أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (5)

كتاب البيع

الجزء الخامس

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج5 (336ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1698/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1698) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

1-04-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الخامس  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهي)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ـــــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 



الكلام في شرائط المتعاقدين

 

ويحتوي على:

  • الأول: شرط البلوغ
  • الثاني: اشتراط القصد في المعاملة
  • الثالث: في اشتراط الاختيار

ـــــــــــــ[7]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 







الكلام في شرائط المتعاقدين

 

حينما دخلنا في هذا البحث قلنا: إن كيفية تقسيم الكتب الفقهية الى الأبواب والفصول باعتبار أن هذه هي ماهيّات ذات إضافة، فيُعقد مبحث عنها بما أنَّها ماهيّة، فيُتكلّم في شرائط نفس الماهيّة: ويُبحث -في محلّ الكلام- بما أنَّه مضاف إلى المتعاقدين، فيُتكلّم عن شرائطهما. وبما أنَّه مضاف إلى العوضين، يُبحث عن شرائطها، ثُمّ يُبحث عن سائر الأحكام كالخيارات ونحوها.

أمَّا المبحث الأوّل في الماهيّة وانقسامها إلى المعاطاة والعقدي والدليل على صحّتها، فقد سبق البحث.

المبحث الآخر: يُبحث فيه عن الماهيّة: بما أنَّها ماهية مضافة، إلى المتعاقدين، فيُتكلّم عن شرائط المتعاقدين.

 

[الأول: شرط البلوغ]

 

من جملة الشرائط التي اعتبرت البلوغ وقد تمسّكوا في هذا الباب بالشهرة والإجماع، والكلام إنّما هو في الصبي المميز لا في الصبي غير المميز، فيتكلّم أن معاملات الصبي الأعمّ من كونه رشيداً أو غير رشيد ما حالها؟

ـــــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثمَّ إنَّ الاحتمالات الموجودة في استقلال الصبي في المعاملات، عديدة:

أحدها: أن يكون الصبي المميز -باحتمال- أو الرشيد -باحتمال آخر- مستقلّاً في التصرّف، والولاية منقطعة عنه، والولاية تكون إلى حدّ الرشد أو التمييز، أمَّا إذا حصل فيه الصفة فيكون مستقلاً ولا يحتاج إلى إذن أو إجازة من أحد، وإذا قيل بأنه محتاج إلى الولاية فيكون حاله كولاية الأب والجد، بحيث له أن يستقل بالتصرّف ولغيره أن يستقلّ أيضاً.

الاحتمال الآخر: أن الصبي ليس له هذا النحو من الاستقلال، بل ولاية الولي ثابتة، ولكن إذا أعطاه الولي إذناً يكون الصبي مستقلّاً، كما هو الحال فيما إذا أعطى المالك الإذن لشخص آخر بإيقاع معاملة على ماله، فإنه يكون له الاستقلال بها، أو إذا عمل الصبي معاملة بدون إذن وليه وأجازه الولي، جاز وليس على الولي أن يلاحظ ما هو الصلاح والفساد في الموضوع.

الاحتمال الثالث: أن هذا المقدار من الاستقلال مفقود عند الصبي أيضاً، لكنّ الولي إذا وَكّل الصبي جاز، بحيث تقع المعاملة مع الموكل وهو الولي، فإذا أذن الولي لم يستطع الصبي إجراء المعاملة عن نفسه، بل يعمل الصبي المعاملة في أمواله الخاصّة بالوكالة عن الولي، ولا مانع من وكالة الصبي للغير.

الاحتمال الرابع: إن هذا المقدار من الاستقلال أيضاً غير موجود، فهل هو محجور أيضاً حتى من إيقاع العقد، بحيث تقع المعاملة بين المتعاقدين وليعزى إلى الصغير بإجراء العقد، أو حتى هذا محجور عنه وألفاظه كـ(لا ألفاظ)، حاله حال غير المميّز.

ـــــــــــــ[10]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نحن قبل بيان ما هو الأصل في المسألة وهو آية ابتلاء اليتامى(1)، لا بُدّ أن نرى معنى الرشد المأخوذ في الآية التي سنقرأها، وأن أيّ الاحتمالات هو المقصود في الآية.

بحسب التصور يوجد عدّة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن الرشد تمام الموضوع للحكم، ونحن وإن قلنا إن محلّ البحث هو الطفل المميّز الأعمّ من الرشيد وغيره، ولكن بما أنَّ الرشد مأخوذ في الآية فنتكلّم فيه ويتّضح منه حال المميز غير الرشيد، فهذا الاحتمال هو أن يُقال إنَّ تمام الموضوع للحكم هو الرشد، ولا مدخلية للبلوغ أصلاً فلو أصبح رشيداً قبل البلوغ صحّت معاملاته؛ لأنه رشيد، وكذلك تصحّ بعد البلوغ؛ لأنه رشيد، لا لأنه بالغ.

الاحتمال الآخر: أن يكون تمام الموضوع هو البلوغ دون الرشد، فلو لم يكن بالغاً لا تصحّ معاملاته سواء كان رشيداً أو لم يكن، وإذا بلغ مبلغ الرجال تصحّ معاملته سواء كان رشيداً أو لا، ولا تستبعدوا صحّة معاملة السفيه، فإنه لو بلغ عاقلاً ثُمّ صار سفيهاً فهنا قولان:

أحدهما: أنه يصبح محجوراً عليه.

والآخر: أنه لا يصبح محجوراً إلّا إذا حجر عليه الحاكم الشرعي، وهذا هو الأصحّ عندي، فلا بُعْد في أن يعتبر تمام الموضوع هو البلوغ، ولا مدخلية للرشد أصلاً.

ـــــــــــــ[11]ــــــــــ

(1) أي: الآية: 6 من سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاحتمال الثالث: أن يكون كلٌّ من الرشد والبلوغ مجموعاً هو الموضوع وكلٌّ منهما جزءه، فالصغير معاملاته باطلة وإن كان رشيداً، وكذلك السفيه وإن كان بالغاً، وإنما تصحّ من البالغ الرشيد.

الاحتمال الرابع: أن يكون تمام الموضوع أحد الأمرين، فإذا كان بالغاً أو كان رشيداً، كفى في ترتيب الحكم.

[الاستدلال بآية الابتلاء على شرطية البلوغ]

الآن نرى أن الآية الشريفة التي هي الأصل في هذا الباب، نتّفق مع أيّ من هذه الاحتمالات؟ ثُمّ نستظهر منها أحدها.

وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّـهِ حَسِيباً(1).

وَابْتَلُوا الْيَتَامَى يعني اختبروهم، يعني اليتامى الذين تحت ولايتكم أنتم مكلّفون باختبارهم، وطبعاً الاختبار يكون في مورد احتمال السفاهة والرشد، وأما مع القطع بأحدهما فلا يكون موضوع الاختبار متحققاً، والأطفال يرشدون بالتدريج حتى يكونوا بأحد مراتب تكاملهم قادرين على إدارة أمور أنفسهم، فأولياؤهم مأمورون بامتحانهم.

ـــــــــــــ[12]ــــــــــ

(1) النساء: 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فيها احتمالات:

أحدها: ابتلوهم حتى زمان البلوغ، بحيث يبدأ الاختبار من حين زمان احتمال الرشد إلى زمان البلوغ، وفي هذا الظرف من زمان الشروع بالابتلاء إلى البلوغ- في هذا الظرف متى آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم. 

ولازم هذا الاحتمال أن الرشد تمام الموضوع ولا دخل للبلوغ، فإنه من زمان احتمال الرشد إلى زمان البلوغ بحيث يكون زمان البلوغ داخلاً، متى وجدتم في هذا الظرف وأنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم، غايته يكون استعمال اليتامى بلحاظ البلوغ -مع أن اليتم ينقطع به- مجاز راجح. فلا بُدّ أن تدور مدار الرشد، وحيثما وجد فادفعوا إليهم أموالهم.

وهذا للتنبيه على دفع توهم: أن البلوغ هو الميزان، بل حتى زمان البلوغ لا بُدّ أن تفتّشوا عن الرشد، وكذلك قبل البلوغ، فمتى آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم.

الاحتمال الآخر: أن (حتى) تكون للغاية ويكون المغيّا: ابتلوا اليتامى إلى زمان ارتفاع اليتم الذي هو البلوغ، وفي زمان الابتلاء من حين احتمال الرشد إلى البلوغ- فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ، فإذا وجدتم قبل البلوغ رشداً فادفعوا إليهم أموالهم.

أمَّا بعد البلوغ فنفهم من الآية أنه يجب دفع المال إلى البالغ، فيكون كلٌّ من البلوغ والرشد سبباً مستقلّاً. 

وفي مورد البالغ هناك احتمالات: فإنه إما أن لا يُمتحن ولا يُدفع إليه المال، فهذا الاحتمال غير موجود. 

ـــــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وإما أن يُمتحن فهو خلاف تقييد الحكم بالغاية إلى البلوغ على الفرض. 

وإما أن يدفع إليه المال سواء كان رشيداً أو لا، وهو المطلوب.

نعم، احتمال آخر موجود: وهو أن يُقال إنَّ الميزان هو الرشد، وإنما جعل البلوغ حدّاً؛ لأن البلوغ لازمه الرشد وأمارة عليه، فلو أدّعى هذا المعنى وثبتت الملازمة بين البلوغ والرشد ولو بنحو الملازمة العادية، فجعل البلوغ غاية باعتبار أن الرشد بعد البلوغ لا يحتاج إلى إيناس، إلّا أنَّ هذه الملازمة غير ثابتة إن لم يكن ثابتاً غالباً خلافها، فإن البالغ حديثاً وإن كان يستطيع إجراء المعاملات البسيطة كشراء العباءة، ولكنّه لا يمكنه التجارة وقيادة البواخر.

فعلى فرض خروج الغاية ينتج الاحتمال الرابع، وهو أنَّ البلوغ مستقلّ والرشد مستقلّ في موضوعية الحكم لو تحقق قبل البلوغ.

الاحتمال الثالث(1): أن يكون قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ غايةً، ويكون المراد: أن ابتلاء اليتامى يستمرّ إلى زمان البلوغ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ، يعني: عندما ينتهي امتحانهم بانتهاء زمان الصغر بالبلوغ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ ، فيكون ما قبل البلوغ زماناً للابتلاء، وبعده تدفع إليهم أموالهم إذا حصل استئناس الرشد، وبناءً عليه يكون كلٌّ من الرشد والبلوغ جزءَ الموضوع، فلا يدفع المال للرشيد غير البالغ، ولا للبالغ غير الرشيد.

وإنما قيل وَابْتَلُوا الْيَتَامَى إلى زمان البلوغ؛ لأنه لا يمكن أن يقع الامتحان بعد البلوغ، باعتبار أن معرفة القدرة على الإدارة يحتاج إلى وقت 

ـــــــــــــ[14]ــــــــــ

() لخص أوّلاً الاحتمالين السابقين في آية الابتلاء. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

طويل لثبوته، فبعد البلوغ لا يمكن معرفته، فإنه إذا استمرّ الامتحان بعد البلوغ مدّة طويلة، فيلزم منه حفظ المال عند الولي وتحت نظره، ولعلّ البالغ رشيد، فيكون ذلك خُلف الحكم الشرعي. إذن أمرت الآية -بحسب الاحتمال- بالامتحان قبل البلوغ إلى حين البلوغ.

الاحتمال الرابع: أن يكون ابتلاء اليتامى غير مغيّا، وتكون (حتى) للابتداء وإذا شرطية والجملة التي بعدها جزاء حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ فيكون كِلا الأمرين جزاءً، وتكون نتيجة هذا الاحتمال هي نتيجة الاحتمال الثالث، أنه قبل البلوغ لا يُعطى المال، وكذلك بدون إحراز الرشد.

نعم، يفرق في بعض فروع الحجّ، فهذه أربعة احتمالات معتدّ بها في الآية.

مناقشة الشيخ النائيني 

المرحوم النائيني ذكر احتمالين واختار أحدهما:

الأول: أن يكون الرشد تمام الموضوع.

والآخر: أن يكون مع البلوغ جزء الموضوع، الذي هو الاحتمال الثالث في كلامنا.

ثم يقول(1): والأظهر الثاني، وذكر في وجه الاستظهار أمرين:

أحدهما: ما ذكره في مجمع البيان(2)، وتخيّل المرحوم النائيني أنه ذكره 

ـــــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) راجع: منية الطالب 1: 170، الكلام في شروط المتعاقدين.

(2) راجع: مجمع البيان 3: 15-16، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

للاستظهار من الآية، ولو راجعتموه لعرفتم أنه ذكره للربط بين الآيات. والنائيني يجعله وجهاً للاستظهار من الآية، ولعلّه تخيّل أن مجمع البيان ذكره لذلك أيضاً.

يقول الشيخ النائيني: إن الله تعالى قال قبل آيتين وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَـهُمْ(1)، ثُمّ قال: وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ(2) فأراد بيان الحدّ الفاصل بين ما يحلّ للولي وما لا يحلّ له، فمن هذه الجهة علّقها على الشرطين: البلوغ، والرشد، فهذا أحد الوجهين الذي استظهر به النائيني هذا المعنى، وذكره المجمع لمجرد بيان نظم الآيات. 

نقول: إنّه لو لاحظنا الآيتين السابقتين لاخترنا الوجه الأول دون الثاني، بناءً على أن يكون المراد من قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ يعني: تسليمهم الأموال دون الإنفاق عليهم، وأن يكون المقصود من وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ يعني: السفهاء الذين تحت ولايتكم لا تدفعوا إليهم أموالهم.

نقول: مقتضى هاتين الآيتين -بناءً على هذا التقريب- هو: أنَّ اليتامى يجب إعطاؤهم أموالهم سواء كانوا سفهاء أو لم يكونوا، وبمقتضى الآية الثانية وهو: أنَّه إذا كان سفيهاً لا يُعطى، فتتقيد الأولى بها، ويكون مقتضى الجمع بين الآيتين هو أنَّ اليتيم إذا كان رشيداً يُعطى المال، فنفهم من الآيتين المراد من الآية الثالثة (آية وابتلوا اليتامى)، وأن اليتيم إذا كان شخصاً رشيداً اعطوه ماله. 

ـــــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) النساء: 2.

(2) النساء: 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

غاية الفرق بين الآيتين الأوليين وبين الثالثة أننا نفهم من الآيتين أن اليتيم إذا كان غير سفيه لا بُدّ من إعطائه الأموال، ونفهم من الآية الثالثة أن النكتة التي تدور حولها هي نكتة المراد من الرشد وكيفية تعيينه(1).

على هذا المعنى لا بُدّ أن يقول إن الآية الثالثة تقول نفس المعنى، غاية الأمر أنها تحدّد حدود السفاهة والرشد، على غرار الاحتمال الثالث الذي ذكرناه، فإذا لم نستفد من الآية هذا المعنى فجزماً ما اعتبرها(2) ظاهرة فيه غير ظاهر، وقلنا إن صاحب (مجمع البيان) (3)  لا يريد أن يستظهر من الآية شيئاً، بل يريد أن يسلسل نظم الآيات.

الوجه الآخر الذي يقوله: أنه إذا كان الرشد موضوعاً مستقلّاً فذكر البلوغ 

ـــــــــــــ[17]ــــــــــ

() وهنا ذكر أحد الإخوان: أن الآيتين متعارضتان بنحو العموم من وجه، باعتبار أن الأولى تأمر بإعطاء الأموال إلى اليتامى سواء كانوا سفهاء أو راشدين، والثانية تنهى عن إعطاء الأموال إلى السفهاء سواء كانوا يتامى أو بالغين.

فأجاب (سلّمه الله): أنا الآن أتكلّم على هذا الأساس، وهو أن يكون المراد بالسفهاء خصوص (اليتامى) الذين هم تحت الولاية، باعتبار التعرّض لهم في السياق العام، وأن المراد من (أموالكم) أموالهم التي تحت يدكم، فتكون النسبة بين الآيتين هي العموم المطلق، وهذا الوجه وإن كان باطلاً إلّا أنه إذا كان المراد من السفهاء مطلق السفهاء، لكنّا أمام كلام آخر. (المقرِّر).

(2) راجع: منية الطالب 1: 170، الكلام في شروط المتعاقدين.

(3) راجع مجمع البيان 3: 15-16، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يكون بلا محلّ وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ(1) فيُعلم منه أن البلوغ له دخل في الموضوع.

نقول: هذا لا ينقّح لنا الظهور، بل يحتمل أن يكون ذكر البلوغ نكتة أخرى، وهي أنَّ اليتامى إلى زمان البلوغ محتاجون إلى الامتحان والاستفسار، وبعد البلوغ لا يحتاجون إلى ذلك، بل يكون البلوغ بنفسه كافياً، فينتج أن أحد الأمرين: من البلوغ أو الرشد، تحقّقه كافٍ في ترتّب الحكم، فإذا وجدتم الرشد قبل البلوغ أعطوه المال، وإذا بلغ فأعطوه المال سواء كان رشيداً أو لم يكن.

هذا الوجه الثالث يبدو أنه أظهر، فإن الآية إذا عرضت على العرف يفهم أن (حتى) للغاية وقوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ تفريع على ما قبله، وهو قوله: بَلَغُوا النِّكَاحَ لا على المتقدّم.

ويفهم أن زمان البلوغ داخل في المغيّا، يعني ابتلوهم من قبل البلوغ إلى ما بعده، فإذا بلغ وآنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ.

فنفهم أن كلّاً من البلوغ والرشد له دخل في المطلب، لا أنهما موضوعان مستقلّان، وظاهر التفريع هو أنَّ الابتلاء لا بُدّ أن يستمرّ إلى البلوغ، وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ، فالآن إن وجدتم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم، وليس التفريع راجعاً إلى ما قبل لينتج الاحتمال الآخر، فإنه خلاف الظاهر.

الوجه الرابع: الذي احتملوه، ولعلّه ظاهر بحر العلوم، ويريد صاحب 

ـــــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) النساء: 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 (الجواهر)(1) أن يتعسف له الأدلّة، وليُلاحظ كلامه في الحجر(2)، ومحصّل كلامه: أن (إذا) شرطية وكونها غير شرطية نادرة، وكلام الباري تعالى لا يحمل على أمر نادر، بناءً عليه فـ (حتى) ابتدائية و(إذا) شرطية، والجزاء جزاء لهذا المعنى، ولازمه أنه إذا حصل الاستيناس في الصغر وعُرف منه الرشد فلا بد أن يُدفع إليه المال، وإذا بلغ غير رشيد فإنه لا يُعطى المال؛ لأن الشرط غير متحقّق وهو: استيناس الرشد قبل البلوغ، ولو لم يستأنس قبل البلوغ فإنه لا يُعطى المال، ولو كان رشيداً عاقلاً، لعدم توفّر الشرط أيضاً، وهو الاستيناس قبل البلوغ.

هذا ننظر أنه تامّ أو لا، فإنه وإن كانت نتيجته معنى واحداً، إلّا أنه يختلف في بعض الجهات.

كلام للسيد بحر العلوم ومناقشته

صاحب الجواهر تبعاً لبحر العلوم يقول: إن (حتى) للابتداء و(إذا) شرطية، وجملة فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ الجملة جزاء وشرطاً، هي جزاء (إذا) الشرطية.

وفي تعبير بحر العلوم: إن تمام هذه الجملات غاية لـ(حتى)، وصاحب (الجواهر)(3): أن (إذا) للشرط وغير معلوم أنها تخرج عن الشرطية، وعلى تقديره فهو نادر جداً، ولا يحمل عليه التنزيل -أي: القرآن الكريم-.

ـــــــــــــ[19]ــــــــــ

(1) راجع: جواهر الكلام 26: 18-19، كتاب الحجر، الفصل الأوّل.

(2) راجع: جواهر الكلام 26: 18-19، كتاب الحجر، الفصل الأوّل.

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ويلزم من عدم حملها على الشرطية أن الابتلاء لا يكون بعد البلوغ، مع أنه 

يجب أن يستمرّ إلى ما بعد البلوغ، فلا يمكن أن نأخذ (حتى) للغاية؛ لأنه يلزم منها مفهوم الغاية، وهو انتفاء الابتلاء بعد البلوغ، مع أن هذا باطل.

 وأيضاً لازم عدم حمل (إذا) على الشرطية: أنه إذا لم يحصل إيناس الرشد قبل البلوغ، فبعد البلوغ لا يحصل الابتلاء، ولا يسلّم إليه المال وإن كان رشيداً؛ لعدم حصول الشرط. ولو حصل الرشد قبل البلوغ فأيضاً يُعطى المال، وكلّ هذه توالٍ فاسدة عند صاحب (الجواهر).

إذن فراراً عن هذا المعنى نأخذ (إذا) شرطية لكي تتمّ جهاته الأدبيّة، وتندفع هذه الإشكالات.

وبحر العلوم يعبّر عن هذا المعنى بتعبير آخر، وهو أن (حتى) لِصرف الابتداء و(إذا) للشرط، وجملة (فإن آنستم) جملة الشرط والجزاء جزاء لـ(إذا)، وجميع هذه الجمل غاية لـ(حتى)، وعلى ذلك فدفع المال معلول للاستيناس فهو متأخّر عن إيناس الرشد، وإيناس الرشد مشروط ببلوغ النكاح فهو متأخّر عن البلوغ، فواقع المطلب كترتيبه الذكري في اللفظ: البلوغ بعده إيناس الرشد بعده دفع المال، فصار دفع المال مشروطاً بالرشد المشروط ببلوغ النكاح.

نقول: هذه التوالي الفاسدة التي قالها صاحب (الجواهر) هل هي كذلك أو لا؟

هذا المعنى وهو أنَّ حمل (التنزيل) على النادر غير صحيح، غير صحيح، فإنه إذا لم يكن منافياً للفصاحة وكان الكلام ظاهراً به فهل يجب حمله على الظهور؟

ـــــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالطبع يحمل على معناه العرفي في غير المنافي للفصاحة.

من قال بأن التنزيل لا بُدّ أن يستعمل المعاني الشايعة للكلمات؟! نعم، إذا أصبح الكلام مخالفاً للفصاحة كذلك، وإذا تمّ كلام (الجواهر) فكيف صاحب (مجمع البيان)(1) -وهو فارس الميدان- أخرج (إذا) عن الشرطية، وقال إنَّ معنى إِذَا بَلَغُوا: حتى يبلغوا.

ثُمّ إنَّ (حتى) للغاية نوعاً ووقوعها ابتدائية نادر، فكيف تحملونها على الابتداء، ولم تكن ندرتها مانعة عن حملها على ذلك، وكانت (إذا)كذلك.

ثُمّ إنَّ هذا النحو من أسلوب الكلام حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ بحيث يجعل جملة الشرط والجزاء جزاءً للجملة الشرطية، ليس أسلوباً مطبوعاً، وخلاف المتعارف، ولا يقع في الكلام الفصيح، بل هذا أولى من حمل (إذا) على غير الشرط، فحمل (حتى) على أنَّها للغاية، وحمل الكلام على مقتضى الفهم العرفي أفضل.

وكما يلاحظ: أن مهمّ نظره كان هو: أننا إذا خرجنا عن الشرطية وجعلنا (حتى) للغاية، يلزم أن صرف الوجود للابتلاء وكشف الرشد يكفي في إعطاء المال له. 

لذا يقول: إذا حصل هذا مرّةً واحدة فلا يجب أن يبدأ به من رأس، مع أن هذا لا يلزم باعتبار أن الكلام سِيق لبيان أن المال يُعطى في زمان البلوغ غايته لا مطلقاً، بل مع الامتحان قبل البلوغ، لا أنه يقول: (امتحنوه وأعطوه المال حتى 

ـــــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) راجع: مجمع البيان 3: 19، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

قبل البلوغ)، بل لا بُدّ أن يستمرّ الامتحان إلى البلوغ، وحينئذ: إذا آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم، فهذا المعنى وهو أنَّنا إذا لم نحمل (إذا) على الشرطية يكون الرشد تمام الموضوع، ويصبح دفع المال قبل البلوغ جايزاً غير صحيح، بل خلاف الظاهر، فإن الظاهر أنه لا بُدّ من استمرار الامتحان إلى البلوغ وبعد استيناس الرشد منهم فادفعوا إليهم أموالهم.

أمَّا ما يقوله من أنَّ (إذا) إذا لم تكن للشرط، وكانت (حتى) للغاية فلازمه انقطاع الامتحان في زمان البلوغ؛ لأنها لها مفهوم إذا كانت (إذا) شرطية فليس لازمه ذلك، نرى هل هذا صحيح أو لا؟

أمَّا إذا أخذنا (حتى) ابتدائية، فلازمه أيضاً انتفاؤه بعد البلوغ، وذلك لأخذ عنوان اليتامى في الآية، فإنها تقول: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى لا ما هو أكبر منهم وببلوغ النكاح يتمّ يُتْمُه، فلو أردنا الجمود على اللفظ فظرف الابتلاء هو ظرف اليُتم، ففي هذا الظرف إذا آنستم منهم رشداً على أثر هذا الابتلاء فادفعوا إليهم أموالهم بعد البلوغ، فإذا ترك الابتلاء عصياناً أو نسياناً حينئذٍ ما الدليل على لزوم الابتلاء بعد البلوغ مع أخذ (إذا) للشرط؟

فإنك إمَّا أن تقول: إنّ قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ غير مربوط بالسابق أصلاً، وإمَّا أن تقول إنّه مربوط به، فإذا قلنا إنَّها مربوطة به يكون الابتلاء لأجل إيناس الرشد، وهذا الابتلاء يستمرّ إلى زمان البلوغ، فإن كان كاشفاً عن الرشد فأعطوه المال، وإذا لم يكن كاشفاً فالشرط غير حاصل، وهو (الأنس) المترتّب على الامتحان الواقع حال اليُتم، فإن الحكم بالابتلاء ليس 

ـــــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وارداً على مطلق الأفراد، بل على عنوان اليتامى.

وأمَّا إذا لم يحصل الابتلاء فلا تدفعوا، ولا دليل على لزوم استمرار الابتلاء على تقدير عدم الشرطية بعد البلوغ؛ لأن الحكم وارد على العنوان، وأخذ كلّ عنوان في موضوع الحكم ظاهره أنه تمام الموضوع، وليس ذات المتّصف بالعنوان موضوعاً، فإذا انقطع اليُتم بالاحتلام فلا دليل على ثبوت الحكم على العنوان الآخر، سواء كانت (حتى) للغاية؛ لعدم ثبوت الحكم بعد الغاية، أو لم تكن للغاية، وذلك لأخذ عنوان اليتامى، والحكم لا يتعدّى من عنوانه إلى عنوان آخر.

وأمَّا إذا كانت الجملة الثانية منقطعة عن الأولى، بأن قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى وانتهى غرضه ثُمّ قال: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، وحينئذٍ من قال بأنه يجب الابتلاء وتحصيل العلم بالرشد؟ بل أدفع المال عند العلم بالرشد بعد البلوغ من باب الاتّفاق، أي لا يبقى دليل على وجوب الابتلاء بعد فرض انقطاع الكلام عن السابق.

فإذا جعلنا (إذا) شرطية، فما يقوله من أنَّه لا إشكال أن إيناس الرشد يكون له استمرار إلى الآخر يعني إلى ما بعد البلوغ- غير تامّ وليس لازماً. هذا إذا جمدنا على اللفظ.

وأمَّا إذا نظرنا بحسب مناسبات الحكم والموضوع وفهم العقلاء، فهل العقلاء يفهمون مفهوم الغاية أو لا؟

نقول: إننا إذا عرضنا هذا المطلب على العقلاء، وقرأنا الآية عليهم 

ـــــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يفهمون أنه تعالى قال امتحنوهم قبل البلوغ حتى يتّضح حالهم عند البلوغ، فلا تبقى أموالهم في يد الغير في حال عدم الحجر عليهم، إذ ربما يكون بالغاً رشيداً، واستيناف الابتلاء بعد البلوغ يحتاج إلى زمان طويل تبقى معه ولاية الولي وحقّه بالأكل بالمعروف(1)، مع أن كلّ ذلك غير صحيح بالنسبة إلى البالغ الرشيد، فإنه عند وصوله إلى حدّ معيّن يلزم تسليم المال إليه، ولا يصحّ أن نحتج بأننا لا نعلم رشده، فمن هذه الناحية أمر بالابتلاء، فهل إذا لم يحصل الابتلاء عند الصغر نهمله، لا نمتحنه ولا ندفع إليه المال؟ فالكلام لم يسق لبيان حدود الابتلاء، بل سيق لبيان حدود الوقت المناسب لدفع المال.

بناءً عليه، فهذا المعنى وهو أنَّنا إذا أخذنا الغاية يلزم أن لا يكون امتحان بعد البلوغ، نقول: مع الجمود على الالفاظ، كما أنَّ (حتى) للغاية فإن العنوان اليتامى، ومع أخذ مناسبات الحكم والموضوع العقلائية بنظر الاعتبار فإنّنا نرى أن هذا الزمان الممتدّ جُعل زماناً للامتحان بهذا المعنى، وهو: أن يسلّم إليه المال بعد البلوغ إذا كان رشيداً، فلا يفهم العقلاء أنه بعد البلوغ ليس الابتلاء لازماً ولا يدفع المال إليه، فإن (حتى) لم تُسَق للمفهوم، بل سِيقت لبيان حدود الوقت المناسب لدفع المال.

وبعبارة ثالثة: أنه في الموارد التي يفهم العقلاء علّة المطلب، لا يُبحث عن دلالة أدوات الشرط على العلّية وعدمها، كما هو الحال في آية النبأ(2) التي ذكرت 

ـــــــــــــ[24]ــــــــــ

() وإهماله أطول زماناً. (المقرِّر).

(2) أي: الآية: 6 من سورة الحجرات.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العلّة وهي إصابة القوم بجهالة، فلا معنى لأن نقول أن (إن) الشرطية هل تدلّ على العلّية أو لا؟ فإن نفس الآية صرّحت بالعلّية، فلا نذهب إلى مفهوم الشرط، فإن المفهوم لا يكون في مثل ذلك موجوداً. وكذلك إذا فهم العقلاء من مناسبات الحكم والموضوع، العلّية أيضاً، لا مجال لفهم المفهوم، إذن فالعقلاء يوسّعون سواء أخذنا (حتى) للغاية أو لم نأخذها لها، إذن فهذه التوالي ليست بتوالٍ.

نعم، لصاحب (الجواهر) وبحر العلوم أن يقولوا: إنها ظاهرة في الشرطية، ولنا أن نقول: إنها ظاهرة في الغاية، وهذا ليس أمراً برهانياً.

وكذلك نكتته الأخيرة كانت متفرّعة على هذا المعنى فإذا بطل بطل. هذا بالنسبة إلى شرطية الرشد، ومنه عُلم حكم التمييز.

مطلب آخر: وهو أنَّه إذا لم يكن الطفل رشيداً وبطلت معاملته واحتاج إلى الولي، فهل نستطيع أن نفهم من الآية أنه مع إجازة الولي يجوز أن يتولى المعاملة كما عليه أبو حنيفة(1)، أو لا يستفاد منه ذلك، بل يستفاد خلافه كما عليه الشافعي(2)؟

هل يمكن أن يُقال في الآية الشريفة: إن الابتلاء ليس لإيناس الرشد، بل لمعرفة حدّ البلوغ، فإنه كما أنَّ للرشد علائم يُعرَف بها، كذلك للبلوغ علامات 

ـــــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) راجع: التفسير الكبير 9: 187، تذكرة الفقهاء 1: 462، المغني 4: 533، ومنية الطالب 1: 170.

(2) راجع: التفسير الكبير 9: 188، ومنية الطالب 1: 170.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يُعرَف بها، فهل يمكن أن يُقال أنَّ الابتلاء في الآية ابتلاء للبلوغ وليس ابتلاءً للرشد؟

بحسب الاحتمالات -التي قلناها نحن في الآية- الذي كان أوّلها دخول البلوغ في الغاية، والأخيران خروجه عنها.

هذه الاحتمالات فيها إشكال عقلي، أمَّا على الأول فواضح؛ لأن كشف حال البلوغ في زمان البلوغ لا معنى له، وأمَّا على الأخيرين ففيه إشكال عقلي، فإن الابتلاء مغيّا ببلوغ النكاح، ولا يمكن أن يكون الكاشف مغيّا ببلوغ المنكشف فإنه يلزم المحال. فإن المنكشف عبارة عن البلوغ، والابتلاء عبارة عن الكاشف أو يترتّب عليه الكاشف، فلا بُدَّ أن يكون الشيء غير مكشوف ونبتليه حتى ينكشف. 

أمَّا أن يقال: إلى زمان البلوغ امتحنوا البلوغ فيُغيّا الكاشف بالمنكشف فهذا لا يمكن، إلّا إذا جعلنا البلوغ بمعنى بلوغ خمسة عشر والكاشف(1) بمعنى آخر، ولكنّ هذا خلاف الظاهر جداً.

أمَّا على الاحتمال الرابع الذي ذكره صاحب (الجواهر) وبحر العلوم، فلا إشكال عقلي بأن يُقال بإن الابتلاء غير مغيّا بالبلوغ، بل يكون في الآية احتمالان:

أحدهما: ابتلوهم حتى تعلموا ببلوغهم.

ثانيهما: ابتلوهم حتى تعلموا برشدهم.

ـــــــــــــ[26]ــــــــــ

() يعني العلامات الأخرى للبلوغ. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فعلى الأول يكون المراد: أنكم إذا علمتم ببلوغهم بالامتحان، وحصل العلم بالرشد من باب الاتّفاق -ولا يجب الفحص عنه- فادفعوا إليهم أموالهم، فإنه وإن كان الأمران: البلوغ والرشد لازمين، لكن إذا قلنا أن الامتحان لإيناس الرشد لا يجب الإهمال، بل لا بُدّ من الابتلاء قبل البلوغ حتى إذا أحرزنا، أوّل البلوغ ندفع إليه المال، فالإهمال هناك من حيث إيناس الرشد لا يجب أن يقع بحيث يحصل العلم بالرشد اتّفاقاً، أمَّا على هذا الاحتمال وأن الابتلاء للعلم بالبلوغ لا للرشد، فلا يجب البحث عن الرشد، بل يكفي العلم به صدفة بعد البلوغ.

نحن لننظر أيّ هذين الاحتمالين أقرب إلى الظهور؟ هناك نكتتان في الآية مؤيّدتان أن الابتلاء للرشد وليس للبلوغ:

إحداهما: قوله: إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، والبلوغ الواقعي لا يناسب الامتحان، بل المناسب معه العلم بالبلوغ، ولا ارتباط للامتحان بالبلوغ الواقعي، وإنما الامتحان يكون لكشف حال مطلب، فيناسبه العلم بالبلوغ، فكأن قاعدته أن يقول: وابتلوا اليتامى حتى إذا آنستم منهم بلوغاً أو إذا علمتم بلوغهم، والربط بين العلامات والبلوغ وإن كان موجوداً إلّا أنه غير موجود بين الامتحان والتفتيش وبين البلوغ، وإنما الربط بين الامتحان والعلم بالبلوغ.

النكتة الأخرى: قوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فإنه يناسب جداً مع التفتيش والاختبار، ولهذا في الآية: أصل البلوغ لا يناسب التفتيش على حين يناسبه إيناس الرشد، فيكون ذلك قرينة على أنَّ ابتلاء اليتامى يكون لمعرفة الرشد، لا للبلوغ.

ـــــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [كلام علي بن إبراهيم في تفسيره]

إلا أنَّ هنا شيئاً ورد في تفسير علي بن إبراهيم(1)، لعلّه يدلّ على أنَّ الآية جاءت لكشف البلوغ لا لإيناس الرشد، وعلي بن إبراهيم وسائر الأصحاب القدماء في مؤلفاتهم، كان الواحد منهم حينما يكتب يقول قال فلان ويذكر اسم نفسه، نحو قال علي بن إبراهيم، أو يقول: قال كذا.

وهذه الآية مسبوقة بآية نقل فيها علي بن إبراهيم رواية عن الإمام الصادق، ثُمّ حينما يتعرّض إلى هذه الآية يقول: (قال) -ويورد ما سنذكره- فالضمير في (قال) يُحتمَل أن يكون راجعاً إلى الإمام الصادق، ويُحتمَل أن يكون راجعاً إلى نفس المؤلّف، تطبيقاً لتلك العادة وذلك الديدن، فلا نستطيع أن نعلم(2) -مع وجود هذا الدأب- إن القائل هو الإمام الصادق، إلّا أنَّ هذا محتمل على أيّ حال.

قال: “من كان في يده مال بعض اليتامى، فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم ووجب عليه الحدود وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيّعاً ولا شارب خمر ولا زانياً، فإذا أنس منه الرشد دفع إليه المال وأشهد 

ـــــــــــــ[28]ــــــــــ

() تفسير القمّي 1: 131، تفسير سورة النساء.

(2) ص332 ج1 في تفسير الصافي يقول: والقمّي عنه في هذه الآية قال: “من كان في يده… “، وهو نصّ في كونها رواية عن الإمام، وهو القائل لذلك. نعم، لا يبقى إلّا احتمال أن الفيض الكاشاني أخطأ في فهم كلام القمي، وهو على ما نرى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

عليه، وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فإنه يُمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع إليه ماله إذا كان رشيداً”.

ووجه التوهّم قوله: “وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فليمتحن بريح إبطه أو نبت عانته“، وإن الامتحان الذي يذكره هو الابتلاء في الآية، نقول: إن علي بن إبراهيم ابتداءً يفسّر الآية إلى قوله: (وأشهد عليه)، وذكر في الأثناء ميزان الرشد وهو: أن لا يكون مضيّعاً للمال جديراً للقيام بالمعاملات، وأن لا يكون شارب خمر ولا زانياً، وهذا أمر تعبّدي مطابق لبعض ما ورد(1) من أنَّ شارب الخمر ليس برشيد، وهو أمر تعبّدي وإلا فالمحرمات باب والرشد باب آخر، وكثير من فاعلي الموبقات وشاربي الخمر يقومون بالمعاملات على أفضل وجه.

يقول(2): فإذا حصلت فيه هذه الصفات أدفع إليه المال.

ثم يقول: وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فإنه يُمتحن) وقالت الآية: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، ولو كان الامتحان للبلوغ فإنه لا معنى لأن يقول: (وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ)، فإن فرض الابتلاء هو فرض عدم العلم بذلك، فيدلّ كلامه هذا على أنَّ الابتلاء في الآية ليس للبلوغ، فإن علي بن إبراهيم لم يفرض البلوغ مجهولاً عند تفسيره للآية، ثُمّ تكلّم على فرض الجهل به، قائلاً: (وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ).

إذن فعلى احتمال صاحب (الجواهر) يكون الاحتمال الثاني أقوى.

ـــــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) أُنظر الأحاديث الواردة في وسائل الشيعة 25: 296، كتاب الأطعمة والأشربة المحرّمة، الأبواب 9-14.

(2) تفسير القمّي 1: 131، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

كلام لأبي حنيفة والشافعي 

قال أبو حنيفة(1): الآية تدلّ على أنَّ المعاملات الامتحانية الصادرة من الصبي بإذن الولي نافذة وصحيحة؛ لأن قوله: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى، إمَّا أن يختص بالبيع والشراء، أو هما داخلان فيه، ولا يمكن أن يقال: إنّه امتحان في غير البيع والشراء، لكونه امتحاناً مالياً، فإطلاق الآية يقتضي صحّة المعاملات الاختبارية، لا نقول إن الآية تأمر بدفع المال إليه حال صغره، بل نقول: المعاملة الاختبارية التي تقع بإذن الولي بحيث يقع البيع والشراء من الصبي، صحيحة.

والشافعي(2) لا يرى هذا الكلام تامّاً، بل يرى أن الآية ظاهرة بخلافه، يقول: إن الآية حينما تقول: أنه بعد البلوغ والرشد اعطوه المال، يعني أنه قبل البلوغ لا يجب إعطاؤه، وقولكم: (لا يُعطى المال ولكن تجوز منه المعاملة) خرق للإجماع المركّب، إذ لا قائل بالفرق.

إلا أنَّ هذا الإشكال ضعيف، فإن أبا حنيفة يقول: إن الآية تدلّ على ذلك، ومعه لا قيمة لعدم وجود القائل بالفرق فإن ذلك لا ينقّح الإجماع القطعي لنأخذ به، فهو يرى أن المعاملات الامتحانية بإجازة الولي صحيحة، ولا يرد عليه جواب الشافعي.

ولكنّ العمدة أن الامتحان هل هو مربوط بصحة المعاملات وبطلانها، أو 

ـــــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) راجع: التفسير الكبير 9: 187، تذكرة الفقهاء 1: 462، المغني 4: 533، ومنية الطالب 1: 170، وغيرها.

(2) راجع: التفسير الكبير 9: 188، ومنية الطالب 1: 170.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الصبي يعمل معاملات وترى أنه هل ينخدع أو لا؟ فأما أن نأمره بالمعاملة كلّياً أو خصوصاً، ولا إطلاق في الآية يدلّ على أنَّ المعاملة التي تقع امتحاناً صحيحة، فإنه لا ربط بين الامتحان وصحّة المعاملة.

فإن المعاملة الصورية لا تقصر(1) عن المعاملة الواقعية في كشف حال الصبي، فلا يظهر من الآية أن المعاملة صحيحة. 

وبعبارة أخرى: أن الآية في مقام بيان الامتحان وليست في مقام بيان صحّة المعاملات.

نعم لو كان الامتحان موقوفاً على صحّة المعاملات لقلنا به لفرض وجود الملازمة، وأما إذا لم يتوقّف فلا يمكن استفادة ذلك من الآية، بناءً عليه، لا يستفاد من الآية صحّة المعاملة بإجازة الولي.

نعم، هناك كلام آخر نقوله: وهو أنَّه هل يمكن أن يستفاد من الآية بطلان المعاملة ولو مع إذن الولي، أو إذا أجاز ولو بعد ذلك تصح ّالمعاملة؟

الاحتمالات التي قلناها في تصرّفات الصبي، ما يلي:

أوّلها: أن يكون الصبي مستقلّاً بحيث لا يكون للولي دخالة فيه أصلاً.

ـــــــــــــ[31]ــــــــــ

() هذا غريب من السيد الذي يتوخّى معرفة الرشد في الصبي في دقائق التجارة والمعاملات الكبرى، ومعلوم أن المعاملات الصورية يستحيل عادة دلالتها على ذلك، مضافاً إلى الأسلوب العقلائي للابتلاء ليس هو ذلك، بل قائم على تمكين الصبي من التجارة الفعلية مدّة من الزمن ليرى مقدار رشده وجدارته، ومن القريب أن يقال إنَّ الآية تشير إلى الأسلوب العقلائي في الاختبار. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثانيها: استقلاله مع إذن الولي له، أو توكيله إيّاه، أو توكيل غيره له.

ثالثها: صحّة معاملاته إذا أجازها بعد ذلك.

رابعها: إن الصبي لا يستطيع أن يتصرّف أصلاً، فإن ألفاظه كـ(لا لفاظ)، فلا بُدَّ أن نرى أنه من الآية هل يستفاد كلّ هذه الأحكام، أو بعضها، أو لا يمكن استفادة شيء منها؟

الذي يقول إنّه لا يستفاد شيء من ذلك يقول(1): بأن الآية راجعة إلى دفع المال وعدمه، وغير راجعة إلى المعاملات.

أو يقال: أنتم تريدون أن تستفيدوا ذلك من المفهوم، وهو: أن غير البالغ الرشيد لا تصحّ معاملاته، ونحن ننكر مفهوم الشرط، وعلى تقديره فالمفهوم لا إطلاق له، لأن الآية في مورد بيان الحدّ الذي يمكن، أو يجب دفع المال فيه إليه، وهو البلوغ والرشد، وليست في مقام بيان أن هذا محجوز عليه، حتى يمكن التمسّك بإطلاقه في المقام.

وبعبارة أخرى: أنه في القضايا الشرطية على تقدير أن لها مفهوماً، مرّةً يكون المتكلّم في مقام البيان من ناحية المنطوق والمفهوم معاً، ومرّةً يكون في مقام البيان من ناحية المنطوق دون المفهوم، وثالثةً يكون العكس. 

فعلى الأول يمكن الأخذ بالإطلاق من كِلتا الناحيتين، وعلى الأخيرين إنّما يمكن الأخذ بالإطلاق من الناحية التي يكون المتكلّم في صدد بيانها دون الأخرى.

ـــــــــــــ[32]ــــــــــ

() الظاهر أن الإشارة ليست إلى هذه الاحتمالات، بل إلى عنوان المسألة الذي ذكره في آخر البحث السابق، وهو دلالة الآية على عدم صحّة معاملات الصبي، كما يدلّ على ذلك سياق كلامه الآتي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فهل هذه الآية في صدد بيان الحجر أو في صدد بيان رفع الحجر؟

هي أخذت الحجر مفروغاً عنه، وكان المال في يد الأولياء، ولم يكن للطفل تصرّف فيه، والآية تحدّد وقت إعطاء المال. 

أمَّا إذا كانت الآية في صدد بيان الحجر أو في صدد بيان رفعه، لأخذنا بإطلاقها، إلّا أنَّها ليست في صدد بيان أصل الحجر حتى تتمسك بإطلاقها من هذه الناحية، بل قد أخذته مفروغاً عنه وصارت في صدد بيان الحدّ الذي يسلّم به المال، وهو البلوغ والرشد، فهي ليست في مقام بيان المفهوم، وهو أنَّه إذا لم يبلغوا ويرشدوا لا يعطون المال، حتى يتمسّك به، وأنت تريد أن تنقّح الحجر بالمفهوم، هكذا يقول هذا الإشكال. فالمفهوم وإن كان موجوداً إلّا أنه مفهوم مهمل لا مطلق، وإنما يفيد أصل الطبيعة دون الإطلاق.

أن ألفاظ الطبائع(1) لا تدلّ إلّا على نفس الطبائع لا أكثر، والمتكلّم هو في مقام بيان حكم الطبيعة، فإذا جعل الطبيعة موضوعاً لحكم، أمكن التمسك بإطلاقه، لا بمعنى أن الإطلاق مستفاد من معنى اللفظ، وإنما نستفيد الإطلاق من العمل الاختياري للمتكلّم، لا من وضع اللفظ، فإنه متكلّم عاقل في مقام بيان المعنى، وقد وضع هذه الطبيعة موضوعاً لحكمة ولم يقيّده، فمن هذا الفعل 

ـــــــــــــ[33]ــــــــــ

() وهنا أشكل بعض الإخوان: حول معنى المفهوم المهمل، وذكر: أن المفهوم يستفاد من الإطلاق، فإذا كان المتكلّم مريداً للمعنى جداً، انعقد لكلامه إطلاق، وأمكن استفادة المفهوم منه.

وقد أجابه السيد بجواب مفصّلاً ذكر في نهايته محصَّله، وهو: أن ألفاظ الطبائع… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاختياري نستفيد الإطلاق، لا من اللفظ، فإن اللفظ لا يدلّ على أكثر من الطبيعة، فالمتكلّم وإن كان له جدّ في مقام اللفظ إلّا أنَّ كلامه قد يكون له إطلاق وقد لا يكون، وإنما من عدم التقييد نفهم أن هذا هو تمام الموضوع، إذ لو لم يكن كذلك لكان خلاف ديدن المتكلّمين.

وقضية الإطلاق لا ربط لها بدلالة الألفاظ، وليست كالعموم المستفاد من اللفظ، فإن ألفاظ العموم كـ(كل) و(جميع) موضوعة للعموم، وليس عندنا لفظ موضوع للإطلاق؛ لأن الإطلاق ليس من دلالات الألفاظ، إذن فمفهوم الآية ثابت، إلّا أنه لا إطلاق له.

إذن، فالآية في صدد بيان رفع الحجر، لا في صدد بيان الحجر، ففي الناحية الأولى لها إطلاق بالنسبة إلى سائر الجهات، فلو شككت في مضي رهنه أو وقفه أو هبته، تستطيع التمسّك بالآية، ولا إطلاق لها من الناحية الثانية، فلو شككت في مضي معاملاته بالإجازة أو التوكيل لم يتمّ ذلك بواسطة إطلاق الآية، فأصل المفهوم ثابت بنحو الإهمال، لا الإطلاق، والشرطية تدلّ على أصل المفهوم، لا على إطلاقه، إلّا إذا كان المتكلّم في مقام البيان من ناحيته.

في مفهوم الآية 

إذن فالإشكالات ثلاثة:

أولها: أن الآية في مقام بيان إعطاء المال، وليست في مقام إمضاء المعاملات، فلعلّ الصبي مستقلّ في معاملاته، وإن لم يعطَ المال.

يبقى الكلام في أنَّ المفهوم ما هو، هل هو: (لا تدفعوا إليهم أموالهم) بحيث يستفاد منه الحرمة، أو هو مجرّد رفع الوجوب: (لا يجب دفع أموالهم)؟ 

ـــــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فهذا وإن كان لتحقيقه محلّ آخر، إلّا أنَّنا نقول: إنّه في القضايا التي فيها أمر بشيء ونهى عن شيء، فهل يكون مفهوم الأمر نهياً ومفهوم النهي أمراً، أو المفهوم لا يفيد أكثر من رفع الإلزام، أو لا بُدّ من التفصيل بين ما إذا كان الوجوب مستفاداً من المادّة، وبين ما إذا كان مستفاداً من الهيئة؟

فعلى الأول، يكون المفهوم في نظر العقلاء: (لا يجب الدفع)، لا أزيد من ذلك، وأمَّا في الجمل الإنشائية التي تفيد الوجوب بالهيئات الحرفية، فيقال: إن المفهوم -في نظر العرف- هو: (لا تدفعوا).

مع ذلك لا يستفاد حكم الحجر من الآية، لاحتمال أن يكون المفهوم هو مجرّد عدم الوجوب.

الإشكال الثاني: هو إنكار أن يكون للقضية مفهوم.

الإشكال الثالث: أنه على فرض أن يكون لها مفهوم، فهو لا إطلاق له؛ لأن المتكلّم ليس في مقام البيان من ناحيته، بل هو في صدد البيان من ناحية رفع الحجر، فهل نستطيع الإجابة عن هذه الإشكالات الثلاثة لنرى أن الآية هل تدلّ على الحجر في الجملة أو على الإطلاق، أو هي أجنبية عن ذلك، وإنما تتعرّض فقط لإعطاء المال.

وإذا أردتم زيادة الإشكال(1) فأدخلوا في المقام كلام الشيخ(2) مع شيخ محمد 

ـــــــــــــ[35]ــــــــــ

() عدّد أوّلاً الإشكالات التي ذكر ورودها على الاستدلال بالآية على كون الطفل محجوراً عن التصرّف وباطلَ المعاملات، وقال: (المقرِّر).

(2) راجع: مطارح الأنظار: 174، القول في المفهوم والمنطوق.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

تقي صاحب (الحاشية)(1) في باب المفاهيم، من أنَّه إذا وقع عنوان كلّي تلو الشرط فهل مفهومه كلّي أو جزئي؟ كما في قوله: (إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء)، فمفهومه هل هو: (إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجسه كلّ شيء)(2)، أو (ينجسه شيء في الجملة)؟ كما عليه الشيخ محمد تقي وتبعناه عليه. 

فنقول: أنه هنا وقع عنوان الجمع في تلو الشرط: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَـهُمْ. ومفهومه أنه: (إذا لم تأنسوا منهم رشداً فلا تدفعوا إليهم بعض أموالهم)، وهذا لا ينافي جواز دفع بعض المال إليهم، وحتى لو قلنا بأن المفهوم هو رفع الأمر بالدفع، فإنه أيضاً يناسب جواز دفع بعض المال.

فهذه هي الإشكالات على دلالة الآية على الحجر على اليتيم مطلقاً أو في الجملة، فلا بُدَّ أن نرى أنه بحسب الفهم العقلائيّ والعرفي الذي هو الميزان في استفادة الأحكام من كلام الشارع، هل تصل النوبة إلى الحاجة إلى مفهوم الشرط أو التمسّك بإطلاقه، أو العقلاء يحلّون المطلب قبل هذا؟

هذا المعنى الذي يحتمل، وهو أنَّه إذا لم يأنس الرشد يمكن دفع بعض المال، هذا لا يمكن احتماله؛ لأنه لا شكّ أن العقلاء يفهمون من الآية هذا المعنى، وهو: أنَّ الآية نزلت لحفظ مال اليتيم وصلاحه، فإن اليتيم قبل بلوغه وإن كان رشيداً وكذلك لو بلغ سفيهاً يكون دفع المال إليه خلاف التحفّظ التامّ على ماله، فلأجل شدّة الاحتياط جعل الشارع الميزان كِلا الجهتين، ولم يكتف 

ـــــــــــــ[36]ــــــــــ

() راجع: هداية المسترشدين: 287-291، أصل: في مفهوم الشرط.

(2)  كما عليه الشيخ. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالبلوغ فقط أو الرشد وحده وإن اكتفى به العقلاء.

فاحتمال أن اليتامى مستقلّون في التصرّف كسائر الناس، غاية الفرق بينهم أنه في غير الأيتام لا بُدّ أن يُعطى لهم ولا يُؤخَذ منهم إلّا بإذنهم، وأمَّا الأيتام فيجوز أن يُعطى المال لهم، ويجوز أن يُحفَظ عنهم، وأن يؤكل منه بالمعروف. 

هذا الاحتمال غير صحيح، فإنه من الواضح أن الشارع إنّما جعل الابتلاء قبل البلوغ حتى لا يكون في أوُل البلوغ رشيداً واقعاً ولا يدفع إليه المال. وإنما لا يُعطى المال قبل ذلك حتى لا يبذره جهلاً، فيفهم من ذلك أن دفع المال معلول لرفع الحجر، لا أنه واجب مستقلّ بحيث إنَّ هذا البالغ الرشيد لو أجاز بقاء المال عند وليه أيضاً يجب الدفع، بل المقصود أن هؤلاء أصبح حالهم كسائر الناس لا يجوز حفظ مالهم إلّا بطيب أنفسهم، فليس أن اليتيم مستقلّ في معاملاته ويجوز إعطاؤه المال، والفرق بينه وبين البالغ، هو جواز حفظ ماله والأكل منه، هذا واضح أنه ليس كذلك.

وأمَّا أن يقال: إن اليتيم غير مستقلّ ولا يجب دفع المال إليه، ولكنّ له استقلالاً في المعاملات، هذا أيضاً غير صحيح؛ لأننا نقول: إن الآية وردت لصلاح حال الأطفال واليتامى، لئلّا يُعطى المال بيده فيتلفه سفاهةً، فلو لم يكن المال في يده، إلّا أنه كان مستقلّاً في معاملاته بحيث لا يرجع إلى نظر وليّه، كان معنى ذلك أنه يعمل المعاملات كيف شاء وبأيّ نحو كان سفهيةً أو غير سفهية، ثُمّ يحوّل عليك ويجب أن تدفع الثمن من المال الذي عندك، وأنت ملزم بإطاعة كلّ أعماله. فإن هذا هو معنى الاستقلال. 

ـــــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فهل يمكن أن يكون هذا موافقاً لحفظ مال اليتيم وصلاحه، فالآية دلّت بمناسبات الحكم والموضوع العقلائية، لا بالدلالة اللفظية، على ذلك، باعتبار أنها نزلت لحفظ صلاح الطفل وماله، واستقلاله بالمعاملات ينافي ذلك.

وأمَّا أن يقال: إنه غير مستقلّ بهذا المعنى، لكن إذا أعطاه الولي إذناً في المعاملات أو وكلّه في التصرّف في ماله -أي: مال الصبي- أو أجاز معاملاته التي نفذها، فهذا تامّ، وليس له بعد ذلك ملاحظة معاملاته، حاله في ذلك حال سائر الوكلاء.

نقول: هذا ينافي باب الحجر، فإن الكلام ليس في معاملة الشخص الكامل التي يوقعها غيره عنه فضولةً، فتكون تامّة، إلّا من حيث الاستناد إليه، ويتمّ هذا الجزء أيضاً بالإجازة. 

وإنما الكلام في باب الأطفال والمنظور فيهم ليس هو تتميم المعاملة، بل حفظ المال. فهل يحتمل أنه لا يجوز دفع المال إليه، ولكن ندور حول الإذن والتوكيل، فإذا قال الولي: (أجزت) أو (أنت وكيلي) جاز، كأنّ المقصود هو استناد المعاملة إلى بالغ عاقل وقد حصل؟ ليس الكلام في هذا، بل الكلام في هذا الصبي لا بُدّ أن لا يتصرّف في ماله تصرّف جهالةٍ وسفهٍ فيُتلفه، وهذا بعينه يترتّب بعد الإجازة والتوكيل.

هذه أمور إذا ألقيت إلى سوق العقلاء، يقولون: إنكم تعملون بخلاف الآية، فإن نفس المفسدة التي تحدث عند إعطاء المال إليه، تحدث عند توكيله والإذن له، فتحفُّظاً عن ذلك اشترط الشارع البلوغ والرشد، فهل نقول: أنه 

ـــــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يتمّ المطلب بالإجازة بلفظ (أجزتك) ولفظ (وكّلتك)، وليس له بعد ذلك أن ينظر في معاملته؟ هذه مضحكة، وإذا ألقيناه إلى العقلاء يقولون إننا أصبحنا في كلامنا سفهاء.

الولي(1) إذا نظر إلى المعاملة ووجدها مطابقة للمصلحة وأجازها، فهذا معناه أن الصبي وكيل في إجراء الصيغة فقط، فكلامنا في أن يتصرّف الصبي كسائر الوكلاء والمأذونين من التصرّف المستقلّ من دون نظر الولي.

إذن فهذا نفهمه من المناسبات العقلائية للحكم والموضوع، بلا حاجة إلى المفهوم وتنقيح إطلاقه، يقول العقلاء: إن هذا المعنى من الحجر وذاك المعنى من الاستقلال، متنافيان، وإن الذي جعل الطفل محجوراً بذاك بنحو لا يرى له الاستقلال حتى مع الإجازة والوكالة؛ لأنه مشترك معه بالمفسدة.

نعم، في إجراء الصيغة لا بأس بأن يقوم بها الصبي، ولا نفهم الردع عنه من الآية، بعد البتّ بالثمن والمثمَن من قبل الولي وتحت نظره، وكذلك توكيل الطفل في مال غيره، إذ الآية كانت في مقام بيان حال نفس مال الصبي، لا في مقام بيان مال غيره، فلعلّ شخصاً يريد إتلاف مال نفسه، فكون ألفاظ الصبي كـ(لا ألفاظ)، وأنه محجور حتى من إجراء الصيغة، هذا لا نفهمه من الآية.

[عناوين أُخذِت في الآية]

أُخذ في الآية عدّة عناوين لا بُدّ من البحث فيها:

أحدها: عنوان (اليتامى) في قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى.

ـــــــــــــ[39]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثانيها: (بلوغ النكاح) في قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ .

ثالثها: عنوان (الرشد) في قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً.

[في معنى اليتم]

أمَّا اليتامى فلا شكّ أنهم بحسب العرف واللغة من لا أب له وهو دون البلوغ.

وفي (القاموس) احتمال: أن اليتيم عبارة عمّن لم يبلغ الحلم(1)، إلّا أنه ظاهراً لا نستطيع أن ننسبه إلى (القاموس) ولا أن نصدّقه.

وفي صحيحة بن سنان سأل: (ما هو الأكل بمعروف(2)، فقال: ذلك للوصي والقيم)، فاليتامى(3) بلا إشكال.

إنما الكلام أنه إذا لم يكن مطلب آخر في تسالم أو إجماع أو روايات، هل نستطيع أن نوسّع الحكم من اليتامى لمطلق غير البالغ، ولو كان تحت كفالة أبيه؟ فأيضاً نقول: إنه يجب ابتلاؤه، فإذا بلغ رشده يعطى المال، أو لا يمكن أن نستفيد ذلك من الآية؟

غاية ما يمكن أن يُقال هنا: إن مناسبات هذه العناوين مع الحكم يقتضي هذا 

ـــــــــــــ[40]ــــــــــ

() راجع: تاج العروس من جواهر القاموس 17: 773، مادّة (يتم).

(2) إشارة الى قوله تعالى:فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ (النساء: 6).

(3) الكافي 5: 130، باب ما يحلّ لقيّم مال اليتيم منه، الحديث 3، تهذيب الأحكام 6: 340، باب المكاسب، الحديث 71، ووسائل الشيعة 17: 250، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 72، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المطلب، هذه العناوين وهي: كونه صغيراً، وغير بالغ، وسفيهاً، ولا أب له، نرى أنه في نظر العقلاء هل موضوع هو عبارة عن الثلاثة عناوين أو الأربعة؟

أمَّا كونه صغيراً فهو ممّا يفهمه العقلاء، وكذلك كونه سفيهاً وهو من لا يدير أمواله ويغبن في معاملاته، ويعطي الهدايا والجوائز أكثر من اللازم، فهذا أيضاً ممّا يفهمه العقلاء، أمَّا وجود الأب (پدر داري)(1) وعدمه، فهو ممّا لا يرى العقلاء له أيّ دخل في صحّة المعاملات، بحيث إنَّه لو كان له أب فإن معاملاته نافذة، وإذا لم يكن له أب فمعاملاته فاسدة، بل يرون تمام الموضوع هو السفه وعدم البلوغ، ولا ربط لوجود الأب وموته في المعاملات.

فصحّة المعاملة وترتيب آثار الصحّة عليها وعدم الاحتياج إلى إذن الغير وأمثال ذلك، هل يأتي في ذهن العقلاء أن لوجود الأب دخلاً فيه؟ 

أن الحكم إذا أعطي بيدهم يقولون: أنه حكم لغير البالغ أو السفيه وإن كان بالغاً؟ فالأمر دائر حول هذين العنوانَين، بنحو جزء الموضوع -كما استظهرنا من الآية- ولا ربط لتحقّق الأبوّة في ذلك.

أو نقول: إن إلغاء الخصوصية إنّما يكون في الموارد التي ليس فيها احتمال عقلائي، والآية حيث إنَّها كرّست لبيان حفظ المال، والعقلاء يفهمون من يوم إعطاء المال، هو يوم يصبح الطفل كسائر الرجال بالغاً رشيداً، ولا يجوز أن يتصرّف أحد في ماله إلّا بطيب نفسه، والشارع قد أوصى في باب اليتامى وصايا مؤكّدة وكثيرة، وله معهم عناية خاصة قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ 

ـــــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: وجود الأب أو عندك والد.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

اليَتَامَى ظُلْماً إنّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً(1)؛ لأن من له أب له ملجئ يأوي إليه، إلّا أنَّ اليتيم -بحسب النوع- لا ملجأ له، فإن اليتيم إذا ذهب ماله يبقى متسيّباً، وأمَّا من له أب فإنه يكون واجب النفقة عليه، فمن هنا كانت العناية باليتامى أكثر، ومن هنا جاء الحزم والاحتياطات في الآية، واشترط البلوغ والرشد في إعطاء المال.

فأيّ هذين البيانين هو المقبول لدى العقلاء؟ هل هو البيان الأوّل فنستطيع إلغاء الخصوصية، وأن صحّة المعاملة لا ربط لها بوجود الأب، وأن تعليق دفع المال على البلوغ والرشد لكون الصبي يصبح حينئذٍ كسائر الناس بالغاً عاقلاً، فلا يجوز التصرّف في ماله إلّا بإذنه؟ ففهم العقلاء لهذه العلة، أنه قبل ذلك لم يكن له استقلال، ولم تكن معاملاته تامّة، والآن أصبح مستقلّاً فيها، والعقلاء ينظرون إلى الصبي في نفسه وأنه متّصف بالبلوغ والرشد أو غير متّصف، ولا دخل لوجود الأب وعدمه في ذلك.

والآية وإن وردت لزيادة الاعتناء باليتامى، إلّا أنَّ ذلك لا يلازم عدم إمكان إلغاء الخصوصية، فإن فهمنا ذلك من نظر العقلاء والعرف، فإنّنا نلغي الخصوصية ونعمّم الحكم عن اليتامى. فإن العقلاء يرون أن الاستقلال بالمعاملات مربوط بالبالغ العاقل، وهو وصف لنفس اليتيم ولا ربط للأبوّة (پدر داري)(2) بها، فإذا ضممنا هذه المطالب بعضها إلى بعض يأتي إلى نظر 

ـــــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) النساء: 10.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: وجود الأب أو عندك والد.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الإنسان: أن العقلاء لا يرون الآية مختصّة باليتامى وإن ذُكِروا فيها، إلّا أنَّ الموضوع هو البالغ العاقل.

هذا محصّل الكلام في ذلك، وأي التقريبين بُني عليه لا بُدّ من أن يرتّب عليه أثره، وعندي أن التقريب الثاني ليس ببعيد.

معنى بلوغ النكاح 

أمَّا بلوغ النكاح ففيه احتمالات:

أحدها: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ يعني حتى إذا بلغوا حدّ النكاح بحسب النوع، يعني يكون بحسب النوع صالحاً للنكاح وإيجاد النسل. 

إذا قلنا ذلك يكون الميزان هو بلوغ خمس عشرة سنة، أو حواليها بأشهر، وليس الاحتلام هو الميزان، فإن حصوله في السنة الثانية عشرة أو حواليها نادر، وكذلك تأخره إلى السادسة أو السابعة عشرة نادر، فيرجع معنى الآية: حتى إذا بلغوا خمسة عشر فادفعوا إليهم أموالهم؛ لأنه بهذا العمر يكون الفرد صالحاً للنكاح بحسب النوع، وكذلك لا يكون الميزان -بحسب هذا الاحتمال- أيّ علامات البلوغ الأخرى كالشعر الخشن وريح الإبط وغيرها.

الاحتمال الآخر: يعني بلغ حدّ النكاح فعلاً، الذي يكون عبارة أخرى عن الاحتلام، فإنه به يكون صالحاً للنكاح، وليس الميزان هو بلوغ خمسة عشر، فإذا احتلم في الثالثة عشرة أيضاً يجب دفع المال إليه، إذا كان رشيداً.

الاحتمال الثالث: إذا بلغ حدّ الاحتلام الفعلي، لكن إذا كانت هناك علّة في 

ـــــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الأفراد النوادر فيرجعون إلى حدّ الفرد الطبيعي، فإذا احتلم قبل الخامسة عشرة، فهو بالغ الحدّ الفعلي، وإذا لم يبلغ إلى ما بعد الخامسة عشرة فهو من النوادر، وقد تأخّر احتلامه لعلّةٍ، فيعود إلى الطبيعي، فإنه لولا العلّة لبلغ حدّ النكاح، فإذا لم يصل إلى حدّ النكاح في الخامسة عشرة فهو لعلّةٍ، فكما في سائر الموارد يرجع إلى الطبيعي، كما يُقال في الوضوء فيمن وجهه صغير وأصابعه طويلة، أو بالعكس فإنه يرجع في حدّ الغسل إلى الطبيعي، كذلك في المقام فيعطى في الخامسة عشرة وإن لم يكن محتلماً.

نعم، يبقى شيء، وهو ما إذا لم يحصل الاحتلام، وحصلت الآثار الأخرى من الشعر الخشن وغيره، فهذه إذا كان لها ملازمة مع الاحتلام بحسب النوع، فيمكن أن هذا الذي وجدت فيه وهو ابن ثلاثة عشر، فهو بالغ حدّ الاحتلام، ولولا العلّة لاحتلم.

ولعلّ الاحتمال الأخير أقرب، وهو أنَّ الميزان هو الاحتلام الفعلي، ويرجع النادر إلى الطبيعي، وهذا الوجه يساعد على حلّ المطالب بشكل أحسن.

في معنى الرشد

أمَّا الرشد، فهل الميزان هو (رشدٌ مّا) أو هو الرشد المطلق، فإنه كما أنَّ العلم ماهيّة بسيطة تختلف بمتعلّقاتها، فيقال: علم الفقه وعلم النحو، كذلك الحال في الرشد، فإنه يمكن أن يكون الفرد رشيداً في المعاملات غير رشيد في غيرها، فهل معنى قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً يعني: رشد مّا، أو رشد مطلق؟

ـــــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاحتمالات -قبل الرجوع إلى الآية- عديدة:

أحدها: أنّ الموضوع هو الرشد وعدم الرشد، في دفع المال وعدمه.

ثانيها: أن يكون الميزان هو السفاهة وعدمها، فعلى تقدير وجود السفاهة لا يجوز دفع المال، وعلى تقدير عدمها يجب.

ثالثها: أن يكون موضوع وجوب الدفع هو الرشد، وموضوع حرمة الدفع هو السفاهة.

وفي كلّ هذه الاحتمالات يُحتمل أن يكون الموضوع مأخوذاً بنحو الإطلاق، ويُحتمل أن يكون مأخوذاً بنحو صرف الوجود، فبالنسبة إلى الاحتمال الأول، وهو ما إذا كان الرشد موضوعاً، فيُحتمل أن يكون هو الرشد المطلق، وفي مقابله اللارشد المطلق، فإذا وجد الرشد المطلق، أي الحاصل في تمام الأمور، وجب دفع المال، وإذا كان رشيداً في بعض الأمور دون بعض لا يجوز دفع المال إليه، كما يُحتمل أن يكون الموضوع هو الرشد في الجملة، فإذا كان كذلك وجب دفع المال إليه، وإذا لم يكن رشيداً أصلاً لم يجز دفع المال إليه.

وفي طرف السفاهة أيضاً الكلام هو الكلام، إذ على أحد الاحتمالين يُقال: إذا كان سفيهاً مطلقاً في تمام الأمور لا يجوز دفع المال إليه، وإذا لم يكن سفيهاً مطلقاً، وإنما كان سفيهاً في بعض الموارد، جاز دفع المال إليه، وعلى الاحتمال الآخر إن الفرد إذا كان سفيهاً في الجملة أيضاً لا يجوز دفع المال إليه، في مقابله أنه غير سفيه بنحو مطلق، فيجب دفع المال إليه.

وأمَّا إذا أخذنا الموضوع كِلا العنوانين، فيحتمل بدواً عدّة احتمالات:

ـــــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أحدها: أن يكون الرشد موضوعاً لوجوب الدفع، والسفاهة المطلقة موضوعاً لحرمته.

ثانيها: أن يكون كلٌّ منهما في الجملة موضوعاً لحكمه.

ثالثها ورابعها: أن يكون الرشد المطلق موضوعاً لوجوب الدفع، والسفاهة في الجملة موضوعاً لحرمته، وبالعكس.

وهذه المحتملات وإن كانت ثابتة بحسب التصوّر، إلّا أنَّ الأوّل منها لا يمكن(1)، بمعنى أن يكون الرشد المطلق موضوعاً لوجوب الدفع، والسفاهة المطلقة موضوعاً للحرمة، فإنه إنّما يقابل الرشد المطلق السفاهة في الجملة، ويقابل السفاهة المطلقة الرشد في الجملة.

وآثار هذه الاحتمالات معلومة، فإنّنا إذا استفدنا الرشد المطلق من الأدلّة، ولم يكن الفرد رشيداً في بعض الأمور لا يجوز دفع المال إليه.

والسفاهة والرشد كِلاهما معنيان وجوديان وليست السفاهة عدم الرشد ولا العكس، بل الرشد عبارة عن حالة نفسانية وملكة وصفة كمال بحيث تصدر الأعمال من الفرد على طبق الموازين العقلائية، وكذلك السير في معاشراته وهباته وحفظ ماله على الموازين العقلائية، وإذا لم يكن الشخص 

ـــــــــــــ[46]ــــــــــ

() لم نعرف وجهاً لعدم إمكان ذلك؛ إذ لا بأس أن يفرض الرشد المطلق موضوعاً لوجوب الدفع، والسفاهة المطلقة موضوعا لحرمة الدفع، أما الرشد في الجملة المناسب مع السفاهة في الجملة أيضاً، أي هذه الحالة الوسطى، فلا حكم إلزامي فيها، بل حكمها جواز دفع المال لا بنحو الإلزام. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

كذلك، ولم يستطع حفظ ماله على الموازين العقلائية، يُقال إنَّه سفيه. 

إلّا أنه قد لا يكون سفيهاً، ولكنّه لم يصل إلى حدّ يعرف الصلاح والفساد في المعاملة، فهذا لا يكون رشيداً ولا سفيهاً، فإن الإنسان حين ينظر إلى الأطفال يجد بعضهم بمقتضى الأعمال التي يأتون بها سفهاً. وبعض الأطفال ليسوا بسفهاء، ولكنهم مع ذلك لا يستطيعون إيقاع المعاملات على وجهها. 

والرشد هو أن يصل ميزانه العقلي بحسب الملكة إلى حدّ يستطيع تطبيق أعماله ومعاملاته على طبق المصالح العقلائية، هذا هو الرشد عرفاً، وإن كانت اللغة تختلف عن العرف في ذلك كثيراً.

والسفاهة معنى وجودي قد ينطبق عليه عدم الرشد، وقد يتحقّق عدم الرشد ولا سفاهة، فعدم الرشد أعمّ من السفاهة، كما أنَّ اللاسفيه أيضاً يمكن أن يكون رشيداً ويمكن أن لا يكون، فيما إذا كان غير واصل إلى الرشد، وإن لم يكن حاصلاً على صفة التبذير والإسراف التي هي السفاهة.

والآن مرّةً: ننظر إلى الآية، ومرّةً: ننظر إلى الآيتين السابقتين عليها، على بعض الاحتمالات:

فإذا لاحظنا الآية وحدها: فهي لم يرد فيها عنوان السفاهة، بل علّقت الحكم على الرشد، فلا بُدَّ أن يبحث في الآية عن جهتين:

أحدهما: أنّ قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً هل هو ظاهر بكفاية رشد مّا، فإنها أي: الآية- لم تقل يجب أن يكون رشيداً مطلقاً، فلو علمنا رشده في المعاملات ولم نعلم رشده في العطيات والهبات فيُقال إنَّه يجب دفع المال إليه. 

ـــــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وفي مقابله: أن يقال: إنه إذا لم يكن له أيّ نحو من أنحاء الرشد لا يجوز إعطاء المال له.

الجهة الأخرى: أننا إذا لاحظنا الآية بنفسها فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً(1)، فيجب عدم إعطاء المال من دون إيناس الرشد، سواء كان سفيهاً أو لا، فإن عدم الرشد أعمّ من السفاهة، فلو علمنا أن هذا الإنسان ليس بسفيه ولكنّه غير رشيد، فهو وإن لم يكن مبذّراً إلّا أنه لم يصل إلى معرفة الموازين العقلائية، فلم توجد فيه أيٌّ من الصفتين الوجوديتين الرشد والسفاهة، فإن فهمنا من الآية أنه إذا أونس الرشد يجب الدفع، وإن لم يؤنس لا يجب الدفع حتى لو لم يكن سفيهاً، فيجب عدم دفع المال إليه، وقوله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ(2) لا تنافيها، فإنها غير معارضة لها.

أمَّا الجهة الأولى: وهي أنَّنا لا بُدّ أن نرى أنَّنا هل نستطيع استفادة الرشد المطلق من الآية، أو نجمد على لفظها في إفادة رشد مّا؟

هذا المعنى مستفاد بلا إشكال وهو: إن الرشد المقصود ثبوته هو الرشد المربوط بتدبير الأموال، إذ قد يكون الإنسان سفيهاً في المعاشرات ورشيداً في المعاملات، والكلام في الآية حول دفع المال. فيُفهم أن القضية مربوطة في الرشد في المال.

ـــــــــــــ[48]ــــــــــ

(1) النساء: 6.

(2) النساء: 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نقول: يمكن استفادة الرشد المطلق من مكانين في الآية المباركة:

أحدهما: أن الإنسان يفهم من الآية أن اليتامى إذا كان القطع بعدم رشدهم حاصلاً فلا مجال لابتلائهم، وإنما مجال الابتلاء عند احتماله، فإذا احتملنا الرشد في ابن العاشرة، أو الثانية عشرة فنحن مأمورون بالابتلاء إلى أن يبلغ النكاح، ولعلّ الابتلاء يطول عدّة سنوات، فإذا كان البناء على أن يكون الميزان هو رشد مّا، فلا يحتاج الابتلاء إلى هذا الزمان الطويل، فنعرف أن هذا الزمان معين لأجل أن يعرف تمام أنحاء أعمال الصبي ويكشفها بالامتحان، وهذا لا يتناسب إلّا مع كشف الرشد المطلق، إذ من المعلوم أن رشداً مّا لا يحتاج كشفه إلى هذه المدّة، فتعيين هذا الزمان بنظر العقلاء، لأجل ذلك(1).

ثانيها: مناسبة الحكم الموضوع، فإن اليتيم إنّما لا يعطى المال؛ لأنه إذا كان سفيهاً يبذر أمواله، ويبقى فقيراً معدماً، وهذا ممّا لا يريده الشارع له، بل يريد أن يكون حاله حال الآخرين، فالشارع ذكر هذا الحكم حفظاً للمال، فهل يمكن لمثل هذا الشخص الذي حكم بهذا الحكم، إن يحكم بجواز إعطاء المال لمن تحقّق لديه الرشد في بعض المعاملات دون بعض؟ هذا الشارع الذي تحفّظاً على المال ورعاية للطفل أمر بالامتحان، ولم يكتفِ بالرشد، بل اشترط الرشد 

ـــــــــــــ[49]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: عن طريق استفادة طول الزمان من الآية.

فأجاب ما محصّله: إن الآية حيث لم تُعيّن المبدأ وإنما خصّت بالذكر المنتهى، يفهم العقل أن الابتلاء يبدأ من حين احتمال الرشد، ولا يكفي امتحان مّا بدعوى أن صرف الوجود يتحقّق بأوّل الوجود. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

والبلوغ لدفع المال، فهل يمكن أن يقول: أن هذا الإنسان إذا كان رشيداً في بيعه سفيهاً في صلحه يجوز دفع المال إليه؟

فالآية وإن كانت ظاهرة في كفاية الرشد في الجملة، إلّا أنَّ هذه المناسبات(1) تناسب أن يكون المقصود هو الرشد المطلق. ومن هنا ليس بلازم أن نبحث تمام الأقسام من السفاهة وغيرها، بعد أن علمنا من الآية هذا المطلب.

الجهة الثانية: في التعرّض للآيات السابقة على هذه الآية، وقوله تعالى: وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ وإن كان يحتمل السفاهة المطلقة، إلّا أنَّ الفرد لو كان سفيهاً في بعض الأعمال فإنه يصدق عليه أنه سفيه، والعنوان الوارد في الآية هو (أموالكم). والروايات تؤيّد هذا المعنى، ولا توجد إلّا رواية واحدة(2) تقول إن المقصود به (أموالهم). وبعضهم يفهم منها الأعمّ من أموال الإنسان والأموال التي هو وليّ عليها. هذا تمام الكلام في الآية، وفي الكلام تتمّة محلّه كتاب الحجر.

ـــــــــــــ[50]ــــــــــ

() لا يخفى أن هذه المناسبات ليست بحجّة في نفسها، وإنما غاية ما يمكن أن تعمله هو أن تنقّح لنا ظهوراً في الآية على طبقها ليكون هذا الظهور حجّة، وهذا على ما ترى؟ والسيد يعترف حتى بعد ذكر الوجوه بظهور الآية بخلاف هذه المناسبات، فالمتعيّن الرجوع إلى الظهور دونها، إلا إذا أورثت القطع لشخص بالحكم فعهدته عليه. (المقرِّر).

(2) راجع: تفسير العيّاشي 1: 220، الحديث 23، تفسير الصافي 1: 390، والبرهان في تفسير القرآن 1: 343، الحديث 11، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاستدلال بالروايات 

أمَّا الروايات الموجودة في هذا الباب فهي على طائفتين بعضها له إشارة ومساس بالآية، كالتعرّض إلى اليُتم وأن وقت زواله ما هو؟ وطائفة لا مساس له بالآية كحديث الرفع ونحوه.

[الطائفة الأول التي لها مساس بالآية]

أمَّا الطائفة الأولى: فيذكر كثير منها في كتاب الوصيّة، وبعضها في كتاب الحجر، وبعضها في مقدّمات العبادات، فلتراجع.

وقد استفدنا من الآية أن استقلال اليتامى وجواز معاملاتهم موقوف على أمرين، هما: البلوغ والرشد.

وبهذا المعنى لاشكّ أنه لا تفصيل بين البنت والولد، فإن اليتامى كما هو جمع لليتيم جمع لليتيمة أيضاً، ولكن الضمير أعاده في الآية مذكّراً، وهذا(1) شأن تمام الأسئلة التي ترد عادة في الروايات، يسأل فيها مثلاً عن رجل شكّ بين الثلاث والأربع(2)، فيفهم أن الكلام ليس هو عن الرجل، بل عن المكلّف. هنا أيضاً القضية قضية حفظ المال وعدم إجازة اليتيم لذلك، ومعلوم أن مخالفة البالغ وغير الرشيد، سواء كان رجلاً أو امرأة، وليس هنا احتمال التفصيل.

الروايات التي نتعرّض لها هي الروايات المربوطة بمطلبنا في الجملة، فلا 

ـــــــــــــ[51]ــــــــــ

() أقول: هذا بيان للتجريد عن الخصوصية. (المقرِّر).

(2) أُنظر: الروايات الواردة في الباب العاشر من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من وسائل الشيعة 8: 216، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نتعرّض للروايات الواردة في تحديد البلوغ(1)، ولا إلى الروايات القائلة بأن الوصيّة نافذة في العاشرة(2)، بل نرى أن ما استفدناه من الآية هنا اشتراط البلوغ والرشد، هل يستفاد من الروايات أو لا؟ وإذا كانت الروايات مخالفة للآية فما العمل؟

هذا القسم من الروايات التي فيها إشعار وإشارة بوجه إلى الآية، يمكن تقسيمها إلى أربع طوائف:

فمنها: ما يستفاد منها -لو لم يكن غيرها- أن الميزان هو البلوغ، فإذا صار بالغاً يدفع إليه المال.

ومنها: ما يظهر منها أن الرشد هو الميزان.

وبعضها يظهر منها أن كلاً منهما مستقلاً موضوع للحكم.

وقسم منها: وهو الأكثر، يساوي مفاده مفاد الآية، وهو أنَّ البلوغ والرشد هنا هو الموضوع، وكلٌّ منهما جزء الموضوع، فلا بُدَّ من النظر في كل طائفة لنرى مقدار الاستفادة منها، وكيفية الجمع بينهما.

الطائفة الأولى: ما يستفاد منه -لو لم يأت سواها- إن الميزان هو البلوغ. كتاب الحجر الرواية الثالثة من الباب الثاني: الصدوق(3) مرسلاً قال: قال أبو 

ـــــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) أُنظر: الروايات الواردة في الباب الرابع من أبواب مقدّمة العبادات من وسائل الشيعة 1: 42، وغيره. 

(2) اُنظر الروايات الواردة في الباب الرابع والأربعين من أبواب كتاب الوصايا من وسائل الشيعة 19: 360، وغيره.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 221، باب انقطاع يتم اليتيم، الحديث 5522.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

عبد الله: “إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز أمرها في مالها، وأقيمت الحدود التامّة لها وعليها“.

فهذه الرواية لو كانت معتبرة، فإن مرسلات الصدوق، على نحوين بعضها يقول عنه: (رُوي). وبعضها يقول عنه (قال الصادق)، والقسم الثاني لا يمكن عدم الاعتناء به كما يأتي للنظر، فهذه الرواية لو كانت معتبرة لدلّت على شرطية البلوغ وحده، ونظير هذه الرواية رواية يزيد الكناسي(1).

الرواية الثانية: التي يستفاد منها هذا المعنى، هي الرواية الأولى من الثاني من كتاب الحجر، وهي ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن حمزة بن حمران، عن حمران -وهي ضعيفة- عن أبي جعفر، قال: “إن الجارية ليست مثل الغلام، إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليُتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأقيمت عليها الحدود التامّة وأخذت لها وبها“. قال: “والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليُتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك(2).

ـــــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) راجع تهذيب الأحكام 7: 382، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 20، الاستبصار 3: 237، كتاب النكاح، أبواب أولياء العقد، الباب 145، الحديث 5، ووسائل الشيعة 20: 278، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 6، الحديث 9. 

(2) الكافي 7: 198، باب حدّ الغلام والجارية…، الحديث 1، تهذيب الأحكام 10: 38، كتاب الحدود، باب حدود الزنا، الحديث 132، ووسائل الشيعة 1: 43، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 4، الحديث 2، مع فارقٍ يسيرٍ في اللفظ.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فقد ذكرت هذه الرواية أحكام البنت والولد، أمَّا الغلام فلا يجوز أمره في الشراء والبيع، وإنما ذكر الشراء والبيع كمثال عن مطلق المعاملات، إلّا أن يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر، يعني ينبت الشعر الخشن المعتبر، وهذا ممّا عليه الفتوى، ووارد في بعض الروايات الضعيفة “أو ينبت(1) وهو اللحية إن اعتبرناها. فنفهم من هذه الرواية أن وصول الصبي -بهذه العلامات- إلى حدّ البلوغ معتبر في جواز معاملاته ودفع المال إليه، والميزان هو ذلك بالخصوص دون غيره، بمقتضى ظاهر الرواية.

وأمَّا البنت فليست مثل الغلام، حيث إنَّ الغلام بطيء الوصول، إلّا أن نضجه عند وصوله أكثر، والبنت أسرع وصولاً إلّا أنَّها أقلّ نضجاً، شأنهما في ذلك شأن بعض الفواكه وبعض، فالبنت هل المعتبر فيها ثلاثة أشياء ليرتفع يُتمها وتجوز معاملاتها؟

أحدها: أن تتزوّج، فإذا لم تتزوّج تبقى يتيمة، ولو إلى آخر عمرها.

ثانيها: أن يدخل بها، فلو لم يدخل بها فهي يتيمة غير جائزة المعاملة.

ثالثها: أن يكون عمرها تسع سنين.

أو أن قوله هذا إشارة إلى هذا المعنى، وهو أنَّها قبل التاسعة لا يجوز 

ـــــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) راجع: الكافي 7: 198، باب حدّ الغلام والجارية…، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 383، باب عقد المرأة على نفسها، الحديث 20، الاستبصار 3: 237، كتاب النكاح، أبواب أولياء العقد، الباب 145، الحديث 5، ووسائل الشيعة 17: 360، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 14، الحديث 1، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الدخول بها ولا يمكن تزويجها بإذنها، والصدوق قال في ذيلها: يعني بلغت تسع سنين(1). فالأمور الثلاثة كلّها تأكيد على هذا المعنى.

من هذه الرواية وسابقتها وغيرهما نستفيد أن الرجل والمرأة معاً، والميزان هو وصولهما إلى حد البلوغ.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على الرشد، وحده هو الميزان، وهي الرواية الأخيرة من الباب الأول، من كتاب الحجر، الكليني بإسناده عن الأصبغ بن نباتة
-ضعيفة-، عن أمير المؤمنينأنَّه قضى أن يحجر على الغلام المفسد حتّى يعقل (2)، ويعقل هنا بمعنى يرشد في مقابل السفيه، أو الذي لم يصل عقله إلى حد الرشد، لا في مقابل المجنون، لعدم انحصار المال بين العاقل والمجنون. وهذا حكم شرعي كلّي، ولعلّه المراد من (القضاء) لا القضاء المصطلح، فلو تمّت هذه الرواية سنداً تدلّ على اعتبار الرشد وحده، فلو لم يكن سواها وكانت حجّة لتعيّن العمل بها.

الطائفة الثالثة: من الروايات هي التي يستفاد منها أن الحكم معلّق على وجود كلٍّ من البلوغ ومن الرشد مستقلّاً، وهي الرواية الثانية في الباب الأول، من كتاب الحجر، محمد بن علي بن الحسين بإسناده، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد الله -وهي صحيحة-، قال: “سألته عن 

ـــــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) راجع: مَن لا يحضره الفقيه 4: 221، باب انقطاع يتم اليتيم، ذيل الحديث 5520.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 28، باب الحجر والإفلاس، الحديث 3258، ووسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع. فسألته إن كانت قد زوّجت؟ فقال: إذا زوّجت، فقد انقطع ملك الوصيّ عنها(1).

فيفهم من قوله -في صدر الرواية- “لا تفسد ولا تضيع“، أن الميزان هو الرشد، ويفهم من قوله: “إذا زوّجت” والمقصود به البلوغ لا خصوص التزويج، يعني حدّاً يمكن به الزواج، فيفهم أن الميزان هو البلوغ، ويستفاد من الرواية أن أحد الأمرين هو المعتبر.

ويحتمل أن الإمام جعل الزواج أمارة على الرشد، فإنه عيّن أوّلاً الرشد، وكأنّه قال: أمَّا إذا شككت في أنَّها رشيدة أو لا، فزواجها أمارة على رشدها.

وبناءً على هذا الاحتمال تدلّ على أنَّ الميزان هو الرشد كسابقتها، ولا تكون طائفة مستقلّة.

الطائفة الرابعة: وهي روايات كثيرة سبع أو ثمان موافقة مضموناً للآية الشريفة، أُخذ فيها كِلا الأمرين: البلوغ والرشد.

منها: الرواية الأولى من الباب الأول، من كتاب الحجر، محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن 

ـــــــــــــ[56]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 68، باب الوصي يدرك أيتامه…، الحديث 4، مَن لا يحضره الفقيه 4: 221، باب انقطاع يتم اليتيم، الحديث 5520، تهذيب الأحكام 9: 184، باب وصيّة الصبيّ والمحجور عليه، الحديث 15، ووسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

منصور عن هشام -وهو ابن سالم-، عن أبي عبد الله، قال: “انقطاع يُتم اليتيم بالاحتلام، وهو أشدّه، وإن احتلم ولو لم يؤنس منه رشده، وكان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليّه ماله(1)

ورواه الصدوق بإسناده، عن منصور بن حازم، عن هشام مثله(2).

فالخروج من اليُتم لا يكون إلّا بالبلوغ والرشد، فإن كان سفيهاً أو ضعيفاً لا يعطى المال والسفيه هو الذي يضيع المال، والضعيف هو الأبله، فهذه الرواية وغيرها تدلّ على أنَّ الميزان هو الرشد والاحتلام.

فهذه هي الطوائف الأربع أو الثلاث -على الاحتمال الثاني في الطائفة الثالثة- المربوطة بمحلّ الكلام.

والجمع بين القسمين -الطائفتين- الأوليين من ناحية، والقسم الثالث من ناحية أخرى، واضح؛ إذ نقول: إن كُلّاً من القسمين الأوّلين ذكر أحد الشرطين، والقسم الثالث ذكر كِلا الشرطين.

كما أنَّ الجمع بين القسمين الأوّلين مع القسم الرابع، له جمع عقلائي أيضاً، فإنه وإن دلّت الطائفة الأولى على أنَّ الميزان هو البلوغ دون غيره، ودلّت الطائفة الثانية على أنَّ الميزان هو الرشد دون غيره، إلّا أنَّ غايته هو الإطلاق، فيقيّد 

ـــــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 68، باب الوصي يدرك أيتامه…، الحديث 2، تهذيب الأحكام 9: 183، باب وصيّة الصبيّ والمحجور عليه، الحديث 12، ووسائل الشيعة 18: 409، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 1.

(2) راجع: مَن لا يحضره الفقيه 4: 220، باب انقطاع يتم اليتيم، الحديث 5517.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالطائفة الرابعة الدالّة على أنَّ الميزان هو كِلا الأمرين، ونرفع اليد بها عن إطلاق الطائفة الأولى لصورة البلوغ من دون الرشد، وإطلاق الطائفة الثانية لصورة الرشد من دون البلوغ، وهو جمع عقلائي، وتكون النتيجة نتيجة التقييد، وإن كُلّاً منهما جزء الموضوع.

وإذا كانت رواية العيص بن القاسم مرادها الاحتمال الثاني وهو الإشارة إلى الرشد، يكون حالها أيضاً حال الإطلاق والتقييد، على إشكال وهو أنَّه هل يمكن جعل البلوغ جزء للموضوع، وأمارة على الجزء الآخر؟ وقد حُقّق ذلك في علم الأصول، وقيل بإمكانه.

وأمَّا إذا دلّت على اشتراط كلٍّ من البلوغ والرشد مستقلّاً، فلو كان كلّ اشتراط في كلام على حدة، لقيّدنا أحدهما بالآخر، وكان جمعاً عقلائياً، إلّا أنَّ ذلك قد ورد في رواية واحدة، فهل يكون جمعاً عقلائياً أن يقال: أن هذين مطلقين ونقيّدهما بالروايات من الطائفة الرابعة المشترطة مجموع الأمرين؟

أو يُقال عن هذا الطريق: أن رواية هشام بن سالم التي قيّدت بالمجموع، صريحة في مفادها، فإنها تقول: “وإذا احتلم ولم يؤنس منه رشده… فليمسك عنه وليه ماله“.

أمَّا صحيحة العيص بن القاسم فلها ظهور سياقي بالاستقلال؛ لأنه سأل أوّلاً فأجيب بأن الميزان هو الرشد، ثُمّ سأل ثانياً فأجيب أن الميزان هو البلوغ، والجمع العقلائيّ هو بتقديم الصريح على الظاهر.

أو يقال: إنه إذا كان الزواج حاصلاً كان الرشد حاصلاً نوعاً، وإن كان 

ـــــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الرشد حاصلاً فالزواج حاصلاً نوعاً، فيكون المراد من رواية العيص أيضاً اعتبار كِلا الأمرين.

وعلى أيّ حال فرواية هشام صريحة، لا احتمال فيها، فنجمع بينهما، باعتبار كِلا الأمرين وكونهما بمجموعهما ميزاناً. مضافاً إلى أنَّ رواية العيص، على تقدير أن المراد ظاهرها مخالفة للآية الشريفة؛ لأن الآية تقول بميزانية الاثنين معاً، والرواية تقول بكفاية أحدهما، وإذا تعارضت مع القرآن قُدِّم القرآن لا محالة.

في استقلال الصبي بالمعاملات 

والآن لا بُدّ أن نتأمّل أن ما استفدناه من الآية، من كون الصبي غير مستقلّ بالمعاملات ولا يمكن جعله مستقلّاً بالتوكيل والأذن المتقدّم ولا المتأخّر، مع عدم دلالتها على النفي عن توكيله في أموال غيره أو إجراء صيغة العقد، هل هذه الأحكام أيضاً تستفاد من الرواية أو لا؟

هل يستفاد من هذه الروايات أن جميع أنحاء تصرّفات الصغير غير نافذة، حتى في إجراء الصيغة؟ فإن الاحتمالات كانت متعدّدة، هي:

أولاً: استقلاله المطلق.

وثانياً: استقلاله مع الإذن.

وثالثاً: استقلاله مع التوكيل.

وكلّ هذا استفدنا من الآية عدم جوازه، وأمَّا كون ألفاظه كـ(لا ألفاظ)، وعدم جواز توكيله في أموال غيره، فهذا لم نستفده من الآية.

أما الروايات الشريفة، فيمكن أن يُقال باستفادة نفس ما استفيد من الآية منها، من ناحيتين: إحدهما وجه وجيه في نظري، والآخر نتكلّم فيه.

ـــــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الناحية الأولى 

أمَّا الذي نتكلّم فيه فهو: أن المعاملة التي يوقعها الرشيد الصغير والسفيه البالغ في أموال نفسه، إذا توقّفت على إجازة الولي، فهل إجازته نظير إجازة المالك للبيع الفضولي، من كونها تكون موجبة لاستناد البيع إليه، فإذا أجاز الولي أو أذن أو أوكله يكون البيع بيعاً للولي الموكل؟ أو أن الأمر ليس كذلك، إذ الصبي ونحوه يتصرّف في مال نفسه ويبيع ويشتري لنفسه، غاية الأمر أننا متعبّدون بإجازة الوليّ، وبها يكون البيع بيعاً للصبي نفسه، وليس كالفضولي؟ فإن إجازة المالك تنسب البيع إلى نفس المالك، وإجازة الوليّ لا تنسب البيع إلى الوليّ، بل يبقى البيع بيعاً للشخص المجاز، بل إنَّ الوليّ حينما يبيع إنّما يبيع للصبي لا لنفسه في الموارد التي لا يكون هناك بلوغ وعقل.

إذا كان الأمر كذلك، فالروايات التي تقول: (لا يجوز أمره إلّا إذا احتلم ولم يكن سفيهاً ولا ضعيفاً)، تقتضي أن المعاملة لا تكون صحيحة حتى بالإجازة؛ لأن المعاملة معاملة لهذا الشخص وأمر مختصّ له، وليست معاملة للولي ولا في ماله، وإجازة الوليّ لا تجعل المعاملة معاملة للوليّ، بخلاف إجازة عقد الفضولي، فأنها تجعل الانتساب لصاحب المال، غايته يشترط في بيع الصبي ونحوه لنفسه الإجازة، كما هو الحال في اشتراط العربية أو تقدّم الإيجاب على القبول تعبّداً في العقد لو قلنا به.

فإطلاق قوله: “لا يجوز أمره” يقتضي أنه لا يجوز حتى بالإجازة؛ لأن الإجازة لا تجعل المعاملة من أمر الوليّ.

ـــــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأما إذا قلنا أن الإجازة حالها حال عقد الفضولي، وكذلك الأذن من الولي والتوكيل، كله يجعل المعاملة معاملة الولي، فتكون من هذه الناحية نافذة. فالصبي لا أمر له، وإنما يكون الأمر عند الاستقلال التام. 

إذن فيمكن على أحد الاحتمالين أن نستفيد من الروايات عدم تمامية المعاملة حتى بالإجازة والإذن، غايته أن التوكيل للغير وإجراء الصيغة لا يشمله؛ لأنه ليس من أمره، بل من أمر غيره الموكِّل أو الذي أجرى له الصيغة.

وهذا ليس أمراً تعبّدياً، بل هو عقلائي، أنهم بعد الإجازة هل يقولون أنه بيع للولي، كما هو الحال في إجازة الفضولي التي تنسب البيع إلى المالك؛ أو أنه بيع للصبي، فإن الإجازة شرط في صحّة معاملات الصبي وليست مقوّمة لها؟ فكأنه في سوق العقلاء بعد أن كان المال مال الصبي أو السفيه والبيع بيعه، فالمعاملة تكون منتسبة له حتى مع إجازة وليه، إذن فلا ينبغي أن تكون نافذة؛ لأنها من أمر الصبي لا من أمر الموكل.

فهذا التقريب يحتاج إلى النظر، وهو غير بعيد.

[الناحية الثانية]

الوجه الآخر: هو الذي ذكرناه في الآية، ونفهمه من الروايات، فإن مثل قوله: “إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع“. أو قوله: “وإن احلتم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيهاً أو ضعيفاً“.

يدلّ على أنه ما دام ضعيفاً مضيّعاً، فمعاملاته باطلة، وأن الحجر إنّما شرّع للمحافظة على أمواله وعدم إتلافه لها بضعفه وتضييعه، فهل يمكن أن يقال: 

ـــــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أن الشارع يحكم بهذا الحكم، ومع ذلك يحكم بصحّة المعاملات بإذن الولي؟ بمعنى أنه بمجرّد أن يأذن له ويجلس الولي في بيته يتمّ الأمر، ونغض النظر عن المفسدّية والمضيّعية.

إذن فالأقسام التي هي غير التوكيل للغير، وإجراء الصيغة نفهمها من الروايات، وإن الصبي والسفيه غير مستقلّ مطلقاً، ولا تؤثّر إجازة الولي ولا إذنه ولا توكيله في استقلاله، أما إذا جاء الولي ونظر في المعاملة وفحص جهاتها ووجدها مطابقة للمصلحة فأجازها، ففي مثل ذلك لا يكون للصبي إلّا مجرّد إجراء الصيغة ولا عمل له غير ذلك.

فهذا القسم من الروايات التي لها تعرّض لمفاد الآية.

[الطائفية الثانية التي لا ارتباط لها بالآية]

القسم الثاني من الروايات وهي غير المرتبطة بالآية، وهي على أقسام:

منها: حديث رفع القلم، وعمدة رواياته هي المنقول عن (الخصال) عن الحسن بن محمد بن السكوني، عن الحضرمي، عن إبراهيم بن أبي معاوية، عن أبيه، عن الأعمش، عن ابن ظبيان(1)، قال: “أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي: أما علمت إن القلم يُرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ(2).

ـــــــــــــ[62]ــــــــــ

() لم يذكر السيد السند، أنظره في الوسائل: ج1، ص8 مقدّمة العبادات. (المقرِّر).

(2) الخصال 1: 94، وضع القلم عن ثلاثةٍ، الحديث 40، ووسائل الشيعة 1: 45، أبواب مقدّمة العبادة، الباب 4، الحديث 11.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأوردها في (دعائم الإسلام)، وفيه: “أما علمت أن الله رفع القلم…(1).

وفي بعض الروايات(2) ورد هذا الحديث من دون الصدر، وفي موثّقة عمّار الساباطي في آخر الباب، عن أبي عبد الله: “فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم(3). الذي مقابله أنه لم يجرِ عليه القلم أو أنه مرفوع عنه.

فنتكلّم أنه إذا ثبتت هذه الرواية، وأنه رفع القلم عن الصبي، وقد استند إليها الشيخ(4) وصاحب (السرائر)(5) وصاحب (الغنية) (6)، فما هو معناها؟

المرحوم النائيني يحتمل أن هذا نظير ما يُقال بين الناس: إن هذا مرفوع عنه القلم، أي: أعماله كأعمال المجانين وإنها كـ(لا أعمال)(7).

نقول: هل ما عند الناس من هذا التعبير الذي يُقال عنه الهزل والفكاهة، هل هو مأخوذ من حديث الرفع، أو حديث الرفع مأخوذ منه؟ وكيف تحرز 

ـــــــــــــ[63]ــــــــــ

(1) دعائم الإسلام 1: 94، ذكر الوقت الذي يؤمر فيه الصبيان بالصلاة إذا بلغوا إليه.

(2) قرب الإسناد: 394، الحديث 1382. 

(3) تهذيب الأحكام 2: 380، باب الصبيان متى يؤمرون بالصلاة، الحديث 5، الاستبصار 1: 408، باب الصبيان متى يؤمرون بالصلاة، ووسائل الشيعة 1: 45، أبواب مقدّمة العبادة، الباب 4، الحديث 12.

(4) راجع: الخلاف 3: 178، والمبسوط 2: 281.

(5) راجع السرائر 2: 693.

(6) راجع: غنية النزوع: 210.

(7) راجع: منية الطالب 1: 173، الكلام في شروط المتعاقدين.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وجود هذا التعبير في زمان صدور الحديث ليقال إنَّه يراد به نفس المعنى؟

ثُمّ إنَّه هل معنى رفع القلم عن المجنون، يعني أن أعمال المجنون كأعمال المجانين، ومعنى رفع القلم عن النائم أن أعماله كأعمال المجانين؟

نعم، لو قال: إن معناه وجوده كعدمه، لأفاد غير هذه المعاني، وأنه لا أثر لأعماله، ولناسب الفقرات الثلاث جميعاً، إلّا أنَّنا نجيب أنها خلاف الظاهر.

وكيف كان فهنا احتمالات، نذكر فعلاً واحداً منها:

وهو: أن عندنا روايات تقول: “فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات(1)، -الرواية الأولى من الباب والتي بعدها أيضاً- وفي رواية عمّار الساباطي: (وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم)، فهذا يكون في مقابل ذاك، فرفع القلم عنه يعني لم يكتب عليه السيئات، فالقلم الذي يكتب عليه السيئات لا يكتب قبل البلوغ، وبذلك يرتبط بالأشياء التي يكون في إيجادها أو تركها سيئة، وأما الأشياء التي لا يناسب التعبير عنها بـ(رفع عنه) أو (كتب عليه)، كالاستحباب أو الاستحسانات العقلية أو الأحكام الوضعية، من قبيل الضمان والمعاملات والجنايات، فالحديث ساكت عنها، بحسب هذا الاحتمال.

نعم، هنا كلام، وهو أنَّ الرواية وردت في مورد الرجم، وهو من الأحكام الوضعية، فيُعلم شمول الحديث لها(2).

ـــــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 3، باب فضل الولد، الحديث 8، ووسائل الشيعة 1: 42، أبواب مقدّمة العبادة، الباب 4، الحديث 1.

(2) راجع: البيع (للمحقّق الكوهكمري): 222، الفصل الخامس، المبحث الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

جوابه: أن الرجم وسائر الحدود، ما لم يكن الفعل محرّماً ومعصيته لا رجم عليه ولا حدّ، وإنما الرجم للفعل الصادر عن عصيان، فيمكن أن يكون مراد الإمام: أن هذه المرأة غير مكلّفة، فلا معصية عليها، فلا يكون عليها حدّ.

الكلام في روايات رفع القلم 

الكلام في أحاديث رفع القلم والتي كانت أهمّها رواية ابن ضبيان عن أمير المؤمنين، وهي رواية ضعيفة، وهناك رواية أخرى رابعة إلى رفع القلم، لكن إما محدّدة بشيء على ما سنذكر، أو بتعبير: (جرى عليه القلم) كموثّقة عمّار الساباطي، فلا بُدَّ أن نرى الاحتمالات في معنى ذلك:

أحد الاحتمالات: أنه في بعض الروايات (إذا احتلم كتبت عليهم السيئات)، وفي موثّقة عمّار الساباطي: (جرى عليهم السيئات).

فنقول: إنه في مقابل أن قلم السيئة مرتفع عنه، إلّا إذا احتلم، بناءً عليه، فما هو مربوط بالسيئات كالأحكام الوضعية بأصل وضعها لا التكليف بترتيب الأثر عليها- كالجنابة والغرامة المالية، والجنائية. 

وقلنا إنه لا يقال: إن موردها هو الرجم(1)، وهو حكم وضعي، فيشمل الأحكام الوضعية مع التكليفية. 

قلنا: إنه في سائر الحدود، إذا لم يكن تكليف أو كان على غير عمد، أو كان بشبهة موضوعية أو حكمية، لا يكون الحدّ جارياً، فيمكن أن يريد الإمام أن هذه المرأة لا تكليف عليها، فلا سيئة عليها فلا حدّ عليها.

ـــــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) راجع: البيع (للمحقّق الكوهكمري): 222، الفصل الخامس، المبحث الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نظير هذا الاحتمال ما قاله الشيخ(1)، لكن لا بُدّ أن نعرف معنى كلامه، فإنه في باب العقوبات والمثوبات، هناك مسلك غير مسلكنا عند أهل المعقول، وهو غير ظاهر الكتاب والسنة وخارج عن محلّ بحثنا.

ومحصّله: أن قضيّة الثواب والعقاب ليست قضيّة مثل جزئيات هذا العالم، أن يُقال مثلاً: من سرق يسجن عشر سنين، بل هي من لوازم الأفعال، فمن يرتكب القبيح تترتّب عليه لوازمه، ولهذا لهم مسلك خاصّ في العفو والشفاعة.

 ولكن ما هو ظاهر الآيات والروايات -أكثرها- هو أنَّ الثواب والعقاب من قبيل الجعل مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا(2)، من قبيل (من ردّ ضالتي فله درهم)، ووَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا(3) ونظيرها الحدود، غاية الأمر أنها عقوبات أخروية والحدود عقوبات دنيوية، وكلّها من الأمور الجعلية، وهو مسلك الفقهاء ومبنى العقلاء في باب الجزائيات.

فيقال في المقام رفع القلم هو رفع العقوبة، وليس معنى الرفع هنا هو الدفع، كما ذكره المرحوم النائيني(4)، في حديث الرفع، في بعض كلامه، إذ إنَّ كونه بمعنى عدم الحكم ينافي التعبير فيما يكون من قبيل القانون الكلّي بالرفع، فيمكن أن يكون مراد الشيخ هو هذا، باعتبار أن المؤاخذة والعقوبة قابلة 

ـــــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 282، استظهار البطلان من حديث رفع القلم.

(2) الأنعام: 160.

(3) الأنعام: 160.

(4) راجع: منية الطالب 1: 361-362.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

للرفع، غايته أن كتابة السيئات غير التكليف.

فإن هذه النكتة لا بُدّ من ملاحظتها في الفقه، وهو أنَّ عبادة الصبي هل هي أمر مستقلّ للصبي، أو أن نفس التكاليف المشروعة لسائر الناس إذا جاء الصبي بمصداق منها يعطي حسنة، وإذا ترك نفس الصلاة لا يكتب له سيئة، فالتكليف شيء والسيئة شيء آخر، ووقوع الجزاء أمر ثالث؟ فالصبي المشروع عباداته إذا صلّى يُعطى ثوابه وإذا لم يأتِ به لا يُعطى ثوابه، ويبعد أن الصغير له وضع على حدة وله مستحبّ مستقلّ.

فهذا أحد الاحتمالات، والشيخ بيَّن الرتبة التي بعده، فإنه ليس أن التكليف ارتفع عن الصبي والمجنون والنائم؛ لأن النائم إذا نام ارتفع عنه التكليف وإذا استيقظ رجع عليه، بل النائم يشمله التكليف القانوني، بالنحو الذي قرّبناه، ولكنّه إذا عصاه لا يعاقب.

الاحتمال الآخر -وهو احتمال بدويّ-: وهو أنَّه كما في حديث الرفع ليست الأمور التسعة قابلة للارتفاع التكويني، وإنما هو حكم بُني على الادّعاء، فهو حقيقة أدّعائية، ولكن هل بلحاظ تمام الآثار، أو بلحاظ بعضها، أو بلحاظ العقوبة؟ 

وقد اخترنا هناك(1) أنه بلحاظ تمام الآثار، وهنا نقول: إن رفع القلم عن الصبي مثل رفع الخطأ عن الأمة، فالقلم وإن لم يكن مرتفعاً، إلّا أنه أدّعي أنه ذات القلم مرتفعاً ادّعاء، ومصحّحه هو أنَّ القلم بلا أثر ولا كتابة، بحيث 

ـــــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) راجع: أنوار الهداية 2: 40-41، وتهذيب الأُصول 2: 152.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يصحّ نفيه، فإنه لو كان هناك سيف أو إنسان لا أثر له يُقال إنَّه ليس بإنسان، أو كان إنسان فوق البشر يقال: ما هذا بشراً، وهذا في المقام وإن كان خلاف الظاهر إلّا أنَّنا نذكره لتشييد الأذهان.

واحتمال آخر: وهو أنَّنا نقول: إنه بمناسبة الحكم والموضوع وإرداف الصبي بالمجنون والنائم، إنه يرفع الأفعال المشروطة بالالتفات، وأما الآثار المترتّبة على ذات العمل لا المشروط بالالتفات، بل يترتّب عليها الآثار بأي نحو وجدت، فهذه الأفعال لا يرفعها بمناسبة الحكم والموضوع، وذلك مثل الجنابة التي تتحقق بالدخول ولو في النوم، وكالضمان لو حدث في النوم أو في خلال الجنون، ولا يحتاج إلى الالتفات والإرادة، مثل هذه الأفعال لا ترتفع، وإنما يرفع القسم الأوّل من الأفعال.

والاحتمال الآخر: هو أنَّ رفع القلم ليس رفعاً للذات بل رفع للوصف، وذلك بأحد الاحتمالين:

الأول: أن رفع القلم هو رفع الصفحة المكتوبة، افرضوا أن الملك بيده ورقة يكتب فيها السيئات، فهذا رفع للكتابة، يعني أنه لا يكتب على الصبي شيء، فهو رفع لوصف القلم لا لذاته.

والاحتمال الآخر: وهو يناسب العبادة أكثر، فإنه في رفع الخطأ والنسيان معناه أن خطأهم قد رفع؛ لأنه من أوصاف المكلّف، يعني أنه غير متّصف بالخطأ والنسيان، وأما القلم فليس وصفاً لأحد، فإذا قيل رفع القلم عن الصبي وعن المجنون فكأنّه يدّعي: أن للقلم الذي تسجل به الجرائم كأنّه له ثقل على الإنسان باعتبار ذلك. فالمكلّفون قد وضع ثقل هذا القلم عليهم، فهو ثقل 

ـــــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ادّعائي في عهدتهم، وأما المجنون والصبي والنائم فقد رفع هذا الثقل عن عهدتهم، حيث إنَّه لا يكتب السيئات، فرفع القلم يعني رفع ثقل القلم عنهم، وهذا يناسب أكثر مع التعبير، ولعلّ الاحتمال الأول أيضاً مناسب معه عند ضمّ الروايات إليه، والأخير عند ملاحظة العبارة مستقلّة.

وهنا كلام آخر: هو أنَّ هذا هل له إطلاق لتمام الأمور التي لها ثقل كالضمان والجنايات والمعاملات؟ فإنها أيضاً لها ثقل من حيث وجوب التسليم والتسلّم.

الشبهة في عدم إطلاق هذه الرواية الواردة في ذيل قضية عمر بن الخطاب، هو أنَّها إشارة إلى أمر معهود، إذ يقول: “أما علمت: أنَّ القلم يُرفع عن ثلاثةٍ…”لا أنه في مقام جعل شيء، فكأنّه إشارة إلى قول من أقول النبي، فإذا كان كذلك فلا إطلاق له لاحتمال(1) أن النبي قال: إنَّ هذا مختصّ بالحدود، كما في بعض الروايات: (لا حدّ للصبي حتى يحتلم، ولا حدّ للمجنون حتى يفيق، ولا حدّ للنائم حتى يستيقظ)(2). فليس في مقام بيان 

ـــــــــــــ[69]ــــــــــ

() لو سلّم صدور هذا الكلام من النبي أي ظهور بكونه رواية عنه وهو غير مسلّم- فمن الممكن جداً التمسّك بإطلاقه باعتبار كونه كلاماً للنبي ويكون أمير المؤمنين راوياً له، ومقتضى الأصل ألّا يكون الراوي قد زاد أو نقص من الكلام كما هو معلوم. (المقرِّر).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 51، باب حدّ القذف، الحديث 5076، تهذيب الأحكام 10: 152، كتاب الحدود، الباب 10، ووسائل الشيعة 28: 23، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود وأحكامها العامّة، الباب 8، الحديث 1، نص الرواية “لا حدّ على مجنونٍ حتّى يفيق، ولا على الصبيّ حتّى يدرك، ولا على النائم حتّى يستيقظ”.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الحكم حتى نتمسّك بإطلاقه، إذن فإطلاق الرواية مشكل، ونحن ليس عندنا إلّا هذه الرواية التي هي العمدة في الباب.

ثُمّ نتعرّض إلى روايات الخطأ والنسيان.

أحاديث رفع القلم، على أيّ الاحتمالات، لا تدلّ على أنَّ الطفل مسلوب العبارة؛ لأن الظاهر منها هو أنَّ القلم يكتب شيئاً للطفل أو عليه، وأما توكيله أو قراءته الصيغة فغير مشمول، لأن المعاملة معاملة الشخص الآخر، لأنها صدرت بإذن الغير فليست للطفل ولا عليه، أما لو قلنا بلحاظ العقوبة والمؤاخذة والسيئات، فلا إشكال، وأما لو قلنا بأنه رفع للثقل، فالمعاملة معاملة الغير وليست ثقلاً على الطفل، نعم لو كانت المعاملة معاملته لأمكن أن يستنتج بطلانها.

[الكلام في روايات عمد الصبي خطأ]

وأما أحاديث أن أمر الصبي خطأ فهناك عدة طوائف:

في قوله يحمل على العاقلة

طائفة في ذيل قوله: (يحمل على العاقلة). منها موثّقة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله قال: “عمد الصبي وخطأه واحد(1)

وبإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب، 

ـــــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 10: 233، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 53، ووسائل الشيعة 29: 400، كتاب الديّات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

عن غياث بن كلّوب، عن اسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه: “أن علياً كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة (1)(2).

هذا القسم من الروايات أما أنه راجع إلى ألفاظ الصغير، فلا إشكال أنه لا يشمله، وهل لهذه الروايات إطلاق، كما يقول الشيخ(3) إنها ليس فيها كونها مختصة بباب الجنايات؟ 

نقول: إذا كان في الكلام ما يصلح للقرينية، فإن لم يكن هناك تقييد، فلا إطلاق، فهذه الروايات المذيّلة بقوله: (يحمل على العاقلة) ونحوه، غير مربوط بموارد عدم ارتباطها بالعاقلة، فبالنسبة إلى عبارة الصبي التي يريد الشيخ جعلها كـ(لا عبارة) لا تشملها هذه الروايات؛ لأنها ليست حملاً لكي تحمله العاقلة. 

وإذا قلنا إن لها إطلاقاً فنحن نرى في الفقه نصّاً وفتوى، نرى أن غالب الجنايات ليست كذلك، يعني لا تحمله العاقلة؛ لأن غالب اعتداء الأطفال ما دون الموضّحة (وهي التي تصل إلى العظم) وهي -أي ما دون الموضّحة- ليست على العاقلة، وأما سائر جنايات الأطفال نحو مخالفات الحرم والإحرام فهو في ذمّة الوليّ، وأما كونه على العاقلة فلم يتفوّه به أحد، إذن عندنا الحمل 

ـــــــــــــ[71]ــــــــــ

() الوسائل، ج3، ص545. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 10: 233، باب ضمان النفوس وغيرها، الحديث 54، ووسائل الشيعة 29: 400، كتاب الديات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 3، إلّاَ أنَّ فيه: “يُحمل على العاقلة“.

(3) راجع: كتاب المكاسب 3: 284، رأي المؤلّف في المسألة ودليله.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

على العاقلة إلّا في بعض الجنايات وهو ما فوق الموضّحة، كالكسر والقتل، دون جميع موارد الضمانات والعبادات والمعاملات وكثير من الجنايات، فيكون التقييد مستهجناً، إذن فلا إطلاق لهذه الروايات.

ولو أغمضنا وأخذه بالإطلاق، فنقول: إنه بناءً على إطلاقها تكون دليلاً على صحّة المعاملات، فالصبي يعمل المعاملة لكنّه لا يضمنها بل العاقلة تضمنها، فهو دليل على الصحّة مع ضمان العاقلة.

تبقى رواية محمد بن مسلم الصحيحة أو الحسنة، عن أبي عبد الله قال: “عمد الصبي وخطأه واحد(1)، نعم لو لم يكن شيء في الخارج، لكان لها إطلاق، ولما أختص بباب دون باب، حتى إنها لتشمل ألفاظ الصبي، أما إذا لاحظ الإنسان أن جميع الروايات التي في هذا الباب سواء في روايات الصبي أو المجنون كلّها مذيّلة بهذا الذيل: “تحمله العاقلة” أو “يُحمَل على العاقلة”. ولعلّ الحكم كان معلوماً في زمن الإمام الصادق فلا يمكن أن يقال: إن لهذه الرواية إطلاقاً، وإن هذا الإطلاق حجّة في نظر العقلاء، فإن العقلاء إذا وجدوا أن جنايات الصبي على العاقلة، لا يفهمون منه الإطلاق لتمام أبواب الفقه، إذ لا يبعد أن لا يكون هناك إطلاق.

هناك تشبثات لاختصاص صحيحة محمد بن مسلم بالجنايات، منها ما ذكره الشيخ محمد حسين(2): من أنَّه في الرواية لم يقابل بين القصد والسهو، بل قابل بين 

ـــــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) تقدّمت الإشارة إليه آنفاً، فلاحظ.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 18-19، شروط المتعاقدين.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العمد والخطأ، وهو إنّما يُقال في موارد يترتّب المسبّب على سببه قهراً، غاية الأمر أن الشخص قد يقصد للسبب وقد لا يقصد، كالرمي الذي يترتّب عليه القتل سواء وقع عن عمد أو عن سهو، فهنا يمكن أن يقال: إن عمده وسهوه واحد، وباب الجنايات هكذا؛ لأن ما هو مسبب للجناية ليس للقصد مدخلية في ترتّب المسبّب عليه، بل يترتّب عليه عن قصد أو عن غير قصد. فهنا يمكن أن يقال: إن “عمد الصبي وخطأه واحد“؛ لأنه فعل يترتّب عليه أثره عمداً أو خطأً.

أما في المعاملات فليس ترتّب السبب على المسبّب قهرياً، ويترتّب عن عمد وعن خطأ، ليقال: عمده وخطأه سواء. إذن فهذا التعبير مختصّ بالجنايات.

نحن نقول: إن الصبي الذي يوقع المعاملة، مرّةً يكون على علم وعمد فيترتّب عليه الأثر، ومرّةً يخطأ في لفظه فيريد أن يقول: (زوجتك فلانة) يقول: (بعتك فلانة)، فلو قال الشارع عن ذلك: إن عمده خطأ فهل هذا دليل على عدم شموله لهذا المورد؟ فلو كان هناك أثرٌ مترتّبٌ على الفعل العمدي، لا يترتّب على الخطأ، فإذا أراد الشارع تفهيمنا بذلك، أن العقود التي يوقعها الصبي لا أثر لها لم يعمل شيئاً مخالفاً للظاهر، فالمعاملة التي قصدها الصبي لا يترتّب عليه الأثر كالمعاملة التي لم يقصدها، ووقع فيها خطأ، ففي هذه الموارد عمده وخطأه واحد، أي عمده مثل خطأه، لا أن خطأه مثل عمده.

وقال بعض المحشّين(1) إننا لا بُدّ أن نرى أن التنزيل في هذه الموارد كيف 

ـــــــــــــ[73]ــــــــــ

(1) راجع: ما أفاده المحقّق الأصفهاني في حاشيته على كتاب المكاسب 2: 18-19، شروط المتعاقدين، المحقّق الإيرواني في حاشيته على كتاب المكاسب 2: 169-170، المناقشة في أدلّة بطلان إنشاء الصغير.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يمكن؟ فالتنزيل بلا أثر غلط بلا إشكال، بل لا بُدّ له من أثر، فتارةً المنزِّل والمنزّل عليه معاً ذوَا أثرين مختلفين، وأخرى أنهما ذوَا أثرين متشابهين، وثالثة أحدهما له أثر دون الآخر.

أما إذا كان أثرهما متشابه فلا معنى للتنزيل، كالضمان الذي يترتّب على العمد والخطأ.

وأما في ما إذا كان للمُنزَّل أثرٌ مخالفاً للأثر المترتّب على المنزّل عليه، فعند التنزيل يريد أن يقول: إن الأثر المترتّب على العمد ليس موجوداً، ويترتّب على العمد الأثر الذي يترتّب على الخطأ، وفيما إذا كان العمد له أثراً والخطأ لا أثر له، فالتنزيل صحيح أيضاً؛ لأنه يقول: إن العمد، كالخطأ، لا يترتّب عليه أثر، كما يقول: وجوده كعدمه ولا يلزم أن يكون للعدم أثرٌ، بل يريد أن يقول: إن وجوده لا أثر له كالعدم.

وأما إذا لم يكن للعمد أثر والخطأ له أثر، فالتنزيل صحيح، والمراد أن العمد له أثر، فليس المراد أن يكون المنزّل والمنزّل عليه ذوي أثر، بل يكفي الأثر في أحدهما.

فلو فرض أن عمد الصبي له أثر تارةً وليس ذا أثر أخرى، وخطأه كان ذا أثر تارةً وليس ذا أثر أخرى، فالتنزيل في غير موارد الأثر المتشابه، صحيح. 

فما يقول بعض المحشّين من ضرورة وجود الأثر الوجودي لكل منهما لم نفهمه.

فإذا كان هناك إطلاق، لا يمكن رفع اليد عنه، لكن الكلام في ثبوت الإطلاق بعد ملاحظة سائر الخصوصيات.

ـــــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

رواية أبي البختري 

بقيت رواية أبي البختري -وهي ليست بصحيحة- وهي ما عن قرب الإسناد عن أبي البختري عن أبي عبد الله إذ كان يقول في المعتوه والمجنون والصبي الذي لم يبلغ: “عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم(1).

فنتكلّم تارةً عن أن نقل الإمام لذلك هل معناه أن أمير المؤمنين قال كلّ ذلك في كلام واحد، أو في موارد متفرّقة، كما في روايات، فإذا جمع الإمام بينهما هل يكون هذا خطأ عرفاً، ولا نحتاج إلى التناسب بين الصدر والذيل الذي يريد الشيخ أن يقوله: فلا بُدَّ أن نرى أن الذيل هل يجب ارتباطه بالصدر أو لا؟

في رواية أبي البختري التي قال فيها عن الصبي والمجنون: “عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم“. عدّة احتمالات:

أحدها: أن تكون الجملتان مستقلتان، والوجه في ذكرهما معاً، انهما حكمان لموضوع واحد، وهذا كاف في الارتباط بينهما، كما يقال: (الجنب يحرم عليه دخول المسجد ومسّ الكتاب)، فكُلٌّ من الصبي والمجنون موضوع لهذين الحكمين.

وفي حدود هذا الاحتمال، يحتمل أن يكون أمير المؤمنين لم يقل هذين اللفظين في مورد واحد، بل قالهما في موردين، كما قد نقل فعلاً عنه كلٌّ من الجملتين في روايات أخرى، كما يحتمل أن نفس الإمام الصادق قال 

ـــــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 155، أحاديث متفرّقة، الحديث 569.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

هذين الأمرين لكونهما حكماً لموضوع واحد، دون وجود رابطة علّية ومعلولية بينهما أو غيرها.

الاحتمال الآخر: أن تكون الجملتان مرتبطتين ارتباط العلّة بالمعلول، وذلك على أحد أنحاء، أما أن يكون (عمده خطأ) لرفع القلم أو بالعكس، أو يكون رفع القلم علّة لثبوت الحكم وهو: (تحمله العاقلة).

الاحتمال الثالث: أنه ليس علّة ومعلولاً، بل هناك رابطة بينهما غير العلّية، وذلك بأحد وجهين:

أحدهما: أنه ذكر رفع القلم عن الصبي باعتبار دفع ما قد يقال: إنه لماذا جعلت عمده كخطئه، فقال: لأنه رفع عنه القلم.

ثانيهما: أنه ذكر (رفع القلم) رفعاً لشبهة قد تقال، وهي: أن من عمل جريمة هو عليه أن يؤخذ بجريرتها فلماذا تحملها العاقلة؟ فقال: لأنه رفع القلم عن الصبي.

الطريق الآخر للارتباط: هو أنَّ (رفع القلم) و(تحمله العاقلة) موردان لكون عمد الصبي خطأه، فإنه قد يكون للخطأ أثر كما في باب الجنايات، فتكون على العاقلة، وقد لا يكون للخطأ أثر فلا يترتّب على العمد أثر أيضاً، فعمد الصبي خطأ في كِلا الأثرين.

وأما قضيّة العلّية والمعلولية، فهذا النحو الذي يقوله الشيخ(1) بلا إشكال لا بُدّ من توجيهه، فإنه يقول: إما أن يكون (رفع القلم) علّة لثبوت أصل 

ـــــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 282، استظهار البطلان من حديث رفع القلم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الحكم وهو كون الدية تحملها العاقلة، أو أن (عمده خطأ) علّة لرفع القلم، أما أنه لماذا جعل العلّية بهذا النحو دون العكس؟ فهذا يحتاج إلى توجيه.

نحن نقول أساساً: إنه مرّةً يقال: إن (عمده خطأ) علّة لرفع القلم، ومرّةً يُقال بالعكس، نرى أنه هل يمكن أن نأخذ أحدهما علّة للآخر، وهل يمكن تصوّر العلّة والمعلولية بينهما، ولو المعلولية الجعلية، فإنه طبعاً العلية التكوينية غير متصوّرة، وإنما المتصوّر أحد أمرين إما جعل العلّة، أو جعل المعلول بعد العلّة، وفي المورد الذي يجعل الشارع شيئاً علّة لشيء آخر، أو يجعل شيئاً عقب شيء آخر الذي هو معنى جعل المعلول، في الموارد التي يمكن فيها جعل العلّة وجعل المعلول، كما في قوله: (إذا غلى العصير العنبي يحرم) ففي المورد الذي جعل الغليان علّة للحرمة، يحكم العقلاء بالحرمة عند تحقّق الغليان، ولا حاجة إلى جعل حرمة مستأنفة، أو جعل جديد للمعلول، إذ إنَّ جعل العلّة يكفي في ترتّب الأثر، وإذا جعل المعلول، يعني جعل الحرمة على تقدير الغليان، فهذا يكفي عن جعل العلّية، ويكون جعلها لغواً، فإذا أمكن جعل كِلا الأمرين فلا معنى أن لا يتعلّق بهما الجعل معاً، جعل للعلّة وجعل للمعلول، بل يكفي جعل واحد.

ففي المقام إذا أمكن جعل رفع القلم علّة لـ(عمده خطأ)، أو العكس، لا يمكن جعلهما معاً، بل إما أن يجعل رفع القلم علة لـ(عمده خطأ)، فلا يكون الآخر حكماً شرعياً أو العكس فكذلك.

فنرى أن هذا المعنى، وهو جعل العلّية بينهما هل هو شيء ممكن أو لا؟ 

ـــــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فتنزيل العمد منزلة الخطأ في ترتّب الحكم، إما بلحاظ الحكم بتحمل العاقلة، أو أعمّ يعني أن هذا التنزيل يقتضي إطلاقه أن يشمل الجنايات وغيرها.

إذا كان (عمده خطأ) مخصوص بباب الجنايات، فهذا لا يمكن أن يكون علّة لرفع القلم ولا معلولاً له؛ لأن رفع القلم عن الطفل لا يعقل أن يكون علّة لثبوت الحكم على الغير -يعني الحكم بالتحمل على العاقلة- ولا معلولاً له، فإن مدلول أحدهما ثبوت شيء لشيء، ومدلول الآخر سلب شيء عن شيء، وليس بينهما أيّ ارتباط ليجعل أحدهما علّة والآخر معلولاً، أي ربط لإثبات الحكم على العاقلة ورفع التكليف عن الطفل، فيمتنع أن يكون سلب حكم عن أحد علّة لثبوت حكم على آخر.

معنى العلّية والمعلولية في التشريع، هو هذا: أنه إذا قال: جعلت هذا الأمر سبباً لذلك، جعلت الغليان سبباً للحرمة، فهو ممّا يفهمه العقلاء، والارتباط في نظرهم موجود، واستغنى بجعل العلّية عن جعل آخر، فهل إذا قال رفع القلم يستغني به عن جعل الحكم الآخر، وهل العقلاء يفهمون من سلب الحكم من الطفل ثبوت الحكم على شخص آخر؟

والأمر كذلك في عكسه وهو ما إذا جعل ثبوت الحكم للآخر وهو العاقلة علّة لسلب الحكم عن الطفل، أيضاً لا معنى له.

أما إذا كان (عمده خطأ) مطلقاً، فمرّةً تقول: إنه بإطلاقه يشمل مورد الجنايات ومرّةً تقول: إنه يختصّ بغير مورد الجنايات، فعلى الأوّل يلزم نفس الإشكال السابق في إطلاقه لباب الجنايات، وعلى الثاني، وهو ما إذا قلت: إنَّ 

ـــــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 (عمده خطأ) له علّية في غير هذا المورد، فهذا وإن كان ممكناً بوجهٍ، إلّا أنَّ فيه إلغاء للمورد، وهو حمل العاقلة وإخراجه عن مورد الكلام، وهذا تفكيك بين جمل الكلام، وهو خلاف الظاهر، إذن فباب العلّية والمعلولية غير معقول.

يبقى الارتباط بغير نحو العلّية والمعلولية، وأنهما جملتان مستقلتان، إذا كانتا مستقلّتين، فيكون قوله: “عمده خطأ تحمله العاقلة” كسائر الروايات الواردة بذلك، ولا يمكن التمسّك بإطلاقها لما سبق. 

وأما قوله (رفع القلم) فيمكن التمسّك بإطلاقه، ولا يرد ذاك الإشكال في قوله “ أما علمت: أنَّ القلم يُرفع عن ثلاثة…. ” الذي كان ظاهراً بالإشارة إلى حكم سابق ثابت في الشريعة، أما هنا فهو في مقام البيان.

وأما إذا كان هناك وجه ارتباط بينهما، وليستا مستقلّتين، فوجه الارتباط هو: أن (عمده خطأ) لعلّه أعمّ من الموردين، و(رفع القلم) من جهة و(تحمله العاقلة) من جهة أخرى، هنا يمكن أن نتمسّك بإطلاق (عمده خطأ)؛ لأن إشكاله كان هو أنَّ العاقلة لا تحمل شيئاً سوى بعض الجنايات دون الكفارات والأحكام الوضعية، فيكون مستلزماً للتخصيص المستهجن.

لكن هنا على هذا الاحتمال يكون قد ذكر كِلا الأمرين، فكأنّه قال: (عمده خطأ) مطلقاً، لكنّه في باب الجنايات (تحمله العاقلة) وفي غيرها (رفع القلم عنه)، فلا يكون مستهجناً. 

والإشكال بأن الاستثناء من إطلاق (تحمله العاقلة) يكون كثيراً مستهجناً مدفوع: فإنّنا لا يمكن أن نلحظ هذه الجملة مستقلّة، بل هي مرتبطة بسائر الكلام.

ـــــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناءً عليه، فرواية يكون راويها أبو البختري، واحتمالات بهذا النحو، وعلى جملة من الاحتمالات لا يمكن التمسّك بإطلاقها، لا يمكن الاستدلال بها لحكم.

وعلى أيّ حال حتى لو قلنا بأن (رفع القلم) جملة مستقلّة مطلقة، فإنها لا تشمل إجراء الصيغة من قبل الصبي وتوكيله؛ لأنها ليس فيها قلم ليرفع، وكذلك (عمده خطأ) بقرينة (تحمله العاقلة)، لا نستفيد منه شيئاً، وفي نظر الإنسان أنهما جملتان مستقلّتان وحكمان لموضوع واحد.

المقدار الذي استفدناه من الأدلّة إلى الآن، هو بطلان معاملة الصبي إذا كان مستقلّاً، وبطلانها إذا كان هو متكفّلاً للمساومة والقيام بالمعاملة، حتى لو أجاز الولي وأذن، فهذا أيضاً يثبت بالآية والروايات، وأما إذا تمّت جهات المعاملة من الطرفين، وأجاز الولي للصغير المميز بإجراء الصيغة، فلم نجد دليلاً على بطلانه؛ لأن المهمّ في هذا المقام هو صحيحة محمد بن مسلم: “عمده وخطأه واحد“.

وقلنا إنه في سائر الموارد التي وردت هذه الرواية بالنسبة للصغير والأعمى والمجنون، وردت مذيّلة بقوله: (تحمله العاقلة). وأيضاً معهودية الحكم في زمان الصادقين (أن الجنايات)، فلا يمكن التمسّك معه بالإطلاق، وأنها في صدد بيان الأعمّ من الجنايات وغيرها.

وكذلك في وكالة الصبي لأموال الغير، فإن الآية وغيرها إنّما كانت بملاحظة حال أموال الصبي نفسه، أما الصبي المميز الرشيد إذا وكله شخص لإجراء معاملة، لم نجد إلى الآن دليلاً على البطلان، و(رفع القلم) لو كان له إطلاق ورفع السيئات لا يستلزم ذلك؛ إذ القيام بالمعاملة للغير ليس له وزر ولا ثقل.

ـــــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في الإجماع المدعى 

يبقى الإجماع المدّعى، فإن الشيخ(1) ينقل عن (التذكرة) الإجماع، ويريد أن يقول إن الإجماع قائم على مطلق أفعال الصبي.

أساساً الإجماع والشهرة(2) التي نراها معتبرة -وهي الشهرة عند القدماء والتي ملاكها ملاك الإجماع- لا تكون أدلّة في مورد نحتمل أنهم اعتمدوا واستفادوا منها، ونحتمل أن كثيراً منهم أو جميعهم إنّما أفتوا بواسطة الآية والروايات، إذا احتملنا ذلك لا يبقى مجال للتمسّك بالشهرة والإجماع، بل يكون المرجع هو الآية والروايات، فضلاً عن أننا نعلم في المقام أنهم تمسّكوا بالآية من أوّل الإسلام ومن أوّل كتابة الفقه إلى الحال الحاضر، وكذلك تمسّكوا برواية (رفع القلم)، إذن فهذا ليس من موارد التمسّك بالإجماع.

هذا إذا كان هناك دعوى إجماع، وأما إذا لاحظنا زمن شيخ الطائفة نرى الشيخ نفسه لا يرى المسألة إجماعية، وإنما تمسّك بأمور أخرى، غير الإجماع، والشيخ في أول كتاب (الخلاف)(3) صرّح بأن هذه المسائل التي نذكرها إن كان فيها إجماع أصحابنا نذكره، ومتى لم يكن نتمسّك بأدلّة أخرى، ففي الموارد التي لم يستدلّ بالإجماع يدلّ على عدم وجوده، لا أن عدم ذكره للإجماع أعمّ من 

ـــــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 284، رأي المؤلّف في المسألة ودليله. وأُنظر: غنية النزوع: 210، وتذكرة الفقهاء 2: 73، وغيرهما.

(2) راجع: الدروس الشرعيّة 3: 192، كفاية الأحكام: 89، وغيرها.

(3) راجع: الخلاف 1: 45، مقدّمة المؤلّف.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وجوده وعدمه، بل هو دالّ على عدمه لا محالة.

قال شيخ الطائفة في (الخلاف) كتاب البيع مسألة 294(1): لا يصحّ بيع الصبي وشراؤه سواء أذن فيه الولي أو لم يأذن وبه قال الشافعي(2)، وقال أبو حنيفة إن كان بإذن الولي صحّ وإن كان بغير إذنه وقف على إجازة الولي(3). دليلنا: أن البيع والشراء حكم شرعي، ولا يثبت إلّا بشرع، وليس فيه ما يدلّ على أنَّ بيع الصبي وشراؤه صحيحان، وأيضاً “رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ”(4). انتهى.

فقد تمسّك بدليلين: 

أحدهما: أننا نحتاج في الحكم بالصحّة إلى دليل من الشرع ولا دليل، ولو كان هناك إجماع لكان دليلاً على الثبوت.

ثانيها: حديث (رفع القلم).

فعندنا في المقام كلامان:

أحدهما: راجع إلى أصل المسألة الراجعة إلى بيع الصغير، وأنه لم تكن مسألة إجماعية، بل كان الكلام بمقتضى الأدلّة.

والآخر: أن موضوع البحث ما هو؟

ـــــــــــــ[82]ــــــــــ

() الخلاف، ج1، ص584. (المقرِّر).

(2) راجع: المجموع 9: 158، فتح العزيز 8: 106، والوجيز 1: 133.

(3) راجع: المجموع 9: 158، فتح العزيز 8: 106، وبدائع الصنائع 5: 150. 

(4) الخلاف 3: 178.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ما هي المسألة التي طرحت من القديم، ووقع الكلام فيها بين الشيخ والشافعي وأبي حنيفة، هي: أن بيع وشراء الصبي سواء أذن الولي أو لم يأذن غير صحيح، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة بالصحّة مع إذن الولي وإجازته، ومعلوم أن محلّ البحث في المسألة، هو أن يعمل الصبي المعاملة في أمواله ثُمّ يجيزها الولي بعد ذلك، وليس الكلام في إجراء الصيغة، فإنه ليس بيعاً وشراءً للصبي. 

وأما أن عبارة الصبي كـ (لا عبارة) كالهازل والمجنون، فليس هو موضوع البحث، بل موضوع البحث هو أن يعمل الصبي كالآخرين، فـ(بلا إجازة) لا يجوز، ومع الإجازة قال الشيخ والشافعي بالبطلان وأبو حنيفة بالصحّة، فلو فرضنا أن شيخ الطائفة أدّعى الإجماع هنا وقبلناها، فإنه لا يستفاد منه أكثر ممّا يستفاد من الأدلّة، فلا يدلّ على أنَّ عبارة الصبي ملغاة، ولا عدم جواز توكيله من غيره في أموال غيره، فإنه أيضاً لم يكن محلّ بحثهم.

وفي (الغنية) حين بحث المسألة طويلاً بمقدار صفحة، قال في أوّل عبارته: من شرائط انعقاد العقد ثبوت الولاية في المعقود عليه، ثُمّ يذكر الشروط مفصلاً ثُمّ يقول: ويخرج من ذلك -يعني ما قاله في ثبوت الولاية في المعقود عليه- بيع من ليس بكامل العقل وشراؤه، فإنه لا ينعقد وإن أجازه الوليّ، لما قدّمناه من دليل الإجماع. ويحتجّ على المخالف بقوله: (رفع القلم). انتهى(1).

نعقد البحث في أنَّه يعتبر في صحّة المعاملة كونه وليّاً بالأمر، وأن لا يكون 

ـــــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) غنية النزوع: 210.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ناقص العقل، ولا مجنوناً ولا سفيهاً، ثُمّ يتمسّك بالإجماع وبعدم الدليل ورفع القلم، ومحلّ البحث هو ما إذا كان يريد إيقاع المعاملة مستقلّاً، فليس هو محلّ ولاية.

أما لو قيل له اقرأ الصيغة فليس في المقام محلّ ولاية، بل المال تحت ولاية الوليّ، فهو خارج عن محلّ البحث، نعم، لو كان أراد إيقاع المعاملة للغير بالوكالة لعلّه يشمله على إشكال.

وهو -أي: ابن زهرة- يدّعي الإجماع، وليس مراده الإجماع المدعى لشيخ الطائفة، بل يقول: إن قول المعصوم هو ذلك، وحيث إنَّ الإجماع يكشف عن قول المعصوم، فهو يدّعي الإجماع لذلك. 

بالإضافة إلى أنَّه يقول: (إن ما لا يكون كامل العقل لا ينعقد)، فيشمل الصبي غير المميّز والسفيه والمجنون ونحوه، ولا يشمل الصبي الرشيد فإنه كامل العقل.

والإجماع المدّعى في (التذكرة)(1) الذي ذكره الشيخ(2). في (التذكرة) ذكر المسألة المربوطة بمحلّ الكلام في موارد:

أحدها: ما نقله الشيخ، إذ يقول عن (التذكرة): إن الصغير محجور عليه بالنصّ والإجماع، وإن كان مميّزاً في جميع التصرّفات، إلّا ما استثني كعباداته وإسلامه وإحرامه ووصيّته وسلامه وإيصال الهدية وإذنه في الدخول.

ـــــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) راجع: تذكرة الفقهاء 2: 73.

(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 285، كلام العلّامة في عدم صحّة تصرّفات الصبيّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يقول الشيخ: إن مراده بالتصرّفات أعمّ من هذا كلّه، وإلّا لم يكن معنى للاستثناء(1).

لكن أشكل عليه السيد صحيحاً: أن إيصال الهدية التي يستثنيها؛ مرّةً يعلم الشخص أنها مهداة إليه، ومرّةً لا يعلم، والعلَّامة لم يفصّل في عبارته بينهما. ففي المورد الذي لا يعلم أنها مهداة لا بُدّ أن يكون الصبي ذا يد ومعتبر القول حتى يقبلها منه؛ لأنه يأتي بها ويدّعي أنها مهداة إليه، فلو كان الصبي كلّ شيء منه ملغى لَما كان هذا التصرّف منه مقبولاً ونافذاً، وأما إذا كنت أعلم بالإهداء فهو ممّا يتحقق -على حد قول الشيخ- حتى بواسطة الحيوان، ولكن المُستثنى هو الإيصال، وإلا لم يكن محلّ للاستثناء لصدقه حتى على الحيوان، فقوله لا يجوز تصرّفه إلّا في ذلك يدلّ على ذلك(2).

وكذلك الإذن في الدخول، إذا لم أعلم أن صاحب الدار آذن أو لا، فلا بُدَّ أن يكون قوله معتبراً مقبولاً حتى أدخل على أساسه، فهذا نحو من التصرّف.

بناءً عليه، فالإجماع الذي يدّعيه الشيخ -على تقدير أهمّيته- لا يثبت أن ألفاظ الصبي كالهذيان.

وفي محلّ آخر من (التذكرة) قال: لا تصحّ عبارة الصبي سواء كان مميّزاً أو لا، أذن له الولي أو لا(3)

ـــــــــــــ[85]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) راجع: حاشيته على المكاسب 2: 16، شروط المتعاقدين، الشرط الأوّل: البلوغ.

(3) راجع: تذكرة الفقهاء 1: 462.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثُمّ لم يدّعِ الإجماع، وإنما تمسّك بوجوه اعتبارية، ففي تلك المسألة إذا كان إجماع فهو غير مربوط بألفاظ الصبي.

والإنصاف أنه لا تُقبل دعوى الإجماع، وليس الإجماع معتبراً في موارد النصّ. إذن توصّلنا إلى عدم وجود الإجماع على ألفاظ الصبي وتوكيله، لم يثبت عدم جوازه لا بالإجماع ولا بالأدلّة.

هل معاملات الصبي باطلة مطلقاً؟ أم تصح في المحقَّرات

بحث آخر: وهو من العويصات، وهو أنَّه هل معاملات الصغير مطلقاً باطلة، أو في الأمور الحقيرة والطفيفة التي تكون معاملات للأطفال، كشراء القلم والدفتر والدواة، ممّا هو متعارف أن يقوم الأطفال به باطل، أو لا؟

المهمّ في المقام، هو السيرة التي نراها قائمة، وبعضها وإن كنّا نحتمل أنها حادثة ولم تكن في زمان الشارع الإسلامي، كبعض المعاملات النادرة أو التي لم تكن تحت حاجة البشر سابقاً، إلّا أنَّ بعض الأمور نقطع أنها ليست راجعة إلى عصر دون عصر كحجّية خبر الواحد وحجّية قول ذي اليد فإن معيشة الناس على ذلك، فالسيرة إذا لم تكن متصلة بزمان المعصومين لا تكون معتبرة.

إلا أنَّ معاملات الصبي ليست جديدة بل هي قديمة، ولذا يقول الشيخ الطوسي: أن الأطفال على قسمين؛ قسم داخل في المجتمع يقوم بالمعاملات، وقسم هم أبناء الأشراف غير داخلين في المجتمع. 

وكذلك الروايات القائلة أنه (رفع القلم عن الصبي) و(عمده خطأه)، يعلم أن الأطفال كانوا داخلين في المجتمع، بل كان ذلك قبل النبي وقبل 

ـــــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

عيسى وقبل موسى أيضاً، غايته أنهم لا يعملون معاملات مهمّة، بل معاملات بسيطة.

فمثل هذه السيرة بهذا النحو هل يمكن الردع عنها بمثل عبارة: (رُفع القلم عن الصبي). فإن الناس في السوق -الذين يعملون ذلك- يرون أن هذا التعبير غير مربوط بهم، كذلك قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئاً(1) لا يرد إلى الذهن أنه جاء لكي ينقض سوق المسلمين ويُسقط حجّية اليد وخبر الواحد، فهذه السيرة محتاجة في الردع عنها إلى النهي الشديد.

ففي زمان الأئمة والعلماء والصلحاء، كانت هذه السيرة نافذة، فإن كانت غير جائزة كانت من المنكر ولوجب عليهم النهي عنها، فهل اعتمدوا على هذه الرواية الضعيفة، رواية رفع القلم؟ ليس ذلك إلّا أنَّ المعاملة صحيحة. 

فما يقوله الشيخ(2) من أنَّ هذه السيرة ناشئة من عدم المبالاة، لماذا لم ينهَ الشيخ عن إيقاعها حينما كان في النجف؟! فالمسألة واضحة والتشبثات التي قالها الآغايون ضعيفة، كقولهم(3): إن المعاملة بين البائع والولي والصبي آلة، فهل هذا يرد إلى الذهن عند إيقاع المعاملة مع الصبي؟ وكقولهم: إن ذلك لجواز الفصل بين الإيجاب والقبول.

ـــــــــــــ[87]ــــــــــ

(1)يونس: 36، النجم: 28.

(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 288، تصحيح المعاملة لو كان الصبيّ بمنزلة الآلة.

(3) راجع: جواهر الكلام 27: 160، حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 46، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 115، منية الطالب 1: 365، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

هذا كلام يُقال في المدرسة، والمسألة مسألة السوق، وكقولهم(1): إن المعاطاة مراضاة وليست بيعاً، في أنَّ الصحيح أنها بيع وتصحّ في المعاملات الكبيرة والصغيرة على حدّ سواء.

إلا أنَّهم قدس الله أسرارهم، حين وجدوا السيرة على الجواز ووجدوا من الطرف الآخر دعوى الإجماع وباقي الأدلّة، فتشبثوا بهذه التشبثات، إذن ما المانع من أن نجيز المعاملات الصغيرة للصبي بإجازة الولي؟ وهو -أي: صورة إجازة الولي- القدر المتيقّن من قيام السيرة، ولا إجماع في المسألة، ولا نصّ، نعم هناك رواية السكوني لا بُدّ من النظر إلى دلالتها.

الشيخ(2) ينقل عن المحدث الفيض الكاشاني(3)، أنه في المحقّرات تصحّ معاملة الصبي تمسّكاً بدليل الحرج. 

ويرده الشيخ(4) بأن الحرج غير لازم سواء كان مرادكم أن إلغاء بيوعات الصبي يوجب الحرج أو إلغاء شراءات الصبي يوجب الحرج، فإن كلّ ذلك لا يلزم منه الحرج، بل من الممكن أن يقوم به الكبار.

ـــــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) راجع: مختلف الشيعة 5: 248-249.

(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 286، لا فرق في معاملات الصبيّ بين الأشياء اليسيرة والخطيرة.

(3) راجع: مفاتيح الشرائع 3: 46.

(4) راجع: كتاب المكاسب 3: 287، لا فرق في معاملات الصبيّ بين الأشياء اليسيرة والخطيرة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يحتمل أن يكون نظر الفيض ليس إلى ذلك المعنى، بل إلى هذا المعنى، وهو أنَّه مع هذا الاختلاط المشاهد في السوق وأن الأطفال يقومون بالمعاملات مع الناس، فالأموال التي تكون عند الناس تكون من اختلاط الكثير بالكثير بنحو العلم الإجمالي. 

فإن في السوق عدداً كبيراً من الصبيان وإن كان مَن في السوق أضعافهم، فهم من اختلاط الكثير بالكثير، وفي مثل ذلك تكون الأموال التي عند البالغين مختلط الكثير(1) بالكثير بنحو العلم الإجمالي. فيريد أن يقول: إن اليد في مثل ذلك تسقط عن الاعتبار والأمارية، كما في شخص نعلم أنَّ كثيراً من أمواله سرقة، فهل يبنى على حجّية يده مع أن فيه اختلاط الكثير بالكثير.

ويمكن الإشكال بأن اليد في سوق المسلمين نافذة، وإن كان هناك احتمال الخلاف، فإن في مثل ذلك قامت السيرة على أنَّ ما تحت يد الإنسان ملك له، ولكنّ في الأشخاص الذي عملهم على هذا الأساس، أي: على إحراز الأموال المحرمة، تكون يدهم ساقطة عن الأمارة، فإذا قلنا ببطلان معاملة الصبيان فيكون الحرج متحقّقاً في السوق، وقد تصل أموالهم إلينا.

فمراده من الحرج: أن معاملات الصبيان الشايعة بين المسلمين وغيرهم تكون سبباً في إسقاط يد المسلم عن الأمارية، أو الشكّ في بناء العقلاء على ذلك.

أولاً: لا بُدّ أن نرى: أن بناء العقلاء في مثل ذلك كذلك أو لا؟

ـــــــــــــ[89]ــــــــــ

() والفرض هو بطلان معاملة الصبي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وثانياً: أن اختلاط الكثير بالكثير هل يوجب الحرج أو لا؟ على حين أن السوق قائم على المعاملة مع الصغير والكبير، لكن لا على أن يتمّ هذا بدليل الحرج ابتداء؛ لأن إشكاله واضح، لأنه افرض أنه حرج ولا نستطيع إثبات أمارية اليد، إلّا أنَّ قاعدة الحرج لا تصحّح المعاملة، فلعلّ مراده هو أنَّ مقتضى العمومات كـ(أوفوا بالعقود)(1) و(تجارة عن تراضٍ)(2) ونحوها شاملة لمعاملات الصبي، فإن بيع الصبي المميّز الرشيد لا يفرّق فيه عن بيع غيره في ماهيّته لولا الحجر عليه، لقلنا بصحّة معاملاته، والأدلّة المعارضة لهذه العمومات هي أدلّة الحجر.

فإذا رفضنا أدلّة الحجر بأدلّة الحرج بأن يقال: بأن أدلّة الحرج لو شملت هذه المعاملات الشائعة بين الناس لكان الأمر حرجياً، فنلغي بذلك دليل الحجر، فيشمله عمومات صحّة المعاملات من دون معارض، ويكون دليل الحجر على الصغير مختصّ بالمعاملات الكبيرة، ولا تكون المعاملة صحيحة بدليل الحرج ليقال: إنَّه نافٍ وليس مثبتاً، وإنما نلغي بدليل الحرج دليل بطلان المعاملة.

طبعاً لا يتمّ هذا المطلب، إلّا أن أثبت هذين المعنيين:

الأول: أنه اختلاط كثير بكثير.

الثاني: أن بناء العقلاء في مثل ذلك على عدم أمارية اليد على الملكية.

فإن أحد الأمرين إذا لم يثبت لا يعمل دليل الحرج عمله، ولا يثبت مطلب الفيض.

ـــــــــــــ[90]ــــــــــ

(1) أي: الآية: 1 من سورة المائدة.

(2) أي: الآية: 29 من سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاستدلال بالروايات 

هناك رواية في أبواب ما يكتسب به، الباب الثالث والثلاثين، محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله قال: “نهى رسول الله عن كسب الإماء؛ فإنّها إن لم تجد زنت، إلَّا أمةً قد عُرفت بصنعة يدٍ، ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يُحسن صناعةً بيده؛ فإنَّه إن لم يجد سرق(1).

أما عن سندها فهي معتبرة؛ لأن النوفلي والسكوني على ما يظهر من تتبّع الفقه أنهما لهما قدم راسخة فيه، ويرويان الكثير في سائر أبواب الفقه، وعمل الفقهاء بروايتيهما، والشيخ يصرّح بالأخذ بها ويدّعي الإجماع على ذلك، فالرواية في غاية الاعتبار.

وأما عن متنها، فهل هذا كلّه كان كلاماً للنبي، أو الإمام بعد أن نقل عن النبي الحكم بيّن نكتة جعله.

وعلى كِلا الاحتمالين، فهنا احتمالان:

أحدهما: أن الإمام يريد أن يبيّن علّة الحكم.

ثانيهما: أنه يبيّن نكتة الحكم. فلا نكون دائرين مدارها، بحيث لو علمنا بعدم السرقة والزنا جاز لنا وارتفعت الحرمة. 

كما أنَّ هذين الاحتمالين واردان لو كان كلّه كلاماً للنبي، والذي يأتي 

ـــــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 128، باب السحت، الحديث 8، مع فارقٍ يسيرٍ، ووسائل الشيعة 17: 963، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 33، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إلى نظر الإنسان أنه نكتة الجعل وليس علّة له. فإن احتمال السرقة لا يكون علّة، وإنما نهى عن ذلك باعتبار أن الأَمَة والصبي قد لا يكونان مباليَين بالدين، فيكون مصدر أموالهما مشبوهاً.

وبناءً عليه، يرتفع كثير من الكلام الذي ترونه بناءً على كونه علّة للجعل، من أنَّه استناد للمانع في وقت لا مقتضي له، فيدلّ على الصحّة، مع جوابه، أو أنه علّة للحكم فلا يتحقّق المعلول بدونها. كلّها لا تصحّ وإنما هي نكتة الجعل، من قبيل غسل الجمعة، الذي شرّع لنكتة من فيه ريح العرق(1)، فيشمل غيره أيضاً.

وهنا كلام آخر، وهو أنَّ نهي رسول الله عن بيع الإماء أو الصبي، نظير نهيه عن كسب السفيه أو نهيه عن الربا، بحيث إنَّ النهي متوجّه إلى الإماء والصبي -ونأخذ الكسب بالمعنى المصدري- فيكون المعنى أنه نهى الإماء عن الكسب؛ لئلا يقعن في الفجور، ونهى الصبي أيضاً؛ لأنه إن لم يجد سرق، ونهي الصبي نهيٌ إرشاديٌ أو تنزيهيٌ، فإن الصبي المميّز قابل لتوجّه التكليف إليه، ولذا كثير من الفقهاء يعزّرون الصبي وقد يحدّونه، ولولا أدلّة رفع القلم ونحوها لشملت النواهي العامة الصبيان المميّزين الملتفتين، فيكون النهي نهياً للصبي نفسه.

واحتمال آخر: وهو أنَّه نهى عن كسبهم -أيضاً بالمعنى المصدري- يعني عن تمكينهم من الكسب، فالنهي متوجّه إلى الأولياء والموالي.

ـــــــــــــ[92]ــــــــــ

(1) أُنظر: الرواية الواردة في باب استحباب الغسل لدخول الكعبة من أبواب مقدّمات الطواف من وسائل الشيعة 13: 281، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

واحتمال آخر: وهو أخذ الكسب بمعنى الاسم المصدري، يعني: ما يحصل بالكسب، فقد نهى النبي عنه؛ لئلا يكون حاصلاً من السرقة أو الفجور، والنهي حينئذٍ يكون متوجّهاً إلى سائر الناس(1)

وعلى تقدير توجّه النهي إلى الصبي يحتمل أن يكون نهياً تنزيهياً، ويحتمل أن يكون تحريمياً(2).

وعلى سائر الاحتمالات، تدلّ الرواية على الصحّة في الجملة، فإنه لا شكّ أنه قسّم الإماء وقسّم الصبيان إلى قسمين:

أحدهما: له صنعة يدوية يكتسب بها.

والآخر: الذي ليس له كسب بيده.

والنهي بأيّ نحو كان إنّما يتوجّه إلى الأشخاص الذين لا كسب لهم، وأنت لا بُدّ من أن تفرض أنه يكتسب، لا أنه حصل على ما في يده بلا كسب كالهبة، أو حيازة المباحات العامة كما يقول الشيخ(3).

فإن الحيازة الخارجية لا تكفي، بل تحتاج إلى قصد التملك أو قصد الحيازة، فإن الملكية تحتاج إلى سبب لا محالة، وهي لا تتحقق من دون ذلك، إذن 

ـــــــــــــ[93]ــــــــــ

() راجع ما أفاده المحقّق الأصفهاني في حاشيته على كتاب المكاسب 2: 25-26.

(2) والأرجح كونه تنزيهياً لاقترانه بالإماء وجعل هذه الأمور محتملة (كذا قال السيد) في آخر المحاضرة. (المقرِّر).

(3) راجع: كتاب المكاسب 3: 287، لا فرق في معاملة الصبيّ بين الأشياء اليسيرة والخطيرة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فالحيازات التي يحوزها الصبي كسب وله قصد معتبر، وإلّا لم يكن كسبه كسباً ولا مكسوبه مكسوباً، وفي أجرته إذا أخذ أجراً معيناً، أو مصداقاً من أجر كلّي، إذا أعطى له فلا يجري ويكون وصوله كـ(لا وصول)، ولا تفرغ ذمّة المؤجّر إلّا أن يكون قبض الصبي معتبراً.

إذن، فكما أنَّ كسب الإماء هو الكسب الذي يُضمن به، كذلك كسب الصبيان، غايته أنه مع إذن المولى والوليّ، فلا بُدَّ من حفظ موضوع الكسب، وأخذه مفروض الوجود، وكسب الصغير لا يكون إلّا بأن يكون طرفاً للمعاملة، ولا يتحقّق فيما إذا أصبح واسطة أو قارئاً للصيغة (صيغة كان)(1). غايته أن الشارع قسّمهم إلى قسمين، أحدهما ذو الصنعة فحكم بجواز كسبه وعمله وصحّة التعامل معه، إذن فهناك كسب مفروض الوجود، وهو صحيح في الجملة.

غاية الأمر أنه لا إطلاق في الرواية لغير إذن الولي، ولا لجميع أنحاء الكسب؛ لأنه في صدد بيان الصورة الأخرى، فالقدر المتيقّن من الجواز هو المعاملات التي يقوم بها الصبيان عادة بإذن الولي، وهذا يدلّ أيضاً على وجود هذه المعاملات في زمان رسول الله لا أنه نهى ليعمل به في الزمان الذي بعده.

فبحسب القواعد: إن المعاملات التي يتكفّلها الصبي عادة صحيحة، تدلّ على ذلك هذه الرواية والسيرة جارية عليها، والأدلّة الناهية لا تشملها، إذن 

ـــــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: اقرأ الصيغة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فلفظه غير ملغى، بل نافذ ومعتبر، وتوكيله في أحوال غيره ممكن، ومعاملاته العاديّة في أمواله مع إذن وليّه نافذة.

كلام للشيخ محمد حسين [الأصفهاني

الرواية التي في محلّ الكلام، والتي تدلّ على كون عقد الصبي صحيحاً، ونستطيع التمسّك بها في الجملة؛ لا بُدّ من التعرّض إلى بعض الإشكالات التي قيلت حول دلالتها:

منها: ما ذكره المرحوم الشيخ محمد حسين(1)، قال ما محصّله: إنه استدلّ بهذه الرواية من ثلاث طرق:

أحدها: أن التعليل الذي في الرواية، وهو يقول: “إن لم يجد سرق”، يُعلم منه أن هناك مانعاً من الصحّة، لا أنه لا مقتضى له، إذ لو كانت معاملاته باطلة سرق أو لم يسرق، وإذا فسد العقد كان المال مال الغير، ولا ينبغي تعليله باحتمال السرقة، فيدلّ التعليل أنه لولا جهة احتمال السرقة لكانت المعاملة صحيحة.

ونحن نضمّ إليها أن الاستناد إلى المانع في صورة ملازمته مع عدم المقتضي، بحيث لا يبقى مورد للمقتضى هنا فلا مانع من الاستناد إليه.

وأما في الموارد التي يكون المانع موجوداً والمقتضي غير موجود، فهنا لا يجوز الاستناد إلى المانع، لأن معناه: أن المانع إذا لم يكن فلا إشكال، مع أن الفرض أنه لا مقتضى أصلاً، فنستكشف في ما نحن فيه بالخصوص وأمثاله أن المقتضي موجود.

ـــــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) راجع: حاشية كتاب المكاسب 2: 25.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الطريق الثاني للاستدلال: أنه قيّد بهذا القيد: وهو أنَّه (لا يحسن الصنعة)، فيُعلم أن أصل معاملة الصبي من حيث هي لا إشكال فيها، وإلّا لو لم يكن عقده جائزاً، فتقييده بمن لا يحسن الصنعة لا معنى له(1).

الطريق الثالث للاستدلال: أنه من ناحية الحكم لو كان هو الحرمة لقلنا إن كسبه أو مكسوبه حرام، ولدلّت الرواية على الحرمة.

وأما لو كانت هذه المعاملة مكروهة، ومعناه أن الكراهة لاحتمال أنها من السرقة، فيُعلم أنها معاملة نافذة، غايته على هذا الاحتمال صار مكروهاً، فالكراهة تدلّ على الصحّة، إذ لولاها يكون ما في يده محرّماً(2).

يقول: هكذا استدلوا، ثُمّ اشكل على الطرق الثلاث:

يقول: أما الوجه الأول فله جوابان:

أحدهما: أنه وإن كان الكسب هو ما يكتسب بملاحظة التعليل، لكنّ المكسوب المعاملي بالخصوص لا يمكن أن يكون مراداً، إذ مع فرض المكسوب المعاملي لا يعقل السرقة، فالمكسوب ليس مكسوباً معاملياً، بل مكسوب عرفي، أي: ما يستفيده الصبي في معاملة أو حيازة، أو التقاط أو سرقة أو استعطاء.

وحينئذٍ كانت لا تستطيع أن تقول: إذا لم تكن المعاملة باطلة، كان الاستناد إليه لا إلى المانع، فالمعاملة صحيحة، بل المراد هو المكسوب العرفي.

وثانياً: إذا كان المكسوب معاملياً، أيضاً لا يتمّ المطلب؛ لأن النهي من هذه 

ـــــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الحيثية الخاصّة، وأما صحّة المعاملة وجوازها فعلى بابه وعلى أدلّته، فربما بعضها جائز وبعضها غير جائز، فإنه في مقام البيان من حيث الحرمة لا من حيث الجواز ليتمسّك به في إثبات صحّة المعاملة(1).

الآن نرى أن هذين الجوابين كيف حالهما؟

مع غضّ النظر عن أنه إنّما يصحّ التعليل إذا كان المراد من الكسب المكسوب، وسوف نرى أن التعليل صحيح حتى إذا لم يرد منه ذلك، فنفرض أن المراد به المكسوب.

نقول: إن ما يقوله من أنَّه إذا أخذنا المكسوب معاملياً، لا يمكن فرض السرقة، غير تامّ، فإنه أيضاً يمكن فرضها فيه، كما لو سرق شيئاً وباعه، فهذا كسب بالمال الحرام، وحيث إنَّنا نحتمل أنه (إن لم يجد سرق) فلا بُدَّ من أن تجتنب عن مكسوبه إما حراماً وإما تنزيهاً.

وأما إذا قلنا -كما قال- إن المراد بالكسب الكسب العرفي، الأعمّ من الكسب في المعاملة، فهذه الأشياء التي مثّل بها، ما عدا السرقة والاستعطاء على وجه ما هو وضعها. لو كانت الرواية لها إطلاق لمطلق الكسب، يعني تنهى عن مطلق كسب الصبي، وتعلّله بوجود المانع وهو احتمال السرقة، فالمقتضى في كلٍّ من المعاملات والحيازة ثابت ويدخل في ملكه ويكون التصرّف فيما يصل إلينا جائزاً، وفي باب الاستعطاء إذا أعطى لأجل أن يكون ماله فهو كسب، وإذا أعطاه وأباحه له فليس كسباً؛ إذ يكون للمعطي التصرّف فيه أيضاً.

ـــــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذن فلو لم يكن المقصود خصوص المعاملة، بل أعمّ منها، فيكون دليلاً
-فيما عدا السرقة- على أنَّ قصد الصبي نافذ وحصل له بهذه الأسباب كسب، ومعاملاته أيضاً -بحسب الإطلاق- أسندت إلى المانع، فيأتي نفس الدليل؛ لأن الإسناد إلى المانع يدلّ على تحقّق المقتضي، فكان ينبغي أن يقول -لو أراد أن يتخلّص من الإشكال-: إن المراد من الكسب غير الكسب كالسرقة والإباحة ونحوها، فإن هذا أهون من تخيّل ارتفاع الإشكال بهذا الجواب.

وأما الإشكال الأخير: هو أنَّ الرواية حيثيّة. نعم، قد يكون المتكلّم في مقام بيان مطلب آخر، ولا يمكن أن نأخذ بإطلاق كلامه في تمام ما قال، وفي المقام كذلك، إذ هو في مقام بيان الحرمة، فلو شككنا في جواز تقدّم القبول على الإيجاب في معاملة الصبي لا يمكن الاستدلال بها، ولكنّ المقصود هو أنَّه في موارد الإهمال لا يثبت الحكم ولو في الجملة، هذا غير صحيح، بل يثبت على نحو الإهمال وفي الجملة له كسب صحيح، بشرط أن يكون الكسب كسباً له، وكونه آلةً في المعاملة أو قارئاً للصيغة، لا يكون كسباً له، فيُعلم عدم الفرق بين ذي الصنعة وغيره، غاية الأمر أن من له صنعة يكتسب بصنعته، لا حاجة له إلى السرقة فهو لا يسرق غالباً، فلا مانع من التصرّف في ما يصل إلينا من أمواله.

نعم، محتمل أن يكون محتاجاً إلى إجازة الوليّ، هذا صحيح ولا يمكن إثباته بالإطلاق، أما أصل الصحّة فتثبت مهما كان مهملاً.

وأنا لم أفهم الجواب الثاني، فإن المشكل قال: إنَّ الرواية قيدت الحكم بمن لا يحسن الصنعة، ولو كان مطلقاً باطلاً، لا معنى للتقييد بمن لا يحسن 

ـــــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الصنعة، فيُعلم أنه عندنا قسمان:

أحدهما: صبي يحسن الصنعة، وهو لا مانع منه، وقسم لا يحسنها، فمكروه على ما دلّت عليه الرواية، وحتى لو كان تحريمياً، فيُعلم أنه صحيح في الجملة.

يقول: إن موضوع الحكم بالكراهة مقيّد، فليكن مقيداً، هل لا يدلّ على استفادة الصحّة في الجملة؟ فهذا القيد مهما كان، لأجل تحقيق الموضوع أو غيره(1)

نفهم أن الآخر، وهو كسب من يحسن الصنعة لا مانع منه، ليس حراماً ولا مكروهاً.

أما الجهة الثالثة التي يقولها: وهي أنَّ الرواية حيثية ومن جهةٍ، فلا يمكن تصحيح عقد الصبي، -إلّا أنه وإن لم يكن مطلقاً- إلّا أنه يثبت الصحّة في الجملة، فإنكم لا يمكن أن تنكروا أن الصبي هو الموضوع، وإن أنكرتم الإطلاق، ونحن لا نريد إلّا الإثبات الجزئي في مقابل السلب الكلّي الذي يقوله الفقهاء، فهل تكون هذه الرواية قاصرة عن ذلك مع أن موضوعها هو الصبي؟

نعم، تقولون إنها لا بُدّ أن تكون بإذن الوليّ أو لا تكون في الأمور المهمّة، نحن لا مضايقة لنا عن ذلك.

وعلى الجملة فإن ما يفهمه الإنسان من الرواية هو أنَّ المعاملات التي يشتغل بها الأطفال عادة جائزة مع إذن الوليّ، والنكتة نكتة الحكم لا علّة له، أما المعاملات الكبيرة أو دون عدم إذن المولى. هذا محصّل الكلام في الصبي، والأقوى جواز معاملاته بإذن الوليّ. 

ـــــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأما إذا قلنا بإطلاق الروايات فلا معنى لأن تكون السيرة مخصّصة لها؛ لأن حجّية السيرة معلّقة على عدم الردع، والروايات إطلاقها غير معلّق، فلا بد أن تلتزموا بانصرافها كما نعتقده، ولا يمكن أن تكون السيرة مخصّصة للعمومات والإطلاقات، فلا بُدّ أن تقولوا إن السيرة لا تدع مجالاً للإطلاق كما هو الواقع.

ـــــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 



الثاني: اشتراط القصد في المعاملة

 

مما يعنونّه الشيخ: اشتراط القصد في المعاملة.

ويقول(1): لا خلاف في المسألة(2) كما لا خلاف في دخل القصد في مفهوم المعاملة، فيستفاد من كلامه مطلبان:

أحدهما: أن القصد شرط في صحّة المعاملة.

والثاني: أن هذا الشرط ليس مثل الشرائط الأخرى؛ لأن الشرائط:

مرّةً تكون محقّقة لمفهوم المعاملة في عالم المفهومية، وأخرى بمعنى أنه بعد الفراغ عن المفهوم لا تتحقّق إلّا به. 

وأخرى تتحقّق المعاملة بالمعنى العرفي، ولكنّ الشارع جعل لها هذا الشرط، والشرائط التي يعنونونها عادة هو المعنى الأخير، وأما ماله دخل في الماهيّة فاعتباره شرطاً مسامحة كما أشار إليه الشيخ ونفى عنه الخلاف(3)، وهو صحيح، ولا يحتاج إلى برهان، فإن المعاملة من الأمور القصدية، فلو لم يكن 

ـــــــــــــ[101]ــــــــــ

() كتاب المكاسب 3: 295، مسألة: ومن جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد….

(2) أي: في بطلانها. (المقرِّر).

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

القصد متحقّقاً كما لو كان هازلاً أو مجازاً أو نحو ذلك لا تقع المعاملة.

[حول اعتبار تعيين المالكيَنِ]

شرط آخر يذكره الشيخ(1) في ضمن ذلك، تبعاً لصاحب (المقابس)(2)، وهو أنَّه يعتبر في المعاملات: التعيين للمتعاملين البائع والمشتري، وأما إذا كانا بنحو الإبهام فلا يكون صحيحاً.

اختار المحقّقون كالشيخ(3) وصاحب (المقابس)(4) لزوم التعيين، غايته كلّ واحد ذكر دليلاً عقلياً مستقلّاً، ويأتي للنظر برهان عقلي آخر.

صاحب (المقابس) يقول(5): إن المعاملة إذا وقعت عليهم يلزم أن يكون الملك بما أنَّه ملك، بلا مالك(6). وهذا أمر مستحيل لأن المالكية والمملوكية(7)

ويظهر من كلامه، صدره وذيله، أن الكلام واقع في موردين، فإنه فليُعلم أن ما هو موضوع بحث الأعلام هو المعاملة التي ليس لها تعيُّن واقعي، بل لها 

ـــــــــــــ[102]ــــــــــ

() راجع: كتاب المكاسب 3: 296، كلام صاحب المقابس….

(2) راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(4) راجع: كتاب المقابس 3: 297، كلام صاحب المقابس….

(5) راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(6) لأنه خرج من ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري لإبهامه. (عنه دام ظله). (المقرِّر).

(7) قال السيد: وهذا بتقرير مني- متضايفان، والمتضايفان متكافئان قوة وفعلاً، فلا يمكن أن يوجد الملك، بما هو ملك ولا يوجد المالك، ولا يمكن العكس. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وجوه مختلفة في حدّ ذاتها، فهل يلزم تعيينها أو لا؟ مثلاً: زيد كان وكيلاً عن شخصين في شراء شيء معيّن، فيقبل لأحدهما: (قبلت لأحدهما)، فهذه معاملة يمكن أن تقع بوجوه مختلفة، فهل لا بُدّ من التعيّن أو تصحّ حتى مع هذا الإبهام. هذا النحو من المعاملة تقع على صور:

أحدها: أن يكون كِلا طَرَفي العقد مبهماً، كأن يقول البائع: (بعت عن أحد موكّلَي) فيقول المشتري: (قبلت لأحد موكّلَي)، أو يقول: (قبلت عن أحد موكّليك)، بأن يكون الطرف الآخر واحداً يقبل الإيجاب على إبهامه قبولاً لا مبهماً.

ثانيها: أن يكون طرف الإيجاب مبهماً، يقول: (بعت لأحد موكّلي)، ويقول الآخر: (قبلت عن نفسي)، أو يقول: (قبلت عن فلان) ويعيّن أحدهما.

ثالثها: عكس الصورة الثانية وهو أن يكون الإيجاب معيّناً والقبول مبهماً، يقول البائع: (بعتك)، فيقول الآخر: (قبلت عن أحد موكلي)، أو يقول: (قبلت عن أحد موكّليك).

وكلام المحقّق الكركي(1) يعطي أن كلامه يشمل ما إذا كان الإبهام في طرفَي القضية أو في أحدهما. ويقيم على بطلانه البرهان العقلي السابق.

نقول: أما هذه الصورة الأخيرة(2)، وهو ما إذا أوقع المعاملة لأحدهما، وقِبل الآخر لنفسه شخصياً، فهذا لا يلزم منه إشكال عقلي؛ لأن الإيجاب وحده 

ـــــــــــــ[103]ــــــــــ

() راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(2) من كلام السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

لا يؤثّر في إيجاد الملكية، وإنما يتحقّق النقل عند القبول، وعندما يقبل يقول: (قبلت لنفسي). فيحصل الانتقال إلى شخص معيّن وليس انتقالاً مبهماً لتقولوا باستحالته.

وأما إذا كان كِلا الطرفين مبهماً، بأن يقول القابل: (قبلت من أحدهما)، أو (قبلت لأحدهما)، فيمكن تصحيحه بنحو لا يلزم ملك بلا مالك، ويمكن تسليم كلامه.

أما وجه التسليم، فهو أن يقال: إنه حتى لو كان الإشكال العقلي صحيحاً، ولكنّه لا يلزم منه لغوية العقد، وإنما يكون مثل عقد الفضولي، فإنه إذا جاء أحد الموكّلين المعين وقال: (هذا لي) أو (قبلت)، فحينئذ يتعيّن، وإذا تشاحّا يُقرَع بينهما، وأما إذا امتنعا فيُلزَمان بإجراء القرعة للتعيين، ويرتفع الإشكال، فإن غاية ما يثبته الإشكال هو لزوم التعيين وهو يحصل لو متأخّراً، بغضّ النظر عن إشكال الانصراف، على ما يأتي.

مضافاً إلى أنَّنا يمكن أن نُعمله بشكل يرتفع عنه إشكال عقلي آخر، يعني يكون الجواب مشتركاً على كِلا الإشكالين.

[الإشكال العقلي]

والإشكال العقلي: هو أنَّ إنشاء المعاملات عبارة عن تبادل الإضافات بالتبع، تبديل إضافة بإضافة أخرى، والإنشاء للمبهم لا يعقل فيه قبول الإضافات؛ لأنها تكون إضافة بين المعدوم والموجود، لأن المبهم لا تحقّق له في الخارج، فإن ما هو المالك هو المعيّن ولم نقصده، أو ما قُصد وهو المبهم لا وجود 

ـــــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

له، هذا إذا كان من كِلا الطرفين مبهماً، وإذا كان من أحد الطرفين مبهماً، فيأتي الإشكال في ذلك الطرف.

نقول: إنه إذا قال البائع: (بعت على أحدهما)، أو (بعت على أحد التجار)، فهذا عنوان من العناوين، متشخّص بالحمل الشايع وفي عالم المصداق، وإن كان مردّداً مبهماً في الحمل الأولي، وفي عالم المفهومية. وفرق بين أن يكون مردّداً مفهوماً أو مردّداً مصداقاً، فإذا حصل له إبهام في المفهوم لا يلزم أن يكون مبهماً بالحمل الشايع(1).

فيمكن أن يقال: إن الجعل للعنوان، وهو عنوان قابل للصدق على الخارج، فهو بيع عقلائي، حاله في ذلك حال الجهات، كما إذا وقّف شيئاً على الفقراء، فإنه يكون المالك هو العنوان، وفي المقام كذلك، فيأتي واحد منهم ويقبل وينطبق عنوان المالك عليه.

وبهذا يندفع أيضاً ما قاله صاحب (المقابس)، فإنه لا يكون الملك بلا مالك، إذ يكون المالك هو العنوان، وكذلك ما قاله الشيخ من أنَّ البيع للمبهم غير ممكن؛ لأن البيع ينتج أن يدخل المبيع في جيب من خرج منه الثمن، والمبهم 

ـــــــــــــ[105]ــــــــــ

() أقول: يظهر من السيد أنه يقصد من التعيّن في عالم المصداق: تعيين المصداق الذهني، لا المصداق الخارجي، ولهذا حينما أشكل عليه أحد الإخوان بأن هذا المفهوم متعيّن بالحمل الأولي مردّد بالحمل الشائع.

أجاب: بأن هذا المفهوم متعيّن بالذهن، بدليل أننا نفهم من المعنى، فهو يوجد في الذهن، والمردّد لا يكون موجوداً كما هو معلوم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

لا جيب له!! فإن طرف البيع ليس هو الشخص، بل هو الكلّي، نظير الجهات.

فإذا وقع الإبهام من طرفين وقع التبادل من جهتين، وإذا كان من طرف واحد، وقع التبادل من جهة، ولا يلزم إشكال عقلي من أنَّ المبهم غير موجود أو غير مالك(1).

وموضوع البحث ليس في الأعيان الشخصية، بل ما إذا كان المبيعان كلّيين وما إذا كان المتبايعان كِلا الطرفين مبهماً واقعاً لا مبهمان عندنا، وهو قد يكون من الطرفين، وقد يكون القابل معيّناً إلّا أنه يقبل هذا المعنى المبهم، وهذا يأتي في الفضولي وغيره، وصورة أخرى وهو ما إذا كان الإبهام في طرف واحد، ولكنّ القابل يقبل من أحدهما المعيّن.

في تمام هذه الصور يرد ما قاله صاحب (المقابس)، وما قاله وما قلناه من الإشكالات العقلية. 

وأما كلام الشيخ(2): فهو أن حقيقة المعاوضة هو أنَّ العوض يدخل في ملك المتعاملين(3)

ـــــــــــــ[106]ــــــــــ

() وهنا أشكل أحد الإخوان: أن أحدهما لم يكن مالكاً؟ 

فأجاب: غاية ما يلزم هو الفضولية، فيكون بيعاً فضولياً عن الجهات، ومن قبل كان مصداقاً عنه. هذه الإشكالات العقلية لا بُدّ أن نعيّن موضوع البحث؛ لنرى أنها ورادة أو غير واردة. (المقرِّر).

(2) وهنا لخّص إشكال صاحب (المقابس) كما سبق وقال: (المقرِّر).

(3) يعني كلّ منهما يملك ما كان عند الآخر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وهذا يمكن تقريبه بشكل إشكال عقلي، بأن يقال: إن مقتضى المعاوضة هو المبادلة في الملك، وحيث إنَّ المتعاملين مبهمان والمبهم غير موجود، فلا يتحقّق ما هو مقتضى المعاوضة.

وأما ما قلناه من الإشكال: فهو أنَّ إنشاء مثل هذه المعاوضة غير ممكن؛ لأن تبادل الإضافة هو مقتضى المعاملة، وهذه المعاوضة تنتج تبادل ما في الذمم المبهمة، والإبهام يكون من ناحيتين، لأنك تريد بهذا الإيقاع التبادل من هذا الإنسان على ذلك الإنسان، وهذا الشيء بهذا الشيء، فالإبهام واقع في العوضين بتبع إبهام المالكين، والمالكان أيضاً مبهمان، والمبهم معدوم، وإيقاع الإضافة في المعدومات غير ممكن، فلا تصحّ إذا كان الإبهام من الطرفين أو من طرف واحد؛ لأنه يكون من الإضافة بين معدوم وموجود.

فنرى أن هذه الإشكالات العقلية هل هي واردة، أو في الحقيقة غير واردة؟ أما إذا كان الطرف القابل شخصاً معيّناً، لا يبقى الملك بلا مالك؛ لأن الإيجاب وحده لا يكفي للنقل، وبعد القبول يكون ملكاً للقابل معيّناً، سواء قبل مبهماً أو من أحدهما معيّناً، فإشكال الشيخ وسؤاله غير واردة في هذه الصورة.

أما إذا كان الإبهام من الطرفين، ويقبل مبهماً أو ضمّوا إليه إشكال الشيخ.

فنقول: إذا لم يكن إشكال من ناحية الإنشاء، فغاية ما يدل عليه الإشكالان: أن المعاملة تحتاج إلى التعيّن، فلو كان الإنشاء علّة للنقل والانتقال، لقلت: إنَّ المعلول لا ينفكّ عنها، وأما إذا لم تكن القضية قضية علِّية، بل موضوع الاعتبار، 

ـــــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فمن الممكن تأخّر الملك عن الإيقاع، كما في بيع السَلَم، فغاية الأمر أنه إذا حصل النقل فعلاً فهناك إشكال عقلي، أما إذا لم يحصل الانتقال، حتى ما إذا جاء شخص معيّن منهما من كِلا الطرفين، وهو مصداق لأحدهما، فقالا: (المعاملة معاملتنا)، فلا يرد إشكال الشيخ التستري ولا الشيخ الأنصاري.

ومن الممكن أن نجيب على ما أوردناه من الإشكال، بعد وضوح أن موضوع البحث هو بيع وشراء الكلّيات لا الشخصيات: أنه في باب بيع وشراء الكلّيات ليس أني أملك في عهدتي مَنّاً من الحنطة أنقلها بالبيع إليك، بل عهدتي لها اعتبارٌ بحيث إنَّني إذا بعت أستطيع أن أحوّله، فهنا إشكال عقلي وإشكال عقلائي.

أما الإشكال العقلي: فهو أنَّ جعل الإضافة بين المعدومين لا معنى له.

قلنا: إنه في تمام الموارد التي تتعلّق الأحكام بالعناوين، فالعناوين لها تعيّن بالحمل الشايع ووجود بالحمل الأوّلي، كمفهوم العدم، فإنه بالحمل الشايع موجود وبالحمل الأوّلي معدوم، وكذلك مفهوم الجزئي، فإنه جزئي بالحمل الأوّلي، وكلّي بالحمل الشايع، قابل للصدق على كثيرين، فمفهوم أحدهما إذا كان مبهماً -على إشكال- فهو مبهم بالحمل الأوّلي دون الحمل الشايع.

فالإشكال بأن الإنشاء غير ممكن؛ لأن المعاملة تبادل الإضافات، وهو غير ممكن في المعدومات.

نقول: لا، فإنه كما أنَّ الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية منها تتعلّق بالعناوين، هنا أيضاً يمكن أن يتعلّق البيع -وهو حكم عقلائي- بعنوان أحدهما، 

ـــــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في كِلا الطرفين، والعنوان لا إبهام فيه بالحمل الشايع، فكما أنَّ تعلّق الحكم بالعناوين القابلة للتحقّق والانطباق على الخارج ممكن، كذلك تعلّق المعاملة بعنوان أحدهما إن كان قابلاً للانطباق على الخارج. فيكون البيع وهو حكم عقلائي متعلقاً بالكلّي، في المثمَنين تارةً وفي المتبايعين أخرى. فلا إشكال عقلي.

الإشكال العقلائي 

يبقى إشكال عقلائي: وهو أنَّ عنوان (أحدهما) ليس مالكاً لا للثمن ولا للمثمَن.

نقول: ليس الملك لازماً في الكلّي، بل هو بيع في العهدة، فأنت قبل أن تبيع لا تملك في ذمتك شيئاً، وبعد الإيقاع يقبل العقلاء البيع باعتبار الغطاء (ﭘـشتيبانه)(1) فيقبل منه بقدر ثروته، ولهذا تختلف عهدات الناس، فليس الإنسان مالكاً في ذمّته شيئاً، ولا يعتبر العقلاء شيئاً من هذا، بل هم يرون أن المدار هو إمكان التسليم، فقبل المعاملة لا أنت ولا هو يملك شيئاً وبعدها تملك أنت في ذمّته حِمْل حنطة، أو يملك في ذمّتك الثمن، لا بقيد كونه في الذمة، فإنه غير قابل للانطباق على الخارج، بل ما هو قابل لذلك هو الكلّي في نفسه.

إذا عرفنا ذلك فنقول: إن أحدهما ليس مالكاً إلّا أنَّ هذا العنوان له عهدة؛ لأن كُلّاً منهما له ثروة عظيمة، وكلّ العهدات تكون مقبولة بهذا الاعتبار، وأنت بعد المعاملة تملك في ذمّة هذا العنوان، وبعد أن يأتي أحدهما المعيّن فيقبل يحصل التعيين ويرتفع عنه الإشكال العقلي والعقلائي، وتتمّ المعاملة من دون إشكال.

ـــــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: الغطاء أو الدعم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نعم، يبقى إشكال آخر ذكره في (المقابس)(1)، وهو أنَّه لا يحصل الجزم بالمعاملة، قال: وفساده ظاهر أو ظاهر الفساد(2).

نقول: ما مرادكم من الجزم؟ هل بمعنى أن يعتبر الجزم بالمعاملات، كما اعتبر بعضهم الجزم في العبادات، أي: القطع بكونها امتثال للحكم الواقعي؟ نقول: هذا أوّل الكلام، فإن الكلام في أنَّ المعاملة بعنوان أحدهما جائزٌ أو لا؟ فمن يقول بجوازه يقول لا محال بجواز عدم الجزم بهذا المقدار، لو سلّم وجوده، أو تقولون: إننا نحتاج إلى الجزم بالإنشاء، نقول: الجزم بالإنشاء موجود، فإنه يجزم بالإنشاء لأحدهما، مضافاً إلى أنَّ الجزم حاصل بتمام المعنى، فإن هذا العنوان قابل لأن ينطبق على أحدهما، فإنه قال: بعت على أحدهما)، ولم يقل: (بعت إما على هذا أو هذا)، مضافاً إلى أنَّه ما الدليل على لزوم الجزم في المعاملات؟ فإنّنا لم نقبله في العبادات، فلِمَ نقبله في المعاملات؟ فيجرى المعاملة متوقّعاً الصحّة ورجاء ثبوتها بعد ذلك، ولا دليل على فسادها عقلاً وشرعاً.

وإن كان مقصودكم من الجزم بترتيب الآثار، هو عدم الجزم بانتقال المال، نقول:

أولاً: الجزم غير معتبر، كما في الفضولي، حيث لا يحصل الجزم بصحّته أحياناً.

وثانياً: الجزم حاصل، فإن أحدهما ملزم بالقبول، فيحصل الجزم بالانتهاء 

ـــــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) راجع: مقابس الأنوار: 115، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إلى النتيجة، أو مرادكم أننا لا نجزم بترتّب الأحكام الشرعية، فليس جزمناً ميزاناً في ترتّب أيّ الأحكام الشرعية، بل هي تترتّب سواء علمت بترتّبها أو لا.

يبقى قصّة الانصراف الذي يقوله صاحب (المقابس)(1)، من أنَّ الأدلّة منصرفة إلى المعاملات السائدة في زمان الشارع المقدس

نقول: إن الأدلّة غير منصرفة؛ لأن موضوع المطلقات هو العقد والبيع والشرط، مع غضّ النظر عن المتعلّق، أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) بما هو عقد، وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(3) نفس ماهيّة البيع، مع غضّ النظر عن المشتري والبائع، والثمن وسائر المتعلقات، فهي تجيز نفس العنوان.

وإذا سُلّم أن الأدلّة بحسب الألفاظ قاصرة، فمناسبات الحكم والموضوع تُلغي الخصوصية، فإن الإنسان حينما ينظر إلى المعاملة، يجد قراراً وثمناً ومثمَناً وغيرها، فيسأل أن ما يجب الوفاء به هل هو العقد والشرط، أو الشرط والعقد الكذائي؟ يرى أن الكذائي أصلاً لا دخل له، بل ما هو الموضوع، ويوافق عليه العقلاء، هو عبارة عن نفس الشرط والبيع والعقد.

وإلّا كانت المعاملات المتجدّدة في زمانه باطلة، وكذلك المعاملات المتجدّدة في زماننا بكثرة كالتأمين والسرقفلية، وفي الواقع كلّها تكون مشمولة للأدلّة، فإن النبي لم يأتِ إلى قوم دون قوم، بل بُعث إلى العالم كلّه، والى 

ـــــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) المائدة: 1.

(3)البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

سائر الأجيال، ومثل هذا الدين الذي هو دين الأبد، حين يقول: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)، كيف نقول إن المقصود به العقود السائدة في عصر خاصّ؟ بل طبعاً، ومع غضّ النظر عن علم الغيب، سوف تحدث عقود ومعاملات جديدة تبعاً لحاجات الناس، وهو يعلم بها، ومع ذلك أتى بما يشملها من حيث الصحّة والإمضاء.

[كلام للشيخ حول الاعتبار]

المرحوم الشيخ(2) يقول بعد الوجه العقلي الذي كان محتملاً في كلامه: إنه يعتبر في المعاملة التبادل في الملكية، وفي باب الكلّيات ما لم يكن الشخص معيّناً لم يكن ملك، ولم يعهد الملك بالإضافة إلى أحدهما أو أحد الأشخاص، ولم يعهد ترتيب الآثار عليه، ووجه لزوم تعيين المالك عدم حصول الملك إلّا لمالك معيّن، ولعلّ مقصوده أنه في ماهيّته تعتبر ملكية العوضين، وحيث إنَّ هذه الإضافة شرط ودخيلة في المعاملة، ولا تحصل الإضافة إلى ذمّة معيّنة، من هذه الجهة يعتبر التعيين، لا أنه يجب تعيين المالكين بما أنَّهما مالكان، بل ليحصل ما هو المعتبر في المعاملة وهو الملكية.

وجه آخر وان المبادلة لا تحصل 

الوجه الآخر: يقول(3): إن حقيقة البيع عبارة عن مبادلة مال بمال، ولا 

ـــــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 299، كلام صاحب المقابس….

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ماليّة في الكلّيات إلّا بالإضافة إلى ذمّة معيّنة، أما الذمّة غير المعيّنة لا ماهيّة لها، فمبادلة مال بمال لا تحصل فتكون المعاملة باطلة.

نقول: في باب الكلّيات التي هي محلّ بحثنا، لو باع حِمْلاً من الحنطة من دون وصفٍ في ذمّة ذاك، ومرّةً يصفه فيقول: (أشتري منك حِمْلاً من الجص من معدن النجف). 

نقول: في الكليات التي ليس لها وصف أو الموصوفة، هل في المقيّد يكون المشتري مالكاً لحِمْل من (الجص) في معدن النجف؟ فإنه إذا كان مالكاً يكون من الكلّي في المعيّن فلا يمكن أن يتصرّف الآخرون في ذلك المعدن، أو غير مالك ولا يعتبر العقلاء ذلك، ولا يرون إلّا أنَّ الكلّي الذي في الذمة قادر على أدائه، وأما كونه مالكاً قبل العقد فلا يعتبر ذلك بلا شكّ. وبعد العقد تملك في ذمّتي حِمْلاً من (الجص)، لا بقيد في الذمّة، فإنه غير قابل للتحقّق في الخارج، ولا بقيد في الخارج بنحو الكلّي في المعيّن، ومجرّد أن أستطيع بعد إجراء المعاملة التحويل، تكون المعاملة عقلائية.

فالمدار هو أن يكون البيع عقلائياً، وحتى في الجزئيات، لا يعتبر الملكية، فتقول: (أبيعك هذا الطير)، وهو يعلم أنك تستطيع الأداء، فيتمّ البيع، وليس كلامنا الآن في الجزئيّات، أما في الكلّيات فيعترف الآغايون بعدم اعتبار الملكية فيها.

إذن ما قاله بأن الملكية لازمة قبل إجراء العقد، ليقع عليها العقد ليس الأمر كذلك.

ـــــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ولو فرضنا أنه لا بُدّ من الملكية، نقول: إنك تقول إنه الآن ليس ملكاً، وإنما يكون ملكاً بالإضافة إلى شخص معيّن، فما هو الملك، هل هو هذه الإضافة التصوّرية؟ فإن حِمْل الحنطة لم يكن ملكاً، والإضافة الواقعية غير موجودة، وإنما الإضافة اعتبارية على أي حال، والشيخ والآخرون يقولون إنه بالإضافة يصبح ملكاً، فهل هذه الإضافة التصوّرية تكون سبباً للملكية؟ وبمجرّد أن تقول: (بعتك حِمْل الحنطة في ذمّتي) تصبح مالكاً له؟! أي كلام هذا (أين چه حرفي است)(1)؟؟!

وهذا إنّما يُقال ليحصل موضوع البيع وهو الملكية، ليكون البيع تبادل الملكيات، فمجرّد أن تقول: (بعت حِمْلاً من الحنطة في ذمّتي) فقد ملكت ما لم تكن مالكه! هذا الكلام لا يمكن أن يتفوّه به في السوق، وإلّا أخرجوه من المدينة. والتمليك يحتاج إلى مُملِّك وسبب، فكيف أُملّك نفسي بهذه الإضافة التصوّرية؟! مع أنها لا تصلح سبباً. 

فهل نحتاج إلى سبب مملّك قبل البيع ليقع البيع على الملك؟ وفي الحقيقة نحن نحتاج إلى أن تكون المعاملة عقلائية، ولا نحتاج إلى الملكية، وبواسطة البيع أكون مالكاً في ذمّتك حِمْلاً من الحنطة، أي تكون مديوناً لي بذلك، وأنت تملك في ذمّتي الثمن، أي أكون مديوناً لك بذلك، فالمثمَنان يُملَّكان نتيجةً للمعاملة، وبعد تماميتهما، أما قبل المعاملة فلم يكن ملكاً.

وعلى تقدير تسليم لزوم الملكية، وأن الإضافة مملّكة، فمن قال بأن الإضافة إلى أحدهما باطلة! فإن أحدهما ليس فرداً مردّداً، بل هو كلّي منحصر 

ـــــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) كلمة بالغة الفارسية تعني: أي كلام هذا؟

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بفردين، فإن الفرد المردّد لا خارجية له، وهو أن يقال: (هذا أو هذا). 

وأما أحدهما فهو كلّي قابل للصدق عليهما على التبادل، مرّةً نقول: (أحد العلماء)، أو نقول: (أحد علماء النجف)، أو (أحد علماء هذا المجلس)، أو (أحدهما). وكلّما زادت القيود تكون المصاديق أقلّ. فـ(أحد العلماء) يصدق على كلّ العلماء، و(أحدهما) لا ينطبق إلّا على أثنين، وكلامنا ليس فيما إذا قلنا: (بعت من هذا أو هذا)، بل فيما إذا قال: (بعت من أحدهما).

وحينئذ لماذا لا تحصل الملكية له؟ شأنهما في ذلك شأن الفرد المعيّن على أن يكون كُلٌّ منهما معتبراً يخرجان من العهدة، وقادران على الأداء وكِلاهما راضٍ بالبيع، من قال بأن تلك الإضافة الـمُملِّكة هي التي يكون طرفها الفرد الخارجي، بل الإضافة إلى الكلّي أيضاً مُملِّكة.

السيد في (العروة) يقول: للفقيه أن يقترض في ذمّة الزكاة(1)، وهذا كلّي، بل أردأ من الكلّي، فإنه كلّي اعتباري، ونحن لا بُدّ أن نرى سوق العقلاء، لا أن نعمل شيئاً من عندنا نخالف به سوق العقلاء.

فنقول: كما أنَّ البيع عقلائي في الواحد، كذلك في ذمّة الكلّي، أو في ذمّة أحدهما، ونحو ذلك، بشرط أن يكون كِلا الطرفين معتبر الذمة، فإذا جاء بعد ذلك أحدهما وقبل، يُدفع له المال، فمن قال بأن الإضافة لا بُدّ أن تكون إلى معيّن، هذا راجع إلى الملكية وأما الراجع إلى المالية؟

ـــــــــــــ[115]ــــــــــ

(1) قال في العروة الوثقى 2: 343، في المسألة الخامسة عشرة: يجوز للحاكم الشرعي أن يقترض على الزكاة ويصرفه في بعض مصارفها….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

كلام للشيخ 

الشيخ قال مطلبين(1):

أحدهما: إنه ليس تعيين المالية معتبراً في نفسه، بل إنّما نقول به لأن في بعض الأوقات يكون طرفا الإضافة -أي: المالان- غير معيّن، ولا تحصل الملكية إلّا بالإضافة إلى المعيّن، ولا تعهد الملكية بالإضافة إلى أحدهما وترتيب الآثار عليه، إذن يجب إضافة الكلّي إلى الذمة.

كلامه الآخر: أن المعاملة هي مبادلة مال بمال، وحيث إنَّ الكلّي ما لم يضف إلى الذمّة لا يكون مالاً، إذن فإضافته إلى الذمّة لازمة لصحّة المعاملة، ويحصل ما هو حقيقة المعاملة، وهي مبادلة المال بالمال، وإذا لم تضف إلى ذمّة لا يحصل هذا المعنى.

نحن نقول: إن هذا المطلب المعروف في عبارات الآغايون، من أنَّ الملكية والمالية تحصل من الإضافة إلى الذمة، لا بُدّ أن نرى ما هو مرادهم؟

أما بالنسبة إلى الملكية التي قالها أولاً، هل مقصودهم بنحو الاحتمال؟ أن ذمّة الشخص المعيّن فيها أموال من قبيل العنابر والمخازن الخارجية للحنطة لكنّ فيها ماليات اعتبارية، ونحن ما لم نشر إلى ذلك المال الذي في الذمّة ليس ملكاً ولا مالاً، وليس أن المالية مُحصَّل بالإضافة، بل الإضافة بمعنى الإشارة إلى مخزن الحنطة الذي في الذمة! الذي وقع عليه الاعتبار وحصلت له المالية في المرتبة السابقة بقطع النظر عن الإضافة، فما لم تحصل الإشارة إليه لا يكون للمبيع ملكية ولا مالية.

ـــــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 299، كلام صاحب المقابس….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فلا نريد أن نقول إن الإضافة تأتي بالمالية والملكية، بل الذمّة هي ذات أثمان وأعراض، مخزن مملوء من كل شيء بحسب التحقّق الاعتباري، والملكية والمالية الاعتبارية والإضافة مشيرة إلى ذلك المعنى.

وأخرى مرادهم ما هو ظاهر عبارتهم من أنَّ هذا الحِمْل من الحنطة لا ملك ولا مال، فإذا أضفته إليك صار ملكاً لك وصار مالاً يبذل بإزائه المال، فالمضاف بحسب الواقع لا شيء، والذمم ليس فيها شيء ولا الكلّي في نفسه شيء، لكن إذا أردت أن تبيع وتشتري، لا بُدّ أن تحقّق موضوع المالية والملكية لكي تجري المعاملة، فإنها مبادلة مال بمال أو ملكية بملكية، فإذا أردت أن تبيع مالكاً كنت أو وكيلاً أو فضولياً، وجب عليك إيجاد الملكية والمالية ليصحّ البيع.

نقول: هذا المعنى الذي يُقال من أنَّ الذمّة قبل إجراء المعاملة، مخزّن فيه، وأن أهل الذمم مالكون بالفعل، وأن الإضافة مشيرة إليه، هل تصدقونه؟ بل ذمم الأشخاص خالية ليس فيها شيء، وهو ما يعترف به الآغايون.

وأما تحقّق المالية والملكية بالإضافة، فنقول: إذا كان الشيء مالاً أو ملكاً، فإنه بهذا القيد يسقط عن المالية والملكية؛ لأن الإضافة إلى الذمّة تسقط الشيء عن المالية والملكية، والانطباق على الخارج، كما لو بعت حِمْل الحنطة المضافة إلى ذمّة فلان.

أقول: بل هذا في الجزئيات أيضاً كذلك لا في الكلّيات فقط، فإنك لو بعت حِمْل حنطة المضاف إلى هذا المكان، فهذا الحِمْل بهذا القيد لا يوجد في مكان آخر، فإن ما يوجد في مكان آخر هو حِمْل الحنطة مطلقاً، غير مقيّد بالمخزن، وإذا 

ـــــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أخرجه من المخزن يسقط هذا القيد، إلّا إذا أكله في داخل المخزن.

فما في الذمة، إذا كان مالاً، فبمجرّد إن يضاف إلى الذمّة يسقط عن المالية؛ لأنه صار كلياً عقلياً غير قابل للانطباق على الخارج، هذا على ظاهر كلامه من تقييد المبيع بالإضافة إلى الذمّة.

فإذا قال الشيخ: إن المبيع ما لم يضف إلى البائع لا يملكه المشتري.

أقول: إذا اضيف إلى ذمّة البائع لا يملكه المشتري، لأنه مقيّد بالذمة، وهو لا ماليّة له ولا ملكية له(1).

وهذا الذي رآه الآغايون في محيط العقلاء، من بيع الكلّي، ليس باعتبار الإضافة إلى الذمّة، بل باعتبار أن هذا الإنسان ذمّته معتبرة -لا أن فيها شيئاً- يبيع حِمْلاً من الحنطة -لا مضافاً إلى الذمّة- ولكن بما هو إنسان معتبر الذمّة، يقبل منه العقلاء هذه المعاملة، فهم يشترون الحنطة، لا باعتبار أنها بنفسها مال -قبل المعاملة- بل لأجل أن لها غطاءً وقابلةً للتحويل والدفع، لا أنه يقال: (بعتك خروار من الگندم) (2) مضافاً إلى ذمّتي، هذا لا يستسيغه العرف ولا العقل، ولا يكتسب ماليّة ولا ملكية من الإضافة إلى الذمّة، وإنما تجري المعاملة باعتبار 

ـــــــــــــ[118]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان ما محصّله: أن الموجود في الذهن، وإن كان موجوداً ذهنيا، إلّا أنه تقع عليه المعاملة بقيد أنه في الذهن.

فأجاب ما حاصله: أن هذا معناه بطلان الإضافة، فإن معنى الإضافة إلى الذهن هو تقييده به، وأما إذا فرضته كلياً طبيعياً مطلقاً، فلا يكون مقيداً مضافاً إلى الذهن. (المقرِّر).

(2) أي: حِمْلاً من الحنطة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاعتبار الذي للذمّة وغطائها، وبعد المعاملة تكون الذمّة ظرفاً للكّلي لا بما أنَّه مضاف إلى الذمّة، وحيث إنَّها ظرف لا قيد له، يكون قابلاً للانطباق على الخارج.

إذن فهذا الذي يقوله الآغايون غير تامّ، ولا هو موافق لسوق العقلاء.

الآن نسلّم ونقول: إنه ما لم يضف إلى الذمّة لا يوجد له ماليّة ولا ملكية، لكنّ لنا مطلبين:

أحدهما: أنه لماذا كانت الإضافة إلى هذا الشخص معتبرة، دون الإضافة إلى هذا الفقير؟ 

ليس هذا إلّا لأن هذا ذمّته معتبرة ولها غطاء، وذاك ليس له ذمّة. فنقول: إذا كانت القضية تدور مدار الغطاء، فعنوان أحدهما له ذمّة، إذا كان كلٌّ من الشخصين لهما ذمّة لها غطاء، من قال بأنه حتماً لا بُدّ أن تكون الذمّة معيّنة؟ فإن الذمّة المعيّنة إنّما تكون معتبرة باعتبار الغطاء، فإذا كانت ذمّة أحدهما لها غطاء، كانت معتبرة أيضاً.

ثانيهما: فقوله: إن هذه المعاملات غير معهودة، هل مراده أن العمومات لا تشمل ما ليس بمعهود، ولم يكن متداولاً كالسرقفلية؟ هل ترى أنه لا بُدّ أن يكون العوضان معهودين أو المتبايعان كذلك، إذن تقع في إشكال في كثير من المعاملات مع أنها معاملات عقلائية، ولا مجال أصلاً لدعوى الانصراف في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) والعقلاء يُقدمِون على هذه المعاملة في كثير من الموارد كالشركات ونحوها.

ـــــــــــــ[119]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

مضافاً إلى كل ذلك: أننا لا نقبل ذلك من الأصل، إن البيع مبادلة مال بمال، وأن البيع يحتاج أوّلاً إلى مال أو ملك، بل لا بُدّ أن ينتهي إلى ذلك، فإني إذا قلت: (بعت) لا يحصل النقل، وإنما يحصل النقل بعد لفظ (قبلت)، وبه يحصل كلٌّ من الإضافة والملكية والمالية، من قال: بأن المالية والملكية سابقة عن الانتقال حتماً، ولا يمكن أن يوجدا سويّةً؟ ومن ألزمنا بالأخذ بتعريف (المصباح) (1) وهو: أنَّ البيع مبادلة مال بمال؟ فإن هذا في مقابل بيع شيء لا ماليّة له، أما أنه يجب أن يكون مالاً في المرتبة السابقة، فلا.

ولو تمّ تمام ما قاله، فغاية ما يلزم بطلانه إذا كان الإبهام من الطرفين، أما إذا كان الإبهام من طرف واحد، فلا مانع منه، أو كان الطرفان فضوليين يبيعان عن طرفين مبهمين، وحصلت الإجازة من اثنين معيّنين، فيحصل النقل والانتقال إلى معيّنين حتى على مبناه.

هذا تمام الكلام في هذه المسألة.

في لزوم التعيين [في الشخصيات] 

المسألة الأخرى: وهي أنَّه إذا كان المبيع والـمُشترى شخصيين خارجيين، فيتكلّم عن أنه هل لا بُدّ من التعيين أو لا؟ وإذا قلنا إنه غير لازم، فهل نية الخلاف، أو التصريح بالخلاف مضرّ أو لا؟

تمّ الكلام في لزوم التعيين وعدمه في الكلّيات، أما إذا كان العوضان موجودين شخصيين خارجيين، وكان مالك أيٍّ منهما معيّناً، فيبحث عن أنه 

ـــــــــــــ[120]ــــــــــ

(1) المصباح المنير 2: 96، مادّة (بيع).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

هل يلزم التعيين أو لا؟ لا بُدّ أن نبحث بشكل بحيث يمكن أن يكون طرف المعاملة معيّناً ويمكن أن يكون غير معين، وإلّا ففيما إذا كان المبيعان معلومي الملكية وينتقل ارتكازاً من أحدهما إلى الآخر، فليس هو محلّ الكلام؛ لأن التعيين فيه حاصل، وهنا لا تصحّ المعاملة إلّا بوجه واحد والتعيين فيها حاصل، إلّا أن يتكلّم حول لزوم التلفّظ بالنسبة إلى التعيين، وهذا ليس أمر ممّا يبحثه العلماء كالشيخ وصاحب (المقابس).

بل نبحث أنه لو قلنا: إنه في الكلّيات يحتاج إلى التعيين، فهل لا بُدّ أن يُقال في الشخصي بالتعيين أيضاً أو لا؟ غاية الأمر في بعض الأحيان، التعيين حاصل، وفي بعض الأحيان لا بُدّ من التعيين، فإنه إذا كان المنشئ للمعاملة علم إجمالي بأن هذا المثمَن من هذا الشخص أو من هذا الشخص، وأن هذا الثمن لهذا أو لهذا، وهنا مرّةً يوقع المعاملة عن مالكه الواقعي، فهنا لا إشكال؛ لأنه في الحقيقة تعيين، 

وإنما الكلام في هذه الصورة؛ إذا قال: (بعت من أحدهما إلى أحدهما)، بحيث شيخ أسد الله(1) الذي قال بلزوم الجزم في المعاملة، لا بُدّ أن يقول هنا بالبطلان، لعدم وجود الجزم بذلك المعنى، أو أنه ليس لا بُدّ من الجزم في الأعيان الشخصية، حتى إنه لو أوقع المعاملة بنحو الإبهام يصحّ ويعرف الضمير مرجعه.

أو -في صورة أخرى- أعلم أن الثمن لمن والمثمَن لمن، لكنّي أريد أن أعمل 

ـــــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) الشيخ أسد الله التستري كتاب مقابس الأنوار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

معاملة فضولية، فيقول: (بعت من هذا أو هذا)، ونظره إلى أنَّ هذا إذا أجاز يكون مالكاً، أو ذاك إذا أجاز يكون مالكاً، ونقول بأن هذا الفضولي لا مانع منه، بأن يبيع المال من صاحبه أو شخص آخر، ويقال: بأن أيٍّ منهما أجاز جاز.

فهذا الذي أخذه الشيخ(1) مسلماً، وهو أنَّه إذا كان البيع شخصياً يكون معيّناً على أيّ حال ويقع لصاحبه الواقعي، غير تامّ، فإنه وإن كان معيّناً عند العلم بمالك الثمن والمثمَن وإجراء المعاملة بينهما، إلّا أنه ليس كذلك دائماً، بل قد يتصوّر الترديد كما في الأمثلة السابقة.

وعلى أي حال فالبحث هو البحث، فمن يقول في الكلّيات بالبطلان كالشيخ التستري(2) والشيخ الأنصاري(3)، لا بُدّ أن يقول هنا بالبطلان، وإذا لم نقل هناك بالبطلان نقول ذلك هنا أيضاً.

فهذا ما هو راجع إلى لزوم التعيين وعدمه، فإذا قلنا بعدم لزوم التعيين، فهل نية الخلاف أو التصريح بالخلاف مضرّ أو لا؟ كما لو كان لزيد عباءة وكّلك في بيعها، ووكّلك عمرو لشراء عباءة بثمن معيّن، ولكنّ عند المعاملة نسي الوكيل الملكية، وتخيّل أن العباءة لعمرو والثمن لك، فقال: (بعت هذه العباءة من موكّلي عمرو وقبلت بهذا الثمن من موكّلي زيد)، على حين أن ملكية الثمن والمثمَن بالعكس.

ـــــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 299-300، كلام صاحب المقابس….

(2) راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(3) راجع: كتاب المكاسب 3: 299-300، كلام صاحب المقابس….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فالعنوان هنا هو الموكّل، وإنما ذكرته من أجل الخطأ في التطبيق، وفي باب الخطأ في التطبيق في الجماعة، قالوا: إن المصلّي إذا قال: (اقتديت بهذا الإمام الذي هو زيد)، صحّت صلاته؛ لأنه خطأ في التطبيق، وأما لو قال: (اقتديت بزيد) وأشار إلى الإمام، بطلت صلاته. 

ونحن هناك لم نقبل هذا الكلام؛ لأن الاقتداء دائماً يكون بالموجود الخارجي لا بالعناوين، فلا فرق بين أن يقول: (اقتديت بهذا الذي هو زيد)، أو (اقتديت بزيد) ويشير إلى هذا الشخص، فإن الاقتداء على أي حال يقع وراء هذا الشخص، من قبيل ما إذا سلّمت على هذا الشخص بتخيّل أنه زيد فبان غيره، فإنك في النتيجة قد سلّمت على هذا الشخص الخارجي، وتعنونه بأيّ عنوان لا يغيّره عن واقعه، وليس حاله حال الكلّيات مثل الفرس العربي، بناءً عليه فالخطأ في التطبيق والتقييد لا معنى له هناك.

نرى أنه في محلّ الكلام ما هو الحال؟ 

مرّةً أقول: (بعت من موكّلي وهو فلان)، فهنا جئت بالحكم على عنوان الموكّل، فالمعاملة في الحقيقة معيّنة، وإن صرّحت في الكلام بالمخالفة، إلّا أنَّ المعاملة واردة على الموكّل الواقعي.

ومرةً أقول: (بعت فرس فلان بدينار فلان)، وكان الأمر في ملكيّتهما بالعكس، وهذا ليس من الخطأ في التطبيق، وإن كنت بحسب اعتقادي قد صرّحت في المعاملة بالخلاف، فهل يكون هذا موجباً للبطلان؟ 

هنا لو قلنا إن حقيقة البيع ليس هو مبادلة مال بمال، بل حقيقته هو تبادل 

ـــــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الإضافات، بحيث يخرج المبيع من جيب البائع ويدخل في جيب المشتري والثمن بالعكس، فإذا أخذ شخص تمام هذه القيود في ماهيّة المعاملة، فالفرض أن هذا لم يكن له إضافة إلى هذا الشيء، ولا ذاك له إضافة إلى ذاك الشيء، فقد بادلت بين الإضافتين المفقودتين، وبما أنَّ المعاملة هي تبادل الإضافات، فلا تكون المعاملة صحيحة.

وأما إذا قيل: إنَّ البيع ليس هو تبادل الإضافات، بل هو مبادلة مال بمال، والإضافات تحصل قهراً، لا أنها تحصل بفعلك، فحتى لو قلت: (بعت فرس زيد)، إلّا أنه يخرج من ملك صاحبه ويدخل في ملك زيد والثمن بالعكس، وتصحّح المعاملة.

أو نقول: إنه فرق بين أن يكون الثمن والمثمَن موصوفاً، أو لا يكون موصوفاً، فإذا قلت: (بعت هذه العباءة الموصوفة بأنها لفلان، بالثمن الموصوف بكونه لفلان)، فلا يكون موصوفاً بهذه الصفة، نقول بالصحّة كما نقول بها فيما لو قال: (بعتك هذا الفرس العربي) ولم يكن عربياً، فإنه ليس من قبيل الكلّيات التي تجعلها القيود أموراً متباينة، فإن الموجود الخارجي مهما قيّدته لا يتغيّر عن كونه خارجياً. فلو باع من حنطة النجف وسلّم مصداقاً من حنطة كربلاء، كان البيع تامّاً ويحوّل له مصداقاً آخر.

وأما في بيع الشيء الخارجي كما لو قال: (بعت هذه الحنطة الموصوفة بكونها من النجف)، فتصحّ المعاملة، ويكون له خيار تخلّف الصفة؛ لأن المفروض أنها ليس لها هذه الصفة، والتوصيف لا يغيّر الواقع، غاية الأمر قد 

ـــــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يكون مطابقاً للواقع وقد لا يكون.

ففي المقام، يقع البيع صحيحاً؛ لأنها قد أجريت المعاملة على العين الخارجية، ووصفتها بصفة غير صحيحة، وغير مضرّة.

وهذا بخلاف، ما إن لم يكن بنحو الصفة، كما إذا قال: (بعت فرس زيدٍ أو عباءته)، ولم يكن له، فهنا نقول بعدم الصحّة؛ لأن تبادل الإضافات غير محقّق.

هذا كلّه جرياً مع كلامهم المدرسي غير العقلائي، أما على ما هو جارٍ في سوق العقلاء، من أنَّ البيع مبادلة مال بمال، أو تمليك عين بعوض، وحصل للوكيل الجدّ في المعاملة لكونه جاهلاً، وكان وكيلاً عن الطرفين، فتصحّ المعاملة سواء كان ما ذكره بنحو الوصف أو غيره، وتصحّ المعاملة على أيّ حال.

هذا في صورة الجهل. 

في صحة المعاملة مع التصريح بالخلاف 

أما في صورة العلم إذا صرّح بالخلاف، ماذا يكون الحكم؟

في المورد الذي ينشئ المعاملة، وهو يعلم أن الثمَن لزيد والمثمَن لعمرو، إلّا أنه يقيّدها بما هو مخالف للواقع، فهل هذه المعاملة صحيحة أصلاً وقيداً أو باطلة مطلقاً، أو صحيحة في أصلها والقيد يلغو؟

ولا بُدّ أن نفرض الكلام في مورد توجد فيه المنافاة، وذلك: أنه مرّةً يكون الثمن لزيد والمثمَن لعمرو، وهذا ينشئ المعاملة وينقل الثمن من ملك زيد إلى عمرو وبالعكس، وهذا يتصوّر على نحوين:

أحدهما: ممكن ولا إشكال فيه، إذا كان الفضولي بيعاً صحيحاً، وذلك أن 

ـــــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ينشئ المعاملة برجاء أن الآخر يملكه ويجيزه، لا أنه يريد إنشاء المعاملة بالفعل، ليس أنه بالفعل يخرج من ملكك بل ينشئ برجاء أن يجيز الطرفان، بعد أن يملكا، فهذا بيع فضولي، وليس فيه إشكال عقلي.

وصورة أخرى: هي موضوع البحث عن الشيخ الأنصاري(1) والشيخ التستري(2) والمتأخّرين، وهو أن يقصد إيقاع معاملة صحيحة بالفعل ويبيع هكذا، -مع أن المال ماله من ملك الآخر إلى ملكك، وهذا قد يكون في الطرفين، وقد تكون المخالفة في طرف واحد، فهذه الصورة فيها بحث عقلي. 

وهناك صورة أخرى فيها بحث عقلائي، وهو أن أبيع من ملكي أو من ملك موكّلي، ولكنّي أريد أن اشتري للغير، فاشتري كتاباً لولدي، فيخرج الثمن منّي ويدخل في ملكك، ويخرج الكتاب من ملكك ويدخل في ملك غيري، أو بالعكس، بأن أشتري منك كتاباً فينتقل الكتاب لي، واشترط أن يصرف الثمن في المسجد.

فالمعاملة، إذا وقعت بأحد النحوين هل تكون باطلة أصلاً وقيداً، أو صحيحة ويكون للمالك الواقعي مع إلغاء القيد، أو أنها صحيحة أصلاً وقيداً. 

ولكلِّ قولٍ مَن يختاره، فمِن قائل: إن كِلاهما صحيح: البيع والقصد، ولأجل إثبات ذلك ذكرت مطالب:

منها: أن ما هو البيع، ليس هو أن يدخل الثمن في جيب من خرج منه 

ـــــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 299-301، كلام صاحب المقابس….

(2) راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المثمَن وبالعكس، بل المدار في ماهيّته هو التبادل ما بين الثمن والمثمَن، ولا مانع من أن يدخل أحدهما في غير الجيب الذي خرج من الآخر، وهذا الكلام إنّما ينفع في الإشكال العقلائي، لا الإشكال العقلي، إلّا أنَّ هذا القائل خلط بينهما، وأراد أن يردّ كِلا الإشكالين بهذا الكلام.

ومنها: أن الاعتبار في البيع يختلف عنه في الهبة والعتق، فإن بين المالك والمملوك نحواً من الإضافة، كالخيط المشدود بين المالك ورأس الدابّة، وللثمن أيضاً نحو هذه الإضافة للآخر، والفرض أن الثمن والمثمَن خارجيّان، فيقال: إن اعتبار البيع هو التبادل ما بين المملوكين، واعتبار الهبة والإرث هو التبادل ما بين المالكين، يعني أن المالك يغادر مكانه ويجلس مالك آخر محلّه، قال ذلك في باب الإرث كثيرٌ ومن المحققين منهم المرحوم النائيني(1).

فإذا كان الأمر كذلك، فهذا الذي باع عن زيد، وكان المال له -أي لمنشئ المعاملة-، يقول: (بعت هذا الكتاب عن زيد لعمرو).

فيقال هنا: إن كُلّاً من المعاملة والقصد صحيح، فبما أنَّه مبادلة مال بمال، يصحّ بيعاً، وفي هذا البيع معنى الهبة، فإذا قلت: (عن زيد)، فقد أعطيت مكانك لزيد، وبعت الكتاب عنه فضولةً(2)، والفضولي صحيح على الفرض، أما ماذا تسمّى هذه المعاملة، فهذا إليك، إما أن نقول: هو بيع فيه هبة، أو نقول: هي معاملة جمعت بين 

ـــــــــــــ[127]ــــــــــ

() راجع: حاشيته على كتاب المكاسب 2: 177-178، في وجوب تعيين كلٍّ من البائع والمشتري.

(2) هذا التعرّض للفضولي لم يكن في كلام السيد، وإنما هو قيد للتوضيح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

البيع والهبة، فيختار هذا القائل صحّة البيع وأنه يقع عن الآخر.

ونحن قلنا: إنه لا بُدّ من الفصل ما بين الصور، ومسألة أن الثمن يدخل في جيب من خرج منه المثمَن، مسألة عقلائية، والمسألة التي تعرض لها الشيخ التستري(1) مسألة عقلية، وهي أن أُجري معاملة منجزة نتيجتها أن يخرج مالي من جيبك، فهل تتمّ هذه المقدمات؟ وعلى فرض تماميتها هل هي مربوطة بالمسألة أو لا؟

أما أصل المطلب، وهو أنَّ اعتبار البيع كذا واعتبار الهبة والإرث كذا، فيه احتمالان أحدهما أظهر:

أحدهما: احتمال مستفاد من المثال الذي ضربه من أنَّ الإضافة كالخيط المربوط إلى رأس الدابّة، ومن قوله الإرث تبادل المالكين. 

وهذا الاحتمال أن يقال: إنه في البيع، المملوكان يتحوّلان والمالكان يبقيان على حالهما، وفي الهبة والإرث بالعكس، المالكان يتغيران.

والمملوكان يبقيان على حالهما، هذا أمر مستحيل، أن نغّير أحد طرفي الإضافة، ويبقى طرفها الآخر، فإن الإضافة حتى في الأمور الاعتبارية متوقفة على كِلا الطرفين، هذا مالك وهذا مملوك، فلا يمكن أن يتغيّر المملوك ويبقى المالك هو المالك الأوَّل أو بالعكس.

الاحتمال الآخر: هو أنَّ الاعتبار في البيع يتعلّق أولاً بتغيّر المملوكين، وبتغيّر المالكين تبعاً، وفي الهبة يتعلّق الاعتبار بتغيّر المالك، وبتغيّر المملوك بالتبع. 

ـــــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فهذا ليس فيه إشكال عقلي، ولكن لا بُدّ أن نرى أنه عقلائياً هل هو كذلك، بحيث إذا قال: (وهبتك)، فمعناه جعلتك في محلّي في الملكية، أو معناه في الحقيقة: هذا ملكك، وهل الهبة إلّا تمليك مال بلا عوض، وكذلك في الإرث إذا مات المورث تنتقل الملكية إلى الوارث، لا أن الوارث يحلّ في محلّ المورث في الملكية، فإن المال ينتقل إلى الوارث نصّاً وفتوى، لا أن نعمل من عندنا مطلباً وإن كان يُقال للوارث خلف، ولعلّ هذا كان منشأ التوهّم.

وإذا فرض أن هذا تامّ، ولكنّ هنا إشكالاً عقليّاً، وهو أن يقال: إن ما يُقال من أنَّ الإنشاء خفيف المؤونة، غير مربوط (نمربوط)(1)، فإن الإنشاء مثل سائر الأفعال الاختيارية له مبادئ وغايات، فإنشاء شيء يستحيل في نفس الأمر مستحيل، وأنا أريد أن أنقل هذا المال -وهو مالي- منك إلى الآخر، فأنا الذي أعلم بوضوح من هو المالك، كيف يعقل أن أنشئ هذه المعاملة، وأقصد أن هذا المال يخرج من ملكك، مع أنه ليس في ملكك، كيف أقصد جداً إنشاء وقوع المعاملة المستحيلة!

هل مقصوده هذا الشيء الذي سنقوله؟ وهو ليس مقصوده، ولكن نحن ننحت له الوجوه، وهو أن يقال: 

التوجيه الأول: إن القيود التي في الكلام، قبل أن ترد عليها الهيئة التصديقية الإنشائية والإخبارية، تمام القيود أمور تصوّرية، ولكن حينما ترد الهيئة التصديقية تصبح تمام القيود التصوّرية تصديقية، فإذا قال: (بعت من 

ـــــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: غير مربوط.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

زيدٍ) كان هبة وبيعاً، فما يُقال من أنَّ الإنشاء الجدّي لهذه المعاملة مستحيل، غير صحيح، فإنه أما الإضافة فلا ربط لها بالجد لنقول إنها محال، وما تعلّق به الجد، وهو المعاملة كان هبة بحسب المدلول التصديقي، فيقع البيع على مال الغير، فيكون هبةً وبيعاً، ولا مانع عقلي منه.

فهذا الذي ينشئ المعاملة، لا يخرج المال من جيب الآخر، بل يخرجه من جيب نفسه إلى الآخر بنحو الهبة، ثُمّ يخرجه من جيب الآخر بنحو البيع، فليس أني نقلت مالي عن غيري ليكون محالاً، بل نقلت المال الذي وهبته لغيري.

هذا غاية ما يمكن أن يُقال في توجيهه.

التوجيه الآخر: أن قوله: (بعت مالي عن زيد)، له معنى مطابقي أصلي وهو البيع، ومعنى كنائي وهو الهبة، فيكون بيعاً وهبةً أحدهما بالمطابقة والآخر بالكناية، فهل هذا يدفع الإشكال العقلي أو لا؟

أما التوجيه الأوَّل: فنقول: إن الجزم والإنشاء الجدّي، بهذا المعنى: وهو أنَّ مالي يخرج منك، يتوقّف على أن يكون البيع واقعاً في ملكك، فإنه لو لم يكن المال لك في نظري يستحيل عليّ الإنشاء الجدّي، فالإنشاء الجدّي يتوقّف على الهبة، والهبة تتوقف على الإنشاء الجدّي، فإن الإضافة التصوّرية لا تكفي لتتميم المطلب، بل يحتاج تتميمه إلى إنشاء جدّي تصديقي، فلا بُدَّ أن تعمل الهبة ونوقع المبيع عليها، والهبة تتوقّف على الجدّ في قولك: (بعت من زيدٍ)، ولا يتمّ الجدّ فيه إلّا بالهبة، لاستحالة نقل ما ليس بملك، فيلزم الدور، فيستحيل أن تحصل بإنشائي ملكيتك؛ لأنه متوقّف عليها، فكيف يمكن أن أقصد جداً شيئاً غير واقع، يتحقّق بإنشائي الجدّي؟! هذا لا يمكن.

ـــــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

مضافاً إلى أنَّ الهبة تحتاج إلى قبول وقبض، فلو تمّت المسألة وأوقعت الهبة، إلّا أنَّ ذاك لم يقبل ولم يقبض فلم يملك، فكيف تبيع عنه! إلّا إذا دار رأسي وأخطأت ونسيت المسألة، وكلامنا فيمن ليس في رأسه دوار!!

وأمَّا التوجيه الآخر: وهو الكناية عن الهبة، فنحن وإن أجزنا استفادة أكثر من معنى من اللفظ، وليس فيه إشكال عقلي، إلّا أنَّ ذلك إنّما يتمّ في معنيين عرضيين، والكناية أسوأ حالاً من ذلك، إذ إنَّ المعنى الكنائي في طول المعنى الآخر، فإذا قصد كُلّاً من المعنى الحقيقي والمعنى الكنائي كان المطلب أشكل. 

مضافاً إلى أنَّ المعنى المتقدّم ما هو؟ هل هو البيع أو الهبة، وأنت قلت: (بعت هذا من زيدٍ)، فكان البيع متقدّماً، مع أنك تريد أن تكون الهبة متقدّمة. إذن فلا يندفع الإشكال العقلي.

إذن فهل تبطل أصل المعاملة مع القيد، كما يقول التستري(1)، أو تصحّ المعاملة مع بطلان قيدها، كما يقول الشيخ(2).

قلنا إن بالمعاملة مع الشرط المخالف لها، يكون في موردين:

أحدهما: أن يوقع بيع ماله الشخصي عن غيره وقد سبق.

ثانيهما: أن أبيع مالي عن نفسي، ويقبل هو في نفسه، ولكن على أن يذهب الثمن إلى غير جيب البائع ويذهب المثمَن إلى غير جيب المشتري، ومرّةً يكون من الطرفين كذلك، ومرّةً يكون من طرف واحد.

ـــــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) راجع: مقابس الأنوار: 116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 302، كلام صاحب المقابس….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في اشتراط التبادل في المبيع 

قيل: بأنَّه في باب البيع لا يعتبر أنه لا بُدّ حتماً أن المبيع والثمن يتبادلان، بالنحو الذي كانا عليه، بحيث يدخل المبيع في جيب المشتري والثمن في جيب البائع، بل لو لم يكن كذلك أيضاً تقع معاملة عقلائية صحيحة.

ونحن نتكلّم أولاً في معقوليته، وثانياً في عرفيته.

محلّ البحث هو ما إذا كان العوضان خارجيين، فإذا قلت: (اشتريت هذه العباءة لزيد)، وذاك يقول: (قبلت بكذا من الثمن عن ابني)، فإن كان وليّه أو وكيله تقع المعاملة عن ابنه، وإلّا فالمعاملة تقع باطلة، فهذا خارج عن محلّ البحث، فإن إيقاع القبول عن الغير مسألة أخرى.

وإنما موضوع البحث هو أنَّه بعد المعاملة يخرج الثمن من جيبك، ولا يدخل في جيب البائع بل في جيب غيره، وبالعكس أيضاً في المثمن، فأنتما طرفا المعاملة وتوقعانها على ما تملكان لكن بهذا الشرط.

وليُعلم أن البيع إذا لم يكن مقيّداً بقيد منافٍ، يقع بمقتضى طبعه، ويدخل الثمن في جيب من خرج منه المثمَن وبالعكس، وهذا لا إشكال فيه، ولا قائل بخلافه.

إنما الكلام في أنَّنا نريد أن نتمّم المعاملة بهذا القيد، بأن يقال: (قبلت) ويُراد إدخال (العباءة) في غير جيب المشتري، والثمن في غير جيب البائع، والقبول وإن كان عن نفسه لكنّه يقبل بهذا النحو.

قلنا في باب الفضولي وفي باب الإيجاب، هناك إشكال عقلي، وهو أنَّ الإيجاب -على قولك- هو تمليك عين بعوض، فهل هذا التمليك يقع بلا 

ـــــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

قبول، أو يحتاج إلى قبول ولا يقع التمليك بدونه؟ وتمام ماهية المعاملة وإن كان هو الإيجاب، وأما القبول فمن قبيل إجازة الفضولي، و(بارك الله في صفقة يمينك)، و(شكر الله سعيك)؛ ولذا قلنا إن من كان موكّلاً من الطرفين يمكنه أن يقول: (بعت هذا من هذا) ولا يحتاج إلى قبول، إلّا أنَّ نقل الثمن والمثمَن عقلائياً في صور تغاير القابل والموجب، يحتاج إلى قبول لا محالة، فإذا لم يقع إلّا بالقبول، كيف يعقل الإيجاب والجدّ بالقصد إلى التمليك الفعلي في صورة أنه لا يحصل التمليك؟

وهذا الإشكال، هناك أجبنا عليه بوجهين، وهنا يبقى بلا جواب، حيث قلنا هناك: إنه يمكن أن يكون التمليك بنحو الواجب التعليقي، فإن المعاملة وأثرها ليس بنحو الإيجاد والوجود والكسر والانكسار الذي انفكاكه محال، فإنها أمور اعتبارية وليست واقعية كالوصيّة، فإنه يوصي معلّقاً على موته، فهذا الموجب يعمله تمليكاً في ظرف القبول، لا تمليكاً فعلياً بلا قبول.

أمَّا هنا: فأنت تريد أن تحقّق المطلب بهذا القيد، فهنا عدة موارد للكلام:

أولاً: إن الإضافة ليست سبباً من أسباب التمليك؛ فإن المعاملة بيني وبينك، والمعاملة أيضاً بين عيني وعينك، وطبع المعاملة يقتضي التبادل بينهما، فإذا قلت: (بعت هذا لزيد) -لا عن زيد- فهل يملك زيد ذلك جزافاً، أو أن طبع البيع يقتضي ذلك؟ كلّ ذلك لا يكون، لا يبقى إلّا أنَّ الإضافة إلى الغير كانت سبباً في تمليكه(2)، فبهذه الإضافة اشتريت لنفسك وملكته المال، وهو 

ـــــــــــــ[133]ــــــــــ

() وهي الإضافة المستفادة من اللام في قولك (لزيد). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

تمليك قهريّ جبريّ لا يحتاج إلى قبول؛ لأنك تقول: إن المعاملة تمّت ولزم البيع، وصار كلٌّ من الثمنين لمن قصدناه، فهذا أي إنشاء من الإنشاءات التي تتمّ بدون قبول ولا رضا من قبل الطرف الآخر.

وأنت إذ تريد أن تملّك العباءة لزيد، فهل تملّكها له وهي ملكك أو ليست ملكك؟ فإن كانت تدخل في ملكك أوّلاً، إذن تحتاج إلى معاملة مستقلّة لنقلها إلى زيد كالهبة ونحوها، ولا يمكن أن يتمّ هذا في معاملة واحدة. 

وإذا لم يكن ملكك فأيّ ارتباط وسلطنة لك على العين بحيث تنقلها إلى غيرك؟ وأنت تريد أن تملّكها إياه من دون رضا ولا قبول، فأيّ عنوان لمعاملة ينطبق عليه ذلك؟ هذا ليس عقلياً ولا عقلائياً، ليس من باب السوق ولا من باب المدرسة.

نعم، ربما يُقال تشبّثاً ببعض الأمثلة بالصحّة، فإنه يصحّ أن يُقال: (اشتريت عباءة لولدي)، ولكن هذا من قبيل: (اشتريت البرذعة(1) للحمار)، هذا أيضاً صحيح، وليس معناه أنه يملّكه، بل يدخل في ملكه ثُمّ يعطيه، ولا شكّ أنه ما دام المال في يده ولم يجز لزيد التصرّف لا يجوز له التصرّف، وإنما يُقال: (اشتريناه له)، باعتبار أنه ينتفع به، وهذه الأمثلة التي توهّم الناس لا بُدّ من معرفتها.

الآن نرى أن هذه الأمور غير المقبولة، في الصورة الأولى أو هذه الصورة، إذا لم تكن معقولة، هل تقع المعاملة باطلة كما يقول الشيخ أسد الله(2)، أو نفس 

ـــــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) ما يوضع على ظهر الحمار أو البغل لركب عليه وهي كالسرج للفرس.

(2) راجع: مقابس الأنوار: 116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المعاملة صحيحة وقيدها باطل(1). مثلاً يقال: إن المعاملة مبادلة مال بمال وإضافة، وهي أن يخرج المال من جيبك ويدخل في جيب الآخر وبالعكس، فينحلّ إلى مبادلة وإضافة، فإذا كانت الإضافة غير معقولة تكون باطلة، ويبقى الآخر، وهو المبادلة نظير كلّ انحلال.

إلا أنَّ هذا غير تامّ، فإنه يفرق عن موارد الانحلال العقلائي، فإنه في جملة من الموارد يكون الانحلال واضحاً عقلائياً: كما إذا أردت أن تشتري عدّة أشياء وتقطِّع الثمن على كلٍّ منها ثُمّ تُجري عليها عقداً واحداً، فيكون معناه بيعَ كلٍّ واحد مستقلٌّ ولكن بكلام واحد. 

وفي بعض الموارد يقع إشكال في الانحلال، كالشرط الفاسد في البيع، هل هو منحلّ إلى البيع والشرط، كما لعلّنا قائلون بذلك، أو لا؟

فهل هنا كذلك، الإنشاء الذي أعمله وأقيّده بالقيد المستحيل، هل يكون الإنشاء ممكناً أو مستحيلاً؟ هل يمكن أن تنفذ المعاملة ويلغو القيد، أو هذا الإنشاء واحد؟ فإنّي إذا لاحظت القيد والمقيد جعلت عليهما إنشاءً واحداً، لا أني أجعل الموضوع هو الطبيعة وأُلحقّ به القيد، من قبيل القيد في ضمن العقد، فليس أني عملت أمرين، بل هو معنى بسيط غير قابل للانحلال في قولك: (بعت هذا لزيد)، فإن تلك المعاملات الانحلالية إنّما تكون كذلك باعتبار منطلقاتها. 

وأما هنا فالموجود الواحد تريد إخراجه عن ملك البائع إلى زيد، وهذا لم 

ـــــــــــــ[135]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 302، كلام صاحب المقابس….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يكن معقولاً، فأنا لم أعمل إلّا شيئاً واحداً مستحيلاً، ولا يعقل الانحلال.

وقد يقال: إنه حتماً لا بُدّ من الصحة؛ لأن الإنشاءات إيجاديات، والإيجاديات لا تنقلب عمّا هي عليه، نقول بعد تسليم الكبرى: إنه بعد أن يوجد الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه، والكلام في أنَّ مثل هذا الإنشاء والإيجاد هل يعقل تعلّق الإرادة به لكي يتحقق أو لا؟ لا أننا أوجدنا معاملة ونريد أن نقلبها.

كلام للشيخ 

هل يجب أن نتبع رأي الشيخ في المسألة، أو الشيخ التستري؟

يقول: إذا باع ماله عن غيره، فإنه لا يقع عن غيره بلا إشكال؛ لأن هذا القصد غير معقول، ولكنّ الظاهر أنه يقع عن نفسه، وكذلك فيما إذا كان مال الغير ويريد أن يبيعه عن نفسه، يقع عن الغير إن أجاز، وتبطل إن لم يجز.

ثُمّ يقول: دائماً هذا القيد ملغى ولا يعقل قصده.

إلّا أن يُقال: إن عدم معقولية المعاملات الحقيقية في صورة ما إذا أراد إيقاع المعاملة الحقيقية، فلماذا لا نحتمل هذا المعنى: أن هذا لا يريد المعاملة الحقيقية، بل يريد إيجاد صورة المبادلة -مثلاً-، أو لماذا لا نحتمل كما تحتمل في بيع الغاصب لنفسه: أنه نزّل نفسه منزلة المالك، كذلك هنا ينزّل نفسه منزلة المالك، أو ينزّل المالك منزلة نفسه، وحينئذ يعمل معاملة جدّية، وتقع باطلة بالفعل، وقابلة لالتحاق الإجازة(1)، فكأنّه يريد أن يصحّح المسألتين بالتنزيل.

ـــــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ونحن لنا عدّة كلمات مع الشيخ:

أحدها: إذا صار البناء على امتناع مثل هذه المعاملة، التي تنتج أن يخرج مالي من الغير، فهل معنى عدم وقوع هذا لامتناعه أنها تصحّ، وتُلغى القيود، أو يقع باطلاً أساساً؟

طريق الصحّة واحد، وهو الانحلال، فإذا لم يكن انحلالاً عقلاً وعقلائياً، كما إذا عاد البيع إلى إنشاءات متعدّدة، أو إنشاء على موضوعين، فيكون بيعاً للأمور المتعدّدة في صيغة واحدة، فينحلّ عقلاً وعقلائياً، ولهذا نقول إن البيع يصحّ فيما يملك ويبطل فيما لا يملك. 

أما في المقام فلا انحلال، لا عند العقل ولا العقلاء، فأني نقلت بالمعاملة هذا المتقيّد، وليس من قبيل الشرط في ضمن العقد ليكون قابلاً للانحلال، وقد تشبّثوا هناك بأنه بيع مقيّد فإذا بطل القيد بطل الأصل، إلّا أنَّنا هناك قلنا بالانحلال، أما هنا فالانحلال غير ممكن، فإنّي أنشأت في الخارج أمراً مقيّداً، وهذا الإنشاء لم يكن الجدّ فيه معقولاً، فلا يمكن أن يقال: إن له جدّاً لأصل النقل، ومعه شيء آخر غير معقول، من قبيل تعدّد المطلوب، فقد قصد نقل أصل المال، وقصد أمراً آخر غير معقول، وهو نقل (مالك) عن نفسه، إلّا أنَّ هذا غير تامّ، بل الإنشاء ورد ابتداءً على أمر مقيّد، وليس فيه انحلال عقلاً ولا عقلائياً.

والشيخ لم يذكر وجهاً للمطلب، ولكنّه يقول: إنه غير معقول، إلّا أنَّ المعاملة تصحّ ويسقط القيد، كما لو باع الغاصب لنفسه. 

ـــــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إلّا أنَّنا نقول بالاستحالة حتى في الغاصب، فإنه إذا كان عالماً بأطراف القضية وعارفاً بالمسألة، كيف يتصوّر منه الجدّ إلى المعاملة؟ نعم، الغاصبون يعملون معاملات جدّية، لكن يزعم أن المال له وليس للمغصوب منه، يزعم أن سبب الملكية أعمّ من السبب الناقل بشكل حلال شرعي، أو أن مقصوده الحصول على المال، لا أنه يريد إيقاع معاملة صحيحة لنبرز له وجهاً شرعياً، بل إذا استطاع أن يأخذ الثمن مع المثمَن لَفَعل، وإلّا لو كان عالماً بحكم المسألة وعارفاً لأطراف القضيّة، لم يكن الجدّ في المعاملة معقولاً.

يقول الشيخ: إنه لا يعقل قصد هذا المطلب، إلّا أن يقال: إن هذا إنّما يكون إذا كان القصد موجوداً، فلماذا لا يجعل هذا قرينة على أنه لم يكن قاصداً(1)، 

هذا أي استثناء! فإنّ بحثنا ثبوتياً وليس إثباتياً، ولم يكن البحث في أنَّه يستطيع أن يهزل أو لا.

ثم يقول: ولِمَ لا نجعل هذا قرينة على أنه نزّل الغير منزلة نفسه، أو نزّل نفسه منزلة الغير، أو نزّل مال الغير منزلة مال نفسه أو بالعكس. 

فهل يكون التنزيل، بعد التفات الإنسان إلى طرف القضية، سبباً للجدّ في الموضوع؟ فإنه لا يريد المجاز بل الجدّ، هل استطيع أن أنزّل نفسي منزلة السلطان وآمر الشرطي بشيء؟! 

لا يمكن أن يترتّب هذا الجدّ على التنزيل، فلا يمكن أن يدّعى أن هذا المال لي ثُمّ يعمل معاملة جدّية على هذا الأساس، هذا محال في المقام.

ـــــــــــــ[138]ــــــــــ

(1) كتاب المكاسب 3: 301-302، كلام صاحب المقابس….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وكذلك الغاصب ينزّل نفسه منزلة المالك، أو المال المغصوب منزلة ماله، كيف يمكن الجدّ إلى إخراج هذا المال عن نفسه؟! فإن باب التنزيل باب المجاز وليس باب الجدّ والحقيقة؟

[مطلب راجع إلى الكليات]

هذا كلّه في الأعيان الشخصية، أما في الأمور الكلّية فقد سبق فيها الكلام، ويأتي منها كلام أيضاً(1).

سبق الكلام بالنسبة إلى الأعيان الشخصية، وبعض جهات الأعيان الكلّية، وبقيت هناك مطالب راجعة إلى الكلّيات وما في الذمم، ونحن نتعرّض للمطلب الذي ينقله الشيخ عن التستري، وما يقوله هو بعد ذلك.

يقول الشيخ التستري: في ما إذا اشترى لنفسه شيئاً على ذمّة زيد، أما أن يكون هو وكيلاً عن زيد في الشراء أو لا يكون، فإذا لم يكن وكيلاً عن زيد تقع المعاملة لنفسه، ويلغو قيد (في ذمّة زيد)، ويقع الثمن في ذمّة نفسه، وإذا كان وكيلاً لزيد، فالمقتضي في كِلا العقدين والمعاملتين موجودٌ لو وقع منفرداً، يعني لو اشترى لنفسه لصحّ ولو اشترى لزيد لصحّ، ولكن حيث جمع بين الأمرين فاشترى لنفسه على ذمّة زيد، فهنا يقول: يحتمل أن أحدهما يكون ملغى أو لازمه أن يصحّ الآخر، ولكن لتدافع الطرفين لا نستطيع ترجيح أحدهما، فيحتمل أن يقعا باطلين، ويحتمل ترجيح جانب الأصل، أما لأن الموكّل لم يوكل لهذا النحو من الشراء، أو أن الأصالة تُرجّح على الوكالة، ووقوعها 

ـــــــــــــ[139]ــــــــــ

() بعد عطلة شهر رمضان. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

للأصيل أرجح من وقوعها للوكيل، ويحتمل ترجيح جانب الموكّل؛ لأن المشتري اعتبر العوض في ذمّة الموكّل، فيلغو قيد (لنفسه) ويقع للموكّل كما قلناه في الأعيان الشخصية(1)

هذا محصّل كلام الشيخ التستري.

أما ما يقوله: من أنَّه إذا لم يكن وكيلاً يقع عن نفسه، فهذا لا يمكن، فإنه حتى مع فرض أن الأعيان الخارجية لها إضافة إلى الغير. 

وقلنا إن القيد المخالف لها يكون لاغياً، فإن الكلّيات ليست كذلك؛ لأنها إن أُضيفت إلى الذمّة ارتبطت بها، وإن لم تضف انصرفت إلى ذمّته، وأما لو لم تضف إلى ذمّته أصلاً، لم تكن مرتبطة بأيّ ذمّة، فالذي يقول: (اشتريت هذا بعشرة في ذمّة زيد)، فبهذا اللفظ ارتبطت العشرة بذمّة زيد، ولو في اعتباري، فإذا لم يكن وكيلاً فكيف جاء إلى ذمتي! بالقيد(2) أو بالانصراف؟

أما القيد فغير موجود على الفرض، وأما الانصراف، فلا يكون إلّا مع إلغاء النظر إلى ذات المقيّد، وهو غير ممكن؛ لأنه جاء في اللفظ بما هو منافٍ مع الانصراف، وقد قيّدته بقيد لا يمكن معه المجيء إلى ذمّتي، وليس لنا حقّ إلغاء القيد، وليس للكلّي في حدّ نفسه كالأعيان الخارجية ارتباط بالذمة.

نعم، يمكن أن يقال: إن قيد (لنفسه) قرينة على إلغاء قيد على (ذمّة زيد).

نقول: لماذا لا يكون العكس؟ ويكون الأخير قرينة على إلغاء الأوَّل، 

ـــــــــــــ[140]ــــــــــ

() راجع: مقابس الأنوار: 115-116، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(2) يعني: قيد في ذمّتي. (المقرِّر)..

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وتقديمه في الكلام لا يوجب قرينيته، وليس أحدهما قرينة على الآخر، بل هما كلامان متنافيان في الصدر والذيل.

وقضيّة تقدّم الأصالة على وقوعها للغير، فإن هذا إنّما يتمّ في مقام الظاهر في باب المرافعة، وأما في المقام الذي جاء فيه بقرينة مخالفة للأصالة في الكلام فلا يمكن ذلك.

بناءً عليه إذا لم يكن وكيلاً، يقع العقد إما باطلاً أو فضولياً، إن قلنا إن من باع شيئاً ثُمّ ملك من أمثاله، يقع بعد الإجازة صحيحاً، وطبعاً المنشئ إذا كان ملتفتاً، لا يمكن أن يكون جادّاً من جهتين:

أحدهما: أن هذا ليس بيعاً عقلائياً.

وثانيهما: أنه على تقدير تسليمه، فالجدّ في إيجاد المعاملة الفعلية لا يقع؛ لأنه ليس بوكيل، هذا كلّه فيما إذا لم يكن وكيلاً.

وأما إذا كان وكيلاً، فيقول(1): يلغى أحدهما، وظاهره أنه يصحّ الآخر، وإنما نقول بالبطلان لتدافع الاحتمالين، وظاهره أنه في مقام الإثبات، لا ترجيح فنقول بالبطلان. 

هل يريد أن يقول: إن واحداً لا بعينه باطل وأحدهما لا بعينه صحيح؟ فهذا مخالف لما قاله من أنَّه يلزم أن الملك بلا مالك، وخارج عن الأدلة الشرعية، أو يريد أن يقول: إن أحدهما الواقعي كذلك، لكن حيث إنَّه لا دليل في الظاهر لتعيينه يملكه بالبطلان. 

ـــــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نقول: لا نحكم بالبطلان سواء قلنا إنه أحدهما لا بعينه أو أحدهما بعينه، وقلنا بصحّته، ويرجع إلى القرعة؛ لأنه من تزاحم الحقوق، وهو مورد القرعة، ولا يلزم من ذلك التقييد الكثير، كما ذهب إليه بعض(1) من تأخّر عنّا، غايته أنهم حيث تخيّلوا بأن مورد القرعة هو كل شيء من الشبهات الحكمية والموضوعية، ذهبوا إلى ذلك، مع أن باب القرعة ليس هو ذلك، بل بابه هو المورد العقلائي، وهو باب تزاحم الحقوق، وعليه تدلّ تمام الروايات(2) الواردة في المقام، وفي الروايات أشير إلى أنَّ الأصل من القرعة ما ذكر في القرآن، وقد ذكرت فيه مرّتين:

أحدهما: في مريم التي ألقوا أقلامهم أيهم يكفل مريم(3).

والآخر: حول يونس وأنه أيّ منهم يلقى في البحر(4).

وكلام المتقدّمين، والشهيد، يستفاد منه ما يؤكّد ذلك.

ففي المقام الذي تقع فيه المعاملة ولا يعلم أنها وقعت إلى أيٍّ منهما، فإنها 

ـــــــــــــ[142]ــــــــــ

() راجع: عوائد الأيّام: 660، عائدة 62، البحث الثالث، الحاشية على المكاسب (للخوانساري): 587، القول في وجوب القبض، وغيرهما.

(2) أُنظر: الروايات الواردة في باب الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة وجملةٍ من مواقعها وكيفيّتها من أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى من وسائل الشيعة 27: 257.

(3) إشارة إلى قوله تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. سورة آل عمران، الآية: 44.

(4) إشارة إلى قوله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ(139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ المَشْحُونِ(140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ المُدْحَضِينَ(141) فَالتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ(142) فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ المُسَبِّحِينَ(143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. (الصافّات: 139-144).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

تُحلّ بالقرعة، ولا يفرّق في القرعة بين وجود الواقع المعلوم وعدم وجوده، فإن مورد القرعة في القرآن لم يكن له واقع معلوم.

وأما ما يقوله: من أنَّه يحتمل أن طرف الأصيل صحيح، أما لأن هذه الوكالة غير موجودة، فهذا خروج عن محلّ البحث، فإن محلّه هو الوكالة، ويرجع إلى الفرع الأوَّل الذي تكلّمنا فيه، وهو صورة عدم الوكالة، ولو سلّمنا عدم الوكالة، يقع لي. 

بناءً على قولك: لماذا يقع باطلاً؟ وعلى أيّ حال لا وجه لذكر احتمال عدم الوكالة في المقام، فإنه إما أن لا يكون وكيلاً فهو الفرض الأوَّل، أو كان وكيلاً ففي كليهما مقتضي الصحّة وهو محلّ الكلام.

وأما ما يقوله من أنَّ الأصالة مقدّمة، فلا دليل لفظي عليها، فقط ذلك في مورد الموافقة، وفي المقام قيّد كلامه بخلاف مقتضى الأصل.

وأما ما يقوله أخيراً من احتمال أنه يقع للآخر؛ لأنه جعل العوض في ذمّته، نقول: إنه ولو كان كذلك، إلّا أنه اشترى لنفسه، فمقتضى القاعدة هو عدم الصحّة في مقام الثبوت، بعد عدم إمكان الجمع بين القيدين، وليست عقلائية ويمكن أن لا يأتي فيها الجدّ.

هذا تتمة الكلام السابق.

في أنه هل يجب تعيين البائع والمشتري

هنا جاءوا ببحث جديد، وهو أنَّه هل يجب أن يعرف البائع المشتري وبالعكس أو لا. أو فرق بين باب الوقف والنكاح والهبة وبين غيرها؟

ـــــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

سبق البحث في هذا المعنى، وهو أنَّه هل تعيين البائع والمشتري لازم ويشترط ذلك في صحّة المعاملة أو لا؟ هذا البحث غير ذاك البحث، فما يقوله المرحوم النائيني(1) من أنَّه لا فرق بينهما غير صحيح، بل هذا البحث غير مربوط بذاك أصلاً، فإن هنا عدّة بحوث لا ربط لها بالإبهام والتعيين:

أحدها: أنه هل ما قاله البعض في النكاح وفي العوضين، من أنَّه يلزم معرفة العوضين والزوجين لبعضهما البعض، هل ذلك لازم في باب البيع؟

أو بعبارة أخرى، أنه في مطلق المعاملات هل لا بُدّ أن يعرف هذا الطرف ذاك الطرف، ويعرف ذاك الطرف هذا الطرف، أو أن هذا غير لازم مطلقاً؟ أو نقول: بالتفصيل بين باب النكاح ونظيره كالوقف والوصيّة، وبين غيره فهو لازم في تلك غير لازم في غيرها؟

فصّل بعضهم(2) ما بين باب النكاح ونحوه، ممّا تعلّق به الغرض بمعرفة الطرف وبين البيع ونحوه ممّا لا يتعلّق به ذلك الغرض، وقالوا: بأن العوضين له سنخ ركنيةٍ في باب المعاملات، كذلك في النكاح للطرفين سنخ وكنية فيه، والمقابلة بنحو من الاتّحاد بين العوضين في المعاملات وفي النكاح بين الطرفين، ولهذا فالمعرفة في الزوجين وفي العوضين لازمة، أما البائع والمشتري فليس بلازم.

أما أنه لا بُدّ من معرفة شخص البائع والمشتري فهذا لا إشكال(3) فيه ولم 

ـــــــــــــ[144]ــــــــــ

() راجع: منية الطالب 1: 182، المبحث الثالث: في تعيين الموجب لخصوص المشتري…

(2) راجع: مقابس الأنوار: 115، هل يُعتبر تعيين المالكين…؟

(3) يعني: في عدم اشتراطه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يقع فيه الكلام، فلو قال للمشتري: (بعت عن موكّلي) ولم يكن المشتري يعرف موكّله وقع تاماً، وإنما الكلام من هذه الجهة، وهي أنَّه هل باب النكاح كـ(باب العوضين)، أنه كما في العوضين لا بُدّ من معرفتها، كذلك الزوج لا بُدّ أن يعرف الزوجة والزوجة تعرفه؟

أما في العوضين، فلو لم يدلّ الدليل الشرعيّ على بطلان بيع المجهول والغرر، لقلنا بعدم دخله في المعاملة إلّا في بعض الموارد، كالمجهول المطلق الذي لا يوافق عليه العقلاء، ولم نقل أيضاً إنه غرري في جملة من الموارد، كما في الأمرين المتساويين دائماً كحِمْلي الحنطة، بأن يبيع أحدهما المعيّن -ثبوتاً المبهم عند المشتري- أو غير المعيّن، ويعيّن بالقرعة، وإنما الدليل الشرعيّ هو الذي ذكر لنا عدم الصحة.

وأما في النكاح فليس معاملة ليشمله قولهنهى النبي عن بيع الغرر(1)، فإذا أراد أن يعقد على مرأة مجهولة(2) إثباتاً معيّنة في الواقع -كالساكنة في المحلّة الفلانية مثلاً- كان جائزاً، والأغراض وإن كانت تتعلّق بمعرفة المرأة، إلّا أنَّ ذلك لا يوجب البطلان، فإن الأغراض أيضاً تتعلّق بمعرفة طائفتها وثروتها وجمالها ولغتها، ومعلوم أن كلّ ذلك غير دخيل في العقد، بل لو كان 

ـــــــــــــ[145]ــــــــــ

() دعائم الإسلام 2: 21، كتاب البيوع، الفصل 3، الحديث 34، عوالي اللئالي 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، ووسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3، مع فارقٍ في اللفظ.

(2) مجهولة الشكل والنسب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

مجهولاً مطلقاً كان صحيحاً، ومجرّد كون المتعارف بين الناس ذلك، لا يكون موجباً لانصراف الأدلّة.

نعم، هناك في النكاح كلام، وهو أنَّه هل لا بُدّ من التعيين، أو أنه يجوز الإبهام، ويعيّن بعد ذلك؟ هذا بحث آخر غير ما نحن فيه.

والأمر في الوقف كذلك، فليس بلازم أن أعرف الموقوف عليه، وكذلك الأمر في الوصيّة.

هل يعتبر المخاطبة في المعاملة

كلام آخر في المقام: وهو أنَّنا قد نجهل أن هذا المشتري يشتري لنفسه أو لغيره، فهل يعتبر في المعاملة أن تكون مخاطبة ما بين المشتري والبائع؟ وإذا كان وكيلاً فهل حتماً يقول: (بعت لموكّلك واشتريت لموكّلي)، أو غير معتبر مطلقاً، بحيث لو قال: (بعتك) أو (أنكحتك)، وكان يريد واقعاً شخصاً آخر يقع على الواقع؟ أو نقول بالتفصيل بين البيع وأمثاله والنكاح وأمثاله ممّا يكون مورداً لغرض العقلاء؟

وقد يبدو التفصيل -ابتداءً- أحسن بهذا البيان، وهو أنَّ البائع يجب أن يتبع في إنشائه المحاورات العقلائية، في الحقائق والمجازات والكنايات، لا بُدّ أن تكون صحيحة بحسب المحاورات العقلائية، فإذا شيء خرج عن المحاورات العقلائية، نقول بأنه لا يقع معاملة، كما لو قال: (أنكحت) وأراد جدّاً البيع، ولم ينصب قرينة في كلامه، لكنّه كان قصده معلوماً للطرفين، فلو أوقعها بشكل ليس معه قرائن يفهمها العقلاء، ويوافقون على قرينيتها، لم يقع بيعاً، كما لو اتفقنا على أنَّي إذا قلت: (ب) قصدت البيع، وأنك إذا قلت (ش) قصدت 

ـــــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الشراء، لم يقع بيعاً عقلائياً، فإن البيع العقلائي ما أوقعه الطرفان طبقاً للمحاورات العقلائية.

فيقال: إنه كما أنَّ ذلك ثابتاً في المعاملات، كذلك ثابت في المخاطبات، كما لو قال: (بعتُ الشمس) وقصد زيداً جدّاً، وأنت قلت: (قبلت من القمر) وقصدت عمرو، من دون قرينة عقلائية على ذلك فهذه ليست مخاطبة عقلائية، ومخاطبات الأشخاص لا بُدّ وأن تكون جارية على حسب قانون المحاورة.

فيدّعى بما أنَّه في باب البيع يتعلّق الغرض بالتبادل بين الشيئين، وليس هناك غرض من خصوصية الشخصين، ففي المحاورات العقلائية، إذا قيل: (بعتك) أو (قبلت منك)، ليس منظورهم الخطاب، بل منظورهم التبادل بين الشيئين فقط، لا ما يقوله الشيخ، من أنَّ الخطاب أعمّ(1)، فإن فيه إشكالاً عقلائياً، إذ من المفروض أني لا أعلم أن هذا المخاطب هو المشتري أو أنه وكيل عن المشتري، فحين أخاطبه بكاف الخطاب، هل أخاطب الفرد الأعمّ من المشتري الواقعي والمشتري التنزيلي، وهذا الجامع يصدق عليهما معاً على البدل، إذن فليس هذا الشخص هو المخاطب، وعلى تقدير عدم الإشكال العقلي فهو ممّا لا يلتزم به الشيخ.

بل يُقال هنا: إن هذا المعنى المتعارف عند العقلاء من تعلّق الأغراض بالمبادلة بين الشيئين دون الشخصين، بل هذا يريد أن يحصل على حنطة وذاك يريد أن يحصل على المال، فحيث إنَّ هذا المعنى هو المتعارف، فحين يقول: 

ـــــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 305، الأُولى في الفرق بين النكاح والعيب.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 (بعتك)، كأنه يرجع البيع إلى المالك، فإن كان المالك هو أنت فالبيع لك، وإن كان غيرك فالبيع له، والوكيل لا يجعل مخاطباً إلّا باعتبار وقوع الحديث معاً، وإلا فالخطاب حقيقة مع المالك، ومع وقوع التعارف على ذلك، يكون من قبيل باب الرمز الذي قلناه، ولا يكون على خلاف الطريقة العقلائية، وكذلك الحال في النكاح يقول: (أنكحتك) ويقصد به الزوج دون الوكيل، ونحن كما نتّبع العقلاء في أصل الإيجاب والقبول، كذلك نتّبعهم في أوصافهم وخصوصياتها.

هذا غاية ما يمكن به تقريب المطلب.

ولكن مع ذلك ليس خالياً من الإشكال؛ لأن المعاملات التي تقع بين العقلاء، وإن لم يكن لها نظر إلى الشخص ولكنّه يخاطبه، فحين يقول: (بعتك) يعني: (بعت لك)، وإنما يقول العقلاء ذلك لأنهم يعتبرون اليد أمارة على الملكية، ولا يقولون إن هذا البيع تارةً يقع عن نفسه، وأخرى وكالة، وثالثةً وصاية، ورابعةً ولاية، بحيث تسقط اليد عن الأمارية، بل هذه الأمور نادرة الحدوث، ولا يعتني بها العقلاء، إلّا إذا كان الشخص -مثلاً- دلّالاً عليه شواهد التوكيل، وإلا فإنه لا يرد في ذهن أيٍّ منهم الوكالة.

فلا نستطيع أن نقول: إن قوله: (بعتك)، ملغى إضافته، وإن العقلاء لا يلتفتون إلى الطرف، وإنما يشترون للعوض، فإنهم -في الواقع- يجدون الطرف مالكاً ويبيعون له، وذاك المعنى الأعمّ الذي قاله الشيخ(1) على فرض إمكانه، لا ينقدح في ذهن أحد من أهل العرف، وإنما هو كلام مدرسي لتشييد الأذهان!!

ـــــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذن، فلا يمكن إلغاء (كاف الخطاب) وإرجاعه إلى مالكه الواقعي، باعتبار النظر الأساسي للعوضين، وإنما أرجعنا (كاف الخطاب) إلى الطرف باعتبار أن الكلام فعلاً معه.

هذا كلّه غير صحيح، وإنما وجهت الطرف (صاحب المال)، ولأجل هذا خاطبته.

حول اشتراط الظهور في إنشاء العقد 

مسألة أخرى: إذا عرفت أن الطرف وكيل، وأقول: (أنكحتك) أو (بعتك)، وأقصد الوجود التنزيلي للطرف الواقعي، أو لا بُدّ أن أقول: (أنكحت موكّلي)، أو (بعته)، أو التفصيل بين النكاح والبيع.

هذا تابع لهذا المعنى، وهو أنَّ هذا التنزيل صحيح عرفاً، وعقلائياً، فإن فهمه العقلاء في باب المحاورات، فلا فرق بين البيع والنكاح في الصحّة، وإن لم يكن عرفياً عقلائياً، فلا فرق بينهما في البطلان. هذا تمام الكلام في هذه المسألة.

ـــــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 







الثالث: في اشتراط الاختيار 

 

يقع الكلام في أنَّه يعتبر في المعاملات الاختيار.

من الأمور التي اشترطها الفقهاء (الاختيار)، يقول الشيخ(1) إن الاختيار شرط في المتعاقدين، ثُمّ يفسّر الاختيار بتوفّر القصد ويوقع المعاملة عن طيب نفس، وليس المراد بالاختيار ما كان في مقابل الاضطرار.

نحن لنا كلام: أن الشرط ماذا ينبغي أن يكون، فنقول: جميع الأفعال الصادرة من الفاعل، بالالتفات والإرادة، كلّها مسبوقة بالاختيار، غاية الأمر أن مبادئ الاختيار مختلفة، فإنه مرّةً يكون الشيء الذي يريده الإنسان شيئاً موافقاً مع ميله وشهواته وأغراضه، فهنا يتصوّر المطلب، ثُمّ يجزم بأن هذا الفعل إذا وُجِد وتحقّق يكون محقّقاً للغرض الفلاني، فيشتاق إليه، ثُمّ يصحّح ويعزم -الذي هو الإرادة- ثُمّ يوجد الفعل. 

وجملة من الأفعال لا اشتياق للإنسان إليها، وليست على مقتضى الميل النفسي، بل قد يكون له تجاهها غاية الكراهة، ولكن بما أنَّ عقله يحكم بأنه يجب إيجاد هذا الشيء المكروه الفاسد تلافياً لوقوع الأفسد، مثلاً الشخص المهدّد بالقتل يمسك السلك الكهربائي ليموت في آن واحد، تلافياً للقتل الأشدّ، فهو 

ـــــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) كتاب المكاسب 3: 307، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يتصوّر الفعل ثُمّ يصدق بأرجحيته على غيره من الأفعال الأخرى، ثُمّ يختار هذا الفعل في مقابلها، ثُمّ يريده ويوجده، فليس أن اتصاله بالكهرباء من باب الاشتياق، ولكن مع ذلك يلزم العقل بترجيح هذا المكروه على الشيء الذي هو أشدّ كراهة، فالمبادئ الاختيارية هنا محفوظة.

فليس أنه دائماً الأفعال الصادرة من الإنسان مسبوقة بالاشتياق، فبعض ما ذكره بعض المحققين من أنَّ الإرادة هي الشوق المؤكّد(1)، وهو موجود في كلام (الحاجي) (2)، أيضا غير تامّ، بل الشوق غير الإرادة ويقع في مبادئها في بعض الأفعال، وكونها اشتياقاً عقلياً، تعمية، فإن العقل وظيفته الإدراك للمصالح والمفاسد، لا الشوق، فهو يدرك ما هو الأقل محذوراً ويفضّله على الأكثر محذوراً، وهذا موجود حتى في الحيوانات، فإنك إذا وضعت دريس الشعير ودريس الحنطة أمامه، فهو يشمّهما ويختار دريس الحنطة، وقد قيل (ليس هناك أشدّ حمارية من الحمار)!؟.

وكذلك القطّة إذا وضعت أمامها قطعة خبز وفأر، فإنها تفضّل الفأر لا محالة، وكلّ ذلك باعتبار أن فعلها لها مبادئ اختيارية، وليس من قبيل جذب المغناطيس الطبيعي أن لا يسير إلّا في أقصر مسافة بين النقطتين.

فالفعل الذي يصدر من الإنسان سواء كان اضطرارياً أو إجباريا أو إكراهياً 

ـــــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) راجع: الرسائل المختارة: 71، رسالة خلق الأعمال، القبسات: 222، الحكمة المتعالية 4: 133، السفر الثاني، الفنّ الثاني، القسم الثالث، الفصل 2، وغيرها.

(2) المراد منه (الملا هادي السبزواري)، راجع: شرح المنظومة 3: 646، غررٌ في الإرادة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أو إلجائياً، أو كان من سائر الأفعال، فإن كلّها مسبوقة بالاختيار والإرادة، ولا فرق بينها من هذه الناحية. غاية الأمر أن بعض مبادئها تختلف، فإن العطشان في الصيف يشرب الماء البارد بلذّة وارتياح، والمريض يشرب الدواء، وهو غير مشتاق إليه، بل له تجاهه كلّ كراهة واشمئزاز، ولكنّ عقله يرجّح هذا المكروه على ما هو أشدّ كموته، أو طول مرضه.

ومرةً أخرى: يهدّده شخص ظالم أنك إذا لم تعمل كذا، أضربك، أو آخذ منك مائة تومان، فهنا مبادئ الاختيار موجودة، وهي التصوّر والتصديق بأن اختيار هذا الفعل أهون عليه من الضرب أو الغرامة، غايته أنه غير مشتاق إليه، ومرة يكون الفعل إلجائياً، كما لو طاردني سبع فألقيت نفسي في البحر هرباً من الافتراس، فهذه الأفعال لا تفترق عن سائر الأفعال في الاختيار، وإنما تصدق في المبادئ التي قبل الاختيار، وهي أنَّها صادرة من دون شوق.

وأيضاً فإن الاختيار في تمام هذه الأفعال له معنى واحد، لا أن هناك اختياراً في مقابل الإكراه واختياراً في مقابل الاضطرار وهكذا، بل معنى الاختيار، هو ترجيح واصطفاء فعل في مقابل الأفعال الأخرى، وتشخيص الخير فيه، غاية الأمر أنها تختلف من حيث المبادئ.

حول اعتبار عدم الإكراه في صحة العقد

الآن نرى أن ما هو شرط في المعاملة، هل هو عبارة عن الاختيار؟

إذا كان الشرط هو الاختيار دون أمر آخر، فهو متوفّر في فعل المكره والملجأ والمضطر، والشرط فيها حاصل جميعاً، فإن الاختيار معنى وماهيّة 

ـــــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

واحدة، فالاختيار وإن كان شرطاً في المعاملات، إلّا أنه يؤخذ في مقابل ما كان اضطرارياً كحركة المشلول، لا في مقابل المكره والمضطر فإن أفعالهما اختيارية ولو جعلناه شرطاً في المعاملة، فلا بُدّ من تصحيح تمام المعاملات.

فما يجب أن نقوله شرطاً هو أن لا يكرهه أحد على المعاملة، بحيث نأخذ عدم الإكراه شرطاً أو نأخذ الإكراه مانعاً عن المعاملة -لو تصوّرنا المانع ولم نرجعه في علم الأصول إلى اشتراط عدمه-.

فما يقوله الشيخ(1) من أنَّ المعاملة مشروطة بالاختيار، وهو القصد إلى المعاملة، بطيب نفس وبلا إكراه، هذا لا يتمّ إلّا بتطويل المسافة بأن يقال: الشرط هو الاختيار الذي لا يكون معه إكراه المكره، ونحن نستطيع الاكتفاء باشتراط أن لا يكون إكراهاً، أو نلغي ذلك كما فعل الشيخ، ونشترط طيب النفس، فنسأل عن طيب النفس ما معناه؟ هل معناه أنه يحقّق المعاملة فرحاناً بلا كراهة؟ فهذا ينتقض بالمضطر الذي يصحّحه الشيخ مع كونه ليس عن طيب النفس. 

وإذا كان مراده من طيب النفس القصد الجدّي إلى المعاملة، فالمكره أيضاً له جدّ إلى المعاملة، وهو في مقابل أن يكون هازلاً، وهو خارج عن محلّ الكلام، فإن محلّ الكلام، ما إذا كانت المعاملة تامّة إلّا من حيث الإكراه.

بناءً عليه، فما ذكره الشيخ والآخرون، من أنَّ الشرط هو الاختيار، ولجأوا إلى أن قالوا: إنه في مقابل الكره وطيب النفس، هذا علاوةً على أنه تطويل للمسافة ليس تامّاً. 

ـــــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 307، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

والشيخ في آخر كلامه يقول: إن الاختيار معناه أن يكون له قصد إلى المعاملة، وهذا في مقابل أن يكون نائماً أو ساهياً أو غافلاً، وهذا ممّا سبق الكلام فيه. 

والآن لا بُدّ من فرض المعاملة تامّة من سائر الجهات، إلّا وجود الإكراه والتوعيد. إذن فلا بُدَّ من طرح الاختيار، ولا بُدّ أن نذهب إلى مبادئ الاختيار، فنرى أنه تارةً يكون الإنسان على طبعه، غاية الأمر أنه يعمله بطيب نفسه، وأخرى بكراهة، وتارةً يكون بإكراه المكره.

فنقول: إنه إذا صدر الفعل باختيار وإرادة، ولكن كان في مبادئه أن لا يكون مكرهاً، ليلتصق بالقاعدة التي ترد في المقام وهي قوله: “رفع عن أمتي…. وما أُكرهوا عليه “(1). فهنا الأولى أن نجعل الإكراه مانعاً، إذن يشترط في المعاملة أن لا تكون بإكراه مكره، لا أن تصدر بإكراه، يبقى دليل المسألة.

في دليل المسألة

سواء اعتبرنا الاختيار في المعاملات، أو اعتبرنا عدم الإكراه والإلزام، أو أخذناه مانعاً، فما هو الدليل على بطلان المعاملة؟

أنا لا أستبعد أن العقلاء في المعاملات الإكراهية يوافقون على ذلك الشرع المطهّر، فلو ألزم الشخص بمعاملة ففي المحاكم العقلائية لا يُقال: إنَّه ما دام عنوان البيع صادقاً يلزمك ترتيب الأثر، بل هم أيضاً يرون عقد المكره باطلاً، فهي مسألة عقلائية، وليست مقتصرة على الدليل الشرعيّ القائم على خلاف 

ـــــــــــــ[154]ــــــــــ

(1) الكافي 2: 462، باب ما رُفع عن الأُمّة، الحديث 1، ووسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

القواعد العقلائية، ولو لم يكن ذلك كلّه وانتهينا إلى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)، فإطلاقها منصرف بحسب الفهم العقلائيّ عن مثل هذه المعاملة، فغاية الأمر أنك تقول: إنه لو لم يكن لنا حديث الرفع لرجعنا إلى إطلاقات أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، إلّا أنَّ العقلاء يرون مثل هذه النصوص منصرفة عن صورة المعاملة الناشئة عن الإكراه والضغط.

بناءً عليه، فبيع المكره باطل بحسب الأصل الأوّلي والقواعد العقلائية، وهو وإن كان عند العقلاء بيع لا انه لغو محض، ولكنّه كالفضولي لا يترتّب عليه الأثر فهو بيع غير مُلزِم للشخص، وإطلاقات تنفيذ المعاملات لا يشمله، إذن فما تذكره من الأدلّة إنّما هو تأكيد لما هو موجود في محيط العقلاء.

[حول دلالة حديث الرفع عن المطلوب]

من جملة ما استدلّوا به حديث الرفع، وهو قوله: (رُفع عن أمتي تسعة أشياء) وعد منها: (ما أُكرهوا عليه) (2)، والعناوين التي أُخذت في الحديث كقوله: (ما اضطروا إليه) و(ما أكرهوا عليه) و(ما لا يطيقون)، ليس المقصود نفيه بما هو موجود في عالم التكوين وبحسب الخارج، فإني قد أُكرهت على العقد وقد اضطررت إليه.

ـــــــــــــ[155]ــــــــــ

()  المائدة: 1.

(2) التوحيد: 353، باب الاستطاعة، الحديث 24، الخصال 2: 417، باب التسعة، الحديث 9، ووسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1، إلّاَ أنَّ فيه: “تسعة أشياءٍ“.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فإذا ورد في لسان الفصحاء، أو لسان الشارع من نفي أمر من الأمور الخارجية فهو ليس نفياً حقيقياً، فإنه بعد أن نسبه إلى نفس ذوات هذه الأشياء، فلا بد أن يكون بابه باب الحقيقة الادعائية على حسب ما يفهمه الإنسان. فهو أدعى أن ما أكره عليه غير متحقق في الخارج ومرفوع ذاته، وحيث إنَّ ذاته غير قابلة للرفع، فلا يكون هذا الادّعاء صحيحاً إلّا بارتفاع تمام الآثار.

يعني ما لا يكون له شيء من آثار البيع كصحّته ووجوب العمل به وحصول النقل والانتقال منه، فيكون مصحّح الادّعاء أن هذا حيث إنَّه لا أثر له أصلاً فهو ليس بيعاً، أو يكون مصحّح الادّعاء هو انتفاء آثاره المهمّة التي تكون سائر الآثار بالنسبة إليها كأنما لا شيء، كقوله: “يا أشباه الرجال ولا رجال(1)، من حيث إنَّ هؤلاء الرجال كانوا فاقدين للشجاعة والإقدام، وهي الميزة الأساسية في الرجل، فأدّعى أن تمام خصوصيات الرجل كأنّها منتفية عنهم، فصحّ له نفي الذات فالمصحّح للحقيقة الادّعائية إما انتفاء تمام الآثار حقيقة، أو انتفاء بعض الآثار وتنزيلها -بادّعاء ثانٍ- بمنزلة انتفاء تمام الآثار.

ففي المقام، هل في البيع خاصّةٌ متميزةٌ، بحيث يكون انتفاؤها مصحّحاً لهذا الادّعاء؟ مثلاً ما يقوله الشيخ(2) من تقدير المؤاخذة، أو أنه سلب باعتبار انتفاء المؤاخذة، هل هذا يكون مصحّحاً عند العقلاء؟!

ـــــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 6، باب فضل الجهاد، الحديث 6، دعائم الإسلام 1: 390، ذكر قتال أهل البغي، ونهج البلاغة: 70، الخطبة 27.

(2) راجع: كتاب المكاسب 3: 308، ما يدلّ على اشتراط الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وحيث إنَّ مثل هذا الأثر غير موجود، فلا بُدّ أن نقول إن تمام الآثار منتفية، -سوى بعض الآثار القليلة ممّا سيأتي، ممّا لا يكون مضرّاً بالادعاء-. فيستفاد من الحديث أن هذا البيع ليس له أثر أو ليس له عموم الآثار، فإنه لو كان له أثر معتدّ به لكن الكلام لغواً، كيف يقول لما له أثر أنه ليس بيعاً!

إذن بناءً عليه يستفاد من حديث الرفع ما هو المطلوب، والآن لو قطعنا النظر عن هذا البيان، وقلنا ما قاله الشيخ من أنَّ الرفع عبارة عن رفع المؤاخذة، في الأمور التسعة، وهو يريد أن يتمّم بذلك مطالب أخرى، فهل يتمّ مطلب الشيخ بذلك أو لا؟

[في قوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ]

أحد الوجوه، أن تقول: أن قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(1) نزلت بحسب قول بعض المفسرين(2) وبعض رواياتنا(3) في عمّار بن ياسر، الذي أكرهوه وألزموه مع جماعة أن يتبرءوا من النبي ويسبّوه، أما أبواه فلم يفعلا فقتلوهما، وأما هو فأعطاهم من نفسه ما يريدون من القول فنجا، فقال بعضهم: كفر عمار، فنفى النبي ذلك، وقال: -ما معناه-: (قد 

ـــــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) النحل: 106.

(2) راجع: تفسير القمي 1: 391، تفسير سورة النحل، تفسير الصافي 3: 157، تفسير سورة النحل، جامع البيان في تفسير القرآن 14: 122، تفسير سورة النحل، وغيرها.

(3) اُنظر الروايات الواردة في باب جواز التقيّة في إظهار كلمة الكفر من أبواب الأمر والنهي من وسائل الشيعة 16: 225، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

خالط الإيمان لحمه ودمه)، وجاء عمّار معتذراً وذكر له الحادثة. فقال له النبي: “إن عادوا فعد(1).

ومن ذلك الطرف، يظهر من بعض رواياتنا أن حديث الرفع مأخوذ من القرآن، وإن (رُفع ما أكرهوا عليه)، يستشهد عليه بآية: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، وهي ما رواه الكليني، عن عمرو بن مروان، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله: “رُفع عن أُمّتي أربع خصالٍ: خطؤها ونسيانها وما أُكرهوا عليه وما لم يطيقوا. وذلك قول الله عزّ وجلّ: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ(2)… وقوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(3)(4).

فيقال: إنه بحسب الروايات، هذه الآية مربوطة بقصة عمّار، وبحسب هذه الرواية أن الآية مربوطة بالحديث، فنضمّ هذه الأمور إلى بعضها البعض 

ـــــــــــــ[158]ــــــــــ

() قرب الإسناد: 12، أحاديث متفرّقة، الحديث 38، الكافي 2: 219، باب التقيّة، الحديث 10، ووسائل الشيعة 16: 226، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي، الباب 29، الحديث 2.

(2) البقرة: 286.

(3) النحل: 106.

(4) اُنظر: باب 55 من جهاد النفس، ص517، ج2 وفيه روايتان عن حديث الرفع أيضاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ونقول: إنه في قضيّة عمّار كان هناك حكم وضعي وحكم تكليفي، فالوضعي هو النجاسة والارتداد وانفصال زوجته، والتكليفي هو وجوب قتله ونحو ذلك، بناءً عليه رفع الحكم عنه، يشمل الحكمين الوضعيّ والتكليفي معاً.

إلا أنَّ هذا له إشكال واحد، وهو أنَّ هذه الأحكام الوضعية، كالكفر والحدّ، إنّما تترتّب إذا أتى بهذا الشيء على نحو محرم، لا لأن الحكم الوضعيّ منتزع من التكليفي، بل بمعنى أنه تبع له، ففي المورد الذي يحلّ شرب الخمر، لمرض أو إكراه يسقط الحدّ لا محالة، ولا يثبت الفسق، وفي المورد الذي يجوز للمكلف سب النبي لا حدّ فيه، فكلّما كان الحكم التكليفيّ هو الجواز ارتفع الحكم الوضعيّ كالحدّ والفسق، فهذا الطريق غير تامّ.

في رواية الإكراه على الأيمان 

طريق آخر: أن نستفيد ذلك من رواية البزنطي، وهي ما في كتاب الإيمان، باب 16 الرواية الأخيرة، عن أبي الحسن قال: “سألته عن الرجل يُستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال: لا. ثُمّ قال: قال رسول الله: وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا أو ما أخطأوا(1)

يقول الشيخ(2): إننا وإن كنّا نرى أن حديث الرفع رفعٌ للمؤاخذة، ولكنّنا 

ـــــــــــــ[159]ــــــــــ

(1) المحاسن 2: 339، كتاب العلل، الحديث 124، ووسائل الشيعة 23: 226، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 12.

(2) كتاب المكاسب 3: 308، ما يدلّ على اشتراط الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نفهم الحكم الوضعيّ من تمسّك الإمام به، ونحن إن رأينا أن اليمين بالطلاق والعتاق باطل مكرهاً كان أو لم يكن، ولكن مِن تمسّك الإمام بحديث الرفع، نعرف أن ذلك مصداق لهذا المعنى.

نحن نرى أن هذا مشكل، فإنّنا إنّما نستطيع أن نستشهد بما استشهد به الإمام من الكبرى الكلّية، إذا طبّقها الإمام على شيء وكان مصداقاً في نظره

وأما فيما نحن فيه، فالإكراه على اليمين على الطلاق ليس له أثر، كان هناك إكراه أو لم يكن، وليس له أيّ ربط بالكبرى التي استشهد بها، وإنما هو تطبيق بنحو التقية، باعتبار أنهم -أيّ العامة أو بعضهم- يرون إطلاق حديث الرفع أعمّ من الوضع والتكليف، فتطبيقه على هذه الأمور ليس أن هذه الأمور مصداق للكبرى، ولا أن الإمام يعتقد بذلك، بل طبّقها على غير اعتقاده، فالتطبيق الذي لا ينطبق مع اعتقاد المولى كيف يمكن التمسك به؟!

فلو سألنا الإمام هل حديث الرفع موجب لبطلان اليمين؟ لأجاب: أنه أجنبي عنه، وإنما تمسّك به لأجل إلزامهم؛ لأنه أفتى أوّلاً بنفسه بالبطلان، فقول الإمام: لا“. يعني: باطل، وحيث إنَّه رأى أن فتواه غير كافية عندهم، استشهد بالحديث المقبول لديهم، وهو يعرف بكونه غير منطبق على المقام، كما لو كان قد استشهد لحرمة البيع الربوي -الذي هو باطل بنفسه- بحديث الرفع.

فإذا كان الإمام يرى التطبيق باطلاً ولا يراه مصداقاً، فكيف نستفيد من كلام الإمام كونه مصداقاً.

ـــــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأما قضيّة عدم الفرق فلم نفهمه، ولا أحسب أن في المقام إجماع على عدم الفرق، فالمهمّ أن استفادة البطلان ممكن من الحديث الشريف، وبلا إشكال صحيحة البزنطي لا يستفاد منها، ولا الإجماع على عدم الفرق.

إذا لم نستطع أن نستفيد العموم من حديث الرفع في نفسه، على ما يقوله الشيخ، بأنه ظاهر في رفع المؤاخذة، فهل نستطيع أن نثبت ذلك بصحيحة البزنطي السابقة؟ بدعوى أنه: ولو كان اليمين على الطلاق والعتاق باطلاً ولا يقع به طلاق ولا عتاق، ولكن تمسك الإمام بالحديث وتطبيقه في هذا المورد، نعلم منه أن الحكم الوضعيّ داخل تحت الحديث الشريف.

قد يقال: إنه كما أنَّ الرواية الواردة عن الصادق في عيد الفطر: (ذلك إلى الإمام إن صام صمنا وإن أفطر أفطرنا)(1)، كما أنَّه هناك لا تقية في الكبرى، وإنما التقية في تطبيق (الإمام) على (المنصور)، كذلك في المقام لا تقية في الكبرى وإنما التقية في التطبيق، إذن يستفاد هذا المطلب من رواية البزنطي.

نقول: في رواية (الإمام) المعنى معلوم سواء كان تقية أو لم يكن-، لا أننا نريد أن نستفيده من التطبيق، فإنّنا نعرفه سواء طبّق على المنصور، أو ذكره ابتداء منه، لكن في رواية البزنطي إذا ذكرت الكبرى مستقلة، لا نستفيد منها ذلك على الفرض، سواء كانت عن تقية أو لم تكن، فإن المفروض أن الرفع 

ـــــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) الكافي 4: 83، باب اليوم الذي يُشكّ فيه من شهر رمضان، الحديث 7، ووسائل الشيعة 10: 132، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الباب 57، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ظاهر برفع المؤاخذة، على مسلك الشيخ ولا يستفاد منها لا رفع تكليف ولا رفع الوضع، وإنما نريد أن نستفيد المطلب من التطبيق، على أنَّ التطبيق إنّما كان للتقية وهو غير صحيح في نفسه، فإن الاستناد إلى حديث الرفع إنّما يكون إذا كان الشيء في حدّ نفسه صحيح، ليقع الكلام في أنَّه إذا كان مكرهاً عليه كيف يكون؟ وأما إذا كان بحسب الأصل فأسوأ، فلا يكون التطبيق صحيحاً ولا جدّياً. 

نعم لو كان التطبيق جدّياً لاتّضح لنا أن الموضوع داخل في الكبرى باعتقاد الإمام ، ولتمّ المطلب، إلّا أنَّ التطبيق لم يكن باعتقاده، وكان خلاف رأيه فإنه يرى البطلان في نفسه لا لأجل حديث الرفع.

والتعبير أيضاً لو لاحظتموه، كما ورد في الوسائل فإنه قال: “لا “. ثُمّ قال: ” قال رسول الله: رُفع عن امتي… “. فهو لم يقل لأن رسول الله قال: كذا، فلعلّه كان في المجلس جاسوس أو مفتّش، فهو بعد أن أفتى بالبطلان تأمّل بمقدار مّا ثُمّ قال: “قال رسول الله“. فقد أفتى بالواقع وروى عن النبي رواية وعمل بالتقية في نفس الوقت، إذن فهذه الرواية بهذا الترتيب.

إلّا أن يقال: إن تمسّك الإمام بهذا الحديث، لا بُدّ أن يكون بنحو يكون قابلاً للتمسك في محيط أولئك -يعني العامّة-. فتطبيقه وإن لم يدلّ على شيء، ولكن تمسك الإمام به لا بُدّ أن يكون بحسب الفهم العادي للعقلاء، إنه تمسك به ليكون تقية، فالتطبيق وإن لم يكن صحيحاً، إلّا أنَّنا نستفيد من هذا، إنه كان استظهاراً صحيحاً في نفسه، عند أهل اللغة والفقه، فنعرف أن (رفع ما 

ـــــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

لا يعلمون) ظاهر عندهم بنحو ينطبق على المراد، فهم كانوا يرون الرفع أعمّ من الحكم الوضعيّ والتكليفي، فنستشهد بفهم أهل اللسان.

الكلام في تصحيح الادعاء 

وهناك إشكالات في حديث الرفع لا بُدّ من أن تذكر في محلّها.

نعم، هنا إشكالات في تصحيح الادعاء.

أحدها: أن يؤيّد الشيخ(1) في تقدير المؤاخذة، برواية ابن مروان التي قرأناها، التي يستفاد منها رفع الخطأ والنسيان، وذلك قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ورفع الإكراه، وذلك قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ. نقول: يستفاد منها أن هذا الحديث مأخوذ من القرآن، ورفع الإكراه مأخوذ من الآية التي نزلت في عمّار.

نقول: شأن النزول في الآيات الشريفة، إن قضيةً ما تقع، وفي أثرها ينزل حكم من الشارع، فلا بد من النظر إلى الحكم النازل في تلك القضية ما هو؟

وبعبارة أخرى: إذا وردت كبرى شرعية لها مورد معين لا يصحّ أن نجمد على المورد ونحدّد الكبرى به، مثلاً نقول: إن قصّة عمّار مقتصرة فقط على سبّ النبي، وأما غيره كسبّ الله تعالى أو الأئمة أو القرآن، إكراهاً فهو موجب للكفر، واضح أن الأمر ليس كذلك، ما دام القلب مطمئن بالإيمان.

وفي رواية مروان، مجرّد كون شأن نزول الآية هو هذا، لا نستطيع به تقييد الكبرى الكلّية، كما لو نزل في خمرٍ (تحريمُ كلَّ مسكرٍ)، فنحن لا نستطيع أن 

ـــــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 308، ما يدلّ على اشتراط الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نحصر الحرمة بالخمر دون كل مسكر، وهذا تابع لفهم العقلاء، فهنا لا نستطيع أن نقول في رواية مروان، بما أنَّه قال: (وذلك قوله تعالى: كذا)، يكون مقيّداً، فإن هذا لا يقف أمام الإطلاقات المحكمة في حديث الرفع.

ثانياً: أنك ادّعيت: أن الحقيقة الادعائية، إما بلحاظ تمام الآثار، أو بعض الآثار إذا كانت واضحة، بحيث إنَّ الآثار الأخرى إلى جانبها بحكم العدم، ونحن نرى أنه في باب الإكراه، لا نستطيع أن نلتزم بارتفاع سائر الآثار، كما في الإكراه على الحدث الأكبر أو الأصغر، فهل تقولون إن الحدث لا يتحقّق؟! نعم، بناءً على أنه أمر واقعي كشف عنه الشارع، لا يكون لرفعها معنى، لكنّ أحكامها قابلة للرفع، فلا تكون مانعة عن الصلاة والصوم، هل يمكن الالتزام بذلك؟!

هذا تعرّضوا إليه في الأصول والمرحوم النائيني(1) يتفصى عن هذا الإشكال، ويقول: إن هذا الإشكال غير وارد؛ لأن الجنابة والحدث الأكبر والأصغر أمران وجوديان، أمرَ الشارع عقيبهما بالغسل والتطهير مطلقاً، من غير فرق بين الاختيار والإكراه.

نقول: هل مقصوده من ذلك منع شمول حديث الرفع للمقام، مع أن ما يقوله مصححّ لشموله، فإن الأمر الوجودي هو الذي يرتفع بالحديث، وهو القدر المسلّم منه، والأمر العدمي هو الذي يستشكل فيه المرحوم النائيني. 

ـــــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) راجع: فوائد الأُصول 3: 358، تفصيل الكلام في جريان حديث الرفع في الأحكام الوضعيّة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأما قوله: إنه أمر عقيبهما بالتطهير مطلقاً، فالإطلاق مصحّح للحكومة، فإنه إذا لم يكن في الدليل إطلاق لم يحتج إلى رفع، فإن الرفع حاكم على الأدلّة الأوّلية التي لها إطلاق، إذن فالإطلاق أيضاً مصحّح لجريان الحديث.

نعم، لو كان لنا دليل على أنه مع الإكراه على الجنابة لا تكون موجبة للغسل، لكان ذلك مقيداً للمطلقات، ولا يرتفع بالحديث، لكن الأمر ليس كذلك فكِلا القيدين اللذين يذكرهما مؤيّد لجريان الحديث.

ونحن نستطيع أن نجيب عن الإشكال بنحوين:

أحدهما: أن نقول: إن الجنابة أمر إذا حصل فرفعه مستحب، وفي الوضوء أيضاً الكون على الطهارة مستحب، فما تقوله من التمسك بحديث الرفع، هل ترفع أثر الجنابة والحدث الأصغر، بنفسه، وهو الاستحباب؟ هذا لا يمكن، فإن حديث الرفع لا يشمل المستحبات لكونه خلاف الامتنان. أو ترفع بالحديث مانعية الجنابة عن الصلاة، فلا بُدّ أن تكون مكرهاً بترك شرط أو إيجاد مانع.

فهذا مرّةً: يكون في سعة الوقت، ومعه لا يصدق عليه أنه إكراه على الصلاة حال الجنابة؛ لأنه لا يكون مكرهاً في الزمان الثاني. 

ومرّةً: يكون الإكراه في ضيق الوقت، وحينئذ فإن منع عن الغسل وأجاز التيمم صحّت الصلاة أيضاً. 

ومرّةً: يكون الإكراه على ترك الغسل والتيمم، فمقتضى القاعدة أن نقول إن صلاته صحيحة، والمشهور أنه تسقط عنه الصلاة.

ـــــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وفي مثل ذلك، نستطيع أن نقول: إن دليل فاقد الطهورين حاكم على حديث الرفع، فإنه مكره على إيجاد المانع أو ترك المانع، و(لا صلاة إلّا بطهور) يقول: ليس هذا صلاة، فيكون حاكماً بحسب الصناعة على دليل الفاقد للطهورين(1)، وسائر أدلّة الشرائط كـ(لا تعاد)، فنحو (لا صلاة إلّا بطهور) و(لا صلاة لمن لم يقم صُلبه) ونحوه، حاكم على سائر أدلّة الإجزاء والشرائط، وعلى دليل فاقد الطهورين، على حين أن الأخير حاكم على سائر الأدلة ممّا سوى ذاك.

فلو وقعت الصلاة في ضيق الوقت، وأكرهه على ترك الغسل والتيمم، فمعناه لزوم الصلاة مع المانع، فإن قلنا إن قوله: (لا صلاة إلّا بطهور)، يقول: بأن هذه ليست بصلاة، يكون كأنّ هذا أكرهه على ترك الصلاة، فيكون لهذا الدليل حكومة على دليل فاقد الطهورين.

أو نتمسّك بدليل أن الصلاة لا تترك بحال، فيكون هذا المكلّف مكرهاً على الإتيان بالصلاة بلا طهارة، أيّ مع المانع وفي مثله يكون دليل الرفع محكمّاً.

الطريق الآخر -ولعلّ الآغايون لا يرتضونه تماماً-: أنه ما هو الذي يقع 

ـــــــــــــ[166]ــــــــــ

() أي: الدليل القائل: “لا صلاة إلّاَ بطهور” حسبما رواه في مَن لا يحضره الفقيه 1: 33، باب وقت وجوب الطهور، الحديث 67، تهذيب الأحكام 1: 50، باب آداب الأحداث الموجبة للطهارات، الحديث 83، الاستبصار 1: 55، باب وجوب الاستنجاء من الغائط والبول، الحديث 15، ووسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الإكراه عليه عرفاً، هل هو الجنابة أم هو الإجناب؟ فإن الإكراه يقع على أعمال الإنسان كالبول والجماع ونحوه، وليس الإكراه إكراهاً على الجنابة، وعدم الجنابة هي الشرط في الصلاة دون عدم الإجناب، فما هو شرط لم يشمله حديث الرفع، وما شمله الحديث ليس شرطاً في الصلاة، نعم لو كان للإجناب والجماع بعنوانه حكم، فإنه يرتفع بالحديث، كالجماع بالأجنبية إذا كان مكرهاً عليه، إذن فهذا النقض غير وارد.

يمكن لأحد أن يشكل في الحقيقة الادّعائية: بأن الادعاء  إنّما يصحّ إذا ارتفع تمام الآثار، أو بعض الآثار التي تكون غيرها بالنسبة إليها لا شيء، وفي باب الإكراه هناك أحكام لا ترتفع بالإكراه، كالإكراه على القتل بحسب النصّ والفتوى، فإنه يُقتصّ من القاتل، وكما عليه مبنانا في الأمور المهمّة شرعاً، كذلك، كما لو أكرهه شخص على الردّ على القرآن ودحض الحجّة الإلهية، أو إعدام كل نسخ القرآن، هذا لا نستطيع أن نجوّزه بدليل الإكراه ولا بدليل التقية، لمدى أهمّيته فإنه أهمّ من القتل، وكما لو كان من أصول الإسلام في معرض الخطر، فنقعد عن الدفاع عنه، ونحتج بالتقية، وحتى في الأمور الفرعية التي فيها أهمّية كثيرة كما لو أكره شخص على إزالة الكعبة بنحو يزول أثرها وينسى المسلمون رسمها وفضاءها.

إذن فمع عدم إمكان رفع هذه الأمور بدليل الرفع كيف يصحّ الادعاء.

ويمكن أن يجاب عن ذلك: أن رفع “ما أكرهوا عليه“، لم ينظر إلى المصاديق بل الحكم وارد على العنوان، فلا بُدَّ أن نلاحظ أن هذا العنوان بالنسبة 

ـــــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إلى ما يرتفع وبالنسبة إلى ما لا يرتفع من الأحكام، ما هو موضعه، هل أن ما لا يرتفع منها بالنسبة إليها من الكثرة بحيث لا يصحّ الادعاء؟ الظاهر أنها من القلّة بحيث يصحّ الادعاء؟ فإنّنا لو لاحظنا عنوان (ما أكره عليه)، فإن النظر إلى العنوان، لا إلى هذا المصداق وهذا المصداق، وإن كان إذا تحقّق المصداق في الخارج فإنه يكون تحقّقاً في الخارج للعنوان نفسه فيشمله الحكم، ولكن الـمُنشئ يجعل الحكم على العنوان من دون نظر له إلى الأفراد أصلاً، لا يعقل أن يجعل العنوان أمارة على الأفراد، فإن الموضوع هو الطبيعة بلا قيد ولا شرط ولا خصوصية، غاية الأمر أن الطبيعة تتحقّق متكثّرة في الخارج، بل حتى في (كلّ) وغيرها من أدوات الاستغراق ليس لأن خصوصيات المصاديق داخلة فيه، بل هو عنوان (كلّ)، غايته يستفاد منها الكثرة، لا الكثرة التفصيلية، هذا وهذا وهذا وهذا!! بل كثرة إجمالية تجمع جميع الكثرات في عنوان الـ(كل).

ممكن أن يقال: إن ما أشاره إجمالية إلى المصاديق، لكن ليس إلى هذا المصداق وهذا المصداق وهذا المصداق، بل الحكم على المصاديق في الجملة، فلا بد أن ننظر إلى العنوان، ونرى أن (ما أكره عليه) وليس له حكم في الشرع بالنسبة إلى ما لم يرتفع حكمه ليست من الكثرة بحيث لا تصحّح الادعاء، فإنها من القلّة بحيث يكون مغفولاً عنها غالباً.

نظير شخص لا يرد المعارك الحربية أصلاً، يصحّ أن تقول: “يا أشباه الرجال، ولا رجال“. ومرّةً يرد الشخص المعارك قليلاً جدّاً ولا يرد نوع الحروب التي يردها الرجال، هنا أيضاً يمكن ادّعاء أن هذا ليس برجل، باعتبار 

ـــــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أن ما يدخله من الحروب كالعدم فالادّعاء صحيح.

فما لا يرتفع بالحديث من الأحكام بالنسبة إلى ما يرتفع كالعدم، فيكون الادّعاء صحيحاً، بناءً عليه هذا الإشكال غير تامّ.

في معنى الإكراه 

بحث آخر يبحثه الشيخ: ويقول: الإكراه لغةً وعرفاً عبارة عن حمل الغير على ما يكرهه(1)

ثُمّ يقع الشيخ بعد ذلك والسيد(2) وغيرهما في إشكال، ويتحيّرون من حيث إنَّ المضطر ليس له طيب النفس، فيقول السيد: إن له طيب النفس في المرتبة الثانية(3)، والشيخ يقول: إنه له طيب النفس عند المعاملة(4).

أصلاً ليس طيب النفس شرطاً في المعاملة، وإن ما هو شرط فيها، هو أن لا يكون إكراه المكره سواء كان طيب النفس أو لم يكن، فإن الإكراه ورد بالمعنى الذي يقوله الشيخ، وبمعنى حمله على الشيء قهراً، فهل ما هو شرط في المعاملة هو أنَّه إذا لم يكن له طيب ورضا بالمعاملة بطلت المعاملة، أو أنه قد يكون له طيب نفس ومع ذلك تبطل المعاملة، وقد يكون هناك كراهة وتكون المعاملة صحيحة؛ فكلام الشيخ لا يتمّ عكساً وطرداً.

ـــــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 311، حقيقة الإكراه.

(2) راجع: حاشيته على المكاسب 2: 44، الشرط الثالث: الاختيار.

(3) اُنظر المصدر المتقدّم.

(4) راجع: كتاب المكاسب 3: 312، حقيقة الإكراه.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

قلنا: إن شخصاً له اشتياق إلى فعل موافق لأغراضه النفسانية، فيعمله، فهذا فعل حاصل عن شوق، وبعض الأفعال الإنسان لمشتهيات نفسه كالغناء الجيّد، فإنه لا يستطيع أن يقول أحد أنه لا اشتياق له إليه، وإن قال فهو شخص ناقص. ولكنّ الشخص حينما يرى أن سماع الغناء ساعتين لا يسوى في مقابل العقاب في الآخرة، فإنه يتركه ويرتدع عنه، فليس أن الإنسان لا يشتهيه بل يضغط على نفسه في سبيل إطاعة المولى، وتكون إرادته مخالفة لشوقه وموافقةً لعقله.

فهنا لو فرضنا أكرهه شخص على سماع الغناء فهل يكون قد حمله على ما يكرهه، أو على ما يشتاق إليه؟ بل على ما يشتاق إليه، ولكنّه أجبره بمعنى أكرهه على الفعل. 

فلو وقعت معاملة هكذا، وكانت موافقة لطبعه واشتياقه، ولكنّ الدار بما أنَّها دار أبيه فكان بيعها مورداً لكلام الناس، فلو أكرهه شخص على بيعها لكان مكرهاً له، لكن على مقتضى طبعه، لا أن البيع يكون باطلاً.

فما يقوله الشيخ ليس تامّاً طرداً وعكساً(1)، وإنما الشرط هو أن لا تكون المعاملة بقهر قاهر وإلزام ملزم، فلو كان الشوق وطيب النفس مشترطاً، دون القهر والإلزام، لكان لا بُدّ أن نقول بصحّة المعاملة التي قلناها، مثلاً لو أردت بيع داري وذهبت إلى دائرة (الطابو) لأجد تسجيلها فأجبرني هناك شخص على 

ـــــــــــــ[170]ــــــــــ

() تنتقض طرداً بهذه المعاملة وعكساً بمعاملة المضطر. (إيضاح من المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

البيع، فأنفت من البيع رضوخاً لهذا القاهر، لأني لا أريد إطاعته، وثم بعته تحت الإكراه، فتقع المعاملة باطلة.

قد يُقال هنا: إنه بما أنَّني أَكْره إطاعةَ القاهر، فالمعاملة وقعت عن كره.

نقول: ليس كذلك، فإن الكراهة على عنوان والشوق على عنوان آخر، المعاملة مشتاق إليها وإطاعة المكره القاهر مكروه لي، وقد تحقّق العنوانان في مصداق واحد، كما يقول الآغايون في اجتماع الأمر والنهي، فإنه حتى بعض القائلين باجتماعهما يقول: إننا وإن قلنا بصحّة الاجتماع، لكن هذا الفعل مبعد، والمبعد لا يمكن أن يكون مقرّباً وقلنا إن هذا اشتباه، فإن هذا مجمع عنوانين وكونهما اجتمعا في مورد شخصي واحد لا يوجب اتّحاد العنوانين في واحد، فالمقرّب هو هذا العمل بحيثية كونه مصداقاً لكذا، ومبعد بحيثية كونه مصداقاً لكذا.

فهنا نقول: إذا شخص اكرهوه على المعاملة، وهو مشتاق إليها، ولكنه يكره إطاعة المكره، فهذا الشيء الذي يشتاق إليه هو العنوان الذاتي للمعاملة، وما يكرهه هو إطاعة المكره، مثلاً لو قلنا: إطاعة الوالد واجبة فأمرني بصلاة الليل، فليس أن صلاة الليل تصبح واجبة، وإذا صلّيتها لا بُدّ أن أقصد بها الاستحباب، لكنّها أصبحت مصداقاً لأمر الوالد، فهي بهذا العنوان أمر واجب، فهو أمر مستحب لا بُدّ أن أوجده إطاعة لأمره، وكذلك الحال بالنسبة إلى اليمين والعهد والنذر، وليس أنهما يختلطان ويكتسب أحدهما من الآخر شيئاً.

وكذلك في الطهارات الثلاث، الذي يُقال إنَّه مستحب نفسي، وقد يجب 

ـــــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بنذر ونحوه، وكونه مقدمة واجب، وعكسها أنه ليس كذلك لا يصبح شيء منها واجباً، فإن ما هو مقدّمة للصلاة هو الوضوء المستحب العبادي، والأمر الغيري، -لو قيل إنَّه متعلّق بالمقدمات- ليس عبادياً ولا ينتج العبادية، فيلزم إيجاد الوضوء بلا قصد القربة، مع أن ما هو الشرط في الصلاة هو الوضوء العبادي.

هنا أيضاً نقول هكذا: فإنه قد حمله على المعاملة، لا أنه حمله على ما يكرهه، وإنما أكرهه باعتبار أنه حمله عليه قهراً، وهذا هو المانع من صحّة المعاملات دون طيب النفس، والمضطر الذي يبيع داره ومسقط رأسه لأجل صحّة وحياة ولده هل نقول: أنه طيب النفس؟! هذا مكابرة على الواقع، كيف يكون طيب النفس والدموع في عينيه والأسف في نفسه! لا أنه طيب النفس في المرتبة الثانية(1) (لماذا نقول شعراً، ونبتلى بالقافية)!!.

وأما تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2) فالتراضي بمعنى الإكراه، لا بمعنى طيب النفس والفرح، وإلّا فطيب النفس ليس مشترطاً في المعاملات بلا إشكال، وإلّا أبطلنا أكثر المعاملات.

فما هو شرط في صحّة المعاملات هو عدم القهر والإكراه، لا طيب النفس، فإن الإكراه بمعنى حمل الشخص على الشيء قهراً، كما يوافق عليه الاعتبار، وأما اشتراط طيب النفس فغير تامّ.

ـــــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) راجع: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق اليزدي) 2: 44، الشرط الثالث: الاختيار.

(2) النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [في القيود التي ذكرها الشيخ]

يقع الكلام في القيود التي يذكرها الشيخ.

هذه العناوين المذكورة هنا، لم ننقّحها بعد، أربعة عناوين تقال في عبارة الفقهاء:

أحدها: عنوان الاختيار.

والآخر: عنوان طيب النفس الموجود في عبارة البعض.

والثالث: عنوان الرضا.

والرابع: عنوان عدم الإكراه.

أما الاختيار فقد سبق أن قلنا إنه في مقابل الفعل غير الاختياري، كحركة المرتعش، وإلا فكلّ الأفعال مسبوقة بالاختيار، فليس الاختيار من الشرائط، بل إذا حصل الفعل من دون اختيار لا يصدق عليه المعاملة ولا العقد، فهذا العنوان يجب إخراجه من الشرائط.

وأما عنوان طيب النفس، فقلنا إنه غير معتبر، نعم، قد يتوهّم من رواية: “لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفس منه(1). كما تمسّكوا، واستفادوا منه أنه يعتبر طيب النفس في المعاملة. 

إلّا أنَّ الظاهر العقلائيّ لهذه الرواية، هو أنَّ المال الباقي على ملكية الإنسان له حالات:

أحدها: أن لا يكون له طيب نفس في تصرّفك بماله.

ـــــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) تقدّمت الإشارة إليه آنفاً، فراجع.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثانيها: أن يكون له طيب نفس بذلك. فيجوز التصرّف على الثاني دون الأوَّل. 

وأما لو قلنا عن معاملة: إنها صحيحة، ونقلت الملك إلى شخص آخر، فلا يمكن أن يقال: إن هذا الملك لا يجوز لك التصرّف فيه إلّا بطيب نفس مني، بل ظاهره أن الكلام حول الملك لا حول سبب الملك، فلا تكون الرواية دليلاً على المطلب، نعم لو خرجنا عن العقلاء وتكلّمنا كلام المدرسة يتمّ المطلب!!

يبقى عنوانان: 

أحدهما: هو الرضا الذي اشترط في الآية: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ.

والآخر: قصّة الإكراه التي يمكن أن يتمسّك فيه بحديث الرفع.

[عنوان الرضا في التجارة]

فالكلام فعلاً في أنَّ الرضا بالتجارة(1) هل هو عبارة عن طيب النفس، وأن يرضي أحدهما الآخر، بحيث تصدر المعاملة منهما عن اشتياق وابتهاج بالمعاملة، وحينئذ فنقول: ببطلان كثير من المعاملات، كبيع المضطر، والبيع بأقلّ من الثمن، خوفاً من أن يقل الثمن أكثر، ولا يتوفّر طيب النفس والابتهاج في المعاملات إلّا فيما كان منها نافعاً مربحاً.

فيحتمل أن يكون التراضي معناه عدم إكراه المكره فإن الإنسان تارةً يكره جداً أن يعمل عملاً ويمتنع من تنفيذه، ثُمّ ينصحه ناصح ويعظه حتى يرضيه 

ـــــــــــــ[174]ــــــــــ

() إشارة إلى الآية الكريمة: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، سورة النساء، الآية: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أن يوقع هذا الأمر الذي يكرهه جداً، فالرضا هنا ليس بمعنى أنه جعله فرحاً مبتهجاً، مثلاً الذي يراد قطع رجله وهو لا يرضى، فنصحوه حتى يسلّم بالمطلب ويرضى، فهو بذلك لا يحصل له الفرح بقطع رجله، ولا يمكن أن يحصل عادة، بل فقط يخضع ويُسلّم ويرضى، فهو راضٍ مع ذلك يبكي من المطلب، وهذا الشخص مرّةً يُكرهه الأطباء ويجبرونه على قطع رجله قهراً، ومرّةً يقنعونه فيرضى ويسلّم.

فنستطيع أن نقول: إن الرضا ليس معنى في مقابل إكراه المكره، فإذا حصل إكراه فهو ليس برضاء، وبدونه يحصل الرضا. فيرجع الرضا إلى عدم إكراه المكره. 

ويمكن أن نوسّع دائرة الرضا فنلحق بعض المعاملات بما إذا وقعت عن إكراه، مثلاً لو توهّم وجود إكراه المكره -مع عدم وجوده في الواقع- فهنا الإكراه غير موجود، أما الاختيار فموجود وأما طيب النفس فغير معتبر، وأما الرضا فليس له رضا بالمعاملة وإنما اختارها لتوهّم الإكراه.

وهذا تابع لفهم الآية، هل التراضي بمعنى بلا إكراه مكره، أو بمعنى صدور المعاملة على جهات نفسه وخلوّها عن التحميل وتوهّم التحميل؟ فنفهم من الآية معنى أعمّ ممّا نفهمه من حديث الرفع، فإنه لا يشمل توهّم الإكراه، فإنه حينئذٍ لا يكون ممّا أكرهوا عليه حقيقة، فلو اقتصرنا عليه وأرجعنا الرضا إليه لقلنا بصحّة المعاملة على توهّم الإكراه، وإن قلنا بأن الرضا أعمّ منه، أمكن الاستدلال بالآية في إبطال طائفة أخرى لا يشملها الحديث.

ـــــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

طبعاً هذا الفهم من الآية مقتضاه لزوم وجود الرضا المعاملي -لا الفرح والاستيناس- في مقابل إكراه المكره أو توهّمه، أو نفهم من الرضا ما هو أعمّ منه، إلّا أنَّ هذا المقدار ليس معلوماً ثبوته عند التدقيق، فقط المعتبر عدم إكراه المكره.

[القيود المعتبرة في الإكراه]

الشيخ ذكر هنا قيوداً للإكراه: 

أحدها: أنه لا بُدّ أن يكون هناك إيعاد، بأن يقول له: (اعمل هذه المعاملة وإلّا كذا).

ثانيها: أن يكون متعلّق الإيعاد مظنون الإيجاد، وإلا لم يصدق الإكراه.

وثالثها: أن يكون مضرّاً بحاله عرضاً أو نفساً أو مالاً، وإلّا لم يصدق الإكراه(1).

الآن نتكلّم في القيد الأوَّل: مع فرض القيدين الأخيرين مفروضي الوجود. 

فمرّةً يقول المكره: (اعمل هذا وإلّا ضربتك بكذا). 

وأخرى: لا يوعد، بل هو قاهر يأمرني بإيقاع المعاملة، بحيث لو عصيته يمكن أن يوقع عقاباً عظيماً. 

وثالثة: لم يوعدني إنسان ولم يأمرني، ولكن أخاف منه أنه إذا لم أعمل ذلك فسوف يعمل العمل الفلاني.

وفي الإيعاد: مرّةً، يكون الإيعاد على أمر دنيوي، كالضرب والنهب. 

ـــــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) كتاب المكاسب 3: 311، حقيقة الإكراه.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأخرى، إيعاد بأمور غير عادية، كتهديد (درويش) أو (مقدّس) بإيقاع الجبل على دارك بواسطة الدعاء، أو بعض التأثيرات الخاصّة، أنا ضعيف النفس فأخاف من ذلك، ومرّةً لا أخاف من الموعد، ولكنّي أخاف شخصاً آخر، بحيث لو عصيت الأمر يعاقبني الشخص الآخر، هذه الموارد وأمثالها ممّا هو محلّ الابتلاء.

إذا أمكننا هذا المطلب، فطيب النفس غير معتبر، والاختيار حاصل والرضا هو عدم إكراه المكره، فإذا لم يكن هناك مكره، ولكنّي خائف من دون أن يقول أحد أمراً ولا إيعاداً، فهذا لا يمكن أن يُقال إنَّه داخل في أدلّة الإكراه، نعم لو اعتبرنا طيب النفس كان هناك مجال لإبطاله، ولو أخذنا الرضا بمعنى أعمّ من عدم الإكراه، وهو أن يعمل المعاملة من قبل جهات نفسه، لم يبعد بطلانها، باعتبار عدم تمحّضها بذلك. وأما مع وجود الإكراه والخوف فواضح.

وأما فيما إذا كان هناك أمر دون إيعاد، فهل يُقال بصحّته؛ لأنه ليس هناك إيعاد، أو هو مكره في الحقيقة، وأنه لم يؤخذ في الإكراه الإيعاد، فإنه قد قهرني وألزمني بالمعاملة، فإنه عند عدم تحديد التهديد يذهب الذهن كلّ مذهب في احتمال العقاب، كما كان يقول الشيخ آغا ضياء: إن غيبة المقدسين أكبر من غيبة العوام، وذلك أنَّ العامي يقول: فعل فلان كذا أو قال كذا، فيفهم السامع معنى محدّداً، وأما المقدّس إذا قال: “المؤمن ملجم(1)، فإن الذهن يذهب كلّ مذهب. إذن فما يقوله الشيخ من لزوم الإيعاد غير صحيح، وليس هو مأخوذاً في الإكراه.

ـــــــــــــ[177]ــــــــــ

() إشارةٌ إلى الحديث الوارد عن مولانا الصادق: “المؤمن ملجمٌ“، أي: ملتزمٌ مقيّدٌ بأحكام الشرع كافّةً، كما أورده في معاني الأخبار: 170، باب معنى الأغلب والمغلوب.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وكذلك الحال في الأمور غير الطبيعية، إذا خاف الإنسان منه، فإن هذا إكراه والمدار هو إكراه المكره. نعم وليّ الأمر كالفقيه في أيام الغيبة والإمام في أيام الحضور، له أن يلزم بإيقاع المعاملة، ولا يكون هذا مانعاً عن صحّتها، إذا كان فيه صلاح للمسلمين كالاحتكار، والإكراه على الطلاق أحياناً، وكذلك إذا لم أكن أخاف منه، ولكنّي كنت أخاف من قومه وأصحابه، فهذا أيضاً إكراه المكره.

فتمام هذه الموارد يتوفّر فيها الإكراه، إلّا الخوف المجرّد عن القول والإيعاد، يبقى توهّم الإيعاد وتوهّم أمر الآمر، إذا قلنا بأن المعتبر هو عدم إكراه المكره، فلا بد من القول بصحّة المعاملة لعدم الإكراه في الواقع، وإذا وسّعنا في معنى الرضا فهي باطلة، لتوفّر نفس المعنى الحاصل من الإكراه الفعلي في نفس الشخص عند إيقاعها. فهذا أحد القيود التي يقولها الشيخ.

أما فيما إذا لم يكن له ظنّ(1)، فهل أنه لا يصدق الإكراه؟ محلّ مناقشة.

بل الاحتمال العقلائيّ في بعض الأحيان غير لازم، فإنه إذا احتمل احتمالاً عقلائياً وحصل له منه الخوف فإنه يصدق الإكراه بلا إشكال، وإذا كان الشيء الموعد به أو الذي يخاف منه بلا إيعاد مهمّاً، كالوعيد بالاعتداء على العرض بالنسبة إلى نوع الأشخاص من أهل الغيرة، فإنه لو احتمل واحداً بالألف بإلقاء هذا المطلب وحصل له منه خوف، فإنه يصدق عليه إكراه المكره.

ونحن وإن كنّا في موارد الوضوء والصوم، اعتبرنا أن يكون الظنّ بالضرّر 

ـــــــــــــ[178]ــــــــــ

()لخّص أوّلاً شروط الإكراه التي ذكرها الشيخ وقال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

احتمالاً عقلائياً، لا أن يكون صرف الاحتمال، إلّا أنه لو كان الأمر المخوف مهمّاً وشديداً يكفي ما كان أقلّ منه احتمالاً في المقام. نعم، لو كان الأمر مهمّاً راجعاً إلى الأموال، فإن الاحتمال المعتدّ به يختلف، ولعلّه لا بُدّ أن نشترط أن يكون احتمالاً معتدّاً به.

وعلى أيّ حال، فما يقوله الشيخ من اعتبار الظنّ، لا وجه قوي له، فإن الظنّ لا حجّية له، وإن كان المدار هو حصول الخوف، فهو قد يحصل بأقلّ من الظنّ، ويصدق الإكراه.

وأما ما يقوله من كون الضرر مضرّاً بحاله، هل مراده من ذلك -كما هو المراد للفقهاء في الموارد الأخرى- أن يكون حرجياً، فلو لم يكن مضرّاً بحاله لكنّه كان مضرّاً بماله -كالثريّ يهدّد بأخذ ألف دينار منه- لم يصدق الإكراه؟ 

بل يصدق الإكراه فهذا الشرط أيضاً غير معتبر، فإن كان مقصوده وصول الضرر إلى الحرج فهو غير معتبر، بل حتى الضرر غير معتبر، بل عدم النفع كافٍ، مثلاً شخص يريد أن ينتفع من شيء فيقول له المكره: (أوقع المعاملة وإلّا منعت عن وصول ذلك النفع إليك) فإنه يصدق الإكراه.

الكذب في باب التورية 

المطلب الآخر: الذي يتكلّم فيه الشيخ(1): أنه هل يعتبر في صدق الإكراه موضوعاً أن لا يمكن التفصِّي منه، وهل ذلك مطلقاً سواء في الفورية أو الفعل الخارجي، وسواء أمكن التورية والفعل الخارجي أو لم يكن فإنه يصدق 

ـــــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 312-313، هل يُعتبر عدم إمكان التفصّي عن الضرر…؟

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الإكراه، أو تفصيل بين التورية وبين الفعل الخارجي، فإذا أمكنت التورية لا يصدق الإكراه وإذا أمكن الفعل الخارجي صدق الإكراه؟

كلام الشيخ مضطرب، في أوّل كلامه ووسطه وآخره…، فمرّةً يقول: العجز عن التورية غير معتبر نصّاً وفتوى، وأخرى يقول: لا فرق في عدم صدق الإكراه، بين التورية والفعل الخارجي، لكن في التورية يتمسّك بما ورد في الكذب وقضيّة عمّار، ثُمّ يقول(1): الإنصاف أنه في التورية لا يصدق الإكراه، وفي غيره يصدق الإكراه.

فلنا عدّة كلامات:

أحدها: أنه مع إمكان التورية والفعل الخارجي هل يصدق الإكراه أو لا يصدق؟

وثانياً: أنه إذا بنينا على عدم صدق الإكراه، فهل بقية تشبّثات الشيخ نستطيع بها الإلحاق الحكمي أو لا؟

أما أنه هل يصدق الإكراه عند إمكان التورية، وغيرها، أم لا؟

ففي التورية مرّةً: يكون الإنسان مسلّطاً على فنون الكلام وقوي النفس، بحيث لا يتلجلج ولا يتلكأ في كلامه، ولا يظهر في وجهه اصفرار يفهم المكره أنه يستعمل التورية، إذا كان كذلك، يستطيع التخلّص بوجه سهل جداً سواء كان في التورية أو بالفعل الخارجي، ففي مثل ذلك يمكن أن يُقال بأن الإكراه لا يكون صادقاً.

ـــــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ومرةً: -كما عليه نوع الناس- أنهم لا يعلمون وضع التورية وإنما يحتاج ذلك إلى شخص مطلع، فإذا أجبر على البيع والطلاق لم يلتفت إلى التورية، فإما أن يصدق رأساً أو يكذب رأساً، أو كان القاهر المكره، بنحو بحيث يفهم التورية من الإنسان، ويحتمل أنه إذا لم يأت بالمطلب صافيا -سواء في التورية أو في العمل الخداعي أو الدفاعي- يُنزل عليه أشدّ العقاب، فهذا يصدق عليه الإكراه.

أما إذا أمكن مخادعته كما لو أجبره على الطلاق، وأمكن أن يوهمه بطلاق امرأة أخرى، فلم يفعل، وقع طلاقه صحيحاً ولا يصدق عليه الإكراه.

وإذا بنينا على أنه مع إمكان التورية والفعل الخارجي لا يصدق الإكراه، هل يمكن الإلحاق الحكمي، بأحد الطرق التي ذكرها الشيخ (1) أو لا يمكن؟

إذا لم يصدق الإكراه فهل يمكن إلحاقه بحديث (ما استكرهوا عليه)؟ معنى الإلحاق أنه شيء لا يصدق عليه الإكراه فيأتي دليل إلينا يقول: إن حكم ذلك حكم الإكراه. 

أما الأدلّة التي أوردت الحكم على عنوان الإكراه، فلا يمكن أن تكون متكفّلة للإلحاق حكماً، هذا غير معقول، أو مثلاً، في الإكراه على الطلاق والعتاق، نريد أن نلحق به ما ليس بإكراه مصداقاً بما فيه إكراه، ليكون هذا الدليل كما هو متكفّل لحكم الإكراه، متكفّلاً لحكم ما هو ملحق به، هذا غير معقول.

ـــــــــــــ[181]ــــــــــ

( ) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وكذلك معقد شهرات الشيخ(1) والإجماعات، ليس إلّا بطلان بيع المكره ونحوه، فكيف نريد أن نلحق غيره به، غير معقول.

يبقى روايات الكذب(2) في باب التورية، هنا كلامان: أنه لماذا لم يأمر هناك بالتورية، إذا أمكن التخلّص بها من الكذب، أو لماذا لم يأمر النبي بها عمّاراً، وكلام: أنه لو تمّ ذلك هناك فهل يتم به المطلب أو لا.

أما عدم الأمر بالتورية، فقد يقال: إن التورية كذب؛ لأن الكذب هو مخالفة ظاهر الكلام للواقع، سواء كان أراده الإنسان أو لا.

نقول: الكذب عبارة عن إخبار عن غير الواقع، وهذا الإنسان إذا قصد من كلامه شيئاً آخر، كان إخباراً عن ذلك الأمر لا عن هذا الأمر، مثلاً، لو أردت الإنشاء في الكلام الظاهر بالإخبار كـ(يعيد صلاته)، وتخيّل السامع الإخبار، فهل يصحّ أن يقول لي: (أنت كاذب)؟

أو يقال: إن ما في الكذب من الإغراء بالجهل والمفسدة، موجود في التورية.

نقول: إنه لا يشترط في الكذب ترتّب المفسدة عليه، بل هو حرام ترتّبت عليه مفسدة أو لا، بحسب إطلاق أدلّته وأما الإغراء بالجهل فطرداً وعكساً 

ـــــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 313، عدم اعتبار العجز عن التورية، منية الطالب 1: 188، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار، الجهة الثانية.

(2) اُنظر الروايات الواردة في باب جواز الحلف باليمين الكاذبة للتقيّة من كتاب الأيمان في وسائل الشيعة 23: 224، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

غير صحيح، أولاً: من قال إنَّ الإغراء بالجهل حرام؟ وأيّ دليل لنا على ذلك؟ كما لو كان في الكذب على من يعلم بالحقيقة، فما يُقال من أنَّ التورية يترتّب عليها ما يترتّب على الكذب، لا نسلّمه، فإن الإلقاء بالمفسدة عن طريق الصدق أيضاً حرام.

وما يأتي إلى الذهن من أنَّ هؤلاء الظالمين لمجرّد احتمال التورية، ومخالفة الواقع بالقول، ينزلون بالفرد أشدّ العذاب، فأمر جمهور الناس بالتورية معناه تعريضهم للخطر الأشدّ، فلا يمكن الأمر العام بذلك، فلهذا اقتصرت العناية الإلهية على إجازة الكذب في مثل تلك الموارد.

وهذا المطلب في قصّة عمّار أوضح، إذ المشركون لمجرّد الاحتمال والتهمة في حب النبي، كانوا يقتلونه، بعد أن قتلوا أبويه، وقليل من الناس هم الذين يستطيعون أن يتخلَّصوا بالتورية عند مواجهة الأمر العظيم.

أما أن هذه هل هي نكتة للجعل، بحيث إنَّ من يستطيع التورية أيضاً لا يجب عليه، أو هي علّة للجعل، وهي منصرفة عمّن يستطيع التوبة؟ فهذا مطلب آخر. والمقصود أن التورية ليست من الكذب، لا بنفسه ولا بملاكه.

أما لو تمّمنا هذا المطلب، وهو عدم وجوب التورية، وأجزنا الكذب والسب، فأيّ ربط له بما هو محلّ الكلام؟ فإن الحرمة التكليفية للكذب إذا ارتفعت كيف نستفيد منه أن النفوذ الوضعيّ للمعاملة مرتفع أيضاً؟

هذا يحتاج إلى دليل خاصّ، وإلّا كان أمراً أسوأ من القياس، واعتقد أن الشيخ إنّما ذكره لتشييد الأذهان، وإلّا فهو غير قائل بذلك.

ـــــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الشيخ يقول(1): إنه يستفاد من بعض الروايات، أن إمكان التفصِّي ليس له دخل في الإكراه، وهي رواية بن سنان: لا يمين في غضب ولا (تورية) ولا جبر ولا إكراه. قلت: فما الفرق بين الجبر والإكراه، قال: “الجبر من السلطان وإنما يكون الإكراه من الزوجة والأب والأم وليس بشيء(2)، فيريد أن يستفيد باعتبار أن الإكراه الذي تعمله الزوجة والأب والأم، ليس إكراهاً قاهراً، بل يمكن التفصِّي منه، فيستفاد إن إمكان التفصِّي لا دخل له في المطلب.

هنا لنا عدة جهات من الكلام:

أحدها: أنه على فرض دلالة الرواية على ذلك، فإنه لا يمكن تنقيح المفهوم اللغوي والعرفي بالتعبّد الشرعي، والرواية غاية ما تفيده هو الحكم الشرعي، لا أن نستفيد منها معنى الإكراه تعبّداً، فإذا كنت تريد أن تنقّح المفهوم اللغوي بذلك، لم يكن تامّاً ولا معنى له، أو تريد أن تعمل الإلحاق الحكمي، فإنه أيضاً غير تامّ، فإن الحكم إذا جاء على الإكراه، فلا يمكن أن يدلّ على الإلحاق.

نعم، لو كان الإكراه في مورد الزوجة والأب، لا يتصوّر أن يكون إلزامياً في أيّ مورد أصلاً، فحينئذٍ لا بُدّ أن نقول المراد من قوله: “لا إكراه“، ليس هو 

ـــــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 313-314، هل يعتبر العجز عن التخلّص بغير التورية؟

(2) الكافي 7: 442، باب ما لا يلزم من الأيمان والنذور، الحديث 16، مَن لا يحضره الفقيه 3: 373، باب الأيمان والنذور والكفّارات، الحديث 4312، تهذيب الأحكام 8: 286، باب الأيمان والأقسام، الحديث 45، ووسائل الشيعة 23: 236، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المعنى اللغوي، وإنما المراد إلحاق ما هو قريب بالإكراه بالإكراه الحقيقي، مع أنه قد يكون ضغط الزوجة أسوأ من ضغط الحاكم، كما لو هدّدته زوجته بالهتك ونحوه، وكذلك الأب والأم اللذان يقولان أموراً يجعلون معه عرض الإنسان إلى الخطر، فإذا أمكن تحقّق الإكراه بالمعنى الحقيقي في الزوجة وغيرها، فليس لنا أن نقول: إن مفهوم الإكراه، يؤخذ فيه عدم إمكان التفصي.

غاية الأمر يبقى الكلام في أنَّ الإجبار والإكراه المذكوران في الرواية ما هو حالهما؟

لا إشكال في أنَّه متى كان الإجبار صادقاً ومتحقّقاً، كان الإكراه صادقاً
-بمعنى الإلزام الذي ذكرناه لا بمعنى مجرّد عدم طيب النفس- ولكن قد يكون إكراه ولا إجبار، فالإكراه أعمّ من الإجبار وبينهما عموم مطلق، فإن السلطان الذي يلزم الإنسان ببعض الأمور، قد يُعطى له طريق للتفصّي، لكنّه طريق ضرري، كأن يقول له: (طلق زوجتك أو أدفع ألف درهم)، فهذا إكراه لا إجبار، وأخرى يعيّن له عملاً معيّناً من دون طريق للتفصّي، فهنا وإن كان التفصِّي ممكناً عقلاً بأن يتحمل القتل في سبيل ذلك، إلّا أنَّ هذا لا يعد عرفاً طريقاً للتفصّي، فيكون هذا إجباراً.

 وإذ يكون الإكراه أعمّ من الإجبار، لا يمكن أن يجعل كِلاهما موضوعاً للحكم بالسببية، فإنه إذا جعلت الإكراه موضوعاً فلا معنى لجعل الإجبار موضوعاً، فإنه لا معنى لجعل الخاصّ موضوعاً بعد جعل العام كذلك. 

نعم، لو كان هناك إجبار ولا إكراه، لصحّ جعل السبّبيّة لها، ولو كان مورداً نادراً فيكون الحكم على عنوان الإكراه وعنوان الإجبار معاً.

ـــــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناءً عليه، فلا بُدَّ أنه في الرواية يريد أن يقول إن مراتب الإكراه لا يفرّق فيها بين السلطان وبين غيره ممن هو قد يكون أضعف من الإنسان، ولكنّه هدّد بتهديد عظيم.

نعم، الإكراه بالمعنى الذي يقوله الشيخ، وهو حمل الإنسان على ما يكرهه، كان هناك مجال للفرق، وكان هناك مجال لأن يكونا معاً موضوعاً. إلّا أنَّنا قلنا بأنه غير تامّ، وأن طيب النفس بمعنى الفرح والابتهاج، بلا شكّ غير مشترط في المعاملات.

[تفصيل الشيخ بين مراتب الإكراه]

ثُمّ يقول الشيخ(1): إن ما قلناه من أنَّ العجز عن التفصِّي غير معتبر، لا بُدّ أن نفرّق فيه بين باب المعاملات، وباب المحرمات، ففي باب المعاملات لا يعتبر العجز التامّ عن التفصِّي وعدم القدرة عن الدفاع؛ لأنه يعتبر فيها الرضا وطيب النفس، فإذا وقع الإكراه لم يكن طيب النفس موجوداً، فتبطل المعاملة، ولو مع إمكان التفصي. 

ثُمّ يمثّل بمثال وحاصله: أن واحداً من (الطلبة) إذا وضع لنفسه مكاناً خاصّاً للمطالعة، فجاء إليه شخص وقال له: (بع كتابك وإلا ضربتك)، فهو يستطيع أن يهرب أو ينادي صديقه، لكنّه لا يريد ذلك، وقال: (بعت)، كان هذا من الإكراه، وأما إذا كان صديقه أو خادمه موجوداً، وقال: (بعت)، فلا بُدَّ أنه قد عمل المعاملة عن طيب نفس، ولا يستطيع أن يقول إنه عملها بالإكراه.

ـــــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) راجع: كتاب المكاسب 3: 317، عدم اعتبار العجز في الإكراه الرافع لأثر المعاملات.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأما المحرمات فما هو مسوّغها، فليس هو هذا الإكراه، بل لا بُدّ أن يصل إلى الإلجاء والضرورة، ففي المثال لو قيل له: (أشرب الخمر) لا يستطيع أن يعتذر بأني لم أرد الخروج عن مكان مطالعتي، فما هو المسوّغ للمحرمات، مرتبة من الإكراه، وما هو المبطل للمعاملات مرتبة أخرى أقلّ وأنزل، فهذا يكون أعمّ من ذاك، فقد تبطل المعاملة ولا يجوز ارتكاب المحرم.

نحن نقول مرّةً يكون الكلام في المفهوم العقلائيّ للإكراه، ومرّةً في ما هو مقتضى الأدلّة.

أما في المفهوم العقلائيّ للإكراه: فمرّةً نتكلّم على مبناك من اشتراط طيب النفس والفرح في المعاملات، فلا بُدَّ أن تبطل المعاملة في المثال، بل نبطل نصف معاملات الدنيا وقد قلنا ببطلانه(1)

وأخرى نقول: فقط أن لا تكون المعاملة بإكراه المكره، فهل هنا إكراه المكره متحقّق إذا كان مستطيعاً للهرب ومناداة صديقه، وكان له طريق للهرب والتفصّي؟ فهذا لا يكون إكراهاً، لا بالنسبة إلى المعاملة ولا بالنسبة إلى المحرم. نعم، لو كان الهرب ضررياً أو حرجياً، يكون هناك إكراه في المعاملات وفي المحرمات، والإكراه على أيّ حال من سنخ واحد، بحسب المفهوم ليس أمراً مختلفاً، ولا يمكن أن نقول إنه في المعاملات يختلف عنه في المحرمات، بل هما على السواء.

ـــــــــــــ[187]ــــــــــ

() وإذا كان طيب النفس يعني صدور المعاملة عن جهات نفسه، وكان الهرب ممكناً فلا يقال: إنه أكرهه مُكرِهٌ على ذلك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أما بالنسبة إلى الأدلّة التي تقول عنها: إنها فرّقت بين مسوّغات المحرمات ومبطلات المعاملات، نقول: أما (رفع ما استكرهوا عليه) (1)، بعد شموله للأحكام التكليفية والوضعية، يكون بالنسبة إليهما على حدّ سواء، فإذا كان الهرب حرجياً في المثال كان الإكراه صادقاً.

والآية واردة في قضيّة عمّار(2)، وهو قد أكره على سبّ النبي وهو من أعظم المحرمات، ومع ذلك لم يقل في الآية: (إلّا من أكره. بحيث أصبح ملجأ ومضطراً)، بحيث إنَّه ليس كل إكراه ميزاناً بل إكراه خاصّ، مع أن المورد مورد عظيم الحرمة، وأحاديث الرفع كلّها ليس فيها أيّ قيد أو شرط، فلا بُدَّ من اتّباع إطلاقها، ولا نستطيع أن ننقّح من عند أنفسنا شيئاً إلّا الانصراف في بعض الموارد على ما سوف نقوله.

يبقى لك أن تقول: إننا نتكلّم في أدلّة المحرمات، فنستفيد منها ما لا نستفيده من أدلّة المعاملات. 

نقول: لا بُدّ أن تعيّنوها لنا، وإلا فهي ليس فيها إلّا الإطلاقات، ولا معنى لأن نفترض أن (ما استكرهوا عليه) يعمل هنا عملاً ويعمل هنا عملاً آخر(3)، 

ـــــــــــــ[188]ــــــــــ

() تقدّمت الإشارة إليه آنفاً، فراجع.

(2) أي: الآية: 106 من سورة النحل.

(3) أو أنه لا ربط له بالمعاملات، وإنما نستدل بها بـ(لا يحلّ) و (تجارةٍ عن تراضٍ)، نقول: أما الحديث ففي التصرّف بأموال الناس لا المعاملة، وعلى تقديره فطيب النفس بهذا المعنى غير معتبر أصلاً، وإلا فالمضطرّ لا تطيب نفسه، وإنما تصحّ معاملةً لأجل عدم الإكراه، ولو فسّرنا الطيب بمعنى آخر أعمّ من الرضا بقطع اليد، فهذا صحيح، إلّا أنه في مقابل الإكراه بمعنى إلزام الغير، فلا بُدَّ أن نحسب حساب وجود الإكراه لا وجود الكره النفساني. ففي مثل مثال الشيخ مع إمكان التفصِّي لا يقول العقلاء إنه مكره وإن لم يمكن يكون حلالاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فإن هذا يحتاج إلى دليل حسابي.

في التفصيل بين التكليفيات والوضعيات 

[بيان المحقق الأصفهاني] 

الآن نرى ما يريد الاصفهاني أن يضعه من التفاوت والاختلاف.

بناء على ما قاله الشيخ من التفصيل بين التكليفيات الوضعيات، ففي الوضعيات يكفي عدم وجود طيب النفس في التكليفيات كارتكاب المحرمات وترك الواجبات، يعتبر في جوازها الإكراه والاضطرار، وقد سبق أن تكلّمنا فيه، وقلنا إن المسألة تدور مدار الإلزام والإكراه، لا مدار طيب النفس والرضا.

وعلى هذه الأُسس التي ذكرها الشيخ ابتنى التقريب الذي يذكره الشيخ محمد حسين(1)، فقال: يمكن أن يقال: إن الإكراه بجميع مراتبه مربوط بالمعاملات، والاضطرار بتمام مراتبه مربوط بالتكليفيات، ونفهم ذلك من مناسبات الحكم والموضوع، فإن المعاملات مشترطة بطيب النفس وعدم الإكراه، والإكراه هو حمله على ما يكرهه، فالإكراه مناسب مع المعاملات، أما الأشياء التي يدخل فيها الاختيار في مقابل الاضطرار فهو مربوط بباب 

ـــــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) راجع: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 47، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

التكليفيات، فإن المكلّف يجب أن يترك المحرمات ويأتي بالواجبات عن اختيار في مقابل الاضطرار، فإن رضائي وكراهتي لا دخل له في وجوب شيء أو حرمته.

ولهذا إذا حصل الإكراه المساوق للاضطرار، في المعاملة، قلنا ببطلان المعاملة من باب الإكراه لا من باب الاضطرار، وفي باب التكليفيات إذا حصل ذلك(1) فنرفع التكليف من باب الاضطرار لا من باب الإكراه، ثُمّ يقول: هذان العنوانان بينهما عموم من وجه، ولكنّ بين مواردهما تبايناً، فإن أحدهما مختصّ بالتكليفيات والآخر مختصّ بالوضعيات.

نقول: هذا المـطلب أساسه قائم على الأساس الخاطئ الذي أسّسه الشيخ، وهو تفسير الإكراه بحمله على ما يكرهه، وأن الشرط في المعاملة هو عدم الإكراه بمعنى طيب النفس. 

ونحن نقول: إن الإكراه هو الإلزام القهري بشيء، سواء كره هذا الشيء أو طابت به نفسه، وبهذا التفسير لا يرد ذلك التفصيل، فإن هذا المعنى من الإكراه تحقّق سواء وصل إلى حد الاضطرار والإلجاء أو لم يصل، وسواء كان هناك طيب النفس أو لم يكن، فنرفعه بدليل الرفع وآية: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ(2)، وأدلّة أخرى نشير إليها، فيرتفع بذلك الحكم الوضعيّ في الوضعيات والحكم التكليفيّ في التكليفيات، فالمعاملة تبطل والتكليف يرتفع إلّا في بعض الموارد 

ـــــــــــــ[190]ــــــــــ

() أي الإكراه المؤدي للاضطرار. (المقرِّر).

(2) النحل: 106.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

التي نشير إليها، ولهذا إكراه الزوجة على الجماع في شهر رمضان لم يقل أحد لا نصّاً ولا فتوى على أنه يجب أن يصل إلى حد الاضطرار، ومع ذلك فالكفارة والتعزير على الزوج.

والآية وإن وردت في قضيّة عمّار، وكان موردها مورد الغلبة والقهر والقتل، لكن لا ينبغي أن ننظر إلى المورد، بل يجب أن ننظر إلى نفس الآية، كما لو ورد تحريم المسكر في مورد شرب الخمر، فإنه لا يتخصّص بها، والآية لم تذكر إلّا لفظ الإكراه، ونحن تابعون للإكراه، سواء في الوضعيات والتكليفيات، أما كون الإكراه في مقابل طيب النفس، فهذا ما لا يساعد عليه العرف واللغة، ولا أظنّ أحداً من الفقهاء يلتزم به.

وعلى ما قلناه يكون بين عنواني الإكراه والاضطرار نسبة التباين، فإن الإكراه يُؤخذ وصفاً للفاعل والاضطرار يُؤخذ وصفاً للمنفعل، وهذان لا يجتمعان أصلاً، وكذلك مفهوماً: (مكرِه) و(مكرَه)، فإنهما أيضاً متباينان، لكن بحسب المورد يجتمعان، إذ قد يكون مضطراً مكرهاً، وقد يفترقان فيكون مكرهاً غير مضطر، أو مضطراً غير مكره، كما إذا حصل الاضطرار من الخارج.

فإذا أكرهه واضطرّه إلى المعاملة، فالإكراه سبب مقدّم وتبطل المعاملة لأجله، وفي موارد ما إذا أكرهه واضطرّه إلى شرب الخمر نرفع الحرمة بـ(ما أكرهوا عليه)، لا بـ(ما اضطرّوا إليه) فإنه مقدم.

وفي المعاملات لا مورد أصلاً، لأن نرفعها بدليل الاضطرار؛ لأنه أما أن يكون الاضطرار مع الإكراه، فإنه يكون مقدّماً، وإذا لم يكن إكراهاً، وكان مضطراً 

ـــــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

من الخارج، فرفع الاضطرار وإبطال المعاملة غير مناسب(1) لحال المضطرّ.

وفي باب المحرمات وترك الواجبات، مرّةً يرتفع من باب الإكراه، وأخرى بدليل الاضطرار، كالاضطرار لشرب الخمر وإلا مات عطشاً. نعم، في باب التقيد والضرر والحرج والإكراه، لا نستطيع أن نعمل بها مطلقاً، فإنا وإن كنّا نقول بإطلاقها لكن ليس بحيث نرفع بها تمام مراتب التكاليف. بل بعض مواردها نرى من الخارج أن متقدّمينا وأئمتنا قدّموا أنفسهم للقتل في سبيلها، كما لو كان أصل من أصول الإسلام مهدّداً بالفناء، فلا يمكن الاعتذار عن التقاعس عن الدفاع عنه بالخوف من قتل النفس، بل هذا القتل يكون واجباً، أو كان مشعر من مشاعر الإسلام مهدّداً، كما لو جاء أبرهة ويريد أن يزيل الكعبة ويمحو آثارها، -لا أن يهدّمها فإنّنا حينئذٍ نبنيها- بل يهدّمها بحيث لا يبقى أثرها للمسلمين وتنساها الأجيال الآتية، هذا التكليف لا يرتفع بأدلّة الاضطرار والإكراه والتقية.

فهذه الأدلّة وإن قلنا بإطلاقها إلّا أنَّ لها انصرافاً عن ذلك، بل الضرورة قائمة على ذلك، بل طريقة الأئمة والأنبياء كانت على ذلك.

فهذا التفصيل الذي قاله الشيخ وتبعه آخرون، لا يكون تامّاً، من التفصيل بين الإكراه والاضطرار، وتخصيص الأوَّل بالمعاملات والأخير بالتكاليف، ولا يمكن أن نرفع بدليل الاضطرار شيئاً من المعاملات ولا بدليل الإكراه كلّ التكاليف.

ـــــــــــــ[192]ــــــــــ

() يعني خلاف الامتنان، ولم يعبّر السيد بذلك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بل قالوا -كالسيد– إن التكاليف تختلف، فقد يصدق الإكراه في بعضها ولا يصدق في الآخر، فإذا كان التكليف هيّناً يحصل الإكراه في التهديد القليل، كرمي الحجر الواحد على الفرد لا يحصل الإكراه بذلك إذا كان التكليف أهمّ، فلا بُدَّ أن نلاحظ في سائر الموارد حصول الإكراه وعدمه وأنه هل يوجب جواز الارتكاب أو لا؟ 

في اختلاف صور أمر المكره وأحكامها 

باب آخر: أنه كما في الأوامر الشرعية لها تقسيمات، فإن غالب هذه التقسيمات تأتي في المكره، كالأمر المطلق والمشروط والمعلّق والكفائي والعيني والتخييري والتعييني والأمر بالأمر، كلها ترد إلّا التعبّدي والتوصّلي، فهل تمام ما قلناه في الأوامر الشرعية نقوله في الإكراه؟ كما نقول هناك إنه لو أمر الشارع بطبيعة فأوجد عشرة أفراد دفعة واحدة كانت كلها مأموراً بها، كذلك لو أكرهه على طبيعة وأوجد عشرة أفراد منها، كانت كلها مكره عليها، أو يختلف الحال عن ذلك.

هذه التقسيمات التي قالوها في الواجبات تأتي في باب الإكراه بحسب النوع، فهل نفس الكلام الذي يُقال هناك يُقال هنا أو لا؟

أحد التكلمات هناك: الأوامر قد تتعلّق بالأفراد بنحو العام الاستغراقي الأصولي، وقد تتعلّق بالطبيعة، ومن إجراء مقدّمات الحكمة يُستكشف أنها موضوع للحكم بلا قيد، وأنها أين ما سرت وتحقّقت تحقّق الحكم، وأخرى تتعلّق الأوامر بالطبيعة بنحو صرف الوجود، الذي يتحقّق في الوجود الأوَّل.

ـــــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ففي تمام هذه الموارد لا بُدّ أن نرى أن تعلّق الأمر بأي شيء؟ أمر القاهر المكره بأيّ شيء تعلّق حتى نقول: إنه مكره فيه، أو بأيّ شيء لم يتعلّق، حتى نقول: إنه غير مكره فيه؟ ما لم تقم هناك خصوصية أخرى

قلنا: إنه في باب تعلّق الأمر بالطبايع، وإجراء مقدّمات الحكمة، لإثبات أن هذه الطبيعة أينما وُجِدت وُجِد الحكم ولحقها، قلنا: إن الأمر لم يتعلّق بالخصوصيات أصلاً فليس قوله تعالى أَحَلَّ اللـهُ الْبَيْعَ(1) معناه: أحلّ الله هذا البيع وهذا البيع وهذا البيع، بل نفهم منه أن ما هو الموضوع هو نفس الطبيعة بلا قيد، وبما أنَّ الطبيعة قابلة للتحقّق في الخارج فإنها تتحقّق كذلك بوجود هذا ووجود ذاك ووجود ذاك، وينضمّ إليها حين الوجود الخصوصيات اللاحقة للفرد، وهذه الخصوصيات ليس لها أيّ دخل في موضوع الحكم، وما هو مركز الحكم هو العنوان الذاتي للطبيعة وإن كان هو متّحداً مع جملة من الخصوصيات في الوجود الخارجي، والأمر بأيّ شيء تعلّق لا يعقل أن نُسري الحكم من موضوعه إلى شيء آخر، ولو كان متّحداً معه، ولا يعقل أن نسري إرادة الآمر إليها أيضاً.

فنحن إذ نلاحظ الوجود الخارجي للبيع، نراه بيعاً في زمان كذا ومكان كذا وطرفه فلان، وما هو الموضوع هو عنوان البيع ليس إلّا، ونتيجة جريان مقدّمات الحكمة، هو أنَّ الطبيعة أينما تحققت لحقها الحكم، وليست نتيجتها أن الأفراد بتمامها محكومة بهذا الحكم، هذا هو الصحيح خلافاً لما قاله عدد من 

ـــــــــــــ[194]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الآغايون(1) من أنَّه لا فرق بين الإطلاق والعموم، وأن المطلق بعد مقدّمات الحكمة يكون كالعام.

والفرق بين العام الاستغراقي الأصولي، وبين المطلق والعام بعد أن أصبح متعلّقاً للأمر أو الحكم الوضعي، هل يكون كذلك بلحاظ الأفراد، فيكون معنى (أكرم كلّ عالم) أكرم هذا وهذا وهذا، أو بلحاظ نفس الطبيعة أيضاً، مع فرقه عن باب الإطلاق كقوله: (أكرم العالم)، وذلك أنَّه في (أكرم كلّ عالم) هيئات ومفردات لها معانٍ تدلّ عليها، ولا يمكن أن تزيد في مدلولها على ذلك، فمدلول هيئة (أكرم) هو: البعث، ومادته هو: الإكرام، و(العالم) هو الطبيعة بلا قيد، و(كل) وُضِعت للتكثير الإجمالي، وبالإضافة إلى ما يتلوه نفهم مطلباً جديداً.

فلا بُدَّ أن نلاحظ خصوصيات المصاديق، لنرى أيّ خصوصية منها موجودة، وأيّاً منها غير موجودة، فرق (أكرم كلّ عالم) عن (أكرم العالم)، أن الأخير يفيد نفس الطبيعة بلا قيد، وفي الثاني نفهم من إضافة (كلّ) إلى (العالم) أنها أفادت تكثير هذه الطبيعة، فهل يمكن لـ(كلّ) أن تفهم خصوصية أكثر من خصوصية العالم؟ إنها لا تستطيع أن تكثّر أكثر ممّا دخل عليها، فلا تستطيع أن تكثّر إلّا (العالم) بما هو عالم، لا بما أنَّه فاسق أو عادل.

ففي قولنا مثلاً: (يجب الوفاء بكلّ عقد)، نفهم أنه يجب الوفاء بالعقد بما أنَّه عقد، لا بما أنَّه واقع في المكان الفلاني أو الزمان الفلاني، ومهما لحقه من 

ـــــــــــــ[195]ــــــــــ

(1) راجع: فوائد الأُصول 2: 511، المقصد الرابع، الأمر الأوّل، محاضرات في الأُصول 5: 167؛ العامّ والخاصّ، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

خصوصية فإنه لا يمكن أن يلحقه وجوب الوفاء و(كلّ) تكثّر مصداق العقد بما هو عقد، لا من حيث أيّ خصوصية أخرى. ففي المطلق أُخذ لحاظ نفس طبيعة البيع، وفي العام أُخذ نفس الأفراد الذاتية للبيع.

فخصوصيات الأفراد ليست مورد تعلّق الأمر ولا الحكم الوضعيّ ولا النهي، سواء كان العموم استغراقياً أصولياً، أو كان الأمر متعلّقاً بالطبيعة، فضلاً عن لحاظ الطبيعة من حيث هي، وبنحو صرف الوجود، التي تصدق بأوّل الوجود.

بناءً عليه، فأمر المكره، مرّةً يتعلّق بنحو العموم الأصولي، كما لو قال: (بعْ كل أموالك)، وأخر بنحو الإطلاق، الذي -بمقدّمات الحكمة- له مصاديق كثيرة، نحو: (بعْ ملكك)، وأخرى يتعلّق بصرف الوجود الذي تحقق بأوّل مصداق، وأخرى يتعلّق بالوجود الخارجي كـ(بعْ دارك هذه).

في هذه الصور كلّها لا يمكن أن يسري الإكراه إلى حيثيات أخرى كزمان البيع ومكانه وطرفه، وغير ذلك.

فلو تعلّق الأمر بنحو العموم الاستغراقي ببيع تمام مصاديق الملك، فهنا لا إشكال كلّ مصداق بما أنَّه مصداق للبيع المأمور به، -والمفروض أن الإكراه تامّ ولا يمكن التفصِّي عنه- يقع مكرهاً عليه، فإن كان من الوضعيات كان باطلاً، وإن كان من المحرمات كان مرفوعاً.

أما لو كانت بعض الخصوصيات مأخوذة في حكم شرعي كبيع المصحف للكافر، فأصل بيع المصحف مكره عليه، أما خصوصية بيعه للكافر فليس مورد إكراه، فلا أستطيع أن أقول: حيث إنَّه أكرهني على عنوان البيع بنحو 

ـــــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العام الأصولي، فتكون تمام خصوصيات المصاديق داخلة فيه، بل لا بُدّ من أن أنظر إلى ما هو متعلّق الأمر الذي نشأ منه الإكراه.

وقد يكون في تمام الأفراد خصوصية واحدة، كما لو كان تمام ما أملك هو المصاحف، ولم يكن مشترٍ إلّا من اليهود، فلا بُدَّ أن نرى أن البيع تعلّق بالبيع إلى اليهودي أو لم يتعلّق -في الحقيقة- ولكنّه حيث إنَّه أكره على البيع وصادف عدم وجود المشتري سواه، تعلّق بالبيع إليه الاضطرار والإلجاء، أما عنوان بيع المصحف فيستحيل أن يسري إلى غيره.

غاية الأمر يتكلّم في أنَّ بعض البيوع إذا لم ينفذها الشارع ويجزها يكون ذلك خلاف الامتنان، بل يلزم وقوع زيادة من الحرج في الخارج، فلا يشمله رفع (ما اضطرّوا إليه)، كما لو ألزمني ظالم على دفع ألف دينار فلجأت إلى بيع داري لكي أعطيه المال، فالشارع إذا دفع صحّة هذه المعاملة يكون قد أوقعني في حرج أشدّ، وكان ذلك خلاف الامتنان. لكنّ ذلك ليس معناه أن إطلاق (رفع ما اضطرّوا إليه) ناقص، بل لا بُدّ أن ننظر أنه هل له انصراف عن الواقعة أو لا؟ فما كان فيه الرفع خلاف الامتنان يكون الدليل منصرفاً عنه كالمثال السابق. 

وأما هنا في مثال الإكراه على بيع المصحف فأنا مضطرّ إلى هذا البيع، ورفع هذا البيع موافق للامتنان(1)، والدليل شامل له فيرفعه، ولهذا لو كان هناك 

ـــــــــــــ[197]ــــــــــ

() هذا غريب من السيد؛ إذ مع انحصار المشتري باليهودي والإكراه على البيع، يكون الشارع -برفع المعاملة- قد أوقعني بما أخاف منه من ضرر الإكراه كما هو واضح، فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

شخصان مشتريان يهودي ومسلم، وبعته على اليهودي، فأنا غير مكره على ذلك ولا مضطرّ، فإن الإكراه على العنوان الذاتي لا يسري إلى الخصوصية.

وإذا تعلّق الأمر بالطبيعة، وأنت بمقدّمات الحكمة ألحقت الحكم بالأفراد، الكلام منه نفس الكلام، غايته أن الموضوع الذي يثبت بمقدمات الحكمة هو الطبيعة بلا قيد، وإذا تعلّق الأمر بصرف وجود الطبيعة، كما هو الحال في الأوامر الإلهية، كما لو أمر في بيع ملك من أملاكي، فالمصداق الأوَّل مكره عليه، والخصوصيات اللاحقة لا إكراه فيها.

[إذا تعلقت الأوامر بنفس الطبيعة]

لكن هنا بحث في أنَّ الأوامر -كما قال البعض- إذا تعلّقت بنفس الطبيعة، فإذا أتيت بمصداق فإن الطبيعة تتحقّق بتحقّقه، وإذا أتيت بعشرة مصاديق، فأيضاً يسقط الأمر بالطبيعة فإنها أيضاً تحقّق للطبيعة، فتكون عشرة امتثالات ولها عشرة ثوابات.

فذاك الذي يقول ذلك هناك، هل يقول بذلك هنا؟ فإذا ألزمني بإيجاد البيع بنحو صرف الوجود، وهو يصدق بالوجود الأوّل، فإذا جمعت وأوجدت عشرة مصاديق من البيع، فهل أكون مكرهاً على البيع؟

بأن يُقال إنَّ المكرِه أكرهني على الطبيعة، والطبيعة مكرَهٌ عليها، وهي تنطبق على كلّ المصاديق التي أتيت بها، فنلتزم ببطلان تمام المصاديق، فهل نلتزم بذلك، أو أن هذا المطلب غير صحيح، لا هناك ولا هنا؟

إذا تعلّق الإكراه بنفس الطبيعة، كما تتعلّق بها الأوامر الإطلاقية، بحيث 

ـــــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يتحقّق المطلوب منها بكلّ فرد أو بصرف الوجود، فهنا عدة تكلمات:

أحدها: إذا تعلّق الأمر بنفس الطبيعة في الأوامر الوضعية وغيرها، هل مصاديق هذه الطبيعة التي توجد في الخارج، لا بُدّ أن يُقال إنَّها تقع على صفة المأمورية والمطلوبية، وفيما نحن فيه تقع على وجه المكرهية، أو بالنسبة إلى الأفراد تقع بالاختيار؟

ثانيها: أن الحكم إذا تعلّق بالطبيعة وأوجد الفرد عدّة أفراد منها، فماذا نقول في الأوامر الإلهية، وفي المقام؟

ثالثها: إذا كان هناك اختلافات بين أفراد الطبيعة كالأهمّ والمهمّ بحسب نظر الشرع، أو بحسب نظر المكرِه، فماذا يجب أن نقول؟

أما الكلام الأوّل: إذا تعلّق الأمر بنفس الطبيعة، قلنا بأن الطبيعة أصبحت موضوعاً للحكم بلا قيد دون أيّ خصوصية لاحقة له.

وإذا تحقّق مصداق من البيع فقد تحقّقت الطبيعة، فإن هذا بيع، وإذا تحقّقت الطبيعة فقهراً يكون الحكم موجوداً، فإن المفروض أن نفس الطبيعة هنا تتحقّق، لا ما يقال: بأن المتحقّق حصّة منها، بل التحقيق أن نفس الطبيعيات تتحقّق في الخارج، فما هو الموضوع بنفسه وُجِد في الخارج، غاية الأمر أن الطبيعة وضعيتها هكذا: أنها في نشأة الذهن توجد بطور الوحدة، وفي نشأة الخارج توجد على نحو الكثرة، ولا يمكن أن نقطّعها إلى قطع، بل هي موجودة بتمام ذاتها في هذا المصداق وبتمامها في هذا المصداق وهكذا، وفي كلّ مصداق تمام الماهيّة موجودة، فإذا تحقّق تمام حقيقة البيع في الخارج يلحقه الحكم لا 

ـــــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

محالة، وبالإطلاق يُقال بسريان الحكم إلى تمام الأفراد بهذا الاعتبار.

ومتى يكون المطلوب هو صرف وجود الطبيعة، فيتحقّق بتحقّق الطبيعة في الوجود الأوّل، ويسقط الأمر ولا يجب أن يؤتى بمصداق آخر.

بناءً عليه في باب الإطلاق، إذا أمر وقال: (بعْ دارك)، وله عشر دور، والمكره يكتفي بدار واحدة، فليس أني في أصل البيع مورد للإكراه، وفي الفرد الخارجي مورد للاختيار، فإن متعلّق الاختيار هو الخصوصية وهي ليست موضوعاً للحكم أصلاً -إلّا في بعض الأحيان- فأوّل مصداق أوجده في الخارج يكون مورد الإكراه، ويتعلّق الأمر الإلزامي به، فما هو الخصوصية ليس بيعاً وما تعلّق به الإكراه هو نفس الطبيعة، والخصوصيات ليست مورد أثر ولا إكراه، وأنا وإن كنت أستطيع أن أبيع إما الدار وإما العبد، فإن أصل البيع مكره عليه، وإن كنت مختاراً في التطبيق، وما هو موضوع الصحّة والفساد هو أصل البيع فيبطل، فإذا تعلّق الإكراه بنفس طبيعة البيع، فأينما تحقّق وفي أيّ مصداق، يكون أوّل مصداق -بما أنَّه بيع- مكره عليه، وحيث إنَّه لا يمكن الفصل بين أصل البيع، وبين خصوصية بيع الدار، فيبطل بيع الدار. 

ولو كانت الخصوصية ذات حكم شرعي، كانت الخصوصية اختيارية كبيع المصحف إلى اليهودي، كما سبق أن قلناه وكالبيع وقت النداء، فإن الخصوصيات، وإن استحال سريان الإكراه إليها، إلّا أنَّها غالباً لا تكون ذات أثر شرعي، فيكون الإكراه وارداً على أصل الطبيعة وتكون الخصوصية اضطرارية، لكنّها إذا أصبحت الخصوصية ذات أثر شرعي، وأمكن التفصِّي عنها كانت اختيارية.

ـــــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناء عليه، إذا تعلّق الإكراه بطبيعة فمصاديقها ترتفع برفع ما استكرهوا عليه، وإذا اكتفى المكره بفرد واحد، كان الفرد الأوّل واقعاً على صفة المكرهية لا المختارية. 

فما يقال(1): من أنَّنا إذا أكرهنا على إيجاد الطبيعة، تكون بالنسبة إليها مكرهين، وبالنسبة إلى الأفراد مختارين، صحيح من جهة وغير صحيح من جهة أخرى، فإن الإكراه يتعلّق بالطبيعة ولا يسري إلى خصوصيات المصاديق المتّحدة معها خارجاً، ولكنّ ما أتيت به من الخصوصيات اضطراراً نرفعه بدليل الاضطرار، وإن لم يصادف اضطراراً، فإنه يأثم على إيجاد الخصوصية إذا كان محرماً، كبيع المصحف على الكافر.

إذا تعلق الأمر بنحو صرف الوجود 

الكلام الآخر: إذا تعلّق الأمر بالطبيعة على نحو صرف الوجود، كالأوامر الإلهية وإكراه المكره، فأوّل فرد يقع مستكرهاً عليه بلا إشكال وباطلاً، وأما إذا أحدث عشرة أفراد، فهل في الأوامر الإلهية تعتبر هذه عشرة امتثالات، أو امتثالاً واحداً؟ 

وإذا قلنا هناك بأنها عشرة امتثالات، فهل لا بُدّ أن نقول هنا بوقوع مجموع العشرة على صفة الملزمية والإكراه، أو كلّها صحيحة، أو أحدها باطل والباقي صحيح، وأيّ منها هو الباطل؟ هذا ما سنتكلّم فيه.

ـــــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) راجع: قواعد الأحكام 2: 60، مقابس الأنوار: 118، كتاب المكاسب 3: 320، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذا تعلّق الأمر بالطبيعة بنحو يحصل الامتثال بفرد مّا، وكان أمر المكره كذلك، فلنا كلام في الأوامر الإلهية نذكره بنحو الاستطراد، ثُمّ نرى أنه إذا تمّ المطلب هناك، ماذا نقول هنا.

إذا تعلّق الأمر بنفس الطبيعة فقال: (اعتق رقبة)، فهذا المكلف مرّةً يعتق رقبة واحدة، فالطبيعة تحقّقت ضمن هذا الفرد، وليس للأمر اقتضاء لفرد آخر، وبتعبير بعضهم أنه سقط الأمر، ولكن إذا أوجد عشرة أفراد دفعة واحدة، فهل هذا امتثال واحد، أو امتثالات متعدّدة على عدد المصاديق، ولكلٍّ منها ثواب(1)؟

البرهان الذي يمكن إقامته: هو أنَّ هذه المصاديق التي أوجدها هي من الأمور الخارجية، فلا تخلو من أحد أمور: 

الاحتمال الأول: إما أن تقولوا: إنه لم يمتثل إطلاقاً، فإن الامتثال لا يتحقّق بإيجاد الواحد دون المتعدّد.

الاحتمال الثاني: أن الامتثال تحقّق في الواحد المعيّن.

الاحتمال الثالث: أنه تحقّق في الواحد غير المعيّن.

الاحتمال الرابع: أن الامتثال حصل بالجامع ما بين هذه الأفراد، وهو أمر وحداني.

الاحتمال الخامس: أن الامتثال حصل بكلّ فرد.

ـــــــــــــ[202]ــــــــــ

(1) راجع: نهاية الأُصول: 124، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المبحث السادس، والحاشية على كفاية الأُصول (للسيّد البروجردي) 1: 210، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثامن.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاحتمال السادس: أنه حصل بمجموع الأفراد.

فهذه هي التصوّرات، وإذا بطلت جميعاً إلّا واحداً، يكفي الأخذ به لا محالة.

أما عدم حصول الامتثال فغير محتمل لعاقل، فإن الأمر (لا بشرط) من هذه الناحية وليس (بشرط لا). 

وأما عدم حصول الامتثال بفرد معيّن؛ فلانه ترجيح بلا مرجّح لأحد هذه العشرة على الأفراد الأخرى. 

وأما عدم حصول الامتثال بفرد غير معيّن؛ فلأن غير المعيّن ليس له تحقّق ليحصل به الامتثال. 

وأما عدم حصول الامتثال بالمجموع فهو لم يكن متعلّقاً للأمر من أوّل الأمر والمجموع من حيث المجموع غير موجود في الخارج، فإن زيد موجود وعمرو موجود فهل مجموع زيد وعمرو موجود بوجود ثالث، كلا. وأما عدم حصوله بالجامع؛ فلأن الجامع بوصف الجامعية لا تحقّق له في الخارج ليقع امتثالاً للأمر، فإن ما هو الموجود في الخارج هو المصاديق، وكلّ مصداق موجود على حدة.

وما يقال(1): من أنَّ الأفراد لها آباء متعدّدون من حصص الطبيعي، ولها جدّ واحد، هذا جمع بين إشكال ودفع، فإنهم سمعوا الخلاف القائم بين الرجل 

ـــــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) راجع: نهاية الأفكار 3: 397، الموضع الثاني، المبحث الثاني، المقام الثاني، وتهذيب الأُصول 1: 278-281، نقد وتحصيل.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الهمداني والمشّائين(1)، ولم يفهموه على وجهه الصحيح، فإن الهمداني قال: إن الطبيعي كالأب الواحد بالنسبة إلى أفراد، وقيل في مقابله إنه كالآباء المتعدّدين، فسمعوا ذلك، وأساءوا فهمه.

وكان مقصود الرجل الهمداني هو أنَّ الجامع في الخارج موجود بنحو الجامعية والوحدة، وربما أقام البرهان على ذلك، وقال شيخ المشّائين في مقابله: إن الجامع غير موجود في الخارج بنحو الجامعية، فإنسانية عمرو غير إنسانية زيد، فتمام حقيقة الإنسان موجودة في هذا وتمام ماهيّته موجودة في ذاك وهكذا كلّ الأفراد، فعبّروا عن هذا المعنى بأن الطبيعي كالآباء المتعدّدين بالنسبة إلى أفراده، وليس كالأب الواحد، والمقصود أنه ليس هناك جامع وحداني متحقّق في الخارج، فإن البرهان العقلي قائم على خلاف ذلك، إذ إنَّ الوجود مساوق مع الوحدة، فإذا وجد الجامع بما أنَّه جامع فلا بُدَّ أن يكون الأفراد كلّهم فرداً واحداً، ولا يمكن أن يكونوا متكثّرين، والوحدة النوعية غير الوحدة العددية، وما هو ممتنع على الطبيعي هو الثاني.

فهؤلاء غفلوا عن هذا المعني، فجمعوا بين الإشكال وجوابه، فقالوا: إن الطبيعي بنحو الآباء، والجامع موجود في الخارج فهو أب الآباء.

والمسألة ليست كذلك، فإنه يستحيل أن يوجد الجامع بنحو الجامعية في الخارج؛ لأن معنى الجامع هو الصدق على الكثيرين والكلّية، والوجود مساوق 

ـــــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) راجع: رسائل ابن سينا (رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام): 462، وشرح المنظومة 2: 348، غرر في اعتبارات الماهيّة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

مع الوحدة، وإنما أصبح الجامع مشتركاً بين الأفراد بهذا المعنى، وذلك أنَّني إذا تصوّرت فرداً ثُمّ انتزعت عنه خصوصياته الفردية، فإنّني أحصل على معنى، هو عين المعنى الذي أحصل عليه لو تصوّرت فرداً آخر وجرّدته عن خصوصياته الفردية، فالوحدة وحدة عقلية بحسب التجريد.

وحاصل المطلب، هو أنَّ الامتثال بالجامع أيضاً لا معنى له؛ لأن الجامع لا يتحقّق في الخارج، وحيث بطلت سائر الاحتمالات يتعيّن الاحتمال الباقي، وهو أن يكون الامتثال بكلّ مصداق، فإن الطبيعة متكثّرة في الخارج بعدد مصاديقها، والأمر غير مقيّد بالمرّة ولا التكرار، فهذا امتثال وهذا امتثال وهذا امتثال وهذا طبيعة وهذا طبيعة، وإذا كانت الامتثالات كثيرة، فلا بُدَّ أن يكون الثواب كثيراً.

وقد نُظَّر المقام بالواجب الكفائي، فكما أنَّه لو أتى الجميع بالمأمور به كانوا ممتثلين، وإذا أوجده واحد منهم أوّلاً سقط الأمر، هنا أيضاً، إذا أوجد المكلّف فرداً واحداً سقط الأمر، وإذا أوجد مصاديق متعدّدة، فإن الامتثال يكون بكلّ واحد من هذه المصاديق.

أقول: إن ما قام البرهان عليه، هو أنَّ الطبيعة توجد في الذهن بنحو الوحدة، وتوجد في الخارج بنحو الكثرة، وهذا أمر لا مفر منه، إلّا بإنكار البرهان، لكن لا بُدّ لنا أن نرى أن باب امتثال الأوامر تابع لهذا المعنى الفلسفي أو أن بابه باب آخر؟

فمثلاً: أنت تقول -كما هو الصحيح- أن المجموع من حيث المجموع لا 

ـــــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وجود له في الخارج، لكن إذا تعلّق الأمر بالمجموع، فأصبح متعلّقاً واحداً لأمر واحد، وله امتثال واحد هو (إكرام مجموع العلماء)، ولا يحصل الامتثال إن نقص العدد واحداً، وليس كلّ فرد منهم أيضاً متعلّقاً للأمر، فهل تأتي فتقول: إن هذا مستحيل؛ لأن المجموع بما هو مجموع لا وجود له كما بُرهن عليه في الفلسفة. 

لو قلت لذلك لقلتُ: إنني لا أريد إنكار البرهان الفلسفي، ولا دعوى أن المجموع يوجد في الخارج على حدة، بل أريد أن أقول: إن الأمر قد يكون له غرض في المجموع فيجعل الأمر متعلّقاً به، فإذا تعلّق الأمر به وحصل به الامتثال، لم تحصل بذلك مخالفة للبرهان العقلي.

وفي باب تعلّق الأمر بالطبيعي، كما إذا قال: (أكرم العالم)، يستحيل أن يسري الحكم من عنوانه ويضع رجله على عنوان آخر!! لا في الخارج ولا في الذهن، بل يبقى متعلّقه كما هو إلى الأبد، فإذا أكرمت عالماً فقد حصل الامتثال، ولا يمكن أن يتعلّق الأمر بشيء والامتثال بشيء آخر، ويصدق عليه أنه امتثال لذلك الأمر، فهذا الفرد الذي هو مجمع مائة عنوان؛ فإنه عالم وعادل وهاشمي وابن فلان وإنسان وغير ذلك، إذا أكرمته، فقد وقع الامتثال بصفته عالماً دون كونه عادلاً؛ لأنه بهذا العنوان لم يكن متعلّقاً للأمر.

فهل لك أن تشكل وتقول: أن العالم والعادل وسائر العناوين موجودة في الخارج بوجود وحداني بسيط، فلا بُدَّ إني أكرمته بما هو حاوٍ لسائر العناوين؟ 

أقول: أني لا أتكلّم عن الوحدة في الوجود، وإنما أتكلّم عن عالم الامتثال، 

ـــــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

والأمر إنّما تعلّق بشيء وبعث نحوه ولا يعقل أن يُبعث نحو غيره، ولا يعقل أن يحصل الامتثال بشيء غيره، وذلك في المثال طبيعي العالم، فقد أكرمت هذا الفرد بصفته وجوداً لهذا الطبيعي، دون أيّ خصوصية أخرى لاحقة له في الوجود الخارجي.

فالخصوصيات المصداقية لا دخل لها في الأمر، بحيث لو أمكنني أن أوجد الطبيعة في الخارج -وألبسها عمامة(1) وعباءة وحذاء- لحصل الامتثال بتمام المعنى وليس فيه أيّ محذور.

وفي المقام هذه الموجودات والمصاديق المتكثّرة، إنّما تكثّرت بواسطة لواحقها، فهذه طبيعة وهذه طبيعة وهذه طبيعة، ولكنّ هذه الكثرة لا دخل لها في باب الامتثال والانبعاث عن أمر المولى، وقد تعلّق الأمر بنفس الطبيعة دون أيّ شيء غيرها، وليس هناك أيّ غرض في شيء آخر، بحيث لا يفرق في حال الآمر بين الفرد الواحد والمتعدّد، لحصول مراده على كِلا الحالين.

فهذه الموجودات، وإن وُجِدت بنحو الكثرة، بلا إشكال، إلّا أنَّ المعنى الذي بعثني إلى إيجادها هو تعلّق الأمر بنفس الطبيعة، فالامتثال أيضاً يتحقّق بنفس الطبيعة، فهذا الامتثال(2) هو نفس ذاك الامتثال، وليست امتثالات 

ـــــــــــــ[207]ــــــــــ

() هذا ممكن على مسلك السيد من أنَّ الطبيعة بتمامها توجد في الفرد، والماهيّة بتمام حقيقتها تتحقّق به، فكلّ فرد إذا لبس عمامة وعباءة يصبح طبيعة معمّمة، وليس في ذلك استحالة فتأمّل. (المقرِّر).

(2) يشير إلى الأفراد والمصاديق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

متعدّدة، فإن الامتثال لا يكون متعدّداً إلّا إذا كان الأمر متعدّداً، فكما نقول: إن الأمر بالمجموع لا ينافي عدم وجوده بحسب الخارج، كذلك الأمر بالطبيعة لا ينافي عدم وجودها في الخارج، فهذه الأفراد بما هي متكثرة ليست مأموراً بها ولم يتعلّق بها الغرض، فإن الأمر واحد والمأمور به واحد وهو الطبيعة، والامتثال يكون بنفس الطبيعة(1).

فكما تجرّد الفرد الذي أكرمناه عن تمام الخصوصيات إلّا خصوصية كونه عالماً، كذلك هذه الأفراد نجرّدها عن الخصوصيات، وعند تجريدها عن الخصوصيات الفردية لا تبقى إلّا طبيعة واحدة يحصل بها الامتثال.

ـــــــــــــ[208]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الطلاب: أنت تقول: إن الامتثال هو إيجاد ما تعلّق به الأمر، وإن ما تعلّق به الأمر هو الطبيعة، وإن الطبيعة توجد في الخارج بكلّ فرد من الأفراد، إذن يلزم من ذلك أن يكون الامتثال متعدّداً بعدد الأفراد.

فأجاب: 

أنا أقول: إن هذه المصاديق كلّها امتثال واحد، فكما كنّا نقول إن إكرام العالم يكون بما هو عالم، هنا نقول: إن الامتثال امتثال للطبيعة بما هي طبيعة، وباب الامتثال غير باب الوجود الخارجي، وهذه وإن كانت طبايع متعدّدة، إلّا أنَّ الأمر بما أنَّه تعلّق بالطبيعة، فكلّها تكون امتثالاً واحداً باعتبار كونها وجوداً للطبيعة، فإن ما هو الموضوع للحكم هو الإنسانية -مثلاً-، وهي موجودة في هذا الفرد وفي هذا الفرد، فتكون جهة الامتثال هو نفس الطبيعة، وليس لا بُدّ أن توجد الطبيعة وحدها في الخارج لكي يتحقّق الامتثال، فإنها وإن وجدت منضمّة إلى الخصوصيات إلّا أنَّ ما هو الموضوع هو الطبيعة دون الخصوصيات الأخرى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فالبرهان الذي أقامه المستشكل، صحيح بالنظر إلى الوجود الخارجي ولا مفرّ منه، وباب الامتثال هو باب التجريد، ويحصل بتحقّق العنوان المأمور به دون غيره(1).

التقريب الآخر للمطلب 

التقريب الآخر الذي يمكن أن يقال: هو أنَّنا نحسب حساب هذا: إنّ ما تعلّق به الأمر عبارة عن نفس الطبيعة، وما يتحقّق في الخارج أفراد مأمور بها وتقع بنحو المطلوبية، أو ليس الأمر كذلك؟

فإذا لاحظنا نفس الطبيعة نراها قابلة للصدق على الكثيرين فننتزع من ذلك أنها كلّي، ولكن نفس هذه الطبيعة التي كانت قابلة للصدق على كثيرين، حين تتحقّق بوجود الأفراد في الخارج لا تصدق على الكثيرين، فهذا الصدق إنّما يتمّ إذا لوحظت الطبيعة من حيث ذاتها، لكنّ الفرد الذي صدقت الطبيعة لا يكون كلّياً، ولذا قلنا: إن الكلّي الطبيعي يوجد في الخارج بنحو الوحدة. والطبيعة في نشأةٍ كلي، لا باعتبار أنها إذا وجدت في الذهن كانت كلّياً، بل هي بهذا القيد جزئي من مصاديق الطبيعة، لكن بهذا اللحاظ الذي أرى به الطبيعة 

ـــــــــــــ[209]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الطلاب: إن تكثّر الطبيعة يوجب تكثّر الامتثال، أجاب عن هذا الأشكال.

فقال: هذا محال، أن يكون الأمر واحداً والمأمور به واحداً والامتثال متعدّداً، والموجودات وإن كانت متكثّرة، إلّا أنَّ باب الامتثال باب التجريد، وإذا لاحظت المأمور به لا أجد إلّا الطبيعة الواحدة، وبها حصل الامتثال دون غيرها. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يستحيل أن أراها ملحوظةً بهذا اللحاظ وإن كان ممكناً بلحاظ آخر، فلو أردت أن أقول إن الطبيعة ملحوظة بلحاظ لاحتاج ذلك إلى لحاظ جديد، بناء عليه فما أحكم عليه بالكلّية هو نفس الطبيعة، لا الطبيعة بما أنَّها موجودة في الذهن، فإذا لاحظت الطبيعة فإنها وإن وجدت في ذهني ولكن وجودها في الذهن غير ملحوظ لي، فإنها بالرغم من وجودها في الذهن حكمت على نفس الطبيعة بلحاظ نفس الأمر.

فحينما أقول: (الإنسان كلّي)، فإنّي وإن لاحظت الإنسان في الوجود الذهني، لكنّ موضوع حكمي ليس هو المقيّد بهذا القيد، وإنما هو نفس الطبيعة، وهذه الطبيعة التي لو لاحظتها لكانت قابلة للصدق على كثيرين، بواسطة هذا المعنى الذي أجده فيها أحكم عليها أنها كلّي قابل لذلك.

فهذه الطبيعة هي موضوع الأمر، وما قالوه(1) من أنَّ الطبيعة من حيث هي ليست إلّا هي، فكيف تكون موضوعاً للأمر.

ولهذا قال: إن الطبيعة تقع موضوعاً بصفتها مرآةً إلى الخارج، فهي واحدة تصوّراً ومتكثّرة تصديقاً(2)

مع أنه ليس معنى أن الطبيعة (ليست إلّا هي) أنه لا يلحقها شيء، فإن سائر اللواحق التي تلحقها فإنها تلحقها في هذا الحال، فإن ما هو الموجود ليس هو الطبيعة الموجودة، بل هو نفس الطبيعة، والطبيعة بما هي مرآة للوجود 

ـــــــــــــ[210]ــــــــــ

(1) راجع: الحكمة المتعالية 2: 207، القبسات: 21، شرح المنظومة 2: 72، وغيرها.

(2) راجع: نهاية الأفكار 2: 380-381، الأوامر، المبحث السابع، المقدّمة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الخارجي، ليست موضوعاً للأمر؛ لأنها إن كانت مرآة للأفراد، فهذا غير معقول، وإن كانت مرآة لنفسها بوجودها الخارجي، فهي ليست موجودة فعلاً، وإذا كانت مرآة بحيث لا يكون النظر إليها بل إلى الوجود الخارجي، فالوجود الخارجي غير قابل لتعلّق الأمر به.

فالآمر، يأمر بالطبيعة ويبعث نحوها، لكي يجعل المكلّف الطبيعة متحقّقة في الخارجي، فليس أمر المولى متعلّقاً بالوجود الذهني؛ لأنه غير قابل للوجود الخارجي، بل متعلّقه نفس الطبيعة التي كنّا نقول إنها كلّي وقابلة للصدق على كثيرين.

وهذه الطبيعة عندما يوجد لها مصاديق، فالطبيعة موجودة والكلّية غير موجودة، تمام حقيقة الإنسانية موجودة، لكنّ الكلّية والجزئية يختلفان من حيث النشأة، فإن الوجود لا يناسب الكلّية.

الأمر حاله هكذا: فإنه تعلّق بالطبيعة، لكن إذا تحقّق مصداق، فهو مصداق للطبيعة وليس مصداقاً للمأمور به، بل مصداقٌ لما كان مأموراً به، يعني مصداق للطبيعة المأمور بها، فإنّني إذا أوجدتها كان ذلك مصداقاً للمأمور به، وليس مأموراً به.

بناءً عليه، إذا كان عندنا أمر واحد ومأمور به واحد، فالمصاديق الكثيرة مأمور به واحد وليست مأمورات بها، بمعنى أن كلّ مصداق مأمور به، بل كلّ واحد هو مصداق المأمور به. 

في العام الأصولي إذا ورد الحكم على (كل)، فإذا حصل مائة مصداق، فكلّ واحد له حكم، بحسب الانحلال المعقول، أما إذا تعلّق الأمر بالطبيعة، 

ـــــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

حينما كانت قابلة للصدق على كثيرين، وهو أمر وحداني، فكما أنَّ الطبيعة كلّية والمصاديق غير كلّية، كذلك الأمر واحد والمأمور به واحد ومصاديق المأمور به واحد، فقد أطعت بتمام هذه الأفراد -الدفعية الوجود على الفرض(1) إطاعة واحدة لا إطاعات متعدّدة، والمأمور به ليس هو الخارج حتى ينحلّ المأمور به على الأفراد، فالطبيعة تتكثّر لا بما أنَّها مأمور بها ولا بما أنَّها كلّية. 

بناءً عليه فإن امتثلت الأمر الواحد بهذا الكثير امتثالاً واحداً، فإن هذا الذي تحقّق هو امتثالات المأمور به الواحد، فكما أنَّ الطبائع الكثيرة مصداق للطبيعة الواحدة، كذلك إذا أطعت المأمور به الواحد فإنك لم تطع إلّا إطاعة واحدة، فما هو المجال والنشأة التي تعلّق الأمر بالطبيعة هو المجال الذي إذا لاحظتها وجدتها قابلة للصدق على كثيرين. وما هو المطلوب، وما تعلّق به الغرض، هو أن تأتي بالطبيعة إلى الخارج، وحيث يرى الآمر استحالة تعلّق الأمر بالخارج واستحالة تعلّقه بالطبيعة الملحوظة بما هي ملحوظة، فإنه يعلّق الأمر بنفس الطبيعة، فيبعث نحوها -لا بمعنى أنه يبعث نحوها بما هي هي- ففي هذا المجال الآمر واحد والمأمور به واحد.

وفي مجال تكثّر الأفراد لا أمر ولا مأمور به ولا طلب ولا مطلوب، وإنما المطلوب هو نفس الطبيعة -لا بقيد الذهن- بل يريد أن تتحقّق الطبيعة في الخارج وفي عالم العين، وأن أجعل اللَّيس أيْساً(2) وأن أوجد الطبيعة، وهذا 

ـــــــــــــ[212]ــــــــــ

() إيضاح. (المقرِّر). 

(2) العدم وجوداً.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الموجود الخارجي لا مطلوب ولا مأمور به، ولكنّ الغرض يتحقّق به، فالمصاديق مصاديق للمأمور به لا بما هو مأمور به، كما أنَّ مصاديق الكلّي ليست بكلّي، بل هي مصاديق للطبيعة لا بما هي كلّية.

فهذا أحد الطرق، الذي هو طريق عقلي أيضاً. 

وهنا طريق عقلائي عرفي، فإنّنا في باب استصحاب الكلّي من القسم الثاني والثالث، اشكلنا هذا الإشكال العقلي، وهو أنَّ الكلّي الذي يُستصحب أين هو؟ فإن ما وُجِد في الخارج غير ما تريد أن تستصحبه، وأنت تريد أن تستصحب القدر الجامع الخارجي، وهو غير موجود.

ونحن قلنا -بعد طويل كلام-: إن “لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ(1)، ليس نصّاً فلسفياً، بل هو كلام عقلائي، فإن كلّ الناس رجل همداني، فإنك لا تستطيع أن تنكر أن نوع البشرية غير موجود من زمان آدم إلى الآن، على حين أن لازم ذلك الكلام الفلسفي أنه غير موجود لذهاب فرد ومجيء فرد آخر، إلّا أن يبقى فرد واحد من زمان آدم إلى الآن، وأما بقاء النوع مع تبدّل المصاديق فهي مسألة عقلائية عرفية.

فإذا كان هناك إنسان قصير العمر، وشككت ببقاء النوع في الفرد الطويل، أو كان الاستصحاب من قبيل القسم الثالث، فذلك في نظر العقلاء بقاء للمتيقّن إلى زمان الشكّ، والعقلاء إذا قبلوا تمّ المطلب.

ـــــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 8، باب الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث 11، ووسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

والعقليات ليست كلّها عقليات فلسفية، بل هناك عقليات فلسفية وعقليات عرفية، فإن هناك عقليات لا يدركها العرف بأدقّ عقله، كما لو كان في هذا المخزن صابون ذا رائحة ثُمّ استخرجنا كلّ الصابون، وبقيت رائحته عالقة في الجدران، فإذا قلت للعرف: (أن هنا صابوناً) فإنه يضحك عليك، بالرغم من أنَّك إذا قلت ذلك لصاحب المكروسكوب فإنه يرى أجزاء صابونية موجودة. وكذلك الحال في لون الدم، لا يقول أنه دم.

وهناك مسائل عقلية نحتاج فيها إلى برهان فلسفي، كالأمور التي فوق الطبيعة، وهناك مسائل يصل إليها عقل العرف، كإطاعة المولى وقبح العقاب بلا بيان، ووجوب دفع الضرر المحتمل -هذا عقل عامّ(1) وليس عقل الفلاسفة- لاشكّ أن الأمر ومتعلّقاته هو من الأمور العرفية، لا من الأمور الفلسفية، والشارع تكلّم بما أنَّه عرفي لا بما أنَّه إله أو ملك مقرّب أو وليّ، ففي باب الإطاعة لا بُدّ أن ترجع إلى عقل العرف.

فإذا كان العرف يرى أن المهملة توجد بوجود فرد وتنعدم بانعدام جميع الأفراد، فنقول: هذا الذي يحكم بذلك نعلم منه أنه إذا كان إنسان موجوداً أو تغيّر إلى فرد آخر، فالإنسان موجود، فيكون المستصحَب هو الجامع العقلائي، وإن لم يكن موجوداً بحسب حكم العقل، فإن الإطاعة تكون بالجامع العقلائيّ الذي هو متعلّق الأمر.

ـــــــــــــ[214]ــــــــــ

() هذه من أحكام العقل العملي الذي يكون حاكماً ومقدّماً على العرف والفلاسفة، ومن غريب السيد الأستاذ أنه خصّ العقل العملي بالعرف والنظري بالفلاسفة، فهل يرى أن الفلاسفة ليس لهم عقل عملي؟! (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناءً عليه، فما أوجدته في الخارج واحداً بحسب نظر العرف، والأمور المقارنة(1) عبارة عن التكثّرات. هذا راجع إلى الأوامر الإلهية.

إذا تعلق أمر المكره بطبيعة متفاضلة الأفراد 

يقع الكلام الآن في أمر المكره، إذا أمر بإيجاد الطبيعة، وقد أوجدت عشرة أفراد، فهل الذي يقول: أن الإطاعة بالجامع، أو الذي يقول أنها إطاعات كثيرة، هل يقول هنا: أن كلّ واحد هو إطاعة للأمر، وأن كلّ الأفراد مكره عليها، أو حتى على فرض أن نقول هناك: أنها إطاعات كثيرة لكن لا نقول أنها جميعاً متعلّق للإكراه؟

فرق بين إطاعة الأمر والإكراه، فمثلاً إذا طلب منّي صديقي شيئاً، بحيث لا يتغيّر الحال إذا أطعته أو عصيته فهذا من قبيل الأمر، وأما الإكراه، فعند العصيان(2) يقع عليّ الضرر، فلو كان هناك ملزماً بالإتيان بالعشرة كلّها بحيث لو أتيت بتسعة لوقع عليّ الضرر، لقلنا بأنها جميعاً مكره عليها، لكن إذا كان الإكراه متعلّقاً بفرد ما(3)، فهو ليس ملزماً بتمام الأفراد، وليست جميعاً متعلّقاً للإكراه.

ـــــــــــــ[215]ــــــــــ

() هذه النتيجة غريبة جداً، إذ كيف يرى العرف عشرة أفراد فرداً واحداً؟! وإنما نصل إلى ذلك بالتجريد الفلسفي البعيد جداً عن العقل العرفي كما هو واضح. (المقرِّر).

(2) إذن فكلّ الأوامر الإلزامية في الشريعة من قبيل الإكراه؛ لأنه يقع عند عصيانها الضرر، فعلى السيد أن يبرز الفرق بين الموردين. (المقرِّر).

(3) بحيث لو أتيت بواحد لتحقّق غرضه وانصرف عنّي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وهنا يتكلّم عمّا إذا كانت كلّها تبطل للترجيح بلا مرجّح، أو يصحّ منها الفرد المعيّن، أو يصحّ الفرد غير المعيّن، وهذا الأخير هو الصحيح، ببيان يأتي، وحيث إنَّه يشبه بحث الواجب التخيري، فيما إذا قال لي: (بع أحدهما) فبعت كِليهما معاً، فإن طريق المسألتين واحد مع بعض الفرق، لذا فنحن نقدّم البحث على الواجب التخييري ثُمّ نتكلّم عمّا هو محلّ الكلام.

بقيت نواقص في البحث لا بُدّ من أن نتكلّم فيها:

أحد الجهات: إذا تعلّق أمر المكره بطبيعة لها أفراد متفاضلة في الشدّة والضعف ونحوها، فهل يقع كلّ فرد مكرهاً عليه كما لو أكرهه على شرب المسكر، وفرضنا أن الحرمة تختلف بين الخمر والفقاع، فكانت الخمر أشدّ حرمة، فهل يكون له إيجاد الطبيعة في ضمن أيّ الفردين، باعتبار أن الطبيعة مكره عليها وهي متحققة فيهما، فبالنسبة إلى أيّ مصداق تحقّق تكون موجودة ومكرهاً عليها، أو لا بُدّ من اختيار الفقاع، أو يُقال أنَّه لا إكراه على أيٍّ من الخصوصيات، والإكراه بالجامع ليس إكراهاً على الخصوصيات؟

كِلا المطلبين لا يمكن أن نقول به. 

أما أن يكون مكرهاً عليه بالنسبة إلى كِليهما، فهو لا يتمّ؛ لاستحالة سريان الإكراه لخصوصية الفردين. 

وأما عدم تعلّق الأمر بأيّ فرد فهو غير صحيح؛ لأن الأمر تعلّق في الطبيعة، وفي أيّ فرد تحقّقت يلحقها الإلزام، وما يقع على نحو الاختيار هو الخصوصيات؛ لأنها ليست متعلّقاً للإلزام. وأما الطبيعة فملزم بها سواء تحقّقت 

ـــــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في المصداق الأشدّ محذوراً أو في الأقلّ محذوراً.

فإذا شرب الخمر يكون مكرهاً لا مختاراً، وأما الخصوصيات فغير ملزم بها، فما يقال: من أنَّه مختار في الفردين، إذا كان المراد به الخصوصيات الزائدة عن الأمر فلا مضايقة فيه، أو قال المكره: (اِئت بحرام)، فالإكراه متعلّق بعنوان كونه حراماً، فهو بهذا العنوان يكون مكرهاً عليه.

ولكن هنا مسألة أخرى، وهي أنَّ باب رفع الإكراه وحديث الرفع، ليس بابه باب التخصيص لنستكشف منه عدم المناط، فإنّنا إذا كان تخصيصاً نفهم منه أن الإكراه على شيء لا مناط فيه؛ لأنه خارج بالتخصيص، ولكنّ باب حديث الرفع، لا يستكشف فيه ذلك، بل يكون المناط محفوظاً في موارده، ولكن منّة على العباد رفع حكمه مع وجود المناط فيه.

فرق بين أن يقول: (لا تشرب المسكر)، ثُمّ يقول: (لا مانع من الفقاع)، بنحو التخصيص، إذ نفهم أن المسكر الذي فيه مناط الحرمة هو المسكر غير الفقاع، فلو ارتكب الفقاع لم يرتكب محرماً ذا مناط. 

وأما في المقام فليست القضيّة قضيّة تخصيص، وإنما رفع الإكراه ونحوه منّة على العباد، مع وجود المناط والمبغوضية فيه.

فإذا بنينا على انحفاظ المناط في المقام، يحكم العقل بوجوب حكم أغراض المولى مع الإمكان، فهذا وهذا وإن كان يقع بالإكراه، ولكن إذا ارتكب هذا فمناطه بمقدار كذا وإذا ارتكب ذلك فهو أشدّ، فيحكم العقل بلزوم تطبيقه على هذا المصداق، واختيار هذا الفرد دون الآخر؛ لأن الآخر أكثر محذوراً، وذلك تحفّظاً على أغراض المولى، فإن للمولى غرضين:

ـــــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أحدهما: التوسعة في حال الإكراه، وهي تحصل بأيّ من الفردين.

وثانيهما: غرضه في الفرد الأشدّ، ومقتضى الجمع بين الغرضين هو ارتكاب الأخفّ.

ولكنّ هذا المطلب لا يأتي في الوضعيات، فلو أكرهه على بيع ملك من أملاكه، وكان بعض أملاكه أهمّ في نظره، فلو أوجده لا نقول إنه لا يقع مكرهاً عليه، لعدم وجود الغرض المولوي فيه، إلّا أن يكشف اختياره له أنه وقع عن رضائه فيخرج عن محلّ الكلام.

وكلام آخر، سبق أن قلته ولكن لم أكن في مقام بيانه، وهو أنَّه إذا أكره إنسان على طبيعة، وكان للطبيعة لازم يلحقها إينما توجد، وكان هذا اللازم ذا حكم، فهل تعلّق الإلزام بالطبيعة يكون إكراهاً على خصوصية اللازم؟ أو ما تعلّق به الأمر ويقع على صفة المكرهية، هو عبارة عن هذا العنوان ويستحيل أن يسري الأمر المتعلّق بطبيعةٍ إلى لازمها، فهذا اللازم وإن كان لازماً دائماً، لكن لا يوجد بإلزام الملزم، بل يوجد بالاضطرار.

وما يقال: إنه يكفي دليل الرفع لرفعه، وإلّا لزم اللغوية. 

فهذا الشخص لم يحسب حساب المطلب تماماً؛ لأننا عندنا: (رفع ما أكره عليه)، وليس عندنا: رفع هذا، فلو كان هناك لازم لعنوان (ما أكره عليه) دائماً، لقلنا بشموله له، ولَما احتاج اللازم إلى رفعٍ آخر، ولكن هذا غير متحقّق دائماً.

بناءً عليه حين يُلغى الحكم القانوني الكلّي يكون لازمه شيئاً دائمياً، لم يكن يعقل أن يشمل اللازم ويكون مأموراً به، ولكن لا معنى -بعد رفع البيع- أن 

ـــــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يتعلّق بلازمه رفع آخر؛ لأنه لازم سارٍ في جميع الموارد، وأما إذا كان عنوان الإكراه غير ملازم دائماً للازمه، بل قد يكون ذلك اتّفاقاً، فالرفع هنا لا يشمل إلّا ما أكره عليه ولا يشمل اللازم. نعم، يشمله رفع (ما اضطرّوا إليه).

فلو كان شيء ملازماً مع حرمةٍ في موضوع خاصّ، فهنا ينطبق (ما اضطرّوا إليه) و(ما أكرهوا عليه)، كلٌّ بخصوصيته وعنوانه، وكلٌّ منهما يعمل عمله، لا أنه في هذا المورد جعل خاصّ له مبادئ خاصة، حتى تقول: إن العنوانين متحدان، فلا يحتاج اللازم إلى دليل آخر، بل كلّ عامّين من وجه كذلك، لو كانا متلازمين دائماً لَما كان معقولاً أن يجعل على الآخر حكماً مضادّاً ولا مشابهاً؛ لاستحالة الانبعاث بعد الانبعاث إلّا لخصوصية زائدة كشدّة الحكم وتأكّده، أو زيادة العقاب، أما لو كانا يلتقيان في مورد صدفة، فلا يقال: إن الجعلين محال، بل جعلهما صحيح كلّ واحد منهما على عنوانه، وحين جعل كلّاً منها، لم يكن له نظرٌ إلى العنوان الآخر.

فلو تعلّق أمر بطبيعة وأمر بطبيعة أخرى، أو تعلّق بها حكم تحريمي أو وضعي، واجتمعا في الخارج، فلا بُدَّ من أن نحسب حساب كلٍّ منهما على حدة، وأما الموجود الخارجي فهو مطبق عناوين كثيرة، وحيث إنَّ كل عنوان هو ذو حكم، فهو بما أنَّه عالم يجب إكرامه وبما هو فقير يجب التصدّق عليه، ويستحيل أن يسري الحكم من عنوانه الخاصّ إلى عنوان آخر، فأكرمه بما أنَّه فقير وأتصدّق عليه بما أنَّه عالم.

فرفع (ما أكرهوا عليه)، لا يرفع إلّا هذا العنوان، ويستحيل أن يسري إلى ملازمه، مثلاً إذا أجبره على بيع أحد فردي حذائه؟! يكون ملزماً على بيع كِلا 

ـــــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الفردين؛ لأنه لا يجد مشترياً لفرد واحد، فهذا يكون من الاضطرار إلى بيع الثانية، فهذا نرفعه بدليل (ما اضطروا إليه)، وما قيل من أنَّ الاضطرار راجع إلى الأحكام التكليفية والإكراه راجع إلى الأحكام الوضعية، كما عليه الشيخ محمد حسين غير تامّ، بل إطلاق كلٍّ منهما محفوظ لكِلا الحكمين، غاية الأمر أن رفع الاضطرار للأحكام الوضعية يكون غالباً خلاف الامتنان، لكن لو كان مثل هذا فلا بأس من شموله له، فتقع المعاملة باطلة.

إذا أوجد المكره عدة أفراد 

كان كلامنا فيما إذا تعلّق الإكراه بالبيع، بنحو يكفي فيه فرد واحد، فأوجد عدّة أفراد، فهل جميعها باطلة أو جميعها صحيحة أو واحد غير معيّن باطل والباقي صحيح أو واحد معين منها كذلك؟ وحيث إنَّ الدليل مشترك مع الواجب التخييري، فنتعرّض له، ثُمّ نعرّج على ما هو محلّ الكلام، فإن هنا أمراً واحداً صادراً أما من المولى الحقيقي، أو من المكره.

في باب الواجب التخييري، يصل إلى النظر أنه قد ضاع محلّ الكلام، فإن ما هو محلّ البحث لم ينظر نظراً حسابياً، فيُقال مثلاً: إن الجامع هو المأمور به والذي تعلّق به الغرض، كما قال المرحوم النائيني(1)، وفي بعض الموارد قال: هو سنخ(2) واجب في مقابل الواجب التعييني، ولم يقل ما هو؟ ونحن نريد أن ننظر محطّ البحث لنرى ما هو؟

ـــــــــــــ[220]ــــــــــ

(1) راجع: فوائد الأُصول 1: 234-235، المقصد الأوّل، الأمر السادس.

(2) راجع: كفاية الأُصول: 140-143، فصل: الوجوب التخييري.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فنقول: مرّةً يتعلّق الأمر بعنوان أحدهما، نحو (أكرم أحدهما)، فما هو متعلّق الأمر لا ربط له بالواجب التخييري، والأمر متعلّق بالكلّي، فإنه في الكلّيات مرّةً نلاحظ الطبيعة في موضوع الحكم، وأخرى يرد في الطبيعة قيد، لكن لا يسقط الكلّي عن الكلّية، بل يحد القيد من دائرة انطباقه. 

فمثلاً: (العالم) كلّي قابل للصدق على كثيرين، (والعالم العادل) بهذا القيد أيضاً قابل للانطباق على كثيرين، إلّا أنَّ موارد صدقه أقلّ، وفي صاعٍ من صبرة الذي هو مشوش في كلمات القوم جداً، كلّي بلا إشكال، والتعبير عنه بالفرد المردّد تارةً وبالكلّي الخارجي أخرى، شيء متحيّر منطبق على القواعد، فإنه كلّي ولم يخرج عن الكلّية، ولكنّ صدقه أصبح محدوداً، فلو قيل: (واحد من هذا الجمع)، فهو كلّي قابل للصدق عليهم وغير قابل للصدق على غيرهم، وكذلك الحال في قولنا: (واحد من هذه الثلاثة) أو: (واحد منهما) أو: (أحدهما)، فإنه عنوان كلّي قابل للصدق على هذا وعلى هذا، وهو مفهوم والعنوان مبين ومعيّن، وهو قابل للصدق على هذا وعلى هذا.

بل لو قيّد الكلّي بنحو لا ينطبق إلّا على فرد واحد، لم يخرج عن كونه كلّياً، كواجب الوجود بالذات، فإنه وإن لم يكن له مصداق إلّا الذات المقدّسة الإلهية، إلّا أنه لا يسقط عن الكلّية، فلذا لا يكفي الإيمان بوجود واجب الوجود بالذات، بل لا بُدّ أن يكون لك علم بالتوحيد، وتقيم البرهان على أنَّ هذا العنوان موجود في الخارج بوجود واحد، ولا يعقل أن يكون متكثّراً.

فإرجاع الواجب التخييري إلى تعلّقه بعنوان (أحدهما)، معناه أننا لم نفهم 

ـــــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الواجب التخييري، فنحن يجب أن نتصوّر هذا الأمر، لا أن نقول إن الواجب التخييري ليس واجباً تخييرياً، وإن الأمر تعلّق بالجامع، كما يقول الآخوند(1).

وما يقوله الآخوند من أنَّ الغرض الذي يحصل بهذا الفرد وبهذا، لا بُدّ وأن يكون تعلّق بالجامع، وبه يحصل الغرض وهو متعلّق الأمر، هذا أيضاً تضييع لمحلّ الكلام، فإنّنا حتى لو فرض أننا سلّمنا -ولا نسلّم- أن محصّل الغرض الواحد لا بُدّ وأن يكون واحداً، لكنّ مسألة الواجب التخييري هي مسألة البحث لا مسألة البعث، فإن كلامنا في أنَّه ورد في الشريعة الإسلامية أنه إذا أفطر شخص عمداً في نهار شهر رمضان يجب عليه أحد أمور، إمّا عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً أو صوم شهرين متتابعين، فهذه الأمور الثلاثة هي طرف الأمر، والتقسيم(2) حاصل في المقام الذي ينتزع منه الوجوب، وهو مقام البحث.

فمرّة يتعلّق الأمر بهذا، ومرّةً يتعلّق بالكلّي يعني عنوان أحدهما، ومرّةً يتعلّق الأمر بهذا أو هذا، فإذا تعلّق الأمر بالنحو الأول يُقال له تعييني وإذا تعلّق بالنحو الأخير يُقال إنَّه تخييري، سواء كان الغرض متعلّقاً بالجامع أو لم يكن، فإن هذا لا ربط له بمقام البعث، وكلامنا ليس عن الغرض بل عن الإيجاب، وإن استطعت أن تتخلّص من الإشكال في مسألة الغرض، فكيف تتخلص من الإشكال العقلي في مرحلة البعث؟!

الواجب التخييري في الشرع نظير الجزائيات العقلائية إذ يعاقبون بشهر 

ـــــــــــــ[222]ــــــــــ

() أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) يعني تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري. (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

حبساً أو مائة دينار غرامة، ليس أن الغرض وحداني تعلّق بالجامع، بل العقلاء يريدون أن يأدِّبوه و(يفركون أذنه)(1)، فيرون هذا تأديباً وهذا تأديباً، فأيّ ربط لذلك بقاعدة أن الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، وتطبيقها في الأمور والمركّبات الاعتبارية، فإن هذا انحراف في البحث.

الشارع أيضاً جعله كالعقلاء، فالشخص الذي أفطر في نهار رمضان، عيّن له الشارع جزاء، هو إما هذا وإما هذا وإما هذا، والذي قتل نفساً زكية بغير نفس، عليه الجزاء أحد أمور ستة، فلماذا نأتي فنقول: إن الأمر لا بُدّ أن يتعلّق بالعنوان الجامع الذاتي؟ وحيث إنَّه غير موجود، فهو متعلّق بالجامع الانتزاعي العرضي، وهو عنوان أحدهما، مع أنه غير موجود في العبارة، فمن أين أتينا به.

قد يقال: إن سنخ الإرادة في الواجب التخييري، غير الإرادات الأخرى، بل هي إرادة أزلية، في قبال تعلقها بالواجب التعييني(2)، فتكون المسألة قد حُلّت، مع أن هذا لا يحلّ المسألة، أو يقال: إنه ينحلّ الواجب التخييري إلى عدّة واجبات مشروطة، أحدهما مقيّد بعدم الآخر، أوجد هذا إن لم توجد ذاك(3). هذا عجيب جداً!!

لأننا نقول: إذا كان الواجب التخييري مؤقّتاً، كما لو قال: (أكرم زيداً أو عمراً من الآن إلى الغروب)، فلو كان معناه: إذا لم تعمل هذا فاعمل ذاك، وكان 

ـــــــــــــ[223]ــــــــــ

() كوش مالى مبدهن. (المقرِّر).

(2) راجع: فوائد الأُصول 3: 418، المقام الثالث، المبحث الأوّل، التنبيه الثاني.

(3) راجع: فوائد الأُصول 1: 232-233، المقصد الأوّل، الأمر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وجوب أحدهما مشروطاً بترك للآخر، فما المقصود من الترك، هل هو عدم الإتيان في زمان العصيان وبعد عدم إمكان الإتيان؟ فإن عدم الإتيان إنّما يصدق عند خروج الوقت وعدم إمكان التدارك، وإلا لو كان قابلاً للإتيان به في الوقت، فإنه يأتي به، فإذا كان المقصود عدم الإتيان في تمام الزمان، إذن كيف يصبح الآخر بعد خروج وقته واجباً؟!

وهذه النكتة هي النكتة الرئيسية في بطلان الترتيب؛ لأن وقت الأهمّ والمهمّ واحد، وأنت تريد أن تجعل أحدهما مقيّد بعدم الأهمّ، ووقت المهمّ يفوت عند ترك الأهمّ، ولا يصدق ترك الأهمّ إلّا عند خروج وقته، وعندئذ يمتنع الإتيان بالمهمّ أيضاً، وإلا ورد إشكال الجمع بين الضدّين.

وإذا قلت: إنَّ وجوب هذا مشروط بقصد ترك هذا، فإن قصد تركهما معاً، فهل يجب عليه كِليهما تعييناً؟ ويكون -مع ذلك- وجوباً تخييرياً، أو إذا أتى بكِليهما، إذن فلا بُدَّ أن لا يحصل الواجب، لعدم توفّر الشرط في كِليهما.

فهذا المطلب غير تامّ.

كلام الآخوند ومناقشته في حقيقة الواجب التخييري 

المرحوم الآخوند يقول: إن عنوان أحدهما لا يعتبر من الأمور القابلة تعلّق الغرض بها، وإن كان يمكن تعلّق الحكم بها؛ لأنه من الأمور الحقيقية ذات الإضافة، وهي تتعلّق بالخارج المحمول والأمر الاعتباري، وإنما لا يتعلّق به الغرض، لأنه لا يمكن تعلّق البعث نحوه وتعلّق الداعي به.

إلا أنَّ هذا الكلام لم نفهمه، وأن العلم هل يتعلّق بأحد الفردين المردّدين؟ 

ـــــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وتخيّل أن العلم الإجمالي حيث أضيف الإجمال إلى العلم(1)، أن العلم اصبح مردّداً، هذا محال، فإن المردّد لا وجود له لا في الذهن ولا في الخارج، بل العلم يتعلّق بالمفهوم، وهو مفصّل بالحمل الشايع ومجمل بالحمل الأولي. ويستحيل أن يتعلّق العلم بالمردّد. 

وكذلك يستحيل أن يتعلّق به الحكم الاعتباري، فإن الفرد المردّد لا وجود له لا في الذهن ولا في الخارج، وإنما يتعلّق العلم والحكم بالعنوان، وهو معيّن بالحمل الشايع وموجود في الذهن.

فما تتعلّق به الصفة الحقيقية، وهو العنوان الكلّي، تتعلّق به الإرادة والداعي، فليس إن العلم يتعلّق بالفرد المردّد ولكنّ الداعي لا يتعلّق به، وما لا يعقل أن يتعلّق به الغرض يستحيل أن يتعلّق به العلم، فإن الفرد المردّد يستحيل أن يوجد في الخارج كالمعدوم والمجهول المطلق، فهذا الكلام غير تامّ.

البرهان الذي يمكن أن يقال لإبطال الواجب التخييري فإذا تمّ، يجب رفع اليد عن ظاهر الكتاب والسنة إذا كان دالّاً عليه، فلا بُدَّ أن نتعرّض له.

[دعوى قيام البرهان على بطلان الوجوب]

والبرهان هو: أن كلّ ما هو موجود في الذهن أو في الخارج، لا يمكن أن يكون على نحو الترديد، فإن الوجود مساوق مع الوحدة والتعيّن والتشخّص، يعني مع الواقعية الواحدة، إذن فما هو مردد(2) لا واقعية له. وما هو موجود في 

ـــــــــــــ[225]ــــــــــ

() مع أنه وصف للمعلوم. (المقرِّر).

(2) هذا أو هذا. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الخارج هو هذا وحدة وهذا وحدة، وليس عندنا هذا أو هذا موجوداً على حدةٍ لا في الخارج ولا في الذهن.

والعلم لا يُعقَّل تعلّقه إلّا بالمعيّن؛ لأنه صفة حقيقية ذات إضافة، ويستحيل إضافته إلى الأمر المعدوم وغير المحصّل، بل لا بُدَّ أن يكون متعلّقه معيّناً لا بما لا يمكن أن يكون معيّناً، وبما أن المردّد كذلك، فلا يمكن أن يضاف إليه العلم.

وبما أن البعث لا بُدَّ وأن يكون هناك مبعوث نحوه موجوداً، فما يكون محقّقاً في الخارج ولا في الذهن لا يُعقَّل البعث نحوه، بل يجب أن يكون موجوداً ولو في الذهن، للبعث نحوه، والمردّد بما هو مردّد غير موجود لا في الذهن ولا في الخارج، حتى تتعلّق به الإرادة والبعث. ولا يمكن أن يتعلّق به الحبّ والبغض والتصوّر والتصديق والإرادة والبعث، فإن هذه كلّها لها نحو وجود، وبعضها صفات حقيقية ذات إضافة، كالعلم والإرادة، ولا يعقل أن يكون طرفها معدوم بما هو معدوم، وهو الفرد المردّد الواقعي؛ لأنه لا واقعية له.

إذن فالواجب التخييري محال، فلا بُدَّ من الالتزام بأن المأمور به هو الجامع ونحوه(1).

[حول حقيقة الوجوب التخييري]

نحن لا بُدَّ أن نحسب حساب الواجب التخييري، إذا قلنا: (أعطني إما هذا وإما هذا)، فأين هو الإبهام والترديد؟

ـــــــــــــ[226]ــــــــــ

(1) راجع ما أفاده المحقّق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية 2: 69-70.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فإننا لا بُدَّ أن نحسب الدوالّ والمدلولات، لنرى أن الترديد أين هو؟

عندنا هيئة ومادّة وموضوع في هذا الطرف، وكذلك في ذلك الطرف، في مثل قولنا: (أكرم هذا أو أكرم هذا). ونفهم معنى آخر من (أو)، هو أنه ليس لا بُدَّ من الإتيان بأيٍّ منهما، بل لا بأس من الإتيان بهذا وحده أو بذاك وحده، إذن فليس لا بُدَّ أن يتعلّق الأمر بالجامع.

ثم إن الإرادة متعلّقة بالحكم التشريعي، يعني بالبعث وقد تصوّر زيداً وإكرامه، وصدّق بفائدته لكن يرى أنه كما أن هذا موجب لتحقّق الجزاء(1) كذلك الآخر، وهو لا يريد أن يجتمع عليه الجزاء بل يكفي له جزاء واحد، فتصوّر صوم الشهرين وصدّق أنه ينبغي أن يكون جزاءً، وكذلك تصوّر العتق وصدّق به، ثُمّ بعث نحو ما تصوّره، وتكون النتيجة كأنه يقول: (لا أريد أن يوجد الجميع بل أحدهما)، لكن إرادته متعلّقة بكلّ واحد على حدة، والبعث لكل واحد على حدة، وكلٍّ منهما مفصّل ومُبيَّن، ونفهم التخيير من كلمة (أو).

ومتعلّق الإرادة ليس هو الوجود الخارجي، بل هو التشريع والبعث، والبعث موجود نحو هذا ونحو ذاك، لا أنه بعث تخييري أو بعث نحو هذا أو هذا، بل البعث تعلّق بكلٍّ منهما على حدة، ونفهم التخيير من أوّل.

لا إشكال في أنَّ الواجبات بصورة الواجبات التخييرية واردة في العرف وفي الشرع، وأن الكفارات بحسب النصوص كذلك، ولكن الكلام في أنَّنا هل يمكن أن نأخذ بهذه الظواهر، أو نتركها ونقول بأمر آخر، كتعلّق الوجوب 

ـــــــــــــ[227]ــــــــــ

() في مثال (اعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالجامع الانتزاعي؟ ورفع اليد عن الظواهر إنما يكون عند قيام البرهان العقلي على عدم إمكان الوجوب التخييري.

قلنا(1): إننا يجب أن نرى أن هذا الإبهام أين هو واقع؟ قلنا: إن محطّ تقسيم الوجوب والواجب هو البعث الذي يصدر من المولى، وينتزع منه عنوان الوجوب، أو يكون دالّاً على الوجوب، أو يكون حجّة -على المسالك في تفسيره- كونه يبعث نحو أي شيء يكون منشأ للتقسيمات، فإنه مرةً يبعث نحو شيء معيّن، فيكون واجباً تعيينياً، ومرةً يبعث على نحو التخيير، فيكون واجباً تخييرياً، وأما المصالح والمفاسد، وما يتعلّق به الغرض فهو خارج عن محطّ البحث، فأين هو الإبهام في الواجب التخييري؟

لا إشكال أن الأمر إذا تعلّق بأيّ متعلّق وموضوع، لا يعقل أن نقول أنه يسري إلى متعلّق آخر ويتعلق به، فهيئة (أكرم) لا تدلّ على معناها وهو البعث والمادة لا تدلّ إلّا على معناها وهو الطبيعة، ويستحيل أن تدلّ هذه الهيئة إلّا على البعث نحو هذه المادة، ويستحيل أن تسري إلى أي شيء سواه.

فقوله: (اعتق رقبة)، أو (صم شهرين متتابعين)، فأي شيء فيها يدل على المردد وغير المعين، فإن اعتق فيها هيئة ومادة ورقبة، وليس فيها شيء مردّد، ويستحيل أن يكون فيها ذلك، بل كلّ مدلولاتها معيّنة، وكذلك الحال في (صُمْ)، و (أو) لا تزيد على الدلالة على نفسها أيضاً، فهل هنا شيء أكثر من هذا.

ـــــــــــــ[228]ــــــــــ

( (وهنا لخص البرهان كما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وكلٌّ من هذه الأمور لها مبادئ تصوّرية وتصديقية، فإن المولى يريد أن يؤدِّب عبده، إما بعقاب مالي أو عقاب نفسي، والأوّل هو العتق والثاني هو الصوم شهرين، فمرةً يرى أن عقابه لا يتمّ إلّا بإلزامه بكِلا العقابين، ككفارة الجمع التي قيلت، وقد يرى المولى أن عقابه ليس بهذه الشدّة، ولا يمكن أن يبقى دون عقاب، فينبغي أن يعاقب إما بالعتق وإما بالصوم، فكلٌّ منهما له مبادئ تصوّرية وتصديقية، فيتصوّر الرقبة وعتقها ويصدق بالفائدة، وحينما يقول: (اعتق رقبة)، فإنها توجد على هذه المادّة، وكذلك الحال في إيجاب الصوم، فإنه أيضاً مبادئه معيّنة.

وهو يريد أن يقول هذا المعنى: وهو أني لا أريد الجمع بين الأمرين، وإنما أنت مخيّر بينهما، لك أن تأتي بهذا ولك أن تأتي بالآخر، فإن هذا المعنى تارةً يقوله بالجملة الاسمّية، كقوله: (أنت مخيّر بين العتق والصوم)، ومرةً يفيد نفس هذا المعنى بحرف (أو)، فيجعله بين جملتين، هما بتمام مبادئهما ومدلولاتهما معيّنين، فنفهم من أوّلاً معنى جديداً، وهو أن الجمع غير مطلوب، بل إذا أتيت بهذا يكفي وإذا أتيت بهذا يكفي، إذن فلا يلزم أن يكون المعدوم موجوداً ولا أن يكون البعث بالفرد المردّد، أو أن يكون طرف الإضافة معدوماً(1).

ـــــــــــــ[229]ــــــــــ

( (وهنا قال أحد الإخوان: إن الأمر بالعتق -مثلاً- بخصوصه هل هو مطلق أو مقيد؟

فأجاب: إذا أردت من المطلق أنه معيّن فنعم، وإن أردت معنى آخر من الإطلاق، فهو أمر مطلق إلّا أنَّه تخييري. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [دعوى تعلق الإرادة ودفعها]

أما ما تتعلّق به الإرادة الواقعية، والأغراض الواقعية، فأنت تقول لا بُدَّ أن تتعلّق بالجامع، ونحن نقول: عندنا نقض وحلّ.

أما النقض: فإن الواجب التخييري وإن عدّوه في باب الأوامر، إلّا أنَّه يمكن أن نتصوّر فيه تكليفاً تخييرياً مردّداً بين الوجوب والتحريم، نحو: (إما أن لا تشرب الماء أو أكرم زيداً)، فهل ترجع ذلك إلى الجامع، هل هناك جامع بين الوجود والعدم، وبين الأمر والنهي؟ وإن كان الجامع هو عنوان (أحدهما)، فهل هو مأمور به أو منهي عنه، أو مأمور به ومنهي عنه؟

كل ذلك لا يمكن، أو لا مأمور به ولا منهي عنه، على ما هو الواقع؛ لأنه لم يقع بعنوانه متعلّقاً لا للأمر ولا للنهي، فأيّ جامع يمكن أن يكون موجوداً هنا؟

محلّ التقسيم هو البعث(1)، وقد تعلّق بهذا بعث وتعلّق بذاك بعث، والتخيير نفهمه من (أو)، وليس البعث بهذا أو هذا، فإن هذا محالّ.

أما في إرادة المولى، فهي إرادة البعث والتشريع فإنه يرى صلاحاً للمجتمع أن يؤدّب هذا، ويرى أن جمع العقوبتين عليه زائد وعدم عقابه غير صحيح، ويرى أنه إذا أعتق عبداً حصل عقابه، وإذا صام شهرين حصل عقابه، فإذا علم أنهما تأديب أمر بهما.

ثم إن تعلّق المصلحة بالمأمور به من الأغلاط(2)، وإنما تتعلّق المصلحة 

ـــــــــــــ[230]ــــــــــ

( (وهنا قال جواباً على سؤال فيما قال: (المقرِّر).

 (2) وهنا قال جواباً على سؤال فيما قال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالنظام العام، وهو لا يقع مأموراً به، وقد توهّموا أن المصالح والمفاسد متعلّقة بالأوامر والنواهي، وهو صحيح في الجملة، إلّا أنَّ النظام لا يتحقّق بهذا الأمر بالخصوص.

فليس أن الأمر تعلّق بالفرد المردّد، بل هو في هذا تعيين أو في ذلك تعيين، ونفهم التخيير من (أو)، والتعيين في الواجب التعييني، ليس من الدلالة اللفظية، بل هو حكم عقلي يلحق المأمور به إذا كان مستقلّاً لا عِدل له، والتخيير أيضاً ليس من الدلالات اللفظية، وإنما يلحق الشيء إذا لم يكن مستقلّاً في الوجوب أو في الواجب، وأن للواجب عِدلاً آخر، ولذا لا يلزم أن يأتي بأحدهما تعييناً. فالقضيّة قضيّة مفصّلة ومعيّنة وليس فيها إبهام ولا ترديد في أيّ مكان. 

والأمر في الواجب التخييري هو بعينه الأمر في الواجب التعييني، فإن الأمر والبعث لا يختلف في تمام أقسام الواجب، غاية الأمر عندنا في التخييري دالّ آخر هو حرف (أو)، نظير العالم العادل، فإنه ليس أننا نفهم العادل من العالم، أو أن لفظ العالم استعمل للدلالة على هذا المعنى المقيّد، بل كلٌّ منهما يدلّ على معناه المعين، وعند الجمع بينهما وتقييد أحدهما بالآخر، نفهم مطلباً جديداً وهو أن موضوع الحكم هو العالم العادل.

وكذلك في المقام، لا ترديد لا في المادّة ولا في المتعلّق، وكذلك (أو) في المقام لا تدلّ إلّا على معناها، ومنها استفدنا المقصود وهو إمكان الاكتفاء بهذا أو بهذا في مقام الامتثال.

ـــــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذا أكره المكرَه على أحدهما 

إذا أكره المكره على (أحدهما)، فمرةً يكون الإكراه على عنوان أحدهما، فهذا إكراه على الكلّي، والكلام فيه هو الكلام في الإكراه على الطبيعة، فإذا أوجد كِليهما معاً، فهو ليس له إكراه على هذا بخصوصه ولا هذا، وما أكره عليه لم يعمله، وإذا باع أحدهما أوّلاً وقع على وجه الإكراه، والثاني على وجه الاختيار.

وأما إذا أكرههما بنحو الواجب التخييري، هذا أو هذا، فأوجدهما معاً فهل وقع كلاهما باطلاً، أو يقال إنَّ كِليهما وقع صحيحاً؟ 

لا يمكن لمكان الإكراه على أحدهما، كما لا يمكن أن يقال: إن أحدهما المعيّن باطل والآخر المعيّن صحيح، فإنه ترجيح بلا مرجّح، ولا أحدهما المبهم، فإنه ممتنع، ولا بالقرعة، فإنه ليس محلّ القرعة، فإنه مبهم مطلق ولا تعيّن له في الواقع أصلاً، فلا يمكن تعيينه بالقرعة.

أو نقول: وقع كِلاهما صحيحاً، كما يقول الشيخ(1)؛ لأن ما أُكره عليه لم يقع، وما وقع لم يكره عليه، أو بتعبير السيد(2) الذي فصّل القول فيه.

[تفصيل السيد اليزدي ودفع الإشكال]

وحاصل ما قاله: أنه إذا أكرهه على أحدهما، يقع أحدهما على الإكراه 

ـــــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 324، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار، الفرع الأوّل: الإكراه على بيع عبدٍ من عبدين.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 125، كتاب البيع، في شروط المتعاقدين، ومن شروط المتعاقدين الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

والآخر بالاختيار، فكلّ واحد ينطبق عليه أنه مكره عليه، وأنه مرضيّ به، ونحن لا نريد في صحّة المعاملة أزيد من طيب النفس وهو متوفّر فتقع صحيحة.

وبعبارة أخرى: أن الإكراه ليس اقتضائياً للفساد، بل لا اقتضاء للصحّة والرضى اقتضاء لها، واللاقتضاء لا يعارض الاقتضاء.

أو نقول: أحدهما باطل والآخر صحيح، إذن فلا بُدَّ أن نتخلّص من الإشكال العقلي.

هذا الإشكال وارد في كثير من الموارد، بعضها مورد نصّ وفتوى وبعضها مورد الفتوى، منها ما لو أسلم المجوسي، عن سبع نساء وأسلمت نساؤه معه، فيقال: إنه له أن يختار أربعاً منهنّ، ويخرج ثلاثاً(1)

وكذلك في باب الجمع بين الأختين في عقد واحد، وفي الرواية: أنه يختار إحداهن ويُطلق الأخرى(2).

ـــــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) راجع الكافي10: 865، كتاب النكاح، الباب 86، الحديث 9865، تهذيب الأحكام 7: 295، كتاب النكاح، الباب 25، الحديث 1238، ووسائل الشيعة 20: 524، الباب 6 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث 1.

(2) راجع الكافي 10: 850، كتاب النكاح، الباب 84، الحديث 9813، مَن لا يحضره الفقيه 3: 419، كتاب النكاح، باب ما أحلّ الله عزّ وجلّ من النكاح، الحديث 4460، تهذيب الأحكام 7: 285، كتاب النكاح، باب 25، الحديث 39، ووسائل الشيعة 20: 478، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث2.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وكذلك إذا تزوج خمس نساء في عقد واحد(1)، فإنه يقال إنَّه يُطلق إحداهن ويختار أربعاً، وبعض هذه الموارد -كالأوّل- مورد فتوى الأصحاب، وكلّها فتوى الشيخ الطوسي(2) ومن تابعه(3).

ومحصل الإشكال العقلي أنه يقال: إنه قبل أن يختار أيّاً منهنّ، فأيٌّ منهنّ زوجته وأيٌّ منها خارجة عنه، ليس الخارج منهنّ معيّناً؛ لاستحالة الترجيح(4)، فلا بُدَّ أن يكون الخارج غير معيّن، وهذا كيف يكون ممكناً مع كونه بحسب الواقع مبهماً، والمبهم معدوم؟ فكيف تتحقّق الزوجية بين الرجل والمعدوم 

ـــــــــــــ[234]ــــــــــ

() راجع الكافي10: 848، كتاب النكاح، الباب 83، الحديث 5، مَن لا يحضره الفقيه 3: 419، كتاب النكاح، باب ما أحلّ الله عزّ وجلّ من النكاح…، الحديث 4460، وتهذيب الأحكام 7: 295، كتاب النكاح، الباب 25، الحديث 73، ووسائل الشيعة 20: 478، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.

(2) أُنظر: المبسوط 4: 229، كتاب النكاح، فصل في تزويج المشركين… . 

(3) أُنظر: المهذّب 2: 255، كتاب النكاح، باب نكاح المشركين، الجامع للشرائع: 433، كتاب النكاح، باب ما لا يحلّ العقد عليها، شرائع الإسلام 2: 241، كتاب النكاح، القسم الأوّل: في النكاح الدائم، الفصل الرابع، السبب السادس: الكفر، المقصد الثالث: مسائل مرتّبة على اختلاف الدين، الثانية، تحرير الأحكام 3: 491، كتاب النكاح، المقصد الثالث: في نكاح المشركات، الفصل الثالث: في الاختيار وكيفيّته، البحث الأوّل، وجامع المقاصد 12: 423، كتاب النكاح، الباب الثالث في المحرّمات، المقصد الثاني، الفصل الثالث: في الكفر، المطلب الثالث: في الزيادة على العدد الشرعي وغيرها.

(4) راجع ما أفاده الشيخ الأنصاري في النكاح، كتاب النكاح: 412، المقصد الثالث: في المحرّمات، المطلب الثاني، الباب الثالث، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الذي ليس بشيء؟ وكذلك الحال في باب طلاق واحدة من أربع زوجات، فإن المطلّقة غير معلومة معيّناً، وإنما هي غير معيّنة، فلا بُدَّ من دفع الإشكال العقلي بوجه من الوجوه.

في بعض الموارد يمكن أن نتخلّص من الإشكال العقلي، لا بُدَّ أن نتكلّم أوّلاً، أنه كما في بيع صاع من صبرة يحكم بكونه بيعاً صحيحاً، وليس بمبهم، بل هو كلّي قابل للصدق على كثيرين، غاية الأمر أنه ضيّق الدائرة، فأيّ مانع من النكاح كذلك؟ (زوّجتك إحداهن)، ثُمّ تعيّن إحداهن باختيار الطرفين، أو باختيار الزوج، فكما يملك الكلّي في البيع كذلك يتزوّج الكلّي، فيتعيّن هنا كما يتعيّن هناك.

إذا سلّمنا بذلك، ففي مورد يتزوّج خمساً دفعة واحدة، يكون الباطل بنظر الشارع واحدة من خمسٍ، ويكون الصحيح خمساً باستثناء واحدة، وكِلا هذين العنوانين كلّي مبيّن وليس مبهماً، غاية الأمر أن الشارع أعطى الخيار للزوج في الاختيار، وهناك، أعطى حقّ الاختيار للبائع، فليس أن الشارع تعبّدنا بأمر محال عقلاً، أو يقال: إن النكاح كلّه يقع باطلاً، ثُمّ يقع النكاح مجدّداً بلفظ اخترت، وتكون هذه الصورة استثناءً من أدلّة النكاح.

وكذلك الحال(1) في بيع الصاع(2) من الصبرة، فإن المشتري ليس مالكاً لصاع 

ـــــــــــــ[235]ــــــــــ

() إشارة إلى الرأي السابق ما قبل الأخير. توضيح. (المقرِّر)

(2) أُنظر: كتاب المكاسب (الأنصاري) 4: 257-266، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء، مسألة لو باع صاعاً من صبرة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بعينه ولا لصاع لا بعينه، بل مالك لعنوان كلّي، وكذلك البائع مالك -بعد البيع- لجميعه إلّا واحداً، فإنه كان مالكاً له كلّه، فإذا باع صاعاً لا بعينه فماذا يكون مالكاً؟ هل هو مالك لتمام هذا الخارج، والكلّي لا بعينه لذلك؟ والكلّي قابل للصدق على الخارج لا صادق بالفعل. 

وتعبيرهم: (كلّي خارجي) خطأ، فإن معناه كلّي جزئي؟ لأن الخارج هو ظرف الجزئيات وقد كان مالكاً للجميع، والآن أصبح مالكاً لأصُوع لا بعينها موجودة في الخارج!! 

ليس كذلك، بل لا بُدَّ أن نقول: إنه الآن مالك تمام هذا العشرة أحمال من الحنطة، والمشتري يملك في ذمّته، كلّياً في معيّن، بمعنى أنه كلّي لا يمكن تطبيقه إلّا على هذا.

ففي المسائل التي أفتوا فيها في الفقه، من قبيل العقد على خمسٍ، التي ورد النص فيها أنه يختار أربعاً ويخرج واحدة، فهذا العقد كلّ جهاته صحيحة، إلّا أنَّ الجمع بين الخمس باطل في الشرع، ولا يمكن أن نلتزم بصحّتها ابتداءً آناً ما وببطلانها استمراراً، لمخالفته لهذا الحكم الشرعي، ونحن نريد أن نبحث المسألة مع المحافظة على الأصول الشرعية، وإلّا لصحّحنا العقود الخمسة، فلا بُدَّ من حلّ، فنقول: إن الخمسة أصبحت عناوين كلّية، وإن كانت منطبقة على هذه الخمس بالخصوص، فإنه لو قال: (أنت وأنت وأنت…) فإنه يقع الأوّل فالأوّل ويبطل الأخير، أما لو قال: كلّ الخمس، واستثنى الشارع منها واحدة، يصبح عنوان الصحيح خمسة إلّا واحد، وهو كلّي ينطبق على أيّ أربعٍ منهنّ، والواحد الباطل أيضاً كلّي ينطبق على أيّ واحد، هذا إذا أردنا أن نطبّق النصّ 

ـــــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

على القاعدة، وإلّا لقلنا ببطلان الجميع لاستحالة الترجيح بلا مرجّح.

وكذلك في من أسلم عل أزيد من أربع، والمفروض شرعاً عدم إمكان الجمع بينها، ولا يمكن أن يقال ببطلان الجميع فإنه -على ما يقول العلامّة- المقتضي موجود والمانع مفقود، فكأنّه يريد أن يقول ما قلناه من أنَّ ما هو داخل في زوجيته وما هو خارج عنها، ليس هو الخارج، بل هو عنوان كلّي، وقد أصبح كلّياً بعد الاستثناء، كما لو كنت مالكاً لكلّ هذا، وأنت بسبب ما أصبحت مالكاً لواحد منها، فمالكيتي حينئذ تصبح كلّية وخارجية، فالاستثناء إذا كان كلّياً لا مندوحة إلّا أن نقول: إن المستثنى منه يصبح كلّياً، فلو قال: (كلّ رجل إلّا واحداً)، كان كلّياً؛ لأن (كلّ رجل) وإن كان معيّناً، إلّا أنَّه بعد استثناء المبهم يصبح المستثنى منه مبهماً كلّياً أيضاً.

لو ألزمه بأحدهما فأتى بكليهما 

وفيما نتكلّم فيه على عجالة، وهو ما لو ألزمه بواحد، فجاء بعدّة أفراد، فهنا يمكن أن يقال: إنها كلّها صحيحة تأهّلية، نظير الفضولي، فكما كنّا نقول هناك بأنه باطل صحيح: باطل؛ لأنه لم يحصل النقل والانتقال، وصحيح؛ لأنه قابل لتعقّب الإجازة، هنا أيضاً نقول ذلك، فإنه لا يمكن أن يكون كلّها صحيحة لمكان الإكراه بواحد منها، وكونه إكراهاً على عنوان كلّي لا يجعله عدم إكراه.

[نقض كلام اليزدي]

وما يقوله السيد من انطباق كِلا العنوانين عليه مستحيل، فإنه يستحيل أن يصدق عليه الإلزام وعدم الإلزام في موضوع واحد، وقد قلنا إن طيب النفس 

ـــــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

غير معتبر، والرضا أيضاً غير موجود لوجود الإكراه المنافي له، ولا يمكن أن يكون في هذا البيع وفي ذاك البيع مكره وغير مكره.

الكلّي قابل للصدق، لا صادق، وإذا صدق أحدهما لا يمكن أن يصدق الآخر؛ لكونهما كلّيين متنافيين، وليس أن الكلّي صادق على هذا وهذا ليقال إنَّ كُلّاً منهما مكره عليه وغير مكره عليه.

بل يقال: إنَّ أحدهما ملزم عليه والآخر غير ملزم عليه، غاية الأمر لا يمكن أن أميز أحدهما عن الآخر، ولا يمكن أن أقول: إن أحدهما المبهم صحيح، ولا هذا بخصوصه صحيح؛ لامتناعه.

فنقول: كِلاهما صحيح اقتضائياً، فلو أجاز بعد ذلك يصحّ البيع، فمن يقول ببطلانهما معاً، هل يقول مع الإجازة بالبطلان أيضاً؟ ويكون شأنهما شأن العقد الفضولي، فإن كِليهما يحتاج إلى متمّم، وهو في العقد الفضولي الإجازة، وفي عقد المكره إما الإجازة وإما القرعة. فبحسب القواعد يجب أن تكون كلّها صحيحة اقتضائية، فإن أجازهما معاً كانت كليهما صحيحة فعلية، وأما إذا لم يجز تكون لها صحّة تأهّلية، والقرعة تكون متمّمة لها. فتكون القرعة كالتسليم في بيع الصرف.

كل هذا إذا وافقنا عليه العرف والعقلاء، فيكون مشمولاً لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)، كما يشمل عقد الفضولي، فإن معنى (أوفوا بالعقود) ليس هو لزوم التسليم، بل معناه لزوم أن يقف الرجل على قراره.

ففي عقد الفضولي نقول بشمول العامّ له وإن لم يحصل النقل والانتقال، 

ـــــــــــــ[238]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ومن هنا نقول -لو كان أحدهما أصيل والآخر فضولي-: إن الطرف الأصيل لا يمكنه أن يردّ البيع بعد إعطائه القرار. نعم، المالك في طرف الفضولي، له أن لا يقرّ بالعقد، فإنه لم يكن طرفاً للقرار.

ثم إن القرعة(1) لا يجب أن يكون طرفها واقعياً، فإنها بحسب الأخبار مأخوذة عن القرآن الكريم، وقد وردت في القرآن مرّتين أحدهما في قصّة مريم إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ(2)، والأخرى في قصة يونس(3)؛ إذ أشرف المركب على الغرق، وكان يحتاج سلامة الركاب إلى إلقاء واحد منهم في البحر. وفي كِلا الموردين لم يكن فيه طرف واقعي.

فهنا لا إشكال بعد شمول العموم له، أن يحكم بصحّته صحّةً اقتضائية، ويكون كِلا العقدين صحيحاً، فإنه لم يلزمه بكِليهما بل ألزمه بهذا أو هذا. نعم، يحتاج إلى متمّم، شأنه في ذلك شأن الفضولي والصرف ونحوهما، وهو هنا الإجازة أو القرعة.

المكره الذي يُوجِد مصاديق عديدة 

بيع(4) المكره الذي يُوجِد مصاديق عديدة، ولا يمكن أن نصحّح الجميع 

ـــــــــــــ[239]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: (المقرِّر).

(2) إشارة إلى قوله تعالى: ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ، (آل عمران: 44).

(3) إشارة إلى قوله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ(139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ المَشْحُونِ(140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ المُدْحَضِينَ، (الصافّات: 139-141).

(4) عنون السيد في مبدأ المحاضرة المسألة ببيع المكره… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ولا البعض المعيّن ولا غير المعيّن ولا الجامع، وفرضنا أننا نتلخّص بوجه فيما كان من أشباهه ونظائره، في المجوسي الذي أسلم على سبع زوجات، وقد قام النصّ والإجماع على أنَّه يختار أربعاً منهنّ ويُطلِق الباقي، أو في الذي عقد على خمس زوجات دفعةً، وقد ورد النص الصحيح بإخراج إحداها، وكذلك في الجمع بين الأختين، ورد في النصّ الصحيح، أن يمسك إحداهما ويخرج الأخرى.

فلو قلنا هنا(1) بالبطلان -مثلاً-، كما قال الآغايون لعدم النصّ والفتوى فيه، فهل هناك في مورد النصّ والفتوى، تقول إنها خلاف العقل، فلا يكون الدليل حجة، وإن كان صحيحاً؟ أو لنا طريق للتخلّص بحيث يمكن أن نعمل بالنص الصحيح؟ فبأيّ شكل للتخلّص أمكن للعقل أن يتصوّره، وجب الأخذ بالدليل، إلّا إذا أَلَمّ شيئاً فإنه يجب طرحه حينئذ.

ففي صورة أنه يسلم على أزيد من أربع، يحتمل أن نقول: إنهنّ كلّهن على نكاحه، ولكنّه لا يستطيع إدامتهنّ. ودليل الاختصاص بالأربع إنما هو خاصّ بالمسلمين، أما في الكفار فلا دليل عندنا على عدم جواز زيادته على أربع، ونحن مأمورون بإقرار عقود الكفار، فهذا المسلم الجديد لا دليل على حرمة زيادته على أربع، وكذلك نقول في من يعقد على خمس، إنه جائز، غايته يطلق إحداهنّ، إلّا أنَّ هذا خلاف الضرورة، ولا يمكن أن يكون مسلماً وله أكثر من أربع زوجات، فهذا الوجه لا يمكن الالتزام به.

ـــــــــــــ[240]ــــــــــ

() يعني في بيع المكره. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أو نقول: إن هناك أربعاً غير معيّنة باقية على زوجيته وثلاثاً غير معيّنة خارجة، بنحو الفرد المردّد، فهذا أيضاً محال عقلاً وعقلائياً(1)، فإن الفرد المردّد مما يدرك العقلاء استحالته، وليس من البراهين الدقيقة التي لا تصل إليها عقولهم، وإنما لا نرجع إلى العقلاء فيما لا يثبت إلّا بالبرهان، كاستحالة انتقال العرض، فإن المقصود من المسامحة العرفية ما كان في مقابل العقل البرهاني.

وعلى أيّ حال فالفرد المردّد، استحالته معروفة لدى العقلاء، فإنهم يرون أنه ليس هناك في الخارج غير هذا بخصوصه وهذا بخصوصه، وليس هناك أمر زائد هو هذا أو هذا. 

فما يقال: إننا نثبت الفرد المردّد بالمسامحة العقلائية، غير تامّ، فإنهم أيضاً يرون استحالته، وليس حاله عندهم حال الجامع الذي يرونه موجوداً في ضمن عدد من الأفراد على ما سبق أن مثّلنا له.

أو نقول: إن جميع الزوجات خرجت من حبالته؛ لأنه لا يمكن أن يبقى الجميع ولا يمكن أن يخرج البعض المبهم ولا المعيّن -لاستحالة الترجيح بلا مرجح- ولا الكلّي؛ لأن موضوع النكاح هو الجزئي دون الكلّي، فقد خرج الجميع من حبالته، ولكن مع الاختيار والإمساك يدخل من اختارهنّ في حبالته، وتُحمل النصوص على ذلك.

ـــــــــــــ[241]ــــــــــ

() لا يخفى أن هذا تحميل على العقلاء ما ليس من وظيفتهم، فإنهم ليس من شأنهم أن يحكموا بالإمكان والاستحالة، وإنما الحاكم بذلك هو العقل وحده. وكون بعض المدركات العقلية واضحة للعقل كاستحالة اجتماع النقيضين مثلاً لا يعني أنه حكم عقلائي، بل يدركه العقلاء بعقلهم لا بعقلائيتهم. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وكذلك إذا عقد على خمس، نقول: لم يقع الزواج ولا على واحدة، وإنما يدخل الأربع بضمّ الإمساك والاختيار، كزوجات النبي إذ خيرّهن بين نفسه وبين الدنيا، وتقول الروايات(1) إنهن لو اخترن الدنيا لكان ذلك طلاقاً، فيكون الاختيار مدخلاً لأربعٍ ممن عقد عليهن في زوجيته، ولذا يقول الفقهاء(2): إن الاختيار يكون إما بالقول أو بالفعل، فالاختيار يكون جزءاً متمّماً للعقد ولا يؤثّر العقد بدونه.

ففي العقد على الأختين، لو قبلت إحداهن ورفضت الأخرى، هل تقول ببطلان كِليهما؟ بل يصحّ عقد من قبلت منهنّ ويبطل عقد من رفضت، فإن 

ـــــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) راجع الكافي 11: 675، كتاب الطلاق، الباب 61، الحديث 2، الاستبصار 3: 313، كتاب الطلاق، الباب 182، الحديث 2، تهذيب الأحكام 8: 88، كتاب الطلاق، الباب 3، الحديث 219، ووسائل الشيعة 22: 92-93، الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 3.

(2) راجع المبسوط 4: 230، كتاب النكاح، فصل في تزويج المشركين، شرائع الإسلام 2: 239، النكاح، القسم الأوّل، الفصل الرابع: في أسباب التحريم، السبب السادس: الكفر، المقصد الثاني في كيفيّة الاختيار، تحرير الأحكام 3: 494، النكاح، المقصد الثالث في نكاح المشركات، الفصل الثالث: في الاختيار وكيفيّته، كنز الفوائد في حلّ مشكلات القواعد 2: 398، النكاح، الباب الثالث: في المحرّمات، المقصد الثاني، الفصل الثالث: في الكفر، المطلب الرابع في كيفية الاختيار، ومسالك الأفهام 7: 372، النكاح، القسم الأوّل، الفصل الرابع: في أسباب التحريم، السبب السادس: الكفر، المقصد الثاني: في كيفيّة الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الحكم الشرعي بعدم جواز الجمع بين الأختين أو خمس نساء، مانع عن تأثير العقد، فإذا أرتفع المانع، تمّ مقتضى الصحّة للباقي، كما لو ماتت إحدى الأختين أو إحدى الخمس، والميّتة لا يمكن أن يعتبر فيها الزوجية!!

فلماذا لا يؤثّر هذا العقد الذي مقتضيه موجود والمانع مفقود؟ وكذلك لو كان العقد في إحداهنّ باطلاً كما لو كانت مُزوَّجة، فالعقد على الخمس لا يكون لغواً، بل فيه اقتضاء الصحّة، ولكنّه كان مقترناً بالمانع الشرعي، فإذا ارتفع المانع، كما لو انتفت إحداهن تكويناً أو شرعاً، فلماذا لا يصحّ في الباقي، بعد بقاء المقتضي بلا مانع؟

فليس أن الردّ طلاق يحتاج إلى الشرائط، وليس الاختيار نكاحاً يحتاج إلى رضاء الطرفين، بل نفس العقد صحيح لكن فيه مانع، والشارع أعطى طريقاً للصحّة وهو الاختيار.

فهذا أحد طرق التخلّص من هذا الإشكال العقلي، ونحن لا نستطيع رفع اليد عن النصّ ابتداءً إلّا إذا استحكم الإشكال العقلي.

[دفع الإشكال العقلي بوجهٍ آخر]

الطريق الآخر الذي يمكن أن يقال: أن ما يصحّ له تعيّن في الواقع، وهو ما يتعقّبه الاختيار، فإنه في الواقع أربع منهنّ سوف يقع عليهنّ الاختيار المتأخّر، وهذه الأربع من الأزل متعقّبة بالاختيار -بالمعنى الذي تصوّرناه لا بالمعنى الذي قاله الآغايون- فهذه الروايات التي تأمر باختيار أربع تريد أن تقول: إنه إذا اخترت أربعاً ينكشف أنه صحيح من الأوّل. فيصحّ أربع وتبطل ثلاث 

ـــــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وهي التي لم يتعقّبها الاختيار، فهذه الأربع لها علاقة في الواقع ولا نعرفها، فالأربع لها واقعية وتبقى على عقدها، والاختيار يكشف عن أن هذه كانت من الأوّل موضوعاً للحكم الشرعي.

لكلٍّ من الطريقين فروع، يطول المقام في التعرّض لها، وفي باب البيع ورد أنه إذا اشترى عبدين، واختار أحدهما صحّ، وينقل الشيخ رواية مرسلة في ذلك، وينقل الفتوى على طبقها أيضاً.

فهنا لو ألزم المكره بالطبيعة أو ألزمه بهذا أو هذا، فطريق التخلّص أن يقال: إن لها صحّة تأهّلية، كما هو الحال في الفضولي، لا أنه كلّه يصحّ؛ لأن الإكراه موجود، إذ لولاه لما عملت هذا العمل، فالصحّة الاقتضائية موجودة في الجميع، ولذا لو أجاز جميع الأفراد التي أوجدها تكون كلّها صحيحة بلا إشكال، لوجود المقتضي وارتفاع المانع، فهذا دليل على أنَّ البطلان ليس مانعاً من صحّة البيع رأساً، بل هو مثل بطلان البيع الفضولي، فهي صحيحة وباطلة، باطلة بمعنى عدم ترتّب الأثر وصحيحة كصحّة باب الفضولي، وحيث لا يمكن تصحيحها جميعاً ولا تصحيح الفرد المعيّن ولا الفرد غير المعيّن ولا الكّلي، فلو كان هناك دليل على صحّتها باختياري لاخترت أحدها وكان صحيحاً، وحيث لا دليل على هذا يكون مطلباً مشكلاً ويُحلّ بالقرعة، والقرعة لكلّ أمر مجهول، فتكون القرعة متمّماً لها لا أنها تعيّن ما هو واقع.

الطريق الآخر: أن الصحيح هو ما يتعقّبه القرعة، وإن هذا كان معيّناً من الأزل، هذا محصّل ما قلنا.

ـــــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذا أكرِه على بيع داره أو البيع الفضولي  

بقي بعض فروع المسألة التي قلناها، وإن لم يكن التعرّض لها مهمّاً، إلّا أنَّه لا يخلو من فائدة.

منها: ما إذا أكرهه على بيع داره، أو البيع الفضولي، يقول الشيخ: إن المعاملة صحيحة؛ لأن الإكراه واقع على الجامع لا أثر له، والخصوصية غير مكره عليها(1).

نقول: إن الخصوصية مرةً تكون منوطة بطبيعة، وكان العدل فيه مضرّاً بحال الفرد، من قبيل: أن يقول له المكره: (إما أن تبيع دارك أو تعقد أختك على خادمك أمام الجمع)، وهو يأنف من ذلك ويوقعه مكرهاً عليه وباطلاً، ومجرّد كون الجامع بلا اثر لا يستدعي عدم بطلانه، فإنه قد يكون العِدل الآخر لا أهمّية له كقول المكره: (إما أن تقول صبحكم الله بالخير أو أن تبيع دارك)، وأخرى يكون العِدل أسوأ من بيع الدار، فليس أن الجامع لا أثر له. 

وكذلك في الواجب التخييري: أوجد هذا أو هذا، غايته ذاك لا يترتّب عليه الأثر والآخر يترتّب عليه الأثر، إلّا أنَّ كِليهما يقع بالإكراه، فإن كان الطرف مما لا يقدم عليه عاقل أو بعض الناس يقع كِلا الطرفين عن إكراه، والتخلّص وإن كان عن البيع ممكناً بإيقاع البيع فضولياً، إلّا أنَّه يقع عن إكراه، فلا ينبغي أن يقال: إن البيع المكره عليه إذا كان له عِدل يكون صحيحاً.

ـــــــــــــ[245]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 321، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين ومن شرائط المتعاقدين الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وفي باب الإكراه بحقّ، يتكلّم أنه ليس بإكراه أو عن إكراه، إلّا أنَّه بما أنه بحقّ ومنةً على الأمة، فالأدلة منصرفة عنه، والصحيح هو الثاني، فإنه إذا قال له الحاكم الشرعي: (بع دارك وإلّا حبستك)، كان إكراهاً، إلّا أنَّ أدلّة الإكراه منصرفة عنه، فيقع بيعاً صحيحاً.

وإنما الكلام فيما إذا كان له عدل هو ظلم، كما لو أكرهه إما على أداء دينه أو أمر آخر، وكانت أغراضه العقلائية تقتضي عدم الأداء، فإذا عمله -يعني: الدين- يقع عن إكراه، ولكنّه يقع صحيحاً؛ لأنه حقّ، لأن الأدلّة منصرفة عنه، فهل الأدلّة منصرفة عن عِدله أيضاً؟ بأن يقال: إن لك طريق تخلّص وهو اختيار الآخر؟ فإننا قلنا إنه إذا كان يمكن أن يتخلّص بشكل لا يقع عليه ضرر، فإن الإكراه لا يكون صادقاً. 

والشيخ يقول(1): إنه إذا ألزموه بخلاف أغراضه العقلائية، فإنه وإن لم ينقص من نفسه أو ماله شيء إلّا أنَّه يصدق عليه الإكراه، فلو كان للإكراه عِدلان أحدهما له تعلّق بأغراضه العقلائية إلّا أنَّه حقّ، والآخر بلا حقّ فإذا اختار ذاك الطرف وقع مكرهاً عليه.

فهل الأدلّة كما أنها منصرفة عن ذاك كذلك هي منصرفة عن هذا الطرف؟ مع كون البيع في كِلا الطرفين عن إكراه. 

مشكل أن يدعى الانصراف في مثل ذلك. نعم، بالنسبة إلى الإكراه على 

ـــــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 320-321، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار… .

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الحقّ منصرف، أما عدله فلا يكون منصرفاً عنه فيقع مكرها ًعليه.

نعم، إذا كان في طرفٍ غرضٌ عقلائي، وفي طرفٍ حكم شرعي بالحرمة، هنا البتّة كِلاهما مكره عليه، لكن قلنا: إنه في باب المحرّمات يكون الملاك محقّقاً، إلّا أنَّ الشارع رفعه مِنّةً مع حفظ الملاك، والعقل يحكم بتقدّم الأغراض الشرعية على الأغراض العقلائية -يعني بعضها!- فلذا كان مقتضى الجمع بين الأغراض هو ترك المحرم. فلو قال له: (بع دارك أو أشرب الخمر) يكون مجبوراً على البيع، ويقع البيع باطلاً.

ومنها: إذا ألزمه على واجب نفسي، وله مقدّمات وجودية، فمرةً نقول: إن مقدّمة الواجب واجبة، ومعناه: أن الإلزام الشرعي بذيها مستلزم للإلزام بالمقدّمات، وأخرى نقول: إن مقدّمة الواجب غير واجبة، وإنما هو إلزام عقلي، وليس للشارع حكم غير إيجاب ذي المقدّمة. ولا يفرّق بين أن الملزم هو الشارع أو غيره.

فإذا ألزمني على ذي المقدّمة، وقلنا إن الإلزام بالشيء إلزام على مقدّماته الوجودية، كما لو ألزمني على إعطائه ألف دينار، ومقدّمته هي بيع داري، وقلنا إن مقدّمة الواجب واجبة، فهذا إكراه على الواجب وعلى مقدّمته. 

وإذا لم نقل إن مقدّمة الواجب واجبة، بل هو من قبيل اللابدية العقلية، والأمر بالشيء لا يسري إلى الإلزام بغيره، ولكنّ المقدّمات الوجودية، من باب الإلجاء والاضطرار.

هنا ربما أن الاضطرار لا يرفعه؛ لأنه خلاف المِنّة، إلّا أنَّنا قلنا إن التفصيل بين بابَي الإكراه والاضطرار، يجعل الأوّل مبطلاً دون الثاني، غير صحيح، فإن 

ـــــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إطلاق دليلهما يقتضي الرفع دائماً، فإذا كان في مورد يكون رفع ما أُكره عليه خلاف المِنّة، كان رفع ما اضطرّوا عليه كذلك، فبما أن حديث الرفع امتنانيّ، فيكون الدليل منصرف عن ذلك.

فإذا قلنا: إن مقدّمة الواجب واجبة، وألزمه على إعطاء مائة دينار، وقلنا: إنه إلزام ببيع داره، فهنا إذا كان بيع الدار باطلاً، لكان يجب عليّ تحمّل الوعيد والسياط، أو أن أسرق المال لإعطائه له، وكِلاهما لا يمكن. إذن، فلا بُدَّ أن نقول: إن البيع صحيح، فكما قلنا في الاضطرار: إنه إذا أبطل الشارع البيع فإنه يوقعني في المضيقة أكثر ممّا أنا فيه، فلا يكون الرفع شاملاً له، كذلك الحال في الإكراه إذا كان الأمر فيه كذلك.

ونحن يجب أن نحسب حساب ذلك، فإن الاضطرار أيضاً كذلك، فلو ألزمه على بيع أحد فردي حذائه، ولم يجد مشترياً إلّا لكِلا الفردين فاضطرّ لبيعهما معاً، فهنا كِلا الفردين يقعان باطلاً، وإن كان بالنسبة إلى أحد الفردين إكراهياً وبالنسبة إلى الآخر اضطرارياً، أو لو ألزمني ببيع شيء ثُمّ اشتبه بين عدّة أمور، فاضطررت إلى بيع الكلّ، فبعض هذه المعاملات رفع بالإكراه، وهو بيع المكره عليه الواقعي، والآخر رفع بدليل الاضطرار، ولا ينافي المِنّة هنا.

لو أكرِه بنحو الواجب الموسَّع 

المطلب الآخر: في الواجبات الموسّعة، كما لو ألزمه ببيع داره من دلوك الشمس إلى غسق الليل، فهل هو غير مكره عليه مطلقاً أو مكره عليه مطلقاً تكليفاً ووضعاً أو فرّق بينهما؟ ففي التكاليف لا نقول بجواز البدار، وفي باب 

ـــــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المعاملات إذا أوقعها في وسط الوقت أو أوّله، تقع باطلة.

في الواجب الموسّع الأمر متعلّق بالطبيعة في طول المدّة، وليس أن الحكم ينحلّ على المصاديق، بحيث يقال: إما أن تصلي الأربع ركعات الأولى أو الثانية أو الثالثة، وهكذا. 

ليس هكذا بلا إشكال، بل الأمر على الطبيعة في خلال المدّة والتخيير في إيجاد المصاديق عقلي لا شرعي، وفي موارد التخيير العقلي سواء كانت الأفراد عرضية أو بالاصطلاح -طولية- إذا أوجدت المعاملة في أوّل الوقت هل تقع مكرهاً عليها، أو لا يقع مكرهاً عليه إلّا في آخر الوقت؟

فإذا قال: (صلِ من دلوك الشمس إلى غسق الليل) وصلّيت في أوّل الوقت، فهل أطعت الأمر الشرعي، أو ليس هناك أمر إلزامي في آخر الوقت؟ كيف لا يكون هناك أمر إلزامي مع أن الأمر متعلّق بالطبيعة، وآخر الوقت لم يخرج به الأمر عن الطبيعة! فما دام الأمر الموسّع على الطبيعة يستحيل أن يكون الأمر بالطبيعة مضيّقاً، بحيث كلّما يتضيّق الوقت يتضيّق الأمر بالطبيعة إلى أن ينحصر في آخر الوقت بمصداق واحد.

هذا مستحيل عقلي، أن يسري الحكم من متعلّقه إلى أمر آخر، إلّا بأمر جديد، وليس عندنا إلّا أمر واحد على طبيعة واحدة، فلو قلنا بوجوب قصد الوجه، فلا بُدَّ من قصد الفريضة لا الاستحباب؛ لأن أمر الشارع موسّع، وأنا مختار في التقديم والتأخير، فإذا أوقت مصداقاً يقع مصداقاً للمأمور به ولا ينافيه الاختيار في التأخير.

ـــــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

كذلك لا بُدَّ أن نقول في الإكراه: إنه إذا أكرهه على بيع داره من دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأعلم أنه ليس لي تخلّص من طول الوقت، والتخلّص من الفرد الأوّل إلى الثاني وإن كان ممكناً إلّا أنَّه تخلّص من ضرر إلى ضرر، فإذا قلنا: إن الأمر متعلّق بالطبيعة يقع البيع بإلزام الملزم وخصوصية الزمان والمكان غير دخيلة في المقام، فبحسب النظر إلى مجموع الزمان وأنه ليس له تخلّص فيه، يكون مكرهاً طول المدّة، واختياره في التأخير لا ينافي الإكراه، فلو أوجد الفرد فبما أن الطبيعة المكره عليها توجد في ضمنه يكون مصداقاً للمأمور به فيقع مكرهاً عليه، ولولا أمره لَما أوجده، والمفروض أن كلّ فرد لم توجده على حوائجك الشخصية، وإنما أوجدته طبقاً للإكراه.

وأما قضيّة التفريق بين التكليف والوضع فهذا إنما يكون على القول بأن رفع التكليف لا بُدَّ فيه من الاضطرار، إلّا أنَّ كِلا العنوانين: الإكراه والاضطرار، يشمل كِلا الحكمين. فإذا أكرهني على محرّم أو أعطيه عشرة دنانير، فإنه يرتفع بدليل الإكراه، فالإكراه كما يرفع الوضع كذلك يرفع التكليف.

نعم، بعض التكاليف المهمّة لا ترتفع، لا بدليل الإكراه ولا بدليل لا حرج.

بناءً عليه، إن أكرهه على شرب الخمر من دلوك الشمس إلى غسق الليل فهو مكره عليه، وكلّ فرد أوقعه يقع مكرهاً عليه، فإنه مكره على أصل شرب الخمر، وكلّ فرد يقع إلزامياً.

ـــــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نعم، هو اختيار الفرد إلّا أنه كما تقع الأفراد العرضية كذلك تقع الأفراد الطولية، فبحسب القواعد لا فرق بين الموسّع والمضيّق.

نعم، بحسب العرف العادي ربما يقال: إنه إذا كان الإكراه في مدّة، يصل إلى نظر العرف العامّ إن الإنسان مختار في أن يؤخّر المأمور به، ولكن هل هو مختار أن يتركه لا إلى بدل، أو إلى بدل؟ 

فإذا قلنا: إن دليل (رُفع ما أكره عليه)، نفهمه على العرف العامّ، إذن فلا بُدَّ أن يكون: (صلِّ من دلوك الشمس إلى غسق الليل) أيضاً على العرف العامّ، فتكون الصلاة في أوّل الوقت مستحبة وخارجة عن كونها فريضة، فهل تلتزم بكونها كذلك؟

ومنها: ما لو أكرهه بنحو الواجب الكفائي، كما لو أكره أحدهما. فهنا تختلف صوره، فقد يخاف كِلاهما وكِلاهما يوقعان العقد عن خوفٍ، فيقع من كِليهما باطلاً، ومرةً يعلم أحدهما أن الآخر يعمله أو هو في صدد عمله، فإذا عمله يقع اختياراً لا على وجه الإكراه.

 وأما إذا أُكره أحدهما وأكره أحدهما الآخر على إيجاد المعاملة، فإن كان إكراهه بحقّ تقع المعاملة صحيحة، وإذا لم يكن حقّاً وقعت باطلة؛ لأن التخلّص بالمحرّم أو تحمّل الضرر غير جائز أو ليس بواجب.

في وقوع الإكراه على المالك وعلى العاقد

الفرع الآخر: أن الإكراه مرةً يقع على العاقد وأخرى على الوكيل وأخرى على الموكل، وهذا ما نتكلّم فيه إن شاء الله.

*****

ـــــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المسألة الأخرى التي تعرّضوا لها: أنه ما سبق هو أن يقع الإكراه على المالك لعاقد، أما هنا فنرى أنه قد يتعلّق الإكراه بالمالك دون العاقد وأخرى العكس.

فإذا أكره المالك على توكيل غيره، فمرةً يكرهه على التوكيل في العقود وأخرى على التوكيل في الإيقاعات، وثالثةً يكرهه على التوكيل المطلق في كلّ الأمور. 

لا إشكال على أنَّ الوكالة إذا أكره عليها فهي باطلة، وإنما الكلام في أنَّه إذا أجاز الموكّل الوكالة -بناءً على صحّة إجازة عقد المكره-.

فمرةً يجيز المعاملة التي أوقعها الوكيل، أما في العقود فبناءً على صحّة عقد الفضولي في العقود تقع الإجازة صحيحة، وفي باب الإيقاعات قالوا: إن الإجازة لا تصحّ، لكن هذا هو مقتضى القاعدة أو الإجماع، فهذا ما سوف يأتي في باب الفضولي، وأما هنا فنتكلّم على المبنى.

فإذا أجبره على التوكيل، فعقد عقداً وأوقع إيقاعاً، باع وطلّق، فمرةً يجيز عقده وإيقاعه، فيصحّ العقد دون الإيقاع، وأخرى يجيز الوكالة، فهل نقول هنا بالتفصيل أيضاً بين العقود والإيقاعات، أو يختلف الحال في المباني في الإجازة؟

فإنه في باب الإجازة -على ما سوف يأتي في محلّه- ثلاثة مسالك:

أحدها: كون الإجازة كاشفاً حقيقياً عن وجود النقل الواقعي من الأوّل، بأن يقال: إن ما هو الشرط في الحقيقية أمر مقارن، وهو عنوان تعقّب هذا بالإجازة، وهو حاصل وإن لم أعلم به.

ـــــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثانيها: الكشف الحكمي، بمعنى أنه من حين الإجازة يحكم بصحّة المعاملة من أوّل الأمر.

ثالثها: مسلك النقل، بمعنى أن الإجازة متمّم للعقد، فمن الآن يحصل النقل والانتقال.

فبناءً على النقل، إذا أجاز الوكالة فمن الآن فصاعداً أصبح وكيله، والعمل الذي عمله لا يخرج عن الفضولية، فإذا أجاز العقد وقع صحيحاً، وأما الإيقاع فيقع باطلاً، ولا طريق إلى صحّته على هذا المبنى.

وأما إذا قلنا بالكشف الحقيقي -مثلاً- إذا أجاز الوكالة ينكشف أنه من الأوّل كان وكيلاً، فالوكيل هو الذي أوقع العقد والإيقاع وليس فضولياً، فإن شرطه وهو تعقّبه بالإجازة حاصل في الواقع -بناءً على إرجاع الشرط المتأخّر إلى المقارن- وحديث الرفع إنما يرفع العقد غير المتعقّب بالإجازة، وأما العقد المتعقّب بها فلا يرفعه، فبالإجازة ينقلب الموضوع، فتصحّ تمام عقود وإيقاعات الوكيل؛ لأنها واقعة من الوكيل الواقعي، وإن لم أكن ملتفتاً إلى ذلك.

وأما إذا أراد إجازة العقد والإيقاع دون الوكالة، فتكون المسألة مسألة الفضولي.

وفي باب الكشف الحكمي أيضاً، إذا قلنا إنه قام الدليل: إجماع أو غيره، على أنَّ الإجازة تكشف أنه كان من الأوّل محكوماً بهذا الحكم، فيستكشف بالإجازة أن وكالتي محكومة بالصحّة الفعلية من أوّل الأمر، فالعقد والإيقاع صدر من الوكيل الفعلي، فيخرج بناءً على ذلك عن الفضولية، وأما إذا أراد إجازة نفس العقد والإيقاع لكان فضولياً.

ـــــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [حول دلالة حديث الرفع على المطلوب]

كلام آخر: أن يتعلّق الإكراه بالعاقد دون الموكل، وهذا على شكلين، مرةً يلزمه على بيع داره -يعني دار المكرِه نفسه- أو طلاق زوجته، وأخرى يلزمه على قبول الوكالة.

إذا ألزمه على بيع داره، فهل يكون هذا سبباً لبطلان بيع الدار، كما يحتمله الشهيد(1)، من أنَّ حديث الرفع يجعل اللفظ كلا لفظ، ويرفع آثاره، أو الشيخ(2) الذي يقرّب الصحّة؛ لأن مُوقِع العقد قاصد للمضمون، والموكل راضٍ بالمعاملة؟ فيجب أن نحسب حساب حديث الرفع لنرى أنه بصفته امتناناً على الأمّة ماذا يرفع، هل يرفع كلّ شيء وكلّ غرض من أغراض الإنسان ليقال إنَّ هذا اللفظ خلاف أغراضي فيقع لاغياً؟

أو بما أنه جاء مِنّة على الأمّة، فالشيء الذي وضعه الشارع بحسب أصل الشريعة كوجوب الوفاء بالعقود والحكم بانفصال الزوجة عند الطلاق، وغيرها من القوانين الموضوعة على الأمّة فإن القوانين على شكلين: بعضها له ثقل على الأمّة ووزر وتحميل، وبعضها ليس فيه إلّا التوسعة على الأمّة ولا ثقل فيه، فهل الحديث يرفع تمام الآثار حتى التي فيها توسعة إذا وجدت عن إكراه، أو لا؟

ـــــــــــــ[254]ــــــــــ

(1) أُنظر: مسالك الأفهام 9: 22، كتاب الطلاق، الركن الأوّل، الشرط الثالث.

(2) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 323، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار… .

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بل في الحقيقة: إن القوانين التي جعلها الشارع بالجعل الأوّلي القانوني -أو بالإرادة الإنشائية بالاصطلاح- فيها وزر وثقل على كاهل الأمّة، فهذا الثقل هو الذي يكون مرفوعاً، فلو أُكرهت على عقد، وكان في هذا العقد إلزامات شرعية بمقتضى دليل وجوب الوفاء وغيره، فترتفع هذه الإلزامات بدليل الإكراه.

وأما إذا لم يكن له أثر شرعي، وإن كان خلاف غرضي، كهذا الذي تلفظه بالطلاق من دون أن يكون له بالنسبة إليه أيّ أثر شرعي، فإنه يريد به طلاق زوجة الآخر لا زوجة نفسه.

ومجرّد كونه لا يريد الخضوع للإكراه أثر تكويني وليس أثراً شرعياً، فصدور جملة: (هي طالق) من الأجنبي ليس له أيّ أثر بالنسبة إليه حتى يرتفع بالحديث.

بل لو كان هناك أثر لازم له أيضاً لا يرتفع بالحديث، مثلاً لو أُكرِهَ الزوج على طلاق زوجته، وكانت الزوجة بنته المكرِه، بحيث لو طلّق وجبت عليه النفقة، فإنه لا يرتفع الحكم بالحديث؛ لأن عنوان الطلاق ليس موضوعاً لهذا الحكم، فليس أننا نرفع كلّ شيء بحديث الرفع! بحيث لو أكرهه على صلاته الواجبة وتوفّرت قصد القربة، نقول ببطلانها، فإن رفعها خلاف الامتنان فإن المِنّة هو في حصوله على الثواب ونجاته من العقاب.

وإنما نرفع بالحديث ما أقرّه الشارع فيرتفع هذا الوضع القانوني، فلا بُدَّ أن يكون هناك حكم موضوع وفي رفعه مِنّة على الأمّة ليكون مشمولاً للحديث.

ـــــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فعلى هذا لا يكون لفظ المطلّق كلفظ المجنون لا يعتدّ به، فإنه صادر عن إرادة واختيار، وتمام الجهات متوفّرة فيه غير أنه مكره عليه، والإلزام لا يجعل القصد كـ(لا قصد)، ونحن نريد أن نعمل ذلك بحديث الرفع، مع أنه لا وجه له، لعدم وجود الأثر، فإنه لا يريد أن يطلّق زوجته، بل زوجة المكرِه، فاللفظ باقٍ على قوّته، وبتعقّب الإجازة يكون صحيحاً بلا إشكال.

إنما الكلام فيما إذا ألزمه على قبول الوكالة، لأجل طلاق الزوجة، فهنا لا بُدَّ أن نقول: إنه أجاز له طلاق الزوجة، أو نقول: إن قبول الوكالة عنوان، وهو العنوان المكره عليه، وليس عندنا عنوان زائداً على هذا المعنى، فليس أنه أجاز الطلاق ووكّله، إذا كان قد عمل عملين فإنه يصحّ ما قاله المرحوم النائيني(1) من أنَّه وإن كانت وكالته باطلة، إلّا أنَّه يكون مُجازاً في الطلاق، وهو يعبّر بالعقود الإذنية، وأنا لا أستطيع أن أفهمها، بحيث تتضمّن الوكالة إنشاء أمرين: أحدهما نفس الوكالة، والآخر الأذن، وليس المقصود الرضا الواقعي، فهذا كلام آخر، وإنما المراد إنشاء الرضا في ضمن إنشاء عقد الوكالة، وما هو عقد عقلائي هو الوكالة، ولو قال (قبلت الوكالة) لصحّ، وأما إذا قال (أذنتك) فقبله لم يصحّ ذلك عقلائياً. فالتوكيل لا يعقل أن يتضمّن معه إنشاء آخر، وأنت هل جعلت أمراً آخر غير الوكالة، وهو الأذن على تقدير عدم الوكالة، أو الوكالة عنوان له أحكامه، وجواز التصرّف من آثار الوكالة لا من آثار الإذن؟

ـــــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 193-194، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: من شروط المتعاقدين الاختيار، الجهة السادسة: لو تعلّق الإكراه بالعاقد….

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناءً عليه: إذا بطلت الوكالة لا يبقى عندنا إذن آخر، لكي يصحّ العقد الذي أوقعه.

يبقى أنه إذا قال: (طلّق زوجتي)، فهو راضٍ بالطلاق، فيُتكلّم عن أنه إذا كان الشخص راضياً بالطلاق فيتولّاه الأجنبي من دون وكالة، فهل يقع فضولياً، أو يكون بعد ضمّ الرضاء إليه صحيحاً؟ إلّا أنَّ هذا يحتاج إلى دليل، وفي باب التجارة لا يبعد كفاية الرضا لدليل (التجارة عن تراضٍ)، وأما في الطلاق فلا يصحّ؛ لأن الزوج الراضي لم يطلّق، وهنا طلّق فهو ليس زوجاً ولا وكيلاً عنه، فيقع طلاقه باطلاً.

إذن، إذا وكّله في طلاق زوجته إكراهاً، فلا يصحّ، لا باعتبار الوكالة؛ لأنه مكرَه عليها، ولا باعتبار الأذن؛ لأنه غير موجود لا بمجرد الرضا؛ لأنه غير مفيد، إلّا إذا قلت: إنه يكتفى بالرضا الـمُظِهر ولو بمُظِهرٍ ما، إلّا أنَّ هذا لا يمكن أن يكون له وجه صحيح.

كلام للعلامة فيما لو أُكرِه على الطلاق 

الشيخ(1) يذكر الكلام الذي ذكره العلّامة(2)، ثُمّ يذكر محتملات المطلب، 

ـــــــــــــ[257]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 325، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة ومن شرائط المتعاقدين الاختيار، فروع، الفرع الثالث: الإكراه على الطلاق.

(2) أُنظر: تحرير الأحكام 4: 51، القاعدة الثالثة في الإيقاعات، المقصد الأوّل في الطلاق، المطلب الأوّل في المطلّق، الرابع: المكره لا يقع طلاقه.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ويشير إلى كلام العلّامة بنحو الإجمال، والمرحوم النائيني(1) يذكر المحتملات على نحو التفصيل، وحيث إنَّ في هذا التفصيل مطالب، فلذا يحسن التعرّض لها:

فإن العلّامة -بحسب النقل- قال: إن أكرهه على الطلاق فطلّق ناوياً وقع الطلاق. انتهى.

ويأتي إلى النظر أن هذا المعنى كان سابقاً معنوناً، في مسألة الكذب والإكراه، وهو أن التخلّص بالتخلّص بالتورية معتبر أو غير معتبر، والعلّامة كان يرى عدم اعتبارها، وهذا الشخص المكرَه كان يمكنه أن يتلفّظ بالألفاظ من دون قصد، فإن الإكراه لا يمكن أن يشمل إلّا الألفاظ دون القصد النفسي، ومع ذلك قصد ووقع اللفظ عن قصد اختياري، فيقع صحيحاً، إلّا أنَّه يقال إنَّه عند الفجأة والاندهاش يقصد المعنى غالباً، ولا يتذكّر التورية، إلّا قليل من الناس، فالإكراه العرفي صادق.

المرحوم النائيني يذكر مفصّلاً احتمالات المسألة:

أحدها: أن هذا الشخص المكرَه كانت دواعيه النفسية موجودة مستقلّاً، ومعه لا يؤثّر إلزام الآخر فيه أيضاً، نعم ذاك يظنّ أنه ألزمه وهذا يضحك عليه في سرّه، ففي هذه الصورة معلوم أنه لا يصدق الإكراه والمعاملة صحيحة.

ثانيها: أن تكون الدواعي النفسية مؤثّرة مستقلّاً، لولا ذلك، والإكراه كذلك مؤثّر مستقلّاً لولاها.

ـــــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 196، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: من شرائط المتعاقدين الاختيار، الجهة السابعة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثالثها: أن الدواعي النفسية ليست تمام العلّة، والإكراه أيضاً ليس تمام العلّة، وعند الاجتماع يتمّ المطلب.

رابعها: أن إكراه المكره داعٍ على الداعي، إذ لو الإكراه لا داعي لي به، وبه حصل له الداعي لي. ويحمل عليه كلام العلّامة.

نحن لنا إشكال في أصل تصوير القضيّة، فإن الشيخ(1) قال في تعريف الإكراه: إنه التحميل عليه ما يكرهه، وقال الشيخ النائيني(2): إن معنى الإكراه هو حمل الشخص بغير طيب نفس منه، وقلنا: إن الإكراه ليس هذا معناه، بل معناه الإلزام القهري، فنرى حال الاحتمالات الثلاثة الأخيرة، على تعاريف الآغايون، هل هي ممكنة أو لا؟ فإن التصديق بعد التصوّر. 

إذا كان الإكراه هو حمل الغير على ما يكرهه، وكان طيب النفس عبارة عدم الكراهة لهذا الفعل، فهل يمكن أن هذين العنوانين يجتمعان مثل علّتين مستقلّتين في شيء واحد، ليقال: حيث إنَّهما لا يمكن الاستقلال بالتأثير، فلا بُدَّ أن يكون المؤثّر هو مجموعهما أو الجامع؟ إلّا أنَّ هذا إذا أمكن اجتماع العلّتين، وأما إذا لم يمكن اجتماعهما، فإنه يخرج عن موضوع الكلام، فهل يمكن أن نتصوّر صدور هذا الفعل عن طيب نفس بالاستقلال، ولا عن طيب نفس 

ـــــــــــــ[259]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 311، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، مسألة: من شرائط المتعاقدين الاختيار، حقيقة الإكراه.

(2) منية الطالب 1: 185، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، مسألة من شرائط المتعاقدين الاختيار، الجهة الأُولى في بيان حقيقته.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالاستقلال، فإنه إذا كان الإكراه هو عدم طيب النفس وعدم الإكراه هو طيب النفس فكيف يجتمع الأمران، حتى نقول عند اجتماعهما هل المؤثّر هو الجامع أو المجموع؟

مثلاً في باب الوضوء له داعٍ مستقلّ إلى إطاعة الله تعالى، وداعٍ مستقلّ إلى التبريد، وكِلا الداعيين يجتمعان في نفسه كلٌّ على موضوعه، فإذا اجتمعا في فرد ووضوء واحد، يتكلّم أن هذا هل هو مضرّ بخلوص النية، أو غير مضرّ؟

وأما العنوانان اللذان بينهما مضادّة ومناقضة في الاجتماع، فلا يمكن أن تجتمع في موضوع واحد، نعم يمكن أن يوجد كلٌّ منهما منفرداً عن الآخر، لا يمكن أن يجتمعا لكي نرى أن المؤثّر هل هو المجموع أو الجامع؟

بناءً عليه جزء الموضوع أيضاً لا معنى له، هل يعقل أن يكون عندي نصف طيب نفس ونصف إكراه، فيكون كلٌّ منهما جزء السبب مع أنهما غير قابلين للاجتماع؟!

وأما قصّة الداعي على الداعي، فإنما يقال ذلك إذا كان هناك داعيان طوليان أحدهما يوجد بسبب الآخر، من قبيل أن لي داعياً إلى الذهاب إلى الجنّة، فهذا يدعوني إلى الإطاعة، وهذا يدعوني إلى الصلاة، أو أن لي داعياً في استفادة عشرة دنانير، فهذا يدعوني إلى صلاة الإجارة، ويستحيل أن يكون الداعي الثاني هو الداعي الأوّل، وإلا لَما كان من قبيل الداعي إلى الداعي.

فهنا ينبغي أن يكون لي داعٍ إلى الإكراه، وهذا أوجد داعٍ عندي لطيب النفس، فالإكراه أصبح داعياً وسبباً لارتفاع الإكراه، فالإكراه الذي معناه إيقاع 

ـــــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العمل من دون طيب نفس، أصبح داعياً إلى طيب النفس، هذا الداعي يرفع موضوع الداعي الأول، ولا يعقل أن يكون من قبيل الداعي على الداعي.

فهذا غير معقول ليكون مراداً للعلّامة، فهذه الاحتمالات التي ذكرها النائيني وأشار الشيخ إلى أثنين منها(1) لا ينسجم مع مباني الشيخ والنائيني.

[التحقيق في المقام]

فهل يكون قابلاً للتصور على النحو الذي عرّفنا به الإكراه أو لا؟ قلنا إن الإكراه هو إلزامه على الفعل، وإتيان المعاملة بطيب النفس، لا بالمعنى الذي ذكره الآغايون، بل بمعنى وقوع المعاملة على مقاصد النفس خالياً من قهر القاهر، فهذان هل يمكن أن يكونا علّتين مستقلّتين، بحيث لو لم يكن أحدهما كان الآخر مؤثّراً؟

إذا لم يكن داعٍ نفسيٌ كان الإكراه مؤثّراً، وأما إذا كان الداعي النفسي موجوداً لم يكن الإكراه مؤثراً، فإن العلّة التامّة بحسب دواعيه النفسية للمعاملة كانت موجودة، فهل يمكن أن توجد علّة تامّة أخرى ناشئة من الإكراه والقهر، أو في الحقيقة يكون الفعل صادراً عن جهاته النفسية، من دون أيّ تأثير للإكراه فلا يمكن أن يكونا مجتمعين؟

وبعبارة أخرى: أنه في مثل وجود عنوانين تعلّق بكلٍّ منهما داعٍ مستقلّ وإرادة مستقلّة، كالتبريد والوضوء، وكِلا الإرادتين موجودة في نفسي بلا تضادّ، فيقع الكلام في كون الوضوء صحيحاً أو غير صحيح، وعلى أيّ حال 

ـــــــــــــ[261]ــــــــــ

() هما الثاني والثالث. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فيمكن أن يجتمع كِلا الداعيين ويحصلا في الخارج بالوضوء بالماء البارد، ولكن إذا كان فعل واحد هو البيع مثلاً لا يمكن أن يكون طيب النفس والإكراه قد اجتمع فيه مستقلّاً، فإن معنى استقلال الإرادة هو الخلوّ من الإلزام(1)، فهل يمكن أن يجتمع مع هذا المعنى إلزام الملزم المستقلّ؟ هل يمكن أن يكون هذا الفعل صادراً عن إلزام الملزم وليس صادراً عن إلزام الملزم، حتى يقال: بأنهما لا يمكن أن يؤثّرا معاً، فالمؤثّر مجموعهما أو جامعهما، فإن ذلك إنما يقال عند إمكان الاجتماع، وهذان العنوانان غير قابلين للاجتماع.

بناءً عليه، على ما تصوّرناه أيضاً لا يمكن أن يكونا مجتمعين مستقلّين ولا جزء العلّة، ولا من باب الداعي على الداعي، بأن يكون الإكراه وهو عدم طيب النفس مؤثّراً في طيب النفس. نعم، يمكن أن يوجد بعد الإكراه الداعي النفسي التامّ للفعل، بحيث يزول الإكراه، إلّا أنَّ هذا ليس من الداعي على الداعي، وإنما يكون ذلك(2) في الداعيين الطوليين، إذن فما قاله الآغايون في توجيه كلام العلّامة غير تامّ، ولا أعتقد أن العلّامة يغفل عن هذه الأمور العقلية.

وأما إذا أردنا(3) أن نجعله جزء الموضوع، فهذا لا يمكن على مبنى الآغايون، أن يكون طيب النفس موجوداً وغير موجود. وأما على ما قلناه، ظاهراً لا مانع منه؛ إذ المفروض أن قهر القاهر موجود والحوائج النفسانية 

ـــــــــــــ[262]ــــــــــ

() وعند تمامية الداعي النفسي للعمل لا يمكن أن يكون الإكراه مؤثّراً. (المقرِّر)

(2) يعني الداعي على الداعي. (المقرِّر)

(3) لخّص أوّلاً: عدم إمكان اجتماع الإكراه والرضا على المبنى المختار في تعريفيهما، لا مستقلّاً ولا بنحو الداعي على الداعي وقال: (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

موجودة، فإذا كانت هذه الحوائج النفسانية مجرّدة عن القاهر لم تبعثني إلى إيجاده، وكذلك لو كان قهر القاهر وحده. لكنّ كلّاً من قهر القاهر والحوائج النفسانية أوجب إنجاز العمل، فهنا نرى أنه ماذا ينبغي أن يقال؟

الآن نسلّم ما قالوه من أنَّ كِلا الأمرين يمكن أن ينطبق على موضوع واحد مستقلّاً، فهو كما يقولون: كالشيخ النائيني(1) من أنَّ دليل (تجارة عن تراضٍ) مقتضٍ للصحّة، و(رفع ما أكرهوا عليه) لا اقتضاء فيه للفساد، والمقتضي يتقدم على اللامقتضي لا محالة. 

ليس الأمر كذلك، إذ بعد فرض أن موضوع الإكراه صادق حكم الرفع، وكذلك موضوع التجارة عن تراضٍ موجود ويشمله حكم الصحّة، ودليل الإكراه حاكم على دليل التجارة، وفي باب الحكومة لا بُدَّ أن يكون كِلا الدليلين صادقاً ليقدّم أحدهما على الآخر.

ولو تمّ ما قالوه لسرى في غير هذا المورد من المرفوعات، فإن حرمة شرب الخمر حكم اقتضائي، ودليل الرفع حكم غير اقتضائي، ويلزم عدم إمكان تقديمه على شيء من الأدلّة الأوّلية، مع أن القضيّة قضيّة حكومة و(رفع ما أكرهوا عليه) دليل اقتضائي حاكم على الأدلّة الأوّلية، يعني الدليل الأوّلي والثانوي يشملان المورد ويكون الدليل الثانوي مقدّماً بالحكومة(2).

ـــــــــــــ[263]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 196، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: من شرائط المتعاقدين الاختيار، القول في الإكراه على الطلاق.

(2) راجع أنوار الهداية 1: 370-372، مباحث الظنّ، فيما استدلّ به على حجيّة الظن، في مقدّمات الانسداد، فيما استُدلّ به على عدم وجوب الاحتياط.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في اجتماع الإكراه والرضا 

فلو سلّم اجتماعهما في مورد واحد، فيكون هذا المورد هو موضوع الإكراه والتراضي، ففرض الحكومة هو فرض تصادق الدليلين على مورد واحد، وإلا لو كان الدليل المحكوم غير صادق، فإنه لا معنى للحكومة، فهذا البيع تجارة عن تراضٍ وتجارة عن إكراه، ودليل الرفع دليل اقتضائي حاكم على الأدلّة الأوّلية، وناشئ من المصالح التي اقتضته.

وهنا كلام وهو الإشكال على الشيخ(1) ومن تبعه(2)، من أخذ التجارة عن تراضٍ بمعنى طيب النفس، لكان المستثنى منه مخصّصاً للعمومات الأخرى، كـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ(3) وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(4). ويكون الحكم الواقعي للمولى هو عدم حلّية أيّ عقد ما لم يكن تجارة عن تراضٍ، فإذا وقع عقد من دون الرضا كان باطلاً بحسب الدليل الأوّلي، فكيف يكون مشمولاً لحديث الرفع؟ فإن نفس الدليل الأوّلي للشارع يشترط طيب النفس، ومعه لا يمكن أن يكون 

ـــــــــــــ[264]ــــــــــ

(1) اُنظر: المكاسب 3: 333-334، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار.

(2) راجع حاشية المكاسب (للهمداني): 170-171، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، في الاختيار، حاشية المظفّر على المكاسب 1: 132، كتاب البيع، القول في شرائط المتعاقدين، في شرطية الاختيار، في إكراه بيع عبدٍ من عبدين، وغيرهما.

(3) المائدة: 1.

(4) البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

دليل الرفع دليلاً في المسألة، فهل هو دليل لولائي(1) من قبيل الأصل والدليل الاجتهادي؟

فإذا حمله على البيع من دون طيب نفس فهذا البيع لا حكم للشارع فيه، لكي يشمله دليل الرفع. 

نعم، على ذاك الاشتباه من إمكان اجتماع العنوانين يكون له وجه، إلّا أنَّنا نريد أن نحسب حساب الواقع، فهذا الذي يتمسّك بدليل التجارة لأجل طيب النفس، ويعتبر أن الإكراه هو عدم طيب النفس، كيف يمكنه التمسك بدليل الإكراه؟

وأما على المطلب الذي قلناه، هل يمكن أو لا؟

قلنا إن (ما أكرهوا عليه) عبارة عن التحميل القهري، كما هو أحد معانيه والموافق للقياس، وما هو المعتبر في المعاملات ليس هو طيب النفس بل هو الرضا، فالشخص المكره راضٍ، لكن الإكراه له موضوعية.

وطيب النفس بذلك المعنى لا يكرّه المعاملة، غير معتبر فيها، بل تصحّ المعاملة من دونه بلا إشكال.

فإذا كان الرضا عبارة عن الرضا المعاملي، والإكراه لا يرفع الرضا بل يجلب الرضا، فإن الرضا قد يحصل من الإكراه وقد يحصل من الحوائج النفسية؛ لأنه بعد الإكراه يقول: لا بُدَّ من إيقاع المعاملة دون تحمل الضرر، وهذا رضاء معاملي، فلو قال قائل بأن إطلاق دليل التراضي يعني (تجارة عن تراضٍ) 

ـــــــــــــ[265]ــــــــــ

() وهو خلاف ظاهرهم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يشمله، فإن الإكراه جلب الرضا لا أنه دفعه، فيكون هذا العقد مشمولاً لدليل الوفاء ودليل التجارة عن تراضٍ.

وما قلناه من أنَّ الرضا والإكراه لا يجتمعان، فإنما كان ذلك بالاستقلال، وأما هنا فأنا مكره إلّا أنَّي راضٍ بإيقاع المعاملة في طول الإكراه، فهل يمكن أن يقال: إن هذا حكم اقتضائي وذاك لا اقتضائي، بل هو دليل حاكم، كما في سائر موارد الحكومة، والدليل الحاكم مقدّم.

[تفسير الرضا بالمعاملة بالقصد ونقده]

يبقى سؤال واحد من قبلنا: وهو أن الرضا بالمعاملة، الذي ينسجم حتى مع الإكراه، هل هو بمعنى القصد؟ فإذا لم يقصد لم يكن تجارة حتى يكون تجارة عن تراضٍ، مع أن ظاهر الآية تقسيم التجارة إلى ما يكون عن تراضٍ وما لا يكون، وإذا كان معنى الرضا بالمعاملة هو صدورها عن دواعيه النفسية فقط، فهذا مما لا يجتمع مع الإكراه والإلزام. فلا يخلو الحال عن أمرين:

إما أن تقول: إن الرضا بمعنى القصد، فهذا خلاف ظاهر الآية.

أو بمعنى آخر، فهو لا يجتمع مع الإكراه، ولا يكون الدليل الثانوي شاملاً؛ لأن دليل التجارة عن تراضٍ لا تشمل العقد الذي صدر عن الإكراه، فيكون باطلاً بحسب الحكم الأولي.

نقول: إذا أخذنا الرضا بمعنى القصد، فهل يلزم النقض علينا في تمام الموارد؟ مع العلم أنه إذا صدق عنوان التجارة مع عدم القصد ولو في مورد يكفي في صحّة تقييد دليل التجارة عن تراضٍ بالتراضي. 

ـــــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فنقول: مرةً يكون الإلزام لكلٍّ من البائع والمشتري، بحيث لم يتوفّر القصد من كلٍّ منهما، لا تصدق المعاملة، وكذلك إذا كان البائع غير قاصد، فإنه أيضاً لا يصدق البيع، وأما إذا كان المكرَه هو القابل، والقابل يقبل البيع لا أنه يقبل الإيجاب فإن الإيجاب هو تمام ماهيّة البيع، فإن ماهيّة البيع هو النقل بالعوض وهو الذي ينشؤه البائع، والقبول إنما هو من باب (شكر الله سعيك) ومن قبيل إجازة الفضولي، ولهذا لا يبعد القول بإن رضاء القابل يكفي ولا يحتاج إلى القبول، وحتى لو قلنا بلزوم القبول، فإنه ليس معناه تأثيره في ماهيّة البيع بل هو مؤثّر في جعل الماهيّة مؤثّرة.

فإذا أوجب البائع وأكره المشتري على القبول، فالمعاملة حاصلة، إلّا أنَّها ليست عن تراضٍ منهما. فبناءً عليه يمكن أن الأمور القصدية تحصل بهذا المقدار، والآية تقول: إن الرضا هو المعنى الأعمّ.

هذا مع أن لزوم كون القيود تكون احترازية، محلّ إشكال، قلنا: أن إن قيد الرضا ليس احترازياً، وإنما ذكر باعتبار الغالب من أنَّ الموجود في عقود العقلاء هو الرضا وللكلام تتمّة.

على النحو الذي قلناه(1)، هل يمكن تحكيم دليل الرفع على الأدلة؟ وهذا الإشكال الذي يرد علينا ماذا نصنع به؟

وحاصله: أن الرضا في الآية إما أن يكون بمعنى قصد المعاملة بحيث لولاه 

ـــــــــــــ[267]ــــــــــ

()ذكر أوّلاً: عدم إمكان الالتزام بحكومة دليل الإكراه على دليل التجارة عن تراضٍ على مسلك الآغايون، ثُمّ ذكر ذلك على مسلكه فقال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

لا تتحقّق الطبيعة ولا تصدق التجارة، فلا يصحّ تقييد التجارة بالتراضي. وإما أن يكون الرضا بمعنى ما كان في مقابل الإكراه، فيعود ذلك الإشكال وهو أن الرضا الذي اعتبر في الأدلة الأولية هو ذلك، فلا تكون حكومة لدليل الإكراه.

نقول: هذا لا يرد، والرضا بمعنى القصد لا معنى له؛ لأن القصد من الأوصاف الانفعالية للنفس، والرضا من فعاليات النفس، بل الرضا لا بمعنى القصد ولا طيب النفس، بل بمعنى التسليم بالمعاملة و(تن دادن)(1)، وهو أعمّ من الرضا الذي يحصل بجور الجائر، أو الذي يحصل من المبادئ النفسية والأغراض الخاصّة وعند الإلزام وإن كان طيب النفس غير موجود إلّا أن الرضا غير موجود.

بناءً عليه تبقى قصة واحدة، وهو أن قيد الآية هل يكون احترازياً؟ 

نقول: هذا القيد من جهة لا يكون احترازياً؛ لأنه هنا في الآية عندنا مفهوم الحصر، كما أشرنا إليه وسوف يأتي لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ(2) ومصداق المستثنى منه هو التجارة، بحيث سواء كان القيد موجوداً أو لم يكن فإن مفهوم الحصر لا يختلف.

وأما (عن تراضٍ) فهو مفهوم القيد، والقيد فيما إذا لم يكن غالبياً ليس له مفهوم، فضلاً عما إذا كان غالبياً، إذن فليس له مفهوم لنقول إنه عندنا (تجارة عن تراضٍ) و(تجارة لا عن تراضٍ) والآية تخرج أحدهما. وحتى لو قلنا بمفهوم القيد 

ـــــــــــــ[268]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية بمعنى: تسليم الشخص بالمعاملة.

(2) النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فليس ذلك في القيد الغالبي، فيكون حال هذه الآية حال آية الربائب في الحجور، والتراضي أخذتموه بمعنى أعمّ من الإكراه، فيأتي الإشكال. 

نقول: إنّه لا يريد أن يقول: إن البيع مع عدم الإكراه باطل، وإنّما هو قيد ورد مورد الغالب.

إذن فالمعتبر في الآية هو الرضاء المعاملي سواء كان صادراً عن الحوائج النفسية أو الإكراه، وهذا وارد في تمام عمومات تنفيذ العقود والشروط، إذن تكون حكومة دليل (رفع ما أكرهوا عليه) باقية على محلّها.

إشكالٌ في شمول الأدلة العامة للمكره 

وهنا إشكال آخر يرد علينا جميعاً، إلّا مع الالتزام بالدليل اللولائي.

وحاصله: هو أنه في محيط العقلاء والمحاكم العقلائية، إذا حبسه وأكرهه على (القبالة) ثُمّ جاء إلى المحكمة يطالب بالثمن. ويقول: إن إكراهي له وإن وقع ظلماً إلّا أنَّه قد كتب القبالة وقرّرها فيجب أن يقف عند قراره، إذا عمل ذلك لم يعتن به العقلاء، ويقال له بأن المعاملة غير ملزمة.

فإذا كان الأمر كذلك في محيط العقلاء فالأدلّة العامة الواردة من قبيل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) و”المؤمنون عند شروطهم(2)، نفهم منها نفس ما يقوله 

ـــــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

(2) الاستبصار 3: 232، كتاب النكاح، الباب 142، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 371، كتاب النكاح، الباب 31، الحديث 66، وسائل الشيعة 21: 276، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العقلاء من أنَّ الرجل لا بُدَّ وأن يقف عند قوله، فهل يكون دليل (المؤمنون عند شروطهم) شاملاً لما إذا أكره على إعطاء القول والشرط باعتباره قولاً وشرطاً، أو يضحك العقلاء على ذلك ويقولون إن هذا غير مشمول للدليل؟

فننتقل من ذلك إلى أن (تجارة عن تراضٍ)، تقول: نفس هذا المعنى العقلائي، من أنَّ الإكراه على المعاملة غير ملزمة، وتقول إن البيع بالإكراه أكل للمال بالباطل، فلو لم يكن عندنا دليل الإكراه ولا قيد التراضي في الآية، كانت أدلّة الوفاء قاصرة الشمول للمعاملة الصادرة عن الإكراه، ولا يمكن أن يقال: إنه يجب الالتزام بالعقد الإكراهي، باعتباره عقداً أو التزاماً، فإن هذا مما لا يمكن الالتزام به.

فلا يمكن بالأدلّة الشرعية تصحيح بيع المكره، ولا ببناء العقلاء، وعدم ردع الشارع، إذن فالاستدلال بالأدلّة الأخرى من قبيل الاستدلال بالأصول مع وجود الدليل الاجتهادي، وليست أدلّة عرضية، بل هي في رتبة متأخّرة، يعني مع فرض أن إطلاق أدلّة (أوفوا بالعقود) و(تجارة عن تراضٍ) يشمل إطلاقها للمعاملة الإكراهية، فنرفعه بدليل الإكراه.

إذن فلا بُدَّ أن يقال: إن دليل بطلان المعاملة المكره عليها هو عدم شمول الإطلاقات له، وسيرة العقلاء على عدم ترتيب آثار المعاملة عليه، إذن فلا بُدَّ أن نقول على عكس ما يقوله الشيخ محمد حسين(1) من أنَّ دليل الإكراه خاصّ 

ـــــــــــــ[270]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشيته على المكاسب 2: 41، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، الشرط الثالث: الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالمعاملات(1)، نقول: إن دليل الإكراه غير مربوط بباب المعاملات أصلاً.

وأمّا قضية: أنه بعد أن قلنا إنه يمكن الجمع بين الرضا والإكراه بنحو جزء السبب -مع غضّ النظر عن هذه الكلمات التي قلناها- هل نقول: أن المعاملة صحيحة؛ لأن الرضا متوفّر فيكون موضوعاً لوجوب الوفاء، أو أن دليل الإكراه حاكم عليه؟

نقول: الحكومة هنا خلاف الظاهر من دليل الإكراه، فإنه ظاهر بالاستقلال وكون الإكراه تمام الموضوع ليكون مرفوعاً، وأما إذا كان جزء الموضوع فلا يكون مشمولاً للدليل، وأما (تجارة عن تراضٍ) فليست مقيدة بأن لا يكون الرضا عن إكراه، فيشمله الدليل لوجود الرضا المعاملي.

فإذا صدرت المعاملة عن الحوائج النفسية وعن الإكراه معاً، فإنه يشمله دليل التجارة، لعدم إمكان أن نقول إنه ظاهر باستقلال الرضا، إلّا على ما قاله الآغايون من كون الرضا بمعنى طيب النفس، فيكون مشمولاً للآية، ويكون دليل الرفع قاصراً عنه، فتقع المعاملة صحيحة.

وكذلك الحال في صورة ما إذا كان الإكراه والرضا كلٌّ منهما تمام العلّة، إذا أمكن فرض المستحيل من إمكان الجمع بين هاتين العلّتين المستقلّتين، لكن في مقام صدور الفعل عند اجتماعهما، يكون كلٌّ منهما جزء الموضوع لا محالة، إذن فتجارة عن تراضٍ بناءً على قولنا حاصل ودليل الإكراه لا يشمله. 

ـــــــــــــ[271]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشيته على المكاسب 2: 41، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، الشرط الثالث: الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وأما بناءً على مبنى الآغايون: فلا يشمله كِلا الدليلين. وحينئذ هل نتمسّك بإطلاقات الأدلّة الأخرى، أو أن هذا أيضاً لا يمكن؟ إذ إنَّها بعد التقييد بالتراضي أصبحت غير قابلة للتمسّك بها في هذا المورد أيضاً.

بقي هنا بعض الفروع المختصرة التي يذكرها الشيخ(1):

منها: ما إذا كان مهدّداً في مقام الإكراه بضرر لا يصل إليه، فنقول: أما إذا كان من يقع عليه الضرر أجنبياً عنه بالمرّة من قبيل أن يقول له شخص: (بِعْ وإلا أنتحر)، فله أن يجيب: (أنت تنتحر باختيارك)، ولا يكون الإكراه صادقاً، وأما إذا كان من أقاربه كولده مثلاً ويقول له ذلك، فإنه يصدق الإكراه(2).

فيما إذا رضيَّ المكره بالبيع 

إذا رضى المكره بالمعاملة وأجازها بعد ذلك، فهل هذه الإجازة مطلقاً مصحّحة للبيع، أو مطلقاً لا أثر لها، أو هناك تفصيلاً بين المقامات؟ يتصوّر في المقام صور لا بُدَّ أن نرى ماذا ينبغي أن نقول فيها:

أحدها: أن يكون المكره معتقداً أن هذه المعاملة تقع صحيحة فعلية، لجهله بأن الحكم ليس كذلك، وهو غير ملتفت إلى التورية فيوقع المعاملة باعتقاد صحتها.

ـــــــــــــ[272]ــــــــــ

() المكاسب 3: 321، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، مسألة: من شرائط المتعاقدين الاختيار.

(2) وهنا سأله شخص عن الشفقة الدينية. فأجاب: بأنها أيضاً لا يصدق عليها الإكراه. (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الثاني: أنه يعلم أنها من دون الإجازة باطلة فعلاً، ولا يترتّب عليها الأثر، لكن يحتمل ترتّب الرضا عليها، ويعتقد أنها تصحّ به، أو يعلم بتعقّب الرضا.

الثالثة: أنه يعلم أنه لا يترتّب الأثر عليه، ولا الإجازة في صحّتها، أو يرى أن الإجازة مؤثّرة، إلّا أنَّه يعلم أنه لن يجيز.

ففي الصورة الأولى: وهي التي يعتقدفيها أن المعاملة صحيحة، والإكراه لا يسبب بطلانها، وأنها صحيحة يترتّب عليها الأثر فعلاً. نرى أنه هل يمكن أن يقال في هذه الصورة إن مفهوم العقد لا يصدق على هذه المعاملة، فلا بُدَّ أن نرى أن هذه المعاملة تختلف عن معاملة المختار في أيّ جهة حتى نرى أن هذا الاختلاف هل له دخل في ماهيّة المعاملة وتحقّق المفهوم؟ وحيث إنَّه غير متوفّر في معاملة المكره إذن لا يصدق عليه العقد، وإذا لم يصدق العقد لا تفيد الإجازة. 

وما قيل في اختلافهما أحد أمرين:

أحدهما: إنهما يختلفان من حيث المبادئ، فمبادئ معاملة المكره كانت قائمة على إلزام الملزم، وقلنا بأنه اختار جانب العقد على الضرب، وحينئذ أراد العقد وقصد مضمونه وأوجده، وأما ذاك الذي أتى بالعمل من دون إكراه وطبقاً لحوائج نفسه، رأى المصلحة في إيجاد العقد وأوجده، فالاختلاف بينهما بحسب المبادئ، فذاك أوجده بإلزام الملزم وهذا اختاره بحسب الطبع، وإن كانا يتّفقان في وجود الاختيار والقصد والتصوّر والتصديق.

الاختلاف الآخر: أنّ عقد المكره -إما عند العقلاء وإما عند الشارع- لا 

ـــــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يترتّب عليه الأثر فعلاً، وعقد غير المكره يترتّب عليه الأثر بالفعل.

فلا بُدَّ أن نحسب حساب هذا، وهو أن هذا الاختلاف بينهما هل له دخل في مفهوم العقد أو لا؟

نقول: إذا قلتم إن كونه ذا أثر دخيل في ماهيّة العقد ومفهومه، أن كونه ذا أثر له دخل بمفهومه أو بالحمل الشايع، نظير ذاك المطلب الذي قلناه لمن عنون البحث هكذا: هل العبادات موضوعة للصحيح أو للأعم(1)

قلنا: إن عقد البحث ليس بهذا النحو؛ لأنه معه لا طريق لنا إلى إثبات الوضع للصحيح، فإن قلتم: إن الدخيل هو مفهوم الصحيح، فلا بُدَّ أن نقول إن الصلاة عبادة مقيّدة بعنوان الصحيح، وهذا لا يلتزم به أحد، وإذا قلتم: إن ما هو دخيل هو الصحيح بالحمل الشايع، فما هو الصحيح هو أفراد الصلاة الخارجية، فلا بُدَّ من الالتزام بوضع الصلاة للأفراد، وإذا استعملت في الكلّي كان من قبيل التجريد والمجاز، وهذا أيضاً مما لا يمكن الالتزام به.

هنا أيضاً يقال: إنّ ما هو دخيل في المعاملة هل هو مفهوم المؤثّر، وأن البيع ليس هو مبادلة مال بمال مطلقاً، بل هو مبادلة مال بمال مؤثّر، بحيث تدخل مفهوم (ذو أثر) بالحمل الأولي فبها؟ 

ـــــــــــــ[274]ــــــــــ

() اُنظر: منهاج الوصول 1: 142، مقدّمة لعلم الأُصول، الأمر الحادي عشر: في المبحث المعروف بالصحيح والأعمّ، المقدّمة الثانية: في الإشكال على التعبير عن المبحث، وجواهر الأُصول 1: 264، الأمر الحادي عشر: في المبحث المعروف بالصحيح والأعمّ، الجهة الثالثة: فيما ينبغي عقد عنوان البحث.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

هذا لا يوافق عليه العرف ولا اللغة ولا العقل، وإذا قلتم إن القيد هو المؤثّر بالحمل الشايع، فما هو مؤثّر بالحمل الشايع هو عبارة عن العقود الخارجية المترتّب عليها الأثر.

فلا بُدَّ أن تقولوا: إنّ الوضع عامّ والموضوع له خاصّ في العقود، فالبيع ليس هو مبادلة مال بمال، بل المبادلة التي يكون لها أثر بالحمل الشايع، إذن فلا بُدَّ أن يكون مفهوم البيع قد وضع لأفراد المعاملات الموجودة بالحمل الشايع، وإلّا لو لم توجد في الخارج لا يكون من التأثير بالحمل الشايع، وهذا أيضاً خلاف العرف واللغة، فإنهم يرون أن ماهيّة البيع كلّية قابلة للصدق على كثيرين، لا أن الوضع مطلق والموضوع له مقيّد.

إذن لا يمكن أن يقال: إن ترتّب الأثر دخيل في مفهوم المعاملة والمعاوضة، فهذا الفارق لا يمكن أن يكون دخيلاً في المفهوم، فعقد المكره والمختار يتّفقان في الاختيار والقصد، غايته يترتّب الأثر على أحدهما دون الآخر، وهذا الذي يترتّب على الشيء في الوجود وتابع لتحقّق الماهيّة في الخارج لا يمكن أن يكون دخيلاً، في مفهوم العقد.

أما المبادئ البعيدة، إذ يقال: إن معاملة المكره قائمة على إلزام الملزم، فإنه اختار العقد وقصده على أساس ذلك، فهذا أيضاً مما لا يمكن أن يكون دخيلاً في مفهوم المعاملة، إذ كيف يكون شيء متقدّماً على وجود المعاملة بمراتب يكون دخيلاً في مفهومها؟ هذا لا يعقل، فتمام الأمور مشتركة بين عقد المختار والمكره، إلّا في أمر متقدّم -من مبادئها- وأمر متأخّر -من آثارها- وهما غير ـــــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

مربوطين(1) بماهيّة المعاملة.

وأمّا صورة أنه يعتقد أن البيع لا يترتّب عليه الأثر فعلاً، لكنّه يحتمل أن المصالح والمفاسد بعد ذلك تقتضي أنه سوف يرضى بالمعاملة، فهذا نؤجلّه إلى ما بعد التكلّم في الصورة الثالثة.

الصورة الثالثة: وهو أن المكره على إيجاد المعاملة يعلم أن هذه المعاملة لن يترتّب عليها الأثر، وهو بانٍ على عدم الرضا بهذه المعاملة، فهل يمكن الجدّ في هذه المعاملة وتمليك العين بالعوض جداً؟

فإن تمليك العين بالعوض صورياً وهزلاً ليس إيجاداً لماهيّة البيع، وهذا موجود في من يعلم بعدم ترتّب الأثر، كالفضولي الذي يعلم بعدم إجازة المالك إلى الآخر، والموجب الذي يعلم بعدم قبول القابل، أو في بيع الصرف الذي يعلم بعدم القبض في المجلس، ففي هذه المعاملات -بعضها في محيط العقلاء وبعضها في محيط الشرع- إذا كان ملتفتاً إلى المطلب كيف يمكن أن ينشئ إنشاءً جديداً؟ إذن فلا يكون تمليكاً للعين بالعوض أصلاً.

فليس أن المكرهين دائماً على شكل واحد، ويمكن تصحيح معاملاتهم 

ـــــــــــــ[276]ــــــــــ

() لا يخفى أن ظاهر كلام السيد الاستحالة ثبوتاً في أخذ ما هو متقدّم وما هو متأخّر في المفهوم. إلّا أنَّ هذا غير تامّ كما هو واضح، إذ كما يتصور أن الواضع يضع اللفظ لمطلق البيع كذلك يتصور أن يضعه للبيع الصادر من دون إكراه أو البيع المؤثّر أو غير ذلك من القيود. وغاية ما يلزم هو ضيق الجامع الكلّي الموضوع له، وهو بمحلّ من الإمكان كما هو واضح. إلّا أنَّه غير صحيح إثباتا لغة وعرفاً كما هو واضح أيضاً. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالإجازة، فإنه قد لا تكون المعاملة جدّية أصلاً، فلا تصلح لترتّب الأثر عليها حتى بالإجازة، ويكون حالها كما لو عقدت النكاح بين هاتين الاسطوانتين أو المنارتين، فأنت الذي تعلم بعدم ترتّب الأثر أصلاً، لا يمكن أن تحصل المبادئ في نفسك. 

وما يقال من أنَّ الإنشاء خفيف المؤونة غير صحيح، إذ إنَّ الإنشاء كسائر أعمال الإنسان لا بُدَّ له من مبادئ لا يمكن إيجاده بدونها، والملتفت إلى أطراف القضية يستحيل أن يتحقّق منه الجدّ، فكما أن بيع الهازل والساهي والنائم ليس بيعاً ولا تمليكاً للعين بالعوض ولا يترتّب عليها الأثر أصلاً كذلك في المقام.

نعم، هنا إشكال عقلي ذكرناه في أوّل بحث البيع، وهو: أن المكره الملتفت إلى أنَّه لا يترتّب عليه الأثر، ويحتمل أنه يجيز بعد ذلك، وفي بيع الفضولي الذي يعلم إجازة المالك أو له رجاء الإجازة، أو في نفس الإيجاب كيف يحصل لك الجدّ إلى الإيجاب مع أنه لا يترتّب عليه أيّ أثر، والقبول ليس تحت اختيارك فإنه من أفعال الطرف الآخر، فهل إنشاؤك على فرض وتقدير يعني (لو قبلت بعتك)؟ هذا أيضاً ليس كذلك، بل هو تمليك فعلي، فكيف يمكن الجدّ نحوه مع العلم أنه لا يترتّب عليه الأثر، أو نقول: أنه ليس جدّياً ومع ذلك رتّب الشارع والعقلاء عليه الأثر؟ هذا أيضاً لا يمكن.

وهذا مشترك الورود في الإيجاب قبل القبول، وفي الفضولي قبل الإجازة، وفي المكره الذي يعلم بتحقّق الإجازة وبين المكره الذي يعلم بعدم تحقّق الإجازة، فما قلناه فيها نقوله فيه، والحل الحلّ.

ـــــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نقول: هناك فرق بين هذين الأمرين، فإن قضيّة المعاملات ليس قضية التأثير العلّي، وإنّما هو موضوع ترتّب الأثر العقلائي، فليس أن الملكية لها تحقّق خارجي بقطع النظر عن الاعتبار العقلائي، وإنّما الباب باب الاعتبار العقلائي، فإن العقلاء يعتبرون الملكية بالحيازة والملكية بإنشاء التمليك، فالمعاملة تعمل موضوع اعتبار العقلاء، فإذا رأيت أنا أن موضوع حكم العقلاء هو ذو ركيزتين أحدهما مرتبط بي وهو الإيجاب والآخر مربوط بالآخر وهو القبول، وأن ما هو الموضوع هو الإيجاب الجدّي، وحيث أريد تحقيق موضوع الحكم العقلائي يخرج الإيجاب من الهزل إلى الجدّ.

فإني لا أستطيع إيجاد الأثر، وإنّما يوجده الاعتبار العقلائي، بحيث لو كان العقلاء لا يعتبرون المعاملة ولا يرون ترتّب الأثر عليها، وعملتها مستقلّاً لا تكون صحيحة، إذن فأنا أوجد موضوع حكم العقلاء.

وأما إذا رأيت أن هذا سوف لن يقبل أو ليس لي قابل أصلاً، كما لو قلت للحائط: (ملكتك)، أو علمت أنَّ المالك لن يجيز أو علم المكرَه أنه لن يجيز بعد ذلك، فيكون موضوع حكم العقلاء غير قابل للتحقّق، فكيف يمكن أن أقصد الجدّ إلى تحقّق الموضوع؟!

ففرق بين المكره الذي يرى المعاملة صحيحة أو يحتمل تحقّق الإجازة أو يعلم بتحقّقها بعد ذلك، وبين من يعلم بعدم تحقّقها، فإن الأخير لا يمكن أن يحصل منه الجدّ إلى المعاملة.

وأما صورة ما إذا أوجد المعاملة بنحو الرجاء بأن تتحقّق الإجازة في 

ـــــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

المستقبل، فيحصّل فيها الجدّ، فإننا لا نريد قصد الوجه والتعيين في العبادات، فضلاً عن المعاملات، فيمكن أن أبيع عباءتي لعلّها تظهر أنها لي، فتكون معاملة صحيحة عند العقلاء والشارع.

فمحصّل هذه الصور: أنه إذا كان يعلم ترتّب الأثر أو يرجو تعقّب الإجازة فلا تخرج المعاملة عن مفهوم المعاملة، وأما إذا كان جازماً بعدم ترتّب الأثر -وإن كان الواقع خلافه- لا يحصل إنشاؤه الجدّي، ولا تفيد تحقّق الإجازة بعده.

وما يقال: من أنَّ عنوان المعاملة لا يصدق على البيع الصادر عن إكراه، ولذا لا يقبل الإجازة والرضا. 

ليس مستنده أن العاقد غير طيب النفس، فإن طيب النفس غير معتبر إلّا أن المالك ليس طيب النفس، فإنه غير دخيل في المعاملة، أو قيل إنَّ الأثر غير مترتّب عليه، فلا يصدق عليها عنوان المعاملة. أو قيل: إنّ المعاملة التي وجدت مبادؤها عن إكراه لا يصدق عليها المعاملة، كلّ ذلك مشترك في هذا المعنى وهو أن: مفهوم العقد عبارة عن تمليك عين بعوض أو مبادلة مال بمال، ولم يؤخذ في الماهيّة ما هو من مبادئ وجودها أو من آثار وجودها، فإنه يستحيل أن يؤخذ في الماهيّة ما هو متقدّم عليها أو متأخّر عنها رتبة.

وإنما يستطيع أن يقول من يدّعي عدم صدق المعاملة: إن مبادئ وجوده غير متحقّقة، ولا طريق له إلى القول: بأن مبادئ وجوده متحقّقة، ولكن أخذ فيه أمر من مبادئ المعاملة أو من آثارها، فإن هذا معناه أن مبادئ الشيء السابقة 

ـــــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

على وجوده أو آثاره المتأخّرة عن وجوده له دخل في قوام ماهيّة الشيء وهو مستحيل، فإن الوجود شيء والماهيّة شيء آخر، فإن الماهيّة قد تكون موجودة وقد لا تكون موجودة فضلاً عن مبادئ العقد.

وبعد أن كانت ماهيّة البيع عند العقلاء، هو تمليك مال بعوض، حينئذٍ لا يمكن أن نأخذ القصد أو الجدّ في الماهيّة، لا أن نعتبرها من محقّقاتها.

نعم، إن المعاملة لا تتحقّق ماهيّتها في الخارج إلّا بالمبادئ وبالجدّ والقصد، إلّا أنَّ الماهيّة شيء والمبادئ شيء آخر.

فإذا لم يكن للمبادئ والقصد والجدّ والآثار دخل في ماهيّة المعاملة، نرى أن هذا الذي أوجد العقد عن إكراه باعتقاد أنه عقد صحيح كسائر العقود، ولذا قصده جدّاً، فمن يقول بعدم وجوده هل يقول ذلك لعدم وجود الجدّ؟ هذا خلاف الفرض. أو لعدم القصد؟ فالمفروض أنه غير ملتفت إلى التورية ويتخيّل صحّة العقد، أو لأنه أوجده دون تصوّر أو تصديق بالفائدة؟ كلّ هذا موجود. أو أن طيب النفس غير موجود؟ فطيب النفس غير دخيل في مفهوم المعاملة، وقلنا إنه غير دخيل حتى في صحّة المعاملة، وحتى من يقول بدخالته في صحّتها لا يقول بدخالته في مفهومها، مضافاً إلى أنَّه يستحيل أن يكون الرضا وطيب النفس وآثار الوجود دخيلة في الماهيّة.

فليس لمن يدّعي عدم صدق المعاملة في الخارج إلّا أحد مدّعيين: إما أن هذا ليس تمليكاً بعوض؛ لأنه ليس فيه رضا أو قصد، وإما أنه تمليك بعوض، ولكن مبادئ وجوده غير متحقّقة. كما قلنا فيما إذا علم أنه لا يترتّب على المعاملة 

ـــــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أثر أصلاً أو لا تتعقّبه الإجازة، فإنه حينئذٍ لا يحصل له الجدّ للمعاملة ولا توجد المبادئ الوجودية للمعاملة، لا بمعنى أن الجدّ دخيل في مفهوم المعاملة، بل بمعنى أنه لا يحصل لديه الجدّ إلى تمليك العين بالعوض، فالمبادئ الوجودية غير موجودة، أما إذا احتمل تحقّق الأثر فقد قلنا إنه يحصل الجدّ وتوجد المبادئ الوجودية للمعاملة، فإذا تحقق ذلك، ومع ذلك يقول المدّعي بعدم تحقّق المعاملة، فلا بُدَّ أن يقول بدخل أمور أخرى في المعاملة وهي غير متحقّقة، وقد قلنا إن ذلك مستحيل.

إذن فهذا العقد تامّ كسائر العقود وإنّما لا يترتّب الأثر لأن الشارع رفع ما أُكرهوا عليه، أما تتميم المطلب من ناحية عدم صدق العقد فهذا لا يمكن.

وجهٌ آخر لبطلان المعاملة 

يبقى أن نبطل المعاملة من نواحٍ أخر:

أحدها: أن يقال: إنك قبلت أن بيع المكره عند العقلاء ليس تامّاً ولا ذا أثر، وقبلت انصراف الأدلّة إلى المعنى العقلائي، حينئذٍ نقول: إننا لا نقبل أن العقلاء مثل الشرع عندهم عقد صحيح وعقد فاسد، بل الشارع أضاف على العقد العقلائي شروطاً، فانقسم العقد إلى صحيح وفاسد، ولا نقبل أن العقلاء عندهم صحيح وفاسد، فعقد المكره عند العقلاء ليس عقداً لا أنه عقد غير نافذ.

نعم، قد يقال إنَّه عقد عقلائي رفعه الشارع، كما سار عليه الآغايون، فإني لم أجدهم استدلّوا على بطلانه بكونه غير عقلائي.

أقول: عقد الفضولي عقلائي أو ليس بعقلائي؟ بل هو عقلائي محتاج إلى 

ـــــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الإجازة، وكذلك عقد المكره، وليس أنه ليس في محيط العقلاء عقد صحيح وفاسد، بل عندهم عقود فاسدة محتاجة إلى الإجازة. نعم، القبض في الصرف ونحوه تعبّدات شرعية خارجة عن محيط العقلاء، إذن فهذا الطريق أيضاً باطل.

وأما من ناحية: أن ما هو خارج كيف يكون داخلاً، بدعوى: أن عقد المكره خارج من الأوّل من الأدلّة العامة، فكيف يعود فيدخل فيها؟

نقول: إنه أصبح موضوعاً لها، فإن موضوع وجوب الوفاء هو العقد الذي فيه رضا، فهذا العقد قبل الرضا لم يكن موضوعاً له، وبعد حصول الرضا أصبح موضوعاً لـأَوْفُوا بِالعُقُودِ.

فهذا كلّه مما لا إشكال فيه.

وإنّما الإشكال في القواعد الخاصّة، وسوف نتكلمّ أن ما نحتاجه في عقد المكره هل هو الرضا أو الإجازة؟

[في اعتبار مقارنة الرضا للعقد]

وذلك بأن يقال: إن ما هو الخارج من عموم أَوْفُوا بِالعُقُودِ هو آية التجارة عن تراضٍ، بأن يدّعى في معنى الآية أن التجارة لا بُدَّ وأن تنشأ عن التراضي بحيث إنَّ الرضا حاصل من حين العقد، وكلّ شيء سوى ذلك داخل في المستثنى منه وهو أكل المال بالباطل(1).

ـــــــــــــ[282]ــــــــــ

(1) راجع مختلف الشيعة 5: 300-301، كتاب المتاجر، الفصل الثامن عشر: في الشروط، المسألة الثالثة: جواز بيع الشيء اليسير بأضعاف قيمته، كنز العرفان 2: 33-34، كتاب المكاسب، كتاب البيع، الآية الأُولى، مجمع الفائدة والبرهان 8: 155-156، كتاب المتاجر، الأوّل في المقدّمات، المقصد الثاني: في أركانها، الركن الثاني: المتعاقدان، الحدائق الناضرة 18: 373، كتاب التجارة، أحكام العقود والمعاملات، الفصل الأوّل: في البيع، المقام الثاني: في المتعاقدين، رياض المسائل 8: 219، التجارة، الأوّل: فيما يُكتسب به، الفصل الثاني: في البيع وآدابه، شروط البيع، الشرط الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الآن نتكلّم بعد تصديق تمام الخصوصيات التي قيلت في هذا التقريب: من أنَّ الآية يستفاد منها الحصر، وأنها حصر ما هو خارج عن أكل المال بالباطل ما كان تجارة عن تراضٍ، وأن ظاهر التجارة عن تراضٍ أنها تنشأ عن التراضي، وإلا كان من الأكل للمال بالباطل، إذا سلّمنا بكل هذا فهل نقول: إن العقد الذي يلحقه الإجازة صحيح أو لا؟

نقول: إن أكل المال بالباطل، كجميع الأمور التي قالها الشارع وحوّل فهمها إلى العرف، لا بُدَّ أن نرى أنه ماذا يفهم العرف منها.

فعلى فرض أننا فهمنا الحصر ولزوم التراضي، مع ذلك يقول العرف: إن العقد يحتاج إلى الرضا، لا بمعنى الرضا السابق، بل إذا تعقّبته الإجازة يقول العرف إنه ليس أكلاً للمال بالباطل، بل هو أكل للمال بالحقّ، والشارع لم يتعبّدنا أن ما هو حقّ عند العقلاء باطل عندي، إلّا بدليل خاصّ، وهو مفقود في المقام، إلّا في رواية أعتقد أنها تشير إلى الباطل العرفي.

فالعرف يرى أن عقد المكره الذي تتعقّبه الإجازة صحيح، وكذلك في الفضولي، وإلا لزم أن يقال: إن أدلة تنفيذ الفضولي تخصيص للآية، مع أنها غير قابلة للتخصيص، وتخصيصها مستهجن، من قبيل أدلّة (ما خالف كتاب الله 

ـــــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

باطل أو زخرف أو لم نقله)(1) فلا يمكن أن نقول إن هذا باطل أجازه الشارع، ولهذا لا يمكن أن نقول إن عقد الفضولي داخل في أكل المال بالباطل، ومع ذلك استثناه الشارع وأجاز أكل المال بالباطل.

هل يمكن الاستدلال بالآية على البطلان مع الإجازة

وواقع المطلب هو أن عقد الفضولي بعد إجازة المالك ليس أكلاً للمال بالباطل، وكذلك عقد المكره، وليس أن العقلاء يرون أن هذا أكلاً للمال بالحقّ ولكن الشارع ألحقه بالباطل، فإنّهم يرون الرضا تمام الموضوع سواء قارن العقد أو تأخّر عنه.

بناءً عليه، فإذا كان مرتكزاً ذلك عند العقلاء فإنما آتي بقيد الرضا باعتبار أن غالبية العقود كذلك، مضافاً إلى أنَّ العقد الغالبي لا مفهوم له، مضافاً إلى ما قاله صاحب (مجمع البيان)(2) في تفسير الآية من أنه في الآية قولان:

أحدهما: قول الإمامية والشافعية، وهو أن التجارة عن تراضٍ عبارة عن العقود الخيارية التي يعقبها الرضا كخيار المجلس، فمعنى الرضا هو سقوط الخيار بالتفرق، وفي الروايات دلالة عليه، إذ ورد في خيار المجلس: “البيعان 

ـــــــــــــ[284]ــــــــــ

() راجع الأحاديث الواردة في باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفيّة العمل بها في وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي… .

(2) اُنظر: مجمع البيان (للطبرسي) 3: 67، في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما(1)، وورد في خيار المعيب: “فذلك رضا بالبيع”(2).

فكأنّ صاحب (مجمع البيان) يريد أن يقول: إنه لا ينبغي أن يتخيّل أنه بمجرّد أن يقع المطلب فقد تمّ كلّ شيء، بل هو موقوف على عدم فسخ الآخر؛ نعم إذا اختار العقد كان من التجارة عن تراضٍ، ولم يكن أكلاً للمال بالباطل، والرضا معناه طرح الخيار.

وطبعاً هذا خلاف ظاهر الآية، وخلاف ظاهر المتأخّرين من علمائنا، وأما المتقدّمين فلم أراجع كلماتهم لضيق الوقت ككلام الشيخ في (التبيان)(3).

بناء على استفادة الحصر من الآية ويكون ظاهر التجارة عن تراضٍ، نرى أنه هل يمكن الاستدلال بالآية على بطلان بيع المكره، مع تعقّب الإجازة؟ 

قلنا: إن هذه الجملة حينما تُلقى إلى العرف، وإن كانت التجارة ملحقة بكلمة الرضا، وظاهرها نشوؤها عنه، إلّا أنَّ العقلاء يرون بمناسباتهم 

ـــــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 74، كتاب المعيشة، الباب 70، الحديث 6، وتهذيب الأحكام 7: 20، كتاب التجارات، الباب 2، الحديث 2، وسائل الشيعة 18: 6، باب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3، وجامع أحاديث الشيعة 23: 362، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب الخيار، باب 1، الحديث 3، الإلمام بأحاديث الأحكام 2: 515، السنن الكبرى 4: 7.

(2) الكافي 10: 70، كتاب المعايش، الباب 70، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 24، كتاب التجارات، الباب 2، الحديث 19، ووسائل الشيعة 18: 13، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1.

(3) اُنظر: التبيان في تفسير القرآن 3: 177-179، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العقلائية أن تمام الموضوع هو أن لا يكون من دون رضا. أما عند إلحاق الرضا بالتجارة فلا يرونه أكلاً للمال بالباطل، فالإلحاق بالرضا يلغيه العقلاء بمناسبات الحكم والموضوع، نظير سائر القيود التي ليس لها خصوصية، مثل قول زرارة: “أصاب ثوبي دم رعاف(1) الظاهر في كون الموضوع هو الثوب، وأنه لزرارة، وأن الدم دم الرعاف، لكنّها عند العرف أن الحكم إما ماهيّة الدم أو ماهيّة النجس، وليس هذا من باب القياس بل من باب إلغاء الخصوصية، والفهم من نفس الكلام.

فهنا أيضا يدّعى كذلك، أنه إذا قرأت الآية على العرف لا يأتي إلى ذهنه أن التجارة إذا كان إلى جانبها الرضا فهو أكل بالحق، وأما إذا لم يكن إلى جانبها الرضا فالشارع يريد أن يجعل هنا تعبّداً خاصّاً، على خلاف مجرى العقلاء، هذه أمور لا تخطر في أذهان العقلاء، إلّا بتصريح خاصّ.

فهذا وجه عرفي، يتمّ حتى على فرض ظهور الآية بالمطلب.

جهة أخرى قلناها سابقاً وأقولها تنبيهاً، وهي أنه على فرض الحصر وظهور التراضي بكونه ملحقاً بها. نرى أن ما استثنى وحصر به الحكم ما هو؟ هل هو خصوصية التجارة عن تراض أو عنوان أعمّ من ذلك؟

نقول: إنه إذا ألقي إلى العقلاء لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ 

ـــــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) الاستبصار 1: 183، كتاب الطهارة، الباب 109، الحديث 13، تهذيب الأحكام 1: 421، كتاب الطهارة، الباب 22، الحديث 8، ووسائل الشيعة 3: 402، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يفهمون أن ما هو سبب الجرم هو الباطل، لا كونه مالاً ولا كونه لنا ولا كونه بيننا، كلّ ذلك لا دخل له. وإنما تمام ما له دخل هو كونه باطلاً، وإن سبب النهي هو البطلان.

ثُمّ استثنى من هذا أمراً آخر، ورأى العقلاء أن ما استثناه الشارع ليس من الباطلات، فإن التجارة عن تراضٍ صحيحة عند الشارع والعقلاء، فيفهمون في ذلك الطرف أن تمام العلّة هو الباطل، ولا يمكن أن يعطي الشارع الإجازة للباطل، فيفهم من ذلك الطرف أن التجارة أجيزت لكونه حقّاً ومقابلاً للباطل.

فهل خصوص التجارة عن تراضٍ هو الذي استثني، أو كما كانت النكتة هناك هو البطلان، وهو علّة للحكم، يفهم في مقابله أن تمام العلّة هو الحقّ، لا أن التجارة بعنوان التجارة له دخل، أو أن التراضي له دخل.

ثُمّ نرى أن المعاملة التي ألحق بها الرضا، يقول العقلاء إن هذا من مصاديق الحقّ لا من مصاديق الباطل، فإذا كان الباطل تمام الموضوع وتمام العلّة، فهذه المعاملة خارجة عنه، حاله -يعني الباطل- حال سائر الموضوعات الأخرى التي ألقى الشارع مسؤولية فهمها إلى العرف، وليس له فيها اصطلاح جديد.

إذن فحرمة الأكل لا تشمله وغير داخل في المستثنى منه؛ لأنه إذا أخرج من الباطل دخل بالحقّ لعدم الواسطة بينهما عرفاً، ومن التقابل بين العنوانين في الآية نفهم أنه من مصاديق التجارة عن تراضٍ.

وإنما قيّدت التجارة بالتراضي باعتبار كونه فرداً غالبياً شايعاً في أسواق العالم، والآية لا تريد استثناء التجارة عن تراضٍ، بل أوردت هذا كمثال لما هو حقّ عند العقلاء باعتبار كونه فرداً غالبياً.

ـــــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [بيان نوع الاستثناء في الآية]

الآن يأتي كلام آخر، وهو: أن الاستثناء متّصل أو منقطع، ثُمّ إنَّ الاستثناء المنقطع في كلام الباري تعالى لا يمكن وقوعه، فلا بُدَّ من إرجاع تمام الاستثناءات المنقطعة إلى المتّصلة. 

أو أن كلامه تعالى مثل سائر كلمات البلغاء، وليس أن الشارع تعبّدنا في المقام بأمر معيّن، والقرآن مشحون بالمبالغة والمجازات والكنايات، ولعلّه الغلو، مشحون بما هو موجود في كلمات الآخرين.

وما يقوله السيد(1) من أنَّ كلّ الاستثناءات المنقطعة في سائر الكلمات تعود إلى الاستثناء المتّصل، فقولنا: (جاء القوم إلّا الحمار)، يراد بالقوم هم مع سائر لواحقهم، ثُمّ يقول ليس عندي من كتب النحو، -ولم يعلم أن هذه ليست مسألة نحوية، بل يرجع فيها إلى علوم البلاغة وكتبها كـ(المطول)-، إلّا ابن الناظم وهو يوافقنا في المبنى(2).

فكأن السيد اقتنع بهذا المثال، ونحن وجدنا من كلمات البلغاء قوله تعالى: لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً(25) إلّا قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً(3) فعلى قوله لا بُدَّ أن نؤولها كما يلي: لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً ولا شيئاً آخر من الأقوال الطيبة إلّا قيلاً سلاما سلاماً، فينتج أنه لا كلام في الجنة أصلاً إلّا 

ـــــــــــــ[288]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 126، كتاب البيع، في شروط المتعاقدين، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار.

(2) اُنظر المصدر المتقدّم.

(3) الواقعة: 25- 26.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

قول: سلاماً سلاماً، كما أن قول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

 

بهـن فـلول من قراع الكتائب(1)

يجب أن نقول -على قوله- إنه لا عيب فيهم ولا حسن إلّا أنَّ سيوفهم مكسورة من الحرب، فهل أصبح هذا مدحاً لهم أنهم لا عمل لهم من حسن ولا قبيح إلّا اشتغالهم بالحرب، فيعود هذا إلى الذم، إذن فإرجاع الاستثناء إلى المتّصل يلزم منه القضاء على البلاغة.

مثلاً شخص يقول -بحسب الحقيقة الادّعائية-: (ما رأيت أسداً إلّا زيداً)، فلو قدرت: (ما رأيت أسداً ولا إنساناً إلّا زيداً)، يكون ذلك خلاف مقصوده، فإنه يريد بالانقطاع أن يدّعي اتّصاله، ونحوه: (ما رأيت حيواناً إلّا أنت) أو (ما رأيت مجنوناً إلّا أنت)، فلو قدّرت: (ما رأيت حيواناً ولا إنساناً إلّا أنت) انتفى المعنى المقصود للمتكلّم، فإنه -أي المتكلّم- يريد أن يدّعي هذا الاستثناء المنقطع متّصلاً.

أو أن تمام المبالغة يقتضي الانقطاع، كالبيت السابق فإنه يمكن تصويره على نحوين:

أحدهما: أنهم ليس لهم عيب أصلاً حتى استثنيه، فإن كان هناك عيب فهو هذا، وهو ليس بعيب، كما لو قلت: أنا ليس بي عيب إلّا الإخلاص للآغايون والجهاد في سبيل الإسلام.

ـــــــــــــ[289]ــــــــــ

(1) الأمثال لابن سلّام 1: 115، البديع في البديع لابن المعتزّ 1: 157، البلاغة العربيّة 2: 393.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ثانيهما: أنه يريد غاية المبالغة، بمعنى أن هذا الإنسان الذي له علوّ الشأن بهذا المقدار، هو عظيم بحيث يكون هذا عيب بالنسبة إليه، بحيث إنَّ الممدوح خارج عن طوق البشرية ولا ينبغي أن يمدح مثله بالشجاعة، فيأتي بالاستثناء بنحو منقطع يعني ما يعتبره الناس حسناً فهو عيب بالنسبة إليه، من باب أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذا وإن كان حسناً للممدوح في الواقع إلّا أنَّ المتكلّم يريد إفهام هذا المعنى وهو أن الممدوح فوق ذلك.

فليس أن الاستثناء المنقطع لا يرد في كلام الحكيم، بل من يريد أن يطبق كلامه على البلاغة لا بُدَّ أن يأتي بما يأتي به البلغاء، ومن ذلك الاستثناء المنقطع، وإلا لم يكن بلاغة ولا إعجازاً، وكلام أمير المؤمنين والقرآن مشحون بذلك.

فما قاله السيد من أنَّ كلّ استثناء يرجع إلى المتّصل، لا طريق إلى إثباته، نعم خصوص المثال الذي ذكره لعلّه كذلك، إلّا أن يريد المتكلّم تحقير القوم وادّعاء أن كلهم حمير، وإذا كان الحمار من متعلّقات القوم، فهل السلام من متعلّقات اللغو والتأثيم، أو نتمّمه بتقدير أنه ليس في الجنة من الكلام إلّا السلام؟ أو أنه- في الحقيقة- يريد أن يقول: إن الجنة ليس فيها لغو ولا تأثيم، فإن كان هناك لغو فهو السلام، فهذا تأكيد لذلك المعنى.

فإرجاع الاستثناء في المقام في قوله تعالى: لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(1) إلى المتّصل فيه زحمة كثيرة، وذلك بأن نؤولها بقولنا: لا تأكلوا أموالكم بشيء من الأنحاء إلّا أن تكون تجارة عن 

ـــــــــــــ[290]ــــــــــ

(1)  النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

تراضٍ، فإن تمام الوجوه غير التجارة عن تراضٍ باطلة، هذا على مبنى السيد وتبعه عليه النائيني(1).

فهذا الذي قلنا اعرضوه على تمام العقلاء تجدونهم يقبلونه، واعرضوا ما يقوله السيد ومن تبعه عليهم تجدونهم يرفضونه، فإنه لا يمكن ذلك إلّا بإضافة أمور إلى الآية خلاف الظاهر، فيمكن أن يكون الحال في هذه الآية كآية إلّا قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً(2)قد أتى بالاستثناء للتأكيد، فيكون المعنى أنه لا يمكن أصلاً إجازة أكل المال بالباطل، وحيث إنَّه لا يمكن أن يستثنى من ذلك شيء استثنينا التجارة عن تراضٍ، فإذا كان هذا باطلاً فقد استثنياه إلّا أنَّه ليس بباطل، إلّا أنَّه حينئذٍ لا يمكن فهم الحصر منه، إلّا ما قلناه من استفادته من المقابلة.

*****

     تلخّص مما قلناه في الآية، أنها كسائر الموضوعات العرفية العقلائية، وأن الاستثناء منقطع على ما هو ظاهره، وتكون المقابلة -بمناسبات الحكم والموضوع- بين الباطل والحقّ. 

[نقل مقالة السيد اليزدي]

الآن إننا نرى أخذ الباطل بمعنى الباطل الشرعي دون العرفي، فماذا يكون الحال؟ هل الآية لها خصوصية في أن نقصد من الباطل الباطل الشرعي، أو تمام 

ـــــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 199، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، مسألة من شرائط المتعاقدين الاختيار، الجهة الثامنة في تحقيق ما أفاده المصنّف.

(2)  الواقعة: 26.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الألفاظ؟ الظاهر منها ذلك: بأن يقال: إن هذه الأمور بما أنها اعتبارية ويمكن أن يختلف العرف عن الشارع فيها وبما أن الآية واردة في محيط الشرع فيقصد بها المعنى الشرعي.

وهذه الموضوعات غير الموضوعات التكوينية، كما لو قال الشارع: (الماء كذا) أو (التراب كذا)، فهذا يرجع به إلى العرف لا محالة، ولا معنى لأن يقصد به الشارع أمراً آخر.

وأمّا إذا كان من الأمور الاعتبارية التي قد تختلف بين الشرع والعرف، فإذا وقعت مثل هذه الأمور في الخطابات العقلائية فهي محمولة على المعاني العقلائية، أما إذا وقعت في لسان الشرع، فيدّعى انصرافها إلى ما كان عند الشارع باطلاً، فنقول بأن الآية مقصود منها الباطل الشرعي لا العرفي.

إلا أنَّ هذا لا يمكن الالتزام به ولم يلتزموا به؛ لأن لازمه أن جميع الأدلّة العامة الواردة في المعاملات تكون مفلوجة(1)، لأن نفس النكتة الموجودة في (الباطل) موجودة في التجارة فإنها أيضاً من الأمور الاعتبارية التي يحتمل اختلافها في الشرع عن العرف، فلا بُدَّ من تقييد الآية بمعنى: لا تأكلوا أموالكم بالباطل الشرعي إلّا أن تكون تجارة شرعية.

[دفع توهم الحصر في آية التجارة] 

ونفس هذا المعنى نقوله في العقود، وأنه منصرف إلى العقد الذي يقبله الشرع، فلا بُدَّ أن يسقط هذا العموم ونرفع اليد عنه، ولا بُدَّ أن نرجع في 

ـــــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) المفلوج هو المشلول، والمقصود هنا هو أن الأدلة الواردة في المعاملات تكون غير تامة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الصغريات إلى الشرع، ولا يمكن أن نقول أن (أوفوا بالعقود) دالّ على نفوذ العقود وصحّتها؛ لأن الموضوع هو ما رآه الشارع عقداً، ونحن في كلّ مكان نشكّ أن الشارع يرى هذا عقداً أو لا، لا بُدَّ أن نرجع إلى الشارع في تطبيقه.

وهذا مما لا يمكن الالتزام به، فإن الشارع تكلّم مع العقلاء بلسانهم، وليس هناك اختلاف بينه وبين كلام الناس مع بعضهم البعض يقلب(1) تمام الفقه، وكلّ الذي أسّسه الفقهاء على القواعد الشرعية نرفع اليد عنه، ولا بُدَّ أن تلتزموا أن هذه العمومات لم تأتِ لإفادة مطلب، فإن البيع الشرعي بحسب الواقع أنا لا أعلمه، فإذا علمت بكون البيع شرعياً، فلا حاجة إلى الرجوع إلى العموم، وكذلك لا يمكن الرجوع إليه لو علمت بعدم كونه شرعياً، ولو شككت فيه لم يمكن الرجوع إليه أيضاً.

أو نثبته بالنحو الذي يقوله السيد من أنَّ الاستثناء المنقطع لا يمكن أن يرد في الشرع، إذن فلا يمكن إلّا جعله متّصلاً. فيكون المعنى: (لا تأكلوا أموالكم بوجه من الوجوه إلّا بوجه التجارة عن تراضٍ)، فإن كلّ وجهٍ غيرها باطل، فنفهم من قول الشارع: (كلّ وجه باطل) أن جميع الوجوه التي تقع في الخارج للكسب باطلة إلّا التجارة عن التراضي، وطريق استفادة ذلك هو حمل الاستثناء على المتّصل منه بهذا النحو.

وهذا الادّعاء خير منه أن يقول إني لا أفهم الآية، فإنه أحسن من أن أقدّر هذا التقدير، وكذلك قول السيد: إن قولنا (لا تضرب إلّا من ضربك)، 

ـــــــــــــ[293]ــــــــــ

() (بهم ميزند) فسرناه مجازاً بذلك. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

متّصل؛ لأنّه بتقدير لا تضرب أحداً، فإن ضرب كلّ أحد ظلم إلّا من ضربك، هذا يحتاج إلى قرينة ومؤونة.

وهذا يحتاج إلى وجه أشار إليه أحد الآغايون لعلّه المرحوم السيد(1) أو الشيخ محمد حسين، وهو أن ظهور (إلّا) في الاستثناء وظهورها بالاتّصال أقوى من ظهور (الباطل) في الباطل العرفي، فلا بُدَّ من حفظ الظهور الأوّلي في الاستثناء الحقيقي، وتأويل الباطل، ونرفع اليد عن ظهوره.

هذا لا بُدَّ أن نرجع فيه إلى العرف -مع غضّ النظر عن كلمات الآغايون-، فإن (إلّا) وان كانت ظاهرة أساساً في الاتّصال إلّا أنَّ الكلام إذا كان ظاهراً في الانفصال، فهل نقول إن الأصل في الاستثناء هو الاتّصال؟ فإن الاستثناء استثناء من المقيّد، وإذا كان كذلك يكون استثناء منقطعاً.

إذن فكلّ هذه الأمور لا يمكنها أن تصرف الآية عن ظاهرها، إذن لا يمكن استفادة الحصر(2) من الآية، وأن كلّ الأسباب باطلة إلّا التجارة عن تراضٍ.

نعم، بالوجه الذي قلناه يمكن أن نقول: إن المراد تقسيم الأسباب إلى قسمين: حقّ وباطل، والعرف يرى أن هذا حقّ، فيكون موضوعاً للتنفيذ، وإنما أورد التجارة عن تراضٍ باعتباره مصداقاً للحقّ.

ـــــــــــــ[294]ــــــــــ

() اُنظر: حاشية على المكاسب (السيّد اليزدي) 1: 126، كتاب البيع شروط المتعاقدين، مسألة: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار.

(2) قال في وجهه: لأن الحصر مستفاد من النفي والإثبات، والمفروض عند فرض الانقطاع أنهما جملتان مستقلّتان، فلا تفيد إلّا التأكيد. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

كلام للنائيني ومناقشته 

وهنا كلام آخر، وهو أننا إلى هنا على تقدير تسليم استفادة نشوء التجارة من التراضي باعتبار المقارنة، والمرحوم النائيني(1) يقول: إننا نقبل أنها ظاهرة بالمقارنة، لكن هنا النشوء حاصل لأن التجارة ليست بمعنى العقد، بل بمعنى اكتساب المال، وحين جاء الرضا نشأت التجارة عن الرضا، فإننا إن قلنا بالنقل فهو لأن النقل هو التجارة، وإن قلنا بالكشف الحكمي فهو ملحق به.

نعم، لو فرضنا قلنا بالكشف الحقيقي فمعناه أن العقد أثّر بتعقّب الرضا. نحن لم نفهم كلامه، فإنه عندنا في الاعتبار ثلاثة أشياء:

أحدها: إلّا الذي عمله المكره، يعني الألفاظ الصادرة من العاقد.

ثانيها: معنى حاصل المصدر، فإنّ المصدر هو إيجاد العقد الذي يقع بالألفاظ، ومعنى اسم المصدر هو نفس معنى المصدر، لكن بلحاظ آخر، كما في ما يقوله الآغايون من أنَّنا إذا نسبنا الضرب إلى الفاعل كان ضاربيّة، ولو نسبنا نفس المعنى إلى المفعول كان مضروبيّة، ولو لاحظناه بصفته ساقط الإضافة يسمّى حاصل المصدر.

وعندما يكون عندنا ملكية إذا لاحظناه إلى الموجب كان تمليكاً، وإذا لاحظناه إلى القابل فهو مملوكية، ولو لاحظناها في نفسها فهي ملكية وهو حاصل المصدر.

وفي المقام عندنا لفظ العقد وعندنا إيقاع العقد، وهنا قد أوقع ملكيةً غير واقعة بحسب الدليل الشرعي، وعندنا –ثالثاً– النقل الذي يقع بتعقّب الرضا.

ـــــــــــــ[298]ــــــــــ

(1) اُنظر: المكاسب والبيع (الآملي) 1: 463، من شرائط المتعاقدين، الاختيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فالتجارة في الآية بأيّ معنى؟

فإننا إذا فسّرنا الباطل بالأسباب الباطلة، فالأسباب الموجودة للمعاملات على قسمين: باطلة وغير باطلة، فالاستثناء يستثني السبب غير الباطل، فيكون المعنى: أن الأموال الحاصلة بالأسباب الباطلة كالقمار باطلة، في مقابل أن يأتي المال بسبب التجارة، فما هو سبب التجارة؟

هل هو اللفظ أو المعنى الذي أوقعه أو النقل؟

أما النقل فلا يمكن أن يكون سبباً للتجارة ولا مراداً من التجارة في الآية، فإنه(1) ليس تجارةً لا عقلاً ولا عرفاً، بل التجارة هو العقد الذي عمله الطرفان المتاجران، أو هي المعنى المقصود من العقود، وليس المراد بها النقل الذي يحدث بعد الرضا، في أيّ لغة يقصد بالتجارة ذلك؟

فما يفهمه العرف هو أن هذه التجارة إذا وقعت عن رضا كانت صحيحة، وإذا كانت بالإكراه فهي باطلة، وأما القول بحمل الاستثناء على المنقطع، وحمل التجارة على النقل، فهذا مما لا يمكن الالتزام به.

الاستدلال للصحة بحديث الرفع

تمسّكوا لأجل عدم صحّة العقد المكره عليه بتعقّب الرضا بحديث الرفع(2)، 

ـــــــــــــ[296]ــــــــــ

() يعني النقل. (المقرِّر).

(2) الكافي 4: 289، كتاب الإيمان والكفر، الحديثان 1و2، من لا يحضره الفقيه 1: 59، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 132، وسائل الشيعة 7: 293، الباب 37 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 2، وسائل الشيعة 15: 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

وحيث إنَّ لنا نظراً في حديث الرفع، فإن الشيخ(1) ومن تبعه(2) وجدناهم يدورون حول تقدير المؤاخذة أو الآثار، ولذا أوردوا عليه إيرادات لا ينبغي أن تورد.

فيجب تقريب الحديث لما هو المقصود، من عدم فائدة تعقّب الرضا، لنجد أن جواب الشيخ هل يكون صحيحاً أو لا يكون؟

الموضوعات التي تترتّب عليها الأحكام على أشكال:

قسم من الموضوعات لها أحكام يجعلها الشارع كلّها ثقلاً ووزراً على المكلّف. وقسم من الموضوعات أحكامها صرفاً لا ثقل فيها ولا وزر وتكون للمكلّف لا عليه. وقسم أحكامها مختلفة بعضها له وبعضها عليه.

فالموضوعات التي تمام أحكامها على المكلّف يرفعها حديث الرفع بلا إشكال. وأما في القسم الذي تمام الأحكام له فباعتبار أن حديث الرفع امتناني، وهنا لا يصدق الوضع حتى يصدق الرفع، فلا ترتفع هذه الأحكام.

تبقى الموضوعات التي بعض أحكامها للمكلّف وبعضها عليه، وهي موضوع كلامنا، كـ(أوفوا بالعقود)، فإن شموله لبيع المكره فيه ثقل ووزر على المكلّف المكره فيرتفع بالحديث، فهل يرفع الحديث ما هو له أيضاً، كما يقرّبه الشيخ أو لا؟

ـــــــــــــ[297]ــــــــــ

() اُنظر: المكاسب 3: 331، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: من شرائط المتعاقدين الاختيار، الفرع الرابع: عقد المكره لو تعقّبه الرضا.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقق الهمداني): 178-179، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، في الاختيار، تعقّب العقد بالرضا، وحاشية الأصفهاني 2: 61، كتاب البيع، في شروط المتعاقدين، الشرط الثالث: الاختيار، الاستدلال بحديث الرفع.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نقول: ظاهر حديث الرفع الذي رفع عن الأمّة تسعة أشياء وعدّ منها: (ما لا يعلمون)، ظاهره رفع الموضوعات، فإن (ما أكرهوا عليه) و(ما اضطرّوا إليه) ليس حكماً ولا آثاراً، وإنّما المرفوع هو العقد وشرب الخمر الذي وقع بحسب الإكراه، وهذه الموضوعات ثابتة بحسب التكوين ولا مجال لرفعها، فهنا لا بُدَّ أن نعمل كما نعمل في أشباهه ونظائره من كلمات الفصحاء والعقلاء، من أنَّه نفي وإثبات ادّعائي بلحاظ بعض الجهات، فهنا مرفوع بنفس عنوان (ما أكرهوا عليه)، وهو البيع في المقام فقيل البيع مرتفع، وحيث لا يتعلّق الرفع بالبيع بعد أن تحقق تكويناً لا بُدَّ أن نقول إن هذا الرفع ادّعائي.

وحينما يريد المتكلّم أن يدّعي رفع الطبيعة، فإما أن يكون بلحاظ أثر أو آثار، بحيث يكون الرفع حيثياً، ومن يدّعي ارتفاع الموضوع فهذا الادعاء مشتمل على ادّعاء آخر، فإن الرفع لا يكون بلا وضع، فيعلم أن هذا الموضوع الذي ادّعي ارتفاعه كان له نحو من الوضع، وحيث إنَّ الموضوع غير قابل للوضع الشرعي، والشارع إنّما يضع أحكام الموضوعات دونها، فلازم ادّعاء رفع الموضوع، أن الموضوع موضوع على المكلّفين، وادّعاء وضع المرفوع هو بلحاظ وضع الآثار وثقلها، فكما أن الموضوع إذا لم يكن له أثر، كان له أن ينفيه، كذلك إذا كان الموضوع موضوعاً على المكلّفين وله آثار ثقيلة على المكلف، فللشارع أن يضعه على المكلّف وأن يرفعه، فادّعاء رفع الموضوع ملازم لادّعاء وضعه.

نعم، إذا قدّرنا الرفع باعتبار الآثار، لم نحتج إلى دعوى أخرى، ولكن إذا كان المرفوع هو الموضوع والموضوع ليس له وضع تعبّدي، وإنّما وضعت آثاره، 

ـــــــــــــ[298]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فهذا المتكلّم وهو (أفصح من نطق بالضاد)(1) لا بُدَّ أنه حين أدّعى أن الموضوع وضع على المكلّفين وله ثقل عليهم، فإنه يحتاج إلى مصحّح، وهو دعوى أخرى -لا بنحو الادعاء المستقلّ-، وهو أن المتكلّم يرى أن الشارع وضع أحكام للمكلّفين، وحيث إنَّها تعلّقت بالموضوعات فيرى كأن الموضوعات ثقيلة على المكلّفين، ففي المقام البيع ثقيل عليه لا وجوب الوفاء، وشرب الخمر ثقيل عليه لا حرمته، فكأنّ الشارع جعل الموضوع على المكلّفين فهنا حين يدّعى رفع الموضوع معناه أن هذا الموجود لا موجود، وأن ما ترونه في الخارج متحقّقاً فهو في الادّعاء غير موجود، فإذا كان الادّعاء هكذا وغير مقيّد بحيثية معيّنة -وهي مثلاً أنه رفع من حيث هذا الأثر- فالمتكلّم الملتفت إلى كون الرفع يختلف بين ما إذا رفع أثر العقد، فإنه يختلف بين ما كان من الآثار للمكلّف وما كان منها عليه وبين ما إذا رفع ذات العقد، فإنه إذا قال: (رفع العقد الذي أكرهوا عليه)، ونزّل الثقيل الموضوع منزلة العدم، فلا يبقى عندنا شيء حتى نقول إنه يلحقه الرضا فيصحّ. فإنه لا يمكن أن يدّعي أن هذا السبب معدوم ثُمّ يقول: إنه إذا لحقه الرضا فإنه يصحّ. فإن هذا يتضمّن تنافياً في الادعاء.

ـــــــــــــ[299]ــــــــــ

() راجع الحاشية الأُولى على الألفيّة: 539، الفصل الثاني: في المقارنات، الثالثة: القراءة، الخامس عشر، عربيّتها، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 1: 174، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث، الحديث الثاني، كتاب الصلاة (الشيخ الأنصاري) 1: 360، النظر الثاني في الماهيّة، المقصد الأوّل، الرابع: القراءة، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها: 165، الفصل الثاني: في معرفة الفصيح من العرب.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فإن من قال (زيد أسد) بعد أن يسمّي داره باسم مكان الأسد ويسمي أولاده باسم أولاده ليكون الادعاء متناسباً لا متنافياً. ودعوى نفي الموضوع مع دعوى صحّته بالإجازة متنافيان ولا ينسجمان معاً، فإن من يقول إن البيع معدوم لا يمكن أن يقول إنه ثابت.

ولا يمكن أن يصحّ ذلك، لا بالوجه الأول، ولا بالوجه الثاني اللذين ذكرهما الشيخ، فإن كلامه يدور حول رفع المؤاخذة(1) أو رفع الآثار، وقد عرفت ما فيه، وأن المرفوع هو ذات العقد وتنزيله منزلة المعدوم فلا يمكن أن نلحقه بالإجازة، فإنه ليس هنا بيع في نظره أصلاً، فكيف يصحّ بالإجازة، وعليه فتمام كلام الشيخ وغيره أجنبي عن حديث الرفع.

والميرزا النائيني(2) في أصوله يقول في حديث الرفع: إنه رفع ادّعائي -على 

ـــــــــــــ[300]ــــــــــ

() الوجه الأول: من ناحية رفع المؤاخذة باعتبار أن عقد المكره إذا تعقّبه الرضا فالرضا حقّ للمكره، وليس مؤاخذة ليرتفع بالحديث.

الوجه الثاني: من ناحية رفع الأثر، فإن ارتفاعه كان من ناحية الإكراه، وبتعقّب الرضا يرتفع الإكراه، فلا يمكن ان يكون مشمولاً للحديث الشريف. (هذا حاصل ما ذكره السيد نقلاً عن الشيخ تقريباً). (المقرِّر).

(2) اُنظر: أجود التقريرات 2: 170-171، المقصد السابع في الأُصول العمليّة، المبحث الأوّل البراءة، المقام الأوّل، المسألة الأُولى: إذا كانت الشبهة تحريميّةً من جهة فقدان النصّ، وفوائد الأُصول 3: 342-343، الأُصول العمليّة، المقام الثالث: في الشكّ، المبحث الأوّل، حديث الرفع، الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

تنافٍ في كلامه- وهنا ذهب إلى رفع الآثار(1)

ولا أعلم أنه كيف نقّح الرفع الادّعائي في أصوله، وليس الرفع رفعاً للأثر حتى نقول إنه رفع بعض الآثار، بل الموضوع كلّه منتفٍ.

كانت شبهة أنه ليس عندنا في الكلام كلمة (آثار) و(سبب)، ليقال إنَّه ينصرف إلى الآثار أو الأسباب الكذائية، كما قال الشيخ في الوجه الأول: إنه لا يرفع ما (له) من ناحية الإكراه.

وفي الوجه الثاني يقول(2): إن الآثار التي تأتي من الإكراه لا يرتفع، وإنما يرتفع الآثار التي تكون ثابتة بقطع النظر عن الإكراه ولها سببية مستقلة، وقلنا إنه لا يوجب في اللفظ سبب، ولا تقدير في التركيب ليُسأل عنه.

ملاحظة العمومات كـ(تجارة عن تراضٍ)

بل ما هو مفاد الدليل، هو أن هذه الماهيّة التي تعلّق بها الإكراه مرفوعة، والرفع متعلّق بذات هذه العناوين، غاية الأمر أن مصحّح الادعاء عبارة عن رفع الآثار، إما جميعها أو بعضها، والمتكلّم هنا حينما رأى أن الآثار التي للطبيعة ثقيلة ولها وزر على الأمّة، فتصوّر أن الطبيعة -بما أن آثارها ثقيلة- فنفس الطبيعة كأنّها موضوعة على المكلّفين، وما وضع على المكلّفين بحسب الحكم 

ـــــــــــــ[301]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 200، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: من شرائط المتعاقدين الاختيار، الجهة الثامنة.

(2) أُنظر: كتاب المكاسب 3: 332-333، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الاختيار، الفرع الرابع: عقد المكره لو تعقّبه الرضا.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الأوّلي أو في سائر الملل، رفعها الشارع، فالموضوع الذي بلحاظ آثاره ثقيل بحكم الشارع يرفعه عن الأمّة المرحومة.

وبناءً عليه، فلا معنى للانصراف إلى الأثر الخاصّ، فإن الانصراف إنّما يكون إذا كان للطبيعة من حيث هي إطلاق لكي نقول إنه منصرف إلى قسم خاصّ، وليس الكلام في أنَّ نفس طبيعة البيع لها أفراد متكثّرة، وتكون بلحاظ هذا الأثر فرداً وبلحاظ ذاك فرداً آخر، بل إنَّ هذا البيع له أثران أحدهما له والآخر عليه، فلا يمكن أن يقال: إنه ينصرف إلى ماله، فمثلاً إذا قيل: (الماء) افرضوا أنه ينصرف إلى ماء الفرات، وإذا قيل: (البيع) ينصرف إلى نوع خاصّ، فيخرج قسم من الطبيعة بواسطة الانصراف.

أما فيما هو المقام فهذا المصداق الخارجي له أثران أحدهما له والآخر عليه، فلا يمكن أن نقول: إنه منصرف إلى ما هو له، مع أن الظاهر أن الرفع متعلّق بنفس الطبيعة.

نعم، يمكن أن يقال: بالانصراف بالرفع الحيثي، يعني رفع من حيث الأثر، مع أن هذا غير صحيح؛ لأنه يحصل في الكلام حزازة، مثلاً يقال في مثل (رأيت أسداً) يعني أسداً حيثياً، يعني من حيث إنَّه شجاع، هذا يسلخ الكلام عن بلاغته ويكون فيه حزازة، وهنا إذا قلنا إنه يرفع من حيث هذا الأثر ولا يرفع من حيث هذا الأثر، فإنه يكون في الكلام حزازة، بأن يقال: إننا لا ندّعي أن الأثر موجود في الكلام حتى نقول بانصرافه لكي يقال إنَّه لا معنى له، لكن بمناسبة الحكم والموضوع نقول: إنه رفع عن أمّتي من حيث الآثار الثقيلة، هذا 

ـــــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ولكنّ الكلام حينئذٍ يكون فيه حزازة، فإنه كان مستطيعاً أن يقول: (رفع آثار البيع)، بل إنَّ مقتضى الكلام العرفي حين يدّعي أنه “لا ضرر ولا ضرار”(1) أن الضرر بهذا اللحاظ غير موجود، غايته أن مصحّح الادّعاء هو أنه لا ضرار في الشريعة، ولكن حينما يدّعى أنه لا ضرر أو هو أسد أو هو (شمس تضلّلني من الشمس) فيه حزازة أن يقول إنه شمس من حيث كذا(2).

بناءً عليه، إذا كان البيع آثاره كلّها له فهو خارج عن حديث الرفع، كما لو أكرهه على الإتيان بصلاة الليل، فنقول: إن هذا المعنى أساساً خارج عن الإكراه، باعتبار الانصراف، فإن الرفع يحتاج إلى وضع وثقل وما يكون (له) لا يكون له ثقل فهو لم يوضع عليه ليرفع عنه.

ـــــــــــــ[303]ــــــــــ

() الكافي 5: 291-292، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 2، من لا يحضره الفقيه 3: 233، كتاب المعيشة، الباب البيوع، الحديث 3859، تهذيب الأحكام 7: 146-147، كتاب التجارات، الباب 10، الحديث 36، وسائل الشيعة 25: 428-429، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3.

(2) ثُمّ إنَّ سيدنا الأستاذ ذكر بالأمس حول هذا البيت أمراً لا بأس من إثباته، وتمام البيت:

شمسٌ تظلّلني ومن عجبٍ

 

شمسٌ تظلّلني من الشمس

ذكر ما محصّله: أنَّه لو كان الادّعاء بلحاظ الحسن، لما كان فيه أيّ عجبٍ في أن يظلّلني شخصٌ حسن الوجه جدّاً عن الشمس، وإنَّما العجب في أن تظلّله الشمس من الشمس، فالتنزيل هنا للذات مطلقاً وإن كان مصحّحه هو الحسن. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أما أنه يدعى أنه لا بيع أصلاً، ونقول: إنه رفع من حيث هذا الأثر، فهذا يخرج الكلام عن البلاغة ويجعل فيه حزازة.

ففي الموارد التي لها أثر له وأثر عليه، فهو بحسب ادّعاء المدّعى خارج عن صفحة الوجود، فإلحاق الرضا به لا معنى له، والوجداني لا يفيد، بل المفيد هو النفي الاعتباري الادّعائي في الحديث، ومنه نفهم أن الطبيعة لا تحقّق لها، فلا معنى لإلحاق الرضا بها، فإن اعتبار البقاء مع عدم البقاء متنافيان.

أقول: هذه الجهة، وهو أننا قلنا إن ادعاء النفي والثبوت في عالم الادعاء متنافيان، فلا يقال: إنك ابتليت بهذا أيضاً، فإن المتكلّم ادّعى الوضع وادّعى الرفع، فإنه يقال: إن ما أدّعى وضعه ليس هو الوضع الفعلي ليكون منافياً مع الرفع الفعلي، بل إما الوضع في الأمم السابقة، بقرينة إضافة الرفع إلى هذه الأمة، بحيث لو كان التسعة المرفوعة في الأمم السابقة موجودة لكان شاملاً لنا لولا رفع الشارع لها. وإما الوضع بمعنى أنه بحسب القانون موضوع.

إذن، فمحصّل الإشكال أنه لا معنى لتعقّب الإجازة، فهل يمكن أن نتخلّص من الإشكال بمطلب: وهو أنه في باب الموصولات ما حالها؟

هل أنها كأسماء الإشارة باصطلاحهم وحروف الإشارة باصطلاحنا، كما هو الحال أيضاً في الضمائر، وإنما الفرق بينها في المتعلّق، فهي لم توضع للدلالة على الشخص بل لإيجاد الإشارة اعتباراً، فكما أنك تشير في إصبعك وتوجد الموضوع في ذهن المخاطب وتقول: (زيد)، فكذلك (هذا) للإشارة الاعتبارية، وليس حاله حال زيد الموضوع للشخص أو الإنسان الموضوع للطبيعة، ولعلّ 

ـــــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ابن مالك يريد ذلك بقوله: “بذا لمفرد مذكر أشر(1) فقد وضعت (ذا) للإشارة ولم توضع للمفرد المذكر.

كذلك الحال في (هو) فإن المشار إليه غائب، و(هذا) يشار به إلى القريب، وكِلاهما حرف لا يقع موضوعاً ولا مسنداً ولا مسنداً إليه، وإنما الذي يقع مسنداً ومسنداً إليه هو المشار إليه لا الإشارة.

فالموصولات هل هي كالإشارة، لكن باختلاف في المتعلّق المشار إليه، فيكون معنى (الذي): المبهم القابل للتوصيف، ومعنى مَن: (آنكه)(2)، أو أن للموصولات نحو من الاختصاص، فتكون أسماء ويكون مفادها بمعنى شيء تارة –كما في (ما) ونحوها– وبمعنى الشخص أخرى -كما في (مَن)-. ومحلّ بحث هذا المطلب في محلّه(3)، وهنا نتكلّم على المبنى.

فإذا قلنا: إن (ما) للإشارة المبهمة، فهنا يقال: إنه في الحديث أشير بـ(ما) إلى نفس الموضوعات، فيقول: ذاك الذي أكره عليه أنا أرفعه، فما تعلّق به الرفع هو المشار إليه بـ(ما)، فكأنّه يريد أن يقول: البيع مرفوع، ولكن حيث إنَّه معنى 

ـــــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) شرح ابن عقيل ج1، ص130. 

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: الذي أو التي، أي الشخص المبهم.

(3) اُنظر: مناهج الوصول 1: 96-98، الأمر الرابع: في أمثلة أقسام الوضع، الكلام في ألفاظ الإشارات وأخواتها، جواهر الأُصول 1: 157، الأمر الثاني: في الوضع، المقام الثاني: أقسام الوضع، الجهة الثامنة: في ألفاظ الإشارات وضمائر الغيبة، وتنقيح الأُصول 1: 59، الأمر الرابع: في الوضع، المبحث السادس: في بيان أوضاع أسماء الإشارات والضمائر والموصولات.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

شامل لكثير من الموارد، فيشير إليها إشارة مبهمة، فيريد أن ينقلك إلى عناوين الأشياء من دون أن يكون للإبهام والإشارة لها أيّ دخل في ذلك، فكأنّه قال: البيع مرفوع والصلح مرفوع وكذا وكذا.

الاحتمال الآخر: في باب (مَن) و(ما) و(أي) إنَّها تختلف عن أسماء الإشارة، وباقي الموصولات فإنها لا تفهم منها الإشارة، بل يفهم منها أنه الشيء الذي كان كذلك، لا أن معناها: (هذا الذي كان كذلك)، فيكون معنى اسمياً ويكون عنوان (مَن) و(ما) مأخوذاً في موضوع الحكم.

فإذا قلنا: (ما أكره عليه) يعني شيء أكره عليه، فهذا الشيء مرّة نقول إن ما هو موضوع الحكم وما هو المرفوع هو عنوان ما أكره عليه، لا أن الإكراه عليه جهة تعليلية؛ لأن (ما أكره عليه) ينحلّ إلى شيئين: عنوان المعاملات، وعنوان أنه أكره عليه، فمرّة نقول إن هذا العنوان تقييدي، فيكون المعنى: رفع الشيء بقيد كونه مكرهاً عليه، وأخرى تقول: إن المرفوع هو مفاد (ما)، على أن يكون الإكراه جهة تعليلة، يعني رفع لأنه أكره عليه.

وأخرى نقول: إن (ما) ترفع العناوين و(أكره عليه) نكتة الجعل.

وفي صورة أخرى: أن (ما) تكون إشارة إلى الموضوع الخارجي، وهو البيع، فأيضاً مرّة تكون (ما أكره عليه) جهة تعليلية، يعني يدور الحكم مداره، وأخرى تكون نكتة الجعل، فهذه احتمالات القضيّة.

فإذا كان البناء على أنَّ ما وقع في موضوع الدليل، هو (ما) بالعنوان الاسمي، وكان الإكراه قيداً للموضوع، فنجد بواسطة هذا الدليل عنوانين: 

ـــــــــــــ[306]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

عنوان (ما أكره عليه) وعنوان (ما لا يكره عليه) المرضي به وما أدّعى المتكلّم ارتفاعه هو العنوان الأول، لا أنه رفع ذات البيع، بل مورد الرفع هو العناوين فالمرفوع هو (ما أكره عليه) يعني الشيء بقيد أنه (أكره عليه)، وهذا العنوان لا ينطبق في الخارج إلّا على البيع المكره، أو إجازة المكره، وأما غيره من العناوين فلم يدّعِ رفعها.

بناءً عليه، ما دام هذا البيع المكره عليه ينطبق عليه هذا العنوان، فهو معدوم، وأما إذا تجدّد عليه العنوان الثاني، لا يكون مشمولاً للحديث من الأوّل.

إذن فالعقد الذي يتعقّبه الإجازة يقع صحيحاً، فإنه لم ينفِ ذات البيع بل نفى عنوان (ما أكره عليه)، وهو صادق على هذا البيع من حين وجوده، وما دام مكرهاً عليه، ثُمّ إذا أجازه باعتبار مقاصده الخاصّة، يتبدّل عنوان المكره عليه إلى عنوان المرضي به، والادّعاء الذي قاله المتكلّم لا يشمله.

وكذلك: إذا قلنا إن (ما) إشارة إلى الذات، وقد أُخذ الاضطرار والإكراه كجهات تعليلية يدور الحكم مدارها، فإننا أيضاً نقول: الذات مرتفعة بعلّية الإكراه، والمعلول يستحيل أن يشمل حال عدم علّته، فإنه وإن كان يستحيل أن تكون العلّة مقيّدة بالمعلول أو المعلول مقيَّد بها، ولكن يستحيل أن يرفع المعلول رجله ويضعها خارج نطاق علّته، ويكون أوسع منها، فهنا أيضاً يكون الحال كذلك، فإن المورد المرضي به عن المعلولية وعن هذا الحكم، لأن المتكلّم لم يدعِ أكثر من هذا.

ـــــــــــــ[307]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

نعم، لو جعلنا هذا نكتة للجعل، ولكن المرفوع هو نفس الطبيعة بنحو الإطلاق، حينئذ لا يمكن أن نقول إنهما عنوانان، نعم هنا ضعيف جداً، فإنه لا يمكن أن نقول إن من اضطرّ إلى شرب الخمر يبقى حلالاً له إلى الأبد وللكلام تتمّة تأتي.

كان الكلام في هذا المعنى وهو أن رفع (ما أكرهوا عليه)، رفَعَ أيّ شيء؟ هل عنوان ما أكره عليه، والإكراه جهة تقييدية، أو أن (ما) إشارة إلى ذات العناوين، والذات هي المرفوعة، غايته أن الرفع معلّل بالإكراه، وهو الذي تكون نتيجته نفس هذا المعنى، أو أن (ما) إشارة إلى الذوات ونكتة الرفع عبارة عن الإكراه لا بعنوان الإكراه ولا بعليته. وهذه الوجوه تختلف بحسب النتائج.

فإذا قلنا: إن عنوان الإكراه مرفوع، فذات البيع بما أنه ذاته لم يرفع، بل العنوان المنطبق على البيع وغيره وهو الإكراه مرفوع، وأما إذا اعتبرناها نكتةً للجعل، فالرفع يعود إلى ذات المعاملة وليس علّةً للإكراه، ولا راجعاً إلى العنوان، غاية الأمر أنه نكتةٌ للرفع، فنفس البيع يكون مرفوعاً، لا البيع بعنوان الإكراه ولا الحصّة المعلولة للإكراه، باصطلاح الآغايون، وقلنا إن الظاهر هو رفع العنوان، وأن نكتة(1) الرفع ليست تامّة.

ثُمّ يجب أن نلاحظ العمومات والإطلاقات لنرى ما حالها، الآن نعزل باب العمومات كـأَوْفُواْ بِالْعُقُودِ(2) فإن لها بحثاً خاصّاً، ونبحث في باب 

ـــــــــــــ[308]ــــــــــ

() هي نكتة الجعل، يعني: جعل الرفع. (المقرِّر).

(2)  المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الإطلاقات كـتِجَارَةً عَن تَرَاضٍ(1) وأَحَلَّ اللّـهُ الْبَيْعَ(2) فنرى هل (أحلّ الله البيع) له إطلاق لهذه الجهات -بقطع النظر عن الإشكال الذي أشكلناه في أوّل المعاطاة- فنمشي على ما مشوا عليه، ونعتبر لها إطلاقاً، ومقتضى إطلاقها هو أن تمام الموضوع والعلّة للحكم هو البيع أو هو التجارة. 

ونقول إن مبادئ الوجود غير دخيلة في المفهوم، فإذا تحقّق بيع في الخارج كان هذا موضوع للحكم بالنفوذ، أوفي باب (تجارة عن تراضٍ) بالنحو الذي قلناه من أنَّ العرف يُلغي الخصوصية، أو يدّعى أن التراضي قيد غالبي لا يفيد التقييد، فيقال إنَّ تمام الموضوع هو التجارة دون قيد عند العقلاء.

فالبيع والتجارة هي تمام الموضوع لهذه العمومات، غاية الأمر أن (ما أكرهوا عليه) وقف أمامها وأصبح حائلاً عن تأثيرها، فهذا ليس من باب التخصيص، بل من باب التقييد، فـ(أحلّ الله البيع) يقول -بإطلاقه- إن البيع تمام الموضوع للحكم، وأما دليل الإكراه -بناءً على رجوع الرفع إلى العنوان- فهو يدّعي عدم هذا الفرد، وأما الطبيعة بقيد آخر فلم يدّع عليها شيئاً.

وكذلك إذا اعتبرنا الإكراه جهة تعليلية، فإن المعلول يتضيّق بضيق العلّة، فيكون هذا من تقييد المطلق، فينتج الحكم بالنفوذ للمبيع المقيّد بكونه عن رضا وغير مكره عليه، فبقطع النظر عن القيد كانت نفس الطبيعة موضوعاً للحكم وبلحاظ المقيّد يكون الموضوع هو الطبيعة المقيّد بغير المكره عليه.

ـــــــــــــ[309]ــــــــــ

(1) النساء: 29.

(2) البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناءً عليه، إذا قلنا في (ما أكره عليه) إنه نفي للعنوان وإن (ما) ليست من حروف الإشارة، بل اسم موضوع للعنوان، فالموضوع يكون هو عنوان (ما أكره عليه)، غايته يكون قابل الانطباق على ما يقع في الخارج، فبهذا يوجد في (أحلّ الله البيع) قيد للطبيعة، ويكون الموضوع هو البيع المقيد بعدم الإكراه.

أما إذا كان لـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) إطلاق، و(رفع ما أكرهوا عليه) له اختصاص بالعنوان، إما بدعوى أن الإكراه علّة للرفع أو بدعوى كونه نكتة له، فـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ بالنسبة إلى ما عدا هذا القيد يقتضي حلّيته فهو باقٍ على قوّته، وكذلك تجارة عن تراضٍ باقية على قوتها.

وأما إذا قيل إنَّ (ما) إشارة والإكراه نكتة الجعل والرفع، فذات (ما أكره عليه) مرفوع بهذه النكتة، فإذا ارتفع ذاته لا يكون قابلاً لإلحاق شيء به(2)، ولا يكون المقيّد مخصوصاً بحال؛ لأنه يرفع عنوان ذات البيع بلا قيد، فيقيّد (أحلّ الله البيع) ويخرج منها بيع المكره مطلقاً من أوّله إلى آخره، ويقال: إن صدق الإكراه ابتداءً يكفي في رفعه إلى الأبد.

وأما إذا لم نستطع إحراز أيٍّ من هذين المطلبين، لا الإطلاق في (أحلّ الله البيع) و(التجارة عن تراضٍ)، ولا الإطلاق في دليل الإكراه، فعلى فرض أن كِلا الطائفتين مجمل لا إطلاق فيه، فلا فائدة؛ لأننا حينئذٍ نحتاج في النفوذ إلى دليل والمفروض عدمه، ونحتمل عدم صحّة بيع المكره المتعقّب بالإجازة، بل إنَّ بعض 

ـــــــــــــ[310]ــــــــــ

()  البقرة: 275.

(2) يعني: الإجازة (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الاستصحابات تكون جارية في المقام، فلا يبقى دليل على إثبات اللزوم.

وأما إذا كانت الإطلاقات محرزة عن الأدلة(1)، ولكن لم نستطع إحراز أن العنوان المرتفع ما هو، هل هو عنوان الإكراه أو ذات البيع، وأن الإكراه هل هو علّة أو نكتة للجعل؟ ففي مثل ذلك يكون إطلاق (أحلّ الله البيع) ثابتاً، وشكّنا إنما هو في البيع المرفوع هل هو بمقدار صدق عنوان الإكراه، أو زائدٌ على ذلك يرفع الذات؟ فهذا المقدار هو القدر المتيقّن والزائد يكون شكّاً في التقييد.

نعم، هناك كلام في المقيّدات المنفصلة، وأنه هل في هذا الباب فرق بين الحكومة والتقييد؟ فإنه مرّة يقول: (أحلّ الله البيع) فهذا إطلاق، ثُمّ يقول: (البيع الربوي حرام) فهذا تقييد، فإذا شككنا في بيع أنه ربوي أو لا، وكان في المقام قدر متيقّن، والباقي مشكوك، فبما أن المطلق حجّة قد انعقد ظهوره، والمقيّد مجمل، فالقدر المتيقّن منه يكون حجّة فيه، وأما بالنسبة إلى الزائد فلا يكون حجّة وما ليس بحجّة لا يعارض الحجة.

أما الحكومة فهل تكون ناظرة إلى ذلك الكلام، ويكون الدليل الحاكم كأنّه مقيّد متّصل، فكما أن المقيّد المتّصل لو كان مجملاً لسرى الإجمال إلى المطلق، ففي الحكومة يكون كذلك، وذلك باعتبار أن الدليل الحاكم له نظر إلى الدليل المحكوم فكأنّه يتصرّف فيه ابتداءً، كما لو كان للدليل الحاكم تعرّض للمحكوم، كما في نحو: “وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله” (2)، أو نحو: لم أقصد ذلك، 

ـــــــــــــ[211]ــــــــــ

() يعني: دليل البيع والتجارة. (المقرِّر).

(2) الكافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، الحديث 5، ووسائل الشيعة 27: 111، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فإنه له نظر إلى الدليل ومتصرّف فيه.

فإذا كانت الحكومة مطلقاً كذلك، وكان الدليل الحاكم -كما يقول الشيخ(1)– شارح للدليل المحكوم، فيكون كالدليل المتّصل، فكأنّ المتكلّم يقول: (ما قلته هو كذا)، فكما لو كان متّصلاً يسري الإجمال إلى الإطلاق، فلا يمكن الأخذ لا بالمقيد ولا المطلق، كذلك لو كانت الحكومة شارحة.

أو أن هناك تفصيلاً في إنحاء الحكومة، فإن لسان الحكومة يختلف، فإن كانت الحكومة غير ناظرة إلى الأدلّة المحكومة، كما في أدلّة الأمارات والأصول(2)، فإنك لا تجد بعد حكومة الأمارات، نكتة زائدة في أدلّة الأصول، فهذه الحكومة لا تكون سبباً للإجمال في الدليل المحكوم، فإذا شككنا في العنوان يكون له حكم المقيد المنفصل.

وأما إذا كانت الحكومة بنحو آخر، إذا عرضت على الإنسان يفهم منها نحواً من النظر إلى تلك الأحكام، وهذا النحو من الحكومة التي يقول عنها الشيخ بأنها شارحة للخطاب السابق الذي قاله المتكلّم، فهذا النحو إذا كان الدليل مجملاً يسري إجماله إلى الدليل السابق.

حينئذٍ فـ(رفع ما أكرهوا عليه)، يأتي إلى النظر أنه من هذا القبيل، وأنه ناظر إلى المرفوع، وحاول رفعه، وليس من قبيل أدلّة الأمارات والأصول، بل 

ـــــــــــــ[312]ــــــــــ

(1) اُنظر: فرائد الأُصول 2: 535-536، المقصد الثالث: في الشكّ، المقام الأوّل في الشكّ في الحكم الشرعي، قاعدة لا ضرر، فرائد الأُصول 2: 750-751، خاتمة: في التعادل والتراجيح.

(2) اُنظر: فرائد الأُصول: 102، فائدة: في معنى المتعارضين.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

من قبيل (لا شكّ لكثير الشكّ)، فهو كأنّه قيد متّصل بالكلام.

فلو قيل ذلك، ووقع إجمال في المقيّد أيضاً، هنا يشكل التمسّك بالإطلاقات، إذ معه لا يمكن التمسّك لا بالإطلاق وبالمقيد.

فإنما يمكن التمسّك بالإطلاق، بعد ثبوت مطلبين أحدهما: إطلاق المطلقات. ثانيهما: إطلاق المقيدات وعدم إجماله.

أما إذا لم نحرز أحدها فلا يتمّ المطلب، إذ لا يبقى بعد ذلك دليل على صحّة البيع المكره عليه الذي تتعلّقه الإجازة.

ولا يمكن التمسّك بالسيرة لتصحيحه بأن يقال: إن عدم الردع فيها كافٍ، فإذا سقط دليل الردع والمطلقات، كفى عدم الردع في السيرة، إلّا أنَّ هذا ليس من هذا القبيل؛ لأنه قلّما يتّفق وقوع البيع المكره عليه ثُمّ يتعقّبه الإجازة، وإنما هو فرض فقهي نادر الوجود وليس شائعاً لكي نتمّمه بسيرة المتشرّعة ونحوها، هذا راجع إلى المطلقات والمقيّد. 

في أوفوا بالعقود 

وأما أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) فالكلام فيه غير هذا، فإنه عامّ، فهل دليل الإكراه يقيّد العموم أو يقيد الإطلاق؟

  قلنا: إن هذا البحث الذي نبحثه، هو بقطع النظر عن حكم العقلاء، وانصراف الأدلّة إليه، بناء على أنَّ الأدلّة لها إطلاق بحيث لو لم يكن حديث الرفع لتمسّك بإطلاق المعاملات في وجوب الوفاء بعقد المكره، فنرى نسبته إلى 

ـــــــــــــ[313]ــــــــــ

(1)  المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الأدلّة العامة، وقلنا: إن قسم من الأدلّة العامة مطلقة كـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2)، وقد سبق الكلام عنها.

وقلنا إن بابها باب التقييد لا التخصيص، وإذا شككنا في زيادة على القيد
-وهو الإكراه- له قيد آخر فننفيه بأصالة الإطلاق.

في حقيقة الإطلاق 

وبعض أدلّة التنفيذ من قبيل العمومات كـ(أوفوا بالعقود)، فإنه بعمومه اللفظي يدلّ على وجوب الوفاء بكلّ عقد، وقد قلنا مراراً أن باب العمومات اللفظية من باب الدلالات اللفظية، بحسب تعدّد الدالّ والمدلول(3)، فكما يدلّ العامّ على معنى نفسه، وهيئة (أكرم) على معنى، ومادة (أكرم) على معنى آخر وضعاً، كذلك تدلّ الألف واللام على الاستغراق وضعاً، فنفهم من (كلّ) أنها تكثّر مدخولها بثلاثة دوالّ ومدلولات، هي: (كلّ) والمدخول والإضافة.

وأما الإطلاقات فليس بابها باب الدلالات اللفظية، لأن المطلق -بعد مقدّمات الحكمة- يكون كالعموم دالّاً على الإطلاق، ولو كانت دلالة لفظية لما 

ـــــــــــــ[314]ــــــــــ

(1)  البقرة: 275.

(2) النساء: 29.

(3) أُنظر: مناهج الوصول إلى علم الأُصول 2: 229-231، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الأمر الأوّل: فيما تحكي عنه أسماء الطبائع، وجواهر الأُصول 4: 320-329، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الأمر الأوّل: في تعريف العامّ فيما تحكي عنه أسماء الطبائع.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

احتجنا إلى المقدّمات، فهو ليس من الدلالة اللفظية، بل الاحتجاج على المولى بالعمل الذي عمله وأنجزه -وهذا العمل ليس من باب الألفاظ- فيكون موضوعاً للحجّية عند العقلاء، فإن جعل الموضوع هو طبيعة البيع، هذا من أعمال المتكلّم لا من ألفاظه، فإذا فهمنا أنه جعل الطبيعة الفلانية موضوعاً لحكمه، وكان في مقام وبيان إفهام مقاصده للآخرين، فالعقلاء حينئذٍ يحتجّون بأن الموضوع هو هذا وليس له قيد آخر، إذ يقال له: (لو كان عندك قيد آخر ولم تقيّد فقد أخللت بطريقة العقلاء وبأغراضك).

فهذا خارج عن دلالات الألفاظ، فإن دلالتها باعتبار الأوضاع اللغوية، ولفظ البيع دالّ وضعاً على معناه، أما الدلالة على هذا المعنى وهو أن موضوع حكم الشارع هو هذه الطبيعة دون قيد، ففي (كل) تدلّ بالوضع على أنَّ الموضوع هو تمام الأفراد، وأما (البيع) فلا يدلّ على أنَّي أنا الموضوع دون قيد، ولا دلالة لها عليه، فإن الاحتجاج عند العقلاء في العام بأنهم يقولون للمتكلّم: إنك قلت: (أكرم كلّ العلماء) يعني: جميعهم، ولكن في باب المطلق فيقال: إنك جعلت قراراً وكنت في مقام البيان لا في مقام الإهمال، فهذا العمل الذي قمت به يكون موضوع احتجاج العقلاء، وأن موضوع الحكم هو الطبيعة بلا قيد.

هذا هو الإطلاق، وحسابه خارج عن العموم، ولهذا الأصوليون حينما صنّفوا في الأصول عزلوا باب العمومات وباب الإطلاقات، والإطلاق من المباحث العقلية، وإنما ذكرت في مباحث الألفاظ استطراداً، فإن علم الأصول غير مرتّب والمباحث فيه مشوشة ومختلطة، فقد ذكر بعض مباحث القطع في 

ـــــــــــــ[315]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

مبحث الاشتغال وبالعكس وغير ذلك، ونحن لا يمكننا ترتيبه من جديد، وإنما هذه المهمّة موكولة إليكم.

فالإطلاق(1) لا يستفاد من اللفظ الموضوع، وإنما يستفاد من الجملة التركيبية بعد تعلّق الحكم به وجعله عليه، فيقول العقلاء: إذا كان مرادك العالم العادل، فلماذا جعلت العالِم وحده موضوعاً للحكم، وأما في باب العام، فيستفاد العموم قبل تعلّق الحكم به، فحينما يقول: (كلّ عالم) أنت تفهم بالدلالة اللفظية التصوّرية أنه يريد أن يجعل (كلّ عالم) موضوعاً لحكمه، ولذا لو لم يكن المتكلّم في مقام البيان لا ينعقد الإطلاق، وأما في باب العموم فليس هذا الشرط معتبراً، بل ينعقد الظهور بالعموم إلّا إذا كان هازلاً ونحو ذلك.

وما قاله شيخنا وقاله شيخ العلماء النائيني(2)، في أوّل بحث الإطلاق إن العموم نحوان، بعضها من قبيل العمومات وبعضها تدلّ على العموم بعد مقدمات الحكمة، نقول البحث ليس في ذلك، فإن البحث في المطلقات لا في العمومات.

بناءً عليه، في باب (أوفوا بالعقود) عندنا عموم دالّ عليه اللفظ، وهو أن كلّ عقد يجب الوفاء به، فيصحّ أن نقول: قال الله تعالى: أوفوا بكل عقد، وإذا قلته في شهر رمضان لا تكون مفطراً، فإن الجمع المحلّى بالألف واللام دالّ على 

ـــــــــــــ[316]ــــــــــ

() ثُمّ استمرّ السيد في تقرير المطلب قائلاً: (المقرِّر).

(2) فوائد الأصول 2: 511، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الأمر الأوّل: في أنَّ الشمول قد يكون مدلولاً لفظيّاً وقد يكون بمقدّمات الحكمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

العموم بحسب العقل والعرف.

أما أن الموضوع هو العقود على كلّ حال وبدون أيّ قيد، فيقال: إن العقد بعد أن أصبح مدخولاً لـ(كلّ)، فإذا كان المراد واقعاً هو المقيّد والمتكلّم في مقام البيان فلا بُدَّ أن يقيّده. إذن فنفهم من هذا اللفظ المقدّس مطلبين:

أحدهما: العموم، وأن كلّ مصداق من مصاديق العقد موضوع للحكم.

ثانيهما: الإطلاق، وأن هذا هو تمام الموضوع للحكم، وأن مصداق العقد في تمام الحالات مشمول للحكم، وهذا ليس من الدلالة اللفظية، وإنما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة.

ففي (أوفوا بالعقود) ليس عندنا عامّان، بل عندنا عامّ وإطلاق، كما يقول المحقق الكركي(1): إن المولى حينما يقول: أَوْفُوا بِالعُقُودِ، فينبغي أن يكون هذا الحكم مستمرّاً وإلا كان لغواً، وهذا مستفاد من مقدّمات الحكمة، إذن يكون لنا في المقام أمران: العموم الأفرادي والإطلاق وهو جعل الطبيعة تمام الموضوع بلا قيد.

فلا بُدَّ أن نحسب حساب (ما أكرهوا عليه)، وأنه هل يتصرّف في العموم الأفرادي، أو في الإطلاق، وكلٌ له وضعه الخاصّ.

قلنا إنه في باب المطلقات إذا شككنا في التقييد وتردّد الأمر بين الأقلّ والأكثر، كان الأقلّ قدراً متيقّناً وكان المطلق حجّة في الباقي، إلّا أن يقال: في 

ـــــــــــــ[317]ــــــــــ

(1) اُنظر: جامع المقاصد 4: 61، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الحكومة تلك الكلمة، وهو وقوعها مورد الإجمال(1).

أما في باب العمومات كـ (أوفوا بالعقود) المشتمل على عموم أفرادي مستفاد من الجمع المُحلّى باللام، وعلى إطلاق مؤدّاه أن كلّ فرد -ثبت بالعموم شمول الحكم له- إذا شككنا أنه محكوم ببعض حالاته أو جميعها، نرفعه بأصالة العموم.

مرّة نشكّ أن العقد الربوي مثلاً داخل في (أوفوا بالعقود) أو لا، فبالعموم اللفظي وأصالة العموم نثبت أن هذا الفرد وارد في العموم، وأخرى نعلم دخول الفرد في العموم ولكن نشكّ أنه في هذا الحال أو تلك، ففي مثله لا تكون أصالة العموم رافعة للشكّ، بل نرفع الشكّ بأصالة الإطلاق.

والإطلاق في مثل (أوفوا بالعقود) متفرّع على العموم، فإن كلّ فرد من العموم موضوع للإطلاق. 

وبعبارة أخرى: أن (أوفوا بالعقود) بالعموم اللفظي يقول: إن تمام الأفراد لها وجود، وبالإطلاق تقول: إن المتكلّم في مقام البيان من حيث خصوصيات الأفراد، ولو كان الفرد محكوماً في حالة دون أخرى لقيّده، وحيث إنَّه لم يقيّده إذن فهذا الفرد هو تمام الموضوع للحكم.

فهذا الإطلاق الذي نريد أن نعمله في الأفراد متفرّع على العامّ، فإن العام 

ـــــــــــــ[318]ــــــــــ

(1) اُنظر: مناهج الوصول 2: 245-252، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الفصل الثاني: في تخصيص العامّ بالمجمل، وجواهر الأُصول 4: 351-365، المقصد الرابع: في العامّ والخاص، المبحث الثاني: في تخصيص العامّ بالمخصّص المجمل.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

يجعل الحكم على سائر الأفراد، وبعد ذلك ينتج مطلباً آخر وهو أن الحكم الثابت للفرد ثابت بنحو الإطلاق، لا في حال دون حال، ففي مثل (أكرم كلّ عالم) نفهم بالعامّ الأفرادي أن كلّ فردٍ داخل تحت الحكم، ولكن إذا شككنا أن كلّ فرد هل يجب إكرامه في السوق أو في المدرسة أو مطلقاً، فهذا الشكّ لا نرفعه بأصالة العموم، بل العموم باقٍ على عمومه ولم يخرج أيّ فرد، ولكن هذا يثبت بأصالة الإطلاق؛ لأن القيد من هذه الجهة تصرّف فيها.

ومقتضى ذلك هو أن التصرّف بالعموم ليس تصرّفاً في الإطلاق، ولا التصرّف بالإطلاق تصرّف في العموم، فلو أخرج الشارع العقد الربوي فهذا تصرّف في أصالة العموم(1)، إلّا أنَّ الإطلاق لم يقع فيه تصرّف. نعم، لا يبقى موضوع للإطلاق، إلّا أنَّ أصالة الإطلاق تبقى محفوظة، فإن التصرّف في الإطلاق إنما يكون مع حفظ الموضوع وعدم ذكر القيد، أو مع إخراج حالة معيّنة، فعند إخراج بعض الأفراد يكون الإطلاق غير موجود، إلّا أنَّ أصالة الإطلاق غير ساقطة.

فإذا ورد تخصيص على العموم اللفظي لـ (أوفوا بالعقود) كإخراج بيع المجهول والبيع الربوي، فهو يختصّ بالعموم وليس تقييداً للإطلاق. نعم، لا إطلاق، لكن من باب رفع الموضوع -نظير التخصّص- فنحن لم نعمل خلاف الظاهر مرّتين، بل مرّة واحدة، وهو تخصيص العامّ، كما أن تقييد المطلق بدليلٍ ليس تصرّفاً بالعامّ، بل بالنسبة إلى تمام الأفراد أو بعضهم يضيف قيداً غير مفرّد.

ـــــــــــــ[319]ــــــــــ

() لأنه أخرج قسماً من الأفراد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ففيما نحن فيه، إذا أوجدنا بيعاً واحداً بالإكراه، فهذا له حالان: أحدهما الإكراه، والآخر: حينما يتبدّل الإكراه إلى عدم الإكراه، فلم يرتفع هذا عن كونه مصداقاً لطبيعة البيع ولم يتبدّل إلى مصداق آخر، فتخصيص (أوفوا بالعقود) هو بإخراج الفرد أساساً، وحينئذٍ تبقى أصالة الإطلاق على حالها، وإنما ينتفي موضوعها، وأما إذا تصرّف بهذا العقد الواقع عن إكراه، فهو تصرّف في حالة من حالات العقد، وبقي الحال الآخر، وهو ما إذا لحقه الرضا على حاله، لا يكون خارجاً، فهذا تصرّف بالإطلاق لا بالعموم.

بناءً عليه، فنحن هنا مردّدون بين أحد تصرّفين، أما أن (رفع ما أكره عليه) تصرّف في عموم (أوفوا بالعقود) إذا كان يرفع -لنكتة الإكراه- أصل الفرد الإكراهي، لكن هذا لا يكون تقييداً للإطلاق، وإن ارتفع موضوعه.

وإن فهمنا من (رفع ما أكرهوا عليه) بمناسبات الحكم والموضوع أنه رفع حالة من حالات الفرد، وأنه يتصرّف في الإطلاق، وأن هذا الفرد الخارجي وإن كان مكرهاً عليه إلّا أنَّه موضوع للحكم بحسب العموم، فإذا تبدّل حاله إلى الرضا يكون مشمولاً للحكم بالنفوذ، فهذا تصرّف بالإطلاق لا بالعموم.

فإذا أحرزنا إخراج الفرد المكره عليه تخصيصاً، فبالنسبة إلى هذا العقد ليس عندنا فرد حتى تتعلّق به المراضاة، وإذا أخرج حديث الرفع حالاً -هو حال الإكراه- فبالنسبة إلى الحالات الأخرى للعقد تكون أصالة الإطلاق على حالها، ويكون العقد قابلاً لإلحاق الرضا، فمع إحراز أحدهما لا إشكال.

وأما إذا لم نستطع إحراز ذلك، وأن (ما أكرهوا عليه) هل هو تخصيص لعموم (أوفوا بالعقود) أو تقييد لإطلاقه، فما هو الحال؟

ـــــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [شبهة مع رفعها]

هنا شبهة لا بُدَّ أن ترتفع، وهي أن هذا الشخص الشاكّ بهذا النحو له علم إجمالي، وهو أنه إما وقع تخصيص على العموم أو تقييد على الإطلاق، وهذا ليس من قبيل أن تعلم إما بخروج حال، أو مطلق الحال، فإنه في مثل ذلك يكون التخصيص على عامّ أو مطلق واحد، فإذا دار الأمر بين الأقلّ والأكثر كان المقيّد حجّة في الأقلّ دون الأكثر، فيكون الإطلاق شاملاً للزائد.

وأما إذا كان لهما دلالتان على عنوانين؛ هما أصالة العموم وأصالة الإطلاق، وكلٌّ منهما له موضوع مستقلّ، فهذا موضوعه: (كلّ فرد)، وذاك موضوعه (الفرد) بجميع حالاته، أو (الفرد مطلقاً) بلا قيد، فعندنا عنوانان هما الإطلاق والتقييد فإذا علمنا أجمالاً بأنه حصل تصرّف إما بالإطلاق أو بالعموم، تأتي شبهة أن هذا العلم الإجمالي يُسقط كلّاً من أصالة الإطلاق وأصالة العموم، فلا بُدَّ حينئذ من التمسّك بالاستصحاب.

هذه الشبهة قابلة للدفع، بأن يقال:

أولاً: إن الأصول اللفظية العقلائية لا بُدَّ أن نرى أنها أين تجري وأين لا تجري، فإننا في هذا الباب تابعون للعقلاء والعرف العامّ، فنرى أنهم هل يتمسّكون دائماً بأصالة الإطلاق وأصالة العموم، أو أن لها مصبّاً خاصّاً؟

ففيما إذا شككنا أن هذا الفرد خارج من العموم أو لا، فهذا مورد بناء العقلاء على التمسّك بالعموم والعمل به، ونفي الشكّ تعبّداً وعقلائياً، وأما 

ـــــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذا كان الفرد خارجاً لكن شككنا أنه خرج تخصّصاً أو تخصيصاً(1)، فلو قال: (أكرم كلّ عالم)، وعلمنا أن زيداً لا يجب إكرامه، وشككنا أنه لا يجب لأنه تخصيص لوجوب إكرام العلماء، أو لأنه ليس بعالم. ففي مثل ذلك بعد العلم أن بناء العقلاء بناءٌ عملي ولا يفكّرون بأصولك العقلائية، وإنما يجرون في سلوكهم على مبنى معيّن، ففيما إذا شكّوا أنهم يكرمون زيداً أو لا يكرمونه، يجرون على إكرامه. 

وأما في مورد يحرزون أن الفرد خارج على أيّ حال، فلا عمل فيه ولا وجوب إكرام فيه على أيّ حال، فالعقلاء لا ربط لهم بذلك، وليس أنهم يقولون: إن العام باقٍ على عمومه، إذن فهذا الفرد خارج تخصّصاً، فإن العقلاء لهم العمل، فإذا علموا أن هذا الفرد لا حكم له فهو غير مربوط بعملهم، وليس لنا في مثل هذا المورد أصل عقلائي.

وكذلك في أصالة الإطلاق، إذا شككنا في أنَّ فرداً خارج أو لا، فأصالة الإطلاق عند العقلاء محكّمة، وأما إذا علمنا أن هذا الفرد لا حكم له، فلا مجال للعمل بأصالة الإطلاق.

ـــــــــــــ[322]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الأُصول 4: 426، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، المبحث الثاني: في تخصيص العامّ بالمخصّص المجمل، التنبيه الثالث: في التمسّك بالعامّ عند الشكّ بين التخصيص والتخصّص، ومناهج الوصول إلى علم الأُصول 2: 270، المقصد الرابع في العامّ والخاصّ، الفصل الثاني: في تخصيص العامّ بالمجمل، التنبيه الخامس في التمسّك بالعام عند الشك بين التخصيص والتخصّص.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

ففي المقام إذا شككنا أن عقد المكره خارج تخصيصاً أو تقييداً، ونحن نعلم أنه في حال الإكراه خارج عن الحكم(1) على أيّ حال، ونشكّ في خروج أصل الفرد، ففي مثل ذلك تكون أصالة العموم على حالها(2)، وأما حال الإكراه فلا نشكّ في خروجه، فالمورد الذي نعلم بخروجه لا مجال للتمسّك بالإطلاق، إذن فأصالة العموم لا مانع منها، وأما أصالة الإطلاق فساقطة. 

وهناك أجوبة أخرى لا حاجة إليها، ولعلّنا نذكرها لو ساعد الوقت.

كانت الشبهة في التمسّك بالعموم في (أوفوا بالعقود) أو التمسّك بالإطلاق فيما إذا شككنا في حالة الأفراد، هي: أنه فرق بين التمسّك بالإطلاق في مثل (أحل الله البيع) و(تجارة عن تراضٍ). هناك لا مانع منه؛ لأنه شكّ في الإطلاق الزائد، فلو شككنا في أنَّه خرج بما أنه مكره أو خرج مطلقاً حتى بعد لحوق الرضا به، أمكن التمسّك في الزائد بأصالة الإطلاق.

أما في مثل (أوفوا بالعقود) الذي نعلم خروج حال الإكراه منه، ونحتمل تخصيص العامّ، باعتبار أننا نحتمل أن (ما أكره عليه) إشارة إلى ذات الموضوع والإكراه نكتة للجعل، كما نحتمل أن تقييد للإطلاق باعتبار أننا نحتمل أن الإكراه قيد للموضوع وعلّة للحكم يدور الحكم مدارها، فيتولّد علم إجمالي بين تقييد العام أو تخصيص الإطلاق المتفرّع على العموم، فلا بُدَّ من سقوط الإطلاق والعموم ونرجع فيه إلى الاستصحاب.

ـــــــــــــ[323]ــــــــــ

() يعني الحكم بالتنفيذ (ايضاح). (المقرِّر).

(2) باعتبار أن موضوعها -وهو الشكّ في الخروج- متحقّق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

كان أحد الأجوبة: إن الأصول اللفظية العملية ليست جارية مطلقاً، بل هي جارية في مورد الشكّ في المراد، فإذا شككنا أنه هل ورد تخصيص على العامّ أو تقييد للمطلق، وأنا لا أعلم أن المتكلّم مراده أيّ شيء هو؟ فهنا بناء العقلاء على العمل بالعامّ وبالمطلق حتى يرد دليل على الخلاف، أما إذا كنت أعلم بمراد المتكلّم حينما قال (أكرم العلماء)، وأن زيداً لا وجوب إكرام له، وأشكّ أن زيداً خارج تخصيصاً أو تخصّصاً، ففي مثل ذلك لا بناء على التخصيص، فإن هذه الأصول أخذناها من عمل العقلاء، وعملهم على أنَّ اللفظ إذا كان بلا تقييد ولا تخصيص يعملون به ما لم يقم دليل على الخلاف، ولا يعتنون بالشكّ بالتخصيص أو التقييد، وأما البناء على أنَّ المخالفة اللفظية حتى تكون كذا لاكذا، فهذا غير موجود في عمل العقلاء، ففي الموارد التي يكون المراد معلوماً فالعقلاء لا يعملون شيئاً، وأما أن تركهم للعمل من باب التخصيص لا التخصّص فهذه مسألة مدرسية لا عقلائية سوقية، إذن فلا معنى لأصالة الإطلاق في هذه الموارد.

الجواب الآخر: أن أصالة الإطلاق متفرّعة على أصالة العموم، فإن أصالة العموم تنقّح موضوع أصالة الإطلاق، إذ تجعل أصالة العموم زيداً موضوعاً للحكم بوجوب الإكرام، فإذا شكّ أنه هل يجب إكرامه مطلقاً في جميع الحالات أو في السوق دون المسجد، فنرفع هذا الاحتمال بأصالة الإطلاق، فلو لم تُدخل أصالة العموم زيداً في محيط الحكم لا يقال: إن هذا تمام المورد، ولا تصل النوبة إلى أصالة الإطلاق.

ـــــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

بناءً عليه: أصالة الإطلاق متفرّعة على العموم، إذ لولاها لا موضوع لها، وأنت إذ تقول: (عندي علم إجمالي بأنه إما الإطلاق مخصّص أو العام مقيّد)، فهنا ماذا تريد؟

هل تريد أن تجري أصالة الإطلاق لإدخال عقد المكره الذي نعلم بخروجه؟ فهذا لا يمكن؛ لأننا نعلم أن عقد المكره في حال إكراهه لا يجب الوفاء به، فإدخال هذا المورد بأصالة الإطلاق تحت الحكم غير ممكن.

أو تريد بجريان أصالة الإطلاق أن تنتج ما هو لازمها -ولوازم الأصول اللفظية حجّة- وأنه بما أن الإطلاق جارٍ فالعموم غير جارٍ، بل مخصّص، فيلزم ارتفاع موضوع أصالة الإطلاق، ويلزم من وجودها عدمها.

فإن أصالة الإطلاق متفرّعة على العموم، وهي فرع أن يكون الفرد موضوعاً للحكم، فإذا لم تكن أصالة العموم موجودة لا يبقى موضوع لأصالة الإطلاق، فلو خرج (زيد) عن الحكم فموضوع الإطلاق ارتفع ولا يبقى له مجال، فتخصيص العامّ إفناء لموضوع الإطلاق، وأنت إذ تقول: إننا نعلم إجمالاً إما تخصيص العام أو تقييد المطلق، هل تريد بإجراء أصالة الإطلاق أن تدخل عقد المكره في الحكم؟ فهذا غير ممكن؛ لأنه مسلّم الخروج.

أو تريد أن تقول: إن الإطلاق باقٍ على قوّته وإنما ورد التخصيص على العامّ، فهذا معناه أن موضوع الإطلاق قد ارتفع، يعني أصالة الإطلاق بجريانها ترفع موضوع نفسها؛ لأنه بإجرائها يرتفع العموم، وبورود التخصيص على العامّ يرتفع موضوع الإطلاق، فلازم جريان أصالة الإطلاق عدم جريانها.

ـــــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فإذا حافظنا على أصالة الإطلاق، بإثبات لازمها وهو ورود التخصيص على العامّ، فمعناه أن أصالة الإطلاق تحفظ نفسها بإعدام نفسها؛ لأنه عند تخصيص العموم ينعدم موضوع أصالة الإطلاق، إذ معناه أن ذات العقد لا حكم له.

كلام آخر: وهو أن هذا الحال -حال الإكراه- خارج بلا إشكال، وأصالة الإطلاق غير جارية، أما لعدم نفسها أو لعدم موضوعها -وهو العموم(1)– لأنه إذا كان تقييداً للإطلاق فالإطلاق مرتفع بنفسه، وإذا كان تخصيصاً للعموم فالإطلاق مرتفع بموضوعه، فإذا لم تكن أصالة الإطلاق موجودة فالعموم باقٍ على حاله.

فيما إذا خرج كل فردٍ بدليل فهل هو تخصيصٌ أو تقييد؟

هنا يأتي كلام آخر: وهو أن أصالة الإطلاق مرّة تكون في مورد احتمال قيود متكثّرة، بعضها نعلم بتقييدها وخروجها، وبعضها نعلم بدخولها، وبعضها يكون مورداً للشكّ، فنتمسّك في مورد الشكّ بأصالة الإطلاق، وأخرى تكون تمام حالات الإطلاق دائرة بين شيئين، فالعقد الذي هو محلّ الكلام، إما مكره عليه وإما مرضي به، وليس له حال ثالثة، فهنا إذا ورد عليه تقييد محرز، ونحتمل ورود تقييد آخر، وبهذا التقييد الثاني يخرج تمام حالات الفرد عن تحت الحكم، فهل هذا من عمل أصالة الإطلاق أو من عمل أصالة العموم؟ وليس لهذا المطلب ثمرة عملية، وإنّما هو مورد للكلام.

ـــــــــــــ[326]ــــــــــ

() إيضاح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

فهنا إذا قلنا: إن أصالة العموم على حالها، وأصالة الإطلاق مرتفعة، فيأتي إلى النظر أن الشكّ يرتفع بأصالة الإطلاق بعد إخراج ما عُلِم خروجه، لكن هنا في هذا العقد الخارجي إذا أخرج حال الإكراه بدليل وخرج حال الرضا بدليل آخر، وأصل الفرد ليس فيه إلّا هذان الحالان، فهل هذا تخصيص للحكم أو تقييد له؟ فإن التقييد إنما يكون مع وجود الفرد، فلو كان مع التقييد يرتفع أصل الفرد، ولو بدليلين، فهنا إذا شككت أن زيداً يجب إكرامه خارج المدرسة لا داخلها، فهل أتمسّك بأصالة العموم مع كون الشكّ في التخصيص، أو أصالة العموم لا تفيد، بل لا بُدَّ من أصالة الإطلاق؟

فإذا كانت أصالة الإطلاق موضوعها الحكم المتعلّق بهذا الشيء، والمفروض أن أحد حاليه مقيّد وخارج قطعاً، والحال الأخرى -التي لا ثالث لها- نشكّ بخروجها، فإذا كانت أصالة العموم محفوظة فلازمه أن يكون هذا الفرد تحت الحكم، وإذا كان ذاك الفرد مقيّداً فالفرد بتمام حالاته خارج.

فهنا لا يبعد أن يقال: إن هذين المقيدين يعودان إلى التخصيص؛ لأن التخصيص هو خروج الفرد بتمام حالاته من تحت العامّ وهو حاصل في المقام، فيقال: إننا ندخل ذلك تحت (أوفوا بالعقود) لا بما قال الشيخ من الخلط بين التخصيص والتقييد، من أنَّه إذا ورد تخصيص على الزمان فهو تخصيص على العامّ وهو ليس فيه زائد وقليل(1)، مع أنه تقييد والتقييد فيه زائد وقليل.

أو إننا نلاحظ كلّ قيد على حدة، وتكون أصالة الإطلاق ثابتة إلى جنب 

ـــــــــــــ[327]ــــــــــ

() كم وزياد ندارد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

أصالة العموم، وهذه لا ثمرة عملية لها، إذ سواء كانت أصالة العموم أو الإطلاق فإنه تنتج الثمرة المطلوبة.

هذا كله إذا مشينا على هذا، وهو أننا لا نقول بانصراف الأدلّة، باعتبار بناء العقلاء على صحّة عقد المكره، فتكون تمام الإطلاقات تامّة ويكون حديث رفع الإكراه حاكم عليه.

والآن نتكلّم حول ما إذا كانت الأدلّة منصرفة إلى ما عليه بناء العقلاء.

ما هو موافق للتحقيق ويقتضيه واقع المطلب هو أن بيع المكره في محيط العقلاء ليس أنهم بقطع النظر عن الأدلّة الشرعية يرون وجوب العمل به، بل عندهم كما عند الشارع ليس صحيحاً فعلياً، بناء عليه فالأدلّة الشرعية -بقطع النظر عن رفع ما أكرهوا عليه- لا يستفاد منها أكثر من ذلك، وأنه يجب الوفاء بالعقد حتى في حال الإكراه، فإن هذا معنىً مستكره في نظر العقلاء أن ينفذ الشارع المبيع مع الإكراه، فكلّ الأدلّة الشرعية منصرفة عن مثل هذا المورد.

بناءً عليه، فما تكلّمنا عنه كان بقطع النظر عن بناء العقلاء، وانصراف الأدلّة، وإلا فينبغي أن نقول إن هذا العقد المكره عليه ما دام مكرهاً عليه لا يترتّب عليه أثر، وأما إذا رضي به بعد ذلك وأجازه، فلا يكلفه العقلاء بإيقاع عقد آخر، فإن تمام الجهات تامّة عند العقل والعقلاء، ونفس الرضا الموجود في غير المكره موجود في عقد المكره أيضاً، وطيب النفس غير معتبر أساساً في المعاملات، فيأتي إلى النظر أن الأدلة يستفاد منها هذا المعنى، وحديث (ما أكرهوا عليه) أيضاً لا يستفاد منه أكثر من ذلك، بحيث إنَّه قد اعتبر العقد 

ـــــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

معدوماً غير قابل لتعقّب الإجازة، وكذلك الأدلّة العامة للتنفيذ لا تفيد أكثر من ذلك، بما فيها آية التجارة عن تراضٍ بالبيان السابق.

يبقى في بيع المكره مباحث أخرى مشتركة مع بيع الفضولي، فالتكلّم فيهما تكرار، وحيث إنَّها بحثت مفصّلاً هناك ولهذا نحيلها على هناك، كالإجازة هل هي على الكشف أو النقل، أو أن الرضا يكفي، أو لا بُدَّ من إنشاء الإجازة، وإن الأصيل هل له أن ينقض الإجازة أو لا؟

والبحث الآخر الذي قاله الشيخ(1) نسقطه أيضاً، وهو مبحث بيع العبد فإنه بلا فائدة.

والبحث الذي فيه فائدة وأهمّية هو: بيع الفضولي.

ـــــــــــــ[329]ــــــــــ

(1) اُنظر: المكاسب 3: 337، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: ومن شروط المتعاقدين إذن السيّد لو كان العاقد عبداً.

تقريرات، كتاب البيع، ج5 







الفهرس 

 

الكلام في شرائط المتعاقدين 9

[الأول: شرط البلوغ] 9

[الاستدلال بآية الابتلاء على شرطية البلوغ] 12

مناقشة الشيخ النائيني 15

كلام للسيد بحر العلوم ومناقشته 19

[كلام علي بن إبراهيم في تفسيره] 28

كلام لأبي حنيفة والشافعي 30

في مفهوم الآية 34

[عناوين أُخذِت في الآية] 39

[في معنى اليتم] 40

معنى بلوغ النكاح 43

في معنى الرشد 44

الاستدلال بالروايات 51

[الطائفة الأول التي لها مساس بالآية] 51

في استقلال الصبي بالمعاملات 59

ـــــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

الناحية الأولى 60

[الناحية الثانية] 61

[الطائفية الثانية التي لا ارتباط لها بالآية] 62

الكلام في روايات رفع القلم 65

[الكلام في روايات عمد الصبي خطأ] 70

في قوله يحمل على العاقلة 70

رواية أبي البختري 75

في الإجماع المدعى 81

هل معاملات الصبي باطلة مطلقاً؟ أم تصح في المحقَّرات 86

الاستدلال بالروايات 91

كلام للشيخ محمد حسين [الأصفهاني] 95

الثاني: اشتراط القصد في المعاملة 101

[حول اعتبار تعيين المالكيَنِ] 102

[الإشكال العقلي] 104

الإشكال العقلائي 109

[كلام للشيخ حول الاعتبار] 112

وجه آخر وان المبادلة لا تحصل 112

كلام للشيخ 116

في لزوم التعيين [في الشخصيات] 120

ـــــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في صحة المعاملة مع التصريح بالخلاف 125

في اشتراط التبادل في المبيع 132

كلام للشيخ 136

[مطلب راجع إلى الكليات] 139

في أنه هل يجب تعيين البائع والمشتري 143

هل يعتبر المخاطبة في المعاملة 146

حول اشتراط الظهور في إنشاء العقد 149

الثالث: في اشتراط الاختيار 150

حول اعتبار عدم الإكراه في صحة العقد 152

في دليل المسألة 154

[حول دلالة حديث الرفع عن المطلوب] 155

[في قوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ] 157

في رواية الإكراه على الأيمان 159

الكلام في تصحيح الادعاء 163

في معنى الإكراه 169

[في القيود التي ذكرها الشيخ] 173

[عنوان الرضا في التجارة] 174

[القيود المعتبرة في الإكراه] 176

الكذب في باب التورية 179

ـــــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

 [تفصيل الشيخ بين مراتب الإكراه] 186

في التفصيل بين التكليفيات والوضعيات 189

[بيان المحقق الأصفهاني] 189

في اختلاف صور أمر المكره وأحكامها 193

[إذا تعلقت الأوامر بنفس الطبيعة] 198

إذا تعلق الأمر بنحو صرف الوجود 201

التقريب الآخر للمطلب 209

إذا تعلق أمر المكره بطبيعة متفاضلة الأفراد 215

إذا أوجد المكره عدة أفراد 220

كلام الآخوند ومناقشته في حقيقة الواجب التخييري 224

[دعوى قيام البرهان على بطلان الوجوب] 225

[حول حقيقة الوجوب التخييري] 226

[دعوى تعلق الإرادة ودفعها] 230

إذا أكره المكرَه على أحدهما 232

[تفصيل السيد اليزدي ودفع الإشكال] 232

لو ألزمه بأحدهما فأتي بكليهما 237

[نقض كلام اليزدي] 237

المكره الذي يُوجِد مصاديق عديدة 239

[دفع الإشكال العقلي بوجهٍ آخر] 243

ـــــــــــــ[334]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

إذا أكرِه على بيع داره أو البيع الفضولي 245

لو أكرِه بنحو الواجب الموسَّع 248

في وقوع الإكراه على المالك وعلى العاقد 251

[حول دلالة حديث الرفع على المطلوب] 254

كلام للعلامة فيما لو أُكرِه على الطلاق 257

[التحقيق في المقام] 261

في اجتماع الإكراه والرضا 264

[تفسير الرضا بالمعاملة بالقصد ونقده] 266

إشكالٌ في شمول الأدلة العامة للمكره 269

فيما إذا رضيَّ المكره بالبيع 272

وجهٌ آخر لبطلان المعاملة 281

[في اعتبار مقارنة الرضا للعقد] 282

هل يمكن الاستدلال بالآية على البطلان مع الإجازة 284

[بيان نوع الاستثناء في الآية] 288

[نقل مقالة السيد اليزدي] 291

[دفع توهم الحصر في آية التجارة] 292

كلام للنائيني ومناقشته 295

الاستدلال للصحة بحديث الرفع 296

ملاحظة العمومات كـ(تجارة عن تراضٍ) 301

ـــــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج5 

في أوفوا بالعقود 313

في حقيقة الإطلاق 314

[شبهة مع رفعها] 321

فيما إذا خرج كل فردٍ بدليل فهل هو تخصيصٌ أو تقييد 326

الفهرس 331