الجزء الرابع
3 , 373
ص44 الصدر، محمد.
كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج4 (392ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1697/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1697) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
4-03-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
كتاب البيع
تقريراً لما أفاده الأستاذ
آية الله العظمى
السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
تتمة الكلام في عقد البيع
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الأمر الرابع
في ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة]
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نُسِب(1) إلى المشهور: أنَّه في باب الضمان أنَّ المِثْليّات بالمِثْل والقيميّات بالقيمة، من غير فرق بين ضمان اليد وضمان الإتلاف.
نريد أن نرى ما هو الدليل على هذا المطلب، هل الدليل عليه موجود، أو موجود في الجملة، أو لا دليل عليه؟ إلّا إذا كان في المقام إجماع.
المرحوم الشيخ في (الخلاف)(2) في باب المنافع المضمونة، تمسّك بالآية، وقال: إنَّ المِثْل مِثلان: مِثْل في الصورة ومِثل في القيمة. فما له مِثْل في الصورة فيُضمن به، وما له مِثل في القيمة يُضمن به، وحيث إنَّ المنافع لا مِثل لها في الصورة فهي مضمونة بالمِثْل في القيمة.
والآية هي قوله تعالى: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(3). ومرَّةً تُلحظ هذه الجملة من دون ملاحظة الآيات التي قبلها وبعدها، لنرى ما هو المراد منها؟
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 282، 289، الرابع: ضمان المثل.
(2) الخلاف 3: 402 مسألة رقم 11.
(3) البقرة: 194.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الاحتمالات فيها كثيرة، أهمها أربعة:
الاحتمال الأول: أنَّه ليس في الآية نظر إلى المِثْل في الحقيقة، أو المِثْل في الحقيقة والمقدار أصلاً. وإنَّما المقصود أنَّه إذا شخص اعتدى عليكم فاعتدوا عليه أيضاً كما اعتدى عليكم، والاعتداء يشمل الماليّات وغيرها، ولازمه أنَّ وقوع طبيعة الاعتداء من شخص تُجوّز للمعتدى عليه الاعتداء أيضاً، فالمماثلة إنَّما هي بين عنواني الاعتداء لا بمقداره، فلو شتمه مرَّةً فله أن يضربه ضرباً مبرحاً أو يقتله، وهذا واضح الفساد.
الاحتمال الثاني: أنَّ المِثْل بمعنى الشبيه، ولكنَّه مِثل في حقيقة الاعتداء دون مقداره، فإذا اعتدى عليكم أحدٌ فاعتدوا عليه باعتداء من سنخ اعتدائه، ولم يُعيِّن حدّاً. فمن سبّني مرَّةً واحدة، لم يكن لي ضربه أو قتله؛ لعدم التشابه في السنخ والحقيقة، ولكنَّ لي سبَّه بأيّ مقدار أشاء ولو مائة مرَّةً. وهذا أيضاً واضح الفساد، وأنَّ الشارع لم يجعل مثل هذا الحكم.
الاحتمال الثالث: أنَّه لاحظ الحدود أيضاً، فإذا اعتدى عليكم أحد فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم في أصل الماهيّة وفي الحدود، فإذا شتمك مرَّةً كان لك أن تشتمه مرَّةً، وإذا أحرق مقداراً من مالك كان لك أن تُحرق من ماله بنفس المقدار، وإذا اعتدى على عرضك كان لك أن تعتدي على عرضه؟؟!! من دون أن تكون المسألة مسألة حقّ يكتسبه المعتدى عليه بالاعتداء أو ضمان. وإنَّما هو أجاز العمل المحرّم في مقابل عمل المحرّم.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الاحتمال الرابع: أن تكون المسألة مسألة باب الضمانات، ليس بنحو أنِّي أرتكب محرّماً في مقابل ارتكابه محرّم، بحيث أُتلف ماله؛ لأنَّه أتلف مالي، ولهذا لا يأتي في ذهن أحد أنَّه إذا هتك عرضي أهتك عرضه، وإنَّما الباب باب اكتساب الحقّ، وإنَّما عبّر بالاعتداء من مجاز المشابهة، فالباب باب الحقّ والضمان، ويكون هذا قرينةً أنَّه وارد في الأمور التي فيها ضمان كالقصاص والتقاصّ والضمان الماليّ، وما ليس فيه ضمان كالشتم والهتك ليس مراداً للآية.
وإنما المراد منها الأمور التي تأتي بالحقّ عند الاعتداء كالقصاص والتقاصّ والإتلاف المالي، فإذا أتلف مِنِّي مالاً لا تقول الآية: أتلف ماله، وإنَّما تقول: استوف منه حقَّك.
وإنَّما يكون استيفاء الحقّ إن أخذ منه من المال بمقداره، والعقلاء يفهمون من الآية لو خُلِّيت ونفسها ذلك.
فما قيل(1) من أنَّه مربوط بالتقاصّ ولا يُستفاد منها الضمان غير صحيح.
ولكنَّ المهمّ أنَّ هذه الآية لا تقول ذلك، وليست في هذا الصدد، وإنَّما تريد أن تقول شيئاً آخر.
ولا بُدَّ من قراءة ما حولها من الآيات لنفهم المطلب: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ(2) وهو إمَّا نهيٌ عن مطلق
الظلم، أو بمعنى: لا تقتلوا إلّا من قاتلكم. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الإيراوني) 2: 134.
(2) البقرة: 190.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ(1) وهي مكَّة(2). وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ(3) وفُسِّرت الفتنة بالشرك. وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ(4).
ثُمَّ يقول سبحانه: الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ(5) ونُقل عن ابن عباس: أنَّ هذه الآيات مربوطة بقضية الحديبيّة، فإنَّ رسول الله في السنة السادسة للهجرة جاء إلى مكّة، وصدَّه المشركون، فأصبح مصدوداً عن الحجّ، فأحلّ في الحديبيّة، وبنى على قضاء الحجّ في السنة الآتية(6)، فهنا احتمالان:
أحدهما: أنَّهم بما أنَّهم صدُّوكم في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة، فالشهر الحرام الآخر في السنة الآتية في مقابله.
ثانيهما: أنَّ القتال في الشهر الحرام محرّم، إلّا إذا قاتلوكم فيه، فيكون قتالكم في الشهر الحرام بإزائه(7).
ــــــــــ[16]ــــــــــ
(1) البقرة: 191.
(2) راجع مجمع البيان 2: 30، تفسير الآية: 191 من سورة البقرة.
(3) البقرة: 191.
(4) البقرة: 191-193.
(5) البقرة: 194.
(6) مجمع البيان 2: 33، الدرّ المنثور 1: 206، تفسير الآية: 194.
(7) اُنظر: مجمع البيان 2: 33، تفسير الآية: 194.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ(1) إنَّ هذه الحرمات: النفس المحترمة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والشخص الـمُحرم، هذه محفوظة في نفسها، إلّا إذا كسروا حدّ هذه المحرمات؛ فيمكنكم أن تكسروها.
نعم، ابتداءً لا يمكنكم أن تكسروها بل هي محفوظة، ولكن يمكن ذلك قصاصاً.
فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ(194) وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ(2) فقد وقعت هذه الآية في وسط هذه الآيات؛ فإمَّا أن نقول إنَّها مخصوصة بباب الحرب، أو إنَّها كبرى، بحيث تشمل الحرب. ولا يمكن أن نقول: إنَّها تعرَّضت لأمور غير الحرب كضمان الحنطة والشعير.
فإذا كانت الحرب هي تمام المراد، فلا ربط لها بمسألتنا. وإذا كانت كبرى كُلِّية تنطبق على مورده، فلا بُدَّ أن نرى أنَّ المماثلة في الحرب ما هي؟ هل إذا رماني شخصٌ بسهم ففقأ عيني اليمنى، يجب أن أرميه بالسهم فافقأ عينه اليمنى، ولا يجوز لي أن أرميه بمكان آخر من بدنه؟ وإذا قتلوا مِنَّا واحداً لم يجز أن نقتل منهم إلّا واحداً؟ أو أنَّهم بمجرَّد أن يُعلنوا الحرب ويبدءوا بها فلكم البدء بها، سواءٌ قتلوا منكم كثيراً أو قتلوا منكم واحداً، وحينئذٍ يجوز أن
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) البقرة: 194.
(2) البقرة: 194- 195.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
تقتلوهم بأسرهم، وليس في الحرب دقَّة وضبط ومكيال وميزان. إذن، فلا يمكن أن نفهم المماثلة من الآية بالمِثْل والقيمة والمقدار والعدد.
بناءً عليه، بما أنَّها مربوطة بباب الحرب، فإمَّا أن تختصّ به، أو تعمّ الأمور التي تشترك معه بكونها لا مقدار لها كالدفاع، فمن اعتدى عليك في بيتك فلك أن تقتله لمجرَّد قصده وإن لم يقتلك. إذن، فلا ربط لها في محلّ الكلام، ولا يمكن الاستشهاد بها في المقام مع ملاحظة صدرها وذيلها.
هذا حال هذه الآية، فهل يمكن الاستشهاد بقاعدة (اليد)؟
ــــــــــ[18]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هل (على اليد) تستطيع أن تُتمِّم ضمان المِثليّ بالمِثْل والقيمي بالقيمة؟
التقريب الذي ذكره البعض(1) هو: أنَّ “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدِّيه” ظاهرة بأنَّ اليد إذا وقعت على شيء فهو مضمون بجميع شؤونه، فإنَّ للعين التي وقعت عليها اليد هويّة شخصيّة وماهيّة نوعيّة وماليّة. فاليد تقع على هذه الشؤون الثلاثة وتدخل تحت الضمان. فما دامت العين موجودة ورددناها فقد أرجعنا ما هو المضمون بتمام جهاته.
وأمَّا إذا تلفت العين وامتنع أداؤها بهويّتها الشخصيّة، يبقى أداؤها بماهيّتها النوعيّة وماليّتها ممكناً، وذلك بأداء المِثل. وأمَّا إذا لم يكن لها مِثل فتبقى حيثيّة ماليتها ممكناً أداؤها، ولا بُدَّ من أدائها.
وتقريب هذا الوجه بشكل لا يرد عليه بعض الإشكالات المتوهَّمة:
ليس المقصود من ورود العين بجميع شؤونها هو ورودها للعهدة مستقلّاً، بحيث إنَّ هويّة العين تدخل في الذمَّة مستقلّةً، وماهيّتها النوعيّة مستقلّةً، وماليتها مستقلّةً، بحيث إنَّه إذا دخل تحت يده شيء يكون له ثلاثة ضمانات، بل المقصود أنَّ هذه الهويّة الخارجيّة لها شؤون متَّحدة معها موجودة بنفس
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 283، أدلّة الضمان بالمثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وجودها الواحد، كما قيل في الطبيعيّ له وجود واحد، وجميع حيثيّاته موجودة بهذا الوجود الواحد الذي هو مجمع العناوين، كذلك هذا الموجود الخارجيّ يأخذه بجميع شؤونه، فشبهة أنَّ لازمه ثلاثة ضمانات غير واردة.
كما أنَّ الشؤون التي تُقال في المقام بأنَّ الماهيّة تدخل في العهدة بجميع شؤونها، هي الشؤون التي اعتبرها العقلاء في الضمانات والغرامات، لا الشؤون العقليّة، ليُقال: إنَّ يدي إذا وقعت على عين فقد وقعت على جنس الأجناس، وعلى الجنس الأدنى منه، والجنس الأدنى منه، وهكذا.
هذا خلط بين العرفيَّات والعقليَّات، بل المراد ما كان سبباً للضمان في نظر العقلاء في باب الضمان، فإنَّ الهويّة الشخصيّة في نظرهم من شؤون باب الضمان وكذلك الماليّة. أمَّا أنَّه جسم وجوهر وغير ذلك، فلا دخل له بالضمانات.
كما أنَّه ليس المراد بالماليّة: الماليّة المطلقة، ليُقال بأنَّه لا يتعيَّن عليّ أن أدفع نقداً، بل لي أن أعطي شيئاً آخر بقيمته من أيِّ نوعٍ أُريد. بل المراد من الماليّة في المقام: تلك الماليّة التي يستعملها العقلاء في حياتهم ومعاملاتهم، ويعتبرون بها تقدير الماليّة وقيمة الشيء. فإذا كانت المعاملات عادة -كما كانت قبل ألف سنة- جنساً بجنس فضمان الماليّة ينحصر أداؤها بالأمور المتعارَفة والأعيان الخارجيّة.
وأمَّا بناءً على وجود النقد، والعقلاء يعتبرونها قيمة للشيء، فإذا قيل: (أعطِ قيمته) لا يخطر بباله إلّا دفع النقد دون أي شيء آخر، إذن تتعيَّن الماليّة بالنقد.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والمراد من البقاء على نوعيّته وماليّته، البقاء العرفي العقلائيّ لا البقاء الفلسفيّ العقليّ، ليُقال: إنَّ الطبيعة مُتكثِّرة بتكثُّر الأفراد، ولها وجودات وأعدام مُتكثِّرة، وإذا انعدم الفرد ينعدم بجميع شؤونه ولا بقاء له أصلاً.
فإنَّه ليس المقصود بقاءه فلسفيّاً بل بقاؤه عرفاً، كما هو الحال في بقاء الكلِّيّ في استصحاب الكلِّيّ من القسم الثاني والثالث الذي تقولون به. إذ يُعتبر الطبيعيّ موجوداً بوجود الفرد الطويل، ويُعتبر نوع الإنسان باقياً منذ زمن آدم إلى يوم القيامة، رغم تكثُّر الأفراد وتعدُّد الوجودات والأعدام.
لكنَّ الإشكال إنَّما هو في هذا المطلب، وهو: أنَّه هنا لا بُدَّ من أن نُحقِّق عدَّة مطالب:
أحدها: كيفية الضمان -ضمان (على اليد)- الذي قاله السيد، وتبعه غيره من بعده؟
ثانيهما: أنَّه في باب الضمانات التي وردت فيها روايات كثيرة، سواءٌ في باب ما نسمِّيه بضمان المثليّ أو ما نسمِّيه بضمان العينيّ. ما هو لسان تلك الروايات؟ هل كما يقول السيّد(1) من أنَّ العين بنفسها تدخل في عهدة الإنسان، سواءٌ ضمان اليد أو ضمان الإتلاف، وإذا أتلفها فالشارع يُعبِّده ببقاء نفس العين في ذمَّته، أو أنه ليس الأمر كذلك، والأخبار الواردة في الضمانات إنَّما تقول المعنى العقلائيّ، لا أكثر منه؟
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96 و103، قاعدة ما يضمن، ضمان المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ولا بُدَّ حينئذٍ من أن نبحث ما هو الضمان العقلائيّ في باب الإتلاف وغيره؟
أوَّلاً: ما يُقال من أنَّ نفس العين تأتي في العهدة، كما قاله السيد ومن قلَّده من بعده، ماذا يُريد بهذا القول؟ هل يُريد أن يقول: إنَّ هذه العين التي قبضتها تأتي إلى العهد، بحيث إنَّ حالها حال عهدة الكلِّيّات؟ فهذا محال. أو يُريد أن يقول: إنَّ هذا الفرد الخارجيّ يدخل منه في ذمَّتي كُلِّي لا ينطبق إلّا على هذا؟ يجيب: أنَّ عندي شيئين؛ أحدهما العين الخارجيّة وهي ملكي، والآخر الكلِّيّ وهو في ذمَّتي للآخر. فالعقلاء يعتبرون بإزاء العين كُلِّيّاً لا ينطبق إلّا على هذا الشيء ويجعلونه في الذمَّة.
أو يُريد أن يقول: إنَّ شخص هذا الشيء يعتبرونه في الذمَّة، فهذا الشخص نفسه يعتبرونه في مكان آخر، فهو لا يردّ إلى الذمَّة، ولكِنَّنا نعتبره في الذمَّة، فهو شخص واحد، له وجود حقيقيّ ووجود اعتباريّ في الذمَّة.
إلّا أنَّ هذا خلاف ظاهر (على اليد)؛ لأنَّك قلت: إنَّ ظاهرها هو أنَّ نفس العين في العهدة لا شيءٌ اعتباريٌّ في الذمَّة، واليد لم تقع على الشيء الاعتباريّ.
إذن فلا مناص لهذا القائل أن يقول: إنَّ باب الضمانات مثل باب الكفالات، إذ الاعتبار هناك هكذا وهو: أنَّني ذو عهدة للشيء الخارجيّ، لا أنَّ الخارج دخل في العهدة، بل العهدة تعلَّقت بما في الخارج، وهذا ممكن، فإذا كفلت زيداً الخارجيّ فهذا الموجود الخارجيّ له حيثيّتان موجودتان بوجود واحد، وأنا أكون ذا عهدة للموجود الخارجيّ بجميع شؤونه. والفرض أنَّنا لم ندخل الخارج في العهدة، بل أضفنا العهدة إلى الموجود الخارجيّ، فهذا الموجود
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الخارجيّ الذي وقع طرفاً للعهدة إذا انعدم كيف تبقى العهدة؟ إذا مات زيدٌ المكفولُ فهل تقول: أُدّت بشخصٍ آخر مثله، أو إنَّ طرف الإضافة قد انعدم بجميع شؤونه، والوجود الاعتباريّ لم تقع عليه اليد؟
وما سمعتموه من أنَّ الطبيعة لا تنعدم إلّا بانعدام جميع أفرادها في نظر العقلاء، إنَّما هو في الطبيعة المطلقة، أمَّا إذا كان فرد في البيت فهو إذا انعدم ينعدم الموجود في البيت لا محالة، لا أنَّه يبقى ببقاء الشخص الذي في خارج البيت؛ لأنَّ الكلِّيّ لا ينطبق إلّا على فرد، فإذا انعدم الفرد انعدم الكلِّيّ. نعم، إذا كان في البيت عشرة فلا يذهب الكلِّيّ إلّا بعد انعدام الفرد العاشر.
وإضافة العهدة إلى الموجود الخارجيّ مثل هذا الذي في البيت، فكما لا يمكن الحكم ببقائه بعد انعدامه، فإنَّا لا نُريد بقاء الإنسان مطلقاً، وإنَّما نُريد بقاء الإنسان في البيت، فيستحيل بعد المعدوميّة بقاء العهدة.
ولازم قولك إنَّ الضمان هو ضمان العين، أن ينسدّ باب الضمان، إذ لا يبقى إلّا وجوب ردِّ العين تكليفاً حال وجودها، وأمَّا إذا انعدمت فلا ضمان؛ لأنَّ الضمان إنَّما يتعلّق بشيء لا محالة، فلازمه القول بأنَّ الضمان حكم تكليفيّ لا حكم وضعيّ.
الآن لا بُدَّ من النظر إلى الروايات، لنرى المراد منها، هل هو ضمان تعبُّديٌ أو عقلائيٌّ؟
قالوا إنَّ اليد إذا وقعت على شيء فظاهر (على اليد) أنَّ نفس الشيء يقع في
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الذمَّة، وهذه العبارة فيها احتمالان وإن كان أحدهما أظهر:
الاحتمال الأول: أنَّ اليد إذا وقعت على شيء تتوسَّع الذمَّة إلى الخارج نظير الكفالة، إذ يصبح الكفيل ذا عهدة للشخص الخارجيّ، فكأنَّ العهدة توسَّعت إلى الخارج.
إذا كان هذا مراداً، فيرد عليه الإشكال الذي قلناه، وهو: أنَّ لازمه أنَّ هذا الشيء الخارجيّ إذا انعدم فلا يبقى شيء في الخارج؛ لأنَّ الشخص الذي في الخارج ليس مشتملاً على كُلِّي قابل للانطباق على الخارج، فإنَّ الكلِّيّ الطبيعيّ لا ينطبق على الأفراد بصفته كلِّيّاً، فإنَّ الطبيعيّ لا يأبى عن الكُلِّية والجزئيّة، بل هو مع الكلِّيّ كُلِّيٌ ومع الجزئيّ جزئيٌّ، وليس معناه أنَّ الطبيعيّ في الخارج قابل للانطباق على كثيرين، بل هو شخصيّ بشخصيّة هذا الفرد.
بناءً عليه إذا أصبح الإنسان ذا عهدة لشخص، فإذا انعدمت العين فلا معنى لأن يكون ذا عهد للمِثل، أو النوع القابل للصدق على كثيرين. والظاهر أنَّ هذا ليس هو المراد.
بل الظاهر هو الاحتمال الثاني، وهو: أنَّ هذا الشخص إذا وقعت عليه اليد، يعتبر هذا الشخص في الذمَّة، إمَّا عند العقلاء أو عند الشارع، حتَّى يؤدِّيه بنحو من أنحاء الأداء إمَّا بالمِثل أو القيمة، ونحن الآن نتكلَّم عن هذا الاحتمال، وهذا المعنى فيه عدَّة احتمالات:
أحدها: أنَّ ما يقال من أنَّه إذا وقعت اليد على شيء، فعند العقلاء أو الشارع يعتبر في العهدة، نظير اعتبار الكلِّيّات، غايته أنَّه شخصيّ.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثانيها: أنَّ اعتبار الشخص الخارجيّ في العهدة، بمعنى أنَّهم يسلبون الخارج عن الشخص، ويجعلونه اعتباراً وتعبُّداً في العهدة، فكأنَّ الشارع يقول: هذا الشيء انتقل إلى الذمَّة، ولم يبقَ في الخارج شيء.
وثالثها: أنَّ هذا الشخص موجود في الخارج، لكن يعتبر في الذمَّة مع حفظ موجوديّته في الخارج. وهذا فيه عدَّة صور:
الصورة الأولى: أنَّ المعنى المعتبر في الذمَّة تُعتبر الذمَّة فانية فيه، بحيث إنَّ المحكوم بالحكم هو الخارج.
الصورة الثانية: اعتبار أنَّ العين فانية في الذمَّة، بحيث إنَّ الحكم يكون للموجود في الذمَّة في عالم الاعتبار.
الصورة الثالثة: إنَّ كُلّاً منهما يكون قائماً بحياله، ومحكوماً بالاستقلال عن الآخر.
فإن كان المراد أنَّ هذا الموجود حكيناه من الخارج وجعلناه في الذمَّة، ففي عالم التعبُّد ليس هناك شيء في الخارج، فلازمه أنَّه لا حرمة في التصرُّف ولا ضمان عليه(1)؛ لأنَّ الشارع اعتبره لاشي، واللاشيء لا ملكيّة له ولا ضمان فيه لا بالمِثل ولا بالقيمة، وهذا لا يمكن الالتزام به.
أو أنَّه لم يحكِ الموجود الخارجيّ في الاعتبار، ولكنَّه اعتبر هذا الموجود الخارجيّ في الذمَّة، وهذا فيه عدَّة احتمالات: فتارةً تعتبر الذمَّة في الخارج، ومرَّةً
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) هذا لا يلزم إذ إنَّ الخارج وإن لم يكن مضموناً إلّا أن ضمان ما في الذمة كافٍ لا يجب الردّ عليه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يعتبر الخارج في الذمَّة، ومرَّةً يكون كلّ موجود على حياله.
فإذا جعلت الذمَّة فانية في الخارج، بحيث إنَّ الحكم للشيء الخارجيّ لا لِما في الذمَّة فقد اعتبره في الذمَّة، ولم يجعل عليه حكماً، فهو كرٌّ على ما فرَّ؛ لأنَّ ما في الخارج إذا انعدم انعدم بتمام شراشره.
وأمَّا إذا اعتبر الخارج فانياً بما في الذمَّة، فيرد الإشكال الآخر؛ لأنَّه اعتبره كأنَّه لا شيء، فلا تصدق عليه الملكيّة ولا الضمان.
وإذا كان كلٌّ منهما بحياله متحقّقاً، فلا بُدَّ أنَّ له قبل التلف ملكيتين:
أحدها: ملك مستقلّ للشيء الخارجي.
ثانيها: ملك للعين في ذمَّته، وإذا وقع تحت يد عدَّة أشخاص أكون مالكاً لهذا الحِمْل من الحنطة الخارجيّ، ولألف حِمْل في الذمَّة باعتبار عدد الأشخاص، وهذا أيضاً باطل.
بناءً عليه، فهذا المعنى الذي تقوله، وهو: أنَّ ظاهر (على اليد) أنَّ الشخص يقع في الذمَّة. لا يمكن تصويره بحيث ينطبق على القواعد، وتريد بقاء مثله في الذمَّة بعد فناء شخصه؛ لأنَّك إذا اعتبرت الشخص في الذمَّة، فالشخص بما هو شخص ثابت في الذمَّة، فليس عندي كُلِّيٌ في الذمَّة، فالهويّة الخارجيّة إذا وجدت فهي قابلة للردّ، وأمَّا إذا انعدم فالموجود في الذمَّة ليس إلّا الشخص، فإذا تلف لا يبقى شيء، بل إنَّ الشخص في الذمَّة غير قابل للصدق على الخارج، وإنَّما القابل لذلك هو الكُلِّي، فإذا انعدم الشخص فهو غير قابل لأن يبقى نوعه أو طبيعيّه، نظير (زيد الذي في الدار)، فإنَّ الكلِّيّ الذي يمكن انتزاعه
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
منه هو الإنسان الذي في الدار، وهذا إذا انعدم لا يبقى كليَّهُ، وأمَّا ما في الخارج من الأفراد فلا ينطبق على هذا الكُلِّي، ولازم هذا القول عدم وجود الضمان، وإنَّما يصبح الحكم تكليفيّاً بوجوب الأداء.
ونحن سنعود إلى مفاد(على اليد) بعد أن نتعرَّض لمطالب أخرى.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نحن لنا كلام في أن نرى ما هو الضمان عند العقلاء؟ لنطبقه على قاعدة (اليد)، وهو ما سوف نتكلَّم فيه، والآن نتكلَّم بعد الفراغ عن معنى الضمان. نتكلَّم في أنَّه في مقام الفراغ عن الذمَّة المضمّنة، هل للعقلاء حكم في ذلك؟
فنقول(1): إنَّ ما هو الموجود في سوق العقلاء أنَّ للحنطة والشعير وغيرها من المملوكات التي تتعلّق بها الرغبة، فيها خصوصيّات تجعلها مورداً لرغبة العقلاء، فمثلاً الحنطة صفاتها التي تجعلها مورداً للرغبة؛ كونها مشبعة للجوع وقابلة للزرع وتعوّض بالمال. وبعض الخصوصيّات ليست مورد الرغبة، وإن كانت تقترن صدفة مع الحنطة أو غيرها، كخصوصيّات كونها في الزمان الفلانيّ أو المكان الفلانيّ بطول كذا وعرض كذا. فمن هذه الناحية هذا الحِمْل من الحنطة مع ذلك الحِمْل من الحنطة، اللذين هما من جرة واحدة، لا يفرق في رغبة العقلاء أصلاً، فمورد الاختلاف ليس هو مورد للرغبة، منها: كون هذا له هويّة خاصّة أو مكان معين.
فما نقوله من وجوب ردِّ المِثْل عند العقلاء، فباعتبار أنَّه إذا تلفت العين يرى العقلاء أنَّه لم ينقص شيء ممَّا هو مورد الرغبة، فإنَّ المكان الفلانيّ والزمان
ــــــــــ[28]ــــــــــ
() وهذا الوجه نُرجع إليه سائر كلمات القوم (المحاضرة). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الفلانيّ ليس متعلّقاً للرغبة، فالمِثليّات بما أنَّها مشتركة في معانٍ تتعلّق بها رغبة العقلاء، ومختلفة في معانٍ لا رغبة فيها. من هذه الجهة إذا أعطيت لهم المِثْل لا يرون أنَّه قد فرّق عليهم شيئاً، بل تمام ما كان متعلّقاً للرغبة قد أعاده.
نعم، إذا كانت العين موجودة فهي مال الغير فلا بُدَّ من ردّه، لكن إذا تلفت لا يرى العقلاء أنَّ مثلها يفرّق عنها فيما هو مورد رغبتهم، فإذا دفع حِمْل حنطة عوض حِمْل، فتمام الشيء التالف الذي يرغبه العقلاء والذي يبذلون بإزائه المال حاصل، وما ليس متحقّقاً ليس هو مورد الرغبة.
فهذه هي نكتة ردِّ المِثْل في سوق العقلاء. نعم، إذا تعذَّر المِثْل ينتقل إلى القيمة، باعتبار أنَّها الأمر الوحيد الباقي ممَّا تتعلّق به الرغبة بعد التلف وتعذُّر المِثل.
هذا هو سوق العقلاء، ويمكن أن نفهمه من قاعدة (اليد) بتقريب آخر، ونقول: إنَّها تريد أن تقول نفس المعنى العقلائيّ.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
اتَّضح بأنَّه في مسألة الضمان وكيفيّة الخروج عنه، وكذلك في تشخيص المِثْليّ والقيميّ، ليست مسألة تُعرف من الشرع وتُؤخذ منه بنحو التعبد، فإنَّ تمام الموضوعات التي جعل الشارع عليها الأحكام، كلّها اعتمد فيها على طبق رأي العقلاء، فلا بُدَّ أن نرى ما هو رأيهم في ذلك.
وحينما نرجع إلى العقلاء في باب الضمان نراهم أنَّهم يُضمَّنون المِثْليّ بالمِثل، وما لا مِثْل له بالقيمة، وذلك ليس على وجه الدقّة، ولكن إذا لم يكن له مِثْل في نظرهم ينتقلون إلى القيمة، وإن كان له مثل بالدقَّة.
فقول الشيخ: المِثْل أقرب إلى العين من القيمة(1)، ليس المراد أن يكون الميزان هو الأقربيّة، لنبحث عن هذا العنوان وندور مداره، بل لعلَّ مقصوده هو النكتة العقلائية، وإنَّ العقلاء إنَّما قالوا بالمِثْل في المِثْليّات لأنَّه أقرب، ووجه ما قلنا آنفاً وهو: أنَّ ما هو متعلّق برغبة العقلاء بتمامه حاصل في المِثْل، وما ليس حاصلاً ليس فيه رغبة للعقلاء، ومن ذلك: الهويّة الشخصيّة.
والتعريفات الحاصلة في زمان الشيخ -شيخ الطائفة- للمِثْليّ والقيميّ(2)،
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 217، الضمان بالمثل.
(2) اُنظر: المبسوط 3: 60، الخلاف 3: 402 مسألة 11، السرائر 2: 285، في ضمان المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ليس باعتبار ورود تعبُّد خاصّ من الشارع، وإنَّما عرفوه على طبق قول العقلاء.
وإن أردنا استفادة هذا المعنى من (على اليد) فهو ممكن، ونقرِّره بالنحو الذي تكلَّمنا فيه إلى حدّ الآن. ثُمَّ نقول ما هو التحقيق في (على اليد)، بناءً على أنَّها ليست حكماً تكليفيّاً، بل حتَّى لو كانت توجب الردّ أيضاً ليس حكماً تكليفيّاً، بل معناه أنَّه في العهدة، فإنَّه فرّق بين وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت((1 وبين (فليحجّ الناس)، فإنَّ معناه العهدة والدين، ودين الله أحقّ بالوفاء. فـ (على اليد) تفيد جعل العهدة بلا إشكال. وحتى من يقول بأنَّ المراد منها الردّ يجب أن يقول: إنَّ الردّ في عهدته لا أنَّه يجب الردّ كباب النذر والحجّ، فـ (على اليد) يُستفاد منها الحكم الوضعيّ بلا إشكال.
بناءً على ما يُقال(2) من أنَّ ظاهرها أنَّ نفس العين تعتبر في الذمَّة، وهي باقية إلى حين ما تُؤدَّى، فإذا كانت نفس العين في عهدة الإنسان فهل المراد منه التعليق على الحال، لأنَّ هذه العين بما أنَّها تلفت ولا يمكن أداؤها فالضمان باقٍ إلى يوم القيامة.
أو أنَّه بهذا التعبير يُريد إسقاط الضمان؛ لأنَّ العين ما دامت موجودة فهي مضمونة؟ وإذا تلفت فحيث إنَّ أداءها أصبح غير ممكن فجعل الضمان أصبح لغواً، وهذان الاحتمالان خلاف فهم العقلاء ومخالف للوجدان.
بناءً عليه يُعلَم أنَّه علّق الحكم على أمر ممكن حتَّى بعد التلف، فيُعلم أنَّه في
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) البقرة: 97.
(2) هذا قول السيّد اليزدي المتقدّم، فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نظر الشارع يمكن الأداء حتَّى بعد التلف، فإذا لم يكن للشارع اصطلاح خاصّ في الأداء، فهو موكول إلى العقلاء. فإذا قال الشارع: بعد التلف (يحب الأداء)، والعقلاء يرون الأداء بعد التلف بالمِثْل إذا كان مِثْليّاً والقيمة إذا كان قيمياً، ثبت ما هو في نظر العقلاء، لا أن نتمسّك بالإجماع. إذن يمكن أن نستفيد من (على اليد) أنَّها أوكلت في حصول غايتها على رأي العقلاء، هذا مع إشكالات أخرى سوف تأتي. وحينئذٍ ينسد باب الإجماع والشهرة وغير ذلك.
ولهذا تلاحظون أنَّه في باب ضمان المِثْليّ في الروايات المتظافرة بل المتواترة، لم يُوجِد الأمر بأداء المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة. نعم، فيها: أنَّ التالف يجب دفع قيمته، ويقع الكلام فيه، وسرُّ ذلك هو أنَّ التعويل على ارتكاز العقلاء، وكأنّ وضيفة الأئمة هو ذكر الأحكام فقط.
ونحن لسنا في صدد تعريف المِثْليّ أو القيميّ، فإنَّ ذلك ليس في محلّه؛ لأنَّ الأمر هو عقلائيّ وإن وقع مورداً في بعض الأحيان عندهم.
فإن شككنا في شيء أنَّه مِثْليّ أو قيميّ، فحيث إنَّ الأصل يختلف باختلاف باب الضمانات.
إذن، فلا بُدَّ أن نرى أنَّه في باب الضمانات هل تأتي العين في العهدة مطلقاً، وما هي كيفيّتها، أو من الأصل يأتي المِثْل بالعهدة مطلقاً، والقيمة بدل اضطراري له؟
أو أنَّه من الابتداء تأتي القيمة في العهدة، أو أنَّه في المِثْليّات يأتي في المِثْل في
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العهدة ابتداء، وفي القيميّات القيمة مطلقاً، كما نُسب ذلك إلى المشهور؟
أو أنَّه يفرّق بين ضمان اليد وضمان الإتلاف؛ فعلى الأوَّل المِثْل، وعلى الثاني القيمة، أو بالعكس؟
هذه هي الاحتمالات، ولبعضها قائل.
أولاً: ننظر إلى الأدلّة لنرى أنّها على أيِّ شيءٍ تدلّ؟ وننظر أوَّلاً إلى الأدلّة الراجعة إلى ضمان اليد، ثُمَّ إلى أخبار ضمان الإتلاف؛ لنرى أنَّه ماذا يمكن أن يُستفاد منها.
القائل بأنَّ العين بنفسها تدخل في العهدة سواء في المِثْليّات أو القيميّات، كان أحد أدلّته هو (على اليد) كما ذكرنا تقريبه. وعندنا روايات مختلفة تنسب الضمان إلى الذات، يمكن أن يدعى أنَّها تدلّ على ذلك:
وفيها صحيحة ابي ولاد:
1- منها: ما في كتاب الوديعة(1) باب 5 الرواية الأولى، صحيحة الصفار، قال: “كتبت إلى أبي محمد: رجل دفع إلى رجل وديعة، وأمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره. (وفي الكافي(2) رجل دفع إلى رجل وديعة) فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه؟ فوقّع:
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) ص 482. (المقرِّر).
(2) الكافي 5: 239، ح9، باب ضمان العارية والوديعة. وسائل الشيعة 19: 81، ح1، باب ثبوت الضمان على المستودع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هو ضامن لها إن شاء الله“(1).
فقد نسب الضمان إلى الذات، ومعناه أنَّه ذو عهدة للذات، وإطلاقها يشمل المِثْل والقيمة.
وهناك روايات أخرى في باب الذهب والفضَّة وغيرها، وظاهرها أيضاً أنَّ نفس الشيء مضمون.
2- في كتاب الإجارة باب: ستة عشر، الرواية الأولى(2): عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن، قال: “سألته عن رجل استأجر دابَّة فأعطاها غيره فنفقت، ما عليه؟ قال: إن كان شَرَطَ أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، وإن لم يسمّ فليس عليه شيء“(3).
فقد نسب الضمان إلى الذات، فيُعلم أنَّها هي مورد للضمان.
وفي مقابل ذلك الآية: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(4) -بقطع النظر عن المطالب التي قلناها من أنَّ الآية أجنبيَّة عن محلّ الكلام- فيُقال: إنَّها أمرت بدفع المِثْل، إلّا أنَّ المقدار الذي نستفيده من الآية إنَّما هو أنَّ الضمان موجود، ففي مورد وجود العين نفسها فهي في العهدة ويجب
ــــــــــ[34]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 7: 180، ح791، باب الوديعة.
(2) ص 486 جـ 2. (المقرِّر)
(3) الكافي 5: 291، ح7، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحد. تهذيب الأحكام 7: 215، ح942، باب الإجارات. وسائل الشيعة 19: 118، ح1، باب في استأجر دابة فشرَط ان يركبها غيره.
(4) البقرة: 194، وتقدّم الكلام عنها مفصّلاً فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ردُّها، وإذا تلفت فلا بُدَّ من دفع ثمنها أيضاً، فالأمر بدفع المِثْل نفهم منه أصل الضمان، لكن لا نفهم منه خصوصيّة المِثْل. وإلا لزم وجوب دفع المِثْل حتَّى عند وجود العين، على إشكال في أصل الاستفادة.
3- ومنها: صحيحة أبي ولّاد، التي يُدَّعى إفادتها في ورود القيمة إلى العهدة(1).
وهي ما رُوي في الوسائل كتاب الإجارة باب سبعة عشر، الرواية الأولى: محمَّد بن يعقوب عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد، عن ابن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط، قال: “اكتريت بغلا إلى قصر أبي هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا وخرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خُبِّرت أنَّ صاحبي توجه إلى النيل(2) فتوجهت نحو النيل، فلما أتيت النيل خُبِّرت أن صاحبي توجه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به، وفرغت ممَّا بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلَّل منه ممَّا صنعت وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة وأخبره الرجل، فقال: لي ما
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() أقول: وهي رواية طويلة: ولم يقرأ السيّد إلّا محلّ الشاهد منها: إلّا أنَّنا نكتبها كلّها بأكملها تبرُّكاً أوَّلاً، ولكي تكون ثانياً مصدراً لنا فيما يأتي من الكلام إن طرأت الحاجة إلى الاستشهاد بها ثانياً، (المقرِّر).
(2) النيل: بكسر أوّله، بلدة على الفرات بين بغداد والكوفة قرب حلّة بني مزيد، والنسبة إليها: النيلي. اُنظر: الأنساب للسمعاني 5: 551، معجم البلدان 5: 334.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليماً، قال: نعم بعد خمسة عشر يوماً، قال: فما تريد من الرجل فقال: أريد كراء بغلي فقد حبسه عليَّ خمسة عشر يوماً. فقال: ما أرى لك حقاً؛ لأنَّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل وسقط الكراء، فلما ردَّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكراء. قال فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممَّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه. وحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد الله بما أفتى به أبو حنيفة، فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها. قال: فقلت لابي عبد الله: فما ترى أنت؟ فقال: أرى له عليك مثل كراء بغلٍ ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغلٍ راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغلٍ من بغداد إلى الكوفة، توفِّيه إياه. قال: فقلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم فَلِي عليه علفه؟ فقال: لا؛ لأنَّك غاصب. قال: فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته. قلت: فإنَّ أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه. فقلت: من يعرف ذلك؟ قال: أنت، وهو إمَّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردَّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنَّ قيمة البغل حين اكترى بكذا وكذا فيلزمك. فقلت: إنِّي كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلَّلني، فقال: إنَّما رضى بها وحلَّك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن ارجع إليه فاخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حلٍّ بعد معرفته
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فلا شيء عليك بعد ذلك(1). الحديث.
فقد جعل في عهدته مثل قيمة البغل.
وجوابه: أنَّه يُفهم منه الضمان، لكن لا يفهم خصوصيّة القيمة، بل يناسب مع ضمان نفس العين، و(يلزمك ذلك) ليس معناه أنَّه بعهدتك ذلك، ليقال إنَّ القيمة كذلك، وإنَّما معناه أنَّه يجب عليه الأداء.
4- في الرواية الخامسة من نفس الباب، رواية زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن آبائه ، قال: “أتاه(2) رجل تكارى دابَّة فهلكت وأقرَّ أنَّه جاز بها الوقت، فضمَّنه الثمن، ولم يجعل عليه كراء”(3). وهي رواية ضعيفة سنداً(4) ودلالة؛ لأنَّه مطابق لقول أبي حنيفة بأنَّ “الخراج بالضمان“(5). مضافاً إلى
ــــــــــ[37]ــــــــــ
() الكافي 5: 290، ح6، باب الرجل يكتري الدآبة فيجاوز بها الحد. تهذيب الأحكام 7: 215، ح943، باب الاجارات. وسائل الشيعة 19: 119، ح1، باب من استأجر دآبة إلى مسافة فتجاوزها.
(1) كأنَّ السيّد فهم من مرجع الضمير أمير المؤمنين. (المقرِّر)
(3) تهذيب الأحكام 7: 223، ح977، باب الاجارات. الاستبصار 3: 135، ح484، باب من اكترى دآبة إلى موضع فجاز ذلك الموضع. وسائل الشيعة 19: 122، ح5، باب من استأجر دآبة إلى مسافة فتجاوزها.
(4) بالحسين بن علوان كذا قال السيد. (المقرِّر)
(5) قال الشيخ الطوسي في التهذيب في ذيل الحديث المتقدّم: هذا موافقٌ للعامّة، ولسنا نعمل به، والعمل على ما قدَّمناه. وقال في الاستبصار: فالوجه في هذه الرواية ضربٌ من التقيّة؛ لأنَّها موافقةٌ لمذهب كثيرٍ من العامّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أنَّ تضمينه القيمة ليس معناه أنَّه جعل الضمان على عهدته، فإنَّ أمير المؤمنين لا يستطيع جعل الحكم بصفته قاضياً، وإنَّما الضمان حكم إلهيّ، وإنَّما معناه هو التضمين في مقام القضاء بحسب الحكم الظاهري، فيجب الخروج عن الضمان بنحو الوجوب التكليفيّ الظاهريّ.
نعم، في القيمي قيل مطلب، وهو: أنَّ الداخل في العهدة دائما هو القيمة، ومحصَّل ما قاله البعض(1) هو: أنَّ ما هو مورد رغبة العقلاء هو عبارة عن ماليّة الأشياء. وأمَّا العين والخصوصيات الأخرى فكلُّها تعود إلى جهة الماليّة، ولا ينظر العقلاء إلى صفات الأشياء وأشكالها، وإنَّما ينظرون إلى ماليّتها، فإذا تلف المال المغصوب يطالب بالقيمة عقلائياً يوم التلف، سواءٌ زادت القيمة أو نقصت بعد ذلك.
ثُمَّ إنَّه ليس شرطاً أن يدفع الماليّة بالنقود، فإذا أعطى في مقابل الـمَنِّ مِن الحنطة التالف خمسة أمنان من التبن، وكان مساوياً لقيمتها، كان له ذلك. فالضمان دائماً منصبٌّ على الماليّات، والماليّة هي التي تأتي في العهدة.
نقول: المطلب عكس ذلك، وذلك لأنَّ الماليّة تتّبع خواص الأشياء، والماليّات دائر أمرها مدار الرغبة، يعني بمقدار الطلب تتغيّر قيمة الأشياء. فإذا قلَّ الطلب قلّت القيمة، وأما إذا زاد العرض عن الحاجة والطلب، فقهراً تتبدَّل القيمة، ولعلَّها قد تسقط عن الماليّة بالكُلِّيّة؛ فلذا يُقال إنَّه في أمريكا يُحرقون أو
ــــــــــ[38]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الايرواني) 2: 133.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يُغرقون أطناناً من الحنطة الفائضة، لكي يضمنوا رواج أسواقهم في بلادنا. فالقيمة تتّبع خواص الأشياء، والكثرة والقلَّة لوجود الشيء، فليس أنَّ الماليّة هي المطلوب الأوَّل للناس، وإنَّما هي تبع هذه المعاني.
نعم، التجَّار بما أنَّهم وسائط لهذا المطلب فهم يريدون توسيع ماليّاتهم؛ لأجل توسيع تجارتهم. ولكنَّ الناس ليسوا كذلك، وإنَّما هم تبع رغباتهم.
فما يقوله(1) من لزوم أداء قيمته يعدم التلف، سواءٌ زادت القيمة أو نقصت. وما يقوله من جواز دفع التبن عن الحنطة وغير ذلك، كلُّه كلام مدرسيّ لم يرجع فيه إلى سوق العقلاء. إذن، فهذا الوجه ليس تامّاً.
الآن ينبغي النظر في أخبار الإتلاف.
بناءً على أنَّ مقتضى الأدلّة، سواء في قاعدة (اليد) أو الإتلاف، هو أنَّ نفس العين تأتي في العهدة، إذا اقتضى التعبُّد ذلك فلا إشكال، بل إنَّ ذلك من باب الإتلاف لا يرد عليه جملة من الإشكالات التي ذُكرِت، إذ إنَّ اعتباره في الذمَّة له ثمرة عمليّة وهو رجوع القيمة يوم الأداء.
وما يمكن أن يدلّ في ضمان الإتلاف على أنَّ نفس العين في العهدة، روايات نقرؤها ونقرأ معارضاتها وننظر إلى عملها فيها.
1- منها: ما في الباب الثالث عشر، الرواية الثانية من أبواب موجبات
ــــــــــ[39]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الايرواني) 2: 137 و139.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الضمان من كتاب الديات(1): الشيخ بإسناده عن محمَّد بن أحمد بن يحيى، عن محمَّد بن عيسى، عن يونس، عن محمَّد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله: “أنَّه سُئِل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابَّة، فتصيب برجلها؟ قال: ليس عليه ما أصابت برجلها، وعليه ما أصابت بيدها، وإذا وقف فعليه ما أصابت بيدها، ورجلها وان كان يسوقها فعليه ما أصابت بيدها ورجلها أيضاً. انتهى”(2). ومقتضى هذه الرواية أنَّ ما أصابت الدابَّة فهو عليه، أي: في ذمَّته، فقد نسب التضمين إلى الذات، وهو نحو من تضمين الإتلاف لا ضمان اليد، وظاهر النسبة إلى الذات هو تعلّق العهدة بالعين.
2- ونظيرها عدَّة روايات، منها صحيحة الحلبي، وهي الرواية التي بعدها من نفس الباب، عن أبي عبد الله، “أنَّه سُئِل عن الرجل يمرُّ على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابّته إنساناً برجلها؟ فقال: ليس عليه ما أصابت برجلها ولكن عليه ما أصابت بيدها؛ لأن(3) رجليها خلفه إن ركب فإن كان قاد بها فإنَّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء“(4).
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) ص 527 جـ3. (المقرِّر).
() الكافي 7: 351، ح2، باب ضمان ما يصيب الدواب. تهذيب الأحكام 10: 225، ح886، باب ضمان النفوس. الاستبصار 4: 285، ح5، باب ضمان الراكب، وسائل الشيعة 29: 247، ح2، باب 13.
(2) لا يخفى أن ذيل الرواية لا ربط لها في المقام ولم يقرأه السيّد أثناء الدرس. (المقرِّر).
() الكافي 7: 351، ح3، باب ضمان ما يصيب الدواب. مَن لا يحضره الفقيه 4: 155، ح5348، باب ما يجب في الدابة. تهذيب الأحكام 10: 225، ح888، باب ضمان النفوس. الاستبصار 4: 284، ح1074. وسائل الشيعة 29: 247، ح3، باب 13.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وفي باب (الإنسان) يمكن أن يُتكلَّم على نحوين:
أحدها: أنَّه ما المانع بأن يقال: إنَّه في باب الديات يأتي الإنسان نفسه في الذمَّة؟ غايته أنَّ ديَته مقرَّرة شرعاً، كما أنَّ دية الكلب مقرَّرة شرعاً بأربعين درهما(1).
ثانيها: أنَّه وإن كان ضامناً، لكن لا نقول بوقوع العين في الذمَّة بالنسبة إلى (الإنسان)، فنأخذ بالكبرى الكُلِّية في كون معنى الضمان هو وقوع العين في الذمَّة، إلّا فيما هو مقرَّر شرعاً بدليل خارجيّ، وإذا أخرجنا (الإنسان) عن الكبرى، وهو مورد الرواية، لم يمكن الاستشهاد بها في غيره، إلّا أنَّه يبقى في الروايات الأخرى كفاية.
3- ومنها(2): موثوقة سماعة، قال: “سألته عن الرجل يحفر البئر في داره، أو في أرضه؟ فقال: أمَّا ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان، وأمَّا ما حفر في الطريق أو في غير ما يملكه فهو ضامن لما يسقط فيه“(3)، فقد نسب الضمان إلى ذات تسقط فيه، فيُستفاد منه أنَّه ذو عهدة بالنسبة إلى الذات.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() اُنظر: وسائل الشيعة 29: 226، ح1، باب ما له ديّة من الكلاب.
(2) ص 526. (المقرِّر).
(3) الكافي 7: 349، ح1، باب ما يلزم من يحفر البئر فيقع فيها الماء. مَن لا يحضره الفقيه 4: 153، ح5341، باب ما يجب فيمن أحدث بئراً. تهذيب الأحكام 10: 229، ح903، باب ضمان النفوس. وسائل الشيعة 29: 241، ح3، باب 8، من حفر بئراً في ملكه لم يضمن ما يقع فيها.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وفي بعض الروايات في باب الحدود نسبت الضمان إلى نفس الدية(1)، فيُعرف منها أنَّ الضمان هو الورود إلى العهدة، فإذا نُسب إلى الذات فالذات هي الواردة إلى العهدة، وإذا نُسب إلى الدية فهي التي تأتي على العهدة.
وفي مقابل هذه الروايات الدالّة على تعلّق العين في العهدة، هناك روايات يمكن أن يُقال إنَّها مخالفة لهذه الروايات.
1- منها: ما في الباب الأوَّل من نكاح البهائم، الرواية الرابعة، عن سدير، عن أبي جعفر: “في الرجل يأتي البهيمة، قال: يُجلد دون الحدّ ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها؛ لأنَّه أفسدها عليه وتذبح وتحرق…” الحديث(2).
فيقال: إنَّها جعلت الغرامة القيمة.
ويجاب: بأنَّنا أيضاً نقول بذلك بعد التلف، وليس في الرواية ما يدلّ على ما في العهدة، بل ظاهرها أنَّ الغرامة تعطى قيمتها يوم الإحراق والتلف، على حين أنَّه أفسدها حين الوطء، وربما يكون الزمان بين الوطء والإحراق طويلاً، بحيث تتغيّر القيمة فيه، فيُعلم أنَّه حين الإفساد جاء عين المال في ذمَّته، و إلّا لحكم بوجوب دفع قيمة يوم الإفساد لا يوم الإحراق.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
(1) اُنظر: وسائل الشيعة 29: 280 أبواب موجبات الضمان.
(2) الكافي 7: 204، ح1، الحدّ على من يأتي بهيمة. تهذيب الأحكام 10: 61، ح220، باب الحدّ في نكاح البهائم. الاستبصار 4: 223، ح833، باب حدّ من أتى بهيمة. وسائل الشيعة 28: 358، ح4، باب تعزير ناكح البهيمة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن، فلا يكون في هذه الرواية ما يُستفاد منه معارضة تلك الروايات.
2- في باب شهادة الزور قرأنا بعض الروايات التي يستفاد منها باب التلف، منها ما في الباب الحادي عشر من كتاب الشهادات(1)، صحيحة جميل، عن أبي عبد الله: “في شاهد الزور قال: إن كان الشيء قائماً بعينه ردَّ على صاحبه، وإن لم يكن قائماً ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل“(2). فيقال: إنَّما ضمنت قدر المال يعني قيمته.
ولكن يمكن أن يقال: إنَّ قدر المال نفسه بقرينة ما في الروايات التي قبلها، “قال: يؤدِّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث“(3) فيضمن بمقداره، يعني: يضمن نفس ما تلف.
3- في كتاب اللقطة آخر باب منه(4)، محمَّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني (وهي رواية معتبرة)، عن أبي عبد الله: “أنَّ أمير المؤمنين سُئِل عن سفرةٍ وُجِدت في الطريق مطروحةً، كثيرٌ لحمُها وخبزُها وجبنُها وبيضُها، وفيها سكّين، فقال أمير المؤمنين:
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) ص 447. (المقرِّر).
(2) الكافي 7: 384، ح3، باب من شهد ثمّ رجع عن شهادته. مَن لا يحضره الفقيه 3: 59، ح3331، باب شهادة الزور وما جاء فيها. تهذيب الأحكام 6: 259، ح686، و260، ح688، باب البيّنات بطريقين عن جميل.
(3) تهذيب الأحكام 6: 260، ح687، باب البيّنات. وسائل الشيعة 27: 327، ح1، باب الشاهد إذا رجع.
(4) ص 374. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يقوّم ما فيها، ثُمَّ يؤكل، لأنَّه يفسد، وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن“. الحديث(1).
فيُقال: إنَّها أوجبت دفع القيمة، إذن فالميزان في باب القيميّات بل والمِثْليّات هو دخول القيمة إلى العهدة.
لكنَّها -في الحقيقة- تريد أن تقول مطلباً أخر، فإنَّها تجعل الضمان الجعليّ لجواز التصرُّف، وهو ضمان يجعله الإنسان على نفسه وعلى عهدته، ويكون الضمان بعد التلف. وهذا غير الضمان القهريّ الذي يجعله الشارع في إتلاف مال الغير.
4- ومنها: في كتاب اللقطة باب، عن الصادق: “…وإن وجدت طعاماً في مفازة فقوُّمه على نفسك لصاحبه، ثُمَّ كُلْه، فإن جاء صاحبه فردَّ عليه القيمة“(2).
فهذا أيضاً يمكن أن يُقال: إنَّه ليس من ضمان الإتلاف، بل من الضمان الجعليّ الذي يجعله الإنسان على نفسه.
5- العمدة رواية واحدة في الباب الرابع عشر من أبواب موجبات الضمان، الرواية الأخيرة في الباب، عن علي بن جعفر(3) عن أخيه موسى بن
ــــــــــ[44]ــــــــــ
() الكافي 6: 297، ح2، باب نوادر. تهذيب الأحكام 9: 99، ح432، باب الذبائح والأطعمة. وسائل الشيعة 25: 468، ح1، باب حكم التقاط اللحم والخبز.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 297، ح4064، من وجد سفرة في الطريق. وسائل الشيعة 25: 443، ح9، باب وجوب تعريف اللقطة.
(3) ص 527. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
جعفر قال: “سألته عن البُختِيّ(1) مُغتلم(2) قتل رجلاً، فقام أخو المقتول فعقر البُختِيّ وقتله، ما حاله؟ قال: على صاحب البُختِيّ دية المقتول ولصاحب البختي ثمنه على الذي عقر بُختِيّه“(3). وهذا له ظاهر لا يُنكر في أنَّ من أتلف شيئاً من القيميّات تأتي قيمته إلى العهدة.
والأمر دائر في هذه الروايات بين أن نتصرَّف في هذه الرواية، ونُرجعها إلى الروايات القائلة بضمان نفس العين.
بأن يقال: إنَّه إنَّما قال: (الثمن عليه) باعتبار عدم مضي مدَّة من التلف إلى الأداء تختلف فيها الأثمان، فإنَّ السوق في ذلك الحين كانت مستقرِّة لا يُؤثِّر فيها مضي عدَّة أيام.
ونحن إنَّما نقول: إنَّ العين تكون في ذمَّته باعتبار تضمينه قيمة يوم الأداء، وهو حاصل.
أو يقال: إنَّ مراده من أنَّ عليه غرامة الثمن، يعني: أنَّه ملزَمٌ بدفعه لا أنَّه في عهدته.
وبين أن نؤول تلك الروايات، ونقول: إنَّ المراد بها الغرامة، وإنَّ نفس الشيء ليس في العهدة، وإنَّما الثمن في العهدة(4).
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() جمل هائج للنكاح. (المقرِّر).
(2) اغتلم البعير: إذا هاج من شدّة شهوة الضراب. مجمع البحرين 327:3، مادّة (غلم).
(3) مسائل علي بن جعفر: 196، ح416، وسائل الشيعة 29: 251، ح4، باب ضمان صاحب البعير.
(4) تقدَّم نقله عن المحقّق الايرواني في الحاشية.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وقد يقول صاحب هذا القول: إنَّ إرجاع الرواية الواحدة إلى الروايات الكثيرة أولى من العكس.
ولكنَّ الذي أظنُّه هو غير هذا المطلب، في كلّ من باب (على اليد) وباب ضمان الإتلاف في نظر العقلاء، نحن إذا أردنا أن نرفع اليد عن طريقة العقلاء، ونتعبَّد بخلافهم، فنحتاج إلى قوَّة وصراحة، كما في دية الكلب التي ورد أنَّها أربعون درهماً(1)، فردعت عن سيرة العقلاء بضمان قيمته بصراحة. أمَّا إذا كانت للأدلّة ظهورات (طلبگيّة) دقِّيّة لا ظهورات سوقيّة، بحيث إنَّها ظهورات من التدقيق يمكن أن يُقال إنَّها ليست ظهوراً متّبعاً، ولو كانت ظهوراً ضعيفاً لا يمكن أن يكون رادعاً عن سيرة العقلاء، فإنَّ هذا الردع يحتاج إلى قوَّةٍ في الظهور.
فإن قيل: إنَّها ظاهرة بذلك -وهي غير ظاهرة على ما سوف يأتي- فلا بُدَّ أن نرى رأي العقلاء في أنَّه هل يأتي عين المال إلى العهدة، بحيث إذا كسرت برجلها الدابَّة شيئاً يدخل هذا الشيء في العهدة، أو أنَّ هذا الكلام كلام المدرسة؟
وأمَّا العقلاء فإذا قالوا: إنَّه ضامن. فليس مرادهم ضمان الخسارة؛ ولهذا ضَمّن الفقهاء المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة، فإنَّهم كانوا يفهمون من الضمان بمعنى تعهُّد الخسارة، لا أنَّ العين بنفسها تأتي إلى الذمَّة، فإنَّ نفس تصوُّر هذا المطلب مشكل فضلاً عن التصديق به؛ لورود الإشكالات السابقة عليه،
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) اُنظر: وسائل الشيعة 29: 226 باب: ماله ديّةٌ من الكلاب وقدر الديّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأظهر الأشياء التي كان يُستشهد بها لهذا القول هو (على اليد)، ونحن لا نعتقد أنَّها ظاهرة بذلك.
فإنَّ “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدِّيه“، يقول الآغايون(1): إنَّها تفيد وجود العين في الذمَّة، فإن كانت موجودة فيجب دفعها بنفسها، وإن لم تكن موجودة فبمِثْلها وإلا فبقيمتها. مع أنَّها لا تقول ذلك، بل مرادها أنَّ مَن أخذ عين مال الناس فهو ضامن لها، ومعنى الضمان: أنَّه إذا تلف يجب عليه أن يدفع الخسارة، والضمان باقٍ مادام أنَّه لم يردّ، فهو لا يجعل الردّ حدّاً وغاية لِما في العهدة –على ما يقولون–، بل يُريد أن يجعله حدّاً لكونه (عليه)، فإنَّ الضمان مستمرّ عليه ما دام لم يصل المال إلى صاحبه، فإذا وصل إليه ارتفع (عليك)، وليس متعرّضاً لضمان التالف.
وهذا معنى الضمان عند العقلاء وهو أنَّه إذا تلف عليك مِثْله أو قيمته، فما دام المال غير واصل إلى صاحبه فأنت ضامن له بهذا المعنى. فما قاله الآغايون من أنَّ دفع المِثْل ودفع القيمة من مراتب الأداء، إنَّما هو لأنَّهم حملوا الأداء على أداء يوم التلف، على حين أنَّه يُريد أن يقول: إنَّ الأداء في عهدتك، ودفع المِثْل أو القيمة هو جبران للخسارة.
إذن، فمفاده قاعدة (اليد) هو أنَّ غاية هذا المعنى التعليقيّ في الضمان هو الوصول إلى صاحبه، وهو المعنى الذي فهمه الفقهاء السابقون، إلى أن أدخلوا الدقة في فهم الظواهر.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) راجع على سبيل المثال: القواعد الفقهيّة 1: 129، قاعدة اليد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فتقدير العين في الذمَّة لا الشارع قائل به ولا العقلاء، ولا تدلّ عليه الروايات، فإنَّها غاية ما تدلّ وعلى ضمان الردِّ، نحو: (ألقِ مالك في البحر وعلى ضمانه)، ونحو ذلك. وهو المعنى عند العقلاء.
إذا شككنا أنَّ شيئاً ما مِثْليّ، فلا بُدَّ من أداء المِثْل عند تلفه، أو قيميّ فلا بُدَّ من أداء القيمة. فما هو مقتضى الأصل، ولم يكن في المقام دليل اجتهاديّ إذ الفرض كونه محلّ الشكّ؟
الشكّ تارةً: يكون بنحو الشبهة المفهوميّة، كأن أشكّ أنَّ هذه الأجناس التي تنتجها المكائن على شكل واحد، هل يصدق عليه مفهوم المِثْليّ أو لا يصدق؟
وتارةً: تكون الشبهة موضوعيّة كشيء تلف تحت يد الضامن، لا يدري هل هو حِمْل حنطة ليكون مِثْليّاً بلا إشكال، أو فرساً ليكون قيميّاً بلا أشكال؟ الشيخ(1) وأمثاله كرَّسوا بحثهم حول الشبهة المفهوميّة، وإن بحثوا في الجملة عن الشبهة الموضوعيّة.
ونحن سبق أن حقَّقنا كيفيّة الضمان، إلّا أنَّه بما أنَّ المباني مختلفة ويختلف الأصل باختلافها، فنذكر احتمالات القضيّة وصورها.
في باب الضمان يُحتمل تعلّقه بنفس العين، كما قال المرحوم السيّد(2) ومن
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 220-221، الاستدلال على ضمان المثلي.
(2) راجع حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96 و103، قاعدة ما يضمن، ضمان المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يتبعه، وأداء المِثْل والقيمة بما أنَّها نحو من أداء العين، فمن هنا يسقط أداء العين بأداء المِثْل والقيمة.
وأخرى نقول: إنَّه يأتي عنوان كُلِّي في الذمَّة وهو البدل أو العوض، فإذا كان من المِثْليّات يكون البدل مِثْلاً، وإذا كان من القيميّات يكون البدل القيمة.
وتارةً نقول: إنَّ الضمان في سائر الموارد يأتي المِثْل في العهدة، غايته أنَّه إذا لم يستطع أداء المِثْل فتكون القيمة نحواً من الأداء له، وبه يسقط أداء المِثْل.
وأخرى نقول: إنَّه في باب الضمان باب تعلُّق القيمة في العهدة، ولا بُدَّ من أداء القيمة.
وأخرى نقول: إنَّه في المِثْليّات يأتي المِثْل في العهدة، وفي القيميّات تأتي القيمة في العهدة، كما نُسب إلى المشهور(1).
وفي القيمة نقول: إنَّ تلك القيمة التي تتعلَّق بأصل الضمان، أو في مقام الأداء، أو في مقام فراغ الذمَّة، لا بُدَّ من أدائها –عبارة عن الماليّة السارية في جميع الأشياء، بحيث إنَّه لو أتلف فرساً يستطيع أداءه في أيّ شيء آخر له قيمة.
ومرة نقول: إنَّ القيميّات عبارة عن القيم المتعارَفة، وهي التي تكون تمام ماهيّاتها قيمة، وهي عبارة عن الأثمان: النقدين أو النقود. وإذا أدَّى له غير ذلك لا حقّ له، وللمالك حقّ الانتفاع من أخذه.
إذا قلنا بما قاله السيّد من أنَّ العين تتعلَّق بالذمة، وفي مقام الأداء، وعدم
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 289، في ضمان المثلي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وجود العين، ففي المِثْليّات لا بُدَّ من أداء المِثْل، وبأدائه تسقط العين، لا أنَّه عند التلف يتبدّل بالمِثْل.
وفي باب القيمة: مرَّةً نقول بأنَّ القيمة عبارة عن الأثمان، أو عبارة عن القيمة المشتركة بين الأشياء. فعلى الثاني فلا شكّ أنَّه إذا كانت العين في العهدة فلا بُدَّ من العلم بالسقوط عن العهدة، ولكنَّ العلم بالسقوط بناءً على أنَّ القيمة هي الماليّة المشتركة بين الأشياء بعد الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة، كما لو كان التالف ممَّا تنتجه المكائن وشككت أنَّ ما تنتجه المكائن مثله هل يحصل به الأداء أو لا؟ فتحصل البراءة التعيينيّة فيما إذا كان الموجود مساوٍ في القيمة مع التالف أو أكثر منه؛ لأنَّه إمَّا مِثْليّ فقد أدَّيت مثله، أو قيمي فقد أدَّيت ماليته المشتركة بين الأشياء.
وأمَّا إذا نقصت قيمته عنه فلا يمكن الاكتفاء به، بل يدفعه مع ضميمة شيء له ماليّة، يحصل بها جبران النقص. فهنا إذا كان مِثْليّاً فقد أدَّى المِثْل، وإذا كان قيميّاً فقد أدَّى القيمة باعتبار الضميمة. وفي مثله لا إشكال في ارتفاع الضمان.
وفي مثل ذلك لا حقّ للمالك في الامتناع عن الأخذ، ولا الضامن يستطيع أن يتخلَّف عن الأداء.
وإذا قلنا: إنَّ القيمة هي الأثمان، فما هو اللازم دفعه في القيميّات هو ذلك، ويجب على المالك قبوله.
بناءً عليه، فالقطع بالبراءة لا يحصل بأداء واحد منها -المِثْل أو القيمة-،
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ولا بدفعه مع الضميمة لو كان أقل قيمة؛ لأنَّه يُحتمل أن يكون من القيميّات فلا يجزي عنه المِثْل، وحينئذٍ لا بُدَّ من دفع الثمن.
وهو أيضاً لا يكفي، إذن فلا تحصل البراءة إلّا بدفع كِليهما -المِثْل والقيمة- غايته يقع الكلام أنَّ البراءة متوقِّفة على تمليك كِليهما، بحيث يكون الضامن ملزماً بأداء كِليهما، ويملكهما الآخر معاً بإزاء شيء واحد، أو أنَّها ليست متوقّفة على ذلك، بل تحصل فيما إذا سلَّم إليه كِلا الأمرين، وقال له: (خُذ عوض مالك منهما أيَّ واحدٍ تشاء)، فإذا أخذ أحدهما حصلت البراءة؛ لأنَّه إمَّا مِثْله أو قيمته مع قبوله بها عوضاً عن ماله.
وأمَّا إذا قلنا بوجوب تمليك كِليهما في سبيل حصول اليقين بالبراءة، فهل يمكن رفع اليد عن الحكم بقاعدة (لا ضرر) أو لا؟
أوَّلاً: لنا كلام في ذلك بناءً على مباني الآغايون من أنَّها تشمل مثل هذه الموارد.
وثانياً: هناك كلام للسيد .
نحن نقول: إنَّه على فرض أنَّ (لا ضرر) تنفي الأحكام الضرريّة، وعلى فرض أنَّها تنفي ما يأتي من قبله الضرر كالمقدّمات. فهل هي تنفي المقدّمات العلمية؟ فإنَّ المفروض أنَّ هذا ليس حكماً شرعيّاً بل حكم عقليّ مترتِّب على جهلي بالحكم وعلمي الإجماليّ بوجوب دفع أحد الأمرين، فلا بُدَّ من دفع كِليهما ليحصل البراءة اليقينيّة، فليس هذا حكماً شرعياً لتدفعه (لا ضرر). فإنَّه بناءً على أنَّ (لا ضرر) تنفي الحكم الشرعيّ بناءً على مباني القوم، هنا لم يرد
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الضرر من قبل الشرع، بل من قبل حكم العقل، فلا تشمله القاعدة.
ولكن السيّد(1) يقول: إنَّها ليست جارية. فنفس الدليل الذي قلناه في المقدّمات الواقعية إنّها غير جارية، ولا فرق بين المقدّمات العلميّة والمقدّمات الواقعيّة.
نقول: إنَّ ما قلته في باب المقدّمات الواقعيّة، كان هو أنَّ هذه المؤونة التي يتوقَّف عليها الردُّ، إذا كانت من مقتضيات ذات الردّ يكون ذات الردّ ضرريّاً، فلا تشمله القاعدة؛ لأنَّها لا تشمل الأحكام الضرريّة بالذات.
وأمَّا إذا كانت المؤونة زائدة على المتعارَف فتشمله قاعدة (لا ضرر) وترفع وجوب المؤونة. فهل يأتي هذا في المقدّمات العلمية؟ هل يتوقف دفع مال الغير إلى صاحبه على دفع كِلا الأمرين؟ أو أنَّني أعمل هذا العمل باعتباري جاهلاً وأريد أن اقطع بالبراءة؟ لا أنَّه لازم الردّ أن يكون الآخر مدفوعاً، فالآخر أجنبيّ عنه بالكُلِّيّة. إذن، فنحن نعلم بأنَّ هذا ليس مقدّمة لهذا ولا ذاك بالعكس.
فإذا أعطاه كِلا الأمرين؛ فمَّرةً يمتنع صاحب المال عن أخذهما، ويقول: أريد عين مالي، ومرَّةً يأخذ أحدهما ويرضى به عوضاً عن ماله، ومرَّةً يأخذ كِليهما ليصل إليه بدل عين ماله.
فإذا أخذ أحدهما يصحّ من باب التراضي، لا من باب اختيار هذا أو اختيار ذاك، فإنَّ معنى اختيار أحدهما إلزامه للآخر بأحد الطرفين. وأمَّا إذا لم يحصل
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 97، قاعدة ما يضمن.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
التراضي، كما لو أراد المالك مال نفسه، أو يقول له الضامن: أنا لا ادفع إليك إلّا مالك ولست ملزماً بدفع مالي إليك، أو يضعه بين يديه ليدخل ما هو ماله واقعاً في ملكه، ويأخذه الآخر بهذا القصد أيضاً؛ فيصبح هذا مالكاً لاحدهما، والآخر مالكاً للآخر مع الاشتباه في العينين.
فعلى هذا الأخير يكون من باب تزاحم الحقوق، فهذا أمر مشكل يدخل في باب القرعة، وما يقوله الآغايون من أنَّ القرعة لا تشمل الشبهات الحكميّة، وأنَّ الشبهة الحكميّة خارجة عن مصبّ أدلّة القرعة، كما لو شككت أنَّ الواجب عليَّ هو الظهر، أو الجمعة؟ فأقترع لمعرفة ذلك، هذا صحيح، والقرعة خاصّة في الشبهات الموضوعيَّة، إلّا أنَّها تعمّ الشبهات الموضوعيّة البحتة، والشبهات الموضوعيّة الناشئة من الشكّ في الحكم، كما في المقام فإنَّ لك شبهة حكميّة بوجوب أداء أحدهما، وفي ذلك لا مجال للقرعة، وهذا قبل أخذ الطرف للمال.
أمّا إذا أخذ الطرف كِلا المالين، وعلمنا بالإجمال أنَّ أحدهما له وأحدهما لي –أنا الضامن–، فيكون هذا من قبيل الشبهة الموضوعيّة، وتصلح القرعة لنعرفها.
وأمَّا إذا امتنع كِليهما عن التصالح، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الحاكم، وهو إمِّا أن يجبرهما على التصالح، أو بأنَّ يختار هو أحدهما ويعطيه للمالك إزاء ماله. وهذا ليس اختياراً في الفتوى حتَّى يستشكل فيه الشيخ وآخرين، بل هو اختيار في مقام القضاء، وهو باب آخر غير باب الفتوى، ولعلَّ هذا مراد الشيخ حين
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أمر بالتأمل(1)، وهذه الولاية موجودة للفقيه.
ونظير هذا المطلب الذي قلته إنَّه مورد لقاعدة الاشتغال: كلّ مورد يأتي فيه الكلِّيّ إلى العهدة، كعنوان البدل، والكلام فيه عين الكلام.
نعم، إذا قلنا: إنَّ الوارد في العهدة هو المِثْل في المِثْليّ، والقيمة في القيميّ، ودفع القيمة من باب الإرفاق، بعد عدم وجود المِثْل في الخارج؛ فتكون القيمة أداءً للمِثْل. إذا قلنا ذلك فما هو آتٍ في العهدة هو المِثْل، غايته أنَّه يشكّ أنَّه هل هو من الموارد التي له أن يختار القيمة أو لا؟ فهذا يدخل في موارد الاشتغال لشكِّه أنَّه من موارد الإرفاق أو لا، فإنَّ المِثْل في عهدته، وإذا أدّى القيمة يشكّ في السقوط، وإذا أدّى المِثْل لا يشكّ في السقوط.
كما أنَّنا إذا قلنا: إنَّ الوارد ابتداءً هو القيمة للشيء التالف، ففيما إذا شكّ أنَّ هذه القيمة أقل أو أكثر، فهو مورد للبراءة لعدم علمه بتعلُّق الزائد في الذمَّة.
هنا فرع تعرَّض له المرحوم الأصفهاني بشكل طولاني، وهو أنَّنا إذا لم نحرز شيئاً من هذه الموارد، ولم تستطع أن نقول إنَّ الداخل في العهدة ما هو؟ هل هو العين أو المِثْل أو القيمة؟ وكانت الأدلّة مجملة من هذه الناحية، فما هو مقتضى القاعدة في مثل ذلك، هل هو البراءة، أو الاحتياط؟
إذا قلنا: إنَّ مقتضى أدلّة الضمان هو ضمان المِثْل مطلقاً، وإنَّما تكفي القيمة
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 217، قوله: فهو من باب تخيير المجتهد في الفتوى، فتأمّل. وأُنظر: أيضاً حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 97، قاعدة ما يضمن.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
من باب الإرفاق على الضامن، فهل في مثل ذلك نقول بالاحتياط والبراءة؟
المرحوم الشيخ محمَّد حسين بعد أن يُفسِّر القيمة والمالية بالأثمان دون الماليّة السارية، ويرى أنَّه لهذا يكون ما بين المِثْل والقيمة تباين من قبيل التباين بين الماهيّة بشرط شيء والماهية بشرط لا(1).
ثُمَّ يقول: إنَّنا إذا قلنا: إنَّ أداء القيمة إرفاق بذلك الطرف، وإلّا فإنَّه لو أدّى المِثْل يرتفع الضمان، تندرج المسألة في مسألة التعيين والتخيير، فكلٌ ومسلكه، فإمَّا أن يُقال: بأنَّ فراغ الذمَّة اليقينيّ بدفع المِثْل معلوم، وبأداء القيمة مشكوك، والأصل عدم السقوط. وإمَّا أن يُقال: إنَّ أصل الماليّة يقينيّة بذمته، وخصوصيّة المِثْليّة ضيق على المكلَّف، وهو مرفوع بدليل الرفع. ثُمَّ يقول: إنَّ مقتضى الاحتياط هو دفع المِثْل(2).
نقول: إنَّ الكلام في التعيين والتخيير هو في ورود تكليف مردَّد بين أن يكون متعلّقاً بمعيّن أو بالأعمّ منه ومن غيره، كالشكّ بأنَّ وجوب الإكرام متعلّق بزيد بالخصوص، أو شامل لعمرو أيضاً، ففي مثل ذلك اختلفوا بأنَّه ما هو مقتضى الأصل، هل التعيين أو التخيير؟
فهنا لو كان المطلب المتصوَّر راجعاً إلى أصل الضمان، كما لو شكّ بأنَّ الواجب عليه دفعه هل خصوص شيء أو مخيّراً بينه وبين غيره؟ إلّا أنَّ هذا غير متصوَّر في المقام، وعلى تقديره فهو خارج عن المسألة، فإنَّ فرض المسألة هو أنَّ
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 357، مقتضى الأصل عند الشكّ في المثليّة.
(2) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 358، مقتضى الأصل عند الشكّ في المثليّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الضمان على أيِّ حالٍ بالمِثْل حتَّى في القيميّات، غايته أنَّ الشارع قد أرفق بالضامن، باعتبار أنَّ المِثْل في القيميّات –السوقيّة– نادر الوجود، وإن كان ممكناً، فلم يكلِّفه بالبحث عن مِثْل الفرس التالف مثلاً، واكتفى بالقيمة. فالمطلوب هنا أيضاً هو المِثْل ولكنَّ الشارع أجاز دفع القيمة وبه يسقط المِثْل.
فما يقوله من الترديد، وأنَّه على مسلك البراءة في تلك المسألة تكون الماليّة متعلّقة بالقيمة. ما معناه؟ مع أنَّ المِثْل هو المتعلّق في الذمَّة. فهل معنى ذلك أنَّنا مردَّدون بأنَّ المتعلّق في الذمَّة هل هو المِثْل أو القيمة؟ فالمسألة هو أنَّه كما يسقط المِثْلي بالمِثْل يسقط بالقيمة، وشكّه أنَّه هل هو من المِثْليّات ليتعيّن دفع المِثْل ولا يسقط بالقيمة، أو من القيميّات -السوقية- لتكون مورد إرفاق الشارع؟
فكلام الواجب التعيينيّ أو التخييريّ خارج عن المقام، إذ العهدة متعلّقة بالمِثْل على أيّ حال، والإرفاق ليس معناه تبدُّل العهدة من المِثْل إلى القيمة، وإنَّما هو سقوط المِثْل بدفع القيمة تعبُّداً للإرفاق.
إذن، فبحث التعيين والتخيير أجنبي عن المقام.
فمقتضى القاعدة أنَّ البراءة اليقينيّة تحصل بما قلناه، إذا كانت إجماعات على كفاية المِثْل عن القيمة، فإنَّه لو كان مِثْليّاً فقد دفع مِثْله، وإن كان قيميّاً فقد دفعت قيمته، فهذا راجع بالنسبة إلى تعلّق المِثْل في الذمَّة.
وأمَّا إذا قلنا في موارد الضمان: إنَّه في المِثْليّ المِثْل وفي القيميّ القيمة، وكانت القيمة هي الماليّة غير السارية. فهنا مقتضى الاحتياط هو رفع كِليهما؛ ليصل المال الواقعيّ إلى صاحبه كما سبق.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ذكر المرحوم النائيني(1) أنَّه على المبنى المشهوريّ بحسب القاعدة أن نقول بالاحتياط، لكن قام الإجماع على عدم وجوب الموافقة القطعيّة، فينتقل إلى الموافقة الاحتماليّة، فيكون التخيير للضامن بأداء أيّ منهما، وإذا شك أنَّ شيئاً ما بعهدته يدفعه بأصل البراءة.
نقول هنا: إنَّ ما يظنّ الإجماع فيه، بل هو ثابت عقلاً، واضح أنَّه إذا كان ضامناً شيئاً واحداً مردَّداً بين عشرة أشياء، لا تجب الموافقة القطعيّة بدفع الجميع إجماعاً وعقلاً.
وأمَّا الموافقة القطعيّة بمعنى القطع بالخروج عن عهدة الضمان ولو من جهة أخرى، فليس مظنّة الإجماع، حتَّى ينتقل إلى الموافقة الاحتماليّة، إذ يمكن أن يخرج عن الضمان قطعاً بأن يُمكّنه من الطرفين ليملّكه عين ماله. فإنَّه حينئذٍ إذا كان مِثْليّاً فقد سقط، وإذا كان قيميّاً حينئذٍ فقد سقط، غايته أنَّ كُلّاً منهما يعلم إجمالاً بأنَّ أحدهما له والآخر للآخر، والكلام فيه بمعنى الكلام السابق، وإذا تعاسرا يترافعان إلى الحاكم.
ثُمَّ يقول(2): هذا على المشهور، وأمَّا إذا أنكرنا كلام المشهور ولم نقبله، وبنينا على إجمال الأدلّة، فماذا نقول في مثل ذلك؟ ونحن الآن لنا كلام في قولنا عند
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 288، الشكّ في كون الشيء مثليّاً أو قيميّاً.
(2) منية الطالب 1: 289، الشكّ في كون الشيء مثليّاً أو قيميّاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إجمال الأدلّة، وكلام حول قول النائيني عند ذلك.
أمَّا قولنا فإنَّ معنى إجمال الأدلّة: هو أنَّها لم تعين شيئاً أصلاً، ولم يعرف من الأدلّة، ولا من السير أو البناءات العقلائية الممضاة شيء من أنَّ العين في الذمَّة، أو الماليّة السارية، أو الأثمان، أو المِثْل، أو القيمة.
ففي مثل ذلك القاعدة تقتضي الاحتياط؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين هذه الاحتمالات؛ فكثير منها متباينة كمجيء العين إلى الذمَّة، أو مجيء القيمة السوقيّة، أو المِثْل، فليس هناك قدرٌ متيقّنٌ لأطراف العلم الإجماليّ، فمقتضى القاعدة هو الاحتياط؛ لأنَّه بإعطاء الثمن يُحتمل أنَّ المِثْل في العهدة، وبإعطاء المِثْل يُحتمل أنَّ القيمة في العهدة. فلا بُدَّ من الاحتياط بالنحو الذي قلناه(1).
إذن، فعلى ما قلناه لا إشكال.
وأما هو فيقول: إنَّنا إذا لم نقبل كلام المشهور، فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ التخيير للمالك، ويُبنى المطلب على ثلاثة أمور:
أحدها: أنَّ المشهور يقول: إنَّه إذا أتلف شخصٌ شيئاً أمكن المصالحة عليه بأيّ مقدار كان، وهذا يبتني على أنَّ الوارد في الذمَّة ليست هي الماليّة بل هي العين؛ لأنَّه لو كان هو الماليّة لمَا صحّ الصلح على أيِّ حالٍ لحصول الربا.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() هنا قال بعض الإخوة إنَّ القيمة السارية شاملةٌ لكلٍّ من العين والقيمة السوقيّة، فتكون شاملةً ومنسجمةً مع سائر الاحتمالات ولاتباينها. فأجاب بإنكار أن تكون العين هي الماليّة السارية ولا تكون منطبقة عليها؛ لأنَّ ما هي العين غير ما هو رغبة العقلاء. أقول: فتأمّل، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثانيها: أنَّه لا اعتبار في الضمانات بتمكُّن الأداء، بل هي ثابتة حتَّى وإن لم أستطع الأداء، وليس حالها حال الأحكام التكليفية التي تسقط عند عدم القدرة.
إذن، فمقتضى (على اليد) وإن كان هو وجود العين في العهدة بتمام خصوصيّاتها، إلّا أنَّ اعتبار ذلك بعد التلف لغوٌ عقلائيّاً، لكن لا يلزم منه أنَّ القيمة المقدّرة حين التلف تأتي إلى العهدة، بل إنَّ الصفات الجارية تأتي إلى الذمَّة بأقيام غير متقدّرة بقدر، فماليّة الجارية هي الخدمة، وماليّة الدار هي قابليتها للسُكنى، فهذه المعاني هي التي تدخل في الذمَّة.
ثالثها: أنَّ مقتضى (على اليد) وإن كان ضمان المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة، قلنا بما أنَّها مشتبهة بحسب الشبهة المفهوميّة، فمقتضى الاستصحاب أنَّ الخصوصيّات الشخصيّة التي كانت في العهدة، باقية حتَّى تحرز أنَّه قيميّ، باعتبار الإجماع على صحّة الأداء حينئذٍ.
ثُمَّ يقول: إنَّ مقتضى الكلام الذي قلناه هو تخيير المالك. ثُمَّ يقول: إنَّ مقتضى الاستصحاب الذي نقوله إنَّ مقتضى الأصل في الضمان هو ضمان المثل.
لأجل تعميم الفائدة نتكلَّم قبل التعرُّض لتقريب المرحوم النائيني في شيء، وهو: أنَّه بناءً على مجيء المِثْل في العهدة سواء في المِثْلي أو القيميّ إذا أردنا أن نُقرِّب البراءة يكون بتقريب: أنَّه في المِثْليات التي تكون كذلك عقلائياً، إذا تلفت العين يأتي المِثْل في العهدة، وفي مقام الأداء يتعيَّن أداء المِثْل، وفي القيميّات العقلائية يأتي المِثْل إلى العهدة، وفي مقام الأداء يستطيع أداء المِثْل أو أداء القيمة
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إرفاقاً، وبها يسقط المِثْل. فإذا شككنا في موضوع أنَّه مِثْليّ أو قيميّ بالشبهة المفهوميّة التي هي موضوع بحث الآغايون، أو بنحو الشبهة الموضوعيّة التي قلنا: إنَّه لا بُدَّ من التعرُّض لها.
فيقال: إنَّ المِثْل يأتي في العهدة لكن المِثْل إذا كان من القيميّات؛ فالعبد في سعة في مقام الأداء أن يؤدِّي القيمة أو المِثْل، وإذا كان يحسب الواقع من المِثْليّات؛ فهو ضيق عليه ومتعيّن عليه أداء المِثْل، فيُقال: إنَّ أصل الضمان بطبيعة المِثْل معلومة، والخصوصيّة مجهولة، وهو كونه من هذا القسم من المِثْل أو ذاك، وذاك القسم فيه ضيق يرتفع بالبراءة العقليّة أو الشرعيّة.
وهذا لا يرد عليه إشكالنا بأنَّ المقام ليس من باب الدوران بين التعيين والتخيير، ولا إشكال المرحوم الأصفهاني بأنَّ الماليّة تأتي إلى الذمَّة؛ ليقال له إنَّ هذا خروج عن الموضوع.
لكن فيه إشكال آخر ينفع في موارد أخرى وهو: أن نلاحظ أنَّ سبب الضمان هو عبارة عن أيّ شيء؟
ونبدأ بالتكلُّم عن الشبهة المفهوميّة، حيث نعلم أنَّ هذا الشيء في الخارج هو ثوب ناتج من مكينة(1) المعمل، وقد تلف تحت يدي، وأعلم أنَّ مِثْله جاء إلى عهدتي، وكلّ هذه الأمور لا شكّ فيها، فما تلف أعرفه بحدوده، وما بعهدتي أعلم أنَّه ثوب بمِثْل خصوصيّات التالف، لكنِّي أشكّ في انطباق مفهوم المِثْليّ
–بالمعنى السوقيّ– على هذا، أشكّ أنَّ مفهوم المِثْليّ ينطبق على هذا أو مفهوم
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) وأشكّ فيه أنَّه مِثْليّ أو قيميّ بنحو الشبهة المفهوميّة. (المقرِّر)
تقريرات، كتاب البيع، ج4
القيميّ، وليس لي شكٌّ فيما هو في العهدة، فإنَّه المِثْل على أيّ حال.
بناءً عليه، فالتقريب في موارد البراءة والاحتياط لا مجال له، فإنَّه إنَّما يرد فيما إذا كان شيءٌ معلومٌ جاء إلى ذمَّتي وأشكّ في الزائد، وفي المقام أعلم بخصوصيّات ما في العهدة، ولي شكٌّ بصدق المفهوم على هذا الأمر.
وما يقال: بأنَّنا ننتزع منه عنواناً كعنوان المِثْل، فيكون جامعاً بين المِثْليّ من هذا القسم والمِثْليّ من القسم الآخر، فهذا الجامع أعلمه، وأما الخصوصيّة الزائدة فلا أعلمها، فهذا إذا تمَّ -وهو غير تامّ على ما نبيَّن- إنَّما يتمّ في الشبهة الموضوعيّة دون المفهوميّة، فإنِّي في المفهوميّة أعلم ما في الذمَّة تماماً، وأشكّ في الانطباق، وهذا ممَّا لا يمكن دفعه بالبراءة.
وأمَّا في الشبهات الموضوعيّة، وهو ما إذا أتلفت شيئاً لا أعلم أنَّه من هذا الشيء الذي أعلم أنَّه قيميّ، أو من هذا الشيء الذي أعلم أنَّه مِثْليّ. كما لو أتلفت شيئاً، وشككت أنَّه حِمْل حنطة أو فرس واحد، فلي علمٌ إجماليٌّ بضمان أحدهما.
فتقريب البراءة يكون بهذا النحو: أنَّه كما في باب استصحاب الكلِّيّ تقولون: إنَّه إذا كان حيوان في الخارج، وأشكّ أنَّه من طويل العمر أو قصيره، فأصل الحيوان معلوم وخصوصيّة عمره مشكوكة.
هنا أيضاً نقول: إنَّ أصل طبيعة المِثْل وماهيّة الجامع بينهما معلوم، وأشكّ أنَّه هل هو ثابت في هذه الخصوصيّة أو تلك؟ فالراجع إلى التي فيها ضيق ندفعها بالبراءة.
لكن هنا لا بُدَّ وأن نرى أنَّ الضمان بماذا يتعلق؟ فإنَّه إذا تلف حِمْل الحنطة
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يأتي مِثْلها إلى ذمَّتي، وإذا تلف الفرس جاء مِثْلها إلى ذمَّتي، ففي مورد التردّد أنت تقول: بأنِّي أعلم بوجود الجامع الانتزاعيّ إلى ذمَّتي. فمِثْل هذا الجامع الانتزاعيّ الذي يوجد بعد الاستقرار في العهدة، هل يكون سبباً للضمان؟ فإنِّني لو أتلفت أحدهما المعيَّن يأتي مِثْله إلى ذمَّتي، ولو أتلفتهما معاً يأتي إلى عهدتي مِثْل كلٍّ منهما على حدة، فهل هناك وراء ذلك شيء آخر؟ وهو أنَّه بعد استقرار الضمان على العهدة انتزع معنى جامعاً، هو مفهوم أحدهما أو طبيعيّ المِثْل، أو عنوان المضمون؟ فهذا أيّ دليل على ضمانه؟ فإنَّ ما دلَّ الدليل عليه -على الفرض- هو ثبوت مِثْل ما أتلفته في الذمَّة. أمَّا مِثْل هذه العناوين الكُلِّية فهو إنَّما يوجد بعد استقرار الضمان في الذمَّة، فلا معنى لضمانه.
بالإضافة إلى الجامع بين هذين المِثْليَّين: المِثْلي والقيمي السوقيين الجامع بين المِثْليّ والقيميّ لا يُعقل أن يكون مِثْليّاً ولا يعقل أن يكون قيميّاً، فهو لا مِثْليّ ولا قيميّ، فهل عندنا في باب الضمان مثل ذلك؟
إذن فالجامع لا يمكن ضمانه، وإذا صار البناء على أنَّ الجامع يأتي إلى العهدة علاوة على ذلك، فلا بُدَّ أن تقولوا: إنَّ ما هو التالف قد ذهب من العهدة، واستقرَّ الجامع فيها وحده، وهو لا مِثْليّ ولا قيميّ، فهل أؤدِّيه بالمِثْل أو القيمة؟
إذن، فلا متيقّن في الموضوع، فإنَّ ما هو المضمون هو الحنطة أو الفرس دون الجامع، فلا يتمّ الإشكال ولا بُدَّ من الاحتياط.
أمَّا المرحوم النائيني فيقول: إنَّه على مبنى المشهور من ضمان المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة، إذا أراد أن يخرج عن الضمان فلا بُدَّ من الاحتياط والموافقة
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
القطعيّة، وحيث إنَّه قام الإجماع على إنكار وجوبها، إذن فتتعيَّن الموافقة الاحتمالية.
يقول: والمشهور استفاد مسلكه من قاعدة (على اليد). ويقول: وتكون النتيجة هي: أنَّ الاختيار للضامن.
ثُمَّ يقول: إنَّ أدلّة الضمان إذا كانت مجملة أو مبهمة ولم تستطع أن تستفيد من(على اليد) ولا غيرها شيئاً، فالأصل تخيير المالك(1).
ثُمَّ يذكر ثلاث مقدمات:
أحدها: أن المشهور يقول: إنَّه في القيميّات يمكن المصالحة فيها بالذهب والفضَّة بأيّ مقدار منها، فنستكشف أنَّ الشهرة المعتبرة تعلَّقت بهذا المعنى، وهو: أنَّه في القيميّات يأتي المِثْل إلى الذمَّة، وإلا لَما جازت المصالحة بأيّ مقدار من الذهب أو الفضَّة، وإلا لزم الربا.
نقول: إنَّ هذه المقدمة لو تمَّت لكفت في المقصود، وهو جريان الاستصحاب، فنقول: إنَّه وإن فهمنا من الشهرة أنَّ نفس المال ليس في العهدة، بل عناوين أخر، لكنَّ هذه الشهرة بجواز المصالحة لا تُثبت المطلب، إلّا إذا أثبتّ شهرتين أُخريين:
أحداهما: أنَّ الربا جائز في الصلح أو غير جائز؟ وهو محلّ خلاف(2)، وفيه رأيان مشهور وأشهر، فلا تثبت فيه شهرةٌ معتبرةٌ.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 289، الشكّ في كون الشيء مثليّاً أو قيميّاً.
(2) اُنظر: جامع المقاصد 4: 176 و5: 414، مجمع الفائدة والبرهان 9: 351، جواز الصلح على أكثر من القيمة. جواهر الكلام 26: 230-231، كتاب الصلح.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثانيهما: أنَّه في القيميّات تأتي القيمة في العهدة، يعني الذهب والفضَّة يأتي إلى العهدة، وهذا أنكره المرحوم النائيني.
في المقدّمة الثانية؛ إذ يقول فيها: إنَّه يمكن أن تأتي الماليّة إلى العهدة، لكن بعناوين أخر، فإنَّ ماليّة الجارية خدمتها، والطعام ما يشبعك، والثياب ما يسترك، وغير ذلك.
إذن، فمن الممكن أن يقول عدد من الفقهاء: إنَّ عنوان الانتفاع من الذهب والفضَّة هو الذي يأتي إلى العهدة، وهو عنوان ما يكون رائجاً في المعاملات، وهذا العنوان ليس ذهباً ولا فضَّة، والربا فيه جائز.
كما أنَّه لا بُدَّ أن تُثبت مطلباً آخر، وهو: أنَّ الضمان الذي أفتى به المشهور هو ضمان الذهب والفضَّة، بحيث يكون هذان النقدان في جميع الأزمان فرداً منحصراً للأثمان، وإلا لأمكن انتزاع معنى(1) جامع بينهما وبين غيرهما.
وفي المقدّمة الثالثة: يقول(2): إنَّ مقتضى (على اليد) ضمان المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة. ولكن حيث إنَّ الشبهة مفهوميّة لا بُدَّ من الرجوع إلى الأصول العملية، ومقتضاها أنَّ التخيير للمالك.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
() ينبغي أن يُقال على ذوق السيّد إنَّ هذا الجامع ليس ثمناً عقلائياً بصفته معنى عقلياً ذهنياً لأنَّه إمَّا أن ينظر إلى الذهن فلا نجد فيه إلّا الكلي ولا يصلح أن يكون ثمناً، وإذا نظرنا إلى الخارج فهناك أفراد منها النقدين ومنها غيرها، وكلّ يتبعه حكمه. (المقرِّر).
(2) اُنظر: منية الطالب 1: 289 ـ 291، مقتضى الأصل عند الشكّ في المثليّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نقول: كنت تتكلَّم على تقدير إجمال الأدلّة، فكيف تقول: إنَّ ظاهر(على اليد) هو كذا؟ وكيف صار نفس هذا الدليل عند المشهور مقتضاه التخيير للضامن، وهنا صار مقتضاه التخيير للمالك؟ مع أنَّ الدليل هو الدليل نفسه، وهو (على اليد)، والشبهة مفهوميّة أيضاً، فكيف اختلفت النتيجة؟
ثُمَّ يقول في مكان آخر من كلامه(1): التخيير للمالك. وأيضاً يقوله في مكان آخر. ثُمَّ يقول: إنَّ مقتضى ما قلناه هو أصالة المِثْليّة.
نقول: إنَّ أصالة المِثْليّة غير تخيير المالك، فإنَّ معناها: أنَّ المِثْل في العهدة على أيِّ حالٍ، وليس لأحد من المالك أو الضامن دفع غيره أو المطالبة بغيره، فإذا استصحبنا العناوين الواردة في الذمَّة فلا بُدَّ أن يثبت المِثْل، وليس لأحدنا التخلُّف عن حكم الاستصحاب. إذن، فقد قدّمت مقدّمات تنتج تخيير المالك، واستنتجت أصالة المثليّة.
ويقول(2): إنَّ الشبهة مفهوميّة، و(على اليد) تقتضي ضمان المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة، قال ذلك على ثلاثة أشكال: فمَّرةً قال: إنَّ (على اليد) تقتضي مجيء العين في الذمَّة. ومَّرةً يقول: إنَّها تقتضي أنَّه في المِثْليّ المِثْل، وفي القيميّ القيمة على ما هو المركوز في الأذهان، وعلَّله بأنَّ العين تردّ إلى الذمَّة. ومرة يقول: إنَّ الشبهة بما أنَّها مفهوميّة فلا بُدَّ أن نتمسّك بالأصل؛ لأنَّ تمام الخصوصيّات للعين تأتي إلى العهدة، غايته قام الإجماع أنَّه في القيميّ القيمة.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) المصدر السابق 1: 291.
(2) المصدر السابق 1: 290 ـ 291.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فهذا(1) الإجماع يتناول واقع القيميّ، وإذا شككنا في شيء أنَّه مِثْليّ أو قيميّ فلا يمكن أن يشمله الإجماع؛ لأنَّه يقول: إنَّ كلّ شيء مِثْليّ، إلّا إذا أحرزت أنَّه قيميّ، فالإجماع تعلّق بالواقع، فإذا شككت في شيء أنَّه مِثْليّ أو قيميّ، فالتمسُّك بالإجماع في غير محلِّه، ومقتضاه الاحتياط. فهذه هي النتيجة لا أصالة المِثْليّة.
وعلى أيِّ حالٍ إذا تمَّت مقدّماته وجرى الاستصحاب، فهو يقتضي أصالة المِثْليّة، وهو يقول بها، ولكنَّه يقول: إنَّ التخيير للمالك.
هذا تمام الكلام في الأمر الرابع.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) هذا بدءٌ بالمناقشة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الأمر الخامس:]
في وجوب شراء المثل
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأمَّا الكلام في الأمر الخامس:
نقل الشيخ عن العلَّامة(1): أنَّ المِثْل إذا لم يوجد إلّا بالشراء ففي وجوب الشراء تردُّد، ونحن نتوسّع في المسألة لنرى ما هو المطلب؟
الصور المتعدّدة في المسألة كثيرة، نذكر المهمّ منها ويتّضح حكم الباقي.
أحدها: أنَّه حدثت زيادة في القيمة السوقيّة، لا لإعواز الجنس، بل لأجل كثرة الرغبة مع توفُّر الجنس، فارتفعت قيمة المِثْل.
ثانيها: زيادة القيمة للإعواز مع تعلُّق الرغبة فيه.
ثالثها: حصول الإعواز لا بنحو أنَّ الرغبة موجودة والقيمة السوقيّة ارتفعت، بل لأجل أنَّ الجنس موجود عند واحد قد احتكره، وهولا يبيع إلّا بأكثر من ثمن المِثْل.
رابعها: أنَّ هذا الجنس كان من الأوَّل قليل المثل، لا بالنحو المفروض في
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) حكاه عنه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 2: 178، كتاب الغصب، ضمان المثل. والمحقّق الثاني في جامع المقاصد 6: 260، ضمان المثل. والشيخ في كتاب المكاسب 3: 222، الخامس، إذا لم يوجد المِثْل إلا بأكثر من ثمن المثل. وفي الإيضاح وجامع المقاصد: (نظر) بدل (تردّد).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الصور السابقة من كونه كان كثيراً فحدثت فيه القلة، بل هو من المِثْليّات القليلة المِثْل أساساً. وهذا على نحوين:
أوَّلاً: أنَّ القيمة السوقيّة زادت باعتبار قلَّته من الأوَّل.
وثانيها: أنَّ القيمة لم تزد، ولكنَّه بما أنَّه بيد المحتكِر فهو يبيعه أكثر من قيمته.
وفي تمام الصور: مرَّةً يُبحث عن كون المال في يد الغاصب، ومرَّةً يُبحث عمَّا نحن فيه من المقبوض بالبيع الفاسد.
وفي هذا الأخير: مرَّةً يكون الطرفان جاهلين ببطلان المعاملة، ومرَّةً يكونان عالمين، وثالثةً أحدهما عالم والآخر جاهل.
وفي كلّ الصور: تارةً هما يعملان معاملةً عقلائيةً، غير مباليين بالشرع، ومرَّةً يكونان مباليين بالشرع، وثالثةً يكون أحدهما مبالياً دون الآخر.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وحيث إنَّه في بعض الصور التي نذكرها -إن شاء الله تعالى- تقع معارضة بين دليل الضرر ودليل الحرج، فلا بُدَّ مقدّمة لهذا أنَّ نتكلَّم في ذلك، وهو مفيد في كثير من الموارد.
فنقول: إنَّه لا إشكال أنَّ دليل مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1) له حكومة على الأدلّة الأوَّليّة.
وكذلك لا إشكال أنَّ (لا ضرر) على مبنى القوم من إفادتها نفي الأحكام بوجه من الوجوه حاكمة على الأدلّة الأوَّليّة. فإذا تعارَض هذان الدليلان، بحيث إنَّه إذا أخذ بدليل (الضرر) لزم الحرج، وإذا أخذنا بالآخر لزم الضرر؛ فيكون الحكم منفيّاً في الطرفين من قبل كِلا الدليلين(2).
والوجه الذي يمكن أن يقال في تقديم دليل (الحرج) على دليل (الضرر)، هو أنَّ “لا ضرر ولا ضرار” ينفي حقيقة الضرر، غايته نحن نفهم منها أنَّ الحكم الضرريّ لم يُجعل، فهذا هو لازمه العقليّ والعقلائيّ، ولكنَّها لم تتعرَّض
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() الحج: 78.
() وقوع التعارض إنَّما يكون بعد إيضاح مقدّمة مطويّة، وهو: العلم الإجماليّ بوجود حكم إلزاميّ في البين كما هو معلوم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
لذلك مطابقةً، وكذلك (لا حرج) دالّة على أنَّ الحكم الحرجيّ لم يُجعل، إلّا أنَّها دالّة على ذلك بالدلالة اللفظيّة.
نذكر هنا مثالاً: فإنَّه في ورود دليلين من المشرِّع أو المقنِّن، هناك مقدّمات الحكم، وهناك نتائجه التي تترتَّب عليه، وهناك نفس الحكم.
والدليل مرَّةً: لا يكون له نظر لا إلى الأمور السابقة ولا اللاحقة، ولا إلى نفس الحكم، وإنَّما جعل الحكم على موضوعٍ مماثلٍ لذلك الموضوع، نحو: (أكرم العالم) و(لا تكرم الفاسق)، فهما في تمام المراحل متساوقان، حتَّى يصلان إلى الوجوب والتحريم، أو الوجوب واللاوجوب؛ فيختلفان، ويقع بينهما تعارضٌ بدويٌّ، يعني: يحلّ بنظر العقلاء، وحقيقيّ وهو خلافه.
ومرَّةً: يكون الدليل متكفِّلاً لمقدّمات الدليل الآخر، نحو أن يقول: (أكرم كلّ عالم)، ثُمَّ يقول: (ما أردت إكرام الفاسق) أو (ليس في إكرام الفاسق مصلحة) أو (ما جعلت إكرام الفاسق). فهذا ليس من قبيل الأوَّل يتخيّر فيه العقلاء، بل يجعلون الثاني مقدّماً ومحكّماً على الأوَّل.
ولهذا في رواية أبي الأعلى آل سام يقول: : “هذا وأشباهه يُعرف من كتاب الله مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ”(1).
لا يُريد أن يقول: إنَّ هذا مطلب تعبُّديٌّ أنا أقوله لك، وإنَّما هو معنى يُفهم
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 33، ح4، باب الجبائر والجروح. تهذيب الأحكام 1: 363، ح1097، باب صفة الوضوء. الاستبصار 1: 77، ح240، باب المسح على الجبائر. وسائل الشيعة 1: 464، ح5، باب إجزاء المسح على الجبائر في الوضوء. والآية من سورة الحج: 78.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
من كتاب الله فهماً عقلائيّاً.
نعم قوله: (امسح على المرارة)(1) لا يُفهم من كتاب الله، ولا يُفهم أنَّ الإمام كان مقصوده أنَّ ذلك يُفهم من كتاب الله، والذي يُفهم هو عدم المسح على البشرة، فيُفهم من قوله تعالى: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أنَّ هذا الحكم غير مجعول أصلاً، بحسب الفهم العقلائيّ.
فإذا كان الدليل متعرّضاً لعدم الجعل فلا دلالة له على الجعل. نعم، هو جعل للحكم بالحمل الشايع، أمَّا جعل الحكم بعنوانه فغير متكفّل لبيانه كـ (توضأ)، فإذا ضممنا هذ الدليل إلى دليل (الحرج)، فإنَّ العقلاء يحكِّمون دليل (الحرج) فيه، ويرفعون اليد عن الآخر.
فهل يمكن تطبيق ذلك على دليل (لا حرج) و(لا ضرر)، بأن يقال: إنَّ (لا ضرر) تنفي ماهيّة الضرر، وأمَّا أنَّ النفي مجعول أو غير مجعول فليس متعرّضاً له، بخلاف دليل (لا حرج) فإنَّه متكفِّل لنفي الجعل.
وبعبارة أخرى: أنَّ (لا حرج) متكفِّلة لجعل السبب، فإنَّ جعلَ الحكم سببٌ للمجعول، و(لا ضرر) متعرِّض للمعلول وهو المجعول.
فكما في سائر الأدلّة نقول بتحكيم دليل (الحرج) على سائر الأدلّة نقول هنا. فهل هذا إذا عرضناه على الأذهان العقلائيّة يكون واضحاً في ذهنهم، أو أنَّه هناك فرق عند العقلاء بين الموردين، فذاك مقبول وهذا غير مقبول
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() في حديث عبد الأعلى المتقدّم، قال: قلت لأبي عبد الله : عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارةً، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: “يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله… ” الحديث.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
عندهم؟ فما قيل في علم الأصول(1) من أنَّ وجه الحكومة هو أن يكون هذا الدليل متعرّضاً لِما(2) لا يتعرّض له الدليل الآخر ليس تامّاً على إطلاقه، بل لا بُدَّ فيه من أن يكون مقبولاً عقلائيّاً.
أو نقرّبه بالعكس، بأن نقول: إنَّ (لا ضرر) حقيقة ادِّعائيّة وتحتاج إلى مصحّح، والمصحّح هو أنَّ المتكلِّم رأى أنَّ صفحة تشريعه خاليةٌ من الضرر
-على المبنى- فادّعى أنَّ ماهيّة الضرر غير موجودة.
فنقول: إنَّ هذا الادِّعاء يُعطي قوَّةً للدليل، وإن كان قابلاً للتقييد على تأمُّل. لكن إذا تعارض (لا ضرر) و(لا حرج) بنحو العموم من وجه، ولم يكن مانع من تقييد (لا حرج) ولا يأبى العرف منه، ولكنَّه يأبى عن تقييد (لا ضرر)؛ لأنَّه منافٍ مع الادِّعاء، لا من باب التحكيم، ولكنَّه مطلب لا يوافق عليه العقلاء، أو يقال: إنَّ الضرر غير موجود إلَّا(3) إذا لزم منه الحرج.
لكن إنصافاً أنَّنا إذا عرضنا ذلك على العرف والعقلاء لا يوافقون عليه، فإنَّه في حكومة (لا ضرر) و(لا حرج) على الأحكام الأوَّليّة، كان أمراً عقلائيّاً، ولكن (لا ضرر) و(لا حرج) عند التعارض بينهما، بما أنَّ كلّاً منهما ناظر إلى
ــــــــــ[74]ــــــــــ
() اُنظر: أنوار الهداية 1: 370، مباحث الظنّ، الرسائل 1: 239، رسالة في الاستصحاب، خاتمة الأمر الثالث.
(2) لا يخفى أن هذا بظاهره لا معنى له ولم نجد له قائلاً فلعلّ القائل به هو السيّد نفسه بتقريب آخر. (المقرِّر).
(3) لا يخفى أنَّ هذا لا ينافي الحقيقة الادعائية إذ يكفي في تصحيحها الأفراد الغالبة أو أكثر الأفراد وهو حاصل بلا إشكال فلا يمكن تقديم (لا ضرر) بهذا الوجه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الأحكام الأوَّليّة كان تحكيم وتقديم أحدهما على الآخر غير عرفي. إذن، فلا يمكن أن نقول بالحكومة هنا بالنحو الذي نقوله هناك.
إذا بنينا على تقديم دليل (لا حرج) على دليل (لا ضرر)، ففي هذا الصور التي تصوَّرناها، مرَّةً يكون الطرفان مشمولاً لدليل (الحرج)، بأن يكون إعطاء المال بتكليفه بالشراء حرجيّاً، وأمر الآخر بالانتظار حرجيّاً. ومرَّةً كِلاهما ضرريّ. ومرَّةً كِلاهما ضرريّاً وحرجيّاً. ومرَّةً في طرفٍ ضررٌ وفي الأخر حرجٌ، أو حرجٌ وضررٌ وبالعكس(1).
فإذا كان الطرفان متماثلين: كِلاهما ضرريّ أو حرجيّ أو ضرريّ وحرجيّ؛ فالتكليف معلوم. أمَّا إذا كان أحد الطرفين ضرريّاً وحرجيّاً والآخر حرجيّاً فبناءً على تحكيم لا ضرر فلا بُدَّ أن توقع المعارضة بين الحرجين وتصل النوبة إلى دليل (لا ضرر)؛ لأنَّه تصل النوبة إلى الدليل المحكوم بعد الحاكم.
وأمّا إذا قلنا بتقديم (لا ضرر)، وكان الطرف الآخر ضرريّاً؛ فيعارض الضررين، وتصل النوبة إلى دليل (الحرج).
وأمّا إذا لم نقل بتحكيم أحدهما على الآخر، فيتعارضان، ويكون المرجّح هو العمومات الأوَّليّة.
هذا كله على مبنى القوم في أنَّ (لا ضرر) نافية للأحكام الضرريّة. وأمَّا بناءً على أن (لا ضرر) أجنبيَّة عن ذلك، فلا تكون مربوطة بمحلّ الكلام، ويبقى دليل (لا حرج) حاكماً على الأدلّة.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) وهو ما إذا كان أحد الطرفين حرجيّاً وفي الآخر ضرريّاً أو ضرريّاً وحرجيّاً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هذا بالنسبة إلى المطالب العامّة في الصور كلّها.
وأما المطالب الخاصّة في الصور.
هذه الصور التي تصوَّرناها في الموارد التي يحصل فيها تفاوت في القيمة السوقيّة، لقلّة الجنس أو لزيادة الرغبات فيها، ففي مثل ذلك مقتضى القاعدة أنَّه لا بد أن يشتري المِثْل ويردّه، وأدلّة الضمان تقتضي أنَّه لا يستطيع منع الآخر من ماله، وهو المِثْل. وضمان اليد وإن لم يكن عقلائيّاً، إلّا أنَّه بعد إثبات الضمان يكون الردّ عقلائيّاً.
وما يقوله الشيخ(1) بأنَّ شيخ الطائفة ادَّعى أنَّه لا خلاف في باب الغصب أنَّه إذا زادت القيمة السوقيّة يشتريه ويعطيه. لا يكفي فيما هو محلّ الكلام، وإنَّما لا بُدَّ من ضمِّه إلى تعبير الحليّ(2)، وهو أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد يجري عند
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() اُنظر: الخلاف 3: 415 مسألة 29، المبسوط 3: 103 وفيه: يشتريه بأيّ ثمنٍ كان ويدفعه إلى المالك إجماعاً، كتاب المكاسب 3: 222، الخامس: إذا لم يوجد المِثْل إلّا بأكثر من ثمن المثل.
(1) لم يذكر السيّد مراده من الحلّي -من هو- هل هو العلَّامة الحلّي أو المحقّق الحلّي أو غيرهما؟ ولعلَّه اعتماداً على ذكر الشيخ له. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المحصّلين مجرى الغصب في الضمان. على أن يكون مراده من المحصّلين مطلق الفقهاء، بحيث يعتبر نقلاً للشهرة أو للتسالم بينهم، ومراده المشابهة في أصل الضمان وفي كيفيّته. فإذا ضممناه إلى كلام الشيخ ينتج أن المقبوض بالبيع الفاسد إذا زادت قيمته يجب شراؤه.
إلا أنَّ ذلك لا يُستفاد من كلام الحليّ، بل المقصود من المحصّلين، هو: المحقِّقون، فيُستفاد أنَّه محلّ خلاف وكلام، وأنَّ المحقِّقين على ذلك. كما أنَّ المقصود من كونه يجري مجراه في الضمان، يعني في أصل الضمان. وليس أنَّ حكم الغاصب الذي يؤخذ بأشقّ الأحوال، ويجب ردُّه ولو لزم الحرج أو الضرر، ثابتٌ للمقبوض بالبيع الفاسد.
بناءً عليه لا يمكن أن نفهم من حال الغصب حال المقبوض بالبيع الفاسد، فإنَّ هذا القبض ليس عدواناً.
وإذا أردنا التمسُّك بدليل (لا ضرر) باعتبار أنَّه إذا زادت القيمة السوقيّة يكون دفع المِثْل ضرراً عليه، فيدفع وجوبه بـ(لا ضرر). فنقول: إنَّه ليس شراء الشيء بثمن مثله ضرريّاً عليه ولو زادت قيمته، وإنَّما الكلام في الدفع، فإنَّ دفع الخسارة لمن تلف المال تحت يده من استناده بسببه ضرريٌّ، لكنَّ قاعدة (لا ضرر) في موارد جعل الضمان، باعتبار أن طبع القضيّة ضرريّة لا تشمله.
وأمَّا ما يقال: من أنَّ جريانها -يعني (لا ضرر)- في هذا الطرف معارضٌ لجريانها في طرف المالك، غير تامّ ظاهراً؛ لأنَّ هذا الإنسان باع ماله بثمنه وأخذ
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
قيمته، ولم يكن الضرر حينئذٍ موجوداً، وبعد التلف حينما يردّ مِثْل هذا الشيء إلى ذمَّة الشخص، فمعناه: أنَّه يطالبه بحِمْل حنطة، فإذا زادت قيمته فهو نفع، فإذا قلَّت قيمته فهو لم يتضرَّر، وإنَّما هو عدم النفع، فإذا قيل له: (اصبر حتَّى تقلّ قيمته)، فليس هذا ضرراً، وإنَّما هو منع عن النفع. ولهذا لو كان عنده حِمْل حنطة، وكانت قيمته مائة، ثُمَّ أصبحت قيمته ألفاً، ثُمَّ رجع إلى المائة، فهل دخل عليه ضرر؟ نعم، إذا باعه كان نفعاً له. ولكنَّه لم يردّ عليه هذا النفع.
نعم، إذا كانت القيمة السوقيّة بشكل يقع في حرج، وبه تختلّ تجارته وحياته، فنحن نرفعه بدليل (لا حرج)، إلّا إذا كان حرجيّاً للطرف الآخر، بحيث إنَّ عدم الدفع إليه حرجٌ عليه أيضاً؛ فيتعارضان ويسقطان ونتمسّك بأدلّة الضمان.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هناك مطلب ذكره الآغايون، وهو: أنَّ الأدلّة الامتنانيّة كحديث الرفع، ودليل الحرج والضرر، إذا ورد بسببها على الآخر (لطمة)، فليس هذا امتناناً على الملَّة، بل لا بُدَّ أن يكون عدم الحرج بالنسبة إلى الجميع، فإذا كان التمسُّك به لا يورد حرجاً على الآخر فهو، وإذا أصبح موجباً لمنع الآخر عن ماله فهو خلاف المنَّة، وهكذا فلا يرد الدليل.
ولهذا نقول: إنَّ المطلب ليس كذلك؛ لأنَّ هذه الأدلّة الامتنانيّة واردة باعتبار القواعد الكُلِّيّة، فلا بُدَّ أن نحسب حساب القواعد الكُلِّية لنرى أنَّها امتنان أوَّلاً، وهي امتنانٌ على الأمَّة، لا على هذا الشخص أو ذاك.
مثلاً في سورة الرحمن كان بعضهم يُشكل أنَّ فيها آيات للعذاب، نحو: يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ(41) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ(43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ(44) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(1)، فهذه ليست آيات رحمة ونعمة على الناس، فكيف يقول بعدها: فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ!؟ ونحن في مثل هذه
ــــــــــ[79]ــــــــــ
(1) الرحمن: 41- 45.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
القضايا يجب أن نلاحظ الجامعة(1)، فإذا بُني في الجامعة على أنَّه لا يُجلد الزاني، ولا تُقطع يد السارق، ولا يُعاقب المجرمون، فليس ذلك رحمةً ونعمةً على الناس، وإن كان لو سُئِل السارق لرأى جعلها خلاف مصلحته.
أمَّا إذا كانت هناك قوانين للمخالف والخارج عن القواعد؛ فهذا منةٌ على الجامعة وفي مصلحتها.
وليس لا بُدَّ أن نلاحظ حال الأشخاص، لنرى أنَّها في الموارد التي تصلح لحال شخص تكون شاملة له وإذا لم تصلح لحال شخص آخر لا تكون شاملةً له.
ولهذا لا يصحّ ما يقولونه من أنَّ الشخص الذي لا يُريد الأخذ بالمِنَّة، فيصوم ويتحمَّل الحرج ويصحّ صومه، هذا غير صحيح، فإنَّه لا بُدَّ من ملاحظة المِنَّة في القانون الكلِّيّ لا في الأفراد.
حينئذٍ نقول: إنَّ الحرج إذا رفعه الشارع بنحو القانون فهو امتنان على الأُمَّة، وإن تضرَّر شخص منه، وليس ذلك منافياً للامتنان على الأُمَّة، ولذا قالوا: إنَّ الخير الكثير يرفع به اليد عن الشرّ القليل، وكثيراً ما حصل الاشتباه في هذا المطلب، إذ حسبوا الأحكام الكُلِّية أحكاماً للأفراد، ورتَّبوا الأثر على ذلك. مثلاً قالوا في مورد الخروج عن محلّ الابتلاء: بأنَّ الشارع إذا كلَّفك بعدم الشرب من الخمر في الهند فهو تكليف مستهجن، إذن فلا تكليف له بالاجتناب عنه إلّا إذا دخل في محلّ ابتلائك.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
(1) يعني المجتمع. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إلّا أنَّ هذا من الاشتباهات، فإنَّ الحكم وارد على الطبائع، ولا بُدَّ أن تكون ملاحظة صحّة الخطاب وعدمها بالنسبة إلى ذلك لا بالنسبة إلى الأفراد، وإلا لزم منه مفاسد كثيرة، ولا بُدَّ من تعميمه إلى الأحكام الوضعية، فكما أنَّ ذلك الخمر لا يحرم شربه، كذلك هو ليس نجساً، إلّا أنَّ هذا مبنيٌّ على مبناهم في انحلال الحكم إلى الأفراد، وأنَّ كلّ حكم له مبادئ مستقلَّة، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، بل لا بُدَّ من ملاحظة القاعدة الكُلِّية بما هي عامَّة. ولا بُدَّ أن نفصل بين الأحكام الكُلِّية والشخصيّة.
ومن الأحكام الكُلِّيّة: إذا تصادم الامتنان فكان امتناناً على شخص ولطمة على الآخر، فإنَّه لا ينافي الامتنان على الجامعة؛ لأنَّ الامتنان امتنان على الأُمَّة لا على الأشخاص.
لذا ترى أنَّه في “لا ضرر ولا ضرار” في عين الوقت الذي قال ذلك، قال: “اذهب واقلعها“، وهو –بناءً على مبنى الآغايون– لا منافاة بينهما؛ لأنَّه حكم لتنظيم الجامعة، ومصادمته مع مصالح أشخاص لا ينافي الامتنان على الأُمَّة.
ولهذا قلنا: إنَّه في باب الحرج مَن رُفِع عنه الصوم للحرج، وهو يقول: (لا أريد أن آخُذ بهذا الامتنان)، فيصوم ويصحّ صومه، غير صحيح، بل لا بُدَّ أن يتقيّد بهذا القيد؛ لأنَّ الله تعالى يقول: يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ(1) بِكُمُ
ــــــــــ[81]ــــــــــ
() لا يخفى إنما إرادة الامتنان التشريعية ليست كسائر أمثالها فإنَّها لا تعتبر عرفاً ضد إرادة المكلّف فإنَّه خلاف الامتنان المطلق وإنما لا يصحّ الصوم مع الحرج لأنَّ المفروض سقوط الحكم بوجوب الصوم حينئذٍ فإطاعته يكون تشريعاً محرّماً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العُسْرَ(1)، وأنت تريد أن تُخالف إرادة التشريع الإلهيّ، فإنَّ هذه الإرادة لا تقصر عن إرادة سائر التشريعات.
هذا بالنسبة إلى الصور التي اختلفت فيها القيمة السوقيّة.
وأمَّا في الموارد التي لم تختلف القيمة السوقيّة فيها، وإنَّما كانت بيد محتكِر لا يبيعه، إلّا بزيادة عن ثمن المِثْل.
الشيخ رغم أنَّه يقول(2): هذا ضرر عرفاً عليه، إلّا أنَّه يقول: الأقوى أنَّه هنا يشتريه بعين الملاك السابق، وهو أدلّة الضمان وأنَّه لا خلاف في الغصب.
ولا أعلم ما هو مقصود الشيخ، فإنَّه كان ملتفتاً أنَّ (لا ضرر) إذا كانت شاملةً تكون محكَّمةً على سائر الأدلّة. قلنا: إنَّ دعوى شيخ الطائفة الإجماع غير مفيدة، ما لم يُضمّ إلى كلام الحليّ وفيه ما سبق.
هل يُريد أن يقول الشيخ: إنَّ (لا ضرر) لا تشمل الحكم الذي مقدّماته ضرريّة؟ والأمر هنا كذلك؛ إذ ليس الردّ ضرريّاً، وإنَّما الشراء ضرري.. فهل في كلٍّ مِن باب الحرج وباب الضرر، النكتة التي نقولها من أنَّها تشمل متعلّق الحكم والمقدمات الوجودية للحكم.
النكتة هي: أنَّ دليل الحرج والضرر إذا ورد الحكم الحرجيّ أو الضرري؟ بناءً على قول الآغايون فلا يكون الحكم هو حرجيّاً ولا سببيّة له إلى الحرج
ــــــــــ[82]ــــــــــ
(1) البقرة: 185.
(2) كتاب المكاسب 3: 224، الخامس.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أصلاً، وإلا لزم بمجرَّد ورود الحكم يتحقَّق الحرج، وإنَّما الحكم له بعض الدخالة في الحرج، فإنَّ البعث والزجر ليس له سببيّة إلى الفعل؛ لأنَّه بعث اعتباريّ، بل بعد اطلاع المكلَّف على التكليف، وحكم عقله بوجوب الطاعة، أو خوفه من العقاب، أو طمعه بالثواب.
فبعد تصوُّر الحكم والتصديق بأنَّ فيه جلب منفعة أو رفع ضرر، فتُحقَّق الإرادة ويُعمَل العمل، وهذا العمل هو الذي يورد الضرر والحرج.
فالجعل ليس ضرريّاً ولا حرجيّاً، ولا يترتَّب عليه ذلك إلّا بوسائط.
فإذا كان الأمر كذلك، يُعلم أنَّه مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، و”لا ضرر ولا ضرار” ليس أنَّه نفيٌ لجعل الحكم الضرريّ أو الحرجيّ، بل نفيٌ للضرر والحرج الذي يرد من الحكم، فلا بُدَّ أن نحسب حساب ضرريّة الحكم: هل يشمل المقدّمات أو لا؟
فإذا جاءت (لا ضرر) على موضوعات الأحكام، فيُقال: إنَّها لا تشمل المقدمات. وأمَّا بناءً على أنَّ (لا ضرر) إمَّا بتقريب مِنَّا بأنَّها حقيقة ادِّعائيّة، وهي لا تصحّ إلّا مع عدم وجود الضرر في المقدمات، فإنَّه معه يكون منافياً للمصحّح. أو بتقريب الآغايون من أنَّها تنفي الحكم بلسان كذا وكذا، فلا وجه لأن يُقال: إنَّه حكم ضرريّ من هذه الجهة دون هذه الجهة، فيكون أعمّ من متعلّق الحكم والمقدّمات الوجودية.
بناءً عليه، إذا كان هذا المعنى منظور الشيخ، وأنَّ الضرر في المتعلّق لا في
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المقدّمات، فهو غير تامّ؛ ولذا في الرواية لم يكن المسح على البشرة حرجيّاً، وإنَّما الحرج في مقدّماتها وهو إزالة المرارة.
فهذا أحد الوجهين لعدم تمسّك الشيخ بـ(لا ضرر).
نريد أن نفهم أنَّه كيف أنَّ الشيخ مع الاعتراف بورود الضرر عرفاً على الشخص الضامن، كيف لا يتمسّك بأدلّة الضرر، وإنَّما تثبت بإطلاقات الضمان ونحوها، مع أنَّ تقدم أدلّة الضرر عليها ليس ممَّا يخفى على الشيخ.
الوجه الآخر(1) الذي يمكن أن يُقال: ما أشرنا إليه سابقاً من أنَّ هذه الأدلّة امتنانيّة، ومنع المالك عن ملكه ليس امتناناً، فلا يمكن جريان أدلّة (لا ضرر) في المقام.
نحن قلنا جهة من جهات هذا الوجه، ونقول الآن مطلباً آخر: وهو أنَّ كلّ دليل ورد من الشرع فإطلاقه لا يمكن رفع اليد عنه، إلّا بحجّة كالمقيّد ونحوه، وأمَّا إذا لم يكن حُجّةً محرزةً لا يمكن رفع اليد عن إطلاق الأدلَّة. والأدلَّة الامتنانيّة من قبيل دليل الضرر والحرج ودليل الرفع، على فرض أنَّها لها إطلاق بمثل هذه الموارد، بحيث لو أخذنا بها يُحرَم الآخر من ماله.
لا شكّ أنَّه بناءً على وجود الإطلاق فإنَّه يشمل هذه الموارد، فأنت لا بُدَّ أن تُثبت حُجّة في مقابل هذا الإطلاق ليمكن رفع اليد عنه. وأنت تدَّعي أنَّ هذا الدليل بما أنَّه امتناني ففي مورد عدم الامتنان لا يرد، على حين لا بُدَّ لك أن
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) سبق الوجه الأوَّل في محاضرة أمس. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
تُثبت زيادةً على ذلك شيئاً آخر، وهو: أنَّ الامتنان علَّة للحكم لا أنَّه علَّة للتشريع.
كما أنَّ جعل العدَّة للمطلَّقة المدخول بها نكتته هي عدم اختلاط المياه، وهذه نكتة الجعل لا علَّته، بحيث لو علمنا بعدم اختلاط المياه فليس هناك عدَّةٌ، كما لو كان الزوج لم يقترب من زوجته سنة. ففي كلّ مورد تثبت علَّة الحكم ويدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً فمن حقِّنا أن نرفع اليد عن الدليل، وإذا ثبت كونها نكتةً للجعل والتشريع فلا إشكال أنَّه لا يمكن أن نرفع اليد عن الدليل.
وأمَّا إذا كان الأمر مشكوكاً؛ فيُحتمل كونها علَّةً للحكم ويُحتمل كونها نكتةً للتشريع، فرفع اليد عن الإطلاق يحتاج إلى إثبات كونها علَّةً للحكم، وبدونه لا يمكن رفع اليد عنه.
بناءً عليه، فعلى فرض وجود الإطلاق لا يمكن رفع اليد عنه لكونه امتنانيّاً.
نعم، يمكن أن يُقال: إنَّه منصرف عن ذلك، إلّا أنَّ الانصراف أيضاً يحتاج إلى إثبات، وعند الشكّ فيه -وقد رأينا أنَّ الحكم وارد على الطبيعة الذي هو معنى الإطلاق- وشككنا أنَّه منصرف إلى حصَّة منها، والانصراف بمنزلة التقييد، فلا يمكن رفع اليد عن الإطلاق بالشك فيه. فإذا ورد الحكم على الطبيعة نعلم أنَّها تمام الموضوع للحكم، وليس معنى الإطلاق أكثر من ذلك، فهل الحكم مختصّ بقسم منها في نظر العقلاء أو لا؟
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أظنّ أنَّه لا يمكن رفع اليد عن الحُجّة بذلك، بل إنَّما نرفعها عنه مع إثبات الانصراف، كما هو الحال في التقييد(1).
أقول مطلباً آخر، وهو: أنَّ رفع هذه العناوين: “ما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطرّوا إليه والحرج والضرر“(2) هل هو امتنان على صاحب العنوان، أو على كلّ الناس؟ لا شكّ أنَّه امتنانٌ على صاحب العنوان، يعني: الجاهل والمضطر ونحوه، فـ (رُفِع عن أُمَّتي تسعة) معناه رفع الحكم عن جاهلهم ومضطرّهم ومكرههم، لا أنَّ الحكم رُفِع عن الجاهل مِنَّةً على العلماء، وإنَّما المنّة على أصحاب هذه العناوين، فلا وجه لأن يُقال: إنَّه بما أنَّ الحكم في الطرف الآخر ليس امتنانيّاً. إذن، فالحكم غير ثابت؛ لأنَّك لا بُدَّ أن ترى الامتنان على أي شخص؟ فإذا كان الامتنان على كلّ الناس كان كلامك صحيحاً. وأمَّا إذا كان امتناناً على الجاهل والمضطر ونحوه، فالحكم امتنانيٌّ عليه، وإن لم يكن امتنانياً بالنسبة إلى الآخر.
بناءً عليه لا يمكن أن نقول: إنَّ نظر الشيخ إلى هذا الوجه أيضاً.
الوجه الآخر: -الذي يحتمل أنَّ نظر الشيخ إليه- هو أن يقال: إنَّه أقدم على الضمان والضرر، وكلّ من أقدم على الضرر يشمله دليل (الضرر).
قلنا: إنَّ المتعاملَين تارةً يكونان عالمين بفساد المعاملة، وأخرى جاهلين، وثالثةً أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
() أقول: وكان السيّد يميل إلى عدم وجود الانصراف وتماميّة الإطلاق. (المقرّر).
(2) اُنظر: الكافي 4: 289، كتاب الإيمان والكفر، باب 208.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وعلى كلّ تقدير:
فمَّرةً: كِلا الطرفين يعملان معاملةً عقلائيّة، غير مباليَيْن بالتعاليم الشرعيّة.
وأخرى: يعملان معاملةً شرعيّة.
وفي هذا القسم من البيع إذا كان الشخص ملتفتاً إلى الفساد يعتني بحكم الشارع، فهو خارج عن موضوع البحث؛ لأنَّه لا يمكن أن تتحقَّق الإرادة الجدِّيّة من الملتفت إلى فساده، فيكون الباب باب الغصب، وليس من المقبوض بالبيع الفاسد في شيء. وإنَّما الداخل في محلّ الكلام أحد فردين؛ إمَّا مبالٍ بحكم الشرع، ولكنَّه جاهل بالفساد، أو عالم بالفساد إلّا أنَّه غير مبالٍ بحكم الشرع، وإنَّما غاية ما يعمل هو المعاملة العقلائيّة، فذلك الذي تحصل منه إرادةً جدِّيّة.
وفي مثل هذه الموارد ليس هناك إقدام على الضرر، وإنَّما هو إقدام عقلائيّ على المعاملة، فهو يعمل بيعاً وشراءً كما تعمل أنت، ولم يقدم على الضمان ولا على الضرر. فلا يتمّ هذا الوجه.
قد يقال: إنَّنا إذا تمَّمنا المطلب بالإقدام يلزم الدور؛ لأنَّ الإقدام على الضمان، وكون القبض يسبِّب الضمان بأيّ قيمة كانت، موقوفٌ على أنَّه بقطع النظر عن هذا الإقدام يكون حكمه الشرعيّ هو ذلك، وإلا فلا يثبت ذلك. وأنت تريد أن تنقّح هذا الحكم الشرعيّ بهذا الإقدام، وهذا دور(1).
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الايراوني) 2: 136.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إلا أنَّ هذا غير صحيح. نعم، لو كان الأمر كذلك لدار، ولكنَّنا لا نقول بذلك، بل نقول: إنَّ أدلّة الضمان تقتضي أنَّك ضامن لمال الناس كائناً ما كان، فهذا الحكم غير موقوف على الإقدام، وإنَّما نقول: إنَّه إذا لم يكن إقدام فليس هناك حكم؛ لأنَّ الـمُقدِم لا يشمله دليل (لا ضرر)، وإنَّما يشمل غير الـمُقدِم، فهذا يشمله أدلّة الضمان ويكون ضامناً بأيّ قيمة.
وأمَّا (لا ضرر) فلا تشمله؛ لأنَّ انطباقها على المقام موقوف على عدم الإقدام. فانطباق (لا ضرر) موقوف على الإقدام، لا أنَّ الحكمَ الأوَّليَّ موقوفٌ على عدم الضمان ليتمّ المطلوب.
المرحوم النائيني له تقريب لعدم الضمان في المقام، يقول: إنَّه في هذه الموارد التي حدث فيها إعواز المِثْل وقلّته؛ لكونه بيد شخص لا يبيعه إلّا بأكثر من ثمن مِثْله، لا يمكن أن نقول إنَّه يجب الشراء، بل لا وجه له. ويقرّبه: بأنَّ الشيء الذي فيه إعواز من الأوَّل قيمته من الأوَّل عالية، فنفس الدليل لا يقتضي أكثر من ضمان قيمته.
ويقول: لا فرق بين الإعواز البدويّ، والإعواز التالي، فكما كُنَّا نقول في البدوي لزوم الانتقال إلى القيمة، كذلك في الإعواز التالي ينتقل فيه إلى القيمة.
ثُمَّ يقول: إنَّ الإعواز بمنزلة التعذُّر ولا يجب شراؤه(1).
نقول: إنَّ المِثْليّ والقيميّ لا ربط له بالإعواز وعدمه، فإنَّ القيميّ ماهيّة في نظر العقلاء، والمِثْليّ ماهيّة أخرى، والشيء القيميّ الذي له مِثْل واحد أو مِثْلان
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 291 ـ 292، في شراء المِثْل لو كان غالي الثمن.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
لا يخرجه عن كونه قيميّاً، كما أنَّ الشيء المِثْليّ إذا لم يُوجَد له مِثْل لا يخرج عن كونه مِثْليّاً. وأدلَّة الضمان لم ترد لملاحظة خصوصيّات الموارد.
ومن العجيب أنَّه يقول: إنَّ القيميّة دائر مدار الإعواز، وإنَّه ثابت مادام الإعواز، فلازمه أن يكون الشيء مِثْليّاً، وبعد عشرة أيام يطرأ عليه الإعواز، فيكون قيميّاً، ثُمَّ يكون مِثْليّاً، ثُمَّ قيمياً، وهكذا. وهذا لا دليل عليه. فإذا اعوز –وأنت تقول إنَّه يتبدّل إلى القيمة– وأراد أن يدفع المِثْل، فلازمه أن لا يقبل منه إلّا القيمة، مع أنَّه ليس كذلك في محيط العقلاء، بل المِثْليّ مِثْليٌّ، والمِثْل في العهدة حتَّى عند الإعواز، غايته إذا أعوز المِثْليّ لم يسقط الضمان، وإنَّما ينتقل إلى القيمة، فما يقوله من أنَّه إذا أعوز مِثْل المِثْليّ يكون قيميّاً غير صحيح.
ومع غضّ النظر عن ذلك، أي: إذا بنى على أنَّ الإعواز يجعل المِثْليّ قيميّاً. فإذا كان المقبوض بالبيع الفاسد وافراً، ثُمَّ تلفت العين، ثُمَّ تعذَّر وجوده، فقد أصبح حِمْل الحنطة قيميّاً، فما هو مجال الاستشهاد بدليل الضرر؟ فإنَّه يقول(1): وبالجملة: إنَّ ما طرأ عليه الإعواز يتبدّل إلى القيمة، ولا يجب شراؤه بدليل (لا ضرر).
ودليل (لا ضرر) إنَّما يشمل المِثْليّ ويحوِّله إلى لزوم دفع القيمة.
وأمَّا إذا صار الشيء قيميّاً، وكانت القيمة في العهدة، فيجب أن يدفعها ولا يقبل منه المِثْل، ولا يجب عليه شراؤه، ولا مجال لدليل (لا ضرر).
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) المصدر السابق 1: 292.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الشيخ له مسألتان في ذيل الأمر الخامس، والمرحوم السيّد يقرّ بهما.
يقول الشيخ(1): يجوز للمالك مطالبة المِثْل ولو في غير بلد التلف.
ويقول السيد(2): إنَّه لا إشكال في جواز مطالبة العين في صورة وجودها، والمطالبة بالمِثْل في صورة تلفها لدليل “الناس مسلَّطون على أموالهم“، لكن إذا لم يستطع دفعها يتبدّل إلى القيمة.
ونحن نتكلَّم عن مطلبين:
أحدهما: استفسار من الآغايون، وهو أنَّه إذا كان المِثْل في العهدة، أو كانت العين تحت سلطتي، إلّا أنَّها لا تصل إليها يدي عرفاً، فهل يجوز له المطالبة بها؟
فالشيء الذي لا استطيع أن أعطيه إياه هل يجوز له المطالبة به، لتقول إنَّه ينقلب إلى القيمة؟ وهل تستطيع أن تستشم من أدلّة(3) إمهال المعسر هذا
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 224، جواز المطالبة في بلد التلف.
(2) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 98، المسألة الأولى.
(3) اُنظر: وسائل الشيعة 16: 319، باب وجوب إنظار المعسر واستحباب إبرائه، و18: 366، باب وجوب إنظار المعسر وعدم جواز معاسرته.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المطلب، وهو: أنَّه بمجرَّد عدم القدرة للأمر بالانتظار والصبر، وإن لم يتعذَّر أصلاً دفعها، ينتقل إلى بدل الحيلولة؟ فلا بُدَّ من تحقيق ذلك، ثُمَّ نرى أنَّه ما الدليل على الانتقال إلى القيمة؟
يقول الشيخ: لا فرق في جواز المطالبة بين بلد التلف وغيره. ويقول السيد: لا إشكال في جواز المطالبة في أيّ مكان، إذا كانت العين موجودة فبالعين، وإن كانت معدومة فبالمِثْل، لقوله “الناس مسلطون على أموالهم“.
يقول: غاية الأمر أنَّه إذا لم توجد العين أو المِثْل في ذلك البلد ينتقل إلى القيمة.
نحن لنا كلام في جواز المطالبة، وكلام مع السيّد في الانتقال إلى القيمة.
هذا الشخص الذي كانت العين تحت يده ولا زالت موجودة يجب ردُّها، أو تلفت وأصبح ضامناً لها، مرَّةً يمكنه تسليم العين، لكن مرَّةً يطالب في نفس البلد ويحوِّلها له. وأخرى في بلد آخر يستطيع أن يُسلِّمها فيه. وصورة أخرى وهو أنَّه لا يمكنه تسليمها عادة. ففي مثل ذلك يأتي كلام السيّد يقول: غاية الأمر ينتقل إلى القيمة، أمَّا في موارد استطاعته التسليم فلا ينتقل إلى القيمة.
ففي صورة عدم إمكان تسليم هذا الشيء هل المطالبة ممكنة أو لا؟
ونظائره تأتي في كثير من الموارد، مثلاً ظاهر الآية أنَّ التشريع محرّم، ويفسِّرون التشريع بأنَّه المكلَّف يُوجِد الشيء بعنوان كونه من الشرع، مع العلم أنَّه ليس من الشرع، فهنا تقول: إنَّه يجوز المطالبة، غايته إذا لم يمكن الأداء ينتقل إلى القيمة.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نقول: إنَّ المطالبة أحد أفعال الإنسان الاختيارية، تصدر عن مبادئ لها في نفس الإنسان، كسائر الأفعال الاختيارية، فإذا كان الأمر من الممتنعات، فهل يمكن المطالبة به؟ أو المولى هل يمكن أن يأمر عبده به؟ وهل يمكن أن يتحقَّق القصد الجدِّي إلى ذلك؟ فإنَّ الأمر لا بُدَّ وأن يكون صالحاً ولو للتحريك الاعتباريّ، بحيث لو اقترن في نفس العبد بالخوف والطمع لكان صالحاً للوجود، فإذا علم الآمر أنَّه لا يمكن الانبعاث عن أمره، كيف يمكن إرادته الجدِّيّة؟
وما هو شائع بين الفضلاء من أنَّ الإنشاء قليل المؤونة(1) ليس بصحيح، وليس الإنشاء بقليل المؤونة، بل هو من أفعال الإنسان الاختياريّة، ويحتاج إلى مبادئ خاصّة.
نعم، التلفُّظ نفسه وإن كان كذلك، إلّا أنَّ الإرادة الجدِّيّة ليست كذلك، ولا يمكن أن تحصل إلّا مع إمكان تحصيلها، فإذا كان ماله لا يمكن أن يصل إليه إلّا بعد شهر أو شهرين، فإنَّه لا يمكن المطالبة به جداً على أساس تسليمه الآن، وهو ممتنع في الحقيقة، ومبادئ الإرادة لا تحصل؛ لأنَّ المطالبة أمر توصُّلي إلى حصول الأمر، ومع عدم إمكان حصوله لا يمكن حصولها.
في باب قصد الإقامة يأتي كلام، وهو: أنَّ الإنسان إذا دخل في بلد وفكّر في
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) اُنظر: كفاية الأُصول: 228 قوله: فإنَّ الإنشاء خفيف المؤونة، فوائد الأُصول 4: 395، في تقديم القبول على الإيجاب. منية الطالب 1: 250، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 280، و5: 264، أن التصرف سبب أو كاشف.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مصالحه، فوجد أنَّها تقتضي أن يبقى عشرة أيام، فيقصد البقاء عشرة أيام. وأخرى يكون التوقُّف بهذا المقدار لا مصلحة فيه بالنسبة إليه، ولكنَّه يُريد أن يصلِّي صلاة تامَّة، ففي مثل ذلك تكون المصلحة متعلّقة بالقصد؛ لأنَّ المصلحة ليست في بقاء العشرة، وإنَّما المصلحة في القصر، وبما أنَّ المصلحة في القصر فيقصد ذلك. فالمصلحة تارةً تكون في متعلّق العقد، وأخرى في العقد نفسه.
فهنا يُقال نظيره: إنَّ المطالبة لأجل الوصول إلى العين الواقعية غير ممكنة، لكنَّ المطالبة أصبحت موضوعاً للانتقال إلى القيمة -بناءً على قول السيد-فتصبح نفس المطالبة حاوية على المصلحة، فقصد الواقع جدّاً وإن كان مستحيلاً لاستحالة قصد الشيء الممتنع، إلّا أنَّ المطالبة الجدِّيّة تكون موضوعاً لحكم شرعيّ بأداء المِثْل أو القيمة، فيكون في المطالبة مصلحة فيطالب.
ونظيره قد يقال في الأوامر الامتحانيّة، وهو أن يقال: إنَّ الإنسان قد يأمر لمصلحة في المأمور به، فإذا لم يكن فيه مصلحة أو مفسدة لا يمكن أن يتعلّق به الأمر، وأمَّا إذا كان في نفس الأمر مصلحة فيمكن أن يأمر الإنسان لمصلحة في الأمر لا لمصلحة في المأمور به.
نقول: إنَّه في باب قصد عشرة أيام، مرَّةً يكون قصد الإنسان لواقع عشرة أيام، يكون لأجل كون المكان مزاراً –مثلاً-. ومرَّةً لا تكون فيه مصلحة، ولكن بما أنَّه يرى أنَّ الحكم واقع على عنوان قصد عشرة أيام وهو إتمام الصلاة، وهو يُريد إتمامها، ففي مثل ذلك يرى المكلَّف مصلحة في القصد فيقصد. ولكن إذا دققنا نرى أنَّه من حيث كونه يُريد إتمام الصلاة تتعلّق إرادته بالبقاء
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هنا عشرة أيام؛ فمَّرةً يكون البقاء مطلوباً ابتدائياً كما لو كان المكان مزاراً. وأخرى يكون مطلوباً ثانويّاً وعرضيّاً باعتبار وجود حكم الشرع، ويستحيل هذا القصد مع عدم وجود قصد البقاء عشرة أيام، يعني يستحيل أن يقصد ذلك مع كونه عازماً على البقاء تسعة أيام مثلاً، فلذا لا يتمّ كون المصلحة في القصد لا في المقصود، بل المصلحة في القصد يتولد(1) منه إرادة جدِّيّة في البقاء عشرة أيام، فهو يُريد أن يبقى في هذا المكان لا لأجل ذاته، بل لأنَّه يُريد أن يتمّ صلاته.
وكذلك الحال في الأوامر الامتحانيّة، فإنَّ الأمر تارةً يكون جدِّيّاً للوصول إلى ذلك المطلب الذي فيه المصلحة، ومرَّةً تكون المصلحة في تفهيم شيء للمخاطب، فليس هنا جدٌّ للأمر، وإنَّما هو صورة الأمر. وإذا كان المتعلق مبغوضاً للآمر، كقضية إبراهيم يستحيل أن يتعلَّق به الأمر، ولا بُدَّ أن يكون الأمر صورة أمر. ولكن إذا لم يكن في المتعلّق اقتضاء فلا مانع من أن يكتسب رجحاناً من رجحان الأمر، نظير ما قلنا هناك من أنَّ البقاء يكتسب الرجحان في نظر المكلَّف من إرادته للإتمام، ولكن يستحيل أنِّي لا أريد المتعلّق أن يقع ومع ذلك آمُر به جدّاً.
بناءً عليه، ففي المقام أيضاً كذلك، فإنَّك مرَّةً تقول: إنَّ صورة المطالبة
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) لا يخفى أن هذا لازمه الواضح الصريح هو إمكان ترشّح إرادة المقدّمة من ذيها بل المطلب مبتنٍ لا شعورياً على مثل هذا التفكير. وإن كان السيّد قد منع فيما سبق من ترشّح الارادة وقال باستحالته فيكون هذا من التهافت فتأمَّل. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
موضوع للانتقال إلى القيمة وهذا لا مانع منه، ولكن هذا ليس هو مقصود السيد، بل مقصوده المطالبة الواقعية، ولذا يتمسّك بـ “الناس مسلَّطون على أموالهم“.
والمطالبة الصوريّة لا ربط لها بتسلُّط الناس على أموالهم. فأنت تقول: حيث إنَّي رأيت أنَّ المطالبة موضوع للنقل والانتقال، فلذا حصلت المطالبة. إذا كانت هذه المطالبة مثل قصد البقاء عشرة أيام بأن يقصد البقاء ثانياً وبالعرض، باعتبار إرادته التمام، لقلنا: إنَّه يقصد الواقع قصداً ثانويّاً، ويبقى عشرة أيام، فإذا كان مطالبة الأمر الممتنع كذلك، بحيث إنَّه لمصلحة المطالبة تتعلَّق الإرادة بالواقع، لم يكن منه مانع. إلّا أنَّ هذا لا يمكن، فإنَّ تعلُّق الإرادة الجدِّيّة بالأمر غير المقدور مستحيل، سواءٌ تعلَّقت المصلحة بنفس الواقع أو بالمطالبة.
وكون الإنشاء قليل المؤونة لم نفهمه، فإنَّ الإنشاء من أفعال الإنسان الاختياريّة، والـمُنشَأ هو الأمر الاعتباريّ والفعل يحتاج إلى مبادئ لا محالة، فلا يمكن أن ينشئ الزوجية أو الملكيّة بين غير القابلَين لها.
فالأمر دائر بين مطلبين: أمَّا أن يكون الشيء ممكناً فإمكان المطالبة والردّ معلوم، لكن الانتقال إلى القيمة لا معنى له. وأما إذا لم يمكن الأداء فلا إمكان للمطالبة، ليقال: إنَّه إذا طالب ينتقل إلى القيمة.
وإذا قلتم: إنَّه إذا لم يمكن التسليم ينتقل إلى القيمة، فلماذا تجعلون السبب هو المطالبة؟ نعم، إذا كان بالتعذُّر والإعواز ينتقل إلى القيمة كان هذا الإشكال مرتفعاً، ولكنَّه خلاف مراد السيد.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وإذا كان بالإعواز ينتقل إلى القيمة، فلا يمكن أن يقال: إنَّه يجوز له مطالبة العين والمِثْل؛ لأنَّه انتقل إلى القيمة غاية الأمر أنَّه بالمطالبة ينتقل إلى القيمة، إذن لا يتمّ هذا المطلب.
وكلام آخر في الجواز الشرعيّ للمطالبة في صورة عدم إمكان التسليم، وعلى ما قلناه من الاستحالة لا معنى لجواز المطالبة بالتسليم.
نأتي إلى مطلب آخر للسيد، فإنَّه يقول: بالمطالبة ينتقل إلى القيمة.
نقول: يحتاج الانتقال إلى القيمة إلى دليل، فإنَّه مرَّةً يكون المقبوض بالبيع الفاسد متعذِّراً تسليمه مطلقاً، فهنا للانتقال إلى القيمة وجه وإن كان باطلاً، إلّا أنَّ هذا خارج عن محلّ الكلام، ونبحثه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأخرى: لم يتعذَّر مطلقاً بل أستطيع أن أسلِّمه بعد شهر أو شهرين، ففي مِثْل ذلك أيّ دليل على الانتقال إلى القيمة؟ فلا(على اليد) ولا (الناس مسلَّطون)، وبناء العقلاء يقتضي في مثل ذلك هذا التبديل.
نعم يمكن أن يُقرَّب (على اليد) فيُقال: إنَّه حين مجيء العين تحت اليد يكون مضموناً بشخصيّته ونوعيّته وماليّته، فإذا استطاع ردَّها بجميع جهاتها وجب، وأمَّا إذا لم يستطع ردَّ شخصيتها ولو محدوداً بمقدار شهرين، فبواسطة “الناس مسلطون على أموالهم” يُلغي المالك جهة العينية ويطالب بالمِثْل، وإذا تعذَّر المِثْل يلغي المالك ذلك ويطالب بالقيمة. هذا غاية تقريب كلام السيد.
لكنني لا أظنّ أنَّه يلتزم بمثل هذا المطلب، فإنَّ القائلين بدخول العين في
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العهدة لا يريدون أن يقولوا: إنَّ الشخص المستولي على مال الناس تدخل في عهدته ثلاثة أشياء، وإلا لوجب الالتزام بلوازمه، وهو أنَّ المالك حين وجود العين يُلغي شخصيتها ويطالب بمِثْلها، أو يلغيها ويطالب بالقيمة. فـ (على اليد) تنقّح ضمان الجهات الثلاث، و(على اليد) تعطيه سلطة إلغاء أحدهما، فهذا يلزم منه أن يعطي سلطة الإلغاء حتَّى مع وجود العين. وهذا لا يلتزمون به؛ لأنَّ الذي جاء إلى عهدته هو شيء واحد لا أشياء ثلاثة، وهي نفس تلك العين التي هي الآن بعيدة عنِّي جدّاً. وكونه بالمطالبة ينتقل إلى شيء آخر يحتاج إلى دليل، ويمكن أن يتمّ بدليل اليد لا بدليل السلطنة.
مضافا إلى أنَّ البيان الذي قلناه لا ينطبق على كلام السيد، إذ إنَّه يقول: إنَّ العين والمِثْل -من دون تفصيل- إذا تعذّرت ينتقل إلى القيمة، مع أنَّه لا بُدَّ أن يقول: إنَّ العين في المِثْليّات تنتقل إلى المِثْل، وأمَّا إذا تعذَّر المِثْل فتنتقل إلى القيمة. ولكن لا دليل على هذا المطلب حتَّى في موارد التعذُّر. بل إذا قلنا بدخول العين في العهدة فهي تبقى على عهدتي سواء تعذَّرت أو لا. غاية الأمر إذا تعذَّرت لا يسقط الضمان، بل لا بُدَّ من أدائها بأحد المراتب.
هذا راجع بالنسبة إلى المسألة الأولى تبقى المسألة الثانية التي يذكرها الشيخ، ويتعرَّض لها السيّد مفصّلاً.
المسألة الأخرى التي يُحرِّرها الشيخ هي: أنَّه هل المدار في باب المِثْل هو بلد المطالبة؟ بحيث لو وجب دفع المِثْل بسبب الغصب والبيع الفاسد، بحيث إنَّه
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذا تلف هنا وطالبه هنا وجب دفعه هنا، أو أنَّ الميزان بلد الغصب في باب الغصب، وبلد الاستيلاء في المقبوض بالبيع الفاسد.
إذ ينقل عن شيخ الطائفة والقاضي أن المدار هو بلد الغصب(1)، فلو قبض في بلد أو غصب في بلد وتلف في بلد آخر وطالبه في بلد ثالث، فهل الميزان هو بلد المطالبة، وليس للغاصب حقّ أن يقول إنِّي أحوُّله إليه في بلد الغصب، أو أنَّ الميزان بلد الغصب بحيث إنَّ الغاصب ملزم بتسليمه هناك، أو الميزان بلد التلف ولا يمكن أن يطالبه المالك في غيره؟
أو ما يقوله السيد(2): من أنَّه إذا كانت العين موجودة فيجب أن ننظر إلى العين أين تجولت، وفي كم بلد سارت؟ فاختار أنَّه أينما ذهبت العين فللمالك أن يطالب بها في أيِّ بلد شاء وبأيِّ بلد طالبه وجب عليه دفعها.
وإذا تلفت يضمن مِثْلها ويحقُّ للمالك أن يطالب بالمِثْل في البلدان التي تجوَّلت فيها العين، وإذا لم تكن العين قد تجوّلت في البلدان حال وجودها وتلفت، ليس للمالك أن يطالب إلّا بالبلد التي كانت فيه موجودة.
ينقل الشيخ عن الحلي(3): أنَّ الميزان هو بلد المطالبة، لاقتضاء أصول المذهب والأدلّة ذلك، ويقول الشيخ(4): وهو كذلك لدليل (تسلط الناس على أموالهم).
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) اُنظر: المبسوط 3: 76، كتاب الغصب. المهذب 1: 443، كتاب خطر الغصب.
(2) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 99، حكم تعذر المثل.
(3) كتاب المكاسب 3: 225، الخامس، ضمان المثل.
(4)المصدر السابق 3: 224، الخامس، في ضمان المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ونحن لنا كلام مع السيّد، وكلام في أدلّة الضمان.
أمَّا الكلام مع السيّد، فإنَّه يقول: أينما جالت العين فيه من البلدان المختلفة، فللمالك أن يطالب بالعين في أيّ تلك البلاد. وإن كانت الآن موجودة هنا، فيقول المالك: إنَّ العين كانت موجودة في أمريكا، وكان لي حقّ باستلامها هناك، فالآن أنت ملزم بدفعها هناك.
ويقول السيّد في المِثْل: إنَّ له حقّ المطالبة به في سائر هذه البلدان، وليس له حقّ المطالبة في غيرها، ودليله أنَّه يقول: لانصراف أدلّة الضمان مثل قوله: “المغصوب مردود“(1) و”من أتلف مال الغير فهو له ضامن” و”على اليد“.
نقول: “المغصوب مردود” غاية ما يدلّ عليه وجوب ردِّ المغصوب، وكأنَّ السيّد فسَّر المردود بهذا المعنى، أي: كونه مردوداً في مكان تجوّل فيه. فلو جال في كلّ مكان فللمالك أن يقول: عليك أن تجول بها في هذه البلاد!! هل يستفاد من الدليل ذلك؟! أو أنَّ غاية ما يقول: بأنَّ العين ما دامت موجودة يردُّها إلى صاحبها، إلّا إذا حصلت جهة أخرى نقولها؟
و”من أتلف مال الغير فهو له ضامن“، لا تفيد أكثر من الضمان، أمَّا أنَّه ضامن له في كلّ بلد جالت فيه العين، فهو أجنبي عن دلالته، بل لا تفيد أكثر من الضمان والعقلاء يقولون: إنَّ المضمون يجب ردُّه.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
() الكافي 1: 542، ح4، باب الفيء والأنفال. وسائل الشيعة 9: 524، ح4، الباب الأوّل في أبواب الأنفال، بلفظ “الغصب كلّه مردودٌ“.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نعم، إذا قيل إنَّه يجب ردُّه في محلّ الغصب كان له وجه.
والعجب من السيّد أنَّه يقول في أدلّة الصرف والسلم، إنّها لها انصراف إلى البلد العقد، وهنا يقول: إنَّ لأدلّة الضمان انصراف لكلّ مكان كانت العين فيه، مع أنَّه ينبغي أن يُقال إنَّ لها انصرافاً إلى بلد الغصب أو بلد التلف.
وأمَّا تتميمها بدليل “الناس مسلَّطون على أموالهم“، بدعوى أن مقتضي السلطة على مالي في أيّ بلد ومكان، فنقول: إنَّه لا يدلّ على أكثر من أن يكون مالك حيث تريد وأن لا يُنقَل إلّا بإذنك. أمَّا أنَّه إذا عصى شخص ونقله فهل أدلّة السلطنة تعطيك الحقّ بمطالبته بنقله إلى مكان آخر؟ فهذا من باب السلطنة على الشخص لا السلطنة على المال.
ولو صدّقنا كلام السيّد فلازمه أنَّه إذا كان عندي عين ونقلتها إلى أماكن كثيرة وتلفت في مكان، ففي مثل ذلك:
إمَّا أن نقول: إنَّ الذي يأتي العهدة هو العين.
وإمَّا أن نقول: هو المثل.
فإن قلنا بدخول العين في الذمَّة، إذن فهي تبقى حتَّى بعد التلف، وتذهب مع الضمان المنطوي عليها أينما ذهب، ولي أن أطالب بها في أي بلد ذهب إليه الضامن. فكما أنَّ المال الخارجيّ هو كذلك على قولك كذلك العين الموجودة في الذمَّة.
وأما إذا قلنا: إنَّ المِثْل يأتي إلى العهدة فمن حين التلف ينتهي حساب العين ويكون الرجوع إلى الأماكن التي مرت بها لا معنى له، بل نبقى نحن والمثل، فأين ما تجولت بعد التلف، فلا بُدَّ لي أن يكون لي حقّ المطالبة في كلّ بلد ذهبت إليه.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العمدة في المسألة هو: (على اليد)، وهناك حيثية محتاج إليها لم نتكلَّم فيها. فإنَّ البحث السابق كان في أنَّ الداخل في الذمَّة هل هو العين أو المِثْل أو القيمة والكلام الذي هو محلّ الابتلاء، هو أن يقال: إنَّ (على اليد ما أخذت حتَّى تؤدّيه) فيها عدَّة احتمالات:
أحدها: أنَّ الهويّة الشخصيّة، يعني الشخص الذي يكون به الشخص شخصاً، هو الذي يأتي إلى العهدة، فالحيوان –مثلا– محفوظة هويّته الشخصيّة مهما طرأت عليه الأحوال، وإذا سلَّم الهويّة الشخصيّة فلا ضمان، وإذا تلف فلا بُدَّ أن يدفع مثل الهويّة الشخصيّة وإن لم يكن مطابقاً للأوصاف الخارجيّة، فإذا تلف حِمْل الحنطة من النوع الممتاز لم يكن عليه إلَّا أداء حِمْل حنطة مطلقاً. وهذا معلوم أنَّه غير صحيح.
ثانيها: أن نقول: إنَّ ما أُخذ في العهدة هو الهويّة الشخصيّة بصفاتها الوجودية. فإذا أتى مال الناس إلى يدي وكان له أوصاف وجوديّة، سواءٌ كانت ممَّا تتغيّر به القيمة عند العقلاء أو لم تكن. فإذا كانت موجودة وأستطيع إعادتها بأوصافها يجب، وإن لم توجد أوصافها، فلا بُدَّ من أن أجبر الخسارة والنقص.
وأمَّا إذا تلفت فلا بُدَّ من دفع المِثْل، والمِثْل –بناءً هذا الاحتمال– هو عبارة عن مِثْل هذا الشيء بجميع أوصافه الوجوديّة، سواءٌ كانت مورد رغبة العقلاء أو لم تكن.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثالث الاحتمالات: أنَّه المِثْل بصفاته الوجوديّة التي يرغب فيها العقلاء، ويتفاوت بتفاوتها الثمن.
رابع الاحتمالات: أن تكون الصفات المأخوذة أعمّ من الصفات الوجودية والانتزاعيّة، مثلاً الشيء ذو صفة وجوديّة كالأبيض وذو وصف اعتباريّ أو انتزاعيّ عند العقلاء، وهو كونه في مكان كذا أو زمان كذا. فنقول: إنَّه مضمون بسائر هذه الصفات. وذهاب العين في أماكن مختلفة يكسبها صفات اعتباريّة عديدة فتكون مضمونة، وهذا أيضاً على شكلين:
فمرَّةً: نأخذ الصفات الاعتباريّة سواءٌ كانت مرغوبة للعقلاء أو لم تكن.
وأخرى: نأخذ منها ما كان مرغوباً لديهم بالخصوص.
الاحتمال الخامس: الصفات التي تختلف باختلافها القيمة السوقيّة، واختلاف القيمة وإن كان يعود عقلاً بالدقَّة إلى تغيّر صفة انتزاعيّة أو اعتبارية، لكن عرفاً يكون راجعاً لزيادة الطلب وقلَّة العرض. وحيث إنَّ الميزان هو العرف، وكان الاختلاف في القيمة على أساس الصفات الاعتباريّة، يلحق بالاحتمال السابق، لكن هنا نفرض أنَّ هذه الصفات لم تختلف ولكن اختلفت القيمة السوقيّة، فيقال: إنَّ هذا يكون مضموناً.
وما يأتي إلى نظر الإنسان هو أنَّ الكلام حول الضمان، وفي باب الضمان لا بُدَّ أن نرى أنَّ ما هو الذي يأتي في الضمان عند العقلاء وما لا يأتي. فالصفة الوجوديّة التي لا يكون لها قيمة في سوق العقلاء وتلفت، لا يقول العقلاء
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بضمانها، ولا يكون (على اليد) شيء من هذه الجهة. إذن فلا أن نقول مطلقاً إنَّ الصفات الوجوديّة مضمونة.
والصفات الاعتبارية والانتزاعيّة أيضاً على نحوين: فمَّرةً تكون موجبة لزيادة القيمة ونقيصتها، مثلاً: (البرف)(1) تختلف قيمته في الشتاء عن قيمته في الصيف عند العقلاء. إذن، فالمضمون عقلائياً ليس هو مطلق الصفات الوجوديّة والاعتباريّة، وإنَّما المضمون هو الصفات التي يكون وجودها مؤثِّراً في زيادة القيمة، وعدمها مؤثِّراً في قلَّتها ونقيصتها. كالكتابة بالنسبة إلى العبد فلو قبضه بالبيع الفاسد، وكان كاتباً ونسي الكتابة عنده، فإذا أرجعه لا بُدَّ من دفع الفرق معه. وأما إذا كان في العبد صفات لا تختلف قيمته باختلافها في سوق العقلاء، فليس هذا من باب الضمان.
ونفس هذا المعنى نقوله في الأوصاف الاعتباريّة والانتزاعيّة، فمثلاً كون (البرف) في الصيف وصفاً انتزاعيّاً موجباً لاختلاف القيمة، فلو حفظه في ثلاجة إلى الشتاء وسلَّمه حينئذٍ يقول العقلاء إنَّه ضامن؛ لأنَّه جاء إلى عهدته أمر انتزاعي فلا بُدَّ أن يخرج منه ويسلِّم (البرف) الصيفي إلى صاحبه، وإذ لم يستطع يسلِّم العين مع التفاوت بين قيمة (البرف) شتاءً وقيمته صيفاً.
ومجرَّد كون الوصف وجوديّاً أو اعتباريّاً ليس ميزاناً، بل الميزان هو اختلاف القيمة بالوصف، بحيث يكون الاختلاف مفهوماً عند العقلاء. أمَّا إذا بقيت العين على تمام أوصافها وإنَّما ازدادت قيمتها لازدياد إقبال المشترين
ــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) كلمة بالفارسية تعني: حبات البرد المتساقطة من السماء.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
عليها، مع انحفاظ وصفها، فمشكل أنَّ العقلاء يقولون في مثله بالضمان.
حينئذٍ نقول: إنَّه في باب العين المغصوبة، إذا سلكنا مسلك السيّد بحيث قلنا: إنَّ العين جاءت بنفسها إلى الذمَّة، فهي تأتي إليها بتمام أوصافها الانتزاعيّة والاعتباريّة، فلا بُدَّ أن نرى أنَّ الضامن حينما نقلها من مكان إلى مكان هل اكتسبت قيمة اعتباريّة من كونها في المكان، ثُمَّ فقدته حين نقلها إلى المكان الآخر؟ والحكم الشرعيّ يقتضي أنَّه إذا سمن الفرس عند الغاصب ولو بعلفه ثُمَّ ضعف وهزل كان مضموناً، فهل اكتسب في هذا المكان وصفاً اعتباريّاً زادت فيه قيمته في نظر العقلاء، ثُمَّ بإرجاعه إلى المكان الآخر زال عنه هذا الوصف، فليس لا بُدَّ من إرجاعه، بل يعطي العين مع دفع الفرق؟ إلّا إذا قلنا بوجوب إرجاعها إلى حالها الأوَّل.
وكذلك في المِثْل نقول: إنَّ الشيء الذي تلف تحت يدي كان متضمّناً على صفات متعدّدة حقيقيّة أو اعتباريّة أو انتزاعيّة، يختلف باختلافها القيمة، فمثلها باقٍ في ذمَّتي، ولكنَّ المِثْل لا يأتي فيه هذا الكلام، فمهما اختلفت قيمته باختلاف الأوصاف، لم يكن مهمّاً، بل العين مضمونة بمِثْلها المتضمِّن لنفس الأوصاف.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الأمر السادس:]
في أداء القيمة عند تعذر المثل
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يقول الشيخ في الأمر السادس إنَّه إذا طالب المالك عند تعذُّر المِثْل، فمقتضى القاعدة أن يؤدِّي القيمة(1).
وفي هذا العنوان كلامان:
أحدهما: أنَّ متعلّق المطالبة ما هو؟ فقوله: إذا طالب المالك عند تعذُّر المِثْل يؤدِّي القيمة، هل يطالب بالقيمة أو بالمِثْل المتعذر؟
إذا كان المراد أنَّه إذا طالب بالمِثْل المتعذّر ينتقل إلى القيمة، فهل المقصود أنَّه يطالب بالمِثْل حال التعذُّر أو بعد ارتفاع تعذره؟ إذا طالب به على أن يؤدِّيه بعد ارتفاع تعذّره فلا إشكال أنَّه لا يجب عليه الآن شيء؛ لأنَّه طالب بالدفع في وقت يمكن أداء المِثْل. وأما المطالبة بالمِثْل بالفعل، فلا إمكان لهذه المطالبة، ومبادئ الإرادة الجدِّيّة لها لا تحصل.
فلا بُدَّ أن يكون المراد أنَّه إذا طالب بالقيمة فيجب أداء القيمة. فلا بُدَّ أن
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 226، السادس، تعذر المِثْل في المثلي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نرى أنَّ العنوان الذي ذكره الشيخ للبحث أحسن أو أن نبحث بشكل آخر.
نقول: إنَّه إذا تعذَّر المِثْل في المِثْليّ كان له المطالبة بالقيمة أو لا؟ لأنَّا نسأل الشيخ -بحسب العنوان الذي ذكره- أنَّ المطالبة بحقّ أو بغير حقّ؟ فإن قيل إنَّها بحقّ فيجب أداؤها وإن كانت بغير حقّ لا يجب. بل نبحث أنَّه هل له حقّ المطالبة أو لا؟
فإذا أثبتنا أنَّ له أن يطالب بالقيمة من الضامن فلا يكون لوجوب أداء الحقّ مؤونة، فلا بُدَّ أن نبحث عن وجوب أداء هذا الحقّ.
لا بُدَّ أن نرى دليل هذا المطلب ودليل كلام الشيخ، أنَّه إذا تعذَّر المِثْل في المِثْل هل له أن يطالب بالقيمة، وأنَّه إذا طالب بالقيمة هل يجب على الآخر الأداء أو لا؟
هناك وجوه قيلت أو يمكن أن تُقال في المقام:
الوجه الأول: أنَّ مقتضى دليل اليد هو ذلك، غايته يمكن أن يقرّب ذلك بعدَّة بيانات:
البيان الأول: أنَّ ظاهر(على اليد) أنَّ نفس العين في العهدة وحينما يعطي المِثْل أو القيمة فأيضاً نفس العين في العهدة، وفي مقام أداء العين هي موجودة، فلا بُدَّ من أدائها بتمام خصائصها الشخصيّة والنوعيّة والماليّة، وذلك بدفع نفس العين. وإذا لم تكن العين موجودة فلا بُدَّ أيضاً من أداء العين، فإذا كانت نوعيّتها وماليّتها ممكنة الأداء، فلا بُدَّ أن يؤدِّيه حيث إنَّ الضمان مجعول لمراعاة
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
حال المالك، فإذا تعذَّر المِثْل فله أن يعرض عن خصوصيّة النوعيّة ويلغيها ويطالب بالماليّة. فإذا تمَّ ذلك له أن يطالبه بأداء ماله من جهة ماليّة ويعرض عن الجهة الأخرى، وله أن لا يعرض عنها ويصبر إلى حين توفُّر المِثْل.
وهذا بحسب ما سبق ليس تامّاً:
أوَّلاً: لبطلان المبنى، وهو كون العين في العهدة، بل بعد التلف ينتقل إلى الذمَّة في المِثْليّ المِثْل وفي القيميّ القيمة.
وثانياً: إذا قبلنا المبنى، ولكن كون الضمان مراعاةً لحال المالك بحيث إنَّه أعطي الاختيار في الإعراض عن حيثيّة والتشبُّث بحيثية أخرى، لا دليل عليه بل الدليل على خلافه ثابت.
وذلك: أنَّه يلزم جريان ذلك في حال وجود العين أيضاً، إذ يقال: إنَّ المالك يمكنه الإعراض عن شخصيّة ماله ونوعيّته ويطالب بالقيمة. مع أنَّ هذا باطل لا يلتزم به أحد. وكذلك عند وجود المِثْل يستطيع أن يقول المالك: أنا أُسقط نوعيّة المال وأنت في مقام الأداء لا تستطيع أداء النوع، وإنَّما بقيت في ذمّتك القيمة، وهذا لا يمكن لأحد الالتزام به.
والسرّ في ذلك: هو أنَّ العين على فرض مجيئها إلى العهدة فليس الأمر في مقام الأداء بيد المالك، وإنَّما هو منوط بنظر العقلاء، لا يمكن التصرُّف في هذا الواقع العقلائيّ لا من قبل الضامن ولا من قبل المالك. نعم، يمكن إسقاط العين بتمام جهاتها بالإبراء.
إذن لا يمكن بهذا التقريب أن نُثبت حقّ مطالبة القيمة؛ لأنه: أمَّا العين
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فتلفت، وأمَّا المِثْل فتعذّر. فالمطالبة الجدِّيّة بها مستحيلة، والمطالبة غير الجدِّيّة لا يجب الاستجابة لها، وما يمكن المطالبة به وهو القيمة غير موجودة في العهدة ليطالب به؛ لأنَّ المفروض وجود العين في العهدة دائماً لا القيمة.
التقريب الآخر: أنَّه سواءٌ كانت العين في العهدة أو المِثْل، يُقال إنَّنا إذا فرضنا أنَّ العين في العين فليست في العهدة كيف كان، بل لها شؤون ثلاثة: شخصيّة ونوعيّة وماليّة، وهي بشؤونها الثلاثة في العهدة. فإذا أدّيت العين فقد أدّيت سائر هذه الجهات، وإذا تعذّرت جهة منها، كانت الجهة الأخرى ممكنة الأداء فتجب، وإذا تعذّرت الثانية وجبت الثالثة. فهذا التفصيل ليس في مقام الأداء كالتقريب السابق، بل يقال: إنَّ (ما أخذت) يدلّ على أنَّ اليد أخذت العين بجهاتها الثلاث فدخلت كلّها إلى العهدة، وأنا مسلَّط على المطالبة بأيّ منها، فعند التعذُّر يكون لي حقّ المطالبة بالقيمة(1).
إلا أنَّ هذا يرد عليه:
أولاً: الإشكال السابق الذي لا يمكن الالتزام به من قبل أحد، وهو أن يكون للمالك حقّ الإسقاط حال وجود العين.
وثانياً: أنه فرق بين أنَّ العين المضمونة لها شؤون ثلاثة، وبين أنَّ للشيء ثلاثة ضمانات، وهنا ليس الضمان ثلاثة ضمانات للجهات الثلاث، بل ضمان واحد لمضمون مُنحلٍّ إلى حيثيّات ثلاث. إذن، فلا دليل على تعدُّد الضمان، بل الدليل ثابت على خلافه.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 99، حكم ما لو تعذر ضمان المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الوجه الثاني: وتقريب آخر يقوله الآخوند: إنَّه إذا كانت أدلّته والضمانات تقتضي أن نفس العين في العهدة، فالمسألة لا إشكال فيها؛ لأنَّ الإنسان إذا كان ذا عهدة لنفس العين، فبالنسبة إلى هذه الحيثيّات تختلف آثارها في نظر العقلاء، فإذا كانت العين موجودة فأثره وجوب ردِّها، وإذا كانت متعذّرة فأثره أداء بدل الحيلولة، وإذا كانت تالفة فأثره الانتقال إلى المِثْل، وإذا تعذَّر المِثْل فأثره وجوب دفع القيمة. بل يمكن أن يقال: إنَّه كما في بدل الحيلولة الذي يعطى مع وجود العين يمكن أن يقال: إنَّه مع تعذُّر المِثْل تكون القيمة بدل الحيلولة عنه. بل هو أمر متعارف لدى العقلاء(1).
مسألة بدل الحيلولة فيه بحث مطوّل يأتي في محلِّه، لكن يأتي إلى النظر أنّه لو لم يكن دليل على بدل الحيلولة، فالعقلاء ليسوا قائلين بها دائماً بل في بعض الموارد. فمثلاً إذا غصب داراً وتعذَّر تسليمها فهل يطالبه العقلاء بدار أخرى، أو يقولون له: (أعطِ إجارتها، ونحن بها نشتري داراً أخرى)؟ نعم، في الأمور السهلة من الزراعة والصناعة قد يُقال بذلك، كما لو ضيّع فلّاحٌ فأسَ أو منجلَ فلّاحٍ آخر فيقول له: (أعطني منجلك؛ لكي أعمل به مادام منجلي ضائعاً عندك). فالمسألة وإن كانت مورد تسالم بين الأصحاب، إلّا أنَّها ليست موسّعة بهذا الشكل عند العقلاء.
وافرضوا في العين أنَّ البدل بدل الحيلولة، باعتبار أنَّ المِثْل يُعطى حال وجودها، أمَّا إذا كان المِثْل موجوداً فالانتقال إلى القيمة لا يكون من بدل
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 37، لو تعذر ضمان المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الحيلولة، بحيث إنَّ العقلاء في الضمانات يرون أنَّ تعذُّر المِثْل إلى الأبد يكون موجباً للانتقال إلى القيمة باعتبارها بدل حيلولة عن المثل. فهذا الوجه لا يتمّ.
والشيخ يذكر وجهين آخرين:
أحدهما: أنَّ منعَ المالك عن ماله ظلمٌ، وتحميلَ المِثْل على الضامن لتعذُّره عنه ساقطٌ فجمعاً بين الحقَّين يعطي القيمة(1).
لم أفهم أنَّه كيف يكون جمعاً بين الحقَّين، منع المالك عن أيّ شيء ظلم، منعه عن شيء ليس في الذمَّة ليس ظلماً! وإنَّما منعه عمَّا في الذمَّة هو الظلم، والمفروض أنَّ المِثْل هو الذي الآن في الذمَّة، فمنعه عن المِثْل ظلم، وأنت تقول إنَّ المِثْل ساقط، فكيف يكون منعه ظلماً؟! نعم، لو كان له حقّان: حقّ في المِثْل وحقّ في القيمة لكان الانتقال إلى القيمة صحيحاً، لكن لا من باب الجمع بين الحقَّين، بل من باب سقوط المتعذر وبقاء الميسور.
لكن إذا قلتم: إنَّ ما هو في العهدة هو المِثْل، وهو متعذّر ساقط فمنع المالك عن المِثْل الساقط ليس ظلماً، فهل يقتضي الجمع بين الحقَّين أن أعطي شيئاً آخر؟ فما كان في عهدتي سقط، وما تريد أن تأخذه لم يكن في ذمَّتي، فلم أستطع فهم كيف أنَّه يكون جمعاً بين الحقَّين.
وعلى أيِّ حالٍ لا يتمّ المطلب، إذ (على اليد) تأتي بالمِثْل إلى الذمَّة على المشهور، أو العين على غير المشهور دون القيمة، والانتقال إلى القيمة فيه كلام
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 226، السادس، تعذّر المِثْل في المثلي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
سوف يأتي. ولا حقّ له بالمطالبة بالقيمة؛ لأنَّ ماله متعذّر والقيمة لا حقّ له فيها ليكون منعه عنها ظلماً.
الوجه الذي قاله الشيخ من أنَّ منع المالك ظلم، والمطالبة بالمِثْل منفيّ بالتعذّر، ومقتضى الجمع بين الحقّين إعطاء القيمة.
قد يُقال في وجه ذلك من طرف المالك: إنَّنا نريد أن نقول: إنَّ ثبوت القيمة من أجل أنَّ منعه عنها ظلم.
ليقال في جوابه: إنَّ ثبوتها أوَّل الكلام فإذا أردت إثباتها عن هذا الطريق كان دوراً. بل نريد أن نقول: إنَّني حين كنت مالكاً في الخارج لمال، فكما كان لي حقّ أن انتفع بذلك المال كذلك لي الحقّ أن انتفع بقيمته، وأن أبدّله وأنتفع بثمنه، فمنع المالك من استفادته بالمال ظلم، ومنعه عن استفادته بالقيمة ظلم. فهنا يُقال: لو كان المِثْل في عهدة شخصٍ لشخص آخر، فله الحقّ أن يستفيد بعين المِثْل وله الحقّ بالاستفادة بقيمته، فيبيع المِثْل على شخص آخر ويستفيد بثمنه. فإذا كان المِثْل متعذّراً وكانت القيمة غير متعذّرة، فمنعه عن الاستفادة بها ظلم. لا أنَّ المِثْل في العهدة ليُقال: إنَّه لا دليل على انتقاله إلى القيمة، أو إنَّ الاستدلال على ثبوتها بأنَّ المنع عنها ظلم استدلال دائر. بل يُريد أن يقول إنَّ المِثْل في العهدة حتَّى بعد التعذُّر إلّا أنَّه له حقّ الاستفادة من القيمة.
إلا أنَّ هذا وإن ارتفع عنه إشكال الدور، إلّا أنَّ المطلب ليس تامّاً، فإنَّ الإنسان إذا كان له في الخارج مال وله حقّ الاستفادة منه، إلّا أنَّ الاستفادة من القيمة ليست مباشرةً وإنَّما هي مترتِّبة على البيع، فمنعُه عن البيع ظلمٌ، لا أنَّ
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الظلم هو المنع عن الاستفادة من القيمة المتأخِرة رُتبة عن البيع وهي غير حاصلة فعلاً. فإنَّه الآن ليس هناك قيمة في الخارج فقط أنَّ له الحقّ في التصرُّفات الخارجيّة والتصرُّفات الاعتباريّة، ومنعه عن كلٍّ من النوعين منها ظلم. فليس المالك يستطيع أن يستفيد من القيمة بلا واسطة، بل بواسطة البيع أمَّا قبله فلا حقّ له بالتصرُّف في القيمة. بل إلزام الضامن بالقيمة -على حين أنَّ الطرف يطالب بالمِثْل- ظلم.
فهذا الطرف له حقّ، والجمع بين الحقَّين يعني أن الآخر له حقّ أيضاً، فما هو حقّ الضامن، إذ بعد تعذُّر المِثْل لا إلزام بالأداء شرعاً ولا عقلاً، فهو معذور عن الأداء، فهل العذر يعطيني حقّاً، بل إنَّي لا أؤدِّي؛ لأنَّه غير ممكن، لا أنَّ لي حقّاً أن لا أؤدِّي.
فلو قبلنا المطلب في ذلك الطرف، لا نقول: إنَّه يعطي القيمة للجمع بين الحقَّين، بل نقول إنَّه ربما المالك كان له حقّ الاستفادة من العين ومن القيمة، وتعذَّرت العين فله الاستفادة من القيمة. بناءً عليه فالجمع بين الحقَّين يحتوي على مسامحة، ولا يُراد به الحقّ المصطلح.
الوجه الآخر: الذي يقوله الشيخ هو التمسُّك بالآية: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(1). وتعبيره: أنّ إلزام الضامن بأداء القيمة ليس تعدّياً زائداً على تعدِّي ذاك الطرف، إذن فلا بُدَّ أن يعطي القيمة(2).
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) البقرة: 194.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 226، السادس، تعذّر المِثْل في المثلي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وهذا مع غضّ النظر عن كون الآية ناظرة إلى مقام الحرب وليست ناظرة إلى باب الضمانات، مرَّةً نقول: إنَّ ظاهر الآية هو أنَّ الاعتداء المأمور به لا بُدَّ وأن يكون بمِثْل الاعتداء، وأنت تريد أن تعتدي عليه بغير ما اعتدى عليك بإلزامه بالقيمة، فينتج لزوم إلزامه بالمِثْل، فلو جمدنا على لفظ الآية يكون هذا مُتعيّنا، ولا تكون دالّة على كلام الشيخ إن لم نقل إنَّها دالّة على خلافه.
وأمَّا إذا كانت الآية كناية عن أمر آخر، ولهذا يقول الشيخ إنَّ الإلزام بالقيمة ليس اعتداءً زائداً على اعتداء الضامن. فقد اعتبرت الآية الاعتداء بالمِثْل كناية عن أنَّه لا بُدَّ أن لا يكون الظلم أكثر من الظلم الذي حصل منه، إذن فهي لا إطلاق لها على هذا المطلب الذي تريده وهو الانتقال إلى القيمة عند تعذُّر المِثْل، فإنَّها في مقام بيان النهي عن الظلم الزائد، وأما أنَّ الأداء كيف يكون؟ فهي ليست في مقام بيانه، فإنَّها لا تقول: اعملوا كلّ شيء ليس فيه زيادة على الظلم، لنتمسّك بإطلاقها.
الطريق الآخر: الذي قاله ونحن أضفنا إليه، هو التمسُّك بدليل الضرر باعتبار أنّ تأخير المالك إلى حين حصول المِثْل ضرر عليه وهو منفيّ.
ونحن نقول: إنَّ تأخيره حرج وهو منفيّ بدليل الحرج.
أوَّلاً: هذا ليس كُلِّيّاً لا ضرره ولا حرجه، فإنَّ المالك قد يكون ذا مال كثير ومن مصلحته أن يبقى ماله موزّعاً في ذمم الأشخاص؛ لأنَّ بقاءها هكذا لا ينزل من قيمتها، فتأخيرها ليس ضرراً عليه. نعم، التأخير المطلق كذلك، لكن التأخير إلى أمد كما هو محلّ الكلام ليس دائماً ضرراً ولا دائماً
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
حرجاً. إذن، فالمطلب لا كُلِّية له.
ثانياً: ثُمَّ إنَّه في دليل (لا ضرر)، بناءً على مسلك القوم من أنَّ (لا ضرر) رافعة للأحكام الضرريّة، وفي المقام ليس هناك حكم ضرري؛ لأنَّ المِثْل في عهدته، والشارع لم يقل بإطلاقٍ أو عمومٍ: لا يأخذه المالك، وإنَّما سقط باعتبار التعذُّر، ولا ربط له بحكم الشارع ليرتفع بـ(لا ضرر). وعلى مسلك القوم لا تكون (لا ضرر) متعهدة بإثبات الأحكام.
أمَّا بتقريب أنَّها حقيقة ادِّعائيّة، فإنَّ الضرر غير موجود في الشريعة، وهذا لا يصحّ مالم نثبت بعض الأحكام كوجوب الجبران والتدارك. إلّا أنَّ هذا لو صح، لا يجعل (لا ضرر) في مقام سدّ باب الضرر التكوينيّ، والتعذّر هنا حصل بالسبب التكوينيّ لا يد لي فيه فلا يشمله الدليلّ، فإلزامُه بدفع القيمة جبراناً لهذا الأمر الذي تعذَّر تكويناً غيرُ صحيح. فإنَّ (لا ضرر) وان كانت مثبتة للأحكام، إلّا أنَّها ليست كذلك دائماً. فهذا الطريق غير صحيح.
ويمكن من طريق آخر وهو أن يقال: إنَّ إطلاق أدلّة الضمان شاملة للضامن حتَّى في حال التعذُّر. فمن يتلف مال الغير فهو له ضامن، حتَّى الذي تعذَّر عليه المِثْل: حينئذٍ يقال: إنَّ جعل الحكم الوضعيّ الذي لا يمكن العمل به لغوٌ، إلّا إذا خرجنا عن اللغويّة بدفع القيمة، فالخروج عن اللغويّة يقتضي وجوب دفع القيمة عند تعذُّر المِثْل، فنستكشف من إطلاق دليل الضمان أنَّ هذا ليس جعلاً لغواً، بل له أثر وهو دفع القيمة.
هذا الوجه إذا تمَّ، على إشكالٍ، فإنَّما يكون له صورة في التعذُّر المطلق فيما
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذا تلفت العين وتعذَّر مِثْلها تعذُّراً مطلقاً، فيكون جعل وجوب دفع المِثْل لغواً، وحيث إنَّه مجعول فلا بُدَّ أن يكون له أثر وهو وجوب دفع القيمة. أمَّا في غير المطلق فلا يلزم اللغويّة؛ إذ أثره هو وجوب الدفع بعد أيام. وإلَّا لزم الإشكال فيما إذا أتلف شخص معدم فقير مدقع مالاً كبيراً، فهل يكون ضامناً له؟ مع أنَّه لا يستطيع الدفع إلى الأبد فيكون تكليفه بذلك لغواً.
والحلّ أنَّ هذا من الخلط بين القوانين الكُلِّية والجعل الشخصيّ، نعم الجعل الشخصيّ بالنسبة لمن لا يتمكَّن من الأداء لغوٌ، لكن الجعل القانوني ليس له نظر إلى الأفراد، فلا بُدَّ أن يكون القانون بنفسه لغواً لننفيه بهذا الدليل، ولغويّته أنَّه لا يمكن تطبيقه على الجامعة. أمَّا إذا كان ممكن التطبيق في الجامعة فليس جعله لغواً، وليس للقانون إطلاق بحيث يكون له بالنسبة إلى كلّ فرد فرد مبادئ خاصّة وغايات خاصّة، بل المبدأ والغاية للقانون نفسه. وإلَّا فإنَّ العاصي الذي يُعلم بعدم امتثاله مستحيل أن لا يحصل القصد الجدِّيّ إلى أمره. وكذلك التكليف بالاجتناب عن الإناء الخارج عن محلّ الابتلاء، وكذلك تكليف العاجز والناسي وأمثالهم، مع أنَّ الآغايون يرون وجود التكليف للعاجز وأنَّ القدرة من الأعذار العقلية لا من مقيّدات الأحكام الشرعيّة(1).
إذن، فقانون “من أتلف مال الغير فهو له ضامن” ليس لغواً، وشاملٌ لمن لا يتمكّن من الدفع والعاصي عن الدفع، ولا ملاحظة له بالنسبة إلى الأفراد، وليس له بالنسبة اليهم مبادئ وغايات مستقلّة ليلزمه المحال، وإذا أخذنا
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) راجع ذلك في: أنوار الهداية 2: 214، مباحث الشكّ.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الأفراد بنظر الاعتبار لزم أن نقول: إنَّ العاصي الذي لا يدفع أصلاً غير ضامن أصلاً؛ لأنَّ تكليفه لغوٌ، مع أنَّه لا يمكن الالتزام به.
الطريق الآخر: أن يُقال إنَّ بناء العقلاء على هذا، وهو أنَّهم إذا تعذَّر المِثْل يطالبون بالقيمة(1).
وهو صحيح في الجملة، لا أنَّه ينقّح المسألة مطلقاً، فإنَّا نريد أن نقول: إنَّ المِثْل إذا تعذَّر لمدَّة شهر ينتقل إلى القيمة، وفي مثل ذلك لم نحرز بناء العقلاء على الانتقال إلى القيمة. نعم، هو في مطلق التعذُّر كذلك والأمر كذلك في التعذُّر الطويل الأمد كعشر أو خمس عشرة سنة، فينتقل إلى القيمة عند العقلاء.
نعم هناك وجه آخر إذا تمَّ يتمّ مطلقاً، وهو أنَّه يُقال إنَّه عند التعذُّر ينتقل المِثْل إلى القيمة، إذا أثبتنا ذلك يكون هذا موضوعاً لحرمة الظلم ولزوم أخذ القيمة.
أمَّا إذا لم يتمّ هذا الوجه تبقى المسألة في مقدار منها بلا دليل، وهو التعذُّر إلى أمد قليل، أمَّا في الأمد البعيد فبناء العقلاء على ذلك.
فلا بُدَّ من البحث في انتقال المِثْل إلى القيمة عند التعذُّر.
اذا كان عندنا دليل على انقلاب المِثْل إلى القيمة عند التعذُّر فالمسألة منحلّة تقريباً، ولأجل تقريب ذلك هناك وجه مطابق مع مسلك الشيخ، وهو أن يقال: إنَّ الأحكام الوضعية متفرّعة عن الأحكام التكليفيّة، وليس لها وضع مستقلّ. كما نسب(2) ذلك إلى الشيخ من أنَّ الأحكام الوضعيّة غير قابلة للجعل ابتداءً وإنَّما تُنزع من الأحكام التكليفيّة.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 37، لو تعذّر المِثْل في المثلي.
(2) فرائد الأُصول 3: 125، الكلام في الأحكام الوضعيّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذا قبل الشخص هذا المبنى يقال: إنَّه عند التعذُّر سواءٌ كان تعذُّراً ابتدائيّاً أو طارياً، حينئذٍ لا يمكن التكليف بالمِثْل وهو غير موجود، فالأمر يدور بين أن لا يكون تكليفاً أصلاً وأن لا يكون هناك ضمان. وهذا خلاف تسالم الأصحاب وبناء العقلاء وإطلاق أدلّة الضمان، فلا بُدَّ من وجود التكليف، وحيث إنَّه لا يمكن تعلُّق التكليف بالمِثْل فلا بُدَّ من كونه متعلقاً بالقيمة. وإذا تعلَّق التكليف بالقيمة يُنتزع منها حكمٌ وضعيٌّ، وهو أنَّه بعد تعذُّر المِثْل تأتي القيمة إلى العهدة. وحينئذٍ يكون المالك ملزماً بقبول القيمة. وليس له أن يصبر إلى حين وجود المِثْل، وذاك الطرف أيضاً ملزم وضامن للقيمة، هذا محصّل هذا الوجه.
ولعلَ الشيخ -وإن كان هذا خلاف ذيل كلامه- يقصد ذلك، إذ يقول(1) في كلماته في الأمر السادس: ولكن لو استندنا في لزوم القيمة في المسألة إلى ما تقدّم سابقاً من الآية من أنَّ المتبادر من إطلاق الضمان هو وجوب الرجوع إلى أقرب الأموال إلى التالف بعد تعذُّر المِثْل توجّه القول بصيرورة التالف قيمياً. بمجرَّد تعذُّر المِثْل إذ لا فرق في تعذُّر المِثْل بين تحقُّقه ابتداءً كما في القيميّات، وبين طروّه بعد التمكُّن كما في ما نحن فيه، ودعوى اختصاص الآية وإطلاقات الضمان بالحكم بالقيمة بتعذُّر المِثْل ابتداءً لا يخلو عن تحكُّم(2).
فلعلَّ نظر الشيخ -وإن كان منافياً مع آخر عبارته- إلى ذلك، باعتبار أنَّ
ــــــــــ[119]ــــــــــ
() كتاب المكاسب 3: 228 ـ 229، العبرة في قيمة المثل المتعذّر.
(2) هذه عبارته اُنظر ص107 من المكاسب. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
التكليف مع وجود المِثْل يكون هو دفع المِثْل، وحين عدم المِثْل لا يمكن التكليف بدفعه، فينتقل إلى الأقرب منه إلى العين وننتزع منه الحكم الوضعيّ، فنوسّع دائرة المماثلة المأخوذة في الآية فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(1) إلى ما هو الأقرب إلى الشيء وهو القيمة بعد تعذُّر المِثْل، وننتزع منه حكماً وضعيّاً وهو أنَّه ينقلب ضمان المِثْل إلى القيمة.
غايته أنَّه لا ينسجم مع ذيل كلامه، وهو ما يقوله من أنَّه إذا قيل إنَّ أدلّة الضمان منصرفةٌ إلى التعذُّر الابتدائيّ وهو حكم فكأنه يُريد أن يُتمِّمه بإطلاق الدليل.
وسواءٌ كان هذا هو مراد الشيخ أو لم يكن فهو وجهٌ يمكن أن يُقال. إلّا أنَّه لا يتم:
أوَّلاً: لأنَّ مبنى الشيخ غير مرضيٍّ عند الأصحاب ولم نستطع نحن تصديقه، بل نحن نزيد على ما قاله الآغايون ونرى: أنَّ تمام الأحكام الوضعيّة قابلة للجعل ويمكن جعلها حتَّى الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة، والكلام فيه موكول إلى بابه، وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ جعل الضمان ممكن باعتراف الأصحاب.
وثانياً: أنَّنا إذا تكلَّمنا على المبنى، فإطلاق أدلّة الضمان كـ (على اليد) و”من اتلف مال الغير فهو له ضامن“، تقتضي وجود الضمان حتَّى مع التعذُّر، غايته قيل: إنَّ الضمان حكم وضعيّ ولا يمكن إلّا أن يكون تابعاً للتكليف(2).
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) البقرة: 194.
(2) المكاسب والبيع 2: 284، قوله: إنَّ الضمان حكمٌ وضعي مجعولٌ مستقلٌّ بالجعل، لا أنَّه منتزعٌ عن الحكم التكليفي.
( ) الإسراء: 78.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نقول: نحن لا يمكننا أن نرفع اليد عن الإطلاق، إلّا إذا لم نستطع أن نتصوَّر التكليف فعليّاً، وأمَّا إذا استطعنا ذلك واستفدناه، فلا يمكن رفع اليد عنه؛ لأنَّ المانع عن الأخذ بالإطلاق الذي هو حُجّة في نفسه لم يكن إلّا ما تقوله من تبعية الحكم الوضعي للتكليفي، فإذا تصوَّرنا التكليف فعليّاً أمكن انتزاع الحكم الوضعيّ منه.
وذلك بأن يقال: إنَّ التعذُّر مرَّةً تعذُّر إلى الأبد ومرة تعذُّر إلى أمد معيَّن. وفي التعذُّر الأبديّ كلام آخر.
أمَّا في التعذُّر إلى أمد: فيمكن تصويره بنحو الواجب التعليقيّ، أو بنحو الواجب المشروط على مبنى الشيخ الذي يقول برجوع جميع الشروط التي ظاهرها العود إلى الهيئة رجوعها إلى المادَّة، ولا يمكن عودها إلى الهيئة. أو على مبنى الجمع في الواجب التعليقي من كون الواجب استقباليّاً ولكن الوجوبَ فعليٌّ، أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ(1) من المحتمل أن يكون معناه: جعل الحكم من الآن بوجوب الإقامة عند دلوك الشمس.
إذا تصوّرنا ذلك، فعند تعذُّر المِثْل يقول له: (أعط المِثْل عند التيسُّر)، بنحو يكون التكليف فعليّاً ولكنَّ المتعلّق استقباليّ. إذن، فالتكليف فعليّ، فينتزع منه جعل الضمان.
الوجه الآخر: أن نتَّبع الشيخ في رجوع القيود الشرعيّة والعقليّة العائدة إلى الهيئة، رجوعها إلى المادَّة. ومعنى الرجوع إلى المادّة، هو أنَّ الهيئة مطلقة غير
ــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) الإسراء: 78.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مقيّدة، فالإيجاب مطلق والواجب مقيّد. فقولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) يرجع إلى قولنا: (أكرم زيداً الجائي)، فيجب عليَّ الآن أن أكرم زيداً الجائي. إذا بنينا على ذلك يمكن تصوُّر التكليف في التعذُّر إلى الأمد.
وأمَّا إذا كان التعذُّر إلى الأبد، فلا معنى للواجب التعليقي؛ لأنَّه لا يكون فعليّاً في يوم ما.
وأمَّا على ما هو التحقيق: من أنَّ جعل التكاليف القانونيّة الإلهية غير مقيّدة بحال التعذُّر والتعسُّر والجهل والعجز، ولا يمكن تقييدها، بل قد التزم الفقهاء في موارد متعدِّدة بعدم التقييد.
فإن التكاليف واردة على العناوين، وحال التعذُّر والتعسُّر والجهل والعجز أحوال متأخِرة عن الجعل، فهو غير قابل للِّحاظ حال الجعل، وغير قابل للتقييد بوجودها أو بعدمها.
وهو أمر يراه الفقهاء أيضاً، لذا يرون عدم تقييد التكليف بالعلم، وانقسموا بين من يراه محالاً، وبين من يرى الإجماع على خلافه(1).
وفي باب القدرة ظاهر كلماتهم هو هذا المعنى أيضاً، فإنَّ محقِّقيهم يقولون: إننا إذا شككنا في القدرة وجب علينا الاحتياط مع أنَّه لو كان هذا قيداً في التكليف فلا بُدَّ من إحراز القدرة؛ لأنَّه مع عدم الإحراز يكون الشكّ شكّاً في التكليف، فقولهم هذا مبتنٍ على أساس أنَّهم يرون أنَّ القدرة عذرٌ عقليّ، فلا بُدَّ من إحراز العذر بعد إحراز التكليف.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) بمعنى قيام الإجماع على اشتراك التكليف بين العالِمين والجاهلِين. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ومن الطرف الآخر، لا أظنّ أنَّ أحداً يرى أنّ المكلَّف يستطيع(1) أن يعجز أو يجعل نفسه مضطرّاً أو مُكرَهاً، بحيث يستطيع أن يجعل نفسه معذوراً بأحد هذه الأعذار. وهذا يعني أنَّ التقييد بها ليس تقييداً شرعيّاً، وإلَّا لكان حاله حال القصر والإتمام يستطيع المكلَّف أن يجعل نفسه موضوعاً لأيِّ قسمٍ شاء، مع أنَّه لا يمكن التزام أحد بذلك.
فالتكليف وإن كان مستحيلاً للعاجز والغافل، إلّا أنَّ التكاليف واردة على العناوين، وهي غير مقيّدة شرعاً، ولا أنَّ العقل يستكشف التقييد الشرعيّ، ولا أن العقل هو يقيّد؛ إذ كيف يُقيّد العقلُ حكمَ المولى؟! فإنَّ الحكم بيد الحاكم يوسِّعه ويضيِّقه ويستحيل لغيره التصرُّف فيه، نعم، يستطيع العقل تنقيح العذر عن الامتثال. يعني: أنَّ الأحكام مشتركة ما بين العاجز والجاهل والنائم والغافل وأضدادهم، وذلك بنحو الحكم القانونيّ، غايته أنَّه في مقام الأداء يكون هؤلاء معذورين عن الامتثال.
إذا قبلنا هذا المطلب، نقول: إنَّ التكاليف الفعلية على عناوينها موجودة، وغير مقيّدة لا عقلاً ولا شرعاً، فهو مكلَّف إلّا أنَّه معذور، إذن فالتكليف موجود، ومنه يُنتزع الوضع. إذن، فبناءً على مبنى الشيخ من انتزاع الحكم الوضعي من الحكم التكليفيّ، أيضاً لا يمكن الالتزام بالانتقال إلى القيمة عند تعذُّر المِثْل.
وأمَّا مسألة اللغويّة فقد فرغنا منها، أمَّا التعذُّر إلى أمد فليس لغواً، كما هو
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) يعني يجوز له. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
معلوم، وأمَّا في التعذُّر إلى الأبد فأيضاً ليس لغواً باعتبار وجود نتيجة له وهي جعل القيمة. مضافاً إلى ما قلناه من عدم إمكان اللغويّة في القانون.
وهذا المطلب الذي قلناه هنا لا بُدَّ وأن يكون أساساً للمطلب الذي سنتكلَّم فيه، وهو أنَّنا إذا فرضنا أنَّنا قلنا بالانتقال إلى القيمة عند التعذُّر، فما هي القيمة التي يجب دفعها: هل قيمة يوم التلف، أو يوم التعذُّر، أو يوم الدفع، أو أعلى القيم، وعلى الأخير فـ(أعلى القيم) بين أيّ شيء وأيّ شيء؟ وقد أنهاها السيّد إلى أربعة عشر احتمالاً(1).
وأوَّل مقدّمة لذلك، نقول: إنَّه لا دليل على الانقلاب إلى القيمة عند تعذُّر المِثْل.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 99-100، حكم ما لو تعذّر المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
اذا تعذَّر وأردنا أداء القيمة، فما هو الميزان في القيمة، هل هو حال الغصب والتسليط في البيع الفاسد، أو حال الأداء، أو حال التعذُّر، أو أعلى القيم؟
ذُكِرت احتمالات كثيرة وذُكِرت لها وجوه، ونحن نتعرَّض لمهمات المباني التي لها وجوه معقولة، ونرى مقتضى القواعد بالنسبة إليها.
ومقدّمة لذلك، نذكر بعض المطالب التي قلناها:
أحدها: إنَّنا قلنا: إنَّه لا دليل على أنَّه عند إعواز المِثْل يتبدّل المِثْل إلى القيمة، إلّا ما ذكره الشيخ على مبناه وقد انتهينا منه.
وهنا قال الشيخ(1): إذا استفدنا في باب ضمان القيمة من قوله تعالى: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ أنَّه يجب إعطاء الأقرب إلى التالف، فلازم ذلك التبدُّل إلى القيمة عند التعذُّر؛ لأنَّ التعذُّر الابتدائيّ والطاري لا فرق بينهما، ودعوى أنَّ أدلّة الضمانات مختصّة بالتعذُّر الطاري دون الابتدائي تحكّم.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 228-229، العبرة في قيمة المِثْل المتعذّر…
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والمرحوم النائيني أخذ هذا المطلب(1) من الشيخ وقال: إنَّ ميزان القيميّ هو التعذُّر سواءٌ كان ابتدائيّاً أو طارياً، فإذا كان تعذُّره ابتدائيّاً فهو قيميّ وإذا طرأ عليه التعذُّر فما دام التعذُّر فهو قيميّ، وكما أنَّ تعذُّر الشيء ابتداءً يوجب ثبوت القيمة في الذمَّة، فإنَّ نفس الشيء يوجب تبدُّلها عند تجدُّد التعذُّر(2).
أحد الاحتمالات في كلام الشيخ كان: مبنيّاً على مسلكه من كون الحكم الوضعي مُنتزَع من التكليفيّ، فيُستفاد من الآية فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ باعتبار أنَّ دفع المِثْل ساقط والسقوط الممكن غير ممكن، فيتحوَّل إلى القيمة. إلّا أنَّ الشيخ في ذيل كلامه يقول: إنَّ المسألة ليست مسألة عقليّة، وإنَّما نتمسّك بإطلاق الأدلّة، والآية تقتضي دفع الأقرب وهو القيمة.
الاحتمال الآخر في كلام الشيخ: وهو أنَّ المِثْليّة في الآية، كما قال: شيخ الطائفة: إن المِثْل في باب المِثْليّ مماثله وفي باب القيميّ قيمته. فيُقال: إنَّ مماثل الشيء قد يكون مماثلاً له في أوصافه كالحنطة للحنطة، وقد يكون مماثلاً له في قيمته. فإذا كان المماثل بالأوصاف ممكناً دفعه، وإلا انتقل إلى الثاني(3).
بشرط أن نفهم أنَّ الآية في مقام بيان أنَّ هذا اعتداءٌ بحقٍّ لا اعتداءٌ بغير حقٍّ، بحسب الفهم العقلائيّ، ويكون لفظ الاعتداء من باب المشاكلة اللفظيّة
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 293 و295، الأمر الثاني والثالث، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 374-376، العبرة في قيمة المثل.
(2) منية الطالب 1: 293 و295، الأمر الثاني والثالث.
(3) الخلاف 3: 452 مسألة 11.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
لا أكثر. فإذا كان الشيء المماثل بالأوصاف موجوداً فلا بُدَّ أن نعتدي به، وعند التعذُّر ينتقل إلى المماثل الآخر وهو القيمة، بحيث نفهم من الآية أنَّها حينئذٍ ثابتةٌ في الذمَّة. هكذا يُقرّب كلام الشيخ.
نقول: إنَّنا إذا سرنا على كلام شيخ الطائفة. فهو قد فصَّل بين المِثْليّات والقيميّات، ولم يقل إنَّ الشيء عند التعذُّر يصبح قيميّاً، فإنَّ الحكم الوارد على طبيعة يتعلَّق بنفس الطبيعة دون الخصوصيّات المصداقيّة، ولا يُعقل أن يشمل هذه الخصوصيّات أو يرد الحكم عليها. مثلاً إذا قال: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ فنفس طبيعة البيع موضوع للحكم، غايته أنَّنا نستفيد منه أنَّ بيع الحنطة أيضاً حلال، وبيع التمر حلال، وهكذا. لا من باب أنَّ الله أحل بيع الحنطة وبيع التمر، فإنَّه لم يورد الحكم على أكثر من عنوان البيع، غايته أنَّ هذه الطبيعة تنطبق على ما في الخارج وإلا فإنَّه يستحيل للمتكلِّم أن يُلاحظ الخصوصيّات المصداقيّة أو يكون اللفظ الموضوع للطبيعة دالّاً عليها.
وعنوان (المِثْل) من العناوين في مقابل (العين) و(القيمة)، وقد أصبح
–على الفرض– موضوعاً للحكم في الآية وهو جواز الاعتداء، وهذا العنوان لا يمكن أن يحكي عن خصوصيّات المصاديق، فضلاً عن حالات المصاديق كالإعواز والفقدان، فلا يمكن أن نفهم حكم الإعواز والفقدان من الآية.
فإمَّا أن نقول: إنَّ ما يأتي في العهدة هو المِثْل دائماً في المِثْليّات والقيميّات، غايته يجتزئ بالقيمة في مقام الأداء.
أو نقول كما قال شيخ الطائفة. فالإعواز وعدمه من العناوين المتأخّرة عن
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
كونه مِثْليّاً أو قيميّاً، فكون الشيء من المِثْليّات أو القيميّات هو (1) أن نرى أنَّ مصاديق هذه الطبيعة متماثلة كالحنطة فهو مِثْليّ، وإن كان مثلها معوزَّاً في الخارج صدفة، إلّا أنَّه لو وُجِد لكان مماثلاً للمصداق الآخر، والقيميّ ما كان بحسب طبيعته ليس له أفراد متماثلة وإن وقع التماثل بين فردين منها صدفة، كما في الدابَّة، فإنَّها مشتركة في الطبيعة دون الاشتراك بالأوصاف بحيث تكون مِثْليّة بذلك المعنى.
فباب المماثلة غير باب الإعواز وعدمه، فإذا أردنا أن نأخذ بالآية في المقام بناءً على ما قاله شيخ الطائفة، فطبيعة المماثل يدخل في العهدة غايته أنَّه مرَّةً يكون له أفراد متوفِّرة، وأخرى أفراد نادرة.
والنُّدرة مرَّةً تكون ابتدائيّة، وأخرى متجدِّدة، فأداء المِثْل نحو من أداء العين عند العقلاء، إلّا أنَّه ينقلب إلى القيمة.
ولا أظنّ أنَّ الآغايون يوافقون على هذا المطلب وهو: أنَّ الشيء إذا كان من الأوَّل له إعواز أو كما يقول المرحوم النائيني: إنَّه (يعني المِثْل) كان عند شخص لا يبيعه إلّا بأزيد من ثمن مِثْله إذا اشتراه القابض الضامن بقيمته وسلَّمه، يقولون له: (لا تعطهِ). فإنَّ معنى انقلاب المِثْل إلى القيمة هو كون القيمة في العهدة، ولا يجوز لأيٍّ منهما الخروج عنها والتخلُّف. شأنها شأن القيميّات ابتداءً، بل إذا اشترى المِثْل النادر يقول تمام العقلاء إنَّه أداء.
فكلام النائيني أنَّ المِثْليّات والقيميّات تدور مدار التعذُّر وعدمه، فإذا كان
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 228 ـ 229، العبرة في قيمة المثل المتعذّر.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
متعذِّراً ابتداءً كان قيميّاً، وإن أصبح تعذُّراً أصبح قيميّاً، ظهر جوابه ممَّا قلناه من أنَّ المدار في المِثْليّة ليس هو التعذُّر وعدمه، بل المِثْليّ والقيميّ أمر يرجع إلى مصاديق الطبيعة، فإن وُجِد لها أفراد غير متشابهة فهو قيميّ، حتَّى لو وُجِد صدفة فردان متماثلان، وإذا وُجِد لها أفراد متشابهة كان مِثْليّاً وان أصبح نادراً.
مطلب آخر أشرنا إليه: أنَّ “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدِّيه” قلنا: إنَّ كلّ شيء تقع اليد عليه وتكون واجدة لخصوصيّات وصفات ينزل بإزائها المال في السوق، فنفهم من الضمان وجبران الخسارة: أنَّ الإنسان إذا وضع اليد على شيء له أوصاف كثيرة منها ما لا يؤثِّر وجودها وعدمها في تغيُّر القيمة. وهذه الأوصاف سواء كانت حقيقيّة أو انتزاعيّة، لا تكون مضمونة. فلو فرضنا أنَّ الوصف كان حقيقيّاً، إلّا أنَّه لا يؤثِّر في القيمة كاللون في الخيل، فـ(على اليد) لا تقتضي ضمانه وإن كان الوصف حقيقياً، فلو زال في يد الضامن وأراد أداءه فهو ليس بضامن لنقص القيمة لعدم نقصها.
وذلك بخلاف الوصف الذي يؤثِّر وجوده في كثرة القيمة وعدمه في قلَّتها، فإنَّه يجب أن يتداركه عند الأداء أيضاً، حتَّى لو كان الوصف اعتباريّاً وانتزاعيّاً، ككونه في مكان معيَّن أو زمان معين، فيكون في نظر العقلاء مضموناً.
وإذا لم يكن الوصف الاعتباريّ مؤثِّراً في القيمة لم يكن مضموناً، فباب الضمانات إنَّما هو باعتبار جبران الخسارة، فكلّ شيء يدخل تحت اليد وتلف،
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فإن كان له وصفٌ حقيقيٌّ أو اعتباريٌّ مؤثِّرٌ في زيادة القيمة وقلَّتها كان مضموناً، وإلَّا لم يكن مضموناً.
فالغاصب أو القابض بالبيع الفاسد لو كان عنده عين زادت قيمتها بعمله، كما لو كان عنده خاتم قيمته عشرة، فحكَّه فأصبحت قيمته مائة فتلف عنده، كان مضموناً بقيمته الثانية؛ لأنَّ الزيادة حدثت في ملك الغير، وعمله غير محترم لأنَّه تصرُّفٌ في مال الغير من دون إذنه. وفي مثل ذلك – يعني ما إذا كان ذا وصفٍ مؤثِّرٍ في القيمة وزال الوصف– لا يكون أداء العين كافياً في الخروج عن الضمان عند العقلاء، بل عليه أن يتدارك النقص الحاصل من زوال الوصف الدخيل في باب الخسارات.
وفي باب النقل أيضاً كذلك، مثلاً إذا كان الشيء في محلٍّ له قيمة، وحين نقله الضامن إلى محلٍّ آخر أصبحت له خصوصيّة أثَّرت في زيادة قيمته، وحين أرجعه إلى محلِّه الأول ذهب الوصف ونقصت القيمة، فيكون هذا مضموناً.
وأمَّا زيادة القيمة السوقيّة الناشئة من كثرة الطلب وزيادة المشترين فغير مضمونة، إمَّا لعدم موافقة العقلاء على ذلك، وإمَّا على ما أظنّه من أنَّ القيمة ليست وصفاً للشيء، وإنَّما هي ما بإزاء الشيء، إذن فما بين القيمة السوقيّة والأوصاف الحاصلة للشيء تفصيل، فالثاني مضمون دون الأول.
وهذا مطلب ذكرناه مقدّمة للمطالب التي نريد أن نقولها، ونحن نذكر المباني المعقولة:
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأحدها: أنَّ العين هي الداخلة في العهدة دائماً كما يقول السيّد والآخوند(1)، وبالأداء تسقط العين.
والمبنى الآخر: ما هو المشهور من أنَّ الداخل في العهدة هو المِثْل في المِثْليّ والقيمة في القيميّ، وعلى كِلا المبنيين عند التعذُّر يتبدّل من العين والمِثْل إلى القيمة أو لا؟ فهذا ما نتعرَّض له.
أما المباني الأخرى كالمبنى بأنَّ الداخل في العهدة هو القيمة. أمَّا القيمة السارية وهي القيمة النقديّة، فليس لها اعتبار. فنحن نتعرَّض لتلك المباني لنرى ما هو الحقّ فيها.
الاحتمالات في باب أنَّ الميزان هو قيمة أيّ وقت؟ رفعها السيّد إلى أربعة عشر، إلّا أنَّنا نستعرض مُهمّ المباني وما يترتَّب على المباني.
في باب مقتضي ضمان اليد كان أحد الاحتمالات، هو أنَّ العين تأتي إلى العهدة، وقلنا: إنَّه غير صحيح، إلّا أنَّنا نتكلَّم على المبني، فالعين تأتي إلى العهدة ولا تسقط إلّا بأداء، والأداء بالمِثْل إن أمكن وجب، وكان نحواً من أداء العين، وإلَّا ينتقل إلى القيمة وتكون نحوا من الأداء.
هذا هو الذي قاله السيّد والاخوند وتبعه عليه كثير من المتأخرين.
الاحتمال الآخر: المشهور، ونحن تبعناه أخيراً هو أنَّ مقتضى(على اليد) هو
ــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 99، حكم ما لو تعذّر المثل، حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 40، مقدّمة في خصوص ألفاظ العقد، السادس: فرع لو دفع القيمة في المثل… .
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ضمان المِثْل في المِثْليّ والقيمة في القيميّ. والمِثْل يبقى في العهدة حتَّى بعد التعذُّر إلى أن يؤدِّي القيمة فيكون نحواً من الأداء للمِثْل. وعلى كِلا الاحتمالين أنَّه عند التعذُّر، إذا قلنا بدخول العين في العهدة: فإمَّا أن نقول بتبدُّلها عند التعذُّر، وإمَّا أنَّ ببقائها بعد التعذُّر وكذلك إذا قلنا بالمِثْل، فإمَّا أن نقول بتبدُله عند التعذُّر، وإمَّا أن نقول ببقائه. فهذه هي الاحتمالات المعتدّ بها.
الآن نتكلَّم عن دخول العين في العهدة وتبقى فيها إلى حين الأداء، أداء المِثْل أو القيمة، قالوا: إنَّ مقتضى ذلك هو أنَّ القيمة هي قيمة يوم الأداء(1). وقرَّبه بعضهم: أنَّ قيمة يوم الأداء قيمة للشيء بلا تأوُّلٍ ولا تحتاج إلى دليل خارجيّ. وأما القيم الأخرى كقيمة يوم الغصب أو قيمة يوم التعذُّر أو يوم التلف. فهو محتاج إلى تأوُّلٍ وعناية، يقول: وبالجملة، إنَّ التكليف إذا كان متعلُّقاً بأداء القيمة، فقيمة الشيء هو قيمة يوم الأداء، وأمَّا غيرها فليست قيمته بل قيمته في ذلك الزمان(2).
وهذا ليس تامّاً، فإنَّ مبنى المسألة وجود العين في العهدة، وليس هناك
ــــــــــ[132]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 99، حكم ما لو تعذّر المثل، حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 40، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 378، تعيين القيمة في المثلي المتعذّر.
(2) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 378، تعيين القيمة في المثلي المتعذّر، حكاه عن شيخه الآخوند الخراساني، اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 40.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
تكليف بأداء القيمة في يوم من الأيام، غايته أنَّ أنحاء الأداء تختلف فليس هنا تكليف بأداء القيمة لنقول: إنَّه مكلَّف بأداء قيمة يوم الأداء.
والأحسن تقريبه بشكل آخر ولعلَّ هذا مقصوده، وذلك أن يُقال: إنَّه مكلَّف بأداء العين دائماً، غايته حيث إنَّه ليس قادراً على أدائها بجميع شؤونها، يكون أداء المِثْل نحواً من الأداء لها، كما أنَّ أداء القيمة -عند تعذُّر المِثْل- نحو من الأداء لها. فإذا أعطيت قيمة يوم الأداء كان نحواً من أداء العين، وأمَّا إذا أعطيت شيئاً من القيم الأخرى فإن كانت أقلَّ من قيمة العين يوم الأداء لم تُعتبر عقلائيّاً أداءً للعين، كما أنَّها إذا كانت أكثر كان في المال زيادة على ما هو أداء العين.
وبعبارة أخرى: أنِّي ملزم بأداء العين لا القيمة، فيجب أن أؤدِّيه بالمقدار الميسور، ونحو أدائه هو بأداء قيمة يوم الأداء بالخصوص.
وهذا التقريب أحسن من الأوَّل، ولعلَّ نظره إليه، وما قلناه من أنَّ جميع الأوصاف الحقيقيّة والانتزاعيّة الدخيلة في زيادة القيمة لا بُدَّ أن تُحسب، غير منافٍ لهذا، فإنَّ العين حين كانت تحت يدي حصل لها وصفٌ وزادت قيمتها ثُمَّ زال الوصف، فتلك الزيادة مضمونة بتبع العين، ولهذا إذا أراد أداء القيمة دفع قيمة يوم الأداء بتمام قيمتها المضمونة. فحين الأداء أحتاج إلى اعتبار العين متَّصفة بجميع الصفات المرغوبة في سوق العقلاء، فأيّ قيمة حصلت لها فتلك قيمة يوم الأداء. وأظنّ أنَّ الآغايون مقصودهم من قيمة يوم الأداء هو ذلك، وإلّا فإطلاقات الأدلّة حُجّة عليهم، وهو أنَّ العين لا بُدَّ أن تقيَّم بتمام
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
خصوصيّاتها التي لها مدخليةٌ في زيادة القيمة في سوق العقلاء.
وعين هذا التقريب نقوله في تلف المِثْليّ إذا قلنا: إنَّ أدلّة الضمانات تقتضي دخول المِثْل في العهدة، بعين التقريب لا بُدَّ أن نقول: إنَّ المِثْل بتمام أوصافه الدخيلة في زيادة القيمة، لا بُدَّ من ملاحظتها، فمن حين تلف العين ومجيء المِثْل إلى العهدة إلى زمان الأداء، ما طرأ عليه من الأوصاف يكون مضموناً. ولا أقصد بذلك أنَّه إذا اتَّصفت الأشباه والنظائر بأوصاف زادت قيمتها ثُمَّ زالت، كانت مضمونة، وإنَّما نقول: إنَّ الأوصاف المضمونة هي الأوصاف التي اتَّصفت بها العين إلى يوم التلف.
وعلى هذا سواءٌ قلنا بشغل العهدة بالمِثْل أو بالعين، لا فرق، فإنَّ الميزان
-على هذا التقريب- هو قيمة يوم الأداء.
ذكروا لتقريب التفصيل بين العين والمِثْل ذكره الشيخ محمَّد حسين، على طولٍ في كلامه، يقول: إنَّنا إذا قلنا بأنَّ العين في العهدة، فالتحقيق أنَّ العين تُتصوَّر لها ثلاثٌ من القيم: قيمة حال التلف، وقيمة حال ما قبل التلف، وقيمة بعد حال يوم التلف. وقيمة قبل يوم التلف وإن كانت ماليّة موجودة. إلّا أنَّها ليست مضمونة، ولهذا إذا كانت العين موجودة واختلفت قيمتها، فالضامن مكلَّف بأداء العين دون القيمة(1).
وهنا لا بُدَّ من حمل كلامه على تغيُّر القيمة السوقيّة دون تغيُّر القيمة باعتبار
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 378 ـ 380، تعيين القيمة في المثلي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
تغيُّر الأوصاف. فالقيمة في حال قبل التلف ماليّة محقّقة الوجود إلّا أنَّها غير مضمونة. وقيمة بعد يوم التلف غير موجودة ولا محقّقة، بل هي أمر مفروض بتبع فرض العين؛ لأنَّك فرضت وجود العين، وما هو سبب الضمان هو التلف في الماليّة المحقّقة لا الماليّة المفروضة، فقيمة ما بعد التلف ليست متحقّقة ولا مضمونة.
يبقى القسم الثالث وهو الماليّة في حال التلف، وهي ماليّة متحقّقة ومضمونة، فبناءً على مبنى دخول العين في العهدة، لا بُدَّ أن نقول: إنَّ الميزان هو قيمة يوم التلف.
وبعد يقول: إذا قلنا: إنَّ المِثْل يأتي في العهدة في المِثْليّات، والقيمة في القيميّات، فهذا يختلف عن المبنى الأول؛ لأنَّ المِثْل بقطع النظر عن المصاديق الخارجيّة الموجودة ذو ماليّة وهو في عهدتي، فهذا الكلِّيّ الذي هو ذو ماليّة لا بُدَّ وأن أخرج عن عهدته، وهذه ماليّة متحقّقة فلا بُدَّ أن أؤدِّيها، هذا محصّل ما ذكره، مع طرح ما قاله ممَّا هو خارج عن المقصود(1).
نقول: إنَّ هذا الفرق ليس تامّاً؛ لأنَّنا نحسب حساب ماليّة الكلِّيّ في الضمانات، ماليّة المِثْل بأيّ شيء، هل مجرَّد اعتباره في الذمَّة يجعل له قيمة؟ إنَّ لها ماليّة باعتبار غطائها (بشتيبانه)(2). كما هو الحال في الأموال الورقية التي لا قيمة لها في ذاتها، بل باعتبار أنَّ لها غطاءً كالعمل أو النفط أو الذهب. تصبح له قيمة
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: بغطائها المالي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
في سوق العقلاء، ويكون الغطاء جهة تعليليّة لذلك. وكذلك اللّيرة الذهبيّة التي تعوَّض بأغلى من قيمتها الذاتيّة، وذلك لأنَّ الحكومة التي لها حقّ الاعتبار عند العقلاء اعتبرت قيمتها هكذا. وكذلك الناس الذين يشترون في ذمَّتك حِمْل حنطة، إنَّما يشترونه باعتبار استطاعتك الأداء الآن وبعد أمد قليل، أمَّا إذا كان شخص فقير معدم -مثلنا– فالعقلاء لا يعتبرون له ذمَّة. فغطاء حِمْل الحنطة هو المصاديق القابلة للأداء، وبهذا الغطاء تكون الذمم معتبرة، ودليله اختلاف ذمم الناس بحسب الاعتبار، بعضهم ذمتهم معتبرة جدّاً وبعضهم معتبرة قليلاً وبعضهم غير معتبرة. وإنَّما يكون اعتبارها بمقدار قدرة الإنسان على الأداء.
ففي المقام، يعتبر العقلاء نفس العين في الذمَّة –على فرض المبنى– أو يعتبرون المِثْل في الذمَّة. فإذا قلتم: إنَّ المِثْل له وجوده الواقعيّ. فليس هذا صحيحاً، بل له وجود اعتباريّ، وليس هذا المِثْل له قيمة بذاته، بل له قيمة باعتبار مكان أدائه في الخارج. وفي باب العين المضمونة التي في ذمَّته، والتي يكون أداؤها بالمِثْل أو بالقيمة، نرى أنَّ العين –كالمِثْل – لها وجود اعتباريّ، وليس لها قيمة بذاتها بل باعتبار غطائها. ولهذا العقلاء يشترون مثل هذه العين إذا كان يمكنهم الأداء.
فهذا المعنى ثابت في العين وفي المِثْل. فما يقوله من أنَّ المِثْل له قيمة، حتَّى بغضّ النظر عن الأفراد الخارجيّة، غير صحيح، وإنَّما يكون له قيمة باعتبار إمكان تحقُّقها في الخارج مع إمكان دفعها.
إذن فهذا التفصيل غير وجيه في نظرنا.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن على حين وجود العين في العهدة وبقائها إلى حين الأداء لا بُدَّ أن يعطي قيمة يوم الأداء، وكذلك إذا قلنا بوجود المِثْل في العهدة، إلى زمان يوم الأداء لا بُدَّ أن يعطي قيمة يوم الأداء، مع ضمان الخصوصيّات الدخيلة في زيادة القيمة.
بقي أن نقول: إنَّه عند التعذُّر يتبدّل المِثْل إلى القيمة أولا؟
سبق أن تكلمنا في صورة وجود المِثْل في الذمَّة أو العين، وما هو مقتضى القاعدة.
وأمَّا إذا قلنا: إنَّه عند التعذُّر يتبدّل إلى القيمة، فالتعذُّر؛ إمَّا ابتدائيّ، أي: إنه متعذّر من أوَّل وقوع اليد على العين، وأخرى حادث بعد وجود العين تحت يد الغير. فإذا كان التعذُّر ابتدائيّاً، فلا فرق بين أن نقول: إنَّ العين في العهدة أو المِثْل، فالقيمة هي قيمة يوم التلف؛ لأنَّه هو اليوم الذي تنقلب إليه القيمة، إلّا إذا قلنا بأعلى القيم، فيجب أعلى القيم من يوم الأخذ إلى يوم التلف.
وأمَّا إذا كان التعذُّر طارياً، فأمَّا أن نقول بثبوت العين في العهدة وبعد التعذُّر ينقلب إلى القيمة، فالقيمة هي قيمة يوم التعذر؛ لأنَّ العين في العهدة وهي باقية إلى يوم تعذُّر المِثْل، وتتبدَّل حينئذٍ إلى القيمة، فيكون يوم التعذُّر هو يوم التبدُّل، فيكون المضمون هو قيمة ذلك اليوم.
وأمَّا إذا قلنا: إنَّ مقتضى(على اليد) هو مجيء المِثْل إلى الذمَّة وعنده التعذُّر الطاري يتبدّل إلى القيمة، فهناك احتمالان موجودان في مطلق ضمان المِثْل:
الاحتمال الأول: أنَّ المِثْل ليس له أصالة في نفسه، وإنَّما قلنا بمجيئه إلى
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العهدة لا بالأصالة، بل باعتبار كونه يجبر خسارة العين، وكذلك القيمة إنَّما قلنا بها باعتبار كونها جبراناً. فكلٌّ من المِثْل والقيمة يجبر الخسران، لا أنَّ المِثْل له أصالة والقيمة تجبر خسارة المِثْل. إذا قلنا بذلك تكون القيمة المضمونة قيمة يوم تلف العين، ولا نلحظ المِثْل باعتبار أنَّه لا أصالة له؛ لأنَّه والقيمة ليس له إلّا جبران خسارة العين.
الاحتمال الثاني: وأمَّا إذا قلنا في باب المِثْل إنَّه وإن كان لجبران خسارة العين، إلّا أنَّه عند العقلاء وفي الأدلّة يقتضي أنَّه يأتي إلى العهدة المِثْل، فيكون الميزان قيمة يوم تعذُّر المِثْل.
وأحد الاحتمالات: هو أعلى القيم، وفيه احتمالات كثيرة بعضها وجيه وبعضها غير وجيه.
وأعلى القيم مبنيٌّ على أنَّ العين بجميع خصوصيّاتها وأوصافها الحقيقيّة والانتزاعيّة التي لها قيمة عقلائيّة، تأتي إلى العهدة. ويكون المبنى على أنَّ القيمة هي أحد أوصاف العين الإضافيّة أو الاعتباريّة، فحينئذٍ من يوم الأخذ إلى يوم التلف إذا حصلت زيادة في القيمة لا بُدَّ أن يكون مضموناً.
أمَّا من يوم التلف فما بعد فلا وجه لضمانه؛ لأنَّ العين ليست حينئذٍ تحت اليد، والعين إنَّما يجب ضمانها بجميع الأوصاف التي دخلت تحت اليد، فقد اعتبرت القيمة السوقيّة من الأوصاف ليكون مضمونه.
وأمَّا بعد التلف فليس تحت يدي بل في عهدتي، فلا تكون زيادة القيمة
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مضمونة، وكذلك لو قلنا بكون المِثْل في العهدة وزادت قيمة الأمثال؛ لأنَّها ليست تحت اليد ولا تحت العهدة.
المرحوم النائيني يقول: إنَّه إذا تمَّ مطلب الشيخ في ضمان أعلى القيم، فتكون القيمة المضمونة هو أعلى القيم من يوم التلف إلى يوم التعذُّر، وذلك لأنَّ القيمة السوقيّة إذا كانت مضمونة فتكون مضمونة من يوم الأخذ إلى يوم التلف إذا قلنا بدخول العين في العهدة، وتكون مضمونة من يوم التلف إلى يوم تعذُّر المِثْل إذا قلنا بدخول المِثْل في العهدة(1).
نقول: ما يقوله الشيخ وإن كان صحيحاً -على المبنى- إلّا أنَّه لا ينتج ذلك؛ لأنَّه يقول: إنَّه إذا وقعت اليد على سائر الخصوصيّات ومنها القيمة، فإذا نزلت القيمة والعين تحت يدي، كنت ضامناً لأعلى القيم، وهذا مطلب صحيح –على المبنى– ما دامت اليد موجودة، وأمَّا إذا تلفت العين وجاء المِثْل إلى الذمَّة، فلا وجه لأعلى القيم أصلاً؛ لأنَّ وجه الضمان إذا كان الآية: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(2). فلا تصلح دليلاً باعتبار أنَّه إذا طالب ولم يعطَ فهو اعتداء في التأخير لا اعتداء في القيمة. إذن فلا وجه لضمان أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان المطالبة أو إلى زمان التعذُّر.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) منية الطالب: 297، في انقلاب المثل إلى القيمة.
(2) البقرة: 194.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نعم، له وجه أن يقال: بضمان أعلى القيم من يوم الأخذ إلى يوم التلف؛ لأنَّ الأوصاف حينئذٍ تكون موجودة.
إلى هنا تمَّ مطلبنا، لكن بقي نكتة لم يتعرَّضوا لها، وكان ينبغي التعرُّض لها، وهي: أنَّ (قاعدة اليد) وآية: فَمَنِ اعْتَدَى… كُلٌّ معاً دليلٌ للضمان، فمرَّة نقول في باب (على اليد): إنَّها ظاهرة بمجيء العين إلى العهدة، وفي الآية نقول: إنَّها لا تقتضي الضمان بل توجب التقاصّ بعد فرض الضمان فتخرج عن محلّ الكلام. ومرَّةً نقول: إنَّ الآية ظاهرة في الضمان في المِثْليّات المِثْل وفي القيميّات القيمة، فعلى المشهور لا يكون بينهما فرق بل يكون مضمونهما واحداً.
وأمَّا إذا قلنا: إنَّ مقتضى(على اليد) أنَّ نفس العين في العهدة والآية تقول: إنَّ المِثْل في العهدة، فيقع بينهما التنافي، إذ في القيميّات إذا قلنا: إنَّ المِثْل في العهدة لا بُدَّ أن نعطي قيمة يوم الأداء، وإذا قلنا بأنَّ العين في العهدة فلا بُدَّ أن نعطي قيمة يوم التلف. فكيف نرفع التنافي؟
هل نقول: إنَّ الآية نصّ في المقصود، و(على اليد) لها ظهور ضعيف؟ ولهذا نقدم النصّ على الآخر، ونحكّمه عليه، وينتج ما يقوله المشهور من ضمان المِثْل في المِثْليّ والقيمة في القيميّ.
أو نقول: إنَّ(على اليد) ظاهرة بدخول العين في العهدة، والآية إن كانت تقول إنَّ المِثْل على عهدة الضامن كانت أظهر من الرواية، إلّا أنَّها وإن أفادت
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ضمان المِثْل فأنت تريد أن تقول: إنَّ هذا الاعتداء لا بُدَّ أن يكون بحقّ، إذن فلا بُدَّ أن تكون مقتضية لضمان المِثْل.
فنقول في الجمع بينهما: إنَّه لا فرق بين ضمان المِثْل وضمان العين. إذ إنَّ (على اليد) متعرِّضة لما في العهدة والآية متعرِّضة لما يخرج به الضامن عن العهدة. فالعين وإن كانت في العهدة، إلّا أنَّها بعد التلف تؤدَّى بأداء المِثْل. هكذا بحسب فهم العقلاء من الدليلين.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بقيت التنبيهات نذكرها(1):
الشيخ(2) بعد نقل كلام العلَّامة(3) والشهيد(4) وجامع المقاصد(5)، يقول: إنَّ مقتضى إطلاق دليل (وجوب الردّ لمال الغير) و(تسلُّط الناس على أموالهم)، أنَّه عند التعذُّر العرفي لا بُدَّ أن يردّ المثل. نعم، إذا كان التعذُّر عقلياً لا يشمله الدليل. فكما أنَّه في باب العين كنا نقول: إنَّ ردَّها مهما كان مقتضياً لأيِّ مؤونة فلا بُدَّ من إرجاعها بحسب الدليل المذكور. وإنَّ المِثْل باب قيمته، كان لا بُدَّ من أدائه. هنا أيضاً نقول: إنَّه إذا كان المِثْل متعذرّاً عرفاً فمقتضى الدليل السابق وجوب تهيئة المِثْل ولو من البلاد النائية، وإعطائه إلى صاحبه.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
() ألقى السيّد في هذا اليوم محاضرة ذكروا أنَّها مختصرة لم أستطع حضورها؛ لأنَّه غيّر وقت البحث من دون إعلان في الدرس بعد العطلة. (المقرِّر).
(2) كتاب المكاسب 3: 235، المراد من اعواز المثل.
(3) تذكرة الفقهاء 2: 383، مسألة: إذا غصب عيناً في ذوات الأمثال (ط.ق).
(4) مسالك الأفهام 12: 183، تعذّر المثل.
(5) جامع المقاصد 6: 245، المراد من تعذّر المثل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أحد الاحتمالات أنَّ دليل وجوب الردّ، هو تطبيق من دليل: “المغصوب مردود“ (1)، وقول ابن إدريس في السرائر: إنَّ المقبوض بالبيع الفاسد يجري مجرى الغصب من الضمان، فينتج أنَّه يجب ردُّه(2).
إلّا أنَّه يبعد أن يكون مراد الشيخ ذلك؛ لأنَّه لا يُعلَم من قول ابن إدريس إلّا أنَّ محصّلي العلماء قائلون بأنَّ المقبوض يجري مجرى الغصب في الضمان)، وأمَّا أنَّه ادَّعى الإجماع والشيخ أشكل عليه وأراد الأخذ بعموم تنزيله، فبعيد.
ظاهراً أنَّ مراده ما أشار إليه سابقاً من أنَّه يستفاد من قوله:”لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيب نفسٍ منه“(3). غايته قال الآخرون: إنَّه غاية ما يستفاد منه أنَّه لا يجوز حبسه دون وجوب الردّ لعدم كون النهي عن شيء يقتضي الأمر بضدِّه. وقلنا بأنَّه يستفاد منه ذلك؛ لأنَّ الحكم أُسند إلى المال، فيُستفاد منه أنَّ جميع التصرُّفات غير جائزة بما فيها الحبس، وإذا ورد دليل بعدم جواز الحبس يُفهم منه العرف وجوب الردّ. ولا ربط لذلك بمسألة النهي عن الضدّ، فإنَّها مسألة عقليّة والعرف قد يفهم من الدليل شيئاً وهو وجوب الردّ.
ويحتمل أن يكون مراده من تسليط المالك على ماله، أن يكون عطفاً تفسيريّاً، فمراده من وجوب الردّ والتسليط أمراً واحداً، ويريد استفادة ذلك
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 542، ح4، باب الفيء والأنفال، وسائل الشيعة 9: 524، ح4، الباب الأوّل في أبواب الأنفال.
(2) السرائر 2: 285، لو اشترى شيئاً بحكم نفسه.
(3) وسائل الشيعة 14: 572، أبواب العود إلى منى ورمي الجمار والمبيت والنفر، الباب 90.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
من دليل السلطنة بتقريب: أنَّ إطلاقه يقتضي التسلُّط على المال الخارجيّ وعلى المال في الذمَّة، ومن هنا جازت هبته وإبراؤه وبيعه.
فيقال في المقام: إنَّ المال الموجود في ذمَّة الضامن لا يجوز حبسه؛ لأنَّه خلاف سلطنة المالك. كما أنَّه لو كان لي عليك دين فمقتضى دليل السلطنة وجوب دفعه، فيريد الشيخ أن يقول: إنَّه لا فرق بين الأموال الخارجيّة والأموال التي في الذمَّة في دليل السلطنة وفي دليل الحلية: (لا يحلّ مال امرئٍ…) فقد تمسك بكِلا الدليلين لوجوب الردّ.
مرَّةً: يكون الإجماع المدَّعى ثابتاً، وهو: أنَّه إذا تعذَّر المِثْل فلا يجوز المطالبة به، بل هو مخيّر بين دفع القيمة والصبر؛ فإذا ثبت يكون مقيّداً للدليلين لا محالة.
وأمَّا إذا لم يكن ثابتاً وكُنَّا نحن وبِناء العقلاء، فقد قيل: إنَّه بما أنَّه بناء العقلاء ليس بحجَّة إلَّا بعد ثبوت عدم ردع الشارع عنه، وإطلاق دليل السلطنة رادعٌ عنه، فلا يمكن أن يكون مقيّداً له؛ لأنَّ الدليل إنَّما يكون مقيّداً للبناء العقلائيّ الذي هو حُجّة، أمَّا إذا كان عندنا بناءٌ ولا إطلاق للدليل على خلافه فيصلح للردع عنه فلا يكون حُجّة، ولا يمكن أن يكون بناء العقلاء مقيّداً للدليل.
وهذا غير تامّ؛ لأنَّ دليل “الناس مسلَّطون على أموالهم” حكم عقلائيّ، فإذا كان للعقلاء بناءٌ ورد عليه دليل، ونحن احتملنا في المدرسة زيادة الدليل على البناء العقلائي، ولكنَّه إذا عُرِض على العقلاء أنفسهم الذين هم المدار في
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فهم الظواهر، يفهمون منه الانصراف، ويقولون إنَّ المراد منه ليس إلّا هذا البناء العقلائيّ. وليس دليل السلطنة من قبيل الأدلّة التعبديّة التي يُتمسّك بإطلاقاتها التي تكون على خلاف بناء العقلاء.
بناءً عليه فـ(الناس مسلَّطون…) مطلب عقلائيّ. وفي عين الحال الذي يرى العقلاء ذلك وعندهم هذا البناء، يبنون -مثلاً- على أنَّه عند تعذُّر المِثْل عرفاً تسقط المطالبة بالمِثْل، وعليه إمَّا الصبر وإمَّا المطالبة بالقيمة، فإذا جمعنا بين هذين البنائين، يكون (الناس مسلَّطون…) قاصراً عن رفع ذلك البناء، فإنَّ نفس العقلاء الذين يرون السلطنة يرون تحديدها في غير ذلك المورد.
نعم، بالنسبة إلى دليل الحلِّيّة يكون تامّاً، فإنَّ الحلِّيّة والحرمة مسألة شرعيّة لا مسألة عقلائيّة، فإذا كان لها اطلاق، -كما أنَّ لها ذلك- وكان معناها على ما قلناه وقاله الشيخ، يمكن أن يكون له رادعيّة عن البناء العقلائيّ؛ لأنَّ هذا الدليل ليس عقلائيّاً كدليل السلطنة. فإذا كان للعقلاء بناءٌ على أنَّه إذا تعذَّر المِثْل لا يجوز له المطالبة به ويخيَّر بين الصبر وأخذ القيمة، ولم يكن إجماعٌ على ذلك، كما هو المفروض. فيمكن ردع دليل الحلِّيّة عنه.
إذن لا فرق بين وجود البناء وعدمه؛ لأنَّه بحسب دليل الحلِّيّة لا بُدَّ من أدائه كما قال الشيخ.
ثُمَّ يقول الشيخ: إنَّنا يمكن أن نستأنس بأخبار باب السَلَم في المقام، وهي الأخبار التي تدلّ على أنَّه إذا لم يكن البايع قادراً على الدفع فالمشتري مخيَّر،
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ونفهم من (القدرة) القدرة العرفية ونستأنس به فيما نحن فيه(1).
ونحن لا نعلم بأيّ شيء يستأنس من حكم تلك الأخبار أو من كون التعذُّر محمولاً على التعذُّر العقلائيّ؟
فإذا كان الثاني، فلا وجه له؛ لأنَّ هذه الأخبار دليل وارد في مسألة أخرى، فكيف يمكن إسراؤه إلى هذه المسألة؟! فإنَّه وإن فُرض أنَّه في باب السَلَم يكون المشتري مخيَّراً عند التعذُّر بين الصبر والفسخ، إلّا أنَّه في مسألتنا ليس عندنا إلَّا دليل الحلِّيّة والسلطنة، -والمفروض أيضاً عدم وجود الإجماع، وإلَّا كان مقيّداً للدليلين ولمَا احتجنا إليهما- فلم يُؤخَذ التعذُّر وعدم القدرة في الموضوع، ومقتضى الدليلين أنَّه وإن كان المِثْل متعذِّراً عرفاً إلّا أنَّه يجب شراؤه ولو من البلد البعيد. على حين أُخِذ في موضوع تلك المسألة عدم القدرة، فكيف يمكن أن تستأنس منها لمسألة تختلف عنها في الموضوع وفي اللسان؟! فإذا أراد الشيخ هذا المعنى، كما هو ظاهر كلامه، فهو لا يمكن.
وإذا أراد أن يستأنس من الأحكام الواردة في باب السَلَم. فقد لاحظتها فوجدتها عدَّة طوائف موجودة في أبواب السلم باب 11 وهي على طوائف:
أحدها: أنَّه إذا لم يكن قادراً فلا بأس بأخذ الـمُسلَّم فيه وأخذ رأس المال، وفي بعضها “ما أحسن ذلك“(2)، وهي الروايات الأولى والثانية والسادسة والخامسة عشر.
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 236، المعيار في معرفة قيمة المثل.
(2) اُنظر: وسائل الشيعة 18: 303، أبواب السلف، باب 11، ح1و2و6و15.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الطائفة الثانية: أنَّه جائز أخذ رأس المال والمشتري مخيَّر بين الصبر وبين أخذ رأس المال مع الفسخ، وهي الروايات الثالثة والثالثة عشر(1). وهذان القسمان غير مربوطين بما نحن فيه، فإنَّنا نريد أن نقول: إنَّه عند تعذُّر المِثْل يكون مخيَّراً بين الصبر والقيمة.
الطائفة الثالثة: أنَّه إذا تراضيا فلا مانع من القيمة الفعليّة، وهي الروايات الرابعة والخامسة والسابعة والعاشرة(2). وهي مخالفة لمسألتنا، إذ تفيد التخيير ونحن نريد الإلزام بسقوط المِثْل.
الطائفة الرابعة: أنَّه إذا لم يفِ بالسَلَم فهو أحقّ بماله، وظاهره أنَّ العقد ينفسخ عند عدم الوفاء(3).
والطائفة الخامسة: أنه لا يجوز إلَّا أخذ رأس المال(4).
فهذه كلّ الروايات، وليس في حكمها ما يُستأنس فيه لمسألتنا بشيء. على أنَّه يبعد أن يستأنس الشيخ بالحكم، بل مراده ما أشار إليه من أنَّ المراد بعدم القدرة عدمها العرفي.
بناءً عليه فإطلاق دليل الحلِّيّة يقتضي أنَّه إذا تعذَّر المِثْل تعذُّراً عرفياً يجب ردُّه على أيِّ حالٍ. نعم، إذا كان الردّ حرجيّاً فيكون له حكومة على وجوب ردِّ
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) المصدر السابق، ح3 و13.
(2) المصدر السابق، ح4و5و7و10.
(3) المصدر السابق، ح17و9.
(4) المصدر السابق، ح15.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المِثْل ومقدم عليه. أمَّا (لا ضرر) فلا نرى لها حكومة على الأدلّة الأوَّليّة، ففي سائر الموارد حتَّى في حال الضرر غير المؤدِّي إلى الحرج يجب ردُّ المِثْل.
انتهى هذا التنبيه. والتنبيه الآخر في أنَّ القيمة ما هي؟
بحسب ما قلناه في باب(على اليد) يتّضح ما يقوله الشيخ. قلنا: إنَّ(على اليد) ظاهرةٌ في أنَّ الذي أخذته بجميع الأوصاف الدخيلة في تقويم الشيء عند العقلاء في باب الضمانات مضمون، سواء كانت من الأوصاف الحقيقيّة أو الانتزاعيّة. وكلَّهم قالوا في باب ضمان الصفات الحقيقيّة وأنَّها تكون مأخوذة بالتبع وأخذ التابع بأخذ تابعه كذلك في الصفات الاعتباريّة طابق النعل بالنعل.
بناءً عليه إذا أردنا في باب الضمانات المشي على قاعدة (اليد) فلا بُدَّ أن نلاحظ أنَّه مِن زمان الأخذ إلى زمان الأداء كم حالة طرأ عليها؟ وأيٌّ من الحالات تكون مضمونةً وأيُّها لا تكون مضمونةً؟ وإذا أراد أن يؤدِّي فيختلف ذلك باختلاف المشارب، أو على ما قلناه من أنَّ ظاهر دخول المِثْل في العهدة ابتدائيّ في المِثْليّات والقيمة في القيميّات، على ما سلف، فلا بُدَّ أن نلاحظ تمام الأوصاف المضمونة فنرى أنّ عزَّة الوجود هل هو من قبيل زيادة القيمة السوقيّة التي حكمنا أنَّها غير مضمونة، أو أنَّها من قبيل الأوصاف المضمونة كالكتابة والعلم؟ فلو كانت نسخةٌ من كتاب (المبسوط) بخطّ شيخ الطائفة، حيث إنَّها نسخة منحصرة وبخطّ الشيخ، فتكون ذات ثمن عالٍ جدّاً، فلو كانت عند غاصب وأتلفها وأراد أداء القيمة فلا بُدَّ من ملاحظتها قيمة يوم الأداء، إذ نلاحظه بسائر أوصافه الدخيلة في القيمة عقلائيّاً. وكذلك المِثْليّ إذا
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
طرأ عليه عزَّة الوجود فإنَّه يطرأ عليه كثرة القيمة باعتبار زيادة الطلب وقلَّة العرض، والقيمة السوقيّة وإن كان لاختلافها جهة سببه في نظر العقل، إلّا أنَّ العرف يرى تارةً تغيُّراً في القيمة السوقيّة، وأخرى تغيُّراً في الوصف.
وما يقوله الشيخ من أنَّه عند عزَّة الوجود في قيمته إشكال.
نقول: إنَّه لا إشكال فيه لأنَّا لا بُدَّ أن نأخذ الوصف بنظر الاعتبار ويكون مضموناً، وكلّ صفة كانت في حال الوجود دخيلة في القيمة سوقيّاً، لو زالت تحت يد الضامن -ولو كانت حادثة عنده لأنَّها حادثة في ملك الغير- وتكون مضمونة. فزوال الوصف سبب للضمان وأداؤه بأداء الأوصاف الدخيلة في القيمة. نعم، بعد التلف إلى يوم الأداء، لو زادت قيمة أمثاله لا تكون مضمونة؛ لأنَّ المِثْل في عهدته لا أنَّه تحت يده فلا يكون مضموناً عليه بقاعدة (اليد).
نعم، حين الأداء لا بُدَّ أن نلاحظ أنَّه منحصر الوجود أو لا، فبناءً على أنَّ العين في العهدة وعلى أنَّ المِثْل في العهدة مستقلّاً، فمقتضى القاعدة أن نلاحظ أنَّ العين بتمام صفاتها مضمونة، فعلى جميع المسالك لا بُدَّ من ملاحظة الأوصاف، غاية الأمر أنَّه على مسلك كون العين في العهدة، لا بُدَّ من ملاحظة ذلك حين الأداء، وعلى كون المِثْل في العهدة لا بُدَّ من ملاحظته عند التعذُّر هذا راجع إلى الزمان.
ومنه تتّضح قضيّة المكان(1)، بحيث كان له في مكانٍ قيمةٌ وفي مكانٍ آخر قيمةٌ أخرى، فالقائل بأنَّ العين أو المِثْل في العهدة إلى زمان الأداء، يقول: إنَّه لا
ــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 256، ارتفاع القيمة بسبب الأمكنة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بُدَّ من حساب العين إلى زمان الأداء بالأوصاف المضمونة التالفة، فلو كانت متَّصفة بوصف له قيمة باعتبار كونها في مكان معيَّن وقلَّت قيمتها بنقلها إلى مكان آخر، فالعين بذلك الوصف تكون مضمونة، فلا بُدَّ(1) من أداء قيمة مكان الأداء؛ لأنَّه هو حقيقة الأداء للعين.
وأيضاً يظهر الحال في مسألة أخرى يذكرها الشيخ(2)، وهي: أنَّه إذا غصب شخص الثلج في الصيف وأراد أن يؤدِّيه في الشتاء، أو غصب الماء في المفازة وأراد أداءه في شاطئ الفرات، يُعلم حاله ممَّا قلناه؛ لأنَّ كون الماء في المفازة وَصْفاً دخيلاً في زيادة القيمة. وكذلك الثلج في الصيف، فلو حفظ عين الثلج إلى الشتاء لا بُدَّ من ضمان ذلك الوصف. ولا بُدَّ من ردِّ العين والخروج عن عهدة الوصف.
المرحوم الآخوند يقول(3): -وتبعه عليه الشيخ محمَّد حسين الأصفهاني(4)-:
ــــــــــ[150]ــــــــــ
() لا يخفى مناقضة هذا الاستنتاج للمطلب السابق إذ المفروض أنَّ مكان الأداء هو مكان سلب الوصف الزائد، وقد قال السيّد بضمانه، ومعنى ضمانه دفع أعلى القيم المكانيّة، ومعنى دفع قيمة مكان الأداء إنَّما هو ثمن ذلك الوصف كما هو واضح فتأمَّل. (المقرِّر).
(2) كتاب المكاسب 3: 238، إذا سقط المثل عن القيمة. وقد عنونها بعض الأعلام بـ”ضمان العين التي سقطت قيمتها”.
(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 38-39، في تعذّر ضمان المثل.
(4) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد الأصفهاني) 1: 391، في سقوط العين عن الماليّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إنَّه بناءً على التمسُّك بـ(على اليد) في باب الضمان، لو كانت العين موجودة وزالت قيمتها، فغاية ما يُستفاد من دليل (اليد) أنَّه لا بُدَّ من أداء ما أخذ والمفروض أنَّه أخذ هذا الثلج، فلو حفظه بذاته إلى الشتاء وأدَّاه فالغاية وهي الأداء قد حصلت، كذلك لو تنزَّلت القيمة أو سقطت بالكُلِّيّة، يقول: كما أنَّه لا إشكال بحصول الغاية وسقوط الضمان بالنقصان كذلك الحال فيما إذا سقطت القيمة بالكُلِّيّة. إذن إذا كان المدرك في الضمان هو قاعدة (اليد) لا ينبغي أن يُقال بأنَّ القيمة مضمونة عليه.
نقول: إنَّ (على اليد) كما قلنا ظاهرة بأنَّ تمام ما دخل تحت اليد من سائر الأوصاف التي لها دخل في القيمة مضمونة ويجب أداؤها. فالباب ليست باب القيمة السوقيّة، وإنَّما باب زيادة الوصف وقلَّته، فلو كانت العين صحيحة، ثُمَّ ذهب وصف الصحّة، فهل تلتزم بعدم ضمانها؟ فكما لا يمكن أن يُقال بعدم الضمان في الصفات الحقيقيّة كذلك في الصفات الانتزاعيّة والإضافيّة الدخيلة في القيمة، فإنَّك أخذت الواجد ورددت الفاقد، وإنَّما تحصل الغاية مع ردِّ تمام الأمور المضمونة، وإلا فإنَّها لا تحصل، فإنَّه أدَّى مقداره من الأمور المضمونة، ولم يؤدِّ جميعها. هذا إذا كان الدليل هو (على اليد).
قيل إنَّه إذا لم يكن دليلنا (على اليد) في الضمان، بل كان هو: “من أتلف مال الغير فهو له ضامن“، ففي المثالين: مثال (الثلج) ومثال (الماء) لا يمكن تتميم الضمان؛ لأنَّه فرق بين أن يعمل الإنسان عملاً يحصل به التغيير للشيء، أو لا يعمل شيئاً، وإنَّما ينقله من مكان إلى مكان، ففي مثل ما إذا عمل الخلّ خمراً فقد
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أزال وصف الخلِّيّة إلى الخمريّة، وقد أتلف المال على صاحبه ومن أتلف مال الغير فهو له ضامن. ولكن إذا غيَّر مكانه فقد أتلف ماليّة المال لا أنَّه أتلف المال، والدليل لا يشمل ماليّة المال وإنَّما يشمل ما إذا أتلف المال.
نقول:
أولاً: “من أتلف مال الغير فهو له ضامن“، هل المال يكون مضموناً باعتبار ماليّته، أو أنَّه أُخِذ مشيراً إلى ذوات الأشياء؟ بمعنى: من أتلف كتاب الغير ومن أتلف فرش الغير فهو له ضامن. بل أخذ هذا العنوان يدلّ على أنَّ سبب الضمان هو إتلاف الماليّة، يعني أتلف مال الغير بما هو مال له، كما أنَّ (أكرم العالم) يعني بما أنَّه عالم لا أنَّه إشارة إلى ذوات الأشياء، بل يُفهم أنَّ عنوان (العالم) هو تمام الموضوع للحكم، بحيث لو تصوَّرنا أن عنوان (العالم) قائم بنفسه من دون شخص لقلنا بوجوب إكرامه، ولا يقدح بذلك كونه متَّصفاً بالعلم بالذات وغيره متَّصفاً به بالعناية. كذلك دليل الضمان إنَّما جعل الضمان من جهة إتلاف ماليّة الغير، فلو حصل تغيير في ماليّة الشيء دون ذاته، فلا بُدَّ أن يكون الجميع متَّفقين على أنَّ المدار بالضمان هو الماليّة ولولا الماليّة لمَا كان ضمان، وهذا أمر يفهمه العرف والمسألة عرفيّة وليست عقليّة.
وثانياً: على فرض كونه كما تقول فالدليل يقول: “من أتلف مال الغير فهو له ضامن” فهذا الشيء الخارجيّ هو مالي، فإذا أزلت الأوصاف وأعطيت نفس المال، والأوصاف لم تكن مالاً بأنفسها وإنَّما توجب زيادة القيمة في ذات الشيء، فإتلافها ليس إتلاف مال، فإنَّ الأوصاف لا ماليّة لها فإنَّ الكتابة لا قيمة لها
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وإنَّما القيمة للعبد الكاتب، فلو زال الوصف، فلازم قولك إنَّها لا تكون مضمونة؛ لأنَّه بإتلافها لم يتلف مالاً للغير وإنَّما المال هو الذات وقد دفعته. فهل تلتزم بذلك؟ وهو يضرب مثالاً بالخلِّ والخمر ولا يلتزم بذلك.
ولو تنزَّلنا عن ذلك، وقلنا بأنَّ الوصف مضمون باعتبار أنَّ له ماليّة فكذلك الوصف الانتزاعيّ، الذي له قيمة عقلائية، وأنَّني الذي أتلفته فإنِّي أنا الذي نقلت الماء من المفازة إلى شاطئ الفرات، فإذا تمَّمتم في الأوصاف الحقيقيّة شمول دليل (من أتلف مال الغير لها)، فهو أيضاً شامل للأوصاف الانتزاعيّة أيضاً، وبالآخرة العقلاء يوافقون على شمولها لها.
بناء على ما قلناه في (على اليد) يتَّضح حكم ما يقوله الشيخ من أنَّه إذا أسقطت الدولة نقداً من الرواج، ووضعت آخر مكانه، فهذا الذي تلف عند الضامن هو الذي سقط عن الرواج، وحين وقعت عليه اليد كان رائجاً:
فمرَّةً عند عدم الرواج يسقط بالكُلِّيّة عن القيمة كالعملة الورقيّة.
ومرَّةً لا يسقط تماماً وإنَّما يؤخذ بنقيصة كما حدث في العملة (القاجارية) حين أُبدلت بالعملة الحاليّة.
وثالثةً تبقى للعملة قيمة مادَّتها كدينار الذهب والفضَّة.
ومقتضى القاعدة في تمام هذه الصور هو ضمان الفرق، فإن سقطت تمام القيمة ضمن تمامها، وإذا سقط بعضها ضمن الساقط، وإذا كانت العين موجودة لا بُدَّ من إرجاعها مع النقيصة، وإن كانت تالفة فلا بُدَّ من إرجاع
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
قيمة العين وتمام خصوصيّاتها الدخيلة في القيمة.
ولا فرق بين سقوط الماليّة بتمامها وبين سقوط بعضها. كما فصّل البعض هذا التفصيل، بتقريب: أنَّ الضمان باعتبار أنَّه يكون في الماليّة، فما ليس له ماليّة أصلاً فهو لا يتدارك به المضمون فيجب دفع التدارك بالقيمة، ولكن ما له ماليّة يمكن التدارك به(1).
نقول: إذا كان يجب التدارك فإذا سقطت كلّ ماليّته يجب تدارك جميعه، وإذا سقطت بعضها يجب تدارك الباقي، ولا معنى لأن يقال: إنَّه إذا سقطت بعض القيمة كان الباقي كافياً في تدارك الكلّ.
فهذا هو مقتضى القاعدة، ولكن وردت روايات في باب الدَين والقرض ذكروا في وجه جمعها أموراً كثيرة؛ أحدها عن الصدوق، والآخر للشيخ، وثالثاً للمرحوم النائيني، ثُمَّ رجع عنه وأمر بالاحتياط، وعندي أنَّها غير متعارضة.
[الرواية الأولى:] في أبواب الصرف من كتاب التجارة باب19 ص648 محمَّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن محمَّد بن عيسى، عن يونس ( وإذا كان إشكال ففي محمَّد بن عيسى الذي أشكل عليه ابن الوليد(2) وتبعه عليه جماعة كثيرون، ولكن يوثِّقه النجاشي(3) الذي هو شيخ هذه الطائفة وثقتها،
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 394، هل يعد من التعذّر خروج المثل عن القيمة.
(2) المصدر السابق.
(3) رجال النجاشي: 333، رقم الترجمة 896.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وابن الوليد لم يضعِّفه ولكن قال: ما رواه محمَّد بن عيسى عن يونس لا نأخذ به؛ لأنَّه حينئذٍ كان صغيراً)، قال: كتبت إلى الرضا: “أنَّ لي على رجل ثلاثة ألاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب إليّ: لك أن تأخذ منه ما يُنفق بين الناس كما أعطيته ما يُنفق بين الناس“(1).
والشيخ(2) بإسناده، عن محمَّد بن أحمد بن يحيى، عن سهل بن زياد عن محمَّد بن عيسى مثله. وسهل هذا وإن تكلَّموا فيه، ومحمد بن عيسى فيه الكلام السابق، إلّا أنَّه لا يبعد اعتمادها.
[الرواية الثانية:] والشيخ بإسناده عن محمَّد بن الحسن الصفَّار، عن محمَّد بن عيسى، عن يونس، قال: “كتبت إلى أبي الحسن الرضا أنَّه كان لي على رجل عشرة دراهم وأنَّ السلطان أسقط تلك الدراهم وجاءت دراهم أعلى من تلك الدراهم الأولى ولها اليوم وضيعةً، فأيٌّ شيءٍ لي عليه؛ الأولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: لك الدراهم الأولى“(3)،
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 252، ح1، باب آخر، وسائل الشيعة 18: 206، ح1.
(2) تهذيب الأحكام 7: 116، ح505، باب بيع الوحد بالاثنين، الاستبصار 3: 100، ح345، باب الرجل يكون له على غيره الدراهم.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 191، ح3716، حكم مَن أخذ دراهم قرضاً، تهذيب الأحكام 7: 117، ح507، باب بيع الواحد بالاثنين، الاستبصار 3: 99، ح343، باب الرجل يكون له على غيره الدراهم وسائل الشيعة 18: 206، ح2، باب حكم مَن كان له على غيره دراهم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أي: التي أسقطها السلطان.
ورواه الصدوق بإسناده عن يونس بن عبد الرحمان مثله.
ثُمَّ قال: كان شيخنا محمَّد بن الحسن يروي حديثاً في أنَّ له الدراهم التي تجوز بين الناس، قال: والحديثان متَّفقان غير مختلفين فمن كان له عليه دراهم بنقد معروف فليس له إلّا ذلك النقد، ومتى كان عليه دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف، فإنَّما له الدراهم التي تجوز بين الناس(1).
ونحن لنا مع الصدوق كلامان:
كلام في ما يُريد أن يقوله وأنَّه هل هو منسجم مع القواعد أو لا؟
وكلام في مقدار ارتباطه بالروايات.
يُريد أن يقول: إنَّ القرض إذا كان مقيّداً ومشترطاً بسكّة معروفة معيّنة، فما يدخل في الذمَّة هو المقيّد فلا بُدَّ حين الأداء من إرجاعه بنفسه، وأما إذا لم يقيّده بسكّة معروفة، وإنَّما قيّده بوزن معين نحو (ريال) ذو أربع وعشرين حبّة فهو ينصرف إلى الرائج في كلّ عصر، فالآن لا بُدَّ أن يعطي الرائج. وهذا كلام منطبق على القواعد، إلّا أنَّه أجنبي عن مدلول الروايتين.
والنائيني(2) يقول: إنَّ مراده أنَّه إذا كان الدرهم الأوَّل بقيمة الرائج فلا بُدَّ أن يعطي الأوَّل، وإلَّا فالرائج، ولا أعلم من أين استفاد ذلك، وهذا كما يقول
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 191، ح3716، حكم مَن أخذ دراهم قرضاً.
(2) منية الطالب 1: 301، في فروع التعذّر.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المرحوم النائيني: ليس جمعاً عقلائيّاً بين الروايات، وأما جمع الشيخ(1) فأنتم لاحظوه(2).
والمرحوم النائيني جمع بين الروايتين بحمل الأولى على كونها مطلقة من حيث تفاوت السكّة وتكون الثانية مقيّدة لها، أي: تأخذ الدراهم الأولى بقيمة ما ينفق(3).
نحن لا بُدَّ أن نرى الروايات لنرى أنَّه أيّ تنافٍ بينها ليحتاج إلى الجمع.
فالأولى تقول لك: أن (تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس) فهي تقول إنَّه كان رائجاً والآن ليس برائج، فلا بُدَّ الآن من إعطاء الرائج.
وأمَّا الثانية فتقول: إنَّ العملة الأولى لا زالت رائجة إلّا أنَّها(4) تؤخذ
ــــــــــ[157]ــــــــــ
() الاستبصار 3: 100 ذيل الحديث 345. اُنظر: أيضاً: منية الطالب 1: 302.
(2) أقول: قال في التقريرات “وجمع الشيخ بين الأخبار بحمل ما يُنفق بين الناس على معنى قيمة ما كان يُنفق وحمل الدراهم الأولى في الخبرين على قيمة الدراهم الأولى، وحاصل جمعه: أنَّه ليس الدراهم الرائجة وإنما له قيمة الدراهم السابقة، وهذا أيضاً خلاف ظاهر كلّ من الطائفتين، فإنَّ ظاهرهما عين الدراهم السابقة أو ما ينفق”. انتهى. ص144 تقريرات الخوانساري، (المقرِّر).
(3) منية الطالب 1: 302، في فروع التعذّر.
(4) لا يخفى أنّ الضمير في قوله (ولها اليوم وضيعة) لا يعلم رجوعه إلى أيّ قسم من الدراهم، وقد فهم السيّد رجوعه إلى الدراهم الأولى إلّا أنه ليس بظاهر، فلا أقلّ من الإجمال فلا يمكن اعتبارها حُجّةً في ذلك. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بوضيعة، وهذا معناه أنَّه لم يسقط عن الرواج رأساً، ومن هنا كان يجب دفع العملة الأولى؛ لأنَّ عقد القرض لم يكن له انصرافٌ إلى ذي القيمة التامّة، بل إلى الرائج، وهذا رائج فليس وجه الجمع صعباً إلى هذا الحدّ، بحيث أشكل على الشيخ النائيني جدّاً. بحيث ذكر أنَّه لا بُدَّ من طرح الأولى لضعف السند أو حمله على التقية(1). ولم
أعلم لماذا كان السند ضعيفاً مع أنّ كِلا سند الروايتين متين ومعتبر، ولعلَّه ذكر ذلك بلحاظ سند الشيخ(2) وكان له في سهل بن زياد إشكال(3).
ــــــــــ[158]ــــــــــ
() المصدر السابق، قوله: إنَّ السابقة ساقطةٌ عن درجة الاعتبار.
(2) تهذيب الأحكام 7: 116، ح505، باب بيع الواحد بالاثنين.
(3) أقول: يمكن الجمع بين الروايتين، بل والرواية الآتية بوجه آخر بعد الإشكال على ما ذكره السيّد، أو التنزُّل عنه واعتبار موضوع السؤال في جميع الروايات واحداً.
وذلك بأن يقال: إنَّ الرواية الآمرة بدفع الرائج تقول: (لك أن تأخذ ما يُنفق بين الناس) والروايتين الأخريين تقول: (لك الدراهم الأولى) ولفظهما متقارب.
والملاحظ أنَّ مدخوله قول: (لك)، في الرواية الأولى هو الفعل وفي الثانية العين، فتكون الأولى ظاهرة بالحكم التكليفيّ، أي: يجوز لك أن تأخذ الدراهم الرائجة من الضامن. وتكون الثانية ظاهرة بالحكم الوضعيّ، أي: إنَّك تملك الدراهم الأولى في ذمَّة الضامن.
وحينئذٍ: يظهر بوضوح أنَّ كِلا الروايتين تتكفَّلان جانبين من حكم واحد، فإنَّ الدراهم الأولى المضمونة بعد تلفها للمالك حقّ استرجاع مِثْلها إن رغب، أي من قبيل الدراهم الأولى، وله حقّ أخذ قيمتها في وقتها من الدراهم الرائجة. فالرواية الثانية وكذلك الثالثة الآتية في مقام بيان الملكيّة في الذمَّة، والأولى في مقام بيان أنَّه لا يتعيَّن على المالك استرجاع الدراهم الأولى أو أمثالها؛ لسقوط قيمتها بعد الإسقاط، بل يمكنه أيضاً أخذ قيمتها من الدراهم الرائجة. وهذا واضح جدّاً. انتهى. (المقرر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الرواية الأخرى: عن محمَّد بن عبد الجبار، عن العباس عن صفوان، قال: “سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم، أو تغيَّرت، ولا يُباع بها شيء أ لصاحب الدراهم الدراهم الأولى، أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: لصاحب الدراهم الدراهم الأولى“(1).
نحن لنا كلامان:
أولاً: أنَّ معاوية بن سعيد سأل مَن؟ لعلَّه سأل صفوان(2) ولعلَّه سأل الإمام. فهل نستطيع رفع اليد عن الحُجّة بهذه الرواية المضمرة؟ التي يُحتمل أن يكون الحكم فيها من فتاوى صفوان الذي كان مجتهداً وله حقّ الإفتاء، وليس حال صفوان حال سماعة الذي كان ديدنه على الإضمار، فلا تكون مضمرات صفوان حُجّة.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 7: 117، ح508، باب بيع الواحد بالاثنين، الاستبصار 3: 99، ح344، باب الرجل يكون له على غيره الدراهم، وسائل الشيعة 18: 207، ح4، باب حكم مَن كان له على غيره دراهم. وفي الوسائل: العبّاس بن صفوان. والصحيح ما في نسخة التهذيب والاستبصار.
(2) يردّه أنَّ ظاهر الضمير المستتر في (قال) رجوعه إلى صفوان لا إلى العباس الراوي قبله، ولو كان المسؤول هو صفوان لقال: (سألني معاوية بن سعيد) كما هو واضح إذن فالظاهر رجوع الضمير المفعول للسؤال إلى الإمام. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وثانياً: أن ننظر في متن الرواية، يقول: “وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت”، وظاهرها أنّها كانت ساقطة قبل الاقتراض، واستقرضها حال كونها ساقطة، ولم يكن ملتفتاً إلى ذلك. وهذا محتمل فيها بل ظهورها(1) في ذلك. وحينئذٍ مقتضى القاعدة أنَّ يدفع الدراهم الأولى.
إذن فكل هذه الروايات تتناول موضوعاً غير الموضوع الذي تتناوله الأخر:
فالأولى: تتناول سقوط القيمة بالكُلِّيّة في حين كان رائجاً حين القرض، فتأمر بإعطاء الرائج فعلاً.
والثانية: تتناول سقوط القيمة في الجملة، وأخذها بالوضيعة بعد القرض، فتأمر بإعطاء الدراهم الأولى.
والثالثة: تتناول سقوط القيمة كُلِّياً قبل القرض، فتأمر بإعطاء الدراهم الأولى أيضاً.
إذن، فللروايات بنظري جمع عقلائيّ ولا تعارض بينها.
ثُمَّ إنَّه لا يصحّ قياس مسألتنا على باب القرض، فإنَّه هناك جَعْلٌ وقرارٌ وانصرافٌ ونحوه، ومسألتنا من باب وقوع اليد على جميع الخصوصيّات، وليست اليد إذا وقعت على شيء تكون منصرفة إلى شيء، بل تقع على تمام الخصوصيّات الدخيلة في القيمة. وفي باب القرض قرارٌ وهو أمَّا أن يجعل مقيّداً
ــــــــــ[160]ــــــــــ
() هذا خلاف الظاهر جدّاً كما هو واضح لمن تأمَّل الرواية، فإنَّه يقول: (استقرض دراهم وسقطت) وهو واضح في الترتُّب وأنَّ السقوط بعد الاستقراض. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فيجب اتباعه، أو مطلقاً فينصرف إلى النقد الرائج. إذن لا يصحّ القياس وإن دلّت على ذلك الروايات.
تبقى موارد الشكّ.
اذا لم نستطع أن نستفيد من الأدلّة كيفيّة الضمان والخروج عن العهدة فيما إذا سقطت العين أو سقط المِثْل عن القيمة، لم نستطع أن نفهم أنَّه يكفي أداء العين مع أنَّها لا قيمة لها، أو أنَّه لا دخل للعين ولا بُدَّ من أداء القيمة وحدها، أو لا بُدَّ من أدائهما معاً، فما هو مقتضى القواعد؟
مرَّةً: يفرض أنَّ العين باقية ولكنَّها أصبحت مسلوبة الماليّة،.
وأخرى: يفرض أنَّها تالفة وكانت عندي ذات ماليّة، ولكنَّ مِثْلها أصبح مسلوب الماليّة. وانا لا أعلم أن أداء المِثْل يكفي أو لا بُدَّ من أداء المِثْل والقيمة.
وهنا مرَّةً نقول: إنَّ العين في العهدة إلى زمان الأداء.
وأخرى نقول: إنَّ المِثْل في العهدة إلى زمان الأداء.
وثالثةً: إنَّه عند التعذُّر تتبدّل إلى القيمة.
وفي صورة وجود العين نفرض -عجالة-: أنَّنا قلنا بأنَّ ظاهر (على اليد) إنَّ نفس العين في العهدة حتَّى في حال الوجود، غاية الأمر أنَّها حين كانت لها ماليّة كانت في عهدتي، والآن سقطت عنها الماليّة، ولا أعلم أنَّ دفعها يسقط عهدتي أو لا، بل لا بُدَّ من دفع القيمة وحدها أو دفعهما معاً.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مقتضى القاعدة سواء قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب، هو أنَّه بعد ردِّ العين وحدها أو القيمة وحدها -بناءً على دخول العين في العهدة- أشكّ بأنَّ ذمَّتي برئت وعهدتي سقطت أو لا. أمَّا إذا أدَّيت العين فلاحتمال أنَّ الماليّة لها دخل في التدارك وأمَّا إذا أدَّيت الماليّة وحدها فلاحتمال وجوب أداء العين، وبأداء كِليهما يحصل العلم بالبراءة. وقلنا: إنَّه ليس أنَّ اليد إذا وقعت على العين يحدث ضمان مستقلّ للعين وضمان مستقلّ للقيمة، ليقال بأنَّ ضمان العين سقط بأدائها. وأمَّا الماليّة فضمانها مشكوك من الأول.
وقلنا بأنَّ الماليّة لا تدخل في العهدة في مقابل العين، بل ليس هناك أكثر من عهدة واحدة، غايته أنَّه حين وجوده يدخل في العهدة بجميع خصوصيّاته، وبعد سقوطها عن الماليّة احتمل عدم فراغ الذمَّة بأداء العين وحدها ولا بأداء الماليّة وحدها، فمقتضى الاستصحاب هو عدم البراءة، بل تكفي أصالة الاشتغال في إثبات ذلك أيضاً.
المرحوم الشيخ محمَّد حسين يُشكل على الأصل الذي ذكرناه، ويذكر أصلاً آخر ويؤيِّده.
أمَّا إشكاله على هذا الأصل فيقول(1): إنَّ عهدة العين لا أثر لها عقلاً وشرعاً إلّا أداء العين، وأداء القيمة بالنسبة إلى عهدة العين لا معنى لها. نعم، إذا استصحبنا العهدة وقلنا بحجِّية الأصل المثبت أمكن ذلك، فإنَّ بقاء الشيء في
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 392، هل يُعد من التعذّر الخروج على القيمة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العهدة ملزوم عادة أو عقلاً لوجوب أداء القيمة؛ لأنَّ المفروض أنَّ العين بعد سقوط قيمتها قد أدَّيتها ومع ذلك عبَّدني الشارع -بمقتضى الاستصحاب- ببقائها في ذمَّتي، فخروجاً عن لغوية مثل هذا التعبُّد لا بُدَّ أن أؤدِّي الماليّة؛ لكي يسقط ما في ذمَّتي. وحيث إنَّ المستصحَب هو بقاء العين، وأثره الواقعيّ هو أداء العين، وليس أداء القيمة أثراً حقيقيّاً له؛ فاستصحاب بقاء العين لا يمكن إثبات القيمة به، إلّا باللازم العقليّ أو العادي، وهو مثبت وليس بحجَّة.
ثُمَّ يقول: إنَّ لدينا أصلاً آخر في مقابل ذلك، هو: أنَّ هذه العين الموجودة في الخارج قبل سقوط قيمتها كانت بحال بحيث إنَّ الخروج عن العهدة يحصل بدفعها، وبعد سقوط الماليّة أشكّ في بقاء هذا المعنى وعدم بقائه فأستصحبه، فيترتَّب عليه الخروج عن الضمان بدفعها.
والذي نفهمه هو عكس ما يقوله، وهو: أنَّ الأصل الأوَّل صحيح وليس بمثبت، وهذا الذي يقوله؛ إمَّا لا أصل فيه، أو على فرضٍ هو أصل مثبت.
أمَّا الأصل الذي قلناه، فقد قال الآغايون في علم الأصول(1) بأنَّ اللوازم العقليّة للأعمَّ من الحكم الظاهريّ والواقعيّ يمكن إثباتها بالاستصحاب، وإنَّما لا يمكن ترتيب ما يكون أثراً شرعيّاً للواقع على المستصحَب. أمَّا إذا كان شيءٌ لازماً للحكم الشرعيّ الأعمَّ من الحكم الواقعيّ والظاهريّ، فأنا لا أريد أن أُرتِّب عليه أثر الحكم الواقعيّ، بل أثر نفسه.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) اُنظر: نهاية الأفكار (للمحقّق العراقي) 3: 239، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 5: 164.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مثلاً إذا شككنا أنَّ صلاة الجمعة واجبة في هذا الزمان أو لا، وكانت واجبةً سابقاً؛ نستصحب وجوبها. ولزوم الإتيان بالشيء ووجوب الطاعة من الأحكام العقليّة لا الشرعيّة، وإنَّما الحكم الشرعيّ هو الوجوب خاصّة. مع ذلك استصحاب وجوبها لا يكون مثبتاً؛ لأنَّ وجوب الإطاعة مترتّب على تماميّة الحجّة، فهو أثر أعمّ من الواقع والمستصحَب، ولذا نُرتِّب هذا الأثر الأعمّ عليه.
وفي المقام كذلك، فإنَّنا نريد أن ننقّح بالاستصحاب اشتغال الذمَّة، حيث كنت مشتغل الذمَّة بالعين، وأشكّ أنَّه زال شغل الذمَّة أو لا، وأنا لا أريد أن أُثبت بالاستصحاب أكثر من بقاء العهدة. والعقل يحكم بعد ذلك أنَّه كما أنَّ اشتغال الذمَّة الواقعيّ لا بُدَّ من تفريغه والخروج عنه كذلك اشتغال الذمَّة الظاهريّ الثابت بالاستصحاب، بحيث إنَّه لا بُدَّ من إحراز البراءة ولو لم أُحرزها وكان اشتغال الذمَّة ثابتاً في الواقع لكنت منقطع الحُجّة.
وبعبارة أخرى: نحن لا نريد باستصحاب بقاء العين في العهدة أن نُرتِّب أثر الحكم الواقعيّ ليُقال: إنَّه مثبتٌ، فإنَّ الأثر الذي أثبته هو اشتغال الذمَّة، وكما أنَّ حكم الشارع الواقعيّ بالاشتغال يكون موضوعاً لحكم العقل بلزوم تحصيل البراءة، كذلك الاشتغال التعبُّديّ، وبأداء العين أشكّ بارتفاع العهدة، وبأداء العين والقيمة أتيقَّن بالبراءة، فيحكم العقل بلزوم الخروج الجزميّ عن العهدة، فهذا حكم عقليّ مترتّب على الأعمّ من الحكم الواقعيّ والحكم الظاهريّ، ويصحّ ترتيبه وليس فيه شبهة المثبتيّة.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأمَّا الاستصحاب الذي أراد أن يجريه، فهل هو استصحاب تنجيزيّ أو تعليقيّ؟ حينما كانت العين ذات ماليّة تحت يدي، كانت إذا دفعتها تسقط ذمَّتي، والآن ليس لنا حكم تنجيزيّ. وعبارة: (أنَّ دفعها كان موجباً للسقوط) عبارةٌ أخرى عن أنَّني إذا دفعتها يسقط. فهذا استصحاب تعليقيّ، وهو تعليق في الموضوع، ونحن لا نقول بجريانه.
وأمَّا إذا أراد إجراء الاستصحاب تنجيزيّاً، فليس موجوداً، وقوله: يكون هذا موجباً للسقوط لا يوجب كونه تنجيزيّاً؛ لأنَّ العين ليست مدفوعة بالفعل. بل هو عبارة عن أنَّ العين بنحو بحيث يسقط الضمان بأدائها وهذا معنى تعليقيّ لا محالة.
ولو أغمضنا عن ذلك، أو قلنا بجريان الاستصحاب التعليقيّ في الموضوع، فهو مثبت؛ لأنَّ هذا المعنى وهو: أنَّه بالأداء تسقط الذمَّة حكم(1) عقليّ، وليس حكما شرعيّاً، وحكم الشرع ليس إلّا اشتغال الذمَّة، غايته يحكم العقل بأنَّه إذا كان الشيء موجوداً فتسقط الذمَّة بأدائه بتمام خصوصيّاته. وأنا الآن أشكّ في أنَّه سقط أو لا. فهذا المعنى وهو: أنَّ دفع هذا موجب للسقوط ليس معنى شرعياًّ، بل حكم عقليّ، وأنت تريد استصحاب حكم العقل وهذا لا معنى له. إذن، فعكس ما ذكره أصحّ وأتمّ. هذا إذا كانت العين في العهدة وكانت موجودة.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
() هذا حكمٌ عقلائيٌّ وليس حكماً عقليّاً، وهو خلط غريب من السيّد بينهما، وعليه يكون حكما شرعيّاً باعتبار إقراره للحكم العقلائيّ، فيكون هذا الإشكال ساقطاً أساساً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ومنه تتَّضح الفروض الباقية، فيما إذا تلفت وكانت العين في العهدة، أو تلفت وكان المِثْل في العهدة، ففي مثل ذلك يجري نفس الاستصحاب بأن يقال: إنَّ العين في العهدة، وإذا أدَّينا المِثْل الساقط القيمة وحده أو أدَّينا القيمة وحدها لا نعلم بالفراغ، فلا بُدَّ من أداء المِثْل والقيمة معاً، وهو حكمٌ عقليٌّ مترتّب على الأعمّ من الحكم الظاهريّ والواقعيّ.
ولكن المرحوم النائيني يقول عكس هذه التقريبات، فلا بُدَّ من النظر في أقواله أداءً لحقِّه.
في صورة وجود العين وسقوطها عن القيمة إذا أدَّيناها وشككنا ببراءة الذمَّة قلنا: إنَّ استصحاب بقاء العهدة جارٍ، ويحكم العقل بتحصيل البراءة اليقينيّة بأداء المِثْل أو القيمة معاً. والاستصحاب الذي أجراه الشيخ محمَّد حسين رفضناه.
هذا على فرض أنَّنا لم نستطع أن نفهم من الأدلّة كيفيّة الضمان للأداء. وأنَّه إذا أدَّاه تسقط العهدة، ونحن نتكلَّم على المباني، وإلّا فالصحيح أنَّ (على اليد) لا تفيد العهدة. ولكنَّا إذا قلنا بذلك فدفع الشيء على ما هو عليه مسقط عقلاً، من قبيل الإجزاء في الأحكام التكليفيّة إذا امتُثِلت كما أمر بها الشارع، وليس للشارع التصرُّف في ذلك إلَّا بجعل حكم جديد. فجعل الشارع يكون بجعل العهدة، أمَّا سقوط العهدة بالأداء فهو أمر عقليّ.
ولكن قد يقول قائل: إنَّ للشارع حكمين: أحدهما جعل الضمان إلى زمان الأداء، والآخر: أنَّه إذا أدَّيت يسقط ما في ذمتك. إذا بنينا على وجود مثل هذا
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الحكم الشرعيّ التعليقيّ، كما هو الحكم في باب العصير العنبيّ أنَّه (إذا نشّ وغلى يحرم)، هنا أيضاً يحكم بسقوط ما في العهدة إذا أدَّى ما فيها إذا صحّ ذلك؛ كان عندنا استصحابين: تنجيزيّ وتعليقيّ، عندما تؤدِّي العين الساقطة القيمة وتشكّ ببراءة الذمَّة.
أمَّا الاستصحاب التنجيزيّ فهو استصحاب بقاء العهدة.
وأمّا الاستصحاب التعليقيّ فهو أن يقال: إنَّ هذه العين حينما كانت ذات قيمة كانت إذا أدَّيتها تسقط الذمَّة، فأستصحب هذا الحكم التعليقيّ إلى زمان الشكّ؛ وحيث إنَّ التعليق شرعيّ، فيثبت المعلّق عليه ولا يكون مثبتاً.
والكلام في أنَّ الأصل التعليقيّ والتنجيزيّ هل بينهما معارضة، أو حكومةٌ؟
الشيخ هنا يقول على نحو الإجمال: إنَّه حاكم. من دون ذكر وجه الحكومة، ولذا ذكر مَن بعده وجوهاً عديدة، كالآخوند في تعليقته على (الرسائل) و(الكفاية)، وليس بمرضيٍّ لنا ولا مجال إلى ذكره، وكذلك المرحوم النائيني على تناقض بين صدر كلامه وذيله، وكذلك المرحوم شيخنا وجهٌ لحكومة مطلق الأصل السببيّ على المسبّبيّ وهو أيضاً غير مرضيٍّ لنا(1).
ــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) اُنظر: فرائد الأُصول 3: 221 ـ 223، الأمر الرابع: الاستصحاب التعليقي، فوائد الأُصول 4: 458 و472 و682، التنبيه السادس، وتتمّة في حكومة الاستصحاب التعليقي، نهاية الأفكار 3: 161 و 170، الاستصحاب التعليقي، حاشية البروجرّدي على الكفاية 2: 409، التنبيه الخامس في الاستصحاب التعليقي.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والوجه الذي قلنا في ذلك، هو: أنَّ الحكومة بين الأصل السببيّ والمسبّبيّ كسائر الحكومات لا تختلف عنها؛ لأنَّنا في باب الحكومة أشترطنا أمرين:
أحدهما: السببيّة والمسبّبيّة وأن يكون الشكّ في أحدهما ناشئاً من الشكّ في الآخر.
وثانيهما: أنَّ تكون هناك كبرى شرعيّة بها نتعبَّد: أنَّ الحكم في موضوع السبب هو كذا.
ونكتة الحكومة ليس هي أنَّ الأصل السببيّ مقدّم على المسبّبيّ، بل نكتتها هي أنَّ الأصل -ونتكلَّم أوَّلاً في الجاري في الموضوع لنأتي بعد ذلك إلى الأصل الجاري في الحكم- ينقّح موضوع كبرى شرعيّة تعبُّديّة فتترتَّب عليه من دون أخذ الشكّ في موضوعها. كمثال غسل الثوب النجس بالماء المشكوك الكُرِّيّة، فنشكّ بطهارة الثوب للشكّ في الكُرِّيّة. فهنا ليس أنَّ استصحاب بقاء الكُرِّيّة معارضٌ مع استصحاب النجاسة، وإنَّما نريد باستصحاب الكُرِّيّة إثبات طهارة الثوب، وهذا لا يُبيِّنه استصحاب الكُرِّيّة وإنَّما يُبيِّنه كبري شرعيّة تعبُّديّة، يتنقَّح موضوعها بهذا الاستصحاب، وهي: أنَّ المغسول بالكُرِّ طاهرٌ. وعند تطبيقها على هذه الصغرى وهي: هذا الماء؛ ينتج: إذا غسلت شيئاً في هذا الماء فإنَّه يطهر، وهذا لسان دليل اجتهاديّ لم يُؤخذ في موضوعه الشكّ، وذاك الاستصحاب يقول: إذا شككت في طهارة الثوب فهو نجس، فقد أُخذ في موضوعه الشكّ، فيتقدّم عليه ذلك الدليل الاجتهاديّ، إذ معه لا يبقى عندنا شكّ. فليست الحكومة أنَّ الأصل مقدم على الأصل، بل الدليل الاجتهادي ينطبق ويرفع
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
موضوع الشكّ، غايته أنَّنا نُنقِّح موضوع هذا الدليل بالاستصحاب.
هذا في الأصل الجاري في الموضوع.
وأمَّا إذا كان الشكّ شكّاً في الحكم، كمثال عصير العنب، فيما إذا كان العصير موجوداً في مخزن، وأنا أعلم بالكبرى الشرعيّة وهي: (أن العنب إذا غلى ينجس)، فبعد تطبيقها على صغراها وهو (هذا العنب)؛ ينتج (أن هذا العنب إذا غلى ينجس). ثُمَّ يبس وأصبح زبيباً، فارتفع بذلك موضوع هذا الدليل الاجتهاديّ، ولأنه أُخذ في موضوعه العنب وهو لا يصدق على الزبيب، ولكنَّنا لا يهمُّنا ذلك، وإنَّما نريد تنقيح موضوع الاستصحاب، وهو ذات هذا العنب وهي محفوظة، غايته قد تبدَّلت بعض أوصافها؛ فلذا كان هذا العنب ملكك والان أيضاً ملكك. فأجري الاستصحاب بأن أقول: هذا العنب كان إذا نشّ وغلى ينجس فالآن إذا غلى ينجس. وموضوع القضيّة المتيقَّنة والمشكوكة واحد وإن اختلف موضوع الدليل الاجتهاديّ. فإنَّ موضوع الاستصحاب هو نفس هذا الشيء الخارجيّ الذي أعلم بحكمه وأصبحت شاكّاً فيه فأستصحب.
وهذا استصحاب للكبرى الكُلِّيّة، وهو موجود قبل حصول الغليان والنشّ. فإنَّنا الآن قبل الغليان نعلم بحلِّيّة هذا الموجود قطعاً، ولكنَّنا نشكّ بالكبرى والمستصحَب هو هذا: إذا غلى ينجس. فأنا أشكّ أنَّ العنبيّة -حينما كان عنباً- كانت بالنسبة إلى وجود الحكم واسطة في العروض لكي يكون الحكم الآن مرتفعاً، أو واسطة في الثبوت لكي يكون الحكم باقياً. فأستصحب
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأقول: هذا كان إذا غلى ينجس فالآن أيضاً إذا غلى ينجس.
فإذا غلى وحصل المعلَّق عليه، والمفروض كون الترتُّب شرعيّاً؛ فبضمّ وجداننا إلى الكبرى ينتج أنَّ هذا: (عصير محرم ونجس). وهذا لسان دليل اجتهاديّ لم يُؤخذ في موضوعه الشكّ. وذاك الاستصحاب يقول: إذا شككت في غليانه فهو حلال. وهو لا يعارض الدليل الاجتهاديّ؛ لأنَّه أُخِذ في موضوعه الشكّ، وبالدليل الاجتهاديّ يرتفع الشكّ. إذن فالحكومة ليست هي تقدّم أصل على أصل، كما يظهر من الآغايون بل هي تقدّم دليل اجتهاديّ على الأصل(1). غايته أنَّنا أثبتنا الدليل الاجتهاديّ بالأصل، والأصل السببيّ ينقّح موضوع الكبرى المنطبقة على الأصل المسبّبيّ.
وما نحن فيه من هذا القبيل مع بناءٍ على أنَّ التعليقَ شرعيٌّ، فإنَّه إن أُؤدِّي العين المسلوبة القيمة أعلم أنِّي مشغول الذمَّة، لكنِّي أشكّ أنَّ العين التي كانت ذات قيمة وبقيت ذاتها مع سقوط ماليّتها، هل حكم الشارع الذي كان عليها وهو: إذا دفعته سقط الضمان، ينطبق على هذا الفاقد للماليّة أو لا؟
فالآن أنا أعلم باشتغال الذمَّة، ولكنِّي أشكّ بالحكم الشرعيّ. فأستصحب هذه الكبرى الكُلِّية الشرعيّة وهي: إذا أدَّيت هذا فقد برئت من الضمان، ويكون المستصحَب هو هذا المعنى. وهذا لسان دليل اجتهاديّ لم يُؤخذ في موضوعه الشكّ. فإذا أدَّيت فقد حصل المعلَّق عليه في الحكم الشرعيّ، فالآن
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية البروجرّدي على الكفاية 2: 447، التنبيه الرابع عشر، المقام الثاني: ورود الأمارة على الاستصحاب.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نقول -بعد الأداء-: إنَّ تلك الكبرى الشرعيّة تقول: (أنت بريءٌ). وذلك الاستصحاب يقول: (إذا شككت بالبراءة استصحب بقاء العهدة)، فيكون مأخوذاً في موضوعه الشكّ، ويكون الدليل الاجتهاديّ مقدَّماً عليه لا معارِضاً له.
هذا على فرض أنَّه يُفهم من (على اليد) حكمان، وأمَّا إذا لم يكن يُفهم منها حكمان، كما هو الصحيح، فهذا الاستصحاب التعليقيّ يكون غير موجود.
هذا إذا كانت العين موجودة. وأمَّا إذا تلفت وكان مِثْلها موجوداً؛ فمَّرةً نقول: إنَّ العين بالعهدة، وأخرى المِثْل بالعهدة.
فعلى الأوَّل إذا أدَّينا المِثْل الساقط عن القيمة، نشكّ بفراغ الذمَّة، فنستصحب بقاء العهدة، ويجب لأجل تحصيل اليقين بالبراءة أداء المِثْل الساقط عن القيمة مع القيمة. ويجري فيه نفس الكلام السابق من أنَّ استصحابه ليس مثبتاً وأنَّ الاستصحاب الذي ذكره الشيخ محمَّد حسين باطل.
إلّا أنَّ نفس هذا الموضوع يقول فيه الشيخ محمَّد حسين بعكس ما قاله سابقاً؛ إذ يرى جريان الاستصحاب في المورد الذي لم يكن يرى جريانه فيه هناك وبالعكس.
وعليه اذا كنا قائلين بأنه عند التلف تأتي العين إلى العهدة، وتبقى في العهدة إلى حين أداء المِثْل أو القيمة. فهذا المِثْل الذي كان ذا قيمة وكان إذا أدَّيناه تسقط العين التي في العهدة، فبعد سقوط المِثْل عن القيمة والشكّ بأنَّه يسقط ما في العهدة أو لا، يجري على ما قلناه استصحاب بقاء العهدة. حتَّى نخرج يقيناً عن
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
اشتغال الذمَّة. ولا نريد بهذا الاستصحاب إلّا إثبات اشتغال الذمَّة، ولا يحصل اليقين بالبراءة إلّا بدفع المِثْل الساقط القيمة والقيمة معه، ولا يحصل بدفع أحدهما. ونحن لا نريد أن نُثبت بالاستصحاب ذلك على ما يقوله الشيخ محمَّد حسين، وهنا نريد أن نُثبت الاشتغال، والعقل يحكم بلزوم التفريغ.
وكذلك الكلام في الأصل التعليقيّ الذي قلنا: إنَّه إذا كان التعليق شرعيّاً يكون جارياً، وأمَّا إذا كان عقليّاً فلا يكون جارياً.
والشيخ يقول هنا: إنَّ الشارع جعل الملازمة والسببيّة –بين الدفع والسقوط–. ويقول: إنَّ الترتُّب والسببيّة بما أنَّه شرعيّ فلا يكون الأصل مثبتاً.
وقد أشكلنا عليه في محلِّه؛ بأنَّ السببية وإن كانت ممكنة الجعل، على التحقيق، إلّا أنَّ ترتُّب الملازم على وجود ملازمه والسبب على وجود سببه حكم عقليّ لا شرعيّ.
نعم، إذا كان الجعل الشرعيّ هكذا: (إذا وُجِد هذا وجد هذا)، (إذا وُجِد الغليان وُجِدت الحرمة) كما هو ظاهره، فلا يكون الاستصحاب التعليقيّ مثبتاً.
وأستطيع ترتيب الأثر بضمِّ الوجدان إلى الأصل: وذلك بجعل الملازمة والسببيّة فيكون الترتب عقليّاً، ويكون الأصل مثبتاً؛ لأنَّ الحكم (أنَّه إذا وُجِد السبب وُجِد المسبب) حكم عقليّ لا شرعيّ.
بناءً عليه، فعلى الترتيب الذي يقوله الشيخ عن الاستصحاب التعليقيّ حتَّى بعد جعل السببيّة والملازمة، مضافاً إلى أنَّه لا يرى إمكان جعل مثل ذلك، فإنَّه يكون مثتباً الآن.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بعد أن سقطت قيمة المِثْل، وأدَّيناه وشككنا أنَّه سقط ما في الذمَّة أو لا، نستصحب اشتغال الذمَّة ونرتِّب عليه اللوازم العقليّة للحكم الظاهريّ وهو وجوب الأداء؛ لأنَّ وجوب الأداء من قبيل وجوب الطاعة حكم عقليّ مترتّب على الأعمّ من الحكم الواقعيّ والظاهريّ.
وأمَّا الشيخ محمَّد حسين(1) الذي اختار في الفرع السابق -وهو صورة وجود العين- عدم جريان استصحاب بقاء العين ويراه مثبتاً، وأمَّا الاستصحاب الآخر -وهو أنَّ هذه العين كانت بحالة يُسقط أداؤها ما في الذمَّة فالآن كذلك- فكان يرى جريانه. وهنا بالعكس.
يقول: إنَّ استصحاب بقاء العين في العهدة يجري، ولا يسقط ما في العهدة وهو العين ما لم يؤد المِثْل الساقط عن الماليّة مع القيمة، فباستصحاب بقاء العين في الذمَّة يجب كِلا الأمرين.
والاستصحاب الآخر لا يرى جريانه، ويقول: إنَّ المِثْل الذي كان ذا قيمة لم يكن بذاته موجباً للسقوط، وإنَّما باعتبار دليل لُبِّيّ وهو أقربيَّته إلى الواقع، فلو كان بذاته كذلك لصحَّ استصحابه، ولكنِّي الآن أشكّ أنَّ الأقرب إلى الواقع هل هو هذا المِثْل الصوريّ الساقط الماليّة أو القيمة؟ فلا يجري الاستصحاب.
نقول: أمَّا أنَّ استصحاب بقاء العين في العهدة جارٍ ولا يسقط إلّا بأداء
ــــــــــ[173]ــــــــــ
() اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 392، حكم المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المِثْل والقيمة معاً، فهل سقوطه بأدائهما معاً حكم شرعي؟ والمفروض أنَّ المدَّعى هو أنَّ (على اليد) تفيد وجود العين في الذمَّة، ولا تفيد أكثر من ذلك.
نعم، حين وجود العين يكون أداؤها مسقطاً، وحين تلفها ووجود المِثْل مع كونه ذا ماليّة فهو الأقرب إلى العين فيكون مسقطاً. ولكن بعد سقوط ماليّته أشكّ أنَّه بأداء المِثْل يسقط ما في الذمَّة فلا بُدَّ تحصيلاً للقطع بالبراءة من أدائه وأداء القيمة، فهل مثل هذا الحكم شرعي مترتّب على الواقع، أو حكم عقليّ بأنَّه ليس هناك شيئاً أقرب إلى الواقع غيره؟
إذا كان حكماً شرعيّاً على الواقع أمكن استصحابه، لكنَّ (على اليد) لا تفيد ذلك، وإنَّما العقل يحكم بأنَّ المِثْل هو الأقرب.
وأمَّا بعد سقوط ماليّته فأشكّ أنَّ الأقرب في نظر الشارع ما هو؟ هل هو المِثْل الساقط القيمة، أو هو القيمة وحدها، أو هما معاً؟ فليس عندي حكمٌ شرعيٌّ مترتّبٌ على الواقع لكي أستصحبه وأُرتِّبه، بل ليس عندنا إلّا حكم العقل في لزوم الخروج من الاشتغال، إذن فنفس ما قاله هناك من الإيراد يرد هنا أيضاً، مع غضّ النظر عمَّا قلناه هناك.
أمَّا الاستصحاب الذي تريد أن تُشكل عليه وتقول: إنَّ المِثْليّة إذا كانت بذاتها ملاكاً لإسقاط ما في الذمَّة، أمكن استصحابه عند الشكّ في السقوط، بعد دفع المِثْل الساقط الماليّة. لكنَّ الأمر ليس كذلك، بل كان ذلك لأجل أمر لُبِّي، وهو أنَّ المِثْل أقرب إلى الواقع، ونحن نشكّ الآن أنَّ الأقرب ما هو؟ هل هو المِثْل الصوريّ أو الماليّة أو كلاهما؟ فلا يجري الاستصحاب.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نقول: الاستصحاب جارٍ، فإنَّ هذا المِثْل الموجود في الخارج، وقد كان ذا قيمة، وافرضوا أنَّنا قلنا بجريان الاستصحاب التعليقيّ، فاستطيع أن أشير إلى هذا الخارجيّ وأقول: إنَّه في زمان كان له ماليّة كان بأدائه يسقط ما في ذمَّتي، والآن أشكّ ببقاء هذا المعنى له فأستصحبه. وأمَّا كونه أقرب إلى الواقع فهو محقِّق للشكّ ولا يضرّ بالاستصحاب، وهو كثير، مثلاً: زيد كان عالماً وهاشمياً، فقال الشارع: (أكرمه)، وكنت أحتمل أنَّه أمر بإكرامه لأجل عالميّته أو لأجل هاشميّته أو لأجل ذاته، والآن عالميّته ذهبت، وشككت ببقاء وجوب الإكرام، فأقول: هذا زيد كان واجب الإكرام فالآن أيضاً واجب الإكرام. لأنَّ الوجوب إذا كان لأجل العالميّة وكانت هذه الصفة واسطة في العروض، فقد انتفى الوجوب بانتفائها، وأمَّا إذا كان لأجل نفس هذه الصفة ولكن كانت واسطة في الثبوت، أو كان الوجوب لأجل هاشميّته أو لأجل ذاته، فهو باقٍ، فأحتمل بقاء الوجوب، وتكون نفس القضيّة المتيقَّنة هي المشكوكة عرفاً، ونحن لا نريد في الاستصحاب أكثر من ذلك بأن نقول: كان زيد واجب الإكرام فهو الآن واجب الإكرام.
بل حتَّى بالموارد التي تتعلَّق فيها الأحكام بالعناوين كما لو قال: (أكرم العالم) أو (العصير العنبي حرام إذا غلى). بحيث لو أردنا تتميم المطلب بالدليل الاجتهاديّ لم يكن ممكناً؛ لأنَّ الزبيب ليس بعنب. إلّا أنَّنا كُنَّا نقول: هذا الموجود الخارجيّ كان إذا غلى يحرم فالآن إذا غلى يحرم، فإنَّ الحكم وإن كان وارداً على العنوان إلّا أنَّه إذا انطبق على الخارج يكون حكماً للموجود
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الخارجيّ، فإذا شككت بعد ذلك في بقاء الحكم لأنَّه صار زبيباً أمكن الاستصحاب؛ لأنَّ القضيّة المتيقَّنة والمشكوكة واحدة.
فهذا المِثْل حينما كان ذا قيمة كان بأدائه يسقط ما في الذمَّة، ولكنَّنا لا نعلم أنَّ مناط الأقربيّة عند الشارع هل هو المماثلة في النوعيّة لكي تبقى محفوظة بعد سقوط ماليّته؟ أو المماثلة في الماليّة؟ وهذا المِثْل حينما كان ذا قيمة كان مَجْمَعاً للأمرين معاً، وبعد سقوط الماليّة أشكّ بقابليّته لإسقاط ما في الذمَّة؛ لأنَّه على تقدير كون المناط هو المماثلة في النوعيّة كلّه محفوظاً إلَّا أنَّه على تقدير كونه هو المماثلة في الماليّة أو المماثلة في كلٍّ من النوعيّة والماليّة، فهو ساقط لسقوط ماليّته. فأنا أشير إلى هذا المِثْل الخارجيّ فأقول: هذا الحِمْل من الحنطة كان إذا أدَّيته سقط الضمان، فالآن بعد أن سقط عن الماليّة لم يخرج عن كونه حِمْل حنطة، وأشكّ في كونه موجباً للسقوط فأستصحب. وإذا كان التعليق شرعيّاً، يعني قال الشارع: إذا دفعت المِثْل سقط ما في الذمَّة، فإنَّ الأصل لا يكون مثبتاً بلا إشكال.
هذا راجع إلى هذا القسم، وهنا قسم ثالث تعرَّض له وهو ما إذا بنينا على مجيء المِثْل إلى الذمَّة بتلف العين، فهل عندنا استصحاب بقاء المِثْل أو لا؟ وعلى ما قلناه يكون جارياً ولكنّه أشكل عليه.
الصورة الأخرى التي وقع فيها الكلام، هو: أنَّنا نبني في باب ضمان اليد أنَّ المِثْل يأتي إلى العهدة، وكان المِثْل حين وروده إلى العهدة ذا قيمة، وبعد ذلك
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
سقطت قيمته. فالشكّ في أنَّ المدار في الضمان والأداء هل هو المماثلة في النوعيّة أو الماليّة؟ نشأ منه الشكّ بارتفاع الضمان وعدمه؛ قلنا يجري استصحاب العهدة إلى زمان أداء المِثْل بلا قيمة، ولا يحصل القطع بالبراءة إلّا بأدائه مع القيمة.
هنا المرحوم الشيخ محمَّد حسين أشكل، وقال(1): إنَّنا إذا بنينا على أنَّه يأتي المِثْل إلى العهدة، فمنشأ شكّنا هو أنَّ المِثْل الذي جاء إلى العهدة هل هو عبارة عن المِثْل المتقوّم بالقيمة بحيث إنَّ القيمة قوام ذاته في باب الضمان، أو أنَّ القيمة من حالاته لا مقوّمة لماليَّة ضمانه؟ فإنِّي شاكّ في أنَّ ما أتى بالعهدة هل هو المِثْل بخصوصيّة كونه متقوّماً بالقيمة، أو أنَّ هذه الخصوصيّة من حالاته غير المقومة له؟ فعلى الأوَّل بأداء هذا المِثْل الصوريّ مقطوع البقاء، وإذا كانت القيمة من الحالات غير المقومة فهو مقطوع السقوط.
فالأمر دائر بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، وحيث إنَّ الموضوع غير محرز، وإحراز الموضوع لازم في الاستصحاب، إذن فلا مجال للاستصحاب.
نقول: إنَّ لنا كلامان:
أحدهما: الكلام في استصحاب القسم الثاني من الكُلِّي، كما في الحيوان المردَّد بين الفيل والبقّة، وأنت بعد عدَّة أيام تريد أن تستصحب كُلِّي الحيوان، فيكون مردَّداً بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فأين الشك؟ إذا كان هذا هو الإشكال، فهذا الإشكال هيَّن وقد أجاب عنه الشيخ وغيره، فإنَّنا نعلم أنَّه
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 394، هل يُعد من التعذّر الخروج عن القيمة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
في الخارج يوجد حيوان فإنَّ الطبيعيّ يوجد بعين وجود فرده، سواءٌ ذلك في الفيل أو البقّة. وهذا الحيوان الجامع إذا كان ذا أثر شرعيّ فنستصحب بقاءه.
وما يُقال: إنَّ الأمر دائر بين ما هو مقطوع البقاء والارتفاع محقِّق للشكّ. وفي كلّ الأمور كذلك، مثلاً: الدار التي تكون على شاطئ النهر وتشكّ في بقائها باعتبار الشكّ في أنَّ الفيضان جرفها أو لا. وعلى تقدير أنَّه جرفها فهي مقطوعة الارتفاع، وعلى تقدير عدمه فهي مقطوعة البقاء. فكونها على فرض كذا وعلى فرض هكذا هذا محقِّق للشكّ ومنشأٌ له.
فهذا المِثْل الذي في ذمَّتي لا أعلم أنَّه عبارة عن المِثْل غير المتقوّم بالقيمة، أو غير المتقوّم بالقيمة وأنَّ القيمة من حالاته لا من مقوّماته، وما دام التردُّد موجوداً فالشكّ موجود، فإذا كانت من مقوّماته فقطعاً ساقطاً وإلَّا فغير ساقط، فهذا محقِّق للشكّ؛ لأنِّي لا أعلم أنَّه بأيّ خصوصيّة؟ فهذا الإشكال لا ينبغي إيراده.
وإذا كان منظوره إلى أنَّ نفس طبيعة المِثْل الجامع ما بين المِثْلين، غير موجود، كما أنَّ الجامع بين الحيوانين غير موجود في الخارج، بل الموجود هذا المتشخّص أو ذاك، لذلك فالأمر دائر بين المقطوع والجامع غير موجود. إذا كان المنظور هو هذا فالمسألة ليست عقليّة؛ لتقول: إنَّ الجامع بينهما غير موجود. بل هي مسألة عرفيّة، والعرف يرى بقاء النوع ببقاء أفراده، فلذا يُقال: إنَّ الحوزة العلميّة من زمان الشيخ إلى الآن موجودة، مع أنَّ أفرادها غير مستمرِّي البقاء، وليس عندنا في الخارج عقلاً إلَّا الأفراد. فإذا أردنا أن نستصحب
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بحسب حكم العقل، فليس هناك إلَّا فردٌ مقطوع البقاء وفرد مقطوع الارتفاع. وكذلك الحال في الحكم ببقاء البشر من زمان آدم إلى الآن، فالعرف يقول: إنَّ النوع باقٍ وإنَّ الحوزة باقية والحيوانان موجودان إذا لم يزولا معاً من الخارج، فالمهملة موجودة بوجود فردٍ ما وعدمها بانعدام تمام الأفراد. هذا حكم العرف.
وإذا قلتم: إنَّ الجامع لا أثر له.
نقول: مضافاً إلى أنَّ هذا -وهو الجامع بين المِثْلين- أهون من الموجودات الخارجيّة، إذ الجامع لا يوجد في الخارج، ولكن يمكن أن يُعتبر جامع المِثْل في العهدة. فلذا تكون الاحتمالات ثلاثة:
أحدها: أن يكون جامع المِثْل في العهدة.
ثانيها: أن يكون ما في العهدة هو الجامع المتخصّص بهذه الخصوصيّة.
ثالثها: أن يكون هو الجامع المتخصّص بالخصوصيّة الأخرى(1)؛ لأنَّ باب الذمَّة باب الاعتبار، ويمكن اعتبار نفس طبيعة الجامع.
فإذا قلتم: إنَّ الجامع لا أثر له.
قلنا: إنَّ نفس الجامع إذا كان في عهدتنا فلا بُدَّ أن نخرج عن عهدته، غايته
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) لا يخفى أنَّنا لا نحتمل دخول المِثْل في العهدة بقيد تجرُّده القيمة. إذن فلا يبقى إلّا احتمالان أحدها: جامع المِثْل في العهدة. والآخر: المِثْل الذي يكون ذا قيمة. وإنَّما يكون المِثْل الصوريّ مجزياً على أحد التقديرين باعتبار كونه مصداقاً للجامع لا باعتبار خصوصية سلب القيمة كما هو واضح. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أنَّ منشأ شكّنا هو أنَّ المجعول هل هو نفس الجامع أو هذه الخصوصيّة ليكون ساقطاً، أو تلك الخصوصيّة ليكون باقياً؟ والجامع محفوظ في ضمن الخصوصيّة أيضاً، وحيث إنَّنا نعلم بوجود الجامع في الذمَّة ونشكّ في السقوط مع أداء الخصوصيّة فنستصحب نفس الجامع وينتج الاشتغال، ولا تحصل البراءة اليقينيّة إلّا بأداء المِثْل الصوريّ والقيمة معاً.
ثُمَّ يشير في ذيل كلامه إلى مطلب يحسن التعرُّض له، وذلك أنَّه يقول: إذا كان الأمر دائراً بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، فلا يمكن الاستصحاب لعدم إحراز موضوعه(1).
وإحراز الموضوع في الاستصحاب مأخوذ عن الشيخ، حيث يقول: شرط الاستصحاب إحراز موضوع المستصحَب في زمان الشكّ، والمستصحَب عارضٌ والموضوع معروضٌ للمستصحَب، كما لو كنت على يقين من قيام زيدٍ وأريد أن أستصحبه، فقيام زيد مستصحَب وزيد موضوع له. غايته أنَّه أشكلت عليه الهويّات البسيطة كـ (زيدٌ موجودٌ)، فهل يجب أن أُحرز وجود (زيد) لكي استصحب وجوده؟! فقال: إنَّ معروض الاستصحاب في مثل هذه القضايا هو (زيد) في تقرُّره الذهنيّ(2).
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 395، هل يُعد من التعذّر الخروج عن القيمة.
(2) اُنظر: فرائد الأُصول 3: 289، شرائط العمل بالاستصحاب، الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فالمستصحَب على قسمين:
قسم الهويّات المركَّبة، وموضوعها عبارة عن الموجود الخارجيّ، الذي نقول إنَّه قائم أو ليس بقائم. وقسم الهويّات البسيطة، فالعارض ليس عارضاً في الخارج بل عارض في الذهن، ولا بُدَّ أن نحسب حساب العروض في التقرُّر الذهني، فنقول: إنَّ زيداً الذي كان سابقاً معروضاً بتقرُّره الذهنيّ للوجود والان أشكّ بوجوده فاستصحب بإحراز تقرُّره الذهنيّ.
نقول للشيخ: إنَّ أصل هذه المطالب التي تقولها وقلَّدك عليها آخرون كالمرحوم النائيني، غير صحيح، فإنَّ المستصحَب الذي تقوله وهو عبارة عن عارض الموضوع ليس مستصحَباً. فإنَّ اليقين والشكّ والوهم والظنّ والعلم ونحو ذلك من الأمور لا تتعلّق بالمفردات، فالمفرد بما أنَّه مفرد لا يتعلق به العلم ولا الظنّ ولا غيره. فالمحمول والموضوع في القضيّة لا يتعلّق به اليقين، وإنَّما يتعلّق بمفاد القضيّة، والمفردات والأمور التصوُّريّة لا يُعقل أن يتعلّق بها اليقين ونحوه.
ونحن مربوطون بحديث: “لا تنقض اليقين بالشك“(1)، الذي يكون مفاده الاستصحاب. فإذا علمت: (كان زيدٌ قائماً) أو (كان زيدٌ موجوداً)، فمستصحَبنا ليس هو عبارة عن (قيام زيد)، أو (وجوده)، فإنَّ ذلك ممَّا لم يتعلّق به اليقين ولا يُعقل تعلُّقه به، بل تعلُّق اليقين بمفاد القضيّة، وهو: (كان زيدٌ موجوداً)، فالمستصحَب يكون هو تمام مدلولها، وليس المستصحَب هو
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، باب 22، ح8.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العارض على الموضوع؛ لأنَّ العارض هو من التصوُّرات وهو لا يتعلّق به اليقين. إذن، فإحراز الموضوع في الاستصحاب غير لازم، وإنَّما لا بُدَّ من اتِّحاد القضيّة المتيقَّنة والمشكوكة، لا بُدَّ أن تكون القضيّة المشكوكة الثابتة بالاستصحاب متَّحدة موضوعاً ومحمولاً مع القضيّة المتيقَّنة. ونحن إنَّما نستفيد الاستصحاب من قوله: “لا تنقض اليقين بالشك“، واليقين والشكّ لا يتعلَّق بالتصوُّرات، ومستصحَبنا ليس هو (قيام زيد) بل هو (كان زيدٌ قائماً).
وذلك قد يختلف في الموارد، ففي مثل الطلاق الذي لا بُدَّ أن يقع عند شخص عادل، فعدالة زيد ليس موضوع الحكم، بل المستصحَب هو (كان زيدٌ عادلاً) فهو الآن كذلك؛ فنُطَلِّق عنده. وفي بعض الأحيان يكون الموضوع هو (قيام زيد) لكن لا بنفسه بل بوجود القيام بأن أقول: أعلم أنَّ القيام متحقق فهو الآن متحقق. وإذا أردنا استصحاب قيام زيد لإثبات الأثر لوجوده يكون مثبتاً، وكذلك إذا أردنا باستصحاب عدالة زيد أن نُثبت كون زيدٍ عادلاً.
ففي قولنا: (زيدٌ موجودٌ)، ليس لا بُدَّ من إحراز الموضوع، غاية الأمر لا بُدَّ من اتِّحاد القضيّة المتيقَّنة والمشكوكة، وهو متحقّق على الفرض. والتقرُّر الذهنيّ الذي قاله الشيخ غير صحيح، فإنَّه ليس هو الموضوع للحكم، فإنَّ الموجود هو نفس طبيعة (زيد)، لا بشرط من كونه تقرَّر في الذهن أو في الخارج، وأنت تريد أن تستصحب زيداً الموجود في الخارج، وذلك لا يكون إلَّا باستصحاب الفرد الخارجيّ دون الذهنيّ.
وما قيل من أنَّ المعروض ذهنيٌّ -أو قال: إنَّ ظرف العروض هو الذهن-
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ليس معناه أنَّ الماهيّة المُقرَّرة في الذهن معروضة للوجود الخارجيّ هذا محال.
إذن، فإحراز الموضوع ليس لازماً، بل لا بُدَّ من اتِّحاد القضيّة المتيقَّنة والمشكوكة لتماميّة جريان الاستصحاب.
هذا تمام الكلام في هذا الفصل. ولا يبقى منه إلّا مطلب وهو أنَّنا إن قلنا بالانتقال إلى المِثْل عند التعذُّر، وشككنا بأداء المِثْل الساقط عن القيمة بالفراغ؛ فنستصحب بقاء المِثْل في الذمَّة. إلّا أنَّنا لن نتعرَّض له؛ لأنَّه ظهر حاله ممَّا حقَّقناه.
إذا تعذَّر المِثْل وأدَّى القيمة ثُمَّ ظهر المِثْل إلى الوجود بعد ذلك، فهل يجب عليه أن يعطي المِثْل ويأخذ القيمة وللمالك المطالبة بذلك، أو لا؟
لا بُدَّ وأن يُقال في أصل المبنى: إنَّه إذا فرضنا أنَّ العين في العهدة في باب الضمان، وأداء المِثْل في المِثْليّات أداءً ناقصاً من باب أنَّه لا يستطيع تسليم نفس ما في العهدة بتمام خصوصيّاته الشخصيّة والنوعيّة والماليّة، وإذا تعذَّر المِثْل فأداء القيمة أداءٌ أنقص للعين من أداء المِثْل، فإنَّها لا تتدارك إلا خصوصيّة واحدة هي الماليّة، على حين أنَّ المِثْل يتدارك اثنين منها. فإلزام العقلاء بأداء المِثْل والقيمة ليس لأنَّه جبران تامّ، بل لأنَّه نحو من الأداء الناقص عند التعذُّر.
وكذلك إذا قلنا: إنَّ المِثْل يأتي إلى العهدة عند تلف العين، فإذا كان المِثْل مقدوراً وأدَّيناه يسقط ما في العهدة، فإذا تعذَّر المِثْل فليست القيمة حينئذٍ جبراناً تامّاً للمطلب، بل جبران للمِثْل بوجه ناقص.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذا قلنا بذلك وقلنا: إنَّ العقلاء هكذا يقولون وكُنَّا تبعهم، فهذا الجيران الناقص، إذا ارتفع التعذُّر لا يكون كافياً، بل لا بُدَّ من أن يجبره جبراناً تامّاً؛ لأنَّه الآن قادر على الجبران التامّ فيلزمه. بل سقوط العين عن الذمَّة لا يكون إلَّا مع أداء تمام خصوصيّاتها، فإذا أدَّى القيمة تعتبر العين في ذمته مسلوبة القيمة، وإذا أدَّى المِثْل تعتبر هوية العين الشخصيّة في الذمَّة، وإذا كان هناك تلازم بين الهويّة الشخصيّة والنوعيّة، فمن أجل لزوم ما لا يلزم وغير داخل في الضمان. فلا تسقط العين إلَّا بأداء تمام خصوصيّاتها، بحيث لو عادت العين بخرق العادة، بعد أداء المِثْل أو القيمة، فلا بُدَّ من أدائها وإرجاع القيمة، فكذلك عند أداء القيمة عند ارتفاع تعذُّر المِثْل. إذا قيل ذلك في باب الضمانات فمقتضى القاعدة هو أنَّه عند ارتفاع التعذُّر لا بُدَّ من الجبران.
وأمَّا إذا بنينا على أنَّ أداء المِثْل -إذا كانت العين في العهدة- هو أداءٌ لتمام الدرك والخسارة في باب الغرامات والضمانات، وأمَّا ما لم تؤدِّه فليس له دخل في باب الغرامات أصلاً. فإنَّ حِمْلَي الحنطة مشتركان في تمام الأوصاف مع اختلافهما في الهويّة، وما هو دخيل في الغرامات والدرك هو عبارة عن الصورة النوعيّة مع تمام الخصوصيّات الدخيلة في القيمة في سوق الدنيا. فإذا أتلفت حِمْل حنطة ودفعت حِمْلاً مِثْله، فيقال: إنَّ تمام الدرك لِما أتى في العهدة قد حصل، وليس هناك شيء إلَّا أنَّه مشتمل على هويّة شخصيّة ليس لها دخل في الضمان أصلاً، فإذا أدَّى المِثْل من جميع الجهات لا يُقال: إنَّه لم يؤدِّ ما هو الداخل في الضمان، فإنَّ الهويّات الشخصيّة واتِّحاد الوجود لم تُلحظ في الضمان أصلاً. وما هو الدخيل في ذلك مشترك بينهما تماماً.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذا قلنا ذلك، ففي باب جبران القيمة إذا تعذَّر المِثْل نقول مثل ذلك، وإَّن أداء القيمة حينئذٍ تمام حقيقة الجبران، ولا يقال: إنَّه أدَّى بعضه ولم يؤدِّ البعض الآخر. وكذلك الحال في القيمات، دفعُ القيمة تمامُ الجبران لها.
إذا قلنا بهذا المطلب الثاني فلا بُدَّ من التفصيل بين رجوع العين بخرق العادة، وبين عود المِثْل بعد التعذُّر. ففي الأوَّل نقول: يمكن المطالبة بالعين وإرجاع القيمة، لأجل هذه الجهة: وهي أنَّ هذا الموجود الذي أتلفته وأعطيت عنه المِثْل، ما أدَّيته كان هو الدخيل في جبران الخسارات، وبقي شيءٌ لم أؤدِّه؛ لأنَّه ليس بخسارة ولا محلّ للجبران، وهو الهويّة الشخصيّة، فإذا عادت العين إلى الوجود يرى العقلاء والمالك أنَّ الهويّة الشخصيّة قد عادت، وهي ملك له، ولم يحصل جبرانها، فلا بُدَّ من أن تعود إليه، مع إرجاعه للمِثْل الذي أخذه.
وأمَّا إذا تعذَّر المِثْل وأدّيت القيمة، وبنينا على أنَّ أداء القيمة مع تعذُّر المِثْل هي تمام الجبران، كما هي في باب القيميّات هي تمام الجبران. فإذا قال العقلاء: إنَّ تمام الجبران حاصل، حينئذٍ لا معنى لأن يبقى المِثْل في عهدتي؛ لأنَّ تمام الجبران حصل، ولا يعقل بقاء شيء في العهدة.
فمبنى المسألة دائر بين أن القول بأنَّ الجبران ناقص، والقول إنَّه جبران تامَّ.
والذي يأتي إلى النظر أنَّ الأمر هكذا: إنَّه إذا تعذَّر المِثْل فأدَّى القيمة، يرى العقلاء أنَّ الضمان قد ارتفع، وأنَّ ما في الذمَّة قد سقط، ولا يجوز إرجاع القيمة.
وليست المسألة من باب المعاوضات كما قال الشيخ(1)، ولا من إسقاط
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 239، فرع: لو دفع القيمة في المثلي ثمَّ تمكن منه.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بعض الحيثيّات كما قال بعض المحشّين(1).
وأمَّا العين العائدة إلى الوجود بخرق العادة، فلا بُدَّ من إرجاعها بنفسها؛ لأنَّ الهويّة الشخصيّة ملكه، وهي لم تدخل في الجبران، فلا بد من دفعها إليه.
الشيخ تصوَّر ثلاث صور، فقال(2) بالتفصيل بين أن نقول إنَّ المِثْل في العهدة، ويقول: إنَّه عند التحقيق أنَّ المِثْل عند التعذُّر لا يتبدّل إلى القيمة، فإذا سقط لا يعود. ويعلِّله بأنَّ هذين تراضيا على أخذ عوض المِثْل فلا معنى للإرجاع.
وصورة أخرى: أن نقول: إنَّ المضمون يصبح قيميّاً عند التعذُّر.
والصورة الثالثة: أنَّه عند التعذُّر ننزِّل التعذُّر منزلة التلف، ونقول في التلف بأنه يصبح قيميّاً فيصبح عند التعذُّر قيميّاً.
والصورة الثانية كالأولى بل هي أولى بالسقوط، وفي الثالثة يقول: إنَّه يمكن أن يُقال إنَّه من قبيل بدل الحيلولة.
نقول: أمَّا في الصورة الأولى التي يقال فيها ببقاء المِثْل في العهدة إلى حين إعطاء الدرك، فيمكن أن يقال: إنَّ إعطاء الدرك من قبيل بدل الحيلولة إلى أن يحصل المِثْل، فقد أعطاه الماليّة ليستفيد منها إلى أن يحصل المِثْل يقول له: بعد أن حُلْتَ بيني وبين مالي فأعطيني القيمة من باب بدل الحيلولة مادام المِثْل لا يمكن دفعه فعلاً. فهنا يمكن أن يقال ذلك.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 396، هل يُعد من التعذّر الخروج عن القيمة.
(2) كتاب المكاسب 3: 239، فرع: لو تمكن من المثل بعد دفع القيمة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أمَّا إذا أصبح قيميّاً أو عند التعذُّر، صار قيميّاً باعتبار تنزيل التعذُّر منزلة التلف، وجاءت القيمة إلى العهدة، فالذي جاء إلى العهدة هو القيمة لا المِثْل، سواءٌ كان المغصوب قيميّاً، أو بعد التعذُّر صار كذلك، فإذا أدَّيت القيمة فقد انتهى الأمر، وليس هناك مِثْلٌ ليُقال: أنت حُلْتَ بيني وبين ملكي جبران الناقص وبدل الحيلولة.
ويقول في الصورة الثانية: إذا كان التعذُّر موقناً مؤقَّتاً فهو بدل مؤقَّت، وإذا حصل المِثْل يأتي إلى العهدة مرَّةً أخرى. فأيُّ دليل عليه؟ فإنِّي أدَّيت في حينه تمام ما عليَّ وسقط ما في ذمَّتي ولم أعمل سبباً آخر للضمان.
ثُمَّ ما يقوله من المعاوضة، إذا صحَّت فهي صحيحة في تمام الصور، وإذا لم تصحّ كما هي غير صحيحة فإنَّ باب جبران الخسارة باب أدائها في الذمَّة، وهي غير باب المعاوضة وليست المعاوضات معتبرة في المقام. وعلى فرض المرضات فهي مرضات بأداء الخسارة لا مرضات بالمعاوضة.
والشيخ محمَّد حسين أتى لهذه الصورة بمبانٍ، لكن لا نتعرَّض لها.
وتبقي المسألة الأخرى التي ذكرها الشيخ(1).
المقبوض بالبيع الفاسد، إذا كان قيميّاً فهل هو مضمون بالقيمة أو بالمِثْل؟
كونه مضموناً بالقيمة في الجملة ما تسالم عليه الأصحاب، ولكنَّ محطَّ
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 240، السابع: ضمان القيمي بالقيمة في المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
كلامهم هو أنَّه كما في باب المِثْليّ يكون ضمانه بالمِثْل قهريّاً، ويكون الضمان ملزماً بدفع المِثْل، والمضمون له ملزم بأخذه وليس له المطالبة بالقيمة.
كما يُقال هناك بأنَّ الضمان قهريٌّ، فهل ضمان القيميّ هكذا؟ وأنَّ ضمانه قهريّ، والضامن إذا أراد دفع المِثْل النادر لا يُقبل منه، ويكون ملزماً بدفع القيمة، ولا يكون المالك له حقّ المطالبة بالمِثْل إذا كان موجوداً عند البايع.
وبعبارة أخرى: كما أنَّ ضمان المِثْل في المِثْليّ قهريّ كذلك ضمان القيمة، أو أنَّ الحكم في باب القيميّات إرفاقيّ. حيث إنَّ المِثْل في القيميّات نادر الوجود
-ومن هنا كان قيميّاً- وتهيئة مِثْلها صعب، فقيل له ادفع القيمة. بحيث للضامن أن يدفع المِثْل له، وللمالك أن يطالب به إن وُجِد عنده صدفة.
نحن نقول: نحن نراجع الأخبار المتفرِّقة المتضمّنة كيفيّة ضمان القيميّ. ولكن إذا أشكلنا فيها كالمرحوم السيّد إمَّا دلالةً أو سنداً، وأردنا أن نمشي على مقتضى القواعد العامَّة والعمومات الموجودة فما هو مقتضاها في ضمان القيميات؟
أمَّا بحسب القواعد والعمومات، من قبيل (على اليد)، و”من اتلف مال الغير فهو له ضامن” وقاعدة احترام مال المسلم، و”لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيب نفسه“، هذه العمومات لا تُحدِّد كيفية الضمان، وإنَّه في المِثْليّ بالمِثْل وفي القيميّ القيمة. ولا يُستفاد منها، إلّا مجرَّد الضمان وأصل ثبوته، لا أزيد من ذلك.
ولكن إذا بقينا نحن والقواعد العامَّة، وانكرنا أن يكون للشارع حكماً في هذا الباب، وأشكلنا على الأخبار الآتية. فمن الممكن السير على هذا الطريق:
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بأن يُقال: إنَّه بعد أن كان (الضمان) و(الإتلاف) و(اليد)، محلّ الابتلاء كلّ يوم للمسلمين والعقلاء، ومسألةً عامَّةَ البلوى، مع هذا الشارع –فرضاً– لم يبين كيفيّة الضمان، وإنَّما اقتصر على قوله: “من اتلف مال الغير فهو له ضامن“، ونحوه ممَّا ليس له دلالةٌ على كيفيّة الضمان. فلو كان للشارع طريقةٌ خاصّةٌ غير طريقة العقلاء، لكان عليه ذكرها؛ لأنَّ المسألة محلّ ابتلاء وأيّ ابتلاء، فمن عدم ذكره نستكشف أنَّه ليس له طريقةٌ خاصّةٌ غير طريقة العقلاء.
وهذا هو مقصود الشيخ(1) من الإطلاق، لا الإطلاق بالمعنى المصطلح عليه في علم الأصول، بل يقول: إنَّ الإطلاق ينتج أنَّ ضمان المِثْليّ بالمِثْل وضمان القيميّ بالقيمة، بمعنى أنَّ الشارع ذكر أصل الضمان وحوَّل كيفيّته على العقلاء، فنفهم أنَّه ليس له طريقةٌ خاصّةٌ في ذلك، وحيث إنَّ العقلاء لهم مسلكٌ خاصٌّ. إذن، فقد حوَّل الشارع عليه ورضيه وإلَّا لكان عليه البيان.
وكذلك الحال في كلّ مورد يكون فيه الأمر نحو ذلك، مثلاً في باب النجاسات، غالب الروايات تُعبِّر أنَّه (نجس)، (قذر)، (لا يُصلَّى فيه)، وحتى (اغسله)، فليس في مقام البيان، بل المقصود بيان وجود النجاسة. إذن، فحيث إنَّه لم يبيِّن طريقةً خاصّةً للتطهير والعقلاء لهم طريقةٌ خاصّةٌ للتطهير، إذن فقد أخذ الشارع بطريقة العقلاء وارتضاها. فكلّ مورد لم نجد للشارع طريقةً خاصّةً وكان للعقلاء طريقةٌ، وإذا كان للشارع طريقةٌ على خلافهم كان عليه البيان ولم يبيِّن، إذن فطريقة العقلاء مرضيّة له.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 241، السابع: ضمان القيمي بالقيمة في المقبوض بالعقد الفاسد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فلا بُدَّ أن نرى أنَّ طريقة العقلاء في باب الضمان ما هي؟
لا إشكال أنَّ العقلاء في المِثْل يرون ضمان المِثْل، لا أنَّ حِمْل الحنطة التالف لا يقبلون بإزائه القيمة، وإنَّما يطالبون بحِمْل حنطة. وقلنا: إنَّ المِثْل جامع لتمام الخصوصيّات الدخيلة في باب الضمان. فيكون كِلا الطرفين ملزمين به. فهل في باب القيميّات الأمر كذلك، بحيث إنَّ العقلاء إذا وُجِد للقيميّ مِثْلٌ من جميع الجهات، كتوأم الفرس المماثل له في سائر خصوصيّاته، فهل يُلزمون بالقيمة، بحيث لو أراد دفع هذا المِثْل لا يُقبل منه. أو أنَّ المدار عندهم هو جبران الخسارة وأنَّ هذا التالف يجب أن يجيء في محلِّه ما يجبر خسارته؟ فإذا وجدنا للقيميّ مِثْلاً من جميع الجهات، فالجبران يحصل به أكثر ممَّا يحصل بالقيمة.
فباب الضمان ليس باب التعبُّد والإلزام، بل هي مسألة عقلائيّة، ولا بُدَّ أن ننظر إلى أنَّه بأيّ شيء تنجبر الخسارة؟ والمِثْل يجبر الخسارة لا محالة.
نعم، إذا لم يوجد المِثْل تكون القيمة سادّةً لتمام الجبران. هذا هو مسلك العقلاء، إذن يمكن أن يُقال -بناءً على هذا-: إنَّ العقلاء يرون ضمان كلٍّ من المِثْليّ والقيميّ بالمِثْل، غايته أنَّ القيمة نحو من أنحاء أداء المِثْل.
فإذا سرنا على طريقة العقلاء، ففي المِثْليّات لا بُدَّ من أداء المِثْل بلا إشكال، وإذا تعذَّر المِثْل لا بُدَّ من أداء القيمة؛ لأنَّها نحوٌ من أنحاء أداء المِثْل وفي القيميّات لا بُدَّ من أداء القيمة عند تعذُّر المِثْل، وإذا وجد المِثْل فالعقلاء لا يرون الإلزام بالقيمة.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ولكنَّ عندنا أخبارٌ يُستفاد منها مطالبٌ، فلا بُدَّ من التعرُّض لها:
طائفة من الروايات، هي التي أشار إليها الشيخ، ونِعْمَ الإشارة.
وهي في باب 7 من أبواب الرهن الرواية 2، ص 668 جـ 2. محمَّد بن يعقوب، عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد وسهل بن زياد جميعاً، عن أحمد بن محمَّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن إسحاق بن عمّار، قال: “سألت أبا إبراهيم عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم وهو يساوي ثلاثمائة درهم فيهلك –فيهلكه–، أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم؛ لأنَّه أخذ رهناً فيه فضل وضيَّعه. قلت: فهلك نصف الرهن؟ قال: على حساب ذلك. قلت فيترادَّان الفضل؟ قال: نعم“(1).
وفي نسخة الشيخ والكليني (فيَهلَك) أو (فيُهلِك)، وفي نسخة الصدوق (فيهلكه)، وإذا قرأناها على الوجه الأوَّل لا بُدَّ أن نقول: إنَّه هلك تفريطاً.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 234 ح9، باب الرهن، مَن لا يحضره الفقيه 3: 311، ح4114، إذا تلف الرهن أو بعضه، بسند آخر فيه صفوان بن يحيى عن إسحاق، تهذيب الأحكام 7: 172، ح763، باب الرهون، الاستبصار 3: 120، ح429، باب الرهن يهلك عن المرتهن، وسائل الشيعة 18: 391، ح2، باب إذا تلف بعض الرهن من غير تفريط.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فلم يستفصل الإمام على أنَّ العين المرهونة المضمونة من القيميّات أو المِثْليّات، وعلى كِلا التقديرين هل هي متعذِّرة أو غير متعذِّرة؟ كما أنَّ العين المرهونة يمكن أن تكون ذهباً أو فضَّة أو حنطة أو غير ذلك. والدَين غير معلومٍ أنَّه هل كان نقداً أو سلعة؟ أو غيرها، فقال من غير تفصيل: إنَّه يجب إرجاع المائتي درهم، أمَّا المائة فقد سقطت بالتهاتر، والتهاتر إنَّما يكون عند المماثلة في الدَين، كما لو كان لك في ذمَّتي مائة درهم، ولي في ذمَّتك مِثْلها فيسقطان بالتهاتر، أمَّا لو كان لك في ذمَّتي ذلك ولي في ذمَّتك حِمْل حنطة فليس فيه تهاتر، فالتهاتر في المقام إنَّما هو لأنَّ العين المرهونة بعد تلفها، جاءت قيمتها إلى ذمَّة المرتهِن ولهذا سقطت بالتهاتر. ولم يفصِّل الإمام في ذلك بين الموارد، ولو كان هناك أيُّ فرق بين الموارد لكان عليه البيان.
فنفهم من أربعة مواضع من الرواية أنَّ الضمان يكون بالقيمة مطلقاً، سواءٌ في المِثْليّات أو القيميّات، وفي جميع صورها ومواردها. وهذه المواضع هي:
أوَّلاً: سقوط المائة درهم بالتهاتر.
ثانياً: قوله: “أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم“.
ثالثاً: قوله: “لأنَّه أخذ رهناً فيه فضل وضيعه“، فإنَّ الفضل إنَّما يكون باعتبار القيمة.
ورابعاً: قوله: “قلت: فيترادَّان الفضل؟ قال: نعم“.
نفهم منها جميعاً أنَّ القيمة في العهدة.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[كلام السيد اليزدي في المقام]
والمرحوم السيّد يقول(1): بأنِّي لم أجد هذه الرواية، وأمَّا إذا كان نظر الشيخ إلى هذه الرواية، فهي لا تدلّ على ذلك، بدليلين:
أحدهما: أنَّها محمولة على التراضي.
ثانيهما: أنَّها محمولة على أنَّ التالف قيميّ.
وأنا لم أفهم كلام السيد، فإنَّه وإن كان لفظ السقوط غير موجود فيها، إلّا أنَّها تفيد السقوط بالحمل الشايع. ولها به ظهور كامل بل نصوصيّة.
وأمَّا دليله الأوَّل: ففيه أنَّه لا تراضي في المقام، وإنَّما يقول: عليه أن يعطي مائتي درهم، أي ملزم بها، ولكنَّ السيّد كان قد تمَّم المطلب واحتاج إلى تأويل الرواية.
وأمَّا دليله الثاني: فهو حمل بلا دليل، على أنَّه لا يستلزم طرح الرواية، فإذا ثبت إجماعٌ على ضمان المِثْليّ بالمِثْل، فتفيد به إطلاق قوله: (فيترادَّان الفضل). وعلى أيِّ حالٍ فهذه الرواية تُثبت المطلب.
و الظاهر أنَّ عبارة: “يترادّان الفضل” من كلام أمير المؤمنين(2)، فلو لم يكن عندنا سواها، لتمَّمنا بها المطلب.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
() اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 103.
(2) كما في الوسائل 18: 390، ح1، باب الرهن إذا تلف بتفريط، رواية أبي حمزة عن أبي جعفر الباقر.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والروايات(1) في المقام كثيرة أقرأ واحدة منها:
محمد(2) بن علي بن الحسين بإسناده، عن أبي جعفر، قال: “قضى أمير المؤمنين في الرهن إذا كان أكثر من مال المرتهِن فهلك أن يؤدّي الفضل إلى صاحب الرهن، وإن كان الرهن أقلّ من ماله فهلك الرهن أدَّى إلى صاحبه فضل ماله، وإن كان الرهن يسوى ما رهنه فليس عليه شيء“(3).
فيحصل التهاتر بالمقدار المساوي، وإذا بقيت زيادة عند أحد الطرفين يعطيها، سواءٌ كان مِثْليّاً أو قيميّاً، وهذا دليل على أنَّ ما يأتي في العهدة في باب الضمانات هو القيمة. وفي باب 10 روايات دالّة على ذلك أيضاً(4).
وهناك مطلب آخر بالنسبة إلى الرواية الأولى: هي أنَّ الإمام يُريد أن يجعل فيها قاعدة كُلِّية، قال: “أعلى صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم، لأنَّه أخذ رهناً فيه فضل وضيعه” نفهم منه -بعد تجريد المسألة عرفاً عن خصوصيّة الرهن والفضل(5) والرجل نحوه- وإنَّما المدار هو التضييع، فكأنَّه إذا أهلكه فهو ضامن
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() قال السيّد .(المقرِّر).
(2) الرواية الرابعة في الباب. (المقرِّر).
(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 312، ح4115، إذا تلف الرهن أو بعضه، وسائل الشيعة 18: 392، ح4، باب الرهن إذا تلف بتفريط.
(4) اُنظر: وسائل الشيعة 18: 390، باب أنَّ الرهن إذا تلف بتفريط المرتهن لزمه ضمانه وترادّا الفضل بينهما، ح1 و3 و5. وتقدّمت بقيّة روايات الباب.
(5) تجريد الرواية من كلّ هذه الخصوصيّات غير مفهوم عرفاً إذ نحتمل وجداناً أن يكون للرهن أو للفضل مدخليّة في حكم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
للقيمة، وهذا هو مدلول قاعدة الإتلاف، فيفهم العقلاء بعد التجريد عن الخصوصيّة أنَّ تمام المطلب هو في التضييع، وأنَّ من أتلف مال الغير فهو ضامن له بالقيمة. وهو مضمون قاعدة الإتلاف. وقوله: “فيهلك أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم؟”، يُستفاد منه قاعدة (اليد) في الجملة. ولكنَّ الظاهر أنَّها: (فيهلكه) كما رواها الصدوق.
هذه الروايات التي قرأناها آنفاً طائفتان:
أحدهما: الرواية الأولى، مع رواية أخرى، وفرضها أن يكون الرهن قد أُعطي في مقابل الدراهم والدنانير التي اقترضها، ثُمَّ تلفت فقال: فليعطِ مائتي درهم ويقع التهاتر بين ما في عهدة هذا من قيمة التالف وما في عهدة الآخر من التعرُّض [العوض]. واستفدنا من إطلاقها ما إذا كان قيميّاً أو مِثْليّاً، قيميّاً موجود المِثْل أو لا، ومِثْليّ متعذِّر المِثْل أو لا. وحيث إنَّ التهاتر لا بُدَّ أن يكون بين القيمتين، إذن يُعلم أنَّ ضمان المِثْليّات والقيميّات مطلقاً بالقيمة، فكأنَّه قال: (من أتلف مال الغير فهو ضامن له بالقيمة).
وفي بعض الروايات ليس هناك ذكر الدينار والدرهم بل في بعضها(1): عن علي “أنَّهما يتردّان الفضل وإذا تساويا فلا شيء عليه“. فإذا كان لها إطلاق يكون هناك إشكال، فإنَّها تكون شاملةً لِما إذا كان في العهدة قيميّاً أو مِثْليّاً وكذلك في عهدة الآخر، ويُحتمل أن يكون موافقاً له أو مخالفاً له، وبحسب ترك الاستفصال قال بالسقوط والتهاتر في جميع الصور. وشموله لسقوط المِثْليّ
ــــــــــ[195]ــــــــــ
() بهذا المعنى روايات عديدة عن علي في نفس الباب. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بالمِثْليّ مشكل، فهل نقول في مثل ذلك إنَّ الشارع له تعبُّدٌ خاصٌّ خلاف ما يقول به العقلاء ويحكم به العقل، من أنَّه إذا كنت تطلبني حِمْل حنطة وأطلبك حِمْل شعير لا يتساقطان بالمقدار المساوي من قيمتها ويبقى الزائد.
أو نقول: إنَّ الدَين كان في مورد هذه الروايات هو قرض الدراهم والدنانير، حالها في ذلك حال الروايات السابقة، فإذا تلفت العين المرهونة تأتي قيمتها إلى العهدة ويحصل التهاتر. وذلك بقرينة قوله “من ماله” أو “من مال المرتهن” كما في بعض الروايات، أو بقرينة الروايات السابقة.
أو نقول: إنَّ غاية ما فيها هو الإطلاق، ونقيِّدها فيما كان خلاف سيرة العقلاء، مع أنَّه يلزم تقييد الأكثر وهو مستهجن.
نعم، هناك احتمال آخر بعيد: وهو أنَّنا كما قلنا: إنَّ الشارع في المِثْليّات تعبَّدنا بضمان القيمة، بقطع النظر عن الإجماع الذي سوف نتعرَّض له. فهنا أيضاً تعبَّدنا بسقوط المِثْل بالمقدار المتساوي بحسب القيمة، ثُمَّ قوّم الزائد وأمر بدفع القيمة أيضاً، إلّا أنَّ هذا الاحتمال بعيد غايته، بخلاف التعبُّد في القيمة في مطلق الضمان فليس ببعيد جدّاً، فإنَّ المسألةٌ محلُّ كلام بين الفقهاء.
وطائفة أخرى من الروايات: في الباب العاشر من أبواب الرهن.
محمَّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن ابن سنان يعني عبد الله (صحيحة على الأصحّ)، عن أبي عبد الله، قال: “قضى أمير المؤمنين في كلّ رهن له غلَّة أنَّ غلته تحسب لصاحب الرهن ممَّا
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
عليه“(1)(2). فإذا وضع عندي بستاناً واستفدت من ثمرته يحسب لصاحب الرهن ممَّا عليه من الدَين، والغلَّة هي الفائدة، فتشمل بإطلاقها الغلّات الأربع ونحوها وسكنى الدار وركوب الدابَّة ومنافع الدكّان وغير ذلك، فيسقط من الدَين بمقدار قيمة الاستفادة، ويعطى الباقي فيستفاد منه أنَّ ما استفدته مضمون بالقيمة وإن كان مِثْليّاً.
وشبيهة بهذه الرواية، رواية محمَّد بن قيس وهي السادسة في الباب، عن أبي جعفر، قال: “إن رهن رجل أرضاً فيها ثمرةٌ، فإنَّ ثمرتها من حساب ماله، وله حساب ما عمل فيه وأنفق منها، فإذا استوفى ماله فليدفع الأرض إلى صاحبها“(3)، وإطلاقها يشمل ما إذا كانت الثمرة من القيميّات أو المِثْليّات.
وفي أبواب(4) موجبات الضمان رواية 401 محمَّد بن الحسن بإسناده، عن محمَّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمَّد، عن البرقي، عن النوفلي، عن
ــــــــــ[197]ــــــــــ
() الكافي 5: 235، ح13، باب الرهن، تهذيب الأحكام 7: 175، ح773، باب الرهن، بسند آخر غير سند الكافي، وسائل الشيعة 18: 394، ح1، و395، ح4، الباب العاشر: إنَّ غلّة الرهن وفوائده للراهن.
(2) ص 668. (المقرِّر).
(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 308، ح4103، وسائل الشيعة 18: 396، ح6، الباب العاشر: إنَّ غلّة الرهن وفوائده للراهن.
(4) ص531 ج 3. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي: “أنَّه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم، فاحترقت واحترق متاعهم، قال: يغرم قيمة الدار وما فيها ثُمَّ يقتل“ (1)، فنعلم منه أنَّ متاع الدار مهما كان فغرامته بالقيمة، ولو كان من المِثْليّات، واحتمال كونها قضيّةً خارجيةً، وأنَّ تمام ما في الدار حينئذٍ كان من القيميّات التي لا يوجد لها مِثْل، بعيدةٌ، وإنَّما هي حكم كُلِّي يسري إلى الأشباه والنظائر، واستشهاد الإمام بها يؤيّد ذلك. فإنَّ الإمام لم ينقلها بصفتها تاريخًا، بل لاستفادة الحكم الشرعيّ منها. فلو كانت القضيّة خارجية، وكان حكم ضمان المِثْليّ مختلِفاً عن حكم ضمان القيميّ، لكان عليه أن ينبِّه ويقول بأنَّ الإمام علي إنَّما قضى بذلك باعتبار أنَّ متاع الدار من القيميّات، ولو كان من المِثْليّات لما قضى بذلك. وحيث إنَّه لم يذكر ذلك؛ فيُعلم أنَّ الحكم واحد وأنَّ ما في الدار سواءٌ كان مِثْليّاً أو قيميّاً أو مختلِفاً فضمانه بالقيمة.
فأوَّلاً: نستفيد من إطلاقها كونها حكماً كُلِّياً كسائر الأحكام.
وثانياً: نعرف منها أنَّ الحكم في القيميّات والمِثْليّات واحد.
نعم، هناك احتمال وهو أن يقال: إنَّ قوله: “يغرم قيمة الدار وما فيها” تعرُّضٌ إلى ضمان الدار بالقيمة، ولم يتعرَّض لضمان ما فيها بشيء، وإنَّما ذكر أصل الضمان. والإنصاف أنَّ هذا بعيد عن فهم العقلاء، بل معناه: أنَّه يغرم
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 4: 162، ح5368، باب ما يجب على مَن اشعل ناراً في دار قوم، تهذيب الأحكام 10: 231، ح912، باب ضمان النفوس، وسائل الشيعة 28: 315 ح1، باب حكم المحارب بالنار، و29: 279 ح1، باب مَن أشعل ناراً في دار الغير.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
قيمة الدار ويغرم قيمة ما فيها. وبعيد أن يكون قد ذكر كيفيّة ضمان الدار وذكر أصل الضمان فيما فيها.
آخر باب في كتاب اللقطة ص374 جـ3 محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله: “أنَّ أمير المؤمنين سُئِل عن سُفْرة وُجِدت في الطريق مطروحةً كثير لحمها وخبزها وبيضها وجبنها وفيها سكّين؟ فقال أمير المؤمنين: يُقوَّم ما فيها ثُمَّ يؤكل؛ لأنه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن” الرواية(1). ومن الظاهر أنَّ جملة من السفرة فيها كثير من المِثْليّات، كاللحم والجبن والبيض ومع ذلك قال: “فإن جاء طالبها غرموا له الثمن“.
غايته أنَّنا قلنا في هذه الرواية احتمالاً وهو: أنَّه ليس من ضمان الإتلاف، وإنَّما هو ضمان جعليّ، وذلك لجواز التصرُّف في مال الناس باعتبار صلاح صاحبه في هذا التصرُّف، فإنَّه إذا بقي يفسد، فيقوّمه على نفسه ويجعل قيمته في ذمَّته وحينئذٍ يجوز له التصرُّف، فإذا أكله يبقى ما جعله في ذمَّته من قيمة ما أفناه موجوداً في ذمَّته، فهو ضمان جعليّ. ولو كان ضمان الإتلاف لثبت الضمان بعد الأكل، ولثبت ضمان المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ بالقيمة. ويؤيّده رواية الصدوق
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 297، ح2، باب نوادر، تهذيب الأحكام 9: 99، ح432، باب الذبائح والأطعمة، وسائل الشيعة 24: 90، ح2، باب 38، و25: 468، ح1، باب حكم التقاط اللحم والخبز.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
في مسألة مشابهة يقول فيها: (قوّم على نفسك وكل)(1). إذن فلا بُدَّ أن نقول إنَّه خارج عن باب الضمانات.
وفي باب القيميّات توجد أخبار كثيرة يذكر السيّد بعضها في الحاشية(2)، وأهمل بعضها، وهي متفرِّقة في موارد كثيرة في الفقه، نقرأ الآن بعضها.
في كتاب العتق(3): محمَّد بن يعقوب بسنده، عن عن حماد عن الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: (سألته عن المملوك بين الشركاء، فيعتق أحدهم نصيبه؟ قال: ذلك فساد على أصحابه… قال: تقوم قيمته فتجعل على الذي اعتقه عقوبة.. لما افسده)(4). فنفهم منها أنَّ كلّ من أعتق مال الغير فهو ضامن. فإذا
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() الرواية: “وإن وجدت طعاماً في مفازةٍ، فقوّمه على نفسك لصاحبه ثمَّ كله، فإن جاء صاحبه، فردَّ عليه القيمة”. مَن لا يحضره الفقيه 3: 297، ح4064، مَن وجد سفرة في الطريق، وسائل الشيعة 25: 443، ح9، باب وجوب تعريف اللقطة.
(2) حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 103، الأقوال في ضمان القيمة.
(3) لم نجدها. (المقرِّر).
(4) الرواية: “إنَّ ذلك فسادٌ على أصحابه لا يقدرون على بيعه ولا مؤاجرته. قال: يقوّم قيمة، فتجعل على الذي أعتقه عقوبةً، وإنَّما جعل ذلك عليه لما أفسده”. الكافي 6: 182، ح1، باب المملوك بين شركاء، تهذيب الأحكام 8: 220، ح790، كتاب العتق والتدبير، بسند آخر عن أبي عبد الله، وسائل الشيعة 23: 36، ح1، باب 18.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
قلنا: إنَّه تعليل لكونه يضمن بالقيمة، فيكون الضمان بها. وأمَّا إذا قلنا: إنَّه تعليل لأصل الضمان وإن كان المورد مورد القيمة، فلا يمكن أن نفهم منها الضمان بالقيمة، إلّا أنَّنا نفهم أنَّ كلّ من أتلف مال الغير فهو مضمون.
وفي باب اللقطة في ضمان الشاة، وفي باب الضمان بالنسبة إلى البعير المغتلم، ما يفيد الضمان بالقيمة.
أقول:
أمَّا الأوَّل: فما ذكره عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد)، عن عبد الله بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سألته عن رجلٍ أصاب شاةً في الصحراء هل تحلّ به؟ قال: قال رسول الله: هي لك أو لأخيك أو للذئب، فخذها وعرّفها حيث أصبتها. فإن عرفت فردّها إلى صاحبها، وإن لم تعرف فكلها وأنت ضامنٌ لها: إن جاء صاحبها يطلب ثمنها أن تردّها عليه“(1). ورواه علي بن جعفر في كتابه، إلّا أنَّه قال: “إن جاء صاحبها يطلبها أن ترُدَّ عليه ثمنها“(2) ص 373 جـ3.
وأمَّا باب الضمان: فهو ما رواه محمَّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن
ــــــــــ[201]ــــــــــ
(1) قرب الإسناد: 273، ح1086، وسائل الشيعة 25: 459، ح7، باب حكم التقاط الشاة وما علم اباحته.
(2) مسائل علي بن جعفر: 104، ح5.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بختي(1) مغتلم(2) قتل رجلاً، فقام أخو المقتول فعقر البختي وقتله، ما حاله؟ فقال: صاحب البختيّ ضامنٌ للديّة، ويقبض ثمن بختيّه“(3).
ونحوها رواية أخرى في آخر الباب، في نفس المسألة، إلّا أنَّه يقول: “على صاحب البختي دية المقتول ولصاحب البختي ثمنه على الذي عقر بختيه“(4) ص527 جـ 3.
فيستفاد من بعض هذه الروايات أنَّ الغرامة مطلقاً بالقيمة، ومن بعضها الغرامة بالقيمة في القيميّات بالخصوص، وإطلاق الجميع يقتضي في القيميّات ما إذا وُجِد لها مِثْل أو لم يوجد، وفي المِثْليّات سواء تعذَّر المِثْل أو لا.
فلا بُدَّ أن نرى أنَّه ماذا يخرجنا عن هذه القاعدة؟ هل هناك إجماع أو رواية؟ هناك رواية واحدة نذكرها، والإجماع نذكره، لنعرف حدود الأخذ به.
تحصَّل من الروايات التي قرأناها أنَّه في مطلق المِثْليّ والقيميّ، سواءٌ كان
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) البخت: نوع من الإبل، والجمع بخاتي غير مصروف؛ لأنَّه جمع الجمع. مجمع البحرين للطريحي 1: 158. مادّة (بخت).
(2) اغتلم البعير: إذا هاج من شدّة شهوة الضراب. مجمع البحرين 327:3، مادّة (غلم).
(3) الكافي 7: 351، ح3، ضمان ما تصيب الدواب، مَن لا يحضره الفقيه 4: 162، ح5369، باب ما يجب على صاحب البختي، تهذيب الأحكام 10: 225، ح888، باب ضمان النفوس، وسائل الشيعة 29: 250، ح1، باب ضمان صاحب البعير..
(4) مسائل علي بن جعفر: 196، ح416، وسائل الشيعة 29: 251، ح4، باب ضمان صاحب البعير.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
متعذّراً أو لا، وسواءٌ وُجِد المِثْل النادر أو لا. بحسب إطلاق هذه الأدلّة ما يأتي بالعهدة هو القيمة، ومن ذلك صحيحة أبي ولّاد التي سوف نتعرَّض لها.
بعض الروايات التي ربما يُقال إنَّها خلاف هذا المطلب: هناك روايات كثيرة ذكرناها في مدرك قاعدة (اليد)، وكان يُدَّعى أنَّها ظاهرة بمجيء نفس العين إلى العهدة، وقلنا هناك: إنَّه ليس كذلك.
وهنا روايات أخرى يظهر من بعضها أنَّ المِثْل في العهدة في القيميّات، وفي بعضها العين في العهدة فيها.
1- في كتاب اللقطة باب 3 الرواية السابعة: عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد)، عن عبد الله بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ، قال: “سألته عن رجلٍ أصاب شاةً في الصحراء هل تحلّ به؟ قال: قال رسول الله: هي لك أو لأخيك أو للذئب، فخذها وعرّفها حيث أصبتها. فإن عُرفت فردّها إلى صاحبها، وإن لم تُعرف فكلها وأنت ضامنٌ لها: إن جاء صاحبها يطلب ثمنها أن تردّها عليه“ (1).
وهي بهذا السند ضعيفة بعبد الله بن الحسن(2)، فيُقال: إنَّ ظاهرها ضمان
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() قرب الإسناد: 273، ح1086، وسائل الشيعة 25: 459، ح7، باب حكم التقاط الشاة وما علم اباحته.
(2) الضعف من جهة عدم تعرّض علماء الرجال له في كتبهم، وإن أكثر عنه الثقة الجليل محمَّد بن عبد الله بن جعفر الحميري.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نفس العين بتقريب: أنَّه كما كان أحد الاحتمالات في (على اليد) أنَّ العين في العهدة، ويكون ردُّ المِثْل في اعتباري ردّاً للعين ونحواً من أنحاء أدائها. فيقال: إنَّ المقصود في المقام هو ذلك أيضاً، إذ إنَّ ردَّ العين بعد تلفها لا معنى له، إذن فالمراد ردُّها بردِّ ثمنها(1).
ولكنَّ هذا التعبير مشوشٌ وغير مأنوس، والظاهر أنَّ هذه النسخة غلط؛ ولذا يقول صاحب (الوسائل): ورواه علي بن جعفر في كتابه إلّا أنَّه قال: “إن جاء صاحبها يطلبها أن تردّ عليه ثمنها“(2). وهي بهذا النصّ تكون من نفس الطائفة التي ذكرناها دالّة على ضمان المِثْليّ بالقيمة.
2- وفي الباب الذي بعده من كتاب اللقطة وهو الباب الرابع عشر: محمَّد بن يعقوب، عن عدَّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن صفوان الجمال –وهي رواية صحيحة فإنَّه يرويها الشيخ والصدوق عن الحسن بن محبوب، وطرقهما إليه صحيحة، على أنَّ سهل بن زياد ثقة على التحقيق-: أنه سمع أبا عبد الله يقول: “مَن وجد ضالّةً، فلم يُعرّفها ثُمَّ وُجِدت عنده فإنَّها لربِّها أو مِثْلها عن مال الذي كتمها“(3).
ــــــــــ[204]ــــــــــ
() أقول: لا يتحصّل من هذا التقريب استدلال على أنَّ العين في العهدة، إلّا أن يستفاد ذلك من قوله: (وأنت ضامن لها )؛ إذ أسند الضمان للشاة نفسها. فتأمَّل في هذه الاستفادة (المقرِّر).
(2) وسائل الشيعة 25: 460 ذيل الحديث 7.
(3) الكافي 5: 141، ح17، باب اللقطة والضّالة، مَن لا يحضره الفقيه 3: 293، ح4052، مَن ترك تعريف اللقطة، تهذيب الأحكام 6: 393، ح1180، باب اللقطة والضّالة، وسائل الشيعة 25: 460، ح1، باب مَن ترك تعريف اللقطة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فيُحتمل أن يكون الضامن مخيَّراً بين دفعها وبين دفع مِثْلها، وهو ممَّا لا يمكن أن يُلتزم به. وفي نسخة الكافي: (الواو) بدل (أو): “فإنَّها لربها ومِثْلها“. يعني يعطي الشاة والمِثْل معاً لأجل كتمانه لها. وهو أيضاً ممَّا لا يمكن أن يُلتزم به.
نعم، يُحتمل أن يُريد بدفع المِثْل بعد فرض التلف، وعلى هذا يُقال: إنَّ الضالّة من القيميّات، وقد جعل ضمانها بالمِثْل، فتفيد هذه الرواية ضمان القيميّات بالمِثْل.
إلا أنَّها لا يمكن أن تقاوم تلك الروايات، فإنَّه بالإضافة إلى تشويش متنها، فإنَّ المِثْل بالمعنى الذي نفهمه إنَّما هو اصطلاح متأخّر لدى الفقهاء، لم يكن في السابق، ومن هنا قال شيخ الطائفة في قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(1): إذا وُجِد المِثْل فهو، وإذا لم يوجد تعطى القيمة؛ فإنَّها مثل العين بحسب القيمة(2).
بل إنَّ مقتضى الجمع بين هذه الرواية وبين صحيحة علي بن جعفر التي هي نصٌّ في وجوب دفع القيمة، هو حمل هذه الرواية على المماثل في القيمة. وعلى أيِّ حالٍ فهي لا تقاوم تلك الروايات السابقات.
فبحسب الروايات التي قلناها، أنَّه في باب الغرامات مطلقاً تأتي القيمة إلى
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) البقرة: 194.
(2) الخلاف 3: 402 و406، مسألة: 11 و 19.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العهدة، سواءٌ كان مِثْليّاً أو قيميّاً، وفي سائر الصور بالمقدار الذي يمكن أن نرفع به اليد عن الروايات ونقيدها به، هو القدر المتيقَّن من الإجماع القطعي، والقطع الذي يقول عنه صاحب (الجواهر): إنَّ ضمان المِثْليّ بالمِثْل من قطعيات الفقه، ولا خلاف فيه إلّا من ابن الجنيد وكلامه مؤول(1).
فالقدر المتيقَّن هو المِثْليّات المتوفِّرة المِثْل. وأمَّا ما عداها فهو مضمون بالقيمة، فالقيميّات مطلقاً مضمونة بالقيمة وُجِد لها مِثْل أو لم يوجد، والمِثْليّات التي تعذَّر مِثْلها أيضاً مضمونة بالقيمة، ولا أُكلّف أن أُحضر المِثْل المتعذِّر. ولعلَّ هذا هو مورد كلام الفقهاء، وهو مورد وجود المِثْل؛ ولذا أفتى الكثيرون في صورة تعذُّر المِثْل للمِثْليّ بالانتقال إلى القيمة، وفي القيميّات قالوا أيضاً بضمان القيمة.
القيمة التي تأتي إلى العهدة ولا بُدَّ من أدائها، هل هي قيمة يوم الأداء كما نُسب إلى الأكثر، أو قيمة يوم التلف كما نُسب إلى الأشهر أو الأكثر، أو قيمة يوم الأخذ كما نُسب ظاهراً إلى الأكثر، أو أعلى القيم من يوم التلف إلى يوم الأداء، أو من يوم الأخذ إلى يوم الأداء، أو من يوم الأخذ إلى يوم التلف؟ احتمالات.
والالتزام في القيميّات بقيمة يوم الإداء، مبتنٍ على ما اختاره الآخوند والسيد، من أنَّ (على اليد) ظاهرة: أنَّ مطلق ما يأتي تحت اليد هو يدخل في
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) جواهر الكلام 37: 85، ضمان الغاصب مثل المغصوب، نُقل مختصراً.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العهدة، ويبقى فيها حتَّى بعد تلفه. سواءٌ قلنا: إنَّ العين تأتي إلى العهدة بشخصها أو بمطلق أوصافها أو تأتي بصفاتها المؤثِّرة في القيمة، فإنَّنا إذا قلنا ببقاء العين في العهدة إلى حين الأداء فلا بُدَّ من أداء قيمتها يوم الأداء.
وهنا للمرحوم النائيني وللشيخ محمَّد حسين إشكالات على المطلب:
أمَّا النائيني فإنَّه بعد أن قرَّب الوجه في لزوم أداء قيمة يوم الأداء، يقول: إنَّ طريق هذا المطلب أحد أمرين:
الأمر الأول: أنَّه حين تتلف العين فإنَّ شخصها يأتي إلى العهدة، ويبقى إلى زمان الأداء. وإذا جاء بشخصه فإنَّ حاله يختلف باختلاف الموارد؛ فإذا كانت العين موجودة وممكنة الأداء، فلا بُدَّ من دفعها بنفسها، وإذا كانت موجودة غير ممكنة الأداء فلا بُدَّ من بدل الحيلولة، وإذا تلفت أو سقطت قيمتها، فإن كانت مِثْليّة يدفع مِثْلها، وإلَّا فقيمتها. قال: إلّا أنَّ هذا الوجه لا يمكن الالتزام به لثلاثة وجوه:
أحدها: أنَّ ما يتعلق بالعهدة لا بُدَّ وأن يكون من الكلِّيّات، دون الشخصيّات، وفي باب الشخصيّات لا يكون اعتبار العهدة.
ثانيها: أنَّ ظاهر “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدي” أن يكون له إمكان الأداء، وإذا قلنا: إنَّ العين في العهدة حال الوجود وبعد التلف فإنَّها بعد التلف غير ممكنة الأداء، فلا بُدَّ أن لا نقول: إنَّ العين في العهدة، أي: الجامع ما بين حال الوجود وحال التلف.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثالثها: أنَّنا إذا اردنا جعل العين بشخصيّتها في العهدة، فإذا أُتلف ذواستحال أداؤها فلا بُدَّ من سقوط الضمان، وأداء المِثْل هو أداءٌ لأمر مباين فلا يمكن إلّا بالمصالحة، وأمَّا إذا لم تكن الخصوصيّة الشخصيّة مضمونة فلا معنى لأداء قيمة يوم الأداء(1).
ونحن مع غضّ النظر عن المناقشات التي قلناها من استحالة وجود العين في العهدة، على سائر المحتملات بنحو الحصر العقليّ كما سبق. فإنَّ إشكالاته لا تأتي:
أمَّا أنَّ ما في الذمَّة لا بُدَّ وأن يكون كُلِّيّاً، هذا أيُّ دليل عليه؟ ففي باب الكفالة يكون الشخص في العهدة.
وثانياً: أنَّ باب الذمَّة باب الاعتباريات، فيمكن اعتبار الكلِّيّ، ويمكن اعتبار الشخصيّ فيها.
كما أنَّ الإشكال(2)الثالث الذي ذكره غير وارد أيضاً؛ لأنَّ كون أداء القيمة أداءً لأمر مباين، لا نقبله؛ لأنَّ العقلاء حين يرون ضمان القيمة، ليس أنَّهم يرون ضمان أمر مباين، بل هو جبران للخسارة وليس أمراً مبايناً.
وبعبارة أخرى: أنَّ هذه العين التي لها قيمة ليس ثمنها مبايناً لها، وفي نظر العقلاء أنَّه إذا دفع الإنسان ثمنها يكون جبراناً لخسارتها، ويرون أنَّه نحو من أنحاء الأداء.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
() اُنظر: منية الطالب 1: 307 ـ 308، منشأ القول: إنَّ الضمان بقيمة يوم الدفع.
(2) لا يخفى انه دام ظله لم يجب عن الوجه الثاني ولعلَّه يرى صحته على المبني (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الأمر الثاني:] ثُمَّ يُقرِّر وجها آخر ويقول: إنَّ ما هو الركن في باب الضمانات إنَّما هو الماليّة، لا خصوصيّات وأوصاف الأشياء.
ويفسِّر الماليّة: أي: ما يُنتفع به، وحينما يزيده تفسيراً يقول: إذا أتلف شخصٌ من شخص حُقّة من الحنطة فالذي يأتي إلى العهدة عبارة عمَّا أشبع عشر أنفس. وهذا العنوان يبقى في الذمَّة إلى حين الأداء، فلا بُدَّ أن يدفع قيمة ما أشبع عشر أنفس، وينتج أنَّه لا بُدَّ من دفع قيمة يوم الأداء(1). ولا يشكل على هذا الوجه وكأنَّه مرضيٌّ له.
نقول:
أولاً: ما تقوله من أنَّ ما هو الركن في باب الغرامات هو ماليّة الأشياء، غير صحيح، فإنَّ ما هو المطلوب في باب الضمانات هو الأمور التي بواسطتها تزيد وتكثر القيمة. فالماليّة إنَّما تكون مطلوبة باعتبار مطلوبيّة الأوصاف، فليست الماليّة رُكناً بل تلك الأوصاف هي الركن. فما هو المطلوب لدى العقلاء هو حِمْل الحنطة بأوصافه، لا أنَّنا نرفع اليد عن الحنطة ونقول: إنَّ المطلوب هو الماليّة، وإنَّما اعتُبِرت الماليّة لأجل الحصول على هذه الخصوصيّات.
وثانياً: لو فُرض أنَّ المطلوب هو ماليّة الأشياء فتفسيرها بما ينتفع به أو بما أشبع عشرة أشخاص، غير صحيح، بل الماليّة عبارة عن الثمن المشترك بين جميع الأشياء.
وثالثاً: إنَّ ما يُنتفع به الذي تفسِّره بأنَّه ما أشبع عشرة أشخاص، هل هذا
ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 308، القول بقيمة يوم الدفع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العنوان يأتي إلى العهدة؟ إذا كان كذلك إذن ادفع عن الحنطة شعيراً أو عدساً بمقدار يكفي لإشباع عشرة أشخاص، وإذا قلتم: إنَّ ما في الذمَّة هو الحنطة التي تشبع عشرة. إذن، فقد وقعتم بما فررتم منه.
وكذلك الحال في باب اللباس، يقول في موضع آخر: إنَّ ما يأتي إلى العهدة هو عنوان (ما ستر)، وهذا العنوان يبقى في العهدة، إذن فأنا إذا غصبت قباء (فاصونة)(1) وجاء إلى ذمَّتي عنوان (ما ستر) فخذوا مِنِّي قيمة (الكرباس)(2)؛ لأنَّ المطلوب هو أداء صرف (ما ستر) وهو يصدق على (الكرباس)، ويكون الخيار في ذلك للمعطي، فيكون له أن يعطي أقلّ القيم.
وإن قلتم: إنَّ ما في الذمَّة هو ما ستر (الفاصونية)(3) فهو كرّ على ما فرّ، فقد أبدلتم وجود (الفاصونة) في الذمَّة إلى ما ستر من (الفاصونة) إذن فالوجه الثاني غير صحيح.
وللشيخ محمَّد حسين إشكالات في المقام، فلا بُدَّ من مراجعة عبارته.
بقي كلام المرحوم النائيني ناقصاً لهذا أذكر خلاصته:
يقول: إنَّ مبنى أداء قيمة يوم الدفع مبتنٍ على أحد أمرين:
أحدهما: أن نقول: إنَّ العين بشخصيّتها تأتي إلى العهدة، وتبقى إلى حين زمان الأداء.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: الصاية (القباء).
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: سجاد (الفراش الأرضي).
(3) كلمة باللغة الفارسية تعني: القباء.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أو أن نقول: إنَّ ما هو الركن في باب الضمانات هو الماليّة، فلو كان أحد الأمرين فالميزان هو قيمة يوم الأداء، وإلّا قلنا بموازين أخرى.
أولاً: نقول: إنَّه ليس هذين الأمرين فقط. فإنَّه لو قيل في القيميّات: إنَّ المِثْل في العهدة، كما قيل، غاية الأمر إذا حصل المماثل يلزم دفعه، وإلَّا فالقيمة، وكذلك لو قلنا: إنَّ العين تأتي إلى العهدة بخصوصيّاتها الدخيلة في العهدة، فأيضاً ينتج لزوم أداء قيمة يوم الأداء. فليس الأمر مقتصراً على ما قاله من الوجهين، بل يعمّ هذه الوجوه، وإذا قيل بها لا يرد شيء من إشكالاته أساساً.
وبناءً على أنَّ العين تأتي إلى العهدة، فإشكاله بأنَّها تكون غير ممكنة الأداء بعد التلف، ولا يمكن سقوطها بأداء المِثْل.
نقول: إن قلنا بورود الشخص إلى العهدة، فهل لا بُدَّ أن نقول بأداء قيمة يوم التلف؟ أو نقول: إنَّه بما أنَّ الغاية للضمان هو الأداء “على اليد ما أخذت حتَّى تؤدي” وهي غير ممكنة بعد التلف، إذن فالشخص لا يأتي إلى العهدة.
وهو يقول في ذيل الأمر الرابع الذي ذكره الشيخ: إنَّه إذا كان دليلنا في باب الضمانات هو قاعدة (اليد) فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ ما هو أداءٌ للشيء هو ما يكون أداءً له في نظر العرف والعقلاء. بحيث يقولون إنَّه لا شيء آخر في العهدة، وكأنَّه لم يتلف. ويقول: إنَّه لا شك أنَّ المِثْل في المِثْليّ والقيمة في القيميّ أداء عند العقلاء.
لو تمَّ هذا المطلب الذي تقوله، فيكون الشخص الذي يأتي إلى العهدة، يكون أداؤه ممكناً عرفاً وعقلائيّاً. فإنَّك تقول بأنَّ أداء المِثْليّ بالمِثْل والقيميّ
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بالقيميّ، إذن فهو يكون أداءً لهذا الشخص، والعقلاء يقولون إنَّه لم يتلف منه شيء. فغاية الضمان تكون ممكنة التحقّق.
وأمَّا الوجه الثاني: فقد أردنا تأويله فلم نتمكن؛ لأنَّه يصرّح بأنَّ ما يأتي إلى العهدة ليس هو الشخص ولا المِثْل. وإنَّما هو: ما هو الركن في باب الضمانات، وهو الماليّة، ثُمَّ يُفسِّر الماليّة بما يُنتفع به. ويبقى الإشكال على ما هو عليه. فإنَّنا لا بُدَّ أن نرجع إلى العقلاء لنرى أنَّهم يطالبون بأيّ شيء؟ يطالبون بحِمْل الحنطة أو بما يشبع عشرة أشخاص، بحيث إنَّهم لا بُدَّ أن يحسبوا أنَّ حِمْل الحنطة يُشبع بضعة أشخاص ويطالبون بمقداره. وعلى تقدير تسليمه لا يبقى مانع من أداء غير الحنطة ممَّا يشبع عشرة أشخاص.
وإن قلتم: إنَّه (ما يشبعهم من الحنطة)، كان كرّاً على ما فررت منه.
وأمَّا قصّة أنَّ الشخصيّ لا يمكن أن يأتي للعهدة، وإنَّما الكلِّيّ يأتي إليها، فإنَّا وإن كُنَّا نقول باستحالة مجيء العين إلى العهدة حال وجودها، إلّا أنَّه بعد تلفها تكون محطّاً للاعتبار، والاعتبار كما يتناول الكلِّيّ لا مانع من أن يتناول الشخصيّ. هذا كله بناءً على مبنى أنَّ العين في العهدة.
ولهذا الشيخ محمَّد حسين حين يتكلَّم على نفس المبنى يرى أنَّ الميزان ليس هو قيمة يوم الأداء، سواءٌ قلنا: إنَّ العين في العهدة أو المِثْل أو القيمة، وإنَّما الميزان هو قيمة يوم التلف.
ويقول مقدّمة لبيان ذلك: إنَّ ماليّة الأشياء ليست أمراً معيَّناً، بل هي أمر
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مبهم، وتعيّنه إنَّما هو بالإضافة إلى زمان معيَّن أو مكان معيَّن. كقيمة حِمْل الحنطة في هذا اليوم أو في رأس السنة أو في هذا البلد أو في المكان الكذائي. فبذلك يكون له تعيُّن، أمَّا الشيء في نفسه فقيمته مبهمة لا تعيُّن فيها. فإذا كان تعيُّن القيمة بالإضافة إلى الزمان أو المكان، فالزمانات المتعدِّدة التي تتفاوت فيها القيمة، تلك القيمة اللازم أداؤها، ليس لها تعيُّنٌ في مقام الثبوت، إنَّما قيمة هذا الزمان أو هذا الزمان، وفي مقام الإثبات لا دليل على تعيين أحدها. فإذا أتلفت مالاً على الغير. كنت بالخيار بأداء قيمتها في أيّ زمان، فإنَّ قيمة أيّ حصّة زمانيّة منها جبراناً، وليست معينة في زمان دون آخر، بل تحتاج إلى معيّن آخر. يقول: سوف نذكره.
يقول: فما قاله شيخنا الأستاذ يعني الآخوند وبعض الأعاظم الأفاضل يعني السيد، من أنَّ قيمة يوم الأداء، إذا كانت العين في الذمَّة، هي قيمة الشي مطلقاً دون قيم سائر الأزمنة، ليس تامّاً لأنَّا قلنا بأنَّ القيمة فيها إبهام، فإذا أدّى قيمة مِن القيم فهي قيمة للشيء، وأيّاً من القيم أدَّيتها فقد أدَّيت.
يقول: فالتحقيق أن الشيء من زمان أخذه إلى زمان تلفه له قيمة وخصوصيّات، وله في زمان تلفه قيمة وله بعد زمان التلف إلى يوم الأداء قيمة. لكنَّ العين من حين الأخذ إلى حين التلف وإن كانت ذات قيمة، إلّا أنَّه لا عهدة إلّا بردِّها بنفسها. ومن زمان التلف إلى الأداء، فالعين غير موجودة لكنَّ القيمة فرضيّة، إذ نفرضها موجودة وتكون على فرض الوجود ذات قيمة. فما هو ذو قيمة قد تعلَّقت بالذمة هو زمان يوم التلف.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن سواءٌ كان المبنى هو أنَّ العين في العهدة، أو المِثْل أو القيمة، فالميزان هو قيمة يوم التلف، لا قيمة الزمان السابق عليه ولا اللاحق له، هذا محصَّل ما أفاده(1).
نقول: إذا ذهبنا إلى سوق العقلاء نسأل عن قيمة حِمْل الحنطة، فهل يقولون: إنَّك تسأل عن أيّ قيمة هل قيمة الزمان الكذائي أو المكان الفلاني؟ أو أنَّهم –في الواقع– يجيبون بأنَّ قيمة كذا بلا قيد، وإذا أرادوا أن يذكروا قيمة الأمس لا بُدَّ أن يقيّدوه بالزمان. نظير الواجب المشروط فإنَّه قبل حصول الشرط يقال: إنَّه إذا حصل كذا فهو واجب، وبعد حصول الشرط يقال: هو واجب. فإذا سألت مِن العقلاء في مكان وزمان معيَّن عن القيمة، فإنَّهم يجيبون بالقيمة الفعليّة، ولا يخطر لك أنَّها قيمة مقيّدة، فالزمان والمكان لتحقّقهما مغفول عنهما. وأمَّا قيمتهما في الزمان السابق فهو يحتاج إلى ذكر القيد. فالقيمة المطلقة للشيء قيمة يوم الأداء.
فاذا كان في ذمَّتي حِمْل حنطة وأردت أن أؤدِّي قيمتها، فهل العقلاء يفهمون أنَّ قيمته لا تعيُّن لها؟ بحيث إذا أعطيت قيمته التي كانت له قبل شهر وإن كانت بقدر نصف قيمته الحالية، هذا ليس أداءً للقيمة. بل لا بُدَّ من أداء القيمة عند الأداء؛ لأنَّها القيمة على نحو الإطلاق، -على حد تعبيره- ونقول: هي قيمة الشيء وهي نحو أداء له.
وأما شبهة أنَّ القيمة الآن فرضيّة لا حقيقيّة، فقد قلنا سابقاً: إنَّ ما في
ــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 400-402، وقت تعيّن القيمة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الذمَّة من الكلِّيّات والشخصيّات والمِثْليّات، إنَّما تكون لها قيمة بلحاظ (غطائها) الخارجيّ. فحِمْل الحنطة الذي في عهدتي وإن لم يكن في ذاته ذو قيمة إلّا أنَّهم يبذلون بإزائه المال، فهل تستشكلون بشراء الكلِّيّ في الذمَّة؟ فهو له قيمة بلحاظ أنَّه يمكن أن يؤدّيه، كذلك هذه العين فإنَّها لو لوحظت في نفسها وإن لم تكن لها قيمة، ولكن باعتبار أنّها قابلة للأداء يكون لها قيمة ويمكن بيعها في السوق. ولا فرق في ذلك بين الكلِّيّ والشخصيّ، ولا يرجع ذلك إلى القيمة الفرضيّة لا في الكلِّيّ ولا في الشخصيّ.
فما فرضه أنَّ القيمة في الكلِّيّ حقيقيّة وفي الشخصيّ فرضيّة غير تامّ.
بناءً عليه فما يقوله في المقدّمة من أنَّ نسبة القيم في خلال الزمان إلى القيمة المؤدَّاة على حد سواء، إثباتاً وثبوتاً. مخدوش، بل يتعيَّن عند العقلاء، قيمة يوم الأداء ومكان الأداء، وأداء قيمة زمان آخر ومكان آخر، ليس أداءً له، وأنَّ قيمة هذا الزمان وهذا المكان هو القيمة المطلقة التي يتعيَّن أداؤها. إذن فلا يكون الميزان قيمة يوم التلف على أيٍّ من المباني(1).
أنَّ لزوم دفع أعلى القيم ما بين يوم الأخذ إلى يوم التلف وإن كان له وجهٌ ضعيفٌ، إلّا أنَّه ليس لأداء أعلى القيم ما بين قيمة يوم الأخذ إلى يوم الأداء وجهٌ أصلاً؛ لأنَّ العين بعد تلفها وإن كانت في العهدة إلّا أنَّها ليست تحت اليد ليكون تغيُّر القيمة موجباً لضمانها.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
() ثُمَّ تعرَّض السيّد إلى كون الميزان هو أعلى القيم، وذلك جواباً على سؤال، فذكر. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أمَّا الوجه في لزوم أداء أعلى القيم إلى يوم التلف. فمن الممكن القول بضمان القيم التي صارت للعين بلحاظ الأوصاف الحقيقيّة أو الاعتبارية التي اتَّصفت بها حال وجودها، ممَّا يؤثِّر في زيادة في القيمة زيادةً ونقيصةً. ونحن قلنا بضمانها فيما سبق.
نعم، لو كانت زيادة القيمة ترجع إلى زيادة القيمة السوقيّة باعتبار كثرة الطلب أو كثرة التوزيع والتصدير للشيء، بحيث يكون إرجاعه إلى صفة العين محتاجاً إلى دقَّة عقليّة ولا يفهمها العرف، فهو لا يكون مضموناً.
أما أنَّ قيمة يوم الأخذ أيُّ ميزان له بناءً على قاعدة اليد؟
وأمَّا مبنى(1) أنَّ الميزان هو قيمة يوم الأخذ، إذا أردنا إثباته بحسب القواعد العامَّة ودليل (اليد). فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ(على اليد) يُستفاد منها الضمان الفعليّ، وإنَّه بمجرَّد الأخذ تشتغل العهدة بالقيمة في القيميّات والمِثْل في المِثْليّات. إذا قلنا بذلك فلازمه أنَّه إذا جاء المِثْل -في المِثْليّ- إلى العهدة، فما دامت العين موجودة يجب دفعها، فإذا أدّاها يسقط المِثْل بأداء العين عن العهدة. وإذا كانت العين معدومة، يسقط المِثْل بأداء المِثْل عند إمكانه وإلا فبأداء القيمة.
كذلك إذا قلنا: إنَّ القيمة تأتي إلى العهدة في القيميّات بمجرَّد الأخذ، فتسقط بأداء العين حال وجودها وإن لم تكن تصل النوبة إلى أداء القيمة نفسها.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
() قال بعد أن لخَّص خلاصة المباني السابقة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وعلى أيِّ حالٍ فلازم ذلك هو لزوم دفع قيمة يوم الأخذ، باعتبار أنَّها القيمة المطلقة للشيء بلا قيد، وأمَّا ما سواها فقيمة له مقيداً.
وأمّا مبنى أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان التلف هو: أنَّ عهدة الإنسان تكون مشغولة بالعين. وهي تبقى موجودة إلى زمان التلف، فجميع الأوصاف الحقيقيّة والاعتباريّة تكون مضمونة حتَّى ما كان من قبيل الأوصاف بالوجه العقليّ كاختلاف الرغبات، كلّه يدخل تحت الضمان ومن جملة الأوصاف زيادة القيمة، فإذا نقصت بعد ذلك لا بُدَّ من ضمانها. وينتج أنَّه لا بُدَّ من دفع أعلى القيم من حين الأخذ إلى حين التلف.
وأمَّا مبنى أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان الأداء، فهو مبنيٌّ على هذا المعنى وهو: أنَّ العين تكون في العهدة من يوم الأخذ إلى يوم الأداء، وتكون اختلاف القيم مضموناً. وعلاوةً على ذلك، يقال: إنَّ العين حين تلفت وتحوَّلت إلى العهدة، فما دامت في العهدة فهي مضمونة أيضاً، فإنَّ الكون في العهدة نحوٌ من جعل اليد والاستيلاء فيشمله الضمان. فيكون هذا الوجه مبنيّاً على مقدّمات ثلاث:
أوَّلها: أن تكون العين في العهدة دون المِثْل والقيمة.
ثانيها: أن تكون سائر الأوصاف مضمونةٌ، حتَّى ما كان من قبيل القيمة السوقيّة للشيء.
ثالثها: أن يكون ما في الذمَّة مضموناً أيضاً.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وليست مقدّمات هذا المبنى كما قاله البعض(1) من أنَّها:
أوّلاً: أن تكون العين في العهدة.
ثانياً: أن يكون الضمان فعليّاً.
ثالثاً: أن تكون الأوصاف بتمامها مضمونة. فإنَّه أزاد مطلباً غير دخيل في المبنى، وهو: اشتراط فعليّة الضمان، وانقص مطلباً دخيلاً في المبنى، وهو: أنَّ ما في العهدة يكون مضموناً.
ونحن نتكلَّم عمَّا إذا كان يمكن أن يقال: إنَّ العين إذا جاءت إلى العهدة واختلفت قيمتها، تكون مضمونة أو لا؟ والكلام يقع من عدَّة جهات:
الجهة الأولى: أنَّ ظهور (على اليد ما أخذت) فرض اعتبارين في المقام، أحدهما: الاستيلاء، وثانيهما: أنَّه عليَّ وعلى عهدتي، فإذا كنت مستولياً على شيء فهو على عهدتي، وهما اعتباران مستقلّان متقابلان، لا يرجع ثانيهما إلى الأوَّل.
فلو فرضنا أنَّ الدخول في العهدة استيلاءٌ يلزم إشكالٌ عقليّ من قبيل ما يُـذكر في الإخبار مع الواسطة، وهو أنَّ الحكم يصبح منقّحاً لموضوعه وهو محال.
فإنَّ(على اليد) تفيد العهدة والضمان، وتكون نفس العهدة موضوعاً للحكم بالعهدة والضمان. فإنَّه في باب الإخبار مع الواسطة يقال: إنَّه لا يمكن شمول (صدق العادل) لأفراد السند، فإنَّه بشموله للراوي الأوَّل ينقّح موضوعه في الراوي الثاني، فكيف يكون مشمولاً للحكم؟! فهنا أيضاً يقال:
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 309، ضمان أعلى القيم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إنَّنا بـ(على اليد) ننقِّح الاستيلاء، ونجعل هذا الاستيلاء موضوعاً للحكم بالضمان المجعول فيها.
إلا أنَّ الإشكال هناك دفعوه، وقيل: إنَّه لا مانع من شمول (صدق العادل) لتمام أفراد السند، باعتبار انحلاله إلى قضايا متعدِّدة كما هو شأن القضايا الحقيقيّة. وهنا أيضاً يمكن رفع الإشكال العقليّ بهذا النحو، لكنَّ العقلاء لا يمكنهم دفعه. فإنَّه كان العقلاء هناك موافقين عليه أيضاً؛ لأنَّنا نرى أنَّهم يلغون الواسطة والسند في الخبر، ويرونه خبر واحد باعتبار فناء السند في المؤدَّى الواقعيّ وهو قول الإمام، وخبر الواحد ليس لنا فيه جعل خاصّ، وإنَّما حجِّيته ثابتة بالسيرة العقلائيّة.
ولكنَّ العقلاء في باب الضمان غير موافقين، ولا يرون أنَّ الاستيلاء في العهدة مثل الاستيلاء الخارجيّ موضوع للضمان؛ لذا فالإشكال وإن ارتفع عقلاً إلّا أنَّه لم يرتفع عقلائيّاً.
الجهة الثانية: أنَّنا لو أغمضنا النظر عن ذلك، إلّا أنَّنا قلنا: إنَّ الاستيلاء على العين في الخارج معنى، والعهدة معنى آخر يترتَّب على الاستيلاء.
فإذا قلت: إنَّ العهدة نوع من الاستيلاء، فهل تقول: إنَّه يكون موضوعاً لعهدة أخرى تترتَّب عليه، فيكون حاله حال الاستيلاء الخارجيّ الذي يكون موضوعاً للعهدة؟
أمَّا إذا قلت: إنَّه ليس عندنا إلَّا عهدة واحدة، فهذه العهدة إن فرضتها بمعنى الاستيلاء، لا يبقى مجال للحكم بالضمان والعهدة تارةً أخرى. بل لا بُدَّ
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
من فرض عهدة أخرى بأن يقال: إذا كان في عهدتك فهو عليك، وهذا ليس مطلباً عقلائيّاً يستفاد من (على اليد).
الجهة الثالثة: لو تغاضينا عن ذلك وفرضنا أنَّ العين في عهدتي. فالشارع يجعل شيئاً تحت استيلائي رغما على أنفي، ويأمرني بالخروج عن عهدته، هذا لا معنى له ولا يوافق عليه العقلاء والدليل منصرِفٌ عنه.
إذن، فـ (على اليد) يشمل الأخذ العقلائيّ، دون ما يأتي إلى العهدة، فإنَّه ليس أخذاً ولا استيلاءً، والإشكال العقليّ والعقلائيّ جارٍ فيه. إذن، فبعد التلف ومجيء العين إلى العهدة لا يكون ضامناً له.
وإن شئت قلت: إنَّ أدلّة الضمان تضمن ما ليس بمضمون وتأتي به إلى العهدة، إذا حصل الاستيلاء عليه. ولكنّها لا تجعل المضمون مضموناً مرَّةً أخرى. ولا يمكن استفادة ذلك من (على اليد).
لكن تحقيق المطلب هو هذا، وهو أنَّ (على اليد) تفيد الضمان بهذا النحو: أنَّ اليد إذا وقعت على شيء فعليه خسارته وضمانه إذا تلف. فـ(على اليد) تعمل الضمان بهذا المعنى التعليقيّ. بل لعلَّه هو معنى الضمان أساساً. فإذا كانت العين موجودة وأدَّيتها ارتفع هذا المعنى التعليقيّ، وإذا لم أدفعها إلى أن تلفت فلا بُدَّ أن أدفع المِثْل أو القيمة. فالميزان في باب الضمانات قيمة يوم التلف دون سائر القيم.
وهذا المبنى المختار ومبنى أن الميزان قيمة يوم الأخذ ومبنى أنَّ الميزان قيمة يوم التلف، لا بُدَّ أن تكون مشتركة في هذا المعنى، وهو: أنَّ جميع الخصوصيّات التي اتَّصفت بها العين في زمان وجودها تحت اليد هي مضمونة،. فإذا أعطينا
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
القيمة فلا بُدَّ أن نعطي قيمة تمام الخصوصيّات المضمونة، غاية الأمر أنَّ الخصوصيّات المضمونة مختلفة على المباني فعندنا أنَّها الخصوصيّات التي اتَّصفت بها العين إلى يوم التلف، وعند الآخر أنَّها الخصوصيّات التي اتَّصفت بها العين إلى يوم الأداء.
نعم، من يقول: بأنَّ قيمة يوم الأخذ تجيء إلى العهدة، يلتزم أنَّ ما يأتي إلى العهدة هو خصوص قيمة يوم الأخذ. فلا بُدَّ أن يرى رأيه في ضمان الصفات المتجدِّدة للعين بعد ذلك. إلّا أنَّه لا بُدَّ أن يقول: إنَّها مضمونة ولا أحسبه يقول بعدم ضمانها. فلا بُدَّ أن يحسب الضامن حساب الأوصاف من يوم الأخذ إلى يوم التلف أو إلى يوم الأداء، لأجل أدائها.
غاية الأمر أنَّ صاحب هذا المبنى يرى أنَّ الأوصاف المتجدَّدة تدخل في العهدة، عند حدوثها شيئاً فشيئاً.
هذا مقتضى القواعد في المباني المختلفة. ولا بُدَّ بعد ذلك من مراجعة الروايات ومنها (صحيحة أبي ولّاد) لنرى أنَّه ماذا يستفاد منها، وإذا اختلفت الاستفادة منها عمَّا استفدناه من القواعد في باب المغصوب، فهل نحن ملزمون بتسريته إليه، أي: تسرية حكم المغصوب إلى المقبوض بالبيع الفاسد، بلحاظ ما قاله في (السرائر) (1) من أنَّ حكم البيع في العقد الفاسد عند المحصِّلين حكم المغصوب. فراجعوا عبارة (السرائر) لنرى أنَّه هل ادَّعى الإجماع أو لا؟
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) السرائر 2: 285، لو اشترى شيئاً بحكم نفسه. وقد تقدَّم الكلام عن عبارة السرائر في التنبيهات، التنبيه الأوّل: في المراد من إعواز المثل، فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
سبق الكلام بحسب القواعد، وقلنا: إنَّ التحقيق أنَّه إذا كان مِثْلياً فضمانه ضمان قيمة يوم الأداء، وإذا كان مِثْلياً فضمانه ضمان قيمة يوم التلف. فهل هناك إجماع أو روايات تقتضينا رفع اليد عن هذه القواعد أو لا؟ وهل نستطيع إلحاق المقبوض بالبيع الفاسد بالغصب أو لا؟
صحيحة أبي ولَّاد: كتاب الإجارة باب 17 الحديث الأوَّل وسندها صحيح. قال: ” اكتريت بغلاً إلى قصر بني هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلمَّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبِّرت أنَّ صاحبي توجَّه إلى النيل (فهو من أول الطريق إلى قنطرة الكوفة كانت يده يد أمانة، ومن بعدُ كانت يده يد غصب وخلاف الإجارة) فلما أتيت النيل خُبِّرت أنَّه توجَّه إلى بغداد فاتبعته وظفرت به وفرغت ما بيني وبينه، ورجعت إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيء خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلَّل منه فيما صنعت وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل. فتراضينا بأبي حنيفة وأخبرته بالقصة وأخبره الرجل فقال لي: ما صنعت بالبغلة؟ فقلت: دفعته إليه سليماً. قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً. قال: فما تريد من الرجل؟ قال: أريد كراء بغلي، فقد حبسه عليَّ خمسة عشر يوماً. فقال: إنِّي ما أرى لك حقاً؛ لأنَّه أكتراه إلى قصر بني هبيرة فخالف وركبه إلى النيل والى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكراء، فلمَّا ردَّ البغل سليماً لم يلزمه الكراء”(1).
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 290، ح6، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحدّ، تهذيب الأحكام 7: 215، ح943، باب مَن اكترى دابة إلى موضع فجاز ذلك الموقع، الاستبصار 3: 134، ح483، وسائل الشيعة 19: 119، ح1، باب مَن استأجر دابة إلى مسافة فتجاوزها.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
واستفاد(1) ذلك من قوله “الخراج بالضمان” إذ فهم منها أنَّه إذا جاء ضمان العين إلى العهدة، فالخراج وهو المنافع تكون للضامن. ففي المقام إذا غصب الرجل ودخل البغل في ذمته فالمنافع تكون مملوكةً له، وغير مضمونةً عليه. ونحن تكلَّمنا في معنى هذا الحديث، وقلنا فيه عدَّة احتمالات
أحدها: أنَّه لا يُريد أن يقول شيئاً خلاف حكم العقل وحكم العقلاء، بل مراده أنَّه إذا غصب شيئاً وتلف عنده فأراد دفع قيمة التالف، فإنَّ قيمة الكراء تكون ساقطة؛ لأنَّ القيمة بإزاء العين لا بإزاء المنافع. وهذا ليس مخالفاً للعدل كثيراً –وإن كان كذلك بعض الشيء– إلّا أنَّ فتوى أبي حنيفة لم يرضها صاحب البغل ولا الغاصب، ولم يرضها الله تعالى ولا الإمام الصادق إذ قال: “في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها“. وهي فتوى خلاف ارتكاز العقلاء لا محالة.
“قال(2): فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه. وحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد الله بما أفتى به أبو حنيفة، فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء مائها وتمنع الأرض بركاتها. قال: فقلت لأبي عبد الله: فما ترى أنت؟ فقال: أرى له
ــــــــــ[223]ــــــــــ
() قال السيد. (المقرِّر).
(2) ثُمَّ استمرّ السيّد بقراءة باقي الرواية، قال:.. . (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
عليك مثل كراء بغلٍ ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغلٍ راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغلٍ من بغداد إلى الكوفة، توفِّيه إياه“.
قال السيد: في (التهذيب) و(الاستبصار) و(مرآة العقول) و(الكافي) في جملة من نسخه: (كراء بغل) من دون الألف واللام.
وفي (الوافي)(1) وهو متثبت ضابط بالألف واللام في جميع الموارد وهذا لا يفرق إلَّا في باب الضمان؛ لأنَّنا قلنا بأنَّ البغل بما هو هويّة خارجيّة لا تأثير له في زيادة القيمة ونقصانها، بل المؤثِّر في ذلك، هو ماله من أوصاف وخصوصيّات، فالإمام هنا لا يُريد أن يأمر بدفع كراء بغل كيفما كان بحيث لو كان البغل قويّاً يدفع قيمة بغل ضعيف. بل يفهم من العبارة عرفاً أنَّه يضمن كراء بغل من قبيل البغل الذي ركبه بالأوصاف الداخلة في باب الضمان. لذا إذا قيل: يجب أن تدفع قيمة بغل، يُفهم منه عرفاً قيمة بغل مطابق في الأوصاف للبغل الذي أتلفته. إذن فمن هذه الناحية لا يفرق بين وجود الألف واللام وعدمه، نعم هو يفرق في جهة أخرى.
قال(2): “قلت: جعلت فداك فقد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ قال: لا، لأنَّك غاصب. قلت: أ رأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته“(3).
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() اُنظر: المصادر المتقدّمة، و مرآة العقول 19: 392، ح6، الوافي 3: 127.
(2) ثُمَّ استمرّ بقراءة الرواية. (المقرِّر).
(3) الكافي 5: 290، ح6، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحدّ، تهذيب الأحكام 7: 215، ح943، باب مَن اكترى دابة إلى موضع فجاز ذلك الموقع، الاستبصار 3: 134، ح483، وسائل الشيعة 19: 119، ح1، باب مَن استأجر دابة إلى مسافة فتجاوزها.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يفهم منه عرفاً من السؤال: أنًّ البغل لو عطب فهل أنا ملزم به، أي: بقيمته؟ إذ إنَّ ضمان القيميّات بالقيمة لا محالة. وقيمته المضمونة هو قيمته يوم تلفه؛ لأنَّ قيمة يوم التلف هي قيمة الشيء حقيقة دون القيمة السابقة عليه واللاحقة له. وإذا قيل: إذا تلف فأعط قيمته، فمعناه: أعطِ قيمة يوم التلف. وإذا ألقي هذا السؤال على أيّ واحد من العقلاء يفهم منه هذا المعنى. وهو: هل يلزمني قيمة يوم التلف -بالخصوص-.
فهذا هو السؤال، والإمام أقرَّه من وجهٍ وردَّه من وجه. فقال: “نعم“، يعني إذا تلف فأنت ضامن لقيمة يوم التلف. غاية الأمر أنَّ إطلاق كلام أبي ولّاد كان يقتضي أنَّ هذا المعنى التعليقيّ موجود من زمان الأخذ إلى زمان الردِّ، والإمام قال: إنَّ هذا المعنى التعليقيّ يأتي من زمان الغصب دون ما قبله؛ لأنَّه من حين الأخذ إلى وصوله إلى قنطرة الكوفة كان موافقاً للإجارة وكان أميناً، ولم يكن التلف حينئذٍ مضموناً، فالضمان الذي هو المعنى التعليقيّ يكون من حين مخالفة الإجارة.
وإنّما سأل أبو ولّاد هذا السؤال، باعتبار فتوى أبي حنيفة بالملازمة بين ضمان العين وعدم ضمان الكراء، فحين أفتاه الإمام بضمان الكراء أراد أبو ولّاد أن يعرف أنَّه هل هناك ضمان للبغل نفسه؟ أي: الإمام مخالف لأبي حنيفة
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
في ناحية واحدة، هي ضمان الكراء. أو في ناحيتين هي ضمان الكراء وعدم ضمان البغل؟ فقال له الإمام: “نعم، يلزمك قيمة بغل يوم خالفته“، يعني من حين حدوث الغصب إذا تلف تضمن قيمته يوم التلف.
فلو حفظتم حدود السؤال والجواب وقيودهما، لم يكن هناك إشكال فيها أصلاً، فمؤدَّى السؤال أنَّه ليس الأمر كذلك (أنَّه إذا عطب البغل يلزمني) -أي: يلزمني قيمة يوم التلف- ومؤدّى الجواب: (أنَّه يلزمك قيمة بغل إذا تلف، لكن لا مطلقاً بل من حين خالفته وتصرفت من دون إذنه)، فهذا المعنى التعليقيّ هو من مبدأ الغصب لا من حين الأخذ. وهذا هو بعينه مدلول قاعدة (اليد) إذ قلنا في معناها: إنَّ ضمان ما أخذه عرفاً يكون بمعنى أنَّه لو تلف فعليه أداؤه، وأداؤه بأداء مِثْله أو قيمته.
وهذا وجه واضح مطابق للعرف والقواعد العربية، ولا أعلم ماذا فهم الشيخ؟ فعدَّ هذا الوجه باطلاً إذ قال(1) عنه: إنَّه بعيد بل لا يمكن. وذكر في وجهه: أنَّ أبي ولّاد كان يعلم أنَّه إذا خالف فهو ضامن، وإنَّما سأل عن مقدار الضمان، فأصل الضمان لم يسأل عنه ليجاب عنه فلا بُدَّ أن نرى هل السؤال عن أصل الضمان أو عمَّا يلزمه؟
قال أبو ولّاد: “أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني؟” ولو كان الضمان مفروغاً عنه عنده، وكان يسأل عن مقدار الضمان لقال: (ما
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) كتاب المكاسب 3: 247، صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يلزمني) دون قوله: (أليس كان يلزمني)، فيُعرف أن سؤاله كان عن أصل الإلزام. وكلّ عاقل يفهم من هذه العبارة أنَّه يلزمني قيمة يوم التلف؛ لأنَّها القيمة الحقيقية للشيء، لا ما كانت قيمته وما سوف تكون قيمته. وهذا المعنى كان مفروغاً عنه بين أبي ولّاد وأبي عبد الله والإمام أقرَّه على ذلك، وقيّده بـ”يوم خالفته“، دفعاً لتوهُّم وجود الضمان من يوم الأخذ، وأنَّ معنى الضمان التعليقيّ يأتي من يوم الغصب.
وبعبارة أخرى أنه بالنحو الذي قلناه: أنَّنا إذا لاحظنا الحدود في السؤال والجواب، يظهر منه ضمان يوم التلف، غايته أنَّه من يوم الغصب، وهو المقصود من قوله: “يوم خالفته“. فكأنَّه قال: إذا أخذت مال الغير غصباً يلزمك إذا تلف قيمة يوم التلف، وهو عين مفاد قاعدة (اليد)، غايته أنَّه بما أنَّه قيميّ ذكر القيمة.
الشيخ يُريد أن يستظهر قيمة (يوم المخالفة) ويذكر لذلك وجهين:
أحدهما: أنَّ (اليوم) متعلّق بالقيمة في قوله : “قيمة بغل اليوم خالفته“. غايته إمَّا أن نقول: إنَّ القيمة أُضيفت أوَّلاً إلى (البغل)، وأُضيفت ثانياً إلى (اليوم)، أو نجعلها قيداً للاختصاص وهو الوجه الثاني.
وقد أشكلوا على هذا الوجه إشكالاً عقليّاً، والكلام ليس في الإشكال العقليّ، بل المهمّ هو الاستظهار العقلائيّ، بحيث لو لم يرد الإشكال العقليّ واستطعنا دفعه بوجه، فإنَّ الظهور العرفيّ لا يتمّ بالشكل الذي يذكره الشيخ في هذين الوجهين.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والإشكال العقليّ هو ما أشكله الآخوند(1)، من أنَّه ما المراد من أنَّ القيمة (اليوم)؟ هل المضاف بما هو مضاف يضاف إلى اليوم؟ فلازمه الجمع بين اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي؛ لأنَّ الإضافة الثانية لا بد أن يُلاحظ طرفها مستقلّاً، لكي يمكن إضافته، والإضافة الأولى بما أنَّها معنى حرفي فطرفها ملحوظ باللِّحاظ الآلي. فيلزم الجمع بين اللحاظين. وكذلك إن أردت إضافة مجموع المضاف والمضاف إليه. إذ كِلا المضافين أوَّلاً ملحوظين باللحاظ الآلي، والإضافة الثانية تحتاج إلى لحاظ استقلالي. فيلزم الجمع بين اللحاظين.
ولو أريد إضافة الذات بما هي –يعني القيمة– إلى البغل أوَّلاً، ونفس الذات نضيفها مرَّةً أخرى إلى اليوم. فيلزم منه الجمع بين اللحاظين المتباينين، فإنَّ الشيء بما أنَّه طرف لهذه الإضافة يباين ما هو طرف تلك الإضافة، بالإضافة إلى أنَّ هذا غير مفيد لك. هذا حاصل إشكال المرحوم الآخوند.
وتلميذه المحقق الشيخ محمَّد حسين يذكر(2) الإشكال، لكن بتقريب آخر يقول: لا بد أن نأوِّل كلام الشيخ، ونقول بأنَّ مراده الإضافة اللُّبِّية دون الإضافة اللفظيّة والمفهوميّة. أمَّا الإضافة اللفظيّة فامتناعها معلوم؛ لأنَّ اللفظ بهذا الاستعمال الخاصّ، ليس هنا إلّا لفظ واحد هو لفظ القيمة. فإذا أردت أنَّ
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 41، قوله: أمّا بإضافة القيمة المضافة إلى البغل ثانياً.
(2) حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 404، بيان صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
شخص هذا الشيء يتكرَّر فهو مستحيل. والفرض أنَّه لا شيء آخر ليضاف إلى ذلك الطرف.
وأمَّا الإضافة المفهوميّة فهي أيضاً فيها إشكال؛ لأنَّها متقدّمة بملاحظة المفهومين(1) بوجه خاصّ. فإذا أردنا لحاظ هذين الأمرين -ومراده البغل واليوم ظاهراً- لحاظهما معاً في الاستعمال الواحد المتقوّم بلحاظ واحد يلزم اجتماع لحاظين في لحاظ واحد. فإنَّنا لا بد أن نلاحظ القيمة مضافة إلى الأمرين المترتّبين، فيلزم جمع لحاظين مترتّبين في لحاظ واحد.
هذا إذا كان مراد الشيخ أن تُضاف القيمة إلى البغل ويضاف البغل إلى اليوم وتضاف القيمة ثانياً إلى اليوم، كما هو ظاهر عبارة الشيخ.
وإذا كان مراده أنّ المضاف بما أنَّه مضاف يضاف إلى اليوم، فيلزم منه عين ما ذكره الآخوند، من لزوم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي، وإذا كان المراد إضافة مجموع المضاف والمضاف إليه، فيلزم أيضاً عين اللازم.
نحن أوَّلاً نحسب حساب الإضافة اللفظيّة التي قال الشيخ محمَّد حسين باستحالتها لنرى معناها. هل معنى أنَّ اللفظ تضيفه إلى لفظ آخر كقولك: (غلام زيد) أنَّ هذين اللفظين متضايفان بنحوٍ يكونان مشمولين لقاعدة (أنَّ المتضايفين متكافئان قوَّة وفعلاً)؟ إذا أردت ذلك فهو باطل؛ لأنَّنا في أيّ وقت نضيف لفظ الغلام، هل قبل استعماله، أو بعده، أو في حال الاستعمال؟ أمَّا قبله
ــــــــــ[229]ــــــــــ
() وهما الطرفان للإضافة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فلا معنى له، وأمَّا بعد الاستعمال فقد تمَّ اللفظ وانتهى وانعدم قبل أن يكون المضاف إليه موجوداً، فإذا وُجِد المضاف إليه لا يكون المضاف موجوداً ليضاف إليه. وأمَّا في حال الاستعمال، فالمضاف إليه غير موجود ليضاف إليه.
بل في الجمل اللفظيّة ليس الأمر كذلك، بل الأمر هكذا: أنَّ اللفظ المضاف موضوع لمعنى يستحيل أن يتجاوزه إلى غيره، وكذلك اللفظ المضاف إليه، والدالّ على الإضافة وهي معنى حرفي هو الهيئة. فالإشكال العقليّ غير وارد أصلاً، فأنا لا أريد أن أُضيف لفظ (زيد) ليُقال إنَّه غير موجود، فإنَّه غير موجود على أيِّ حالٍ، فإنَّه بعد نطقه يفنى ولا يبقى. وإنَّما الهيئة هي التي تفيد الإضافة. فإذا قلنا: (زيدٌ عالمٌ شاعرٌ كاتبٌ) -الإشكال وارد، لو صحّ، على الجمل الخبريّة أيضاً- فأنت تقول هذا الاستعمال صحيح مع أنَّه حملنا على موضوع واحد ثلاثة أمور. وسِرُّه أنَّ لكلّ من المحمولات هيئة خاصّة يُفهم منها المعنى وليس هناك إلّا موضوع واحد.
وكذلك لو قلنا: (ابن زيد وهند)، ليس لك حقّ أن تقول: إنَّه ليس عندنا إلّا لفظ واحد، فإنَّ الهيئة تدلّ على ذلك، وكلّ لفظ منها لا يدلّ إلَّا على معناه لا يتعداه.
وعليه فإشكال الآخوند أيضاً من أنَّ طرف هذه الإضافة لا بد أن يلاحظ، وطرف تلك الإضافة لا بد أن يلاحظ غير وارد في عالم الألفاظ أصلاً. فإنَّ الألفاظ تفنى بالاستعمال، فلا يُعقل إضافتها بالمعنى الحقيقيّ ليُقال: إنَّه لا بد أن تلحظ طرف الإضافة. وإنَّما تدلّ الهيئة على الإضافة، باعتبار أنَّ الترتُّب الذهنيّ
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يكسب الكلام هيئة تدلّ على الإضافة، فالإضافة تكون بالهيئة لا باللفظ ليأتي الإشكال. فإشكال لزوم تكرار اللفظ لكي تصحّ الإضافة غير تامّ. فهذا الإشكال العقليّ غير وارد.
نعم، يمكن أن يُشكل عليه: أنَّ هذا النحو من الإضافات(1) غير صحيحة عند العرف والعقلاء.
وأمَّا إشكال الشيخ محمَّد حسين الذي مبدؤه هو نفس هذه الشبهة، إذ يقول: إنَّ مفهوم القيمة لا يمكن أن نضيفها إلى الأمرين المترتّبين في الاستعمال الواحد؛ لأنَّ الاستعمال الواحد لا يكون إلّا بلحاظ واحد، فيلزم منه جمع اللحاظين في لحاظ واحد.
هذا الإشكال مبنيٌّ على تخيُّل لزوم ملاحظة الألفاظ: (القيمة) و(اليوم) و(البغل)، وإضافة أحدها إلى الآخر. بل كلّ لفظ يدلّ على معناه ولا يتعدَّاه، ووقعت طرفاً للإضافة ولوحظت بالمعنى الحرفيّ، لا بمعنى إضافة اللفظ، بل بمعنى جعلها طرفاً للإضافة التي أُريد إفادتها بحسب ما ليَ من المقاصد. فهناك هيئات متعدِّدة بلحاظ كلّ واحد من الألفاظ، وهذه الهيئات تدلّ على المقاصد المطلوبة.
فليس أنِّي استعملت المفهومين مع مفهوم القيمة في استعمال واحد، بل كانت الدلالة على الإضافة باعتبار الهيئات، وهذا إذا لم يكن له مانع لغويّ، فالإشكال العقليّ غير موجود.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) يعني: في حدود ما هو محلّ الكلام. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأمَّا ما قاله هو والاخوند من أنَّ المضاف بما أنَّه مضاف يُضاف إلى الآخر يلزم منه الجمع بين اللّحاظين. فهذا بغض النظر عمَّا قلنا في مبحث المعاني الحرفيّة من أنَّه يمكن تقييد الحروف وإضافتها(1)، نقول: إنَّني إذا أضفت (غلام) إلى (زيد) فقد حصلت هذه الإضافة، فإذا أردت أن أُضيف قيداً إلى (زيد) فأضيفه إلى المضاف ولا يحتاج إلى لحاظ آخر. وعلى تقدير الاحتياج إلى لحاظ آخر فهو لحاظ ثانويّ. واللّحاظ الثانوي موجود حتَّى في المعاني الاسميّة، ففي قولنا: (أكرم العالم العادل)، كلّ وصف يذكر يدلّ على معناه، والتوصيف يحصل بدلالة الهيئة عليه، وليس لا بُدَّ من استئناف لحاظ مستقلّ للموصوف، لكي يعمّ الوصف.
إذن، فالإشكال العقليّ غير موجود، مضافاً إلى أنَّه ليس من جمع لحاظين في لحاظ واحد، بل من جمع ملحوظين في لحاظ واحد، وهو لا مانع منه.
فإن قلت: إنَّه بالدقَّة العقليّة يكون كلّ ملحوظ متشخّص بلحاظه الشخصيّ.
قلنا: لا مضايقة عن الالتزام بأنَّ لكلّ ملحوظ لحاظاً مستقلّاً، إذن، فلا إشكال عقليّ.
يبقى الإشكال من الناحية اللغويّة، وأنَّ هذا النحو من الإضافات مستساغ عرفاً ومفهوم عقلائيّاً أو لا؟
نقول: لعلَّ مراد الشيخ من الإضافة الثانية هي الإضافة ثانياً وبالعرض،
ــــــــــ[232]ــــــــــ
(1) اُنظر: مناهج الوصول إلى علم الأُصول 1: 351، تذكرة في رجوع القيد إلى الهيئة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ومن الإضافة الأولى هي الإضافة أوَّلاً وبالذات، لا أنَّها إضافة ثانية في عرض الإضافة الأولى.
بقي أن نعرف أنَّ هذا هل يُستفاد من العبارة أو لا؟
وهل يوافق عليه الذوق العرفيّ والعقلائيّ أو لا؟
عبارة الإمام في جواب أبي ولّاد يمكن أن تقرأ على نحوين، احتملهما الشيخ:
أحدهما: بنحو تعدُّد الإضافات: (قيمة بغل يوم خالفته).
والآخر: بنحو الاختصاص: (قيمة بغلٍ يومَ خالفته).
والوجه الأوَّل في كلام الشيخ يدور حول الوجه الأوَّل، إلّا أنَّ ظاهره إضافة القيمة مرَّتين؛ مرَّةً للبغل ومرَّةً لليوم. ولا يبعد أن يكون مراده الإضافة ثانياً وبالوسط، وهو وإن لم يكن فيه إشكال عقليّ، إلّا أنَّه ليس أسلوباً عربيّاً، فمراده أنَّ الإضافة الأولى إضافةٌ مباشرةٌ، والإضافة الثانية إضافة ثانياً وبالوسط، لا بالذات، يعني بواسطة البغل؛ لأنَّ المضاف إلى المضاف مضاف.
والاحتمال الآخر في كلام الشيخ، يدور حول الوجه الثاني والاختصاص، باعتبار أنَّ البغل لم يُضَف إلى اليوم، بل حصل لليوم نحوُ اختصاصٍ بالقيمة.
نحن نريد أن نرى هل مثل هذا الأسلوب مأنوس عند أهل اللسان أو أنَّه –في الحقيقة– غير مأنوس، بل المأنوس هو الثاني؟
إضافة البغل إلى اليوم بعيدٌ عن الأذهان. وإن كان هناك كلامٌ في الظهورات، وهو أنَّ الظهور حُجّة إلّا إذا لم يكن في الكلام ظهور، إلّا أنَّنا
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
حصّلنا الظنّ بالظهور ببعض الأساليب، فهل هذا الظنّ حُجّةٌ أو لا؟ وأنا أظنّ أنَّ الطرف الثاني من التعبير أحسن.
لو كان الطرف الأوَّل وهو تعدُّد الإضافات، هو الصحيح، فهل يُستفاد منه ما يُريد الشيخ أن يستفيده منه. فإنَّنا تارةً نضيف القيمة إلى اليوم بلا واسطة، يعني: (قيمة يوم خالفته)، فهذا ظاهر في قيمة يوم المخالفة.
وأمَّا إذا وجد للإضافة وسط، وهو البغل، فقيل: (قيمة بغلِ يومِ خالفته).فمَّرةً نفرض أنَّ جعل البغل في الوسط لا وجه له عند العرف والعقلاء، فهو وإن أُضيف إلّا أنَّ إضافته بلا وجه، فنفهم أنَّ هذه الإضافة ليست لأجل تخصيص البغل باليوم، بل تخصيص القيمة بالبغل.
وأخرى نفرض أنَّ إضافة البغل إلى الزمان –وهو اليوم– له وجه وإن لم نكن نعلمه، إلّا أنَّنا نقول: إنَّه لا بد انَّه قد استعمله بوجه صحيح. حينئذٍ لا نستطيع أن نقول إنَّه يعني اليوم من مخصّصات القيمة؛ لأنَّ الظاهر أنَّ المضاف إليه مخصّص للمضاف لا لمضاف المضاف فإنَّ هذا خلاف القواعد، ولا وجه للمصير إليه مع كون الإضافة لها وجهاً صحيحاً على الفرض.
وهذه الإضافة لها وجه -ولو احتمالاً والاحتمال في المقام كافٍ-: وهو أنَّه يمكن أن يكون للنظر في الصحيحة إلى أنَّ البغل الذي أخذه أبو ولَّاد لأجل الذهاب وراء غريمه، أخذه وسعى وراء غريمه في عجلة وسرعة وأجهده في الطريق كثيراً. فيغلب على الظنّ أنَّه أخذه سليماً قوياً وحينما سافر به قلّ نشاطه وضَعُف.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأمَّا احتمال عكس ذلك وهو أنَّه بالسفر حصلت له صفات كماليّة لم تكن له سابقاً فهو احتمال ضعيف في غاية الوهن. فمن هذه الجهة صحَّت الإضافة، فقيل: (قيمة بغلِ يومِ خالفته). باعتبار أنَّ البغل كان يوم المخالفة له أوصاف وبعده له أوصاف أخرى، وأنت ملزم بدفع قيمة البغل في يوم المخالفة.
بناء عليه لا يُستفاد منه قيمة يوم المخالفة، لأنَّ أبي ولَّاد سأل: “أنَّه إذا تلف هل يلزمني؟ قال: نعم، يلزمك قيمة بغل يوم خالفته“، يعني قيمة بغل يوم المخالفة، لا قيمة يوم المخالفة، يعني تضمن قيمة بغل بالأوصاف التي كان عليها يوم خالفته تضمن هذه الأوصاف بحسب قيمة يوم التلف.
نعم، إذا كانت للقيمة إضافة مستقلّة إلى اليوم، كان دالّاً على مقصود الشيخ من ضمان يوم المخالفة. دون ما إذا فرض وجود الوسط وهو البغل. فيكون محصّل العبارة هكذا: أنَّ البغل بالأوصاف التي في يوم المخالفة، إذا تلف فأنت ضامن له، والضمان ضمان يوم التلف. فأنت ضامن للقيمة الفعلية ليوم التلف، لكن قيمة بغل حاصل له أوصاف يوم المخالفة. يعني بغل قوِّي سمين.
بناءً عليه فهذا المعنى الذي يقوله الشيخ، بقطع النظر عن الإشكال العقليّ والعقلائيّ، وحملناه على تتابع الإضافات، ولهذا يقول(1): إنَّ إسقاط الألف واللام من البغل معناه الإضافة. ويقصد بالإضافة الثانية: الإضافة بالعرض والواسطة.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 247، محلّ الاستشهاد بصحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والآغايون إنَّما اشتبهوا باعتبار أنَّ عبارة أبي ولّاد لم يلحقوها بعبارة الإمام، مع أنَّها ملحقة بها باعتبار قوله: “نعم“، إذن فعلى الوجه الذي ذكره الشيخ يكون المضمون قيمة يوم التلف.
المرحوم النائيني يقول: إنَّه على أيِّ حالٍ يكون المضمون هو قيمة يوم المخالفة، سواءٌ جعلنا اليوم قيداً للقيمة، أو قيداً للاختصاص، أو للمجموع، أو قيداً للفعل المستفاد من “نعم“.
أمَّا إذا كان (اليوم) متعلّق بالقيمة فواضح، وكذلك إذا كان قيداً للاختصاص.
وأمَّا إذا كان (اليوم) متعلّق بـ”نعم” كما هو ظاهر العبارة، فالأمر كذلك، فإنَّه ولو لم يدلّ بالمطابقة على قيمة يوم المخالفة، إذ معناه –بناءً على هذا الفرض وهو كون اليوم قيداً للفعل المستفاد من “نعم“(1): أنَّه يلزمك يوم المخالفة القيمة، ولا تكون يوم المخالفة مربوطاً بالقيمة. ولا يكون في الحديث الشريف تعرُّض إلى أنَّه أيّ قيمة يلزمك.
ثُمَّ يقول(2): الحديث وإن لم يدلّ بالمطابقة على سنخ القيمة، لكنَّه يدلّ عليه بالالتزام، وذلك لأنَّه عند التلف تكون العين في العهدة، فإذا لم يكن المضمون
ــــــــــ[236]ــــــــــ
() توضيح. (المقرِّر).
(2) منية الطالب 1: 310-311، الكلام في صحيحة أبي ولّاد، اُنظر: أيضاً: المكاسب والبيع 1: 360، صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هو قيمة يوم المخالفة، لم يكن وجهٌ لذكر قيمة يوم المخالفة، وحيث ذُكرت يدلّ على أنَّها هي المضمونة دون ما قبلها وما بعدها من القيم، فإنَّها ليست قيمة يوم المخالفة.
أمَّا ما يقوله أوَّلاً من أنَّه لا يدلّ بالمطابقة على شيء، فهو إنَّما يكون صحيحاً لو كانت عبارة الإمام مستقلّة(1) عن عبارة أبي ولّاد، ومع ربطها بها تدلّ بالمطابقة على ضمان قيمة يوم التلف.
ومع إنكار ذلك لا يثبت ذلك بالدلالة الالتزامية؛ لأنَّ ما يقوله من كون العين في العهدة في القيميّات، غير صحيح، فإنَّه وإن قلتم ذلك في(على اليد)، ولم يكن ذلك صحيحاً، إلّا أنَّه مع تسليمه لا يدل(2) على أنَّ المراد بالحديث هو ذلك. بل معنى الحديث أنَّه يلزمك قيمة البغل، وإنَّما ذكر القيمة لأنَّها هي التي في العهدة دون العين.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
() هذا غير مفروض في كلام النائيني بل فرض أنَّ القيد راجع إلى الفعل المستفاد من “نعم”، وليس ذلك إلّا الفعل الموجود في السؤال، فحصل الارتباط بين العبارتين، بل إنَّ فرض كلام النائيني على الارتباط، وعليه التزم بأنَّه لا يدلّ بالمطابقة على شيء،؛ فجواب السيّد يكون مصادرة على المطلوب وتغييراً لفرض الإشكال فلا يكون جواباً قباله. (المقرِّر).
(2) مع تسليم ذلك في قاعدة (اليد) لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ ذلك هو الواقع في جميع الضمانات، وأنَّ القيميّات دائماً تدخل عينها في العهدة، وبناء عليه لا بُدَّ أن يكون الحديث دالّاً عليه لا محالة، وإلَّا كان مخالفاً للواقع المفروض. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وعليه فالقيمة ذُكرت لأجل ذلك ولا لغويّة في ذكرها. وما يقوله من تقدير قيمة يوم المخالفة غير تامّ، فإنَّك قدَّرت رجوع القيد إلى الفعل المستفاد من “نعم“، يعني: يلزمك يوم المخالفة القيمة. وليس عندنا أنَّها قيمة يوم المخالفة، وليس عندنا كلمة (يوم) أخرى لتقييد القيمة بها. فقوله: (يلزمك قيمة بغل يوم المخالفة) يعني: قيمة يوم التلف. فكلامه تهافت الأوَّل والآخر؛ لأنَّه أوَّلاً يعيد القيد إلى الفعل المقدَّر، وثانياً يقدر قيمة يوم المخالفة.
ثُمَّ بعد أن يذكر مطالب أخرى يقول(1): إنَّه إذا كان البغل مع الألف واللام، كما في بعض النسخ يكون اليوم حالاً للقيمة، فيكون المعنى قيمة البغل حال يوم خالفته. ونحن لم نفهم ذلك. فهل معنى ذلك تقدير قيمة يوم المخالفة؟ فهذا خلاف الظاهر، وعلى أيِّ حالٍ فالموازين الأدبيّة لا تقتضيه إلّا بنحوٍ من التقدير المخالف للظاهر. إذن فهذا المطلب الذي ذكره ليس تامّاً.
وأمَّا كلام الشيخ الثاني من أنَّ اليوم قيد اختصاص للقيمة. فقد قلنا: إنَّه لا إشكال عقليّ فيه، إذ المعاني الحرفيّة يمكن تقييدها، فإنَّ كثيراً من القيود في الكلام قيودٌ للمعانيّ الحرفيّة، وليس القيد لا بُدَّ له من طرف ولا بُدَّ أن يكون الطرف ملحوظاً استقلالاً. فالمقيّد إذا ذكرته، ليس أنَّني أذكر المطلق ثُمَّ أُقيّده بالمقيّد(2)، بل أذكر المقيّد ابتداءً. كـ (أكرم زيداً يوم الجمعة أمام الأمير). فهذه كلّها قيود للهيئة، لا بمعنى أنِّي أُلاحظ الهيئة مستقلّاً وأُقيِّدها، بل إنَّي قدَّرت في
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) منية الطالب 1: 312، صحيحة أبي ولّاد.
(2) اُنظر: مناهج الوصول إلى علم الأُصول 1: 351-352، في رجوع القيد إلى الهيئة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ذهني من الأوَّل أنِّي أريد أن أُقيِّد هذا المعنى، فالتقييد يُستفاد من الكلام قهراً. فذكر القيد بعد المطلق يُعتبر في نظر العقلاء قيداً للشيء، لا أنِّي يجب أن أُلاحظ المطلق وأُدخل القيد عليه. وعلى فرض ذلك فبالنظر الثانويّ، والمعاني الحرفيّة بالنظر الثانويّ لها نظر استقلاليّ. إذن، فالإشكال العقليّ غير موجود.
ومع ذلك لا تستقيم العبارة وهي قوله: “قيمة بغلٍ يومَ خالفته“، بحيث يُقال: إنَّه مرتبط معه بالاختصاص، فإنَّه خلاف ظاهر الدليل، بل ظاهره أنَّ يوم خالفته متعلّق بالفعل المستفاد من قوله: (نعم)، ولا تفيد الرواية أكثر ممَّا تفيد سائر القواعد الشرعية.
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الأمر السابع
ضمان القيمة لو كان المأخوذ في البيع الفاسد قيمياً]
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بعد أن تكلّمنا في صدر الرواية(1) لا بُدّ أن نتكلّم في ذيلها: فإنه قال بعد العبارة السابقة وهي: “فقلت: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته. قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز
-وفي (التهذيب)(2) عقر وفي (الوافي)(3) غمر-؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه“، بناء على النسخة المعروفة في قوله: “يوم تردّه عليه“.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) حسبما أوردها في الكافي 5: 290، كتاب المعيشة، باب الرجل يكتري الدابّة…، الحديث 6، تهذيب الأحكام 7: 215، كتاب التجارات، باب الإجارات، الحديث 25، الاستبصار 3: 134، كتاب البيوع، الباب 88، الحديث 3، ووسائل الشيعة 19: 120، كتاب الإجارة، الباب 17، الحديث 1.
(2) راجع تهذيب الأحكام 7: 215، كتاب التجارات، باب الإجارات، الحديث 25.
(3) راجع الوافي 18: 933، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب أحكام الديون والضمانات وسائر المعاملات، الباب 150، الحديث 6.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ونحن قبل أن نعرض لاحتمالات المسألة لا بُدّ أن نرى أن مقتضى القاعدة في العيوب ما هي؟ سواء في ضمان اليد أو في ضمان الإتلاف، فإنه من المحتمل أن تكون هذه العبارة قد تعرّضت لكِلا الضمانين.
إذا جاءت العين صحيحةً تحت اليد ثُمّ أعيبت، ثُمّ صحّت وردّها صحيحة، فممّا لا شكّ فيه أن العيب كان مضموناً عليه، ولكن هل تجدّد وصف الصحّة يسقط عنه الضمان، أو وصفٌ حصل في مال الغير ولا يكون جابراً للضمان، أو يجبر الضمان باعتبار أنه أدّى الشيء كما أخذه فقد ارتفع الضمان وإن تخلّل بينهما -أي: بين وصفي الصحّة- العيوب؟
أو أن هناك تفصيلاً بين العيوب التي تكون من قبيل الزيادة، فلا يرتفع ضمانها، أو من قبيل النقيصة فيرتفع، أو أن هناك تفصيلاً بين ما إذا كان وصف الصحّة العائد أنه عين الوصف الزائل في نظر العقلاء، وأنه بنفسه عائد، وبين ما لم يكن كذلك، فيُقال بارتفاع الضمان في الأوّل دون الثاني؟ وهذا كلّه تابع لفهم قاعدة اليد وقاعدة الإتلاف.
هذه العين الواردة تحت اليد وأصبح فيها وصف كماليّ عندي، فهل هذا الوصف -بمقتضى قاعدة اليد- يكون مضموناً مستقلاً، أو يكون نظير الصفات الأولى التي كانت فيه عند دخولها تحت اليد؟ فإنه حينئذٍ ليس إلّا ضمان واحد، وهو ضمان العين ذات هذه الأوصاف الكماليّة، فتكون العين مضمونة بهذا الوصف الكماليّ أيضاً، فالوصف المضمون يزداد لا أنه يتعدّد الضمان، فهذا الوصف لا يكون ضمانه مستقلاً، بل يكون مضموناً بنفس ضمان
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العين، بمعنى أن هذه العين المتّصفة بهذه الصفات الكمالية مضمونة عليَّ.
أو نقول: إن الضمان عند العقلاء في الصفات الداخلة تحت اليد مع العين في نظرهم ضمان واحد، ولكن إذا اقتضى الدليل بالنسبة إلى بعض الأوصاف، لا يأبى العرف عنه بأن يقال: إنه إذا حدث له وصف كماليّ يأتي إلى ذمّتي ضمانه مستقلاً.
إذا قلنا بأن هذا الوصف الكماليّ الحادث له ضمان مستقلّ، فحينئذ إذا زال هذا الوصف الكمالي ثُمّ حصل مرّةً أخرى، فحيث إنَّ ضمانه مستقلّ فإنه لا ينتفي بالأداء.
أو نقول: إننا تابعين لـ “على اليد ما أخذت حتى تؤدي“(1). ففي الموارد التي يرى العقلاء أنه أدّاه على ما هو عليه، نقول بسقوط الضمان، وفي الموارد التي لا يرون فيها ذلك نقول بثبوت الضمان.
فإن الأوصاف عند العقلاء على شكلين:
بعضها إذا زال الوصف ثُمّ عاد يُقال عرفاً: إنه عاد المعدوم -وإن كان بالدقّة لا يمكن إعادة المعدوم- كما لو نسي العبد الصناعة ثُمّ تذكّرها بعد ذلك، فإنه يُقال إنَّ نفس علمه عاد إليه. نظير ما إذا ضاع الشيء ثُمّ وُجِد، فإنه إذا ضاع يحدث ضمان، ولكن إذا وُجِد صدفة يزول الضمان ولا يطالب بالعين وبقيمتها معاً.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 224، الفصل التاسع، الحديث 106، مستدرك الوسائل 14: 8، أبواب كتاب الوديعة، باب وجوب أداء الأمانة، الحديث 12، مسند أحمد بن حنبل 5: 8، حديث سمرة بن جندب، سنن الدرامي 2: 264، باب في العارية مؤدّاه، وسنن ابن ماجة 2: 802، الحديث 2400.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وقسمٌ من الأوصاف ليس كذلك، كما لو كسرت يد العبد، ثُمّ صلحت، لا يُقال عقلائياً إن هذا وصف الصحّة نفس الوصف الذي كان سابقاً، أو مثلاً إذا غصب داراً وخربت تحت يده، فبناها بنفس الشكل والترتيب، بحيث لو دخل فيها صاحبها لم يجد فرقاً بينه وبين السابق، إلّا أنَّ هذا البناء في نظر العقلاء شيء غير البناء السابق.
بناءً عليه، فـ(على اليد) في مثل مثال نسيان العبد ونحوه، ممّا يكون في نظر العقلاء عوده عوداً لنفس المعنى، نقول بحصول الغاية وهو الأداء؛ لأنّي أعدت العبد عالماً بالصنعة كما أخذته، فقد أدّيت عين ما أخذته لا مماثلة، فإن الضمان في مثل ذلك نظير الضمان في الضياع، فإنه بعد وجدان الضائع يرتفع الضمان.
أما في مثل مثال البناء الجديد المماثل للبناء السابق، ونحوه ممّا لا يراه العقلاء عوداً لنفس الشيء التالف، فالضمان لا يرتفع، والبناء الجديد لا يجبر القديم التالف؛ لأن القديم الذي ضمنته لم يعد، وهذا الذي بنيته إنّما بنيته غصباً فيكون الضمان ثابتاً.
فالتفصيلات متعدّدة، إلّا أنَّ الذي أظنّه هو أنَّنا يجب أن نكون متبعين لمقتضى قاعدة اليد، بحيث إنَّ هذا الوصف الحادث بعد الزوال والعود هل يعتبر أداؤه أداءً للعين بنفس الوصف أو لا؟ بحيث لا يُقال إنَّ ما أخذه أدّاه بنفسه، بل أدّاه بمماثله. فهذا التفصيل بنحو الكبرى الكلّية قريب من النظر، فلو ذهب نقش الخاتم بفعلي أو بغير فعلي ودخل ضمانه في ذمّتي، فإنه لا يزول الضمان حتى ولو نقشت مثله تماماً؛ لأنه في نظر العقلاء مثله، لا أنه عينه. فهذا هو الحال في ضمان اليد.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأمّا في باب: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) فهل يُقال نفس ذلك، وإذا أتلف مال الغير ثُمّ عاد التالف إلى الوجود، إمّا بفعله أو بفعل غيره، كما لو أعطاه قرصاً فنسي، ثُمّ أرتفع تأثيره فتذكر مرّةً أخرى أو أعطاه قرصاً مضادّاً فأصبح ذاكراً، فهل يكون هذا التلف في عهدته حتى بعد رجوع الوصف؟ أو مثلاً لو قتلت العبد ثُمّ عاد إلى الحياة بدعاء عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام فأعطيته إلى صاحبه، فهل له أن يقول هذا العبد عبدي وأنت ضامن لقيمته أيضاً؟ أو أني أدّيته بعينه وارتفع الضمان، ولا يجب عليّ أن أدفع عبداً وقيمة العبد؟ وكذلك في صورة النسيان فإن العقلاء يرون التذكّر اللاحق عين العلم السابق، فنفس ما أتلفته عاد إلى الوجود. ففي الإتلاف يُقال إنَّي أتلفته وضمنته، إلّا أنه عاد على ما هو عليه، فأدّيته فارتفع الضمان.
فيقال في باب ضمان الإتلاف بنفس التفصيل الذي قيل في باب ضمان اليد، فما يعتبر عوده وجوداً للشيء، لا بُدّ أن نحكم بارتفاع الضمان، لحصول الغاية في قاعدة اليد، ولحصول الجبران للإتلاف، بينما إذا كان عوداً لا لعين الوصف بل لمماثله، ففي كلّ من مورد الإتلاف والتلف تحت اليد يُقال بوجود الضمان، فهذه قاعدة.
قاعدة أخرى: أنه في صورة عود الوصف وعدم الضمان، حينئذٍ يكون أداء العين كافياً ولا كلام. وأمّا في صورة عود الوصف عرفاً وبقاء الضمان، فالضمان ضمان يوم التلف، نعم ما كان من شأنه أن يعود ينتظر فيه فإذا عاد فلا ضمان له، وأمّا إذا لم يعد فضمانه منجز حال عدمه، ويكون مضموناً بقيمة يوم
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الإتلاف والمعنى التعليقي لضمان اليد وهو: (إذا تلف فعليك الخسارة)، يكون شاملاً له.
وأما إذا لم يكن الوصف العائد عين الوصف السابق، فمن حين تلف الوصف أولاً دخل في ذمّتي ضمانه، فضمانه بحسب قيمة يوم التلف أيضاً، وحينما عاد لا يكون عوداً لعينه ليرتفع الضمان.
ففي باب الإتلاف يكون الضمان ضمان قيمة يوم التلف، وفي باب اليد في المِثْليات قيمة يوم التلف، نعم في باب القيميّات مقتضى القاعدة ضمان قيمة يوم الأداء، إلّا أنه خارج عن محلّ الكلام، فهذا هو مقتضى القاعدة في قاعدة اليد وقاعدة الإتلاف.
إلا أنَّه لا بُدّ أن نرى محتملات العبارة -وهي قوله: “عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم ترده عليه“- وما هو الأقوى من المحتملات؟ ونرى أن أقوى المحتملات الذي سيظهر هل هو موافق للقواعد التي حققناها أو مخالف لها؟
ثُمّ إنَّ السؤال -وهو قوله: “فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز“- هل هو عن السير الذي سار به، بمعنى: أنه أصابه العيب بسبب المسير الذي سرناه، لأنه كان في طلب الغريم وبسرعة، ليكون معنى الإتلاف، أو معنى (أصابه) أنه أصابه في نفسه ليكون معنى ضمان اليد، أو أعمّ منهما معاً ليكون متعرّضاً لكِلا الضمانين؟
نحن نذكر الاحتمالات بناءً على أن تكون العبارة (يوم تردّه)، فأحد
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الاحتمالات: أن عليك حكماً وضعياً، والآخر أنه حكم تكليفي، وعلى كِلا الاحتمالين و(اليوم) إما أن يرجع إلى قوله: “عليك”، أو إلى القيمة، أو إلى العيب، فهذه ستة احتمالات.
وعلى كل تقدير ففي قوله: (يوم ترده) احتمالات(1)، أن يعود الضمير إلى البغل، وأن يعود إلى القيمة يعني قيمة ما بين الصحّة والعيب، فهذه اثنا عشر احتمالاً في هذه العبارة. وحينئذ لا بُدّ أن نتكلّم في هذه المحتملات، ونرى أنه على أقوى المحتملات هل يريد أن يقول شيئاً آخر غير ما هو مقتضى القاعدة في الضمان، أو يريد أن يقول نفس المطلب؟
سأل أبو ولّاد فقال: “فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم ترده عليه “.
وبناءً على نسخة (الجواهر)(2) التي قال عنها إنها نسخة مصحّحة(3)، والتي لا يوجد فيها كلمة (يوم)، تكون مطابقة لمقتضى القواعد، إذ يكون معناه: إن أصابه عيب فعليك قيمة ما بين الصحّة والعيب، وهو ظاهر بقيمة يوم الإصابة أو يوم التلف.
إنّما الكلام في صورة وجود كلمة (يوم) كما في غالب النسخ، قلنا إن
ــــــــــ[249]ــــــــــ
() عدّ منها السيد اثنين، وهما. (المقرِّر).
(2) أُنظر: جواهر الكلام 37: 102، كتاب الغصب، النظر الثاني، تعيين القيمة.
(3) اُنظر: تهذيب الأحكام 7: 215، كتاب التجارات، باب الإجارات، الحديث 25.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الاحتمالات كثيرة، فإن (اليوم) له ثلاثة متعلقات محتملة هي: (عليك)، و(القيمة)، و(العيب)، وعلى كلّ تقدير فالضمير في (ترده) إمَّا راجع إلى البغل أو إلى الأرش، فهذه ستة احتمالات، وفي (عليك) أيضاً احتمالان: أحدهما أن تكون حكماً وضعياً بمعنى الضمان والعهدة، والآخر أن تكون حكماً تكليفياً، بمعنى: يجب ردّه.
والكلام: تارةً يقع في لوازم هذه الاحتمالات، وأخرى في الإشكالات عليها، وثالثةً في الفهم العرفيّ من هذه العبارة.
أمّا لوازم الاحتمالات، و(اليوم) إذا كان متعلقاً بـ(عليك) -سواء بالمعنى التكليفيّ أو الوضعيّ وإن كانت ظاهرة بالثاني- يكون المعنى: عليك الأرش يوم ردّ البغل، فيكون ظاهره أن أصل ثبوت الضمان يوم الردّ -ويوم الردّ لا بمعنى النهار، بل بمعنى حال الردّ- وإذا كان المراد بالردّ ردّ الأرش يكون المعنى: عليك الأرش يوم ردّ الأرش، وإذا كان اليوم متعلّقاً بـ(القيمة)(1) يكون المعنى: عليك -بدون قيد- قيمة ما بين الصحّة والفساد، لكنّ قيمة يوم الردّ، وبتعبير آخر: عليك أرش يوم الردّ.
على الوجهين من ردّ الأرش أو ردّ البغل، وإذا أخذنا (اليوم) متعلّقاً بـ(القيمة) يكون المعنى: عليك قيمة ما بين الصحّة وعيب يوم الردّ، على الوجهين من ردّ الأرش وردّ البغل.
هناك إشكال مشترك في تمام الاحتمالات، وهو أن يقال: إننا سواء أرجعنا
ــــــــــ[250]ــــــــــ
() أي قيمة ما بين الصحيح والمعيب أي الأرش (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
(اليوم) إلى (عليك) أو (القيمة) أو (العيب)، وسواء كان (عليك) حكماً تكليفياً أو وضعياً، فإنه لو لم يأت يوم ردّ الأرش أو يوم ردّ البغل بأن عزمت على عدم ردّهما، فهل الضمان لا يكون متحقّقاً؟
فإن الحكم المجعول على موضوع مقيّد لا بُدّ أن لا يتحقق بدون وجود الموضوع بقيده، وأنت تقول إن الضمان موجود يوم ردّ الأرش أو البغل، فأنا لا أردّها لكي لا يتحقق موضوع الضمان. فإن الجعل ورد على عنوان وحيث لم يتحقّق العنوان لا يكون الضمان أو وجوب الردّ متحقّقاً.
وهذا الإشكال سارٍ في سائر الاحتمالات، فإنّنا لو أرجعنا (اليوم) إلى القيمة أيضاً لا تكون قيمة يوم ردّ الارش أو قيمة يوم ردّ البغل متحقّقة لكي يكون الموضوع متحقّقاً. نظير عدم الاستطاعة بالنسبة إلى عدم وجوب الحجّ.
الإشكال الآخر: أنه بناءً على رجوع (اليوم) إلى (القيمة)، ويكون المعنى عليك يوم ردّ البغل قيمة التفاوت ما بين الصحيح والفاسد. حينئذٍ نقول: إن أحد احتمالات الردّ هو ردّ الأرش، والآخر هو ردّ البغل، وعلى كِلا التقديرين لا يكون هذا الزمان -وهو يوم ردّ أيّ منهما تحقيقياً بل تقديرياً-. فإن الشيء إذا كان موجوداً فقيمته كذا، وهذه قيمة محقّقة، ولكن قولنا إن هذا الشيء إذا بقي إلى غد فقيمته كذا، مثل هذه القيمة غير محقّقة الآن، فإن غداً لم يأتِ لحد الآن، والشيء لم يتحقّق في ذلك الظرف، فكيف تكون القيمة متحقّقة لشيء غير متحقّق؟! بل لا بُدّ وأن تكون قيمة فرضية، بأن يُقال إذا فرضنا مجيء الغد وفرضنا وجود هذا الشيء فيه فقيمته كذا.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فإذا قلنا إنه يجب عليك الأرش بحسب قيمة يوم الردّ، فإن يوم الردّ
–بالمعنيين- غير موجود فعلاً، بل يأتي في المستقبل ولا بغل يوم الردّ موجود، فهل يمكن أن لا يكون بغل المستقبل موجوداً وتكون قيمته فعلية؟ هذا غير ممكن، إلّا بحسب القيمة الفرضية بأن يفرض يوم الردّ وتفرض له قيمة. إذن فما أتلفته غير داخل في عهدتك قيمته، بل قيمة فرضية لأمر فرضي.
وهذا الإشكال مشترك الورود على سائر احتمالات رجوع (اليوم)، فإن قيمة يوم الردّ غير موجودة فعلاً ولا عيب يوم الردّ موجود، ولا يمكن أن يكون الشيء غير الموجود له قيمة فعلية ليصحّ ضمانها أو يجب أداؤها. وهذا منافٍ لباب الضمان، فإن معناه أني أتلف شيئاً ويأتي قيمته في عهدتي، والمفروض أنك تريد أن تجعل في ذمّتي قيمة زمان آخر لشيء آخر غير موجود، والزمان غير موجود والتلف لم يحدث في ذلك الزمان المستقبل ليكون مضموناً.
ثُمّ على خصوص قيمة يوم ردّ الأرش، أو البغل إشكال ذكروه، بعد الالتفات إلى ما قلناه من أنَّ المقصود باليوم ليس هو النهار، بحيث لو ردّه بالليل لم يكن صحيحاً، بل المراد حال الردّ. فلو قلنا: إن المعنى أنه حال ردّ الأرش يأتي الأرش إلى عهدتك، فهذا غير ممكن، إذ لا بُدّ أن تكون هناك عهدة للأرش لكي أردّه بمقتضاه، أم المفروض أني تبرّعاً أعطيت الأرش وحين رددته أتى إلى عهدتي، ولا يمكن أن يكون العهدة عهدة لنفس المردود.
نعم، إذا أخذنا اليوم بعرض عريض، يعني طول النهار أمكن جعل الميزان ثبوت الضمان قبل الردّ بنصف ساعة، إلّا أنَّ هذا لا وجه له.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وكذلك لو قلنا: إنه حال ردّ البغل يكون الأرش على عهدتك فعند التلف لا شيء عليك، ولكن حال ردّ البغل يأتي الأرش إلى عهدتك، هذا أيضاً غير ممكن.
وإذا أردنا أن نتخلّص عن هذا الإشكال الأخير كما تخلّص البعض بأن استقرار الضمان في هذا الحال هو المقيّد بالردّ، وذلك على مبنى الشيخ محمّد حسين(1) من أنَّه إذا عاب عندي الشيء ثُمّ ارتفع عيبه فمطلقاً لا ضمان عليّ وتحصل غاية قاعدة اليد.
بناء عليه يقول: إن الضمان مراعى إلى يوم ردّ البغل، فإن بقي العيب إلى ذلك الوقت كان عليك أن تردّه مع الأرش، فإذا لم يكن ممكناً عود القيد إلى نفس الضمان، والحصول في العهدة نعيده إلى يوم استقرار الضمان.
نقول إن قصّة الاستقرار هنا لا معنى له، فإن التزلزل في الحكم الوضعيّ غير متصور، بل لا بُدّ أن يقال: إن الحكم الوضعيّ ثابت في الذمّة، ولكن إذا ذهب العيب فالحكم الوضعيّ يذهب أيضاً، وإذا لم يرتفع العيب يبقى الحكم الوضعيّ أيضاً، فهو يريد أن يقول بالمراعات بهذا المعنى: إن الضمان على عهدتك إلّا أنه موقوف بقاء على العيب إلى يوم ردّ البغل، والإمام إنّما قال: عليك يوم ردّ البغل. باعتبار أنه أصبح مستقرّاً وغير قابل للزوال، فهو لم يجب عن مضمون السؤال، وإنما يستفاد منه جوابه بالملازمة، وهذا وإن كان تخلّصاً من
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) راجع ما أفاده في بيان صحيحة أبي ولّاد في حاشيته على كتاب المكاسب 1: 409-412.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الإشكال إلّا أنه معلوم كم هو خلاف الظاهر لا يصار إليه إلّا بدليل.
الآن نعطي احتمالاً في الرواية مطابقاً للقواعد وليس بذلك المخالف للظاهر، افرضوا أنفسكم مكان أبي ولّاد، ذي الذهن العرفيّ الخالي من إشكالاتكم العقلية وتدقيقاتكم التعمّليّة، فهو بحسب فهمه العقلائيّ كان يعلم أنه إذا أتلف مال الغير فيأتي إلى عهدته قيمة يوم التلف. لا أنه إذا أتلف مال الغير فيأتي إليه قيمة يوم آخر، فهذا كلام مدرسيّ، وأمّا الاستقرار فهو ممّا لا يفهمه العامّة والعرف. إذن فهو يعلم أنه إذا أتلف شيئاً من مال الغير فهو ضامن قيمة يوم التلف، إلّا أنه يسأل عن ثبوت الضمان.
ومن الطرف الآخر، لاحظوا أن الأئمة لم يكونوا بحيث لا يتكلّمون كلاماً عرفياً وكان كلّ كلامهم أحكاماً، بل ربما تكلّموا كلاماً عادياً، و(يوم تردّه) ليس راجعاً إلى شيء ممّا ذُكر، بل يريد به أمراً عادياً وهو أنَّ الإنسان إنّما يرجع الأرش مع إرجاع البغل، ولا يريد أن يقول إن الضمان ثابت في ذلك الحين، وهذا مطلب عادي يُقال عرفاً.
فأنتم ضعوا السؤال إلى جنب الجواب، فأبو ولّاد يسأل عمّا إذا أصاب الدابّة عيب، إذ الكسر والدبر لا خصوصية له إلّا كونه عيباً، فيجيبه الإمام -بعد ضمّ السؤال إليه- إذا أصاب البغل عيب فعليك الفرق بين الصحّة والعيب يوم ردّ البغل، فيوم الردّ يوم لإعطاء الأرش، كما أنَّ يوم ردّ العين المستأجرة يوم لإعطاء الأجرة، أمّا أن الوجوب أو العهدة يأتي يوم الردّ فهذا غير عرفيّ أصلاً.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فالظاهر هو هذا المعنى، وهو موافق للقواعد في باب الضمان، وللعبارة السابقة، فإنه كان مقتضاها ضمان قيمة يوم التلف، وهنا أيضاً كذلك، وقلنا إن العيوب تختلف فمنها ما يرى العرف رجوعه بعد زواله بنفسه، ومنها ما لا يرى ذلك، فما قاله من الاستقرار مبنيّ على كبراه الكلّية التي لم نقبلها.
ولا يفرّق في ذلك بين أن يكون أصابه العيب من السفر، ليكون ضمان الإتلاف، أو من نفسه ليكون من قبيل ضمان اليد، على أيّ حال يأتي إلى العهدة قيمة يوم العيب، ولا بُدَّ أن يرجع الأرش مع البغل، فهذا هو الكلام في هذه الفقرة؟
“قلت: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته. قلت: فإن أصاب البغل عقر أو كسر أو دبر، قال: عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه. قلت: فمن يعرف ذلك قال: أنت وهو إمّا أن يحلف هو فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك“.
وفي قوله (فمن يعرف ذلك؟)، ثلاثة احتمالات:
أحدها: أن يعود إلى قيمة البغل يعني للمسألة الأولى لأبي ولّاد.
ثانيها: أن يعود إلى قيمة ما بين الصحّة والعيب يعني للمسألة الثانية.
ثالثها: أن يعود لكِلا الأمرين.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وما رأيته في كلمات الآغايون(1)، هو إرجاع ذلك إلى قيمة البغل، فيكون الحكم الذي قاله الإمام مخالفاً لباب القضاء، فوقعوا من هذه الناحية في حيص وبيص، وكلٌ قال مطلباً.
والإشكال هنا، هو أنَّه في باب القضاء(2) مقتضى القاعدة أن صاحب البيِّنة غير صاحب اليمين، ومن تطلب منه البينة لا تطلب منه اليمين، كما أنَّ مقتضى القاعدة هو أنَّ المدّعي يقيم البيِّنة ويقسم المنكر على دعواه. فإن رجع (ذلك) إلى قيمة البغل في المسألة الأولى، فمقتضى طبع النزاع الذي يقع بين الضامن وصاحب البغل هو أنَّ صاحبه يدّعي زيادة القيمة والآخر يقول إنها أقلّ، فيكون الضامن منكراً وعليه القسم، على حين أن الإمام قال بأن صاحب البغل يقسم، وفي عين الوقت الذي كلّفه بالقسم كلّفه أيضاً بالبيِّنة، فكأنّه مخيّر بينهما، وهذا مخالف لموازين القضاء.
وكلٌّ أجاب عن ذلك بجواب، فأجاب الشيخ(3) بأن الرواية تتكفّل بيان صورتين للنزاع، أحدهما النزاع في قيمة البغل يوم الاكتراء ويكون بذلك صاحب البغل مدّعياً، والأخرى النزاع في قيمته يوم التلف أو العيب مع الاتفاق على القيَّم
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) راجع كتاب المكاسب 3: 244-249، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد…، حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 508، السابع: ضمان القيمي بالقيمة، حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 43، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد…، وغيرها.
(2) أُنظر: الأحاديث الواردة في كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الباب 3، من وسائل الشيعة 27: 233، وغيره.
(3) راجع كتاب المكاسب 3: 248-252، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد….
تقريرات، كتاب البيع، ج4
السابقة، وبه يكون صاحب البغل منكراً وعليه اليمين، ولهذا يقول: إن الرواية ظاهرة بأن الميزان هو قيمة يوم التلف، باعتبار أن قيمة يوم الاكتراء قليلة الاختلاف مع قيمة يوم المخالفة، كثيرة الاختلاف مع قيمة يوم التلف.
والآخوند(1) وتبعه عليه الشيخ محمد حسين(2)، يقول: أن القسم والبيّنة ليس قسماً وبيّنةً لباب القضاء، وإنما الإمام أراد أن لا يصل المطلب إلى المرافعة، وإنما القسم لأجل حصول اطمئنان الآخر، والبعض الآخر قالوا(3): إن قاعدة: (البيِّنة على من أدّعى واليمين على من أنكر) ليست قاعدة عقلية غير قابلة للتخصيص، بل هي قاعدة شرعية قابلة للتقييد، فهذا يكون تقييداً له.
نحن لا بُدّ أن نرى أن (ذلك) بحسب فهم الإنسان يعود إلى أيّ شيء، وأن الاختلاف بين الضامن وصاحب البغل كان على أيّ شيء. لنرى أنه هل تنطبق على قواعد القضاء أو لا؟
ظاهرها رجوعه إلى المطلب الثاني دون الأول، فإن المسألة الأولى تمّت وسكتوا عنها، ثُمّ سأل ثانياً عمّا إذا حدث فيه عيب فما هو الحكم، فقال الإمام ما محصله: ارجع الأرش مع البغل، فحين قال أبو ولّاد: (فمن يعرف ذلك)، يعني من يعرف تفاوت القيمة ما بين الصحيح والمعيب؟ لا أنه رفع اليد عن الكلام الثاني وطفر إلى الكلام الأول.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
(1) راجع حاشيته على المكاسب: 43، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
(2) راجع حاشيته على المكاسب 1: 413-417، بيان صحيحة أبي ولّاد.
(3) راجع ما أفاده المحقّق اليزدي في حاشيته على المكاسب 1: 510، والقواعد الفقهيّة 3: 22، قاعدة عموم حجّيّة البيّنة، الجهة الأُولى، الدليل الخامس، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فإذا تمّ ذلك، فطبع النزاع يتصوّر على ثلاثة أنحاء:
أحدها: الاختلاف في قيمة المعيب ومقدارها، مع تسالمهما على قيمة الصحيح.
والآخر: الاختلاف في قيمة الصحيح مع التسالم على قيمة المعيب.
وثالثها: الاختلاف من كِلا الجهتين.
فإذا اختلفا عن قيمة المعيب فمقتضى الطبع أن يدّعي صاحب المال أن قيمة المعيب قليلة؛ لأن الأرش الواصل إليه سوف يزداد، بعكس الآخر. وإذا اختلفا في قيمة الصحيح، فمقتضى الطبع أن يدّعي صاحب المال زيادة القيمة. وإذا اختلفا في كِلا الأمرين فصاحب المال يدّعي هناك النقيصة وهنا يدّعي الزيادة، والخلاف لا يخرج عن أحد هذه الصور الثلاث.
وحينئذ فنقول: إنَّه حين قال: “عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه“، فرض أن هذا (اليوم) هو يوم الردّ، وقوله: “من يعرف ذلك؟”، يعني قيمة هذا البغل الذي نريد إرجاعه ومعرفة أرشه، فإذا جهلنا فما هو العمل؟
فالاختلاف في هذا المطلب، وصاحب البغل يقول إنه تعيّب عندك عيباً كثيراً فأصبحت قيمته واطئة، والضامن يقول تعيّب عيباً قليلاً فقيمته كثيرة، فظاهره اختلافهم في البغل المعيب، وبحسبه يقول الإمام إن المالك يُقسم أو يردّ اليمين على المدّعي وهو الضامن.
أقول: لا يخفى أن النزاع يمكن أن يقع في موارد متعددة -في حدود فرضية السيد-:
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أحدها: في حدوث العيب الزائد ويدعيه المالك عادة والأصل عدمه وهو (استصحاب الصحة) فيكون المالك مدّعياً.
وأخرى: يقع النزاع في زيادة قيمة المعيب وقلّته، ومقتضى الأصل قلّته لا محالة، فيكون مدّعي القلّة منكراً وهو صاحب المال -على النحو الذي قاله السيد- والآخر مدّعياً.
وثالثةً: يقع النزاع في مقدار شغل الذمّة، والذي يدّعي زيادة شغل ذمّة الضامن هو صاحب المال، والأصل عدمه، فيكون قول المالك مخالفاً للأصل فيكون مدّعياً والضامن منكراً.
وبحسب الواقع، فإن الدعويين الآخرين يرجعان إلى مرافعة واحدة، إن نظرنا إلى مصبّها -وهو القيمة- كان صاحب المال منكراً، وإذا نظرنا إلى جوهرها -وهو اشتغال الذمّة- كان الآخر منكراً.
إلّا أنَّ السيد بعد أن أشكل عليه ببعض هذا الذي قلناه أجاب ما محصّله: أن كلّاً من المدّعي والمنكر عنوان عقلائيّ ومفهوم عرفيّ، وغير صحيح ما يقال: من أنَّ المدّعي من خالف قوله الأصل والمنكر من وافقه. فإذا ورد حكم على المدّعي والمنكر شرعاً أو عقلائياً نحو: (البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر)، وهي قاعدة عقلائية لا بُدّ أن نرى من هو الذي يثبت شيئاً ليكون مدّعياً ومن هو الذي ينفي شيئاً ليكون منكراً، والميزان هو محطّ الدعوى الذي ينفيه شخص ويثبته الآخر، لا أن يفكّر القاضي ليجد أن أساس الدعوى ما هي؛ ليعيّن المدّعي والمنكر على أساسها.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الصورة الأخرى: وهي وقوع الاختلاف في قيمة الصحيح بعد التسالم على قيمة المعيب، وفي مثله يكون صاحب المال مدّعياً، وصريح الرواية على أنَّ البيّنة عليه، ويكون اليمين على الآخر، والرواية تعرّضت إلى كِلتا الصورتين وحكم الإمام في الأولى باليمين على المالك وفي الثانية بالبيّنة عليه.
وأما الصورة الثالثة: وهي وقوع الاختلاف في كِلا القيمتين، فهي دعوى مركّبة من ادعاءين كلّ واحد مطابق لإحدى الصورتين. فيظهر حكمهما ممّا قاله الإمام في الصورتين.
وما قلناه في الرواية يختلف قليلاً جداً عن قوانين القضاء، لظهورها بالتخيير بين اليمين والبيّنة، إلّا أنه لا يؤخذ به ولا يكون مهمّاً.
وإنصافاً أنه أيّ وجه لادعاء رجوع (ذلك) إلى الأول؟! فإما أن يرجع إلى الأخير أو إليهما معاً، ورجوعه إلى الأخير متيقّن، والى الأول مشكوك، فيكون الظهور متبعاً وهو رجوعها إلى الأخير. وقوله: “أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل يوم اكتُرى كذا وكذا فيلزمك“، ظاهره أن الاختلاف كان في قيمة الصحيح، وبذلك تكون البيّنة على صاحب المال واليمين على الآخر.
ولا بُدَّ أن نقول مطلباً، وهو أنَّ قاعدة (البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر)، قاعدة موجودة منذ زمان رسول الله، وكان يقول: “إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان“(1)، فنحن نستطيع أن نضم هذا المعنى الارتكازي إلى
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 414، كتاب القضاء والأحكام، باب أنَّ القضاء بالبيّنات والأيمان، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 229، باب كيفيّة الحكم والقضاء، الحديث 3، ووسائل الشيعة 27: 232، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الباب 2، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فتوى الإمام الصادق، ونستكشف بذلك المراد -مع قطع النظر عمّا قلناه- فإنه يبعد أن الإمام الصادق يريد أن يخصّص القاعدة العامة، بخصوص البغل أو بالقيميات أو بباب الغصب، هذا كله غير قابل للتصديق.
إذن فمن فتوى الإمام ومن ارتكاز القاعدة في زمان النبي إلى الآن نستكشف المراد في الصورتين. وأنه حين قال: (اليمين عليه) نعرف أن الاختلاف في قيمة المعيب، وحين قال: (عليه البيّنة) أن الاختلاف في قيمة الصحيح.
وفي نظري أن هذا أمر ظاهر، ولا أقلّ من أنَّه لا يستطيع أن يقول برجوعه إلى الأول، ولا يمكن أن نخصّص بهذه الصحيحة القاعدة العامة في باب القضاء.
نعم الترديد بين اليمين والبيّنة لبعده لا يكون ظاهراً فيه.
وعلى هذا الذي قلناه لا يكون قيمة يوم الاكتراء ولا قيمة يوم التلف شاهداً على ما يريده الشيخ من إثبات قيمة يوم الإتلاف، باعتبار أنه يقول: إن الفرق بين قيمة يوم الاكتراء وقيمة يوم التخلف قليلة الاختلاف، وإن التفاوت يحدث بعد ذلك. وعلى ما قلنا لا يستفاد ذلك منه.
وفي ذيل الحديث يقول أبو ولّاد: “إني كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني، فقال: “إنّما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والظلم. ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك“. انتهى.
من هنا يعلم أن ما يُقال من أنَّ التحليل على أساس الاشتباه تحليل جدّي يؤخذ به، غير صحيح ولا هذه الحلّية مفيدة، ولعلّه يسري إلى كثير من الموارد، كما لو دعا شخصاً خارجياً إلى الوليمة -ولم يقل أيّها الصديق(1)– فقد أَفتوا بالجواز ولو مع الاشتباه بالتطبيق. ولكن من هذه الرواية يعلم أنه لا يجوز إلّا أن يعلم أنه صديق.
فتحصّل أنه في باب الغصب الميزان هو قيمة يوم التلف دون أي قيمة(2) أخرى.
الآن هل نستطيع أن نسري الحكم من الغصب إلى المقبوض بالبيع الفاسد أو لا؟
وهذا وإن لم يكن على مبانينا منتجاً إلّا أنَّنا نذكره.
يحتمل(3) أن من أرجع ذلك إلى أصل قيمة البغل قد استند إلى قرائن هناك موجودة في الرواية، منها قوله: “من يعرف ذلك؟” بأن يقال: إن هذا إنّما يُقال فيما إذا هلك البغل ولا يمكن الاطّلاع على قيمته، فلذا أجاب: “أنت
ــــــــــ[262]ــــــــــ
() مع اختصاصها بالأصدقاء.
(2) قيمة يوم المخالفة. (المقرِّر).
(3) قال بعد أن لخّص مختاره في فهم الرواية. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وهو“، ولو كان موجوداً لما اختصّ بهما، بل عادت معرفته إلى أهل الخبرة، فهذا -وهو قوله: “أنت وهو“- شاهد آخر على المطلب.
والشاهد الثالث: أنه قال: “أما أن يحلف أو يرد اليمين عليك“، ولم يكلفه بالبيّنة، فيعلم أنه لا يمكن إقامة البيّنة باعتبار هلاك البغل، ولو كان البغل موجوداً والاختلاف بمجرّد العيب، لأمكن إقامة البيّنة ولَما وصلت النوبة إلى اليمين. وأما قوله: “أو يقيم البينة على قيمة البغل يوم الاكتراء“، فهو يشير إلى صورة إمكان إقامتها، إذن فهو يعود إلى أصل قيمة البغل، وحينئذ يعود الإشكال، ولا بُدَّ من الأخذ بأحد الوجوه التي قالها الآغايون في ذلك.
نقول: إن ذلك يعود إلى قيمة الفرق(1)بين الصحيح والمعيب. فإنه لا يعود إلى السؤال الأول حول قيمة البغل جزماً، بل إما إلى الثاني كما هو ظاهر، أو إلى كِلا الأمرين، ورجوعه إلى كِليهما مشكوك فيتعيّن رجوعه إلى الثاني.
ومع ذلك يمكن السؤال عن قيمة التفاوت حال وجود البغل، وذلك بهذا البيان: أنه سواء كانت الرواية تقرّر ضمان اليد أو ضمان الإتلاف، فهي ظاهرة بضمان العين حين حدوثه، وأنه حينئذٍ وفي ذلك الحال يأتي قيمة الفرق إلى العهدة، فإذا كان الميزان ذلك، فلا يعرف ذلك بحسب النوع إلّا هذان الشخصان، لاطّلاعهما على حال البغل سليماً أولاً، ومعيباً أخرى، فيمكن لأيٍّ منهما أن يعرف مقدار التفاوت بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً.
وأما الآخرين فلا يمكن لهم عادة معرفته؛ لأن ما هو الآن تحت اليد هو
ــــــــــ[263]ــــــــــ
() هذا محصل الشاهد الذي يمكن أن يقال. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المعيب، والعيب ملازم غالباً للضعف والهزال، فلا يمكنهم أن يفهموا مقدار ما كان عليه من الصحّة حين العيب، لكي يعرفوا الفرق في القيمة، وإنما يحتاج ذلك إلى إنسان مطّلع على كِلا حالي البغل، وهو لا يكون بحسب النوع إلا صاحب البغل ومستأجره، فهما اللذان يستطيعان تقييم البغل، ولهذا قال: “أنت وهو“.
وعليه فما هو المضمون هو الفرق بين الصحيح والمعيب حال حدوثه، وإذا حدثت زيادة في العيب فتكون مضمونة من حين حدوثها، وإذا نقص العيب لا ينقص الضمان. والناس لا يمكن أن يطلّعوا على نقصان العيب وزيادته، فقيمة يوم الضمان لا يمكن الإحاطة بها عادة.
وأما بالطريقة التي يقولها (الآغايون) فتتعيّن إقامة البيّنة؛ لأن الشيخ ذكر أن اختلافهما إنّما هو في القيمة السوقية، فصاحب المال يدّعي تنزّلها والآخر ينكره، وإنما يكون صاحب المال منكراً إذا كان الاختلاف في تنزّل القيمة باعتبار العيب لا بحسب السوق، وحينئذٍ فإقامة البيّنة على تنزّل السوق بمكان من الإمكان، مع ذلك لم يكلّفه بإقامة البيّنة وكلّفه بالحلف(1).
فهذا مناسب وقرينة على أنَّ المورد مورد لعدم إمكان إقامة البيّنة، وأن الاختلاف في القيمة من حيث العيب لا من حيث القيمة السوقية، ومن المعلوم أن كل مورد لا يمكن إقامة البيّنة فيه ينتقل فيه إلى اليمين.
فهذه الشواهد التي أقاموها على رجوع ذلك إلى قيمة البغل غير صحيحة،
ــــــــــ[264]ــــــــــ
(1) راجع كتاب المكاسب 3: 250-252، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بل القرائن على خلافها. مضافاً إلى أنَّ الخلاف لا يخرج عن ثلاث صور:
أولاً: الاختلاف في الصحيح.
ثانياً: الاختلاف في المعيب.
ثالثاً: الاختلاف في كِليهما.
والإمام ذكر حكم الصورتين الأوليَّين ويظهر منه حكم الثالثة، باعتبار كونها تنحلّ إلى نفس الصورتين. ونحن لا نجزم بهذا الذي نقوله في الرواية مائة بالمئة، بل نقول إنه أقرب ممّا قالوا، وليس مخالفاً للظاهر كثيراً.
والآن هل يمكن أن نعمّم حكم باب القبض إلى المقبوض بالبيع الفاسد؟
أما بحسب ما قلناه فلم يكن خلاف القواعد؛ لأن ما استفدناه من الرواية كان موافقاً للقواعد، سواء قاعدة اليد أو الإتلاف.
وأما إذا لم تكن لنا إلّا هذه الرواية في باب الغصب، وأردنا أن نفهم منها حكم الأبواب الأخرى، فهو أيضاً ممكن بهذا التقريب: أنه على بعض المباني في الرواية نفهم اختصاص الحكم بالغصب، كما لو فهمنا منها ضمان يوم أعلى القيم. فتسريته إلى سائر الأبواب لا يمكن؛ لأننا إنّما نسرّي باعتبار إلغاء الخصوصية عقلائياً، بحيث نقول إن الميزان في هذا الحكم هو التلف دون خصوص الغصب، وإنما يشمل ذلك القيود التي لا يتوجّه لها الذهن عادة وعرفاً. فهنا إذا كانت هنا خصوصية زائدة مربوطة بباب الغصب كأعلى القيم، فلا يمكن أن نسريها إلى سائر الأبواب ونلغي خصوصية الغصب.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أما إذا قلنا إن المراد بالرواية هو هذا، وهو: أنَّه إذا أتلف مال الغير فهو له ضامن، سواء كانت متعرِّضة لحال التلف أو الإتلاف أو لكِلا الأمرين، فإذا كانت تجعل الميزان في الغصب هو ميزان يوم التلف الذي هو الميزان الذي يوافق عليه العقلاء، وهي لا تأتي بالضغط على الغاصب بصفته غاصباً؛ إذ قد يكون قيمة يوم التلف أقلّ القيم الأخرى، فليس الميزان في هذا الحكم هو الغصب، بل هو كون مال الناس تالفاً. فنلغي خصوصية الغصب عرفاً، ونفهم منه حال مطلق الضمان.
وكذلك لو فرض أننا فهمنا منها باب الإتلاف بالخصوص ونريد تسريتها إلى التلف أو فهمنا باب التلف ونريد تسريتها إلى باب الإتلاف، باعتبار أننا فهمنا أن الحكم يدور مدار خروج المال من كيس صاحبه، سواء بفعل الضامن أو من دون فعله. فهذا ممكن بإلغاء الخصوصية.
هذا هو الكلام الراجع إلى صحيحة أبي ولّاد.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الروايات الأخرى الموجودة في المتفرقة في الفقه بحسب الفهم العرفي، أيضاً تقول بضمان قيمة يوم التلف، منها الروايات المطلقة المثبتة للضمان، كضمان الصنّاع(1)، وضمان من أتلف طريق المسلمين(2)، فهي وإن كان يتخيّل تعرُّضها لأصل الضمان، إلّا أنَّ معناها أن ما نقص بفعل الضامن من قيمة الشيء فهو في عهدته، فهي أيضاً ظاهرة بقيمة يوم التلف دون سواها من القيم، وهذا(3) الضمان أما بالمعنى التعليقي للضمان يعني: إن تلف فأنت له ضامن، أو بمعنى: أن المعنى إن نقص شيء بسبب هذا الإضرار فإنه يأتي إلى العهدة ويكون ضامناً.
نعم، في المِثْليات مطلب آخر وهو أنَّ المِثْل يأتي إلى العهدة، وهو يأتي بالنحو الذي يكون حال التلف.
وهذا هو المستفاد أيضاً من هذه الرواية، كتاب الرهن، الباب الخامس،
ــــــــــ[267]ــــــــــ
() أُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 18: 390، كتاب الرهن، الباب 7، وغيرها.
(2) أُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 243، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 9.
(3) يعني في قوله: (من أضرّ بطريق المسلمين فهو له ضامن). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الرواية الثانية: وبإسناده عن علي بن الحكيم، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله أنه قال في الرهن: “إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه، رجع بحقّه على الراهن فأخذه، وإن استهلكه ترادّا الفضل بينهما“(1).
وفي قوله: “استهلكه” احتمالان:
أحدهما: أنه أتلفه.
والآخر: أنه ضاع بتقصير وتفريط منه.
وعلى أيّ حال فالحكم أنّهما يترادّان الفضل بينهما. أي: يحصل التهاتر بالمقدار المتساوي ويرجع صاحب الفضل بالفضل. وقلنا سابقاً حينما استشهدنا بهذه الرواية في باب القيمة إنه يستفاد منها ضمان القيمي بالقيمة وأن ما يأتي إلى العهدة هو القيمة، وهنا نقول إنها تدلّ على أنَّ ما يأتي إلى العهدة هو قيمة يوم التلف.
ومثل هذه الرواية عدّة روايات، منها الرواية الأولى من الباب السابع: محمد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، قال: “سألت أبا جعفر عن قول علي (2) يقول ذلك، قلت: كيف يترادّان؟ فقال: إن كان الرهن أفضل
ــــــــــ[268]ــــــــــ
() مَن لا يحضره الفقيه 3: 308، باب الرهن، الحديث 4103، تهذيب الأحكام 7: 172، باب الرهون، الحديث 9، ووسائل الشيعة 18: 390، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 2.
(2) لا يخفى أن في صدر الرواية ارتباكاً له، ناشئ من غلط في نسخة الوسائل ظاهراً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ممّا رُهن به ثُمّ عطب ردّ المرتهن الفضل على صاحبه، وإن كان لا يُسوى ردّ الراهن ما نقص من حقّ المرتهن” الرواية(1). وكذلك تدلّ على ذلك صحيحة محمد بن قيس(2).
وكذلك الروايات في الأبواب الأخرى(3) تدلّ على ذلك، إلّا باب واحد قد يتخيّل المعارضة بينها وبين ما ذكرناه من الروايات، أو أن لها بنفسها خصوصية وهي الروايات الراجعة إلى القيمة التي يجب أن تدفع عند وطء البهيمة(4). فهل يستفاد منها ما يخالف القواعد أو لا؟
النائيني بعد أن ينقل روايات باب الرهن وغيره، ويقرّب دلالتها يقول(5): إنها خاصة بباب الإتلاف وغير شاملة لباب التلف، واذا قبل أنه نستفيد من
ــــــــــ[269]ــــــــــ
() الكافي 5: 234، باب الرهن، الحديث 7، الاستبصار 3: 120، باب الرهن يهلك عند المرتهن، الحديث 6، ووسائل الشيعة 18: 391، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 1.
(2) راجع مَن لا يحضره الفقيه 3: 312، باب الرهن، الحديث 4115، ووسائل الشيعة 18: 392، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 4.
(3) اُنظر الأحاديث الواردة في الكافي 5: 234، الحديث 7، تهذيب الأحكام 7: 171، الحديث 761، الاستبصار 3: 119، الحديث 426، ووسائل الشيعة 18: 390، كتاب الرهن، الباب7.
(4) راجع: الكافي 7: 204، الحديث 3، تهذيب الأحكام 10: 60، الحديث 218، الاستبصار 4: 222، الحديث 831، ووسائل الشيعة 28: 357، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب نكاح البهائم، الباب 1، الحديث 1.
(5) راجع: منية الطالب 1: 153، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إطلاق روايات باب الرهن باب التلف، فلا بُدَّ أن يكون تلف التعدّي والتفريط، فإنه لا تكون العين المرهونة مضمونة إلّا بالتعدّي والتفريط. ونحن كلامنا في التلف دون الإتلاف، ولا دليل لنا على اشتراكهما في الحكم. فلا تكون هذه الرواية معارضة لصحيحة أبي ولّاد لاختلافهما في المورد.
ونحن قلنا: إن الإتّكال على الحافظة غير صحيح، بل لا بُدّ من النظر إلى الروايات حين الحاجة واحدة واحدة، وأنا أظن أن المرحوم النائيني اتّكل على حافظته، وإن نقلها الشيخ موسى(1) في التقريرات، وكان عليه أن يعرضها على أستاذه(2) قُدّس سرّهما.
الروايات الواردة في باب الرهن كلها إلّا رواية واحدة على نسخة راجعة إلى باب التلف بخصوصه دون باب الإتلاف، عل عكس ما يقوله.
ونحن نقرأ بعض الروايات لنرى أنها هل هي مختصة بباب الإتلاف لتخرج عن محل كلامنا، وعلى تقدير كونها خاصة بالتلف، فهل يمكن إسراؤها إلى مقامنا، أو لا يمكن لعدم الدليل على الاشتراك؟
الباب السابع من كتاب الرهن، الرواية الأولى، ص668: محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، قال: “سألت أبا جعفر عن قول علي يقول
ــــــــــ[270]ــــــــــ
() أي: المحقّق موسى بن محمّد النجفي الخوانساري.
(2) أي: الميرزا محمّد حسين الغروي النائيني.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ذلك، قلت: يترادان، فقال: إنَّ الرهن أفضل ممّا رهن به ثُمّ عطب ردّ المرتهن الفضل على صاحبه، وإن كان لا يسوى ردّ الراهن ما نقص من حقّ المرتهن. قال: وكذلك كان قول علي في الحيوان وغير ذلك“.
وقوله: “وغير ذلك” يعني في القيميات، وهذا ظاهر إن لم يكن صريحاً بباب التلف دون الإتلاف، إذ المستفاد من قوله “عطب” هو ذلك، وظاهر أيضاً بأن ظرف العطب وظرف زيادة القيمة واحد؛ لأنه يقول: “إن الرهن أفضل… ثُمّ عطب“، فقد عطب في حال كونه أفضل. فهذه الرواية يفهم منها عدّة مطالب:
أحدها: أن “عطب” بمعنى تلف لا بمعنى الإتلاف، فهي خاصة بباب التلف.
والآخر: أن القيمة تأتي إلى العهدة، ولهذا يحدث التهاتر بالمقدار المتساوي ويرجع صاحب الفضل بالزائد. لا أن العين تأتي إلى العهدة، فإنه حينئذٍ يكون التهاتر محتاجاً إلى المؤونة.
والمطلب الثالث: أن الضمان يكون حال التلف.
الرواية الأخرى هي موثقة إسحاق بن عمار، قال: “سألت أبا إبراهيم عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم، وهو يساوي ثلثمائة درهم، فيهلك -كما في نسخة (الكافي)(1) و(التهذيب)(2) وفي نسخة الصدوق(3): فيهلكه- أعلى الرجل
ــــــــــ[271]ــــــــــ
(1) راجع: الكافي 5: 234، باب الرهن، الحديث 9.
(2) راجع تهذيب الأحكام 7: 172، باب الرهون، الحديث 763.
(3) راجع: مَن لا يحضره الفقيه 3: 311، باب الرهن، الحديث 4114.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أن يرد على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم؛ لأنه أخذ رهناً فيه فضل وضيّعه. قلت: فهلك نصف الرهن؟ قال: على حساب ذلك، قلت: فيترادّان الفضل؟ قال: نعم“(1).
وهذه الرواية على نسخة الصدوق تكون من باب الإتلاف، وعلى النسخ الأخرى من باب التلف. و”ضيعه” يعني: أهمله فتلف. وهذه الرواية هي التي قلت إنَّها على بعض النسخ تفيد الإتلاف. وإلا فباقي الروايات كلها متعرّضة لباب التلف.
منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن ابن بكير، قال: “سألت أبا عبد الله في الرهن، فقال: إن كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدّي الفضل إلى صاحب الرهن، وإن كان أقل من ماله فهلك الرهن أدّى إليه صاحبه فضل ماله، وإن كان الرهن سواء فليس عليه شيء“(2). ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يحيى مثله.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 234، باب الرهن، الحديث 9، تهذيب الأحكام 7: 172، باب الرهون، الحديث 763، الاستبصار 3: 120، باب الرهن يهلك عند المرتهن، الحديث 429، مَن لا يحضره الفقيه 3: 311، باب الرهن، الحديث 4114، ووسائل الشيعة 18: 391، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 2.
(2) الكافي 5: 234، باب الرهن، الحديث 6، مَن لا يحضره الفقيه 3: 312، باب الرهن، الحديث 4115، تهذيب الأحكام 7: 171، باب الرهون، الحديث 760، الاستبصار 3: 119، باب الرهن يهلك عند المرتهن، الحديث 425، ووسائل الشيعة 18: 391، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ومنها: صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر، قال: “قضى أمير المؤمنين في الرهن إذا كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدّي الفضل إلى صاحب الرهن، وإن كان الرهن أقلّ من ماله فهلك الرهن أدّى إلى صاحبه فضل ماله، وإن الرهن يسوى ما رهنه فليس عليه شيء“(1).
ومنها: ما عن عبد الله بن الحكم، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل رهن عند رجل رهناً على ألف درهم، والرهن يساوي ألفين وضاع؟ قال: يرجع عليه بفضل ما رهنه، وإن كان أنقص ممّا رهنه عليه رجع على الراهن بالفضل، وإن كان الرهن يسوى ما رهنه عليه فالرهن بما فيه“(2).
نعم، هناك رواية فيها احتمالان، وهي ما في الباب الخامس، الرواية الثانية، موثّقه أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله أنه قال في الرهن: “إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع بحقّه على الراهن فأخذه، وإن استهلكه ترادّا الفضل بينهما“.
وهذه مروية عن أبان بسندين؛ أحدهما عنه عن رجل، والآخر عنه عن الإمام مباشرة. و”استهلكه” أما بمعنى أتلفه، أو بمعنى وضعه في محلّ أوجب تلفه وهو معنى التفريط، وعلى التقدير الأوّل فهذه الرواية أيضاً متعرّضة لباب الإتلاف.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 312، باب الرهن، الحديث 4115، ووسائل الشيعة 18: 392، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 4.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 308، باب الرهن، الحديث 4101، ووسائل الشيعة 18: 392، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فليس الحال على ما يقول من أنَّ روايات باب الرهن متعرّضة لباب الإتلاف، بل أغلبها إن لم يكن كلها متعرّض لباب التلف.
يبقى كلامه الثاني، وهو أنَّه إذا أخذنا بإطلاق روايات باب الرهن إلى مورد التلف فهو محمول على التعدّي والتفريط، وهو لا ربط له بمقامنا ولا دليل لنا على الاشتراك، نحن نريد أن نرى أن التعدّي والتفريط، هل هو يحدث خصوصية للمسألة؟
مثلاً في باب الرهن، إذا تصرّف بالدابّة تصرّفاً زائداً، كما لو ركب الدابّة، يكون ضامناً، يعني تدخل في عهدته لو تلفت.
فبهذا التصرّف أصبحت يد المرتهن التي كانت يد الأمانة أصبحت يد ضمان، فقد كان مستولياً على مال الناس بحقّ، والآن أصبح مستولياً عليه بغير حقّ. وحينئذٍ فكونه ضامناً يكون ثابتاً بهذه الروايات وبدليل اليد أيضاً، فغاية ما تدلّ عليه هذه الروايات هو أنَّ هذه اليد تكون يداً غير أمانيّة فتدخل تحت أدلّة الضمان.
بناءً عليه إذا قال شخص: إن تحوّل يد المرتهن من كونه يداً أمانيّة إلى كونها يداً غاصبة يكون موجباً للضمان، وهذا بعينه ثابت في مقامنا(1) فإنها أيضاً يد ضمان، ولا خصوصية لباب الرهن، فإن المفروض أن المرتهن لم يتلف العين، بل تصرّف تصرفاً زائداً قلب يده من يد الأمانة إلى يد الضمان، حتى لو لم يعرّض العين إلى التلف أو أوردها مورده، فلا خصوصية لهذا المطلب، بل هو عين ذلك
ــــــــــ[274]ــــــــــ
() وهو المقبوض بالبيع الفاسد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المطلب، فإنه في كِلا الموردين اليد يد ضمان والحكم وارد على هذا الموضوع.
وافرضوا أن اليد هنا أصبحت يد غاصب، مع ذلك يمكن إلغاء الخصوصية عنها عقلائياً، كما قلنا في صحيحة أبي ولّاد، وقلنا إن تمام الروايات، بعد الالتفات إلى ديدن العقلاء، كلها تدلّ على ضمان قيمة يوم التلف، فأنت ترى أن روايات باب الرهن لم تقل شيئاً زائداً على باب الضمان عند العقلاء، وليس فيه احتمال خصوصية، فإن الفرض أن الضمان مشترك بين المسألتين.
يمكن أن يتوهّم الفرق بينها وبين الروايات السابقة:
منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله، وعن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا، وعن صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم موسى، في الرجل يأتي البهيمة، فقالوا جميعاً: “إن كانت البهيمة للفاعل ذُبحت، فإذا ماتت أُحرقت بالنار، ولم ينتفع بها، وضرب هو خمسة وعشرين سوطاً ربع حد الزاني، وإن لم تكن البهيمة له قوّمت وأُخذ ثمنها منه ودُفع إلى صاحبها وذُبحت وأُحرقت بالنار ولم ينتفع بها، وضرب خمسة وعشرين سوطاً…“(1) الرواية.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 204، باب الحدّ على من يأتي البيهمة، الحديث 3، تهذيب الأحكام 10: 60، باب الحدّ في نكاح البهائم ونكاح الأموات…، الحديث 218، الاستبصار 4: 222، باب حدّ من أتى بهيمةً، الحديث 831، ووسائل الشيعة 28: 357، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب نكاح البهائم، الباب 1، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فيُقال: إن ظاهرها أن نفس اليوم الذي تقوّم فيه هو اليوم الذي تُذبح فيه، فالقيمة المضمونة هي قيمة ذلك اليوم، مع أن يوم الإفساد وهو الوطء، يوم سابق، فالرواية أمرت بدفع قيمة يوم التقويم لا قيمة يوم الفساد، فتكون معارضة لقواعد الضمان العامة.
ومنها: رواية سدير الصيرفي عن أبي جعفر، في الرجل يأتي البهيمة، قال: “يجلد دون الحدّ، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها؛ لأنه أفسدها عليه، وتُذبح وتُحرق وتُدفن إن كانت ممّا يؤكل لحمه، وإن كانت ممّا يركب ظهره أُغرم قيمتها وجُلد دون الحدّ، وأخرجها من المدينة التي فعل بها إلى بلاد أخرى، حيث لا تعرف فيبيعها فيها كي لا يُعيَّر بها صاحبها“(1).
فهنا يُقال نفس التقريب: إن زمان الإفساد غير زمان الغرامة، نقول: أما ما يُركَب ظهرها فلا دلالة له؛ لأنه يفهم أنه لم يخرج من الملكية، بل لا زالت ملكاً لصاحبها، ودفع القيمة إلى المالك حكم تعبُّدي من قبيل البيع الإلزامي، لا من باب دفع باب الضمان، بذلك المعنى.
وأما ما يؤكل لحمه فمرّةً نقول إنها لم تخرج عن ملكية صاحبها، غاية الأمر
ــــــــــ[276]ــــــــــ
( ) الكافي 7: 204، باب الحدّ على من يأتي البهيمة، الحديث 1، مع فارقٍ في اللفظ، مَن لا يحضره الفقيه 4: 47، باب حدّ من أتى البهيمة، تهذيب الأحكام 10: 61، باب الحدّ في نكاح البهائم ونكاح الأموات…، الحديث 220، الاستبصار 4: 223، باب حدّ من أتى بهيمةً، الحديث 833، ووسائل الشيعة 28: 358، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب نكاح البهائم…، الباب 1، الحديث 4.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أن الشارع حكم بعدم جواز الانتفاع بها، فإذا كانت ملكه فهو دليل على وجوب دفع القيمة يوم الإتلاف وهو يوم الذبح(1)، وأما إذا فهمنا من التعبير بالحرق وأنه لا ينتفع منه أنه خارج عن الملكية، وأنها بمجرّد الإفساد تخرج عن ملكية صاحبها؛ فظاهرها أن هذه الأحكام وهو الحدّ والحرق وغيرها تترتّب على الوطء ومسبّبة منه، فالجَلْد الذي يقام هذا اليوم ليس لأنه وجب في هذا اليوم، بل لأنه ثبت في هذا اليوم، وإنما وجب من حين الوطء، فمن حين الوطء ثبتت تمام الأحكام التي منها الحدود ومنها غرامة القيمة.
وإنما لم ينصّ الإمام على ذلك باعتبار قلّة المدة ما بين يوم الوطء ويوم ترتيب الأحكام غالباً، بحيث لا تتغيّر القيمة في هذه المدة بحسب طبع القضية، أو أنه سكت عن ذلك؛ لأنه حوّله على فهم العقلاء.
بناءً عليه، فهذه الرواية أيضاً غير مخالفة للروايات السابقة، وإنصافاً أن قيمة يوم التلف، بعد مراجعة تمام الروايات وسائر أطرافها لا يبقى شكّ في ذلك، وصحيحة أبي ولّاد لم تكن مخالفة لذلك.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
() لا يبقى إشكال إلّا أن الذبح لم يكن من الواطئ، بل من قبل حكم الشارع، فلا يكون مضموناً للواطئ فتأمّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
استدلّوا بوجوهٍ لضمان أعلى القيم، ونقل الشيخ عن الشهيد الثاني(1) أن صحيحة أبي ولّاد تدلّ على أعلى القيم، ويعلق الشيخ(2) على ذلك أنه لا يتحصل لهذا المطلب وجه صحيح.
ولا بُدَّ أن يكون مقصود الشيخ من ذلك الوجوه الفنيّة، ولم يكن غافلاً عمّا سوف نقوله من الوجوه.
نحن نعطي توجيهاً للمطلب على مختلف النسخ، والقراءات لصحيحة أبي ولّاد:
أحدها: أن يكون اللفظ هكذا: (قيمة بغلٍ يومَ خالفته)، فيكون (اليوم) متعلقاً -بمقتضى قواعد العربية الأدبية- بـ(نعم). فهل يمكن أن نفهم أعلى القيم من ذلك، وذلك بأن يُقال بحسب ما هو الأقرب إلى فهم العقلاء: إن (قيمة بغلٍ) ليس مراده أيَّ بغل كان، وإن كان أرخص ثمناً؟ إذن فلا بُدَّ أن يكون بغلاً له مساواة ومشابهة مع هذا البغل.
وحينئذ يقال: أن البغل المشابه من جميع الجهات هو المشابه بحسب القيمة
ــــــــــ[278]ــــــــــ
(1) راجع: مسالك الأفهام 12: 186، كتاب الغصب، النظر الثاني: في الحكم.
(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 253، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أيضاً، فكما تضمن سائر الصفات يكون هذا الوصف مضموناً أيضاً، ويجب إعطاؤه يوم التلف.
وإذا كان التعبير هكذا: (قيمة بغلِ يومِ خالفته) فهنا احتمالان:
أحدهما: أن يقال: إنَّ الظاهر منه هو قيمة يوم المخالفة.
والآخر: أن ظاهره بغل يوم المخالفة.
وبناءً على الأول يمكن التوصّل إلى أعلى القيم بهذا البيان: بأنه بناءً على تتابع الإضافات وكون اليوم قيداً للقيمة، وإن كان ظاهره هو ضمان قيمة يوم المخالفة، إلّا أنَّنا نضيف على المطلب أمراً آخر، إذ نقول: إن اليوم بما أنَّه يوم ليس موضوعاً للحكم ولا جزء الموضوع، ولا هو عنوان يوم المخالفة بنحو تكون المخالفة قيداً فيه، بل كل ما هو الموضوع للضمان هو الاستيلاء على مال الناس بغير حقّ، كما كانت تفيد ذلك قاعدة اليد، والاستيلاء على مال الناس بغير حقّ لا يفرّق حدوثه وبقاؤه.
ومن صحيحة أبي ولّاد يُعلَم أن الاستيلاء أوّلاً كان بحقّ باعتبار الإجارة، وإنما كان الاستيلاء بوجوده البقائي صار غصباً فأوجب حدوث الضمان، فتمام الموضوع بحسب نظر العقلاء في باب الضمان هو الاستيلاء على مال الناس، والاستيلاء من أوّل الأمر إلى آخره موجب للضمان، وأنت ملزم بدفع قيمة البغل من هذا الحدّ إلى ذاك الحدّ، فيُقال: إنه في هذا الحدّ كان متّصفاً بوصف وهو علوّ القيمة، وقد فهمنا من الرواية أن الاستيلاء على المال مع خصوصيته موجب للضمان، فكما أنَّه لو عاب يضمن كذلك لو قلّت قيمته.
ــــــــــ[]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وحيث إنَّ القيم في حال الاستيلاء مختلفة، فإذا أردنا دفع قيمة البغل المضمونة فلا بُدَّ من دفع أعلى القيم؛ لأنه بدفعها تدفع سائر القيم، أي: إذا دفعت الخمسين فقد دفعت الأربعين والثلاثين، يعني تدفع جميع القيم حال الاستيلاء، بخلاف ما إذا دفع قيمة أقلّ، فإنها قيمة يوم معين، لا أنها تمثل مجموع القيم.
وكذلك يأتي نفس البيان لو أدخلنا (اللام) على البغل.
الشيخ محمد حسين(1) يذكر تقريباً خلاف ظاهر الصحيحة، ويقول: إن هذا الذي ذكره من أنَّ يوم المخالفة، عبارة عن جميع أيام الغصب، فلو أعطى أرفع القيم فقد أعطى تمام قيَّم أيام المخالفة بقول مطلق، وإذا أعطى أقلّ فلم يعطِ قيمة يوم المخالفة بقول مطلق.
يقول: إن مقتضى الإطلاق ليس هو أخذ مطلق قيمة يوم المخالفة، بل قيمة مطلق يوم المخالفة، معلِّلاً بأنه وإن كانت الماهيّة اللا بشرط القسميّ والماهيّة بشرط شيء تحتاج في نظر العقل إلى مؤونة زائدة، لكنّ في نظر العرف اللابشرط القسميّ كأنّه بلا قيمة وكأنه اللابشرط المقسميّ، وإنما تحتاج الأقسام الأخرى بـ(شرط شيء) و(بشرط لا) إلى مؤونة. ولهذا يرى هو(2) -على ما أتذكر- وآخرون(3) أن نتيجة الإطلاق هو اللابشرط القسمي.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 417، بيان صحيحة أبي ولّاد.
(2) أُنظر: الهامش المتقدّم.
(3) راجع نهاية الدراية 1: 665، في المطلق والمقيّد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فهو يقول هنا إن استيفاءه تمام أيام المخالفة ليس كما تخيّلته، أن نأخذ قيمة تمام الأيام بقول مطلق، بل الإطلاق يقتضي ضمان قيمة مطلق يوم المخالفة الذي ينطبق على هذا وعلى هذا وعلى هذا، فينتج أنك مخيّر في أن تعطي أيّ قيمة منها، ثُمّ يدّعي أن ظاهرها هو أنَّ يوم المخالفة هو أوّل يوم منها.
وبالتقريب الذي قلناه لا يبقى مجال لهذا الكلام، فإن (يوم المخالفة) تكون قيداً لـ(يلزمك)، لا للقيمة لكي تكون مقيّدة بها.
وعلى التقريب الثاني لا دخل ليوم المخالفة أصلاً ليبحث عن ظهوره في أيّ شيء، وإنما المدار هو الاستيلاء على مال الغير بغير حقّ، وهذا لا يفرّق في سائر أيام الاستيلاء، فهذا الذي يقوله خلاف ظاهر الصحيحة.
وهذا الذي قاله من أنَّ الإطلاق لا يقتضي أخذ (يوم المخالفة) المخالفة بنحو مطلق، بل مطلق يوم المخالفة؛ لأن الماهيّة لا بشرط أخفّ مؤونةً عرفاً من الأقسام الأخرى.
هذا غير صحيح في باب المطلق والمقيّد، بل الحكم يرد على الطبيعة بما هي من غير تقييد، فتكون هي موضوع الحكم ويؤخذ بإطلاقها عقلائياً، باعتبار أن العقلاء يرون أنه إذا كانت الطبيعة موضوعاً لحكم غير مقيّدة، فإنها تسري إلى تمام مصاديقها في الخارج، فإن نفس طبيعة البيع موضوع لحلّية البيع، وإذا وجد المصداق في الخارج فإن الطبيعة توجد في الخارج متّحدة مع المصداق.
فليس أن الإطلاق يقتضي اللابشرط القسميّ، باعتبار أنه بدون مؤونة عرفاً، فإنه إذا كانت هذه الأقسام عقلائية عرفية فهي متقابلة وهي أقسام
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
للطبيعة، فكما أنَّ التقييد بهذا قيد وبعدمه قيد في نظر العقلاء، كذلك نفس الإطلاق أيضاً قيد، وإلّا لم يتفاوت اللابشرط القسميّ واللابشرط المقسميّ، فإذا صحّ هذا التقسيم للماهيّة فما يقوله من أنَّ الماهيّة اللابشرط غير مقيّدة عرفاً غير صحيح، على إشكال لنا في أصل هذا التقسيم.
فهذا الذي قلناه أقرب التقاريب، إلّا أنه لا يسمن ولا يغني من جوع، والشيخ لم يغفل عنها، إلّا أنه لم يعتنِ بها.
قلنا: إن الضمان عند العقلاء يكون بأنهم يضعون قيمة الشيء في مقابل الشيء بأوصافه.
وحينما يقولون: أنت ضامن للشيء بجميع أوصافه، فمعناه أن قيمة الشيء بعهدتك، فالقيمة لا يمكن أن تعتبر من الأوصاف بحيث تقابلها قيمة أخرى ويكون ضامناً لقيمة القيمة.
وما قاله من “قيمة بغل” مشابه، يعني مشابه من غير جهة القيمة، وإلّا يكون معناه قيمة بغل مشابه حتى من جهة القيمة، وهذا كلام غلط، فالأوصاف وإن كانت مضمونة إلّا أنه ليس منها القيمة؛ لأن الرواية أمرت بدفع قيمة البغل المشابه، فلم تأخذ القيمة في جملة الأوصاف المشابهة.
وأما على تقدير تتابع الإضافات، فإن العرف وإن لم يرَ فرقاً في الاستيلاء على مال الغير بين حدوثه واستمراره، إلّا أنه لا يرى أنه استيلاء على القيمة، فإنه يرى القيمة في كفّة ميزان والشيء بأوصافه في كفّة أخرى.
فإذا قيل: (إذا أتلفت شيئاً أو تلف تحت يدك فعليك ضمانه)، لا يفهم منه
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أن القيمة أيضاً تحت اليد وعليه ضمانها أيضاً، بل القيمة هي التي تدخل في العهدة كضمانٍ لنفس الشيء.
إذن فلم نجد وجهاً نصف صحيح، يكون بياناً لكلام الشهيد الثاني، وظاهر الصحيحة أنّ المضمون هو قيمة يوم التلف، دون قيمة يوم المخالفة ولا أعلى القيم ولا غيرها.
ومنه يظهر حال (على اليد) فإنه إذا فهم العرف من القاعدة ضمان القيمة في القيميات والمِثْل في المِثْليات، فإثبات هذا المطلب بقاعدة اليد لا يمكن؛ لأن جعل اليد على القيمة لا معنى لها، لأنّها ليست من الأوصاف، أو لعدم استفادته من ظهور القاعدة باعتبار أن القيمة -بعد التنزّل عن الوجه السابق- وإن كانت صفة، إلّا أنه إذا قيل: عليك الشيء بسائر أوصافه، يعني عرفاً أنه غير القيمة عليك، ولا معنى لأن يُقال قيمة القيمة عليك.
نتعرّض إلى وجه ذكره الشيخ ووجوه أخرى أشار إليها.
الشيخ بعد أن ناقش التقريب السابق لأدلّة أعلى] القيم، قال: يمكن تقريبها ببيان آخر، وهو: أنَّ هذه العين التي كانت تحت يد هذا الشخص وارتفعت قيمتها، لو فرض تلفها لثبتت القيمة المرتفعة في ذمّته، أو لو حال الغاصب بين المال وصاحبه في حال ارتفاع القيمة، أيضاً يكون مضموناً، فكما أنَّ التلف يأتي إلى الذمّة القيمة المرتفعة، كذلك لو حال بينه وبين ماله في حال ارتفاع القيمة ثُمّ تلف.
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نعم، لو ارتفعت قيمتها ثُمّ نزلت ثُمّ ردّ العين بنفسها، فهذا يحصل به التدارك؛ لأن ضمان القيمة السوقية أمر اعتباري، والأمر الاعتباري لا ضمان له، وأما إذا تلفت فقد سقطت ماليتها الاعتبارية، والغاصب حال بينه وبين ماله فيضمنها.
وبعبارة أخرى: إذا حصلت يد الغاصب على مال الغير في حال ارتفاع القيمة، فإن ردّها بنفسها فلا ضمان أكثر من ذلك، فيكون متداركاً، وأما إذا تلف فقد أزيلت يد المالك عن القيمة، ولم ينجبر، فلا بُدَّ من ضمانه(1).
وهذا لا يذكره الشيخ لأجل الاعتناء بها، بل لأجل تشريح الذهن.
نقول: نحن نتبع أدلّة الضمان، ولو كان للحيلولة دليل مستقلّ لتبعناه، ولكن حيث إنَّه لا دليل من هذا القبيل، فنحن نتبع أدلّة الضمان، وحينئذٍ فلا وجه للتفصيل بين حال التلف وحال وجود العين؛ لأن قاعدة اليد تشمل الأوصاف الحقيقية والاعتبارية المؤثّرة في زيادة القيمة، فكما أنَّ وصف الصحّة إذا تلف كان مضموناً، كذلك القيمة السوقية، إذا كانت من جملة الأوصاف المضمونة على الفرض، إذا قلنا بذلك لا يفرّق بين حال وجود العين وحال تلفها، إذ لا يمكن لهذه العين التي زالت عنها هذه الصفة أن تكون جابرة لهذه الجهة، فإن وصف علوّ القيمة الذي فرضناه مضموناً قد زال عنها، فلا يستطيع هذا الشيء مع عدم علوّ القيمة أن يكون جابراً للشيء مع علوّ القيمة، فكما لو عاب الشيء وردّه معيباً لا يعقل أن يكون المعيب جابراً لوصف الصحّة،
ــــــــــ[284]ــــــــــ
(1) راجع كتاب المكاسب 3: 254، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد….
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والفرض أن وصف الصحّة جاء تحت اليد وكان مضموناً، كذلك علوّ القيمة الذي فرضناه مضموناً.
وإذا قلتم: بما أشرتم إليه في ذيل كلامكم(1) من أنَّ العلوّ أمر اعتباري، ولا يدخل تحت الضمان، فحينئذٍ إذا تلفت العين فلا موجب لضمانه.
قلتُ: إذ الفرض أن هذا الوصف حال وجوده لم يكن مشمولاً لـ(على اليد)، فإذا لم يكن مضموناً فهل تلف العين يوجب ضمانه؟
فالتفصيل بين تلف العين فيضمن، وعدمه فلا يضمن لا يمكن المساعدة عليه.
قضية (لا ضرر) مع غضّ النظر عمّا قلناه من أنَّها غير مربوطة بالحكومة على الأحكام الواقعية الأوّلية، وأنها مجرد حكم سلطنتيّ، وعلى مسلكهم من الحكومة يمكن تقريبها بشكل تكون دليلاً على الضمان.
وذلك بتقريب(2) أشرنا إليه فيما مضى، من أنَّ ما هو المعروف بينهم من أنَّ (لا ضرر) ليست مشرّعة، بل نافية للحكم الإثباتي مبنيّ على أن (لا ضرر) بمعنى: لا حكم ضرري، أو بمعنى: نفي الحكم بنفي الموضوع، فهي تنفي الأحكام الضررية ولا يمكن أن تُثبت حكماً.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
(2) راجع: جواهر الكلام 37: 105، كتاب الغصب، النظر الثاني: في الحكم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأما ما نقرّبُه على مبنى القوم من الحكومة فهو أن (لا ضرر) حقيقة ادّعائية والحقيقة الادّعائية تحتاج إلى المصحّح، فإن قوله: أن الضرر في الخارج غر موجود أو غير متحقق في شريعتي، ادّعاء بنحو الإطلاق وبلا قيد، وإنما يكون صحيحاً وتامّاً فيما إذا رجعنا إلى الشريعة، فلم نجد حكماً ضررياً، ولا إجازة من الشارع بالإضرار بالغير، وكذلك لو لم يكن هناك جبران في الشريعة للضرر أيضاً لا يصحّ النفي المطلق للضرر مع كثرة الأضرار التي يوقعها الناس بعضهم ببعض، فإنه لو كان الحكم في الشريعة هو هدر تمام الأضرار المالية وغيرها، لا يمكن أن يدّعي صاحب مثل هذه الشريعة أن تمام الأضرار منفية وأنه (لا ضرر ولا ضرار)، والضرار بمعنى الحرج، فيجب أن يكون جبران الضرر موجوداً أيضاً لينسدّ به تمام أنحاء الضرر ليصحّ نفي الضرر بنحو مطلق.
فإذا قلنا بحكومة (لا ضرر) على الأحكام الواقعية، فبهذا التقريب كما تنفي الأحكام الضررية تُثبت جبران الضرر، وتكون دليلاً للضمان من قبيل (على اليد)، إذ تستكشف منها حتماً أن الشارع جعل الجبران ليصحّ النفي المطلق للضرر.
يُلاحظ عليه:
أولاً: إن في هذا المطلب إشكالاً مبنائياً.
وثانياً: أن سلب أعلى القيم ليس دائماً ضررياً، بل قد يكون من قبيل عدم النفع، فلا يمكن أن تكون (لا ضرر) مبنى لكلّ المدعى في تمام الموارد.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثُمّ يقول الشيخ(1) إن صاحب (السرائر)(2) وبعض آخر(3) تمسّكوا بأصالة الاشتغال ثُمّ يقول إذا كان الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر يكون مجرى للبراءة(4)، والشيخ كان ملتفتاً إلى أنَّ المورد من موارد جريان البراءة، ومذهبه في (علي اليد) هو مذهب المشهور من أنَّ القيمة تأتي إلى العهدة في القيميات والمِثْل في المِثْليات دون العين على ما عليه السيد(5) وغيره؛ مع ذلك يشير الشيخ إلى جريان استصحاب بقاء الضمان المنتج للاشتغال(6).
فلو كان يرى ضمان العين وأن المستفاد من (علي اليد) هو ذلك، لأمكن جريان استصحاب الضمان، لأني كنت أعلم بوجود العين في الذمّة وأشكّ بسقوطه فيكون مورداً للاشتغال، إلّا أنه ليس هذا مذهب الشيخ، ومع أنه يتنبّه إلى أن المورد مورد البراءة، فكيف يقول: بأننا نستصحب الضمان المستفاد من قاعدة اليد؟
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 255، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد….
(2) راجع: السرائر 2: 481.
(3) راجع: الخلاف 3: 403، غنية النزوع: 278، رياض المسائل 2: 304، وغيرها.
(4) راجع: كتاب المكاسب 3: 255، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد….
(5) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 103، أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، الأمر السادس.
(6) راجع: كتاب المكاسب 3: 255، الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد….
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فهل يمكن أن يكون مراده هو هذا: أن القيمة إذا أتت في العهدة، فإما أن تأتي إلى العهدة القيمة بالحمل الشايع، يعني ماليّة الشيء المردّدة بين الأقلّ والأكثر، وإما أن دليل الضمان يقول: أنت ضامن للقيمة بهذا العنوان، عنوان الضمان أو القيمة.
فعلى التقدير الثاني فهذا العنوان ليس مردّداً بين الأقلّ والأكثر، فعنوان الضمان هو الذي جاء إلى العهدة، أو عنوان القيمة -على ما استفدناه من دليل اليد على الفرض- فيستصحب؟
فهذا خلاف ظواهر الأدلّة، ولكنّه لو صحّ لكان مورداً للاشتغال؛ لأن ما هو الثابت في الذمة هو عنوان الضمان أو عنوان القيمة، ولا بُدَّ من الخروج عنه يقيناً، وليس مردّداً بين الأقلّ والأكثر، فلو أعطى عشرة دراهم يحتمل أنه بقي ضامناً، فلا بُدَّ من الخروج عن العهدة يقيناً.
فهل الشيخ يريد أن يقول ذلك، والقيمة بعنوانها تأتي إلى العهدة، ليقول بالاشتغال؟ فإنه لو كانت القيمة بالحمل الشايع كما ترى لا يكون ضامناً لا محالة.
أو يقول ما يقوله الشيخ محمد حسين(1) في محلّ آخر، فإنّنا لو قلنا إنه لو كانت الأدلّة تقتضي دخول العين في العهدة فالقاعدة تقتضي الاشتغال، وإذا
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) راجع: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 424، ما استدلّ به على اعتبار أعلى القيم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
كان تقتضي دخول القيمة في العهدة فالقاعدة هي أصالة البراءة، لكن مِن القائل أنه حتى لو قلنا بدخول العين في العهدة فالمجرى البراءة؟ ومِن القائلٍ بأنه حتى لو قلنا بدخول القيمة في العهدة فالمجرى الاشتغال؟ وهو ما يذهب إليه الشيخ محمد حسين.
إذن فهنا ثلاثة مذاهب:
أحدها: التفصيل وهو التحقيق.
والآخر: أنه إذا كانت العين في العهدة فالمجرى هو البراءة.
والثالث: أنه إذا كانت القيمة على العهدة، فالقاعدة هي الاشتغال، وهو مذهب الأصفهاني(1).
أما المذهب الثاني فبأن يقال: إن العين الخارجية إذا وضع يده عليها، فالعقلاء اعتبروها في الذمّة:
فمرّةً تقول: إن العين تسقط بأداء القيمة، فإذا شككنا بسقوطها -عند أداء القيمة الأقلّ- فالقاعدة هي الاشتغال.
وأخرى نقول: إنها لا تسقط أصلاً وغير قابلة للسقوط، ولكن حيث إنَّه مكلف بالجبران، ونعلم بامتناع سقوطها، إذن فالدوران يكون بين الأقلّ والأكثر -باعتبار أن الجبران يتردّد أمره هكذا- فالأصل هو البراءة.
نقول: القائل بأن العين في العهدة، ولا تزول، لا بُدّ أنه يقول: إن العين بما أنَّها تشتمل على جـهة شخـصية، والجـهة الشخصية بعد أن انعدمت
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أصبحت ممتنعة الأداء، وغير قابلة للسقوط، لا أنه يقول إن الخصوصية الشخصية مضمونة مستقلّاً والخصوصية المِثْلية مضمونة مستقلّاً وكذلك الخصوصية المالية.
لا أحد يقول بذلك، ولو قال بها فهو غير صحيح، بل يُقال: إن العين التي في العهدة يتعلّق بها ضمان واحد، غاية الأمر أن من يقول بسقوطها يدفع القيمة، يقول: إن الخصوصية الشخصية لا اعتبار بها عقلائياً، ومن يقول ببقاء العين يرى اعتبارها عقلائياً، إذن فالعين في العهدة وأنا لا بُدّ لي من جبرانها، وحيث إنَّ اشتمال العين على الخصوصية الشخصية مانع عن الخروج عنها، ولكن الضمان حيث إنَّه حكم وضعي فلا بُدَّ من جبران خسارته، فأنا جابر للخسران لا أني مكلف بقيمته الواقعية، لتكون مردّدة بين الأقلّ والأكثر، وليس هنا تكليف مردّداً بين الأقلّ والأكثر، بل العين مضمونة بتمام خصوصياتها ولا بُدَّ من الخروج عنها، فإذا شككنا بالخروج فلا بُدَّ من الاحتياط، وإذا لم تكن تسقط فمن جهة خصوصياتها الشخصية، لا من حيث الضمان، فهذا الوجه غير تامّ.
في باب أن الأصل هو الاشتغال، أحد الاحتمالات هو التفصيل بين ضمان القيمة، فيكون الشكّ في الثبوت وهو مجرى للبراءة وبين ضمان العين أو المِثْل، فيكون الشكّ في السقوط وهو مجرى للاشتغال أو استصحاب البقاء وقد سبق.
وهناك احتمال في مقابله، وهو وإن قلنا بتعلّق القيمة في الذمّة مع ذلك نقول بالاشتغال.
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بيانه: هو أنَّ ماليّة الشيء أمر اعتباري بسيط وليس من الأعراض الخارجية، وليس من قبيل الكمّ أو الكيف ليتّصف بالقلّة أو الكثرة أو الشدّة أو الضعف، وليس هو الدينار والدرهم ليكون قابلاً للقلّة والكثرة، بل ماليّة الشيء تُقدَّر بنحو تحسب بحساب الدينار والدرهم، وعند الأداء تؤدّى بأحدهما؛ لأنهما ممهدان للمالية الصرفة.
بناءً عليه فما اشتغلت به الذمّة ليس عبارة عن الدينار والدرهم، ولا الكلّي الجامع بينهما، بل هو المالية الاعتبارية، وهي غير قابلة للشدّة والضعف والقلّة والكثرة، فإن المقولات الحقيقية هي القابلة للتشكيك والمالية ليست من المقولات، بل هي أمر اعتباري، والأمر الاعتباري غير قابل للتشكيك، بناءً عليه لا يتردّد الأمر بين الأقلّ والأكثر، بل يتردّد الأمر بين المتباينين، لا أعلم أن ما جاء في ذمّتي هل هو ماليّة هذا الوقت أو ماليّة ذاك الوقت، وإذا دار الأمر بين المتباينين، فالقاعدة هو الاشتغال، ثُمّ يقول: فتأمّل به فإنه حقيق به(1).
وهذا من الخلط بين الأمور العقلية والعرفية، فإن محصّل كلامه هو أنَّ الشدّة والضعف إنّما تتّصف به الأمور الحقيقية والأعراض الواقعية، كالكمّ المتّصل والمنفصل والكيف، دون الأمور الاعتبارية فإنها بسائط، ولم يبرهن على أنَّها بسائط، ولم يرجع إلى العرف والعقلاء وأدلّة الضمان وفهم العقلاء للضمان، بل أتمّ المطلب من ناحية عقلية، ثُمّ قال (فتأمّل فإنه حقيق به).
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) راجع: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 420-422، ما اُستدلّ به على اعتبار أعلى القيم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والمسألة لو نظّرناها من الناحية العقلية فما يذكره صحيح، ولكنّ العرف وأهل السوق حينما يقولون عن شيء أن قيمته زادت أو أنها قلّت أو يتكلّمون عن أعلى القيم أو أدناها، فهل يحدّدون ذلك بالنحو الفلسفي، بحيث إنَّ القيمة إذا زادت فقد انعدمت القيمة الأولى، ووجد اعتبار جديد لقيمة أخرى، وهو أيضاً بسيط غير قابل للتشكيك؟
فإذا تردّدت بين أن يكون المضمون عليّ عشرة أو عشرين، وأعطيت العشرين، فلازم قوله عدم البراءة؛ لأن انشغال الذمّة بهذه المرتبة من المالية مباين لانشغال الذمّة بتلك المرتبة من المالية، والمباين يستحيل أن يكون في ضمن المباين، كما أنَّه يستحيل أن يسقط ما في الذمة بأداء المباين، وإذا قال ذلك فتمام العرف يقف أمامه، ولا أظنّ أنه أيضاً يوافق عليه.
وإذا قال بالبراءة فمعناه أنه أقلّ وأكثر، فإنّي إذا أتلفت البغل وشككت أن قيمته عشرون ديناراً أو أربعون ديناراً، وأدّيت الأربعين فقد برئت لا محالة، وإنما قال الفقهاء بضمان أعلى القيم أو أدناها، للارتكاز العقلائيّ بالتشكيك في المالية -لا بالمعنى الحقيقي-. والمتباين لا يكون مندرجاً في مباينه ولا أقلّ ولا أكثر من مباينه، ولا يصدق بينهما التنزّل والارتفاع، فالعرف يقول بالتنزّل والارتفاع وبقلّة القيمة وكثرتها، وكلّها يرجع إلى ماليّة الشيء.
فالحقّ هو ما قلناه من أنَّه إذا قلنا بدخول العين في الذمّة، فالشكّ في السقوط وهو مجرى للاشتغال، وإذا قلنا بدخول المالية في الذمة فالشكّ في أصل الثبوت، وهو مجرى للاشتغال.
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الشيخ يقول: إنه لا قائل بعد التلف بأعلى القيمم من زمان التلف إلى زمان الأداء، والمحقّق قال: ولعلّ نظره إلى أنَّه يقول بأن المِثْل يأتي إلى العهدة دون المالية، فكأنّ الشيخ يرضى به على تقدير مجيء المِثْل إلى العهدة.
قلنا: إن هذا لا معنى له على كلّ تقدير من دخل العين في العهدة أو المِثْل أو القيمة؛ لأن ما ينبغي أن يأتي في العهدة لا بُدّ وأن يكون وصفاً مضموناً، فالعين إذا كانت موجودة فكلّ وصف دخيل في اختلاف القيمة يدخل تحت الضمان، وإذا قلنا بأعلى القيم فباعتبار أنه وصف له وجد تحت يده، وأما إذا تلف وجاء إلى العهدة وحصل الضمان، فكون الشيء في العهدة مطلباً، وكونه تحت اليد مطلباً آخر.
وإذا قلت: إنَّه يستفاد من قاعدة اليد، ودفعت الإشكال العقلي من أنَّ (علي اليد) لا يعقل أن تنقّح موضوعها ثُمّ تشمله، ونقول: إننا نصحّحه بالانحلال كما قلناه في الأخبار مع الواسطة.
قلتُ: مع هذا لا يمكن؛ لأنه لا يمكن أن يُفهَم من مدلول القاعدة، فإنها تشمل ما أخذ، وتدلّ أنّه كذا مضمون عليك، ولكنّها لا تشمل ما في الذمّة، فإنه ليس مفهوماً عرفاً منها، مضافاً إلى ما قلناه من أنَّ ما في الذمة ليس تحت اليد أصلاً، إذن فلا فرق بين ضمان المِثْل والقيمة والعين في ضمان أعلى القيم أو غيرها.
هذا هو الكلام في زمان أعلى القيم، ثُمّ نتكلّم عن مكان أعلى القيم.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذا كان للمغصوب أو المقبوض بالبيع الفاسد، مختلف القيم باختلاف الأمكنة، مكان البيع أو مكان القبض أو مكان التلف، أو مكان الأداء، فالميزان هو أداء قيمة أيّ مكان؟!
إذا قلنا في (على اليد) وصحيحة أبي ولّاد: إن ظاهرها ضمان يوم التلف، فلا إشكال أننا نقول إن الميزان هو مكان التلف أيضاً، فإنّنا قلنا إن قيمة الشيء الحقيقية هي قيمة يوم التلف دون سائر القيم.
أما القيم السابقة واللاحقة فإنها محتاجة إلى التعليق والتقدير بأن يقال: إذا جاء اليوم الفلاني فقيمته كذا، فإذا فهمنا من صحيحة أبي ولّاد قيمة يوم التلف، فإذا قلنا بضمان قيمة مكان آخر فلا بُدَّ أن نلتزم بأن ما يأتي في العهدة ليست القيمة الحقيقية الفعلية ليوم التلف، بل القيمة الفرضية التقديرية.
وكذلك إذا فهمنا ضمان قيمة يوم المخالفة فلا بُدَّ أن نقول أيضاً بمكان المخالفة، ولا يمكن أن يكون الميزان هو قيمة يوم المخالفة في مكان آخر، فإنه خلاف الظاهر.
والشيخ(1) وإن كان قد يستفاد منه في بعض مطاوي كلامه أنه قائل بضمان
ــــــــــ[294]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 256، ارتفاع القيمة بسبب الأمكنة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
قيمة يوم التلف، إلّا أنه استظهر من صحيحة أبي ولّاد يوم المخالفة، وحينما يصل إلى المكان يقول: إن الميزان هو مكان يوم التلف، وينتج أنه يعطى في يوم المخالفة قيمة مكان التلف، إذ يمكن أن يكون للشيء الواحد في اليوم الواحد قيم مختلفة بلحاظ الأمكنة المتعدّدة.
فإذا أردنا أن نستفيد من صحيحة أبي ولّاد قيمة زمان المخالفة مع إلغاء مكان المخالفة لأنتج لزوم القيمة التي كانت في مكان التلف يوم المخالفة.
ونحن لا نستطيع أن نحمل ذلك على الشيخ، إذ يظهر من كلامه البناء على ضمان قيمة يوم التلف ومكان التلف، فيكون مبناه على القاعدة، أما إذا استفاد من الصحيحة قيمة يوم المخالفة ومكان التلف، فمن أين يستفاد هذا؟
هل استفاده من قاعدة اليد؟ إما على غراره ما فهمه أبو حنيفة(1) منها، حين أفتى _على ما نقل عن المجلسي أنه قال ذلك؟ وافرضوا أنه استفاد ذلك من (على اليد) بهذا التقريب: وهي أنَّ ظاهرها أن الشيء بالعهدة فعلاً، إما المِثْل في المِثْلي وإما القيمة في القيمي، وذلك بمجرد الأخذ، فإذا كان المضمون هو المِثْل أو القيمة، فهل يُقال إنَّ العين مضمونة والمِثْل أو القيمة مضمون أيضاً؟ هذا لا يمكن، إذن فالعين تدخل في ملك الغاصب، وتكون منافعها له، ويكون ضامناً للمِثْل أو القيمة، ويأتي الضمان الفعلي إلى ذمّتي يوم الأخذ، وتكون (على اليد) ظاهرة بيوم الأخذ.
أو نقول: إن (على اليد) معناها تعليقي، وهو أنَّه إذا تلف فهو بعهدتك،
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) راجع: المبسوط (للسرخسي) 11: 93-94، والمغني (لابن قدامة) 5: 417.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فمعناه أنه حال التلف يدخل قيمته بعهدته زماناً ومكاناً، ولا يصحّ التفصيل بينهما، بأن نقول: إنه بمجرّد الأخذ يأتي إلى عهدتك قيمة يوم الأخذ -أي: الغصب- ومكان يوم التلف، بحيث نلغي زمان التلف ونأخذ بمكانه، ونلغي مكان الغصب ونأخذ بزمانه.
مثلاً نقول: إن مقتضى الجمع بين صحيحة أبي ولّاد وأدلّة الضمان، هو ذلك، بهذا البيان: أن أدلّة الضمان بإطلاقها تقتضي ضمان يوم التلف ومكان التلف، ونفهم من صحيحة أبي ولّاد ضمان قيمة يوم المخالفة، ولم نفهم المكان منها، ونقول: إنها لم تتعرّض له، فنقيد أدلّة الضمان بزمان المخالفة، ويبقى مكان التلف على حاله، فيكون هذا هو مقتضى الجمع.
والصحيح أن هذا ليس جمعاً صحيحاً، فإنّا نفهم من الصحيحة مكان التلف أيضاً، نعم لو كانت الصحيحة مهملة من حيث المكان لكان لهذا الجمع وجه، لكن أدلّة الضمان لم تأتِ باسم الزمان ولا المكان، وإنما نفهم منه بحسب الفهم العقلائيّ قيمة زمان التلف ومكانه، وفي الصحيحة بما أنَّكم فهمتم منها قيمة يوم المخالفة، فلا بُدَّ أن نفهم المكان أيضاً؛ لأن الظاهر هو أنَّ ما هو قيمة الشيء زمان المخالفة، إنّما هو قيمة مكان المخالفة أيضاً، فإن غيرها قيمة مقدرة لا فعلية.
إذن فما قاله الشيخ لا تدلّ عليه قاعدة اليد ولا صحيحة أبي ولّاد، ولا يقتضيه الجمع العقلائيّ بينهما، هذا تمام الكلام في هذه المسألة.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الشيخ يقول: أنه في تمام المطالب التي قلناها للتلف، تأتي فيما إذا تعذّرت العين، كما لو غرقت العين أو سُرقت ولم تتلف بذلك المعنى، يقول: إن ذلك مورد تسالم الأصحاب في الجملة، فيكون مورداً لضمان بدل الحيلولة، ونحن لا بُدّ أن نرى أن الدليل على هذا المطلب في الجملة بنحو القضية المهملة والإيجاب الجزئي، ما هو؟
وبعد ذلك نرى أنه هل يكون مورداً لبدل الحيلولة، ثُمّ نتكلّم عن خصوصيات المطلب عندما يتعرّض الشيخ(1) بعد ذلك.
من جملة ما استُدل به وذكره الشيخ في مطاوي كلامه: “علي اليد ما أخذت حتى تؤدّي“(2)، وقرّبه الشيخ محمد حسين فيقول: أن (على اليد) بمناسبة الغاية وهو الأداء، ظاهر بأن العين تأتي في العهدة، فإذا كانت العين موجودة، فهناك حكم تكليفي بالأداء، وإذا تلفت فهناك حكم وضعي وهو لزوم أداء
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 257، تعذّر الوصول إلى العين في حكم التلف.
(2) عوالي اللئالي 1: 224، الحديث 106، مستدرك الوسائل 14: 7، كتاب الوديعة، أبواب وجوب أداء الأمانة، الباب 1، الحديث 12، مسند أحمد بن حنبل 5: 8.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
المالية أو المِثْل، فإذا لم يكن الأمر هكذا، فإنه في حال التعذّر لا إشكال أن الحكم التكليفيّ غير موجود أصلاً، والحكم الوضعيّ أيضاً غير موجود؛ لأنه لم يتلف فلا معنى لدركه، فإذا بني على عدم الضمان ففرض(1) العهدة يكون لغواً، فإن الشيء إذا جعل في عهدة شخص، فلا بُدَّ أن يكون له أثر، فإذا كان الشيء موجوداً فأثره وجوب أدائه، وإذا تلف فأثره لزوم أداء مِثْله أو قيمته، أما إذا سقط الحكم الوضعيّ والتكليفي في حالة التعذّر معاً لم يكن للعهدة أثر فتكون لغواً، فلا بُدَّ أن نقول -تحاشياً عن اللغوية- إنه يجب عليه أن يجبرها بأداء القيمة المِثْل، ويبقى عنده حتى تعود العين(2).
نقول:
أوّلاً: إنك تريد أثراً في الجملة، وليس الأثر منحصراً ببدل الحيلولة، بل يستطيع بيعه والمصالحة عليه والمطالبة بالأجرة، وهذا الأثر كافٍ في الخروج عن العهدة.
ثانيا: وأما تحقيق المطلب: فالآغايون لم يفرّقوا بين القانون الكلّي والأحكام الشخصية فتنتج نحو هذه المطالب، فإنه في القوانين الكلّية سواء الوضعية منها والتكليفية، يجب أن تحسب حساب أن جعل القانون هل هو لغوٌ أو لا؟ والميزان في لغويّة القوانين ما هو؟ ميزان لغويّة القوانين هو عدم تأثيّرها أصلاً في المجتمع، وإن تخلّف أثره يوماً أو يومين بخصوص بعض الموارد الشخصية،
ــــــــــ[298]ــــــــــ
() عبارته: (عهدة داري). (المقرِّر).
(2) راجع: حاشية كتاب المكاسب 1: 428، بدل الحيلولة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
كتكليف الفقير المدقع أو العاصي بالأداء، بحيث إنَّ المبادي أو الغايات الشخصية لا تتحقق، لكن يجب النظر إلى مبادئ القانون، وهو غير ملحوظ خصوصيات الأفراد أصلاً، وغير منحلّ إلى جعولات كثيرة ليكون له غايات ومبادئ كثيرة متكثّرة بعدد الأفراد، بل للقانون غايات ومبادئ واحدة، وإن تخلّفت في بعض الموارد.
إذن فما تريد أن تستنتجه غير صحيحٍ كبرى وصغرى.
الآن نرى الدليل على بدل الحيلولة بنحو الإيجاب الجزئي، قاعدة اليد كانت دليلاً يمكن التمسّك بها في المقام، وقلنا: إن النحو السابق غير تامّ، لكنّ هنا كلاماً في قاعدة اليد والإتلاف معاً، وذلك بناء على كِلا المبنيين، من دخول العين في العهدة أو المِثْل أو القيمة فيها، فنتكلّم على كِلا المبنيين.
أما بناء على أنَّ (على اليد) تأتي بالعين إلى العهدة، فيقال: إن الشارع بالنسبة إلى حال الأداء لم يتعرّض له، وإنما أوكل الخروج عن العهدة إلى العقلاء، فنقول: إن الحكم العقلائيّ مع وجود العين لا بُدّ من أدائها، ومع تلفها أداء مِثْلها أو قيمتها، فهل في (على اليد) التي لم يذكر فيها التلف أصلاً، لا بُدّ أن نسير وراء مفهوم التلف، ومتى يصدق ومتى لا يصدق؟ أو أننا لسنا وراء ذلك، بل وراء قول العقلاء ومذهبهم في مثل هذه الموارد؟ هل العقلاء لا يقولون بالضمان إلّا مع التلف، أو يقولون بالتوسعة أكثر من ذلك، كما إذا ضاعت العين أو سرقت؟ فهنا هل يقول العقلاء بالضمان، أو لا يقولون به
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
باعتبار أن العين موجودة عند السارق؟
إذا كان تحت يد الضامن فرس مضمون عليه، وأخذها سلطان ظالم ونعلم بعدم إرجاعها إلى الأبد، ونعلم أن يد المالك انقطعت عن المال إلى الآخر، فهل يقول العقلاء أن هذا الفرس ليس مضموناً لوجوده عند الظالم؟ فهل يدور الضمان مدار التلف عقلائياً وعرفاً، أو مدار حكم العقلاء هو قصر اليد عن أخذ العين وانفصالها عنها تماماً؟ وليس الموضوع هو التلف أصلاً، وإنما كان التلف موضوعاً باعتبار عدم وصول اليد إلى العين وانقطاعها عنها.
إذا أنفصل الشيء عن يد الإنسان إلى الأبد يحكم العقلاء بضمانه بلا إشكال.
وكذلك (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، فإن كلمة (التلف) وإن كانت موجودة إلّا أنَّ الحكم إذا جعلناه عقلائياً، فإنه يتجرّد عن الخصوصية، ويفهم أن موضوع الضمان ليس هو الحرق تلف بل هو انقطاع المال عن صاحبه تماماً، وحيث إنَّ الغاصب أصبح سبباً لذلك فيكون ضامناً، فالمدار في الضمان ليس هو التلف، بل عدم وصول المالك إلى ماله.
بناءً عليه فنحن لسنا وراء التلف، لنرجع إلى تفسيره بحسب اللغة أو العرف، أو نرى أن هذا تالف عقلاً أو تالف عرفاً، بل نحن وراء تحقيق موضوع الضمان عقلائياً، وأن العقلاء ماذا يقولون في العهدة؟ فنرى أنهم يقولون بالضمان في حال التعذّر كما يقولون به في حال التلف.
وأما إذا قلنا بأن (على اليد) يأتي بضمان المِثْل إلى العهدة أو القيمة فكذلك،
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذ إنَّ تمام العقلاء يقولون إنه عند التلف يأتي المِثْل أو القيمة في العهدة، فهل يعنون من ذلك التلف بخصوصه، أو القضية ليست قضية التلف، بل هو معنى أعمّ، والتلف من مصاديقه، فلو سبّب الضامن قصر يد المالك عن ماله، فهو
-بحكم العقلاء- يكون الخسارة في عهدته، وكذلك لو استدللنا على ذلك بقوله: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن).
فما تقوله إن السرقة ونحوها نحو من التلف ليس تلفاً بذلك المعنى، وإنما كانت تلفاً بمعنى انفصال يد المالك عن مالكه الذي هو موضوع لحكم العقلاء بالضمان.
فالمسألة عقلائياً هكذا، فإنهم يفهمون -بناءً على ذلك- سواء من قاعدة اليد أو من قاعدة التلف(1)، وسواء قلنا بمجيء العين إلى العهدة أو المِثْل أو القيمة، فهم يحكمون بالضمان في موارد انقطاع يد المالك عن ماله إلى الآخر. بناءً عليه فبدل الحيلولة بـ(على اليد) ثابت في الجملة.
الشيخ يستدلّ بدليل السلطنة ويقول: إنه كما في صورة تعذّر المِثْل كان مقتضى الجمع بين الحقّين هو الانتقال إلى القيمة(2)، فإن دليل السلطنة يجعل من حقّ المضمون له المطالبة بالمِثْل، والتلف يجعل من حقّ الضامن أن لا يعطي، ومقتضى الجمع بين الحقّين هو الانتقال إلى القيمة، فقد تمّمنا المطلب هناك
ــــــــــ[301]ــــــــــ
() وذلك بإلغاء الخصوصية. (المقرِّر).
(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 258، تعذّر الوصول إلى العين في حكم التلف.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
كذلك، فهنا نقول ما يؤيد ذلك فإن دليل السلطنة يعطي حقّ المطالبة للمالك، وحيث إنَّ الضامن لا يستطيع الأداء بعد التعذّر فمن حقّه عدم الأداء، فمقتضى الجمع بين الحقّين هو الانتقال إلى البدل.
قلنا سابقاً إننا لم نفهم الجمع بين الحقّين، وقلنا إن إمكان المطالبة غير موجود حتى نقول بجوازه، إذ بَعْث الشخصِ إلى ما لا يمكن لا يمكن. وما قيل بأنه يطالب حتى يلزم الآخر بأداء المثل غير صحيح، فإن المطالبة الجدية مستحيلة والمطالبة العادية العقلائية هما في الواقع مطالبة بالمِثْل لا مطالبة بالعين.
والآن نقول: إننا إذا قبلناه هناك لا نقبله هنا، على مبنى الشيخ، فإنه ينكر أن (على اليد) تأتي بالعين إلى العهدة، بل يقول بأنها تأتي بالمِثْل في المثليات وبالقيمة في القيميات إذا تلف. فإذا كانت العين موجودة فلا ضمان، ولا عهدة، غاية الأمر أن الضامن مكلّف بأداء العين وإذا تعذّرت العين يرتفع التكليف أيضاً، وفي مورد تعذّر المِثْل كان يمكن أن يُقال -وإن لم نقبله- أن المِثْل الذي في الذمة بما أنَّه مشتمل على ماهيّة نوعية ومالية فللمغصوب منه أن يغضّ النظر عن الماهيّة النوعية ويأخذ المالية.
وأما هنا فلم يأتِ شيء في العهدة أصلاً، وكان هناك حكم تكليفي قد سقط بالتعذّر، وليس وراءه شيء آخر، فلا معنى للاستدلال بحديث السلطنة.
أما على مسلك القائلين بأن العين في العهدة، فماذا يريدون أن يقولوا؟ هل يريد أن يقول: كما أنَّ المال الذي يأتي في العهدة ملك للمالك يتصرّف فيه كيف
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يشاء، وإذا مات تتعلّق تركته به كسائر أمواله، ويجب إلحاق مِثْله أو قيمته بها؟ فهل يعنون مِن تعلُّق العين في العهدة ذلك وأنه ضامن للمال في عهدته؟
إذن فلا بُدَّ أن يلتزموا بأحد قولين:
إما القول المنسوب إلى أبي حنيفة من أنَّ الضمان يأتي إلى عهدة الغاصب، ويكون المالك ذا مال في عهدته، ومعه لا تكون العين في الخارج ملكاً للمالك، بل تدخل في ملكية الضامن وتكون له منافعها.
أو يقولون: إننا نفهم من (على اليد) نحوين من العهدة، عهدة ما قبل التلف، وعهدة ما بعد التلف، وكِلاهما نفهمهما من (على اليد).
فإنه إلى الآن كان كلامنا فيما قاله (الآغايون) من أنَّ العين تأتي إلى العهدة وتبقى إلى حين الأداء، هذا هو ظاهرهم. إلا أن لازمه ممّا لا يلتزمون به، فإمّا أن تكون العين الخارجية ملكاً للضامن، أو يكون هناك ضمانان لشيئين؛ أحدهما للعين الخارجية، والآخر للعين أو المال الذي في الذمة. وإذا لم يقبلوا هذين الأمرين لا بُدّ من تأويل كلامهم، ونقول: إننا نتصوّر نحوين من الضمان:
أحدهما: الضمان حال وجود العين، وليس ذلك إلّا أنه يلزمني أداؤها إلى صاحبها، وليست العين في الذمة نظير الديون، بل هو عهدة الأداء.
والآخر: أنه إذا تلفت العين تأتي العين إلى العهدة نظير الديون الكلّية، والعين الكلّية بجميع خصوصياتها تأتي العهدة، وحكمها أنه يجب أداء قيمتها إن كانت قيمية، ومِثْلها إن كانت مِثْلية.
نرى أنه كيف يمكن استفادة ذلك من دليل قاعدة اليد، وأن هذين المعنيين
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أحدهما تعليقي والآخر تنجيزي، فإن عهدة العين في زمان وجودها، الذي هو حكم تكليفي أو ما يقرب منه حكم تنجيزي وهو عهدة الأداء، والعهدة في حال التلف عهدة تعليقية. فهل يمكن أن نفهم ذلك من (على اليد). وهل يمكن ذلك أولاً؟ حتى نرى أن الفهم العقلائيّ هل يوافق عليه ثانياً؟ هل يمكن أن تتكفّل كِلا العهدتين، أو -في الحقيقة- لا يمكن؟ بل إما أن تقولوا بعهدة العين وتلتزموا بلوازمها، أو تقولوا بعهدة الأداء فقط، والجمع بينهما بلفظ واحد لا يمكن إفادته، ولا يمكن أن نستدل بـ(على اليد) على ذلك.
الشيخ يريد أن يتمّم المطلب من جهة ضمّ دليل اليد إلى دليل السلطنة، ويقول(1): بأنه بدليل اليد نعلم أن العين في العهدة، وبدليل السلطنة نثبت وجوب بدل الحيلولة، فبدليل اليد نثبت الموضوع وبدليل السلطنة نثبت الحكم.
وقلنا إن هذا غير منسجم مع مسلكه، فإنه لا يقول بأن العين في العهدة، بل يرى المِثْل أو القيمة في العهدة، وحتى بناءً عليه أيضاً لا يتمّ المطلب؛ لأننا إذا قلنا بأن العين تأتي إلى العهدة، بالنحو الذي تأتي به بعد التلف، بحيث يكون المالك مالكاً فعلاً لمالين هو العين الخارجية وما في الذمّة، فهذا لا يمكن استفادته من دليل اليد، غايته يمكن أن يدّعى استفادة عهدتين من (على اليد): عهدة حال وجود العين وهي عهدة الأداء، وعهدة بعد تلف العين وهي عهدة مالية، وقد ناقشناها سابقاً.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 257-258، تعذّر الوصول إلى العين في حكم التلف.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وإذا سلّمنا إمكان استفادتهما منها، ففرض بدل الحيلولة هو فرض وجود العين، وما استفدتموه من (على اليد) حال وجود العين، هو عهدة الأداء فقط، دون وجود شيء في الذمّة، إذن فالآن لا مال له في عهدة الضامن، فلا يتمّ موضوع دليل السلطنة، وإنما سلطنة المالك منحصرة على هذا المال الخارجي المتعذّر، وأنت غاية ما تريد أن تثبته هو السلطنة على المال مع التعذّر ومع عدمه، يشمله دليل السلطنة، وعند تعذّره وانقطاع يد الغاصب عنه كالمالك، لا يمكن أن يُنقّح لنا دليل السلطنة لزوم الإرجاع، فإن دليل السلطنة لا يمكن أن ينقّح لنا لزوم إرجاع العين إلى صاحبها، إلّا إذا أمكن للغاصب رفع المانع عنها، على إشكال فيه.
ولكن لا يمكن أن تنقّح لنا ذلك عند تعذّر العين، والشيخ يعترف بذلك، ولكن أراد أن ينقّح المطلب عن طريق العهدة، إلّا أنَّ العهدة حال وجود العين غير العهدة حال التلف، فلا يتمّ المطلب، فإن العهدة حال وجود العين ليست عهدة مالية، ولا يمكن أن تقولوا بضمانٍ حال وجود العين؛ لأن لازمه إما الالتزام بقول أبي حنيفة أو ملك مالين دفعة واحدة.
وما قلناه في قاعدة (على اليد) يأتي في قاعدة الإتلاف، فإن المستفاد من الروايات في شهادة الزور: (فليعطِ بما أتلف من مال الغير). وكذلك قوله: (رهن رهناً فضيعه). فقاعدة الإتلاف لها دليل بعنوانها في الشرع، فإذا كان هذا موجوداً فقوله: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)(1). إذا ألقي على العقلاء فهل يفهمون منه خصوصية الانعدام والاحتراق والتلف، أو أنهم يقولون: أن ما في باب
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) تقدّم الكلام في القاعدة ومدركها آنفاً، فلاحظ.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الإتلاف من الحيثية موجود في باب التعذر، وهو قصر اليد عن التصرّف في العين وعدم الاستفادة منها إلى الأبد؟ مثل أن يلقي قطرة من السم في طعامي، أو يُلقي مالي في أعلى الجبل بحيث لا يناله أحد، فالمال وإن كان موجوداً ونحن ننظر إليه، إلّا أنَّ العقلاء يضمنونه ونحن نفهم ذلك من القاعدة.
فإن المراد ليس هو مفهوم الإتلاف، بل المراد هو انقطاع اليد عن المال، ونحن نفهم ذلك من قاعدة اليد، لا ما قاله المرحوم النائيني(1) من أنَّه حال بين المالك وسلطنته وأعدمها عليه.
ولهذا نريد أن نقول: إن كل ضمان هو ضمان الحيلولة، حتى ضمان اليد، فإنه ليس التلف بعنوانه موضوعاً للحكم، بل باعتبار انقطاعه عن صاحبه، وكذلك قاعدة التلف، فإنه وإن كانت العين موجودة، إلّا أنَّ العقلاء بما أنَّها متعذّرة واليد لا تصل إليها، يطالبه العقلاء بالجبران، بناءً عليه يصحّ أن نتمسّك بقاعدة الإتلاف لإثبات بدل الحيلولة في الجملة.
وكذلك قاعدة (لا ضرر) فإنه لا مضايقة مِنّا(2) في أنَّها تثبت الحكم وتنفيه وتثبت الجبران والضمان، إذن فلا مانع من التمسّك بها، إلّا أنه لا يمكن تسويته إلى كل المواضع فإن سدّ الخلل لا ينحصر بأداء الدرك، إذ يمكن سدّه بدفع إجارته وغير ذلك.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() راجع: منية الطالب 1: 154، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد، الأمر الثالث.
(2) على مسالك القوم. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
نعم، إذا لم يمكن سدّ الخلل والدرك إلّا بأداء المِثْل أو القيمة فلا مضايقة مِنّا بأنه يستفاد من (لا ضرر).
فهذا هو الكلام في الاستدلال على بدل الحيلولة في الجملة، ويأتي الكلام في التفريعات وسائر الخصوصيات إن شاء الله تعالى.
انتهى الكلام في ثبوت بدل الحيلولة من الأدلّة في الجملة، وبقي الكلام في سائر الخصوصيات التي تعرض لها الشيخ.
فنقول: التعذّر الحاصل في العين:
مرّةً: يكون عقلياً.
وأخرى: لا يكون عقلياً، ولكن لا يجب أداؤه باعتبار سقوط الوجوب بدليل الحرج أو غيره.
وثالثةً: لا تعذّر للأداء، بل هو ممكن عقلاً وشرعاً.
وفي صورتي التعذّر العقلي والشرعي: مرّةً يعلم أنه إلى الأبد لا تأتي العين في يده، وأخرى يظنّ ذلك، وثالثةً يحصل له اليأس من ذلك.
ورابعةً: يحصل له عدم الرجاء في وصولها عنده، وبالعكس قد يعلم بمجيء العين إلى يده، وأخرى يظن بذلك وثالثةً يرجو ذلك، غايته أنه بزمان طويل.
وفي الصورة الثالثة صورة عدم التعذّر، يكون لمجيء العين باليد مقدمة
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
اختيارية، ولكن تحتاج إلى زمان طويل، فهل أدلّة الغرامات والضمانات تستطيع إثبات بدل الحيلولة بتمام صوره، فإن العين المفروض أنها لم تتلف، فهل يمكن إثبات تمام الصور بها؟
يقول الشيخ -بحسب النسخة المحقّقة- إن قاعدة اليد وقاعدة السلطنة وقاعدة الجمع بين الحقّين، تدلّ على ذلك، إلّا في زمان قصير لا تثبت به الغرامة عقلائياً(1)، ونحن تكلّمنا في دليل السلطنة والجمع بين الحقّين وذكرنا عدم تماميتهما، ولكن نريد ذكر التقريبات في قاعدة اليد؛ لنرى أنه هل يمكن إثبات تمام الأقسام إلّا ما كان قصير المدة، أو كانت العين حاضرة، أو لا؟
أحد التقريبات هو أن يقال: إن قاعدة اليد لم ترد لضمان التلف، وإنما هي لضمان بدل الحيلولة فقط؛ بهذا التقريب: أنه في قاعدة اليد جهتان تؤيّدان ضمان الحيلولة:
أحدهما: أنها ظاهرة بالضمان الفعلي، والضمان بعد الإتلاف ليس فعلياً، بل معلّق على شيء آخر.
وثانيهما: أنها مُغيّاة بالأداء، وبعد الإتلاف لا يبقى إلّا الضمان ولا معنى للأداء.
وعلى هاتين النكتتين يمكن أن يُقال: إنَّ المقصود من قاعدة اليد هو جعل الغرامة فعلية إلى غاية دفع نفس العين، وكأنّه قال: (إذا أخذت العين ولم تستطع إرجاعها بنفسها فادفع البدل). أما عدم إمكان الإرجاع فنفهمه
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 257-258، تعذّر الوصول إلى العين في حكم التلف.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بالانصراف، إذ لو كانت نفس العين موجودة أو يمكن أداؤها بزمان قريب، فإنه يؤدّيها بنفسها، وتختصّ الغرامة بالزمان الطويل.
ثاني التقريبات أن نقول: ليس لا بُدّ أن نخصّ القاعدة بخصوص الحيلولة، فإن المراد من (على اليد) هو العهدة سواء عهدة الموجود أو عهدة التالف، وقوله: “حتى تؤدّيه” غاية لما هو ممكن الحصول والأداء، وهو العين الموجودة، فبضمّه إلى الصدر قد يقال: بأن المراد به بدل الحيلولة بالخصوص، أو نقول: إنه وإن كان المراد من الذيل ذلك، إلّا أنه يكون غاية لبعض الضمانات، وإن ضمان العين حال وجودها يسقط بالأداء، وأما ضمان التالف فلا يسقط، فالغاية غاية لبعض المصاديق. وعليه؛ فالقاعدة تكون شاملة لضمان التلف وضمان بدل الحيلولة.
التقريب الثالث: أن (على اليد) المراد منه ما فهمه المشهور من أنَّ معنى (عليه) هو المعنى التعليقي من أنَّه إذا تلف فعليك أداؤه، فالضمان فعلي إلّا أنَّ مؤدّاه تعليقي، وهذا هو معنى الضمان عقلائياً، إذن فالذيل لا يدلّ على أنَّ المراد بالصدر هو خصوص بدل الحيلولة أو خصوص التلف، بل ما رآه المشهور هو الضمان التعليقي وهو المعنى العقلائي، دون ما رآه بعض المتأخرين كالآخوند(1) والسيد(2) فإنه ليس معنى عقلائياً.
ولكن ليس في هذه القاعدة ذكر للتلف، ولكن ذلك ممّا نفهمه من عمل
ــــــــــ[309]ــــــــــ
(1) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 35-37.
(2) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 102-104.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العقلاء، والعقلاء لا يدورون مدار التلف، وإنما يرون أن انقطاع المال عن صاحبه يأتي بالمِثْل إلى العهدة سواء كان التلف حقيقياً أو عرفياً، أو لم يكن تالفاً، ولكن لم تكن قادراً على ردّه، فإذا قيل في مثل ذلك عليك غرامته يفهم العقلاء منه الضمان الفعلي للبدل.
وفي نظري أن الأدلة الواردة في باب الضمانات كضمان الصنّاع ونحوه من الروايات الكثيرة، ليس تلفاً عرفياً ولكن فيه معنى الضمان، فإذا سُرقت العين يجب عليه دفع العوض وإن كانت موجودة في الواقع، وعلى أيّ حال فنحن لسنا مربوطين بكلمة التلف، بل هو من ضمان الحيلولة.
فنقول: إن (على اليد) تقول نفس المعنى العرفي العقلائيّ الذي فهمه المشهور، فلا بُدَّ أن نرى أن العقلاء يرون الغرامات إلى أيّ حدّ، وهم يرون أنه إذا قصرت يد المالك إما بتلف العين أو بالعجز عن الإرجاع فيجب عليه إعطاء البدل، فإذا رجعت العين إليه أخذها وأرجع البدل، وهذا الوجه غير بعيد.
وأما ما يقوله الشيخ من الجمع بين الحقّين وقاعدة السلطنة فقد فرغنا من عدم تماميتها.
هذا تمام الكلام في أحد تنبيهات المسألة.
الفرع الآخر الذي يذكره الشيخ هو أنَّه هل الضمان في بدل الحيلولة مثل ضمان الإتلاف أو لا؟
فإنه في ضمان التلف يجب عليه أن يردّ مال الناس مِثلاً أو قيمةً، وليس للمضمون له الامتناع عن الأخذ، وله-المضمون له- المطالبة، ولا يجوز
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
للضامن الامتناع، فهل هنا أيضاً يجب على الضامن الأداء وليس للآخر الرفض، أو الأداء موقوف على المطالبة، فإذا لم يطالب المضمون له واختار الصبر لم يكن للضامن إلزامه بالقبول؟
الشيخ يختار أن صاحب المال مخيّر بين أن يطالب ويأخذ، وبين أن يصبر وليس للضامن إلزامه بذلك الشيء، ثُمّ يقول: إن ذلك هو مقتضى دليل السلطنة(1).
ونحن لنا كلام مع الشيخ وتبعه عليه الكثير منهم المرحوم النائيني(2)، ثُمّ نرى ما هو مقتضى أدلّة الضمان.
ما يقوله الآغايون(3) من أنَّه إذا طالب فالضامن ملزم بالبدل، وإذا صبر لا يمكنه إلزامه، نقول: مقصودكم من المطالبة أيّ شيء؟
هل مطالبته بنفس العين؟ هذا غير ممكن:
أولاً: لأن الجدّ في هذه المطالبة محال، بعد العلم بأن الضامن متعذّر عليه أداء العين.
وثانياً: أن المطالبة الجدّية بالعين لو فرضنا حصولها فيكون جوابها: أنني لا أستطيع أداءها.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 258-259، هل يلزم المالك بأخذ البدل؟
(2) راجع: منية الطالب 1: 161، هل دفع البدل حقٌّ للضامن…؟
(3) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 103، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 431، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وإذا قلت: إن هذه المطالبة وإن لم تكن جدّية، إلّا أنه هذه المطالبة الصورية تكون موضوعاً لوجوب البدل.
نقول: إن المطالبة الجدّية بالعين -المفروض أن العين في العهدة-، فجوابه أنه لا قدرة على العين ولا ربط لذلك بالبدل، وأما أن تقول: إنه إذا طالب بالعين يتبدّل إلى البدل، فهذا لا دليل عليه.
وإذا قلنا إنه يطالب بالبدل، فهل يطالب والمبدل في العهدة، أو بدون أن يكون في العهدة؟ فإذا لم يكن في العهدة فهو يطالب بما لا عهدة به ولا يلزم أداؤه، وإذا كان البدل في عهدتي فمقتضى ذلك أنه يمكن لي إفراغ العهدة وإلزام آخر بالقبول.
فما تقوله بأنه: (ليس له الإلزام وإن المضمون له مختار) غير تامّ، ومقصودنا بالإلزام ليس أن يجبره على الأخذ، فإنه إذا لم يأخذ له أن يضعه بين يديه ويذهب ويسقط الضمان، أو يدفعه إلى الحاكم الشرعيّ فيأخذه الحاكم ويسقط الضمان أيضاً.
فإذا بني على أنَّ مقتضى الأدلّة في بدل الحيلولة هو اشتغال الذمة بالبدل، فالذمّة من الآن مشتغلة بالبدل، فليس للمضمون له أن يمنعني من تفريغ ذمّتي، فما يقوله الشيخ من أنَّه عند المطالبة يجب الدفع وعند عدمها لا يستطيع إلزام المالك بها غير تام.
الآن نرى أدلّة الضمانات، فالشيخ كما ينقل عن النسخة المصحّحة، أنه تمسك بـ(على اليد)، والتمسك بها لضمان بدل الحيلولة لا بُدّ أن يكون بنحو
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
واحد مع سائر الضمانات، فإن لها لساناً واحداً لا لسانين، غاية الأمر نحن جرينا فيها على المباني، وقلنا أنّه على مبنى المرحوم الآخوند(1) والسيد(2) من أنَّ نفس العين في العهدة، فإذا قلنا -كما قرّبناه آنفاً- من أنَّ على اليد مخصوصة ببدل الحيلولة، غاية الأمر يخرج ما كان فورياً أو نحوه، إذا قربنا ذلك فغرامة العين في العهدة، ويكون ذا عهدة بالمِثْل في المثليات وبالقيمة في القيميات حتى يأتي بالعين وعليه يكون واضحاً أن للضامن أن يدفع له البدل وليس للآخر الامتناع، غايته أنه إذا عادت العين لا بُدّ من إرجاعها واسترجاع البدل، فهو غرامة إلى أمد.
وأما بالترتيب الآخر، من أنَّ إطلاق (على اليد) يقتضي أن ما يأتي إلى العهدة أعمّ من ضمان التالف وضمان بدل الحيلولة، والغاية إما للضمان المعلوم أو لبعض المصاديق، وقلنا إن لفظ التلف ليس موجوداً في (على اليد) لندور مدارها بل نرجع إلى العقلاء، فنرى أن موضوع الحكم بالغرامة عندهم ليس هو التلف فحسب، بل قطع يد المالك عن ملكه، سواء كان قطعاً مؤبّداً كما في التلف الحقيقي أو إلى أمد كما في صورة بدل الحيلولة.
فكل هذا ننقّحه بـ (على اليد) وهي سياقها واحد، فإذا استفدنا من (على اليد) أنها تأتي بشيء إلى العهدة فهو شامل للجميع، وأما لم نستفد ذلك فهو شامل للجميع أيضاً، فالتفصيل بينهما غير تامّ.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) تقدّمت الإشارة إليه غير مرّةٍ.
(2) تقدّمت الإشارة إليه غير مرّةٍ.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ولا يمكن لـ(على اليد) أن يعمل في كل مورد عملاً مستقلاً، وفي كِلا الحالين هو في عهدتي، وليس للضامن أن يمتنع، ولي أن أدفع له، وليس له الرفض.
وأما إذا كان دليل الضمان هو آية فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(1) -وقد قلنا إنه باطل- وقلنا: إنه لا نستطيع أن نقول إنه عدوان في مقابل عدوان، بل الاعتداء الثاني اعتداء بحقّ، وإذا كان اعتداء بحقّ يمكنني أن الزمه به. كذلك الأمر في بدل الحيلولة.
وكذلك إذا كان دليل الضمان: (لا ضرر)، وقرّبناه على مبنى القوم من أنَّها تسدّ جميع أنحاء الضرر، وذلك لا يكون إلّا بالجبران، ومنه نفهم أن المال في ذمّته، كذلك الأمر في بدل الحيلولة.
كذلك لو كان الدليل هو دليل السلطنة، بالتقريب الذي قلناه من أنَّ السلطنة المطلقة على المال أنه إذا أخذه شخص يجب جبرانه عليه، فيكون أيضاً مقتضياً لذلك المعنى.
ومهمّ الأدلّة هو (على اليد)، ومقتضى كل الأدلّة هو الضمان على نفس الوتيرة في سائر الضمانات وسائر الموارد، ولا يفرّق من حيث الضمان، غاية الأمر أن الضمان في التالف إلى الأبد وفي بدل الحيلولة إلى الأمد. والتلف العرفي كالسرقة والغرق أيضاً ليس إلى الأبد، مع أنه قد أصبح موضوعاً في الروايات لدفع البدل، وإنما الذي يكون إلى الأبد هو التلف العقلي، ولكن حيث إنَّ أمد
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) البقرة: 194.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
التلف العرفي غير معلوم فلا بُدَّ من إعطاء البدل، وأظنّ أنه أيضاً بدل الحيلولة، فلو أرجع السارق العين كان لا بُدّ من إرجاعها إلى صاحبها واسترجاع البدل.
هذا راجع إلى هذا الفرع، ولا أظن أنه يمكن تتميم كلام الشيخ و(الآغايون).
الفرع الآخر: أن المضمون له هل يملك الشيء أو لا؟
من الأمور المتفرّعة على المسألة، هو أنَّ المالك حينما يأخذ بدل الحيلولة هل يملكه، كما يملكه في التلف الحقيقي، أو هناك فرق بين بدل الحيلولة والتلف، أو أنه في بدل الحيلولة إباحة التصرفات حتّى الموقوف منها على الملك؟
يقول الشيخ(1): إنه لولا الإجماع في المسألة(2) وظهور أدلّة الغرامات، لاحتمل كونه إباحة جميع التصرفات، يقول: والمرزا القمي جزم بهذا المطلب(3).
فإذا أردنا أن نفهم أنّ أدلّة الغرامات هل تدلّ على ما يقوله الشيخ أو لا؟
فالتقريب الذي يُقال في (على اليد) ونحوها، أن يقال: إنها ذات لسان واحد وليس لها ألسنة متعدّدة، فكما في غرامة التلف كان مقتضى على اليد أنها ملك له، ففي باب غرامة الحيلولة أيضاً كذلك، فإما أن تقول أن على اليد غير
ــــــــــ[315]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 259، ثُمَّ إنَّ المال المبذول يملكه المالك بلا خوفٍ.
(2) راجع: المبسوط 3: 76، الغنية: 538، الخلاف 3: 412، تحرير الأحكام 2: 140، وغيرها.
(3) راجع: جامع الشتات 2: 294-296.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
دالّة في باب الحيلولة على شيء، أو إذا اعترفت بدلالتها فلا بُدَّ وأن تكون على نحو واحد، وهذا التقريب يشمل سائر أدلّة الضمانات.
قلنا: إن كيفية استفادة بدل الحيلولة من (على اليد) كان بهذا النحو، حيث إنَّ (على اليد) ليس فيها لفظ التلف، غايته أنه لما كان بدل التلف عرفياً فيتكلّم حوله، ولهذا قلنا: إن الذي نفهمه من (على اليد) وغيرها من أدلّة الضمانات إلّا بعضها النادر، هو أنَّ ما هو موضوع الضمان هو الحيلولة بين المالك وملكه وقطع يده عنه، سواء بالتلف أو بشيء عند العقلاء كالتلف، كما في السرقة والغرق في قاع البحر، أو انقطاع يد المالك عن ماله إلى الأبد، كما لو غصبه ظالم قوي نعلم أنه لا يرجعه، فهذا الانقطاع يكون موجباً للضمان، فلذا قلنا: إن نفس المناط الموجود في التلف الحقيقي والتلف العرفي وفي مورد الحيلولة مناط واحد، بل تلك مناطها ليس إلّا الحيلولة، لا أن التلف له دخل في الضمان.
فإذا كان الأمر كذلك، فلا بُدَّ من أن نرى أن الانقطاع إلى أي حد.
حينئذ نقول: إن (على اليد) تقتضي جبران المقدار الذي حصل فيه انقطاع يد المالك عن ماله، وفي باب التلف الحقيقي، هذا المال المعدوم لا ماليّة له ولا ملكية ولا سلطنة للمالك عليه، ولا جواز التصرّف لعدم الموضوع، فجميع الأمور التي كانت مستندة إلى المالك ارتفعت بالتلف، وغرامة هذا أن يمتلئ مكانه بكل الحيثيات التي ذهبت عن المالك، فلا بُدَّ أن يكون ملكه ومسلّطاً عليه ومتمكّناً من التصرّف فيه، فالغرامة والجبران الذي يستفاد من (على اليد) هو ذلك.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وفي باب التلف العرفي، كالغرق مثلاً إذا قلنا: إنه يخرج من ملك مالكه كبعض الروايات(1) التي تدلّ على ذلك في كتاب اللقطة، وإن من يستخرجه يملكه بعد ذلك، فيكون حاله كحال التلف، غايته أنه في باب التلف لا ملكية لعدم الموضوع، وهنا لا ملكية أيضاً بواسطة الدليل الشرعي، فإذا انقطعت المالكية كان مقتضى الجبران هو مالكيته للبدل(2).
وأما إذا لم نقل ذلك في باب الغرق وكذلك في سائر أنحاء التلف العرفي، وإن المال باقٍ على المالية والملكية، وإن الفرس باقٍ في ملك صاحبه عند الغاصب الظالم، فالذي انقطع عن المالك هو السلطنة على ماله، و (على اليد) لا تفيد أكثر من جبران ما قصرت عنه يد المالك، وهذا الجبران يحصل
بأن يعطي الضامن للمالك المِثْل أو القيمة ويمكّنه من سائر التصرفات حتى الموقوف منها على الملك، من قبيل باب المعاطاة.
فإذا قلنا بأن (على اليد) تدلّ بالدلالة اللفظية على مراد الشيخ فلا نقبله، بل الصحيح خلافه.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
() ولا يبعد أن السيرة توافق عليه؛ لأن من قال بأنّ الخاتم الذي في قاع البحر ملكي، يضحك عليه بلا إشكال، فيعود من المباحات العامّة، فإذا حازه شخص آخر ونوى التملّك يدخل في ملكيته. (المقرِّر).
(2) فإذا صادف للمالك بنفسه إن أخرجه من البحر ونوى حيازته ودخل في ملكه فهو ملك جديد، ومعه لا يجب عليه إرجاع البدل لانحفاظ موضوع الضمان السابق، وهو سلب الملك الأوّل فتأمّل. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ونستطيع أن نقرّبه بحسب الدلالة الالتزامية، بأن يقال: إنه إذا كان شيء في يدي وأجاز لي الشارع تمام التصرفات الممكنة جميعاً الموقوف منها على الملك وغيرها، وسلب الطرف الآخر جميع التصرّفات مطلقاً، فيدعى أن الملكية في اعتبار العقلاء لا بُدّ وأن تكون ذات أثر، والملكية غير ذات الأثر مطلقاً ليس لها معنى عند العقلاء، فلازمه أن هذا المضمون له يكون مالكاً له وذاك غير مالك.
إذا قرّبناه بهذا النحو نقول: إن هذا المطلب يتمّ في بعض الموارد، وهو سلب جميع الآثار في جميع الأزمنة عن شخص، فيمكن أن يُقال إنَّ الملكية العقلائية غير ثابتة حينئذٍ، إما سلب جميع الآثار في بعض الأزمنة أو سلب بعض الآثار في جميع الأزمنة فلا يكون سلباً للملكية، وفي المقام إذا انقطعت يد المالك عن ماله في جميع الأزمنة، فيمكن تقريبه في الجملة ولكن بدل الحيلولة غالباً ليس كذلك، فإنه -أيّ الضائع- إما أن يعود وإما فيه أمل الرجوع، فهذا الدليل لا يثبت أن بدل الحيلولة مطلقاً كذلك.
أو يُقال بوجه آخر ذكره الآخوند(1) وقرّبه الشيخ محمد حسين(2) له.
وحاصله: أن التصرّفات الموقوفة على الملك كالبيع والوطء والعتق، هذا النحو من الآثار، معلول للملكية، فإباحة بيعه معلول للملك، وما لم يكن الملك فلا إباحة لبيعه.
إذن نقول لمنكر الملكية: إنك قبلت أن جميع التصرفات تثبت بـ(على اليد)
ــــــــــ[318]ــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 43.
(2) حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 108.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
حتى الموقوف منها على الملك، فلازم ذلك أن المالك المضمون له يجوز له العتق والبيع والوطء، وهذه الآثار الثلاثة حيث إنَّها موقوفة على الملك فإباحتها إباحة معلولة له، فلا يمكن أن توجد إباحتها قبل وجود الملكية. إذن يكشف وجود الإباحة عن وجود الملكية قبلها؛ لكونها علّة لها، فالملكية حاصلة.
نقول: يمكن أن لا نقبل هذا التقريب بأن نقول: أما في باب البيع الذي لا يكون إلّا في ملك، فنحن قلنا في باب الغرامة، إنها تكون في مكان المقدار الذي انقطعت منه يد المالك، وأما الذي انقطع منه هو السلطنة بالخصوص، فلازمه أنه إذا باع فإنه يبيعه عن مالكه -الضامن- لا أنه يبيعه(1) عن نفسه، فيبيعه للضامن ويدخل الثمن في ملك الضامن أيضاً، إلّا أنه يبقى -كالأصل- مباحاً للمضمون له التصرّف فيه بجميع أنحاء التصرّف، فليس لا بُدّ أن يبيعه المالك لنفسه ليتوقّف على الملك، فأنت سلطان على البيع لكن لا لنفسك، بل للضامن.
وأما بالنسبة إلى تحليل الوطء، حيث إنَّه من أسباب جواز الوطء التحليل، فإن الأَمَة تُستحل بالعقد وملك اليمين والتحليل، فلو ضيّع عليه
ــــــــــ[319]ــــــــــ
() لا يخفى أن هذا البيع ليس عوضاً عن بيع العين الضائعة الذي كان يستطيع أن يبعيها لنفسه، وثانياً ليس هذا البيع مما يتوقّف على الملك فيكون في الالتزام بهذا الوجه تنازلاً عن إباحة تمام التصرّفات حتى المتوقّفة على الملكية، إذ معه يمكن أن يبيعه عن نفسه بلا إشكال، ومعه يستكشف منه ملكيته له ولو في آن ما من الزمن قبل البيع، فما قاله السيد لا يتمّ، فلاحظ. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أَمَة له، وقطع يده عنها، وجوّزنا أن يدفع له أَمَة بدلها، كبدل للحيلولة، فلا بُدَّ أن يحلّلها له لكي تتمّ السلطنة(1)، وأما إذا كانت العين الضائعة غير أَمَة فليس لا بُدّ أن يحلّلها له.
وأما العتق، فإذا كان على المضمون له كفارة عتق، وأعتقت العبد الذي عندي كبدل للحيلولة، فقد أعتقت ملك غيري بإجازة منه ليكون كفارة عني، وهذا جائز، فإنه يجوز التبرّع(2) للغير بالكفارة، فأصبح العتق بالملك، غايته أنه كفارة عن غيره، إذن فليست هذه التصرّفات معلولة للملكية ليستكشف منها وجودها.
فهذا المطلب الذي يقوله الشيخ من أنَّه لولا ظهور أدلّة الغرامات لقلناه،
ــــــــــ[320]ــــــــــ
() لا يخفى أن السلطنة إنما تتمّ إذا كان يستطيع أن يطأ البدل بنفس الملاك الذي كان يستطيع به وطء المبدل، وهو الجواز الشرعي من دون إذن أحد غير إرادته الخاصّة، وعلى قول السيد لا يتمّ ذلك، وما قولك لو سحب الضامن إذنه وتحليله للوطء ولو عصياناً، هل يكون ضامناً له التحليل؟
كما أنَّه هناك لو لم يجز البيع ولو عصياناً فماذا يحصل؟. (المقرِّر).
(2) أولاً: إنما تتمّ السلطنة على العبد كالسلطنة التي كانت على العبد السابق إذا جاز اعتاقه من دون إذن أحد، وبمحض إرادتي. وإلّا فلا يكون جبراناً له.
وثانياً: إذا لم يرضَ مالكه بالعتق، هل يبقى ضامناً؟
وثالثاً: أنه لو اعتقه الضامن عن نفسه يتحرّر لا محالة، ويخرج عن كونه بدل الحيلولة، فهل يكون هذا حراماً، وهل يجب وضع بدل آخر، وهل يكون بدل العبد الثاني أو بدل الأول؟
تقريرات، كتاب البيع، ج4
غير صحيح، فإن أهمّ أدلّة الغرامات هو (على اليد) لا تدلّ عليه.
وأما ما يقوله من الإجماع، ففي مثل هذه المسألة التي تتوفّر فيها الأدلّة اللفظية وتكون مورداً للاستظهار والاجتهاد، لا يمكن الاعتماد فيها على الإجماع أو الشهرة المعتبرة.
فمقتضى القاعدة هي إباحة التصرّف كما يقول المرزا القمي.
هذا كله إذا تمت أدلّة (لا عتق إلّا في ملك)(1) و(لا بيع إلّا في ملك)(2)، وإما إذا لم تتم فالأمر أوضح.
ظاهر الشيخ(3) وصريح المرحوم النائيني(4) وظاهر الآخرين(5)، أنهم تسالموا على أنَّ العين حين تعذّرها، منافعها ونماءاتها المتّصلة والمنفصلة مضمونة للضامن، وذلك قبل إعطاء بدل الحيلولة، ولكنّهم خصّوا الإشكال والكلام
ــــــــــ[321]ــــــــــ
() إشارةٌ إلى قوله: “لا عتق إلّاَ بعد ملكٍ“، حسبما رواه في الكافي 6: 179، باب أنَّه لا عتق إلّاَ بعد ملكٍ، الحديث 2، ونحوه غيره.
(2) إشارةٌ إلى قوله: “لا بيع إلّاَ فيما تملك“، حسبما رواه في عوالي اللئالي 2: 247، كتاب المتاجر، الحديث 16، ومستدرك الوسائل 13: 230، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 3.
(3) راجع كتاب المكاسب 3: 266، حكم ارتفاع قيمة العين لعبد دفع بدلها.
(4) راجع: المكاسب والبيع 1: 384-385، الأمر الرابع.
(5) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 45، حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 110، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فيما بعد دفع البدل هل تكون المنافع المتجددة مضمونة أو لا؟
أما نحن فلا بُدَّ لنا من البحث في كِلا الموردين:
البحث الأول: في أنَّ المنافع التي تكون للعين بعد التعذّر وقبل دفع البدل، هل تكون مضمونة المتّصلة منها والمنفصلة، أو لا؟
فنقول: دليل الضمان المهمّ هو: (على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه) فإذا قال قائل بأن مفادها: أنه إذا وُجِدت للإنسان يدٌ على مال غيره فهذا الشيء وجميع أنحاء النماءات والمنافع مضمونة، باعتبار وقوع اليد على العين لا باعتبار وقوعها على المنافع، فمجرّد دخول العين تحت اليد تكون هي وتمام منافعها مضمونة، وإن وجدت بعد ذلك، وبناءً عليه لا بُدّ من أخذ الضمان من المسلّمات، كما تسالموا عليه، وقال النائيني إنه لا إشكال فيه.
وإن قلنا: إن ما هو المضمون لا بُدّ وأن تقع عليه اليد، ولذا نرى الآغايون في ضمان المنافع يدّعون: أن اليد على العين يدٌ على المنافع؛ ولهذا في المنافع غير المستوفاة قلنا: إن منافع العين بحسب تدرّج الوجود توجد تحت يدي تدريجاً وتنعدم مضموناً عليه، وإن لم تكن قارّة الذات كالعين نفسها، بناءً عليه نحتاج إلى وقوع اليد على الشيء ليكون مضموناً، فهل نقول إن هذه المنافع -المتجدّدة تحت يد غيري- مضمونة ولو لم يكن يد أو أن المضمون هو المنافع التي وقعت تحت يدي؟
إذا كان هذا بناء على اليد، فالعين ما دامت تحت يدي واستيلائي، فهي بمجرّد وقوع العين تحت يدي يكون مضموناً بمجرّد الأخذ، وإن خرجت عن
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يدي؛ لأن ما أخذته موجود بعينه فيبقى مضموناً، وكذلك يدخل تحت الضمان ما وجد تحت يدي من المنافع والنماءات، أما بعد أن تخرج العين عن يدي فالمنافع التي حصلت حصلت في حال التعذّر، فذات العين تكون مضمونة لوقوع اليد عليها، وأما منافعها فقد وجدت خارج يدي فلا معنى لضمانها.
ونفس الوجه يأتي في تعاقب الأيدي، فيما إذا وقعت يدك على عين لغصب أو لعقد فاسد، ثُمّ غصبها غاصب ثُمّ غصبها منه آخر، وهكذا، فيتكلّم عن أن هذه العين ما دامت تحت يد الغاصب الأوّل فهي مضمونة له بمنافعها، وإذا أخذها الآخر كان كِليهما ضامناً للعين، فهل نقول ذلك بالنسبة إلى المنافع أيضاً، أو المنافع إنّما تكون مضمونة باعتبار وقوعها تحت اليد، فكل ضامن يضمن ما يقع تحت يده من النماءات وما يتجدّد من المنافع؟ فضمان العين بمجرّد وقوع اليد عليها يبقى إلى حين الردّ، وأما المنافع فإن وجدت عندي كانت مضمونة وأما إذا تجدّدت عند غيري فلا يكون ضماني ثابتاً عليها، فإن يدي غير ثابتة بالنسبة إليها لا استقلالاً ولا تبعاً؛ لأنه لا يمكن أن يكون التابع تحت اليد من دون يد على المتبوع(1).
فلا بُدَّ إذا التزمنا بما تسالموا عليه، أما أن نلتزم بعدم الحاجة إلى وجود اليد في الضمان، فهذا مخالف لدليل اليد، وأما إذا أخذنا بظهور هذا الدليل، فما هو تحت اليد هو العين والمنافع المتجدّدة تحت يدي دون المنافع التي وجدت تحت
ــــــــــ[323]ــــــــــ
() إذا كان المتبوع هو العين كان له وجه، أما إذا كان المتبوع هو ضمان العين فهو متحقّق فيتبعه ضمان المنافع، ولا إشكال من هذه الناحية. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يد غيري، فيضمنها من وجدت تحت يده دوني.
وفي صورة تعاقب الأيدي يكون كل واحد ضامناً للمنافع المتجدّدة تحت يده، هذا بالنسبة إلى هذا الطرف من المسألة. وأما بالنسبة إلى ذاك الطرف من القضيّة، فيما إذا تعذّرت العين ودفعت بدل الحيلولة، فماذا نقول؟ أما نحن فلا حاجة لنا إلى البحث بعد أن قلنا بعدم الضمان لعدم وجود الدليل عليه.
لكن على المبنى إن قال قائل: إنه إذا وقعت اليد على شيء فهو ضامن له ولتوابعه، وإن الضمان للتوابع تابع لوقوع اليد على العين لا على التوابع، بناء عليه، هل إعطاء البدل يخرج بنا عن الضمان، أو أن ضمان المنافع المتجددة موجود؟
المرحوم النائيني يقول(1): إذا قلنا: إن (على اليد) تأتي في العهدة بالعين المالية، ولأجل التعذّر تسقط العين، وأما المالية فقد أدّيتها بأداء البدل فسقط عن ذمّتي كل شيء، ولا معنى لضمان منافع شيءٍ ساقطٍ عن ذمّتي بالكلية.
نعم، إذا قلنا إن بدل الحيلولة بدل السلطنة لا بدل العين ولا المالية لا بُدّ أن يُقال بالضمان.
نقول: إننا إذا فرضنا أن العين تأتي إلى العهدة، فلماذا تسقط بالتعذّر، فإن هذا حكماً وضعياً وليس حكماً تكليفياً على إشكال لنا في الأحكام التكليفية أيضاً، فإنها لا تسقط بالعجز، بل فعليّاتها باقية والمكلّف معذور عنها، والقول
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) راجع: منية الطالب 1: 161، الأمر الرابع، المسألة الخامسة، والمكاسب والبيع 1: 384-385، الأمر الرابع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بسقوطها مبنيّ على الانحلال، وإن كل مكلّف له حكم مستقلّ، وحيث يقبح تكليفه عند العجز يكون الحكم ساقطاً، إلّا أنَّنا لم نصدّق بكل ذلك.
وفي باب الوضع إذا التزمنا بسقوط الضمان بالتعذّر فالشخص الذي عليه دَين ويتعذّر عليه الأداء لفقره مثلاً يسقط عنه، ثُمّ حين يتمكّن من الأداء يعود عليه، هل هذا هو بناء العقلاء، وعليه سيرتهم أو في الحقيقة الضمان موجود في الذمّة ولا يسقط حتى بعد التعذّر؟
وإذا أدّيت المالية، تبقى المنافع مضمونة، فإنها نماء العين لا نماء المالية، فما يقوله من أنَّه إذا أدّى المالية يسقط الضمان غير تامّ، بل على المبنى تسقط العين ولا تكون المنافع مضمونة بعد سقوط العين، فإن المنافع منافع للعين لا للمالية، فإذا بنينا على أنَّ ضمان المنافع بضمان العين فلا بُدَّ أن نقول باستمرار الضمان حتى بعد دفع المالية.
نعم، لو قلنا: إنه كما أنَّ اليد على العين يد عليها وعلى جميع تبعاتها، فالغرامة أيضاً غرامة للعين ولتمام تبعاتها، حتى المنافع المستقبلة، فيكون لعدم الضمان وجه، إلّا أنه لا هذا المبنى ولا المبنى السابق تامّ بنظر الإنسان. هذا تمام الكلام في هذا الفرع.
الفرع الآخر: أنه إذا زال التعذّر فما هو الحكم.
بعد تسليم بدل الحيلولة، إذا ذهب التعذّر بخروجه من البحر، أو وُجِد بعد الضياع، أو يعود به السارق، أو يعود من التلف الحقيقي، فهل في كل هذه
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الموارد حينما تعود العين تعود إلى ملك صاحبها، والعوض يعود إلى الغاصب، أو لا يعود ولا في أيّ من هذه الصور؟ أو هناك فرق بين التلف الحقيقي وبين التلف العرفي والحيلولة، أو فرق بين التلف الحقيقي والتلف العرفي وبين الحيلولة، فيعود في الثاني دون الأول منهما؟
وهذا اُدّعي عليه الوفاق(1) في بدل الحيلولة، لكن نحن لا بُدّ أن نعرف الوجوه والتقريبات، وأنها هل تشمل سائر الموارد أو تخص بعضها؟
أحد التقريبات: أن نفس ماهية الغرامة والبدليّة تقتضي ذلك عند العقلاء، وأنه لا معنى إذا عاد المبدل إلى مالكه أن يبقى البدل عنده، بلا فرق في ذلك بين التلف العرفي والحقيقي، فلو عاد التالف الحقيقي بخرق العادة، أيضاً نقول أن مقتضى ذات البدلية عقلائياً هو ضمان العائد لصاحبه وإرجاعه وأخذ البدل(2).
أو بتقريب أن يقال: إن أدلّة الغرامات ومنها دليل اليد، إذا قلنا إنها تقتضي وجود العين في عهدة الإنسان فيُقال إنَّ هذه العين التي جاءت إلى عهدته تمام ما هو موضوع الضمان فيها، هو نوعية الشيء ومِثْليته وماليته، وأما هويّة الشيء وشخصيته فلا يتحمل الغرامة، فإذا أعطيت المِثْل أو القيمة فقد أعطيت بدل المِثْلية أو المالية، دون الهوية الشخصية، والهويّة غير مرغوبة لأحد ولا يعطى بإزائها المال عقلائياً، ولا تفرق الهويتان المتشابهتان كـ(مَنَّي) الحنطة في نظر
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) راجع: جامع المقاصد 6: 261، كتاب المكاسب 3: 267، منية الطالب 1: 161، وغيرها.
(2) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 107، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
العقلاء، وإنما يدفع المال في مقابل نوعية الشيء وماليته(1).
فيُقال: إن الظاهر من (على اليد) أن الشيء بتمام حيثياته على عهدة الضامن، وما هو المدار في الغرامات هو المِثْل والمالية، وليس عليّ غرامة في الهوية الشخصية. فأنا لم أُسلِّم عن الهوية الشخصية غرامة بدلاً، فإذا رجعت الهوية وحصلت عندي فلا بُدَّ من إرجاعها إلى صاحبها، وحيث إنَّ إرجاع الهوية لا يكون إلّا بإرجاع العين بحيثياتها المالية والنوعية، فبعد وصول هذه الحيثيات إلى المالك، لا معنى لبقاء البدل عنده فيرجعه إلى الضامن.
أو بتقريب أن نقول: إن معنى الضمان هو أنَّه إذا تلف فهو عليك مضمون، فننظر أن الضمان بأيّ مقدار، فنرى أنه بمقدار المِثْل والقيمة دون الهوية، إذن فأنا لم أعطِ غرامة عن الهوية، فإذا عادت الهوية لا بُدّ من إعطائها إلى صاحبها، وحين عادت تعود المالية النوعية، فلا يصحّ بقاء البدل عنده فاسترجعه.
وهناك احتمالات في المسألة:
أحدها: أن باب الغرامات هو باب المعاوضات المالكية العقلائية، وأن المالك والغاصب جعلا معاملة عقلائية فيما بينهما.
الاحتمال الآخر: أنها معاوضة قهرية عقلائية، فحينما أعطى البدل اعتبر العقلاء المعاوضة أو التمليك قهراً.
الاحتمال الثالث: أنها معاوضة شرعية قهرية، والشارع حمل المالك والضامن على المعاوضة.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) راجع: جواهر الكلام 37: 131-135، كتاب الغصب، النظر الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والاحتمال الرابع: وهو الذي يعقب عليه السيد(1) طويلاً: أنه ليس من باب المعاوضات ولكن عدم إمكان الجمع بين العوض والمعوض غير خاصّ بالمعاوضات، بل يعمّها وغيرها.
فهل الاحتمال الأوّل صحيح؟ هل صحيح أنه بأداء الغرامة يحصل بينهما معاملة؟ مثلاً في التلف الحقيقي المعاملة بين أيّ شيء وأيّ شيء، هل هي بين المعدوم والبدل، أو الغرامة مطلب قائم بنفسه وأمر عقلائي مستقل، وهما لم يعملا -في الحقيقة- معاملة بينهما؟
وكذلك القول بأنها معاملة عقلائية، فإنه يلزمه أن تكون الغرامة في التلف الحقيقي غيرها في التلف العرفي، إذ في التلف الحقيقي لا تتصوّر المعاملة، مع أنه في كِلا الموردين معنى الغرامة واحد، ولم تحصل أيّ معاملة عقلائية بين الطرفين.
وأما أن الشرع جعل ذلك، فأيّ أدلّة الضمان كـ(علي اليد)، أو (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) والأخبار الكثيرة الدالّة على الضمان تدلّ عليه، فهل جعل الشارع معاملة خاصّة في مقابل العقلاء، ولم يرد اسمها في لسانه؟ أو -في الحقيقة- يقول ما يقوله العقلاء، وليس له منهج خاصّ به، ولم يرد في الروايات للمعاملة والمبادلة في باب الضمانات والغرامات أيّ أثر؟
نعم، في باب البهيمة الموطوءة قالوا إنها معاوضة شرعية قهرية، إلّا أنه هناك ليس بمعنى الغرامة التي نتكلّم عنها، وغير مربوطة بالتلف، بل هي
ــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) راجع: حاشيته على المكاسب 1: 107، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
غرامة تعبُّدية خاصّة، وذلك: أن الحيوان إذا كان ممّا يُطلَب ظهره كالدابّة، فإنه يُخرَج إلى بلد آخر، ويغرم الواطئ لصاحبها قيمتها(1).
فبهذه التعريفات لا يمكن أن نستدلّ أنه أصبح مالكاً للبدل فلا يمكن للضامن أن يرجع به.
السيد فتح باباً آخر وهو أنَّ الجمع بين العوض والمعوّض، لا يختصّ بالمعاملات، بل في أيّ مورد أعطى الإنسان عوضاً عن شيء لا يعقل أن يعطي العوض والمعوّض يبقى في ملكه، غايته أنه في باب المعاوضات لا بُدّ وأن تكون المبادلة بين شيئين موجودين، وأما في باب الغرامات فلا بُدَّ أن يعتبر عدمه لتصحّ عليه الغرامة، ولكن حيث إنَّه مال والمال لا يمكن بدون مالك، فلا بُدَّ أن يكون هذا مالكاً(2).
وهو لو لم يعلّل بهذه المطالب لقلنا إنه يريد أن يقول أمراً عقلائياً، ولكنه علّله وعقّبه بهذه المطالب.
فحينئذٍ نقول له: إنك إذا اعترفت أن إعطاء العوض إنّما هو في ظرف اعتبار عدم المعوّض، ولهذا يقول إنه إذا كان معدوماً لا معنى لملكه، فإذا كان اعتبار العوضية في حال اعتبار عدم ذلك الشيء فهل تقول برجوعه إلى صاحبه عن طريق العوضين أو بنحو مستقلّ؟ إذا كان من باب العوضية فالفرق أن باب العوضية هو اعتبار العدم والمعدوم لا يملك، فالمعدوم كما لا يكون ملك
ــــــــــ[329]ــــــــــ
(1) تقدّم الدليل عليه آنفاً.
(2) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 107، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هذا لا يكون أيضاً ملك ذاك.
أو من باب آخر، وهو أنَّه من حيث إنَّه مال والمال لا بُدّ له من مالك، فلا بُدَّ أن يكون مملوكاً له، ونحن لنا إشكال في صغراه وكبراه، فمن أين أن المال لا بُدّ أن يكون له مالك؟
نعم، المملوك لا بُدّ أن يكون له مالك؛ لأنه معنى إضافي، وإلا فهناك كثير من المباحات العامة غير مملوكة لأحد، فيمكن أن يكون مالاً ولا مالك له، مضافاً إلى أنَّه معدوم والمعدوم ليس مالاً ولا يمكن ملكه، وإن سلّمنا كونه مالاً لا بأس أن لا يكون مملوكاً، وإذا سلّمنا الكبرى فلماذا هذا يكون مالكه دون ذاك؟!
نعم، لو جاء إلى المسألة عن طريق المعاملة المعاوضية لكان له صورة، وأما إذا كان لا بُدّ لصحة العوضية أن تفرضه معدوماً، ويكون هذا عوضه، فالمعدوم لا يمكن أن يكون مملوكاً لا لهذا ولا لذاك، والملكية تكون ملكية جديدة ولا دليل عليها. إذن فهذه الوجوه غير مسلّمة.
فإما أن يدّعى أن الغرامة مسألة مستقلّة عند العقلاء، وأنهم يرون لزوم إرجاع العين وأخذ البدل، والشارع جرى على ديدنهم في ذلك ولم يأت بمسلك جديد في باب الغرامة.
وإما إذا قلت إنَّه عند العقلاء، إذا أعطيت العوض يكون له ولا يعود، والشارع تبع العقلاء في ذلك، فلا بُدَّ من الالتزام بملك المضمون له للبدل، لكن لا أظنّ أن العقلاء يرون ذلك، بل يقول المالك إنه قد رجع لي مالي فادفعه لي، ويُرجِع له البدل، هذا بحسب بناء العقلاء.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مطلب آخر هناك: وهو أنَّه بعد ارتفاع التعذّر وإمكان الوصول إلى العين، إلّا أنها لم تدخل تحت يد الضامن، كما لو ألقاها البحر على الشاطئ ولم تدخل تحت يده، والضامن قد أعطى الغرامة، فهل يجب عليه تحصيل ذلك المال أو لا يجب؟
الأدلّة التي يستند عليها في هذه الأبواب كـ(حرمة مال المؤمن)(1) و(لا يحل مال المسلم)(2)، لا يمكن التمسّك بها هنا؛ لأنها ليست تحت يدي وتصرّفي ليقال إنَّ التصرّف فيها محرم من دون إذن المالك، فهل يمكن تقريبه بـ (على اليد)؟
يمكن ذلك بأن تفسّر قاعدة اليد بأنها تدلّ على أنَّ العين في العهدة، وكونها في العهدة فيها لوازم عقلائية.
منها: أنها إذا كانت موجودة فلا بُدَّ من ردّها إلى صاحبها.
ومنها: أنها إذا كانت معدومة يرجع عليه ببدلها.
والفرض أن اليد موجودة والضمان متحقّق، فحينما كان التعذّر لم يكن الردّ
ــــــــــ[331]ــــــــــ
() كمال الدين وتمام النعمة 2: 521، باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم، وسائل الشيعة 9: 541، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 3، الحديث 7، ونص الرواية: “لا يحلّ لأحدٍ أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه“.
(2) عوالي اللئالي 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 98، وسائل الشيعة 14: 572، كتاب الحجّ، أبواب المزار، الباب 90، الحديث 2، ونص الرواية: “لا يحلّ مال امرئٍ مسلم إلَّا بطيبٍ من نفسه“.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ممكناً، وحينما رجعت فالحكم العقلائيّ هو لزوم الردّ إلى مالكها، وأن الهوية لم أعطِ عنها الغرامة فيجب ردّها، وإنما أعطيت الغرامة عن المالية والنوعية فقط.
إلا أنَّ معنى (على اليد) ليس هو مجيء العين إلى العهدة، بل ما عليه المشهور من أنَّه إذا تلف يجب دركه، وليس في القاعدة تفصيل بين العين وعدمه.
يبقى الاستصحاب -استصحاب وجوب الأداء- بهذا البيان: أن التعذّر العقلي لا يكون سبباً لسقوط التكليف، بل هو عذر عن عدم الامتثال، ولازم التعذّر العقلي عدم العقاب، لا سقوط التكليف، وهذا يكون بنحوين:
مرّةً: أعلم أن شيئاً غير التعذّر غير موجود في المقام، وليس هناك سبب لسقوط التكليف غير التعذّر، فإذا رجع لا يبقى شكّ في وجوب الرجوع.
وأخرى: أحتمل سقوط التكليف من جهة أخرى غير التعذّر فأستصحب وجود التكليف، وأحتمل أنه مقارناً للتعذر حصل شيء أسقط التكليف، فأحتمل ارتفاعه فأستصحبه.
وأما إذا بنينا على سقوط التكليف عند التعذّر، فهنا:
مرّةً: يعلم بعدم وجود شيء آخر، فهنا نعلم بوجود التكليف بعد ارتفاع التعذّر.
وأخرى: نحتمل أنه مقارناً مع سقوط التكليف، كان هناك سبب آخر للسقوط، فهنا أستصحب سقوط الوجوب لا وجوده.
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأنا أظنّ أن الشيخ(1) في هذا المورد قال مجملاً: لجريان استصحاب الوجوب لا العدم، وأشكلوا عليه -بإشكال واضح- وهو أنَّه إذا أُسقط التكليف فنستصحب السقوط لا الوجود(2)، أظنّ أن الشيخ يشير إلى ما قلناه من الاستصحاب الأوّل من استصحاب وجود التكليف بالنحو الأوّل فيما إذا قلنا إن التعذّر عذرٌ عقلي، وليس مسقطاً للتكليف، فلا يرد الإشكال على الشيخ.
إذا خرجت العين التالفة عرفاً عن التعذّر وخرجت من البحر أو دلّ عليها السارق، وأنا أتمكّن من ردّها إلى مالكها، ولكنّها ليست تحت يدي، فهل بمجرّد ذلك يخرج البدل عن ملكية المالك، أو ما لم تصل العين الضائعة إليه لا تخرج الغرامة عن ملك المالك، ولا تعود إلى الضامن؟
الشيخ (عليه الرحمة) تعرض(3) لمسألتين مندمجتين، ولا بُدَّ لنا من أن نبحث كُلاً منهما على حدة.
هو يقول: إنه هل تخرج الغرامة عن ملكه ويأتي ضمان جديد، أو تبقى في ملكه بالضمان السابق(4)؟
ــــــــــ[333]ــــــــــ
(1) راجع: حاشية المكاسب 3: 268، إذا ارتفع التعذّر وجب ردّ العين.
(2) راجع: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 2: 163، حكم ارتفاع قيمة العين بعد دفع بدلها.
(3) راجع: كتاب المكاسب 3: 268-269، وهل الغرامة المدفوعة…؟
(4) اُنظر المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وإذ نحن نفصّل ما بين المسألتين تكون:
إحداها: أنه هل تخرج الغرامة عن ملك المالك بمجرّد التمكّن من العين؟
والأخرى: أنه إذا خرجت عن التمكّن فما هو الضمان هل هو ضمان جديد، أو نفس الضمان السابق؟
هل باب الغرامات هكذا كما بحثوا في التيمم أنه إذا وُجِد الماء فهل وجدان الماء يجعل المكلّف مُحدِثاً؟ فهل سبب الوضوء هو الحدث والماء معاً؟ ولهذا أشكل عقلاً القائلون بالاستباحة، وقالوا بأن التيمّم استباحة لا طهور، أو يقال: إننا قائلون بالظهور الوارد على عنوان خاصّ، فإذا ارتفع العنوان يرجع إلى حاله الأوّل(1).
فهنا أيضاً يُقال: إن الغرامة جاءت عنواناً خاصّاً وهو عنوان العين التالفة، فما دامت تالفة لا بُدّ أن تعطى الغرامة، فإذا تبدّل العنوان وانقطع التلف، لا معنى للغرامة، فتخرج من ملكية المالك وتعود إلى صاحبها(2).
أو يقال: إن الغرامة ليست على عنوان خاص، بل التلف سبب وجهة تعليلية لثبوت الغرامة، فلا تزول بزوال العنوان، غايته يحتمل أن العلّة واصلة إلى هذا الحدّ ويحتمل أنها إلى الآخر، فإذا استطعنا تتميمه في نظر العقلاء بأن يقال: إن يدي كانت منقطعة، فلا بُدَّ أن امتلك البدل حتى رجوع العين، وإذا
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) راجع: مصباح الفقيه (كتاب الطهارة): 511.
(2) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 110، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
شككنا في ذلك فلا بُدَّ من أن نتمسّك بالاستصحاب(1) كما يأتي.
أو نقول: إنه حتى لو كانت جهة تعليلية لا بُدّ أن نقول إنها إلى هذا الحدّ أيضاً؛ لأن انقطاع يد المالك عن ملكه إذا كان سبباً للغرامة، فلا بُدَّ أن تخرج عن ملكه من حين أخذه، ولا يمكن أن تقولوا بالغرامة في حال وجود العين أو قرب تسليمها، وأن الغرامة لا تصدق في مثل ذلك، بل لا بُدّ وأن يكون التعذّر عرفياً أو في زمان طويل، فما هو علّة هو انقطاع يد المالك لا مطلقاً، بل انقطاع خاصّ، وهو عبارة عن الانقطاع المنطبق مع التلف أو التعذّر العرفي، أو له مقدمات اختيارية طولانية، فهذا الانقطاع له سببية للضمان وهو هذا الانقطاع الخاصّ، والفرض أنه قد انقطع ولا سبب آخر للضمان. فحتى لو قلنا إنه جهة تعليلية، فأيضاً يجب أن يخرج عن ملكه بمجرّد ظهور العين، فإنّنا -في الوجه الأول- إنّما قلنا بأنه لا يخرج عن ملكه إلّا بالقبض؛ لأننا قلنا بأن ما هو السبب هو مطلق الانقطاع، لا الانقطاع الخاصّ.
ولو شككنا في المسألة، تصل النوبة إلى الأصول العملية، أو نقول إن بناء العقلاء كذلك: إذا كانت العين موجودة أو قريبة الوصول، فالمالك يطالب بالعين دون البدل، وإنما يطالب بالبدل عند الانقطاع الطويل، فمن ذاك الطرف يرى العقلاء أن الانقطاع الخاصّ سبب، أما في ذاك الطرف فلا، فإذا قال: (أعطني البدل فإن عينك الضائعة في الكوفة)، يقول المالك: (أنا لا أعطيك ما لم تسلّمها لي)، فمن هذه الجهة لا يقول العقلاء بذلك.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) راجع: منية الطالب 1: 162.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والشيخ يريد أن يتمّم المطلب -عند الشك- بالأصول، وهو إذ يخلط بين المسألتين يقول(1): هل الغرامة تخرج عن ملك المالك، ويحدث ضمان جديد للعين؟ فهل نأخذ بقيمة يوم الضمان أو بقيمة يوم التلف، أو بأعلى القيم، أو أن ملكه باقٍ ولا ضمان عليه؟
ثُمّ يُجري الشيخ ثلاثة استصحابات:
أحدها: استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة.
وثانيها: استصحاب عدم حدوث سبب لزوال الملكية.
وثالثها: استصحاب عدم ما يحدث ضماناً جديداً، أو استصحاب عدم سبب ضمان جديد.
ونحن أيضاً شاكوّن فلا بُدَّ أن نتكلّم في هذه الأصول، حتى إذا أتينا إلى المسألة الآتية التي دمجها الشيخ(2) نتعرّض إلى أصل المسألة دون الأصول.
أما استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة، فما معناه: هذه العين كانت مضمونة عليّ، وأعطيت الغرامة فخرجت عن الضمان، والآن هذه العين غير مضمونة بالغرامة بالفعل، فالأولى أن يقول: استصحاب كون الغرامة غرامة، يعني استصحاب أن ما أعطيته للمالك كونه غرامة، ولعلّه هو المراد، وعبّر بشكل آخر(3)، فلا بُدَّ أن نحسب حساب هذا الأصل.
ــــــــــ[336]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 268-269، وهل الغرامة المدفوعة…؟
(2) اُنظر المصدر المتقدّم.
(3) اُنظر المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فهل يستدلّ بهذا الأصل على أنَّ هذا البدل ملكه، أو على أنه لا ضمان جديد موجود، هذا كلّه مثبت؛ لأنه مبتنٍ على الحكم العقلي، بأنه إذا كان غرامة فهو غير خارج عن ملكه ولا ضمان جديد له، والاستصحاب لا يثبت أكثر من كون المال غرامة، أما أنه لم يخرج عن الملكية، أو لم تحدث غرامة جديدة فهو مطلب آخر لا يثبت بالاستصحاب.
بأن الملكية(1) ليست حكماً للغرامة؛ لكي تثبت بالأصل، فإنه لم يرد في الشرع إذا أعطيت الغرامة فهو ملك له، ولا الملكية والغرامة مترادفان؛ لكي يكون ثبوت أحدهما بالأصل ثبوتاً للآخر، بل هو من باب الملازمة العقلية(2).
ثُمّ ماذا يقول في الشكّ في المقتضي، فإنّنا شاكوّن في أنَّ الغرامة ملكه إلى الآخر أو إلى حال التمكّن، لا لأننا شاكوّن في الرافع، بل من الأول شاكوّن أن الملكية هل هي على عنوان الانقطاع بحيث لو سُلب سلبت، أو أنه جهة تعليلية قاصرة عن الزائد، أو أنه جهة تعليلية مطلقة؟
فنحن مردّدون بين ثلاثة احتمالات، الأوّلان منها ينتج قصور المقتضي والأخير يقتضي شموله للزائد، فنحن لم نحرز اقتضاء المقتضي، والشيخ لا يقول بجريان الاستصحاب عند الشكّ في المقتضي في علم الأصول(3)، وإن لم يطبّق آراءه الأصولية في فقهه بالدقة المطلوبة.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال. (المقرِّر).
(2) اُنظر المصدر المتقدّم.
(3) راجع: فرائد الأُصول 2: 561.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأما استصحاب عدم ما يزيل الملكية، فهو يريد باستصحاب عدم رافع العلّة(1) أن يثبت بقاء المعلول وهو الملكية، إلّا أنه أصل مثبت أيضاً؛ لأن كون: أنه إذا لم تكن علّة الإزالة فالمعلول موجود من الأحكام العقلية لا الشرعية، والميزان في عدم المثبتية أن يكون عندنا كبرى شرعية مترتّبة على الموضوع، كالعادل يجوز عنده الطلاق، فنستصحب كونه عادلاً فتنطبق عليه الكبرى الكلّية، أما إذا لم يكن عندنا كبرى وأردنا تتميمه بالملازمات العقلية(2)، فهذا لا يمكن.
وكان الأولى أن يجري استصحاب بقاء الملكية، إلا أنَّه يأتي عليه إشكال التمسّك بالاستصحاب مع الشكّ في الاقتضاء؛ لأن هذه الملكية الحاصلة للبدل لا أعلم مدى اقتضائها إلى أين، فإنها لو كانت على عنوان معين أو ذات علّة خاصّة لكانت محدودة بالتمكن، وإن كانت ذات علّة مطلقة لكانت أشمل من ذلك، والشيخ في أصوله لا يُجري استصحاب المقتضي(3).
وأما الاستصحاب الثالث: وهو استصحاب عدم ما يحدث ضماناً جديداً، فيُجري استصحاب عدم علّة الضمان، ويريد أن يثبت به عدم الضمان، فكأنّه بجريان الأصل في العلّة يثبت عدم المعلول(4)، مع أنه حكم عقلي لا
ــــــــــ[338]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 268-269، وهل الغرامة المدفوعة…؟
(2) اُنظر المصدر المتقدّم.
(3) راجع: فرائد الأُصول 2: 561.
(4) أُنظر المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
شرعي فيكون مثبتاً، وإذا أراد بهذا الاستصحاب إثبات الضمان الأول فهو مثبت بشكل أوضح.
نعم، إذا استصحب عدم حدوث الضمان الجديد، كان له صورة، إلّا أنه أيضاً يأتي عليه الإشكال من جريان الأصل في المقتضي؛ لأني لا أعلم مقدار مقتضاه، لا أني أشكّ في رافعه.
والمسألة الأخرى التي خلطها الشيخ معها، هي أنَّنا إذا قلنا أنه بمجرد التمكّن من العين تزول ملكية المالك عن البدل، فهل إذا زالت الملكية يزول الضمان، أو أن الضمان موجود إلّا أنه ضمان جديد كما يقول الشيخ بحيث يقول إن العين لو تلفت فهل يضمن قيمة يوم الضمان الجديد أو يوم التلف أو أعلى القيم، أو يعود الضمان الأول الثابت بـ (على اليد) سابقاً(1)؟
إذا العين التالفة عرفاً أو المتعذّرة عادت وتمكّن الغاصب من الردّ، فهنا عدّة مباحث: أنه هل مجرد التمكّن يكون البدل ملكاً للغارم -الغاصب- أو أنه موقوف على الردّ، وهذا هو الفرع الذي سبق، ونحن مع الشيخ في أصل المطلب؛ لأننا ندّعي أن القاعدة العقلائية تقضي ذلك، وإذا شككنا فالاستصحاب – على قولنا- جارٍ؛ لأننا لا نفرّق فيه بين المقتضي والمانع.
وإذا قلنا إنه إباحة، فهل تنقطع الإباحة بمجرد التمكّن من العين أو بالرد؟ يأتي نفس الكلام.
ــــــــــ[339]ــــــــــ
(1) أُنظر المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
البحث الآخر: أننا إذا قلنا إنه بمجرّد التمكّن يكون البدل ملكاً للغارم، وإذا قلنا بالإباحة وقلنا بأنها تنقّح بمجرد التمكّن، فماذا يكون حال الضمان بعد أن عادت الغرامة إلى الغارم، هل تقول أن الضمان غير موجود لأنه كان سببه اليد؟ وعندئذ كان قد دفع غرامتها، وعندما رجعت الغرامة إلى الغارم لا دليل على الضمان الجديد لعدم وجود يد جديدة، وانقطاع أثر اليد الأولى بدفع الغرامة(1).
أو نقول: أنه عند الرجوع بالغرامة، يرجع ضمان اليد من الأول، فإن أثر اليد كان مرتفعاً ما دامت الغرامة مدفوعة، وحينما رجعت إلى الغارم تؤثر على اليد أثرها من الأول؟ فمن قال بضمان قيمة يوم الغصب أو أعلى القيم لا بُدّ أن يقول به من الزمان الأول إلى الآن.
أو نقول: أن اليد ارتفع أثرها بالغرامة، ولا يمكن أن نقول أن الغرامة الواقعة في البين -من حين دفعها إلى حين ظهور العين والتمكّن منها- لا تكون غرامة بواسطة ظهور العين، فإن ظهورها لا يجعلها (لا غرامة) خلال ذلك الزمان – من دفعها إلى رجوع العين- وأنها في هذه القطعة من الزمان كانت ملكاً للمضمون له ويحتاج إلى دليل تعبّدي في ترتيب آثار عدم الملك عليه، فالغرامة إلى حين ظهور العين كانت ثابتة، ولكن من حين ظهورها وارتفاع الغرامة، هل يعود الضمان بسبب جديد للضمان، أو نفس اليد القديمة تؤثِّر ضماناً جديداً؟
ــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 105.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فهذه هي احتمالات المسألة:
1- عدم الضمان عند ظهور العين أصلاً.
2- ثبوت الضمان القديم بالسبب القديم.
3- ثبوت ضمان جديد بسبب جديد.
4- ثبوت ضمان جديد بالسبب القديم.
فهل يفرّق في هذه الاحتمالات بين أن يقال: إن ذاك الملك الذي ضاع ودفعت غرامته، باقٍ عل ملكية صاحبه، والبدل أيضاً ملكه، ولا مانع من ذلك في باب الغرامات، لا عقلاً ولا عقلائياً، إذا قلنا بذلك فنقول بضمان اليد من الأول، وبين أن نقول كما قال السيد(1): إن الجمع بين البدل والمبدل منه غير الممكن حتى في باب الغرامات، فإذا عادت الغرامة ملكاً للغارم، فلا ضمان، أو الضمان بسبب ضمان جديد؟
ولا بُدَّ لنا أن نتكلّم على الفرضين، فإذا قلنا إن الشيء الذي وقعت عليه اليد وتلف تلفاً عرفياً أو تعذّر، إلّا أنه موجود في الواقع، إذا قلنا إنه باقٍ في ملك مالكه، والشيء الذي أخذه المالك أيضاً ملك له، ولا مانع من ذلك في باب الغرامات لا عقلاً ولا عقلائياً، إذا قلنا بذلك فهل اليد التي على هذا الملك -يعني العين المتعذّرة- حتى في حال دفع الغرامة توجب الضمان، بحيث لو تلفت العين في حال تعذّرها، تكون مضمونة للضامن، وتسقط الغرامة وتتحوّل إلى ضمان العين، أو بعد دفع الغرامة وإن كانت العين ملكاً لصاحبها،
ــــــــــ[341]ــــــــــ
(1) راجع: حاشية على المكاسب 1: 107، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إلّا أنه في حال دفع الغرامة لا معنى للضمان بهذا المعنى، يعني أن الغرامة تكون كُلّاً غرامة ويأخذ غرامة أخرى.
لا بُدَّ أن نقول: إن الغرامة ما دامت غرامة فإن الضامن خارج عن عهدة ضمان العين وإن كان المالك ضامناً لها، وقاعدة اليد لا تستطيع أن تعمل شيئاً، غايته أن بعد تيسّر العين وظهورها نبحث عن أن الظهور هل يزيل الملكية(1) عن الغرامة أو لا؟ وإذا زالت الملكية عنها تكون الغرامة كُلّاً غرامة، وتكون اليد يداً بلا غرامة.
هذا أيضاً لا يمكن أن يقال؛ لأن ما وقع عليه لا يختلف، إلّا بالدليل التعبّدي الذي يرتّب آثار عدم الغرامة وهو غير موجود.
إذن فلا يمكن أن نقول إن الضمان الأول يعود من الأوّل، كما لا يمكن أن نقول إنه أصلاً لا ضمان، فإنه ليس بوجه وجيه، بل نقول بهذا النحو: إن (على اليد) وسائر أدلّة الغرامات غاية ما تقتضي هو وجوب دفع الغرامة، غاية الأمر أنه في التلف الحقيقي تكون الغرامة مدفوعة على الإطلاق، فـ (على اليد) تكون قد سقطت على الإطلاق، وأما في التلف العرفي أو التعذّر، فلا نقول إنه مالك للغرامة مطلقاً، بل ملك متزلزل منوط بعود العين إليه، فسقوط (على اليد) لا بُدّ وأن يكون سقوطاً متزلزلاً أيضاً، فكما أنَّ وقوعَ الغرامة غرامةٌ متزلزلةٌ كذلك سقوط أثر على اليد يكون متزلزلاً.
إذن يعلم أن (على اليد) لم تسقط مطلقاً، بل يسقطَ الأثر ما دامت الغرامة،
ــــــــــ[342]ــــــــــ
() يعني من حين دفع الغرامة إلى ظهور العين -بقرينة الأسطر التي بعده-. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ثُمّ يعود عند سقوط الغرامة، فهو عود لحكم اليد بنظر العرف، فيأتي بضمان جديد، لا بمعنى أن له أثراً جديداً، بل بمعنى أن الضمان الأول الذي سقط أثره بنحو متزلزل، يعود إلى التحقق مرّةً أخرى.
وبعبارة أخرى: أننا إذا قلنا إن السبب الأول سقط ولا يمكن الحكم بالضمان من الأوّل، فإن الغرامة وقعت غرامة ولا يمكن أن تتبدّل، غاية الأمر أنها غرامة وقتية ومتزلزلة، ومنوطة بتعذّر العين، وأما مقتضى (على اليد) فهو مطلق، فلا يسقط كلّه بالغرامة المتزلزلة، بل يسقط بنحو ثبوت الغرامة سقوطاً متزلزلاً.
وحينئذ سواء قلنا إن ذاك الشخص(1) مالك لذلك الشيء أو لا، لا بُدّ من أن نقول إن المالكية بنحو متزلزل، وكذلك ملكية الغرامة بنحو متزلزل، ومالكية العين بنحو متزلزل، وكذلك سقوط (على اليد) سقوط متزلزل، أو قل إن أثرها
-يعني على اليد- لم يسقط مطلقاً، وإنما سقط من بعض الجهات دون بعض(2).
فإذا قلنا بذلك سواء في التلف العرفي أو التعذر، إذا قلنا إن المضمون له لا يملك البدل، وتلك العين أيضاً لم تخرج عن ملك مالكها، فكلٌّ منهما باقٍ على ملكية مالكه الأوّل؛ لِما سبق أن قلنا، ومن أنَّ الغرامة لا تجب إلّا بالمقدار الذي انقطعت به يد المالك عن ملكه، وحيث إنَّ الملكية موجودة فلا تكون الغرامة
ــــــــــ[343]ــــــــــ
() ظـاهره أن ذاك الشخص هو المضمون لـه، وذاك الشيء هو العين المتـعذّرة. (المقرِّر).
(2) وهنا قال جواباً على سؤال: هذا كلّه بناءً على أنَّ الملكية تعود بمجرّد التمكّن، وإلا فنحن قلنا إنه لا يعود إلى ملكية الغارم إلّا بالرجوع. انتهى الجواب. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
غرامة للملكية، بل غرامة السلطنة والانتفاعات المتوقّفة على الملك وغيرها، والغرامة تملأ هذا المكان الذي فرغ عند تعذّر العين.
إذا قلنا بذلك إن كِلا العينين باقٍ على ملك مالكها السابق، وإن الغرامة غرامة السلطنة لا غرامة الملكية، وقلنا إنه بمجرد عود العين عن التعذّر وتيسّرها تذهب إباحة التصرّفات في البدل، فهل نقول أنه يعود ضمان العين من الأوّل.
أو نقول -كما قلنا هناك- إن الملكية التي ينتفع بها بسائر الانتفاعات المالكية وغيرها مملوءة مكانها، وإنما الملكية التي لازالت يد المالك مقطوعة عنها هي ملكية بدون جميع الانتفاعات، وهذه الملكية إذا تلفت فلا غرامة عليها، لا في المِثْليات ولا في القيميات.
بناءً عليه فالعين المسلوب عنها تمام الانتفاعات المالكية، إذا تلفت ليس فيها غرامة؛ لأنها مسلوبة عنها تمام الانتفاعات ومكانها مملوء، وفي باب (على اليد) قلنا بما عليه المشهور من أن معناها: أنه إذا قطعت يد المالك عن ملكه كان عليك دفع الغرامة، والغرامة إنّما تكون فيما إذا كان المال المملوك ذا أثر يُبذل بإزائه المال في السوق، وأما الملك المسلوب عنه سائر المنافع فلا غرامة عليه أصلاً ولا تشمله قاعدة اليد.
حينئذٍ يبقى زمان ما بعد التيسّر وظهور العين، فإنه حينئذٍ تعود جميع المنافع التي للعين إلى المضمون له، وترتفع حلّية جميع الانتفاعات عن البدل، وتنقطع من الآن، ولا يجوز له من الآن أيّ تصرّف فيه.
بناءً عليه لا بُدّ أن تحسب حساب الضمان من الآن، فاليد على هذا كانت
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بلا أثر والآن أصبحت مؤثّرة؛ لأنها كانت مدفوعة الغرامة والآن أصبحت بدون غرامة، فنفس تلك اليد التي لم تكن مؤثّرة تصبح مؤثّرة.
فعلى جميع التقادير التي قلناها يأتي ضمان جديد بسبب قديم، ولعلّ هذا هو مقصود الشيخ(1)، لا أنه يثبت ضمان جديد بسبب جديد ؛لأنه لا سبب له، وإنما عبّر بالضمان الجديد في مقابل الضمان القديم الثابت قبل التعذّر، ومن هنا لو قلنا بأعلى القيم لا بُدّ أن نحسب حسابها في حدود الضمان الجديد، وأما الضمان السابق فكان مكانه ممتلئاً، فهذه إحدى المسائل المتفرّعة على ظهور العين.
الفرع الآخر: أنه بناءً على رجوع العين إلى ملك مالكها، ورجوع البدل إلى الغارم، هل يجوز للمضمون له حبس البدل إلى حين أخذ العين أو لا؟
من الأمور المتفرّعة على تلك المسألة، هو أنَّه إذا جاءت العين بيد الغارم فهل له أن يحبس العين حتى يأخذ الغرامة أو لا؟
نعدّد أولاً الاحتمالات التي في المسألة، لنرى بعد ذلك لوازمها، ولعلّ على كل احتمال منها قولاً.
فإننا مرّةً نقول: إن العين التي غصبها الغاصب، بعد أن أعطى الغرامة يملك العين الغارم ويملك المضمون له الغرامة، كما قاله السيد(2)؛ لأن هذا هو مقتضى العوضية.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 268-269، وهل الغرامة المدفوعة…؟
(2) راجع: حاشية على المكاسب 1: 108، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
في مقابله احتمال أنه ليس منهما مالك لما في يده، يعني المالك المضمون له ليس مالكاً للغرامة، ولا الغارم العين، بل المالك مالك للعين والغارم للعين، غايته أن المالك مسلّط على الغرامة تسلّطاً تامّاً وله سائر التصرّفات المتوقّف منها على الملك وغيرها، والغرامة قد ملأت مكان السلطنة دون الملكية؛ لأن ملكيته على العين باقية ولا تحتاج إلى جبران.
الاحتمال الثالث: هو أنَّ الغرامة يملكها المالك من دون أن تُسلب ملكيته للعين، فيكون كِلاهما في ملكه، أحدهما بعنوان الغرامة، وذاك باعتبار أنها كانت ملكه، وأما عكس ذلك وهو أن يكون كِلاهما للغارم فهو ليس احتمالاً.
فهذه هي احتمالات المسألة.
إذا بنينا على الاحتمال الأول، وهو أنَّ كُلّاً من المالين أنفصل عن مالكه الأوّل، وأصبحت العين ملكاً للغارم والغرامة ملكاً للمالك، فإن قلنا إن تبدّل هذا الحال يتوقّف على الترادّ الخارجي، فملكيتها باقية إلى حين تردّ العين، إذا قلنا ذلك فأنا الآن مالك للعين، ولا دليل على إلزامي بالإرجاع وكذلك الآخر؛ لأن المملوك تحت اختيار المالك.
فهل نقول: أن باب الغرامات يقتضي ذلك؟ بلا إشكال ليس هناك دليل شرعي، ودليل السلطنة يقتضي خلافه؛ لأنه يقتضي سلطنة الغارم على العين، لأنها ملكه وسلطنة المالك على الغرامة.
أو نقول أن بناء العقلاء قائم على التسليم؟ فهذا البناء وإن كنّا نسلّمه في الجملة إلّا أنه قائم على مبنى آخر لا على هذا التسليم.
وإذا قلت: لو كان هذا المبنى صحيحاً فبناء العقلاء قائم على ذلك، فهذا ممّا
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
لا نعلمه ولا يكون حجّة، فإن السيرة العقلائية إنّما تكون حجّة فيما إذا كانت غير مردوع عنها مع كونها موجودة بمرأى من الشارع ومسمع.
وأما السيرة التقديرية: فهي غير موجودة لعدم وجود التقدير. نعم، لو ذهب بالعين اختياراً يحصل الترادّ فتنتقل الملكية، مثل باب الخيار، فإنه ليس لأحد أن يجبرني عليه، لكن إذا عملته يحصل الفسخ.
وأما إذا بنينا -في هذه الصورة- على أنه بمجرّد التمكّن تتحوّل الملكية ويصبح المالك مالكاً للعين والغارم مالكاً للغرامة، فهنا هل يمكن أن يحبس هذا الإنسان مال الناس أو لا يستطيع، أو يجب أن يعطيه سواء أعطاه الآخر أو لا، إذ يُقال له: إذا كان الآخر قد عصى الله فلماذا أنت لا تدفع؟
قد يُقال -كما ذكر النائيني- إنه في باب المعاملات والمعاوضات وكذلك في باب فسخ المعاملات، نحتاج إلى التسليم والتسلم، وإن جاز له الحبس إلى أن يدفع الآخر، لكنه في نفس المعاملات التسليم شرط ضمني، وفي باب الفسخ وإن لم يكن كذلك إلّا أنه قام الإجماع عليه، أما في غير ذلك كمحل الكلام فليس هناك شرط ضمني ولا إجماع فلا بد أن يرجع إلى مقتضى القواعد، ومقتضاها أن الحبس لكل منهما غير جائز أعطى الآخر أو لم يعط، هذا محصل كلامه(1).
نقول: أما في المعاوضات وفسخها فليس الأمر كما ذكره، بل هما حكم عقلائي في كِلا الموردين وليس شرطاً ضمنياً ولا إجماعاً، وإذا كان التسليم
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) راجع: المكاسب والبيع 1: 388، الأمر الثامن.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
والتسلّم حكماً عقلائياً فنرى أن هذا الحكم العقلي هل هو موجود في مورد الكلام أو غير موجود؟ نقول: إنه موجود؛ لأن مقتضى البدلية هو ذلك، ولا يُقال لأحدهما: إن الآخر إذا عصى ولم يدفع لماذا أنت تعصي ولا تدفع؟ بل ادفع له؛ لأنه يجيب: أن الاعتبار العقلائيّ في باب الغرامات هو أنَّه لي أن لا أدفع حتى آخذ مالي.
فما يقوله الشيخ مطلقاً من أنَّه لا بُدّ من الردّ، وما يقول الشيخ النائيني، خلاف ما عليه سوق العقلاء.
وأما بناءً على أنَّ كِلاهما لا يملك ما كان للآخر، فلا المالك يملك الغرامة ولا الغارم العين، بل كلٌّ منهما باقٍ على ملكيته السابقة، وإنما يجوز للمالك التصرّف في الغرامة بأنحاء التصرّفات، فإنها ملأت مكان السلطنة المفقودة، وأما الملكية فلم يفقدها لكي تملأها.
إذا بنينا على ذلك، وقلنا إن الإباحة تذهب بمجرد التمكّن من ردّ العين، فالكلام الكلام؛ لأنه لا الغارم مالك للعين ولا المالك للغرامة، إلّا أنه مُجاز في التصرّف.
وأما إذا بنينا هنا أنه ما لم يتسلّط على العين لا يسلب تسلّطه على الغرامة، فإن السلطنة على العين لا زالت منتفية ما لم تصل العين إلى المالك، وعندئذٍ تنتفي سلطنته على الغرامة.
بناء عليه فهل تقول: أن المالكَ مالكٌ للعين ومالكٌ للسلطنة على الغرامة؟ فنقول: إن “الناس مسلّطون على أموالهم” يلزم الغارم برد العين؛ لأنها ملك
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
للمالك، وهذا الدليل غير مزاحم، لأن العين ملك للمالك وتحت يد القابض
-بغصب أو بعقد فاسد- فيجب أن يردّها وليس له أن يحبسها.
أو نقول: (الناس مسلطون…) لا قوّة لها أن تشمل مورداً قد مُلئ فيه مكان السلطنة كلّه. نعم، لو كان المكان خالياً لشمله الدليل، ولكن بعد أن جُبرت سلطنته ومُلِئت محلّها، فلا نقول بشمول دليل السلطنة له، إذن فلا يبقى دليل على إلزام الغاصب بالدفع، ويكون له حقّ أن ينتظر عود سلطنته على الغرامة حتى يعيد للمالك سلطنته على العين، فكما أنَّه في باب المعاوضات جرى البناء العقلائيّ على أنَّ لأحد المتعاملين أن يقول للآخر: (أعطني مالي لأعطيك مالك)، فهنا أيضاً يُقال نفس الشيء بالنسبة إلى السلطنة بأن يقول الغاصب: (أعطني السلطنة التي مكّنتك منها على الغرامة لأعطيك السلطنة على العين، وكما أنت لا تستطيع أن تأخذ من المبدل ولا تدفع لي البدل كذلك أنا).
ومن هنا يعلم حكم الفرض الثالث، فإنه ليس خارجاً عن أحد الفرضين السابقين، فإنّنا إذا بنينا على عود ملكية العين بمجرّد التمكّن فله حقّ أن يقول: (لا أردّ ما لم تردّ)، وكذلك إذا قلنا بعدم عود ملكية العين إلى حين الردّ.
إذن فلم نجد مورداً لا يجوز له فيها الحبس، إلّا مع الجمود على ألفاظ دليل السلطنة. هذا تمام الكلام في هذا الفرع.
الفرع الآخر: إذا سقطت تلك العين عن المالية.
إذا العين سقطت في يد الغاصب -أو شبهه- عن التقويم، فهنا عدّة موارد للكلام:
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أحدها: أن يفرض أن العين سقطت عن التقويم بحيث أصبحت تالفة عرفاً. وهذا المورد خارج عن محلّ الكلام، إلّا أنَّنا نتعرّض له لِما فيه من الفائدة.
ثانيها: سقوط العين عن القيمة مع انحفاظ وجود العين.
في باب رطوبة العين التي يقول عنها الآغايون إنها موجودة، إلّا أنَّها ساقطة عن القيمة، نقول إن الرطوبة من الأعراض عند العقلاء، وإن لم تكن كذلك بالنظر العقلي، فإنه إذا أخذنا بالنظر العقلي ففي الرائحة واللون والحرارة أيضاً كذلك، فإذا أحميت الثوب بالنار فقد انفصلت أجزاء لطيفة من النار واتصلت بالثوب، وليست عرضاً حقيقة؛ لأن العرض لا ينتقل عن معروضه، وكذلك اللون، فإنه بحسب حكم العقل أن أجزاءً تنتقل من ذلك الشيء إلى هذا الشيء، وكذلك الحال بالنسبة إلى الرائحة، إلّا أنه بالنسبة إلى العرف ليس كذلك، فإن العرف يحكم بأنها من الأعراض، فإذا أخذ ثوبي لوناً -ثابتاً- أو رائحة من الغير من دون أذنه، هل لا يجوز أن أصلي فيه؛ لأنه تصرّف في مال الغير بغير إذنه، وله أن يقول: لا تصلِّ في لوني أو في رائحتي، أو هذا -في الحقيقة- ليس مالاً عرفاً؟
الرطوبة أيضاً كذلك، مثلاً: لو أصابني بخار من قدر الغير، بدون إذنه، فهل لا يجوز التصرّف في الثوب إلى حين جفافه؟ الماء شيء والرطوبة شيء آخر وتختلف أحكامهما شرعاً، ولذا قلنا إن الحبوب التي فيها رطوبة نجسة لا تطهر بالماء لعدم دخول الماء فيها، والرطوبة لا تطهّر، ولو توضأت بمال الغير سهواً ثُمّ عرفت عدم رضاه فهذه الرطوبة التي بقيت على يدي هل تعدّ ملكاً للغير،
ــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وهل له أن يقول: (لا أرضى أن تتصرّف في رطوبتي)، أو (لا أرضى أن تتصرّف في لوني أو رائحتي)؟
والحقّ أنه عند العقلاء لا يجوز التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه، وهذه الأمور ليست مالاً.
والرطوبة، حالها هكذا، وليست ماءً مغصوباً، نعم لو كان ماءً لكان ملكه، ولكنّ الفرض هو بقاء الرطوبة، وهي غير الماء وتختلف عنه حكماً، فلو تلفت العين بنحو لم يبقَ منها عين أصلاً، بل بقي شيء من آثاره، فيجوز لي التصرّف وليس له حقّ أن يمنعني، ولذا يجوز الصلاة بثوب متلوّن -بلون لا يزول- أو متروّح (من الرائحة) من مال الغير، والتصرّف فيه ليس تصرفاً غصبياً.
ولم يكن في هذا بحثنا، وإنما كلامنا فيما لو كانت العين موجودة، وخرجت عن التقويم، فهل سلب المالية يوجب سلب الملكية، كما يقول السيد(1)، مثلاً: إذا قلعت قطفت وردة من شجرة الغير فهذه الوردة ليست مالاً؛ لأن العقلاء لا يبذلون بإزائها المال، ولكنها ملك لمالك الأصل، أو حبّة الحنطة هل هي ليست ملكاً لي لأنها ليست مالاً؟ أو في الواقع ليس ملازمة بين سلب المالية وسلب الملكية، فلو كان الماء ملكي ثُمّ تثلج في الشتاء وخرج عن المالية، فهل يخرج عن كونه ملكي؟
لا أظنّ أن العرف يساعد على ذلك، وأظنّ أن السيد نظره إلى الأمثلة الأولى وإن كان كلامه أعمّ.
ــــــــــ[351]ــــــــــ
(1) راجع حاشيته على المكاسب 1: 108، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فهو ملك، فهل يجوز التصرّف فيه من دون إذن صاحبه أو لا؟
قد يقال: أننا نهينا عن التصرّف في مال الغير من دون إذنه، كقوله: “حرمة مال المؤمن كحرمة دمه“(1) و”لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه“(2). فما لا يكون مالاً لا تشمله الأدلّة، وعندنا في ذلك كلامان:
أحدهما: هل الأدلّة تامّة وشاملة له أو لا؟
وثانيهما: أنه إذا لم نستطع أن نتمّمه بالأدلّة، فهل هناك حكم شرعي آخر أو لا؟
أما الاستفادة من الأدلّة، فهو في نظري قري؛ لأن ما تقوله من أنَّ المال هو ما يبذل بإزائه المال، وإن كان مطلباً في نفسه، إلّا أنه مطلب جديد، ولكنّك تقول: (هذه الوردة مال(3) زيد)، و(هذه الحبّة من الحنطة مال عمرو)، و(إن هذا الخمر مال بكر)، فالمال الذي يُقال في العرف أعمّ ممّا يبذل بإزائه المال، فلا يبعد أن يراد من المال في الأدلّة ذلك.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
() الكافي 3: 360، باب السباب، الحديث 2، مَن لا يحضره الفقيه 3: 570، باب معرفة الكبائر…، الحديث 4946، ووسائل الشيعة 12: 281، كتاب الحجّ، أبوب العشرة، الباب 152، الحديث 9.
(2) تقدّمت الإشارة إليه آنفاً، فراجع.
(3) هذا المال مرادف للملكية، ولا تستطيع أن تفهمه من الرواية لعدم إحراز وجود هذا الاستعمال في زمان الصدور، وخاصّة وهو عامي وليس فصيحاً، وعلى تقديره فلا جامع بينه وبين المال بالمعنى الأخصّ، لكي يكون اللفظ مستعملاً فيه إلا أن ندّعي أنه مستعمل بخصوص معنى الملكية، إلّا أنه خلاف الظاهر جداً، كما هو ظاهر. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ولو جمدت أيضاً على المال بمعنى ما يبذل بإزائه المال، فيمكن أن نوسّعه بإلغاء الخصوصية؛ لأننا إذا لاحظنا مناسبات الحكم والموضوع نرى أن المال له قيمة، وله انتساب إلى مالكه، فحينما ألقى الشارع الحكم بحرمة التصرّف في مال الغير، فهل يرى العرف أن المدار هو كونه ذا قيمة، أو المدار هو كونه ملكاً للغير؟ هل الشيء الذي هو ذو قيمة ويكون ملكي لا يجوز التصرّف فيه، أو الشيء ما دام داخلاً في حريم ملكي فلا يجوز التصرّف فيه؟
إذا أُلقيَ هذا الحكم على العرف يرى أن المدار هو السلطنة والملكية، ولا مدخلية للقيمة وعدمها، فكأنّ الشارع قال: (لا يحلّ ملك امرئ مسلم إلّا بطيبة نفس نفسه)، فيشمل الوردة والحبّة الواحدة من الحنطة.
وإذا لم نستطيع إثبات ذلك من الأدلّة اللفظية، نقول: إن التصرّف في ملك الناس ظلم لا محالة، وليس الظلم منحصراً بما إذا كان له مالية، ولا إشكال أنه قبيح عقلاً وحرام شرعاً(1) لأجل أنه ظلم. فالغصب غير منحصر بالمالية، بل يصدق الغصب لحبّة الحنطة والوردة أيضاً.
إذن فلا إشكال أنه لا يجوز التصرّف في ملك الغير إلّا بإذنه.
ــــــــــ[353]ــــــــــ
() لا يخفى أن الحرمة الشرعية لا يمكن إثباتها إلا إذا وجدنا دليلاً حاكماً على أصالة البراءة، والفرض عدم وجود الدليل اللفظي، فنحتاج إلى إثبات كبرى كلّية هي: (أنَّ كلّ ظلم حرام) لتكون حاكمة على البراءة، إلا أن مثل ذلك لم يثبت كما هو معلوم للمتتبّع. (المقرِّر).
إذن فلم يبقَ إلا حكم العقل بالقبح وإذا لم يكن حراماً -بناء على نفي الملازمة المطلقة كما هو الصحيح- كان لنا ارتكابه لعدم وجوب طاعة العقل، وإنما الواجب طاعة الشرع ولم يثبت حكمه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بحث آخر: إن هذا الذي فرضناه باقياً في ملكية مالكه، وأنه لا يجوز لأحد أن يتصرّف فيه، وهو غير متقوّم، يعني ساقطة قيمته، إذا دفع الغرامة فهل تُسلب الملكية عن صاحبها، أو هل تثبت الملكية للمالك الآخر؟ هذا سبق الكلام فيه، وإن ما تدور الغرامة مداره، هو ما يكون مالاً ويبذل العقلاء بإزائه المال، وما تعلّقت به رغبتهم، والهويّة ليست موجبة لرغبتهم.
بناءً عليه، حين تعذّرت العين وأعطيت الغرامة، فهذه غرامة الأمر الذي تعطى عنه الغرامة في السوق العقلائية، وهي ماليّة العين، وليست نفس العين وهويتها، فلا يقال: إن ملكيته للعين والغرامة مستلزم للجمع بين البدل والمبدل، فإنّنا لم نعطِ بإزاء الهوية شيئاً، بل هي ممّا لا يعطى بإزائها شيء، مع أنه مع فرض أنكم تقولون إن الغرامة عن الهويّة، فباب الغرامة غير باب المعاوضات، ولذا العين إذا ضاعت وسُرقت يقول العقلاء: إنها مال زيد، ومجرّد دفع الغرامة لا يوجب سقوطها عن ملكيته، فضلاً عن أن تكون ملكاً لغيره.
ودخول العوض في جيب من خرج منه المعوّض ليس عليه آية أو رواية، بل لا بُدّ أن نرجع فيه إلى العقلاء، والعقلاء يرون ذلك في باب المعاوضات صحيحاً، على إشكال دون باب الغرامات.
ثُمّ هناك مثال خاصّ فيه كلام خاصّ، هو تخييط الثوب بخيط مغصوب.
في مثل الخيط المغصوب إذا غصبه وخيط ثوبه به، أو أمثاله التي نذكرها، كخشبة مغصوبة يضعها في البناء أو اللوح يغصبه ويضعه في السفينة.
فمرّةً: يستعملها من دون أن يتلف مال المغصوب منه، ولا مال الغاصب،
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وفي مثل ذلك لا بُدّ من الردّ ولا كلام لنا فيه.
وأخرى: إذا أراد إرجاع الخيط يتلف ثوبه، يعني يتلف مال الغاصب، ويبقى مال المغصوب منه صالحاً، كحجارة غصبها و وضعها تحت عمارته، بحيث لو استخرجها لانهدمت العمارة التي للغاصب نفسه، أو اللوح إذا قلع تغرق السفينة، ولا يكون فيه نفس محترمة وإنما يخسر ماله.
وثالثةً: لا يتلف مال الغاصب، بل يتلف مال المغصوب منه، كما إذا كان إخراج الخيط المغصوب مستلزم لتقطّع الخيط مع بقاء الثوب سالماً.
ورابعةً: كِلاهما يتلف، فما هو الحكم في هذه الصور؟
في صورة ما إذا أراد دفعه يتلف مال الغاصب ويبقى مال المغصوب منه، فهل نقول أنه لا بُدّ من تخريب العمارة، وردّ مال الغاصب كائناً ما كان لوجوب دفع الحجر الذي تحتها، أو يجب ردّ اللوح ولو بغرق السفينة، وردّ الخيط ولو بتلف الثوب؟
ظاهر الفقهاء كالمحقّق(1) وصاحب (الجواهر)(2)، هو أنَّه لا بُدّ من ردّه بالغاً ما بلغ.
فهل عندنا دليل على هذا الأمر؟ بأن يقال: (إن الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال) وليست هذه رواية، بل كلام الفقهاء(3)، فهل معناه أن أموال
ــــــــــ[355]ــــــــــ
(1) راجع: جامع المقاصد 6: 304.
(2) راجع: جواهر الكلام 37: 77-78.
(3) راجع: إيضاح الفوائد 2: 187، مسالك الأفهام 2: 207، جامع المقاصد 6: 304، جواهر الكلام 37: 77-78، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الغاصب أيضاً تتلف؟ أو معناه أنه إن كان ردّ المال حرجياً أو ضررياً فيشمله قوله: (الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال)؟ أما إذا كان دفع المال ملازماً مع تلف أموال كثيرة للغاصب فلا يشمله.
أو تقولون: إن دليل الحرج منصرف عن الغاصب، فيجب ردّه ولو تضرّر؟
نقول: إننا إنّما قلنا إنه منصرف عنه في مورد يتوقّف الردّ على الضرر والحرج، ويكون بالنسبة إليه كالمقدّمة، كالذهاب إلى بلد بعيد ونحو ذلك، أما مثل هذه الاستلزامات فليست من قبيل المقدّمة للردّ(1)، ولا تقع في طريقه، بل الردّ مستلزم لضرر كثير على هذا الشخص، فهل يمكننا دعوى الانصراف؟ لا يمكن.
أو بعض الروايات الواردة في باب الغصب، مثل الرواية التي محصّلها: إنه بنى على أرض غصبها فأمره الإمام بقلع البناء وتسليم التربة على ما كانت “فإنّه ليس لعرق ظالمٍ حقّ“(2) وفي رواية(3): أنه يغصب الأرض ويغرس فيها،
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) لا يخفى أننا لا نفهم من المقدّمة إلَّا مجرّد التوقّف، ولا شكّ أن إخراج الخشبة في المثال مما يتوقّف عليه هدم البناء، فيكون الهدم مقدّمة له، وكذلك في باقي الأمثلة، وقد اعترف السيد بعدم شمول دليل الضرر والحرج للمقدّمات، فلا يشمل ذلك أيضاً، وتخصيصه بنحو معيّن من المقدمات بلا موجب. (المقرِّر).
(2) تهذيب الأحكام 6: 294، كتاب القضايا والأحكام، الباب 92، الحديث 26، ووسائل الشيعة 25: 388، كتاب الغصب، الباب 3، الحديث 1.
(3) الكافي 5: 297، باب من زرع في غير أرضه، الحديث 2، مَن لا يحضره الفقيه 3: 246، باب المزارعة والإجارة، الحديث 3896، تهذيب الأحكام 7: 206، باب المزارعة، ووسائل الشيعة 25: 387، كتاب الغصب، الباب 3، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فأمره الإمام (بأن يقلع الغرس ويعطي الأرض).
فنقول: إن قوله “..ليس لعرق ظالمٍ حقّ” يشمل المقام أو يُفرّق بين مورده والمقام، فإنه هناك كانت الأرض للغير وإشغالك لها ببناء أو غرس بغير حقّ، فيكون مالكاً غير محترم، ولكنّ ما نحن فيه أنك تريد أن تفصل مالك عن ماله، تريد أن تقلع اللوحة وتعطيها، لا أنه غرس في أرضك شيئاً، فهذا عكس قوله: “..ليس لعرق ظالمٍ حقّ” فإنه لا يشمل مثل ذلك لا محالة.
نعم، لو غصب أحجاراً وصخوراً كثيرة بحيث جعلها تحت البناء كلّه، ربما يقال: أن العِرق والأساس على غير حقّ فيجب إزالته بمقتضى الحديث.
فهل يمكن بهذه الروايات التي هي في الغالب غير صحيحة، أن نعمل عملاً مستنكراً لدى العقلاء؟ فإن هذا الرجل أخطأ وغصب وبنى على الغصب، فهل نهدم البناء ذا السبع طبقات لكي نخرج من تحته خشبة ذات درهمين؟ إن مثل ذلك مستنكر لدى العقلاء.
أو رواية نهج البلاغة: “الحجر الغصب في الدار رهنٌ على خرابها“(1)، لو فرضنا أن كلّ ما في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين -ولم يثبت- إلّا أنَّ معناه ليس هو لزوم الهدم، بل كناية عن أنه إذا غصب حجراً ووضعه في أساس
ــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) نهج البلاغة: 510، الحكمة 240، ووسائل الشيعة 25: 386، كتاب الغصب، الباب 3، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بيته، فإن بيته يخرب وعيشه فيها يزول، يعني الله يخرّب بيته.
فهذه الروايات لا تقف أمام هذا الحكم الواضح المستنكر عند العقلاء، فإن هذه السفينة الضخمة بقدر مدينة النجف مملؤة بأموال التجارة ما يقدّر بالملايين، وهي في عرض البحر فهل لصاحب اللوح المغصوب المثبت فيها أن يقول: (اقلع لوحي الآن مهما حدث)- ولم يكن فيها نفس محترمة-، هذا ممّا يستنكره العقلاء، فيعطى بدل الحيلولة إلى أن يصل إلى الساحل.
ولا أعلم أن المطلب الذي يقوله صاحب (الجواهر)(1) كيف يتمّ.
طبعاً أبو حنيفة(2) يعتبر الغاصب مالكاً للشيء ومنافعه وإن كان ضامناً له، إلّا أنَّ هذا الكلام غلط لا نعترف به، إلّا أنَّنا لا نستطيع الاستشهاد بتلك الروايات الضئيلة القليلة الضعيفة السند والدلالة كـ”المغصوب كله مردود“(3)، و”ليس لعرق ظالم حق“، فتنتفي به السيرة الواضحة عند العقلاء.
أو نقول: إن هذه هي سياسة الإسلام في دفع الغصب، والعقلاء قد لا يوافقوننا على سياسات الإسلام، كقطع يد سارق الربع دينار، وإنما شرّعها
ــــــــــ[358]ــــــــــ
() راجع: جواهر الكلام 37: 77-78.
(2) راجع: المبسوط (للسرخسي) 11: 93-94، المغني (لابن قدامة) 5: 417، والخلاف 3: 409، كتاب الغصب.
(3) الكافي 1: 542، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس…، الحديث 2، إلَّا أنَّ فيه: “الغصب كلّه مردودٌ“، تهذيب الأحكام 4: 130، باب قسمة الغنائم، الحديث 2، ووسائل الشيعة 25: 386، كتاب الغصب، الباب 1، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الإسلام لقطع دابر الفساد، فهذا أيضاً من تلك السياسات وإن لم يوافق عليها العالم، فإن سياسته واردة لإصلاح المجتمع، والإصلاح لا يكون إلّا بأمر خشن لا بالعطف والرحمة، وأن مثل هذه الخشونة في حفظ المجتمع لا مانع منها، بل لا بُدّ منها، بل هي موجودة في سائر المجتمعات العقلائية، فإن من يقوم ضدّ الحكومة يُقتل وإن كانوا أُلوفاً، وكذلك من يقوم ضدّ الحكومة الإسلامية، وهذا لا ينبغي أن يسمّى خشونة، فإنه ضروري لقطع مادّة الفساد، فإن الإنسان إذا أخذ بنظر الاعتبار المجتمع لا الأفراد، فإن هذه الأحكام لازمة، فإنه إذا أخذت القضايا بنحو الرفق لا يجتث مادّة الفساد.
فهنا أيضاً يُقال نفس هذا الأمر، وهو أنَّ التخفيف في هذه المسألة يوجب كثرة الغصب والفساد، وربما يفكر الفرد في دفن المغصوب تحت عمارته حتى لا يُكلّف بإخراجه، فهذا النحو من الخشونة لازمة وإذا كانت هناك أدلّة، أدلّة موافقة له لا تكون بعيدة جداً، إذن فمجرّد أن أذهاننا تستبعد(1) هذا المطلب ولا تقبله لا يكون مبرّراً لرفض الدليل الوارد، وهذا ضروري لإفادة المجتمع، فإن الرفق في مورد العدل والشدّة ينافي مصلحة المجموع، كاستعمال الشدّة في مورد
ــــــــــ[359]ــــــــــ
() لا يخفى أن هذا الاستبعاد إن أوجب ظهوراً في الأدلّة على طبق السيرة كان حجّة، ويفهم أن حكم الإسلام هو ذلك.
وإن لم يوجب ظهوراً فيها كانت الأدلّة اللفظية هي المتّبعة، وتكون رادعة عن السيرة كما هو معلوم، وعلى أيّ حال ليس لهذا الكلام الخطابي أيّ دخل في المطلب سوى الفائدة العامة فتأمّل، (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الرفق، فيفدي الفرد في سبيل المجموع، وهذا أمر عليه سائر الناس، غاية الأمر أنهم يفدون الفرد في موارد غير صحيحة، والإسلام وضع لذلك موازين خاصّة عادلة.
فهل نقول: أنه “ليس لعرق ظالمٍ حقّ“، يعني لا بُدّ من ردّ اللوح المثبت، فنستفيد من هذا الدليل عدم احترام مال الغاصب؟
مشكل. وليس من المعلوم أن المسألة مسلمة أو إجماعية، وإنما المسألة قواعدية وتكلّم الفقهاء في المقام على القواعد، والروايات في المقام قليلة، أو “المغصوب مردود” وإن شمل المقام بإطلاقه، إلّا أنَّ سندها ليس تامّاً، ويستفاد من دليل (عرق الظالم) ما كان من قبيل عرق الشجرة الذي في الأرض أو البناء أو نحوه، فإنه لا حقّ له في البقاء، وقد نزل العرق في الأرض من الأوّل بنحو ظالم، فيجب إزالته أما اللوح الموجود على جانب السفينة فلا يشمله أو حديدة ضائعة في العمارة، وهل معنى الحديث أن الغاصب لا بُدّ من إزهاق نفسه ونبش قبر أبيه.
إذن فلا دليل على هذه المسألة، فلو عزلنا استبعادنا يبقى المطلب محتاجاً إلى الدليل وليس بموجود، ولا يمكن إثبات هذه المسألة المشكلة بهذه الكلمة الضيقة غير القويّة، وإنما تحتاج هذه المسألة إلى دليل قويّ كالإجماع والأدلّة الصحيحة الصريحة لكي نطيعها، ولم يثبت.
الفرع الآخر: إذا كان إخراج الخيط مستلزماً لتلف نفس مال المغصوب منه، أي الخيط نفسه، أو كُلّ من الخيط والثوب الذي للغاصب، فهل نقول: أنه
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
يخرجه ولو تلف فيدفع غرامته، كما قالوا، أو أنه تلف عرفاً؟
إحدى الصور: أنه إذا أراد ردّ العين المغصوبة، يكون ذلك موجباً لتلف العين المغصوبة، كالثوب المخيط بخيط مغصوب إذا أراد ردّ الخيط فإنه يتقطّع.
الصورة الأخرى: أن يتلف كِليهما، اللوح ينكسر والسفينة تغرق، فهل هنا نقول أن مقتضى قوله “المغصوب مردود” أنه لا بُدّ من ردّه، فإذا تلف بالردّ يعطي الغرامة، أو نقول: إن هذا الخيط في حكم العين التالفة، وكلّ ما قلناه في العين التالفة نقوله هنا، فإذا قلنا إن دفع الغرامة يوجب أن تكون العين ملكاً للضامن، هنا أيضاً نقول بأن الخيط يصبح لصاحب الثوب، وإذا قلنا ببقائها ملكاً للمالك نقول به هنا أيضاً. أو نقول أن هذا الخيط الآن موجود لم يتلف بعد وإنما يُتلف بإخراجه؛ فإما أن يأخذه صاحب الثوب ويعطي قيمة الخيط لصاحبه، وإما أن يأخذه صاحب الخيط -أي الثوب والخيط معاً- ويعطي قيمة الثوب لصاحبه أو نقول: أنهما يبيعانه من ثالث ويقتسمان ثمنه؟
وإذا زاد ثمن الخيط كان لمالكه وإذا نقص كان النقصان مضموناً على الغاصب.
أما احتمال أنه يجب تحويلٌ(1) وإن تلفت، فلا يأتي له إلى النظر أيّ وجه.
فإن معنى قوله “المغصوب مردود” أن شيئاً مّا يجب ردّه إلى صاحبه، وهذا إذا رددناه يتلف فلا معنى لشمول إطلاقه له؛ فإنه إن تلف يصبح لا مردوداً، فلا يمكن تتميمه به، وكذلك الحال في باقي الروايات.
بل المسألة مسألة سفاهة وتبذير، أن يتلف أحد المالين أو كِلا المالين بالردّ،
ــــــــــ[361]ــــــــــ
() أي: ردّها. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ولا أظنّ أنه يمكن التمسّك بإطلاق “المغصوب مردود” حتى في صورة تلف مال الناس، فإن غاية ما يقتضيه إطلاقه -لو كان- هو وجوب المقدّمات للردّ، أما لو كان مستلزماً لتلف مال محترم فلا يمكن تتميمه بهذا الدليل، بل لا إطلاق له في ذلك أساساً، مضافاً إلى أنَّ “المغصوب مردود” فرق بينه وبين (رُدّ الغصب)(1) فإن الأوّل بصدد بيان أصل وجوب الردّ ولا إطلاق له في كيفيات الردّ ومقدّماته، بخلاف الثاني فإنه متعرّض للردّ فيمكن أن يكون له إطلاق لبعض الجهات، وعلى أيّ حال فالرواية مرسلة ولا إطلاق فيها، ولا يمكن تتميم المطلب إلّا بدليل محكم.
نظير الروايات الواردة في مورد فيه بناء للعقلاء، فإنهم يجعلون اليد أمارة على الملكية، ويعملون بخبر الواحد والظواهر، وغيرها من الظواهر السائدة في الدنيا، وهي محل ابتلاء الناس صباحاً ومساءً، فهذه السيرة لا تدفع بمثل قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئاً(2) فإنه لا يصلح أن يكون رادعاً عمّا جرت عليه سوق الدنيا، وإنما يحتاج إلى دليل واضح مفهم للعقلاء، فهذه الأحكام بهذه الأدلّة لا تستطيع أن تقوم في مخالفة سوق العقلاء، ولا تستطيع أن تهدم داراً كبيرة لأجل قوله “المغصوب مردود“، بل بالنصّ الصحيح الصريح أو الإجماع في المسألة وكِلاهما غير موجود، فإن الكلام بينهم موجود من الأوّل والخلاف فيها ثابت، إذن فلا تتمّ المسألة بنظر الإنسان بهذه الأدلّة
ــــــــــ[361]ــــــــــ
() فعل أمر من ردّ. (المقرِّر).
(2) يونس: 36.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الضعيفة، بحيث يتلف ماله ومال غيره لأجل الردّ.
فهنا إما أن يقال: إنه يباع ويتقاسم ثمنه، أو يكون بحكم التالف، ويعطى غرامته، هذا تمام كلامنا في ذلك.
الشيخ يضرب مثالاً آخر ويقول(1): هناك مطلب رابع، وهو إذا خرج الشيء الذي قبضه الغاصب عن الملكية كالخلّ المغصوب إذا صار خمراً، وبناءً على قول الآغايون(2) يخرج عن الملكية، فإذا رجع وصار خلّاً ماذا يكون حكمه؟
نحن في هذا المثال ماذا نقول، وكيف نتمّم قولهم بسلب الملكية والمالية عنه، هل بمعنى أن العقلاء أنفسهم لا يعتبرون الملكية للخمر، والشارع تبعهم على ذلك؟ هذا كذب فإن سوق الخمر أروج من سوق الخبز، أو بمعنى أن الشارع سلب الاعتبار العقلائيّ بالملكية ووقف ضدّه، فهذا أمر تكويني له مبادئ تكوينية، وليس للشارع بما هو شارع أن يقف أمام الملكية العقلائية.
أو نقول: أنه يخطِّئ العقلاء في اعتبار الملكية؟ فأيضاً لا معنى له؛ لأن الملكية ليست من الأمور الواقعية التي قد تُخطأ وتُصاب، فإنه لا واقع لها إلّا الاعتبار، وليس له وراء الاعتبار حقيقة ثابتة.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 265، خروج العين عن الملكيّة… .
(2) راجع: الأقوال في المسألة في الخلاف 3: 241، شرائع الإسلام 2: 75، مفتاح الكرامة 5: 94، جواهر الكلام 25: 249، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هناك احتمالان ممكنان:
احدهما: أن الشارع له أساس في مقابل العقلاء بما أنَّه مُقنّن وبما أنَّه سلطان، فإن العقلاء يعتبرون ملكية هذا الشيء والشارع لا يعتبر الملكية، أو يعتبر اللاملكية، ففي مثل هذه الأبواب التي قام فيها الدليل فرضاً على عدم الصحّة، فإن للشارع اعتباراً مستقلّاً في مقابل اعتبار العقلاء.
ثانيها: أن الشارع لم يعتبر شيئاً، وإنما ألغى الآثار وقال: (لا تُرتّبوا أثر الملكية وأثر الصحّة ونحوه)، فما هو تحت التشريع وما أنجزه الشارع هو إلغاء الآثار، وأما الملكية فقد ألقاها على كاهل العقلاء أنفسهم، والشارع متابع لهم، واقتصر على إلغاء الآثار.
فلا يقال: إن إلغاء كلّ الآثار منافٍ لاعتبار الملكية، فإنه يقال: إن اعتبار الملكية ليس للشارع، بل اعتبار عقلائي وافقهم عليه الشارع ولم يتعرّض له، وإنما ألغى الآثار، والمقصود من قوله -مثلاً-: لا ماليّة للخمر، يعني لا تُرتّبوا عليه آثار المالية، وإلا فإن له مالية، فإن المال ما يبذل بإزائه المال، والخمر كذلك عند العقلاء، فإما أن يُلغي القيمة في محيطه التشريعي أو أن يُلغي الآثار.
وما هو الأقرب إلى نظر الإنسان هو الثاني، والموافق مع كلمات الفقهاء هو الأول -بعد بطلان الاحتمالين الأوّلين- والأقرب هو أنَّ الشارع لا عمل له بالاعتبار، بل يكفي للحصول على النتيجة إلغاء الآثار.
وأنت حينما تراجع الأدلّة لا ترى دليلاً على خروج الخمر عن الملكية، فإن
ــــــــــ[364]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
غاية ما عندنا في الخمر أن ثمنه سحت(1)، وأن إراقته(2) لا مانع منها، وأنّه لعن رسول الله عاصرها وشاربها وبائعها(3)، فهو مهدور كهدر دم القاتل(4)، فهو وإن كان ملكاً ومالاً ويحتاج اعتبار اللا ملكية أو اللامالية في محيط التشريع إلى دليل، إلّا أنَّ الشارع ألغى آثاره.
الشيخ يعنون المسالة في رهن الخلاف(5)، فيقول حرام بالإجماع ونجس بإجماعنا، وكونها ملكاً يحتاج إلى دليل، وقد شرط في أوّل كتابه(6) أنه إذا كان هناك إجماع فإنّي أذكره، وإذا لم يكن أذكر دليلاً غيره، فلو كان عدم الملكية إجماعياً لكان هذا مورد ذكره(7)، وهو هنا يريد أن يتمّم المطلب لعدم الدليل،
ــــــــــ[365]ــــــــــ
(1) راجع: مَن لا يحضره الفقيه 3: 172، باب المعايش والمكاسب…، الحديث 3648، ووسائل الشيعة 17: 94، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 8.
(2) راجع الكافي 5: 230، باب بيع العصير والخمر، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 136، باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة…، الحديث 72، ووسائل الشيعة 17: 223، كتاب التجارة: أبواب ما يُكتسب به، الباب 55، الحديث 1.
(3) اُنظر الأحاديث الواردة في وسائل الشيعة 17: 223، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 55، باب تحريم بيع الخمر وشرائها وحملها….
(4) راجع: فقه القرآن 2: 379، باب الحدّ في شرب الخمر.
(5) راجع: الخلاف 3: 241، كتاب الرهن، مسألة 36.
(6) مَن لا يحضره الفقيه 3: 172، باب المعايش والمكاسب…، الحديث 3648، ووسائل الشيعة 17: 94، كتاب التجارة، أبوب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 8.
(7) راجع: الخلاف 3: 241، كتاب الرهن، مسألة 36.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فلم يكن في زمان شيخ الطائفة في نظره إجماع على عدم الملكية.
نعم، هو يتكلّم عن الخمر المتخذ للخلّ ونحن نعمّمه لكلّ خمر. فما يعلم بالضرورة من الدين هو إهداره وعدم احترامه، ولكنه لا يستفاد من إلغاء الملكية والمالية، بل إلغاء آثارها فحسب.
و”ثمن الخمر سحت“(1) ليس معلوم أنه يشمل ما كان من الخمر متّخَذاً للتخليل، ولا يشمله لعن رسول الله لغارسها وعاصرها(2)، فإنه في الحقيقة صانع للخل وليس صانعاً للخمر، وإنما ذاك خمر الفسّاق الذي يعدّ للشرب، فالأدلّة لا تشمل صيرورة العصير خمراً.
بناءً عليه لا دليل لدينا -حتى إذا قبلنا المطلب(3) في باب الخمر- فيما اتّخذه للخلّ أنه يخرج عن ملكه، بل يبقى في ملكه في نظر العقلاء والمتشرّعة، فلا حاجة لأن ندور مدار حقّ الاختصاص الذي لا أصل له، وبيعه أيضاً جائز ولم يلعن رسول الله بائع الخلّ لأنه صار خمراً في أثناء المدة.
واحتمالاً أقول: إن مغلي العصير العنبي وسطٌ في صناعة الخمر وصناعة الخلّ، فالمغلي وإن كان خمراً إلّا أنه ليس هو المشروب، بل هو وسط بين
ــــــــــ[366]ــــــــــ
() مَن لا يحضره الفقيه 3: 172، باب المعايش والمكاسب…، الحديث 3648، ووسائل الشيعة 17: 94، كتاب التجارة، أبوب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 8.
(2) الكافي 5: 230، باب بيع العصير والخمر، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 136، باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة…، الحديث 72، ووسائل الشيعة 17: 223، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 55، الحديث 1.
(3) وهو السقوط عن الملكية. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الطريقين، فهذا الخمر _الوسط_، إذا أخذه شخص لصناعة الخمر فهل تقول له أن هذا المال ساقط عن المالية، كما هو الحال في العنب الذي هو عند من يصنعه خمراً، هل يجوز لك أن تتلفه أو تكون ضامناً؟
فهذا الوسط احترامه محفوظ، نعم إذا صار خمراً ممّا يشربه الفسّاق فالشارع يعتبر ثمنه سحتاً.
بناء عليه لأحد أن يقول: إنه إذا أصبح العصير بالغليان خمراً، فهو ليس الخمر الذي يشربه الفسّاق، بل إنّما يكون خمراً أو خلّاً بالعلاج، فهو وسط له منفعة محلّلة ومنفعة محرّمة، والإنسان وإن أخذه للمنفعة المحرّمة لكن احترامه يبقى محفوظاً وتكون ضامناً بإتلافه، وإن كان موضوعاً للنهي عن المنكر، فكلام الشيخ(1) وغيره عن حقّ الاختصاص في غير محلّه.
نعم، يمكن أن تقولوا إن احتمال إلغاء الملكية يكفي، ونتكلّم فيه إن شاء الله تعالى.
إذا لم يكن عندنا دليل في العصير العنبي بعد أن صار خمراً أن ملكية المالك سُلبت عنه أو لا، فحتى لو قلنا بأن الشارع له اعتبار وسوق في مقابل العقلاء، مع ذلك لا دليل لنا على إلغاء الملكية، فالتحقيق هو بقاء الملكية، ولا يمكن القول بسلب تمام آثار الملكية، وأنه لا احترام للملكية بحيث يستطيع الشخص الآخر أن يتلفها، فإن هذا خلاف الضرورة، فإن هذا العصير المغلي في الحال الذي يريد جعله خلّاً غير ساقط عن الاحترام، لا عند العقلاء ولا عند
ــــــــــ[367]ــــــــــ
(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 265، خروج العين عن الملكيّة، مع بقاء حقّ الأولويّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
الشارع، ولو قلنا إنه ألغى بعض الآثار فاحترامه محفوظ، وإذا صار خلّاً يعود إلى صاحبه ولا إشكال فيه.
وإنما الإشكال فيما إذا قلنا إنه لا يبقى في الملكية بعد أن صار خمراً، أو قلنا: إننا نحتمل أن الشارع سلب تمام الآثار -ولا يستطيع أن يدّعي العلم بذلك- فلا بُدّ أن ننظر إلى هذا العصير الذي أصبح خمراً، هل يعود إلى صاحبه الأوّل، أو يكون من المباحات الأوّلية بحيث إنَّ كلّ من يتصرّف فيه يملكه، أو نقول بالتفصيل كما قال بعضهم؟
نقول: إننا قبل أن نرد إلى الأصول لنا وجه من الأدلة الاجتهادية، ووجه من عند العقلاء:
أما الوجه عند العقلاء فهو أنَّنا بعد أن فرضنا تسليمهم بأن هذا ليس ملكاً إلّا أنه ليس أسوأ حالاً من المعدومية، فلو فرضنا أن مالاً تلف من الإنسان وعاد بوجه غير عادي، فإن العقلاء يرون أن ماله ذهب ثُمّ رجع إلى حاله، كالإنسان الميت إذا أحيي مرّةً أخرى، فإنه نفس ذاك الشخص ولا يقولون بلزوم تجديد العقد على زوجته، وإن الأموال قد ملكها سواه.
أو يقال: “الناس مسلّطون على أموالهم“(1) التي هي حكم عقلائي، مرّةً يقال: أن الحكم ورد على عنوان المال، فإذا خرج عن المالية يخرج عن كونه موضوعاً للقاعدة فلا يشمله حكمها، ولكن قد نستفيد من الأحكام العقلائية
ــــــــــ[368]ــــــــــ
(1) الخلاف 3: 176، عوالي اللئالي 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، كتاب العقل والعلم والجهل، أبواب العلم، الباب 33، الحديث 7.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أمراً، فإنّنا نرى أنهم لا يرون جواز تصرّف الغير فيه، فنستفيد بهذه القاعدة العقلائية أن المال واسطة في ثبوت الحكم لِما هو في الخارج مال، في قبال احتمال أنه واسطة في العروض بالنسبة إلى الحكم، فإذا كان الحكم وارداً على العنوان فيدور مدار وجوده، وكذلك إذا كان واسطة في العروض، فإن قاعدة الواسطة في العروض هو أن يدور الحكم مداره، ولكن من هذه الأحكام العقلائية نعرف أن المال واسطة في الثبوت، أي أن الحكم واسطة في كون الحكم ثابتاً له، وإذا انتفى لا تنتفي الأحكام كلّها، بل تبقى بعض الأحكام ثابتة.
فإن العقلاء حيث يرون ثبوت تمام أنحاء السلطنة ونعلم -شرعًا-ارتفاع بعضها شرعاً ويبقى بعضها الآخر، وحيث إنَّه واسطة في الثبوت لا تنتفي تمام الآثار بانتفائه.
أما إذا شككنا في وجود الملكية ووجود التصرّف ووجود السلطنة والملكية، فهل الاستصحاب في تمام هذه الموارد جارٍ، أو كما قال السيد(1) ومن تبعه عليه غالباً، لا يمكن جريانه؟
السيد في عين الحال الذي يقول: إن موضوع الاستصحاب عرفي، في عين الحال يقول: الحكم تعلّق بعنوان الملك والمال، فلا يجري الاستصحاب؛ لأن الموضوع مرتفع قطعاً(2).
ــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) راجع: حاشيته على المكاسب 1: 109.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم 2: 169.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
ونحن لا بُدّ أن نتحدّث عن جملة من الأصول -لكنّها من سنخ واحد-:
أحدها: استصحاب بقاء الملكية، فإن العصير قبل الغليان كان ملكي وأنا شككت أن ملكيتي ارتفعت أو هي باقية، وغاية ما يقوله الآغايون هو أنَّ الحكم متعلّق بعنوان فلا يمكن ثبوته بدونه.
نقول: هذا ينافي ما قلنا وقاله الآغايون من أنَّ موضوع الاستصحاب نأخذه من العرف، وما يُقال من عدم جريان الاستصحاب لعدم انحفاظ الموضوع المأخوذ في الحكم المستصحب باطل؛ لأننا نقول: إن الدليل الاجتهادي إذا استقرّ على موضوعه فإنه يزول بزواله لا محالة، ولكن نحتمل
-والاحتمال كافٍ في المقام- أن المال إذا خرج عن ماليته يبقى على ملكيته، باعتبار احتمال كون المالية واسطة في ثبوت الملكية، فقوله “لا يحلّ لأحد التصرّف في مال غيره إلَّا بإذنه“(1) انطبق على هذا الموجود الخارجي، فأقول: هذا العصير العنبي الخارجي الموجود ملكي، ولو تبدّل موضوعه فإن الحكم لا يشمله، ولكنّه مشمول فعلاً للحكم، واحتمل أن الملكية التي أتى بها هذا العنوان تبقى بعد انتفائه باعتبار احتمال كونه واسطة في الثبوت بالنسبة إليها.
فأنا وإن لم أستطع التمسّك بالدليل الاجتهادي؛ لارتفاع عنوان الموضوع، إلّا أنَّ دليل الاستصحاب ليس موضوعه هو المال وإنما موضوعه هو اليقين والشكّ، فيكون شاملاً لهذا المورد، فإنّي كنت على علم قبل الغليان بأن هذا العصير الخارجي كان ملكي، وبعد الغليان أشكّ أنه خرج عن ملكي أو لا،
ــــــــــ[370]ــــــــــ
(1) تقدّمت الإشارة إليه آنفاً، فراجع.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فاستصحب. والملكية وإن كانت ثابتة بالدليل الاجتهادي ولكن احتمل كون المالية واسطة في الثبوت فاحتمل بقاء الملكية فاستصحبها.
وهنا مثّل السيد(1) بمثال للموضوع ومحصّله: أنه إذا ورد: (أكرم زيداً العالم)، ثُمّ ارتفع علمه، فالدليل الاجتهادي وإن كان لا يمكن شموله له بعد ارتفاعه، إلّا أنَّ الحكم بعد انطباقه على زيد الخارجي، يمكن استصحابه، فأقول: (هذا كان يجب إكرامه)، وأنا أشكّ أنه هل ارتفع الوجوب أو لم يرتفع؟ باعتبار احتمال كون العلم واسطة في ثبوته فيحتمل بقاء الحكم بدونه، فأستصحبه.
ثُمّ قال(2): فنحن في دليل الاستصحاب لا بُدّ أن نحسب حساب اليقين والشكّ، فإن كان موضوعهما متعدّداً لم يجرِ هذا الأصل، وأما إذا كان المتيقّن عين المشكوك، فيشمله الاستصحاب، وإن كانت الأحكام على العناوين.
فإنّي لا أريد أن أتمسّك بالدليل الاجتهادي، بل بالأصل العملي، فثبوت الحكم على العناوين أجنبي عن الاستصحاب.
والعجب من المرحوم النائيني(3) وغيره الذي قال بعدم جريان الاستصحاب لعدم إحراز الموضوع(4).
ــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) راجع: حاشيته على المكاسب 1: 109.
(2) اُنظر المصدر المتقدّم.
(3) أُنظر: المكاسب والبيع 1: 388.
(4) أُنظر: المصدر المتقدّم 2: 169.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
إذن فسائر الاستصحابات تكون جارية: استصحاب الملكية واستصحاب عدم جواز تصرّف الغير واستصحاب وجود السلطنة ونحو ذلك من العناوين.
هذا آخر الكلام في المقبوض بالبيع الفاسد، ويبقى في المسألة كلام كثير محلّه في باب الغصب.
ــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وأما حقّ الاختصاص فلا أساس له، بل نفس هذا التعبير غلط وغير صحيح.
ويمكن القول به في موارد:
أحدها: وهو أن المقام ما إذا كان الشيء ملكاً وزالت الملكية بسبب، كالعصير العنبي صار خمراً، هل كان لصاحبه حقّ الاختصاص أم لا؟ ومحلّ البحث في المقام فيما إذا لم يكن غير سبب الملكية سبب، ولم تكن الحيازة في البين هل غير الملكية التي زالت شيء آخر حتى نسمّيه بحقّ الاختصاص أو حقّ الأولوية؟ هذا هو موضوع البحث في المقام.
وثانيها: ما إذا حاز الشيء الذي لم يكن ملكاً لأحد مثلاً، نفرض أن صاحب العصير العنبي أعرض عنه بعدما صار خمراً، وحازه بعد ذلك شخص آخر ليصيّره خلّاً، فهل له حقّ الاختصاص حتى لا يجوز التصرّف لغيره؟
وثالثها: ما إذا كان الشيء من توابع الملك كفضلات الكلب الـمُعلَّم، على
ــــــــــ[373]ــــــــــ
() ألقى السيد في هذا اليوم محاضرة لم أحضرها في بيان حقّ الاختصاص والتعرّض لكلام المحقّق النائيني لعلي أنقلها عن بعض الإخوان فيما يلي: هذا نقل عن بعض الإخوان. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
فرض أن الكلب الـمُعلَّم كان مملوكاً وفضلاته غير مملوكة، ولم تُحز، وإلّا لدخل في القسم الثاني، هل لصاحبه حقّ الاختصاص أم لا؟
ورابعها: ما إذا كان للإنسان اختصاص تكويني بالنسبة إلى شيء كالشعر والدم، هل يصبح هذا الاختصاص التكويني منشأ لحقٍّ حتى لا يجوز للغير التصرّف فيه.
فهذه هي موارد حقّ الاختصاص لا بُدّ أن نبحث عن كل واحد منها.
ولكنّ محلّ البحث في المقام هو الأوّل كالخلّ صار خمراً، أو العصير صار خمراً على تقدير خروجه عن الملكية والمالية، هل يعتبر العقلاء لصاحبه حقّاً حتى نسمّيه حقّ الاختصاص؟
يقول النائيني: إن حقّ الاختصاص لا يكون غير الملكية، بل هي مرتبة ضعيفة منها(1)، وعليه تكون الملكية ذات مراتب، ويعبّر عن مرتبته القوية بالملك وعن الضعيفة بالحقّ.
فبناءً عليه لو كان الشخص مالكاً لشيء لم يكن في قبال الملكية شيء آخر حتى نسمّيه بحقّ الاختصاص، بل نفس الملكية تكون ذات مراتب كاللون له مراتب، وكلّ مرتبة توجد بوجود مستقلّ، لا أن المرتبة الضعيفة توجد في ضمن المرتبة القوية، لهذا لو رفعت المرتبة العالية تبقى المرتبة الضعيفة، والملكية تكون كذلك، فبناءً عليه إذا كان الشخص مالكاً لشيء تحقّقت الملكية بجميع مراتبها، فلم يكن شيئين، بل شيء واحد ذو مراتب، إذا زالت المرتبة القوية التي نسمّيها
ــــــــــ[374]ــــــــــ
(1) راجع: منية الطالب 1: 159، الأمر الرابع، المسألة الثالثة.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بالملكية تبقى المرتبة الضعيفة التي نسمّيها بحقّ الاختصاص أو حقّ الأولوية، هذا ما استظهرنا من عبارته، وإن كانت عبارته(1) قاصرة عن هذا المعنى، ولعلّ مراده ما استظهرناه.
ولكن هذا لا يتمّ لا لأجل ما قاله السيد من أنَّ الملكية بسيطة أمرها دائر بين الوجود والعدم، فلم تكن ذات مراتب(2).
ولا لأجل أنها أمر اعتباري، ولا يمكن أن يكون لأمر اعتباري مراتب شدّةً وضعفاً، بل المراتب تكون للأمور التي لها واقعية وكانت من المقولات؛ لأننا نقول:
إن العقلاء يعتبرون الشدّة والضعف في الملكية التي تكون من الأمور الاعتبارية، فهذا الاعتبار عند العقلاء قابل للشدّة والضعف، مثلاً: (العباءة ملك لي) يعتبر العقلاء الملكية فيها، ولكن هذا الاعتبار يخالف اعتبار الملكية لي في الأراضي شدّةً وضعفاً واعتبار الملكية في العباءة شديد بالإضافة إلى الأراضي؛ لأنه لا يجوز للغير أن يتصرّف في العباءة أيّ تصرّف كان، ولكن يجوز له التصرّف في الأراضي على نحو المرور، والشارع أجازه بهذا المقدار من التصرّف، كالأنهار الكبار أجاز الشارع الشرب منها والتوضؤ فيها ما دام لم يمنع صاحبه، وهذا الاعتبار يخالف اعتبار الملكية في توابع الأرض، بل اعتبار الملكية في التوابع أضعف من اعتبارها في نفس الأرض؛ لأن العقلاء لا يمنعون
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) أُنظر المصدر المتقدّم.
(2) راجع: حاشيته على المكاسب 1: 109، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
من التصرّف في التوابع، فللملكيّة مراتب، غاية الأمر أن مراتبها اعتبارية، فهذان(1) الأمران لا يصلحان أن يكونا جوابين للنائيني(2).
فما ذكره المرحوم النائيني لا يتمّ لا لأجل هذين الوجهين، بل لأجل أن الماهيّة إذا كانت ذات مراتب فلا بُدَّ وأن تكون محفوظة في جميع مراتبها، مثلاً ماهيّة النور لها مراتب بعضها قوية وبعضها ضعيفة، ولكنّ النورية في جميع مراتبها محقّقة وإلّا لم تكن لها شدّة وضعفاً، بل تبدّلت الماهيّة بأخرى، وهذا لا يمكن(3)، فالملكية لو كانت ذات مراتب فلا بُدَّ أن تكون في جميع مراتبها محفوظة.
فعلى هذا إمّا أن نقول بالملكية فقط، فلا معنى لحقّ الاختصاص، وإمّا أن نقول بالاختصاص فقط، والملكية لم تكن أصلاً، فلا يمكن الجمع بينهما حتى تقول: إن حقّ الاختصاص يكون من مراتب الملكية.
فالخمر ليس ملكاً لا قوياً ولا ضعيفاً، لو كان حقّ الاختصاص من مراتب الملكية يعني في الاصطلاح نسمّيه بحقّ الاختصاص وفي الحقيقة هو مرتبة من الملكية لكان هذا كرّاً على ما فرّ؛ لأنك تقول إن الخمر ليس ملكاً، فلا يمكن ما ذكره من أنَّ حقّ الاختصاص من مراتب الملكية.
مضافاً إلى أنَّ هذا الادعاء أيّ دليل عليه؟ أي على أنَّ حقّ الاختصاص مرتبة دانية من الملكية، فإذا زالت الملكية تبقى هذه المرتبة.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
() أُنظر: المصدر المتقدّم.
(2) راجع: منية الطالب 1: 159، الأمر الرابع، المسألة الثالثة.
(3) هذا خلف. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج4
أما لو لم تثبت على القواعد العقلائية لا يقبل؛ لأن ما جرت السيرة عليه هو الملكية، لأن الخمر ملك عندهم حتى عند متشرّعيهم إلّا قليلاً منهم، لا يقولون به لأجل التعبُّد الشرعيّ هل يمكن إثبات حقّ الاختصاص بهذه السيرة حتى نستكشف من سكوت الشارع عن الملكية أنه حقّ اختصاص؟
نعم، لو قال العقلاء بعدم الملكية والمالية، لكان هناك وجه لحقّ الاختصاص، ونستكشف من سكوت الشارع رضاه به.
ولكن السيد صحّحه من طريق آخر، أي صحّح كون الحقّ مرتبة ضعيفة، والملك مرتبة قوية من طريق آخر. بأن قال(1) بعد دفع الإشكال وهو: أن دعوى أن من شؤون الملكية الاختصاص بالعين وهو باقٍ.
مدفوعة بأن الملكية غير قابلة للشدّة والضعف بل هي أمر بسيط زائل قطعاً، إلّا أنَّ هذا أي: البساطة في الملكية لا ينافي كون الحقّ مرتبة ضعيفة من الملكية، إذ معنى ذلك أن الحقّ من مقولة السلطنة التي مرتبة منها ملكية ومرتبة منها حقّ، لا أنَّ المرتبة القوية التي هي الملكية مشتملة على المرتبة الضعيفة التي هي الحق.
هذا نظير الاستحباب والوجوب، إذ يُقال إنَّ الاستحباب هو من سنخ الوجوب ومرتبة ضعيفة منه، لا بمعنى أن الوجوب متضمّن للاستحباب، بل بمعنى أن كِلاهما مرتبة من الرجحان، فالرجحان الضعيف استحباب والقوي وجوب(2)، وإطلاق إن الاستحباب مرتبة من الوجوب مسامحة.
ــــــــــ[377]ــــــــــ
(1) راجع: حاشيته على الاستصحاب 1: 109، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
وكذلك في المقام إطلاق أن الحقّ مرتبة من الملكية مسامحة، بل كلٌّ منهما من مراتب السلطنة، فإذا زالت المرتبة القوية منها وهي الملكية، يمكن القول ببقاء مرتبة دانية وهي الحقّ.
نقول: إن ما ذكره السيد أسوأ حالاً ممّا قاله المرحوم النائيني. وذلك: لأن الملكية لم تكن من مراتب السلطنة باعتبار العقلاء، لأنّ معنى السلطنة على الملكيّة غير الملكيّة، ومعنى “الناس مسلطون على أموالهم“(1)، أي: على أملاكهم، فالملكيّة تكون غير السلطنة؛ لذا هما ينفكّان عن بعضهما البعض كالمحجور في التصرّف والصبي لا سلطنة له، ومع ذلك هما مالكان.
هذا ما ذكره في خلال كلامه الطويل، ثُمّ استدل على إثبات كون حقّ الاختصاص من آثار الملك الزائل بقوله(2): نحن لا نقول إنّ الحقّ ثابت حال الملكيّة، ويبقى بعد زوالها حتى يقال: لم يكن في السابق إلّا الملكيّة، بل نقول: إنّه يحدث بعده بدعوى أنّه من آثار الملكيّة. انتهى.
فيستفاد من هذه العبارة: أنّ حقّ الاختصاص من آثار الملك الزائل، فإذا زال الملك جاء حقّ الاختصاص، لا يتصوّر هذا أصلاً؛ لأنّ الحقّ لم يكن من آثار عدم الملك.
نعم، هو في اعتبار العقلاء من الملك السابق.
إذن فدليل حقّ الاختصاص هو أن يقال: إنّ للسلطنة مراتب، فإذا زال
ــــــــــ[378]ــــــــــ
(1) تقدّمت الإشارة إليه غير مرّةٍ.
(2) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 109، تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
بعضها جزماً بقي بعضها إما جزماً وإما بالاستصحاب. والدليل على بقية الموارد كالحيازة وغيرها لم يكن إلّا هذه الرواية: (إذا سبق إلى شيء فهو أحقّ به)(1)، والدليل على الاختصاص التكويني كالدم والصوف للإنسان هو سيرة العقلاء؛ لأنّ الإنسان له أن يمنع من أخذ دمه أو صوف غنمه في نظر العقلاء، ولا يصحّ لغيره أخذه.
هذا تمام الكلام في حقّ الاختصاص.
ــــــــــ[379]ــــــــــ
() عوالي اللئالي 3: 480، باب إحياء الموات، الحديث 4، ومستدرك الوسائل 17: 111، أبواب كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 4، ونص الرواية “من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلمٌ فهو أحقّ به“.
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الأمر الرابع: في ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة] 13
[في الاستدلال بآية (فمن اعتدى) على ذلك] 13
[الاحتمالات في الآية مع قطع النظر عن سياقها] 14
في الاستدلال بقاعدة اليد على ذلك 19
[التحقق في المقام] 21
[ما هو الضمان عند العقلاء] 28
التحقيق في الموضوع 30
في الشك أن الشيء مثليّ أو قيميّ 32
في الروايات التي تنسب الضمان إلى الذات 33
تحقيق القول باشتغال المالية 38
[ضمان الاتلاف لضمان اليد] 39
[الروايات الدالة على ثبوت العين في العهدة عند التلف] 39
في معارضتها 42
التحقيق في المقام 46
ــــــــــ[381]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
مقتضى الأصل في الشك انه مثلي أو قيمي 48
كلام للأصفهاني 54
كلام للنائيني 57
[مقتضى الأصل في حالة إجمال الأدلة] 57
[الأمر الخامس:] في وجوب شراء المثل 69
[التعارض بين دليل الضرر ودليل الحرج] 71
[وجوب شراء المثل حتى مع زيادة القيمة] 76
في تتمة المطلب 77
[كلامٌ في الأدلة الامتنانية] 79
فيما إذا لم تختلف القيمة السوقية للمثل 82
كلامٌ مع الشيخ 84
[إشكال المحقق الايرواني ودفعه] 87
[تنبيه فيه مسألتان] 90
[المسألة الأولى: ] المطالبة في بلد التلف 90
في كلام للسيد ومناقشته 96
[المسألة الثانية:] في أن المدار في باب المثل هل هو بلد المطالبة 97
كلام السيد في المسألة [ومناقشته] 99
الاستدلال بقاعدة اليد 101
[المحتملات الواردة في(ما) الموصولة في دليل اليد] 101
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[تقييم المحتملات المتقدمة] 102
[الأمر السادس:] في أداء القيمة عند تعذر المثل 107
[الكلام الأول: في تعيين متعلق المطالبة] 107
في الاستدلال عليها 108
وجهان ذكرهما الشيخ 112
[الكلام الثاني:] ما الميزان في القيمة 125
[المطلب الأول: في النقد القول بانقلاب المثل] 125
[المطلب الثاني: في ضمان الأوصاف الدخيلة في الرغبات والقيم] 129
[المطلب الثالث: في زمان اعتبار القيمة] 130
الكلام في المسألة على القول بدخول العين في العهدة 132
كلامٌ للأصفهاني 134
الكلام على القول بتبدل العين إلى القيمة أو المثل عند التعذر 137
[القول باحتمال أعلى القيم] 138
[توجيه الميرزا لانقلاب المشترك إلى القيمة] 139
[النسبة بين آية الاعتداء ودليل اليد] 140
[تنبيهات في المقام] 142
[التنبيه الأول:] في وجوب تهيئة المثل من البلاد النائية 142
[بناء العقلاء وتقييد دليل السلطنة] 144
[تحقيق القول في بعض أخبار السَلَم] 145
ــــــــــ[383]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[التنبيه الثاني:] في ما هي القيمة 148
[التنبيه الثالث: في ضمان العين التي سقطت قيمتها] 150
كلامٌ للآخوند 150
[حكم النقد الذي أسقطت الدولة اعتباره] 153
في الاستدلال بالروايات في المسألة 154
[النظر في كلام الصدوق ] 156
[التنبيه الرابع:] ما هو مقتضى القاعدة في الشك في كفاية أداء العين الساقطة عن القيمة 161
كلام المحقق الأصفهاني ومناقشته 162
فيما إذا كان الشك شكاً في الحكم 169
كلام للشيخ محمد حسين 173
الكلام بناء على أن المثل في العهدة 176
كلامٌ للأصفهاني [في إحراز موضوع الاستصحاب] 180
[التنبيه الخامس:] إذا أدى القيمة ثم ظهر المثل إلى الوجود 183
[تفصيل رأي الشيخ في المسألة] 186
[التنبيه السادس] المقبوض بالعقد السادس القيمي هل مضمون بالقيمة أو المثل 187
في الاستدلال بالأخبار 191
[الطائفة الأولى] 191
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[الرواية الأولى: رواية إسحاق بن عمار] 191
[كلام السيد اليزدي في المقام] 193
[الرواية الثانية: رواية الصدوق] 194
[الطائفية الثانية] 196
[الرواية الأولى: صحيحة عبد الله بن سنان] 196
[الرواية الثانية: رواية محمد بن قيس] 197
[الرواية الثالثة: رواية السكوني] 197
[الرواية الرابعة: رواية السكوني الأخرى] 199
[الطائفة الثالثة] 200
[الرواية الأولى: رواية الحلبي] 200
[الرواية الثانية والثالثة] 201
[الأدلة التي يدعى مخالفتها للروايات المتقدمة] 202
في بعض الروايات الأخرى 203
[ما هو الملاك في تعيين القيمة في القيمي] 206
إشكالٌ للنائيني [ومناقشته] 207
[ما اختاره المحقق الأصفهاني في المقام ومناقشته] 212
أما أن الميزان هو قيمة يوم الأخذ 216
وأما مبنى أعلى القيم من الأخذ إلى الأداء 217
[التحقيق في المقام] 220
ــــــــــ[385]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
في الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد 222
[كلام الشيخ] في مناقشة الرواية 226
[إشكال الآخوند على كلام الشيخ] 227
[إشكال المحقق الأصفهاني على كلام الشيخ] 228
[التحقيق في المقام] 229
جواب الإمام وظهوره في قيمة يوم المخالفة 233
كلامٌ للنائيني 236
[الأمر السابع: ضمان القيمة لو كان المأخوذ في البيع الفاسد قيمياً] 243
تكملة الكلام في الراوية 243
[حول مقتضى القواعد في العيب والنقص] 244
فيما إذا أصاب البغل كسر 249
في مرافقة صاحب البغل والمستأجر 255
في القيمة المضمونة 262
[حول اسراء الحكم من الغصب إلى المقبوض بالعقد الفاسد] 265
[روايات أخرى في المقام] 267
روايات باب الرهن 270
روايات نكاح البهيمة: 275
الدليل على أعلى القيم 278
تقريب للشيخ ومناقشته 283
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
[تقريب الاستدلال بدليل نفي الضرر] 285
[حول جريان الأصول العملية في المقام] 287
[كلام المحقق الأصفهاني] 288
في قيمة مكان التلف 294
[في بدل الحيلولة مع تعذر العين] 297
[الاستدلال على بدل الحيلولة بقاعدة اليد] 297
الاستدلال على بدل الحيلولة في الجملة 299
[الاستدلال على بدل الحيلولة بقاعدة السلطنة] 301
كلام للشيخ في ذلك 304
[الاستدلال على بدل الحيلولة بقاعدة (لا ضرر)] 306
[فروع في المسألة] 307
[الأول: حول صور التعذر وأحكامها] 307
الثاني: هل الأداء موقوف على المطالبة 310
الثالث: ان المضمون له هل يملك البدل 315
الرابع: في ضمان العين المضمونة 321
الخامس: هل تعود العين 325
هل يجب على الضامن إرجاع العين إذا خرجت عن التعذر 331
[السادس: حول عدم رجوع الغرامة برجوع العين] 333
إذا عادت العين هل يعود ضمان اليد؟ 339
ــــــــــ[387]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج4
هل يجوز للغارم حبس العين إلى حين أخذ البدل 345
إذا سقطت العين عن المالية في [يد] الغاصب 349
في الخيط المغصوب 354
إذا صار الخل خمراً في يد الغاصب 363
مناقشة السيد [اليزدي] 369
الكلام في حق الاختصاص 373
الفهرس 381