أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (2)

كتاب البيع

الجزء الثاني

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج2 (392ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1695/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1695) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

0-01-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الثاني  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ـــــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

تنبيهات المعاطاة

 

ويحتوي على:

  • التنبيه الأول: هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر في البيع؟
  • التنبيه الثاني: هل يعتبر في المعاطاة التعاطي أو يكفي من طرف؟
  • التنبيه الثالث: في الفرق بين البائع والمشتري في باب المعاطاة.
  • التنبيه الرابع: في وقوع المعاملة بين التمليكين
  • التنبيه الخامس: في تحقق المعاطاة في سائر المعاملات
  • [التنبيه السادس: في ملزمات المعاطاة]

ـــــــــــــ[7]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 





التنبيه الأول                                                     هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر في البيع

 

  • [المقام الأوّل: في المعاطاة التي قُصِد بها الإباحة]
  • [المقام الثاني: في المعاطاة التي قُصِد بها التمليك]

ـــــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 




التنبيهات التي ذكرت في المقام لا بُدّ أن نعلّق عليها في الجملة.

التنبيه الأول: هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر في البيع؟

 

إنّه هل يعتبر في المعاطاة جميع ما يعتبر في البيع بالصيغة من الشرائط المعتبرة في تحقّق المعاملة، وفي صحّتها، وفي العوضين، وفي البائع والمشتري، وهل تترتّب عليها الأحكام التي تترتّب على الصيغة كالخيارات ونحوها، أو لا شيء منها شامل لها؟ أو هناك تفصيل بين أقسام المعاطاة؟ أو بين الشرائط والأحكام(1)؟

[المقام الأوّل: في المعاطاة التي قُصِد بها الإباحة]

الآن نغضّ النظر عمّا تمّ إلى الآن، من أنّ المعاطاة بيع عقلائيّ شرعيّ، ونبحث الآن بحسب التصوُّر المدرسي، كما أوقع الطرفان المعاطاة بهذا النحو: أنَّه أباح كلٌّ منهما للآخر جميع التصرُّفات المالكية، بإزاء مثل هذه الإباحة من الطرف الآخر، فهل تترتّب على مثل هذه المعاطاة الشرائط والأحكام أو لا؟

[هل إباحة التصرُّفات موجبة لانتزاع الملكيّة أو لا؟]

يجب أن ننظر ابتداءً في مطلبٍ، فإنّ بعض فروعه تنفعنا في أكثر من مكان، وهو: اعتبار العقلاء للملكية هل يكون موجوداً؟

ـــــــــــــ[11]ــــــــــ

(1) راجع المكاسب 3: 66- 73، الكلام في المعاطاة، التنبيه الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

حتّى لو لم يمكن للشيء بالنسبة إلى الإنسان أثر أصلاً من الآثار الفعليّة أو الاستقبالية، فلو كان لك خاتم وغرق في المحيط الهندي بحيث أصبحت على يقين أنَّه ليس قابلاً للعودة، وليس قابلاً لترتّب الأثر عليه في الحال والاستقبال، مثل هذا هل هو في اعتبار العقلاء ملك لك أو ليس ملكاً أصلاً؟ 

فإنّ الاعتبار إنّما يكون بلحاظ الأثر في الجملة، فإذا كان مسلوب الأثر مطلقاً، فلا يعتبره العقلاء ملكاً له.

مثلاً في الميادين التي تعملها الدولة، بحيث نعلم أنَّه ليس له أثر الآن ولن يكون له أثر(1) أصلاً، بالنسبة إلى مالكه الأوّل، فإنّه لن يعود أبداً إلى صاحبه. 

هل يعتبر ذلك ملكاً وأثراً لأولاده؟ أو أنّ الملكيّة سقطت، ويضمنها ذلك الشخص الذي أسقط الملكية، والتصرف فيه ليس تصرّفاً في ملك الغير ولا يحتاج إلى إجازة؟

وحتى في المسجد أيضاً الذي هو عنوان لمعبد المسلمين، وموجود في كثير من الأديان، فلو بنى شخصٌ مسجداً في مكان لا يمرّ فيه مصلٍّ أصلاً، ويعلم أنَّه لن يمرّ هناك مثل ذلك إلى الآخر، فهل يمكن اعتبار ذلك مسجداً أو لا يمكن؟ 

فلو قال: اعتبرته مسجداً -ولم نقل بشرط القبض- فهل يعتبره العقلاء 

ـــــــــــــ[12]ــــــــــ

() سلب مطلق الأثر في مثل ذلك غير صحيح، فإنّه لا أقلّ أنّ المشي عليه بالنسبة إليه مباح، وبالنسبة إلى غيره يحتاج إلى إجازة منه، ومثل هذا الحكم لم يدلّ دليل على ارتفاعه فيستصحب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

مسجداً أو لا(1). بل يعتبرون هذا الجعل لغواً. 

أو أنَّه بنى مسجداً وصلّى فيه الناس، ولكنّ البلدة بعد مدّة أصبحت مغمورةً بماء البحر، بحيث لا يكون احتمال زواله عقلائياً.

فهل العقلاء يعتبرون ذلك مسجداً وأملاك الناس باقية أملاكاً لهم، أو لا أملاك ولا مسجديّة، وآثار المسجديّة لا تترتّب؛ لأنّ عنوان المسجديّة قد سقط؟ 

هل هذا الذي هو موجود في طرف السلب، والذي يوافق العقلاء عليه هو موجود في طرف الإثبات أيضاً؟ في طرف انتزاع الملكيّة بحيث لو كان لشخص جميع التصرُّفات(2) المالكية، ولم تكن لغيره فهل تعتبر الملكيّة في هذا التصرّف؟ فإنّ الملكيّة هي ما يترتّب عليه جميع الآثار. فلو ورد دليل شرعيّ يثبت جميع التصرُّفات المالكية لشخص دون غيره، فهل هذا اعتبار للملكية، أو ليس ملكه 

ـــــــــــــ[13]ــــــــــ

() إذا كان عدم اعتبارهم للمسجدية من باب لغوية الوقف، وعدم إمكان قصده بنحو الإرادة الجدية، فهذا إن كان محتملاً، فهو خارج عن محلّ الكلام، وإن كان من باب عدم وجود أثر له فمن الممكن تصوّر بعض الآثار التي تكون مناطاً لحكم العقلاء بالمسجدية، كحصول المالك على الثواب الأخروي وحرمة هدمه وجواز الجلوس فيه من دون إذن صاحبه، مثل هذه الآثار وإن كانت متأخّرة عن المسجدية إلّا أنّ العقلاء حين يرون ترتّبها عليه يحكمون بالمسجديّة، ولا يرون الأثر منحصراً في الصلاة. (المقرِّر).

(2) سلطنته على هذه التصرُّفات تكويناً لا يكفي؛ لوضوح أن الغاصب لا يعتبر مالكاً البتّة، وأما السلطنة الشرعية أو العقلائية عليها فهي إنّما تترتّب على الملكيّة، فإذا كانت الملكيّة مترتّبة عليها لزم الدور. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

رغم سلطنته على سائر التصرُّفات الموقوفة على الملك كالبيع والوطء؟ 

إذا وافق العقلاء على هذا المعنى(1)، فتترتّب الصور الآتية التي سوف نتعرّض لها، وإذا لم يوافق العقلاء على ذلك، وأنهم لا يقولون بالملكية وإن كان متمكّناً من سائر الآثار والتصرُّفات المالكية، وأنكرنا هذا في هذا الطرف، وإن كنت مطمئناً بوجود البناء العقلائيّ في الطرف الأوّل. 

فإذا لم يكن الأمر كذلك في هذا الطرف، ولم تعتبر له الملكية، وليس إلّا الإباحة، فإذا شككنا في شمول شرائط البيع أو المالك أو العوضين أو الأحكام المترتّبة، فلا بُدّ أن نتكلّم بكل منها على حدة.

[حكم الشكّ في اعتبار الشرط]

أحدها حول ما إذا كانت شرائط أصل البيع كتقدّم الإيجاب على القبول أو التوالي بين الإباحتين، أو شرائط العوضين من كونه معلوماً لا مجهولاً، أو تساوي الكيل والوزن في المكيل والموزون، أو التقابض في المجلس في الصرف، هل هي معتبرة في مثل هذه المعاطاة أو لا؟ 

وكذلك بالنسبة إلى الأحكام المترتّبة على البيع كالخيارات. 

نقول: بلا إشكال، إذا لم يكن لنا إطلاق بحسب الدليل الشرعي، أو لم تكن إمضاءات من قبل الشارع، فإذا شككت في أنّ الشارع أجاز لي التصرُّف في المال أو لا، بمعنى أنَّه بعد تبادل الإباحتين هل اعتبر الشارع شيئاً آخر أو لا؟ فإذا كان قد اعتبر المعلومية أو التساوي في العوضين، واحتملنا ذلك، فلا تكون 

ـــــــــــــ[14]ــــــــــ

() وهو ثبوت الملكيّة بثبوت التصرُّفات وعدمها عند عدمها (توضيح) (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الإباحة حينئذٍ تامّة، ويحتاج جواز التصرُّف في المال الذي عندي إلى دليل. 

الشيخ(1) تمسّك بدليل: “الناس مسلّطون على أموالهم(2)، وقد قلنا إنّ الشكوك الراجعة إلى الأسباب لا يمكن تتميمها بهذا الدليل بما لا نعيده. 

إذن ففي المقام لا يمكن التمسّك لدفع احتمال جعل الشارع لبعض الشروط. 

فهل يمكن أن نتمسّك بمفهوم قوله : “لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه(3)، هل يمكن أن نستفيد الإطلاق من ذلك المفهوم أو هذا الاستثناء، لنأخذ به ونقول إنّه ليس هناك شيء غير الإذن دخيل في المطلب؟ 

والمفهوم هو: أنّه يجوز التصرُّف مع إذن المالك.

هنا كلام وهو أنَّه في هذه القضايا التي لها مفهوم أو وقعت مورداً للاستثناء: 

مرّةً: يكون الكلام قد سبق لأجل إفادة الاستثناء أو المستثنى. 

ومرّةً: يكون في مقام بيان المستثنى منه. 

وثالثةً: يكون في مقام بيان كِلا الأمرين. 

ـــــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) المكاسب 3: 66، الكلام في المعاطاة، التنبيه الأوّل.

(2) عوالي اللئالي1: 222، الفصل التاسع، الحديث99، وبحار الأنوار 2: 272، الباب33، الحديث7.

(3) الكافي 7: 273، باب القتل، الحديث12، من لا يحضره الفقيه 4: 92، باب تحريم الدماء والأموال بغير حقّها، الحديث 5151، ووسائل الشيعة 5: 120، باب حكم ما لو طابت نفس المالك…، الحديث 6089.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

كما أنَّه مرّةً يكون الكلام مسوقاً لإفادة المنطوق وحده، أو المفهوم وحده، أو لِكلا الأمرين.

فإذا كان في مورد مقام بيان كِلا الأمرين: المستثنى والمستثنى منه، أو المنطوق والمفهوم، فتتمّ شرائط الإطلاق في كِلا العقدين، ويرتفع الشكّ.

فالكلام أنّه في هاتين الروايتين: لا يجوز التصرُّف في مال أحد بالإذن، هل يريد أن يقول إنّه لا يجوز التصرُّف إلا بالإذن، أو يريد أن يقول: إنّه يجوز مع الإذن، أو كِليهما؟

وعلى التقديرين الأوّلين لا يكون له الإطلاق إلّا بالنحو الذي يكون المتكلّم في مقام بيانه، دون الطرف الآخر. 

وكذلك الأمر بالنسبة إلى قوله: “لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه“.

وظاهراً أنّه في كِلا الروايتين، وخاصّة في الرواية الثانية: أنَّه في مقام بيان المستثنى منه-راجعوا الرواية في مصدرها- فإنّها وردت في أبواب الخمس، وأنّه لا يجوز التصرُّف فيه بدون إذن أهله، وكذلك بالنسبة إلى الرواية الأخرى.

فيستفاد منهما أنَّه بدون الإذن وطيب النفس، مطلقاً لا يجوز التصرّف، أمّا أنّه مع وجود الإذن وطيب النفس فلا يمكن استفادة الإطلاق إذا بقينا نحن والرواية، إلّا إذا قام عليه قرينة.

لكن الذي يسهل الخطب، أنّ كِلا الروايتين ليست تعبّداً صرفاً، بل هي معنى عقلائيّ في سوق العقلاء، فإنّهم أيضاً لا يرون التصرُّف في مال الغير إلّا 

ـــــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بإذنه، وفي الطرف الآخر أيضاً ليس هو مطلباً تعبّدياً صرفاً، بل هو معنى عقلائيّ أيضاً، فإنّه يجوز التصرُّف في المال بإذن مالكه وبطيب نفسه، فليس هو مطلب جديد غير ما عند العقلاء، حاله حال دليل السلطنة، كما سبق. 

فهذا مطلب عقلائي، إلّا أنّ المطلب العقلائيّ لا يكفي للامتثال إلا مع وجود إقرار الشارع له أو عدم الردع، فهذه الرواية واردة على طبق ذهن العقلاء، ويرى العقلاء أنّها تفيد نفس ما في أذهانهم.

بناءً عليه، كما يمكن أن نفهم الإطلاق من الصدر كذلك يمكن أن نفهمه من الذيل، وذلك بلحاظ حكم العقلاء وأنّه لا ينقدح في ذهنهم إلّا ما هو الموجود عندهم، فيفهمون الإطلاق من الطرفين على طبق ارتكازهم. 

إذن فلا يبعد أن نفهم من الإطلاق ومن الاستثناء ومن المفهوم، ونقول: إنّ طيب النفس هو تمام الموضوع للحكم بالإباحة، وإنّه لا شيء لازم غير طيبة النفس والإذن في جواز التصرّف.

وهذا ليس كدليل السلطنة، فإنّ الحكم هناك كان وارداً على المال، فكنّا نقول: إنّه يفيد السلطنة على المال لا على الشرع، فيجب اتّباع مقرّرات العقلاء في التصرُّف في المال. وهنا يقول: إنّ التصرُّف يحلّ بإجازة المالك للتصرّف، فإذا كان له طيب نفسه فليس لشيء آخر دخل فيه، فإذا كان له طيب بالنفس وأشكّ أن هذه الإباحة هل هي بكيفية خاصّة وأنّه هل يعتبر التقارن بالتعاطي أو في العوضين يشترط شيء أو لا؟

يقول الإطلاق: لا، بل يكفي طيب النفس، أيّ شكّ شككناه في المعاطاة، 

ـــــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ممّا هو معتبر في تحقّق أصل المعاملة شرطاً أو في العوضين أو في الطرفين واحتملنا وجودها في المعاطاة، يدفعها الإطلاق: إطلاق الاستثناء والمفهوم.

[في جريان الربا والغرر في المعاطاة]

يبقى أنَّه عندنا دليل على نفي الربا(1) وعلى نفي الغرر(2)، واردة على البيع، وتمام الأدلّة الواردة على عنوان البيع لا ترد بناءً على إفادة المعاطاة الإباحة. 

فإنها على ذلك ليست بيعاً، حتى: (لا غرر) المطلق لا تشملها، فإنّها واردة في المعاملات، وهذه ليست معاملة بل إباحة في مقابل إباحة، فضلاً عن ضعف الرواية وإرسالها. 

أو قوله مثلاً: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل)، لا تشمله أيضاً فإنّنا هنا لم نتبادل الذهب بالذهب بل إباحة بإباحة، وكل الأدلّة الواردة على عنوان المبادلة أو المعاوضة أو البيع، المقام خارج عنه موضوعاً، فكلّ أحكامها لا ترد في المقام، ولا يمكن أن تقف أمام الإطلاق.

[في جريان الخيار في المعاطاة]

وأما الخيارات فهي مربوطة بالبيع والمعاملات، ولا ترجع إلى إباحة شيء 

ـــــــــــــ[18]ــــــــــ

() أمّا الكتاب الكريم فنحو سورة البقرة، الآيات: 275- 278، وسورة آل عمران، الآية: 130، وأمّا السنّة الشريفة فراجع من لا يحضره الفقيه 3: 183، الحديث 828، تهذيب الأحكام 7: 98، الحديث 421، ووسائل الشيعة 18: 165، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب1، الحديثان 1 و2.

(2) راجع عيون أخبار الرضا 2: 45، الحديث 168، ووسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث3.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بشيء؛ لأنّه ليس مبادلة شيء بشيء، وليس عقداً ولا بيعاً ليكون فيه خيار المجلس أو الحيوان أو غيرهما، فهذه الأدلّة إمّا خارجة عنه موضوعاً أو انصرافاً.

فهذا ما لو عمل شخصان المبادلة بالإباحة، وإن لم تكن هذه معاطاة عقلائيّة.

ـــــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 




[المقام الثاني: في المعاطاة التي قُصِد بها التمليك]

 

وصورة أخرى وهي أنهما يقصدان التمليك، لكن لا تحصل الملكيّة، وإنّما تحصل الإباحة، فهنا احتمالان -كِلاهما باطل وأحدهما غير معقول كما سبق-.

أحدهما: أنّهما عملا مبادلة مال بمال وفي ضمنها إباحة مالكية، ولكنّ الشارع لم يجز البيع رغماً على أنف المتبايعين، ولم يجز الملكيّة -إلّا بالتصرُّف- ولكن قام الإجماع على وجود الإباحة. 

ثانيهما: أنّه ليس إباحة مالكية، ولكنّها إباحة شرعية، فالشارع لم يجز البيع، ولكنّه أثبت الإباحة الشرعية. 

فهل تترتّب في هاتين الصورتين، شرائط المعاملات وتترتّب آثاره، أو أنّه ليس بيعاً في نظر العقلاء، فإنّ ما قصده المتبايعان لم يحصل، وأمّا الإباحة فهي حادثة في معاملة فاسدة، فحتى لو كان بيعاً لكان بيعاً فاسداً، فيكون شأنه شأن البيع الفاسد، والأدلّة جاءت على البيع الصحيح دون الفاسد. 

إلا أن يُقال: إنّه بيع؛ لأنّه يلزم بالتصرّف. فهنا هل يلزم بصفته بيعا؟ أو يلزم باعتبار أنَّه لا يستطيع فسخ الإباحة؟ 

فإن كان بيعاً فلا مضايقة من ترتيب آثاره، وأما لو كان عدم إمكان فسخ الإباحة فلا يكون دليلاً على كونه بيعاً.

ـــــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وبناءً على الأوّل فقد أجاز إجازة مالكية ويشمله قوله: “لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيبة نفسه“. 

وأما إذا كانت إجازة شرعية فلا يمكن أن تشمله الأدلّة، وكان كلّ شكّ شكاً في موضوع الحكم الشرعي، إذ يحتمل أنّ تمام ما هو معتبر في البيع بالصيغة معتبر هنا.

 إذن لا يمكن أن يكون -مطلقاً- هذا البيع الفاسد فعلاً موضوعاً لحكم الشارع بالإباحة، ويحتاج رفع الشكّ إلى دليل وهو غير موجود، فبدون إحراز الشروط لا يمكن التمسّك بالإطلاق. 

وكل هذا العمل إنصافاً بدون مبرّر؛ لأنّ المعاطاة ليست إباحة، وإنّما هي بيع شرعيّ لازم، فلا بُدّ من أن نتكلّم حول ورود الشرائط والأحكام على هذا الفرض. 

[التحقيق في المقام]

بناءً على أنّ المعاطاة بيع ونتيجة للملكية عند وقوع المعاملة، غايته هناك احتمالان:

فإنه مرّةً نقول: بأنّها بيع لازم. 

وأخرى نقول: إنّها بيع جائز. 

والجواز واللزوم: 

تارةً: تكون لازمة عند العقلاء، ولكن قام الإجماع على جوازها. ومرّةً جائزة عندهم ونستفيد من الأدلّة الشرعيّة لزومها. ومرّة تكون عند كلٍّ من 

ـــــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

العقلاء والشرع لازمة. وأخرى تكون عندهما جائزة.

فهذه احتمالات نعرضها للبحث.. وإن كان حقّ المطلب أنّها لازمة شرعاً عند العقلاء.

إذا قلنا: إنّها بيع لازم عند العقلاء وعند الشرع، فكلّ الأمور التي يثبتها العقلاء للبيع اللازم لا بُدّ أن تثبت للمعاطاة أيضاً، بدون فرق بينها وبين الصيغة، وكذلك تمام الأمور التي أوردتها الأدلّة الشرعيّة على عنوان البيع أيضاً تثبت للمعاطاة. 

أما إذا لم يكن في الدليل اللفظي إطلاق، وكان العقلاء لا يرون ثبوته، وكان ثابتاً لدليل لُبِّي كالإجماع، فنرى أنّ الإجماع هل تعلّق بالعنوان أو لم يتعلّق به؟ 

فإذا كان قد تعلّق بالعنوان وفرضنا أنّ كثيراً من المجمعين لا يرون هذا الشيء مصداقاً لهذا العنوان، وكنّا نرى ذلك(1)، فيمكننا في مثل ذلك إثبات الحكم لهذا الشيء.

مثلاً: الفتاوى أثبتت الحكم لعنوان البيع، وقسم من المجمعين لا يرون المعاطاة بيعاً أو مفيدة للملكية أو لازمة، ونحن استكشفنا من الإجماع أنّ الحكم الشرعيّ وارد على عنوان البيع، ونحن لسنا تابعين للمجمعين بتعيين المصداق، كالدليل اللفظي الذي حصل الإجماع على عدم كون شيء مصداقاً له ورأيناه مصداقاً، إذن يكون الحكم شاملاً للمصداق. 

وأمّا إذا لم يكن الإجماع وارداً على عنوان البيع، كما لو كنّا نعلم بثبوت 

ـــــــــــــ[22]ــــــــــ

() يعني كونه مصداقاً (توضيح) (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الإجماع في المقام ولا نعلم على أيّ عنوان قد ورد الحكم، حينئذٍ لا بُدّ أن نلاحظ أنّ المجمعين ماذا يقولون بالمعاطاة، لأجل الأخذ بالقدر المتيقّن، وأكثرهم لا يرونها بيعاً أو بيعاً مفيداً للملكية أو لازماً، فيكون القدر المتيقن من الإجماع هو البيع اللفظي دون المعاطاة. وهذا ممّا لا ينبغي إطالة الكلام فيه.

في إمكان جعل الخيار للمعاطاة الجائزة

إنما الكلام في مورد يرى العقلاء جواز المعاطاة، فهل تثبت لها الخيارات العقلائية، أو أنّ الشارع يراها عقداً جائزاً، فهل تشملها الخيارات المجعولة من قبل الشارع، أو أنّ الخيارات مربوطة بالبيع اللازم؟

وبعبارة أخرى: أنّ جعل الخيار للمعاطاة الجائزة -ونفرض أنّها لا تلزم أصلاً- هل يمكن جعله أو لا؟ 

نعم، لو قلنا إنّها تنتهي إلى اللزوم فلا إشكال، لكن أمّا أن نقول إنّها لا تنتهي إليه أو إذا انتهت إلى اللزوم فإنّ الخيار يسقط أيضاً، كما لو قلنا بأنّ لزوم المعاطاة يكون بتلف العين، وكان التلف أمد لانتهاء مدّة الخيار أيضاً، فيكون حين لزوم المعاطاة هو زمان سقوط الخيار.

ففي مثل هذا المورد هل يمكن جعل الخيار العقلائيّ للمعاطاة، أو الخيار الشرعيّ إذا كانت المعاطاة جائزة شرعاً دائماً أو تلزم بتلف العين(1) وكان ذلك هو أمد انتهاء الخيار أيضاً؟

ـــــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) اُنظر حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 82، القول في المعاطاة، ومنية الطالب 1: 68، الكلام في المعاطاة، التنبيه الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [في الفرق بين القوانين الكلّية والخطابات الجزئية]

في مطلق الأحكام الوضعيّة هناك خلط في معنى نشأ من هذا الخلط مطالب، بل فتاوى، وهو الخلط بين القوانين الكلّية والخطابات الجزئية، فإنّه قد يكون الخطاب الجزئي الشخصي لغواً، وإذا عرفوا ذلك أسروا ذلك إلى الخطاب الكُلِّي وجعلوه منشأ للحكم.

فمثلاً: في مسألة خروج طرف العلم الإجمالي عن محلّ الابتلاء، ذكر الشيخ ومن تأخّر عنه أنّ هذا الخروج موجب لانحلال العلم الإجمالي، وعلّلوه بأنّ الخطاب عن الاجتناب في الطرف الخارج عن محلّ الابتلاء لغو. 

إذن لا يكون عندنا علم بالخطاب الشرعيّ على كلّ تقدير، وإنّما يكون العلم الإجمالي منجّزاً إذا كان لنا مثل هذا العلم، وكان الخطاب على كلّ تقدير مستحسناً لا مستهجناً على بعض التقادير، فهذه المسألة جعلوها محلّ البحث ومحلّ الفتوى، وفيها حصل خلط ما بين القوانين المجعولة بنحو كُلِّي والخطابات الشخصية التي تتوجّه إلى الأشخاص. 

مثلاً: لو خاطب الشارع شخصاً كافراً لا يحتمل انبعاثه عن الأمر، أو أردنا نهيه عن المنكر وعلمنا عدم التأثير فيه، فصدور الأمر مِنّي محال، فإنّ للآمر غاية يقف عندها ويأمر على أساسها، ولا أقلّ أن تكون الغاية محتملة التحقّق، فإذا كانت الإطاعة غير محتملة(1) فلا يمكن صدور الأمر الشخصي الجدّي مِنّي أو من الشارع.

ـــــــــــــ[24]ــــــــــ

() لازم ذلك أنّه على القول بانحلال التكاليف تكون المعصية جائزة؛ لأن التكليف المتعلّق بمن لا يحتمل ارتداعه لغو، فهو ساقط، وعليه يكون شرب الخمر سبباً في سقوط حرمته بمجرّد العزم عليه، فلا يكون الشارب معاقباً، ولازم ذلك إمّا امتناع صدور المعصية من أهلها أو اختصاصها بمن هو في طريق الإطاعة دون العاصي المطلق، فإنّه غير معاقب لسقوط الحكم عنه، وفي هذا اللازم من البطلان ما ترى، ويمكن أن يجاب عنه إما بإنكار الانحلال كما فعل السيد أو الالتزام بالسقوط مع القول بوجود العقاب على مخالفة الملاك، إلّا أنّ الذي يأتي للنظر هو عدم استحالة الأمر والنهي حتى بناءً على الانحلال، وذلك لوجود الآثار التي يمكن أن تترتّب على التكليف غير الامتثال كعنوان المعصية وكالعقوبة، أو يُقال: إنّ ذلك وإن كان مسلّماً
-مثلاً- عند تأخّر الأمر رتبة عن العزم على العصيان، بمعنى امتناع تكليف من يعلم بعصيانه إلّا أنّ الأمر في مثل الأوامر الشرعية موجود في المرتبة السابقة على هذا العزم، فلو سلّم أن العزم يجعل التكليف مستحيلاً إلّا أنّه يكون امتناعاً بالاختيار؛ فيعاقب إما على العزم نفسه أو على نفس المعصية كالعقاب على من قتل نفسه بالسقوط من شاهق، فافهم واغتنم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وكذلك الأحكام الوضعيّة إذا تصوّرنا أنَّه في كلّ مورد هناك جعل وضعي (يعني الانحلال)، فإذا جعل الشارع النجاسة على الخمر فهو حكم بالنجاسة على كلّ فردٍ فردٍ، فإذا كان أحد الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، بحيث لا يمكن ترتّب الآثار عليه، يكون جعل النجاسة عليه لغواً. 

ولكن في باب صحّة وعدم صحّة الخطابات الكلّية، ليست هي خطابات انحلالية متعدّدة بعدد الناس، بحيث لا بُدّ أن ننظر في الخطاب وجود غاية له، ووجود إرادة ومبادئ فيه، ليُقال إنّ شمول قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ، للكفّار الذين نعلم بعدم امتثالهم أو عصاة المسلمين كذلك، لا تتعلّق بهم الخطابات. 

كما أنَّه لا يمكن أن يتعلّق الخطاب بالشخص الذي يعلم أنّه سوف يعمل 

ـــــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هذا الشيء؛ لأنّ المقصود هو التوصّل إلى الواقع(1) وهو يحصل لا محالة.

نقول ذلك، ونقلب الفقه قلباً، وإن جعل الخيار في المعاطاة غير ممكن، سواء منه الخيار العقلائيّ أو الشرعي، وقياسه على جعل الخيارات المتعدّدة للبيع الواحد باطل. 

وذلك لأنّ الخيارات من باب الحقّ لا من باب الحكم، فله أن يسقط بعضها ويتمسّك بالبعض الآخر، أما جواز المعاطاة فهو حكم لاحق كالوكالة، فجعل الخيار في حقّ من لا يستعمله أصلاً، وفي البيع الجائز جوازاً دائمياً، غير ممكن بناءً على الانحلال.

أو أنّ المسألة ليست كذلك، والقوانين الكلّية ليست كالأحكام الشخصية، فإنّه ليس كلّ فرد من الأفراد مورد نظر(2) الجاعل في الأحكام الكلّية، بل هو خطاب عمومي.

ـــــــــــــ[26]ــــــــــ

() كذا قال، والأولى أن يقول: التوصّل إلى المصلحة. (المقرِّر).

(2) هذا من الغرائب، فإنّ الطبيعة بما هي لا معنى لتعلّق الحكم بها، وإنّما يتعلّق بها الحكم بلحاظ حكايتها عن الأفراد، فإنّ كانت حاكية عن صرف الوجود، فإن كان من ناحية المكلّف كان الوجوب كفائياً وإن كان من ناحية المتعلّق كان له امتثال واحد يسقط بعده الأمر لا محالة. أما إذا كانت الطبيعة حاكية عن تمام الأفراد من ناحية المكلّف أو المتعلّق، فمعناه نظر الشارع إلى الأفراد؛ إذ لا نعني بنظره إلّا النظر الإجمالي الذي يتناوله مدلول اسم الجنس، وهو حاصل لا محالة، بل إنّ معنى عدم نظره لبعض الأفراد: عدم شمول الحكم له، فيلزم تخلّف ظهور المطابقة بين مقام الإثبات وعالم الثبوت، إذ يلزم عدم وجود الإرادة الجدّية في بعض الأفراد وهو خُلف. (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 وفيه لا بُدّ أن ننظر أنّ عمومه هل هو لغو أو لا؟ 

فلو علمت بتأثيره في أكثر الناس(1)، يكون ذلك كافياً في صحّة الخطاب، ولا يقاس على الخطاب الشخصي. 

وكذلك الأمر في الأحكام الوضعيّة، فإنّ جعل النجاسة على الخمر ليس مرتبطاً بي وبك وبه، بل ينبغي أن يكون هذا الحكم ليس بدون أثر، وهو يكفي في صحّته، فإنّ هذا الحكم مجعول على الطبيعة، والمفروض أنّ جعله عليها ليس لغواً، ففي كلّ مورد وجدت الطبيعة وكان لها أثر في الجملة، فإنّ الحكم يكون شاملاً لها، فضلاً عمّا إذا كان لها أفراد أو آثار كثيرة، فيشمله الحكم وإن كان خارجاً عن محلّ الابتلاء(2).

فالحكم على الطبايع أو على عموم المكلّفين ليس منحلّاً على الأفراد، بحيث لا بُدّ أن يكون لكلّ خطاب غاية واردة خاصّة به، بحيث لو لاها لا يثبت الحكم، بل هو إرادة واحدة، وحكم واحد وهو حجّة واحدة على كلّ الناس.

مثلاً يقولون: إنّ الإطاعة تسقط الأمر، فقوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ 

ـــــــــــــ[27]ــــــــــ

() يمكن النقض على ذلك: بأنّنا نعلم بأنّ الأوامر الشرعية الإسلامية غير مطاعة من قبل أكثر الناس كما هو الواقع؛ فيلزم كونها لغواً حاشا لله تعالى. (المقرِّر).

(2) راجع مناهج الوصول 2: 25 – 27، الفصل الخامس، الأمر الرابع، وتهذيب الأُصول1: 270- 272، المقصد الأوّل، في جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1)، ينمحي(2) منه جزء كلّما امتثله أحد المكلّفين، بل الحكم وارد على عنوان الناس، ولا ربط له بي وبك وبه، وهو حكم ناشئ من الإرادة التشريعية لله تعالى، والموجودة منذ الأزل، والحكم موجود على طبقها فإنّ إرادته التشريعية لا يمكن أن تتخلّف فضلاً عن التكوينية، فهو شامل لسائر الأفراد سواء منهم الجاهل(3) والعالم والغافل والملتفت، لا أنّ الحكم يرتفع عند النوم ويصبح فعلياً عند اليقظة؟!.

ـــــــــــــ[28]ــــــــــ

()  آل عمران: 97.

(2) هذا ناشئ من عدم التدبّر في معنى سقوط الأمر فإنّه لم يقل شخص إنّ المكلّف عند استطاعته يتوجّه إليه أمر إلهي جديد مستقلّ بالحجّ، ويسقط هذا الأمر عند الامتثال، فإنّ هذا مما لا يتوهّمه أحد من المحقّقين، وإنّما الذي يحدث هو أنّ الحكم يصبح منجّزاً فعلياً عند حدوث شرطه وتحقّق موضوعه وهو الاستطاعة في المثال، وبه يكون الحكم قابلاً للمحرّكية، وبعد الامتثال تكون الفعلية قد زالت لتحقّق الغرض المقتضي للأمر على الفرض، وبقاء الحكم معناه تكليفه بالحجّ من جديد وهو كما ترى، بل هو محال؛ لأنّه إما أن ينشأ من دون غرض وهو محال، أو من غرض جديد وهو خُلف. أمّا إنكار منشئية الغرض للحكم؛ لأن الله تعالى ليس محلّاً للحوادث فهو غير صحيح لعدم الارتباط بين المسألتين كما سبق أن أشرنا إليه فيما سبق. (المقرِّر).

(3) لا يخفى أنّه يستحيل تكليف الجاهل والغافل القاصر، سواء قلنا بالانحلال أو لا؛ لاستحالة أن يكون للدليل إطلاق له، وأما المقصّر فهو مكلّف، قلنا بالانحلال أو لا، غايته أنّه على الثاني يعاقب لمخالفته الأمر المنجّز فعلاً، وعلى الأوّل يعاقب من باب أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار لفرض تقصيره في مقدّمات العلم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بناءً عليه، لو كان العقلاء كذلك، بحيث كان حكمهم وارداً على العنوان الكُلِّي لا على هذا ولا على هذا. 

مثلاً لو حكموا بأنّ تخلّف الشرط له خيار، فهذا الحكم لا ينحلّ على الأفراد والموارد، ولم يحسبوا لكلّ حصّة حساباً خاصّاً، فإذا تخلّف الشرط في المعاطاة يشمله الحكم العقلائي، فلا يُقال إنّ جعل الخيار للبيع الجائز غير ممكن لأنّه لغو، فإنّ هذا باطل أساساً، بل هو حكم كلّي.

ولذا، فإنّه في موارد العلم الإجمالي، لو لا وجود دليل آخر، لا يكون خروج أحد أطرافه عن محلّ الابتلاء مسقطاً عن المنجزية، فإنّ الخطاب يشمل ما هو محلّ للابتلاء، وما ليس كذلك على السواء، ومبادئ الخطابات الكلّية لا تقاس بمبادئ الخطابات الشخصية، ولذا لا تلحظ فيه موارد الملتفت وغير الملتفت والعاجز(1) والقادر، فإنّ هذه أعذار عن الامتثال لا أنّهم غير مكلّفين، إلّا أنّ الأعذار العقلية والعقلائيّة تكون مؤثّرة(2) في ساحة الحكم، ولهذا يقولون في موارد الشكّ في المقدّمة القيدية بوجوب الاحتياط مع أنّه على قولهم يكون الشكّ شكّاً في الموضوع والاحتياط غير لازم، وتمام الكلام في محلّه. 

ـــــــــــــ[29]ــــــــــ

() يستحيل أن يكون للحكم إطلاق للعاجز القاصر، سواء قلنا بالانحلال أو لم نقل، فإنّ الأحكام إنّما وضعت على من يمكن تكليفه، لا على من يستحيل تكليفه. إذن، فليكن التكليف غير منحلّ في سائر الموارد، إلّا أنّه ليس شاملاً أساساً للعاجز القاصر. (المقرِّر).

(2) لا يدّعي أحد كونها مؤثّرة في ساحة الحكم، وإنّما الحكم وارد على الموضوعية، وهذه الأمور تجعل الشخص خارجاً عن الموضوع المتّصف بها. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وفي المقام نستفيد من هذا المطلب أنّ جعل الخيار على الشخص الذي سوف لن ينفذه لغو بلا إشكال، وكذلك في المعاطاة الجائزة غير القابلة للزوم(1)(2)

إلا أن يُقال بإمكانه باعتبار(3) أنّ المتعاملين لا يريدان رفع اليد عن المعاملة، لكن لو كان هناك خيار حقّي لفسخا. 

لكنّ هذا إنّما يتمّ على أساس القول بالانحلال، ولكن إذا كانت الأحكام الشرعيّة والعقلائيّة والخيارات أحكام كلّية قانونية، والقانون غير ناظر إلى الأشخاص المتكثّرين والموارد المتعدّدة. إذن، إذا رأينا المعاطاة جائزة، فلا مانع(4) من جعل الخيارات العقلائية والشرعية فيها.

ـــــــــــــ[30]ــــــــــ

() راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الإيراواني) 1: 82، التنبيه الأوّل، هل المعاطاة بيعٌ حقيقةً أم لا؟ ومنية الطالب 1: 68، التنبيه الأوّل.

(2) راجع مناهج الوصول 2: 25 – 27، الفصل الخامس، الأمر الرابع، وتهذيب الأُصول1: 270- 272، المقصد الأوّل.

(3) وباعتبار إمكان اجتماع الجواز الحكمي مع الخيار الحقّي، ولا يلزم اجتماع المثلين وأنّهما ليسا مثلين، نعم هما ينتجان نتيجة واحدة وهي التسلّط على الفسخ، إلّا أنّ الخيار الحقّي يمكن إسقاطه دون الجواز الحكمي. (المقرِّر).

(4) على تقدير القول باستحالة جعل الخيار للمعاطاة، فلا يمكن أن يشملها دليل الخيار بإطلاقه، حتى على القول بعدم الانحلال؛ لعدم إمكان شمول الدليل للأمر المستحيل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وما قالوه(1) من أنّنا إذا قلنا بأنّ المعاطاة بيع شرعيّ صحيح لازم، فلا بُدّ أن تشملها سائر شروط البيع إلّا اللفظ. 

لكن هذا غير صحيح، لأنّه إذا ورد الشرط في دليل له إطلاق أو في إجماع على ثبوته على عنوان البيع، فنتمسّك بإطلاقه للمعاطاة، أما إذا لم يكن دليل لفظي ولا إجماع(2) ولا شهرة، فلا بُدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن. 

فمثلاً، بالنسبة إلى التوالي بين الإيجاب والقبول في الصيغة، لم تقم مثل هذه السيرة في المعاطاة، فالشرط والخيارات غير الثابتة بالإطلاق يشكل ثبوتها للمعاطاة، لا أنّها إذا كانت لازمة فلا بُدّ أن نثبت لها تمام أحكام البيع. 

هذا راجع إلى التنبيه الأوّل. 

ـــــــــــــ[31]ــــــــــ

() حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 83، القول في المعاطاة، التنبيه الأوّل.

(2) الأحسن أن يقول: لو قام الإجماع وارداً على عنوان مجمل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



التنبيه الثاني                                                                هل يعتبر في المعاطاة التعاطي أو يكفي من طرف؟

 

  • [القول بأن المعاطاة تقع من طرف واحد]
  • [القول بأن المعاطاة لا تقع من طرفٍ واحد] 
  • شبهتان واردتان في مطلق المعاطاة
  • [في كفاية النيّة والكلام والمقاولة]

ـــــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



التنبيه الثاني                                                                             هل يعتبر في المعاطاة التعاطي أو يكفي من طرف؟

 

(التنبيه الثاني): هل يعتبر في المعاطاة إعطاء الثمن وإعطاء المُثمَن من الطرفين، والمعاطاة متقوّمة بذلك، ولا تتحقّق بدون هذه الصورة، أو يعتبر فيها عدم التعاطي الطرفَيني، بل لا بُدّ أن يكون من طرف واحد، والتعاطي الطرفَيني مخلّ بالمقصود ولا تقع المعاطاة به؟ 

وبناءً عليه لا حاجة إلى الإعطاء من الطريقين بل يكفي مجرّد الإيصال. أو أنّ هذا غير لازم أيضاً، ففيما إذا كان الثمن عند البايع والمُثمَن عند المشتري من زمان سابق، ومن الآن ينويان التبادل، يكفي. أو إذا أوقعنا عقداً لفظياً وكان فاسداً، فالصيغة تفسد ولكن تحصل المعاطاة؟

 

[القول بأن المعاطاة تقع من طرف واحد]

 

من قائل إنّ المعاطاة لا تقع إلّا من طرف واحد، فلو كانت طرفَينيّة يكون مضرّاً بالمعاطاة(1)

ـــــــــــــ[35]ــــــــــ

(1) راجع المكاسب 3: 74- 76، الكلام في المعاطاة، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وتقريبه: أنّ البيع متقوّم بالإيجاب والقبول، وبدونهما لا تتحقّق ماهيّة البيع، وحينما يعطي المُثمَن يكون إيجاباً، فإما أن يكون الأخذ قبولاً للإيجاب أو ليس قبولاً له، وإنّما يكون القبول بإعطاء الثمن، إذا كان الأخذ قبولاً فالمعاملة تامّة، ودفع الثمن بعد ذلك يكون وفاءً بالعقد، لا أنّه من أركان العقد. 

وأما إذا لم يكن الأخذ قبولاً، بل كان القبول هو الإعطاء الآخر، فهو من باب إيجابين وتمليكين مستقلّين، ولا تقع بذلك معاملة، فإنّ المعاملة متقوّمة بالإيجاب والقبول، لا بالإيجاب والإيجاب، والمفروض أنَّه لم يقصد بالأخذ القبول، بل حصل إعطاءان(1) وتمليكان مستقلّان، وليس من ماهيّة البيع.

إذن إذا اشترطنا الإعطاء في المعاطاة يجب أن لا يكون بهذا النحو، بل يجب أن يكون الإعطاء بعنوان الإيجاب والأخذ بعنوان القبول، هذا محصّل ما ذكره بعض المحشّين(2)

نحن نتكلّم أوَّلاً بالنسبة إلى كون ماهيّة المعاملة متقوّمة بالإيجاب والقبول، فإنّنا ذكرنا أنّ معنى الإيجاب والقبول لا دخل له في ماهيّة المعاملة، فإنّ ماهيّة البيع ليس هو الإيجاب والقبول، بل قد يتحقّق بهما كما هو الشايع في المعاملات اللفظيّة وقد لا يتحقّق، بل ماهيّة البيع -كما نصّوا عليه أيضاً- إمّا تمليك عين بعوض أو مبادلة مال بمال، وإذا قال الموجب: (بعتُ هذا بهذا) أو (بادلت هذا 

ـــــــــــــ[36]ــــــــــ

() ما المانع من دلالة الإعطاء الآخر على معنى القبول؟ (المقرر).

(2) أُنظر حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني)1: 83، القول في المعاطاة، التنبيه الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بهذا)، فقد تمّت(1) ماهيّة البيع به، وأمّا اعتبار القبول في أكثر الأوقات، فليس من باب كون قوام الماهيّة به، بل إنّ الأثر الذي يترتّب على البيع لا بُدّ معه من إحراز رضاء الطرفين. 

ولذا قلنا إنّ الشخص الموكّل من قبل الطرفين لإجراء الصيغة، يكتفي بصيغة واحدة ولا حاجة(2) إلى أن يقول: (قبلت)، وقول الآخر: (قبلت) من قبيل (شكر الله سعيك)، بل لو قال ذلك في مقام القبول أو قال: (بارك الله في صفقة يمينك) لكفى. 

ـــــــــــــ[36]ــــــــــ

() هذا من الغرائب؛ فإنّ غاية ما يمكن للموجب أن يقوله هو تمليك ماله للآخر، مشروطاً هذا التمليك بأن يملّكه الآخر ماله أيضاً، ولا يمكن أن يقوم الموجب بالإضافة إلى ذلك بنقل مال الغير إلى نفسه عوضاً عن ماله، فإنّه خُلف كونه مال الغير، ولا دليل شرعاً على مثل هذه السلطنة، ومع رضا الآخر يكون من باب الوكالة وهو أمر آخر، إذن فالمبادلة متقوّمة ضرورةً بطرفين، ولا يمكن أن تقع من طرف واحد، ليقال: إنّ ماهيّة البيع قد حصلت فلا حاجة إلى القبول، بل يستحيل حصولها إلّا بعد إنشاء اعتبار النقل من قبل الطرف الآخر بالقبول، ولذا لا يسمّى الإيجاب وحده بيعاً، ولا يترتّب عليه أيّ أثر لو اقتصر عليه، إلّا في باب اشتراط أثره به وهو لم يتحقّق، بل من باب عدم انتقال المال من طرف القابل كما هو واضح، ولا من طرف الموجب؛ لأنّه كان مشروطاً بالعوض ولم يحصل على الفرض، فلم يحصل بيع أصلاً. (المقرِّر).

(2) هذا على فرض صحّته؛ لأن هذا الوكيل له سلطنة على نقل كِلا المالين، فيمكن أن يدّعى إمكان نقلهما بإيجاب واحد. إلّا أنّ هذا لا يدلّ على أصل الدعوى، لاستحالة نقل الإنسان مال الغير إلى نفسه كما قلنا. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ولا دخل له في ماهيّة المعاملة وإنّما تمام المعاملة بالإيجاب، فإنّه بالإيجاب يحصل(1) تمليك العين بالعوض أو مبادلة مال بمال، وهو تمام معنى البيع. 

غايته لا بُدّ أن يكون للمعاملة أثر خارجي، وهو متوقّف على رضاء الطرف الآخر، ولذا لو لم يكن إجماع أو تسالم بين الأصحاب على لزوم توالي الإيجاب والقبول، لم نقل به. 

نعم، لو كانت المعاملة متقوّمة بالإيجاب والقبول كان التوالي ضرورياً، لتحصل المعاملة عقلائياً، ولكن المعاملة تحصل بالإيجاب وأثرها متوقّف على حصول القبول. 

حاله حال بيع الفضولي وبيع المكره، فإنّهما بيع بالاتفاق، إلّا أنّه متوقّف في تأثيره على الإجازة، فماهيّة البيع قد تحقّقت، إلّا أنّه قد يترتّب عليه الأثر وقد لا يترتّب، والقبول(2) له سِمَة الإجازة، لا أنّه دخيل في الماهيّة، وهذا أمر وجداني 

ـــــــــــــ[38]ــــــــــ

() لا يحصل شيء من ذلك كما سبق؛ أما المبادلة فلأنّها متقوّمة بالطرفين، ويستحيل صدورها من طرف واحد. وأما التمليك فهو وإن كان حاصلاً من قبل الموجب، إلّا أنّه مشروط بتمليك الآخر له، وهو بعد لم يحصل ليتمّ البيع، وهذا هو معنى قولهم: (بعوض) يعني الاشتراط، لا أنّ الموجب يحصل على العوض من مال الغير بنفس الإيجاب، فان هذا مستحيل كما سبق. (المقرّر).

(2) قياس القبول على الإجازة قياس مع الفارق بعد فرض احتواء العقد الفضولي على إيجاب وقبول، فتكون الإجازة سنداً للإيجاب أو للقبول، ومسندة له إلى المالك، فهي بمنزلة أحدهما، وأما القبول فهو ضروري لنقل العوض كما سبق، ووظيفته لا تشابه وظيفة الإجازة، بل لو أنكرنا لزوم القبول وكان القابل فضولياً لم يحتج إلى الإجازة، وهو كما ترى، فتأمَّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بعد ما عرّفوا البيع بأنّه مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض، وبالإيجاب تحصل المبادلة. 

وما قيل متفرّع على تخيّل أنّ الماهيّة متقوّمة بالإيجاب والقبول.

بناءً عليه، فما قيل من أنّ تبادل الإعطاء إيجابان لا إيجاب وقبول، إذن فماهيّة المعاملة غير متحقّقة، غير صحيح، حيث قلنا إنّه لا يلزم إيجاب وقبول.

أما كونه إيجاباً مستقلّاً، والإيجابان المستقلّان لا يقوّمان المعاملة، فنسأل هل المقصود من المستقلّ أنَّه ليس معناه معنى متابعياً قبوليّاً؟ فهذا ليس لازماً لنا. أو معناه أنَّه لا ارتباط بين هذين الإيجابين؟ وهذا لا نقبله. فلو قال أحدهما: (بعتك الدار بألف)، وقال الآخر: (بعتك الألف بالدار)، فقد تمّت المعاملة؛ لأنّ المطلب هو رضاء الآخر، وما قاله دالّ على الرضاء. 

بل لنا أن نقول إنّه إذا كان لا بُدّ من القبول، فليس المقصود هو القبول بعنوانه، بل إذا كان قبولاً بالحمل الشايع كان كافياً، وإن لم يصدق عليه مفهوم القبول، فلو قال: (بعتك الألف بالدار)، يصدق عليه القبول بالحمل الشايع وإن لم يصدق عليه عنوانه، وهم حين عرّفوا البيع بالتعريفين، لم يفوا به إلى الآخر، ولذا قالوا باحتياج المعاملة إلى القبول.

بناءً عليه، فبطلان ما لو نوى التمليك بالعوض، ناشئ من تخيل تقوّم ماهيّة المعاملة بالقبول، وهو غير صحيح. 

كما أنّ ما قاله من كون الإنشاءين مستقلّين، أمّا أن يكون معناه القبول، فلا حاجة إليه. وأمّا أن يكون معناه أنّ التمليك المتأخّر غير مرتبط بالتمليك 

ـــــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الأوّل، فهو غير صحيح؛ لأنّ كُلاً منهما يقول: (ملّكتك هذا بهذا). 

والمسألة واضحة عندي، وإذا أردتم الدليل التعبّدي فهو موجود في باب النكاح(1).

وإذا قبلنا وقلنا إنّه لا بُدّ من القبول بمعنى المتابعة، نقول: إنّ الإعطاء لا يتحقّق إلّا إذا وصل الثمن إلى ذلك الشخص، فلو لم يأخذه لا يصدق الإعطاء، فهنا شكلان ممكنان: أمّا أن يمدّ يده للأخذ ليصدق الإعطاء من الآخر، فيكون هذا الإعطاء إيجاباً والإعطاء الآخر بمنزلة القبول بالحمل الشايع، كما قلناه في العقد اللفظي أيضاً، فإنّها تصحّ في الإيجابين، لهذا تلاحظون في السوق إذا لم يعط الثمن وأرجع المُثمَن، لا يقال إنّه فسخ المعاملة، وكلّ العقلاء على ذلك، إذن لم يكن القبض بعنوان القبول، وإنّما كان عنوان القبول بعنوان ذلك، ولذا لا يُقال إنّه فسخ المعاملة، بل لم تكن المعاملة تامّة(2)، وإنّما تتمّ بالإعطاء بعد ذلك. 

ـــــــــــــ[40]ــــــــــ

() هذه الرواية سبق أن ذكرنا نصّها وهي لا تدلّ بحال على المدّعى، فإنّ النبي إنّما اكتفى بالإيجاب؛ لأنّ له سلطنته على كِلا الطرفين، فمن الممكن أن يبرز الإنشاءين بمبرز واحد، وهذا لا يبرّر إمكان تولّي البائع نقل مال الغير إلى نفسه، فان هذا مستحيل كما سبق. (المقرِّر).

(2) هذا يكون دليلاً -لو تمّ- على ضدّ مدّعاه؛ إذ لو كان الإيجاب وحده كافياً، فقد حصل الإيجاب في المعاطاة، فلِمَ لا يكون كافياً في تمامية المعاملة؟ فاذا تمّ ما ذكره من عمل السوق كان دالّاً على عدم كفاية الإيجاب لا محالة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأما أن يكون القبول هو الأخذ، وخاصّة فيما إذا كانت المعاملة سنخ معاملة غير قابلة للتعاطي، كالنسبة والسلف، التي لا يمكن فيها التعاطي وإنّما يكفي فيها الأخذ، هذا راجع إلى اشتراط القبض من طرف واحد. 

ـــــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 

[القول بأن المعاطاة لا تقع من طرفٍ واحد] 

 

وأمّا من يقول(1): إنّه لا بُدّ من التعاطي ولا يكفي من طرف واحد. 

وتقريبه: 

أنّ البيع لا يتحقّق بمجرّد الإعطاء والأخذ، بل لا بُدّ أن يصدق على الفعل أنَّه بيع وإلّا لم يصحّ. 

يقول: ولهذا في مثل الصلح والهبة المعوّضة لا يمكن أن تحصل بالمعاطاة، لعدم وجود فعل يكون مصداقاً بالحمل الشايع للصلح أو الهبة أو الضمان، ولكن في البيع يوجد عمل يعتبره العقلاء تبادلاً اعتبارياً، وهو التبادل المكاني، فإذا حصل التعاطي تحصل المعاطاة وإلّا فلا. 

نحن نقول: 

أوّلاً: إنّه رجع عن هذا المطلب، إلّا أنّه ليس معلوماً أنَّه رجع عن ذلك في باب الصلح والهبة، وإنّما رجع عنه في البيع. 

وثانياً: إنّ هذا العمل الذي يقع في الخارج -سواء إعطائي أو إعطاؤك-، ليس له أيّ دلالة على إيقاع معاملة أصلاً، بل العناوين التي تنطبق عليه إنّما تتميّز بقصد المتعاملين، وبه يخرج عن الاشتراك، وإلّا فمن المحتمل أن يكون 

ـــــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) اُنظر منية الطالب 1: 68- 69، الكلام في المعاطاة، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

التعاطي بيعاً أو إجارة أو صلحاً أو هبة معوّضة، والذي يميّزه ويجعله مصداقاً لأحد المعاملات، هو الفعل الذي يصدر من الإنسان بعنوان إنشاء المعاملة، ومثل هذا العمل كما يمكن إيقاع البيع به يمكن إيقاع الصلح به أيضاً، فهذا عمل أوقعناه بعنوان الصلح وهو الصلح بالحمل الشايع، وفي البيع ليس للتبادل المكاني دخل في التبادل الاعتباري، وإنّما هو راجع إلى القصد.

إذن تمام المعاملات في العالم يمكن أن تقع بعنوان المعاطاة، غايته قد تقع من طرف واحد أو من طرفين، حتّى النكاح والطلاق، لو لم يكن إجماع أو نصّ على بطلانه لَما كان هناك مانع من جريانه بالمعاطاة. 

وليس معنى ذلك هو الزنا بل هما يريدان تحقيق الازدواج [الزواج]، وهو كما يحصل بالصيغة يحصل بالذهاب معاً بعد تدبير الأمر بالمقاولة، والفجور إنّما يحصل بقصده. 

والأمر كذلك في الطلاق أيضاً، فإنّ إخراجها من البيت كافٍ في صدقه لو لا التعبُّد الشرعيّ الثابت بالنصّ والإجماع على لزوم اللفظ.

بناءً عليه: فما يقوله من عدم حصول الصلح والهبة بالمعاطاة غير صحيح. فإنّه بعد تمامية جهاتها خارجاً تحصل المعاملة بالعمل كما تحصل بالقول، وهو كما يحصل بالطرفين يحصل بالطرف الواحد، ولا إشكال في المسألة. 

وقد تحصّل هذان الأمران: أنّ المعاطاة ليست متقوّمة بطرفين، ولا يكون ذلك مضرّاً فيها أيضاً. 

يبقى أنّ المعاطاة هي غير محتاجة إلى التعاطي أصلاً، بل تحصل بأيّ وجهٍ كان، وهي محتاجة إلى شيء في المقام. 

ـــــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



شبهتان واردتان في مطلق المعاطاة

 

هنا شبهتان راجعتان إلى المعاطاة لا بُدّ من التعرُّض لهما ومناقشتهما.

أما الإشكال الراجع إلى قسم المعاطاة التي ذكر أنها تحصل من طرف واحد، فهو:

أمّا بناءً على ما قلناه إنّه ليس للقبول ركنية في ماهيّة البيع، بل تمام ماهيته هو الإيجاب وتمليك العين بالعوض، وإنّما يلزم القبول لا لأنّه محقّق للماهيّة، بل لأنّه لا يترتّب عليه الأثر إلّا بالرضا، فلا إشكال.

أمّا إذا قيل بلزوم القبول في المعاملة لتقوّمها به، وإنّ القبول معنى مطاوعيّ، فالإشكال من ناحية أنّ الإعطاء لا يتحقّق مادام الأخذ لم يحدث، وإنّما يتحقّق الإعطاء بالأخذ وبعد تحقّقه، وهذا الأخذ الذي هو بمنزلة القبول لا بُدّ أن يتحقّق بعد تحقّق الإيجاب. 

إذن قبل تحقّق الإعطاء لا معنى للقبول؛ لأنّه مطاوعة له، والمفروض أنّ الإعطاء متوقّف على الأخذ ولا يتحقّق إلّا بتحقّقه، ولا بُدّ من أخذٍ آخر لكي يكون مصداقاً للقبول، ولا يمكن أن يكون هذا الأخذ الشخصي محقَقاً لِكلا الأمرين: الإعطاء والقبول، بل يلزم تقدّم الشيء على نفسه.

ـــــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هذا حاصل ما هو ظاهر بعض المحقّقين(1).

نقول: إنّه من اشترطوا الإيجاب والقبول قالوا في باب تقدّم القبول على الإيجاب: إنّه إذا كان القبول بمعنى المطاوعة لا يجوز تقدّمه، بل لا بُدّ من أن يكون متأخّراً عنه، وأمّا إذا كان القبول بلفظ (اشتريت)، فهو وإن لم يكن قبولاً إلّا أنّه بمنزلة القبول، ولا مانع من تقدمه، فعدم جواز تقدّم القبول لا لأجل أنّ عندنا دليلاً شرعيّاً على لزوم تأخّره، بل دليله هو لزوم تأخّر المعنى المطاوعيّ، فيتكلّم عن أنّ المعنى المطاوعيّ هل لا بُدّ أن يكون متأخّراً زماناً عن الإيجاب، أو يكفي الاتّحاد مع الإيجاب زماناً، وتأخّره عنه رتبة؟ 

وبعبارة أخرى: هل ماهيّة البيع مركّبة -بناءً على قولهم- من إيجاب وقبول متأخّر عن الإيجاب تأخّراً زمانياً، أو إذا كان متأخّراً رتبة وكان له معنى المطاوعة يكفي؟

نظير الكسر والانكسار اللذَين هما موجودان بوجودٍ واحد، وكذلك في الضرب الذي يقع، فإنّه ليس إلّا فعلاً وعرضاً خارجياً واحداً، ولكن حين نلاحظه من حيث مبدأ الصدور فيقال: (هو ضارب)، وحين نلاحظ نفس المعنى باعتبار ارتباطه بما وقع عليه يقال: (هو مضروب)، وإذا لوحظ بنفسه منقطع الإضافة يقال: (هو ضرب)، لا أنّ مبدأ الضرب والضارب والمضروب له وجود على حدة. 

وفي باب الكسر والانكسار لم يقع إلّا فعل واحد، إذا نسب إلى الفاعل 

ـــــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيد اليزدي) 1: 77، القول في المعاطاة، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يقال كسر بالمعنى الاسم المصدري، وإذا نسب إلى القابل فهو انكسار، وإذا نظر في نفسه منقطع الإضافة فهو كسر بالمعنى المصدري(1).

فهذا الإعطاء والأخذ ليس إلّا عملاً واحداً، ولكن حينما نلاحظه من حيثية الصدور نقول: هو إعطاء، وإذا لاحظناه من الطرف الآخر نقول هو أخذ الإعطاء، إلّا أنّ الإعطاء والأخذ لهما وجودان(2) في الخارج، وإذا لاحظناه منقطع الإضافة فهو عطاء بالمعنى المصدري. 

فهل في باب المعاملة لا بُدّ أن يكون القبول متأخّراً زماناً عن الإيجاب، أو لا؟ بل إنّنا في باب العرف والعقلاء لا نجد إلّا لزوم وجود القبول بمعنى المطاوعة، سواء كان متّحداً مع الإيجاب زماناً أو متأخّراً عنه. 

والشاهد عليه وجود النسبة المعاطاتية والقرض، ولم يعتبر العقلاء فيها أن يكون زمان القبول متأخّراً، بل العنوانان متحقّقان بوجود واحد، ونحن لا نريد أكثر من تحقّق المعاملة، وهو موجود في نظر العقلاء، إذن فهذا الإشكال غير وارد. 

وإشكال يرد في المعاطاة في تمام المعاملات، وهو أنَّه في باب الألفاظ التي 

ـــــــــــــ[46]ــــــــــ

() لا يخفى ما في العبارة من اختصار وضحالة لوجوه متعدّدة فتأمَّل. (المقرِّر).

(2) لا محالة للأخذ والإعطاء وجودان في الخارج، فإنّ الإعطاء قائم بشخص والأخذ قائم بشخص آخر، وإذا كان وجودهما واحد يلزم قيام العرض بمعروضين وهو محال. نعم، انتقال العين من هذا الشخص إلى ذاك أمر واحد، إلّا أنّه عرض قائم بالعين لا بالشخصين كما هو واضح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

تدلّ على المعاني دلالة وضعية، إذا فرضنا لفظاً بين معنيين، كلفظ (بعتُ) المشترك بين المعنى الإنشائي -كما قيل- والمعنى الإخباري، فللمتكلّم أن يستعمله في أيّ معنى منهما شاء. 

وأما الفعل فليس كاللفظ له دلالة على المعنى، بحيث يدلّ على معنيين يحتاج تعيين أحدهما إلى قرينة، بل ليس فيه (دلالة) إنّما فيه (إفهام)(1) للمعنى.

ولذا قالوا: إنّنا إذا أردنا أن نفرّق في المعاطاة بين البيع والصلح، فلا بُدّ أن يكون ذلك بالقصد، وحينئذٍ يكون الفعل مصداقاً للبيع أو الصلح. 

فهنا إشكال عامّ راجع إلى العناوين القصدية، وهو العناوين التي يُقال إنّها تتحقّق بالقصد، مثلاً قالوا: إنّ التعظيم والتحقير من العناوين القصدية، والفعل الواحد يمكن أن يكون تعظيماً أو تحقيراً باختلاف القصد. 

في مثل هذه العناوين القصدية يأتي هذا الإشكال العقلي وهو: أنَّه بناءً على قولكم من أنّ هذه العناوين لا تتحقّق إلا بالقصد، وبحسب متن الواقع لا يمكن أن يتحقّق القصد إلى شيء ليس فيه هذا العنوان بعنوان ذلك العنوان. 

مثلاً تريد أن تقصد جِدّاً عنوان البيع بالنسبة إلى الإجارة التي ليست بيعاً، هذا محال، بل ابتداءً لا بُدّ أن يقصد المعنى الذي له عنوان يمكن قصده، فيتوقّف القصد على أن يكون العنوان له شيئية وتحقّق بنحو من الأنحاء لكي يُقصد، فلو لم يكن للقيام عنوان التعظيم يستحيل أن أقصد التعظيم به. فكما لا 

ـــــــــــــ[47]ــــــــــ

() لا فرق كما هو واضح بين الإفهام والدلالة، إلّا أن يراد أنّه أقلّ ظهوراً، ولكنّه غير مسلّم في كثير من الأحيان كما هو واضح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يمكن أن أقصد القعود بالقيام يستحيل ذلك في العناوين أيضاً. 

بناءً عليه: إذا كان مقصود الآغايون أنّ الفعل المبهم الذي لا يدلّ على البيع ولا على الإجارة ولا على غيرها، وهو التعاطي الذي لا يكون في حدّ نفسه مصداقاً لشيء.

 هذا الفعل إذا قصدت به البيع صار بيعاً، وإذا قصدت فيه الإجارة صار إجارة، فقد حصل الاختلاف بالقصد.

 محال(1) أن يتمشّى قصد العنوان بالنسبة إلى شيء ليس له ذلك العنوان وبالقصد يحصل. 

وبعبارة أخرى: أنّ قصد البيع بالتعاطي يتوقّف على أن يكون التعاطي بيعاً ليقصده، وعلى قولكم يتوقّف كون التعاطي بيعاً على القصد.

ويرد على هذا الإشكال أيضاً في باب الإحرام، الذي قالوا إنه من العناوين 

ـــــــــــــ[48]ــــــــــ

() ليس في ذلك أيّ استحالة، إذ المفروض أن المتعاطي مع ضمّ قصد البيع إليه هو بيع بالحمل الشايع، إذن فالبيع خارجاً يحصل من زمن التعاطي والقصد إذا أردت البيع فليس عليَّ إلّا أن أوجدهما؛ لكي تحصل، ولا يكون هذا القصد لغواً عقلائياً لعلمي بترتّب الأثر عليه، وكونه دخيلاً وسبباً في الأثر وهو البيع الخارجي، ولا يكون محالاً عقلاً بدعوى الدور، أو تقدّم المعلول على علّته؛ لأنّنا ننكر كون قصد البيع متوقّفاً على اتّصاف التعاطي بهذا العنوان كما ذكر في المتن، لإمكان أن يكون متعلّق القصد هو معلول القصد الناتج منه كما هو واضح،. فأين التقدّم والتأخّر؟! يعني ما كان القصد جزء علّته وهو البيع، والجزء الآخر هو التعاطي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

القصدية، إذ نسأل: أنّ الإحرام هل هو عنوان من العناوين لكي أقصده، أو يُراد إيجاد العنوان بنفس قصده؟ 

فعلى الأوّل لا مانع، وأمّا على الثاني فيستحيل أن يتعلّق قصد الإحرام بما ليس إحراماً. 

هذا هو الإشكال الوارد في مثل هذه الأبواب، وله في كلّ باب جواب مستقلّ.

أمّا في باب الإحرام، فأصل قصد الإحرام أمر (نامربوط)(1)، فإنّ المكلف إذا قصد عمرة التمتّع ولبّى، فإنّه يصير مُحرماً ولو أراد أن لا يُحرم، كتكبيرة الإحرام في الصلاة، فإنّك لا تقصد الإحرام وإنّما تقصد عمرة التمتّع والصلاة، والإحرام بعد قصد التمتّع والتلبية من باب الحكم الوضعي، لا من باب إيقاع الإحرام بقصد الإحرام. 

وأما فيما نحن فيه: فليس أنّ هذا العمل يكون بيعاً بقصد البيع، بل إنّني أريد أن أوجد البيع الذي هو عنوان ذاتي(2) وليس من العناوين القصدية، فأنا أريد أن أبادل مالي بمال غيري، وأرى أنّ ذلك كما يحدث باللفظ كذلك يحدث بالفعل، فيكون القصد إلى البيع منشأ للإعطاء المنتج للبيع، لا أنّ الإعطاء يكون بيعاً بالقصد، فأنا أقصد هذا الفعل الخارجي، غايته أنّ الأمر الذي قصدته يتحقّق بالإعطاء، فالإعطاء الذي حصل إعطاء بيعي لا إعطاء صلحي. 

ـــــــــــــ[49]ــــــــــ

() كلمة باللغة الفارسية تعني: لا اعتبار له.

(2) يعني قائم بنفسه غير متوقّف على القصد (توضيح) (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فليس الفعل الخارجي كاللفظ المشترك، بل هو فعل مجمل بلا عنوان، فمرّةً يقال إنّه اكتسب العنوان بقصد العنوان، فهذا محال(1). ومرّةً يقال(2): إنّك تقصد البيع -الذي هو من العناوين الذاتية التي يمكن تعلّق القصد بها-، وحيث تعلم ترتُّبه على الإعطاء، فإنّك تعطي بهذا القصد فيكون بيعاً، فإذا حصل هذا العمل ينطبق عنوان البيع بدون حاجة إلى انطباق البيع على نفس العمل.

ويمتاز هذا البيع عن الصلح في المرتبة المتقدّمة، يعني إذا صدر الفعل بعنوان الصلح يكون صلحاً وإذا صدر بعنوان البيع يكون بيعاً، وليس أنّ هذه الأفعال تمتاز بالقصد المتعلّق بنفسها بل تمتاز بالقصد السابق، فإذا نشأ الإعطاء من قصد مبادلة مال بمال يصير بيعاً، وإرادتي للنقل(3) صارت منشأ للإعطاء فيصير بيعاً، لا أنّه يصير بيعاً بالقصد.

ـــــــــــــ[50]ــــــــــ

() قلنا هذا ممكن؛ لأنّ غاية ما يلزم هو تعلّق القصد بمعلوله ولا مانع منه. (المقرِّر).

(2) هذا إنّما يصحّ إذا كان البيع يترتّب على الإعطاء وحده، وهو مفروض العدم؛ فيتعيّن أن يكون سبب البيع هو الإعطاء منضمّاً إلى قصد البيع، ولازمه أن يكون متعلّق القصد هو معلول القصد، فلو كان محالاً لم ترتفع استحالته. (المقرِّر).

(3) يعني للبيع (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



[في كفاية النيّة والكلام والمقاولة]

 

تبقى فروع أخرى: وهي أنَّه هل الإعطاء لازم في المعاطاة أو ليس لازماً أصلاً؟ فإذا كان عند كلٍّ منهما للآخر مالٌ بعنوان الأمانة أو الغصب ونويا المبادلة، فهل هذا بيع أو لا؟ أو أصلاً لا يعتبر الإنشاء أصلاً، بل إنّ قصد البيع يكون بيعاً، وألفاظ الإنشاء طريقاً إلى حقيقة البيع الذي هو في القلب. 

قد يُقال كما قال بعض الأفاضل (رحمهم الله): إنّنا لا دليل لنا على لزوم الإعطاء في المعاطاة، فإذا قلتم بالحاجة إلى الإعطاء، فلا دليل عليه. 

وإذا قلتم: إنّه لا بُدّ من عمل تسبيبي ينتزع منه عنوان البيع، فالإمساك والحفظ عنده من الأفعال الاختيارية، فكلٌّ منهما يمسكه ويبقيه عنده، ويكفي ذلك في المعاطاة.

القائل الآخر يقول: إنّ الإمساك أيضاً غير لازم، بل هما إذا قصدا المبادلة واطلعا على القصد، فلا حاجة إلى أكثر من ذلك. 

ومن قائلٍ: نحتاج إلى عمل في المقام، لكن ليس لازم أن يكون من قبيل الإعطاء واللفظ، بل يكفي الإنشاء بالإشارة، فإنّنا نحتاج إلى مبرز ولو بالإشارة. 

ـــــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هذه أقوال قيلت، والشيخ(1) ضرب على بعضها أمثلة غير تامّة.

أما نحن فنقول: هل نريد مسألة عقليّة أو مسألة عقلائيّة؟ إذا كانت المسألة عقليّة فلا مانع من هذا الكلام. 

أمّا إذا كانت المسألة سوقية، حيث إنّ المعاطاة من المعاملات الشائعة قبل العقد باللفظ، فهنا لو قصد كلٌّ منهما البيع وعرّفه للناس، فهل يقولون إنّه بيع؟ لا، فإنّ البيع قرار والتزام ويحتاج إلى إيقاع وإنشاء، أما كون الأفعال كواشفاً عن القصد فإنّه ليس أمراً قهرياً بل أمر عقلائي، فلا يحصل من دون رأيهم.

أما كون الحفظ والإمساك من الأفعال الاختيارية الكافية في المعاطاة، فهذا من الأفكار المدرسية العقلية لا من الأفكار السوقية، فإنّ ذلك ليس ممّا يفهمه العرف، فكيف يُقال إنّ العرف يوافق عليه ويعتبره بيعاً؟! فحتى لو كان الإمساك فعلاً اختيارياً، إلّا أنّه يحتاج في دلالته على البيع إلى دلالة عقلائية لكي يقع بيعاً، وهي غير متحقّقة. 

أما صدق الإعطاء على الإيصال فليس معلوماً أنَّه عند العقلاء كذلك، كبعض الأمثلة التي ذكرها الشيخ كالبائع الذي يضع (السبزي)(2) ويذهب، لكي يأتي المشتري فيضع الثمن ويأخذ (السبزي)، ويتساءل هل أن هذا إعطاء أو إيصال، وهل أن هذا بيع عقلائيّ بحيث قد جعله وكيلاً في الأخذ، أو أنه(3) 

ـــــــــــــ[52]ــــــــــ

() كتاب المكاسب، الجزء الثالث، ص75، مجمع الفكر الإسلامي. 

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: الخضروات.

(3) هذا هو مختار السيد، إلّا أنّه الإنصاف أنّه يصدق عليه البيع عرفاً، وإنّما يذهب الفقهاء إلى مثل هذه المذاهب لضيق الخناق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ليس بيعاً ولا وكالة، بالإضافة إلى الحمام وماء السقاء ليس معاملة أصلاً، بل صاحب الحمام راضٍ بدخوله حمامه سواء بقي فيه طويلاً أم قليلاً، سواء استهلك ماءً كثيراً أو قليلاً، إلّا أن يخرج عن المعتاد، لا أنّه من قبيل المعاطاة، وهذا نحو من الإيصال، ولكنّها معاملة موجودة عند العقلاء، وهي إذن بعوض. ولهذا يمكن لصاحب الحمام أن يخرجه من حمامه، يقول: (كنت أذنتُ لك والآن لا أأذن)(1).

ـــــــــــــ[53]ــــــــــ

() وأمّا التنبيه الثالث: وهو الفرق بين المشتري والبائع في باب المعاطاة، فهو ما سوف يأتي بعد عطلة محرم الحرام. 

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً. وأنا العبد المحتاج إلى رحمة ربّه الكريم محمّد الصدر.

النجف الأشرف- العراق. (المقرر)

تقريرات، كتاب البيع، ج2 




التنبيه الثالث                                                                                       في الفرق بين البائع والمشتري في باب المعاطاة

 

  • [الجهة الأولى: في رُكنيّة الإيجاب والقبول]
  • [الجهة الثانية: في كون البائع والمشتري من الأمور الواقعية أو متفرع على الإنشاء]
  • [الجهة الثالثة: إذا وكّل المتبايعان شخصاً واحداً]

ـــــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 






التنبيه الثالث                                                                                       في الفرق بين البائع والمشتري في باب المعاطاة

 

وهنا عدَّة جهات للكلام:

[الجهة الأولى: في رُكنيّة الإيجاب والقبول]

 

الكلام الأوَّل في ركنية الإيجاب والقبول في المعاملة؛ لنرى ما إذا كان وجود كُلٍّ من البائع والمشتري ضروريّاً في كلّ معاملة.

وهناك في الإيجاب والقبول احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون بنحو السببيّة والمسبّبيّة للملكيّة.

الاحتمال الثاني(1): أن لا يكون كذلك، وإنَّما هو بحسب اعتبار العقلاء، وأنَّهم حين وقوع الإيجاب والقبول يعتبرون الملكيّة.

على كِلا الاحتمالين لا يمكن أن تكون ماهيَّة البيع متقوّمة أو متقيّدة بالسبب الخاصّ. 

ـــــــــــــ[57]ــــــــــ

() من هنا حضرت المحاضرة، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

كما لا يمكن أن يكون الأمر الاعتباريّ متقوّماً بموضوع الاعتبار، أو يكون موضوعه مقوّماً له، إذ يستحيل أن يكون السبب مقوّماً لماهية مسبّبه، إذ يلزم تقدم الشيء على نفسه. 

كما أنَّ الأمر الاعتباريّ إنَّما يكون بعد تحقّق الموضوع، وإذا كان مقوّماً له يلزم أن يكون معه، بل في رتبة سابقة عليه.

إذن يستحيل أن يكون موضوع الاعتبار مقوّماً للأمر الاعتباريّ، فسواء قلنا بالسببيّة أو بالاعتبار يستحيل أن تكون مبادلة مال بمال، مقيّدة أو متقوّمة بأن تكون ناشئة من هذا السبب أو ذاك، أو أن تكون المعاملة متقوّمة بموضوع الاعتبار.

[مناقشة القول بتقوّم ماهيّة البيع بالإيجاب والقبول] 

فما قاله بعض المحققين(1) من أنَّ ماهيَّة المعاملة تتقوّم بالتسبيب  الإيجابيّ وبمطاوعته عنه غير تامّ(2)، فإنَّه إذا أراد من التقوّم التقوّم الاصطلاحي فهو غير ممكن، وإن كان مراده أنَّه لا يكون معتبراً إلا أن يكون هذا موجوداً، فهذا لا مانع عقليّ منه، حتَّى ننظر فيه لنرى مدى صحته، إذ يحتمل -وهذا لا مانع عقليّ منه- أن يقال: إنَّ هذا الأمر الاعتباريّ الذي هو المبادلة، لا يتحقّق ولا يعتبره 

ـــــــــــــ[58]ــــــــــ

() راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 159، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الثالث.

(2) ما ذكره السيّد من البرهان يشمل محلّاً من الإيجاب والقبول، لا قصده نفي رُكنيَّة القبول فقط، وهو لا يستقيم، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

العقلاء، إلا إذا كان هناك إيجابٌ وقبولٌ، لا أنَّه متقوّم ومتقيّد بها، بل موضوع للاعتبار العقلائيّ أو سبب، لكن السبب والموضوع هو أمر خاصّ، وهذا لا مانع عقليّ منه، لكن هل هو صحيح تصديقاً؟

إذا كان الإيجاب بغير المعنى الذي قاله الآغايون، بل أذِن كلّ منهما لشخصٍ واحد، فقال ذلك الشخص: (بعت هذا بهذا)، فهل المعاملة شيء غير هذا؟ أو كان هناك إيجابان، بأن يكون كلّ منهما يقول: (بعتُ -ملكتك- هذا بهذا)، حيث قلنا إنَّ القبول لا دخل له في ماهيَّة المعاملة بأيّ وجه، وإنَّما له دخل في ترتُّب الأثر، والمعاملة تحصل بخصوص الإيجاب، وإنَّما نحتاج إلى القبول كاحتياجنا إلى الإجازة في بيع الفضوليّ، إذ لا دخل للإجازة في الماهية، وإنَّما يترتَّب عليها الأثر، فنحن نحتاج إلى القبول في ترتُّب الأثر على الماهيّة الاعتباريَّة التي أنشأها البائع محضاً.

بناءً عليه فالمعنى الذي قيل(1) في المعاملات من أنَّ الإيجاب والقبول كِلاهما ركن في المعاملة ليس صحيحاً، بل ليس للقبول أيّ ركنيَّة أصلاً، بل هو مجرّد إظهار الرضا نحو قوله: (بارك الله في صفقة يمينك)، بل لا يحتاج حتَّى إلى ذلك، فإنَّ الرضاء ليس كالإنشاء ليحتاج إلى إبراز، بل يكفي الرضاء الواقعي، وإنَّما كان قول الآغايون بركنيّة القبول ناشئاً من عدم وفائهم بتعريف البيع الذي ذكروه في أوَّل البحث، إذ لو وفوا به لوجدوا أنَّ مبادلة مال بمال، أو 

ـــــــــــــ[59]ــــــــــ

() كما لعلّه يظهر ممّا أفاده المحقّق الإيرواني في حاشيته 2: 71-72، والمحقّق الأصفهاني في حاشيته 1: 159 أيضاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

تمليك عين بعوض، لا يصدر إلا عن البائع بالإيجاب محضاً.

فالبيع غير متقيّد ولا متقوّم بالإيجاب والقبول أصلاً. نعم، نوعاً في السوق كذلك، ومن هنا نشأ هذا الوهم.

وأمَّا ما قيل مِن أنَّ مَن دفع المال كان بائعاً، ومن دفع العوض كان مشترياً، فهذا مبني على الشائع أيضاً.

هذا كلام يسري في تمام المعاملات، وهو أنَّه هل لا بُدَّ من وجود المشتري والبائع، أو يمكن أن يكون عندنا بائعان؟ فما قاله بعضهم(1) من أنَّه إذا قبل فهو هبة، وإذا لم يقبل فهو لا هبة ولا بيع، غير تامّ، فإنَّه يكفي في المعاملة الإنشاء الأوَّل، وتمام المعاملة تتمُّ بذلك، وماهيَّة البيع غير ماهيَّة الهبة.

ـــــــــــــ[60]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 159، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



[الجهة الثانية: في كون البائع والمشتري من الأمور الواقعية أو متفرع على الإنشاء]

 

كلام آخر: وهو أن البائع والمشتري، هل هو من الأمور الواقعية أو هو أمر يتفرّع على الإنشاء؟

قد يقال: إنَّ البائع والمشتري لهما وجود واقعيّ(1)، احترازاً ممَّا قاله الشيخ(2) الذي ذكر ذلك في المعاطاة، مع أنَّه يسري في تمام المعاملات.

ومحصّل ما قاله: أنَّه في الرتبة السابقة، لا بُدَّ أن يكون البائع والمشتري شخصين، لكي يقوم كلّ منهما بما هو وظيفته، فلا بُدَّ أن يكون كلّ منهما معلوماً. 

يقول: إنَّنا حين بحثنا وتفحصنا في الجزئيات، وجدنا أنَّ مَن لم يكن له غرضٌ في خصوصيات العين، وكان تمام نظره إلى حفظ ماليَّتها بالبدل، سواءٌ كان بالنقدين وبغيرهما، فهو إنَّما يأخذ النقدين أيضاً لا بالنظر إلى خصوصيّتهما، بل لأجل حفظ الماليَّة المشتركة، هذا هو البائع. 

والمشتري هو الذي تعلّق غرضُه بخصوصيّة العين، لا بحفظ المالية.

ـــــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) راجع حاشية كتاب المكاسب 2: 72، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الثالث.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 77، تنبيهات المعاطاة، الأمر الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فالأوَّل هو الذي من حقِّه أن ينشأ الإيجاب، والآخر هو الذي عليه القبول، هذا محصَّل ما قاله البعض(1).

ثم قال: أمَّا إذا تعلّق غرض كلّ من الطرفين بالخصوصيات أو المالية، فهذا ليس من البيع، بل هو معاملة أخرى. ونحن يجب أن نأخذ هذا الأمر من السوق.

إذا قلتم: إنَّه بحسب النوع كذلك، فهو صحيح، لكنَّ لنا كلامين:

[في كون الإيجاب حق البائع]

الكلام الأول: أنَّ ما يقوله من أنَّ الإيجاب من حقّ البائع لا المشتري، والقبول بالعكس، هل بمعنى أنَّ الإيجاب إذا وقع من المشتري –بالمعنى الذي قاله- والقبول من الآخر تبطل المعاملة؟

إذا قال المشتري ملّكتك -بعتك- الدراهم بالعباءة، هل يقول أنَّ هذا ليس بيعاً؟ كما أنَّ المفروض أنَّه ليس أيّ معاملة أخرى، بل هو بيع، فما قاله من أنَّ الإيجاب حقّ البائع، والقبول حقّ المشتري، غير تامّ، لا أن عكسه صحيح لا محالة. 

إلّا أنَّ العقلاء يقولون لو كان عكس الأمر لكان أحسن، فإنَّه يكون تمليك عين بعوض، ومبادلة مال بمال، ولا يلزم أن يكون العين أو العوض شيئاً معيناً، بل قد يقع البيع نقداً بنقد أو عيناً بعين، ولا يلزم أن يكون أحد الطرفين 

ـــــــــــــ[62]ــــــــــ

() هو السيّد الخوئي حسب الظاهر، إذ ما قاله نقلٌ غيرُ تامّ الجهات لما في التقريرات، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بالخصوص نقداً، وإنَّما حصل ذلك بعد حصول النقد، وكانت المعاملة أقدم من ذلك، والنّدرة لا تدلّ على البطلان، وإلا لكان البيع بشخص المال باطلاً.

[في جعل المشتري بائعاً]

الكلام الثاني: في تعريفه للبائع والمشتري، فإنَّه بحسب النوع صحيح، إلّا أنَّه لا مانع أن يقال: إنَّ المشتري -بالمعنى الذي ذكره- لو قال: (بعت هذا بهذا) لكان بائعاً، وهذا أوضح في طرق التجار والصرَّافين الذين يريدون حفظ المالية، فما قاله غير صحيح وليس له نتيجة.

ومن ذلك يظهر أنَّ مَن قال: بأنَّ المشتري مَن في يده المال، والبائع خلافه، إنَّما نتج عن النظر إلى النوع، وكلام الشيخ يدور حول مقام الثبوت.

 أمَّا إذا كان يدور حول مقام الإثبات فلعلّ ذلك يكون أمارة عقلائية على ذلك، ولكنَّنا نبحث عن مقام الثبوت، ونقول إنَّ المعاملة لا تتقوّم من الإيجاب والقبول، بل كلّ من قال: (بعت هذا بهذا)، فهو بائع، هذا في البيع اللفظي.

 

[الجهة الثالثة: إذا وكّل المتبايعان شخصاً واحداً]

 

أما إذا عملوا مبادلة مال بمال بلفظ أو بالمعاطاة، ووكَّلوا شخصاً، وقال: (بادلت هذا بهذا)، فهنا مَن البائع منهما؟ فهل ليس هنا بائع ولا مشتري، أو كِلاهما بائع ومشتري، أو إنَّها معاملة فاسدة؟

فإذا أحرز أنَّ أحدهما أنشأ بفعله تمليك مال بعوض، كان بائعاً، أما إذا كان هناك إعطاءان ولم يكن لأحدهما قصد:

فيقول الشيخ(1): الأقوى أنَّ من يدفع أولاً هو البائع، والآخر المشتري، والمفروض أنَّه لا قصد لهما، بل كلّ قصد التمليك بالعوض، وكلٌّ منهما قال: (ملّكتك هذا بهذا).

فلا مانع -بحسب ما قلناه- أن يصدق البائع والمشتري على كِلا الطرفين، فباعتبار السلعة التي أعطاها يكون بائعاً، وباعتبار أخذ السلعة من الآخر يكون مشترياً، وليس معنى ذلك أنَّه في كلّ المعاملات بائع ومشتري، كما قال السيد. 

فإنَّا نقول: إنَّ بين المعاملات فرق، فإنَّه إذا قصد أحدهما المبادلة، وكان من الآخر الرضا، كان الأوَّل بائعاً، ولا تصل النوبة إلى الاعتبار الثاني.

واحتمال آخر وهو أنَّ كِلاهما بائع، فإنَّه إذا كان معنى المشتري هو القابل، 

ـــــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) اُنظر: ما أفاده في كتاب المكاسب 3: 77-88، تنبيهات المعاطاة، الأمر الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فليس لازم أن يكون في المعاملة مشترٍ، فإنَّا نقول إنَّ تمام المعاملة يقوم بها البائع.

وبالجملة، بحسب النوع من المعاملات، البائع والمشتري في نظر العرف متمايزان. أمَّا في الموارد الخاصة المشتبهة، فلا يبعد أن يكون في كِلاهما بائعٌ ومشترٍ.

وأمَّا أنَّ الأدلة التي وردت على عنوان أحدهما، هل تشملهما أو لا تشملهما، أو لها انصراف عنهما، كما يدعي الشيخ(1)، أو أن هناك تفصيلاً بين ورود الحكم على عنوان (البيّعان) فيشملهما، أو على خصوص البائع والمشتري فهو منصرف عنهما؟ هذا الانصراف يجب أن ننظر فيه إلى خصوصيات الأدلَّة، والظاهر عن وجود الانصراف، إذ لا يستفاد من الأدلَّة أن يكون الشخص مشترياً لا بائعاً، أو بائعاً لا مشترياً، إلّا إذا قامت قرينة خاصّة على ذلك.

هذا محصّل الكلام في هذا الباب.

ـــــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 78، تنبيهات المعاطاة، الأمر الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 







التنبيه الرابع                                                                                 في وقوع المعاملة بين التمليكين

 

  • [إشكالات ترد على ما أفاده الشيخ الأعظم]
  • صورتي الإباحة في مقابل العوض والإباحة في مقابل الإباحة

ـــــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 





التنبيه الرابع: في وقوع المعاملة بين التمليكين

 

التنبيه الرابع الذي قاله الشيخ(1) حول بعض الصور التي تقع مورداً للبحث:

منها: أنَّ المعاملة مرَّة تقع بين العينين، بأن يعطي أحد الطرفين العين ويقصد بإعطائه الإنشاء، والآخر أخذ ويقصد بالأخذ القبول، يقول الشيخ: وهذا لا إشكال فيه، والمعاملة تتمّ بهذا الأخذ والإعطاء. وأمَّا الإعطاء الآخر، فلا دخل له في المعاملة، وإنَّما هو وفاء بها.

القسم الآخر: أنَّ المعاملة تقع بين التمليكين، أن يكون قصد الطرفَين المقابلة بين التمليكين، يقول الشيخ(2): إذا كان كذلك فلا بُدَّ أن يملك الطرف الآخر لتتمّ المعاملة. 

فكان الفرق بين المقابلة بين التمليكين، والمقابلة بين العينين، هو تمامية الأخير بالإعطاء من طرف واحد، والأخذ من الآخر، وهنا لا بُدَّ من تعاطي الطرفين، ولا تتمّ المعاملة إلا بذلك على ما هو ظاهر قوله.

ـــــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) اُنظر: ما قرّره الشيخ الأعظم في كتاب المكاسب 3: 80-90، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

(2) المصدر السابق 3: 80-81.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [إشكالات ترد على ما أفاده الشيخ الأعظم]

 

1- ولهذا أشكلوا عليه من هذه الجهة، قال السيّد(1): لا فرق بين هذين الصورتين، فكما أنَّه هناك في المقابلة بين العينين كانت هناك صورتان:

إحداهما: أن تتمّ المعاملة بإعطاءين.

ثانيتهما: أن تتمّ بالإعطاء من طرف، والأخذ من الآخر بعنوان القبول.

كذلك هنا تتصور هاتين الصورتين:

إحداهما: ما قاله الشيخ.

والأخرى: أن يعطي أحدهما باعتبار التمليك، والآخر يأخذ بعنوان التملّك. والتمليك الآخر يكون وفاءً لهذه المعاملة.

إلا أن بعض المحشين(2) أراد أن يدفع هذا الإشكال، فقال: نحن في المعاملة المعاطاتية التي تقع: 

مرَّة يبادل بين العين والعين، فهو مقابلة بين العينين بلحاظ الملكيّة.

 وأخرى مقابلة العمل بالعمل فهو مقابلة بلحاظ الاستحقاق. 

ـــــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 378، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الرابع.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 163، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وإنَّما يكون الشيئان مضافين بالذات، نظير الملكيَّة فإنَّها بذاتها ذات إضافة، ولا تكون الإضافة زائدة على ذاتها، فإذا قابلوا بين التمليكين يعود التمليك بإزاء التمليك إلى جعل الملكيَّة بإزاء الملكيّة، والإضافة بإزاء الإضافة. 

فإذا كان كذلك فبما أنَّ العوض والمعوّض من قبيل المتضايفين، والمتضايفان متكافئان قوّةً وفعلاً، ولا يمكن وجود أحدهما دون الآخر، فلا بُدَّ إذا وجد أحدهما في المعاملة أن يوجد الآخر لتتمّ المعاملة، فيصحّ كلام الشيخ.

لكن الخلط واضح في هذا الكلام، فإنَّ كلامنا إنَّما هو في مقابلة التمليك بالتمليك، الذي هو عمل الطرفين، أمَّا الملكيَّة ذات الإضافة، ونفس الإضافة بمفهومها، فهي خارجة عن محلّ الكلام، فإنَّ الشيخ ذكر: أنَّ المقابلة تارةً تقع بين العينين، وأخرى بين التمليكين، فلا بُدَّ أن نلاحظ المقابلة بينهما، لا بين الملكيَّة ونفس الإضافة، بل التمليك الذي هو فعل الطرفين.

فإذا وقعت المقابلة بين التمليكين في المعاملة:

فإمَّا أن تكون المقابلة بين التمليك الخارجي والتمليك الخارجي: فلا بُدَّ أن يكون أحدهما موجوداً عند وجود الآخر؛ لأنَّهما متضائفان، والمتضائفان متكافئان قوّةً وفعلاً على ما ذكرتم.

وإمَّا أن تكون المقابلة بين التمليكين الكلِّيّين: فلا بُدَّ أن نحسب حساب الكلّي، وهما هنا في رتبة واحدة، أو الحقيقة ذات الإضافة بتمام عناوينها في رتبة واحدة، فإنَّ هذا مالكٌ وذاك مالكٌ، وهذا مملوكٌ وذاك مملوكٌ في رتبة واحدة، لكن كله بعنوان كلّي.

ـــــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وإذا وقع التقابل بين التمليك الخارجي والعنوان الكُلّي كما في (السلف)، فلا بُدَّ أن ننظر إلى مدى تكافؤ طرفي الإضافة، فإنَّ المقابلة وقعت بين التمليك الخارجي والتمليك الكلّي، والمتضايفان فيهما في رتبة واحدة، فإنَّ هذا مالكٌ وهذا مالكٌ، وذاك مملوكٌ وذاك مملوكٌ، فلا بُدَّ أن نحسب حساب التمليكين اللذين هما عمل الطرفين، لا حساب ذات الإضافتين، فلا يرد هذا الإشكال.

فإذا كان مقصود الشيخ هو انحصار هذا المطلب بالتعاطي الخارجي، فإنصافاً الإشكال وارد عليه.

[إشكال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي]

2- الإشكال الآخر الذي قيل(1) هنا: وهو أنَّ هذا غير معقول، فإنَّ الإنسان حين يملك شيئاً لا بُدَّ أن يكون له إلى الشيء نظرٌ استقلاليٌ، وللتمليك نظرٌ آليٌ، وبما أنَّ المقابلة بين التمليكين، فلا بُدَّ أن ينظر إلى التمليك بالنظر الاستقلالي، فيلزم الجمع بين النظر الاستقلالي والآلي في شيء واحد، وهو مستحيل. 

ثم قال: والتخلّص، هو أنَّهما إذا أرادا إيقاع المعاملة بهذا الشكل، فلا بُدَّ من إيقاعها على نحو الصلح.

أولاً: نرى أنَّه إذا كان هذا الإشكال وارداً، هل يندفع بالصلح أو لا؟

نقول: إنَّ هذه المعاملة المعاطاتية المستحيلة، إذا أراد إيقاعها بالصلح كان 

ـــــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 163، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

باطلاً؛ لأنَّ العمل بموجبها مستحيل، وإذا أردتم صرفها إلى نحو آخر فهو خارج عن محلّ البحث، إذن فلا طريق لنا للتخلّص إذا كان الإشكال وارداً.

وثانياً: أنَّه هل يلزم الجمع بين اللحاظين، أو أنَّ هنا إشكالاً آخر؟

إنَّ هذا الذي يريد جعل التمليك بإزاء التمليك، نظره لا محالة استقلالي إلى التمليك، كما هو الحال في النظر إلى العين في المقابلة بين العينين، ويكون هناك النظر إلى التمليك آلياً.

وهنا لا بُدَّ أن يكون النظر إلى التمليكين استقلالياً، ليمكن المقابلة بينهما، فلا يلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي، لأنَّا لا نريد تمليك العين، بل إيجاد ملكية التمليك، فمورد النظر الاستقلالي هو التمليك، والعين أمر خارجي عن المعاملة، وإنَّما هو مضاف إليه بالنسبة لطرف المعاملة.

غايته يرد هذا الإشكال على الشيخ، وهو: أنَّه إذا كانت المقابلة بين التمليكين، فحينئذٍ يكون الموجود على العهدة وفي الذمَّة هو التمليك لا العين، لأنَّ الغرض هو المقابلة بين التمليكين لا العينين، فلو قال بالصيغة -ولا أقول: إنَّ هذا يكون بيعاً-: ملّكتك تمليكي هذا في مقابل تمليكي تمليكك، فالمطلوب هنا والموجود في العهدة(1) هو التمليك، وأمَّا ملكية العين فلم تحصل.

فالإشكال بالجمع بين اللحاظين خارج عن مجرى الكلام.

(ثُمَّ قال السيّد بالنسبة إلى تمليك التمليك): غاية الأمر أنَّ هذا لا بُدَّ أن يكون 

ـــــــــــــ[73]ــــــــــ

() هذا إشكال مدرسيّ لا عرفيّ، فإنَّ المفهوم عرفاً من تمليك التمليك –لو صحّ- هو تمليك العين لا أكثر من ذلك، فلا يرد الإشكال، (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

كلّياً، ولا يمكن أن يكون التمليك خارجياً، إذ ما يقع في الخارج ليس هو مفهوم التمليك، بل التمليك بالحمل الشايع، وهو إنَّما يحدث بالإنشاء، وبدونه لا يحدث.

إذن فإشكال وقوع المعاطاة بذلك هو تمليك العين بالإنشاء، وتمليك التمليك بنفس الإنشاء، وهو غير ممكن؛ لأنَّ التمليك بالحمل الشايع إنَّما يكون بعد الإنشاء، فلا يمكن المقابلة بين العينين والتمليكين بإنشاء واحد، ولو أمكن الجمع بين اللحاظين.

[في الفرق بين التمليك بالصيغة والفعل]

مضافاً إلى ذلك -بقطع النظر عمّا قلناه- أنَّه لنا أن نوقع فرقاً بين البيع بالصيغة وبين المعاطاة، فنقول: إنَّه في الصيغة لا يمكن أن ينظر إلى التمليكين استقلالاً، وإلا لزم الجمع بين اللحاظين، وذلك: لأنَّ الألفاظ آلات للمعاني، فلفظ (بعت)(1) آلة لمعناه.

أمَّا في الأفعال فليس الأمر كذلك، إذ يمكن أن يقصد بهذا العمل الخارجي أنَّه بيع، وينظر إلى العمل استقلالاً، كما لو أعطى شيئاً وقال: (إنّه أعطاني كذا)، ولا مانع منه؛ لأنَّ الإعطاء ليس آلة للمعنى ليكون النظر إليه استقلالاً مستحيلاً، فبنفس إعطائك تقول: (إعطائي هو كذا)، ولا يلزم الجمع بين اللحاظين. 

فهذا من جملة الإشكالات على الشيخ.

ـــــــــــــ[74]ــــــــــ

() يعني (ملّكت)، إذ يلزم لحاظه آلة بصفته لفظاً، ولحاظه استقلالاً كطرف للمعاملة، هذا هو المقصود. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 (إعادة إشكال الجمع بين اللحاظين وجوابه)

وقال فيما قال: إنَّ الصلح لا يكون تخلُّصاً من الإشكال، فإنَّه أيضاً يلزم منه الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي، وإذا تخلَّصنا من هذا المطلب بجعل المقابلة بين الملكين لا بين التمليكين، فهو خارج عن محلّ البحث، كما أنَّ التخلُّص بجعل المعاملة لفظيّة لا معاطاتية خروجٌ عن محلّ البحث أيضاً.

ومقصوده هو صحّة خصوص هذه المعاملة المعاطاتية، وهو غير ممكن بالصلح، فهذا النحو من التخلُّص غير صحيح.

مضافاً إلى ذلك: أنَّه في باب الألفاظ، قد وضعت لإفهام الغير، أو آلة لأجل الإيجاد، فاستعمال آلة ونظره استقلالاً محال، كما لو قلت: (هذا)، وقصدت بها الإشارة الآلية إلى شيء، وألحظ إشارتي هذه استقلالاً أيضاً، هذا غير ممكن. 

ولكن في الأفعال ليس الأمر كذلك، كما لو أشرت باليد وأقول: (إشارتي كذا)، فأنا قد أشرت وقد أخبرت عن إشارتي ولا استحالة في ذلك. 

في المعاطاة أيضاً كذلك، فإن المعاملة تتمّ بالإعطاء، وأن أقول: (إعطائي هو كذا)، ولكن إذا أردت أن تعمل ذلك باللفظ كان مستحيلاً.

[إشكال بعض المحققين في المقام]

3- الإشكال الآخر الذي قيل(1) في المقام: أنَّ تمليك العين بعوض، هو معنى مصدريّ، وقد لوحظ بما أنَّه آلة، وهو ليس له مالية، وإنَّما الماليَّة لحاصل 

ـــــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) راجع المكاسب والبيع 1: 206-207، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الرابع، ومنية الطالب 1: 71، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

المصدر لا للمصدر، وفرق بين أن تبيع شيئاً بإزاء خياطة ثوب، أو أن تبيع شيئاً بإزاء التمليك، فالأوَّل بيع لما فيه مالية، والآخر لا مالية فيه، فهنا فرق بين التمليك وسائر الأفعال، ففي سائر الأفعال بما أنَّها لها ماليّة، فلا مانع من جعلها عوضاً، والتمليك لا مالية له، فلا تتحقّق المعاملة.

[نقد الإشكال]

مرَّةً يقع الكلام في فهم المطلب، وأنَّه ماذا يقصد من المصدر ومن اسم المصدر؟ بحيث إنَّ المصدر لا مالية له، واسم المصدر له مالية، عندنا في المقام (التمليك) الذي هو المصدر، وعندنا (الملك) الذي هو أمر اعتباري، الذي هو عندنا حاصل المصدر، وعندنا (العين الخارجية)، فأيّ منها له ماليّة بالذات؟

هنا يجب أن نحسب حساب الجهة التحليليّة لمالية الأشياء، العباءة ليس لها مالية بما أنَّها شيء من الجواهر، بل بما أنَّ لها خواصّاً وآثاراً تقع مورداً لرغبة العقلاء، لذا يبذلون بإزائها المال، فإذا فرضنا للمعنى المصدري آثاراً مطلوبةً ولو بالتبع، كانت له مالية لا محالة، كما لو فرض أنَّ تمليكي لهذا الشيء بما أنَّه تمليك لهذا الشيء مرغوب للعقلاء، فكما أنَّ العباءة مطلوبة لا بالذات، وإنَّما لترتُّب الآثار عليها، كذلك المعاني المصدريّة إذا ترتَّبت عليها بعض الآثار، والاسم المصدري إذا لم يترتَّب عليه بعض الآثار فلا ماليّة له.

فهذه الأمور ليست مطلوبة بالذات، وإنَّما تنتهي لا ما هو مطلوب بالذات لا محالة، غايته قد يطلب بالعرض بواسطة واحدة أو بواسطتين أو أكثر، لا هو المطلوب بالذات، والجهة التعليليّة للماليّة هي الآثار المترتِّبة على الشيء، 

ـــــــــــــ[76]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فالمطلوب بالذات للمريض هو الصحّة، وحيث إنَّ الدواء سببٌ لها كان مطلوباً بالعرض، فإذا كان تمليك الدواء سبباً لحصوله لديه كان مطلوباً، ولا يقف المريض عن أخذ الدواء حتَّى الموت بمرضه لأجل فساد المعاملة، أو أنَّ التمليك له ماليّة كماليّة الدواء بالعرض.

بناءً عليه، المصدر واسم المصدر والآلية والاستقلالية أجنبيّة عن المسألة، بل يجب أن ننظر أنَّه ينتهي إلى المطلوب بالذات أو لا.

فعلى الأوَّل يكون له مالية لا محالة، فإن الناس يعطون بإزائه المال، وإلا فلا.

وأما الإشكال بأن يكون العوض عيناً، فقد سبق أن تكلّمنا فيه.

عمدة الإشكال، في مقابلة التمليك بالتمليك، ولم أجد من يتعرَّض له، وهو أن تمليك شيء بشيء آخر ما يتعلق به التمليك، لا بُدَّ أن يكون موجوداً في المرتبة السابقة على تعلُّق التمليك، فلو أردنا أن ننقل التمليك بالصيغة، ونقول: (ملّكتك تمليكي هذه العباءة بكذا) بنحو كلّي، فالتمليك قد لوحظ بنحو كلِّيّ وتعلق به التمليك الإنشائي، فالتمليك الإنشائيّ تعلّق بمفهوم التمليك ومعناه الاسمي، فيملّك عليك التمليك، كما يملّك عليك الخياطة لو كان قد ملّكها إياك، فهذا في البيع بالصيغة لا إشكال فيه.

ولكن نحن نريد إيجادها بالمعاطاة، هل نريد أن نجعل تمليك العين وتمليك التمليك، أي أن نقوم بعملين، أو أحدهما تمليك العين فقط، أو تمليك التمليك دون تمليك العين؟ تمليك العين وحده لا إشكال فيه وليس محلاً للكلام، وأما 

ـــــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

تمليك التمليك وحده فما هو التمليك الذي نريد تمليكه؟ فإنَّ التمليك الخارجي إنَّما يوجد -فيما إذا كان الطرفان تمليكاً جزئياً أو أحدهما- بالإنشاء، وبدون أن يقصد جدّاً تمليك هذا الشيء لا يوجد التمليك حتَّى يملّكه.

وإذا أردتم عمل كِلا العملين: تمليك العين وتمليك التمليك، فلازمه تقدم المتأخِّر وتأخُّر المتقدِّم. 

وذلك لأنَّه لا بُدَّ في المرتبة السابقة من وجود التمليك حتَّى يصحّ تملُّكه، مع ذلك تريد أن تعملهما: التمليك وتمليك التمليك في رتبة واحدة.

وتمليك الشيء لا إشكال فيه لوجوده في المرتبة السابقة، أما تمليك التمليك فهو متوقّف على وجوده، وهو إنَّما يوجد بالتمليك، وبعد تمليك العين. 

أمَّا إذا أردت جعله بتمليك(1) آخر فهو خارج عن محلّ البحث.

أمَّا لو أردتم جعل هذه المعاملة المعاطاتية كلِّيّة -كما في الصيغة- بأن يكون تمليكاً كلِّيّاً بإزاء تمليك كلِّيّ، نقول: هذا لا يمكن عرفاً وعقلائيّاً؛ لأنَّ تحويل العين بعد القصد آلة لانتقالها منه إليك، ولكنَّ دفعه ليس تمليكاً، وأنت تريد جعله آلة للتمليك الكلِّيّ وهو غير صحيح عقلائياً.

إذن فلا المعاطاة بنحو كلّيٍّ ممكنة للإشكال العقلائيّ، ولا بنحو جزئيٍّ للإشكال العقليّ.

وهذا الإشكال العقلي الذي قلناه، يأتي في إنشاء البائع فقط، لكن البائع إذا 

ـــــــــــــ[78]ــــــــــ

() يعني أن يملك العين به لا أنّه يملك التمليك بعد حصوله، هذا هو المقصود ولا يخفى ما فيه من تحصيل الحاصل، (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ملَّك الغير -العين- في مقابل تمليك للتمليك، فلا يرد شيء من الإشكالات، ويكون قبول الآخر بنفس الأخذ ويكون التمليك في عهدته، وهو قادر على التسليم، ولا يلزمه اللحاظ الاستقلالي للتمليك، فإنَّه بمجرد أن يملّك يكون قد سلّم التمليك.

وعلى أيّ حال هل المعاملة التي هي تمليك في مقابل تمليك؟ هل هي بيع أو صلح أو معاملة مستقلّة أو تقع باطلة؟

قال الشيخ(1): التمليك بالتمليك بعيد عن مفهوم البيع وحقيقته، ولعلَّه هبة معوّضة، ولكن يشكل جريان أحكام الهبة المعوّضة عليه؛ لأنَّه هنا ما لم يملك لا يكون هذا مالكاً، بخلاف الهبة، فإنَّه يملكها قبل تمليك العوض، ولا تكون ملكيتها متوقّفة على تمليك العوض، ما لم نقل إنَّ التمليك الثاني من قبيل الداعي للتمليك الأوَّل، فلا يكون فيه مانع.

ثم يقول: فإمَّا أن يقال إنَّها مصالحة على معنى معين، أو إنَّها معاملة مستقلّة.

نحن يجب أن نتمِّم مطلباً في المعاملات، أو في خصوص البيع، ويفيد في موارد أخرى، وهو أنَّنا تابعون للعقلاء، بحيث ليس لنا أن نخرج عن المجرى العقلائي ونتَّخذ طريقاً خاصّاً، وإلا لا يكون صحيحاً ويقع باطلاً.

[تحقيق حول المالية]

وفي باب مالية العوض؛ هل لا بُدَّ أن يكون مالاً عند جميع العقلاء، بمعنى 

ـــــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 81، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أنَّهم جميعاً يبذلون بإزائه المال، أو لا، بل إذا كان لا يبذل بإزائه المال إلا صنف خاصّ وأشخاص معيَّنون، والباقون من العقلاء حيث إنَّه غير داخل في غرضهم(1) لا يبذلون بإزائه المال؟ هذا مال وله حكم ما لو كان الجميع يبذلون له المال، مثلاً بوق الحمام لا يحتاجه سائر الناس، وإنَّما يحتاجه الحمّامي، وله فيه غرض، فيُبذل بإزائه المال، أو نقول: إذا دفع شخصٌ مالاً طبقاً لأغراضه الخاصّة، كان ذلك كافياً(2).

بل، كما قلنا آنفاً إنَّ مالية الشيء باعتبار آثاره، وقد تعلّق الغرض العقلائي بتلك الآثار، ويبذل بإزائه المال، فلو انتهى شيء إلى مطلوب بالذات بواسطة أو وسائط، فإنَّه يعطي في مقابله المال.

أو نوسع نطاقها أكثر، فإنَّه في بعض الأحيان، يتعلّق الغرض العقلائي بشرائه لا لآثاره، كما لو عامله بأن يشتري كلّ عقرب بكذا، لا لأجل الانتفاع، 

ـــــــــــــ[80]ــــــــــ

() هذا غير مضرٍّ في ماليّة المال إذا كان العقلاء يعترفون بماليّته في حدوده الخاصّة، بمعنى: أنَّ كلَّ عاقل إذا أصبح حمّاميّاً فإنه يبذل بإزاء البوق مالاً لا محالة. فالحمّامي إذ يبذل بإزائه يبذله عن حقٍّ في نظر العقلاء، وهذا معناه أنَّ البوق له ماليّة عند الجميع، وإن لم يكن يحتاجه إلّا البعض، فيدلّ على أنَّ الماليّة لا تدور مدار الحاجة.

نعم، البذل الفعليّ يدور مدار ذلك أو هو أمر آخر، (المقرِّر).

(2) هذا غير صحيح لا محالة، إذا لم يكن للشيء ماليّة في نظر العقلاء في المرتبة السابقة، فإنَّ العقلاء لا يرون دفع المال بإزاء ذلك حقّاً، وإن كانت الحاجة إليه شديدة، وإلّا لزم ارتفاع قيمة الشيء بازدياد الرغبة الشخصيّة فيه، وهذا خلاف الوجدان، وإنَّما يرتفع بارتفاع الحاجة النوعية، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بل لأجل أن يدافع عن نفسه، كما حدث أنَّ الدولة اشترت (سنها)(1) كلّ كيلو بكذا، هل هذا خارج عن كونه معاملة؛ لأنَّه لا بُدَّ في طرف المعاملة أن يكون مالاً كما في مالية الحنطة؟! وهنا لا يشتريه لأجل الاستفادة منه، بل لأجل إتلافه وإعدامه، فهل في البيع يعتبر نحو من أنحاء الاستفادة؟ أو إنَّني إذا أردت أن أدفع به الضرر عنّي، فهي أيضاً معاملة وبيع عند العقلاء؟

نحن في البيع لا بُدَّ أن نتبع العقلاء في كيفية إيقاع العقد، فإذا أردنا تنفيذ البيع، بقولنا: (آجرت)، كان ذلك مخالفاً لطريقتهم. 

وأما ما كان راجعاً إلى الأغراض(2) فلا يلزم أن نرجع فيه إلى العقلاء، وأن يكون شراء (السن) و(العقرب) متعارفاً، فلو كان هناك دواءٌ لشخص واحد في العالم، فهذا بيع عند العقلاء، وأمَّا الآخرين فلا يكون مورداً لأغراضهم، ولا يلزم أن يكون البيع باطلاً عندهم.

فمرَّة نقول: إنَّ التمليك في مقابل التمليك ليس مبادلةَ مالٍ بمال، قلنا إنَّه مال. 

ومرَّة نقول: إنَّه غير متعارف، نقول: لا يلزم أن يكون متعارفاً، وإنَّما 

ـــــــــــــ[81]ــــــــــ

() كلمة باللغة الفارسية تعني: يحتمل (سنـﮓ) أي الحجر.

() إذا كان المقصود من الأغراض الدواعي للبيع والشراء، فصحيح. إلّا أنَّ مثل ذلك لا يُتوهَّم دخله في جهة المعاملة. وأمَّا الأغراض المؤثِّرة في الماليّة زيادةً وقلةً فلا بُدَّ من الرجوع فيها إليهم، وأنَّه لزم ازدياد الماليّة بقوَّة الغرض الشخصي، وجعل الماليَّة لمِا ليس فيه ماليَّة عند العقلاء للحاجة الشخصية إليه، إلّا أن لا يُرى لازماً باطلاً، أو يجوِّز أن لا يكون طرف البيع مالاً، وكِلاهما كما ترى. وتنظيره بالدواء للمريض الواحد قياس مع الفارق، فاعرف، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نحتاج إلى أنَّ يُبذل بإزائه المال، ولو لغرض عقلائي لا لأجل الاستفادة منه، وإنَّما لأجل دفع المضرَّة مثلاً، هذا المقدار من الغرض يكفي في كونه بيعاً  عقلائيّاً، نحن في ذلك تابعون لإطلاق الدليل، فإنَّه بيع ويقْدِم عليه العقلاء، غاية الأمر في ظرف خاصّ، وكل المعاملات كذلك، فإنَّها ليست بنحوٍ بحيث تقع مورداً لحاجة جميع العقلاء.

[حول اعتبار العينية في البيع]

وأمَّا إذا كان الإشكال: أنَّ أحد الطرفين (المبيع)، يجب أن يكون عيناً؛ لأنَّهم عرَّفوا البيع بأنَّه: (تمليك عين بعوض). وإنَّما جاء هذا التعريف نظراً إلى النوع، ولذا لو باع شخصٌ حقَّ تحجيره أو عمله لشخص، هل هذا ليس بيعاً في نظر العقلاء، أو إنّه بيع بلا إشكال؟

فإذا أشكلتم من حيث البيع، ولم يكن ذلك بيعاً، أو كان بيعاً، إلّا أنَّه غير صحيح، فهل هو هبة معوّضة أو مصالحة؟

إذا قلتم: إنَّ مطلق وضع القرار مصالحة، كانت جميع المعاملات صلحاً، أو أنَّ الصلح له معنى خاصّ، ونحن أردنا أن نتبادل التمليك بالتمليك، فإذا لم يكن بيعاً، ولا هو هبة معوّضة فإنَّهم لم يقصدوها، ولا صلحاً أيضاً ولا معاملةً أخرى، ما هي هذه المعاملة؟ لماذا تغضّ النظر عن صدق البيع عليه، ونقول: إنَّه معاملة أخرى؟! إذن لا إشكال فيه سوى الإشكال العقلي من طرف الإيجاب.

هذا محصَّل صورتين ذكرهما الشيخ.

ـــــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



صورتي الإباحة في مقابل العوض والإباحة في مقابل الإباحة

 

وذكر صورتين أخريين:

إحداهما: الإباحة في مقابل العوض، أن يكون طرفٌ عيناً وطرفٌ إباحةً.

وثانيتهما: أن تكون إباحة في مقابل إباحة، لا نفس الإباحة؛ حتَّى لا تأتي إشكالات التمليك السابقة.

[إشكالان للشيخ الأعظم في المقام]

ذكر الشيخ(1) هنا إشكالين، لا يختصَّان بالمعاطاة، بل يشملان البيع، بل سائر المعاملات لا سيّما الأوَّل منهما.

إشكاله الأول: أنَّ إباحة بيع التصرُّفات حتَّى الموقوفة على الملك له محذور.

الإشكال الآخر: الإباحة في مقابل العوض، أو الإباحة في مقابل التمليك، خارج عن ماهيَّة البيع.

الإشكال الأول: إباحة التصرفات الموقوفة على الملك

أمَّا الإشكال الأوَّل: حول إباحة بيع التصرُّفات حتَّى التصرُّفات الموقوفة 

ـــــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 82، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

على الملك، يمكن أن يكون إشكالاً عقلياً، ويمكن أن يكون عقلائياً، ويمكن أن يكون إشكالاً شرعياً. ومنشأ الإشكال العقلي والعقلائي: هو أن ننظر ماهيَّة البيع ما هي، فإذا علمناها نرى أنَّ إشكاله هل هو وارد أو غير وارد؟

تقريب إشكاله(1)

إنَّ ماهيَّة البيع هي مبادلة الإضافتين، فإنَّ لي نحو هذا المال إضافةً اعتباريةً، ولك إضافةً نحو ذلك المال، فنتبادل بين الإضافتين. 

فإذا كانت هذه هي ماهيَّة البيع، فهذا الذي يبيح لك جميع التصرُّفات حتَّى الموقوفة على الملك، وأنت تريد إخراج الملك من جيبه ونقله إلى جيبك، فهذا ليس فيه تلك الإضافة، وإنَّما يدخل الثمن إلى من لم يخرج من كيسه المُثمَن، فهذا ليس من تبادل الإضافات، فلا يكون بيعاً، هذا محصَّل الإشكال العقلي والعقلائي.

[ما يلاحظ على الإشكال الأول]

أولاً: لا بُدَّ أن يكون مراده من الإضافة التبع، فإنَّ وجود الإضافة بلا طرف ولو آناً ما محال، وتبادل الإضافة محال، وإنَّما مراده نتيجة تبادل الإضافتين. 

وهو أن يكون الثمن ملكي بعد أن كان ملكك، والمثمَن بالعكس، فهنا نرى سوق العقلاء في الموارد التي قلناها، هل يرونها ليست بيعاً؟ إذا لم يكن بيعاً 

ـــــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) تقريب الإشكال الأول.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وكلامه صحيح، وإذا كانت بيعاً ينكشف أنَّ نطاق البيع أوسع ممَّا ذكره.

فمثلاً: في الموقوفات العامَّة التي لا يملكها أحد، أو على القول بأنَّه لا يملكها أحد، ووجد لها مجوّز للبيع، فإذا باعه الحاكم الشرعيّ فالمشتري يملكه، وماذا يصبح الثمن؟ وقفاً عاماً طبعاً. فهل هذا ليس بيعاً؟ وإذا كان بيعاً فهل هو من تبادل الإضافات(1) بذلك المعنى؟ بمعنى أنَّ المال يخرج من كيس الحاكم والشيء يدخل في جيبه، أو أنَّه لا يخرج من جيب أيِّ أحد ولا يدخل ثمنه في أيِّ جيب، وإنَّما يجب أن يتّصف(2) بنفس الصفة التي كانت لمثمَنه، فهل هذا ليس بيعاً؟

أو مثلاً: في الأموال الزكوية، بناءً على التحقيق من أنَّها ليست ملكاً لأحد، لا للفقراء ولا غيرهم، وإنَّما هذه مصارف، وإنَّما هي ملك صندوق الإسلام، 

ـــــــــــــ[85]ــــــــــ

() لا يقصد بتبادل الإضافات إلَّا أن يكون للبدل نفس صفة المُبدَل عنه، فإذا كان ملكاً لشخصٍ كان بدله ملكاً لذلك الشخص، وإذا كان بدله وقفاً عامّاً كان هو كذلك، أو كان بدله مشتركاً بين جماعة كان هو كذلك، أو كان بدله من أموال الزكاة كان البدل كذلك، وهكذا.

والشيء الذي لا يصحّ في الباب هو اتِّصاف البدل بغير صفة بدله، لا خصوص خروج المال من جيب ودخوله إلى غير من خرج منه العوض، فإنَّ هذا مصداق للقاعدة وليس هو المورد الوحيد.

إذن، فلا يرد أيّ نقضٍ عمّا أورده السيّد فيما يأتي على الشيخ، (المقرِّر). 

(2) ليس هذا بعيداً عن دعوى الشيخ ليجعل نقضاً عليه، بل لعلّه يعترف به، انظر التعليقة السابقة، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وكان قسم من الأموال الزكوية بيد حاكمٍ، وقسم آخر بيد حاكمٍ آخر، ويريدان أن يتبادلا، فهل هذا ليس بيعاً في نظر العقلاء؟! لأنَّه لم يخرج من كيس شخص، ولم يدخل في كيس شخص آخر، أو إنَّه بيع، ونتيجته أنَّه أصبح هذا الحاكم مسلَّطاً على ذلك المال، وذاك الحاكم على هذا المال، وليس من تبادل الإضافيين(1)؟

ـــــــــــــ[86]ــــــــــ

() لا محالة أنَّ هذا البيع يتوفّر فيه الشرط، وهو: اتِّصاف العوض بصفة المعوَّض. 

أمَّا أصل البيع؛ فمع وحدة الدولة الإسلاميّة لا يكون له معنى، إذ جميع الأموال للمسلمين، فليس هنا إلّا طرفاً واحداً لا طرفان ليصحّ البيع.

وأمَّا لو تعدَّدت الدولة:

فإن لم نقل باختصاص كل دولة بمالٍ معيّن، إذا كان المال بحكم الشرع للمسلمين، فهناك أيضاً كذلك.

وإن قلنا بالاختصاص فيكون للبيع وجه، إلَّا أنَّه متوقِّف على المصلحة العامَّة لا محالة.

وأمَّا من حيث سلطنة الحاكم:

فإن كان معصوماً والمال للمسلين فأيضاً لا معنى للبيع لوحدة الطرف.

وإن كان فقيهاً:

فإن قلنا بولايته العامَّة: إذن فهو كما أنَّه مسلَّط على الأموال التي في يده مسلَّط على الأموال التي في يد الآخر لا محالة؛ لوحدة الملاك، وهي كونها أموالاً للمسلمين، فلا يحصل أيُّ اختلافٍ في السلطنة حتَّى لو أمكن البيع.

 وإنْ لم نقل بالولاية العامَّة: حتَّى في باب الأموال، وكان للفقيه نحو اختصاص من الأموال التي عنده، أمكن تصوُّر البيع بين الطرفين، وتبادل السلطنتين إذا لم يكن فتواهما رجوع كِلا المالين للمسلمين، فيمتنع البيع أيضاً.

إذن فلا يمكن البيع على أيِّ حالٍ على فتوى السيّد من رجوع المال إلى بيت مال المسلمين لوحدة الطرف، فاعرف. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أو أنَّ هذا الطير في السماء، وليَ قدرة على القبض عليه، فأبيعه على شخص قَبْل أن أقبضه، فيبذل ذلك الشخص المال؛ لأنَّه عاجزٌ عن صيده، وبعد ذلك أصيده وأعطيه إيّاه(1)، كلّ هذا بيع عند العقلاء. نفس السمك في (بحر الخزر) كانوا يبيعونها ويكون بيعاً عقلائياً.

وليس عندنا هذا المعنى الضيق للبيع وهو تبادل الإضافات، وإنَّما هي معانٍ ناشئةٌ في المدرسة، وتمام القيود التي قيلت في البيع نشأت من تصفُّح الجزئيات، ولو كانوا قد عرّفوا البيع قبل حدوث الأثمان لما قالوا إنَّه مبادلة عين بثمن(2).

بناءً على هذا أيّ مانعٍ من أن يبيح هذا الشخص جميع التصرُّفات حتَّى التصرُّفات الموقوفة على الملك، في مقابل شيء، وهذا بيع للشيء، ويأخذ ثمنه ويتصرَّف فيه؟

أمَّا الإشكال من ناحية دلالته الشرعيّة، مثل قوله: “لا بيع إلّا في ملك 

ـــــــــــــ[87]ــــــــــ

() هذا غريب، فإنَّ الشرط وهو اتّصاف العوض بصفة للمعوّض محقَّق على الفرض، إذ الفرض هو حيازة البائع للطير وتسليمه.

نعم، كان عليه أن يفرض عدم التسليم إن تصدى نفس المشتري لصيد الطيور، إلّا أنَّه حينئذٍ يكون أشدّ غرابةً لا محالة. (المقرِّر).

(2) الثمن في التعريف ليس بمعنى النقود؛ لكي يرد إشكال السيد، وإنَّما معناه كلّ شيء له ماليّة يُجعل عوضاً عن المبيع، فلا يرد ما ذكره، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أو فيما تملّكٍ-“(1) وقوله: “لا طلاق إلّا فيما تملكه، ولا بيع إلّا فيما تملكه”(2)، التي دلَّت على أنَّ البيع لا يكون إلَّا في ما هو مملوك للبايع، هذا في مقابل أن يبيع مال غيره، يعني لا يقع حينئذٍ بيعاً صحيحاً فعليّاً.

إذن هذا لا يُستفاد من الأدلّة الشرعيّة.

أما إذا قلنا بورود الإشكال، وقلنا إنَّ تبادل الإباحتين غير ممكن؛ لأنَّه يعتبر في البيع تبادل الإضافتين، فهل يمكن أن نصحّحه بطريق آخر؟

[التخلص من الإشكال]

كان الإشكال أنَّه بحسب حكم العقل والعقلاء، يدخل الثمن في ملك من خرج منه المبيع، وأنَّ ماهيَّة البيع عبارة عن تبادل الإضافتين، نقل ما هو مباح بتمام التصرُّفات ليس بيعاً، لعدم توفُّر ذلك فيه، وكان الإشكال الشرعيّ حول أنَّه: “لا بيع إلّا في ملكٍ(3).

لو سلَّمنا هذه الإشكالات، وقلنا بتماميَّتها، فهل هناك طريق للتخلُّص، أو لا بُدَّ من الالتزام بها؟ نقول: 

مرَّة يُبيح لك الشخصُ جميعَ التصرُّفات المالكيّة بلا عوض، حينئذٍ لا إشكال أنَّ له التصرُّف في المال أيضاً، ويبقى له ذلك. 

ـــــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 2: 247، باب المتاجر، الحديث 16، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 15209.

(2) عوالي اللئالي 3: 205، باب التجارة، الحديث 47، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 15210.

(3) عوالي اللئالي 2: 247، باب المتاجر، الحديث 16، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 15209.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ومرَّة يُبيح هذه التصرُّفات بعوض، فهل هذه المعاملة تُنتج قصر يد المالك عن التصرُّفات في العين أو لا؟

إذا كانت الإباحة مجّانيّة، أو كانت غير مجّانيّة، وقلنا بأنَّه للمالك الأوَّل التصرُّف في العين أيضاً، فلا كلام لنا، ويرد الإشكال الذي قاله الشيخ، بقطع النظر عن الجواب.

وأما إذا قلنا: إنَّ آخذ العوض في مقابل الإباحة، إذا أراد أن يتصرَّف في العين، يرى العقلاء ذلك منافيّاً للمعاوَضة، بعد أن أخذ في مقابله عوضاً.

فإذا قلنا بأنَّ المالك انقطعت عنه التصرُّفات بالكلّيَّة، وأصبحت أجمعها للمشتري، وإنَّ مقتضى المعاوضة ووجوب الوفاء بهذا القرار هو عدم جواز تصرُّف المالك الأوَّل، وانتقالها جميعاً إلى الثاني.

نقول: إنَّه بحسب نظر العقلاء، إذا مُنِع شخصٌ عن أيِّ نحو من التصرُّفات المالكيّة، في الشيء لا الآن ولا بعد ذلك، ينتزع من ذلك عدم الملكيّة، ويُقال إنَّ هذا الشخص ليس مالكاً. 

وكذلك إذا أُبيِح لشخصٍ جميعُ التصرُّفات المالكيّة غير مقيَّد بقيد ولا مغيّى بغاية، فهذا يُفهم منه أنَّه جعلٌ للمالكيّة بهذا اللفظ.

فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ هذا الشخص إذا كان ملتفتاً إلى حكم العقلاء بذلك، فإباحته لجميع التصرُّفات بلا قيد، ملازم لقصده التمليك لا محالة. فبهذا القرار نفسه تحصل الملكيّة. 

ـــــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا إذا لم يكن ملتفتاً للحكم العقلائي هذا، فهو قد قصد معنى هو في نظر العقلاء تمليك، فيحصل الملكيَّة ولو لم يكن ملتفتاً إليها، ويكون تمليكاً بالحمل الشايع.

إذا صدّقنا بهذا الأمر العقلائي، فلا إشكال في المقام فهذا بالإباحة تكون ملكته، وذاك يكون بالأخذ، ولا يبقى إشكال لا عقليّ ولا شرعيّ.

 وإذا لم نقبله فهل يمكن التخلُّص بوجه آخر؟

إذا أباح لي المالك كلّ التصرُّفات حتَّى التصرُّفات المالكية، بهذا المعنى: إنَّ لي أن أتصرَّف بهذا الشيء بأيّ نحو كان المالك يتصرَّف به، فليس معنى ذلك أنَّه (بِعْ من قبل نفسك)، ليلزم الإشكال في أنَّ المُثمَن يخرج من جيبي ويدخل الثمن في جيبك، وإنَّما معناه أنَّه: (بِعْ لي ولكن لك التصرُّف في ثمنه) أيضاً بالنحو الذي كان لك التصرُّف في المُثمَن، فكما كنت أبيعه أنا واستفيد من ثمنه، كذلك أنت بِعْه عنِّي، واستفد من ثمنه كما كنت تستفيد من المُثمَن، فهو لي وملكي، ولكنك تستفيد منه.

بناءً عليه يرتفع الإشكال من الأساس، ولا حاجة إلى التكلُّف في تصحيحه.

[ما أفاده الشيخ الأعظم في مقام الجواب]

الشيخ بعد أن يُبيِّن هذين القسمين، يذكر للدفاع عنها وجوهاً ويردُّها، نذكر بعضها ممَّا هو محلّ الكلام:

أحدها: أنَّه كما ذكر العلَّامة(1) في باب: (اِعتق عبدك عنِّي)، لو قال شخص 

ـــــــــــــ[90]ــــــــــ

() راجع تذكرة الفقهاء 10: 10، كتاب البيع، المقصد الأوَّل، الفصل الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

للمولى: (اِعتق عبدك عنِّي) فهو بمنزلة استدعاء تمليك العبد له وعتقه عنه، ويكون العتق جواباً (والاستدعاء من قبيل القبول المقدَّم، والعتق من قبيل الإيجاب المتأخِّر على هذا الاستدعاء، والانتقال يحصل بعد الاستدعاء ويُقدَّر قبل العتق آناً ما، وهو من البيوع الضمنيّة التي لا يشترط فيها شرائط البيع.

يقول الشيخ(1): هنا أيضاً نعمله بهذا النحو ونقول: إنَّ إباحةَ هذا الشخص تمام التصرُّفات تمليكٌ للآخر، والبيع الذي يعلمه ذاك جواب وبمنزلة القبول.

[كلام حول مسألة (اعتق عبدك عني)]

لنا كلام حول ما قاله العلَّامة، ثُمَّ كلام حول ما قاله الشيخ في أنَّه مطابق لكلام العلَّامة أو لا.

أمَّا ما قاله العلَّامة، على ما ينقله عنه الشيخ، أنَّ (اِعتق عبدك عنِّي) استدعاءٌ لتمليك العبد، وعتقه له يكون جواباً لهذا الاستدعاء، والنقل والانتقال يقع بعد هذا السؤال والجواب، أو يُقرِّر الملك قبل العتق آناً ما، ثُمَّ يقول: وهذا من البيوع الضمنيّة التي لا يُشترط فيها ما يُشترط في البيع.

أولاً: ماذا يريد أن يقول العلَّامة، حول ما يقوله من أنَّ (اِعتق عبدك عنِّي) استدعاء للبيع في ضمن العتق، ويكون جوابه عبارة العتق، ويقع الانتقال بهذا الاستدعاء والجواب، هل مقصوده أنَّه بالعتق ينتقل لليد ويكون ملكه ويتحرَّر أيضاً؟ كيف يمكن أن تحصل المالكيّة بالعتق؟ 

ـــــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 83، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هل يحصل النقل والانتقال بعد العتق؟ أو يحصلان معاً في رتبة واحدة؟ أو يحصل الملك ويترتَّب عليه العتق؟ 

وهذه الاحتمالات منحصرة لا رابع لها.

فإذا قلنا بحصول العتق أولاً، ثُمَّ يحصل الملك، فهل يمكن أن أملك العبد المحرَّر؟ وإذا فرضنا أنَّني ملكته، فلا طريق إلى عتقه بعد ذلك، بالإضافة إلى أنَّ مالكه الأوَّل إنَّما كان يمكنه التمليك ما دام العبد ملكه لا بعد أن يتحرَّر.

وأمَّا حصول الملك والحرِّية معاً، فهو يعني أنَّ العبدَ مملوكٌ وحرٌّ وهو محال(1)

وأمَّا حصول الملك أوَّلاً، ثُمَّ حصول الحرِّية، كيف عملتم ذلك وليس عندنا إلا إيقاع العتق، وأنتم تريدون أن تجعلوا بنفس هذا الإيقاع(2) الواحد الملكيّة، ثُمَّ في الرتبة المتأخِّرة عنه التحرُّر والعتق، كيف يمكن أن يكون هذا بالإنشاء الواحد؟!

وثانياً: حول ما يقوله من أنَّه (تُقدَّر الملكيَّة قبل العتق آناً ما).

هل مراده من العتق (الإعتاق)، أو العتق الذي يحصل بعد الإعتاق، إذا 

ـــــــــــــ[92]ــــــــــ

() يعني محال بحسب الاعتبار الشرعيّ لا العقلي فتأمل، (المقرِّر).

(2) كلُّ هذا يكون بلا موضوع لو عرفنا أنَّ الملكيَّة التي قبل العتق ملكيّةً حكم الشارع بها ابتداءً لاستحالة تخلف هذا الحكم، فإنّه (لا عتق إلا في ملك)، وليس هذا الملك ناشئاً من الإنشاء لكي يرد الإشكال، فنحن نختار الشقّ الأخير ولا يلزم شيء، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

كان مراده أن الملك يحصل قبل الإعتاق، يعني بعد الاستدعاء وقبل الإعتاق، بعد القبول وقبل الإيجاب، نُقدِّر الملكيَّة ونعتبرها، فهل قام عليها الدليل الشرعيّ لنحتاج إليها؟ أو أنَّ القواعد تقتضي ذلك من حيث إنَّه (لا عتق إلا في ملك)؟ مع أنَّ هذا ليس مخالفاً للقواعد، وتلتزمون بما هو أبعد عن القواعد، فإنَّ قوله: “لا عتق إلّا في ملكٍ” إنَّما يتناول الملكيَّة الحقيقيَّة لا الملكيَّة المعتبرة(1) والمتصوَّرة لك.

فإذا كان تقدير الملكيَّة قبل الإنشاء والجواب والعتق، مستقضي القواعد فهو باطل، حيث نرى أن (اِعتق عبدك عنِّي) أكثر مخالفة للقواعد – وهو ممكن وجائز كما في التبرع به-، أو أن نعتبر الملكيَّة ونُقدِّرها ونجعلها سبباً في رفع الإشكال، وإذا كانت هذه الملكيَّة التقديريّة كافية فلماذا نحتاج بعد ذلك إلى النقل والانتقال(2)؟

وإذا كان مراده من العتق، ما هو بمعنى اسم المصدر ونتيجة المصدر، وهو العتق، فتُقدَّر الملكيَّة قبله، هل يوجد فاصل آناً ما بين السبب والمسبّب والحكم وموضوعه؛ لكي نقدِّر فيه الملكيَّة؟ 

ـــــــــــــ[93]ــــــــــ

() متعلّق التقدير هو الملكيَّة الحقيقّة لا محالة، وليس معنى التقدير هو تصوُّر الملكيَّة، ليس إلّا، وإنَّما معناه الحكم بأنَّ الشارع حكم بملكيّة العبد قبل عتقه آناً ما.

إذن لا فرق بين الملكيَّة المتصوَّرة والحقيقية بل ترجع الى الحقيقية لا محالة، (المقرِّر).

(2) من قال أنَّنا نحتاج إلى ذلك؟ كلُّ ما في الأمر أنَّ العبد ينتقل إلى المُعتِق عنه آناً ما ثُمَّ يتحرَّر، والانتقال يحصل بهذه الملكيّة وهي ملكيّة حقيقيَّة كما سبق أن قلناه، ولا نحتاج إلى تقدير ملكيّة أكثر من ذلك، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

لا بُدَّ أن نقول إنَّه بين الإيقاع والحرِّية فاصلٌ آناً ما لنقدر فيه الملكيَّة وهو محال(1).

وثالثاً: ما يقوله: (من أنَّ هذا بيع ضمني، لا يُعتبر فيه ما يُعتبر في العقود)، من أين هذا؟

إذا كان بيعاً فلا بُدَّ من أن تشمله العمومات، وإذا لم يكن بيعاً فلا دليل على صحَّته، وكان اللازم أن يقول: هذا بيع ضمنيّ لا دليل(2) على صحّته، لا أنَّه لا يشمله ما يُعتبر في العقود.

وبناءً عليه لم أستطع أن أفهم كلام العلَّامة صدراً وذيلاً.

[كلام حول ما قاله الشيخ في مسألة (اعتق عبدك عني)]

الآن نأتي إلى كلام الشيخ، وهل هو مطابق لكلام العلَّامة أو لا؟

وإذا ورد الإشكال على العلَّامة هل يرد على كلام الشيخ أو لا؟

ـــــــــــــ[94]ــــــــــ

() هذا مبنيٌّ على تخيُّل ترتُّب حصول الملكيّة على إيقاع العتق وهو باطل على ما أسلفنا، وإنَّما هو حكمٌ ابتدائيٌّ للشارع يُستكشف من حكمه باستحالة العتق في غير الملك، وعليه فلا استحالة بتقدير الملكيّة قبل العتق، إلّا أنَّ اللازم تقديرها قبل الإيقاع لا قبل نتيجته فلا يلزم محذور. (المقرِّر).

(2) بناءً على ما قلنا من أنّها ملكيّة حكم بها الشارع ابتداءً لا تكون بيعاً أصلاً، فتكون ملكيّة صحيحة، ولا تشملها عمومات البيع وشروط المعاملة؛ فيصحّ كلام العلَّامة. إلّا أنها مع التنزّل واعتبارها بيعاً فلا بُدَّ من شمول العمومات لها، وتكون هي الدليل على صحّتها ويُعتبر فيها ما يُعتبر في غيرها من البيوع، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [توجيه كلام العلَّامة]

أخذ في قوله(1): (أعتقك عبدك عنِّي)، أن يكون الإعتاق عنه، فيستفاد منه أنَّه استدعاء للتمليك والعتق المترتِّب على التمليك، هذا هو المطلوب.

 وهذا النحو من الاستدعاء ممكن، وفي طرف الجواب أيضاً كذلك ينحلُّ في نظر العرف إلى معنيين:

أحدهما: بالكتابة والإشارة وهو التمليك.

والآخر: وهو العتق المترتب عليه، وحيث إنّ العتق مقيَّد بأن يكون (عنِّي) في الاستدعاء، فلا بُدَّ أن يكون العتق مترتِّباً على تمليكي.

وفي الجواب يُستفاد من قوله (عنك) في (أعتقته عنك) التمليك، فالمعنيين: التمليك والعتق، وإن كان لا يمكن أن نستفيدهما من (أعتقت)، إلا أنَّنا نستفيدهما من قوله: (اعتقته عنك).

وأمَّا قوله: (إنَّ الملكيَّة تُقدَّر قبل العتق آناً ما)، ليس المقصود هو الملك التقديري، بل الملك الحقيقيّ، و(آناً ما) بمعنى التقدُّم في الرتبة، فكأنَّه صار ملكاً له فأعتق.

وأمَّا كونه ليس بيعاً وليس له شرائط البيع، فمقصوده: أنَّ مثل هذا البيع الذي يقع في ضمن شيء آخر، لا يحتاج إلى الإيجاب والقبول بعنوانهما، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ (اِعتق عبدك عنِّي) استدعاء للتمليك ثُمَّ العتق، و(أعتقته 

ـــــــــــــ[95]ــــــــــ

() حضرت بعد بدء الدرس بقليل، وكأنّ السيّد قد عنُون كلام العلَّامة، وبدأ بتوجيهه بشكل معقول لا يرد عليه الإشكال، فكان ممَّا قال: أخذ في قوله…(المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

عنك) تمليك وعتق مترتِّب عليه، والتمليك يُستفاد ضمناً من كلمة (عنك)، لا من كلمة (أعتق). 

هذا غاية ما يمكن أن يُستفاد من كلام العلَّامة، إلا أنَّه مع ذلك بعيدٌ عن العرفيَّة، ولا يمكن تصحيح المسألة بشكل يوافق عليها السوق.

[كلام حول ما قاله الشيخ الأعظم في مسألة: (اعتق عبدك عني)]

وأمَّا قول الشيخ نظير قول العلَّامة، فإنَّه يقول: إنَّ هذا الإعطاء الذي يعطيه لأجل إباحة سائر التصرُّفات، بما فيها التصرُّفات المالكيّة بهذه الإباحة يقصد التمليك، وبيع هذا الشخص لهذا الشيء يكون بمنزلة القبول. 

فكما قال العلَّامة: إنَّ العتق بمنزلة التمليك ثُمَّ العتق، هنا هذا البيع بمنزلة القبول ثُمَّ التمليك للآخر، هكذا يريد أن يُتمِّم الشيخ المطلب، ويرى أنَّ طريق الإشكال هو أنَّه لم يقصد ذلك، وإلَّا فلا إشكال آخر.

ونحن لنا كلام في تطبيق كلامه على كلام العلَّامة، وكلامه حول أصل المطلب، وأنَّه لو قصد القبول لما ورد إشكال آخر، أو أنَّه على أيِّ حالٍ لا يخلو من إشكال.

نقول: نحن أوَّلاً نتصوَّر شكلين:

أحدهما: أنَّ المطلب يتمُّ بالإعطاء والأخذ مرَّة، كما هو ظاهر الشيخ، وكما هو مقتضى تنظيره بكلام العلَّامة، أمّا الإعطاء والتمليك للآخر هو الذي يتمِّم المعاملة.

ومرَّة نتصوَّر هكذا: أنَّ هذا يعطي لأجل الإباحة، وبه يقصد التمليك، وهو يأخذ بعنوان التملك، وبالأخذ تتمُّ المعاملة، والبيع المتأخِّر يقع في ملك البائع.

ـــــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [تغاير باب الألفاظ عن باب الأفعال]

هنا كلام في باب الألفاظ، إذا قال: (أبحت لك التصرُّف البيعي في هذا الشيء)، يمكن أن يقال: إنَّه في صورة أنَّ البيع لا يكون إلَّا بالملك، يمكن أن يكون كنايةً عن التمليك، وهذا صحيح في باب الألفاظ، فهل هو صحيح في باب الأعمال؟ أنا أعطيك وأقصد الإباحة، وأقصد من الإباحة التمليك؟ فكما أنَّ الألفاظ يمكن أن يُؤتى بها كنايةً عن شيء، كذلك في باب الأفعال يُؤتى بالإباحة كنايةً عن التمليك، هل هذا الأمر معقول وشرعي؟ أو إنَّه إذا عملت للإعطاء بقصد شيء، فلا يمكن جعل ذلك الشيء كنايةً عن أمر آخر، ففي قوله: (أبحت لك سائر التصرُّفات) لم يقصد الإباحة أصلاً، بل قال اللفظ وقصد المعنى الجدِّي والتمليك، كما في قولهم: (زيد كثير الرماد)، فإنَّ الكلمات استُعملت بمعناها الموضوع لها، إلّا أنَّ المتكلِّم استعملها لأجل إفهام معنى آخر هو الجود، وأما لو فُرض أنَّه استعمل الكلمات في معناها جدّاً، فهل يمكن أن يجعلها في عين الحال كنايةً عن أمر آخر، فهذا في الألفاظ محلّ إشكال، أن يقصد بها المعنى الحقيقيّ، ويقصد هذا المعنى الكنائيّ مترتِّباً على المعنى الحقيقيّ، فهل يمكن ذلك الذي يمنعونه في العرضيات، هل يمكن في الطوليات؟

بمعنى أنَّ النظر الآلي يكون متوجِّهاً إلى معناه الخاصّ، ونظر آلي آخر يتوجَّه إلى معناه الآخر، هذا في الألفاظ محلّ إشكال. وفي الأعمال المفروض أنَّه بالإعطاء أباح سائر التصرُّفات المالكيّة في الشيء، فهو يعطي بقصد الإباحة، وبهذا الإعطاء يقصد التمليك، فيقصد كِلا المعنيين طولاً، فهذا أولى بعدم الجواز.

ـــــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [عودة إلى مناقشة كلام الشيخ الأعظم]

الآن نغضّ النظر عن ذلك، ونقول: إنَّه بالأخذ يكون مالكاً، هنا مرَّة يكون الإعطاء بقصد إباحة التصرُّف البيعي، فهو بهذه الإباحة يملكه وذاك يأخذه ولا إشكال فيه، ومرَّة يبيح بالإعطاء سائر التصرُّفات المتوقِّفة على المالكيّة، وهذا لا بُدَّ أن يكون تمليكاً، وهذا ايضاً لا إشكال فيه.

 ومرَّة نقول إنَّه بهذا الإعطاء يقوم بعملين:

أحدهما: إباحة الأمور والتصرُّفات غير الموقوفة على الملك، وهذا لا يكون تمليكاً.

ثانيهما: إباحة التصرُّفات المتوقفة على الملك، وهذه الإباحة تكون تمليكاً.

فهنا أمران:

أحدهما: تمليك تنجيزيّ بالنسبة إلى شيء.

ثانيهما: إباحة تنجيزيّة بالنسبة إلى شيء.

هذا لا عقلائيّة له ولا إمكان؛ لأنَّك تريد أن تكون إباحة في التصرُّفات غير الموقوفة على الملك، وتمليك في التصرُّفات الموقوفة عليه، فهو إباحة من حيث وتمليك من حيث، فهذا الشيء ملكك من حيث وليس ملكك من حيث، وهذا لا يمكن أن يكون بنحو التنجيز.

فلا بُدَّ أن يكون أحدهما تعليقياً، بأن تكون الإباحة للأمور غير الموقوفة على الملك تنجيزيّةً، وتكون الإباحة للأمور الموقوفة عليه تمليكاً تعليقيّاً، بمعنى: إذا أردت البيع فقد ملّكتك هذا الشيء.

ـــــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [هل يجوز قصد معنيين بفعلٍ واحد؟]

هل هذا ممكن؟ أي: أن يقصد الإباحة تنجيزاً بما لا يتوقف على الملك، والتمليك بما يتوقف عليه، على تقدير هذا كلّه بهذا الإعطاء الواحد، يقصد معنيين متباينين بفعل واحد. 

يقول الآغايون: إنَّه في الألفاظ يستحيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فكذلك في الأفعال، بل حتَّى إذا قلنا بجوازه فإنَّه إنَّما نقول به في المعنيين العرضيين لا الطوليين، وبالآخرة يرجع هذا الإعطاء إلى قوله: (إذا أردت البيع فهذا ملكك، وإذا لم ترده فهو مباح لك). 

ونحن نقول بجواز الاستعمال في أكثر من معنى في باب الألفاظ، إلّا أنَّ قصد كلّ من المعنى التعليقيّ والتنجيزيّ محلّ إشكال.

[تنظير الشيخ بكلام العلَّامة]

أما تنظير كلامه -الشيخ- بكلام العلَّامة،  يقول: “إنَّ الإعطاء يكون إنشاءً للتمليك”، وبحسب قول الشيخ “أنَّ بيعه إنشاءٌ للقبول”، فكأنَّ كلّاً من الإيجاب والقبول من الإنشائيات، وأنَّ القبول أيضاً يحتاج إلى الإنشاء، ويتحقَّق بالبيع لا بالأخذ، وهو إنَّما يقول ذلك تخلُّصاً من الإشكال العقلّي الذي ذكره، وهو أنَّ ماهيَّة البيع عبارة عن تبادل الإضافات، ولا بُدَّ أن يخرج الثمن مِنِّي، ويدخل عندك ويخرج المُثمَن مِنك، ويدخل عندي، لا أن يخرج الثمن مِنِّي ويدخل عندك، ويخرج المُثمَن مِنك ولا يدخل عندي، بل يذهب لشخص آخر، هذا خلاف ماهيَّة البيع عند العقلاء، وخلاف التبادل عقلاً، وهو نقلاً مخالف لأدلّة (لا بيع إلّا في ملك).

ـــــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ويقول في الجواب: إنَّهما لم يريدا ذلك، ولو كانا قد أراداه لما كان هناك إشكالٌ. 

الآن نرى أنَّه هل يبقى إشكال أو لا؟

إذا كانت ماهيَّة البيع هو تبادل الإضافة، فهذه الماهية إذا أردت أن اشتري هذا العين، بحيث يخرج العين من ملكي، ولكنَّ الثمن لا يدخل في ملكي، هذا مستحيل، والآن قبل أن تقبل لم تملكه، وإنَّما هو باقٍ على ملكيّة صاحبه، وأنت تريد إنشاء المعاملة من قِبَل نفسك، وأنت ليس عندك هذه الإضافة، وإنَّما تكون عندك بالبيع، فإذا كانت تماميّة البيع الأوَّل متوقِّفة على القبول وهو البيع الثاني، فلا بُدَّ من إنشاء البيع، غايته البيع ليكون قبولاً وتحصل لك الملكيّة، وأنت تريد إنشاء البيع قبل أن تملك، تريد أن تنشئ قبل أن تملك الإخراج عن ملكك، فهذا نفس الإشكال العقليّ.

أنا الذي أدّعي أنَّني لست مالكاً للإضافة، أن أنشئ التبادل بين هذا الشيء وذلك جدّاً، هذا الإنشاء مستحيل.

بناءً عليه، هذا الشيء الذي يريد أن يتمِّمه الشيخ ويقول إنَّه لا إشكال فيه مع القصد إليه، غير تامٍّ، فإنَّك تريد أن تنقل إضافتك إلى الغير، وهي غير موجودة قبل البيع، وإنَّما توجد به، وإذا أردت كِلا المعنيين، فهو استعمال اللفظ بمعنيين، وهو غير جائز، ولو كان جائزاً إلّا أنَّه في المقام مستحيل؛ لأنَّ المعنيين طوليان، أحدهما هو التملك وفي المرتبة المتأخِّرة عنه التمليك(1).

ـــــــــــــ[100]ــــــــــ

() كان خيراً للسيد أن يحتجّ بلزوم الدور، فإنَّ التمليك لا يكون إلّا بعد التملُّك، إلّا أنَّ المفروض أنَّ التملُّكَ أيضاً متوقِّفٌ على التملُّك؛ لأنَّك إنَّما تملك العين بالبيع؛ فيدور، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نعم، لو اكتفينا بما نقوله نحن، من الاكتفاء بالرضا، فيكون نفس التوجُّه إلى البيع والتصدِّي نحوه كافياً في القبول، ثُمَّ يقع البيع في ملكه.

والفرق بين كلام الشيخ وكلام العلَّامة، فإنَّه في كلام الشيخ يمكن أن نقول ما قلناه، من أنَّه في القبول لا تحتاج إلّا إلى إظهار الرضا، فالتوجُّه إلى البيع يكفي في القبول. 

وأمَّا في مسألة: (اِعتق عبدك عني)، فهذا هو إنشاء للتمليك وهو بمنزلة القبول، ولا يمكن أن نقول إنَّه يتمُّ بالجزء الأوَّل.

نعم، في (أعتق عبدي عنك)، يمكن ذلك، ونقول بأنَّه إنشاء للتمليك، ويكون التصدِّي للعتق كشفاً للرضا، بل يكفي الرضاء الباطني إذا علم به، ويقع العتق في ملكه، وفي المقام ليس كذلك؛ لأنَّ (اِعتق عبدك عنِّي) بمنزلة القبول ويحتاج إلى الإنشاء، إلَّا أن يقال إنَّه يُنشئ البيع بلفظ الشراء.

ثم يذكر الشيخ أمثلة من الزكاة والخمس لا نحتاج إلى التأخُّر فيها.

[جواب آخر للشيخ الأعظم عن الإشكال]

الشيخ يقول(1): الوجه الثاني الذي يمكن أن يُقال في المقام، أو يتخلَّص فيه من الإشكال، هو أن نقول: إنَّه ورد دليلٌ خاصٌّ على أنَّ المباح له يملك هذا الشيء عند إرادة البيع وبمجرد هذه الإرادة، فيقع البيع في ملكه، أو نقول: إنَّه ورد دليلٌ خاصٌّ بهذا النحو، أنَّ الثمن يرد في ملك المباح له بعد البيع بلا فاصلة، فيقدر الثمن في ملك المالك آناً ما، وينتقل إلى ملك المباح له.

ـــــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 84-85، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ثم يقول الشيخ: هذا نظير الملكيَّة التقديرية التي قيلت في العمودين.

ثُمَّ يقول: ليس لنا دليلٌ خاصٌّ حول ذلك، وإنَّما نتمسّك بدليل السلطنة، ثُمَّ يُشكل على دليل السلطنة.

نحن لنا كلامٌ في أصل تصوُّر المطلب: هذا الشخص الذي يبيح هذا الشيء إلى ذاك الطرف، مرَّةً يكون ملتفتاً إلى أنَّ ماهيَّة البيع عبارة عن تبادل الإضافتين، وحقيقة البيع لا تتحقّق إلا بأن يدخل الثمن في ملك من خرج منه المُثمَن فيملأ محلَّه، ومرَّةً لا يكون ملتفتاً إلى حكم العقل هذا.

فإذا كان متوجِّهاً وملتفتاً إلى هذا المعنى، وهو يريد أن يبيح إباحة مطلقة حتَّى لعمل المبادلة المتوقفة على الملك، فهذه الإباحة تُتصوَّر بأنحاء.

[أنحاء الإباحة في المقام]

أحدها: أنَّ المُثمَن يبيعه المباح له من المالك ويخرج من المالك، ويدخل الثمن في ملكه أيضاً، وهذا الفرض خارج عن فرض الآغايون، وقلنا بأنَّ الإباحة المطلقة لا تقتضي أكثر من ذلك.

ثانيها: أن يبيعه المباح له عن نفسه، فيخرج المُثمَن منه ويعود له الثمن أيضاً، ولعلَّ هذا هو مورد بحثهم.

ثالثها: أن يخرج المُثمَن من المبيح، ويدخل الثمن في ملك المباح له؟

 فهل يمكن أن توجد هذه الوجوه؛ ليشملها دليل السلطنة، أو ليس لها إمكان الإباحة؟

نقول: الشخص الملتفت إلى أطراف القضيّة، وأنَّ البيع لا يمكن إلا بنحو 

ـــــــــــــ[102]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

تبادل الإضافتين، وهو يريد أن يقول: (بعه من نفسك وأورد الثمن إلى نفسك)، كيف تتحقَّق الإباحة منه جدّاً؟ والمفروض تحقُّقها منه بالحمل الشايع، مع أنَّه ملتفت إلى استحالة هذا الشيء، كيف يعقل من الملتفِت للاستحالة أن ينشأ الإباحة جدّاً؛ لتكون هذه الإباحة موضوعاً للدليل الشرعي.

فهذا محال، وإرادته مع الالتفات محال لا محالة، سواءٌ أراد إباحة خروج المُثمَن من المباح له ودخول الثمن في ملكه أيضاً، أو خروج المُثمَن من المالك، وعود الثمن إلى المباح له، فإنَّ كِليهما محال ومخالف لماهيّة البيع، إذا كانت هي تبادل الإضافات على ما ذكرتم، فإذا استحال ذلك فإرادة إباحته محال.

فكيف نقدِّر الملكيَّة تقديراً لا تحقيقيّاً؛ لتكون مشمولة للدليل، مع أنَّ موضوع الدليل هو هذه الإباحة، وبدونها لا يشمله سواءٌ كان دليل السلطنة له إطلاق في نفسه أو لا، فإنَّه على أيِّ حالٍ مقصور على موضوعه الممكن، ولا يشمل ما يكون محالاً.

وأمَّا إذا أباحه بهذا النحو: أن المُثمَن يخرج من ملكي ويدخل الثمن في ملكي كما قلناه، وأنَّ الإباحة المطلقة لا تقتضي أكثر من ذلك، فهذا ليس مخالفاً للقاعدة، ولا إشكال فيه، وليس مورداً لكلام الآغايون، وإنَّما يأتي الإشكال العقليّ على الوجهين السابقين.

[النظر فيما أفاده الشيخ الأعظم]

وفي الفرض الثاني يقول: إنَّه ورد دليل على أنَّ الثمن ينتقل إلى المباح له بمجرّد البيع، ونقدّر هنا ملكيّة تقديريّة كالملكيّة التي قيلت في العمودين.

ـــــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نقول: هذا غير مربوط بمسألة العمودين، فإنَّه هناك ورد دليلٌ على أنَّ العمودين لا يمكن ملكيّتهما، وورد دليلٌ على أنَّه “لا عتق إلّا في ملكٍ“، فقد جمعوا بينهما بالملكيّة التقديريّة، مع أنَّه هناك هذا ليس تامّاً، فإنَّه: “لا عتق إلّا في ملكٍ“، يقصد به الملكيَّة الحقيقيَّة لا التقديريّة، وهذا خروج عن الأدلة لا جمع بينها.

وهنا لم يرد دليل على أنَّ المالك لا يملك الثمن، وإنَّما ورد دليل على أنَّ الثمن يكون ملك هذا وليس ملك ذاك، فأنت القائل بأنَّ ماهيَّة البيع هي تبادل الإضافات، هل يصحِّح لك الدليل الشرعيّ عمل المحال العقليّ؟!

نعم، في بيع العمودين يوجب انتقال الثمن إلى هذا الشخص بلا أيّ سببٍ، فهذا البيع غير المؤثِّر يكون موضوعاً لحكم الشارع بلا سبب، بأنَّ الثمن ملك لهذا الشخص، فأنت تخرج عن القاعدة بأدهى منها.

ثم يقول الشيخ: إنَّ هذا المطلب ليس صحيحاً؛ لعدم الدليل الخاص، وإنا نُتمِّمه بدليل السلطنة. 

مرَّة يقول: إنَّه قال: (على أموالهم لا على أحكامهم). 

ومرَّة يقول: إنَّ موضوع الدليل مقيّد بما هو جائز شرعاً. 

ومرَّة يقول: إنَّ قوله: “لا عتق إلّا في ملكٍ“، حاكم على دليل السلطنة ويسبّب رفع اليد عنها.

لنا كلام في أنَّ: “الناس مسلّطون على أموالهم(1)، هل موضوعها مقيّد بما 

ـــــــــــــ[104]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، الباب 33، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هو جائز شرعاً، يعني: في أيّ محلّ أجازك الشارع فلك التصرُّف، فماذا يفيد دليل السلطنة حينئذٍ؟ ففي المحلّ الذي ليس لك إجازة شرعيّة في التصرُّف لا يمكن لك التصرُّف حتَّى بدليل السلطنة، وفي المحلّ الذي هو جائز فأنا تابع لإجازتك لا مسلّط، فما هو عمل: “الناس مسلّطون على أموالهم“، إذا أُخذ في موضوعها ذلك؟

مرَّة ًيقول: إنَّ “الناس مسلّطون على أموالهم“، قاصرة عن أداء مثل هذه الأعمال، مثل: (بعْ مالك عنِّي)، فإنَّ هذا ليس ملكاً، فإنَّها تشمل تصرفات المالك، ولا إطلاق لها لمثل: (بعْه عنك)، بحيث يخرج المُثمَن منِّي ويدخل الثمن في ملكك قبل أن يجيء في ملكي، يعني الناس مسلّطون ليعمل شيئاً خارجيّاً عن ماهيَّة البيع، هذا ليس مورداً للسلطنة ودليلها قاصرٌ عنه.

كما أنَّه ورد دليل على عدم جواز التصرُّف، فهذا يكون دليلاً مزاحماً لدليل السلطنة مُقدَّماً عليه.

نعم، في المورد الذي لم يرد دليل فهو مورد: “الناس مسلّطون على أموالهم“؛ لا أن موضوعها مقيّد بما هو جائز شرعاً، حتَّى يكون التمسّك بها حال الشكّ في الجواز الشرعيّ تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، ولا ورود لها مزاحم ينهى عن التصرُّف، فيكون هذا هو مورد التمسّك بهذه القاعدة، نظير سائر العمومات التي يمكن التمسّك بها قبل ورود المخصّص.

بناءً عليه، ففي المورد الذي يقول الشيخ: إنَّ موضوعها مقيّد، لا مجال لتقييدها بدليل شرعي حاكم عليها، نعم يكون وارداً عليها، فيخرج الموضوع 

ـــــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

عنها وجداناً بالتعبُّد الشرعي؛ لأنَّه يخرج حينئذٍ عن الجائز شرعاً.

نعم، بالنسبة إلى: “لا عتق إلّا في ملكٍ“، مع غضّ النظر عن هذه المطالب، لا يمكن التمسّك بـ (الناس مسلّطون)؛ لأنَّه (لا بيع إلا في ملك)، فيخرج عن دليل السلطنة موضوعاً، فحين يريد أن يعطيك إجازة بيع ماله عن نفسك، فدليل السلطنة يقول: إنَّ هذا جائز و”لا عتق إلّا في ملكٍ“، يقول: هذا ليس بيعاً فيتقدَّم عليه، كتقديم: (لا شكّ لكثير الشكّ) على أدلّة الشكّ، هذا يقول: يجوز لك البيع، وذلك يقول: ليس هذا بيعاً أصلاً، فلسانه مقدم على “الناس مسلّطون على أموالهم“، هذا محصَّل كلام الشيخ الذي أطال فيه البحث.

[الإشكال الثاني: الإباحة في مقابل العوض]

وأمَّا الإشكال الثاني، حول الإباحة بالعوض والإباحة بالإباحة، فلا بُدَّ أن نُفكِّر فيه أيضاً بمقدارٍ ما.

إشكال الشيخ(1) في الإباحة بالعوض، وعبارته مشوشة. 

كلامٌ: في أنَّه هل الإباحة بالعوضٌ بيع أو ليس ببيع؟ فإذا كان بيعاً فلا إشكال آخر في المقام، بل يكون شأنها شأن سائر البيوع المعاطاتيّة.

وكلام آخر: أنَّها إذا لم تكن بيعاً فهل هي صلحٌ كما يذكر الشيخ أو لا؟

وكلامٌ ثالث: أنَّها إذا لم تكن كذلك، وغير مندرجة في إحدى المعاملات المعروفة، فهل هي معاملة صحيحة أو لا؟

وكلام رابع: في أنَّها إذا كانت معاملة مستقلّة صحيحة، فهل هي لازمة من 

ـــــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 89، تنبيهات المعاطاة، الأمر الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الطرفين، أو جائزة كذلك، أو جائزة من طرف ولازمة من الآخر، جائزة من طرف المبيع ولازمة من الطرف الآخر؟

[هل الإباحة بالعوض بيع أو لا؟]

أمَّا إشكال كونها بيعاً أو لا؟ من ناحية كون هذه ليست معاوضة حتَّى تكون بيعاً، فهي لا بيع ولا غير بيع، بل هذا يبيح شيئاً ويأخذ في مقابله شيئاً آخر.

نقول: المعاوضة ما هي؟ أنت أبحت هذا في مقابل هذا العوض، وهذه معاوضة، وأمَّا أنَّها ملكه فهو إشكال آخر، وكونها ليست معاوضة فهو خلاف الواقع، فإنَّ هذه إباحة بعوض، ولا نريد أخذ شيء أكثر من ذلك في المعاوضة.

نعم، في خصوص كونها بيعاً أو لا، هناك إشكال يظهر من الشيخ من حيث إنَّها ليست من المعاوضات الماليّة، فإنَّ العين تدخل في ملك المبيح، ولكنَّ الآخر ليس له إلا الاستفادة من العين، فهي ليست معاوضة ماليّة فلا تكون بيعاً، بل ولا تجارةً وكسباً وسائر العناوين لا تصدق عليها.

فمرَّةً: يُشكل من حيث إنَّ الإباحة لا ماليّة لها. 

ومرَّة: من حيث إنَّ كِلا العوضَين ملك طرف واحد، وهو خلاف شأن المعاوضة.

أمَّا إذا كان الإشكال هو الأخير فنقول: إنَّ ما هو طرف المعاوضة ليس هو العين، بل إباحة المنفعة.

نعم، العين ملك المبيح، إلّا أنَّه كالإجارة من حيث إنَّ العين ملك لمالكها، 

ـــــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والقيمة أيضاً ملك له، ولا يلزم مع ذلك عدم كونها معاوضة، فإنَّ المعاوضة بين الإباحة والعين لا بين العينين، ومِن ثَمَّ لم ينافِ بقاء العين في ملك المبيح.

وأمَّا إذا كانت معاوَضة ولكنها ليست معاوضة ماليّة، من حيث إنَّ الإباحة لا ماليّة لها، نقول نحن في باب البيع: لا نحتاج إلى معاوضة ماليّة بالمعنى الذي تقولونه، كما سبق أن قلناه، ومع غضّ النظر عن ذلك، فهي معاوضة ماليّة، وإلا فكيف يُعطي العقلاء بإزائها المال؟! فكما لو ملّكه المنافع كانت مالاً ويأخذ بإزائها الأجرة، كذلك ما لو أباحه لها.

وإن قيل إنَّها ليست بيعاً؛ لأنَّه في البيع يُعتبَر أن يكون المعوَّض عيناً، فقد قلنا: إنَّه لا دليل على ذلك لا عند العقلاء ولا من الشارع، وإنَّما الموجود فقط، هو أنَّ المتعارف بين العقلاء هو أن يكون طرف البيع عيناً، وبلا إشكال أنَّ بيع حقّ التحجير بيعٌ، ويبذل العقلاء بإزائه المال، وإن كان طرفه منفعة، فلا دليل على أنَّ البيع هو تمليك العين بالعوض.

وإذا قلتم: إنَّه ليس بيعاً معهوداً متعارَفاً، فهو بيع كلّ جهاته تامَّة من حيث الماليَّة وغيرها، إلّا أنَّه ليس معهوداً متعارفاً، إلّا أنَّنا لم نأخذ في البيع أن يكون متعارَفاً، فإنَّ بيعاً إذا وجِد نادراً فهو بيع، وتشمله مطلقات الحلّ والتنفيذ.

وأمَّا دعوى انصراف الأدلّة عنه؛ لعدم وجوده وتعارفه عند صدورها، فلازمه عدم شموله للمعاملات الجديدة.

نعم، إذا رجع إلى الانصراف بالكلِّيّة فصحيح، لكنَّ هذا غير صحيح، ولا يقول به الآغايون، فلذا لو اغتسل بماء قليل الوجود يقع غسله صحيحاً، وقال 

ـــــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الآغايون: إنَّ قلَّة الوجود لا يستلزم الانصراف.

وأمَّا إذا كان بمعنى أنّه بواسطة عدم التعارف يخرج عن موضوع الأدلّة به فكيف تقولون: إنَّه إذا كانت معاملة مستقلّة يشمله “المؤمنون عند شروطهم(1) و”الناس مسلّطون على أموالهم“. 

تقولون: إنَّه إذا كان بيعاً فهو معاملة غير متعارَفة فالأدلّة منصرفة منه، ولكن إذا كانت معاملة مستقلّة فيقول الشيخ: بنحو الجزم أنَّه يشملها، “المؤمنون عند شروطهم“، فإذا كان بيعاً، فـ”المؤمنون عند شروطهم” منصرفٌ عنه، ولكن إذا كانت معاملة مستقلّة فإنَّها تشملها وتصحّحها، كيف يكون ذلك؟

ثم تمسّكه في المعاملة المستقلّة بـ(الناس مسلطون)، هل يستطيع هذا الدليل أن يعمل لنا معاملة؟ مع أنه يقول: إنَّ الدليل قال: “الناس مسلّطون على أموالهم“، ولم يقل: (على أحكامهم) فهو يشمل فقط حيثيّة المال، لا أنَّها تغيِّر الأحكام وتتصرف في العقود، وإذا كانت تشمل هذه المعاملة، فهي تشملها سواءٌ كان اسمها بيعاً أو لا؟

إذن، فهو بيع غير معهود ولا متعارف، إلّا أنَّه تشمله سائر الأحكام التي قلناها في المعاطاة.

ـــــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 48، باب مَن يجب ردّ شهادته…، الحديث 3301، الاستبصار 3: 232، الباب 142، الحديث 4، مع اختلافٍ يسيرٍ في اللفظ.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [هل الإباحة بالعوض جائزة أو لازمة؟]

أمَّا إذا لم تكن بيعاً ورأيناها معاملة مستقلّة، وصحّحناها بالأدلّة العامّة، فنتكلَّم حول ما إذا كانت لازمة أو لا؟ وهل هي لازمة من الطرفين أو جائزة منهما، أو لازمة من طرف المملِّك وجائزة في طرف المبيح؟

يقول الشيخ: أقواها أولها، وأوسطها الأخير. ثُمَّ يقول: إنَّه بيع جائز للعمومات أو لأصالة التسلط.

نحن نقول: هل هي معاملة لازمة؟ وهل يخرجها (الناس مسلّطون) عن لزومها؟ 

مرَّة نقول: إنَّها لا يصدق عليها تجارة ولا اكتساب، كما يقوله بعض الأعاظم(1): (الذي يملك فهو كاسب)، أمَّا المباح له فليس كاسباً، ثُمَّ يقول تأمل.

ولعلَّه إشارة إلى كونه كسباً على أيِّ حالٍ، نحن لم نأخذ في الاكتساب التجارة أكثر من استيفاء المنافع والتصرُّف فيها، فلماذا لا يصدق الكسب في المقام، فإذا صدق عليه الكسب والتجارة، فتشمله (تجارة عن تراضٍ)، وتكون دليلاً على صحته، أو إذا قلنا: إنَّ المعاطاة عقد، فيشمله: (أوفوا بالعقود)، أو تكون دليلاً على لزومه.

وأمّا “الناس مسلّطون على أموالهم“، أو (أصالة التسلُّط) التي يقوله 

ـــــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 178، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الشيخ، بتقريب أنَّ العين باقية في ملك المبيح، إذن فهو مسلَّط على إرجاعها، إذن فالمعاملة جائزة من طرفه. 

نقول:الناس مسلّطون على أموالهم” لا على العقود والفسخ، فلا يمكن أن نستدلّ بها لذلك.

[دفع ما التزم به بعض المحققين]

وأعجب شيء وقع من بعض المحقّقين، أنَّه بعد الاعتراف أنَّ (الناس مسلطون)، لا يشمل المطلب الذي يقوله الشيخ، ولا ينقّح الجواز من طرف المبيح، ولكن يستطيع أن يرفع موضوع الإباحة، بأن يتلف العين فيرتفع موضوع الإباحة، فهل للمبيح أن يتصرَّف في العين، وفي الإجارة العين لازالت ملك المؤجّر، فهل يستطيع أن يهدمها لتذهب الإجارة موضوعاً، أو أنَّ المستأجر ملك حقّاً في العين فليس للمؤجّر التصرُّف فيها بشيء من المنافع، فهو بعد أن أباحه لا يستطيع أن يرجع ولا يستطيع أن يتلف العين بعد أن كان للمباح له حقّ في أن يتصرَّف ما يشاء؟ فكيف تقولون: إنَّه له أن يتصرَّف بحيث يرفع موضوع الإباحة، مع الاعتراف بكونها إباحة لازمة، وليس له أن يرفع يده عنها؟!

وحتَّى لو كان له بعض التصرُّف -وهو غير ثابت- ولكن ليس له أن يتصرَّف بنحو يرفع يد الآخر عنه، بالإتلاف أو نحوه؛ لأنَّ حقَّه تعلّق به بالعوض، وتشمله الأدلّة العامّة، فأنا لم أعلم لِما يقوله وجهاً.

فهذا بنظرنا بيع لازم صحيح، وإذا كان معاملة مستقلّة، فهو بحسب الأدلّة العامّة صحيح ولازم، وليس للطرف أن يعود عنها ولا أن يتلف العين.

ـــــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



التنبيه الخامس                                                                                              في تحقق المعاطاة في سائر المعاملات

 

  • [الإشكالات الواردة في جريان المعاطاة في النكاح]

ـــــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 




التنبيه الخامس                                          في تحقق المعاطاة في سائر المعاملات

 

الآن نرى أنَّ المعاطاة هل هي جارية في سائر المعاملات أو منحصرة بالبيع، أو تجري في بعض المعاملات دون غيرها؟ وهي مسألة مهمة لا بُدَّ من النظر فيها.

يمكن(1) حصول سائر المعاملات بالمعاطاة، كالطلاق والنكاح والإجارة وغيرها، إلّا أنَّ المرتكزَ للمعاملة فعلٌ معيَّنٌ يكون مصداقاً لها، وإلا فلو أحدثنا مقاولة وأعطينا العين على أساسها، تكون قد تمَّت المعاملة.

بناءً عليه يحتاج اشتراط إيقاع المعاملات من العقود والإيقاعات التي تقع عرفاً وعقلائياً بالفعل، اشتراطها باللفظ إلى دليل يلزمنا به، ونحن لم نفهم لماذا لا يقع الطلاق والعتق بالفعل، فإنَّه بغض النظر عن الدليل الشرعيّ، لو أخرجها من الدار، أو أخرج عبده بقصد الطلاق، أو العتق، لماذا لا يكون هذا مصداقاً لذلك؟

ـــــــــــــ[115]ــــــــــ

() وردت إلى الدرس بعد بدء المحاضرة، فكان يتكلَّم حول حصول سائر المعاملات بالمعاطاة، ويقول: يمكن…. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [الإشكالات الواردة في جريان المعاطاة في النكاح]

 

نعم، في النكاح تكلَّموا كثيراً، وقيل:

إنّه إذا أراد بالوطء أن يتمّم المعاملة، فلازمه أن لا يتحقّق الزنا إلا عند الإكراه. وإنّه سبب مبغوض، ولا تكون المعاملة بالسبب المبغوض. وإذا رجع جواز الوطء على تماميّة المعاملة كان دوراً محالاً.

أمَّا أنَّ لازمه عدم تحقُّق الزنا فهو عجيب، للفرق بين قصد الزوجيّة بالفعل أو قصد المحرم، وبين الرضا بالزوجيّة والرضا بهذا العمل، الآن نرى ما إذا كان النكاح يتمُّ بفعل آخر غير الوطء، تقع المقاولة ثُمَّ يأخذ بيدها ويصحبها إلى محلّ إقامته بقصد الازدواج وتشكيل العائلة، ما الفرق بين هذه المعاملة وسائر المعاملات، فقد حصل النكاح وصار موضوعاً لجواز الطلاق، ووجوب النفقة، وغير ذلك من الأحكام، هذا إذا صار بحسب الأعمال المحلَّلة.

أمَّا تتميمه بالوطء أو عمل آخر ممَّا يقع بين الزوج وزوجته، كاللّمس والتقبيل، هل يكون متحقِّقاً به؟ 

لنا كلام في أنَّه هل يمكن للسبب المحرم أن يحقِّق النكاح أو لا؟ 

وكلام في أنَّ ذلك هل هو سبب مبغوض أو محلّل؟ 

وكلام حول ما إذا كُنَّا نستطيع أن نحلِّل هذا العمل بنفس هذا العمل؟

ـــــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أمَّا وجود المعاملة بالسبب المبغوض، فلا مانع منه بحسب القاعدة، فلو فرضنا أنَّ المولى نهى في مورد خاصٍّ من إيجاد معاملة، وأوجدناها، فإنَّها تقع صحيحة، وتشملها عمومات الوفاء بالعقود وغيره، فالوطء وإن فرضناه محرّماً، إلّا أنَّنا لا نريد أن نقول: إنَّ الشارع يحكم بحلِّيّته؛ ليُقال: إنَّه محال. بل هو محرَّم ويعاقب عليه، إلّا أنَّه بحسب الأدلّة العامّة يحب الوفاء بالعقد، فعلى فرض عصيان العبد وإيجاد هذا السبب المحرّم على هذا الفرض يجب الوفاء بالعقد.

وجهة أخرى، وهو أنَّ هذا السبب هل هو مبغوض أو لا؟ بل هو نظير اجتماع الأمر والنهي، فإنَّ الشيء الذي هو مبغوض هو وطء الأجنبية، والشيء الذي يأتي بنفوذ المعاملة بالمعنى السببيّ، وإلّا لو كان بالمعنى المسبّبيّ فلا إشكال- هو عنوان السبب لا الوطء بعنوانه. 

ما هو السبب؟ هو موضوع وجوب الوفاء بهذا العنوان الكلِّيّ، لا بعنوان هذا الوطء أو هذا الفعل، فعندنا عنوانان أحدهما وطء الأجنبيّة الذي تعلّق به التحريم في علله العنوانيّة، سواءٌ كان سبباً أو لم يكن، وعنواناً آخر وهو عنوان السبب، وهو أيضاً عنوان كلِّيّ.

ففي المورد الذي تعلّق النهي بأحد العنوانين، والأمر بالآخر، وأحدهما غير مربوط بالآخر، ويستحيل أن يشمل حكم أحدهما الآخر، وأن يرفع حكم أحدهما رجله فيضعها على الموضوع الآخر، فهذان العنوانان وإن كانا بحسب 

ـــــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الوجود الخارجي متّحدان، إلّا أنَّ ما هو مبغوض وما هو واجب لا يصل(1) حكم أحدهما إلى الآخر؛ لنقول: إنَّه لا يمكن أن تحصل المعاملة بالسبب المحرّم.

وما قيل في باب اجتماع الأمر والنهي(2): إنَّه حتَّى مع القول بالجواز، فإنَّ الصلاة بالدار المغصوبة غير صحيحة؛ لأنَّ المبغوض المبعد لا يكون مقرِّباً. 

فهنا أيضاً نقول: إنَّ المبغوض لا يكون منفذاً، وقلنا هناك: إنَّنا لو حسبنا حساب الوجود الخارجي نراه أيضاً مختلفاً، فإنَّنا إذا نظرنا إلى ما هو المنطبق بالذات وما هو المنطبق بالعرض، نرى أنَّ ما هو المنطبق بالذات للصلاة غير ما هو المنطبق بالذات للغصب، فهنا ما هو المبغوض حتَّى في الخارج حيثيّة غير حيثيّة ما يجب الوفاء به، فلا إشكال من هذه الناحية.

ـــــــــــــ[118]ــــــــــ

() هذا الكلام ناشئٌ من عدم التقدير في الأبحاث الأُصوليَّة التي قِيلت في بحث اجتماع الأمر والنهي، فإنَّه ليس معنى الاستحالة هو سراية حكم موضوع إلى موضوع آخر، بل المدار هو اتِّحاد المتعلق وعدم اتّحاده؛ فعلى الأوَّل يُقال بالامتناع، وعلى الأخير بالجواز، وعلى أيِّ حالٍ لم يتوهَّم أحدٌ سراية الحكم زائداً على موضوعه: أمَّا في صورة الجواز فواضح، وأمَّا في صورة الامتناع فالانطباق المأمور به على نفس ما ينطبق عليه المنهى عنه، فيكون أحدهما مقيّداً بغير هذه الصورة لا محالة، وهذا غير السراية.

إلّا أن يُقال إنَّه سرايةٌ إلى المصداق لا العنوان الكلِّيّ، وحينئذٍ لا يكون لنا إشكالٌ إن فُسِّر بالمعنى الذي قلناه، (المقرِّر).

(2) اُنظر: مناهج الوصول 2: 135، المقصد الثاني، الفصل الثاني، في جواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بعضهم تكلّموا كثيراً وأوقفوا تمام بحثهم على ركيزة، وهذه الركيزة غير صحيحة، حيث يذكر الشيخ محمد حسين الأصفهاني في الحاشية(1) إشكالاً عقليّاً.

وحاصله: أنّه إذا كان الوطء له سببيّة في تماميّة المعاملة فهو مشروط بالحلِّيّة، والحلِّيّة بدورها متوقّفة عليه ومشروطة بتأثيره في تماميّة العقد(2)

ثُمَّ يجيب عن هذا الإشكال بثلاثة وجوه، وهي مبتنية على معنى واحد، وهو أنَّ الوطء إذا كان مقارناً للزوجيّة لم يكن حراماً.

ومحصّل كلامه -على تعقيد في العبارة وتطويل في التحقيقات-: هو أنَّ الحلِّيّة والإباحة ليستا من الأحكام الاقتضائيّة، بل إذا لم يكن هناك سبب للحرمة توجد الحلِّيّة، فهي حكم لا اقتضائي، وليس ناشئاً كالأحكام الأخرى الأربعة من مفاسد أو مصالح ملزمة أو غير ملزمة، بل إذا لم يكن هناك مصلحة أو مفسدة كانت هناك حلِّيّة أو إباحة.

بناءً عليه، فما هو السبب للتحريم هو الوطء المقارن مع عدم الزوجية، وأمَّا الوطء المقارن للزوجيّة فليس محرماً ولا مبغوضاً. 

بناءً عليه حتَّى لو رأينا الوطء مشروطاً بالحلِّيّة، إلّا أنَّ الحلِّيّة غير مشروطة؛ لأنَّهما ضدّان والضدّان لا يكون أحدهما مقدّمة للآخر، ولا متوقفاً عليه، بل هذا الوطء إذا كان مقارناً للزوجيّة، يكون ملازماً لأن يكون رافعاً ل

ـــــــــــــ[119]ــــــــــ

() راجع حاشيته على كتاب المكاسب 1: 185187، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الخامس.

(2) أقول: فكأنَّه يلزم من ذلك الدور، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

موضوع الوطء المقارن مع غير الزوجيّة، فمؤثّرية الزوجيّة غير معتبرة في الحلِّيّة، ويكفينا أن يرفع الوطء المقارن مع الزوجيّة موضوع الوطء المقارن مع غير الزوجيّة، والباب ليس باب الأسباب والمسبّبات(1).

ثم يذكر وجهين آخرين، آخرهما وهو عنده أصح الوجوه وأمتنها: أنَّ الوطء سببٌ ومقتضٍ لصحّة النكاح. 

يبقى المانع وهو السبب المبغوض، والسبب إنَّما يكون مبغوضاً إذا كان مقارناً مع اللازوجيّة، فإذا لم يكن مقارناً معها، فلا مانع من أنَّه بهذا الوطء، يكون حلالاً وتحصل به الزوجيّة.

هذا محصّل كلامه(2).

نحن نقول: إنَّنا هل نقطع النظر عن الأدلّة الشرعيّة؟ فإنَّ ضرورة الشرع والمتشرِّعة قائمة على أنَّ الوطء إنَّما يكون على الزوجة، فلا بُدَّ أن تكون الزوجية متحقِّقة ليحلَّ الوطء، وأنت تريد أن تحصّل الزوجيّة بالوطء، وتقول: إنَّ الزوجية لا أثر لها، بل ترفع فقط موضوع مقارنة الوطء مع اللازوجيّة، فهي ترفع المانع فقط، وهذا ليس تامّاً في نظر الشارع والمتشرِّعة، بل ما هو محلَّلٌ هو الزوجة والمنقطع وملك اليمين، وسواها محرم، وهذا الوطء وقع على الأجنبية لا محالة، غايته أنَّه وقعت به المعاملة، على ما قلنا من أنَّ السبب المحرّم يكون مؤثِّراً، وبه يحلُّ الوطء المتأخّر عنه.

ـــــــــــــ[120]ــــــــــ

() المصدر السابق 1: 185.

(2) وهيهات لمثل هذا البيان أن يصل إلى دقائق بيان الشيخ المحقق، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فأساس المطلب غير صحيح، وهو أنَّ الوطء المقارن للزوجيّة، يكون محلَّلاً، بل يجب أن يقع الوطء على الزوجة ليقع محلَّلاً. 

بناءً عليه لا يمكن أن يقع مثل هذا الوطء على الزوجة ولا يكون حلالاً.

وتحصّل أنَّه إذا لم يكن لنا دليل شرعيّ على عدم جواز المعاطاة في النكاح، لم يكن مانع من ذلك.

[المعاطاة في القرض والرهن والهبة ونحوها]

في المعاطاة في القرض والهبة والوقف والرهن، إشكال ناشئ من حيث إنَّ المعاطاة ليست لازمة، أو لا بُدَّ أن تكون هنا لازمة، فهذا الإشكال لا معنى له بعد أن أثبتنا أنّ الأدلّة العامّة تقتضي لزومها.

وهناك إشكال عقلي(1) في هذه الأبواب، بما فيها الهبة من المعاملات المشروطة بالقبض، كالوقف والرهن والقرض والهبة، وهي أنَّه إذا وقعت بالمعاطاة للزم اتِّحاد الشرط والمشروط، فإنَّ المعاملة تتمّ بالقبض، وبالقبض أيضاً يتحقّق شرط الصحَّة، فيتَّحد الشرط والمشروط، والقبض الذي هو فعل واحد لا يمكن أن يكون متمِّم فاعليّة نفسه أو قابليّة نفسه. ولا يمكن أن يكون شيئاً تامّ الاقتضاء وغير تامّ الاقتضاء، فإنَّه إذا تمّت المعاملة به فهو تامّ الاقتضاء، وإذا كان مشروطاً بشيء فهو غير تامّ الاقتضاء.

نقول: إنَّ هذا الدليل العقليّ ليس دليلاً على عدم جواز المعاطاة في مثل 

ـــــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 191- 193، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هذه المعاملات، بل غاية ما يثبته أنَّ المعاطاة لا تكفي في إيجاد الشرط وإيجاد المشروط.

إذن، فليعملوا معاطاتين أحدهما لتماميّة المعاملة والأخرى للإقباض، فهذا الإشكال على تقدير تماميّته، فغاية ما يعمله هو عدم تماميّة المعاملة بقبض واحد، فنحن نعمله بقبضين.

وعلاوة عليه، أنَّ القبض في باب المعاطاة ليس يحتاج إلى الإقباض، بل يكفي ما هو نتيجة الإقباض، كما لو وجدت العين عند المرتهِن أو في أيدي الموقوف عليهم، ولا يحتاج حينئذٍ إلى قبض آخر. 

فلو فرض ورود الإشكال، نجيب عنه أنَّ القبض والإقباض لتماميّة أصل المعاملة، وبقاؤه عنده هو شرط الصحَّة، فإنَّ غاية ما يقوله الإشكال هو أنَّ القبض لا يمكن أن يكون مُوجِداً للمعاملة وشرطاً في الصحَّة، لكنَّنا لا نحتاج إلى إقباض جديد، بل بقاؤه عنده في الآن الثاني كافٍ في تحقّق الشرط، إلّا أنَّه إذا ورد الإشكال فإنَّ المعاطاة غير جارية في مثل هذه المعاملات.

أمَّا أنَّه هل يرد هذا الإشكال العقلي أو لا؟

[جواب المحقّق الأصفهاني ونقده]

للشيخ محمد حسين الاصفهاني(1) جواباً في خصوص القرض، أو جواباً في مطلق موارد لزوم القبض.

ـــــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 191، تنبيهات المعاطاة، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أمَّا جوابه في خصوص القرض، فمحصّله أنَّه يمكن أن يجاب بأنَّ القرض عبارة عن التمليك بالضمان، فلو أوقعناه بالعقد، فالعقد سبب للتمليك والقبض سبب للضمان، ولكن حيث إنَّه هناك ملازمة في نظر الشارع بين الملكيَّة والضمان، فلا يمكن أن تحصل دونه، فمن هنا العقد المتعقّب بالقبض تحصل به الملكيَّة والضمان، فهنا ليس عندنا شرط ومشروط، بل سببان أحدهما العقد والآخر القبض، ولكن حيث إنَّهما في نظر الشارع متلازمان، فلا بُدَّ من وجودهما معاً؛ لكي يوجد المعنى الذي يريده الشارع.

ففي المعاطاة حيث نريد إيجاد هذا المعنى لا يلزم اتّحاد الشرط والمشروط، بل هنا سبب ذي حيثيتين، حيثيّة يتسبّب بها إلى إنشاء المعاملة، وحيثية يتسبّب بها إلى تسليط ذاك على العين، وهاتان الحيثيتان موجودتان بوجود واحد، وإحداهما علَّة للتمليك والأخرى علَّة للضمان، وهذا الفعل الواحد يكون من حيثيتين سبباً لكِلا الأمرين، ولا إشكال فيه، فهل يتمُّ هذا الكلام؟

نحن إذا فرضنا أن العقدَ سببٌ للملك؛ فهو إمَّا أن يكون سبباً تامّاً له، أو سبباً غير تامّ. فعلى الأوَّل يستحيل أن لا يحصل الملك عند حصوله، وإذا كان المسبّبان متلازمين فيستحيل أن لا يوجدا معاً، فلا بُدَّ أن يكون سبباهما أيضاً متلازمين، وإلا فإمَّا أن يسقط أحد السببين عن السببيّة أو أحد المسبّبين عن التلازم وهو خُلْف.

فلو كان العقد سبباً تامّاً للتمليك، وكان القبض سبباً تامّاً للضمان، وكان المسبّبان وهما الملكيَّة والضمان متلازمين في نظر الشارع، فحينئذٍ أمَّا أن نفرض 

ـــــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

العلَّتين متلازمتين أيضاً فلا إشكال، وأمَّا إذا لم تكونا متلازمتين بحيث وجدت أحداهما دون الأخرى: فإمَّا أن يوجد أحد المعلولين دون الآخر أيضاً، وهذا خلاف فرض تلازمهما. وإذا وجدا معاً كما هو مقتضى تلازمهما. 

إذن لم يكن السبب الذي فرضناه معدوماً سبباً لمعلوله؛ لوجوده بدونه على الفرض وهو خُلْف أيضاً، فتلازم المعلولين مع افتراق العلَّتين من فرض المحال.

فإذا فرض أنَّ العقدَ سببٌ تامٌّ للملكيّة، والقبضَ سببٌ تامٌّ للضمان، ورأينا أنَّ الشارع يرى التلازم بين المعلولين، فلا بُدَّ أن يقعا دفعةً واحدة، ولا يمكن أن يقع العقد ثُمَّ يقع القبض.

ولو صحَّ الإشكال، فما نقوله في الفقه من جواز تأخُّر القبض عن العقد في الوقف والرهن وأمثالهما، يلزمنا القول بأنَّ العقدَ بذاته ليس سبباً بذاته، بل السبب هو العقد المتعقّب بالقبض، وحينئذٍ يكون هذا في المعاطاة محالاً(1)؛ لأنَّ الشيء لا يمكن أن يكون متقيّداً بذاته، فإنَّ القبض إمَّا شرط للعقد أو قيد، فإذا كان شرطاً فالشيء لا يمكن أن يكون شرطاً ومشروطاً، وإذا كان قيداً فلا يمكن أن يكون الشيء قيداً لنفسه.

ثُمَّ يذكر جواباً آخر في مطلق الموارد المحتاجة إلى القبض.

وهو أنَّ هذا العمل الخارجي الذي هو عبارة عن القبض والأخذ، هو فعل واحد(2)، ولكن إن لاحظنا انتسابه إلى الفاعل فهو عبارة عن الإقباض، وإذا 

ـــــــــــــ[124]ــــــــــ

() مع فرض وحدة القبض. (المقرِّر)

(2) الصحيح أنَّهما عملان يصدر أحدهما أوَّلاً وفي المرتبة المتقدّمة من أحدهما، ويصدر الآخر في المرتبة المتأخّرة من الآخر، وأمَّا لحاظ الوحدة في هذا الفعل فهو انتزاعيّ محض من مجموع العملين، وإلّا فإنّه يستحيل صدور عمل واحد من فاعلين كما هو واضح، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

لاحظنا انتسابه إلى الآخذ فهو عبارة عن الأخذ، فهذا العمل الخارجي الواحد له جهة صدوريّة وجهة قبوليّة، فإنَّه فعل شخصين، فكما كان يُقال: إنَّ الإيجاب يحصل بالإقباض، والقبول يحصل بالقبض، فهنا أيضاً ما هو مقتضٍ في تماميّة المعاملة هو الإقباض، وما هو شرط في صحَّتها هو الأخذ، ولا مانع أن يكون فعلان أحدهما مقتضٍ والآخر شرط.

[التحقيق في المقام]

هذا المطلب لا يتمُّ حتَّى لو فرضنا أنَّه عندنا قبض واقباض، وكلٌّ منهما فعل شخص، ولكن القرض بماذا يحصل، هل يحصل بالإقباض وحده أو بالإقباض والأخذ، بأن هو يعطي وذاك يأخذ؛ لتتحقَّق المعاطاة ويتحقَّق القرض؟ 

فالإقباض وحده لا يكفي، بل لا بُدَّ من القبض، فالقبض من متمَّمات المعاملة، فلا يمكن أن يكون شرطاً لها، وإلا وردت سائر الإشكالات العقليَّة.

إلا أنَّنا نستطيع أن نجيب جواباً عامّاً للموارد التي يعتبر فيها القبض، وهو أنّ القبض المُعتبَر في تمام الموارد ليس هو القبض بالمعنى المصدريّ، بل الشرط هو تسلُّط ذاك عليه، غايته أنَّه مرَّةً يكون بفعل الآخر، ومرَّةً يكون بفعل نفسه، كما لو كان قد غصب العين ثُمَّ جعلها المالك رهناً عنده، والعين بما أنَّها باقية 

ـــــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

عنده برضاء مالكها يكفي، فنحن لا نحتاج إلى القبض بالمعنى المصدريّ، كما لا نحتاج إلى الإقباض بالمعنى المصدريّ.

وإنَّما نحتاج إلى القبض بمعنى حاصل المصدر، وهو حصوله في يده، فما هو متمِّم المعاملة هو القبض بالمعنى المصدريّ، وما هو شرط في صحَّتها هو نتيجته وهي حصوله عنده، فلا يرد الإشكال العقليّ.

فالعقد يحصل بالقبض بالمعنى المصدري وشرطه المتأخر، هو حصوله في يده، وهو حيثيّة غير حيثيّة إقباضها وهذا يكفي في رفع الإشكال العقليّ، فإنَّ الإشكال كان مبنيّاً على أنَّ الشيء يكون متمّماً لقابليّة نفسه أو فاعليّتها، وهذا لا يلزم على ما قرَّرناه، هذا هو التلازم في المقام.

[ما يُعتبَر شرطاً في جريان المعاطاة في سائر العقود]

وما قلناه من أنَّ المعاطاة جارية في سائر العقود والإيقاعات، يحتاج إلى إضافة شرط آخر، وهو أنَّه لا بُدَّ أن تكون المعاطاة فيها عقلائيّة، فإنَّها ليست مسألة عقليّة، بل عقلائيّة، فهي مشروطة بأن يرى العقلاء الفعل سبباً لحصول المعاملة، ففي الإجارة والقرض والهبة بلا إشكال يكون التسليم بعد المقاولة مصداقاً للمعاملة.

ولكنَّ هذا لا يكون دليلاً على أنَّ كلّ ما حكم به عقلنا من إمكان المعاطاة يكون صحيحاً، ومنه حصول الازدواج بالوطء، فإنَّه أمر غير عقلائيّ، نعم حصوله بمصاحبتها إلى بيته أمر عقلائيّ مع غضّ النظر عن حكم الشارع. 

وكذلك الوصيَّة ببيع ملكه بعد موته، ليس له كاشف عقلائي من الأفعال. 

ـــــــــــــ[126]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والوصيّة بالتدبير وإن أمكن إيقاعها بالإشارات، إلّا أنَّ ذلك ليس من الأسباب العقلائيّة. 

ففي الموارد التي ليس فيها سبب عقلائيّ لا نقول بالمعاطاة. وفي الموارد التي فيها مثل ذلك نقول بها لا محالة. وفي الموارد التي لها جهات، تقع بعض جهاتها بالمعاطاة ولا تقع الجهات الأخرى إلا باللفظ، نعطي لكلٍّ من الجهتين حقَّهما، فما لا يقع إلا باللفظ نوقعه به وما تصحّ فيه المعاطاة نعمله بها كالمزارعة، فإنَّ العُشر أو الربع نذكره لفظاً ثُمَّ نُسلِّم الأرض، بناءً على أنَّ الشرط الضمني لا يحتاج إلى ذكر في العقد، هذا كلّه في هذا الفرع.

ـــــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 













[التنبيه السادس: في ملزمات المعاطاة]

 

  • في العمل بالعام عند المخصص اللبي
  • [الأقسام المتصورة لورود العام]
  • في الأدلة الثمانية على اصالة اللزوم

ـــــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 





[التنبيه السادس: في ملزمات المعاطاة]

 

الفرع الآخر الذي يقوله الشيخ(1) هو: أنَّ الشيخ في باب الخيارات حين يريد أن ينقّح أصالة اللزوم، ذكر أنَّه لو كان عامّ ومخصّص في وقت معين، فهل نتمسّك بالعامّ أو باستصحاب حكم المخصّص؟ 

أختار الشيخ(2) هناك الثاني على ما ببالي وإن لم أراجع. وهنا في ملزمات المعاطاة، يظهر منه التمسّك بأصالة اللزوم، فهنا نتمسّك بها في مورد الشكّ وهناك قال: لا يمكن التمسّك بها.

نحن إذا كان هناك إطلاقٌ كـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ(3)، يظهر استمراره من مقدّمات الحكمة، وفرض أنَّ الإجماع قام على جواز المعاطاة، وهناك قدر متيقَّن، ففي غير مورد القدر المتيقَّن هل هو مورد أصالة اللزوم أو الاستصحاب، أو هناك تفصيل بين ما كان من قبيل المقام الذي هو خارج من الأوَّل، وبين ما إذا كان خارجاً من الوسط، كخيار الغبن؟

وحقّ هذه المسألة أن نشير إليها ونذهب عنها، إلّا أنَّه حيث إنَّ مبانينا 

ـــــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 96، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 5: 207، خيار الغبن، هل الخيار على الفور أو التراخي؟

(3)  المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الأصوليّة غير معروفة لأكثر الأخوان أو كلّهم، وليس لنا بحثٌ مستقلٌّ في الأصول، كان المناسب أن نطرق هذا الموضوع من الناحية الأصوليَّة.

الشيخ في باب خيار الغبن(1)، وأنَّه هل هو على الفور أو التراخي؟ بنى على الفوريّة وتمسّك بدليل الحكمة، حيث تحرز به استمرار الحكم. 

ونقل عن (جامع المقاصد)(2) أنَّ المحقِّق الكركي قال: إنَّه كما أنَّ المشهور قائل بفوريّة خيار الغبن، فإنَّ المطلب هو كذلك، واستدلّ بدليل الحكمة، حيث نفهم منه أنَّ العقد مستمرّ، فإذا خرج منه شيء بدليل آخر، نأخذ به بالقدر المتيقَّن ونتمسّك فيما عداه بالإطلاق.

هناك قال الشيخ: إنَّ هذا ليس تاماً؛ لأنَّ الاستمراريّة المفهومة من الإطلاق، متفرّعة على دخول الفرد، فإذا كان الفرد خارجاً فما هو المتفرّع عليه لا حكم له، وخروج الفرد في زمان لا يكون تخصيصاً زائداً. 

أمَّا لو فهمنا علاوة على العموم الأفرادي العموم الأزمانيّ، وكان الزمان مفرداً للموضوع وخرجت بعض الأزمنة بالتخصيص، فالزمان الآخر يكون موضوعاً آخر فيشمله الحكم.

إذن فهناك تفصيلٌ بين أن نفهم الاستمرار من دليل الحكمة، ويكون عندنا حكمٌ واحدٌ مستمرٌّ، أو نفهمه من العموم الأزمانيّ إذا كان له عمومٌ أزمانيٌّ 

ـــــــــــــ[132]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 5: 212، خيار الغبن، هل خيار الغبن على الفور أو على التراخي؟

(2) راجع جامع المقاصد 4: 38، كتاب المتاجر، الفصل الأوّل، خاتمة تشتمل على أحكام.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

علاوة على العموم الأفرادي، فإنَّه هناك حيث إنَّ الإطلاق متفرّع على دخول الفرد وعدم دخوله، لا يفرق الحال ولا يكون زيادة في التخصيص، فليس هو محلّ التمسّك بالعموم بل بالاستصحاب. 

وأمَّا إذا كان له إطلاقٌ أزمانيٌّ، وكان الإطلاق مفرّداً للموضوع، فليس محلّ التمسّك بالاستصحاب، فإنَّه مِن جرِّ حكمٍ من موضوع إلى موضوع آخر، فإذا خرج فردٌ نتمسّك بالعموم، لا بالاستصحاب.

والشيء الذي يقوله الشيخ هنا مخالف لما ذكره هناك، فإنَّه يقول إجمالاً: إنَّه إذا قام إجماع على جواز المعاطاة في الجملة نأخذ بالقدر المتيقَّن منه ونتمسّك بالباقي بالدليل، فالمورد المشكوك محلّ التمسّك بالأدلّة(1)، ولم يذكر وجهه.

فلنتكلَّم في هذا الموضع؛ لنرى أيَّهما هو الصحيح.

ـــــــــــــ[133]ــــــــــ

() يعني العمومات (إيضاح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 

في العمل بالعام عند المخصص اللبي

 

نقول: إذا ورد عامٌّ ثُمَّ ورد مخصّصٌ بدليل لا إطلاق له لُبِّيّ أو لفظيّ، وخرج عنه مقدار القدر المتيقَّن، أو زمان متيقَّن، وبعده نشكّ في أنَّه خارج أو لا، فهنا ماذا نعمل؟

الوجوه المتصوَّرة في ورود العامّ -وإن كان أحدهما هو محلّ بحثنا إلّا أنَّ الشيخ ذكر القسمين-: 

فإنَّه مرَّةً يرد العامّ كـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ وليس عندنا مقدّمات للإطلاق، وبعد ذلك ورد بدليل منفصل أنَّه قال: (فليكن وفاؤك بالعقود في كلّ زمان)، أو قال: (فليكن وفاؤك بالعقود مستمرّاً) أو (فليكن… في مجموع الأزمنة)، بحيث يكون الملحوظ هو العامّ المجموعيّ.

 ومرَّةً يرد نفس الدليل هكذا: (أوفوا بالعقود في كلّ زمان)، أو (في مجموع الأزمنة)، أو (مستمرّاً)، فيدلّ بالدلالة اللفظيّة لا بالإطلاق(1).

ومرَّةً نريد أن نفهم المطلب من مقدّمات الإطلاق، فهنا مرَّةً تقولون: إنَّ هذه المقدّمات تفيدنا الحكم المستمرّ. ومرَّةً تقولون: إنَّها ليست كالدليل اللفظي القائل: (فليكن وفاؤك مستمرّاً)، بل للإطلاق وضع آخر نشير إليه.

ـــــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 5: 207-209، خيار الغبن، هل الخيار على الفور أو على التراخي؟

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ففي المورد الذي قال: (أوفوا بالعقود)، وقال بدليل منفصل: (فليكن وفاؤك في كلّ زمان)، فهنا عندنا عامّان:

أحدهما: (أوفوا بكلّ عقد).

والآخر: (فليكن وفاؤك بكلّ عقد في كلّ زمان).

وأحدهما حكمه موضوع للآخر، فإنَّ موضوع العامّ الأوَّل هو: (كلّ عقدٍ) وحكمه هو: (وجوب الوفاء). وموضوع العامّ الثاني هو: (وجوب الوفاء)، وحكمه هو: (الاستمرار في كلّ زمان)، فالحكم الذي كان هناك جعله هنا موضوعاً.

وفي الموارد التي يكون هكذا سواءٌ في العموم الأفراديّ أو العموم المجموعيّ، وسواءٌ في الدليل المتّصل أو المنفصل، وسواءٌ بالعموم أو بمقدّمات الإطلاق، إذا ورد تخصيص على ذلك الدليل، وقال: (يجب الوفاء بكلّ عقد إلا العقد الربوي)، فليس معناه ورود التخصيص على دليل وجوب الوفاء وعلى الدليل الآخر أيضاً، بل الدليل المخصّص (لدليل وجوب الوفاء) أخرج الموضوع (للدليل الآخر) عن الموضوعيّة، وخروج الموضوع عن الموضوعيّة غير التخصيص والتقييد.

وبعبارة أخرى: أنَّه إذا خصّص العامّ الأوَّل الفوقانيّ، فلا يرد تخصيصٌ على العامّ التحتانيّ، بحيث ارتكبنا خلاف الظاهر مرّتين، بل تخصيص واحد للأوَّل فقط، والعموم الثاني موضوعه خارجٌ عن الموضوعيّة(1)، فإنَّ العقد 

ـــــــــــــ[135]ــــــــــ

() فيكون مخصّصاً للأوَّل وحاكماً على الثاني، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الربويّ خرج من وجوب الوفاء بالتخصيص، فليس واجب الوفاء، فليس موضوعاً لدليل: (فليكن وفاؤك في كلّ زمان).

وكذلك إذا قال: (فليكن وفاؤك مستمرّاً)، إذا طرأ تخصيص على العامّ الفوقانيّ، فإنَّه يرفع موضوع العامّ الثاني.

وكذلك في باب الإطلاق، إذا فرض أنَّ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ له عموم زمانيّ، ويقتضي إطلاقه الاستمرار. 

أو معنى آخر نقوله، فهنا إذا ورد التخصيص على الدليل الأوَّل، فإنَّ هذا المطلق بل موضوعه يرتفع، فإنَّ معنى المطلق هو ورود الحكم على الموضوع بدون قيد، أو الإطلاق المُستكشَف من مقدّمات الحكمة، وصون كلام الحكيم عن اللغويّة، على ما يقوله صاحب (جامع المقاصد)، فغايته أنَّه طرأ مخصّصٌ على موضوع مفروض الوجود، فإذا طرأ تخصيصٌ على الأوَّل لا يتخصّص إطلاق الثاني، بل إنَّ موضوع إطلاقه يرتفع.

أمَّا لو ورد التخصيص على الثاني، بأن قال الأوّل: (أوفوا بكلّ عقد)، وقال الثاني: (فليكن وفاؤك في كلّ زمان)، وخرج أحدُ الأزمنةِ بالتخصيص، فهذا تخصيص وَرَدَ على العامّ الثاني، والعامّ الأوَّل لم يكن مضمونه الاستمرار، بل وضع الحكم على الأفراد في الجملة.

نعم، إذا خرج البيع الربوي غير مقيّد بقطعة معينة من الزمان، يكون ذلك تخصيصاً للأوّل. 

وأمَّا إذا قال: (لا يجب الوفاء بعقد كذا في يوم كذا)، فهو ليس تخصيصاً 

ـــــــــــــ[136]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

للأوّل، بل للثاني، وهو (فليكن وفاؤك في كلّ زمان)؛ لأنّ الدليل الأوَّل كان مفاده شمول الحكم للأفراد دون الزمان، فالمخصّص طرأ على العامّ الثاني دون الأوّل.

بناءً على ذلك، ليس تخصيص العامّ الثاني تخصيصاً للأوّل، ولا تخصيص الأوَّل تخصيصاً للثاني، غايته تخصيص الأوَّل يرفع موضوع الثاني، وليس خلاف الظاهر، وأمَّا في تخصيص الثاني فالأوَّل يبقى على قوله.

أمَّا إذا كان شمول الدليل بواسطة مقدّمات الحكمة، إذ بها علمنا أنَّ وجوبَ الوفاء متعلّقٌ بهذا العقد في كلّ زمان، وذهبنا إلى ما يعتقده بعض العلماء من أنَّ هذه المقدّمات إذا جرت يكون الكلام كالعامِّ، غاية الأمر فرق العامّ عن المطلق أنّ العامّ قبل جريان المقدّمات يدلُّ عليه اللفظ بخلاف المطلق. 

إذن فهذا الدليل له عمومٌ يقتضي شموله لكلّ فرد، وإطلاقٌ يقتضي وجوب الوفاء في كلّ زمان.

فهنا مرَّة يطرأ التخصيص على العموم الأوَّل، فيكون موضوع الإطلاق محفوظاً، ولم نرتكب خلاف الظاهر مرَّتين، ولم يطرأ عليه التقييد، وأمَّا إذا تقيَّد الإطلاق فقيل: (فليكن وفاؤك في كلّ زمان إلا يوم الجمعة)، فهذا تقييد للإطلاق لا تخصيص للعموم.

أمّا إذا فهمنا من مقدّمات الإطلاق ومن قاعدة صون كلام الحكيم عن اللغويّة: أن هذا الحكمَ مستمرٌّ ودائمٌ، لا بنحو العامّ المجموعِيّ، بحيث إذا خُولِف مرَّةً واحدة ارتفع الموضوع، ولَما كان مانعٌ من ارتكاب الباقي، بل بنحو 

ـــــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إذا عصى مرَّة كان الارتكاب الثاني أيضاً محرّماً، فهذا ليس من قبيل الأحكام المتعددة، بحيث يكون للشارع أحكام انحلاليّة كثيرة، بل هو حكم واحد، وهو أيضاً موجود في العرف، فلو قال: (لا تهِن زيداً)، فهو ليس أمراً منحلّاً إلى عدَّة أوامر، فلو لم يهنه أصلاً، كان مطيعاً إطاعة واحدة لحكم واحد، وإذا أهانه مرَّة نفهم أنّه بعد ذلك لا يجوز إهانته، لا أنّه إذا عصى فقد ارتفع الموضوع، لأنّ الحكم كأنّه جعله لازم الماهية، كما أنَّ جعل شيء وتقديره لازماً للماهية، لا ينفصل عن الماهية، فلو فصله عنها، يكون هذا الدليل وهو وجوب الوفاء موجوداً. هذا هو الكلام في مقدّمة ا لمطلب.

الآن نفرض ورود: (أوفوا بالعقود)، وأنّ الإجماع قائم على أنَّه لا يجب الوفاء إذا ظهر الغبن، وشككنا أنّه فوري أو لا؟ مقتضى قول الشيخ إنّه ليس له عمومٌ زمانيٌّ، أن نستصحب بقاء الخيار، وليس لنا أن نتمسّك بالعموم، مستدلاً على أنَّه ليس تخصيصاً زائداً.

نقول: إنَّه تقييد لا تخصيص، فإنَّ العموم يشمل الأفراد والإطلاق يقتضي الاستمرار، فما يقوله الشيخ من أنَّه: (لا يلزم التخصيص الزائد)، نقول إنّه: (لا يلزم التخصيص أصلاً)، فإنَّه أخرج الفرد في هذا الزمان، ولم يقل: (لا يجب الوفاء بالعقد الفلاني)، بل قال: (لا يجب الوفاء في زمان كذا)، وهذا ليس تخصيصاً للعموم، بل تقييد للإطلاق.

وكما أنّ التخصيص الزائد خلاف الأصل، كذلك التقييد الزائد، فالمقدار الخارج من الزمان، وهو ربع ساعة مثلاً، والزائد عليه الذي فهمناه من 

ـــــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

مقدّمات الإطلاق تقييد زائد، ففي كلام الشيخ خلط بين تقييد الإطلاق وتخصيص العامّ، وفي المقام يدور الأمر بين الأقلّ والأكثر، فلا بُدَّ من الأخذ بالقدر المتيقّن ونتمسّك بالإطلاق في الباقي.

هذا محصّل الكلام على مذاق صاحب جامع المقاصد.

ـــــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 




[الأقسام المتصورة لورود العام]

 

إذا ورد عامٌّ، وورد عليه بعد ذلك مخصّصٌ لا إطلاق له ولا عموم، وأخرج زماناً ونشكّ في أنَّ الزمان الآخر خارج أو لا، وقع البحث أنّه هل محلّ التمسّك باستصحاب حكم المخصّص أو التمسّك بعموم العامّ، أو أنّ هنا تفصيلاً بين ما إذا كان المخصّص رافعاً للأوّل، وبين ما إذا كان رافعاً عن الوسط؟ فعلى الأوَّل محلّ التمسّك بالعامّ، والآخر بالاستصحاب، أو بالعكس.

نحن نذكر الأقسام المتصوَّرة لورود العامّ، وإن كان يهمنا قسماً واحداً منها:

أحدها: ما إذا قال: (أكرم كلّ عالِمٍ في كلّ يوم)، فهنا عدَّة احتمالات في هذا الظرف:

احتمال أنّه متعلّق بالهيئة، بمعنى: أنّ الوجوب في كلّ يوم.

واحتمال أنّه متعلّق بالمادة، بمعنى: أنّ الإكرام في كلّ يوم واجب.

واحتمال أنّه متعلّق بالموضوع ولو مع تقييد، يعني: العالِم الكائن في كلّ يوم يجب إكرامه.

واحتمال أنّه قيد للنسبة الوجوبية، فإنَّ معنى الوجوب شيء ومعنى 

ـــــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وجوب (إكرام العالِم) شيء آخر، فهنا نحتمل أنّ الظرف قيد للنسبة الحكميّة الوجوبية.

هذه احتمالات، إلّا أنَّه بحسب الظاهر: كما أنّه في الأخبار لو قال: (جاء زيدٌ يوم الجمعة)، نفهم منه رجوع القيد إلى النسبة الحكميّة، يعني أنّ مجيء (زيد) كان يوم الجمعة، دون رجوعه إلى الحكم أو الموضوع. 

كذلك في المقام فيكون المعنى: (يجب الإكرام في كلّ يوم)، يعني: (يجب إكرام كلّ عالم، وليكن إكرام كلّ منهم في كلّ يوم).

الصورة الأخرى: أن يقول: (أكرم كلّ عالم في مجموع الزمان)، بنحو العامّ المجموعيّ.

الصورة الثالثة: (أكرم كلّ عالم مستمرّاً في عمود الزمان)، أو (يجب الوفاء بالعقود مستمرّاً ما دام العقد محقّقاً) أو (إلى الآخر). وفي هذه الصور نفس الاحتمالات والظاهر منها أنّها متعلّقة بالنسبة الحكميّة.

ونحن نريد أن نجعل قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مستمرّاً، غير العامّ المجموعيّ وغير العامّ الاستغراقيّ، فإنَّ العامّ الاستغراقيّ منحلٌّ على أفراده، وكل فرد موضوع مستقل لحكم مستقل، له إطاعة ومعصية مستقلّة. 

وأمَّا العامّ المجموعيّ فالحكم وارد على تمام الأفراد بمجموعها الاعتباريّ، وله إطاعة واحدة، ومعصية واحدة بترك الكل أو ترك بعض الأجزاء، فإن ترك الجزء بما أنّه تركٌ للكل يكون معصيةً للعامّ المجموعيّ.

فقيد (مستمرّاً) نريد أن يكون غير العامّ الاستغراقيّ المسمى بالأصولي، 

ـــــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وغير العامّ المجموعيّ، نريد أن يكون له إطاعة واحدة، وفي عين الحال إذا ترك مرَّةً في قطعة من الزمان يكون الباقي باقياً على حكمه وواجب الامتثال.

فهو ليس كالعامّ الأصولي له إطاعات ومعاصي متعدِّدة بتعدُّد أفراده، ولا كالمجموعيّ له معصية وإطاعة واحدة، بحيث إنَّه إذا لم يفِ بالعقد ساعة واحدة، فترك الوفاء بعد ذلك لا يكون معصية.

هذا كيف نتصوَّره، وما هي عرفيته؟

مثلاً: إذا كانت إهانة العالم مبغوضة لهذا الشخص، فقال: (لا تهنِ العالم) فإذا لم يهنِ العالم أصلاً، فهل هو قد أطاع إطاعات متعدّدة بعدد الأزمنة التي يُتصوَّر تحقّق الإهانة فيها، ويستحق الجزاء على كلّ إطاعة؟

وإذا أهانه مرَّة واحدة فقد سقط الأمر ويجوز الإهانة بعد ذلك، أو هذا الأمر له إطاعة واحدة إلى الأبد، فلو لم يهن العالم أصلاً فهو لم يقم إلّا بإطاعة واحدة، ولكن إذا تحققت هذه الطبيعة مرَّة واحدة بالعصيان فإنَّها تتحقّق مبغوضة، ولكن وجوداتها الأخرى تبقى مبغوضة أيضاً؟

فهذا ليس من العامّ الأصولي الذي له إطاعات ومعاصٍ متعدَّدة، وليس كالعام المجموعيّ الذي له معصية وإطاعة واحدة، بل له طاعة واحدة ومعاصٍ متعدِّدة، لا بمعنى أنّ هناك مبغوضاتٍ كثيرةً، بل الطبيعة بنفسها مبغوضة، ومهما تقع تقع بصفة المبغوضية، وأمَّا إذا لم تقع أصلاً كان ذلك إطاعة واحدة لا إطاعات كثيرة.

وجوب الوفاء بالعقود من هذا القبيل، بناءً على كونه حكماً مستمرّاً، كما لو 

ـــــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

قال يجب الوفاء بالعقد مستمرّاً، ليس هذا نظير العامّ الأصولي في أنّ: كلّ يوم وكلّ فرد موضوع للحكم، وليس كالعام المجموعيّ: إنّ تمام الزمان لوحظ أمراً واحداً، ووضع عليه تكليف واحد، بحيث يسقط الأمر بالعصيان الواحد.

ونظير ذلك في العقليات؛ أن يجعل للماهيّة شيئاً، فلو فصل عن الماهيّة زماناً معيناً، فليس لازم ذلك الانفصال عنها إلى الأبد، ومثلاً الذي لا يكذب أصلاً فهل قد أطاع خطاب (لا تكذب) في كلّ زمان يتمكن فيه من الكذب، أو قد أطاعه إطاعةً واحدة؟

نعم، لو كذب يقع حراماً، ويكون الباقي حراماً أيضاً، وفرق بين ذلك وبين مبغوضية الأفراد، فإنَّه على الثاني تكون أفراد الطبيعة مستقلّة مبغوضة، وأمَّا على الأوَّل فإنَّ نفس الطبيعة في أيّ محلّ وقعت فإنَّها تقع مبغوضة بنفسها لا بخصوصياتها.

هذه أنحاء وقوعها في اللفظ، وهي تصوّرات ممكنة عقلاً وصحيحة عرفاً.

وأخرى نستفيد الاستمرار من دليل الحكميّة ومن مقدّمات الإطلاق، وهذه المقدّمات ليس فيها عامّ أصولي وعامّ مجموعي، بل بعد جريانها نفس الطبيعة بما هي طبيعة تكون موضوعاً للحكم، ونحن لا نستفيد الاستمرار من الإطلاق بالمعنى المعروف، بل من الإطلاق القائم على مقدّمات الحكمة بالمعنى الذي يقوله المحقق الكركي، وهو صحيح بحسب مناسبات الحكم والموضوع.

إنّه إذا قال: (أوفوا بالعقود)، فليس معناه الوفاء آناً ما، بل معناه أنّه دائماً عليك الوفاء، وليس حاله كالأمر الذي يكفي في امتثاله فردٌ واحدٌ، بل صوناً 

ـــــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

لكلام الحكيم عن اللغوية وبمناسبة الحكم والموضوع، إذا لم يقيّد بقيد فلا بُدَّ أنّه يريد وجوب الوفاء دائماً. هذا مطلب له تتمّة.

ومطلب آخر وهو أنه سواء قال: (أكرم كلّ عالم في كلّ زمان)، أو قال: (أوفوا بالعقود مستمرّاً)، أو فهمنا الاستمرار والدوام من مقدّمات الحكمة، على أيِّ حالٍ يكون الحكم الثاني بالاستمرار متفرّعاً على الأوَّل، فإنَّه بعد أن كان الظرف متعلّقاً بالنسبة الحكميّة، يكون عندنا عامّان(1)

أحدهما: (أكرم كلّ عالم)، وموضوعه (كلّ عالم) وحكمه (وجوب الإكرام).

والآخر: (في كلّ يوم)، وموضوعه (وجوب الإكرام) بعد أن أرجعناه إلى النسبة الحكميّة، ومحموله (في كلّ يوم)، فهنا عامّان أحدهما حكمُه موضوعٌ للآخر.

والإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة أيضاً كذلك، فإنَّه إذا وضع حكم لموضوع ولم يكن له قيد وكان المتكلّم في مقام البيان، نفهم أن الحكم قد وضع على موضوعه بلا قيد، والمقدمات التي يقولها المحقّق الكركي، والتي يوافق عليها العقلاء، وتفهم من مناسبات الحكم والموضوع، هو أنّه نفهم الاستمرار من الإطلاق ومقدّمات الحكمة.

ـــــــــــــ[144]ــــــــــ

() هذا ممكن لو كان الدليل الدالّ على الاستمرار منفصلاً، أمَّا مع الاتّصال فاعتبار القيد عموماً بنفسه عهدته على مدّعيه. كما أن القيد ليس فيه موضوع ومحمول زائد على ما في أصل الحكم، وكونه راجعاً للنسبة الحكميّة لا يعني جعل الحكم موضوعاً له إلا مجازاً أو مسامحةً، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فهذا الإطلاق متفرّع على هذا العموم، فكما كان العامّ الثاني متفرّعاً على العامّ الأوَّل، كذلك الأمر في الإطلاق، فإنَّ موضوع(1) الإطلاق هو عدم ذكر القيد للعموم، فكأنَّه قال في اللفظ: (مستمرّاً).

المطلب الثالث: وهو أنّ لازم تفرُّع العامّ الثاني على الأوَّل، أو أنّ له إطلاقاً على العامّ، أنّه إذا ورد تخصيصٌ على العامّ فإنَّه يرفع موضوعَ العامّ أو المطلقَ الثاني، ولا يلزم خلافُ الظاهر مرّتين.

إذا قال: (أوفوا بكل عقد في كلّ زمان)، ثُمَّ قال: (لا يجب الوفاء بالعقد الربوي)، فهذا تخصيص للعامّ الأوّل. أمّا العامّ الثاني الذي قال: (فليكن الواجب مستمرّاً)، أو (في كلّ يوم)، فالمخصّص الذي ورد على العامّ الأوَّل يرفع(2) موضوع الثاني.

ـــــــــــــ[145]ــــــــــ

() لا يخفى أن هذا الكلام لا يمكن أن ينسجم مع المباني المحرَّرة في علم الأصول عن الإطلاق والعموم، فإنَّه من الواضحات أنَّ الإطلاق ليس جملةً مستقلّةً؛ ليكون له موضوعٌ ومحمولٌ، وإنَّما موضوعه ومحموله -لو صحّ هذا التعبير- هو عين موضوع ومحمول الجملة التي تجري فيها مقدّمات الحكمة، فما معنى أنَّ الإطلاق متفرّع على العموم؟! (المقرِّر).

(2) هذا لكن أن يدّعى فيما إذا كان الدليل الدالّ على الاستمرار منفصلاً، لا ما إذا كان متّصلاً على ما هو المفروض، فإنَّه حينئذٍ إذا طرأ تقييدٌ على العام يبقى المقيّد مقيّداً، ولا يطرأ على حيثيّته تقييده أيّ شيء سلباً ولا إيجاباً. نعم، إذ نعرف أنَّ العموم غير مراد جدّاً نعرف أنَّ القيد للأفراد الخارجة بالتخصيص أيضاً غير مراد، وإنَّما يبقى قيداً للباقي. ومعنى هذا طروّ التخصيص على العامّ مع قيده، وإن بقي على حيثية التقييد، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وكذلك إذا فهمنا الاستمرار من الإطلاق، وورد تخصيص على العامّ الأوَّل، فإنَّه لا يلزم منه تقييد الإطلاق، وإنَّما يرتفع(1) موضوعه، وليس هناك إلّا خلافٌ ظاهرٌ واحدٌ، وهو تخصيصُ العامّ، أمَّا رفع الموضوع فليس خلافَ الظاهر.

وكذلك لازم هذا التفرُّع، أنّه إذا ورد تخصيص على العامّ الثاني، فإنَّه يبقى العامّ الأوَّل على حاله، فإذا ورد أنّه (لا يجب الوفاء في هذا اليوم)، فهو تخصيص للعامّ الثاني، والعامّ الأوَّل ليس له مساسٌ بالتقييد باليوم، لأنَّنا قلنا: إنَّ العامّ الثاني متعلّق بالنسبة الحكميّة وإنَّه متفرّعٌ على الأوَّل، فلو ورد عليه تخصيصٌ أو تقييدٌ يبقى(2)  العامّ الأوَّل على عمومه.

ـــــــــــــ[146]ــــــــــ

() إذا ورد تقييدٌ للعامّ يعني تخصيص لإطلاقه الأفرادي، فإنَّه لا يشمل إطلاقه الأزمانيّ (الذي هو محلّ الكلام) أصلاً، غايته أنَّه يبقى ساري المفعول على الباقي بعد التخصيص، بعد أن عرفنا أنَّ الإرادة الجدِّيّة لم تتعلّق بسريانه إلى ما خرج بالتخصيص. هذا بالإضافة إلى عدم تصوَّر محمول وموضوع مستقلّ للإطلاق كما قلنا، (المقرِّر).

(2) الأمر بالعكس تماماً سواء بالعموم الأزمانيّ والأفراديّ أو الإطلاق الأزمانيّ والأفراديّ، فإنَّ تخصيص الأفراديّ، وإخراج بعض الأفراد بعنوان معيَّن كالربويّ عن الحكم، لا يؤثِّر شيئاً على الأزمانيّ؛ إذ يجب الوفاء بالباقي في كلّ زمان لا محالة. ولكنَّ تخصيص الأزمانيّ يكون تخصيصاً للأفراديّ لا محالة؛ إذ أفراد الموضوع التي تكون في الزمان الخارج بالتخصيص لا يشملها الحكم ولا يجب الوفاء بها، فكيف يدّعي السيّد بأنَّ طروّ التخصيص على العامّ الأزمانيّ لا يؤثِّر على العامّ الأفراديّ؟!، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [في ما هو الميز بين العموم والإطلاق]

بناءً عليه، كلامنا في هذا، وهو أنَّه إذا جاء: (أوفوا بالعقود)، أو قال: (يجب الوفاء بكلّ عقد) وكان الإجماع قائماً على الجواز في الأوَّل، وشككنا باستمراره، أو كان عندنا خيارُ مجلسٍ أو خيارُ الغبنِ أو العيبِ أو الحيوانِ، وبعضها يقطعه من الأوَّل وبعضها يقطعه من الوسط، فهل هنا محلُّ التمسّك بالعامّ مطلقاً، أو بالاستصحاب مطلقاً، أو تفصيل بين ذكر الزمان مستقلّاً وعدمه، أو تفصيل بين انقطاع الوسط، أو الأوَّل؟

ففي الأوَّل محلّ التمسّك بالعموم، وفي الثاني محلّ التمسّك بالاستصحاب أو العكس، وجوه اختار كُلّاً منها بعض الأعاظم (قدس الله أسرارهم)، ولا بُدَّ من التعرّض لها في الجملة.

هذا العامّ الذي ورد، إذا كان مقيّداً لفظاً: بكلّ زمان أو مستمرّاً أو دائماً وأمثالها، أو استفدنا من مقدّمات الحكمة وعدم اللغويّة هذا المعنى، هل إذا خرج زمان بدليل لا إطلاق له يجب التمسّك بإطلاق (أوفوا بالعقود) أو بالاستصحاب؟

هل بعد تماميّة مقدّمات الإطلاق، يكون موضوع الحكم: (في كلّ زمان)، حاله في ذلك حال العامّ الأصولي؟ غاية الفرق بينهما أنَّ العامّ الأصولي يدلّ بالدلالة النفسية على أنَّ كلّ فرد هو كذا، والإطلاق أو العموم الإطلاقي باصطلاح الآغايون إنَّما بعد جريان مقدّمات الحكمة على أنَّ كلّ فرد هو كذا.

أو أنّه في باب الإطلاق ليس كذلك، لا ما إذا كان مستفاداً بدليل الحكمة 

ـــــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الذي قاله المحقق الكركي، ولا الإطلاق في الموارد الأخرى، ليس أنّه إذا تمت مقدّمات الحكمة ينتج كون الأفراد والخصوصيات موضوعاً للحكم، مثلاً إذا تممنا الإطلاق ومقدّمات الحكمة في أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1)، فهل يكون معناه: أحل الله البيع الربوي الكذا والكذا، كما لو قال: (أحل الله كل بيع)، أو أنه ليس كذلك؟ بل ينتج بعد تماميّة مقدّمات الإطلاق أنَّ الطبيعة بلا قيد موضوعٌ للحكم بالحليِّة، غايته إذا وجد (البيع الربوي) أو (بيع السلف) مثلاً، فحيث إنَّ الطبيعة اللابشرط تتحقّق بذاتها بنفس هذا الوجود الخارجي، فيكون هذا الوجود مصداقاً لها، فيشمله الحكم، لا بخصوصياته الفردية، فإن الحكم موضوع على الطبيعة بذاتها، متى تحقّقت تتحقّق الحليّة معها.

إذن هناك فرق بين العامّ والإطلاق، وهو شمول العامّ للأفراد بخصوصياتها ابتداءً، وكلٌّ منها يكون موضوعاً للحكم، بخلاف الإطلاق فإنَّه بعد تماميّة مقدّمات الحكمة تكون نفس الطبيعة موضوعاً للحكم دون الأفراد. إنّ(2) قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(3)، وإن كان يشملك إذا كنت مستطيعاً، لكنّ الحكم لم يرد عليك بعنوانك الشخصيّة، وإنَّما ورد الحكم على عنوان المستطيع وحيث تحقَّق هذا العنوان فيك أصبح موضوعاً للحكم، بخلاف ما إذا قال: (أكرم كلّ عالم)، فإنَّ الحكم يكون 

ـــــــــــــ[148]ــــــــــ

() البقرة: 275.

(2) وقال فيما قال جواباً على سؤال: إنّ قوله تعالى:… (المقرِّر).

(3)  آل عمران: 97.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

منحلّاً على الأفراد ويكون كلّ فرد(1) موضوعاً للحكم، فأنت لك حكم وذاك له حكم وهكذا.

وفي الإطلاق الذي قاله المحقّق الكركي، والذي ينتج الاستمرار، ليس معناه أنّه حكم واحد له استمرار، بحيث لو تخلّف في محلّ فلا استمرار له، ليس هذا مراده، ولا مراده أنّ كلّ يوم من الأيام يكون موضوعاً للحكم، بحيث يكون لكلّ يوم إطاعة مستقلّة على نحو العامّ الأصولي، بل نفس الطبيعة موضوع للحكم، غايته بفهم العرف في باب النواهي؛ أن الطبيعة بإطلاقها موضوع للحكم، فلا يتحقّق الانزجار عنها إلا بترك تمام أفرادها، أمّا في طرف الوجود لو قال: (صلِّ)، تكون الطبيعة بوجودها الإهمالي موضوعاً للحكم، بحسب الفهم العرفي، لذا فهي تحصل بأوّل وجوداتها.

فإذا قامت القرينة في مورد على أنَّه كما أنّه في باب النواهي، قد تعلّق النهي بالطبيعة المطلقة، لا بنحو أن هناك مبغوضياتٍ كثيرةً متعدّدةً بعدد الأفراد، بل الطبيعة مبغوضة بنحو الإطلاق. 

إذا قامت القرينة على تحقّق هذا المعنى في طرف الأمر، وأن الوفاء واجب بنحو الإطلاق، لا بأن يكون شاملاً لكلّ يوم بخصوصه، لتكون له إطاعات 

ـــــــــــــ[149]ــــــــــ

() لم يتّضح الفرق من هذه الجهة، فإنَّه كما أنَّ وجوب الحجّ يشمل الفرد بصفته مستطيعاً، كذلك وجوب الإكرام يشمل الفرد بصفته عالماً لا بأيّ صفة شخصيّة أخرى.

نعم، الفرق بين المثالين كون المستطيع موضوعاً للحكم والعالم متعلّقاً له، وهذا أجنبيّ عن مسألة الفرق بين العموم والإطلاق، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

متعدّدة، ولأخذت الطبيعة بنحو الاهمال ليسقط الأمر بالوجود الأوَّل، ولا بنحو العامّ المجموعيّ بحيث لو عُصِي مرَّة واحدة فإنَّه يكون موجباً لسقوط الأمر.

وإنَّما وجوب الوفاء لحكمٍ واحدٍ واردٍ على الطبيعة، وهو العقد، وليست خصوصيات الزمان دخيلة فيه.

وعلى هذا بعض الإشكالات وبعضها خارج عن محلّ الكلام.

[إشكال الشيخ عبد الكريم الحائري]

كالإشكال الذي ذكره شيخنا الشيخ عبد الكريم، حيث إنَّه فرق بين الإطلاق في سائر الموارد وبين الإطلاق في باب الزمان. 

وقال: إنّ الإطلاق في سائر الموارد يشمل تمام خصوصيات الأفراد عرضاً، كالفسق والعدالة والعربيّة والعجميّة. فإذا تمّت مقدّمات الحكمة، تكون تمام الخصوصيات قد قامت عليها الحجة عرفاً، فلو قيّدت خصوصيّة بدليل خارجيّ يبقى المطلق على قوّته في الباقي.

أمّا الزمان فهو مستمرّ ذاتاً، وليس شيء له قطعات وأجزاء، بل هو وجود واحد مستمرّ، ما لم نأخذ قطعاته بنظر الاعتبار، أمَّا إذا لم نلحظ قطعاته فهو موجودٌ واحدٌ مستمرٌّ وليس وجودات متكثِّرة. 

بناءً عليه: إذا كان الإطلاق بالنحو الأوَّل، كـ(أحلَّ الله البيع)، فإنَّه يشمل تمام الخصوصيات شمولاً عرضياً، فإذا خرج بيع بالتخصيص وشككنا في بيعٍ آخر، نتمسّك بالإطلاق ونرفع به الشكّ. 

ـــــــــــــ[150]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأما الزمان فإنَّه إن انقطع من الأوَّل أو من الوسط، لا يمكن التمسّك بالإطلاق لما بعد المنقطع؛ لأنَّ ما بعده ليس استمراراً لهذا الحكم، ونحن فرضنا أنّ وجوب الوفاء مستمرٌّ في عمود الزمان، فإذا انقطع فلا يمكن الاستمرار به. 

نحن نقول له: إنّك خرجت عن موضوع البحث أصلاً. 

أوَّلاً: إنّ المطلقات ليس لها شمول للأفراد العرضية بخصوصياتها، فإنَّ المطلق يتناول الطبيعة بلا قيد، وبما أنّها متحقِّقة في الفرد فيشملها.

وثانياً: إنّك خرجت عن موضوع البحث، فإنَّه لو قلنا بما قلتم من عدم شمول الحكم للزمان المتأخِّر بعد الانقطاع، فلا شكّ لنا؛ لأنَّ جزءاً من الزمان أخرجناه بالمخصص، والباقي أيضاً دلَّ المخصص على خروجه، لعدم إمكان كونه داخلاً تحت العامّ. على حين نحن فرضنا المسألة بنحو يمكن فيها الشكّ، وهو إنَّما يكون إذا لم يكن بنحو العام المجموعيّ، بحيث إنَّه لو انقطع في زمان فلا استمرار له، بل فهمنا بدليل الحكمة أنَّ الحكم ثابت على نحو الإطلاق، وقلنا بأنّ الحكم ليس متكثّراً بل موضوعٌ على الطبيعة. 

هنا أيضاً الحكم مطلق بلا قيد، فموضوع البحث هو ما إذا فرض خروج قطعة من الزمان، فالقطعة الأخرى يمكن أن تكون خارجة ويمكن أن تكون داخلة، فإذا استطعنا تعميم الحكم لها بإطلاقه فهو، وإلا كان مورداً للاستصحاب.

وبعبارةٍ أخرى: أنَّه ليس عندنا حكمٌ مقيّدٌ بالاستمرار، لندخل في بحث حول مدلول هذه الكلمة، وإنَّما عندنا (أوفوا بالعقود)، فكما في سائر الإطلاقات لو شككنا أنَّ البيع الكذائي هل يشمله (أحلَّ الله البيع) أو إنَّه مقيَّدٌ 

ـــــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بقيد يُخرجه، فالإطلاق يقتضي عدم التقييد. 

في باب الزمان أيضاً قال: (أوفوا بالعقود)، وعلمنا أنَّ هذا الحكم إذا شمل الزمان الأوَّل المتَّصل بالعقد يلزم اللغويّة، إذن فهو مستمرّ، لا بنحو العامّ المجموعيّ الذي يسقط بالعصيان، بل له إطلاق بحيث يشمل كلّ قطعة من الزمان لا بخصوصياتها، بل باعتبار وجوب الوفاء بالعقد، فكما في البيع تقول: إنَّ بيع السلف حلال لا بخصوصيّة كونه سلفاً، بل لكونه فرداً من طبيعة البيع، هنا أيضاً نقول: إنَّ هذا الاستمرار بمعنى أنّ الوجوب يشمل هذا اليوم، لا من حيث إنَّه يوم الجمعة بل من حيث إنَّه عقد، فحينئذٍ إذا خرج قسم من الزمان بالتخصيص، وشككنا في الباقي فإنَّه يندرج تحت العامّ.

فليس هذا من التكثير الذي في العامّ الأصولي، ولا الوحدة في العامّ المجموعيّ، ويشمل وجوب الوفاء في كلّ زمان، غايته أنّه لو لاحظنا كل قطعة من الزمان نرى أنّه يجب الوفاء بها، لا بصفته زماناً، بل بصفته غير مقيّد. 

إذن فلا يتمُّ الإشكال.

مناقشة المرحوم النائيني

إذا ورد عامٌّ وورد دليلٌ يُخرج مصداقاً في زمان، ونشكّ بعد ذلك الزمان أنّه له حكم العامّ أو الخاصّ، هل هو محلّ التمسّك بعموم العامّ، أو التمسّك بالاستصحاب(1)؟

ـــــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) راجع المكاسب والبيع 2: 189، القول في عقد الفضولي، الكلام في الإجازة، ومنية الطالب 2: 87-90، القول في الخيارات، خيار الغبن.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الشيخ النائيني(1) حرَّر محلّ الكلام، بأنَّه إذا ورد عامٌّ أفراديٌّ، متضمّن لعموم زمانيٍّ، وخرج زمانٌ بمخصّص، ونشكّ بزمان آخر. 

نقول: ليس هذا محلّ البحث، فإنَّ العامّ إذا كان متضمّناً للعموم الزمانيّ فليس محلّاً للكلام، ولا إشكال -كما ذكر الشيخ- أنّه محلّ التمسّك بالعموم، ولكن حيث إنَّه وسَّع(2) معنى العموم الزمانيّ إلى ما يشمل الإطلاق، وما يشمل التقييد بالاستمرار وفي كلّ زمان ونحوه– لذا صدر منه هذا الكلام- وقلنا بأنّ العموم يختلف عن المطلق، وأنَّ الطبيعية يستحيل أن تكون كاشفة عن خصوصيات الأفراد، وفي العام إنَّما سرى الحكم إلى الأفراد بتعدِّد الدالّ والمدلول، لا بالدلالة على الطبيعة وحدها، فإنَّ هذا أحد المدلولات، والآخر هو الدالّ على كثرةٍ ما وهو كلٌّ، والثالث هو هيئة الإضافة، ولهذا في (أحل الله البيع) الذي يقول: إنَّه على تقدير تماميّة مقدّمات الحكمة، تكون دالّة على أنَّ كلّ بيع حلال، نقول: إنَّ الدلالة على الأفراد محال، بل الموضوع هو نفس طبيعة البيع بما هو، غايته أينما صدقت الطبيعة، بما أنَّها طبيعة فإنَّ الحكم يتحقّق معها.

بناءً عليه عقْدُ البحثِ لا بُدَّ أن يكون هكذا: إذا ورد عامٌّ وخرج فردٌ في زمان، وشككنا في الزمان المتأخِّر، فهل يكون محلُّ التمسّك بالعامّ والاستصحاب؟

قال في المقدمة الأولى: إنَّ الزمان إذا لم يُلحظ تعدُّده فهو ظرف للحكم أو المتعلّق لا قيد له.

ـــــــــــــ[153]ــــــــــ

() راجع منية الطالب 2: 87-90، خيار الغبن.

(2) يعني النائيني، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ثُمَّ يقول: وهذا مناط جريان الاستصحاب وعدمه، أي: إذا أُخذ بنحو الظرفية يمكن التمسك بالاستصحاب عند الشكّ، وإن أُخذ بنحو القيديّة، فلا يمكن التمسك به؛ لأنَّ هذه القطعة من الزمان تباين القطعة الأخرى، فيكون من سراية حكم موضوع إلى موضوع آخر.

نقول: أنت تصوَّرت قسمين: 

أحدهما: أن يكون الزمان ظرفاً للحكم أو للمتعلّق.

والآخر: أن تلاحظ القطعات بنحو العامّ الأصولي.

ونحن لنا قسمان آخران:

أحدهما: أن يلاحظ الزمان بنحو الاهمال، زماناً ما.

والآخر: أن يلاحظ الزمان قيداً بنحو الاستمرار.

وعليهما يمكن الاستصحاب؛ لأنَّ العلة المانعة التي ذكرتها غير واردة في المقام، وهي مباينة القطعات الزمانيّة لبعضها، فإنَّ ذلك من شأن وضع الحكم على القطعات بنحو العامّ الأصولي، فلا يمكن الاستصحاب. 

أمَّا إذا كان القيد بنحو الإجمال أو بنحو الاستمرار؛ فإنَّ الاستصحاب يكون ممكناً، فإنَّ (زمان ما) محفوظ، وكل زمان يكون مصداقاً له، ولا يكون من سراية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر.

نظير ما لو كان الواجب (إكرام زيد في زمان ما)، وعلمت أنّه في ظهر يوم الجمعة لا يجب إكرامه، وأشكّ بعد ذلك، فهنا يمكن الاستصحاب لوحدة الموضوع.

وكذلك إذا كان الزمان قيداً بمعنى الاستمرار، نظير ما قلناه في النواهي، 

ـــــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وإنّ استمرار الحكم فيها ليس معناه وجود مبغوضيات متعدِّدة، كذلك في المقام استمرار الحكم لا يعني وجود محبوبيات متعدِّدة، بل محبوبية واحدة على وفاء واحد، فإذا كان ذلك قيداً، يكون الزمان بلا شكّ محفوظاً فيمكن الاستصحاب، فكلام الشيخ النائيني مبنيٌّ على إلغاء بعض الأقسام.

ثم يقول: إنَّ الزمان إذا وقع قيداً للحكم يمكن تصوُّر الزمان على شكلين: 

على نحو العامّ المجموعيّ. وعلى نحو العامّ الأصولي. 

كما يمكن تصوُّر الأفراد على هذين النحوين، ويرد عليه نفس الإشكال، وهو أنَّ للزمان صورتين أُخريين: 

إحداهما: أن يكون بنحو الاستمرار. 

والأخرى: أن تدلّ عليه مقدّمات الحكمة. وإهمال هذه الأقسام هو الذي أدَّى إلى بطلان النتيجة التي توصّل إليها.

المقدمة الثانية التي ذكرها، وهي أنّه:

مرَّة: يكون الدليل متكفِّلاً لهذا المطلب بالصراحة، نحو قوله: (مستمرّاً أو دائماً أو في كلّ زمان).

وأخرى: لا يدل على ذلك، وإنَّما يقيّده الدليل الخارجي، كما قد ورد: “حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة(1).

ـــــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 58، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث 19، روضة المتّقين في شرح مَن لا يحضره الفقيه 13: 196، باب النوادر، والوافي 1: 260، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث 24201.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وثالثة: تقيِّد ذلك مقدّمات الإطلاق، وأنَّه شامل لتمام الأزمنة بنحو العامّ الأصولي. 

ثُمَّ يقول: إنَّه كـ(أحل الله البيع)، بعد تماميّة المقدّمات يُفهم منه حكم هذا المصداق وهذا المصداق، كذلك في طرف الزمان بعد تماميّة المقدّمات يُفهم حكم هذا الزمان وذاك الزمان.

هنا يأتي عليه الإشكال: فإنَّه إذا قال: (في كلّ زمانٍ) فقد لاحظ الأفراد ولا إشكال. وأمَّا إذا قال: (مستمرّاً)، فإمّا أن يقصد به كلّ زمان، فهو، وإلّا فلا يكون مفيداً فائدة العامّ الأصولي، وأمَّا قوله: “حلال محمد حلال إلى يوم القيامة…” فلا يفيد العموم الأزمانيّ الأصوليّ، وإنَّما يريد أن يقول: إنَّ الحكم الإسلامي هو آخر الأحكام ولا حكم بعده، وعلى تقدير إرادته للاستمرار فهو غير ناظر إلى قطعات الزمان، بحيث إنَّ لكلّ قطعة منه حلِّيّة وحرمة مستقلّة، كما أنَّ مقدّمات الإطلاق أيضاً لا تفيد العموم الزمانيّ، و(أوفوا بالعقود) بعد تماميّة مقدّمات الإطلاق ليس لها عمومٌ أزمانيٌّ، كما مرَّ ذكره.

وفي المقدّمة الرابعة يقول: إنَّ قوله: (في كلّ زمان)، قد يكون قيداً للحكم، وقد يكون قيداً للمتعلّق، ثُمَّ يقول: هذا لا يفرّق فيه، إلّا أنَّه يفرّق فيما هو محلّ البحث.

المقدّمة الخامسة: وهي عمدة الكلام، وفيها يقول: إنَّه إذا كان (في كلّ زمان) قيداً للحكم، بمعنى: (أنّ الحكم في كلّ زمان)، أو إذا كان قيداً للمتعلّق بمعنى: (أنَّ هذا الفعل في كلّ زمان يجب)، فهذان يختلفان في جهتين:

إحداهما: أنَّ هذا القيد إذا كان متعلّقاً بالمتعلّق، نحو: (أكرم كلّ عالمٍ في كلّ 

ـــــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

زمانٍ)، يعني فليقع الإكرام في هذا الزمان، ومن ذلك الزمان وهكذا، وتعلّق الوجوب بهذا المكثّر، فهنا العموم الزمانيّ الذي تعلّق به المتعلّق يمكن بيانه مع دليل الحكم، يمكن أن يكون دليلاً واحداً متكفِّلاً لبيان هذا المعنى.

أمَّا إذا كان قيداً للحكم فلا يمكن أن يستقلّ ببيانه دليلٌ واحدٌ، وذكر في برهانه: أنَّه إذا كان قيداً للحكم وارداً على الحكم ومعروضاً له، وله موضوعية(1) بالنسبة إليه، فالحكم(2) لا يمكن أن يثبت أكثر من الحكم، ويقول في ذيل كلامه: إنّ الدليل يثبت فقط الحكم ولا يثبت شيئاً زائداً عليه، وأمَّا إذا كان القيد متعلّقاً بالمتعلّق فلا مانع من إبقائه بنفس الدليل.

نحن لم نفهم هذا المطلب الذي تصوَّره، وينبغي أن نذكر تفصيل القضيَّة لنرى المسألة، فنقول: إن كان القيد متعلّقاً بالمتعلّق نحو: (أكرم كلّ عالمٍ في كلّ زمانٍ)، وكان القيد راجعاً إلى الإكرام، فهنا دوالٌّ متعدِّدة ومداليلٌ متعدِّدة. 

فهناك هيئة (أكرم) الدالّة على الوجوب، ومادتها الدالّة على الإكرام، وهيئة (العلماء) ومادتها كلّ منهما دلّ على معنى، وهناك قيد: (في كلّ زمانٍ)، المتعلّق بالإكرام، والذي لكلٍّ من مفرداته معنى ومدلول خاصّ، ويُفهم من مجموعه بنحو تعدُّد الدالّ والمدلول معنى خاصّ أيضاً، وربط هذا القيد بالإكرام أيضاً له معنى آخر، فهذه دوال متعدِّدة ومدلولات متعدِّدة، وكلٌّ من الدوال إنَّما يتكفَّل بيان مفاد نفسه، فلا الحكم يستطيع أن يفيد غير معناه، ولا إعادة ولا غيرها.

ـــــــــــــ[157]ــــــــــ

() بمعنى أنَّ نسبة الحكم إلى قيدٍ كنسبة الموضوع الى حكمه. (توضيح)، (المقرِّر).

(2) يعني بالهيئة الدالّة على الحكم. (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أمَّا إذا كان القيد قيداً للحكم، بمعنى: (يجب في كلّ زمانٍ إكرامُ العلماء) فهي مشتركة مع السابق في كلّ جهة، إلا جهة واحدة: وهي أنَّه هناك كُنَّا نفهم تعدُّد الإكرام، وهنا نفهم تعدُّد الوجوب.

فالطبيعة والقيد يُفهمان بدوال متعدِّدة، ويستحيل استفادتهما من لفظ واحد، فإنَّ اللفظ الموضوع لمعنى إنَّما يدلّ على معنى نفسه، ويستحيل أن يزيد على ذلك، أو أن لا يدلّ على معناه بعد أن كان موضوعاً له، ولكنّ بالدالّ الآخر نفهم القيد، فهل يُريد أن يقول هنا: إنَّ الحكم(1) يدلّ على القيد؟

بناءً عليه، كيف يمكن أن يُقال إنّه بدليل واحد لا يمكن إفادة القيد، إذا كان مقيّداً للحكم دون ما إذا كان قيداً للمتعلّق، بل لا الحكم يمكن أن يدلّ على القيد ولا المتعلّق، وإنَّما يُستفاد القيد بنحو تعدُّد الدالّ والمدلول.

ومعه لا مانع من رجوعه إلى الحكم في نفس الدليل، نحو قولنا: (اضرب زيداً يوم الجمعة أمام الأمير)، والذي هو بلا إشكال قيد للحكم، ويحتاج في رجوعه إلى غير الحكم إلى قرينة، وإلّا فإنَّ الظاهر أنَّه قيد للحكم أو قيد للمادة المنتسبة، بناءً عليه لم نفهم الجهة الأولى من كلامه.

ـــــــــــــ[158]ــــــــــ

() كلُّ هذه التفاصيل أجنبيّة عن مقصود الشيخ النائيني بالكلِّيّة، وإنّما مقصوده لو صحّ هو عدم إمكان أخذ قبله للحكم في نفس الحكم، على نحو ما قاله من عدم إمكان قصد الأمر في متعلّق الأمر، ولا يريد أن يقول: إنَّ اللفظ الواحد تارةً يدلّ على معنى واحد، وتارةً على معنيين؛ لترد عليه محتملات السيد. فإنَّ الشيخ النائيني أجل من أن يدّعي ذلك، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ومهمُّ كلام النائيني هو الأمر الخامس(1)، إذ يقول: إنَّ بين رجوع العموم الزمانيّ إلى المتعلّق أو رجوعه إلى الحكم، في جهتين: إن كان راجعاً إلى المتعلّق، فالمتعلّق تحت دائرة الحكم، وما يرتبط بالمتعلّق أيضاً تحت دائرته، ويمكن أن يكون دليلٌ واحداً يتكفَّل بيان هذا العموم الزمانيّ.

وأمَّا(2) إذا كان متعلّقاً بالحكم، فلا بُدَّ أن نستفيد العموم الزمانيّ من دليل منفصل، ولا يمكن أن يتكفَّل دليلُ الحكم بيانه.

ثم يقول: إنَّ الفرق بين هذين سبب في أنَّ ما هو محطُّ الكلام بين الأعلام، هو أين يكون محلّ التمسك بالعموم؟ وأين محلّ التمسّك بالاستصحاب؟ بحيث إنَّه إذا كان محلّ التمسّك بالعموم ولم يكن عموم، لم يكن التمسّك بالاستصحاب، بل لا بُدَّ من الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال. 

وكذلك للتمسّك بالاستصحاب ولم يكن استصحاب؛ فإنَّه لا بُدَّ من الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال أيضاً.

ومحصّل كلامه: أنّه إذا كان مصبُّ العموم الزمانيّ هو التعلّق، وكان الحكم وارداً عليه، فهنا محلّ التمسّك بعموم العامّ وإطلاق المطلق، وليس محلّ التمسّك بالاستصحاب؛ لأنَّه إذا قال: (أكرم كلّ عالمٍ في كلّ زمان) فقد أفاد عموماً إفراديّاً وعموماً زمانيّاً، والعموم الأزمانيّ متفرّع على الأفرادي.

وكما نحن إذا شككنا في أصل التخصيص نتمسّك بالعموم لرفع الشكّ، 

ـــــــــــــ[159]ــــــــــ

() راجع منية الطالب 2: 87-90، خيار الغبن.

(2) وهذه هي الجهة الثانية على الظاهر. (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فكذلك لو شككنا في مقدار التخصيص يكون المرجع هو العموم الزمانيّ.

والعموم الذي هو قيد للمتعلّق على الفرق، منبسط على قطعات الزمان، ولكلِّ قطعة حكمٌ مستقلٌّ، فكما لو شككنا أنَّ (زيد) واجب الإكرام، أو لا يعدّ كونه عالماً، نتمسّك بـ (أكرم كلّ عالم)، كذلك لو شككنا أنّه في هذا الزمان هل يجب الإكرام أو لا نتمسّك بقوله: (في كلّ زمانٍ).

وهكذا إذا كان العموم الزمانيّ مستفاداً من الإطلاق، وكان متعلّقاً بمتعلّق الحكم، أيضاً إذا خرج زمان وشككنا بخروج زمان آخر، فهنا أيضاً كلّ قطعة(1) من الزمان لها حكم، فيكون محلّاً للتمسّك بالعموم الزمانيّ، وإذا فرضنا أنّه لم يكن هناك عموم زمانيّ، فليس محلّاً للتمسّك بالاستصحاب؛ لأنَّ قطعات الزمان مختلفة، ولا يمكن سراية الحكم من أحداهما إلى أخرى، بل المرجع هو البراءة أو الاشتغال.

وأما إذا كان مصبُّ العموم الزمانيّ هو نفس الحكم، بأن فهمنا من لسان الدليل رجوعه إليه، أو كان مستفاداً من مقدّمات الحكمة، فنفهم بذلك قضيتين شرعيّتين:

إحداهما: وجوب الوفاء بكل عقد.

والأخرى: أنّه في كلّ زمان يجب الوفاء، أو مستمرّاً.

ولا شكّ في أنَّ الوجوبَ الثاني متفرّعٌ على العامّ الأوَّل موضوعاً وحكماً.

ـــــــــــــ[160]ــــــــــ

() هذا خطأ؛ إذ نتيجة الإطلاق ليس هو العموم كما حُقِّق في محلّه، فلا يكون ناظراً إلى الأفراد، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وحيث إنَّنا لو شككنا في أصل التخصيص او مقداره، وأردنا أن نكشف حاله من هذا الدليل، يكون من كشف حال الموضوع من الحكم، وهو غير ممكن. 

فإذا شككنا بأصل الحكم فلا يمكن التمسّك بدليل استمراره؛ لأنَّ الشكّ هو بأصل الحكم، فلا يمكن إثبات فرعه وهو الاستمرار، وكذلك لو شككنا بالمقدار الخارج، لا يمكن أيضاً التمسّك بدليل الاستمرار؛ لأنَّ هذا الشكّ أيضاً شكٌّ في الحكم، ولا يمكن أن يثبت الموضوع من ناحية المحمول والحكم.

وحيث إنَّ وجوب الوفاء موضوع بالنسبة إلى الحكم بالاستمرار، أو بالنسبة إلى المعنى المستفاد من مقدّمات الإطلاق، فما لم يثبت الموضوع، لا يمكن أن نفهم عموم الحكم أو الإطلاق، وإذا أردنا إثباته به يكون من قبيل إثبات الموضوع بالحكم وهو محال.

إذن الميزان في التمسّك بالعامّ هو هذا: إذا كان مصبُّ العامّ الزمانيّ هو الحكم لا يمكن التمسّك بالعامّ، وإن كان مصبُّه هو المتعلّق أمكن ذلك.

والسرّ في ذلك هو أنَّ المتعلّق تحت دائرة الحكم فيمكن أن يتكفَّله دليل الحكم.

وأمَّا إذا كان قيداً للحكم، فإنَّه يكون فوق دائرة الحكم والحكم موضوعاً له، والحكم(1) لا يمكن أن يثبت موضوعه، فإذا شككنا في أصل التخصيص أو في مقداره، فلا مجال للتمسّك بالعموم الزمانيّ.

ـــــــــــــ[161]ــــــــــ

() يعني بالحكم العموم الزمانيّ، فإنّه لا يمكن أن يثبت عموم الحكم في العامّ الأوَّل لأنَّه أُخذ موضوعاً له. (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ثُمَّ يقول: إنَّ مراد الشيخ هذا، لا ما فهمه بعض الأعلام كالسيد، وصار مبدأ لجملة من الإشكالات على الشيخ. هذا محصل ما ذكره.

[التحقيق في المسألة]

أما نحن فبالنسبة إلى الجهة الأولى التي ذكرناها سابقاً، وقلنا: إنَّ الإطلاق أو العموم لا يمكن استفادة أيٍّ منهما مِن أصل الحكم، فإنَّه لا يُفهم من وجوب الوفاء، العموم الزمانيّ، أو العموم الأفرادي، وإنَّما يُفهمان من مقدّمات الإطلاق.

وقلنا: إنَّه سواءٌ كان العنوان راجعاً إلى المتعلّق أو الحكم، فنحن نفهم ذلك من القيد أو من مقدّمات الحكمة، فهذه الخصوصيّات الزائدة(1) نفهمها من القيد، فلو قال: (يجب في كلّ يومٍ إكرامُ العلماء)، نفهم من (يجب) أصل طبيعة(2) (الوجوب)، ونفهم العموم الزمانيّ من قوله: (كلّ يوم)، وكذلك لو كان المقيّد هو المتعلّق: (الإكرام)، فأيضاً نفهم القيد من قوله: (في كلّ يوم). 

على أيّ حال نحن يمكننا أن نفهم الكثرة من دليل واحد، سواءٌ كان قيداً للحكم، أو قيداً للمتعلق، غايته أنّه مرَّة تكون الكثرة للأحكام، وأخرى للموضوعات وبتبعها تكثّر الأحكام.

إذن، فالجهة الأولى غير تامّة في نظرنا، وهو ما يقوله من أنّه إذا كان راجعاً للمتعلّق يمكن إبرازه بنفس الدليل، وإن كان قيداً للحكم لا يمكن فهمه من نفس الدليل، بل لا بُدَّ من فهمه من دليل مستقلّ. 

ـــــــــــــ[162]ــــــــــ

() على أصل الدلالة على الطبيعة المهملة (توضيح)، (المقرِّر).

(2) هذا غير صحيح، بل نفهم وجوباً شخصياً جزئياً مدلولاً عليه بالهيئة، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نقول: إنَّه لا فرق بينهما، بل نفهمهما بتعدِّد الدالّ والمدلول، غاية الأمر أنَّ المتعلّق في أحداهما هو المادّة وفي الآخر هو الهيئة، وكِلاهما يمكن استفادة قيده من نفس الدليل بواسطة تعدُّد الدالّ والمدلول، ولا يمكن استفادته من دالٍّ واحد، لا الهيئة ولا المادّة.

الجهة الثانية التي يقولها، وهي: أنّ الحكم لا يمكن أن يكشف عن موضوع نفسه، ولهذا إذا شككنا في التخصيص، أو في مقداره، كان ذلك شكّاً في الحكم، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق، ولا بأصالة العموم.

نحن لنا معه عدَّة كلمات:

أولاً: أنه عقد البحث في أوّله، وكذلك يذكر في آخره، وقال إنّ محلّ كلام القوم هو ما إذا ورد عمومٌ أفراديٌ متضمّناً للعموم الزمانيّ، فهذا هو محلّ الخلاف في التمسّك بالعموم أو الاستصحاب. 

وهنا يقول: إنَّ التمسّك بالعامّ ممكن فيما إذا كان الزمان قيداً للمتعلّق؛ لأنَّه يمكن بيانه بنفس الدليل، بخلاف ما إذا كان قيداً للحكم، لأنَّه لا يمكن بيانه بنفس الدليل، إلا منفصلاً.

إذن ظهر أنَّ ذاك لم يكن هو مورد كلام القوم، إذ لو صحَّ ذلك فلا بُدَّ أن يكون محلّ كلامهم هو خصوص القسم الأوَّل المتّصف بالعموم الزمانيّ، دون الآخر الذي يستحيل تقييده بالزمان، وإذا كان هذا هو الضابط فأنت من المثبتين المطلقين في المسألة.

وأمَّا صورة ما إذا كان قيداً للحكم، فهو خارج عن محلّ الكلام.

ـــــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا إذا تجوَّزتم ووسَّعتم الاتّصاف الى البيان المنفصل: 

نقول: يكون المورد محلّاً للتمسّك بالعموم المنفصل لا الاستصحاب؛ لأنَّ الدليل المنفصل لا يمكن له بيان العموم الزمانيّ، إذن يكون ذاك الدليل هو المرجع، فهل يمكن التمسّك به؟

حينئذٍ نقول: إنّه بناءً على ترتيبه للبحث من وجود عموم أفراديّ متّصف بالعموم الأزمانيّ، أمَّا أن يكون اتّصافه بذلك من القيد أو من الإطلاق، فهنا عامّان أو عامٌّ ومطلقٌ، وفي العامّ الأوَّل يقع الوجوب بنحو مهملٍ، لا يمكن أن يكون مقيّداً بالزمان، ثُمَّ يقيّد بعد ذلك، وهو قوله -مثلاً- (أكرم كلّ عالم)، فهو لا يفيد أكثر من أصل وجوب الإكرام، أمَّا أنَّه في كلّ زمان أو لا؟ فهذا غير مربوط بالعامّ الفوقانيّ، وإنَّما هو مستفاد إمَّا من العامّ التحتانيّ ومن مقدّمات الإطلاق، فما هو موضوع العامّ هو نفس الطبيعة، وما تجري فيه مقدّمات الإطلاق أو يرجع إليه القيد هو نفس الطبيعة المهملة أيضاً.

فهنا مرَّة نشكّ بأنّ (العالم الفاسق) أو (العالم الفلاني) مثلاً يجب إكرامه أو لا، نشكّ في التخصيص، وأنَّ مهملة و(جوب الإكرام) هل هي شاملة لمثل هذا المصداق من مصاديق العالم أو لا؟ فالمرجع هو العموم الذي يقول: (أكرم كلّ عالم)، وليس المرجع هو قوله: (في كلّ زمان)؛ لأنَّ الشكّ ليس في الزمان وإنَّما هو في (العالِم).

ولكن (أكرم كلّ عالم) حيث إنَّه مهمل من حيث الزمان، لذا فلو ورد تخصيص على العامّ التحتانيّ فلا ربط له ولا مساس بالعامّ الفوقاني، وإذا 

ـــــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

شككت في زمان فليس لي التمسّك بـ(أكرم كلّ عالم) بل التمسّك بكلّ زمان.

فهنا إذا شككنا في مهملة الحكم المربوط بالعامّ الأوَّل، فالمرجع هو العامّ الأوَّل، وليس هو الإطلاق ولا العموم الزمانيّ. 

وأما إذا لم نشكّ بالمهملة، بل في الزمان، فالزمان ليس هو مفاد (أكرم كلّ عالم)، بل يفيده الإطلاق أو القيد، يعني: العموم التحتانيّ، فلو شككنا في الزمان لا نشكّ في مهملة الحكم حتَّى نقول: إنَّه يثبت الحكم من ناحية موضوعه.

وأمَّا إذا خرج قسمٌ من الزمان فهذا لا ربط له بالعموم الأوَّل، وإنَّما هو ناظرٌ إلى الإطلاق إذا كان الزمان مستفاداً من الإطلاق، أو إلى القيد إذا كان الزمان مستفاداً من القيد.

فهناك فرقٌ بين إخراجِ فردٍ من مهملة الحكم وبين إخراج زمانيّ، ففي الأوَّل يكون الرافعُ للشكّ هو العموم الأوَّل، أمَّا الثاني فلا ربط له به، وإنَّما رافعُ الشكّ هو الإطلاق، وموضوعه محرز بوجود العموم الأوَّل(1)، فالمقدار الخارج بالتخصيص نخرجه، والباقي نتمسّك لدفعه بالإطلاق.

ففي مثل قوله: “حلال محمّد حلالٌ أبداً إلى يوم القيامة” الحديث. أو الحكم مستمرٌّ إلى الأبد، فموضوع الحكم الحلِّيّة، والاستمرار هو الحكم المهمل، إلّا أنَّه لا يمكن من الشكّ أن يكشف عن مهملة الحكم؛ لأنَّ موضوعه لا بُدَّ وأن يكون محرزَ الوجود، لكن مع ثبوت المهملة والشكّ في الزمان فالتمسّك به يعني بعمومات الزمان نحو “حلال محمّد حلالٌ أبداً إلى يوم القيامة“.

ـــــــــــــ[165]ــــــــــ

() لأنَّه صار موضوعاً للحكم بالاستمرار. (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إذن فهناك فرقٌ بين موضوع العامّ وموضوع المطلق، وقد حصل الخلط بينها، وإذا شككنا في مهملة الوجوب فليس رافعها هو العامّ الثاني، بل الأوَّل، وإذا شككنا في القيود أو الزمان فرافع الشكّ هو العامّ الثاني، لا الأوَّل؛ لأنَّه ليس متعرّضاً ومتضمّناً للزمان، فما يقوله الشيخ النائيني من أنَّ: (الحكم(1) ينقّح موضوعه عند الشكّ في التقيد أو كميّة القيد غير صحيح)، ثُمَّ يُرتِّب أموراً على ما لم نرتضه من المقدّمات.

الإشكال الذي يمكن أن يُورد على تقريبنا في المقام: أنَّه في مثل (أكرم كلّ عالمٍ في كلّ زمان)، إمَّا أن يُستفاد الاستمرار من قوله: (في كلّ زمان)، أو مستمرّاً (أكرم كلّ عالمٍ مستمرّاً)، أو يُستفاد الدوام من مقدّمات الإطلاق.

ففي الصورة الأولى عندنا عامّان: عمومٌ أفراديٌّ، وعمومٌ أزمانيٌّ، والأفرادي بمنزلة الموضوع للأزمانيّ. وفي الصورة الثانية أيضاً كذلك، يكون الإطلاق متفرّعاً على جعل الحكم على موضوعه، وعلى أيّ حالٍ لنا عموم فوقانيّ أفراديّ وعموم أو إطلاق زمانيّ تحتانيّ.

والإشكال الموجود هنا يقول: إنَّه بناءً على هذا المبنى لا بُدَّ أن يفرّق بين ما إذا كان التخصص أخرج من الأوَّل مصداقاً وبرهة من الزمن، وبين ما إذا قطعه من الوسط، والتفصيل هو بعكس التفصيل الذي ذكره الآخوند، وقوَّاه شيخنا(2) نحن في الدرس، فإنَّ الآخوند يفصل بين المنقطع من الأوَّل، فيكون 

ـــــــــــــ[166]ــــــــــ

() يعني منه: التمسّك بالعام. (توضيح)، (المقرِّر).

(2) راجع الخيارات (للآراكي): 247-248.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

محلّ التمسّك بالعامّ أو من الوسط، فيكون محلّ التمسّك بالاستصحاب، ولكن مقتضى هذا الإشكال هو التفصيل بين منقطع الأوَّل فيتمسّك بالاستصحاب، أو الوسط فيتمسّك بالعام.

وتقريبه: أنَّكم فرضتم عامّين أصوليين(1)، أحدهما أفراديّاً والآخر أزمانيّاً، وخرجت بالتخصيص برهةٌ من الزمن، مثلاً في محلّ الكلام أنَّ عقد المعاطاة أوَّل ما يقع قام الإجماع على جوازه، وأنَّه لا يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وشككنا أنَّه خارجٌ مقاماً أو خارجٌ في مقدار من الزمان.

فإذا كان مقدار الزمان الخارج من الأوَّل، فنعلم إجمالاً إمَّا بورود التخصيص على العامّ الفوقانيّ، أو وروده على العامّ التحتانيّ؛ لأنَّه إذا كان عقد المعاطاة قد خرج مطلقاً، إذن فالعامّ الفوقانيّ مخصّص، وحينئذٍ يكون موضوعُ العامّ التحتانيّ منتفياً، وإذا كان الخارج زماناً معيّناً وباقي الزمان داخل، فالتخصيص وارد إذن على العموم الزمانيّ، وتخصيصه لا يلزم منه مساسُ العموم الأفراديّ بشيء، فإنَّه هاهنا عندنا عامّان على أيّ منهما طرأ التخصيص لا يكون خلاف الظاهر بالنسبة للآخر. 

أمَّا إذا طرأ على التحتانيّ منهما يبقى الفوقانيّ على قوَّته، وأمَّا إذا طرأ على الفوقانيّ فإنَّ موضوع التحتانيّ يرتفع(2)، ولا يكون ذلك خلاف الظاهر.

إذن عندنا علم إجمالي بطروِّ التخصيص على العامّ الفوقانيّ أو من التحتانيّ 

ـــــــــــــ[167]ــــــــــ

() يقصد: شموليين، وقد قلنا إنَّ القيد لا يمكن أن يفرض تماماً مستقلّاً، (المقرِّر).

(2) راجع مناقشتنا هذا المطلب ص146، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أو بالعكس، وهذا العلم الإجماليّ يكون سبباً لتساقط أصالتَي العموم في العامّين كِليهما، ولا يبقى مجالٌ للتمسّك بالعموم، ولا مجال أيضاً للتمسّك بالاستصحاب؛ لأنَّه من باب المصاديق المتعدِّدة، فلا يمكن إسراء حكم أحدهما إلى الآخر(1)، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الأصول العمليّة الأخرى كالبراءة.

وكذلك إذا فهمنا من مقدّمات الإطلاق، -أو من: (مستمرّاً) بالنحو الذي قلنا، إلا أنَّنا نتكلَّم في الإطلاق- حيث فهمنا من مقدّمات الحكمة من قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أنَّ الوفاءَ بها واجبٌ دائماً، فهنا عندنا عموم أفراديّ وهو وجوب الوفاء بكلِّ عقدٍ، وعندنا إطلاقٌ مستفادٌ من المقدّمات يقتضي: أنَّ الحكم المتعلّق بهذا الموضوع لا قيد له، وورود التقييد أو التخصيص على أحدهما لا يكون خلاف الظاهر بالنسبة إلى الآخر، كما سبق في العامّين، ونحن نعلم إجمالاً إمَّا بورود التقييد على الإطلاق، وإمَّا بورود التقييد على العامّ، وهذا العلم الإجمالي منجز، ويوجب سقوط أصالتَي العموم والإطلاق، ويكون المورد مجرى للاستصحاب(2).

إذن، فلا بُدَّ من التفصيل بين ما إذا كان خارجاً بالتخصيص من الأوَّل، وكان الاستمرار مستفاداً من قوله: (في كلّ زمانٍ)، فلا يكون المرجع لا العموم ولا الاستصحاب. 

ـــــــــــــ[168]ــــــــــ

() هذا وهمٌ لا محالة، فإنَّ الذي كان يقتضي التخصيص وتعدُّد قطعات الزمان هو العموم الأصوليّ، ومع سقوطه يسقط النظر إلى الزمان بهذا النحو أيضاً لا محالة، فيكون هناك للاستصحاب مجالٌ واسع، (المقرِّر).

(2) راجع حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 197-199، خيار الغبن. 

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ولكن(1) لو كان الاستمرار مستفاداً من الإطلاق يكون المرجع هو الاستصحاب، فنستصحب حكم المخصّص.

وهذا الإشكال ينتج عكس ما قاله الآخوند لا تحقيقاً، بل في بعض الصور.

[في الجواب عن الإشكال المزبور والنظر فيه] 

نحن الآن نذكر ما يمكن أن يكون جواباً على هذا الإشكال، أعمّ من أن يكون في نظرنا صحيحاً أو فاسداً.

منها: أنَّه في باب تعارض الأصل السببي مع الأصل المسبّبي، (حاج شيخ)(2) يقدّم الأصل السببي؛ لأنَّه متقدّم رتبة على المسبّبي، فإنَّ الشكّ في السببي علّة للشكّ في المسبّبي، وفي رتبة الشكّ السببي لا شكّ في المسببي، وأمَّا في الرتبة المتأخّرة عن الشكّ السببي فوقوع الشكّ للمسبّبي مرتفع.

فهنا أيضاً نقول هكذا: إنَّ أصالة العموم الفوقانيّ متقدّمة رتبة على أصالة العموم التحتانيّ الزمانيّ، أو أصالة الإطلاق الزمانيّ، فإنَّه ما لم يكن وجوب الإكرام ثابتاً لكل عالم لا معنى لاستمرار الوجوب في كلّ زمان، فالحكم ورد أوّلاً على فرد، والعموم الثاني المستفاد من القيد يكثّره من حيث الزمان، إذن حكم العامّ الأوَّل موضوع للعامّ الثاني، وكذلك الحال في الإطلاق فإنَّه يُفهم 

ـــــــــــــ[169]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذه نتيجة تغاير تماماً المدّعى الذي حاول السيّد إقامة البرهان عليه، فراجع، (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 5: 207-210، خيار الغبن.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

من السكوت في مقام البيان أن الحكم المجعول في العامّ الأوَّل مستمرٌّ ودائمٌ، ولكن مقدّمات الحكمة تجري إذا تعلّق حكمٌ بموضوع، فنقول: إنَّ هذا الحكم لا قيد له، ولا معنى لجريانها دون ذلك.

إذن فحكم العامّ الأوَّل موضوع العامّ الثاني، وموضوع للإطلاق أيضاً، فهو متقدّم على كِليهما رتبةً؛ ففي الرتبة الأولى التي هي رتبة تعلّق الحكم بالموضوع، أو قبل ورود أصالة الإطلاق، أو أصالة العموم الثاني، تجري أصالة العموم الأوَّل بلا معارض، ولا يبقى مجال للعموم المتأخّر.

وبعبارة أخرى: أنَّ التعارض إنَّما يقع بين الأصلَين اللّذين هما في رتبة واحدة، وأمَّا إذا كانا في رتبتين فيجري الأسبق رتبة بلا معارض.

ولكن ليس هذا تاماً، ومحصّل كلامنا فيه: أنّ قوله: “لا ينقض اليقين بالشكّ(1)، ناظرٌ إلى الشكّ الخارجي، والرتب العقليّة لا يقتضي عدم وجود شكَّين. 

وفي الاستصحاب موضوع الحكم أمر عقلائيّ عرفيّ، والرتب العقلية لا تُلحظ عقلائياً، والشكّ السببي والشكّ المسبّبي كِلاهما موجود ويشمله 

ـــــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 352، باب السهو في الثلاث والأربع، الحديث 3، مَن لا يحضره الفقيه 1: 61، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 136، الاستبصار 1: 373، باب مَن شكّ في اثنتين وأربع الحديث 3، التهذيب 2: 186، باب أحكام السهو في الصلاة وما يجب منه إعادة الصلاة، الحديث 41، ووسائل الشيعة 8: 217، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 10462.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الدليل، ولا بُدَّ من النظر إليهما بنحو آخر.

وهنا أيضاً نقول: إنَّ أصالة العموم وأصالة الإطلاق أمر عقلائيّ لا أمر عقليّ، ولا بُدَّ من حلّهما في محيط العقلاء لا في محيط العقل، فعلى فرض أن العامّ الأوَّل مقدّم عليه رتبة، ولكن العقلاء لا يلاحظون الرتب العقلية، وإنَّما عندنا تخصيص لا نعلم بوروده على أيٍّ منهما. 

بالإضافة إلى أنَّ العلم الإجمالي والتعارض الذي هو بالعرض لا يفرّق فيه بين المتساويين أو المتقدّم أحدهما على الآخر، فلو علمنا إجمالاً بورود التخصيص على العامّ الذي صدر بالأمس، أو العامّ الذي صدر اليوم، لا يوجب ذلك الأخذ بالعامّ السابق، وكذلك الأمر في العامّ الفوقانيّ والتحتانيّ يرى العقلاء أن العلم الإجمالي بورود التخصيص على أحدهما منجّزاً، وأصالة العموم فيهما تتعارضان ويرفعهما التعدُّد الرُّتبي.

ويمكن أن يجاب بطريق آخر، وهو: أنَّ المقدار المُسلّم خروجه، ونعلم تفصيلاً بخروجه: هو أوَّل زمان جريان المعاطاة، بناءً على قيام الإجماع على جوازهما في الجملة، فقد وُلِد العقدُ جائزاً، وأعلم تفصيلاً بجوازه إلى زمان معيَّن، وفي ما عدا هذا الزمان أشكّ في جوازه.

وهذا نظير العلم الإجمالي في الأقلّ والأكثر، فيما لو شككنا أنَّ الواجب هو الأقلّ أو هو الأكثر -لا بشرط لا-، فهنا في الحقيقة ليس عندنا علمٌ إجماليٌّ، بل علمٌ تفصيليٌ وشكٌّ بدويٌّ، وبضمِّ أحدهما إلى الآخر توهَّمنا العلم الإجمالي. 

والميزان في العلم الإجمالي هو أن يكون كِلا طرفي القضيَّة مورداً للترديد، 

ـــــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإذا علمت أنَّ هذا نجسٌ أو هذا نجسٌ، فكلُّ ظرفٍ إذا لاحظته فهو مورد لترديد النفس. وأمَّا في الأقلّ والأكثر، فلا ترديد؛ أمَّا الأقلّ فلا شكّ في وجوبه، وأمَّا الأكثر فهو وإن كان مردَّداً، إلّا أنَّه لا طرف له لينعقد العلم الإجمالي. 

إذن ففي مسألة الأقلّ والأكثر لا علمَ إجمالي، بل توهُّم العلم الإجمالي.

هنا أيضاً يُقال: إنَّه خرج بالعلم التفصيلي مقدارٌ، وما عداه يكون مورداً للشكّ البدويّ لا العلم الإجمالي، فكما أنَّه في باب الأقلّ والأكثر قلنا بأنَّ العلم الإجمالي غير موجود أصلاً، كذلك هنا أيضاً، حينما نراجع الوجدان نرى أنّه مقدارٌ مُجمعٌ على جوازه، فلا يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ والباقي أشكّ فيه، فيكون من باب الأقلّ والأكثر.

ولكن هنا ليس تامّاً؛ لأنَّه في باب الأقلّ والأكثر، إنَّما لم نقل بالعلم الإجمالي وإنَّما هو توهّم له، وذلك كما إذا شككنا في عامٍّ أنَّه خرج منه ثلاثةُ أفرادٍ أو أربعةٍ، وخروج الثلاثة معلومٌ تفصيلاً، فإنَّها خارجةٌ سواءٌ خرج الرابعُ أو لا، ويكون الشكّ الرابع بدويّاً، وهذا إنَّما يكون فيما إذا كان عندنا عامٌّ واحدٌ. 

وأمَّا في المقام فعندنا عامّان، كلّ منهما أفرادُه منحازةٌ عن الآخر، فإنَّ العامّ الفوقانيّ أفراده: (كلُّ عالمٍ)، وحكمه (وجوب الإكرام). والعامّ التحتانيّ أفراده: (كلُّ زمانٍ)، وحكمه (وجوب الاستمرار). ولا معنى لتصوُّر الأقلّ والأكثر في عامّين، وإنَّما يكون في عامٍّ واحدٍ.

والمفروض أنَّه عندنا علمٌ إجمالي: أنَّه إمَّا أنَّ العامّ الفوقانيّ مخصّص، أو العامّ التحتانيّ مخصّص. 

ـــــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والاحتمال الأوّل معناه: خروج المعاطاة أصلاً عن اللزوم. والاحتمال الثاني معناه: خروجها عن اللزوم في زمان ظاهر. وكذلك الأمر في الإطلاق، إذا كان الدوام مستفاداً من مقدّمات الحكمة، وأيٌّ منهما ورد عليه التقييد فلا يكون خلاف الظاهر بالنسبة إلى الآخر، ونحن نشكّ أن التقييد ورد على العامّ أو التخصيص ورد على المطلق، فلا مجال أصلاً لتوهُّم الأقلّ والأكثر، فهذا الجواب ليس تامّاً.

والتحقيق في الجواب: أنَّه يمكن في المقام جوابان:

وليتضح أولاً موضوع الكلام: وهو أنَّه إذا وقعت معاطاة، وقام الإجماع
-على فرضه- أنَّ المعاطاة قد وُلِدت جائزةً، وأمَّا إذا تغيّرت العين، فليس هناك إجماعٌ على ذلك ونشكّ في حاله، هذا المقدار المتيقّن هل هو تخصيص في عموم العامّ، أو تقييد لإطلاق المطلق؟

نحن نقول: إنَّ أصالة الإطلاق لا تجري في المقام؛ لأنَّها وسائر الأصول الموجودة إنَّما تجري عند العقلاء إذا كان الشكّ في المراد، مثلاً قال المولى: (أكرم كلّ عالمٍ)، وشككت لسبب من الأسباب في وجوب إكرام العالم الهاشمي، فالعالم يرفع شكِّي، وأمَّا إذا علمت أنَّ الهاشمي خارجٌ، ولكن شككت أنَّه خارجٌ تخصيصاً أو تخصُّصاً، فإنَّ العقلاء ليس لهم في مثل ذلك، بناءً على أنَّه خرج تخصيصاً أو خرج تخصُّصاً، فإنَّ العقلاء وضعوا هذه الأصول للاحتجاج على المولى أو المتكلِّم، واحتجاجه علينا إذا لم نكرم الهاشمي. 

ـــــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا إذا علمنا أنَّ المولى لم يرده، ولكن شككنا في أنَّ عدم إرادته من باب التخصيص من الحكم الواقعي أو من باب التخصُّص، وأنَّه ليس موضوعاً للحكم، هنا لا دليل لنا على تمسّك العقلاء بالعموم، وأنَّهم بتمسّكهم به يكشفون حال الفرد من فسقه أو كفره.

بناءً عليه: فهنا نريد أن نجري أصالة الإطلاق في هذا المقدار المتيقَّن(1) الخروج لتعيُّن أنَّه خارجٌ تخصيصاً أو تخصُّصاً، والتمسّك بأصالة الإطلاق مع معلوميّة المراد غير صحيح. وأمَّا التمسّك بأصالة العموم في المقام فغير صحيح؛ لأنَّ هذا ليس فرداً له أيضاً، لأنَّ العامّ الفوقانيّ واردٌ على نحو الإهمال، ونحن غاية ما كشفنا أنَّ هذا الفرد خارجٌ، والعامّ الفوقانيّ لا ربط له بالزمان ليثبت به الباقي، إذن فبالعامّ لا يمكن كشف حال الفرد(2).

الجواب الآخر: أنَّ أصالة الإطلاق وسائر الأصول العمليّة(3)، لا بُدَّ في مورد جريانها من الأثر، وبدونه فإنَّها لا تجري، فهنا أصالة الإطلاق ماذا تعمل، هل تجعل ما هو خارج داخلاً؟ لا. 

هل تعمل ما هو لازم ذلك، وهو أنَّ العموم الأفرادي قد ورد عليه 

ـــــــــــــ[174]ــــــــــ

() هذا غير صحيح، بل إنَّما نتمسّك بالإطلاق الزمانيّ؛ لتصحيح الباقي الزائد عن المقدار المتيقَّن، أمَّا المتيقَّن فلا معنى لإجراء الأصل فيه، وإنَّما يجري في الزائد لإثبات شمول الحكم له زماناً، فلا يرد ما قاله السيّد أساساً، (المقرِّر).

(2) هذا جواب. (المقرِّر).

(3) هذا من الغرائب، فإنَّ أصالة الإطلاق من الأصول اللفظيّة لا العمليّة، وعلى أيِّ حالٍ يمكن أن يكون في القضيّة سهو، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

التخصيص؟ هذا فيه إشكال عقليّ، وهو: أنَّك إذا أجريت أصالة الإطلاق لإثبات لازمها، فلا بُدَّ أن تجريها في الملزوم أولاً؛ ليثبت الملزوم بها، ليترتَّب عليها اللازم، وأنت تريد إثبات الملزوم المتأخّر في الرتبة بأصالة الإطلاق، واللازم يتوقَّف على وجود الملزوم بقطع النظر عن اللازم، وأنت تريد إثبات اللازم بها، فلا يكون ذلك معقولاً.

وأمَّا إذا أردت أن تثبت بأصالة الإطلاق ورود التخصيص على العامّ الفوقانيّ، فيلزم من وجودها عدمها. وذلك؛ لأنَّه عندنا عمومٌ وهو (أكرم كلّ عالم) أو (أوفوا بالعقود) وعندنا إطلاق مترتِّب على العموم، وأنت تريد إجراء أصالة الإطلاق في المطلق؛ لإثبات ورود التخصيص على العامّ الفوقانيّ، ومعناه: أنَّ هذا المقدار الخارج قد خرج عن موضوع مهملة الحكم، وإذا خرج عنها فلا يبقى مجال لجريان أصالة الإطلاق، فبجريان أصالة الإطلاق يرتفع موضوع العموم، وبارتفاعه يرتفع موضوع أصالة الإطلاق.

وكذلك الأمر في العامّين: أنت تريد أن تجري أصالة العموم في هذا العامّ التحتانيّ؛ لأجل إثبات التخصُّص في العامّ الفوقانيّ، ومعنى ذلك إذهاب موضوع أصالة العموم في العامّ التحتانيّ، فمن جريان أصالة العموم يلزم عدم جريانها.

إذن لا تجري لا أصالة الإطلاق ولا أصالة العموم في العامّ والمطلق التحتانيّ، إذن تجري في العامّ الأوَّل وبها نحرز الشمول لما بقي.

إذن فلا تعارض بين أصالتَي العموم وأصالة العموم والإطلاق، بل 

ـــــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الأصل الثاني لا يجري، وإنَّما يجري الأصل الأوَّل في العامّ الأوَّل، وحينئذٍ يثبت أن الحكم وارد في الجملة(1)، وأنَّ عقد المعاطاة مستندٌ في الجملة إلى قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فأجرى أصالة العموم بالنسبة إلى الحالات الأخرى وأثبت بها اللزوم.

بناءً عليه في جميع الموارد، يعني سواءٌ كان الدالّ على الاستمرار هو القيد أو الإطلاق، ليس محلّ التمسّك بالاستصحاب، بل جميع الموارد محلّ التمسّك بعموم الدليل.

كلام للآخوند ومناقشته

بناءً على ما قلناه يكون التفصيل الذي قاله الآخوند غير تامّ، إذ يقول: (إنَّه إذا كان الحكم وارداً على موضوعه بنحو الاستمرار)، أفليس ذلك محلّاً للتمسّك بالعامّ؟ لأنَّ العامّ بالنسبة إلى ما عدا الخارج بالتخصيص لا دلالة له، وما عدا الخارج بالتخصيص غير داخل في العامّ كمصداق على حدّه. 

ثُمَّ يقول: نعم، إذا كان التخصيص وارداً من الأوَّل، فلا مانع من التمسّك بالعامّ؛ لأنَّه يرد الحكم على ما بعد التخصيص ويستمرّ.

إذن فهناك تفصيل فيما إذا جُعل الزمان طرفاً للاستمرار، بين ورود المخصّص 

ـــــــــــــ[176]ــــــــــ

() هذا بناءً على ما ذكره ولو تنزُّلاً من تكفَّل (أوفوا بالعقود) للحكم المهمل، إلّا أنَّه على أيِّ حالٍ باطلٌ، فبأصالة العموم يثبت استيفاء المقدار الزائد عن المتيقَّن خروجه الى (أوفوا بالعقود) مطلقاً، لا في الجملة؛ لاستحالة الإهمال في الواقع، فإن لم يكن مقيّداً على الفرض فهو مطلق لا محالة، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

من الأوَّل أو الوسط، فعلى الأوَّل يصحّ التمسّك بالعامّ، وعلى الثاني لا يصحّ(1).

ـــــــــــــ[177]ــــــــــ

() نقول: العامّ وارد وقد استقرَّت له دلالة على الذي تقولونه وهو الاستمرار، وبناءً على ما تقولونه من عدم دلالة العامّ على الأفراد، فإذا خرج من الوسط زمانٌ بالتخصيص فلا دلالة للعامّ على ما بعده، والعامّ غير وارد على هذا المصداق. 

وأمَّا بالنسبة إلى الأوَّل فهل للعامّ بالنسبة إلى ما عدا ما خرج بالتخصيص دلالة عليه على حدة، أو إنَّه لا؟ فإنَّه لو صحَّ قوله، فغاية ما يدلّ عليه العامّ، وهو ورود الحكم على الأفراد مستمرّاً، ولا دلالة له على كلّ قطعة من الزمان؛ لأنَّه ليس عامّاً أصولياً على الفرض، فلماذا أنّه إذا ورد المخصّص في الوسط فبالنسبة إلى ما بعده لا دلالة للعامّ عليه، ولم يرد في الدليل على حدة، ولكن إذا ورد المخصص من الأوَّل كان للعامّ دلالة على الباقي، وكان ما بعده داخلاً في العامّ، ما الفرق بين الصورتين؟

وأنت تعترف أن هذا العامّ له دلالة واحدة على الاستمرار، فإذا أخرج المخصّص وهو الإجماع على جواز المعاطاة، وقدره المتيقّن ما دامت العينان محفوظة، بالنسبة إلى الزمان الأوَّل، فهل بالنسبة إلى الزمان الثاني له دلالة على حدة وهو مصادق على حدة، بحيث إنّه إذا انقطع من الأوَّل له دلالة، ولكن إذا انقطع من الوسط ليس له دلالة، بل لا يخلو الأمر من وجود دلالته على ذلك وشموله للزمان المتأخّر، فلا فرق في ذلك بين الصورتين، ومن عدم دلالته، فأيضاً لا فرق بينهما في ذلك.

بعضهم -وهو تلميذه- [راجع حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 197-199، خيار الغبن] أراد أن يوجّه كلامه، فذكر أنَّه في صورة انقطاع الوسط يتخلّل العدم ما بين الأوَّل والآخر، وفي صورة انقطاع الأوَّل لا يتخلّل العدم، وهذا خلاف ظاهر الكفاية، وفي نفسه ليس بصحيح.

فإن ظاهر الكفاية، بل صريحها (ص519 من حقائق الأصول: ج2، وما بعدها) -لا بأس بنقل عين العبارة عن الكفاية-: “فإن كان مفادُ كلّ من العامّ والخاصّ على النحو الأوَّل – يعني أخذ الزمان ظرفاً لاستمرارِ حكمه ودوامه- فلا محيص عن استصحاب حكم الخاصّ في غير مورد دلالته؛ لعدم دلالة العامّ على حكمه؛ لعدم دخول على حدة في موضوعه، وانقطاع الاستمرار بالخاصّ الدالّ إلى ثبوت الحكم له في الزمان السابق من دون دلالة على ثبوته في الزمان اللاحق، فلا مجال إلا لاستصحابه“. 

نعم، لو كان الخاصّ غير قاطع لحكمه، كما إذا كان مخصّصاً له من الأوَّل لما ضرَّ به في غير مورد دلالته، فيكون أوّلُ زمان استمرار حكمِه بعد زمان دلالته. فيصُحّ التمسّك بــأَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولو خصّص بخيار المجلس ونحوه، ولا يصحّ التمسّك فيما إذا خصّص بخيار لا في أوَّله. فافهم. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ونحن لم نفهم الفرق بين الصورتين، وعلى أيِّ حال فقد تكلَّمنا على مبناه. وأمَّا على ما قلناه فلا مجال لهذا الكلام أصلاً، فإنَّنا قلنا إنَّه ليس تقييداً للعامّ وإنَّما هو تخصيصٌ للمطلق، كما سبق. 

ـــــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 



في الأدلة الثمانية على اصالة اللزوم

 

ثم يذكر الشيخ تمسّكه بالوجوه الثمانية لإثبات أصالة اللزوم في الملكيّة، والتي يريد أن يؤسّسها لتكون مرجعاً عند الشكّ في اللزوم. 

والأدلّة التي قالها الشيخ سابقاً مختلفة: 

بعضها: موضوعها المال، كقوله: “لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ إلّا عن طيب نفسه(1)

وبعضها: أخذ المال كالموضوع فيها كـ”الناس مسلّطون على أموالهم(2)، حيث أخذ المال قيداً للموضوع. 

وكقوله تعالى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ(3)

وبعضها: موضوعه هو الملك، كاستصحاب الملكيَّة الذي أجراه.

ـــــــــــــ[179]ــــــــــ

() عوالي اللئالي 2: 113، الحديث 309، تحف العقول: 30، ووسائل الشيعة 5: 120، أبواب مكان المصلّي، الباب 3، الحديث 609، مع فارقٍ يسيرٍ جدّاً في اللفظ.

(2) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، الباب 33، الحديث 7.

(3)  النساء:20.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وبعضها موضوعه العقود والشروط كــأَوْفُوا بِالْعُقُودِ و”المؤمنون عند شروطهم“.

فقوله: إنَّ هذه الوجوه لا يمكن أن تكون دائماً دليلاً على أصالة اللزوم: فإنَّه إذا تلفت العين وكانت معدومةً، فلا يمكن أن يشملها بعد الفسخ مثلُ قوله: “الناس مسلّطون على أموالهم“، أو “لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ إلّا عن طيب نفسه“، فإنَّ هذه الأحكام واردة على المال المفروض الوجود، وكذلك استصحاب الملك، فإنَّ المعدوم لا يمكن استصحاب الملكيَّة فيه.

نعم، استصحاب بقاء العقد الذي قلناه فيما سبق لا بأس به، فالأدلّة التي موضوعها هو المال أو الملك لا يمكن أن تكون دليلاً على اللزوم عند التلف أو كالتلف، الذي يعتبره الشيخ أحد أسباب اللزوم.

بالإضافة إلى أمر آخر بالنسبة إلى استصحاب الملكيَّة بعد الفسخ، وذلك: أنَّه معارَض باستصحاب بقاء الجواز المستفاد من الإجماع في برهة من الزمن، ونشكّ في الباقي فنستصحب حكم الجواز.

استصحاب بقاء الجواز

بعضهم يقول(1): إنَّ استصحاب بقاء الجواز حاكمٌ على استصحاب بقاء الملك. 

بتقريب: أنَّه لا معنى للتعبُّد بالحكم بالجواز إلا أن يحكم الشارع بزوال الملك عند الرجوع، فالتعبُّد بجواز المعاطاة تعبُّدٌ بزوال الملك عند الرجوع، 

ـــــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) راجع حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 197-199، خيار الغبن.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وحينئذٍ لا يبقى شكّ لكي نستصحب بقاء الملكيّة، ولا شبهة في أنَّ جواز الرجوع وترتُّب الحكم على الفسخ وزوال الملك عنه شرعيٌّ، وأمَّا عدم نفوذ الفسخ فالذي هو من لوازم بقاء الملك فليس شرعيّاً.

بناءً عليه استصحاب بقاء الجواز رافعٌ للشكّ بالنسبة إلى استصحاب بقاء الملك، والاستصحاب الثاني لا يمكن أن يقلب الجواز إلى اللزوم؛ لأنَّه لازمه. هذا محصّل كلام الشيخ محمد حسين الاصفهاني(1).

نرى ماذا يريد أن يقول، يقول: لا معنى للحكم بجواز المعاملة إلا الحكم بزوال الملك عند الرجوع، فالتعبُّد بجواز المعاطاة تعبدٌ بزوال الملك عند الرجوع، ما هو مقصوده؟

هل مقصوده أنَّ التعبُّدَ بجواز المعاطاة عينُ التعبُّد بزوال الملك عند الرجوع، بحيث يكون الجواز الذي هو حكم وضعي في مقابل اللزوم الذي هو حكم وضعي أيضاً، يكون معناه معنى تعليقيّاً، بحيث إنَّ معنى الجائز هو أنَّه إذا فسخت يزول الملك، أو إنَّه يريد أن يقول من لازم التعبُّد بالجواز هو التعبُّدُ بزوال الملك؟

إذا أراد الأوَّل، وهو أن يكون التعبُّد بالجواز تعبداً بزوال الملك بعد الفسخ، فلا بُدَّ أن يكون عكسه صحيحاً أيضاً، وهو أن التعبُّد باللزوم تعبُّدٌ ببقاء الملك عند الفسخ. 

ونحن نعلم أنَّه ليس كذلك، فإنّ الجواز واللزوم حكمان وضعيان 

ـــــــــــــ[181]ــــــــــ

(1) راجع حاشية كتاب المكاسب 1: 197-199، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

جعليان، وأمَّا زوال الملك وعدمه فإنَّه من آثاره وليس هو معناه، فليس الجواز معنى تعليقيّاً، بل حكماً ثابتاً وضعياً، أو زوال الملك من الآثار العقليّة أو العقلائيّة للجواز.

وإن كان مراده: أنَّ المولى إذا تعبَّدنا بالجواز فلا بُدَّ أن يتعبَّدنا بذلك. 

نقول: لا بُدَّ أن لا يعبُّدنا بذلك للزوم اللغويّة، فإنَّ المولى إذ جعل الجواز على عقد المعاطاة، فلازمه العقليّ أو العقلائيّ انفساخه عند الفسخ، فلا حاجة إلى جعل مستقلّ آخر لزوال الملك عند الرجوع، فإنّ العقلاء يفهمون من الجواز ذلك، فيكون الجعل الثاني لغواً.

إذن فما يقوله غير تامٍّ.

ومع غضّ النظر عن ذلك، فإنَّه بهذا المقدار الذي يقوله من أنَّ الجواز تعبُّدٌ ببقاء الملك لا يتمُّ المطلب، فإنَّه وإن كان سلَّمنا أنَّ الاستصحاب يعبِّدنا بالجواز فهو يعبِّدنا بزوال الملك عند الرجوع، إلّا أنَّ هذا استصحابٌ آخر مستقلاً، وهو ما إذا شككت بعد الرجوع في بقاء الملك فهو يعبِّدني ببقاء الملك، فأيٌّ منهما مقدَّم على الآخر، وليس لأحدهما حكومةٌ على صاحبه.

إلا إذا كان يريد أن يقول: إنَّ الشكَّ في بقاء الملك ناشئٌ من الشكّ في جواز العقد، فجواز العقد بما أنَّه تترتَّب عليه هذه الأمور شرعاً، فهو رافعٌ لشكِّنا بالتعبُّد الشرعيّ، فإنَّ الشكّ في بقاء الملك ناشئٌ من الشكّ في جواز العقد، فإذا أحرزنا جوازه بالاستصحاب فلا شكّ حينئذٍ ببقاء الملك وزواله، فاستصحاب جواز العقد يرفع شكَّنا بالحكومة من باب حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي.

ولا يُقال: إنّه مثبتٌ.

ـــــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإنَّه يقال: ليس مثبتاً؛ لأنَّ التعبُّدَ به التعبُّدُ به، أو لازم التعبُّد به، لعلَّ هذا مراده.

وعلى أيِّ حالٍ حيث إنَّ هذا المطلب مرتَّبٌ على أصل باطل، فهو ليس صحيحاً، فإنَّ استصحاب جواز العقد لا يكون رافعاً لشكِّنا؛ لأنَّ بقاء الملكيَّة هو لازمه العقلي، وحينئذٍ يقع تعارض بالعرض بين الاستصحابين، للعلم الإجمالي ببطلان أحدهما.

الشيخ (عليه الرحمة) يقول(1): إنَّنا نتمسّك بالعمومات وهو التحقيق، إلّا أنَّ الأدلَّة الثمانية التي ذكرها للزوم المعاطاة لا يمكن التمسَّك بها  جميعاً، فإنَّ بعضها موضوعه المال، وهو: “لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ إلّا عن طيب نفسه“، وبعضها موضوعه (الناس) كـ”الناس مسلّطون على أموالهم“، وبعضها الملكيَّة كالاستصحاب، فإنَّه عليه الرحمة يجري استصحاب الملكيَّة الثابت قبل الفسخ.

وفي المورد الذي يكون المال أو الملك موضوعاً لا نستطيع أن نتمسّك بالدليل، فإنَّ الملك والمال إنَّما يعتبر بعد الوجود فإنَّه لا معنى لهما حال العدم. 

أمَّا في بعض الموارد فلا بُدَّ من النظر فيها بخصوصها، كأن يقال -مثلاً-: ما الفرق بين ملكيّة المعدوم وملكيّة الميت؟ إلّا أنَّ الميت ليس معدوماً في نظر الناس ولذا نقضي ديونه وصلواته.

ـــــــــــــ[183]ــــــــــ

() لخَّص في هذه المحاضرة ما كان نقله في المحاضرة السابقة من رأي الشيخ في عدم جريان استصحاب الجواز، ورأي الشيخ الاصفهاني في حكومته على استصحاب الملكيَّة الثابت قبل الفسخ. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نعم، يجب أن ننظر إلى الذي يعتبرون الميت معدوماً، ولا أحسبهم يعتبرون له الملكيّة، والوقف على الطبقات اللاحقة قد يُتوهَّم أنَّه وقفٌ على المعدوم. 

إلّا أنَّ الصحيح أنَّه وقفٌ على عناوين ينطبق عليها الأشخاص بعد وجودهم، كعنوان الأولاد طبقة بعد طبقة، أو مثلاً بيع الثمر غير الموجود حيث إنَّ ظاهر الفقهاء أنّه يجوز بيع ثمر هذه السنة والسنة التي بعدها، وقلنا إنَّ بيع كلِّيّ لا شخصيّ خارجيّ، ولكنّه كلِّيّ لا ينطبق إلا على فرد واحد في الخارج، وعلى أيِّ حالٍ لا يمكن التمسّك بالعمومات التي موضوعها الملك أو المال؛ للزوم هذا المحذور.

في معارضة استصحاب بقاء الملكية مع استصحاب بقاء الجواز

وفي استصحاب الملكيَّة كلامٌ آخر، وهو أنَّ استصحاب الملكيّة معارَض باستصحاب الجواز الثابت قبل تلف العين، حيث قام الإجماع على ذلك على الفرض، فبعد التلف تستصحب البقاء على الجواز وهو معارض لاستصحاب بقاء الملكيّة، بل قد يقال إنّه حاكمٌ عليه.

وهنا توجد عدَّة كلمات

منها: ما يقوله الشيخ(1) من أنَّ: استصحاب الجواز غير جارٍ في حدِّ نفسه. 

ومنها: ما يقول الشيخ محمد حسين الأصفهاني(2) من أنَّ: استصحاب 

ـــــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 96-97، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

(2) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 197-198، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الجواز جارٍ وحاكمٌ على استصحاب الملكيّة. 

ومنها: رأْيُنا وهو: أنَّ هذا الاستصحاب جارٍ ومعارضٌ ليس حاكماً.

[نقد ما أفاده الشيخ الأعظم في المقام]

أما ما يقوله الشيخ(1): فهو أنّه فرَّق بين الجواز الثابت في البيع الخياري، وبين الجواز الثابت في المعاطاة والهبة، مع فرق أيضاً بين الأخيرين. 

إلّا أنَّ نظره إلى الفرق الأوَّل، يقول: إنَّ جوازَ العقد بخياري قائمٌ بالعقد، فيعتبر فيه وجود العقد ولو انعدم العينين وانعدم المتعاقدين، مع ذلك يكون للعقد معنى اعتباريٌّ قائمٌ بذاته وقابلٌ للحمل، فإذا فسخ أخذ العوض. 

وأمَّا في باب المعاطاة والهبة فإنّ الجواز متعلّق بالعين لا العقد، فإنَّه عبارة عن جواز ترادّ العينين، وبعد التلف لا عينين لكي يترتَّب عليه جواز الترادّ. 

فبناءً عليه لا يبقى محلٌّ للاستصحاب، لعدم بقاء موضوع له لكي تستصحبه، بخلاف الموارد التي لها أثر ممَّا هو مربوط بالعقد، فإنَّه يمكن استصحابه.

هنا لا نريد أن نقول إنَّ الإشكال مشترك الورود حتَّى في مورد تعلّق الجواز بالعقد؛ لأنَّ الجواز وإن كان متعلّقاً بالعقد إلّا أنَّه ليس متعلّقاً بالعقد المطلق، بل متعلّقاً بالعقد المتعلّق بالعين، فكيف يعتبر العقد قائماً حال عدم العينين؟! نحن لسنا في هذا الصدد.

لكنّ كلامنا مع الشيخ على المبنى، بناءً على أنَّ الجواز إذا كان متعلّقاً بالعقد أجزتم الفسخ حتَّى بعد التلف. 

ـــــــــــــ[185]ــــــــــ

() اُنظر: ما أفاده الشيخ الأعظم في كتابه المكاسب 3: 96-97، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نقول: ما معنى ترادّ العينين، هل المراد به الترادّ الخارجي؛ فيلزم أنَّه إذا حصل الترادّ مع وجود العينين، فإنَّه يحصل الفسخ وإن لم يقصده، أو إنَّه إذا قال: (فسخت) وقصده؟ إلّا أنَّه لم يحصل الترادّ مع وجودهما، فإنَّ الفسخ لا يحصل، وكِلا هذين الأمرين لا يلتزم بهما فقيه. 

فلا بُدَّ أن يكون معنى (الترادّ) الواقع في كلام الفقهاء هو (الترادّ الاعتباريّ)، وهذا يتمُّ إمَّا بالردّ الخارجي، أو قوله (فسخت).

إذن فالحقّ والجواز الثابت في المعاطاة متعلّق بالعقد، نظير باب الخيارات لا بالعينين.

وإن أراد من كون الردّ متعلّقاً بالعينين كونه متعلّقاً بالعقد على أن تكون العينان طرفاً للإضافة، فهذا ثابت في باب الخيار أيضاً، فإنَّ ردَّ المعدوم لا معنى له، بل لا بُدَّ من ردّ العينين، غاية الأمر أنَّه قام الإجماع هنا -يعني في المعاطاة وفي الهبة- على اللزوم، بعد التلف، أمَّا لو شككنا لاستطعنا استصحاب بقاء الجواز. 

إذن فهذا الاستصحاب الذي يقوله الشيخ لا نوافقه عليه.

[بيان المحقق الأصفهاني في المسألة] 

وأمَّا ما يقوله الشيخ الأصفهاني(1)، وهو أنَّ استصحاب جواز العقد حاكم على استصحاب الملكيَّة الثابتة قبل الفسخ، ويعلِّله: لأنَّه لا معنى للتعبُّد بالجواز 

ـــــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 197-198، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إلّا زوال الملكيَّة عند الرجوع، فالتعبُّد بالجواز تعبُّدٌ بزوال الملك عند الرجوع، فلا يبقى شكّ لكي تستصحبه.

قال الشيخ(1): وأمَّا على القول بالملك فلما عرفت من أصالة اللزوم، والمتيقّن من مخالفتها جواز ترادّ العينين (يعني الخروج عن أصالة اللزوم)، وحيث ارتفع مورد الترادّ امتنع (يعني بعد التلف)، ولم يثبت قبل التلف جواز المعاملة على نحو جواز البيع الخياري حتَّى يستصحب بعد التلف؛ لأنَّ ذلك الجواز من عوارض العقد لا العوضين، فلا مانع من بقائه، بل لا دليل على ارتفاعه بعد تلفهما بخلاف ما نحن فيه، فإنَّ الجواز فيه هنا بمعنى جواز الرجوع في العين نظير جواز الرجوع في العين الموهوبة، فلا يبقى بعد التلف متعلّق الجواز، بل الجواز هنا يتعلّق بموضوع الترادّ، لا مطلق الرجوع الثابت في الهبة. 

هذا مع أنَّ الشكّ في أنَّ متعلّق الجواز هل هو أصل المعاملة أو الرجوع في العين أو ترادّ العينين يمنع من استصحابه؟ فإنَّ المتيقّن تعلّقه بالترادّ، إذ لا دليل في مقابلة أصالة اللزوم على ثبوت أزيد من جواز ترادّ العينين الذي لا يتحقّق إلا مع بقائهما(2). وبعد ذلك قال: عبارةُ الشيخ فيها اضطرابٌ يتَّضح ممَّا شرحنا لمقصوده، فإنَّه يقول: إنَّ أصالة اللزوم في المعاملة بما فيها المعاطاة، تقتضي 

ـــــــــــــ[187]ــــــــــ

() نقل السيّد في أوَّل المحاضرة عبارة الشيخ عن ورقة نقلها فيها، وهي موجودة ص91 من المكاسب. (المقرِّر).

(2) كتاب المكاسب 3: 96-97، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

اللزوم في المعاطاة، والقدر المتيقّن في مقابل أصالة اللزوم، وما نرفع اليد عنها بقدره: هو زمان إمكان ترادّ العينين، وهو زمان وجودهما. فإذا لم تكن العينان موجودتين امتنع الترادّ، وفرقٌ بين موردنا وبين البيع الخياري؛ لأنَّه هناك الجواز متعلّق بالعقد، أمَّا هنا فالجواز متعلّق بالرجوع بالعين نظير باب الهبة، مع الافتراق عن الهبة، بأنَّه في الهبة الرجوع بالعين مطلقاً، وهنا ترادّ العينين.

ثُمَّ يقول: إنَّه إذا شككنا أنَّ الجواز من قبيل جواز ترادّ العينين أو جواز الرجوع بالعين، أو أنَّه متعلّق بالعقد، لا نستطيع أن نستصحب، ويعلِّل ذلك
-وهذا التعليل هو الموجب لاضطراب عبارته- بأنَّ القدر المتيقَّن من الخروج عن أصالة اللزوم هو بهذا المقدار.

ووجه الاضطراب هو أنَّ هذا التعليل ورد في كلامه الأوَّل، إذ قال إنّ القدر المتيقّن من الخروج عن أصالة اللزوم هو زمان إمكان ترادّ العينين، وهنا يُورد نفس هذا التعليل للمنع عن الاستصحاب فيما إذا شكّ في موضوع الجواز، وكان الأولى به أن يمنع عن الاستصحاب لنفس الترديد المفروض في الموضوع، إذ معه لا يمكن الاستصحاب؛ لعدم القضيَّة المتيقَّنة.

نقول:

أوَّلاً: ما معنى أصالة اللزوم، هل معناها أنَّه لا يرد العينين(1)، أو أنَّها متعلّقة بالعقد؟ بلا إشكال، فإنَّ معناها: لزوم العقد وعدم قابلية الفسخ، فإذا 

ـــــــــــــ[188]ــــــــــ

() يعني: هل متعلّقة بالعينين أو بالعقد، ثُمَّ يقول: إنَّها متعلّقة بالعقد فلا إشكال. (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ثبتت أصالة اللزوم بالأدلّة الشرعيّة بحيث شملت المعاطاة، فأنت يجب أن تأتي بدليل مخالف للزوم، وجواز ترادّ العينين لا يصلح لأن يكون معارَضاً لأصالة اللزوم، إلّا على بعض التقادير، كما يتَّضح الآن.

فإنَّه إن كان المقصود من جواز ترادّ العينين، جواز أخذ المال من صاحبه، فهذا المعنى ليس مخالفاً لأصالة اللزوم، فإنَّه يمكن أن يكون هذا الجواز ثابتاً مع ثبوت الملك والعقد، نظير التقاصّ من المديون؛ فقد وقع العقد صحيحاً، والمال مالك، ومع ذلك يجوز لي التصرُّف فيه للتقاصّ.

وإذا كان المقصود من جواز ترادّ العينين، أنَّه يجوز لك أن تملكه، فهذا أيضاً غير منافٍ لأصالة اللزوم، فإنَّ هذا عبارة عن إجازة الشارع بملكيّة مال الناس، نظير باب التقاصّ.

وإذا كان المقصود من جواز الترادّ (الترادّ الاعتباريّ)، فكما أنَّه بالاعتبار أصبح المالُ مالَك والعينُ مالَه، كذلك يجوز الرجوع بحسب الاعتبار، فهذا المعنى إمَّا أن يكون حكماً مستقلّاً، وإمَّا أن يعود إلى معنى جواز العقد.

فإن كان حكماً مستقلّاً فهو أيضاً غير منافٍ مع أصالة اللزوم.

نعم، أمر واحد هو مخالف لأصالة اللزوم، وهو أن يكون راجعاً إلى كون العقد جائزاً، يعني قام الدليل عندنا على أنَّ العينين يجوز ردُّهما بحيث يعود إلى جواز الفسخ، فيكون مخالفاً مع أصالة اللزوم.

فهذا يعود إلى جواز الفسخ، غايته أنَّه ما دامت العين موجودةً يجوز لنا الفسخ، ولا دليل على أكثر من ذلك، فما دام الإنسان يستطيع ردَّ المال إلى مالكه 

ـــــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يجوز له الفسخ، فهذا هو القدر المتقَّين من جواز المعاطاة، وفي قباله جوازه حتَّى بعد التلف، فهذا هو معنى القدر المتيقَّن المقابِل لأصالة اللزوم، وليس معناه: كون الترادّ المتعلّق بالعينين مقابلاً لها، فإنَّه إنَّما يكون المقابلة والمنافاة لو دار الأمر بين الأَعمّ والأخصّ، أو بين الأقلّ والأكثر، وما قاله الشيخ وحاول أن يمنع به الاستصحاب، ليس مقابلاً لأصالة اللزوم، فإنَّ اللزوم قائمٌ بالعقد ويقابلُه الجواز القائم بالعقد، لا الجواز القائم بالعين(1)، إذ لا معنى للقدر المتيقَّن هنا.

ثُمَّ إنَّه إذا كان المقصود من الترادّ الاعتباريّ في البيع الخياري، حيث يقول: إنَّ الجواز متعلّق بالعقد بعد تلف العينين، فإذا فسخت العقد فماذا يحدث، هل تعود العينان المعدومتان إلى الملك الأوَّل؟ إذا كان هذا جائزاً بحسب عالم الاعتبارات؛ فنقول: إنَّ هذا في المعاطاة أيضاً ممكن، وما يقوله البعض هناك من أنَّ المعاملة تقع على الماليَّة لا على الماهيّة، والماليّة محفوظة على أيِّ حالٍ، هذا كلام شعري مدرسي، وإنَّما وقع العقد على العينين، فإذا أجزنا الفسخ في البيع الخياري بعد التلف، وكان هناك متصوَّراً ممكناً، فهو متصوَّرٌ هنا أيضاً، فلماذا يقول: إنَّه إذا تلفت العين امتنع الردّ؟

ـــــــــــــ[190]ــــــــــ

() إذا كان معنى جواز الترادّ هو جواز العقد على مقتضى المورد الثالث الذي ذكره قبل قليل، فإنَّه لا محالة يكون منافياً لأصالة اللزوم، ومخصّصاً لها، ومانعاً عن الاستصحاب؛ لأنَّه إنَّما يجري عند عدم الدليل الاجتهادي، والمفروض وجوده وهو أدلّة اللزوم، فيكون ما ذكره السيّد هنا منافياً لما ذكره قبل قليل، إلَّا أن يجعل هذا قرينة على عدم موافقته على ذلك المعنى الثالث الذي ذكره، فتأمّل، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نعم، امتنع الردّ الخارجي ولم يمتنع الردّ الاعتباريّ، والمتيقَّن من جواز الردّ هو ما دام العين موجودة، ولكن الموضوع هو العين بما أنَّها ماهيَّة لا بما هي موجود خارجي، وبأيّ نحو تخلَّصنا هناك من الإشكال نتخلَّص هنا أيضاً.

ثُمَّ إنّ هذا المعنى الذي يقوله، وهو: أنّ الاستصحاب لا يجري؛ لأنَّه عندنا أدلّة اللزوم ثابت أيضاً في البيع الخياري، والدليل الذي يورده لا يقوم بأكثر من هذا المعنى.

[مناقشة كلام المحقق الأصفهاني]

في مقابل هذا القول قول من يقول: بأنَّ استصحاب الجواز جارٍ، وهو حاكم على استصحاب الملكيّة.

بيان ذلك: أنَّه لا معنى للحكم بجواز المعاملة إلا زوال الملك عند الرجوع، فالتعبُّد بجواز المعاملة، هو التعبُّد بزوال الملك عند الرجوع، فإن كان الأمر كذلك وشككنا ببقاء جواز الرجوع نستصحبه، ويكون حاكماً على استصحاب بقاء الملكيّة.

نقول أوَّلاً ما هو المقصود؟

مرَّة: يريد أنَّ جواز المعاملة لا معنى له إلا الحكم بزوال الملك عند الفسخ، بحيث إنَّ جواز المعاملة معناه تعليقي، يعني: إن فسخت زال الملك. 

وأخرى: يكون معناه تنجيزياً، يعني: نصوغ ذلك المعنى التعليقي بصيغةٍ تنجيزيّة؛ فنقول: الرجوعُ مزيلٌ للملك.

فإذا كان الجواز من قبيل القضايا التعليقيّة فيكون حاله حال سائر أمثاله 

ـــــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

من القضايا التعليقيّة، نحو (إذا غلى العصير ونش حرم)، فهنا عندنا استصحابان: استصحاب تنجيزيّ، وهو استصحاب الحلّيّة قبل النشّ، واستصحاب تعليقي وهو استصحاب الحرمة على تقدير الغليان، وهذا العنب حينما كان رطباً كان محكوماً بهذا الحكم الشرعي، وهو: أنَّه إذا غلي ينجس، وبعد أن يجفَّ أشكّ في ثبوت هذا الحكم له فأستصحبه مشيراً إلى الوجود الخارجي، فأقول: كان هذا إذا غلى حرّم فالآن إذا غلى حرّم. 

وفي مقابله استصحاب تنجيزي للحلية بأن يقال: إنَّ عصير هذا العنب قبل النشيش كان حلالاً، ويُشكّ بعده فيستصحب. 

والشيخ بنحو الإبهام قال: إنّ الاستصحاب التعليقي حاكم.

فهنا يريد أن يقول: إنَّه عندنا كبرى شرعيّة تعليقيّة، وهي: أنَّه إذا فسخت أو رجعت يرجع المالك إلى مالكه، وذلك قبل التلف، والآن تَلفت العين، وأشكّ أنَّ الرجوع هل يزول به الملك أو لا؟ فأستصحب عين هذا الحكم. 

فالشكّ في بقاء الملكيَّة ناشئٌ من الشكّ في هذا المعنى، وهو أنَّ الجواز التعليقيّ الذي كان موجوداً حال وجود العينين هل هو موجود الآن أو لا؟ فإذا ثبت هذا المعنى بالاستصحاب يرتفع الشكّ ببقاء الملكيَّة؛ فيكون استصحاب الجواز حاكماً على استصحاب الملكيّة.

وباصطلاحنا هو من حكومة الكبرى الكليّة الشرعيّة، فإنَّ الكبرى تقول: (إذا رجعت زال الملك). 

والصغرى تقول: (إذا شككت فابنِ على البقاء)، وذلك اللسان حاكم على هذا اللسان، أو كما يريد أن يقول: إنَّ حكم الشارع بالرجوع مزيلٌ للملك، 

ـــــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وشكِّي في أنَّ الملك موجودٌ أو لا سببه الشكّ في أنَّ ذاك الحكم موجود أو لا؛ فأستصحبه، فيرتفع الشكّ. هذا قوله(1).

ولنا كلامٌ في أصل مبناه، وهو أنَّ الجواز عبارة عن هذا المعنى التعليقي: (إذا رجعت زال الملك)، وأنَّ الحكم الوضعي عبارة عن هذا الحكم التعبدي. 

وهذا خلاف الواقع، فإنَّ الحكم بالجواز واللزوم حكمٌ وضعيٌّ شرعيٌّ وعقلائيٌّ، ولازمه الردُّ عند الفسخ؛ لا أنَّه معناه، وإلا لكان معنى اللزوم عدمَ جوازِ الردِّ عند الفسخ، فهذا من لوازم الحكم الشرعيّ والعقلائيّ، لا عينه.

بناءً عليه لا يمكن أن نقول: إنَّ هذا الحكم التعليقيّ عين ذاك الحكم، ولا أنَّه حكم مستقلّ غيره، أمَّا أنَّه ليس عينه فعهدته على العقلاء، فإنَّ اللزوم والجواز حكم وضعي معتبَرٌ بنفسه، ولازمه هو جواز الردِّ عند الفسخ. 

وأمَّا أنَّه ليس حكماً شرعياً مستقلّاً فلأنَّ الشارع بعد جعل اللزوم لا حاجة لأن يقول: (جعلته إذا فسخ لا ينفسخ)، وبعد جعل الجواز لا حاجة لأن يقول: (جعلته إذا فسخ ينفسخ)، فإنَّ اللازم لا يحتاج إلى حكم شرعيّ مستقلّ، فهذا حكم عقليّ(2)، وليس للشارع حكم آخر غير الحكم بجواز المعاملة.

ـــــــــــــ[193]ــــــــــ

() راجع ما أفاده في الأمر السادس من تنبيهات المعاطاة في حاشيته على كتاب المكاسب 1: 197-198.

(2) هنا يوجد عدم التمييز بين الحكم العقليّ والحكم العقلائيّ، والواقع هو أنَّ الحكم باللزوم والجواز حكم عقلائيّ مُمضى من قبل الشارع، وأمَّا لازمه من الانفساخ عند الفسخ وعدمه فهو لازم عقليّ، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وشكُّنا في بقاء الملك إنَّما يكون بعد الفسخ، وهو ناشئ من الشكّ في تأثير الفسخ، وهذا الشكّ في تأثير الفسخ ناشئ من الشكّ في جواز المعاملة، فحين استصحاب جواز المعاملة لا بُدَّ من ضمِّ الحكم العقليّ لإزالة الشكّ، وبالحكم العقليّ لا يُزال الشكّ؛ فإنه(1) ليس موضوعاً لحكم شرعيّ، بل من أثار الحكم الشرعيّ. 

فالحكومة بين الاستصحابين غير موجودة. نعم، الاستصحابان متعارضان. هذا بناءً على الملكيَّة، وأمَّا بناءً على الإباحة، فما هو الأصل؟

في أصالة اللزوم على تقدير إفادة المعاطاة الإباحة

بناءً على إفادة المعاطاة الإباحة، ما هو مقتضى الأصل؟

مرَّة نبحث على فرض وجود العين، ومرَّة على فرض عدمها. 

وعلى تقدير وجودها: مرَّة، على تقدير القول بأنَّ الإباحة مالكيّة، وأخرى، على أنَّ الإباحة شرعيّة. 

وعلى تقدير كونها إباحة شرعيّة مرَّة نقول: إنَّ الشارع ألغى سببيّة العقد للملكيّة والمعاملة أفادت الإباحة، وأخرى أنَّ الشارع جعل المعاطاة موضوعاً للحكم بالإباحة.

فإذا قلنا: إنَّ الإباحة الناتجة عن المعاطاة إباحة مالكيّة، وهذا المبنى غير صحيح، لكن على تقديره فبحسب القواعد لا بُدَّ أن نقول بلزوم المعاملة 

ـــــــــــــ[194]ــــــــــ

() يقصد كونه أصلاً مثبتاً، وذكره على مسلكه في بطلان الأصل المثبت (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

لرجوع المطلب إلى هذا المعنى، وهو: أنَّ المتعاملين بعد البيع والشراء انجزوا عملَين: أحدهما التبادل بين السلعتين، والآخر التبادل بين الإباحتين، يعني: الإباحة بعوض الإباحة. وكما أنَّ المفاد الأوَّل للعقد يشمله دليل وجوب الوفاء كذلك المفاد الثاني، غاية الأمر أنَّه قام الإجماع على أنَّ الشارع أسقط المفاد الأوَّل وهو الملكيّة، إلَّا أنَّ القرار الضمني فيه لم يسقطه، وهو مشمول للأدلَّة.

وطبعاً هذا على تقدير مبنى باطل، فإنَّ المتبايعين لم يصدر منهم شيءٌ زائدٌ على تبادل العينين.

ويمكن تقريب اللزوم بنحو آخر، وهو: أنَّ (أوفوا بالعقود) ليس مفادها فقط هو الإلزام بكون المال له، فلو سلَّمنا العين، إلّا أنَّنا لم ندَعْه يتصرَّف بها تصرُّف المالك في ملكه؛ نكون قد وفينا بالعقد.

ليس كذلك، بل معناه التسليم، وأن لا تصير مانعاً عن التصرُّفات المالكيّة.

فإذا كان معنى الوفاء بالعقد هو هذا، فهذه المعاملة التي أوقعها هذان المتبايعان كان لها جهتان عقلائيّتان: إحداهما: الملكيَّة، والأخرى جواز التصرُّف، والشارع أوجب الوفاء بالعقد، ومعناه: أن لا تمنع ذلك الشخص من التصرُّفات المالكيّة، والشارع لم يسقط العقد عن العقد به، ليُقال بعدم شمول الأدلّة له، وسقوط سائر لوازمه.

وإنَّما قام الإجماع على سقوط بعض التصرُّفات، فهل تسقط بذلك سائر التصرُّفات أو لا؟ وهل التصرُّفات تابعة للملك، فإذا سقطت الملكيَّة بحكم الشارع سقطت سائر التصرفات، أو أنَّ معنى وجوب الوفاء هو الالتزام بالعقد الذي أوجده؟ 

ـــــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أمَّا عدم جواز التصرُّف في أموال الغير فهذا مستفاد من دليل آخر.

فالشارع في المقام احتفظ بالعقد ولم يسقطه، إلّا أنَّه قام الإجماع على عدم سببيّته للملكيّة، فإذا قلنا بأنَّ حقيقة وجوب الوفاء تابعٌ للملكيّة، فمعنى زوالها عدم وجوب الوفاء. 

أمَّا لو لم نقل ذلك فالعقد باقٍ على حاله، والملكيّة هي التي زالت، وهذا من التفكيك الشرعيّ بين اللوازم، فوجوب الوفاء كان يُستفاد منه عدَّة أمور؛ أحدها الملكيَّة للعين، والآخر وجوب التسليم مع عدم المنع من التصرُّفات للمالكيّة. 

والشارع إنَّما منع عن الأوَّل، وهو لا ربط له بوجوب الوفاء(1)، وما هو مربوط بوجوب الوفاء وهو العقد لم يمنع عنه.

فالإباحة وإن كانت ليست بمعنى إنشاء الإباحة من قبل المتبايعين، إلّا أنَّنا يمكننا أن نستفيد من الآية معنى آخر لها، وهو وجوب الوفاء بالعقد من دون إفادته للملك، فهو عقد لا يملّك، معناه عدم المنع من التصرُّفات، وهو من التفكيك في الآثار.

التقريب الآخر: أن يُقال: إنَّ الشارع المقدّس غاية ما يستطيع عمله والتصرُّف فيه: هو الإعمال في عالم التشريع، أمَّا التصرُّفات العقلائيّة فالتصرُّف بها ليس من شأن الشارع، مثلاً المعاملة الفاسدة كبيع الخمر لا يستطيع أن يقول 

ـــــــــــــ[196]ــــــــــ

() لأنَّه لم يسقط العقد، وإنَّما أسقط الملكيَّة، ووجوب الوفاء موضوعه العقد لا الملكيّة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الشارع إنَّه ليس بيعاً، ولا يستطيع أن يقول: إنَّه ليس مملّكاً عند العقلاء. وغاية ما يستطيع أن يقوله: الملكيَّة عندي ليست موجودة. فالتابع للشارع لا يرتِّب آثار الملكيّة، وإن أدرك بعقله وعقلائيّة ذلك!؟

حينئذٍ نقول: ليس من حق الشارع التصرُّف، بأن يقول: إنَّ هذا ليس بعقد، ولا أنَّه ليس بمملّك عند العقلاء. 

بل له التصرُّف بأن يقول: إنَّه ليس عندي بمملّك ولا ترتِّبوا عليه آثار الملك، فهذا سلب للملكيّة شرعاً لا سلب لها عقلائياً.

بناءً عليه نقول: إنَّ بيع المعاطاة بيعٌ عقلائيّ مملّك عندهم، وله آثار عندهم، والشارع إنَّما تصرَّف بهذا المقدار، وهو أنَّه سلب الملكيَّة عن المأخوذ بالمعاطاة. 

أمَّا الأمور الأخرى العقلائيّة فهي على حالها، فهو لم يلغِ آثار الملكيّة، بل قال: هذا ليس بمملّك، لكن له التصرُّف بجميع أنحائه فيه، وإن كان هذا التشريع محتاجاً إلى التأمُّل، وسائر التصرُّفات العقلائيّة بقيت محفوظة.

 بناءً عليه تشمله أدلة وجوب (الوفاء بالعقود) و(التجارة عن تراضٍ)؛ لأنَّه عقدٌ عقلائيٌّ، فإنَّه يشمل سائر العقود، إلّا أن يقول الشارع بحسب مولويّته: إنَّ هذا ليس بعقد(1)؛ فيخرج تعبُّداً عن وجوب الوفاء.

فهذا في صورة أن لا نقول بالإباحة الشرعيّة.

ـــــــــــــ[197]ــــــــــ

() يعني ليس عقداً عندي لا عند العقلاء (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [تقريب اللزوم على القول بالإباحة الشرعية]

وأما إذا قلنا بالإباحة الشرعيّة: فمرَّةً نقول بها بمعنى أنَّ الشارع سلب سببيّة عقد المعاطاة للملكيّة، وجعل السببيّة لإيقاع الإباحة. 

فهنا مرَّةً الشيء الذي سلبه مع الشيء الذي أجازه أمران متباينان -مثلاً-أبطل سببيّة (بعت) للملكيّة، وأثبت سببيّة (أنكحت) لها.

 ومرَّة يسلب السببيّة عن شيء ويثبت السببيّة لشيء مناسب له في محيط العقلاء، فإنَّ إباحة التصرُّف في المعاطاة أمرٌ يوافق عليه العقلاء، وليس مبايناً لها، فهو من لوازم بيع المعاطاة وليس إنشاءً في إنشاء، إلّا أنَّه ليس منافياً لها.

وحينئذٍ نقول: إنَّ السبب إذا كان سبباً عقلائياً، وكان لازمه سبباً عقلائياً، والشارع فكَّك بين المتلازمين، ولولا تصرُّف الشارع لكان العقد سبباً للملك وللتصرُّف المطلق، وبعد تصرُّفه تنتفي الملكيّة، إلّا أنَّ اللازم يبقي العقد سبباً له، وليس هذا من الموارد التي يُقال فيها: (إنَّ ما قُصد لم يقع، وما وقع لم يُقصد). فإنَّ لازم البيع هو جواز التصرُّف، وهو مناسبٌ، سيما إذا كان المتعاملان ملتفتين إلى هذا المطلب، إذا كانا ملتفتين فلا بُدَّ أن يُقال إنَّ هذا المطلب صحيح، فإنَّ المتعاملَين إذا كانا متشرِّعَين ويذهبان اجتهاداً أو تقليداً أنَّ إلى لعقد ليس سبباً للملكيَّة، ولكنّه سببٌ لأمر آخر، حتَّى لو كان أجنبياً كالنكاح، فلا محالة يقصدان هذا المعنى عند الالتفات.

وأمَّا إذا لم يكونا ملتفتين، فربما يُقال(1): (إنَّ ما قُصد لم يقع وما وقع لم 

ـــــــــــــ[198]ــــــــــ

() هذا بالنسبة إلى الأمر الأجنبيّ غير المناسب مع العقد (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يُقصد)، وإنَّ في هذا الحكم تحميلاً شرعيّاً مستنكَراً لدى العقلاء، أمَّا إذا كان من الأمور المناسبة واللازمة لعملنا، فيشمل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ويكون السببُ شرعيّاً.

وأمَّا إذا قلنا: إنَّ الشارع لم يجعل المعاطاة سبباً للملكيّة ولا لوازمه، وإنَّما نقول: إنَّ بيع المعاطاة عند إيقاعه موضوعٌ لحكمٍ شرعيٍّ ابتدائيٍّ بالإباحة، كموضوعة النذر لوجوب الوفاء.

إذا قلنا بذلك، فالأمر (بالوفاء بالعقود) و(التجارة عن تراضٍ) لا تشمله، لإسقاط الشارع له، وليس عقداً ولا تجارةً عنده، وإنَّما هو موضوع لحكم شرعي مستقلّ، فلا تشمله أدلّة وجوب الوفاء.

بعد ذلك ننظر إلى مقتضى الأصل العملي، وللاستصحاب في المقام.

التقريب الآخر للزوم المعاطاة على تقرير سببيّتها للإباحة:

وهو يتمُّ بعد مقدّمة وهي: أنَّ القائلين بسببيّة عقد المعاطاة للإباحة ما هو مرادهم؟ 

هل يقولون إنَّ المعاملات الجارية بالمعاطاة في أسواق العالم، يوقع المتعاملين فيها الإباحة في مقابل الإباحة؟ إذا كان هذا هو المقصود؛ فنحن نعلم بأنَّ أسواق الدنيا بخلافه.

أو يقولون: إنَّها إباحة مالكيَّة، ولكن إباحة في ضمن التمليك، يعني أنَّ المالك عمل عملين: التمليك استقلالاً، والإباحة ضمناً. فهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنَّ معناه إباحة مال الغير لمالكه، فإنَّه بعد أن ينتقل المال عن ملك 

ـــــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الشخص، لا يبقى له مجال لإباحته للمنتقل إليه.

أو يقال: بأنَّها إباحة شرعية، ولكنها متضمّنة لرضاء المالك بالتصرُّف، كما نقل عن الشيخ وقبله بعض المحقِّقين(1)

نقول: إنَّ غاية مرادكم من كلامكم هو أنَّ الشخص بهذا الإعطاء يسلِّط الطرف الآخر على ماله على وجه الرضا، ولو بعنوان الملكيّة، ولكن الملكيَّة إذا انتفت يبقى الرضاء محفوظاً، نقول: إنَّ التسليط صحيحٌ والرضا صحيحٌ، إلّا أنَّه رضاء بالتسليط المعاملي، فإنَّه بالإعطاء يريد أن يملك العين، وليس عندنا شيءٌ سوى الرضاء المعاملي، كالرضاء(2) -مثلاً- بالتصرُّف بأيِّ نحوٍ كان.

أو يقال: إنَّ الشارع المقدّس أسقط سببيّة شيء وجعله سبباً لشيء آخر، فلا السبب باقٍ على سببيّته العقلائيّة، ولا يتحقّق منه المقصود العقلائيّ، وإنَّما الشارع وضع سببيّته لشيء آخر، وهو: الإباحة. وهذا يحتاج إلى دليل آخر: بأنّ الشارع قد ألغى المعاملة العقلائيّة، ووضع لها شيئاً آخر غير ملتفت إليه، وغير مقصود من قبل المتعاملين، ولا مُعتَرف به من قبل العقلاء.

أو نقول: إنَّ الشارع ألغى باب المعاطاة بالكُلِّيّة، سواءٌ في سببيته للمالكيّة أو سائر الآثار الأخرى، إلّا أنَّه جعل هذا العمل موضوعاً لحكم تعبّدي بالإباحة، بحيث لا ارتباط للمعاملة به. 

كيف يمكن أن نقول بذلك؟! فهذه الاحتمالات للمعاطاة خلاف الوجدان.

ـــــــــــــ[200]ــــــــــ

() راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 87.

(2) مثال للمنفي، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والذي نستطيع أن نقوله نحن: هو أن نحسب حساب ما عندنا في المقام، وأنَّ الشارع كم تصرَّف؟ 

لا إشكال أنَّه عندنا معاملة عقلائيّة كسائر المعاملات، بل أسبق منها، وهي: المعاملة المعاطاتية، وتقع بالنحو الذي تقع به المعاملة اللفظيّة. 

ولا إشكال أيضاً أنَّه في محيط العقلاء هذه المعاملة نافذة، بل لازمة.

ولا إشكال أنَّ الإباحة في هذه المعاملة العقلائيّة -بمعنى: أنَّ نفس الشخص أوجدها مستقلّاً أو ضمناً-، بلا إشكال غير موجود.

لكنّ هناك إباحةً مستندةً إلى عمل العاقد، لا أنَّها موجود بجعل العاقد؛ لأنَّه عندما يعمل هذه المعاملة ينتقل مالُ كلّ طرف إلى الآخر، وعندما يرى العقلاء أنَّ المال قد أصبح له؛ يحكمون بأنَّه له التصرُّف فيه.

فالإباحة لم تُجعل بإنشاء المتعاملين، لكن حصلت إباحة شرعيّة وعقلائية مستنداً إلى هذا العمل العقلائي، والعاقد هو الذي قام بإيجاد موضوعها، فإنَّ الذي حصل من العاقد هو التمليك والتملُّك؛ فصار ذلك موضوعاً لحكم العقلاء بإباحة التصرُّف والسلطنة على ملكه. 

ويشمله أيضاً موضوع: “الناس مسلّطون على أموالهم(1)، في نظر العقلاء.

فليست الإباحة الشرعيّة بمعنى أنَّ العقدَ المعاطاتي موضوعٌ للحكم بالإباحة شرعاً، أو أنَّه موجبٌ للإباحة؛ لعدم الدليل. لكنّ هناك إباحةً شرعيةً بغير هذا المعنى، وهي ثابتة بوسيلة عمل المتعاملين، وذلك بقطع النظر عن 

ـــــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) تقدّم الحديث آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الإجماع المدَّعى في المقام.

في مقابل هذه المعاني نفترض عندنا تعبُّداً شرعيّاً، ثبت بالإجماع، علماً أنَّ هذا ليس ملكاً. هذا الإجماع لا يمكن أن يكون إجماعاً على أنَّه ليس ملكاً عند العقلاء. 

فإنَّه لا الإجماع ولا الضرورة تستطيع التصرُّف بمجعولات ومقرَّرات العقلاء، وإنَّما الذي يستطيع الإجماع تتميمه هو ورود التعبُّد: بأنَّه ليس ملكاً في محيط الشرع، فإنَّه للشارع أن يحكم بذلك بصفته أمراً على أُمّة من الناس، أمَّا بلسان: (أنِّي لا اعتبره ملكاً شرعاً)، أو بلسان: (لا ترتِّبوا آثار الملكيَّة عليه).

إذا كان الأمر كذلك؛ فنقول: إنَّه للشارع أن يفكِّك بين المتلازمين وبين الموضوع والحكم، ويفرّق بينهما بحسب التعبُّد الشرعيّ، فيعبِّدنا بوجود الموضوع بلا عرض، أو يعبِّدنا بوجود العرض بدون أن يعبِّدنا بوجود الموضوع، أو مع أنَّه يعبِّدنا بعدم الموضوع وغير ذلك ممَّا هو من المتلازمين في نظرنا.

فالشارع المقدّس بالمقدار الذي دلّ عليه الدليل؛ ليس أنّه تصرّفٌ في الملكيَّة العقلائيّة، ولا في لوازم الملكيَّة العقلائيّة، ولا في عقديّة المعاطاة، ولا في جواز التصرُّف فيما انتقل إليه. 

بل لنا دليل على أنَّ تمام هذه اللوازم موجودة عند الشارع، فإنَّ العقلاء يعتبرونها، ويتصرَّفون بالمال المأخوذ بالمعاطاة تصرُّف المالك في ملكه، والشارع أجازهم في ذلك.

والشيء الوحيد الذي قام الدليل عليه في محيط الشرع: هو أنَّ هذا ليس 

ـــــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بملك، مع كون العقد باقياً على قوَّته وتشمله أدلَّة اللزوم، فإنَّه لم يقل إنَّ المعاطاة ليست بعقد، والملكيّة العقلائيّة باقية على قوَّتها، ولوازمها العقلائية أيضاً على حالها. 

فقد قام الدليل لدينا على أنَّ المقبوض بالمعاطاة لا يكون ملكاً، إذا كان الإجماع قائماً وثابتاً، وقد حكم الشارع بذلك لمصالح لا نطَّلع عليها، والقدر المتيقَّن من الإجماع هو هذا المقدار.

بناءً عليه فالأدلّة العامّة تبقى في محلِّها، وهناك إباحة في سائر التصرُّفات حتَّى المتوقف منها على الملك، لكن من دون ملك.

ولكن مع غضّ النظر عن هذه المطالب، يقول الشيخ: إنَّه بناءً على الإباحة فالأصل عدم اللزوم لقاعدة: “الناس مسلّطون على أموالهم“، ولاستصحاب بقاء السلطنة، وهو حاكم على استصحاب الإباحة.

فللشيخ(1) هنا ثلاث كلمات:

[بيان ما أفاده الشيخ الأعظم في محل البحث]

أحدها: التمسّك بقاعدة “الناس مسلّطون على أموالهم“. 

قد يقال إشكالاً على الشيخ: إن “الناس مسلّطون على أموالهم” -التي هي منافيّة بحسب موضوعها مع الإباحة الشرعيّة- لا تستطيع أن تزيل الإباحة الشرعيّة، فإنَّ هذه الإباحة حكمٌ شرعيٌّ، والناس غير مسلطَّين على الحكم الشرعيّ. 

ـــــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 96، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إلّا أنَّ هذا الإشكال غيرُ واردٍ؛ لأنَّنا لا نعلم أنَّ الإباحة الشرعيَّة ما هو مداها؟ وهي غير معلومة الحدود، وإنَّما لها قدر متيقَّن ومقدار مشكوك، وأيُّ مقدار ثبت فيها فهو يزيل تلك القاعدة. 

أمَّا في المورد المشكوك، يعني: أنَّنا في كلّ مورد لا نعلم بوجود الإباحة الشرعيّة، فبشمول دليل “الناس مسلّطون… ” له نستطيع أن نعلم أنَّ الشارع لم يجعل الإباحة فيه.

فمثلاً نحن نشكّ أنَّ الإباحة الشرعيّة مجعولةٌ بمقدار ساعة من الزمان أو دائماً، فبمقدار الساعة -وهو القدر المتيقَّن- لا تشمله تلك القاعدة، وأمَّا في الزائد فأشكّ بأنَّ الشارع قد جعل الإباحة أو لا، فنأخذ بدليل “الناس مسلّطون… “، ونستكشف به أنَّ الإباحة غير مجعولة.

ثانيها: وأمَّا الاستصحاب الذي يقوله الشيخ(1)، وهو استصحاب بقاء السلطنة إلى زمان الشكِّ، ويقول: إنَّه حاكم على استصحاب إباحة التصرُّفات، فهل هذه الحكومة صحيحة أو لا؟

هنا عندنا شكَّان: 

شكٌّ في أنّه بعد البيع المعاطاتي، وقد حصلت الإباحة، هل لذلك الطرف سلطنة على استرجاع عينه أو لا؟ وشكٌّ في أنَّ الإباحة باقية أو لا؟ 

افرضوا الكلام حال تلف العينين، أو حال بقائهما، ولكن حدث فيهما تغيير اقتضى الشكّ ببقاء الإباحة، فنستصحبها.

ـــــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 96، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والشيخ يقول: إنَّ استصحاب بقاء السلطنة حاكمٌ على استصحاب بقاء الإباحة.

[حول الضابطة في جريان الحكومة في مثل المقام]

نقول: لماذا هو حاكم؟ فإنّ ميزان الحكومة عندنا هو:

أولاً: أن يكون الشكّ في المحكوم ناشئاً من الشكّ في الحاكم.

وثانياً: أنَّ الاستصحاب الذي يجري في مورد الشكّ السببي موضوعٌ لكبرى كلِّيّةٍ ترفع الشكّ في المسبّب، مثل استصحاب بقاء (الكرّية) الذي ينقّح موضوعاً لكبرى: (الكرّ يطهر)، فالاستصحاب يقول: (هذا كرّ)، والكبرى تقول: (هذا يطهر) بعد أن أصبح مصداقاً لها بالاستصحاب.

ومضمون الكبرى ليس متضمّناً للشكّ، ولم يؤُخذ في موضوعها الشكّ، وحينئذٍ فاستصحاب النجاسة الجاري في الثوب بعد تطهيره بهذا الماء يقول: (هذا الثوب نجس)، وتلك الكبرى تقول: (هو طاهر)، ولسانهما حاكمٌ على لسان الاستصحاب. 

إذن فالمدار في الحكومة هو أن يكون الشكّ المسبّبي ناشئاً من الشكّ السببيّ، وأن يكون استصحاب السببي محرزاً لموضوع كبرى تكون رافعةً للشكّ في المسبّب، فهل هذا موجود في المقام؟

هل شكُّنا ببقاء الإباحة ناشئٌ من الشكّ بمقدار السلطنة، أو -في الواقع- ناشئٌ من الشكّ في أنَّ الشارع جعل الإباحة بأيِ مقدار؟ 

نعم، هذان الاستصحابان متنافيان. ولكنّ الشكّ في الأوَّل ليس ناشئاً من 

ـــــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الشكّ في الثاني، بل قد يقال العكس: إنَّ الشكّ في السلطنة ناشئٌ من الشكّ في جعل الشارع الإباحة، إذ لو كان قد جعل الإباحة المطلقة، فإنَّ شكَّنا في السلطنة يرتفع. غايته يبقى إشكالنا الآخر، وهو: أن الشكّ في الإباحة وإن فرضناه سبباً للشكّ في السلطنة، إلّا أنَّه لا ينقّح لنا موضوعاً لكبرى شرعيّةٍ، فإنَّه ليس عندنا مثلُ هذه الكبرى: (إذا كان الشيء مباحاً فهو مسلَّط عليه)، وإنَّما ذلك من اللوازم العقليّة.

وبقي لنا مع الشيخ كلام آخر سنقوله إن شاء الله تعالى.

وبالجملة تمسّك الشيخ على فرض إفادة المعاطاةِ الإباحةَ، لعدم اللزوم بقاعدة السلطنة، وعلى فرض غضّ النظر عنها، فباستصحاب السلطنة الثابتة قبل الإعطاء، وقال بأنَّ هذا الاستصحاب حاكمٌ على استصحاب الإباحة على فرض جريانه.

وقد قلنا: إنَّ الشكّ ببقاء الإباحة ليس ناشئاً من الشكّ في السلطنة، بل ناشئٌ من كيفيّة جعل الشارع للإباحة، وعلاوة عليه فإنَّ نفي الإباحة ليس من الآثار الشرعيّة لبقاء السلطنة؛ لنثبته باستصحابها. إذن فاستصحاب بقاء السلطنة ليس حاكماً.

للشيخ هنا كلمة ينبغي أن نعرف وجهها، وإن كان ذلك لا يفيد في المقام، وإنَّما يفيد في أصل باب الاستصحاب، وهي أنه يقول: (على فرض تسليم جريان استصحاب الإباحة)(1)، ممَّا يُعلم منه أنَّ له شبهةً في جريان هذا الاستصحاب. 

ـــــــــــــ[206]ــــــــــ

(1) انظر كتاب المكاسب 3: 96، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ولعلّ وجه شبهته هو: أن الجواز أو الإباحة المجعولة هنا بناءً على أنَّها إباحة شرعية، يُحتمل أن تكون مجعولةً إلى أمدٍ خاصٍّ، وهو أمد ما قبل رجوع المالك، وأمَّا بعد ذلك فلا إباحة. ويُحتمل أنّها مجعولةٌ بنحو الإطلاق حتَّى بعد رجوع المالك. 

وبناءً على ذلك ليس عندنا استصحابٌ شخصيٌ؛ لعدم وجود متيقَّنٍ شخصيٍّ في المقام؛ لاحتمال جعل هذا المصداق واحتمال جعل الآخر، وهذا داخل في استصحاب الكلِّيّ المردَّد بين طويل العمر وقصيره، من القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

وفي هذا القسم من الاستصحاب، إذا كان للكلّي أثراً شرعيّاً، يعني: كان موضوعاً لحكمٍ شرعيٍّ، أو كان هو بنفسه حكماً شرعيّاً، فيمكن استصحابه.

مثلاً: كان عندنا حكمٌ متعلّقٌ بطبيعة الحيوان وكلِّيّ وجوده، وكان عندنا علمٌ بوجود مصداق للحيوان هنا وبوجود المصداق، فالكلّيّ الطبيعي موجود لا محالة، غايته أنَّنا نشكّ أنَّه طويل العمر أو قصيره، فلا مانع من استصحاب بقاء الحيوان الكلِّيّ، وبه ننقِّح موضوع ذلك الحكم. 

وكذلك إذا كان لنا مجعولٌ كلِّيّ دار أمرُه بين الطويل الأمد والقصير الأمد، فاستصحاب بقائه لا مانع منه.

لكنّ هذا وأمثاله، ممَّا نريد استصحاب كلِّيّ الحكم فيه ليس كذلك؛ لأنَّ موضوع الاستصحاب -وهو الإباحة- ليس من الموضوعات التي يترتَّب عليها حكمٌ شرعيٌّ، وإنَّما الإباحة هي بنفسها حكمٌ شرعيٌّ، وهذا الحكم الشرعي؛ إمَّا 

ـــــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هو هذا المصداق المغيَّا والمحدود، أو ذاك المصداق المطلق الشامل لما بعد الرجوع.

وأمَّا الجامع المشترك بينهما، فهو جامع عقليّ انتزاعيّ وليس مجعولاً شرعياً. نعم، إذا كان الجامع موضوعاً لحكم شرعيّ أمكن استصحابه، إلّا أنَّه ليس كذلك في المقام.

فماذا تستصحب في المقام، هل تستصحب أحد هذين المصداقين، يعني: الإباحة القصيرة أو الطويلة؟ فكلّ منهما ليس لنا يقينٌ فيه وإنَّما هو طرف للشكّ. أو نريد أن نستصحب الجامع؟ فإننا كُنَّا على يقين بوجوده في ضمن الفرد القصير، ونشكّ ببقاء الطبيعة المهملة، إلّا أنَّ هذا الجامع ليس حكماً وجعلاً شرعياً، فإنَّ الشارع إنَّما جعل هذا المصداق أو ذاك، والجامعُ أمرٌ عقليٌّ انتزاعيٌّ من المجعولَين.

إذن يمكن أن يكون نظرُ الشيخ في شبهته في جريان استصحاب الإباحة إلى ذلك، أو نظرُه إلى الشكّ في المقتضي، يعني لا نعلم أنَّ المجعولَ أيُّ نحوٍ؟ فإنَّ المجعول إذا كان مقيّداً بعدم الرجوع فلا اقتضاء فيه للبقاء، وإذا كان غير مقيّداً فله اقتضاء البقاء، وحيث شككنا في المقتضي، فإنّ الشيخ لا يرى جريان الاستصحاب عند الشكّ في المقتضي.

[ما أفاده المحقق الأصفهاني في المقام والجواب عنه]

وللبعض(1) طريقٌ آخر في إثبات عدم حكومة استصحاب بقاء السلطنة 

ـــــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 198-200، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

على استصحاب الجواز والإباحة. 

وملخَّص كلامه وهو الشيخ محمد حسين الاصفهاني بعد أن يُقرِّر عدَّة مقدّمات؛ لذلك كلّها مورد النظر:

يقول: إنَّه بناءً على أنَّ الإباحة في المقام شرعيةٌ محضةٌ، لا إباحةً تسبيبيّةً مالكيّةً، ولا إباحةً مجعولةً شرعيّةً، فهنا استصحاب الإباحة جارٍ، واستصحاب بقاء السلطنة ليس حاكماً عليه، وذلك؛ لأنَّ السلطنة لها أحد معنيين: 

إمَّا أنَّها عبارةٌ عن قدرة الإنسان شرعاً على التصرُّفات التكليفيّة والوضعيّة المتعلّقة بهذا المال، هذا المعنى الذي هو مجعول ابتدائي للسلطنة.

أو المعنى الآخر، هو لازم هذا المعنى، وهو: عبارةٌ عن محجوريّة الغير عن التصرُّف في مال هذا الشخص.

فإذا كان المراد من السلطنة المعنى الأوَّل، وهو القدرة على التصرُّفات شرعاً، فهذا لا يتنافى مع إباحة التصرُّف للغير، فأكون أنا قادراً شرعاً على التصرُّف، ويكون ذاك الشخص شرعاً مباحاً له التصرُّف، فلا تنافي بين الاستصحابين؛ ليتكلّم بأنَّ أحدهما حاكمٌ على الآخر.

وإن كان المراد هو استصحاب محجوريَّة هذا الشخص الثابتة قبل وقوع المعاطاة، فهذه المحجوريّة تبدَّلت إلى النقيض حتماً، وصارت سائرُ التصرُّفات مباحةً له حتَّى المتوقِّفة على الملك، وقد أصبح موردُ الاستصحاب هو اللامحجوريّةَ، لا المحجوريّة. 

وليست هناك إباحةٌ تسبيبيّةٌ من قبل المالك؛ لنقول: إنَّه يجوز الرجوع، 

ـــــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ولازمُ الرجوع انتفاءُ الإباحة ومحجوريّة الآخر، ويكون هذا مقدّماً على استصحاب الإباحة، وليس الأمر كذلك، بل هي إباحة شرعيّة وليست مالكيّة، فالأمرُ يدور بين استصحابٍ غيرِ جارٍ أو غيرِ منافٍ؛ لكي يُقال بحكومته.

ثم يقول: نعم، عندنا مطلب آخر، وهو أنَّه قام الإجماع على جواز الرجوع حال بقاء العينين، وهذا الجواز ثابت قبل الشكّ، ثُمَّ حدث سببٌ شكَكنا لأجله ببقاء الجواز؛ فنستصحبه ونرجع، وعند الرجوع تنتفي الإباحة، فيكون هذا الاستصحاب حاكماً ومقدّماً على استصحاب الإباحة. هذا ملخص كلامه(1).

ونحن لم نفهم كِلا مطلبيه.

أمَّا الأوَّل: إذ يقول إمَّا هذا وإمَّا ذاك، نقول لا هذا ولا ذاك، بل عندنا مطلبٌ ثالثٌ، فإنَّه ليست محجوريّة ذاك الشخص من لوازم السلطنة أو نفس السلطنة، فإنَّ السلطنة المطلقة على مال يقتضي كما أنه هو مسلَّط على المال، له أن يتصرَّف به أيَّ تصرُّفٍ كان، كذلك يقتضي أن يكون له أن يمنع غيره من التصرُّفات الخارجيَّة التكوينيَّة أو الاعتباريَّة الشرعيّة. 

وكونُ المالك ليس له حقُ منع الآخرين من التصرُّف لا يناسب مع السلطنة المطلقة، وإذا لم يكن لي هذا الحقُّ فلست بسلطان مطلق على مالي، ولا 

ـــــــــــــ[210]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 198-200، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يمكن أن يكون لأحد حقُّ السلطنة المطلقة على المال، والآخر له سلطنةٌ أخرى عليه أيضاً.

فالمحجوريّة من شؤون السلطنة المطلقة، وعلى فرض أنَّ الشارع المقدّس بعد المعاطاة أعطاه إجازة التصرُّف، وأنا أشكّ أنَّ هذه الإجازة هل انتفت بها جميع سلطنتي على المال، أو أنَّ ليَ التصرُّف فيه بمنعه من التصرُّف، واسترجاع المال، ويحرم عليه حينئذٍ التصرف؟ إذا شككت في ذلك كان لاستصحاب بقاء السلطنة الثابت قبل المعاطاة مجال.

فالمقدار المتيقَّن من الإجماع الخيالي المتوهَّم هو هذا: وهو أنَّه يجوز ليَ التصرُّف في مالي، ولكن إذا رجعت أو نهيته عن التصرُّف، فأنا أشكّ في أنَّ سلطنتي المطلقة هل سقطت لكيلا يكون الرجوع نافذاً، أو أنَّها ثابتةٌ بمقدار أستطيع الرجوع فيه، ولا يكون التصرُّف جائزاً له حينئذٍ؟ فجواز التصرُّف له يكون من قبيل حق المارة، وحق التصرُّف في الأنهار الكبيرة الذي يقول الفقهاء بكونه ثابتاً لغير المالك، ما لم يعلم بعدم إذن المالك. 

فهنا أيضاً يمكن أن تكون الإباحة بالنسبة الى ذلك الشخص في حدود إذني وعدم منعي، وليست سلطنة مطلقة، فإذا احتملنا ذلك فلا قطع لنا بانقطاع السلطنة فنستصحبها.

وقضيّة كون ذاك الشخص محجوراً، لا ربط لها بالسلطنة، فإنَّ السلطنة التي يقولها أعمّ من السلطنة المطلقة التي مقتضاها المنع من التصرُّف لسائر الأغيار الآخرين.

ـــــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا الذي يقوله: من أنَّه إذا كانت السلطنة تسبيبيّة، جاز له الرجوع، ويكون ذلك مقدّماً على استصحاب الإباحة. 

قلنا: إنَّه ليس كذلك، إذ جواز الرجوع لازمه العقلي أو العقلائيّ أنَّه إذا رجع فرجوعه نافذ.

نعم، إذا كان الحكم الشرعيّ الذي قام عليه الإجماع هكذا: إذا رجع فالتصرُّف مباحٌ له، فحينئذٍ يرجع ويترتِّب عليه الحكم، لكنَّ المسألة ليست هكذا.

أمَّا الاستصحاب الذي يقول: إنَّه حاكم، حيث إنِّي قبل أن أشكّ كان الإجماعُ قائماً على أنَّ ليَ الرجوع إلى ملكي، والقدر المتيقَّن من الإجماع هو أن نقول بالإباحة؛ لأنَّ أكثر المجمعين قائلون بالإباحة، فقبل الشكّ يجوز ليَ الرجوع إلى العين، فإذا حدث لي شكٌّ بسبب من الأسباب بجواز الرجوع فاستصحب جوازه، وبالرجوع يصبح ذاك الطرف محجوراً، ويكون هذا حاكماً على استصحاب الإباحة.

نحن لنا شبهةٌ حول ذلك، وهي أنَّ جواز الرجوع حكمٌ شرعيٌّ فهمناه من الأدلّة والإجماع، ولكنَّ لازمه العقلي هو أنَّه إذا رجع ينفذ رجوعه، ويكون له التصرُّف فيه، ويكون الآخر محجور التصرُّف، ولا يجوز له، وهذا حكم عقليّ يترتَّب على الحكم الشرعيّ، لا أنَّه موضوعٌ يترتَّب عليه حكمٌ شرعيٌّ، وحتَّى إذا كان ممَّا يترتَّب عليه حكمٌ شرعيٌّ أيضاً لا يمكن إثباته بالاستصحاب، فإنَّه لا يمكن ترتيب حكمٍ شرعيٍّ على اللازم العقليّ للاستصحاب، فلو كان نبات 

ـــــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

اللحية لزيد موضوعاً لحكم شرعي لا تستطيع ترتيبه بمجرّد استصحاب حياته.

فهنا لازم جواز الرجوع أنَّه إذا رجع ينفذ، فافرضوا أنَّ لازم ذلك شرعاً هو الإباحة -مع أنَّه ليس ذلك حكماً شرعياً- إلّا أنَّه على فرضه فهو حكمٌ شرعيٌّ مترتِّبٌ على لازم عقليّ للاستصحاب، وهو غير مفيد.

إذن فالاستصحاب الذي يقوله لا يجري. هذا مع وجود العينين.

[ما هو الأصل في صورة تلف العينين]

أمَّا إذا فقدت كِلا العينين، أو فقد أحداهما، أو فقد بعضهما.

إذا فُقدا معاً فتقريب لزوم المعاملة يكون بهذا النحو: أنَّه كما في باب الصرف والسلم والوقف، قد تصرَّف الشارع بنحو معيَّن، أصبحت سببيّة المعاملة المطلقة مقيدةً، إذ لولا تصرُّف الشارع في باب الصرف والسلم كان البيع نافذاً من حين العقد بحسب ارتكاز العقلاء وعموم الأدلّة الشرعيّة، والشارع لم يلغِ سببيّة العقد للنقل والانتقال، وإنَّما أضاف شرطاً الى المعاملة، وهو في الصرف: القبض في المجلس، وفي الوقف: القبض. فهذا شرطٌ في تأثير السبب، ولولاه لأثَّر السبب بدونه، ولكن مع هذا الشرط فمالكيّة المبيع في الصرف لا تتحقّق إلا بالقبض، فالشارع بهذا القيد أخرج هذه الأسباب التامَّة الى السببيّة الناقصة، وجعل العقدَ جزءَ السبب والقبضَ جزأه الآخر.

نقول: هنا أيضاً كذلك، فإنَّ سببيّة عقد المعاطاة هي كسائر العقود لولا الدليل الخاصّ، ويكون لها التأثير في النقل والانتقال فعلاً عند العقلاء، وبحسب الأدلّة الشرعيّة العامّة. إلّا أنَّ الشارع تصرَّف بهذا المقدار، وهو: أنَّه لا 

ـــــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

تحصل الملكيَّة ما دامت العينُ باقيةً، ولكن إذا لم تكن العين موجودة فالشارع لم يتصرَّف بشيء. فمِن ضمّ هذا الإجماع الى الأدلّة العامّة تعرف أنَّ الشارع أخرج المعاطاة من السببيّة التامَّة الى السببيّة الناقصة، -مع غضّ النظر عن الإشكال في ملكيّة المعدومات، والقول بجوازه، كما يذهب إليه الفقهاء، وإن كان لنا فيه نظر- فأصبح أحد جزئَي السبب هو العقد، والجزء الآخر هو معدوميّة العينين، وبمعدوميّتهما يحدث التملُّك، كما كان هو الحال في الصرف: أحد الجزأين هو العقد، والآخر القبض.

بناءً عليه، فالقدر المتيقَّن من السببيّة الناقصة، هو ما دامت العينان، وبعده تكون المعاطاة سبباً تامّاً؛ فينتقل المال ويملك، وتشمله أدلّة اللزوم، ولا يكون قابلاً للفسخ.

فهذا وجهٌ لملكيّة العينين بعد التلف، وهو وجهٌ فيه اعوجاجٌ؛ فإنَّ العقلاء لا يعترفون به، وإنَّ العين ما دامت موجودة لا تملك، ويكون انعدامُها سبباً لملكيّتها.

هذا مطلب مدرسيّ وليس عقلائيّاً، ولكنّه مطلبٌ صناعيٌّ، مناسب مع صناعة الأدلّة، ونسبة بعضها إلى بعض.

في ذكر تقريبين للزوم المعاطاة على تقدير إفادتها الإباحة

1قلنا يمكن تقريب اللزوم هكذا: أنَّه بحسب إطلاق أدلّة سببيّة العقد، سواءٌ كان معاطاةً أو لم يكن، أنَّه بمجرَّد أن يتحقّق السبب يتحقّق المسبّب. 

لكن قام الإجماعُ على أنَّ المعاطاة لا تنتج الملكيَّة ما دام العينان موجودتين، 

ـــــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فلا بُدَّ أن نأخذ منه بالقدر المتيقَّن على تقدير وجوده، كما لو اشترط الشارع في الصرف القبض، فإنَّ ذلك لا يقتضي رفع اليد عن إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُود أساساً، غايته أنَّ السببيّة المطلقة جعلها الشارع مشروطة بالقبض، ولولاه لقلنا بحصول الملكيَّة بمجرِّد العقد، ومع هذا الشرط نرفع اليد عن إطلاق الدليل بمقداره.

هنا أيضاً نقول: نعم بعد قيام الإجماع على عدم الملكيَّة حال وجود العينين، لا نرفع اليد عن إطلاق أدلة السببيّة إلا بمقداره، ونقول إنَّ سببيّةَ المعاطاة لإيجاد الملكيَّة مشروطةٌ بالتلف.

ولأجل رفع الاستبعاد، نذكر الآن هذا المعنى الذي يلتزم به كثيرٌ من الفقهاء، وأثبتوه على القاعدة. 

وهو أنَّهم قالوا في الانتقالات المحتاجة إلى أن يكون الشيء ملكاً للمنتقل عنه، كالبيع والعتق: إنَّنا بواسطة دليل: “لا بيع إلّا فيما تملكه(1)، و”لا عتق إلّا فيما تملكه(2)، نلتزم أنَّه قبل أن يعتق صار ملكاً له وعُتق عن ملكه، وقبل أن يُباع صار ملكاً له، ومِن ملكِهِ انتقل إلى غيره. 

ونفس هذا التقريب يعملونه في المعاطاة، فيقولون بحصول الملك فيها قبل الانتقال آناً ما.

ونحن نقول: إنَّنا نكشف ذلك بدليل الإجماع التوهُّمي: وذلك إنَّ مقتضى 

ـــــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 3: 205، باب التجارة، الحديث 47.

(2) المصدر السابق.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أدلّته هو حصول المسبّب عند حصول السبب، يعني: حصول الملكيَّة عند حصول المعاطاة، غاية الأمر نحن نرفع اليد عن ذلك بمقدار الإجماع، والقدر المتيقَّن من ذلك المقدار هو بأنَّ العين حال وجودها مباحة، لكن إذا كانت في علم الله أنَّها سوف تتلف، فتكون سببيّة المعاطاة للملكيّة مشروطةً بالتلف بنحو الشرط المتأخر.

فإذا ملك عبداً بالمعاطاة وأعتقه قبل التلف، قالوا: إنَّنا نلتزم بدليل: (لا عتق إلا في ملك) بدخوله في ملكه آناً ما، وانعتاقه في ملكه.

نقول: إذا لم يكن عندنا دليل (لا عتق إلا في ملك)، مع ذلك نتمِّم ما نحن فيه بحسب القواعد، فإنَّ هنا سببيّةً عقلائيّةً قائمةً، ومقتضاها حصول الملكيَّة بمجرَّد وقوع المعاطاة، والإجماع لا يقتضي أكثرَ من رفع اليد عن إطلاق الأدلّة، وإنَّما قام الإجماع أنَّه قبل الـ (آناً ما) من التلف هي ملك الطرف. أمَّا في الـ(آنٍ ما) فهم يفتون بملكيّته لها، ولهذا صرَّحوا بالملك قبل الانتقال، فلا إجماع في المقام، وإنَّما تفيد إطلاق الأدلّة بهذا المقدار، ونقول: إنَّ سببيّةَ العقد للملكيّة مشروطةٌ بنحو الشرط المتأخّر بذلك التلف(1) أو البيع أو العتق الذي سوف يحدث،
ـــــــــــــ[216]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّه لم يقم دليل ولا فتوى على ملكيّة العين قبل التلف آناً ما؛ لكي يكون خارجاً من الإجماع، فإنَّهم إنَّما أفتوا بذلك لدلالة الدليل: أنه (لا عتق إلا في ملك) وشبيهه، وليس في المقام دليل يقول: (لا تلف إلا في ملك)، فيكون مورد الكلام داخلاً في الإجماع، وإنَّما يرفع اليد عنه فيما بعد التلف، خاصّة لو صحّ ملك المعدوم كما لا يبعد، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

-وجامعها انتقالها عنه بتلف أو غيره- فيشمله إطلاق دليل السببيّة حينئذٍ. 

وإنَّما رفعنا اليد عنه بمقدار الإجماع، وبضمِّه إلى الدليل قلنا: إنَّه يُشترط في وجود الملكيّة بنحو الشرط المتأخّر، أن تخرج العينُ عن ملكه ببيع أو تلف، إلى آنٍ ما قبل التلف، فإذا تلف تكون قد تلفت في ملكه. هذا محصّل ما يمكن أن يُقال لتقريب لزوم المعاملة.

2 وأمَّا إذا لم نقبل هذا المطلب؛ فنقول: يمكن أن نقرّب تقريباً مساوقاً للجواز، وإن لم يكن هو هو، وهو مرتبط بقاعدة على اليد التي سوف يأتي البحث عنها في المقبوض بالعقد الفاسد إن شاء الله تعالى.

وذلك: أنّه بحسب الظاهر مفاد (على اليد ما أخذ -أو ما قبضت- حتَّى تؤدِّيه)(1) هو أنَّ ما قبضته اليد يكون عليها، وأمَّا لزوم ردّ العين فليس متعرضةً له(2)، ولا يمكن أن تكون له متعرّضة، فغاية ما تدلّ عليه هو جعل الضمان، ولا يمكن أن تدلّ على وجوب الردّ؛ لأنَّهما أمران متعدِّدان مترتِّبٌ أحدهما على الآخر، فلا يمكن(3) أن تدلّ على الأمرين معاً.

ـــــــــــــ[217]ــــــــــ

() قوله:”على اليد ما أخذت حتَّى تؤدّي. عوالي اللئالي 3: 251، باب الوديعة، الحديث 3، ومستدرك الوسائل 14: 7، كتاب الوديعة، الباب 1، الحديث 12.

(2) يعني قاعدة اليد (إيضاح)، (المقرِّر).

(3) بل هو في مكانٍ من الإمكان، غايته يكون من قبيل الدلالة الالتزاميّة، دون المطابقيّة، فإنها دلَّت على استمرار وجود الضمان إلى حين الأداء مطابقةً، فتدلّ التزاماً على وجوب الأداء تخلُّصاً من ضمان مال الغير. فتأمَّل، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فهي لا تتعرّض إلا لجعل الضمان، على الاختلاف في أنَّها تفيد ضمان اليد حتى في حال وجود العين، كما يقول السيّد كاظم اليزدي(1)، وقد تبعناه لبرهة من الزمن، أو أنَّ معناها معنى تعليقيّ، وهو أنَّه: إذا تلف كان بدلها في العهدة. وإذا كانت هذه القاعدة لا تتضمَّن وجوبَ أداء العين ولا البدل -لا المثل ولا القيمة-، وإنَّما تدلّ على الضمان فقط، شأنه شأن قوله: “مَن أتلف مال الغير فهو له ضامنٌ(2)، أو “من أضرّ بطريق المسلمين شيئاً فهو ضامنٌ(3)، ليس فيها تعرّضٌ لوجوب الأداء، غايته أنَّه هناك حكمٌ عقلائيٌّ، أو شرعيٌّ، إمضائيٌّ أو تأسيسيٌّ، وهو وجوب أداء العين حال وجودها، عند المطالبة، أو بدلها عند تلفها.

إذا كان الأمر كذلك فنقول: إنَّ إطلاق (على اليد…) يقتضي أنَّ الإنسان إذا وقعت يده على أيّ مال فهو عليها، إنَّما خرج عن هذا الإطلاق -إمَّا انصرافاً أو تقييداً- الأماناتُ المالكيّةُ والأماناتُ الشرعيةُ عند عدم التفريط بها. 

فهنا يجب أن نحسب حساب (على اليد)، وحساب الأدلّة الأخرى كالإجماع وغيره، لنرى أنَّه هل ما يقوله الشيخ من أنَّ المقامَ موردٌ لقاعدة اليد صحيحٌ أو لا؟ وإذا كان موردها فهل يقيّد المقام أو لا؟

ـــــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 82..

(2) راجع ما أفاده السيّد البجنوردي في قواعده الفقهيّة 2: 25-28 حول مدرك القاعدة.

(3) تهذيب الأحكام 9: 158، باب النحل والهبة، الحديث 28، والوافي 18: 1072، الحديث 18828.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فنقول: أمَّا حساب (على اليد) من حيث كونها شاملة للمقام أو لا، فإنَّ الشيخ يقول(1): قطعاً عند وجود العينين ليست اليدُ يدَ ضمان، وقطعاً عند تلفه أحدهما وبنى الآخر على أن لا يرجع فليست اليدُ يدَ ضمان أيضاً.

 وإنَّما الكلام فيما إذا رجع أحدهما، فإنَّ اليدَ حينئذٍ يدُ ضمان، إلّا أنَّ ذلك ليس مستنداً إلى (قاعدة اليد).

[النظر فيما أفاده الشيخ الأعظم في محل البحث]

نحن يحقُّ لنا أن نسأل الشيخ: أنَّ قطعك من أين حصل؟ بأنَّ اليد ليست يدَ ضمان، هل لأنَّ المالك أجاز التصرُّف، فتكون إجازة مالكيته؟ هذا لا نقبله؛ لأنَّه ليس هناك إلا الرضاء المعامليّ لا غير، فإنّ المتعاملين على ثلاثة أقسام:

إمَّا أنَّهما غير مسبوقين بأحكام الشرع أصلاً، وجاهلَين لها أساساً.

وإمَّا أنَّهما يعرفانهما، لكنَّهما يتهاونان بها، ويُعرضان عنها.

وإمَّا أنَّهما ممن يعرف الأحكام ويوليها عنايةً خاصّةً.

أمَّا الأشخاص غير الملتفتين إلى تصرُّف الشارع في المعاطاة، فلا شكّ أنَّهم يتعاملون بالمعاطاة كما يتعاملون بغيرها من أقسام البيع، وكلَّ واحد لا يريد أن يسلِّط الآخر على ماله على أيِّ حالٍ، وإنَّما يُريد إنشاء المعاملة ولا شيء غير ذلك. 

وكذلك الذين لا يبالون بالشرع، كشخص يُطالب بثمن الخمر باعتبار ماليّته العقلائيّة، ولكنَّه لا يسرق تحفُّظاً على شرفه.

ـــــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 98، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أمَّا هؤلاء الآغايون الذين يعلمون بالمسألة ويبالون بالأحكام الشرعيّة، فهل يقولون بأنَّ المعاطاةَ ساقطةٌ أصلاً، وأنَّ وجودها كعدمها؟

 إذا كان قد قام على ذلك إجماعٌ نأخذ به، ولكنَّ الذي ترتَّب على المعاطاة هو الإباحة الشرعيّة، وهي الموضوع الذي ثبت له هذا الحكم، ولولاها لما وجِد، فإذا أردنا إحداث الإباحة الشرعيّة فلا بُدَّ أن نُحدث المعاطاة كما يُحدثها الناس في أسواق العالم، فإنَّ الشارع جعل الإباحة على هذه المعاطاة العقلائيّة، فلا بُدَّ أن نُحدِثها ليترتَّب الحكم، لا أن نجعل إباحةً من قبل أنفسنا.

بناءً عليه ليس هناك إباحةٌ مالكيةٌ من قِبَل الطرفين، وليس هناك رضاءٌ بعنوان (فليبقَ مالي عندك)، بل هو قبضٌ معامليّ نظيرُ القبض بالبيع الفاسد، غاية الأمر أنَّ الشارع حكم بعدم الملكيَّة بالإباحة. 

أمَّا الإباحة الشرعيّة الموجودة هنا، فقد قام الإجماع عليها، وبهذا المقدار يُباح لك التصرُّف، وأمَّا أنت لست ضامناً فليس فيها ذلك، فيكون حاله حال الاضطرار إلى استعمال مال الغير؛ كالعطشان الذي يجد ماءً لا يسمح به صاحبه، فهنا يجوز له التصرُّف به لكن لا مجاناً، بل مع الضمان، فالشارع حكم على هذا الموضوع الذي أحدثته بالإباحة، ولم يقل: (أعْطها له)(1)؛ لتكون أمانة متشرّعيّة.

ـــــــــــــ[220]ــــــــــ

() ظاهره أنَّ المأمور هو مَن تحت يده العين، باعتبار أنَّها إذا كانت أمانة شرعيّة يجب إرجاعها فوراً ففوراً، وليس كذلك في المقام، كما هو متسالم عليه، إلا عند المطالبة فليس أمانة شرعيّة، لا يخفى كون معنى الأمانة الشرعيّة غير الإباحة الشرعيّة المُدَّعاة في المقام، وهنا وإن لم تكن أمانة شرعيّة إلّا أنَّه توجد إباحة شرعيّة بحدود معيَّنة هي حدود المطالبة بالعين، وبذلك خرجنا عن (قاعدة اليد)، فإذا وقعت المطالبة ارتفع عموم الإباحة وشملته (قاعدة اليد)، ووجب الإرجاع كما هو معلوم، (المقرِّر).

وليس الخروج عن قاعدة اليد منحصراً بالقسمين المذكورين في المتن، وهما: الأمانة المالكيَّة والأمانة الشرعية.

بل هنا قسم ثالث كما قلنا، وهو: الإباحة الشرعية. والسيد خلط في كلامه بين القسمين الأخيرين من دون مبرِّر واضح، مع أنَّ كلّ واحد معنى مستقلّ عن الآخر كما هو واضح، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إذن فلا أمانةَ شرعيّة ولا مالكيّة، إذن فإطلاق (على اليد…) يقتضي أنَّه ضامن له.

حينئذٍ نرى أنَّ الذي يقوله الشيخ من أنَّه في حال بقاء العينين لا ضمان، وعند تلف إحداها مع عدم بناءِ الآخر على الرجوع لا ضمان، وأنَّه عند البناء على الرجوع يوجد الضمان، إلّا أنَّه خارج عن ضمان اليد، تبيّن أنَّه باطل، فإنَّ إطلاق (على اليد) المقتضي للبقاء على العهدة، باقٍ على إطلاقه، وما ثبت من الإجماع الفرضي هو أنَّه مباح له التصرُّف لما قبل الفسخ، وإذا فسخ تذهب الإباحة لا محالة، وأيضاً قام الإجماعُ فرضاً على أنَّه إذا تلفت أحد العينين، ولم يكن لذلك الطرف فيه الرجوع، ليس لازم الاداء، وإذا تلفت العينان ولم يرجع أيضاً لا يجب الأداء، وفرق(1) بين عدم الضمان وعدم وجوب الأداء، وإطلاق 

ـــــــــــــ[221]ــــــــــ

() لا فرق بينهما بعد القطع بأنّ الضمان مع عدم وجوب الأداء لغوٌ محضٌ، فهما متساوقان، أو على الأقلّ يكون العموم في طرف وجوب الأداء أو الضمان، فُيعلم سقوط الضمان عند عدم وجوب الأداء، فسقطت كل هذه النتائج التي ذكرها السيّد لدليله، فتأمّل، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 (على اليد) كان يقتضي الضمان، ووجوب الأداء حكمٌ آخر، وقد قام الإجماعُ على عدم وجوب الأداء إلا مع الرجوع والمطالبة، إلّا أنَّ الدليل دلّ على الضمان، والإجماع لم يقم على عدم الضمان؛ فالضمان ثابت.

نعم، إذا كان قد قام الإجماعُ على عدم الضمان؛ فقطع الشيخ في محلِّه، إلّا أنَّه ليس عندنا مثلُ هذا الإجماع.

[تقريب اللزوم بوجه آخر]

كان الكلام في تلف العينين بناءً على العلَّامة، وعلى الوجه الذي ذكرناه، كان يُستفاد منه لزوم المعاطاة وكون البدلية جعليّة. 

ومع غضّ النظر عنه، ذكرنا الوجه الثاني، وكان يُستفاد منه أنَّ الضمان الواقع هو ضمانُ اليد وأنَّه ضمانٌ بحسب الواقع لا بحسب البدل.

وبقطع النظر عن هذا الوجه يمكن أن يقرّب تقريباً آخر، له نفس هذا اللازم، وهو: أنَّنا بعد أن علمنا -فرضاً- أنَّ الشارع ألغى سببيّة الملكيّة، ولكنه لم يجعل سببيّة جديدة، فإنَّ ذلك يحتاج إلى دليل وهو غير موجود، ونعلم بحسب الدليل أنَّ جعلَ الإباحة القائم على رضاء المتعاملين – كما هو المنقول عن الشيخ ورضِيَه بعضهم- غيرُ صحيح، فإنَّه لا رضاء بينهما إلّا الرضا المعاملي.

يعني: أنَّ هذه المعاملة العقلائيّة التي لم يقبل الشارع مفادها، وهو: حصول الملكيّة، ورد لزومها، جعل شيئاً على هذه المعاملة وهو: الإباحة، أي: إباحة تصرُّف كلّ منهما فيما عنده من المال ما لم يفسخ. 

ـــــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وقلنا: إنَّه إذا أتى الجواز في مقابلة أصالة اللزوم، فالمقصود منه جواز المعاملة لا جواز ترادِّ العينين كما يُقال، بحيث جُوِّز الترادُّ مع بقاء المعاملة على حالها، بل مقصودهم جوازُ أصل المعاملة وإمكانُ فسخها، فكما أنَّ اللزومَ مربوطٌ بالعقد، والعقد لازمٌ، كذلك الجوازُ مربوطٌ بالعقد والعقدُ جائز.

فكان هذا الموضوع العقلائيّ جائزاً، وكان الفسخُ مؤثّراً في إزالة الإباحة، وأشك بعد التلف -مع غضّ النظر عن الإجماع الذي قد يُدَّعى على لزوم العقد على تقدير التلف- ببقاء الجواز فاستصحب بقاءه، والمفروض أنَّ العقد موضوعٌ عقلائيٌّ، وله بقاءٌ اعتباريٌّ؛ لذا نرى العقلاء يفسخون العقد بالخيار وغيره.

فإذا استصحبت الجواز أفسخ، فإذا بنينا على أنَّ الفسخَ فسخٌ من الأصل، وهذا التقريب يتمُّ على هذا المعنى، ومعناه: أنَّه من الآن تعتبر أنَّه لم يوجد العقد أصلاً، ولازمه أنَّ المنافع المستوفاة يجب إرجاعها إلى الطرف الآخر.

ومن لوازمه أيضاً أنَّ هذا التلف الذي وقع عنده، وقع به بدون إباحة، فإنَّنا إذا قلنا بضمان العين التالفة المقبوضة بالعقد الفاسد، وقلنا: إنَّ انحلال العقد يكون من الأصل، على هذه المباني نستطيع تقريب الضمان بما يلي: إنَّ ما يزيل الضمان هو إمَّا الأمانة المالكية أو الحكم الشرعيّ بالإباحة، وإمَّا برفع الضمان، وأنا حينما أفسخ وأقلع العقد من جذوره، لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ الإباحةَ الشرعيّةَ غيرُ موجودة، وأنَّه –أي: المبيع- تلف في يده من دون إباحة شرعيّة ولا مالكيّة، وهو يوجب الضمان؛ إمَّا بمثله أو قيمته الواقعيّة، وهذه كلمات على المبنى وهي 

ـــــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إنصافاً زائدة، إلا أنَّنا لا بأس أن نتعرَّض لما يقوله الشيخ.

[نقل مقالة الشيخ الأعظم وتشييدها]

يقول الشيخ: إذا تلفت إحدى العينين، وبنينا على الإباحة، فقد نقل عن الشهيد أنَّ الأصل هو عدم اللزوم؛ لأصالة بقاء سلطنة المالك على العين الموجود.

ثُمَّ يقول الشيخ: إنَّ أصالة بقاء السلطنة معارَضة بأصالة براءة ذمَّة الآخر عن المثل والقيمة الواقعيّة.

لا يُقال: إنَّه في مقابل البراءة توجد (قاعدة اليد). 

فإنَّه يُقال -وهنا يُكرِّر ما سبق أن قاله-: من أنَّه لا إشكال أنَّه حال وجود العينين ليست اليدُ يدَ ضمانٍ، وكذلك إذا لم يبنِ على الاسترجاع. نعم، إذا لم يجز فهو وإن كان ضماناً إلّا أنَّه ليس ذلك من مقتضى (قاعدة اليد).

ثم يقول: لكن يمكن أن يُقال: إنَّ استصحاب بقاء السلطنة حاكمٌ على أصالة براءة الذمَّة

ثُمَّ يقول: إنَّنا نعلم هنا بوجود ضمان ما، لكن لا نعلم أنَّه ضمانٌ بالبدل الجعليّ أو بالبدل الواقعيّ، وليس لدينا أصلٌ يحرز ذلك.

ثُمَّ يقول -وكأنّه قد رضي به-: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ قاعدة السلطنة تقتضي جواز المعاملة.

ببيان: أنَّها كما في العين الموجودة تقتضي ردَّها، كذلك في العين التالفة تقتضي ردَّ بدلها الحقيقيّ.

ـــــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ثُمَّ يقول: فتدبر(1).

[عدم تمامية ما حرره الشيخ الأعظم في المسألة]

ونحن تدبَّرنا ولم نستطع أن نرجع من هذا الكلام بمحصّل.

فإنَّه بالنسبة إلى التعارض الموجود بين أصله وأصل الشهيد صاحب (المسالك)، إذا أجرينا أصالة بقاء السلطنة، ونقّحنا بها أنَّه مسلَّطٌ على هذه العين بالاسترجاع، فلازمه أنَّ ذاك الشخص الآخر له اشتغال الذمَّة بالبدل الواقعي مثلاً أو قيمةً. 

والشيخ بعد أن بنى على أنَّ اليد ليست يدَ ضمانٍ، وأنَّ المورد ليس مورداً لقاعدة اليد، فأيُّ شيء عندنا لإثبات الضمان في المقام؟

فإنَّه بعد فرض أنَّ هذه المعاملة العقلائيّة المنتجة للملك والتملّك قد أُلغيت من قبل الشارع، وقد جعل الإباحة هنا. 

وأيُّ ملازمة بين جعل الإباحة وبين كون العمل على الإباحة سبباً موجباً للضمان؟ 

إذن، فعلى مبناه لا قاعدة يد عندنا ولا ملكيّة، فهذه عينٌ ليست ملكاً لي، وقد أباح لي التصرُّف فيها، وقد تلفت تلفاً سماويّاً، وأمَّا تلك العين فهي موجودة عنده ولا زالت في ملكي، فإذا ذهبت لأخذها فهل يصحُّ له أن يقول: إنَّك ضامنٌ؛ فلا أعطي هذه العين إلّا إذا أعطيت تلك العين أو بدلها؟ 

ـــــــــــــ[225]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 98، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

هذا إنَّما يتمُّ إذا كان العمل عقلائيّاً تامّاً، بل إذا كان عقلائيّاً تامّاً لا يجوز له الرجوع حينئذٍ أصلاً. 

ومع غضّ النظر عن (قاعدة اليد) ليس هناك أيُّ دليل على الضمان. والردُّ أي: الفسخ، يرفع موضوع حكم الشارع بالإباحة، فإنَّه إنَّما حكم بالإباحة على هذا العمل، فإذا بطل بالفسخ يرتفع موضوعها، لكن هذا لا يوجب ثبوت الضمان؛ لنقول: إنَّه عندنا قطعٌ بأحد الضمانين.

وإذا لم يكن هناك ضمانٌ، نقول: إنَّ سلطنته على استرجاع العين موجودة، من دون تحقّق الضمان، إذن لا تنافي بين الأصلين، وإنَّما يوجد التنافي بينهما بعد العلم بوجود ملازمة بين سلطنة هذا الشخص وضمان الآخر، حينئذٍ يكون استصحاب السلطنة معارضاً لأصالة براءة الذمَّة، ولكن إذا لم يكن لنا دليلٌ على الضمان، فلا تنافي بينهما؛ لنقول بتعارضهما.

على تقدير فرض كونِهما متنافيَين فهل المراد من استصحاب السلطنة استصحاب الرجوع بالعقد، أو المقصود استصحاب سلطنته على المال؟ وكِلاهما لا يمكن(1).

نعم، يمكن بهذا المقدار أن يقال: إنَّ لي أن أمنعه من التصرُّف، فإذا شككت في جواز المنع أستصحبه. وهذا لا ربط له ببراءة الذمَّة حتَّى يكون حاكماً عليها.

نعم، هما لا يجتمعان، فنعلم إجمالاً بوجود أحدهما وانتفاء الآخر على أيِّ حالٍ.

ـــــــــــــ[226]ــــــــــ

() ولم يذكر السيّد وجهاً فنياً محدداً لبطلان ذلك، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا ما يقوله الشيخ: من أنَّنا نُتمِّم هذا المطلب بقاعدة السلطنة.

نقول: كيف يمكن أن يكون موضوع “الناس مسلّطون على أموالهم” معدوماً؟ فهل تقول: إنَّ الشارع أخذ موضوع هذه القاعدة هو ماهيَّة المال مجرّداً عن الوجود الخارجي، أو لا! فإنَّ الماهيّة ليست مالاً وليست قابلة للتسليط. 

وأمَّا إذا قلت: إنَّ المال هو ما يُبذل بإزائه المال، والشيء المضمون يُبذل بإزائه المال. 

نقول: غاية مفاد (الناس مسلطون…) في المقام هو أنَّها تجعلني سلطاناً على المطالبة، لكنَّ المفروض أنَّه لا دليل على الضمان، وإنَّما نريد أن نُتمِّمه بهذه القاعدة، فالأمر غير المضمون على الشخص لا يمكن جعل هذه القاعدة دليلاً على تماميته.

لا يقال: إنّه كما قلنا في قاعدة (على اليد): إنَّ مفادها لزوم ردِّ نفس العين عند وجودها، أو ردِّ بدلها عند عدمها وتلفها. 

فهنا أيضاً نقول: إنَّ قاعدة (الناس مسلطون…) تجعلني مسلَّطاً على استرجاع نفس المال إذا كان موجوداً، وبدله إذا كان مفقوداً. 

فإنّا نقول: إنَّه في (على اليد) أيضاً ليس كذلك، بحيث تفيد قاعدة (على اليد) معنيين طوليين: أنَّه ما دامت العين موجودة فأنت ضامن لها، وبعد التلف أنت ضامن لبدلها، بحيث إنَّها تُجعل ضماناً طولياً، فإنَّها لا تدلّ على أكثر من البقاء على العهدة. 

ـــــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإذا كانت العين باقية، فهي التي على العهدة ويجب ردُّها بنفسها. 

وأمَّا إذا كانت تالفة فنفس العين أيضاً باقية في الذمَّة، ولا بُدَّ من تفريغ الذمَّة بشكل عقلائيّ أو شرعيّ، وليس ذلك إلا بدفع المثل أو القيمة. 

وبناءً على القول الآخر، وهو: أن يكون معناها معنى تعليقيّاً، يعني: إذا تلفت العين فأعط البدل، فمن الأوَّل معناها ضمان البدل، كقوله: (مَن أتلف مال الغير فهو له ضامنٌ).

ففي قاعدة السلطنة أيضاً ليس كذلك، بحيث إنَّ معنى “الناس مسلّطون على أموالهم“، هو: أنَّك مسلَّط على هذه العين، ما دامت موجودة، فإذا تلفت كنت مسلَّطاً على مثله إن كان مثليّاً أو قيمته إن كان قيميّاً، فإنَّها لا تدلّ على أكثر من جعل السلطنة على المال، والمفروض أنَّه لا دليل على العهدة في المرتبة السابقة، وإنَّما نريد أن نجعل وجوبَ ردِّ البدل بهذا الدليل، وهو الأهمُّ، هذا راجع إلى تلف أحد العينين.

ما إذا كان أحد الطرفين عيناً والآخر ديناً 

إذا وقع بيعُ المعاطاة بين عينٍ خارجيّ، والدين الذي في ذمَّة الطرف الآخر. 

بناءً على صحّة مثل هذه المعاملة، إمَّا لكون هذا بنفسه نحواً من التعاطي، أو لكفاية التعاطي من طرف واحد، ونتيجته أنَّ ما في ذمَّة الطرف يسقط، على الخلاف من أنَّه سقوط ابتدائيّ أو سقوط بعد مالكيّته، ممَّا لسنا الآن بصدده، وإنَّما بعد تحقّق المعاملة والسقوط هل يمكن أن يرجع صاحب العين بعينه، أو 

ـــــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الدين بدينه، ويفسخ المعاملة، ويعود المال إلى الذمَّة، أو لا؟

بالنحو الذي به نحن تمّمنا المسألة، وهو أنَّ المعاطاة صحيحة وتفيد الملك، فيسقط ما في الذمَّة، قلنا: إنَّه بناءً على إفادتها الملكيَّة فإنَّ إطلاق أدلّة اللزوم تقتضي لزومها، غايته خرج عن هذا الإطلاق مقدارٌ من الزمان، وهو زمان كانت فيه العين محفوظة في الخارج، وإذا سقط ما في الذمَّة فليس عندنا إجماعٌ على الجواز في هذه الصورة، ومقتضى إطلاق أدلّة اللزوم هو الاقتصار على القدر المتيقّن من الجوز ومن التقييد لها.

[بسط الكلام في المقام]

وهذا من التمسّك بإطلاق هذه الأدلّة لا بعمومها على تفصيل سبق. 

والأغايون كلّ منهم تشبَّث بشكل آخر. 

أمَّا الشيخ(1) فقد قال بشكل مبهم: إنَّ الساقط لا يعود، ويُحتمل العود، وهو ضعيف. 

والسيد قال: بل لا وجه له(2).

وبعضهم(3) تمسَّكوا ببعض الوجوه العقليّة، وذلك أنَّه أفاد: أنَّ من يريد أن يرجع بماله هل يرجع حينئذٍ شخصَ ما وقعت عليه المعاطاة؟

ـــــــــــــ[229]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 99، تنبيهات المعاطاة، الأمر السادس. 

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 82. 

(3) إضافته إلى الذمّة وإلى المالك وغير ذلك من أنحاء الإضافة، (توضيح)، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

المفروض أنَّه قد سقط، وقد كان تشخُّصه بالإضافات، وإذا سقط لا يمكن عوده؛ لأنَّه من إعادة المعدوم، وهو من الممتنعات.

أو يُقال: إنَّ الذي يرجع هو الملكيَّة لا الشخص، فهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنَّنا وإن كُنَّا في العين الخارجيَّة إذا تلفت نقول بإمكان اعتبار ملكيتها، وعند الفسخ بالخيار ينتج أنَّه يعود هذا الملك الاعتباريّ.

وأمَّا أمر السقوط فهو أعظم من أمر التلف، فإنَّ اعتبارَ السقوط من الذمَّة اعتبار الثبوت فيها، اعتباران متنافيان، ففي المرتبة السابقة عن الردِّ لا بُدَّ أن يُعتبر الشيء ملكاً ليعود، ولا يمكن اعتبار الشيء الساقط -قبل الردّ- ملكاً للغير.

[تحقيق وتأصيل في المقام]

لنا مرَّة كلامٌ عقليّ، وأخرى كلامٌ عقلائيٌّ في باب المعاطاة؛ لنرى أنَّه إذا وقعت مثل هذه المعاملة، ووقع الفسخ هل يقيم العقلاء العزاء على اعتبار أنَّ هذا قد سقط، والمعدوم لا يعود؟

أوَّلاً: الكلام العقليّ: هل صحيح ما يقوله أو لا؟

نقول نقضاً: إنَّه إذا كان البناء على ما يقوله الآغايون، من أنَّ الشيء الذي في الذمّة متشخِّص بالإضافات، فهل هذه الإضافات من الإضافات التي تقولونها (من الإضافات الواقعية)، أو هذا مورد الاعتبار؟

أمَّا كونها واقعيّة، فالظاهر لا أنتم ولا نحن نقبله، فإنَّه بلا إشكال المورد من موارد الاعتباريّات، وبقطع النظر عن اعتبارات العقلاء لم يحدث في العالم إحدى الحقائق. 

ـــــــــــــ[230]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإذا قلتم: إنَّه من الأمور الاعتباريّة. 

قلنا: إذا كان في ذهننا شيءٌ اعتباراً، ثُمَّ نسيناه نسياناً مطلقاً وغفل العقلاء عنه، فالاعتبار غير موجود حينئذٍ، فإذا تذكرناه مرَّة أخرى فهو اعتبار جديد حادث غير الأوَّل؛ لأنَّ المعدوم لا يعود، وهذا الاعتبار الجديد قد حدث من دون سبب جديد للضمان، فالأوَّل سقط والثاني لا موجب له.

فإذا اقتصرنا على المسألة العقليّة، لزم سقوط المعتبَر بنسيان الاعتبار، وينتج عدم وجوب أداء الدين السابق؛ لخلوّ الذمَّة منه على الفرض.

إلّا أنَّنا يجب أن نحسب حساب أصل المطلب: فإنَّه في المعاطاة وفي غيرها من الديون، ما هو الذي يأتي في العهدة، وما هو الذي تقع عليه المعاملة، هل تقع المعاملة على موجود متشخّص ومتحقّق في عالم الذهن، أو في ذمَّة زيد، بحيث إنَّه متشخّص بالإضافات والاعتبارات؟ إذا وقعت المعاملة على ذلك بحيث كان مشروطاً بكونه في الذمَّة، فهو غير قابل للتحقّق في الخارج، فيكون البيع باطلاً؛ لأنَّه غير قابل للتسليم، إذن فالبيع لا يقع على هذا، بل يجب أن نبحث عن شيء قابل للتحقّق والانطباق في الخارج؛ لتقع المعاملة عليه.

فحين نقول: (الإنسان قابل للصدق على كثيرين)، ما هو الذي جعلته موضوعاً للحكم بالصدق على كثيرين، وهو حكم صادق؟ هل الموضوع هو عبارة عن ذلك الشيء الموجود في الذهن؟ لا. أو هو المعدوم؟ فالمعدوم غير قابل للتصور. 

وإنَّما الموضوع هو الطبيعة، غايته أنَّك إذا لحظت الطبيعة فإنَّها توجد 

ـــــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بلحاظك، والملحوظ لك هو نفس الطبيعة لا الطبيعة الملحوظة، ويستحيل أن تلحظ الطبيعة بما هي ملحوظة إلا بلحاظ آخر، فالشيء الذي تلاحظه بهذا اللحاظ هو نفس الطبيعة مع غضّ النظر عن الجزئيَّة الذهنيَّة، وحينئذٍ تكون قابلة للصدق على كثيرين، فتحكم عليها حينئذٍ بالصدق على كثيرين. أو أن الطبيعة بما هي هي ليست إلّا هي.

وكذلك العدم، فإنَّه باللحاظ صار موجوداً، ولكن هذا اللحاظ ليس ملحوظاً لك، بل بما أنَّك غافل عن هذا اللحاظ تراه معدوماً؛ لذا نقول: (المعدوم لا يُخبر عنه). وغيرك إذ لاحظ الماهيّة التي في ذهنك يراها موجودةً، فلا يستطيع الحكم عليها بالصدق على كثيرين، أو إنَّه لا يخبر عنه.

مثل هذا هو المبيع، وما هو في العُهدة شيء مثل هذه الماهيّة، فإنَّه إذا باع حِملاً من الحنطة بعشرة دراهم، فإنَّه لا يلاحظ غير الحمل من الحنطة، مع غضّ النظر عن وجوده الخارجي أو وجوده الذهني، فإنَّه ليس وجوداً في الخارج؛ لأنَّ البيع وقع على كلِّيّ على الفرض، ولا متشخّص في الذهن؛ لأنَّ ما هو متشخّص فيه غير قابل للتشخُّص في الخارج، ولا يُبذل في مقابله المال، بل المبيع هو مَنٌّ مِن الحنطة، وهو قابل للأداء، ويُبذل بإزائه المال، فما هو في الذمَّة هو العشرة دراهم، لا العشرة المضافة إلى كذا وكذا.

وهذه العشرة دراهم تبقى ثابتة ومحفوظة مهما تغيَّر اللحاظ؛ لأنَّ مثل هذه الطبيعة لا محدِّد لها لكي تتعدَّد وتتكثَّر، فإنَّك إذا تصوَّرت ماهيَّة الإنسان، ثُمَّ غفلت عنها، ثُمَّ تصوَّرتها مرَّة أخرى، فتصوُّرك في كِلا الوقتين شيء واحد. 

ـــــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نعم، لو لحظت وجودهما في الذهن لاختلف المتصوَّر، ولكنَّ لحاظك لم يتعلق بها بما هي موجودة في الذهن، بل بنفس الماهيَّة، فإذا رجع التصوُّر إليها فهي نفس الطبيعة، فإنَّه لا محدِّد لها لكي تتعدَّد، فلو تصوَّرها آلاف الناس تكون هي نفس الطبيعة.

فالتخيُّل بأنَّ ما في الذمَّة سقط والمعدوم لا يرجع، خلطٌ بين ما يأتي في العهدة ويحكم عليه من الطبائع، وبين وجود الشيء المتشخّص في الذهن أو الخارج، فإنَّه مع هذا الخلط تأتي مسألة إعادة المعدوم. 

وأمَّا إذا ارتفع الخلط، فإنَّه إذا غفل المعتبرون وهلكوا، ثُمَّ عادوا واعتبروا، فإنَّهم يعتبرون نفس ذلك الدين، مهما تكثَّر الاعتبار، فإنَّ المعتبر ليس له جهة مكثِّرة.

فطرف المعاملة في المعاطاة وهي عهدتي، هي عشرة دراهم، لا عشرة دراهم في العهدة، فإنَّ العهدة بمنزلة المخزن، غايته أنَّها مخزن اعتباريّ، وأنا أبيع حِمْلَ حنطة لا حِمْلَ حنطة في المخزن، فإنَّه لا شيء غير حِمْل الحنطة، فإذا قلنا إنَّه يسقط بإجراء المعاملة، فإنَّه إذا فسخت يعود في الذمَّة، تعود نفس الطبيعة التي كانت في العهدة، لا أنَّه شخصٌ انعدم ويعود بعد العدم، فإنَّ هذه الطبيعة مهما غفل عنها الإنسان فإنَّها تبقى بنفسها.

بناءً عليه، فعلى المسلك العقليّ للمسألة فإنَّها غير صحيحة، بالإضافة إلى أنَّك تجشَّمت مسلك العقل في مسألة ليست عقليّة، بل لا بُدَّ أن ننظر فيها إلى سوق العالم، إذا باعه حِمْلَ حنطة بعشرة دراهم كانت في ذمَّته، وبعد ذلك رأى 

ـــــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أنَّه مغبونٌ، فهل يقول العقلاء (اي داد بي داد)(1) إنَّ هذا قد تلف، والمعدوم لا يمكن إعادته، أو إنَّ هذا كلام سطرته في المدرسة؟ أمَّا العقلاء فكانوا يجرون مثل هذه المعاملة قبل أن توجد أنت بآلاف السنين، وكانوا يطالبون بعد الفسخ بإعطاء الدراهم العشرة.

ومن الإشكالات أنَّهم أدخلوا نظر العقل في هذه المسائل، مع أنَّها يجب النظر إلى السوق فإنَّنا تابعون إليه، والشرع تابع في ذلك إلى السوق أيضاً، ولا يمكن حلُّ المسالة على وجه عقليّ.

والنائيني له إشكال عقليّ عقلائيّ نتعرَّض له إن شاء الله تعالى.

[تحرير مقالة المحقق الأصفهاني]

كلام المرحوم الشيخ محمد حسين الأصفهاني بقي ناقصاً:

يقول(2): إذا كان المراد بالترادّ ترادّ الشخص، فهذا ممتنعٌ للزوم تخلِّل العدم بين الشيء ونفسه، وهو المحذور الذي يُقال في باب إعادة المعدوم.

ثُمَّ يقول: قد يشكل بأنَّه إذا حكمنا بإعادة الشخص لزم المحذور، لكنَّنا نعتبر مثله، وهو أمر لا بُدَّ أن يكون دائماً حتَّى في حال وجود العينين؛ لأنَّ الملكيَّة من الأمور المتشخّصة بالإضافات والأطراف، فإذا ذهبت الملكيَّة وعادت فالملكيّة الجديدة مثلها وليست هي بعينها، فهنا لا بُدَّ أن نقول بعود المثل، لكنَّنا نعتبر أنَّه هو بحسب الاعتبار، فهو عودٌ له بحسب الاعتبار.

ـــــــــــــ[234]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: أعطى بدون إعطاء.

(2) راجع حاشية كتاب المكاسب 1: 219-221، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإنَّه يُقال: إنَّ هناك فرقاً بين الموردين، فإنَّ الشيء الذي يُردّ لا بُدَّ أن يكون باقياً ليصدق عليه أنه ردّ في الملكيّة، والعين الخارجيّ موجودة، واعتبار الملكيَّة عليه لا مانع منه، فبحسب الدقّة، وإن كان هذا اعتباراً آخر، إلّا أنَّه بحسب غير الدقّة هو عينه؛ فيصح.

وهو يفترق عن المقام، بأنَّه في المقام قد سقطت العين من عن الذمَّة، والشخص كما أنَّه لا يمكن أن يملك في ذمَّته تارةً أخرى عينه، كذلك مثله، فما دام اعتبار البقاء لا يمكن فلا يمكن الرجوع والفسخ.

ثُمَّ يقول بعد ذلك: وإذا كان المراد من (الترادّ) الترادّ بالملكية لا الشخص، فكما في موارد الفسخ عند تلف العينين بكون الترادّ بالملكية، كذلك هنا إذا سقط ما في الذمَّة بالمعاطاة، فعند الرجوع يكون ترادّ بالملكية، ويجيب عن ذلك(1): أنَّه لا يمكن أن نقيس السقوط على التلف، فإنَّ السقوط أعظم من التلف، فإنَّه هناك يمكن اعتبار الملك، والعين التالفة يمكن أن يقال إنَّها ملكٌ باقٍ، فنعتبر قبل الرجوع رجوع الملكيّة، ليقع الفسخ على الملكيّة، وأمَّا هنا فإنَّ ما في الذمَّة ساقط، وهناك تسالم على أنَّه لا يرجع إلا بالفسخ، واعتبار السقوط واعتبار الثبوت متنافيان فهذا لا يكون مثل باب التلف.

[التأمل في مقالة المحقق الأصفهاني وبسط الكلام فيها]

قلنا: إنَّ المسألة ليست ذاك ولا هذا، ليست ردّاً للشخص ولا ردّاً للمُلك ابتداء، وإنَّما فسخ المعاملة وردُّ ماهيَّة عين الشيء الذي وقعت عليه المعاملة. 

ـــــــــــــ[325]ــــــــــ

(1) راجع حاشية كتاب المكاسب 1: 220-221، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وذلك؛ لأنَّ التكثُّر في الماهيّات: إمَّا أن يكون بسبب القيود التي يضيفها الإنسان في نفسه إليها، فتكون بها حصصاً متعددة، كالإنسان الأبيض والأسود، أو بواسطة الوجود الخارجي، أو الذهني لو لوحظ.

 وأمَّا إذا لم تُضمّ إلى الماهيّة القيود وليس لها وجود، فالماهيّة ذاتها بذاتها لا يمكن أن تتكثَّر، والمعاملة هنا لم تقع على الشيء بما أنَّه موجودٌ في ذمته ومتشخّص بالتشخُّصات الاعتباريّة، فإنَّ هذا لا يمكن أن تقع عليه المعاملة؛ لامتناع وجوده في الخارج. 

وإنَّما الشيء الذي يوافق العقلاء على شرائه في سوق العالم هو حِمْلُ الحنطة من دون قيد، أو بقيد للكلِّيّ كحنطة النجف، لا القيود الراجعة إلى الذهن والذمَّة، فإنَّها غير مربوطة بالمبيع، وإنَّما هي مشخّصات للمحكوم، ولكنَّ الحكم ينصبُّ على الملحوظ دون اللحاظ.

والطبيعة لا تتعدَّد بتعدُّد تصوُّر الأشخاص لها، أو تعدُّد تصوُّر الشخص الواحد، ولذا لو كان لك في ذمَّة (زيد) عشرة دراهم، وكان لك في ذمَّة (عمرو) مثلها، فإنَّ هذه عشرة الدراهم صادقة على كثيرين بالنحو الذي تلك العشرة صادقة عليه؛ لذا فأيُّ مصداق أعطاه لأيٍّ منهما فإنَّه يفي به(1).

ـــــــــــــ[236]ــــــــــ

() هذا على إطلاقه غير صحيح، فإنَّ ما يمكن إيفاء الدين به هو المال المملوك دون المال المغصوب لا محالة، ففي المقام لو كان لي على ذمَّة زيد عشرة دراهم، وعلى ذمَّة عمرو مثلها، فإنَّ بين مصاديق هذين الكلِّيّين تبايناً لا محالة؛ لأن ما يجب أن يدفعه زيد لي هو عشرة دراهم مقيّداً بكونه ملكاً له، وما يجب أن يدفعه عمرو لي هو عشرة مقيّداً بكونها له، والمال لا يكون ملكاً لاثنين دفعة واحدة.

أمَّا العكس، وهو: ما إذا في ذمّتي لزيد عشرة دراهم ولعمرو مثلها، فهنا يمكن أن يصدق ما يقوله السيد؛ لأنِّي أستطيع أن أفي كلّاً منهما بأيّ عشرة أملكها، فيتصادقان على نحو واحد.

نعم، لو أعطيت أحدهما عشرة دراهم فإنَّه يملكها وتخرج عن ملكي، فلا أستطيع أن أوفي بها دين الآخر؛ لأنَّها فاقدة لشرط الملكيّة. وهذا هو واقع النحو من التعيين الذي أشار إليه السيد، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نعم، لو أعطى مصداقاً لأحدهما، فإنَّه يكتسب نحواً من التعيّن، بحيث لا ينطبق الآخر على ما أعطاه.

فلو وقعت معاملة على ما في ذمَّة (زيد)، وسقط ما في ذمَّته بالمعاملة إمَّا ابتداءً أو بعد ملكيته لها، على الاختلاف في المشرب، ثُمَّ فسخ، فنفس تلك عشرة الدراهم التي كانت في ذمَّة (زيد) وسقطت بالمعاملة، تعود إلى ذمَّته، لا أنَّ ذلك الشخص يعود ليلزم وجود الفاصل العدمي بين الشيء ونفسه، فإنَّ المورد ليس ملحوظاً بما هو ملحوظ، فإنَّ الماهيّة وإن لم يكن لها وجود بغير اللحاظ، وبه توجد، ولكن المحكوم عليه بالصدق على كثيرين، ليس هو الماهيّة المتصوَّرة، بل نفس الماهيّة، والماهيّة إذا تصوَّرتها ألف مرَّة فإنَّها هي بنفسها.

ففي العقل والعرف والسوق هذا ثابت، وأنّه نفس ما كان في الذمَّة يعود، والعقلاء يطالبون بعشرة الدراهم.

وأمَّا بالنسبة إلى ما ذكره في الشقِّ الثاني من كلامه، إذ قال: إذا كان المقصود هو الترادّ في الملكيَّة ففيه فرق عن مورد التلف؛ لأنَّه هناك يمكن اعتبار الوجود 

ـــــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والملكيَّة قبل الرجوع، لكي يقع الرجوع والفسخ على ملكي. وأمَّا هنا فلا يمكن -بعد سقوط ما في ذمَّة هذا الشخص- أن نعتبر في حال اعتبار السقوط أن الثبوت للغير.

نقول: نحن لا نريد اعتبار الثبوت للغير، فإنَّنا بعد أن بِعنا العين، وأصبحت مُلكاً لذاك وتلفت عنده، فهنا تقولون: إنَّه إذا رجع لا مانع من أن نعتبر العين ملكاً له؛ ليقع الفسخ عليها، وحيث إنَّها غير موجودة فيأخذ مثلها أو قيمتها، فإذا كان هذا الأمر هناك تامّاً فهو هنا تامّ أيضاً. 

فإنَّنا نقول: إنَّه قبل الرجوع لا بُدَّ أن يعتبر ما في ذمَّتي مُلكاً لي، وبالفسخ يصبح هذا المملوك لي ملكاً للفاسخ، لا أنَّنا قبل الرجوع لا بُدَّ أن نعتبر ما في ذمَّتي ملكاً للغير؛ ليقال إنّ الثبوت في الذمَّة للغير والسقوط عنها متنافيَان.

وبيان ذلك: كانت ذمَّتي مشغولة (لزيد) بعشرة دراهم، ولكنّها سقطت بالمعاوضة بحِمْلِ الحنطة؛ لأنِّي أصبحت مالكاً لهذا الحِمْلِ فسقط ما في ذمتي: إمَّا ابتداءً أو بعد الملك على الخلاف. فهنا إذا أردت أن أفسخ، فمن يقول في الفسخ بأنَّه لا بُدَّ من اعتبار الملكيَّة للعين التالفة؛ لكي تعود من ملكه إلى ملك الآخر؛ يلزمه أن يقول هنا هكذا: إنَّنا نعتبر حِمْلَ الحنطة الذي تلف في يدي ثابتاً في ذمَّتي مُلكاً لي، وبالفسخ ينتقل ما كان مُلكاً لي ويصبح مُلكاً لغيري، لا أنَّنا قبل الفسخ نعتبره ملكاً للغير.

فهذه فلتة من قلمه الشريف، فإنَّه يقول: إنَّنا لا بُدَّ أن نعتبر ما في الذمَّة ملكاً للغير! على حين أنَّنا تسالمنا على أنَّه ساقط.

ـــــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

غايته يبقى إشكال، أنَّه لا يمكن أن يملّك الإنسان ما في ذمَّته(1)، فإذا لم يكن مانعٌ من المالكيّة، فهناك في مسألة التلف اعتبرت المالكيّة مقدّمة للسقوط، وهنا نعتبر المالكيّة مقدّمة للفسخ، وبالفسخ يصبح ما أملكه في ذمَّتي للآخر. 

أمَّا قوله: إنَّه لا بُدَّ أن يكون ملكاً للغير، ولنا تسالم على أنَّه قبل الرجوع ليس ملكاً للغير، لم نفهمه، إلّا أنَّه طغيان من قلمه. على أنَّه يستحيل ذلك، ويستحيل اشتغال الذمَّة للغير مقدّمة للفسخ، فإنَّ ملكيّة الغير لِما في الذمَّة فرع الفسخ ومترتِّب عليه، فكيف يمكن اعتباره قبله؟ فما هو مقدّمة للفسخ هو مالكيّتي لِما في ذمَّتي، وهو في وقت لا وجه له ولم يكن يعتبرونه، وفي وقت أصبح له وجهٌ اعتبرناه، فإذا كان اعتبار(2) المعدوم لا إشكال فيه فاعتبار الكلِّيّ أهون منه.

ثم ماذا يريدون من اشتغال ذمَّة الإنسان لنفسه؟ إذا كان المقصود صيرورة الإنسان دائناً لنفسه؛ فهذا نسلّم بامتناعه، ولكنَّ ملكيّة الإنسان لِما في ذمَّة نفسه ممكن وصحيح، وهذا أمرٌ -معنى- غير الأوَّل كما هو واضح، غاية الأمر أنَّ ملكيّة الكلِّيّات تفترق عن ملكيّة الأعيان، افتراق ملكية النقد عن ملكيّة غطائه من الذهب، فملكيّتها ليست ملكيّة مالين، وإنَّما هما مال واحد؛ هو الغطاء نفسه، والنقد ظل من ظلاله. ولذا لو كان عندهم عشرة آلاف دينار(3) ذهباً، 

ـــــــــــــ[239]ــــــــــ

() وكان السيّد يميل إلى إمكان ذلك، مستشهداً بمورد تلف العين التي يحكمون فيها باعتبار الملكيَّة قبل الفسخ. (المقرِّر).

(2) يشير إلى العين التالفة، (المقرِّر).

(3) يعني النقد وغطاءه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وعشرة آلاف دينار ورقاً، لا يمكن أن تُعرض في السوق على أنَّها عشرون ألف دينار، ولا يبذل العقلاء بإزائها أكثر من عشرة آلاف فلساً واحداً، وإنَّما يشتري النقد مقدّمة للاستفادة من غطائه.

كذلك الحال في بيع الكلِّيّ وبيع العين الخارجيّة، فإنَّنا إنَّما نشتري الكلِّيّات باعتبار كونها ظلاً للواقع، فلذا لو كنت مالكاً لعشرة آلاف دينار، وأردت أن تعقد معاملة بمئة ألف، فلا قيمة لها عند العقلاء.

كذلك الحال في الكلِّيّ، كما لو لم أكن أملك إلا حِمْلاً واحداً من الحنطة، وأردت بيعه مع حِمْلٍ كلِّيّ آخر، لا يبذل بإزائه المال ولا يشترونه، نعم ما دام الخارج مملوكاً يمكن أن يُباع، فملكيّة الإنسان لذمَّة نفسه صحيح، إلّا أنَّه ظِلٌّ للخارج، من قبيل النقد بالنسبة إلى غطائه.

فاشتغال ذمَّة الإنسان لنفسه، بمعنى كونه دائناً ومديناً، وإن كان غير صحيح، إلّا أنَّ ملكيّته للكلِّيّ في ذمَّة نفسه صحيح وعقلائيّ وواقع، فلا إشكال في المقام لا عقليّاً ولا عقلائيّاً، بل لا مجال للاستدلال العقليّ في المقام، وما قلنا إنَّما هو على المباني من عدم جواز إعادة المعدوم، ولم نذكره على أنَّنا اخترناه.

كلام للمرحوم النائيني ومناقشته

المرحوم النائيني بعد أن ذكر وجهاً لجواز الرجوع ووجهاً لعدم جوازه، اختار عدم جواز الرجوع، وهو: تارةً يستدلّ على ذلك بعدم وجود الدليل على جواز الرجوع. وأخرى يذكر إشكالاً ثبوتيّاً عليه، وعدم الدليل في نظره أيضاً لإشكال ثبوتي.

ـــــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يقول: إنَّ تملّك ما في ذمَّة الغير وإن كان ممكناً، إلّا أنَّه محتاجٌ إلى موجب، فإنَّه ليس كلّ ممكن ثابتاً، فلا يكفي مجرّد إمكان التملُّك في إثباته(1)، فهو فرع أن يملك وملكيّته فرع أن يمكن له الرجوع وهذا دور.

وبعبارة أخرى: أنَّنا إذا كان لنا دليلٌ مفروغٌ عنه في ثبوت جواز الرجوع، كما كان عندنا في الخيار، لقلنا كما قلنا هناك: إنَّه بعد الفسخ يرجع إلى المثل أو القيمة لاستحالة الرجوع بالعين. 

فهنا نقول: إنَّ الرجوع بما في الذمَّة وإن كان محالاً؛ لاستلزامه إعادة المعدوم، إلّا أنَّه يرجع بمثله أو قيمته، ولكن حيث إنَّه هنا لا دليل لدينا فالرجوع به بلا دليل.

الآن نقرِّر ما يمكن أن يُقال تقريباً للدور: إنَّ مراده من الملكيَّة ملكيّة التملك لِما في ذمَّة الغير، لا ملكيّة ما في ذمَّة الغير. 

فيُقرّب الدور: بأنَّ ملكيُة تملُّك ما في ذمَّة الغير موقوفٌ على إمكان الرجوع، فإنَّه إذا لم يكن لي الرجوع لمَا كنت مالكاً للتملُّك في ذمَّة الغير، وإمكان الرجوع متوقّفٌ على أن أكون مالكاً للتملُّك في ذمَّة الغير وهو دور، وإلا لو قلنا بأنَّ معناه الملكيَّة الفعليّة لِما في ذمَّة الغير؛ فإنَّ تقريب الدور لا يتمّ.

ثُمَّ يُقرّب هذا المعنى: وهو أنَّه إذا كان الاعتبار ثابتاً فلا إشكال، لكنَّ الإشكال في إثبات الخيار بمثل هذا الكلام.

ـــــــــــــ[341]ــــــــــ

() هذا عين عبارته، راجع ص89 من التقريرات، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نقول: إنَّه لا يتوقَّف أحدهما على الآخر، بالنحو الذي يُقال باستحالته في الدور، بل هما -يعني: ملكيّة التملُّك لِما في ذمَّة الغير، وإمكان الرجوع- يثبتان في الوقت الذي يكون عندنا دليلٌ على الخيار، وينتفيان إذا لم يكن لنا دليلٌ عليه، فهما معاً فرع ثبوت الخيار. أمَّا التوقُّف والتقدُّم والتأخُّر الرُّتبي فغير موجود، فلا بُدَّ أن نرى أنَّه هل عندنا دليلٌ على جواز هذه المعاملة، وعلى الفسخ أو لا؟

فيعود الكلام إلى مقام الإثبات والدلالة، لا إلى مقام الامتناع العقليّ، وترجع دعوى عدم إمكان الرجوع إلى دعوة عدم وجود الدليل عليه.

أمَّا نحن الذين أثبتنا بدليل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لزوم المعاملة؛ فلا إشكال.

وأمَّا أنتم الذين لا تعملون في هذه الموارد بالعموم، وإنَّما تقولون باستصحاب حكم المخصّص، كما يذهب السيدإليه في الأصول على ما أتذكَّر، فحين كانت(1) العينان موجودتين، كانت هذه المعاملة جائزةً، للإجماع القائم على ذلك، فحين تلفت أحدى العينين أشكّ بارتفاع الجواز، فاستصحب بقاء الجواز.

نعم، لو كان لكم دليلٌ عقليٌّ على الامتناع، فالاستصحاب والدليل الاجتهاديّ لا يقاومه لا محالة. 

أمَّا لو كان كلامكم حول عدم الدليل على جواز الرجوع، فالاستصحاب 

ـــــــــــــ[242]ــــــــــ

() يلاحظ أنَّ مورد الكلام هو صورة كون طرف المعاملة هو: عين من جهة، ودين من جهة. وكلامه هذا خارج عن مورد الكلام على ما سوف يذكره بنفسه بعد قليل، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

جارٍ، فإنَّنا قلنا عندما قال الشيخ: إنَّ ترادَّ العينين غير ممكن، قلنا: إنَّ الترادَّ الخارجيّ وإن كان غير ممكن، إلّا أنَّ المدار هو الترادّ الاعتباريّ وهو ممكن، ويكون بحلِّ المعاملة، فالمعاطاة كسائر العقود، فكما هناك إذا كان لي خيارٌ فأستطيع أن أحلَّها بالخيار، فالجواز الحكميّ أو الحقِّيّ في المعاطاة ثابتٌ، وموضوعه هو هذا العقد، وقد كان الجواز قبل التلف ثابتاً، وأشك بانتفائه بعده؛ فاستصحب بقاء الجواز.

وبعد الاستصحاب يحصل كِلا المعنيين: أنَّني مالك للتملّك في ذمَّة الغير وجواز الرجوع، إلّا أنَّه يرجع إلى استصحاب بقاء الجواز الثابت للعقد، لا للعين ليستشكل بإمكان ردِّها.

بناءً عليه فالإشكال العقليّ والدور لا يرد، وإنَّما الإشكال إثباتي، يرتفع أيضاً بإثبات جريان استصحاب الجواز(1).

[تقريب آخر للميرزا النائيني والإيراد عليه]

التقريب الآخر الذي يذكره: هو أنَّه كما في حين إنشاء المعاملة كُنَّا قد تبادلنا 

ـــــــــــــ[243]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان الحاضرين: إنَّ كلامنا فيما إذا كان طرف المعاملة هو الدين، وفي مثل ذلك لا يقين بالجواز عندنا حتَّى نستصحبه.

أقول: كأنَّه يُشير إلى أنَّ هذا المورد خارجٌ عن مورد القدر المتيقَّن من الإجماع على جواز المعاطاة، فتشمله أدلّة اللزوم، فلا علم بالجواز؛ لكي نستصحبه.

وهنا فكّر السيّد قليلاً، وقال: ربما يكون لكلامك وجهٌ لا بُدَّ من النظر فيه، ولم يزد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

العين بالدين، يعني تبادلنا العين التي في الذمَّة بالعين الخارجيّة، فإنَّ المعاملة عبارة عن تبادل الإضافات، تخرج بموجبها العين من ملكيّة أحد الطرفين وتدخل في ملكيّة الآخر، فكذلك عند الفسخ لا بُدَّ أن يحصل نفس التبادل. 

فمن هنا لا بُدَّ أن يكون ما في الذمَّة مملوكاً لصاحب الذمَّة، ومنه ينتقل بالفسخ إلى الآخر، وتنتقل تلك العين إليه قضاءً لحقِّ الفسخ. 

إلّا أنَّ هذا يمتنع هنا؛ لأنَّه كما أنَّه في باب العمودين ينعتق العبد بمجرَّد الملك، ولا يمكن أن ينتقل بالملكية إلى الغير هنا، أيضاً يقول(1): دخول الدين في ملك المديون نتيجته السقوط دائماً… فإذا كان نتيجته السقوط يمتنع الرجوع، فإذا ملكت ما في ذمَّة نفسي فنتيجته السقوط دائماً، ولا يمكن بعد سقوطه أن يحصل الفسخ والانتقال. هذا إشكال عقليّ آخر.

نقول: إنَّ هذا الإشكال غير وارد:

أوَّلاً: أنَّنا لا نقبل في باب الفسخ والمعاملات، أنَّ المعاملة عبارة عن تبادل الإضافات، أن يخرج هذا من مُلكي ويدخل في مُلكه، وذاك بالعكس، وقلنا: إنَّه لا دليل عليه، بل المعاملة عبارة عن تبادل العينين(2)، سواءٌ كان بالملكيّة أو بالسلطنة؛ فلذا قلنا: بأنَّ البيع يصدق حتَّى ما كان من قبيل بيع الطير في الهواء، 

ـــــــــــــ[244]ــــــــــ

() هذه عبارته، اُنظر ص89 من التقريرات، (المقرِّر).

(2) لا يخفى أنّه على هذا يقع ما هو مورد الكلام وهو: مبادلة العين بالدين خارجاً عن حقيقة المعاملة رأساً، إلّا أن يريد بالعين أعمّ الحقيقية والاعتباريّ الكلِّيّة، فتأمّل، (المقرِّر)..

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والسمك في الماء، مع القدرة على التسليم، وإن لم يكن الآن مالكاً. 

فهنا أيضاً يُقال: بأنَّ الفسخ نتيجته هو اشتغال ذمَّة الطرف، وهذا موافق لاعتبار العقلاء، فإنَّ العقلاء ليس لديهم اعتباران، يعتبرون أوَّلاً ما في ذمَّة الشخص مُلكاً له، ثُمَّ يعتبرون انتقالها بالفسخ إلى الآخر. وإنَّما يطالبون بعد الفسخ بما في الذمَّة من المال، فبالفسخ يحصل اشتغال الذمَّة، ولا حاجة إلى اعتبار المالكيّة قبله.

وثانياً: أنَّ ما ذهب إليه من أنَّ مالكيّة الإنسان لِما في ذمَّته دائماً نتيجته السقوط، ما الدليل عليه من عقل أو نقل؟ وبعد أن كانت المالكيّة ممكنة وتصوَّرناها ولا دليل عقليّ يدفعها، إذن فالسقوط يحتاج إلى دليل فقوله بلا دليل. 

وأصل المطلب أنَّه لا مجال للدليل العقلي في المقام، وإنَّما هو مورد عقلائي.

[التأمل فيما أفاده المحقق الإيرواني في البحث] 

وأمَّا ما يقوله بعض المحشّين(1)(2) هو الإيراوني: من أنَّ الرجوع لا يمكن لعدم إمكان ترادِّ العينين. 

فقد قلنا: إنَّ الجواز متعلّق بالعقد لا بالعين، ليكون الردُّ مستحيلاً. أو ما 

ـــــــــــــ[245]ــــــــــ

() عبارته: أنَّ السقوط يذهب موضوع الخيار، ولا يبقى للحق متعلّق… الخ. فراجع ص87، وهذا لا يجاب عليه بما في المتن كما هو واضح، (المقرِّر).

(2) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 87، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

يقوله من أنَّ اشتغال ذمَّة الطرف مقدّمة للفسخ ليس مصحّحاً(1) ولا يجدي في رجوع الحقّ. 

فإنَّنا قلنا بأن الخيار ليس متعلّقاً بالعين ليصحّ هذا الكلام، وإنَّما هو متعلّق بالعقد، فإذا حلَّلنا العقد، تعود العين إلى مالكه السابق، ويعود ما في الذمَّة إلى مالكه السابق أيضاً.

أو ما يقوله(2) من أنَّ اشتغال الذمَّة اشتغالٌ جديدٌ، فلا ربط له بفسخ المعاملة، فإنَّنا حقَّقنا أنَّه إنَّما يكون اشتغالاً جديداً بعد فرض أخذ دليل إعادة المعدوم بنظر الاعتبار، وبدونه، فإنَّ نفس الاشتغال هو الذي يعود.

ولا بُدَّ أن نرجع نحن في أمثال هذه المعاملات إلى السّوق، فإذا رجعنا إليه لا نجد أثراً لهذا الكلام المدرسيّ، فإنَّ العقلاء يحكمون بعد الفسخ باشتغال الذمَّة. بناءً عليه، فهذه الإشكالات غير واردة.

هذا بناءً على سببيّة المعاطاة للملكيّة، بناءً على ما تممناه من إطلاق أدلّة اللزوم، والقدر المتيقَّن من الخروج عن ذلك هو حال وجود العينين أو أحدهما، وأمَّا إذا كانت المعاملة معاملة عين مع دين، فيشمله إطلاق أدلّة اللزوم.

[الكلام فيما لو كان أحد العوضين ديناً على القول بالإباحة]

وأما بناءً على سببيّة المعاطاة للإباحة، فقد يشكل بأنَّ الإباحة في المقام لا 

ـــــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

معنى لها، وأنَّ المعاملة المعاطاتية المنتجة للإباحة لا اعتبار لها في المقام؛ لعدم الأثر بالنسبة إلى هذا الدين. 

إلّا أنَّ الإشكال جوابه واضح: لأنَّنا إذا أردنا من (الأثر) الأثر الخارجيّ له، فليس هذا موجوداً، نعم يمكن تصوُّر بعض الآثار الاعتباريَّة له، بأن يقال: إنَّ الدائن أباح للمدين أن يتصرَّف في الدين تصرُّفات اعتباريّة كالصلح وغيره، فهذا الإشكال بعدم صحّة أصل هذه المعاملة غير وارد.

نعم، أشكلوا في المقام بعض الإشكالات العقليّة نتعرّض لها إن شاء الله تعالى(1).

وكان الإشكال هو: أنَّ استصحاب بقاء الجواز فرع القضيَّة المتيقَّنة، ونحن نحتمل أنَّه وجد من الأوَّل لازماً، فلا يمكن جريان الاستصحاب.

إلا أنَّ هذا خروج عن محلّ الكلام، فإنَّنا نتكلَّم الآن عن ملزمات المعاطاة، وأن سقوط الدين عن الذمَّة هل هو من ملزمات المعاطاة أو لا؟

 وهذا الكلام لا يفرق فيه بين أن نقول بأنَّها سبب للملكيّة أو لا نقول. أمَّا إذا كانت سبباً للملكيّة، فواضح؛ لأنَّ المعاطاة تكون كسائر العقود، وأمَّا إذا لم تكن سبباً للملكيّة، ولكن كانت نتيجتها السقوط من الأوَّل، فيمكن أن نقول: إنَّ العقد جائز ولكن السقوط موجب للزومه؛ لأنَّ الجواز من أوصاف العقد أو من أوصاف الملكيّة المترتِّبة عليه، والعقدُ مقدَّمٌ على السقوط وعلَّةٌ له، 

ـــــــــــــ[247]ــــــــــ

() بدأ السيّد بالإشكال الذي كان قد ذكره بعض الحاضرين بالدرس وأشرنا إليه، وقال بأنَّه كان ناشئاً من تضييع موضوع البحث، وكان الإشكال…(المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والسقوط مقدَّمٌ على اللزوم وعلَّةٌ له -فيكون العقد موصوفاً للجواز في المرتبة المتقدِّمة، وعلَّةً للسقوط اللازم للّزوم في المرتبة المتأخّرة(1)-.

إذن نستطيع أن نقول: إنَّ العقد حينما وجِد كان موضوعاً للحكم بالجواز، وعلَّةً للسقوط، والسقوط علَّةً للّزوم، وعلى أيِّ حالٍ فموضوع البحث إنَّما هو بعد الفراغ عن أنَّه حتى في هذا المورد جائز، والسقوط من الملزمات.

بناءً عليه نقول لأغاي نائيني: حيث يقول: إنَّه في (باب الخيار) الخيار مفروغ عنه؛ فلا إشكال. أمَّا هنا فلا دليل عليه. 

نقول: إنَّه بعد أن تولَّد العقد جائزاً، ونشكّ في أنَّ اللّزوم يثبت أو لا؟ فنستصحب الجواز(2).

ـــــــــــــ[248]ــــــــــ

() هذا توضيح، (المقرِّر).

(2) وهنا أشكل نفس ذلك الشخص بإشكالين:

أحدهما: لغويَّة الحكم بالجواز في المقام على العقد، بعد فرض العقد علَّةً للّزوم.

فكان حاصل جواب السيد: أنَّ الجعول الشرعيّة دائماً عامّةً واردةً على الطبائع الكليّة ولا تشمل الجزئيّات بحال، ولكن حيث إنَّ هذا الجزئيّ مصداق من تلك الطبيعة فيشمله الحكم، إذن فالشارع لم يحكم في هذا المورد بحكم ليُقال بلغويّته على تقدير أنَّه لا أثر له أصلاً.

ثانيهما: عدم وجود المتيقّن في المقام؛ لكي نستصحبه بعد فرض العقد علّةً للزوم.

وأجاب السيد: بأنَّنا لا نعلم ذلك، إذ نحتمله، ونحتمل أنَّ الجواز يبقى حتَّى بعد السقوط، وبالاستصحاب يثبت بقاء الجواز.

أمَّا بناءً على الإباحة، فيما إذا حصل بيع الدين بالعين.

أمَّا الإشكال بأنَّ المعاملة باطلة لعدم الأثر لها، فعدم صحته واضح؛ لأنَّ الانتقالات الاعتباريَّة كالصلح والبيع والإسقاط تصلح أثراً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [بسط المقال في ما أفاده الميرزا في محلّ البحث]

وأمَّا إشكال المرحوم النائيني حيث يقول: إنَّنا في باب المعاطاة بالنسبة إلى إفادتها الإباحة. 

قلنا فيما سبق بأنَّه إذا قصد المتعاملان إنشاء الملكيّة، فإنَّ مصداق تسليط هذا الشخص على العين وذاك على الأخرى محقّق من قبل كِلا الطرفين، وهذا التسليط يُستفاد منه الإباحة المالكيّة.

فهما وإن لم يكونا قد قصدا إنشاء الإباحة، كما يقول صاحب (الجواهر)(1)، إلّا أنَّ الإباحة المالكيَّة تترتَّب على التسليط المعامليّ، فهذه مقدّمة.

المقدمة الثانية: أنَّه متى ما سلّط الغير على ما في ذمّته فنتيجته السقوط، فإنَّ الإنسان كما يمتنع أن يملك ما في ذمَّة نفسه يمتنع أن يتسلط على ما في ذمَّته، فلا بُدَّ من الحكم في النتيجة بالسقوط، إذن فالمعاملة التي تفيد الإباحة نتيجتها السقوط.

[نقد مقالة الميرزا النائيني]

ونحن لا نقبل لا المبنى ولا ما ترتَّب على المبنى.

أمَّا أنَّ تسليط المالك على العين لازمه الإباحة المالكيّة، فقد قُلنا مكرراً: إنَّ المعاملة(2) عبارة عن تبادل العينين، أو عن تمليك عين بعوض، وبعد حدوث 

ـــــــــــــ[249]ــــــــــ

() راجع جواهر الكلام 22: 213-214، القول في المعاطاة.

(2) لا يخفى أنَّه اختار في أوَّل الكتاب تعريف البيع بأنَّه مبادلة مال بمال، وناقش باقي التعاريف، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

التمليك يصبح صاحب العين أجنبياً عنها، فإذا أراد إنشاء السلطنة أو الإباحة فهو يسلِّط المشتري على مال نفسه، ومثله خارج عن موضوع دليل السلطنة، بل لا يمكن قصده بالإرادة الجدية، إلّا أن يكون مشرعاً، بأن يُسلّط الناس على أموال أنفسهم. وأمَّا إذا قلنا بأنَّه يُسلّط الغير على مال نفسه -يعني البائع(1) يُسلِّط المشتري على مال البائع نفسه- فالفرض أنَّه باعه وقد انتقل عنه. كما أنَّ المفروض أنَّه في أثناء المعاملة لم يجعل الإباحة والسلطنة.

فإن أراد من التسليط، التسليط الخارجي، فهو خارجٌ عن محلّ الكلام، فإنَّ المدار هو التسليط الاعتباريّ، والمعاطاة غاية ما تعمله هي أن تكون موضوعاً لقاعدة السلطنة، لا أزيد من ذلك.

وأمَّا أنَّ الإنسان لا يمكن أن يتسلَّط على ما في ذمَّة نفسه، فلا أدري ما هو البرهان عليه، فإنَّهم قالوا في باب الملكيَّة: إنَّ الإنسان لا يمكن أن يملك ما في ذمّته. ولم يقيموا على ذلك برهاناً. 

وغاية ما يمكن أن يُقال عنهم هناك: هو أنَّه إذا كان مالكاً في ذمَّة نفسه ألف دينار، ومالكاً في الخارج ألفاً، فلازمه صحّة بيع المجموع بألفين، مع أنَّ العقلاء لا يدفعون بإزائها أكثر من ألف. 

نقول: هذا من قبيل مالكيّة الدولة للدنانير وغطائها، فإنَّها وإن كانت تملك مليوناً من الدنانير ومليوناً من الذهب، إلّا أنَّها لو أرادت بيعهما معاً في صندوق النقد الدولي، لما اشتروها منها بأكثر من مليون واحد. 

ـــــــــــــ[250]ــــــــــ

() توضيح، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وإذا أرادت بيع الغطاء وحده فإنَّ الدنانير تسقط عن الاعتبار، وإذا أرادت الاحتفاظ بالغطاء وبيع الدنانير كان ذلك ممكناً، ومرجعه أنَّ مالك هذا الدينار يستطيع أن ينتفع بغطائه من الذهب متى ما أراد.

كذلك الأمر في الذمَّة، فلو كان التاجر مالكاً لنفط العالم، فإنَّ ذمَّته تكون بهذا المقدار، فلو حفظ النفط لنفسه وباع واشترى في ذمَّته؛ فإنَّه يُقبل منه ويملك بإزائه ما شاء. وإذا أراد بيع النفط فليس له أن يبيع أكثر ممَّا لديه، وأمَّا إذا أتلف النفط، فقد سقطت ذمَّته عن الاعتبار، فليس هناك مالان يتعامل بهما العقلاء، أو بمعنى أنَّ الذمَّة تُعتبر مالاً في طول الواقع ومترتِّباً عليه. 

ولذا قالوا: إنَّ الكلِّيّ بعد بيعه تشتغل ذمَّتك به، وبالنسبة إلى الاشتغال صحيح، لكن قبل البيع كان يملك حملاً من الحنطة، باعتبار إمكان وجوده، وكان له ماليّة.

وإذا قلنا بعدم إمكان أن يملك الإنسان في ذمَّة نفسه شيئاً، فأيُّ دليل على امتناع تسليط الإنسان على ما في ذمَّة نفسه، إذا كان المالك والمسلّط عليه هو الغير، كما هو محلّ الكلام في المقام؟ كما لو أعطى الإنسان ديناً لابنه الصغير، فالمسلّط على هذا الدين هو الوليّ نفسه، يمكنه أن يتعامل به ويبيعه، فما في ذمَّتك هو مالي، أستطيع أن أوكّلك في بيعه. 

وغاية ما يمكن أن يقال في مقام دفعه: إنَّ الإنسان إذا أصبح مسلّطاً على ذمَّة نفسه سقط اعتباره. 

لكن إذا كان الآخر مالكاً لما في عهدتي، ويبيح لي التصرُّف، ويسلِّطني على 

ـــــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

ماله الذي هو في هذا المخزن وهو الذمّة، كما هو محلّ الكلام، فبأيِّ دليل نستطيع دفعه؟ ليس له أيُّ وجه معقول، بناءً عليه، فبحسب الدليل وعند العقلاء هذه المعاملات صحيحة.

في سقوط الدين بعد المعاملة

الآن نرى أنَّه على القول بالإباحة، فما هو شأن المعاملة؟

مرّة نقول: إنَّه عند الإباحة يسقط ما في الذمَّة، ومرَّة نقول: إنَّه يبقى لا يسقط. فإذا قُلنا بأنَّه يسقط، فقد قلنا: إنَّنا ننظر إلى المسألة بحسب الجمع بين القدر المتيقَّن من الإجماع وإطلاق الأدلَّة، حيث قلنا: إنَّ إطلاق الأدلّة يقتضي أنَّ هذا العقد كسببيّة تامّة للتمليك؛ لأنَّ المتعاقدين أنشآ عقداً لا إباحة.

والإجماع قام بهذا المقدار، على عدم حدوث التمليك، ولكنَّه لم يقم على سقوط هذا العقد بالكلِّيّة، فإذا سقط أحد العينين -على فرض السقوط- لم يقم إجماعٌ على أحد بعد السقوط، لا ملكيّة؛ فيشمله إطلاق الأدلّة، يعني نكشف من هذا الإجماع وجوب شرط في باب المعاطاة، وأنَّ هذه الأسباب لا تؤثِّر بدونه، وهو التلف أو سقوط أحد العينين، أو خروجها عن ملكه، ويكون مقتضى الجمع بين الدليلين هو أنَّ انتقال السببيّة التامّة للمعاطاة الى السببيّة المشروطة، وعند حدوث الشرط يتحقّق المشروط.

وهذا كلام على المباني.

وأمَّا إذا قلنا: إنَّه لا يسقط، بل العين لا زالت باقيّة في ذمَتك، فهذا يرجع إلى تشخيص مقدار معْقد الإجماع، فإذا ادَّعينا أنَّ الإجماع قائم -أنَّه إذا بقيَ في 

ـــــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الذمَّة ولم يسقط- فهو جائز، نحكم بجوازه. وأمَّا إذا كان القدر المتيقَّن من الإجماع هو غير هذا، وهو: ما إذا كان أحد العوضين ما في الذمّة؛ فنستطيع حينئذٍ أن نستشكل في جوازه، في جواز سائر بيع الكلِّيّ بالمعاطاة، وإنَّما الإجماع قائمٌ على خصوص مبادلة عين بعين.

فيما إذا انتقلت إحدى العينين بعقدٍ لازم أو جائز إلى الغير

الآن نرى أنَّه إذا انتقل أحد العينين إلى شخص آخر، بانتقال لازم أو انتقال جائز، والانصاف أنَّ هذا من المسائل المشكلة في الفقه. 

والكلام فيها يشمل المقام وباب الخيارات عند التلف أو الانتقال، فإنَّه لا شكّ أنَّ هذه المعاملة واقعة بين العينين الخارجيين، وأنَّ العقد هو معاوضة بين العينين، فإذا تلفت العين أو انتقلت بمعاملة لازمة أو جائزة إلى الغير، فإنَّ ما تعاملنا عليه قد ذهب أو تلف، والرجوع إلى المثل أو القيمة رجوعٌ إلى مالم تقع عليه المعاملة. 

وكذلك اعتبار وجودها، فإنَّ المعاملة لم تقع عليه، وإنَّما على تلك العين الخارجيَّة التالفة أو المنتقلة إلى الغير.

مرَّةً نقول: إنَّ المعاملات الأخرى في زمان الخيار باطلة، فهذا(1) خارج عن محلّ الكلام. 

وأمَّا إذا قلنا: إنَّ المعاملة صحيحة لازمة، ولا يمكن الرجوع بها بواسطة فسخنا، فإذا فسخت فإنَّ العين لا تعود، وأمَّا المثل أو القيمة أو اعتبار العين 

ـــــــــــــ[253]ــــــــــ

() إلّا أنّه يبقى الكلام عن التلف كما هو واضح، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فممَّا لم يقع عليها العقد، فنلتزم أنَّه عند التلف أو النقل لا يمكن الفسخ أصلاً.

أو أنَّ العقلاء لا يوافقوننا، ونحن يجب أن ننظر إلى حلِّ هذه العويصة عندهم، فلا بُدَّ أن ننظر إلى المقام وموارد الخيار أيضاً؛ لنرى ما هو حلُّ هذه العويصة.

إذا انتقلت العينان بعقد لازم أو جائز إلى الغير، فبحسب ما حقَّقناه من شمول أدلّة اللزوم للمعاطاة، وأنَّه لا نخرج عنها إلا بمقدار الإجماع، والقدر المتيقَّن من الإجماع على فرضه إنَّما هو في غير هذا المورد، فمقتضى إطلاق الأدلّة هو لزوم المعاملة.

وأمَّا الكلام في أنَّه لا إمكان للترادّ، فالمقصود ليس هو الترادّ الخارجيّ، وإنَّما الترادّ اعتباريّ، ونحن إذا فسخنا-بقطع النظر عمّا قلناه قَبلاً- فما يُقال في باب الفسخ بالخيار يقال أيضاً في المقام، فإنَّه لا يختلف عنه، إلّا أنَّ الفسخ هنا بالجواز وهناك بالخيار. 

وأمَّا كونه حلّاً للمعاملة وترادّاً اعتبارياً فهو لا يفترق عن ذاك، فإذا أمكن هناك كما قالوه، كذلك هنا.

غايته وقعنا في إشكال شامل لباب الخيارات والمعاطاة، وهو: أنّه إذا كانت حقيقة الفسخ هو إرجاع العينين إلى مالكها الأوَّل، بعد أن كانت المعاملة قد نقلتهما، فإذا تلف بماذا يرجع؟

وهذا الإشكال جارٍ سواءٌ قلنا بأنَّ حقَّ الخيار قائمٌ بالعين أو بالعقد، بالآخرة القائل بقيامه بالعقد يرى بأنَّ مقتضى المعاملة هو المبادلة بين العينين، 

ـــــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

والفسخ عبارة عن إرجاع العين إلى محلِّها الأوَّل، ففي مورد انعدام العين، ماذا يرجع بالفسخ؟

فإنَّ ما وقع عليه العقد هو (الفرس) الذي يأكل ويمشي، والفرض أنَّه الآن ليس موجوداً. 

وأمَّا إذا اعتبرت وجوده وارجع بالمعتبر الذي اعتبرته، فالعقد لم يقع على هذا المعنى الاعتباريّ.

فماذا نقول هنا؟ هل نقول: إنَّ الفسخ ليس جائزاً أصلاً، لا في باب الخيارات سواءٌ منها العقلائية أو الشرعيّة، ولا في باب المعاملات الجائزة كالمعاطاة على المبنى؟ وإنما الفسخ مختصّ بحال وجود العينين، وأمَّا إذا تلفت العينان أو أحدهما، فسواء كانت المعاملة لازمة أو جائزة، فإنَّ الخيار يذهب، ولا يبقى له موضوعٌ، نظير ما قالوه في ترادِّ العينين من انتفاء موضوعه بعد التلف؛ فيمتنع الخيار والإقالة والفسخ عقلائياً وشرعياً.

هل نقول ذلك؟ ويماشينا العقلاء على ذلك، بحيث إنَّهم لو حصلوا على حقّ الخيار بشرط أو غبن أو غيره، يقولون بعدم جواز الفسخ مع تلف العين؟ لا يوافقنا لا العقلاء، ولا محقّقي الفقهاء على ذلك.

أو نقول هكذا: إنَّ العين الخارجيَّة التي أوقعنا عليها المعاملة، ذات جهات عدَّة: جهة شخصيّة عينيّة، وجهة نوعية من حيث كونه حيواناً أو متاعاً كذائياً، وجهة ماليّة: وهي مقدار مالية هذا الشيء. ونحن أوقعنا المعاملة على العين الحاوية لجميع هذه الجهات، فإذا فسخنا؛ فإن كانت العين بسائر أوصافها 

ـــــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

موجودة، فتمام تلك الجهات لا بُدَّ من إرجاعها بشخصها ونوعها وماليّتها، ونحن ملزمون بذلك؛ لأنَّها ممَّا وقع عليه العقد.

وأمَّا إذا تلفت العين فقد تعذَّرت جهة واحدة من الجهات الثلاث، وهي الجهة الشخصيّة، ولكنَّ نوعيّتها وماليّتها تبقى، فإذا استطعنا إرجاعها بنوعها وماليّتها، فنحن ملزمون بذلك؛ لأنَّه ممَّا وقع عليه العقد، فنرجع حِمْلاً من الحنطة المحفوظة فيه نوعيّة التالف وماليّته. 

وأمَّا إذا لم يكن التالف مثليّاً، ولا يمكن إرجاع جهته النوعية، فنرجع الجهة الحاليّة منها، فالفسخ يعمل أحد هذه الأمور.

هذه فلسفة وليست فقهاً؛ لأنَّنا حينما نعامل هل نعامل على عين شخصيّة، أو على عين شخصيّة وكليّة؟ فإنَّ العين وإن كانت جامعة في الواقع لتلك الجهات: الشخصية والنوعيّة والماليّة، إلّا أنَّ النوعيّة التي تقول إنَّه يمكن إرجاعها هي نوعيّة قابلة للصدق على كثيرين، وليست نوعيّة شخصيّة بهذه الخصوصيّة الموجودة في هذا الفرد الآخر، فالنوع المتّحد مع هذا الشخص غير قابلة للصدق على كثيرين، وما هو قابل للصدق على كثيرين لم نوقع المعاملة عليه، فإنَّنا لم نعامل على شخصيّ وكلّي، أو على الأَعمّ من هذه العين وغيرها، وإنَّما عاملنا على عين شخصيّة، وهي وإن كانت متّحدة بالجنس والنوع مع أفراد أخرى، إلّا أنَّ النوع المتّحد معها غير قابل(1) للصدق على كثيرين؛ ليمكن تبديله بفرد آخر.

ـــــــــــــ[256]ــــــــــ

() لا تخلو العبارة عن غموض واضطراب، والذي يبدو للنظر هو صحّة هذا المدّعى فإنَّنا أوقعنا المعاملة على العين بجهاتها الشخصية والكلية وهذا الكلِّيّ قابل للصدق على كثيرين لا محالة، كما هو الحال في كل فرد بعد التجريد عن خصوصيّاته، فإذا تلفت العين امتنع دفع شخصها، فيبقى جهة نوعها في الذمَّة، وحيث إنَّ النوع لا يمكن دفعه مستقلّاً فلا بُدَّ من إعطائه ضمن فرد آخر. وليس معنى ذلك أنَّنا أوقعنا المعاملة على شخص وكلِّيّ في عرض واحد كما يظهر من كلام السيد. فإنَّنا إنَّما أوقعناها على جهات شخصيّة وكلِّيّة متّحدة خارجاً في عين واحدة، فإذا تلفت وأمكن ردّ نوعها يلزمنا ذلك؛ لأنَّه مما وقع عليه العقد، واعلم أنَّ نفس الكلام يأتي في الماليّة بل هي أهون أمراً باعتبار كونها أمراً اعتباريّاً يعتبره العقلاء بعد التلف وتعذُر المِثْل، فتأمل ولاحظ، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا الماليَّة القابلة للصدق عليه وعلى غيره من الأفراد، فنحن لم نعمل معاملة على مثل هذه الماليَّة المشتركة بينه وبين غيره، وإنَّما على هذه الماليَّة المتخصّصة بهذه العين، والفرض أنَّ العين قد تلفت.

فهذا الوجه ليس وجهاً سوقيّاً عقلائيّاً، ولا فلسفياً عقليّاً؛ لأنَّ إنسانيّة (عمرو) غير إنسانيّة (بكر)، فهناك حيوانيات مختلفة، وحنطيّات(1) مختلفة، والوجودات مشخِّصة للماهيّات، وكلّ وجود توجد به تمام الماهيّة، فهذا الفرد توجد به تمام الماهيّة، وذاك أيضاً توجد به تمام الماهيّة، والماهيّة المتشخّصة في هذا الفرد غير الماهيّة المتشخّصة في الآخر، فهذا الوجه لا يحلّ المسألة.

ولا يمكن حلُّ المسألة هكذا، فإنَّه قد يقال: إنَّ الإشكال في المقام ينشأ من أخذنا المعاملة عبارةً عن تمليك العين بالعوض، وأمَّا إذا لم تكن كذلك، بل كان البيع نحواً من التقابل بين العينين، وهذا التقابل مرَّة ينتج الملكيَّة، ومرَّة ينتج 

ـــــــــــــ[257]ــــــــــ

() المقصود به جنس الحنطة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

السقوط، وأخرى ينتج العتق، ورابعة ينتج الوقف، وهكذا. 

وأمَّا أصل المعاملة فهو التقابل بين العينين، على حين لو قلنا: إنَّ المعاملة هي تمليك عين بعوض، فلا يمكن صدق التمليك على المعدوم، وهذا التقابل محفوظ حتَّى بعد انعدام العينين.

يقول ذلك، وكان قد أشكل قبل سطور إشكالاً عقليّاً، وقال(1): إنَّ العقد بما أنَّ تمام تحصلّه بالعين فما دامت العين موجودة فهو موجود، فإذا انعدمت العين انعدم العقد؛ لأنَّ العقد بين المعدومين لا معنى له، مع ذلك يقول الآن بأنَّ التقابل بينهما موجود.

نقول: التقابل بأيِّ معنى أردته، هل يمكن أن يقع ما بين معدومين بما هما معدومان؟ وهل ذلك في العقد ممتنع إلّا أنَّه في العين ممكن؟ وإذا احتجنا لتصحيح التقابل إلى نوع من اعتبار البقاء، فهو كما يمكن في العين يمكن في العقد أيضاً؟

[تحقيق المقال في المقام]

الآن نرى أنَّ الإشكال هل هو من هذه الناحية؟ وهي تعريف المعاملة بكونها تمليك عين بعوض، وأمَّا إذا أبدلناها بالتقابل بين العينين يرتفع الإشكال، أو أنَّ الإشكال من جهة أخرى، أو أنَّ الإشكال إن كان فهو هذه الجهة فهو باقٍ في بعض الموارد على الأقلّ؟

ـــــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 88، تنبيهات المعاطاة، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإنَّ المعاملة إذا أنتجت الملكيّة، وحصل الفسخ، فماذا يرجع به الطرف، هل المعدوم، أو البدل، أو الماليَّة الذي تشبَّث بها في آخر كلامه؟ مع أنَّه ممَّا لا يوافق عليها العقلاء، فإنَّني لم أعامل على عين كلِّيّة وشخصية؟

نحن نقول: إنَّنا يجب أن ننظر ما هو الفسخ، هل هو عبارة عن إرجاع كلّ مالٍ انتقل بالتمليك إلى محلِّه، فإنَّ التمليك حينما يحدث بالمعاملة ينقل هذه العين إلى ذاك الطرف وتلك إلى هذا، فالفسخ ينقلها الى مالكها الأوَّل مرَّة أخرى؟

أو أنَّ الفسخ عبارة عن حلِّ العقد، وأنَّ الملكيَّة الحاصلة للطرفين بالمعاملة قد أصبحت لا ملكيّة، والفسخ لا يتصرَّف فيها الفسخ وإنَّما يفسخ المعاملة وتكون مالكاً بالسبب السابق.

مثلاً: لو كان عند زيد فرسٌ أخذه إرثاً من أبيه، ثُمَّ باعه لشخص، ثُمَّ اشتراه منه، فهنا إذا سُئل: لماذا هذا الفرس عندك؟ فإنَّه يجيب: لأنِّي اشتريته. أمَّا إذا كانت المعاملة خياريَّة أو جائزة، وفسخها وعاد إليه (الفرس)، فإذا سُئل هذا السؤال هل يقول: إنَّ الفرس قد انتقل إليَّ بالفسخ، ويقول: انتقل إلي بالإرث؟ لا شكّ أنَّه لا يجيب: أنَّ الفسخ أوجب لي ملكاً جديداً، بل غاية ما عمله الفسخ هو حلّ المعاملة، وإلغاء العقد الذي كان سبباً للملكيّة، فإذا كان الفسخ هو حلّ العقد فمالكيّة الطرف للمال هي بالأسباب الأوليّة؛ لأنَّ المعاملة أصبحت بالفسخ كأن لم تكن، فيملكها على أساس الأسباب الأوليّة.

وأمَّا إذا قلنا إنَّ الفسخ يأتي بملكيّة جديدة فلا شيء موجود لكي يملكه، على فرض التلف أو الانتقال كما هو محلّ الكلام، لا الشخص؛ لأنَّه تلف، ولا 

ـــــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

النوع أو الماليَّة؛ لأنَّ المعاملة لم تقع على نوع كلِّيّ أو ماليّة كليّة.

وأما إذا قلنا بأنَّ الفسخ عبارة عن حلِّ العقد، فماذا يرى سوقُ العقلاء عند الفسخ بالخيار؟ هل هم يرون هذه العين موجودة في عهدة الطرف ويسألونه عنها؟ فإن كانت موجودة فعليه تسليمها، وإن كانت معدومة طالبوه ببدلها. 

نظير (على اليد) على قول السيّد اليزدي(1) حيث يقول: إنَّ نفس العين في العهدة على ما هو ظاهر التعبير، فالعين وإن كانت موجودة إلّا أنَّها هي بنفسها بالعهدة، فإذا كانت موجودة فلا بُدَّ من دفعها بنفسها، وإذا تلفت بقيت العين في العهدة، وحينئذٍ لا بُدَّ من التخلُّص من ذلك بدفع المثل أو القيمة، وهي قيمة يوم الدفع؛ لأنَّ ما في العهدة هو العين نفسها.

فهنا في المعاملات العقلائيّة هكذا يقال: إنَّ لازم حلّ المعاملة بالفسخ هو: أن تعود العين إلى ملكية الطرفين؛ فإن كانت موجودة فهي التي تعود، وإن كانت معدومة أو منتقلة، فتبقى في عهدة من انعدمت عنده، فإذا طالب صاحبها بها فلا بُدَّ من دفع العوض، فهذا هو أخذٌ للعوض، لا أخذٌ لَما وقعت عليه المعاملة.

هذا أيُّ مانع فيه؟ وهو موافق لسوق العقلاء؛ لأنَّهم يذهبون بعد الفسخ لاستلام أعيانهم، فإن كانت موجودة أخذوها، وإلا طالبوا بالبدل، إذن فالفسخ عبارة عن حلِّ المعاملة، لا عبارة عن التمليك؛ ليقال: إنّ تمليك العين المعدومة لا يمكن، والمثل والبدل لم يقع عليه العقد.

ـــــــــــــ[260]ــــــــــ

(1) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فهذا وجه عقلائي لا بُدَّ من النظر فيه.

كان كلامنا فيما إذا انتقلت العين أو تلفت.

وكان التقريب الذي قلناه هو تنظير المقام بما قاله المرحوم السيّد في قاعدة (على اليد)، وتابعناه برهة من الزمان، فنقول هنا: إنَّ هذه العين المنتقلة إلى الغير، لا إشكال عقليّ في أن يقال: إنَّها تكون ملكاً لشخص، وفي عهدة شخص آخر أو أشخاص آخرين، نظير تعاقب الأيادي التي تقال في الغصب، وفي أنَّ العين ملك للمغصوب منه، ولكنَّها موجودة في عهدة كلّ فرد من الغاصبين.

ففي المقام: إذا كانت العين موجودة فهي التي تعود بالفسخ، وإن كانت تالفة أو منتقلة تقع نفس العين في العهدة، ولكن حيث يتعذَّر تسليمها يرجع إلى المثل أو القيمة، فالفسخ لا يعمل إلا حلّ العقد، ولازم الحلّ هو رجوع كلّ عوضٍ إلى محلِّه الأوَّل، وحيث لا يمكن عود التالف، يرجع إلى العهدة.

التقريب الآخر

التقريب الآخر الذي لعلَّه أقرب إلى أفهام العقلاء: هو أنَّه في باب البيع الذي هو مبادلة العينين أو مبادلة مالٍ بعوض، إذا تحقّق البيع فهو سبب لنقل العينين إلى الطرفين، لكنّ له لازماً عقلائياً وهو كون تسليم العين على العهدة(1)، فإنَّ العقلاء بعد وقوع العقد يقولون بأنَّ البائع ذو عهدة لتسليم المبيع إلى المشتري وبالعكس.

ـــــــــــــ[261]ــــــــــ

() عبارة السيّد هي: عهدة داري تسليم، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وهذه العهدة غير العهدة التي قيلت في (على اليد)، وإنَّما هو نظير باب الضمان، بناءً على قول العامّة(1) وسوق العقلاء. ونظير باب الكفالة، فإنَّه في باب الضمان(2) بحسب النصوص: إنَّ المال ينتقل من ذمَّة المضمون عنه إلى ذمَّة الضامن. 

لكن بناءً على مسلك العامّة ويؤيّدهم في ذلك العرف، من أنَّ الضمان عبارة عن تحمّل عهدة(3) أداء دين الغير، وأنَّه إذا لم يؤدِ المضمون عنه فأنا أؤدّي عنه، لا أنِّي أكون مشغول الذمَّة بدين غيره، وإنَّما ذمَّتي مشغولة بأداء دينه. 

وهذا معنى عقلائيّ يقول عنه السيد(4): وإن كان الضمان في مذهبنا هو نقل الذمَّة، ولكن إذا أوجب مثل هذا العقد، وهو تحمل الأداء وأنّي أدفع إن لم يدفع، فمقتضى إطلاق الأدلّة، هو صحّته، فما هو في الذمَّة ليس هو المال، بل هو أداء ما في الذمَّة.

وهكذا في باب الكفالة، فإنَّه ليس معناها: أنَّ الإنسان بعمامته وعباءته يدخل في العهدة، بل معناه: أنَّ الإنسان يصبح ذا عهدة(5) لتسليم المكفول 

ـــــــــــــ[262]ــــــــــ

() اُنظر: المغني (لابن قدامة) 5: 80-82، والمجموع 14: 23-24.

(2) راجع الروايات الواردة في الأبواب الثلاثة الاُول من كتاب الضمان من وسائل الشيعة 18: 421-424.

(3) عهدة داري، (المقرِّر).

(4) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 103، وحاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 97-98.

(5) عهدة دار، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وإحضاره، بناءً عليه فهذا اعتبار غير اعتبار الدين أو العين الشخصيّة.

في باب البيع، بناءً على أنَّه نقل عين بعوض، لا يسبّب غير النقل من ملكيّة هذا إلى ملكيّة ذاك، لكنَّ له لازماً عقلائيّاً، وهو أنَّ هذا الشخص ذو عهدة للتسليم، لا أنَّ العين تأتي في العهدة. 

لكن إذا تعذَّر التسليم من الأوَّل، فقد يُقال بعدم صحّة المعاملة من الأوَّل، أو التسلُّط على خيار الفسخ، ولكن إذا لم تكن العين متعذّرة التسليم ابتداءً، ووقع عليها العقد صحيحاً، ثُمَّ تعذَّر التسليم بعد ذلك وهو لم يُسلِّم المال عصياناً، فهنا لا نقول له اعطاء مثلها أو قيمتها، بل العقلاء يفسخون، ويعتبرون المعاملة منتهية. فالبيع لازمه العقلائي بهذا المقدار: وهو أنَّه بعد وقوع المعاملة تكون أنت متعهّداً بالتسليم، فإن لم تُسلِّم فأنا لا أُسلِّم أيضاً.

في باب حلّ البيع الذي هو محلّ الكلام بناءً على أنَّ الحلَّ من حين الفسخ لا يُسبِّب أكثر من أن تكون المعاملة والقرار الذي عقدناه مُنحلّاً وغير موجود، غايته إذا كانت العين عندي، فلازمه العقلائي هو تسليم ما أخذته، لا أنِّي عملت معاملة جديدة وهذا لازم لها.

بناءً عليه: مقتضى المعاوَضة هو لزوم التسليم، فإذا سلَّم ثُمَّ فسخ العقد، فتكون أنت ذا عهدة للردِّ لا العين؟ 

وإذا انحلَّت المعاملة والمفروض أنّي لم أعطك العين مجّاناً، هو أن تعود العين إليّ بحسب الأسباب الأوليّة، ولازمه أنَّك ذو عهدة للردِّ. 

لكنَّ هنا إذا تعذَّر الردُّ أو أنَّه هو لم يرجع حينئذٍ العين، فهنا لا نرجع 

ـــــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

بالفسخ، فإنَّ الفسخ غير قابل للرجوع كالمعاملة، فيرجع بالمثل أو القيمة.

إذن فالفسخ فيه مع أصل المعاملة جهة اتِّفاق وجهات اختلاف، فهو يتَّفق معها: أنَّ المعاملة تجعل التسليم في ذمتك، والفسخ يجعل الردَّ في ذمتك. 

ويختلف معها في أنَّها تنتج الملكيَّة دونه، وإنَّما تملك العين بعده بالأسباب الأوليَّة، وفي كون المعاملة قابلة للفسخ، إلّا أنَّ الفسخ غير قابل لذلك.

إذن نقول في باب الفسخ هكذا سواءٌ في باب الخيار أو المعاطاة، وسواءٌ تلفت العين، وانتقلت بمعاملة لازمة أو جائزة، أو تعذَّر تسليمها؛ لحيلولة وغرق ونحوه، نقول كما قلنا في الغصب، وهو: أنَّ ما في عهدته هو التسليم والردّ دون العين. 

وفرق هذا عن التقريب الذي ذكرناه(1) آنفاً هو أنَّه بناءً على ذلك التقريب فإنَّ ما في العهدة هو العين، وبناء على هذا هو التسليم، هذا كله فيما إذا كان الفسخ من حينه.

[بسط المقال حول حقيقة الفسخ]

والآن لا بُدَّ أن ننظر إلى باقي محتملات الفسخ، وأنَّه ما هو مقتضى القاعدة فيها، وإن كان بعض هذه المحتملات مقطوع البطلان، وبعضها ضعيف.

أحد المحتملات: أنَّ الفسخ يكشف كشفاً حقيقياً عن أنَّ المعاملة مُنحلَّة، يعني ليست واقعة أصلاً. 

ـــــــــــــ[264]ــــــــــ

() ولخَّصه في مبدأ هذه المحاضرة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

نظير ما يقوله الشيخ(1) من أنَّ تماميّة المعاملة منوطة بالتفرُّق من المجلس وانتفاء الخيار. 

فهنا نقول: إنَّ الفسخ من متمِّمات الملكيّة، غاية الأمر أنَّنا لم نكن مطَّلعين على وقوع الفسخ في المستقبل، إلّا أنَّه بعد الفسخ نعلم أنَّه بحسب الواقع وفي علم الله لم يكن العقد واقعاً؛ لأنَّ العقد المتعقّب بالفسخ غير مؤثِّر أصلاً.

الاحتمال الآخر: هو الكشف الحقيقيّ، ولكنَّ المعاملة قد سبَّبت الملكيّة، ولكن بعد حصول الملكيَّة آناً ما انفسخ العقد، والفسخ يكشف عن ذلك كشفاً حقيقيّاً، فهذان الاحتمالان يرجعان إلى الكشف الحقيقيّ.

الاحتمال الثالث: هو الكشف الحكميّ، نظير البيع الفضولي بناءً على الكشف الحكميّ، وهو أن يقال: إنَّ المشتري إلى الآن كان مالكاً للعين واقعاً، ولكنَّ الفسخ يكشف عن أنَّ العقلاء أو الشارع عبّدنا بأن نبني من الآن على أنَّ هذا ملك لذلك الإنسان من الأوَّل، بمعنى ترتيب آثار ملك ذلك الشخص من الأوَّل.

الاحتمال الرابع: هو أن يكون الفسخ من الآن، وقد تكلَّمنا عنه.

ولسنا الآن في مقام أنَّ هذه الاحتمالات صحيحة، وإنَّما نتكلَّم فيما إذا أوجد معاملة على هذا الشيء وتلف في يده، ثُمَّ فسخ، فما هو مقتضى القاعدة على هذه الوجوه؟

نقول: إذا نقل هذه العين ببيع، أو صلح -لازماً أو جائزاً- ثُمَّ فسخ، فبناءً 

ـــــــــــــ[265]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 5: 66-67، خيار المجلس، المسقط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

على الاحتمالين الأوَّلين من عدم تأثير المعاملة أصلاً، أو تأثيرها آناً ما ثُمَّ انحلالها، فيكون انتقالها إلى الغير فضولياً؛ لأنَّه نقل لمال الغير بتخيُّل أنَّه له، فيدخل في باب الفضولي الذي هو محلّ الكلام، وهو ما إذا باع مال الغير من نفسه، فإذا قبل بصحّته يقع البيع(1) صحيحاً بالإجازة، وإذا قَبِل ببطلانه يقع باطلاً.

وأما إذا تلفت العين فأيضاً بناءً على احتمالي الكشف الحقيقيّ، تكون العين مضمونة؛ لأنَّها عندي من دون إذن شرعيّ أو مالكيّ. فإذا تلفت كانت في عهدتي؛ إمَّا العين نفسها، وإمَّا مثله أو قيمتها على الاختلاف في (قاعدة اليد).

وأمَّا إذا قلنا: إنَّه فسخ تعبُّدي، فهو تابع لمقدار التعبُّد، فإذا قلنا بأنَّنا متعبِّدون أن نعتبره ماله في جميع الآثار، فالأمر فيه أيضاً كالسابق، غاية الأمر أنَّه من الآن لا بُدَّ أن تعتبر أنَّه مال الغير وقد تلف في يدك، من الآن يجب أن تبني على أنَّ هذه العين من الأوَّل تمام آثارها لي، فالثمرات والنتائج وإن كانت قبل الفسخ لك، لكن بعد الفسخ لا بُدَّ أن تتعبَّد بأنَّها أثمرت في ملكي، كما لو كانت مُلكاً من الأوَّل. 

وكذلك هي تلفت في ملكي، فهذا التلف يحقق موضوع (على اليد)، فكما لو أخذت مال الناس تكون ضامناً له وعليك أداؤه، فكذلك هنا نتعبَّد بأنَّه مال الغير فيكون موضوعاً لقاعدة اليد.

وأمَّا إذا انتقلت العين إلى ملك الغير، فإن كان التعبُّد مطلقاً، فهو يقتضي 

ـــــــــــــ[266]ــــــــــ

() يعني: البيع الثاني، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

أن تتعبَّد من الآن أنَّ هذا المال مال الغير، فيقع فضوليّاً، أو باطلاً.

وكلّ هذه الاحتمالات في الفسخ خلاف التحقيق، وإنَّما الفسخ من حينه لا من الأصل، هذا كلّه على إفادة المعاطاة الملك.

في نفس المسألة إذا قلنا: إن المعاطاة تفيد الإباحة

وأمَّا إذا قلنا بإفادتها للإباحة، ثُمَّ انتقلت العين إلى الغير بعقد لازم أو جائز:

فمرَّةً نقول: إنَّ العين في المعاملات الموقوفة على الملك، تدخل في ملكه آناً ما، ثُمَّ تنتقل منه إلى الآخر.

وأخرى: لا نقول بذلك.

فإذا قلنا بالأول، فيتحقَّق موضوع أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنَّ الإجماع قائمٌ إلى وقت حدوث الملكيّة، وبعد حدوثها لا إجماع، فيشملها إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فيكون العقد لازماً، ولا يجوز حلّ المعاملة ليأخذ المثل أو القيمة.

 وهذا يتمُّ بالنحو الذي قلناه من أنَّ مقتضى إطلاق أدلّة النفوذ هو السببيّة المطلقة، خرجنا منها بمقدار الإجماع، على فرض ثبوته، وقبل انتقال المال إلى الغير لا إجماع، فيشمله الأدلّة وتحصل الملكيَّة، ونصحّحها بهذه الإطلاقات، ولا نحتاج إلى “لا بيع إلّا فيما تملكه” (1).

ـــــــــــــ[267]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 3: 205، باب التجارة، الحديث 47، ومستدرك الوسائل 13: 230، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 15210.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وأمَّا إذا قلنا: إنَّ العين لا تصبح ملكه حتَّى حين البيع، فحينئذٍ لا يمكن التشبُّث بأدلّة الأسباب؛ لأنَّ لازمه هو أن تكون العين مالي في حين كونها ماله، وهو باطل.

هذا كله إذا بقيت العين في ملك المشتري الآخر.

وأمَّا إذا رجع، فمرَّةً يكون الرجوع بفسخ ونحوه، ومرَّة يكون بسبب جديد كالإرث والشراء والمصالحة، فهذا الملك الجديد ما حكمه؟ 

والحاصل: بناءً على التقريب الذي قلناه من أنَّ للبيع لازماً عقلائيّاً، وهو كون التسليم في العهدة(1)؟ 

فيقال له: عليك تسليم العين في مقابل دفع العوض، وهذه العهدة ناشئة من لزوم وقوف الرجل عند قوله، وليس من باب ردّ مال الغير إلى صاحبه، فهذان اعتباران متغايران.

ولهذا في المعاملة لو تعذَّر التسليم، أو لم يعطه العوض، فإنَّه يفسخ، لا أنَّه يرجع إلى المثل أو القيمة. 

وأمَّا عند قبض مال الغير غصباً، فعند التلف لا يكون قابلاً للفسخ، وإنَّما لا بُدَّ من الرجوع إلى المثل أو القيمة.

ولعلَّ قوله: (كلّ بيعٍ تلف قبل قبضه فهو من مال البائع)(2)، ناظر إلى هذا 

ـــــــــــــ[268]ــــــــــ

() (عهدة داري تسليم)، (المقرِّر).

(2) راجع عوالي اللئالي 3: 212، باب التجارة، الحديث 69، قواعد الأحكام 2: 69، المطلب الثاني: في الأحكام، شرائع الإسلام 2: 17، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

المعنى في المعاملة، وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ إرجاعَ مال الناس إلى صاحبه بابٌ، والتسليمَ المعاملي بابٌ آخر.

وأمَّا في الفسخ فيجب الردُّ، لا لأجل أن الفسخ جاء بملكيّة جديدة، وإنَّما يحلّ تلك المعاملة التي كان مقتضاها التمليك، يملك الشيء بالسبب الأوَّل، واللازم العقلائيّ للفسخ هو ردّ العين. 

ولكن هنا حيث إنَّ المعاملة غير موجودة، فيردّ؛ لأنَّه مال الناس، لا لأنَّ مقتضى الفسخ هو الردُّ، فإنَّ الفسخ ليس أكثر من فسخ المعاملة، لكن حيث انفسخت المعاملة فلا بُدَّ من الردِّ. وفرق المقام عن التسليم بمقتضى المعاملة: أنَّه هناك إذا لم يسلِّم تكون المعاملة قابلة للفسخ، على حين هنا إذا لم يردّ لا يكون الفسخ قابلاً له، فلا بُدَّ من الرجوع إلى المثل أو القيمة.

فبناءً على هذا، يكون مقتضى الفسخ هو عهدة التسليم للعهدة، وعند تعذُّر الردُّ فلا بُدَّ من ردِّ مثلها أو قيمتها، بلا فرق بين أن تتلف أو أن تنتقل بمعاملة جديدة، كما ذكر الآخوند(1) من أنَّه فرق بين تلف العين في المعاطاة وبين نقلها بمعاملة جديدة، فإنَّه على الأوَّل يمكن اعتبار بقاء الملكيّة، فيردّ العين بمقتضى نفس تلك المعاملة، وأمَّا على الثاني فالمعاملة الثانية قد أحدثت ملكاً جديداً، ولا يمكن إرجاع الملك الذي حدث بالمعاملة الأولى.

هذا مبنيّ على أنَّ الفسخ يُرجِع الملكيّة.

وأمَّا إذا قلنا: إنَّ الفسخ يهدم العقد فقط، ولازمه العقلائيّ هو أنَّ العين 

ـــــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 24.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

التي قبضها بمقتضى المعاوضة، هو ذو عهدة لتسليمها(1)، لا أنَّ الفسخ يحدِّد الملكيّة، فإذا كانت العين موجودة فلا بُدَّ أن يرجعها، وإذا تلفت يرجع إلى المثل أو القيمة، حيث إنَّ الفسخ غير قابل للفسخ.

بناءً عليه، فالمعاملة الثانية لا تهدم المعاملة الأولى، فإنَّنا إذا نظرنا نجد أنَّنا قد عملنا معاملة معاطاتيّة، وهي لازالت قائمة بحالها، كما يقال في الخيار عند الانتقال إلى الغير، من أنَّه: إذا فسخ يرجع إلى المثل أو القيمة، وهذه أمور عقلائية. 

وأمَّا أنه بالفسخ يرجع نفس الملك الحاصل بالمعاطاة؛ فهذا إمَّا أن نقبله، ونقول: إنَّه من المعدوم العرفي، وعند الفسخ يحكم العقلاء بعوده بنفسه. وإمَّا أن لا نقبله، ونقول: لا ضرورة إلى افتراض عود نفس الملك السابق، وإنَّما غايته ما عند العقلاء هو أنَّهم يطالبون بتسليم العين بعد الفسخ، ولا يفكِّرون بمثل هذه المطالب المدرسيّة.

فسواء انتقل بمعاملة جديدة أو بسبب غير المعاملة، فعند الفسخ لا بُدَّ من تسليم العين، فإذا كانت موجودة وجب دفعها عن نظر العقلاء، وإلّا انتقل إلى أقرب الأشياء -إلى العين- وهو المثل وإلّا فإلى القيمة.

[تقريب كلام الميرزا النائيني]

وأمَّا ما قاله المرحوم النائيني(2)، من أنّ الفسخ في باب المعاطاة يفترق عنه في باب الخيارات. 

ـــــــــــــ[270]ــــــــــ

() عهده دار، (المقرِّر). [كلمة باللغة الفارسية تعني: المتعهد أو المسؤول].

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 89-90، الكلام في المعاطاة، الأمر الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

فإنَّه في باب المعاطاة نظير خيار العيب، بحيث لا بُدَّ أن تبقى العين بمالها الأوَّل، وأمَّا في باب الخيار فلا يفرق في ذلك، فإن بقيت بحالها تكون قابلة للردّ فيأخذها، وإذا انتقلت فلا تكون قابلة للرد فيأخذ مثلها أو قيمتها.

نقول: هذه مصادرة على المطلوب؛ لأنَّ بحثنا هو في أنَّه إذا تصرَّف في العين ونقلها إلى الغير، فهل تكون قابلة للردّ أو لا؟ ودعواه في المقام هو أنَّ العين في المقام لا تبقى على حالها، فلا تكون قابلة للردِّ، ودليله على ذلك هو: أنَّ العين إذا لم تبقَ على حالها -يعني انتقلت بالبيع مثلاً- كانت غير قابلة للردِّ، حالها في ذلك حال خيار العيب، ومن المعلوم أنَّ هذا الدليل هو عين المدَّعى بتغيير في العبارة.

أو مثلاً يقول(1): إنَّه في باب الخيارات الزائل العائد كأن لم يزل، وفي باب المعاطاة: الزائل العائد كأن لم يعد. فهذا ليس فيه سوى جمال العبارة.

وإلّا فما هو الدليل على ذلك، ولعلّه ذكرها استطراداً على اعتبار مبانٍ أخر، ولا تصلح أن تكون دليلاً شرعياً. 

فإنَّه إذا قلت: إنَّ الملكيَّة السابقة بنفسها تعود، وإنَّ إعادة المعدوم العرفيّ الاعتباريّ لا مانع منها، فذلك لا يفرق بين المعاطاة والخيار.

وإذا قلتم: إنَّ ذلك محال، وإنَّه يلزم إعادة المعدوم، فهو أيضاً لا يفرق بينهما. 

نعم، إذا كان المقصود هو الترادّ الخارجي كان له وجه، إلا أنَّنا قلنا: إنَّ 

ـــــــــــــ[271]ــــــــــ

(1) انظر: المصدر السابق.

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

المدار هو الترادّ الاعتباريّ لا الخارجيّ.

إذن، فعلى المشي على مبنى القوم، وبالنحو الذي فهمنا به الفسخ، فإنَّه في جميع هذه الموارد يكون ممكناً.

نعم، يبقى مطلب واحد صغير، وهو أنَّه إذا انتقلت العين بالبيع اللازم، ففسخ المعاملة لا يؤثِّر في فسخ المعاملة الثانية، وتشملها أدلّة اللزوم، ولا بُدَّ حينئذٍ أن يرجع بالمثل أو القيمة.

وأمَّا إذا انتقلت إلى الغير بمعاملة جائزة، فهل هو ليس ملزماً أن يفسخ، كما يقولون، أو يكون ذا عهدة لمال الناس بعد الفسخ، فعليه فسخ المعاملة الثانية أيضاً لأجل إرجاع العين، أو نقول إنَّ العين تبقى بحالها، فعند الفسخ يعود إلى المثل أو القيمة؟

مرة نقول: إن تلفت العين في يدك، وحصل الفسخ وأنت قادر على إيجادها، فهي لا تخرج عن الملكيَّة في نظر العقلاء، فلا بُدَّ من إيجادها وإرجاعها، وكذلك إن وقعت في البحر وأنت قادر على استخراجها، فيجب إخراجها وإرجاعها.

ومرَّة لا نقول بذلك؛ لأنَّها خرجت عن ملكه، ولا دليل على وجوب الإرجاع.

فهنا مبنيان:

أحدهما: أن نقول: إنَّه كما أنَّ اللازم العقلائي للبيع هو التسليم بعنوان العوض لا بعنوان مال الغير، كذلك في باب الفسخ، عندنا عنوان غير عنوان 

ـــــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

إرجاع مال الناس، وهو أنَّه لا بُدَّ من ردِّ المال بمقتضى الفسخ. 

إذا قلنا بهذا فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ القصّة ليست قصّة إرجاع الملك إلى صاحب، وإنَّما هو تعهُّد الردّ بمقتضى الفسخ، وأنت تستطيع التسليم ولك عليه القدرة، فلا بُدَّ من إيجاد العين، أو فسخ المعاملة الثانية لأجل تسليم العين. وإذا كانت المعاملة الثانية عقداً لازماً، فاذهب واشترِ العين وسلّمها.

 وثانيهما: ومرَّة نقول: إنَّه بالفسخ يملك الفاسخ ما وقع عليه العقد باعتبار السببيّة السابقة، ولكنَّ هذا إنَّما يكون في المورد الذي لا مانع منه. 

وأمَّا إذا كان هناك مانعٌ، كما إذا تلفت العين أو بيعت، فإنَّه لا يملك العين لوجود المانع عن عود الملكيَّة السابقة، فهنا يقول: (أعطي مالي)، إلّا أنَّه عليه تعهُّد الردّ بمقتضى الفسخ كما قلنا في الوجه الأوَّل، بل يعود إلى الفاسخ بمقتضى الملك السابق، فإن كانت العين موجودة يرجع بها وإلا فيرجع ببدلها، باعتبار أنَّ العين انتقلت إلى الغير، ولا دليل على وجوب حلّ المعاملة الثانية.

وعلى أيِّ حالٍ إذا اخترنا ذاك المبنى فنقول بوجوب الفسخ، وأمَّا إذا اخترنا المبنى الثاني، فلا نقول بذلك(1).

ـــــــــــــ[273]ــــــــــ

() أقول: مقتضى القاعدة هو العكس؛ لأنَّ الملكيَّة السابقة على المبنى الثاني لا يمكن أن تعود مع وجود المانع، فلا تكون المطالبة بالعين من باب إرجاع المال إلى صاحبه، بل من باب اقتضاء الفسخ للردّ. وفي مثل ذلك قال السيّد بلزوم العمل بمقتضى الفسخ.

وأمَّا على الوجه الأول: فلم يفترض هذا المانع، ولعلَّه لأجل أنَّ المعاملة الثانية أيضاً لا تمنع في نظر العقلاء من رجوع الملكيَّة الأولى، وخاصّة إذا تعرَّضت للفسخ؛ فيجب فسخها من باب وجوب ردّ المال الى صاحبه.

نعم، لو كان العقد لازماً فلا يجب الشراء على اعتبار انقطاع الصلة بين الملك السابق واللاحق في نظر العقلاء بالكلِّيّة فيرجع الى المِثْل أو القيمة، فتأمل، (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

وللشيخ بعد ذاك فروع كثيرة وتنبيهات متعدِّدة، نغضّ النظر عنها؛ لأنَّها طويلة، ونتعطَّل فيها أكثر من شهر.

(وبهذا ينتهي باب المعاطاة والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبيّ الإسلام وعلى آله الطيبين الطاهرين، ونسأل الله حسن إتمامه وعليه التوكّل في الشدَّة والرخاء)(1).

ـــــــــــــ[274]ــــــــــ

() ثُمَّ دخل السيّد في نفس الدرس في باب ألفاظ المعاملات. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج2 












الفهرس 

 

التنبيه الأول: هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر في البيع 11

[المقام الأوّل: في المعاطاة التي قُصِد بها الإباحة] 11

[هل إباحة التصرُّفات موجبة لانتزاع الملكيّة أو لا؟] 11

[حكم الشكّ في اعتبار الشرط] 14

[في جريان الربا والغرر في المعاطاة] 18

[في جريان الخيار في المعاطاة] 18

[المقام الثاني: في المعاطاة التي قُصِد بها التمليك] 20

[التحقيق في المقام] 21

في إمكان جعل الخيار للمعاطاة الجائزة 23

[في الفرق بين القوانين الكلّية والخطابات الجزئية] 24

التنبيه الثاني: هل يعتبر في المعاطاة التعاطي أو يكفي من طرف 35

[القول بأن المعاطاة تقع من طرف واحد] 35

[القول بأن المعاطاة لا تقع من طرفٍ واحد] 42

شبهتان واردتان في مطلق المعاطاة 44

[في كفاية النيّة والكلام والمقاولة] 51

ـــــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

التنبيه الثالث: في الفرق بين البائع والمشتري في باب المعاطاة 57

[الجهة الأولى: في رُكنيّة الإيجاب والقبول] 57

[مناقشة القول بتقوّم ماهيّة البيع بالإيجاب والقبول] 58

[الجهة الثانية: في كون البائع والمشتري من الأمور الواقعية أو متفرع على الإنشاء] 61

[في كون الإيجاب حق البائع] 62

[في جعل المشتري بائعاً] 63

[الجهة الثالثة: إذا وكّل المتبايعان شخصاً واحداً] 64

التنبيه الرابع: في وقوع المعاملة بين التمليكين 69

[إشكالات ترد على ما أفاده الشيخ الأعظم] 70

[إشكال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي] 72

[في الفرق بين التمليك بالصيغة والفعل] 74

(إعادة إشكال الجمع بين اللحاظين وجوابه) 75

[إشكال بعض المحققين في المقام] 75

[نقد الإشكال] 76

[تحقيق حول المالية] 79

[حول اعتبار العينية في البيع] 82

صورتي الإباحة في مقابل العوض والإباحة في مقابل الإباحة 83

[إشكالان للشيخ الأعظم في المقام] 83

ـــــــــــــ[276]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

الإشكال الأول: إباحة التصرفات الموقوفة على الملك 83

تقريب إشكاله 84

[ما يلاحظ على الإشكال الأول] 84

[التخلص من الإشكال] 88

[ما أفاده الشيخ الأعظم في مقام الجواب] 90

[كلام حول مسألة (اعتق عبدك عني)] 91

[كلام حول ما قاله الشيخ في مسألة (اعتق عبدك عني)] 94

[توجيه كلام العلَّامة] 95

[كلام حول ما قاله الشيخ الأعظم في مسألة: (اعتق عبدك عني)] 96

[تغاير باب الألفاظ عن باب الأفعال] 97

[عودة إلى مناقشة كلام الشيخ الأعظم] 98

[هل يجوز قصد معنيين بفعلٍ واحد؟] 99

[تنظير الشيخ بكلام العلَّامة] 99

[جواب آخر للشيخ الأعظم عن الإشكال] 101

[أنحاء الإباحة في المقام] 102

[النظر فيما أفاده الشيخ الأعظم] 103

[الإشكال الثاني: الإباحة في مقابل العوض] 106

[هل الإباحة بالعوض بيع أو لا؟] 107

[هل الإباحة بالعوض جائزة أو لازمة؟] 110

ـــــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [دفع ما التزم به بعض المحققين] 111

التنبيه الخامس: في تحقق المعاطاة في سائر المعاملات 115

[الإشكالات الواردة في جريان المعاطاة في النكاح] 116

[المعاطاة في القرض والرهن والهبة ونحوها] 121

[جواب المحقّق الأصفهاني ونقده] 122

[التحقيق في المقام] 125

[ما يُعتبَر شرطاً في جريان المعاطاة في سائر العقود] 126

[التنبيه السادس: في ملزمات المعاطاة] 131

في العمل بالعام عند المخصص اللبي 134

[الأقسام المتصورة لورود العام] 140

[في ما هو الميز بين العموم والإطلاق] 147

[إشكال الشيخ عبد الكريم الحائري] 150

مناقشة المرحوم النائيني 152

[التحقيق في المسألة] 162

[في الجواب عن الإشكال المزبور والنظر فيه] 169

كلام للآخوند ومناقشته 176

في الأدلة الثمانية على اصالة اللزوم 179

استصحاب بقاء الجواز 180

في معارضة استصحاب بقاء الملكية مع استصحاب بقاء الجواز 184

ـــــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

 [نقد ما أفاده الشيخ الأعظم في المقام] 185

[بيان المحقق الأصفهاني في المسألة] 186

[مناقشة كلام المحقق الأصفهاني] 191

في أصالة اللزوم على تقدير إفادة المعاطاة الإباحة 194

[تقريب اللزوم على القول بالإباحة الشرعية] 198

[بيان ما أفاده الشيخ الأعظم في محل البحث] 203

[حول الضابطة في جريان الحكومة في مثل المقام] 205

[ما أفاده المحقق الأصفهاني في المقام والجواب عنه] 208

[ما هو الأصل في صورة تلف العينين] 213

في ذكر تقريبين للزوم المعاطاة على تقدير إفادتها الإباحة 214

[النظر فيما أفاده الشيخ الأعظم في محل البحث] 219

[تقريب اللزوم بوجه آخر] 222

[نقل مقالة الشيخ الأعظم وتشييدها] 224

[عدم تمامية ما حرره الشيخ الأعظم في المسألة] 225

ما إذا كان أحد الطرفين عيناً والآخر ديناً 228

[بسط الكلام في المقام] 229

[تحقيق وتأصيل في المقام] 230

[تحرير مقالة المحقق الأصفهاني] 234

[التأمل في مقالة المحقق الأصفهاني وبسط الكلام فيها] 235

ـــــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2 

كلام للمرحوم النائيني ومناقشته 240

[تقريب آخر للميرزا النائيني والإيراد عليه] 243

[التأمل فيما أفاده المحقق الإيرواني في البحث] 245

[الكلام فيما لو كان أحد العوضين ديناً على القول بالإباحة] 246

[بسط المقال في ما أفاده الميرزا في محلّ البحث] 249

[نقد مقالة الميرزا النائيني] 249

في سقوط الدين بعد المعاملة 252

فيما إذا انتقلت إحدى العينين بعقدٍ لازم أو جائز إلى الغير 253

[تحقيق المقال في المقام] 258

التقريب الآخر 261

[بسط المقال حول حقيقة الفسخ] 264

في نفس المسألة إذا قلنا: إن المعاطاة تفيد الإباحة 267

[تقريب كلام الميرزا النائيني] 270

الفهرس 275

ـــــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج2