في أنّ العقد لازم أو لا، فنستصحبه واستصحاب عدم اللزوم حاكم على استصحاب عدم الملك، بنحو الحكومة التي يقولها الآغايون.
ماذا يراد باستصحاب عدم اللزوم، هل هو استصحاب العدم الأزلي، فنحتاج حينئذٍ إلى كلامٍ طويل؟ أو أنّ هذا العقد كان غير لازم أو لم يكن لازماً؟
فهذا لا حالة سابقة له، فإنّه في أيّ وقت كان للسبب تحقّق ولم يكن من الأمور اللازمة، فليس له حالة سابقة.
وأما إذا أردنا أن نستصحب العدم الأزلي فهو مثبت. وحتى بناءً على جريانه فهو غير مفيد؛ لأنّ استصحاب عدم لزوم العقد لا يثبت أنّ العقد جائز وأنّ الفسخ نافذ، إلا باللوازم العقلية، فهو مثبت.
أما إذا شككنا ولم نستطع تتميم المطلب فقهياً، هل اللزوم والجواز من خصوصيّات الملك؟ أو من خصوصيّات السبب المُمَلّك والملك يكتسب منه خصوصية؟
الشيخ يقول)1) بأن الاستصحاب في المقام جارٍ والسيد ينفي جريانه(2)،
ـــــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 52، مقتضى القاعدة اللزوم (في المعاطاة).
(2) حاشية المكاسب 1: 73، القول في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وبعضٌ قالوا(1) إنّ هذه شبهة مصداقيّة لدليل الاستصحاب.
وأجابوا عليه أنّ المخصص هنا لُبِّي، ولا بأس بالتمسّك بالعامّ عند وجود المخصّص اللُّبّي.
فلنا كلامان:
أمّا كون الشبهة مصداقية، فلا بُدّ أن ننظر إلى العامّ لنرى ما إذا كانت الشبهة مصداقيّة أولا. مثلاً إذا قال المولى (أكرِم العالِم) وقال (لا تكرم الفاسق من العلماء)، وشككنا أنّ زيداً من أفراد العامّ أو المخصّص، قالوا لا نستطيع التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية.
وفيما نحن فيه لا بُدّ أنّ موضوع الكبرى وهي (لا تنقض اليقين بالشك) هو الشكّ واليقين، فالشبهة المصداقية بالنسبة إليها هو أن أشكّ أنّي شاكّ مثلاً أو أشكّ أنّي متيقّن وهو محال.
أمّا إذا تردَّد الأمر أنّ شيئاً هو من خصوصيّات السبب أو المسبّب، فليس ذلك من قبيل الشبهة المصداقية لـ “لا تنقض اليقين بالشكّ“.
أين أنت شاكّ؟ الأمر يدور بين احتمالات ثلاثة:
أحدها: أنّ الملك الحاصل متّصف بخصوصية الاستقرار.
ثانيها: أنّ الملك الحاصل متّصف بخصوصية التزلزل، سواء كان التزلزل والاستقرار يتّصف بهما الملك بنفسه أو بسببه.
ـــــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 61، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ثالثهما: أنّ هذا الملك الحاصل لا يتّصف لا بخصوصية الاستقرار ولا التزلزل، وليس ذلك من خصوصياته.
فمرةً يُحسب حساب خصوصيّات هذا الشخص، هل هو شخص مستقرّ أو متزلزل أو لا هذا ولا هذا؟ إذا حسبنا حساب هذا، فليس لنا علم بأيٍّ منها، فلا يمكن أن يشمله دليل الاستصحاب لعدم القضيّة المتيقّنة. وإذا حسبنا حساب الكُلِّي فلنا وجداناً علم به، فإنّي أعلم أنّ أصل الملك حاصل، وإنّما لي تردُّدٌ في الخصوصيات، فأين الشبهة المصداقية؟
وذلك: عيناً كما لو علمت بوجود الحيوان في الدار وشككت أنّ الحادث القمل أو الجمل، أو أنّ الحادث حيوان آخر غيرهما، فهنا أنا لا أعلم بأيٍّ منهما على الخصوص، ولكنّي أعلم بوجود طبيعي الحيوان، فأين الشبهة المصداقية؟ إذن لا معنى للشبهة المصداقية في دليل (لا تنقض اليقين بالشك)، ليُقال إنّ التمسّك بالأدلّة اللُّبّية فيها جائز.
على أنَّه في اللُّبّيات ما هو المعروف)1) أنَّه في اللُّبّيات يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، غير صحيح، فإنّنا حينما نظرنا في أقوالهم وجدناهم قد بدّلوا المكان، ولم يتكلّموا في الدليل اللّبي حول الشبهة المصداقية، بل قالوا إنَّه يجب الأخذ بالقدر المتيقّن من الدليل اللّبّي.
ـــــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 61، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإنّ الشبهة المصداقية للدليل اللّبي نتصوّر فيها إذا خرج العقل أو الإجماع عندنا مبيّناً عند العامّ، لا ما إذا أخرج عنواناً مردّداً بين الأقلّ والأكثر، وإلّا كان ذلك شكاً في التخصيص.
مثلاً لو حكم العقل أو قام الإجماع على حرمة لعن المؤمن، وكان هناك عامّ يقول: اللهم العن بني أمية قاطبة، وأنت شككت في شخص، تعلم أنَّه من بني أمية لكن لا تعلم إيمانه، هنا لا تستطيع أن تتمسّك بالعام، لأنّه مصداق لعنوان مبيّن في دليل لُبّي.
أما العنوان اللّبي الدائر بين الأقلّ والأكثر، فيكون شكّاً في التخصيص كالشكّ في التخصيص في الألفاظ عند دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، فكما أنَّه فيها يجوز التمسّك بالعامّ لإثبات شموله للأكثر، كذلك الأمر في اللُّبّيات.
إذن فليس هنا تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية اللّبّية، بل لا تختلف الشبهة المصداقية اللّبّية عن الشبهة المصداقية اللفظيّة لشيء.
والمطلب هنا هو أنّ استصحاب القسم الثاني من الكُلِّي بأدلّته وإشكالاته، إذا اقتنعنا به فهو يجري في المقام.
وأما إذا قلنا إنّ هنا أصلاً حاكماً، أو إنّ الأمر فيه دائر بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فلا يجري هنا؛ لأنّ المردّد من موارد الاستصحاب من القسم الثاني
بيان ذلك: أنّ هذا الاستصحاب وإن مثّلوا له بدوران الأمر بين الفرد
ـــــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الطويل الأمد والقصير الأمد، ولكن إذا دار الأمر بين ثلاثة أشياء أو أربعة أو عشرة أشياء، يكون ذلك أيضاً من استصحاب القسم الثاني.
فإنّ المسألة هنا هكذا: العلم عندك متعلّق بنفس طبيعي الملك، والشك في أنّ هذا الملك الحاصل هل هو مستقرّ حتّى يبقى بعد الفسخ أو متزلزل والتزلزل فيه ووصف له، ليزول بالفسخ، أو سبب الملك هو لازم أو جائز؟ فإذا كان السبب جائزاً فهو يذهب بالفسخ وإلّا فلا.
فالأمر مردَّد بين أكثر من شقّين، ولكنّه من الاستصحاب القسم الثاني؛ لأنّه من دوران الأمر بين طويل العمر وقصيره، لأنّ الملك لو كان بنفسه مستقراً أو كان سببه لازماً، فهو يزول بالفسخ، كما أنّ الملك إذا كان بنفسه متزلزلاً أو كان سببه جائزاً، فإنّه يذهب بالفسخ.
فإذا صدّقت إشكالات القسم الثاني وقبلتها من قبيل أنّ الأمر دائر بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فهو جارٍ هنا أيضاً.
أو قلتم إنّ العلم متعلّق بالكلي ويمكن استصحابه، فيجري هنا أيضاً.
أو قلت هناك إنّ الشكّ بالبقاء والارتفاع سبب عن الشكّ بوجود طويل العمر أو قصيره، وأصالة عدم البقاء حاكم على استصحاب وجود الحيوان، فهذا أيضاً جارٍ هنا.
بناءً عليه، فقضية الشبهة المصداقية وانطباق عنوان هذا على هذا ليس صحيحاً، بل هو من استصحاب القسم الثاني.
ـــــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من جملة ما تمسّكوا به في لزوم بيع المعاطاة، بل مطلق البيوع بل مطلق المعاملات المسألة المعروفة: “الناس مسلّطون على أموالهم“)1).
الشيخ)2) لدفع هذه الشبهة المصداقية قرب المطلب بشكل معين.
فانه لو قال: إنّنا نتمسّك بإطلاق دليل السلطنة حتّى إلى ما بعد الفسخ، كان ذلك تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، فإنّه ليس من المعلوم أنّه بعد الفسخ ملكه.
قال الشيخ إنّ مقتضى إطلاق السلطنة، أنّ “الناس مسلّطون على أموالهم” بجميع أنحاء التصرُّفات، كما أنّ السلطنة المطلقة تقتضي أن لا يخرج شيئاً من جيب مالكه رغم أنفه، ولا يستطيع أحد أن يتصرّف تصرّفاً تكوينياً أو اعتبارياً إلا بإذنه، فان كلّ التصرُّفات غير منافية لإطلاق دليل السلطنة، لا من باب أنّ قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم” ، متضمن لعقد إيجابي ولعقدٍ سلبي كما تخيّله بعض الأعاظم (3)، فان هذا الدليل مقتصر على جعل السلطنة، وإنّما يستفاد منه أنّه بناءً على ثبوت الإطلاق له، فإنّه يقتضي عدم خروج مالي من عندي بلا موجب.
ـــــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 222، الفصل التاسع، الحديث99، وبحار الأنوار 2: 272، الحديث7.
(2) المكاسب 3: 54، مقتضى القاعدة اللزوم (في المعاطاة).
(3) منية الطالب 1: 63، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يقول الشيخ: إن إخراج هذا الشيء الذي أصبح بالمعاطاة مالاً له، لا بُدّ أن لا يكون قهراً عليه، وإلا كان خلاف دليل السلطنة. وذاك الشخص حينما يفسخ يريد أن يُخرجه من ملكك ويُدخله في ملك نفسه قهراً عليك، فمقتضى إطلاق دليل السلطنة انه لا يستطيع إخراجه من ملكك، إذن فملكه فعلي والفسخ غير نافذ، والمعاطاة لازمة.
وهذا ليس فيه شبهة مصداقية، لأنّ دليل السلطنة لا يريد إخراج ملكي عن دائرة ملكيتي، فإنّه خلاف دليل السلطنة.
ولكن ذكروا شبهات أخرى نرى هل هي واردة أو لا؟
منها: أنّ الشيخ رغم محاولته إخراج المطلب عن الإشكال، إلّا أنّ إشكال آخر باقٍ عليه، وهو أنّ إطلاق أي دليل لا يعقل أن يشمل غير موضوع نفسه بالإطلاق، فإنّه مهما كان في الدليل إطلاق، فان سعته بسعة موضوعه وهو لا يستطيع أن يحفظ موضوعه، فان انحفاظ الموضوع في مرتبة متقدمة على الحكم ولا يعقل أن يحفظ الحكم موضوعه.
وفي المقام السلطنة موضوعها المال، فلا يعقل أن يحفظ دليل السلطنة المال، بل المال يجب أن يحفظ بأدلة أخرى غير دليل السلطنة، وهذا الدليل يجيز التصرُّفات المتفرعة على ماليته كلبس الثوب والجلوس عليه)1).
ـــــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 80، الكلام في المعاطاة، في الاستدلال بحديث السلطنة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ألَا ترى: أنّ الله تعالى لو أقام الأب أو الجد قيّماً على الصغير، لا يمكن أن يقول هذا الدليل: إنّ الصغير لا نخرجه عن صغره، لأنّ الدليل وارد على عنوان الصغير ولا يمكن للدليل أن يتكفل حفظ موضوعه، فدليل القيمومة لا يمكن أن يحفظ الصغير. إذن فدليل السلطنة لا يمكن أن يحفظ الملكية، وإنّما هي في رتبة متقدمة عليه.
فدليل السلطنة لا ينافي(1) دليل الفسخ، لأنّه يريد أن يذهب بالموضوع.
نحن أوَّلاً لا نسلِّم أنّ القضيّة قضيّة موضوع وحكم. فإنّ موضوع القضيّة ليس هو المال وإنّما هو الناس، “الناس مسلّطون على أموالهم“، والله تعالى -بناءً على صحّة الرواية- سلّط الناس على أموالهم، فالأموال ليس موضوعاً بل مسلّطاً عليه، فدليل السلطنة لا يمكن أن يحفظ الناس لأنّ العامّ لا يكون متكفّلاً لحفظ موضوعه. ولكن لا بُدّ من وجود هذا المعنى وهو أنّ جواز التصرُّف في المال ليس لأنّه موضوعه، بل لأنّه مضاف إليه والمضاف إليه يستحيل أن يوجد بدون إضافة، والتصرّف في المال يستحيل أن يوجد من دون مال.
بناءً عليه لا بُدّ أن نرى أن التصرُّف بالإزالة أو الإبقاء هل هو من أنحاء السلطنة أو لا؟
فنقول: إن التصرُّف الإعداميّ إذا كان بعد الإعدام فلا يصحّ؛ لأنّه لا مال موجود لكي يتصرّف به.
ـــــــــــــ[194]ــــــــــ
() يعني لا يُعارض. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأمّا إذا كان يقع على المال فهو من التصرُّف بالمال، ويذهب بالمال في المرتبة المتأخرة عن وجوده. كان هذا مالي فأعرضت عنه فخرج عن ملكي بالإعراض، وإذا بِعتُ مالي فإنّه يخرج عني بالبيع، فالقضية ليست قضيّة حكم وموضوع وإنّما قضيّة مضاف ومضاف إليه، فالتصرّفات الناقلة تقع على المال وتكون صحيحة، فإذا تصرّفت فبالتصرّف ينعدم المال، وليس تصرّفاً بعد انعدام المال لكي لا يكون تصرّفاً في المال.
بل بناءً على قول من توهّم الموضوعية، يكون إبقاء الملكيّة أيضاً غير مشمول للدليل، لأنّ الحكم لا يمكن أن يتكفّل بقاء موضوعه.
لكن القضيّة قضيّة إضافة، فإنّ العقل يحكم بأنّ التسليط لا يمكن بدون مسلّط عليه، فإنهما متضايفان، والمتضايفان متكافئان قوّةً وفعلاً.
إذن فالنقل وإبقاء الملك والإعراض هي من شؤون سلطتي، وتأتي على مالي ويخرج الملك عني في المرتبة المتأخرة عن الأسباب الناقلة، لا أنّها تأتي على لا ملك.
ونحن إذا نظرنا إلى قضيتين لنرى الفرق بينهما، وهما ما لو قال: (أنت مُسلّط على مالك في حفظه وإفنائه). وما لو قال: (أنت مُسلَّط على مالك سواء كنت مالكاً له أو لا). نرى أنّ العرف يقول: إنّه في الأولى بيان للإطلاق، وفي القضيّة الثانية تأسيس حكم جديد.
بناءً عليه، وإن كان صحيحاً أنّ الحكم ليس حافظاً موضوعه.
ولهذا لا يحفظ قوله: “الناس مسلّطون على أنفسهم الناس“، إلّا أنّ القضيّة
ـــــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ليست قضيّة موضوع وحكم وإنّما هو مضاف ومضاف إليه.
أضف إلى ذلك أن قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، وارد على طبق ارتكاز العقلاء لا أنّه مطلب جديد، بل مطلب عقلائي، إذ يرى العقلاء أنفسهم مسلّطين على أموالهم، ولا يجوز لغيرهم التصرُّف فيها بدون إذنهم.
إذن يجب أن ننظر إلى العقلاء هل يرون إعدام الملكيّة وإبقاءها من أنحاء السلطنة أو لا؟ بل هم يرون ذلك، وبنفس العقد يذهب ملكي، وحينئذٍ ينعدم المضاف إليه في قوله “الناس مسلّطون على أموالهم“، ولا تتحقّق الإضافة لا محالة.
إشكال آخر قاله بعض الأعاظم(1):
حاصله: أنّ “الناس مسلّطون على أموالهم“، يدلّ بالالتزام ويستفاد منه أنّ شخصاً آخر يجب أن لا يزاحمه في سلطانه.
ولكنّه إنّما يشمل تلك التصرُّفات المختلفة لسلطنة هذا الشخص، وأما التصرُّفات غير المنافية لسلطنته فلا مزاحمة لها معها، ولهذا ففي المورد الذي يريد أن يحفظ ملكه ولا ينقله، ليس هذا من أنحاء إعمال السلطنة، وذلك عندما يريد في مقابله أن يرجعه فليس أيضاً مزاحماً للسلطنة.
والدليل على أنّ الإبقاء والنقل ليس من السلطنة: أنّ الناس مسلّطون على ملكهم لا على ملكيتهم.
ـــــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب 1: 139، الاستدلال بعموم دليل السلطنة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بناءً عليه، إبقاء الملكيّة وإزالتها ليس داخلاً في حدود السلطنة حتّى يُقال إنّ شخصاً إذا أراد إزالة الملكيّة يكون ذلك مزاحماً لها.
يقول: ولهذا قلنا إنّ التفاسخ والإقالة ليس على القاعدة ونحتاج إلى دليل خاصّ؛ لأنها ليست من موارد السلطنة ويستفاد من كلامه، أنَّه فرقٌ بين أن يُزيل الإنسان ملكه ابتداءً، أو أن يزيله بواسطة الأسباب، أمّا إزالته بالواسطة كالبيع فيشمله دليل السلطنة، أمّا إزالة الملك ابتداءً بدون سبب كالإعراض فلا يشمله (الناس مسلّطون…)؛ لأنه سلطنة على الملك لا على الملكية.
نحن نقول:
أوّلاً: إذا كانت هناك سلطنة على الملك يكفي؛ لأنّ السلطنة على الملك بالنحو الذي قلناه، وهو أنّ دليل السلطنة يقول: أنت مُسلَّط على مالك لكن يجب أن يكون مالك، والعقل يقول: إنّ هذا الملك يجب أن يحفظ حال إعمال السلطنة، فإذا أردت أن أعرض فإنما أعرِض عن مالي وينصبّ الإعراض على مالي وذلك يخرج عن ملكي بالإعراض، إذن فليس هذا خارجاً عن حدود ملكي.
ثانياً: وعلاوةً عليه، فإنّه لو كان قال: (الناس مسلّطون على ملكهم)، فليس الملك إلا السلطنة على الملكية، فالتعبير سواء كان هكذا أو هكذا لا يفرق فيما نحن نريده. ونحن نرى أنّ جميع موارد الإبقاء والإزالة والإعراض عند العقلاء من أنحاء التصرُّف والسلطنة في الملك.
ـــــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإذا صحّ قوله، فما الفرق بين السبب واللاسبب؟ فإنّه إذا كان البناء على أنّ إخراج المال من الملكيّة ليس من أنحاء السلطنة، إذن فما الفارق بين أن أعمله بسببٍ أو بلا سبب، فإنّ ما أعمله هو أنّي بواسطة العقد أخرج المال عن ملكي، فإذا كان إخراجه عن ملكي ليس في حدود السلطنة، فلا يفرق في ذلك بين السبب واللاسبب.
ثالثاً: ثُمَّ مَنْ قال أنّ الإعراض من الإزالة الابتدائية؟! بل هو من الأسباب العقلائية لإزالة الملك وليس هو بنفسه إزالة الملك.
بناءً عليه لا ترد هذه الإشكالات على الإطلاق.
يبقى هل “الناس مسلّطون على أموالهم” له إطلاق أو لا؟
هنا تأتي شبهة المرحوم الآخوند، إذ يقول إنّها لا إطلاق لها؛ لأنها واقعة في مقابل الحجر، وليس مقصوده أنّ المراد هو أنّ الناس ليسوا محجورين، لكي يرد إشكال بعضهم.
بل يقول: إنّها في مورد إثبات السلطنة في الجملة في مقابل أنَّه ليس محجوراً على ماله.
ونحن أيّدنا قوله، بأن القاعدة ربما كانت تقتضي أنّه بعد أن كان المقتضي للملكية موجود في نظر العقلاء فينبغي أن يأتي الدليل على رفع الحجر لا على إثبات السلطنة، ولكن يجب أن ننظر إلى لسان الدليل، فإنّنا ليس لنا في مورد قطع بأنّ المتكلّم في مقام البيان بل يظهر من إلقاء الكلام للعقلاء أنَّه في مقام
ـــــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
البيان، فلو عرضنا هذه الرواية على العقلاء، يفهمون أنَّه في مقام البيان، والمفروض أنّ الإشكالات الأخرى مدفوعة، إذن نفهم الإطلاق، ومجرّد احتمال أنّها في مقابل رفع الحجر، لا نستطيع به أن نرفع التفاهم بين المتكلّم والمخاطب.
بناءً عليه تكون الرواية، بحسب ظاهر الكلام، قاعدة عقلائيّة، والارتكاز العقلائيّ يساعد على إطلاقها، إذن لها إطلاق.
تبقى هناك بعض الإشكالات الأخرى في إطلاق دليل السلطنة.
منها أنّكم قلتم إنّ: “الناس مسلّطون على أموالهم“، لا ربط لها بالمقرّرات العقلائية، وإنّما تشمل أصل التصرُّف بالمال بسائر أنحاء التصرف.
ولم تقل إنّها تجعل سلطاناً على القوانين والمقرّرات العقلائية والشرعية، فإذا شككنا أنّ المعاطاة أو العقد غير العربي معتبراً أو لا، لا يمكن أن نتمّمه بدليل السلطنة.
فإذا كان الأمر كذلك، يشكل الاستدلال بالرواية، فإنكم تريدون إعدام تنفيذ الفسخ، وهي إنّما تشمل حفظ المال في مقابل النقل لا في مقابل الفسخ، فكما أنّها لا تتناول حيثية التشريع من حيث العقد كذلك من حيث الفسخ.
يمكن أن يجيب شخص على هذا الإشكال، بأن بين المقامين فرقاً، وهو أنَّه إذا أردت النقل وقال لك شخص: لا تنقله، يكون ذلك خلاف دليل السلطنة.
ـــــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما إذا قالوا: أنت سلطان على مالك، ولكنّك لا تعلم كيفية وقوع عقد الصلح مثلاً، فلا يمكن التمسّك بها لتتميمه فإنّه غير داخل تحتها، وهذا ليس تحديداً للسلطنة على المال، فإذا شككت بلزوم الصيغة لا أستطيع أن أتمسّك بدليل السلطنة.
وفي الفسخ أنت تريد أن تتملك المال بدون رضاي ورغماً على أنفي، فهذا مخالف للسلطنة، فبدليل السلطنة أنَّه بالفسخ لا يكون تملّك، فمن ذلك نستكشف أنّ الفسخ لغوٌ.
فهناك فرق بين الطرفين، هناك أردت أن تثبت عدم لزوم العربية بهذا الدليل، فقلنا إنّ هذا ليس سلطنة على المال، وإنّما هو سلطنة على القانون، ودليل السلطنة يتناول الجهة الأولى منها دون الثانية.
أما هنا فأنت تريد إخراج المال مني، فيكون ذلك تحديداً للسلطنة منفياً بهذا الدليل، ولازمه عقلاً بطلان الفسخ وعدم تأثيره وبقاء الملكية.
ونحن لا نريد إثبات اللزوم بل يكفينا في المقام بقاء الملكيّة بعد الفسخ، كما كنّا نستدلّ بالاستصحاب الذي لا يثبت أكثر من بقاء الملكيّة ولا يثبت اللزوم.
إذن فذاك الإشكال غير وارد.
وإشكال آخر على فرض تأويلنا للرواية بل يرد بدونه أيضاً، وهو أنك قلت إنّ قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، جارٍ على طبق ارتكاز العقلاء فإنّ هذا حكم موجود لديهم، فإذا كان الأمر كذلك، فما هو موجود لدى
ـــــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
العقلاء، أنهم لا يقولون بالسلطنة لأنفسهم في مقابل السلطنة الإلهية، بل يقدمون السلطنة الإلهية على كلّ سلطنة. إذن فالمعنى الموجود عند العقلاء أنهم يقولون لأنفسهم بالسلطنة ما لم يُعمِل الشارع سلطنته. بل لو لم نقل إنّ الدليل ناظر إلى السيرة العقلائية، ولكنّ العقلاء لا يرون أنّ الشارع يجعل سلطنتك بشكل يُذهب بسلطنته ويُزيلها، وتكون سلطنتك في مقابل سلطنته وحكمه. وإنّما الشارع يجعل السلطنة دون أمره، فإذا أمر الشارع بشيء لا يقول له العقلاء “الناس مسلّطون على أموالهم“. إذن، فقوله: “الناس مسلّطون على أموالهم” معلّق بحسب حكم العقل على عدم حكم الشارع.
فإذا كان الأمر كذلك، فتكون الشبهة مصداقيّة لأصل دليل السلطنة، فإنّ السلطنة معلّقة على أن لا يأتي حكم الشارع، فإذا شككت بوروده منه في مورد يكون تمسّكاً بالشبهة المصداقيّة للرواية، لأنّ العموم معلّق عليه، وخصوصاً أنّ المخصّص لُبِّي عقليّ.
نقول: لا فرق بين اللُّبّيات وغيرها، بل عندنا نوعان من المقيّد والمخصّص، مقيّد متّصل بالكلام نحو (أكرِم العلماء إلا زيداً)، أو (إلا أن يكون فاسقاً)، ومقيّد منفصل فيما إذا ذكر المقيد فيما بعد.
ففي المخصص والمقيّد المتّصل إذا شككنا في شيء أنَّه من المخصّص والمقيّد، يكون ذلك شبهة مصداقيّة في العموم، لأنّ ظهور العموم مقيّد بالمقيِّد، وليس له ظهور مستقلّ في قباله، وإنّما هو ابتداء يولد الظهور هكذا. فإذا كان الأمر كذلك، وشككت في مصداق أنّه مصداق للمقيد أو لا، كانت شبهة
ـــــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مصداقيّة للعنوان واضحة، ويكون تمسُّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
وأمّا إذا كان التخصيص والقيد خارج عن العام، فمرةً يكون الدليل(1) في نظر العقلاء قيداً له، بحيث إنّ العنوان الموجود في اللفظ، جعل له العقلاء قيداً، فإذا كان الدليل الحاكم هكذا وهو أنّ المخصّص الخارجي ناظرٌ لذلك الدليل أو يتعنون بعنوانٍ فالتمسّك غير جائز.
وأمّا إذا لم يكن معنوناً بعنوان، وإنّما هو يخرج عنواناً عن أفراد العامّ، بدون أن يعنونه بعنوان، ففي مثل ذلك إذا كان العامّ مستقرّ الظهور وشككت أنّ الشارع هل أتى بمخصّص أم لا، فهنا نتمسّك بالعام. فإذا كان المخصص منفصلاً نتمسّك بالعامّ؛ لأنّ ظهوره مستقرّ وحجّة إلا إذا وردت حجّة على خلافه.
فلا بُدّ في المقام -في الدليل اللُّبّي- أن ننظر إلى هذا المعنى، وهو حكم العقلاء بتعليق السلطنة على عدم حكم الشارع، هل هو واضح بحيث يفهم عن إطلاق قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، أو العقلاء بعد إعمال النظر والفكر رأوا أنّ سلطنةً في مقابل سلطنة الله غير مجعولة؟ فإذا كانت السلطنة جُعِلت من الأوّل مقيّدة، وكان الدليل العقلي مضموماً إلى دليل السلطنة في نظر العقلاء، فلا يمكن التمسّك به؛ لأنّه شبهة مصداقيّة لأصل العامّ. وأما إذا كان المعنى العقلي نظرياً، ولذا لا نجد هذا المعنى في الكتب(2). فيتّضح أنّ هذا المعنى
ـــــــــــــ[202]ــــــــــ
() المقيّد المنفصل. (المقرِّر).
(2) الظاهر أنّه يريد أنّنا لا نجده إلّا في الكتب. يعني أنّه من تدقيقات الفقهاء والمحقّقين فهو نظري بحت. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
عقلي لا نظري وليس وارد في أذهان العقلاء. إذن فقوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، بحسب نظر العرف مطلق، فإذا شككنا في هذا المورد في أنّ الشارع هل أَعملَ سلطنته أو لا؟ يكون الشكّ في أصل التخصيص بعد انعقاد ظهور العامّ نتمسّك به.
هنا أيضاً بعد أن استقرّ ظهور العامّ، فإذا شككنا في أنّ المولى أعمل سلطنته أو لا، يكون نظير الشكّ في التخصيص.
إذن هذا الإشكال غير وارد.
ويأتي إشكال آخر على ما فرضناه في دليل السلطنة، وذلك أنك قلت إنَّه دليل حيثي كقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ(1)، والدليل الحيثي)2) لا نظر له إلى الخصوصيّات والعوارض، فلا منافات بين دليل الأنعام ودليل حرمة الغصب، فإنّ هذا الحكم جارٍ على ذات الأنعام، فلا ينافي الحرمة العرضية. فإن كان الحكم حيثياً، فلا يمكن أن يقف أمام نفوذ الفسخ.
إلا أنّ هذا الإشكال واضح الدفع؛ لأنّ الدليل إذا أتى على ذلك الحيث، وأتى دليل مُزاحم له، ورأينا أنّه مزاحم له في تلك الحيثية، ليس المقصود من الحكم الحيثي أنّه في حيثية لا إطلاق له، فلو شككنا في شيء أنّه من الأنعام أو ليس منها، فنتمسّك بالإطلاق.
ـــــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
(2) راجع كتاب البيع (للمحقّق الآراكي، تقريرات أبحاث الشيخ عبد الكريم الحائري) 1: 40، الكلام في المعاطاة، الاستدلال بقاعدة التسليط.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إلّا أنّ الحكم الحيثي لا يتمّ في العوارض، فإذا دلَّ دليل على أحدها لا ينافيه، وهنا نريد أن نقف أمام نفوذ الفسخ من حيث كونه منافياً للسلطنة، إذن فمن نفس الحيث الذي أتى به الدليل نثبت به عدم نفوذ الفسخ لا بحيثية أخرى؛ لأنّ الفاسخ يريد أن يملك مالي ويرفع سلطنتي عنه.
من الكلام الذي قرّبنا به كلام الشيخ، الذي قاله في صدد قوله : “لا يحلّ مال أمرئٍ إلا بطيب نفسه“)1)، موثّقة سماعة، بالتقريب الذي ذكره الشيخ لا تكون شبهة مصداقيّة، فإنّه لو قال في تقريبه: إنّنا نتمسّك بها لِما بعد الفسخ لكانت شبهة مصداقيّة للعامّ، ولكنّه قال: إنّ تملّك هذا الشيء من مالي بالفسخ تصرّف في المال بغير إذني ولا طيب نفسي، فلا يحلّ له.
ونفهم من (الحلّ) الحلّ الوضعي، فنفهم عدم نفوذ الفسخ.
هذا الأمر لا بُدّ من أن ننظر في أطرافه لنرى هل يتمّ أو لا.
ومن جملة الروايات التي تمسّكوا بها للزوم المعاطاة، موثّقة سماعة أيضاً: “لا يحلّ مال أمرئٍ إلا بطيب نفسه“.
بتقريب: أنّ تملّك هذا المال بواسطة الفسخ لا يحلّ(2) بحسب إطلاق
ـــــــــــــ[204]ــــــــــ
() الكافي 7: 275، باب آخر منه (أي: القتل)، الحديث5، من لا يحضره الفقيه 4: 93، باب تحريم الدماء والأموال بغير حقّها …، الحديث 5151، ووسائل الشيعة 5: 120، باب حكم ما لو طابت نفس المالك بالصلاة في ثوبه …، الحديث6089.
(2) لا يحلّ إلّا بطيب نفسه إذا طابت نفس البايع بفسخ المشتري فلا يدخل تحت إطلاق الرواية. ويتصوّر ذلك إذا كان قد باعه بأرخص ثُمَّ ندم، إلّا أن يُقال إنّه مع رضاه يكون مقابلة لا فسخاً فتشمله الرواية، فتأَمَّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الرواية، فإذا لم يتملّكه نعرف منه أنّ الفسخ باطل.
من جملة ما قال بعض المحشّين)1) في المقام: إنّ الحلِّية تارةً تُستعمل في الحلِّية التكليفيّة وأخرى في الحلِّية الوضعيّة، وفي الاستعمال الواحد لا يمكن الجمع بينهما، إذن فلا بُدّ أن يكون المراد إحداهما، فإذا كانت نسبة الحلِّية إلى الأعيان كانت حلِّية تكليفية، وإذا كانت كالنسبة إلى البيع ونحوه فهي حلِّية وضعية.
والحلّية هنا جاءت على الأعيان (على المال)، فيكون ذاك قرينة على أنّ الظاهر هو الحلِّية التكليفية، فاستفادة التملك الاعتباري منها غير صحيح.
نحن مرّةً نتكلّم أنّ الباب هل هو باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى أو لا؟ لأنّه غير ممكن، وإذا كان ممكناً فإنّ اللفظ لا يحمل عليه إلا بقرينة.
وذلك: أنّه في هذه العناوين كالحلّية والحرمة والجواز والمنع وعدم الرخصة وعدم الحلّية، وفي الهيئات التي يُستفاد منها هذه المعاني كالنهي والأمر، هذه لا تُستعمل مرّةً في الحكم التكليفي وأخرى في الوضعي.
مثلاً هيئة الأمر الموضوعة للبعث تكون نظير الإشارة، فلو أشرت لعبدك لمنعه أو مجيئه، فالإشارة تارةً تفيد الوضع وأخرى تفيد التكليف، وهيئة الأمر والنهي لا تفيد أكثر من أنّ المولى يبعثنا إلى المتعلّق أو يزجرنا عنه.
أمّا أنّ الزجر تكليفي أو وضعي، فلا ربط له بما هو الموضوع له الهيئة، وإنّما
ـــــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 80، الكلام في المعاطاة، في الاستدلال بعموم (لا يحلّ).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هذه المعاني نفهمها من الخارج لا بالدلالة اللفظية.. فلو قال (صلِّ) نعرف أنّه بعثنا لمعنى نفسي، فنفهم أنّه يبعث نحو الطبيعة وأنّه يُريد إيجاد هذه الطبيعة، فيفهم العقلاء أنّه إذا لم يعمل يُعاتب(1) وأنّه لا بُدّ أن يمتثل، لا أنّ الهيئة موضوعة للمعنى التكليفي.
وأمّا إذا تعلّق البعث بشيء في ضمن شيء آخر أو للتوصّل إلى أمر آخر، نحو: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا. فهنا لا يفهم العقلاء أكثر من البعث، ولا يختلف الأمر بالوضوء من الأمر بالصلاة من حيث البعث، ولكنّ العقلاء يفهمون أنّ الوضوء ليس مطلوباً بنفسه بل مطلوب لغيره، ومن هنا يفهمون الشرطية، لا أنّ الهيئة استعملت في الشرطيّة أو في معنى وضعي.
وكذلك في الزجر، فمثلاً لو قال (لا تشرب الخمر)، أو (لا تُصَلِّ في وَبَر ما لا يؤكل لحمه)، ففي الجميع قد استعمل النهي في معناه وهو الزجر عن الطبيعة، لا أقول إنّه استعمل في عنوان الزجر بل الهيئة موضوعة لزجرنا عن المتعلّق بالمعنى العرفيّ، فإذا تعلّق الزجر بمعنى نفسي، يفهم العقلاء أنّ الطبيعة ممنوعة وأنّ الشارع منع عن إيجادها. ونحن نعبّر عنها بالحرمة التكليفية، لا أنّ
ـــــــــــــ[206]ــــــــــ
() يعني يذم ممّا هو من أحكام العقل العملي، إلّا أنّ نسبته إلى العقلاء حينئذٍ غير صحيحة لاختلاف مرتبة العقل عن مرتبة العاقل لا محالة، وأما إن أراد العقاب الأخروي بخصوصه فهو مما يعرف من لسان الشرع لا من العقلاء، فنسبته إليهم مجاز على كلّ حال. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الهيئة استعملت في معنى تكليفي. وإذا قال: (لا تُصلِّ في وَبَر ما لا يؤكل لحمه)، نفهم أنّه ليس مبغوضاً بنفسه بل نفهم أنّ الصلاة منافية معه، وهو معنى المانعية، من دون أن يستعمل اللفظ في المعنى الوضعيّ أو المانعيّة.
وكذلك الأمر في هذه العناوين: الحلِّية والحرمة والجواز، كما إذا قال: (الخلّ حلال) و(الخمر حرام)، ممّا كان المتعلّق أمر نفسي، فليس ذلك لأنّها استعملت في المعنى التكليفي، فإنّكم إذا نظرتم في اللغة فلن تجدوا للتكليف والوضع سابقة لغوية أصلاً.
غايته إذا نسبت الحلِّية إلى معنى نفسي نفهم أنّ هذه الطبيعة لا مانع منها، وأمّا إذا قال: (تحلّ لك الصلاة في كذا)، فنفهم أنّ هذا ليس مانعاً عن الصلاة. وكذلك الأمر في الحرمة.
فهذه معانٍ يفهمها العقلاء لا لأنّ اللفظ موضوع للحرمة التكليفيّة تارةً وللوضعية أخرى، فإنّها ليس لها في اللغة عين ولا أثر.
مثلاً لاحظوا الرواية الواردة في التقية)1): “كلّ شيء يضطرّ إليه الإنسان فقد أحلّه الله”. فإذا اضطرّ تقيةً إلى شرب النبيذ يكون حلالاً، لا بمعنى أنّ الحلِّية استعملت في المعنى التكليفي، بل نفهم أنّ حرمة النبيذ الموضوعة بالأصل في الشرع مرفوعة حال التقية.
وكذلك إذا اضطرّ تقيةً إلى المسح على الخف أو الطلاق عند غير العدلين،
ـــــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) الكافي 2: 220، باب التقيّة، الحديث18، ووسائل الشيعة 16: 214، باب وجوب التقيّة في كلّ ضرورة بقدرها …، الحديث21393.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نفهم صحّة الوضوء ونفوذ الطلاق، لا بمعنى أنّ الحلِّية استعملت في أكثر من معنى أو في أحد المعنيين، بل كلّ شيء اضطرّ إليه الإنسان للتقية فقد أحلّه الله له. فلا مانع من شرب النبيذ أو التكتّف في الصلاة أو الوضوء المنكوس الذي توضأ به عليُّ بن يقطين مدّة طويلة وكان وضوؤه وصلاته من أفضل الطاعات.
إذن فهذا الإشكال في لزوم استعمال اللفظ في معنيين أو في أحدهما، معيّناً أو غير معيّن، غير وارد أساساً.
ولدينا كلام آخر، وهو أنّ هنا مسألة مفيدة في كلّ موضع، وهو أنّ مثل هذه الجمل الكثيرة الأمثال والنظائر التي نسب فيها الشيء إلى غير ما هو له نحو قوله تعالى في يوسف: مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(1) فحمل (الملك) حمل على غير ما هو له. أو قوله:
“أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ”.
وهكذا في المجازات المرسلة والاستعارات كاستعمال العين في الرقيب أو (جرى الميزاب)، فهل استعمل (العين) في الجميع بعلاقة الجزئية والكلّية، وهل استعمل الميزاب في الماء بقرينة المجاورة؟ أو يُقال على المحتضر أنّه ميت، هل هو بقرينة المشارفة(2)؟ وفي الاستعارة تشبيهه على تناسي التشبيه قضاءً لحقّ المبالغة كما قال بعضهم، أو على ما قاله السكاكي(3) حيث قال في الاستعارات:
ـــــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) يوسف: 31.
(2) راجع مفتاح العلوم: 155، والمطوّل: 353.
(3) راجع مفتاح العلوم: 156.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إنّ المتكلّم ادّعى أنّ اللفظ موضوع لهذا واستعمله.
أو لا هذا ولا ذاك، لا في الاستعارة ولا في المجازات، ففي قوله تعالى: وَاسْأَلْ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا(1).
أو قوله:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته | والبيت يعرفه والحلّ والحرم(2) |
هل هو على تقدير أهل البطحاء وأهل الكرم وأهل القرية وأهل العير؟
نحن قلّدنا في ذلك أبا المجد محمد رضا الأصفهاني المسجد شاهي(3)، قلّدناه ورأيه مطابق للذوق، قال: قلتها في النجف للشيخ عبد الله المازندراني، الذي هو من أعظم طلاب الآخوند، وقرّرتها له فقبلها، وألَّف في ذلك كتاباً أسماه: (سيف القضاء تأييد الرضا)!
وخلاصة قوله: أنّه في تمام المجازات والاستعارات وغيرها، المسألة مبنية على الادّعاء، لا الادّعاء الذي يقوله السكاكي، -ولعلّ هذا بتقرير منّي(4)– ولا على نحو ما قاله الآخرون، قال السكاكي: إنَّه في الاستعارة ادّعى المتكلّم غير المصداق مصداقاً واستعمل في اللفظ مجازاً. ونقول: بل الألفاظ استعملت في
ـــــــــــــ[209]ــــــــــ
() يوسف: 82.
(2) بيت من قصيدة مدح فيها الشاعر همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي الملقب بالفرزدق الإمام علي بن الحسين (زين العابدين).
(3) اُنظر وقاية الأذهان: 103، القول في مباحث الحقيقة والمجاز.
(4) يعني السيد (سلمّه الله). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تمام المجازات في معناها الموضوع له، غاية الأمر أنّ المتكلّم ادّعى الفرد مصداقاً للطبيعة وطبقّها عليها.
هنا نقول: إنّ الأسد استعمل في معناه، ولكنّه ادّعى أن زيداً من جملة أفراد طبيعة الأسد، فالمعنى المستعمل فيه حقيقي، طبّقه المتكلّم على المستعمل فيه ادعاءً، غايته أنّه في الحقائق استعمل في المعنى نفسه وثبت عليه، وفي المجاز يستعمل في معناه ولكن المراد الجدّي غيره، ففي موارد الحقيقة طابق المراد الجدّي المعنى المستعمل فيه، وفي المجاز اختلف عنه.
الآن نطبّق ذلك على الأمثلة:
ففي قوله: (زيدٌ أسد)، هل استعمل لفظ الأسد في زيد؟ ليس كذلك، فإنّ لفظ الأسد ليس شجاعاً، بل يريد أن يقول: إنَّه أسد في الواقع، فهو تلاعب في المعاني لا في الألفاظ.
وفي قوله تعالى: مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(1)، هل معناه لا تستعملوا فيه لفظ البشر؟ وإنّما أطلقوا عليه لفظ الملك. هذا معنى منحطّ جداً، بل استعمل اللفظ في معناه وادّعى أنّ يوسف ليس بشراً، لا يريد أن يقول إنّ البشر لا يصدق عليه، وإنّما يريد أن يقول إنّه ليس بشراً وإنّما هو ملك، وقد استعمل الملك في معناه الروحاني وادّعى أنّ هذا هو ذاك.
وكذلك الأمر في المجازات المرسلة تستعمل (العين) في معناها، ولكن يُدّعى أنّ هذا الرقيب قد أصبح كلّه عيناً من رأسه إلى أخمص قدميه؛ لأنّ تمام
ـــــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) يوسف: 31.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
شغله المراقبة، لا أنّه استعمل العين في الكلّ بعلاقة الجزء والكلّ، ليأتي إشكال: أن هذه العلاقة موجودة في غير العين، فلماذا خصّصت في الاستعمال، وليجيب عنها الأدباء بتعسّف، بل استعمل اللفظ في معناه، غايته يدعى أنّ هذا مصداق للطبيعة، ويطبّق العنوان على هذا المصداق بلحاظ هذا الادعاء.
وكذلك الأمر في سؤال القرية، لم يكن يريد سؤال أهلها.
وكذلك لا يريد من معرفة البطحاء والحلّ والحرم أهلها، وإلّا لم يكن في الاستعمال ملح(1)، وإنّما أراد معرفتها هي، باعتبار أنّ هذا الشخص شهير إلى حدّ تعرفه البراري والقفار والأرض والسماء.
ومقامنا من موارد ذلك، فإنّه إذا نسبت الحلِّية والحرمة إلى الذات فقيل: الخلّ حلال والخمر حرام، أو “لا يحلّ مال امرئ إلا بطيب نفسه“، فهذا استعمال غير ما هو له؛ لأنّ الذات لا حرمة لها، لأنها من أوصاف الأفعال، لذا قال الآغايون لا بُدّ في المقام من التقدير، (حرم عليكم شرب الخمر وأكل الميتة)، و(التصرّف في مال الغير بغير إذنه).
ولكنّ الأمر ليس كذلك، بل هنا من قبيل ما قلناه، إذ يدّعى أنّ الذات بنفسها ممنوعة، فإذا كانت ذاتاً في صقع التشريع كلّ تحولاتها ممنوعة، بيعها وإجارتها وصلحها الخ، فللمتكلّم أن يدّعي أنّ الذات بذاتها ممنوعة. أمّا لو فرضنا أنّ الذات بعضها ممنوع وأكثرها غير ممنوع، فلا يمكن نسبة المنع إلى الذات)2).
ـــــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) أي لا فائدة بلاغية فيها.
(2) راجع مناهج الوصول إلى علم الأُصول 1: 102- 112، الأمر الخامس، في المجاز.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ(1)، يعني وضعت الحرمة على الذات، ولم يقل: حرّم عليكم أكل الميتة، فلذا استفدنا أنّ سائر التقلّبات في الميتة غير جائزة، فأكلها حرام وبيعها غير نافد، وكلّية الانتفاعات ممنوعة. لأنها لو كانت بعضها جائزة لا يجوز أن ينسب الحرمة إلى الذات، بل لا بُدّ من ذكر الخصوصية؛ وإنّما ذكرت الذات لأنها بنفسها في نظر الشارع من جملة الممنوعات.
فهنا “لا يحلّ مال امرئ...” نسب إلى غير ما هو له، نسب إلى الذات في حين أنّ الحلّ من أوصاف الأفعال، وما ذلك إلا لأنّ المتكلّم لاحظ تمام التصرُّفات في أموال الناس من دون إذنهم، فوجد أنّها كلّها مبغوضة، ولذا قال المال بأصله ممنوع، إذن فليس هنا تقدير، وإنّما نُسبت الحلِّية إلى المال نفسه.
بناءً عليه، إذا لم تكن جميع التحولات ممنوعة، وكان المحرّم بعضها، فلا يناسب نسبة الكلام إلى الذات، وكان الاستعمال غلطاً باطلاً. فنفهم من نسبة الحلِّية إلى المال أنّ كلّ ما هو مربوط بالمال من الانقلابات والتقلّبات والتصرّفات ممنوعة، وتقدير التصرُّف على خلاف فهم العقلاء)2).
إذن فالحلّية ليس لها معنيان لنقول إنها في الرواية مناسبة لأحدهما، بل هي عبارة عن عدم المبغوضية وعدم المنع، ونسبتها إلى المال لا يخرجها عن ذلك إلى أحد أقسام الحلِّية إلّا بقرينة، وإطلاق الكلام يقتضي المنع عن سائر التصرُّفات في أموال الناس بدون إذنهم، سواء كانت من الأمور الحسّية أو من غيرها.
ـــــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) المائدة: 3.
(2) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 80، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ولو سلّمنا وفرضنا في المقام تقديراً، فمن أين نعرف أنّ المقدّر هو خصوص التصرّف؟ ولا يكون التوقيع الوارد من قبل صاحب الأمر شاهداً على ذلك -ونصّه من الوسائل، الباب الثالث من أبواب الأنفال. في إكمال الدين عن محمد بن أحمد السناني، وعلي بن أحمد بن محمد الدقاق، والحسين بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن هشام المؤدب، وعلي بن عبد الله الوراق، جميعاً عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي، قال: كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائلي إلى صاحب الدار: “وأمّا ما سألت عنه مِن أمر مَن يستحلّ ما في يده مِن أموالنا، ويتصرّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خصماؤه، فقد قال النبي المستحلّ من عترتي ما حرّم الله ملعون على لساني ولسان كلّ نبيّ مجاب، فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه بقوله عزَّ وجلّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(1). –إلى أن قال-: وأما ما سألت عنه من أمر الضياع التي لنا…(2) هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتساباً للأجر وتقرّباً إليكم؟ فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا، إنّه من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منّا ما حُرّم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً“.
ـــــــــــــ[213]ــــــــــ
() هود: 18.
() كلمة مطوّلة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لا يمكن الاستشهاد بهذا التوقيع، لأنّ التصرُّف وإن كان وارداً فيه إلّا أنّه لا يدلّ على أنّ الإمام الصادق قبل مائتي سنة قد قصد نفس ذلك المعنى. وما قاله بعض الأعاظم من أنّه كلام واحد، غير صحيح، فإنّ الإمام المنتظر شخص والإمام الصادق شخصٌ آخر، وكلامه كلام مستقلّ، وليس كلامهم واحداً بحيث لو احتملنا القرينة، يكون من باب احتمال القرينة المتّصلة فلا يمكن التمسّك بالظهور، هذا مجرّد كلام. بل يقتضي أنّنا إذا لم نعلم المقدّر فلا بُدّ من القول بالتعميم، فإنّ حذف المتعلّق يدلّ على العموم.
علاوةً عليه فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي التقدير الأعمّ، فإنّه إذا قال: “لا يحلّ مال امرئ إلا بطيب نفس منه“، وأردتم أن تقدّروا فيه شيئاً، فمن كون المال مال الناس وليس للآخرين فيه الحقّ في سائر التقلّبات، نعرف أنّ المقدّر معنى عامّ يشمل سائر التصرّفات.
إذن فليس عندنا دليل على (التصرّف)، بل لنا دليل على تقدير الأعمّ.
الآن نسلّم أنّ المقدّر هو خصوص التصرُّف في المقام، بناءً على جعل ما في التوقيع المبارك قرينة مثلاً، فيجب أن ننظر ما هو معنى التصرّف؟
أنتم لاحظتم ما يكتب في القبالات من أنّ للمشتري أن يتصرّف في المبيع تصرّف الملّاك في أملاكهم، هل يعني ذلك أن يأكله أو يمشي عليه؟ أو يشمل سائر التصرّفات، فإذا قال شخصٌ: بعتُ مالي لأنّ لي أن أتصرّف فيه، هل يكون
ـــــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هذا مجازاً؟! وهل التصرُّف مختصّ بالأمر الحسّي ولا يشمل المعنوي إلا مجازاً، أو أعمّ من جميع هذه المطالب.
وفي اللغة أيضاً كذلك، ففي (المنجد))1): صَرَفَ الدنانير بدّلها بدراهم أو دنانير سواها، صرف المال أنفقه، تصرّف في الأمر احتال وتقلّب فيه. الصرّاف والصيرف والصيرفيّ بياع النقود بنقودٍ غيرها. إذن فالأمر راجع إلى البيع والشراء. إلا إذا أردتم صرفها عن ظاهرها وحملها على الحركات الخارجية التي تصدر من البائع والمشتري حين التسلم والاستلام، إلّا أنّ هذه الحركات ليست بيعاً، والمعنى الواقعي لبيع النقود هو معنى الصرف.
وفي (المفردات) للراغب)2): الصرف نقل الشيء من حالة إلى حالة، يُقال: صرفته فانصرف.
والتوقيع أيضاً يكون دليلاً على ذلك، حيث قال: “فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلا بإذنه“)3)، هل تفهمون منه خصوص الأكل منه أو المشي عليه، أو يشمل البيع والإجارة؟
إذن فما الداعي إلى التقدير أوّلاً، وثانياً إنّ المقدّر هو التصرّف، وثالثاً لماذا يحمل التصرُّف على الحسي على خلاف العرف واللغة؟
ـــــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) المنجد: 422- 423.
(2) مفردات غريب القرآن: 279.
(3) عوالي اللئالي 1: 222، الفصل التاسع، الحديث99، وبحار الأنوار 2: 272، الباب33، الحديث7.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يبقى بعض الإشكالات التي ذكرت:
منها: ذلك الإشكال الذي ذكرناه في حديث: الناس مسلّطون على أموالهم، حيث قلنا إنّ السلطنة المزاحمة لسلطنة الإنسان على أمواله، ينفيها الحديث.
وأما العمل الذي لا يزاحم السلطنة فلا يشملها الحديث، فالإنسان لا سلطنة له على إنهاء ملكه ليكون له سلطنة على إزالته. كما قال (حاج شيخ). وقال)1): لذا قلنا إنّ التفاسخ والإعراض على خلاف القواعد.
هنا أيضاً نقول: “لا يحلّ مال امرئ إلا بطيب نفسٍ منه“، إنّ طيب النفس راجعٌ إلى التصرُّفات في المال مع بقاء المال ولا يشمل إزالة الملك.
مع إشكال زائد يختصّ به المقام، وهو أنّ المقام مقام الحرمة وحيث إنّ الحرمة ظاهرة في الحرمة التكليفية، فهي لا تقتضي البطلان، فلتكن المعاملة حراماً وصحيحة)2).
ونحن قلنا هناك: إنّ المطلب ليس كذلك، وإنّ إزالة الملك وإبقاءه للمالك سلطنة عليه، والعقلاء يقولون بذلك، وأنا أُعمِل سلطنتي فأُخرج المال عن ملكي.
ـــــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 139، أدلّة القول بإفادة المعاطاة الملك، والإجارة (للمحقّق الأصفهاني أيضاً): 11.
(2) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 139، أدلّة القول بإفادة المعاطاة الملك.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وهنا أيضاً نقول: إنّ نفي الحِلّ في الرواية بمعنى المنع، بمعنى أنّ إزالة الملك عن الإنسان بدون رضاه ممنوع، والمنع أعمّ من التكليفي والوضعي، فنفهم من ذلك عدم نفوذ الفسخ.
وأمّا هذا المعنى الذي يقوله وسائر الأغايون، من أنّ التصرُّف راجع إلى التصرُّفات الحسّية دون غيرها، انظروا أنّنا إذا عرضنا هذا المطلب على العقلاء فماذا يقولون، هل يمكن أن يقول الشارع: إن التصرُّف في مال الغير حرام؟ ولكنه يقول: إذا خرج المال من عند مالكه رغماً عن أنفه فالبيع صحيح ويجب عليه أن يسلّمه، أليس هذا مضحكاً؟!
ارجعوا إلى السوق والعقلاء ودعوا التدقيقات المدرسيّة، هل يوافقون على ذلك؟ فإذا ألقيناه على العرف يلغون الخصوصية ويقولون إنّ أيّ تصرّف في المال غير جائز، فمن ناحية مناسبة الحكم والموضوع نلغي الخصوصية، فعلى فرض تمامية جميع مطالبكم، فإنّ العرف يُلغي الخصوصية، ويرى أنّ سائر التقلبات في أموال الناس غير جائزة..
وإشكال آخر: وهو أن يُقال: إنَّه في هذه الرواية عندنا قرينة على أنّه حكم تكليفي، بقرينة (لا يحلّ دم المسلم) وبقرينة وجوب ردّ الأمانات. في الباب الثالث من أبواب مكان المصلي من الوسائل: محمد بن علي بن الحسين بإسناده، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله في حديث: “أنّ رسول الله قال: من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفسه“. وقوله: “فإنه لا يحلّ… ” تعليلٌ بكبرى كلّية،
ـــــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ويكون الدم والأمانة قرينة على كون الحكم تكليفيّاً.
أقول: إنّه بعد أن قال بوجوب ردّ الأمانة إلى أهلها، علّل بأنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه. فهذه كبرى كلّية يلقيها ويستشهد بها على وجوب الردّ؛ لأنّ عدم الردّ مخالف لها.
فهنا كلام حول أنّه هل المورد يخصّص الكبرى أو لا؟ فلو سُئِلَ الإمام عن شرب النبيذ فقال: لا تشربه لأنّ المسكر حرام، لا تستطيع أن تقيّد المسكر بالنبيذ. والحلِّية في المقام ليست بالمعنى التشريعي ولا الوضعي، بل هي في مقابل المنع، يعني التصرُّف في مال الغير ممنوع إلا بطيب نفسه، فهل يمكن أن نحملها على خصوص أحدهما رغم أنّه منافٍ لإطلاق الكبرى. هذا لا يوافق عليه فهم العقلاء.
ومطلب آخر: أنّ ردّ الأمانة واجب، ومقابله ترك الردّ وجعله جزء الكبرى، بمعنى أنّه لو لم يردّ الأمانة كان ذلك مخالفاً للكبرى، وهو أنّه (لا يحلّ مال امرئ إلا بطيبة نفسه)، فنفهم من ذلك أنّ التصرُّف إذا كان بالمعنى الحسّي لَما استعمل في عدم الردّ، لإمكان أن لا يردّه ولا يتصرّف به بل يهمله إهمالاً، مع أنّه جعل الردّ مصداقاً لقوله (لا يحلّ…)، فيعلم ذلك أنّه أعمّ من المعاني التي نتخيّلها.
وعلى أيّ حال، التوقيع المبارك من أدلّته، و(لا يحلّ مال امرئ إلا بطيبة نفسه) من أدلّته أيضاً، إذن لا إشكال في المقام والرواية: وهي “لا يحلّ مال امرئ…“، لها دلالة على المطلوب.
ـــــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أمّا الآيات التي تمسّكوا بها في المقام، فهي آية التجارة عن تراضٍ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ. يمكن تقريب المقام بلحاظ جملة المستثنى منه مع الغضّ عن المستثنى، وبلحاظ المستثنى منه بغضّ النظر عن المستثنى، كما يمكن تقريب المقام بلحاظ كِلتا الجملتين، وأمّا قول بعضهم من أنّ التمسّك بكِلتا الجملتين لا يمكن؛ لأنّه من التمسّك بالمتناقضين، ناشئ من الجهل بكيفية التقريب.
أمّا جملة المستثنى منه، وهو قوله تعالى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ، مع غضّ النظر عن الجزء الآخر للآية ففيها احتمالان: أحدهما: أنّها سيقت لسلب السببية الباطلة، وأن الباطل لا سببية له، ومن ذاك الطرف تمام الألفاظ التي يلقيها الشارع إلى العرف والعقلاء، لا باعتبار اصطلاح خاصّ له، وإنّما يلقيها إليهم على طبق ما يفهمونه من الألفاظ. فالقرآن أيضاً تكلّم مع الناس بلسانهم في حدود جعل القوانين في مقام العمل(1)، وإلّا ففي القرآن معانٍ عالية لا يفهمها الناس؛ لأنها غير موجهة إلى العرف وإنّما يفهمها أهلها، لأنّ القرآن وارد لجميع الطوائف ففيه رزقٌ لها جميعاً. وكذلك كلام النبيّ والأئمة ليس لهم اصطلاح خاصّ، وإنّما هي على طبق اللسان العربيّ، نعم هم قد يباحثون بالمسائل الكلاميّة، إلّا أنّها غير مرتبطة بالعرف، وإنّما يجب أن يتأخّر فيها العرف ويتقدّم إليها أهلها.
فإذا كان بيع المعاطاة بين الناس لازماً كما كان كذلك من الأوّل، والعقلاء
ـــــــــــــ[219]ــــــــــ
() وهي آيات الأحكام. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لا يقبلون إرجاع المبيع بالمعاطاة، إذن فالفسخ يرونه أمراً باطلاً غير صحيح، وبلا أثر عرفاً. فإذا كان الأمر كذلك، وكان هذا الكلام موجّهاً على طبق فهم العقلاء، إذن فقوله تعالى: لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ، هو ما يكون باطلاً بنظر العقلاء كالسرقة والقمار. فإذا كانت معاملة أو فسخ باطلة عندهم، فهي باطلة بمقتضى الآية، فإذا كانت واردة في مقام عدم تنفيذ المعاملة الباطلة، نفهم منها ابتداءً عدم نفوذ الفسخ لكونه باطلاً عند العقلاء.
والاحتمال الآخر في المستثنى منه في الآية هو أنّها تتعرّض للحرمة التكليفيّة باصطلاح الآغايون، لا أنّها تريد إلغاء السبب ابتداءً تثبيت حرمة المال الآتي من الجهات الباطلة، فلازمه أنّ المسبّب الباطل لم يُؤثِّر لأنّه له أثر السبب لكان المال ملكي، ولا يمكن أن نفهم أنّ المال ملكي ومع ذلك تعبّداً لا يجوز لي التصرُّف فيه، فإنّه خلاف فهم العقلاء وارتكازهم.
إذا كان هذا هو معنى الآية، فيما أنّ الكلام ملقى إلى العرف والعقلاء، فيجب أن ننظر إلى أنّ السبب الباطل عندهم ما هو، بحيث إذا جاء لي مال من ناحيته يكون حراماً ولا يكون نافذاً، وحيث إنّهم يرون أنّ الفسخ في المعاطاة باطل وغير مؤثّر، إذن نفهم من الآية هذا المعنى بهذا التقريب.
يبقى مطلب آخر وهو أنّ الشارع إذا أنفذ أمراً ليس نافذاً عند العقلاء، في ذلك ثلاثة احتمالات:
1- أن يكون بنحو التخصيص، افرضوا في الواقع هذا الفسخ باطل عند العقلاء وقد ورد الدليل بنفوذه، فهل الموضوع محفوظ في الآية، بمعنى أنّ كلّ باطل غير صحيح إلّا هذا الباطل؟
ـــــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
2- والاحتمال الآخر هو أنّ الباطل عند العقلاء معلّق على عدم ورود التقييد من قِبَل الشارع، فإذا ورد التقييد يخرج من الباطل ويصير حقّاً. وهنا احتمالان:
أحدهما: أنّ هذا التعليق العقلائيّ من القرائن الحافّة بالكلام، بحيث يفهمها العقلاء ابتداءً كما ذكرناه في السلطنة.
ثانيهما: أنّه من الأمور النظرية التي لا تدرك إلا بالتعمّق.
فإذا قلنا: إنّ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ مخصّصة تخصيصاً حكمياً، وإن الشارع إذا كان بحسب الواقع قد أجاز الفسخ فقد خصّص الآية أو قيّدها تقييداً حكمياً، كأنّه قال: (كلّ باطل حرام إلّا هذا الباطل). إذا كان الأمر كذلك فلا إشكال أنّه عند الشكّ في ورود شيء من الشارع نتمسّك بالآية، فإنّها تبقى على قوّتها ما لم تقم حجّة مقدّمة عليها، أما مجرّد احتمال ورود المخصّص فهو لا يكفي، ولا أستطيع به رفع اليد عن الحُجِّية الفعلية، إذن فيمكن التمسّك بالآية.
كما أنّه لا إشكال أنّ التقييد الشرعيّ إذا كان كالقرينة الحافّة، بحيث لو ألقي على العقلاء يرون أنّ كون العنوان باطلاً عندهم معلّقاً على عدم ورود التنفيذ من قبل الشارع، وإلّا لم يكن باطلاً، وكان هذا من الوضوح بحيث يكون كالقرائن الحافّة بالكلام. ففي مثل ذلك لا إشكال في عدم جواز التمسّك؛ لأنّ الكلام ابتداءً ألقي بشكل مضيّق، فيكون من التمسّك بالشبهة المصداقية للعامّ لا للمخصّص.
ـــــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما لو كان من الأمور النظرية، فهل يمكن التمسّك؟
قلنا في دليل السلطنة: إنّ تعليق سلطنتي على سلطنة الشارع إذا كان أمراً نظرياً، فيمكن التمسّك بإطلاق: “الناس مسلّطون على أموالهم“، ويكون كالمخصّص الخارجي غير المحفوف بالكلام، فهل الأمر هنا كذلك، بمعنى أنّ نذهب إلى التفصيل في المقام بين ما إذا كان هذا المعنى من القرائن الحافّة وبين أن لا يكون، أو مطلقاً لا يجوز التمسّك بالآية؟
الثاني هو الصحيح، فإنّ هناك فرقاً بين المقام وبين دليل السلطنة، فإنّه هناك كان موضوع الحكم محفوظاً في محلّه وهو الناس أو الأموال، والشارع يريد أن يرفع سلطنتي في بعض الموارد، إذن فأنا -يعني الموضوع- محفوظ، فقط التسليط على المال الذي هو الحكم الوضعي غير محفوظ، باعتبار أنّ صاحب السلطان المطلق والأولى من الناس بنفوسهم وأموالهم، يريد رفع هذه السلطنة. إذن فهناك كان التقييد تقييداً للحكم لا تقييداً للموضوع.
أمّا هنا في قوله تعالى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ، فالكلام هو في أنّ المال الحاصل بالباطل حرام، أو السبب الباطل لا أثر له، أو المال الحاصل لا أثر له، والشارع في الواقع إذا كان قد تصرّف، فقد تصرّف في الموضوع، وأخرج الباطل عن كونه باطلاً، لا أنّه باطل(1) وقد خصّصه، بل الباطل قد خرج عن كونه باطلاً ولو كنت عالماً أو جاهلاً في الواقع، والآن أشكّ في أنّ التقييد الشرعيّ وارد لكي لا يكون هذا باطلاً، أو غير وارد لكي يكون باطلاً،
ـــــــــــــ[222]ــــــــــ
() فإنّ هذا هو الوجه الأوّل، وقد رفعنا اليد عنه الآن. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فيكون الشكّ شكّاً بنحو الشبهة المصداقيّة فلا يمكن التمسّك.
فهنا كان الموضوع محفوظاً وكان الشكّ في تقييد الحكم، وهنا التصرُّف في الموضوع، وقد جاء الحكم على السبب الباطل، سواء الحرمة وضعيّة أو تكليفيّة، فإذا أحرزت التقييد فقد أحرزت خروج الموضوع عن الموضوعيّة، وأنّ الباطل لم يعد باطلاً بل قد أصبح حقّاً، فإذا شككت بالورود، فيكون شكّاً بكونه باطلاً، لا أنّي أحرز بطلانه لكي أرتّب عليه الحكم.
هذا بحسب مقام التصور.
أما بحسب مقام التصديق، فهل نحتمل في الآية التخصيص، لا بُدّ أن نرجع في ذلك إلى العقلاء، هل يقول العقلاء: إنّ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ، يقبل التخصيص، بمعنى أنّ يكون هذا باطلاً ونافذاً شرعاً، وأنّ الشارع يجيز الباطل؟ مثل هذا السياق يكون أبيّاً عن التخصيص، بل العقلاء يقولون إنّ هذا الأمر عندنا باطل، إلّا أنّه معلّق على أنّ لا يأتي من الشارع تقييد، لا كما يقول السيد إنَّه باطل إلّا أنّ الشارع أجازه، فإنّ الشارع لا يُجيز الباطل، وإلا كان الخمس والزكاة من جملة الباطل؛ لأنّ الأصل العقلائيّ كون المال لمالكه، فحينما شرَّع الزكاة فقد أعطى مال الأغنياء للفقراء، فقد عمل ما هو باطل عقلائياً، بل الكلّ عبيده وليس لهم ملكيّة في مقابل ملكيته. إذن فالحكم معلّق على عدم تقييد الشارع الذي هو أولى من الناس بأموالهم وأنفسهم وله التصرُّف المطلق فيهم، وتصرّفنا ليس نافذاً في مقابل تصرّفه.. إذن فالباب ليس باب التخصيص، بل حكم العقلاء معلّق على هذا المعنى، إذن
ـــــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فالزكاة والخمس وغيره ممّا أجازه الشارع لا يرونه أكلاً للمال بالباطل.
فإذا كان المعنى تعليقياً سواء كان حافّاً بالكلام أو لا، لا يمكن التمسّك بصدر الآية لتتميم المطلب.
قالوا من جهة أخرى: إنَّه لو كان الفسخ سبباً مستقلّاً للملكية لصحّ التمسّك بالآية، أما الفسخ غير سبب مستقلّ بل هو مانع عن تأثير السبب المتأخّر، وأنا آكل المال بالسبب الأول، فهو يُزيل أثر المعاملة فيعود السبب الأوّل ونأكل المال على أساسه.
نقول: يجب أن نرجع إلى فهم العقلاء في المقام، وأن الشارع حينما قال: إنّ الإنسان لا يجوز أن يأكل المال بالجهة الباطلة، فهل يفهم العقلاء منه خصوص السبب المستقلّ، أو يفهمون أنّ الأمر الباطل ملغى سواء كان سبباً مستقلّاً أو لم يكن. كأنّ الشارع يقول: إنّ ما هو باطل عندكم لا تأكلوا به المال، سواء أتى إليكم بالمال بنفسه أو بغيره، فكلّ ما يكون باطلاً لا يكون مؤثّراً. هذا هو فهم العقلاء وإنّما نشأ الإشكال من التدقيقات المدرسّية.
هذا راجع إلى التقريب من جهة المستثنى منه. في المستثنى منه حتّى لو شككنا أنّه من قبيل التخصيص أو من قبيل الخروج الموضوعي، وكان على فرض جائز التمسّك وعلى الفرض الآخر لا يجوز، ولم نعلم أنّه من أيّهما، فأيضاً لا يجوز التمسّك لاحتمال التعليق الموضوعي، فتكون شبهة موضوعية، فلا يجوز التمسّك.
وأما جملة المستثنى بغض النظر عن الصدر، وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ
ـــــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، لو نفرض أنّها وردت هكذا: إذا كانت التجارة تجارة عن تراضٍ فإنّه يجوز الأكل، أو يجوز أكل المال الحاصل عن تجارة عن تراضٍ. فهنا على أحد التقريبين السابقين يتمّ المطلب دون الآخر، وذلك أنّنا قلنا في المستثنى منه، إنّ فيه احتمالين: أحدهما الحرمة التكليفية، والآخر عدم تنفيذ السبب الباطل. نفس هذين الاحتمالين يردان في المقام بأن يُقال: أحدهما: هو أنّ التجارة عن تراضٍ نافذة، والآخر أنّ أكل المال الحاصل بالتجارة جائز، فإذا كان الأمر كذلك، فتقريب فعلية ذلك بهذا النحو: أنّ أكل المال الحاصل بالتجارة حلال حتّى بعد الفسخ، ولازمه أنّ الفسخ باطل؛ لأنّه لو كان صحيحاً لكان مخالفاً للإطلاق. أما لو أردنا أن نتمسّك بنفوذ البيع وأنّ التجارة نافذة إلى ما بعد الفسخ فهذا لا معنى له؛ لأنّ الآية لا إطلاق لها لِما بعد الفسخ، لأنها تفيد التجارة ولا إطلاق لها لِما بعد الفسخ. إذن فيستفاد الإطلاق منها بالتقريب الأوّل.
وبهذا يظهر أنّ ما أفاده البعض من أنّ التمسّك بالجملتين غير ممكن لأنّهما متنافيان، إذ قلنا إنّه بهذا النحو من التقريب لا تناقض، فإنّ المدّعى واحد، ولكن نحو التمسّك يختلف.
بعض الإشكالات في التمسّك موجودة:
منها: أمر أشار إليه الشيخ وقرّبه بعضهم وهو: أنّ الحصر الذي نفهمه من الآية إن لم يرد تقييده بشيء، فإنّه ينتقض بالحصول على المال عن طريق المباحات العامة والقرض ومجهول المالك وغيرها عن الطرق المحلّلة غير التجارية. إذن فلا بُدّ من ذكر قيد في المقام، بأن يُقال: إنّ الأكل جائز عن تجارة عن تراضٍ إذا
ـــــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
كان المال ملكاً للآكل. وحينئذٍ يكون الكلام صحيحاً ولا ينتقض بشيء.
مرّةً نقول: إنّه إذا ورد الحصر فهل هو غير قابل للتقييد، مثلاً ورد في الصوم أنّه (لا يضر الصائم إذا اجتنب أربع خصال)، فهل هذا الحصر غير قابل للتقييد لنعالجه من الأوّل ونذكر أنّه مقيّد بقيد غير مذكور في الكلام، غايته يكون -إذا ثبت توضيح التقييد- أنّه حصر إضافي لا حقيقي، فإنّ الحصر لا يزيد عن الظهور، والظهور قابل للتقييد.
وثانياً: أنّ تقييد الحلِّية بكون المال مالي غير تامّ، فإنّ الحلِّية غير محصورة بالتجارة، ضرورة أنّ الإنسان له أن يأكل ماله، ما لم يحكم الشارع بحجره في بعض الموارد. وإذا قيّدنا المال بأنّه ملكي وحاصلاً عن التجارة عن تراضٍ تكون الشبهة حينئذٍ مصداقية، وإن كان بحسب الواقع أنّه إذا كان من التجارة عن تراضٍ يكون مملوكاً له، فالتقييد غير موجود، بل هو تقييد مستهجن؛ لأنّ أكل الإنسان لماله من الضروريات.
وشبهةٌ أخرى: وهي أن تقولوا إنّ الآية تنفذ التجارة، أو إنّها تحلّل المال الحاصل منها حلِّية تكليفية. فإذا كانت تنفّذ التجارة فيه، الإشكال الذي يرد على التمسّك بـ(أوفوا بالعقود). وهو أنّه بعد الفسخ لا يعلم بوجود العقد، وسوف نتعرّض له في مورده، وهو مشترك الورود بين المقام وذلك المقام، فإنّ التجارة عبارة عن القرار، فإذا شككت أنّ الفسخ الذي حصل هو نقض العقد أو لا، فأشكّ بوجود القرار والتجارة وعدمه، فتكون الشبهة مصداقيّة نظير الشبهة في (أوفوا بالعقود).
وإذا قلنا: إنّ الآية تفيد حلِّية أكل المال الحاصل بالتجارة، فهل يجوز
ـــــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
التمسّك بإطلاقها، الموضوع إما أن يكون مقيداً بالتجارة، بمعنى أنّه يحلّ أكل مال التجارة، وإما أنّه لا يمكن هذا التقييد كما سوف يأتي. فعلى الأوّل وهو ما إذا كان المال مقيّداً بالتجارة فأنا أشكّ بعد الفسخ أنّه مال التجارة أو لا. وما يقال من أنّ التجارة حدوثاً تكفي بقاءً إلى الآخر، واضح الفساد؛ لأنّه يلزم جواز الأكل من التجارة حتى مع نفوذ الفسخ، وعلى أيٍّ تكون الشبهة مصداقيّة للشكّ في كونه مال تجارة.
ولو قلنا: إنّه لا يمكن التقييد لاستحالة تقييد العلّة بمعلولها وتقييد المعلول بعلّته.
نقول: بل التقييد جائز، فإن الأمر المحال هو ما إذا أوجدت العلّة المعلول بما أنّها مقيّدة بالمعلول، أما إذا أردت جعل الحكم وجعل الموضوع هو المعلول مقيّد بالعلّة أو العلّة مقيّدة بالمعلول فذلك جائز، بأن أقول: العلّة المقيّدة بكونها ذات المعلول الفلاني أو المعلول المفيد بكونه صادراً عن العلّة الفلانية، هو موضوع حكمي.
إنّنا الآن نفرض أنّه لا تقييد، ولكن مع ذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنّ الموضوع لا يمكن أن يشمل حال عدم علّته، لأنّ معناه أنّه يشمل حال عدم نفسه. نقول: مال التجارة غير المقيد بالتجارة لا يمكن أن يشمل حال عدم علّته، هذا محال. لأنّه إطلاق لعدم نفسه، يعني حتّى لو لم يكن مال التجارة، إذن فهناك ضيق ذاتي موجود بلا تقييد بعدم العلّة، فإنّه لا يشمل حال عدم علّته. أو عبِّروا: أنّ حصّته من هذا المال هي معلولة للعلّة وهي موضوع للحكم، وهذه الحصّة لا إطلاق لها لحال عدم نفسها أو عدم علّتها، لأنّه
ـــــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
مستلزم لشمولها لعدم نفسها، إذن ففيها ضيق ذاتي لصورة عدم وجود العلّة.
فلو فرض تأثير الفسخ لا يمكن القول بأن المال الحاصل من التجارة حلال، ولو لم يكن حال التجارة، فيكون الشكّ شبهة مصداقية، لاحتمال أنّ الفسخ يُذهب بالعلّة فيذهب بالمعلول، ولا يمكن أن يعمّ مال التجارة حال عدمه.
فالشبهة واردة على كِلا التقديرين. هذا بالنسبة للتمسّك بالمستثنى.
وأما إذا أردنا الاستدلال بالحصر المستفاد من الجملتين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم(1) قال الآغايون: إنّ الحصر مستفاد من الآية لأنّ الاستثناء فيها متّصل، وفي كلام السيد أنّ الاستثناء المنفصل مخالف لشأن القرآن، فالاستثناء متّصل ويُستفاد منه الحصر.
نحن لنا مناقشة مع كلّ الكلمات الثلاث:
1- أنّه استثناء متّصل.
2- أنّ الاستثناء المنقطع في كلام الحكيم غير جائز.
3- أنّه يُستفاد الحصر من الآية.
أمّا أنّ الاستثناء منقطع أو متّصل، فقد ذكر السيد الأستاذ للاستثناء المتّصل تقريبين: أحدهما: أن يُقال إنّنا نجعل (الباطل) قيداً توضيحياً، ونجعل العبارة هكذا: (لا تأكلوا أموالكم إلا بتجارة عن تراضٍ).
ـــــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) النساء: 29.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ثانيهما: أنّ المستثنى منه محذوف، بأن يُقال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بوجهٍ من الوجوه إلّا وجه التجارة؛ لأنّ سائر الوجوه باطلة)1).
نحن لا نقول إنّه على الفرض الأوّل لا يكون الاستثناء متّصلاً، ولكن نسأل: أنّكم هل تقولون إنّ الاستثناء المتّصل يمكن أن يعقل، وإن كان خلاف الظاهر؟ ولكنّنا لا نبحث عن كونه معقولاً.
أو تريدون أن تقولوا إنّه هو الظاهر وإنّ قيد الباطل توضيحي وليس احترازياً، ولا مربوطاً بالمستثنى منه.
فهذا خلاف الظاهر وخلاف فهم المفسرين)2) والعقلاء، وخلاف الروايات الواردة في المقام، ففي رواية صحيحة في مقام تفسير أكل المال بالباطل: (أن ّقريش كانوا يقامرون مع الرجل بالأهل والمال)(3). فهو تفسير للباطل بالقمار. وفي بعضها: وذلك القمار. فالفهم العقلائيّ والظهور يقتضي كون القيد ليس توضيحياً.
وأما قوله: إنّ الاستثناء المنقطع خلاف الفصاحة)4).
ـــــــــــــ[229]ــــــــــ
() حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 74، القول في المعاطاة.
(2) راجع مجمع البيان 3: 59، تفسير سورة النساء، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 1: 502، تفسير سورة النساء، وزبدة البيان في أحكام القرآن: 427، كتاب البيع.
(3) الكافي 5: 122، باب القمار والنُهبة، الحديث1، ووسائل الشيعة 17: 164، باب تحريم كسب القمار …، الحديث22254، نص الراوية قال الصادق: “كانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله، فنهاهم عزّ وجلّ عن ذلك“.
(4) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 126، في شروط المتعاقدين، ومنية الطالب 1: 199، الكلام في شروط المتعاقدين، الجهة الثامنة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فنقول: إنّه موافق جداً للفصاحة؛ لأنّه قد يوجد فيه مفاد ولا يوجد في الاستثناء المتّصل، كما لو أراد أن يقول: إنّ المستثنى منه باقٍ على إطلاقه، فيستثنى بنحوٍ منقطع ليقول إنّ المستثنى منه غير موجود أصلاً. فمثلاً في الآية يمكن أن يريد من الاستثناء المنقطع التأكيد على أنّ الباطل في أيّ وقت غير صحيح عندنا، وإنّما لم أذكر الباطل لأنّي لم أجد سبباً باطلاً عندي.
وكذلك: في قوله تعالى: لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً(26) إِلَّا قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً(1). فإنّنا إذا أردنا جعله استثناءً متّصلاً فلا بُدّ من إضافة قيدٍ من عندكم، إلّا أنّ نكتته هو أنّه لا يوجد في الجنة لغوٌ أصلاً.
إذن فالاستثناء المنفصل لا مانع منه، ولا يكون خلاف الفصاحة، بل هو موافق مع الفصاحة ووارد في كلام العرب كقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم | بهنَّ فـلول من قراعِ الكتائب |
وقوله: “أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش“(2).
وأمّا إذا كان الاستثناء متّصلاً، فلا إشكال أنّ الآية إذا تُليت على الإنسان، يفهم العقلاء أنّ نكتة المطلب هو أنّ الباطل علّة للحكم، إنّما قال لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ، لا من باب أنّه أكل أو أنّه مال أو أنّه مال الغير، بل لأنّه باطل، والأكل لا يحصل بالسبب الباطل، فالعلّية لا تحتاج إلى قولنا (لأن) بل نفهمها من الآية ابتداءً.
ـــــــــــــ[230]ــــــــــ
(1) الواقعة: 25- 26.
(2) نور البراهين 1: 120، كشف الخفاء 1: 202، الحديث609، والقاموس المحيط 1: 6.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وبقرينة المقابلة مع التجارة، تعرف أنّ التجارة حقّ غير باطل وإنّما نفّذت لذلك، فكأنّه أفرز الحقّ عن الباطل وألغى الباطل وأخذ الحقّ.
إذن قولهم: إنّه ينتقض بالمباحات وبالقرض وبمجهول المالك، غير صحيح. فإن كلّ هذه الأمور داخلة في المستثنى فإنّها أكل للمال بالحقّ؛ لأنّ العقلاء يقولون: إنّ التجارة إنّما استثنيت لأنّها من مصاديق الحقّ، فكل ما كان حقّاً فهو نافذ.
بناءً عليه، لا نفهم الحصر من الآية، وسواء كان الاستثناء منقطعاً أو متّصلاً لا فرق في عدم إمكان التمسّك؛ لأنّ المقابلة هي بين الحقّ والباطل.
وأما إذا استفدنا الحصر، وميّزنا بين الحقّ والباطل، وضممنا إليه حكم العقلاء، بأنّ تصرّف الشارع يخرج السبب عن كونه باطلاً إلى الحقّ، ولا نعلم أنّ الفسخ نافذ من قبل المولى أو لا، فيكون الشكّ شبهة مصداقية.
إذن لا يمكن التمسّك لا بالمستثنى ولا بالمستثنى منه، ولا بالحصر المستفاد من الآية، لتصحيح المعاملة(1).
هنا ذكر الشيخ(2) إشارة حول الروايات المربوطة بخيار المجلس، “البيّعان بالخيار حتّى يفترقا” وذكر أنّها تدلّ على اللزوم بالنسبة إلى خصوص البيع، ونحن تبعاً للشيخ يجب أن ننظر في ذلك.
ـــــــــــــ[231]ــــــــــ
() يعني: على لزوم المعاطاة. (المقرِّر).
(2) راجع المكاسب 3: 55- 56، الاستدلال بما دلّ على لزوم خصوص البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من جملة ما تمسّكوا به للزوم المعاطاة، الروايات المستفيضة الواردة في خيار المجلس:
ونحن مرّةً: نذكر رواية واحدة هي أجمع من سائر الروايات وننظر إليها.
وأخرى: ننظر إلى تمام الروايات لنرى ماذا تدلّ؟
واستشهد سيدنا الأستاذ بهذه الرواية، وهي مذكورة في الوسائل كتاب التجارة، أبواب الخيار ص624، باب ثبوت خيار المجلس. قال: وعن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: “أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهو بالخيار، حتّى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع“(1).
وقال عنها: إنّها صحيحة.
والاستدلال بهذه الرواية يكون بثلاثة طرق:
الطريق الأول: الاستدلال بجملة: “البيّعان(2) بالخيار“، بدعوى أنّ الخيار إنّما يثبت في البيع اللازم، ولا معنى لثبوته في البيع الجائر، ومقتضى إطلاق
ـــــــــــــ[332]ــــــــــ
() الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث7، الاستبصار 3: 72، باب أنّ الافتراق بالأبدان شرط في صحّة العقد، الحديث3، تهذيب الأحكام 7: 20، باب عقود البيع، الحديث3، ووسائل الشيعة 18: 6، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يتفرّقا، الحديث 14023.
(2) هذا موجود في رواية أخرى لا هنا. لكنّ هذا الفرق غير فارق، فتأمَّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الموضوع أنّ مطلق البيع فيه خيار فيشمل المعاطاة، إذن فالمعاطاة فيها خيار، وحيث إنّ الخيار ملازم مع اللزوم، فالمعاطاة بيع لازم.
الطريق الثاني: الاستفادة من جعل الغاية، وهو قوله: “البيّعان(1) بالخيار حتّى يفترقا“. حيث يُقال: إنّ ماهيّة الخيار مغيّاة بالافتراق، فإذا حصل الافتراق لم توجد ماهيّة خيارة الفسخ، فلا بُدّ أنّ البيع لازم.
الطريق الثالث: ما تمسّك به الأغايون، وهو قوله: “فإذا افترقا وجب البيع” لا بدعوى أنّ الوجوب ظاهر بالوجوب الفعلي، وبمقتضى الإطلاق أنّ تمام البيوع واجبة يعني لازمة بعد الافتراق، غايته أنّه مقيّد ببعض الخيارات كخيار الحيوان مثلاً، ومقتضى الإطلاق أنّ البيع بعد الافتراق لازم فيشمل المعاطاة.
نقول: أمّا الطريق الأول، وهو جعل الخيار دليلاً على لزوم المعاطاة)2)، نحن بحسب الاحتمال نسأل: إمّا أنّ جعل الخيار لا ترونه منافياً لخيار الحيوان وإمّا أنّه منافٍ معه بحسب حكم العقل والعقلاء؛ لأنهم يرون الخيار منافياً مع الجواز.
ـــــــــــــ[233]ــــــــــ
() هذا النصّ قائم على افتراض أن يكون النصّ هكذا: (البيعان بالخيار حتّى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع). وهذا النصّ غير موجود في (الوسائل)، وإنّما يمكن اقتناصه من مجموع الروايات، فتكون دعوى حجّته على مدّعيها. (المقرِّر).
(2) راجع حاشية كتاب المكاسب 1: 142- 143، الاستدلال برواية “البيّعان بالخيار”، و4: 44، أصالة لزوم البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإذا قيل: إنّه غير منافٍ مع الجواز لإمكان اجتماع الخيارات من الجهات المتعدّدة، فإذا كان في المقام خيار مجلس فلا ينافي وجود خيار الحيوان.
فهنا أيضاً كما يمكن جعل الخيارات المتعدّدة للبيع الواحد، ولا منافاةَ بينهما، فيقال هنا: إنّ جعل الخيار لا ينافي جواز المعاملة، على هذا لا يمكن إثبات اللزوم من جعل الخيار؛ لأنّه لا يكون من اللزوم الأعمّ، فإنّ جعل الخيار يناسب المعاملة اللازمة والجائزة.
وإذا لم تلتزموا بهذا المعنى، وذهبتم إلى أنّ المعاملة الجائزة لا يمكن فيها جعل الخيار، وإنّما هو من مختصّات المعاملة اللازمة. هنا نسأل هل حكم العقل والعقلاء نظير القرائن المتّصلة بالكلام، بحيث أوّل ما يلقى عليهم “البيّعان بالخيار… “ يدركون بحسب عقلهم أو بحسب ارتكازهم أنّ البيع لازم. أوَليس هذا نظير القرائن المتّصلة؟
فإذا كان من القرائن المتّصلة، بأن يفهم أنّ البيع اللازم هو ذو خيار، فحينئذٍ لا يمكن بجعل الخيار إثبات لزوم المعاطاة، للشكّ في جواز البيع وعدمه، فيكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية للعام، فقوله “البيّعان بالخيار… “ يجعل الخيار في البيع اللازم، بقرينة حكم العقل.
لكن إذا شككت أنّه لازم أو غير لازم، لا يمكن إثبات الخيار فيه ومِن ثَمَّ لا يمكن إثبات اللزوم؛ لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، وكشف للموضوع عن طريق الحكم.
وأمّا على مبنانا من أنّه لا فرق بين المخصّصات اللُّبّية واللفظيّة. فإذا
ـــــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
شككنا في عنوان بيّن لا يمكن التمسّك بالعامّ، ونفس المانع الذي نذكره في محلّه في المخصّص اللفظي يرد في المخصص اللُّبّي أيضاً. فإذا بنينا على هذا المبنى، فالمقام من هذا القبيل، حيث إنّ موضوع حكم العقل وهو: أنّ البيع الجائز لا خيار فيه، موضوع بيّن، ونحن نشكّ أنّه جائزٌ أو لا.
نعم هنا شبهة ترد في المقام وفي كلّ مورد نقول به. نقول بجواز التمسّك، وهي أنّه فرق بين المخصّص اللُّبِّي الذي يخرج طائفة وعنواناً من العامّ، ثُمَّ نشكّ أنّ هذا مصداق داخل وخارج. فمثلاً لو قال: (أكرم كلّ عالم)، وحكم العقل بأنّ العالم الكافر لا يجب إكرامه عند المولى، ونشكّ أنّ هذا مصداق للكافر أو لا، هنا لا يمكن التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية.
أمّا إذا شككنا في مصداق من دون أن يكون لنا عنوان خارج لنشكّ أنّه داخل أو خارج، مثلاً قوله: (لعن الله بني أمية قاطبة)، وشككنا في واحد أنّه مؤمن أو لا، ونعلم أنّ الباقين ليسوا مؤمنين فهنا ليس عندنا عنوان خارج من العامّ لنشكّ بدخول الفردية، بل نشكّ ابتداءً بهذا الفرد.
فهذا من الشكّ في أصل التخصيص، ويجوز التمسّك بالعامّ لشموله لهذا التردّد، ومقامنا -مثلاً- من هذا القبيل، فإنّنا نشكّ في مصداق من المعاطاة، وليس هنا بيع خارج عن دليل اللزوم، لتكون شبهة مصداقية، وإنّما هذا شكّ في هذا الفرد)1).
وجواب هذه الشبهة معلوم: أنّ ما نسمّيه بالمخّصصات اللُّبّية أو العقليّة،
ـــــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) راجع مناهج الوصول 2: 252، تتميم: في الشبهة المصداقيّة للمخصّص اللبّي.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ليس معناه أنّه المخصص من العامّ شيئاً، بل العقل له هذا العنوان، ولنفرض حكمه نظرياً لا بديهياً، فإذا ورد من الشارع حكم ولاحظ العقل أطراف القضية، فيقول: إنّه إذا فرض لهذا(1) العنوان مصداق فلا يدخل تحت الحكم، فمثلاً في قوله: “اللهم العن بني أمية قاطبة“(2).
لو شككت في فرد أنّه مؤمن أو لا، وعلمت بكفر الباقين، فهنا ليس في المقام تخصيص، وإنّما عندنا هنا حكم العقل بأن المؤمن لا يُلعن، ثُمَّ لما يرد لعن بني أمية قاطبة، يحكم العقل بأنّ هذا إذا كان مؤمناً فليس ملعوناً، فحكم العقل دائماً وارد على العناوين، وليس له عمل في خروج المصاديق أو دخولها، وحكم العقل وارد على هذا العنوان المبيّن وهو المؤمن. فنعلم من هذا أنّ لعن بني أمية وإن كان يشمل هذا الفرد بالإطلاق، لكنّه ليس في لعن المؤمن إرادة جدّية.
فهذا العنوان وإن لم يكن له إلا مصداق واحد، إلّا أنّنا نشكّ في أنّه داخل تحت اللعن أو لا، فهذا يكون شبهة مصداقيّة للعنوان المبيّن)3).
فهذه هي النكتة التي ذكرناها في المخصّصات اللّبية واللفظية، وأنّه شبهة مصداقيّة للأصل العقلائيّ القائل بتطابق الإرادة الجدّية مع الإرادة الاستعمالية،
ـــــــــــــ[236]ــــــــــ
() يعني موضوع حكم العقل على الظاهر. (المقرِّر).
(2) مصباح المتهجّد: 774، شرح زيارة أبي عبد الله في يوم عاشوراء، مصباح الكفعمي: 482، الفصل 41، وبحار الأنوار 98: 293، الباب24، كيفيّة زيارته (صلوات الله عليه) يوم عاشوراء.
(3) راجع مطارح الأنظار: 194، هداية في الشبهة المصداقيّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وقد نشكّ في تطابقهما، إلّا أنّنا في المقام حيث نعلم بعدم تطابقهما، فالشكّ في خروج الفرد أو خروج الطائفة لا فرق في ذلك.
ومقامنا من هذا القبيل: لأنّ ما خرج بحكم العقل هو البيع الجائز، ونحن نشكّ بجواز المعاطاة، فلا يمكن التمسّك بإطلاق جعل الخيار فإنّ الحكم لا ينقّح موضوعه.
وأما الطريق الثاني: وهو الاستفادة من جعل الغاية حيث قال: “البيّعان بالخيار حتّى يفترقا“، بان يُقال: إنّ ماهيّة الخيار هنا معلّقة ولها غاية، فإذا حصلت الغاية يذهب الخيار فيذهب الجواز)1).
نقول: عنوان الخيار غير عنوان الجواز، فإنّ عنوان الخيار له أحكام وهو مجعول للإنسان، وحقّ قابل للإسقاط والإرث والنقل بالمعاملة، وأما جواز المعاملة كالهبة فهو حكم شرعيّ لا حقّ مجعول، ولا يسقط ولا يورث وغير قابل للنقل، فهذان معنيان، فنحن إذا فرضنا أنّ ماهيّة الخيار مغيّاة بالافتراق، إلّا أنّه إذا لم تكن ماهيّة الخيار لا يثبت بذلك عدم الجواز(2)، فإنّ كُلاً منهما ماهيّة مستقلّة.
فعلى فرض أنّ المقصود من الخيار، ماهيّة الخيار، إلّا أنّ سلب الخيار لا يستلزم سلب الجواز الحكميّ، فإنّ نفي عنوان مخالف لعنوان آخر بتمام خصوصياته، لا يثبت عدم العنوان الآخر.
إذن لا يجوز التمسّك بمفهوم الغاية.
ـــــــــــــ[237]ــــــــــ
() راجع تعليقة على بيع المكاسب (للعلَّامة البلاغي): 7.
(2) يعني: جواز العقد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الطريق الثالث: وهو ما قاله الآغايون)1)، من التمسّك بقوله “فإذا افترقا وجب البيع“، هنا بلا إشكال أنّ البيع المأخوذ في صدر الرواية في مثل قوله: “البيّعان بالخيار…“ أو إذا اشترى بيعاً فهو بالخيار، هو نفس العنوان المأخوذ في الذيل وهو قوله: “إذا افترقا وجب البيع“، فقد جعل الخيار وجعل اللزوم على نفس الموضوع.
إذن فهنا عندنا إطلاقان متعارضان.
أحدهما: إطلاق الصدر القائل: “أيّما رجل اشترى بيعاً فهو بالخيار“، الذي يقتضي ثبوت الخيار، سواء كان البيع بالصيغة أو المعاطاة وسواء كان البيع لازماً أو جائزاً، مع قطع النظر عن حكم العقل الذي ذكرناه.
ثانيهما: إطلاق الذيل، في قوله “وجب البيع“، الذي يقتضي بإطلاقه اللزوم الفعلي الشامل للمعاطاة، واللزوم الفعلي مع جواز المعاطاة لا يجتمعان.
فالإطلاق الأوّل يقول: إنّ المعاطاة ولو كان جائزاً ففيه الخيار، والإطلاق الثاني يفيد لزوم هذا العقد الجائز، مع أنّ الجائز الحكمي لا يكون لازماً، فإطلاق الصدر معارض(2) مع إطلاق الذيل.
سواء رفعنا اليد عن إطلاق الصدر وأخذنا بإطلاق الذيل أو العكس.
ـــــــــــــ[238]ــــــــــ
() اُنظر منية الطالب 2: 9، القول في الخيارات، المقدّمة الثانية.
(2) كيف يكونان متعارضان مع أنّ إطلاق الصدر مختصّ بما قبل الافتراق، وإطلاق الذيل مختصّ بما بعده، فيكون المحصّل أنّ المعاطاة غير لازمة قبل الافتراق ولازمة بعده. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإنّه لا يفيدنا؛ لأنّنا لاحظنا إطلاق الصدر القائل بأن البيع فيه الخيار، سواء كان لازماً أو جائزاً، ورفعنا اليد عنه، وأخرجنا البيع الجائز عنه، وحيث إنّنا نعلم أنّ الصدر والذيل موضوعهما واحد، فيكون الذيل أيضاً مختصّاً بالبيع اللازم(1)، فيكون التمسّك به لشموله إلى المعاطاة المشكوكة تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، وإثباتاً للموضوع عن طريق الحكم.
وأمّا إذا رفعنا اليد عن إطلاق الذيل، فذلك يكون بأحد طريقين:
أحدهما: أنّه لأجل حصول المعارضة نرفع اليد عن ظهوره بالفعلية، ونعتبره حكماً حيثياً، فإنّ التعارض وإن كان يرتفع، إلّا أنّ الحكم الحيثي لا منافاة له مع الجواز واللزوم(2)، فإنّنا نريد أن نثبت لزوم المعاطاة، وإثبات اللزوم بالنحو الحيثي لا يلازم اللزوم المطلق، فإنّه لا يمكن أن يكون العقد جائزاً ذاتاً ولا خيار فيه.
ثانيهما: أن نبقي الحكم على ظهوره في الفعلية، ولكن نقيّده يغير البيع الجائز، وأنّ البيعين إذا افترقا وجب البيع إلّا في البيع الجائز. ونحن لا نعلم أنّ المعاطاة جائزة أو لا، فيكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
إذن فعلى تمام التقريبات لهذه الرواية على لزوم المعاطاة، لا يمكن التمسّك بها.
هذا إذا قلنا إنّ جعل الخيار في العقود الجائزة جائز، وإلّا فلا يمكن التمسّك من الأوّل.
ـــــــــــــ[239]ــــــــــ
() ومعناه: أنّ البيع الجائز لا يجب ولا يلزم بالافتراق، (المقرِّر).
(2) يعني: وجب البيع من حيث الخيار (مما قاله السيد). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هذا إذا لاحظنا الروايات بنحو الإجمال، وأما إذا جمعنا سائر الروايات ونظرنا إليها، فهل نستطيع تتميم المطلب أو لا؟
أوّلاً نستعرض الروايات إجمالاً ثُمَّ نقرأ بعضها، والروايات التي تمسّكوا بها على لزوم المعاطاة هو روايات خيار المجلس، وهي على ثلاث طوائف:
أولاها: الروايات التي ذكرت فيها الغاية وليس فيها (فإذا افترقا وجب البيع))1)، وهي غالب الروايات.
الطائفة الثانية: وهي التي ذكرت مفهوم الغاية، كصحيحة فضيل التي تقول: “فإذا افترقا فلا خيار“(2)، وصحيحة الحلبي التي تقول: “فإذا افترقا وجب البيع“(3).
ـــــــــــــ[240]ــــــــــ
() كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله: البيّعان بالخيار حتّى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام“. الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث5، ووسائل الشيعة 18: 5، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يتفرّقا، الحديث23011.
(2) الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث6، الاستبصار 3: 72، باب أنّ الافتراق بالأبدان شرطٌ في صحّة العقد، الحديث2، تهذيب الأحكام 7: 20، باب عقود البيع، الحديث2، ووسائل الشيعة 18: 6، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يتفرّقا، الحديث 23013.
(3) كصحيحة فضيل عن أبي عبد الله قال: “قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ فقال لي: ثلاثة أيّام للمشتري. قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما“. الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث6، الاستبصار 3: 72، باب أنّ الافتراق بالأبدان شرطٌ في صحّة العقد، الحديث2، تهذيب الأحكام 7: 20، باب عقود البيع، الحديث2، ووسائل الشيعة 18: 6، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يتفرّقا، الحديث 23013.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الطائفة الثالثة: وهي المنقولة عن الإمام الصادق، وهي عدّة روايات بمضمون واحد كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال: “إن أبي اشترى أرضاً يُقال لها العريض فلما استوجبها قام فمضى، قلت: له يا أبه عجلت القيام؟ فقال: يا بني أردت أن يجب البيع“)1).
أمّا إجمال المطلب قبل الرجوع إلى الروايات فهو:
أنّ الطائفة الأولى التي تقول: “حتى يفترقا“ ولا تتعرّض لِما بعد الغاية، فهي بقطع النظر عمّا قلناه سابقاً، أنّها جعلت الخيار مغيّاً بالافتراق.
ـــــــــــــ[241]ــــــــــ
() كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال: “إنّ أبي اشترى أرضاً يُقال لها العريض، فلمّا استوجبها قام فمضى. فقلت له: يا أبه، عجّلت القيام؟ فقال: يا بنيّ، أردت أن يجب البيع” الكافي 5: 171، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث7، من لا يحضره الفقيه 3: 204، باب الافتراق الذي يجب به البيع…، الحديث 3768، الاستبصار 3: 73، باب أنّ الافتراق بالأبدان شرطٌ في صحّة العقد، الحديث3، تهذيب الأحكام 7: 20، باب عقود البيع، الحديث3، ووسائل الشيعة 18: 8، باب سقوط خيار المجلس بالافتراق …، الحديث23018.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فيُقال: إنّ طبيعة الخيار مطلقاً وبلا قيد مغيّاً بذلك، وحينئذٍ فإذا حصلت الغاية لا يبقى نفس طبيعة الخيار ومعناه للزوم.
ونقول: إنّه إذا دار الأمر عقلائياً في مقام الجعل بين أن تكون نفس طبيعة الخيار مغيّاة بالافتراق، وبعد تحقّق الغاية يلزم البيع، فتكون هذه الروايات معارضة للروايات وللتسالم بين الآغايون في أنّ عدّة من الخيارات ثابتة للبيع، كخيار الحيوان وخيار العيب وخيار تخلّف الوصف، وقد يصل بها البعض إلى خمسة عشر أو ثمانية عشر خياراً. فهنا نقول: إنّ هذه الروايات(1) جعلت الخيار مطلقاً وبعد تحقّق الغاية لا خيار، وتكون تلك الخيارات الأخرى مقيّدات لها، فكأنّه يقول إنّه بعد الغاية لا خيار إلّا خيار الحيوان وخيار العيب وخيار الغبن إلى خمسة عشر خياراً، هل يمكن مثل هذا الكلام، لا شكّ أنّه كلام غير صحيح، وإنّما المذكور في هذه الطائفة هو خيار المجلس خاصّة، ولا ربط له بباقي الخيارات، إذن لا يستفاد منه لزوم البيع؛ لأنّه نفى خياراً خاصّاً وبعد تحقّق الغاية لا يوجد، وهذا لا ينافي مع جعل سائر الخيارات، ولا يدلّ على لزوم البيع؛ لأنّ طريق الإثبات كان هو نفي الطبيعة لا نفي خصوص المجلس.
والفقهاء ذكروا هذه الروايات لخيار المجلس، لا لنفي الخيار مطلقاً؛ لكي تكون معارضة أو مزاحمة لغيرها من أخبار الخيار.
وهو الذي يوافق عليه العرف والعقلاء.
وأما الروايات التي تقول: (إنّي مشيت لكي يجب البيع). فالظاهر أنّها
ـــــــــــــ[242]ــــــــــ
() يعني: هذه الطائفة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إعراب عن حادثة واحدة، نقول:
أوّلاً: “استوجبها” يعني إيجاب وقبول، لا أنّها وقعت بنحو المعاطاة.
وثانياً: إنّه بيع القرى والأراضي لم يكن من الأوّل فيها المعاطاة؛ لأنّ بيعها محكم ولا تقيّد فيه المعاطاة.
وثالثاً: إنّه عمل من أبي جعفر لا نعرف وجهه، نعم بلحاظ نقل الصادق له يمكن أن نستفيد منه بيان الحكم، ولكنّه وارد في بيع القرى والأراضي، والمعاطاة وإن لم تكن باطلة في مثل ذلك، إلّا أنّها لا تجري فيها، فإنّها تحتاج إلى أحكام وكتابة قبالة، إذن فلا يمكن التمسّك بهذه الرواية.
تبقى صحيحة الفضيل التي ذكرت الغاية: (وإن افترقا فلا خيار بينهما). ونصّها عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل، عن فضيل، عن أبي عبد الله، في حديث قال: “قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما“.
فهذا نظير ذلك، فإنّه إمّا أن لا يكون بعد تحقّق الغاية، لا خيار أصلاً، وتكون الخيارات الأخرى مقيّدة لها، فهذا غير صحيح، فيتعيّن أن يكون المقصود هو خيار المجلس.
تبقى فقط صحيحة الحلبي: “أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهو بالخيار حتّى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع“. وكان قوله فيها: “فإذا افترقا وجب البيع“، هو عمدة ما ذكره الآغايون في كلامهم لتتميم المطلب.
ـــــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أوّلاً نقول: إنّه لا ينبغي إجراء حكم العقل في الروايات، بل يجب أن نعرضها على العرف والعقلاء وأهل السوق، والعرف الذي اطلَّع على تمام(1) هذه الروايات الواردة في خيار المجلس، هل يقول: إنّ سائر الروايات تتعرّض لمطلب، وصحيحة الحلبي تتعرّض لمطلب آخر؟ أو جميعاً تقول مطلباً واحداً؟
وحينئذٍ لا يبقى للصحيحة ظهور بالإطلاق، وأنّه إذا انتفت الغاية يجب البيع وجوباً مطلقاً.
بالإضافة إلى أنّ سائر الخيارات تكون مقيّدة لها، كما سلف في عرض الإشكال، فلا يكون كلاماً صحيحاً.
إذن فالنظر الإجمالي إلى الروايات يقتضي عدم دلالتها على لزوم المعاطاة.
وكذلك إذا نظرنا إلى نفس الروايات بتفاصيلها:
أبواب الخيار(2): باب ثبوت خيار المجلس للبايع والمشتري ما لم يفترقا. محمد بن يعقوب، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله -هذه الرواية صحيحة-، قال: “قال رسول الله: البيعان بالخيار حتّى يفترقا، وصاحب الحيوان
ـــــــــــــ[244]ــــــــــ
() هذا من الغرائب، فإن الجمع بين هذه الروايات إنّما هو من عمل مؤلّف (الوسائل) وليست واردة هكذا عن الأئمة لكي يكون لترتيبها ظهور، ويكون حجّة ويكون قرينة على صرف هذه الصحيحة عن إطلاقها، كأنّه سياق واحد؟! (المقرِّر).
(2) وهنا جعل يقرأ في الوسائل. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بالخيار ثلاثة أيام“(1). انتهى.
هل تفهمون من ذلك أنّه البيع لازم بعد الافتراق، وأنّ صاحب الحيوان لا خيار له؟ أو نفهم أنّه كلٌّ منهما خيار مستقلّ؟ يعني عندنا خيار في زمان وجودهما في المجلس، وخيار متعلّق بصاحب الحيوان، لا أنّه (البيعان بالخيار..) يعني مطلق الخيار، ويكون ذيله مقيّداً له، وسائر الروايات المثبتة للخيارات الأخرى مقيّدة له أيضاً، فهم العقلاء باعتبار جعل أحدهما قريناً للآخر يقتضي ذلك لا محالة، فلم يدلّ على المطلب.
وصحيحة زرارة(2): “البيعان بالخيار حتّى يفترقا“، وتتمّتها في الباب الثالث من أبواب الخيار: “وصاحب الحيوان ثلاثة أيام“. وهذه أيضاً فيها القرينة وهي جعل أحد الخيارين قريناً مع الآخر.
وفي رواية علي بن أسباط، وهي ما رواه الصدوق، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا ، قال: “سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري وفي غير الحيوان أن يفترقا“. وهي يوجد فيها نفس الاقتران، فنفهم منها أنّ الخيار على قسمين وشكلين.
وأما الروايات التي جعلت الغاية، فإحداها: صحيحة الفضيل(3)،
ـــــــــــــ[245]ــــــــــ
() الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث5، ووسائل الشيعة 18: 5، باب ثبوت خيار المجلس…، الحديث 23011.
(2) سندها: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، وابن بكير، جميعاً عن زرارة، عن أبي عبد الله.(المقرِّر).
(3) اُنظر نصّها ص241 (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وتتمّتها: “قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري. قلت: ما الشرط في غيره؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا“(1). وفيها أيضاً نفس القرينة، وقد جعل أحدهما قريناً للآخر، فنفهم منها أنّه يريد الخيار الخاصّ.
وشاهد آخر: وهو أنّ التعبير في صحيحة الحلبي، وهو “إذا افترقا وجب البيع“، موجود في روايات أخرى للخيارات الأخرى، منها صحيحة علي بن رئاب، وهي(2) ما رواه محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمد، جميعاً عن أبن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله، قال: “الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة أيام فذلك رضاً منه فلا شرط له“(3).
ومثلها صحيحة علي بن رئاب أيضاً، عن أبي عبد الله: عن رجل اشترى جارية لِمَن الخيار؟ قال: “الخيار لِمَن اشترى. -إلى أن قال- قلت له: أرأيت إن
ـــــــــــــ[246]ــــــــــ
() الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث6، الاستبصار 3: 72، باب أنّ الافتراق بالأبدان شرطٌ في صحّة العقد، الحديث2، تهذيب الأحكام 7: 20، باب عقود البيع، الحديث2، ووسائل الشيعة 18: 6، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يتفرّقا، الحديث 23013.
(2) ذكر السيد صحيحة علي بن رئاب الآتية، ولم يذكر هذه الرواية، فاعرف. (المقرِّر).
(3) الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث2، ووسائل الشيعة 18: 13، باب سقوط خيار المشتري بتصرّفه في الحيوان وإحداثه فيه، الحديث 23023.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قبّلها المشتري أو لامس؟ قال: فقال: إذا قبَّل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم فقد انقضى الشرط ولزمته“(1).
ومثله صحيحة محمد بن الحسن الصفار، قال: “كتبت إلى أبي محمد في الرجل اشترى من رجل دابّة، فأحدث فيها حدثاً من أخذ الحافر أو أنعلها، أو ركب ظهرها فراسخ، أَلَهُ أن يردّها في الثلاثة الأيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يُحدث فيها، أو الركوب الذي يركبها فراسخ؟ فوقّع: إذا أحدث فيه حدثاً فقد وجب الشراء إن شاء الله“(2).
فقوله: “فقد وجب الشراء” أو قوله: (فقد وجب البيع)، هل يمكن أخذها مطلقاً؟ بل العرف يفهم أنّه وجب الشراء من حيث هذا وذاك.
إذن فالروايات الواردة في خيار المجلس وخيار الحيوان، لا يمكن التمسّك بها للزوم المعاطاة.
من الأدلّة التي ذكرت للزوم المعاطاة قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ(3).
ـــــــــــــ[247]ــــــــــ
(1) قرب الإسناد 1: 78، ووسائل الشيعة 18: 14، باب سقوط خيار المشتري بتصرّفه…، الحديث23034.
(2) تهذيب الأحكام 7: 75، باب ابتياع الحيوان، الحديث34، ووسائل الشيعة 18: 13، باب سقوط خيار المشتري بتصرفّه …، الحديث 23033.
(3) المائدة: 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قلنا سابقاً مطالباً بالنسبة إلى الآية، ولا نذكر الآن إلّا واحداً منها لتتميم مطالبنا، وهو أنّ الوفاء بالعقد بحسب نظر العقلاء، هو أن يقف الإنسان على طبق قراره. فإنّ الآغايون ذكروا احتمالين:
أحدهما: أنّ وفاء العهد يعني البقاء عليه وعدم نقضه، فإذا نقضناه لا يكون وفاء به، فيكون معنى الوفاء هو عدم الفسخ.
والاحتمال الآخر: هو العمل على طبق القرار كعدم التسليم مثلاً. فلو لم يفسخ ولم يُسلّم هل يُقال إنّه وفى بالعقد أو يُقال إنّه لم يفِ.
فـ(أَوْفُوا بِالعُقُودِ) بالنظر السوقي يقطع النظر عن دقّة الآغايون، هذه المعاني التي يتوصّل بها إلى أمر آخر، العرف لا يفهم وجوب الوفاء بنفس العقد، بل يذهب نظره إلى متعلّق العقد، وما يترتّب عليه من وجوب التسليم والتسلّم، شأنه شأن الوفاء بالنذر واليمين، ممّا ورد الأمر بالوفاء بها، ليس معناه الوفاء بالنذر بمعنى عدم نقضه، بل بمعنى وجوب العمل على طبقه. نفس البيع أيضاً كذلك، فالوفاء هو العمل طبق القرار وتسليم المبيع.
فهذان الاحتمالان وإن كانا يردان في محيط المدارس، فإن ظهور الروايات ليس موكولاً إلى دقّة العلماء، بل يجب على العلماء أن يعتبروا أنفسهم من الكسبة وأهل السوق، ويحاولون الفهم على هذا الأساس.
إذن فالوفاء بالعقد الذي ينظر إليه العقلاء هو التسليم والتسلّم على طبق
ـــــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ما قرروه، لا أنّه هو عدم الفسخ.
نحن نبحث لأجل تمامية البحث على تقديرين:
فإنه مرّةً نبني أنّ الوفاء بالعقد كسائر موارد الوفاء، وهو العمل على مقتضيات العقد، كما هو الحال في الوفاء بالنذر واليمين ونحوه.
وفي البيع وإن كان مقتضاه الأوّل هو الملكية، لكن يجب أن لا ترجع إلى الاستدلالات العقلية، بل إلى حكم العقلاء.
فمتى ما ذكر الوفاء بالعقد، والشارع ليس له بيان آخر خلاف بيان العقلاء، فنحن نحمل معنى الوفاء بالعقود على النظر العرفي، وهو التسليم والتسلّم، فإذا لم يسلّم لم يفِ بالعقد؛ لأنّ معناه الوفاء بالعقد، فإنّه إذا لم يفسخ ولم يسلّم لا يُقال إنّه وفى بعقده.
ومرةً نحمل المعنى على ذلك، وأنّ المقصود من الوفاء هو عدم الفسخ.
أما إذا بنينا على هذا المعنى وهو أنّ معنى الوفاء بالعقد هو العمل على مقتضيات العقد، فالوفاء يختلف بحسب الموارد، فمثلاً: العقد بالصيغة مقتضاه النقد، فالوفاء به هو الدفع نقداً، وإن كان نسيئة أو سلفاً فالوفاء به أن يدفعه عند موعده، وإلّا لم يفِ بالعقد. وفي باب المعاطاة حيث أجزنا النسيئة والسلف، فلو أعطى بنحو المعاطاة نسيئة أو سلفاً، فوفاؤه هو إعطاؤه وأداؤه في موعده، وأما إذا كان بنحو النقد والتعاطي، فإذا كان تعاطياً فمعنى الوفاء هو أن لا يدفعه بنيّة أخذه واسترجاعه، لا نقول بنحو الغصب.
ـــــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فعلى هذا التقريب يمكن الاستدلال بالآية بأحد وجوه:
أحدها: أنّ قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ، والأمر بلزوم العمل على مقتضى العقد، كناية على طبق سائر الكنايات، كناية عن لزوم العقد، فمثلاً في باب الإخبارات قد يخبر باللازم ويريد الملزوم، نحو: (زيدٌ كثير الرماد)، فيلغى اللازم، ولكن إرادته الجدّية متعلقة بما هو لازمه العادي وهو السخاوة، فهنا الألفاظ قد استعملت في معناها والمراد الاستعمالي محفوظ في معناه اللغوي، ولكنه يريد الانتقال إلى معنى آخر، وهو الجود.
وفي الروايات ورد نحو ذلك، نحو: “يعيد الصلاة“)1)، فإنّه ليس معناه أنَّه يجب إعادة الصلاة، بل استعملت الألفاظ في معناها، ولكن المخاطب يفهم منه أنّ الإعادة لازمة.
في المقام نقول هكذا: إنّ قوله أَوْفُوا بِالعُقُودِ، وإن كان الظاهر بحسب الإرادة الاستعمالية أنّه يجب الوفاء بالعقد، ولكنّها قيلت وأريد منها ملزومه العادي، وهو أنّ العقد لازم لكي يكون الإنسان ملزماً بالوفاء به، وإلّا لو لم يكن ملزوماً به، بل تكون يد الإنسان مطلقة فيه حينئذٍ.
فهذا أداء للمطلب بالمعنى الكنائي، لا أقول إنّ اللازم استعمل في الملزوم
ـــــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 18، باب القول عند دخول الخلاء وعند الخروج …، الحديث15، الاستبصار 1: 55، باب وجوب الاستنجاء من الغائط والبول، الحديث16، تهذيب الأحكام 1: 50، آداب الأحداث الموجبة للطهارات، الحديث84، ووسائل الشيعة 1: 272، باب أنّ القبلة والمباشرة والمضاجعة …، الحديث713.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بل استعمل في معناه، وقد تعلّقت الإرادة الجدية بالملزوم، وهو لزوم العقد، وإلّا لو كان العقد جائزاً لَما أمرنا الشارع بالوفاء.
التقريب الثاني: أنّ الإرادة الجدية متعلقة بالوفاء بالعقد، لكن لا بنحو الإرادة المولوية والوجوب المولوي، وإنّما هو وارد بالمعنى الذي عند العقلاء، إذ يرى العقلاء أنّ الإنسان يلزمه الوفاء بالعقد، فليس في الشرع وجوب الردّ، وإنّما الحرام هو الغصب، وليس عندنا وجوب الردّ. إلّا أنّ عندنا حرمة للغصب ووجوب آخر للردّ، بحيث إنّ المكلّف إذا بقى على غصبه يضرب بعصوين.
إذن فالآية تريد الإفادة عن نفس المعنى العقلائيّ للوفاء، وهو الوقوف عند القرار والعقد، غايته أنّه نفهم من هذا المطلب، بالملازمة العقلية أنّ المراد الجدّي هو وجوب العمل بمقتضى العقد، ونفهم منه لزوم العقد وعدم نفوذ الفسخ.
وفرق هذا التقريب عن التقريب الأوّل هو: أنّه هناك كانت الإرادة الجدّية متعلّقة بالملزوم لا باللازم، وأما هنا فالمقصود الجدّي هو اللازم، وبالملازمة نفهم لزوم العقد وعدم نفوذ الفسخ.
وإن شئت قلت: إن إطلاق وجوب العمل عقلائياً على طبق العقد، يقتضي أنّه لا طريق لنا للتخلّص من العقد، فإذا قال الشارع نفس هذا المعنى، نفهم أنّه أمضى العقد بالنحو الذي هو لازم عند العقلاء، فنفهم من ذلك لزوم العقد.
نعم، يمكن أن يكون بنحو: أنّه ما دام العقد عقداً فيجب الوفاء به، فلا نفهم منه اللزوم، إلّا أنّ ذلك مخالف لفهم العقلاء.
التقريب الثالث: أنّ قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ أمر مولوي ووجوب مولوي، غايته أنّ إثبات اللزوم يكون بأحد طريقين:
ـــــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إمّا أن نفهم من هذا الوجوب المولوي وجوباً مولوياً آخر، وهو أنّه يجب أن لا نفسخ العقد، ولكن إذا فسخ يمضي الفسخ، ولكنه بعيد بنظر العقد.
والطريق الآخر: أنّ الإيجاب المولوي المطلق للعقد، نفهم منه أنّ الفسخ غير مؤثّر، وإلّا لَما قال أنّه يجب الوفاء والعمل على طبق المعاملة، على الإطلاق.
هذا هو محصّل الطرق الثلاثة التي يمكن أن يستدلّ بها.
إلّا أنّه قد يُقال بل قيل، في: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، إنّ الإلزام واللزوم والإيجاب والوجوب لا يستفاد من الآية، خاصّة وأنّه تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فإنّه إمّا أنّه عمل مستحسن، أو أنّه موعظة حسنة، أو إرشاد للحسن العقلائيّ، أو العقليّ في الفعل، خصوصاً مع ذكر المؤمنين في الآية. وكذلك في دليل الشروط، “المؤمنون عند شروطهم“)1)، فإنّه إمّا موعظة حسنة، أو إرشاد إلى حسنة عقلاً، أو عقلائيّاً، فلا يستفاد منه لزوم الوفاء.
نقول: إننا إما أن نرى مثل ما ترون بأنّ الأمر ظاهر بالوجوب، أو نرى أنّ أمر المولى حجّة، ولا يجوز أن يرفع اليد عنه إلا بحجّة أقوى، فهناأَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني: يجب عليكم الوفاء أو اعملوا بالوفاء، فقولكم إنّها إما أن تكون موعظة حسنة، أو إرشاداً إلى حسن الفعل عقلاً أو عقلائياً، افرضوا أنّه عمل حسن، وقد أمر به وهو ظاهر بالوجوب أو حجّة به، فهل هنا قرينة عقلائية أو عقلية على عدم
ـــــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) راجع غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب 2: 178، الكلام في بيع المعاطاة، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 81، في لزوم المعاطاة وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الوجوب؛ لكي نرفع اليد عن ظهور الأمر بالوجوب أو حجّيته به؟
فمثلاً: قوله: قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ(1)، هل نفهم منه الاستحباب؟ بل إسناده إلى المؤمنين قرينة على اللزوم لا على الجواز، فإنّه إنّما لم يطلق الأمر؛ لأنّه ميؤوس من غير المؤمنين، ووجد المؤمنين هم الذين يعملون على قوله فوجَّه إليهم الأمر، إذن فقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا قرينة فيه لنرفع اليد بها عن الظهور.
ثمَّ إنّ ترك الوفاء بالعقود من القبائح عند العقلاء لا المستحبات، ولا من الأمور الجائزة يمكن أن يعمل ويمكن أن يترك، بل عدم الوفاء من القبائح عندهم.
إذن لا يمكن أن نستفيد منه الرجحان، فإنّه عند العقلاء قبيح أن لا يقف الإنسان عند قوله، فلا يمكن أن يكون قرينة على رفع اليد عن الحجّة الشرعية، ونقول بأنّه موعظة حسنة أو إرشاد إلى أمر مستحب.
هذا محصّل الكلام في الوجه الأوّل للوفاء.
وأمّا إذا قلنا: إنّ الوفاء عبارة عن إدامة العقد وعدم فسخه، فكيف يمكن تقريب اللزوم من الآية؟
الوجوه الثلاثة التي قلنا بها بحسب مقام التصوُّر وهي:
اللزوم، أو اللزوم على طبق ارتكاز العقلاء، أو اللزوم الشرعي، ونفهم عدم نفوذ الفسخ بالملازمة.
ـــــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) النور: 30.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأمّا بحسب الاستظهار اللفظي فيقرّب الوجه الثالث.
وبحسب الاعتبار يقرّب الوجه الثاني؛ لأنّا إذا أخذنا بالاحتمال الثالث، يلزم أنّه إذا باع ولم يعطِ المال يعاقب بعقابين، أحدهما لعدم الوفاء، والآخر للغصب، وهو غير صحيح.
وأمّا الوجه الثاني فهو موافق مع ارتكاز العقلاء، ونفهم بالملازمة أنّه بيعٌ لازم، إذ نفهم؛ كما أنّه لازم عند العقلاء ولا يُؤثِّر الفسخ في نظرهم كذلك هو عند الشارع، ونفهم بالملازمة أنّ العقد ما دام له لزوم ولا يمكن رفع اليد عنه، فلا يكون الفسخ مؤثّراً.
وعلى أيٍّ من التقريبات الثلاثة، لا ترد الشبهة الواردة على تقريب الشيخ)1)، من أنّه يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، فإنّه هنا لا يكون تمسّكاً بالعامّ بالشبهة المصداقية؛ لأنّه بهذه التقريبات لا نريد أن نُتمِّم التصرُّفات بعد الفسخ، وإنّما نريد أن نُتمِّم بالملازمة لزوم العقد وعدم نفوذ الفسخ. نعم، للشبهة محلّ في كلام الشيخ.
هذا إذا حملنا وجوب الوفاء على المعنى العرفي العقلائيّ المختار، وهو أنّه عبارة عن العمل على طبق العقد ووجوب التسليم والتسلّم.
ـــــــــــــ[254]ــــــــــ
(1) المكاسب 5: 17، الأدلّة على أصالة اللزوم.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما إذا قلنا بان معنى الوفاء بالعقد هو إبقاؤه وعدم فسخه، وعدم رفع اليد عن القرار الذي جعله، فإذا قلنا إنّ معنى:أَوْفُوا بِالعُقُودِ هو هذا، فتقريب التمسّك بالآية للزوم المعاطاة يحتاج إلى مقدّمة.
وهي: أنّ تكليف المولى بشيء لا بُدّ أن يكون الإنسان قادراً على امتثاله، وإلّا استحال التكليف، فإذا كان البيع جائزاً في نظر العقلاء، وتُليت عليهم آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالعقود، يكون هذا أمرٌ صحيح، فإنّ لي قدرة أن أحفظ العقد وأن أفسخه، وقد قال لي الشارع: (لا تعمل ذلك ويجب عليك الوفاء به)، أما إذا كان العقد لازماً عند العقلاء -سواء المعاطاة والصيغة- فهنا إذا أمر الشارع بوجوب الوفاء بالعقد أمراً شرعياً، فلا بُدّ أوَّلاً أن يجعل العقد جائزاً ثُمَّ يوجب الوفاء به، لكي يكون المكلّف قادراً على المعصيّة أوّلاً، ثُمَّ ينهاه عنها(1).
ـــــــــــــ[255]ــــــــــ
() في هذا المطلب خلط بين القدرة التشريعية والتكوينية، أما القدرة التكوينية فالمكلّف قادر بحسبها على فسخ العقد لا محالة، بقطع النظر عن الحكم الشرعيّ والعقلائي، وعليه فيرتفع الإشكال ويمكن توجّه الأمر عليه بعدم الفسخ ابتداءً.
إلّا أنّ السيد في البحث أنكر القدرة التكوينية على الفسخ، وقال: إنّه وإن كان له قدرة على أخذ المال، إلّا أنّه غير قادر على أخذ المال بوجه شرعيّ، وإنّما شأنه شأن السارق.
ومن الواضح أنّ هذا من الممتنع الشرعيّ لا العقلي التكويني، فيرجع بالأخرة إلى القدرة التشريعية، وعلى تقدير عدم وجود القدرة التكوينية فإنّ الشارع بصفته شارعاً، لا يمكنه إقدار المكلّف تكويناً عليه مقدّمة لأمره به أو نهيه عنه؛ لأن القدرة التكوينية لا تنالها يد التشريع بحال.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نقول أوَّلاً هذا مُستنكَر لدى العقلاء، أن يجعل العقد جائزاً والإنسان قادراً على النقض، ولكن يأمر بعدم نقضه، فإذا لم يجعلنا قادرين لم يكن الأمر قابلاً للإطاعة، فإنّه حينئذٍ لا يكون أمراً فالعقد بيدي، لي فسخه أو إمضاؤه، بل لا بُدّ من أن نلتزم أنّه جعل العقد جائزاً ثُمَّ أمر بإبقائه وعدم فسخه.
فإذا دار الأمر بين أن يكون وجوب الوفاء بالعقد إرشاداً إلى أنّه لا يمكن خلافه، كما قلنا في: (لا تُصَلِّ فيما لا يؤكل لحمه))1)، من أنّه ليس نهياً تشريعياً؛ لأنّ النهي التشريعي لا بُدّ أن يكون موضوعه ممكناً في المرتبة السابقة.
وهنا غير ممكن(2)، فيكون ظاهراً بأنّك لا تعمل؛ لأنّه لا يمكن(3). فهنا أيضاً
ـــــــــــــ[256]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 4: 347، باب جواز الصلاة في الفراء والجلود والصوف والشعر والوبر ونحوها …، الحديث5350، ونص الرواية: “لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه“.
(2) هذا أيضاً غير صحيح، فإنّ القدرة التكوينية على الصلاة فيما لا يؤكل لحمه موجودة لا محالة فيكون النهي عنه صحيحاً، ويستفاد منه المنع الشرعيّ عن ذلك، بمعنى المانعية وأخذ عدمه في متعلّق الأمر. (المقرِّر).
(3) نكن كه نميشه، (المقرِّر). [الماتن استخدم هذه الكلمة وهي كلمة بالفارسية تعني: لا تفعل لأن ذلك غير ممكن].
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نظره إلى أنّك لا تفسخ؛ لأنّه لا يمكن الفسخ، فإذا دار الأمر بين هذين المعنيين: بين أنّ الشارع أجاز العقد رغماً لأنف العقلاء، ثُمَّ أوجب عدم الفسخ لأجل أن لا يكون تكليفاً بغير المقدور، وهذا في نظر العقلاء مستهجَن. وبين أن يكون الأمر بوجوب الوفاء إذ لا طريق غيره؛ لأنّ العقد غير قابل الانفساخ.
إذا دار الأمر بين هذين المعنيين، يأتي بنظرنا كونه أمراً إرشادياً نظير (لا تُصَلِّ في ما لا يؤكل لحمه)، في نظر العقلاء.
نعم لكم أن تقولوا: إنّك قلت: إنّ من وجوه: أَوْفُوا بِالعُقُودِ بناءً على الفرض الأوّل وهو دلالتها على اللزوم، أنّه إرشاد إلى اللزوم. نحن نعكس المطلب ونقول: إنّ قوله: أَوْفُوا بِالعُقُودِ إرشاد إلى الجواز؛ لأنّ وجوب الوفاء لا يكون إلا بالقدرة على النقض، وحيث إنّ هذا المعنى يُنافي مع وجوب الوفاء، ولازم الوجوب جواز النقض، فهو إرشاد إلى جواز النقض.
نحن نقول لكم:
أوّلاً: إنّ جواز جعل شيء من شيء كناية، ليس معناه جواز جعل كلّ شيء كناية عن كلّ شيء، بل لا بُدّ أن يكون له وجه عقلائي، وأَوْفُوا بِالعُقُودِ يُناسب الكناية عن اللزوم، ولكن جعله كناية عن عدم اللزوم مستهجَن عند العقلاء، كما قالوا في خبر الواحد: إنّ الشارع أوجب العمل به؛ لأجل أن تعملوا بكلام السيد المرتضى، الذي يدّعي الإجماع على عدم العمل به، فقد أوجب العمل به لأجل الأخذ بقول السيد المرتضى، ومن ثَمَّ عدم العمل بخبر
ـــــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الواحد. هذا من اللغز وليس البناء على الألغاز، فجعل الأمر بالوفاء كناية وإرشاداً إلى جواز العقد مستهجَناً عند العقلاء.
وثانياً: إنّ كونه إرشاداً إلى جواز العقد، إنّما يكون في وقت يكون العقد اللازم جائزاً عند العقلاء ليتمّ المطلب؛ لأنّ الأمر الإرشادي لا منافاة له مع الجواز وعدم الجواز، وإنّما الجواز منافٍ مع النهي التحريري التشريعي، الذي لا يمكن مخالفته، فلا يمكن هنا أن يُقال إنّ الأمر بالوفاء بالعقد مستلزم لجواز نقضه قبل ذلك، إذ الأمر إرشادي ولا يحتاج إلى فرض الجواز قبل ذلك.
وأمّا إذا أردتم لتتميم المطلب بهذا الكلام، أن تقولوا: إنّه أمر إرشادي ومولوي، ففيه إشكالان:
أما الأوّل: أنّه هل هذا ممكن أو لا؟ أن ينظر إلى شيء نظراً إرشاديّاً طريقيّاً آليّاً، وفي نفس الوقت ينظره نظراً نفسياً استقلالياً. فيه كلام. والأكثر لا يرون جوازه، واستعمال اللفظ في معنى حقيقي ومجازي أسوأ من استعماله في معنيين حقيقيين.
إذن فالوفاء بالعقود لا يمكن أن يكون إرشاداً لجواز العقد وأمراً مولوي معاً، الجمع بين هذين الأمرين فيه إشكال.
وعلى فرض أنّه لا إشكال فيه، لكنّ العقلاء لا يحملون الكلام على هذا المعنى، فإنّه محتاج إلى دلائل وقرائن تدلّ عليه على فرض إمكانه، فإنّه خارج عن ذوق العقلاء.
وأمّا أن نفهم من جعل وجوب الوفاء، نفهم بالملازمة العقلية جواز العقد في المرتبة السابقة، فيعود الإشكال السابق، وهو أنّ هذا ليس كلاماً صحيحاً
ـــــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
عند العقلاء، فإنّ إقرار المكلّف على الفسخ وتحريمه بعد ذلك وإن كان ممكناً عقلاً، إلّا أنّه مستهجَن لدى العقلاء، وخارج متعارف الكلام.
وهنا وجه آخر، وهو يتمّ على معنى معيّن، وهو أنّ نفهم من وجوب الوفاء، أخذ الوفاء أعمّ من إبقاء العقد وإزالته بمقتضى العقد، فلا يعدّ الفسخ وفاءً به، ولا عدم التسليم والتسلّم وفاءً به، على هذا نستطيع إبداء وجه آخر للزوم المعاطاة.
وهو أنّنا وإن أنكرنا دلالة الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه العامّ، لكن بناءً على ما يقولونه أو أنّه وإن كان عقلاً ليس كذلك لكنّه عرفاً هكذا، فإن معنى (اذهب) يعني لا تبقَ هنا. فإذا كان الأمر بالوفاء نهيٌ عن ضدّه العامّ، والضدّ العامّ أعمّ من النقيض، والضدّان لا ثالث لهما، فمعناه أنّ منافيات الوفاء منهيّ منها)1).
غايته إذا تعلّق هذا النهي بأمور نفسية يكون نهياً تكليفياً، وإذا تعلّق بأمور تكون وسيلة إلى أمور أخرى نفهم منه الإرشاد إلى المانعية، كما قلنا في قوله(2): “كل أمر اضطّر إليه المكلّف للتقيّة فقد أحلّه الله له“(3). حيث قلنا
ـــــــــــــ[259]ــــــــــ
() حاشية كتاب المكاسب 1: 148، الاستدلال بآية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
(2) هذا نقلٌ بالمعنى. (المقرِّر).
(3) الكافي 3: 220، باب التقيّة، الحديث18، ووسائل الشيعة 16: 214، باب وجوب التقيّة في كلّ ضرورة بقدرها …، الحديث21393، ونص الرواية ” التقيّة في كلّ شيءٍ يضطّر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له“.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إنّ الحلِّية بمعنى أنّه غير ممنوع، فإذا اضطرّ إلى أمر نفسي كشربه الخمر ارتفع حرمته النفسية، وإذا اضطرّ إلى ترك جزء من الصلاة أو التكفير فيها سقطت جزئيّته ومانعيّته.
فهنا نقول: إنّ كلّ ما قابل الوفاء يكون متعلّقاً للنهي، ومنها عدم التسليم والتسلّم، ومنها الفسخ ونقض العقد. فمنه نستفيد أنّ الفسخ غير نافذ، إذ نفهم بمناسبة الحكم والموضوع أنّ النهي المتعلّق بتلك الموضوعات منه ما يستفاد أنّه نهيّ تكليفي ومنه نهيّ وضعي، فالفسخ أيضاً حرام وممنوع.
ويستفاد من المعنى الوضعي؛ لأنّه وسيلة إلى أمر آخر، نحو: (لا تبِع ما ليس عندك) و(لا تبِع وقت النداء)، نفهم أنّه لا تعمل؛ لأنه لا يمكن، فهنا أيضاً كذلك لا تعمل؛ لأنّه لا يمكن.
هذا إذا أخذنا الوفاء بالمعنى الأعمّ، لا على خصوص التسليم والتسلّم، وأما إذا حملناه على هذا الخصوص، فلا يدلّ إلا على حرمة عدم التسليم والتسلّم.
ولا يتمّ هذا التقريب؛ لأنّه يكون كاللغز، لأنّه يريد من قوله: أَوْفُوا بِالعُقُودِ أن ينقلنا إلى معنى آخر هو حرمة الفسخ، ومن حرمته ينقلنا إلى عدم تأثيره، أو قل هذا الكلام قبيح عند العقلاء. وأما أخذ الوفاء عامّاً فلا يكون هذا التقريب لغزاً في نظر العقلاء.
لكن يبقى الإشكال في أن العقلاء هل يفهمون العموم أو لا، أو هذه مسألة مدرسية لا عرفيّة سوقيّة؟
إلّا أن يُقال: إنّ فهم العقلاء ليس له دخل في الملازمات العقلية فإنّهم فقط
ـــــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يفهمون الأمر بالوفاء، ونحن علينا أن نتابعهم في فهمهم.
وأما الملازمات العقلية فالمتّبع فيها نظر العقل ودقّته لا نظر العقلاء، نظير وجوب مقدّمة الواجب، حيث نتّبع العقلاء باستظهار الوجوب من دليل الواجب. أمّا مقدّمته واجبة أو لا، فهي ليست مسألة عقلائيّة، بحيث لو لم يفهمها العقلاء وفهمها العقل نقول له: إنّه ليس من حقّك ذلك، بل المرجع في ذلك إلى العقل.
إلّا أنّ المسألة إذا كانت عقلية لا يمكن الاستظهار حينئذٍ، بأن نقول إنّ النهي إذا تعلّق بعنوان فهل يمكن أن نستفيد منه عدم جواز الفسخ؛ لأنّ النهي هنا غير مستفاد من دليلٍ لفظي، وإنّما هو نهيٌ لُبِّي مأخوذ من إدراك العقل للملاك الواقعي، ومثله لا إطلاق له ولا ظهور له لكي يتمسّك به.
الوجه الآخر الذي يمكن للإنسان تقريبه: هو أنّ وجوب الوفاء بالعقد بحسب الفهم العرفي، يستفاد منه أنّ نقضه حرام سواء كان نقضاً عملياً أو قولياً، إذن التصرُّفات الناقضة للعقد حرام، فلو مدَّ يده وأخذ المال بعنوان الفسخ العملي فهذا المعنى حرام.
لا نقول: إنّ مطلق التصرُّفات حرام.
ليُقال: إنّها ليست من مقتضى العقد لتكون تأخيراً للفسخ، بل مقتضى العقد هو التمليك ومقتضى المقتضى هو جواز التصرّف، ومقابله عدم جواز التصرُّف للآخرين هو مقتضى المقتضى للعقد، بل نريد قصر النظر على
ـــــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
التصرُّفات المؤدّية إلى النقض، وأنّها محرمة بمقتضى الآية، ومنه يستفاد عدم نفوذ الفسخ؛ إذ لو كان مؤثّراً لما كان.
يمكن أن يُجاب عن هذا الوجه في بادئ النظر: أنّك تريد أن تفسخ بالأخذ المعاطاتي وصحّته أوّل الكلام، فإنّ الكلام الآن في صحّة المعاطاة.
وجوابه: أنّ الكلام الآن بعد الفراغ عن صحّة المعاطاة، عن لزومها، إذن فالصحّة فرغنا منها، وصحّة الفسخ المعاطاتي فرغنا منه، أو يُقال: إنّ القواعد تقتضي لزوم المعاطاة وصحّتها، والإجماع قام -مثلاً- على أنّ المعاطاة غير لازمة أو أنّها لا تحدث الملكية، ولكن في الفسخ لا إجماع لنا على عدم نفوذه، فيكون نافذاً، فهذا ليس شبهة.
ولكننا نسأل أنّ الفسخ هل يحصل بمدِّ اليد أو في المرتبة المتأخّرة عن هذا التصرّف؟ إذا قلتم: إنّه يحصل الفسخ بنفس هذا الوجود المبرز قبل التصرّف، إذن فالتصرّف في ذلك المال ليس معلوم الحرمة؛ لأني أحتمل حصول الفسخ به ولم يبقَ مالاً للغير، فإذا حدث الفسخ في المرتبة المتأخّرة عن الفعل المبرز، إذن فهذا تصرّف في مال الغير وهو تصرّفٌ حرام، ولكن بعد أن وقع هذا التصرُّف بعده غير معلوم الحرمة، فلا يمكن التمسّك بالآية لإثبات اللزوم.
الشيخ عليه الرحمة في باب الخيارات ذكر تقريباً)1) راجعاً إلى آية: أَوْفُوا بِالعُقُودِ، وكان فهم كلامه بلحاظ تناقض ذيله وصدره صعباً. ولذا نحن
ـــــــــــــ[262]ــــــــــ
() المكاسب 5: 18، الأدلّة على أصالة اللزوم، الاستدلال بآية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يمكن أن نقرّب كلامه بشكل يوافق صدر كلامه ويكون دفاعاً عن ذيله:
وذلك أنّه يقول هكذا(1): إنّ التصرُّفات التي نحرّمها بمقتضى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ، هذه التصرُّفات -بمقتضى إطلاق الآية- حرام حتّى بعد الفسخ: وهذه التصرُّفات إذا كانت حراماً مطلقاً، فهو لازمٌ مساوٍ في نظر العرف للزوم العقد.
ثمَّ قال بعد ذلك: بل قلنا في الأصول: إنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة من الأحكام التكليفية، فالتكليف بحرمة التصرُّف حتّى بعد الفسخ ينتزع منه الحكم الوضعي وهو الحكم بعدم تأثير الفسخ، ونحن بالتقريب الذي قلناه لكلامه، يمكن أن نجعل شاهداً على دفع الإشكال عنه.
فإنهم ذكروا عليه إشكالين:
أحدهما: أنّكم تقولون إنّ التصرُّف حتّى بعد الفسخ حرام، وتريدون إثباته من وجوب الوفاء بالعقد، إلّا أنّ مقتضى وجوب الوفاء بالعقد هو حرمة كلّ تصرف، إذن لا يمكن إثبات حرمة تلك التصرّفات. نقول: إنّه يمكن أن لا يقصد مطلق التصرُّفات بل خصوص التصرُّفات الناقضة للوفاء بالعقد وهو لازم مساوٍ للزوم.
الإشكال الآخر عليه: أنّ من خاصّة الأمر الانتزاعيّ، أنّه يحمل على منشأ انتزاعه، فإذا كان المصدر الانتزاعيّ الاشتقاقي صحيحاً يحمل على الموضوع
ـــــــــــــ[263]ــــــــــ
() بحسب الفهم الجديد للسيد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المنتزع منه، ببرهان أنّ الأمر المنتزع متّحد الوجود مع منشأ انتزاعه، فلا بُدّ أن يصحّ الحمل الشايع بينهما، فإذا انتزعنا عنوان الأخوّة نقول: (هذا أخ) وإذا انتزعنا عنوان الفوقية نقول: (هذا فوق).
وهذه الخاصّة غير موجودة في الأحكام الوضعيّة التي يدعى أنّها منتزعة عن الأحكام التكليفية، فإنّها -يعني الوضعيّة- لا تحمل عليها -يعني التكليفية-. فنحن حين نريد أن ننتزع من حرمة التصرُّف الشامل لما بعد الفسخ، حكماً وضعياً وهو عدم نفوذ الفسخ، لا بُدّ أن تكون حرمة التصرُّف عبارة عن عدم نفوذ الفسخ بالحمل الشايع.
وحين ننتزع الملكيّة من إجازة التصرُّف مطلقاً في شيءٍ ما، لكانت مطلق التصرُّفات عبارة عن الملك، مع أنّ الملك لازم لها لا أنّه هي بعينها.
نقول: إنّه وإن كان يقول في ذيل كلامه: إنّنا ذكرنا في الأصول: أنّ الأحكام الوضعيّة تنتزع من الأحكام التكليفية، إلّا أنّنا نعرف بقرينة صدور كلامه أنّ المراد ليس هو الانتزاع الاصطلاحي، بل يعني: عدم جواز التصرُّف الناقض حتّى بعد الفسخ لازم مساوٍ للحكم الوضعي، فنفهم أنّه من قبيل اعتبار على اعتبار من قبل العقلاء، فحين اعتبرت حرمة التصرُّف حتّى بعد الفسخ اعتبر العقلاء أنّ الفسخ لا يُؤثِّر باعتبار أنّه لازم مساوٍ له لا أنّه منتزع منه.
حينئذٍ نقول: في باب الملكيّة لو أجاز الشارع كلّ التصرُّفات في أمر من الأمور بدليل شرعيّ، يعتبر العقلاء من ذلك أنّ هذا مملوك له وأنّه ماله. أو
ـــــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بالعكس له منعه من سائر التصرُّفات في شيء ما، سواء التصرُّفات الحالية أو الاستقبالية وإلى الأبد جعله محروماً منه.
هل يقول العقلاء إنّه لازال مالكاً ويعدّونه من جملة أمواله، فلو كان لديك شيء وذهبَ عن يدك بنحوٍ لا تستطيع التصرُّف فيه، ولو بالغصب إلى الأبد، هل يحكم العقلاء بأنّه مالك، ولعلّ هذا منشأ قول بعض الفقهاء إنّ مال الناس إذا جعلوه ميداناً بحيث لا أمل إلى عوده إلى صاحبه، قالوا إنّ ملكيته ترتفع(1) ويكون من جملة المباحات، وإن كان ذلك الغاصب ضامناً له؛ لأنّ اعتبار الملكيّة هنا غير صحيح، لأنّ اعتبار الملكيّة قد انقطع وملكك قد تلف، حتّى في باب المساجد ليس بعيداً أن يقال إنّ المسجد إذا انهدم بشكل لا احتمال لعوده تذهب اعتبار مسجديته.
لعلّ الشيخ)2) يريد أن يقول هذا المعنى، فإنّنا كما يجب أن نرجع في الملكيّة
ـــــــــــــ[265]ــــــــــ
() إنّما ترتفع الملكيّة في الأراضي المفتوحة عنوة حيث لا يملك الإنسان رقبتها، وإنّما يكون له فيها حقّ الانتفاع ما دام أثر عمله موجوداً فيها، ففي مثل ذلك لو زال أثر عمله من دار أو زرع أو غيره وأصبحت الأرض قفراً تعود ملكاً للإمام، ويكون للآخرين حقّ استثمارها، ولكن في أراضي الصلح التي يملك الإنسان رقبتها إما بالصلح أو بالشراء من المالك فيبقى الحكم بالملكية مهما طرأ على الأرض من أحوال. نعم، لو صار هذا الحكم لغواً وممتنعاً عادةً، كما لو صارت الأرض بحراً لا يأمل جفافه كما مثّل السيد؛ فلا يبعد ارتفاع الملكيّة، إلّا أنّ ذلك لا يقاس بحلّية مسألة جعل الميراث. (المقرِّر).
(2) المكاسب 5: 18، الأدلّة على أصالة اللزوم.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وعدمها إلى العقلاء نرى أنهم إلى أي حدّ يوافقون أو يخالفون، هنا تحريم التصرُّفات الناقضة حتّى بعد الفسخ، يعتبر العقلاء عقيب هذا الأمر أنّ العقد لازم وأنّ الفسخ غير مؤثّر، لا أنّه أمر انتزاعي ليرد الإشكالان.
نعم، إنّ الإشكال هو لزوم التمسّك في الشبهة المصداقية، إذ يقول: إنّ التصرُّفات حتّى بعد الفسخ حرام، فإذا حرّمت هذه التصرُّفات بمقتضى الآية، إذن فهذا لازم مساعد للزوم العقد. تقول له: إذا فسخت المعاملة، فالتصرّف بعد الفسخ احتمل أنّه لا عقد موجود، فلا يمكن أنّ يتناوله قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ؛ لأنّه شبهة مصداقيّة لوجود العقد، فلا يتمّ المطلب، فالتصرّفات بعد الفسخ لا يمكن تحريمها لاحتمال نفوذ الفسخ، فتكون شبهة مصداقيّة للآية، فلا يمكن إثبات حرمة التصرُّفات بها.
وقد ذكرت لهذه الشبهة أجوبة عديدة:
منها: أنّ العقد عبارة عن الإنشاء الذي يصدر من الإنسان، و(أوفوا بالعقود) يعني أوفوا بالإنشاء، والإنشاء آنيّ التحقّق فإذا جعل أمراً مستقرّاً على أمر آنيّ، يستكشف أنّ هذا الأمر الآنيّ صالح لاستمرار الأمر المستقرّ إلى الأبد. فلا يكون شبهة مصداقيّة في المقام، فإنّ العقد الآنيّ نعلم بارتفاعه، وأما وجوب الوفاء الوارد عليه فهو مستمرّ ولازمه لزوم البيع)1).
التقريب الآخر: المشابه لهذا التقريب: أنّ الألفاظ المنصرمة، ألفاظ العقود
ـــــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للميرزا الشيرازي)2: 71، الخيارات، المقدّمة الثانية.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وكذلك الفعل لا بقاء لها، ولكنّ الحكم وضع على هذه الألفاظ المنصرمة، فلا يكون شبهة مصداقية)1).
وهذا نظير الكلام الذي قيل في المستثنى، حيث إنّ القائلين بأنّه موضوع للأعمّ من المنقضي عنه المبدأ، استدلوا بالآية: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2).
بتقريب: أنّ ظاهر الآية أنّ ظرف تحقّق العهد والظلم واحد، فإذا انقضى الظلم وتاب المكلّف، تشمله الآية ويتمّ استدلال الإمام.
وأجيب: أنّ استدلال الإمام تامّ والمشتق ليس موضوعاً للأعمّ. لأنّه إذا وضع حكم مستقرّ على أمر آنيّ الوجود نفهم بالقرينة العقلية أنّ هذا الموضوع الآنيّ الوجود كافٍ لتحقّق الحكم الاستمراري، فالظلم الذي هو مطلب آنيّ جعل عليه الحكم بعدم نيل العهد وهو الخلافة، الذي هو أمرٌ مستمرّ، فيحكم العقل بأنّ هذا الموضوع الآنيّ المنصرم موضوع للحكم الدائم(3).
فهذا المطلب -ولا أقول إنّه تامّ – شبيه ذلك.
ولكن هذا يفرق عن ذاك، وذلك أنّ ظهور الآية باتّحاد زمان الظلم والعهد غير قابل للإنكار، وكذلك كون وجوب الوفاء بالعقد مع العقد، غير قابل للإنكار. ولكن في بعض الموارد تقوم القرينة العقلية على رفع اليد عن هذا
ـــــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) البقرة: 124.
(3) راجع نهاية الأفكار 1: 139، الأمر الثاني عشر.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الظهور، في مثل: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، قامت القرينة على أنّ الظلم لا يلزم مساوقته مع العهد.
لكن هنا ليس كذلك؛ لأنّ قولهم إنّ وجوب الوفاء وارد على الإنشاء أو على الألفاظ غير صحيح، وإنّما ورد على قرارنا، يعني: العهدة والعقدة التي ربطناها، وهذا الأمر باقٍ بالاعتبار في نظر العقلاء، لذا سمّي الفسخ فسخاً، وصحّ التعبير بعقدة النكاح وصحّت إجازة المالك للبيع الفضولي، وقوله: “إذا افترقا وجب البيع“)1). فهو أمر باقٍ بنظر العقلاء اعتباراً، فلا معنى لأن يقال إنّ الأمر بالوفاء وارد على العقود والإنشاء، ولذا يقال فسخت العقد، والألفاظ والإنشاء لا يقبل الفسخ.
بناءً عليه، وجوب الوفاء وارد على معنى قابل للاستمرار، ونحن نحتمل بعد الفسخ ارتفاعه، فيكون التمسّك بالآية لإثباته تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، إذن فلا يمكن للآية أن تشمله.
كانت الشبهة في أنّ التمسّك بعموم الآية على اللزوم، على النحو الذي قاله الشيخ، من أنّه حتّى بعد الفسخ تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية لنفس
ـــــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 170، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث7، الاستبصار 3: 72، باب أنّ الافتراق بالأبدان شرطٌ في صحّة العقد، الحديث3، تهذيب الأحكام 7: 20، باب عقود البيع، الحديث3، ووسائل الشيعة 18: 6، باب ثبوت خيار المجلس للبائع والمشتري ما لم يتفرّقا، الحديث 23014.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
العامّ، لأنّي أحتمل تأثير الفسخ أو أحتمل تأثيره احتمالاً لعدم العقد، فلا أحرز وجود العقد لتشمله الآية.
أجيب عن هذا المطلب بأجوبة:
منها: ما ذكره بعض الأعاظم(1)، وكرر هذا المطلب هنا وفي باب الخيارات، فراجعوا تفصيله ونحن نذكر مجمله، فقد ادّعى أنّ تتميم البيع اللفظي بالآية ممكن، وليست شبهة مصداقية. ولكن بيع المعاطاة لا يمكن تتميمه، ونحن نتكلّم بكِلا الجهتين:
ومحصل ما أفاده: أنّنا سواء قلنا بانتزاع الأحكام الوضعيّة من الأحكام التكليفيّة كما يقول الشيخ، وفصلنا بين اللزوم ونحوه وقلنا فيه بأصالة الجعل، وبين الجزئية والشرطية والمانعية ونحوه، فقلنا إنّها منتزعة لا أصالة في جعلها، -يقول- كما اخترنا، على أيّ حال يمكن تتميم المطلب بالآية في البيع اللفظي.
أما إذا قلنا بأصالة الجعل للزوم العقد، فتكون الآية ظاهرة بجعل اللزوم والإرشاد إليه، وإذا لم نقل بهذا المعنى وقلنا بأنّه من الأمور الانتزاعية، فإنّنا ننتزع اللزوم من التكليف بوجوب الوفاء الشامل لما بعد الفسخ.
وهنا أشكل على نفسه: أنّه بعد الفسخ يحتمل عدم وجود العقد فتكون شبهة مصداقية.
ويجيب على ذلك: أنّنا إذا قلنا بأنّها من الأمور الانتزاعية، فيجب أن نعمل الحكم بشكل مناسب مع انتزاع اللزوم، وهو المعنى المصدري دون الاسم
ـــــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) منية الطالب1: 64، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المصدري، فيكون معنىأَوْفُوا بِالعُقُودِ: أوفوا بالالتزام والتعقيد بالمعنى المصدري لا بالعقد الملتزم به، حتّى يمكن انتزاع اللزوم منه، وإلّا لم يصحّ الانتزاع. فإذا كان الأمر كذلك، فأوفوا بالالتزام بمعنى يجب التزامك، ومعناه أنّ الالتزام بعد أن أعطيته لذلك الطرف فلا يجوز لك الرجوع به.
بناءً عليه فالاستدلال بالآية على العقود اللفظيّة تامّ.
وأما بالنسبة إلى المعاطاة فقد قال: إنّه كما لا إشكال بالاستدلال بالآية على العقود اللفظيّة، لا إشكال في عدم احكام فهم لزوم المعاطاة منها، فإنّ فيها إشكالاً ثبوتياً ولا إمكان له.
نقول: كأنكم أخذتم المسألة مسلّمة وطبّقتم الآية عليها، وكأنَّ الظهورات تابعة للمباني، فعلى مبناكم يكون ظهورها شيئاً وعلى مبنى الشيخ شيئاً آخر.
فعلى مبناكم تكون الآية ظاهر بالإرشاد إلى اللزوم. وأما على مبنى الشيخ فلا بُدّ أن نعمل الآية بشكل يناسب انتزاع اللزوم. مع أنّ الكلام هو فيما إذا كانت الآية تدلّ على اللزوم أو لا تدلّ، من أين علمنا أنّ الحكم الوضعي منتزع من الآية حتّى نطبّقه عليها بالتأويل. فكأنّه يريد أن يطبّق على الآية مطلباً تاماً في المرتبة السابقة، مع أنّ أوّل الكلام تماميته. فلماذا نرفع اليد عن ظهور الآية لأجل أن ينتزع الحكم الوضعي منها؟ ليس ذلك لازماً ولا يلزم أن تدلّ الآية على اللزوم.
الآن نقبل منه أن:أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يجب أن نؤوّله بالمعنى المصدري، وهو
ـــــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
(عقد كردن)(1) واسم المصدر هو نفس العقد. فهل تقولون إنّه يجب الوفاء بالمعنى المصدري ولو لم يكن العقد(2) حاصلاً، المعنى المصدري آنيّ الحصول وينتهي، والشيء الباقي عند العقلاء هو العقد والربط الحاصل، فأنت إذ تقول إنّنا نفهم من الآية المعنى المصدري يعني أوفوا بهذا المعنى الحدوثي، لا نتيجته الحادثة، فهل هذا يكفي حتّى بعد تأثير الفسخ، ويعود ما قلناه إنّ هذا المعنى كافٍ حتّى بعد الفسخ وذهاب العقد حتّى بعد الفسخ الحقيقي فضلاً عن المشكوك، وهو أمر لا يمكنكم الالتزام به.
وهذا الذي يقوله: إنّه يجب الوفاء بالتعقيد (بالمعنى المصدري):
أوّلاً: ما معنى الوفاء بهذا المعنى المصدري الحدثي؟ والوفاء إنّما يكون بالقرار، فالمقصود من الآية الأمر بالوفاء بالعقود والقرار لا المعنى المصدر.
وثانياً: لو كان المعنى المصدري مورداً للحكم بوجوب الوفاء، والوفاء عبارة عن التسليم والتسلّم عرفاً، بناءً عليه، يجب أن تقولوا إنّه حتّى بعد الفسخ يجب التسليم والتسلّم، ولعلّه يكون التعقيد قد ذهب حينئذٍ، فتعود الشبهة المصداقية.
يقول: وجوب الوفاء متعلّق بالتعقيد، وأنّه يجب عليكم الوفاء بالتعقيد، فالتعقيد لازم، ثُمَّ يقول إنّ الإلزام والالتزام واجب أيضاً، وهذا خارج عن الفهم العرفي، ولا يخرج الآية عن الشبهة، إذ يجب أن نحرز التعقيد أو العقد
ـــــــــــــ[271]ــــــــــ
() كلمة باللغة الفارسية تعني: العقديّة.
(2) يعني: بعد الفسخ. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والإلزام أو الالتزام، ونحن نحتمل ذهاب كلّ ذلك بعد الفسخ.
ثمَّ يأتي إلى مطلب آخر(1) مهمّ في المقام، وقد أشرنا إليه فيما سبق، وهو قوله: إنّه كما لا إشكال في شمول الآية للعقود اللفظيّة كذلك لا إشكال في عدم شمولها للمعاطاة، فإنّه فيه إشكال ثبوتياً ولا إمكان فيه.
بتقريب: أنّ اللزوم على قسمين لزوم حكمي ولزوم حقّي.
فاللزوم الحكمي هو عبارة عن القرارات والعقود التي جعل الشارع اللزوم لازماً لذاتها كالنكاح والهبة إلى ذي الرحم، بحيث إنّ المتعاقدَين لا يستطيعان الفسخ ولا الإقالة ولا الإسقاط.
وعندنا لزوم حقّي مثل لزوم البيع وغيره من الأمور التي يعطي الشارع للإنسان حقّاً فيها، ومن هنا كانت الإقالة والتفاسخ جائزة، وهنا ذكر بأنّ النكاح قابل للفسخ وقال إنّ هذا من باب التخصيص، ونحن ليس لنا كلام بالمتناقضات.
وكلامه في المقام حول اللزوم الحقّي، وقال: إنّ الاستدلال بالآية حول العقود اللفظيّة تامّ وفي المعاطاة غير تامّ؛ لأنّه في العقود اللفظيّة يُنشأ البايع مطلبين أحدهما بالدلالة المطابقية والآخر بالدلالة الالتزاميّة، فبالمطابقة يُنشأ التبادل، تبادل هذا بهذا وهذا بهذا، وبالالتزام يُنشأ التزامه بالبيع وأنّه يبقى على هذا المطلب إلى الآخِر.
ـــــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) راجع منية الطالب1: 64- 65، الكلام في المعاطاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما في باب المعاطاة فحيث إنّ سبب البيع هو الفعل، وليس قولاً، فمن هنا تكون دلالته المطابقية ثابتة وهي المبادلة، ولكن الدلالة الالتزاميّة غير موجودة فإنّها خاصّة بالألفاظ دون الأفعال.
فينتج أنّ في المعاطاة معنى واحداً، وهو المبادلة وليس فيها التزام بالبقاء إلى الآخر.
فإذا قلتم: إنّه موجود في النيّة عند المتعاقدين.
قلنا: إنّ النية لا تفيد ما لم يكن العمل الخارجي مبرز لها.
وآية: أَوْفُوا بِالعُقُودِ، تشمل هذه الدلالة الالتزاميّة وهي الالتزام، فتعمّ المعاملات اللفظيّة ولا يمكن أن تشمل المعاطاة، بل قال: إنّ المعاطاة ليست لفظاً؛ لأنّ العقد عبارة عن العهد المشدّد وليس في المعاطاة تشديد وتوكيد، ثُمَّ يبدأ باستعراض الأدلّة ويقول بأنها جميعاً غير دالّة على لزوم المعاطاة.
ونحن نناقشه على تقديرين: مرّةً نذهب إلى السوق، ومرّةً نذهب إلى المدرسة.
فإذا ذهبنا إلى السوق نرى أنّ العقلاء الذين يوقعون المعاملات -وأغلبها بالمعاطاة- هل يقبلون بالرجوع بها أو لا؟ في سوق المسلمين وغيره هل يفرّقون بين اللفظ وغيره؟
نحن نرى أنّه لا فرق بينهما، بل كلّ من قال شيئاً فلا بُدّ أن يقف عند قوله، بخلاف الوكالة مثلاً فإنّ العقلاء يقبلون الفسخ فيها، وليس للوكيل أن يدّعي الوكالة بعد الفسخ، إذن فلا فرق بين المعاطاة والصيغة من هذه الناحية.
ـــــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما إذا ذهبنا إلى المدرسة: فالدلالة الالتزاميّة ليست دلالة لفظية بل هي كالدلالة اللفظية، فإنّ الدلالة اللفظيّة هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له، والدلالة تابعة للوضع، ويستحيل أن يدلّ اللفظ على أزيد من المعنى الموضوع له، وواقع الدلالة الالتزاميّة أنّ اللفظ يدلّ على المعنى المطابقي، والمعنى المطابقي يدلّ على المعنى الالتزاميّة، فالدلالة الالتزاميّة دلالة للمعنى لا دلالة للفظ. ولكنّه في الموارد الواضحة عدّوها -لسببٍ من الأسباب- من جملة الدلالات اللفظية، كأنّه يستفاد من اللفظ.
فاللفظ لا يدلّ على أكثر من الموضوع له، غاية الأمر أنّه في بعض الأحيان يحضر المعنى الموضوع له في الذهن بلفظٍ أو بغير لفظ، فينتقل الذهن منه إلى معنى آخر، كالشمس الدالّة بالالتزام على النور مثلاً. وفي مثل ذلك لا يلزم وجود اللفظ.
إذن الدلالة الالتزاميّة من دلالة المعنى على المعنى لا من دلالة اللفظ على المعنى، وليست مربوطة باللفظ أبداً، وليست وظيفة اللفظ إلّا إحضار المعنى المطابقيّ في الذهن.
بناءً عليه، أنت قبلت أنّ اللفظ في المعاملات يدلّ بالمطابقة على المبادلة وبالالتزام على الالتزام بما التزمت به، وقبلت أيضاً أن بيع المعاطاة يدلّ على المبادلة، إذن فلا بُدّ أن تلتزموا بلزوم المعاطاة، لأنها بعد أن كانت تدلّ على المبادلة بالمطابقة وكان لازم ذلك الدلالة على الالتزام، لزم دلالة المعاطاة على الالتزام، هذا بناءً على قولكم لا على قولنا.
ـــــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لكن المسألة ليست هكذا أصلاً، فإنا يجب أن لا نأخذ المطالب من الكتاب، بل من السوق، عندما تبيع أو تشتري هل يأتي في ذهنك أنك ملتزم بهذا البيع؟ بل هذا حكم عقلائيّ وفرق بين الحكم العقلائيّ وبين الإنشاء في البيع، فلو كان البيع دالاً على الالتزام، فلا بد أن نتصوره حين الإنشاء، وأنتم لاحظوا أنفسكم حين البيع، هل تتصورون شيئاً غير المبادلة، لكي تقولوا أنكم أنشأتم اللزوم، بل هو حكم عقلائيّ للقرار وليس لازماً بيّناً ولا غير بيّن.
إذن لا فرق بين المعاطاة والصيغة في المبادلة، وآية: أَوْفُوا بِالعُقُودِ وغيرها إن دلّت على اللزوم، تدلّ على كِليهما، وإلا لم تدلّ فيهما معاً.
وفي كلامه أمور أخرى قابلة للمناقشة لا داعي إلى التطويل فيها.
إذن كلامه في دفاع الشبهة المصداقيّة غير صحيح.
من جملة الوجوه التي ذكرت في جواب الشبهة المصداقية، ما ذكره بعض المحقّقين(1): من ضمِّ القرار السابق على الفسخ إلى استمرار القرار الآخر، والحكم بوجود المعاملة. فإنّ الفسخ أمّا يكون مشترطاً بموافقة الطرفين فالمفروض أنّ الفسخ حصل من طرف واحد، فالمعاملة موجودة. أو أنّ الفسخ يتقوّم بطرف واحد، فنضمّ الوجود البقائي للطرف الذي لم نفسخ مع الوجود الحدوثي للطرف الذي فسخ، يعني الوجود المتحقّق ما قبل الفسخ، فتكون المعاملة تامّة والعقد محفوظاً.
ـــــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للميرزا الشيرازي)2: 71، الخيارات، المقدّمة الثانية.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نقول: أما المطلب الأول: وهو أنّ العقد يحتاج إلى طرفين، فإن كان الفسخ معاملة كالبيع، فله وجه أن يقال باحتياجه إلى طرفين، لكنّه ليس كذلك بلا إشكال، بل الفسخ حلّ للمعاملة لا معاملة أخرى، فيجب أن ننظر إلى العقلاء، هل حلّ العقد يتوقّف على طرفين أو لا؟ بل المعاملة تحتاج إلى طرفين عندهم، أمّا الفسخ: فإنّه إذا حصل من أحد المتعاملين فسخ انفسخ العقد من الطرفين، مثلاً المعاهدة الدولية لا تكون إلّا بموافقة الدولتين، ولكن إحداهما إذا رفعت اليد عن المعاهدة فإنّها تنفسخ وتعتبر لاغية، فإنّ الفسخ سلب للربط وهو يحصل من قبل أحد الطرفين، وهذا الأمر يوافق عليه جميع العقلاء.
إذن قوله: إنّ الفسخ يتقوّم بالطرفين غير صحيح.
وأما ما يقوله: من أنّه إذا كان يحتاج إلى طرفين، فهو بوجوده البقائي يحتاج إلى طرفين، فنضمّ الطرف الباقي إلى الطرف المفسوخ، ويكون ذلك عقداً.
هذا ليس تامّاً لا من باب ضمّ الموجود إلى المعدوم كما قيل، فإنّ القرار له وجود في اعتبار العقلاء، بل من باب أنّ القرار الذي طرأ عليه الفسخ لا يمكن ضمّه عند العقلاء لكي يتمّ العقد، فإذا تعاقدنا وفسخت العقد، فذلك القرار الذي فسخته غير قابل عند العقلاء لا أن يلحق بالموجود، فيفرض كونه موجوداً اعتباراً، لا يمكن أن يفرض ضمّ القرار لعدوله إلى القرار غير المعدول عنه، ونحن يجب أن نتمّم العقد عند العقلاء لا أن نتصور شيئاً لدفع الشبهة المصداقية إذن فهذا الوجه غير صحيح.
ـــــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قالوا(1): إنّه في التمسّك بالعامّ نحتاج إلى بقاء العقد عرفاً.
وبعض أنحاء الفسخ عقلائيّ وبعضه خيار شرعيّ لا عقلائيّ كخيار المجلس والحيوان، ممّا جعله الشارع وليس معروفاً لدى العقلاء، ففي المورد الذي يراه العقلاء أنّ الفسخ مؤثّر، فالعقد ذاهب، أما في الفسخ الشرعيّ فالعقد العقلائيّ باقٍ.
ولأجل توضيح هذا المطلب لا بُدّ أن نذكر شيئاً: وهو أنّ الموضوعات التي حكم عليها الشارع على قسمين:
قسم منها الموضوع التكويني كقوله: (الماء مطهّر)، فلو ورد عليها تخصيص يكون الموضوع محفوظاً والتخصيص تخصيصاً حكمياً، فلو قال: (أكرم كلّ عالم)، وقال: (لا تكرم الفسّاق منهم)، لا ينكشف من ذلك أنّ الفاسق ليس عالماً عرفاً أو شرعاً، ففي الموضوعات التي يتعلّق بها حكم الشارع لو ورد مخصّص بلا إشكال أنّه تخصيص لا رفع للموضوع.
وفي بعض الموارد إذا تصرّف الشارع، يوجب تبدّل الموضوع، حيث قلنا إنّ الباطل في قوله تعالى: ولاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ، إذا كان الشارع أمضى الفسخ وأوجب أثره، فينقلب الباطل إلى حقّ؛ لأنّ الباطل ما لا
ـــــــــــــ[277]ــــــــــ
() حاشية المكاسب (للميرزا الشيرازي) 2: 71، الخيارات، المقدّمة الثانية، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 143- 148، الاستدلال بالآية: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أثر له فإذا صار شيء مؤثّراً في الجملة فيكون غير باطل.
فإنّ هناك فرقاً بين إثبات المالية وسلبها، ففي طرف سلب المالية عند العقلاء، بما إذا كان الشيء بحيث لا يرغب به عاقل أصلاً، فهذا العقلاء لا يرونه مالاً. أما في طرف ثبوت المالية فليس كذلك، بحيث نحتاج إلى الإيجاب الكُلِّي لتمام الآثار والرغبات، كما كنّا نحتاج في سلبها إلى سلب تمام الآثار والرغبات. بل يكفي في إثباتها الملكيّة أن يكون مرغوباً به في الجملة، فيُقال إنّه(1) مال ويبذل بإزائه المال، لا أنّه يبذل كلّ أحد بإزائه المال. فالدواء غير مرغوب فيه للشخص الصحيح، لكن يكفي(2) وجود خمسة مرضى في العالم أو عشرين مريضاً يرغبون بهذا الدواء فيُقال أنّه مال.
بناءً عليه، الباطل نظير المال، فإنّ الباطل يقال على شيء لا يترتّب عليه أثر من الآثار أصلاً، أما إذا كان عند أمّة مؤثّراً وعند أمّة غير مؤثر، لا يُقال إنّه باطل. لذا قلنا إنّ الفسخ إذا أجازه الشارع فهذا الفسخ الذي كان باطلاً عند العقلاء يخرج عن كونه باطلاً؛ لأنّه وإن كان باطلاً عندهم إلّا أنّه بعد إجازته
ـــــــــــــ[278]ــــــــــ
() هذه العبارة توحي أنّ الملكيّة متوقّفة على وجود المالية، وهو غير صحيح، فإنّه يمكن الحكم بالملكية شرعاً أو عقلائياً مع عدم المالية، إمّا شرعاً كالخمر وإمّا عقلائياً كالأمور الخسيسة مثلاً، فاعرف راشداً. (المقرر).
(2) لا يشترط وجود الراغب بالفعل في العالم، بل يشترط فيه قابلية الرغبة بحيث لو وجد شخص محتاج إليه لرغب فيه، ولا يشترط وجود الراغب وإلّا لسقط الدواء عن المالية عند عدم الراغب أصلاً. نعم، لو كان الشيء بحيث لا مقتضى فيه للرغبة يكون لا مالية له لا محالة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من قبل الشارع، صار عند أمّة بكاملها صحيحاً، فخرج عن كونه باطلاً.
إذن ففي الموضوعات قسم منها لا يتصرّف فيها الشارع ويكون تصرّفه تخصيصاً حكمياً، وبعضها بتصرّف يبدّلها إلى موضوع آخر.
وقسمٌ آخر: وهو ما نتكلّم فيه، هو عبارة عن الأمور الاعتبارية من قبيل البيع والزوجية، ومطلق المعاملات التي تكون اعتبارية عقلائية، يجب أن نبحث في هذا المطلب، وهو أنّ هذه الأمور الاعتبارية العقلائية هل هي نظير الأمور التكوينية، لا يكون تصرّف الشارع تصرّفاً في الموضوع، ويكون التخصيص تخصيصاً حكمياً، على نحو قوله (الماء مطهّر) لا أنّ تصرّفه فيه بمعنى أنّه ليس ماء. فالمعاملات العقلائية والفسخ ونحوه هل هي ملحقة بالموضوعات التكوينية بحيث يكون تصرّف الشارع فيها تصرّف تخصيص، أو من قبيل الباطل وأمثاله بحيث أنّه يتصرّف الشارع بتبدّل الموضوع بحيث إنّه إذا لم يجز الشارع عقداً يتبدّل الموضوع ويتحوّل إلى موضوع آخر؟
مثلاً البيع الربوي الذي حرّمه الشارع واعتبره باطلاً، فهل يخرج بذلك عن عنوان البيع، فيُلحق بمثل الباطل، أو إذا أبطله الشارع لا يخرج البيع عن موضوعيته بل يكون نظير التخصيص الحكمي.
والنتيجة: أنّه إذا كان البيع من قبيل الأوّل، وهو أن يكون تصرّف الشارع مخرجاً للموضوع عن موضوعيته، ففي كلّ مكان نشكّ أنّ الشارع قد اعتبر شيئاً في المعاملة كالعربية، وتقدّم الإيجاب على القبول مثلاً تكون الشبهة مصداقية، فإنّك تشكّ في أنّ العقد بالفارسية هل هو عقد أو لا؟ للشكّ في أنّ
ـــــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الشارع قد بدَّل بحكمه الموضوع أو لا. فلا يمكن التمسّك بالعموم ولا في الإطلاقات فإذا احتملنا نفوذ الفسخ لا مجال للتمسّك بالعامّ، لاحتمال عدم وجود العقد.
وأمّا إذا قال شخص بأنّ المعاملات الاعتبارية كالموضوعات التكوينيّة التي تبقى محفوظة عند توجّه الأحكام إليها، فيكون التصرُّف هنا أيضاً تصرّفاً بالحكم مع حفظ الموضوع، فهي في عين كونها معاملة عند العقلاء يقول الشارع: لا ترتّبوا عليه الآثار، فيكون تخصيصاً حكمياً لا موضوعياً ويبقى الموضوع محفوظاً، ويبقى هناك مجال للتمسّك بالعامّ؛ لأنّ الشكّ بتنفيذ الشارع يكون منشأ للشكّ ببقاء العقد، وحيث إنّ الحكم وارد على العقد العرفي فيبقى محفوظاً، فيمكن التمسّك بالإطلاق، نظير (لا تُكرِم الفسّاق) الذي لا يكون دليلاً على أنّ الفاسق ليس عالماً عند الشارع أو العقلاء.
هنا أيضاً نقول: إنّ العقد محفوظ عند العقلاء فيشمله (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) و(تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) و(إذا افترقا وجب البيع).
هذا بحسب التصوّر.
أمّا بحسب التصديق فالمعاملات من أيٍّ من القسمين؟
هذه المعاملات التي يجعلها العقلاء حتّى في محيط الإسلام بل في العالم، هل إذا تعامل شخصان على خمر أو خنزير أو آلات للهو، هل يعدّ العقلاء ذلك معاملة أو لا؟ ولا شكّ أنّه بعد هذا التحريم يبيعون هذه الأمور كبيع أيّ شيء آخر، أخذ كلٌّ من الطرفين ما انتقل إليه على أساس كونه عوضاً، وفيه حقّ
ـــــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فسخ والتزام، فهو بيع باطل، فكما تقع المعاملة على أمر محلّل تقع على أمر محرّم ولا يفرّق العرف والعقلاء بينه وبين غيره.
أمّا في محيط الشرع والمتشرّعة فنحن نراه بيعاً باطلاً؛ لأنّه ليس بيعاً.
افرضوا أنّ الشارع أعتبره: (لا بيع)، فهل يجوز أن يتصرّف الشارع باعتبار العقلاء؟ اعتباره تابعاً لمباديه ومبادئه من الأمور التكوينية وليس أمراً تشريعياً ولا يمكن التصرُّف فيه، وفي الباطل كانت مباديه التكوينية محفوظة وأنّ الباطل يصدق على بعض الأمور واللاباطل يصدق على أمور أخرى، فالخمر محفوظ على ماليته التي له في المرتبة السابقة، ويشتريها قسم من العقلاء بأغلى القيم، غايته لا يرغب بها قسم من الناس، لا أنّه ليس مالاً في نظر الشارع.
وفي البيع حيث إنّ اعتبار العقلاء له مبادئ تكوينية، وقد اعتبروا المعاملة لمصالحهم وتنظيم معاشهم، فالشارع المقدس لا يمكنه التصرُّف باعتبار العقلاء أو يرفعه، فإنّ وظيفة الشارع هو الحكم بعدم ترتّب الأثر، وإن المعاملة غير صحيحة عندي (يعني عند الشارع)، إلّا أنّ هذا غير اعتبار عدم صحّته عند العقلاء، إذن فهذه المعاملات محفوظة عند العقلاء والشارع تصرّف بالحكم وحكَم ببطلانها.
وإذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر أنّ لا بيع، فهذا يجب أن نرجعه إلى التخصيص الحكميّ، فإنّ المال ما يرغب إليه الناس ويبذلون بإزائه المال، والشارع لا يستطيع أن يقول إنّ هذا لا يرغب فيه الناس، فإذا قال: (الخمر ليس بمال)، فهذا تخصيص حكمي بلسان نفي الموضوع.
ـــــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فالمعاملة محفوظة لدى العقلاء ولو ألغاها الشارع، ولو فرضنا أنّ الشارع لم يعتبرها فيختلف حينئذٍ محيط العرف والعقلاء عن محيط الشرع، فيكون بحسب محيط العقلاء صحيحاً وبحسب محيط الشارع فاسداً. و(أَوْفُوا بِالعُقُودِ) وارد في محيط العرف والعقلاء لا أنّه بمعنى يجب الوفاء بالعقد الشرعي، فيجب التمسّك به ما لم يرد دليل على عدم جوازه.
بناءً عليه تكون المسألة هكذا، وهو أنكم إذا رجعتم إلى العقلاء تكون الأمور الاعتبارية ملحقة بالأمور التكوينية، فكما كان هناك تصرّف الشارع تخصيصاً حكمياً لا موضوعياً، كذلك هنا، بناءً عليه ففي المورد الذي نشكّ في تصرّف الشارع يكون الموضوع محفوظاً عقلائياً، ويجوز التمسّك بالدليل. فهذا تقريب لدفع الشبهة المصداقية.
محصّل ما قلناه سابقاً أنّ الموضوعات الاعتبارية ملحقة بالموضوعات التكوينية، لا بمثل الباطل وأمثاله، بناءً عليه إذا وقع العقد العقلائيّ تكون تصرّفات الشارع تخصيصاً حكمياً فيه لا موضوعياً حتّى ينتفي الموضوع الشرعيّ، بل ليس من شأن الشارع أن يتصرّف في الأمور التكوينية المتقوّمة بالمبادئ الحقيقية.
نعم قد يوجد بلحاظ حكم الشارع بعض المبادئ التي تؤثّر في اعتبار العقلاء كما سوف نشير، لكن لا فرق بين الأمور التكوينية والاعتبارية في انحفاظ الموضوع.
ـــــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نعم الفرق بين الأمور الاعتبارية والتكوينية، أنّ التكوينية لا ارتباط لها بالاعتبار ولا تختلف باختلافه، كالماء مثلاً، فلا يمكن أن يعتبره الشارع شيئاً ويعتبره العقلاء شيئاً آخر.
أمّا في الأمور الاعتبارية فيمكن أن يعتبر الشارع شيئاً في قبال اعتبار العقلاء، مثلاً العقلاء يرون أنّ البيع يتحقّق بالفارسية وبتأخّر الإيجاب على القبول وبالربا وبالخمر وآلات اللهو واللعب.
والشارع المقدّس يخالفهم في اعتبارهم المطلق هذا في بعض الموارد، فيمكن أن لا يعتبر البيع الربوي بيعاً، ولكن إذا لم يعتبره بيعا لا يلزم أن يتبدّل ماهيّة البيع العرفية ويصبح شيئاً آخر وأن يتبدّل اعتبار العقلاء.
وموضوع الحكم الشرعيّ الظاهر تعلّقه بالموضوعات العرفية، إذا احتملنا الاعتبار الشرعيّ الزائد فيها، نستطيع التمسّك بعموم الحكم، فإنّ الموضوع عقلائيّ عرفي، فإنّه حينما يقول: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ليس له اصطلاح زائد على ما يراه العقلاء وإنّما يقصد نفس المعنى العقلائيّ ويراه بيعاً.
فالتخصيص الشرعيّ وإن رجع إلى التخصص في محيط الشرع إلّا أنّه تخصيص في محيط العقلاء. فإذا احتملنا تصرّف الشارع لا نرفع اليد عن العموم، ولا يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، هذا إذا قلنا إنّ للشارع تصرّفاً في الحكم.
ولكن الواقع ليس كذلك، بل الشارع يتصرّف في تلك الأمور التي تترتّب على المعاملات، مثلاً بيع المكره وبيع الفضولي هو أيضاً تمليك للمال بعوض،
ـــــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ولكنّ كونه كذلك شيء وكونه موجباً لحصول الملكيّة شيء آخر. فهو تمليك عين بعوض والإجازة عند حصولها توجب النقل الواقعي لا أنّها تجعل اللابيع بيعاً، فماهيّة العقد ليست متقوّمة بالنقل الواقعي.
حينئذٍ نقول: إنّ الشارع في تصرّفاته يتصرّف في هذه المرحلة، فإنّه لم يقل إنّ البيع الربوي ليس بيعاً ولا يستطيع أن يقول ذلك، ولكنّه يقول: إنّكم ملكتم عيناً بعوض ولكن لم تحصل الملكية، فالسبب الذي اعتبرتموه لم يُؤثِّر عندي.
بناءً عليه هذه الماهيات الاعتبارية ليست متقوّمة بان تكون مؤثِّرة فعلاً عند العرف بل حتّى العقد، الباطل عقد وبيع غايته أنّه باطل بمعنى لا يؤثّر.
احتمال آخر بتصرّف الشارع: وهو أنّ ذلك المعنى الذي عند العقلاء مؤثِّر ولكن الشارع يأخذ فيه خصوصيّة أخرى، يقول: هذا بيع ولكن يحتاج إلى بيع زائد عليه، كالقبض في المجلس في بيع الصرف، فإنّ بيع الصرف لا يختلف عن غيره إلّا أنّه يشترط فيه هذا الشرط الزائد، وكاشتراط التماثل في بيع المتجانس، إلّا أنّ الشارع لا يعتبره بيعاً بل هو بيع لكن يعتبر شيئاً زائداً على ماهيّة البيع، وهو التساوي أو القبض في المجلس ليحصل النقل والانتقال، وإلّا لم يحصل ذلك بنظر الشارع.
ونحو آخر من التصرُّف: يمكن أن يتصرّف الشارع وإن كان بعيداً في نظر الإنسان، وهو الأمر بعدم ترتيب الآثار، يقول: إنّ هذا المال ملك لك لكن لا يجوز لك أن ترتّب الأثر عليه، لكن هذا بعيد في نظر الإنسان.
ـــــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بناءً عليه تصرّف الشارع يكون في نتيجة المعاملات لا في ذاتها. بناءً عليه هذا التخصيص يكون كالتخصيصات في سائر الموارد، ويكون قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قانوناً كُلِّياً متعلّقاً بالموضوعات العرفية، والاستثناء يكون استثناءً حكمياً كحرمة العقد الربوي، فإنّه استثناء من الموضوع العرفي لا أنّ الموضوع العرفي يتبدّل إلى شيء آخر بتصرّف الشارع. وحينئذٍ لا يبقى مانع من التمسّك بـ(أَوْفُوا بِالعُقُودِ) في موارد الشكّ.
وفي الفسخ أيضاً يُقال: إنّ تصرّف الشارع يخرج الموضوع العرفي عن كونه فسخاً، بل غاية ما يعمله الشارع أن يقول: إنّ هذا النقل الذي حصل يؤثّر، وإذا لم يجز الفسخ حينئذٍ يختلف محيط الشرع عن محيط العقلاء فيكون مؤثِّراً عند العقلاء دون الشرع. إذن فالتمسّك بالعامّ هنا ليس تمسّكاً به في الشبهة المصداقية.
[هل يمكن تخصيص اعتبار العقلاء في المقام؟]
الآن عندنا طريق أسهل: وهو أنّه: أوّلاً: بلا إشكال أنّ الأمر ليس هكذا: أنّ الشارع لو تصرّف بحسب الواقع يُؤثِّر في نفوس الناس ويقلبها، فلو قال: إنّ البيع لا بيع والفسخ لا فسخ، ونحن نفرض أنّ العقلاء كلّهم متشرعة مطيعون له، ولكنّ تصرّفه ليس بنحو من الواقعية بحيث بوجوده الواقعي يكون مؤثّراً، وإن كان العقلاء في المعاملات والإيقاعات يسلّمون ما يعتبره الشارع ويعتبرون نفس اعتباره بواسطة المبادئ التكوينية التي في نفوسهم.
مثلاً في باب الطلاق الذي له مفهوم عقلائي، والشارع حين قال: لا يقع
ـــــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الطلاق إلا عند شاهدين في طُهرٍ غير مواقعٍ فيه، ليس بنحو أنّ العقلاء يقولون إنّ طلاقنا غير طلاق الشرع، بل في هذه الموارد يرى الإنسان أنّ عقلاء المتشرّعة يتّبعون الشارع ويرون الطلاق من دون الشاهدين مثلاً ليس طلاقاً. وإن كنتُ لستُ جازماً بذلك.
ولكن في بعض الموارد الأخرى لا يسلمّ العقلاء(1) بعقلائيّتهم تبدّل الموضوع ولا يتبدّل الموضوع في نظرهم بلا إشكال، كبيع الخمر مثلاً، فلو سُئلنا نحن عنه لقلنا: إنّه باع الخمر.
الآن نقول: إنّ حكم الشارع يُؤثِّر في نفوس العقلاء، بواسطة تلك المبادي التي يغيّرها في نفوسهم، ولكنّ حكمه هذا يجب أن يصل ويرون الوصول لا يؤثّر، كالعمل بخبر الواحد الثّقة الذي يعمل به العقلاء، فإذا أراد الشارع أن يردعهم عن العمل به أو ببعض أقسامه، لا يمكن أن يتمّ ذلك بكلمة واحدة، فإنّ كلمة الشارع غير مؤثِّرة بوجودها الواقعي في النفوس ولو مع عدم التفات العقلاء، بل يجب أن يكون ردعه واصلاً إليهم، فإذا وصل، افرضوا أن العقلاء يسلّمون بحكمه ويتبدّل الموضوعات في نفوسهم، لكنّ هذا متوقّف على الوصول.
فإذا كان ذلك محتاجاً إلى الوصول، ففي موارد الشكّ في وجود الرادع، العقلاء باقون على اعتبارهم، ومجرد احتمال الردع لا يوجب رفع اليد عن المعنى العقلائيّ الذي عندنا، وإنّما يجب أن يصل الردع فيغيّر ما لدينا، لا أنّ وصوله
ـــــــــــــ[286]ــــــــــ
() يعني: عقلاء المتشرّعة بصفتهم عقلاء لا بصفتهم متشرّعة (توضيح) (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الاحتمالي يوجب احتمال تغيّر وجدان العقلاء، بل يجب أن يصل الردع الواقعي لكي يؤثّر.
لا يُقال: إنّه في (الباطل) لماذا لم تشترط الوصول، وفي المعاملات تشترطه؟
قلت: الفرق بينهما أنّ الباطل ينتزع من منشأ انتزاعي واقعي؛ لأنّ ماهيّة الباطل هو ما لا أثر له مطلقاً، بل وجوده لغو بحسب متن الواقع. هذا ينتزع منه الباطل، وأما المعاملات فواقعها أمور اعتبارية، لا أنّها منزعة من منشأ اعتبار واقعي.
فعلى هذا الفرق: إذا احتملنا أنّ الشارع جعل هذا ذا أثر نشكّ أنّه باطل أو لا، لأنّ وجود الأثر في الجملة في الواقع يُؤثِّر في ارتفاع صفة الباطل عنه، فإذا شككنا في شيء أنّه ذو أثر في الجملة أو ليس ذا أثر في الجملة، لا نستطيع أن نقول إنّه باطل أو حقّ، فإذا ورد حكم على الباطل لا نستطيع أن نقول بشموله له.
أمّا في الموضوع المبني على اعتبار العقلاء، واعتبارهم وجداني ويحتاج إلى شيء يرفعه، وللوجود الواقعي غير الواصل إليهم لا يستطيع أن يعمل ذلك، وإنّما يكون مؤثّراً بوصوله في رفع المبادئ الواقعية لاعتبار العقلاء، ففي الباطل يكون تمسّكاً بالشبهة المصداقية وهنا لا يكون كذلك، والفرق هو أنّ الباطل معنى انتزاعي من منشأ واقعي والمعاملات أمور اعتبارية متقوّمة بالاعتبار.
إذن لو سلّمنا بتمام المطالب، فما لم يصل التصرُّف الشرعيّ لا يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، وإذا وصل يرتفع الشكّ ويخرج عن محلّ الكلام. هذا هو ما قلناه.
ـــــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الآن نقرّب كلام بعض الأعاظم(1) أداءً لحقّه، المطلب الذي ذكره في باب الخيارات في التخلّص من الشبهة المصداقية.
بعد أن ذكر مقدّمة في أنّ الأمور الاعتبارية عبارة عن واقعيات اعتبارية وحقيقتها هو الاعتبار لا شيء أكثر من ذلك.
قال: هل الأحكام متعلّقة بالعناوين؟ هل هي متعلّقة بالعناوين العرفية أو الشرعية؟ يقول: وبعبارة أخرى أنّ الأحكام المتعلقة بالعناوين العرفية هل للعناوين العرفية موضوعية للأحكام، أو لها معرّفية للموضوعات الشرعية؟ فهنا احتمالان:
أحدهما: أنّ العقود العرفية لها موضوعية لوجود الوفاء.
والآخر: أنّ العقود العرفية تؤخذ معرِّفة للعقود الشرعية.
يقول: والثاني هو الصحيح، وإلا كان الاستثناء الشرعيّ تخصيصاً وهو غير صحيح، ويدخل في الاستدلال على بطلان ذلك.
فبناءً على كون العقود العرفية معرفة للعقود الشرعية، فإنّ الشارع إنّما حكم بذلك لأنّه رأى الملازمة بين العقود الشرعيّة والعرفية.
ويكون الاستثناء الذي يحصل، تخصيصاً في هذه الملازمة، فالحكم أورده الشارع على الموضوعات الشرعيّة بمعرّفية الموضوعات العرفية، فهذه
ـــــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 4: 33- 34، الخيارات، المقدّمة الثانية.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الموضوعات قابلة للاستثناء، ويرجع إلى تخصيص الملازمة لا التخصيص الموضوعي ولا التخصيص الحكميّ، ولا أنّ المعاملات أمور واقعية والشارع قد خطأنا فيها، بل هو تخصيص في الملازمة.
وحينئذٍ يقول -يختم كلامه-: إنّ الموضوع العرفي موجود ومتحقّق فلا يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
محصّل قول الشيخ محمد حسين الأصفهاني راجع إلى توضيح كلام الذين قالوا: إنّ طريق التخلّص من الشبهة المصداقية هو أنّ الموضوع عرفي في جعل القضايا على موضوعاتها، فحيث لا يرى العرف الفسخ مؤثّراً، يرى بقاء الموضوع، فاحتمال تصرّف الشارع لا يكون مؤثّراً لانحفاظ الموضوع، ولا تكون الشبهة مصداقية.
قال: توضيحاً لكلام هؤلاء: إنّ ما هو موضوع وجوب الوفاء هنا يعني في قوله (أوفوا بالعقود) و (تجارة عن تراضٍ) ليس هو اللفظ ولا الإنشاء ولا العقد القلبي للطرفين، فإنّ كلّ ذلك يزول ومع ذلك يبقى موضوع وجوب الوفاء، بل الموضوع هو عبارة عن حقيقة وماهيّة اعتبارية وجودها بوجود الاعتبار، وليس لها وجود زائد على ذلك. وهذا الوجود الاعتباري عند العرف والشرع له معنى اعتباري واقعي، وهو معنى محفوظ.
بناءً عليه ليس أنّ اعتبار العرف أو الشرع هو أنّ العرف أدرك واقعاً معيّناً والشرع أدرك واقعاً معيّناً، وأن الاستثناءات الشرعيّة تخطئة للعرف باعتبار أنّ الشارع شخّص واقعها دون العرف، باعتبار أنّ الموضوع هو الموضوع
ـــــــــــــ[289]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الواقعي، ليس كذلك، بحيث إنّ لهذه الأمور واقع ويكون نظر الشارع طريق إليها فيخطئ العرف في نظره، بل ليس هناك واقع لاعتبار العقلاء، لا واقع اعتبارهم أو واقع اعتبار الشارع.
ثُمّ هو يقول: أن يعمل عملاً لا تكون معه الشبهة مصداقيّة ولا يكون التخصيص حكمياً.
ومحصّل كلامه: أنّ ما هو الموضوع للأحكام الشرع حقيقة اعتبارية لا واقع لها إلّا الاعتبار، ولكنّ الكلام في أنّ هذه الموضوعات التي اعتبرها العقلاء هل صارت موضوعات للأحكام الشرعيّة بما أنّها موضوعات عرفية، بحيث إنّ وجوب الوفاء طرأ على العقود العرفية أو طرأ على العقود الشرعية؟ فإذا كان الحكم وارداً على العقود العرفية يكون التخصيص حكمياً. يقول: ولكنّ هذا مستبعد أن يكون العقد متحقّقاً عند العقلاء وفي عين تحقّقه وجوداً وماهيّة لا يجب الوفاء به.
ويقول: إنّ الماهيات الشرعيّة عبارة عمّا يعتبره الشارع وهو موضوع الأحكام الشرعية.
ويقول: وبعبارة أخرى أنّ هذه الموضوعات العرفية التي أخذت في كلام الشارع موضوعاً للأحكام، هل لها موضوعية للأحكام أو لها سِمَة المعرّفية للموضوعات الشرعيّة التي هي بحسب الواقع الموضوعات الشرعية؟
يقول: التحقيق هو الثاني، فإنّه ليس للعقود العرفية موضوعية للحكم المتعلّق بها، بل هذا الموضوع العرفي معرّفة للموضوع الشرعي، وما يتعلّق به
ـــــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الحكم هو الموضوع الشرعي، وإنّما أخذ الشارع الموضوع العرفي معرّفاً للموضوع الشرعيّ لِما يرى من الملازمة بين الموضوع العرفي والموضوع الشرعي، فيعمل الموضوع العرفي في مقام الإثبات معرّفاً للموضوع الواقعي.
بناءً عليه، فالاستثناء الوارد من قبل الشارع –كتحريم البيع الربوي- استثناء من الملازمة وتخصيص لها، حيث رأى الشارع الملازمة بين الموضوعات الشرعيّة والموضوعات العرفية، فهذا الاستثناء يكون تخصيصاً للملازمة لا تخصيصاً حكمياً ولا تضييقاً في الموضوع. هذا محصّل ما أفاده.
[التأمّل في كلام الشيخ الأصفهاني]
نقول:
في المسائل الشرعيّة أو العقلائية، قد يفرغ الإنسان عن مطلب، ثُمَّ يحاول تطبيق الأمثلة والمصاديق عليه، مثلاً نفرع عن كون المقام ليس شبهة مصداقيّة للعامّ وأنّ التخصيص ليس حكمياً، ولأجل أن لا يحدث شيء من ذلك نفكّر لإيجاد طريق له بالدقّة العقلية والتعمّق المدرسي.
ومرةً أخرى، نحن نريد أن نفهم المطلب من الأدلّة الشرعيّة التي تجعل الأحكام على موضوعاتها، لنستفيد منها استفادة عرفية لا يخطّئنا فيه العرف، فإذا أردنا أن نعرف أنّ (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) ما معناه العرفي، يجب أن نرجع إلى العرف في كون التخصيص حكمياً أو موضوعياً أو تخصيصاً للملازمة أو ليس كذلك.
نحن أوّل ورودنا إلى المطلب نقول: إنّ موضوعات الأحكام الشرعيّة
ـــــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تتلقّى من العرف، فالموضوعات التكوينية (الماء طاهر) و (التراب أحد الطهورين) نقول: إنّ الشارع هو التشريع وليس في الماء والتراب اصطلاح خاصّ به، إلّا أن يصرّح من الخارج أنّ لي اصطلاحاً خاصّاً، فنعمل على قوله، فنحن نفهم منه كما يفهم بعضنا من بعض.
وكذلك الأمر في الموضوعات الاعتبارية، فإنّ العقلاء لهم موضوعات اعتبارية للبيع والنكاح والطلاق، وهذه كانت وقد تعلّقت بها الأحكام الشرعية، ونحن حينما نرجع إلى وجداننا نرى أنّ الشارع حين قال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ليس له موضوع خاصّ اصطلاحي، وأن مراده نفس البيع الذي عند العقلاء. فإذا قال: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ لا نسأله هل تقصد البيع عندك أو البيع عندي، كما أنّه إذا قال الماء طاهر لا نسأله هل تقصد الماء عندك أو الماء عندي، إذن فالشارع ليس اصطلاح خاصّ في المعاملات والأمور الاعتبارية. إذن كيف يمكن أنّ يقول: إنّه إذا دار الأمر بين أن يكون موضوع الأحكام هو ما يعتبره الشارع أو ما يعتبره العقلاء يتعيّن الأوّل، هذا يكون معناه أنّ المقصود من أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ ، يعني البيع الشرعي، هل للشارع لغة غير لغة العرف، وإنّما جعل الشارع أحكامه على اللغات المتعارضة العقلائية، فكما أنّه ليس له في الأمور التكوينية اصطلاح خاصّ كذلك الأمر في الاعتبارية، وإلّا لوجب عليه أن يبيّن، وإلّا لكان إغراء بالجهل محالاً عليه.
إذن فنفهم نفس المعنى الذي نفهمه، سواء في ذلك الأمور التكوينية كالماء أو الاعتبارية كالبيع. الشارع من شأنه جعل القوانين لا جعل اللغات
ـــــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والاصطلاحات، وإنّما القرآن نزل (قرآناً عربياً مبيناً) فيجب أن نفهمه على حسب لغة العرب.
فقوله: هل الموضوعات للأحكام الشرعيّة هي موضوعات شرعية أو موضوعات عقلائية؟ كلامٌ لا نفهمه.
ثمَّ إنَّنا بواسطة مطلب ثابت كيف يمكن أن نرفع اليد عن الظاهر لنبقه عليه، فإن ظاهر أخذ عنوان موضوعاً للحكم، أن له موضوعية.
فإذا قال: (أحلَّ اللهُ البيعَ)، ظاهره أنّ للبيع موضوعية في هذا الحكم، أما إذا كنّا نريد أن قول: إنّه جعله معرّفاً لشيء آخر فهذا خلاف الظواهر.
فقوله: إنّ الشارع أخذ الموضوع العرفي معرّفاً لما يعتبره الشرع لا أنّه هو موضوع للحكم، ما الدليل عليه بعد أن كان الظاهر كون الموضوع المأخوذ في الكلام هو الموضوع الواقعي، وصرفه عن الظاهر يحتاج إلى قرينة، وكوني أستبعد ورود التخصيص من قبل الشارع، بدعوى أنّ العقد العرفي موجود بتمام خصوصياته وجوداً وماهيّةً ومع ذلك لا يجب الوفاء به، فأيّ بُعد في ذلك، في أن يرد التخصيص من الشارع فإنّه ما من عامّ إلا وقد خصّ، بالإضافة إلى أنّه ملزم بهذا التخصيص كما سوف نقول.
[بسط الكلام وبيان المرام]
أما علاجه للمطلب حين قال: إنّ الأحكام الشرعيّة متعلّقة بالموضوعات العرفية كمعرّفات للموضوعات الشرعية، قال ذلك لكي يفرغ عن الشبهة المصداقيّة وقيد التخصيص الحكميّ، فهل يتمّ المطلب كما يقوله؟
ـــــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نحن نذكر محتملات كلامه في مراده من المعرفيّة، معرّفية الموضوعات العرفية للشرعية وجعل الحكم على الموضوعات الشرعية.
أحد الاحتمالات: هو أنّ ما هو موضوع الحكم هو المعرَّف وهو العقد الشرعي، يعني: أوفوا بالعقود الشرعية، باعتبار أنّ المعرِّف لا حكم له وإنّما الحكم منصَبّ على المعرَّف.
بناءً عليه لا يمكن التمسّك بالعموم، لأنا لا نحرز الموضوع عند الشكّ في تصرّف الشارع.
لا فرق في عدم جواز التمسُّك بالعامّ بين أن يجعل الموضوع ابتداءً هو الموضوع الشرعي، بأن يقول: أوفوا بالعقود الشرعية، وبين أن يذكر الموضوع العرفي في كلامه إلّا أنّه يجعله آلة إلى ما هو الموضوع في الواقع حينئذٍ وهو الموضوع الشرعي، فلا يكون الحكم الشرعيّ وارداً على الموضع الشرعي، فيرجع إلى أنّ الموضوع هو العقود الشرعية.
ولاتَ له أنّه في مورد الشبهة المصداقية لا يمكن التمسّك بالعام.
بل لو شككت في تخصيص الملازمة فإني أشكّ في أنّ الموضوع الشرعيّ هل هو موجود أو لا بواسطة الشكّ في تخصيص الملازمة.
فلا يمكن التمسّك بالعام، فما يقوله: من أنّ هذا تخصيص في الملازمة لا تضييق في الموضوع ولا من قبيل التخصيص الحكميّ، ولا يمكن المساعدة عليه.
فإنّ يستحيل أن يكون المتلازمان بتمام هويّتهما موجودين ولا تكون
ـــــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الملازمة موجودة، وإذا كان العقد العرفي هو محطّ الحكم الشرعيّ فالتخصيص في الملازمة(1) محال، وإنّما يتمّ ذلك إذا أخذ محطّ الحكم هو العقد الشرعي، ويكون التخصيص الشرعيّ حينئذٍ تضييقاً في الموضوع، وعند الشكّ لا يمكن التمسّك بالعامّ حينئذٍ.
وإذا كان مراده هو أنّ الشارع يرى الملازمة بحسب الواقع، فهو حين رأى الملازمة بين الموضوع الشرعيّ والموضوع العرفي، تعلّق حكمه بالموضوع العرفي، باعتبار الموضوع العرفي هو الموضوع الشرعي.
إذا كان هذا هو المراد فموضوع الحكم هو الموضوع العرفي، فالتخصيص حينئذٍ يكون تخصيصاً حكمياً لا تخصيصاً موضوعياً، ويكون معنىأَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني العقود العرفية، وتكون الملازمة جهة تعليلية، فإذا نهى الشارع عن البيع الربوي، هل يعود ذلك إلى أنّ البيع الربوي ليس بيع أو يعود إلى التخصيص الحكمي؟
بالإضافة إلى امتناع ذلك، لأنّ الشارع إن رأى الملازمة بين شيئين فيستحيل تخلفه. فإنّا في التخصيص لا نقول: إنّ حكماً وجوبياً يتعلّق بتمام الأفراد ثُمَّ يندم ويستثني منه شيئاً، بل وضع الحكم في محيط جعل القانون، هو أنّ القوانين تجعل أوَّلاً كلّيات، وبعد ذلك ترد المخصّصات والمقيّدات، فتكشف عن عدم تعلّق الإرادة الجدية بالعامّ، وإنّما تعلّقت الإرادة الاستعماليّة بها فقط.
ـــــــــــــ[295]ــــــــــ
() لانحفاظ الموضوع العرفي، وما دام الملازم محفوظاً فالملازمة محفوظة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وهذا الأمر ليس صحيحاً في كتابة الكتاب أو الكلام، فإنّ مَن يقول في أوّل كلامه معنى عامّاً ثُمَّ يقول في آخره معنى خاصّ يقال إنّه تناقض. لكنّه في جعل القوانين ليس تناقضاً، بل يُرجع إلى الفهم العرفي، فالشارع حينما يقول المعنى الكُلِّي في الأوّل، يكون ظاهره بحسب الأصل العقلائيّ في تمام ما قاله جدّياً، ثُمَّ إذا أراد التخصيص لا يكون مجازاً ولا بداءً ولا نسخاً، بل يكشف عن عدم مطابقة الإرادة الجدّية للإرادة الاستعمالية.
أمّا إذا لم تكن مسألة جعل القانون، فليس كذلك. فإن الشارع لا يجعل الملازمة وإنّما يرى الملازمة بين هذا وهذا ورؤية الشارع لا يمكن أن تتخلّف، والملازمة ليست قابلة للتخصيص فإنّ التخصيص إنّما يكون في القوانين لا في الأمور اللّبية الواقعية، فإنّه لا معنى للتخصيص فيها. إذن فالمقصود إن كان هو هذا الاحتمال فغير صحيح أيضاً.
نعم، لو كان مراده أنّ الشارع جعل الملازمة، وأخبر عنها بنحو جعل القانون، فهذا المطلب صحيح في نفسه، إلّا أنّه هنا لا يصحّ. وذلك لأنّه يقول: إنّ الموضوع العرفي يكون معرّفاً للموضوع الشرعيّ بأحد المعنيين، إمّا بمعنى أنّ الموضوع الشرعيّ هو الموضوع وجعل العرفيّ معرّفاً له باعتبار الملازمة، أو أنّ الموضوع هو الموضوع العرفيّ باعتبار الملازمة بينه وبين الشرعيّ.
إذا كان كذلك، فجعل الملازمة معنى حَرفي، وأنت تريد أن تقول: باعتبارها جعل الموضوع العرفي معرّفاً للموضوع الشرعي، فهذا يلزم منه الجمع بين اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي، الآغايون يعترفون باستحالته،
ـــــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإن لم يمكن محالاً فالكلام لا يحمل عليه.
وأمّا إذا كان مراده أنّ الموضوعات الشرعيّة هي الموضوعات العرفية، ونستكشف من جعل الموضوع العرفي مورداً للحكم واتّحاده مع الموضوع الشرعي، فيصحّ تمام مطالبه، إلّا أنّ التخصيص حينئذٍ يكون حكمياً لا موضوعياً، وهذا ما يريد أن يفرّ منه.
بناءً على ذلك، فتوضيحه لكلام القوم لا أظنّ أنّهم يوافقون عليه، والصحيح هو التوضيح الذي قلناه.
هذا تمام الكلام في آية: أَوْفُوا بِالعُقُودِ. ونتكلّم في أدلّة الشروط.
من جملة ما يتمسّك به(1) لإثبات لزوم المعاطاة هي الرواية الواردة عن النبي: “المؤمنون عند شروطهم“(2).
ونحن تكلّمنا في مقام الشرط ولا نعيده، وقد أنكرنا صدق الشرط على ما كان من قبيل البيع ونحوه، فإنّ البيع قراراً وليس شرطاً ابتداءً، ولكن من
ـــــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 56، الكلام في المعاطاة.
(2) الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث1، دعائم الإسلام 2: 44، الحديث106، من لا يحضره الفقيه 3: 202، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 3765، الاستبصار 4: 35، باب المكاسب المشروط عليه …، الحديث6، تهذيب الأحكام 7: 22، باب عقود البيع، الحديث10، ووسائل الشيعة 18: 16، باب ثبوت خيار الشرط، الحديث 23040.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
خلال الكلام قلنا إنّه يمكن للإنسان أن يلغي الخصوصية من أدلّة الشروط ويفهم أنّ القول والقرار الذي يعطيه العقلاء نافذ.
فإذا وقفنا في الرواية تراها ناظرة إلى جهة القول الذي يعطيه المؤمن.
وأما القول في ضمن فردٍ آخر وكونه شرطاً ضمنياً أو ابتدائياً ومعلّقاً على شيء -الذي كان قسماً من الشرط- لا دخل له في المطالب، فلا يبعد أن العقلاء يفهمون وجوب الأخذ بالقرار. وإن لم نكن جازمين بذلك، فنسرّي الرواية للشرط الابتدائي من باب إلغاء الخصوصية.
وقلنا هناك أيضاً: إنّ الرواية مبنيّة على ادّعاء، وهنا نقول إنّها متضمّنة لادّعاءين، أحدهما: أنّه ادّعى الأمر المعنوي غير المحسوس بمنزلة الأمر المحسوس بحيث يمكن أن يكون الإنسان واقفاً بقربه. وإلّا فلا يمكن أن يكون الإنسان عند أمر معنوي أو اعتباري.
ومطلب آخر ينفعنا في المقام، وهو أنّ “المؤمنون عند شروطهم” قضيّة إخباريّة، مبنيّ على ادّعاء وهو أنّ الشيء الذي ليس متحققاً الآن كأنّه متحقّق، فإنّك مرّةً تقول: إنّ فلاناً يعمل هذا العمل، للمبالغة في بعث هذا الشخص، ومرّةً تأمر بتحقيق هذا العمل، فالأمر له سِمَة الباعثيّة لذلك المطلوب.
ومرةً يريد المتكلّم بداعي البعث أن يقول جملة إخباريّة تكون أبلغ من البعث، فمثلاً يقول: هذا الطفل يحضِّر درسه، لأجل تحفيزه على ذلك، وأنّه مطلب (شدني)(1) لا (نشدني) والمتكلّم يدّعي أنّه أمر لا يتخلّف.
ـــــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: حاصل ومتحقق.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ويكون البعث بالجملة الإخباريّة أبلغ من الأمر، مثل قوله: (يعيد صلاته) لا أنّه استعمل هيئة المضارع في الأمر، بل هي جملة إخباريّة، وإنّما أتى بها كأنّه أتى بالصلاة بعد أن سدّ جميع موارد العدم والتخلّف، فأصبح هذا الأمر (شدني).
فـ”المؤمنون عند شروطهم” جملة إخباريّة ولم تعتمد في المعنى الإنشائي، وأنه يجب الوفاء، ولكن يدعى في الرواية أنّه أمر (شدني) ولا يتخلّف، وأنّه قد سدّ جميع أنحاء عدم هذا المطلب وأنّه لا متحقّق.
فهذا الأمر أبلغ بالبعث من الأمر.
إنما الكلام في أنّ هذه الجملة الإخباريّة مادامت جاءت بداعي البعث، فكيف يستفاد منها اللزوم، وذلك يكون بنفس التقريب الذي ذكرناه في (أوفوا بالعقود) بنفس الطرق التي ذكرناها هناك.
حيث قلنا هناك إنّه لو كان الفسخ ممكناً لما أمر بالوفاء بالعقود، فيفهم العقلاء أنّه لا مناص من الالتزام بالعقد، كلّ ذلك مضى ولا نكرّره.
هذا إذا لاحظنا نفس الجملة ولم ننظر إلى الموارد التي تمسّك بها الأئمة بهذه الرواية النبوية، وأمّا إذا راجعنا ذلك فيكون الأمر أوضح.
إلى الآن مدّعانا هو أنّ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و”المؤمنون عند شروطهم” يُستفاد منه حكم وضعي وهو النفوذ والصحّة، وحكم تكليفي وهو وجوب
ـــــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الوفاء، وحكم وضعي آخر وهو اللزوم، فهل يُستفاد من كلام الأئمة ذلك أو لا؟
فمنها: ما في الباب السادس من أبواب الخيار من (الوسائل): محمد بن(1) يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمد، جميعاً عن ابن محبوب، عن أبي عبد الله، قال: “سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزَّ وجل“(2).
أما الشرط المخالف لكتاب الله فعدم نفوذه من هذه الرواية واضح، فإنّه يقول: (لا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه) وليس الجواز هنا بمعنى الجواز الشرعي، وإنّما بمعنى النفوذ، فمعناه أنّه لا ينفذ في مصلحتنا ولا على ضرر المشروط عليه، إذن فالشرط الموافق لكتاب الله نافذ علينا وعلى المشروط عليه، إلّا شرطاً خالف كتاب الله فإنّه غير نافذ.
فهل يمكن استفادة اللزوم من هذه الرواية؟ قوله (فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه) كأنّه يريد أن يقول إن كان الشرط موافقاً لِكتاب الله فهو نافذ للشارط والمشروط عليه ولا يمكن تخلّفه عنه، فلو كان الشرط صحيحاً ولكن لم يكن لازماً، فاستعماله (له وعليه) لم يكن مناسباً.
ـــــــــــــ[300]ــــــــــ
() السيد لم يذكر السند (المقرر).
(2) راجع الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث1، ووسائل الشيعة 18: 16، باب ثبوت خيار الشرط بحسب ما يشترطانه …، الحديث23040.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإذا أبيتم فلا إشكال من استفادة النفوذ منها. إذن فأحد الأحكام التي قلناها وهو الحكم الوضعي للنفوذ والصحّة منه.
الرواية الأخرى: ما روي في نفس الباب ونفس الكتاب، رواه(1) الكليني بإسناده عن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه: “ أنّ عليَّ بن أبي طالب كان يقول: من شرط لامرأته شرطاً فَلِيَفِ لها به فإنّ المسلمين عند شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلَّ حراماً“(2).
وقوله (فلِيَف) يستفاد منه الحكم التكليفي، ولا يبعد استفادة هذا المعنى منه، وهو أنّه لا طريق إلى التخلّف عن الشرط ولذا يجب الوفاء به، وإلّا لمَا كان له التخلّف، فإنّه مثلاً في الهبة الجائزة يشكل الأمر بوجوب الوفاء، ومن الصعب أن يحمل على وجوب الوفاء ما دام الشرط.
رواية أخرى: عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن بزرج، عن العبد الصالح -موسى بن جعفر- قال “قلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوّج امرأة ثُمَّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يُراجعها، فأبت عليه إلّا أن يجعل لله عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها فأعطاها ذلك ثُمَّ بدا له في التزويج
ـــــــــــــ[301]ــــــــــ
() لم يذكر السند في المحاضرة. (المقرِّر).
(2) اُنظر تهذيب الأحكام 7: 467، باب من الزيادات في فقه النكاح، الحديث 80، ووسائل الشيعة 18: 17، باب ثبوت خيار الشرط بحسب ما يشترطانه …، الحديث23044.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بعد ذلك فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار! قل له فليَف للمرأة بشرطها، فإنّ رسول الله قال: المؤمنون عند شروطهم“(1).
وقوله: (أن يجعل الله عليه) فيه احتمالان:
أحدهما: أن تنذر لله أن لا تتزوّج عليَّ ولا تطلّقني. ويدفعه أنّه في ذيل الرواية يقول: (فليف بشرطها) فيعلم أنّ (لله عليَّ) ليس نذراً فإنّ النذر شرط لله لا لها، ولو كان قد نذر فقد وفّى لها شرطها وإنّما يبقى مسؤولاً لله في الوفاء بالنذر. ولو كان معنى (فأعطاها ذلك) أنّه نذر أن لا يطلّقها، فبعد حصول النذر لا يبقى للمرأة عليه شرط، فكيف يقول “فليفِ للمرأة بشرطها“. فيستفاد من ذلك:
الاحتمال الثاني: وهو أن يكون شرطاً للمرأة في سبيل الله، ولا يبعد أن يكون هذا مقصوداً بلحاظ ذيل الرواية.
وهنا لو كان الشرط جائزاً لكان له التخلّف عنه أو فسخه فما المانع عن حصول البداء له حينئذٍ، فقوله “بئس ما صنع وما يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار” يدلّ انه قد ألزم نفسه بالشرط الذي جعله، فيعلم أنّ الإنسان إذا اشترط شرطاً لا يمكن أن يتخلّف عنه، ولا يمكن أن يفسخ، وإلّا لو كان له ذلك لَما كان ملزماً به.
واستشهاد الإمام بالقول النبويّ، أنّه عدم جواز التخلّف عن
ـــــــــــــ[302]ــــــــــ
(( الوسائل، أبواب المهور، الباب العشرون. (المقرّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الشروط، كان هو الأمر المفهوم في زمان صدور الروايات، وأنّه كان مفهوماً من القول النبوي لدى المسلمين، من صدر الإسلام إلى ذلك الزمان، أنّ المقصود منه هو الإلزام بذلك، وإلّا لَما كان هناك موجب لسؤال الإمام عن وقوع الشرط، وأنّه كيف يصنع، فإنّه حينئذٍ لا يكون ملزماً بالشرط بل يمكنه فسخه، فقولهم (قدس سرهم)(1)، إنّه موعظة حسنة أو إرشاد إلى الحسن العقلي للوفاء غير صحيح.
إنّ(2) الحكم لا يمكن أن ينقّح موضوعه، (فأوفوا بالشروط) لا يمكن أن ينقّح الشرط، وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ لا يمكن أن يحفظ البيع، فدليل الوفاء أمر بالوفاء بالشروط، فإذا فسخت فقد انتفى الشرط فلا يجب الوفاء.
إنّما الكلام في الرواية الأخيرة التي يستفاد منها اللزوم أكثر من غيرها، إذا كانت قد اشترطت عليه نذراً، فالطلاق أمر مرجوح ولا يصحّ به النذر، وإذا كان شرطاً فهو مخالف لكتاب الله وهذه مسألة يبحث فيها في محلّها، وأنّه كيف يكون الشرط مخالفاً لكتاب الله، إلّا أنّ الفتوى على ذلك(3)، فما العمل في هذه الرواية. والشيخ مرّةً حملها على الاستحباب ومرّةً على التقية.
إلّا أنّه على فرض أنّنا نطبق الكبرى على المورد للتقية، إلّا أنّ تطبيق الرواية
ـــــــــــــ[303]ــــــــــ
() راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 2: 67.
(2) وهنا قال جواباً على سؤال: إن… (المقرِّر)
(3) يعني: أنّ شرط عدم التزويج والطلاق مخالف للكتاب (توضيح) (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
على المورد ليس جزافاً وإنّما هو تطبيق عقلائي، فيستفاد من قوله (وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار) أنّه ملزم بشرطه.
إذن فمن الرواية الأولى يستفاد الصحّة ومن الرواية الثانية يستفاد الحكم التكليفي بوجوب الوفاء، ومن الأخيرة يستفاد اللزوم.
وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(2) سبق بعض الكلام فيه، وبعض الكلام سبق في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. وقلنا فيما سبق إنّ هناك احتمالين في الآية:
أحدهما: أنّ النظر إلى الزيادة الحاصلة من البيع الربوي والزيادة الحاصلة من غير الربوي، فهم يدعون تساويه والقرآن ينفيه.
ثانيهما: أن يكون النظر إلى نفس البيع الربوي وغير الربوي، فهم يثبتون مساواتهما والقرآن ينفي المساواة.
ولكن قلنا هناك إنّه على كِلا الاحتمالين يكون المنظور للمتكلّم والمخاطب هو الزيادة في البيع الربوي وغيره، يقولون ما الفرق بينهما؟ والقرآن يثبت الفرق.
فعلى كِلا التقديرين يمكن التمسّك بإطلاق الآية وأنّ الله أحلَّ الزيادة التي تأتي من البيع غير الربوي حتّى بعد الفسخ. ويأتي في المقام نفس التقريبات في (أوفوا بالعقود) ونفس الإشكالات ونفس الجواب.
ـــــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) المكاسب 5: 19، الأدلّة على أصالة اللزوم.
(2) البقرة: 275.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إلّا أنّه يبقى مطلب نريد أن نذكره ولو ضجر الآغايون، وهو أنّنا إنّما نتمّم الاستدلال بـ(أوفوا بالعقود) عن طريق الاستصحاب، فإنّ التمسّك به يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، وبعد استصحاب الملكيّة يرتفع هذا المحذور، فهنا يمكن أن يتوهّم جريان استصحاب آخر وهو استصحاب عدم نفوذ الفسخ.
ونحن نريد أن ننظر إلى أمثال هذه الاستصحابات، عدم القرشية وعدم التذكية وعدم النفوذ، والاستصحابات الأزليّة مطلقاً. نتعرّض لها لمدّة يومين مختصراً لعموم فائدتها في تمام الفقه.
لعلّه يقال إنّ استصحاب بقاء العقد محكوم لاستصحاب عدم الفسخ، ولا معنى لجريان الاستصحاب المحكوم مع جريان الاستصحاب الحاكم، فيقدّم عدم الفسخ، ولو كان كِلاهما مثبتاً.
الشبهة المصداقية التي كانت في الأدلّة، يرفعها استصحاب الموضوع الذي هو استصحاب بقاء العقد والتجارة والبيع؛ لأنّه يعبّدنا بوجود الموضوع، بعد حصول الفسخ والشكّ في تأثيره، فحتى لو فرضنا أنّ الأجوبة عنها -الشبهة المصداقية- لم تكن صحيحة، لكن كانت الأجوبة بقطع النظر عن استصحاب بناء الموضوع.
وإلّا فمعه تحرز بقاء العقد فنحرز موضوع (أوفوا بالعقود) و(أحلَّ الله البيع) و(تجارة عن تراضٍ)، ثُمَّ نتمسّك بـ(أوفوا بالعقود).
ـــــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
لكن يمكن أن يُقال: إنّه هنا عندنا استصحاب آخر بتجريد العمل، وإذا جرى فلا يبقى مجال لهذا الاستصحاب، فإنّه وإن كانا مثبتين لكنّ الأصل الحاكم مقدّم على الأصل المحكوم، وهو(1) استصحاب عدم نفوذ الفسخ. وهذا المطلب نَقَلَنَا إلى تحقيق هذه الاستصحابات التي قيل بجريانها في مثل المقام.
مثلاً في المرأة التي ترى الدم بعد الخمسين، نحن نستصحب عدم القرشية، أو في باب قابلية جواز التذكية، يمكن أن نستصحب عدم القابليّة للتذكيّة، ويكون حاكماً على استصحاب عدم التذكية. أو مثلاً في باب الشروط إذا شككنا في الشبهة الحكمية أنّ هذا الشرط مخالف للشرع أو غير مخالف، نستصحب عدم مخالفته للشرع ونحرز بذلك موضوع غير المخالف. أو إن شككنا في الفقير أنّه قرشي أو لا فنستصحب عدم قرشيته، فنحرز موضوع الزكاة. إلى كثير من استصحابات الأعدام الأزلية، فهل هذه الاستصحابات جارية أو لا؟
ممّن كان يرى جريانه شيخنا الشيخ عبد الكريم عليه الرحمة(2)، وكان تقريبه لذلك بتوضيح مِنّي: أنّ الأعراض قسمان: قسم منها: أعراض للماهيّة وقسم أعراض للوجود. وكلّاً منهما قسمان: عرض مفارق وعرض لازم، فالزوجية للأربعة عرض لازم للماهيّة، وقيل الوجود من عوارض الماهيّة المفارقة وهو قابل للمناقشة.
ـــــــــــــ[306]ــــــــــ
() يعني الأصل الحاكم. (المقرِّر).
(2) راجع درر الفوائد 1: 187- 188، المقصد الخامس، في العامّ والخاصّ.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ومن أعراض الوجود كونه ذا أثر ونورانياً وموجوداً -بالمعنى المصدري- وهو من أعراضه اللازمة، وبعض أعراضه مفارقة ككونه أبيض أو أسود أو غير ذلك، فهذه مقدمة.
كان يقول: إنّ القرشية في المرأة من عوارض الوجود، إلّا أنّ الماهيّة قبل وجودها ما كانت قرشية أو غير قرشية، فإنّ القرشية تترتّب بعد وجود الشخص ضمن هذه الطائفة أو تلك الطائفة، وقبل وجود الماهيّة لا يصدق ذلك، وهكذا قابلية الحيوان للذبح إنما هو عرض للحيوان الموجود والمعدوم لا قابلية له والماهيّة لا قابلية لها. فالقابلية من عوارض الشيء الموجود الخارجي، أما من عوارض الموجود أو عوارض الوجود يعني يعرض على الموجود بواسطة اتّصافه بالوجود، على أيّ حال يعرض في ظرف الوجود. وفي مسألة الفسخ أيضاً نفوذه مترتّب على وجوده، وماهيّة الفسخ لا تتّصف بالنفوذ.
فيُقال: إنّنا نشير إلى ماهيّة المرأة التي هي الآن ماهيّة موجودة.
إلّا أنّ لنا أن نشير إلى الماهيّة ونقول إنّها قبل الوجود لم تكن قرشية، فإنّها إنّما تكون قرشية بالوجود، وبعد وجودها نشكّ بالانتساب إلى هذه الطائفة أو إلى الطوائف الأخرى، إذن نشكّ أنّ الماهيّة التي لم تكن قرشية هل اتّصفت بها بالوجود أو لا؟ فنستصحب عدم اتّصافها، ونقول إنّ المرأة -مشيراً إلى ماهيتها- لم تكن قرشية من الأزل فنستصحب.
وهكذا في قابلية الحيوان للذبح، حيث نشير إلى ماهيّة الحيوان فنقول: هذا
ـــــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الحيوان -مشيراً إلى ماهيته- لم يكن في الأزل قابلاً(1) للتذكية، والآن نشكّ في قابليته للشكّ في حكم الشارع بجواز تذكيته أو عدمه، فنقول إنّه قابل للتذكية في الأزل فنستصحب هذا المعنى، ونحكم بأن الحيوان غير قابل للتذكية.
وفي محلّ الكلام قولوا أيضاً نفس المطلب، وهو أنّنا نشير إلى ماهيّة هذا الفسخ ونقول إنّه قبل تحقّقه لم يكن نافذاً وموجباً لحلّ العقد أو بعد وجوده نشكّ في تحقّق الصفة له، نستصحب هذا المعنى، ونحكم بأن هذا الفسخ لا أثر له.
وفي مسألة مخالفة للشرط كذلك، وكلّ مورد من الموارد التي يكون الأثر أثراً للماهيّة وكانت قبل وجودها غير متّصفة به ونشكّ باتّصافها بعد وجودها فنستصحب. هذا محصّل قوله.
أقول: قبل أن نرد المسألة لا بُدّ أن نقول مطلباً، حول حال القضايا الموجبة والسالبة، والذي ينفعنا في المقام هو تحقيق القضايا السالبة، ولكن تبعاً لذلك نشير إلى حال الموجبة أيضاً.
ـــــــــــــ[308]ــــــــــ
() هذا إن تمّ في قرشية المرأة لا يمكن تماميته هنا، فإنّ النسبة بين القرشية وعدمها نسبة التناقض، فإن لم تكن الماهيّة قبل وجودها قرشية فهي غير قرشية لا محالة، ولكنّ النسبة بين قابلية الذبح وعدمها هو العدم والملكة، فإنّ الجداء مثلاً لا يقال لها غير قابل للتذكية، ومن ثَمَّ لا يمكن أن تكون ماهيّة الحيوان متّصفة بعدم القابلية للتذكية، فلا يمكن استصحابها. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
من الأشياء المسلّمة بين المتقدّمين هو أنّ القضيّة مركّبة من ثلاثة أمور: الموضوع والمحمول والنسبة، وهذا جارٍ في مطلق القضايا سواء كانت موجبة أو سالبة أو كانت من أيّ أقسام السالبة أو الموجبة، ونحن إذ فتّشنا في أمر القضايا وجدنا أنّه في باب القضايا الموجبة هناك تفصيل، وفي باب القضايا السالبة هذا غير صحيح أصلاً.
أما في القضايا الموجبة: فإنّ القضايا التي يُقال عنها أنّها قضايا حمليّة على قسمين:
القسم الأوّل: قضايا حمليّة غير مؤوَّلة. سواء كانت بالحمل الشايع أو بالحمل الأوّلي، مثل زيدٌ إنسان، وزيدٌ موجود، وزيدٌ حيوان ناطق، وزيدٌ زيدٌ، والله موجود. ومفاد هذه القضايا هو (الهوية) وأنّ هذا ذاك، فإنّك تريد أن تقول: إنّ زيداً هو حيوان ناطق وإنّه موجود، فما كان حاكياً عن وحدة الموضوع أو محمولها فهي قضايا حمليّة بلا تأويل.
هذه القضيّة يمتنع وجود النسبة فيها، لأنّ النسبة إما أن تكون موجودة بين الموضوع والمحمول في الخارج أو في القضيّة المعقولة، أو في القضيّة الملفوظة.
أمّا بالنسبة إلى الخارج، فإذا قلت مثلاً: زيدٌ زيدٌ أو زيدٌ إنسان أو الإنسان إنسان، فهل هناك بحسب نفس الأمر نسبة في الواقع؟ إذا كانت نسبته في الواقع فلا بُدّ أن تكون بين زيد ونفسه ونسبة الشيء إلى نفسه محال، فإنّ الرابطة لا تكون إلّا بين طرفين ولا تكون في طرف واحد، وهذا يمتنع بين زيد ونفسه،
ـــــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وكذلك في قولنا: الله موجود، فإنّه إذا كان في الواقع هناك ربط بين الله وبين الوجود، يلزم زيادة الوجود على ذاته المقدسة تعالى، وأن يكون تعالى ماهيّة من الماهيّات وهو مستحيل بالبرهان.
وأمّا في القضيّة المعقولة: فهي إذا كانت غير منطبقة على الخارج كانت خارجة عن محلّ الكلام، وإذا كانت منطبقة على الخارج فلا بُدّ أن تكون مثله في المدلول، وحيث لم تكن في الواقع نسبة -على ما سبق- فلا بُدّ أن لا يكون في القضيّة المعقولة نسبة، وإلّا لزم عدم مطابقتها لِما في الخارج.
وأمّا في القضيّة الملفوظة فكذلك، فإنّك إنّما تخبر عمّا هو في الواقع، وحيث إنّك تخبر عن شيء يستحيل وجود النسبة فيه، فلا بُدّ أن تكون القضيّة الملفوظة كذلك، فإنّك تقول زيدٌ زيد، ولو أخبرت (أنّ زيداً ثابتٌ لزيد) لم تكن القضيّة مطابقة للواقع.
القسم الثاني: القضايا الحمليّة المؤوَّلة، التي هي ليست قضيّة حمليّة إلّا بالتأويل، لهذا نقدّر فيها (حاصل) و(كائن) ليصحّ الحمل، نحو زيدٌ في الدار وزيدٌ على السطح، فهذه القضيّة لها أجزاء ثلاثة، (زيد) و(الدار) و(حصول زيد في الدار)، فاللفظان يحكيان عن الموضوع والمحمول و (في) تحكي عن النسبة، وكذلك الأمر في (زيد على السطح).
وكذلك (المال لزيد)، هناك في الواقع زيد ومال وحصول المال لزيد وارتباطه به، غايته أنّ هذا الربط اعتباري، فالربط في القضايا الحمليّة المؤوّلة تحكي عن الحروف والروابط اللفظية.
ـــــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بناءً عليه، الحال في الحمليّات الحقيقية، أنّه ليس في القضيّة سوى جزأين فحسب، هما المحمول والموضوع، وليس في الخارج إلّا شيء واحد هو زيد مثلاً، وهذه القضايا تدلّ على الهوية لا على الربط، فمثلاً حين تقول: (زيدٌ زيد) لا تقتصر نسبة نفسه إليه وأنّ هناك شيئين في الخارج يوجد ربط بينهما، بل هو هو في الخارج وأنت لا تريد الإخبار إلّا عن هذا المعنى.
وهذا جارٍ في سائر أقسام القضايا الحمليّة الحقيقيّة، سواء كان من الحمل البسيط نحو زيدٌ موجود، أو الحمل المركّب نحو زيدٌ قائم، إلى آخر أقسامها الخمسة عشر.
عندنا مفهومان(1) يحكيان عن واقع واحد، فإنّه في مثل (زيد موجود) ليس الوجود زائداً على زيد، وإلّا لزم قيام الماهيّة في الخارج بنفسها بإزاء الوجود، وفي مقابله لكي يصحّ الربط والنسبة بينهما، وهذا مبرهن على عدمه واستحالته.
وهذا جارٍ أيضاً في القضيّة الذهنيّة والقضية اللفظية؛ لأنّهما لو لم تكونا لماَ كانتا مطابقتين للخارج.
فمثلاً في قضية: الإنسان حيوان ناطق، لا بُدّ أن يكون المعرِّف والمعرَّف شيئاً واحداً، لا أنّ ذاتيات الشيء زائدة على الإنسان والإنسان شيء آخر وبينهما ربط، بل في الخارج أنّ الإنسان عبارة عن الحيوان الناطق، وأنت لا بُدّ أن تحكي عن نفس هذا الشيء، ولا يفرق بين الإنسان وبين الحيوان الناطق إلّا الإجمال والتفصيل، وإلّا فإنّهما يحكيان عن شيء واحد في الخارج لا شيئان بينهما ارتباط،
ـــــــــــــ[311]ــــــــــ
() إذن فتعدّد الموضوع والمحمول في الذهن موجود لا محالة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإذا قلت: إنّ الحيوان الناطق ثابت للإنسان، يكون كذباً وغلطاً غير مطابق للواقع.
بخلاف ما لو قلت: (زيدٌ عدل)، إذا لا يحتاج أن تقول: زيدٌ ثابت له العدل، وإلّا كان غلطاً، والفرق بينهما: أنّ هذه القضايا(1) نحو (زيدٌ له القيام) فيها محمول وموضوع وربط، فالمحمول لها هو (القيام) والموضوع (زيد) والربط تحكي عنه اللام، أما لو قلت: (زيدٌ قائم)، فليس عندنا في الواقع إلّا شيء واحد، وكذلك الأمر في القضيّة الذهنية واللفظية فإنّها تحكي عن نفس الأمر، وقولك: (زيدٌ حاصلٌ له القيام) غلط لا محالة.
بناءً عليه، في القضايا الحمليّة المؤوّلة: الموضوع والمحمول والربط كلّها موجودة في الخارج وفي القضيّة المعقولة الملفوظة، فتقول: (زيدٌ له القيام) أو (زيدٌ في الدار)، أمّا (زيدٌ زيد) و(زيدٌ حيوان ناطق) فليس هناك إلّا شيء واحد، والقضيّة اللفظيّة تحكي عن ذلك وهو الهوية.
في التكلّم حول مداليل النسب
هذا المعنى وهو أنّ الألفاظ المفردة أو المركّبات سواء الناقصة منها والتامّة، وسواء الألفاظ الدالّة على معانٍ اسميّة وحرفيّة، وسواء القضايا التصوّرية أو التصديقيّة، جميع الألفاظ وضعت على طبق الاحتياجات التي للبشر في إفادة ما يبيّن مقاصدهم في نفس الأمر والواقع للغير، فهو محتاج إلى أن يصنع ألفاظاً تكون وسيلة إلى إفهام المقاصد، وليس إلى نفس الألفاظ والعناوين أيّ نظر
ـــــــــــــ[312]ــــــــــ
() يعني الحملية المؤوّلة (توضيح) (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
استقلالي، بل لها نظر آلي وتبعي لإفادة المعنى.
فمثلاً القضايا التي جعلوها حمليّات، وعبّرنا عنها بالحمليّات المؤوّلة، ومنها ما تدلّ عليها الهيئات والروابط، بالأخرة الألفاظ ليست لغواً وإنّما وضعت على طبق حاجة البشر لإفادة المعاني التي تتعلّق بها مقاصدهم(1).
والألفاظ التي تحكي عن الواقعيات، لا بُدّ وأن تحكي عنه على واقعه، بدون أن يكون فيها زيادة أو نقيصة، فإنّها إذا لم تكن منطبقة عليه فقد أفادت خلاف الواقع، وهذا(2) ليس من وظيفة الألفاظ.
بناءً عليه في مسألتنا وهو بيان القضايا التصديقية، أو خصوص بعض أقسام الموجبة(3) منها، يجب أن ننظر إلى الواقع ما هو، وإذا كان الإدراك مطابقاً للواقع فهل يجب أن يكون مثل الواقع، أو عليه إضافة؟
وفي الألفاظ إذا حكينا بها عن الواقع ونفس الأمر، نرى أنّ الجمل بمفرداتها وهيئاتها لا بُدّ أن تكون مطابقة لخريطة الواقع، فكأنّها موضوعة في قالب الواقع أو الواقع موضوع في قالبها.
وكذلك بالنسبة إلى الجهة العقلية، أو أنّنا نتكلّم حسب أنفسنا ومشتهياتنا من دون أن تكون موافقة للواقع.
لا شكّ أنّ صياغة المفردات والهيئات تابع لاختيارنا وإرادتنا في مقدار
ـــــــــــــ[313]ــــــــــ
() راجع: مناهج الوصول 1: 86-91، الأمر الرابع، في حال بعض الهيئات.
() يعني الدلالة على غير الواقع (توضيح) (المقرِّر).
() يعني غير المؤوّلة (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
كشفها عن الواقع، وهي تابعة في دلالتها للواقع، لكن إذا أردنا أن تكون الجملة فيها دلالة وهداية إلى الواقع، يجب أن تكون مطابقة للواقع وإلّا لم تكن فيها هداية ودلالة.
إذن في الجمل الحمليّات وغير الحمليّات -وهم حسبوها كُلّها حمليّات- يجب أن ننظر إلى الواقع ثُمَّ ننظر إلى الإدراك العقلي وإلى القضيّة اللفظية، لنلاحظ أنّها هل هي مطابقة للواقع؟ وكيف ذلك؟
فيجب أن نعرض الواقع على الوجدان أو البرهان، ونقدّم القضايا الحمليّة عند الآغايون غير الحمليّة عندنا، أو الحمليّة المؤوّلة.
نحسب حساب واقعيّاتها، مثلاً جملة زيدٌ في الدار أو زيدٌ على السطح والجسم أبيض وأمثالها: نرى أنّ الواقع متكّون من (زيد) و(البيت) و(كون زيد في البيت).
فهذه مطالب ثلاثة، فإنّ زيداً محفوظ ولو لم يكن في الدار، وكذلك الدار محفوظة ولو لم يكن زيد فيها، وكون زيد في الدار معنى ثالثاً غيرهما، فهذا هو واقع القضيّة. وكذلك زيد على السطح، وكذلك الجسم له البياض هناك جسم وبياض عرض وعروض البياض للجسم، فهنا الجسم محفوظ من دون البياض ولو فرض عدم عروض أيّ عرض عليه، والبياض(1) محفوظ ولو طرأ على
ـــــــــــــ[314]ــــــــــ
() الذي للجسم يستحيل أن يعرض على جسم آخر، وإنّما البياض محفوظ بصورته الذهنية لا بواقعه الخارجي، وكذلك الأمر في الجسم فإنه يستحيل بقاؤه من دون عوارض في الخارج دون الذهن. (المقرّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
جسم آخر، وحصول البياض للجسم معنى ثالث.
فهذا هو واقع هذا القسم من المعاني، وكأنّ البشر يريدون إفهام هذه المعاني للغير، وهذه المعاني ليست متّحدة خارجاً فإنّ الجوهر لا يكون عرضاً ولا النسبة وهي عروض العرض للجوهر، تكون جوهراً أو عرضاً.
فحين نريد إفهامه للغير فمرّة ندلّ عليه بالدلالة التصورية وأخرى بالدلالة التصديقية، مثلاً قولنا: (غلام زيد)، بينهما إضافة، لكن لا نريدها عنهما مستقلّاً بل نريد الدلالة على الإضافة والربط، فهذه الهيئة لها دلالة تصورية على معناها.
ومرّةً نريد أن نُفهم أنّ هذه الإضافة موجودة، فهو محتاج إلى وجود الهيئة نحو الغلام لزيد، وهنا نفس المفاهيم موجودة وهي الغلام وزيد وانتساب الغلام لزيد.
إلّا أنّ الهيئة تفيد إفهام الإضافة للغير بنحو التصديق، فهذه الهيئة موضوعة لإفهام التصديق(1) مجعول هذا لهذا، فكلّ جزء من أجزاء الجملة مدلول تصوّري (زيد) و(الغلام) و(اللام) الدالّة على الإضافة بنحو تصوّري، ولكنّك تريد أن تفهم أنّ هذا المعنى متحقّق في الخارج وهو يحتاج إلى هيئة الجملة الخبرية.
ـــــــــــــ[315]ــــــــــ
() يلاحظ أن إفهام التصديق بمعنى الإذعان بحصول المضمون في الخارج، هذا محال، فإنّ التصديق أمر مخلوق للنفس، ولا يمكن أن تدلّ عليه الألفاظ. نعم، للفظ سياق تصديقي يدلّ على أن المتكلّم مصدّق ومذعن بالجملة، وهذا ليس من إفهام التصديق بالنحو المقصود في شيء، فافهم واغتنم. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[بسط المقام لتحقيق الحال]
إذن ففي قولك (الغلام لزيد) عندنا موضوع ومحمول ونسبة (زيد) وما بإزائه في الخارج هو هذا الشخص و(الغلام) وما بإزائه أيضاً هو هذا الشخص، و(اللام) تدلّ على الارتباط التصوّري، وعندنا أمر رابع(1) وهو هيئة الجملة الخبرية التي تحكي حكاية تصديقية على أنّ الغلام لزيد. وهذا الأمر الرابع هو الذي يوجب أن يصدق عليها أنّها إمّا صادقة أو كاذبة.
وحين ننظر إلى الواقع نرى قسماً في الواقعيات ليس كذلك.
نحو: (الله موجود)، فإنّ الله تعالى بسيط من جميع الجهات، ولا يمكن
ـــــــــــــ[316]ــــــــــ
() هذا الأمر الرابع هو الذي أعطى الجملة خبريتها وجعلها تصديقية، وهو الذي يعبّر عنه بالنسبة في اصطلاحهم، فإنّهم لا يريدون بها أكثر من ذلك، ومثل هذا المعنى يعترف السيد بوجوده في القضايا الهوهوية ويسميه بالهيئة، إذن فلا استحالة من وجود النسبة في تلك القضايا أيضاً سواء اللفظية منها أو الذهنية، وإن كان الخارج شيئاً واحداً، وأما إذا أردنا أن نستغني بالهيئة عن النسبة كما يحاول السيد أن يقول، فحينئذٍ لا يفرق في عدم النسبة بين كِلا القسمين في القضايا فإنّ ما يدلّ فيها على السياق التصديقي هو الهيئة على كلّ حال، لا أنّ الدالّ على ذلك في القضايا الهوهوية هو الهيئة وفي القضايا الأخرى هي الحروف، فإنّ دلالة الحروف تصوّرية ولا تصلح للسياق التصديقي. إذن، فالنسبة تكون غير متحقّقة في كِلا القسمين، وحينئذٍ تكون النسبة أمراً انتزاعيّاً ينتزع من نتيجة التصديق بالهيئة، وهذا موجود في كِلا القسمين وممكن أيضاً كما هو واضح للمتأمّل (اقرأ هذا التعليق بعد قراءة تمام هذه المحاضرة لكي تفهمه على وجهه) (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
عروض شيء له وهذا أمر برهاني في محلّه، ففي الخارج لا يوجد غير تلك الذات البسيطة والوجود التامّ والواجب على الإطلاق، وليس هناك شيء آخر، وأنت إذا أردت أن تأتي بنظير تلك القضيّة بحيث يكون في قولنا (الله موجود)، ثلاثة أشياء: الله والوجود وحصول الوجود له الذي تدلّ عليه اللام وتحقّق هذه النسبة التي تدلّ عليها الهيئة كما كان هو الحال في قولنا (الغلام لزيد)، ليس الأمر كذلك، وإذا كان كذلك إذن فالقضية مخالفة للواقع وغير مطابقة؛ له لأنّ الواقع ليس كذلك.
فإذا أراد البشر إفهام الواقع كما هو، فلا بُدّ أن يأتي بلفظ يدلّ على الله تعالى، وبلفظ يدلّ على ما يريد أن يقول إنّه معه شيء واحد، كـ(موجود) مثلاً وهيئة تدلّ على الهُوْهُويّة، فهذه القضيّة الحمليّة في الواقع ليس فيها إلّا شيء واحد، هو تلك الذات البسيطة فإنّ موجوديّته عين واقعيّته، وأنت تريد أن تعرب عن نفس هذا المعنى.
وما يفيد في هذا المطلب هو عبارة عن الهيئة الدالةّ على الهُوْهُويّة، وهذه الهيئة على قسمين:
قسم تدلّ على الهُوْهُويّة بنحو الدلالة التصوّرية، نحو (زيدٌ عالم)، فإنّه لا يأتي إلى الذهن ثلاثة أمور: زيد والعالم وحصول العالم لزيد، وإنّما يأتي إلى الذهن وحدة الموضوع والمحمول بنحو تصوري.
وقسم تدلّ على الهُوْهُويّة بنحو الدلالة التصديقية، نحو (زيدٌ عالم) أو (الله موجود)، فإنّك تريد إفادة الهُوْهُويّة التصديقية، فإنّه ليس في الخارج إلّا الذات
ـــــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الأحدية البسيطة، إلّا أنّك تنتزع أو تدرك منها شيئاً تجعله محمولاً وهو كونه موجوداً وأنت لا تريد أن تقول إلّا أنّه تعالى عين الموجود، فتقول: الله موجود. لا أنّ الله له الوجود. وإذا أردنا أن نعبّر عن هذا بالمعنى الاسمي قلنا: الله والوجود متّحدان، وأمّا في القضايا المؤوّلة فلا تستطيع أن تقول إنّ الجوهر والعرض متّحدان. فإدراكك(1) لهذه القضيّة الهُوْهُويّة ليس أكثر من أنك تدرك الذات وتدرك أنّها عين الوجود، وليس في المقام عرض ومعروض، فإذا كان الإدراك مطابقاً للواقع ونفس الأمر فلا بُدّ أن يكون بنحو ما هو ثابت في نفس الأمر والواقع، فإذا زاد في القضيّة الإدراكية شيء دالّ على الربط لا تكون موافقة لِما في الواقع.
وفي القضيّة اللفظيّة أيضاً كذلك، فإنّك تريد أن تفهم نفس القضيّة الخارجية، فلا بُدّ وأن تكون القضيّة اللفظيّة غير مشتملة على الربط، فلو كانت مشتملة على ما يدلّ على الربط لم تكن مطابقة للواقع، بل لا بُدّ فيها من موضوع ومحمول وتصديق أن المحمول عين الموضوع، وإذا كان فيها شيء زائد لم تكن مطابقة للواقع.
إذن في مثل هذه القضيّة ربط الموضوع بالمحمول ليس له مقابل في الخارج، والقضايا طبعاً على طبق احتياجات البشر ولم توضع لغواً، فلا بُدّ أن تكون مطابقة للواقع، وحيث كان الربط في الخارج معدوماً لاستحالة وجوده في طرف واحد، وليس في الخارج إلّا شيء واحد بالبرهان سواء في مثل (الله
ـــــــــــــ[318]ــــــــــ
() هذا بالنسبة إلى القضيّة الذهنية (توضيح) (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
موجود) أو (الله عالِم) فإنّ وجوده وعلمه عين ذاته، أو مثل (زيد موجود) أو (زيد عالِم)، فإنّ وجوده وعلمه وإن كان زائداً على ذاته إلّا أنّ الموجود في الخارج ليس هو إلا كيان واحد ووجود واحد تنتزع منه الماهيّة، ولو قلنا بتعدّده لزم القول بأصالة الماهيّة.
إذن فلا يمكن وجود الربط في الخارج، ولا في القضيّة الذهنية ولا في القضيّة اللفظية، إذا كانت هاتان القضيّتان مطابقتين للخارج، وهيئة الجملة الخبرية في القضيّة الحمليّة الواقعية، وضعت للدلالة على الهُوْهُويّة التصديقية.
وفي قولنا: (زيدٌ له البياض) ليس من باب حمل شيء على شيء، بل من باب تحقّق شيء لشيء، فإنّ المتكلّم يريد أن يقول: إنّ هذا لذاك لا أنّ هذا ذاك، إذن فالقضيّة الحمليّة هي ما دلّت على الهُوْهُويّة، وأما غيرها فهي قضايا دالّة على انتساب المحمول للموضوع، وليست من الحمل في شيء.
إذن فتقسيم الحمل إلى أوّلي وشايع، إذا كان مقصودهم هو الأعمّ من الحمل والربط، فيجب أن نبحث في هذين القسمين عن القضايا الحمليّة وندع الأخرى، أو نقول إنّ المقصود من الحمل في قولهم: الحمل الأوّلي أو الشايع: أعمّ من الحمل أو الربط.
وكذلك تعريفهم للصدق: بأنّه للنسبة خارجٌ تطابقُه أو لا تطابقُه، ليس الأمر كذلك، فإنّ القضايا الحمليّة لا نسبة فيها.
وكذلك قولهم: القضيّة مطلقاً متكوّنة من موضوع ومحمول ونسبة، ليس
ـــــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الأمر كذلك في القضايا الهُوْهُويّة، وإلّا لم تكن مطابقة للواقع.
هذا في القضايا الحمليّة بالحمل البسيط.
وكذلك الحال في الحمل المركّب، أما في الحمل الأوّلي فواضح فإنّه من باب حمل المفهوم على نفس المفهوم، والفرق بينهما من حيث الإجمال والتفصيل، فإنّه ليس في الخارج إلّا الإنسان، لا الإنسان والحيوان الناطق.
يبقى الحمل الشايع في المركّبات، مثل زيدٌ قائم والجسم أبيض، فهي في نظرنا أيضاً كذلك، غير مشتملة على الرابط أو النسبة، وإنّما المتحقّق فيها هو الموجود منسوباً إلى الآخر.
فإنّ المشتقّ إذا لوحظ بنحو متّحد مع الخارج وأنت تريد الإعراب عن اتّحادهما، فمرةً تقول زيدٌ له القيام ففي مثل ذلك توجد أربعة عناصر: (زيد) و(القيام) و(له) المفيدة للنسبة التصوّرية، والهيئة الدالة على تحقّق هذه النسبة.
وأما قولنا: (زيدٌ قائم)، فليس المقصود منه حصول زيد للقائم ولو صرّحت بذلك لكان مخالفاً للواقع.
فكما أنّه في قولنا: (الله موجود)، الهيئة موضوعة(1) للهُوْهُويّة التصديقية، كذلك في قولنا: (زيدٌ عالم)، ولهذا ليس عندنا غير موضوع ومحمول والهيئة الدالّة على الهُوْهُويّة وليس هنا دالّ(2) على الربط.
ـــــــــــــ[320]ــــــــــ
() دعوى القطع بأن هيئة الجملة الخبرية قد وضعت بوضع كلّي واحد لا بوضعين، يدلّ أحدهما على الربط والآخر على الهُوْهُويّة، دعوى غير مجازفة. (المقرِّر).
(2) هذا راجع إلى استغناء مقام الذات في نسبتها إلى ذاتياتاها عن استعمال الحروف، فإنّ معانيها إنّما تكون واسطة بين أمرين، وليس في مقام الذات أمران وهذا صحيح، إلّا أنّه أجنبي بالكلّية عمّا هو المقصود من نفي النسبة الخبرية، فإنّها غير مدلولة للحروف كما هو واضح، وإنّما تدلّ عليها الهيئة الدالّة على الإسناد والنسبة التصديقية، واستغناء مقام الذات من الحروف لا يلازم استغناءها عن هذه الهيئة أو النسبة أو استحالتها فيها، وإن كان المتحقّق في الخارج واحداً. إذن فالنسبة يمكن أن تدّعى بنحو يتعيّن وجودها لا أنّه يستحيل، إلّا إذا أمكن دعوى الاستغناء بالهيئة عن النسبة كما أشرنا إليه، فإنّ نفس الاستناد كان في التصديق دون حاجة إلى وجود رابط. نعم، بغضّ النظر عن ذلك يتعيّن وجودها لا محالة، فضلاً عن أنّه يكون مستحيلاً، فإنّه وإن كان الأمر الخارجي واحداً إلّا أنّها تكون رابطة بين المحمول والموضوع اللفظيين والمعنيين اللذين لا بُدّ أن يكون بينهما ربط وإسناد بنحوٍ من الأنحاء، وإلّا كان أحد المفهومين بمعزل عن الآخر، والسيد قد اعترف بضرورة انتزاع مفهوم آخر لكي يصحّ الحمل، فيحتاج في ربطه بالموضوع إلى الإسناد أو الهيئة، فافهم واغتنم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
هذا كلّه بالنسبة إلى القضايا الموجبة، وهو بحث موكول تفصيله إلى محلّه، ومحلّ ابتلائنا هو القضايا السالبة؛ لأنّنا نتكلّم حول استصحاب العدم الأزلي، فلا بُدّ من التعرُّض إلى القضايا السالبة وإلى القضايا المعدولة المحمول.
في القضايا السلبية(1)
وأما في القضايا السلبية، فالذي نريد أن نقوله: إنّه لا نسبة فيها أصلاً لا في القضايا البسيطة ولا المركّبة ولا في قضايا سلب الانتساب، لا سلب الحمل، نحو زيدٌ ليس في الدار.
ـــــــــــــ[321]ــــــــــ
() قال بعد أن لخّص فكرته عن القضايا الإيجابيّة: وأمّا في القضايا السلبيّة… (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وبيانه: هو أنّنا حين نراجع الخارج من طرف الإثبات في القضايا الموجبة التي كنّا نقول فيها بوجود النسبة، كنّا نرى في الخارج موضوعاً وصفةً وحصول الصفة للموضوع، فكنّا نرى في الخارج ثلاثة أمور، وأمّا في القضايا السلبية فهي على أقسام:
أحدها: القضايا الدالّة على أنّ الموضوع ليس بموجود أصلاً نحو: زيد ليس)1) موجوداً، أو الحمار ليس بإنسان، أو زيد ليس على السطح.
وفي القضايا التي مفادها سلب تحقّق الموضوع حينما ننظر إلى الخارج نرى أنّه ليس في الخارج شيء لا محمول ولا موضوع ولا شيء، نحو (شريك الباري ليس بموجود)، فليس ذلك بنحو أنّ شريك الباري متحقّق وتريد أن تسلب عنه شيئاً، فهذا ليس من سلب شيء عن شيء في نفس الأمر.
وأما القضيّة التي عرفناها من الخارج وهو (أنّ العدم المطلق لا يخبر عنه)، ليس بمعنى أنّ العدم المطلق له وجود، بل نحوٌ ينقل ذهن الإنسان إلى نفس ذلك المعنى في الخارج وينفيه نفياً موضوعياً.
فنحن إذا أدركنا هذا المعنى من الخارج ورأينا أنّه لا شيء فيه لا موضوع ولا محمول، ونحن نريد الإعراب(2) عن هذا المعنى، ففي مثل هذه القضيّة
ـــــــــــــ[322]ــــــــــ
() هذه على ما يبدوا أمثلة لأقسام القضايا، لا لهذا القسم بالخصوص (توضيح) (المقرّر).
(2) هنا لم يتعرّض للقضية الذهنية، وسوف يأتي ما يدلّ على اعترافه بتحقّق الموضوع والمحمول في الذهن، إذن فقد زاد الذهن على ما في الخارج. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
السلبية التي مفادها نفي الموضوع لا معنى للنسبة فيها؛ لأنّ القضيّة لا بُدّ أن تكون مطابقة لنفس الأمر فلا بُدّ أن لا يكون فيها نسبة(1).
ثانيهما: في مثل (زيدٌ ليس بقائم)، القضيّة السالبة قسمان:
1– أن لا يكون في الخارج موضوع أصلاً ونريد أن نخبر عن نفي المحمول بنفي الموضوع، كقولنا: العنقاء ليس بأبيض، فالأبيض لم نسلبه عن الموجود المفروض الوجود، بل تصوّرنا موضوعاً نعلم أنّه لا تحقّق له في الخارج ونسلب عنه المحمول بنحو سلب الموضوع، فيرجع السلب إلى السالبة بانتفاء الموضوع، وفي الواقع لا محمول ولا موضوع ولا نسبة.
إذن إذا أردت أن تحكي عن مثل هذا المعنى و[تهديك] نحوه، وهو عدم تحقّق المحمول بنحو نفي الموضوع، لا يمكن أن تشتمل على شيء زائد على ما هو في الواقع، لذا نفهم من القضيّة بهذا القدر وهو أنّه لا عنقاء ولا بياض الخارج.
2- أنّ السلب المحمول مع فرض وجود الموضوع، كسلب البياض عن زيد، نحو (زيدٌ ليس له البياض) أو (زيدٌ ليس في الدار).
قلنا في القضيّة الموجبة من هذا القبيل: إنّ هناك زيداً وداراً ونسبةً يدلّ عليها الحرف والتصديق الذي تدلّ عليه الهيئة، وهنا قد جاءت (ليس) لسلب النسبة لا لإثباتها، فهنا في الواقع لا ربط بين الدار وزيد، أو هذا الجسم ليس له
ـــــــــــــ[323]ــــــــــ
() النسبة التي تدلّ عليها الحروف لا النسبة التي تدلّ عليها الهيئة، فإن هذه ضرورية للتصديق، وإن سلّمنا انتفاء النسبة الأولى. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
بياض، وأنت تريد بهذه القضيّة أن تسلب الربط، فالقضية المعقولة هنا والملفوظة كذلك، غير مشتملة على النسبة.
وإنما نأتي هنا بـ(في) لأجل نفي النسبة، فهي هنا تدلّ أيضاً على النسبة الظرفية، لكن لم نأت بها لأجل إثبات النسبة بل لأجل إدخال ليس عليها.
كما في نحو (شريك الباري ليس بموجود)، فإنّه إنّما استعملت لفظ (موجود) لا لأجل الحكاية عن الواقع بل لأجل إلحاق النفي به.
ففي قضيّة (الله موجود)، كان المحكي في الخارج هو الموضوع وحده، وأما المحمول فهو عين الموضوع، غايته انتزعته عن الموضوع لإفهام الغير اتّحادهما في الخارج.
وأما في القضايا السلبية البسيطة التي تسلب الموضوع، فليس لها محكي أصلاً، فهذا هو الذي تريد أن تقوله ولا تكشف عن أيّ حقيقة في الخارج. نعم، هي تنقل ذهنك إلى أنّه لا حقيقة في الخارج أو سمّوها هذه إحدى الحقائق إن شئتم، ولكن لا بُدّ من التوصّل بالألفاظ إلى المعاني، فتعبّر عن الموضوع والمحمول، وتدلّ أنّه ليس شيء موجود في الخارج. نعم، لو كان نفس الأمر أعمّ من الخارج، فهو حقيقة نفس الآمرية، وهو أنّه(1) لا شيء في مقابل الله تعالى.
وأما في الذهن، فهناك محمول وموضوع والسلب سلب للموضوع لا سلب للنسبة، لأنّك لا تريد إفهام سلب النسبة بل تريد أن تقول إنّه غير موجود.
ـــــــــــــ[324]ــــــــــ
() هذه إشارة إلى قولنا: شريك الباري غير موجود. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فمثل هذه القضايا ليس لها واقع تطابقه أو لا تطابقه، وسوف نقول ما معنى صدق القضيّة في التطبيق على الواقع، ولكن في الواقع لا محكي أصلاً، ولكنّها قضيّة تصديقية خبرية، والسلب فيها بسيط بنحو سلب الهُوْهُويّة.
وفي نحو: (زيدٌ ليس على السطح) و(ليس له بياض)، فهما على قسمين:
1- قسم سالب بانتفاء الموضوع، وفي مثلها لا محكي لها في الخارج؛ لأنّ الموضوع بنفسه منتفٍ في الخارج. غاية الأمر أنّه عند الإخبار لا بُدّ من الإتيان بالألفاظ لأجل إفهام عدم وجود هذه الأشياء، وليس لها محكي في الخارج لكي تكون لها نسبة.
2- وأمّا لو كانت بنحو فرض تحقّق الموضوع، وأنت تريد أن تسلب عنه شيئاً، تقول: (زيدٌ ليس بعالم)، فهنا ما هو له محكي في الخارج(1) هو الموضوع فقط، لأنّك تريد نفي العلم عنه، ولا نسبة بين زيد وبين العالم في الخارج، وأنت تريد الإعراب عن نفس هذا المعنى.
بناءً عليه سُلب المحمول عن موضوع مفروض الوجود، سلباً هُوْهُويّاً لا تحكي عن واقعية المحمول وهو ما تريد إفهامه أيضاً.
وفي نحو قضية: (زيدٌ ليس بياض)، الذي كنّا نقول في قضيّته الموجبة بوجود المحمول والموضوع والنسبة والهيئة، نقول هنا أيضاً عندنا موضوع وعندنا هيئة دالّة على التصديق، لكنّك تريد أن تقول إنّ البياض ليس حاصلاً
ـــــــــــــ[325]ــــــــــ
() وهنا أيضاً لم يتعرّض السيد للقضية الذهنية اعترافاً منه بوجود مفهوم العالم فيه لأجل إمكان سلبه عن زيد، وإلّا لامتنع السلب كما هو واضح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
للجسم، وحين تريد إفهام هذا المعنى لا بُدّ أن تأتي بالدالّ على النسبة لتنفي تحقّق النسبة لا لتدلّ على تحقّق النسبة، فتأتي بـ(على) و (في) لكي تضع عليها النفي وتُدخل عليها (ليس)، وبحسب الواقع لا نسبة ولا القضيّة أيضاً مشتملة على النسبة، بل المراد بها نفي النسبة، وإنّما أتى بلفظ(1) النسبة لكي تحضرها في ذهنك وتصدّق بها. وكلّ القضايا السلبية هكذا.
[حول ثبوت النسبة السالبة وعدمه]
وهناك اختلاف بين المنطقيين(2) قدمائهم ومتأخّريهم، في أنّ النسبة السلبية موجودة أو غير موجودة، ونحن نقول: إنّ القضايا السلبية ليس لها نسبة سلبية.
نحن نريد أن نقول: إنّ القول بوجود النسبة السلبية في مثل (زيد ليس بموجود) أو (زيد ليس له كذا).
1- هل يريد أن يقول إنّ آلة السلب لم تعد للسلب بل صارت جزءاً من المحمول، ونريد إثبات المعنى السلبي للموضوع، فهذه ليست سالبة بل معدولة المحمول.
2- وأمّا يريد أن يقول إنّ النسبة هي سلبية، كما في القضيّة الموجبة كان عندنا نسبة ثبوتية هنا عندنا نسبة سلبية، فلازمه(3) أنّ النسبة السلبية لا بُدّ أن
ـــــــــــــ[326]ــــــــــ
() يعني الحرف (توضيح) (المقرِّر).
(2) راجع: أنوار الهداية 2: 101- 106، في بيان اعتبارات القضايا.
(3) هذا ليس لازماً فاسداً ولا يرد ما ذكره سلمّه الله. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نثبتها للمحمول والموضوع، بحيث يكون هناك ربط بينهما، وتصبح النسبة السلبية من إحدى النسب، فكما كانت النسبة متحقّقة في القضايا الموجبة، حيث كان فيها موضوع ومحمول ونسبة ثابتة بينهما، كذلك الأمر في القضايا السلبية، (محمول) و(موضوع) و(نسبة سلبية) بينهما. إذا كان هذا هو المراد فهو فاسد من عدّة(1) وجوه:
أوّلاً: أنّ القضيّة السلبية لا بُدّ وأن ترجع حينئذٍ إلى أنّ الموضوع متّصف بصفة كذا غايته، أنّه هناك اتّصاف ثبوتي وهناك اتّصاف سلبي، فالنسبة السلبية من الروابط بين الموضوع والمحمول، وحينئذٍ فلا بُدّ أن تعود القضيّة السالبة إلى إثبات(2) النسبة، فهو ربط بين الطرفين بالارتباط السلبي لا سلب الربط، وهو خلاف الضرورة وخلاف الواقع.
فإنّه في قولك (زيدٌ ليس على السطح)، هل هنا (زيد) و(سطح) و(نسبة بينهما)؟ أو أنّك تريد أنّه لا نسبة بينهما، فالكلام السلبي لا بُدّ أن يسلب المحمول عن الموضوع لا أن يثبت شيئاً لشيء.
بناءً عليه ليس في القضايا السالبة محمول وموضوع ونسبة سلبية، ففي مثل
ـــــــــــــ[327]ــــــــــ
() لم يذكر منها إلا وجهاً واحداً(المقرِّر).
(2) هذا ليس أمراً شنيعاً، فإنّه لا بُدّ من ذكر النسبة بالنحو المناسب لها لأجل التوصّل إلى نفيها للدلالة على عدم وجودها في الخارج، ومثل ذلك ضروري الوجود في الكلام، هذا في النسب التي تدلّ عليها الهيئة. نعم، ربما كان للنسب التي تدلّ عليها الحروف وجه فيما يقول، فاعرف وتأمَّل جيداً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
(زيدٌ ليس في الدار)، الموضوع والمحمول محكي بحسب الخارج، لكنّ النسبة ليس لها تحقّق وإنّما ذكر حرف النسبة الظرفية، لأجل إفهام عدم النسبة ونفيها في الخارج…
[من استصحاب العدم الأزلي عدم القرشية]
وفي الأعدام الأزلية، حيث إنّه يمكن أن يقرّب استصحاب العدم الأزلي بعدّة تقريبات، فلا بُدّ أن نتعرّض لسائر القضايا التي يبتنى عليها، فمثلاً: المرأة القرشية ترى الدم إلى ستين وغير القرشية تراه إلى خمسين، يمكن تقريبها بأشكال عديدة.
1- أن يكون بنحو القضيّة السالبة المحصّلة، وذلك بنحوين: مرةً يراعى فيها السلب المتحصّل المطلق، يعني بدون فرض وجود الموضوع. ومرةً يفرض الموضوع ويسلب عنه المحمول، نحو: (العنقاء ليس بأبيض) أو (زيدٌ ليس بقائم).
2- أو بنحو الموجبة المعدولة، أو الموجبة السالبة المحمول، والموجبة المعدولة هي القضيّة التي رفع معنى السلب التحصيلي لحرف السلب وأصبح جزءاً من المحمول، بأن يُراد إثبات العدم لشيء، نحو: (زيدٌ غير عالم)، فهذه جملة إثباتية تصديقية، غايته عندنا منها سنخان من القضايا: منها قضايا معتبرة عند المنطقيين، وهي التي تفيد سلب المحمول عن الموضوع بنحو العدم المقابل للملكة، يعني سلبه عن المحلّ القابل له، نحو: (زيدٌ ليس ببصير)، فهو كقولنا (زيدٌ أعمى)، إلّا أنّه يُريد إثبات معنى عدمي له، مع قابلية الموضوع.
ـــــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ومنها قضايا غير معتبرة عندهم، وهي القضايا المعدولة المحمولة التي تفيد صرف السلب، بنحو يكون السلب جزءاً من المحمول وتريد إثباته للموضوع.
3- وأما الموجبة السالبة المحمول وهو أن يكون عندنا قضيّة نريد لها إثبات المحمول للموضوع إلّا أنّ المحمول يكون منفياً، نحو (زيدٌ(1) الذي هو ليس ببصير)، فهذه ليست سالبة محصّلة ولا موجبة محصّلة، ولا موجبة معدولة المحمول، وإنّما هي موجبة سالبة المحمول، فأنت مرّةً تجعل المحمول مثبتاً نحو: (زيدٌ الذي هو بصير) ومرّةً تجعله سالباً نحو: (زيدٌ الذي هو ليس ببصير)، إذ لا بُدّ أن تصف الموضوع بوصف سالب.
فهذا عرض لإشكال القضايا، لنرى أنّ استصحاب العدم الأزلي الذي يقولون بجريانه، كيف يريدون إجراءه؟
هل الحكم توجّه على موضوعه بنحو السالبة المحصّلة؟
بنحو السالبة بانتفاء الموضوع بأن يُقال: (مَنْ لم تكن في الأزل قرشية ترى الدم إلى خمسين).
فيُقال باستصحابها إنّ هذه المرأة لم تكن في الأزل قرشية فنستصحب.
أو بنحو السالبة المحصّلة بنحو فرض وجود الموضوع بأن يُقال: (المرأة التي لم تكن قرشية في الأزل ترى الدم إلى خمسين)، فيُقال باستصحابها إنّ هذه المرأة لم تكن في الأزل قرشية.
ـــــــــــــ[329]ــــــــــ
() من الملاحظ أن النسبة في هذا المثال ناقصة لا تامّة، إذن فلا يصدق عليها أنها قضية بالمعنى المنطقي. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أو بنحو الموجبة المعدولة المحمول: المرأة غير القرشية في الأزل ترى الدم إلى خمسين، فنقول: إنّ هذه المرأة غير القرشية في الأزل كذا.
أو بنحو الموجبة السالبة المحمول: (المرأة التي لم تكن في الأزل قرشية)، فنقول هذه المرأة لم تكن في الأزل قرشية.
فهذه الأقسام من القضايا، حين تريد استصحاب العدم الأزلي لا بُدّ من أن تستصحب إحدى هذه الجهات، فالموضوع ماذا كان وكيف تريد أن تستصحبه، وهل يمكن استصحابه، وهل أركان الاستصحاب تامّة فيها أو لا(1)؟
[ما هو المناط في صدق القضايا]
قلنا إن القضايا السلبية التي نتكلّم حولها ليس فيها نسبة مطلقاً، بحسب الواقع كما هو معلوم؛ لأنّك تريد أن تقول إنّه ليس هذا الشيء لا أنّه موجود، ففي القضيّة السالبة البسيطة تقول: (زيدٌ ليس بموجود) ففي نفس الأمر لا موضوع ولا محمول ولا نسبة، والقضية الحاكية تحكي عن نفس هذا المعنى، فلا بُدّ أن تكون كذلك؛ لأنّ اشتمالها على النسبة يجعلها مخالفة للواقع.
وكذلك السالبة المحصّلة المركّبة نحو: (زيدٌ ليس بقائم) أو (زيدٌ ليس له القيام)، أيضاً في الواقع لا نسبة؛ لأنّ النسبة هي الارتباط بين المحمول والعرض والموضوع، والمفروض أنّه بحسب نفس الأمر ليس هناك عرض على الموضوع ولا رابطة بينهما، والقضيّة اللفظيّة والقضيّة المعقولة حيث إنّها تحكي
ـــــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) راجع: أنوار الهداية 2: 101- 106، في بيان اعتبارات القضايا.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
عن نفس الأمر على ما هو عليه فلا يمكن اشتمالها على النسبة، غايته أنّه في القضايا السلبية المؤوّلة نحو: (زيدٌ ليس له القيام) أو (زيدٌ ليس على السطح)، إنّما أتيت بحرف الجرّ لإظهار المقصود وسلب النسبة، كما هو الحال فيما إذا قلنا: (زيدٌ غير موجود)، فإنّنا لا نريد أن نقول: إنّ زيداً له مطابق في الخارج وإنّ القضيّة تحكي عن عدمه، وإنّما تريد أن تقول: إنّه لا زيد في الخارج أصلاً.
وكذلك: (العدم المطلق لا يخبر عنه)، نقول إنّ عنوان المعدوم بالحمل الأوّلي حصل في ذهني، لا بالحمل الشايع، فإنّه موجود في الذهن، وأنت تريد أن تتوصّل بهذا العنوان إلى أنّه في نفس الأمر لا يمكن الإخبار عنه ولا تحقّق له في الخارج، فالإشكال بأنّك قد أخبرت عنه غير وارد، فإنّك لم تتصوّر المعدوم بالحمل الشايع ولم تحكم عليه، بل تصوّرت مفهوم المعدوم المطلق، وهو أمر موجود في النفس، وأنت بوسيلة هذا العنوان الأوّلي تريد أن تقول إنّ المعدوم المطلق الذي تصوّرنا عنوانه لا يخبر عنه.
ففي قولك (زيدٌ معدوم)، تريد إفهام هذا المعنى، وهو أنّه ليس زيد شيء في الخارج ليُقال له زيد.
بناءً عليه فالقضية اللفظيّة ليست حاكية عن قضيّة واقعية.
إذن فيأتي إشكال: أنّ مناط الصدق والكذب ما هو؟ فإنّهم قالوا: إنّ الصدق هو المطابقة لنفس الأمر والواقع والكذب عدم المطابقة، وإنّ القضيّة إن كانت لها نسبة تُطابق الواقع أو لا تطابقه فهي خبرّية وإلّا فهي إنشائية.
ـــــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
التحقيق في ذلك: هو أنّ هذا هو الصحيح، أنّ الصدق هو المطابقة لنفس الأمر والكذب هو عدمها، لكن ليس لازم ذلك، أن يكون للأعدام أو للنسبة تحقّق.
وبيان ذلك: أنّ الواقع ونفس الأمر عبارة عن صفحة الوجود(1) من الأوّل إلى الآخر ذهناً أو خارجاً، وما ليس بموجود فليس له نفس الأمر. والقضايا التي نخبر عنها يجب أن تكون موافقة لنفس الأمر، فقولنا: (الله موجود) قضيّة صادقة؛ لأنّ البرهان قائم على وجود الله تعالى، فلو بحثنا صفحة الوجود لوجدناه، فالإخبار عن وجوده مطابق لنفس الأمر.
وأما إذا قلت: (شريك الباري غير موجود) فهو مطابق لنفس الأمر؛ لأنّك إذا لاحظت صفحة الوجود لم تجد خبراً عن شريك الباري.
وأنت أخبرت عن نفس هذا المعنى، ففي الأوّل يكشف عن واقع متحقّق، وفي الثاني لا يكشف عن الواقع لكنّه صادق لأجل عدم وجود الشريك في الخارج بالبرهان، وأنّك تريد الإخبار عن هذا المعنى، فهذا نحوٌ من المطابقة. فذاك مطابق لأجل وجود المطابق وهذا لأجل عدم المطابق.
بناءً عليه في القضايا السلبية، كالسلبية البسيطة نحو: (زيدٌ ليس بموجود) أو (المرأة القرشية غير موجودة)، ليس بنحو أنّها تحكي عن واقعية نظير الأمر الموجود، وإخبارك يفيد عن نفس هذا المعنى، وهو أنّه ليس عندنا واقع ليُقال له شريك الباري أو المرأة القرشية.
ـــــــــــــ[332]ــــــــــ
() بل هو أعمّ من ذلك، وإلّا لزم كذب القضايا الرياضية الكلّية، وعدم مطابقتها لنفس الأمر، وهذا واضح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[حول جريان الاستصحاب في المقام]
والآن نتكلّم حول مثال المرأة القرشية ثُمَّ نطبّقه على محلّ الكلام:
ما ورد في الروايات من أن المرأة القرشية ترى الدم إلى ستين، والمرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين.
فالموضوع وهو المرأة غير القرشية، لا يخلوا بحسب التصوُّر من عدّة أحوال:
أمّا أن تكون المرأة غير القرشية بنحو القضيّة الموجبة المعدولة المحمول، بأن يكون حرف السلب جزءٌ من المحمول، وقد أخبرنا بذلك عن الموضوع، وهذه الجملة وإن كانت تصوّرية إلّا أنّا لو أردنا صياغتها بصورة تصديقية لقلنا: (المرأة غير قرشية).
وأمّا أن تكون بنحو: المرأة التي هي ليست بقرشية ترى الدم.. الخ، ويفترق عن الأوّل من جهة وهو أنّه هناك قضيّة (معدولة المحمول)، وهنا قضيّة (سالبة المحمول)، وإذا أخبرنا عنها قلنا: المرأة هي التي ليست بقرشية، فحرف النفي ليس جزءاً من المحمول وإنّما هو وصف للموضوع.
وأمّا أن تكون بنحو: السلب التحصيلي، (مَنْ لم تكن قرشية)، وهذا يتصوّر بثلاثة أنحاء:
أحدها: أن تكون سالبة محصّلة لكن مع فرض وجود الموضوع، فهو سلب تحصيلي بسلب المحمول، نحو (زيدٌ ليس بقائم)، فهي سالبة محصّلة على فرض وجود الموضوع.
ـــــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ثانيها: أن تكون سلبٌ بسلب الموضوع نحو: (العنقاء ليس بأبيض)، فحكمت بعدم البياض لكن مع عدم فرض الموضوع.
ثالثها: أن يكون السلب أعمّ من سلب الموضوع والمحمول، نحو (زيدٌ ليس بقائم)، أعمّ(1) من أن يكون زيد موجوداً أو غير موجود، هذا بحسب التصوّر.
لكنّ الموضوع في المثال لا يمكن أن تكون سالبة بسلب الموضوع بنحو الأعمّ، بل يجب أن تكون سالبة بسلب المحمول بعد فرض وجود الموضوع؛ لأنّ الشارع قد جعل المرأة القرشية موضوعاً للحكم، فإنّ قوله: (ترى الدم إلى خمسين)، لا يمكن وروده على المرأة المعدومة، فإن الحكم الإيجابي يحتاج إلى موضوع، ولا يمكن أن يكون موضوعه باطلاً بطلاناً محضاً، أو أعمّ من البطلان المحض ومن تحقق الموضوع، لأنّ الحكم ثابت فيتعيّن ثبوت الموضوع وتحقّقه.
إذن فلا يمكن أن تكون هذه القضيّة سالبة بانتفاء الموضوع ولا سالبة بالمعنى الأعمّ، وإنّما يتعيّن أن تكون سالبة المحمول مع فرض وجود الموضوع.
ومضافاً إلى ذلك يلزم التناقض في الموضوع، فإنّ قولك (المرأة إذا لم تكن قرشية)، إن أخذته بنحو سلب الموضوع أو الأعمّ، كان دالّاً على أنّ المرأة لم
ـــــــــــــ[334]ــــــــــ
() هذا محال لا محالة؛ لأنّه يستلزم وجود الجامع بين الوجود والعدم، وهو غير متصوّر، ولا جامع بين السلب بانتفاء الموضوع والسلب بانتفاء المحمول، إذن فهذا الاحتمال ساقط أساساً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تكن أصلاً، وذلك ينافي أخذ المرأة جزءاً من الموضوع، فان الجزء الثاني من الموضوع يدلّ على عدم الجزء الأوّل منه وهو المرأة فيكون تناقضاً في الموضوع، لأنّك أخذت المرأة في الموضوع وقولك: (لم تكن قرشية) يدلّ على أنّه لم تكن مرأة أصلاً، إذن فيتعيّن أن تكون سالبة بنحو نفي المحمول بعد فرض وجود الموضوع.
إذن فأيٌّ من القضايا كان لها حالة سابقة، بل جميعها ليس لها حالة سابقة، فإنّه في أيّ وقت كنت عالماً بأن هناك (امرأة) وليس هناك (قرشية)، فإنّك يجب أن تثبت امرأة وتقول إنّها كانت غير قرشية في زمان وتستصحب، وهذا غير متحقّق.
أو تقول: هذه المرأة التي كانت غير قرشية وأشكّ الآن في قرشيتها فأستصحب، أو إنّ هذه المرأة مع فرض وجودها مسلوبة عنها القرشية والآن نستصحب هذا الموضوع للحكم، كلّ ذلك غير متحقّق، فبأيّ نحو كان موضوع الحكم سواء بنحو المعدولة المحمول أو السالبة المحمول أو السالبة المحصّلة المفروضة الموضوع، في أيّ وقت كنت عالماً أنّ (المرأة لم تكن قرشية) لأستصحب. فإنّ ما كنت عالماً به كان حال نفي الموضوع، فإنّه حين عدم المرأة كانت القرشية معدومة، أمّا (المرأة غير القرشية)، فهي قضيّة موجبة تحتاج إلى وجود الموضوع ولم نكن نعلم بوجودٍ ما لنستصحب.
الآن المرأة حين وجودها إما قرشية أو غير قرشية. فقولك: هذا الموضوع هو الذي (لم تكن قرشية)، أو هذا الموضوع المفروض الوجود (غير قرشية) غير صحيح.
ـــــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[إشكال صاحب الدرر والجواب عنه]
نعم، مطلب(1) واحد لك أن تقوله: إنّه في زمان ترتّب الحكم لا بُدّ أن يكون الموضوع مفروض الوجود وأنا لا أعلم به فلا يكون موضوعاً للاستصحاب، ولكني أعلم أنّ هذه المرأة لم تكن قرشية، وفي زمان يقيننا لم يكن الحكم مرتّباً عليها والآن يترتّب الحكم عليها، فالقضيّة المتيقّنة المسلوبة ليس لها أثر والقضية المستصحبة المتعبّد ببقائها لها أثر، ونحن لا نحتاج في ترتّب الأثر إلّا حين الاستصحاب، فيُقال: إنّ المرأة حين عدمها لم تكن قرشية، وهي قضيّة متيقّنة بنفي الموضوع، والآن أشكّ وآخذ النتيجة في زمان وجود الموضوع.
وهذا مشكل من طريقين:
أوّلاً: أنّ هذه ليست قضيّة واقعية بل قضيّة واهمة، وهو أن نشير إلى الماهيّة ونقول إنّ هذه المرأة في الأزل لم تكن كذلك، بحيث إنّها كانت في الأزل يصدق عليها: هذه المرأة، أو إنّها لم تكن في الأزل شيء أصلاً، كما قلنا إنّ السالبة المحصّلة ليست كاشفة عن الواقع ولا نسبة خارجية لها.
ولكنّك لا وسيلة لك إلى الإفهام إلّا بالألفاظ للإخبار بعدم شيء في الأزل، ووجود هذه المرأة الآن صحيح، أما كونها موجودة في الأزل فهو غير صحيح، فلو كانت القضيّة السالبة تكشف عن الواقع لكان لها وجه، ولكنّها لا تكشف عن الواقع ولها نسبة خارجية، فهي قضيّة واهمة لا حقيقية، وفي
ـــــــــــــ[336]ــــــــــ
(1) درر الفوائد (للمحقّق الحائري): 187- 188، المقصد الخامس، في الشبهة المصداقيّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الاستصحاب لا بُدّ أن تكون القضيّة المتيقّنة والمشكوكة واحدة، وفي المقام ليس هذا متحقّقاً في المقام، لأنّك ليس لك موضوع مفروض الوجود في اليقين والشكّ إلّا في الواهمة، فلم تتّحد القضيتان.
ثانياً: ولو أغمضنا عن ذلك، لكنّ موضوع الحكم هو السالبة بنفي المحمول لا بنفي الموضوع ولا السالبة بالمعنى الأعمّ، والشيء المتيقّن هو إمّا ذلك القسم يعني السالب بنفي الموضوع، وإمّا السالب بالمعنى الأعمّ، الصادق على ذلك القسم وهو بنفي الموضوع.
بناءً عليه ما هو المعلوم إمّا قسم السالبة بنفي الموضوع أو السالبة بالمعنى الأعمّ المتحقّق بهذا القسم، وأنت تريد أن تستصحب ذاك القسم وتثبت الحكم بهذا القسم المفروض الوجود والسالبة بانتفاء المحمول. أو نستصحب الأعمّ ونثبت الحكم للأخصّ، وباستصحاب (الحيوان) لا يثبت أنّه (فيل)، ولو كان على تقدير بقائه فهو حتماً (فيل)، لكن باستصحاب الحيوان لا يثبت كونه فيلاً إلا بالأصل المثبت، فإنّ استصحاب الجامع لا يثبت الفرد والخصوصيات.
فإنّ استصحبت القسم الأوّل جعلت حكم موضوع على موضوع، وهذا واضح أنّه من الأصول المثبتة، أو أستصحب الجامع وأثبت الحكم للسالبة بانتفاء المحمول، مع أنّ المتيقّن هو خصوص السالبة بانتفاء الموضوع، فهذا من استصحاب الجامع وإثبات خصوصيّات الفرد وهو من الأصل المثبت، فإنّه من اللوازم العقلية.
بناءً عليه استصحاب عدم القرشية بالمعنى الذي قلناه غير جارٍ، وعلى تقدير جريانه فهو مثبت.
ـــــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأما في محلّ الكلام، أن يُقال: إنّ الفسخ لم يكن قبل تحقّقه مؤثّراً وبعد وجوده لا أعلم أنّه مؤثّر أو لا؛ فأستصحب.
وهذا يفترق عن السابق من جهة وهو أنّ الحكم كان هناك إيجابياً نحو قوله: (ترى الدم إلى كذا)، أو في الحيوان: (يحلّ ويحرم)، وهنا سلب تأثير الفسخ، ولكن الموردين مشتركان بأن القضيّة المتيقّنة، هي: أنّ هذا الفسخ قبل تحقّقه لم يكن مؤثّراً، من باب أنّه قبل تحقّقه لم يكن شيئاً، لا أنّه في نفس الأمر مكان للماهيّات بحيث نشير إليها ونستصحب عدم تأثيرها، وإنّما نفس الأمر مكان للوجود(1). فلا يمكن أن يُقال إنّ هذا الفسخ قبل تحقّقه ليس مؤثّراً، فإنّه قبل تحقّقه ليس (هذا) وليس فسخاً، فلم تتّحد القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة.
ويشتركان بإشكال آخر أيضاً، وهو أنّك تريد أن تقول: إنّ الفسخ الموجود غير مؤثّر، وذلك يكون بأحد طريقين، فإنّه إما أن يكون المتيقّن هو عدم تأثير
ـــــــــــــ[338]ــــــــــ
() بل هو مكان للمادّيات لا محالة؛ لأنه كما قلنا أعمّ من عالم الوجود إلّا أنّ ذلك لا يفيد أيضاً، لأن الثابت في نفس الأمر هو الماهيّات الحقيقة دون الاعتبارية، وماهيّة الفسخ على تقدير تصوّر معناها فهي ماهيّة اعتبارية، والماهيّة الاعتبارية متقوّمة بالوجود لتكون معتبرة لاستحالة اعتبار المعدوم، إذن فالفسخ قبل وجوده لا يصدق عليه أنّه فسخ ليكون مؤثّراً أو غير مؤثّر فيستصحب؛ لأن عدم التأثير من باب عدم الملكة لا محالة، وعدم الفسخ غير قابل للاتّصاف بالتأثير أو عدمه، فلا يمكن استصحابه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الفسخ لعدم موضوعه، وأنت تريد بالاستصحاب إمّا تثبت الحكم للسالبة مع فرض وجود الموضوع، فقد سحبت الحكم من قسم إلى قسم، وإمّا أن المتيقّن هو السلب الجامع بين عدم الموضوع ووجوده، الجامع المتحقّق بأحد القسمين وهو عدم الموضوع، وأنت تريد بالاستصحاب إثبات الحكم للخاصّ وهو السلب مع فرض وجود الموضوع، كِلا الطريقين من الأصل المثبت.
ومع الغضّ عنه، فأصل استصحاب عدم الفسخ لا يثبت أنّ العقد باقٍ لتترتّب عليه الأحكام؛ لأنّه مثبت أيضاً، لأنّ اللازم العقلي لعدم التأثير هو بقاء العقد، وليس عندنا كبرى شرعية تقول: إذا لم يكن الفسخ مؤثّراً كان العقد باقياً، كما ذكرنا في الضابط للأصل المثبت.
بناءً عليه فالاستصحاب المحرز للموضوع هو استصحاب بقاء العقد لا استصحاب عدم الفسخ.
هذه هي أدلّة لزوم المعاطاة وجوازها وإفادتها الملكيّة، بقي أن نتكلّم في الإجماع.
ـــــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أولئك الذين تمسّكوا لعدم لزوم المعاطاة أو عدم جوازها بالأصول، كما في (الجواهر)(1) و(الحدائق)(2)، لا تقوم أمام الأدلّة الاجتهادية.
وأما الروايات فقسم منها في باب المضاربة، قال: “إنّما يحرّم الكلام “(3)، ورواية في بيع مالين عنده، قال: (إنّه إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام).
وهذه الرواية لا بُدّ فيها من الكلام في جهات:
أولها: أنّها كبرى كلّية كما هو الظاهر، تمسّكوا بها في الروايات، فلا بُدّ أن نبحث أنّه إذا وردت مثل هذه الكبرى عن الشرع فما هو مفادها؟
ـــــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) جواهر الكلام 22: 210، كتاب التجارة، الفصل الثاني، مقدّمة في ألفاظ عقد البيع.
(2) الحدائق الناضرة 18: 355، كتاب التجارة، أحكام العقود والمعاملات، الفصل الأوّل، المقام الأوّل، الفائدة الأُولى.
(3) الكافي 5: 267، باب قبالة الأرضين والمزارعة …، الحديثان 5 و6، تهذيب الأحكام 7: 194- 197، باب المزارعة، الحديثان 3 و19، ووسائل الشيعة 19: 41- 43، باب أنّه يُشترط في المزارعة كون النماء مشاعاً …، الأحاديث 24110،24112، و24116.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ثانيها: أنّه بعد ملاحظة الصدر والذيل، ماذا يكون؟
ثالثها: أنّه لو فرضنا أنّ هذه الروايات تامّة في الدلالة كما تخيّلوه، وكانت الدلالة عامة، نرى أنّه مع تمامية الدلالة هل يمكن أن تتمّم التالي أو لا؟
الآن: أوَّلاً نفرض أنّ هذه الكبرى واردة في لسان الشرع وهي “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، مع غضّ النظر عن صدر الرواية.
أو نقول إنّه تمسّكوا بالكبرى فوجودها محرز في الشرع، فما هي حدود دلالتها، والإطلاق الموجود لها بحسب الظاهر إلى أيّ حدود؟
أمّا من حيث الحلِّية والحرمة التكليفيّة والوضعية، ففيها إطلاق، وقلنا سابقاً بشكل مستقصى إنّ الحلِّية التكليفيّة والحلية الوضعيّة ليسا شيئين بل هما معنى واحد، مرّةً يناسب هذا فنسمّيه بالحلّية التكليفيّة ومرّةً يناسب هذا فنسمّيه بالحلّية الوضعيّة، ومعناهما واحد وهو الممنوعيّة وعدم الممنوعيّة، إذن فهذه الجملة لها إطلاق للتكليف والوضع.
فالكلام يحلّل وضعاً كالعقود ويحرّم وضعاً كالعقد(1) الفاسد.
ويحلّل تكليفاً كالإذن في التصرُّف ويحرّم كما لو قلنا بأن التصرُّف في النهر جائز ولو كان ملك الغير إلّا مع إحراز عدم الرضا فيكون النهيّ محرماً، أو
ـــــــــــــ[342]ــــــــــ
() في هذا المثال من التجوّز ما لا يخفى، فإنّ الحرمة بعد العقد هي نفس الحرمة الثابتة قبله لا أكثر من ذلك، وكان ينبغي التمثيل له بالفسخ بأنحائه: كفسخ البيع والوكالة، وسحب الإذن، وعدم إجازة المالك للبيع الفضولي، وغير ذلك. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الظهار الموجب للحرمة تكليفاً..
وكذلك الإطلاق يقتضي أنّ الكلام يحلّل ويحرّم، سواء كانت الحلِّية والحرمة مع الواسطة أو بلا واسطة، فالذي بلا واسطة كالظهار فإنّ حرمته تكليفية وهو موضوع(1) للحرمة. وتارةً مع الواسطة كالطلاق فإنّه سبب للفراق وحرمة الاستمتاع تترتّب على الفراق.
وفي الحلِّية الوضعيّة مع الواسطة كالبيع الموجب للنقل ويترتّب عليه جواز التصرف، أو تارةً بلا واسطة(2) وهذا لا كلام فيه.
إنما الكلام في أنّ إطلاق مثل هذه الكبرى، تشمل إذا صدر الكلام من أيّ شخص في الخارج. نعم، هي مخصّصة عقلاً بغير الصالح للكلام فإنّ كلامه لا يملّك ولا يحرّم، إلّا أنّها تشمل كلّ من كان صالحاً للكلام.
ومن جملة الصالحين للكلام الشارع المقدس، فإنّه كما أنّه إذا صدر الكلام منّا فإنّه قد يحلّل وقد يحرّم كذلك إذا صدر الكلام من الشارع فإنّه قد يحلّل وقد يحرّم، فإذا قال الشارع تحرم الميتة ويحرم الكذب، فقد صار كلامه مُحرِّماً، وقد
ـــــــــــــ[342]ــــــــــ
() بل هو متعلّق للحرمة فإنّ الحرمة لم تنشأ أو تتنجّز بفعلّية الظهار؛ ليعتبر الظهار سبباً للتحريم كما هو مقصود السيد، وإنّما الظهار عصيان للحرمة التكليفيّة المتعلّقة به، وظرفه ظرفُ سقوط الحرمة بالعصيان، لا ظرف تنجّزها؛ لأنه متعلّق لا موضوع، فلا يصلح مثالاً للمقام، وإنّما ينبغي التمثيل باليمين على ترك بعض المباحات، فيكون اليمين سبباً لحرمتها لا محالة -مثلاً-. (المقرِّر).
(2) كالعتق: المقرر، (منه).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
يكون كلامه مُحلِّلاً كجواز أو استفادة المارّة من مال الغير أو الاستفادة من الأثمار وإن كانت مال الغير.
وأيضاً فإنّ تحليله وتحريمه مرّةً يكون مع الواسطة ومرّةً بلا واسطة، فما كان بلا واسطة نحو: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ(1)، وما كان مع الواسطة، نحو: “إذا نشيّ العصير حرم“(2)، فهذا تحريم مع الواسطة.
فهذه الجملة تشمل طبيعي الكلام، سواء صدر من غير الشارع أو كان صادراً منه أيضاً، طبيعي الكلام يحلّل ويحرّم وهو غير مقيّد بصدوره من غير الشارع(3).والشارع أولى من الجميع بالتحليل والتحريم، وإنّما التحليل والتحريم بالأصل يرجع إليه، وإنّما صار البيع حلالاً لقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(4)، وإنّما أصبح الربا حراماً لقوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبَا(5). فكما لو صدر الكلام منّا يكون محرّماً ومحلّلاً بواسطة أو بغير واسطة، كذلك الأمر بالنسبة إلى الشارع.
ـــــــــــــ[343]ــــــــــ
() المائدة: 3.
(2) الكافي 6: 419- 420، باب العصير الذي قد مسّته النار، الحديث2، تهذيب الأحكام 9: 120، باب الذبائح والأطعمة …، الحديث 252، ووسائل الشيعة 25: 285، باب تحريم العصير العنبي والتمري، الحديث31919.
(3) يمكن أن يُقال إنّها ظاهرة باختصاصها بغير الشارع إما بالانصراف وإما بظهورها بالمولولية، فيكون ذلك قرينة على إرادة المولى غيره من المتكلّمين؛ إذ لا معنى لمولويته على نفسه كما هو ظاهر. (المقرِّر).
(4) البقرة: 275.
(5) البقرة: 275.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن فهذه الكبرى من أدلّة صحّة المعاطاة؛ لأنّنا إنّما صحّحناها باعتبار كلام الشارع، لقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(1)، وقوله: “المؤمنون عند شروطهم“(2). فإنّ الشارع لو لم ينفّذ المعاطاة لم نستطع الحكم بصحّتها، بل بصحّة البيع بالصيغة أيضاً، وكل ذلك من بركة تنفيذ الشارع، فالشارع أنفذ بكلامه المعاطاة و “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام”، فيدلّ ذلك على صحّة المعاطاة، ولا تختصّ بالكلام الصادر عن الرعية، فإنّ الكلام إنّما صدر عن الشارع بالكلام ولا وجه لاستثنائه منه.
إذن فهذه الكبرى أنفذت المعاطاة لا أنّها منعت منها. نعم، المعاطاة هي بلا كلام، لكنّ دليل تحليلها هو كلام الشارع لا محالة، فما أفاده الشيخ(3) من أنّه على الوجه الأوّل يلزم تخصيص الأكثر، لماذا؟ أنتم بلا سبب تفيدونه بغير كلام الشارع وهو لا وجه له(4). وإنّما يحلّل كلامنا ويحرّم بميزان تحليل الشارع وتحريمه.
ـــــــــــــ[344]ــــــــــ
() النساء: 29.
(2) الكافي 5: 404، باب الشرط في النكاح، الحديث8، من لا يحضره الفقيه 4: 379، باب النوادر، الحديث5804، تهذيب الأحكام 7: 271، باب المهور والأُجور، الحديث66، ووسائل الشيعة 21: 276، باب أنّ من شرط لزوجته …، الحديث27081.
(3) المكاسب 3: 63، الكلام في المعاطاة، ما يدلّ على عدم لزوم المعاطاة.
(4) بل له وجه كما سبق. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إذن فهذه الكبرى بغضّ النظر عن الصدر، تكون من أدلّة صحّة المعاطاة، لا من الأدلّة الابتدائيّة لذلك، بل تؤيّد قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ.
إنّ(1) المقصود من الكلام ليس هو الصوت والتلفّظ، وإنّما المقصود منه الكلام الكاشف عن معنى إيجادي كإنشاء البيع والطلاق والإذن والظهار، لا اللفظ مع غضّ النظر عن المعنى، بل الكلام المطابق للإرادة الجدّية، المراد منه إيجاد هذا الشيء أو البعث نحوه أو الزجر عنه، وهذا الشيء كما يصدق عليك يصدق على الشارع أيضاً، فإنّه لولا قوله تعالىوَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(2) لَما دفعني إلى الحجّ، فالشارع إنّما أوجب ذلك بالكلام إذا كان مطابقاً للإرادة الجدّية.
فعلى فرض ثبوت هذه الكبرى الكلّية، واستفادة الحصر(3) من كلمة (إنّما) وهو محلّ إشكال، فإنّنا إنّما حلّلنا المعاطاة تحليلاً وضعياً بالكلام، كلام الشارع. فلو فرضنا تماميتها وأغمضنا عن الصدر، فإنّها لا تنافي المعاطاة، فإذا لم تكن مؤيّدة لا تكون مخالفة.
الآن نتكلّم استطراداً ونقول: إنّ قوله : “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم
ـــــــــــــ[345]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على بعض الأسئلة: إنّ…. (المقرِّر).
(2) آل عمران: 97.
(3) راجع: كتاب البيع 1: 217، أدلّة عدم لزوم المعاطاة وأجوبتها، الدليل الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الكلام“، ظاهر سياقاً أنّ المحرِّم هو الكلام بالمعنى الثابت في محلّه، يعني بنحو الموضوعية لا بنحو السببية، ووحدة السياق تقتضي أنّ الكلام المحلِّل والكلام المحرِّم من سنخٍ واحد، يعني بالنحو الذي يحلّل بعض الكلام يحرّم البعض الآخر، سواء التحريم الوضعي أو التكليفي.
إذن فالوجوه التي أفادها الشيخ(1) بعيدة عن الشيخ مع دقّته وعمق نظره، إذ حمل الرواية في أحد الوجوه على المقاولة(2)، وهي ليست محلّلة ولا محرّمة، وقال في إحداها(3): إنّ عدم البيع مؤثِّر في ذلك، مع أنّ عدم البيع لا يكون محرّماً، وإنّما لم يكن محلّلاً لعدم البيع، فإنّ عدم بيع ليس كلاماً، والظاهر أنّ الكلام يكون محرِّماً بالنحو الذي هو محلّل، وهو طبيعة الكلام، فالوجوه التي ذكرها الشيخ ما عدا الوجه الأوّل غير تامّ.
وفي وجه(4) منها: أنّه بهذا اللفظ يكون محرِّماً وبهذا اللفظ يكون محلِّلاً، بل ذاك اللفظ ليس محرّماً وإنّما هو ليس بمحلّل، ونحن نحتاج إلى المحلّل كما في نحو: (آجرتك بضعي).
والوجه الأوّل هو المهمّ، إذا لم يكن مراده الدلالة اللفظيّة على التحريم والتحليل بعنوانه، بل يحلّل ويحرّم بالأمر والنهي.
ـــــــــــــ[346]ــــــــــ
() المكاسب 3: 63- 65، الكلام في المعاطاة، ما يدلّ على عدم لزوم المعاطاة.
(2) إشارة إلى الوجه الرابع (المقرِّر).
(3) وهو الوجه الثاني (المقرِّر).
(4) وهو الوجه الثالث (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والآن أقول شيئاً، وهو: أنّنا إذا فرضنا أنّ الكبرى لا ربط لها بكلام الشارع، وإنّما تختصّ بكلامنا، ونفرض أنّها دالّة على الحصر وإن كان ذلك محلّ إشكال، فهل يمكن أن يقف سوق العالم من أجل قول مشتبه المراد يرويه خالد بن الحجاج، وهل يمكن أن يكون صالحاً للمنع، وهل وقفت السوق بعد أن قال الصادق ذلك، حيث قلت فيما سبق إنّ مثل هذه الموارد لو أراد الشارع المنع عنها فإنّ ذلك لا يتمّ بلفظ واحد بل لو كان من الأمور الشايعة بين الناس ولهم به احتكاك في كلّ يوم، كما لو كان يريد الشارع رفع قاعدة اليد التي يختلّ السوق لو لاها، فلا يمكن أن يكون ذلك ببيانٍ واحد وإنّما يحتاج ذلك إلى إعلان، فهل يمكن أن تمنع المعاطاة عن السوق المتقوّم بها، وهل يخرج عن المعاطاة بها؟ أو هذا الكلام غير صالح لهذا المعنى ولو كان البناء على إبطال المعاطاة لا يمكن الاقتصار على هذه الجملة التي ينقلها خالد بن الحجاج، فلا يمكن أن تكون دفعاً للمعاطاة، ولو كانت الرواية صادرة لهذا الغرض.
ومن ذلك يستكشف أنّها لم تصدر لهذا الغرض وإنّما المراد بها غرض آخر.
بالنحو الذي قلناه من أنّ قوله: إنّما يحلّل الكلام أو يحرّم الكلام، كبرى كلّية مستقلّة، تمسّكوا بها هنا وفي رواية المزارعة نحن نأخذ بإطلاقها ونقول: إنّها لا اختصاص لها بكلامنا بل تشمل كلام المشرع.
بناءً عليه إذا لاحظنا عناوين المعاملات فيها حلِّية وحرمة بمعنى النفوذ وعدمه، بعد أن نفرض أنّ هذه الكبرى تشمل الأحكام التكليفيّة والوضعية، إذن فنفوذ المعاملات حاصلة من الرواية.
ـــــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وتخيّل: أن الأحكام الإلهيّة نظير أحكامنا، فإنّنا إذا اطلعنا أنّ شيئاً محبوباً للمولى، فلا بُدّ أن نأتي به، أو مبغوضاً فلا بُدّ أن نتركه، وإن لم تكن الألفاظ مصرّحة به.
هذا أوَّلاً ناشئ من المقايسة بين أحكام الله وأحكامنا، بأن يُقال: إنّه كما نحن إذا أمرنا يكشف الأمر عن محبوبية، وإذا نهينا يكشف عن مبغوضية وعن إرادة، فإنّنا قد نريد الشيء ولا يمكننا الحصول عليه مباشرة فنتوصّل إليه بالأمر.
لا يقاس هذا على الله تعالى إذ يستحيل عليه تعالى هذه الحوادث والعوارض والحبّ والبغض التي تنشأ منها الأوامر والنواهي، وإنّما الشيء الموجود هو إرادة جعل التشريع ووضع القانون وهو إرادة أزلية لا حادثة، ولا يمكن أن يصدق عليها كما يُقال فينا: إنّه عند الامتثال تسقط الإرادة وما لم يمتثل تبقى الإرادة.
فإن هذه المقايسات ناشئة من تخيّل أنّ تلك الساحة لها أغراض وتشريعات على نحو أغراضنا وأوامرنا ونواهينا، بأن يُقال: إنّ لله تعالى إرادة تكوينية بشيء وحيث لا يمكن إيجاده له مباشرة فيأمرنا بالقيام بها، فإذا أتينا بالمتعلّق تسقط إرادته وإلّا فلا، بحيث إنّ الله تعالى يكون معرضاً للحوادث، هذه كلّها مقايسات باطلة، والموجود هو إرادة التشريع وجعل القانون، وهي إرادة أزلية بأن يجعل القانون في الوقت الفلاني أو أنّ القانون مجعول، ويكشف عنه الأنبياء.
ـــــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإذا قال أحد: إنّنا قد نطّلع على وجود إرادة التشريع من دون تشريع، هذا محال، يستحيل أن يتخلّف(1) التشريع عن الإرادة فإنّ هذه الإرادة ملازمة للتشريع.
فلو أطلعنا على أنّ مولانا العرفي، له شيء محبوب وقد غفل عن الأمر به، كوقوع ابنه في الحوض، فهنا لا يصحّ الاحتجاج بأنّه لم يأمر بإنقاذه؛ لأنّ له إرادة فعلية بحيث لو اطّلع لأمر، فهنا لا يكشف عدم الأمر عن عدم الإرادة.
أمّا في المشرّع الإسلامي فهذا كلّه باطل، والرسول الأكرم ليس مشرّعاً(2) وإنّما هو مُبين للأحكام الإلهية، فإذا خالفنا هذه الأحكام لم نخالف الرسول ولم نخالف الإمام ولم نخالف الفقيه، فإنّه ليس للفقيه أمر ولا نهي وإنّما هو أمر إرشاديّ إلى أنّ هذا هو حكم الله تعالى.
ـــــــــــــ[349]ــــــــــ
() هذا في الإرادة التامّة الفعلية، ولكن قد تكون بنحو المقتضي مع وجود المانع عن التشريع بوجه، فيصرف حينئذٍ وجود الإرادة بدون تشريع فتأمَّل. (المقرّر).
(2) هذا ليس ثابتاً، بل يمكن أن يُقال: إنّ ما ذكره السيد من عدم إمكان قيام المبادئ في الله تعالى، يستلزم قيامه في رسوله وأوليائه لا محالة، وإلّا لزم خلوّ التكاليف عن المبادئ وهو محال. إذن فالحبّ والبغض والإرادة قائمة في نفس الرسول، والأمر يصدر عن هذه المبادئ ويجب إطاعة نفس هذه المبادئ، وما كان كذلك فهو مشرّع لا محالة، غاية الأمر أن هذه المبادئ مطابقة للمصالح والمفاسد الواقعية الموجودة في علم الله تعالى، وبهذا الاعتبار ينسب التكليف إلى الله تعالى. نعم، يمكن أن يُقال: إنّ التكاليف من أفعال الله تعالى، وأفعاله يمكن أن تكون زمانية ومندرجة، كما هو الواقع في الكون تكويناً كخلق الابن بعد الأب، فكذلك في التشريع، فتبصّر وافهم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نعم الرسول بما أنّه حاكم على البشر له أوامر ونواهي سلطانية، وكذلك الأئمة وكذلك الفقيه إذا نصب للقضاوة وغيرها، فتكون لهذه الأوامر والنواهي إطاعة وعصيان. نعم، يكون إطاعة وعصياناً لحكم الله في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (الآية)(1).
ففي الأحكام الإلهية فقط الإطاعة إطاعة الله والعصيان عصيانه، دون الرسول ولا الأئمة ولا الفقيه. ولذا قلنا إنّ فائدة “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“(2) من الأوامر السلطانية للرسول وغير مربوطة بالأحكام الإلهية، ولا يصحّ ما فهموه وما قالوه فيه، من قبيل أمر النبيّ بعد التخلف عن جيش أسامة(3) وعصيانه عصيان للرسول. نعم، هو عصيان لله تعالى باعتبار وجوب إطاعة الرسول.
فلا تقاس الأوامر والنواهي الشرعيّة على العرفية، بحيث لو فهمنا عطشه يجب أن أسقيه الماء، بل هي إرادته التشريع ولذا لا يتخلّف المراد عنها وهو
ـــــــــــــ[350]ــــــــــ
(1) النساء: 59.
(2) راجع: الكافي 5: 292، باب الضرار، الحديث2، تهذيب الأحكام 7: 147، باب بيع الماء والمنع منه …، الحديث36، ووسائل الشيعة 25: 428، باب عدم جواز الإضرار بالمسلم …، الحديث32281.
(3) اُنظر الإرشاد 1: 183- 184، الاختصاص: 171، الاحتجاج 1: 381، المعجم الكبير 3: 130، وشواهد التنزيل 1: 338.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تقنين القانون، ولا يصحّ أن يُقال: إنّ لله محبوباً ومبغوضاً ولا تصل يده إليه، ولذا أمر به لكي نمتثله نحن، ليس كذلك، فإنّ الأوامر والنواهي الإلهية على طبق أوامرنا عرفاً في المولوية، ولا تتماثل معها إلّا في هذه الجهة.
فلله تعالى أحكام تكليفية ووضعية، وقد ثبت بالقرآن صحّة العقد كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) أو تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2)، ويقول الرسول حكاية عن الوصيّ: “الصلح جائزٌ بين المسلمين“(3)، ولولاها لما حكمنا بالصحّة.
بناءً عليه قوله: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، لو فرضنا أنّها صادرة من مبادئ الوحي، نأخذ بها ولا يضرّنا.
الرضاع(4) ليس محرّماً وإنّما القانون الذي قاله الشارع من أنّه: “يحرّم من الرضاع ما يحرّم من النسب“(5)، هو الذي يحرّم، فأساس التحريم هو عبارة عن
ـــــــــــــ[351]ــــــــــ
() المائدة: 1.
(2) النساء: 29.
(3) الكافي 7: 413، باب أدب الحكم، الحديث1، من لا يحضره الفقيه 3: 32، باب الصلح، الحديث3267، تهذيب الأحكام 6: 226، باب آداب الحكّام، الحديث1، ووسائل الشيعة 18: 443، باب أنّ الصلح جائزٌ …، الحديث24011.
(4) هذا دفع دخل مأخوذ من أقوال بعض المحشّين. (المقرِّر).
(5) الكافي 5: 437، باب الرضاع، الحديث2، من لا يحضره الفقيه 3: 475، باب الرضاع، الحديث 4665، الاستبصار 3: 200، باب أنّ اللبن للفحل، الحديث7، تهذيب الأحكام 7: 292، باب من أحلّ الله نكاحه من النساء…، الحديث60، ووسائل الشيعة 20: 371، باب أنّه يحرّم من الرضاع ما يحرّم من النسب، الحديث 25850.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
اللفظ، الذي أبلغ بالوحي وبواسطة اللفظ.
هذا كلّه بقطع النظر عن الروايات الواردة.
رواية خالد بن الحجاج، قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يجيئني فيقول: اشترِ هذا الثوب وأرُبحك كذا وكذا. فقال: أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟ قلت: بلى. قال: لا بأس به، إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“(1). وفيه أنّ الرواية مجهولة.
مقصود السائل أنّه إذا اشترى الثوب وسلّمه له وأخذ ثمنه فهل هذا الربح حلال أو حرام؟ وحيث إنّه مسبوق ببيع ما ليس عنده، فلعلّه يتخيّل أنّه إذا لم يكن ذلك جائزاً فمثل هذه المقاولة أيضاً غير جائزة.
فأجاب الإمام: “أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟“ بمعنى أنّ المعاملة لها صورتين، مرّةً: تكون بنحو البيع القطعي الالزامي، ثُمَّ يذهب ويشتريه ثُمَّ يحوّله عليه.
وأخرى: تقع مقاولة ولا تقع معاملة.
فعلى الثاني لا بأس به، ومنه نفهم أنّ المقاولة لا تمنع عن المعاملة وأخذ
ـــــــــــــ[352]ــــــــــ
() (مصباح الفقاهة ج2 ص147) (الماتن). الكافي 5: 201، باب الرجل يبيع ما ليس عنده، الحديث6، تهذيب الأحكام 7: 50، باب البيع بالنقد والنسيئة، الحديث16، ووسائل الشيعة 18: 50، باب أنّه يجوز أن يساوم على ما ليس عنده …، الحديث 23114.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الربح، أمّا لو كان قد باع مال الناس، فهو غير نافذ وتسليمه بعد ذلك باطل.
أما في المعاملة الشخصية، إذا كانت قد وقعت على مال معيّن، فهو بيع فضولي، تتبع صحّته الإجازة، فله أن يترك إلّا أن يقال إنّ الموجب يُلزَم بالبيع الفضولي شرعاً أو عقلائياً وإن لم نكن نفهم كيف يلزم العقد من طرفٍ واحد.
وأما المعاملة الكلّية، في كُلِّي البيع وطبيعيه، بحيث إنّ ما وقع ليس بيعاً، بحيث إنّ شاء أخذ وإن شاء ترك، فيكون قوله: “إن شاء أخذ وإن شاء ترك” كناية عن البيع، كأنّه قال هل باع أو لم يبع؟ فإذا باع ففيه بأس، وإن لم يبع بل حصلت مقاولة فقط فلا بأس به.
ومن هنا قال إنّما يحرّم الكلام ويحلّل الكلام، وفي نسخة “يحلّ الكلام ويحرّم الكلام”.
ونحن عندنا في ذلك احتمالات: فإنّه في زمان كانت الروايات تقرأ بين المشايخ والطلاب، فكانت الرواية تؤخذ بالشكل الذي صدر عن الإمام، ولا يحصل الاشتباه إلا نادراً، ولم تكن هذه الاشتباهات الناشئة عن الكتابة، ثُمَّ ازداد حب الدنيا وذهبت القراءة إلى أن وصل الوضع إلى ما ترون.
فلو كان على نحو القراءة لكان حال الفقه أحسن بكثير، ونحن لا نستطيع الاعتماد كثيراً على الكَتْب.
فهنا احتمالات:
أحدها: أن تكون العبارة: (إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام).
ثانيهما: (إنَّ ما يحرّم الكلام وما يحلّل الكلام) بنحو (ما) الموصولة.
ـــــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ثالثها: أن تكون (ما) نافية: (إنّ ما يحرّم الكلام وما يحلّل)، وإذا لم تمزج(1) فهذا يكون متيقّناً.
ولو كانت (إنّما) بنحو الحصر، فهل يمكن أن تنطبق هذه الجملة على المراد في الرواية، أو تكون كبرى مستقلّة؟ وطبعاً يجب أن يكون لها ارتباط في المقام، فينقّح أنّه ينحصر المحلّل والمحرّم بالكلام.
ولا بد أن لا يكون المقصود من الكلام طبيعته، فإنّها متحقّقة في قوله: (اشترِ لي هذا الثوب)، فلا بُدّ أن تكون إشارة إلى نحوٍ خاصّ من الكلام وليس ماهيّة الكلام.
ولنا كلامٌ آخر، وهو: أنّ الاشتباه للسائل حصل من ناحية هذه المقاولة التي حصلت، ولم يكن بيع، فهل تلك المعاملة البعدية إذا اشتريت الثوب وبعته عليه، هل يكون في هذا الربح بأس أو لا؟ هل المقاولة توجب حرمته أو لا؟
الآن نرى أنّه على فرض أن تكون هذه المقاولة بيعاً لمال الغير ومن بيع ما ليس عنده، وقلنا إنّ مثل هذا البيع باطل، فهل شراؤه للثوب بعد ذلك يكون باطلاً! لا وجه لبطلانه، ولو أراد أن يبيع الثوب الذي اشتراه إلى صاحب المقاولة قهل هذا البيع يكون باطلاً لسبقه بتلك المقاولة؟ هذا أيضاً لا وجه له، فإنّ وقوع عقدٍ فاسد لا يكون سبباً في فساد عقد صحيح.
ـــــــــــــ[354]ــــــــــ
() يلاحظ أنّ المزج في (إنما) ليس ناشئاً من خصوص الكتابة، بل قد يحصل بالقراءة أيضاً، إلّا أن ينصّ على مزجها أو فصلها وهو خلاف المفروض. إذن فمقدّمة السيد في الطعن بالكتابة مقدّمة مستأنفة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نعم لو باع شخص ما ليس عنده، وكانت هذه المعاملة باطلة، ثُمَّ اشترى الثوب من صاحبه بمعاملة صحيحة، وأراد أن يحوّل هذا الثوب إلى صاحب المقاولة الباطلة، فمرة ينتبه إلى أنّ المعاملة الأولى باطلة فيبيعه عليه، وهذا صحيح أيضاً ولا وجه لبطلانه.
ومرةً: يريد أن يسلّم المبيع بمقتضى تلك المعاملة الباطلة، فهذا فيه بأس.
فالمحرِّم ليس هو البيع وإنّما هو حرمة التصرُّف في مال الغير، حيث يكون الثوب مقبوضاً بالعقد الفاسد، إذن تكون هذه الكبرى لا ربط لها بالمقام أصلاً.
ونحن إلى قوله (لا بأس به) الرواية مفهومة وواضحة، وهو أنّ البيع الذي أوقعته واقع على مال الغير وهو غير صحيح، فإذا اشتريت الثوب وحوّلته عليه فهو من باب القبض بالعقد الفاسد وهو باطل. وأمّا ما تفرد به ابن الحجاج، وهو “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، فلا نستطيع أن نفهمه، فإنّ البيع الفاسد لا يحلّل ولا يحرّم وإنّما هو لغو، والمحرّم هو المقبوض بالبيع الفاسد إذ يكون تصرّفاً في مال الغير، فكيف يرتبط هذا بالرواية؟!
وكونها كناية عن البيع أيضاً لا يستقيم، بأن يكون المقصود هكذا: إذا كان بيعاً ففيه بأس، فإنما يحرّم البيع ويحلّل البيع، وليس المقصود ممّا فيه البأس شراءه للثوب بعد ذلك أو بيعه على صاحب المقاولة بعقدٍ جديد، إذ كلّ ذلك صحيح ونافذ لا محالة، وإنّما المقصود هو العقد الفاسد الذي وقع أوّلاً، فهل هذا البيع مؤثِّر في فساد ما بعده من البيوع، بحيث إنّ البيع الفاسد يُفسد ما بعده، هذا لا وجه له.
ـــــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإنما المقصود هو تحريم النفع وتسليم المُثمَن وأخذ الثمن بالبيع الفاسد، لكنّ الحرمة لم تنشأ من البيع الفاسد، وإنّما نشأت لأنّ قبضه قبض لمال الغير فيكون كالغصب، فلا يمكن أن ترتبط هذه الكبرى بالمسألة.
أمّا إذا كان اللفظ بهذا النحو: (إنما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام)، فيكون وارداً لإفادة بطلان البيع، فهذه كناية مع التأويل والتوجيه على أنّ هذا البيع فاسد.
وعلى ما قلناه من كون (ما) نافية: (إن(1) ما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام) ونقدّر في (إنّ) ضمير الشأن، يعني أنّ المقاولة فارغة الجوف (ﭘرك)(2) وهو كناية عن عدم تأثيرها.
وأما إذا قرأناها (إن ما يحلّ…)، فيكون كناية عن…(3).
المقاولة هي المؤثِّر لا هو، فإنّ هنا عندنا مقاولة وعندنا بيع ما ليس عنده، ونريد أن نقول إنّ المقاولة محرّمة وبيع ما ليس عنده فاسد، والإمام أبرز ذلك بقوله: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام”. ليس البيع الفاسد محرّماً بل هو باقٍ على مال الغير، فيكون التصرُّف فيه تصرّفاً في مال الغير فيكون محرماً، فليست المقاولة محرّمة ولا البيع محلّلاً.
ـــــــــــــ[356]ــــــــــ
() هذا من الغرائب؛ إذ يلزم منه دخول حرف على حرف (من دون قصد التأكيد)، أو تقدير ضمير الشأن في الحرف، وكِلاهما غير صحيح كما هو واضح. (المقرِّر).
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: ريشة، أي لا وزن لها.
(3) هناك صفحتان مفقودتان في النسخة الخطية.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فنقول: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، هل تقرِّب هذه الكبرى المطلب إلى ذهن السائل وتعليلاً للمطلب.
في صورة أنّه لا محرّم ولا ذاك، وإنّما المحلّل والمحرّم هو المعاملة الصحيحة النافذة، إمّا المعاملة غير النافذة بوجودها وعدمها أو المقاولة، فكيف يُقال إنّه محلّل ومحرّم، فهذا تطويل للمسافة وليس مقرّاً للذهن.
فهل نقول: إنّ المقاولة في هذا الموضوع الخاصّ تعبّداً، لها علّية الربح الذي يأتي من المعاملة الآتية، مع أنّ البيع هو المحلّل لا المقاولة، فالإمام سلب المحلّلية من البيع وأسندها إلى المقاولة تعبّداً، فهل هذا احتمال عقلائيّ بحثي أنّ ما هو المحلّل بحسب القاعدة إلغاء الإمام في هذا الموضوع الخاصّ، وما ليس بمحلّل جعل هنا محلّلاً.
أو نقول: إن النظر ليس على المقاولة، وإنّما إلى تلك المعاملة التي فيها بأس، يقول إنّها فاسدة ولكن يترتّب عليها الحرمة تعبّداً، بحيث إنّ الحرمة رفعت من الموضوع الشرعيّ وهو التصرُّف في مال الغير ووضعت على البيع الفاسد، بحيث نقول إنّ هذا البيع فاسد، لكن في سائر الموارد كنّا نقول إنّ القبض بالعقد الفاسد قبض بدون رضا، والرضا المعاملي لا يقيّد، إلّا أنّه هنا وضع حكم التحريم على عنوان المعاملة الفاسدة، هذا أيضاً غير صحيح.
أو نقول(1): إن قوله: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام” ليس راجعاً إلى المقاولة ولا إلى البيع الفاسد، بل راجع إلى هذا الموضوع الذي سأل عنه، وذلك
ـــــــــــــ[357]ــــــــــ
() وهذا هو مختاره (سلمّه الله). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أنّه يسأل: أنّنا إذا جعلنا مقاولة فقال لي: اشترِ لي الثوب وأُربحك كذا وكذا، فاشتريته له ثُمَّ بعته عليه طبقاً لنفس تلك المقاولة، فهل يُؤثِّر هذا في فساد البيع المتأخّر، بحيث يكون أكل الربح منه محرّماً، أو المعاملة تقع صحيحة، فهل ذلك القرار (المقاولة) مضرّة بالبيع المتأخّر أو غير مضرّة؟
فالشبهة كانت عند السائل حول هذا الموضوع لا عن نفس المقاولة، إلّا باعتبارها أساساً للعقد المتأخّر(1) ولا عن البيع الفاسد، وكان ما يدفع الشبهة هو بيان حكم تلك المعاملة، فإذا كانت صحيحة كان الربح المأخوذ بها صحيحاً وإلّا كان باطلاً.
أمّا قوله: (إن شاء أخذ وإن شاء ترك)، ففيها وجوه:
أحدها: أنّي إذا بعت عباءتك وقبل المشتري، فهل هذه معاملة صحيحة بحيث يجب عليَّ تقديم العباءة له؟ أو تمليك الطير المعيّن في الهواء أو السمك المعيّن في الماء، أبيعه مع القدرة على تسليمه، هل هذه معاملة عقلائية صحيحة، أو هي لغوٌ فاسد وليست معاملة؟
نحن في باب البيع هل نقول إنّ البيع هو: تمليك عين بعوض؟
أو نقول: إنّه تبادل الإضافات كما قال به بعض الأعاظم، فإنّه في البيع حتماً يجب أن يكون هذا المعنى وهو أن يخرج من ملكيتي شيء ويدخل في ملكك وبالعكس، وبدونه أصلاً ليس بيعاً.
ـــــــــــــ[358]ــــــــــ
() واحتمال تأثيرها في إفساد العقد (تتمّة) (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فبناءً عليه: لا يكون البيع الفضولي بيعاً إلّا بعد الإجازة.
أما إذا كان البيع (تمليك عين بعوض)، فالبيع الفضولي بيع، والإجازة تكون مؤثِّرة في صحّته لا في كونه بيعاً، بحيث لا تكون الماهيّة معتبرة بها، وفرق بين الماهيّة والتأثير، وإنّما التأثير أمر قد يترتّب على الماهيّة وقد لا يترتّب.
فهل تمليك الطير في السماء والسمك في الماء خارج عن ماهيّة البيع للزوم وجود الملك، أو أنّه بيع عقلائي، مع كونه قادراً على التسليم، ويجب الوفاء به، وملكية البايع للماء ليس لها دخل في تمليك شيء بعوض، فمن عامل معاملة على ما ليس عنده، ثُمَّ ملكه هل يكون هذا على القواعد باطلاً أو صحيحاً؟
فهنا لو قطعنا النظر عن الروايات الأخرى نستطيع أن نقول إنّ معنى قوله: (إن شاء أخذ وإن شاء ترك)، أنّه إذا كان بيعاً فقد أصبح البائع ملزماً فهو بيع صحيح إلّا أنّه إذا ربح كان الربح حراماً.
أمّا إذا نظرنا إلى الروايات الأخرى، فنفهم أنّه يريد أن يقول: إنّ المعاملة باطلة، إلّا أنّه حيث قد أوقع مقاولة وتقع منه معاملة فلا بأس.
إذن نقول: لا بأس “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، جواب عن طرف الشبهة لا عن الطرف الآخر.
وإنمّا حصل الإشكال من توهّم كونه جواباً لِكلا الطرفين، فإنّ الشبهة كانت حول ما إذا كان الربح حلالاً أو حراماً، ذلك الربح المأخوذ بمقتضى المعادلة المتأخّرة القائمة على أساس المقاولة، لاحتمال تأثير تلك المعاملة في بطلانها، فيسأله الإمام لأخذ الإقرار منه: هل هذا معاملة أو مقاولة
ـــــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
صرفة؟ فيُجيب بأنّها صرف المقاولة، فيقول: لا بأس به، فهذا “إنما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام” تعليل لهذه الشبهة لا لِكلا الطرفين حتّى يُقال: إنّه إذا كان البيع فاسداً لم يكن محرّماً.
فالمنظور سؤالاً وجواباً هو البيع الثاني وهو الذي(1) يكون محلّلاً للربح ومحرّماً له على الآخر ومحرّماً لعدم التسليم وهكذا، فالسؤال ليس عن المقاولة ولا عن البيع الفاسد، نعم السؤال يشمل المقاولة باعتبارها أساساً للبيع الآخر، الذي هو المسؤول عنه والمجاب عنه، باعتبار احتمال تأثيرها في بطلانه وحرمة الربح المأخوذ فيه والتعليل يرجع إليه.
خصوصاً أنّ فساد ذلك(2) الاحتمال يكون قرينة على هذا المطلب، وذلك أنّ البيع الفاسد والمقاولة غير مؤثِّرة فالسؤال والجواب عن الأمر الذي لا بأس به لا عن الأمر الذي فيه بأس.
فليست المقاولة ولا البيع بوجوده ولا عدمه محرّماً أو محلّلاً، وكيف ينسب إلى الإمام شيء واضح الفساد، بل يكون فساد ذلك قرينة عقلية على المطلب الذي نقوله.
قال(3): (اشترِ لي) إشارة للبيع الأول، (وأُربحك كذا) إشارة إلى البيع الثاني، فإنّه الآن لا يريد أن يعطيه الربح.
ـــــــــــــ[360]ــــــــــ
() هذا خلاف ظاهر الجملة من أنّ الكلام المحلّل غير الكلام المحرّم. (المقرِّر).
(2) يعني: الوجوه التي ذكرها الشيخ. (المقرِّر).
(3) وهنا قال حول سؤال عن محلّ وجود ذكر البيع الثاني في الرواية.. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فهذا لا إشكال فيه وكلام حسابي بشرط معرفة داء السؤال ودواء الإمام، وعدم إرجاع الكبرى إلى الطرفين، وإنّما يجب أن نفهمها على الطريق العرفي العادي.
تبقى شبهة في محلّ الكلام وهي ترد سواء كانت تشمل كلام الشارع كما قلناه أو لا تشمله، وهو أنّه بين منطوق الرواية ومفهومها معارضة، فإنّ منطوقها هو فهم انحصار المحلّل والمحرّم بالكلام.
فالشيء الذي عمله الكلام هو الازدواج [الزواج]، فهو محلّ وضعاً، وبعد أن تكون الزوجة زوجة يحرّم عليها المخالفة في الأمور البضعية، فهذا ممّا لم يأتِ به اللفظ وإنّما أتى به النكاح الناتج عنه.
ومحال أن يترتّب على اللفظ آثار الزوجية المترتّبة عليه؛ لأنّ الآثار مترتّبة بعضها على البعض، فما يؤثّره العقد هو تمليك مال بعوض، أمّا عدم جواز التصرُّف فيه من قبل الغير فيستحيل أن يكون ذلك أثراً للبيع، لأنّه أثر للملكيّة الناتجة عن البيع.
بالإضافة إلى أنّه لا معنى أنك تُجيز تصرّف زيد في مال نفسه، فإنّك مسلّط على مالك في حدود سلطنتك، ومن حين البيع يخرج المال عن سلطنتك، أمّا أن تقول له: (إنّه يجوز لك التصرُّف بعد البيع) فهذا لا يمكن؛ لعدم ارتباط المال بك حينئذٍ.
ولذا قالوا في البيع الفاسد: إنّه فيه إجازة للتصرّف، فلا يكون التصرُّف
ـــــــــــــ[361]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
تصرّفاً غصبياً، وقلنا: محال أن يقصد الشخص الملتفت إلى هذا المعنى؛ لأنّه قد أصبح أجنبياً عن مالك فكيف يجيزك بالتصرّف في مالك؟! فما هو في حدود السلطنة هو البيع فقط، أمّا التصرُّف فهو خارج عن البيع ومترتّب على الملكية.
بناءً عليه، يكون قوله: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“.
وإلّا بمفهومه على أنّه (لا يحرّم غير الكلام)، فإذا بعتُ شيئاً فباعتبار وقوع البيع تكون المعاملة نافذة بمقتضى منطوق هذه الكبرى، وباعتبار جواز التصرُّف في ذلك الشيء الذي ليس ناتجاً عن الكلام، يكون محرّماً بمقتضاها، فيقع تعارض بالعرض ما بين منطوق الكبرى ومفهومها، في كلّ العقود عامة والإيقاعات.
وعلى نحو ما قلناه من شمولها لقول الشارع أيضاً توجد المعارضة، فإنّه إذا قال الشارع: (إذا غلى العصير ونشيّ يحرم)، فهذا اللفظ يستفاد منه الحرمة عند الغليان، وأنت تريد أن تجعل نفس النشيّ والغليان مُحرِّماً فلا يكون مستفاداً من اللفظ، أو مثلاً في بيع المعاطاة، تكون حلالاً بمقتضى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، الذي هو كلام الشارع، إلّا أنّها ليست لفظاً فيكون المفهوم لها محرّماً وأنّها ليست بمؤثّرة، فهذا التعارض محتاج إلى العلاج.
وبالجملة أن سوق الكلام وما ورد لأجله الكلام في سؤال بن الحجاج وفق الشبهة وفي الجواب وفي التعليل، كلّه من الأوّل إلى الآخر، راجع إلى صورة واحدة من المسألة، غايته من ناحية المفهوم يمكن أن يفهم مطلب آخر متعلّق بالطرف الآخر للمسألة، قال: (يجيء لي الرجل فيقول اشترِ لي الثوب
ـــــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وأربحك كذا وكذا)، فهذه صورة المقاولة، فقال الإمام: “أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قال بلى”. يعني وقعت مقاولة فقط لا بيع. فقال: “لا بأس به“. والتعليل ذكره لهذا المعنى ولموضوع الكلام.
غايته نحن نريد الآن أن نرى أنّ قوله: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام” على أي شيء ينطبق، بعد أن وقع تعليلاً لقوله: “لا بأس“.
هنا ثلاثة كلامات(1):
أحدها: اشترِ لي هذا الثوب.
والآخر: هو الاشتراء الذي قام به على الثوب المطلوب ليبيعه على هذا الشخص.
والكلام الثالث: وهو بيعه الثوب الذي اشتراه بعشرة يربح خمسة دراهم.
والشبهة هي حول هذا الربح هل هو حلال أو حرام، لا حول اللفظ بلا إشكال بأن يقال مثلاً إنّ قول: اشترِ لي الثوب هل هو حرام أو حلال، بل حول ما إذا كان طَي هذه المقدّمات توجب حرمة الربح أو لا توجب.
والشيء الذي يحلّل الربح من هذه الكلامات الثلاثة ما هو؟
هل هو المقاولة؟ لا؛ لأنّها كلام حول الربح وليست ربحاً.
هل هو اشتراؤه الثوب بعد ذلك؟ لأنّه ليس في هذا الشراء ربح أصلاً(2)،
ـــــــــــــ[363]ــــــــــ
() جمع: كلام، مع العلم أنّه لم يرد لقوله جمعٌ أصلاً. (المقرِّر).
(2) قد يتصوّر ربح فيه، وذلك فيما إذا اشتراه بقيمة رخيصة وكانت قيمته السوقية أكثر، إلّا أن يُقال إنّ المفروض هو عدم الربح في هذا الشراء، فتأمَّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
وإنّما الذي أتى له بالربح هو المعاملة الأخيرة.
والشبهة كانت تدور حول هذه المعاملة التي تأتي بالربح، من حيث إنّها مسبوقة بتلك المقدّمات هل يكون ربحها حلالاً أو حراماً؟
فإذا نحن بحثنا نجد أنّ الكبرى وهي قوله: “إنما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، لها دخل بالبيع الثاني دون المقاولة ودون الشراء الأوّل، بل هذا البيع الثاني هو الذي يحلّل الربح على هذا الشخص ويحرّمه على الآخر.
بناءً عليه، لا يريد أن يقول إنّ طبيعة الكلام تحلّل وتحرّم، ليأتي الإشكال بالمقاولة أو البيع للأوّل، بل هذه لا ربط لها بالمطلب أصلاً.
وإنّما السؤال والجواب حول هذا المعنى، وهو: أنّ المقاولة هل تكون سبباً لحرمة الربح أو لا؟ فقال: (لا بأس به)، وعلّلها بأنّه “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“.
فبحسب ما نفهمه أصل الشبهة في البيع الثالث، والتعليل الوارد عليه لا يخرج عن ذلك، وإنّما هو تعليل لهذا الكلام، لقوله (لا بأس به)، وهو الذي كان من الأوّل مورد السؤال والجواب.
ونفهم من الرواية مطلباً آخر عكس المطلب الذي وقع مورداً للشبهة وللجواب، فإنّ هذا لا بأسَ به.
وفي مقابله صورة فيها بأس وما إذا لم يكن (إن شاء أخذ وإن شاء ترك)، بحيث كان قد أوقع بيعاً وصار ملزماً عند العقلاء بالدفع، ففيه بأس. فحينئذٍ “إنما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام” لم ترد فيه، لا أنّ فيه: يحرّم الكلام. فالتحليل شامل لصورة واحدة.
ـــــــــــــ[364]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
فإنّه في الصورة المقابلة، عندنا كلامان: أوّلهما بيع ثوب الغير، وكلام آخر وهو شراء الثوب، أما الثالث فليس كلاماً وإنّما هو تسليم الثوب الذي اشتراه طبقاً للبيع السابق، فعندنا بيعان فاسد وصحيح، الأوّل وهو بيع ثوب الغير، وهو فاسد بحسب الروايات، والثاني صحيح. والأوّل الذي يجلب الربح إذ يقول لصاحبه: سوف أشتري ثوب زيد بعشرة، وأبيعكه الآن بخمسة عشر، فالمعاملة الصحيحة وهي الشراء لا ربح فيها، والمعاملة الفاسدة فيها ربح.
وفي هذه الصورة ليس عندنا (إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام)، وإنّما يشمل فقط مورد كلام السائل وجواب الإمام.
بناءً عليه، يكون هذا الكلام صحيحاً، والاحتمالات التي ذكروها مأخوذة من المدرسة لا من السوق.
ومنه نفهم أنّ الباب ليس باب الحصر، وإنّما الكلام هو حول الفرض الذي فرضه الراوي، فكأنّ الإمام يريد أن يقول: إنّ الكلام وهو البيع للثوب بعد شرائه صحيح.
أمّا أن نفهم الحصر مع وجود كلام(1) لا يكون محلِّلاً ولا محرِّماً، فهو غير صحيح، إذن لا إشكال في الرواية ولا ارتباط لها بالمعاطاة.
تبقى الشبهة التي قد ترد سواء على طريقة القوم من أنّ الرواية لا تشمل
ـــــــــــــ[365]ــــــــــ
() هذا الكلام لا ينافي الحصر فإنّه حصر المحرّم والمحلّل بالكلام، لا أنّه حصر الكلام بالمحلّل والمحرّم بحيث إذا وجد كلام آخر كان نقضاً لذلك كما هو واضح. نعم، لو وجد محلّل ومحرّم غير الكلام كان نقضاً لا محالة، فتأمَّل. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إلّا كلام الرعية، أو على ما قلناه من أنّها أعمّ من كلام الشارع.
ترد هذه الشبهة وهي: أنّ الكلام في البيع مثلاً ينتج المعاوضة وتبديل مال بعوض، والكلام في النكاح ينتج الازدواج [الزواج] وفي الطلاق ينتج الانفصال، وأمّا الآثار التي قد تترتّب من حلِّية تصرّفي في هذا المال وهو حرمة تصرّف غيري فيه، فهذا ممّا يترتّب على الملكيّة لا الكلام مباشرة وبلا واسطة، وكذلك وجوب مطاوعة الزوجة وحرمة نكاح أختها، إنّما تترتّب على الزوجية لا على الكلام مباشرة، فإنّ العقد يستحيل أن يُؤثِّر في ذلك؛ لأنّ هذه الآثار مترتّبة بعد حصول الملكيّة والزوجية، فلا يمكن أن تترتّب على (بعتُ) أو (أنكحتُ).
بالإضافة إلى أنّه ليس من شأنه ذلك، فالنسبة إلى هذه الآثار المترتّبة، ولا معاملة إلّا وفيها مثل هذه الآثار، فلا يمكن أن يترتّب على الكلام.
إذن فمنطوق قوله: “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، يقول: إنّ البيع أو النكاح إنّما يحلّل وضعاً بهذا المقدار، بمقدار إيجاد الملكيّة والزوجية.
والمفهوم يقول: لا يحلّ لك التصرُّف في المال ولا يجب عليها المطاوعة؛ لأنّ هذه الآثار غير مترتّبة على الكلام، وهذا مساوق لعدم صحّة البيع والنكاح.
إذن تقع معارض بين المفهوم والمنطوق ويحتاج إلى حلّ.
وفي المعاطاة أيضاً تأتي هذه الشبهة إذا كان على ما قلناه من أنّ للرواية شمولاً لكلام الشارع، فإنّنا قد أنفذنا المعاطاة بالكلام وهو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وغيره، والمعاطاة بنفسها ليست كلاماً، فيشملها المفهوم بالتحريم.
ـــــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[تقرير المحلّ في المقام]
أقول:
أوّلاً: إنّ قوله “إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، إذا كان لها مفهوم فهل هو اقتضاء عدم التحليل أو لا اقتضاء التحليل، إذا قال إنّما الكلام محرّم، فهل معناه أنّ الطرف الآخر ليس كلاماً فلا يكون محرِّماً، أو أن فيه مقتضى التحريم؟
العرف والعقلاء يفهمون أنّه لا مقتضى في ذاك الطرف للتحريم، لا أنّ فيه مقتضى عدم التحريم، فليس الكلام سبب للتحليل والتحريم، واللاكلام سبب لعدم التحليل، وإلّا كان من التناقض، فإنّ الكلام لو كان يقتضي التحليل والتحريم فعدمه يقتضي عدم التحليل وعدم التحريم، بل معناه أنّه لو لم يكن كلام فلا تحليل في المقام، ففي طرف الكلام سببٌ ومقتضي، وفي طرف عدمه لا اقتضاء.
فالمعاطاة، قيل في كلام إنّها مؤثّرة، والمعاطاة إذ لا كلام فيها، ليس فيها سبب العدم وإنّما فيها اقتضاء التأثير، فلا تعارض، لعدم التنافي والتعارض بين المقتضي واللامقتضي.
المفهوم يقول: لا كلام فلا سبب في المقام، واللفظ يقول المعاطاة مؤثّرة، فلا تعارض.
وثانياً: إذا دار الأمر في مثل ذلك بين أن نرفع اليد عن إطلاق الكلام -بناء على مسلكنا- أو عن أصل الكلام، وبين أن نقول: إنّ غير الكلام لا يحلّل ولا يحرّم، يعني بنفسه هو كذلك.
ـــــــــــــ[367]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أما لو أصبح الكلام مؤثّراً وسبباً في مؤثّريته، فيكون مؤثّراً حينئذٍ. فغير الكلام ليس مؤثّراً بالذات، إلّا أنّه يمكن أن يكون مؤثّراً بالعرض، فغير الكلام وإن كان بذاته ليس كذلك إلّا أنّه لا يُنافي أن يكون كذلك بالكلام، ولذا قال في الرواية -على تفسيرنا من عودها إلى البيع الثاني- : إنّ هذا البيع الذي عملته قد أحلّ لك النفع، مع أنّ شأن البيع بلا واسطة ليس هو التحليل بل هو النقل والانتقال، فالبيع يحلّل، يعني يكون الربح حلالاً بواسطة وقوع البيع ويكون البيع أساساً لا أنّه مؤثِّر فيه مباشرةً.
فنحن نجمع بينهما هكذا: أنّ المعاطاة وإن لم يكن في نفسه محلّلاً ولا محرّماً ولكن يتبع قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فهو نافذ، فننفي الذاتية ونثبت التبعية.
وأما بناءً على كلامنا، فالمحلّل دائماً هو الكلام، ويبعد أن يكون غيره(1) محلّلاً أو محرّماً، فان البيع أحلّه الله تعالى بالكلام، وعندما يصبح الشيء ملكاً يشمله أيضاً دليل حرمة التصرُّف في مال الغير، ويحلّ لك التصرُّف في مالك وهو من القواعد الشرعيّة الواضحة، وإذا لم يكن محلّلاً بالكلام بالذات فهو بالعرض.
فالرواية إما أن تدلّ على صحّة المعاطاة أو لا تدلّ على بطلانها، هذا تمام الكلام في رواية بيع ما ليس عنده.
ـــــــــــــ[368]ــــــــــ
() كالإجماعات والأدلّة اللّبية. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
عندنا ثلاث روايات في باب المزارعة:
إحداها: صحيحة(1) الحلبي: قال: “سُئِلَ أبو عبد الله عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبَذر ثلثاً وللبقر ثلثاً، قال: لا ينبغي أن يسمي شيئاً فإنّما يحرّم الكلام“. والشبهة أنّهم كانوا يقدّرون للبذر ثلثاً وللبقر ثلثاً، فما هو حكم هذا الشرط والقرار؟ فيُجيب الإمام: “لا ينبغي أن يسمّي شيئاً -يعني لا يشترط شيئاً- فإنما يحرم الكلام“ (2).
فهل هنا يريد أن يؤسّس كبرى كلّية؟ أو هذا الكلام راجع إلى مورد السؤال؟ يكون محرّماً بمعنى موجباً للفساد، والسؤال والجواب حول هذا الشرط فيقول: لا يذكر الاسم وإلّا لو ذكره لكان باطلاً.
وأمّا أن يقصد بذلك تغيير أوضاع السوق في العالم وفي سوق المسلمين، فإنّ جميعهم بما فيهم الإمام نفسه ورواة هذه الرواية، كانوا يتعاملون بالمعاطاة، فهذا الاحتمال غير قابل للتصديق.
بناءً عليه هذه الروايات لا يمكن أن تدفع مثل هذه المعاملة الرائجة، بل هو جواب عن السؤال الجزئي الذي في الرواية، فكأنّه قال: هذا الشرط فاسد.
ـــــــــــــ[369]ــــــــــ
() الوسائل ص677 ج2. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 267، باب قبالة الأرضين والمزارعة …، الحديث6، ووسائل الشيعة 19: 41، باب أنّه يُشترط في المزارعة كون النماء مشاعاً …، الحديث 24110.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أما المطالب الأخرى التي قالها الشيخ(1)، وهو أنّ بعض الروايات مشعرة بهذا المعنى، عن يحيى بن الحجاج -ولا يبعد كونه ثقة– قال: “سالت أبا عبد الله عن رجل قال لي: اشترِ لي هذا الثوب أو هذه الدابّة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا. قال: لا بأس بذلك، ليشتريها، ولا يواجبه البيع قبل أن يستوجبها أو يشتريها“(2). وفي هذه الرواية نفس السؤال ونفس الجواب، يقول: لا تشترِ قبل البيع.
يقول الشيخ (لا تواجبه) يعني المعاملة لا مجرّد الإعطاء. أما كيف نفهم من المواجبة أنّها باللفظ دون غيره، فكأنّه يأتي إلى النظر أنّ الإيجاب لفظي، فلا بُدّ أن نفهم أنّ معنى الإيجاب ما هو؟ ولماذا يقال لـ(بعت) إيجاب وللآخر قبول؟ أمّا أوجب بمعنى أثبت باعتبار أنّا أثبتنا بالعقد حقيقة من الحقائق. أو الإيجاب بمعنى الإلزام لا بمعنى الإيجاب بمفهومه بأن نقول: (أوجبت)، بل يطلق عليه الإيجاب بالحمل الشايع، باعتبار أنّه يكون سبباً للإلزام(3) ولو بعد تعقّبه بالقبول، وكِلا المعنيين موجود في المعاطاة، فإنّ فيها إيجاباً أو استيجاباً كما كان ذلك موجوداً في اللفظ.
ـــــــــــــ[370]ــــــــــ
() المكاسب 3: 64- 65، ما يدلّ على عدم لزوم المعاطاة.
() الكافي 5: 198، باب بيع المرابحة، الحديث6، ووسائل الشيعة 18: 52، باب أنّه يجوز أن يساوم على ما ليس عنده …، الحديث 23123.
() هذا غير لازم دائماً كما في العقود الجائزة، أو القابلة للفسخ أو المقابلة، ولا يبعد أنّه يلزم استثناء الأكثر، فافهم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إلّا أن يستظهر من قوله: (يواجبه البيع)، عرفاً وجود اللفظ، إلّا أنّه لا إشكال في عدمه، فإنّه لم يقل أوجبت كذا لكي يُقال إنّه ظاهر باللفظ، وإنّما كان ذلك بواسطة شيء ينتج الإيجاب، وهو متوفّر في المعاطاة بنفس المعنى المتوفّر للفظ.
ولو حملناه على اللفظ فغاية ما يشعره أنّه لا يبع بيعاً لفظياً قبل أن يشتريها، أمّا أنّه لا تتمّ المعاملة إلّا باللفظ وأن غيره غير مؤثّر، فمن أين هذا الاستشعار؟! بل ندّعي أنّ قوله: “قبل أن يستوجبها أو يشتريها” كما في بعض النسخ، أنّ المقصود من (يستوجبها) اللفظ، ومن (يشتريها) المعاطاة.
إلّا أنَّه لا ذاك الاستشعار صحيح ولا هذا الادّعاء صحيح، بل لا ربط للرواية بالمعاطاة.
أمّا روايات المصحف، كرواية سماعة، عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن بيع المصاحف وشرائها؟ قال: لا تشترِ كتاب الله عزَّ وجل، ولكن اشترِ الحديد والورق والدفّتين، وقل: اشتري هذا بكذا وكذا“ (1).
أو قوله: جمعه فجعله جملة واحدة، وهو ما عن العلا قال: “قلت: لأبي عبد الله الرجل يريد أن يبيع بيعاً فيقول أبيعك (بده دوازده)(2)، فقال: لا بأس
ـــــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 121، باب بيع المصاحف، الحديث2، تهذيب الأحكام 6: 365، باب المكاسب، الحديث170، ووسائل الشيعة 17: 158، باب عدم جواز بيع المصحف …، الحديث22236.
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: أعطى اثنا عشر.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
إنّما هي هذه المراوغة“، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة. فكأنّهم حملوا الجملة على المعنى النحوي، ولكن هو بمعنى الجمع إلى بعضه البعض.
بقي ادّعاء الإجماع على عدم لزوم المعاطاة.
الكلام في أنّ هذه الاجماعات التي قيلت في المقام ما هو وضعيتها؟ هنا احتمالات يمكن أن تكون محطّ نظر مدّعى الإجماع ومورداً للإجماع:
أحدها: أنّ بيع المعاطاة ليست بيعاً، بمعنى أنّ هذه المعاطاة الرائجة لا يعملها الناس على أنّها بيع وإنّما على أنّها إباحة، بحيث على أنّ العمل الخارجي لو كان هو التمليك فلا مضايقة من لزومه وترتّب آثاره، إلّا أنّ الواقع خارجاً من الناس هو الإباحة لا البيع.
الاحتمال الثاني: أنّ الناس يعملون البيع، إلّا أنّهم حتّى لو قصدوا ذلك، إلّا أنّه لا يسوّغ وقوع البيع إلا بالصيغة دون المعاطاة، ولذا قالوا: إنّ العقد إنّما يكون بالصيغة، فالناس وإن قصدوا عنوان البيع إلّا أنّه خارج عن ماهيّته لتقوّم البيع بالألفاظ.
وهنا يقول القائل: إنّه ليس بيعاً لكن يأتي بإباحة التصرّف، فما قصده المتبايعان لم يقع وهو البيع، وما وقع لم يقصد وهو الإباحة، ولا بُدّ أن يراد بهذه الإباحة الإباحة المالكيّة.
إلّا أنّنا قلنا إنّها ليست من شؤون البيع وخارجة عن حدود سلطنة
ـــــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
المتبايعين؛ لأنّه يجيزني بالتصرّف بماذا؟ بماله؟ المفروض أنّه انتقل عنه. أو بمالي؟ فهذا لا معنى له.
فلا بد أن يكون المقصود هو الإباحة الشرعية، بمعنى أنّهم حين قصدوا البيع ولم يقع، جعل الشارع الإباحة وإن لم يقصدوها، ففي عين الوقت الذي لم يتحقّق فيه بيع ولا إباحة مالكية أجاز الشارع التصرُّف في مال الغير بدون رضا المالك.
الاحتمال الثالث: أنّه بيع عقلائي، وقد تحقّق منهم عنوان البيع، ولكنّ الشارع لم ينفذه ولم يصحّحه، شأنه شأن البيع الربوي، الذي هو بيع عقلائيّ إلّا أنّ الشارع لم يجزه، فالشارع أفسد هذا البيع وأباح التصرّف، لا إباحة مالكية لفرض بطلان المعاملة بحكم الشارع، بل إباحة شرعية، فما أرادوه قد أفسده الشارع وما لم يريدوه حكم به.
الاحتمال الرابع: أنّه بيع صحيح عند الشرع وعند العقلاء، لكنّه لا يأتي بالملكية، ففي عين الوقت الذي صحّحه الشارع، قال بأنّه لا يأتي بالملكية، فهو بيع ليس كسائر البيوع التي تأتي بالانتقال، فإنّه يأتي بالإباحة رغماً على أنف المتبايعين، دون الملك.
الاحتمال الخامس: أنّه بيع صحيح ويأتي بالملكية، لكنّها ليست بملكية لازمة، والبحث هو حول اللزوم والجواز.
فما هي المسألة وما هو حال الاجماعات التي تُدّعى؟
نحن نرجع إلى زمان المفيد والشيخ الطوسي شيخ الطائفة اللذين هما
ـــــــــــــ[373]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
أساس هذه المطالب، لنرى أنّه ماذا كان وضع المعاطاة عندئذٍ، وهل كان هناك إجماع على البطلان أو على عدم الصحّة في ذلك الحين، ولا بُدّ أن نستفيد ذلك بالرجوع إلى كلماتهم.
أمّا العبارة المنقولة عن المفيد(2) فهي ما يلي: ينعقد البيع عن تراضٍ بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفا جميعاً وتراضيا بالبيع وتقابضا وافترقا بالأبدان. وصاحب (الجواهر)(3) والشيخ(4) تبعاً له، حيث إنّ هذا الأمر كان مطلباً مسلّماً عندهم، ذكر -يعني صاحب (الجواهر)- بأن الشيخ المفيد يريد في المقام ذكر شرائط البيع، وليس في مقام بيان وقوع البيع باللفظ وعدمه.
ولذا يقول بوقوع البيع حتّى قبل التقابض.
نحن نريد أن ننظر إلى العبارة بأنفسنا لنرى ماذا نستفيد منها: هل يريد أن يقول أنّ البيع لا يتحقّق إلا عند تحقّق هذه الشرائط بحيث إنّ الافتراق بالأبدان دخيلٌ جزءاً من ماهيته؟ أو يريد أن يقول: إنّ الافتراق مؤثِّر في اللزوم؟ فمراده من قوله: (ينعقد البيع)، اللزوم، لا تحقّق الماهيّة والمفهوم، يعني ينعقد بشكل لا يكون قابلاً للحلّ والاسترجاع، لا أنّه لا يتحقّق مفهومه أصلاً.
ـــــــــــــ[374]ــــــــــ
(1) المكاسب 3: 57، قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة.
(2) المقنعة (للشيخ المفيد): 591، كتاب التجارة، باب عقود البيع.
(3) جواهر الكلام 22: 211، مقدّمة في ألفاظ عقد البيع.
(4) الخلاف 3: 41، كتاب البيوع، مسألة 59.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
ولذا يقول بأن البيع الفضولي بيعٌ مع أنّ الملكيّة غير متحقّقة، وبيع المكره بيعٌ مع أنّ الرضاء غير متحقّق، لكنّه بيع غير لازم، وكذلك البيع في المجلس، سواء اللفظي منه أو غيره، ليس لازماً ولا ممكناً بشكل قابل للفسخ والإرجاع.
نعم، بعد تمام الشروط يلزم البيع ولا يكون قابلاً للإرجاع.
فلو كان للّفظ دخلٌ في اللزوم لكان عليه أن يبيّن ويقول: (لا ينعقد) يعني لا يلزم البيع إلا باللفظ. إذن فلزوم البيع إنّما يترتّب على تلك الأمور دون اللفظ، فظاهر كلامه: أنّ المعاطاة لو وقعت بالتراضي وحصل التقابض والافتراق بالأبدان، كان صحيحاً ويأتي باللزوم كسائر البيوع.
بناءً عليه، كانت فتوى الشيخ المفيد في ذلك الزمان على عدم دخل الألفاظ في اللزوم والملكية، بل يكفي التقابض في البيع. نعم، لو كان لنا دليل على خلافه فلا بُدّ أن نرفع اليد عن ظهور عبارته.
قال في (الخلاف)(1) مسألة 59: إذا دفع قطعته إلى البقلي أو إلى الشارب، وقال: أعطني بقلاً أو ماء، فأعطاه، فإنّه لا يكون بيعاً ،وكذلك ساير المحقّرات، وإنّما يكون إباحة له، يتصرّف كلّ واحد منهما فيما أخذه تصرّفاً مباحاً من غير أن يكون ملكه.
هل يريد من قوله: (لا يكون بيعاً) أنّ عمل الناس على الإباحة لا على البيع، لا أنّ عملهم على البيع والشارع خطّأهم في كونه بيعاً رغم كونهم
ـــــــــــــ[375]ــــــــــ
() ص522 ج1 (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قصدوه، وإنّما خارج المطلب وعمل السوق على أنّه ليس بيعاً بل على الإباحة. نحن لنا حقّ في أن نقول: إنّ عمل السوق على البيع.
أو هل يريد أن يقول: إنّ هذا ليس بيعاً ولو قصد ذلك، يعني عقلاء العالم كلّهم اشتبهوا؟ مع أنّنا يجب أن نرجع في تعيين المفاهيم والماهيات إليهم ونأخذها منهم، فحتّى لو كان البيع لغةً لا يكون إلا بالصيغة إلّا أنّه ما دام ذلك غير ثابت عند العقلاء فيجب متابعتهم فيه، بل هو بيع عقلائيّ، ولغةً أيضاً بيع.
أو يريد أنهم قصدوا البيع، ولكنه ليس بيعاً شرعياً، فهل الشارع شخص لغوي؟ وإنّما وظيفة الشارع الحكم بالتنفيذ وجعل القانون وليس له اصطلاح خاصّ في باب المعاملات، فهذا أيضاً غير صحيح.
أو يريد أنّه ليس بيعاً صحيحاً، فإنّه وإن كان بيعاً عند العقلاء وأن المتبايعين قصدوه أيضاً، وأوقعوا البيع بالمعاطاة، وليس للشارع اصطلاح خاصّ وإنّما يرى المعاطاة بيعاً تبعاً للعقلاء، إلّا أنّه لا يراه بيعاً صحيحاً، إذا كان هذا هو الذي يريده فما هو مقصوده من الإباحة في العبارة الآتية؟
فإنّه قال: لا يكون بيعاً وكذلك سائر المحقّرات، وإنّما يكون إباحة له يتصرّف كلّ واحد منهما فيما أخذه تصرّفاً مباحاً من غير أن يملكه.
والبيع بعد أن كان فاسداً، فهل يمكن أن يكون إباحة مالكية؟! وقد سبق أن أثبتنا امتناع ذلك، فلا طريق لنا إلى إثبات إباحة المالك، أو يريد أن يقول: إنّ هذا ليس بيعاً صحيحاً ولم يبحه المالك، ولكن الشارع أباح مال الغير رغماً على أنف صاحبه، وقد جعل الشارع هذا العمل الفاسد موضوعاً للحكم بالإباحة، فهل يمكن الالتزام بذلك.
ـــــــــــــ[376]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
قال: وفائدة ذلك أنّ البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك؛ لأنّ الملك لم يحصل لهما، فهذه الإباحة الشرعيّة تنتهي عند إرادة الرجوع فيها، فهل يمكن الالتزام بذلك؟!
فإنّنا نعلم أنّها ليست إباحة مالكية، ولو أرادها الشيخ وقال بها، لنفيناها. وإنّما ينبغي أن يراد: أن يتكون إباحة شرعية إلى حين الرجوع، وعند الرجوع عن هذا العمل الفاسد تنتهي الإباحة. لا يمكن الالتزام بذلك في الفقه. كما قد ذكروا مثل ذلك فيما لو باع وظهر كون العقد فاسداً، فتكون جنس الإباحة موجودة وإن انتفت الخصوصية.
فلعلّ الشيخ يريد أن يقول ذلك، فإذا كان مراده ذلك، فليس تامّاً أيضاً؛ لأنّ الطرفين لم يعملا أكثر من البيع، وإجازة التصرُّف ليست داخلة في حدود سلطنتهما، ولا يمكن أن تنبع من البيع.
وقوله: (وفائدة ذلك) إلى قوله: (لأنّ الملك لم يحصل لهما)، يدلّ(1) على أنّ المعاطاة إذا كانت مفيدة للملك، إذ يستفاد منها أنّه بما أنّه لا ملك لذا جاز الاسترجاع، وكان البيع غير لازم، ولو كانت المعاطاة منتجة للملك، كانت لازمة.
قال: وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة(2): يكون بيعاً صحيحاً وإن لم يوجد
ـــــــــــــ[377]ــــــــــ
() هذه ليست دلالة عرفية، مع أنّ السيد صرّح مراراً بأنّنا يجب أن نفهم الدلالات من السوق لا من المدرسة، وهذا فهم من المدرسة لا محالة لا من السوق. (المقرِّر).
(2) راجع المغني (لابن قدامة) 4:4، كتاب البيع عقده بالقول والفعل.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
الإيجاب والقبول (يعني اللفظيّين)، قال ذلك في المحقّرات دون غيرها.
دليلنا: أنّ العقد حكم شرعيّ ولا دلالة في الشرع على وجوده ههنا، فيجب أن لا يثبت.
فأما الاستباحة بذلك فهو مجمع(1) عليه لا يختلف العلماء فيه. انتهى.
على ما ببالي في أوّل الكتاب(2) يقول: “وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقّة ذكرت ذلك، وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه…”، إذن فهذه المسألة لا يراها إجماعية ولهذا استدلّ بمطلب آخر، ولو كانت إجماعية لاستدلّ به، ولكنّه استدلّ بأنّه لا دليل في الشرع، ولو كان إجماع لكان دليلاً عليه، فكونه ليس بيعاً أو كونه بيعاً فاسداً لا إجماع عليه، خصوصاً في المسألة الأخرى وهي التي عقد المسألة لأجلها، وهي ما إذا دفع إلى البقلي قطعة، وقال: أعطني بقلاً، وأمّا قوله: (وإنما يكون إباحة له…) مسألة تطفلية، وفي المسألة الأصلية لم يدّع الإجماع، وادّعاه في المسألة التطفلية.
إذن يعلم أنّ الإجماع قائم على جواز التصرّف.
وأما المعاطاة فهي محلّ الخلاف، ولذا استدلّ عليها بعدم الدليل، ولو قام عليها دليل لأثمرت الملكيّة ولو أثمرتها لكانت ملكيّة لازمة.
إذن يمكن أن يكون في زمان الشيخ طوائف من الفقهاء:
إحداها يقولون: إنّه ليس بيعاً صحيحاً، لكن مع وجود الإباحة المالكية.
ـــــــــــــ[378]ــــــــــ
() هذا من الإجماع المنقول بخبر الواحد، ولم تثبت في الأصول حجّيته. (المقرِّر).
(2) ص2 من الخلاف ج1. (المقرِّر). [الخلاف 3: 41، كتاب البيوع، مسألة 59].
تقريرات، كتاب البيع، ج1
والأخرى: يقولون: إنّه ليس بيعاً صحيحاً مع وجود الإباحة الشرعية.
وبعضهم يقول: بإفادتها الملكيّة دون اللزوم.
وآخرين على إفادتها الملكيّة واللزوم.
وكلّهم اتّفقوا على وجود الإباحة الشرعية، وفي أصل المسألة لم يدّع الإجماع، وإنّما ادّعاه في المسألة الأخرى التطفلية، وهو دليل محكم على عدم وجود الإجماع في زمانه.
إذن فالإجماع الذي ذكر بعد ذلك، من أين جاءوا به؟ فإنّ الأصل هو الشيخ المفيد وشيخ الطائفة، دون صاحب (الغنية) ومَنْ بعده.
وإذا كنتم لاحظتم (الغنيمة) ترون(1) أنّها تتبع ما قاله شيخ الطائفة.
قال في (الغنيمة): واعتبرنا حصول الإيجاب من البيع والقبول من المشتري تحرّزاً عن القول بالاستدعاء من المشتري والإيجاب من البايع… فإنّه لا ينعقد بذلك، بل لا بُدّ أن يقول المشتري: (اشتريت) أو (قبلت) حتّى ينعقد.
وهذا غير تامّ، حيث قلنا إنّه ينعقد بالإيجاب فقط دون الحاجة إلى القبول، فإنّه غير لازم إلا لإحراز رضا الطرفين، فإذا كان ذلك محرزاً سلفاً، كان ذلك كافياً.
وفي باب النكاح روايتان أو ثلاث، منها ما عن(2) محمد بن مسلم، عن أبي
ـــــــــــــ[379]ــــــــــ
() غنية النزوع: 214، كتاب البيع.
(2) الوسائل: أبواب المهور الباب الثاني، ص 151 ج3. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج1
جعفر ، قال: “جاءت امرأة إلى النبي فقالت زوجني فقال رسول الله: مَن لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله زوجنيها. فقال: ما تعطيها؟ فقال: مالي شيء. قال: لا. فأعادت، فأعاد رسول الله فلم يقم أحد غير الرجل، ثُمَّ أعادت، فقال رسول الله في المرّة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إياه“. ولم يقل: زوجت موكّلتي من موكّلك، ولا قال: قبلت، وإنّما هي صيغة(1) واحدة.
قال في (الغنية): واحترازاً أيضاً من القول بانعقاده بالمعاطاة، نحو أن يدفع إلى البقلي قطعة ويقول: أعطني بقلاً، فيُعطيه، فإنّه ليس بيعاً وإنّما هو إباحة للتصرّف فيدلّ على ما قلناه الإجماع المشار إليه.
فهنا قال عدّة مسائل:
أنّه يحتاج إلى طرفين.
وأنّه ليس ببيع.
وأنّه إباحة للتصرّف.
فهل يعود الإجماع إلى كلّ هذه الأمور؟ والقدر المتيقّن هو الأخير فقط. أو يعود إلى الأخير دون غيره؟ وهو الذي ادّعى شيخ الطائفة(2) عليه الإجماع؟ لا
ـــــــــــــ[380]ــــــــــ
() يمكن أن يكون قول الرجل في أوّل الرواية: (زوّجنيها) قبولاً مقدّماً، وقول النبي: (زوجتكها) إيجاباً متأخّراً، فلا يبقى من هذه الجهة إشكال. نعم، يبقى الإشكال في جهالة المهر، فإنّه لم يعيّن الكمّية التي يعلّمها إيّاها من القرآن، فافهم. (المقرِّر).
(2) الخلاف 3: 41، كتاب البيع، مسألة 59.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
نعلم، ولا بُدّ في الإجماع من القطع.
قال: وأيضاً فما اعتبرناه مجمع على صحّة العقد به، وليس على ما عداه دليل.
بناءً عليه لم يكن في زمان شيخ الطائفة إجماع، وبعد الشيخ لم يدقّقوا وأخذوا الإجماع منه.
وأمّا العلَّامة فظاهره وجود قولين معتبرين حسابيين في المقام، حيث قال في (التذكرة)(1): إنّه الأشهر عندنا أنّه لا بُدّ من الصيغة، وهو يدلّ على وجود قول آخر حسابي، وإلّا لقال إنّ المشهور على ذلك.
وفي (المختلف)(2) يقول: أكثر الفقهاء على اعتبار الصيغة.
وعن (جامع المقاصد)(3): يعتبر اللفظ في العقود اللازمة بالإجماع.
كيف حصل على هذا الإجماع؟ مع أنّ زمانه متأخّر كزماننا ومصادره متوفّرة لدينا.
إذن فليس في المقام إجماع ولا شهرة، فلا بُدّ أن نعمل على القواعد، وإذا دلَّ دليل على الملكية، فالشيخ يوافقنا على أنّها ملكيّة لازمة، فإنَّ مخالفته مشروطة لا مطلقة.
ـــــــــــــ[381]ــــــــــ
(1) تذكرة الفقهاء 10: 7، كتاب البيع، الفصل الثاني: في الصيغة.
(2) مختلف الشيعة 5: 51، كتاب المتاجر، الفصل الرابع: في عقد البيع وشرائطه.
(3) جامع المقاصد 4: 58، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الأوّل: الصيغة.
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[تمهيد] 13
[هل الممضى بأدلة المعاملات الأسباب أم المسببات؟] 15
في مناقشة كلام النائيني حول سببية ألفاظ العقود 16
[التحقيق في ما هو المصدر واسم المصدر في المقام] 17
الإشكال في مطلق المعاملات 22
[الإيجاب المجرّد عن القبول] 22
[ما أفاده الشيخ الأعظم في المقام والتأمل فيه] 22
[بيان الإشكال العقلي] 24
[سراية الإشكال إلى الأوامر الشرعية] 25
[الجواب على الإشكال المتقدّم] 26
بيان حكم المعاطاة 33
[المقصد الأول: في ماهيّة البيع والمعاطاة] 34
[بيان صورتي المعاطاة في كلام الشيخ الأعظم] 35
[المقصد الثاني:] في إفادة المعاطاة الملكية 39
ـــــــــــــ[383]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[الأوّل: السيرة] 39
[الثاني:] آية أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ. 40
[مفاد الآية الكريمة] 41
[الاحتمال الأوّل في الآية المباركة] 41
[الكلام في الحلِّية والحرمة التكليفيّة والوضعية] 44
[الاحتمال الثاني في الآية المباركة] 46
[إشكالات ترد على إطلاق الآية المباركة] 48
تتمَّة الشبهات في التمسّك بإطلاق الآية 50
[تحقيق الحال] 55
[الثالث:] آية التجارة 58
[احتمالات عدة في مفاد آية التجارة] 59
[ما هو فهم العرف للتقييد بالباطل؟] 61
[فهل الاستثناء متّصل أو منفصل؟] 65
[المراد من الباطل في آية التجارة] 66
[الرابع:] آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ 68
[إشكال المحقّق الأصفهاني والجواب عليه] 71
[التحقيق في المقام] 73
[المفاد المطابقي والالتزاميّ للعقد] 74
[في معنى العقد] 76
ـــــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[حول المراد من الوفاء بالعقد] 79
[في عموم آية الوفاء بالعقود] 82
[التحقيق في المقام] 83
[إشكال لزوم تخصيص الأكثر ودفعه] 86
[التخصيص في المقام أفراديّ لا أنواعيّ] 88
[إشكال تخصيص الأكثر في باب الخيارات] 91
[إشكال تخصيص الأكثر بناءً على أنّ العقد بمعنى العهد] 91
[كلامٌ في الرجوع إلى أهل اللغة في المقام] 92
[الخامس:] آية استبدال زوج مكان زوج 94
[السادس:] رواية “الناس مسلّطون على أموالهم” 97
[بحث في ما هو المعتبر في المعاملات عقلائياً] 98
[إشكال بعض المحققين مع نقده] 101
[نقد ما قاله الآخوند الخرساني] 105
[توهّم التعارض في المقام ودفعه] 108
من الإشكالات العقليّة حول الراوية 109
[ما أفاده الميرزا الرشتي والجواب عنه] 114
السابع: “المؤمنون عند شروطهم” 115
[التحقيق في معنى الشرط] 116
[تحرير محلّ النزاع في البحث] 121
ـــــــــــــ[385]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[في شمول الشرط للالتزامات الابتدائيّة] 123
تتمة المطلب لو كان الشرط ابتدائياً 130
[في شمول حديث الشرط وسعته] 131
[دلالة الحديث على نفوذ الشرط] 133
المقصد الثالث: أدلّة لزوم المعاطاة 135
الأول: الاستصحاب 135
[حول استصحاب القسم الثاني من الكلي] 137
[بسط المقال لتحقيق الحال] 140
[حول عدم توفّر أركان الاستصحاب] 147
[إشكال المحقّق الإيرواني ودفعه] 149
[إشكال بعض أعاظم المحقّقين ونقده] 151
[إشكال الشيخ الآخوند في المقام] 155
في حكومة أصل على الاستصحاب الكُلّي 156
[إشكال أن الحكم محقّق لموضوعه] 158
ميزان الأصول المثبتة 159
[تنقيح جملة من المطالب] 162
[أحدها: جريان الأصل الملاقي بلا معارض] 162
[ثانيها: الشبهة الموجودة في صحيحة زرارة] 163
[ثالثها: في جريان استصحاب القسم الأوّل من الكلّي] 165
ـــــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[هل الملكيّة أمر حقيقيّ أم اعتباريّ؟] 166
في جريان الاستصحاب التعليقي 173
[1- استصحاب بقاء علقة المالك سابقاً] 173
[حـكومـة الاستصحـاب التعليقـيّ عـلى الاستصحـاب التنجيزيّ] 177
[2- الشكّ في حدوث حقّ الاسترجاع] 178
في جريان الاستصحاب القسم الثالث 179
[الشبهة العبائية والجواب عنها] 183
[3- استصحاب حقّ الفسخ زمن الخيار] 186
[هل اللزوم والجواز من خواص الملك أو لا؟] 187
[في كون الشبهة مصداقية] 188
[في التمسّك بالعامّ مع وجود المخصص اللبي] 189
[الاستصحاب في المقام هو القسم الثاني من الكلي] 190
الثاني: الاستدلال على اللزوم بحديث “الناس مسلّطون على أموالهم” 192
[الإشكالات الواردة في المقام والجواب عنها] 193
[1- إطلاق الدليل لا يقتضي انحفاظ موضوعه] 193
[مناقشة ما أفاده المحقّق الايرواني قدس] 194
[2- إشكال بعض الأعاظم قدس] 196
[في ردّ الإشكال المتقدم] 197
ـــــــــــــ[387]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[3-شبهة الشيخ الآخوند أنّه لا إطلاق لحديث السلطنة] 198
الإشكالات في التمسّك بإطلاقها 199
[1- الحديث لا سلطنة له على المقرّارات العقلية] 199
[2- السلطنة معلّقة على عدم ورود حكم من الشارع بالخلاف] 200
[3- دليل السلطنة حيثي لا نظر له إلى الخصوصيّات والعوارض] 203
الثالث: “لا يحلّ مال امرئ إلا بطيب نفسه” 204
[ما أفاده المحقّق الإيرواني والتأمّل فيه] 205
[تحقيق في نسبة الحكم إلى غير ما هو له] 208
[في المراد من (التصرّف) المقدّر في المقام] 214
الإشكالات التي ذُكِرت في المقام 216
[الاستدلال بالنظر إلى الاستثناء المفيد للحصر] 228
[تقريب السيد اليزدي للاستثناء في الآية] 228
الخامس: الاستدلال للّزوم بروايات المجلس 231
[الاستدلال برواية الحلبي] 232
[بسط الكلام وتحقيق المرام] 233
[الروايات الأخرى الواردة في خيار المجلس] 240
ـــــــــــــ[388]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[عدم دلالة الأخبار على اللزوم] 241
[حول دلالة صحيحة محمّد بن مسلم على المطلوب] 244
السادس: الاستدلال لذلك بـأَوْفُوا بِالعُقُودِ 247
[المراد من الوفاء بالعقد] 248
[وجوه الاستدلال بالآية] 250
[ما قاله غير واحدٍ من المحقّقين والتأمّل فيه] 252
[التحقيق بحسب مقام الإثبات] 254
[عدم وورد الإشكال على تقريب الشيخ الأنصاري] 254
[تقريب آخر للاستدلال بالآية على اللزوم] 255
ـــــــــــــ[389]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[في دلالة الآية على الإرشاد إلى جواز العقد] 257
[تقرير دلالة الآية على اللزوم بوجهٍ آخر] 259
وجه آخر في تقريب الاستدلال 261
[تقريب الشيخ الأعظم لدلالة الآية على اللزوم] 262
[نقد كلام الشيخ الأعظم] 263
[إشكال الشبهة المصداقية والجواب عنه] 266
[التحقيق في الجواب] 267
حول الشبهة وجوابها 268
[تـقرير الـميرزا النائينيلانحصار اللزوم في العقود اللفظية] 272
[توجيه المحقّق الشيرازي ونقده] 275
[دفع الشبهة المصداقية والتأمّل فيه] 277
[في الفرق بين الأمور التكوينية والاعتبارية] 282
[هل يمكن تخصيص اعتبار العقلاء في المقام؟] 285
كلام الشيخ الأصفهاني في المقام 288
[التأمّل في كلام الشيخ الأصفهاني] 291
[بسط الكلام وبيان المرام] 293
السابع: الاستدلال بـ “المؤمنون عند شروطهم” 297
[كيفية استفادة اللزوم من الجملة الإخبارية] 299
[تأييد دلالة الحديث بالأخبار الواردة] 299
[إيرادان وجوابان] 303
[الثامن(): آية أحل الله البيع] 304
[الاستدلال على المطلوب بالاستصحاب] 305
في جريان عدم الأزلية 305
[تحقيق القول في القضايا الموجبة والسالبة] 308
في التكلّم حول مداليل النسب 312
[بسط المقام لتحقيق الحال] 316
[تلخيص الكلام في المقام] 319
في القضايا السلبية 321
ـــــــــــــ[390]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[حول ثبوت النسبة السالبة وعدمه] 326
[من استصحاب العدم الأزلي عدم القرشية] 328
[ما هو المناط في صدق القضايا] 330
[حول جريان الاستصحاب في المقام] 333
[إشكال صاحب الدرر والجواب عنه] 336
[حول استصحاب عدم الفسخ] 338
[المقصد الرابع: أدلّة عدم لزوم المعاطاة] 340
[الاستدلال بالأخبار] 340
[1-] في التمسّك بقوله: (إنما يحلّل ويحرّم الكلام) 340
[تفصيل الكلام في مفاد الرواية] 341
[النظر في كلام الشيخ الأعظم] 344
[تنبيه] 345
[التأمّل في ما ذكره الشيخ الأعظم] 345
[تبصرة] 347
[تقرير المحقّق الإيرواني ونقده] 348
[فساد قياس التكاليف الشرعيّة على التكاليف العرفية] 350
2- في رواية خالد بن الحجاج 352
[فقه الحديث] 353
[مقال الشيخ الأعظم والتأمل فيه] 356
ـــــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج1
[هل البيع تبادل إضافة أو تمليك؟] 358
حول شبهة في الراوية 361
[تقرير المحلّ في المقام] 367
3- روايات باب المزارعة 369
[4- رواية يحيى بن الحجاج] 370
[روايات بيع المصحف] 371
الثالث: في ادّعاء الإجماع على جواز المعاطاة 372
[احتمالات عدة في معقد الإجماع المدعى] 372
[في بيان كلمات الأعلام في المقام] 373
[حول المراد من كلام الشيخ المفيد] 374
[بيان المراد من كلمات الشيخ الطوسي في المقام] 375
[النظر في كلمات ابن زهرة في المقام] 379
[كلمات العلَّامة والمحقّق الثاني] 381
الفهرس 383