الجزء الثالث
3 , 373
ص44 الصدر، محمد.
كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج3 (400ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1696/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1696) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
7-07-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
كتاب البيع
تقريراً لما أفاده الأستاذ
آية الله العظمى
السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثالث
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ـــــــــــــ[4]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الكلام في عقد البيع
ويحتوي على:
ـــــــــــــ[7]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قلنا: إنَّ المعاملة المعاطاتيّة كانت من أوَّل الأمر عند البشر، ولا زال سوق العالم إلى الآن قائماً عليها، إلّا في بعض المعاملات الخاصّة، وإنَّ المعاطاة صحيحة ولازمة، ولا إجماع على عدم لزومها، ولم يثبت عندنا إجماع في الطبقة الأولى من المجتهدين من أصحاب الأئمة، وإنَّما هو كلام حدث وكثر بالتدريج عند المتأخِّرين.
بعد أن بنينا على لزوم المعاطاة، قد يُقال: إنَّه إذا لم تحصل شرائط البيع اللفظيّ، يصير بيعاً معاطاتيّاً لازماً، فالبحث عن ألفاظ المعاملات في غير محلِّه؛ لأنَّ البيع إمَّا أن يقع لفظيّاً لازماً، وإلَّا وقع معاطاتيّاً لازماً.
نقول: ليس الأمر كذلك، فإنَّ المعاطاة وإن كانت صحيحة ولازمة على القاعدة، لكنَّه إذا وقعت معاملة بسببيّة اللفظ، ولم يكن مطابقاً للمقرَّرات الشرعيّة، فهنا لا تستطيع أن تقول: إنَّه بيع معاطاة لازم؛ لأنَّ ما هو سبب قد أوقعاه لم يكن جامعاً لشروط الصحّة أو لشروط اللزوم.
وأمَّا المعاطاة فلم يوجدا سببها ولم يقصداها. وأمَّا التسليم فهو اعتبار الوفاء بالمعاملة، لا باعتبار إيقاع المعاملة ليُقال: إنَّنا في باب المعاطاة لا نحتاج إلى أكثر من التسليط، فإنَّه في المعاطاة لا بُدَّ من التسليم.
ـــــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والتسليم بعنوان إيقاع المعاطاة، لا التسليم بعنوان الوفاء بعقد آخر، ونقول: إنَّ المعاطاة تقع قهراً عليكم، بل البيع المعاطاتيّ في عرض البيع العقديّ، بحيث إنَّ كلّاً منهما يقع مستقلّاً، لا أنَّ العقد إذا فسد يقع معاطاةً.
إذن فلنا -مع كوننا حاكمين بصحَّة ولزوم المعاطاة- أن نبحث عن ألفاظ العقود؛ لنرى أنَّ الشارع هل تصرَّف في الألفاظ العقلائية للعقود أو لا؟ هل اشترط العربيّة أو لا؟ هل اعتبر قيوداً في الصحّة، أو في اللزوم أو لم يعتبر؟
وطبعاً فإنَّ مقتضى القواعد، ووجوب الوفاء بالشرط، و(التجارة عن تراضٍ)، هو أنَّه متى ما صدق البيع بهذه الألفاظ عند العقلاء، وتحقّق مصداق البيع؛ فلا بُدَّ أن يكون جائزاً ومشمولاً للأدلّة.
ومن يقول بعدم صحّته هو الذي لا بُدَّ أن يُقيم دليلاً، فلا بُدَّ أن نبحث عن دليله، وأنَّ الشارع هل تصرَّف بعض التصرُّفات، أنَّ البيع باقٍ على حاله؟
ـــــــــــــ[10]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
[حول حقيقة البيع]
ـــــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
البيع بحسب الأسباب قسمان:
أحدهما: البيع المعاطاتيّ الذي سبق الكلام فيه.
والآخر: البيع بالصيغة الذي هو الآن محلّ الكلام.
لا إشكال أنَّ هذين القسمين من البيع كانا متعارَفَين من الأوَّل، بل إنَّ المعاطاة أسبق وجوداً من الصيغة، ولكنَّ البيع بالصيغة ظلَّ متعارفاً في زمن الشارع المقدّس، وخاصّة في الأمور ا لمهمّة، وهذا لا إشكال فيه.
إنَّما الإشكال في أنَّ البيعَ منحصرٌ بالمعاطاتيّ والعقديّ، أو أنَّ ماهيَّة البيع أوسع من ذلك، هل ماهيَّة البيع التي هي عبارة عن مبادلة مال بمال، أو مبادلة عين بعوض، منحصرة أسبابها بالمعاطاة واللفظ؟
وبعبارة أخرى: هل لا بُدَّ أن تكون الأسباب متعارَفة عند العقلاء؛ ليصدق البيع، بحيث إنَّه إذا لم تكن الأسباب متعارَفة، بل أوجدها المتعاملون بحسب القرار السابق بينهما لا يصدق البيع؟
كما لو قال شخص لصاحبه: بأنِّي إذا عطست فإنِّي أقصد الإيجاب، فإذا سمعتني أعطس فأنت اعطس قاصداً القبول، فهل هذا في نظر العقلاء مبادلة مال بمال أو لا؟ بحيث إنَّ البيع العقلائي هو عبارة عن مبادلة مال بمال، ولا
ـــــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يفرّق في ذلك بين إيجاده باللفظ مرَّة، وبالأخذ والإعطاء أخرى، وبالإشارة ثالثة، وبالكناية رابعة، وبألفاظ لا دلالة لها في أنفسها إلّا بالموافقة وإقرار بين المتبايعين فقط، أقصد: مبادلة مال بمال. وبأيّ آلة كان يقع صحيحاً، وتشمله عمومات الصحّة واللزوم. أو إنَّه البيع لا يحصل إلا بالأسباب المتعارفة.
أمَّا الأسباب الأخرى فلا يحصل البيع بها في نظر العقلاء، وأنَّ المعاملة لا بُدَّ أن تقع بالآلات الخاصّة، وهذا أمر ليس خاصّاً بالبيع، بل شاملٌ لسائر العقود والإيقاعات.
ـــــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أو يقال: إنَّنا فقط نرجع إلى العرف في تعيين ماهيَّة البيع. وأمّا في الأسباب الموجِدة لها، فلا نتَّبع العرف، بل نعملها بأيِّ عمل كان.
نظير ما قاله الآخوند(1) في باب المعاملة والمصاديق، من أنَّنا تابعون للعرف في تعيين المفاهيم، دون تعيين المصاديق، وهو خلاف ما نفهمه. وهنا نظيره يُقال: إنَّ التبعيّة للعرف والعقلاء إنَّما هو في تعيين ماهيَّة البيع ومفهومه، وأنَّه هو مبادلة مال بمال، ولكنَّنا لا نتَّبعهم في مورد إيقاع المعاملة، بل نعملها بأيّ قولٍ أو عملٍ نريد إيقاعها به، حتَّى بالسعال والعطسة، فنحن نجعل الآلة، وما نعتبره آلة تحصل بها مبادلة مال بمال.
أو إنَّه ليس المطلب كذلك لا هناك ولا هنا؟
أمَّا هناك فليس أنَّه قد وردت آية أو رواية تأمرنا بأخذ المفاهيم من العرف دون الرجوع إلى المصاديق، غاية الأمر أنَّ الشارع المقدّس في مقام التعليم والتفهيم، يتَّخذ طريقة خاصّة، وإنَّما تكلَّم مع الناس على شاكلتهم، فإنَّه جاء بأحكام جديدة لا بكلام جديد، فلو قال الدم نجس، يرجع في تعيين مفهومه إلى العرف وما هي ماهيّته.
ـــــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 37.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ولا يرجع في تطبيقه إلى العقلاء، بل إلى (أبي علي ابن سينا)، باعتبار أنَّ لون الدم فيه نفس الأجزاء الدمويّة التي هي سبب الحياة في الحيوان، فيكون لون الدم دماً.
ليس كذلك، بل نرجع إلى العرف في أصل المفهوم وفي التطبيق أيضاً، والعرف لا يرى لون الدم دماً، والشارع تكلَّم كما تكلَّم العرف والعقلاء، فالمفاهيم الواردة في موضوعات أحكامه وتطبيقها أيضاً أمر يعود إلى العرف، ولا تلاحظ في ذلك العقل الدقيق الفلسفيّ.
ولا أقصد بالعرف العرف المسامحيّ، بل العرف الدقيق، فإنَّ العرف قد يتسامح ويقول: من هنا إلى الكوفة فرسخ واحد، مع المسامحة بمائة قدم أو مائة متر. أو إنَّ هذا حِمْل حنطة، مع المسامحة بمَنٍّ أو مَنّين، ولكنَّهم لو سُئلوا عن الدقّة لأجابوا بأنَّه حِمْل حنطة إلا مَنّاً أو مَنَّين، ولكن إذا نقصت حبَّةٌ واحدةٌ من الحِمْل، أو نقص جزءُ حبَّةٍ لا يُرى إلا بالمجهر من الحِمْل، لا يقول العرف: إ نّ هنا حِمْلٌ إلا حبَّةً، أو جزءَ حبَّةٍ، بل هو حِمْلٌ حتَّى بالنظر العرفيّ الدقيقّ.
نعم، أحياناً الشارع يُساعد العرف في المسامحة أيضاً، كما في الأنصبة، فإنَّ نصاب الحنَّطة إن نظرنا إليه بالنظر العرفي الدقيق، لا نجده خالياً من أوقيَة أو حُقّة أو أكثر من التبن والحبوب الغريبة.
ولكنَّ العرف قد يتسامح، وقد وافق الشارع على تسامحه، فيجب أن نغضّ النظر عن نظر العرف؛ ونقول: إنَّ هذا موضوع الحكم الشرعي، فما قاله الآخوند وتبعه عليه جماعة، غير تامٍّ.
ـــــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إنّ(1) الشارع إنَّما استعمل الطريقة العرفيّة في التفهيم والتفهم في تشريعه وتبليغه للأحكام، لا في المطالب الإلهيّة والفلسفيّة.
فإنَّه في مثل ذلك تكلَّم عن نهج كلام الفلاسفة واستدلالاتهم وتدقيقاتهم العقليّة، وفي مثل ذلك لا بُدَّ من الرجوع إلى أهل الخبرة من الفلاسفة؛ لفهم الكلام، لا إلى العرف.
ومسائل التوحيد أو الجبر والتفويض وغيرها، وإن كانت لا بُدَّ أن تُنال بالبرهان والاجتهاد، ولا يمكن فيها التقليد، إلّا أنَّنا نرجع إلى أهل الخبرة من الفلاسفة لتعيين المصطلحات، ولا يمكن أن نرجع في مثل ذلك إلى العرف، فلو وَرد في الرواية: أنَّ لله ديكاً وصفه كذا وكذا، فإنَّ العرف يفهم كونه من جنس هذه (الديوك)، غاية الأمر أنَّ ديك الله أكبر منها، أمَّا الفلاسفة فيفهمون منها رمزاً إلى معنى معيَّن.
ففي مثل هذه الموارد يرجع العرف إلى الفلاسفة، وفي مسائل الفقه والتشريع يرجع الفلاسفة إلى العرف؛ ولذا فإنَّ من أدخل الدليل العقليّ والفلسفة في الفقه فإنَّه لم يؤدِ حقّه، وكذلك من أدخل الفهم العرفي في الفلسفة فإنَّه لم يؤدِّها حقّها.
وهنا أيضاً مرَّة نبني على أنَّ العقلاء، وإن كان لهم أسبابٌ معينةٌ متعارفةٌ لإيقاع المعاملات، إلّا أنَّ الاختيار بيدنا، فنقتصر بالرجوع إليهم بالنسبة إلى ماهيَّة البيع دون نوع الأسباب، ونُرجع الأسباب إلى اختيارنا، ونتمِّم المعاملة بـ
ـــــــــــــ[17]ــــــــــ
() وهنا دخل السيّد بالمناسبة من تقرير مطلب، وحاصله: أنّ الشارع… (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
(السعال) و(العطاس)، ولو لم يصدق عرفاً أنَّه سبب للبيع، مادام هو مبادلة مال بمال.
أو أنَّنا يجب أن نرجع إلى سوق العقلاء لنرى أنَّه هل يسمّى مثل ذلك بيعاً، بأيّ سبب كان، أو أن للبيع أسباباً خاصّةً، هي دخيلة في حصول ماهيَّة البيع(1)، والعطسة ليست من الأسباب، وإن وقعت مع القرائن الدالة على إرادة البيع بها؟
ـــــــــــــ[18]ــــــــــ
() هذا خروج عن المفروض؛ إذ المفروض انحفاظ ماهيَّة البيع على اختلاف الأسباب، فيقع الكلام في صحَّته بها أو فساده، وإلّا فلا إشكال في الفساد في مورد لا يصدق البيع عرفاً، وكون العرف يقتصر على أسباب معيّنة محدودة أوَّل الكلام، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الآن نتكلَّم عن أن الإشارة والكتابة، هل هي من الأسباب العقلائيّة، بحيث إنَّ العقلاء كما يوقعون المعاملة بالأخذ والإعطاء وباللفظ وما يقرب منها، ممَّا له مصحّحات عقلائية كالكتابات الرائجة عند العقلاء في عقودهم وإيقاعاتهم، فهل الإشارة أيضاً كذلك؟ فلو قال شخص لصاحبه: إن أنا أشرت برأسي فإنَّما أقصد الإيجاب، فأشِّر أنت بيدك قاصداً القبول، هل هذا من البيع العقلائيّ(1)؟ وهل المسألة تامَّة، ولا نرجع في الأسباب إلى العقلاء مع تحقُّق مبادلة مال بمال، أو لا بُدَّ أن نرجع الى سوقهم، فأيَّ شيء يعملونه فنحن نعمله، فهل يصدق على الإشارة بالرأس كونها بيعاً؟
ـــــــــــــ[19]ــــــــــ
() نعم، هو من البيع العقلائي مع كون الإشارة مفهمة عرفاً للإنشاء فإنّا لا نريد بالمعاملة إلّا الإنشاء المبرز في الخارج بمبرز؛ أمَّا الإنشاء النفسي فهو موجود على الفرض، وأمَّا إبرازه فهو بهذه الإشارة المفهمة عرفاً، بل لا مانع عرفاً من التباني بين المتبايعين إذا أصبحت الإشارة مفهمة عرفاً بعد التباني، وغاية ما في الإشارة هو إجمالها وصعوبة الإشارة بها، بخلاف اللفظ إلّا أنَّ هذا لا ينافي دلالتها في كثير من الأحيان.
إذن، فالقطع، بل احتمال كونها ليست معاملة عقلائية لا وجود له في الناطق، فضلاً عن الأخرس الذي أجزنا له الصلاة بالإيماء، فكيف بالبيع والشراء؟! (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
لا يصدق ذلك جزماً، وعلى الأقلّ نحن شاكُّون في ذلك.
فإذا بنينا على أنَّ الإشارة ليست من الأسباب، وأنَّ مبادلة مال بمال، لا بُدَّ أن تتحقَّق في ضمن أسباب خاصّة.
حينئذٍ نقول: إنَّه ما الفرق بين الأخرس وغيره؟
مرَّة نقول: إنَّ ماهيَّة البيع لا تحصل إلا بقيودها المتعارفة.
إذن، فمن غير المعقول أن يفترق بيع الأخرس عن غيره، فإنَّ السبب إذا لم يكن عقلائياً، وكانت ماهيَّة البيع مقيدة بشيء معين وكان لماهية البيع واقعية إلّا أنَّها واقعية اعتبارية، فهذه الماهيّة لا يمكن أن تكون إضافية، هي بالإضافة إلى الأخرس على شكل، وبالإضافة إلى غيره على شكل آخر، إلّا أن يقال بوجود وضعين واعتبارين: أحدهما: للأخرس والعَجَزَة.
والآخر: لغيرهم، إلا أن هذا لا يمكن.
ومرَّة نقول: إنَّ ماهيَّة البيع هي مبادلة مال بمال، وهذه الاشياء هي محقّقاتها عند العقلاء(1)، ومحقّقها عند الأخرس هو الإشارة، وعند الناطقين هو اللفظ والمعاطاة، فالإشارة قسمان؛ قسم يقول العقلاء بسببيتها وهي إشارة الأخرس. وقسم لا يقولون بسببيتها وهي إشارة الناطقين.
إذن فخرس المتعامل وعجزه عن الكلام هو قيد السبب، وجزء الموضوع بالنسبة إلى إيجاد المعاملة، لا بمعنى أنَّ إشارة الأخرس قائمةٌ مقام اللفظ.
كما أنَّ المسح على الجبيرة قائمٌ مقام المسح على البدن، بل العقلاء اعتبروا
ـــــــــــــ[20]ــــــــــ
() من دون أن تكون مأخوذة في الماهيّة. (توضيح)، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الناس قسمين ولكلٍّ منهما وضعوا سبباً معيناً(1)، فللناطقين اللفظ، وللخرس الإشارة.
والإشارة إذا كانت مؤثِّرة بمطلق وجودها، فلا فرق بين الناطق والأخرس، وإن كانت لا تؤثِّر إلا عند الأخرس، فلا بُدَّ أن يكون خرسه قيداً دخيلاً في السبب(2)، إذن فليست الإشارة هي الناقلة، بل العجز والخرس هو جزء الموضوع، ولازمه أن يُقال في مقابله: إنَّ (بعت) و(اشتريت) هي أيضاً ليست ناقلة، وإنَّما تؤثِّر بضميمة قدرتي على النطق، فقدرتي هي الناقلة في الحقيقة، سنتكلَّم عن ذلك إن شاء الله تعالى.
ـــــــــــــ[21]ــــــــــ
() هذا غير ما سبق من عدم وجود اعتبارين لدى العقلاء، فإنَّ ذلك كان على اعتبار القيديّة، فوجود الاعتبارين معناه: وجود بيعين عند العقلاء، وهو مقطوع العدم؛ أمَّا على السببيّة كما هو الفرض، فلا مانع من افتراض كون العقلاء جعلوا للبيع سببين بلحاظ ظروف المتبايعين وأحوالهم. (توضيح). (المقرِّر).
(2) ليس من الضروري حينئذٍ أن يكون الخرس قيداً للسبب، وإنَّما هو ظرف للمؤثِّريّة. بمعنى: أنَّ الإشارة لا تصحّ إلّا عند الخرس، لا لأنَّ مؤثِّريّتها منوطةً به، فمن الممكن أن نأخذها جهةً تعليليّةً لا جهةً تقييديّةً، فلا يكون الخرس مؤثِّراً في النقل والانتقال، ولا القدرة على النطق عند الناطقين في مقابله، ويرتفع أساس الإشكال، فلاحظ واعرف، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مهما كانت ماهيَّة البيع، ومهما عبّرنا عنها، سواءٌ كانت مبادلة مال بمال أو مبادلة عين بعوض، فلا بُدَّ أن توجد هذه الماهيّة الاعتباريَّة بأسبابها الاعتباريَّة الموجودة في الخارج، لتكون موضوعاً للأثر ومورداً للحكم.
وأمَّا ما قاله السيّد في الحاشية(1) من أنَّ البيع هو مبادلة مال بمال، وبأيِّ مبرز أبرز هذا المعنى تتحقّق الماهيَّة، غير صحيح.
بل لا بُدَّ أن نتَّبع سوق العقلاء، والشارع لم يأت بماهيَّة ولا أسباب جديدة، غايته أنَّه وضع بعض القيود، وألغى بعض البيوع.
أما الماهيّات والأسباب العقلائيّة فالشارع لا يستطيع تغييرها عما هو عليها.
الآن نريد أن نرى بحسب القواعد الأولية، وبغضّ النظر عن الأدلّة الخاصّة، أنَّه هل البيع ما دام مبادلةً مال بمال؛ فأكون حرّاً من ناحية الأسباب، وغير متقيد بالأسباب العقلائيّة؟
نقول: ليس الأمر كذلك، فإنَّنا كما أنَّنا تابعون للعقلاء في ماهيَّة البيع، ولا
ـــــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 53-54، كتاب البيع، في التكلّم في التعاريف المذكورة للبيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يمكننا تأسيس ماهيَّة جديدة نسمّيها بيعاً، فكذلك هذه الماهيّة ما لم تتحقّق في الخارج لا تكون موضوعاً للأثر الشرعي، فإنَّ الأحكام تعلّقت بالطبائع، وما لم تتحقّق الطبيعة في الخارج لا يكون لها أثر، ولا تتحقق في الخارج ما لم يحكم العقلاء بكونها ماهيَّة البيع، ويرتِّبون عليها الأثر، وبدونه لا تكون موضوعاً للأحكام إلا بدليل خاصّ.
فلا بُدَّ أن ننظر إلى سوق العقلاء؛ لنرى أنَّه كما أنَّ المعاطاة والصيغة تأخذان مجراهما في سوق العقلاء، كذلك تمام الأسباب المبرزة لهذا المعنى.
إذا كان الأمر كذلك والعقلاء يوافقون عليه فالمطلب تامّ، إلّا أنَّ ما يقوله الفقهاء حينئذٍ من أنَّ إشارة الأخرس بمنزلة لفظه، لا نفهمها؛ لأنَّكم تقولون: إنَّ اللفظ والإشارة والتعاطي والكتابة وغير ذلك، كلّها أسباب مستقلّة، فإذا كان الأخرس لا يستطيع إيجاد أحدها وهو اللفظ فإنَّه يتعامل بالسبب الآخر، ولا يكون سبباً قائماً مقام سبب، فإنَّكم إذا أجزتم سببيّة الكتابة، فهل تقولون كونها قائمة مقام اللفظ، بل تكون كلّ منهما سبباً مستقلّاً، فكذلك في الإشارة؟
فما يقوله الفقهاء من أنَّ إشارة الأخرس قائمةٌ مقام لفظه، يدلّ على أنَّهم لا يقبلون كلام السيّد من أنَّنا لا يجب أن نرجع إلى سوق العقلاء، بل نوجد الأسباب بأنفسنا واختيارنا.
وقد قلنا: إنَّنا كما يجب أن نرجع إلى العقلاء في معرفة ماهيَّة المعاملة، كذلك يجب أن نرجع إليهم في الأسباب، فإنَّ موضوعات الأحكام الشرعيّة موضوعات عقلائيّة، ولا نستطيع أن نفتح حساباً في مقابل حساب العقلاء.
ـــــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، إذا ادّعيت أنَّ العقلاء يوافقون على ذلك كان لذلك وجه، وتكون الأسباب حينئذٍ في عرض واحد، ولا يكون أحدهما قائماً مقام الآخر، فاذهبوا إذن إلى سوق العقلاء، وانظروا أنَّهم هل يرون تماميّة المعاملة بالإشارة والكتابة ونحوها، أو أنَّهم لا يفهمون كلام المدرسة، وليس لمثل هذه الأشياء اسمٌ في سوق العقلاء؟ وهذا هو الواقع، إذن فلا يمكن شمول إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2) لمثل هذه الأسباب؛ فإنَّها ليست أموراً عقلائية، نعم لا بُدَّ أن يقوم دليل خاصّ على كونها ملحقةً بها شرعاً.
وبالنسبة إلى الأخرس يُقال بأنَّ العقلاء كما أنَّ لهم وضعاً للناطقين، كذلك لهم وضعٌ خاصٌ للأخرس.
نقول: هل من الممكن القول بأنَّ الناطقين لهم المعاملة باللفظ وبالمعاطاة، على حين يتعيَّن على الأخرس البيع باللفظ، بحيث يضطر إلى الإشارة بدلاً عنه، مع إمكان أن يقوم الأخرس بإنجاز المعاملة عن طريق الأخذ والإعطاء والمعاطاة؟
فالأخرس في سوق العقلاء يوقع المعاملة بالمعاطاة لا بالإشارة، وإن قلنا بكونها صحيحةً ونافذةً، أمَّا في الموارد المهمَّة التي يحتاج فيها إلى الإثبات والتأكيد -فهو ممَّا تعترفون بكونه غير دخيل في ماهيَّة البيع- فهو يقوم بتوكيل من يقوم به، كما يرجع الناس في مثل ذلك إلى الآخوند أو الحاكم وأمثالهم.
ـــــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
(2) النساء: 29.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فما يقوله الآغايون من أنَّ إشارة الأخرس متعارفة في مقابل اللفظ، لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّه لم يرد دليل أو آية على أنَّ إشارته كلفظه، وإنَّما لا بُدَّ من حلَّ المسألة بالرجوع إلى سوق العقلاء، وهناك لا نرى الأخرس إلّا أنَّه يقوم بالمعاطاة، أمَّا المعاملة بالنحو الذي يقولها الآغايون، فغير موجودة في السوق.
نحن الآن نتكلَّم على المباني، فلو قلنا: إنَّ الإشارة مطلقاً وتمام ما يُفهِم معنى المبادلة، يكفي في نظر العقلاء، قلنا: في المقام مطلب آخر، وهو أنَّه إذا وقعت مثل هذه المعاملة، بحيث إنَّ الناطق أعرض عن اللفظ، وأوجد المعاملة بالإشارة، ففي مثل ذلك وإن سلَّمنا أنَّه يقع في سوق العقلاء صحيحاً، إلّا أنَّ جميع الأدلّة العامّة منصرفة عنه، فإنَّك إذا سمعت أن زيداً باع داره، فهل تحتمل أو يخطر ببالك -قبل حضور هذا الدرس- أنّه باعها بالإشارة؟ ونحن وإن لم نكن نرى أن ندرة الوجود سبب للانصراف، إلّا أنَّها في المقام ندرة، بحيث لا تخطر بذهن العاقل، إلّا بعد تنبيهه وسؤاله: هل هذه المعاملة بالإشارة صحيحة أو لا؟ وسلّمنا كونه يجيب بصحتها، إلّا أنَّ أدلّة النفوذ لا يمكن أن تشملها، فإنَّه يُتصوَّر للنفوذ دليلان:
أحدهما: كون المعاملة شايعة في زمن الشارع المقدّس، ولم يردع عنها، فنعرف أنَّ ديدنه في ذلك كديدن العقلاء، وإن لم يأتِ بحكم جديد.
ثانيهما: شمول عمومات وإطلاقات أدلّة نفوذ المعاملة له.
أمَّا بالنسبة إلى الدليل الأوَّل فتعلمون أنَّ زمن الشارع لم يكن بدعاً من الأزمنة، بل كان كهذه الأيام، ولم يكن البيع بالإشارة فيه شائعاً، وأمَّا عمومات
ـــــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
التنفيذ فإنَّها منصرفة عن ذلك، فإنَّها ممَّا لا يُلتفت إليها إلا بالتنبيه والإلفات، وإذا ألقي أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ على العقلاء، لا يفهمون منه تنفيذ مثل هذه المعاملات.
ـــــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأما إشارة الأخرس، إذا قلتم إنَّها عقلائية، وإنّها موجودة من الأوَّل في قبال المعاطاة والصيغة، إذا ادعيتم ذلك فنحن ننكره، لكن مع تسليمي فإنَّه تشملها الأدلّة العامّة بلا مانع.
ومع غضّ النظر عمّا قلناه، يعني نريد الآن أن نتكلَّم كلاماً طلّابياً(1) مدرسيّاً، فإنَّه في باب الأخرس يمكن أن يقال: إنَّ إشارة الأخرس تُتصوَّر على نحوين:
أحدهما: أن يشير الأخرس ويريد أن يوجد ماهيَّة البيع بالإشارة، فتكون بذلك شأنها شأن اللفظ والكتابة، من كونها سبباً مستقلّاً.
ثانيهما: أن يشير الأخرس ويقصد الإشارة إلى اللفظ الذي يعجز عن الاتيان به، وهو يريد بالمشار إليه -وهو اللفظ- أن يتمُّ المعاملة.
إذا كان هذا (يعني القسم الثاني) مُتصوَّراً، لقلنا: إنَّها إشارة قائمة مقام اللفظ؛ لأنَّه يريد إتمام المعاملة باللفظ، وتكون الإشارة إلى اللفظ، ولكن هل هذا أمر معقول؟ فإنَّ المشار إليه لا بُدَّ وأن يكون منظوراً إليه في نفسه نظراً استقلاليّاً، والإشارة تكون لها سِمة الآلية نحوه، وأنا عند المعاملة حينما أقول: (بعت)، أنظر
ـــــــــــــ[27]ــــــــــ
() طلبه كَي، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إليها نظراً آلياً؛ ولأنَّ المقصود استقلالياً هو حصول المبادلة والنقل والانتقال، فإذا أراد الأخرس أن يشير إلى (بعت)، فلا بُدَّ له من أن يتصوَّر طبيعة السبب المشار إليه ويلاحظها بالاستقلال، وهو في عين الوقت يريد أن يجعلها آلة لإيجاد النقل والانتقال، فيلزم اجتماعُ اللحاظ الآلي والاستقلالي في المشار إليه(1).
فهل هذا ممكن، أو كما يقول بعض الآغايون: إنَّه ممكن في الأخرس ممتنع في غيره!! إذن فمن ناحيته الثبوتيّة إشكال، ولولاه لما كان من ناحيته الإثباتية مانع، هذا أولاً.
وثانياً: أنّه في مرحلة إثباته محلّ إشكال أيضاً؛ لأنَّ الإشارة إلى اللفظ لا توجد لفظاً(2)، فاللفظ في وقت الإشارة غير موجود، والمعدوم لا يكون سبباً، أمَّا
ـــــــــــــ[28]ــــــــــ
() وهنا سأل بعض الإخوان الحاضرين سؤالاً، أشار فيه إلى إمكان أن يكون السبب المنظور إليه بالاستقلال موضوعاً للحكم بالانتقال؛ فيحصل به البيع.
فأجاب السيّد بما حاصله: أنَّ هذا من المحالات، فإنَّ الاستقلالية عن النظر تنافي -فإذا تصوَّرت (بعت) استقلالاً، فلا أكون حينئذٍ قد أوجدت بيعاً في الخارج- قصد النقل والانتقال الذي هو نظر آلي، فالسببيّة متقوّمة بالنظر الآلي، وهذا من التكوينيات التي لا محيص عنها، وموضوع الحكم إنَّما هو السبب المنظور إليه آلياً، لا المنظور إليه استقلالاً. (المقرِّر).
() يمكن أن يجاب عن ذلك: أنَّ ما هو موضوع الأدلّة وما هو الناقل حقيقةً هو القصد النفسي للنقل، وليس اللفظ إلّا كاشف عنه. وبالإشارة إلى اللفظ نعرف أنَّه يريد إيجاد الكاشف عن قصده النفسي والإشارة إليه، فنعرف في النتيجة وجود ذلك القصد عنده، وهو قصد مبرز بهذا النحو من الإشارة، فيتمّ بذلك البيع، وبذلك يندفع الإشكال الثبوتي؛ لأنَّ ما هو سبب في الواقع هو القصد النفسي، لا لفظ (بعت)، وقد أحرزنا وجوده عنده؛ فيتمّ البيع، وإن أشكل الأمر في الإشارة والمشار إليه، فإنَّ ما وراءها معنى صافياً لا إشكال فيه تتمّ به المعاملة، فتأمّل. وجه التأمُّل هو أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ هذا القصد أيضاً يكون مورداً لاجتماع اللحاظين. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الإشارة فالمفروض أنَّها إشارة إلى اللفظ ولم يقصد بها الإنشاء.
شكل آخر يمكن أن يُقال في الأخرس، لكنَّهم لا يلتزمون به، وهو: أنَّ الأخرس يقلّد الناطقين بالكلام، فيعمل صوته ولسانه مثلهم، فإذا نظر ووجد العقلاء يعملون البيع باللفظ وبالمعاطاة، فأراد أن يقلّدهم باللفظ، فتكون هذه معاملة لفظيّة عند العقلاء، ولا مانع من كونها قائمةً مقام اللفظ عندهم، فإنَّ الأخرس حيث لا يستطيع التلفُّظ، فإنَّه يقول شيئاً ناقصاً من جنسه، والأخرس إذا سُلّم بهذا النحو يصدق عليه التحية ويجب ردّه، فكذلك في المقام يصدق عليه البيع ويكون بمنزلة اللفظ.
أمَّا ما قاله الآغايون فلا دليل عليه، إلّا أن يرد دليلٌ خاصٌّ في المقام، فيجب أن ننظر إلى الروايات الواردة في باب الأخرس في الطلاق والبيع، وأنَّه هل يمكن أن نستفيد منها صحّة معاملاته، وعلى الخصوص كونها قائمة مقام اللفظ أو لا؟
صار محصّل قولنا: أنَّه إذا كانت الإشارة تفيد الإنشاء عند كلّ أحد بلا فرق بين الأخرس وغيره، فقيامها مقام اللفظ لا وجه له، وإذا كانت الإشارة عند غير الأخرس لا تفيد الملكيّة، فلا بُدَّ من قيام دليل على أنَّ إشارة الأخرس
ـــــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بيعٌ أو أنَّها بمنزلة لفظه، حيث إنَّنا بحسب القواعد الأوليّة لم نستطع تتميم المطلب بأن يقال: بأنَّ العقلاء يرون أنَّ بيعَ الأخرس بيعٌ متعارفٌ، فإنِّنا قلنا بأن بيع الأخرس هو بالمعاطاة لا بالصيغة، وبيعه بالصيغة ليس موجوداً لكي يكون عقلائيّاً ومتعارفاً، ولا تكون الأدلّةُ العامّةُ متعارفةٌ عنده، فليس البيع بالإشارة قسماً ثالثاً غير الصيغة والمعاطاة، بحيث إنَّه مع القول بجواز المعاطاة مطلقاً تقول: إنَّ البيع بالإشارة لازم؛ لأنَّه بيع بالصيغة.
نعم، يمكن أن يقال: إنَّ القدر المتيقن من الإجماع من جواز المعاطاة هو جوازها فيما لم يكن الإنسان عاجزاً، وأمَّا إذا كان عاجزاً فلا إجماع، إلّا أنَّ هذا مطلب آخر.
الآن نرى أنَّه بحسب الروايات هل يمكن تتميم المطلب: الشيخ ذكر بعض الروايات(1)، ونحن نذكر روايات أخرى:
باب 49 من كتاب الوصايا(2):
الرواية الأولى(3): محمد بن علي بن الحسين، بإسناده عن محمد بن أحمد الأشعري، عن السندي بن محمد (الذي هو أبان بن محمد)، عن يونس بن
ـــــــــــــ[30]ــــــــــ
() راجع كتاب المكاسب 3: 117-118، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
(2) ص714، و2 من الوسائل. (المقرِّر).
(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 198، باب الوصيّة بالكتب والإيماء، الحديث 5455، تهذيب الأحكام 8: 258، باب العتق وأحكامه، الحديث 169، ووسائل الشيعة 19: 373، باب صحّة الوصيّة بالإشارة في الضرورة، الحديث 24791، مع تفاوتٍ يسير.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يعقوب، عن أبي مريم، عن أبيه، عن أبي عبد الله ذكره عن أبيه: “أنَّ أُمامة بنت أبي العاص وأمّها زينب بنت رسول الله كانت تحت علي بن أبي طالب بعد فاطمة، فخلف عليها بعد علي المغيرة بن نوفل، فذكر أنَّها وجعت وجعاً شديداً حتَّى اعتقل لسانها، فجاءها الحسن والحسين ابنا علي وهي لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها، -والمغيرة كاره لذلك-: أعتقت فلاناً وأهله؟ فجعلت تشير برأسها لا(1)، وكذا كذا فجعلت تشير برأسها نعم، لا تفصح بالكلام، فأجازا ذلك لها“.
فنعرف من ذلك: أنَّ المسألة ليست مسألةَ وصيّةٍ بدفن ونحوه، وإنَّما المسألة هي مسألة عتق، وقد نفته مرَّة وأجازته أخرى بالإشارة، فيستفاد منه أنَّه متى اعتقل لسان شخص وعجز عن الكلام يمكنه إيقاع المعاملة بالإشارة.
وما قد يقال: إنَّه مخصوص بخصوص العتق والوصيّة، دون غير، فيحتاج البيع إلى دليل آخر، غير مسموح: فإنَّه في العتق كان يمكن أخذ الوكالة منها وإنشاء العتق وكالة، ومع ذلك اكتفى الإمامان بالإشارة، فيدلّ(2) على أنَّ العتق بالإشارة إنشاءٌ من هذا الشخص.
ـــــــــــــ[31]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هذه الرواية لا تدلّ على وقوع العتق بالإشارة؛ لأنّ (أُمامة) نفته بالإشارة وإمَّا كذا وكذا الذي قالت عنه بالإشارة: (نعم)، فلم يُعلم كونه معاملةً. فغاية ما تدلّ عليه هو مجرّد الوصيَّة، إلّا أن يُفهم منها أنَّها لو قالت في العتق: (نعم) لجاز، ولذلك سألاها دلالتها فتتمّ دلالتها في الجملة، فتأمّل تعرف، (المقرِّر).
(2) قلنا: إنَّها ليس فيها دلالة على العتق بالإشارة كما هو واضح، فكلّ ما يرد في الأصل من هذا التوهُّم باطل، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا دعوى: التفريق بين العجز عن النطق للمرض والعجز عنه للخرس.
والأوَّل هو المنصوص في الرواية دون الثاني، فهذا ممَّا يلغيه العرف ولا يفهمه، وإنَّما يفهم منه مجرّد العجز، وهذه الدعوى كدعوى دخل خصوصيّة زوجة المغيرة، أو المغيرة نفسه، أو الحسن والحسين في الموضوع.
إذن يلغي العرف هذه الخصوصية، ويفهم مطلق العاجز، ولو أنَّ شخصاً أصيب بالنسيان فنسي اللغة أصلاً. والرواية صحيحة، ودلالتها هكذا.
الرواية الثانية(1): عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد، عن عبد الله بن الحسن (وهو غير موثق)، عن علي بن جعفر، عن أخيه، قال: “سألته عن رجل اُعتقل لسانه عند الموت -أو امرأة-، فجعل أهاليه يُسائله أعتقت فلاناً وفلاناً؟ فيومِي برأسه -أو تومِئ برأسها- في بعض: (نعم)، وفي بعض: (لا)، وفي الصدقة مثل ذلك أيجوز ذلك؟ قال: نعم، هو جائز“. (انتهى).
وهذه ليست مساءلة عن أعمال سابقة قام بها المريض، وإنَّما يراد بها إنشاء العتق.
الرواية الثالثة(2): محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد بن عبد الله، عن السيّاري، عن محمد بن جمهور، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله، قال:
ـــــــــــــ[32]ــــــــــ
() قرب الإسناد 2: 119، باب الوصايا، ووسائل الشيعة 19: 374، باب صحّة الوصيّة بالإشارة في الضرورة، الحديث 24792، مع تفاوتٍ يسير.
(2) الكافي 1: 453، باب مولد أمير المؤمنين، الحديث 2، ووسائل الشيعة 19: 374، باب صحّة الوصيّة بالإشارة في الضرورة، الحديث 24793.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
“إنَّ فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت أوَّل امرأة هاجرت إلى رسول الله من مكّة إلى المدينة على قدميها، إلى أن قال: وقالت(1): يا رسول الله إنِّي أريد أن أعتق جاريتي هذه، فقال لها: “إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضواً منك من النار”، فلما مرضت أوصت إلى رسول الله، وأمرت أن يعتق خادمها، واعتقل لسانها، فجعلت تومِئ إلى رسول الله إيماءً، فقبل رسول الله وصيّتها“.
فهذه طائفة من الروايات.
الرواية الرابعة(2): في باب جواز الوصيَّة بالكتابة مع تعذُّر النطق:
محمد بن علي بن الحسين، بإسناده عن الصمد بن محمد (وهو ضعيف)، عن حنان بن سدير (يوثِّقه الشيخ ولا يوثِّقه النجاشي)، عن أبيه، عن أبي جعفر، قال: “دخلت على محمد -ابن الحنفية- بن علي، وقد اعتقل لسانه، فأمرته بالوصية، فلم يجب، قال: فأمرت بطشت فيه الرمل، فوضع، فقلت له: خُطَّ بيدك، فخطّ وصيتَه بيده في الرمل، ونسخت أنا في صحيفة“. (انتهى).
ولا نعلم من هذه الرواية ما هي وصيته، فغاية ما تدلّ عليه هو إنشاء الوصية، فلا تفيدنا هذه الرواية شيئاً.
ـــــــــــــ[33]ــــــــــ
() لا بُدَّ أن يكون الصواب: قالت لرسول الله. (المقرِّر).
(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 197، باب الوصيّة بالكتب والإيماء، الحديث 5454، تهذيب الأحكام 9: 241، باب الزيادات، الحديث 27، ووسائل الشيعة 19: 372، باب صحّة الوصيّة بالإشارة في الضرورة، الحديث 24789.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الرواية الخامسة(1): الصدوق، بإسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: “كتبت إلى أبي الحسن: رجل كتب كتاباً بخطِّه، ولم يقل لورثته: هذه وصيتي، ولم يقل: إنِّي أوصيت، إلّا أنَّه كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصي به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطِّه، ولم يأمرهم بذلك؟ فكتب: إن كان له وُلدٌ ينفذون(2) كلّ شيء يجدونه في كتاب أبيهم في وجه البِرّ وغيره“. (انتهى).
وهذه الرواية أيضاً لا نستطيع أن نفهم منها شيئاً أوصي به، إلّا مجرّد الوصية.
إلّا أنَّه من ترك الاستفصال يمكن أن نفهم أنَّه لا فرق بين الوصايا العهدية والوصايا التمليكيّة، نحو: (أعطِ فلاناً مالاً).
فهذه الروايات للإنشاء بالكتابة.
وفي أبواب مقدّمات الطلاق(3):
الراوية السادسة: عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (وهو معتمَدٌ
ـــــــــــــ[34]ــــــــــ
() مَن لا يحضره الفقيه 4: 198، باب الوصيّة بالكتب والإيماء، الحديث 5456، ووسائل الشيعة 19: 372، باب جواز الوصيّة بالكتابة مع تعذّر النطق، الحديث 24790.
(2) ظاهره الإخبار المراد به الإنشاء، ويقع جواباً للشرط، لا أنَّه نعتٌ للولد، (المقرِّر).
(3) ص195، ج3 وسائل، (المقرِّر). الكافي 6: 128، باب طلاق الأخرس، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 515 باب طلاق الأخرس، الحديث 4806، تهذيب الأحكام 8: 74، باب أحكام الطلاق، الحديث 166، ووسائل الشيعة 22: 47، باب جواز طلاق الأخرس بالكتابة والإشارة والأفعال المفهمة، الحديث 27988.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
صحيحٌ): “أنَّه سأل أبا الحسن الرضا عن الرجل تكون عنده المرأة، يصمت ولا يتكلَّم، قال: أخرس هو؟ قلت: نعم، ويُعلَم منه بغضٌ لامرأتِه وكراهةٌ لها، أيجوز أن يُطلِّق عنه وليُّه؟ قال: لا، ولكن يكتب ويُشهد على ذلك. قلت: فإنَّه لا يكتب ولا يسمع، كيف يطلقها؟ قال: بالذي يُعرَف من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها“.
فأولاً: أمر بالكتابة، وعند فرض تعذُّرها اكتفى بوقوع الطلاق بمجرد إظهار الكراهة، وأحتُمل أنّه في باب الطلاق حيث إنَّه تُعتبَر صيغةٌ خاصّةٌ نحو: (هي طالق)، أو (أنت طالق)، وفي مورد الكتابة توجد الصيغة من دون نطق، وفي مورد الإشارة لا توجد لا الصيغة ولا النطق، ولهذا تُقدَّم الكتابة في باب الطلاق، فلهذا يمكن أن يُقال: إنَّ لباب الطلاق خصوصيّة لا تسري في غيره، ففي سائر المعاملات التي ليس لها صيغة خاصّةٌ لا تُقدَّم الكتابة.
الرواية السابعة(1): وعنه عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمان، قال: “سألت أبا عبد الله عن طلاق الخرساء، قال: يلفُّ قناعها على رأسها ويجذبه“.
الراوية الثامنة(2): وعنه، عن النوفلي، عن السكوني، قال: “طلاق الأخرس
ـــــــــــــ[35]ــــــــــ
( ) الكافي 6: 128، باب طلاق الأخرس، الحديث 2، ووسائل الشيعة 22: 47 باب جواز طلاق الأخرس بالكتابة والإشارة والأفعال المفهمة، الحديث 27989.
( ) الكافي 6: 128، باب طلاق الأخرس، الحديث 3، ووسائل الشيعة 22: 48، باب جواز طلاق الأخرس بالكتابة والإشارة والأفعال المفهمة، الحديث 27990.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أن يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها ويعتزلها“، انتهى. ولم يذكر السكوني القائل، فلعلَّ السكوني هو القائل، وإن كان ذلك بعيداً؛ أن ينقل شيئاً عن غير الأئمة.
الراوية التاسعة(1): وعنه، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، عن يونس، في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال: “إن فعل في قبل الطهر بشهود وفُهم عنه كما يفهم عن مثله ويريد الطلاق جاز طلاقه على السنة“.
نريد أن نرى أنَّه هل يمكن أن يُستفاد من هذه الروايات كون الإشارة قائمة مقام اللفظ؟
أمَّا إلقاء القناع: فهو طلاق معاطاتيّ، ولا نستطيع أن نفهم منه أنَّه قائم مكان اللفظ، يمكن أن يكون طلاقاً معاطاتيّاً، والمعاطاة في الطلاق صحيحة ولازمة.
وكذلك الأمر في كتابة الطلاق، فإنَّ غاية ما يُستفاد منه هو أنَّ مَن لا يستطيع اللفظ له أن يكتب طلاقه، وليس هناك ما يدلّ على قيام الكتابة مقام اللفظ.
فإنَّ الفقهاء الذين يرون أن المعاطاة جائزة، يريدون أن يجعلوا ذلك مكان
ـــــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 129، باب طلاق الأخرس، الحديث 4، الاستبصار 3: 302، باب طلاق الأخرس، الحديث 4، تهذيب الأحكام 8: 75، باب أحكام الطلاق، الحديث 169، ووسائل الشيعة 22: 48، باب جواز طلاق الأخرس بالكتابة والإشارة والأفعال المفهمة، الحديث 27991.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
اللفظ؛ ليقع لازماً، وليفرّوا من المعاطاة، وخاصّة بعد ما قلنا بأنَّ الإشارةَ إلى اللفظ أمرٌ لا يمكن.
وكذلك الأمر في وضع المقنعة: فإنَّه إنشاء للطلاق، لا إحلال له محلّ اللفظ.
أمَّا إخراجه لها: فهو طلاق معاطاتيّ، والمعاطاة هنا لازمة ولا تُقاس بالبيع، والكتابة أيضاً غير قائمة مقام اللفظ، وإنَّما هي عند الأخرس سببٌ مستقلٌّ.
ولا يُقال: إنَّ الأخرس -كما ثبت في باب الطلاق- ينجز المسألة بالكتابة، فيستفاد منه جوازه في باب البيع، فإنَّ ذلك يتوقَّف على أن يُستفاد منه قيام الكتابة مقام اللفظ؛ لنستطيع إسراءه إلى البيع، وإقامته مقام البيع اللفظي، إلّا أنَّ ذلك ممَّا لا يمكن أن يستفاد كما قلنا، فإنَّ غاية ما فهمناه في المقام بهذا المقدار: أنَّه كما أنَّ الآخرين الناطقين ينجزون الطلاق باللفظ، فالأخرس ينجزه بالإشارة، وهو لازم في حقه.
وأمَّا لزومه في البيع فهو يحتاج إلى دليل، فإنَّنا لم نستطع أن نعتبر الإشارة والكتابة معاملة عقلائيّة لتشملها الأدلّة العامّة، وإنَّما نريد أن نستند في ذلك إلى هذه الروايات، وهو لا يمكن؛ لعدم إفادتها قيامها مقام اللفظ.
مضافاً إلى أنَّ هنا ناحيةً قالها البعض، وهي: أنَّ في الطلاق والنكاح خصوصيّةً لا تسري إلى غيرهما من الأبواب، وهي السرعة في اتخاذهما والاحتياط في الفروج(1).
ـــــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 256، ألفاظ عقد البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فالإنصاف أنَّ تسريةَ الحكمِ من الطلاق إلى غيره مشكلٌ(2).
وأمَّا قضيَّة التلبية في الحجّ(2):
الراوية العاشرة: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله:”أنَّ علياً قال: “تلبيةُ الأخرس وتشهُّدُه وقراءتُه القرآنَ في الصلاة تحريكُ لسانِهِ وإشارتُهُ بإصبعِهِ“(3). (انتهى).
وهو يرويها في أبواب القراءة(4) من كتاب الصلاة، من قوله: “إن علياً…“(5)، بل ينقل الرواية عن أبي عبد الله مباشرة، والمظنون أنَّها رواية واحدة، وأنَّه هناك أسقط هذا اللفظ.
ـــــــــــــ[38]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال، هو: أنَّ الإشارة بالعتق أيضاً كذلك، فإنَّا نرى أنَّه عتقٌ نافذٌ، إلّا أنَّ سرايته إلى البيع متوقّفة على استفادة قيام الإشارة مقام اللفظ، وتنزيلها منزلته شرعاً، وهو غير موجود، فلا يبقى في باب البيع دليلٌ على جواز ذلك. (المقرِّر)..
(2) ص313. ج2 وسائل، (المقرِّر).
(3) وسائل الشيعة 6: 136، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، باب أنّه يجزي الأخرس في القراءة والتشهّد وسائر الأذكار وما أشبهها أن يحرّك لسانه ويعقد قلبه ويشير بإصبعه، الحديث 7551.
(4) انظر: ص363. ج1، (المقرِّر).
(5) اُنظر: وسائل الشيعة 12: 381، كتاب الحجّ، أبواب الإحرام، باب أنّه يجزي الأخرس من التلبية تحريك اللسان والإشارة بها ويستحبّ التلبية عنه، الحديث 16566.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هذا تنزيلٌ لا محالة، إلا أنَّها لا ربط لها بما نحن فيه، فإنَّ هذه الأمور من القراءة والتشهُّد والتلبية:
أولاً: تحتاج إلى المباشرة.
وثانياً: أنَّ الألفاظ معتبرة فيها.
فهؤلاء يشيرون إلى الألفاظ لا إلى المعنى، فإنَّ الغالب في المصلِّين أن لا يعرفوا المعنى؟! فما هو المعتبَر في الصلاة هو القراءة والتشهُّد، فيقول: إنَّه يشير إلى قراءته، وهذا لا نستطيع أن نفهم منه أنَّ كلّ الأعمال والمعاملات التي تحتاج إلى قصد المعنى تنجز بالإشارة، بل لعلَّه يُحتاج هناك إلى التوكيل.
رواية أخرى(1): عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد)، عن هارون بن مسلم (وهو موثَّق لا محالة)، عن مسعدة بن صدقة (وهو موثَّق عندي)، قال: “سمعت جعفر بن محمد يقول: إنك قد ترى من الـمُحرّم من العجم لا يُراد منه ما يُراد من العالم الفصيح، وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهُّد، وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم، والـمُحرّم لا يُراد منه ما يُراد من العاقل المتكلِّم الفصيح“(2).
ـــــــــــــ[39]ــــــــــ
(1) أبواب القراءة من كتاب الصلاة، ص363. ج1، وسائل، (المقرِّر). [الرواية الحادية عشر].
(2) قرب الإسناد: 24، الجزء الأوّل، ووسائل الشيعة 6: 136، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، باب أنّه يجزي الأخرس في القراءة والتشهّد وسائر الأذكار وما أشبهها أن يحرّك لسانه ويعقد قلبه ويشير بإصبعه، الحديث 7552.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وصاحب (الوسائل) قال في عنوان الباب: (إنَّها تدلّ على كلّ شيء)، بل غاية ما تدلّ عليه أنَّه في مقام المعاشرة لا ينبغي أن يُتوقَّع من البدوي الذي لم يعرف لغة الحضر وأخلاقهم، ولا من العجمي الذي لا يفصح بـ(العين) و(الضاد)، ما يُتوقَّع من العالم الفصح في صلاته وتلبيته، ولا يريد أن يقول: إنَّ تمام ما يصدر منه -وهو ناطق وليس بأخرس- يكون جائزاً.
فإنصافاً أننا إلى هنا لم نجد دليلاً يمكن الاعتماد عليه.
والآن يجب أن ننظر إلى فتاوى الفقهاء، وأنَّهم هل يعتمدون في فتاواهم على الروايات أو على سيرة العقلاء، وهل في المقام شهرة لنأخذ بها، وإذا لم نستطع تتميم الشهرة، وبقينا مع الشكّ؛ نرى أنَّ هذا الشكّ وكلَّ شكّ في قيد أو جزء أو مانع في الأسباب والمسببات، هل لنا طريق وقاعدة إلى تتميم المطلب أو لا؟
روايات الوصيَّة على فرض دلالتها على المطلب، لكنَّ التعدِّي منها إلى غيرها لا يمكن؛ لأنَّه أُخذت في باب الوصيَّة خصوصيّة، هي: أنَّه أُخذت المعاملات في بعض الأمور التي لم تعتبر في الوصيَّة، كالتعليق الجائز فيها دونها، وهو تخفيف على الشخص المشارِف على مفارقة الحياة.
ولهذا لا نستطيع إذا ورد في الوصيَّة حكمٌ أن نقول: إنَّ العقلاء يلغون هذه الخصوصية، على حين أنَّه لا بُدَّ في مقام إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع، لا بُدَّ أن يكون الدليل بحيث إذا أُلقي على العرف لا تأتي الخصوصيّة إلى ذهنه،
ـــــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وإلا فلا يجوز إسراء الحكم من موضوع إلى آخر ويكون ذلك قياساً.
لا أنَّنا نُسرّي الحكم من موضوع إلى آخر، ونتمِّمه بتنقيح المناط، فإنَّ هذا غير صحيح، كرواية أبان بن تغلب(1) التي يُحدِّد فيها ديةَ قطعِ أصابع المرأة، وأنَّها تُجامع الرجل إلى الضعف، فإذا زادت رجعت إلى النصف.
قد كُنَّا نقول إنَّ الذي يأتي به شيطان؛ فيجيب الإمام: “لقد أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين“، يعني: لا يجوز إدخال العقل في المسألة، فإنَّا لا نستطيع أن نكشف الواقعيات؛ لنستطيع أن نقطع بالمناط.
نعم، إذا قطع الإنسان فلا كلام مع القاطع، لكنَّه بعد الإطلاق على هذه الخصوصيّات لا يحصل القطع، وإنَّما يُسرّي الفقهاء الحكم من محلّ إلى محلّ بدعوى أنَّ الكلام ظاهر في ذلك.
كما لو سأل الراوي عن رجل يشكّ بين الثلاث والأربع، فأجابه الإمام بحكمه، فيفهم منه أنَّ المدار هو في هذا الشكّ، وليس خصوصيَّة الرجل ملحوظةً لا للسائل ولا للمجيب.
أو أنَّ زرارة يسأل: (أنَّه أصاب ثوبي دمُ رعافٍ)، فلا يُفهم منه ثبوت الخصوصيّة لثوب زرارة، بل مطلق الثوب ولا للرعاف، وإنَّما المدار هو الدم.
ـــــــــــــ[41]ــــــــــ
() الكافي 7: 300، باب الرجل يقتل المرأة والمرأة تقتل الرجل وفضل دية الرجل…، الحديث 6، من لا يحضره الفقيه 4: 119، باب الجراحات والقتل بين النساء والرجال، الحديث 5238، ووسائل الشيعة 29: 352، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 35762.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فليست تسرية الحكم قياساً باطلاً، ولا من تنقيح المناط القطعي، بل هو من باب الفهم العرفي.
وإذا كان العرف في مورد يرى خصوصيّة في الموضوع الآخر، فإنَّه لا يلغي خصوصيته، فلو التفت العرف إلى أحكام الوصيَّة واختلافها عن غيرها بوجود التوسعة فيها، فإنَّه لا يلغي الخصوصية(1)، فروايات الوصيَّة على فرض تمامية دلالتها في أنفسها؛ يشكِّل: تسريتها إلى سائر معاملات الخرس بالإشارة.
أمَّا روايات الطلاق، فإنَّ عندنا في البيع قسمين من المعاملة:
أحدهما: توقع باللفظ، وهي صحيحة ولازمة.
وأخرى: بالمعاطاة، وقد ذكروا أنها لا تنتج اللزوم، والأكثر على أنَّها تفيد الإباحة.
ونحن من روايات الطلاق نريد أن نستفيد كون البيع بالكتابة والإشارة صحيحاً ولازماً، وأنَّ إشارة الأخرس تقوم مقام بيعه اللفظيّ، لا المعاطاة.
وقلنا: إنَّه بعد أن كان البيع قسمين، لا نستطيع أن نقول: إنَّ الطلاق الواقع هو طلاق لفظيّ لا طلاق معاطاتيّ، فإنَّه من الممكن أن يكون طلاقاً معاطاتياً(2)، ويكون الطلاق المعاطاتي لازماً لا رجوع فيه، ولعلَّ حكمَ البيع
-الذي هو قسمان- لا يشمل الطلاق الذي ليس فيه قسمين.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ البيع قسمٌ واحدٌ، هو مبادلةُ مالٍ بمال، والاختلاف إنَّما هو
ـــــــــــــ[42]ــــــــــ
() هذا حكم عرفيّ تعليقيّ وعهدته على مدّعيه، (المقرِّر).
(2) خاصّاً بالأخرس. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في أسبابه، وإنَّه بجميع أقسامه صحيحٌ ولازمٌ ومملّكٌ، كما قد تمَّمنا المطلب في باب المعاطاة.
بناءً على ذلك فهل نستطيع أن نقول: إنَّنا نفهم من حكم الطلاق حكمَ غيره؟ وذلك بأن نقول: إنَّه قد حصل في السبب توسعةٌ، فكما أنَّ (أنت طالق) كان في الناطق مفرِّقٌ، كذلك الإشارة والكتابة بالنسبة إلى الأخرس، ولم يقل في الدليل: إنَّه لا بُدَّ من الوكالة، مع إمكانها، فكما أنَّه في باب الطلاق الذي هو باب الفروج، وقد اعتبر الشارع فيه الاحتياط والتضييق، مع ذلك أجاز فيه إجازة الأخرس، فيُعلم من ذلك أنَّ سائر المعاملات الاعتباريَّة يقول فيها الشارع بالتوسعة، ونحن وإذا لم نستطع أن نتمِّم الفهم العرفي، لكنَّنا نعتبره مؤيّداً في المطلب، فإنَّه لم يُطلَب من الأخرس أن ينجز غيره معاملته. فالعرف يلغي الخصوصيّة ويقول: بأنَّه ليس البناء على تحويل الأخرس على غيره في معاملاته، فإنَّ هذا التحويل لو كان موجوداً لكان الطلاق أولى به.
نقول كما عليه الفقهاء من زمان المحقِّق وإلى الآن، من أنَّ سائر المعاملات تقع بالإشارة صحيحةً ولازمةً، سواءٌ سمّيناه بالعقد بالصيغة، أو العقد بالمعاطاة، أو كان سبباً مستقلّاً بذاته، فإنَّه على كلّ حالٍ صحيحٌ لازمٌ.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام.
وأمَّا كلمات القوم: فمن حين المحقِّق إلى الآن، قد تعرَّضوا لهذا المطلب، ولم يوجد قبل المحقق تعرُّضٌ لهذا المطلب لا من الشيخ ولا من غيره، فإنَّ
ـــــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
(مفتاح الكرامة)(1) على كثرة تتبُّعه لم يجد رأياً سابقاً عن المحقِّق، ونحن بحثنا بعدَّة كتب ولم نجد.
نعم، في الموارد المخصوصة كالطلاق والعتق تعرَّضوا للمسألة، ولكن لم يتعرَّضوا إلى سائر المعاملات.
نعم، الشهيدان(2) قالا: (وتكفي الإشارة)(3)، ومرادهم إنشاء الإيجاب والقبول دون المعاطاة.
ـــــــــــــ[44]ــــــــــ
() اُنظر: مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلَّامة 12: 524-528، المقصد الثاني، الفصل الأوّل، في عدم كفاية الإشارة إلّا مع العجز.
(2) من المعلوم أنَّ الشهيدين كِليهما متأخّران عن المحقِّق الذي يتبادر منه المحقِّق الحليّ صاحب الشرائع، فلا يكون ما ذكره استيفاءً من العموم السابق إذا كان المقصود به ذلك، (المقرِّر).
(3) اُنظر: الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 5: 112، كتاب النكاح، الفصل الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وبما أنَّه هنا موارد للشكّ في الأسباب وفي المسبّبات، فلا بُدَّ أن نرى أنَّنا إذا شككنا أنَّ إشارة الأخرس هل هي مشروطة بعجزه عن الكتابة أو لا؟ أو شككنا إن الإشارة وحدها كافية أو بضميمة إشارة الإصبع وتحريك اللسان؟ أو إذا شككنا في الشرطيَّة أو الجزئيَّة أو المانعيّة لأيّ سبب من الأسباب في الفقه، فهل نستطيع بحديث الرفع أن نتمِّم المطلب؟
بأن يقال -كما قد قيل-: إنَّ الشكّ في النقل حاصل أو لا؟
الذي هو موضوع للحكم باستصحاب عدم النقل، مسبّب عن الشكّ في اعتبار قيد أو شرط أو جزء، أو عدم مانع أو لا؟
وبقاعدة (رفع ما لا يعلمون)(1) نرفع اعتبار هذه الخصوصية، فيرتفع شكنا في الانتقال؛ لأنَّ شكَّنا به ناشئ من الشكّ باعتبار القيد.
وهذا الأصل وإن كان هو البراءة وذاك الأصل هو الاستصحاب، إلّا أنَّ البراءة في المقام أصل سببيّ ويرفع الشكّ، فلا يجري الاستصحاب؛ لأنَّه في مرتبة المسبّب(2). فهل نستطيع أن نقول ذاك في الأسباب والمحصلات؟
ـــــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) حسبما رواهُ في الكافي 2: 463، باب ما رُفع عن الاُمّة، الحديث 2، ووسائل الشيعة 15: 396، باب جملة ممّا عُفي عنه، الحديث 20769.
(2) حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 89.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول:
أولاً: إنَّ الشكّ السببي والمسبّبي الموجودين هنا، ليس كما ذكر من أنَّ الشكّ في النقل ناشئ من الشكّ في اعتبار شيء قيداً في السبب الناقل.
وإنَّما الشكّ في النقل من الشكّ في أنَّ فاقد الخصوصيّة هل هو تمام الموضوع أو لا؟ فإنَّه لا شكّ أنَّه عند عدم دخالته فيه، يكون المؤثر هو العقد فقط، لا العقد مع عدم ذلك الشيء.
فمثلاً إشارة الأخرس إذا علمنا عدم شرطية الكتابة فيها، فهل نقول إنَّ السبب هو الإشارة وعدم عجزه عن الكتابة، أو إنَّ تمام الموضوع لترتُّب الحكم هو الإشارة، ولا دخل لأمر آخر فيه؟
فالموضوع ليس من الموضوعات المركّبة، ليرد في لسان الدليل: أنَّ هذا إذا كان موجوداً وذاك لم يكن موجوداً كان سبباً للنقل، بل إذا لم يكن ذاك شرطاً أو قيداً أو جزءاً فهذا هو تمام الموضوع، فشكُّنا في الحقيقة ناشئٌ من أنَّ الإشارة هل هي تمام السبب؛ ليكون قد حصل الانتقال، أو ليس تمام السبب، بل أُخذ فيه شيءٌ آخر، لكن لا يكون الانتقال قد حصل؟
فإذا كان شكُّنا ناشئاً من ذلك، فأنت إذا أجريت حديث الرفع في نفي ذلك، فإنَّ إثبات أنَّ هذا تمام السبب ليترتَّب عليه المسبّب، أو تمام الموضوع ليترتَّب عليه الحكم، ممَّا لا يمكن.
فشكُّنا في النقل ناشئ من شكِّنا في السببيّة التامَّة للإشارة، وهذا الشكّ ناشئ من الشكّ في أنَّ الشارع أضاف جزءاً أو شرطاً، أو لا.
ـــــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فعندنا -بناءً على ذلك – شكّان؛ سببان ومسبّبان:
أحدهما: شكٌّ سببيٌّ محضٌ وهو الشكّ في النقل.
وثانيهما: هو الشكّ في السببيّة التامّة، سبب للشكّ الأوَّل، ومسبّب للشكّ الثالث، وهو الشكّ في جعل الشارع، الذي هو شكّ مسبّبي محض.
فبما أنَّ استصحاب عدم النقل ناشئ من الشكّ في أنَّ هذا تمام السبب أو لا، فلا بُدَّ -بغضّ النظر عن الإشكال الآخر الذي نقوله- أن نعمل أصلاً ينقِّح لنا أنَّ هذا تمام السبب، وحديث الرفع لا يمكن أن يتكفَّل ذلك، فإنَّ غاية ما يتكفَّله ويثبته: هو عدم اعتبار الشارع لشرط أو جزء. وأمَّا أنَّ هذا السبب تامٌّ فهو حكم عقلي، فإنَّ الشارع إذا لم يعتبر في السبب جزءاً آخر، يحكم العقل أنَّه سبب تامّ، وأنت تريد أن تثبت بحديث الرفع أنَّه سبب تامّ، وهو أمر لا يمكن.
نعم، لو كان السبب مركّباً من وجود هذا وعدم ذاك، لكان لهذه الدعوى وجهٌ، ولكن عند عدم اعتبار ذاك فالمؤثِّر هو هذا وحده، وذلك لا يثبت بحديث الرفع.
ثُمَّ إنَّه لم ترد آيةٌ بتقديم الأصل السببيّ على المسبّبيّ، وإنَّما قلنا: إنَّ تقديم الأصل السببيّ على المسبّبيّ؛ لأنَّ الأصل السببيّ يحرز موضوعاً لكبرى شرعيّة، تنطبق على المورد وترفع الشكّ المسبّب.
فمثلاً ورد: (الكرّ مطهّر)، وهو حكم شرعيّ، ونحن إذا استصحبنا بقاء الكرية تنقّح موضوع الكبرى الشرعيّة، فإنَّ الشكّ لم يُؤخذ في موضوع الكبرى، وإنَّما أُخذ في موضوع الاستصحاب، فالاستصحاب يقول: (إذا شككت ببقاء
ـــــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الكرِّيّة فهو كرّ)، والكبرى تقول: (الكرّ مطهِّر)؛ إذن: فهذا مطهر.
واستصحاب نجاسة الثوب المغسول به يقول: (إذا شككت بنجاسته فهو نجس،)، والكبرى تقول: (الكرّ مطهِّر)، وهذا اللسان حاكم على ذلك اللسان.
ففي محلّ الكلام نريد بحديث الرفع أن نرفع الشكّ بالسبب، وحديث الرفع يقول: (إذا شككت بالشرط أو بالجزء فهو مرفوع)، وتقول: (إنَّ الشكّ في الانتقال ناشئ من الشكّ في القيديّة)، فإذا ارتفع الشكّ في القيديّة، ارتفع الشكّ في الانتقال.
نقول: إنَّ الشكّ المسبّبيّ لا بُدَّ أن يرفعه حكم شرعي يكون الأصل السبّبيّ منقّحاً لموضوعه، وهنا ليس عندنا مثل ذلك، فإنَّه ليس عندنا إلا (رفع ما لا يعلمون) وهو لا يثبت أكثر من نفي الشرطيَّة والجزئيَّة، ولا يتكفّل ببيان كبرى كلِّيّة شرعيّة، وهي أنَّه: إذا رفعت الشرطيَّة ترتَّب عليه المسبّب بنحو منجّز غير معلّق على الشكّ.
على أنَّنا إذا استصحبنا سببيّة شيء كان سبباً، وشككنا في بقاء سببيّته، فنستصحب عنوان السببيّة، أو إن كانت سببيّة شرعيّة، إلّا أنَّه مع ذلك يكون أصلاً مثبتاً.
فإنَّ الشارع تارةً يجعل السببيّة، وما قالوه من عدم إمكان جعل السببيّة والجزئيّة والشرطيّة غير صحيح؛ فإنَّها كلّها قابلة للجعل الشرعيّ.
فمرّة يجعل الشارع المسبّب عند وجود السبب، فمثلاً يقول: (هذا ينجس إذا غلى).
ـــــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ومرَّة يجعل السببيّة فيقول: (إذا غلى ينجس)، أو (إنَّ الدلوكَ سببٌ لوجوب صلاة الظهر).
فإذا كان الجعل على النحو الأوَّل، يعني إذا وجد ذاك وجد هذا، فمتى استصحبت ذاك وتعبَّدت بوجوده، ثبت وجود هذا، كما إذا أثبت الغليان بالأصل مثلاً.
وأمَّا إذا كان الشارع قد جعل السببيّة الشرعيّة كالظهار أو المتعة التي جعلها الشارع سبباً لشيء، فترتُّب المسبّب على السبب ليس أمراً شرعياً بل أمر عقلي.
فإنَّ الشارع وظيفته جعل السبب، وأمَّا ترتُّب المسبب عليه فهو حكم عقليّ لا شرعيّ.
بناءً عليه فمجرّد كون السبب والتسبُّب شرعيّاً لا يفيد إلا مع وجود كبرى كلِّيّة شرعيّة، لكن لا يكون الأصل مثبتاً.
بناءً عليه إذا جعل الشارع الإشارة سبباً، فترتُّب السبب على المسبب أمرٌ عقليٌّ لم يقله الشارع ولا ينبغي أن يقوله، فيكون إثباته بالأصل من باب إثبات اللوازم العقليّة به، وهو من الأصل المثبت، إذن فبحديث الرفع لا يمكن إثبات اللوازم العقليّة.
ـــــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الآن نتكلَّم في الإيجاب والقبول، وما يُقال فيهما:
الجمل المركبة من الإيجاب والقبول، والألفاظ المستعملة فيها: مستعملة على المفردات وعلى الهيئة، فمن هذه الجهة لا بُدَّ أن تُبحث مباحث:
أحدها: راجع إلى مواد الإيجاب والقبول، هل ما يوجب ويقبل به ألفاظ مشتملة على ماهيَّة البيع والإجارة بالحمل الأولي أو لا؟ أو أنَّ المواد التي أخذها الشارع في موضوعات الأحكام لا بُدَّ أن يُقتصر فيها على مثل هذه الألفاظ؟ أو يجوز إيقاعها بالمجازات والكنايات؟
والبحث الآخر: راجع إلى المفردات، كالبحث عن جواز الماضويّة واستعمال الجملة الفعليّة.
والبحث الثالث: راجع بالنسبة إلى هيئة الإيجاب والقبول، كتقدُّم القبول على الإيجاب، ولزوم الموالاة بينهما. فلا بُدَّ أن نبحثها بالتدريج.
أمَّا بالنسبة إلى البحث الأوَّل وهو حول المفردات، فلا بُدَّ أن نبحث بحثاً كلِّيّاً؛ لنرى أنَّ المعاملات التي لها وجوب عقلائيّ ما هي؟ والشارع حين حكم بوجوب الوفاء، أو نفوذ المعاملة بحسب العمومات ما هو موضوع حكمه؟
ـــــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول: لا إشكال بأنَّ نظر العقلاء في باب المعاملات نظرهم إلى تحقُّق المسبّبات، وموضوع حكمهم من هذا البيع المشتمل على السبب والمسبّب بوجوب الوفاء هو: العقد المسبّبي، الذي هو العقد بالحمل الشايع والحقيقيّ.
وأمَّا ألفاظ المعاملات فلا دخل لها في شيء، إلّا في تحقُّق هذا المعنى، ليس أنَّ العقلاء يرون أنَّ العقد الذي يجب الوفاء به هو العقد الحاصل بهذا الفعل أو ذاك، بحيث يكون العقد جزء الموضوع والجزء الآخر هو الآلة.
نعم، بعض الأمور يمنعون عن تحقُّق العقد بها، كما قلنا في بعض الإشارات، ولا يرتِّبون عليها الأثر، إلّا أنَّ العقد إذا تحقَّق صار موضوعاً لأحكامه، من دون نظر إلى الآلة التي أوجدته، حتَّى لو قلت بنفوذ الإشارة عقلائيّاً وتحقَّق العقد بها، كان موضوعاً لوجوب الوفاء.
فما هو تمام الموضوع للعمل بوجوب الوفاء، وهو تحقّق ما هو بيع وصلح وإجارة بالحمل الشايع، ولا دخالة للألفاظ بتحقُّق ذلك المعنى.
وأمَّا كون الموضوع هو القرار مع قيدٍ آخر وهو إنشاؤه بهذا اللفظ أو بهذا العنوان بحيث إنَّ وجوب الوفاء عندهم لم يرد على العقد، بل على العقد المتقيّد بهذا الطريق الخاصّ.
لا شكّ عندنا أنَّه ليس كذلك، وأنَّ ما هو تمام الموضوع لوجوب العمل، هو: ما هو طبيعة العقد بالحمل الشايع.
وكـذلك الأمـر في محـيط الشرع والأدلّة الشرعيّة، من نـحـو: أَوْفُوا
ـــــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بِالْعُقُودِ(1) وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(2) فإنَّه نريد تنفيذ ما هو بيع بالحمل الشايع، غايته(3) أنَّ الحكم يرد على الطبيعة، وأينما تحقَّقت الطبيعة ينطبق الحكم، وفي (أوفوا بالعقود) وإن كان الحكم وارداً على الأفراد، إلّا أنَّه واردٌ عليها من جهة الحيثيّة العقدية دون شيء آخر.
وكذلك “المؤمنون عند شروطهم”(4) و”الصلح جائزٌ بين المسلمين” (5)، بل لو أردنا تتميم هذا المطلب وهو: (أوفوا بالعقود) الناشئ من الأسباب، عن طريق هذه الأدلّة العامّة، لعل تصوره مشكلٌ.
فما هو الموضوع عند العقلاء وهو الصلح بالحمل الشايع، هو الموضوع عند الشارع في قوله: “الصلح جائزٌ بين المسلمين“، من دون نظر إلى أنَّ المحِّقق للعقد هو اللفظ الكذائيّ أو الكذائيّ، فإنَّ هذا بحث آخر يُبحث فيه عن آلية
ـــــــــــــ[52]ــــــــــ
() المائدة: 1.
(2) البقرة: 275.
(3) هذا في (أحل الله البيع). (توضيح)، (المقرِّر).
(4) الكافي 5: 169، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 203، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 3765، الاستبصار 4: 35، الباب 18، الحديث 6، تهذيب الأحكام 7: 22، باب عقود البيع، الحديث 10، ووسائل الشيعة 18: 16، باب ثبوت خيار الشرط…، الحديث 23041.
(5) الكافي 7: 413، باب أدب الحكم، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 32، باب الصلح، الحديث 3267، تهذيب الأحكام 6: 226، باب آداب الحكّام، الحديث 1، ووسائل الشيعة 18: 443، باب أنّ الصلح جائز…، الحديث 24011.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هذه الأمور عند العقلاء، وهو بحث يأتي.
ومرَّة يُفرض أنَّ البيع يتحقّق، ولكنَّه لا يكون موضوعاً لحكم العقلاء وإنَّما الموضوع هو البيع الحاصل بلفظ (بعت) مثلاً، دون لفظ (ملّكت)، فيجب أن تُؤخذ الماهيّة بالحمل الأوليّ في صيغة العقد ليصحّ العقد، فلا تصحّ الإجارة إلا بلفظ (أجرت)، ولا الكراية إلا بلفظ (كريت)، بحيث إنَّ البيع ولو تحقّق إلّا أنَّه ليس تمام الموضوع بل جزؤه، والجزء الآخر هو حصوله بالحمل الأوليّ.
لا شكّ أنَّ الحمل الأوليّ غير دخيل في حكم العقلاء، بل الموضوع هو البيع بالحمل الشايع، فإذا حصل البيع بكل سبب يحصل به عقلائيّاً، وصدق في نظرهم أنَّه بيع وقرار، لا شكّ أنَّه بكون تمام الموضوع عند العقلاء للعمل ووجوب الوفاء.
نعم، قد يحصل الاختلاف في الأسباب، إلّا أنَّه بعد تحقّق البيع لا يكون الموضوع إلّا هو بتمامه.
ولذا لم يقل أحد في (أوفوا بالعقود): إنَّ العقد لا يتحقّق إلا بلفظ (عقدت) وفي (أحل الله البيع) إنَّ البيع لا يتحقّق إلا بلفظ (بعت)، بل العنوان أمارة وكاشف عن المعنون، وهو واقع الصلح، وهو الذي يكون جائزاً بين المسلمين، فإنَّ مفهوم الصلح ليس صلحاً، فإنَّ الماهيّة بما هي ليست إلا هي، فإنَّ الحكم وإن جاء على الطبيعة، إلّا أنَّ الطبيعة ما دامت ذهنيّة فليس هي بطبيعة، وإنَّما تكون طبيعة إذا وجدت وانطبقت في الخارج، وصدق على هذه المعاملة أنَّها صلح أو بيع بالحمل الشايع، فهذه العناوين ليست منظوراً إليها،
ـــــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وإنَّما المحكوم عليه هو واقع المعاملة.
إذن فالشارع ليس حكمه وارداً على الصلح الحاصل بهذه العناوين، بل إذا أراد أن يُبيّن ذلك لا بُدَّ له من قرينة من هذه الأدلّة المطلقة، فهذا أمر لا شكّ فيه، وهو عدم أخذ المفاهيم بالحمل الأوليّ جزء الموضوع.
إنَّما الكلام، في جواز إيجاد العقود بالكنايات والمجازات والألفاظ المشتركة لفظيّاً أو معنويّاً، هل هنا إشكال في مقام الثبوت أو أنَّ الأدلّة قاصرة عن الشمول بها؟
بعضهم اشكلوا على استعمال الكنايات، كالآخوند والنائيني، ببيانين لعلّهما يرجعان إلى محصّل واحد.
ومحصّل بيان النائيني(1) هو: أنَّ باب الحكائيات يختلف عن باب الإيجاديات، ففي باب الحكائيات إذا أراد الإنسان إفهام شيء، فإنَّه يمكن إفهامه بأيّ وسيلة يتوصّل بها إليه، ممَّا هو متعارَفٌ ومستعملٌ لدى العقلاء، ويقومون بالتفهيم بواسطته كاللفظ الصريح والكنايات والمجازات والإشارات، وغيرها.
ـــــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 105-106، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا في باب الإيجاديات، فليس الأمر كذلك، فإنَّ ما يوجده لا بُدَّ وأن يكون مصداقاً لعنوان البيع والصلح، ليكون موضوعاً لحكم العقلاء وحكم الشرع، وأمَّا إذا أوجد شيئاً ليس مصداقاً، ولكنك تنتقل منه إلى شيء آخر، فإنَّ مثل ذلك لا يفيد.
ثم يقول(1): إنَّ الكناياتِ قسيمٌ للمجازات وليست قسماً منها، وفيه قصد المعنى الحقيقيّ لكن لغرض انتقالك من هذا المعنى إلى معنى آخر، فـ (زيد طويل النجاد) لم يُستعمل ابتداء في الشجاع، وإنَّما استعمل في معناه الخاصّ ويريد منه أن يلقي إليك هذا الشيء، ومنه ينقلك إلى لازمه وهو (الشجاعة)، فإذا كان الأمر كذلك فالإخبارات بالكناية لا مانع منها.
وأمَّا الإنشاء والإيجاد: ففي باب الإيجاديات، لا بُدَّ وأن يوجد شيئاً يكون مصداقاً له، وفي باب الكنايات لا يستطيع إيجاد المعاملة ابتداء، وإنَّما يقول شيئاً ينتقل منه إلى شيء آخر، هو من قبيل الغايات والأغراض، على حين أنَّ الأمر مترتِّب على مصداق الغايات والأغراض، لا على الواسطة إليها، إذن فإيجاد المعاملة بالكناية ممَّا لا يمكن.
ثم يقول: فإن قلت: إنَّ هذا وإن لم يكن منشأً أولياً، ولكنَّه منشأٌ تبعيٌّ.
نقول: الإنشائيّ التبعيّ في غاية ضعف الوجود، فلا يكون مشمولاً للأدلّة، ونحن نغضّ النظر عن التناقض الموجود في كلامه بين الصدر والذيل: فأوَّلاً يقول: إنَّه ليس إنشاءً. ثُمَّ يقول بأنَّه إنشاء تبعيّ. ونغضّ النظر أيضاً عمّا
ـــــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 105-106، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قاله حول مداليل الحروف والهيئات، ممَّا لم نفهم شيئاً منه.
وإنما نحن نريد أن نعرف ما ماهيَّة الكناية، هل هي عبارة عما يقوله من أنَّها إخبار باللازم جداً لأجل الانتقال منه إلى الملزوم، نظير اللوازم في الدلالات الالتزاميّة؟
فإنَّنا قلنا بأنَّ الدلالة الالتزاميّة ليست دلالة لفظيّة، بل الألفاظ تُستعمل في المعنى الحقيقيّ، ولا يمكن أن يُلقى بها أكثر من هذا المعنى.
أمَّا المدلول الالتزاميّ فهو من دلالة المعنى على المعنى، وتسميّة الدلالة الالتزاميّة دلالةٌ لفظيّة مسامحةً، فحين يُقال: (الشمسُ طالعةٌ)، لا يمكن أن يدلّ كلّ لفظٍ على معنى نفسه، لكن (إذا كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود، والليل مفقود)، وهذا انتقال من المعنى، ولكن حيث إنَّ الانتقال سريع عدّوه من الدلالات اللفظيّة.
فإذا أراد أن يقول: إنَّ الكنايات هكذا. نقول: ليست كذلك، ولهذا إذا قال: (الشمسُ طالعةٌ)، فقد كذب، وإن أراد الانتقال إلى اللازم؛ لأنَّ المدار هو مطابقة الإخبار للواقع. أمّا إذا قال: (زيدٌ مفتوحٌ بابه)، فيكون صادقاً، مع أنَّه لا دار له، أو ليس لداره بابٌ أصلاً، فإنَّ إخباره في الحقيقة ليس عن الباب، وإنَّما استعمل ذلك بالإرادة الاستعماليّة لا بالإرادة الجدِّيّة، وإنَّما تعلّقت الإرادة الجدِّيّة بكون زيد جواداً. نعم، لو لم يكن جواداً لكان كاذباً، وإن كان مفتوح الباب.
وكذلك مثل: (زيد طويل النجاد) أو (كثير الرماد)، فإنَّه لا يكون كاذباً إذا
ـــــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
لم يكن له رمادٌ، فإنَّ مقصوده الإخبار عن الجود، وهو صادق على الفرض.
فالكناية ليست من الانتقال من الملزوم إلى اللازم، بمعنى أنَّ المتكلِّم يريد ابتداءً المعنى الحقيقيّ، ثُمَّ منه يريد الانتقال إلى اللزوم.
ومن هنا يقول-مبنى النائيني-: بأنَّ اللازم لا يكون مصداقاً، هذا لا نقبله، بل هو مصداق حقيقيّ للجود والبيع، فلو قال: (خذ المال وأعطني المُثمَن) فهو إنشاء حقيقي بالحمل الشايع، غايته أنَّه إنشاء بالكناية، ولعلَّه أبلغ من التصريح، فما قاله في صدر كلامه غير صحيح.
وما قاله في الذيل من تسليم كونه إنشاءً تبعياً، إلّا أنَّه إنشاء خفيّ فلا تشمله الأدلّة.
نقول: إنَّه ليس تبعيّاً، فإنَّ المنظور ابتداءً في الكناية هو المعنى المكنّى عنه، وهو الجود والشجاعة والبيع، فلو قال: (زيد لا تستطيع أن تنظر إلى ظلِّه)، فإنَّه يكذب إذا أراد هذا المعنى المطابقي، وإنَّما المراد أولاً وأخيراً هو الهيبة أو الشجاعة، وأمَّا المعنى المطابقي فلا يرد إلى الذهن أصلاً.
بناءً عليه، فهو إنشاءٌ وجعلٌ ابتدائيٌّ، لكن بهذه الوسيلة، أو كما يتحقّق بالكتابة كذلك يتحقّق بالبيع.
أمَّا ما قاله من أنَّه مدلولٌ خفيٌ؛ فتكون الأدلّة منصرفة عنه، فلم نفهمه أيضاً، فإذا كان بيعاً فلماذا تنصرف عنه الأدلّة، فإنَّ الدلالة التبعيّة إذا سلَّمنا وجودها كفى في كونها دلالة شمول الأدلّة لهما، ونحن قلنا:
أولاً: إنَّها دلالة في غاية القوة، بل هي أقوى من التصريح.
ـــــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وثانياً: إنَّ الضعف لا يوجب الانصراف. نعم، إذا كان المعنى نادرَ الاستعمال عند العقلاء، فقد تكون الأدلّة منصرفة عنه، إلّا أنَّ هذا ليس هو المدَّعى.
وبهذا يظهر ما في كلام المحقِّق الخراساني(1)، على ما ينقله عنه، من أنَّ البيع ممكن بالمجازات دون الكنايات؛ لأنَّ ما في المعنى يسري إلى اللفظ، وضعف الدلالة في المعنى تسري إلى اللفظ، من قبيل ما يقولونه من أنَّ الحسن والقبح يسري إلى اللفظ؛ لأنَّ الألفاظ مرآة للمعاني(2).
نحن لم نفهم كِلا الأمرين، لماذا يوجد في باب الكناية ضعفٌ في الدلالة؟ فإنَّ محيط العقلاء وسوقهم مملوء بالكنايات والمجازات، ثُمَّ (إنّ الحسن والقبح أو ضعف الدلالة يسري إلى اللفظ) لم نعرف له معنى؛ فإنَّ القبح من صفات المعنى دون اللفظ، وإنَّما يقبح اللفظ في نظرك لأجل دلالته على المعنى، لا أنَّه يتّصف بذلك، وليس أدلّ على ذلك من أنَّ الجاهل باللغة لو سمع هذا اللفظ، لم يجد فيه أيَّ قبح.
فلذا يقال: لا تقل لفظاً ركيكاً، يعني لا تقل لفظاً ركيكاً من جهة المعنى، فالمعنى هو الركيك لا أن اللفظ وجد ركيكاً، مع أنَّ الذي لا يفهم لا يجد فيه ركاكة.
ـــــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 26-27، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
(2) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا الإبهام، فمرَّةً تقولون: إنَّ الإبهام في الدلالة ضعف. أو تقولون: إنَّ الانتقال من معنى إلى آخر فيه إبهام، فسريانه إلى اللفظ ضعيف، ونحن لا نقبل كِلا الأمرين.
بقي أن نتكلَّم في المجازات.
المرحوم الآخوند، بعد أن يقول: إنَّه بحسب العمومات وإطلاقات (أوفوا بالعقود). لا بُدَّ أن نقول: إنَّ مطلق العقود التي تقع بالكنايات والمجازات نافذة وصحيحة.
ثُمَّ يقول: ويمكن المناقشة في باب الكنايات بأنَّنا نريد في العقود عهداً مؤكّداً، وهو لا يحصل في الكنايات؛ لأنَّ الوهم الموجود في المعنى يسري إلى اللفظ، ومِن ثَمَّ لا يحصل العهد المؤكّد(1).
نحن قبلاً قلنا: إنَّ ما يقال من أنَّ العقد على قسمين: عهد مؤكّد، وعهد غير مؤكّد. فإذا حصل باللفظ فهو مؤكّد، وإذا حصل بالفعل فهو غير مؤكد.
وهنا يقول بأنَّ هنا وَهْناً يسري إلى اللفظ، فلا يكون عهداً مؤكّداً، فكأنَّه يريد أن يقول: إذا كان العقد باللفظ تكون دلالته تامَّة، ويكون عهداً مؤكّداً، وإذا كان بالفعل أو الكناية والمجاز، فلا يكون عهداً مؤكّداً(2).
وقد قلنا: إنَّ التأكيد في العهد هل يعني التأكيد في الماهيّة، التي هي عبارة
ـــــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 26-27، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
(2) المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عن مبادلة شيء بشيء، وهذه الماهيّة سواءٌ حصلت باللفظ الصريح، أو غير الصريح، أو بالفعل، لا يفرق في أنّها وضع قرار مبادلة هذا بهذا، وهذه المقابلة لا تتُصوَّر فيها المؤكّديّة، وإذا كانت المؤكّديّة، بمعنى أنَّنا نحتاج علاوة على مضمون المعاملة إلى مطلب آخر، كالتصفيق والقَسَم على عدم الرجوع، فهذا غير مأخوذ في المعاملة يقيناً.
يبقى قوله: إنَّ العهد المؤكّد لا يقع بالكناية، وإنَّما يقع باللفظ الصريح، إذا كان مراده أنَّه يعتبر في العقد اللفظ الصريح فهو مصادرة، وإن كان مراده أنَّ هناك معنى لا يحصل إلا باللفظ الصريح دون التعاطي والكنايات، فما هو هذا المعنى؟ إن كان هو المبادلة فهو يحصل بالتعاطي والكناية لا محالة، وإن كان أكثر من ذلك فهو لا يحصل حتَّى في اللفظ الصريح، لا يحصل من (بعت) و(قبلت) إلا المبادلة.
ومرَّة تقولون: إنَّنا نريد الصراحة في اللفظ لتصحيح العقد، فما هو الدليل على ذلك، فما هو هذا المعنى من التأكيد الذي يحصل باللفظ الصريح دون غيره؟ بالإضافة إلى أنَّ العقد قد يكون بالكناية ويكون مؤكّداً، بل قد تكون الكناية أوكد من التصريح، فإنَّه قد يُؤتى ببعض الأمور الخارجيَّة المؤكّدة، فتُذكر في العقد وهي تمكن بالكناية وبالصراحة، بل قد تتكفَّلها الكناية أكثر، مع أنَّه لا يعتبر في البيع أكثر من المبادلة.
فما يقولونه من العهد المؤكّد الذي يذكره الآخوند(1) وبعض طلابه (رحمهم
ـــــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 27، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الله)(1) مما هو زائد عن حقيقة المعاملة أمر لا نتصوَّره.
المرحوم النائيني في باب المجازات اللفظيّة والمعنويّة يقول(2): إنَّه لا إشكال في أنَّ ماهيَّة البيع وسائر المعاوضات بسائط، وليست مركّبة من جنس وفصل، والبسائط لا يمكن أن توجد تدريجاً، بل الماهيّات المركّبة من جنس وفصل لا يمكن أن توجد تدريجاً أيضاً، فلا يمكن أن يوجد الجنس أولاً ثُمَّ الفصل، أو الهيولى أولاً ثُمَّ الصورة، فإنَّه لا تحصّل للجنس إلا بالفصل، ولا تحقَّق للهيولى إلّا بالصورة، هذا في باب المركّبات، فضلاً عن البسائط الحقيقيّة كالسواد والبياض، الذي ما به الاشتراك عين ما به الامتياز، فهو لون أسود من دون أن تكون سواديّته غير لونيّته، والشدَّة فيه سواءٌ أيضاً.
كذلك الأمر في البيع والصلح التي هي ليست عبارة عن ماهيات مركَّبة من جنس وفصل، بل البيعيّة هي عين التمليك والتمليك عين البيعيّة، والقرض عين التمليك والتمليك عين القرض، وليس التمليك جنساً وله فصلٌ، بل هي من البسائط، ولو قلنا بأنَّها متباينة عن بعضها البعض، بل إنَّ نسبة التمليك لهذه الماهيّات الأربع التي أوردها في كلامه وهي: البيع والإجارة والقرض والهبة، نسبته إليها نسبة الماهيّة إلى الأفراد، فكما أنَّ الأفراد قد تختلف
ـــــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 257-260، خصوصيّات ألفاظ البيع.
(2) اُنظر: منية الطالب 1: 105-107، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
خصوصياتها ومشخّصاتها، وتبقى الماهيّة مع ذلك محفوظة على بساطتها، كذلك الأمر بالنسبة إلى خصوصيات هذه المعاملات، مع كونها جميعاً عين التمليك، فهذه هي المقدمة.
ثُمّ يأخذ في استنتاج النتيجة، وهي أنَّه في باب المجاز مرَّة يكون مجازاً مشهوراً بنحو أنَّ الناس يتردَّدون إذا ألقى عليهم في المراد منه، هل هو معناه الحقيقيّ أو المجازيّ المشهور؟ ويحتاج في رفع التردُّد إلى قرينة معينة.
إذا كان كذلك، فبما أنَّ اللفظ عند إلقائه لا يأتي إلى الذهن، أيٌّ من المعنيين إلا بالقرينة، فمع وجودها لا بأس باستعماله في المعاملة ولا يلزم إيجاد البسيط تدريجاً.
وأمَّا في المجاز غير المشهور فنحتاج علاوةً على القرنية المعيّنة إلى القرينة الصارفة، فلهذا فهي أسوء حالاً من الكنايات؛ لأنَّ المجاز غير المشهور عند إلقائه كما إذا قال: (بعتك المنفعة لمدة سنة)، ويريد الإجارة مجازاً. فأوَّل ما يقول: (بعت) يأتي إلى الذهن إيجاد المعنى الحقيقيّ، ثُمَّ حين يذكر القرينة يكون إيجاداً للمعنى المجازيّ، فهذا إيجاد للمعنى الإيجاديّ التصوريّ مع المعنى الإيجاديّ التصديقيّ، وهما متناقضان، فيحصل التناقض في الإنشاء، فإنَّه بمجرد أن يقول: (بعت) فقد أوجد البيع بالمعنى التصوريّ، ثُمَّ حين يقول: (… المنفعة لمدة سنة) فقد أوجد الإجارة بالمعنى التصديقيّ، وبين هذين المعنيين تناقضٌ، فلا يمكن أن نعدَّه إنشاءً جديداً، إلّا أن نقول: إنَّ القرينة تكشف عن تماميّة المطلب بذي القرينة(1).
ـــــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ويظهر أنَّه غير مرتضٍ لهذه العبارة الأخيرة، إذ إنَّه في باب المشتركات اللفظيّة والمعنويّة يُفصِّل نفس التفصيل، ويقول: بأنَّ الإيجاد التدريجيّ للماهيّة غير صحيح(1).
نقول: لسنا نحن ولا هو مِن أهل الفن؛ لكي نفهم معنى الجنس والفصل والهيولى والصورة، وكيفيّة تحقُّق بعضها ببعض، وأنَّ وجودها هل هو تدريجيّ أو دفعيّ، أو أنَّ الشدَّة والضعف هل هما إعدام وإيجاد أو وجود واحد؟ هذا كلّه ممَّا لا نفهمه(2)، وإنَّما الذي نفهمه هو الأمور السوقيّة العقلائيّة وماهيّة البيع.
لكنَّنا نرى أنَّه إذا كان البناء على أنَّ وضع الهيولى والصورة والبسائط الحقيقيَّة هكذا، فهل المعاملات أيضاً من البسائط أو لا؟
وما يقوله من أنَّ الملكيَّة ليست ما به الاشتراك، بل البيع عين الملكيَّة والملكيّة عين البيع، يعني البيع يُحصّل الملكيَّة والملكية تُحصّل البيع، إذن فما الذي يحصل بقوله: (ملَّكت)، هل يحصل البيع؟
لا شكّ أنَّ هذه الماهيّات مركَّبة، لها ما به الاشتراك، وما به الامتياز الاعتباريّ، وماهيّة البيع هي تمليك بعوض، والإجارة تمليك للمنفعة بعوض، والقرض تمليك بالضمان، والهبة تمليك بلا عوض، فهذه مميّزاتٌ وفصولٌ اعتباريةٌ وهي جزءٌ من الماهيّات المركَّبة الاعتباريّة، فالتمليك موجود فيها جميعاً وهي القدر المشترك بينها، وتمتاز عن بعضها البعض بأمور أخرى، وإذا كان
ـــــــــــــ[63]ــــــــــ
() اُنظر: منية الطالب 1: 105-107، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع.
(2) يريد أن يقول: إنَّها خارجة عن حاجتنا وبحثنا في المقام. (توضيح)، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
السواد والبياض ماهيَّة بسيطة، فلماذا يجب أن يكون البيع كذلك؟ وهل ذلك إلّا من خلط الأمور الحقيقيَّة بالأمور الاعتباريَّة؟!
ولسنا الآن في مجال تحقيق الوجود التدريجيّ، إلّا أنَّه يذكر أن هذه الماهيّات رغم كونها متباينةً، فإنَّها جميعاً عبارة عن التمليك لا مع خصوصيّة زائدة، كيف يمكن ذلك؟!
أن يكون هذا التمليك مبايناً مع ذاك التمليك، فهل التمليك مختلفُ التحقُّقِ والماهيّةِ.
والعجيب أنه يقيس خصوصياتها على الخصوصيّات الفرديّة للماهيّة، فإنَّ خصوصيات الماهيّة خصوصيات وجودية لا دخل لها في الماهيّة كوجودها في هذا المكان أو الزمان، فهل يريد أن يقول: إنَّ البيع والإجارة والقرض والهبة ماهيَّةٌ واحدةٌ، وإنَّما اختلافها بالخصوصيّات المصداقيّة التي تلحقها حين الوجود؟
على حين أنَّنا نعلم أنَّ ماهيَّة البيع مختلفة عن ماهيَّة القرض قبل الوجود، وإنَّما هي خصوصيّات ومميّزات في الماهيّة، ولهذا عقدت كتاب البيع مستقلّاً عن كتاب القرض مستقلّاً عن كتاب الإجارة، فالقرض فيه تمليك إلّا أنَّه تمليك بالضمان، والبيع تمليك بالعوض، فكيف تكون هذه الخصوصيّات مصداقيّة؟! فهذا ممَّا لم نفهمه.
إذن، ما بين هذه الماهيّات ما به الاشتراك الاعتباريّ، وما به الامتياز الاعتباريّ.
وإن شئت قلت: جنس وفصل اعتباريّان مأخوذان في مقام الماهيّة.
ثُمَّ ما يُرتِّبه عليه من أنَّ هذه الماهيّات ما دامت بسيطة، لا يمكن أن تكون
ـــــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
تدريجيّة، بل دفعية الوجود، فإذا كانت مجازاً مشهوراً فهي دفعيّة؛ لأنَّه لا يأتي إلى الذهن أيٌّ من المعنيين، بل يتعيَّن المعنى بالقرينة، ومع تعيُّنه بها يقع صحيحاً.
وأمَّا إذا كان مجازاً غير مشهور؛ فبمجرد أن تقول: (بعت) يُلزِمك بالبيع!!
الكلام قبل أن يتمُّ لا ظهور له، والدلالة التصوريّة لا أثر لها، والإيجاد التصوريّ من العجائب، فإنَّ ما هو قابل للإيجاد هو الإنشاء، وهو معنى تصديقيّ لا تصوريّ، والمعنى التصوريّ والتصديقيّ لا مناقضة بينهما، أيُّ تناقض بين حقيقة البياض ومفهوم السواد؟!
وإنَّما التناقض في الواقع يعني إذا تحقَّقا في الواقع يتناقضان، والإيجاد بالدلالة التصوريّة ما معناه، وهل هي قابلة لإيجاد شيء؟ ومتى أردت إيجاد شيء بغير المعنى المجازي ليكون وجود المعاملة تدريجيّاً أو متناقضة الوجود؟
نحن في المسألة العرفيّة، يجب أن نرجع إلى عقلنا العرفيّ لا العقل الفلسفيّ، بل نذهب إلى السوق؛ لنرى أنَّها ماهيَّة بسيطة أو لا، ومُوجِد المعاملة باللفظ المجازيّ، هل يقول: حقيقةً ومجازاً معاً، أو يريد التعبير عن معنى مجازيّ واحد؟
نعم، الإنشاء تدريجيّ الوجود، ويحتاج تفهيمه إلى دوالٍّ مختلفة، فسواء أردت إلقاء الحقائق أو الكنايات أو المجازات لا بُدَّ أن يكون بنحو تعدُّد الدالّ والمدلول، والإنشاء لا بُدَّ وأن يكون تدريجيّ التحقُّق، غايته أنَّ العقلاء، بعد انتهاء الإنشاء واستقرار القصد، يعتبرون الملكيَّة والنقل بالمعنى الحاصل المصدريّ، ونحن نتكلَّم حول الإنشاء والإيقاع لا عن التمليك بمعنى حاصل المصدر، والإنشاء لا يقع بالإيجاب وحده، وإنَّما لا بُدَّ أن يتعقَّبه القبول، فهل القبول عين الإيجاب؟!
ـــــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والعقلاء ينتظرون انتهاء الكلام ليلزموه بما قاله، لا أنَّه بمجرد أن يقول: (بعت) يلزمونه بالبيع، مع أنَّه يريد أن يقول: (بعت منفعة السنة) بقصد الإجارة، بل للمتكلِّم أن يُلحق بكلامه أيَّ شيءٍ شاء.
والدلالة التصوريّة التي ذكرها ليست ظهوراً، بل هو خطورٌ بالبال، وهذا لا يُفرّق فيه بالبيع بالمجاز أو الحقيقة والكناية والمشتركات اللفظيّة والمعنويّة من أنَّ الماهيّة مركَّبة، والإنشاء تدريجيّ الحصول يتحقَّق بتعدد الدوالّ، وبعد تمامية الكلام يكون موضوعاً لحكم الشارع والعقلاء.
إذن، فكلُّ الأسباب العقلائيّة التي تُستعمل في المحاورات، والإنشاءات التي تحصل في المحاورات العقلائية، سواءٌ بالمجازات البعيدة أو القريبة أو المشتركات المعنوية أو اللفظية، إذا حُفّت بالقرائن تقع صحيحة عقلائيّة، وينظر العقلاء إلى تحقُّق مسبّباتها.
وأمَّا بالنسبة إلى إطلاق الأدلّة وعموم (أوفوا بالعقود)، فقد قلنا سابقاً: إنَّ جملة منها لها دلالة ولا يرد عليها إشكال، إذن فمن هذه الناحية لا إشكال.
نعم، إذا أوقع معاملة بأسلوب لا يراه العقلاء سبباً لإنتاجها، لا يقع بيعاً ولا يكون مشمولاً للأدلّة.
بناءً عليه، فالبحث عن ألفاظ البيع أنَّها صريحة أو غير صريحة، لا فائدة فيه سوى تعرُّض الأغايون له، كما أنَّ البحث -في اعتبار العربيّة- لا معنى له؛ لأنَّ الله أحّل لكل قوم بيعهم، لذا فإنَّ الفارسيّ يجب أن يقول: (فروختم)
ـــــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
و(خريدم)(1)، وكل أهلّ لغة بلغته، لا أن يقول شيئاً آخر، وهذا أقرب إلى الذهن من وجوب تعلُّم(2) اللغة العربيّة على جميع البشر.
نعم، لو كان النبي فارسيّاً، ومع ذلك نطق البيع بالعربيّة لعرفنا أنَّ للعربيّة خصوصيّة في المقام، ولكنّه عربي، وقد تكلَّم مع أهل بلاده بلغتهم، فليس لا بُدَّ أن نعمل في ذلك مثله.
أمَّا البحث في العبارات:
فإنَّه مرَّة: تتغيَّر المادة إلى شيء آخر كـ(زوّجت) تصير (جوّزت)، وهذا على شكلين: فمرّة يكون عند قوم يرون لها معنى الزواج؛ فلا مانع. وأمَّا إذا تغيّر بشكل أصبح شيئاً آخر، فصحّة الإنشاء بها مشكل، وليست آلة للمعاملة وإن أرادها.
ومرَّة: يكون الغلط إعرابياً أو في هيئة الكلمة، بحيث يقع بيعاً وعقداً عند العقلاء، فلا بُدَّ أن يقال بصحّته ولا مانع منه.
فما ذكره الشيخ مفصّلاً(3) من هذه البحوث في غير محلِّه، بعد اقتضاء العمومات للصحَّة.
بقي مطلب واحد -تعرَّضنا له سابقاً- وهو أنَّ البيع هل يحتاج إلى إيجاب وقبول، أو يكفي فيه الإيجاب وحده؟
ـــــــــــــ[67]ــــــــــ
() كلمة باللغة الفارسية تعني: (فروختم) أي بعتُ، (خريدم) أي اشتريتُ.
(2) ليس في ذلك غرابة بعد أن كانت الصلاة وسائر العبادات تجب بالعربيّة كما يعترف به السيد، فالشخص الذي يصلي بالعربيّة لا تكليف أن يبيع بها أيضاً كما هو معلوم، (المقرِّر).
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 118-121، الكلام في الخصوصيّات المعتبرة في اللفظ.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قلنا: إنَّ في الإيجاب والقبول توجد فيهما مادَّة المفردات وهيئة المفردات، وهيئة المجموع، ففي مادَّة المفردات ما سبق.
أمَّا هيئة المفردات: فهل لا بُدَّ أن تكون بصيغة الماضي، سواءٌ ذلك في البيع أو في سائر المعاملات، أو تكفي صيغة المضارع لكن دون الأمر واسم الفاعل، أو يمكن إيقاع المعاملة بتمام الصيغ؟
وهذه المسألة حدثت بعد زمان المحقِّق والعلَّامة، ولم يكن الكلام فيها قبلهما إلّا نادراً أو معدوماً، ولذا فإنَّ إجماعهم المتأخِّر لا يفيد شيئاً. نعم، إذا حصّلنا شهرة بين المتقدّمين على شيء، لكن شهرة غير مستندة إلى الاجتهاد وفهم ظواهر الأدلّة، نأخذ بها، فإنَّنا نعمل بالشهرة.
والعمدة أن ننظر إلى أنَّه ما هو الحال في اعتبار العقلاء؟ فإنه إذا بنينا على أنَّ المجاز معقول، والكناية معقولة عند العقلاء، والمشتركات اللفظية والمعنوية مقبولة لديهم مع قيام القرينة، وفرضنا أنَّه بقيامها يحصل الظهور ويكون عند العقلاء مقبولاً، فإذا قلنا ذلك، فإنَّ الأدلّة العامّة تشمله لا محالة.
ودعوى انصرافها عنها ليست مسموعة، أو بالأخصِّ بعد أن سبق أن قلنا: إنَّنا نفهم من أوفوا بالعقود(1) وتجارة عن تراض(2) أموراً كثيرة.
ـــــــــــــ[68]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
(2) النساء: 29.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وما قيل من أنَّها هناك فرقاً بين الفعل الماضي وغيره من الفعل المضارع واسم الفاعل والمفعول من أنَّ الفعل الماضي يشتمل على صراحة دون غيره.
أولاً: نُسلِّم هذا المطلب، وهو صراحة الفعل الماضي دون غيره، ولكنَّ الصراحة غير معتبرة، فإنَّه بعد أن حصل الظهور، بعد قيام القرائن -ولو أن اللفظ مستقلّاً ليس كذلك- يكفي عند العقلاء لإيقاع المعاملة.
ثم هل للفعل الماضي صراحة، وليس للمضارع صراحة؟
لا بُدَّ أن ننظر في ذلك إلى الوجه الذي ذكروه لذلك، البتّة البحث عن هيئات المشتقّات موكول إلى محلِّه، ولسنا الآن بصدد بحثه، إلّا أنَّنا الآن نشير إلى الفرق بين الماضي والمضارع.
يقول المرحوم النائيني(1): بأنَّ الفعل الماضي بما أنَّه موضوع للتحقُّق ولهذا نفهم منه المضي استلزاماً، ولهذا لو كان المتكلم في مقام الإخبار فهو يحكي عن الواقع صريحاً، وإذا كان في مقام الإنشاء والإيجاد فهو يعبِّر عنه صريحاً أيضاً.
وأمَّا الفعل المضارع: فبما أنَّه موضوع لانتساب المادَّة إلى الفاعل لنسبة المبدأ إلى الفاعل، فهو مستلزم للتحقُّق لا أنَّه دالٌّ عليه، والمضارع وإن كان ظهوره الابتدائيّ(2) في الحال، ولهذا لا بُدَّ أن يُفهم الاستقبال بالـ(سين) و(سوف)، إلّا
ـــــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 108، حول اشتراط الماضويّة.
(2) هذا الظهور غير صحيح بل لا يبعد القول بأنَّ المضارع موضوع للجامع بين الحال والاستقبال، وإنَّه يكون من دون قرينةٍ مجملاً من هذه الناحية.
أمَّا الـ(سين) و(سوف) فوظيفتهما تعيينه للاستقبال، وإقامة القرينة على إرادة ذلك، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنَّه لا يدلّ على التحقُّق، بل لازمه التحقُّق، فكما أنَّ الماضي وُضِع للدلالة على تحقُّق المادَّة ولازمه المضيُّ، فالفعل المضارع وُضِع للدلالة على انتساب المادَّة إلى الفاعل ولازمه التحقُّق، وإن كان دالّاً على الحال.
ثُمَّ يقول(1): والمضارع واسم الفاعل معناهما واحد من جهة الوضع للدلالة على الانتساب إلى الفاعل، غاية الأمر أنَّ (اسم الفاعل) مترتِّب عليه، فإنَّ المضارع وُضِع لأجل الانتساب إلى الفاعل، فإذا تحقَّق المبدأ بواسطة الفاعل، ففي رُتبة تحقُّقه ينتسب إلى الفاعل، ولهذا يقال: (ضرب يضرب، فهو ضارب).
وكما أنّه باسم الفاعل لا يمكن إيقاع الصيغة نحو: (أنا بائعك)، كذلك الأمر في الفعل المضارع الذي هو بمعناه.
وأمَّا الأمر(2): فهو -إذا لم يصدر من العالي- استدعاء، فلا يمكن إيقاع المعاملة به أيضاً.
ثُمَّ يقول: إنَّ الإنسان إذا فحص في الأخبار الواردة في هذه الموضوعات في الأبواب المتفرقة يقطع بأنَّ ما وُضِع بصيغة المضارع والأمر كانت مقاولات، ولم تكن معاملات(3).
ـــــــــــــ[70]ــــــــــ
() اُنظر: منية الطالب 1: 108، حول اشتراط الماضويّة.
(2) يلاحظ: أنَّ السيّد لم يناقش هذه الجهة، فكأنَّه قبلها من النائيني، (المقرِّر).
(3) اُنظر: منية الطالب 1: 108، حول اشتراط الماضويّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فهنا له عدَّة مدّعيات:
الدعوى الأولى: أنَّ الماضي صريح، والمضارع غير صريح.
الدعوى الثانية: أنَّ المضارع واسم الفاعل معناه واحد، لكنَّهما مترتِّبان.
الدعوى الثالثة: كما أنَّه في الفاعل لا يجوز إيقاع المعاملة، كذلك في الفعل المضارع.
الدعوى الرابعة: أنَّ الأخبار تدلّ على إيقاع المقاولة أو المعاملة.
ونحن لم نستطع فهم أيِّ واحد من هذه المدعيات.
أولاً: نقول: إنَّ ما يذكره من أنَّ الفعل الماضي موضوع للتحقُّق ولازمه المضيّ، نسأل أنَّه هل هو موضوع لمطلق التحقُّق أو لتحقُّقٍ خاصٍّ؟ فإن كان موضوعاً لمطلق التحقُّق فليس لازمه المضيّ؛ لأنَّ التحقُّق قد يكون في الماضي وقد يكون في المستقبل، وإن قلتم: إنَّه موضوع لتحقُّقٍ خاصٍّ وهو التحقُّق في الماضيّ، فلازمه وإن كان هو المضيّ، هذا صحيح، لكنَّ استعماله في الحال استعمالٌ في غير ما هو له.
فإنَّ ما هو موضوع للحكاية عن حصّة خاصّة من التحقُّق، لا بُدَّ أن يكون في الخارج نحوٌ من السبق والتحقُّق، مع أنَّك تريد استعمال الماضي في الإنشاء، فكيف يكون صريحاً في هذا المطلب؟
فما يقوله: من أنَّه موضوع للتحقُّق ولازمه المضيّ، نعرف منه أنَّ الماضي لا صراحة له في الإيقاع، وإنَّما تدلّ القرائن عليه.
بناءً عليه، فالماضي والمضارع وغيرها بحسب الدلالة اللغويّة، ليس لها
ـــــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
دلالةٌ صريحةٌ مطابقيّةٌ، إذن فنحن في باب العقود والإيقاعات لا نحتاج إلى الفعل الصريح؛ لأنَّه لا يوجد فعلٌ صريحٌ، بل كلّها محتاجة إلى القرينة.
فإذا كانت الدلالة بالقرائن ممكنة، إذن فليكن ماضياً أو مضارعاً أو أمراً أو أيَّ مجازٍ آخر.
وأمَّا ما يقوله في الدعوى الثانية: من أنَّ المضارع موضوع بنسبة المادَّة إلى الفاعل، فنحن يجب أن نعرضه على الارتكاز العرفيّ، وننظر إلى خطوط المطلب من هذه الناحية، لو كان (يضرب) موضوعاً لانتساب المادَّة إلى الفاعل، فنحن إذا قلنا: تنتسب(1) المادَّة إلى الفاعل، نكون قد جئنا بمعنى المضارع محّولاً إلى معنى اسميّ.
كما أنَّنا في (ضرب) لو قلنا: (صدر منه الضرب) لجئنا بمعنى الفعل الماضي محوّلاً إلى معنى اسميّ، مع أنَّ الأمر في المضارع ليس كذلك، بل كما أنَّ الماضي معناه: (صدر منه الفعل)، فالمضارع معناه: (يصدر منه الفعل)، والفرق بينهما
ـــــــــــــ[72]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّه ليس مقصود النائيني من المادَّة والفاعل مفهومها، وإنَّما أخذ هذين اللفظين مشيرين إلى الأفراد الخارجيَّة، فلا بُدَّ حين تحويله إلى معنى اسميّ أن نضع المادَّة والفاعل المشار إليهما، مثلاً نقول: ينتسب الضرب إلى الضارب، وينتسب الأكل إلى الآكل، وهكذا. وهذا ليس شنيعاً بالنحو الذي تصوَّره السيد.
نعم، يرد عليه أمور أخرى من أهمها: الدور؛ لأنَّا أخذنا الفعل المضارع في معنى، وتعريف الفعل المضارع وإشكال الدور يرد حتَّى على ما اختاره السيّد من أنَّ معنى: (يضرب) يصدر عنه الضرب، و(ضرب) معناه: صدر عنه الضرب، كما لا يخفى، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في المعنى والاستقبال، (يضرب زيدٌ عمراً)، يعني يتحقّق منه الضرب، ولو أردنا إفادته بالمعنى الاسميّ لقلنا: يصدر منه الضرب.
فكيف يقول: إنَّ المضارعَ موضوعٌ لانتساب المادَّة إلى الفاعل، والماضي موضوع للتحقق؟ بل أحدهما موضوع للتحقُّق السابق، والآخر للتحقُّق اللاحق، لكن بنحو المعنى الحرفيّ الذي قلنا في محلِّه.
إذن، فهما مشتركان في الدلالة على التحقُّق، غاية الأمر يُستفاد من أحدهما السبق، ومن الآخر الاستقبال بالمعنى الحرفيّ.
وأمَّا الادعاء الثالث: وهو أنَّ الفعل المضارع واسم الفاعل معناهما واحدٌ لكن مترتِّباً.
كيف يمكن فهم ذلك؟! فإنَّه إذا كان معناهما واحداً فأيُّ معنى للترتُّب، ويكون بين أيِّ شيء وشيء؟ ثُمَّ إنَّه يعلِّل ذلك بأنَّه حين التحقُّق ينتسب إلى الفاعل، فصار مفاد أحدهما التحقُّق والآخر الانتساب، فلم يكن معناهما واحداً، وما أخذه مُسلَّماً من أنَّه لا يجوز إيقاع المعاملة باسم الفاعل، غير صحيح؛ فإنَّه جائز مع القرينة، نحو: (أنا بايعك) و(أنا منكوحتك).
وقلنا: إنَّه لا يمكن أن ندخل في بحث معاني الهيئات، وإنَّما بحسب القواعد لو تطلّبنا الصراحة، فلا بُدَّ أن نغلق أبواب سائر المعاملات، وأمَّا إذا لم نتطلّبها، فلا يبقى فرقٌ بين الماضي وغيره.
وأمَّا المدّعى الرابع: مِن أنَّ مَن يراجع الروايات يحصل له القطع بأنَّها في مقام المقاولة دون المعاملة، فلا بُدَّ من مراجعة الروايات أنفسها:
ـــــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الرواية الأولى(1): وهي غير صحيحة، عن أبان بن تغلب، قال: “قلت لأبي عبد الله: كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوّجك متعةً على كتاب الله وسنّة نبيّه، لا وارثةً ولا موروثةً، كذا وكذا يوماً، وإن شئت كذا وكذا سنةً، بكذا وكذا درهماً، وتسمّي من الأجر ما تراضيتما(2) عليه: قليلاً كان أو كثيراً. فإذا قالت: (نعم) فقد رضيت، وهي امرأتك، وأنت أولى الناس بها“(3) الحديث
هل تقطع بأن هذه مقاولة أو معاملة، أو أنَّ السائل يسأل عن إجراء صيغة المتعة والإمام يعلّمه إياها؟
وقوله: (هي امرأتك) هل معناه أنَّها تصبح امرأتك بعد إجراء الصيغة مجازاً؟ فالإنصاف أنَّ دلالتها واضحة جداً.
رواية أخرى(4) عن أبي عبد الله، قال: “قلت: ما أقول لها؟ قال: تقول لها: أتزوّجك على كتاب الله وسنّة نبيّه، والله وليّ ووليّك، كذا وكذا شهراً، بكذا وكذا درهماً، على أنّ لي الله عليك كفيلاً لتفين لي، ولا أقسم لك، ولا أطلب
ـــــــــــــ[74]ــــــــــ
() باب 18 في صيغة المتعة: ج3، ص127 الوسائل. (المقرر).
(2) يعني تسمَّى في هذه الصيغة ما تراضيتم عليه في المقاولة السابقة، وهذه أحسن قرينة في الرواية للدلالة على مقصود السيّد سلَّمه الله، (المقرِّر).
(3) وسائل الشيعة 21: 43، باب صيغة المتعة وما ينبغي فيها من الشروطِ، الحديث 26486.
(4) عن هشام بن سالم الحواليقي، وهي آخر روايات الباب.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ولدك، ولا عدّة لك عليّ(1). فإذا مضى شرطك فلا تتزوّجي حتَّى تمضي لك خمسون أو أربعون يوماً. وإن حدث بك ولد فأعلميني“(2).
ولا يخفى ما في هذه الصيغة من تعليم أحكام المتعة، فالسائل يسأل عن امرأة يريد أن يتزوجها، ماذا يقول لها؟ والإمام يعلّمه بذلك، لا أنَّها مقاولة.
وكذلك رواية أخرى عن سماعة، عن أبي بصير، قال: “لابدّ من أن يقول فيه هذه الشروط(3): أتزوّجك متعةً كذا وكذا يوماً، بكذا وكذا درهماً، نكاحاً غير سفاحٍ على كتاب الله وسنّة نبيّه” (4) الحديث.
خصوصاً الرواية الأولى فإنَّها صريحة بإجراء الصيغة، ومن هنا قال: (إذا قالت: نعم، فهي امرأتك)(5).
ـــــــــــــ[75]ــــــــــ
() أقول: يعني عدَّة الوفاء، وإلا فعدَّة المتعة موجودة في الرواية، (المقرِّر).
(2) وسائل الشيعة 21: 45، باب صيغة المتعة وما ينبغي فيها من الشروطِ، الحديث 26491.
(3) أقول: يعني في العقد، وهو قرينة على المطلوب، (المقرِّر).
(4) وسائل الشيعة 21: 44، باب صيغة المتعة وما ينبغي فيها من الشروطِ، الحديث 26489.
(5) أقول: جملة روايات هذا الباب وردت بصيغة المضارع، ولم يرد فيها من صيغ المتعة بالماضي شيءٌ أصلاً، نعم وردت واحدة بصيغة الأمر، إلّا أنَّ فيها قرائن على الاستدعاء والتعليم.
وهي ما عن الأحول قال: “سألت أبا عبد الله: قلت: أدنى ما يتزوّج الرجل به المتعة؟ قال: كَفّ من بُرٍّ يقول لها: زوّجيني نفسك متعةً على كتاب الله وسنّة نبيّه نكاحاً غير سفاحٍ، على أن لا أرثك ولا ترثيني، ولا أطلب ولدك، إلى أجلٍ مسمّى، فإن بدا لي زدتك وزدتني“.
وهناك في الباب الثاني من أبواب الخيار، من كتاب التجارة من الوسائل:634 رواية قد تدلّ على المطلوب، عن الحلبي… قال: وقال أبو عبد الله: “إنّ أبي اشترى أرضاً يُقال لها العُريض، فابتاعها من صاحبها بدنانير فقال: أعطيك ورقاً بكلّ دينارٍ عشرة دراهم، فباعه بها” الحديث. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والأعجب أن الشيخ النائيني يقول(1): وأمَّا (هي طالق) فهو تعبُّد. فهل التعبُّد الشرعيّ جعل ما ليس لفظاً ولا سبباً للطلاق سبباً له، وأنَّ الإسلام قدّم ما لا دلالة فيه وألغى ما فيه دلالة، أو كانت هناك عدَّة ألفاظ للطلاق اختار واحداً منها وجعل له القِدمة؟
إذن، إذا كانت الكناية موافقة لعرف العقلاء، فلا شكّ في صحتها. نعم، إذا أتى الإنسان بكناية غير موافقة لعرفهم فلا يقع ذلك صحيحاً، أمَّا أنه لا بُدَّ أن تكون بصيغة الماضي فليس ذلك لازماً.
هذا راجع إلى اعتبار الهيئة الخاصّة.
ـــــــــــــ[76]ــــــــــ
() راجع منية الطالب 1: 109، حول اشتراط الماضويّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
البحث الآخر: راجع إلى المجموع المركَّب منهما:
أولاً: نقول ما أشرنا إليه سابقاً، وهو: أنَّه في العقود مطلقاً هل العقد متقوّم بالإيجاب والقبول، وأن ماهيَّة العقد لا تتحقَّق إلّا بهما، أو ليست متقوّمة بذلك، وإنَّما الماهيّة ليست إلّا الإيجاب، وليس فيها عنه نقصان أصلاً؟
فإنَّ تعريف البيع: هو تمليك العين بالعوض، فإذا قال: (ملَّكت العين بالعوض)، فذلك هو تمام ماهيَّة البيع. والإجارة هي تمليك المنفعة بمقدار كذا، فإذا قال: (ملّكت المنفعة بهذا المقدار)، فقد أوقع تمام الماهيّة.
أمَّا إذا لم يكن كذلك؛ إذن لا بُدَّ أن نقول: إنَّ البيع هو: تمليك عين بعوض مع القبول، فنأخذ القبول في الماهيّة، مع أنَّ الفقهاء لم يأخذوه، وإنّما ذكروه باعتبار أنَّ الغالب هو وجود طرفين، ولا بُدَّ من حصول الرضا من كِليهما.
لكن لو فُرض أنَّ وليّ صغيرين أراد أن يبيع من أحدهما للآخر، أو من أحدهما لنفسه أو بالعكس، فهل يحتاج إلى القبول؟ أو -في الواقع– يكفي أن يقول: (بعت كذا بكذا) ولا حاجة إلى القبول؟ أو لو أوكل المشتري أمره إلى البائع فقال: (بعت هذا بهذا) والرضاء حاصل من المشتري بالفعل، فإنَّما يعتبر القبول في غالب الأحيان لا دائماً، وإنَّما يعتبر القبول من باب: (بارك الله في صفقة يمينك)، إبرازاً للرضاء، شأنه في ذلك شأن إجازة الفضوليّ التي هي لإبداء الرضاء.
ـــــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وإن أردت فلاحظ النكاح الذي أوقعه الله وأوقعه رسوله.
الرواية الأولى: من باب صيغ النكاح (ج3، ص76)، في نكاح آدم بحواء: عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله في حديث خلق حواء وتزويج آدم بها: “قال الله عز وجلّ: فاخطبها إليّ… فقال: يا ربّ فإنّي أخطبها إليك… فقال عزّ وجلّ: وقد شئت ذلك، وقد زوّجتكها، فضمّها إليك“(1).
فهل قال: قبلت؟
ورواية تزويج(2) رسول الله لذلك الرجل العربي، وهي ما عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: “جاءت امرأة إلى النبيّ فقالت: زوّجني. فقال: مَن لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله زوّجنيها. قال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيءٌ… فقال: أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، فقال: قد زوّجتك على ما تحسن من القرآن، فعلّمها إيّاه“(3)..
وفي رواية أخرى (ضمَّها إلى نفسك)(4).
ـــــــــــــ[78]ــــــــــ
() مَن لا يحضره الفقيه 3: 379-380، كتاب النكاح، باب بدء النكاح وأصله، الحديث 4336، ووسائل الشيعة 20: 261، باب اعتبار الصيغة وكيفيّة الإيجاب والقبول…، الحديث 25575.
(2) ص77. ج3، (المقرِّر).
(3) تهذيب الأحكام 7: 355، باب المهور والأُجور…، الحديث 7، ووسائل الشيعة 20: 262، باب اعتبار الصيغة وكيفيّة الإيجاب…، الحديث 25575، مع أدنى تفاوتٍ.
(4) لم نجد هذه الرواية. الظاهر أنَّه إشارة إلى رواية تزويج آدم بحواء، وليست رواية مستقلّة، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا تمَّ الأمر بالإيجاب لا يبقى القبول إلا لغواً. نعم، هو في صورة وجود الطرفين لازم، إلّا أنَّه ليس دخيلاً في المعاملة.
فبناءً عليه، أنَّنا إنَّما نبحث في تقدم القبول على الإيجاب في موارد يكون هناك قبول، وأمَّا في الموارد التي لا يحتاج إليه فنحن في غنى عن هذا البحث.
بحثوا في مادَّة ألفاظ العقد وهيئتها، وفي الهيئة التركبيّة فيما بينها أيضاً، فبحثوا عن لزوم تقدُّم الإيجاب على القبول، وعن لزوم التوالي بينهما.
نحن لأجل تحقيق هذا المطلب في كِلا المطلبين(1)، وكذلك في البحث الطولانيّ الذي ذكروه في ألفاظ القبول، لا بُدَّ أن نذكر ما سبق أن ذكرناه وإن كان بعيداً عن بعض الأذهان، لكن بعد التأمُّل في أطرافه يمكن أن يوافق عليه الآغايون.
وذلك: أنَّنا نرى أنَّ القبول ما هو شغله في العقد؟ هل هو -كما قيل- من أركان العقد كالإيجاب؟ أو أنَّ القبول لا شغل له أصلاً(2)؟ والشيء الذي يحتاج إليه في القبول هو ترتُّب الآثار لا بالنسبة إلى تحقّق حقيقة العقد؟ وبهذا البيان تحلّ سائر المباحث التي قيلت في القبول.
نحن نقول: إنَّه إذا كانت ماهيَّة البيع هي تمليك عين بعوض، أو مبادلة مال بمال لا أكثر من ذلك، فإذا أنشأت مبادلة المال بالمال أو تمليك العين بالعوض فقد
ـــــــــــــ[79]ــــــــــ
() يعني تقدُّم الإيجاب على القبول والتوالي بينهما. (توضيح)، (المقرِّر).
(2) هيج كاره است، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنشأت البيع، وهذا يحصل بالإيجاب، فالإيجاب إنشاء لتمام ماهيَّة المعاملة.
وليس ذلك في البيع فقط، بل في سائر المعاملات كالإجارة، فيما لو كانت عليك منفعة بعوض، أو الإضافة الحاصلة من ذلك، فتمام ماهيّتها تتحقّق بالإيجاب، وكذلك سائر العقود كالمزارعة والمساقاة.
وقلنا: إنَّ الطرفين إذا وكَّلا شخصاً في إجراء صيغة المعاملة، فقال هذا الشخص: (ملَّكت زيداً هذه الدار بألف من عمر)، فهل لا بُدَّ أن يقول أيضاً: (قبلت ذلك) لماذا؟
إن تمام ماهيَّة المعاملة هو هذا، وسِمَة القبول سِمَةُ الإجارة في عقد الفضولي، فإنَّ غايته أنَّه لا يترتَّب عليه الأثر العقلائيّ إلّا بعد الإجارة، لا أنَّ العقدَ مركَّبٌ من الإيجاب والقبول والإجازة، بل معناها: أنِّي أجزت ما عملتموه من العقد، فلا يكون العقد موضوعاً للأثر إلّا بالإجازة.
هذا المطلب عيناً في الإيجاب والقبول يأتي، فإنَّ تمام ماهيَّة العقد عبارة عن الإيجاب، فإنَّ البيع ليس إلا مبادلة مال بمال، أو تمليك عين بعوض، وإذا قال: (ملّكت هذه العين بهذا العوض)، فقد تمَّت المعاملة، والقبول وضيفته إظهار الرضاء بالإيجاب، ولا دخل له في ماهيَّة المعاملة.
نعم، لا يترتَّب أثر على هذه المعاملة، إلّا إذا كان الآخر راضياً وقابلاً، فلو وكَّل الطرفان شخصاً لإجراء عقد الازدواج [الزواج]، فيقول: (زوجتكها)، فما الحاجة إلى أن يقول: (قبلت)؟
بل لنا الآن مطلب زائد، وهو: أنَّ القبول في المعاملات ليس لازماً أصلاً،
ـــــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإنَّ القبول إنَّما له عمل باعتبار أنَّه كاشف عن الرضاء، والمعتبر هو الرضاء، فإنَّ المعاملة لا بُدَّ أن تُنشأ وتُوقع لكي يتحقَّق، وهذا يتمُّ بالإيجاب، فإذا كان الطرف راضياً بهذا المعنى فالقبول لا معنى له إلا الرضا، فالقبول ليس له سِمَة الإيقاع، وإنَّما القبول هو قبول الإيقاع.
فما يقوله الشيخ والنائيني من كون القبول إنشاء وإيجاد، إذ يقول الشيخ(1): إنَّ القبول متضمن للنقل والرضا، فهو بفعل شيئين.
النائيني يقول(2): إنَّ كلّاً من المتعاملين يعملان شيئين؛ أحدهما بالمطابقة، والآخر بالالتزام. فالبائع بالمطابقة يملّك ماله للآخر، وبالالتزام يملك العوض، والمشتري بالمطابقة يملّك العوض وبالالتزام يملّك الثمن.
إلّا أنَّنا لم نفهم ذلك، فإنَّها ليست دلالة التزاميّة، فإنَّ معنى الدلالة الالتزاميّة هي من دلالة المعنى على المعنى، لا دلالة اللفظ على المعنى، مثلاً لو قال: (طلعت الشمس)، وفهمت وجود النور في الخارج، فليس هذا لأنَّ اللفظ يدلّ على طلوع الشمس بالمطابقة وعلى انتشار النور بالالتزام، بل اللفظ لا يدلّ على أزيد من معناه.
فلو قال (ملّكت بعوض) أو (بعتك هذا بهذا)، نفهم من (ملّكت) بتعدُّد الدالّ والمدلول تمليك العوض، ومن (بعوض) نفهم تملّكه للثمن، غايته أنَّ إحدى هاتين الدلالتين صريحةٌ، والأخرى أقلُ صراحة، لكنَّها دلالة لفظيّة.
ـــــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) اُنظر: المكاسب 3: 175، ألفاظ الإيجاب والقبول.
(2) اُنظر: منية الطالب 1: 109، لزوم تقديم، الإيجاب على القبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وعلى تقدير كونها من الدلالة الالتزاميّة، والدلالة الالتزاميّة دلالة معتبرة، وهو إنَّما يتمُّ في الإيجاب، وأمَّا القبول فلا يتضمن تمليكاً للثمن في مقابل العوض، وإنَّما هو رضا وقبول بما أوقعه البايع من تمليك العوض في مقابل الثمن، فسِمَته سِمَة القبول.
إذن فليس القبول ركناً في المعاملة بأيِّ وجه، شأنه شأن إجازة الفضوليّ، فإذا فرضنا أنَّه راضٍ بالمطلب فأيُّ حاجة إلى القبول؟ فإنَّ الدخيل في المعاملة هو إرضاء المشتري بما فعله البائع، شأنه في ذلك شأن الفضولي، فإن وافقناكم على لزوم إظهار الرضا، فليس له الركنية أكثر من (بارك الله في صفقة يمينك)، والروايات تدلّ على ذلك.
وحينئذٍ نأتي إلى مسألة تقدُّم الإيجاب على القبول، القبول ليس شيئاً لكي يُقدَّم أو يُؤخَّر، وما يقولونه من أنَّ القبول مطاوعة للإيجاب، وهو لا يعقل إلا بعد وجوده(1).
ونحن بعد التفكير لا نستطيع أن نوافق على ذلك.
نفرض الآن أنَّنا نوافق الآغايون ونُسلّم لهم أنَّ سِمَة القبول سِمَة المطاوعة، وهو يمتنع إلا بتقديم الإيجاب عليه، فهل هذا التفصيل الذي فصّلوه بين (رضيت) و(قبلت)، تفصيلاً صحيحاً؟
ـــــــــــــ[82]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 276-277، اعتبار تقديم الإيجاب على القبول وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول: إنَّ قوله (اشتريت مالك بهذا) إيجاب لا قبول. والبائع يجب أن يقول: (قبلت) لا (بعت)، فكما أنَّ البائع في الغالب يقول: (بعت كذا بكذا)، والمشتري يقول: (قبلت)، كذلك لو قال المشتري: (اشتريت ثوبك بعشرة)، فقد وقع تمام المعنى الذي يقوله البائع، فإنَّ المعاملة ليست أكثر من تمليك عين بعوض، وقد تحقّق ذلك.
فإذا قلتم: إنَّ القبول لازم.
نقول: سلَّمنا، ولكن يجب أن يقول البائع: (قبلت)، لا (بعت)؛ لأنَّ (بعت) لو كان تمليكاً جديداً فهو لا يرتبط بالإنشاء الأوَّل، وإن كان من باب المطاوعة فهو بمنزلة إظهار الرضا، وهو يتمُّ بقبول البائع دون أن يقول: (بعت).
فما يقوله الشيخ(1) من أنَّه إذا كان بلفظ (رضيت) لا يصحُّ تقدُّم القبول على الإيجاب، وإن كان بلفظ (ملّكت) يجوز التقدم.
نقول: إنَّه ليس من تقدُّم القبول على الإيجاب.
إذن، فهذا لا بُدَّ من خروجه عن محطِّ البحث في تقدُّم القبول على الإيجاب، وأنَّ ما يجب أن يكون مورداً للنزاع إنَّما هو تقدُّم القبول على الإيجاب، و(اشتريت) و(ملكت) ليس قبولاً، فإنَّ الإيجاب عبارة عن الآلات التي توقع بها المعاملة، سواءٌ أوجدها البائع أو المشتري(2).
ـــــــــــــ[83]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 143-144، شرطيّة الترتيب بين الإيجاب والقبول.
(2) وهنا أشكل أحد الإخوان: أنَّ العرف يرى الإيجاب صادراً من البائع، والقبول صادراً عن المشتري.
فأجاب بما حاصله: أنَّ العرف لا يتطلَّب بعد أن يقول المشتري: (اشتريت)، إلّا إظهار الرضا، ولا يقول للبائع: قُل: (بعت)..
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا الأمر والاستيجاب الذي يقوله الشيخ(1): فمرَّةً يقع أمراً، ومرَّة يجعله كناية عن القبول أو عن الإيجاب. فإذا كان أمراً صرفاً فلا ربط له بالمعاملة.
وما قاله شيخ الطائفة(2) من جواز تفرُّع القبول على الإيجاب لرواية سهل الساعدي التي يقول فيها: (زوجنيها يا رسول الله، ويقول النبي بعد ذلك: زوجتكها على ما تعلم من كتاب الله)(3)، فهذا مبتنٍ على ما حمله عليه من أنَّ قوله: (زوجنيها) قبول متقدِّم، في حين أنَّها وكالة للتزويج، وإلّا كان القبول قبل معلومية المهر.
فما هو موضوع البحث يكون هو ما كان من قبيل (رضيت)، ولكن -على مبنى الآغايون من ركنيته- هل هو من الأمور التي لا يمكن وجودها إلا متأخّرة عن الإيجاب، أو يمكن إيجادها قبله؟
وقد فصلّ الشيخ(4) في قصّة تقدُّم القبول على الإيجاب بين لفظ (قبلت) و(رضيت) وأمثاله، أو (اشتريت) و(ملكت) وأمثالها، أو أن يقع بلفظ الأمر، ففي (قبلت) و(رضيت) أختار عدم الجواز، وفي (اشتريت) و(ملكت) وأمثاله
ـــــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 143-144، شرطيّة الترتيب بين الإيجاب والقبول.
(2) المصدر نفسه.
(3) تمّ تخريجها آنفاً.
(4) راجع كتاب المكاسب 3: 143-144، شرطيّة الترتيب بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قال بالجواز، أو في باب الأمر يستفاد أخيراً من كلامه أنَّه بحسب القواعد جائز.
قلنا: إنَّ (اشتريت) و(ابتعت) و(ملكت) وأمثالهما، لا بُدَّ أن تخرج عن حريم النزاع، فإنَّها ألفاظ إيجاب، غاية الأمر أنَّها تصدر من المشتري، ولا دليل عندنا أنَّ الموجب هو البائع دائماً، فإنَّ نفس المعنى الذي يوقعه البائع إن وقع نظيره من المشتري فإنَّ تمام الماهيّة تتحقّق بعمل المشتري.
غاية الأمر أنَّ الفرق بين البائع والمشتري هو: البائع يملّك نفس مال المشتري بإزاء العوض، والمشتري يملك نفس مال البائع بإزاء العوض، والمعاملة ليست إلا تمليكَ مالٍ بعوض، وهذا لا يفرّق فيه عمل البائع وعمل المشتري.
لكن حيث إنَّ الشيخ ذكر مطلباً، وبعض المحقِّقين ذكروا مطلباً آخر، فإنَّ البحث يكون ناقصاً دون التعرُّض لهما.
يقول الشيخ(1): إذا وقع بلفظ (اشتريت) فلا مانع، إنَّما قلنا بذلك؛ لأنَّه لم يُؤخذ في ماهيَّة (اشتريت) و(ملّكت) و(ابتعت) ومفهومها، لم يُؤخذ القبول، بل كما يملّك البائع العين بالعوض كذلك المشتري يُوقع نفس المعنى.
غايته أنَّ البائع بقول: (ملّكت) يُملّك ماله للغير، وبقوله (بعوض) يدخل العوض في ملكه، والمشتري بقوله (اشتريت) أو (تملّكت) يدخل العين في ملكه، وبقوله (بعوض) يدخل العوض في ملك البائع. فلا (ملّكت) فيه معنى القبول، ولا (تملّكت) و(اشتريت) وأمثالها.
ـــــــــــــ[85]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ولكن حيث إنَّها غالباً تقع بعد إيجاب البائع، وحيث إنَّه حينئذٍ يكون فيه المطاوعة والقبول، لهذا يُقال: إنَّه قبول.
فكأنّه يفصّل بين أن يقول: (اشتريت) مقدّماً على إيجاب البائع أو مؤخّراً عنه، فإذا قالها مقدّماً فليس فيها معنى المطاوعة، ولكنَّه من تقدُّم القبول على الإيجاب، وتكون معاملة صحيحة، وإذا قالها مؤخّراً فهو مطاوعة، والعرف والعادة يقبل ذلك.
نحن نقول: إذا لم يكن في (اشتريت) و(ابتعت) معنى المطاوعة، بل كان كما تقولون، مقيّداً للنقل بإزاء العوض، فإذا كان مقدّماً على الإيجاب فكيف يكون قبولاً متقدّماً؟ وقد أدخلتموها في البحث.
حيث يقول الشيخ: إن القبول المقدّم إذا كان بلفظ (قبلت) لا يصحّ، وإن كان بلفظ (اشتريت) يقع صحيحاً.
بل نقول: إنَّه إيجاب، فإذا قال البائع: (بعت)، فلا بُدَّ أن يقول المشتري: (قبلت)، وإذا قال المشتري: (تملّكت) أو (اشتريت)، فلا بُدَّ أن يقول البائع: (قبلت).
ومع غضّ النظر عن ذلك، إذا كان متأخّراً وليس فيه معنى القبول، وإنَّما فيه معنى النقل بعوض، فلا يكون -في الحقيقة- مطاوعة؛ لأنَّ المطاوعة هو التسليم بما وقع من العمل.
وأمَّا نقل ملك الآخر إلى ملكه فليس مطاوعة، وإنَّما هو نقلان، نقل بعد نقل، فإذا وقع متأخّراً في حال كونه لا يتضمَّن معنى القبول، هو يقول: إنَّه
ـــــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مطاوعة، مع أنَّه ليس مجرد التأخّر يكون سبباً لتغيّر المفهوم، بل هما نقلان، غاية الأمر أنَّ النقل الثاني بعد النقل الأوَّل لا معنى له، وإنَّما نفهم منه معنى الرضا بالمعاملة، فيقع صحيحاً.
بناءً عليه، (اشتريت) وأمثاله لا بُدَّ أن نخرجه عن حريم النزاع، فهذا ما ذكره.
وأمَّا المحقق الأصفهاني قول(1): إنَّ مفهوم الابتياع والاشتراء عبارة عن اتخاذ المبدأ، غايته أنَّه إذا صار اتخاذاً للمبدأ من الغير، فلا يعني المطاوعة مقدّماً كان القبول أو مؤخّراً.
وأمَّا إذا كان اتخاذاً للمبدأ ابتدائيّاً فهو إنشاء مستقلّ، فهذا تابع للقصد والإرادة، وليس التقدُّم والتأخُّر له أثر فيه.
أولاً نقول: إنَّ المعنى المطاوعيّ هو أن يقبل المعنى المصدريّ، لا أنَّه يقبل المبدأ، فإنَّ المبدأ يتحقَّق بالاعتبار ولا ربط له بالمطاوعة.
وأمَّا الكسر الذي يقع في مقابل الانكسار، والفعل في مقابل الانفعال، فهو انفعال الفعل لا انفعال المبدأ، فإذا كان مقصوده من اتخاذ المبدأ هو قبول فعل الغير، فهذا هو ما يريد أن يفرضه، فإنَّ معنى (ملَّكت) هو: جعلت هذا ملكاً لي، وليس من باب الانفعال، واتخاذ المبدأ في أيّ مكان وقع ليس له معنى الانفعال.
ـــــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 279، اعتبار تقديم الإيجاب على القبول وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فهذا التفصيل غير صحيح، بل اتخاذ المبدأ ليس له على أيِّ حالٍ معنى المطاوعة والقبول، سواءٌ كان اتخاذاً للمبدأ من الغير أو اتخاذاً ابتدائيّاً.
الآن نحسب حساب المطلب بأنفسنا، قلنا إنَّ ما يقع تحت حيز البحث هو قبلت ورضيت، فنقول ما هو محذور تقدم القبول بهذا المعنى على الإيجاب؟
المحذور الذي يقوله الشيخ(1)، وهو أنه إذا تقدّم (قبلت) على الإيجاب، فلازمه أنَّ النقل الذي يقوم به لفظ (قبلت) لا يقع الآن، بل يقع بعد ذلك، وحيث إنَّ (قبلت) و(رضيت) ناقل فعليّ، فليس فيه معنى محصّل، فلا بُدَّ أن يكون متأخّراً ليتمَّ به المطلب.
نقول: إنَّ هذا أوَّل الكلام، فإنَّنا إذا قلنا بجواز تقدم القبول على الإيجاب، فلا مانع أن نقول: إنَّ الأثر العقلائيّ لا يترتَّب على خصوص تقدُّم الإيجاب على القبول، ولولا الإشكالات الأخرى، إذا وقع القبول أوَّلاً، ثُمَّ وقع الإيجاب، لقلنا: إنَّ رُكنَي المعاملة قد وقعا، فيترتَّب عليه آثاره، وهذا المعنى وهو: أنَّه لا بُدَّ أن يؤثِّر القبول بالفعل، معناه: أنَّنا بنينا على انعدام تأخُّره، فهذا لا يتمُّ.
والمطلب الذي يشير إليه الشيخ ينقله عن غيره(2)، هو أنَّ معنى القبول معنى المطاوعة، والمطاوعة لا بُدَّ أن تكون بعد وجود الإيجاب، نظير الكسر
ـــــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) راجع كتاب المكاسب 3: 143-144، شرطيّة الترتيب بين الإيجاب والقبول.
(2) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 153، عن نهاية الإحكام 2: 448، والمسالك 3: 154.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والانكسار فكما لا يمكن أن يكون الانكسار مقدَّماً على الكسر، كذلك لا يُعقل تقدُّم القبول على الإيجاب.
إلّا أنَّ هذا وجه أشار الآخوند(1) إلى جوابه، ولا يبعد صحته.
نقول: إنَّ المطاوعة تارةً تكون أمراً تكوينياً كالكسر والانكسار، والضاربيّة والمضروبيّة، ففي مثل ذلك لا يُعقل تقدُّم المطاوعة على الفعل.
ولكنَّ كلامنا في الأمر الاعتباريّ، إذا قال: (قبلت ذلك العمل الذي سوف نقوم به) فأيُّ مانع من ذلك؟ الآن أقبل أن تعطيه بعد ذلك عشرة دنانير، هذا مقبول لدى العقلاء، نحن لا نقبل أنَّه في الأمور الاعتباريَّة لا يعقل التقدُّم، بالإضافة إلى ما قلناه من أنَّه في القبول لا يُعتبر أكثر من الرضا، سواءٌ كان مقدَّماً أو مؤخَّراً، والمعاملة تكون تامَّة لدى العقلاء.
الآن نفرض أنَّه لا بُدَّ أن يكون متأخّراً، مع ذلك يبقى فرقٌ بين المطاوعة التكوينيَّة والمطاوعة الاعتباريّة؛ فإنَّ التكوينيَّة ليس إنشاؤها بيدي، على حين أن الاعتباريَّة يمكن إنشاؤها بشكل يقع القبول بعد ذلك، وذلك بأحد وجهين:
الوجه الأول: أمَّا على نحو الواجب التعليقيّ، وهو ما إذا أمر الآن، ولكن كان المأمور به بعد ذلك، نحو أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(2)، فقد أنشأ الوجوب من الآن.
ـــــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 27، مسألة: الأشهر لزوم تقديم الإيجاب على القبول.
(2) الإسراء: 78..
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ولكنَّ الواجب لا يتحقَّق إلّا بعد الدلوك، فكما تقولون: إنَّ هذا أمر جائز، كذلك في القبول بأن يتحقَّق الإنشاء من الآن، ولكن القبول يكون بعد ذلك.
الوجه الثاني: أن يكون على نحو الواجب المشروط، (إن أوجبت، قبلت). نعم، تستطيع أن تقول: إنَّ هذا من قبيل تأخُّر القبول لا تقدُّمه، إلّا أنَّه لا مانع منه. نعم، إذا كان له مانعٌ فهو مانعٌ عقلائيٌّ، على أنَّنا قلنا: إنَّ العقلاء لا يتطلَّبون أكثر من الرضا متقدِّماً كان أو متأخِّراً.
هذا كلُّه في تقدُّم الإيجاب على القبول.
والشيخ نقل كثيراً من الأقوال، وإجماع المتأخِّرين(1) غير مفيد، وأمَّا من المتقدِّمين فلا يُستفاد الإجماع، فالمسألة ليست قائمةً على الإجماع، بل لا بُدَّ من إثباتها بحسب القواعد.
ومما قلناه يظهر حال الموالاة في الإيجاب والقبول، فإنَّها غير لازمة أصلاً، فإنَّنا قلنا: إنَّ تمام المعاملة هي عبارة عن الإيجاب والقبول، عبارة عن: (شكر الله سعيك) و(بارك الله في صفقة يمينك)، وليس للقبول سِمَةُ النقلِ أصلاً، ولو كان ناقلاً لما كان قبولاً، نظير إجازة الفضوليّ التي ليست ناقلة بذلك المعنى، وإن كان الأثر العقلائي لا يترتَّب إلّا بعد تحقُّقها.
ـــــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 2: 140-141، شرطيّة الترتيب بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بناءً عليه، إذا أوقع الموجب المعاملة فقال: (بعت هذا بهذا)، وبعد يومين قال الآخر: (قبلت)، لم يكن من ذلك مانعٌ.
نعم، لو نسي بالكلِّيّة -وكذلك العقد الفضوليّ- بحيث لو سُئل لقال لنا: (لا أدري)، فهذا ليس من المعاهدة في شيء.
أمَّا إذا لم ينسَ، وجاء بعد سنة، ويقول: أنا أقبل الآن ذلك الإيجاب الذي حصل قبل سنة. فعلى النحو الذي قلناه لا تلزم الموالاة أصلاً.
نعم، أشكل النائيني إشكالاً عقليّاً، لا بُدَّ أن نرى أنَّه وارد أو لا؟
كان الكلام في أنَّ الموالاة: هل هي مُعتبرة في العقود أو لا؟
قلنا: إنَّ بعضهم تشبَّث بدليل عقليّ في الباب، وهو المرحوم النائيني، ومحصّل كلامه(1) في المقام: أنَّ العقد نُقسِّمه إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم مُسلَّم في اعتبار الموالاة.
2- قسم مُسلَّم عدم اعتبار الموالاة فيه.
3- قسم محلّ إشكال.
فما يعتبر فيه الموالاة مُسلَّماً: عبارة عن العقود المعاوضيّة كالبيع ونحوه، وما يلحق بها كالنكاح ونحوه.
وما لا يعتبر فيه الموالاة مُسلَّماً: عبارة عن العقود الإذنيّة كالوكالة والعارية.
ـــــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 112، مسألة: من جملة شروط العقد الموالاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا التي محلّ الإشكال: وهي العقود غير الإذنيّة ولا المعاوضية كالهبة والصلح المحاباتيّ.
وبالنسبة إلى العقود المعاوضيّة التي تكون الموالاة فيها مسلّمة يُستدلّ بدليلين أحدهما: عقليّ، وهو محلّ كلامنا الآن.
ويقرّبه بهذا النحو: حيث إنَّ العقود متضمّنة للخلع واللبس، فإنَّ هناك إضافةً ما بين البائع والمبيع، وإضافةً ما بين المشتري والثمن.
وفي باب المعاملات يخلع المشتري الإضافة عن نفسه ويلبسها البائع، والبائع يخلع نفسه عن إضافته ويلبسها المشتري، وبما أنَّه خلع ولبس، فلا يمكن أن يكون القبول متأخِّراً وإلّا لزم المحال، وهو كون الإضافة بلا مضاف إليه.
أولاً: نقول له: إنَّه إذا كان هذا الدليل عندكم مُعتبراً وتامّاً، فهل يمكن أن تُشكِّكوا في نوع الخلع واللبس؟ فإنَّه قسّم العقود إلى ثلاثة أقسام، شكَّك في قسم منها في لزوم الموالاة، وقال: إنَّ فيها إشكالاً من حيث كونه عقداً؛ فالدليل يشمله، ومن حيث إنَّ سيرة العقلاء على خلاف ذلك؛ فيكون محلّاً للإشكال.
فإذا كان هذا الدليل تامّاً عنده، فكيف يجزم به في قسم من العقود دون بعض؟ على حين أنَّ القاعدة العقليّة إن كانت تامّة فهي تشمل سائر العقود، فإنَّها أيضاً محتوية على الخلع واللبس، فكيف أصبحت محلّ إشكال؟! والعقلاء إذا اجتمعوا على تجويز ذلك فلك أن تقول: إنَّه محال، وليس من حقِّكم الاجتماع عليه؟
ـــــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ثانياً: هنا مطلب آخر: هو أنَّ الشيخ في خلال أقواله يقول(1): إنَّه في مثل الوكالة والعارية والوديعة، تقدُّم القبول على الإيجاب لا مانع منه، بخلاف باب البيع ونحوه.
والمرحوم النائيني يقول مثل ذلك، لكن بنحو آخر يقول: في العقود الإذنيّة لا يُعتبر ذلك، ويقابلها بالعقود العهدية، ويقول: بأنّنا نُعبِّر عنها بالعقود مسامحةً.
نقول: ما هو مقصوده من العقود الإذنيّة؟ هل ما كان نحو العارية والأمانة ونحوها، أو مجرّد الإذن؟
إذا كان مقصوده مجرّد الإذن، فالإذن ما دام موجوداً فالتصرُّف ممكن، والردُّ ليس له آثرٌ لأنَّ الردَّ إنَّما يؤثِّر في العقد، والإذن ليس عقداً.
وأمَّا إذا كان مقصوده هو ما كان من قبيل العارية والوكالة ونحوها، فهو عقد كسائر العقود، ولا يتمُّ إلا بعد تماميّة القبول وتحقُّق الشروط، ولا يفترق عن البيع في كونه عقداً، وإن كان يفترق عنه في المتعلّقات، فإذا أراد من العقود الإذنيّة مجرّد الإذن فتقدُّم الإيجاب على القبول أو تأخُّره لا معنى له، بل هو مجرّد الإذن، ولا تقدُّم فيه ولا تأخُّر.
وأمَّا إذا قصد نحو الوكالة والعارية، فتعبير العقود الإذنيّة عنه غير صحيح، فإنَّ الوكالةَ إيكالٌ للتصرُّف إلى الغير، لا إذنٌ في التصرُّف، وإن كان ذلك من أحكامه ولوازمه العقلائيّة.
ـــــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 156، شرطيّة الترتيب بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بالإضافة إلى أنَّ هذه العقود يشملها الدليل الثاني الذي يذكره من لزوم الوحدة العرفية في العقد، بل يشملها الدليل الأوَّل، فإنَّ الخلع واللبس بأحد المعاني أيضاً موجود فيه، فليس تقسيم العقود إلى الإذنيّة وغيرها صحيح.
الآن ننظر إلى أصل الدليل العقليّ، ونقول: إنَّ هذا الخلع واللبس الذي يقوله: أن يخلع الموجب إضافته إلى المال ويلبسها للآخر، ما معناه؟
فإنَّ هناك إضافةً موجودةً متحقِّقةً بحسب الاعتبار قائمةً بين المال ومالكه، وهي متشخّصة بطرفها بالمضاف إليه، فإذا كانت متشخّصة بالمضاف إليه فما معنى خلعها؟ فإنَّ الإضافة الموجودة بينك وبين المال إضافة شخصيّة غير قابلة للانتقال إلى الغير، وليس معنى المعاملة هو تبادل الإضافات كما قيل، فإنَّ هذا محال، أن تخلع الإضافة من هنا وتربط هناك، وإنَّما هو مسامحة في التعبير، بل البيع هو تمليك المال إلى الغير، وحينئذٍ تُعتبر إضافة جديدة بين المال والمشتري؛ لا أنَّ الإضافة التي تمام هويّتها هو التعلُّق والربط بالمضاف تنخلع وتلبس ثوباً للآخر.
مضافاً إلى أنَّك حين خلعت عنك هذه الإضافة فقد فقدت الارتباط بالعين، فبأيِّ حقٍّ تستطيع ربط الآخر بها، ونقلها إليه، يكون حالها حال الأعراض، فما معنى أن يوهب المال المعرض عنه؟ فالمال قد خلعت إضافته عنك باختيارك ولم يبق لك به ربط لتعطيه للغير.
وأمَّا ما يقوله الفقهاء فهو: أنِّي مسلَّط على هذا المال، وبهذا التسليط أُملِّكه للغير، وبهذا التمليك ينتفي التسليط.
ـــــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ومع غضّ النظر عن ذلك، فإنَّ الموجب حينما يخلع الإضافة عن نفسه، تبقى(1) الإضافة من دون طرف ولا مضاف إليه، فسواء ورد القبول مباشراً أو متأخّراً على أيِّ حالٍ يأتي المحذور العقليّ، وهو: بقاء الإضافة من دون مضاف إليه آناً ما من الزمن، فإنَّه بخلعك للإضافة تكون الإضافة بلا مضاف إليه، لا بعدم تأخُّر القبول.
ولو ماشيناه خطوات، فإنَّه بالنحو الذي قلناه فنحن لم نفهم هذا الدليل العقلي، إذا كان مرادكم من الخلع واللبس الخلع واللبس الإيقاعيّ، فأصلاً ليس هنا خلعٌ ولبسٌ، بل هنا إيقاعٌ، وهو أمر يقوم به الموجب دون القابل، وما هو المحال هو بقاء الإضافة بلا مضاف إليه، لا أن توجب إيجاباً بلا أثر.
والعجب منه أن يقول: إنَّ المعاملة تتضمّن خلعَ الإضافة، لكن إذا كان
ـــــــــــــ[95]ــــــــــ
() إلّا إذا قلنا: إنَّ الإيجاب نفسه يفيد خلع الإضافة من البائع وربطها بالمشتري، وليس حقيقة القبول إلّا الرضا والتسليم بهذا العمل الصادر من البائع، خاصّة على مسلك السيّد من كفاية الإيجاب.
كما أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ معنى خلع الإضافة هو انعدامها، ومعنى إلباسها للمشتري هو وجود إضافة جديدة، فهي بعد الخلع غير متحقِّقة؛ لكي يُقال: إنَّها بدون طرف. فهذا الإشكال لا يرد.
نعم، يبقى الإشكال السابق وهو عدم ارتباط البائع بالمال بعد خلع نفسه عن الإضافة، فأيّ حقٍّ له في تمليكه للمشتري، إلّا أنَّ هذا يمكن دفعه بالسيرة كما هو واضح، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
القبول مقارناً للإيجاب فلا مانع، وأمَّا إذا لم يكن التوالي متحقِّقاً فهناك إشكال عقليّ، فإنَّنا نفرض أنَّ المقارنة بلغت إلى درجة الاتّصال، وهذا وإن كان نادراً إلّا أنَّه غاية المقارنة، فهل هذه المقارنة تجوّز الأمر المستحيل؟ إذن فالإضافة لا تتحقّق بلا مضاف إليه حتَّى مع الاتِّصال.
وبعبارة أخرى: أنَّ نقلَ الإضافة الشخصيّة إلى شخص آخر ممتنعٌ أصلاً، إلا إذا أعرضت عن الملك، ولكنك مع وجود الملك والإضافة تريد أن تُخرج الإضافة وتخلعها، فهذا ممتنع. فهذا الوجه العقليّ غير وجيه.
الإشكال الآخر الذي يذكر على عدم التوالي، أنَّ الإيجاب حينما يتحقَّق ينتقل من حينه، والقبول إمَّا أن يقبل تمام مفاد الإيجاب أو بعضه، بمعنى أنَّه يقبل من الأوَّل، ومن الآن(1).
فإذا قبل إيقاع العقد من الأوَّل فلازمه أن تتحقق المعاملة قبل تحقق أركانها وان قبلها من الآن، فلازمه عدم التطابق بين الإيجاب والقبول، مع أنَّه يعتبر التطابق بينهما.
نحن نتحدث مرةً على أساس التسليم، وأخرى على أساس التحقيق:
أمَّا التسليم: بأن تُسلِّم أنَّ الإيجاب يوقع المعاملة في الحين، والقبول إذا جاء فإنَّه يقبل تمام مقام الإيجاب، لكن ليس لازمه أن تتمَّ المعاملة، قبل القبول، حاله حال بيع الفضوليّ الذي وقع فيه الخلاف أنَّ الإجازةَ ناقلةٌ أو كاشفةٌ كشفاً حقيقيّاً أو حكميّاً، كذلك الأمر في المقام.
ـــــــــــــ[96]ــــــــــ
() يعني: من حين صدور الإيجاب، أو من حين صدق القبول. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا ما هو التحقيق: فإنَّ الزمان والحين ليس داخلاً في العقود، فإنَّ الإيجاب والقبول يفيدان تبادل العينين، لا تبادلهما في هذا الحين، بحيث إنَّ الحين لو لم يكن مدلولاً للقبول يكون خلاف مدلول الإيجاب، وإنّما البائع يوقع المعاملة والمبادلة بين العينين، والمشتري يأتي فيقبل، وبعده يقع العقد تامّاً، ويترتَّب عليه الأثر ترتُّباً عقلائيّاً، وقبله لا يترتَّب عليه الأثر.
بناءً عليه، فالإيجاب ليس تملُّكاً من حينه، بل تمليك العين بالعوض، وليس للزمان والمكان أثرٌ فيه، والقبول يقبل كلِّيّ مفاد المعاملة التي أُوقعت بالإيجاب، وهي غير متضمّنة لمدلول الترتُّب.
هناك إشكالان آخران عقلائيّان مهمَّان أحدهما ذكره الشيخ(1)، والآخر ذكره الشهيد(2) لا بُدَّ من التعرُّض لهما.
الوجه الذي قيل في اعتبار الموالاة: هو ما يذكره الشيخ في تقريب كلام الشهيد.
أمَّا الشهيد فلم يقل أكثر من أنَّه: يعتبر الموالاة في العقد، وهو مأخوذ من المستثنى والمستثنى منه، ولم يذكر طريق الدليل.
يقول الشيخ إنَّ حاصل كلام الشهيد هو هذا: أنَّ كلّ أمر تدريجيّ الوجود،
ـــــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 157، الموالاة بين الإيجاب والقبول.
(2) اُنظر: القواعد والفوائد 1: 234، القاعدة 73.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذا كان له هيئة اتّصاليّة في العرف لا يترتَّب عليه الأثر الشرعيّ، إلا إذا حفظت تلك الهيئة الاتّصاليّة.
وإذا كان الإيجاب والقبول اللذين يحصلان متدرّجاً لا يترتَّب عليه الأثر، إلّا إذا كان له هيئة اتّصاليّة ووحدة عرفيّة محفوظة فيه، وإلا لم يترتَّب عليه الأثر الشرعيّ، ولا يصدق عليه عنوان العقد، وعليه فإذا فصل بين الإيجاب والقبول بأمر أجنبي أو بفاصلة كبيرة، لا تبقى صورته العرفيّة.
فكما أنَّ الصلاة لها هيئة اتّصاليّة، فإذا أتى ما بين أجزائها بشيء أجنبي، أو بسكوت طويل بطلت. وكذلك لو فصل بين القراءة بمثل ذلك، أو بين أجزاء الأذان، وجب أن لا تصدق هذه العناوين عليها وعدم ترتُّب الحكم الشرعيّ عليه.
هكذا يُقرّب الشيخ مرادَ الشهيد، ثُمَّ يقول: هو حسن على شرط واحد، وهو أنَّنا نستفيد من دليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، أو من كلمات الفقهاء أن نعتبر العقد في اللزوم.
أمَّا إذا كانت الأدلّة العامّة لا تساعد على ذلك فلا يكون هذا المطلب ثابتاً.
ثم يبدأ بالكلام حول قول الشهيد: إنَّ هذا مأخوذٌ من المستثنى والمستثنى منه، ممَّا هو غير مربوط بنا.
أولاً: نقول: إنَّ المطلب الذي تقول إنَّه كان مقصود الشهيد، وقد استحسنته في فرض دون آخر، نرى أنَّ هذا التقريب هل يرد في الموارد الأخرى، ولا نحتاج إلى اعتبار خصوص العقد، بل يرد في عنوان البيع والصلح والإجارة أيضاً.
ـــــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإنَّك قلت في التقريب: إنَّ الأمور المتدرِّجة الوجود إذا كان لها هيئة اتّصاليّة في نظر العرف، لا يترتَّب عليها الأثر والإيجاب والقبول في العقود بما أنَّ لها هيئة اتّصاليّة، فإذا حصل ما بينهما فاصلٌ تنعدم الهيئة الاتّصاليّة، ولا يصدق العنوان عليها، ولا تقع موضوعاً للأثر الشرعيّ.
فكما أنَّ العقد إيجاب وقبول، كذلك البيع والصلح، ونفس الكلام الذي استحسنتموه، كما هو جارٍ في العقد -كما قلتم- أنَّه من ناحية أنَّ الكلام الصادر من الشخصين يُعتبر ككلام واحد، فيبطل بالفصل بينهما، فلا يكون موضوعاً للأثر، فهو لم يستدلّ أنَّ العقدَ قرارٌ، والقرارُ لا بُدَّ أن يكون متّصلاً، بل من ناحية أنَّه إيجاب وقبول متدرِّج الوجود، وبمنزلة الكلام الواحد، إذن ما الفرق بين أن يكون عقداً أو بيعاً؟ فإنَّ (بعت) و(اشتريت) كما يصدق عليه كونها عقداً كذلك يصدق البيع، إذن فلماذا استحسن كلام الشهيد في صورته، وهي صورة أخذ عنوان العقد دون عنوان البيع، فهل العقد أمر تدريجيّ والبيع ليس تدريجيّاً، أو ليس البيع هو الإيجاب والقبول؟
لو قلنا: إنَّ العقد هو العهد المشدَّد أو الالتزام القلبيّ لكان له وجه، إلا أنَّك لم تسرِ هذا المسار في تقريب كلام الشهيد.
ثُمَّ إنَّنا نسأل -ولعلَّ الشيخ غير مخالف لذلك- أنَّ المطلب الذي يقوله ليس للتدرُّج في الوجود دخلٌ فيه، فإنَّه مبنيٌ على هذا المطلب، وهو: أن الأمور التي لا بُدَّ من صدق عنوان واحد عليها لا بُدَّ -عند العرف- من أن يكون لأجزائها نحوٌ من الاجتماع والوحدة، ليقال: إنّه دار أو إنّه جيش، فلو كان فرداً
ـــــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
منه في هذا البلد وفرداً منه في ذاك البلد لا يُقال: إنَّه جيش، والشيخ غير معلوم أنَّه مخالف في ذلك، غايته أنَّه بما أنَّ هذا الأمر تدريجيّ الوجود، والأمر التدريجيّ متشابك بالأعدام، فيريد أن يقول: إنَّه رغم تشابك الأعدام له هيئة اتّصاليّة، فلا بُدَّ أن يكون متوالياً؛ ليصدق عليه العنوان ويترتَّب عليه الأثر.
والمرحوم النائيني غيّر العنوان الذي ذكره الشيخ(1)، إذ يقول: (إنَّ كلّ أمرين يجمعهما عنوانٌ واحدٌ لا بُدَّ أن تكون كذلك)، ولو كان قد تمَّم ذلك إلى آخر كلامه؛ لقلنا له أحسنت. ولكنَّه حين قال: (إن قلتَ، قلتُ)، خالف ذلك وتابع الشيخ في المطالب يقول: (إنّنا إذا أردنا تتميم لزوم العقد بدليل وجوب الوفاء؛ فيصح أنَّ كلّ أمرين أو أمور يجمعها… الخ)، لكنَّنا نريد أن نُصحِّح البيع بـ(تجارة عن تراضٍ) ونحوه، فهو يكون صادقاً من دون حاجة إلى كلامك.
وكان لا بُدَّ أن يجيب على ذلك: أنَّ البيع أيضاً يجمعه عنوانٌ واحدٌ ولكنَّه قال:
أولاً: هي عقد.
وثانياً: إنَّ الأدلَّة العامّة ليست مطلقة من جميع الجهات.
وثالثاً: إنَّ اللزوم والصحّة لا ينفكّان عن بعضهما إلّا بدليل خارجي، وإلّا
ـــــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 111، مسألة: من جملة شروط العقد الموالاة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فكلّ ما وقع في الخارج فهو دائميّ الوجود، إلّا إذا خرج بإجماع أو دليل خارجي.
هذه المطالب لا نفهمها، فإنَّه وإن لم يكن العقدُ صادقاً -على فرضكم- إلّا أنَّ عنوانَ البيعِ صادقٌ لا محالة، فتشملها(1) الأدلّة العامّة، كـتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2)، و(الصلح جائز بين المسلمين) (3).
ثُمَّ إنّ ما يقوله ثانياً لا يمكن المساعدة عليه على تقدير صدق عنوان البيع عليه، كما أنَّ ما يقوله ثالثاً من أن كلّ صحيح لازم دائماً، كقاعدة مستقلّة غير مستمَّدة من الاستصحاب أو غيره.
إذن، فلماذا أحتاج إلى الاستدلال بالاستصحاب وبـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ(4)، بل كان وجود العقد كافياً في لزومه، مع أنَّ العقد لا يفيد إلّا صرف النقل والانتقال لا أكثر من ذلك وإلا كان جعل الخيار مخالفاً لمقتضاه، فيحتاج إلى دليل لتتميم لزومه.
أمَّا الكلام في نفس الدليل: أنَّ العقد لا يصدق إلّا إذا كان الإيجاب والقبول متّصلاً، دون ما إذا كانا منفصلين، باعتبار كونه متدرِّجَ الوجود، نرى أنَّ العقد في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هل هو متدرِّجُ الوجود؟
ـــــــــــــ[101]ــــــــــ
() يقصد من البيع: العناوين التفصيليّة للعقود، (المقرِّر).
(2) النساء: 29.
(3) مرّت الإشارة إلى الحديث آنفاً.
(4) المائدة: 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قلنا سابقاً: إنَّ (العقد) مأخوذ من العُقدَة بين شيئين، ولهذا يُعبّر بذلك في النكاح: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ(1)، فهو عبارة عن معنى يكون سببه الإيجاب والقبول، ويوجده العقلاء باعتبارهما. فكأنَّ المتبادلَين أوجدا عُقدةً في المقام. فإذا كان العقد عبارة عن العُقدَة؛ فليس له تدرُّجٌ في الوجود، وإنَّما يحصل بأمر متدرِّج الوجود، والعقد كلُّه يعمله الموجب، والقابل يقبل ذلك العقد وبه يترتَّب الأثر عليها.
فالقبول في كلّ العقود كالفضوليّ عيناً، فإذا اشترطتم التوالي في الإجازة هناك لقلنا هنا أيضاً.
بناءً عليه، فالإيجاب يُحقِّق تمام ماهيَّة البيع، وتلك العُقدَة -التي هي أمر اعتباري- أمرٌ محفوظٌ في نظر العقلاء، و(بعت) و(اشتريت) أمرٌ متدرِّجُ الوجود وليس محفوظاً، ولكن في نظر العقلاء هناك معنى محفوظ، وهو عبارة عن الربط والعُقدَة التي وقعت بالإيجاب والقبول، ولذا يقول أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ(2)، فيُعرَف أنَّ العقدة محفوظة وأنها بيد شخص، وهذه العقدة ما دامت محفوظة فيمكن أن تلحقها الإجازة وكذلك القبول، وهذه العُقدَة ليست من مقولة الألفاظ، بل هي من مقولة المعاني، لكن ليست من الالتزام القلبيّ كما يقول شيخ محمد حسين(3)، ولا من العهد المُظهر بمظهر كما
ـــــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) البقرة: 237.
(2) البقرة: 237.
(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 284، اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول وعدمها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يقول آغا ضياء(1)، بل هو اعتبار في الخارج عرفاً.
إذن، فهذه العقود محفوظة لدى العقلاء، ولهذا يقول: (فسخت العقد)، فيُعلَم أنَّ العقد لا زال موجوداً ليُفسَخ، والفسخ أيضاً باعتبار كونه عُقدَة، ويكون الفسخ فكّاً لها.
بناءً عليه، لا دليل على المسائل التي يقولونها.
فهذا ما يرجع إلى الموالاة.
ومن الأمور التي قيلت إنَّها شرط في العقد: (التنجيز)، ونحن لا نستطيع أن نبحث المسألة جامعة للأطراف؛ لأنَّها متوقّفة على بحث الواجب المشروط، ولكنّ البحث باختصار لا بُدَّ منه.
وذلك: أن نرى أوَّلاً أنَّ محلّ بحث الفقهاء هو حتماً لا بُدَّ أن يكون التعليق في المنشأ دون التعليق في الإنشاء، كما يقول الشيخ النائيني(2)، ولعلَّ أصل المطلب مأخوذ من الشيخ(3) الذي يُرجِع جميع القيود إلى المادَّة.
أو أنَّه يمكن إرجاع التعليق إلى الإنشاء والى المنشأ، والإشكالات العقليَّة في استحالة رجوعه إلى الإنشاء غير واردة.
ـــــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) اُنظر: المكاسب والبيع (للميرزا النائيني) 1: 185، الكلام في المعاطاة.
(2) اُنظر: منية الطالب 1: 112-113، مسألة: من جملة الشرائط التي ذكرها جماعة التنجيز.
(3) راجع مطارح الأنظار: 45-46، القول في وجوب مقدّمة الواجب.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وما يقوله النائيني(1) -وقد استنتج منه أنَّ أصل نزاع القوم في المنشأ دون الإنشاء-، يقول: (إنَّ الإنشاء آلة للإيجاد، فهي أمور إيجاديّة، والإيجاد يمتنع أن يكون معلّقاً (أضربه) على تقدير أن يكون عدوي، بحيث لو لم يكن كذلك لا يقع عليه الضرب، فإنَّ الضرب وُجِد ولا معنى لكونه تعليقيّاً، كذلك المال في هذه الهيئات؛ لأنَّها إيجاديّة لا حكائيّة، فلا يمكن فيها التعليق، وإلا لزم أن يكون الوجود حال كونه موجوداً غير موجود، فيلزم التناقض). هذا تقريبه هنا، ولا أدري ماذا يقول في الواجب المشروط!؟
وقد قرَّر المرحوم النائيني في باب التعليق والتنجيز: أنَّ محلّ النزاع في باب المنشأ لا في باب الإنشاء.
يقول لا دليل لنا من العقل والنقل أنَّ العقل لا بُدَّ أن يكون تنجيزيّاً لا مُعلّقاً؛ لأنَّ ما قام عليه هو أنَّ الإنشاء لا يكون مُعلّقاً وهو ثابت بالدليل العقلي لاستحالته، فكما أنَّ الإخبار يستحيل أن يكون مُعلّقاً كذلك الحال في الإنشاء، لأنَّ الهيئات الدالَّة على الإخبار والإنشاء هيئات إيجاديّة لا حكائيّة، فحالها حال الوجود والإيجاد، ولا فرق بين الوجود الحقيقيّ والاعتباريّ، فكما لا يمكن ضرب زيدٍ معلّقاً على أنَّه عدوي، كذلك لا يمكن إنشاء البيع مُعلّقاً ومشروطاً على طلوع الشمس.
ـــــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) راجع منية الطالب 1: 112-113.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، المخبر به يمكن أن يكون معلّقاً ومشروطاً، كما أنَّ المنشأ يمكن أن يكون مشروطاً، وفرقٌ بين أن يكون المخبر به مُعلّقاً ومشروطاً أو أن يكون الإخبار كذلك، كما أنّ فرقاً بين أن يكون المنشأ مُعلّقاً نحو: (بعتك) على تقدير كون اليوم هو الجمعة، على أن يعود قيداً للمادَّة لا الهيئة – وأمَّا إذا كان القيد راجعاً إلى الهيئة التي تفيد الإيجاد، فهو محال وتناقض؛ لأنَّه كما لا يمكن إيجاد الشيء تكويناً مُعلّقاً، لأنَّ الشيء: إمَّا موجود مطلقاً أو معدوماً، ولا يمكن أن يكون الإخبار بما أنَّه إخبار –بصفته هيئة إيجاديّة- مُعلّقاً، بل هو إمَّا إخبار مطلقاً أو ليس إخباراً، وأمَّا المنشأ فلا مانع عقليّ أن يكون مشروطاً، بل غالب القضايا الشرعيّة من قبيل القضايا المشروطة؛ لأنَّ غالبها قضايا حقيقيَّة، والقضايا الحقيقيَّة هي على نحو القضايا الشرطيَّة، والشرط فيها يعود إلى المادَّة، وكلّ شرط من هذا القبيل لا بُدَّ أن يعود إلى المخبر لا إلى الإخبار.
هذا محصّل دعواه، وله فيها دعويان:
أحدهما: امتناع أن يكون الإنشاء مُعلّقاً.
ثانيهما: أنَّ القضايا الشرعيّة غالبها تكون على نحو القضايا الحقيقيَّة المشروطة، وشروطها تعود للمنشأ والموضوع.
ثُمَّ يرتِّب على ذلك: أنَّ النزاع هو في تعليق المنشأ وعدمه، لا الإنشاء.
وقبل البدء بمناقشته لنا الحقّ أن نسأله: هل ظواهر كلمات القوم يُستفاد منها: أنَّ النزاع في هذا المعنى، وهو أن النزاع في المنشأ دون الإنشاء، أو أنَّ البرهان هو الذي أوجب لك ذلك؟
ـــــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذا قلتم إنَّ ظواهر كلماتهم كذلك، فلا بُدَّ من الرجوع إليها، وعند الرجوع إليها نراهم يقولون: الإيجاب والقبول لا يجوز أن يكون مُعلّقاً، فقد عبَّروا بالإيجاب لا بالموجب، يعني بالإنشاء لا بالمنشأ.
وبعض عباراتهم(1): العقود لا تكون مُعلّقة، فإن لم نستظهر من عباراتهم ذلك، فعلى الأقلّ لا نستظهر هذا.
وأمَّا إذا كان ذلك للبرهان، فهذا هل هو من الضروريات، أو إنَّه أمر نظريّ يمكن أن يقع فيه الاجتهاد؟
فإذا كان من الضروريات لأمكن أن يُقال: إنَّ وقوع النزاع فيه غير محتمل.
وأمَّا إذا كانت المسألة نظريّة، بحيث يمكن أن يكون الإنشاء مُعلّقاً ويقول به الفقهاء، ولا يقبلون برهانكم.
إذن، فحتَّى مع هذا البرهان لا يمكن استنتاج محلّ النزاع، وإذا تمَّ ذلك ففي كلّ مسألة قام البرهان لدى الشخص على استحالة أحد طرفيها، فلا بُدَّ أن يقول باختصاص النزاع بالطرف الآخر، على حين أنَّ اختلاف العلماء فيما بينهم على أَشدِّه.
وهذا الأمر رتَّبه على المسألة الأولى، وهي المربوطة بمحلِّ الكلام، ولا بُدَّ أن نبحث فيها لا على النحو المطوَّل الذي يبحث في الواجب المشروط،
ـــــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) راجع على سبيل المثال ما أفاده العلَّامة الحلي في تذكرة الفقهاء 1: 462، واُنظر أيضاً التنقيح الرائع 2: 99، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أو أنَّ القيد يرجع إلى الهيئة أو المادَّة، بل نتكلَّم في حدود البرهان المقام، وبعض الخصوصيات التي تذكر في ذلك البحث، ثُمَّ نتعرض لهذا المطلب الذي ادَّعاه هنا، وإن لم يكن محلّاً للبحث كثيراً، ولكن لا بأس أن نبحثه؛ ليتضح أساس المطلب في سائر المسائل.
أمَّا قضيَّة أنَّ الإنشاء والإخبار لا يمكن أن يكون مُعلّقاً، بالبرهان الذي ذكره؛ من أنَّ الوجود لا يمكن أن يكون مُعلّقاً.
نقول: هذا أيضاً من موارد الخلط بين التشريع والتكوين، وتتميم حكم التشريع عن طريق التكوين.
فقد قال: كما أنَّ الإيجاد على تقديرٍ لا يمكن، كذلك الإخبار والإنشاء.
نحن نقول: إنَّ ألفاظ العقود شيء، وما ينشأ بها معنىً وما ينشأ حين نعتبره في نفسه معنى آخر.
ونحن لا بحث لنا في ألفاظ العقود التي هي أمر تكوينيّ، فلا يمكن تعليق نفس الكلام على شيء، بل الإنشاء ليس من قبيل الألفاظ، بل معنى نوجده بها نظير الأمر الذي له لفظ وهو (اضرب)، أو له معنى اعتباريّ يُعتبر بعد التلفُّظ، نظير الإشارة، فإنَّ ما هو أمر تكويني هو الإصبع وتحريكه، وما يعتبره العقلاء هو الإشارة، فكأنَّ خطّاً(1) موهوماً يصل بين الإصبع والمشار إليه فيما إذا قلت
ـــــــــــــ[107]ــــــــــ
() هذا خطأ، فإنَّه يرد عليه:
نقضاً: الإشارة إلى الأمور غير المقابلة، والأمور الكلِّيّة والاعتباريَّة، وغيرها ممَّا يشار إليها بحسب اللغة والعرف بالوجدان.
وأمّا الحلّ: فإنّ الإشارة حالة نفسانية مبرزة بنحو من الأنحاء، وليس مدّ الأصبع إلى أحد أنحاء الإبراز للإشارة، وذلك في حدود الأمور المادَّية المقابلة للشخص، وأمَّا غيرها فإنَّما يكتفى بإبرازها بالألفاظ، فاعرف. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مثلاً: (هذه الشمس أكبر السيارات).
والأمر فيه لفظ وهو نحو (اضرب)، وقد أوجد معنى، وهو: أنِّي أوجب عليك الضرب، والإيجاب والوجوب ليس أمراً واقعياً، وإنَّما هو من الأمور التي يعتبرها العقلاء بعد صدور الأمر، فإنَّ اللفظ لا يمكن أن يكون موضوعاً لإيجاد أمر تكوينيّ(1)، فإنَّ الأمور التكوينيَّة تحتاج إلى عللها الخاصّة، بل هي موضوعة للدلالة، غاية الأمر أنَّ بعضها موضوع للدلالة الإيجاديّة، وبعضها موضوع للدلالة الإخباريّة، يعني: أنَّنا باللفظ نريد أن نحقِّق معنى، لكن بالاعتبار لا الواقع.
فإذا قلت: (أكرم زيداً)، كان الإنشاء والمنشأ منجزاً فعليّاً.
وإن قلت: (إن أكرمك أكرمه)، فبلا إشكال أنَّ ظاهره رجوع القيد إلى الهيئة، إلّا إذا دلّ الدليل على خلافه فنرفع اليد عنه، أمَّا التلفُّظ فهو فعليّ، ولكنَّ
ـــــــــــــ[108]ــــــــــ
() الألفاظ موضوعة لإفهام المخاطب مقاصد المتكلَّم، يعني إيجاد نفس الصورة الذهنيّة للمتكلِّم في ذهن المخاطب، ولا نعرف معنى للدلالة إلّا خطور هذه الصورة وهي المعنى في الذهن، وهذه الصورة أمر تكويني لا محالة، فقد أصبح اللفظ علّةً لأمر تكوينيّ.
نعم، حضور الصورة لم يكن لولا الوضع العقلائيّ، إلا أنَّه في المرتبة المتأخّرة عن الوضع أصبح حضور المعنى تكوينيّاً اضطراريّاً لا محالة، كما هو وجدانيّ للإنسان إذا كان مطّلعاً على الوضع، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ما أوقعته هو أنِّي جعلت إيقاعاً اعتبارياً لشيء مشروط بشيء آخر، بحيث لو لم يتحقَّق ذلك الشيء فإنِّي غير معتبره، وحين أتلو قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا(1)، فهذا الإخبار ليس مطلقاً بل معلّقاً على وجود الآلهة المتعدِّدة، لا أنَّه إيجاد فعليّ؛ ليلزم منه التناقض، بل هو إيجاد تعليقيّ.
(ضرْب زيد) أمرٌ تكوينيٌّ، فيستحيل فيه التعليق، لكن يمكن أن أوجد شيئاً اعتباريّاً، ليس فعليّاً، بل استقباليّاً مُعلّقاً، من الآن يعمل إيقاع ذلك الشيء المشروط، لا أنَّه يوقع الآن ليُقال: إنّه موجود ومعدوم.
بناءً عليه، كيف يكون باطلاً وممتنعاً، فضلاً عن أن يكون واضحاً لكل أحد، فلا يكون محلّاً للنزاع؟ بل هو تعليق للإنشاء لا للمنشأ.
غايته أنَّه يقع الكلام بصحَّته شرعاً، فإذا قلت: (إذا جاء يوم الجمعة بعتك)، فأنا أريد جعل اللفظ أداة لإيجاد هذا العنوان إذا حصل كذا، فهذه الآلات موضوعة للإيجاد في الجملة، سواءٌ مقيّدة أو مشروط أو معلّق أو استقباليّ، لا أنَّه مُعلّق وحاليّ دائماً، وإذا جعلته مُعلّقاً فوجد حالاً، كان ذلك خلاف ما أردته وقصدته.
وإنَّما بتعدُّد الدالّ والمدلول أريد الإيجاب في يوم الجمعة بنحو مشروطٍ لا مُعلّقاً. -فإنَّ المُعلّق بمعنى الإنشاء الآن، ولكن المشروط هو المنشأ المؤجل-.
إذن لا يجوز الخلط بين التكوين والتشريع؛ ليُقال: إنّه يلزم التناقض، فإنَّما
ـــــــــــــ[109]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 22.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يلزم التناقص فيما إذا لم يوجد عند تحقِّق الشرط المُعلّق عليه، فإنَّه يلزم تخلُّف المشروط عن الشرط(1).
أمَّا ما يقوله: من أنَّ رجوع القيد إلى المنشأ صحيحٌ وواقعٌ في غالب القضايا الشرعيّة، فمبنيٌّ على مطلبٍ هو يراه في القضيَّة الحقيقيَّة والقضية الخارجيَّة، وقد حلَّ على هذا الأساس كثيراً من المسائل، وهذا المطلب الذي يقوله ليس صحيحاً أصلاً.
والمطلب هو هذا: أنَّه في القضايا الخارجيَّة يذهب الحكم على الأفراد الخارجية، وإذا ورد العنوان فهو من باب الاتّفاق، وفي القضايا الحقيقيَّة بأنَّ الحكم على الأفراد -لا الخارجيَّة فقط- بل على الأَعمّ من الأفراد الموجودة وغير الموجودة.
والأفراد المعدومة؛ مرَّة يعبّر: أنَّه لا بُدَّ أن تُنزّل منزلة الموجود، ومرَّة يقول: إنَّه لا بُدَّ من وجودهم فترجع القضيَّة الحقيقيَّة إلى قضيَّة شرطية.
ـــــــــــــ[110]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: الإرادة أمر تكوينيّ فعليّ، وهي قد تتعلّق بالإيجاد الاعتباريّ في الحال، وقد تتعلّق بالإيجاد الاعتباريّ في المستقبل.
وأجاب عن سؤال آخر فقال: إذا تعلّقت إرادتي بالوجود في الحال وجد بعد ذلك، كان ذلك من تخلُّف المراد، ولكن إذا تعلّقت الإرادة بالوجود المشروط ووُجِد الآن فقد تخلَّف المراد، على حين لو وُجِد في محلِّه لما لزم تخلُّف الإرادة عن المراد.
إذن، فتعليق الإنشاء صحيح، وكلّ دليل ورد وكان ظاهره رجوع التعليق إلى الإنشاء فلا بُدَّ أن تلتزموا به، هذا راجع إلى هذا. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هذا هو مبناه(1)، وقد أفاده وطبَّقه في موارد عديدة.
نقول: بأنَّ القضايا الخارجيَّة ليس الحكم فيها وارداً على الأفراد الخارجيّة، بل هي -يعني القضايا الواردة على الأفراد على ما سوف يظهر من كلام السيد- قضيَّة جزئيَّة، والفرق بين القضايا الحقيقيَّة والخارجيَّة أنَّ الحكم وارد فيها على العنوان، غايته مرَّة يُقيّد العنوان المأخوذ في القضيَّة بنحو لا ينطبق إلّا على الخارج، فالحكم إذا ورد على الفرد الخارجيّ كانت القضيَّة جزئية.
وأمَّا الخارجيَّة فالحكم فيها وارد على العنوان مع التقييد -بنحو تعدُّد الدالّ والمدلول- بأنَّ الكلِّيّ لا ينطبق إلّا على الخارج، لا أنَّ الحكمَ واردٌ على الأفراد الخارجيّة.
فهذه القضيَّة من القضايا الكلِّيّة المعتبرة في المنطق، على حين أنَّ القضيَّة الجزئيَّة غير مُعتبَرة.
والقضيَّة الحقيقيَّة من القضايا البتِّيّة، لا من القضايا المشروطة، فإنَّ المناطقة عدُّوها في مقابلها، وليس فيها شرطٌ ولا قيدٌ، والحكم فيها وارد على العنوان، وليس أنَّ العنوانَ حاكٍ عن الأَعمّ من الأفراد الموجودة والمعدومة؛ ليكون مُعلّقاً، بل حكايته عن الأفراد والخصوصيات مستحيل، فنحو (أكرم كلّ عالمٍ) يستحيل أن يكون (عالم) حاكياً عن الخصوصيات، بل نستفيد شموله للأفراد من (كلّ).
ومثل (كلّ نارٍ حارةٌ): النار لا تدلّ إلا على نفس الطبيعة، ويستحيل أن
ـــــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) راجع منية الطالب 1: 112-114.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
تدلّ على الخصوصيات، و(كلّ) وسائر ألفاظ العموم يدلّ على الكثرة الإجماليّة، والإضافة موضوعة للربط بين الطرفين، ومدلول (كلّ) لا يجوز أن ينسب إلى النار، ولا إفادة الطبيعة ينسب إلى (كلّ)، ومعنى الإضافة هي أن نفهم أنَّ الكثرة هي كثرة هذه الطبيعة، فهذا المعنى نفهمه من دوالٍ ثلاث.
ثُمَّ إنَّ (كلّ نارٍ حارةٌ) إنَّما هو حكم على الطبيعة لا على الأفراد الأَعمّ من الموجود والمعدوم، فإنَّ المعدوم ليس فرداً ولا شيئاً، وإنَّما قلنا (كلّ نارٍ) وكل مصداق يوجد في الخارج فهو نار، فهو حال الوجود يكون مصداقاً للطبيعة، أمَّا حال العدم فلا يكون مصداقاً لها؛ لنحتاج إلى افتراض القضيَّة شرطيّة، فإنَّ القضيَّة الحقيقيَّة من القضايا البتِّيّة لا الشرطيّة، غايته أنَّ الطبيعة ما لم تُقيَّد فهي تنطبق على سائر الأفراد، وتوهُّم الأفراد وتقديرها ليس من الأفراد.
إذن، فالحكم بنحو البتّ يأتي على هذا العنوان، غايته أنَّ الأفراد ما دامت معدومة فليس فرداً، وحين تحقِّقه يكون في موطنه فرداً؛ فيشمله الحكم، ففي مثل وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1) ليس الحكم وارداً على الأفراد المستطيعين في العالم الموجود منهم والمعدوم، بل حينما يكون هناك مستطيعٌ يشمله الحكم، وأمَّا المعدوم المنزّل منزلة الموجود فهو ليس فرداً.
نعم، هناك قضايا شبيهةٌ بالقضايا الحقيقيَّة لا يقتصر فيها العنوان على الأفراد الموجودة.
ـــــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كان الكلام في أنَّ محلّ النزاع في باب التعليق، في كلام الفقهاء ما هو، هل هو الإنشاء أو المنشأ؟
وقال(1): ثُمَّ أردنا أن نحقِّق نفس المطلب، وهو أنَّه هل واقعاً أنَّ تعليق الإنشاء والواجب المشروط محال، أو إنَّه صحيح؟
ثُمَ ننظر إلى تعليق المنشأ؛ لنرى أنَّه صحيح أو لا؟
أمَّا الوجه الذي قلنا به لصحة التعليق في الإنشاء وعدم امتناعه، هو: أنَّنا لو فرضنا أنَّه يوجب وينشئ الشيء مطلقاً وبلا شرط، وفي غير الحال لا يوجد، فهذا لا يمكن، وكذلك إذا وقع المعاملة مُعلّقاً على أمر، ومع حصول المُعلّق عليه لا يوجد المُعلّق، أيضاً لا يمكن للزوم التناقض(2).
ولكن أيّ مانع في الأمور الاعتباريّة؛ كالبعث وإنشاء الملكيَّة والزوجيّة، أن يُعلّق الإنشاء على أمر، ويعمل الإيجاب على فرض تحقُّقٍ؟
إذا قال شخص: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، فهو قد أنشأ، لكنَّ الإيقاع على الفرض لا يقتضي الإيجاد الفعليّ، ولا يعتبر العقلاء تحقُّقه إلا بعد تحقُّق المُعلّق عليه، فإذا قال: (إذا جاء زيد)، أو (إذا جاء يوم الجمعة فأنت وكيلي)، فالوكالة
ـــــــــــــ[113]ــــــــــ
() وهنا لخَّص الوجه الذي ذكره المحقِّق النائيني وجوابه الأوَّل عليه، وهو أنَّ هذا الإشكال العقلي لا يعني كون مورد الإشكال هو الإنشاء، وقال:… (المقرِّر)
(2) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 91، ومنية الطالب 1: 112-113.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ليست من الأمور الحقيقيَّة؛ ليلزم التناقض، بل لا بُدَّ من ملاحظة الاعتبارات العقلائيّة، فأنا الآن عملت أرضيّةً(1) وأساساً، لأجل أنَّه عندما يأتي يوم الجمعة يكون وكيلاً لي.
وما يُقال من أنَّ هذا الشخص لم يعمل الآن شيئاً، غير صحيح، فإنَّ الإنسان مرَّة يكون ساكتاً، ومرَّة يكون جاعلاً للإنشاء المطلق، ومرَّة للإنشاء المعلق:
فإن كان ساكتاً فهو لم يعمل شيئاً، وإن كان جاعلاً للإنشاء المطلق، فلا بُدَّ أن يكون المنشأ الاعتباريّ موجوداً فعلاً، ويقول العقلاء بأنَّه بيع فعليّ ومحقَّق، وبين ذلك أمر متوسّط وهو الإنشاء والجعل المُعلّق وهو ليس كالجعل المطلق؛ لأنَّه الآن لا يحصل شيء. وليس كالسكوت؛ لأنَّه أرضيّة لأجل التحقُّق بعد تحقُّق المُعلّق عليه.
وهو ليس إيجاداً تكوينيّاً؛ ليكون ممتنع الإيجاد، بل هو إيجاد تشريعيٌّ، للمكلَّف أو المتعامِل أن يُعلّقه على أيّ شيء، والبعث التعليقي معناه البعث على فرضٍ ووجوبِ الإكرام(2) لا يحصل إلا بعد مجيء زيد، فإذا لم يجيء فلا إيجاب ولا وجوب.
ـــــــــــــ[114]ــــــــــ
() زمينة (بالفارسية)، (المقرِّر).
(2) المثال الذي يُشير إليه السيّد ليس من التعليق في شيء؛ لأن (مجيء زيد) أُخذ في موضوع وجوب الإكرام، فالوجوب والإيجاب حاصلان فعلاً، ولكنَّ الواجب هو الإكرام على ذلك التقدير، وهذا ليس من تعليق الوجوب والإيجاب في شيء، وادعاء عوده إلى الهيئة جزافيّ وخلاف الظاهر.
نعم، يكون ممكناً وموافقاً للظاهر إذا كان استعمال الوجوب بنحو المعنى الاسميّ، فيكون الشرط والتعليق عائداً على مادَّة الوجوب، فيكون ذلك ممكناً، بل لا نستطيع أن نجد في الأمثلة الشرعيّة شيئاً يكون أصل الوجوب فيه معلّقاً، بل أحكام الشارع موجودة من صدر الإسلام، غاية الأمر أنَّه متى وُجِدت موضوعاتها تصبح منجزة، وهذا أمر آخر كما هو واضح، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ولا يمكن أن يحصل الإيجاب ولا يحصل الوجوب، وإذا تحقَّق الإيجاب والوجوب قبل تحقُّق المُعلّق عليه كان محالاً، وكذلك لو تحقَّق المُعلّق عليه ولم يتحقَّق الإيجاب.
إذن فمقايسة المقام بالأمور التكوينيَّة في غير محلِّه، ولا دليل أبداً على استحالة التعليق في الإنشاء، والعقلاء يرتِّبون عليه الأثر.
الآن نرى التعليق في المنشأ ما هو حاله؟
الأمور الموجودة في المقام:
تارةً تكون قضايا إخباريّة.
ومرَّةً جمل إنشائيّة.
ومرَّةً جمل غير تامَّة، سواءٌ إذا أخرجناها إلى لباس الدلالة التصديقيّة فتكون إخباريّة أو إنشائيّة.
فإنَّه إذا قال: (وجوب إكرام زيدٍ)، فهذه جملة ناقصة. فإذا أردنا تحويلها إلى جملة إنشائيّة تامّة، قلنا: (يجب إكرام زيد). وإذا أردنا تحوليها إلى جملة إخباريّة تامّة قلنا -مثلاً- (كان إكرامُ زيدٍ واجباً).
ـــــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والتعليق في باب التصديقيّات، سواءٌ كانت إخباريّة أو إنشائيّة صحيح، نحو قولك: (إذا طلعت الشمسُ فالنهارُ موجودٌ)، فقد علّقت جملة إخباريّة على جملة أخرى، أو نحو: (إذا جاءك زيدٌ فأكرمْه)، فقد علّقت المعنى التصديقيّ للهيئة على أمر آخر.
أمَّا المفردات فلا يمكن تعليقها، فزيد مُعلّق ما معناه؟ لا معنى له.
وفي الجمل الناقصة أيضاً لا معنى للتعليق، (قيامُ زيدٍ) معلقٌ، و(غلامُ زيدِ) مُعلّقٌ، يعني تريد أن تُعلِّق غلامَ زيدٍ أو قيامَه -لا تخبر أنَّه مُعلّق- وإنَّما التعليقيّة والتنجيزيّة للجمل التصديقيّة سواءٌ كانت إخباريّة أو إنشائيّة.
المنشأ في باب البيع ما هو؟
الإنشاء عبارة عن الإيقاع بالدلالة التصديقيّة، والإيقاع بالدلالة التصديقيّة يمكن أن يكون منجزاً ويمكن أن يكون مُعلّقاً.
وأمَّا المنشأ الذي هو عبارة عن البيع(1) ما معنى التعليق فيه؟ هل وجود مُعلّق؟ يأتي نفس ذلك الإشكال عليه. أو الماهيّة مُعلّقة؟ لا معنى للتعليق في الماهيّة، فإنَّك لم تُنشئ جملة، وإنَّما أنشأت مفرداً أو جملة ناقصة، فإنَّ (بعت هذا
ـــــــــــــ[116]ــــــــــ
() التعليق ليس إلّا قيداً من القيود إلّا أنَّه قيدٌ بالنسبة إلى الزمان ولا مانع إطلاقاً أن أقصد إنشاء البيع الموجود في يوم الجمعة مثلاً، ومن هنا يتَّضح أنَّ التعليق في المفردات صحيحٌ بأن يتعلّق القصد بحصَّة من حصص وجود (زيد)، أو وجود (غلام زيد)، وهو وجوده الاستقباليّ يوم الجمعة، فتأمَّل في أطراف هذا المطلب، فإنَّه حقيق به، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
من هذا) وإن كان جملةً تصديقيّةً تامّةً، إلّا أنَّ المنشأ فيها هو البيعُ، أو هو بيعُ هذا بهذا، أو هو إمّا مفرد أو جملة ناقصة، وهو غير قابل للتعليق على شيء، فالمنشأ غير قابل للتعليق.
نعم، المخبر به قابل للتعليق؛ لأنَّه جملة تصديقيّة، وهو قاس الأمور الإنشائيّة بالإخباريّة مرَّةً، وأخرى قاس التشريع على التكوين، وكِلاهما غير قابل للتصديق، فإنَّ ما هو ظاهر كلام في الواجب المشروط في باب المعاملات، أني أُعلِّق إيجاد هذا على هذا، ومعناه: أنَّه إن لم يوجَد فلا إنشاء عندي، وأمَّا المنشأ فهو معنى مفرد أو جملة ناقصة، والتعليق لا معنى له(1).
هو ما أشكلوه على الواجب المشروط، من أنَّ الهيئات معانٍ حرفيَّة، والمعاني الحرفيَّة غير قابلة للتقييد أو التعليق، إذ فمطلق التقييدات والتعليقات، لا يجوز أن تعود إلى الهيئة؛ لأنَّ المقيّد لا بُدَّ أن يُتصوَّر عند تقييده استقلالياً، والمعاني الحرفيَّة لا يمكن فيها ذلك، فإنَّه:
أمَّا أن نلاحظها استقلالاً مع ملاحظتها آلةً فقد اجتمع اللحاظان وهو محال.
وأمَّا أن تلاحظهما استقلالاً فقد خرجت عن كونها حروفاً.
ـــــــــــــ[117]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: التقييد جائز، إلّا أنَّ التعليق غيرُ ممكنٍ؛ لأنَّ التقييد أمرٌ تصوريٌّ، والتعليق لا يأتي إلا على الأمور التصديقيّة.
أقول: هذا أوَّل الكلام والاستدلال على عدم إمكان تعليق المفردات مصادرةً، ومع التنزّل فقد تصوَّرنا له معنى معقولاً، فيكون ممكناً، فلاحظ، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا آلة فقط فالتقييد لها حينئذٍ لا يكون ممكناً(1).
أو يقال: بأنَّ الموضوع له في الحروف خاصّ، والخاصّ غيرُ قابلٍ للتقييد، وإنَّما التقييد من شأن الكلِّيّات ونحوها(2).
ونحن لا نستطيع أن نتوسَّع في المقام، إلا أنَّنا نقول: إنَّ جميع التقييدات التي تقع في الكلام، سواءٌ كانت تعود إلى المعاني الاسميّة أو الحرفيَّة، عندما أنت تُخبِر عن المعنى الاسميّ أو تنشئ المعنى الاسميّ، لا يمكن أن يقع التقييد بالإخبار -حال الإخبار واستعمال اللفظ في المعنى-؛ لأنَّ اللفظَ الموضوعَ يستحيل أن يدلَّ إلّا على معنى نفسه، فإنَّ المعنى المصدريّ للإكرام والعالِم، لا يدلّ إلا على نفس طبيعة العالم والإكرام.
فأنت حين تُريد أن تصف العالِم بكونه عادلاً، فالعالِم في المقام لا يفيد، ولا يحكي إلا عن نفس طبيعة العالم، وحين تُريد أن تصفه فهذا التقييد لا يكون إلا بنظر ثانويّ ارتكازيّ يقع باعتباره التقييد، وإلّا فإنَّه يستحيل بالنظر الأوَّل وقوع التقييد.
والمعنى الحرفيُّ حاله كذلك أيضاً، فإنَّه حين استعمال الحرف ليس إلّا آلة، وحينما تُريد تقييده واشتراطه، فلا بُدَّ لك من نظر آخر إليه(3) فتلاحظه كالمعنى
ـــــــــــــ[118]ــــــــــ
() راجع فوائد الاُصول 1: 181، وأجود التقريرات 1: 131.
(2) راجع مطارح الأنظار: 45-46.
(3) هذا اعتراف بإمكان اجتماع اللحاظين؛ الآلي والاستقلالي في وقت واحد. بل هو يذهب إلى لزومه في الحروف، واجتماع لحاظين استقلاليين في الاسماء، إذا أُريد تقييدها، غايته أنَّهما لحاظان طوليّان، ومن المعلوم أنَّ الاستدلال الذي يُذكر لاستحالة اجتماع اللحاظين لا يفرّق فيه بين العرضيّة والطوليّة في اللحاظ، والسيد إذ لا يعترف باستحالة اجتماع اللحاظين يلزمه رفع يده عما يقوله في المقام وإلّا وقع في مناقضةٍ غريبة، فراجع وتأمَّل، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الاسميّ، ومعه لا يبقى مانعٌ من تقييده، فالتقييد بحسب النظر الثانويّ كما يمكن في الأسماء كذلك يمكن في الحروف، بل غالب القيود تعود إلى المعاني الحرفيَّة، نحو: (أكرم زيداً يوم الجمعة أمام الأمير)، إذ تعود القيود إلى الهيئة، ولكن بحسب النظر الثانويّ ولا مانع منه.
مضافاً إلى أنَّ التعليق لا يجب أن يكون قيداً. نعم، قبل ذلك لا بُدَّ لي أن أتصوَّر أنَّ وجوب الإكرام، الذي تعلَّق غرضي به ليس مطلقاً، بل هو مُعلّق على مجيء زيد، ثُمَّ أقول: (إذا جاء زيد فأكرمه)، وهذا التصوُّر يرفع إشكالات ورود التقييد على الهيئات والحروف، بالإضافة إلى أنَّ التقييد يمكن أن يرد على الحالات.
لاحظوا كلمات الفقهاء وبعض الاستدلالات؛ لتروا أنَّ البحث إنَّما هو في تعليق الإنشاء لا في تعليق المنشأ، ولا كلام حول تعليق المنشأ أصلاً، إلا أن يكون في المقام إجماع.
أمَّا الإشكال العقليّ فهو غير موجود.
مقدّمة لتقرير المطلب، لا بُدَّ أن نفْصِل الإنشاء عن المنشأ؛ لنرى أنَّ كلّاً منهما عبارة عن أيِّ شيء؟
ـــــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ففي (ملّكت هذا بعوض هذا) ليس لدينا غير الهيئة التي هي عبارة عن هذا الفعل، وغير المادَّة، وهو نفس الدالّ على نفس الطبيعة، وعندنا المخاطب و(هذا) و(هذا)، وبلا إشكال ليس عندنا شيء غير ذلك، وأنت بهذه الهيئة تُنشئ الملكيّة، والإنشاء بالحمل الشايع عبارة عن التمليك، فليس عندنا شيءٌ ثالثٌ غير الهيئة والمادَّة، ونستفيد من الهيئة، باعتبارها آلة لإيقاع الملكية وإنشائها، أنّك توقع الملكيَّة وتُنشئُها، والمادَّة تدلّ على نفس الملكيّة، وتعلُّق الهيئة بالمادَّة يُستفاد منه أنَّ الإيجاد كان إيجاداً للملكية، فليس هنا إلا هيئة ومادَّة والازدواج بين الهيئة والمادَّة، فحال (ملكت) حال (اضرب)، فإنَّ الهيئة تدلّ على البعث الاعتباريّ، والمادَّة تدلّ على طبيعة الضرب، وتعلُّق الهيئة بالمادَّة يدلُّ على أنَّ البعث كان نحوَ طبيعةِ الضرب.
فنستفيد إيجاد الملكيَّة وإنشاءها من إضافة الهيئة إلى المادَّة، فالإنشاء ليس إلا الإيقاع الاعتباريّ، فإنَّ (ملكت) آلة للملكيّة، وحينما أوقعها فقد أنشأت الملكيّة.
وبحسب الواقع -لا في مقام الاستظهار- هذه القيود التي تقع في الكلام، نحو (ملكت هذا بهذا يوم الجمعة) مرَّةً تعود إلى الهيئة، فتكون الهيئة عملها الإيجادي مقيّداً، يعني ما لم يوجد المُعلّق عليه لا يوجد التمليك؛ لأنَّه لم يعمل التمليك مطلقاً، بل هو إيجاب وتمليك مُعلّق، فما لم يوجد المُعلّق عليه لا إيجاب ولا تمليك.
أمَّا الملكيَّة فهي مطلقاً غير مقيّدة، لأنَّ القيد رجع إلى الهيئة دون المادة، فالمادَّة التي هي الملكيَّة غير مقيّدة، فلازم رجوع القيد إلى الهيئة: أنَّه مالم يأتِ يوم
ـــــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الجمعة، ويتحقَّق القيد المُعلّق عليه، فلا إنشاء ولا تمليك، فالهيئة لا قيد فيها، فالإيجاب مطلق والملكليّة مُعلّقة ومقيّدة، فقد أوجدت من الآن ملكيّة يوم الجمعة، نظير الواجب المُعلّق، الذي يكون الوجوب فيه مطلقاً والقيدُ راجعاً إلى المكلَّف به، وهو أمر ورثناه من صاحب الفصول لتصحيح المقدّمات المفوّتة.
حيث يقول(1): إنَّ المكلَّف به قد لا يكون له قيدٌ أصلاً كالمعرفة، وقد يكون مقيّداً بقيد غير اختياريّ.
ويُقال له: الواجب المُعلّق كوجوب الحجِّ، فإنَّ وجوبَه مطلقٌ من حيث الزمان، وإنَّما هو مشروط بالاستطاعة، فعند تحقُّقها يكون الحجُّ واجباً مطلقاً وفعليّاً، فالحجُّ في الموسم واجب الآن، فيجب تحصيل المقدّمات له.
فإذا عاد القيد إلى المادَّة يكون نظير الواجب المُعلّق، يكون التمليكُ مطلقاً وفعليّاً، ولكنَّ الملكيَّة مُعلّقة على مجيء يوم الجمعة، وهذا المطلب للسيد، وقد أزاد فيه النائيني وأوضحه، إذ قال السيد(2): إنَّ النزاع في المنشأ وصحته ووجوده ضروريّ، وإذا عاد القيد إلى الإنشاء فلا بُدَّ أن نقول ببطلانه.
تقريب ذلك: أنَّه في باب الإجارة، نرى أنَّ منفعة هذا اليوم غير منفعة الغد، وغير منفعة بعد غد، فلذا تستطيع أن تؤجِّر من الآن مُلكك إلى سنة على شخص، وتؤجِّره من سنة إلى سنة أخرى إلى شخص آخر وهكذا.
ـــــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) راجع الفصول الغرويّة: 79-82، القول في الأمر، تمهيد مقالٍ لتوضيح حالٍ.
(2) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 91.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فهل الملكيَّة كذلك. هل عندك ملكيّات كثيرة: ملكية يوم السبت، وملكية يوم الجمعة، وملكية يوم الخميس، حتَّى يُقال: إنّه كما في الإجارة يمكن أن أؤجِّر كلّ يوم لشخصٍ، كذلك هنا؟ أبيع ملك هذا اليوم لشخص، وملكيَّة غدٍ لشخص آخر، فالكلّ الآن مالكون، لكنَّ كلّ واحد مالكٌ في حدود يوم واحد.
إلّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ لك ملكيّةً واحدةً، لا ملكيّات متعدِّدة لتعمل هذا العمل.
فلازم رجوع القيد إلى المادَّة، هو هذا المعنى، وهو أنِّي أبيعه عند وجود يوم الجمعة.
هكذا ذكر الآغايون وأرادوا أن يتمِّموا به المطلب، مع أنَّ هذا لازم رجوعه إلى الهيئة لا المادَّة، فقد حصل عندهم خلطٌ في ذلك، مع أنَّ آلة التمليك لا قيد فيها فيقع فعليّاً، وإنَّما المادَّة هي المُعلّقة والمقيَّدة، فلازمه أنَّ البائعَ مالكٌ إلى يوم الجمعة، والمشتري مالكٌ من يوم الجمعة فما بعد.
ولك أن تُوقِع الشرط بنحو آخر، وهو أن تبيع مالك من طلوع الشمس إلى غروبها.
مع أنَّ الملكيَّة لا ربط لها بالزمان، غاية الأمر بما أنَّنا واقعون في الزمان فقهراً التمليك يقع في الزمان، فحيث إنَّ هذا المطلب(1) ليس عقلائيّاً، فإذا عاد القيد إلى المنشأ فتمام فروضه باطلة، فإنَّه لم يكن لك مثل هذا الملك لتنقله إلى غيرك، بل لك نفس الملكيّة.
ـــــــــــــ[122]ــــــــــ
() يعني: البيع من طلوع الشمس إلى غروبها (توضيح)، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأما إذا علّقت الإنشاء فالآن هو ملكك ليس إلّا، وإذا حصل المُعلّق عليه فهو ملكه ليس إلّا.
وأمَّا إذا قيّدنا الملكيَّة التي أنشأتها بيوم الجمعة، يصير: (ملَّكتك ملك يوم الجمعة)، وهو غير عقلائيٍّ، وليس مثل الإجارة، فإنَّه في الإجارة عندك منافع متعدِّدة، ولكن ليس عندك ملكيّات متعدِّدة، فلازم رجوع القيد والتعليق
-وهو بمعني القيد؛ لأنَّ ورود التعليق على المادَّة محال- إلى المادَّة والمنشأ لازمه شيء باطل عند العقلاء بالضرورة.
اللازم الآخر في تعليق وتقييد الإنشاء والمنشأ، أنَّه إذا كان الإنشاء معلّقاً فالآن لم أبعْ، وإنَّما أبيع يوم الجمعة، فالآن أستطيع أن أفسخ، فإنِّي لم أبع ولم أعقد ليشمله(1) تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2) و”المؤمنون عند شروطهم“(3).
أمَّا إذا رجع القيد إلى المادَّة، فالآن قد وقعت الملكيَّة والبيع، الآن ملكت ملكيّة يوم الجمعة، فالتملك الآن إلّا أنَّ المملوك متأخّر، فإذا قال: (قبلت)، فلا يمكن لهما الفسخ، فهذا من اللوازم التي غير معلوم أنَّ الفقهاء يلتزمون به.
هذا محصّل الكلام في التعليق، وعلى ما قلنا: إنَّه إذا عاد التعليق إلى الإنشاء يقع صحيحاً لازماً مطلقاً.
ـــــــــــــ[123]ــــــــــ
() لازم ذلك: إمَّا عدم صحّة ذلك أصلاً، أو عدم لزومه، بمعنى إمكان الإعراض عنه من دون فسخ، وبيعه للشيء على شخص آخر قبل وجود المعلّق عليه، (المقرِّر).
(2) النساء: 29.
(3) مرّت الإشارة إلى الحديث آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا إذا رجع إلى المنشأ لم يقع صحيحاً، وعلى ما ذكره السيد(1) والنائيني(2): أنَّ رجوعه إلى الإنشاء محال، فلا بُدَّ أن يكون راجعاً إلى المنشأ وحينئذٍ فصحَّته ضروريّة.
وهنا شيء ذكره الفقهاء في التعليق، وهو: أنَّ التعليق لا يصحُّ في العقد، وأنَّه لا يصحّ في الإيجاب والقبول.
ويقول الشيخ(3): إنَّه عند عدم تحقُّق المُعلّق عليه، لا يوجد العقد. ويشكل عليه السيد(4) بأنَّ هذا مخالف لما اخترته في الواجب المُعلّق.
فما يقولونه في المقام: هو أنَّنا في باب الإنشاء لا بُدَّ من الجزم، وإذا كان مُعلّقاً فلا جزم لنا، فهنا دعويان:
أولاً: أنَّ الإنشاء المُعلّق ليس جزميّاً.
ثانياً: أنَّه إذا لم يكن العقد جزميّاً كان ذلك موجباً للبطلان.
نقول -كما قال السيّد وهو على حقّ-: إنَّه سواءٌ في الجمل الإنشائيّة
ـــــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب 1: 91، في اعتبار التنجيز في عقد البيع.
(2) راجع منية الطالب 1: 112-113، مسألة: من جملة الشرائط التي ذكرها جماعة التنجيز.
(3) راجع كتاب المكاسب 3: 166-170، من جملة الشرائط التي ذكرها جماعة التنجيز في العقد.
(4) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 91-92.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والإخباريّة، إذا رأينا في الجمل الإخباريّة ملازمة بين شيئين سواءٌ وُجِد المُعلّق أو لا، وسواءٌ يوجد بعد ذلك أو لا، وسواءٌ كان ممكناً أو ممتنعاً، لا يستلزم أن لا يكون الإخبار جزمياً، فمثلاً قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا(1)، حيث رأى المتكلِّم أنَّ هناك تلازماً بين تعدُّد الآلهة والفساد، فيقول: إنَّه على فرض المحال ووجود الآلهة المتعدِّدة، فالعالم يصير فاسداً، هل هذا فيه ترديد؟ أو على فرض وجود المُعلّق عليه فالإخبار جزمي، وقد يقيم عليه البرهان؟
ثم دخل السيّد في تقرير عن أنَّ البرهان التقليدي الذي يقرِّبونه عن الآية، وهو أنَّه: لو كانت الآلهة متعدِّدة لكان النظام في العالم خراباً ومبعثراً، غير صحيح، فإنَّ معنى وجود الإلهين الكاملين الحكيمين هو كونهما متّفقان في سائر الجهات.
وإنَّما تقريب الاستدلال بالآية هو: أنّه لو كان هناك إلهان يلزم وجود علّتين تامّتين مستقلّتين على معلول واحد، فيلزم منه عدم وجود شيء في العالم أصلاً، وهو مراده من الفساد في الآية، ولا يمكن أن يتقاسم الإلهين التدبيرَ، وكلٌّ منهما يتولَّى طرفاً من العالم، كما ثبت(2) في محلِّه من أنَّه إذا كان شيءٌ لائقاً
ـــــــــــــ[125]ــــــــــ
() الأنبياء: 22.
(2) هذا لا يكون دليلاً على المدّعى؛ لأنَّ الشيء اللائق للوجود يمكن أن يتلقى الفيض من أحد الإلهين، وهو الإله المختصّ بهذا الجزء من العالم على الفرض، وحينئذٍ لا يلزم وجود علّتين مستطيلتين للعالم؛ لاختصاص كل علّةٍ بطرفٍ منه، مع كون الحكمة في هذا التدبير تفترض ذلك على الفرض. وعليه فيبطل هذا التقريب أساساً، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
للتحقق يستحيل أن لا يوجد، وإلّا لزم النقص فيه تعالى.
والترديد إنَّما يلزم إذا كنت مردَّداً أنَّ المُعلّق هو يحصل على فرض حصول المُعلّق عليه أو لا يحصل، أو كنت مردَّداً في كون هذا معلّقاً على هذا.
وأمّا أن أُثبت بالبرهان أو الوجدان أنَّه إذا وجد هذا وجد هذا، فسواء وُجِد المُعلّق عليه أو لا كان ممكناً أو ممتنعاً، فصحَّة المُعلّق وعدم صحَّته لا تدور مدار وجود المُعلّق عليه وعدمه، وإنَّما ميزانه هو صحّة التعلُّق.
في الإنشاء أيضاً كذلك، فإنِّي إذا كنت مردَّداً في أنَّك تملكه يوم الجمعة أو لا تملكه، كان هذا ترديداً.
ومرَّةً أكون جازماً حينما أقول: (إذا جاء زيد هو لك) حتَّى مع احتمال أنَّه لا يأتي، بل يمكن أيضاً أن يُعلّق على الأمر المحال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لملّكتك)، فقد علّقت الإنشاء على أمر مستحيل، وهذا وإن كان باطلاً إلّا أنَّه ليس من ناحية كون التعليق على أمرٍ مستحيل ليس جزميّاً، بل لأنَّ العقلاء لا يرتِّبون عليه الأثر.
وأمَّا إذا كان الآن معدوماً محتمل الوجود، ولكن كان اعتقادي أنَّه لا يوجد، ولكنِّي غفلت عن ذلك، وبعت على تقدير وجوده، فوُجِد بعد ذلك، كان هذا البيع صحيحاً.
وأمَّا بالنسبة إلى الدعوى الثانية، وهي عدم صحّة العقد المُعلّق، فلا دليل لنا على بطلان التعليق، لا في العبادات ولا في غيرها، فكما تأتي بالصلاة رجاءً، لكن يمكن أن تأتي بالبيع رجاءً، فباحتمال ورجاء أن تكون امرأته هي طالق، فإنَّك الآن
ـــــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وإن لم تكن جازماً بوقوع الصلاة، إلَّا أنَّها على تقدير المطلوبيّة تقع صحيحة.
بناءً عليه فالجزم في العقود غير لازم، وعلى تقديره فالجزم حاصل منها.
تبقى دعاوى الإجماع، وبالنسبة إلى هذه القضيَّة لم يدَّعِ الإجماع فيها أحدٌ، وإنَّما ادّعى الإجماع في التوكيل، وإنَّما استنتج الشيخ حكم المقام من باب (خربوزه الله أكبر)(1) هناك أيضاً لا نقبل الإجماع، فإنَّ المسألة عقليّة، وفي مثل هذه المسائل لا يكون إجماع الفقهاء إجماعاً اصطلاحيّاً.
في مسألة التطابق بين الإيجاب والقبول، لا أظنّ الخلاف فيها، وإذا وجدتم في بعض فروع المسألة خلافاً، فليس لأنَّهم مختلفون في أصل جعل الكبرى، فإنَّه لا ينبغي الخلاف فيها.
فلو قال شخص بأنه لا يجب التطابق في الشروط، لا يعني أنَّه لا يجب في الإيجاب والقبول، أو (مثلاً) القائلين بأنَّ هناك فرقاً بين عقد الازدواج والبيع باعتبار أنَّ الطرفين هناك ركنٌ وهنا ليس ركناً، ومن هنا فالتطابق هنا غير لازم وهناك لازم.
مرادهم أنَّ المعاملة عبارة عن التبادل بين العينين، فالتطابق موجودٌ لا أنَّ التطابق غير لازم، وإن عبَّروا بذلك، فأصل كبرى لزوم التطابق مسلَّمةٌ، سواءٌ على مسلكنا من عدم دخل القبول أصلاً في ماهيَّة المعاملة، كإجازة الفضولي، وإن تمام الماهيّة يُوقِعها الموجب، أو على مسلك الآغايون الذين يرون ركنيَّة
ـــــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) عبارة فارسية تقال للتهكم.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
القبول، لا يفرق في هذا المعنى، أو إن كان في أحدهما أوضح من الآخر.
أمَّا على مسلكنا فإنَّا نقول بأنَّ تمام ماهيَّة البيع أوجدها الموجب، فإذا كان القابلُ يُوجد أو قَبِلَ شيئاً آخر غير ما أوجده الآخر، فهذا غير مربوط بالمعاملة، فإنَّ قبول المعاملة معناه أنِّي أقبل المعاملة التي أوقعتها، فإنَّ مقتضى المطاوعة والقبول والرضا هو هذا.
أمَّا على مبنى الآغايون فالمعاملة لا تكون معاملة ما لم يقبل القابل نفس المعنى الذي قاله الموجب، غايته أنَّه في بعض الموارد أوضح وفي بعضها تقع مورداً للنظر.
فمن الموارد التي قيلت إنَّها مُسلّمة -وهي في بعضها ثابتةٌ بلا إشكال- فيما إذا وقع الموجبُ بيعاً وهذا قبل الإجارة، هذا بلا ربط، وممَّا عدّوه مُسلَّماً، ويجب أن يقع موقع النظر: أنَّه لا بُدَّ من التطابق بين العوضَين، فلو لم يقع القبول على ما وقع عليه الإيجاب، لم يقع التطابق فتبطل المعاملة، فالنقاش في الصغرى.
نقول: إنَّ المسألة تفترق في الثمن عنها في المُثمَن، فإنَّه في المُثمَن الذي هو الأعيان حينما يوقع المعاملة، فإنَّ عنوان البيع هو (حِمْلٌ من الحنطة) فإذا أوجب الموجب على الحنطة وقبلت على الشعير لم يكن ذلك مربوطاً.
أمَّا في باب الأثمان، فالموارد مختلفة، فإنَّ الثمن مرَّةً لا يُؤخذ -سواء كان شخصياً أو كلِّيّاً- بشخصه وعنوانه ثمناً نظير إلغاء الخصوصيّة، فإنَّ الحكم تارةً يُجعل على العنوان بخصوصيّته، وأخرى يُذكر عنواناً، ولكنَّه ليس مقصوداً، وإنَّما يعبَّر به لجريان العامَّة به، وليس موضوع الكلام نحو: (رجل شكّ بين
ـــــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الثلاث والأربع)، ليس بنحو أنَّ عنوان الرجولية له دخل في الموضوع، ولكنَّ الرجل كان مورد الخطاب لهذا استعمل ذلك، والمراد به المكلَّف.
فهناك قلنا: إنَّ هذا إذا أُلقي على العرف لا يفهم الخصوصيّة، بل مراد السائل والمجيب أعمّ من هذا المعنى، ولذا لا يسمى هذا تنقيح المناط ولا القياس، وإنَّما يستفاد ذلك من الكلام.
فكما أنَّ الحال كذلك في الأمور الكلية، كذلك في الأمر في باب الأثمان، مثلاً لو قال: (أقرضتك عشرة دنانير، عشر قطع)، ثُمَّ أرجع له عشرة دنانير (قطعة واحدة)، لكان صحيحاً، فإنَّ الدنانير والأثمان ليست في الغالب مورداً لغرض العقلاء بأعدادها وأشخاصها، إلّا في بعض الأحيان مع قيام القرينة عليه.
فمثلاً: إذا أتلف منك عشرة دنانير (عشر قطع) وأرجعه إليك عشرة دنانير (قطعة واحدة) فقد أدَّى ما عليه، على حين لو اقترض حنطة وأرجع بقيمتها شعيراً، فإنَّ ذلك يتوقَّف على رضائك بهذا التبديل، يعني يحتاج إلى معاملة جديدة، وليس هذا أداءً لذلك؛ لأنَّ الحنطة لم تُقترض على أساس الماليَّة المطلقة، إلا مع قيام القرينة على ذاك الطرف.
ولكن الأثمان كذلك، فلو قال الموجب: (بعتك بأحد نوعي الدنانير) وقبل القابل النوع الآخر -على فرض أنَّ كلّاً منهما كان رائجاً- فهذا ليس من عدم التطابق؛ لأنَّ المعاملة لم تتعلّق بالثمن بهذا العنوان، بل تتعلّق بمعنى أعمّ من ذلك، فإنَّ العقلاء لا ينظرون إلى خصوصيّة الثمن، وأكبر شاهد على ذلك هو
ـــــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
القرض، إذ يمكن اقتراض عشرة (قطع متعددة) وإرجاعها عشرة (خردة) كما هو لا شكّ فيه عند العقلاء، فالأثمان الرائجة لا تنظر إليها إلّا بنقديَّتها، فالمعاملة لا تقع على هذا النقد الكذائي بخصوصه، حتَّى إذا قَبِل المعاملة، يقع لا على عنوانه، بل على الأعمّ.
ففي العوضين يمكن أن يُقال ذلك من تطابق الإيجاب والقبول، وفي باب البيع إذا وقع مثل هذا الاتفاق أيضاً يشمله ما قلناه، بحيث إنَّ المراد منه هو الأَعمّ من هذه الخصوصيّة.
وفي باب طرفي المعاملة، قال المرحوم النائيني(1): إنّه لا ركنيَّة لهما؛ لأنَّ المعاملة هي مبادلةُ مالٍ بمال، أو تبديلُ عينٍ بعوض، فلا يُحتاج إلى التطابق. ومقصوده أنَّ التطابق متحقِّق، فلو قال: (بعتك هذا بعشرة)، وقال الآخر: (قبلت من زيد بعشرة) صحَّ، أمَّا في باب الازدواج، حيث إنَّ الزوجين ركنان في العقد، فلو قال: (زوَّجتك هذه)، فقال: (قبلت لزيدٍ)، كان باطلاً.
نحن مرَّةً نتكلَّم على مبناه في باب البيع، وأخرى على مقتضى العرف وكلام الفقهاء.
هو -كما يتّضح من تقريرات الشيخ موسى- ذكر من موارد كثيرة: أنَّ البيع عبارة عن تبادل الإضافات، وبين البيع والإرث فرقٌ، هو: أنَّ الإرث
ـــــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 114، مسألة: من جملة شروط العقد التطابق بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هو تبادل مالك بمالك آخر، وفي باب البيع تبادل إضافة المملوكين والمالكين على حالهما.
وحينما يُفسِّر هذه المطالب يقول(1): إنَّ هناك إضافةً بين السلعة وصاحبها، وهناك إضافة بين الثمن ومالكه، ونشبِّه هذه الإضافة بالخيط، وعند وقوع المعاملة يبقى طرف الخيط ثابتاً من طرفي، ولكنَّ الإضافة تنقطع من طرف السلعة وتنشدُّ بالثمن، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المشتري، يبقى طرف الإضافة بالنسبة إلى المشتري محفوظاً، ويتحرَّك الطرف الآخر من الثمن الذي كان عليه إلى المُثمَن، إذن فالبيع عبارة عن التبادلين الموجودين بين المُثمَنين، إذن فالركنيّة للمتعاملين غير موجودة.
ونحن لا نتكلَّم عن كون هذا عقلائياً أو لا، وعن كونه مستحيلاً، إذ يكون أحد طرفي الإضافة ثابتاً، والآخر متحرَّكاً.
بل نُسلِّم بهذا الدليل، ونقول: إنَّه بهذا الدليل نُفسِّر بكون الطرفين رُكناً للمعاملة؛ إذ إنَّكم تقولون: إنَّ طرف الشخص ثابت، ولكن الطرفَ الآخر متحرِّكٌ، يعني أنَّ الإضافة التي بيني وبين ذاك، يبدلها البيع إلى الإضافة بيني وبين ذاك، وبالعكس بالنسبة إلى الآخر.
فعندنا أربعة أطراف، هي: البائع، والسلعة، والمشتري، والثمن، وماهيّة البيع -على هذا- هي أنَّ طرف الإضافة يتبدَّل، وهو يتبدّل، لا بقطع النظر عنِّي، بل مع حفظها بالنسبة لي وكذلك بالنسبة إلى المشتري، فالارتباط دائماً
ـــــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
محفوظ للمالكين، وإنَّما تتغيّر الإضافة في العوضين.
فلو أنشأ الموجب الإضافة هكذا: أنَّ الإضافة التي بيني وبين السلعة أحتفظ بطرفها إلى نفسي، وأنقل طرفها الآخر إلى الثمن في مقابل نقل طرف الإضافة التي بينك وبين الثمن تنقل طرفها إلى السلعة، فإذا قال المشتري: (أنا أقبل الإضافة لزيد)، فهذه إضافة لم تكن في الإيجاب ليقبلها، فإنَّما قد أوقعت الإضافة بهذا النحو، وليس في العالم شيء غير هذا ليقع عليه القبول.
فإذا قلت: إنَّ تبديل الإضافات ليس بين العين والمالك الشخصي، وإنَّما بينها وبين المالك الكلِّيّ.
فهذا بالإضافة إلى أنَّه خروج عن مبناك، فإنَّه غير صحيح في نفسه، فإنَّ الإضافتين واقعتان بين المالكين والمبيعين، لا بين الإضافتين المطلقتين، فإذا قال الموجب: (قبلت الإضافة التي أوجدتها عن عمرو، أو التي أوجدتها بين عمرو وخالد)، فهذا ممَّا لم يوجد في الإيجاب لكي يقبله، فبنفس الدليل الذي يذكره يثبت أن المتبايعين ركن في المعاملة. هذا على مبناه.
وأمَّا على بناء العقلاء الذين يقولون: إنَّ البيع هو تبادل مال بمال، أو تمليك عين بعوض، فالموجب يملَّك هذا الشيء لك في مقابل عشرة دراهم منك، فإذا قال القابل: (قبلت منك لأخي)، لم يكن ذلك مطابقاً، فإنِّي ملَّكت لك لا لأخيك حتَّى تقبله، وأنا لم أعمل الإيجاب للأعمّ منك ومن أخيك، أو لكلِّيّ الإنسان حتَّى تقبله، فيقع القبول قبولاً بلا إيجاب.
وكذلك على مبنانا من تماميّة المعاملة بنفس الإيجاب، وأنَّ القبول بمنزلة إجازة العقد الفضولي، فإنَّ الفضولي إنَّما يجيز ذلك البيع السابق، فإذا أجاز بيعاً
ـــــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
آخر كان لاغياً، فكذلك القبول، فالقبول -وإن سلَّمنا كونه رُكناً- إلّا أنَّه مطاوعة للإيجاب وقبوله له.
بناءً عليه فالفرق بين المقام وبين الازدواج من الركنيّة هناك وعدمها هنا، غير صحيح، بل هذا المعنى من الركنيّة متحقِّق هنا أيضاً.
يبقى الكلام في أبعاض البيع وفي شروطه.
قلنا: إنَّه لا أظنّ وقوع الخلاف في كبرى المسألة، أو هي لزوم التطابق بين الإيجاب والقبول، وإذا عبَّروا في بعض الموارد بذلك، فإنَّما مرادهم وجود التطابق، فالكلام في تشخيص الصغرى، وإنَّما الآن نتكلَّم في الأمثلة؛ لأنَّ الكلام وقع فيها من حيث وجود التطابق أو لزومه.
لا بُدَّ أن نقول: إنَّه في جميع الموارد التي ينحلّ البيع فيها بنظر العقلاء، إلى منشآت وبيوع، فالتطابق موجود، وفي الموارد التي لا انحلال فيها في نظرهم، وكان البيع وحدانياً، ووقع القبول على البعض لا يكون التطابق موجوداً.
نظير باب التكاليف التي تكون: تارةً بنحو العامّ الاستغراقيّ، ومرَّة بنحو العامّ المجموعيّ.
فما كان بنحو العامّ الاستغراقيّ فإنَّ المولى إذ يلاحظ مطلوباته قبلاً، فإنَّه يراها مستقلّةً، وغير مرتبطة كلّاً منها بالمطلوب الآخر في مقام المطلوبية، فإذا أراد أن يُفَّهِمَها لنا فإنَّه يُفَّهِمَها بنحو العامّ الاستغراقيّ.
افرضوا أنَّ كلّ فرد من أفراد العلماء إكرامه لازم، بحيث إنَّ كلّ مصداق
ـــــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
منه مطلوب تامّ المطلوبية، سواءٌ أكرم الآخر أو لا، وهناك مصلحة ملزمة لإكرامه، فعندما يلاحظ الأفراد بنحو الإجمال أو التفصيل يرى أنَّ كلّ فردٍ فيه مصلحةٌ إلزاميةٌ مستقلةٌ غير مرتبطة بالآخرين، فهنا لو أراد جعل الإنشاء بعدد أفراد العلماء نظير القضيَّة الحقيقيَّة، فيكون هناك إنشاءات لا متناهية، وحتَّى لو كانت متناهية فإنَّه لا داعي إليها، بل يقول: (أكرم كلّ عالمٍ)، فيجعل وجوب الإكرام متعلّقاً بـ (كلّ)، فيكون ذلك سبباً، لا نفهم أنَّه يجب إكرام هذا الفرد مستقلّاً، وإكرام هذا وإكرام هذا.
ولهذا لو أكرم مصداقاً، كان مطيعاً في هذا المصداق، وإذا لم يكرم ذاك فهو عاصٍ في هذا المصداق، وعلى فرض كون الانبعاث لا بُدَّ أن يكون عن البعث، فهذا وإن لم يكن صحيحاً، إلّا أنَّه يكون نظير محلّ الكلام في كونه مطاوَعةً له، فلو انبعث بالنسبة إلى بعضها دون البعض الآخر، فهنا لا يُقال: إنَّه غيرُ مطيعٍ مطلقاً، بل أطاع في البعض وعصى في البعض الآخر.
وأمَّا إذا كانت المصلحة مُتعلّقة بإكرام المجموع، مثلاً: المطلوب في استعراض الجيش هو الاجتماع، فلو فرَّ واحدٌ فقط، فهو لم يُطعِ الأمر بالاستعراض، فكذلك إكرام واحد لمجموع العلماء، وهنا بعثٌ واحدٌ بمبعوثٍ واحدٍ، فلو لم يُكرم فرداً واحداً منهم، فهو لم يُطع؛ لأنَّ ما عمله لم يؤمَر به وما أُمر به لم يعمله.
ففي باب البيع كذلك، فإنَّه مرَّة يكون هو بائع حنطة، وأيَّ مصداق باعه فالحمد لله، لا أنَّ غرضه تعلَّق بمجموع ما في المخزن بحيث إنَّه إذا لم يبعه كلَّه فليس مقصوده حاصلاً، فبيع كلّ جزءٍ منها مطلوبٌ مستقلّاً، فلو قال البائع:
ـــــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
(بِعت كلّ هذه الحنطة كلّ حِمْل بعشرة)، فينحلُّ هذا البيع إلى بيوع متعدَّدة كلّ حِمْل بعشرة، فلو قال: (قبلت عشرة منها)، يقول العقلاء لا بأس؛ لأنّ ما أنشأه البايع ليس واحداً، وهو المجموع وغرضه واحد، بل له أغراض تعلَّق كلّ منهما بحِمْل من الحنطة.
وهذا وإن كان إنشاءً واحداً، إلّا أنَّه منحلٌّ إلى إنشاءات متعدِّدة، فلو قبِل بعضها فالمطابقة حاصلة والاستقلال موجود.
بخلاف ما لو قال: (بِعتك المجموع بكذا)، فهنا إنشاء واحد وبيع واحد، فلو قال: (بعتك داري)، فمع أنَّ الدار لها نصف وربع، إلّا أنَّه بيع واحد وإنشاء واحد.
ينقل عن العلّامة(1) في مسألة (بعتكما -هذين- ألف)، وقَبِلَ أحدهما النصف بخمسمائة، الشيخ(2) عدَّه باطلاً، والعلَّامة ينقل عنه أنَّه يذهب إلى صحّته، وللبائع خيار الفسخ.
أمَّا صحته؛ فلأنَّه باع كلّ واحد بخمسمائة، واللفظ يدلّ عليه، والآخر قد قبله، نظير أن يقول: (بِعتك هذا الثوب، وبِعت الثوب الآخر لزيد).
وأمَّا أنَّ للبائع خيار الشرط؛ فلأنه باع كلاً منهما بشرط انضمامه إلى الآخر، وقد تخلَّف هذا الشرط.
ـــــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) راجع تذكرة الفقهاء 10: 10، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الثاني.
(2) راجع كتاب المكاسب 3: 175-176، من جملة شروط العقد التطابق بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
و(مفتاح الكرامة)(1) يشكل عليه: أنَّه إذا رجع ذلك إلى الشرط وقبله أحدهما، وهو له رضاء محدود لا رضاء مطلق، فيجب أن يقع باطلاً.
نقول: إنَّ قوله: (بعتكما هذين العبدين) يُتصوَّر على نحوين:
فإنَّه مرَّة: يكون البائع قد تكلَّم مع المشتريَين حول مبدءٍ واحد مستقلٍّ، وفي مقام البيع جمع في التعبير وقال: (بعتكما العبدين بألف)، فهذا نظير العامّ الاستغراقيّ، وينحلُّ في نظر العقلاء إلى بيعين.
أو كان -مثلاً- الطرف واحدٌ، وقد تقاول معه حول العباءة وحول الثوب، ثُمَّ عند العقد مرَّة يقول: (بعتك العباءة وبعتك الثوب)، ومرَّة يقول: (بعتك هذين بعشرين) بحيث كلّ منهما ملحوظٌ مستقلّاً.
ومرَّة: -في الأشياء المتكثِّرة خارجاً كعبدين- يتعلَّق غرضه ببيع المجموع، وأنَّ مجموع هذين المشتريَين يملكانه، وذلك عن طريق الاعتبار، فلا تُشكِلوا أنَّ المجموع لا وجود له في الخارج، فالبيع هنا يكون بيعاً واحداً.
وفي مثل ذلك إذا قبل أحدهما النصف، فالمطاوعة أصلاً لم تحصل ولم تقع؛ لأنَّ البائع لم ينشئ على النصف ليقع هذا مطاوَعةً له، فما عمله الموجب يقبله، وما قبله لم يوجبه.
وأمَّا ما قاله بأنّ له خيار الشرط؛ لأنَّ بيع كلٍّ منهما مُعلَّق على شرط انضمام هذا.
نقول: إنَّه على الفرضين غير موجود، بل الشرط محالّ؛ لأنَّ هذا الشرط إمَّا
ـــــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) راجع مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلَّامة 12: 534-535، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، في اشتراط التطابق بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
تعليق في البيع، يعني: (بعت بشرط انضمام هذا)، بحيث يكون من قيود الهيئة، فيلزم المحال؛ لأنَّ انتقال كلّ منهما متوقّف على انتقال الآخر، وملكيّة كلّ منهما متوقّفة على ملكيّة الآخر، فيكون الشيء مُعلّقاً ومُعلّقاً عليه، فيلزم أن يكون الشيء مقدّماً ومؤخّراً.
وكذلك لا يمكن أن يكون قيداً، فإنَّه ليس معنى كونهما موضوعاً للحكم أنَّ كلّاً منهما موضوعٌ للحكم بقيد وجود الآخر، وإن عبَّروا كذلك في كتاب الصلاة، وقالوا: إنَّ أجزاءَ الصلاة مشروطةٌ بوجود الأجزاء الأخرى.
هذا غير صحيح؛ فإنَّه فرقٌ بين الجزء والشرط، فإنَّك حين تلاحظ الكثرة فكلّها في عرض واحد، ويستحيل أن يكون بعضها مقدّماً على البعض الآخر، فإذا لم يأتِ بأحدهما فليس باطلاً لفقد الشرط، بل لعدم مُتعلّق الأمر، فما أتى به ليس مُتعلّقاً للأمر، وما هو مُتعلّقٌ للأمر لم يأتِ به.
بخلاف ما إذا قال: (الصلاة مشروطة بالطهارة)، فإنَّها باطلة لفقد الشرط، فالأجزاء باب والشرط باب آخر لا يرجع أحدهما إلى الآخر(1).
فما قاله العلَّامة على فرض ولا خيار شرط، وعلى فرض غير صحيح ولا خيار له أيضاً. ولازم قول العلَّامة: أنَّه إذا بِعت داراً فقد بِعت نصفها وربعها إلى مالا نهاية.
وكذلك الثمن فإنِّي إذا قلت: (بِعت داري) فلا يخلو من أحد أحوال ثلاثة:
ـــــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 10.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إمَّا أنَّك تبيع نفس الدار، ومرَّة تبيع الكسور التسعة لها، وثالثة تبيع الدار وكسورها التسعة.
فإذا كنت تبيعها إلى المشتري فقد انتقلت بنفسها إليه، وحينما نلاحظها بلحاظ ثانوي نرى أنَّ كلّ أجزائها انتقلت إليه؛ لأنّ البيع الواقع على الدار بيعٌ واحدٌ واقعٌ على الكثرات، لا بيعٌ متعدِّد. ومرَّة تقول: (إنَّني اشتري نصفَي الدار) فهذا ليس له اختصاص بالنصف، بل يشمل جميع الأقسام والكسور ما دامت متموّلة، وما دام الثمن متموّلاً في الدولة.
إذا كان كذلك فلا بُدَّ أن تعرف النسبة وملتفت إليها تفصيلاً حال البيع، وإن قلت: (كلّها وأجزائها) فهو يكون بيعاً واحداً وبيعين في نفس الوقت.
لا شكّ أنَّ بيع الشيء الواحد الذي له نحو من الاتّصال، إذا وقع عليه البيع يقع على الطبيعة لا على أجزائها، كذلك الحال في الإخبار، فلو قلت: (المسجد الهندي في جوار أمير المؤمنين)، فهل هو إخبار عن أجزائه وأنَّه بذلك الجوار؟
بناءً عليه ما قاله العلَّامة وأشكل عليه (مفتاح الكرامة)(1)، لا إشكاله صحيح ولا كلام العلَّامة.
والميزان هو أنَّ البيع إذا انحلَّ في نظر العقلاء فقبول البعض ممكن، وإذا لم ينحلّ لم يقع صحيحاً، ولسنا بصدد الأمثلة لتناقشوا فيها.
ـــــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) راجع مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلَّامة 12: 534-535، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، في اشتراط التطابق بين الإيجاب والقبول.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول: هناك مكان آخر لا بُدَّ أن نقول فيه بالتفصيل، فإنَّ المبيع الكلِّيّ يفترق عن المبيع الشخصيّ، فإنَّه إذا قال: (بعتك فرساً عربياً)، أو (حِمْلاً من الحنطة النجفيّة)، فقال المشتري: (قبلت الفرس غير العربي) أو (حنطة الكوفة)، فما أوجب شيئاً، وما قبله شيئاً آخر، أمَّا إذا كان هناك فرسٌ في الخارج فقال: (بعتك هذا الفرس العربي)، فقال (قبلت هذا الفرس غير العربي) صحّ؛ لأنَّ البيع تعلَّق بهذا الشخصيّ الخارج، لا من باب تطبيق الكلِّيّات على المصاديق.
ولهذا إذا باع كلِّيّاً، وفي مقام الأداء أعطى مصداقاً آخر، فالبيع صحيح. لكنّ هذا ليس مصداقاً، لا أنَّه مصداقٌ وله خيار الشرط، فلا بُدَّ أن يعطيه عربياً، أمَّا إذا كان الفرسُ خارجياً ووصفه بكونه عربيّاً، وقال: (قبلت الفرس غير العربي)، فإذا لم يكن عربياً كان البيع صحيحاً.
غايته أنَّ له خيار تخلُّف الوصف، فالتوصيف لم يكن مكثّراً للشيء الخارجي بخلاف الكلُّيّات، فإنَّ كلّ قيد يوضع على الكلِّيّ يكثّر العناوين، ويضيّق دائرتها، ويكون المقيّد مُبايناً لفاقد القيد، فإذا أوقعت العقد على عنوان وحوّلت إليه مصداقاً آخر فهو ليس مصداقاً، وأنت مسؤول أن تحوّل إليه مصداقاً صحيحاً.
وأمَّا في الجزئيات فالأوصاف ليست مكثّرة، فإذا قلت: (إنّه عربيّ) فليس أنَّه قد أصبح شيئاً آخر، فإذا كان شخص نجفياً ثُمَّ سكن في قمّ فأصبح قمّياً، لم
ـــــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يصبح شخصاً آخر بحيث إنَّ موضوع الاستصحاب لم يُحفظ بالنسبة إليه.
بناء عليه إذا أشار إلى فرس خارجي، وقال: (بِعتك هذا الفرس العربي)، وقال الآخر: (قبلت الفرس غير العربي)، فالمطاوعة حاصلة.
بقي الكلام في باب الشروط، فالميزان فيها نفس ما قلناه، فإنَّه تارةً ينحلُّ البيع والشرط في نظر العقلاء، ومصداقها الواضح ما إذا تعلَّق بكلٍّ منهما غرضٌ مستقلٌّ، كما إذا أردت أن تبيع عباءتك على شخص وأردت أن تشترط عليه شرطاً، وعلمت أنَّ الشرط الابتدائي غير نافذ، ففكّرت أن تضعه ضمناً في البيع، فقد تعلَّق الغرض بالشرط مستقلّاً، فهنا لو قال: (قبلت البيع دون الشرط)، يقع البيع صحيحاً، غايته أن يأتي الكلام، أنَّه هل له الخيار أو لا؟
فهذا بحث والعهدة على باب الشروط.
وأمَّا إذا كان بين المبيع والشرط نحو ارتباطٍ، بحيث إنَّ البائع يرى أنَّ العباءة والشرط قيمته خمسون، فهنا لعلَّ العقلاء لا يحلِّلون البيع، وإذا قال: (قبلت البيع دون الشرط) لا يقع القبولُ مطاوعةً للإيجاب.
إذن، أن نرى أنَّ العقلاء هل يرون بنظرهم الانحلال أو لا؟
فإن وافقوا على الانحلال يقع القبول صحيحاً ومطابقاً للإيجاب، وكلّ مورد لا يوافقون على الانحلال يقع غير صحيح، وهذه ليست مسألة فقهيّة، بل مسألة عقلائيّة.
ـــــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بقي الكلام في لزوم بقاء البائع والمشتري على الأهليّة، كما تمام الإيجاب والقبول.
من الشرائط التي ذكروها هو أن البائع والمشتري لا بُدَّ أن يبقيا على الأهليّة من أوَّل المعاملة إلى آخرها، بحيث إنَّه لو كان متن المعاملة أو في آخرها أحدهما أو كِلاهما لا أهليَّة له تقع المعاملة باطلة.
أوَّلاً: نرى ما هو محطّ البحث، هل موضوع البحث في أنَّه يقع باطلاً نظير بيع الفضولي؟ يعني ليس له صحّة فعليّة، ولكن لا مضايفة في أنَّه إذا رجع الطرف إلى الأهليّة وأجاز يقع صحيحاً، أو المراد بالصحة الأَعمّ من الفعلي والتأهّليّ، حاله حال البيع، الربا أو بيع المجهول غير القابل للعلاج؟
يُستفاد من ذيل كلام الشيخ(1) في بيع المكره: أنَّ محطّ البحث عبارة عن الجهة التأهّليّة، وأنَّ القائل بالبطلان يرى أن لا صحّة تأهّليّة له، لا أنَّه محتاج إلى الإجازة بعد وجود الشرط السابق.
الآن نبحث أصل المطلب لنرى أنَّه ما هو مقتضى القاعدة في الأهليّة:
الشيخ يستدلّ على البطلان ويقول(2): أمَّا في الموارد التي تكون الأهليّة
ـــــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 178، من جملة الشروط في العقد أن يقع كلّ من إيجابه وقبوله في حالٍ يجوز لكلّ واحدٍ منهما الإنشاء.
(2) المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
معتبرة بنحو يقع الإنسان مورداً للتخاطب، كما لو كان الطرف الآخر نائماً أو مغمى عليه، أو يحصل منه الإيجاب ثُمَّ ينام أو يغمى عليه أو يموت، فالمطلب في مثل ذلك معلوم؛ لأنَّ عنوان المعاقدة والمعاهدة لا يتحقَّق.
والبعض الذي فَسّر كلام الشيخ(1) يقول: إنَّه لا بُدَّ أن تقع المعاقدة والمعاهدة في الأفق الذي تقع فيه المعاملة، فإن مات الموجب بعد الإيجاب فوَّت المعاملة، وإن فرضناه مؤمناً ملتفتاً بعد موته إلى إيجابه، إلّا أنَّه لا بُدَّ أن تقع المعاملة في نفس النشأة والأفق، من قبل الطرفين. بناءً عليه فالمخاطبة مع الميت كالمخاطبة مع الحجر والحمار، فكأنَّ الأهليّة في مثل ذلك معتبرة مُسلّماً.
ثم يقول الشيخ(2): أمَّا ما لا يكون كذلك، بل كان بهذا النحو: إمَّا لا رضاء له في المعاملة، أو رضاه غير معتبر عند الشارع كالصغير والسفيه.
أيضاً يقول هنا: إنَّه لا معاهدة ولا معاقدة، فإنَّه يعتبر في صدق المعاهدة والمعاقدة أن يكون المتعاملان من أوَّل المعاملة إلى آخرها مستشعرَين بالمعاملة.
ويقول شارح كلامه(3): إنَّه هنا أيضاً لا تصدق المعاهدة والمعاقدة؛ لأنَّها إنَّما تصدق في وقت يكون التزام الطرفين تامّاً. إذن، فالمعاملة باطلة في كِلتا
ـــــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 293.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 177-178.
(3) راجع منية الطالب 1: 114-115، مسألة: من جملة شروط العقد أن يقع كلّ من إيجابه وقبوله في حال يجوز لكلّ منهما الإنشاء.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الصورتين (يعني الخروج عن الأهليّة وغيرها)، وبعضهم فصل ما بينهما.
نحن يجب أن نرى ما هي المعاملة وما الذي لا بُدَّ أن تحتوي عليه من الشرائط، لنرى أنَّها تقع من دون تخاطب أو لا تقع؟ والواقع أنه ليس لا بُدَّ من التخاطب في المعاملة، وإنَّما كلّ العيب هو في هذه الجهة وهو أنّهم فهموا من العقد في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) وظنُّوا أنّه عبارة عن المعاهدة والمعاقدة بين المتعاملين، نظير المعاهدة بين الدولتين.
إذا كانت ماهيَّة البيع هي المعاهدة والقرار بهذا المعنى وتبادل الالتزام، فلا بُدَّ من قبوله في بعض المصاديق.
أمَّا إذا كان البيع عبارة عن التمليك بالعوض أو مبادلة مال بمال، والمخاطبة لا دخل لها بالماهيّة، حتَّى يُقال: إنّ المخاطبة معه كالمخاطبة مع الحمار.
ففي بيع الفضولي مثلاً: نفرض هناك صبيّاً أو حَملاً والآخر مجنون، ولكن إنسانين آخرين جاءا فتبادلا بين المالين، فقال أحدهما: (بعت فرس زيد لعمر)، وقال الآخر: (قبلت)، ثُمَّ وُلِد الحَمل، ووصل إلى حدِّ البلوغ والرشد، وشعر المجنون، والتفتا إلى وقوع المعاملة وأجازاها، فأين النقص في هذه المعاملة؟ حتَّى لو كانا غير قابلين للمخاطبة، بل غير موجودين أصلاً.
أو مثلاً زيد جالس هنا، وأنا أقول -من دون مخاطبة-: (بعت هذا لزيد
ـــــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بكذا)، وزيد يسمع فيقول: (قبلت)، هل نقصت المعاملة لعدم المخاطبة؟
فإذا قلتم: إنَّ المعاملة لا تصحّ إلا بالمخاطبة، فنسأل عن السند وهو لم يُؤخذ في ماهيَّة البيع.
فالآن نرى أنَّ أحد الطرفين إذا كان أصلاً، والآخر كان ساقطاً عن الأهليّة كالغافل والمغمى عليه، فقال ذاك: (بعت هذه العباءة لزيد النائم)، ثُمَّ استيقظ زيد وعلم بالمعاملة فقال: (قبلت)، فهل هذه المعاملة ناقصة؟
نحن لا نحتاج في المعاملة إلى المخاطبة، بل إلى المبادلة، وقد أوقعها الموجب، أو افرضوا أنَّ البائع باع، ثُمَّ أغمي عليه أو صار ميتاً، وفي المغمى عليه بلا إشكال أنَّه إذا قبل الآخر تمَّت المعاملة، فإذا استيقظ رأى أنَّ المعاملة التي أوقعها عند الانتباه قد تمَّت.
وأمَّا المعاهدة والمعاقدة، فلا نحتاج إليها، وإنَّما تحتاج إلى المبادلة والتمليك.
فإذا كان مرادكم أنَّ المعاملة لا تقع بالفعل صحيحة، فلا مضايقة، وأمَّا إذا كان مرادكم أنَّه لا صحّة تأهّليّة لها، فنقول: إنَّه دائماً لها صحّة تأهّليّة.
وذاك الذي يقول(1) في باب البيع من أنَّ الطرفين لا رُكنيَّة لهما، وإنَّما المبادلة بين العينين، لا بُدَّ هنا أن يقبل ذلك بلا إشكال، ولكن مع ذلك قال بأنَّ هذا من الواضحات والقضايا التي قياساتها معها: أنّه لا بُدَّ من المطاوعة، وهي غير حاصلة في المقام، مع أنَّنا على قوله لا نحتاج إلى البائع والمشتري، فيلزمه القول بصحّة المعاملة، هذا في الساقط عن الأهليّة.
ـــــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 114-115.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا إذا كان له أهليّة التخاطب ولكنَّه كان محجوراً عليه كالصغير المميّز والسفيه والمفلس، وليس الحجر عند العقلاء يسقط العبارة عن الصحّة كالصغير المميّز والمريض عند مرض الموت، وإنَّما هذا تصرُّفٌ شرعيٌ على رغم أنف العقلاء.
فإذا كان تمام جهات البيع العقلائيّ موجودة، ولكنَّ الشارع ألغى رضاءه، فبلا إشكال يقع البيع صحيحاً وقابلاً لتعلّق الإجازة به، وليس في هذه المعاملة أيُّ نقص سوى أنَّ الشارع يشترط الإجازة، بل يحتاج إلغاء ألفاظهم إلى دليل مُحكم.
فلماذا ذكر الشيخ(1) وأدخل في محلّ الكلام المريض بمرض الموت، والمكره؟ مع أنَّه يقول بأنَّ مورد الكلام ليس هو بالبطلان الفعلي، بل البطلان التأهّليّ، فلو تنزَّلنا وقبلنا الاحتياج إلى التخاطب، فقد حصل ذلك في المقام، غاية الأمر أنَّ الشارع اشترط الإجازة، فإذا وقعت فقد تمَّ العقد.
ثم يقول الشيخ(2): والأصل في ذلك كلُّه سواءٌ في مورد أهليّة المخاطبة أو في مورد عدمها، أنَّه كما أنَّ الموجب إذا ردّ إيجابه تبطل المعاملة ولا تكون قابلة لتعقُّب القبول، كذلك هنا أيضاً.
فهنا كلامان:
1- إن الأصل هو هذا المعنى في كِلا الموردين.
2- كلام في أصل هذا المعنى، وينجر فيه الكلام إلى الفضوليّ.
ـــــــــــــ[145]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 178.
(2) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أولاً: أنَّنا إذا سلَّمنا هذا المطلب، وهو أنّ الموجب إذا قال: (بعت) ثُمَّ قال: (لا أريد)، وقلنا بأنَّه غير قابل لانضمام القبول به.
إلّا أنَّه لا يقاس محلّ الكلام به فيما إذا فرضنا أنَّ صغيرين مميِّزَين أوقعا المعاملة وأجازا بعد البلوغ والرشد، فإنَّه قد يفرق بين ذلك المورد ومحلّ الكلام، فيُقال بالبطلان هناك دون هذا، فإنَّ المعاملة في المورد الأوَّل خرجت بالردّ عن قابلية التعقُّب بالقبول بعد ذلك، فلا تصلح للتأثير حتَّى ولو تعقَّبها الرضا، ولكن(1) هذا حاله يختلف ولا يقاس عليه.
وثانياً: بالنسبة إلى أصل المطلب، لو أنَّ الموجب عمل البيع بتمام ماهيّته، وبعد ذلك فكّر وتردَّد بالبقاء على المعاملة، ثُمَّ جزم بالمعاملة بعد ذلك، ثُمَّ حصل القبول؛ إذن، فقد حصلت المعاملة العقلائيّة. أو أنَّه أوجب، ثُمَّ قال: (أنا لا أقبل بإيجابي) ونهى الطرف الآخر عن القبول، إلّا أنَّه رجع ورضي بعد ذلك، فأيُّ مانع يبقى عن القبول؟ فلماذا هنا ينعدم(2) الإيجاب؟ إذ المفروض حصول القبول بعد رجوع الموجب ورضاه.
ـــــــــــــ[146]ــــــــــ
() لم يبين السيّد وجهاً فنيّاً لهذا الاختلاف، (المقرِّر).
(2) انقطاعُ البقاء الاعتباريّ العقلائيّ للإيجاب بالإضراب عنه أمرٌ وجدانيّ، فيكون القبول المتأخّر غير مرتبط بذلك الإيجاب عقلائيّاً، فما لم أوجبه لم يقبل، وما قبله لم يوجب، لغرض انقطاعه وانعدام تأثيره عقلائيّاً، ويلزم السيّد أن يقول: فيما إذا قبل الطرف حال ترادّه أو عدم رضاه، ثُمَّ رجع الموجب الى الرضا، لازم قوله القول بالصحّة، مع أنَّه غير مرضيّ عقلائيّاً، كما هو واضح ففكِّر جيداً، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، إذا قبل حين تردَّد الموجب، أو جزم بعدم المعاملة، وبقي على ذلك، كان ما قالوه صحيحاً. أمَّا إذا أوقع المعاملة فهو محفوظ وقابل للقبول.
وفي الفضولي أيضاً كذلك، إذا أنكره المالك أو تردَّد في الإجازة ثُمَّ أجاز، لماذا أنَّ الإيقاع الذي عملوه ينعدم بردّي، وهو ليس منعدماً باعتبار العقلاء؟ هذا يحتاج إلى إجماع أو دليل عقل للتمسّك به وهو ليس بموجود.
ثم يقول الشيخ نقضاً(1): وأمّا الإيصاء بالتمليك فلا ينقض على هذا؛ لأنَّ ماهيَّة الوصيَّة عبارة عن الإيصاء، وهو محفوظ ما دام الموصي لم يرد (ولذا لو مات قبل القبول قام وارثه مقامه)(2). فالمعاهدة والمعاقدة هنا لا تصدق، إذن فلا يقاس باب الإيصاء على المعاملات.
والأصفهاني ذكر في شرح كلامه تقريباً يقول فيه(3): إنَّ هذا التمليك ليس معاقدة، بل هو إيقاع قد وقع، وإنَّما نحتاج إلى القبول لأجل أن لا يكون تصرُّفاً في مال الغير.
أقول: أمّا ما ذكره من أنَّ حقيقة الوصيَّة عبارة عن الإيصاء فهو صحيح، إلّا أنَّ الوصيَّة هو عنوان التوصية (سفارش)(4) بعد الموت، لكنَّ في الوصيَّة
ـــــــــــــ[147]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 178.
(2) هذه عبارة المكاسب، ص101، (المقرِّر).
(3) راجع حاشية كتاب المكاسب 1: 293-294، اعتبار قابليّة كلّ منهما للإنشاء.
(4) كلمة بالفارسية تعني: التوصية.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
العهدية، يقول: (ملَّكت هذا أو وهبته للغير بعد موتي)، فالتمليك ليس وصيّة، بل هو مصداق للوصيّة، فإنَّه قد أاطبق عليه عنوانان:
أحدهما: العنوان الذاتي وهو التمليك.
والآخر: العنوان الشايع وهو الوصية.
وفي مورد الكلام أيضاً كذلك.
وإنَّما الكلام في أنَّ التمليك للغير المتوقّف على القبول نقضٌ لا بُدَّ أن يجاب عليه، وهذا أمر زائد على الإيصاء ولا ربط له به، فإنَّ هذا الإيصاء لا يختلف عن المعاملات الأخرى، ما الفرق بين أن يقول: (ملّكت لغيري) ولا بُدَّ أن يقول الطرف الآخر: (قبلت)، أو يقول: (ملّكته بعد موتي) ولا بُدَّ أن يقول الآخر: (قبلت)؟ فالكلام في الفرق بين (وهبت الآن) أو (وهبت بعد موتي) مع احتياج كليهما إلى القبول، وهذا يأتي من قيام المطلب بالطرفين، فالموصى له لا يملك إلا بالقبول، بل لا يبعد صحّته حتَّى لو قال في الشيء الثمين الذي يساوي مائة دينار: (ملكته بعد موتي بخمسة دنانير)، فالعوض وعدمه لا يفرق فيه بالمعاملة الطرفَينية.
فإذا قلتم بانتقال حقَّ القبول إلى الورثة، فهذا أيضاً ينتقل إليهم أيضاً.
ونقول: إنَّه إذا قال: (بعت) ثُمَّ مات، فأيُّ مانع من القول بأنَّ الورثة يقبلون، ويحصل التوريث من المالك؟ فالوصيّة من حيث التمليك تكون شأنها شأن سائر المعاملات، وليس الكلام في وجود العوض فيه وعدمه، وإنَّما أنَّه لا ينتقل إليه إلا بعد القبول.
ـــــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بناءً عليه، فالمعاملة صحيحة، بل لا يبعد في باب الفضوليّ وفي الإيجاب صحتها حتَّى مع الردّ، والرجوع إلى الإيجاب مرَّة أخرى.
يقع الكلام فيما لو اختلف المتعاقدان اجتهاداً أو تقليداً في شروط المعاملة.
إذا اختلف البائع والمشتري بالاجتهاد أو التقليد، وكانت المعاملة التي عملوها قد عملوها طبقاً لرأيهما، فهل يُعتبر في المعاملة أن يراعي كلّ طرف اجتهادَ أو تقليدَ الطرف الآخر أو لا؟
فإذا لم يكن يرى صحّة العقد بالفارسية فلا بُدَّ أن لا يجريه بها أو لا.
مرَّةً كلّ منهما يعمل مطابقاً لرأيه، وكان رأي كلّ منهما مخالفاً لرأي الآخر، مثلاً أحدهما يعتبر الماضويّة أو العربيّة، ولم يكن الآخر يرى ذلك.
ومرَّةً أحدهما يوقع المعاملة خلاف رأي الآخر دون الآخر.
وعلى أيِّ حال: فمرَّة أنَّ الطرفين كان اختلافهما عن اجتهاد، وأخرى عن تقليد، وأخرى يكون أحدهما مجتهداً والآخر مقلِّداً.
وإذا كانا مجتهدَين فمرَّةً يكون مستندهم في عدم الشرطيَّة هو الأدلّة الاجتهاديّة، وأخرى يكون هو الأصول، فإنَّه مرَّةً يقوم الدليل الاجتهاديّ لديه على عدم لزوم الماضويّة، وأخرى لم يقم لديه الدليل، فتمسّك بحديث الرفع لدفع الشرطيّة، ومرَّةً هذين الطرفين يرى العقد الآخر بظنّه الاجتهاديّ مخالفاً للواقع، ومرَّةً يكون قاطعاً ببطلانه، ومرَّةً أحدهما يحكم ببطلان المعاملة، ومرَّةً كِلاهما يحكم ببطلانها، وهذا غير ذلك التقسيم من أنَّ المعاملة
ـــــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الواقعة خلاف رأي أحدهما دون الآخر، كما سوف يتّضح فيما بعد.
فصَّل السيد(1) -في صورة كون المتعاملَين مجتهدَين إلى أن نأتي إلى الكلام عن المقلِّدين- بين أن يقتضي اجتهاد أحدهما أو كِليهما بطلان العقد، وبين القطع بالبطلان، فقال بالبطلان في صورة القطع دون الاجتهاد.
وهذا مطلب قاله السيد(2) في باب الإجزاء وتبدُّل الرأي، حيث يقول: إذا انتهى اجتهاد المجتهد إلى مطلب، ثُمَّ بعد ذلك أعاد النظر في المسألة، وعدل عن الرأي الأوَّل اجتهاداً، فهذا الرأي الثاني، لا يحلّ الرأي الأوَّل أو ينقضه، وكذلك إذا اجتهد في رأيٍ، واجتهد الآخر في رأيٍ آخر، فاجتهاد هذا المجتهد لا يهدم رأيَ ذلك المجتهد الآخر.
ودليله: أنَّ هذه ظنِّيّات، ودليل اعتبار الظنّ متساوي النسبة إلى هذه الظنون، سواءٌ الظنون السابقة واللاحقة أو ظنِّي أو ظنّ الآخر.
وهنا أيضاً يقول: لو ذهب باجتهاده إلى اشتراط العربيّة والآخر إلى صحّة الفارسية، فاجتهاد كلّ منهما لا يهدم اجتهاد الآخر، فإذا عمل كلّ منهما باجتهاده فلازمه صحّة المعاملة، وإنَّما يبطل مع القطع بالبطلان.
ونحن في باب الإجزاء وهنا، قلنا: إنَّ الطرق الاجتهاديّة، مرَّةً يرى
ـــــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 93، فرع: لو اختلف المتعاقدان اجتهاداً أو تقليداً في شروط الصيغة.
(2) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الإنسان صواب هذا الطريق الاجتهادي ومرَّةً يرى بطلانه، مثلاً شخص بحسب اجتهاده كان يرى وثاقة (محمد بن سنان)، وأفتى بمدلول روايته، ثُمَّ بعد المراجعة رأى عدم إمكان الاعتماد عليه، فالآن بحسب الاجتهاد -وإن لم يكن قاطعاً- يرى بطلان الاجتهاد السابق، ولا يمكن أن يقول: إنَّ كِلاهما دليلٌ ظنّيٌّ، ودليل الاعتبار متساوي النسبة بينهما، بل هو غير متساوي النسبة، فإنَّ دليل اعتبار قول الثقة موضوعه هو قول الثقة، وقد ثبت بالاجتهاد عدم وثاقة هذا الشخص، فالفتوى التي أعطاها على طبق مدلول رواية مخالفة للواقع(1)؛ لفرض أنَّه لم يكن ثقة، فعلم أن اجتهاده الأوَّل غير صحيح.
أو مثلاً، فحص ولم يجد مخصّصاً، وأفتى على حسب إطلاق الدليل في مورد، ثُمَّ لما راجع المسألة وجد في باب أجنبيّ عن هذا الباب مخصّصاً أو مقيّداً، فهنا قد قام دليلٌ اجتهاديٌّ على بطلان اجتهاده السابق.
أو افرضوا أنَّ هذا المجتهد كان يرى طهارة ماء الغسالة، وكان الآخر يرى نجاستها، فهنا بلا إشكال أنَّ هذا الإنسان يرى قيام الدليل الاجتهادي على بطلان رأي الآخر، وإن كان رأي الآخر باقياً على قوّته في نظر صاحبه. إذن، فالتفصيل بين القطع والظنَّ غير صحيح.
كذلك الأمر مثلاً لو كنت توصّلت بالدليل الاجتهادي إلى الوجوب العيني لصلاة الجمعة، ثُمَّ عدلت إلى الوجوب العيني لصلاة الظهر، فالآن تعلم بأن ما كنت تراه وما كنت تعمل عليه وما عمل عليه أو يعمل عليه أيُّ
ـــــــــــــ[151]ــــــــــ
() يعني الواقع المنجز، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مسلّم في الماضي أو المستقبل(1) مثل ذلك خطأ، وصلاته باطلة، وإنَّما هو مكلَّف بالظهر دون الجمعة.
وأمَّا التفصيل الآخر الذي يمكن اعطاؤه في صورة المجتهدين:
أنَّهما مرَّة: يتَّكِلان في شرائط العقد وموانعه على الأمارات، كما لو قامت الأمارة على عدم اشتراط العربيّة أو الماضويّة، إمَّا بالخصوص أو بالإطلاق بحسب مطلقات الكتاب والسنة، وكذلك في باب التكاليف قامت أمارة على أنَّ السورة ليست جزءاً من الصلاة، أو أنَّه تجوز الصلاة في ثوب الخزّ أو الأرنب.
وتارةً: يكون المستند هو الأصول كحديث الرفع أو الاستصحاب، كما لو شكّ المجتهد في اشتراط الماضوية ولم يعتبر الأدلّة الاجتهاديّة فتمسّك بحديث الرفع لرفع هذا الجزء أو الشرط أو المانع، وكذلك في باب الإجزاء نتمسّك بقاعدة الحلّ أو الطهارة في الصلاة بمشكوك الطهارة والحلِّيّة بنحو الشبهات الموضوعيّة أو الحكميّة(2).
في مثل ذلك يمكن أن يفصّل ويقال: أمَّا في الأمارات: فإمَّا أن نقول بأنَّ الأمارات إمضائيّة لا تأسيسيّة من قبل الشارع، فإنَّها أمور عقلائيّة، وسكوت الشارع كافٍ في ثبوتها شرعاً، وإذا كان هناك دليلٌ فهو إمضاءٌ لسيرة العقلاء، كالظهور وخبر الواحد، إذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن نرجع إلى العقلاء، لنرى
ـــــــــــــ[152]ــــــــــ
() طبعاً في عصر الغيبة، (المقرِّر).
(2) راجع كفاية الاُصول: 110-111.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنَّ الخبر الواحد أو الظواهر التي يرون اعتبارها، هل فيها تصرُّفٌ في الواقع؟ هل العقلاء حين يعملون بخبر الثقة يكون لخبر الثقة تصرُّفاً بالواقعيات، أو ليس له إلّا محض الكاشفيّة والأماريّة؟
لا نشكّ بأن العقلاء يبنون على الثاني، فكما أنَّ القطع بأنَّ شيئاً هو كذا، وأن هذا المال ماله، ثُمَّ ينكشف أنَّه مال غيره، حينئذٍ يرى العقلاء أنفسهم ملزمون بتسليمه إلى صاحبه، كذلك خبر الثقة أو البيِّنة إذا قامت على أنَّ هذا لزيد، ثُمَّ انكشف خلافه، فكما في صورة القطع كانوا يرون التخلُّف عن الواقع، وعن مطلوب المولى، كذلك يقال نفس المعنى في البيِّنة وخبر الواحد، كذلك الأمر فيما إذا قامت البيِّنة أو خبر الواحد على الشرطيَّة أو الجزئيَّة ثُمَّ انكشف خلافه، لا يفهم العقلاء أنَّ فاقد الشرط قام في محلّ واجده.
فلو كان الشارع لم يتصرَّف في الأمارات، بل اعتبرها على طبق اعتبار العقلاء، فلا شكّ في مثل ذلك، إذا قامت الأمارة على عدم الجزئيَّة أو المانعيّة أو عدم الشرطيّة، ولم يكن كذلك في الواقع، وكُنَّا قد قمنا بالمعاملة على طبق الأمارة، بدون القيد أو الشرط أو مع المانع، ففي مثل ذلك، لا الإجزاء في ذلك ممكن، ولا في هذه المسألة يمكن أن نقول بالصحّة في المعاملة.
وهكذا لو كان للشارع المقدّس تأسيسٌ في جعل الأمارة-فرضاً- لكن النظر كان نظر أماريّة، أو على قول من يقول بجواز جعل الكاشفيّة والأماريّة، وقلنا: إنَّ الشارع جعل الأماريّة لخبر الثقة، وإن لم يكن شيئاً عند العقلاء، ففرضنا للشارع أمارات تأسيسيّة، فلا بُدَّ هنا أيضاً أن نأتي بنفس الكلام؛ لأنَّ الفرض هو الأماريّة والكاشفيّة، عن الواقع وعن الأحكام الأوليّة، فالواقع
ـــــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مثلاً هو أنَّ السورة جعلها الشارع جزءاً من الصلاة، فإذا دلَّت الأمارة التي أسّسها الشارع عن الواقع، فلا بُدَّ أن نقول بعدم الإجزاء وبالبطلان(1)؛ لأنَّ ما أتى به مخالفاً للواقع، والشارع لم يتصرَّف في الواقع، وإنَّما جعل الأماريّة.
وأمَّا إذا كان رفع الجزئيَّة والمانعيّة هناك ورفع الشرطيَّة والمانعيّة، كان مستنداً إلى الأصول وإلى حديث الرفع وأصالة الطهارة والاستصحاب، ونحوه من الأصول التعبديّة، فالقاعدة تقتضي القول بالإجزاء هناك والصحّة الواقعيّة هنا، بحيث إنَّه ليس هناك كشفٌ للخلاف.
مثلاً في قاعدة الحلّ بناءً على شمولها للوضعيات، إذا شككنا أنَّ الصلاة في جلد الأرنب حلال وضعي أو لا، و”كلّ شيءٍ هو لك حلالٌ“(2)، لا يقول: إنَّ هذه حلِّيّة واقعيّة، بل لا ربط لها بالواقع أصلاً، وإنَّما هي وظيفة عند الشكّ، وليس شأنها شأن خبر زرارة القائل “إنَّه لا تصحّ الصلاة في وَبَر الأرنب“، الكاشف عن الواقع، ولذا كان مرَّةً مطابقاً للواقع ومرَّةً غير مطابق.
أمّا “كلّ شيءٍ هو لك حلالٌ“(3)، و”كلّ شيءٍ طاهرٌ“(4) و”هم في سعةٍ حتَّى
ـــــــــــــ[154]ــــــــــ
() يعني: في المعاملة، (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث 40، تهذيب الأحكام 7: 226، باب من الزيادات، الحديث 9، ووسائل الشيعة 17: 89، باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام…، الحديث 22053.
(3) اُنظر: المصدر السابق.
(4) تهذيب الأحكام 1: 285، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 119، ووسائل الشيعة 3: 467، باب أنّ كلّ شيءٍ طاهرٌ حتَّى يعلم ورود النجاسة عليه…، الحديث 4195.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يعلموا“(1) و”رفع ما لا يعلمون“(2) فإنَّما هي تعيين الوظيفة عند الشكّ، يعني: إذا شككنا في جواز الصلاة في جلد الأرنب فهو حلال، لا في الواقع، بحيث يكون ذلك تصرُّفاً في الواقع، بل بمعنى: رتِّب آثار الحلِّيّة وابنِ عليها عملياً، فكما لو كان هذا حلالٌ واقعاً ماذا كان يترتَّب من الآثار؟
كذلك الأمر عند الشكّ، فبلسان (أنه حلال) يريد أن يقول: إنَّ أيّ عمل تأتي به الحلِّيّة الواقعيّة فأنت اعمل به الآن، وإذا انكشف الواقع فلم ينكشف خلاف ذلك؛ لأنَّ هذا الحكم مقيّد بحال الشكّ فلا واقعيّة له إلا بهذا المقدار، وليس أنَّه عند الشكّ يكون واقعاً حلالاً، لاستحالة تأثير علمي في أحكام الشارع، بل ما دام الشكّ باقياً فهذا هو الحكم. فكما تصحّ الصلاة بدون وبر ما لا يؤكل لحمه، كذلك تصحّ الصلاة مع هذا الوبر، يعني: ادّعاءً حلال، بنحو يترتَّب عليه جميع الآثار، بما فيه عدم وجوب الإعادة والقضاء، وليس فيه كشف الخلاف.
حديث الرفع أيضاً كذلك بناءً على ما هو التحقيق من أنَّ رفع المانعيّة والشرطيّة، بل الجزئيَّة مستقلّاً لا مانع عنه، فهو يرفع الجزئيَّة لا يرفع الجزئيَّة
ـــــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 297، باب النوادر، الحديث 2، تهذيب الأحكام 9: 100، باب الذبائح والأطعمة…، الحديث 167، ووسائل الشيعة 3: 493، باب طهارة ما يُشترى من مسلمٍ…، الحديث 4270.
(2) مرّت الإشارة إليه آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الواقعيّة؛ ليلزم التصويب. ولكن مع حفظ الواقع يرفع الجزئيَّة ادّعاءً، يعني: أنَّه كما لو كان هذا واقعاً ماذا يترتَّب عليه من الآثار؟ كذلك الحال الآن، فكما لو لم يكن هذا جزءاً ماذا يكون الحال؟ كذلك الآن، وإذا انكشف الواقع فلا ينكشف الخلاف لفرض تقييده بالشكّ.
وفي المقام بناءً على إمكان التمسّك بحديث الرفع في نفي الجزئيَّة والشرطيَّة، الموجب شاكّ في اعتبار العربيّة فتمسّك بحديث الرفع، فأصبح حاله كما لو كانت العربيّة غير مشروطة واقعاً، وإيجابه كالإيجاب العربيّ، فكما لو كان الواقع هو عدم الاشتراط، ماذا كان الحال؟ كذلك الآن ادّعاءً.
فما يقوله السيد(1) خلطٌ بين الأمارات، فإنَّه إذا كان كلٌّ منهما مستنداً إلى الأمارة وخبر زرارة، فهو باطل، والصلاة أيضاً غير صحيحة ولا مجزية، ولا يجوز الاقتداء بصاحبها.
أمَّا إذا كانت المسألة مورداً للشكّ، فهذا الطرف الذي يعرف أنَّ هذا شاكٌّ يرى أيضاً أنَّ العقد صحيح، أمَّا هذا الطرف فقد نفى شرطيّة العربيّة بحديث الرفع، بعد أن قصُرت يده عن الإطلاقات، وأمَّا الآخر الذي له طريق اجتهاديّ إلى ذلك، ولكنَّه يعلم أنَّ الآخر شاكٌّ وقد ألغى الشارع شرطيّة العربيّة عنه تنزيلاً وتعبُّداً. يعني أمره بترتيب آثار العقد الصحيح، رغم كونه عقداً فارسياً.
ونحن لا نحتاج إلى أكثر من صحّة الإيجاب والقبول في نظر المتعاقدين، أمَّا ذاك فقد تمسّك بحديث الرفع، وذاك كان يرى صحّة تمسّكه بالحديث.
ـــــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 93.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فالتفصيل الذي قلناه في الإجزاء، وقلنا بصحّة التمسّك بحديث الرفع فيكون العقد من الطرفين صحيحاً، وهذا هو مراد الشيخ الأعظم، غاية الأمر أنَّ الشيخ(1) يرى الإجزاء في باب الأمارات، وأما السببيّة فلا يقولها الشيخ أصلاً على ما نذكره.
إذا اختلف البائع والمشتري في شرائط العقد، وكانا مجتهدَين -لنتكلَّم فيما بعد في حال المقلّدين-: قلنا إنَّ مستند المجتهدين إذا كان هو حديث الرفع وأمثاله من الأصول العمليّة، فالقاعدة تقتضي أنَّه إذا كان الطرفان يريَان صحّة الاستناد إلى حديث الرفع، يقع العقد صحيحاً: أمَّا هذا الطرف؛ فلأنَّه لم يجد دليلاً اجتهادياً. وأمَّا الآخر؛ فلأنَّه يرى أنَّ هذا الحديث جارٍ بالنسبة إلى الجاهل.
نحن لنا كلام في تمامية مدَّعانا الذي قلناه على الفرض، وكلام في بعض المحذورات التي ذُكرت أو يمكن أن تُذكر، نتعرض لها في الجملة، لا بنحو الاستقصاء.
أمَّا بالنسبة إلى الدلالة، فلا بُدَّ أن نرى أنَّ مثل هذه القضايا المبتنية على الادعاء ويقال لها حقائق ادّعائيّة، ما هو حالها؟ فإنَّنا مبتلون بها في الفقه كثيراً، إذ وردت في لسان الشارع، نحو (الفقاع خمر)(2) و”رفع عن اُمتّي تسعة… وما
ـــــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) راجع كتاب المكاسب 3: 179، فرع: لو اختلف المتعاقدان اجتهاداً وتقليداً في شروط الصيغة.
(2) الكافي 6: 422، باب الفقّاع، الحديث 1، الاستبصار 4: 95، باب تحريم شرب الفقّاع، الحديث 5، تهذيب الأحكام 9: 124، باب الذبائح والأطعمة، الحديث 274، ووسائل الشيعة 25: 365، باب تحريم بيع الفقّاع وكلّ مسكرٍ، الحديث 32137.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
لا يعلمون“(1) و”لا ضرر ولا ضرار“(2) أو ما يرد في كلام البلغاء، نحو: مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(3).
مصحّح هذا الادعاء أحد مطلبين:
إمَّا أن يكون له حكم، أو عدَّة أحكام ظاهرة بحيث يُدَّعى أنَّ ما سواها ليس بشيء، بحيث يكون عندنا ادعاءان:
أحدهما: ادعاء أنَّ ما عدا هذا الحكم ليس بشيء، وأنَّ تمام ما في الواقعة هو هذا الحكم، مثلاً يدعي أنَّ الآثار التي للشيء وراء المؤاخذة ليست بشيء، كما في حديث الرفع، إذ أنَّه بلحاظ المؤاخذة، وإنَّما تصحّ هذه المقدّمة الادعائيّة في وقت يكون في نظر العرف والعقلاء بحيث يبتلع ما عداه، وليس شيئاً في جنبه وبإزائه، وحين يحدث هذا الادعاء وهو أنّه ليس هناك حكم غير المؤاخذة مثلاً، وحين يرى أنَّ هذا الموضوع ليس له هذا الأثر فالموضوع ليس موجوداً ادعاء، فيُدّعى أنَّ ما لا يعلمون مرفوع، فإنَّ الموضوع حيث يكون تمام خاصيّته هو هذا، فإذا لم تكن له هذه الخاصيّة فهذا ليس شيئاً، نحو: “يا أشباه الرجال ولا
ـــــــــــــ[158]ــــــــــ
() مرّت الإشارة إليه آنفاً.
(2) الكافي 5: 280، باب الشفعة، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 147، باب بيع الماء والمنع منه…، الحديث 36، ووسائل الشيعة 18: 32، باب ثبوت خيار الغبن للمغبون، الحديث 23073.
(3) يوسف: 31.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
رجال“(1)، فإنَّ الرجوليّة إنَّما هي بالإقدام على الحرب، لا هذا التلقيح الذي يقومون به؛ فإنَّه مشترك بينهم وبين الحيوان. وإنَّما خاصيّة الرجل هو الإقدام على الحرب والشجاعة، فإذا تقاعدوا عنه، إذن فهم ليسوا رجالاً.
ثانيهما: ومرَّةً لا يكون للموضوع مثل هذه الآثار الجليّة التي يمكن ادّعاؤها، ولكن الآثار المترتِّبة على هذا الشيء شرعاً أو تكويناً ليست لديه، مثلاً: ماء الورد الذي ليس له رائحة ولا طعم، ليس هو بماء ورد بل هو ماء، أو (الدوغ)(2) الذي أُريق فيه كثير من الماء فهو ماء وليس بـ(دوغ).
وكذلك الحال في وضع القوانين: إذا رأى المقنِّن أنَّ جميع الآثار التشريعيّة التي لهذا الشيء موجودة لذلك الشيء أيضاً، فيدّعي أن الفقاع خمر؛ لأنَّ الفقاع له تمام آثار الخمر الشرعيّة من الحدّ والفسق وغيره. أو يُلاحظ أنَّ الآثار التي ينبغي أن تكون للشيء ليست موجودة له في الشرع، إذن فهو ليس بشيء، ففي حديث الرفع، وإن لم تكن هذه الأمور مرتفعة بحسب الواقع، فإنَّ الأحكام الشرعيّة مشتركة بين العالم والجاهل، وكذلك فإنَّ الاضطرار والإكراه موجود إلى ما شاء الله، فهذا الادّعاء أمَّا أن نقول: إنَّه رفع للمؤاخذة، كما قال الشيخ(3)،
ـــــــــــــ[159]ــــــــــ
() الكافي 5: 4، باب فضل الجهاد، الحديث 6، معاني الأخبار: 309، باب معاني الأخبار التي ذكرها أمير المؤمنين، ونهج البلاغة: 70، الخطبة 27.
(2) كلمة فارسية تعني: اللبن.
(3) اُنظر: رسائل فقهيّة (للشيخ الأعظم): 76، كتاب المكاسب 3: 308، وفرائد الاُصول 1: 322.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مع أنَّا نرى أنَّ المؤاخذة (هيج كاره)(1)، فإنَّها من شؤون الآخرة، والحديث إنَّما هو في محيط التشريع، وإنَّما الشارع حين يرى أنَّ المجهول ليس له مطلق الآثار فيدّعي أنّه مرفوع، فتكون هذه الحقيقة الادّعائيّة صحيحةً بهذا الاعتبار.
فحين يرى أنَّ الادعاء المقدّمي ليس له مصحّح، وأنَّ له آثاراً كثيرةً، نكشف من إطلاقه أنَّ له جميع الاحكام، وأنَّ جميع أحكام الخمر مترتِّبة على الفقاع، وإلا لم يكن هذا الادّعاء صحيحاً.
وكذلك إذا قلنا بإطلاق حديث الرفع، لنفي الجزئيَّة والشرطيَّة المجهولة، ورأينا أنَّ الرفع الواقعيّ لم يحدث، نفهم منه أنَّه وقع في مقام التعبُّد، يعني يكون لفاقد السورة تعبُّداً نفس الأثر الذي يترتَّب لو لم تكن السورة جزءاً من الصلاة، كالصحّة وعدم مطلوبيّة الإعادة، فتمامُ الآثار المترتِّبة على عدم الجزئيَّة مترتِّبةٌ على حال مجهوليتها ليصحَّ التعبير بنفي الذات.
فإذا بُني على ذلك: فكما يكون العقد العربيّ -لو كانت العربيّةُ معتبرةً- صحيحاً ونافذاً ولازماً، كذلك الحال لو كنت شاكّاً ونفيت شرطية العربيّة بحديث الرفع، نفهم منه أنَّ تمام آثاره -الرفع- مترتِّبة، فإذا لم يكن هذا شرطاً كيف كانت المعاملة صحيحة ونافذة ولازمة؟ فإنَّها أيضاً تصبح صحيحة واقعاً، وهذا لا ينكشف فيه الخلاف، فإنَّ الكشف عن الخلاف إنَّما يكون في الأمارات، وهذا الموضوع موضوع للحكم إلى الأبد، فإنَّه حكم على الجاهل.
الشارع له حكم في الواقع، وليس هذا الذي نقوله تصويباً، فإنَّ أصل
ـــــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) كلمة بالفارسية تعني: لا أثر لها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الأدلّة واردة على العناوين الأوليّة غير مقيّدة بأيّ قيد، لا بالعالم، ولا بالجاهل، ولا النائم، ولا العاجز، ولكن هذا في الجعل الإنشائي -في مقابل من يقول بأن الواقع غير موجود إلا ما يتوصّل إليه رأيُ المجتهد-، لكنَّنا نقول: إنَّ هذا الحكم ككون السورة جزءًا من الصلاة، أو أنَّ العربيّة شرطٌ في العقد، هذا الحكم رفعه الشارع امتناناً بالنسبة إلى الجاهل.
هذا وإن لم يلزم منه الرفع الواقعيّ: إلا أن ترتيب تمام الآثار تعبُّداً ممكنٌ.
فما يقوله الشيخ(1) هنا مراده أن هذا نظير وبمنزلة الأحكام الواقعيّة الثانوية في الإجزاء، لا أنَّها هي بعينها، وقد ادّعى الإجماع على الإجزاء سواءٌ في الأمارات أو الأصول، فإذا اجتهد المجتهد وأخطأ وأتى بالعمل الفاقد فهو مجزٍ، كما أنَّ الإشارة للأخرس والتيمّم للمعذور مجزٍ لا محالة، كذلك المجتهد الذي أدَّى رأيه إلى عدم شرطيّة العربيّة، لا بُدَّ أن يُرتِّب جميع آثار الصحّة.
لا أنَّه يقول: إنَّ الصلاة الباطلة لا تجب إعادتها، بل يقول: إنَّها صحيحة لا باطلة.
فإذا أجاز الشارع الإتيان بمتعلّق حكمه بشكل ما، فمعنى ذلك أنَّه مجزٍ وصحيح، كما إذا أجازني بالأخذ بخبر زرارة؛ فصلاتي التي أتيت بها بمقتضى إخبار زرارة صحيحة ومجزية.
هذا هو الذي يريد أن يقوله الشيخ، إلّا أنَّه يريد القول بالسببيّة ليقال له: إنَّنا لا نقول بها، وأنَّها يلزم منها التصويب.
ـــــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) راجع كتاب المكاسب 3: 179.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وافرضوا أنَّ مراد الشيخ هو السببيّة، وإلّا أنَّه قال: إنَّ المسألة تدور مدار القول بالسببية. فلا يمكن الإشكال عليه بأنَّنا غير قائلين بالسببيّة.
نعم، إذا لم تكن المسألة تدور هذا المدار يكون الإشكال عليه صحيحاً.
السيد في هذا الباب له تفصيلٌ أذكره الآن، وانظروا فيه مع ما يقوله في ذيل كلامه.
يقول بعد كلامه(1) السابق: إنَّ ما قلناه من أنَّ الظنّ لا يهدم الظنّ لتساوي دليل الاعتبار، هذا إنَّما يكون إذا كان وقع شيء يصلح لأن يكون موضوعاً لحكمي، كالنكاح بالفارسيّة فإنِّني حينئذٍ لا بُدَّ أن أُرتِّب عليه آثار الصحة؛ لأنَّ الظنّ لا يهدم الظنّ.
وأمَّا إذا لم يكن موضوعاً للحكم، كما إذا أجَّر أكبرُ الأولاد شخصاً للقضاء عن والده، وكان مُخالفاً له بالاجتهاد فهو ليس بصحيح؛ لأنَّ فعله بمنزلة فعله.
يقول: والمقام بمنزلة ذلك؛ لأنَّ كلّاً من الموجب والقابل مكلَّف بأن يوجد تمام العقد، والعقد مركّب من الإيجاب والقبول، فالعقد بمنزلة العمل الواحد، وحيث إنَّهما مكلَّفان بإيجاده، فلا بُدَّ أن يكون صحيحاً في نظر كليهما حينئذٍ لتترتَّب عليه الآثار.
هذا ذَكَرَ نحوَه في أوَّل العروة، في باب الاجتهاد والتقليد(2)، ولم أجد
ـــــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 93.
(2) اُنظر: العروة الوثقى 1: 19-20، مسألة 55.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أحداً من المحشّين وافقه عليه.
المرحوم السيّد بعد أن بنى على أنَّ دليل اعتبار الظنّ نسبته إلى جميع الظنون على حدٍّ واحد، ولا ينقض ظنّ أحد المجتهدين ظنّ الآخر، ولا ينقض ظنّ الإنسان في وقت ظنّه في وقت آخر.
بعد ذلك يقول(1): إنَّ هذا راجعٌ إلى الموارد التي يكون اجتهاد المجتهد موضوعاً لاجتهاد المجتهد الآخر، كما لو عمل نكاحاً على طبق اجتهاده، وكان الآخر لا يرى صحّته، ولكن يجب عليه ترتيب آثار الصحّة.
وأمَّا إذا كان العمل الذي يقوم به الطرف الآخر بمنزلة عمل هذا الطرف، فلا نقول بذلك.
نظير ما إذا استأجر وليُّ الميت شخصاً على تنفيذ عمل كان في عهدة الميت، هناك نقول: إنَّه إذا كان العمل صحيحاً بنظر الموجب فالمطلب تامّ؛ لأنَّ عمل الأجير عمل المستأجِر، فليس موضوعاً لترتُّب الأثر في نفسه.
ثم يقول(2): ما نحن فيه بمنزلة ذلك، ويعلّله بأنَّ هذا العقد المركّب من الإيجاب والقبول، هو فعل كلّ واحد من الموجب والقابل، ولهذا يجب أن يكون كلٌّ من الإيجاب والقبول صحيحاً عندهما لتترتَّب عليه آثار الصحّة(3).
وبعبارة أخرى: أنَّ الإيجاب الصحيح للموجب كان يجوّز أكل المشتري
ـــــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق.
(2) اُنظر: حاشيته على المكاسب 1: 93.
(3) اُنظر: حاشيته على المكاسب 1: 93.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
للسلعة، والقبول الصحيح يجوّز أكل البائع للثمن، فهذا على النحو الذي يذكره الشيخ.
أمَّا إذا لم يكن كذلك، بل كان هذا فعلاً وحدانيّاً تشريكيّاً وهو العقد، وكان فعل كلّ منهما موضوعاً لترتُّب الأثر، فلا بُدَّ أن يكون مجموعُ العقد حين يحقِّقانه عند كلّ منهما صحيحاً؛ لكي يتصرَّف كلّ منهما بما يصل إليه. هذا محصل كلام السيد.
عندنا كلمة أخرى بالنسبة إلى المسألة السابقة التي ذكرها، أنَّ ما أقامه من الدليل بأنَّ دليل اعتبار الظنّ الاجتهادي نسبته إلى جميع الظنون على السواءِ، لو فرض أنَّنا قبلنا هذا المطلب، فهل لازم ذلك أن يتبع هذا المجتهد المجتهد الآخر، أو يعمل كلّ منهما على ظنّه؟
مثلاً كان أحدهما يرى أنَّ الطلاق نافذ بقولنا: (أنت بريَّة)، وكان الآخر لا يرى صحته إلا بـ (أنت طالق)، فأوقع الأوَّل الطلاق بالصيغة الأولى، فالمجتهد الآخر يرى أن طلاق الآخر باطل؛ لأنَّه لم يوقعه بالصيغة المعينة، فهل معنى وجوب ترتيب آثار الصحّة أن يرفع الثاني يده عن ظنّه ويتَّبع ظنّ المجتهد الأوَّل؟ وهل ذلك هو لازم كون دليل حجِّيّة الظنّ متساوي النسبة إليهما؟
إذا كان الظنّان على السواء فلماذا يقدّم اجتهاده على اجتهادي؟ غايته يكون رأيه حُجَّةً بالنسبة إليه، ولا يجوز أن أقول له: لماذا؟ لأنَّه مجتهد. أمَّا أن أُرتِّب عليه آثار الصحّة، رغم كوني أراه باطلاً؛ لأنَّ دليل اعتبار الظنّ على السواء؟ فهل هذا من التساوي؟
ـــــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذا قال شخص بأنه يجب ترتيب آثار الصحّة فليس لأنَّ اعتبار الظنّ متساوٍ، بل لا بُدَّ له من دليل آخر.
والفقهاء إنَّما قالوا بذلك، فإنَّما هو لأجل أنّهم يرون الإجزاء في العبادات والمعاملات، وأنَّها مجزية عن الواقع وصحيحة ولا يبقى لنا بعد امتثالها أيّ ربط للواقع بنا.
إذ معنى الإجزاء أنَّ هذا المصداق الذي أتيت به هو مصداق للطبيعة التي يطلبها المولى، وأنَّه صحيح واقعي، لا أنَّه في حال البطلان يرتَّب عليه آثار الصحّة فأتزوّج امرأة الغير!
هذا الكلام لم يصدر ولا يمكن أن يصدر من الفقهاء، وإذا كانوا قد قالوه، فليس بدليل تساوي اعتبار الظنّ.
الآن نسلِّم هذا منه، يقول: إنَّه إذا كان موضوعاً للأثر فيجب ترتيب الآثار عليه، كالنكاح والطلاق الذي أراه باطلاً يجب عليه ترتيبُ الآثار.
وأما في الموارد التي ليست كذلك كوليّ الميت إذا آجر شخصاً فليس الحال كما سبق، فإنَّ فعل الأجير بمنزلة فعل المستأجر، نقول: إنَّك تقول في (العروة الوثقى)(1): إن الأجير إذا اختلف في الفتوى عن الميت فلا بُدَّ أن يطبق عمله على فتوى الميت(2)، وهنا نقول إنَّ فعل الأجير فعل المستأجر إلَّا أن تقول: إنَّه بما أنَّه يجب على الولي أن يصلي عن الميت ففعله بمنزلة فعله فإذا آجر شخصاً للصلاة
ـــــــــــــ[165]ــــــــــ
() اُنظر: العروة الوثقى 1: 19، مسألة 54.
(2) فيُفهم منه أنَّ فعل الأجير فعل الميت لا المستأجَر، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فيكون فعله بمنزلة فعله فيكون فعل الأجير بمنزلة فعل المستأجر الذي هو بمنزلة فعل الميت، يعني أنَّ الأجير في المثال له نيابتان: فهو نائب عن شخص إذا أتى بالفعل كان نائباً عن الميت، إذن فلا بُدَّ أن يقصد الأجير في صلاته كلتا النيابتين، مع أني لا أظنّ أن ذلك ممَّا تلتزم به، إذن فالأجير ليس فعله فعل المستأجر، بل فعل الميت.
وأمَّا ما يقوله هنا من أنَّ الموجب والقابل فعلهما فعلٌ واحدٌ: ما هو مقصوده من ذلك؟ هل مقصوده أنَّ الموجب تكليفه إيقاع الإيجاب والقبول، والقابل تكليفه ذلك أيضاً، وأن العقد يتكون من الإيجابين والقبولين، أو مقصوده أنَّ الموجب بما أنَّه يوجد تمام الماهيّة، والقابل بما أنَّه يوجد تمام الماهيّة ففعلهما فعل واحد، أو مقصوده أنَّ الموجب فعله فعل نفسه أصالةً، وبمنزلة فعل القابل، والقابلُ فعله فعلُ نفسه أصالة وبمنزلة فعل الموجب؟
إذا كان مراده أنَّ كلّاً منهما يعمل كلّاً من الإيجاب والقبول، فهذا مخالف للوجدان، فإنَّ المعاملات ليست كذلك عقلائياً.
وأما إذا كان مراده ما قلناه من أنَّ الموجب يوجِد تمام الماهية، فبالإضافة إلى أنَّه لا يلتزم به، فأيضاً هو غير صحيح، فإنَّ ما قلناه هو أنَّ تمام الماهيّة يوقعها الموجب، ويقتصر عمل الآخر على الرضا والتسليم بما أوقعه الآخر كإجازة الفضوليّ، لا أنَّ القابلَ له عملٌ في مقابل فعل الموجب، ولا يلزم أن يكون فعله فعله، فإنَّ الموجب فعله إيقاع المعاملة، والقابل فعله قبولها والرضاء بها.
أو يُريد أن يقول: إنَّ الموجب يوجب، ويكون فعله بمنزلة فعل القابل،
ـــــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كيف يكون كذلك؟! بل هو غير ممكن، فإنَّ فعلَ الموجب هو أن يُملِّك العين بالعوض، إذن فلا بُدَّ أن يكون فعل الآخر هو أن يُملِّك العين بالعوض، فإذا كان تمليك العين بالعوض بمنزلة القبول، فما الحاجة إلى القبول، إذا كان ذلك عقلائيّاً وأجازه الشارع؟
أو أنَّ المسألة هكذا، وهو أنَّ الإيجاب بعد إيقاعه يصبح موضوعاً للأثر، فإذا كان يجب على الطرف الآخر ترتيبُ الأثرِ على قول الطرف الآخر(1)، فمن جملة الآثار هو القبول، فإذا وجب على المجتهد ترتيبُ الأثرِ أيضاً كذلك؛ لأنَّك قد أوجدت إيجاباً مطابقاً لاجتهادك، ويجب عليَّ أن أُرتِّب عليه آثار الصحة، ومن جملتها تعقُّبه بالقبول، فيجب(2) عليَّ القبولُ، فعلى مبناه ينبغي أن يقُال بذلك.
وأمَّا ما ينسبه إلى الشيخ فهو غير مرادٍ له، بل الإيجاب والقبول هو الذي يترتَّب عليه الأثر وإن كان باطلاً عند الطرف الآخر.
مضافاً إلى أنَّنا قلنا: إنَّ نظره إلى الإجزاء لا ترتيب الآثار، رغم أنَّه يرى بطلان المعاملة، هذا كلّه في المجتهدين.
وأمّا إذا كانا مقلّدَين، كلّ منهما مقلِّد لمجتهد، وكان المجتهدان مختلفين في الرأي، فهل التفصيل الذي قلناه هناك نقوله هنا، يعني إن كان المجتهدان على الأصول الشرعيّة فالعقد صحيحٌ واقعاً عند الجميع، وأمَّا إذا اعتمدا على
ـــــــــــــ[167]ــــــــــ
() والفرض أنَّهما مجتهدان. (توضيح)، (المقرِّر).
(2) يعني: الوجوب الوضعي. (توضيح)، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الأمارتين فلا يصح؟ هنا أيضاً نقول ذلك بالنسبة إلى مجتهدَي هذين المقلِّدَين.
إلا أنَّ هذا أجنبيٌّ، على أنَّه في الشبهات الحكميّة -دون الموضوعيّة فإنَّها ليست مورداً للتقليد- (رفع ما لا يعلمون) لا يجوز التمسّك به إلّا بعد الفحص، وفحصُ المجتهد فحصٌ للمقلِّد.
فنقول: إنَّ (رفع ما لا يعلمون) شاملٌ لكلٍّ من المجتهد والمقلِّد، ودليلهما معاً هو هذا الحديث، لا أنَّ دليلَ المقلِّد هو رأيُ المجتهد، وإنَّما المجتهد يفحص نيابة عن المقلد ويحقق موضوع الحديث بالنسبة إليه، إذا قلنا بذلك فيصح التفصيل.
أمَّا إذا قلنا إنَّ الشبهات الحكميّة لا ربط لها بالمقلِّدِين، بل الشكّ المأخوذ في (رفع ما لا يعلمون) هو الشكّ الحاصل عند المجتهد بعد الفحص والتتبُّع وعدم وجدان الدليل، وتتميم إطلاق دليل حديث الرفع للمسألة.
وأمَّا المُقلِّد فليس يشمله الحديث، وإنَّما نقول بصحَّة صلاته إشكالاً على قول المجتهد، وقول المجتهد من قبيل الأمارات على الواقع، وإن كان المجتهد نفسه قد تمسّك بالحديث، فهذا الطرف يرى أنَّ الأمارة قائمة عنده على بطلان هذا العقد، وحديث الرفع وإن كان موضوعه الشاكّ، إلّا أنَّه للشاكّ المجتهد لا المقلِّد فلا يشمله الحديث، وإنَّما اتَّكل المقلِّد على قول المجتهد القائل بصحَّة العقد الفارسيّ مثلاً، فلا بُدَّ أن يُقال: إنّه عمل باطل وغير صحيح؛ لأنَّ وجه الصحة: إمَّا لأنَّ الأمارة على الصحّة والفرض قيامها على الخلاف، أو التمسّك بالأصول الشرعيّة، وهي إنَّما تشمل المجتهد الفاحص المتتبِّع دون المقلِّد، فإنَّه
ـــــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قد اتَّكل على الأمارة، وهو قول مجتهده، وأنا أرى فساد قول مجتهده، فإنَّ رأيه وإن كان مستنداً إلى حديث الرفع باعتباره شاكّاً، والشاكّ له الاستناد إليه، إلّا أنَّني أرى شكَّه في غير محلِّه، وبلا وجه لوجود الأمارة عندي، إذن فلا بُدَّ أن نقول بالبطلان مطلقاً.
نعم، إذا أخذنا بما يقول الشيخ(1)، وقلنا: إنَّ المجتهد إذا انتهى اجتهاده، إمَّا بطرق عقلائيّة أو شرعية إلى حكمٍ، فهذا الحكم بالنسبة إليه وإلى مقلِّديه موجب للإجزاء، وليس معناه أنَّه عمل باطل، ولكنَّه مجزٍ عن الواقع، بل عمل صحيح مجزٍ عن الواقع. يقولون: إنَّ الشارع حين أجازنا بالعمل بخبر الثقة، فإذا انتهى بنا خبر الثقة إلى خلاف الواقع، فقد أجازني الشارع أن أصلِّي هذه الصلاة، فيكشف عن أنَّ الشارع تصرَّف في الواقع(2)، فهذا مصداق للماهيّة تعبُّداً، فإذا قلنا بهذا النحو فهنا أيضاً لا بُدَّ أن يُقال بالصحة في المقام، وأمَّا بالنحو الذي قلناه فلا بُدَّ أن يُقال بالبطلان، ولا يرد ذلك التقريب.
ثم يأتي الشيخ إلى مطلب آخر(3)، وهو: أنَّ ما قلناه من أنَّ قول المجتهدين من باب الواقعيات الثانويّة، فالعقد صحيح، وإذا كان من الأحكام العُذريّة فالعقد باطل، هذا إذا كان من فعل البائع بالخصوص أو المشتري بالخصوص،
ـــــــــــــ[169]ــــــــــ
() راجع كتاب المكاسب 3: 179.
(2) يعني: في الحكم الواقعي، (المقرِّر).
(3) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا إذا لم يكن كذلك، كالتنجيز والموالاة، فلا نقول بأنَّ الآخر الذي يرى البطلان لا بُدَّ أن يُرتِّب آثار الصحَّة، والظاهر أنَّ مراده أنَّ ذلك الشخص الآخر إذا أتى بفعل أرى أنا بطلانه فالفساد يقتصر على هذا الجزء فقط، ولا يسري إلى الجزء الآخر.
وأمَّا إذا كان الفعل يصدر من الطرفين فيسري الفساد إلى كِلا الجزئين، فلا يمكن أن يُقال بصحَّته.
فهذا بحسب الكبرى صحيح: أنّه إذا أوقع المتعاقدان بنحو يسرى الفساد من أحدهما إلى الآخر، فلا بُدَّ أن يفسد العقد عند كِلا الطرفين، إلا أنَّنا يجب أن ننظر إلى ما ذكره من الأمثلة هل هي كذلك؟ كما في التعليق، لو أوجب الموجب إيجاباً مُعلّقاً، وقبل القابل منجّزاً، فهل يسري التعليق إلى القبول، ويسري إليه الفساد أو لا؟
سواء على ما بنى عليه الشيخ من أنَّ الصحّة وعدمها مبنيَّةٌ على أنَّ أحكام المجتهد نظير الواقعيات الثانويّة كإشارة الأخرس، أو أنَّها أحكام عذريّة؛ فيصح على الأوَّل دون الثاني.
وسواءٌ على ما بيَّناه من أنَّ الأصول كانت المبنى في الفتوى، فلا بُدَّ أن نقول بالصحَّة، وأمَّا إذا كانت الأمارات هي المبنى فلا بُدَّ أن نقول بالفساد.
كلُّ ذلك في الشرائط التي هي في نظر المجتهد من الشرائط الشرعيّة أو العقلائيّة التي لا دخل لها في تحقّق عنوان العقد، فإنَّ الشرط تارةً يكون بدونه لا يتحقَّق العنوان العقلائيّ للعقد، ومرَّةً بدونه يتحقَّق، لكنَّه من الشرائط
ـــــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الشرعيّة زائداً على عنوان العقد.
مثلاً في باب بيع الخمر وآلات القمار، فالشرط الموجود في البيع ليس له دخلٌ في ماهيَّة العقد، فإنَّه لا يفرّق فيه عند العقلاء بين أن يكون خمراً أو غيره، غايته أنَّ الشارع قد اعتبر أنَّ البيع إذا كان خمراً يقع العقد باطلاً.
أو بالنسبة إلى الشرائط التي نتكلَّم عنها كالعربيّة، إذا اعتبرناها شرطاً، فليس أنَّ نعقد المعاملة لها لا توجد معه ماهيَّة العقد، بل هي شرط شرعيّ، زائد على أصل المعاملة.
وأمّا إذا كان شرطاً لا تتحقّق بدونه الماهيّة، حينئذٍ لا حديث الرفع ولا اجتهاد المجتهد قادر على إصلاحه.
مثلاً في باب الترتيب إذا قلنا: إنَّ ماهيَّة القبول لا تتحقّق إلّا بالمطاوعة، وإنَّه ما لم يسبقه الإيجاب فماهيّة المعاقدة لا تتحقَّق.
أو في باب الموالاة إذا أوجد الفاصلة فإنَّه لا تتحقَّق ماهيَّة المعاقدة.
أو في باب أهليّة الطرفين نقول بأنَّ المعاقدة لا تتحقّق من كان كالحمار أو كالجماد، وفي باب التعليق إذا كان المبنى أنَّ تعليقَ الإنسان ممتنعٌ وغيرُ ممكن.
فإذا كان المبنى كذلك في هذه الشروط، وأنَّ المعاملة بدونها لا تتحقّق ولا يصدق العقد عقلائيّاً، فبحديث الرفع لا يمكن تتميم المعاملة؛ لأنَّ هذا الحديث لا يُثبت الأمر العقلائيّ ولا يجعل ما ليس عقلائيّاً عقلائيّاً، وكذلك اجتهاد المجتهد لا يجعل ما ليس عقداً عند العقلاء عقداً.
وكذلك الأمر في الصلاة، إنَّما تشملها الأصول النافية عند الشكّ في
ـــــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الجزئيَّة والشرطيَّة، مع انحفاظ صورتها العقلائيّة، وأمَّا ما ليس بصلاة عقلائيّاً، كما إذا أوجد بين أفعالها عملاً أجنبيّاً طويلَ المدَّة بينها، فإنَّ حديث الرفع لا يعمل ما ليس بصلاة صلاة.
وكذلك الأمر في المعاملات، كما إذا كان يصدق العقد والمعاملة، بحسب المباني السابقة، إذا بُنيَ على ذلك فلا يُتمِّمه لا حديث الرفع ولا اجتهاد المجتهد، وإنَّما يمكن تتميمه بعد تحقُّق العقد عقلائيّاً، واحتملنا دخول الشرط عند الشارع، فندفعه باجتهاد المجتهد أو حديث الرفع.
فإذا أنا اعتبرت الترتيب وأنت لم تعتبره، فيعود خلافنا إلى أنَّك ترى العقدَ موجوداً وأنا أراه غيرَ موجود، واجتهادك يحقِّق العنوان العقلائيّ ولا يحقِّقه حديث الرفع، فإنَّ الحديث لا يحقِّق الموضوع، وإنَّما يشمل الموضوع بعد تحقُّقه عقلائيّاً.
فإنَّما يتمُّ ما قاله الشيخ عندما يكون العقد محقَّقاً في الخارج؛ ليكون العقدُ صحيحاً عندهما معاً.
أمَّا هذا الطرف فباجتهاده، وأمَّا الآخر فلأنَّه يرى الاجتهاد واقعاً ثانويّاً للمجتهد، وأمَّا في هذه الموارد فلا يمكن ذلك عندهما، فإنَّه إنَّما يكون ذلك في الاختلاف في الأحكام، لا الاختلاف في أصل تحقُّق ماهيَّة العقد، فإنَّه حينئذٍ لا يمكن أن يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ (2).
ـــــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
(2) البقرة: 275.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا إذا قلنا بأنَّ هذه الأمور -يعني التنجيز والترتيب والموالاة ونحوها- يبقى العقد بدونها عقداً عقلائيّاً، وإنَّما هي معتبرة شرعاً، فحينئذٍ لا بُدَّ من ملاحظة كلّ واحد واحد منها؛ لنرى أنَّه أيُّ واحد منها إذا أخلّ به الطرف لا يمكن للآخر أن يُتمِّمه باجتهاد صاحبه، وأيٌّ منهما يمكن له ذلك.
في مثل الصراحة والعربيّة معلومٌ، فإنَّ الشخص الذي اجتهد بعدم اعتبار العربيّة، وقد أوقع عقداً فارسيّاً، فالعقد الفارسيّ صحيح عنده باجتهاده، وصحيح عندي؛ لأنَّ اجتهاده بحسب المبنى بمنزلة الأحكام الثانويّة، أو مثلاً نعمله بحديث الرفع؛ لأنَّ الحديث يشمله على المبنى.
وأمّا مثل التعليق، فهل الحال فيه على النحو الذي قاله الأغايون(1) من أنَّ التعليق في الإيجاب يسري إلى القبول؟ فإذا كان القابل يرى بطلان التعليق يرى أنَّ فعله أيضاً قد أصبح معلّقاً، وأصبح فعل نفسه خلاف اجتهاد نفسه، فيقع باطلاً، ولا يصحِّحه اجتهاد الآخر؛ لأنَّه إنَّما يصحّح فعل ذاك دون هذا، فهذا العقد لا يمكن تصحيحه لا لبطلان الجزء الآخر، بل لبطلان ما عملته أنا.
أمَّا إذا أوجب الموجب إيجاباً تنجيزيّاً، وقبل القابل قبولاً تعليقيّاً، وكان الموجب يراه باطلاً، فهل يمكن سراية التعليق إلى الإيجاب، يعني أنَّه بعد أن تحقّق الشيء بنحو التنجيز، فهل يمكن تحوُّله عمّا هو عليه من التنجيز إلى التعليق؟ هذا غير ممكن، أمَّا إذا كان الإيجاب معلّقاً؛ لأنَّ الموجب يرى جواز
ـــــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 296، ومنية الطالب 1: 115.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
التعليق، فهل يسرى تعليقه -كما قيل- إلى القبول أو لا؟
التعليق في القبول هو أن يكون القبول معلّقاً، لا أن يكون الإيجاب معلّقاً، وفرق بين أن أقبل منجّزاً أمراً معلّقاً، وبين أن أجعل القبول مُعلَّقاً. فرق بين أن يقول الموجب: (إذا طلعت الشمس بعتك)، فيقول القابل: (إذا طلعت الشمس قبلت)، وبين أن يقتصر القابل على قوله: (قبلت)، فيكون قبولاً منجّزاً لأمر معلّق، فالقبول ليس فيه تعليق، وإنَّما التعليق في مُتعلّقه، والمفروض أنَّ التعليق في الإنشاء باطلٌ لا في المُتعلّق.
إذن، ما وجه ما ذكروه من أنَّه إذا قبل الأمر التعليقيّ يكون القبول مُعلّقاً؟
بل في بعض الأحيان لا يمكن ذلك: كما لو قال الموجب: (إذا كنت ممن يقبل بعتك)، فإذا قبل وقلنا بسراية التعليق إلى القبول يكون معناه: إن كنتُ ممن أقبل قبلت، فيتوقَّف أحدهما على الآخر، ويكون محالاً.
وأمَّا سراية تعليق القبول إلى الإيجاب المنجّز فمستحيل؛ لأنَّ الإيجاب وقع منجّزاً، ولا يختلف ما وقع عمَّا وقع عليه.
وأمَّا في الموالاة، بناءً على أنَّها اعتبار شرعيّ لا عقلائيّ، وأنَّه بدونها يصدق كونه عقداً، إذا أوجب الموجب ولم يكن القابل يرى شرطيّة الموالاة، فقَبِل بعد ساعة، فالعقد شرعيّ عند القابل، ولكن في نظر الموجِب لا تصحِّحه الأدلّة؛ لأنَّ الموجِب الذي يرى شرطيّة الموالاة يرى لابُدِّية التعاقب، فإذا لم يحصل التعاقب فإنَّه يرى أنَّ إيجابه قد سقّط صلاحيّة التعقُّب للقبول في نظر الشارع، فلا الإيجاب له صلاحيّة التعقُّب بالقبول، ولا القبول له صلاحية تعقُّب الإيجاب.
ـــــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذن فالمعاملة في نظر الموجِب غير صحيحة، ولا يصحّحه الاجتهاد، كما قال.
وأمَّا إذا كان القابل يرى شرطيّة الموالاة، فعليه أن يفعل قبوله مع الموالاة، وإلا كان باطلاً، وأمَّا إذا غفل عن هذا الشرط وأخَّر القبول فهو يرى العقد باطلاً؛ لما سبق.
وكذلك الحال في الأهليَّة، إذا رأيناها شرطاً اعتباريّاً شرعيّاً لا عقلائيّاً، إذا كان الموجب يرى هذا الشرط، فإذا أوجب وسقط الموجب عن التأهُّل فقَبِل القابل، فالموجِب يقول بأنَّ هذا القبول لا ربط له بهذا الإيجاب، فلم يتحقَّق شرطُ العقد، واجتهاد الآخر لا يفيد؛ لأنَّ القبول لم يلتحق بالإيجاب.
إذن، فليس الحال واحداً على مباني من اعتبر هذه الشروط، كالتعليق والموالاة وغيرها، بل بحسب الظاهر تفترق، فلا يمكن إطلاق القول في بطلان العقد على سائر الوجوه، كما قال الشيخ.
فإذا لم يكن العقد صحيحاً عند الطرفين، فهل يمكن أن يكون صحيحاً عند طرف واحد؟ وهو ما تعرَّض له السيّد في أول (العروة)(1) من أنَّ الصحّة لا بُدَّ أن تكون عند الطرفين، وإلا فإنَّ العقد يقع باطلاً، والمحشّين بعضهم ذكر أن المسألة مبتنية على الاحتياط(2)، وبعضم أفتى بالصحَّة(3) عند الطرف الواحد.
ـــــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) اُنظر: العروة الوثقى 1: 19-20، مسألة 55.
(2) اُنظر: العروة الوثقى (المحشّى) 1: 46.
(3) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وبحسب النظر الأوَّل، وإن كان يمكن شمول الأدلّة العامّة بالنسبة إلى من يرى صحَّته، إلّا أنَّ هناك شبهةً وهي: أنّ الأدلّة العامّة كـ(أوفوا بالعقود) و(أحل الله البيع)، هل يمكن أن تشمل طرفاً واحداً، فهو يقول لشخص: يجب عليك الوفاء، ويقول للآخر: يُحرم عليك التصرُّف، يأمر أحدهما بالتسليم، وينهى الأخر عن التسلم، بحيث نستنتج(1) هذا من (أحل الله البيع)، ويكون البيع صحيحاً من طرفٍ، باطلاً من طرف آخر؟ هذه شبهة موجودة بحيث في نظري لا يمكن التمسّك بالأدلّة العامّة.
وإذا شئت قلت: إنَّ وجوب الوفاء وجوبٌ طرفَيني، لا من طرف واحد، والأدلّة منصرفة عنه.
يأتي الكلام في المقبوض بالعقد الفاسد.
ـــــــــــــ[176]ــــــــــ
() لا يمكن أن نستنتج إلا وجوب الوفاء بالنسبة إلى من يقول بالصحة وأما حرمة، التصرُّف للآخر فهو مستفاد من أدلّة أخرى، ودعوى انصرافها عمّن يرى تماميّة الشروط غير مسموعة، وكونه من طرف واحد ليس بدعاً من الأحكام، فإنه في جملةٍ من مسائل النكاح موجود، فراجع، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في المقبوض بالبيع الفاسد
ـــــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
لا إشكال أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد أو كلّ معاملة فاسدة، لا تجلب الملك.
إنَّما الإشكال والكلام في أنَّ المقبوض بالمعاملة الفاسدة كالغصب، فاليدُ يدُ ضمانٍ وعدم جواز التصرُّف ثابتٌ، فهناك حكم تكليفيّ ووضعيّ، أو أنَّه ليس بحكم الغصب، ويجوز التصرُّف فيه، إلا إذا نهى صاحب المال، وليست اليدُ يدَ ضمانٍ، ولا يكون ضامناً؟
القائلين بعدم الضمان وجواز التصرُّف(1) تمسّكوا أمَّا بحسب الحكم التكليفيّ؛ فلأنه دخل تحت تصرفه بإذن المالك، وأمَّا عدم الضمان؛ فلأن المالك جعلها تحت اختياره وسلَّمها إليه، فتخرج من أدلّة الضمان تخصيصاً أو تخصُّصاً.
ـــــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 95.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ولكنَّنا قلنا سابقاً: إنَّ أيَّ فعل يصدر من الإنسان له مبادئ خاصّة في النفس يصدر عنها، وهذه المبادئ ليست مبادئَ للفعل الآخر، ولا يمكن أن تكون، مثلاً إذا أردت الذهاب إلى الحرم المطهّر، فلا بُدَّ أن أتصوّر ذهابي، وأن أصدق بفائدته، ويحصل الاشتياق إليه أحياناً -وإن لم يكن ذلك ضرورياً-، وتتعلّق به الإرادة، والتصميم المحرِّك للعضلات، فهذه المبادئ لهذا العمل، ولا يمكن أن تكون مبادئَ لعمل آخر. نعم، قد يريد القيام بعملين فيتصوَّرهما ويريدهما على نحو المجموع.
فهذا العقد حينما يصدر من الإنسان فهو يصدر من مبادئه لا محالة، ثُمَّ يتلفَّظ بالمعاملة لأجل تحقيقها، فهذه هي المبادئ الخاصّة بالعقد.
وأمَّا مبادئ إجازة تصرُّفك بماله، وتسليم ماله إليك، فله مبادئه الخاصّة، ولا ربط لها مبادئ العقد، فإنَّ هذا القائل إن أراد بأنَّ إرادة العقد وتصوُّره وتصديقه هو عين مبادئ إجازة التصرُّف. أو يريد أن يقول: إنَّ البائع له مبادئ لعملين؛ أحدهما العقد ومبادئه، وهناك مبادئ لعمل آخر مقارناً لمبادئ المعاملة وهي الإجازة للتصرُّف.
أمَّا الدعوى الأولى: فمعلوم أنَّها واضحة البطلان.
وأمَّا الدعوى الثانية: فنسأل أنَّ المبدأ الآخر لماذا وجِد مقارناً مع مبادئ العقد، وأنَّها مبادئ لأيِّ شيءٍ، هل هي مبادئ لتصرُّف الآخر في ماله أو لتصرُّفه في مالك قبل أن يخرج منه، أو لتصرُّفه في مالك بعد أن يخرج منه؟
ـــــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإن قلت: إنَّها مبادئ للإذن لتصرُّف الآخر(1) في ماله، فهذا لا ربط له، ولا يتحقَّق القصد الجدِّيّ إليه بالنسبة إلى الشخص العادي ما عدا وليّ الأمر.
وأمَّا إذا قال: إنَّ هذه المبادئ تتعلّق بالتصرُّف في هذا المال حال كونه مُلكاً للبائع الآذن، فهذه الإجازة وإن كانت ممكنةً إلّا أنَّه لا يفيد، وغير مربوطة بمحلّ كلامنا.
وأمَّا إذا كانت تتعلّق بالإجازة في مالي بعد انتقاله إليك، فهذا أيضاً غير معقول؛ لأنَّه بعد أن ينتقل عقلائيّاً إليه فليس له بمال، ليكون له حقُّ إجازته.
وإذا كان المقصود أنَّ الملتفت إلى فساد المعاملة أو الذي يحتمله، تحدث في نفسه مبادئ لهذا المعنى التعليقي: أنّه على تقدير فساد المعاملة يجوز لك التصرُّف فيه، فهذا قد يحدث في بعض الأحيان، ونحن نتكلَّم عن حكم المقبوض بالعقد الفاسد بما أنَّه مقبوض بالعقد الفاسد، ولا كلام لنا في جواز إعطاء الإجازة المستقلّة قبل المعاملة أو بعدها، فإنَّ المغصوب أيضاً كذلك يمكن أن يجيز المالك للغاصب التصرُّف فيه، ولكن هذا خارج عن محلّ البحث.
والبحث هو في أنَّ هذه المعاملة الفاسدة في الواقع هل الرضا الواقع بها رضاء بالتصرُّف، والتسليم الواقع باعتبارها، هل هو رافع للضمان، أو لا؟
لا شكّ أنَّ الرضا يقتصر على المعاملة، ولا يمكن أن يكون إذناً في التصرُّف لا في ماله ولا في مال الغير، كما سبق.
ـــــــــــــ[181]ــــــــــ
() يعني: في مال نفسه، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا التسليم فهو لم يسلِّم باعتبار أخذ مالي، بل باعتبار أنَّه مالُك، فخذْه يعني باعتبار الوفاء بالعقد، وليس أمراً زائداً على هذا المعنى، بناءً عليه لا ينبغي أن يقع في هذا المطلب إشكالٌ.
وإنَّما الإشكال في أنَّ دليل القائلين بالضمان ما هو؟
أمَّا عدم جواز التصرُّف في مال الناس، فالدليل عليه عقليّ ونقليّ، وأمَّا في باب الإتلاف فالضمان عقلائيّ، ولكنَّ الضمان في المسألة كالمقبوض بالبيع الفاسد والمقبوض بالسوم، وإن كان التلف سماويّاً أو لا باختياره، فهذا أمر غير عقلائيّ، ولكنَّ (قاعدة اليد) تشمله.
ويمكن أن يُقال بمقتضاها بجواز رجوع البائع على المشتري، غايته أنَّ المشتري يرجع على المتلف، فهذا يحتاج إلى دليل شرعيّ للتعبُّد به، وليس فيه سيرة عقلائيّة، أنه بمجرّد وقوع اليد على مال الغير يؤدّي ذلك إلى الضمان.
أحد الأدلّة هو: “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدّي“(1)، وقد نُقلت هذه الرواية بألفاظ مختلفة، منها: (على اليد ما جنت حتَّى تؤدِّيه)، كما يرويه السيّد في (الانتصار)(2) منقولاً عن العامّة(3)، والشيخ ينقله في (الخلاف) و(المبسوط)(5):
ـــــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 224، الحديث 106، مستدرك الوسائل 14: 7، كتاب الوديعة، الباب 1، الحديث 12، والسنن الكبرى (للبيهقي) 6: 90.
(2) راجع الانتصار (سلسلة الجوامع الفقهيّة): 192.
(3) اُنظر: مسند أحمد 5: 8، سنن أبي داود 2: 318، سنن الترمذي 2: 368، وغيرها.
(4) اُنظر: المبسوط 3: 59.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
“على اليد ما قبضت حتَّى تؤدّي أو تؤدّيه“، والسيد ابن زهرة في (الغنية)(1): (ما قبضت) ينقله عن العامّة، وفي كتاب الإجارة(2): (ما أخذت)، ممَّا يظهر أنَّها روايةٌ متعدِّدةٌ أو مُتَّحدةٌ مختلفٌ فيها.
وقد مرَّ هذا الحديث من زمان شيخ الطائفة إلى الآن بمراحل متعدِّدة، فإنَّه في زمان الشيخ والسيد إلى زمان صاحب (الغنية) لم يكونوا يتمسّكون به بل كان يراد به الاحتجاج على القوم، كما عليه عمل الشيخ في (الخلاف) و(المبسوط) والسيد في (الانتصار).
وقد رأيت الشيخ في كلّ مكان يتمسّك به بهذه الرواية يتمسّك قبلها بالأصل(3) على اعتبار عدم الدليل، كما في مسألة إذا غصب شيئاً وغيره، كما لو غصب حنطة وطحنها، فأبو حنيفة يقول: إنَّه –مع بعض القيود- يصحّ مالكاً له، فإذا جاء صاحب الحنطة وطالب بالطحين يجوز له أن يقاتله دفاعاً عن مال؛ لأنَّه أصبح من أمواله.
يقول الشيخ: دليلنا أنَّه حين كان حنطة كان ماله بلا إشكال، وحينما طحنه لا دليل لنا على الانتقال، فهو يتمسّك بالاستصحاب، ثُمَّ يروي هذه الرواية عن قتادة
ـــــــــــــ[183]ــــــــــ
() اُنظر: غنية النزوع: 280. “على اليد ما قبضت“.
(2) اُنظر: غنية النزوع: 289. “على اليد ما أخذت“.
(3) معلوم أنَّ هذا ناشئ من عدم التعمُّق في مراتب الأدلّة كما عليه الأصول الحديث، فيمكن أن لا يكون ناشئاً من عدم اعتبار الرواية، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عن الحسن عن سمرة أن النبي قال: “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدّي“(1).
وفي أوَّل كتاب (المبسوط)(2) أو في كتاب الغصب منه، ينقل عدَّة روايات عن القوم من ضمنها هذه الرواية، رغم أنَّ في الباب رواياتٍ مُعتبَرةً عندنا، مع ذلك لا ينقلها ويقتصر على هذه الروايات، فيُعلم أنه إنَّما ينقلها للاحتجاج عليهم.
وكذلك السيّد في (الغنية) قال: ويُحتج على المخالف بقوله: “على اليد ما قبضت حتَّى تؤدّيه“(3)، فإلى زمان هؤلاء لم يكن تمسّك بهذه الرواية.
في زمان ابن إدريس اختلف الوضع، فإنَّ ابن إدريس رغم كونه لا يتمسّك بالخبر الواحد، إلّا أنَّه في عدَّة مواضع من كتابه(4) يسند هذه الرواية إلى النبي بنحو الجزم، إلَّا في مورد واحد على ما سوف نقوله.
من العلَّامة لم أرَ شيئاً، وإنَّما يُنقل عن ابن الجنيد وابن إدريس أنَّهم استندوا إليها.
وأمَّا بعده فقد تمسّكوا بهذه الرواية(5) طبقةً بعد طبقة، فقد أصبحت
ـــــــــــــ[184]ــــــــــ
() الخلاف، ج1، ص176، وهذا يخالف بالضرورة ما نقله السيّد عن الخلاف آنفاً، فراجع، (المقرِّر).
(2) اُنظر: المبسوط 3: 59-60.
(3) غنية النزوع: 280.
(4) اُنظر: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى 2: 87 و425 و437 و463 و484.
(5) اُنظر: تذكرة الفقهاء 13: 32، الدروس الشرعيّة 3: 109، جامع المقاصد 6: 215، الروضة البهيّة 7: 25، عوائد الأيّام: 315-316، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مشهورةً، ثُمَّ من المشهورات المقبولات، ثُمَّ وصلت إلى درجة إلى أنَّه لا ينبغي النظر في سندها لأنَّها أجلّ من ذلك.
ولهذا نحن وقعنا في إشكال: هل نقبل جزم ابن إدريس بها، رغم عدم عمله بخبر الواحد، واستناد المتأخِّرين عن العلَّامة إليها، لا مجرّد الاستناد فإنَّ الشهرة بينهم غير جابرة.
ولكن بهذا التقريب: أنَّ هؤلاء المحقِّقين الذين استندوا إلى هذه الرواية بعد كونها مرويةً عن سمرة بن جندب، وهو معلوم الحال لدى الجميع، من حيث الخبث وفساد العمل، فعملهم بها يكشف عن أنَّهم استكشفوا عمل القدماء بها، مضافاً إلى احتمال وجدانهم للقرائن الخارجيَّة المثبتة لهذه الرواية، وهذه القرائن وإن كانت لو وجِدت لدى ثلاثة أو أربعة لقلنا إنَّها لعلّها غير تامّة عندنا، ولكن بعد التسالم على إسناد هذه الرواية إلى رسول الله، يحصل عندنا وثوق بأن هذه القرائن لو كانت حاصلة عندنا لوثقنا(1) بصدورها عن النبي.
ـــــــــــــ[185]ــــــــــ
() يدفع هذا التقريب إمكان أن يقال: إنَّ تسالمَ المتأخّرين ناشئٌ من المتابعة والتقليد لجماعةٍ من أكابر المحقِّقين بعد العلَّامة عليها، وحيث كانوا مورد الثقة التامَّة للمتأخّرين عنهم، وقد أخذوا بالرواية من دون مناقشة، وكذلك فعل من بعدهم وهكذا. وهذا كلّه يرجع إلى تقليد جماعة قليلة، أو لعلّه واحد قامت عنده القرائن المثبتة، ولعلّها غير مقبولة لدينا. وهذا التقليد واقع في كثير من المسائل كما هو واضح للمراجع في تاريخ المسائل الفقهية، وليس بدعاً في محلّ الكلام، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كذلك كثرة روايتها في طرق العامة(1)، كما يقول السيد(2) أنَّها مروية في كتبهم ورواياتهم، فإنَّنا لسنا نرفض كلّ ما يرويه العامّة، بل جملة من رواتنا المعتمدين هم من العامّة، ومن اختلاف عباراتها نستكشف تظافرها، مضافاً إلى أنَّ مثل هذا اللفظ الفصيح لا يُحتمل -بحسب الوثوق- أن يصدر من سمرة، وكلّ لفظ اتّكيت عليه انفتح لك باب من البحث.
نعم، هناك شيء يُضعف كلام ابن إدريس، فإنَّه في مورد من كتابه(3) بعد أن يُتمِّم المسألة بالأصل، يقول: إنَّ العامَّة يتمسّكون بهذه الرواية، وهذا مخالف لأقواله الأخرى، فهل حصل له الترديد في هذا المورد فحسب، أو كان مُردّداً ثُمَّ ارتفع تردُّده بعد ذلك؟
فأمر الرواية من هذه الناحية مشكل، فإنَّ التمسّك بها مائة بالمائة كيف يكون؟! رغم أنَّنا لم نجد لها شهرة، كما أنَّ إهمالها كيف يكون؟! رغم جزم ابن إدريس والمحقِّقين المتأخِّرين بها وعملهم عليها، وتتميمهم بها لهذه المسألة التعبُّديّة غير العقلائيّة في كثير من مواردها، فهل ترفع اليد عنها؟
أو نقول: إنَّ رواية هكذا حالها لا تقصر عن رواية خبر الواحد في نظر العقلاء وعملهم بها.
هذا هو الكلام في هذه الرواية التي هي لهم الدليل في ضمان اليد.
ـــــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) مرّت الإشارة إلى كتبهم وتصانيفهم آنفاً.
(2) اُنظر: الانتصار: 192.
(3) اُنظر: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى 2: 481، باب الغصب.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الآن نتكلَّم في فقه الحديث.
وهذه الجملة في كلّ لفظ منها بحث، ولكنّ ما هو محلّ ابتلائنا هو أنّ “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدّي” هل تُعطي الحكم الوضعي، أو التكليفي، أو أنَّها مجملة من هذه الناحية؟
بعضهم قال: إنّ “على اليد… ” تُعطي الحكم التكليفي ليس إلّا، وذلك لمناسبات:
إحداها: أنَّهم قالوا إنَّ (على) سواءٌ تعلَّقت بالأفعال أو الأعيان تدلّ على الحكم التكليفي، (عليّ الصلاة) يعني واجبة عليّ.
ثانيها: خصوصاً أنَّها أسندت إلى (اليد) واليد حافظة.
ثالثها: وخصوصاً أنَّ الضمان نسبها إلى العين، فهو تكليف والتكليف ليس بالأداء لجعله غاية في الرواية “…حتّى تؤدّي“، فلا بُدَّ أن يكون التكليف تكليفاً بالحفظ حتَّى تؤدّي.
والشيخ(1) يصدّق قطعةً من هذا الكلام، وهو أنَّه إذا تعلَّقت (على) بالأفعال فيُستفاد منها الحكم التكليفي، وأما أذا تعلقت بالأعيان فيستفاد منها الحكم الضعي.
نقول: إنَّنا نفهم على أيِّ حالٍ من (على) العهدة، مثلاً قوله تعالى: وَلِلَّـهِ
ـــــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 181، أحكام المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1) نفهم منه أنَّ الإنسان إذا أصبح مستطيعاً فعليه هذا الشيء، دينٌ عليه، ولهذا في رواية الخثعمي: أن “دين الله أحقّ بالقضاء“(2)، وليس معناه أنّه حكم تكليفي، فإنَّه يسقط بالموت وبسقوط الاستطاعة، وإنَّما اعتبر الحج ديناً على الذمَّة(3)، ولهذا يقول: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(4) من باب أنَّه دين.
وفي باب النذر حينما يقول: (عليّ كذا) يعني: بعهدتي، وهو يفترق عن كونه واجباً عليّ، فقد اعتبرت الذمَّة شيئاً والدين نقله عليها، سواءٌ كان هذا مالاً أو فعلاً، فإنَّنا إنَّما نفهمه من (على)، ففي كلّ مورد ورد هذا التعبير كان له ظهورٌ في الدين والذمَّة، إلا إذا كان هناك دليلٌ على الخلاف.
وأمَّا إسناده إلى اليد، ففيه احتمالان:
أحدهما: بما أنّ اليد تقبض ذلك، فكما أنَّ الجاسوس يُقال له عين؛ لأنَّ تمام قواه مجتمعة في عينه للمراقبة، فاعُتبر أنَّ تمامَ ماهيّته عينٌ، إلّا أنَّه اُستعمل البعض في الكلّ فإنَّه غلط.
وكذلك قوله: “وهم يدٌ على من سواهم“(5) فإنَّه ليس بمعنى القوة،
ـــــــــــــ[188]ــــــــــ
() آل عمران: 97.
(2) مستدرك الوسائل 8: 26، كتاب الحجّ، أبواب وجوب الحجّ، الباب 18، الحديث 3.
(3) ولهذا كان باقياً مع سقوط الاستطاعة، (المقرِّر).
(4) الحج: 29.
(5) الكافي 1: 403، باب ما أمر النبيّ بالنصيحة لأئمّة المسلمين، الحديث 2، الخصال: 149، ووسائل الشيعة 29: 75-76، كتاب القصاص، أبواب قصاص النفس، الباب 31، الحديثان 1 و3.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بل هنا اعتباران:
اعتبار أنَّ هذا الكلّ القائم بوجه الكفَّار كأنَّه واحد.
واعتبار أنّه (يد) باعتبار أنَّ الحرب تكون باليد.
فهنا أيضاً نقول: إنَّ المقصود: أن على الشخص ما أخذ حتَّى يؤدي، وقد عبّر باليد وأُريد الشخص باعتبار أنَّه يقبض بيده.
ثانيهما: أنّه من باب الكناية التي يُقال شيءٌ والمراد الجدِّيّ شيءٌ آخر، كما يقال (اليد تعرف اليد)(1)، والمقصود أنَّ الإنسان يعرف الإنسان، فهو كناية عن الشخص، إذن فهو كناية أو حقيقة ادعائيّة عن شخص.
إذن، فنحن بالنسبة إلى أصل الضمان في الجملة -حتى يأتي التفصيل- نفهمه من الرواية.
إذن، نتكلَّم في (عليه) ما معناه، هل هو كما يقوله السيد(2) من أنَّ نفس العين عليه، سواءٌ كانت موجودة أو تالفة، أو كما قال الآخرون(3) من أنَّ معناه الضمان، يأتي الكلام عليه؟
ـــــــــــــ[189]ــــــــــ
() هذه ترجمة لـمَثَلٍ ذكره السيّد بالفارسيّة، (المقرِّر).
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96 و102.
(3) اُنظر: هداية الطالب إلى أسرار المكاسب 2: 204، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 302، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بعد أن استقرَّ البناء على أنَّ (على اليد) تفيد الحكم الوضعيّ دون التكليفيّ، فما هو الحكم الوضعي الذي تكون هذه الرواية بصدد إثباته؟
البتّة سوف يأتي الكلام عن هذه المسألة مستقصىً، مع الروايات الواردة في تمام المقام في مسألة المثليّ والقيميّ، وأنَّ الإداء هل يكون بقيمة يوم الدفع أو قيمة يوم الأخذ؟
ذاك هو محل بحثها، وهنا نتعرَّض لها بنحو الإشارة.
المعنى الوضعي الذي تفيده (على اليد) أحد احتمالات:
منها: ما ذكره المرحوم السيّد محمد كاظم، إذ يقول(1): إنَّ الرواية ظاهرة بأنَّ نفس الشيء الذي أخذه قد وقع على عهدته، غايته أنَّ الحكم العقلائيّ هو أنَّ العين ما دامت موجودةً فلا بُدَّ أن يردَّها، وإذا تلفت فلا بُدَّ أن يردَّ نفس العين أيضاً، ولكن حيث إنَّه معذور عن ذلك، فيتنزَّل إلى الأقرب فالأقرب إلى العين، والأقرب في المثلي هو المثل وفي القيمي هو القيمة، وهناك احتمال آخر معروف بين الأصحاب هو غير هذا.
ونحن قبل أن نصل إلى مرحلة الاستظهار من الرواية، لا بُدَّ أن نرى أنّ مقصود السيّد ما هو، من كون اليد تقع على العين الموجودة، فإنَّ هذه العين التي وقعت عليها اليد موجود خارجي، فهل يريد أن يقول: إنَّ هذا الموجود
ـــــــــــــ[190]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96 و102.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الخارجي يعتبر في العهدة، مع حفظ وجوده الخارجي، فكأنَّ العهدة يُؤتى بها إلى الخارج وتوضع عليها العين؟
الاحتمال الآخر: أنَّه يريد أن يقول: إنَّنا نعتبر الوجود الخارجي في العهدة، فكأنَّنا نسلخه من ظرفه الخارجي اعتباراً ونضعه في العهدة.
أو يريد أن يقول: إنّنا لا ربط لنا بالخارج، وإنَّما نعتبر شيئاً آخر في العهدة، فنعتبر الأمر الخارجي في العهدة لا بما هو خارجي، ولا مانع من أن يكون للشيء وجودان: وجود حقيقي ووجود اعتباريّ وراءه.
كل هذه الاحتمالات والاحتمالات الأخرى التي سوف أقولها في أثناء الكلام كأنَّه لا يمكنه الالتزام بها، فإنَّه يريد أن يقول هذا المطلب: وهو أنَّ نفس العين حاصلة في العهدة حتَّى يؤدِّيها إمَّا بنفسها أو بالمثل، أو القيمة، وإذا لم يعطِ المثل أو القيمة فالعين لا زالت في العهدة.
ويترتَّب على ذلك أنَّه لا بُدَّ من إعطاء قيمة يوم الأداء؛ لأنَّ العين إلى الآن باقية في العهدة نحواً من البقاء للعين إلى يوم الأداء.
فإذا كان مقصوده أنَّ الموجود الخارجي نعتبره في العهدة، فمع الغضّ عن ظهور الرواية بذلك وعدمه، وعن موافقة العقلاء لذلك، فإنَّ فيه دوراً، وهو أنَّ هذا الوجود الخارجي المعتبر في العهدة، إذا انعدم فلا وجود له في العهدة، وأنت تريد أن تقول: إنَّه باقٍ، غايته أنَّ أداء المثْل والقيمة نحوٌ من الأداء للعين.
إذن فينقطع الزمان بعد التلف.
ومن احتمالاته: أنَّ هذا الشيء الموجود في الخارج هو وجود وماهيّة، وما
ـــــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يقع في الضمان هو الماهيّة الموجودة المتحقِّقة بالعرض.
هذا أيضاً فيه محذور؛ لأنَّ الماهيّة يستحيل أن تبقى بعد زوال الوجود، غايته أنَّ الماهيّة المُعرَّاة عن الوجود قد تُتصوَّر وتُعتبَر في الذهن.
وإذا قلت: إنَّنا نعتبر نفس الماهيّة المُعرَّاة عن الوجود فهو أفسد؛ لأنَّ هذه الماهيّة لا تُضمن، لأنَّ ما في الضمان هو ما يكون له ماليّة وقيمة وما تقع عليه اليد، والماهيّة المُعرَّاة لا قيمة لها، ولا تقع عليها اليد.
بالإضافة إلى أنَّها قابلة للصدق على كثيرين، ومثل ذلك لا معنى لتضمينه لأحد.
أو يريد أن يقول: إنَّ الموجود الخارجي الذي يأكل ويمشي نعتبره في العهدة، فهذا أيضاً في نظر العقل والعرف ينعدم بانعدامه.
أو يريد أن يقول: إنَّنا نعتبر شيئاً في الذهن، فنسأل أنَّ هذا الشيء الذي اعتبرته في الذهن هل هو الشيء الذي وقعت عليه اليد قد تحوَّل من الخارج إلى الذهن؟ أو إنَّه شيء صنعته بنفسك؟
فالأوَّل غير ممكن لاستحالة تحوُّل الشيء الخارجي إلى الذهن. والثاني غير صحيح؛ لأنَّ ما صنعته لم تقع عليه اليد، وإنَّما وقعت اليد على الفرس الذي أقوده بيدي.
وإذا أردت معنى بحيث يكون قابلاً للصدق على هذا الشيء حال كونه موجوداً وقابلاً للبقاء حال انعدامه، فهذا ليس فرساً وإنَّما هو ماهيَّة الفرس، لا الوجود الخارجي له الذي وقع عليه اليد، وما وقع عليه اليد وهو الوجود
ـــــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الخارجي قد ارتفع، فارتفع به موجب الضمان، وأنت تريد أن تنقّح ضمان ما وقع عليه اليد، لا ضمان شيء تعمله في المدرسة، وما وقع عليه اليد في نظر العرف قد انتهى.
وإذا عرضت المسألة على العرف، فيذهب شخص إلى الحمام ويُعطي الملابس للحمّامي ويقول: (هي بضمانك)، فإذا خرج من الحمّام يطالب بالعين، فإن كانت تالفة فبالبدل.
هذا ليس في نظر العرف؛ لأنَّ العين بنفسها تدخل في ضمان الحمّامي، وأنَّها وضعت هناك لأجل التضمين، وإنَّما يحدث الضمان حال التلف، والعين إنَّما يُطالب بها لوجوب ردِّ مال الغير إلى صاحبه.
إذن، فنحن لا يمكن أن نلتزم بما يقوله السيد(1) على تمام الاحتمالات، ولا يوافق عليه العقل ولا العرف، وإذا كانت (على اليد) ظاهرة بذلك فلا بُدَّ من رفع اليد عنه.
وأمَّا ما هو المعروف بينهم، فنحن نذكر له تقريباً يندفع به ما أُورد عليه، وهو: أنَّ الضمان في أيّ مكان في نظر العقلاء هكذا، معناه: (أنَّه إذا تلف هذا فعليك الخسارة)؛ إمَّا بالمثْل أو القيمة، فهو معنى تعليقيّ، فمفهوم الضمان تعليقيّ، غايته أنَّه قد يكون ثابتاً بالفعل، وقد يكون معلّقاً على شيء آخر.
فإنَّه مثلاً قبل وقوع يدك على مال الناس يكون هناك معنى تعليقيّ، وهو أنَّه إذا وقعت يدك على شيء فهو مضمون، ومعنى كونه مضموناً أنَّه إذا تلف
ـــــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فعليك الخسارة، ومرَّةً تقع يدي على مال الناس بالفعل فيكون مضموناً عليّ فعلاً، مع كون معنى الضمان تعليقيّاً.
فما قيل من أنَّ ما قاله المشهور لا يمكن قبوله لظهور الرواية بفعليّة الضمان، ناشئٌ من عدم التدبُّر في معنى التعليق؛ لأنَّ أصل ماهيَّة الضمان وإن كان أمراً تعليقيّاً، إلّا أنَّها مرَّةً تكون بالقوَّة ومرَّةً بالفعل، فيُقال: (هو مضمون عليك بالفعل)، إلّا أنَّ معنى الضمان تعليقيّ، فيُقال: (فعلاً إذا تلفت كانت في عهدتك).
وهذا احتمال ثابت في سائر موارد الضمان، كما لو قال: (أنا ضامن دينه) فهو في نظر العقلاء يعني: إذا لم يعطِ فأنا أعطي. وإذا قال: هذه العين في ذمَّتي، يعني: إذا تلفت فعليّ خسارتها، فالضمان معنى تعليقيّ في نظر العقلاء.
وإن شاء الله سوف نذكر الروايات المتفرّقة في أبواب الفقه، وقد جمعنا أكثرها، نذكرها في محلِّها تفصيلاً، ولا بُدَّ أن نلاحظ لنرى أنَّ ماهيَّة الضمان عند الشارع ما هو؛ ليقول: “من أضرّ بشيءٍ من طريق المسلمين فهو له ضامنٌ“(1).
الشيخ(2) بعد أن استظهر من الرواية الحكم الوضعيّ، رتَّب عليه حكماً،
ـــــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 350، باب ما يلزم مَن يحفر البئر…، الحديث 3، مَن لا يحضره الفقيه 4: 155، باب ما جاء فيمن أحدث بئراً…، الحديث 5346، تهذيب الأحكام 10: 230، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 38، ووسائل الشيعة 29: 241، باب أنّ مَن حفر بئراً في ملكه…، الحديث 35540.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 181، أحكام المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وهو: أنَّ الصغير والمجنون المميِّزَين إذا وقع تحت يدهما وسيطرتهما شيءٌ فتشملهما (قاعدة اليد).
أشكل بعض أهل التحقيق عليه، وقال(1): هل أنت قائلٌ بأنَّ جعل الحكم الوضعيّ ابتدائيّ، أو أنّه يجعل بتبع الحكم التكليفيّ؟ هل (على اليد) واردةٌ لإنشاء الضمان، أو إخبارٍ عن إنشاء سابق.
فإذا بنيت على ما تختاره أنَّ الضمانَ والحكمَ الوضعيَّ تَبعٌ للحكم التكليفيّ:
فإذا قلت: إنَّ الرواية تجعل الحكم الوضعي ابتداءً، كان ذلك خلاف مبناك.
وإذا قلت: إنَّها تجعله بتبع الحكم التكليفيّ، فأين الحكم التكليفي هنا ليكون تابعاً له؟
وإذا قلت: إنَّه إخبار عن جعل حكم وضعي سابق كان تابعاً لحكم تكليفي سابق، فهذا وإن كان لا مانع منه، لكن علاوةً على لزوم العناية في هذا المعنى، فإنَّ ما نريد أن نتمِّمه به لا يتمّ، فإنَّ الصغير والمجنون لا يشملهم الحكم التكليفي، فإن كان الوضع تابعاً للتكليف فهو أينما وُجِد وُجِد، وأينما ينتفي ينتفي، فلا يمكن شمول الحكم الوضعي لهما أيضاً.
ـــــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 302-303، حكم المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أو تقول: إنَّه بنحو الواجب المشروط، يعني المجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ…، فمنشأ الانتزاع إذا كان مشروطاً فالمنتزَع منه يكون مشروطاً أيضاً، فكما أنَّه إذا بلغ يكون مكلَّفاً كذلك إذا بلغ يكون ضامناً.
هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمد حسين.
الآن أذكر مطلباً للآغايون؛ لنرى أنَّه هل يندفع ما ذكره أو لا؟
إنَّنا بلا إشكال لا بُدَّ في موضوعات الأحكام الشرعيّة أن نسير على مذاق العرف، لا على مذاق العقل، ولكن إذا وردت قضيَّة من الشارع وكان لها معنى معيناً في نظر العرف، وقد أشكلت عليه إشكالاً عقليّاً، فنحن إذا رفعناه بأدقّ برهان عقليّ، فليس معناه أنَّنا استعملنا العقل في فهم موضوعات الحكم الشرعيّ، بل معناه أنّنا نتمسّك بالعرف ما لم يقم دليلٌ عقليٌّ على الخلاف.
فإذا استطعنا دفع إشكالك بالدقَّة العقليّة البالغة، فلا حقّ لنا أن نرفع اليد عن الظهور العرفي، فما أُريد أن أقوله وإن كان من حيث العرف ثقيلاً على الآغايون، إلّا أنَّه تامّ من الناحية العقليّة، فندفع إشكال الشيخ على مبناه.
الشيخ بعد أن يستظهر من (على اليد) باعتبار تعلُّقها بالمال لا بالفعل، يستظهر منها الوضع؛ لأنَّه لو تعلَّق بالمال كان ظاهراً بالاستقرار على العهدة، ثُمَّ قال: ومن هنا فالصغير والمجنون إن كانا مميِّزَين واستقرَّت يدهما على شيء، فإنَّ الضمان يكون عليهما.
أُشكل على الشيخ بأنَّ هذا المطلب الذي تقوله بالنسبة إلى الصغير
ـــــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والمجنون غير صحيح، فإنَّه يمكن أن يُراد من (على اليد) أحد معنيين: إمَّا جعل الوضع ابتداءً، أو أنَّه إخبارٌ عن جعل سابق.
فإذا كان المراد بها إنشاء الوضع فهو على أيِّ حالٍ خُلْفٌ بناءً على مسلكك.
فإنَّها إن كانت تفيد ابتداءً جعل الحكم الوضعيّ؛ فهو خُلْف مسلكك باعتبار أنك تمنع الجعل الابتدائيّ للحكم الوضعيّ.
وإن كانت تفيد جعل الحكم التكليفيّ ويُنتزع منه الحكم الوضعيّ، فهو خُلفٌ أيضاً؛ لأنّك تقول: إنَّها ظاهرة بالوضع دون التكليف، فلا تكليف في المقام ليُنتزع منه شيء.
مضافاً إلى أنَّ التكليف غير موجود بالنسبة إلى الصغير والمجنون، ليُنتزع منه حكمٌ وضعيٌّ ويكونان ضامنين.
هذا بناءً على إرادة الإنشاء.
وأمَّا بناءً على كونها إخباراً عن حكم سابق، فلا مانع عقلاً أن تكون إخباراً عن إنشاء تكليفيّ سابق.
ولكنَّ أصل المبنى غير تامّ، وعلى فرض تماميته لا يتمُّ هذا الحكم الذي تريده؛ لأنَّك تريد إثبات الحكم للصغير والمجنون، والمفروض أنَّهما لا حكم لهما تكليفاً لا الآن ولا سابقاً، والحكم الوضعيّ تابع قوَّةً وفعلاً لمنشأ انتزاعه وهو الحكم التكليفيّ.
وأمَّا إذا قلتم: إنَّه حكم تكليفي مشروط بأيام البلوغ والإفاقة، فهذا لا
ـــــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يمكن؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون الأمر المنتزع مطلقاً، ومنشأ الانتزاع مشروطاً؛ لأنَّه تابع له.
نحن الآن لا نُريد أن نثبت أنَّ مطلب الشيخ صحيح، فإنَّنا لا نلتزم بأنَّ الأحكام الوضعية غير قابلة للجعل، بل نرى إمكان جعلها المستقلّ حتَّى الجزئيَّة والشرطيّة، وهذا موكول إلى محلِّه، ولا نريد أن نقول: إنَّ ما نقوله مرضيٌّ عند الشيخ، بل لعلَّه لا يرضاه.
ولكن افرضوا أنَّنا قلنا بأنَّه يستحيل الجعل الاستقلاليّ الابتدائيّ للأحكام الوضعيّة، وقلنا بظهور (على اليد) بالحكم الوضعيّ، فالآن نريد أن نجمع بين ذاك الحكم العقليّ وهذا الظهور.
وقلنا: إنَّنا في مقام الاستظهار والدلالة، تبع للعرف ولا نُدخِل العقل في ذلك.
ولكن إذا كان للدليل ظهورٌ عرفيٌّ وأقمت برهاناً عقليّاً على عدم إمكان الأخذ به للزوم معنى ممتنعٍ، فإذا استطعنا بوجهٍ ما نقضَ هذا المعنى الممتنع، ولو لم يكن الوجه مرضيّاً للعرف والعقلاء، لكنَّه رافعٌ للامتناع، لا يبقى معه مانعٌ عند الأخذ بحُجِّيَة الظهور.
الفرض أنَّ (على اليد) ظاهرةٌ بالوضع وظهورها حُجَّة، والدليلَ العقليّ
-على مبنى الشيخ -قائمٌ على امتناع جعل الحكم الوضعيّ ابتداءً، لا بُدَّ أن نرى أنّه على الفرضين: فرض أنَّها إنشاءٌ للحكم، وفرض أنَّها إخبارٌ عن حكم سابق، هل يرد الإشكال فيهما؟ فإذا دفعناه نأخذ بظهور (على اليد).
ـــــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول: إنَّ (على اليد) بعدما كانت ظاهرة بجعل الحكم الوضعي، ودل العقل على استحالة جعل ابتدائي، نقول: إنَّ الحكم الوضعي الابتدائي الجدي لا يمكن.
ولكن الجعل الإنشائي -الإنشاء الصوريّ- لحكمة ومصلحة لا بأس به، فنقول: إنَّ الإنشاء هنا صوريّ إرشاديّ إلى حكم تكليفيّ، يكون هو منشأ الانتزاع للحكم الوضعيّ الجدِّيّ، فإنَّ هذا الجعل يرشدنا بواسطة حكم العقل بالاستحالة إلى حكم تكليفيّ شرعيّ، يكون منشأً لجعل حكم وضعيّ جدِّيّ مطابق لهذا الحكم الوضعي في سعته وإطلاقه.
إذن، إذا كان مفاد (على اليد) هو الإنشاء لا يلزم الخُلْف، فإنَّ هذا الظهور متّبع، وحكم العقل باستحالة جعل الحكم الوضعيّ ابتداءً قرينة على أنَّ هذا الحكم الوضعي صوريّ، أُتي به للإرشاد إلى منشأ انتزاع الحكم الوضعي الجدِّيّ، حيث يكون إرشاداً إلى حكم تكليفيّ جدِّيّ مطابق من حيث الإطلاق لهذا الحكم الصوريّ، فيشمل أيَّ مورد يشمله بإطلاقه، وذاك الحكم التكليفيّ يكون منشأً للحكم الوضعي الجدِّيّ، فلا يلزم الخُلْف، فهو ليس إخباراً، بل إنشاء وجعل أُتي به للإرشاد إلى حكم تكليفيّ، يكون منشأ لحكم وضعيّ جدِّيّ سعته بسعة هذا الوضع الصوريّ، فلا يلزم الخُلْف.
وإن كان بحسب مقام الدلالة وحكم العقلاء لا يمكن الأخذ بهذا الكلام، فإنَّه من قبيل الأكل من القفا، ولكن حيث إنَّ الرواية لها ظهورٌ، وقد وقف أمامها حكم العقل بالاستحالة، وقد دفعناه، فنأخذ بظهور الرواية.
ـــــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا ما يقوله من أنَّه على تقدير تتميم مبناك، فإنَّه لا يمكن تتميمه بالنسبة إلى الصغير والمجنون، سواءٌ أخذنا التكليف مشروطاً أو مطلقاً.
نقول: يمكننا أخذ التكليف معلّقاً أو أخذه مشروطاً على مبنى الشيخ، فإنَّ الشيخ يقول بالنسبة إلى القيود الظاهر رجوعها إلى الهيئة أنَّها ليست راجعة إليها، ولا يمكن ذلك، بل هي راجعة إلى المادَّة، غايته إمَّا أنَّها راجعة إلى المكلّف به أو إلى المكلّف.
فآية الحجّ مثلاً إمَّا معناها: يجب على المستطيع الحج، أو يجب الحجّ حال الاستطاعة.
وفي باب الغرامة إذا كان التكليف مشروطاً بالبلوغ والعقل، فلا بُدَّ أن يعود إلى المكلَّف أو المكلَّف به، فإمَّا أن نقول البالغ العاقل يجب عليه الغرامة، أو تجب الغرامة عند البلوغ والعقل.
وفي (على اليد) بما أنَّها لها إطلاق للطفل والمجنون المميِّزَين، نقول إنَّ هذا القيد لا يعود إلى المكلَّف بل إلى المكلَّف به، وتكون نتيجته نتيجة الواجب التعليقيّ، أي: من الآن يجب على الطفل والمجنون المميِّزَين أن يعطي الغرامة عند البلوغ أو الإفاقة، فبناءً عليه نأخذه بنحو الواجب المشروط، ويكون القيد راجعاً إلى المكلَّف به، فإذا كان الأمر كذلك، كان الحكم التكليفيّ فعليّاً ويكون منشأً لانتزاع الحكم الوضعي(1)، فلا يرد الإشكال.
ـــــــــــــ[200]ــــــــــ
() إلا أنَّ الحكم الوضعيّ يكون بمقدار الحكم التكليفيّ لا محالة؛ لأنَّه تابع له قوّةً وفعلاً، فكما كان الحكم التكليفيّ أنَّه من الآن يجب عليك الغرامة بعد البلوغ. كذلك الحكم الوضعي بأن يقال: من الآن أنت ضامن بعد البلوغ، ويستحيل أن يكون المنتزَع منه مقيّداً والمنتزَع مطلقاً. وحينئذٍ ينتج عدم ضمان الطفل والمجنون لا محالة، إلّا مشروطاً بالبلوغ، فلا يكون ذلك تصحيحاً لكلام الشيخ كما هو واضح، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، يبقى كلامٌ آخر، وهو أنَّ هذا إنَّما يتمُّ بالنسبة إلى المجنون الذي يفيق والصغير الذي يبلغ.
أمَّا المجنون والصغير الذي يموت بحاله، فلا يمكن أن نقول بالنسبة إليه بالواجب المشروط ولا المعلّق.
إلّا أنَّ المسألة حينئذٍ تكون كما يلي: إنَّ القوانين الشرعيّة الإلهيّة ليست بنحو أنَّها خطابات للأشخاص كلّ واحد واحد، وإنَّما هي قوانين كلِّيّة بالنسبة إلى كلّ البشر في العالم، الغافل منهم والنائم، والجاهل بالحكم والعالم، والقادر والعاجز، وليس أنَّه أخذ في موضوع التكاليف تمام حالات المكلَّف، وأن يكون بالغاً، قادراً، عاقلاً، عالماً؛ ولهذا يقولون في الشكّ في القدرة: لا بُدَّ من الاحتياط، وإلّا لو كانت القدرة من قيود التكليف لكان الشكّ فيها شكّاً في التكليف، ولكنها من الأعذار العقليّة، فالتكليف الفعليّ متوجِّهٌ إليه، فإذا لم يعلم أنَّه مقدور كان مقتضى الاشتغال وجوب الامتثال.
وإنَّما يُعبّر عن القدرة بأنَّها من الشرائط العامّة للتكاليف مسامَحة في التعبير، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلم، فإنَّه ليس أنَّ الحكم مجعول للعالِمين ومخصوص بهم، بل عامّ للجميع، رغم عدم إمكان توجُّه الخطاب إلى الغافل والنائم، وما
ـــــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ذلك إلّا لأنَّ موضوع الخطاب هو الناس لا الأفراد، حتَّى لا يكون شاملاً للجاهلين والكفّار والعصاة.
فكما أنَّ القدرة شرط عقليّ، كذلك نقول: في الجنون نقول: إنَّه من الأعذار العقليّة. والصِبا أيضاً نقول: إنَّه من الأعذار العقليّة، لا أنَّه أخذ (التكليف) يعني: البلوغ، في موضوع الأحكام، فإنَّ تعبير (رفع القلم…) ليس معناه تخصيص الأدلّة بالنائم والمجنون والصغير، بل إطلاق الأدلّة يشملهم، غايته أنَّ الرفع يكون بلحاظ المؤاخذة أو بنحو المعذوريّة.
(وهنا قال جواباً على سؤال): المعذوريّة لا تصدق إلّا مع وجود التكليف، ومع عدمه لا تصدق، والأحكام وإن كانت انحلاليّة، لكن ليس بمعنى الخطابات الكثيرة، فلذا لو قال: (كلّ نار باردة)، فإنَّه لم يكذب إلّا مرَّةً واحدةً، لا عدداً غير متناهٍ من الكذب.
فإذا كانت هذه الأمور من قبيل الأعذار العقليّة أو الشرعيّة، فبالنسبة إلى الصبيّ الذي لا يبلغ والمجنون الذي لا يفيق، التكليف الفعليّ موجود، لكنَّه معذور، وليس منشأ الحكم الوضعيّ إلّا التكليفي(1) وهو موجود.
ونحن لا نرتضي كلام الشيخ، ولا هذا الذي قلناه الآن، ولكن على فرض
ـــــــــــــ[202]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ مقتضى انتزاعه منه هو كونه ثابتاً بمقداره، فكما يكون معذوراً عن الحكم التكليفي يكون أيضاً معذوراً عن الحكم الوضعي، وإلّا لزم كون منشأ الانتزاع مقيّداً والمنتزَع مطلقاً؛ وهو باطل. وهذا ينتج عدم تماميّة كلام السيّد في تصحيح كلام الشيخ، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قبول مبنى الشيخ، وظهور (على اليد) في الوضع، وثبوت إطلاقها للصبي والمجنون، فالإشكال لا يكون وارداً.
ومن جهة الموارد التي استدلّ بها، قضيَّة الأمَة التي اشتُريت من السوق، واستولدها المشتري، وجاء صاحبها يطالب بها، فالإمام يجيب: بأنّه (يجب ردُّ الأمَة إلى صاحبها مع قيمة الولد، ويرجع إلى البائع، ويأخذ الثمن وقيمة الولد منه)(1).
وأنا لا أعلم أنَّ الشيخ(2) والآخرين(3) توجَّه ذهنهم إلى الأمَة المسروقة، وقيمة الولد، وبحثوا حولها كثيراً، ولم يبحثوا عن الثمن، فإنَّه بحسب ما ورد في حسنة (جميل) التي هي كالصحيحة، أمر بالرجوع على البائع بالثمن وقيمة الولد، فلمّا لم يبحث بالثمن مع أنَّ حكمه واضح. فإنَّ البائع وإن كان غاصباً إلّا أنَّ المشتري غير ملتفت إلى ذلك، بل أخذ الجارية بالبيع الفاسد، فإطلاق الرواية يقتضي أنَّه يرجع على البائع، سواءٌ كان عين الثمن موجوداً أو معدوماً
ـــــــــــــ[203]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 7: 82، الحديث 353، الاستبصار 3: 84، الحديث 285، ووسائل الشيعة 21: 205، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 5. قوله: “يأخذ الجارية المستحقّ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أُخذت منه“.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 181.
(3) اُنظر: المكاسب والبيع 1: 297، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 93، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 304، حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 93، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
-مع العلم أنّه في باب الأثمان حين يأمر بأخذ الثمن ليس معناه أنَّه يأخذه بعينه، بل بماليّته-.
إذن تكون هذه عين مسألتنا، وهو المقبوض بالبيع الفاسد، فلماذا بحثوا في الأمَة المستولدة؟!
وإن شاء الله تعالى نراجع الروايات؛ لنرى ما هو المقصود من قيمة الولد؟ ولن نبحث في مسألة الأمَة المسروقة؛ لأنَّ لذلك بحثاً مستقلّاً، بل نبحث بالمقدار المربوط بمحلِّ الكلام.
استدلّ الشيخ بالروايات الواردة في شراء الأمَة، استدلّ بها بنحو الإشارة في دفع إشكال يأتي في خلال الكلام، فلا بُدَّ من النظر إلى هذه الروايات.
منها: ما رواه في الوسائل من أبواب نكاح العبيد والاماء، باب86 -وهو آخر الأبواب-: الشيخ بإسناده عن الصفار، عن معاوية بن حكيم، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله، في الرجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثُمَّ يجيء مستحِقُّ الجارية، قال: (يأخذ الجاريةَ المستحِقُّ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أخذت منه)(1).
وهذه الرواية كالصحيحة، وكان ينبغي أن يُقال: إنَّها لولا أن أحدَ رواتها فطحيٌّ.
هذه المعاملة وقعت في السوق، طرفٌ واحدٌ للمعاملة أصيلٌ وهو المشتري،
ـــــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) مرَّ تخريجها قريباً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والطرفُ الآخر غيرُ أصيل وهو البائع، فإنَّه إمَّا كان غاصباً أو اشتراها من غاصب، غير ملتفت إلى ذلك.
فعندنا كلام بالنسبة إلى الثمن الذي أعطاه الأصيل إلى الآخر بمقتضى هذه المعاملة الفاسدة، يعني الفاسدة فعلاً، لا أنها فاسدة اقتضاءً، وكلام حول قيمة الولد.
بالنسبة إلى الثمن، الرواية دالَّة عليه -في مسألتنا وهو المقبوض بالبيع الفاسد- لِما قلناه من أنَّه في باب الأعيان إذا قيل: (فليذهب وليأخذه)، يعني: يأخذ نفس العين.
وأمَّا في باب الأثمان فليس الأمر كذلك، بل كلّ ما أخذه فهو فلوسه عرفاً، فسواء كان الثمن باقياً أو تالفاً عمداً أو بتلف سماويّ، إطلاق الرواية يقتضي أنَّ المشتري له حقّ أن يأخذه من البائع باعتبار أنَّه بيع فاسد، وأنا لم أفهم لماذا لم يبحثوا في الثمن، وقصروا بحثهم على المُثمَن؟! مع أنَّه واضح الدلالة على المطلب، وهو أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد يوجب الضمان، وإن كان التلف سماويّاً، غايته أنَّ الرواية تعرَّضت للثمن دون المُثمَن.
وأما بالنسبة إلى المُثمَن وهو الأمَة، فيمكن أن يُقال: إنّ يد المشتري على هذا المال هي يد على مال الغير، من دون أن يكون الغير سلَّمه إيَّاه، فإنَّ التوهُّم الذي كان في البيع الفاسد وهو أن صاحب المال قد سلَّمه برضاه، والرضاء بالمعاملة متضمّن للرضا بالتصرُّف، هذا التوهُّم له مجال بالنسبة إلى المشتري، ولكنه لا مجال له في الطرف الآخر، فإنَّه على أيِّ حالٍ يكون ضامناً له، ولا
ـــــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يُستفاد من الرواية: أنَّ إرجاع المُثمَن كان لأجل فساد المعاملة.
الآن نراجع الروايات بمقدار ما بحث الشيخ عنه: قال: “يأخذ الجارية المستحقّ“، وهذا جارٍ على القواعد؛ لأنَّ المعاملة فاسدة، والجاريةُ ملكُ المستحقّ فيستطيع أن يأخذها.
و”يدفع إلى المبتاع قيمة الولد” ظاهرها أن المشتري لا بُدَّ أن يعطيه قيمة الولد، وظاهر أنَّها قيمة الولد فعلاً، وإن كان عمره عشر سنوات أو عشرين، نريد أن نرى أنَّ هذا كيف ينسجم مع القواعد؟ فإنَّنا إذا قلنا: إنَّ الولد المشتبه(1) من حيث انعقاد النطفة يتعلَّق بوالده، ويتكوَّن بنحو الحرية -كما قال الفقهاء-، ولا يكون رِقّاً لصاحب المال، إذا قُلنا بهذا المعنى فإعطاء قيمة الولد جارٍ على أيّ قاعدة؟
فإنَّ الضمان إنَّما يكون لأجل قاعدة الإتلاف لمال الناس، وهذا الطفلُ لم يكن مالكُ الجارية مالكاً له في وقت من الأوقات، فهو ليس مال الغير ولم يحصل فيه إتلاف، فإنَّنا فرضنا أنَّ ولد الشبهة من الأوَّل كالولد الصحيح، وليس رِقّاً، ولم يدخل في مالِ مالكِ الأمة، فلو أتلفه أيضاً لا يكون ضامناً.
فهل هو على نحو ما يقوله البعض من أنَّ النطفة التي في الرحم، وإن كانت من الرجل، إلّا أنَّه وصل إلى هذا الحدّ بواسطة الدم والقوى التي في الرحم، إذن فقد أتلف شيئاً حصل بدم الجارية؛ إذن، فيكون ضامناً.
ـــــــــــــ[206]ــــــــــ
() يعني: ولد الشبهة، باعتبار أن ولد الأمَة في المقام ولد شبهة، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول: فليكن حصل بدم الجارية، فإنَّ غايته أن يكون كالبذر الذي زرعه بأرض الغير، وسقاه من ماء الغير، فهل يلازم ذلك أنَّ الشجرة تكون لغير صاحب البذر؟ غايته يكون ضامناً لقيمة الدم والقوى التي صُرفت على الولد.
يقول: وخصوصاً إذا قلنا: إنَّ الولد من نطفة المرأة، ونطفة الرجل تلقِّحها، هذا لا يفيد إلا إذا قلنا: إنَّ الولد الآن رِقٌّ وملكُ الغير، فهذا يكون على القواعد، وأمَّا إذا قلتم بحرِّيّته(1)، فلا يفيد كونه من نطفة المرأة.
أو مثلاً نقول: إنَّه حين يتولَّد يكون حرّاً؛ إذن، فهو إتلاف. افرضوا أنَّه أصبح حرّاً، وافرضوا أنَّه حين التولُّد كان إتلافاً، إلّا أنَّ ظاهر الرواية أنَّه يدفع قيمته الآن لا قيمته حال الولادة، بالإضافة إلى أنّي لم أتلف شيئاً لا بالمباشرة ولا بالتسبب، إذن فلا يمكن أن يُتمَّم على القواعد.
أو مثلاً نقول كما يقول آخر: إنَّ الرحم بما أنَّ الأمَة كان يمكن أن تشغله بولد يكون رِقّاً، فأشغله المشتري بولد حرٍّ، إذن فهو ضامن(2)، لماذا يكون ضامناً لقيمة الولد، وخصوصاً قيمته المالية؟ إذا ألقى حنطته في مخزن غيره فهل يغرم قيمة الحنطة أو أجره المكان؟
هل يمكن أن يلتزم شخصٌ بأنَّ الرِقّيّة موجودة إلى حين يشتريه والده، بأن يُستفاد من هذا الرواية ورواية محمد بن قيس الآتية، بأنه وإن كان ولداً مشتبهاً،
ـــــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 304، حكم المقبوض بالعقد الفاسد.
(2) اُنظر: المصدر السابق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إلّا أنَّه يُستفاد من قوله: “يأخذ الولد بقيمته” أنَّه لا بُدَّ أن يشتريه ليكون حرّاً، فإنَّ هذا الولد بما أنَّ والده حرٌّ صار متشبِّثاً بالحرية؛ إذن، فلا بُدَّ من شرائه بهذا النحو، وهذا المعنى ينسجم مع القواعد إذا التزم به شخص.
وفي رواية محمد بن قيس وهي صحيحة وهي أول رواية في الباب، عن أبي جعفر قال: “قضى في وليدةٍ باعها ابن سيّدها وأبوه غائبٌ، فاشتراها رجلٌ، فولدت منه غلاماً، ثمّ قدم سيّدها الأوّل، فخاصم سيّدها الأخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني. فقال: خذ وليدتك وابنها. فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه -يعني: الذي باع الوليدة- حتَّى يُنفذ لك ما باعك. فلمّا أخذ البيّع الابن، قال أبوه: أرسل ابني. فقال: لا أُرسل ابنك حتَّى ترسل ابني. فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه“(1). انتهى.
ينقل(2) عن الشيخ أنّه قال: إنَّ الإمام إنَّما أمر بأخذ المشتري لولد الآخر لأجل أن يفكّه منه، وبعد أن أخذه أجاز، فصار الأولاد أحراراً، فيُعلم أنَّه عند الشيخ كان الأولاد باقين على الرقِّية، وبالإجازة صاروا أحراراً، فهذا يكون على القواعد. هذا بالنسبة إلى هذه الرواية.
الرواية الثانية من هذا الباب: عن أبي عبد الله الفرّاء (وهو مجهول)، عن
ـــــــــــــ[208]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 21: 203، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 1.
(2) هذا موجود في ذيل الرواية في نفس الباب من الوسائل نقلاً عن الشيخ الطوسي، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
حريز، عن زرارة قال: “قلت لأبي جعفر: الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثُمَّ يجيء الرجل فيقيم البيِّنة على أنَّها جاريته لم يبع ولم يهب فقال: يردّ إليه جاريته، ويعوّضه بما انتفع. قال: كأنّ معناه قيمة الولد”(1)، فهنا لا بُدَّ أن نقول: إنَّ الانتفاعات التي أخذها من الجارية كالوطء والخدمة وغيرها، فلولا تفسير زرارة لقلنا هكذا، لكن بتفسيره يُعلم أنَّ الولد هو أحد الانتفاعات.
إذن فيمكن أن يُقال -كما أشار إليه الشيخ(2)– إنَّ هذا الولد بتمامه ملك الغير، وأنت قد استوفيت منفعته، لا بمعنى أنَّك أتلفته أو أكلته، بل هو نحو من الانتفاع بمقتضى تفسير زرارة، الذي لا بُدَّ أنَّه أخذه من مصدره.
فنقول: إنَّ هذا الولد وإن كان ولداً للمشتري، فإنَّ التوليد بين الجنسين وإن كان تكويناً لا يختلف بين الإنسان والحيوانات، لكنَّ العقلاء يفرّقون بين الموردين، فيرون في الحيوانات أن الولد نماء الأم، وأن مالك الأمّ مالك للولد، وليس للآخر حقّ المطالبة، فما كان نماء أو كالنماء لشيء يقول العقلاء: إنَّه تابع له، وهذا الولد نماء للجارية، فهو تابع لها عقلائياً، فهو رِقّ وتبع للملك، ورقّيته تكون بهذه التبعية، إذن فهذا الولد نماء في ملك الغير قد انتفع به هذا الشخص، ووجه الانتفاع به هو كونه ولده، ولذلك تأمر الرواية بدفع قيمة الولد، إذن من هذه الرواية لا يبعد فهم ذلك.
ـــــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 21: 204، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 2.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 181.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
لكن هناك رواية تخالفها وهي الرواية الرابعة من الباب، وهي إمَّا مرسلة أو إذا كانت مسندة فضعيفة، وهي عن زرارة، قال قلت لأبي عبد الله: “رجل اشترى جارية من سوق المسلمين، فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولاداً، ثُمَّ إنَّ أباها يزعم أنَّها له -ويحتمل: أباه يعني والد البائع، وإلّا فالوالد لا يملك بنته، وفي نسخة (الوافي) الذي هو أضبط من الوسائل: ثُمَّ أتاها من يزعم أنَّها له- وأقام على ذلك البيِّنة، قال: يقبض ولده، ويدفع إليه الجارية، ويعوّضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها“(1).
وفي معنى ذلك احتمالان:
أحدهما: أنَّ الإمام يريد أن يعطي قيمةً للولد؛ لئلا يقع فيها الخلاف، فيقدّر قيمته تقديراً تعبُّدياً وهو أن يعطي له بمقدار قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها، فقيمة الولد هنا ليست عقلائيّة، بل تعبُّدية.
ثانيهما: أنَّ الإمام يريد أن يعيِّن قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها؛ لئلا يقع فيه الخلاف، فجعل عليه قيمةً الولد، لأجل ضبط ذلك، إلّا أنَّ قيمة الولد بنفسها معتبرة في العهدة.
فهذا(2) يكون شاهداً على أنَّ الروايات الآمرة بإعطاء قيمة الولد، خالية عن كونه حرّاً، إذ إنَّ الانتفاعات غير مضبوطة، فإنَّها انتفاعات في الرحم وفي
ـــــــــــــ[210]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 21: 204-205، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 3.
(2) يعني: الاحتمال الثاني، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الرضاع وفي الخدمة وغير ذلك، فتكون مورداً للمشاجرة والمحاكمة، فأراد الإمام() أن يذكر قيمة تقديريّة هي قيمة الولد.
إذن، فهذا يفرّق، فإنَّ الولد إن كان حال طفوليّته فخدمتها قليلة وقيمة الولد قليلة، وإذا كان الولد كبيراً فخدمتها كثيرة وقيمة الولد كثيرة، فهذا ينسجم مع القواعد.
إذن، فهذا القسم من الروايات على هذا الفرض لا ربط له بالمأخوذة بالبيع الباطل، بل هو مطلب آخر يمكن انسجامه مع القواعد إذا جعلنا بعض الروايات قرينة على بعض، وقلنا: إنَّ هذا بحث تطفُّلي لا يمكن أن يتمّ بهذه السرعة، ولكنَّنا تعرَّضنا له لأجل تعرُّضهم له، ورواية جميل تدلّ على مدّعانا في الضمان في البيع الفاسد، ودلالتها في الثمن دون المُثمَن.
من جملة الأمور التي استُدِلَّ بها على الضمان في (المقبوض بالعقد الفاسد) قاعدة: (كلّ عقد يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده)، ولا نعلم أنَّه (يُضمَن) أو (يُضمِن) أو (يُضمَّن) أو (يُضمِّن)، في كِليهما، أو أحدهما على شكل والآخر على شكل آخر، والمعروف (يُضمَن)، وهذه العبارة التي قِيلت ليست موردَ نصٍّ ولا إجماعٍ، ولكن نبحث عنها لنُصحِّح مضمونها، ويقول الشيخ إنَّها موجودة عند المتأخِّرين عن العلَّامة، وقد تعرَّض الشيخ الطوسي لنحوها(2)، فلا بُدَّ أن نرى معناها ونرى مدى صحَّتها لنأخذ بها كقاعدة عامّة.
ـــــــــــــ[210]ــــــــــ
() إن صحت الرواية، (المقرِّر).
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 182، مسألة أحكام المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمّا بالنسبة إلى هذا المعنى وهو: أنَّ التضمين بالصحيح والتضمين بالفاسد، كيف نعملهما بشكل لا ينفكّ بين هذين الجملتين، على حين أنَّ الضمان بالصحيح يكون بالمُسمّى، والضمان بالفاسد معناه ضمان المثْل والغنيمة الواقعيّة، فماذا نعمل لكي لا يكون تفكيكٌ بين الجملتين؟ هذا مختلف في عبائر الأصحاب.
فالشيخ يقول: إنَّ الضمان عبارة عن إعطاء الدرك والخسارة، وأن يقع في مال الإنسان الأصليّ، غاية الأمر يكون مرَّةً اعتباريّاً بجعلها بين المتبايعَين جعلاً خاصّاً، كما لو باعا الدابّة بمائة، فإذا تلفت الدابّة فلا بُدَّ من أن يُعطي خسارتها من مال نفسه، والمدرك في المقام جعليّ. ومرَّة يكون الضمان مستلزماً لأداء قيمته الواقعيّة، كالمعاملة الفاسدة إذا تلف المبيع في يد الإنسان، والمصداق الآخر هو ما قاله الشهيد في الهبة المعوّضة من أنَّه يضمن ويخسر أقلّ الأمرين من القيمة والثمن(1).
فالجامع هو كون الخسارة واقعة في مالي والنقصان لا بُدَّ أن أجبره، والاختلاف في كونه جعليّاً أو واقعيّاً أو أقلّ الأمرين من باب الاختلاف في المصاديق، وسبب عدم إمكان التفكيك بين الأمرين هو وجود الجامع.
وأمَّا ما قاله البعض من أنَّه إذا تلف مال الإنسان فهو من معاني الضمان(2)،
ـــــــــــــ[212]ــــــــــ
() مسالك الأفهام 6: 63، إذا تلف أو عاب في الهبة المعوّضة.
(2) كما في قولهم: لو تلف المبيع قبل قبضه، فهو من مال البائع، ومضمونٌ عليه. فمعنى الضمان هنا كما صرَّح به جماعةٌ من الأعلام هو لزوم الغرامة عليه بالتلف والتدارك له بالبدل عنه، بحيث يعود الخسران والنقيصة في ماله الأصلي لا ما قيل في معناه من محض كون التالف في ملكه وفائتاً من ماله. اُنظر: بُلغة الفقيه 1: 77، قاعدة “ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده”.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ليس كذلك؛ فإنَّه لا يُقال على شخص: إنَّه ضامن إذا تلف من ماله شيئاً، وإنَّما يقول هنا: إنَّه ضامن؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يُعطي العوض فيصدق الضمان.
هذا محصّل ما يقوله الشيخ(1)، فهل يمكن أن نصدَّقه بحسب عرف العقلاء؟ فإنَّه يعترف أنَّ الإنسان إذا خسر من ماله شيئاً لا يُقال: إنّه ضامن، بل الضمان بمعنى إعطاء الجبران والدرك، وكأنَّه يقبل هذا المعنى، وهو أنَّه إذا كان المبيع والثمن موجودَين وحوَّلت الثمن إليه، لا يُقال: إنَّه جبران ودرك.
ولكنَّه في مورد واحد يقول: إنَّه ضمان، وهو ما إذا تلف. فحين يعطى الثمن إليه يقول: إنَّ هذا جبران للخسارة.
نرى أنَّه هل يفرق بين هذا المورد؟ لا إشكال أنَّه إذا احترقت عباءته فقد خسر شيئاً، إلّا أنَّه لا يُقال: إنَّه جبران ودرك، وليس من باب الضمان، وبعد أن تتمَّ المعاملة تكون العباءة لي والثمن لك، فهنا إذا أعطيتني الثمن قبل تسليم العباءة، فهل هذا يكون جبراناً؟ فإذا كان الثمن عندي للغير والمُثمَن عندي لنفسي وتلف مالي، فهل يكون هذا ضماناً؟ وهل يكون ردُّ الثمن لصاحبه ضماناً وجبراناً للخسارة؟ فهل أعطي المال لنفسي، أو أنِّي قد أتلفت شيئاً على غيري لكي أجبره؟ فهل إعطاء الثمن لصاحبه جبران لهذه الخسارة؟ أو أنَّه من ردِّ
ـــــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 183 ـ 184، الكلام في معنى قاعدة ما يضمن بصحيحه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
المال إلى صاحبه، إنَّك تعترف أنَّ تلف مال الإنسان ليس ضماناً، وكذلك إرجاع المال إلى صاحبه ليس ضماناً ولا جبراناً للخسارة، بناءً عليه لا يمكن تتميم هذا الوجه من أنَّه لا تفكيك بين الجملتين بأن يكون كِلاهما بمعنى الضمان والدرك، مع أنَّ الضمان بالفاسد ليس دركاً، وإنَّما هو إرجاع المال إلى صاحبه.
بعضٌ قال: إنَّ الدرك يكون بالمِثْل أو القيمة الواقعيّة(1)؛ لأنَّ الدرك الجعلي الذي يقول به الشيخ وهو المُسمّى، إنَّما هو لِما قبل القبض، وأمَّا أنَّ (ما يُضمَن بصحيحه يُضمَن بفاسده) فهي أسّست لِما بعد القبض؛ لتفهمنا موارد (على اليد).
وبعد القبض إذا كان مال الغير عندي، فقد قيلت هذه الجملة لهذه النكتة، وهي: أنَّه إذا جاء واشترى منِّي شيئاً بعقدٍ صحيحٍ، وسلَّم الثمن، وبقي عندي المُثمَن، وانفسخ العقد إمَّا بفسخ أو انفساخ، فهنا يكون الضمان بالمِثْل الواقعيّ.
إذن فعلى قوله يكون معنى الجملة: (كلّ فسخ عقدٍ متعقّبٍ بالقبض والتلف، يُضمَن بصحيحه). فالمراد من العقد هو فسخ العقد بعد تحويل المُثمَن وتلف الثمن، هل هذا يمكن استفادته من الجملة؟ هذا لا ربط له بالعقد بعد أن انفسخ بالفسخ، وأنَّ رفع اليد عن الدليل، والالتزام بما ذهب إليه الآخوند من المجاز في إحدى الجملتين، خيرٌ من هذا التعسُّف.
وآخر يقول: إنَّ الضمان معناه أنَّ الشيء يكون في ضمن الشيء، كالدلالة
ـــــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 266، في بيان معنى الضمان في القاعدة. وذكره قبله السيّد بحر العلوم في بُلغة الفقيه 1: 75-76، معنى الضمان في القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
التضمُّنيّة في ضمن الدلالة المطابقيّة، غايته أنَّ الشيء إذا قيل: إنَّه في ضمن الإنسان، يعني في ضمن عهدته وذمَّته. وإذا قيل: إنَّه في ضمن العقد، فهو يفيد الضمان(1).
ومنه أنَّ الإمام ضامن لقراءة المأموم(2) بهذا المعنى، لا أعلم أنَّه يريد أنَّ القراءة في ضمن الإمام، أو أنَّ المأمومين لا يعلمون القراءة، فتكون قراءة الإمام جبراناً للخسارة.
وهذا مع أنَّ هذا المطلب ليس موافقاً لا للُّغة ولا للعرف، فإنَّ للضمان معانٍ، وليس أنَّها ترجع كلُّها إلى معنى الضِّمن(3).
ويُستنتج من قوله هذا: أنَّ كلّ عقدٍ وقع في ضمن الإنسان، سواءٌ كان صحيحاً أو فاسداً، فهو في عهدته؛ لنرى أن كون الشيء في عهدة الإنسان هل معناه عند العقلاء كونه ضامناً، مثلاً إذا كنت مديناً لزيد بعشرة دنانير، فهذا المال في عهدتي، ويجب عليَّ أن أحوّله إليه، فهل معنى هذا هو الضمان، أو أنَّ الضمان هو درك الخسارة والجبر لها، فهو عهدة الخسارة لا مطلق العهدة؟
ـــــــــــــ[215]ــــــــــ
() حكاه بحر العلوم في بُلغة الفقيه 1: 72، والآملي في تقريرات بحث الميرزا 1: 300، والخوانساري في منية الطالب 1: 265، معنى قاعدة ما يضمن.
(2) قوله: “إنَّ الإمام ضامنٌ للقراءة، وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه. إنَّما يضمن القراءة“. أُنظر: تهذيب الأحكام 3: 279، ح820، وسائل الشيعة 8: 353 باب وجوب إتيان المأموم بجميع واجبات الصلاة إلّا القراءة.
(3) أُنظر: لسان العرب 13: 257-258، المصباح المنير: 364 مادّة (ضمن).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الآن نحن تخيّلنا وجهاً؛ لنرى أنَّ الجملتين هل ينسجمان مع بعضهما أو لا؟
وأمَّا إذا لم تنسجم فليس الأمر مهمّاً؛ لعدم كونها روايةً أو معقدَ إجماعٍ، بل نرى ما يرى الآخوند من كونهما مجازاً وحقيقةً، وسيقت لأجل بيان الحقيقيّ منهما.
نقول: يمكن أن تكون الجملة هكذا: أنَّ الثمن الذي لك والمُثمَن الذي لي، إذا وقع العقد تتبدَّل يدي المالكيّة إلى يد غير مالكيّة، فإنَّ المال أصبح للغير، وأنا مسؤول على مال الغير، فبعد هذا الانقلاب ليس الثمن أمانةً شرعية(1)، ولا أمانةً مالكيّة، فتشملني (قاعدة اليد)، وتقول: إنَّه ضامن.
والضمان هو بالمِثْل الحقيقيّ الواقعيّ -ونحن نتكلَّم حسب القواعد-، والثمن الذي في يد ذاك أيضاً كذلك، قد انقلبت يده عليه من ماله إلى مال الغير، وتشمله (قاعدة اليد)، وتقول: إنَّه ضامن، والضمان أيضاً بالمِثْل والقيمة.
والعقدُ بالنسبة إلى الانقلاب تمامُ السبب، ولكنَّه للضمان ليس تمام السبب، بل سببه كلّ من العقد والاستيلاء، فإذا كان عقداً بلا استيلاء فلا ضمان، وإذا كان استيلاءً مأذوناً فيه فلا ضمان، ولكن هنا بما أنَّ العقد والاستيلاء غير المالكيّ يوجد بعد الانقلاب، فيوجد الضمان بحسب إطلاق (قاعدة اليد) معنى الأخذ والاستيلاء، كما سوف تقول.
هذا بالنسبة إلى العقد الصحيح، وفي الفاسد أيضاً كذلك، فإنَّ العقد
ـــــــــــــ[216]ــــــــــ
() لا يبعد كونه أمانة شرعيّة ما دامت الفوريّة العرفيّة محفوظة، أو كان مشترطاً في العقد ونحوه، فتأمّل، (المقرِّر)..
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الفاسد مع الاستيلاء معاً أصبح سبباً للضمان الواقعيّ، فإنَّ العقد الفاسد هو الذي اقتضى التسليم، فصار له نحو من السببيّة(1).
إذن، فكلٌّ من العقد الصحيح والفاسد كِليهما جزءُ السبب، والاستيلاء جزؤه الآخر، وكِلاهما سبب للضمان الواقعيّ، فليس هناك تفكيك بين الجملتين.
غايته يبقى مطلب واحد: أنَّ (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه)، كلّ شيء تلف قبل القبض فهو خارج من كيس البائع.
فالمُثمَن هنا وإن تبدَّل إلى مال الغير، ولكنَّه حين يتلف فهو يتلف من ماله، فلا يكون مضموناً عليه للآخر، نقول: إنَّ هذا موجود في البيع دون غيره من المعاملات، ونقول: إنَّه وإن لم يضمن بصحيحه إلّا أنَّه جزء العكس(2) لا جزء الأصل، فإذا حصل إجماع فنقيِّدها به.
مضافاً إلى أنَّ (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) ظاهره أنَّ التلف وقع من مال نفس البائع، لا من مال الغير، ومقتضاه حصول الانفساخ.
والقاعدة (يعني ما يضمن…) تقول بالضمان مع حفظ عقديّته، وذاك يقول: إنَّ العقد انفسخ، فيخرج عن مورد القاعدة موضوعاً.
ـــــــــــــ[217]ــــــــــ
() هذه سببيّة خياليّة بعد فرض كونه فاسداً، فليس هنا سبب الضمان: أنَّ التسليم من دون إذن بالتصرُّف سوى الإذن المعاملي الباطل، (المقرِّر).
(2) لا بد أن يكون قصد السيّد من العكس هو: ما لا يُضمَن بصحيحه لا يُضمَن بفاسده. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا إذا عمَّم شخصٌ مورد قاعدة (كل مبيع…)، وقال: إنَّنا نفهم منها: كلّ عوض ومعوَّض تلف قبل القبض فهو من مال من كان عنده.
إذا قيل ذلك فمن الممكن جدّاً أنَّه هكذا: أنَّه إذا تلف ينفسخ العقد، فلا يكون عقداً ليكون له مسبّبيّة، ولكن سببيّته للضمان لا تذهب، وفائدته هو شموله لذاك الطرف.
وذلك نحو ما قالوه في باب جعل نصف الأرض للبنت، إذ أشكلوا أنَّ هذا الجعل لا أثر له(1)؛ لأنَّ للبنت وحدها الكل، ومع الأب خمسة أسداس، ومع الزوج ثلاثة الأرباع، ومع الأخ الثلث.
الجواب على هذا: أنَّ جعل النصف هو لأجل الردِّ، فإنَّ كيفيّة الردِّ يكون بنسبة الفرائض، فيُعطى النصف لصاحب النصف.
فهنا هكذا نقول: إنَّ قاعدة (ما يُضمَن…) تريد أن تُقرِّر الضمان الواقعي، وإنَّ الإنسان ينبغي أن لا يتخيَّل نفسه غير ضامنٍ في العقد الفاسد، ثُمَّ هي تُعطى مورد الضمان فتُقرِّر أنَّ كلّ عقدٍ يكون ذاتاً مضموناً بصحيحه فهو مضمونٌ بفاسده، وهنا وإن ذهب السبب، إلّا أنَّ السببيّة للضمان موجودة.
والمرحوم الآخوند سهَّل الأمر، فقال: إنَّ ما يُضمن بصحيحه مجاز، من
ـــــــــــــ[218]ــــــــــ
() يظهر أثره فيما لو كان أب نصفه لمملوك، وأم وزوجة وبنت منفردة، فللأب نصف السدس، وللأم السدس، وللزوج الربع، والنصف للبنت. والفريضة من 24 اُنظر ص313 من (نخبة الأحاديث). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
باب فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(1)، ولا مانع من ذلك.
وعلى الوجه الذي ذكرناه يكونان شبهتين من حيث السببيّة للضمان.
هذا من جهة الكلام عن الرواية.
الشيخ بعد أن يبحث عن هذا المطلب، وهو وجود الانسجام بين الجملتين ولا يتبع التفكيك بينهما، بأنَّ الجامع بين مدار الضمان موجود، وحيث إنَّه أُريد الجامع فلا تفكيك، وإن كان الضمان في كلّ مورد بنحو؛ أحدهما ضمانٌ جعليٌّ، والآخر ضمانٌ واقعيٌّ، إلّا أنَّ هذا من خصوصيات الموارد، وإلا فإنَّ الجملتين تدُلَّان على أصل التعهُّد والضمان، والجامع بينهما.
ثم يقول: وإذا ثبت ذلك، فالمراد بالضمان بقولٍ مطلق هو الضمان الواقعيّ؛ لأنَّ التدارك الواقعي هو التدارك حقيقةً(2).
نحن نريد أن نفهم معنى كلامه، فهل هو يريد أن يقول: إنَّ مقتضى إطلاق القاعدة هو أنَّ التداركَ واقعيٌّ، غايته دلَّ الدليل في موارد التدارك الجعلي على أنَّ التدارك جعليّ، وفي موارد أقلّ الأمرين عليه.
أو مراده: أنَّه إذا أُلقي الضمان على الإطلاق فهو ينصرف إلى الضمان الواقعي، وأمَّا الضمان الجعليّ فهو خلاف الانصراف، فلو بقينا نحن والإطلاق لحكمنا في سائر الموارد بالضمان الواقعيّ، لولا دلالة دليل على الخلاف في العقد الصحيح.
ـــــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) البقرة: 194. وكلام الآخوند في حاشية المكاسب: 30، في بيان معنى القاعدة.
(2) كتاب المكاسب 3: 184، معنى الضمان في القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أو مراده: أنَّ المعنى الحقيقيّ للضمان هو الضمان الواقعيّ، دون الضمان الجعليّ، كما قد يلوح من قوله: هو التدارك حقيقة(1).
إذا كان مراده هو الأخير، إذن؛ فكلامه المتقدِّم ينقطع أساسه؛ لأنَّ مراده هو أنَّ هناك جامعاً بينهما، فلا يناسب ذلك أن يقول: إنَّه في أحدهما حقيقيّ والآخر مجازيّ. إذن، فهو لا يريد أن يقول ذلك.
أو يريد أن يقول: إنَّ الإطلاق يقتضي ذلك:
فأوَّلاً: أنَّ القاعدة لا إطلاق لها، فإنَّ القاعدة في مورد بيان الملازمة بين ضمان العقد الصحيح وضمان العقد الفاسد، لا بيان كيفيّة الضمان؛ ليكون لها إطلاق، بل بعد الفراغ عن معنى الضمان نقول: إنَّه كما أنَّ العقد الصحيح لا ضمان فيه، كذلك العقد الفاسد، وبالعكس.
وثانياً: مع فرض وجود الإطلاق، فأنت الذي فرضت جامعاً للضمان، وجعلت كلّ واحد من هذه الأمور مصداقاً له، فالفرق بين الجامع والمصداق هو: أنَّه إذا أضفت قيداً وجودياً أو عدمياً على الجامع يكون مصداقاً للجامع. والفرق بينهما هو: أنَّ الجامع عبارة عن نفس الطبيعة، والمصداق هو الطبيعة المقيّدة بكذا أو لا كذا. فالأنواع أو الأقسام تمتاز عن الجامع بإضافة شيء من الخصوصيّات إليه، كما أنّ بها تمتاز الأقسام بعضها عن بعض، وكذلك الكلِّيّات الثلاثة: الماهيّة اللابشرط، والماهيّة بشرط شيء، والماهية بشرط لا. ليس معنى اللابشرط هو أنَّها بلا قيد، وإلا لم يفترق عن اللابشرط المقسمي، ولذا قالوا: إنَّ
ـــــــــــــ[220]ــــــــــ
() ص102 المكاسب، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
اللابشرط المقسمي هو بمعنى: بلا قيد، وهذا اللابشرط القسمي يعني: بقيد اللابشرطية، وهذا على مسلك القوم وإلا فإنَّ لنا مسلكاً آخر(1).
فالذي تقوله هنا هو: أنَّ الضمان أمرٌ جامعٌ بين الأقسام الثلاثة.
إذن، فقد أُخذت ماهيَّة الضمان بلا قيدٍ أصلاً، فقط إنَّه عهدة الخسارة، أمَّا أنَّه عهدة الخسارة بالواقع أو بالجعل أو بأقلّ الأمرين، فهي قيودٌ تردُ على المقسم فتُميِّز المقسم عن الأقسام، والأقسام بعضها عن بعض، فإذا فرضتم جامعاً وكانت هذه خصوصيات المورد، فاللفظ قد أُطلق وأُريد به الجامع، وأنت تُريد أن تستفيد منه المقيّد، ومقتضى إطلاقه هو كون المكلَّف مخيّراً بين الأقسام، كما لو قال: (أكرِم عالماً) وكان له إطلاقٌ، فنفهم منه أنَّ تمام الموضوع لوجوب الإكرام هو طبيعة العامّ، والاختيار لك في تطبيقه على إكرام أيّ عالمٍ كان. فمقتضى فرض الجامع، وكون الخصوصيّات للمورد، هو: أنَّه إذا فرضنا أنَّ للقاعدة إطلاقاً، فهو يقتضي أنَّك لست مقيّداً بأيّ قيد من هذه القيود، بل تريد أن تخرج عن الضمان بأيّ نحوٍ كان، فإنَّ لك ذلك سواءٌ كان الضمان الجعليّ أو الواقعيّ أو غيره.
فإذا كان مراده من قوله: الضمان بقولٍ مطلق، هو أصالة الإطلاق، لا يكون كلامه تامّاً.
ـــــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) اُنظر: مناهج الوصول 2: 317، المقصد الخامس في المطلق والمقيّد، وجواهر الأُصول 5: 223، المقصد الخامس في المطلق والقيّد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بقي أن يكون مراده أنَّه منصرف عن غير الضمان الواقعي، بمعنى أنَّ العرف يفهم ذلك، فيحصل التفكيك، فإنَّ غاية جهده هو تصوُّر الجامع، فإذا كان الانصراف ثابتاً فمعناه أنَّ الإرادة الجدِّيّة متعلّقة بضمان المِثْل أو القيمة (يعني الضمان الواقعيّ). إذن، ففي كلّ مورد دلّت قرينة على الضمان بمعنى تلتزم به، وإلّا فهو ضمان واقعيّ.
إذن فاختلفت الجملتان، فإنَّ إرادة الجامع وحده لا ينفع في الانسجام بينهما، إذا تعلَّقت إرادة المتكلِّم بكلّ قسم بعنوانه، حاله حال إرادة العالم بعنوانه والجاهل بعنوانه، رغم أنَّ الجامع بينهما هو الإنسان. إذن، فالتفكيك حاصل.
ومن هنا نفهم مطلبا آخر، هو أنَّه بالمقدار الذي قلناه هو أنَّ الضمان ضمان واقعيّ وهو يناسب القاعدة، فما يقوله الشيخ من كون الضمان ضماناً حقيقياً يحتاج إلى دليل بعد بطلان الانصراف والإطلاق، وكونه معنى حقيقيّاً باطل أيضاً، إذن فلا يتمّ كلام الشيخ.
هذه القاعدة، بحسب الصورة التي لها، لا تفيد أكثر من هذا المقدار، فإنَّها إمَّا بصدد جعل الملازمة بين العقد الصحيح والعقد الفاسد في الضمان، أو بصدد جعل الضمان في العقد الفاسد بعد الفراغ عن وجوده في العقد الصحيح، أو أنَّها إخبار عن ذلك.
فما يقال من أنَّ هذه القاعدة أُسِّست لتمييز موارد قاعدة (اليد)، أو لتمييز
ـــــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
اليد المجَّانيّة عن سواها، غير صحيح؛ فإنَّ الأوَّل يحتاج إلى دليل، وأمَّا الثاني فهذا هو موضوعها، لا أنَّها أُسِّست لذلك. وهذا ليس بشيء.
إنَّما الكلام في معنى (كلّ عقد) المسّور بالكلِّيّة، هل معناه (كلّ فرد)، أو (كلّ نوع)، أو كلّ صنف من العقد، أو المراد كلّ هذه الأمور؟
ونحن قلنا فيما سبق: إذا لم تكن في القضيّة قرائن، فإنَّ اللفظ وُضِع لنفس الماهيّة، وقد حصل تلو (كلّ) التي وضعت للتكثير والاستغراق.
فهنا نحن واللفظ الدالّ على الطبيعة، و(كلّ) الدالّة على التكثير، والإضافة الدالّة على تكثير الطبيعة، ولا طريق لنا إلى أنَّ التكثير يكون بالنوع أو الصنف، فإنَّ اللفظ كالإنسان دالٌّ على نفس الطبيعة ومن أنواعها وأصنافها وأفرادها، وإنَّما يصدق عليها صدقاً خارجياً أو اعتباريّاً، ولم يُوضع اللفظ لكي يُفهم منه الأفراد أو الأصناف أو الأنواع.
بناءً عليه إذا قيل: (كلّ بيع) أو (كلّ عقد)، لا نفهم منه إلّا الكثرة من هذه الطبيعة، وببركة (كلّ) تدلّ على كلّ فرد من الطبيعة.
وأمَّا التكثير النوعيّ أو الصنفيّ فهو يحتاج إلى قرينة، وبدونها تفيد -تكثير الطبيعة- السريان إلى ما تصدق عليه الطبيعة وهو الأفراد.
وفي المقام عند (كلّ عقد) ورد بعده: (يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده).
يقول الشيخ(1) إنَّها ظاهرة بأنَّه يُتصوَّر للعقد مصداقان، وكونه يتحقَّق على
ـــــــــــــ[223]ــــــــــ
() اُنظر: قوله في كتاب المكاسب 3: 185-186، أنَّ عموم العقود ليس باعتبار الأنواع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
شكلين صحيح وفاسد، فإذا كان صحيحه مضموناً فالفاسد مضمون، وإذا لم يكن صحيحه مضموناً فالفاسد كذلك.
وأمَّا إذا أردنا حفظ ظهور الصدر، وقلنا إنَّ معناه (كلّ فرد من أفراد العقد)، إذن فلا بُدَّ عن رفع اليد من ظهور الذيل، فهل يمكن تتميم ما يقوله الشيخ بنحو القضيّة الحقيقيّة بأن يقال: كلّ فرد من أفراد العقد الصحيحة إذا فُرض أنَّه فاسد، يكون مورداً للضمان إذا كان في الصحيح ضمان؟
هذا لا يتمّ:
أوَّلاً: لأنّا قلنا بأنَّ القضيّة الحقيقيّة قضيّة بتِّيّة، وكلّ فرد يوجد في الخارج يكون مصداقاً لها في ظرف وجوده. وليست قضيّة فرضيّة أو مشروطة.
وثانياً: لو فرضناها قضيّة فرضيّة، فهل تفيد هذه القاعدة جعل الفاسد محلّ الصحيح؟ يعني لو كان الصحيح فاسداً لكان كذا. فإنَّ القاعدة على ما يقول الشيخ -وما هو الصحيح- من أنَّها تفيد هذا المطلب وهو: أنَّه يُتصوَّر للعقد مصداقان أحدهما صحيح والآخر فاسد، فإذا كان الصحيح مورداً للضمان كان الفاسد كذلك.
إلّا أنَّ مقتضى القضيّة الحقيقيّة هو أن نفرض للماهيّة أفراداً صحيحة وأفراداً فاسدة، فيكون معناه أنَّ كلّ فرد وُجِد في الخارج وكان صحيحاً ولم يكن مورداً للضمان، الأفراد الفاسدة إذا وُجِدت أيضاً لا تكون مورداً للضمان، وأمَّا إذا كان الصحيح مورداً للضمان فالأفراد الفاسدة كذلك.
ـــــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا إذا كان معنى القاعدة ما قاله بعض المحقِّقين(1) من أنَّ: كلّ فرد إذا وقع صحيحاً وكان مورداً للضمان، إذا وقع فاسداً
كان ضامناً أيضاً(2)، فهذا غير تامّ؛ لأنَّ ما وقع في الخارج لا يتبدَّل عمَّا وقع عليه، وإذا فرضتموه فاسداً فهو فرض لأمر غير واقع.
مضافاً إلى أنَّ القاعدة لا تكون متناولة إلّا إلى الفرد الصحيح، ولا تكون مورداً للعمل أصلاً، وإنَّما تكون مورداً للعمل إذا كان لها مصداقان. إمَّا أن يكون الفرد الصحيح خارجاً فاسداً، أو أن يكون الفرد الفاسد مصداقاً للصحيح، فهذا محال.
ـــــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) هذا القول احتمله الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب واستضعفه، واختاره بعض، كما حكاه في بُلغة الفقيه، والظاهر أنَّه مختار الميرزا النائيني، كما في تقريرات بحثه (للآملي والخوانساري). وهذا القول ترجيحٌ للعموم الأفرادي في القاعدة. (اُنظر: كتاب المكاسب 3: 186، بُلغة الفقيه 1: 70، كتاب المكاسب والبيع 1: 304-305، منية الطالب 1: 269، في بيان معنى القاعدة).
(2) هذا القول احتمله الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب واستضعفه، واختاره بعض، كما حكاه في بُلغة الفقيه، والظاهر أنَّه مختار الميرزا النائيني، كما في تقريرات بحثه (للآملي والخوانساري). وهذا القول ترجيحٌ للعموم الأفرادي في القاعدة. (اُنظر: كتاب المكاسب 3: 186، بُلغة الفقيه 1: 70، كتاب المكاسب والبيع 1: 304-305، منية الطالب 1: 269، في بيان معنى القاعدة).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا لم تستطع القاعدة أن تتناول كلّ فرد لمكان المحذورين اللذين قلناهما، فهل نحن ملزمون بأخذ الصنف، كما يقول الشيخ(1)، أو إنَّه بعد بطلان الأخذ بالأفراد فلنأخذ النوع؟
فما هو هذا الصنف الذي يقوله الشيخ؟ في الصلح والهبة وغيره؟ صنفان صنف مجَّاناً وصنف ليس بالمجّان، فصنف المجان صحيحه لا ضمان فيه ففاسده أيضاً كذلك، وصنف المجَّان مضمونٌ صحيحُه ففاسده أيضاً مضمونٌ.
أقول: بعد أن امتنع حمل (كلّ عقد) على الأفراد، فبارتكاز العقلاء -بل قيل إنَّ اللفظ يدلّ عليه- أنَّه يدلّ على النوع، فيكون معناه: أنَّ كلّ نوع بحسب اقتضاء نوعيّته، إذا كان في فرده الصحيح ضمانٌ ففي فرده الفاسد ضمانٌ، مع إخراج القيود الخارجيّة المؤثِّرة في المقام، كاشتراط عدم الضمان في المعاملة مثلاً. فالمراد –بارتكاز العقلاء- هو النوع لا الصنف.
وأمَّا ما قد يُقال من أنَّ الطبيعة تكثّرٌ من نواحٍ متعدّدةٍ من حيث الصنف والنوع، وأيُّ دليل لنا على أحدهما؟ ولعلَّ الشيخ لا مضايقة له عن هذا المعنى؛ ولذا قال: (إنَّه لا يختصّ بالنوع)(2).
هذا له محتملات: وهو ما إذا قلنا: إنَّ ذلك بنحو القاعدة الكُلِّية وهي: أنَّ كلّ طبيعة وقعت موضوعاً للتكليف، فهي تكثّر كلّ فرد وصنف ونوع، يعني:
ـــــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 185، أنَّ العموم في العقود ليس باعتبار الأنواع.
(2) المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أكرم(1) كلّ فرد، وأكرم كلّ صنف، وأكرم نوع. فإذا فرضنا زيداً فرداً من العامّ وفرداً من الصنف وفرداً من النوع، فهل يحتاج إلى ثلاث إكرامات؟ لأنَّك التزمت، أنَّ جعل الحكم على الفرد على حِدةٍ، وجعله على الصنف على حِدةٍ، وجعله على النوع على حِدةٍ، فالطبيعة انقسمت خارجاً إلى الصنف بما أنَّه صنفٌ والى النوع بما أنَّه نوعٌ، فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ (أكرم كلّ عالم) فيه تكثيرات مختلفة بحسب العناوين المختلفة، فيدلّ على أحكام متعدّدة.
ثُمَّ إنَّه في عرض واحدٍ، لا لوجه أن يُريد المتكلِّم نفس الطبيعة، ويريد نوعها ويريد صنفها؛ فإنَّك لا بُدّ أن تقول: إنَّ المتكلِّم في حال الجعل كان ملحوظه هو الطبيعة والصنف والنوع بما أنَّه صنف ونوع، وإلا فإنَّ مقتضى الطبيعة هو تكثيرها الأفراديّ، فهذا يحتاج إلى دالٍّ ولا يقوم به الكلام الواحد، فعلى فرض كونه أمراً جائزاً عقلاً، إلّا أنَّه منكَرٌ عند العقلاء.
نعم، إذا كان مقصوده هو النوع نقبله، أمَّا إرادة الصنف فيحتاج إلى دليل، فإنَّ الكلام هنا -كما يقول الشيخ- عن نفس القاعدة لا عن مدركها.
هل قاعدة (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده) تفيد العموم الأفراديّ، أو العموم والتكثير الأنواعيّ، أو التكثير في الأصناف، أو الأعمّ منها؟
أوَّلاً: لا بُدّ أن نرى أنَّ هذه القضيّة من أيّ أنواع القضايا؟ فهي قضيّة
ـــــــــــــ[227]ــــــــــ
() على مثال أكرم كلّ عالم. (المقرِّر)
تقريرات، كتاب البيع، ج3
شرطيّة متّصلة وليست قضيّةً حمليّةً، فإنَّه يريد؛ إمَّا أن يُخبر عن الملازمة بين الضمان في الفاسد والضمان في الصحيح، بمعنى أنَّ كلّ عقد يأتي صحيحه بالضمان ففاسده يأتي بالضمان، نظير الإخبار بـ (كُلَّما طلعت الشمس فالنهار موجود). أو يُريد أن يُنشئ هذا المعنى ويجعل الملازمة. وعلى أيِّ حالٍ هي قضيّة متّصلة شرطيّة.
إذن، فلا بُدَّ أن نرى أنَّ جعل الربط والاتّصال وقع بين أيّ شيء وأيّ شيء، وهل نستطيع أن نتمِّم ما قاله العلَّامة والشهيد على هذه التقريبات، أو لا؟ هل جعل الملازمة بين الصحيح والفاسد، هو كما يشير إليه الشيخ، من أنَّ للطبيعة مصداقين، والقاعدة تريد أن تجعل الملازمة بين العقد الصحيح الخارجيّ والعقد الفاسد الخارجيّ، نظير: (إذا بلغ الماء قدر كُرّ لا ينجسه شيء)، فإنَّ الحكم هنا وإن كان وارداً على العنوان إلّا أنَّ بلوغ الماء قدر كُرّ لا يكون إلّا في الخارج، فهنا يجعل الملازمة بين العنوانين بوجودهما الخارجيّ.
ونتيجته أنَّ العقد الفاسد إذا وقع عند وقوع وتحقُّق العقد الصحيح المضمون(1)، يكون مضموناً، بحيث إذا لم يتحقَّق في الخارج عقد صحيح فلا ضمان في الفاسد. أو يُريد أن يقول: إذا وُجِد عقدٌ في الخارج وكان فاسداً، إذا فرضناه صحيحاً وكان مورداً للضمان، فهذا مضمون، بحيث يتكلَّم عن الفرض والتقدير، فإنَّ القضايا الشرطيّة المتّصلة فيها تقدير؛ لأنَّها قضيّة شرطيّة، وإن كانت حقيقيّة.
ـــــــــــــ[228]ــــــــــ
() يعني الذي يأتي بالضمان اقتضاءً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والصحّة والفساد عنوانان يعرضان للشيء في ظرف وجوده الخارجي، والماهيّة قبل تحقُّقها لا صحَّة لها ولا فساد. وحينما تتحقَّق في الخارج: إذا كانت مطابقة للمأمور به فهي صحيحة، وإن كانت مخالفة له فهي فاسدة. أمَّا ماهيّة الصلاة بما هي فلا تكون صحيحة ولا فاسدة.
وكذلك البيع بماهيّته البيعيّة لا صحيح ولا فاسد، لكن حين يتحقَّق في الخارج إذا كان واجداً لتمام الشرائط المعتبرة شرعاً يقع صحيحاً، وإلَّا يقع باطلاً. فالصحّة والبطلان من شؤون الوجود الخارجي؛ ولذا قلنا(1) في مبحث الصحيح والأعمّ، إنَّ عقد المبحث بالشكل الذي عقدوه باطل.
فإذا كانت الصحّة والفساد للمعاملة بوجودها الخارجيّ، ففردٌ يوجد صحيحاً وفردٌ يوجد فاسداً، فالقاعدة يمكن تتميمها على هذا الفرض، ويكون معناها: أنَّ العقد الذي يُوجَد في الخارج ويُضمن صحيحه، فاسده أيضاً يُضمن.
ونتمِّم كلام الشيخ على هذا الأساس، باعتبار أنَّ الطبيعة لها مصداقان فعليّان؛ أحدهما صحيح والآخر فاسد، فبما أنَّ القضيّة شرطيّة متّصلة، وتريد أن تُوقع أو تُخبر عن الملازمة بين الضمان في الموردين، فنقول: إنَّ معناها: إذا وُجِد الفرد الصحيح وكان مضموناً، فإذا وُجِد الفرد الفاسد كان مضموناً كذلك، بحيث إنَّه لو لم يُوجد الصحيح فلا ضمان في الفاسد.
كما أنَّ الكُرَّ إذا لم يكن في الخارج، أو كان ولم يبلغ كُرّاً فلا حكم له، فهنا بما
ـــــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) اُنظر: تهذيب الأصول 1: 47، في الصحيح والأعمّ، الأمر الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنَّ الصحّة والفساد في العقد مرتبط بالضمان وهما من الأمور الخارجيّة، فلازمه لزوم وجود العقد الصحيح حتَّى يكون الفاسد مضموناً.
وأمَّا إذا لم نستطع أن نلتزم بذلك فنقول: إنَّ القضيّة تقديريّة لا فعليّة، يعني: أنَّه إذا وقع عقد في الخارج وكان فيه الضمان، إذا وُجِد(1) في الخارج وكان فاسداً ففيه الضمان.
فإنَّ القضيّة إذا كانت هي شرطيّة متّصلة، والقضيّة الشرطيّة المتّصلة تفيد إيجاد الملازمة بين الطرفين، لا أنَّ الحكم ورد على عنوان خارجيّ، كما هو الحال في قولنا: (الكُرُّ معتصمٌ) و(المستطيع يحجُّ)، فإنَّه هنا لم يفرض الموضوع تقديراً، بل هي قضيّة بتِّيّة، بخلاف: (إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لم ينجسه شيء)؛ لأنَّ الشرط إذا حصل حصل الحكم، فهنا إذا قال: (كلّ عقد يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده) لا يُريد أن يقول: (العقد (2) يُضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، بل (إذا وُجِد عقدٌ يُضمن بصحيحه ففي فاسده ضمانٌ)، كما أنَّه لا يُريد أن يقول: (النهار موجود)، بل يُريد أن يقول: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود).
فما المانع أن نقول إنَّ للقاعدة عموماً أفراديّاً، فإنَّ هذا إنَّما كان باطلاً إذا بنينا
ـــــــــــــ[230]ــــــــــ
() ظاهره عود ضمير الفاعل على العقد الصحيح، فيكون تقديراً لفساد العقد الصحيح، فربما ورد عليه إشكال أن ما فُرض صحيحاً يستحيل أن يُفرض فاسداً فتأمَّل. (المقرِّر).
(2) كذا قال السيد، والأحسن أن يُقال: العقد الذي يضمن… الخ، وحينئذ لا تخرج عن كونها شرطيّة تقديريّة كما هو واضح (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
على التقريب السابق، وهو أن يقال: بأنَّ العقد الصحيح لو كان فاسداً فكذا.
والعلامة والشهيد ذكروا(1) أن كلّ عقد فاسد كان صحيحه مضموناً فيكون هو مضموناً، وهذا مطلب علميّ مستقلّ ذكروه، لا أنَّه معنى القاعدة.
فنحن الآن نقول: كلّ فرد من أفراد العقود إذا وُجِد في الخارج وكان صحيحاً وفيه ضمان، لو وُجِد في الخارج فاسداً ففيه ضمان، فكِلاهما قضيّة فرضيّة شرعيّة، والضمان مترتِّب على فرض الوجود الخارجيّ، فهذا تقدير للفرد، إلّا أنَّ الوجود الخارجيّ الفعليّ للفرد لو كان صحيحه فاسداً.
حينئذٍ نقول -حول المثال الذي ذكره العلَّامة(2) وهو الإجارة بلا أجرة
ـــــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) اُنظر: تذكرة الفقهاء 15: 224، كتاب الوكالة، اللواحق، مسألة: 821، 16: 244، كتاب العارية، الركن الثالث، الروضة البهيّة 3: 264-265، في عقد البيع وآدابه، المسألة الخامسة، مسالك الأفهام 3: 154، كتاب البيع، المقبوض بالعقد الفاسد، 12: 174، كتاب الغصب أسباب الضمان..
(2) قواعد الأحكام 2: 44، شرائط بيع السلف، جامع المقاصد 7: 120، كتاب الإجارة، المطلب الثاني، حكاه عن بعض حواشي الشهيد، مسالك الأفهام 5: 184، كتاب الإجارة، كتاب المكاسب 3: 186.
وتوضيح ذلك: أنَّ الثابت في عقد الإجارة مع فساد العقد أُجرة المثل؛ لإنَّه يضمن بصحيحه، واستثنى الشهيدان من ذلك ما لوكان الفساد باشتراط عدم الأُجرة، وكذا في البيع لو باع بلا ثمنٍ، كما هو أحد وجهي العلّامة، ولذا حكما هنا بعدم الضمان.
وللأعلام في توجيه ذلك كلامٌ، راجع: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 31، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 314، المكاسب والبيع 1: 306، 2: 269، منية الطالب 1: 266، بيان معنى الضمان في القاعدة، مسألة البيع بلا ثمن.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والبيع بلا ثمن-: إنَّه مصداق وفرد للبيع، لو كان صحيحاً ليس فيه ضمان؛ لأنَّ القرار وقع على عدم الثمن، فإذا وُجِد فاسداً فليس فيه ضمان، والفرض أنَّه وُجِد فاسداً، فالملازمة ليست بين مصداقين فعليّين حتَّى يستشكل من هذه الناحية، بل بين تقدير مصداقين.
إذن نقول: إنَّ تمام أفراد العقد مورد النظر، والذيل يكون مطابقاً للصدر، وإنَّما نأخذها بمعنى النوع إذا كان الوجود فعليّاً، بل حتَّى لو أخذنا القضيّة نوعيّة أيضاً لا بُدَّ أن تكون تقديريّة، ولا بُدَّ للشيخ أن يلتزم به، وإذا كانت القضيّة تقديرية فلا مانع من الأخذ بإطلاقها الأفراديّ، ونحافظ على ظهورها.
إذن فلا مانع من عمومها الأفراديّ، ونقول: إنَّه إذا وُجِد مصداق فاسد كبيع المجهول، ولم يكن في العالم غيره، إذا وُجِد صحيحاً وكان مضموناً شرعاً، فالآن هو مضمون، فلا بُدَّ أن نتكلَّم على هذا الأساس في مدرك القاعدة، ولا حاجة إلى النظر إلى الصنف والنوع.
وحتَّى إذا بنينا على ملاحظة الصنف والنوع، فأيضاً لا بُدَّ أن يكون على وجه تقديريّ.
وحينئذٍ لا حاجة إلى ملاحظة صنف أو نوع أو فرد غيره، بل هذا الصنف
ـــــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أو النوع إذا وُجِد يكون مضموناً إذا كان صحيحه لو وُجِد يكون مضموناً، سواءٌ كان هناك فردٌ مضمونٌ أو لم يكن.
وهذا يختلف عن مسلك الشيخ من ملاحظة الوجود الفعلي للصنف ممَّا يأتي عليه الإشكال السابق، فكما نستطيع أن نـأخذ الفرد كذلك نستطيع أن نأخذ النوع والصنف، ولكن حيث إنَّ الكلَّ ممكنٌ، فنقتصر على ما عليه الظهور وهو التكثير الأفراديّ، وأمَّا النوع والصنف فيحتاج إلى دليل.
والعكس أيضاً يصحّ، كما ذكره العلَّامة في العقد بلا ثمن أنَّه لو كان صحيحاً لم يكن فيه الضمان، فهذا الفاسد ليس فيه ضمان، فالإشكال غير وارد فيه، ولكنَّ إشكاله أنَّه ليس معنى للقاعدة، بل هو مطلب علميّ مستقلّ.
وأمَّا بالنسبة إلى هذا المعنى وهو: أنَّنا إذا بنينا على تناول القاعدة للنوع والصنف كما يقول الشيخ(1): (لا يختصّ بالنوع)، فإنَّنا لا يمكن أن نقول: إنَّ بعضه نوع وبعضه صنف، بل إمَّا أحدهما وإمَّا كِليهما.
فإذا بنينا على ملاحظة كِليهما تقع المعارضة بين طرد القاعدة وعكسها، في بعض الموارد، كعارية الذهب والفضَّة، فإنَّ نوعها ليس فيه ضمان فيندرج في العكس، وهو (ما لا يُضمن بصحيحة لا يُضمن بفاسده)، وصنفها فيه ضمان فيندرج في الأصل.
فإذا قلنا: إنَّ جعل الضمان حكم اقتضائيّ، وسلب الضمان أيضاً سلب
ـــــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 185، أنَّ عموم العقود ليس باعتبار الأنواع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
اقتضائيّ، ففي مثل ذلك إذا اختلف اقتضاء النوع والصنف يقع التعارض بين الحكمين الاقتضائيَّين.
وأمَّا إذا كان في طرف مقتضٍ وفي الطرف الآخر لا مقتضٍ، إنَّما لا يضمن لعدم المقتضي للضمان، فهنا يحكم بالضمان؛ لأنَّ المقتضي يُقدَّم على اللا اقتضاء. فإمَّا أن نقول لا تعارض بينهما، أو نقول: إنَّ الإخبار، أو جعل اللا اقتضاء أيضاً فيه نحو من المعارضة مع الاقتضاء!؟
بقي شيء وهو: أنَّ العبارة نُقلت بأنحاء مختلفة: (كلّ عقد يُضمن…) و(كلّ ما يُضمن…)، فإذا كان الثاني فهو يشمل كلّ العقود والإيقاعات كالوقف الذي لا يُضمن صحيحه فلا يُضمن فاسده وكالجعالة والخلع، ونحوها.
وأمَّا إذا قلنا: (كلّ عقد) فهي تختصّ بالعقود دون الإيقاعات، فإذا فرضنا الجعالة والخلع والوقف إيقاعاً لا عقداً فلا تشملها القاعدة، إلّا إذا قلت: إنَّها عقد فيه شائبة الإيقاع(1) فتشمله.
وفي (الباء) التي في القاعدة، يقول(2): إنَّها ظرفيّة أو سببيّة، فإذا كانت بمعنى الظرفيّة فلا اختلاف بين الصدر والذيل، وإذا كانت بمعنى السببيّة فلا
ـــــــــــــ[234]ــــــــــ
(1) هذا هو قول الأكثر: كالشيخ الأنصاري والميرزا النائيني. اُنظر: كتاب المكاسب 3: 183، المكاسب والبيع 1: 302، منية الطالب 1: 267، في بيان معنى القاعدة.
(2) كتاب المكاسب 3: 187، الكلام في معنى الباء في القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بُدَّ من التصرُّف في معنى السببيّة في الصدر من السببيّة التامّة إلى السببيّة الناقصة؛ لأنَّ الصحّة في بعض الأحيان لها سببيّة ناقصة للضمان كالبيع في الصرف والسلم.
نقول: إنَّ (الباء) في المقام، هل هي ظرفيّة كما يقول الأدباء(1): (إنّ الظرفيّة أحد معاني الباء)؟ افرضوا أنَّها ظرفيّة بمعنى (في)، إلّا أنَّ (في) إذا وقعت في المقام للظرفيّة فلا بُدَّ فيها من التأويل، كما في (الباء)، فإنَّها إن استُعملت في مورد المكان والزمان كانت للظرفيّة حقيقةً.
وأمَّا في غيرها فالظرفيّة على أيِّ حالٍ تأويليّة، والعقد ليس له ظرفيّة لكي تستعمل (في) و(الباء) بمعناهما الحقيقيّ، بل لا بُدَّ من التأويل، بأن يقال: بما أنَّ العقد سبب للضمان فكأنَّها وُضِعت عليه.
فأنتم تأخذون (الباء) بمعنى (في) التي هي للظرفيّة، وتجعلون السببيّة نكتةً لها، فمِن الأوَّل خذوا (الباء) بمعنى السببيّة، لا أنَّكم تعتبرونها بمعنى (في) ثُمَّ تؤوّلونها بالباء السببيّة، فإنَّها حتَّى لو أخذت بمعنى (في) لا تفيد الظرفيّة حقيقةً.
وما يقوله أخذت بمعنى (في) لا يكون مفيداً للظرفيّة كـ(السير بالليل)، إنَّما هو فيما إذا كان المتعلّق ظرفاً(2).
ـــــــــــــ[235]ــــــــــ
() راجع على سبيل المثال خزانة الأدب 9: 511، الشاهد السابع والثمانون بعد السبعمائة، شرح ابن عقيل 2: 21، معاني (الباء) الجارّة.
(2) ومن أمثلة إفادة الباء للظرفيّة لو كان المتعلّق ظرفاً قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ (آل عمران: 123)، وقوله تعالى: نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (القمر: 34).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا في المقام فالمتعلّق ليس ظرفاً حقيقيةً، وإنَّما لا بُدَّ من التأويل على أيِّ حالٍ.
هذا كلُّه راجع إلى العبارة، والمتحصّل: هذه الاحتمالات الثلاثة:
الأول: أنَّ الضمان واقعيّ في الصحيح والفاسد، وهو الذي قلناه وآخرين.
الثاني: أنَّ الضمان في كِليهما ضمان معاوضيّ بالمعاملة كما قاله بعض وردّه الشيخ.
الثالث: أنَّ الجملة الأولى ضمان معاوضيَّ وهو العقد الصحيح، وفي الفاسد ضمان واقعي.
فلا بُدَّ من النظر إلى المستند لهذه الاحتمالات الثلاثة أو أحدهما أو لا مستند لها.
كان الكلام في قاعدة(1): (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده) في معناها ومحتملاتها، وكانت محتملاتها ثلاثة لكلٍّ منها قائل.
أولاها: أن يكون الضمان في الصحيح، والفاسد هو ضمان المُسمَّى.
ثانيها: أن يكون الضمان في كِليهما هو ضمان الثمن الواقعيّ.
ثالثها: أن يكون الضمان في الصحيح للمُسمَّى، وفي الفاسد للمثل.
والكلام الآن أنَّه لأيِّ هذا المحتملات مدرك نستند به على هذه القاعدة؟
ـــــــــــــ[236]ــــــــــ
() وبعد عطلة رمضان. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الشيخ ينقل عن الشهيد أنَّه يقول(1): إنَّ المشتري أقدم على أن يكون الضمان في عهدته واستدلّ أيضاً بدليل اليد.
ويقول الشيخ(2): إنَّ الشهيد يرجع كلام الشيخ في (المبسوط) أنَّه في كثير من الموارد منها باب إجازة البيع الفاسد يُعبِّر هكذا: أنَّه دخل في المعاملة على أن يكون المال مضموناً عليه، وإذا لم يُسلّم ضمان المُسمَّى وجب عليه ضمان المِثْل. فكأنَّ الشيخ تمسّك بقاعدة الإقدام.
ولنا هنا عدَّة كلمات:
إحداها: أنَّ الشيخ هل قال ذلك أو لا؟ وينبغي في ذلك استقصاء (المبسوط)، وفي حدود بحثي في كتاب البيع والإجارة لم أجد ذلك التعبير فيه، إلّا أنَّ الذي وجدته في مكانين:
ما هو قريب من ذلك لا عينه، ففي باب بيع العبد(3) يقول: (إذا باع عليه
ـــــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) اُنظر: مسالك الأفهام 4: 56، كتاب الرهن، أحكام متعلّقة بالرهن، كتاب المكاسب 3: 188، الكلام في مدرك القاعدة.
وللحديث اُنظر: عوالي اللآلي 1: 224، ح106، مسند أحمد 5: 13، حديث سمرة بن جندب، سنن أبي داود 2: 155، ح3561، باب تضمين العارية، سنن الترمذي 2: 368، ح1284، باب في أنَّ العرية مؤدّاة.
(2) كتاب المكاسب 3: 188.
(3) المبسوط 2: 149، فصل في تفريق الصفة واختلاف المتبايعين.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بيعاً فاسداً… إلى أن قال: وإن تلف في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت قبضه إلى وقت التلف… إلى أن قال: وإنَّما وجب الضمان عليه لأنَّه أخذ الشيء بعوض فإذا لم يسلِّم العوض المُسمَّى وجب عليه عوض المِثْل لـمَّا -أو لِـما– تلف في يده).
وهذه العبارة غير مربوطة بقاعدة الإقدام، بل هي إمَّا صريحة -في (لـمَّا)- أو ظاهرة -في (لِـما)- في قاعدة (اليد).
وفي مكان آخر في باب بيع الجارية(1): (فإن ثبت أنَّ البيع فاسد… وإن كان تالفاً كان له أن يطالب بعينية كلّ واحد منهم؛ لأنَّ الأوَّل يجب عليه تسليمه إلى صاحبه، لأنَّه سلَّمه إلى غير صاحبه، وللمشتري الثاني مضمون عليه بالإجماع). وغير ذلك لم أجده في كتابي البيع والإجارة. إذن، فالشيخ لم يقل ذلك.
ومع التنزُّل، فإن قال شخص- الشيخ أو غيره- هكذا: إنَّ هذا الإنسان دخل في المعاملة على أن يكون المُسمَّى مضموناً عليه، وإذا لم يُسلّم المُسمَّى فلا بُدَّ من ضمان المِثْل، إذا كان مراده من ذلك أنَّه دخل في البيع الذي نتيجته ضمان المُسمَّى:
أولاً: فهذا مصادرة؛ لأنَّنا نتكلَّم في ذلك وهو أنَّ البيع الفاسد الذي يُوجِب صحيحُه الضمانَ يُوجِب الفاسدُ الضمانَ، وهنا يُريد أن يقول: إنَّ الشخص الذي دخل في البيع وكان فاسداً فعليه الضمان، فهذا عين المدّعى ولا دليل عليه.
ـــــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) المبسوط 2: 150، فصل في تفريق الصفة واختلاف المتبايعين.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وإن أراد بهذا الإقدام على الضمان إقداماً زائداً على أصل المعاملة فهذا غير صحيح؛ لأنَّه لم يعمل شيئاً سوى المعاملة.
وثانياً: إذا كان شرطاً فهو شرط في معاملة فاسدة؟
وثالثاً: أنَّه اشترط ضمان المُسمَّى، فلماذا دخل في ذمته ضمان المِثْل؟
ثُمَّ إنَّه في أصل المعاملة الصحيحة هل الإقدام على الضمان يوجب الضمان، أو أنَّ المعاملة أوجبت ذلك؟ لا شكّ أنَّ البيع قد أتى بهذا المعنى دون نفس الإقدام، فلم أفهم طريق الاستدلال بهذه العبارة لكي نستنتج منها مطلباً، فلا يكون للعبارةِ على هذا محصّل.
ولو أغمضنا عن ذلك وقلنا: إنَّه إقدام على الضمان، فما الدليل على أنَّ الإقدام على الضمان موجب للضمان؟ فهذا المعنى من الضمان الذي هو نحو ضمان قاعدة (اليد)، بحيث لو جرفه السيل يكون مضموناً عليه، وهو ضمان تعبُّديّ -لا عقلائيّ- غير ثابت، فنحن عندنا ضمان الأتلاف وضمان قاعدة (اليد)، وليس عندنا ضمان الإقدام بحسب الأدلّة، وليس هو ضماناً عقلائيّاً. إذن، فلا دليل على الكبرى.
ثُمَّ على فرض وجود الدليل على الكبرى فإنَّه يعود إلى أن كلّ من أقدم على الضمان فعليه ضمان آخر، أي: إنَّ من أقدم على ضمان المُسمَّى وجب ضمان المِثْل، وهذا غير صحيح، فإنَّ من أقدم على ضمان شيءٍ وجب عليه ضمانه لا ضمان شيءٍ آخر.
إلا على مبنى فاسد بأن يقال: إنَّ المال بما أنَّه خارج
من كيس الإنسان، فهو نحو من الضمان، فإذا تلف ماله وخرج من جيبه
ـــــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فهو نحو من الضمان، فهذا إقدام بنحو لو تلف فهو تالف من قبل نفسه وفي عهدته وخارج من جيبه.
إذ على ذلك تقول: إنَّه أقدم على المعاملة، يعني على دخول العوض في ملكه، وتلفه في ملكه يعني أقدم على الضمان، وكلّ من أقدم على الضمان فهو ضامن، إلّا أنَّه غير تامّ لا صغرى ولا كبرى.
ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ -شيخ الطائفة- هو أن تكون يده على المال يداً غير مجانيّة، فلا تسقط عن القوّة، وإلّا فهو أَجلُّ من أن يقول ما فسَّره به شيخنا الأنصاري(1).
ثُمَّ إنَّ المشتري لم يقدم على المُسمَّى بل أقدم على أن يكون ماله في مقابل المُسمَّى، فليس هو ضامن للمسمى مطلقاً. وإنَّما هو ضامن لأن يعطي المُسمَّى في مقابل المبيع، فإذا فسدت المعاملة لا يكون المُسمَّى ملكاً له، فلا يكون مضموناً عليه، مع غضّ النظر عن المناقشات السابقة؛ لأنَّه لم يضمن العوض مطلقاً، بل ضمنه في مقابل المال، والفرض هو فساد المعاملة.
ثُمَّ يقول الشيخ(2): إنَّه علاوةً على المناقشات الموجودة في الباب، فإنَّ قاعدة الإقدام طرداً وعكساً محلّ إشكال، فإنَّه قد يكون إقدام بلا ضمان، وقد
ـــــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) اُنظر: توجيه الشيخ الأنصاري لكلام شيخ الطائفة في كتاب المكاسب 3: 190، الكلام في مدرك القاعدة، الاستدلال بخبر (على اليد).
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 189، الكلام في مدرك القاعدة، الاستدلال بقاعدة الإقدام.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يكون ضمان من دون إقدام.
أمَّا الإقدام من دون الضمان فكما لو أقدم على المعاملة وحصل التلف قبل القبض، وأمَّا الضمان من دون الإقدام فمثّل له بمثالين:
أحدهما: أن يشترط المشتري على البايع أنَّه إذا تلف البيع في يدي فإنَّه في عهدتك، فإذا فسدت المعاملة فلا إقدام على الضمان؛ لأنَّ التلف يكون على الآخر، ومع ذلك فهو ضامن.
وثانيهما: البيع بلا ثمن والأجر بلا أجرة، فإنَّه لم يقدم على المُسمَّى ومع ذلك فهو ضامن.
إلا أنَّ هذا ليس تامّاً:
أمَّا مثال الإقدام من دون الضمان وهو التلف قبل القبض، فإنَّه في التلف قبل القبض يفسد البيع، ويخرج المال من كيس البايع، فيكون خارجاً عن محلّ الكلام، ولا يكون ضمان المُسمَّى؛ لأنَّه إنَّما يكون كذلك مع حفظ الإقدام على المعاملة، والفرض فسادها!
وأمَّا شرط الضمان على الآخر، فهو بتقريب شيخ الطائفة غير تامّ؛ لأنَّه جعل ضمان المُسمَّى موضوعاً لضمان المِثْل عند الفساد، والضمان للمُسمَّى ضمان ضمن المعاملة، وقد أقدم عليه.
وأمَّا قصّة البيع بلا ثمن والإجارة بلا أجرة، فهو موضوعاً خارجٌ عن محلّ الكلام؛ لأنَّه خارج موضوعاً عن العقود والمعاملات.
إذن، فلا أساس لقاعدة الإقدام في المقام.
ـــــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والعمدة هي قضيّة اليد، إذ يقول الشيخ(1): إنَّها تامَّة من حيث السند والدلالة، ولكنَّها لا تشمل منافع اليد، فلا بُدَّ من النظر إلى هذه الجهة.
هل نستطيع أن نستدلّ بقاعدة “على اليد ما أخذت حتّى تؤدِّيه”(2) على التوسعة في قاعدة: (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده)، أو أنَّ (على اليد) قاصرة عن أن تشمل بعض مواردها؟
طبعاً (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده) إذا أُخذت على إطلاقها فإنَّها تشمل سائر العقود والإيقاعات، وأيٌّ منها كان صحيحه مضموناً كان فاسده مضموناً.
والكلام يقع في أنَّه أيُّ مقدار من هذه الموارد يتمّ بمقتضى قاعدة اليد؟
الشيخ يقول(3): إنَّ (على اليد) تشمل الأعيان دون المنافع.
ـــــــــــــ[242]ــــــــــ
() كتاب المكاسب 3: 189، الكلام في مدرك القاعدة.
(2) الخبر رواه جماعةٌ كبيرةٌ من الخاصّة والعامّة، ووصفه غير واحدٍ بالشهرة، واستدلّ به أكثر فقهاء الإماميّة. قال الملّا أحمد النراقي في العوائد: قد اشتهر في كتب الفقهاء الاستدلال بحديث “على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي”… إنَّها مرويّةٌ عن النبي مرسلاً، إلّاَ أنَّ اشتهارها بين الأصحاب وتداولها في كتبهم وتلقّيهم لها بالقبول واستدلالهم بها في موارد عديدةٍ يجبر ضعفها، ويكفي عن مؤنة البحث عن سندها.
(اُنظر: عوائد الأيام: 310، العائدة 33، رياض المسائل 8: 147، كتاب البيع، ضمان المقبوض بالبيع الفاسد، وأمّا الحديث فقد تقدّم ذكر بعض مصادره).
(3) كتاب المكاسب 3: 189، الكلام في مدرك القاعدة، الاستدلال بخبر (على اليد).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ويتعرَّض في ذيل الأمر الثالث الذي ذكره في هذا الباب، يقول: الأخذ لا يصدق في المنافع، ولا بُدَّ في (على اليد) من وجود الأخذ(1)، ومن هذه الجهة لا يمكن شمولها للمنافع. وما قيل من أنَّ أخذ المنافع بأخذ العين لا يراه الشيخ تامّاً.
وما قيل(2) من أنَّ المراد في قاعدة (اليد) هو الاستيلاء، وهو صادق على المنافع بالاستيلاء على العين، لا يمكن تصديقه.
ونسب إلى الشيخ(3) أنَّ الأخذ (الذي في موضوع القاعدة) لا بُدَّ أن يكون باليد وهو لا يصدق على المنافع.
وظاهر العبارة -بحسب الجمود على لفظ القاعدة- هو: أنَّ ما أخذته أو حملته بيدي فهو على هذه اليد، بمعنى الجارحة، أي: فوقها. فهل المراد منها ذلك؛ لنقول: أنَّ ما هو المضمون هو الذي أخذه؟
أمَّا إذا لم يكن للضمان معنى بالنسبة إلى اليد، ولا يوافق عليها العقلاء، فلا بُدَّ أن تكون اليد كناية عن شخص الإنسان، على النحو الذي سبق أن قلناه، شأنه شأن تسمية (الجاسوس) أو (المراقب) بالعين، باعتبار أنَّه قد ركَّز كلّ قواه في بصره.
ـــــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 204، ما يستدلّ به على الضمان.
(2) منية الطالب 1: 281، الكلام في المنافع الفائتة.
(3) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 316، الكلام في شمول القاعدة للمنافع وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بناءً عليه، فالأخذ باليد ليس لازماً في القاعدة، وليس مراد الشيخ أنَّ الأخذ باليد لا يصدق، بل مراده أنَّ الأخذ مطلقاً لا يصدق.
والأخذ ظاهر بالأخذ الحسِّيّ، و(أخذ الميثاق) ونحوه يُحتاج إلى تأويل، فهل تحتاج في هذه القاعدة إلى الأخذ الحسِّيّ، أو أنَّه ليس الأخذ ميزاناً في هذه القاعدة؟
وهذه القاعدة بما أنَّها صدرت عن الرسول يظهر أنَّها من القواعد الكلِّيّة.
والشيخ لم يُفصِّل في الأعيان بين ما يكون منها يؤخذ أخذاً حسِّيّاً، وبين ما لا يصدق فيه إلّا مجرَّد الاستيلاء كالمزرعة إذا غُصبت مثلاً، وهذا لا يناسب مسلك الشيخ(1) في التفرقة بين الأخذ والاستيلاء.
فإنَّه على هذا ينبغي أن يكون التفصيل هو ذلك، لا التفصيل بين المنافع والأعيان، فإنَّه كما أنَّ من الأعيان ما لا يصدق عليه الأخذ عرفاً، فإنَّ من المنافع ما يصدق عليه الأخذ، كالمنافع التي تكون من الأعيان: كماء البئر وثمرة الشجرة، فإنَّها في حال كونها من الأعيان يراها العرف من المنافع، والأخذ الحسِّيّ صادق عليها.
إذن فالشيخ لا بُدَّ أن يُفصِّل في كلٍّ من الأعيان والمنافع؛ بين ما يصدق عليه الأخذ الحِّسيّ وبين ما لا يصدق عليه، لا بين مطلق المنافع والأعيان.
ـــــــــــــ[244]ــــــــــ
(1) تقدَّم قوله في التفرقة بين الأخذ والاستيلاء قبل قليلٍ، فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
[الإشكال الأول:]
ونحن نرى أنَّ الأخذ أصبح هنا موضعاً، وهذه القاعدة -التي افرضوا أنَّها صادرة عن رسول الله-: (وإذا أخذ الإنسان في يده شيئاً فهو له ضامن حتَّى يؤدِّيَه)، ولكن إذا حصل الاستيلاء الغصبيّ من دون أن يصدق الأخذ، كما لو كانت العين عندي أوَّلاً بإذن صاحبها، ثُمَّ طلبها منِّي ولم أعطها له، ففي مثل ذلك لم يصدق الأخذ، فلا تشمله القاعدة، وإنَّما تكون هذه القاعدة والدة لبيان حكم بعض المنقولات كـ(كُلُوا من اللّحم أو من الحنطة)، لا أظنّ الشيخ يلتزم بذلك، ولهذا يجعلها شاملة للأعيان.
وحينئذٍ لا بُدَّ لنا أن نقول: إنَّ المقصود هو الاستيلاء، فإذا دار الأمر بين أن نُخصِّص الموصول بالصلة، ونقول: إنَّ المراد بالصلة ما يُؤخذ باليد، وبين أن نأخذ الموصول على عمومه.
فإنَّه قد يكون أُخذ من دون استيلاء، كما لو قبض على عباءتي من دون استيلاء غير مستقلّ بالتصرُّفات، أو كما لو ركب فرس الأمير، فإنَّ الأخذ الحسِّيّ قد حصل دون الاستيلاء، فهل نقول: إنَّه مشمول للقاعدة، أو -في الحقيقة- إنَّ قاعدة (على اليد) تريد أن تنقّح الاستيلاء، وإنَّ الإنسان إذا استقلّ بمال الغير واستولى عليه فهو في عهدته حتَّى يرجعه؟
لا أظنّ أنَّ العرف يتشبَّث بألفاظ (اليد) و(الأخذ)، ويأخذها بالنحو الضيّق، يبعد ذلك.
ـــــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والشيخ موافق باعتبار أنَّه يرى شمول القاعدة لتمام الأعيان، إذ حينئذٍ لا بُدَّ من الالتزام بالاستيلاء. ولا أظنّ أنَّ الفقهاء يلتزمون بالأخذ الحسِّيّ، فإنَّهم تمسّكوا بالقاعدة في تمام موارد الغصب.
الإشكال [الثاني] الاستيلاء على المنافع
الإشكال الآخر: عقليّ، وهو أنَّ الاستيلاء على المنافع لا يُعقل، بعدَّة بيانات:
أحدهما: أنَّ المنافع متصرّمة الوجود، فكما أنَّ الزمان يتحقَّق متدرِّج الوجود، كذلك الحال في الزمانيّات، فمنفعة الدار في الآن السابق ومنفعتها في الآن اللاحق غير موجودة فعلاً، فكما أنَّ الزمان متدرِّج الوجود فكذلك المنفعة متدرِّجة الوجود.
وفي باب الاستيلاء لا بُدَّ من وجود المستولي والمستولى عليه ليصدق الاستيلاء، فإنَّه من الأمور الإضافيّة التي تتوقَّف على تحقُّق طرفيها بالفعل، ولولاهما لا يتحقَّق الاستيلاء، فالعين ما دامت تحت يده، والعين بما أنَّها باقية عرفا وعقلائياً، ومستقرَّة ومستمرَّة عنده، -وإن لم يكن كذلك بحسب الدقة العقليّة الفلسفيّة- فيكون المستولي وهو (الغاصب)، والمستولى عليه وهو (العين)، متحقّقين، فالاستيلاء متحقّق.
وأمَّا في الزمانيّات، فبما أنَّها من الأمور المتصرّمة، فالمستولى عليه غير متحقّق، وإذا أخذنا (الأخذ) بمعنى الاستيلاء، فلا بُدَّ من وجود المستولي والمستولى عليه ليتحقّق الاستيلاء. وهذا يشمل المنافع الفائتة والمنافع المُستوفاة،
ـــــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فلا تشملها قاعدة (اليد)، بل لا بُدَّ أن ننقِّحه باعتبار استيفاء مال الغير(1)، والعرف يوافق على ذلك، وليس حال المنافع حال الأعيان.
[قياس المقام على الإجارة]
وما يُقال: من قياس المقام على الإجارة، حيث أشكلوا هناك باستحالة امتلاك المنافع المستقبليّة المعدومة فعلاً، باعتبار أنَّ الإجارة متقوّمة بطرفين، فكما أنَّه في الأمور الحقيقيّة المتضايفة لا بُدَّ من تكافئهما قوَّةً وفعلاً، كذلك في الاعتباريّة(2).
وأُجيبَ بلزوم تقدير المنافع فعلاً لتكون عوض الأجرة(3)، ففي المقام نقول نحو ذلك(4).
[تحقيق الجواب عن الإشكال]
نحن نقول: إنَّ ذلك ليس صحيحاً في باب الإجارة، وإذا صحّ هناك لم
ـــــــــــــ[247]ــــــــــ
() وذلك لأنَّ تمام الموضوع في الضمان في نظر العرف هو الاستيلاء على مال الغير، كما سيأتي بيانه في الجواب الحَلّي (المقرّر).
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 316، الكلام في شمول القاعدة للمنافع وعدمه.
(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني)1: 317، الكلام في شمول القاعدة للمنافع وعدمه، قال: يقدَّر وجودها عرفاً، فتملك كالإجارة، فكما أنَّ تقدير وجودها مصحّحٌ لتمليكها وتملّكها، فكذا للاستيلاء عليها عرفاً.
(4) المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يصحّ هنا، فإنَّه في باب الإجارة هل تعطي الأجرة بإزاء المنفعة المقدَّرة؟ وإذا قدَّرت الوجود فهل صار وجودا محقّقاً؟ وهل العرف يعطي المال بإزاء الوجود المقدَّر، أو بإزاء الوجود الواقعيّ، وأنت مالك للماء بواقعه أو لفرض الماء؟
أمَّا واقع الماء فهو غير موجود، وأمَّا فرض وجوده فهو ممَّا لا قيمة له، والإضافة يستحيل أن تتحقَّق بيني وبين الماء المعدوم، وكون طرفها هو الماء المقدَّر وإن كان ممكناً، إلّا أنَّه ليس من باب الإجارة، فإنَّ الإجارة تكون للمنافع العقلائيّة.
إلّا أن نقول: إنَّه لا مانع من أن نملك من الآن ما يوجد في حينه، وهو ممَّا يقبله العرف، واستحالته كلامٌ عقليٌّ لا عقلائيٌّ، فإنَّه قد ملك كلّ شيء في ظرفه، وهو ممَّا لا يأتي عند العقلاء.
وأخرى نقول: إنَّ باب الإجارة ليس هكذا، وإنَّما هو من قبيل بيع الكلِّيّ، إلّا أنَّه لا ينطبق إلّا على فرد واحد، فأنا مالك لمنفعة كلِّيّة، لكنَّها لا تنطبق إلّا على هذا، كما لو باعه صاعاً من صبرة، ولم يبق من الصبرة إلّا صاعٌ واحد، كذلك في بيع الثمار في السنة الآتية، إذا لم يكن منه مانع عقليّ أو عقلائيّ، فإنَّه بيع لكلِّيّ منفعة سنتين لهذه الأشجار، فهذا كلِّيّ، والكلِّيّات لا تكون جزئيّات بألف قيد يُضاف إليها، وإنَّما تكون كذلك بالوجود.
أو نقول: إنَّ باب الإجارة ليس باب نقل المنافع لا خارجيّة ولا كلِّيّة، بل نقول: إنَّ المؤجّر بقوله: (آجرتك الدار) يضعك مكان نفسه، فإنَّه الآن لا يملك منافع داره في السنة الآتية، بل المنافع ممَّا تتحقَّق وتدخل في ملكه، فهو
ـــــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يضعك في مكان نفسه في هذا المعنى، فمهما تتحقَّق في داره من المنافع تدخل في ملكك، فأنت لم تملك الآن منفعة، بل قد أصبحت بهذا النحو: أنَّ المنفعة تتحقَّق في ملكك. والعقلاء إذ يؤجِّرون الدار لا يفرضون المنافع موجودة بلا شكٍّ لا من قبل المؤجّر ولا المستأجِر.
نفرض أنَّه في باب الإجارة كذلك، فهل يجب أن يكون (على اليد) كذلك؟ هل الاستيلاء على الوجود المقدَّر يكون موجباً للضمان، أو أنَّ الاستيلاء على الوجود الحقيقيّ يكون موجباً له؟
فلو صحّ فرض الوجود في الإجارة لا يصحّ هنا، فإنَّك فرضت في المقام مستولىً عليه، وصحَّحت إضافته إلى المستولي، فهل الوجود المقدَّر والمفروض موضوعٌ للضمان، أو أنَّ الاستيلاء على المال الخارجيّ موضوعه؟ إذن فباب التقدير لا يُصحِّح المطلب.
بقي الكلام في هذا المعنى: وهو أنَّ المستولي والمستولى عليه في الاستيلاء على مال الناس لازم، فما هو المستولى عليه؟
كان الإشكال في أنَّ الاستيلاء متوقّف على المستولي والمستولى عليه، ولا يمكن أن يتحقَّق هذا المعنى الإضافي إلّا بعد وجود المتضايفين، فإذا أردنا أن تكون الإضافة فعليّة فلا بُدَّ أن يكون الطرفان بالفعل موجودين، وفي باب الأعيان بما أنَّها أمور ثابتة، فالمستولي والمستولى عليه متحقّقان، فالاستيلاء متحقق.
وأمَّا في باب المنافع فبما أنَّها متدرِّجة الوجود وزمانيّة متصرّمة بتبع الزمان، فكما أنَّ بقاء الآن الأوَّل يستحيل أن يوجد في الآن الثاني، كذلك المنافع نحو
ـــــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وجودها لا مستقرّ ومتصرّم. إذن، فالاستيلاء في هذا النحو من الوجود غير ثابت، ولا يمكن أن يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً. إذن، فقاعدة اليد لا تشمل المنافع.
وقبل ذكر الجواب للإشكال، نرى أنَّه في قول بعضهم الذي قال: إنَّه كما في المالكيّة والمملوكيّة محتاج إلى تحقّق المتضايفين وهما المملوك والمالك، وكذلك في باب الإجارة نفس الإشكال موجود، فإنَّ المنافع استقباليّة، والمنافع الاستقباليّة غير متحقّقة الآن، فلا بُدَّ أن تقدر المنافع موجودة، وبالفرض يحصل الوجود الفعليّ، وتحصل المالكيّة والمملوكيّة، فنفس هذا المعنى التقديريّ يصدق عليه الاستيلاء.
نقول -بالإضافة إلى ما قلناه آنفاً-: إنَّ الملكيّة والمالكيّة والمملوكيّة من الاعتبارات العقلائيّة، وليس لها واقعٌ غير ذلك، فيمكن مع غضّ النظر عن إشكالنا السابق أن يعتبر العقلاء معنى من هذا القبيل. وأمَّا الاستيلاء فليس الحال فيه كذلك، بل له نحو من الواقعية بين المستولي
والمستولى عليه، وإذا قدَّرت شيئاً واقعاً فلا يوجب أن يحدث له وجود واقعيّ، وإنَّما يتحقَّق له وجود في عالم الاعتبار. إذن، فالاستيلاء على مثل ذلك المعنى الذي قدَّرته له وفرضته لا معنى له. إذن، فحتَّى لو أردت أن تُتمِّمه عن هذا الطريق -مع غضّ النظر عمَّا قلنا من أنَّ قياسه على الإجارة غير صحيح، وأنَّ الأمر المفروض لا ماليّة له- أيضاً لا يصحّ.
إلّا أن نقول: إنَّه فرض الاستيلاء على فرض المنفعة، أو على منفعة مفروضة، فيكون فرضاً في فرض، فلا يمكن أن تشمله حينئذٍ قاعدة (اليد).
الجواب الذي نقوله عن هذا المعنى، هو: أنَّ هذا الأمر المتدرِّج الوجود
ـــــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ليس معناه أنَّه ليس له وجود، أو ليس موجود بحدٍّ من حدود الوجود، بل معناه: أنَّه موجود متصرّم. وهو إن لم يكن الآن موجوداً آنه السابق ولا آنه اللاحق، إلّا أنَّه دائما يوجد وينعدم بالتدريج، لا أنَّه لا يتحقَّق أصلاً، فكما لا يمكن أن يكون الوجود الثابت متدرِّجاً، كذلك لا يمكن أن يكون المتدرِّج ثابتاً. فكما أنَّ وجود المنفعة متدرِّج، فكذلك استيلائي عليها متدرِّج واستيفائي لها متدرِّج، وهو وجود واحد مستمرّ الحركة والتصرّم. فالاستيلاء اللاحق والسابق غير موجود الآن، ولكنَّه بالتدريج يدخل في ملكي وينعدم. فالمنافع لها نحو وجود مستمر متصرّم، فتوجد تحت يدي وتنعدم. إذن، فالاستيلاء موجود، ولكنَّه مختلف عن الاستيلاء على الوجود المستقرّ، فإنَّ العباءة كما أنَّها هي مستقرّة، كذلك استيلائي عليها مستقرّ.
والمنافع أيضاً تحت استيلائي ولكنَّ استيلائها بنحو وجودها، فكما أنَّها متصرّمة فهو متصرّم أيضاً، وهذا ليس معناه عدم الاستيلاء.
بناءً عليه، فقاعدة (اليد) تقول: إنَّك إذا استوليت على أيّ شيء فهو مضمون عليه، ولكن ينبغي النظر إلى نحو وجود المستولى عليه والاستيلاء.
[عدم تصور تعاقب الأيدي في المنافع]
نعم، في مسألة تعاقب الأيادي التي سوف تُقال في الأعيان، فرق، وفي انهدام العين المستأجرة فرق. فإنَّنا لو فرضنا أنَّه استأجر داراً بإجارة فاسدة، ثُمَّ أخذه منه غاصب، ثُمَّ أخذه منه غاصب آخر، فبحسب التقريب الذي قلناه في (على اليد) بما أنَّ العين لها وجود ثابت، فإنَّها ما دامت تحت يدي فإنَّها توجب
ـــــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الضمان، وإذا أصبحت تحت يد الآخر فإنَّها توجب الضمان أيضاً، وهكذا.
ولكن في باب المنافع ليس كذلك، فإنَّ العين المستأجَرة تتحقَّق منافعها بنحو التدريج والاستمرار، فكما أنَّ المنفعة متصرّمة الوجود كذلك كونها تحت يده، فالمنافع السابقة واللاحقة غير متحقّقة بالفعل تحت يده، وإنَّما الواقع تحت يده هو نظير الآن المتصرّم، فلو استأجر الدار شهراً بالعقد الفاسد، ثُمَّ غصبها آخرُ شهراً، ثُمَّ غصبها من الثاني غاصبٌ ثالثٌ شهراً، فبالنسبة إلى نفس العين هو تعاقب الأيدي، يعني: يرجع المالك إلى أيٍّ منهم شاء.
لكن ليس الأمر كذلك في المنافع، فإنَّه ما دامت العين تحت يده، كانت المنافع تتحقَّق تدريجاً تحت يده وتحت استيلائه، إلّا أنَّها حين انتقلت إلى الأخر وإلى الثالث أصبحت تتصرَّم تحت يدهما. إذن، فالمالك بالنسبة إلى العين يستطيع أن يرجع إلى أيٍّ منهم شاء، باعتبار أنَّ الباب باب تعاقب الأيدي، لكن ليس الأمر كذلك في المنافع، فإنَّه مادامت العين تحت يده كانت المنافع تتحقَّق تدريجاً تحت يده واستيلائه، وكذلك الأخر وكذلك الثالث. إذن، فالمالك لا يستطيع أن يرجع بالمنافع كلّها إلى واحد منهم، بل كلّ ما كان تحت يد كلٍّ منهم يرجع به عليه، ولا يمكن أن يُتصوَّر في المنافع تعاقب الأيدي.
وكذلك إذا حصل الانهدام في العين المستأجَرة، فإنَّه يمكن أن يقال على نحوين -تصوُّراً-:
أحدهما: إنَّه يوجب ضمان المُسمَّى ولو انهدمت الدار.
الآخر: إنَّ الضمان يرتفع بالانهدام، وإنَّ الإجارة الصحيحة تستمرّ إلى حين الانهدام ولا تبقى بعده.
ـــــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا قلنا ببقاء الضمان بعد الانهدام، فلا يمكن تتميمه بقاعدة (اليد).
نعم، إذا كانت قاعدة (ما يُضمن) قاعدة مستقلّة أمكن تنقيح ضمان ما بعد الانهدام، ولكن إذا كانت مبتنية على قاعدة (اليد) فلا يمكن ذلك، وأمَّا إذا لم نقل بضمان ما بعد الانهدام، فتكون كِلتا القاعدتين قاصرتا الشمول لها.
[تفصيل آخر في المنافع]
صاحب هذه المطالب العقليّة التي قلناها له تفصيل بين الموارد التي يستوفى فيها المنفعة، فالاستيلاء متحقّق بلا إشكال ولكن ذلك مشكل في المنافع الفائتة.
ومحصل قوله(1): أنَّ نحو منافع الأعيان، ليست نظير الأعراض الفائتة بالنسبة إلى الأعيان، بل نظير الوجود القابل بالنسبة إلى الوجود المقبول، فإنَّ الوجود بالفعل ليس له، بل للوجود المقبول، وأمَّا القابل فهو وجود بالقوَّة لا بالفعل، والمنافع بهذا النحو، فإنَّ السُكنى هي عبارة عن منفعة الدار، وهي لا تتحقَّق إلّا بتحقُّق الساكن والمسكون، وقبل تحقُّقهما فإنَّ منفعة الدار موجودة بالقوّة لا بالفعل، وكذلك في نحو ركوب الدابَّة وغير ذلك. وإذا سكن الدار تحقَّقت السكنى فتتحقَّق المنفعة بالفعل.
ففرقٌ بين المنافع المستوفاة، التي تكون مضمونة على أيّ حال، وبين المنافع الفائتة التي تبقى شيئاً بالقوّة حتَّى يتحقَّق طرفا الإضافة. إذن، فهو يُفرِّق في ذلك، ويقول بأنَّ (على اليد) تشمل المنافع المحقَّقة دون سواها.
ـــــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 316، حكم المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الآن نرى أنَّ تحقُّق منافع الدار هل هي موقوفة على أن أجلس فيها وأسكنها، أو أنَّ منافع البيع عبارة عن ظرفيّتها وقابليّتها للسكنى؛ ولذا يرى العقلاء أنِّي قد استوفي المنفعة، وقد ادعها حتَّى تفوت وتنعدم هدراً، فإذا حبس الدار عن صاحبها قد فوَّت منافعها على صاحبها. فالظرفيّة المتدرِّجة القابلة للاستيفاء هي معنى المنفعة، وإهدارها يوجب الضمان.
وإلّا إذا حبس الدابَّة، ومنع عن صاحبها استيفاء ركوبها ومنافعها، فلا بُدَّ أن يقولوا: إنَّها غير مضمونة المنافع؛ لأنَّه ليس هناك منفعة فعليّة، والمنفعة غير الفعليّة لا ضمان فيها، على اعتبار أنَّ المنفعة إنَّما تكون بالسكنى، فإذا قفلها ومنع من سكناها لا يكون ضامناً.
لا أظنّ أنَّ هذا ممَّا يقول به، وهو خلاف ما يراه العقلاء، فإنَّ العقلاء يرون أنَّ المنفعة تارةً تُستوفَى وتارةً تُهدر ولا تُستوفَى.
الإشكال الثالث(1) وجوابه
الإشكال الآخر في شمول (على اليد) للمنافع: أنَّ (على اليد ما أخذت حتَّى تؤدِّيه) إنَّما تكون في الموارد القابلة للتأدية، وأمَّا في الموارد التي ليس لها ذاتاً شأنيّة التأدية لا يمكن أن تشملها. فإنَّه في باب الأعيان وإن تلفت العين عندي، إلّا أنَّها ذاتاً قابلة للتأدية وإن تلفت بالعرض.
ولكنَّ المنافع غير قابلة للتأدية ذاتاً، و(على اليد) إنَّما تشمل الموارد التي
ـــــــــــــ[254]ــــــــــ
(1) الإشكال الثالث.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يمكن أن تتحقَّق فيها هذه الغاية دون ما سواها من الموارد.
وأمَّا إذا قلنا: إنَّنا نجعل الغاية من حدود الموضوع، يعني: هو ضامن للشيء المأخوذ غير المؤدَّى. فهذا أيضاً لا يفيد، فإنَّه ليس معناه أنَّه غير مؤدَّى ولو بسلب الموضوع، بل معناه أنَّ له شأنيّة الأداء، ويمكن أن يُؤدِّي ولم يؤدِّ. وأمَّا المنفي بسلب الموضوع، فلا يمكن أن يكون مشمولاً للقاعدة(1).
وإذا قلنا: إنَّ المنفعة أُخذت بنحو متَّسع قد أُخذت أوَّله وأُدِّيت آخره، ففي مثله تُنقّح لنا (على اليد) عدم الضمان بعكس المطلوب؛ لأنِّي قد أدَّيت آخر هذا الموجود المتَّسع، وأنت تُريد أن تُنقّح بها الضمان(2).
ونحن لنا على ذلك جوابٌ حليٍّ وجواب نقضيٍّ على مبناه:
أمَّا النقضيّ: فقد قال سابقاً: إنَّه كما أنَّ المالكيّة والمملوكيّة يكفي فيها تقدير الوجود(3)، كذلك يكفي في الاستيلاء ذلك.
بناءً عليه فالمستأجِر عند إجراء الإجارة، فرض تمام منافع الآنات المتدرِّجةِ المتصرّمةِ الوجود، موجودةً كلّها بالفعل في عالم الاعتبار. فقد أرجعت المعنى المتصرِّم إلى معنى ثابت مستقرّ. وهذا المعنى ذاتاً قابل للتأدية، فإنَّ ما ليس قابلا للتأدية هو الوجود المتصرِّم لا الوجود الثابت.
ـــــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 317، الكلام في شمول القاعدة للمنافع وعدمه.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا كونه قد عرضه عارضٌ، وهو انتشاره في عالم الوجود تدريجاً، فهو أمر عارض على فرضك، لا يضرّ يكون قابلاً للتأدية ذاتاً. إذن، فالإشكال غير وارد على مبناك.
وأمَّا حلّاً(1)، فإنَّه في الجمل التي تكون من هذا القبيل، أي: تُورد حكماً على موضوع، وهي مغيَّاة بغاية، مثل: “كلّ شيءٍ طاهرٌ حتّى تعلم أنَّه قذرٌ“(2) و “كلّ شيءٍ حلالٌ حتّى تعرف أنَّه حرامٌ بعينه“(3) و “على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه“(4)، هل الحكم وارد على طبيعة الموضوع، والغاية حدٌّ من حدود الموضوع، أو أنَّ الغاية التي ذُكرت لا بُدَّ أن تكون بنحو يمكن حصولها؟
مثلاً في قوله: “كلّ شيءٍ حلالٌ حتّى تعرف أنَّه حرامٌ…” ما هو الحلال؟ هل هو عبارة عن المشكوك، أو أنَّه إذا لم يمكن أن يتحوَّل الشكّ إلى يقين ولا شأنيّة له، لذلك فالمشكوك ليس حلالاً. هل إذا ألقى ذلك إلى العقلاء يفهمون أنَّ الضمان موضوعه هو الاستيلاء والأداء رافع له، أو أنَّ الاستيلاء
ـــــــــــــ[256]ــــــــــ
() قال بعد أن لخَّص الإشكال الأخير وأشار إلى النقض عليه، (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 28، كتاب الطهارة، باب 1، ح2، وتهذيب الأحكام 3: 215، كتاب الطهارة، باب 10، ح2، وسائل الشيعة 1: 134، باب 1، من أبواب الماء المطلق، ح5.
(3) الكافي 10: 542، كتاب المعيشة، باب 159، ح41، وتهذيب الأحكام 7: 226، كتاب التجارات، باب 21، ح9، وسائل الشيعة 17: 89، باب 4، من أبواب ما يكتب به، ح4.
(4) عوالي اللئالي 1: 224، الفصل التاسع، ومستدرك الوسائل 17: 88، باب 1، من أبواب الغصب.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الممكن أداؤه مضمون، بحيث إنَّ موجب الضمان حيثيّتان:
أحدهما: الاستيلاء على مال الغير عدواناً.
والآخر: أنَّه استيلاء يمكن أداؤه.
فلو كانت التأدية غاية للضمان، فهو يستلزم تقييد الاستيلاء بحصول الغاية، بحيث لو لم تحصل التأدية لا يكون الاستيلاء موجباً للضمان. أو الأمر ليس كذلك، فإنَّ تمام موضوع الضمان هو الاستيلاء على مال الغير، غاية الأمر أنَّك إذا أدَّيت ارتفع الضمان؟ فلم يُأخذ في موضوع القاعدة إمكان الأداء.
غايته أنَّه في مثل هذه القواعد العامة، إذا عبّر بالغاية، لا بُدَّ أن تكون في الموارد التي قد تتحقَّق خارجاً، لا إمكان التأدية، مثلاً في: “كلّ شيءٍ طاهرٌ حتّى تعلم أنَّه قذرٌ“، إذا أمكن تبدَّل الشكّ بالعلم، ولكنَّه لم يحدث في الخارج عند أحد أصلاً، فلا يصحّ هذا التعبير.
وإنَّما يُقال ذلك إذا كان هناك عددٌ كبيرٌ من أفراد المجتمع يتبدّل الحكم إلى العلم بالقذارة، فلو أمكن العلم ولكنَّه لا يحدث خارجاً أصلاً، لا يصحّ جعل الغاية، فإنَّه إنَّما يكون مع حدوث الغاية(1) خارجاً لا مجرَّد إمكان العلم، فشأنيّة تبديل الموضوع مع عدم تبديله بحسب الواقع، لا يكون سبباً لصحة هذا التعبير.
إذن، فلا يُستفاد منه دخالة العلم في موضوعيّة المشكوك، بحيث إنَّ الموضوع هو المشكوك المتعقَّب بالعلم، فإنَّ العرف لا يرى غاية الضمان دخيلة
ـــــــــــــ[257]ــــــــــ
() وكيف يعلم الشارع بصفته شارعاً بحدوث الغاية، فلا يتمّ إلّا بنحوٍ من علم الغيب وهو مفروض العدم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في إثبات الضمان، وإنَّما ظاهره بأنَّ المال المستولى عليه مضمون للمستولي، غايته أنَّه إذا أدَّى ارتفع الضمان.
إذا أردنا أن نجمد على ظاهر: “على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه“(1)، إذا استفدنا منها قضيّة تكون: (ما لم يؤدِّ)، لا أنَّها تكون: (ما ليس له شأنيّة الأداء)، والآخذ يكون موضوعاً، وعدم الأداء يكون محموله. وشأنيّة الأداء لا دخل لها، وإنَّما الدخيل هو الأداء وعدمه، على حين أنَّك تريد أن تستفيد أنَّ المأخوذ الذي لم يؤدَّ مضمون.
إذا قلت هذا المطلب: إنَّ الضمان لا بُدَّ أن يكون على موضوع يؤدَّى، ولا يمكن أن يكون بنحو سلب الموضوع. والموضوع إذا تلف فعدم الأداء يكون بنفي الموضوع لا بنحو سلب المحمول، فإنَّ العين ما دامت موجودة يصدق عليها الأداء وعدمه، لا ما إذا انعدمت.
فحينئذٍ لا بُدَّ أن تقول: إنَّ الضمان يكون مادامت العين موجودة، لا ما إذا انعدمت، في حين أنَّ حقيقة الضمان هو كون المِثْل والقيمة في العهدة، فالجمود على العبارة يُفيد أنَّ المأخوذ المستولى عليه يرتفع الضمان إذا أُدِّي، وإذا لم يؤدَّ لا يرتفع، بنحو سلب المحمول لا بنحو سلب الموضوع.
وحينئذٍ إذا كان موجوداً يكون السلب بنحو سلب المحمول.
وفيه: لا معنى للضمان، وأمَّا إذا كان المأخوذ معدوماً يكون السلب سلباً
ـــــــــــــ[258]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 224، الفصل التاسع، ومستدرك الوسائل 17: 88، باب 1، من أبواب الغصب.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
للموضوع. إذن، فلازمُ قوله عدمُ الضمان أصلاً.
والتحقيق أنَّه لا دخالة لغاية في الموضوع أصلاً، كما هو المفهوم لدى العقلاء في الغايات الرافعة للحكم.
نقول: إنَّ العين المأخوذة إذا أُدَّيت فلا ضمان، وإذا لم تؤدَّ فهي مضمونة، سواءٌ كان أداؤها ممكناً أو لا، فما هو الموضوع في هذا النحو من القضايّا ليست الغاية دخيلةً فيه، وإنَّما الغاية تقييد للحكم لا للموضوع. ومناسبات الحكم والموضوع تقتضيه في المقام؛ لأنَّك إذا لم تُؤدِّ يبقى في ذمتك إلى يوم القيامة وتُعاقب عليه، فما يقوله من شأنيّة الأداء غير صحيحة.
[الإشكال الرابع وجوابه]
ثُمَّ هناك إشكال وجواب يبتني على نكتة: وذلك أنَّه قال بعضهم(1): إنَّ العين حين نأخذها، لها شخصيّة ونوعيّة وماليّة، وفي مقام الردّ لا بُدّ من توفُّر بعض هذه الجهات في الجملة، لا إمكان الردّ بالجميع، فإذا كانت موجودة يجب ردُّها لشخصها، وأما إذا تلفت امتنع الردّ بالشخص، وأما ردُّها بنوعها وماليتها فممكن.
وهذا ممَّا ذكره الشيخ محمَّد حسين وأجاب عنه، ولكنَّنا قبل التعرُّض لجوابه نقول: إنَّ قضيّة أنَّ الشيء يأتي في عهدة الإنسان بشخصيّته ونوعيّته وماليّته، تأتي في باب المِثْليّ والقيميّ، ولكن الآن نقول: إنَّه ليس يأتي في العهدة
ـــــــــــــ[259]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 318، في شمول القاعدة للمنافع وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ثلاثة أمور، ولا يُريد هذا القائل أن يقول ذلك، بل يقول إنَّ هذه العين كونها واحدةً متشخّصةً لها شؤون شخصيّة ونوعيّة وماليّة، ومتحقّقة بهذا الوجود الشخصي، وإنَّما نحلِّله إلى هذه الشؤون في عالم الاعتبار، نظيره الوجود الخارجيّ الذي هو (إنسان)
و(حيوان) و(نبات) و(جسم)، وليس أنَّه أمور متعدّدة موجودة بالخارج، بل شيء واحد بالخارج يُحلَّل بالملاحظات العقليّة إلى ذلك. وإنسانيّته وحيوانيّته موجودة بالنفس حيثيّة شخصيّة، لا بحيثيّة أخرى، ولا تكثُّر بالخارج.
فما يقال من أنَّ “على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه“، فـ”أخذت” في الخارج هو هذا، و”ما تؤديه” يجب أيضاً أن يكون هذا، فإنَّه لم يأخذ إلّا شيئاً وحداً وهو الواجب الأداء.
فهُنا أخذٌ واحدٌ ومأخوذٌ واحدٌ وأداءٌ واحدٌ، وليس هناك وجودٌ متعدّدٌ وأخذٌ متعدّدٌ وأداءٌ متعدّدٌ، فلا يُقال: إنَّه يمكن أداء النوع والمالية.
إلا أنَّ الشيخ محمَّد حسين لم يقل هكذا، بل سلَّم ذلك، ولكنَّه قال(1): إنَّ طبيعيّ هذه الحصَّة وماليّتها موجودةٌ معها، ولكنَّها حينما تنعدم تنعدم بجميع شؤونها، وبحسب عبارته: أنَّه إذا انعدمت هذه الحصَّة فإنَّها تنعدم بجميع شؤونها، وما يؤدِّيه لا يشترك معه بالماهيّة ولا بماليّته، غاية الأمر أنَّه إذا تلف فمقتضى الحكم العقلائيّ هو التنزُّل إلى المِثْل، ثُمَّ إلى القيمة.
ولكن قلنا: إنَّه إذا سلَّمنا بوجود الطبيعيّ مستقلّاً في الحصّة، وهذا وإن
ـــــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 318، في شمول القاعدة للمنافع وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كان عقلاً صحيح، وهو انعدام الطبيعيّ بانعدام الفرد، باعتبار أنَّها طبائع متعدّدة موجودة في ضمن كلّ فرد، فينعدم بانعدام فرده. ولكنَّ هذا نظر عقليّ، لا نظر عقلائيّ، وإذا أخذنا به فلا بُدَّ أنه لا نرى جريان الاستصحاب من القسم الثاني والقسم الثالث(1)، فإنَّنا إنَّما نجريه باعتبار أنَّ “لا تنقض اليقين بالشكّ“(2) عبارة عرفيّة، وليست عبارة حكميّة عقليّة، والعرف يرى كأنَّ الفرد موجود بوجود الفرد الآخر؛ ولذا يُقال: إنَّ الإنسان موجود من زمان آدم إلى الآن، وهم يرون بقاءه حقيقةً لا مجازاً وتجوُّزاً، باعتبار أنَّ المهملة عدمها بعدم جميع أفرادها، ووجودها بوجود فرد ما، والرجل الهمدانيّ كان كلامه على طبق العرف.
بناءً عليه فالحصَّة غير ملحوظة وإنَّما الموجود هو الطبيعيّ، والطبيعيّ موجود -كما يرى العقلاء- بوجود المِثْل؛ ولذا يرون أداء المِثْل كأنَّه أداءً للعين، لا أنَّه بدل الأداء، ولذا يرون أنَّ أداء المِثْل أعلى ومقدَّم على أداء القيمة(3).
ـــــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) من أقسام استصحاب الكلّي.
(2) تهذيب الأحكام 1: 421-422، كتاب الطهارة، باب 22، ح8، وسائل الشيعة 3: 466، باب 37، من أبواب النجاسات، ح1.
(3) اُنظر: مسالك الأفهام 12: 182، كتاب الغصب، في تلف المغصوب، رياض المسائل 12: 269، كتاب الغصب، في تلف المغصوب، كتاب المكاسب 3: 217، الضمان بالمثل، قال: القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان في المغصوبات وغير ذلك هو الضمان بالمثل؛ لأنَّه أقرب إلى التالف من حيث الماليّة والصفات، ثمَّ بعده قيمة التالف… إلى آخره.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فلذا إذا دفع له حِمْلاً من الحنطة يقول إنِّي دفعت له دينه؛ فلذا لا ينبغي أن لا يخلط بين المطالب العرفيّة والمطالب العقليّة، فمن جملة ما يُقال بناءً على هذا الخلط في عدم إمكان أداء المنافع أن يقال: إنَّ هذا الاستيلاء عليها والموجود المتصرِّم الوجود، بعد غضّ النظر عمَّا سبق، وتسليم إمكان تسليمها، لكن ما يأتي في اليد أمر متصرّم الوجود أو ثابت بالفعل؟ فإذا كان متصرِّماً فإنَّه يخرج بانتهائه عن العهدة، وإذا كان ثابت الوجود فهو غير صحيح؛ لأنَّ ما هو تحت يدي هو الأمر المتصرِّم لا الثابت.
فإذا صار البناء على أنَّ اليد تأتي إلى العهدة (الذمَّة) دون المِثْل أو القيمة، فإن أتى المتصرّم بالعهدة، وهو لا يبقى بل ينعدم، وإن أتى ما هو ثابت إلى الذمَّة فهو غيره على الفرض.
وهذا أيضاً خلطٌ بين الأمور العقليّة والعقلائيّة، فإنَّنا نقول: إنَّ ما يأتي إلى الذمَّة ليس هو نفس الشخص الخارجيّ، فإنَّه ليس قابلاً للدخول في العهدة، بل الحاصل فيها هو طبيعة لا تنطبق إلّا على هذا الفرد، فإنَّه بناءً على قول هؤلاء من دخول نفس الطبيعة في العهدة، دون الماليّة، لا بُدَّ أن يدخل في العهدة أمرٌ محفوظٌ في حال وجود هذا الأمر الخارجيّ، وحال عدمه.
واللوازم الخارجيّة كـ(كون الفرس) آكِلاً وماشياً ونائماً لا تدخل في العهدة، وإنَّما الداخل فيها عنوانٌ لا ينطبق إلّا على هذا، والتصرُّم هو من اللوازم الوجوديّة للمنفعة، لا من لوازم عنوان المنفعة.
وبعبارة أخرى: أنَّ المتصرّم يقع في وجود الماهيّة لا في عنوانها، وما يدخل
ـــــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في العهدة هو عنوان الماهيّة لا وجودها.
هذا كلّه راجع إلى قوله: “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدِّيه“، ولم تستطع هذه القاعدة أن تشمل تمام المطالب التي تشملها قاعدة “ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده“، فإنَّها –أي: قاعدة (اليد)– تشمل المنافع المتجدِّدة، دون المنافع التي تحت يد الغير، فإنَّ قاعدة (ما يُضمن) تشملها دون قاعدة (اليد).
الشيخ بعد أن رأى قصور شمول قاعدة (اليد) للمنافع، قال(1): اللهم إلّا أن نتشبَّث بأمور أخرى كعدم جواز التصرُّف بمال المؤمن وغير ذلك.
ونحن أوَّلاً نقرأ الرواية ونحاول فهمها، ثُمَّ نرى أنَّها هل تفيدنا في المقام بشكل مطلق، أو بالنسبة إلى المنافع دون الأعيان، أو بما يشمل الأعمال أيضاً؟
في أبواب العشرة من الوسائل، باب مائة وثمانية وخمسين: محمَّد بن يعقوب الكليني، عن محمَّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن عبد الله بن بكير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر، وهي رواية موثَّقة، قال: “قال رسول الله: سباب المؤمن فسوقٌ، وقتاله كفرٌ، وأكل لحمه معصيةٌ، وحرمة ماله كحرمة دمه“(2).
ـــــــــــــ[263]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 190، الكلام في ملاك القاعدة.
(2) الكافي 2: 359 ح2، باب السباب، وسائل الشيعة 12: 297 ح3، باب تحريم سبّ المؤمن وعرضه وماله ودمه، ورواها الصدوق في مَن لا يحضره الفقيه 3: 569، ح 4946، و4: 377، 481، ح 5781، 5913 بتفاوتٍ يسيرٍ في اللفظ، ورواها البرقي في المحاسن 1: 102، ح77 إلى قوله: “وأكل لحمه معصيةٌ“.
ومن طرق العامّة بالإسناد عن ابن مسعود عن النبي وبلفظ: “سباب المسلم“، كما في مسند أحمد 1: 446، مسند ابن مسعود، مسند أبي يعلى 9: 55، المعجم الكبير 10: 159، حديث عبد الله بن مسعود.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هل يريد من ذلك أن يقول الحرمة التكليفيّة؟ فكما أنَّ دمه حرامٌ تكليفاً، كذلك ماله. كما أرجعها إليه بعض المحشّين(1) وقال: إنَّ هذا ممَّا يقتضيه السياق. فهل السياق في هذه الجمل متكفّل لبيان الحكم التكليفيّ، لنقول به في حرمة المال؟
ثُمَّ إنَّ رسول الله في مقام تشريف وتعظيم المؤمن، فهل يكفي في ذلك حرمة المال، أو يفيد أكثر من ذلك؟
أمَّا الجمل الأولى: فإذا لم نقل بإفادتها الحكم الوضعيّ، فلا نستطيع أن نقول بإفادتها للحكم التكليفيّ، فإنَّ الفسق والكفر والمعصية ليس حكماً تكليفيّاً، بل إمَّا أحكام وضعيّة أو انتزاعيّة، فليس في السياق حكمٌ تكليفيٌّ أصلاً، فإذا حسبنا حساب السياق، فلا يمكن أن نقول: إنَّه متكفِّل للحكم التكليفيّ.
وهل يكفي لتشريف المؤمن تحريم ماله؟ مع أنَّ كلّ مسلم(2) بل الكافر
ـــــــــــــ[264]ــــــــــ
() اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 322، الاستدلال على الضمان باحترام مال المسلم.
(2) حيث وردت الرواية بلفظ (المسلم) بدل (المؤمن) كما في أمالي الطوسي: 537، وصيّة النبيّ لأبي ذر: “سباب المسلم فسوقٌ… وحرمة ماله كحرمة دمه“. وتقدَّمت مصادرها بهذا اللفظ من طرق العامّة فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الذمي كذلك(1). نعم، بعض أقسام الكفّار يجوز أخذ ماله، فهذا الاحتمال في غاية الوهن.
الاحتمال الآخر: أنَّه لما كان في المقام التشريف والتعظيم، ففي المقام مبالغة، من قبيل (قتاله كفر). مع أنَّ الحمل على المبالغة وعلى خلاف الواقع خلاف الظاهر، ومجرَّد كونه في مقام التشريف لا يكون قرينةً على ذلك، والمعصية والفسوق حقيقةٌ، والكفر أيضاً لا يبعد صدقه باعتبار أنَّ دمه هدر عند قتاله للمؤمن. إذن، فليس مبالغةً، وإنَّما هو باعتبار أنَّ قتل المؤمن بمنزلة الكفر.
الاحتمال الثالث: وهو أنَّ الحرمة بمعنى الاحترام، لا يعني أنَّ دمه حرام في الجملة، كذلك المال حرام في الجملة، بل هو من قبيل التنزيل، فلا بُدَّ أن ننظر إلى الاحترامات الثابتة للدم، لنثبتها للمال.
فمن موارد احترام الدم أنَّه لا يجوز إراقته، فمقتضى المماثلة أنَّ المال لا يجوز التصرُّف فيه. ومنها أنَّه إذا قتل يجب إعطاؤه الدية والجبران، كذلك: إذا أتلف مالاً يجب الجبران، وفي الدم إذا حاول قتله يجوز له الدفاع، ولو وصل إلى القتل، وكذلك الأمر في الدفاع عن المال، والفتوى على هذه المسألة.
وهل الحرمة على المعنى المصدريّ والمعصية أيضاً خلاف الظاهر؟!
ـــــــــــــ[265]ــــــــــ
(1)اُنظر: مختلف الشيعة 5: 81، كتاب الربا، مسألة في ثبوت الربا بين المسلم وأهل الذمّة، مسالك الأفهام 13: 230، كتاب الإرث، ما يُؤخذ غيلة من أهل الحرب، قال: تحرم أموال أهل الذمّة بالتزامهم بأحكامها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وبعض المحشّين(1) قال: إنَّنا لم نجد في احترام مال المؤمن إلّا هذه الرواية، مع أنَّه موجود في الصفحة الأولى من كتاب القصاص من (الوسائل)، في معاني الأخبار، عن محمَّد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، بسنده إلى، عن ابن أبي عمير، عن أبي أسامة زيد الشحام عن أبي عبد الله: “إنَّ رسول الله وقف بمنى، حتَّى قضى مناسكها في حِجَّة الوداع… إلى أن قال: فقال: أيّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا اليوم. فقال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا الشهر، قال: فأيّ بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد، قال: فإنَّ دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه“(2) الخبر (ص 499 جـ 3).
فالشهر الحرام والبيت الحرام وحرم مكّة وحرم المدينة وحرم أمير المؤمنين كلّه، بمعنى: الاحترام، وبسبب احترام الشهر أصبح القتال فيه محرّماً، لا أنَّ معنى حرمة الشهر هي حرمة القتال فيه(3).
بناءً عليه حرمة مال المسلم كحرمة دمه، يُريد أن يقول نفس هذا المعنى، وحيث إنَّه في مقام تعظيم المسلم، وكان من المعلوم عند الناس حينئذٍ مدى حرمة دم المسلم، والآثار التي تترتَّب على إراقته، يتأتَّى إلى الذهن أنَّه بالمقدار
ـــــــــــــ[266]ــــــــــ
() لعلّ المراد المحقّق الأصفهاني، كما أفاد في كتاب الإجارة: 95، في مبحث قاعدة الاحترام قائلاً: إنَّ الدليل على احترام مال المسلم ليس إلّاَ قوله: وحرمة ماله كحرمة دمه.
(2) الكافي 7: 273، ح12، كتاب الديّات، باب القتل، وسائل الشيعة 29: 10، ح3، كتاب القصاص، باب تحريم القتل ظلماً.
(3) يأتي الكلام عن هذه الرواية مفصّلاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الذي لدم المسلم حرمة، كذلك الحال في ماله.
نعم، بعض الأحكام الثابتة لدم المسلم لو أفتى به الأصحاب لافتينا به، مثل ما ورد في باب القصاص من أنَّ شخصاً إذا قُتل ولم يُعلم قاتله من هو أمر أمير المؤمنين إعطاء ديته من بيت المال(1)، فهنا نقول هذا أيضا، إذا أُتلف ماله ولم يُعلم الـمُتلف، وجب تداركه من بيت المال؛ لأنَّ حرمة ماله كحرمة دمه، ولكن حيث إنَّ الأصحاب ما ذكروه لا نقول به، فحيث إنَّ هذا إجماع(2) فيُقيّد به، ويبقى الباقي مشمولاً للرواية.
المرحوم الأصفهاني بعد نقله للرواية، واختياره في استناد للرواية الحرمة التكليفيّة، يقول(3) في أحد إشكالاته: إنَّ احترام مال المسلم حيث إنَّه
ـــــــــــــ[267]ــــــــــ
() الكافي 7: 354، ح1، كتاب الديّات، باب المقتول لا يدرى مَن قتله، وسائل الشيعة 2: 145، ح1، باب إذا وجد القتيل في زحام ولا يدرى مَن قتله، عن أبي عبد الله قال: “قضى أمير المؤمنين في رجلٍ وجد مقتولاً لا يدرى من قتله، قال: إن كان عرف وكان له أولياء يطلبون ديّته اُعطوا ديّته من بيت مال المسلمين، ولا يبطل دم امرئٍ مسلمٍ… ” الحديث.
(2) هذا غريب من السيّد فإنَّ الإجماع إنَّما يتحصّل من مجموع الفتاوى الإثباتيّة أو السلبيّة، أمَّا عدم فتوى أحد بذلك فلا يشكّل إجماع ولا يصحّ الاستدلال به. ولا يشمل شيء من ملاكات حجية الإجماع كما هو معلوم للمتأمل (المقرِّر).
(3) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 322، الاستدلال على الضمان باحترام مال المسلم.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أضيف إلى المؤمن فالحيثيّة حيثيّة تقييديّة، فيُعلم منها أنَّ سلطان المؤمن على المال ومالكيته له هي التي لها احترام، فمِن ثَمَّ كان التصرُّف في مال الناس وأملاكهم، خلاف احترام هذه السلطنة. ولكن بالنسبة إلى الجبران والبدل، فهو غير مربوط بمالكيّة المؤمن، وإنَّما هي من خصوصيات المال نفسه.
فإنه لم يقل: إنَّ المالَ محترمٌ. وإلّا لزم أنَّ إعطاء صاحبه له بنحو الهبة أيضاً هتكٌ لاحترامه، غايته أنَّه هتكٌ جائزٌ. وهذا مقطوع العدم. إذن، فيُعلم أنَّ الحكم ورد على سلطان المؤمن على المال.
أقول: إنَّنا مرَّةً نلاحظ ذات المال كالكنوز والمعادن التي في الأرض، نلاحظ نفس المال مقطوع الإضافة عن المسلم والمؤمن.
وأخرى: نلاحظ نفس الإضافة مع قطع النظر عن طرفها.
وثالثة: ننظر إلى المال المضاف إلى المسلم.
وهو قال: إنَّ الحيثيّة بما أنَّها تقييديّة، فلا بُدَّ أن ننظر إلى ما هو شأن القيد، من دون نظر إلى نفس المال، وإلَّا لقلنا بالحضر على صاحبه أيضاً، مع أنَّ الرواية لم تقل: إنَّ حرمة سلطان المسلم على المال كحرمة دمه، وإنَّما قالت: حرمة مال المؤمن… والحيثيّة التقييديّة لا تستلزم رفع اليد عن المقيّد، بل يُؤخذ المقيّد بما هو مقيّد. فإذا قال: (العالم العادل يجب إكرامه)، فالحكم وارد على العالم العادل لا على عدالة العالم، ولا يجوز أن نقصر النظر على ذات المقيّد أو ذات القيد.
إذن، فيجب أن نحسب حساب المقيّد بما هو مقيّد، فالمال له احترام، غاية الأمر أنَّه بقيد خاصّ وهو إضافته إلى المؤمن.
ـــــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ثُمَّ إنَّه والآخرين(1) يقولون إن الملكيّة عبارة عن السلطنة، مع أنَّه بالضرورة ليس كذلك، فمثلا في قوله: (الناس مسلَّطون على أموالهم)(2)، فهل المسلَّط والمسلَّط عليه شيء واحد، أو أنَّ السلطنة شيء عند العقلاء، وكونه مالاً وملكاً له شيء آخر؟
وأمَّا ما يقوله(3) في ذيل كلامه، من أنَّه إذا كان مال المؤمن حراماً، فهو أيضاً لا يمكن أن يتصرَّف به، وهذا منه غريب جداً، فإنَّ معنى الاحترام هو: أنَّ له (حريماً) لا يمكن للغير دخوله، وليس معناه النظر إلى صاحب المال.
فما يقوله ليس تامّاً.
لكنَّ مهمَّ القضيّة هو هذا: فإنَّنا مرَّةً نريد أن نبحث دليلاً على قاعدة الإتلاف، فنستشهد بهذه الرواية، فلا يبعد شمولها له على تقدير تجريدها عن خصوصيّة المؤمن، وإن كان هذا غير ممكن، ولكنَّنا في مقام تحقيق هذا المطلب، وهو أنَّ (اليد) يد ضمان حتَّى بعد تلف المال المغصوب أو المقبوض بالعقد
ـــــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) اُنظر: بُلغة الفقيه 2: 334، حكم الاجازة والردّ، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 58، في تعريف البيع، قال: إنَّ الملكيّة هي نفس السلطنة، 2: 161، في أحكام الخيار، قال: والحاصل أنَّ الملكيّة عبارةٌ عن السلطنة على العين. ومثلها في: كتاب المكاسب والبيع 1: 87، منية الطالب 1: 92، في بيان حقيقة البيع.
(2) عوالي اللآلي 1: 222، ح99، بحار الأنوار 2: 272، ح7.
(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 323، الاستدلال على الضمان برواية حرمة مال المسلم، قال: ولو كان حيثيّة الاحترام راجعةً إلى الماليّة، لكان بذله مجّاناً من صاحبه هتكاً لحرمته.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الفاسد، وقد جرفه السيل مع غاصبه مع ذلك له حقّ مطالبة الورثة، مع أنَّ هذه الرواية لا تدلّ على ذلك، فإنَّه إذا كان أحد المؤمنين تحت يدي ونزلت عليه صاعقة قتلته، فهل يكون ذلك سبباً للضمان؛ ليكون التنظير بالدم سبباً للالتزام بهذا المطلب؟
إذن فلا يمكن إثبات هذا المطلب بهذه القرينة ونظيرها كقوله: “لا يصلح ذهاب حقّ أحدٍ“((1)، ونحوها(2).
[شمول الموثقة لعمل الحر]
وأمَّا قضيّة عمل الحرّ، فقد أشكلوا عليه أنَّه ليس مالاً، وعلى تقديره فالأدلّة مُنصرفة عنه(3).
فهو غير تامّ، فإنَّ المؤمن الأجير عمله منفعة لا محالة، والمنفعة مال عند العقلاء، بل لا يبعد أنَّ المؤمن الكسوب إذا حبسه شخص، فلا يبعد ضمانه عند العقلاء.
وأمَّا قضيّة الانصراف، فإنَّنا حتَّى إذا استظهرنا من الرواية الاختصاص بالأموال الخارجيّة، أمكن إلغاء الخصوصيّة فضلاً عن الانصراف.
ـــــــــــــ[270]ــــــــــ
() الكافي 7: 4 ح2، باب الإشهاد على الوصيّة، مَن لا يحضره الفقيه 3: 47، ح3299، باب مَن يجب ردّ شهادته.
(2) كقوله : “لا يصلح ذهاب حقّ امرئٍ مسلمٍ“، الكافي 7: 399، ح7، باب شهادة أهل الملل.
(3) حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 32، الاستدلال على الضمان باحترام مال المسلم.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا قيل: إنَّ دم هذا المؤمن محترم، نفهم أنَّ يده محترمة وعينه محترمه ومنافعه محترمة، وهكذا كلّ شيء راجع إلى المؤمن محترم، وإن كان من قبيل إضافة العرض إلى الموضوع على حدّ تعبيره.
هذا بالنسبة إلى هذه الرواية.
والرواية الأخرى هي قوله: “لا يحلّ مال امرئٍ إلّا بطيب نفسه“(1)، فلا بُدَّ أن ننظر إلى تقريبها ثُمَّ إلى دلالتها على المطلوب.
وتمام الرواية(2): قال: “فإنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه، فيسألكم عن أعمالكم، ألَا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال اللهم اشهد، ألَا مَن كانت عنده أمانةٌ فليؤدِّها إلى مَن ائتمنه عليها، فإنَّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفسه، ولا تظلموا أنفسَكم، ولا ترجعوا بعدي كفاراً“(3).
ـــــــــــــ[271]ــــــــــ
() الكافي 7: 273، ح12، كتاب الديّات، باب القتل، وسائل الشيعة 29: 10، ح3.
(2) تلا أوَّلاً الرواية الواردة في خطبة النبي المذكورة في المحاضرة السابقة، (المقرِّر).
(3) الكافي 7: 273 ح12، باب القتل، وسائل الشيعة 29: 10، ح3، باب تحريم القتل ظلماً، بسنده عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله. وفي الكافي 7: 274، ح5، أبواب القتل، مَن لا يحضره الفقيه 4: 92، ح5151، باب تحريم الدماء والأموال، بسنده عن سماعة عن أبي عبد الله بتفاوت يسير في اللفظ. وتقدَّم الحديث عن صدر الرواية في المباحث السابقة، فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وفي هذه الرواية كلامان، أحدهما في صدر الرواية، والآخر في ذيلها.
أمَّا قضيّة الصدر فهو يختلف عن تلك الرواية وهي: (إن حرمة مال المؤمن كحرمة دمه): فإنَّه هناك نزّل ونظّر المال منزلة الدم؛ ولذا قلنا: إنَّه يجب أن ننظر إلى أنحاء حرمة الدم لنثبته إلى المال، إلّا أن يدلّ الدليل على الخلاف.
إلّا أنَّه هنا لم يُنِّزل بهذا النحو، فإذا لم نستفد الحكم الوضعيّ منه، فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ الإطلاق يقتضي ذلك، وخاصّة أنَّها صدرت في أواخر أيامه، وكان مهتمّاً بهذا المطلب، ويريد إلقاء القاعدة العامة.
ولو لم يكن قوله: “حرام كحرمة يومكم هذا“، لَكَان هنا كلامٌ آخر، إلّا أنَّه حيث اقترن بذلك فالمراد من الحرمة هو الحرمة المستعملة في (اليوم) و(الشهر)، وهي لا يراد منها التحريم بلا إشكال، وإنَّما المقصود هو احترامها وعدم جواز هتكها.
فمقتضى ذلك بالنسبة إلى الدم هو حفظه وعدم جواز إراقته، وعلى تقدير الإراقة لا بُدَّ من الالتزام بالبدل، وكذلك مقتضى القاعدة في الأموال هو عدم جواز التصرُّف فيه ولزوم البدل للمُتلف، كما أنَّ العمل إذا كان حراماً فإنَّه يعني عدم جواز الإلزام به مجّاناً، وعلى تقديره فالالتزام بدفع العوض.
إذن، فالروايتان متفقتان في الحكم الوضعيّ، وضمان الإتلاف.
لكنَّ الكلام أنَّه إذا كان تحت يده مالاً لغصب أو لإجارة فاسدة، ولم يتلفه ولم يتصرَّف فيه، لكنَّ شخصاً آخر أتلفه أو تَلَف بحادث سماويٍّ، وهذا المعنى لم استطع إثباته بتلك الرواية ولا بهذه الرواية.
ـــــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بل نقول: إنَّهما يصلحان أن يكونا دليلاً على عدم الضمان، فإنَّ الضمان في مثل هذا المورد ليس ضماناً عقلائيّاً، بل على تقدير ثبوته بقاعدة (اليد) أو غيرهما، فهو حكم تعبُّديٌّ خلاف سيرة العقلاء. ودليل حرمة مال المسلم كما يشمل مال المغصوب منه يشمل مال الغاصب، وكما يشمل مال المؤجِّر يشمل مال المستأجِر أيضاً، فمقتضى إطلاقه إلى مال المؤجِّر عدم جواز التصرُّف في داره، وضمان الدرك على تقدير التصرُّف، إلّا أنَّ مقتضى إطلاقه لمال المستأجَر هو حفظه، وعدم إلزامه ببدل الدار التي ذهبت بالسيل أو أتلفها شخصٌ آخر.
فإذا كان الشيخ قد تمسّك بها من ذلك الطرف فنحن نتمسّك بها من هذا الطرف.
إذن فهذه الرواية تدلّ على عكس المطلب، فلا بُدَّ أن نرى نسبتها إلى قاعدة (اليد) التي تدلّ على الضمان، وفي الحقيقة أنَّ قاعدة (اليد) حاكمة عليها؛ لأنَّها تنقّح الضمان، وبعد ثبوت الضمان يمكن أخذ المال من المستأجِر.
أمَّا ذيل الرواية وهو قوله: “لا يحلّ دم امرئ ولا ماله إلّا بطيبة نفس”.
[ففيه احتمالان:]
الاحتمال الأول: هل هو تأكيد وتكرار لِما ورد أوَّلاً، فيكون معنى الحلِّيّة فيها نفس المعنى السابق، وهو ما يقابل الحرمة بمعنى الاحترام، ويكون قد ذكر أوَّلاً وجوب احترام الدم والمال، والآن ذكر عدم جواز هتكه واستحلاله؛ فيصبح البيان نفس البيان؟
ـــــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
والاحتمال الآخر: أنَّه جملة مستقلَّة مفصولة عمَّا سبق، وبخاصة بأنَّ بينهما كلاماً مستقلّاً، وهو قوله “ألَا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال اللَّهم اشهد“؛ فيدلّ ذلك أنَّه يُريد أن يقول كلاماً مستقلّاً مستأنفاً.
ولو أردنا أن نُقرِّبه بوجه عقلائيٍّ، فلا ينبغي أن نقول كما قال الشيخ(1) في قاعدة “الناس مسلَّطون على أموالهم“، حيث قال: إنَّهم مسلَّطون عليها في حال وجودها وفي حال عدمها، وتكون النتيجة هو لزوم الدرك والضمان.
فهنا أيضاً نقول: إنَّ المال لا يحلّ، سواءٌ في حال وجوده ولا في حال عدمه، يعني يعطي عوضها. إلّا أنَّ هذا الوجه لا يمكن أن يكون مرضيّاً للعقلاء.
أو نقول -كما قال بعض المحشين-: إنَّه ناظر إلى منع التصرُّف سواءٌ كان تصرُّفاً خارجيّاً أو اعتباريّاً.
إلّا أنَّ لنا سؤالاً واحداً: أنَّ منع الشخص عن التصرُّف في ماله هل هو تصرُّف فيه؟ لا، ليس تصرُّفاً، ولكن تشمله الرواية، فإنَّ الحرمة نُسبت فيها إلى ذات المال، وإذا نُسبت الحرمة إلى الذات معناه حرمة سائر الآثار المتصوَّرة فيها، فلو قال: (الخمر حرام) لا يعني حرمة خصوص شربها، وإلا لم يصحّ نسبة الحرمة إلى الذات مع حلِّيّة سائر الآثار. أو نحو: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ(2)،
ـــــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 98، مبحث المعاطاة، الأمر السادس، قال: إنَّ عموم (الناس مسلّطون على أموالهم) يدلّ على السلطنة على المال الموجود بأخذه وعلى المال التالف بأخذ بدله الحقيقي، وهو المِثْل أو القيمة.
(2) المائدة: 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ليس معناه حرمة أكله، بل حرمة الذات، والذات إذ لا تكون حراماً حقيقةً، إذن فهي حقيقةٌ أدعائيّةٌ، تحتاج إلى مصحِّحٍ، والمصحِّحُ أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون له أثر كبير، بحيث تكون سائر الآثار إلى جنبه كالعدم، وليست شيئاً مذكوراً، فتكون الحقيقة الادعائيّة بلحاظه.
ثانيهما: أنَّ له آثاراً عديدةً بارزةً، فلا يصحّ هذا الادعاء إلّا مع انتفاء جميع الآثار، فصنع الخمر وبيعه آثار مهمّة إلى جنب شربها، فلا يصحّ إسناد الحرمة إلى الخمر إلّا على تقدير حرمتها جميعاً.
هنا أيضا “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبة نفسه“، ليس معناه أنَّه لا يجوز التصرُّف، بل معناه أنَّ الذات ليست حلالاً، ومن جملة الآثار تصرُّف صاحبه به، فمنعه عنه يكون غير حلال، ومِن ثَمَّ طبق النبي هذه القاعدة على ردِّ الأمانة(1)، مع أنَّها ليست عرفاً من التصرُّف، وإن كانت كذلك بالدقَّة العقليّة.
فالروايتان، وإن كان بينهما بعض الاختلاف، إلّا أنَّهما معاً لا تنقِّحان ما هو المطلوب، بحيث نثبت بهما الضمان مع التلف السماويّ، بل قلنا: إنَّه يثبت بهما العكس.
تمسّك الشيخ بعد ذلك بدليل “لا ضرر ولا ضرار“.
من الروايات التي أشار إليها الشيخ: حديث “لا ضرر ولا ضرار“(2)،
ـــــــــــــ[275]ــــــــــ
() بقوله في هذه الرواية: “ألا مَن كانت عنده أمانةٌ فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها“.
(2) الكافي 5: 292- 293، ح2 و4 و6، باب الإضرار، وسائل الشيعة 25: 420، 428، ح2 و3، باب عدم جواز الإضرار بالمسلم، سنن ابن ماجة 2: 784، ح2340 و2341، باب مَن بنى في حقّه ما يضرّ بجاره. وادّعى فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 2: 48، من كتاب الرهن تواتر خبر الضرر، قال: والضرر منفي بالحديث المتواتر.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عسى أن يُتمِّم به الضمان. ونحن لا كلام لنا في نفس الحديث، ونذكر له تقريباً بالنحو الذي يمكن به إثبات الضمان في الجملة؛ لنرى أنَّه هل يمكن أن نرفع ضمان (اليد) أو لا يمكن؟
تقريبه أن يقال: إنَّ “لا ضرر ولا ضرار” حقيقةٌ أدعائيّةٌ، وهي في صدد بيان أنَّ الضرر المتدارك ليس ضرراً، وأنَّ وجوده مُنزَّل منزلة عدمه(1)، وهو كناية على أنَّ (لا ضرر) بالغير لا بُدَّ فيه من التدارك، كما نقل عن الشيخ محمَّد تقي المحقِّق. إذن، فعلى هذا لا ربط لها بالأحكام، وإنَّما هي مربوطة بالأضرار الخاصّة التي يوقعها بعض الناس ببعض؛ فيُستفاد منها الضمان في الجملة ووجوب التدارك.
أو تُقرَّب بتقريب الشيخ(2) مع توسعة، بأن يُقال: إنَّ “لا ضرر ولا ضرار”
ـــــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) نَسَبَ الشيخ الأنصاري هذا القول إلى بعض الفحول، ولم يسمّه، وقال في ردّه: وأردأ الاحتمالات هو الثاني وإن قال به بعض الفحول؛ لأنَّ الضرر الخارجي لا يُنزّل منزلة العدم بمجرّد حكم الشرع بلزوم تداركه، وإنَّما المُنزّل منزلته هو الضرر المتدارك فعلاً.
(أُنظر: رسالة في قاعدة لاضرر، ضمن رسائل فقهيّة للشيخ الأنصاري: 114، عوائد الأيّام للنراقي: 51، البحث الثالث، معنى لا ضرار).
(2) اُنظر: فرائد الأُصول 2: 460-461، معاني لا ضرر، رسالة في قاعدة لا ضرر للشيخ الأنصاري: 115، ضمن مجموعة رسائل فقهيّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
حقيقة ادعائيّة، ولكنَّ الشارع أو المتكلِّم حين لاحظ وجد أنَّ في محيط الشرع ليس هناك أحكامٌ ضرريّةٌ، ولاحظ أنَّه لا يجوز لأحد إيقاع الضرر بالآخرين، ولاحظ أنَّه إذا أوقعه شخص بشخص فلا بُدَّ من التدارك، فيصحّ أن يُقال إنَّه “لا ضرر ولا ضرار“.
فهذا حقيقة أدعائيّة، ومصحِّحها ونسبتها إلى الذات بلا قيد، هو: عدم جعل أو جواز أيّ نحو من الضرر من الشرع.
أو يدَّعي شخص: أن (لا ضرر) وإن كانت صادرة عن النبي، بصفته حاكماً وسلطاناً ولا ربط لها بالأحكام ولا تصرُّف لها فيها، إلّا أنَّه يدَّعي أنَّه من لم يعطِ إجازة للضرر في سلطنته وحكم بعدم جوازه؛ فيستفاد منه الضمان.
ونحن لسنا بصدد الاستظهار من الرواية، إلّا أنَّه على فرض صحّة أحد هذه التقريبات، فغاية ما يُستفاد من الرواية بناءً على فرضه، هو: عدم جواز الإضرار على تقدير يلزم الجبران.
إمَّا إذا تلف المال المغصوب أو المقبوض بالعقد الفاسد أو بالسوم، بآفة سماوية، وأردت أن آخذ منه العوض يكون إضراراً به؛ فتشمله الرواية.
فينتج -في الحقيقة- عكس ما يقوله الشيخ(1)، فإنَّ أخذ المال منه لا يجيزه العقلائيّ، وإنَّما هو أخذ لولا الدليل الشرعي يكون بغير حقّ وضرر عليه؛ فتشمله الرواية بالتحريم، ويثبت بها عدم الضمان.
ـــــــــــــ[277]ــــــــــ
() فالشيخ أراد من الاستدلال بـ “لا ضرر” إثبات الضمان، وهنا ثبت العكس، وهو أنَّ الحكم بالضمان يكون حكماً ضرريّاً، فيدفع بدليل نفي الضرر.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذن فيأتي هذا الإشكال، وهو: أنَّ دليل (لا ضرر) معارِض لكلٍّ من: قاعدة (اليد)، وقاعدة (احترام المال)، وقاعدة (لا يجوز أخذه إلّا بطيب نفس)؛ لأنَّها جميعاً تقتضي عدم أخذ العوض عند التلف السماويّ، على حين أنَّ قاعدة (لا ضرر) تثبت عدم الضمان، إذن ماذا نعمل؟
أما بالنسبة إلى باب (احترام مال المسلم)، وتقديم (لا ضرر) عليه، بل (على اليد) عليها واضح؛ لأنَّ (احترام مال المسلم) أو (لا يحلّ..) واردة على المال، ولا تستطيع أن تُثبت موضوعها، وإنَّما هي واردة على المال المفروض الوجود، و(على اليد) تنقّح موضوعها، وتأتي بالمال إلى عهدتك، وإذا أتى المال إلى عهدتك فـ(احترام المال) يقتضي أن تعطي العوض. إذن، فليس من هذه الناحية مهمّاً.
إنمَّا الكلام في نسبة (على اليد) إلى (لا ضرر)، إذ إنَّ لا ضرر كما يقول الشيخ(1) والشيخ الطوسي وابن زهرة في (الغنية) تشمل الأحكام وترفع الحكم الضرريّ. و(على اليد) نقول: إنَّه إذا وقعت يدك على المال فأنت له ضامن، والمفروض أن هذا الحكم ضرريّ(2) وليس جبراناً عقلائيّاً؛ لأنَّ المفروض أنِّي لم أعمل إتلافا إنَّما ذهب به السيل. إذن، فـ (على اليد) لا بُدَّ أن تُقيِّد (لا ضرر).
ـــــــــــــ[278]ــــــــــ
() اُنظر: المبسوط 3: 272، غنية النزوع: 295، إحياء الموات، فرائد الأُصول 2: 461، 468، معاني لا ضرر، ومسائل تعارض الضررين.
(2) يعني إلزام المستأجِر مثلاً بدفع درك الدار الذي جرفها السيل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ويمكن أن يجاب بأحد نحوين:
أحدهما: أن يُقال: إنَّ (على اليد) أخصّ مطلقاً من (لا ضرر)؛ لأنَّ (لا ضرر) تشمل سائر الأحكام، بل أزيد منها على ما قررناه، و(على اليد) واردة في موضوع خاصٍّ، وفي الدليل الأخصّ لا محلّ للحكومة، بل يكون محلّاً للتخصيص العقلائيّ. و(على اليد) تشمل الغاصب والقابض بالعقد الفاسد، والقابض بالسوم، وكلّ ما وردت عليه حلِّيّة من دون أمانةٍ مالكيّةٍ وشرعيّةٍ.
أمَّا إذا ادَّعى شخصٌ أن (لا ضرر) لا تشمل الغاصب، وإن كان التلف سماويّاً عنده، حينئذٍ يكونان من قبيل العامَّين من وجه، فإذا كان لـ (لا ضرر) حكومة على قاعدة (اليد)، فلا بُدَّ أن نخرج المقبوض بالعقد الفاسد وبالسوم وغيره، ونخصّ قاعدة (اليد) بالغاصب.
وعلى اليد لا تشمل الإتلاف؛ لأنَّ الإتلاف إمَّا أن يكون قبل دخول المال تحت اليد، أو بعد دخوله: أمَّا قبلها فواضح، وأمَّا بعدها؛ فلأنَّه بمجرَّد دخوله تحت اليد يثبت ضمان اليد، سواءٌ تلف أو لا، وسواءٌ أتلفه هو أو غيره. إذن، فضمان الإتلاف هو عبارة أخرى عن ضمان اليد وليس غيره.
فإذا قلنا بأنَّ (على اليد) تشمل الغاصب وغيره، يكونان عامِّين من وجه، وحينئذٍ ماذا نعمل؟
يمكن أن نقول هكذا -إذا كنتم توافقون-: إنَّ ما هو الضرر هو عبارةٌ عن أخذ المال من هذا، والحكم الضرريّ (يعني المسبّب الضرر) وهو إيجاب أخذ المال من هذا الشخص بلا جهة، فلا بُدَّ أن يرفع مثل هذا الحكم، ولكنَّ إيجاب
ـــــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الضمان بنفسه إذا لم يكن معه إيجاب التدارك لا يكون حكماً ضرريّاً، فلا يكون هناك مقتضٍ لارتفاعه. مثلا في باب الزكاة(1) أيضاً يُقال هكذا: إنَّ الله تعالى أشرّك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، وهذا الحكم بالتشريك بنفسه ليس حكما ضرريّاً، وإنَّما الضرر في الأحكام المترتِّبة عليه، كوجوب الأداء وعدم جواز التصرُّف.
فهنا أيضاً نقول: إنَّ (على اليد) لو جُعلت حكماً ضرريّاً؛ لشملته قاعدة (لا ضرر) وحكمت عليه. وأمَّا إذا جُعلت(على اليد) حكماً غير ضرريّ، وهو الضمان، فلا يرتفع بـ (لا ضرر)، وإنَّما الضرر هو في وجوب الأداء، وفي هذه المرتبة لا تصل النوبة إلى (لا ضرر)، فما هو مجعول قاعدة (اليد) ليس ضرريّاً، وما هو ضرريّ -وهو لزوم الأداء- حكم عقلائيّ غير مشمول لقاعدة (لا ضرر).
هذا يمكن أن يُقال هنا، إلّا أنَّ (لا ضرر) في حقيقتها غير ما يقول الآغايون عنها.
بناءً عليه، فإلى هنا لم نجد دليلاً يشمل كلّ مفاد (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده)؛ لأنَّ أحسن دليل كان عليه هو قاعدة (اليد)، وهي لا تشمل المنافع التي ذهبت من دون الإتلاف، كما لا تشمل الأعمال التي ليست بتسبيبي.
ـــــــــــــ[280]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 9: 215، أبواب المستحقّين للزكاة، الباب الثاني، الحديث 5. وهذا نصّ الحديث الوارد عن مولانا الصادق.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذن، فالأدلّة غير وافية بهذه القاعدة، وحيث إنَّ هذه القاعدة ليست دليلاً شرعيّاً في نفسها، وإنَّما هي موجودة في كلام الفقهاء، ولعلَّهم ذكروها لأجل أحد هذه الأدلّة. إذن، فلا نكون مرتبطين بها.
الآن يقع الكلام في أنَّ المعاملة الفاسدة، مرَّةً يكون الطرفان عالِـمَين بالفساد، وأخرى كِلاهما غير عالم، وأخرى يكون الدافع عالماً والقابض غير عالم، ورابعة بالعكس.
فهل يُفرّق بين الجهل وغيره، أو أنَّ هناك تفصيلاً بين الشخص العالم والشخص الجاهل؟
بعبارة أخرى المعاملة التي تقع فاسدة، مرَّةً يكون الطرفان عالمين بالفساد، ومرَّةً يكونان جاهلين. ومرَّة أحدهما جاهل والآخر عالم. فهل يُفرّق(1) في هذه الصور في الضمان بالعقد الفاسد، أو أنَّ الضمان ثابت على أيّ حالٍ؟
بعد أن اقتضت القاعدة الضمان، فلا بُدَّ من قيام دليل على عدمه.
قد يُقال(2): إنَّ المالك حين يُقبّض غيره وهو عالم بالفساد، سواءٌ كان هو البائع أو المشتري، فهذا الإقباض غير مبنيّ على معاملة؛ لأنَّها معاملة فاسدة في نظره. إذن، فهذه الإجازة والتسليط لغيره على ماله من دون اقتضاء المعاملة، فيستلزم أن يكون تسليطاً مجّانيّاً لا ضمان فيه.
ـــــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 192، الاستدلال على الضمان.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 94، عدم اختصاص الضمان بالعلم بالفساد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نحن يجب أن نحسب حساب المعاملات؛ لنرى أن هذا صحيح أو لا، وإذا كان صحيحاً، ففي الموارد التي تصحّ هل هي مربوطة ببحثنا أو لا؟
بحثنا في المقبوض بالبيع الفاسد، بمعنى أنَّ عقداً وقع، ولكنَّه وقع فاسداً، فإذا وقعت معاملة عقلائيّة وقد حكم الشارع بشيء بخلاف رأي العقلاء، كما في بيع الربا وبيع الخمر، فإنَّها وإن كانت ممنوعةً شرعاً، إلّا أنَّها عقلائيّة موجودة حتَّى في أسواق المسلمين، بل صحيحة ولازمة وموجبة للملكيّة في نظر العقلاء، فإذا باع الخمر، فإنَّه يُسلِّمه باعتباره مالاً للمشتري لا مالاً لنفسه.
بناءً عليه، فالعالِم بالحكم الشرعيّ إذا تعامل معاملة وأدَّى متعلّقها، يقولون: إنَّه ليس معاملة ولا أداء. فإن كان مقصوده المعاملة العقلائيّة فليس كذلك، وإذا كان من المقدَّسين، فهو يعلم بالفساد، ولا يمكنه إنشاء المعاملة وقصد إيقاعها جداً؛ فيكون ذلك مسلكاً خارجاً عن محلّ الكلام، فإنَّ كلامنا في وقوع المعاملة مع كونها بيعاً فاسداً.
إذن، ففي صورة المعاملات العقلائيّة ليس له رضاء مطلق، بل له رضاء معامليّ، كما أنَّ التسليط الذي تقولون إنَّه صادر من دون معاملة غير صحيح، بل التسليط معامليّ وتابع للقرار الذي وضعوه.
نعم، المعاملة إذا لم تكن عقلائيّة، بمعنى أنَّها كانت فاقدة لبعض الشرائط العقلائيّة، كما في البيع بلا ثمن، والإجارة بلا أجرة. إذا التفتَّ إلى ذلك لا يمكن أن يوجد المعاملة، فلا تتحقَّق المعاملة العقلائيّة، ونحن كلامنا في المعاملة التي تقع فاسدة. إذن، فهذا لا إشكال فيه.
ـــــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إنَّما الكلام أنَّ بعض المحشِّين(1) وضع فرقاً بين المعاطاة وبين ما نحن فيه، وبين معاملة الغاصب وبين ما نحن فيه، يقول: إنَّه هنا نقول بالضمان بالتقريب الذي قلناه، وقرَّبه به الشيخ(2) كذلك.
وأمَّا في باب المعاطاة حيث إنَّه لا تُوْرث الملكيّة، وإنَّما تفيد إباحة التصرُّف ولا ضمان. فالفرق بينهما هو أنَّه هنا قد وقعت معاملة، فكان الرضاء بالمعاملة والتسليط تسليطاً على طبق المعاملة.
أمَّا في باب المعاطاة فليس أنَّه بتسليطه يتبع معاملة سابقة، بل هو بنفس تسليطه يُريد إيجاد الملكيّة، وهذا التسليط تسليط مع الرضا، فالملكيّة مترتِّبة على هذا الرضا، وهذا الرضا التسليطيّ يستحيل أن يتقيَّد بالملكيّة، فإنَّه يكون من قبيل العلَّة بالمعلول، فإذا لم تترتَّب الملكيّة فتسليطه لم يذهب.
وإذا قلتم: إنَّ التسليط متقيّد بوجود الملكيّة، فلا معنى لهذا، ومقصوده انه يكون من تقييد العلَّة بالمعلول. فالمعاطاة، إذا لم تأتِ بالملكيّة فإنَّها تُوْرث الرضا حتَّى لو كانت فاسدة، ولا توجب الضمان. ولا تكون مثل البيع بالصيغة إذا كان فاسداً.
ـــــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 327، الفرق بين المعاطاة وبين الاقباض الصادر عن الرضا.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 192، الاستدلال على الضمان.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول: هذا المطلب العقليّ الذي قيل بأنَّ المعلول لا يمكن أن يكون قيداً للعلَّة، يعني مثلاً أن الشمس ليست مؤثِّرة في الشعاع بصفتها مقيّدة بوجود الشعاع، لأنَّها سابقة عليه رتبة، فلا يمكن أن تتقيّد به.
ولكن عندنا مطالب:
أحدها: أن تكون العلَّة مقيّدة بالمعلول.
ثانيها: أنَّ العلَّة لها توسعة وإطلاق لحال عدم المعلول.
ثالثها: أنَّه لا إطلاق لها ولا تقييد، ولكن لا ينطبق إلّا على المقيّد.
فهذه الشمس لا تؤثِّر في الشعاع بصفتها مقيّدة به، ولكن لا يلزم كونها مطلقة من حيث التأثير وعدمه، بل ذات الشمس مؤثِّرة، ولكنَّها مؤثِّرة في وجود لا ينطبق إلّا على هذا، فهو لا مطلق ولا مقيّد، ولكنَّه لا ينطبق إلّا على المقيَّد بحسب متن الواقع؛ فهذه هي المسألة العقليّة.
أمَّا المسألة العقلائيّة: فالمعاملة العقلائيّة التي نعملها ونسلِّطه باعتبارها، هذا التسليط وإن لم يكن بصفته مقيّداً بالملكيّة يكون موجباً لها، ولكن هل معنى ذلك كونه مطلقاً، بحيث إنَّه بأيّ نحو كان، أو أنَّ لي -في الحقيقة- رضا على تسليط تمليكيٍّ، يكون بذاته سبباً للتمليك، لا مقيّداً ولا مطلقاً، فالآن عندي رضاء هو علَّة للملكيّة، وهذا الرضاء الذي تحصل به الملكيّة ليس مقيّداً بها ولا مطلقاً، حتَّى إذا انتفى التقييد ثبت الإطلاق؟
فهذا المطلب ليس تامّاً لا عقلاً ولا عقلائيّاً.
بناءً عليه: ففي المعاطاة، إذا لم يقم دليل، ولم نقل بحصول الملكيّة، لا بُدَّ أن
ـــــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نقول بحصول الضمان، غايته يُدَّعى الإجماع على عدمه، وقد تقدَّم الكلام عن هذا الإجماع سابقاً. إذن، لا فرق في المعاملة بين اللفظي وغيره.
هناك إشكال في باب الغصب: أنَّه حين يقع بيع الغصب، إذا أراد الغاصب بيعه، وهو يعلم أنَّه مغصوب، كما أنَّه هناك تقولون: إنَّ هذا التسليط لا ضمان فيه، كذلك لا بُدَّ أن نقول به في الموارد الأخرى في غير باب الغصب.
الشيخ الأصفهاني(1) يجيب بأنَّ هناك فرقاً بين الغصب وبين المقام، فإنَّه في المعاملة الغصبيّة لا يُعقل ولا يمكن إيقاع المعاملة الجدِّيّة، وحتَّى لو قلنا بإمكانها، فلا بُدَّ أن تكون على هذا الترتيب: أنَّه من باب الادعاء: ادّعاء أنَّ هذا مالك، فإنَّه إذا عمل المعاملة فمقتضى القاعدة أن يسلِّمه إلى المالك الحقيقيّ، ولكنَّه غير موجود على الفرض، وعنوان (المالك الادّعائيّ) أمر كُلِّي لا يمكن أن يُقبض شيئاً، فإنَّ القبض أمر تكوينيّ خارجيّ لا يمكن أن يقوم به إلّا الفرد الخارجي، غاية الأمر أنَّك ادَّعيت أنَّ عنوان المالك منطبق عليه.
أمَّا في سائر موارد الفساد، فهذا كله متحقّق، غايته أنَّ هناك وجوهاً أخرى للفساد.
نقول: إنَّنا في باب الغصب مرَّةً نتكلَّم عن أولئك المتهاونين بالدين القائلين: بأنَّ الحلال ما يحلّ في يده. فليس عندهم مالك ادعائيّ، فهذا يكون
ـــــــــــــ[285]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 327، الاستدلال على الضمان.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كسائر المعاملات الفاسدة، ومقتضاه التسليم إلى هذا باعتباره المالك لا إلى مالكه الحقيقيّ.
وأمَّا إذا صحَّحنا المعاملة باعتبار الادعاء، فهل هذا نظير ما يدّعيه السكاكيّ(1)، أو نظير الادعاء الذي قلناه؟ فإنَّ السكاكيّ يقول: إنَّ هذا المصداق أدّعيه معنى حقيقيّاً، وأطلق اللفظ عليه، بعد أن ادَّعي أنَّ هذا أسد استعمل فيه لفظ الأسد.
ونحن قلنا -تبعاً لبعض المشايخ-: إنَّ اللفظ استعمل في معناه، لكن بنحو الإرادة الاستعماليّة، ولكن بحسب الإرادة الجدِّية يُريد أن يُطبِّق العنوان على هذا(2).
فهذه المعاملة الغصبيّة هل هي بنحو ما قلناه بحيث يكون بيعاً على عنوان المالك، ويطبِّقه على هذا، أو أنَّه نظير ما يقول السكاكي، وأنَّ هذا مالك؟
فإن كان على النحو الأول، صحَّ كلامه، إلّا أنَّه بعيد عن فهم المتبايعين. وإنَّما الارتكاز على طبق الثاني، فإنَّ العقلاء قد يضعون أنفسهم مواضع الآخرين، فيدَّعون أنَّ هذا هو ذاك، فإذا قال: (زيدٌ حاتمٌ)، يعني: أنَّ نفس هذا هو حاتم، وليس الأمر فيه بنحو الكلِّيّات.
بناءً عليه، فهو يبيعه عليه بعنوان كونه مالكاً، وعلى هذا يكون القبض
ـــــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) اُنظر: مفتاح العلوم 1: 156، القسم الثالث في علمي المعاني والبيان، الفصل الثالث: الأصل الثاني في علم علم البيان، المجاز.
(2) اُنظر: نهاية الأصول: 24 ـ 25، الحقيقة والمجاز.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
جائزاً أيضاً، فكيف كان قبوله صحيحاً وقبضه ليس بصحيح! بل لوجب أن يأتي عنوان (البائع الادّعائيّ)، فيقبل على قولكم. وبناءً على ما قلناه: ادّعي أنَّ هذا هو المالك، فيترتَّب عليه صحّة قبوله وقبضه. إذن، لا فرق بين الغصب والمقام، وسيأتي في بحث الفضولي ما إذا يمكن تصحيح معاملة الغاصب أو لا.
وقد يُقال: نعم، إنَّه في الموارد التي يعلم كِلا الطرفين بالفساد، أو المالك جاهل بالفساد، يأتي هذا الكلام.
ولكن إذا كان القابض جاهلاً، فتأتي قاعدة (الغرور)(1)؛ لأجل تنقيح عدم الضمان، فإنَّ هذا المالك قد غرَّه، والمغرَّر يرجع على من غرَّه.
نقول: إنَّه في هذه المواضع يحتاج إلى تفصيل:
فإنَّه مرَّةً: يكون المتعاملان غير مربوطين في معاملاتهما بمحيط الشرع، فلا يفرّق بين الجاهل بالحكم الشرعيّ والعالم في عدم اعتنائهما بحكم الشرع. إذن، فليس هنا غرور، فإنَّ الغرور إنَّما يكون إذا أحتجَّ المغرور على غرره، على حين أنَّ هذا لا يفرّق حاله بين أن يكون جاهلاً أو عالماً، فلا يصدق أنَّه غرّه وخدعه.
وأخرى: نفرض أنَّ هذا المتعامل، متشرِّع ولا يُوقع معاملة فاسدةً شرعاً، وإن كانت صحيحة عقلائيّاً، وإنَّما أوقع هذه المعاملة لجهله، فهذا الغاصب لأجل إحراز رضاه بالمعاملة لم يخبره بواقع الحال، فمن الممكن أن يقال حينئذٍ إنَّه غرره، فإنَّه سلَّم إليه المال بعنوان كونه ماله.
ـــــــــــــ[287]ــــــــــ
() الغرر. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بناءً عليه في هذا القسم يمكن أن يُقال إنَّه لا ضمان، ولكن في القسم الأوَّل لا بُدَّ أن يقال بالضمان، هذا كلّه في أصل هذه القاعدة.
وأمَّا عكسها: وهو: (ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده).
فعكس القضيّة معلوم، أنَّه ليس من عكس النقيض ولا العكس المستوي، فإنَّ القضيّة إذا كانت برهانيّة، فكِلا هذين العكسين يكون برهانيّاً. إلّا أنَّ هذا ليس من أحد العكسين أصلاً، ولا العكس في مقابل الطرد الذي هو أن تعكس القضيّة، ويحمل المحمول الكلِّيّ على الموضوع، وإنَّما قيل لها (العكس)، بملابسةٍ.
ما المراد من: (كلّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده)؟ المراد بها أحد احتمالات:
فإنَّه كما في أنَّه في الأصل: (كلّ ما يُضمن…) كان معناه -مثلاً-: كلّ عقد صحيحه موجبٌ للضمان ففاسده أيضاً سببٌ للضمان، فهذه في مقابله، ذاك يثبت السببيّة وهذا ينفيها. ومثل هذه القضيّة التي تخلَّلها السلب -بمعنى من المعاني- وإن كانت بحسب الانطباق تنطبق على مصاديقها الذاتيّة، فإنَّها أيضاً تنطبق على ما ليس مصداقاً ذاتيّاً، بل اصطلح عليه بعضٌ: بأنَّ هذا مصدوق عليه.
فإنَّ عدم الإنسان يصدق ذاتاً على العدم الواقعيّ له، ويصدق صدقاً عرضيّاً على الحيوان، فإنَّ الحيوان وإن لم يكن عدماً للإنسان إلّا أنَّه ينطبق عليه كسائر أضداده.
ـــــــــــــ[288]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا أخذنا: (كلّ ما لا يضمن…) بمعنى سلب السببيّة، يعني: ما لا يقتضي الضمان ولا يسبِّبه بصحيحه، فهو لا يقتضي الضمان بفاسده، إلّا أنَّه بمفهومه إن كان يشمل ما لا يقتضي الضمان وما يقتضي عدم الضمان، ومصاديقه الذاتيّة هي العقود التي لا تقتضي الضمان، ومصاديقه العرضيّة هي العقود التي تقتضي عدم الضمان.
إذا فرضناه شاملاً بهذا النحو تكون هاتان القضيتان بطردها وعكسها حاصرة لكلّ العقود، فإنَّ من العقود ما يقتضي الضمان، ومنها ما يقتضي عدمه، ومنها ما لا يقتضي الضمان، ولا رابع، وكلّها تكون داخلة في القضيّتين.
أمَّا أنَّا إذا أخذناه بمعنى عدم الاقتضاء، وهو الاحتمال الثاني، تكون العقود المقتضية لعدم الضمان خارجةً.
والاحتمال الثالث في قُبال الأول، وهو: أن تأخذه بمعنى العقد المقتضي لعدم الضمان، فلا تكون القضيتان أيضاً حاصرتين، لخروج العقود غير المقتضية للضمان عنهما.
وهاتان الجملتان ليستا واردتين في رواية أو معقد الإجماع ليُستظهَر منها، وإلَّا لقُلنا: إنَّ الظاهر هو القسم الأول، وليس نظرها إلى اقتضاء عدم الضمان.
بل يجب أن ننظر إلى مبنى القضيّة؛ لنرى أنَّه هل يثبت عدم الاقتضاء، أو اقتضاء العدم؟ وهذا مبحث مهمّ في الفقه، فإنَّنا إذا أثبتنا عدم اقتضاء الضمان، واشترطنا في سائر العقود الضمان لكان جائزاً؛ لأنَّ الاقتضاء لا ينافي عدم
ـــــــــــــ[289]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الاقتضاء. وأمَّا إذا توصَّلنا لاقتضاء عدم الضمان، يكون الشرط في العقد بخلافه، فلا يكون نافذاً.
ولهذا نقول: إنَّ المبنى مرَّةً يكون دليل هذه القاعدة ما قاله الشيخ(1) في باب الرهن: إنَّ هذا لا يُضمن بصحيحه فكيف بفاسده(2)! يعني نعمله من باب الأولوية.
والشيخ(3) حينما يُقرِّر قوله يقول: إنَّ العقد غير موجب للضمان، لا من جهة الحكم الشرعيّ ولا من جهة غيره؛ لعدم قرار الضمان، لأنَّه فاسد ولغوٌ.
فإذا قلنا هذا المطلب تكون القضيّة لا اقتضاء، إلّا أنَّ أصل المبنى غير تامّ كما قال الشيخ؛ لعدم وجود الأولويّة، لإمكان وجود اقتضاء الضمان في سائر العقود، ويكون العقد الصحيح رافع له دون الفاسد(4).
المهمّ ما يقوله الشيخ(5) إن قلت: إنَّ هذا العقد لا معنى لاقتضاء الضمان فيه بما أنَّه عقد فاسد، ولكنَّه محكوم بالضمان باعتبار “على اليد ما أخذت حتَّى
ـــــــــــــ[290]ــــــــــ
() ظاهره الشيخ الطوسي. (المقرِّر).
(2) المبسوط 2: 204، لو رهن شيئاً بدين.
(3) كتاب المكاسب 3: 196-197، موارد النقض على عكس القاعدة.
(4) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 197، المناقشة في الأولويّة.
(5) كتاب المكاسب 3: 197، مدرك عكس القاعدة، دليل الاستئمان.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
تؤدِّيه” فإنَّها تشمل تمام الأيدي، وإنَّما خرج صحاح العقود وبقي الباقي، وهي العقود الفاسدة.
قلت(1): إنَّ نفس الدليل الذي يُخرج العقود الصحيحة من عموم(على اليد)، هو يُخرج العقود الفاسدة. ويُعبِّر الشيخ(2) عن ذلك بشكلين:
أحدهما: أنَّ ما يخرج عن شمول قاعدة (اليد) هو كلّ مورد لا يضمنه المالك للطرف.
الآخر: سواءٌ لم يضمنه باعتبار أنَّه ملّكه مجّاناً، أو جعلها تحت يده للحفظ كالوديعة، أو جعلها تحت يده لاستيفاء المنفعة كالعارية، أو جعلها تحت يده لاستيفاء حقِّه منها كالإجارة، أو لأجل أن يعمل فيه بأجرة، أو من غير أجرة، أو غيرها.
ثم يقول(3): (إنَّ كلّ من استأمنه على ماله فهو لم يكن ضامناً)، فيُعلم أنَّه يستفيد من أدلّة الاستيمان قاعدة كلِّيّة، وهي: أنَّ جميع الموارد الصحيحة والفاسدة، سواءٌ كان استيفاء بالحمل الأوَّليّ -يعني: جعلته أمانة عندك- أو بالحمل الشايع كباب الوديعة والبضاعة. ويشمل أيضاً عقد الإجارة والمضاربة وسائر العقود، ففي كلّ مورد كان كذلك ولم يكن في صحيحه ضمان فكذلك فاسده.
ـــــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق 3: 198.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الروايات الواردة في المقام والتي يمكن أن يُدَّعى استفادة ذلك منها، بعضها في باب الوديعة، ومنها في باب العارية، وبعضها في باب الإجارة، ويوجد منها في باب المضاربة.
نذكر واحدة منها، ونذكر تقريب استفادة الشيخ، ثُمَّ نرى أنَّه هل يتمّ أو لا؟ ونتعرَّض إلى سائر الروايات بعد ذلك.
وهي مرسلة(1) تنتهي بأبان بن عثمان، رواها الكليني في باب الوديعة والعارية، عن أبي جعفر: وسألته عن الذي يستبضَّع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان(2)؟ فقال “ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً“(3).
فيُدَّعى هنا مطلبان:
أحدهما: أنَّ قوله: “بعد أن كان الرجل أميناً“، تعليلٌ أو بمنزلة التعليل في
ـــــــــــــ[292]ــــــــــ
() ص683 كتاب العارية، وص682 كتاب الوديعة. (المقرِّر).
(2) أضاف السيّد في المقام بأنَّ الاستبضاع اصطلاحاً هو أن تعطي المال بضاعة ليعمل فيه والمنافع لك، والمضاربة هي أن يكون الربح بينكما. فهل الاستبضاع في اصطلاح الروايات نفس هذا الاصطلاح، أو أنَّه بمعنى المضارب؟ فهذا يحتاج إلى نظر، وعلى أيِّ حالٍ هو لا يخلو من أحد المعنيين. (المقرِّر).
(3) الكافي 5: 239، ح4، باب ضمان العارية والوديعة، وسائل الشيعة 19: 80، 93، ح5 و8، باب الوديعة لا يضمنها المستودع، وباب عدم ثبوت الضمان على المستعير.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نظر العرف، والعلَّة تُعمَّم، وإن وردت في باب البضاعة، فجميع هذه الموارد بما أنَّه أمين من طرف المالك فهو داخل تحت هذه القاعدة الكلية.
ثانيهما: أن يُدَّعى أنَّه في باب التأمين عند الغير، ليس لازماً أن يكون التأمين بالحمل الأوليّ، بل يشمل غيره أيضاً، وكذلك أيضاً في الموارد التي يُعطى له المال لأجل استيفاء استحقاقه، أيضاً هو من باب التأمين المالكيّ؛ فتشمله الرواية.
إذن فجميع الموارد التي تكون تأميناً بالحمل الأوَّلي أو الشايع أو استيفاء الحقّ أو الإجارة أو إعطائه للعمل، وسواء كان العقد صحيحاً أو فاسداً، فإنَّ الرواية تشمله بعد استفادة عموم العلَّة. فإذا ثبتت هذه الدعاوى، كان الأمر صحيحاً، ونكون قد وجدنا على هذا المدَّعى رواية وأكثر.
لكن نرى أنَّه هل هذا يفيد التعليل؟ بمعنى: (أنَّ كلّ أمين في العالم فهو ليس بضامن)، أو أنَّه مجرَّد ذكر مورد، فلو سألنا الطبيب عن التفاح للمريض؟ فقال: (بما أنَّه حلو فلا بأس)، فهل يُفهم منه جواز كلّ حلو حتَّى البقلاوة؟ وإنَّما هو ذكر لهذا المورد نفسه، وكذلك في باب الخمر، لو قال: (لا تشرب الخمر بعد أن كان مسكراً)، فإنَّه لا يكون تعليلاً(1) عامّاً في نظر العرف، ولا تستطيع أن تُجرِّد المورد عن الخصوصيّة ونقول: إنَّ تمام الموضوع هو ذاك، مع أنَّ استفادة التعليل إنَّما تكون بذلك.
ـــــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) لا يخلو هذا من نظر بل منع بما فيه مورد الرواية، ففكِّر جيداً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
[المحتملات في رواية أبان]
ولو أغمضنا عن ذلك، ننظر إلى احتمالات الرواية، لنرى إمكان صحَّة شمول الأمانة للصحيح والفاسد(1).
قال: فهنا عدَّة احتمالات:
أحدها: أنَّه يُريد أن يقول هكذا: إنَّ كلّ من كان أميناً فهو لا تصدر منه خيانة، ولا يبقى إلّا التلف السماوي وهو غير مضرٍّ، فهي بهذا الاعتبار تكون قضيّة إخباريّة، كما هو وارد نظيره في روايات أخرى.
الاحتمال الآخر: أنَّ المراد بالأمين: الأمين الواقعي، لا من استأمنته، ويريد أن يقول: إنَّ شخصاً إذا كان أميناً، بحسب الواقع، فلا يضمن إذا تلف مال الغير في يده بلا تفريط ولا إفراط، وأمَّا إذا لم يكن أميناً فهو ضامن.
بناءً عليه يكون المقبوض بالعقد الفاسد على قسمين:
أحدها: ما يكون القابض له أميناً فلا ضمان عليه.
والآخر: ما يكون غير أمين فيكون ضامناً، ولا يخفى ما في ذلك من ترغيب على الأمانة، وتشويق إلى ترك الخيانة.
الاحتمال الثالث: أن يكون المقصود هو الرجل الذي اتّخذته أميناً، فلا يكون عليه ضمان. ومعناه: جعلته في هذه المعاملة أميناً، ففي الوديعة الصحيحة صار أميناً بواسطة اتّخاذي له أميناً. ولكن في الوديعة الفاسدة أردت أن أعمله أميناً فلم يصبح أميناً؛ لفرض بطلان العقد، فإنَّ اتخاذ شخص أميناً في المعاملة
ـــــــــــــ[294]ــــــــــ
(1) ثم تلا السيّد الرواية فراجعها، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فرع صحة المعاملة لتكون العين أمانة عنده، ولا يمكن أن لا تكون العين أمانة ولكنه يكون أميناً، لأنَّ المتضايفين إنَّما يقومان بطرفين فعليّين.
وأمَّا في العقد الفاسد فيُقال: أردت أن أعمله أميناً فلم يصر أميناً، كقولي: أردت أن أعلمه مشترياً فلم يصر مشترياً، لفرض بطلان المعاملة، فوصفه بكونه مشترياً فرع صحّة المعاملة، كما هو الحال في الأمين.
بناءً عليه يكون العقد الفاسد خارجاً عن الرواية.
ثُمَّ لننظر؛ فنرى أنَّه في عقد الإجارة يصبح له حقّ في العين، ولا بُدَّ أن أُمكِّنه من العين ليستوفي حقَّه، فهل بإعطائي العين له جعلته أميناً أو أنِّي -في الحقيقة- ملزم بإعطائها له، ولا يُستفاد منها اتخاذ الأمين؟ فإنَّ اتخاذ الأمين
-من أعطيته المال- باعتبار الأمانة، لا باعتبار كوني ملزماً بالدفع إليه، والإجارة لا تفيد ذلك.
الاحتمال الرابع: أنَّ مقصوده: أنَّه في مقام المرافعة لا نثبت في ذمَّة الأمين شيئاً حتَّى يثبت بالحُجَّة، كما هو موجود في كثير من الروايات في المقام وفي كتاب القضاء.
[بسط الكلام في المقام]
قال الشيخ(1): إنَّ دليل الاستيمان، كما يخرج العقود الصحيحة من تحت (على اليد)، كذلك تخرج العقود الفاسدة. ومراده: أنَّ أدلّة الاستيمان تثبت عدم
ـــــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 197ـ 198، مدرك عكس القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الضمان في هذه الموارد التي ذكرها، وأشباهها من موارد تمليك المجّان كالهبة أو إعطاء الأمانة كالوديعة، أو يضعه تحت يده للانتفاع منه كالعارية، أو لأجل استيفاء حقِّه كالإجارة والرهن، أو لأجل عمل له فيه كما إذا أعطى الخياط والقصَّار ثوباً.
وفي هذه الموارد كلّها كما خرجت العقود الصحيحة بدليل الاستئمان من تحت قاعدة (اليد)، كذلك العقود الفاسدة أيضاً.
نريد أن نرى أنَّه هل لهذه الأدلّة مثل هذا العموم، بحيث تشمل كلّ هذه الموارد التي ذكرها، أو لا؟
وقبل أن نعرض للروايات نقول: إنَّ ما يثبت مدَّعاه، هو: أن يكون عندنا دليل عامّ يثبت أن الإنسان إذا سلَّم ماله إلى الغير، سواءٌ لانتفاع نفسه أو غيره، وسواءٌ كان ملزماً بدفعه أو ليس ملزماً، وسواءٌ كان عنوانه أمانة أو لم يكن. بل يكون مجرَّد التسليم وعدم التضمين كافياً، يقوم الدليل على خروجه من عموم (على اليد).
وكذلك إذا فرضنا أن حصلنا على هذا العموم، وهو: (أنَّ كلّ أمين ليس بضامنٍ)، فإنَّه لا يكفي لتتميم دعواه؛ لأنَّ موضوعه الأمانة وهي غير متحقّقة في الإجارة والرهن، فإنَّه ليس بابها باب الأمانة، بل باب الإلزام بدفعها لأجل استيفاء الحقّ، بالإضافة إلى أنَّه في العقود الفاسدة أيضاً لا يتمّ الأمر؛ لعدم وجود الأمين، ولو تمَّ في الوديعة والعارية على إشكال لا يتمّ في باب الإجارة والرهن.
ـــــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
اين عندنا مثل هذا الدليل؟! فضلاً عن: (كلّ أمين ليس بضامن). وهذه الروايات الواردة في باب الوديعة والمضاربة والإجارة، قيل في قسم معتد به منها عشر أو أحد عشر: “إذا كان أميناً“ (1)، و”إذا كان مأموناً“(2)، و”إذا كان مسلماً عدلاً… “(3) ونحو ذلك.
وهذا النحو من الروايات لا تريد أن تقول: (إنَّك جعلت العين أمانة عنده)؛ لأنَّه في الوديعة فرض وضع الأمانة عنده، بل المراد: أنَّه بحسب الواقع أمين أو عادل. فهل يُريد أن يقول: إنَّ كلّ إنسان ثقة لا ضمان عليه، أو يُريد
-في الحقيقة- أن يقول: إنَّ الثقة لا يخون كما قيل: “لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن“(4)، وفي بعض الروايات: (قال: اتهمته؟ فقال: لا، فقال: هو غير ضامن)(5). فقد فرض في موارد هذه الروايات أنَّ الأمين عنده حالان:
أحدهما: أن يتلف المال عنده بمتلف سماوي.
ـــــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 238، ح4، باب ضمان العارية والوديعة، مَن لا يحضره الفقيه 3: 302، ح4084، باب العارية، تهذيب الأحكام 7: 182، ح799، باب العارية.
(2) الكافي 5: 239، ح5، باب ضمان العارية والوديعة، تهذيب الأحكام 7: 182، ح801، باب العارية، وسائل الشيعة 19: 92، ح3، باب عدم ثبوت الضمان على المستعير.
(3) الكافي 5: 238، ح1، باب ضمان العارية والوديعة، وسائل الشيعة 19: 79، ح3، باب أنَّ الوديعة لا يضمنها المستودع مع عدم التفريط.
(4) روضة الواعظين: 177، بحار الأنوار 44: 356.
(5) تهذيب الأحكام 7: 221، ح966، باب الإجارات، وسائل الشيعة 19: 146، ح16، باب الصائغ إذا أفسد متاعاً… .
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ثانيهما: أن يتلف بسوء الاختيار.
وكان هذان الحكمان معلومَين عندهم، وهو: أنَّه إذا أُتلف من دون تفريط فلا ضمان على الأمين في الواقع، وأمَّا إذا كان متَّهما وليس بعادل ولا أمين، فنضمنه في الظاهر، إلّا أن يقوم دليل على عدم ضمانه.
فهذان الحالان قد أُخذا موضوعاً في هذه الروايات، فإذا تمسَّكنا في مورد في ثبوت هذين الحالين، لا يمكن أن تشمله بحكمها؛ لأنَّ الحكم لا ينقّح موضوعه، كما في صورة فساد العقد، أو في عقد آخر لم يرد له ذكر في هذه الروايات، فلا يُعقل أن يشمله الحكم.
فقد علمنا أنَّ هناك في الواقع حالين: الضمان، وعدم الضمان، غاية الأمر أنَّ المأمون لا يضمن بحسب الخارج، وهو متعلّق في كتاب القضاء، بمعنى أنَّه يكون منكِراً وعليه اليمين، باعتبار أنَّه موافق قوله للظاهر، أو يُريد أن يقول: (إنَّ الثقة لا يخون)، و(إنَّ تضمينه في غير محلِّه).
وهكذا الحال في الروايات الواردة في كتاب العارية، باب إذا(1) هلكت العارية عند المستعير. يقول الكليني: “إذا كان مسلماً عدلاً، فليس عليه ضمانٌ“(2)، فهو لا يُريد أن يقول: (إنَّ من كان مسلماً عدلاً فلا ضمان عليه)، وإنَّما يُريد أن يقول: إنَّ العارية إذا هلكت فهلاكها على نحوين: هلاك مضمون، وهلاك غير مضمون، وكونه عادلاً يكون فيه دلالة على أنَّ هلاكه غير
ـــــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) هكذا ذكر السيّد ولم نجد هذا الباب ولا الرواية في الوسائل. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 238، ح1، باب ضمان العارية والوديعة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مضمون، باعتبار كونه غير متعدٍ ولا مفرّط.
وكذلك نحو قوله: “لا غرم على مستعير إذا هلكت إذا كان مأموناً”(1)، وكذلك نحو قوله: “إذا كان أميناً فلا غرم عليه“(2).
فكلّ هذه الروايات تدلّ على ذلك، لا أنَّها تجعل مدار الحكم هو العدالة وعدمها، فإنَّها(3) غير محتملة عرفاً ولا عقلاً.
وقسم من الروايات وارد في باب المرافعات، ومعناه: أنَّ الثقة لا يضمن إلّا مع قيام البيِّنة على الضمان، أي: يكون منكِراً ويُكلَّف القسم. بخلاف غيره، فإنَّه يُحكم بضمانه، إلّا إذا أقام البيِّنة على براءته.
وهذه الروايات أيّ ربط لها بمحلِّ الكلام؟! للاستدلال على الدعوى العامة للشيخ.
في باب الإجارة باب 29(4)، عن أبي عبد الله ، قال في الغسّال والصّباغ: “ما سرق منهم من شيءٍ فلم يخرج منه على أمرٍ بيّنٍ أنَّه قد سرق، وكلّ قليلٍ له أو كثيرٍ، فإن فعل فليس عليه شيءٌ، وإن لم يقم البيّنة وزعم أنَّه قد ذهب الذي ادّعى عليه فقد ضمنه وإن لم يكن له بيّنةٌ على قوله“(5)، هذا هو مقام القضاء.
ـــــــــــــ[299]ــــــــــ
() الكافي 5: 239، ح5، باب ضمان العارية والوديعة.
(2) الكافي 5: 238، ح4، باب الاختلاف في الرهن.
(3) باعتبار أنَّ العادل إذا كان مُتلفاً لها بتعدٍّ يكون ضامناً لا محالة (شرح). (المقرِّر).
(4) اُنظر ص688. (المقرِّر).
(5) الكافي 5: 242، ح2، باب ضمان الصنّاع، وسائل الشيعة 19: 141، ح2، باب أنَّ الصائغ إذا أفسد متاعاً ضمنه كالغسّال والصبّاغ. واللفظ للكافي، وفي الوسائل: “وكقليل له” بدل “وكلّ قليل”.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الرواية السادسة من نفس الباب: رواية السكوني، عن أبي عبد الله قال: “كان أمير المؤمنين يُضمّن الصبّاغ والقصّار والصائغ احتياطاً على أمتعة الناس، وكان لا يُضمّن من الغرق والحرق والشيء الغالب“(1)، كالتلف في الزلزلة وغرق السفينة. وهذا كلّه راجع إلى باب القضاء.
فنفهم أنَّ تمام هذه الروايات التي أوردت عنوان (الأمين) أو (العادل)، تدور حول مطلب واحد، وهي أنَّها فرضت المسألة ذات موردين: الضمان وعدم الضمان، وكلّ هذه المسائل تدور حولها، فمع كونه ثقة لا يضمن ظاهراً؛ لأنَّه لا يخالف الشرع، وإن كان ليس المراد به الواقع فإنَّه عدم تفريطه غير مقطوع به، أمَّا الآخر فيضمن بحسب الظاهر -يعني بحسب الحكم الظاهري- مالم يُقِم بيِّنة على البراءة.
إذن، فلم تقم عندنا رواية تدلّ على دعوى الشيخ المطلقة. ولعلَّ الشيخ حينما كتب هذه المسألة كان مركوزاً في ذهنه دلالة الروايات على هذا الإطلاق، ولم يبحث تفصيلاً في الروايات.
نعم، الروايات تدلّ على مضامينها، وهو عدم الضمان في الموارد المنصوصة كالوديعة والعارية وغيرها، إذا كانت صحيحة دون الفاسد منها، ودون العقود الأخرى التي لم تُذكر في الروايات.
ـــــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 219، ح 956، باب الإجارات، وسائل الشيعة 19: 142، ح6، باب أنَّ الصائغ إذا أفسد متاعاً ضمنه كالغسّال والصبّاغ.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ذكر المحقِّق النائيني طريقاً آخر لعدم الضمان، يغنينا عن التعرُّض لهذه الروايات، نتعرَّض له إن شاء الله تعالى.
أما تعبير: أنَّ “صاحب(1) الوديعة والبضاعة مؤتمنان“(2) ونحوه، فظاهره أنَّهم أخذوه بنحو الأمانة، ومثلهم لا يضمن، إلّا إذا ثبت الخلاف. أو بحسب الواقع أنَّهم ليسوا ضامنين إذا كان التلف من دون تعدٍّ وتفريط، و(مؤتمنان) يعني عندهم أمانة، ولذا قال: “لا يخونك الأمين ولكنك ائتمنت الخائن“، يعني: قد جعلت الخائن صاحب الأمانة.
هذه الروايات أيضاً غير كافية في إثبات مقصود الشيخ على عمومه، فإنَّ الأمانة وإن كانت موجودة في الوديعة، بل وفي العارية على إشكال، وأمَّا في مثل الإجارة والمضاربة والرهن، فإنَّها:
أوَّلاً: ليست قضيّة أمانة، فإنَّه إنَّما سلَّمه لا على أن يكون هو صاحب أمانته، وإنَّما هو ملزم بدفعه لاستيفاء حقِّه منه.
وثانياً: أنَّه في الفاسد لا توجد أمانه أصلاً، وإنَّما سلَّمه بتخيُّل أنَّه عقد صحيح. وكذلك حال الروايات الراجعة إلى الحمّاميّ(3) فإنَّها أيضاً لا تدلّ.
ـــــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) ورد في صحيحة الحلبي، ص682 ج2. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 238، ح1، باب ضمان العارية، تهذيب الأحكام 7: 179، ح790، باب الوديعة، وسائل الشيعة 19: 79، ح1، باب أنَّ الوديعة لا يضمنها المستودع، وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله الصادق.
(3) الكافي 5: 242، ح8، تهذيب الأحكام 7: 218، ح954، باب الإجارات، وسائل الشيعة 19: 139، ح1، باب أنَّ صاحب الحمّام لا يضمن الثياب إلَّا أن تودع عنده، عن أبي عبد الله قال: “اُتي أمير المؤمنين بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت، فلم يُضمّنه، وقال: إنَّما هو أمينٌ“.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا كون أمير المؤمنين لم يُضمِّن الحمَّاميّ؛ لأنَّه أمين، فهي مسألة شخصية.
ولو قلت: إنَّ ذكر الإمام الصادق لها يدلّ على كونها قضيّة كلِّيّة.
فإنَّما هي قضيّة جعل الأمانة. إذن، فهذه الروايات لا تدلّ على المعنى الواسع الذي يدَّعيه.
وفي كتاب الرهن (باب 5)(1) رواية وهي: موثَّقة إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي إبراهيم: “الرجل يرهن الغلام والدار فتصيبه الآفة على من يكون؟ قال: على مولاه. ثُمَّ قال: أرأيت لو قتل قتيلاً على من يكون؟ قلت: هو في عنق العبد، قال: ألَا ترى فلم يذهب مال هذا. ثُمَّ قال: أرأيت لو كان ثمنه مائة دينارٍ فزاد وبلغ مائتي دينار، لمن كان يكون؟ قلت: لمولاه، قال: كذلك يكون عليه ما يكون له“(2).
ـــــــــــــ[302]ــــــــــ
() ص 667 ج2. (المقرِّر)..
(2) الكافي 5: 234، ح10، باب الرهن، تهذيب الأحكام 7: 172، ح764، باب الرهون، وسائل الشيعة 18: 387، ح6، باب الرهن إذا تلف من غير تفريط من المرتهن لم يضمنه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فيمكن أن يقول قائل: إنَّ قوله: “يكون عليه ما يكون له” بمنزلة التعليل، وإنَّ كلّ من له الغنم فعليه الغرم، ففي العقود الفاسدة التي تقع في صحيحها الغنيمة لصاحب المال، فالغرم عليه، وفي العقود الصحيحة التي لا تقع فيها على صاحب المال غنيمة فلا غرم عليه؛ فينتج عدم الضمان.
وهذا مبنيٌّ على فهم العلِّيّة من الرواية، لنفهم منها القاعدة الكلِّيّة، إلّا أنَّه يمكن أن يكون نظير الجُمل السابقة التي قال فيها: “أرأيت لو قتل قتيلا على من يكون؟” أمَّا أنَّه قاعدة كُلِّية بحيث يمكن أن تُعارِض قاعدة (مالا يُضمن…)، فإنَّ هذه القاعدة تقول بالضمان في الفاسد، وهذه القاعدة المستفادة من هذه الرواية تقول بعدم الضمان. وإنَّما مقصوده: أنَّ العين المرهونة ملك الراهن، إذا زادت كانت له، وإذا نقصت كانت عليه.
ثُمَّ إنَّ تلك الروايات التي تعرضنا لها، هل تدلّ على مطلب ذكرناه أو لا؟
فإنَّنا أعطينا لقاعدة (ما لا يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده) ثلاثة احتمالات:
احدها: أنَّه كما قلنا في طرد القاعدة: إنَّ ما يوجب الضمان صحيحه يوجب الضمان فاسده. كذلك نقول هنا: إنَّ ما لا يقتضي الضمان صحيحه لا يقتضي الضمان فاسده.
الاحتمال الآخر: أنَّ ما لا يقتضي الضمان صحيحه يقتضي عدم الضمان فاسده.
ـــــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الاحتمال الثالث: أنَّه عنوان أعمّ من عدم الاقتضاء واقتضاء العدم.
وقلنا إنَّها ليست رواية لنستظهر منها شيئاً، بل لا بُدَّ أن ننظر إلى مبناها لنرى أنَّ الحكم هل هو اقتضاء عدم الضمان، أو عدم اقتضاء الضمان كما قرَّبه الشيخ وشيخ الطائفة(1)؟ فهل يُستفاد من الروايات أنَّه حكم اقتضائي، بحيث إنَّنا لو اشترطنا خلافه في العقد، كان شرطاً مخالفاً للمشروع في الكتاب والسنة؟
لا بُدَّ من النظر في ذلك إلى كلّ باب على حدة، إلّا أنَّنا سنشير إشارة إجماليّة كلِّيّة، ولا نستطيع إبداء الرأي؛ لأنَّ هذا الكلام بهذا المقدار ناقص، ومتوقِّف على الاطلاع على أقوال السلف الصالح فيه.
إلا أنَّنا نقول: إنَّ الأحكام الواردة في الشرع المقدَّس مختلفة، فمَّرةً تكون إيجاباً وتحريماً ونحوها، فهذا النحو من الأحكام إلزاميّة اقتضائيّة، وإن اشترط خلافها كان شرطاً مخالفاً للشرع.
وأمَّا إذا قيل في الشرع (لا ضمان أو لا وجوب)، ففيه احتمالان:
أحدهما: أنَّه حكم اقتضائيّ، بحيث لا يمكن رفع اليد عنه.
والآخر: أنَّه حيث إنَّه لا اقتضاء فلذا عبَّر بنفي الضمان أو الوجوب أو الحرمة.
وفي باب الضمانات كلام آخر، فإنَّنا إمَّا أن ننقَّح الضمان بقاعدة (على اليد)، أو بما دلَّ على الضمان عند الإفراط أو التفريط، فهل جعل الضمان نظير
ـــــــــــــ[304]ــــــــــ
() تقدَّم الكلام عن ذلك في أوّل مبحث الكلام عن مدرك القاعدة. اُنظر أيضاً: كتاب المكاسب 3: 190 توجيه الشيخ لكلام شيخ الطائفة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
جعل الإيجاب والتحريم؟ فكما أنَّ الإيجاب حكم إلهيّ، لو شرطنا خلافه يقع الشرط مخالفاً للشرع، كذلك جعل الضمان في العقد يكون مخالفاً للمشروع من نفى الضمان. أو أنَّ جعل الضمان إنَّما لمراعاة حال هذا الإنسان المالك وحفظ ماله؟ فإذا رفع المالك اليد عنه لا نقول إنَّه خالف الشرع، فإنَّه لا يمكن أن تكون (كاسه گرمتر ازآش)(1)، ولا يقول الشارع في مثل ذلك: من أتلف مال الغير فهو له ضامن. فهل نجمد على ظاهر العبارة الواردة في الشرع، ونجعل شرط الضمان غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لحكم الله، أو نقول إنَّه ليس مخالفاً له؟ فإنَّ الحكم جعل لمصلحة صاحب المال على ما يفهمه منه العقلاء، ولا يعدُّون صاحب المال إذا رفع يده عنه مخالفاً له.
نظير ما قاله الآغايون في قاعدتي (لا حرج)، و(لا ضرر)، من أنَّه إذا أقدم لا تشمله القاعدة. إلّا أنَّ هذا لم يكن صحيحاً هناك. ولكن في المقام يمكن أن يقال بصحته.
وعندنا روايات في المقام تدلّ على أنَّه لا مانع من جعل الضمان في هذه الأبواب، ففي الموارد التي جعل الشارع الضمان لا مانع من جعل واشتراط عدمه وبالعكس.
في باب عارية(2) الذهب والفضَّة: في صحيحة عبد الله بن سنان: قال: قال أبو عبد الله: “لا تُضمن العارية إلّا أن يكون قد اشتُرط فيها ضمانٌ، إلّا
ـــــــــــــ[305]ــــــــــ
() كلمة باللغة الفارسية تعني: الوعاء أكثر سخونة من الحساء.
(2) ص683 ج 2. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الدنانير فإنَّها مضمونة وإن لم يشترط فيها ضماناً“ (1).
وفي حسنة زرارة قال: “قلت لأبي عبد الله: العارية مضمونة؟ فقال: جميع ما استعرته فتوى(2) فلا يلزمك ما تواه، إلّا الذهب والفضَّة، فإنَّهما يلزمان، إلّا أن تشترط عليه أنَّه متى ما توى لم يلزمك تواه“(3).
إذن، فطرفَا المسألة موجودان في الروايات، فإنَّ كلّ ما استعرته -ما عدا الدراهم والدنانير- لا ضمان فيه إلّا مع الشرط، وما فيه الضمان وهو الذهب والفضَّة، إذا اشترط يرتفع الضمان. فيُعلم من ذلك أنَّ الضمان وعدم الضمان المجعولين من قبل الشارع، وبخاصّة عدم الضمان لعلَّه لعدم المقتضي للجعل، فاشتراط خلافه لا يكون شرطاً مخالفاً للشرع.
وحتى إذا قلنا: إنَّه حكم اقتضائي لعدم الضمان، فإنَّه إنَّما هو لملاحظة حال المستعير ومراعاة حاله، فإذا شرط المستعير الضمان يثبت الشرط.
ـــــــــــــ[406]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 238، ح2، باب ضمان العارية والوديعة، وسائل الشيعة 19: 96، ح1، باب ثبوت الضمانات في كارية الذهب والفضّة. ورواها الشيخ بإسناده عن عبد الله بن مسكان، كما في تهذيب الأحكام 7: 183، ح804، باب العارية.
(2) توى: هلاك المال والضياع والخسارة. (أُنظر: الصحاح 6: 2290، المصباح المنير: 79، مادّة: توى).
(3) الكافي 5: 238 ح3، باب ضمانات العارية والوديعة، تهذيب الأحكام 7: 183، ح806، باب العارية، وسائل الشيعة 19: 96، ح2، باب ثبوت الضمان في كارية الذهب والفضّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وفي باب الوديعة، صحيحة زرارة: “سألت أبا عبد الله عن وديعة الذهب والفضَّة؟ قال: كلّ ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة لا تلزم“(1). ولا يصحّ أن نقول: إنَّ المراد أنَّ الوديعة غير المضمونة –لأنَّها تلفت بلا تعد ولا تفريط – غير مضمونة. بل المراد: أنَّها إذا لم يشترط الضمان غير مضمونة، ويُفهم منه أنَّه إذا اشترط الضمان كانت مضمونة، والوديعة أمانة بالحمل الأوَّليِّ، فيُقال: إنَّنا نُعمِّم ذلك للأبواب الأخرى كالإجارة والرهن، من باب: (درخت گردو بابن بزرگي درخت هندوانة الله أكبر)(2).
وفي كتاب الإجارة(3) (باب 5) ( رواية 5)، رواية موسى بن بكر، عن أبي عبد الله… واشترط عليه إن أُصيب الطعام فعلينا فقال: جائز(4).
ـــــــــــــ[307]ــــــــــ
() الكافي 5: 239، ح7، باب ضمان العارية والوديعة، تهذيب الأحكام 7: 179، ح789، باب الوديعة، وسائل الشيعة 19: 79، ح4، باب أنَّ الوديعة لا يضمنها المستودع مع عدم التفريط.
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: شجرة الجوز كبيرة مثل شجرة البطيخ، الله أكبر. هذا مثلٌ يضرب للمقارنة الخاطئة.
(3) لم نجدها. (المقرِّر).
(4) الكافي 5: 244، ح4، باب ضمان الجمّال والمكاري وأصحاب السفن، تهذيب الأحكام 7: 217، ح949، باب الإجارات، وسائل الشيعة 19: 150، ح5، باب ثبوت الضمان على الجمّال والمكاري والملّاح.
وروي عن موسى بن بكر بلفظ قريب من هذا كما في مستطرفات السرائر: 551، المستطرف من كتاب موسى بن بكر، وسائل الشيعة 19: 139، ح1، باب حكم اشتراط نقص الطعام على الملّاح.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا صار دليلنا على (ما لا يُضمن) هذه الروايات، فهل يُستفاد منها حكم اللااقتضاء، أو حكم الاقتضاء العدم؟ فهذا احتمالان، وعلى كِلا الاحتمالين، فالشرط لا مانع منه.
المرحوم النائيني يُريد أن يقول: إنَّه في عكس القاعدة يكون عدم الضمان على القاعدة، يقول(1): إنَّه في صحيح هذه المعاملات التي يذكرها الشيخ(2)، كالوديعة والعارية والإجارة والرهن، لا ضمان في صحيحها، ولا تشمله(على اليد) تخصيصاً أو تخصُّصاً، وعلَّله: بأنَّ كلّ من وضع ماله تحت يد الآخر مجّاناً فلا ضمان عليه.
إذن، ففي صحيحها لا ضمان. وفي المعاملات الفاسدة أيضاً لا بُدَّ أن لا يكون ضمان؛ لأنَّ المطلب واحد، ولا أولويَّة في المقام، فكما أنَّه هناك لا ضمان كذلك هنا لا ضمان.
نحن نقول:
إنَّ الذي يقوله بهذا التعبير: إنَّ من سلَّم ماله مجّاناً فلا ضمان فيه، ليس موجوداً عندنا؛ ليُقال إنَّه خرج عن قاعدة (اليد) تخصيصاً، بل إذا كان خارجاً فلا بُدَّ أن يكون تخصُّصاً.
ـــــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) اُنظر: المكاسب والبيع 1: 310، ما يعتبر في عكس القاعدة.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 198، مدرك عكس القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا قولك: إنَّه في صحاح العقود لا ضمان؛ لأنَّ التسليم مجّانيّ والدليل مُنصرف عنه.
نقول: إنَّه في باب الرهن والإجارة ونحوها ليس التسليم مجَّانيّاً، بل لأجل الإلزام به لأجل استفادة الشخص الآخر. نعم، هو في العارية تسليم مجَّانيّ. ولو اقتصرنا على أنَّ مجرَّد التسليم مجَّانيّ، فالتسليم في باب البيع أيضاً يكون مجَّانيّاً!!
بناءً عليه ليس أنَّ كلّ العقود من سلَّم فيها فلا ضمان له، إذن ففي فاسده ضمان.
وإذا فرضنا تنزُّلاً أنَّه في الصحيح كذلك، لكنَّه في الفاسد تخيّل أنَّ للناس حقّاً في ماله، ثُمَّ انكشف عدمه، فهل هذا التخيُّل يصرف (على اليد) عنه؟ فإنَّه سلَّمه من دون إلزام شرعيّ أو عقلائيّ فيه. وكيف لا يكون للفاسد أولويّة على الصحيح! فإنَّه يمكن أن يكون لقولك وجه في الصحيح، ولكن في الفاسد دفعه وسلَّمه من دون أن يكون للآخر حقّ فيه، وإنَّما يتخيَّل ذلك. إذن، فلا وجه لأن لا نقول في الفاسد بالضمان.
وأمَّا ما يقال بأنَّ التسليم من قبيل الدواعي، فيشمل الصحيح والفاسد مطلقاً(1)، فلا يُوافق عليه العرف ولا العقل، فإنَّ هذا الإنسان إذا علم أنَّه عقد فاسد لما سلَّمه، وليس له رضا مطلق بالتسليم وبالتصرف، وإن سلَّمه بتخيُّل
ـــــــــــــ[309]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 331، قاعدة ما لا يضمن، قوله: والأقوى عدم الضمان، فالقاعدة غير مخصّصةٍ… واستحقاق التسليم مأخوذٌ بنحو الداعي لا بنحو العنوانيّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنَّه ملزم بمقتضى العقد الذي عقده؛ فالأولويَّة ثابتة بين العقود الصحيحة والفاسدة بلا إشكال. إذن، فلا يمكن تتميم المطلب بمثل هذا الكلام.
وعلى القواعد لا بُدَّ أن تكون للفاسد من العقود ضمان كالرهن والإجارة، وهذا الذي ذكره الشيخ وغيره لا يتمّ في نظرنا.
أحد النقوض على القاعدة هو باب الإجارة، فإنَّه بغضّ النظر عمَّا قلناه، قد يُقال بعدم الضمان في فاسدها.
وقد أشكلوا على موارد قاعدة “ما لا يُضمن بصحيحة لا يُضمن بفاسده” ونقضوا عليها بنقوض(1):
منها موارد الإجارة، إذ قالوا: إنَّ الإجارة الصحيحة لا توجب الضمان في العين المستأجرة بلا إشكال، فإذا تلفت لم يكن بعهدة المستأجِر.
وأمَّا فاسدها فقال جمعٌ بضمانها، وقال قوم بخلافه(2)، فيظهر من ذلك أنَّ
ـــــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) من الموارد التي نُقض بها على عكس القاعدة النكاح الدائم والمتعة الفاسدين، وبيع الغاصب مال الغير، واشتراء الصبي والمجنون وهبتهما وعاريتهما، وضمان الصيد الذي استعاره المحرم. وسيأتي البحث عن بعضها (أُنظر: منية الطالب 1: 271-272، المكاسب والبيع 1: 313، مبحث النقض على عكس القاعدة).
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 193، الكلام في عكس القاعدة، وفيه أنَّ الضمان هو صريح الرياض، وهو ظاهر كلمات الأصحاب على ما نسبه إليهم المحقّق الأردبيلي، ويظهر من المحقّق الثاني خلاف ذلك؛ حيث نسب إليهم القول بعدم الضمان، وفي تقريرات بحث الميرزا للآملي نسبة القول بالضمان إلى المشهور، حكاه الرياض عن المحقّق الأردبيلي، وحكي عن المحقّق الثاني نسبة عدم الضمان إليهم. (أُنظر: جامع المقاصد 6: 216، كتاب الإجارة، في استيفاء منفعة الإجارة الفاسدة، مجمع الفائدة والبرهان10: 49-50، كلّ موضع يبطل فيه العقد تثبت فيه أجرة المثل، رياض المسائل 9: 212-213، ضمان العين المستأجرة في الإجارة الفاسدة، المكاسب والبيع 1: 311، ضمان العين المستأجرة).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
القول بعدم الضمان في الفاسد غير مخالف للشهرة.
الآن نرى أنَّه بحسب القواعد أنَّ العقود هل تقتضي الضمان في الصحيح والفاسد، أو لا تقتضيه فيهما، أو يُفصل بين الصحيح والفاسد، ففي الصحيح لا ضمان وفي الفاسد ضمان؟
والكلام إنَّما هو بحسب القاعدة دون ما إذا ثبت الضمان بدليل خارجي. فلا بُدَّ أن نرى أنَّ هذا أيضاً مخالف لقاعدة (لا يضمن).
ولأجل تحقيق هذا المطلب والنظر إلى صحة ورود النقض، نحتاج إلى إيضاح عدَّة مطالب: أولاً: أن نرى ما هي ماهيّة الإجارة، ثُمَّ نعرف أنَّ مقتضى الإجارة ما هو؟
أمَّا ما هي الإجارة؟ ففي ذلك احتمالات عديدة:
الاحتمال الأول: أنَّ الإجارة عبارة عن نقل المنفعة، في مقابل تمليك العين، ولا تمسّ العين أصلاً. فقط المنافع الناتجة عن العين هي المملوكة، وليس هناك
ـــــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أي إضافة ما بين المستأجِر والعين، بحيث إنَّ (ملّكت المنفعة) لفظ صريح في الإجارة، و(آجرتك) و(أكريتك) لفظ كنائيّ عنها.
وفي البيع إن قلنا: إنَّه مختص بالأعيان، فيفترق عن الإجارة بكون متعلّقه هو الأعيان ومتعلّقها هو المنافع، وأمَّا إذا وسَّعنا البيع إلى المنافع والحقوق ونحوها، وقلنا: إنَّ البيع هو مبادلة مال بمال والمنافع مال، فتكون الإجارة قسم من البيع، لا بالنحو الذي قاله الشيخ هادي من أنَّ الإجارة بيع مؤقَّت لنفس العين.
وفي نقل المنفعة احتمالات:
أحدها: نقل المنفعة فعلاً، فإنَّ العقلاء يعتبرون الوجود للمنافع الآنية وينقلونها فعلاً.
ثانيها: أنَّ المالك ينقل ما يتحقَّق من المنافع في(1) حينه، وهذا وإن كان محالاً عقلاً، إلّا أنَّه ممكن عرفاً كبيع الثمار الذي يذكره الفقهاء.
ثالثها: أنَّها بيع كُلِّي لكنَّه لا ينطبق إلّا على هذا الفرد كمنفعة الدار هذه السنة، وما يتحقَّق من المنافع يكون مصاديق له. ولا فرق بينه وبين بيع الكلِّيّ، فإنَّ الكلِّيّ قد يكون بنحو بحيث ينطبق على أفراد كثيرة أو غير متناهيّة، ومرَّةً لا تنطبق إلّا على أفراد خاصّة، وقد لا ينطبق إلّا على فرد خارجي واحد.
الاحتمال الثاني: وهو في مقابل الاحتمال الأوَّل، أنَّه كما أنَّه في باب البيع، لا تكون منافع العين المبيعة طرفاً للإضافة بأيّ وجه، فإنَّه لا تباع الدار مع
ـــــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) يعني النقل في حينه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
منافعها، بل الإضافة مربوطة بنفس ذات الدار. فإنَّه ولو كانت زيادة المنافع تُسبِّب زيادة قيمة العين، إلّا أنَّه لا يقع الثمن في مقابل العين والمنفعة، بل في مقابل العين فقط، وبانتقال العين تنتقل المنافع تبعاً.
وفي باب الإجارة يُقال بأنَّها ليست بيعاً ولا نقل منفعة، وإنَّما هي إضافة خاصَّة بين الإنسان والعين، إذا حصلت تجعل المستأجِر محلّ المالك، فكما أنَّ المالك كانت توجد المنافع في ملكه بواسطة إضافة المالكيّة، كذلك المستأجِر يملك المنافع بواسطة إضافة الملكيّة، وتحدث في ملكه بالتدريج، فالإضافة غير موجودة بين الإنسان والمنفعة في عقد الإجارة لا مستقلّاً ولا تبعاً، وإنَّما عقد الإجارة يضع المستأجر موضع المالك.
وهنا مرَّةً يكون المستأجر في محلّ المالك في مالكيّة المنفعة، وأخرى لا يكون له إلّا مجرَّد الانتفاع.
الاحتمال الثالث: أنَّ الإجارة عبارة عن إضافة ما بين المستأجِر والمال، ولكنَّها إضافة حاصلة متضمّنة لنقل المنافع. فعقد الإجارة يحدث إضافة ما بين المستأجر والعين المستأجرة، ولكنَّها إضافة متضمّنة لنقل المنافع لمدة معينة.
وهذا يفترق عن الاحتمالين السابقين باعتبار أنَّ أحدهما كانت الإضافة فيه بينه وبين المنفعة، وفي الآخر بينه وبين العين، وفي هذا الاحتمال بينه وبين العين بشكل متضمّن للمنفعة.
الاحتمال الرابع: أن لا يكون بشيء من الأنحاء السابقة، وإنَّما المنفعة ملحوظة بنحو اللازم البيِّن، بحيث تحصل إضافة ما بين المستأجِر والعين بنحو
ـــــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
اللازم البيِّن، بحيث إنَّ العاقد يلتفت أنَّه يوقع إضافة مستتبعة لنقل المنفعة.
الاحتمال الخامس: أنَّها إضافة وسلطنة على العين لغاية استيفاء المنفعة، فالمستأجِر لا يملك المنافع، وإنَّما تلحظ بنحو الغاية.
فهذه هي احتمالات باب الإجارة، ولعلَّ هناك احتمالات أُخر.
في الاحتمال الأخير وهو تسليط الطرف على العين، مقتضى عقد الإجارة أن يعطيه العين ويسلَّطه عليها، بحيث لو اشترط عدم تسليمها كان ذلك مخالفاً لمقتضى العقد.
وأمَّا بالنسبة إلى سائر الاحتمالات: نرى أنَّ ماهيّة الإجارة هل تقتضي تسليطه على العين، أو لا تقتضي ذلك مطلقاً، أو أنَّ الموارد مختلفة، ففي بعضها تقتضي، وفي بعضها لا تقتضي شيئاً، وفي بعضها تقتضي العدم؟
المرحوم النائيني يقول(1): إنَّ عقد الإجارة في الحرّ يقتضي عدم التسليم؛ لامتناع استيلاء الإنسان على الحرّ، فهذا النحو يقتضي العدم.
وأمَّا إذا كان من قبيل الدابَّة فإنَّه لا يقتضي التسليم ولا عدمه، وأمَّا إذا كان من قبيل الدار ونحوه فعقد الإجارة يقتضي التسليم. إذن، فمقتضى عقد الإجارة مختلف بحسب الموارد.
ويقول: إنَّنا لا بُدَّ أن نعدّ ماهيّة الإجارة ماهيّات مختلفة، وإلا فإنَّ مقتضى الوجود والعدم لا يمكن أن يكون واحداً.
ـــــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) المكاسب والبيع 1: 312 و318، النقوض الواردة على عكس القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هل ماهيّة الإجارة تقتضي التسليم، مع أنَّها مجرَّد تمليك المنفعة، أو إيجاد إضافة معها، أو مع العين لغاية استيفائها؟ مثلاً لو آجر كرسيّاً في السيارة، أو غرفة في السفينة، فهذا من الإجارة بلا شكّ، ولكن لم تدخل العين تحت يده، ولم يستول عليها كما هو مستولٍ على ثوبه وعباءته. وللمؤجِّر الذي يؤجِّر الغرف في الدار أن يأذن للمستأجِر بالسكنى، من دون أن يكون للمستأجِر حقّ التصرُّف في العين. فهذه إجارة من دون تسلُّط، بل هي مجرَّد إذن في استيفاء حقّ المنفعة التي ثبتت في العقد. وليس للإجارة مقتضيات مختلفة، بل هي ماهيّة واحدة، وليس حتماً أن يكون المستأجِر مسلَّطاً على العين، فقط لا بُدَّ أن يأخذ المنفعة، فإنَّها ليست إضافة مالكيّة حتَّى تقتضي التسلُّط على العين.
ثُمَّ إنَّ ما قاله من أنَّه لا يعقل التسلُّط على الحرّ، لم نفهمه، لماذا يعقل التسلُّط على العبد والدابَّة، ولا يعقل على الحرّ، بحيث إذا أسر الإنسان حرّاً وعبداً يُعدّ متسلِّطاً على العبد وغير متسلِّط على الحرّ؟ وهل التسليط غير هذا؟
أمَّا أنَّ الضمان هو ثابتٌ أو لا فهذا مطلب آخر، ولولا أنَّ الفقهاء لم يتعرَّضوا لذلك، وقاعدة (اليد) منصرفة عنه، لقلنا بضمان الحرّ، فإنَّ من دعاه إلى بيته كان ضامنا له حتَّى يرجعه إلى منزله، والشارع عيَّن مقدار ضمان الحرّ بالدية. والحرِّيّة والعبوديّة لا مدخلية لها في كون الشخص تحت اليد، فإنَّنا لا نفهم من كونه تحت اليد ولا أخذه وأسره، وهذا لا يفرق فيه بين الحرّ والعبد والدابَّة.
بناءً عليه ليس في ماهيّة الإجارة اقتضاء للتسليط أصلاً. نعم، في بعض الموارد يوجد تعارف في التسليم، وفي هذه الموارد إذا اشترط عدم التسليم لا
ـــــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يكون شرطه مخالفاً لمقتضى الإجارة بنظر العقلاء، فإنَّ للمالك أن يقول: بأنَّ الدار تبقى تحت يدي، وأنت اجلس فيها، كما كان هو الحال في السفينة.
فإذا لم يكن للإجارة اقتضاء التسليط؛ فمَّرةً نفرض أنَّ المؤجّر يعرف حكم المسألة هذا، ومرَّةً نفرضه جاهلاً به.
فإذا كان عالماً بالحكم، وأنَّ عقد الإجارة لا يقتضي التسليم لا من قبل العقلاء ولا من قبل الشرع، فإذا سلَّم العين مع ذلك، فهذا التسليم لا ضمان فيه، فإنَّه لم يسلِّمه بمقتضى العقد لا في صحيحه ولا في فاسده، وكان له أن يبقي المال تحت يده واختياره، فإذا سلَّمه كان تسليمه مجَّانيّاً بلا عوض، و(على اليد) منصرفة عنه.
وأمَّا إذا كان جاهلاً بالمسألة، وتخيَّل لزوم التسليم عليه، فهنا لم يسلِّمه بدون اقتضاء ولا جهة عنده، بل سلَّمه على توهُّم اقتضاء العقد لذلك، فإذا انكشف أنَّ العقد فاسد، لماذا لا تشمله (على اليد)؟! فإنِّي لم أسلِّمه مطلقاً، نظير البيع إذا ظهر فاسداً، فإنِّي إنَّما سلَّمته على مقتضى العقد والقرار باعتبار كونه مال الناس، ثُمَّ انكشف أنَّه مالي، فلم أسلِّمه على أساس كونه مالي بل على أساس كونه مالاً للناس، وفي مثل ذلك تشمله قاعدة (اليد) لا محالة بموافقة الجميع.
وفي باب الإجارة أيضاً كذلك، سلَّمته لأنَّه ذو حقّ، وسلطته على حقِّه بمقتضى العقد، وإذا كان الأمر كذلك ففي فاسده ضمان بلا إشكال. وفي الصحيح أيضاً لا بُدَّ أن يُقال بالضمان، فإنِّي لم أسلِّم العين -في العقد الصحيح–
ـــــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مجَّاناً بل سلَّمته باعتبار أنَّ له حقّاً فيها، وليس في المقام مجَّانيّة، والعجب ما يقوله المرحوم الأغا شيخ محمَّد حسين من أنَّ التسليم على سبيل الداعي(1)، فهل معنى ذلك أنَّ التسليم هو تسليم على أيّ حال؟ وإنَّما يثبت عدم الضمان إذا كان الرضا مطلقاً.
فهذا هو حال النقض بالإجارة.
عقد الإجارة: إمَّا أن يقتضي تسليم العين المستأجَرة للمستأجِر، وإمَّا أن لا يقتضي. فإذا كان البناء على الثاني فيفرق بين علم المؤجّر بالمسألة وجهله، فإذا كان عالماً فلا اقتضاء للضمان شرعاً وعقلائيّاً كما سبق أن قلناه، وذلك في فاسده بلا إشكال، وفي الصحيح غير بعيد.
وأمَّا ما يُقال: من أنَّه في الصحيح سلَّم العين مجَّاناً فلا تشمله (على اليد)، فغير تامّ على ما قلنا؛ لأنَّ ما خرج من (على اليد) بأدلّة الضمان، إنَّما هو ما إذا سلَّمه للآخر باختياره مجَّاناً كالوديعة والإجارة. وأمَّا إذا عرف نفسه ملزماً بالتسليم للغير فهو غير راضٍ بالتسليم رضاء مطلقاً، و(على اليد) غير منصرفة عنه.
وأمَّا إذا بنينا على أنَّ عقد الإجارة يقتضي التسليم فيكون العلم والجهل عكس السابق، فإنَّه إذا كان عالماً باقتضاء العقد للتسليم، وسلَّمه العين على هذا الأساس؛ فلا بُدَّ من أن يقال في الفاسد بالضمان بلا إشكال، وفي الصحيح على الظاهر.
وأمَّا إذا كان جاهلاً، معتقداً أنَّه غير ملزم بالأداء إلى الطرف، ومع ذلك
ـــــــــــــ[317]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 331، في شمول القاعدة للإجارة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
سلَّمه؛ فهو تسليم من دون أن يكون ملزماً في نظره، وتسليمه ورضاه ثابتاً على أيِّ حال. وبحسب القاعدة لا بُدَّ أن لا يكون ضمان.
المطلب الذي نبحثه الآن: أنَّه في أيّ محلّ يكون عقد الإجارة مناقضاً مع القاعدة، قاعدة (ما لا يُضمن…) ومتى يكون غير مناقض؟
نقول: إنَّ ذلك يختلف باختلاف المطالب التي قلناها، ففي الموارد التي قلنا: إنَّ القاعدة تقتضي الضمان في الفاسد أو الصحيح، مثل الجاهل في الصورة الأولى والعالم في الثانية، فهذا مطابق لأصل القضيّة. وغير منافٍ مع العكس؛ لأنَّ العكس هو: (ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده)، وهنا صار في صحيحه الضمان.
وفي المكان الذي قلنا: إنَّ الفاسد والصحيح لا يُضمن؛ نرى أنَّ (ما لا يُضمن…) ماذا تريد أن تقول؟ هل تريد أن تقول: إنَّ العقد بما أنَّه بحسب ذاته له سببيّة للضمان في صحيحه، ففي فاسده بحسب ذاته له ضمان، وكذلك العكس نقول: إنَّ العقد الذي ليس له بحسب ذاته ضمان، ليس في الفاسد بحسب ذاته ضمان أيضاً؟
فالملحوظ هو الذات بقطع النظر عن الدليل الخارجيّ إذا قام، أو الشرط إذا جعل. ففي مثل ذلك لا تكون نقضاً للقاعدة؛ لأنَّ عقد الإجارة في الموارد التي كان بحسب ذاته مقتضياً للضمان في الصحيح، كان في الفاسد مقتضياً للضمان، وفي الموارد التي لا يقتضي في الصحيح، كذلك الحال في الفاسد.
ـــــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وإذا قلنا: إنَّ القاعدة غير ناظرة إلى السببيّة الذاتيّة، بل المراد به: أنَّ العقد الذي بحسب الواقع في صحيحه ضمان ففي فاسده ضمان، وما ليس في صحيحه ضمان بحسب الواقع فليس في فاسده ضمان، أو تقول إنَّ سببيّة الضمان أعمّ من السببيّة الذاتيّة والسببيّة الثابتة من الجهات الخارجيّة، كالدليل الخارجيّ أو الاشتراط في العقد. فهذا يكون نقضاً على القاعدة؛ لأنَّ (ما لا يُضمن) تقول: إنَّ كلّ عقد بحسب الواقع لا ضمان في صحيحه فلا ضمان في فاسده. والمفروض أنَّه لا نظر فيها بالنسبة إلى السببيّة، وإذا كان له نظر فهو أعمّ من السببيّة الذاتيّة أو الخارجيّة. والإجارة في العقد الصحيح ليس لها ضمان، وفي الفاسد فيه ضمان، بالنحو الذي قلناه على القواعد من أنَّنا لم نجد دليلاً على نفي الضمان؛ فيكون ذلك نقضاً للقاعدة.
وبمقتضى المطالب التي قلناها، قد يُقال: إنَّ عقد الإجارة خارج عن هذه القاعدة أصلاً، كما أشار إليه الشيخ(1)؛ لأنَّ مصبّه خارج مصبّ القاعدة.
فنقول: إنَّه ما المراد من كون مصبّ عقد الإجارة هو النافع؟ هل معناه عدم الارتباط بالعين أصلاً، كما كان المال في الاحتمال الأوّل، أو أنَّها في الحقيقة سبب في نظر العقلاء لاكتساب ارتباط في العين لاستيفاء الحقّ منها؟ لا أقول: حقّ التسليم بل حقّ الانتفاع، وكون العين أجنبيَّة عن مقتضى العقد خلاف ماهيّة الإجارة. وإن كان المراد من المصبّ أنَّ ما ينقله تلك لا ينقله هذا، فإنَّنا لم نأخذ في القاعدة الانتقال.
ـــــــــــــ[319]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 194، في ضمان العين المستأجرة فاسداً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، هنا كلام في أنَّ القاعدة وعكسها فيها عدَّة احتمالات:
أحدها: أنَّ ما يُضمن بضمان المُسمَّى في الصحيح يضمن بالمُسمَّى بفاسده، أو أن يُضمن بفاسده بالضمان الواقعي.
واحتمال آخر: وهو أن نجعل الضمان في الطرفين واقعياً.
فإذا أخذنا في الصحيح ضمان المُسمَّى، فالإجارة راجعة إلى المنفعة، وليست في مقابل العين في شيء، فيقال إنَّ عقد الإجارة وإن كان متعلّقاً بالعين، إلّا أنَّ الميزان هو ضمان المُسمَّى، وفي -في الواقع ونفس الأمر- مقابل المنفعة لا في مقابل العين. إذا قلنا هذا باختلاف المبنيين. فإذا قال شخص بأنَّ الضمان ضمان للبدل الواقعيّ لا المُسمَّى، فيُقال بأنَّ عقد الإجارة وارد في القاعدة. وأمَّا إذا قلنا بأنَّ الضمان ضمان المُسمَّى، ليقال بأنَّ المنفعة ضمانها ضمان المُسمَّى؛ فتكون على هذا داخلة في مصبّ القاعدة.
والعجب أنَّ المرحوم النائيني(1) قال في صدر كلامه إذ يقول: إنَّ هناك مبنيين في عقد الإجارة… إلى أن يقول: إنَّه إذا بنينا على أنَّ العين طرف للإضافة فلا ضمان؛ لأنَّ تسليم العين مجَّاناً يكون سبباً لارتفاع الضمان. وفي ذيل كلامه حينما يُريد الاستدلال على المبنى الثاني يقول: إنَّه في باب إجارة الحرّ يكون العمل في مقابل الثمن، وفي باب المساكن يكون تسليم العين للطرف هو الذي في مقابل الثمن.
ونحن لم نستطع أن نفهم ذلك، فإنَّا نقول هناك: إنَّه لا ضمان بسبب
ـــــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) المكاسب والبيع 1: 311 ـ 312، النقوض الواردة على القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
المجَّانيّة. وهنا نقول: إنَّ الثمن في مقابل تسليم العين، فكيف يكون تسليم العين مجَّانيّاً؟! على إشكال هنا بحيث يكون المصبّ هو تسليم العين دون المنفعة، بل المنفعة إمَّا كلّ شيء أو (نيمه كاره)(1) على الأقل؛ فلا صدر كلامه مسلَّم، ولا ذيل كلامه مفهوم.
على أيِّ حال إنَّنا إذا قلنا: إنَّ مقتضى الإجارة هو تسليم العين، ففي الصحيح أيضاً لا بُدَّ من الضمان، وأمَّا في الفاسد فلا إشكال فيه. ومجرَّد الداعي لا يسبب وجود إطلاق الإجارة والرضاء(2).
ومن الموارد التي قيلت نقضاً على القاعدة: مسألة إعارة الصيد للمحرم. لا بُدَّ أن نرى أوَّلاً موضوع البحث، فإنَّه في مسألة إعارة الـمُحلّ الصيد للمُحرم كلام الفقهاء بحسب القاعدة لا بُدَّ أن يكون المراد منه أن تكون الإعارة خارج الحرم، كما لو أحرم في الميقات فأعاره مُحلٌّ صيداً؛ لأنَّ التعليل الذي يقولونه، وهو: أنَّ المستعير لا بُدَّ أن يطلقه.
وأمَّا في الحرم فالـمُحلّ أيضاً لا يستطيع أن يصيد الصيد أو أن يعيره، فإنَّ الصيد في أمن الله، وجميع التقلُّبات في داخل الحرم محرَّمة وباطلة. فما قالوه من أنَّ الـمُعيرَ محلٌّ والمستعيرَ محرمٌ، وأوجبوا على الـمُحرِم إطلاقه، هذا كلّه في الحِلِّ، فإنَّه بالنسبة إلى الـمُحلّ كلّ شيء جائز، فإذا أعاره للمحرم قالوا: إنَّ
ـــــــــــــ[321]ــــــــــ
() كلمة باللغة الفارسية تعني: غير مكتمل أو نصف الوظيفة.
(2) تقدَّم عند مناقشة كلام الميرزا النائيني في الاستدلال على عكس القاعدة، فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الإعارة فاسدة، وإن أطلقه يضمن.
فهذا يكون نقضاً للقاعدة؛ لأنَّ الاستعارة لا يُضمن صحيحها بحسب القاعدة، فلا بُدَّ أن لا يكون لفاسدها ضمان، مع أنَّهم حكموا بالضمان في ذلك.
وإنَّما يكون نقضاً للقاعدة إذا تمَّت جملة مطالب:
أحدها: أنَّ استعارة الـمُحرِم استعارة باطلة، فإنَّنا إذا قلنا بصحّتها وكانت مضمونة، فلا تكون نقضاً للقاعدة، بل غايته يكون تقييداً على أدلّة الاستعارة، شأنها شأن استعارة الذهب والفضَّة التي حكم الشارع بضمانها(1).
وهذا وإن لم يكن محلّ كلامنا، إلّا أنَّنا نشير إلى ذلك فنقول: إنَّ الآية: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً(2)، نرى أنَّه هل يمكن أن نستفيد من هذا المعنى، وهو: أنَّ الاستعارة باطلة؟ فهل يمكن استفادة هذا الحكم الوضعي من الآية؟
ولأجل استفادة هذا المطلب، هناك احتمال يمكن أن يتمّ على أساسه، فإنَّ في الآية احتمالين:
أحدهما: أن يكون الصيد بمعنى الاصطياد، بالمعنى المصدري وفعل المكلف. على غرار (حرّم عليكم شرب الخمر).
والاحتمال الآخر: وهو أنَّ المراد بالصيد عبارة عن الذات، أي: المصيد،
ـــــــــــــ[322]ــــــــــ
(1) اُنظر: قواعد الأحكام 2: 196، الفصل الثاني في أحكام العارية، جامع المقاصد 6: 78، في الأحكام المتعلقة بالعارية، مسالك الأفهام 5: 154، أحكام العارية.
(2) المائدة: 96.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وهذا الاحتمال أقوى لجهات:
أحدها: أنَّ نسبة الصيد إلى البر والبحر مناسبة معه، فإنَّه يُريد أن يفهم أنَّ الحيوانات البرية والبحرية حكمها كذا.
وفي الآية المتقدمة يقول: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ(1)، وظاهره أنَّ المراد به الصيد، بمعنى المصيد.
وفي الآيات المتقدّمة قال: لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ(2)، وهو عبارة عن الحيوان المصيد.
وفي الآية التي بعدها يقول: لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ(3). فمن هذه القرائن يُعلم أنَّ الصيد بمعنى المصيد؛ لأنَّه المعنى المصدري، فالتحريم منصبٌّ على الذات لا على الفعل.
فيأتي ما قلناه سابقاً من أنَّ التحريم إذا أُسند إلى الذات، فمعناه تحريم سائر جهاتها وتقلُّباتها، وإلَّا لم تصحّ هذه الحقيقة الادّعائيّة؛ فيكون إمساكها وبيعها وإجارتها وإعارتها غير جائز.
بناءً عليه، فمن نسبة الحرمة إلى الذات نستفيد الحرمة التكليفيّة والوضعيّة.
وهذان القسمان من الأحكام وإن وردت في كلام الفقهاء إلّا أنَّها ليس لها شيء في اللغة، فإنَّ الحرمة عبارة عن المحروميَّة والممنوعيّة، والحِلِّيّة بخلافها،
ـــــــــــــ[323]ــــــــــ
(1) المائدة: 96.
(2) المائدة: 94.
(3) المائدة: 95.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا نُسب الحكم إلى الأشياء فإنَّه يختلف بحسب فهم العقلاء، فإذا نُسب إلى شرب الخمر يُفهم منه التكليف، وإذا نُسب إلى بيع الخمر الذي هو سبب إلى شيء آخر يُفهم منه عدم السببيّة وهكذا. فهذا مطلب عقلائيّ في الحِلِّيّة والحرمة والجواز واللاجواز.
إذن يمكن تقريب الوجه بما يلي: أنَّ قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ…، بما أنَّه نسب الحِلِّيّة إلى الذات، فيدلّ على حِلِّيّة بيعه وأكله وسائر تقلُّباته، ولو كانت بعضُ تقلُّباته حلالاً، وقسمٌ معتدّ به منها ليس بحلال؛ لما صحّ نسبة الحِلِّيّة إلى الذات.
وكذلك نقول بالنسبة إلى حرمة صيد البر، إذ نفهم من نسبة الحرمة إلى الذات حرمة سائر تقلُّباتها، غايته أنَّها في باب الأكل معناها الحرمة التكليفيّة، وفي البيع معناها الحرمة الوضعيّة.
فهذه من المقدّمات التي لا بُدَّ أن تصحَّ مع مقدّمات أخرى؛ ليصحَّ توهُّم النقض. وأمَّا إذا لم يكن دليل على بطلان الإعارة(1)؛ فلا يكون النقض تامّاً.
وإذا كان الوجه الذي ذكرناه فيه تطويل للمسافة، فهناك وجه آخر أكثر اختصاراً(2)، وهو أن يقال: إنَّ ماهيّة العارية هو التسليط للغير للانتفاع، فإذا
ـــــــــــــ[324]ــــــــــ
() اُنظر: الكافي 4: 381، باب النهي عن الصيد وما يصنع به، تهذيب الأحكام 5: 314 ـ 315، باب ما يجب على المحرم اجتنابه، وسائل الشيعة 12: 415 ـ 418، أبواب تروك الإحرام، باب تحريم الصيد.
(2) قال بعد عنونة المسألة، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
التسليط بنحو لا يمكن أن يُنتفع منه شرعاً، بل يجب عليه أن يرسله، فلا يمكن للشارع أن يُنفذ مثل هذا العقد، إذ تكون ماهيّة العارية غير متحقّقة شرعاً.
ثانيها: ومن جملة المقدّمات التي يتوقف صحّة النقض على صحّتها: هو أن لا يزول ملك الـمُعير لهذا الصيد عنه، فإنَّ هذا محلّ كلام في أنَّه بمجرَّد إعارته للمحرم هل يزول ملك الـمُعير أو هو باقٍ؟
فإنما يصحّ النقض إذا قلنا بأنَّ ملكه باقٍ لا يزول، فإنَّنا حينئذ إذا قلنا: إنَّه في العارية الفاسدة ضمان فيكون نقضاً، فلا بُدَّ أن يكون الضمان على هذا النحو، كما أنَّ العارية الصحيحة لا تأتي بالضمان، فلا بُدَّ أن تكون الفاسدة كذلك، إلّا أنَّها موجبة للضمان.
وأما إذا قلنا: إنَّه بمجرَّد ورود العين إلى يد المستعير تخرج عن ملك المُعير، بحيث إنَّه بأيّ نحو من الأنحاء أخذها سواء باختياره أو غصباً، فإنَّها بمجرَّد وقوعها تحت يد الـمُحرِم تخرج عن ملك الـمُحلِّ. فهذا الضمان ليس مربوطاً بالاستعارة الفاسدة ليكون نقضاً، فإنَّ النقض لا بُدَّ أن يرد على العارية الفاسدة، ففي مثل ذلك لا نستطيع أن نعدَّه ضمان يد ولا ضمان العارية.
بل يمكن أن يُقال: إنَّها ليست عارية أصلاً وإنَّ ماهيّة العارية لم تتحقَّق، لا أنَّها عارية فاسدة كالبيع بلا ثمن والإجارة بلا أجرة.
وفي مثل هذا إذا قلنا: إنَّ العارية بحسب ماهيتها -وهو التسليط للانتفاع- غير موجودة، ومن ذلك الطرف قلنا: إنَّه بمجرَّد التسليط تزول الملكيّة، وقبل أن تصل النوبة إلى الانتفاع ويتمكَّن المستعير منه تزول الملكيّة، وتخرج عن موضوع قاعدة (اليد)؛ لأن (على اليد) موضوعها هو السلطة على
ـــــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مال الغير، فلا بُدَّ أن يكون الموضوع ثابتاً ليترتَّب عليه الحكم بالضمان في أنَّ رتبة الحكم بالضمان هي رتبة سلب الملكيّة وارتفاع الموضوع، فقد تسلَّط المستعير على مال ارتفع موضوعه بمجرَّد التسليط عليه.
فإنَّ الموضوع بجميع قيوده مقدَّم على الحكم. وفي المقام حين ورود الحكم يرتفع الموضوع؛ فيستحيل تعلُّق الحكم به، فالتلف لا بُدَّ أن يقع في مال الغير ليشمله عموم قاعدة (اليد)، وهنا بمجرَّد أن تقع عليه اليد يخرج عن كونه مال الغير.
نعم، من يقول -كالمحقق النائيني(1)– بأنَّ نفس أخذ الـمُحرِم له إتلاف لمال الغير، لا أنَّ إرساله إتلاف له، فهذا يكون ضمان الإتلاف لا ضمان (اليد). وأنت خبير بفساده؛ لأنَّ هذا تلف بحكم الشرع، والإتلاف إنَّما هو إذا أتلفه باختياره، وهنا الشارع حكم بتلفه والخروج عن ملكه -على الفرض-. وأما الـمُعير والمستعير فقد أوجدا بالعقد موضوعاً لهذا الحكم، فإذا أعطيتني الصيد وأنا(2) أخذته فقد تحقَّقت الماهيّة والموضوع؛ فحكم الشارع بتلفه. ولا يصدق أنَّ الـمُعير والمستعير أتلف هذا المال، وعلى أيِّ حالٍ إذا قلنا بزوال الملك،
ـــــــــــــ[326]ــــــــــ
() المكاسب والبيع 1: 315، النقوض على عكس القاعدة.
(2) لا يخفى أنَّه يصدق على المحرِم إتلافه حتَّى على هذا القول، لأنَّه كان يجب عليه أن لا يقبل لكي لا يوجد موضوع الحكم الشرعيّ بالإتلاف فاذا كان عالماً بالحكم وشارك في إيقاع الاستعارة فقد اتلف مال صاحبه لا محالة، أمَّا الضمان فيختلف ماله فإنَّه إذا كان المعير المُحلّ عالما بالمسألة وأوجد العقد فقد عرّض ماله للتلف اختياراً ولا ضمان وأمَّا إذا كان جاهلاً فلا بد من القول بثبوت الضمان (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فيكون خارجاً عن موضوع قاعدة (ما لا يُضمن…).
الآن نرى أنَّه بمجرَّد أن يدخل تحت يد الـمُحرِم هل يخرج عن ملك المحلّ أو لا؟ لم نجد دليلاً مقنعاً على ذلك.
نعم، توجد اعتبارات في لسان القوم يريدون تتميم المطلب بها، مثلاً: أنَّ المستعير المأمور بإرساله لا يجوز له أيُّ نحو من أنحاء الملكيّة، إذن فالمعير أيضاً كذلك، فلا بُدَّ أن لا يكون مالكاً. وهذا واضح البطلان، للفرق بين الـمُعير والمستعير، فإنَّ الأخير لكونه مُحرماً لا يجوز له التملك، ولا يقال به المُحِل.
والنائيني يقول(1): إنَّه من مجموع روايات صيد الـمُحرِم يستفاد أنَّه بمجرَّد أن يرد الصيد تحت يد الـمُحرِم يخرج عن أصل الملكيّة.
إلّا أنَّنا نقول: دلَّنا على هذا الدليل، فإنَّ المُستفاد من الأدلّة هو منع الـمُحرِم من سائر التصرُّفات والتقلُّبات، وهذا لا يلازم خروجه عن ملكيّة الـمُحلّ.
من خلال كلامه يشير إلى آية صيد البر من دون تقريب، ويمكن أن يقال في تقريبها نفس ما قلناه سابقاً لكن على شكل أوسع.
فيقال: إنَّ جميع التقلُّبات ممنوعة، حتَّى لو غصبت صيداً فلا يجوز لك إرجاعه إلى صاحبه؛ لأنَّ ذلك من جملة التقلُّبات، فيتكلَّم عن أنَّ الآية هل لها إطلاق لمثل ذلك أصلاً، وإطلاق لمثل هذا المعنى مطلقاً؟
وفي وجوب إرساله يمكن أن يُقال: إنَّ الشارع إذا قال في شيء (يجب إهراقه) كالخمر، فنستفيد منه أنَّ هذا غير قابل للملكية، فإنَّه لو كان يمكن به
ـــــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) المصدر السابق 1: 314.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
شيء من الانتفاعات، لم يأمر الشارع بإهراقه، فنستفيد من ذلك انتفاء جميع آثار الملكيّة، والملكيّة اعتبار عقلائيّ بلحاظ الآثار ولو أثرٌ ما، فما ليس له أثر لا في الحال ولا في الاستقبال، لا يمكن أن يحكم بملكيته.
بناءً عليه إذا قيل للمستعير: (أطلقه) بمجرَّد وروده اليد يُعلم أنَّه لا أثر له من آثار الملكيّة. إذن، فالملكيّة غير موجودة(1).
نقول: إنَّه في باب الخمر وأشباهها كذلك، ولكن في المستعير إذا قال: (أطلقه ولا ضمان عليك)، فمعلوم سقوط الملكيّة. أمَّا إذا قال: (أطلقه وادفع العوض)، فهو مثل ما قيل في المجاعة: (كُلْ وأعطِ العوضَ)؛ فيُعلم من ذلك أن الملكيّة موجودة فيثبت الضمان.
نعم، هنا دعوى بوجود الشهرة بين العلماء، لكن ليس كذلك عند المراجعة، فإنَّ الشيخ(2) في (المبسوط) ذكر ما محصَّله: أنَّ استعارة الصيد إذا كان المستعير مُحرماً غير جائز، ويجب إرساله، فلو أمسكه فهو ضامن وعليه الجزاء.
والمحقِّق يقول(3) نفس الشيء، والعلَّامَة في (التذكرة)(4) و(القواعد)(5) يزيد
ـــــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 336، ما يشكل به على إطراد عكس القاعدة.
(2) المبسوط 3: 57، استعارة الحيوان.
(3) شرائع الإسلام 2: 408، كتاب العارية، الفصل الثاني في المستعير.
(4) تذكرة الفقهاء 2: 209 (ط. ق)، في أركان العارية.
(5) قواعد الأحكام 2: 193، الفصل الأوّل في أركان العارية، الركن الخامس.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
على ذلك أنَّه إذا ردَّه إلى صاحبه سقط الضمان.
وهذا يدلّ على أنَّهم يقولون إنَّه مالك، فإذا حصل في يد الـمُحرِم يجعلونه مشمولاً لقاعدة (اليد).
وقد يُقال: إنَّ الأمر دائر بين التخصيص والتخصُّص، وإذا دار الأمر بينهما نتمسّك بأصالة العموم أو الإطلاق.
بيان ذلك: أنَّه يجب على المستعير إرسال هذا الصيد المستعار، فيجب التصرُّفُ في مال الناس، مع أنَّ عموم “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّاَ بطيبة نفسه” يمنعه، ويدور الأمر بين أنَّ الشارع إما رفع الموضوع فيكون تخصُّصاً، أو أنَّ الموضوع محفوظ ليكون تخصيصاً، وإذا دار الأمر بينهما فالتخصيص أولى.
نقول: إنَّ العمل بأصالة العموم ليس جزافاً، وإنَّما العقلاء يعملون بذلك في الشكّ في المراد، الشكّ في أن العامّ تخصص أو لا؟
أمَّا إذا كُنَّا نعلم بالخروج، وشككنا أنَّه خارج تخصيصاً أو تخصُّصاً، فلا يعمل العقلاء بشيء(1). فإنَّ هذا المطلب مدرسيٌّ لا عقلائيّ، فإنَّ العقلاء إنَّما يحكمون بشيء فيما هو راجع إلى العمل، كما لو كانوا يشكّون أنَّ زيداً يجب إكرامه أو لا يجب، فيعملون بالعامّ.
وأمَّا إذا انتفى الأثر العمليّ، فإنَّهم على أيِّ حالٍ لا يجب عليهم إكرام زيد سواءٌ كان عالماً أو جاهلاً، فهذا لا ربط له ببناء العقلاء.
ـــــــــــــ[329]ــــــــــ
(1) مناهج الوصول 2: 270، التنبيه الخامس: في التمسّك بالعامّ عند الشكّ في التخصيص والتخصّص.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بل في المقام يمكن أن نقول هنا بالتقييد، فإنَّ مقتضى السلطنة هو إذا خرج المال من تحت يدي باختياري، فيكون الأمر بإطلاق الصيد مقيّداً لقاعدة “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّاَ بطيبة نفسه“، إذا أخذنا الحلِّيّة أعمّ من التكليفيّة والوضعيّة.
فهذه إحدى المقدّمات، وهي عدم زوال الملكيّة، فإذا تمَّت يمكن أن يتمّ النقض، وأما إذا زالت فلا يتمّ النقض. وقلنا بأنه لا دليل على الزوال.
المقدمة الثالثة: أنّها يد ضمان، والضمان لا بُدَّ أن يكون ضمان اليد لا ضمان الإتلاف، فإذا تمَّ هذا كان للنقض وجه.
المقدمة الأخرى التي إذا لم تثبت لا يتمّ النقض، هو أنَّ يده يد ضمان.
وتقريب الضمان: مرَّةً نمشي على مسلك الشيخ(1) في ضمان اليد، إذ قال: إنَّ دليل اليد له إطلاقٌ لتمام الموارد، ويشمل العقود الصحيحة والفاسدة. ولكنَّه مخصَّص بأدلّة الاستيمان، بحيث إنَّ الأمانة خارجة عن قاعدة (اليد) بالتخصيص.
بناءً على هذا يمكن أن يقول قائل: إنَّ أدلّة الاستيمان منصرفة عن الموارد التي حرم الشارع فيها الإمساك، وحينئذٍ يدخل تحت قاعدة (اليد)؛ لأنَّ لها إطلاقاً لتمام العقود الصحيح منها والفاسد، وإنَّما خرجنا بأدلّة الاستيمان، وهي منصرفة عن المقام.
ـــــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 197، مدرك عكس القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأمَّا إذا قلنا: إنَّ دليل اليد لا إطلاق له، وإنَّما هو منصرف عن الشيء الذي يُسلِّمه المالك باختياره بلا إلزام عقلائيّ أو شرعيّ، إمَّا لحفظه، أو عارية للاستفادة منه، سواءٌ كان عقداً صحيحاً أو فاسداً، فيفرّق بين ما دفعه ملزماً وما دفعه غير ملزم.
نعم هنا مطلب آخر في باب العارية ونظائرها، وهو أنَّه إذا أوقع شخصٌ عقد العارية للانتفاعات، ففي بعض المجتمعات أو في نوع المجتمعات أنَّ الإنسان لو لم يعط العين -وإن لم يكن العقد لازماً- إلّا أنَّه يكون عيباً في نظر العقلاء، من قبيل الشخص الذي يدعو جماعة إلى داره، ثُمَّ يعتذر! فيُقال: إنَّ هذا (العيب) إلزام عقلائي، فلو أوقع العقد فهو ملزم في نظر العقلاء بالتسليم، فنقول: إنَّ هذا النحو من الإلزامات العقلائية إذا سلَّم الإنسان على أساسها فقاعدة (على اليد) غير منصرفة عنه. وإنَّما هي منصرفة عن المورد الذي يسلَّم المال فيه عن رغبة واختيار. ففي عارية الصيد وغيره نفرّق بين المجتمع المحيط الذي يقول بهذا الإلزام، والمحيط الذي ليس فيه هذا الإلزام، فنقول بالضمان على الأوَّل دون الثاني.
هذا غاية ما يمكن أن يُقرَّب به الضمان، وإذا تمَّ يكون نقضاً للقاعدة.
وأقول: إنَّ هذا النقض ليس معناه (قميص عثمان) وإنَّما يمكن أن يُعتبر استثناءً من القاعدة، كاستثناء بيع الخمور وآلات اللهو من عموم حِلِّيّة البيع، فلا مانع من الضمان تخصيصاً لقاعدة اليد.
ـــــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
المطلب الآخر الذي يُعنونه الشيخ(1) هو: أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد أحد أحكامه هو أنَّه يجب ردُّه فوراً، ويُستدلّ عليه بالتوقيع الشريف(2): “لا يحلّ لأحدٍ أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه“. ويقول: إن لم نُسلِّم التوقيع كان “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبة نفسه“(3) كافياً.
وتقريبه: أنَّنا إمَّا أن نقول بعدم جواز التصرُّف، بسائر الأنحاء التكوينية والاعتبارية حتَّى الحفظ، وإمَّا أن لا نقول. وأظنّ أنَّ قوله: “لا يحلّ لأحدٍ أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه” شامل لسائر التصرُّفات، فيُفهم منه عقلائيّاً أنَّه لا يجوز التصرُّف في مال الغير بأيّ نحو من الأنحاء إلّا بإذنه حتَّى حفظه وإمساكه.
وإذا لم يتمّ هذا من التوقيع فالرواية الأخرى تامَّة فيه، إذ نستفيد ما ذكرناه مكرَّراً من الحقيقة الادعائيّة إذ نفهم من إسناد عدم الـ(حِلّ) إلى ذات (المال)
ـــــــــــــ[332]ــــــــــ
() كتاب المكاسب 3: 199، وكلامه حول وجوب ردّ المقبوض بالبيع الفاسد فوراً.
(2) كمال الدين: 521، ح49، باب ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة 9: 540، ح6 عن كمال الدين، باب وجوب إيصال وجه الإمام من الخمس إليه مع الإمكان.
(3) الكافي 7: 273، ح12، كتاب الديّات، باب القتل، وسائل الشيعة 29: 10، ح3.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنَّه بسائر جهاته حرام، خصوصاً أنَّ هذه الجملة جاءت بعد الأمر بردِّ الأمانات، وقيلت تعليلاً لها، فإذا أردنا فهم التعليل فلا بُدَّ أن نحمل الحِلِّيّة على الأعمّ من التكليفيّة والوضعيّة، وأنَّه يجب الردُّ.
وهو وجوب نفهمه لا بالنحو الذي فهمه الاخوند والشيخ الأصفهاني(1)؛ من أنَّنا نستفيد من الرواية وجوب الردّ من باب النهي عن الضدّ.
بل نفهم ذلك على طبق العقلاء، فلو قيل: (لا يجوز لك حفظ مال الغير)، يُفهم منه أنَّه يجب ردُّه، فهي ليست مسألة عقلية لنتشبَّث بمسألة الضدّ، وإنَّما هو مطلب عقلائي. وإلَّا لَوَردَ الإشكال على النبي في نفس كلامه هذا، فإنَّه علَّل بذلك وجوب ردِّ الأمانة، فيُقال: إنَّ غاية ما يُستفاد منه هو عدم جواز الحفظ، مع أنَّ العقلاء يفهمون منه وجوب الردّ.
بناءً عليه نستفيد من الرواية بمناسبات الحكم والموضوع: أنَّه لا يجوز الإمساك، والمفهوم عقلائيّاً هو وجوب الردّ.
بناءً عليه لا نكون محتاجين إلى التكلُّم في باب الضدّ، ولكن حيث إنَّهم تكلَّموا فيه، فلا بُدَّ من خوض غماره ليظهر الموضع فيه:
الآخوند يقول(2) بنحو الإشارة: إنَّنا إذا قبلنا مقدّميّة الضدّ للضدّ الآخر
ـــــــــــــ[333]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 33، الكلام في عكس القاعدة، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 344، الأمر الثاني: يجب رد المقبوض إلى مالكه.
(2) حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 33، الكلام في عكس القاعدة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فهنا ليس كذلك، فإنَّ تخلية اليد ثالث الضدَّين، فالإنسان مُخيّر بين أن يخلِّي أو يردّ، فلا يمكن أن نفهم من الرواية وجوب الردّ، حتَّى على هذا المبنى الفاسد.
بعد ذلك يقول الشيخ الأصفهاني(1): إنَّ ظاهر كلام الشيخ(2) أنَّ حرمة الإمساك يكفي في وجوب الردِّ. وهذا لا يكون إلّا إذا قلنا: إنَّ عدم أحد الضدَّين مقدّمة للآخر. وحيث إنَّ الإمساك حرام فيكون الردّ الذي هو مقدّمة للإمساك حرام، وحيث إنَّه حرام فالردّ الذي هو نقيضه يكون واجباً، لكن بوجوب عرضيّ لا وجوب شرعيّ؛ لأنَّ الوجوب لا يتحلَّل إلى نفسه وعدم نقيضه، يقول: ولهذا قال شيخنا الأستاذ -يعني الآخوند-: التخلية ثالث الضدَّين.
ثُمَّ يُحقِّق المطلب ويقول: إنَّ الإمساك والردّ ليسا ضدَّين بل مثلان؛ لأنَّ استيلاء المشتري على الثمن واستيلاء المالك على ماله من ماهيّة واحدة، ومصاديق الماهيّة الواحدة مِثلان وليسا ضدَّين، فإنَّ الردّ بمعنى (الإيصال إلى الغير)، بمعنى: استيلاء المالك على ماله، وهو مثل لاستيلاء الآخر عليه.
نعم، في باب الضدَّين إذا قيل: إنَّ ترك أحدهما مقدّمة لوجود الآخر، فهذا لا يفرق فيه بين الضدَّين أو الِمثْلين، فكما أنَّ الـمَحلَّ لا بُدَّ أن يكون خالياً من
ـــــــــــــ[334]ــــــــــ
() حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 344، الأمر الثاني: وجوب رد المقبوض إلى مالكه.
(2) كتاب المكاسب 3: 199، وكلامه حول وجوب ردّ المقبوض بالبيع الفاسد فوراً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الضدّ ليثبت الضدّ الآخر، كذلك المِثْلين، فإنَّه كما يستحيل اجتماع الضدَّين يستحيل اجتماع المِثْلين.
ثُمَّ يناقش الآخوند فيقول: إنَّ ما يقوله من أنَّ التخلية ثالث الضدَّين:
أمَّا أن يقصد منه معنى عدمياً (هو رفع اليد عن المال)، فهو ليس ضداً، بل نقيضاً، وإذا كان واجباً لا يجب الردّ؛ لأنَّه لا مقيّد له ولا أنَّ التخلية لأجل مقدّميّته لضده تكون واجبة.
وإذا أخذتم التخلية بالمعنى الوجوديّ، بمعنى تمكين الطرف من الاستيلاء على مال نفسه، فهذا المعنى الوجوديّ مقدّمة للاستيلاء لا ضدّه. فإنَّ التمكين مقدّمة للاستيلاء، فيجب لأجل وجوب المقدّمة، وليس منافياً له، بل مناسب له.
إذن، فمن هذه الناحية لا يتمّ مدّعاكم.
أقول: أمَّا ما يقوله أوَّلاً من أنَّ الردّ الذي هو بمعنى الإيصال مثل لاستيلاء الآخر على المال وليس ضدّاً له. نقول: إنَّ الردّ هو صفة قائمة بالطرف، والاستيلاء صفة قائمة بالطرف الآخر، فلا بُدَّ أن تحسب حساب استيلاء هذا وإيصال الآخر، لا أن نحسب حساب الاستيلاء من الطرفين، فقد أخذ الاستيلاء الذي هو نتيجة للإيصال وجعله قيداً لاستيلاء الآخر، مع أنّنا نريد أن نحسب حساب الإمساك والردّ.
ولو سلَّمنا أنَّ الإمساك عبارة عن إبقاء الاستيلاء على هذا المال، فالردّ الذي هو بمعنى الإبقاء والإيصال يكون فعليّاً، ولا بُدَّ أن ننظر إلى النسبة بين
ـــــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الردّ والاستيلاء، هل هما من باب الضدَّين أو المِثْلين؟ وهما ليسا من ماهيّة واحدة ليكونا مِثلين، فهما ضدَّان لا مثلان(1).
إلّا أنَّ المرحوم الشيخ محمَّد حسين يقول: أوَّلاً: إنَّ الإمساك والردّ مِثلان لا ضدَّان؛ لأنَّ استيلاء المشتري واستيلاء المالك على ماله مصداقان لماهيّة واحدة، وهما مِثلان لا ضدَّان، فالإمساك والإيصال لا بمعنى الردّ من قبيل المِثْلين، وإن لم تختلف النتيجة على تلك المباني؛ لأنَّه كما أنَّ الضدَّين يستحيل اجتماعهما كذلك المِثْلين.
قلنا: إنَّ هذا الذي يقوله لا يتمُّ؛ لأنَّ الإيصال غير استيلاء هذا الإنسان على ماله، فإنَّ الاستيلاء متأخّر وجوداً عن إيصال المشتري المال إلى المالك.
وإذا كان الردّ بمعنى الإيصال، فلا بُدَّ أن تحسب حساب الإيصال والاستيلاء، لا أن ننظر النسبة بين الاستيلاءين. وإذا حسبنا هذا الحساب بين الإيصال والاستيلاء، لا نجدهما من قبيل المِثْلين بلا إشكال، بل هما من قبيل الضدَّين، إذا وسَّعنا في معنى الضدَّين. ولا يندرجان تحت مقولة واحدة.
ثُمَّ يقول: وأما التخلية التي قالها الآخوند: إنَّ التخلية ثالث الضدَّين، يقول إنَّها لا بُدَّ أن تُأخذ بأحد معنيين؛ إمَّا بمعنى رفع اليد عن ملك الغير، أو بمعنى تمكين الغير على ملكه، فعلى الأوَّل يكون رفع اليد عن ملك الغير نقيض الإمساك لا ضدّه، فإنَّ الإمساك أمر وجوديّ، ورفع اليد عن هذا الشيء نقيض له.
ـــــــــــــ[336]ــــــــــ
() قال بعد عنونة المسألة ذكر إشكال الآخوند على الشيخ، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، إذا حرم الإمساك وجب ذلك، إلّا أنَّ رفع اليد عن المال أجنبيّ عن الردّ لننقح بوجوب النقيض وجوب الردّ.
وإذا كان المقصود بالتخلية هو التمكين، فهو لا ضدِّيّة له لا للإمساك ولا للردّ؛ أمَّا للردِّ فلأنَّه مقدّمة للردّ، والمقدمة للشيء ملائمة معه، ولا يمكن أن تكون مضادَّة، كما أنَّه ليس مضادّاً للإمساك؛ لأنَّ الإمساك وهو استيلاء المشتري على ملك المالك من مقوله، وتمكين المالك من ماله من مقولة أخرى، فليسا من جنس قريب ومقولة واحدة ليكونا ضدَّين، كما هو الحال في السواد والبياض.
نعم، التخلية والإمساك لا يمكن أن يجتمعا، ولكن ليس كلّ عدم اجتماع ناشئاً من الضدَّين، بل عدم الاجتماع لازم أعمّ من الضدّ، ولهذا نجد لازم النقيض لا يجتمع مع العين، مع أنَّه لا يكون نقيضاً له. إذن، فتمكين المالك على ماله مع استيلاء الآخر على المال لا ينسجمان، ولكن بنحو أنَّ التمكين لازم نقيض الاستيلاء، وهو رفع اليد عن المال؛ إذ رفع اليد نقيض الإمساك وهو ملازم للتمكين. وحكم الوجوب إذا ورد على أحد النقيضين لا يسري إلى ملازمه. فهذا قسم من كلامه.
نقول: إنَّنا لم نكن نتوقَّع منك أنَّك لا تميِّز بين النقيضين وغيرهما، فإنَّه يستحيل أن يكون نقيض الإمساك لا يمكن أن يكون هو رفع اليد، وإلَّا يلزم ارتفاع النقيضين، فإنَّ الشخص الذي ليس له استيلاء على مال الناس أصلاً، فهو لا مستولٍ على المال ولا رفع يده عن المال، فإذا كان رفع اليد نقيضاً
ـــــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
للإمساك أو الاستيلاء(1)، للزم اجتماع النقيضين في هذا الشخص.
إذن، فهما ليسا نقيضين، وإنَّما نقيض الإمساك هو اللا إمساك، الذي ينسجم مع عدم الاستيلاء أصلاً، أو العدم المتجدِّد بعد رفع اليد.
ولا يمكن أن يكون رفع اليد -إذا أخذناه بمعنى عدميّ- الذي هو صنو المعنى العدميّ أن يكون نقيضاً للإمساك. فما يقوله من أنَّ التخلية التي بمعنى رفع اليد عن الشيء تكون نقيضاً للاستيلاء، فلا تكون سبباً لوجوب الرد.
وأمَّا أصل المطلب، وأنَّ رفع اليد والتخلية ما هو؟ لنرى أنَّه هل يرد الإشكال على الآخوند أو لا؟
نقول: إنَّ رفع اليد ليست بالمعنى العدميّ ولا بمعنى التمكين: أمَّا كونه ليس بمعنى التمكين، فهو من الواضحات، إذ يمكن رفع اليد عن المال مع أنَّه لم يمكّن مالكه منه، كما لو كان مالكه بعيداً عنه.
كما أنَّه ليس معنى عدمياً، بل رفع اليد معنى وجوديٍّ، فإنَّه فرق بين عدم وضع اليد على الشيء وبين رفع اليد بعد ثبوتها، فإنَّه في قوله: “رفع عن أُمتي تسعة أشياء“(2) ليس معناه السلب، ولكن بما أنَّ القوانين الكُلِّية كانت شاملة لهذه الأمور بحسب إطلاقها، بحيث لولا حديث الرفع لأجزنا بيع المُكرَه، ولكان داخلاً في قوله تعالى: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ. فالرفع ليس بمعنى الدفع، بل بمعنى الرفع نفسه، وهو الإزالة بعد الثبوت. وهو وإن كان المراد
ـــــــــــــ[338]ــــــــــ
() هذا عطف تفسير فإنَّ الإمساك والاستيلاء بمعنى واحد، أي: لا يترتَّب على الفرق بينهما أثر في هذا البحث. (المقرِّر).
(2) وسائل الشيعة 15: 369، ح1، باب جملة ممّا عفي عنه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الجديّ هو هذا، فإنَّنا إذا نظرنا لم نجد الحكم ثابتاً في هذه الموارد من أول الأمر، إلّا أنَّه بما أنَّه مشمول للقوانين الكُلِّية بحسب إرادتها الاستعماليّة، فهو رافع لهذه الموارد، شأنه في ذلك شأن التقييد، فلا يكون الرفع معنى عدمياً.
إذن، فما يقوله من أنَّ التخلية مردَّدة إمَّا أن تكون بالمعنى العدمي، وهو رفع اليد عن كذا، أو بمعنى التمكُّن، نقول: إنَّ التخلية معناها رفع اليد بالمعنى الوجوديّ. لا التمكين ولا المعنى العدميّ.
الآن نرى كلام الآخوند: أمَّا أن نقول: إنَّ التخلية دائماً (التي هي بمعنى رفع اليد) مقدّمة على الردِّ، فيكون إثبات يد الآخر متأخّراً عنه، أو نقول إنَّه عند الردّ والإيصال لا تصدق التخلية، فالردّ في مقابل التخلية.
فإذا كانت التخلية دائماً مقدّمة على الإيصال، فلا يتمّ كلام الآخوند؛ لأنَّ ثالث الضدَّين المردَّد بين أن يكون هذا واجباً أو هذا واجباً، ليس كذلك، بل الأوَّل المتقدّم الذي هو رفع اليد هو الواجب، دون الردّ المتأخّر عنه.
وأمَّا إذا قلتم إنَّ الإمساك معنى، والإيصال معنى آخر، ورفع اليد معنى ثالث، ولم يكن الإيصال ملازماً لرفع اليد، فيتمّ كلام الآخوند، فإنَّه يكون ثالث الضدَّين.
ومما يقوله المحقِّق الأصفهاني هو رواية: “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبة نفسه“، يقول: إن قلت إنَّ هذا التمكين واجب من طريق آخر، فإنَّ منع المالك
ـــــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عن ماله مساسٌ بالعين؛ فيشمله قوله ( لا يحل…) فلا بُدَّ أن يكون الردّ واجباً.
قلت: إنَّ الرواية لا تشمل هذا الفعل، فإنَّها إنَّما تشمل الأفعال التي لها حالان: أن تصدر مرَّةً بطيب النفس، وأخرى بغير طيب النفس. فنقول: إنَّه (يحلّ) في موارد طيب النفس دون غيره. أمَّا منع المالك عن التصرُّف في ماله لا معنى لطيب النفس فيه، وليس له حالان؛ فلا تشمله الرواية(1).
نقول: إنَّ الرواية لا تريد أن تقول ما تدَّعيه أنت من الحكم على الأفعال التي لها حالان، أمَّا غيرها كالغصب مثلاً، فلا بُدَّ أن نبحث لها عن دليل آخر، كدليل السلطنة. بل تريد أن تقول: إنَّ لحِلِّيّة مال الغير سبباً واحداً، وهو رضاء المالك، فإذا كان هذا الرضاء غير موجود كان حراماً، سواءٌ كان الرضا متصوَّراً أو غير متصوَّر.
بناءً عليه، فكلّ الموارد الأخرى تدخل في الرواية. إذن، فمنع المالك عن ماله وغصبه منه بلا إشكال مشمول لها. هذا محصّل كلامه.
والدخول أصلاً في هذا الطريق غير صحيح، لأنَّ الشيخ أصلاً لم يرد أن يقول ذلك، بل أراد ما أراده النبي من كلامه، وهو ما يفهمه العقلاء من الكلام، وهو أنَّه إذا كان المال مال الناس يحرم إمساكه وسائر التصرُّفات فيه، فلا بُدَّ من إرجاعه. فهذا المعنى عرفيّ لا عقليّ، وإلَّا لَورَدَ الإشكال -نعوذ بالله- على النبي نفسه.
ـــــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق لأصفهاني) 1: 346، الأمر الثاني: وجوب رد المقبوض إلى مالكه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هل يمكن أن نفهم من “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدِّيه” وجوب الردّ الفوريّ؟
الطريق لذلك هو أن يقال: إنَّ للسيد اليزدي(1) في هذه القاعدة مسلكاً وهو: أنَّ نفس العين تأتي إلى العهدة، وتبقى في العهدة حتَّى إذا تلفت، ولا بُدَّ حينئذٍ من دفع المِثْل أو القيمة.
فيمكن أن يقال: إنَّ مقتضى عهدة العين حال وجودها أنَّه يجب ردُّها بنفسها، بحسب فهم العقلاء، وأمَّا إذا كانت تالفة فمقتضى أنَّها في عهدتك أنَّه يجب دفع المِثْل أو القيمة، فردّها حين وجودها حكم عقلائيّ، ونفهم من مناسبات الحكم والموضوع أنَّه لَـمَّا وجب الردّ فيجب أن يكون فوريّاً.
وقد يُستشكل بأنَّ الغاية هو الردُّ، ولا يمكن أن يقال: إنَّه يجب عليك الأداء حتَّى تؤدِّيه، فإنَّه فيه حزازة.
ويمكن أن يقال دفعاً لذلك: إنَّه فرّق بين أن يقال: (أدِّه حتَّى تؤدِّيَه)، فإنَّ فيه حزازة، وبين أن يقول: (أنت ذو عهدة حتَّى تؤدِّيَه)، وهذا ليس متضمّناً لوجوب الردّ ولا لضمان المِثْل والقيمة، وإنَّما تلك أحكام عقلائيّة، و(على اليد) إنَّما تقتصر على إثبات العهدة إلى زمان الردِّ، فلا حزازة فيه.
لكن وجوب ردِّ المال إلى صاحبه موجود كثيراً في مختلف أبواب الفقه(2)، في
ـــــــــــــ[341]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96 و103، قاعدة ما يضمن.
(2) وسائل الشيعة 25: 459، ح7، و461، ح1، كتاب اللقطة، باب حكم التقاط الشاة والدابّة والبعير وما علم من المالك إباحته.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
مجهول المالك، وفي الجهاد(1) والتجارة(2) والوديعة(3) وفي المال المغصوب(4) وغيرها. ومسألة ردِّ المال إلى صاحبه مسألة عقلائية وشرعية.
هذا كله راجع إلى فوريَّة الردّ.
فهل هناك بين الجاهل والعالم فرق، فلا يجب الردّ على البائع إذا كان عالماً دون ما إذا كان جاهلاً؟
في مبدأ البحث وإن كان عنوان المسألة هو المقبوض بالبيع الفاسد، ولكن انتهى البحث بأنَّ جميع المعاملات التي لها صحّة وفساد، أن أقبض الشيء في المعاملة، وكانت فاسدة، قد سبق الكلام في ضمانها.
والعنوان الآخر والذي نتكلَّم فيه هو: أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد هل يجب ردُّه أو لا؟
هنا احتمالات، بل لعلَّها أقوال من أنَّه يجب ردُّه في جميع المعاملات، أو أنَّه لا يجب ردُّه مطلقاً، أو التفصيل بين المعاملات؛ ففي المعاملات التي قلنا فيها بالضمان يجب الردّ، وفي المعاملات التي قلنا فيها بعدم الضمان لا يجب الردّ. أو
ـــــــــــــ[342]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 15: 98، ح2 و3، باب حكم ما يأخذه المشركون من أولاد المسلمين وأموالهم.
(2) وسائل الشيعة 17: 199، ح1، باب وجوب رد المظالم إلى أهلها.
(3) وسائل الشيعة 19: 72، ح3، باب وجوب أداء الأمانة إلى البر والفاجر.
(4) وسائل الشيعة 25: 385، ح1، باب تحريم الغصب ووجوب رد المغصوب إلى مالكه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
التفصيل بين علم الدافع وجهله؛ فإذا كان عالماً بفساد المعاملة فلا يجب الردّ إلّا إذا طالب به، وإذا كان جاهلاً يجب الدفع، وقد ذُكرت وجوه لهذه الأقوال نذكر أهمَّها:
فأحدها: راجع إلى مطلق المعاملات والحالات: الجاهل والعالم، بأن يقال: بأنَّ الإمساك جائز إلّا مع طلبه، ومن يقول بذلك يدور حول هذا المطلب، وهو أنَّ بقاء العين عند هذا بإذن من المالك وداخل تحت المستثنى منه (إلَّا بطيب نفسه). والطريق الذي قيل لهذا المطلب.
أحدهما: هو أنَّ المعاملات التي يوقعها الإنسان وإن كان يعملها لأجل كونها صحيحة ويترتَّب عليها الأثر، وترتَّب الأثر بدعوى كونها صحيحة، إلّا أنَّ هذه الصور من قبيل الداعي(1). بناءً عليه، فالإذن غير مقيّد بكونها معاملة صحيحة، بل كونها صحيحة داعٍ لا أكثر، والإذن متحقّق ولو تخلّف الداعي.
الوجه الآخر: الذي ذكروه حول هذا المعنى: أنَّ مقصود المتعاملين هو تبادل التسليط من الطرفين، وإنَّما يوقعون المعاملة والملكيّة لأجل أن يحصل ما هو المقصود بوجه أوفى، وإنَّما المقصود هو تسليط البائع للمشتري على الـمُثمَّن وتسليط المشتري للبائع على الثمن، وإنَّما يجعلون الملكيّة ليحصل التسليط بوجه
ـــــــــــــ[343]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق لأصفهاني) 1: 347 ـ 348، الأمر الثاني: في وجوب ردّ المقبوض إلى مالكه، والتفصيل بين كفاية الإذن وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أوفى، فهم لا نظر لهم للمعاملة بل للتسليط، وهو حاصل ولهم رضا به(1).
ومعلوم أنَّه ليس شيء من هذين الوجهين ممَّا يُتَّكل عليه:
أمَّا قضيّة الدواعي: فالمهمّ أن يتحقَّق إذن صاحب المال في التصرُّف في ماله، وغاية الأمر في الدواعي أنَّها تُوجِد الرضا بالمعاملة. وقد سبق أن قلنا: إنَّه وإن كان تقييد العلَّة بالمعلول والمعلول بالعلَّة محالاً، فلا تقييد، لكن ليس هناك إطلاقٌ أيضاً، فالعلَّة وإن لم تكن تؤثِّر في المعلول مقيّدة بوجود المعلول، إلّا أنَّها لا تكون مطلقة من هذه الناحية، بل إذا أردتم التعبير بالعبارة الأصوليّة فقولوا: إنَّ المؤثِّر هو الحصّة. أو قولوا: إنَّه نحو من الضيق الذاتيّ. فالعلَّة ليست مؤثِّرة بنحو الإطلاق ولا بنحو التقييد، ولكن في ذات العلَّة خصوصيّة؛ لأجلها لا يمكن أن يصدر هذا المعلول، مثلاً -وإن لم يكن هذا من قبيل العلِّيّة حقيقة- أنَّ في ذات الشمس خصوصية لأجلها كانت مبدأ لتوزيع النور، لا أنَّها مقيّدة بالمعلول ولا أنَّها غير مقيّدة.
وفي باب الدواعي الأمر كذلك: فإذا لم تكن متقيّدة بشيء لا يتعيَّن كونها مطلقة، فإذا كانت صحَّة العقد داعياً لإيقاع المعاملة، فليس معناه كونه متقيّداً بصحّة العقد.
نقول: صحيح أنَّه ليس مقيداً، ولكن لا إطلاق له، وأنت محتاج في الإذن إلى توسعته، بحيث يشمل العقد الفاسد، فالتسليط وإن لم يكن مقيّداً بالعقد
ـــــــــــــ[344]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 348، الأمر الثاني: في وجوب رد المقبوض إلى مالكه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الصحيح، إلّا أنَّه ليس مطلقاً، ولكنَّه محدود بحدّ نفسه، وله ضيق ذاتيّ، فلا يمكن أن نثبت الإطلاق بمجرَّد انتفاء التقييد، بل بينهما واسطة، وهي الضيق الذاتيّ.
كما أنَّ البيان الآخر الذي قاله بعضهم، من أنَّ المقصود هو التسليط في مقابل التسليط، والتمليك إنَّما يكون لأجل أن يكون التسليط بوجه أوفى، أيضاً غير صحيح.
إذ نقول: إنَّه وإن كان المقصود هو التسليط، إلّا أنَّه مرَّةً يتوجَّه نظره إلى التسليط فحسب من دون نظر إلى المعاملة أصلاً، فهذا خلاف المفروض من وجود المعاملة. ومرَّةً يُريد أن يصبح مُسلّطاً باعتباره مالكاً، لا أنَّه مسلط على مال الناس.
فإن كان مقصودكم هو هذا وأنَّ الغاية من المعاملات ليس هو إيقاع الأمر الاعتباريّ، بل وصول المال إليّ، ولكن ليس المطلوب هو وصوله بأيّ وجه كان، بل وصوله عن طريق المعاملة. فإن كان غرضكم أنَّ الغرضَ في عرضٍ محصّلِ الغرضِ فهو محال. وإن كان مقصودكم كفاية قصد التسليط في الرضا بالمعاملة، فإنَّ التسليط بوجوده يتبع وجود الملكيّة ولا استقلال له، والمفروض أنَّها غير موجودة باعتبار فساد العقد. بناءً عليه، فهذان التقريبان غير تامَّين.
السيد يفصل بين العالم والجاهل، ويقول(1): إنَّه لا ينبغي الإشكال في أنَّه إذا
ـــــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، في بيان قاعدة ما يضمن. وأشار إليها الآخوند في حاشيته على المكاسب: 33، عند قوله “وأمّا توهم أنّ هذا بإذنه”.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كان المالك جاهلاً بالحكم يجب الردّ ولا يجوز الإمساك.
وأمَّا إذا كان المالك عالماً بفساد المعاملة ففيه إشكال، فإنَّ هذا التمليك في ضمنه الرضا بالتصرُّف للآخر بالمال، وإذا بطل التمليك فالرضا محفوظ.
فإن قلت: إنَّ التمليك وإن كان متضمّناً للرضا، إلّا أنَّه إذا لم يحصل التمليك لا معنى لحصول الرضا.
قلت: ليس الأمر كذلك، فإنَّ للتمليك حيثيّتين: أحدهما: متقوُّمة بالعقد. والأخرى: غير متقوّمة به.
فإحداهما: هو التمليك الاعتباريّ للغير، وهو متوقّف على العقد.
والأخرى: هي الرضا بالتصرُّف، وهي ليست تابعة للعقد، وليس فيها صحّة وفساد. وهذا العالم بالفساد قصد إيقاع العقد العرفي وقد حصل، ورضاؤه موجود في ضمن العقد العرفي، فما هو الفاسد وهو: العقد الشرعيّ، لا ربط له بمقصوده، وما وقع وهو: العقد العرفي، متضمّن للرضا.
ونحن تكلَّمنا عن ذلك كراراً، لكنَّنا الآن نتكلَّم بشكل صناعيّ، بحيث يظهر الأمر في أمثال ذلك، وهو: أنَّ جميع الأفعال الاختياريّة للإنسان تصدر منه بما لها من المبادئ من تصوُّر وتصديق، وإرادة وتأثيرات في الآلات البدنيّة، ثُمَّ يصدر الفعل، بحيث إنَّ مبادئ الأفعال الاختياريّة لهذا الشيء يستحيل أن يكون مبادئ لفعل اختياريّ آخر.
ولهذا ذكرنا هناك أنه في مقدّمة الواجب التي قالوا فيها: إنَّ إرادة ذي المقدّمة ينشأ منها إرادة بالنسبة إلى المقدّمة، قلنا هناك: إنَّ هذا مستحيل أنَّ
ـــــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الإرادة المتعلقة بشيء تكون مبدأ لإرادة شيء آخر. فإنَّ كلّ الأفعال لها مقدّمات خاصّة بها، فإرادة الحجّ مثلاً يستحيل أن تكون منشأ لإرادة ركوب السيارة، ولكن لَـَّما أنِّي تصوَّرت المقدّميّة وتوقَّف الحجّ على الركوب، فأتصوَّر التوقُّف وأُصدّق بفائدته وهو الوصول إلى الحجّ، وتحصل الإرادة والتصميم والعزم، ومِن ثَمَّ أتوجَّه إلى الركوب، فلكلّ مقدّمةٍ مقدّمةٌ لها مبادئ خاصّة وذوها له مبادئ خاصّة وأحدها لا ينشأ من الآخر. ويستحيل في مبادئ شيء أن تسري إلى شيء آخر.
الآن ننظر لنرى أنَّ المبادئ التي دعتنا إلى إيقاع المعاملة: هل يمكن أن ينشأ منها الرضا أو لا؟ طبعاً عندي مقصود أقصى من إيقاع المعاملة، كالحصول على الطعام أو الفرش مثلاً، فأتصوَّر هذا المقصود وأُصدِّق بفائدته وأُريده، وماهيّة المعاملة أتصوَّرها وأُصدِّق بفائدتها وأُريدها، ثُمَّ أُنشئوها، فهذه مبادئ خاصّة بالمعاملة. والإذن بالتصرُّف في مالي أيضاً له مبادئ خاصّة، فإنَّه محتاج إلى تصوُّر الإذن والتصديق بفائدته وإرادته وإنشائه، وهذا لا ربط له بتصوُّر البيع ومبادئه وإنشائه، ولن يكون تصوُّر البيع تصوُّراً للإذن، ويستحيل أن تكون الإرادة المتعلّق بالبيع مبدأ للإذن. فالإذن له مبادئ مستقلّة، لا أنَّه يحصل بمبادئ شيء آخر.
فالسيد إذ يقول(1): بأنَّ التمليك له حيثيتان. فهل مقصوده أنَّ ماهيّة التمليك تنحلّ إلى ذاته وإلى غيره؟ هذا مستحيل، وأن ماهيّة التمليك يترتَّب
ـــــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، في بيان قاعدة ما يضمن.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عليها بنحو العلِّيّة أذني الذي هو من أفعالي الاختياريّة. ماهيّة التمليك ليست إلّا ماهيّة التمليك، ولا يمكن أن تكون لها حيثيّة أخرى غير التمليك، فإنَّ الرضا بالتمليك -الرضا المعاملي لا بمعنى (طيب النفس)- له مبادئ، والرضاء بالتصرُّف له مبادئ أخرى.
بل نقول في المقام: إنَّه يستحيل التصديق بالفائدة بالنسبة إلى الرضا بالتصرُّف، فإنَّ المفروض أنَّ المتعاملين من الرعية، ولا ولاية لأحدهما على الآخر، وليس لإذن أحدهما أثر بالنسبة إلى الآخر، فهل يمكن جدّاً أن أتصوَّر إذني بتصرُّفك في مالك وأُصدِّق بفائدته؟ هذا لا يمكن قصده الجديّ(1)، فإنَّ هذا وإن كان ممكناً من وليّ الأمر، إلّا أنَّه من غيره ممتنع؛ لأنَّ الإذن لا أثر له، فلا يمكن أن أقصده جدّاً، وفي المقام ليس عندنا إلّا مجرَّد التمليك، فهل يمكن أن نستنبط(2) منه إذناً بالتصرُّف في هذا المال الذي أتصوَّره مال نفسك؟(3).
ـــــــــــــ[348]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ المفروض فساد المعاملة فليس المال مالاً للآخر وإنَّما يبقى المال على حاله وفي ملكي وفي مثل ذلك يمكن قصد الإذن بلا إشكال (المقرِّر).
(2) استنبط الماء من البئر أخرجه منه. (المقرِّر).
(3) وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ المال ماله لفرض أنَّ المعاملة فاسدة.
فأجاب (سلّمه الله) ما محصَّله: أنَّ الذي يوقع المعاملة إمَّا أن يكون متشرِّعاً بقصد إيقاع، المعاملة على الوجه الشرعيّ، أو يقصد إيقاع معاملة عقلائيّة.
أمَّا الأوَّل: فلا يمكن أن يقصد جدّاً إلى المعاملة التي يعلم بفسادها وعدم وقوعها، فلم تحصل المعاملة، فضلاً عن الإذن بالتصرُّف. وما قاله الأصحاب من كونه تشريعاً محرّماً نقول: إنَّ التشريع مستحيل، وإنَّما المحرّم هو البِدعة لا التشريع.
وأمَّا غير المبالي بالشرع: فهو يعتقد انتقال* المال. إذن، فلا يتمّ قول السيد.
ولو سلَّمنا صحّة قوله، فلا يمكن التسليم بما ذهب إليه من التفرقة بين العالم والجاهل، وإنَّما لا بُدَّ من التقسيم بنحو آخر هو المبالي بالشرع وغيره، إذ إنَّ نتيجة تقريب السيّد هو ذلك، فإنَّ الجاهل قسمان: جاهل غير مبالٍ بالشرع يوقع معاملة عقلائيّة، وجاهل مبالٍ بالشرع.
أمَّا الجاهل المبالي فلا يجوز حفظ ماله، بل لا بُدَّ من ردِّه، وأمَّا الجاهل غير المبالي، بحيث لو علم بفساد المعاملة شرعاً لا يفرّق في حاله، فلا يقال بالضمان. (المقرِّر).
* أقول: هذا بالنسبة إلى غير المسبوق بأحكام الإسلام أصلاً صحيح، لكن نستطيع أن نتصوَّر شخصاً يوقع المعاملة العقلائيّة ويمكنه الاكتفاء بها ولكنَّه يُريد لها مصحّحاً من الشرع أيضاً. والمفروض فساد المعاملة في نظر الشرع فيكون له قصد عقلائيّ إلى المعاملة وقصد شرعيّ إلى الرضا بالتصرُّف وهذا واضح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هل هناك تفصيلٌ بين المعاملات التي قلنا فيها بالضمان، والمعاملات التي لم نقل فيها بالضمان؟ فكما أنَّه كان بينها تفصيل من ناحية الضمان كذلك يفصل بينها من ناحية وجوب الردّ وحرمة التصرُّف. هل يُقال هذا التفصيل أو لا؟
وبعبارة أخرى هل هنا تفصيل بين العقود في وجوب الردّ أو لا؟
وذكروا أن الإشكال إنَّما هو في التماميّة وعدمها، كما ذكر النائيني(1)، مع أنَّ المسألة ليست كذلك، فإنَّ العقود على قسمين:
أحدهما: ما تكون من قبيل العقود المعاوضية ونظيرها التي يجعل الجاعل
ـــــــــــــ[349]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 276، وجوب رد المقبوض بالعقد فاسداً وحرمة التصرف.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فيها العنوان، وليس شأنه الإجازة والإذن ولا يمكن أن يكون كذلك، مثل البيع والإجارة. وكذلك عقد الهبة فإنَّه وإن لم تكن مسبّبة للضمان إلّا أنَّها نظير عقد البيع، فإنَّ ما ينشئه المُنشأ هو عبارة عن التمليك، غايته أنَّه في البيع يملّك بعوض وفي الهبة يملّك بلا عوض. والإذن في التصرف لا علاقة لها بالتمليك ومبادئها مختلفة عن بعضها البعض، ولا يُعقل أن تكون مبادئ أحدها مبادئاً للأخرى.
القسم الآخر: من العقود هي التي قد يطلق عليها العقود الإذنيّة، لا بُدَّ أن نرى وضعها كالوكالة والعارية والوديعة، هل هي عبارة عن العنوان الوضعيّ والاعتبار العقلائيّ.
والحكم العقلائيّ لها أنَّه بعد أن تكون وكيلاً تستطيع التصرُّف في الشيء، ويترتَّب عليه جواز التصرف بمقتضى الوكالة؟
فالوكالة ليس معناها الإذن والإجازة، بل معناها عنوان اعتباريّ عقلائيّ، والإجازة حكم عقلائيّ، وإلَّا فماهيّة الوكالة ليست مشتملة على الإذن بالتصرُّف (أوكلتك في بيع داري)، يعني: أوكلتك وأذنت لك في بيع داري، بحيث إنَّ الوكالة مركَّبة من الوكالة والإذن.
أو إنَّ الوكالة ليست متضمّنة للإذن، إلّا أنَّ لازمها الإذن، إمَّا لزوميّاً بيِّناً أو غير بيِّن. وهذا يختلف بحسب التصوُّر، وكذلك الحال في مثل المضاربة والوديعة والعارية، إذا تمَّ هذا الاحتمال لا تكون كالبيع أصلاً، فإنَّه هناك لا معنى لإعطاء الإذن أصلاً؛ لأنَّ المال يخرج عن ملكي، فالإجازة أمَّا أن تكون
ـــــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
قبل الانتقال فهو خلاف المفروض، أو بعد الانتقال فتكون إجازة للآخر بالتصرُّف في مال نفسه. والإجارة ملحقة بباب البيع لأنَّه لا مجال فيها للإذن بالتصرف أمَّا في باب الوديعة والمضاربة والوكالة، فهذه الاحتمالات موجودة.
أمَّا الاحتمال الأول، بناءً عليه، فيكون حال هذه العقود حال البيع في عدم الارتباط بالإذن.
فنقول: إنَّ ما ينشئه هذا الشخص ويوقعه، هو عبارة عن الأمر الاختياري وهو الوكالة، غايته إذا أوقعها يتعلّق بها حكم من الشرع وحكم من العقلاء، وهو أنَّ له أن يعمل هذا العمل وإذ عمله فهو نافذ.
فإذا كان هذا الاحتمال في الوكالة وغيرها صحيحاً، فالكلام فيها هو الكلام في البيع على ما سبق، إذ تكون مبادئ الوكالة أجنبيَّة عن مبادئ الإذن، وكذلك العارية وغيرها.
وأمّا الاحتمال الثاني إذا قلنا: إنَّ هذه العقود مشتملة على الإذن، ولازمة له بنحو اللزوم البيِّن أو اللزوم غير البيِّن، فلا بُدَّ أن نتكلَّم في أنَّ هذا الإنسان الذي وكَّل ومعناه الاستنابة في العمل، وأنت مأذون بالإتيان بالعمل، فهل هذا الإذن متقيّد بالوكالة الصحيحة أو أنَّه متقيّد بالوكالة العقلائية؟ فكما تقولون إنَّ الدلالة التضمُّنيّة والالتزاميّة تابعة للمطابقيّة، فكذلك الإذن في المقام. أو أنَّه ليس كذلك فإذا بطل عقد الوكالة؟ فالإذن من الأمور التكوينيّة، ولا يصدق عليه الفساد، فإنَّ الأمر دائر بين التحقّق واللا تحقُّق، لا بين الصحّة والفساد، والإذن منوط وملازم للوكالة العقلائيّة، وهي موجودة على الفرض.
ـــــــــــــ[351]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا قال الشارع: إنَّ هذه الوكالة لا أقبلها، فهل يبطل الإذن أو يبقى؟ غايته أنَّ الأحكام الخاصّة بالوكالة ترتفع، كعدم نفاذ العزل إلّا بعد وصوله إلى الوكيل، ولكنَّ أحكام الإذن تبقى، ويمكنه أن يقوم بالعمل المطلوب منه، فإنَّ المعنى العقلائيّ للوكالة حاصل وهو مأذون في إنفاذ العمل. وليس لا بُدَّ لنا في الشرع من الوكالة، بل يكفي الإذن، ولا يجوز لأحد أن يتصرَّف في مال امرئ إلّا بإذنه، وهو متضمّن للإذن لا للوكالة. والإذن لا يصدق عليه الصحّة والفساد، وإن لم يترتَّب عليه أحكام الوكالة.
وكذلك نقول في الوديعة والمضاربة والعارية، إذا حكم الشارع بفسادها فإنَّ أحكامها التابعة لتحقُّقها الشرعيّ تنتفي، وأمَّا الإذن فيبقى؛ لأنَّه غير قابل للصحّة والفساد. فإنَّ الشارع إنَّما رفع العنوان الخاصّ ولم يرفع إذنه، ولا يستطيع أن يرفعه. وليس الأمر هنا كـ(باب الهبة) التي لا تتضمّن إلّا التمليك دون الإذن، وما يترتَّب عليه الإذن في المقام هو العقد الصحيح العقلائيّ، لا الصحيح الشرعيّ والمفروض وجوده، ونحن لا نريد أن نُرتِّب أحكام الوكالة(1)، بل أحكام الإذن.
ـــــــــــــ[352]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّه على ذلك يكون جعل الوكالة شرعاً لغواً باعتبار أنَّ عقد الوكالة إذا كان صحيحاً فللوكيل أن يبيع الدار وإذا كان فاسداً فله ذلك أيضاً باعتبار الإذن، إذن فعقد الوكالة لا أثر صحَّةً وفساداً فيكون لغواً ويكفي للشارع تشريع الإذن وإمضائه في ترتيب فوائد الوكالة المطلوبة. نعم لا تبقى الأحكام المترتِّبة على عنوان الوكالة وهو غير ضائرٍ كما هو واضح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
المرحوم السيّد(1) قال ذلك في مطلق المعاملات، وأشكلنا عليه، فإن كان مراده هو هذا القسم من المعاملات فهو وجه صحيح، فلا بُدَّ من النظر إلى أنَّ الوكالة معنى غير الإذن، بحيث ليس لازمه الإذن لا بالنحو البيِّن ولا بالنحو غير البيِّن، أو أنَّ الوكالة متضمّنة للإجازة بالتصرُّف، وهو متحقّق ولا يصدق عليه الفساد، فلا بُدَّ أن نُثبت ذلك لنرى أنَّ تصرُّفه جائز أو لا.
هذا محصّل الكلام في هذا المطلب.
الآن نرى أنَّ في كلّ مورد يجب فيه الردّ: فهل المؤونة مطلقاً على المالك، أو القابض، أو يفصّل بين المعاملات؟
المرحوم النائيني تبعاً للمرحوم الآخوند قائلان(2) بالتفصيل، أشار إليه الآخوند وشرحه النائيني، فذكر أنَّ الردّ على نحوين:
النحو الأول: ردّ يقتضي طبعه المؤونة.
النحو الثاني: وردّ طبعه لا يقتضيها.
فالأوَّل لا يشمله دليل الضرر، والثاني فيه مؤونة زائدة على طبع الردِّ، فنرفعه بدليل الضرر.
ـــــــــــــ[353]ــــــــــ
(1) اُنظر:حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، قاعدة ما يضمن، منية الطالب 1: 276، مؤنة رد المقبوض فاسداً.
(2) اُنظر:حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 33، منية الطالب 1: 276، مؤنة رد المقبوض فاسداً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ونحن نتكلَّم على مباني القوم من أنَّ (لا ضرر) حاكمة على الأدلّة الأوليّة. وهنا كلام في أنَّ الردّ الضرريّ كالوضوء الضرريّ، فإنَّ غسل اليد إن كان ضرريّاً فدليل (لا ضرر) إمَّا أن يرفع الغسلة ويبدلها بشيء آخر، أو الوضوء ويبدله بالتيمم.
فهل يريدون أن يقولوا: إنَّ الردّ ضرريٌّ نظير الوضوء الضرريّ، بحيث إنَّ نفس الردّ ضرريّ، إذا كان كذلك فلا بُدَّ أن يرتفع وجوب الردّ نفسه لا وجوب المؤونة؟
فإنَّ هناك كلاماً في أنَّ الحكم الضرريّ غير مجعول في الشريعة، فما كان من الأحكام في ذاته ضرريّ كالزكاة لا يُقال بالحكومة هنا؛ لأنَّه يلزم لغوية جعل الزكاة، والزكاة ليست على قسمين ضرريّ وغير ضرريّ. أمَّا الماهيّات التي لها حالات فيشملها دليل (الضرر)، ويحكم على إطلاقها للحصَّة الضرريّة، لا أنَّه يرفع الحكم بشراشره.
فهل ماهيّة الردّ يقتضي أن يكون ضرريّاً؟ لنقول إنَّه إذا شمله دليل (الضرر) يلزم لغويّة وجوب الردّ، فلا يكون (لا ضرر) حاكماً عليه.
أو إنَّ الردّ ليس ضرريّاً أصلاً، وإنَّما الضرريّ هو المؤونة، ولتكن المؤونة مرفوعة بـ (لا ضرر) دائماً، إذ يمكن أن تكون على عهدة صاحب المال؛ فيجب عليه الردّ ولا تجب المؤونة، وإن كان ممَّا يتوقَّف على الوجوب.
ثُمَّ إنَّه ما مرادهم من قوله: (طبعه)؟ هل مقصوده: (في ذاته)، فهو غير قابل للتفكيك، أو مراده خصوصيّات المصاديق بحيث يكون المصداق
ـــــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ضرريّاً؟ فلا بُدَّ أن يرفع المصداق، ولا مانع من أن يرفع هذا الفرد بخصوصيّاته دون الفرد الآخر.
وأمَّا إذا كان ما هو الضرريّ هو مقدّمات الردّ في بعض الأحيان، فإنَّ المشي إلى المالك ليس ردّاً، وإنَّما الردّ هو التسليط والتسليم، وهذا لا يكون ضرريّاً أصلاً دائماً، وإنَّما الضرر-إذا كان- فهو في المقدّمات المستلزمة أحيانا للمحذور.
فإذا قلنا بأنَّ مقدّمة الواجب واجبة شرعاً، فنقول: إنَّ (لا ضرر) كما هو حاكم على الواجبات الأصليّة كذلك الواجبات المقدّمية فيرتفع وجوبها، وتكون المؤونة على صاحب المال.
وأمَّا إذا قلنا بأنَّ المقدّمات غير واجبة شرعاً، وإنَّما تجب بحسب اللابُدِّيّة العقليّة، فإذا قلنا: إنَّ (لا ضرر) تشمل الأحكام العقليّة، فيشملها ويرتفع وجوب المؤونة.
وأمَّا إذا أنكرنا ذلك، فهو الذي يجب أن يردَّه، ويكون العقل حاكماً بوجوبه.
وتحقيق المطلب أنَّ الردّ بما هو ردٌّ ليس فيه ضرر، وإذا كان فيه الضرر فلا بُدَّ أنَّ وجوبه هو الذي يرتفع، وما هو ضرريّ -في الحقيقة- هو مقدّمات الردِّ، فإذا أردنا رفعها بدليل (لا ضرر) لا يلزم اللغويّة، فإذا كانت مؤونة تكون على المالك، إذ قلنا بوجوب المقدّمة وحكومة (لا ضرر) عليه، أو قلنا بأنَّ وجوبها عقليّ مع شمول دليل (الضرر) لمثله.
ـــــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
هذا بالنسبة إلى التفصيل الذي قيل.
المرحوم السيّد له تفصيل آخر، يُشكل عليه المرحوم النائيني.
بالنحو الذي قلناه في باب الضرر: إنَّه بناءً على وجوب الردّ إذ صار بعض المصاديق من الردّ بخصوصيّةٍ فيه ضرريّاً، فمقتضى تحكيم (لا ضرر) على الأدلّة هو ارتفاع وجوب الردّ لا ارتفاع وجوب المؤونة. وأمَّا إذا لم يكن الردّ ضرريّاً، ولكنَّه كان في مقدّماته ضرر، فقد قلنا: إنَّ (لا ضرر) مرَّةً نقول: إنَّ مقدّمة الواجب واجبة فيحكم عليها، وأخرى لا نقول بوجوبها الشرعيّ، بل لها لابُدِّيّة عقليّة كما هو التحقيق، فإذا فهمنا من دليل (لا ضرر) أنَّ كلّ حكم بواسطة العمل به يقع في ضرر، سواءٌ كان موضوعه ضرريّاً أو مقدّماته؛ فيكون وجوب الردّ الذي أوجب عليَّ عقلاً المقدّمات الضرريّة يكون ضرريّاً، فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ الردّ ليس واجباً. وإنَّما تكون المؤونة على الغير في صورة ما إذا حكمنا (لا ضرر) على المقدّمات باعتبار وجوبها الشرعيّ إذ قلنا به، وحينئذٍ لا تكون المقدّمات واجبة، وحيث إنَّ الإبقاء عنده غير جائز، إذن فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ التخلية واجبة.
ولكن هذا التفصيل الذي قاله الآغايون، ووردت إليه إشارة في كلام الشيخ(1) من أنَّ المؤونة عليه، فإذا كانت ضرريّة يبقى وجوب الردّ، ويرتفع وجوب المؤونة غير تامّ.
وكذلك الحال في باب الحرج، كما لو أصبح مصداق الردّ إلى صاحبه
ـــــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 199، الأمر الثاني: وجوب الرد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
حرجيّاً، فيشمله الدليل، ويرفعه دليل (لا حرج)، فإذا كانت المقدّمات حرجيّة، وقلنا بوجوبها الشرعيّ؛ يشملها نفس الكلام، ولو كانت واجبة عقلاً. وقلنا: إنَّ المرفوع في دليل (لا ضرر) هو الحكم الذي يلزم منه نحو من الحرج ولو في مقدّماته، فلا بُدَّ أن يرتفع وجوب الردّ.
ولعلَّنا نستفيد من رواية عبد الأعلى آل سام ذلك، فإنَّ الراوي سأله أنَّه انقلع ظفره، ووضع عليه المرارة؟ فقال: “يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ. قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ: امسح عليه“(1). لعلَّه إذا كان الظفر مفتوحاً فلا حرج من المسح عليه، ولكن قلع الجبيرة حرجيّ؛ فلا يبعد استفادة أنَّه ليس في أحكام الدين حكم حرجيّ، حتَّى لو كان ينشأ الحرج من ملازماته، أيضاً يكون رافعا له.
تفصيل آخر قال به السيّد(2) وهو: أنَّ هذا الإنسان القابض مرَّةً يحمل المال إلى بلد آخر. ومرَّةً أنَّ الدافع ذهب إلى بلد والقابض أرسل المال إلى بلد ثالث. وثالثة أنَّ الدافع ذهب بالمال إلى بلد آخر.
ـــــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 33، ح4، باب الجبائر والقروح والجروح، تهذيب الأحكام 1: 363، ح1097، باب صفة الوضوء، وسائل الشيعة 1: 464، ح5، باب إجزاء المسح على الجبائر، والآية من سورة الحج: 78.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، قاعدة ما يضمن، منية الطالب 1: 276، مؤنة رد المقبوض فاسداً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فإذا كان كِلاهما في بلد القبض فوجوب الردّ موجود.
وأمَّا إذا كان الدافع قد ذهب إلى مكان آخر يقول(1): إنَّه لا دليل على وجوب الردّ حينئذٍ.
وأمَّا إذا كان صاحب المال في مكان والمال في بلد ثالث، فيقول المرحوم النائيني(2): إنَّه لا دليل على وجوب الردّ في بلد القبض، إلّا إذا كانت له خصوصية زائدة، كما لو كانت القيمة فيه أعلى، فلا بُدَّ من إرجاعه إلى بلد القبض.
ونحن مرَّةً نتكلَّم بناءً على وجوب الردِّ، كما يستفيده المرحوم النائيني من قاعدة (على اليد)، ونحن فهمناه -فرضاً- من قوله: “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبة نفسه“، إذ يستفاد منه ذلك بقرينة ذكر النبي بعد ردِّ الأمانات. بناءً عليه يجب ردُّ المال إلى صاحبه أينما كان، إلّا إذا كان هناك ضررٌ أو حرجٌ منه، فإن دليل الوجوب لم يفصل بين بلد القبض وغيره، وإنَّما يقول: (أنت ذو عهدة على ما في يدك من مال الغير)، فأيّ ربط له ببلد القبض؟ فإذا خرج من بلده ولم يكن حرجاً ولا ضرراً وجب الردُّ، كما لو كان الدافع قد ذهب إلى خراسان، وأنا أيضاً عازم أيضاً على الذهاب، وخاتمه موجود عندي وليس في نقله عليه صعوبة، فهل يمكن أن أخلِّي عنه في هذا البلد؟ وأقول للدافع: (تعال فخذه)، وهل حكم العقلاء هو ذلك؟
ـــــــــــــ[358]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، في بيان قاعدة ما يضمن.
(2) منية الطالب 1: 277، مؤنة رد المقبوض فاسداً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
نعم، إذا كان حرجيّاً أو ضرريّاً لم يجب الردُّ، فإمَّا أن يقبضه الدافع بعد رجوعه، وإمَّا أن يدفعه إلى الحاكم الشرعي.
ولهذا لا بُدَّ أن نقول بتفصيل آخر، وهو الفرق بين علم القابض وجهله، وعلم الدافع وجهله. فإنَّ الطرفين مرَّةً يريدان إيقاع معاملة عقلائيّة، بحيث لو علم كلٌّ منهما بالفساد شرعاً لا يُعتنى به.
ومرَّة يكون أحدهما متشرِّعاً لا يقبض ولا يأخذ إذا علم بالفساد، وإنَّما أوقع المعاملة على حالتها هذه جهلاً، فقد يكون القابض متشرِّعاً والدافع ليس كذلك، ففي مثل ذلك ليس على القابض مؤونة، ودليل وجوب الردّ منصرف عنه، فإنَّه إذا التفت إلى الفساد لم يقبض، فدفعُهُ إليه بزعم الصحّة تغريرٌ له، فالقابض لا مؤونة له، وكلّ المؤونة على الدافع، ووجوب الردّ في مثل هذا المورد منصرف عنه.
وأمَّا إذا كان القابض عالماً والدافع جاهلاً بحيث إنَّه إذا التفت أنَّها معاملة غير شرعية لم يعملها، ولم يدفع الثمن، وكان الآخر ملتفتاً لذلك، ومع ذلك أخذه، فهذا الشخص غاصب لا بُدَّ من إرجاع المال إلى صاحبه، على أيِّ حالٍ سواءٌ لزم حرجٌ أو ضررٌ أو لم يلزم، فإنَّ أدلّة الحرج والضرر باعتبار ظهورهما بالامتنان على الأُمَّة منصرفة عن الغصب.
وأمَّا إذا كان كِلاهما جاهلاً أو كِلاهما عالماً، فنفصّل بين وجود الضرر وعدمه، لا التفصيل الذي ذكره السيد. هذا محصّل الكلام في هذا المطلب.
ـــــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أمَّا المسألة الأخرى التي يتعرَّض لها الشيخ(1)، وهو: أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد؛ مرَّةً يكون القابض الذي تحت يده المال قد استوفى المنافع، كما لو سكن الدار، وأخرى لا تكون المنافع مستوفاة، بل تكون تالفة عنده.
فإذا كانت مستوفاة، كما لو كان ساكناً في الدار أو راكباً للدابة، فهذا يشمله دليل (اليد)؛ لأنَّه لا اختصاص له بالتلف، بل يشمل الإتلاف أيضاً، غاية الأمر أنَّ قاعدة (اليد) وقاعدة (الإتلاف) بينهما عموم من وجه، يجتمعان في صور وجود اليد والإتلاف، ويختصّ كلّ منهما بصورة. على أيِّ حالٍ يمكن تتميم المطلب بدليل (اليد).
أمَّا دليل الإتلاف، فلعلَّه وقد قيل إنَّه لا دليل لنا بهذا العنوان: (من اتلف مال الغير فهو له ضامن)، بل هو حكم عقلائيّ ممضيّ من الشرع، وثابت في بعض الموارد الخاصّة.
الظاهر أنَّ الدليل موجود، وذلك في روايات في باب شهادة الزور، وفي باب تلف الرهن، وفي أسباب الضمان من القصاص. بالإضافة إلى أنَّها مسألة
ـــــــــــــ[360]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب، ج3، ص201، الثالث: ضمان المنافع المستوفاة في المقبوض بالعقد الفاسد والدليل عليه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
عقلائيّة مُمضاة من قبل الشارع.
نعم، إذا شككنا في بعض الموارد احتجنا إلى إطلاق دليل نتمسّك به، فلعلَّنا نستطيع أن نستفيد هذه القاعدة العامة.
في المقبوض بالبيع الفاسد، إذا استوفى المشتري المنافع، فهل هذه المنافع مضمونة؟ سبق الكلام في (على اليد) وما أشكل عليه الشيخ، قد أجبنا عليها، ولم يبقَ لدينا إشكال فيها.
أمَّا بالنسبة إلى حديث “حرمة مال المؤمن كحرمة دمه“(1) فأيضاً كذلك، ولكن حيث إنَّ ضمان اليد في الدماء غير ثابت، فقد قلنا: إنَّه في الأموال أيضاً لا يمكن أن يثبت بهذا الدليل، وإنَّما الضمان كان من باب الإتلاف، فكما أن الدم لا يجوز إهراقه، وإذا أهرق لا يكون هدراً كذلك المال. وقلنا: إنَّه لا يمكن تجريد الرواية من خصوصية المؤمن، وأجبنا عن سائر الإشكالات ودلالتها واضحة.
وبالنسبة إلى (لا ضرر) بالنحو الذي يريدون أن يحكموها على أدلّة الأحكام، فأيضاً يمكن تتميم دلالتها بوجه، وهو: أن يُقال: إنَّ ما يقوله الآغايون من أنَّ (لا ضرر) للنفي لا للإثبات، وإنَّ (لا ضرر) تقول: إنَّ الحكم الضرريّ غير موجود، إمَّا بنفي الحكم ابتداء كما قال الشيخ(2)، أو بنفي الحكم
ـــــــــــــ[361]ــــــــــ
(1) الكافي 2: 359، ح2، باب السباب، مَن لا يحضره الفقيه 3: 569، ح4946، حرمة المؤمن وحرمة عرضه ودمه وماله.
(2) رسائل فقهيّة (للشيخ الأنصاري)، رسالة لا ضرر: 124.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بنفي موضوعه كما قال الآخوند(1).
وأمَّا مع غضّ العين عن ذلك، كما هو الصحيح، فهي قضيّة ادِّعائيّة، وليست من باب نفي الحكم بنفي الموضوع، بل ادَّعى المتكلِّم أنَّ الضرر غير موجود في الدين الإسلاميّ، والذي يدَّعي مثل ذلك لا بُدَّ أن يكون مصحِّحه هو أنَّه قد حرّم الإضرار بالغير، وإلَّا لم يصحّ نفي الضرر مطلقاً.
فعلى مباني القوم لا بُدَّ أن نستفيد منه حرمة الضرر. وكذلك جبرانه، فإنَّه إذا لم يحكم الشارع به لا يصحّ نفي الضرر مطلقاً من الشريعة.
إذن فإطلاق الادعاء مصحّحه بنحو الإطلاق هو أنَّ تمام الأشياء التي تكون بنحو ضرريّ لا بُدَّ أن تكون مسدودة، سواء كان الحكم بوجوبه ضرريّاً أو بعدمه أو بلوازمه، وليست المسألة مسألة نفيٍ لنقول إنَّها تنفي الحكم الثابت، بل هو ادِّعاء لعدم الماهيّة، فلو وقع ضرر من عدم الحكم فلا بُدَّ من إثباته. وإن كان يُستشعَر من كلام الشيخ تقدير لفظ الحكم -وأنَّه (لا حكم ضرريّ)(2)– وهذه الحقيقة الادِّعائيّة تحتاج إلى مُصحّح، وهي عدم وجود الضرر من سائر الجهات، وليس الحصر في المقام كما هو الحال في مثل قوله : “يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ“(3) من أنَّ مصحّح الادعاء هو وجود الأثر الظاهر، بحيث
ـــــــــــــ[362]ــــــــــ
() حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 184-185، خيار الغبن.
(2) هذا التقدير لا وجه له لاختلاف الإعراب كما هو واضح. نعم، يصحّ أن يراد بالتقدير معنى التفسير لا أنَّه خلاف فهم كلام السيّد والشيخ. (المقرِّر).
(3) نهج البلاغة ج1 ص 70.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يُدَّعى أنَّ سائر الآثار بالنسبة إليه كالعدم. هنا ليس كذلك.
إذن، فـ(لا ضرر) أوسع ممَّا يقولون، فتشمل تحريم الضرر. وعدم الحكم الضرريّ، وعدم تدارك الضرر الذي يوقعه شخص بآخر، إذن دلالة (لاضرر) تامّة.
أمَّا أنَّ “مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن“، فهو غير (على اليد)، فإنَّا في(على اليد) كُنَّا محتاجين إلى الحكم الشرعي، فإنَّه بالنحو الذي ذكره الفقهاء لم يكن حكما عقلائيّاً، وهو ضمان التالف، وإن تلف بتلف سماويّ، بخلاف من أتلف مال الغير فهو له ضامن، فإنَّه غير محتاج إلى نصّ شرعي، بل هو حكم عقلائيّ يُطالِب به العقلاء.
ونحن لا بحث لنا عن التلف لنقول: إنَّه هو التضييع والأكل ليس تضييعاً.
هذا من قبيل ذلك الذي قرأ قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)
فقال نعمله (جلو كباب)(2) فيكون أحسن. بل لا بُدَّ من النظر إلى القاعدة العقلائيّة، وهي شاملة للأكل والإتلاف والإحراق.
وعلى فرض أنَّ العبارة موجودة، فهذا الإشكال أيضاً ليس وارداً؛ لأنَّ الإتلاف في اللغة(3) هو الإفناء وليس هو التضييع، ولو فرض ذلك، فإنَّ العقلاء
ـــــــــــــ[362]ــــــــــ
(1) الأنعام: 152، الأسراء: 34.
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: رز مع كباب.
(3) لسان العرب 9: 18، مجمع البحرين 1: 293، مادّة (تلف).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بمناسبة الحكم والموضوع يفهمونها: أنَّ مال الناس لا يجوز أكله ولا إحراقه ولا إغراقه. فلا بُدَّ أن نرى أنَّه في باب الإتلاف.
أنَّه هل يُستفاد منه هذه القاعدة العامة؟
رواية في باب الرهن: عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم، وهو يساوي ثلاثمائة درهم فيهلكه، أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهمٍ؟ قال: “نعم؛ لأنَّه أخذ رهناً فيه فضلٌ وضيّعه. قلت: فهلك نصف الرهن؟ قال: على حساب ذلك. قلت: فيترادّان الفضل؟ قال: نعم“ (1).
موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: “سألت أبا إبراهيم عن الرجل(2) يرهن ما يساوي ثلاثمائة درهم بامئة درهم، فيهلك -أو فيهلكه على رواية الصدوق وهو أرجح؛ لأنَّ في ذيله (فضيّعه)-، أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم؛ لأنَّه أخذ رهناً في فضل فضيعه“(3). واحتمال خصوصية
ـــــــــــــ[364]ــــــــــ
() الكافي 5: 234، ح9، باب الرهن، مَن لا يحضره الفقيه 3: 311، ح4114، إذا تلف الرهن أو بعضه. تهذيب الأحكام 7: 172، ح763، باب الرهون. وسائل الشيعة 18: 391، ح2، إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن لزمه ضمانه.
(2) نقل بالمعنى. (المقرِّر).
(3) الكافي 5: 234، ح9، باب الرهن، مَن لا يحضره الفقيه 3: 311، ح4114، إذا تلف الرهن أو بعضه. تهذيب الأحكام 7: 172، ح763، باب الرهون. وسائل الشيعة 18: 391، ح2، إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن لزمه ضمانه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الرهن في الضمان لا يحتمله العقلاء. فإنَّه معلوم أنَّ تمام الموضوع للضمان هو الإتلاف، فلهذا نستفيد منه أنَّ كلّ من يتلف مال الغير فهو ضامن، هكذا يفهم العقلاء، وهو عين قاعدة الإتلاف.
وفي باب الحدود(1) في نكاح البهيمة، الباب الأوَّل، الرواية الرابعة: محمَّد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمَّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن إسحاق، عن حريز، عن سدير -والرواية معتبرة-، عن أبي جعفر: “عن الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يُجلد دون الحدّ، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها؛ لأنَّه أفسدها عليه، وتُذبح وتُحرق… “(2).
فهنا، وإن لم يهلكها بذلك المعنى، إلّا أنَّ البهيمة لَـمَّا حرّم الشارع أن يستفاد من لحمها ولبنها بعد النكاح، وحكم بحرمة سائر منافعها حتَّى أولادها وصوفها، فبناء عليه مَن سبَّب إفساد هذا المال بحيث لا يمكن أن يستفيد منه المالك، هو الناكح، فهو ضامن، ودليله “لأنَّه أفسدها عليه “. ألَا تفهمون من هذا: أنَّ مَن أهلك مال الناس بأيّ نحو من الأنحاء فهو ضامن؟ فإنَّه تعليل يُفهم منه العموم، وهذا أيضاً عين قاعدة (من أتلف مال الغير فهو له ضامن).
في كتاب الشهادات يرويها المشايخ عن جميل بطرق عديدة، والرواية
ـــــــــــــ[365]ــــــــــ
(1) ص496 جـ3. (المقرِّر).
(2) الكافي 7: 204، ح1، باب الحدّ على من يأتي البهيمة. مَن لا يحضره الفقيه 4: 47، ح5060، باب حدّ من أتى بهيمة. تهذيب الأحكام 10: 61، ح220، باب الحدّ في نكاح البهائم ونكاح الأموات. الاستبصار 4: 223، ح833، باب حدّ من أتى بهيمة.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
صحيحة في غاية الاعتبار، في شاهد زور قال: “إن كان الشيء قائماً بعينه، ردّ على صاحبه، وإن لم يكن قائماً، ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل”(1). وهذا ليس تعليلاً، لكن حينما يُلقى على العقلاء يفهمون أنَّ الشهادة على مال الغير هي سبب الضمان، بما أنَّه شهد أنَّ هذا المال للغير فأخذه وأكله، فكان الشاهد سبباً لإتلافه، وهو وإن لم يكن سبباً تامّاً فإنَّه بعده حكم القاضي وبعده التسليم، ولكن مع ذلك حكم الإمام أنَّه بمقدار ما أتلف من مال الغير فهو له ضامن، وإذا كانا شاهدين فكل واحد أتلف نصف المال، فالباب باب الإتلاف، فيحكم بالضمان من سائر التصرُّفات، فيكون أيضاً عين قاعدة الإتلاف.
طائفة من الروايات في باب الديات في أسباب الضمان، بعضها يقول: “من أضرَّ بشيءٍ من طريق المسلمين فهو له ضامن” (2)، روايتان أو ثلاث على هذا النحو. فلو ألقى قشر (بطيخ) فزلق شخص به وانكسر رأسه، أو سقط ما يحمله على رأسه وانكسر يكون ضامناً. فإذا قال مثل هذا المطلب، ألَا نفهم منه أنَّ من يُتلف مال المسلم فهو له ضامن بحسب فهم العقلاء؟
ـــــــــــــ[366]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 384، ح3، باب من شهد ثمّ رجع عن شهادته. مَن لا يحضره الفقيه 3: 59، ح3331، باب شهادة الزور. تهذيب الأحكام 6: 259، ح686، و260، ح688، باب البيّنات، رواها بطريقين عن جميل.
(2) الكافي 7: 350، ح3، باب ما يلزم من يحفر البئر. مَن لا يحضره الفقيه 4: 155، ح5346، باب ما جاء فيمن أحدث بئراً. تهذيب الأحكام 10: 230، ح905، و231، ح911، باب ضمان النفوس. وسائل الشيعة 29: 241، ح2، باب أنَّ مَن حفر بئراً في ملكه لم يضمن ما يقع فيها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذن، ففي مسألة الاستيفاء لا إشكال فيه بحسب القواعد العقلائيّة والأدلّة الشرعيّة.
إنَّما الكلام في المطلب المنقول عن ابن حمزة(1) والشيخ، وهو موجود في كتبهم من أنَّ هذه العمومات ثابتة، إلّا أنَّ عندنا ما يحكم عليها وهو ما روي عن النبي مِن أنَّ “الخراج بالضمان“، فلا بُدَّ من أن ننظر إلى هذه الرواية المروية بطرق العامّة، وهي موجودة في صحاحهم كلّها: هل يعتني بها أصحابنا بحيث نستطيع أن نعتني بها أو لا؟
ثُمَّ إنَّنا ماذا نفهم منها وحدها، وإذا كانت مصدرة بقضية عمر بن عبد العزيز ماذا نفهم منها وقد تمسّك بها الشيخ في مواضع من المبسوط والخلاف(2)، فهل يمكن أن تتمّ أو لا؟
بحسب القواعد تكون المنافع المستوفاة من المقبوض بالبيع الفاسد مضمونة على المشتري. وبه قال ابن حمزة تمسُّكاً بما ورد عن النبي: “الخراج بالضمان“(3). وهو إذا ثبت يكون حاكماً على الأدلّة الأخرى كـ “لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبة نفسه“، فإن قلنا الأدلّة موضوعها مال الغير، وهذه
ـــــــــــــ[367]ــــــــــ
() الوسيلة: 249 و255، بيع الإقالة والبيع الفاسد.
(2) المبسوط 2: 125 مسألة بيع الشاة المصرّاة. الخلاف 3: 107-108 مسألة رقم 174 و175، قال: دليلنا عموم قوله: “الخراج بالضمان”.
(3) الوسيلة: 249 و255، بيع الإقالة والبيع الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
القاعدة تجعل الخراج ملكاً لهذا الشخص فيخرج عن موضوعها، فتكون حاكمةً ومتصرّفةً في الموضوع.
إنَّما الكلام في أنَّ هذه الرواية هل هي بحسب السند والدلالة تامَّة، بحيث يمكن التمسُّك بها والانتفاع منها؟ الشيخ -شيخ الطائفة- في (المبسوط) (1) في باب مؤن الشاة المصرّاة، يقول: إنَّ اللبن إذا ردَّت الشاة للبائع فهو للمشتري؛ لأنَّ النبي قال: “الخراج بالضمان“(2). ثُمَّ يعقد فصلاً للتكلُّم(3) عن هذه الرواية، ومن المسائل التي يذكرها: أنَّه لو اشترى عبداً، ثُمَّ حمله على الكسب، ثُمَّ ظهر فيه عيب سابق، فإذا ردَّه المشتري بخيار العيب ليس لا بُدَّ أن يردّ كسبه بلا خلاف، ولقوله: “الخراج بالضمان“. وفي الخلاف(4)(5) أيضاً نسبتها إلى عائشة(6).
وأمَّا في كتبنا فلم أجده، و(آغا شريعت) الذي هو أكثر تتبُّعاً مِنِّي، يُنسب
ـــــــــــــ[368]ــــــــــ
() المبسوط 2: 125، مسألة بيع الشاة المصرّاة.
(2) المبسوط 2: 126، فصل: أنّ الخراج بالضمان.
(3) المصدر السابق.
(4) اُنظر ص 552 ج1 منه وفيه مسألة أخرى استشهد بها. (المقرِّر).
(5) الخلاف 3: 107 مسألة رقم 174.
(6) اختلاف الحديث للشافعي: 271، باب المصرّاة. مسند الشافعي: 189، حديث عائشة. سنن ابن ماجة 2: 754، ح2243، باب الخراج بالضمان. وتقدَّمت بعض مصادره فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
له(1) أنَّه لم يجده. نعم، هو في عوالي اللئالي(2) موجود، إلّا أنَّه منسوب إلى كتب العامّة. وفي كتب العامّة موجود(3) -غير صحيحي مسلم والبخاري-.
فلا بُدَّ أن ننظر إلى مدلول الرواية كما رواها الشيخ مستقلّاً، وإلى مدلولها مع ضمّ مقدّمتها المرويّة في كتب العامّة إليها.
الموجود في كتب العامة هذا: عن الشافعي(4) في (مختلف الحديث)، وابن ماجة في صحيحه، وأبي داود بإسنادهم عن عائشة: أنَّ الرجل ابتاع عبداً فاستعمله، ثُمَّ ظهر فيه عيب، فقضى رسول الله بردِّه بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله “الخراج بالضمان“(5).
ـــــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) هداية الطالب للشهيدي 2: 301.
(2) عوالي اللآلي 1: 57، ح83، و219، ح89، وعنه مستدرك الوسائل 13: 302، ح3، الباب السابع.
(3) مسند أحمد 6: 237، حديث عائشة. سنن ابن ماجة 2: 754، ح2243، باب الخراج بالضمان. سنن أبي داود 3: 284، ح3508، باب من اشترى عبداً فاستعمله ثمّ وجد به عيباً. سنن الترمذي 3: 581، ح1285، و582، ح1286، باب ما جاء في من يشتري العبد ثمّ يجد به عيباً. السنن الكبرى للبيهقي 5: 321، باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً وقد استعمله. قال الترمذي: حديث صحيح.
(4) اختلاف الحديث للشافعي: 271، باب المصرّاة. مسند الشافعي: 189، حديث عائشة. سنن ابن ماجة 2: 754، ح2243، باب الخراج بالضمان. وتقدَّمت بعض مصادره فراجع.
(5) السنن الكبرى (للبيهقي) 5: 321، باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً وقد استعمله.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ورُوي في قضاء عمر بن عبد العزيز في عبد اشتُري واستُعمل، ثُمَّ انكشف كونه معيباً، فقضى أنَّ عمله للبايع، فروى عروة عن عايشة أنَّه وقع مثله في حياة رسول الله، فقضى “إنَّ عمله للمشتري؛ لأنَّ الخراج بالضمان“.
والتمسُّك بهذه الرواية من قبل الشيخ في (الخلاف) و(المبسوط) وابن حمزة في (الوسيلة)، لا يكون سبباً لجبر السند، ولا يمكن الاعتبار بها مالم يكن شيء آخر.
وأمَّا الرواية بالنحو الذي نقلها الخلاف، بحيث ننظر إليها وحدها، يوجد محتملات في الرواية:
أحدها: أنَّها تكون مربوطة بالخراج الذي يأخذه السلاطين، والمراد بالضمان: التعهُّدات التي تكون على أولياء الأمر، فيقول: إنَّ هذه الأموال والضرائب التي تُؤخذ بأمر الإسلام، إذا كان اسمها (الخراج)، هي بإزاء العهدة التي للدولة الإسلاميّة التي بالنسبة إلى المسلمين، فإنَّ الدولة مسؤولة عن حفظ الدولة، وتصفية الطرق، والدفاع، وعمل البرق، والتلفون، وغير ذلك، وكلّ هذا يحتاج إلى أموال، بل إنَّ كلّ حاكم سواءٌ كان عادلاً أو ظالماً له عهدات عقلائيّة على أيِّ حالٍ على رعيّته. فهذه الأموال التي تأخذها الدولة الإسلاميّة بحقّ.
لا يُقال: إنَّها لماذا تُؤخذ؟ فإنَّه يقال إنها بإزاء هذه الخدمات التي تقوم بها الدولة بالنسبة إلى مصالح المجتمع الإسلاميّ، وليس أنَّها تكون مملوكة للوالي،
ـــــــــــــ[370]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
سواءٌ كان هو النبي أو غيره، بل كما أنَّ سائر الدول من أوَّل تأسيس الدولة تأخذ من الناس.
والإسلام لم يأت بطريقة خاصّة للحكم غير طريق العقلاء، غايته أنَّ الآخرين لا ولاية لهم على الناس، وأمَّا في الإسلام فقد جعل الله تعالى النبيّ والأئمةوالفقهاء أولياء للأمر. فكما أنَّ حكومة الجور متعهِّدة بحسب نظر العقلاء بنظام المملكة، ورفاه المجتمع، والدفاع، وسدّ الثغور، وغيرها، كذلك في الحكومة الإسلاميَّة لكن بما أنَّها تصدر عن الله تعالى تكون الدولة عادلة، وليس لأحد حقّ الاعتراض.
والاحتمال الآخر الذي احتمله بعض المحشّين(1): أنَّ (الخراج) راجع إلى الأرض المفتوحة عنوةً، و(الضمان) عبارة عن وضع القرار (قرار داد)(2)، وأنَّ (الخراج) لا بُدَّ أن يكون مطابقاً للقرار. وهذا -إنصافاً- أردأ الاحتمالات.
الاحتمال الثالث: وهو أنَّ (الخراج) عبارة عن منافع الشيء، أو بمعنى الانتفاع، فيكون معناه بالنحو الذي قاله أبو حنيفة: إنَّه إذا وُجِد عند أحد مالٌ مضمونٌ بضمان اليد، فالمال وإن كان موجوداً ولو قبل التلف، يكون مضموناً بنحو تعليقيّ، يعني لو تلف فهو بعهدتك، ويكون موجباً أنَّ المنافع تكون لهذا الشخص في مقابل ذلك المعنى التعليقيّ. وهو ظاهر ابن حمزة(3) في البيع
ـــــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) هداية الطالب (للشهيدي) 2: 297.
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: العقد والمكاتبة القانونية.
(3) الوسيلة: 254-255، فصل: في باب البيع الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الفاسد، وأبي حنيفة في الغصب(1).
الاحتمال الرابع: أنَّ هذا المال إذا تلف وأتى إلى العهدة مثله أو قيمته، فهذا يكون بالضمان، وحينئذٍ يكون (الخراج) خارجاً من ملك هذا ويدخل في ملك ذاك، ولا يكون معناه تعليقيّاً.
الاحتمال الخامس: أنَّ (الضمان) ضمان مجعول، نحو: (ألقِ مالك في البحر وعليَّ ضمانه)، فهو ضمان تعليقيّ، لكنَّه ضمان جعليّ.
وهذه الاحتمالات التي قُلناها فيها عهدة، غايته أنَّ العهدة في الاحتمال الأوَّل عهدة ولّي الأمر، ليس بمعنى الضمان المعهود لدى العقلاء. وأمَّا سائر الأقسام بمفردها، أو الجامع بين ضمان اليد أو بين الأقسام الثلاثة -إن استطعنا تصوُّره- فهو بمعنى الضمان المعهود بين العقلاء.
أمَّا الاحتمال الذي ذكره شيخ الطائفة وتبعه السيّد المرتضى وابن حمزة، وهو أنَّ المراد بالضمان هو الضمان في المعاملات الصحيحة، مع أنَّه ليس كذلك أصلاً، فإنَّه إذا تلف عندي فهو من مالي، ولا يُقال إنَّه في عهدتي، وإنَّما يُقال ذلك إذا تلف مال الغير عندي.
فما قوَّاه الشيخ، وقال المرحوم النائيني: إنَّه ظاهر الحديث، وهو (أنَّ
ـــــــــــــ[372]ــــــــــ
(1) اُنظر: المبسوط (للسرخسي) 11: 54 و75، كتاب الغصب. المغني 5: 400، فصل: زوائد الغصب، وقد فهم أبو حنيفة عدم ضمان المنافع في موارد الأيدي العدوانيّة؛ لأنَّ الخراج مقابل بالضمان على هذا الاحتمال.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الضمان ضمان معامليّ)، غير صحيح أصلاً، فإنَّه ليس هناك عهدة(1).
نعم، دفع الثمن في العهدة، ولكنَّه غير ما نتكلَّم فيه. فما يُقال من أنَّ مال الإنسان إذا تلف عنده فقد تلف في عهدته، والمنافع في مقابل ذلك، لا يمكن أن يكون صحيحاً. فضمّ هذا الاحتمالات إلى ذلك الاحتمال كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.
وعبارة الشيخ(2) في (الخلاف)، أنَّه بعد تمسُّكه بالرواية يقول: فالخراجُ اسمٌ للغلَّة، والفائدة التي تحصل من جهة البيع، ويُقال للعبد الذي ضُرب عليه مقدار من الكسب في كلّ يوم أو في كلّ شهر عبدٌ مُخارِج أو مُخارَج(3)، وقوله: “الخراج بالضمان” معناه أن (الخراج) يكون لمن يكون المال يتلف في ملكه. ولـَمَّا كان المبيع يتلف في ملك المشتري؛ لأنَّ الضمان انتقل إليه في القبض (وهذا نحو الضمان الذي قاله الآغايون) كان (الخراج) له.
ويقول: وإن حصل من المبيع نماءٌ قبل القبض، كان ذلك للبايع إذا أراد الردّ به بالعيب؛ لأنَّ ضمانه على البائع لظاهر الخبر. فإمَّا أن يُريد الشيخ خصوص ما إذا تلف المال في يدي، أو أعمّ من ذلك كما هو المظنون، وأنَّه إذا تلف في يد غيري أيضاً يكون في العهدة.
ـــــــــــــ[373]ــــــــــ
() منية الطالب 1: 279، معنى الخراج بالضمان.
(2) المبسوط 2: 126، فصل: في أنَّ الخوارج بالضمان.
(3)التشكيك من السيد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأنا أظنّ أنَّ الشيخ يُفسِّرها بذلك، وصاحب القاموس(1) يذكرها ويُفسِّرها كذلك بنفس التفسير، إنَّما كان بلحاظ صدر الرواية، لا أنَّها لوحظت منفصلة من صدرها(2).
القدر المتيقّن هو أنَّ هذه الكبرى منطبقة على هذا المصداق لا محالة؛ لأنَّنا لا نستطيع أن نجرِّدها من موردها. بناءً عليه، فهذا المصداق الذي ليس فيه عهدة عقلائيّة عرفيّة، بل هو نفس الضمان الذي يقوله الشيخ والمرتضى وآخرين، وسمُّوه بالضمان المعاملي.
و(الخراج) يكون في مقابل هذا الضمان، فهذه الرواية لا بُدَّ أن تشمل هذا المورد، فإذا شملته لا يمكن أن تشمل موارد الغصب والمقبوض بالبيع الفاسد؛ لأنَّه يكون استعمالاً للفظ في أكثر من معنى: في مورد تلف مالي عندي الذي يطلق عليه الضمان مجازاً، والعهدة بالمعنى التعليقيّ، والضمان الجعليّ التعليقيّ، وغيرها من المعاني التنجيزيّة والتعليقيّة، ليس بينها جامعٌ ذاتيٌّ.
فإمَّا أن يكون لفظ الضمان قد استُعمِل في أكثر من معنى، وهو -إن لم يكن محالاً كما هو الصحيح- فإنَّه خلاف الأصل، أو أنَّه مستعمل بلحاظ جامع انتزاعيٍّ، وهو خلاف الأصل أيضاً ويحتاج إلى دليل.
ـــــــــــــ[374]ــــــــــ
() راجع القاموس المحيط 1: 185، مادّة (خرج)، قال: قوله: “الخراج بالضمان“، أي: غلّة العبد للمشتري؛ بسبب أنَّه في ضمانه، وذلك بأن يشتري عبداً ويستغلّه زماناً، ثمَّ يعثر منه على عيبٍ دلّسه البائع، فله ردّه والرجوع بالثمن. وأمّا الغلّة التي استغلّها فهي له طيّبة؛ لأنَّه كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله.
(2) ثُمّ تلا الرواية مع صدرها كما نقلها عن كتب العامة، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذن فليس عندنا كبرى كُلِّية تصدق على موردها وعلى الضمان الجعليّ وضمان الغصب وضمان الإتلاف، ولا يمكن أن نعتبرها كبرى كلِّيّة، ولا يمكن أن نستفيد منها كلام أبي حنيفة في باب الغصب، وكلام ابن حمزة في باب البيع الفاسد، وكلام الشيخ في باب ضمان البيع الصحيح.
بل لا بُدَّ أن تكون الباء مستعملة في أكثر من معنى أيضاً، فإنَّها على بعض المحتملات لا بُدَّ أن تكون بمعنى السببيّة، وفي غيرها ليست سببيّة كتلف مال الإنسان عنده.
وكذلك الضمان بالمعنى الاسمي لا بُدَّ أن يكون مستعملاً بأكثر من معنى، ونحن وإن جوَّزناه على ما هو الصحيح، إلّا أنَّه يحتاج إلى دليل، وهو مفقود في المقام.
هناك احتمالان آخران في الرواية:
احتمال ذكره بعض المحشّين(1)، وهو: أنَّ (الخراج) ليس عبارة عن الفائدة، بل عبارة عن الخسارة، إذ ينقل عن الفخر الرازي(2) أنَّه نقل عن أحد اللغويِّين
-أبي عمرو بن العلاء-: أنَّ الخراج ما التزمت أداءه.
يقول: “الخراج بالضمان” معناه: أنَّ هذا الإنسان ليس ضامناً، فلماذا تأخذ منه الخسارة! فإنَّه إنَّما تأخذ منه الخسارة إذا كان ضامناً، فإنَّ عهدة
ـــــــــــــ[375]ــــــــــ
() اُنظر: هداية الطالب (للشهيدي) 1: 301.
(2) تفسير الرازي 23: 112، اُنظر: أيضاً: الكشّاف للزمخشري 3: 38، تفسير قوله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ (المؤمنون: 72).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الخسارة منوطة بالضمان، وهذا احتمالٌ قويٌّ وجيهٌ.
واحتمال آخر أنا أقوله: وهو أنَّ الخراج ليس هو مطلق الفائدة، ولا تساعد على ذلك اللغة، بحيث لو استفدت من مال نفسي شيئاً يكون اسمه (الخراج)، وإنَّما هو اسم للأموال التي تفرضها الدولة على الرعيَّة، أو الموالي على العبيد. فيُحتمل أن يكون استعمال العبد بمعنى جعل ضريبة عليه، بحيث كان اسمها (خراجاً)، فيكون معناها: أنَّ هذه الضريبة التي فرضها المالك على العبد، هي في مقابل التعهُّدات التي للعبد على المالك من الحفظ والرزق وغير ذلك، فالخراج هنا بمعنى الضريبة؛ ولذا قال الشيخ(1): إنَّ العبد الـمُخارج هو الذي جُعل المال في عهدته(2)، وهذه الضريبة في مقابل التعهدات. وعليه فلو أتلف ما هو مأخوذ بالغصب أو بالبيع الفاسد، يكون مضموناً لفقدان هذه التعهُّدات.
هذا محصَّل الكلام في الرواية، وهي ممَّا لا يمكن الاعتماد عليها، وتنقيح المطلب بها، ويقول الشيخ(3): إنَّه لا يقصر وهنُ دلالته عن وهن سنده.
كان البناء على أن نعرض عن حديث “الخراج بالضمان” ونعتبره منتهياً، لو لا أنِّى عثرت على كلام للمرحوم النائيني لا يخلو التعرُّضُ إليه من فائدة، يقول ما محصَّله: إنَّنا بمناسبة الحكم والموضوع استظهرنا من قوله: “الخراج بالضمان”
ـــــــــــــ[376]ــــــــــ
() المبسوط 2: 126، فصل: في أنّ الخراج بالضمان.
(2) لم يكن هذا هو مدلول كلام الشيخ كما هو معلوم فراجعه، (المقرِّر).
(3) كتاب المكاسب 3: 203، الاستدلال على الضمان.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أنَّ المراد هو الضمان الجعليّ الفعليّ الأصليّ الـمُمضى شرعاً. وبناءً عليه، فضمان تعويض الغاصب بما أنَّه قهريٌّ فهو خارج عنه، إمَّا بمناسبة الحكم والموضوع التي قُلناها، وإمَّا تخصيصاً لصحيحة أبي ولّاد(1)، وكذلك المقبوض بالبيع الفاسد خارجٌ، فإنَّه وإن كان جعلاً فعليّاً أصليّاً، إلّا أنَّه ليس مُمضى من قبل الشارع.
والألفاظ وإن لم تكن موضوعة للمعاني الصحيحة إلّا أنَّها موضوعة للمعاني الواقعيّة، فإذا كان شيء وجوده كعدمه فلا يشمله، وحيث إنَّ الشارع خطّأ العقلاء في تطبيق هذا المفهوم على المصداق، وأخرج هذا المصداق من ماهيّة هذا المفهوم فلا يشمله الحكم.
بناءً عليه، فالبيع الفاسد وإن كان فيه التضمين من قبل المشتري والبايع، إلّا أنَّ الشارع أخرج هذا المصداق من مفهوم البيع، وخطّأ العرف في تطبيقه عليه. بناءً عليه لا معنى لضمان الخراج.
فإذا فسد هذان الاحتمالان، وهما: الضمان القهريّ والضمان غير الـمُمضى، يبقى احتمالان آخران:
أحدهما: أنَّ أيَّ شيء ضمنه الإنسان بعهدة نفسه، والضمان هنا بالمعنى المصدري يكون سبباً لأن يكون خراجه وفائدته له. إذا أخذنا هذا الاحتمال
ـــــــــــــ[377]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 290، ح6، باب الرجل يكتري الدابرة فيجاوز بها الحد. تهذيب الأحكام 7: 215، ح943، باب الإجارات. وسائل الشيعة 19: 119، ح1، باب من استأجر دابة إلى مسافة فتجاوزها.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فالعارية المضمونة، وعارية الذهب والفضَّة، والعارية بشرط الضمان، والبيع بشرط الضمان يكون داخلة في: “الخراج بالضمان“.
الاحتمال الآخر: أن تكون التضمينات التي دعا إليها (الخراج) وكانت موجودة لغايةٍ للخراج والفائدة تشملها الرواية.
وقال: إنَّه إذا دار الأمر بين الاحتمالين سقط الاستدلال به لابن حمزة وأمثاله.
ثُمَّ يقول: إنَّ الأظهر الاحتمال الأخير، وهو أنَّ المعاملة التي يعملها المشتري لغاية ورود المنافع إليه وبداعي (الخراج)، هي المشمولة للرواية. وذلك: لأنَّ (الباء) الداخلة على الضمان؛ إمَّا للسببيّة وإمَّا للمقابلة.
وعلى أيِّ حالٍ فمقتضاهما هو أن يكون هناك طرفان، يعني كان الضمان بسبب الفوائد للضامن، كذلك لحاظ (الخراج) والفائدة علَّةٌ غائيةٌ لإيقاع هذا الضمان، كما هو الشأن في كلّ علَّة غائية للعلل الفاعليّة، إذن تتحقَّق بالبيع وأمثاله، فإنَّه إنَّما يشتري لغاية الانتفاع بالشيء، ويأتي بهذا العمل بمحرِّكيّة الغاية، وإذا عمله يترتَّب عليه المقصود وهو ملكية العين والمنافع.
ثُمَّ يقول: إنَّ ما قلنا من أنَّه يجب أن يكون أصليّاً؛ لأنَّ الضمان في العارية المضمونة وفي البيع بشرط الضمان، ليس لأجل الفائدة، بل لأجل حفظ المال. ثُمَّ يُكرِّر ويقول: إنَّ ظاهر الخراج بالضمان هو الضمان الفعليّ من الطرفين، وهو يختصّ بباب البيع وما أشبهه، هذا محصّل كلامه(1).
ـــــــــــــ[378]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 277 ـ 279، معنى الخراج بالضمان.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ونحن لنا كلامٌ قبل الاحتمالين، وكلامٌ فيهما:
ما قاله من أنَّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أنَّ الضمان هو جعليّ فعليّ… فرغنا منه، وظهر أنَّه لا ضمان في البيع، وخاصّة إذا وقع على الأعيان الخارجيّة، وربما يكون له وجه في بيع الكُلِّيّ، فهذه العبارة النبويّة إذا لوحظت مستقلّة بغض النظر عن صدرها الذي قلناه، فقد قلنا: إنَّه إن كان المراد جواز استيفاء الإنسان لأموال نفسه، فالضمان لا يكون عقلائيّاً، ولا يصدر مثل هذا التعبير عن أفصح من نطق بالضاد. نعم، إذا كان صادراً فلا بُدَّ أن يكون المراد منه شيئاً آخر.
في خلال كلامه يقول: إنَّ المشتري يجعل الضمان بإزاء الخراج. ثُمَّ يقول بعد ذلك: إنَّ الباب باب العلَّة الغائيّة، والعلَّة الغائيّة تختلف عن كونه بإزائه، فإنَّ العلَّة الغائية هي الداعي وتترتَّب عليه بعد التحقُّق، لا أنَّني أشتريته بإزاء حصول المنافع.
وما يقوله من أنَّ الشارع خطّأ العقلاء في تطبيق هذا العنوان على هذا المصداق.
نقول: إنَّ باب تخطئة العرف والعقلاء في مطلب هو: أن يكون للشيء الـمُتوهَّم عندنا واقعيّةٌ، ونحن نبحث عنه فقد نُخطئ وقد نُصيب، فللشارع في مثل ذلك أن يُصحِّح وأن يُخطِّئ.
وأمَّا في المعاني التي تمام حقيقتها مجعولة للعقلاء ومتقوُّمة بفهمهم، فلا
ـــــــــــــ[379]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
يمكن أن يقال: إنَّ الشارع خطَّأهم في تطبيق المصداق على المفهوم، وإنَّ هذا ليس مصداقاً، هذا ليس صحيحاً.
نعم، يمكن أن يُقال: إنَّ هذا وإن كان بيعاً إلّا أنَّ الشارع اعتبر على هذا المفهوم شيئاً آخر، لولاه لا يكون الأثر الشرعيّ مترتِّباً عليه.
فالشارع إذا كان هو واضع الألفاظ كما يقوله هو ، على ما أتذكّر، وهو الواضع في المعاملات أيضاً يصحّ ما يقول، إلّا أنَّ هذا غير صحيح، بل بيع الخمر هو بيعٌ حقيقةً كبيع العباءة، غايته أنَّ الشارع لم يُرتِّب هذا الأثر، فقد اعتبره بيعاً فاسداً، لا أنَّه ليس مصداقاً للبيع، فالتخطئة هنا لا مجال لها. نعم، في الموارد التي لها واقع وراء جعل العقلاء، وفي نفس الأمر يمكن فيها التخطئة.
ثُمَّ حين يذكر هذين الاحتمالين يرجِّح الاحتمال الثاني، وهو: الاختصاص بالبيع؛ لأنَّ (الباء) ظاهرة بالسببيّة والمقابلة، ومقتضاهما أنَّهما من الطرفين.
وأنا لم أفهم أنَّ المطلب كيف انتهى بهذا النحو! فإنَّ (الباء) إذا كانت للسببيّة فهي تدلّ على أنَّ مدخولها سببٌ لأمرٍ، فهل معناه: أنَّها تعمل في أمر آخر؟ فإنَّ (الباء) داخلة في الرواية على (الضمان)، ومعناه: أنَّ الضمان سبب للخراج.
ويقول إنَّ البيع سببٌ لأن تكون المنافع لي، فهل (الباء) داخلة على (الخراج) لتدلَّ فيه على معنى؟ فهي تدلّ على أنَّ هذا سبب، فهل تدلّ على أنَّ الأخر سببٌ أيضاً؟ بحيث يجب أن تكون السببية متبادَلة، لنقول: إنَّ هذا سبب غائيٌّ وذاك سبب فاعليٌّ، بحيث إنَّ (الباء) لها ظهور بالسببيّة الفاعليّة تارةً وبالسببيّة الغائيّة أخرى؟
ـــــــــــــ[380]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
فهو قد صرف (الضمان) عن معناه الحقيقيّ، فإنَّ البيع ليس ضماناً. وصرف (الخراج) عن معناه أيضاً، فإنَّه ليست مطلق المنافع خراجاً. هو تمَّم المطلب في البيع وطبَّقه على الرواية، والمفروض أنَّنا لا نعلم شيئاً، وليس عندنا إلّا هذه الرواية.
وإذا كانت (الباء) للمقابلة، فهل هي طرفينيّة أيضاً، بحيث إنَّ (الضمان) في مقابل النفع، والنفع في مقابل الضمان، فهل معناه: أنَّ المبايعة بين النفع والضمان، والعين خارجة بالكُلِّيّة؟! أو أنَّنا من هذا الطرف تكون المقابلة بمعنى: بإزاء وجود المنافع، ومن الطرف الآخر تكون المقابلة بمعنى: العلَّة الغائيَّة؟ وهذا لا يمكن فهمه.
هذا كلّه في “الخراج بالضمان“، وعُلِم أنَّها ليست شيئاً يُتمَّم مع مطلب كمطلب ابن حمزة في (الوسيلة)، أو مطالب شيخ الطائفة في (الخلاف)، و(المبسوط).
وأمَّا المنافع غير المستوفاة، فإشكالاتها كإشكالات المنافع المستوفاة، على أنَّ للمنافع المستوفاة زيادات غير واردة هنا. وقلنا بأنَّ الاستيلاء صادق، وإنَّ (على اليد) شاملة لها، وإن كان لنا مناقشة في سندها لا بحيث يُسقطها عن الاعتبار.
وهنا شبهة أشرنا إليها سابقاً، يقولها المرحوم الشيخ محمَّد حسين(1) في
ـــــــــــــ[381]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 316-317، شمول القاعدة للمنافع وعدمه.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
المنافع غير المستوفاة، يقول: سُكنى الدار أمرٌ إضافيٌّ لا يتحقَّق إلّا بتحقُّق المتضايفَين، لا بُدَّ أن يكون الدار المسكونة والساكن لتتحقَّق السُكنى، والمتضايفَان متكافئَان قوَّةً وفعلاً، فإذا كانت سُكنى بالفعل فالمتضايفَان متحقِّقان بالفعل.
وأمَّا إذا لم تكن السُكنى فعليّة ففي مثل ذلك لا يمكن أن تقع اليد على شيء غير فعليٍّ. وهو لا يرى المنافع غير المستوفاة منافع أصلاً، بل يرى المنافع عبارة عن المنافع الفعليّة كالسُكنى في الدار، فالمنفعة واستيفاؤها متساوقان، فإذا تمَّ هنا فالمنافع غير المستوفاة غير موجودة، كدار للغير أخذتها غصباً وقفلتها، فماذا أضمن للمالك من المنافع؟ وهل أنا ضامن للمنافع بالقوَّة، لا المنافع الفعليّة؟
إن كان يقول به فلا بُدَّ أن يلتزم بلوازمه كهذه الحبّة القابلة لأن تكون شجرة، إذا سحقها شخصٌ، فلا بُدَّ أن يكون ضامناً للشجرة، إنَّ القوَّة لا تكون سبباً للضمان بلا إشكال.
لذا فالموارد التي يقول العقلاء فيها بالضمان يرون أنَّ المنافع فاتت، كقفل الدار غصباً وحبس العبد عدواناً. وأمَّا إذا الغاصب لم يدع المنافع تحدث فلا ضمان كمثال البذرة.
ونكتته: أنَّ المنافع هي غير ما يقوله، بل المنافع شيء مرَّةً يُستوفى ومرَّةً يفوت، وهو ظرفية الدار للسُكنى وظهر الدابَّة، فإذا منعت أن يركبها أحد فلا بُدَّ أن أضمن المنفعة، والعقلاء يرون تفويتها، ومنه يتحصَّل معنى استيفاء المنفعة. إذن، فالعقلاء غير موافقين معه.
ـــــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بناء عليه فـ (على اليد) لا إشكال فيها، كما أنَّ شمول: “حرمة مال المؤمن كحرمة دمه” لا إشكال فيه، و(لا ضرر) أيضاً على تقدير تماميّتها، وقد سبقت تقريباتها جميعاً.
وقد تمسَّك الشيخ بالأصل، فلا بُدَّ من النظر في كلامه.
الشيخ بعد أن اعتبر أدلّة الضمان تامَّة، قال(1) بأنَّ التمسُّك بالأصل جائزٌ مطلقاً وفي مورد علم البايع. وهذا المطلب إنَّما يتمّ في الموارد التي لا يشملها أدلّة الضمان كما يقول الشيخ، فإنَّه حينئذٍ يكون التمسُّك بالأصل للنفي المطلق تمسُّكاً صحيحاً.
وأمَّا إذا اخترنا التفصيل الذي قاله البعض(2) من أنَّ أدلّة الضمان لها إطلاق في المنافع المستوفاة، وإنَّما خرج منها صورة علم البايع بالفساد. والاستثناء لا بُدَّ وأن يكون بدليل اجتهاديّ، وفي مثله لا مجال للتمسُّك بالأصل، فإنَّه مورد المطلق والمخصّص، وهو دليل الأمانات.
وقد علّمنا الشيخ أنَّه في الموارد التي فيها دليل اجتهاديّ لا مجال للأصل. وربما يكون مقصوده من التمسك بالأصل أنَّه علاوة على أنَّ أدلّة الأمانة لا تقتضي الضمان كذلك الأصل.
ـــــــــــــ[383]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 205، القول بعدم الضمان موافق للأصل.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 206، في القول بعدم الضمان، ونسبه إلى بعض من كتب عل الشرائع. المكاسب والبيع 1: 333، النقض على قاعدة الخراج بالضمان.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وهذا قائم على مبنيين لم يرد الشيخ التفريق بينهما؛ فلذا يقول: الأصل سليم في المطلق وفي التفصيل بين علم البائع وجهله.
قلنا في ما سبق: إنَّ التفصيل بين العلم والجهل لا وجه له، فإنَّ المتبايعين إذا أرادا إيقاع معاملة عقلائيّة، بحيث يبنيان عليها سواءٌ كانت موافقة للشرع أو لا، فهنا لا يفرق بين الجاهل والعالم؛ لأنَّه حتَّى لو كان عالماً فإنَّه أيضاً يُوقع هذه المعاملة، فلا يتمّ هذا التفصيل.
ولكن قلنا تفصيلاً آخر وهو: أن نُفرِّق في صورة ما إذا كان البائع الذي يُسلِّم العين إلى المشتري عالماً بالفساد، وكان الآخر جاهلاً متشرِّعاً، بحيث لو علم بالفساد لما أخذ المال، وكان البائع ملتفتاً إلى هذه الجهات، فاستغفله وأعطاه العين، فهذا غرور وليس ضامناً ولو أتلفه. فالأقوال الخمسة التي ذكرها الشيخ(1) يكون لها هذا قولاً سادساً، وأحقّ منها بالتصديق.
ـــــــــــــ[384]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 206- 207، محصّل الأقوال في المسألة، قال: الأقوال في ضمان المنافع غير المستوفاة خمسةٌ:
الأوّل: الضمان، وكأنَّه للأكثر.
الثاني: عدم الضمان، كما عن الإيضاح.
الثالث: الضمان إلّاَ مع علم البائع، كما عن بعض من كتب على الشرائع.
الرابع: التوقّف، كما استظهره جامع المقاصد والسيّد العميد من عبارة القواعد.
الخامس: التوقّف مطلقاً، كما عن الدروس والتنقيح والمسالك ومحتمل القواعد، كما يظهر من فخر الدين.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
الشيخ بعد أن يفرغ من الأصل يقول(1): إنَّه يمكن تتميم الضمان بقاعدة “ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده“.
بتقريب: أنَّ هذه المنافع التي سلَّمها إلى الآخر فهي مجَّان لا مضمون، فـ(ما لا يُضمن..) صادقةٌ بالنسبة إلى المنافع، غاية الأمر أنَّنا كُنَّا في المنافع نُتمِّم المطلب بقاعدة الإتلاف و(ما لا يُضمن..) راجع الى التلف لا إلى الإتلاف، ففي موارد التلف تكون مشمولة لها.
السيد يقول(2): المنافع ملحوظة في المعاملة فتلفها مضمون.
نقول: إنَّ كلام السيّد ليس بصحيح، فإنَّ المنافع داعٍ إلى المعاملة فلا تكون مضمونة. لكنَّ الإشكال في مكان آخر، وهو: أنَّ قاعدة (ما لا يُضمن…) هي لسلب الاقتضاء لا لاقتضاء السلب، ولا نفهم منها ذلك لو بقينا نحن وهي. فإذا كانت لسلب الاقتضاء فهو لا ينافي وجود مقتضٍ آخر يقتضي الضمان، فيحكم به كاليد.
مضافا إلى أنَّ المنافع خارجة عن محطّ المعاملة، وليس لها (مالا يُضمن..)، فإنَّ الضمان في هذه القاعدة على ما فسَّرها الأصحاب: ضمان معامليّ، أي: ما يدخل في العهدة بمقتضى المعاملة. وفي باب البيع المنافع غير ملحوظة في
ـــــــــــــ[385]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 205، القول بعدم الضمان.
(2) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 95، قاعدة ما يضمن، قال: المنافع وإن لم تكن مقابلةً بالمال، إلّا أنَّها ملحوظةٌ في القيمة وزيادة الثمن، وهذا المقدار يكفي في صدق كونها مضمونةً.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
المعاملة، فلا تشملها. مضافاً إلى أنَّنا يجب أن نرجع إلى سند القاعدة، كقاعدة (اليد)، وهي تنقّح الضمان لا عدمه.
ثُمَّ الشيخ يُشير إلى الروايات في باب الأمَة المسروقة، وهذه الروايات والروايات التي أشار إليها في المنافع المستوفاة، إذا تمَّت دلالتها فهي تشمل المنافع المستوفاة وغيرها، وهو يدَّعي أنَّها تشمل المنافع المستوفاة فقط.
أمَّا الروايات التي أشار إليها:
1- فمنها: ما رواه عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد وسهل بن زياد جميعاً، عن أحمد بن محمَّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن إسحاق بن عمّار، قال: “قلت لأبي إبراهيم: الرجل يرهن الغلام والدار فتصيبه الآفة على من يكون؟ قال: على مولاه. ثُمَّ قال: أرأيت لو قتل قتيلا على من يكون؟ قلت هو في عنق العبد. قال: ألَا ترى فلم يذهب مال هذا. ثُمَّ قال: أرأيت لو كان ثمنه مائة دينار لمن يكون؟ قلت: لمولاه. قال: كذلك يكون عليه ما يكون له“(1) (2).
2- وفي أبواب الخيار الباب السابع، موثَّقة إسحاق بن عمّار، قال: حدَّثني من سمع أبا عبد الله، وسأله رجل وأنا عنده، فقال: “رجل مسلم احتاج
ـــــــــــــ[386]ــــــــــ
(1) ج2 ص667. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 234، ح10، باب الرهن. تهذيب الأحكام 7: 172، ح764، باب الرهون. الاستبصار 3: 121، ح430، باب الرهن يهلك عند المرتهن. وسائل الشيعة 18: 387، ح6، باب الرهن إذا تلف.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إلى بيع داره، فمشى إلى أخيه، فقال أبيعك داري هذه وتكون لك أحبّ إليَّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليَّ. فقال: لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردَّها عليه. قلت: فإنَّها كانت فيها غلَّةٌ كثيرةٌ، فأخذ الغلَّة لِـمَن تكون؟ فقال: الغلَّة للمشتري، ألَا ترى أنَّها لو احترقت لكانت من ماله“(1) (2).
فتوهُّم دلالة هذه الروايات على أنَّه يُريد أن يقول: إنَّه بما أنَّ الضمان في عهدته فالمنافع له. على حين أنَّها تتضمّن الطرف الآخر لقاعدة “الخراج بالضمان“. فقولنا: (كلّ من كان ضامناً شيئاً فالخراج له)، معاكس لقولنا: (كلّ من كانت المنفعة له فالتلف عليه). ولا ربط لأحدهما بالآخر، وإذا أردت فهمه من عكسه فعكس الموجبة الكُلِّية موجبة جزئيّة. هذا إذا لم نقل إنَّ هذه الروايات في مقام تأسيس قاعدة كلِّيّة، وهي: أنَّ الضرر يردّ على من له المنافع.
3- أمَّا الروايات التي يُشير إليها الشيخ هنا:
فمنها: ما رواه في الباب السادس والثمانين من نكاح الإماء محمَّد بن الحسن(3) بإسناده، عن علي بن الحسن بن فضال، عن سندي (يعني أبان) بن محمَّد وعبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمَّد بن قيس، عن
ـــــــــــــ[387]ــــــــــ
(1) ص 626. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 171، ح10، باب الشرط والخيار في البيع. تهذيب الأحكام 7: 23، ح96، باب عقود البيع. وسائل الشيعة 18: 19، ح1، باب المبيع إذا حصل له نماء في مدّة الخيار.
(3) وهي موثَّقةٌ بسند الشيخ، صحيحةٌ بسند غيره كالكليني (المحاضرة). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج3
أبي جعفر، قال: “قضى في وليدة باعها ابن سيدها، وأبوه غايب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً، ثُمَّ قدم سيّدها الأوَّل فخاصم سيّدها الأخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني، فقال: خذ وليدتك وابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه -الذي باع الوليدة- حتَّى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن، قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أرسل ابنك حتَّى ترسل ابني. فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوَّل أجاز بيع ابنه“(1) (2).
بتقريب: أن الإمام لم يتعرَّض للمنافع غير المستوفاة.
والجواب: أنَّه لم يذكر المنافع المستوفاة لغيره أيضاً، وإنَّما ذكر الابن فقط، والكلام إنَّما هو ذلك، ولا إطلاق لها من جهة أخرى، فهو ساكت عن المنافع المستوفاة وغير المستوفاة.
4- ومنها: الرواية الثالثة من نفس الباب، عن جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا (مرسلة)، عن أبي عبد الله: “في رجل اشترى جارية فأولدها، فوُجِدت الجارية مسروقة، قال: يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولده
ـــــــــــــ[388]ــــــــــ
(1) ص146 جـ3. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 211، ح12، باب شراء الرقيق. مَن لا يحضره الفقيه 3: 222، ح3826، شراء الرقيق وأحكامه. تهذيب الأحكام 7: 74، ح319، باب ابتياع الحيوان. الاستبصار 3: 205، ح739، باب أنّ الولد لاحق بالمرء.
وهذا لفظ الاستبصار، وفي بقيّة المصادر جميعاً: “قضى أمير المؤمنين”. ورواها الشيخ في التهذيب بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
بقيمته“(1). وهذا أيضاً معلوم، أنَّها لم تتعرَّض للمنافع المستوفاة أو غيرها، ولم تكن في مقام بيان تمام الجهات، وإنَّما الكلام مقتصر على الولد.
5- ومنها: الرواية الأخيرة في الباب: عنه، عن معاوية بن حكيم، عن محمَّد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج (كالصحيحة)، عن أبي عبد الله: “في الرجل يشتري الجارية من السوق فيُولِدُها، ثُمَّ يجيء مستحِقّ الجارية. قال: يأخذ الجارية المستحِقّ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أُخذت منه“(2).
وهذه الروايات الثلاث ذاكرة للولد، ولا تتعرَّض للمنافع المستوفاة ولا إلى غيرها، ولا إشعار فيها أصلاً، بما فيها صحيحة محمَّد بن قيس التي ذكرناها أوَّلاً، والتي يُشير إليها الشيخ في كلامه.
تبقى روايتان:
إحداهما: عن أبي عبد الله الفرّاء (مجهول)، عن حريز، عن زرارة، قال: “قلت لأبي جعفر: الرجل يشتري الجارية من السوق فيُولِدُها، ثُمَّ يجيء رجلٌ فيقيم البيِّنة على أنَّها جاريته، لم يبعْ ولم يهبْ؟ فقال: يردّ إليه جاريته
ـــــــــــــ[389]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 65، ح280، باب العيوب الموجبة للرد. الاستبصار 3: 84، ح286، باب من اشترى جارية فأولدها ثمّ وجدها مسروقة. وسائل الشيعة 21: 204، ح3، باب حكم ما لو بيعت الأمة بغير إذن سيّدها فولدت من المشتري.
(2) تهذيب الأحكام 7: 82، ح353، باب ابتياع الحيوان. الاستبصار 3: 84، ح285، باب 57. وسائل الشيعة 21: 205، ح5، باب حكم ما لو بيعت الأمة بغير إذن سيّدها فولدت من المشتري.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
ويعوِّضه ممَّا انتفع(1). قال: كأنَّه معناه قيمة الولد” (ويُحتمل بناؤه للمعلوم وللمجهول)؛ فعلى الأوَّل: يتعرَّض للمنافع المستوفاة، وعلى الثاني: يُريد المنافع التي يمكن أن تُستوفى منها. ولكن فسَّره الراوي بأنَّ (معناه قيمة الولد). فإذا كان هذا التفسير مراداً للإمام فحال هذه الرواية حال سابقاتها، ولو غضضنا النظر عنه تكون أحسن حالاً، إلّا أنَّها لا يمكن أن تكون شاهداً على الإطلاق.
والمهمّ هي(2) الرواية الأخرى: وهي ضعيفة السند، عن حريز، عن زرارة، قال: ” قلت لأبي عبد الله: رجل اشترى جارية من سوق المسلمين، فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولاداً، ثُمَّ أتاها من يزعم أنَّها له، وأقام على ذلك البيِّنة، قال: يقبض ولده، ويدفع إليه الجارية ويعوِّضه قيمة (قيمته) ما أصاب من لبنها وخدمتها “(3).
ـــــــــــــ[390]ــــــــــ
() الكافي 5: 216، ح13، باب من يشتري الرقيق فيظهر به عيب. تهذيب الأحكام 7: 64، ح276، باب العيوب الموجبة للرد. الاستبصار 3: 84، ح287، باب56. وسائل الشيعة 21: 204، ح2، باب حكم ما لو بيعت الأمة بغير إذن سيّدها فولدت من المشتري.
(2) ص147 نفس الباب. (المقرِّر).
(3) تهذيب الأحكام 7: 83، ح357، باب ابتياع الحيوان. الاستبصار 3: 85، ح289، باب 57. وسائل الشيعة 21: 204، ح4، باب حكم ما لو بيعت الأمة بغير إذن سيّدها فولدت من المشتري.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
إذا كان (قيمته) فقد قلنا سابقاً أي إنَّه يُريد أن يُعيِّن قيمة الولد بمقدار ما أصاب المشتري من اللبن والخدمة.
وأمَّا إذا كانت (قيمة ما أصاب…) فبالإضافة إلى أنَّها تكون عبارة غير منسجمة، يكون معناها أنَّه يعوِّضه عمَّا أصاب من اللبن والخدمات. فيمكن أن يُستفاد منها ذلك.
بتقريب: أنَّ المنافع التي استوفاها منه يجب أن يعطيها إيَّاه، وهذا إنَّما يتمّ على هذه النسخة.
نقول: إنَّ وضع الإماء التي كانت تؤخذ وتستولد، كيف كان؟ هل كان نظير العبد في أخذ العمل منه، فبالإضافة إلى الاستيلاء واللبن وخدمة الدار كانت تستأجر للغير، أو أنَّها كانت تعمل عمل المنزل فقط، وليس هناك شيءٌ آخر لكي يتعرَّض إلى حكمه؟
فإذا كان هناك أمور متعارَفة، وكان ساكتاً عنها يمكن استفادة حكمها.
وأمَّا إذا كان المتعارَف هذا المقدار، والزائد غير متعارَف ولا يُعدّ منفعةً، فلا يدلّ السكوت عنها على شيء، كالحصان المعدّ للركوب لا للإجارة إذا غُصب، فهل يجب على الغاصب أن يدفع أجرته اليومية؟ وفي العبد أيضاً كذلك إذا أراد المولى الاستفادة من شِعره ومجلسه لا من عمله، فإذا غُصب لا يُعطي الغاصب أجرته اليومية، وإنَّما ذلك لمن كان متعارَفاً إجارته.
وفي المقام أيضاً كذلك يستفاد من الجارية في الولد واللبن، وليس هناك موارد أخرى للاستفادة، حتَّى يُستفاد منها شيءٌ.
ـــــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
وأعظم من ذلك أنَّ الشيخ يقول(1) في آخر كلامه: إنَّ صحيحة أبي ولّاد دالة على ذلك. ونحن راجعناها فلم نجدها دالّة على المعنى، فإنَّها دالّة على بغل مستأجَر ذهب به من الكوفة إلى بغداد بطريق ملتوٍ غير مستقيم، وكان مجموع الأيام ثمانية عشر يوماً، ومن المعلوم أنَّ السفر المستقيم إلى بغداد على البغل يستغرق مثل هذه المدة، فجميع منافع البغل مستوفاة في هذه المدّة وليس له منافع غير مستوفاة حتَّى يتعرَّض لها. نعم، له أوقات الراحة، إلّا أنَّه لا يمكن إجارته في أوقات راحته.
هذا كله في هذه المسألة.
ـــــــــــــ[391]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 208، ضمان المنافع المستوفاة. وأمّا الرواية فتقدّمت مصادرها قريباً فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج3
باب ألفاظ المعاملات 9
[حول حقيقة البيع] 13
[حول مقدار لزوم الرجوع إلى العرف] 15
في الإشارة والكتابة في المعاملة 19
[بناء العقود والمعاملات على ما هو المتعارف في السوق] 22
[حول إشارة الأخرس ودلالتها شرعاً] 27
[دلالة الروايات على المطلوب في المقام وعدمه] 29
[فقه الأحاديث المتقدّمة ومقدار دلالتها] 40
[في الأصل عند الشك في صحة العقد بالإشارة] 45
في الإيجاب والقبول 50
البحث الأول: المفردات 50
في إيجاد البيع بالكنايات والمجازات والمشتركات 54
[الإشكال على استعمال الكناية ونحوها] 54
[كلام الميرزا النائيني في الكناية ومناقشته] 54
[مناقشة كلام المحقق الخراساني] 58
ـــــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
كلام المرحوم النائيني ومناقشته 61
في اعتبار العربية في العقد 66
(البحث الثاني: الكلام في لزوم صيغة الفعل الماضي) 68
[التأمل في مقالة الميرزا النائيني في المقام] 69
الاستشهاد بالروايات 74
في احتياج العقد إلى القبول 77
[فقه الروايات الواردة في كتاب النكاح] 78
[تلخيص المقال في المقام] 79
[حول تقديم الإيجاب على القبول] 82
[التأمّل فيما أفاده الشيخ الأعظم في المقام] 85
[كلام لبعض الأعاظم في المقام ونقده] 87
في اعتبار الموالاة في العقد 90
[حول اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول] 90
[بيان المحقق النائيني في اعتبار الموالاة] 91
كلام الشيخ مع الشهيد ومناقشته 97
[بيان الميرزا النائيني لكلام الشيخ والتأمل فيه] 100
[تحقيق الكلام في المقام] 101
التنجيز 103
كلام المرحوم النائيني ومناقشته 104
ـــــــــــــ[394]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
[بسط المقال في المقام] 106
في تحقيق المطلب 113
[حول إمكان التعليق في الإنشاء] 113
[حول إمكان التعليق في المنشأ وعدمه] 115
الإشكال الآخر على التعليق في الإنشاء 117
[تحقيق في المسألة] 119
[حول منافاة التعليق مع الجزم] 124
في تطابق الإيجاب والقبول 127
في كلام المرحوم النائيني 130
في صغرى المسألة 133
[نقل مقالة العلَّامة والنظر فيها] 135
[الكلام في باب الشرط] 140
في بقاء المتعاملين على الأهلية 141
[نقل الأقوال في المسألة والتأمل فيها] 141
[جواب الشيخ الأعظم عن النقض بالوصية والتأمل فيه] 147
إذا اختلف البائع والمشتري في الاجتهاد والتقليد 149
[تفصيل السيّد اليزدي في المقام والمناقشة فيه] 150
[حول مفاد ما دل على الحل والإباحة في المقام] 154
[بسط الكلام وتحقيق المقال] 157
ـــــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في تفصيل آخر للسيد اليزدي ومناقشته 162
في تفاصيل الاختلاف في الشروط 169
في المقبوض بالبيع الفاسد 179
[الأمر الأول: الضمان] 179
[أدلة الضمان مع التلف] 182
[المقام الأول: حول سند الحديث] 183
المقام الثاني: في فقه حديث: على اليد 187
في المعنى الوضعي الذي تفيده (على اليد) 190
[حول شمول الحديث لضمان الصغير والمجنون] 194
[إشكال المحقق الأصفهاني ودفعه] 195
في مسلك الشيخ من تبعية الحكم الوضعي للتكليفي 196
الكلام في المجنون والصغير 200
قاعدة ما يُضمَن 222
[الغرض من تأسيس القاعدة] 222
[حول تعيين نوع العموم في القاعدة] 223
[ترجيح الميرزا النائيني للعموم الأفرادي] 225
[ترجيح القول بالعموم بلحاظ النوع] 226
هل أنها تفيد العموم الأفرادي 227
[التأمل فيما ذكره العلّامة والشهيد] 231
ـــــــــــــ[396]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
[ترجيح العموم الأفرادي] 232
[بيان الثمرة عند اختلاف لفظ القاعدة] 234
[معنى الباء في القاعدة] 234
[الكلام عن مدرك القاعدة] 236
[الأول: قاعدة الأقدام] وهو ما ذكره الشهيد الأول 237
[توجيه كلام شيخ الطائفة ] 240
الثاني: في الاستدلال عليها بقاعدة اليد 242
[فقه الحديث] 243
[الإشكال الأول:] 245
الإشكال [الثاني] الاستيلاء على المنافع 246
[قياس المقام على الإجارة] 247
[تحقيق الجواب عن الإشكال] 247
[عدم تصور تعاقب الأيدي في المنافع] 251
[تفصيل آخر في المنافع] 253
الإشكال الثالث وجوابه 254
[الإشكال الرابع وجوابه] 259
الثالث: الاستدلال بقاعدة حرمة مال المؤمن 263
[موثقة أبي بصير] 263
[إشكال في المقام] 267
ـــــــــــــ[397]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
[شمول الموثقة لعمل الحر] 270
[النبوي لا يحل امرئ] 271
الرابع: الاستدلال بقاعدة لا ضرر 275
[إشكال وجوابه] 278
في صحة المعاملة مع العلم بالفساد 281
[التفريق بين المقام والمعاطاة] 283
[التفريق بين المقام والغصب] 285
[التمسك بقاعدة الغرر في المقام] 287
في عكس القضية 288
[المراد من عكس القاعدة] 288
[مدرك عكس القاعدة] 289
[الأول: الأولوية] 290
[الثاني:] الاستدلال عليها بأدلة الاستيمان 290
[الروايات الواردة في الاستيمان] 292
[المحتملات في رواية أبان] 294
[بسط الكلام في المقام] 295
[الثالث: موثَّقة إسحاق بن عمار] 302
[شرط الضمان ودلالة الروايات عليه] 303
[الرابع:] كلام المرحوم النائيني ومناقشته 308
ـــــــــــــ[398]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
من النقوض على عكس القاعدة الإجارة 310
[الأمر الأول: في بيان ماهية الإجارة] 311
[الأمر الثاني: هل تقتضي الإجارة الاستيلاء على العين] 314
[الأمر الثالث: عدم ضمان المستأجر] 316
[الأمر الرابع: النقض بالإجارة بحسب المباني] 318
من النقوض مسألة إعارة الصيد للمحرم 321
إحدى المقدمات التي يتوقّف عليها النقض 330
[الأمر الثاني:] في وجوب ردّ المبيع بالبيع الفاسد فوراً 332
[نقل الأقوال في مسألة إثبات وجوب الردّ] 333
كلام للشيخ محمد حسين [الأصفهاني] 334
[نقد كلام المحقق الأصفهاني ] 335
كلام للآخوند 339
[نقدٌ آخر لكلام المحقق الأصفهاني] 339
[دلالة حديث(على اليد) على فورية وجوب الرد] 341
هل يجب رد المقبوض بالبيع الفاسد [مطلقاً أو مقيداً] 342
[القول الأول: التفصيل في كفاية الاذن المالكي وعدمه] 343
[القول الثاني: كلام للسيد اليزدي في التفصيل بين العلم الدافع وجهله] 345
[القول الثالث: التفصيل بين العقود الإذنية وغيرها] 349
ـــــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج3
في أنَّ مؤونة الردّ على من 353
[القول الرابع: التفصيل بين مكان القبض وغيره] 357
[الأمر الثالث:] في ضمان المنافع المستوفاة 360
[الروايات في المقام] 364
في قوله الخراج بالضمان 367
[المحتملات في الرواية] 370
[النظر في المحتملات] 372
كلام النائيني ومناقشته 376
[عدم تمامية كلام الميرزا النائيني] 379
[في ضمان المنافع غير المستوفاة] 381
في تمسك الشيخ بالأصل 383
في الروايات التي يشير إليها الشيخ 386
الفهرس 393