أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (6)

كتاب البيع

الجزء السادس

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج6 (288ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1699/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1699) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

8-05-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء السادس  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 




بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 






بقية الكلام في شرائط المتعاقدين

مبحث البيع الفضولي

 

     ويحتوي على:

     الشرط الرابع: الملكية

  • [في بيان المائز بين العقد والإيقاع]
  • في بيع الكليات فضولةً

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 






مبحث البيع الفضولي

[الشرط الرابع: الملكية]

 

فإن من شرائط المتعاقدين أن يكون مالكاً نافذ التصرّف أو ولياً كذلك، والجامع أن يكون نافذ التصرّف سواء كان مالكاً أو وليّاً أو وكيلاً ونحوه، إذن فبيع الفضولي بحسب هذا الشرط ليس بصحيح فعليّ، ونتكلّم فيما إذا تعقّبته الإجازة.

 

[في بيان المائز بين العقد والإيقاع]

هناك مطالب لا بُدَّ من البحث فيها أوّلاً:

أحدها: مطلب يشير إليه الشيخ(1) أن الفضولي موجود في باب العقود [و] في باب الإيقاعات، فلا بُدَّ أن نبحث أن الفضولي في العقود والإيقاعات على مقتضى القاعدة، أو أنه في العقود كذلك دون الإيقاعات، أو في الموردين مخالف للقاعدة، وإنما نقول بصحّتها بحسب التعبّد الشرعي؟

ــــــــــ[11]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 345، البيع، الاختيار، مسألة: من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نقول: لا بُدَّ أن نرى بحثه العقلائي ثُمّ ننظر بعد ذلك إلى العمومات، هل في باب العقود ما هو عند العقلاء معتبر؟ فإذا ذهب الدلّال وباع ثُمّ نظر المالك فيها فإذا رآها في مصلحته يجيزها، فما هو في نظر العقلاء -إذا لحقته الإجازة يتمّ- هو أسباب المعاملات التي هي الألفاظ وهي قد وجدت في محلّها وفقدت لأنها متصرّمة الوجود.

ففي نظر العقلاء إذا لحقت الإجازة ما وجد في حينه وتصرّم، فنفس ذاك السبب بضميمة هذا الموجود يكون موضوعاً لوجوب الوفاء.

والإشكال بأن الإجازة لا يمكن إلحاقها بالمعدوم، سارٍ في الإيجاب والقبول أيضاً، فإن القبول يأتي بعد انعدام الإيجاب وتصرّمه، إلّا أنَّ هذين المعنيين(1) الموجودين في ظرفهما هما الموضوع لحكم العقلاء، فهل هنا كذلك، وأسباب العقود التي هي متصرّمة لها سببية أو موضوعية لترتّب الأثر، أو ليس كذلك وإنّما المؤثّر معنى آخر حاصل من الإيجاب والقبول؟

أحد الاحتمالات: أن نقول: إن لفظ (ملكتك هذا) ولفظ (قبلت)، لهما سببية عند العقلاء للنقل والانتقال في المتبايعين الأصليين، والحال أن جزء السبب عند تحقّق الآخر معدوم. ولكن التأثير تأثير اعتباري وليس حقيقياً لكي نقول إنه يلزم وجود المعلول بلا علّة.

وبعبارة أخرى: أن الألفاظ ألفاظ إيجادية وضعت لإيجاد معنى اعتباري، 

ــــــــــ[12]ــــــــــ

() يعني القبول والإجازة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

كما أن ألفاظ الإشارة وضعت لإيجاد الإشارة الاعتبارية، التي هي بمنزلة الإشارة بالإصبع، وتقوم بهذه المهمّة أسماء الإشارة، والضمائر عندنا، وكذلك الأمر موضوع لإيجاد البعث الاعتباري الذي يقوم مقام البعث الحقيقي، كإغراء الكلب بالصيد، غاية الأمر أن الكلب بما أنه معلَّم فلا يعصي صاحبه، ولكن الإنسان حيث إنَّ له أفكاراً ومصالح كثيرة فقد يحصل منه العصيان(1).

فهنا يقال في المعاملات: إن ما يُوجِد العقد الاعتباري هو ألفاظ العقود الموضوعة لذلك، فـ(بعت) موضوعة لإيجاد المادّة و(قبلت) موضوعة لقبولها، وهذا الإيجاد الاعتباري هو المؤثّر، غاية الأمر أنه -في الأصليّين- إذا تعقّبه القبول يكون ذا أثر وموضوعاً لحكم العقلاء بالتنفيذ، وهذه الألفاظ الموجودة في محلّها -وليست هي معدومة صرفة- موضوع للحكم الاعتباري.

نقول: كذلك هو الحال في الفضولي، فكما أن الإيجاب والقبول جزء(2) السبب لحكم العقلاء، كذلك بيع الفضولي هو جزء السبب والجزء الآخر هو الذي يتحقّق بعد ذلك وهو الإجازة. فليس هنا أيّ فرق بين الإيجاب والقبول، وبين بيع الفضولي والإجازة، ولا فرق بين طول الزمان وقصره، فالألفاظ التي أوجدها الفضوليان بعض السبب، والجزء الآخر هو الإجازة التي يوجدها المالك في حينه، وكِلاهما معاً موضوع للحكم العقلائي بالنفوذ.

ــــــــــ[13]ــــــــــ

() إذن فالعاصي أسوء من الكلب. (المقرِّر).

(2) يعني كلّ على حدة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

جريانه في العقود والإيقاعات 

وإذا قلنا ذلك في العقود، ففي باب الإيقاعات نفس المعنى موجود، فإن السبب في الإيقاع هو اللفظ، فهذا اللفظ المتحقّق في حينه، حيث إنَّه صادر من غير الأصيل، فليس هو تمام السبب بل بعض السبب، ويحتاج إلى جزء آخر وهو إجازة الآخر للمعنى المتحقّق في محلّه.

فنفس النكتة التي قلناها في العقود من صحّة عقد الفضولي عند العقلاء، كذلك هو الحال في الإيقاعات، وإذا كان ذلك مطابقاً للقاعدة فهذا أيضاً مطابق لها، وفي العقود أيضاً قد يكون العقد تمام السبب إذا كان أصيلاً، وقد يكون بعض السبب إذا كان فضولياً، كذلك في الإيقاعات تماماً.

ففي باب الوصية(1) -وهي من الإيقاعات- إذا أوصى بتمام أمواله، وبعد عدد من السنين مات، فإذا أجاز الورثة يتمّ السبب المؤثّر في تمام المال، وإذا لم يجز الورثة ففي الثلث يكون مؤثّراً. 

ففي الثلث مؤثّر مستقلّ وفي الباقي جزء السبب، وكان الموصي بالنسبة إلى الثلث أصيلاً وبالنسبة إلى الباقي فضولياً، وكانت وصيّته سبباً ناقصاً، وبالإجازة نفذت الوصيّة الموجودة في حينها وأصبحت مؤثّرة، ويكون المجموع تمام السبب.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) اُنظر: المقنعة: 669-670، كتاب الوصيّة، باب الوصيّة بالثلث وأقلّ منه وأكثر، الخلاف 4: 144، كتاب الوصايا، المسألة الرابعة عشر: لو أوصى لرجلٍ بزيادةٍ على الثلث وأجازها الورثة، المهذّب 2: 105، كتاب الوصايا، باب ما صحّ من الوصايا وما لا يصحّ، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نعم، هنا كلام في باب الإيقاعات، وهو أنها هل هي على وزان واحد، أو يفرّق بينها، مثلاً في (التحرير) هل هو إيجاد مطلب(1) وله سببية في الإيجاد، أو التحرير هو فكّ المربوط(2) وإطلاق المشدود، فإن العبودية عبارة عن ارتباط بين العبد ومولاه برباط الملكية، والتحرير بفكّ هذه العلقة، وفي باب الطلاق(3) أيضاً يأتي نفس الكلام، هل هو فسخ للزوجية نظير فسخ المعاملة، غايته أنه بطريق شرعي خاصّ، أو يتحقّق به أمر اعتباري وجودي؟

وفي بعض الإيقاعات، بلا إشكال ليس معناه عدمياً كالإيصاء والوقف، فإنه بلا إشكال عبارة عن معنى اعتباري وجودي، وكذلك الجعالة بناءً على أنَّها من الإيقاعات كما هو الظاهر، فإذا اعتبرنا تلك الإيقاعات أموراً عدمية، فهل يسبّب ذلك الفرق بين العقود والإيقاعات أو التفريق بين نفس الإيقاعات.

وهذا يظهر ثمرته في غير هذه المسألة التي نحن فيها، فإن السببية للألفاظ لا يفرّق بينها، فهذا أحد الاحتمالات.

   ــــــــــ[15]ــــــــــ

() وأمر اعتباري وجودي مستقلّ. (المقرِّر).

(2) اُنظر: تحرير الأحكام 4: 188، كتاب العتق وتوابعه، الفصل الأوّل، المبحث الثاني: العتق لغة وشرعاً، التنقيح الرائع 3: 430، كتاب العتق، مسالك الأفهام 10: 265، كتاب العتق، كشف اللثام 8: 341، كتاب العتق، المقصد الأوّل، جواهر الكلام 34: 86، كتاب العتق، وغيرها.

(3) اُنظر: مسالك الإفهام 9: 9، كتاب الطلاق، نهاية المرام 2: 6، كتاب الطلاق، جواهر الكلام 32: 3، كتاب الطلاق، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لسنا نحن في صدد أن عقد الفضولي موافق للقاعدة أو مخالف، وإنما نحن في صدد أن العقود والإيقاعات مختلفة بأيّ معنى مورد للنظر؟ وإذا كانت العقود موافقة للقواعد فهل الإيقاعات مخالفة للقواعد، أو العقود والإيقاعات سوية، فإذا كانت العقود موافقة للقواعد فكِلاهما كذلك، وإلّا فكِلاهما أيضاً مخالف لها؟

في تحقيق حال الأمر المشترك في العقود والإيقاعات 

فالآن نرى الأمور المشتركة بينهما، وما به الامتياز بين العقود والإيقاعات، فنرى أنه هل يفرّق في نظر العقلاء، ليكون العقد موافقاً للقاعدة والآخر يكون مخالفاً.

ما هو المشترك بينهما؟

إن كُلّاً من العقود والإيقاعات لها مبادئ، حالها في ذلك حال سائر أفعال الإنسان التي تصدر منه، كالأكل والشرب، لها مبادئ تصوّرية ومبادئ تصديقية، ومسبوقة بالإرادة والاختيار، ثُمّ يصدر الفعل من الإنسان تبعاً للإرادة، كذلك العقد والإيقاع فعل اختياري للإنسان، ولا يختلفان في ذلك عن سائر الأفعال، فإنها أيضاً تنتهي إلى الاختيار والإرادة، إرادة التزويج والطلاق، وهذه المبادئ لا ربط لها بالعقد بل من مبادئ العقود، كما أن إرادة المشي مبدأ للمشي، لا أنها مشي، كذلك إرادة العقد مبدأ له وليست عقداً، فالباب باب المبادئ لا باب الإيقاع والإنشاء.

وأما الألفاظ الموضوعة للإيجاد، فذلك كلٌّ من العقود والإيقاعات، وهي 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مسبوقة بإرادة الإيجاد وبدونها لا توجد، فهما لا يختلفان في أنَّ اللفظ موضوع لمعنى، وهو في البيع إيجاد التبادل وفي الطلاق إيجاد الفرقة.

وهنا نحسب حساب الأسباب ونقول: بأن الأسباب لها سببيّة لإيقاع البيع وإيقاع الطلاق، وإيجاد معانيها، وهذه الأسباب تارة تكون أسباباً تامة وأخرى ناقصة، وهذا يرد في العقود وفي الإيقاعات، حتى نرى بعد ذلك أنه هل لنا دليل على صحّة الناقص أو لا؟

فإن المالكين الأصليين في إيجاد العقد سبب تامّ لإيجاد المعاملة، وإذا كانا فضوليين كان عقدهما سبب ناقص ويحتاج إلى إلحاق شيء آخر به، نظير بيع الصرف والسلم المحتاج إلى القبض في المجلس، فكما أن العقد الفضولي سبب ناقص كذلك الإيقاع الفضولي سبب ناقص ويحتاج إلى إجازة الأصيل الذي هو صاحب الواقعة.

ثُمّ إنَّ هنا أمراً آخر موجود في كلٍّ من باب العقود والإيقاعات، وهو أن السبب الذي نتلفّظ به ونريد الإنشاء به، نريد به إيقاع معنى إنشائي، سواء كان الموجب أصيلاً أو فضولياً.

وهذا المعنى الذي نريد إيقاعه وإنشاؤه غير النتيجة التي هي النقل في اعتبار العقلاء، فإن اعتبار العقلاء للنقل له مبادئ خاصّة عند العقلاء، وليس اختياره بيدي، فإني حين أريد النقل لا أريد إيجاد البناء العقلائي، بل ذلك بيد كلّ عاقل له مبادئ تصوّرية وتصديقية لأجل أن يعتبر، وهذا الاعتبار العقلائي لا يعقل إيجاده بالألفاظ الموضوعة للإيقاع أو العقد، إذن فالنتيجة وهو حصول 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

النقل عند اعتبار العقلاء ليس باختيار البايع ولا المطلق، وإنما أنا أريد إيجاد موضوع اعتبار العقلاء.

والنقل والانتقال لا واقع له غير اعتبار العقلاء، حتى يقال: إني أوجد ذاك الواقع، والعقلاء يتبعوني عليه ويصدّقوني به، فإن البيع والتحرير لا واقعية له في عالم التكوين، وغير حاصل بغضّ النظر عن الاعتبار.

وإنّما الذي بيدي هو تحقيق موضوع الاعتبار العقلائي، وبلا إشكال إن الموجب الأصيل ليس أن (في رأسه دوار) بحيث يدّعي أنه يوجد تمام الموضوع لاعتبار العقلاء، وأنه يتمّ المطلب حتى لو لم يحصل القبول، فإنه إذ يلتفت أنه لا يحصل الأثر والنتيجة العقلائية إلّا بفعل القابل، لا يعقل أن يحصل له جدّ إلى هذا المعنى، وهو أني أنا أوجد موضوع العقلاء والمسألة تامّة. ولا إشكال أيضاً: أن الألفاظ ليست بدون معنى ولقلقة لسان، فإنه يستعمل الألفاظ في معانيها.

بل هنا هذا المعنى، وهو أن الوجود الإنشائي معنى والوجود الحقيقي الاعتباري معنى آخر، فالموجب يريد الآن إنشاء الوجود الإنشائي الاعتباري، وبعد تمام السبب(1) يأتي دور العقلاء في اعتبار الوجود الحقيقي الاعتباري، الذي حقيقته باعتباره، فالموجب إذ يرى أنه إذا لم يضع هذا السناد (ﭘـايه)(2) من قبله ويضع صاحبه السناد الآخر، لا يكون عمله موضوعاً لاعتبار العقلاء، فهو جداً ينشئ هذا المعنى الاعتباري مترقّباً أن الآخر يقبله جداً حتى يكون كُلٌّ 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

() والتحاق الجزء الآخر به. (المقرِّر).

() كلمة باللغة الفارسية تعني: المسند.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

من هذين السنادين موضوعاً لاعتبار العقلاء، وحكمهم بانتقال المال من المشتري إلى البايع وبالعكس.

بناءً عليه، فتلك النتيجة وهي الوجود الحقيقي الاعتباري غير الوجود الإنشائي، وكِلاهما اعتباري، إلّا أنَّ هذا المعنى الإنشائي لا بُدَّ أن يوجد في مقابل الاعتبار الحقيقي العقلائي، فإذا حكم العقلاء بالنقل فهو نتيجة البيع وليس بيعاً، والانفصال ليس هو الطلاق بل هو نتيجته، وليس هذا هو مورد البحث.

بل مورد البحث أنه بعد أن استعمل اللفظ بمعناه استعمالاً إيجادياً وجد منشأه الاعتباري، وهو غير النقل الواقعي، بل هو إنشاء النقل والنقل الإنشائي، وهذا ليس تمام الموضوع للنقل، بل هو محتاج إلى شيء آخر ينضمّ إليه.

إذن فالموجب يعمل نفس المعنى الذي يعمله الفضولي فإن اعتبار العقلاء ليس بيده ولا أنه تمام موضوعه، فالموجب يعمل تمام ماهيّة البيع الذي هو عبارة عن النقل بعوض، وليس هو النقل الاعتباري الواقعي، بل هو إنشاء النقل الاعتباري، وليس أنه في نظر الموجب قد حصلت النتيجة وأصبح المال للآخر كما قيل، فإنه ملتفت إلى أنَّه لم يعمل تمام الموضوع لاعتبار العقلاء، وإنّما عمل بعض الموضوع له.

ونفس هذا المعنى وهو إنشاء نقل مال الغير بإزاء ماله، موجود بنفسه في الفضولي فإن الفضولي ينشئ نقل مال غيره بإزاء مال غيره، والموجب -الأصيل- أيضاً فضولي بالنسبة إلى الغير، فكما أن الفضولي ليس تمام الموضوع للأثر، كذلك فعل الموجب وكذلك فعل القابل.

ففي هذا المعنى أيضاً لا تختلف الإيقاعات عن العقود، فإنه في الإيقاع 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يوقع نفس المعنى، فيقول: (أوقفت مال زيدٍ على الفقراء) فيصدر منه نفس المعنى الإنشائي الذي يصدر من المالك، غاية الأمر كان ذلك من المالك تمام الموضوع لحكم العقلاء، وهذا وإن كان إنشاءً جديداً إلّا أنَّه -بما أنه فضولي- ينشؤه بتوقّع إجازة المالك، فإذا أجازه يتحقّق نفس المعنى الاعتباري الذي يتحقّق بإنشاء المالك، إذن فنفس المعنى موجود في الإيقاعات والعقود، غاية الأمر أنه نحتاج في العقود إلى طرفين وفي الإيقاعات إلى طرف واحد.

فكما أن بيع الفضولي له وجود إنشائي، وحصل هذا المعنى الذي إذا انضمّ إليه إجازة الطرف يكون موضوعاً للحكم العقلائي بالنقل، وفي هذا المعنى لا يفرّق بين الإيجاب فضولةً وبين الوقف فضولةً، كِلاهما يوجد الوجود الإنشائي، ومع ذلك لا يوجد الاعتبار الحقيقي، وفي كِليهما يكون المنشئ متوقّعاً للرضا والإجازة، وفي هذا المعنى لا يفترقان أصلاً، غاية الأمر إن هذا أوجد المعنى الإنشائي الإيقاعي، وذاك أوجد المعنى الإنشائي المعاملي، ويشتركان بكونهما معنى إنشائياً.

فهما غير مختلفين لا في المبادئ ولا في النتائج ولا في المعنى ولا في المتعلّقات.

وأما احتمال أن العقد عبارة عن معاهدة بين الطرفين(1)، فهل معنى البيع 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب الإجارة (للميرزا الرشتي): 166، الفصل الثاني في شرائطها، الثالث من شروط الإجارة، المقام الثالث، المقصد الثاني، عوائد الأيّام: 5، العائدة الأُولى، العناوين الفقهيّة 2: 20، فصل في عناوين المعاملات، العنوان السابع والعشرون، المقام الأوّل، الأمر الرابع، الإشكال الثاني، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

هو ذلك؟ فإنه ليس عندنا إلّا أحد أمور: الأسباب والمعنى الإنشائي الاعتباري، وكِلاهما ليس من قبيل المعاهدة. وعندنا المعنى النفساني بمعنى قصد التمليك، وهو ليس معاملة، وإذا قلتم: إنه معاملة (معاهدة). نقول: إنه موجود في الإيقاعات أيضاً.

[في الفرق بين عقد الفضولي وغيره]

غاية الأمر نبحث في أمر آخر، وهو أنه هل في باب البيع الفضولي، يجب أن يكون هذا البيع بنحو يكون منتسباً إلى المالك؛ ليشمله عموم (أوفوا بالعقود) بحيث يصدق أنه عاقد وأن العقد عقده، وإلّا لم يشمله العموم، أو الأمر ليس كذلك؟ لا بُدَّ أن نبحث أولاً إيجاب وقبول الأصليّين اللذين بلا إشكال موضوع للعموم، فنرى الحال فيهما أوّلاً.

الإيجاب والقبول معاً لا بُدَّ أن يتحقّقا حتى يكونا موضوعاً لعموم التنفيذ الشرعي (أوفوا بالعقود) فهل هو عقد الموجب أو عقد القابل، أو -في الحقيقة- لم يرد أحدهما بل أراد كِليهما؟ فإن كُلّاً منهما وضع سناداً (ﭘـاية)(1) واحداً، ووضع الآخر سناداً آخر، فإن العقد ما كان متقوّماً بالإيجاب والقبول، فهو ليس عقداً لهذا ولا لهذا، بل هو عقد موجود بفعل طرفين.

إذن نعلم أن هذا لا نحتاجه، وهو أنه لا بُدَّ أن يكون العقد عقدك حتى يشمله العموم، وإذا لم ينتسب إليك فلا يشمله، فإنه لم يقل: (العقد عقدك 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: المسند.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فأوفِ بعقدك)، ولكن بما أن هذا عمل الإيجاب والآخر قال: (شكر الله سعيك)، إذن فيجب الوفاء به عليكما.

والإيجاب منزلته منزلة العقد الفضولي والقبول بمنزلة إجازته، والموجب وإن كان أصيلاً في تمليك ماله للغير إلّا أنَّه ليس بأصيل في تملّك مال الغير وفي ملكية الغير لماله، فإنه فضولي في ذلك، فهذا الموجب الذي هو أصيل وغير أصيل، وهو الذي قد أوجد تمام ماهيّة البيع حينما يتبعه القبول ويقول: (رضيت)، يشمله عموم (أوفوا بالعقود) إذن فهذا الدليل لا يشمل إلّا البيع الفضولي، غاية الأمر أنك سمّيت قسماً من البيع فضولياً وقسماً منه أصيلاً.

فالإيجاب دائماً فضولي -إلّا إذا كان وكيلاً عن القابل- وإجازته عبارة عن إجازة الفضولي، فإنه يعبّر عن نفس المعنى، فإن الفضوليين أوجدا الوجود الإنشائي، وإذا أجازه المالكان يكون مشمولاً للعموم، وهو لم يقل: (أوفوا بعقودكم)، بل قال: (أوفوا بالعقود).

نعم، نحتاج إلى مساس في الجملة وهو حاصل بالإجازة؛ وإلحاق عقد الفضولي بالمالك كإلحاق الإيجاب بالقابل.

هل الفضولي على مقتضى القاعدة 

أردنا أن نرى هذا المعنى، وهو أن الفضولي في العقود والإيقاعات على مقتضى القاعدة: أو تحتاج صحّته إلى دليل خاصّ؟

وكنا في صدد بيان هذه الجهة، وهو أنه في مورد صحّة بيع الأصيلين الذي لا إشكال في شمول العموم له، ما هو وضع الأدلّة هناك، وبأيّ اعتبار تكون 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

العمومات كـ (أوفوا بالعقود) و(تجارة عن تراضٍ) موجبة للوفاء به؛ لنرى حينئذٍ أن عقد الفضولي هل هو بنفس النحو أو له كيفية أخرى؟

هل الأصيلان يوجِد كلّ واحد منهما ماهيّة العقد، والعقد عقد البايع وعقد المشتري، وماهيّته منتسبة لهذا ولذاك، أو ليس الأمر كذلك؟ 

أما على ما بنينا عليه من أنَّ تمام ماهيّة العقد هو الإيجاب، والموجب هو الذي ينشئها، ولا نقص بعد الإيجاب في الماهيّة، وسِمَة القبول هو الرضا بهذا العقد، بما أنه واقع على نقل مال الغير، فهو محتاج إلى الإجازة أو الإذن الذي أعطاه.

وليس معنى ذلك، أن تمام ماهيّة العقد، بما أن الموجب أوجدها، فمقتضى ذلك وجوب الوفاء على الطرفين، من دون إجازة من الآخر، فإن تمام الماهيّة متحقّقة في الفضوليّين أيضاً، ولكن يحتاج إلى إجازة المالك حتى نلزمه بالوفاء، بل مقصودنا أن تمام الماهيّة حاصلة، ولكن كما أن عقد الفضولي لا بُدَّ أن تلحقه الإجازة حتى يكون موضوعاً لحكم العقلاء بترتّب الأثر، كذلك هنا لا بُدَّ أن يلحقه الرضا والقبول ليكون موضوعاً لحكم العقلاء.

ولا بُدَّ أن نرى هذا المطلب فإنه دخيل فيما نحن فيه، وهو أنه في الفضوليين، إذ يقول الفضولي الموجب: (زوجت فاطمة علياً)، والفضولي الآخر يقول: (قبلت). فهل الإجازة يجب أن تلحق بالعقد أو بالإيجاب أو بالقبول؟ الإجازة تكون للعقد يعني ذاك العقد الذي أوجدتماه أنا أجيزه، فما هو سِمَة القبول الذي يقوله الفضولي الثاني، هل يريد هذا الفضولي إيجاد ماهيّة 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الازدواج [الزواج] أو يريد ترتيب الأثر؟ وكِلاهما غير صحيح.

أمَّا الأول: فلأن الماهيّة أوجدها الإيجاب، وهو أجنبي فلا يمكنه ترتيب الأثر، فإجازة المالك دائماً للإيجاب يعني لماهيّة العقد التي أوجدها بتمامها في الإيجاب، بناءً عليه ففي المورد الذي يكون الطرفان فضوليّين دائماً يكون الموجب فضوليّاً عن كِلا الطرفين الأصيلين، والقابل لا عمل له أصلاً (هيچ كاره هيچ كاره)(1) أو (بي ربط بي ربط)(2) فإن تمام ماهيّة العقد أوجدها الموجب، فإذا كان الطرف أصيلاً فنحتاج في ترتيب الأثر عليه إلى القبول، وأمَّا إذا كان القابل فضوليّاً يكون قبوله لغواً لا محلّ له.

فليس أن العقد الفضولي له إيجاب وقبول وتنفيذ، بل التنفيذ تنفيذ للعقد لا للقبول، فإن الموجب فضولي من قبل صاحب السلعة وصاحب الثمن؛ لأنه تصرّف بكِلا المالين تصرّفاً اعتبارياً حين قال: (بعت هذا بهذا) ولم يتصرّف بمال الموجب (المالك) وحده. وقبول الفضولي لا أثر له أصلاً، إذن فإجازة الفضولي عبارة عن قبول الإيجاب السابق، غاية الأمر أن القبول يكون بالمخاطبة والإجازة تكون بعد زمان، والقبول والإجازة لهما سِمَة واحدة وليس أن القبول له دخل في ماهيّة العقد وأن العقد ناقص فيكمله، وإنما له دخل في ترتب الأثر على العقد باعتبار وقوع الإيجاب فضولياً على مال الغير، فاحتاج إلى إجازته ورضاه.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: بدون عمل أصلاً.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: لا يربط أصلاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فنحن في أَوْفُوا بِالعُقُودِ لسنا وراء القول: بأن هذا عقدك فأوفِ بعقدك، فإن العقد عقد الموجب وليس عقداً للقابل، و(أوفوا بالعقود) أمر الطرفين بالوفاء معاً، فنحن لا نحتاج إلى عنوان: (عقدكم)، بل إلى عقد وإجازة، والعقلاء لا يرون إلّا ذلك، والشارع لم يقل لنا أكثر من ذلك حين قال: أَوْفُوا بِالعُقُودِ.

فليس هنا فرق بين (قبلت) و(أجزت)، إلّا أن (قبلت) تقال بالمخاطبة و(أجزت) تقال بعد سنة، والإجازة ليست إجازة للقبول، فإن قبول القبول لا معنى له!! فليس عندنا في العقد الفضولي إلّا الإيجاب، والقبول الفضولي لغو محض، وإجازة المالك المشتري تكون تنفيذاً وقبولاً لإنشاء الموجب، كما أن القابل الأصيل يقبله ابتداءً.

إذن فلا بُدَّ أن نبحث هنا، أن القبول لا بُدَّ أن يكون متّصلاً بالإيجاب أولا؟ لا دليل على ذلك، وما أفادوه من لزوم ذلك(1) مبني على أنَّ العقد فعل واحد، فهما معاً يوجدان الماهيّة، فلا بُدَّ أن يكون الإيجاب والقبول متّصلين، باعتبار أن القبول دخيل في ماهيّة العقد، وهي لا توجد إلّا به، وهذا خلاف الضرورة.

فإذا بنينا على أنَّ موضوع (أوفوا بالعقود) هو العقد الفضولي دائماً حتى في 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) كما تقدّم بيانه في الجزء الأوّل من كتاب البيع عند الكلام حول اشتراط الموالاة بين الإيجاب والقبول. وراجع أيضاً كتاب المكاسب 3: 157، كتاب البيع، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، الموالاة بين الإيجاب والقبول، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الأصيل، فأيّ حقّ لك في القول بأنه لا يشمل الفضولي، فإنه إنما يأمر المشتري الأصيل بالوفاء لا لأجل أنه عقدك وأنت أوقعته، بل لأن الموجب أوقعه وأنت نفذّته وقبلته، إذن فالقدر المتيقّن من موارد عموم (أوفوا بالعقود) الذي لا شكّ في وجوب الوفاء على المشتري والبايع، البايع قد أوقع البيع والمشتري قبل عمل البايع، فليس أن المشتري يعمل عملاً وإنما يقول للبايع: (رضيت بفعلك الذي أنجزته)، فإذا رضى بفعله شمله العموم.

إذن يُعلم أن مورده المسلّم عقد فضولي، فإنه ليس في المشتري عقده، بل تنفيذ فعل الغير، وهذا يكون في شمول العموم له متيقّناً، والفضولي ليس أكثر من ذلك، فقط يبقى أن البيع الذي أنجزه مرّة أقول له: (أنفذت) ومرّة أقول له: (قبلت)، فالبيع كلّه فضولي، إلّا في مورد ما إذا كان الشخص وكيلاً من قبل الطرفين.

يبقى الحال في الإيقاعات، ما الحال فيها؟

الآن ننظر إلى الآيات الشريفة لنرى أنها هل تقول إلّا نفس هذا المعنى الذي قلناه، وأن بيع الفضولي وغيره في عرض واحد، وإجازة الفضولي قبول للإيجاب كقبول الأصيل نفسه.

وإن العقد والإيقاع الفضولي(1) هل هو موافق للقاعدة؛ لئلا نحتاج إلى الأدلّة الخاصّة أو مخالف لها حتى نحتاج إلى ذلك، وكنّا في مورد أن صحّة الانتساب في العقود والإيقاعات تكون في الحقيقة إلى أيّ شخص. 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

() بعد تعطيل عيد الأضحى عنون السيد المسألة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أنه على مسلك الآغايون(1)(2): يكون العقد عنواناً مركّباً من إيجاب وقبول أو منتزعاً منهما، فنحن نستطيع سلب فعل أحدهما عن الآخر، فالقبول ليس قبول البايع ولا الإيجاب إيجاب المشتري، ولذا لا يمكن أن تقول إن العقد هو عقد هذا أو هو عقد ذاك، فإن العقد ماهيّة مركّبة على ركيزتين واحدة منهما بيد أحدهما، مع أنه لا إشكال في شمول عمومات أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(3) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(4)

إذن فهذا المقدار من الانتساب يكفي، ولا نحتاج إلى كون العقد عقده أو عقدكما

فالعموم لا يشمله لأنه عقدك أو عقده، بل لأن فيه نحواً من أنحاء النسبة، فإن حال العقد بناء عل مسلك المشهور حال المسجد الذي بنى أحد طرفيه شخصٌ وبنى طرفه الآخر شخصٌ آخر، فيصحّ أن نقول إن هذا الطرف بناه 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() وهنا أعاد السيد جملة مما سبق أن قاله بشكل مسهب تتخلله كثير من الأسئلة، ولم نجد حاجة لتسجيل إلّا ما يلي، فإنه كان مما قال: (المقرِّر).

(2) راجع غنية النزوع: 214، إصباح الشيعة: 198، كتاب البيع، مختلف الشيعة 5: 51، كتاب المتاجر، الفصل الرابع: في عقد البيع، المسألة الثانية، الدروس الشرعيّة 3: 191، كتاب البيع، المختصر النافع: 118، كتاب البيع، سداد العباد: 461، كتاب البيع، الفصل الأوّل: في بيان طرفي عقده، رياض المسائل 8: 211، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في البيع وآدابه، وغيرها.

(3) المائدة: 1.

(4) النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

زيدٌ وإن هذا الطرف بناه عمرو، وإن المسجد بناه زيد وعمرو، أما أن تقول: إن المسجد بتمامه بناه زيدٌ بخصوصه أو بناه عمرو بخصوصه فلا يكون صحيحاً، بل نكون قائلين إمَّا كذباً أو مجازاً، فالعقد لا يمكن أن ينتسب إلى أحدهما، فإننا وإن كان يصحّ أن نقول إن الإيجاب إيجاب زيدٍ والقبول قبول عمرو، وإن العقد عقدهما، لكن لا يصحّ أن نقول إنه عقد زيد وعقد عمرو، ومع ذلك هو القدر المتيقّن من شمول العمومات له؛ فيعلم من ذلك عدم الحاجة إلى كون العقد عقده، حتى بناءً على ما يقوله الآغايون، وأن هذا المقدار من الانتساب يكون كافياً.

وأما بناءً على ما قدّمناه من أنَّ تمام الماهيّة يوجدها الموجب، وليس للقابل أيّ دخل في الماهيّة(1)، ففي المورد الذي يكون الموجب أصيلاً ينتسب العقد إليه دون القابل، والقابل يكون عمله بمنزلة الإجازة لعمله، بناءً عليه في عين الحال الذي أوجد أحدهما الماهيّة دون الآخر، فيصحّ أن نقول: إن هذا أوجد العقد، ولا يصحّ أن يقال: إنَّ ذاك أوجده، مع ذلك كان هذا هو القدر المتيقّن من العمومات وكِلاهما يجب عليه الوفاء، ونفس هذا النحو من الانتساب كما هو موجود في الفضولي موجود في القابل، كِلاهما قال: (بارك الله في صفقة يمينك)(2).

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() وإن كان له دخل في ترتّب الأثر. (المقرِّر).

(2) وهنا سأل أحد الإخوان: أن العقد عبارة عن ربط التزام بالتزام، ويستحيل أن يكون لأحدهما سلطة على التزام الآخر.

فأجاب: أن العقد هو العقدة (عقدة النكاح) وليس هو الالتزام.

فقال الأخ السائل: العقد بين أيّ شيء؟

فأجاب: عُبّر بالعقدة باعتبار المبادلة التي تحصل بين الطرفين، فكأنّ نقل ارتباط الثمن من المشتري إلى البايع والمثمَن بالعكس يحدث نحواً من العقدة الاعتبارية مجازاً، فهذا هو العقد، والالتزام أمر تكويني لا ربط له بالأمور الاعتبارية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وفي باب الاشتراء لو قال المشتري ابتداء: (اشتريت هذا بهذا)، فهذا ليس قبولاً وإنما هو إيجاب من المشتري، والبايع لا يقول بعد ذلك: (بعت هذا بهذا)، بل يقول: (قبلت).

ففي مثل ذلك يكون فعل المشتري إيجاداً لتمام ماهيّة المعاملة؛ لأن ماهيتّها ليس إلّا مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض، فإنه مرّة يقول البايع: (ملّكتك هذا بهذا)، وأخرى يقول المشتري: (تملّكت هذا بهذا)، يعني مرّة ينشئ البائع المبادلة وأخرى ينشئها المشتري، وفي كِلا النحوين يكون إيجاداً للماهيّة(1).

ــــــــــ[29]ــــــــــ

() وهنا سأل أحدهم: إذا قال المشتري: (اشتريت هذا بهذا)، فقال البائع: (بعت هذا بهذا)، هل يكون ذلك إيجابين؟ أو إيجاباً وقبولاً؟

فأجاب السيد بما حاصله: أننا لا نحتاج في طرف البائع في محلّ الكلام -وهو ما إذا كان الإيجاب من المشتري- إلّا إظهار الرضا – بغض النظر عما سوف يأتي من أنَّ هذا أيضاً غير لازم- وإظهار الرضا يتحقّق سواء بجملة إخبارية أو إنشائية أو قال: (بعت) أو قال: (قبلت) أو غير ذلك.

وهنا قال الأخ السائل: إنه لم يتّضح المطلب، إذ إنَّكم تقولون إن البايع إذا قال ابتداء: (بعت هذا بهذا)، كان هذا إيجاداً لماهيّة البيع، وأما إذا قال ذلك بعد قول المشتري: (اشتريت هذا بهذا) كان قبولاً، فهل يكون البايع قد استعمل اللفظ بمعنى آخر؟. 

أقول: فلم يزد السيد عن أنه كرّر ما كان قاله من أنَّنا نحتاج إلى إبراز الرضا بالمعاملة من طرف البائع، وإذا كان البائع قد قصد هذا بذلك، كان كافياً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وما يقوله الآغايون(1) من أن (اشتريت) عبارة عن قبول مقدّم، غير صحيح، بل هو عبارة عن إيجاب، حاله في ذلك حال قول البائع: (ملّكتك هذا بإزاء ذاك)، فكما يقول البائع ذلك يقول المشتري: (تملّكت ذاك بإزاء هذا)، بلا فرق بين أن يكون البائع قد أوجد المبادلة أو المشتري، وهذا أوضح من أن يقول البائع -بعد إيجاب المشتري-: (بعت هذا بهذا)، أوضح منه في الالتصاق والارتباط به.

إذن، فهذا القدر المتيقّن من الأدلّة، الفضولي لا يزيد عليه، ولا خصوصية للزمان طال أو قصر، فيمكن وقوعها في مجلس واحد، فإذا كانا فضوليين وقال الموجب منهما: (بعت مال زيدٍ لعمرو)، وكان الأصليان حاضرين هناك فأجازاه في المجلس، كان ذلك من قبيل إيقاع الإيجاب والقبول في المجلس، إذن فهذا لا يفترق عن الفضولي بشيء.

بقي شيء يتمّم المطلب في العقود والإيقاعات معاً، وذلك أننا نقول: إذا أذن 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) اُنظر: المبسوط 2: 87، كتاب البيوع، فصل في بيع الخيار، غنية النزوع: 214، البيع، قواعد الأحكام 2: 16، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الأوّل: الصيغة، السرائر 2: 243، كتاب المتاجر والبيوع، باب حقيقة البيع وأقسامه، إصباح الشيعة: 201، كتاب البيع، الفصل الرابع، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لك شخصٌ بإيقاع المعاملة، فأيّ اعتبار لهذا الإذن؟ يعني أنك بايع لمالي بإذني، فليس أنه مع الإذن يكون العقد عقدك، بل أنا أذنت لكي توقع العقد أنت. 

فالفعل لا ينتسب لي إلّا بنحو الإذن فيه، فهذا الذي هو موضوع للعمومات بلا إشكال، ليس الانتساب فيه بنحو يكون العقد عقدي، بل بإجازتي.

وكذلك إجازتي في الفضولي الذي تتعقّبه الإجازة، فإنه بمجرد الأذن لا يقع العقد في نظر العقلاء عقده لا بمصدره ولا باسم مصدره، ولا إشكال في أنَّه يشمله عموم (أوفوا بالعقود)؛ لأن منطق العقلاء: أنه باعه بإذنك، ويقال: إنك بعته مجازاً ومسامحة، وما هو موضوع وجوب الوفاء عند العقلاء ليس أنه البيع بيعي والإيقاع إيقاعي، بل من باب أنه وقع بإذني، فأني لو أذنت له بالعقد لا أكون عاقداً كما لو أذنت له بالأكل من مالي لا أكون أنا آكلاً من مالي. فلو طلّق بإذني فليس أن الإيقاع إيقاعي، بل إنَّما ينفذ من باب أني أذنت في طلاقه، فالمفهوم والماهية يوجدها هذا، غاية الأمر مرّة تكون الإجازة متقدّمة وأخرى متأخّرة، وفي كِلا الحالين ليست المعاملة صادرة من الأصيل، غايته بما أنها صادرة عن إذنه يكون موضوعاً لوجوب الوفاء.

باب الوكالة أيضاً كذلك، فإنه ليس أن الوكيل يجلس في مجلس الموكل وأنه عنوان تنزيلي للموكل، فليس ما أوقعه الوكيل هو عمل الموكل، ولهذا يقال: إنه هل هو باعه أو وكَّلَ شخصاً فباعه؟ فمِن صحّة الاستفصال نفهم عدم انتساب المعاملة: (العقد) أو (الإيقاع) للموكل على وجه الحقيقة، فباب الوكالة في الإيقاعات والعقود، أيضاً يكون من باب الإذن والفعل لا ينتسب إلى الموكل فليس هو عقده ولا إيقاعه، بل فقط لا بُدَّ أن نرى أنه في نظر العقلاء: العقد 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

والإيقاع واقع بإذني، وهذا لا يفرق عن الفضولي بشيء.

بالنحو الذي قلناه، لا نلتزم بأن العقد يكون عقد هذا الشخص والفعل فعله، سواء المصدر أو اسم المصدر، أو نتيجتهما، وفي الأدلّة لم يؤخذ عنوان (عقدكم) أو (بيعكم) أو (تجارتكم)، وغاية ما هناك هو انصراف العمومات، ومقدار الانصراف هو أن لا يكون أجنبياً عن العقد، وقد رأينا أنه حتى في المورد المسلّم ليس العقد عقده، والأجنبي وإن كان لوجوب الوفاء عليه وجه، لكنّ الأدلّة منصرفة عنه مثلاً، وليس عندنا (عقدكم)، بل الحكم على عناوين: التجارة والعقود ونحوه، غايته تدّعي الانصراف، لكن هل هو انصراف إلى: (عقدك) أو العقد الذي صدر منك ونحوه؟ 

إذا كان كذلك، فالأدلّة لا تشمل أيّ نحو من أنحاء العقود، لعدم توفّر ذلك في أيّ مورد، وإنما هو نحو من أنحاء الانتساب: إما جزء السبب كما في الموجب والقابل أو بنحو التوكيل، فنحن حين لا نرى هذه القيود يعني(1) الانتساب الخاصّ في الأدلّة، وليس عندنا ذلك في أيّ مورد من الموارد، فغاية الانصراف هو الانصراف إلى العقد الصادر بلا توكيل ولا تسبيب، وإما إذا كان الإيجاب أو القبول أو الإجازة أو الإذن منك ليكون مشمولاً للعموم؛ لأنه صادر برضاك وإجازتك فيكون موضوعاً لحكم العقلاء والعمومات؛ ولا تدلّ العمومات على أكثر من ذلك.

بل لو كان عندنا (عقدكم) أيضاً يجب أن لا نفهم منها ما فهمه الآغايون، 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

() توضيح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لأنه لا يبقى لها(1) مورد ولا موضوع؛ لأنه ليس عندنا انتساب بذلك النحو، فلا بُدَّ من إلغاء الخصوصية وتعميمه إلى نحو من إنحاء الانتساب، إما بالإذن أو بالإجازة أو نحوه.

هذا محصّل كلامنا. ونحن في النتيجة موافقون مع الشيخ.

هذا العقد(2) الذي يقع في الخارج يكلّف جميع الناس بالوفاء به، أما البائع فيجب عليه دفع المثمَن وأما المشتري فيجب عليه دفع الثمن، وأما الغير فيجب عليه الوفاء، بمعنى أنه إذا غصب الثمن ضمن للبايع، وإذا غصب المثمَن ضمن للمشتري.

مناقشة من يقول بالاستناد 

وأما هؤلاء الذين يريدون أن يقولوا: إننا نحتاج إلى الاستناد، وأن يكون الفعل فعله والنتيجة نتيجته، فهؤلاء اختلفوا: بعضهم قال: إن الفعل الصادر منك إذا أجازه أصبح الفعل فعلي، فالفضولي يكون على القاعدة بهذا النحو: إن العقود منصرفة إلى (عقدكم)، فلا بُدَّ أن يكون العقد عقده، فمن قائل: إن الألفاظ التي هي الأسباب تكون بالإذن منزّلةً منزلة ألفاظ المالك، ويكون العقد عقده(3).

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() يعني: للعمومات. (المقرِّر).

(2) وهنا قال جواباً على سؤالٍ: (المقرِّر).

(3) اُنظر: بلغة الفقيه 2: 203 و316، رسالة في عقد الفضولي، الاستدلال على صحّة الفضولي بالآيات، البيع (للمحقّق الكوهكمري): 279-282، كتاب البيع، الفصل السادس، المبحث الرابع: في أن يبيع الفضولي للمالك مع عدم كونه مسبوقاً بالمنع من قبله.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ومن قائل(1): إننا لا نقول ذلك في الأسباب، بل العقد المسبّبي المنشأ، وهو عبارة عن التبادل المحتاج إلى انتسابه إلى المالك بالإجازة، هذا المنشأ يكون منتسباً، ونحن عندنا (أوفوا بالعقد) لا (بما عقدّتم)، فالأسباب وإن لم تنتسب إلى المالك، إلّا أنَّ هذا المسبب الذي لا أثر له عند صدوره يكون بالإجازة منتسباً إلى المالك، ويكون موضوعاً لحكم العقلاء وللعمومات.

ومن قائل(2): إنه بالإجازة تحصل النتيجة وهي الأثر المقصود المسبب، ويحصل الانتساب، يحصلان معاً بالإجازة(3)، وحيث إنَّ هذا القول فصّله بعض الأكابر فنؤخّره.

ونحن على الإجمال نتعرّض لهذه الأقوال الثلاثة:

هل يريد الآغايون أن يقولوا: إن الأسباب أو المسبّبات أو النتيجة صدرت منه حقيقة، أو بمرتبة التنزيل.

إذا قالوا: حقيقة، وإن الألفاظ الصادرة منك حقيقة صادرة مِنّي، فهذا لا يمكن تصديقه، أو أن مسبَّب الأسباب يصبح بالإجازة مسبّباً لي، فالسبب يعمله شخصٌ والمسبّب يعمله شخصٌ آخر، فنعزل المسبّب الذي كان فعل 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

() اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 77، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الشرط الخامس.

() اُنظر: منية الطالب 1: 212-213، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في البيع الفضولي، المسألة الأُولى.

() ونحن لا نحتاج في شمول العموم أكثر من ذلك، ولو أردنا الأكثر لكان العموم قاصراً، ولم يكن إثباته. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الغير(1) وننسبه إلى المجيز حقيقةً، هذا أيضاً لا يمكن تصديقه، أو أن النتيجة الحاصلة من إجازتي التي كانت دخيلة في النتيجة، هذه النتيجة التي سمّاها بالعقد المسبّب، فبعد أن أجزت صار موضوعاً لحكم العقلاء؛ فهل يريد أن يقول: إن المسبَّب مسبّب لي حقيقة، ولا دخل للآخر الذي أوقع الأسباب فيه، أيضاً هذا لا يمكن تصديقه.

إذن تنحصر المسألة في التوسّع والمجاز، والمجاز لا تشمله العمومات: (أوفوا بالعقود) أو (أحل الله البيع)، وإنما تشمل الفرد الحقيقي، فإذا كان هكذا: (أوفوا بعقدكم) فيشمل عقدنا الحقيقي، فإنه إذا ورد: (الماء مطهرّ)، ونحن قلنا: إن ماء الورد حيث إنَّه لا لون له، فهو ماء مجازاً، فهل يشمله ذلك العام؟ كلا، إلّا إذا ورد دليل خاصّ للتنزيل شرعاً فنتعبّد به ويشمله العام.

فأنت محتاج إلى ذلك في باب الفضولي: إما دعوى الحقيقة وهو لا يمكن، أو الإلحاق الحكمي والحقيقة الادّعائية، فادّعاؤكم لا فائدة فيه، وادّعاء الشرع غير موجود، ولا بُدَّ حينئذ أن تذهب إلى الأدلّة الخاصّة في باب الفضولي، ولا يمكن تتميم المطلب بالعمومات.

[مقالة المحقق النائيني ونقدها]

وأما المطلب الأخير الذي يقوله النائيني(2) وهو يتكلم مفصّلاً، ونحن نقتصر على مورد كلامنا، يقول: المصادر وأسماء المصادر على نحوين: أحدهما: 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

() وهو فاعل السبب لا المالك. (المقرِّر).

() راجع منية الطالب 1: 2120-213، القول في البيع الفضولي، المسألة الأولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ما لا ينفكّ المصدر عن اسم المصدر، كالأفعال الخارجية كالضرب والغسل ونحوه، لا ينفكّان وإنما هو شيء واحد باعتبارين، باعتبار نقول إنه مصدر وباعتبار نقول إنه حاصل المصدر، وقسم من الأفعال ليست تكوينية، بل هي من الأمور الاعتبارية وليس أن المصدر وحاصل المصدر يحصلان معاً، وإنما يحصلان معاً إذا صدر الفعل من أشخاص معيّنين، وهم صاحب العمل كالمالك والوكيل ونحوه، أو بإجازة المالك، فهذه المصادر منفكّة عن حاصلها ولا تحصل النتيجة إلّا بالتقييد.

وحيث إنَّه عمّم الكلام للتكوينيات، لذا رأى أن كلام صاحب (كشف الغطاء)(1) غير صحيح، وحاصل كلامه: أن كلّ ما يتحمّل النيابة يتحمّل الفضولي، يقول(2): إنه من الأفعال ما يتحمّل النيابة دون الفضولي، كالضرب، نقول: كلامنا في المعاملات لا في التكوينيات، فإشكاله على صاحب كشف الغطاء غير تامّ.

ففي باب الأمور الاعتبارية يقول: يعتبر في باب الفضولي أمران:

أحدهما: أن الذي يصدر من الإنسان ليس تمام المؤثّر.

ثانيهما: أن لا تكون الإجازة تمام المؤثّر. 

ثُمّ يقول: بناء على القيد الأول يخرج عدّة أمور: كالقبض والإقباض وأداء الدين ودفع الخمس والزكاة، بناءً على جواز التبرّع بها. 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

() اُنظر: كشف الغطاء 1: 295، المقصد الرابع: في إباحة المكان.

(2) يعني: النائيني. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وبناءً على القيد الثاني يخرج عدّة عقود وإيقاعات، كالعقود الإذنية
-باصطلاحه- كالوكالة والعارية والفسخ والإجازة والجعالة من الإيقاعات؛ لأنه بالإجازة تحصيل جميع هذه العناوين، هذا كلّه خارج عن محلّ كلامنا.

ثم يقول: إذا عرفت ذلك، فالشيخ حين يقول: إن البيع الفضولي على القواعد(1)؛ لأنه لا يرى أنه لا بُدَّ من الانتساب. أما نحن الذين نريد الانتساب -مضافاً إلى الرضا- لا بُدَّ أن نقول: إن هذا الأمر الاعتباري الذي ليس الإنشاء علّة ومؤثّراً تامّاً له، بل لا بُدَّ له من الإجازة حتى يحصل تمام المؤثّر.

فالإجازة كما يحصل بها الأثر، ينتسب به العقد إلى المالك الأصلي، فهي يحصل بها أمران:

أحدهما: الأثر المتوقّع.

ثانيهما: الانتساب إلى المالك.

يقول: ونحن في باب العقود لا نريد انتساب الأسباب بلا إشكال؛ لأنه سواء أوجدها المالك أو الوكيل أو الفضولي، فإنهم يوجدونها بنحو واحد، وليس أن المالك يقول: (بادلت مالي بمالك) والفضولي يقول: (بادلت مال المالك بمالك)، وإنما نريد الانتساب في النتيجة المتوقّعة، وهو النقل الواقعي، وهو يحصل بالإجازة الاعتبارية، وبها يحصل الانتساب هذا محصّل كلامه.

وكثير من كلامه مورد للنظر، ولكنّنا نتعرّض لِما هو محلّ كلامنا هنا، إن ما ــــــــــ[37]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 350، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يحصل بعقد الفضولي أمور:

أحدها: الألفاظ التي ينشئها الفضولي، التي هي عبارة عن أسباب المعاملة، ولم يستعملها مجرّدة عن المعنى، وإلّا لم تكن قابلة لتعقّب الإجازة، بل كما أن الموجب لا تحصل بإنشائه النتيجة، وإنما يحصل به إنشاء اعتباري، ولا يكون من قبيل انفكاك الإنشاء عن المنشأ، كالعاشق الذي حصل له العشق ثُمّ أراد الاستخارة إن الطرف من هو؟ بل هو يريد إيجاد العنوان إنشاءً حتى أنت تضع القبول معه حتى يترتّب عليه الأثر.

البائع الفضولي يعمل عين عمل الموجب، فإنه يرى أن عمله لا أثر له، لكن بما أنه متوقّع للإجازة، فهو يعمل أحد الركيزتين جداً؛ لكي تتعقّبه الركيزة الأخرى وهي الإجازة، والنتيجة وإن لم تحصل لكن ليست إنشاءً صورياً، لأني أعلم بعدم ترتّب النتيجة إلّا بالجدّ إلى الإنشاء مع تعقّب القبول، فكما أن الموجب إنشأ تمام ماهيّة البيع كذلك الفضولي، غايته أن المتوقّع هو حصول الأثر.

بناءً عليه، فألفاظ المعاملات تستعمل استعمالاً إيجادياً، غايته إيجاداً إنشائياً -لا تكوينياً- فهو يقول جداً: (بادلت هذا بهذا)، توقّعاً للإجازة أو القبول.

إذن فالمصدر غير منفكّ عن حاصله، وإنما قال بذلك لأنه تخيّل أن النتيجة وهو الانتقال عبارة عن حاصل المصدر، وقد وجدها منفكّة عنه، في حين أن المصدر وحاصله عبارة عن الإنشاء والمنشأ، فبـقول(بعت)(1) حصل إنشاء البيع، وأنا أريد إجازة البيع الفضولي، وليس أنه نطق بألفاظ من دون معنى، 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

()الفضولي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لكنّه إنشاء لا يترتّب عليه الأثر، كما هو الحال في الإيجاب، إلّا بالإجازة من قبل صاحب المال، وبالإجازة يترتّب الأثر على البيع الذي لم يكن له إلّا وجود إنشائي وبها يصبح موضوعاً لحكم العقلاء والأدّلة الشرعية.

وإذا جزنا عن ذلك نقول له: أنت تريد أن تتمّم المطلب على القولين، مرّة على بناء العقلاء، وأخرى بناءً على الأدلةّ الشرعية.

أما بناءً على بناء العقلاء فهو ليس أكثر من أنَّ معاملة حصلت، ويترتّب عليها الأثر، فإذا أجاز وحصل الأثر كان الانتساب لغواً، فأنت الذي تقول: نحن لا نحتاج إلى انتساب الأسباب بل انتساب المسبّب وهو الأثر المتوقع، وتقول: إنه بالإجازة يحصل الأثر ويحصل الانتساب.

نقول: إن العقلاء إذا حصلوا الأثر بالإجازة فاعتبارهم الانتساب لغو.

نعم، إذا حصل الأثر في طول الانتساب وكان ترتّب الأثر متوقّفاً عليه، لكان لنا أن نقول إن الإجازة تحصّل الانتساب والأثر يترتّب بعد ذلك، أما إذا كانا يحصلان في عرض واحد، فالعقلاء بعد أن حصلوا على النتيجة، لماذا يعتبرون الانتساب، ويقع لغواً؟!

فقد وقع بما فرّ منه، فإنه فرّ من هذا المعنى، وهو أن الأسباب لا تنتسب إلى المالك؛ لأن ما وقع لا يرتفع عما وقع عليه. 

فإذا قلت: إن النتيجة تكون منتسبة. 

نقول: هذا في محيط العقلاء لا معنى له.

وإذا أردتم تطبيقه على الأدلّة الشرعية، وأنها توجب الوفاء بالمسببات، 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وأنت تقول: إنه بالإجازة يحصل الأثر ويحصل الانتساب، فيكون شمول (أوفوا بالعقود) له في عرض الأثر، إذن يعلم إن شموله له لا يحتاج إلى الأثر، مع أن وجود الأثر يتوقّف على شمول العموم له، فإذا كان شمول العموم له متوقّفاً(1) على وجود الأثر لدار، وهو محال.

إذن كيف نوفّق بين قوليك: إن الإجازة يحصل منها الأثر والانتساب، وإنه لا بُدَّ من شمول الأدلّة للمعاملة من حصول الانتساب. ثُمّ إنَّ النتيجة الحاصلة ليست عقداً حتى يكون موضوعاً للعمومات فيشمله (أوفوا بعقودكم) وإنما النتيجة تحصل بعد شمول العموم له، ولا معنى لشموله له بعد حصولها(2). ولكن بناءً على ما قلناه من عدم لزوم الانتساب بهذا النحو، بل عدم وجوده إلّا في صورة تولّي الشخص طرفي العقد، والاكتفاء بنحو من أنحاء الانتساب وهو صدوره برضاه أو إجازته أو إذنه ونحو ذلك، بناءً على ذلك يكون عقد الفضولي على ما قلناه على القواعد. ثُمّ لا بُدَّ من النظر إلى القواعد الخاصّة.

 [في موافقة العقد الفضولي للقواعد ومخالفته]

الذين قالوا بأن الأدلّة -عموم (أوفوا بالعقود) وغيره- لا تشمل المعاملة، ما لم تكن العقود عقود البايع والمشتري، وبالإجازة والإذن يصير العقد عقده 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() لا بُدَّ أن يكون باعتبار أن شمول العموم متوقّف على موضوعه وهو الانتساب، والانتساب مع الأثر معلولان لعلّة واحدة، وهي الإجازة، فما يتوقّف على أحد المعلولين يتوقّف على المعلول الآخر، فيكون شمول العموم متوقّفاً على وجود الأثر. ولا يخفى ما فيه كبرى وصغرى. ((المقرِّر).

(2) يعني: النتيجة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فتشمله الأدلّة، سواء قال القائل: إن الأسباب تنتسب بالإجازة إلى المالك، أو قال: إن المسبّب ينتسب بها، أو إن المسبّب عبارة عن النتيجة والأثر، وهو الذي ينتسب بالإجازة، ونحن أردنا أن نرى ماذا ينبغي أن يقال في المقام؟

قبل أن تلتحق الإجازة ببيع الفضولي، هل عنوان البيع وسائر العناوين الاعتبارية صادقة أم لا؟

ونحن نبحث عن بيع الفضولي هل تشمله الأدلّة أو لا؟ لا أنه بيع أو لا.

بل بعد التسالم على أن بيع الفضولي بيع، يقع الكلام في أنَّه بالإجازة هل يكون مؤثّراً أو لاغياً وغير قابل للحوق الإجازة به. فالفضولي عند إنشائه ينشئ البيع ويحقّق مفهومه وماهيّته، غاية الأمر أنها لا تكون ذات أثر إلّا بتنفيذ الشارع والعقلاء، فالكلام ليس في صدق مفهوم البيع عليه، فإن إنكار ذلك خلاف قول الآغايون، وخلاف فهم العقلاء وخلاف الواقع.

إذن قبل الإجازة، هذا البيع هل يكون مضافاً إلى أحد، أو هو غير مضاف إلى أحد؟ 

لا يمكن أن يقال: إن هذا الإنسان أوجد أسباب البيع ولكنّه لا ينتسب إليه. نعم، هو بيع على مال الغير لكنّ الذي باع مال الغير هو هذا الفضولي، الأسباب أوجدها الفضوليان بالضرورة، وأما المعنى الاعتباري الإنشائي المسبب -المتحقّق في نظر العقلاء قبل الإجازة فمن هنا يقال: إنه باع مال الغير- ففي عين حال وجوده هل هو غير منتسب إلى أحد، أو منتسب إلى غير الفاعل، أو منتسب إليه؟

لا شكّ أنه يدور أمرك بين أن تنكر صدق البيع عليه، وهذا لا سبيل إليه 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ولا يرضى به الآغايون، وبين أن تعترف بالصدق وكونه منتسباً إلى الفضولي، صحيح هو بيع وقع على مال الغير ولكنّ الموجد له هو هذا، حيث قد أوجد السبب والمسبّب، غايته أن المسبب هو المبادلة بين مالين للغير، فهذا المعنى: وهو كون المال للغير لا يُنسِب العقد للغير، وإلا لم يحتج إلى تعقّب الإجازة، إذن فهذا العقد المتحقّق بأسبابه منتسب إلى هذا.

فما وقع عليه العقد، هو هذا، فمن يقول: إن ما وقع لا يمكن أن يتغيّر عمّا وقع عليه، ماذا يقول هنا؟ هل يقول إن وقوعه ينقلب بعد الإجازة، فإن العقد كان منتسباً إلى هذا الذي أوجد أسبابه، فماذا تعمل الإجازة، هل تقلب إيجاد الأسباب والمعنى الاعتباري المسبّب عمّا وقع عليه، بحيث يكون العقد قبل الإجازة موجوداً بإيجاد هذا تكويناً واعتباراً، وبعد الإجازة يكون سببه التكويني واعتبار العقلاء، منتسباً إلى ذاك الشخص، بخلاف ما وقع عليه؟ أو الإجازة ليس لها هذه القابلية والأهلية، ويستحيل أن يتحقّق ذلك، بل المالك يجيز نفس ما أوجده الآخر.

إذن كيف يريد الآغايون أن يقلبوا المطلب عمّا وقع عليه، ويقولوا إنه ليس عقد هذا بل هو عقد هذا، أما أنه عقد هذا فمعلوم(1)، وأما أنه عقد هذا فلأنه أجازه، فهل أنه بالإجازة يصحّ أن يقال: العقد عقده ولو مجازاً؟ الإجازة والإمضاء والقبول والتنفيذ عبارة عن: (بارك الله في صفقة يمينك)، فإن المجيز لم يقل: (هذا عقدي) لنحمله هذا المعنى ولو مجازاً.

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() لأنه أوجد الأسباب والمسبّبات. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أقول: حتى باب المجاز غلط في المقام، فإن المجاز معناه أن العقلاء يدّعون أنه بالإجازة صار العقد عقد المالك، ادّعاءً، أو أن المتكلّم يقول: (العقد عقدي)، وكِلاهما غير موجود، فإن المتكلّم غاية عمله أنه يجيز عمل الآخر بصفته عملاً للغير، كما لا يمكن أن يكون هذا موضوعاً للادّعاء العقلائي؛ لأنه قال: (الفعل فعلك وأنا أجيز فعلك)، كما هو الحال في القبول الذي لا يكون سبباً لأن يكون الإيجاب إيجاباً للقابل، بل هو قبول لإيجاب الغير، فنفس معنى القبول والإجازة يدفع صحّة الانتساب.

فما يقوله الآغايون من أنَّ الأمر الاعتباري يعتبر منتسباً غير تامّ، فإن الانتساب الحقيقي غير موجود بالضرورة، والمجاز أيضاً غلط، كما علمنا(1). وعلى فرض المجاز، فالمجاز محال تشمله العمومات إلّا بقرينة وهي غير متوفّرة، وأصالة الحقيقة لم تمت في المقام، وإنما هي سارية المفعول.

المجيز(2) هل ينشئ معاملة أو يجيز معاملة؟

فإذا كان الأوّل -فهو مضافاً إلى أنَّه خلاف الضرورة- فإنه خارجٌ عن باب الفضولي، وإذا كان الثاني فهو المطلوب، بمعنى أن البيع الموجود الذي أوجده هذا الإنسان حيث إنَّ رضاي –أي المالك- شرط في نفوذه، فقد أجزأه، ولا يكون ذلك سبباً في أن يكون فعل الغير فعلي، أو معاملته معاملتي، بل باب 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() يعني: كما سبق توضيحه. (المقرِّر).

(2) وقال السيد في ضمن جواب على سؤال حول معنى انتساب العقد إلى المجيز: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الإجازة باب (شكر الله سعيك) و(بارك الله في صفقة يمينك). 

وقال له قائل: يصحّ عند العقلاء أن يقال: هذا باع داره، بناءً عليه(1)، فالمسألة تامّة، والفضولي على القواعد، ولا فرق بين الإذن والإجازة والوكالة سواء المتقدّم والمتأخّر.

في عدم لزوم القبول

ويترتّب على ذلك مطلب آخر، إذا قويت جرأتي فسأعمّمه وأطيل ذيله، وهو ما يقوله الشيخ(2) من أنَّ الرضا إذا كان مقارناً لمعاملة الفضولي من دون كاشف على الرضا، فقد خرج عن الفضولية. وفصّلوا بين مثل عقد المكره والعبد والراهن، فإن العقد -في مثل ذلك- صادر عن صاحب المال المحجور، وحيث اشترطنا الانتساب إلى المالك المتصرّف كفى رضاه في التمامية، وأما العقود التي تكون كذلك كالفضولي فحيث إنَّنا اشترطنا الانتساب، فالرضا الواقعي لا يكفي ولا يحصل الانتساب، ولا أثر له أصلاً، على حين أننا لا نتوخّى إلّا رضاء المالك، ولا نريد أكثر من ذلك في وقوع التجارة والعقد ليكون نافذاً.

وإذا قويت جرأتي فإني أقول: بأن هذا نجريه في القبول أيضاً، فالقابل إذا كان راضياً بالإيجاب كفى، فإن القبول ليس إلا هذا المعنى: وهو الرضا بالبيع، 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() يعني: بناء على ما قلناه. (المقرِّر)

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 346-347، البيع، شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فالموجب إذا كان أصيلاً من قبل نفسه أو فضولياً من قبل غيره –وقلنا إن القبول الفضولي لا عمل له ولا أثر- إذا تعقّبه الرضا كان كافياً، بل حتى لو طال الزمان إلى سنة، والذي يقوله الآغايون من اشتراط التوالي كان ناشئاً من تخيّل التركيب في العقد من الإيجاب والقبول، والماهيّة لا بُدَّ وأن تكون متوالية مثلاً.

فالإيجاب دائماً فضولي -إلّا إذا تولّى الطرفان- وبالرضا يخرج من الفضولية، بمعنى أنه لا يحتاج إلى إجازة أخرى، ويكون موضوعاً للأدلّة، وأما إنشاء الإجازة فلا محصّل له، فإنه إن كان إنشاءً للرضا فلا معنى له، وإن كان إنشاءً لبيع جديد، فهو خلاف الفرض.

بقي كلام المرحوم النائيني(1)، من أنَّ عقد الفضولي يشترط فيه أمران: أن لا يكون العقد تمام المؤثّر. وأن لا تكون الإجازة تمام المؤثّر.

ثم يمثّل لذلك أمثلة.

سبق مطلبان، أحدهما: أن العقد والإيقاع الفضولي على القاعدة، فلو لم تكن هناك الأدلّة الخاصّة لكان تامّاً، ولا نحتاج إلى الأدلّة الخاصّة.

المطلب الآخر: أن القبول ليس له دخل أصلاً في ماهيّة العقد، بل تمام الماهيّة يوجدها الموجب، سواء في الأصليّين أو الفضوليّين، فإذا وجد الرضا عند العامل حال إيجاد المعاملة الفضولية صحّت المعاملة، وكذلك الحال لو رضي بعد ذلك، ولا نحتاج إلى إبراز الرضا والإذن، إذ لا مدخل له إلّا معرفتنا 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 212، البيع، شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى: أن يبيع للمالك مع عدم سبق منعٍ من المالك.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

به، وكذلك الحال في القبول، إذ على مبنى القوم يكون له دخل باعتبار كون العقد أمراً اعتبارياً متقوّماً به، أما على ما قلناه فلا مدخلية له أصلاً، ويمكن أن يقال بكفاية الرضا الواقعي من دون إبراز، وكذلك القبول الفضولي، فإنه إن أريد به إيجاد الماهيّة، فهي موجودة بالقبول السابق عليه، وإن أريد به إبراز الرضا، فالرضا من الغير لا معنى له.

في جريان الفضولي في العقود والإيقاعات مطلقاً أو لا

بقي مطلب آخر: وهو أن الفضولية تقع في العقود والإيقاعات مطلقاً، أو أن جريانها في بعض أقسامها؟

هنا ذكر المرحوم الشيخ النائيني تفصيلاً، بحيث لو تمّت كبراه كلّياً يتمّ المطلب، ولكن ليس لهذه الكبرى صغراه، ونتكلّم في الأمثلة التي ذكرها.

كلام النائيني ومناقشته

يقول: يعتبر في الفضولي -مضافاً إلى أنَّه يجب أن يكون في الأمور الاعتبارية لا التكوينية- أمران:

أحدهما: أن لا يكون العقد الصادر من الفضولي تمام المؤثّر، فإنه لو كان تمام المؤثّر لا يبقى مجال للإجازة.

ثانيهما: أن لا تكون الإجازة تمام العلّة لحصول الأثر، سواء كان العقد السابق موجوداً أو غير موجود، فإنه لو كانت تمام الأثر يكون أيضاً خارجاً عن باب الفضولي، وهذا واضح كبروياً.

إنما الكلام في تطبيقه وصغراه.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يقول بناءً على الأول، إنه إذا كان فعلي تمام المؤثّر فلا يكون فضولياً، يخرج أمور: القبض والإقباض وأداء الدين وأداء الخمس والزكاة، بناءً على جواز التبرّع بهما، فهذا ليس فيه فضولي، وعلّله: بأن الفعل الذي وقع لم يتغيّر عمّا هو عليه.

وبناءً على الأمر الثاني، تخرج جملة من العقود والإيقاعات، منها العقود الإذنية كالوكالة والوديعة والعارية، ومن الإيقاعات الفسخ والإجارة والإبراء والجعالة، وعلّله: بأن إجازة هذه الأمور: وكالةً وعاريةً ووديعةً وفسخاً وإجازةً وجعالةً وسائر هذه العناوين، وفيها تكون الإجازة تمام المؤثّر، ولا دخل للعقد والإيقاع السابق به، فلا يقع فيه فضولي، هذا محصّل كلامه في المقام.

نحن لا بُدَّ أن نرى كلّ واحد من أمثلته:

القبض: كيف يقول إنه غير قابل لتعقّب الإجازة؟! فإن القبض مرّة يكون في الكلّيات ومرّة يكون على الشخصيات، أما القبض والإقباض في الكلّيات، فالكلّي لا بُدَّ أن يقع قبضه من قبل من يجب عليه تسليمه: البايع أو المشتري، فإذا جاء الفضولي إلى حنطة المالك وحوّل إلى المشتري حِمْلاً من الحنطة، فإن كان التحويل بإذنه فإن القبض يقع، وأما إذا لم يأذن لم يقع؛ لأن التسليم ينحصر كونه بيد المالك. وإذا أجازه لماذا لا يصحّ؟

فكما تصحّ الإجازة في سائر الأمور تصحّ في القبض أيضاً، فنحن لا نريد أن نغيّر الواقع عمّا وقع عليه، وإنما نريد انتساب القبض إلى المالك، وعلى ما قاله الآغايون لا بُدَّ أن يكون القبض قبضه وعلى ما قلناه يكفي نحو من الانتساب، وهذا النحو من الفضولية في التسليم أحسن عند العقلاء من الفضولية في العقود.

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إذن ففي الكلّيات لا إشكال، أما في الشخصيات، فمرّة تكون الفضولية في القبض، وأخرى في الإقباض، القبض الفضولي معناه أن يقبض شيئاً بدل صاحبه، فهذا ليس قبضاً، وإذا كان هناك أثر لما قبل القبض يترتّب عليه أيضاً، ولكنّ صاحبه إذا أجازه يكون قبضاً صحيحاً، كما هو الحال في الإذن المتقدّم على القبض، فالقبض قابل للإجازة، وليس من تغيّر الواقع عمّا وقع عليه، فإنا لا نقول إن القبض لا قبض، بل هو قبض من أجنبي محتاج إلى الإجازة.

وأما الإقباض الفضولي في المعاملات الشخصية، فالمعاملات الشخصية لا أثر للإقباض فيها، بل وصول المال إلى المالك هو موضوع الأثر، فلو ذهب المالك وأخذ ماله يترتّب الأثر، فالإقباض ليس له أثر والقبض ممكن فضولياً.

وأما أداء الدين، فمرّة يريد التبرّع بأداء الدين، فهذا خارج عن الفضولية، وأخرى يؤدّي الدين من مال المدين، فهذا فضولي ويصحّ بالإجازة، كما هو الحال في الإجازة المتقدّمة له.

وفي باب الخمس والزكاة أيضاً كذلك، إذا قلنا إنه يمكن بهذا المقدار أن تحصل قصد القربة، فإنه إذا تبرّع من نفسه بدفع الخمس أو الزكاة خرج عن محلّ البحث، وأما إذا دفع من مال المالك، فإنه لا يقع أداء للزكاة والخمس، وإن حصل القبض الخارجي ويتوقّف على الإجازة، فإذا أجاز لماذا لا يقع صحيحاً، مع غضّ النظر عن قصد القربة، والاكتفاء بالإجازة لله تعالى؟

فالقسم الأوّل من كلامه غير تامّ صغرى وإن تمّ كبرى(1).

ــــــــــ[48]ــــــــــ

() عطلة محرّم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [حول المراد من العقود الإذنية]

وأما القسم الثاني(1) الذي يقول فيه: إنه إذا كانت الإجازة علّة تامّة لتحقّق العناوين، فلا يمكن أن يتحقّق فيه الفضولية، ويمثّل لذلك بالعقود الإذنية كالعارية والوديعة والوكالة، وببعض الايقاعات كالفسخ والإبراء والإجازة والجعالة بناءً على أنَّها من الإيقاعات.    

نحن لم نفهم مقصوده من العقود الإذنية، هل معناه أن العارية والوديعة ليست عقداً، وأنه يتحقّق عنوانهما بمجرّد الإذن؟ هذا لا معنى له، أو مراده أنه عقد لكن اشتمل على إذن في التصرّف، فإذا كان عقداً، والعقد يتضمّن الصحّة والفساد والنفوذ والفسخ، فلماذا لا يقع فيها الفضولية، بأن يقول الفضولي: (أعرتك هذا الشيء) – الذي هو لزيد- فتقول: (قبلت)؟

فإذا قال الفضولي ذلك، يقع المعنى الإنشائي للإعارة، بالنحو الإنشائي الذي يقع عليه البيع الفضولي، ويصدق عليه أنه عقد عارية، ولكنّه لا يترتّب عليه الأثر باعتبار عدم انتسابه -بنحو من الأنحاء- إلى المالك، فإذا أجاز جاز، وترتّب الأثر.

وأما أن نفس (أذنت) يكون عقد العارية، فهذا بأيّ مناسبة!؟

فأنت الذي تقول: إن نفس الإجازة تكون عارية ووكالة ووديعة، هل تقول: إن هذه الأمور ليست عقداً ولا تحتاج إلى قبول! فهذا مما لا نقبله ولا 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً كلام الشيخ النائيني كما سبق، وكرّر -بعد العطلة- نقده للقسم الأوّل منه، ثُمّ قال… . (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

تقبله أنت، فإنك كتبت في رسالتك العملية: العارية عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، والوكالة عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، ونحوه في الوديعة.

فليست الإجازة إذن محقّقة لأحد هذه العناوين، بل يكون لها دخل في ترتّب الأثر على العقد الفضولي الإنشائي.

ومن هنا، إذا تخيّلت حصول الوكالة الفضولية فقلت: (أجزت)، فهل يحصل بذلك عقد الوكالة أو العارية؟

فيُعلم من ذلك أن الإذن والإجازة ليست عنواناً للوكالة، ونحوها، ولا تحصل الوكالة بمجرّد الإذن، بل هو معنى يتحقّق بعد الإيجاب والقبول.

وكذلك العارية، فإن عارية الذهب والفضة تكون مضمونة، بخلاف الإذن بالتصرّف في أحدهما، فإنه لا يكون مضموناً، فيُعلم من ذلك أن الإذن لا يحقّق عنوان العارية، بل عنوانها عنوان اعتباري يتوقّف على حصول القبول، وكذلك الحال في الوديعة، فإن عدم الضمان فيها متوقّف على القبول، بخلاف الإذن، فإنه رافع للضمان بدون قبوله.

إذن فالعقود الإذنية لا معنى لها، وكلّها عقود على حدّ سواء، نعم لازمها العلم بالرضا، إلّا أنَّ هذا متوفّر في البيع أيضاً، فما يقوله من أنَّ الإجازة تكون وديعة ووكالة وعارية، غير تامّ.

وكذلك الحال في باب الإبراء والإجازة والجعالة والفسخ، لو تخيّل أنه فسخ فأجازه، فهل يقع ذلك فسخاً؟

ولو سلّمنا كلّ كلامه لبقي هنا مطلب، وهو أننا إذا قلنا بالكشف الحقيقي أو 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الحكمي، فيكون لذلك فائدة في المقام؛ لأن الإجازة تجعل ترتّب الآثار من حين وقوع ذلك الأمر المجاز، والفضولي ليس كلّه نقلاً، بل هناك الكثير من القائلين بالكشف بأحد معنييه، فإذا أجزت الإجازة يترتّب الأثر من حين وقوعها.

وعلى القول بالنقل أيضاً يقع الكلام، فإنه إذا أبرأ زيدٌ ذمّة عمرو من المال الذي لي في ذمته، وأنا أجزت، فهل قولي للإجازة إبراء أو هو تنفيذ لفعلك، هل هو إبراء بحيث لو لم يقع الإبراء الفضولي لصحّ أيضاً؟ 

ليس كذلك بلا إشكال، فالإجازة بنفسها لا أثر لها وإنما هي إجازة للإبراء الفضولي، ومثله الإجازة الفضولية، وأسوأ منه الجعالة، لو قال الفضولي (من ردّ دابتي فله كذا)، فأجاز المالك، فهل قوله (أجزت) هو جعالة، أو أنها تجعل جعالتك منتسبة لي، بقرينة أنه لو قال: (أجزت) بتخيّل الجعالة، ولم تكن قد وقعت لما كان لها أثر، فالكبرى التي يقولها المرحوم النائيني، وإن كانت صحيحة، إلّا أنَّها لا صغرى لها، إذن فالفضولي يجري في كلّ العقود، إلّا أن يخرج بدليل، إذن فالعقد الفضولي صحيح على القاعدة.

[صور البيع الفضولي في مسائل ثلاث]

تبقى الأدلّة الخاصّة التي استدلّوا بها، والشيخ(1) يتصوّر في المقام صوراً، أوضحها: أن تبيع المال عنِّي ولم أكن سابقاً ناهياً أو كارهاً، فإنه هو الذي تسالم الفقهاء على صحّته، واستدلّوا على ذلك بأمور منها رواية عروة البارقي.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 346-347، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [المسألة الأولى: بيع الفضولي للمالك مع عدم المنع]

قسم من البيع الفضولي، وهو القدر المتيقّن منه، وقد تسالم الأصحاب على صحّته، وهو أن يبيع الفضولي أو يشتري للمالك، والمالك لم يمنع منه قبل ذلك.

في رواية عروة البارقي 

وعلاوةً على صحّته بحسب القاعدة، استدلّوا أيضاً بالأدلّة الخاصّة، منها روية عروة البارقي التي لا بُدَّ أن نقرأها ونرى احتمالاتها، وهي لم تروَ في كتب الخاصّة(1)، نعم رويت في كتب العامة(2)، جميعها -كما قيل- حتى في البخاري(3)

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) نعم، وردت الإشارة إليها في جملةٍ من كتب الفقه، نظير: التذكرة 15: 6، كتاب الديون، المقصد السادس: في الوكالة، الفصل الأوّل: في حقيقتها، جامع المقاصد 8: 244، كتاب الإجارة، المقصد السادس: في الوكالة، الفصل الثاني: في أحكامها، الثاني: في تنصيص الموكل، مجمع الفائدة والبرهان 9: 489، كتاب الديون، المقصد السابع في الوكالة، الأوّل: في أركانها، مفتاح الكرامة 21: 204، كتاب الإجارة وتوابعها، المقصد السادس: في الوكالة، الفصل الثاني، المطلب الثاني: في تنصيص الموكل، ومسالك الأفهام 3: 158، القسم الثاني: في العقود، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، في الشروط، وغيرها.

(2) اُنظر: سنن الترمذي 3: 559، كتاب البيوع، باب ما جاء في اشتراط الولاء والزجر عن ذلك، الحديث 1258، سنن الدارقطني 3: 10، كتاب البيوع، الحديث 29، السنن الكبرى 6: 122، كتاب القراض، باب المضارب يخالف بما فيه، الحديث 11951، سنن أبي داود 3: 256، كتاب البيوع، باب المضارب يخالف، الحديث 3384، سنن ابن ماجة 2: 803، كتاب الصدقات، الباب 7، الأمين يتّجر فيه فيربح، الحديث 2402، وغيرها.

(3) راجع فتح الباري في شرح صحيح البخاري 6: 456.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نعم، في صحيح مسلم غير موجودة.

عن (مسند أحمد)(1)، عن عروة البارقي، قال: عرض لرسول الله’ جلبٌ، فأعطاني ديناراً، وقال: “أي عروة، ائت الجلب، فاشترِ لنا شاةً. فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينارٍ. فجئت أسوقهما – أو قال: أقودهما- فلقيني رجلٌ فساومني، فأبيعه شاةً بدينارٍ، فجئت بالدينار وجئت بالشاة، وقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم، وهذه شاتكم. قال: وكيف صنعت؟ قال: فحدّثت الحديث. فقال: اللّهمّ بارك له في صفقة يمينه”.

وعن الشيخ في (أماليه)(2)، عن حكيم بن حزام(3).

وعن ابن حمزة في (ثاقب المناقب)(4) نسبتها إلى عروة، وعلى أيّ حالٍ فالظاهر أنهما قضيتان إحداهما حصلت لعروة، والأخرى لحكيم بن حزام، والالتزام بالتحريف خلاف الأصل.

والآن الكلام في احتمالات رواية عروة:

“اشتر لنا شاة” فيه عدة احتمالات:

أحدها: أن يكون المقصود جنس الشاة لا بشرط الوحدة، وعليه لا يكون 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() مسند أحمد 4: 376. 

(2) الأمالي (للشيخ الطوسي): 399، المجلس الرابع عشر، الحديث 38.

(3) وقرأ السيد الرواية وحاصلها أنه اشترى شاة وباعها بدينارين ثُمّ اشترى شاة بأحد الدينارين ورجع بدينار وشاة. (المقرِّر).

(4) الثاقب في المناقب: 112، الباب الأوّل، الفصل الخامس عشر: في بيان ظهور آياته في معانٍ شتى، الحديث 11.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الاشتراء فضولياً(1).

الاحتمال الآخر: أن يكون الغرض متعلّقاً في طرف الدينار والشاة بالوحدة، فالمطلوب هو شراء شاة قيمتها دينار واحد، وذلك أنها سمينة جداً، وهو اشترى شاتين فيكون عمله فضولياً وخلاف كلام النبي.

الاحتمال الآخر: أن الغرض لم يتعلّق بالوحدة، لكن بما أنه يعتقد أن قيمة الشاة ليست أقلّ من الدينار، لذا قال: اشترِ لنا شاة بدينار، هنا يحتمل أن لا يكون فضولياً، إذ قد يقال: إننا نفهم من الفحوى(2) أنه لو كان شاتان لكان أحسن. 

إلّا أنَّ هذه الاحتمالات الثلاثة خلاف الظاهر.

والظاهر أن الغرض تعلّق بشاة واحدة، لكن لا بأن يصرف الدينار كلّه، فكان يعتقد بأن الشاة ليست بأكثر من الدينار، فالغرض متعلّق بشراء الشاة سواء كانت بدينار أو أقلّ، فإن المتعارف إذا أعطاه ديناراً وأمره بشراء الشاة هو ذلك، وقد ذهب هو واشترى شاتين.

وعلى هذا الفرض احتمالان:

أحدهما: أنه اشترى الشاتين تدريجاً، وعلى هذا تقع الشاة الأولى صحيحة فعلية، والأخرى فضولية.

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 82، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 82، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الاحتمال الآخر: أنه اشتراهما صفقة واحدة، فعلى هذا الفرض ماذا نقول: هل يقعان معاً فضوليّين، أو كِلاهما صحيحان فعليان، أو أحدهما لا بعينه صحيحاً والآخر لا بعينه فضولياً، أو أحدهما بعينه كذلك، أو أن هاتين الشاتين مشتركتان بين المالك الأول والثاني –قبل الإجازة الذي هو محلّ الكلام- هل نقول: إنه فرد لا بعينه كما قال الفقهاء في أمثال المقام(1) ونظائره، كطلاق واحدة لا بعينها؟ فإذا لم يجز النبي فإحداهما لا بعينها له، والأخرى لا بعينها للمالك، ويرجع في تعيينها إلى القرعة.

وأما إذا قيل: إنَّ ملكية أمرٍ لا بعينه غير معقول، وإن أحدهما فضولية، والأخرى -التي هي مورد الإجازة- أيضاً كالفضولي، بمعنى أنها لم تنتقل إلى رسول الله، فإنه وإن أجازه إلّا أنَّ ملكية المبهم غير معقولة على الفرض، لذا نقول: إننا نعمل بـ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بمقدار الإمكان، فإذا استحال بعض مدلوله لا نرفع اليد عنه على الإطلاق، وهنا وقعت معاملتان على شاتين إحداهما فضولية والأخرى غير فضولية، ولا نستطيع أن نقول إن أحدهما المعيّن هو كذا أو غير معيّن. 

فنقول: إنه قبل الإجازة كِلاهما يقع غير صحيح فعلي. نعم هو واجب الوفاء، ولكن يحتاج إلى متمّم السبب وهو القرعة، فأصل العقد مشمول لعموم (أوفوا بالعقود)، وبالقرعة يكون أحدهما صحيح فعلي ينتقل إلى رسول الله، والآخر يرجع إلى مالكه إذا لم يجز النبي.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 1: 118، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وإذا لم نستطع تتميم هذا المعنى، فلا بُدَّ أن نقول:

إن كِلاهما لم يقع بنحو مؤثّر، وإن كان العقد واقعاً بنحو إنشائي ففي كِلا العقدين غير صحيح، ويحتاج إلى متمّم السبب، فكما أن الإجازة متمّم السبب لتأثير البيع الفضولي، كذلك تكون القرعة في المقام متمّم السبب، فليس أنه إذا لم يجز يقع كِلاهما باطلاً مطلقاً، بل أحدهما صحيح لا محالة.

وإذا قلنا إن كِليهما بيع فضولي؛ لأنه أمر بشراء شاة واحدة وقد اشترى شاتين، فقد وقع كِلاهما فضولياً، فمعلوم أن كِلا المعاملتين يكون محتاجاً إلى الإجازة.

أما بالنسبة إلى الشاة التي باعها، فهذا البيع فضولي؛ لأنه من دون إجازة، لا من قبل النبيولا من(1) قبل ذاك المالك، فماذا نقول هنا؟

نقول: هنا معاملتان شراء اثنتين وبيع واحدة، وأجازة من قبل النبي واحدة، فبالإجازة الواحدة التي أجازت المعاملة الأولى، هل يمكن أن نصحّح بها المعاملة الثانية التي في طولها، إذ بإجازة المعاملة الأولى تدخل الشاة في ملكه فتصحّ المعاملة الثانية، هذا غير معقول. فكما أن تكبير الإحرام الثانية(2) قالوا بأنه يخرج من الصلاة ولا يمكن أن يكون مدخلاً بها؛ لأن المخرج لا يمكن أن يكون مدخلاً، كذلك هذه الإجازة التي أدخلت الشاة في ملك النبي، لا يمكن أن تخرجها عن ملكه.

إلا أن يقال: إننا نكشف من الإجازة الرضاء بالمعاملة الأولى، ونكشف في 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() وهو باعها عن النبي. لاعن ذاك المالك. (المقرِّر).

(2) اُنظر: جواهر الكلام 9: 222، الصلاة، الركن الثاني: في أفعال الصلاة، في واجبات الصلاة، الثاني: في تكبيرة الإحرام، في بطلان الصلاة لو كبّر ونوى الافتتاح ثانياً.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الآن الثاني رضاءه بالمعاملة الثانية، ولا نحتاج فيها إلى قوله (أجزت)، فيكون قوله (بارك الله في صفقة يمنيك) أجازه للمعاملة الأولى وكشف الرضا للمعاملة الثانية، فيرتفع الإشكال العقلي، ونكشف الرضا بالمعاملتين.

بعض الإشكالات على الرواية

بعض الإشكالات التي قيلت أو يمكن أن تقال على رواية عروة البارقي.

أحدها: ما سبق، وهو أن الأشخاص الذين يقولون إنه بدون إنشاء الإجازة لا يصحّ العقد الفضولي، ولا ينتسب إلى مالكه.

يرد على مبناهم إن الحديث ليس فيه أكثر من قوله: “بارك الله له في صفقة يمينك“. وهذه العبارة فيها احتمالان:

أحدهما: أنه تنفيذ للمعاملة.

الثاني: أنه دعاء من النبيلعروة باعتبار أنه قام بمعاملة اقتصادية صحيحة.

فإذا كان من قبيل الثاني يعلم أن كِلتا المعاملتين ليستا فضوليّتين، وإنما دعاء له لأجل إيقاعه المعاملة الصحيحة النافذة، وعلى هذا الاحتمال نستكشف أنه كان وكيلاً مفوّضاً؛ لأنه لا يمكن أن تكون معاملاته صحيحة تامّة إلّا على ذلك(1)، أو على الاحتمال الذي يقوله الشيخ(2) من أنَّ رضاء 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 213، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي. 

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 351، البيع، شروط المتعاقدين، من شرائط المتعاقدين أن يكونا مالكين… الكلام في عقد الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

صاحب المعاملات يخرجها عن الفضولية.

وأما على الاحتمال الأول، من أنَّ المعاملتين فضوليّتان، وأنه لولا الإجازة لا يكون البيع بيعه، إذا كان ذلك كذلك فلا يمكن تصحيح المعاملة الثانية؛ لأنه لا يمكن بالإجازة الواحدة أن تدخل الشاة في ملك النبيوتخرج عنه بنفس الإجازة، بل نحتاج في ذلك إلى إجازة مستأنفة، وعلى فرض أنك تقول إن الشاتين اشتراهما عرضيّين، فتكون الإجازة إجازة الأجنبي وهي لا أثر لها، فإذا أردنا جعلها إجازة من له الحقّ، تحتاج إلى إجازة ثانية لتصحيح المعاملة الثانية.

وأما بناءً على قولنا من كفاية الرضا فنستكشف من قوله: “بارك الله بصفقة يمينك” رضاء النبي لكِلا المعاملتين، غاية الأمر هو تنفيذ للمعاملة الأولى، وفي المرتبة الثانية يكون رضاء بالمعاملة الثانية، فلا يرد الإشكال على مبنانا.

الإشكال الآخر الذي تعرّض له الشيخ(1)، وكان قبله موجوداً، من أنَّ المعاملة الأولى، إما فضولية في إحدى الشاتين أو في كِليهما كذلك، فالمعاملة الأولى فضولية، وما لم تلتحق بها الإجازة فالشاة للمالك، والثمن للنبي، وحينئذٍ فإقباض عروة للثمن، وقبض الشاتين، تصرّف في مال الغير من دون إذنه وهو محرّم.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 351-352، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، من شرائط المتعاقدين أن يكونا مالكين…، الكلام في عقد الفضولي، صور بيع الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وفي المعاملة الثانية إقباضه الشاة للطرف وقبض الثمن منه أيضاً تصرّف محرّم، ولا مضايقة من ارتكاب عروة محرّماً، ولكن النبي دعا له، فنعلم أنه لم يعمل عملاً مخالفاً للشرع، وإلا لنهاه النبي وعنّفه، فيُعلم من ذلك أنه إما وكيل مفوّض، أو لم تكن المعاملة فضولية.

الشيخ يقول: إننا نستكشف من ذلك، أن رضا النبي الذي كان حين المعاملة كافٍ في خروجها عن الفضولية، إذن تخرج رواية عروة عن الاستدلال بها في باب الفضولي.

نقول للشيخ: إن هذا الرضا الذي تقول إنه كان عند النبي حين المعاملة، هل كان رضاء فعلياً، بمعنى أن النبي كان ملتفتاً إلى وقوعها وراضياً بها؟ أو تقول: إنه رضاء تقديري، يعني أنه إذا التفت لرضي؟ 

أما الرضا الفعلي فهو خلاف ظاهر الرواية، وإلا لَما سأله عن كيفية ما عمله، إذن فلم يكن ملتفتاً ولم يكن له رضاء فعلي، وما يمكن أن تخرج به المعاملة عن الفضولية هو الرضاء الفعلي لا الرضاء التقديري، لأننا نقول: إن المعاملة لا بُدَّ أن تكون معاملته، كما قال الآغايون فإنه بلا إشكال لا تكون كذلك من دون رضاء فعلي، ولا على مبنانا من الاكتفاء بالرضا، فإن المقصود به هو الرضا الفعلي.

ولأجل دفع هذا الإشكال، قد يقال: ليس في الرواية أنه أعطى الدينار وأخذ الشاتين، فلعلّه أخذ الشاتين ولم يعطِ الدينار في المعاملة الأولى، ولعلّه أخذ الدينار ولم يعطِ الشاة في المعاملة الثانية. فما هو مربوط بالنبي ليس 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

عندنا دليل على أنَّه قد أقبضه، وما قد أخذه من أموال ذينك المالكين: وهو الشاتان في المعاملة الأولى والدينار في الثانية، قد سلّماه برضاهما، فلم يرتكب عروة محرّماً.

لا أن هذا المطلب ليس تاماً، أولاً: أنه ورد في ذيل رواية عروة، أنه قال: “هذه شاتكم وهذا ديناركم”، فيُعلم أنه لم يكن في يده إلّا الشاة والدينار لا غير لكي يسأل عنها. علاوةً أنه يُظهر أمراً غير عادي ولا معقول أن يعامل شخصاً بدوياً في الصحراء، ولا يعطيه الدينار.

وعلى تقدير أنه حصل ذلك لا يتمّ المطلب، فإنه أخذ الشاتين، وفي الرواية: (أنه يسوقهما أو قال يقودهما) وذاك -البدوي- أعطاهما عملاً بالمعاملة لا مطلقاً. نظير المقبوض بالبيع الفاسد، فإن البائع لا يسلّم المبيع كائناً ما كان، بل لأجل العمل بالمعاملة، والمفروض أنها ليست تامّة، بناءً عليه فليس تسليم الشاتين في المعاملة الأولى ولا تسليم الدينار في الثانية، إلّا بزعم صحّة المعاملة، وليس رضاء مطلقاً. 

وإذا قيل إنه عنده رضاء بالتصرف فجوابه ما قلناه في البيع الفاسد، من أنَّه رضاء بالمعاملة وليس رضاء بالتصرّف في ملكه على تقدير بطلانها.

يبقى أن نقول: إنه لو كان يعلم أن المعاملة فضولية، أيضاً لأعطى إجازة، فهذا ما لا نعلمه، لعلّه لو علم أنها فضولية لم يكن يسلّم الشاتين لاحتمال عدم تعقّبها بالإجازة، وعلى تقديره فإن الرضاء التقديري غير كاف في التصرف بأموال الناس كما هو المستظهر من الأدلّة كقوله: “لا يحل مال امرئ إلّا 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بطيب نفسه(1). ودعوى كفاية الرضاء التقديري يحتاج إلى قيام السيرة عليه المتّصلة بزمان المعصومين، لنستطيع بها أن نرفع اليد عن ظهور مثل هذا الدليل.

إذن فماذا نعمل مع رواية عروة البارقي، هل يمكن أن يقال: إنها لا إشكال في كونها ظاهرة بصحّة المعاملة الفضولية، وإشكال ارتكابه للمحرّم، مهما أجبنا عنه ولو بوجه عقلي، لا يمكن رفع اليد عن كونها فضولية، إلّا أن نقول: إنه كان قاطعاً بوجود الرضاء الفعلي من النبي توهّماً، والنبي لم يكن لديه مانع عن إقراره، فإنه لم يرتكب محرّماً فعلياً، فإنه عمل بقطعه، أو نقول إنه على الكشف أو على الحكومة، بمعنى كشف الحكم من الأوّل، وإن المعاملة المتعقّبة بالإجازة صحيحة من الأوّل، وكان عروة يفتي -مثلاً- بذلك، ويعتقد أنها متعقّبة بالإجازة، إلّا أنَّ هذا الكلام -الأخير(2)– وإن كان بعيداً بالنسبة إلى عروة إلّا أنَّ قطعه برضاء النبي محتمل.

نعم، سند الرواية معلوم، أنه عامّي وغير تامّ، وانجباره بعمل الأصحاب 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() مسند أحمد 5: 72، الحديث 20971، مسند الكوفيين، سنن الدراقطني 3: 424، كتاب البيوع، الحديث 2885، السنن الكبرى (للبيهقي) 8: 316، كتاب قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاءوا لم يتبع مدبرهم، الحديث 16756، وسائل الشيعة 5: 120، الباب 3 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1، جامع أحاديث الشيعة 31: 64، كتاب القصاص، الباب1، الحديث 47265.، هداية الأُمّة إلى أحكام الأئمّة 2: 80، كتاب الصلاة، الباب الأوّل، المقدّمة السادسة: الثوب المغصوب، الحديث 474، مع اختلافٍ يسيرٍ في اللفظ، فلاحظ.

(2) توضيح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

غير ثابت، وإن قال شيخ الطائفة إنهم عملوا به(1). نعم، هناك نكتة في مطلق الانجبار وهي أنه إذا كان مطلب موافقاً للقواعد، كصحّة العقد الفضولي على ما بنينا عليه، واحتملنا أن الفقهاء ذهبوا إلى ذلك باعتبار ذلك، وإنّما استشهدوا بالرواية تأييداً من دون اعتقاد بها أو استناد إليها، وإنما يكون الاستناد إذا كانت الرواية هي الدليل الوحيد على المطلب غير موافق للقواعد، إذن فمثل هذا التمسّك كونه جابراً مشكل، إذن فمن ذكر الفقهاء للرواية لا يحصل الانجبار. تبقى صحيحة محمد بن قيس.

صحيحة محمد بن قيس 

من الروايات التي تمسّكوا بها لصحّة البيع الفضولي صحيحة(2) محمد بن قيس، عن أبي جعفر، قال: “قضى أمير المؤمنين في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب، فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً، ثُمّ قدم سيدها الأوّل فخاصم سيدها الأخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال له أمير المؤمنين 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() اُنظر: مقابس الأنوار: 123، كتاب البيع، المطلب الأوّل، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، أنوار الفقاهة (للشيخ حسن كاشف الغطاء): 22، كتاب البيع، المطلب الثاني: في المتعاقدين، رابعها من جملة ما يقوم مقام المالك في نفوذ عقده الفضولي، جواهر الكلام 22: 277، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في البيع الفضولي، بلغة الفقيه 2: 203، رسالة في عقد الفضولي، الاستدلال على صحّة الفضولي، خبر عروة البارقي، وغيرها.

(2) رواها السيد بهذا اللفظ، وهي موجودة في المكاسب بلفظ آخر مقارب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

خذ وليدتك وابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه، -يعني: الذي باع الوليدة- حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: أرسل ابني، قال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأول أجاز بيع ابنه(1).

قضى أمير المؤمنين” فيه احتمالان: أحدهما راجح.

أحدهما: أنه قال حكماً كلّياً شرعياً، وقد يعبّر عن ذلك بـ (قضى).

ثانيهما: أن يكون من باب القضاء، خصوصاً إذا نسب إلى أمير المؤمنين، وهو الظاهر.

والمخاصمة وقعت بين سيد الجارية والمشتري، والإمام أبو جعفر ينقل هذه المخاصمة، فنرى أنه حين نقلها هل نقل تمام الخصوصيات أو أجمل فيها ولم يفصّلها(2)؟ وأبو جعفر لم يذكر كيفية المخاصمة، وأنه أيٌّ منهما مدعي وأيٌّ منهما منكر، وأنه على أيّ شيء انتهت الخصومة، هل بقيام البيّنة أو اليمين أو الإقرار؟ فقط ما ورد في الرواية أن الخصومة حصلت وأنه قال: “هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني“، والخصومة في ذلك تتصوّر على وجوه:

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() الكافي 10: 209-210، كتاب المعيشة، الباب 93، الحديث 12، من لا يحضره الفقيه 3: 222، كتاب المعيشة، باب البيوع، الحديث 3826، الاستبصار 3: 85، كتاب البيوع، الباب 57، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 74، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 33، وسائل الشيعة 21: 203، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(2) ثم قرأ السيد الرواية إلى قوله: فقال: “هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني”  (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أحدها: أن يقول هذا الشخص ذلك، فيجيبه الآخر: (هذه ليست وليدتك).

ثانيها: أن يقول الآخر: (إنه باعها بإذنك).

ثالثها: أن تكون الخصومة على الثمن، فإنه حين شرائها دفعه المشتري إلى الولد فيقول أبوه: (إنه يجب دفع الثمن لي لا إلى ولدي).

فموضوع الخلاف وختم الحكم غير موجود في الرواية، وغاية ما يفهم منها: أن النزاع ختم وفصلت الخصومة بنفع السيد الأوّل، ولولا المرافعة وثبوت المطلب بنحو شرعي لمَا كان يعطيها أمير المؤمنين لسيدها الأوّل بمجرّد الدعوى، فيُعلم من ذلك أن الإمام أبا جعفر لم ينقل من القصّة إلّا قليلاً.

خذ ابنه -يعني الذي باع الوليدة- حتى ينفذ لك ما باعك” وإلى هنا يُعلم أن إنفاذ المعاملة إلى الآن لم يحدث، فجعل له الإمام طريقاً لإلزام المالك الأوّل بها، فيُعلم إذن من الرواية بلا إشكال: أنه وقع بيع بلا إذن المالك، ثُمّ أجازه المالك وصحّ البيع، غايته أنهم أشكلوا عليها إشكالات(1)، واحداً منها معتدّاً به.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) اُنظر: جامع الشتات في أجوبة السؤالات 2: 209، كتاب التجارة، مسائل التجارة، السؤال 124، مستند الشيعة في أحكام الشريعة 14: 277، كتاب البيع، الفصل الثاني في شرائط المتعاقدين، المسألة الأولى، كتاب الإجارة (للميرزا الرشتي): 138، غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب 3: 357، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين ومن شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين، في أقسام البيع الفضولي، الأولى، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 135، البيع، في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الأُولى، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهو: أنه يستفاد من الرواية، أن المالك ردّ المعاملة، والتنفيذ بعد الردّ خلاف الإجماع، بل خلاف القواعد كما قيل، فالرواية تدلّ على معنى لا يمكن الالتزام به، فالرواية مطروحة.

[كلام الشيخ الأعظم في المقام والتأمل فيه]

الشيخ يقول(1): إن من لم يستدلّ بها على بيع الفضولي كأنّهم لم يعلموا طريق الاستدلال. يقول: نحن إذا أردنا أن نفهم المطلب من القضيّة الشخصية ثُمّ نسوّيها إلى الأشباه والنظائر بتجريدها عن الخصوصيات، فلأحد أن يقول: إنها إجازة بعد الردّ، والقضيّة الشخصية غير نافذة فلا يمكن الاستدلال بها، ولكن يمكننا أن نفهم من الرواية شيئاً آخر وهو الظهور السياقي، بأن المعاملة الواقعة على مال الغير قابلة للإنفاذ.

غاية الأمر أن هذا المورد الشخصي مبتلٍ بالردّ قبل الإجازة، فلا بُدَّ أن نؤوّله بوجه أو نطرحه، ولكن يبقى لدينا هذا الظهور السياقي، ولهذا الظهور نقل أبو جعفر هذه الرواية واستشهد بها.

هذا محصّل كلامه زِيْدَ في علوّ مقامه.

إلا أنَّ هذا الذي قاله غير تامّ، فإنه ليس في الرواية إلّا القضيّة الشخصية، فلو صدّقتم بأن الرواية ظاهرة بالردّ، على ما استظهر الشيخ فنفس هذه المعاملة المشتملة على الردّ أمر الإمام أن يأخذ ابنه لكي ينفذها له، فلا 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 354، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يمكن أن يفهم منها كبرى كون الإجازة مؤثّرة سواء ردّ أو لم يردّ. فإن قوله: “حتى ينفذ لك ما باعك“، متفرّع عمّا قبله الدالّ على الردّ بحسب الفرض، فما يستفاد من هذه الرواية هو أن الإجازة بعد الردّ نافذة، وإذا كان هذا خلاف الإجماع فكيف نأخذ به؟

وليس عندنا شيء آخر في الرواية، ليستفاد منها أن بيع الفضولي مع الردّ أيضاً تامّ، بأن يقال: إنه يستفاد منها نفوذ الإجازة مع الردّ وبالأولوية وفهم العقلاء نفهم أنها نافذة مع عدم الردّ أيضاً، فإذا ألغينا مورد الردّ، يبقى عندنا المعنى التبعيّ الذي استفدناه، إلّا أنَّ هذا لا يمكن: أن يطرح(1) مدلول الرواية وموردها ونأخذ بالمعنى التبعيّ. فالرواية غير متعرّضة لصورة عدم الردّ.

فما يستظهره الشيخ من الكبرى الكلّية بعد طرح مورد الرواية، غير تامّ، بعد تصديق أنه ردّه. إنما الكلام في أنَّها ظاهرة بالردّ أو لا.

قلنا: إن كيفية المخاصمة ليست بيدنا، وغاية ما في الرواية من ظهور أن معاملةً فضوليةً وقعت، وبعد حصول الإجازة أصبحت صحيحة، أما أنه أجازها بعد الردّ أو لا، فهذا مما لا يمكن أن نفهمه من الرواية، فإن سائر صور الدعوى المتصوّرة بين الرجلين أجنبية عن استفادة الردّ، لا الدعوى على أنَّها وليدته أم لا، ولا الدعوى أنه باعها بإذنه أو لا، ولا المرافعة على إعطائه المال، فمجرّد كونه خاصمه لأن ولده باعه من دون إذنه، لا يدلّ على الردّ، فما يذكره 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() هذا تعبير منّي، لم يذكره السيد، وإن كان تعبير (التبعي) منه (سلّمه الله). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الشيخ من دلالة المخاصمة على ذلك غير تامّ، نعم هي دليل على أنَّ المعاملة لا زالت فضولية لم تتعقّبها الإجازة بعد، أما الردّ فلا.

وأما قوله: “خذ وليدتك وابنها” فأيضاً لا يدلّ على الردّ؛ لأننا لا نعلم لماذا قال ذلك، على أنَّ له وجهاً صحيحاً: أما أخذه الوليدة فلأنه ما لم يجز بيعها فهي من أمواله وله أن يأخذها، وأما ابنها فلأنه يأخذه لأجل قيمته، فلا يكون ذاك إلّا دليلاً على عدم الإمضاء لا على الردّ.

فالردّ ليس له ظهور في الرواية، وإنما هو احتمال، ويكفي في مقابله أن نحتمل أنه أخذها لعدم الإجازة، ومن هنا يتّضح أن قوله: “فناشده” أيضاً لا يدلّ على الردّ.

بل إنَّ ذيل الرواية بضميمة الإجماع يدلّ على أنَّه لم يردّ ردّاً، وإنما لم يكن ردّ ولا إمضاء حتى أمر الإمام بالإجازة، فإنه لو كانت الإجازة بعد الردّ باطلة عقلائياً، فلا بُدَّ من أن تكون القواعد العقلائية محفوظة في الرواية، وعلى أساسها أمر الإمام بالإجازة.

فالرواية إذا لم نقل بدلالتها على عدم الردّ، فلا أقلّ من عدم دلالتها على الردّ، إذن فلا يمكن رفع اليد عن ظهورها الجزمي بهذه الوجوه. فإنها دالّة على صحّة البيع الفضولي، وظهورها بذلك تامّ، ونقل الإمام لها كان بهذا الاعتبار.

رواية نكاح العبد 

من جملة الروايات التي تمسّكوا بها لتصحيح البيع الفضولي الروايات التي وردت في كتاب النكاح، وهي كثيرة نذكر مهمّها:

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

منها: بعض الروايات الواردة في باب نكاح العبد في باب 22.

صحيحة زرارة، عن أبي جعفر، قال: “سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده؟ فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما. قلت: أصلحك الله، إن الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا تحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر: إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز(1). ورواية أخرى بمضمونها(2).

ما هي كيفية دلالتها وهل يمكن تعميمها من النكاح إلى غيره؟

لا بُدَّ أن نرى ما هي الشبهة التي سأل عنها القائل؟

هل الشبهة هي أنه: بما أنه مملوك لا يقدر على شيء، والنكاح شيء، فحتى مع الإجازة لا يصحّ لأن الشارع ألغى هذا العقد باعتبار أن العبد لا يقدر على شيء، فإن المقصود من القدرة ليست القدرة التكوينية، بل بمعنى أنه في التشريع لا يترتّب عليه أثر. فعلى فرض صحّة النكاح الفضولي أساساً، إلّا أنَّ صدوره من العبد يقع باطلاً باعتبار أن ألفاظه لاغية شرعاً.

الاحتمال الآخر: أن لا يكون المقصود أن ألفاظها ملغاة، بل من ناحية أن هذا العبد بما أنه مملوك للغير، فلا بُدَّ أن لا يصدر منه شيء من دون إذنه، وإذا 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) الكافي 11: 90، كتاب النكاح، الباب 119، الحديث 3، من لا يحضره الفقيه 3: 541، كتاب الطلاق، باب طلاق العبد، الحديث 4862، تهذيب الأحكام 7: 351، كتاب النكاح، الباب 30، الحديث 63، ووسائل الشيعة 21: 114، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

(2) الكافي 11: 90، كتاب النكاح، الباب 119، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

صدر منه ذلك فهو ملغى، فهو لا يستقلّ بعمل، وإذا استقلّ بعمل احتاج إلى إذن المولى.

وإذا كان هذا وجه الشبهة، فأيضاً كالأوّل، لا يكون له ربط بالنكاح، وإنما المقصود أن عمل العبد يحتاج إلى إذن المولى.

الاحتمال الثالث: أن العبد بما أنه مملوك للغير فكل تصرّف يوقعه في نفسه فهو تصرّف في مال الغير، والتزويج الذي عمله لنفسه تصرّف في مال الغير، والمال هو نفسه، فكأنّه تصرّف في عباءتك بلا إذن. 

وهذا الاحتمال أيضاً لا نظر له إلى النكاح كالاحتمالين السابقين، فجهة الشبهة هي تولّي العبد طرف المعاملة، إما لأن ألفاظه ملغاة، أو لأنه لا يستقلّ، أو لأنه متصرّف في مال الغير، وليس فيها نظر إلى أنَّ هذا التزويج جائز أو لا، وإن أصبح هذا هو المورد، فيكون حاله كما لو سأل عن العبد باع شيئاً هل يصحّ أو لا؟

قال في جوابه: “ذاك إلى سيده“، يعني أنه عقد فضولي وليس العبد محجوراً بذلك النحو بحيث إنَّ ألفاظه ملغاة، وعدم الاستقلال وإن كان موجوداً، إلّا أنَّه يصحّ عمله بإذن المولى سواء كان الإذن سابقاً أو لاحقاً، وتصرّفه بمال الغير يصحّ مع الإجازة.

فليس أننا نريد تتميم المطلب بالأولوية، لكي تأتي إشكالات الشيخ(1) التي 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 356، صور بيع الفضولي، الصورة الأُولى، الاستدلال لصحّة بيع الفضولي بفحوى صحّة نكاحه.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

تأتي، ولا بإلغاء الخصوصية، بل إذا ألقيت القضيّة إلى العقلاء، يقولون: إن تمام المسؤول عنه هو العبد المملوك الذي عمل عملاً من دون إذن سيده، ولا يأتي إلى ذهنهم خصوصية العمل الذي يقوم به.

ثم يقول الراوي: (أصلحك الله إن الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد ولا تحلّ إجازة السيد له).

طريق آخر به يمكن تعميم الحكم لباب البيع ونحوه: أنه نقل فتواهم بالبطلان، وعدم فائدة الإجازة، ولم ينقل مدركه، فأجاب الإمام: (أنه لم يعصِ الله إنما عصى سيده)، يفهم منه أن ما لا يمكن تصحيحه بالإجازة هو ما كان خلاف الشريعة وعصياناً لله تعالى، وحيث إنَّه في النكاح لم يعصِ الله تعالى وإنما عصى سيده، فإنه ليس من قبيل نكاح المحارم والبيع الربوي من المحرمات التي لا تصحّ بإجازة المولى، فالوجه منحصر في البطلان بمعصية الله، وهو لم يفعل ذلك وإنما عصى سيده.

نعم، لا بُدَّ أن نعرف أنه كيف لم يعصِ الله؟ مع أن الله تعالى أمر بإطاعة السيد فعصيانه عصيانه.

وجهه: ما ذكرناه فيما سبق من أنَّ الأحكام التي تجعل على العناوين، تقتصر على ذلك العنوان، ولا يمكن أن يسري إلى عنوان آخر(1)، فلو وجد 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) راجع تهذيب الأُصول 1: 391، مبحث اجتماع الأمر والنهي، ومناهج الأُصول 2: 132، المقصد الثاني: في النواهي، الفصل الثاني: في جواز اجتماع الأمر والنهي، الأمر التاسع.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

موضوع ذو عشرة عناوين، فذلك لا يستلزم سراية الحكم إلى عنوان آخر، كما لو نذر أن يصلّي صلاة الليل، فلا يكون ذلك سبباً لوجوب صلاة الليل، وإنما يكون سبباً لوجوب الإتيان بالمستحب، ولذا يجب أن أنوي بأني أصلّي صلاة الليل المستحبة وفاء بالنذر. ولا يمكن أن يسري أحد الحكمين إلى غير عنوانه، فإن ظرف الاتّحاد -وهو الخارج- ليس هو ظرف الأمر والنهي، وفي ظرف الأمر والنهي ليست العناوين متّحدة، بل منفصلة.

وما أوجبه الله هو إطاعة المولى، والنكاح ليس موضوعاً لهذا الأمر، بل هو موضوع لأمر استحبابي في نفسه، فإطاعة المولى واجبة والنكاح سنّة، ولا ربط لأحدهما بالآخر في ظرف الأوامر والنواهي، ولكن قد يتحقّق العنوان الذاتي والعنوان العرضي في الخارج، فالأوّل هو النكاح والآخر الإطاعة، فمن أجل أنه يجب أن يستأذن مولاه، فقد عصى مولاه، وحيث إنَّ النكاح مستحب فهذا لم يعصِ الله تعالى.

ولهذا، في الرواية الأخرى، وهي أيضاً عن زرارة، عن أبي جعفر، قال: “سألته عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها، ثُمّ اطّلع على ذلك مولاه. قال: ذاك لمولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما… -إلى أن يقول:- فقلت لأبي جعفر: فإنه أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر: إنما أتى شيئاً حلالاً، وليس بعاص لله، إنما عصى سيده ولم يعص الله، إن ذلك ليس كإتيان ما حرّم الله من نكاح في عدّة وأشباهه(1).

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 478، كتاب النكاح، باب المملوك يتزوّج بغير إذن مولاه، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 351، كتاب النكاح، باب 30، الحديث 62، ووسائل الشيعة 21: 115، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، باب أنَّ العبد إذا تزوّج بغير إذن مولاه…، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فنقول عن هذا الطريق: إن الإمام قال إنَّ البطلان منحصر بعصيان الله تعالى كنكاح المحارم والبيع الربوي، وأما إذا عصى سيده أو صاحب المال لا يكون باطلاً.

ومن طريق آخر يمكن أن نقول: إن السؤال لم يكن في صحّة البيع الفضولي من حيث هو، بل إنَّه مفروغ عن صحّته، ولذا يظهر أن القائلين ببطلانه من العبد ولو بالإجازة يرون أنه صحيح من غيره بالإجازة، ولذا قالوا: إن الإجازة ليست مصحّحة، ولعلّه لأجل أنهم يرون أنه عصى الله تعالى فقال الإمام: (إنه لم يعصِ الله إنما عصى سيده)، ويكون المورد كسائر أنحاء الفضولي صحيحاً بالإجازة.

بناءً عليه نقول: إننا لا نريد أن نتمّم المطلب بإلغاء الخصوصية عن باب النكاح، ليرد علينا إشكالات الشيخ(1)، وإنما الكلام في أنَّ عقد الفضولي الذي يصحّ بالإجازة هل يصحّ بالإجازة من العبد أيضاً أو لا؟

كأنّ الحكم وإبراهيم يرون عدم صحّته ويرى الإمام صحّته.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 356، صور بيع الفضولي، الصورة الأُولى، الاستدلال لصحّة بيع الفضولي بفحوى صحّة نكاحه، كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 306، كتاب البيع، الفصل السادس، المبحث السادس في الأحاديث المستدلّ بها على صحّة بيع الفضولي، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الآن إذا أردنا أن نقول: إنه من باب الأولوية فماذا نقول؟

بالنحو الذي ذكرناه في فقه الرواية: إن المسالة ليست مسألة أولوية ولا إلغاء خصوصية، بل نفهم من الرواية أن السؤال كان في المعاملة الفضولية، بل ما كان الكلام فيه بين الخاصّة والعامة، ليس في الفضولية وصحتها، ولم يكن إشكالهم من ناحية كونه فضولياً، بل كان إشكالهم –كما يظهر من الجواب- أن في هذا المورد خصوصية لا تفيد معها الإجازة وهو عصيان الله تعالى، ولم يكن الكلام حول معاملة العبد، ولا حول النكاح أصلاً، بل عن خصوصية الفضولية الصادرة عن هذا العبد.

[بيان المراد من الأولوية في المقام]

أما قضيّة الأولوية، فأحد وجهيها أن يقال(1): إن العبد بما أنه محجور وفضولي، فإذا قيل في هاتين الجهتين بالصحّة كان مورد غير المحجور الفضولي أولى بالصحّة، إلّا أنَّ هذا غاية ما يستنتج منه أن غير العبد لو عمل النكاح كان صحيحاً أما البيع فلا.

الوجه الآخر: الذي يقوله الشيخ(2)، ولعلّه مرضي له، هو: أن تمليك البضع 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

(1) اُنظر: مقابس الأنوار: 126، المصباح الثاني، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، الموضع الأول أن يبيع الفضولي معيّناً، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 89، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الأُولى، الاستدلال بفحوى صحّة النكاح، وغيرهما. 

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 356، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى، الاستدلال لصحّة الفضولي بفحوى صحّة النكاح.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بالإجازة إذا كان لازماً، فتمليك المال أولى باللزوم؛ لأنه في عقد النكاح يوجد اهتمام غير موجود في غيره، لأن الولد من النكاح، هذه الأولوية أيضاً محلّ إشكال.

أوّلاً: أن التعبير بتمليك البضع غير صحيح حتى في باب الإماء، فضلاً عن غيرها.

ثانياً: مضافاً إلى ذلك: يمكن أن يدّعى أن الشارع إذا أهتمّ بأمر الفروج، فمقتضى القاعدة أن يسهّل أسبابها ويجعلها في متناول الجميع، وهذه التطبيقات التي نراها بين الفقهاء وبين الناس، وجعلوا صيغة النكاح بنحو لا يحسنها إلّا من وضع العمامة على رأسه، هذا يلزم منه وقوع الكثيرين في الفجور، وأما إذا أخذوه بطريق سهل و(سادة)(1)، حاله حال البيع والشراء في السهولة يرتفع كثير من ذلك، بل لولا الخوف والاحتياط لقلنا بجواز المعاطاة في النكاح أيضاً. 

ولا يقال إنَّه فجور، فإنه يقال: إنهما قاصدان لإيقاع العقد حاله في ذلك حال البيع، وعلى أيّ حال فمقتضى الاهتمام بالفروج هو تسهيل أسبابه بحيث يكون بيد الجميع.

بناءً عليه فالأولوية من هذه الناحية غير صحيحة، فإنها إنما تتمّ في صورة ما إذا كانت أسباب النكاح شديدة وصعبة، فلو صحّت فيها الفضولية لأمكن 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: بسيط.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

القول بصحّة غيرها من باب الأولوية، أما إذا كان يرى العرف أن مقتضى الاهتمام بالفروج هو التسهيل في الأسباب فلا تكون الأولوية تامّة.

وأما ما في خلال كلام الشيخ(1) من أنَّ للشارع في عقد النكاح اهتماماً كثيراً، فنحن لم نرَ هذا، أما العقد الذي أوقعه آدم مع حواء، فهو قول الله تعالى: “زوجتكها فضمّها إليك”(2)، وما أوقعه النبي من الصيغة: “زوجتكها على ما تحسن من القرآن(3) وما أوجده أحد الأئمة من الصيغة هي قوله: (زوجتنيها يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم). فلم نرَ اهتماماً بعقد النكاح، والاهتمام في الفروج الذي هو لازم بحكم العقل والشرع لا يوجب الاهتمام بالأسباب.

ليس مقتضى(4)  كون الشيء مهمّاً وثميناً أن أعيد الصيغة عليه مكرّراً، وأما ما يرى في بيع العقارات من جعل الإسناد وأخذ التوقيعات، فهو ليس لإيجاد ماهيّة البيع بل لئلا يقعون في شكّ وإشكال فيما بعد، فهي طرق للإثبات بعد 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

() راجع المصدر المتقدّم. 

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 380، كتاب النكاح، باب بدء النكاح وأصله، الحديث 4336، الوافي 21: 22، كتاب النكاح والطلاق والولادة، باب بدء النكاح وأصله، الباب 1، الحديث 20726، ووسائل الشيعة 20: 261، الباب 1 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.

(3) الكافي 10: 720، النكاح، الباب 48، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 355، كتاب النكاح، باب 31، الحديث 7، وسائل الشيعة 20: 262، الباب 1 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

(4) وهنا قال جواباً على سؤال فيما قال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الاعتراف أن ماهيّة البيع وقعت في الصيغة الأولى المجرّدة. فالنكاح يقع بنفس الأسباب التي تقع فيها سائر المعاملات، ولا تجد في أيّ كتاب فتوائي فتوى باشتراط التكرار في عقد النكاح.

بل إنَّ التسهيل أوفق بالاحتياط، فلو اجتمع أجنبي وأجنبية، وكان إيقاع العقد صعباً سوف يدور أمرهما بين التفرّق أو الفجور، فربما يقعان في الثاني وأما لو كان إيقاعه ميسّراً لهما سواء كان دائمياً أو منقطعاً لنالا مرادهما بشكل شرعي صحيح.

رواية العلا بن سيابة

ثُمّ يقول الشيخ(1): إن هذه الأولوية توهن برواية العلاء بن سيابة -كتاب الوكالة باب 2 رواية 2- قال: “سألت أبا عبد الله عن امرأة وكّلت رجلاً بأن يزوّجها من رجل، فقبل الوكالة فأشهدت له بذلك، فذهب الوكيل فزوّجها، ثُمّ إنَّها أنكرت ذلك الوكيل وزعمت أنها عزلته عن الوكالة، فأقامت شاهدين على أنَّها عزلته، فقال: ما يقول من قبلكم في ذلك؟ قال: قلت: يقولون: ينظر في ذلك فإن كانت عزلته قبل أن يزوّج فالوكالة باطلة والتزويج باطل، وإن عزلته وقد زوّجها فالتزويج ثابت على زوج الوكيل، وعلى ما اتّفق معها من الوكالة، إذا لم يتعدّ شيئاً مما أمرت به واشترط عليه في الوكالة.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 357-358، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين… الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى، المناقشة في الاستدلال بالفحوى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

قال: ثُمّ قال: يعزلون الوكيل عن وكالتها ولم تعلمه بالعزل؟ قلت: نعم، يزعمون أنها لو وكّلت رجلاً، وأشهدت في الملأ، وقالت في الخلاء: (اشهدوا أني قد عزلته) أبطلت وكالته، بلا أن يعلم في العزل، وينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصّة، وفي غيره لا يبطلون الوكالة إلّا أن يعلم الوكيل بالعزل، ويقولون: المال منه عوض لصاحبه والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه الولد..

فقال: سبحان الله، ما أجور هذا الحكم وأفسده، إن النكاح أحرى وأحرى أن يُحتاط فيه، وهو فرج ومنه يكون الولد، إن علياً: أتته امرأة تستعديه على أخيها، فقالت: يا أمير المؤمنين(ع) إني وكّلت أخي هذا بأن يزوّجني رجلاً وأشهدت له، ثُمّ عزلته من ساعته تلك، فذهب فزوّجني ولي بيّنة أني قد عزلته قبل أن يزوّجني، فأقامت البينة. فقال الأخ: يا أمير المؤمنين إنها وكّلتني ولم تعلمني أنها عزلتني عن الوكالة حتى زوّجتها كما أمرتني. فقال لها: ما تقولين؟ قالت: قد أعلمته يا أمير المؤمنين، فقال لها: ألك بينة؟ فقالت: هؤلاء شهودي يشهدون بأني عزلته. فقال أمير المؤمنين: قال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: نشهد أنها قالت: (اشهدوا أني قد عزلت أخي فلاناً عن الوكالة بتزويجي فلاناً، وأني مالكة لأمري قبل أن يزوجني).

فقال: أشهدتكم على ذلك بعلم منه ومحضر. فقالوا: لا. فقال: تشهدون أنها أعلمته بالعزل كما أعلمته الوكالة؟ قالوا: لا. قال: أرى الوكالة ثابتة والنكاح واقعاً، أين الزوج؟ فجاء، فقال: خذ بيدها بارك الله لك فيها. فقالت: 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يا أمير المؤمنين أحلفه أني لم أعلمه بالعزل ولم يعلم بعزلي إياه قبل النكاح، قال: وتحلف. قال: نعم يا أمير المؤمنين فحلف، فأثبت وكالته وأجاز النكاح(1).

يقول الشيخ(2) إنه على فرض الأولوية في باب النكاح، يستفاد من هذه الرواية: أننا نفهم من صحّة النكاح صحّة المعاملات الأخرى، دون العكس، كما عليه رأي العامة فالأولوية تكون موهونة بهذه الرواية.

ثُمّ يأتي إلى قوله: “إنَّ النكاح أحرى وأحرى أن يُحتاط فيه”.

مع أن الأمر دائر بين المحذورين، ثُمّ بيّن وجهه من أنَّه في مقام الإشكال والاشتباه إذا قلنا بصحّة العقد فغاية ما يلزم -إذا كان العقد فاسداً واقعاً صحّحناه- أنه زناء بغير ذات البعل، وأما إذا كان صحيحاً -وفرّقنا بين الزوجين- يكون زناء بذات البعل، فالحكم بالصحّة أشدّ احتياطاً من القول بالبطلان.

هنا نسأله: أن هذه المرأة التي عزلت وكيلها، وقبل إعلامه لو ذهبت وتزوّجت، وكان الوكيل قد عقدها، فهنا إذا كان العقد صحيحاً فهو زنا بذات البعل وإذا كان فاسداً فهو زناء بغير ذات البعل، فمقتضى الاحتياط يكون هو الفساد.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 84، باب الوكالة، الحديث 3383، تهذيب الأحكام 6: 214، كتاب الديون، باب 86، الحديث 5، ووسائل الشيعة 19: 163، الباب 2 من أبواب الوكالة، الحديث 2.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 356-357، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، من شرائط المتعاقدين أن يكونا مالكين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وفي الحقيقة أن المطلب ليس كما قاله الشيخ، بل يستفاد من الرواية أن العامة لم يقولوا بما قالوا عن طريق الاحتياط، بل عن طريق الاستحسان، إذ قالوا: بما أن المعاملات لها عوض والبضع لا عوض له. وقوله: (النكاح أحرى بالاحتياط)، يريد أن يقول: إنه في باب الفروج لا ينبغي الفتوى بالاستحسان، بل لا بُدَّ أن يبحث عن نصّ في المقام، فإن لم يوجد وجب العمل بالاحتياط، أما أن طريق الاحتياط ما هو؟ فلم يتعرّض له الإمام، فقد يكون هو الطلاق أو غيره، وليس مقصوده أن القول بالصحّة موافق للاحتياط والقول بالفساد أقلّ احتياطاً، حتى يقع التكلف الذي ذكره الشيخ.

علاوةً عليه أن أمير المؤمنين أفتى بهذا، والنبي يقول: “أقضاكم علي”(1). فهذا استشهد به للقول بالصحّة، لا لأحوطية القول بالصحّة، فكما أنتم(2) تأخذون بقول أمير المؤمنين كذلك نأخذ به أيضاً.

بناءً عليه، فالوجه الذي ذكره الشيخ والتوجيه الذي ذكره غير تامّ.

ثُمّ إنَّ الأولوية أساساً غير صحيحة في الفقه أصلاً بعد قضيّة أبان في قطع أصابع المرأة التي قال فيها: “إنا كنّا نسمع ذلك ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله، 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() الكافي 14: 643، كتاب القضاء، باب 3، الحديث 5، و14: 693-694، كتاب القضاء، الباب 19، الحديث 13، تهذيب الأحكام 6: 220-221، كتاب القضايا والأحكام، الباب 87، الحديث 13، وسائل الشيعة 27: 19، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9، وجامع أحاديث الشيعة 30: 76، كتاب القضاء، الباب 1.

(2) يعني: العامّة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ونقول: إن الذي جاء به شيطان، فقال: إنك أخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدينإن الدية إذا وصلت إلى الثلث رجعت إلى النصف(1). إذن فالأولوية في الفقه غير صحيحة، وليس ذلك إلّا الاستحسان الذي يعملون به.

نعم، قضيّة التجريد عن الخصوصية، يرجع إلى الفهم من اللفظ.

تبقى بعض الروايات في بيع الشريك لشريكه.

في تقييم هذه الروايات الفضولي

الروايات الواردة في نكاح العبيد والإماء طائفتان:

إحداهما: ما سبق، وكان مضمونها أن نفس العبد ذهب وتزوّج دون إذن مولاه.

الطائفة الثانية: أن شريكين في عبد وأمَة، وأحد الشريكين زوّج العبد أو الأمَة دون إذن شريكه.

في الروايات السابقة، ربما يقال: إنها على تقدير تمامية جهات المطلب كالأولوية أو التجريد عن الخصوصية، أو التقريبات التي ذكرناها أو التي ذكرها الشيخ، فإنها تتمّم قسماً من الفضولي ولا تصحّحه كلّه.

ومحصّل الإشكال: أن الزوجين في باب التزويج أصيلان، وإذا تزوّجها فالمقتضي فيهما تامّ، وإنما هناك مانع وهو عدم إذن المولى، فهذه إنما تصحّح بها 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) الكافي 14: 352، كتاب الديات، باب 20، الحديث 6، مَن لا يحضره الفقيه 4: 119، كتاب الديّات، باب الجراحات والقتل بين النساء والرجال، الحديث 5239، تهذيب الأحكام 10: 184، كتاب الديات، الباب 14، الحديث 16، ووسائل الشيعة 29: 352، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

موارد وجود المقتضي مع وجود المانع أو فقد الشرط، كبيع الراهن للعين المرهونة، فإن المقتضي موجود إلّا أنَّ المانع موجود وهو الرهن، وأما في سائر أنحاء الفضولي فهو من باب فقد المقتضي.

إلا أنَّ هذا الإشكال غير وارد؛ لأن الكلام مرّة يقع في أنَّ العبد محجور فلا يمكنه التصرّف، حتى لو قلنا إنه مالك، لكنّ تصرّفه في ماله موقوف على إذن مولاه. فربما يقال: إن المقتضي موجود والمانع موجود، أو الشرط معدوم وهو إذن المولى، فيتمّ المطلب الذي قيل في الإشكال، إلّا أنَّه ليس هذا هو مورد الكلام، وإنما يتكلّم في أنَّ هذا العبد مملوك للغير، والكلام في تصرّفه في مال نفسه، بل هو قد تصرّف في نفسه وهو ملك للغير، فهو قد تصرّف في مال الغير وأوقع النكاح على ملك الغير، كما لو أوقع النكاح عليه شخص آخر، فهذا التصرّف في مال الغير أيّ فرق بينه وبين أن يوقعه شخص آخر؟ كِلاهما تصرّف في مال الغير، والتصرّف في مال الغير ليس له مقتضٍ، لا أن له مقتضياً مع عدم الشرط، فهذا الإشكال غير تامّ حتى في مورد وروده وهو الطائفة السابقة.

أما الطائفة الآتية فلا يرد عليها أصلاً؛ لأن الشريك هو الذي زوّج العبد دون إذن شريكه.

رواية عن زرارة

أبواب نكاح العبيد والإماء باب 23: محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسن بن محبوب، عن عبد العزيز العبدي -ضعيف(1)-، عن عبيد بن زرارة، عن أبي 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) راجع رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنّفي الشيعة): 244، باب العين، الرقم641، رجال ابن داود: 475، باب العين المهملة، الرقم 298، رجال العلّامة: 240، الفصل السادس عشر: في العين، الباب الخامس، الرقم 2، ومنتهى المقال 4: 136، باب العين، الرقم 1635.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

عبد الله “في عبد بين رجلين زوّجه أحدهما والآخر لا يعلم، ثُمّ إنَّه علم بعد ذلك، أله أن يفرّق بينهما؟ قال: للذي لم يعلم ولم يأذن أن يفرّق بينهما، وإن شاء تركه على نكاحه(1).

تقريب الدلالة -كما قلناه فيما سبق من الروايات-: أن الكلام هو عن التصرّف في مال الغير دون إذنه، فكما لو سأل عن بيع مال الغير من دون إذنه لا يأتي إلى الذهن خصوصية البيع، بل إيقاع المعاملة على مال الغير، فنظر السائل ليس إلى النكاح بل إلى الشركة وتصرّف الشريك في المال المشترك، ولا نريد أن نتمّم المطلب بالأولوية أو إلغاء الخصوصية، بل نقول: إن وجه السؤال هو ذلك، إذن فهذه الرواية تتمّم أصل المطلب بلا إشكال.

الرواية الأخرى في باب 68: محمد بن الحسن، عن محمد بن أحمد العلوي، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر: قال: “سألته عن مملوكة بين رجلين، زوّجها أحدهما والآخر غايب، هل يجوز النكاح؟ قال: إذا كره الغايب لم يجز النكاح(2).

ــــــــــ[82]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 455، كتاب النكاح، باب أحكام المماليك والإماء، الحديث 4573، تهذيب الأحكام 8: 207، كتاب النكاح، الباب 9، الحديث 38، ووسائل الشيعة 21: 116، الباب 25 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة 21: 190، الباب 70 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ورواه الحميري في (قرب الإسناد)(1) عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، ورواه علي بن جعفر في كتابه(2).

يأتي إلى النظر أن الغَيبة لا دخل لها، وأنه تصرّف في مال الغائب، بل باعتبار أنه غير مطّلع على المعاملة، كما قال هناك: (لا يعلم)، فإنما سأل عن الغائب باعتبار أن الغائب لا يعلم.

قوله “إذا كره الغائب” فيه احتمالات –بقطع النظر عن التقريب الذي قلناه-:

أحدها: أنه كره حين إيقاع العقد. 

ثانيها: واحتمال أنه إذا اطّلع على المطلب وكره لا ينعقد، ويحتاج في الانعقاد إلى رضاه. 

والاحتمال الأوّل غير مناسب مع كونه غائباً، وإنما المقصود أنه إذا علم بعد ذلك فله أن يرضى وله أن يفسخ. ولو كان المقصود هو الأوّل، وكان معناه: أنه إذا إذن بعد ذلك لا يفيد، لكان دليلاً على عدم الفائدة من الرضا بعد الكراهة، فيبطل قسم من الفضولي.

الاحتمال الآخر: أنه غائب ولا يعلم بالمطلب، لا أنه يعلم ويكره، بقرينة السؤال عن الغائب يُفهم منه أنه لا يعلم، فتعود الكراهة إلى حال ما بعد الاطّلاع، ولا يمكن أن يستفاد من كونه غائباً أنه كاره، فإذا كان ذلك لا يمكن 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 250، باب ما يجوز في النكاح، الحديث 991.

(2) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 124، قسم المسائل، الحديث 87.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أن يجيب الإمام أنه “إذا كره“، فالمقصود أنه إذا اطّلع وكره لا ينفذ، وأما إذا رضى نفذ.

ولا يمكن أن يقال: إنه في مقابل الكراهة عدم الكراهة، بحيث لو لم يتوفّر الرضا أيضاً يكون العقد نافذاً. 

إلّا أنَّ هنا تحليل عقلي لا يفهمه العرف، فإنه يرى في مقابل الكراهة الرضا، ولا يطلق ذلك على حين الغفلة، وبما أنه عبّر بالكراهة وظاهرها الكراهة القلبية، فيستفاد في مقابلها أن الرضا القلبي وحده كافٍ في إجازة الفضولي، وإذا كان المراد إظهار الكراهة ربما يكون في مقابله إظهار الرضا به، فيعتبر ذلك في الفضولي، فليس النظر إلى النكاح بل إلى حال الشريكين والتصرّف في مال الغير.

روايات نكاح الصغير 

قسم من الروايات الراجعة إلى نكاح الأولياء للصغير، منها صحيحة أبي عبيدة الحذاء، في أبواب ميراث الأزواج باب11: محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعاً عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، قال: “سألت أبا جعفر عن غلام وجارية زوّجهما وليّان لهما وهما غير مدركين؟ قال: فقال: النكاح جائز أيّهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا. قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال:

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يجوز ذلك عليه إن هو رضي. قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية، ورضي النكاح ثُمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثُمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر. قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت، أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لأن لها الخيار إذا أدركت. قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية(1).

أما قوله (زوجهما وليّان لهما) لولا القرائن لقلنا إنه الوليّ الشرعي كالأب والجدّ، ولكنّ قرينتين تدلّان على أنَّ المراد به الولي العرفي الذي قد يشرف على مصالح الولد، كالأمّ والأخ والعمّ ونحوه ممن يكون كبير الأسرة، إحدى القرينتين الحكم الذي قال الإمام: “النكاح جائز أيهما أدرك كان له الخيار”. ثانيتهما: قوله في آخر الرواية: “فإن كان أبوها هو الذي زوجها”. يُعلم منه أنه لم يكن أباً، وكونه جدّاً أو وصيّاً خلاف الفهم. فيستفاد منه أنه وليّ عرفي، ولو كان وليّاً شرعياً، نفهم من قوله: “كان له الخيار” نفهم أن هذا المورد كان مما فيه مفسدة أو عدم المصلحة، لو قلنا باشتراط المصلحة في تصرّفات الولي، بحيث كان بنحو الفضولي، ولم يكن صحيحاً فعلياً.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 772، كتاب النكاح، الباب 64، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، ووسائل الشيعة 26: 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

“النكاح جائز أيهما أدرك كان له الخيار” فيه احتمالان:

أحدهما: أنه صحيح فعليّ، لكن فيه الخيار، من قبيل خيار البيع.

ثانيهما: أنه فضولي، ولهما الخيار بمعنى تسلّطهما على فسخه وإجازته، لا الخيار الاصطلاحي.

والاحتمال الأول غير صحيح؛ لأنه قال في الرواية ما مضمونه: (إنه إذا أدرك أحدهما ثُمّ مات، يُنتظر بالآخر إلى أن يدرك، فيجيز ويحلف)، فيستفاد أنه نكاح فضولي جائز، بمعنى أنه ذو وجهين إن شاء أجاز وإن شاء ردّ، مع أنه لو كان صحيحاً فعليّاً خياريّاً لم يكن معنى لمنعهما من الميراث والمهر، وكونه حكماً تعبّديّاً كالتلف قبل القبض في البيع، احتماله احتمال مدرسي لا يرد إلى ذهن الإنسان ولا يفهمه العرف.

ثُمّ يقول ما مضمونه(1): (فإن ماتا قبل أن يدركا، فلا ميراث بينهما، ولا مهر) ولو كان العقد صحيحاً فعليّاً لكان لهما ميراث ومهر، إلّا أن يحمل على التعبّد وهو غير صحيح.

وليس المراد من قوله: “أيّهما أدرك كان له الخيار” أن العقد صحيح بالنسبة إليه، فاسد بالنسبة إلى الآخر، فإن هذا مما لا يقرّه العقل، ولا بالنسبة إلى ترتيب الأحكام بحيث تترتّب على أحدهما دون الآخر، فإن هذا خلاف الرواية، فإن ترتيب الأحكام غير موقوف على إجازة الآخر، بل المقصود أن من أدرك وأنفذ 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

() هذه المعاني كلّها من استفادات السيد، وإن كان بعضها لا يكاد ينطبق على عبارة الرواية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

العقد، لا يستطيع أن يفسخ بعد ذلك، كما في الأصيل مع الفضولي، فإن الأصيل لا يستطيع أن يفسخ، وإن لم يكن البيع صحيحاً فعليّاً، فهنا لا بُدَّ أن ننتظر إلى ما يقوله الآخر بعد بلوغه، فإذا أنفذه صحّ وإلّا بطل.

وهنا أيضاً السؤال ليس عن التزويج، بل من حيث إنَّ شخصاً عمل ما لا حقّ له في عمله وتصرّف ما ليس له أن يتصرّف، ولذا يسأله الراوي: (فإن كان أبوها هو الذي زوجها) فيجيب: (أنه نافذ).

إذن فالمطلب مستفاد تماماً من هذه الروايات.

*****

الروايات التي ذكرناها لم نوفِ حقّها(1).

[في المراد من الولي في الرواية] 

(زوجهما وليان لهما) الولي فيه ثلاثة احتمالات:

أحدها: أن يكون المراد الوليّين الشرعيّين أعمّ من الأب والجدّ ووصيهما عند فقدانهما، وليس المراد به الحاكم أو الإمام، فيكون المراد مطلق الولي الشرعي، لكن حيث إنَّه يقول: (فإن كان أبوها هو الذي زوّجها)، نعرف أن مطلق الولي الشرعي له حكم والأب له حكم آخر، بحيث لو وقع النكاح من الأب كان لازماً، وإذا زوّجها غيره كالجد والوصي كان لهما الخيار.

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() ثُمّ تـلا السيد  نصوصاً من رواية أبي عبـيدة الحذاء، التي ذكرها أمس كمـا يلي: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهناك رواية لبريد(1) أو يزيد الكنّاسي يقول: (إذا زوّجها والدها لها الخيار)(2). وفي الذيل ينقل عن شيخ الطائفة أن الولي عبارة عن الجدّ، وأما الأب فلا خيار فيه إجماعاً(3)، فيُعلم أنه في غير الأب محلّ خلاف وكلام.

الاحتمال الآخر: أن يكون المراد به مطلق الأولياء، العرفي والشرعي، وأن تصرّف جميعهم موقوف على الإجازة، ما عدا الأب الذي استثناه في ذيل الرواية.

الاحتمال الثالث: أن المراد به الأولياء العرفيّون دون الشرعيين، وأن تصرّف هؤلاء موقوف على الإجازة، كالأخ والجدّ للأم والعمّ، ونحوه من الأقرباء القريبين، وزرارة(4) حين قال: (زوّجهما وليّان لهما) قصد ذلك، وكان في كلامه قرينة عليها فهمها الإمام وأجاب على مقتضاها، فالولي العرفي فيه خيار، وأما الولي الشرعي كالأب والجدّ فتصرّفه نافذ.

ويؤيد هذا الاحتمال: بأن الاحتمال الأوّل وهو إرادة الولي الشرعي بعيد، 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() اُنظر: ج3، ص89. (المقرِّر).

(2) الاستبصار 3: 237، كتاب النكاح، الباب 145، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 382، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 20، ووسائل الشيعة 20: 278، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9، نص الرواية عن بريد الكنّاسي، عن مولانا الباقر قال: “فإن زوّجها (أي: الأب) قبل بلوغ التسع سنين، كان الخيار لها“.

(3) اُنظر: تهذيب الأحكام 7: 384، كتاب النكاح، الباب 32، ذيل الحديث 20.

(4) هو أبو عبيدة لا زرارة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فإن أوّل من يخطر بالبال من الولي الشرعي هو الأب، فإنه أوضح ممن سواه، وإن كان في الروايات أن تصرّف الجدّ مقدّم عليه، إلّا أنَّ الجدّ يتّصل بالطفل بالواسطة بخلاف الأب، فقصد الأب من الولي الشرعي بلا شبهة، بحيث لا يبقى مجال بعده للسؤال عن الأب، فكيف بقيت في ذهن الراوي شبهة سأل بمقتضاها عن الأب؟ فيدلّ ذلك على أنَّ المراد من الولي ليس هو الولي الشرعي، مضافاً إلى أنَّه لو كان المقصود به ذلك لكان الإمام قد أعطى عليه حكماً عاماً واستثنى الأب جِداً، وهذا بعيد.

إذن يأتي إلى النظر أن المقصود هم الأولياء العرفيّون، وعَرَف الإمام ذلك بقرينةٍ، وذلك بقرينة الحكم والذيل.

وفي الروايات يعبّر عمّن كان في حجره بالولي عرفاً، فالمقصود أن الولي العرفي يحتاج إلى الإجازة، والولي الشرعي لا يحتاج إلى الإجازة.

قال: “النكاح جائز” هل معناه أنه صحيح فعليّ لكنّه فيه الخيار، أو بمعنى كونه فضولياً، وكونه (جائزاً) بمعنى أن له خيار فسخه وإجازته؟ والثاني هو الأولى، وقرينته قوله: “فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما“، إذ لو كان صحيحاً شرعاً ومات أحدهما أو كِلاهما ثبت الميراث لا محالة، وأما كونه حكماً تعبّدياً حاله حال الحكم بكون تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه، أو تلفه في زمان الخيار ممن لا خيار له. فهذا بعيد عن الذهن وخلاف فهم العقلاء.

إذن فالمراد كونه عقداً فضولياً، فهو صحيح لكن ليس له أثر فعليّ، وإنما أثره متوقّف على الإجازة.

ــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يجوز ذلك عليه إن هو رضي” هل بمعنى أن العقد تحقّق من طرف واحد، بحيث إنَّه زوج، إلّا أنَّها ليست زوجة؟ فهذا غير معقول، أو نقول: إنه بمعنى أن آثار العقد الصحيح تترتّب في هذا الطرف دون الآخر، فهذا خلاف حكم الإمام بأنها تحلف وتأخذ الإرث، إذ لو كان صحيحاً لأخذت إرثه ولو مع الردّ، فالمراد من ذلك هو: أن المطلب تمّ من هذا الطرف، والعقد وإن لم يكن تامّاً لكنّه بعد أن أدرك ورضي بالعقد يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1).

والشاهد على أنَّ المراد هو ذلك قوله بعد ذلك: “فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية… أترثه؟ قال: نعم(2) فإن العقد إذا كان صحيحاً لورثت من دون حلف، وكذلك إن كنّا نتعبّد بترتّب الآثار، مع أنه لم يحكم بالإرث مطلقاً، بل على تقدير القسم.

فيكون المقصود من قوله: “يجوز ذلك عليه” أن العقد ليس له أن يردّه بعد الإجازة؛ لأنه أصبح أصيلاً، والأصيل ليس له التفصّي والخروج عن العقد، إلّا إذا أدرك الآخر ورفض العقد فإنه ينفسخ.

ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر“؛ لأنه لم يدخل.

“أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا؛ لأن لها الخيار“؛ لأن المعاملة غير تامّة، وما لم تتمّ لا معنى للإرث، والمفروض أن الزوجة ماتت، وأصبحت غير قابلة للإجازة.

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() المائدة: 1.

(2) وتحلف ثُمّ يدفع إليها الميراث. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ويجوز على الغلام” ومنه يُعلم أن الغلام زوّجه أبوه أيضاً، فعُلِم أن الرواية تدلّ على أنَّ النكاح الفضولي، قابل لتعقّب الإجازة، والشبهة التي كانت واردة على الروايات الأولى غير واردة هنا؛ لأنهما هنا ليسا أصيلين فإن العاقد هو الولي.

الرواية الأخرى: رواية عبّاد بن كثير، وهو ضعيف(1)، عن أبي عبد الله، عن يتيمة في حجره وفيها: (قال(2): ترثه إن مات ولا يرثها؛ لأن لها الخيار، ولا خيار عليها)(3)، ويُفهم من كونها في حجره أنه ولي عرفي، وإطلاق (ترثه) لا بُدَّ وأن يخصّص بما إذا أقسمت على أنَّها إنما أخذت الميراث رضاءً بالنكاح، كما ورد في صحيحة أبي عبيدة.

الرواية الأخرى: صحيحة الحلبي التي يستفاد منها أمور: منها صحّة الإجازة في الإيقاعات، وسوف نقرأها.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() اُنظر: رجال الشيخ الطوسي: 244، باب العين، الرقم 3368، رجال ابن داود: 465، باب العين، الرقم 247، منتهى المقال 4: 61، باب العين، الرقم1527، ومعجم رجال الحديث 10: 235-236، باب العين، الرقم6151.

(2) نصّها: “سألته عن رجلٍ زوّج ابناً له مدركاً من يتيمةٍ في حجره؟ قال: ترثه إن مات ولا يرثها؛ لأن لها الخيار ولاخيار عليها“. (المقرِّر).

(3) الكافي 13: 656، كتاب المواريث، الباب 32، الحديث 2، تهذيب الأحكام 9: 383، كتاب الفرائض والمواريث، الباب 42، الحديث 3، وسائل الشيعة 26: 220، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [استنتاج واستدراك]

قلنا في أوائل البحث: إنه إذا كانت العقود الفضولية موافقة للقاعدة، فنفس البيان يأتي في الإيقاعات، مثلاً نقول في العقود: إن السبب فيها موجود ويحتاج إلى متمّم، ويكون كِلا الجزأين موضوعاً لحكم العقلاء، والسببيّة في المعاملات ليست سببيّة حقيقية بل هي جعل لاعتبار العقلاء على أثر شيء، وليس أن عقد البيع مؤثّر في أنفس الآخرين لكي يعتبروا من دون أن يكون لاعتبارهم مبادئه الخاصّة، هذا غير معقول، فإن الاعتبار كأحد الأفعال الاختياري لا يصدر إلّا عن مبادئه.

فالقضية ليست قضية تأثير وتأثّر، بل إيجاد موضوع لاعتبار العقلاء، والشارع اعتبر شروطاً زائدة على العقلاء، فنحن نتعبّد بها أيضاً، فالمعنى المنشأ الذي يعتبر العقلاء بقاءه هو المعنى المنشأ دون الألفاظ المتصرّمة.

أو نقول: إنه ليس لا بُدَّ من بقاء شيء، بل نفس الألفاظ الصادرة من المتعاملين التي يحصل بها الإنشاء، مع متمّم السبب يكونان معاً موضوعاً لاعتبار العقلاء، وليس لازماً أن يكون الموضوع أمراً ثابتاً.

إذا قيل هذا في العقود، يقال في الإيقاعات: إن اعتبار التحرير في العتق، والفرقة في الطلاق عند العقلاء على الإجازة، والجزءان وإن لم يقترنا لكنّهما معاً موضوع لاعتبارهم.

وقد قلنا هناك: إن الإنشاء ليس لقلقة لسان، بل إنشاء جدّي وإن كان لا يترتب عليه الأثر إلّا بقبول المشتري، وليس معناه أن الإنشاء بمجرّد وجوده 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يترتّب عليه الأثر، بل يحصل بالإنشاء منشأ اعتباري عند العقلاء، فإذا لحقه القبول يكون موضوعاً للاعتبار عند العقلاء، فإذا قلنا ببقاء المنشأ الاعتباري عند العقلاء في العقود، فهنا أيضاً يؤخذ المعنى الإنشائي، فإذا أنشأ التحرير يوجد منشأ اعتباري عند العقلاء، لكن لا يترتّب عليه الأثر إلّا بالإجازة فإذا أجاز يترتّب الأثر.

وفي رواياتنا وقع الفضولي في العقود وفي الإيقاعات، أما في العقود فما سبق أن قرأناه، وأما في الإيقاعات فما نذكره الآن:

رواية في ميراث الأزواج 

في كتاب ميراث الأزواج باب 11، رواية4: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال: “قلت لأبي عبد الله: الغلام له عشر سنين فيزوّجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما تزويجه فهو صحيح. وأما طلاقه فينبغي أن يحبس عليه امرأته حتى يدرك، فيعلم أنه كان قد طلّق، فإن أقرّ بذلك وأمضاه، فهي واحدة بائنة، وهو خاطب من الخطّاب، وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهي امرأته. قلت: فإن ماتت أو مات؟ قال: يُوقَف الميراث حتى يدرك أيّهما بقي ثُمّ يحلف بالله ما دعاه إلى أخذ الميراث إلّا الرضا بالنكاح، ويُدفع إليه الميراث(1).

ــــــــــ[93]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 4: 310، كتاب الفرائض والمواريث، باب ميراث الصبيّين، الحديث 5665، الوافي 23: 1103، كتاب النكاح والطلاق، أبواب الطلاق، باب طلاق الصبي والمعتوه والسكران، الحديث 6، ووسائل الشيعة 26: 220-221، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 (أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟): فيه احتمالان، أحدهما أقوى:

أحدهما: أن نظره إلى أنَّ طفل العشر سنين ليس بالغاً فزوّجه أبوه وطلّق عنه، فهل يقع الطلاق عنه مع أنه صغير؟

ثانيهما: إن الطفل البالغ عشر سنين فيه كلام، أن طلاقه صحيح أو لا؟ والصحّة هي مورد فتوى الكثيرين، فالأب قد عقد، ونفس الولد طلّق، فهل يقع الطلاق صحيحاً؟ والاحتمال الثاني أقوى.

فإذا كان الأب قد زوّج وطلّق، فيكون الأب له الولاية على التزويج فيقع صحيحاً، وأما في باب الطلاق كما في الروايات، ومنها الرواية الثالثة في هذا الباب فهو غير نافذ من الأب، فينظر إلى أن يكبر فيجيز أو يرفض، فهذا طلاق فضولي أوقعه من لا ولاية له على إيقاعه، فيستفاد من الرواية صحّة الفضولي بالإجازة.

وما أفاده الشيخ(1) في العقود من أنَّ عقد النكاح إذا صحّ فضولةً يكون غيره أولى بالصحّة، فإن الشارع له اهتمام خاصّ بالنكاح فإن كان صحيحاً فضولياً فغيره أولى، ونحن لم نجد هناك هذا الاهتمام من الشارع.

ولكن في الطلاق يمكن أن يقال: إن الشارع تشدّد في لفظ الطلاق كثيراً وحدّده بلفظ (طالق)، فلا ينفذ بنحو قوله: (أنت خليّة) و(أنت بريّة) و(اعتدّي)(2)، بخلاف باب النكاح الذي يقع بكلّ لفظ فيه دلالة عرفية على 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) راجع المكاسب 3: 357، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأولى.

(2) الكافي 6: 136، كتاب الطلاق، باب الخلية والبريئة، الحديث 3، تهذيب الأحكام 8: 40، كتاب الطلاق، باب 3، الأحاديث 41 و42 و43، ووسائل الشيعة 22: 37، الباب 15: عدم وقوع الطلاق بالكناية كقوله: (أنت خليّة).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

المقصود، فيمكن أن يقال: إننا نعرف من الطلاق حكم سائر الموارد، بتقريب الشيخ، وهو أننا حيث وجدنا أن الشارع أهتمّ بالطلاق واعتبر له خصوصية خاصّة، ومع ذلك يصحّ فضولةً، فيُعلم أن غيره صحيح أيضاً.

مضافاً إلى المطالب التي قلناها نحن هناك، وهو أنه حين يقول: (عبد تزوّج من دون إذن مولاه)، فالنظر كلّه منصبّ على أنه عمل عملاً بلا إذن مولاه، وليس النظر إلى النكاح ونحوه، فيمكن أن يقال هنا -بناء على أن يكون المطلّق هو الأب-: إن لحن السؤال عن خصوصية صغر الولد وإن عمره عشر سنين، وقد عمل الأب عنه عملاً، وليس النظر لخصوصية الطلاق، هذا إذا كان الأب هو المطلّق.

وأما إذا رجع الضمير إلى الولد (وأما طلاقه) يعني الطلاق الذي أوقعه الولد في حال صغره، “فينبغي أن يحبس عليه امرأته حتى يدرك فيعلم أنه كان قد طلق…” فيستفاد من ذلك أن العقد لم يصحّ فعلاً، لعدم اجتماع شرائط الصحّة في المطلّق، فهذا ليس من الفضولية بذلك المعنى -وهو أن يطلّق عنه غيره-، لكن بعد ذلك إن التحق إمضاؤه بطلاق نفسه يكون نافذاً، فنستطيع أن نفهم منه ما قلناه من أنَّ باب الطلاق والتحرير ونحوها من الإيقاعات، قابلة لتعقّب الإجازة كالعقود، فالطلاق والنكاح من باب واحد يمكن تتميمهما وصحّتهما بالإجازة، إذن يأتي إلى النظر عدم الفرق في ذلك بين الإنشاء الإيقاعي وغير الإيقاعي.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نعم، إذا توخّينا في الإجازة أنها تسند العقد إلى الشخص، فهنا يقال: إن الاستناد هنا ذاتي، فالإجازة ليس لها هذه القابلية، لكن قلنا: إن (الاستناد) ليس صحيحاً، وإنّما الإجازة إجازة لعمل الغير لا أنه بها يصبح العقد عقدي، فالباب باب وقوع المعاملة عن الغير أو في مال الغير أو في حال الصبا -الذي يكون فيه الشخص كالأجنبي- ويتمّ بالإجازة، فيستفاد منه المطلب.

رواية يريد الكناسي

في أبواب عقد الأولياء باب 6 رواية9، وهي رواية مغشوشة مختلطة، ونحن نريد الاستشهاد بذيلها: وعنه يعني: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزّاز، عن يزيد أو بريد الكناسي، قال: “قلت لأبي جعفر: متى يجوز للأب أن يزوّج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جاوزت تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين. قلت: فإن زوّجها أبوها ولم تبلغ تسع سنين، فبلغها ذلك فسكتت ولم تأبَّ ذلك، أيجوز عليها؟ قال: ليس يجوز عليها رضاً في نفسها، ولا يجوز لها تأبٍّ ولا سخطٌ في نفسها حتى تستكمل التسع سنين، وإذا بلغت تسع سنين جاز لها القول في نفسها بالرضا والتأبّي، وجاز عليها بعد ذلك، وإن لم تكن أدركت مدرك النساء. قلت: أفتقام عليها الحدود وتؤخذ بها وهي في تلك الحال، وإنما لها تسع سنين ولم تدرك مدرك النساء في الحيض؟ قال: نعم، إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وأُقيمت الحدود التامّة عليها ولها. قلت: فالغلام يجري مجرى الجارية؟ 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فقال: يا أبا خالد إن الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك، كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة، أو يُشعر في وجهه، أو ينبت في عانته قبل ذلك. قلت: فإن أدخلت عليه امرأته قبل أن يدرك، فمكث معها ما شاء الله ثُمّ أدرك بعد فكرهها وتأبّاها. قال: إذا كان أبوه الذي زوّجه ودخل بها ولذّ منها وأقام معها سنة، فلا خيار له إذا أدرك، ولا ينبغي أن يرد ّعلى أبيه ما صنع ولا يحلّ له ذلك. قلت: فإن زوّجه أبوه ودخل بها وهو غير مدرك، أتقام عليه الحدود وهو في تلك الحال؟ قال: أما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجل فلا، ولكن يُجلَد في الحدود كلّها على قدر مبلغ سنه، يؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة، ولا تبطل حدود الله في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم.

قلت له: جُعلت فداك، فإن طلّقها في تلك الحال، ولم يكن قد أدرك أيجوز طلاقه؟ فقال: إن كان قد مسّها في الفرج فإن طلاقها جائز عليها وعليه، وإن لم يمسّها في الفرج ولم يلذّ منها ولم تلذّ منه، فإنها تُعزل عنه، وتصير إلى أهلها، فلا يراها ولا تقربه حتى يدرك، فيُسأل ويُقال له: إنك كنت قد طلقت امرأتك فلانة، فإن أقرّ بذلك وأجاز الطلاق كانت تطليقةً بائنة، وكان خاطباً من الخطّاب(1).

قال الشيخ: الوجه فيه أن نحمله على أنَّ المراد بذكر الأب الجدّ مع عدم 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) الاستبصار 3: 237، كتاب النكاح، الباب 145، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 382، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 20، ووسائل الشيعة 20: 278، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الأب، فإنه إذا كان كذلك كان الخيار لها إذا بلغت، فأما الأب الأدنى فليس لها معه خيار بحال بلا خلاف(1)، وقد جوّز هذا التأويل في الخبر الذي قبله أيضاً(2).

 (قال: إذا جازت تسع سنين) وهذه من جملة الروايات والفتاوى المغشوشة المتضاربة بأن الفتاة إذا بلغت، فهل يكون أمرها بيدها أو بيد والدها أو بيدهما معاً.

(فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين) فهنا فرق بين ما إذا كانت قد بلغت التسع فهو محتاج إلى الإجازة، وأما قبله فعقد الأب غير نافذ، ويحتاج إلى إجازة الصبي قبل بلوغه. وهذا أحد وجوه الاغتشاش في الرواية، فإن هذا الحكم بعيد عن النظر جداً، وهي مخالفة للرواية والإجماع الذي ينقله الشيخ من أنَّ عقد الأب نافذ مع عدم المفسدة، فلذا حمل الرواية على أنَّه إذا كان جدّها قد عقدها، مع أنه غير صحيح؛ فإن تصرّف الجد أيضاً نافذ، مضافاً إلى أنَّنا لا يمكن أن نقول: إن المقصود بما بعد التسع الأب وما قبلها الجد.

ولا يجوز لها تأبٍّ ولا سخطٌ في نفسها حتى تستكمل تسع سنين” فهي كالأجنبية عن نفسها.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() أُنظر: تهذيب الأحكام 7: 384، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 20.

(2) أقول: وتقدّم ما يدلّ على ذلك، ويأتي ما يدلّ عليه.

وقوله: (ولا يستأمرها) محمولٌ على أنَّه يكفي سكوتها، ولا تكلّف التصريح بالأمر والرضا. وخيار الغلام إذا أدرك يحتمل الحمل على أنَّ له الطلاق والإمساك، وجواز الطلاق إذا مسّها محمولٌ على ما إذا أنزل المنيّ، وإجازة الطلاق بعد الإدراك محمولةٌ على التلفّظ بالصيغة، ويحتمل الحمل على ابن عشر سنين؛ لِما يأتي. والله أعلم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثُمّ قال: “فالغلام يجري مجرى الجارية؟ فقال: يا أبا خالد..“.

وهذا مخالف للروايات القائلة بأن الغلام ليس له حقّ الفسخ، والشيخ(1) حمله على الجدّ، مع أنه عقد لازم أيضاً كالأب، وصاحب (الوسائل) (2) حمله على اختيار الطلاق والإمساك وهو بعيد.

ولذّ منها وأقام معها سنة” هذا من الاغتشاش في الرواية، أيُّ دخلٍ للسنة واللذّة؟ هذا كلّه خارج عن محلّ الكلام.

وما هو مربوط بمسألتنا قوله: (جُعلت فداك فإن طلقها في تلك الحال…) إلى آخر الرواية.

إن كان قد مسّها في الفرج فإن طلاقها جائز” لعلّ هذا تفصيل بين البلوغ وغيره، وإن لم يصل إلى خمس عشرة، ولكنّه يقدر على ما يقدر عليه الرجال، فهذه الرواية(3)، واغتشاش الأوّل لا يوجب سقوط الذيل، فإنه قابل للتأويل، يستفاد منها أن الطلاق مع لحوق الإجازة يقع صحيحاً، ولا فرق بين الطلاق وغيره، في صحّته بلحوق الإجازة.

ويلحق بذلك الروايات(4) الواردة في طلاق السكران، إذا أمضاه بعد أن يصحو.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() أُنظر: تهذيب الأحكام 7: 384، كتاب النكاح، الباب 32، ذيل الحديث 20.

(2) أُنظر: وسائل الشيعة 20: 279، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، ذيل الحديث 9.

(3) ثُمّ أكمل السيد قراءة الرواية إلى آخرها، وقال: (المقرِّر).

(4) أُنظر: الروايات الواردة في باب اشتراط صحّة الطلاق بكمال العقل وباب بطلان طلاق السكران من أبواب كتاب الطلاق في وسائل الشيعة 22: 81 و85.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

رواية المضاربة

وأما الروايات الواردة في باب المضاربة: وهي عدّة روايات، أحسنها صحيحة جميل، نرى فيها أنه هل يمكن مطابقتها للقاعدة أو لا؟ بل لا بُدَّ أنها تعبُّدٌ مخالفٌ للفضولي.

استشهد الشيخ(1) واستأنس أيضاً بالروايات في باب المضاربة، والمحشّون(2) قد تكلّموا كثيراً حولها؛ لكي يجعلوها مطابقة للقواعد، فلا بُدَّ أن نرى أنها هل تكون مطابقة للقاعدة، وهل يمكن الاستشهاد بها للفضولي، أو غير مربوطة به؟

الأخبار الواردة في أوّل كتاب المضاربة على ثلاث طوائف: 

إحداها: الروايات التي يستفاد منها أن شخصاً أعطى مالاً للمضاربة، وشرط عليه عدم نقله إلى البحر أو الوادي المحتمل للسيل، أو أن لا يخرجها من هذا المكان، فهذه طائفة تعود إلى الشرط الخارجي.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 358، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى، ما ورد في المضاربة.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 217، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، من أدلّة صحّة الفضولي روايات في مقامات خاصّة، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 93، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الاستدلال بأخبار المضاربة، مقابس الأنوار: 126، البيع، كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 312، الفصل السادس في اشتراط كون المتعاملين مالكين، المبحث السادس: في الأحاديث المستدلّ بها على صحّة بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثانيتها: روايات لها إطلاق، في أنَّه إذا عمل على خلاف أمره يضمن، بحيث ربما يقال: إنه يشمل إطلاقها الأمر الخارج عن باب المضاربة أو يختصّ بها.

ثالثتها: وطائفة ظاهرة في الاختلاف بين أفراد المضاربة، كرواية جميل التي ينقلها الشيخ، فهنا ثلاث كلمات:

الطائفة الأولى: أن تجعلها موافقة للقواعد، وبعضهم كالنائيني(1) صحّحها بنحو الترتّب، ولم يأتوا بشيء يُركَن إليه في المقام.

الباب الأول، الرواية الأولى: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحكم -هو الكوفي الثقة-، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما قال: “سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة ويُنهَى أن يخرج به فخرج؟ قال: يضمن المال والربح بينهما(2).

الرواية الثانية: وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد عن الحلبي، عن أبي عبد الله: أنه “قال: في الرجل يعطي المال فيقول له: ائت أرض كذا وكذا، ولا تجاوزها واشترِ منها. قال: فإن جاوزها وهلك المال 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) أُنظر: منيّة الطالب 1: 219، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) الكافي 10: 305، كتاب المعيشة، الباب 112، الحديث 2، الوافي 18: 880، كتاب المعايش والمكاسب، الباب 144، الحديث 2، ووسائل الشيعة 19: 15، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهو ضامن، وإن اشترى متاعاً فوضع فيه فهو عليه، وإن ربح فهو بينهما (1).

فهنا كلام(2) هو: أنه في أيّ مكان منها مخالف للقواعد؟ فإنه إذا انحلّت المضاربة إلى عقد وإلى شرط خارجي، فبطلان الشرط الخارجي لا يسبب بطلان أصل المضاربة، فإن عدم نزول الوادي وعدم الإخراج، ونحوه من الشروط الخارجية التي لا ربط لها بمضمون أصل المضاربة، وليست قيداً فيها، فلو تخلّف العامل تتبدّل يده الأمانية إلى يد الضمان، ويكون ضمانه على القاعدة إذا تلف، وأما إذا حصل ربح فيأخذ حصّته من الربح، فهنا في نفس الوقت الذي تكون فيه المضاربة صحيحة يكون ضامناً عند وجود الخسارة والوضيعة.

فهذه الروايات موافقة للقاعدة، ولا يستفاد منها إجازة الفضولي، فما يقوله الشيخ(3)  من أنَّه يستفاد من رواية جميل(3) وغيرها، غيرها ليس كذلك.

هذا في التلف بلا إشكال، وأما بالنسبة إلى تغيّر القيمة، كما لو نهاه عن 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() الكافي 10: 304، كتاب المعيشة، الباب 112، الحديث 1، الوافي 18: 880، كتاب المعيشة والمكاسب، أبواب أحكام الديون، الباب 144، المضاربة، الحديث 1، ووسائل الشيعة 19: 16، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 2. 

(2) أقول: أشار السيد أن الرواية الخامسة والسادسة والعاشرة والثانية عشر من هذا الباب، أيضاً من هذه الطائفة وبهذا المضمون. (المقرِّر). 

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 358، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

(4) تهذيب الأحكام 7: 193، كتاب التجارات، الباب 18، باب الشركة والمضاربة، الحديث 39، ووسائل الشيعة 19: كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 9.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

البيع في بلد فذهب إليه فنقصت قيمته، فهذا بحسب القاعدة تخلّف الشرط، ومعه يكون ضامناً، ويمكن أن يقال: أنه عند العقلاء أيضاً كذلك، إذا شرط عليه عدم الذهاب إلى مكان معين، فذهب إليه وحصل له نقيصة، فإنه يضمنها ويجب عليه أن يغرمها، فإن هذا يكون من باب الإفراط، نظير ما إذا أمنتك شيئاً واشترطت عليك عدم إخراجه من الغرفة، فأخرجته وتلفت ولو تلفاً سماوياً فإنك تضمنها.

إذن فهذه الروايات على القاعدة، وأجنبية عن الفضولي.

هنا كلام يشير إليه السيد في الحاشية، وهو أنه إذا خالف شرطه يكون له خيار تخلّف الشرط، مع أن المضاربة عقد جائز ولا معنى للخيار فيه، وإن فسخ وكان الربح قد ظهر يكون الربح بينهما، فإن الفسخ ليس من الأوّل بل من حينه.

الطائفة الثانية: ما ورد فيها أنه (خالف أمره) فيقال: إنه أعمّ من الشرط الخارجي أو الراجع إلى أصل المعاملة، فكما لو قال له: (بع هذه الأموال) فباع غيرها، ويندرج في هذه الطائفة الرواية الثالثة والرابعة من هذا الباب: محمد بن يعقوب، عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله: في الرجل يعمل بالمال مضاربةً، قال له: “الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلّا أن يخالف عن شيء مما أمر صاحب المال(1).

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 307، كتاب المعيشة، الباب 112، الحديث 7، وسائل الشيعة 19: 16، الباب1 من أبواب المضاربة، الحديث3، والوافي 18: 882، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب أحكام الديون، الباب 144، الحديث 11.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهل هذا القيد: “إلّا أن يخالف…” راجع لكِليهما، يعني أنه إذا خالف لا ربح له ولا الوضيعة عليه، أو يعود للثاني، يعني ليس عليه من الوضيعة شيء، أو يكون المعنى: إذا خالف صاحب المال فعليه الوضيعة، وأما الربح فبينهما. فهل هي مختصّة بباب المضاربة، أو أن إطلاقها يشمل الشرط الخارجي بقرينة رواية العباس؟

وهي ما عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله، أنه قال في المال الذي يعمل به مضاربة: “له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شيء، إلّا أن يخالف أمر صاحب المال، فإن العباس كان كثير المال، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة، يشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا(1) كبد رطبة، فإن خالفت شيئاً مما أمرتك به، فأنت ضامن للمال (2).

فهذا من الشرط الخارجي، بقرينة أنه ينقله بعده قضية العباس، فنفهم أن الشرط أيضاً كان خارجياً، (ويشترط عليه شيئاً) ولو من اشتراط أن يشتري شيئاً فاشترى شيئاً آخر غيره، فلو عمل ذلك ليس أنه لم يعمل بالمضاربة، بل خالف شرطها، فيمكن أن نقول: إن هذه الروايات موافقة للقاعدة وغير مرتبطة بمحلّ الكلام.

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() كذا في نسخة (الوسائل) والسيد قرأها هكذا: (ولا يشتروا ذا رطبة…). (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 191، كتاب التجارات، الباب 18، الحديث 29، الوافي 18: 886، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب أحكام الديون، الباب 144، الحديث 25، ووسائل الشيعة 19: 17، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

تبقى الطائفة الثالثة التي يستفاد منها مخالفة أصل العقد، والشيخ(1)،  قال: رواية جميل(2) وغيرها، إلّا أنَّ غيرها غير موجود.

هي صحيحة(3)(4) على الظاهر وحسنة على ما يقول الآغايون، وقال: يستفاد منها مخالفة أصل المضاربة، ولكن إنصافاً يمكن أن يقال: إن هذه الرواية مثل تلك الروايات (في الرجل يعطي المال) إجمالاً من دون ذكر التفصيل، ثُمّ يشترط عليه ما يشترط، فيكون من الشرط الخارجي، فحيث تخلّف إما أن يكون إفراطاً أو تخرج يده على الامانية وإن لم يكن إفراطاً، ويكون ضامناً. ولكن إذا حصل ربح يكون بينهما لصحّة أصل العقد.

العمدة رواية جميل التي يذكرها الشيخ، وعنه عن معاوية بن حكيم، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله، في رجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربةً، فذهب فاشترى به غير الذي أمره، قال: “هو ضامن والربح بينهما على ما شرط(5).

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 358، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى: أن يبيع للمالك مع عدم سبق منعٍ من المالك.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) وهنا قرأ السيد الرواية الثانية التي سبقت وقال:  (المقرِّر).

(4) صححها المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 10: 288، كتاب الإجارة، المقصد السادس: في المضاربة.

(5) تهذيب الأحكام 7: 193، كتاب التجارات، الباب 18: باب الشركة والمضاربة، الحديث 39، الوافي 18: 888، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب أحكام الديون، الباب 144، المضاربة، الحديث 30، ووسائل الشيعة 19: 18، باب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 9.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الظاهر أنها صحيحة، وظاهرها أنه أعطاه مالاً بشرط أن يشتري حنطة فاشترى شيئاً آخر، فأجاب الإمام: “هو ضامن والربح بينهما على ما شرط“.

هنا الإشكال: بأن هذا ليس مضاربة، فإنه ضاربه على هذا المتاع وغيره لم يكن مورداً للمضاربة، فما هو مورد العقد لم يقع، وما وقع لم يكن مورداً له، فكيف يكون الربح بينهما؟ وكون هذا الحكم تعبّداً شرعيّاً يقع رغماً على أنف المالك، فيقع صحيحاً تعبُّداً في خصوص باب المضاربة في خصوص هذا المورد، مع أن هذا ليس مورداً للتعبد.

قولوا: إن المالك بعد أن يرى الربح، نوع الناس يرضون بالمعاملة، لكن هذا ليس أمراً كلّياً، فإنه قد يتعلّق الغرض بعدم شراء ذلك الأمر الآخر الذي اشتراه، وعلى تقدير أنه رضي بالشراء، فإنه لا يكون مضاربة، فإن المضاربة كانت في ذلك المال دون هذا المال.

إذن فالأخذ بالظاهر المخالف للقواعد لا يمكن.

فهل يمكن أن يقال: إن تمام الروايات عدا هذه الرواية راجعة إلى الشرط الخارجي، فهذه أيضاً هكذا. ونفهم من قوله: (يشتري به ضرباً من المتاع)، يعني أنه شرط عليه (فذهب فاشترى به غير الذي أمره) فكما في الطائفة الثانية كان يقال: (انه لو خالف أمره). وفي رواية العباس: (إلّا أن يخالف أمر صاحب 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

المال). وهذا الأمر زائد على أصل المضاربة، كذلك في المقام، فمن لفظ الأمر نستفيد ما يؤيّد هذا المطلب المستفاد من الروايات الأخرى.

وقوله: (هو ضامن والربح بينهما على ما شرط)، فيه احتمالان، أحدهما: أقوى ويكون مؤيّداً للمطلب:

أحدهما: أن يكون المراد أن الربح بينهما على ما شرط من الربع والنصف ونحوه.

ثانيهما: أن يكون المراد أنه ضامن على ما شرط؛ لكي يكون موافقاً للروايات السابقة، وهذا أقرب، فإن كون الربح بينهما معلوم لا حاجة إلى إعادته، وإنما المراد أنه إذا خالف أمره وشرطه الخارجي يضمن.

وهذا وإن كان خلاف الظاهر، ولكن المثل يقول: (لا يمكن أن يقع من أعلى ولا ينكسر أي موضع منه). فما دام الظاهر بعيد ولا يقبله العقل، بأنه يكون مضاربة صحيحة، مع عدم إجازة المالك؛ فلا بُدَّ أن يرتكب خلاف الظاهر ويقال: إن هذه الرواية حيث وقعت(1) في وسط روايات عديدة، فهي مثلها في المضمون، وهذا -يعني ارتكاب خلاف الظاهر- أهون من ارتكاب خلاف القاعدة.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() أخذ بعض الروايات قرينة على بعضٍ لمجرّد أن صاحب (الوسائل) جمعها بشكل معيّن، هذا أساساً خطأ لا محالة، وإن وقع به جملة من الفحول، إلّا أن يقال إنَّ وحدة السياق باعتبار وحدة الحكم الوارد فيها. وإيرادها في باب واحد إنما كان لهذه النكتة. ولكن بعد العلم أن كلّ رواية صدرت على حدة وفي أزمنة مختلفة يبقى القطع بذلك راجعاً إلى عهدة كلّ شخص مستقلّاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهذه هي روايات أبواب المضاربة، ولا يستفاد منها ما يريده الشيخ، نعم لو قلنا في رواية جميل إنه عمل مضاربة، ثُمّ رضي بها صاحبها وأصبحت صحيحة، لتمّ ما قاله الشيخ، لكن بالنحو الذي قلناه لا يكون لها ربط بمحلّ الكلام.

 [تلخيص وتحصيل]

روايات المضاربة فيها بحث من جهات أخرى:

قلنا: إن هذه الروايات على ثلاثة أقسام:

أحدها: يستفاد منها الشرط الخارجي في عقد المضاربة.

ثانيها: الدالة على أنَّه إذا خالف شرط فهو ضامن.

ثالثها: تدلّ على أنَّه إذا عقد المضاربة على جنس خاصّ واشترى غيره كان ضامناً، والربح بينهما.

ومحصّل ما قلناه: (إن الطائفتين الأوّليين محمولة على الشرط الخارجي، بقرائن تدلّ على ذلك، غاية الأمر يتكلّم عن جهة أخرى وهي أن هنا معنيين:

أحدهما: ضمان المال إذا تلف.

ثانيهما: ضمان الخسارة إذا نقص رأس المال.

والضمان تدلّ عليه الروايات مع صحّة أصل المضاربة، إلّا رواية جميل التي حملناها على خلاف ظاهرها.

فرجعوه إلى أنَّه إذا عطب أو هلك فهو ضامن، فإن لازم شرط عدم خروجه وعدم ركوبه في البحر: أنه إذا تخلّف وخرج به، تخرج يده عن الأمانية 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وتكون يد ضمان، فإذا تلف تلفاً سماوياً يكون مضموناً بحسب القواعد العقلائية.

وفي باب الخسران أيضاً، تقتضي القواعد العقلائية ذلك، فلو اشترط عليه عدم الشراء من السوق الفلاني، أو عدم إخراجه من البلد، فخالف، فقد أصبح مفرّطاً بمال الغير، فكأنّه أتلفه دون إذن صاحبه، وإن كان في الواقع لم يرد أن يتلفه، فإن الخسران نحو من النقصان والتلف في مال الغير. فبما أنه يعدّ مفرّطاً يكون عليه الضمان.

الجهة الأخرى في الروايات: أن المعاملة صحيحة والربح بينهما، وقلنا في غير رواية جميل، إنه لم يقيّد المعاملة، بل هو شرط في المعاملة، والقيد بابه باب الشرط، فلو عيّن له المضاربة في مال معيّن -كما هو ظاهر رواية جميل- فمقتضى القاعدة أن تبطل المضاربة ولا يكون الربح بينهما، أما الشرائط الخارجية إذا خالفها فلا يعني ذلك أنه خالف العقل، بل هو خالف الشرط، ولازمه الضمان لا تسلّطه على الفسخ.

فالضمان على القاعدة باعتبار خروجه عن شرط المالك، وهو موجب للضمان عقلائياً، وصحّة المضاربة أيضاً على القاعدة، فإنه فرق بين قيد المعاملة والشرط في المعاملة، فالأوّل نحو بيع الفرس العربي، فإذا بان غير عربي بطل أصل المعاملة، ولا يقع هذا مصداقاً أصلاً للبيع، والثاني يبيع الفرس بشرط كونه عربياً، فإذا وقعت له فرساً غير عربي كان له تبديله بمصداق آخر، فالروايات عدا رواية جميل تقتضي صحّة المضاربة مع ثبوت الضمان.





ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [كلام بعض الأعلام في المقام ومناقشته]

وما يقوله السيد(1) من أنَّ هذا من باب تعدّد المطلوب، قال بعض(2): إنه على نحو الترتّب، وقال أخرون(3): إنه ضمان الوضيعة، كلّها غير تامّة.

نحن نقول: حتى في رواية العباس التي ورد فيها: “يشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا كبدٍ، فإن خالفت شيئاً مما أمرتك به فأنت ضامن للمال“، هل أن قوله: (تكون ضامناً) يؤدّي إلى جعل الضمان، أو مجرّد الشرط يكفي في الضمان، الروايات كلّها على كثرتها غير قصّة العباس ليس فيها ذلك، قضيّة العباس هي قضيّة تخلّف الشرط، لا قضيّة جعل الضمان، ولو لم يجعل الضمان فالضمان الشرعي موجود، وجعل الضمان وجوده وعدمه على حدّ سواء، ولكنّه أراد أن يؤكّد ذلك بالنصّ عليه، ولو لم يؤكّد لكان ضاماً أيضاً.

بناءً عليه، تمام هذه الروايات مشتركة في أنَّه شرط خارجي، وليس قيداً في أصل المعاملة، فقط رواية جميل مشكل إصلاحها، ولا تصلح بما قالوه، 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 137، كتاب البيع، في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 93، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الأُولى، الاستدلال بأخبار المضاربة.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 217-218، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

كالشيخ(1) الذي قال: إنها لا تخرج عن حالين، إما أن لا يكون المالك قد أجاز، وقد جعلها الشارع صحيحة تعبّداً في هذا الموضوع الخاصّ، وأنه صار مضاربة رغماً لأنف صاحبه، وإما أن يكون موافقاً، فنستأنس من الرواية ما هو محلّ الكلام. 

نقول: إن كلامنا أن المعاملة التي تكون فضولة بدون إذن المالك تصحّ بالإجازة، أما تصحيح الشارع للمعاملة على مال الغير تعبّداً، فهذا أيّ ربط له بالفضولي، وأيّ استأناس واستدلال بها عليه؟

يقول(2): وأما إذا أصبح هذا المالك راضياً بالمعاملة، كما هو الحال في نوع الناس عند ظهور الربح، فتكون المعاملة صحيحة. 

نقول: لا تكون مضاربة، فإن المضاربة الفضولية عبارة عن أن يعطي الفضولي الأجنبي مال غيره لشخص على أن يكون الربح بينهما، ففي مثل ذلك إذا أجازه صحّ، وأما إذا ضاربه على مال معيّن فعمل في مال آخر، فهذا لا استأناس فيه بمحلّ الكلام، ولا ربط له به، ولا يكون مضاربة على المال الآخر، ولا يكون بيعاً أيضاً؛ لأنه في البيع لا يكون الربح بينهما. فأنت لا بُدَّ لك أولاً من أنَّ تتمّ المطلب في تصحيح كون الربح بينهما، فإذا تمّمته بالإجازة صحّ 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 359، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 359-360، البيع، الكلام في الشروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الاستأناس، ولكن رواية جميل تدلّ على كون المال الذي اشتراه مال آخر غير الذي وقع عليه العقد، فهو ليس على القواعد ليستأنس به أو يستدلّ.

أما قضيّة الترتّب، فلم أفهم أنه الترتّب الاصطلاحي، وهو عبارة عن أنه نهى عن شيء أو أمر بشيء، وقال: (إن عصيت فاعمل كذا)، وليس في رواية جميل مثل ذلك. فإنه قال: (ضارب بهذا المال)، ولم يقل: (إذا ضاربت بغيره أجزتك). 

وإذا قال(1): إن ما نهى عنه هي المعاملة الخاسرة، وأما المعاملة الرابحة فلم ينهَ عنها. كما هو الحال في تعلّق الدواعي العقلائية بالمعاملة(2).

فهذه المعاملة إذا كانت رابحة فهو مجاز، وإذا لم تكن رابحة فغير مجاز. فهذا غير موجود في رواية جميل، وليس اسمه ترتّباً أيضاً، مضافاً إلى أنَّه اشتبه بالمصداق وأجازه في طول اشتباهه، والدواعي لا تكون قيداً في المعاملة، غاية الأمر أنه بناءً على اعتقاده أن الحنطة رابحة جعل المضاربة عليها، ولم يكن الداعي قيداً فيه.

فرواية جميل، فقط هي المخالفة للقاعدة، فإن أمكن حملها على ما يوافق الروايات الأخرى ولو ببعض القرائن، وبأن جعل مثل هذا الحكم الشرعي بعيد جداً، فلا يمكن للإنسان الالتزام بها. وإذا التزم بها فلا ربط لها بمسألة الفضولي.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() يعني النائيني . (المقرِّر).

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 217-218، البيع الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

روايات الاتجار بمال اليتيم 

روايات أخرى في الاتّجار بمال اليتيم، قسم منها في كتاب الزكاة، وقسم في كتاب الوصايا، وبعضها في كتاب التجارة فلتلاحظ.

من جملة الروايات التي تكلّم عنها الشيخ(1)، وقال: إنَّه يستأنس بها، روايات الاتّجار بمال اليتيم، وفي هذه الروايات جهة من البحث في الحيثية التي يريد الشيخ أن يستأنس بها أو يستدلّ.

والجهة الأخرى، في فهم الروايات، وهو وإن كان خارجاً عن بحثنا إلّا أنَّ الروايات حيث إنَّها مشكلةُ الجميعِ ومختلطةٌ فلا بأس بالتعرّض لها.

أما الجهة الأولى: وهي: أن ما ذكره الشيخ استأناساً أو استدلالاً، إنّما هو في صورة ما إذا دلّت الروايات على أنَّ المعاملة وقعت من قبل الأجنبي، ثُمّ أجاز ولي الأمر، فيستفاد من صحّة العقد في هذا الباب، وبالتجريد عن الخصوصية يعمّم إلى سائر الأبواب، وأما عمل الأجنبي المعاملة من دون إجازة المالك، فقد قال الشيخ: إنه يستأنس منه، وقد قلنا إنه أجنبي عن الفضولي، بل هو تعبّد شرعي، والشيخ نقل عن غيره وتأمّل فيها بأنه إجازة إلهية لليتيم، وهو أمر غير صحيح غايته أن الحكم الشرعي تعلّق بصحّة المعاملة من الأوّل، لا أنه الله تعالى اطّلع على المعاملة بعد وقوعها فأجازها.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 360، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهذه الروايات بعضها في وجوب الزكاة في مال اليتيم إذا اتّجر به، وبعضها في باب الوصيّة، وبعضها فيما يكتسب به، وبعضها في باب المضاربة، وليس فيها ما يرتبط في الفضولي أصلاً. فلا يتمّ مطلبنا، ولا نحتاج إلى أن تتمّ.

وأما المطلب الخارج عن بحثنا، لكن بما أن الروايات مشوشة ومشكلة ومضطربة، فلا بأس بالتعرّض لها، فهل يمكن الجمع بين الروايات جمعاً يقبله العقلاء؟

قلنا: إن قضية الجمع بين الروايات أو الآيات، وكان في المورد جمع عقلائي، فلا بُدَّ أن نحسب حسابه في محيط التقنين، فإن باب التقنين ووضع الأحكام بابٌ، وباب تأليف كتاب أو التكلّم مع الناس باب آخر، مثلاً لو كتب كتاباً وقال: (إنَّ الأمر الكذائي هو كذا)، وقال في موضع آخر: (إذا كان كذا كان صحيحاً)، فهذا لا يجمع بينهما بحمل المطلق على المقيّد، بل يقال: بأنه قال كلاماً متناقضاً، فإن الموجبة الجزئية تناقض السالبة الكلية، ولا يأتي الجمع العقلائي.

وأما باب وضع القانون، ففي وضع كلّ قانون، توضع المطلقات أولاً ثُمّ تضاف في المواد الأخرى والتفصيلات والقيود، وفي هذا المحيط يجمع العقلاء بين المطلق والمقيّد، ولا يقولون إنه قال كلاماً متناقضاً.

والأئمة والنبي وإن لم يكونوا واضعين للقانون الإسلامي، إلّا في حدود المسائل المربوطة بالحكومة والسلطان، وفي أحكامه أيضاً يحمل المطلق على المقيّد، وهذه ليست من الأحكام الشرعية، بل هي أحكام بمقتضى الولاية، وإطاعة هذه الأحكام إطاعة لنفس النبي والإمام وليست إطاعة 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مباشرة لله تعالى، وإن كانت إطاعة له في المرتبة المتأخّرة باعتبار أمره بإطاعتهم، على حين أن عصيان الحكم الشرعي الذي أفتى به النبي أو الإمام، ليس عصياناً للإمام بل هو عصيان لله مباشرة، من قبيل فتوى الفقيه، غاية الأمر أن فتاواهم فتوى مطابقة للواقع، وفتوى الفقيه مطابقة للظواهر.

[حول طرف الجمع بين الروايات]

وعلى أي حال، لا بُدَّ من أن نلاحظ أمرين في باب الجمع بين الروايات:

أحدهما: أن المحيط هو محيط جعل القانون الذي هو محيط حمل المطلق على المقيّد.

ثانيهما: أن الروايتين إذا لم تكونا متعارضتين بحسب الفهم العقلائي، فنعمل على ما يقتضيه هذا الفهم من التقييد ونحوه، ولا تصل النوبة إلى المرجّحات.

وأما إذا نظرنا فوجدناهما متعارضتين بحسب نظر العقلاء، رجعنا إلى المرجّحات، فما كان منها موافقاً للكتاب أو مخالفاً للعامة بحسب نظر العقلاء رجّحناه وقدّمناه.

وأما طريق الجمع العقلي، بأيّ طريق كان، فلا يكون تامّاً بل لا بُدَّ أن يكون مقبولاً في سوق العقلاء في محيط القانون. فلا نقول إن الروايتين إذا كانتا متنافيتين بالإطلاق والتقييد نقول إنه ثبت في المنطق تناقض السالبة الكلّية مع الموجبة الجزئية، فهاتان القضيتان متناقضتان فنرجع إلى المرجّحات، ليس كذلك بل نرجع إلى الجمع العرفي الذي هو ثابت في باب التقنين.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وعلى ذلك، هل يمكن الجمع بين هذه الروايات أو لا؟

الروايات عدة طوائف:

[الطائفة الأولى]

إحداها: موضوعها التجارة بمال اليتيم لليتيم، وتدلّ على صحّة ذلك، ويقول الربح لليتيم، والتاجر ضامن، فليس أنه تاجر لنفسه قرضاً، ولا لنفسه ولليتيم مضاربة.

كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، باب2، محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن سعيد السمان، -كلّهم حسان، إلّا إسماعيل فيه كلام، ولا يبعد أن رواياته حسنة- قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به، فإن اتّجر به فالربح لليتيم، وإن وضع فعلى الذي يتّجر به(1).

وهذا حتماً ليس استقراضاً وإلّا لَما كان مالاً لليتيم، وإلّا لمَا كان ماله بل مال التاجر، فربما يستشعر منه ما استشعر الشيخ(2) من أنَّ المتّجر بمال اليتيم هو 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 129، كتاب الزكاة، الباب 23، الحديث 6، الاستبصار 2: 29، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 1، تهذيب الأحكام 4: 27، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 6، وسائل الشيعة 9: 87، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 360، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى، وكتاب الزكاة (الأنصاري): 19، المقصد الأوّل: في شرائط الوجوب.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الأجنبي أو الأعمّ منه ومن الولي، فإن أجاز الولي فالربح له، والضرر بعهدته؛ لأنه لم يكن أهلاً للقيام بالمعاملة. 

وهذا حمل بلا شاهد ولا يوافق عليه العقلاء، بل نفهم من الحكم بالصحّة أن المتّجر كان هو الولي، وكانت التجارة لليتيم لتكون الزكاة عليه، والضمان إنما يكون باعتبار التحفّظ على مال اليتيم من الضياع، وتقديماً له على جهة أمانية الولي الثابتة بمقتضى القاعدة.

ومنها: الرواية التاسعة(1): محمّد بن علي بن الحسين بإسناده، عن زرارة، وبكير، عن أبي جعفر قال: “ليس على مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به، فإن اتّجر ففيه الزكاة، والربح لليتيم، وعلى التاجر ضمان المال(2).

يقول الصدوق(3): وقد رُويت رخصة في أن يجعل الربح بينهما، وهي رواية أبي الربيع الشامي التي سوف نذكرها.

وهذا نظير ذلك المعنى، فهو اتّجر لليتيم؛ لأنه في ماله الزكاة، ونعلم من الحكم بصحّة المعاملة أن التاجر كان وصيّاً من الأب، لكن الشارع حكم بضمانه عند الوضيعة، وقد رجّح ضمان مال اليتيم على جهة الوصاية، تحفّظاً عليه مع أن مقتضى القاعدة عدم ضمانه.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() الأخيرة في هذا الباب الثاني. (المقرِّر).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 2: 16، أبواب الزكاة، الباب 5، الحديث 1599، ووسائل الشيعة 9: 89، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 2: 16، أبواب الزكاة، الباب 5، ذيل الحديث 1599.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهذه طائفة تدلّ على أنَّ الاتّجار بمال اليتيم، في مقابلها طائفة أخرى في باب الوصية تدلّ على أنَّه إذا أجاز الولي للوصيّ التجارة لا يكون ضامناً، فهل يمكن أن نجمع بينهما بالإطلاق والتقييد؟

[الطائفة الثانية]

كتاب الوصايا، باب92: محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن بن علي بن يونس، عن مثنى بن الوليد، عن محمد بن مسلم -لعلّها حسنة- عن أبي عبد الله، أنه سُئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، وأن يكون الربح بينه وبينهم. فقال: “لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك، وهو حي(1). ورواه(2) الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد مثله. ومحمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن يعقوب مثله(3).

وبإسناده عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن خالد الطويل، قال: “دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني، أقبض مال أخوتك 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() الكافي 13: 481-482، كتاب الوصايا، الباب 37، الحديث 19، مَن لا يحضره الفقيه 4: 227-228، كتاب الوصيّة، باب الرجل يوصي إلى رجل بولده…، الحديث 5538، تهذيب الأحكام 9: 237، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 14، ووسائل الشيعة 19: 427، الباب 92 من أبواب الوصايا، الحديث 1.

(2) لم يذكر السيد هذه الإسناد. (المقرِّر)

(3) اُنظر المصدر المتقّدم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الصغار، واعمل به، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان. فقدمتني أم ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إن هذا يأكل أموال ولدي. قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه. ثُمّ أشهد عليّ ابن أبي ليلى إن أنا حرّكته فأنا له ضامن. فدخلت على أبي عبد الله، فقصصت عليه قصتي، ثُمّ قلت له: ما ترى؟ فقال: أما قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأما فيما بينك وبين الله عزّ وجلّ فليس عليك ضمان(1).

نرى أن هذه الرواية التي تقول إنه لا ضمان بالاتّجار بمال اليتيم، ويكون الربح بينهما مناصفة، ما حالها مع تلك الروايات التي تقول بالضمان، فهذه الروايات تقول إن عدم الضمان ثابت مع إذن الأب بالاتّجار، فنقيّد به إطلاق تلك المطلقات التي تجعل الضمان في كِلا الموردين، فمقتضى الجمع بينهما، هو أن الاتّجار له حالان:

أحدهما: اتّجار الوصي بدون إذن الأب.

ثانيهما: اتّجاره بإذن الأب بالخصوص.

فالأوّل فيه ضمان دون الثاني.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

(1) الكافي 13: 479-480، كتاب الوصايا، الباب 37، الحديث 16، من لا يحضره الفقيه 4: 228، كتاب الوصيّة، باب الرجل يوصي إلى رجل بولده ومال…، الحديث 5539، تهذيب الأحكام 9: 236، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 12، ووسائل الشيعة 19: 427- 428، الباب 92، من أبواب الوصايا، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بناءً عليه، فليس بين هاتين الطائفتين اختلاف إلّا في التقييد والإطلاق، ومورد التقييد من الموارد النادرة التي صحّ معها إطلاق تلك المطلقات، فإن الإيصاء بالمضاربة بمال اليتيم على أن يكون نصف الربح للتاجر قليل بين الناس.

[تنبيه]

الروايات المذكورة في هذه الأبواب، الظاهر أنها تعرّضت إلى موضوعين:

أحدهما: موضوع اتّجار الولي بمال الطفل واليتيم، وفي بعضها فرض الاتّجار في مال اليتيم وفي بعضها أن الاتّجار بنحو المضاربة والربح بينهما.

ثانيهما: أن جملة من الروايات مربوطة بالقرض من مال اليتيم، فيقترض المال ويتّجر به لنفسه.

وبالنحو الذي يظهر من الروايات، تحقّق الضمان، إلّا في مورد واحد وهو عبارة عما إذا أوصى الأب لشخص بالاتّجار بمال اليتيم. وفي غير هذا المورد فالضمان متحقّق في سائر الموارد، سواء أعطاه مضاربة أو عمل بنفسه مضاربة أو اتّجر بمال اليتيم.

غايته إذا اتّجر لليتيم كان الربح لليتيم، وإذا اتّجر مضاربة كان الربح بينهما، وعلى أيّ حال يكون ضامناً إذا لم يأذن الأب بالاتّجار.

وفي باب الاقتراض يستفاد التفصيل بين ما إذا كان الولي ملّياً ثريّاً يمكنه أداء العوض لو تلف مال اليتيم، وبين ما إذا كان فقيراً لا يستطيع ذلك، فيجوز للأوّل الاقتراض دون الثاني، ويستفاد من بعض الروايات أن الاقتراض لغير الملي باطل في نفسه، وأما الاتّجار فيستفاد حرمته التكليفية مع صحّته وضعاً، 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فلو اتّجر صحّ البيع والربح لليتيم ويكون ضامناً.

وفي صورة إذن الأب لا ضمان، فيتكلّم في أنَّه إذا لم يكن ضامناً فهل يستطيع غير الملي أن يتّجر ولا يكون منهياً، باعتبار أن النهي يستفاد أنه لأجل الضمان، وعدم تمكّن الفقير من الأداء، على حين أن الملي له مال يصلح أن يكون (غطاء) لمال اليتيم. فإذا أذن الأب لغير الملي ارتفع الضمان وجاز له الاتّجار، لا يبعد أن يكون كذلك.

وعلى أيّ حال يستفاد أن غير المليّ إذا كانت المعاملة مضمونة، لا ينبغي أن يتّجر بالمال لا لليتيم ولا لنفسه ولا بينهما مضاربة، لكن بنحو الحكم التكليفي، ولا قصور في ولايته، بل يقتصر على حفظه.

الروايتين اللتين قرأناهما الثانية والتاسعة، كان الاتّجار في مال اليتيم؛ لأنه قال: (في مال اليتيم زكاة)، وإذا كان المال مقترضاً يخرج عن كونه مالاً لليتيم.

منها: الرواية السابعة من نفس الباب(1)، رواية أبي الربيع الشامي، قال: “سُئل أبو عبد الله عن الرجل يكون في يديه مال لأخ له يتيم، وهو وصيّه، أيصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم، كما يعمل بمال غيره، والربح بينهما. قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا، إذا كان ناظراً له(2)

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() الباب الثاني من أبواب من تجب عليه الزكاة. (المقرِّر).

(2) الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 6، تهذيب الأحكام 4: 28-29، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 11، وسائل الشيعة 9: 89، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فيه ثلاثة احتمالات:

أحدها: لا ضمان له إذا كان وصيّاً من قبل الأب، كما هو فرض القضيّة من أنَّه أوصى له الأب.

ثانيها: أنه ناظر للعمل، لا ناظر للطفل، يعني أوصاه الأب بأن يعمل هذا العمل، فإذا أذن له لا يكون ضامناً، ويكون هذا مطابقاً للروايات السابقة خاصّة الثانية.

ثالثها: وهو ظاهر العلّامة(1)  والشيخ(2) في تفسير كونه ناظراً له، عبّرا: أنه إذا كان له نظر إليه وشفقة له وحفظاً لماله فلا ضمان، وهو خلاف الظاهر.

والاحتمال الأوّل هو الظاهر الابتدائي، يعني إذا كان وصياً من قبل الأب، وإطلاقها يقتضي الحكم بعدم الضمان مطلقاً، وتلك الروايات تقول: (إلّا أذن له الأب)، فتكون تلك الروايات شاهد جمع بين هذه الرواية وروايات الضمان، وإذا كان المراد كونه ناظراً للمال، فيكون أيضاً مخصّصاً ومقيّداً لتلك المطلقات القائلة بالضمان.

الرواية الأخرى الواردة في هذا المورد وأشكل منها: ما في كتاب المضاربة، باب10، رواية1: رواية بكر بن حبيب، قال: “قلت لأبي عبد الله: رجل 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) أُنظر: قواعد الأحكام 2: 135، كتاب الدين، المقصد الثالث، الفصل الأوّل، الأمر الرابع. وراجع أيضاً: كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 318، الفصل السادس، المبحث السادس، الجهة الثانية. 

(2) أُنظر: الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

دُفع إليه مال يتيم مضاربةً، فقال: إن كان ربح فلليتيم، وإن كان وضيعة، فالذي أعطى ضامن(1).

هذا مشكل في النظر، فإن المضاربة إذا كانت صحيحة فلا بُدَّ أن يكون الربح بينهما، وإذا كانت باطلة فلا بُدَّ أن لا يكون الربح لليتيم، وما يقال: من أنَّ المضاربة باطلة، ولكن حيث إنَّه يرضى الولي بشرائه يقع العقد صحيحاً. بعيد.

ويأتي إلى النظر أن المطلب هكذا: ليس المقصود من كون الربح لليتيم إن تمامه له، بل هو له بمقدار ما يقتضيه عقد المضاربة، وبهذا تكون الرواية موافقة لتلك الروايات، بمعنى أن المضاربة تكون صحيحة ويكون ضامناً للوضيعة، وإذا قلنا بأن المضاربة باطلة، فالضمان على الآخذ وعلى المعطي معاً، لا خصوص أحدهما. وإذا قرأناها (أُعطي) بالمبني للمجهول كان بعيداً جداً.

وهذا القسم من الروايات الراجعة إلى المضاربة في مال اليتيم أو الاتّجار، فليس هناك تعارض بحيث لا يمكن الجمع بينهما.

[الطائفة الثالثة]

طائفة أخرى من الروايات راجعة إلى الاقتراض من مال الطفل والتجارة لنفسه لا للطفل. 

رواية(2) سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله قال: “قلت له: الرجل 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 190، كتاب التجارات، الباب 18، الحديث 28، ووسائل الشيعة 19: 27، الباب 10 من أبواب المضاربة، الحديث 1.

(2) أبواب من تجب عليه الزكاة باب: 2 رواية: 6. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يكون عنده مال اليتيم فيتّجر به، أيضمنه؟ قال: نعم. قلت: فعليه زكاة؟ فقال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين، الضمان والزكاة(1).

قوله: (فعليه زكاة؟) يعني التاجر؛ فيُعلم أن الاتّجار كان لنفسه، إذ لو كان لليتيم لكانت الزكاة على اليتيم. وقوله: “لا أجمع عليه خصلتين؛ الضمان والزكاة” يُعلم منه أن الزكاة تخرج من كيسه وإن الاتجار لنفسه، وإطلاقها يقتضي جواز الاقتراض سواء كان ملياً أو لم يكن.

ومنها: الرواية الثامنة رواية منصور الصيقل، قال: “سألت أبا عبد الله عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: فقال: إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به، فالربح للغلام وأنت ضامن للمال(2).

ومحصّل المقصود أنه إذا كان ثريّاً وضمن مال اليتيم بعهدته، يعني اقترضه، فالقرض صحيح والربح له على القاعدة، وإن لم يكن له مال وعمل بالمال لنفسه فالربح لليتيم وهو ضامن والقرض باطل.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 5، تهذيب الأحكام 4: 28، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 10، وسائل الشيعة 9: 88، باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

(2) الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 7، تهذيب الأحكام 4: 29، كتاب الزكاة، باب 8، الحديث 12، ووسائل الشيعة 9: 89، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ومنها: أبواب ما يكتسب به، باب 104(1). محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أسباط بن سالم، قال: “قلت لأبي عبد الله: كان لي أخ هلك، فأوصى إلى أخ أكبر منّي وأدخلني معه في الوصية، وترك ابناً له صغيراً وله مال، أفيضرب به أخي، فما كان من فضل سلمه لليتيم وضمن له ماله؟ فقال: إن كان لأخيك مال يحيط بمال الميت إن تلف فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم(2).

فهذا اقتراض، غايته أن المنافع يعطيها إلى ابن الأخ، “فقال: إن كان لأخيك مال…” بما أن هذه التصرّفات توجب الضمان، فإن كان ملّياً كان الاقتراض صحيحاً، وإن لم يكن له مال فلا يتعرّض لمال اليتيم، لكن لو كنّا والرواية لقلنا إنه حكم وضعي، ولكن باعتبار الروايات السابقة، نستفيد أن هذا حكم تكليفي فقط.

ومنها: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله، قال في رجل عنده مال ليتيم: “إن كان محتاجاً وليس له مال فلا يمسّ ماله، وإن هو اتّجر به فالربح لليتيم 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

() كذا أورده السيد، رقم الباب الذي وجدته أن الباب المشار إليه هو برقم 74.فراجع. (المقرِّر).

(2) الكافي 9: 702، كتاب المعيشة، الباب 45، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 342، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 78، ووسائل الشيعة 17: 257، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. 

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهو ضامن (1)

نفهم أنه حكم تكليفي، فالفقير إذا لم يكن له مال يجب عليه التحفّظ على مال اليتيم ولا يمسّه. وإذا اتّجر به عمل حراماً، ولكن صحّت معاملاته والربح لليتيم وعليه ضمانه.

و”لا يمسّ ماله” يعني لا يتّجر لنفسه. ويمكن أن نجعلها كالروايات الأخرى بالاتّجار لليتيم، فيكون الربح لليتيم والضمان على الولي، ففي التجارة لليتيم أيضاً نفصّل بين الملي وغيره باعتبار وجود الضمان وعدمه.

وقوله في رواية أسباط بن سالم السابقة: (يتّجر به) إما لليتيم أو لنفسه أو لهما بنحو المضاربة.. لها إطلاق من هذه الناحية، وقد فصّل بين الملي وغيره، وهي لا تنافي ما سبق من الروايات.

أقول: هذه رواية أخرى في (الوسائل)، عن أسباط بن سالم أيضاً: استشعر السيد اتّحادها مع الرواية السابقة. قال: “سألت أبا عبد الله فقلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال اليتيم في حجره يتّجر به؟ فقال: إن كان لأخيك ما يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه له، وإلّا فلا يتعرّض لمال اليتيم(2).

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) الكافي 9: 705، كتاب المعيشة، الباب 45، الحديث 3، تهذيب الأحكام 6: 341-342، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 76، ووسائل الشيعة 17: 257، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(2) الكافي 5: 131، كتاب المعيشة، باب التجارة في مال اليتيم والقرض منه، الحديث 4، تهذيب الأحكام 6: 341، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 75، ووسائل الشيعة 17: 258، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أورد العياشي في (تفسيره) عن زرارة، ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله، قال: “مال اليتيم إن عمل به من وضع على يديه ضمن، ولليتيم ربحه(1).

وهي كالسابق من حيث إن الربح لليتيم والضمان عليه، فنخصّصها بما دلّ على التفصيل بين الملي وغيره.

ومنها: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، في مال اليتيم قال: “العامل به ضامن، ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال. وقال: إن عطب أدّاه(2).

هذا أيضاً يأتي إلى النظر أنه من باب الاستقراض بقرينة عدم وجود المال للعامل وإذا عطب فهو ضامن، فإذا لم يكن ملياً كان الاقتراض باطلاً وإذا تلف أدّاه.

رواية ابن أشيم

من الروايات التي استُشهد بها على صحّة البيع الفضولي بالإجازة، ما عن أبي جعفر (3)، “عن عبد لقوم مأذون له في التجارة، دفع إليه رجل ألف 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

() تفسير العيّاشي 1: 224، تفسير سورة النساء، الحديث 43، ووسائل الشيعة 17: 258، باب 75، من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

(2) تهذيب الأحكام 6: 342، كتاب المكاسب، باب 93، الحديث 77، الوافي 17: 317، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب وجوه المكاسب، باب 48، الحديث 2، وسائل الشيعة 17: 257، باب 75، من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. 

(3) ذكر السيد أنها في كتاب التجارة، ولم يعيّن الباب، وما كتبناه فمن كلامه وقراءته في أثناء الدرس. (المقرِّر).

وجدناها في أبواب بيع الحيوان، باب 25، محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن ابن محبوب، عن صالح بن رزين، عن أبن أشيم، عن أبي جعفر… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

درهم، وقال له: اشترِ بها نسمة واعتقها عنيّ وحجّ عني بالباقي. ثُمّ مات صاحب الألف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي ليحجّ عن الميت، فحجّ عنه، فبلغ ذلك موالي أبيه ومواليه وورثة الميت جميعاً، فاختصموا جميعاً في الألف، فقال موالي العبد المعتق: إنّما اشتريت أباك بمالنا، قال الورثة: إنما اشتريت أباك بمالنا. وقال موالي العبد إنما اشتريت أباك بمالنا. فقال أبو جعفر: أما الحجّة فقد مضت بما فيها، لا تردّ، وأما المعتق فهو ردّ في الرقّ لموالي أبيه، وأيّ الفريقين بعدُ أقاموا البيّنة على أنَّه اشترى أباه من أموالهم كان له رقّاً(1).

قوله: (اشتر بها نسمة واعتقها عنّي وحجّ عنّي بالباقي) فيه احتمالان:

أحدهما: أنه أوصى بذلك على أن يعمل هذا العمل بعد موته.

الآخر: أنه وكالة لتنفيذ العتق والحجّ مستحباً في حياته، ولا مانع من النيابة في الحجّ المستحب.

فإذا كان وصيّة فما عمله بعد موته بالوصاية نافذ وصحيح، وإذا كان وكالة فقد بطلت الوكالة بالموت، وما أوقعه كان غير صحيح، ويحتاج إلى ضمّ الإذن من قبل صاحب المال به.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) الكافي 13: 482، كتاب الوصايا، الباب 37، الحديث 20، تهذيب الأحكام 7: 234، كتاب التجارات، الحديث 43، ووسائل الشيعة 18: 280، الباب 25 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 (ثم مات صاحب الألف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه) هل اطلع على موته فعمل هذا العمل ليُعلم أن هذه كانت وصية. أو وكّله فمات ولم يعلم بموته فعمل ذلك ووقع عمله بعد موت موكّله؟

(فأعتقه عن الميت، ودفع إليه الباقي ليحجّ عن الميت): أما الميت بعنوانه باعتبار أنه أوصاه وعرف بموته. وأما الميت بواقعه، يعني: أعتقه عن زيد وحجّ عن زيد، الذي هو ميت في الواقع، فإلى هنا لم يُعلم بوضوح أنه من باب الوصاية أو الوكالة؟

(فاختصموا جميعاً في الألف، فقال موالي العبد المعتق)، بالفتح أو بالكسر، كلٌّ أدّعى أنه اشترى العبد بماله، هنا كلامان، بل كلمات:

أحدها: أن تكون الدعوة باعتبار أنه كانت في يد العبد ثلاثة أموال من كلّ من هذه الطوائف الثلاث، والعبد موكل بالتعامل عن كلّ واحد منهم، ويحتمل أن العبد اشتراه من هذا المال أو من ذاك المال. والدعوى كلّها مع العبد، كلّ منهم يقول (اشتريته بمالي)، وهو يقول (اشتريته بمال الميت).

ففي المقام فهنا أربعة احتمالات: أن يكون المال من موالي العبد، وأن يكون من موالي المعتق، ومن الورثة، ومن الميت.

أو أن في القضية ثلاثة احتمالات، بأن يكون المال المنسوب إلى الورثة وإلى الميت واحداً، فإن الورثة يدّعون أن هذا العبد كان وكيلاً عن الميت، واشترى العبد المعتق بعد موت موكّله، وانتقال المال إلى الورثة، فقد اشتراه من مال الورثة على هذا التقدير، وعلى تقدير كونه وصيّاً فقد اشتراه من مال الميت، فهنا 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثلاثة احتمالات والاختلاف واقع بين هذه الطوائف الثلاث، ويبعد أن يكون الورثة قد دفعوا إلى العبد مالاً زائداً على مال الميت، وأذنوا له بالتجارة فيه.

وإذا أسّسنا المسألة على هذا النحو، فدعوى موالي المعتق بشرائه من أموالهم، مرجعها إلى عدم تحقّق مفهوم البيع، فإنه عبارة عن مبادلة مال بمال الغير، وهم يقولون: (بادلت عبدنا بمالنا)، أما الورثة فيدّعون تحقّق ماهيّة البيع، لكنّهم يقولون (إنه وقع بمالنا من دون إذننا)، فهو بيع فضولي؛ لأنه اشتراه بعد انتقال المال إلى الورثة، وبطلان وكالته بالموت، وأما موالي العبد المأذون فيدّعون وقوع البيع صحيحاً فعلياً.

إذا وقع مثل هذا النزاع بين ثلاث طوائف، ولم يكن العبد طرفاً للمعاملة، فاثنان منهما يكون مدّعياً لوقوع البيع، أحدهما بالشكل الصحيح الفعلي، والآخر بشكل فضولي، وموالي العبد المعتَق (بالفتح) منكرون لوقوع أصل البيع. فمقتضى القاعدة في هذا المقدار من الدعوى: أن منكر أصل البيع يكون القول قوله، ويبقى العبد فعلاً محكوماً بالرقية، وأيٌّ من الآخرين أقام البيّنة على أنه اشتراه بماله يكون رقّاً له، وإذا لم يقم أحدهما بيّنة كان لهم أن يحلّفوا الآخر
-مولى العبد المعتق- حتى تتمّ موازين القضاء، فإن نكل: فإما أن يحكم بنكوله أو يحوّل اليمين على المدّعي، على الخلاف، فالقواعد تقتضي ما قاله الإمام أبو جعفر(1).

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() لا يخفى أن مقتضى الرواية هو أن تطلب البيّنة من جميع الأطراف الثلاثة ومن اثنين منهم والثالث يحلف كما هو مقتضى كلام السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وعلى هذا يكون البيع على دعوى أحد الأطراف فضولياً، ونفس المطالبة بالعبد يكون رضاء بهذه المعاملة، إذن يستفاد من رواية ابن أشيم أن إجازة الفضولي من قبل صاحب المال صحيحة.

وليس في الرواية أيّ إشارة إلى أن العبد الموكل أو الموصى إليه، ماذا يقول، وليس فيها أيّ نزاع بينه وبين الآخرين، فقد يكون قوله أنه اشترى للأب، وقد يكون قوله أنه اشترى إلى أحد هؤلاء المتنازعين، ولعلّه ساكت لا يعلم بالواقع.

فيأتي إلى النظر أن الورثة كان لهم دعوى الوكالة، وقد بطلت بالموت، واشترى العبد بالمال الذي وصل إليهم ميراثاً. ولو كان الواقع هو ذلك فادعاء العبد المأذون أنه اشترى للورثة أو لغيرهم ليس له أثر، فما قيل من أنه ذو اليد، أو أن (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)، غير تامّ، فإن ذلك فرع أن يكون الوصاية أو الوكالة ثابتة، فإذا أدّعى أنه نجز شيئاً كانت دعواه مسموعة، أما في المقام فالورثة يدّعون ارتفاع الوكالة بالموت، والرواية فيها إشعار أن عمله كان على نحو الوصاية.

قوله “فقال أبو جعفر: أما الحجّة فقد مضت بما فيها، لا تردّ“:

هل المقصود من ذلك أن الحجّ صحيح حتى يشكل أنه بعد أن يحكم برقّيته كيف يصحّ حجه، بعد أن يكون قد أتى به بدون إذن مواليه. فكيف أمكن التفكيك بين هذين الأمرين، فإنه كان في يده ألف، واحدة هي ملك أحد هؤلاء، وقد اشترى أباه وأعطاه الباقي ليحجّ به، فكيف يحصل التفكيك بينهما؟!

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أو أن مقصود الإمام إن الحجّ حدث وانتهى أمره، وهو غير قابل للردّ، مع غضّ النظر عن كونه صحيحاً أو فاسداً، وما يكون قابلاً للردّ هو أجرة الحجّ والعبد نفسه، فالكلام هو عن العبد لا عن الحجّ في صحته وفساده.

وأي الفريقين بعدُ أقاموا البيّنة على أنَّه اشترى أباه من أموالهم كان رقّاً له“.

أما مولى العبد فكانت دعواه من الأول صحّة البيع، وأما الورثة فإن نفس الدعوى تكون إجازة للبيع الفضولي الذي يدعونه.

فالرواية تدلّ على صحّة البيع الفضولي بالإجازة. 

أما ما قد يقال(1) من أنَّ كلّ واحد من الأطراف حتى الورثة كانوا قد وضعوا عند العبد أموالاً ليتاجر لهم بها، فهذا بعيد وخلاف المتفاهم العرفي.

وأما ما يقال: من أنَّ المعاملة وقعت كلية في الذمة(2)، وكل واحد منهم ذكره العبد المأذون يقع له، فإنه أبصر بنيّته، وهو يدّعي أنه اشتراه عن الميت، غير تامّ.

أوّلاً: إن المتعارف في المعاملات المعاطاة، وهي لا تتمّ إلّا بالعينين 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

(1) راجع ما أفاده الميرزا النائيني في منية الطالب 1: 219، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) أُنظر: كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 321، الفصل السادس: في اشتراط كون المتعاملين مالكين، المبحث السادس: في الأحاديث المستدلّة بها على صحّة بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الخارجيتين والتسليم والتسلّم، وظاهر التداعي أنه واقع بهذا المال، وحتى الكلّي إذا كان في نيّته أن يدفع من واحد معيّن يصدق أنه اشتراه بماله، وإذا قال العبد: (اشتريته بمال هذا) ليس من المعلوم أنه يكون مقبولاً؛ لأن الآخرين ينكرون وكالته بعد وفاته.

إذن فالظاهر أن الرواية تدلّ على المطلوب، خلافاً للمرحوم النائيني(1) والشيخ(2) (قدس سرهما).

[تحقيق الحال في الرواية] 

رواية ابن أشيم لا بُدَّ أن نبحث فيها أموراً لم تتمّ:

كلام: في أنَّ دلالتها على صحّة البيع الفضولي بالإجازة تامّة أو لا؟

قلنا: إن الظاهر من صدر الرواية وذيلها، أن الورثة كانوا يدّعون الوكالة للعبد، ويقولون: (إنك اشتريت العبد من مالنا فضولياً)، وحيث إنَّهم أرادوا أن يكون العبد رقّهم، فهو بيع مقترن بالإجازة.

وكلام آخر: في أنَّها خلاف القاعدة من وجوه ذكروها أهمّها وجهاً.

أحدها: قوله: (الحجة مضت بما فيها، لا تردّ).

فإنه من ناحية أن العبد إما أن يكون رقّاً من الأصل أو بعد قيام البيّنة، 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 318-319، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 362، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فيكون حجّه باطلاً بدون إذن مولاه، فكيف يحكم بصحّتها؟ فالرواية ضعيفة دلالتها مضافاً إلى ضعف سندها(1).

قلنا: إن هذا إنما يتمّ فيما إذا أراد الإمام أن يقول: إن الحجّ صحيح وواقع من طرف الميت، والظاهر أن ذلك غير متعرَّض له في الرواية، فإن ما هو محطّ البحث في الرواية إنما هو الاختلاف ما بين الطوائف الثلاث، الذين يدّعون أن العبد عبدنا.

وأما صحّة الحجّ فلا معنى لأن يقع محلّ خلاف بين هؤلاء الثلاثة. وإنما الاختلاف فيه –إذا كان حاصلاً- فبين العبد المأذون والورثة، لدعواهم الوكالة وبطلانها بعد الموت، وأن الحجّ حصل بالأموال التي انتقلت إليهم بالموت، فهذا نزاع لم يفرض وجوده في الرواية، فالحجّة قد سبقت ومضت، وما سبق لا يكون قابلاً للردّ، أما أنه صحيح -أو ضامن لأجرة الحج…- أو لا، فما ليس له تعرّضٌ أصلاً.

شيء آخر على خلاف القاعدة في الرواية، صدق به المرحوم النائيني(2)، 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) أُنظر: أنوار الفقاهة (للشيخ حسن كاشف الغطاء): 276، كتاب البيع، القول في بيع الحيوان، الثاني والعشرون، ما ورد في عبدٍ لقومٍ مأذونٍ له في التجارة، جواهر الكلام 24: 232، كتاب التجارة، الفصل التاسع: في بيع الحيوان، النظر الثالث، المسألة الثامنة، بلغة الفقيه 2: 215-216، رسالة في عقد الفضولي، الاستدلال على صحّة الفضولي بالآيات والروايات، وغيرها. 

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 219، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهو أن هذا الشخص الذي كان وكيلاً عن الطوائف الثلاث، فيكون قوله مقبولاً فيما هو وكيل فيه، ففعله حجّة وقوله مقبول، وأدّعى النائيني وجود ظاهرين:

أحدهما: أن كلّاً منهم أعطى مالاً للتجارة إلى العبد.

ثانيهما: أنه عمل بقول الموصي فكأنّه ادّعى: أني عملت للميت، وقوله مقبول فيما يدّعيه.

وظاهر الرواية أن قوله غير مقبول، بل يعود العبد رقّاً لمولاه، وأيّ منهم يقيم البيّنة يأخذه.

نقول: أما الظاهر الأوّل، فالظاهر خلافه، فإن كون الورثة قد أعطوا للمأذون مالاً للتجارة بعيد جداً. ويأتي إلى النظر أن المال الذي أعطاه الميت هو المال الذي يدّعيه الورثة، بدعوى أنه كان وكيلاً لمورثّهم فبطلت وكالته بالموت، وحينما اشترى العبد وقع العقد فضولياً، ونحن أجزناه فلا بُدَّ أن يكون العبد عبدنا.

وأما مسألة: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)(1) إنما يتمّ فيما إذا كان التصرف في حدود وكالة أو وصاية ثابتة، وهذا المأذون هل ظاهره أنه عمل للميت؟ مع أن المفروض أن الورثة يدّعون أنه وكيل وليس وصياً، وسكوته 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

(1) أُنظر: المبسوط 3: 19، كتاب الإقرار، السرائر 2: 57، باب المملوك يقع عليه الدين…، كشف الرموز 1: 533، كتاب التجارة، الفصل الثامن، القسم الأوّل: في دين المملوك، تذكرة الفقهاء 14: 169، مسألة 381، جواهر الكلام 21: 101، كتاب الجهاد، الركن الثاني، الطرف الثالث، كتاب المكاسب 5: 353، القول في الخيار…، خيار العيب، القول في مسقطات هذا الخيار، المسألة الثالثة، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

عنهم لعلّه لقبوله قولهم أو لعدم البينة عنده أو لكونه شاكاً، والعقلاء إنما يرون عمل الوكيل أو الوصي حجّة وقوله مقبولاً مع ثبوت شرعية عمله، أما إذا كان ذلك هو محلّ الكلام والورثة ينكرونه فلا يكون قوله معتبراً، ويكون قوله كقول الأجنبي ليس حجّة على أحد.

كلام آخر: أن الرواية أيضاً خلاف القاعدة؛ لأن اثنين يدّعيان صحّة المعاملة، والآخر يدّعي أنها لم تقع.

فيدور الأمر بين صحّة المعاملة وعدمها، وأصالة الصحّة مقدمة على الأصول العملية، فلماذا عدل الإمام إلى الأصول العملية ولم يعمل بأصالة الصحّة(1)؟

نقول: إن أصالة الصحّة موردها ما إذا أوقع الإنسان عملاً معيّن العنوان، ونشكّ أنه جامع للشرائط العقلائية أو لا، فنبني على صحّته، وأما إذا كان العمل مردّد العنوان بين أمور ثلاثة كما في المقام، فإنه إما أن يكون لهذا فيكون صحيحاً أو لهذا فيكون فضولياً أو لهذا فيكون باطلاً. ففي مثل ذلك ليس عندنا أصل يدلّ على الصحّة، بحيث يثبت المعاملة لأحد الأطراف، كما يقول الشيخ في (الرسائل)(2) لو دار أمر كلام بين أن يكون سلاماً أو سباباً فإن أصالة الصحّة لا تنقّح لنا أنه سلام.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 219، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) أُنظر: فرائد الأُصول 2: 731، المقام الثاني: في الاستصحاب، المسألة الثالثة: في أصالة الصحّة في فعل الغير، الكلام في أصالة الصحّة في الأقوال والاعتقادات.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فالرواية ليست مخالفة للقواعد، وظاهرة بصحّة البيع الفضولي مع الإجازة.

[عدم دلالة موثقة الحلبي على الصحة في المقام]

في أبواب العقود باب 17، محمد بن الحسن بإسناد، عن الحسين بن سعيد، عن أبن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي –صحيحة-، قال: “سألت أبا عبد عن رجل اشترى ثوباً، ولم يشترط على صاحبه شيئاً، فكرهه ثُمّ ردّه على صاحبه، فأبى أن يقبله إلّا بوضيعة قال: “لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه، ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد(1).

قوله: (فأبي أن يقبله إلّا بوضيعة) وهذا هو منبع المسألة بين الغابن والمغبون، وليس هو شراءً جديداً، وإنما هو إقالة وفسخ للبيع السابق، فلم يقبل البائع إلّا بوضيعة من الثمن، لا بمعنى أن تكون الوضيعة قيداً في المقايلة، فإنه خلاف سيرة العقلاء، بل بمعنى أنه يقول: (ضع من الثمن حتى أقبل الإقالة)، وهو معنى (فأبى أن يقبله إلّا بوضيعة)، فإذا قبل بذلك وأعطاه تكون الإقالة صحيحة.

فقوله: (لا يصلح أن يأخذه بوضيعة) فهو يريد أن يقول: إنّ رفض الإقالة غير حسن، وقبولها مستحب.

وقوله: “ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد” طبع القضية ليس أن الوضيعة 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 156، كتاب المعيشة، الباب 84، الحديث 1، من لا يحضره الفقيه 3: 217، كتاب المعيشة، باب البيوع، الحديث 3806، تهذيب الأحكام 7: 56، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 42، ووسائل الشيعة 18: 71، الباب 17 من أبواب أحكام العقود، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مأخوذة في مفهوم الإقالة فتقع فاسدة، وبما أن الإقالة فاسدة يبقى في ملكية المشتري ولا يرجع إلى البائع، فلو باعه البائع وأجاز المشتري وقع صحيحاً، ويردّ عليه الزائد، ليس هذا مفاد الرواية بحسب النظر، فإن المعاملة لو كانت فضولية فلا خصوصية للزائد، بل لا بُدَّ من دفع الثمن كلّه. وإنما اشترط عليه الوضيعة لكي يقبل الإقالة، فيقول الإمام له: (أعطه الزائد ولا تكسر قلبه بعد أن رضى منك بالوضيعة)، فهذه الموثّقة لا تدلّ على المطلب(1).

تكلّمنا عن صورة ما إذا باع الفضولي لصاحب المال من دون سبق نهي منه، وقد استعرضنا تمام الوجوه الدالّة على صحته تقريباً، ما عدا روايات قليلة، منها ما ليس بدالّ ومنها ما هو دالّ ويذكره السيد، إلّا أنَّها غير مهمّة.

الكلام في الاستدلال على بطلان البيع الفضولي

إذ يقول الشيخ أنه استدل على ذلك بالأدلة الأربعة(2)، ونحن نقرّب البطلان على مبنى القوم، يعني ليس لنا دليل على صحّته، لنأتي بعد ذلك إلى مقتضى مسلكنا في هذا الباب.

[الاستدلال بالكتاب على بطلان عقد الفضولي]

يمكن أن يقال: إن المهم في دليل صحّة المعاملات الفضولية، بما فيها البيع، 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() عطلة الأربعين. (المقرِّر). 

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 364، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

هو العمومات والإطلاقات، كـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) و”المؤمنون عند شروطهم(2) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(3)، وهذه الأدلة بين ما لا يدلّ على صحّة البيع الفضولي، وبين ما يدلّ على عدم صحّته.

فتمام هذه العمومات بناء على مسلك القوم لا تكون دليلاً؛ لأن القوم يقولون: إننا نفهم بمناسبات الحكم والموضوع من (أَوْفُوا بِالعُقُودِ): عقودكم، مثل ما صرّح به في “المؤمنون عند شروطهم”. ونفهم من (أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ): بيعكم، و(تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ): تجارتكم.

غاية الأمر أنهم يقولون: إن الإذن المتأخّر يجعل العقد عقده والتجارة تجارته، والشيخ(4) يشير إلى ذلك هنا كما أشار إليه في غير هذا الموضع(5)، ويوافقه عليه الآخرون(6).

ــــــــــ[139]ــــــــــ

() المائدة: 1.

(2) صحيح البخاري 3: 52، السنن الكبرى 6: 79، المعجم الكبير 4: 275، إلَّا أنَّ فيها: “المسلمون عند شروطهم”، تهذيب الأحكام7: 371، كتاب النكاح، الباب 31، الحديث 66، الاستبصار 3: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4.

(3) النساء: 29.

(4) راجع كتاب المكاسب 3: 365، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الأُولى.

(5) راجع كتاب المكاسب 3: 307، الكلام في شروط المتعاقدين، من شرائط المتعاقدين الاختيار.

(6) حاشية المكاسب (للمحقّق الهمداني): 191، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، تحقيق القول في عقد الفضولي، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 134، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، منية الطالب 1: 210، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نحن نقول: إن تمام الموارد التي يقولون عنها أنها تصحّح النسبة، وهي الإذن السابق والإجازة اللاحقة والوكالة ليس شيء منها يجعل البيع والتجارة بيعه وتجارته، فمثلاً في باب الإجازة التي هي محلّ البحث، ماهيتها هو الرضاء بعمل الغير وأجازته، فلا يصحّ بها الانتساب الحقيقي، بل ولا يصحّ الانتساب المجازي أيضاً، ولا يكون الادعاء صحيحاً؛ لأن معنى الادّعاء هو أن يدّعي ذاك الطرف: أن (البيع بيعي) وأن (هذا ملك كريم)، وإذا لم يكن هذا المعنى موجوداً لم يصحّ الادّعاء، فإن الإجازة إمضاء لفعل الغير، فمعناه أنه يرى أن الفعل فعل الغير، ويجيزه، لا أنه فعله ولا يدّعي ذلك، وفي الآية(1) ينفي البشرية عن يوسف، لا أنه يلاحظ بشريّته ويقول: (هذا البشر ملك كريم)، هذا لا يصحّ، بناءً عليه فلا يصحّ حتى باب المجاز.

التحقيق في المقام 

وتفصيل القول: هو أن هنا عندنا أمور ثلاثة:

أحدها: السبب الذي صدر من الفضولي، وهو الألفاظ بما لها من المعنى.

ثانيها: معلول الألفاظ بما لها من المعنى، وهو المعنى الإنشائي للنقل، الذي قد يلاحظ بصفته معنى مصدرياً تارة وبصفته اسم المصدر.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) أي: من سورة يوسف، الآية: 31.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثالثها: هو النقل الاعتباري المترتّب على العقد.

نحن نسأل: أنه قبل الإجازة هل صدرت الألفاظ بما لها من المعنى من الفضولي، أو لا زالت تنتظر! وكذلك المعنى المنشأ المعلول لها، إذن فالبيع صادر منّي الآن إنشاءً ومنشأً بفعلي، والكلام أنه إذا أجزت هل ينتسب العقد إليك حقيقة أو مجازاً أو لا؟ بحيث يكون اللفظ ومعلوله لفظك ومنشؤك حقيقة، لا يمكن أن تقولوا إنه حقيقة، فإنك كنت نائماً حين العقد، فالباب ليس باب الحقيقة.

وإذا قالوا: إن الإجازة تنسبها لي مجازاً.

قلنا: إن العمومات والإطلاقات لا تشمل المجازات إلّا بقرينة، وحيث إنَّه كان معنى (أَوْفُوا بِالعُقُودِ): أوفوا بعقودكم، فهو لم يصبح عقد للمالك.

وإذا قالوا بكفاية المجاز، قلنا: إن ماهيّة الإجازة تنافي معنى المجاز في الانتساب والادعاء، إذن فالأدلة قاصرة عن الشمول للفضولي أساساً.

أما الأمر الثالث وهو الأثر يعني النقل، وهو لا يوجد إلّا بعد وجود الإجازة، نقول: هل النقل هو البيع؟ فليس البيع هو اللفظ بما له من المعنى ولا المعنى الإنشائي، وإنما البيع والعقد والتجارة ليس هو إلّا النقل، مثلاً في باب الصرف ليس البيع هو السبب الناقل كاللفظ والمعنى الإنشائي والقبض في المجلس، وإنما هو النقل المترتّب عليه، هذا لا يمكن لأحد أن يلتزم به.

فعلى مسلك الشيخ ومن تبعه لا بُدَّ أن نقول: إن الأدلّة العامة قاصرة عن تصحيح البيع الفضولي.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهذا الذي نقوله: يشمل الإذن السابق، فإني أذنت لك بأن تبيع أنت، لا أنه يكون البيع بيعي، والعقلاء يرون ذلك أيضاً، وفي الوكالة أقول: (أنت وكيلي في بيع مالي)، فهو إيكال للبيع إليه وإسناد إليه، وليس نيابة بذلك المعنى.

أما على مسلكنا فنقول: إننا لا نحتاج في أيٍّ من العمومات أن يكون العقد عقده، بل يكفي إجازته ورضاه، وإذا توخّينا ذلك، لم يوجد ذلك حتى في الأصيلين، لِما قلناه من أنَّ تمام ماهيّة البيع يوجدها الموجب، من طرف نفسه أصيلاً، ومن طرف الآخر فضولياً، ويكون القبول إجازة للفضولي، من قبيل (شكر الله سعيك) و(بارك الله في صفقة يمينك).

غاية الأمر أن الإيجاب والقبول قد يقعان من الفضوليّين، وقلنا: إن القبول الفضولي بلا ربط أصلاً، وتكون الإجازة إجازة للإيجاب، فبالدقّة كلّ بيع هو فضولي، وإن كان عرفاً ينقسم إلى أصيل وفضولي، والعرف هو المتّبع في النتيجة.

بناءً عليه، فليس أنه إما حقيقة أو مجازاً يصير البيع بيعي، بل لا بُدَّ أن نرى أن العقلاء ماذا عندهم، والشارع يوافقهم على مسلكهم، وهم يرون نفوذ البيع مع الإذن السابق أو الإجازة أو الوكالة، لا من باب أن العقد يصبح عقده، بل لأنه بنفسه موضوع حكم العقلاء، وإنه أتى بالعمل بإذني أو إجازتي أو وكالتي، في العرف والشرع.

فالعمومات بناءً على مبنى الآغايون لا تدلّ على صحّة الفضولي، وعلى رأينا تكون شاملة له، تبقى العمومات الدالّة على بطلانه وهي عبارة عن آية تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بما أن المقصود ليس هو خصوص البيع، بل مطلق المعاملات، ولهذا فالذي يكون دخيلاً في صحّة الفضولي هو الأدلّة العامة، وكان الإشكال على شمولها هو قصورها على الشمول على مسلك الشيخ وغيره، وقلنا إنه على مسلكنا ليس كذلك ولا قصور فيها.

طريق آخر بلحاظ آية (التجارة عن تراضٍ)

طريق آخر لكون (آية التجارة) دالّة على عدم صحّة المعاملات الفضولية مطلقاً سواء التجارة أو غيرها، وهو أن الآية استثنت التجارة عن تراضٍ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ(1) والمقصود من التجارة: تجارتكم بحسب الانصراف القائل به الآغايون، وقلنا في الكلام السابق أنها لا تكون تجارتكم.

[ظهور الاستثناء في الحصر وعدمه]

وما يقوله الشيخ(2) من أنَّ المقصود هو الحصر والقيدية، ولذا لا بُدَّ أن تكون التجارة مقارنة أو ناشئة عن التراضي، ليصدق المستثنى، أما غيرهما وهو ما إذا لم تكن تجارة أو لم تكن عن تراضٍ بذلك النحو فلا تكون صحيحة، بناءً عليه فما يكون فيه التراضي بعد التجارة داخل في المستثنى منه، ثُمّ يدخل 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) النساء: 29.

(2) راجع المكاسب (الأنصاري) 3: 364، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأولى، أدلة بطلان الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الشيخ(1) في مبحث أن الاستثناء منقطع والقيد غالبي، وأنه خبر بعد خبر، واحتمال أن يكون الكلام مع الملاك.

نحن تكلّمنا في الآية مكرّراً وبقي مطلب واحد، وهو أنه حيث لا إشكال أن المراد من الأكل ليس هو الأكل الخارجي، بل هو كناية عن مطلب، فهل هو كناية عن التصرّف في الأموال، وعلى تقديره هل يكون كناية عن التصرّف في المال الذي يأتي بيدك من الغير، كما هو ظاهر بعضهم(2)؟ أو ليس في النظر قيد الغيرية، وإنما النظر إلى أنَّ هذه الأموال المتداولة في أيديكم لا تتصرّفوا فيها، إلّا أن تكون تجارة عن تراضٍ(3).

الاحتمال الآخر: أنه ليس كناية عن التصرّف، بل كناية عن أن الأسباب 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

(1) اُنظر المصدر المتقدم.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق العراقي): 272، الخيارات، الأصل في البيع اللزوم، كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 269، الفصل السادس في اشتراط كون المتعاملين مالكين، المبحث الثاني.

(3) أُنظر: فقه القرآن (للراوندي) 2: 41، مقابس الأنوار: 127، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، للمباشر شروطاً، الثاني الملك، الموضع الثالث صحّة البيع وبطلان الشراء، فقه الإمامية: قسم الخيارات (للميرزا الرشتي): 21، أحكام الخيارات، حاشية المكاسب (للمحقّق الهمداني): 29، البيع، الكلام في المعاطاة، حكم كلّ الأقسام المتصوّرة، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 97، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الأُولى، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الباطلة ليست مؤثّرة(1)، فليس المنظور هو الأكل والتصرّف، بل المنظور هو أن القانون يقتضي أن يأتي المال عندك بمقتضى الموازين القانونية، والتجارة هي السبب القانوني الصحيح، دون غيرها.

فأيّ هذه الاحتمالات يكون الاستثناء فيه منقطعاً وعلى أيّها يكون متّصلاً؟ 

مثلاً، لو قلنا إنه كناية عن التصرّف في أموال الغير، سواء أخذنا: (بِالبَاطِلِ) مقيداً له كما هو الظاهر، كان الاستثناء منقطعاً على مسلك الآغايون، فلو أخذناه بالنحو الذي قالوه، يعني لا يجوز التصرّف في مال الغير، إلّا أن يكون تجارة، والمال الذي يأتي بالتجارة هو مالي وليس مال الغير، فسواء كان مقيّداً (بِالبَاطِلِ) أولم يكن، يكون الاستثناء منقطعاً، يعني لا يجوز التصرّف في مال الغير، أن يكون مالك سواء أخذنا (بِالبَاطِلِ) قيداً أو أخذناه عنواناً لِما هو في الخارج على ما يقول الشيخ محمد حسين (2).

وإذا قلنا: إن مال الغير ليس تحت النظرة لا قيداً، بل هذه الأموال التي تأتي إلى يدك بأسبابها لا تتصرّفوا بها بأيّ وجه إلّا أن تكون تجارة عن تراضٍ، لو لم يكن بالباطل، فلا يبعد كون الاستثناء متّصلاً، إذ يكون المعنى: إن هذه الأموال التي يكون فيها ردّ وبدل، لا يجوز التصرّف فيها إلّا مال التجارة.

وأما إذا كان كناية عن الأسباب، بمعنى أن المنظور لأجل تسهيل وتقوية 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() كما أفاده في كتاب البيع 1: 99، أدلة صحّة المعاطاة.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 97، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الأولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

التجارة، هو أن الأسباب الأخرى غير التجارة غير نافذة بقطع النظر عن (بِالبَاطِلِ) حتى نراه والتجارة سبب صحيح، وإنما ذكر الأكل باعتبار ترتّبه على السبب الصحيح، فهنا أيضاً يكون الاستثناء متّصلاً.

إنما الكلام في كلمة (بِالبَاطِلِ) التي في الكلام، ولا يمكن أن نعتبرها غير موجودة، ولا يمكن أن نعدّل المسألة من عند أنفسنا بشكل يكون الاستثناء متّصلاً، كما حاولوه في (حديث المنزلة)، بعد أن اعتبره العامة من الاستثناء المنقطع، ولا يدلّ على عموم المنزلة، مع أنكم إنما تريدون إقامة الحجّة فإن لم تستطيعوا فأصبحوا سنيين؟!

وإذا أخذنا كلمة (بِالبَاطِلِ) بظاهره، فهو قيد بلا إشكال لا يمكن أن نقول: إنها ليست قيداً، وإنما ذكره لأجل أن يقول: إن كلّ سبب غير سبب التجارة باطل، فيكون المعنى (لا تأكلوا أموالكم بالسبب الباطل إلّا سبب التجارة)، ويكون الاستثناء متّصلاً، هذا خلاف الظاهر جداً ومستهجَن جداً، أن يقال: (إن كلّ وجه باطل إلّا أن يكون تجارة عن تراضٍ)، هذا نحت للكلام من عند أنفسنا، ولا ضير في أن يكون الاستثناء منقطعاً، فإنه وارد في كلام البلغاء وليس مستهجَناً.

وأما حديث “أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنَّه لا نبي بعدي(1) 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

() الكافي 15: 262، كتاب الروضة، حديث أبي بصير مع المرأة، الأمالي (للطوسي): 171، المجلس السادس، المحاسن (للبرقي) 1: 259، كتاب الصفوة والنور، الباب 27، الحديث 97، دعائم الإسلام 1: 16، ذكر ولاية أمير المؤمنين.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ليس استثناء، هو علّة، والاستثناء مقدّر، يعني (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة فإنه لا نبيّ بعدي) فإن هارون كان شريكاً في النبوة مع موسى وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(1)، فيكون المعنى أنت منّي بمنزلته إلّا النبوة، فإنه لا نبيّ بعدي، وإلّا لم تكن العبارة قابلة للاستثناء لعدم الربط بين الجملتين، وإنما ذكره باعتبار أن عموم المنزلة يقتضي ثبوت النبوة فاستثناه، فهذا استثناء متّصل والبحث عن أنه منفصل في غير محلّه. وليس أن العامة إذ ذهبوا إلى كونه منقطعاً يجب أن ننكر أصل الاستثناء المنقطع، بل نقول إنه في هذا الحديث غير منقطع.

فيكون الاستثناء في الآية منقطعاً، فنتكلّم عن أنه على هذا هل يمكن فهم الانحصار من الآية بالتجارة أو لا؟

قلنا سابقاً أن قوله تعالى: لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ نفهم العلّية من القيد، يعني أن الأسباب بما أنها قمار وسرقة بعنوانها ليست سبباً للحرمة، وإنما سبب الحرمة هو كونه باطلاً، فهذا العنوان المشترك بينها هو الذي كان موضوعاً للحكم، فنفهم بأن الفساد ناشئ من الباطل.

وحينئذٍ فقوله تعالى: إلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ لا يمكن أن يكون مستثنى من الباطل بعنوانه، بل بعنوان أنه حقّ في مقابل الباطل، فقد جعل عنوان الباطل في طرف وعنوان الحقّ في طرف، غاية الأمر أن التجارة بما أنها سبب عامّ البلوى في أسواق الدنيا، فقد ذكرها بصفتها مصداقاً للحقّ، بحيث إن سبباً آخر لو أصبح مصداقاً للحقّ فهل ندخله في الباطل؟

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) طه: 32.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

هذا لا يمكن، فنفهم من الآية الحصر باعتبار أن عندنا عنوانين لا ثالث لهما، وهما عنوان الباطل في نظر العقلاء والحقّ في نظر العقلاء، فنفهم من الآية أن السبب منحصر بالتجارة بما أنها حقّ يعني منحصر بالحقّ، لا أنه من الباطل ومع ذلك لا بأس بأكله، بحيث إن كلّ سبب باطل إلّا التجارة، فلو قام دليل على صحة سبب وخصصنا به الآية، لكان المعنى أنه باطل يجوز أكله عند الشارع فهذا مستهجن جداً.

فالعرف يفهم إن الحرمة تحت رأس الباطل، وإذا لم يكن السبب باطلاً كان حقّاً ونافذاً، والاستثناء منقطع ولا نفهم الحصر منه، وإنما نفهمه من جعل الحقّ في طرف والباطل في طرف.

فنرى أنه إذا حدثت تجارة وكان الرضا بها متأخّراً، وهي المعاملة الفضولية، هل يعتبرها العقلاء في صف الحقّ أو الباطل؟ بلا إشكال حقّ. وما قالوه(1) من أنَّه بعد لحوق الرضا يكون تجارة غير صحيح، ومع ذلك لا نفهم فساد المعاملة الفضولية؛ لأنها وقعت في قسم الحقّ، وليس عند الشارع اصطلاح خاصّ في جعل مفهوم الحقّ والباطل، غير ما هو عند العرف، والفضولي يعتبره العقلاء في طرف الحقّ فيستفاد من الآية صحّته.

ذات البيع ليس مقابلاً للباطل(2)، فبعد فهم العلّية من الباطل يكون في 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 365، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مقابله(1) الحقّ، بعنوانه لا بعنوان ذات البيع، وإن كان باطلاً ولم يكن حقّاً، وإنما ذكر البيع بصفته المصداق العام للحقّ، وهذه الجملة بكِلا طرفيها شاملة لتمام الأسباب بنحو القاعدة العامة، غايته أنها في طرف الباطل غير قابلة للتخصيص، ولكنها قابلة له في طرف الحقّ، كالربا فإنه حقّ في نظر العقلاء، وقد نهى عنه الشارع، فلو خلّينا والآية لقلنا بدلالتها على نفوذ المعاملة الربوية ولكنها خرجت بالتخصيص.

ولو كان معنى الحقّ والباطل ما كان عند الشارع باطلاً وحقّاً تقيّداً، لأمتنع التقييد من الطرفين، حتى في طرف الحقّ، بأن يقال: هذا حقّ عندي ولكن لا تعملوه.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() لا يخفى أن الباطل قد يكون في مقابله الحقّ وقد يكون في مقابله الصحيح النافذ. وربما كان مراد الآية هو الثاني باعتبار تعرّضها للتجارة، والمناسب في شأنها هو الصحّة والبطلان بمعناهما الوضعي، إلّا أنَّ كون السبب الفلاني -غير القدر المتيقّن من الصحّة- صحيحاً أو لا، لا يمكن أن نثبته بالآية، باعتبار كونه شبهة مصداقية لها. اللّهمّ إلّا إذا نقّحنا الموضوع بحسب الصحّة العرفية. وربما كان المراد من الآية الباطل في مقابل الحقّ كما هو مصطلح القرآن في غير هذا المورد، وحينئذٍ لا تكون الآية متعرّضة لإمضاء الأسباب أصلا، وإنما يكون المعنى أن السبب الذي يكون في المرتبة السابقة حقّاً يكون استعماله صحيحاً، والذي يكون كذلك باطلاً يكون استعماله محرّماً. فلا بُدَّ من تنقيح ذلك بالسيرة ونحوه، ولا تكون الآية دليلاً على شيء، فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إذن فالآية في حال أن الاستثناء منقطع، نفهم منها الحصر، ونفهم صحّة البيع الفضولي. 

الروايات الدالة على بطلان الفضولي

بقي أن ننظر إلى الروايات الواردة في المقام.

تشبّثوا لبطلان العقد الفضولي بروايات:

رواية (نهى النبي عن بيع ما ليس عندك)

أحدها: النبوي المروي من طرق العامة والخاصّة، ومضمونه من طرق العامة: “لا تبع ما ليس عندك(1).

ومن طرقنا: (نهى النبي عن بيع ما ليس عندك)(2).

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) السنن الكبرى (البيهقي) 5: 267، كتاب البيوع، باب من قال لا يجوز بيع العين، الحديث 10725، سنن أبي داود 3: 302، كتاب الإجارة، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، الحديث 3505، سنن ابن ماجة 2: 737، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، الباب 20، الحديث 2187، سنن الترمذي 3: 534، البيوع، كراهيّة بيع ما ليس عندك، الحديث 1232، سنن النسائي بأحكام الألباني 7: 289، كتاب البيوع، بيع ما ليس عند البائع، الحديث 4613، مسند أحمد بن حنبل 3: 402، مسند المكّيّين، مسند حكيم بن حزام، الحديث 15346.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 8، باب ذكر جمل من مناهي النبي، الحديث 4968، تهذيب الأحكام 7: 230، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 25، ووسائل الشيعة 17: 357، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 12.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ونفرض أن العبارة بهذا المقدار أوّلاً، حتى نرى بعد ذلك ما هو حال صدر الرواية.

إذا كنّا وهذه العبارة، ففيها ابتداءً احتمالان:

أحدهما: أنها في صدد بيان الشرط للمعاملة بصورة ما إذا كان المبيع عندك.

الثاني: أنها في صدد بيان المانع من صحّة المعاملة.

وهذان الاحتمالان متصوّران بدواً، وإن كان في الأمور التكوينية، يكون الثاني محالاً، فإن الشيء إذا كان عدماً وليس عنده، لا يمكن أن يكون مؤثّراً تكويناً، ولكن يقال: بأنه في الأمور الاعتبارية يمكن أن يتصوّر هذا العدم بنحو من التصوّر ويجعل هذا القانون عليه.

ثُمّ إن البحث في أنَّ المزاحمات هل ترجع إلى الشروط المتقابلة أو هو باب مستقلّ؟ فهذا بحث طويل، إذا قيل إنَّ شيئاً هو قاطع أو مانع أو رافع أو دافع، فهل معناه أن هناك شرطاً في مقابله، فيكون معنى قوله (لا تصلِّ فيما لا يؤكل)(1) أنه يشترط أن يكون مما يؤكل، أو أن ما لا يؤكل مانع ومزاحم؟

فقوله: “لا تبع ما ليس عندك“، هل معناها أن كونه ما ليس عندك مانع ومزاحم مع صحّة المعاملة، أو أن كونه عندك شرط في صحتها؟

ــــــــــ[151]ــــــــــ

() مَن لا يحضره الفقيه 4: 366، باب النوادر، الحديث 5762، الوافي 26: 177، باب مواعظ رسول الله’، الباب 11، الحديث 25393، ووسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي، الباب 2، الحديث 6، نص الرواية “لا تُصلّ في جلد ما لا يُشرب لبنه ولا يُؤكل لحمه”.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

والاستفادة تفرّق بين هذين التصوّرين، فإذا قلنا إنه يشترط في المعاملة أن يكون المبيع عندك، فقد أخذ الشرط في الكلام بهذا المقدار، فأيّ شيء لم يكن كذلك فالشرط غير متحقّق فيه، كما لو كان المبيع عيناً خارجية وهي ليست عندي، إما عند غيري أو غائبة عنّي، أو كان المبيع كلّياً ولم يكن مصداقه عندي، وإنما يكون عندي عند تحقّق مصداقه كصاعٍ من صبرةٍ.

فيكون بيع السَلَم غير صحيح، وبيع الجزئي إذا لم يكن عندي أيضاً غير صحيح، فهذا في صورة جعل (عنده) شرطاً.

وأما إذا قلنا بأن (ليس عندك) موضوع، وليس كناية عن الشرط، بل الحكم وارد على هذا العنوان، وهو ينقّح المانع، فعليه يمكن أن يقال: إن الأشياء التي غير موجودة الآن لا يشملها الحديث؛ لأنه إذا سلب شيء عن شيء فهو ظاهر بسلب المحمول لا سلب الموضوع، فإذا قلنا: (زيد ليس بقائم)، فزيد مفروض الوجود وهو ليس بقائم، ولا تشمل ما إذا لم يكن زيد موجوداً، أما لظهور القضية بذلك، أو لأن السلب عن الأعدام لا معنى له بحكم العقل، يعني سلب الأمور التي تسند إلى الموجودات.

فإذا قيل: (إن المبيع ليس عندي)، فهو مفروض الوجود، وهو ليس عندي، ففي الموارد التي لا يكون للمبيع وجود أصلاً، لا يكون مشمولاً للحديث، كبيع الثمرة.

الذي أظنّه أنه بنظر العرف يريد بيان الشرط لا بيان جعل المانع والمزاحم، حتى نذهب وراء العقل ونرى أن هذا هل هو صحيح عقلاً وعرفاً أو لا؟

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إذن يكون المعنى: أنه يشترط في المبيع أن يكون عندك، حتى نعلم أنه ما معنى (عندك)، ويكون بعقد السلب شاملاً لجميع الموارد التي أشرنا إليها كبيع السلم والكلّي والجزئي الغائب.

فنفهم منه مثل ما يفهمون من نحو “نهى النبي عن بيع الغرر(1) يعني يشترط في المبيع أن يكون معلوماً، لا أن الغرر مانع عن صحّة البيع، وكذلك النهي عن بيع المجهول والغبن والربا، وإن كان كلّ واحد لا بُدَّ من استظهاره على حدة، لكن لا يبعد أنه مع عدم القرائن يكون راجعاً إلى الشرط.

[الاحتمالات في معنى (عندك)]

الكلام الآخر: في معنى (عندك) وفيه عدّة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن نجمد على ظاهر اللفظ، يعني: حاضر فعلاً عندك، فلو كان تحت قدرتك لكن في ذلك المنزل لم يكن عندك على هذا الاحتمال فيكون من جملة شرائط المبيع أن يكون حاضراً.

وحينئذٍ إذا كان مالي غير حاضر لا يصحّ بيعه، وإن كان مال الغير حاضراً ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) دعائم الإسلام 2: 21، الفصل الثالث، الحديث 34، عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، ووسائل الشيعة 17: 448، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الحديث 3، السنن الكبرى (البيهقي) 5: 266، كتاب البيوع، باب لا يجوز بيع العين الغائبة، الحديث 10197، سنن أبي داود 3: 262، كتاب البيوع، باب في بيع الغرر، الحديث 3378، سنن ابن ماجة 2: 739، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع الحصاة، الحديث 2195.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

صحّ بيعه، فإن جهة الحضور غير جهة كونه مال الغير، ولا يكون للحديث تعرُّض لحكم مال الغير.

الاحتمال الثاني: أن يراد من قوله: (عندك) بنحو الكناية، كونه تحت قدرتك وتحت سلطتك ويدك، فلو بعت الموجود الغايب صحت المعاملة إذا كان تحت سلطنتي، ولو بعت مال الغير لم يصحّ؛ لأنه ليس تحت سلطنتي بالفعل، وإن أمكن شراؤه، إلّا أنَّ شراءه يدخله بعد ذلك في سلطتي وليس بالفعل داخلاً، وإذا كان مالي خارجاً عن قدرتي وسلطنتي بغصب ونحوه، فيكون بيعه أيضاً باطلاً، فكلّ مبيع ليس تحت سلطنتي الفعلية يكون مشمولاً للنهي في الحديث كالبيع سلفاً، إذا لم يكن المصداق تحت سلطنتي فعلاً.

الاحتمال الثالث: أنه لا يريد أن يعمل عنوان تحت السلطنة، بل ما هو معتبر عند العقلاء من القدرة على التسليم، فإذا بعت مال الغير ولكن عندي قدرة على التسليم لعلمي أن صاحبه يبيعه، صحّ البيع، وإذا بعت مالي الغائب وأنا قادر على التسليم صحّ أيضاً.

وأما بيع مالي المغصوب مني فلا يصحّ، وأما السَلَم فإذا كنت قادراً في حينه على التسليم يصحّ، وإذا لم أكن قادراً لم يصحّ.

الاحتمال الرابع: (ما ليس عندك) يعني: ما لست مالكاً له، يعني يشترط في البيع أن يكون مالكاً، وإذا لم يكن مالكاً لم يصحّ البيع، فسواء بعت مال الغير لنفسي ثُمّ اشتريه، أو بعته عن صاحبه، كِلاهما يكون شاملاً له بالنظر البدوي.

فأيّ هذه الاحتمالات هو الظاهر من الحديث؟

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أما الاحتمال الأول، وهو الجمود على اللفظ، وأن يكون حاضراً فعلاً، فبلا إشكال غير مراد.

وأما الاحتمال الثاني، فبعيد أيضاً، بحيث لو بعتَ مالك سلماً وأنت تستطيع التسليم في حينه، يبعد القول ببطلانه.

أما الاحتمالان الأخيران فصحيحان، وهما القدرة على التسليم، وهو لا ربط له بالفضولي، والثاني: اشتراط الملك.

وحينئذٍ يأتي الكلام في المراد من ذلك، هل المراد منه أن الشيء الذي لست مالكاً له، لا تبعه كما تبيع أموالك، لا تذهب إلى السوق وتبيع أموال الناس كما تبيع أموالك، يعني تسلّم المتاع وتأخذ الثمن؟ أو المراد أن البيع حتى بالمعنى الإنشائي لا يتحقّق، بحيث يشترط في تحقّق ماهيّة البيع الملكية؟ فكما يشترط في تحقيق ماهيّته أن لا يكون ربوياً أو غررياً أو مجهولاً وأن لا يكون القبول متقدّماً -مثلاً- كذلك يشترط أن تكون مالكاً.

وعلى التقدير الأخير، فهل يريد أن يسلب حتى الإيقاع، ويعتبر وجوده كعدمه ولا يكون العقد واقعاً أصلاً؟ أو يريد أن يسلب نفوذه وصحّته الفعلية فلا تكون مع عدم الملكية معاملة فعلية؟

فعلى أوّلهما وهو أن يكون الشرط شرطاً لماهيّة المعاملة، بحيث لولاه فماهيّة المعاملة غير موجودة، ولو بالتعبّد الشرعي، فالفضولي يكون باطلاً.

وأما على الثاني وهو عدم النفوذ عند عدم الشرط، فهو لا يتعرّض لسلب العقد الفضولي.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهذه هي المحتملات، والترجيح لأحدها بشكل حسابي مشكل، إذا لم يرجّح هذا المعنى: وهو إن اشتراط كون المبيع غير ربوي ولا مجهول، أو اشتراط تقدّم الإيجاب على القبول، معلوم أنها شرائط مربوطة بماهيّة المعاملة وأصل إيقاعها، وليس لها ربط بشيء آخر، أما النهي عن بيع مال الغير فليس من قبيل ذلك، وإنما يأتي إلى النظر أن المراد: (لا تبعه كما تبيع مالك وتأخذ الثمن عليه)، وليس المراد سلب ماهيّة المعاملة وألفاظها، وإن كان ذلك ممكن ثبوتاً أيضاً.

هذا كلّه بقطع النظر عن صدر الرواية، وأما بملاحظة صدرها الوارد في رواية حكيم بن حزام، فلا بُدَّ أن نرى مفاده.

لا بيع إلا فيما تملكه 

من جملة الروايات التي يستشهد بها على بطلان بيع الفضولي، قوله: “لا بيع إلّا فيما تملكه، ولا طلاق إلّا فيما تملكه، ولا عتق إلّا في ما تملكه(1).

وفي بعضها: “لا بيع إلّا فيما تملك(2).

وهذا يختلف عن (لا تبع ما ليس عندك) من ناحية وجود كلمة (عندك)، 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

() عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 205، باب التجارة، الحديث 47، مستدرك الوسائل 13: 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 22: 818، الباب 1 من أبواب البيع، الحديث 3.

(2) عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 247، باب المتاجر، الحديث 16، مستدرك الوسائل 13: 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

التي بحثنا احتمالاتها فيما سبق، وهي غير موجودة هنا، كما أنه هناك قيل: (لا تبع)، وهنا قيل: (لا بيع)، وبين التعبيرين فرق.

وفي “لا بيع إلّا فيما تملكه” احتمالات تنشأ بعد صدق عنوان البيع على بيع مال الغير في نظر العقلاء، ومع ذلك نفى كونه بيعاً، فهنا عدّة احتمالات:

أحدها: أنه يريد أن ينفي ماهيّة البيع تعبّداً، خلافاً لنظر العقلاء من وجودها من دون ترتّب الأثر، وقلنا بأن ترتّب الأثر ليس دخيلاً في الماهية، فما هو بيع عند العقلاء لا يعد بيعاً عند الشارع تعبّداً.

ثانيها: أن يكون من باب الحقائق الادّعائية، غايته فيه احتمال أنه يريد سلب الماهيّة، ومصحّح الادّعاء يكون هو: إن هذه الماهية ليس لها أيّ أثر من الآثار حتى أثر الجزء السببي -الذي يصحّ معه العقد بالإجازة- المصحّح الآخر هو أن هذه الماهيّات وهي البيع والطلاق والعتق لها أثر ظاهر وهو ترتّب الأثر عليها من انتقال الملكية والفرقة والحرية، فيُدّعى أن الادّعاء بلحاظ هذا الأثر الظاهر يعني: حيث إنَّه لا أثر ظاهر له فهو ليس بيعاً، فهو لا يريد أن يقول إنه ليس بيعاً مطلقاً، بل ما لا يترتّب عليه الأثر المطلوب ليس بيعاً.

أما إذا كان الادّعاء بالنحو الأوّل وهو نفي ماهيّة البيع تعبّداً، أو بالنحو الثاني وهو ما إذا كان مصحّح الادّعاء نفى تمام الآثار.

وفرضنا إطلاقها تامّاً، فالإجازة المتأخّرة لا تفيد، وأما إذا كان المراد هو الاحتمال الثالث، وهو نفي البيع باعتبار أثره الظاهر، فهو لا تعرُّض له إلى مفهوم البيع وماهيّته، بل المراد أن جزء السبب مادام لا أثر له فهو ليس بيعاً، 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وأما إذا أجاز وترتّب عليه الأثر فيكون بيعاً، فلا تكون صحّة البيع الفضولي منافياً مع الرواية.

[تحقيق الكلام في المقام] 

وتصديقاً، ما حال هذه الروايات؟ نحن لا نعلم أن مناهي النبي الواردة عن طرق العامة وطرقنا هل ذكرها الرسول معاً، أو هي قضايا قالها بشكل منفصل، ثُمّ جمعها الرواة في الرواية، فهو جمع للناقل لا لرسول الله، فإذا كان الجمع منه فيستفاد من هذه الفقرات “لا بيع إلّا فيما تملكه، ولا طلاق إلّا فيما تملكه، ولا عتق إلّا فيما تملكه” أن لها معنى واحداً بحسب السياق، يعني ما دامت المرأة زوجة يمكن أن يطلّقها، ولا تعرُّض له إلى الطلاق الفضولي من قبل شخص آخر لعدم معهودية ذلك، وإن كان البيع الفضولي معهوداً، فيكون المراد أن من يطلّق هو الزوج، وأما إذا لم يكن زوجاً فلا يطلق(1)، وأن من يعتق هو مالك العبد، وأما إذا لم يكن مالكاً فلا يعتق، وكذلك الحال في البيع، ولا تعرُّض له إلى حكم الفضولي بوجه، وإذا فرض أن له تعرُّضاً فبهذا النحو: وهو أنه كما أن العتق لا بُدَّ وأن يصدر من صاحب المال 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

() لا يخفى أن هذه الفقرة الثانية لو دلّت عليها الرواية ولو بالمفهوم دلّت على عدم صحّة الفضولي في هذه المعاملات لامحالة، ومن الطريف أن السيد نفى دلالتها على الفضولي في الطلاق، واعترف بهذه الدلالة، مع أنه إذا لم يكن زوجاً كان طلاقه فضولياً كما هو واضح. إلّا أنَّ الشأن في دلالة الرواية عليه فإنه يكون من مفهوم الحصر فيبتنى على القول به. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ليكون صحيحاً، كذلك البيع لا بُدَّ أن يصدر من صاحب المال ليكون صحيحاً، أما أن ألفاظه(1) ملغاة فليس في صدد بيانه، فتلك الاحتمالات وإن كانت موجودة إلّا أنَّ المفهوم من السياق هو ذلك.

وأما إذا كان جمعاً في الرواية، فأيضاً يفهم من قوله: “لا عتق إلّا فيما تملكه” أن العتق لا يتحقّق إلّا بالملك، وأما أنه يريد أن ينفي أصل الماهيّة، فهو خلاف الظاهر، وإنما ادّعاء الحقيقة الادّعائية باعتبار الأثر الظاهر، ولا ينافي صحّته بإذن المالك، إذن لا يستفاد من هذه الرواية عدم صحّة البيع أو العتق أو الطلاق الفضولي من هذه الرواية.

قلنا: “لا تبع ما ليس عندك” مرّة نلحظها في نفسها، وقد سبق أن ذكرنا محتملاتها، وأخرى نلحظها مع صدرها، نقل العلّامة عن أحمد بن حنبل بإسناده، عن حكيم بن حزام، عن النبي، أنه سأل(2) عن الرجل يبيع الشيء، فيشتريه، ويمضي ويسلمه قال: “لا تبع ما ليس عندك“.

فهل السؤال في قوله: (يبيع الشيء) عن الشيء الخارجي، يعني يبيع عباءة الغير لشخص، ثُمّ يذهب فيشتريها من صاحبها ويسلّمها إلى المشتري، أو المقصود بيع عباءة كلية موصوفة، ثُمّ يشتري عباءة مطابقة للوصف ويسلّمها؟ وإنما سأل حكيم ابن حزام عن ذلك لأنه كان دلّالاً على ما قيل(3)، فلا بُدَّ أن 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() يعني الفضولي. (المقرِّر).

(2) هذا نقل بالمضمون على أقرب صوره، قرأه السيد في (الوسائل) من دون أن يعين الباب. (المقرِّر).

(3) يعني: قيل إنَّه دّلال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نرى أن ما هو المتعارف عند الدلّالين ما هو؟ والمتعارف بينهم هو بيع الكلّي ثُمّ يشتريه ويسلّمه، لا بيع الجزئي الذي هو ملك الغير، وإذا كان الثاني موجوداً فهو نادر الوجود، فهو ليس متعارفاً ولا عقلائياً، إلّا أن يسأل صاحبها ويتّفق معه على شرائها، فهذه الرواية محمولة على المتعارف، وما قيل من أنَّ بيع الكلّي على صحّته الإجماع والنص فالرواية تتعرّض للجزئي غير تامّ.

الآن نفرض أن سؤال السائل كان عن العين الشخصية، فأجاب النبي: “لا تبع ما ليس عندك“. فلماذا عدل النبي من الجواب الخاصّ إلى بيان كبرى كلّية؟ ولو أراد الجواب لكفاه أن يقول: (لا يجوز).

فنفهم من ذلك الكبرى الكلّية، الأعمّ من هذا المورد والموارد الأخرى، فلا بُدَّ أن نرى مدلول(1) الكبرى، ولا تكون الصغرى قرينة عليها، وفي الصغرى جهتان إحداهما كون العين شخصية على الفرض(2). ثانيهما أنه باع مال الغير لنفسه، فإذا عمّمنا الكبرى من حيث الجهة الأولى فهل هي منزّلة على الجهة الثانية، أو أنها كبرى كلّية أعمّ من ذلك في الحقيقة؟

إذن فهذه الكبرى الكلّية لا يفرق في احتمالاتها التي ذكرناها آنفاً وجود صدرها، والعلّامة(3) ذكر أنها منزّلة على العين الشخصية وعلى أن يشتري لنفسه، ولنا في كِليهما مناقشة، وقال: إن هذه المعاملة باطلة للغرر، ولا أجد فيه خلافاً(4).

ــــــــــ[160]ــــــــــ

() وقد سبق الكلام فيه. (المقرِّر).

(2 ) هذا القيد لم يذكره السيد. (المقرِّر).

(3) تذكرة الفقهاء 10: 16، كتاب البيع، الفصل الثالث: في المتعاقدين، الفرع الثالث.

(4) اُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 نقول: والعمدة في المقام أنها رواية غير معتبرة السند؛ إما عامية أو ضعيفة.

وهنا كلام آخر: وهو أنه قال الشيخ(1): إنها على تقدير دلالتها فهي دلالة بالعموم وقابلة للتخصيص، بعد تفسيره “لا تبع ما ليس عندك“، بما لا يكون مملوكاً لك، فيكون كقوله: (لا بيع فيما لا يملكه) من حيث المضمون، ويكون المضمون قابلاً للتخصيص، وهو ليس عموماً قابلاً للتخصيص، بل هو إطلاق قابل للتقييد. 

[كلام الميرزا النائيني]

وعلى أيّ حال فقد قال المرحوم النائيني(2) إنه ليس عموماً وخصوصاً بل هو تباين؛ لأن العموم والخصوص فرع أن يثبت لقوله (لا تبع ما لا تملكه) إطلاقٌ للبيع لنفسه ولصاحبه، سواء أذن صاحبه أو لم يأذن، فيخرج بأدلّة تصحيح الفضولي صورة ما إذا باع عن صاحبه وأجاز ويكون أخصّ منه. 

يقول: لكن ذلك العموم غير متحقّق، فإن صورة ما إذا باع ملك الغير لنفسه أو لصاحبه بلا إجازة، واضح البطلان لا يحتاج إلى سؤال، فيبقى السؤال منحصراً عن صورة الإجازة، فهذه الأحاديث تنفي صحّته وأدلّة الفضولي تثبتها، وهو معنى التباين.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 368، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأولى.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 221-222، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثُمّ يقول: إذا بنينا على أنَّ الأدلّة المانعة تشمل تمام هذه الأقسام، فالأدلّة المجوّزة شاملة لتمام الأقسام أيضاً، فالتباين حاصل أيضاً.

يقول: وبعبارة أخرى: أن الأدلّة المانعة مفادها أنه يعتبر إجازة المالك في الأسباب، والأدلّة المجوّزة مفادها أنه لا يعتبر إجازته في المسبّبات، ولازمه أنه لا يعتبر في الأسباب، فأيضاً يعود التباين(1).

نقول: إننا في مقام تشخيص العامّ والخاصّ، لا بُدَّ أن نحسب حساب الروايات، مثلاً “لا تبع ما ليس عندك” -على تفسير الشيخ: بما لا تملكه، لها عدّة أنحاء، وصوره:

منها: أن يبيع لنفسه مال الغير ثُمّ يشتريه ويسلّمه.

ثانيها: أن يبيعه لنفسه ثُمّ ينتقل إليه بإرث ونحوه.

ثالثها: أن يبيع مال الغير للغير متوقّعاً للإجازة.

رابعها: أن يبيع مال الغير للغير غير متوقّع للإجازة.

ولكم أن تقولوا: إن صورة ما إذا باع مال الغير لنفسه وأخذه غصباً، وصورة ما إذا باعه لغيره غير متوقّع للإجازة، واضح الفساد غير محتاج للسؤال.

أما صورة ما إذا باع مالاً كلّياً ثُمّ يشتري منه ويسلّمه، فهذا متعارف، وصورة ما إذا باع المال الجزئي للغير ثُمّ اشتراه منه وسلّمه للمشتري، وهو غير متعارف، إلّا أنَّه مشمول للرواية، وكِلاهما حكمه غير واضح يستحقّ السؤال عنه، وهذه لا تشملها الأدلّة المجوزة.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) اُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ولا أعلم ما مقصوده من الأدلة المجوّزة، هل مقصوده العمومات، وهي ليست مرادة للشيخ، أو رواية عروة البارقي ونحوها، ونسبتها إلى (لا تبع ما لا تملك) نسبة المطلق إلى المقيّد في الواقع أو العامّ إلى الخاصّ على مصطلح الشيخ، وليست هي التباين.

نعم، يأتي كلام آخر، وهو: أن صحيحة محمد بن قيس، كان مفادها أنه باع أمَة أبيه لنفسه، وإن لم يكن ذلك مصرّحاً به لفظاً، لكنه ثابت بحسب المتفاهم، فقال: (إذا جاز صحّ). ورواية عروة البارقي دلّت على الشراء عن المالك، ودلّت على صحّته أيضاً بقوله: “بارك الله في صفقة يمينك“.

فهل مع هذين المخصّصين أو المقيدين يصل معه أفراد المطلق إلى حد الاستهجان، فيقع تعارض بالعرض بين المقيّدين، فلا يمكن أن نأخذ بكِليهما، إذ لا يبقى تحت العامّ إلّا الفرد النادر الذي ذكره النائيني في نسبة التباين.

أو أن الأمر ليس كذلك، إذ إنَّه أراد بيان الأمر المتعارف، وهو أن يبيع كلياً ثُمّ يشتريه ويسلّمه، فيأتي كلام آخر: هو أنه بيع الكلّي سلفه صحيح ونقده صحيح أيضاً بحسب الأدلّة، فيخرج عن العامّ، ولا يبقى إلّا بيع الجزئي الخارجي، ويخرج أيضاً صورة الشراء لنفسه مع إجازة المالك، بعد ثبوت صحّته بالأدلّة، ولا يبقى تحت العامّ إلا أن يبيع الغاصب العين الشخصية ثُمّ يجيز المالك، فإذا كان هذا نادراً، يقع التعارض، إما بين مجموع المقيّدات والعامّ، أو تعارض بالعرض بين المقيّدات نفسها، وإذا أردنا أن نتعرّض له كان بحثاً أصولياً يخرجنا عن محلّ الكلام(1).

ــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) راجع صور المطلق والمقيّد وأحكامها في مناهج الأُصول 2: 331، وتهذيب الأُصول 2: 74، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

رواية القاسم بن الفضيل وغيرها 

يبقى روايات أخرى، منها ما هو صحيح، لا بُدَّ أن نرى ماذا يستفاد منها.

بقيت الروايات الخاصّة المروية بطرقنا، نرى مقدار دلالتها على بطلان البيع الفضولي.

في أبواب عقد البيع الباب الأوّل الحديث الثاني: محمد بن الحسن بإسناده، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن البرقي، عن محمد بن القاسم بن الفضيل
-الظاهر أنها صحيحة-، قال: “سألت أبا الحسن الأوّل عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطايعهم، وكتب عليها كتاباً بأنها قد قبضت المال ولم يقبضه: فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: قل له: يمنعها أشدّ المنع، فإنها باعته ما لم تملكه(1).

الكلام في هذا التعليل، وهو تعليل لأمره بأن يمنعها أشدّ المنع؛ لأنها باعته ما لم تملك، وهذا فيه احتمالان:

أحدهما: أن هذا البيع باطل، ولهذا يجب عدم دفع المال. 

وهذا الاحتمال فيه: أولاً: أن هذا البيع يقع باطلاً على الإطلاق، فالمستدلّ بالرواية على بطلان العقد الفضولي، يمكن أن يقول: إن هذا وإن كان علّة لمنع 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 133، باب أداء الأمانة، الحديث 8، تهذيب الأحكام 6: 339، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 66، الوافي 17: 395، كتاب المعايش والمكاسب، أبواب وجوه المكاسب، الباب 44، الحديث 9، ووسائل الشيعة 17: 334، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشرطه، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

تسليم المال، لكن يستفاد منه بما أنه ليس بمالك فبيعه باطل وملغى، وإطلاقه يقتضي عدم صحّته حتى بعد تعقّبه بالإجازة، فعلى هذا الاحتمال تكون الرواية دليلاً على بطلان البيع الفضولي.

ثانياً: أنه وإن كان يستفاد منها أن البيع بما أنه واقع على مال الغير فهو باطل، ولم يكن البائع مالكاً ولم يصبح المشتري مالكاً ليجب التحويل -يعني التسليم- إليه، لكن المراد بالبطلان، البطلان الفعلي القابل لتعقّب الإجازة، لكن بما أنه باطل، فلا يجب دفع المال إليه، وعلى هذا الاحتمال لا يكون الحديث دليلاً على بطلان الفضولي، وليس له إطلاق من تلك الجهة.

الاحتمال الثاني: أنه ليس فيه تعرّض إلى أنَّ البيع باطل، وإنما هو ناظر إلى عدم جواز التسليم، فحتى لو فرض صحّة المعاملة، كما لو كانت مأذوناً فيها، إلّا أنَّه وقع على مال الغير، ودفع مال الغير لا يمكن إلّا بإجازة المالك، فلو أذن المالك لأحد ببيع ماله احتاج الإقباض إلى أذن جديد.

فأيّ هذه الاحتمالات أقرب إلى نظر الإنسان، وما هو المستفاد من التعليل؟ هل الاحتمال الأوّل (لأنها باعته ما لم تملكه)، فكلّ من لا يملك تقع معاملته باطلة، ويشترط في صحّة البيع صدوره من المالك، ومقتضى الإطلاق أنه لا يقع صحيحاً حتى بالإجازة؟

أو لا يريد أن يعرب إلّا عن عدم جواز دفع مال الغير؟ أما أن البيع صحيح أو لا، وإن كان صحيحاً فهل هو صحيح تأهلي أو فعلي، فليس له تعرّض لذلك، فهذا الشخص لم يبع ماله لكي يدفع، وإنما باع مال غيره، ومال 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الغير لا يجوز التصرف بمال الغير إلّا مع إذن المالك. والظاهر هو هذا وليس له تعرّض إلى بطلان الفضولي فعلاً أو تأهيلاً، ولا إلى أنَّه: يشترط أن يكون المال من المالك، فإن هذا معنى (مدرسي) وليس معنى سوقياً، ونحن يجب أن نفهم المعنى من السوق، إذن فالرواية أجنبية عن التعرّض لصحّة وبطلان العقد(1) الفضولي.

ومنها: ما ورد في الباب الثاني، الرواية الأولى: محمد بن الحسن الطوسي بإسناده، عن محمد بن الحسن الصفار -صحيحة-، أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري، في رجل له قطاع أرضين فيحضره، الخروج إلى مكّة، والقرية على مراحل من منزله، ولم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه، وعرف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: اشهدوا أني بعت فلاناً -يعني المشتري- جميع القرية التي هو منها كذا والثاني والثالث والرابع، وإنما له في هذه قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك؟ وإنما له بعض هذه القرية، وقد أقرّ له بكلّها، فوقع: “لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البايع على ما يملك(2).

ــــــــــ[166]ــــــــــ

() لا يخفى أنه لا بُدَّ من الاعتراف بدلالة الرواية على بطلان المعاملة في الجملة ولو بطلاناً فعلياً؛ لأنها لو کانت صحيحة فعلية لوجب تحويل المال إليها كما هو واضح. فالمتعيّن هو الاحتمال الثاني في الرواية. ومعه لا تكون دالّة على بطلان الفضولي مطلقاً، وإن كانت واردة في موردٍ كما هو واضح. (المقرِّر).

(2) الكافي 14: 625-626، كتاب الشهادات، الباب 23، الحديث 4، من لا يحضره الفقيه 3: 242، كتاب المعيشة، باب إحياء الموات والأرضين، الحديث 3886، تهذيب الأحكام 6: 277، كتاب القضايا والأحكام، باب 91، الحديث 163، ووسائل الشيعة 17: 339، الباب 2 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فالمشتري لم يكن له نظر في بيع القرية، وإنما عمل ذلك لدفع الغرر؛ لأنه يعرف حدود القرية ولا يعرف حدود قطاعه، فلو باعه القرية، وإن كان من بيع ما لا يملك، إلّا أنَّه يكون سبباً في دفع الغرر عن المعاملة، فيُعلم أنه بهذا يرتفع الغرر، وإن استقرّ البيع على ما يملك وهو مجهول الحدود، إلّا أن وقوعه على القرية المعلومة الحدود كافٍ في صحّته، والعلم بحدود المجموع مع وقوع العقد عليه كافٍ في دفع الغرر.

وعلى أيّ حال فالكلام في قوله: (لا يجوز بيع ما ليس يملك وقد وجب الشراء فيما يملك) هل يريد أن يقول أن ما ليس يملك بيعه غير نافذ؟ وإطلاقه يقتضي عدم صحّته حتى بالإجازة. أو في مقابل “وجب الشراء” فهو لا يجوز، يعني غير نافذ فعلاً، أما عدم نفوذه حتى بإذن المالك فغير معلوم كونه مراداً.

أو نقول: إنه لماذا غيّر التعبير، فلم يعبّر في كِلا فقرتي كلامه بـ(يجوز) ولا في كِليهما بـ(وجب)، وإنما قال: “لا يجوز بيع ما ليس يملك وقد وجب الشراء من البايع فيما يملك“. هل هذا التغيير بلا نكتة؟ هل يريد أن ينفي نفوذ البيع أصلاً، أو يريد أن ينفي نفوذه فعلاً، بالمقدار الذي نحن نعترف به أيضاً؟ وليس المقصود من الجواز الجواز التكليفي، بل الجواز الوضعي وهو النفوذ، 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهو يشير إلى القصّة المعيّنة في صدر الرواية، وأن ذلك البيع ينفذ فيما يملك، ولا ينفذ فيما لا يملك، ولا يريد أن يؤسّس كبرى كلّية، وعلى أيّ حال فبيع ما لا يملك لا نفوذ له، أما عدم قابليته للحوق الإجازة مع تسالم العقلاء على عدم الفرق بين الإذن السابق والإذن اللاحق، لا يرد ذلك في ذهن الإنسان.

تبقى روايتان تعبيرهما مختلف عن هاتين الروايتين:

أحدهما: ما في الباب الأول من أبواب عقد البيع، رواها الكليني عن الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، في حديث: قال: “سأله رجل من أهل النيل(1) عن أرض اشتراها بفم النيل، وأهل الأرض يقولون هي أرضهم، وأهل الأسنان يقولون هي من أرضنا؟ فقال: لا تشترها إلّا برضا أهلها(2).

فيقال: إن الاشتراء لا بُدَّ أن يكون برضا الأهل، والاشتراء عبارة عن العقد الواقع بين البايع والمشتري، فإذا كان الإنسان مالكاً أو مأذوناً سابقاً أو 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() النيل: بليدة في سواد الكوفة يختلج خليج كبير، يتخلج من الفرات الكبير، حفره الحجاج بن يوسف الثقفي وسماه بنيل مصر. (معجم البلدان 5: 334 (نيل)، وحسب الجغرافية الجديدة: ناحية النيل هي أحد النواحي التابعة لقضاء المحاويل في محافظة بابل في العراق وتقع إلى الجنوب الشرقي من مركز القضاء.

(2) الكافي 10: 447، كتاب المعيشة، الباب 139، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 149، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 11، ووسائل الشيعة 17: 334، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مقارناً أو وكيلاً ونحوه فهو رضاء الأهل، أما الاشتراء الفضولي من الأجنبي والاشتراء عبارة عن قبول البيع ولم يؤخذ في مفهومه التسليم والتسلّم، فهو مورد الرواية.

الاحتمال الآخر: أنه ليس في مقام بيان ذلك، وإنما يريد أن يقول(1): إن هذه الأرض التي وقع فيها النزاع، كلّ جماعة تدّعي ملكيتها لنفسها، لا بُدَّ من تعيين المالك أوّلاً والشراء منه، أما كون الشراء لا بُدَّ أن يكون برضاء المالك فلا، فإنصافاً لا يستفاد منها شيء.

ثاني الروايتين: ما رواها أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي(2)، في (الاحتجاج)، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، أنه كتب إلى صاحب الزمان: “أن بعض أصحابنا له ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان، فيها حصّة وأكرته، ربما زرعوا وتنازعوا في حدودها، وتؤذيهم عمّال السلطان، ونتعرّض في الكلّ من غلات ضيعته(3)، وليس لها قيمة لخرابها، وإنما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرّج من شرائها؛ لأنه يقال: إن هذه الحصّة من 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() أُنظر: منية الطالب 1: 221، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأولى.

(2) هكذا ذكر اسمه في (الوسائل) في حين أن اسمه الفضل بن الحسن بن الفضل، صاحب (مجمع البيان) و(الاحتجاج) وغيرهما. وهو وهم غريب من صاحب (الوسائل). (المقرِّر).

(3) ربما يكون الصحيح ضيعته. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الضيعة كانت قبضت من الوقف قديماً للسلطان، فإذا جاز شراؤها من السلطان كان ذلك صوناً وصلاحاً له وعمارة لضيعته(1). وأنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة بفضل ماء ضيعته(2) العامرة، وينحسم عن طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك، عمل بما تأمره به إن شاء الله.

فأجابه: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلّا من مالكها، أو بأمره، أو رضا منه(3).

فيقال: إن الضيعة مغصوبة من قبل السلطان، فلا يمكن شراؤها منه، وإنما يجب شراؤها من صاحبها، فإن ابتياع الضيعة لا يكون إلّا من مالكها، أو بأمره أو برضى منه، فإذا خرج البيع عن أحد هذه الخصال الثلاث –والإمام في مقام التحديد- لم يكن بيعاً نافذاً.

أو أنه يريد أن يقول: إنه لا يمكن شراؤها من السلطان، بل لا بُدَّ في شرائها من مالكها، وأما هذا المعنى وهو: أنه لا بُدَّ أن يشتريها مقارناً لرضاء المالك فهذا ليس بصدده، ولعلّ إطلاق الرواية يقتضي جوازه بتحقّق رضا المالك به وصحّته بذلك. وكذلك إذا كان التعبير: (أو بأمر ورضا منه) فإنه يستفاد منه نفس المطلب، بتقريب بطلان الفضولي وتقريب صحّة كِليهما.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() ربما الصحيح لضيعته. (المقرِّر).

(2) لعلّ الصحيح: ما تنتجه ضيعته. (المقرِّر).

(3) الاحتجاج 2: 487، احتجاج الحجّة القائم المنتظر، ووسائل الشيعة 17: 337، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

هذه هي الروايات في هذا الباب، وأما الإجماع(1) فمعلوم حاله. 

وجه عقلي للبطلان

يبقى الكلام في الدليل العقلي، وتارةً يراد به العقل البرهاني، وأخرى يراد به حكم العقلاء بما أنهم عقلاء.

ذكروا وجوهاً أخرى في باب التشبّث لبطلان العقد الفضولي، بعضها وجه عقلي محض، وبعضها وجه عقلائي، وأكثرها ليس مهمّاً، نذكر بعضها مما فيه كلام وتعرض له الشيخ(2).

منها: أن العقل المؤيّد بالنقل يقبّح التصرف بمال الغير، إلّا بإذنه، وورد “لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال أحد إلّا بإذنه(3)، وصاحب (الوسائل) في الخمس والغصب(4) نقلها عن (الاحتجاج) والصدوق، بهذا النصّ: “لا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال امرئٍ إلّا بإذنه“، وربّما كان الشيخ نقلها من ذهنه وحفظه، ولم يرجع إلى مصدرها الأصلي، واللازم على المؤلّفين إذا أرادوا 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 370، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأُولى.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 371، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، الصورة الأولى، الرابع ما دلّ من العقل والنقل.

(3) الاحتجاج 2: 480، احتجاج الحجّة القائم المنتظر، ذكر طرف ممّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان.

(4) وسائل الشيعة 9: 541، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 7، و25: 386، الباب 1 من أبواب الغصب، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الرجوع إلى الرواية وعدم الوقوع في الخطأ أن يرجعوا إلى المصادر الأصلية والنقل عنها بالدقّة، وعدم الاعتماد على الحفظ في نقل الآية والرواية لاحتمال الخطأ، ورأينا من شيوخنا من يذكر الرواية في البحث ويحقّق حولها تحقيقات، ثُمّ نجد أن الرواية ليست كما ذكر وأن التحقيقات كلّها بلا موضوع، ويجب أن يرجع إلى كتبها الخاصّة، فإن لم يكن الكتب الأربعة فـ(الوسائل)، أو (الوافي) الذي هو أضبط من الوسائل، لا أن يأخذ الرواية من الكتب الاستدلالية حتى القديمة منها فضلاً عن الحديثة.

والظاهر من قوله “لا يحلّ” هنا هو الحكم التكليفي، لا الأعمّ منه ومن الوضعي، وإلّا كان ظاهراً في الفساد، بل يستفاد منها بقرينة صدورها وما يلحقها الحكم التكليفي بالخصوص.

إذن يقال في مقام هذا الاستدلال: إن البيع تصرّف في مال الغير، والتصرّف في مال الغير حرام، فالبيع حرام، وإذا كان البيع حراماً فهو فاسد، إذن بيع الفضولي فاسد.

الشيخ يجيب بوجوه(1)، لا بُدَّ أن نرى حالها.

وما ينبغي أن يقال، هو أن الإنسان حينما يبيع مال نفسه أصيلاً فيه، ويقع الأثر باعتبار العقلاء، فما الذي عمله في هذا البيع الخارجي؟ هل النقل أو الإضافة تكون الألفاظ سبباً له، ويكون المالك سبباً في تبديل الملكية منه إلى 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 371، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الآخر، فيكون تبديل هذه الصفة نحو من التصرّف، بحيث إنَّ تبديل الوصف من قبيل تبديل المكان؟

أو أنه ليس في الخارج شيء أصلاً، وليس وصفاً خارجياً، ولا أن هذا الإنشاء يكون سبباً لذلك المعنى الاعتباري العقلائي، فإن اعتبار العقلاء قائم بأنفسهم، ولا يمكن أن يتسبّب العاقد إلى إيجاده، غاية الأمر إذا أنشأ المالك العقد، يعتبر العقلاء الملكية، وعلى أيّ حال هو اعتبار، وإن انتزعته من الخارج، وقلت: (هذا مبيع وهذا منتقل)، لكن هذا ليس لأنه يوجد شيء في الخارج، بل لأن العقلاء اعتبروا وجود شيء في خارج النفس -لا في داخلها- ولا يخرج عن كونه أمراً اعتبارياً.

كما أن الإنشاء أيضاً لا يكون سبباً لاعتبار العقلاء، غايته أن المالك يجعل ويحقّق موضوعاً لاعتبار العقلاء، فإني حين التفتّ أن إنشائي موضوع لاعتبار العقلاء، فأنا أنشئ ليكون كذلك، فيحصل نقل الملكية.

فكل من الأصيل والفضولي، ليس عمله إلّا الإنشاء دون إيجاد صفة واقعية، ودون إيجاد اعتبار العقلاء، والمفروض أنه هو وحده لا أثر له، من دون انضمام الحكم العقلائي إليه، فالمالك لم يتصرّف في ماله حينما باعه، وإنما أوجد موضوع حكم العقلاء، فإذا كان في المقام تصرّف فهو تصرّف من قبل العقلاء، لا من المالك.

وإذا قلنا إن التصرّف من قبل العقلاء، فهو إن كان له وجه في المالك، إلّا أنَّه لا يصحّ في الفضولي والسارق والمقامر، فإن العقلاء لا يوافقون على بيوع هؤلاء، فالعقلاء أيضاً لم يحصل منهم تصرّف واعتبار لنقول إنه منهيّ عنه.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [نقل الأقوال في المسألة ونقدها]

فما قال الشيخ(1) والنائيني(2) أُخذ عن صاحب (المقابس)(3) من أنَّ الغاصب تصرّف واقعاً بالمال، وبعضهم يعبر أن العقد علّة تامّة للنقل والانتقال(4)، نحن لم نفهم ذلك، هل عقد الغاصب موضوع لاعتبار العقلاء، بحيث إنَّ العقلاء
-من دون ضابط وزمام- يوافقون على كلّ عقد؟ الآن -مع ما في العالم من مفاسد- لو باع الغاصب ورفعوه إلى المحاكم يبطلون معاملته، وكونه جاداً إلى البيع لا أثر له مع عدم انضمامه إلى اعتبار العقلاء. فما يقال من أنَّ الفضولي والغاصب والسارق والمقامر متصرّف في مال الغير لا يتمّ، والعقلاء أيضاً لم يعتبروه لكي تقول إنه منهيّ عنه. ولو فرضنا في المالك يقال عنه إنه تصرّف مسامحة فلا يقال ذلك في غيره، فإن السوق لا يوافق على بيعه، ولا يرتّب عليه الأثر والاعتبار.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 371، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الأُولى، الرابع: ما دلّ من العقل والنقل.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 222، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى، الرابع: ما دلّ من العقل والنقل.

(3) أُنظر: مقابس الأنوار: 128، البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، الموضع الأوّل: أن يبيع الفضولي معيّناً، القول الثالث.

(4) راجع كتاب المكاسب 3: 371، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الأُولى، الرابع: ما دلّ من العقل والنقل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الآن، نفرض أنه تصرّف في مال الغير، يقول: إنه ليس تصرّفاً حراماً؛ لأن قوله “لا يحلّ لأحد…” منصرف عنه، والعقلاء يوافقون عليه، لأن ما يجده العقلاء قبيحاً(1) هو ترتيب الأثر وهو التسليم والتسلّم، لعلّ الانصراف صحيح.

الآن لو قلنا بحرمة النقل، فهل هو موجب للبطلان، أو يمكن أن يكون حراماً وصحيحاً؟ وأبو حنيفة والشيباني اعتبرا النهي عن المعاملات دالّاً على الصحّة(2)؛ لأنه يدل على أنَّ المكلّف متمكّن من إيقاعها، إلّا أن يقال إنَّ النهي إرشادي إلى البطلان، أما النهي المولوي التحريمي إذا كان عن الألفاظ والإنشاء، فيقع الإنشاء حراماً، إلّا أنَّه لا يلازم عدم تأثيره.

يقول النائيني(3): إذا نهى عن المسبّب فهو بلا إشكال يدلّ على البطلان، 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

() لا يخفى ما في هذا التعبير من خلط ظاهر بين حكم العقلاء وحكم العقل العملي. (المقرِّر).

(2) أُنظر: تهذيب الأُصول 1: 335، المقصد الثاني: في النواهي، فصل: في أنَّ النهي عن الشيء هل يكشف عن فساده أم لا؟ الأمر الرابع، تذنيب، مناهج الوصول 2: 167، المقصد الثاني: في النواهي، الفصل الثالث: في دلالة النهي على الفساد، الأمر السادس، تذنيب في دعوى دلالة النهي على الصحّة، جواهر الأصول 4: 183، المقصد الثاني في النواهي، المبحث الرابع: في أنَّ النهي عن الشيء هل يكشف عن فساده أم لا؟ المطلب العاشر، حول دعوى أبي حنيفة والشيباني دلالة النهي عن الصحّة.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 222، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى، الرابع: ما دلّ من العقل والنقل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نقول إنه بلا إشكال يدلّ على الصحّة؛ لأنه إذا لم يقدر المكلّف على إيجاده، محال أن ينهى عنه، وإذا كان قادراً على إيجاده، فمعناه كونه صحيحاً وإن كان منهيّاً عنه، كما يقول أبو حنيفة. فعلى فرض تعلّق النهي عن المسبب أو السبب، لا يدلّ على عدم الحكم الوضعي.

مضافاً إلى أنَّ النهي إذا تعلّق بفعل المكلّف يقع إيقاعه للمعاملة على مال الناس حراماً، ولكن بعد حصول التصرّف هل تبقى الحرمة أو لا يكون حراماً؟ ولقائل أن يقول: إن العقد هو ما بعد التصرّف فلا يكون باطلاً.

وإذا قطعنا النظر عن ذلك، فهل ما هو حرام شرعاً وقبيح عقلائياً هو الغصب والظلم، أو هو عقد البيع بعنوانه؟ فعلى الثاني يأتي الكلام السابق، وأما إذا كان الحكم على التصرّف بمال الغير، فهل البيع مصداق للتصرّف أو مصداق عرضي له؟ فشيء واحد يصدق عليه أنه بيع وأنه تصرّف بمال الغير، كما يقول السيد(1): إن البيع مصداق للتصرّف في مال الغير. أو أن المصداق الذاتي للبيع هو هذا البيع، وهذا البيع والمصداق الذاتي للتصرّف هو هذا التصرّف وهذا التصرّف، وليس هو عنوان البيع، غاية الأمر أن عنوان التصرّف تعلّق به النهي وعنوان البيع تعلّق به الأمر، وقد اجتمعا في الخارج عيناً كاجتماع الأمر والنهي، عيناً كما تقولون هناك بأن الأمر تعلّق بالصلاة، والنهي بالغصب، فما هو مقام الجعل وهو مرتبة العناوين لم يتزاحما فيه، وما هو مقام التزاحم وهو مرتبة 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 140، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الخارج ليس مورداً للجعل، ففي البيع إذا تحقّق يتحقّق به كِلا الأمرين: التصرّف بمال الغير والنقل.

وما يقال(1) من أنَّ البيع عنوان انتزاعي، والحكم إنما تعلّق بالعناوين، في مثل قوله: (لا تبع مال الغير)، ليس لنا عليه شاهد، وظاهره تعلّقه بمدخول النهي، والعقل يرى أن عنوان الظلم والتصرّف في مال الغير قبيح، ولا يرى عنوان البيع كذلك، فإذا حقّقت البيع كان البيع متحقّقاً بالذات، وعنوان الظلم متحقّقاً بالعرض(2)؟!

في قبض الفضولي لنفسه كالغاصب

أحد صور الفضولي: أنه يبيع لصاحب المال متوقّعاً للإجازة.

وصورة أخرى: أنه يبيع للمالك أيضاً ولكنّه يقبض المال لنفسه، ويرتّب الآثار عليه، نظير بيع الغاصب الذي يرتّب الآثار على نفسه. وقالوا في هذا القسم من الفضولي إنه تصرّف في مال الغير.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 106، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الأُولى، الدليل الرابع: العقل.

(2) لم نفهم معنى العرض هنا فإن مراده كونه مصداقا من المفهوم القبيح عقلاً. فلا بُدَّ أن يكون مصداقاً ذاتياً له كما هو مصداق ذاتي للبيع. 

وإن كان مراده أن العقل العملي أو العقلاء حسب اصطلاحه يحكمون بقبحه بالخصوص، فمرجع ذلك إلى تحقّق موضوع هذا الحكم العقلي أو العقلائي، فيشمله الحكم بالقبح وتسمية شمول هذا الحكم له بكونه بالعرض اصطلاح جديد غير معهود (المقرِّر) 

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لنا كلام في أنَّ الفضولي مع الالتفات إلى أطراف القضايا؛ لأنها ليست قضيّة مختصّة بمحيط الشرع، وليس أن العقلاء يرتّبون عليه الأثر، ولا كما يقول السيد: إنه يمكن أن يقال إنَّ بيع الفضولي والمقامر علّة تامّة عند العقلاء لترتّب الأثر(1).

فمادام محيط العقلاء والشرع متطابقين على أنَّ بيع مال الناس لا أثر له إلّا بالإجازة من المالك، فهنا كلام في أنَّه كيف يحصل الجدّ إلى هذه المعاملة، إذا كان الشخص غاصباً غير معتنٍ بالمسائل الشرعية ولا العقلائية، وعنده أن الملك ما كان تحت يدك، فهذا يمكن أن يحصل منه الجدّ للبيع، وكذلك يحصل له الجدّ إذا كان له غفلة أو جهل بالمعاني الشرعية والعقلائية.

وأما إذا كان ملتفتاً إلى أنَّ البيع أمر عقلائي، ولا بُدَّ من وقوعه على طبق النظام العقلائي، وبيع مال الغير بحيث يكون مؤثّراً من حين العقد، لا يوافق عليه العقلاء، وليس أن الغاصب يريد أن يُجري الألفاظ، بل يريد أن يربح ببيعه، فكيف يمكن الجدّ إلى هذا المطلب في صورة أنه لا تترتّب عليه الآثار؟

وهذا إشكال يعمّ التساؤل عن أصل إمكان الفضولي سواء مع توقع الإجازة أو مع عدمه؛ لأن ماهية البيع هي التبادل في الإضافة والملكية، فكيف يمكن للفضولي أن يحصل له الجدّ مع عدم ترتّب الأثر، حتى من كان متوقّعاً للإجازة فضلاً عن الآخر؟ 

وهذا إشكال عقلي في أصل البيع الفضولي، وأشار إليه الشيخ قائلاً بأنه لا 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 140، البيع، في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يحصل إليه القصد، وإذا لم يحصل القصد في المعاملة فهي ليست معاملة، فيكون الفضولي لاغياً.

أما في صورة توقّع الإجازة، فقد قلنا إنه مشترك الورود على بيع الأصيل أيضاً؛ لأن الموجب حين يبادل هذا بهذا لا يستطيع إلّا أن يخرج ماله من ملكه، أما أن يدخله في ملك الآخر من دون إجازته ورضاه، فلا، وكذلك الهبة لا تتحقّق ولا يدخل في ملك الموهوب إلّا بالقبول، فهذا الإشكال مشترك الورود على تمام المعاملات، إلّا في صورة توكيل الطرفين، فيقول: (بادلت هذا بهذا) من دون قبول؛ لأن تمام الزمام بيده.

وقلنا في جواب ذلك: إن معنى البيع غير معتبر فيه أن يحصل التبادل فعلاً، وهذا المعنى وهو أن الإيجاب إذا لحقه القبول يكون موضوعاً لحكم العقلاء، ونحن نريد أن نعمل عمل العقلاء، فالموجب حين يوجد الإيجاب يضع إحدى الركيزتين لعمل العقلاء؛ لكي يلحقه القبول فيكون موضوعاً تامّاً لحكمهم، أما أن يقع التبادل بنفس الإنشاء فغير معتبر، وكذلك الفضولي المتوقع للإجازة، حيث إنَّه يرى أنه يصحّ بلحوق الإجازة عقلائياً وشرعاً، فيحصل له الجدّ إلى وضع إحدى الركيزتين لموضوع حكم العقلاء.

أما الغاصب أو الفضولي الذي لا يريد أن يرجع إلى صاحب المال ويسأله، هل يمكن أن يحصل له الجدّ إلى المعاملة، مع التفاته إلى أنَّ العقل(1) والشرع لا يرى نفوذها؟

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() يعني العقلاء؟! (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وهذا شامل للفضولي والسارق والمقامر ونحوها، ممن ليس متوقّعاً لإجازة المالك، ظاهراً أنه مع التفاته إلى الأطراف غير ممكن أن يحصل الجدّ.

ولنا كلام في أنَّ الإنسان الذي يريد إنجاز هذا البيع، ويأخذ المال ويصرفه، إذا حصل له الجدّ، هل يختلف هذا عن صورة الفضولي المتوقّع للإجازة؟ 

قالوا: إن الأوّل تصرّف في مال الغير، بلا إذنه، فيكون حراماً، بناءً على أنَّ كلّ تصرّف حرام، دون الثاني فإنه ليس تصرّفاً.

أو الإنشاء سواء كان هنا أو هناك ليس تصرّفاً في مال الغير، وهل توقّع الإجازة يخرجه عن كونه تصرفاً، أو أنَّ قصد التصرّف يجعله تصرفاً؟

فإما أن تقولوا ذاك ليس إنشاءً للتبادل، أو تقولوا إن هذا إنشاء مع زيادة، ولا سبيل لكم إلى أيٍّ منهما، إذن فلا فرق بين الموردين، وإذا قلنا إنه تصرّف في مال الغير فكِلاهما وإلّا فكِلاهما أيضاً قصد التبادل لم يؤثّر لا في المبادئ ولا في النتيجة، فإن كِليهما قصد التبادل وكِليهما لم يترتّب عليه الأثر، غاية الأمر أحدهما تخيّل أنه يترتّب عليه الأثر والتخيّل لا أثر له.

وقد يقال: إنه ليس تصرّفا في مال الغير، ولكن قصد ترتّب الأثر يسبب حرمة هذا القصد، فإنه يريد بنفسه قصد المعاملة، وأن يتوصّل إلى الأثر، وقصد ترتّب الأثر قصد قبيح، أو كما يقول الشيخ(1): إن العقد الملازم لهذا القصد قبيح محرم. 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 371، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

هذه احتمالات وحلّها في الأصول، فإن كلّ هذه الأمور مقدّمة للحرام لا أكثر، فإني أريد أن أتصرّف في مال الغير وبإيقاعٍ أريد أن أتوصّل إليه، فليس إلّا أنَّي قصدت إيجاد مقدّمة الحرام، ومقدّمات الحرام ليست بحرام لنقول إنه حرام تبعي حتى يدلّ على الفساد أو لا يدلّ.

وقلنا في بحث مقدّمة الواجب(1)، إنه لا يعقل أن تكون مقدمة الواجب واجبة، لا أنها لا تكون واجبة؛ لأن الأمر بذي المقدّمة إما أن يؤثّر في العبد أو لا يؤثّر، فإن أثّر في العبد وانبعث العبد إلى ذي المقدّمة، فيستحيل أن العبد ينبعث إلى ذي المقدّمة ولا ينبعث إلى المقدّمة(2)، لأن ذاها لا يوجد بدونها، فإذا انبعث نحو ذي المقدّمة فقهراً ينبعث نحو مقدّماته، ويكون البعث المولوي إليه لغواً، وأما إذا لم ينبعث العبد إلى ذي المقدّمة، فأيضاً لا تكون المقدّمة واجبة؛ لأن المقدّمة لا نريدها إلّا للتوصّل إلى ذيها، والمفروض أن العبد لم ينبعث نحوه، إذن فتعلّق الأمر التشريعي بالمقدّمة محال، وما قيل من الملازمة بين البعثين أو الإرادتين غير تامّ في محلّه.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() أُنظر: تهذيب الأصول 1: 153-156، مقدّمة الواجب، الأمر الأوّل، جواهر الأُصول 3: 237، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الحادي عشر: في أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة.

(2) لا يخفى أن هذا ليس زائداً على مسلك من ينفي وجوب المقدّمة اكتفاء باللابدية العقلية لها. وأما لغوية الامر الشرعي فهو متوقّف على لغوية التأكيد وعدم وجود غرض مولوي أكثر باعثية من اللابدية العقلية. وإلّا لو أمكن أحد الأمرين لَما كان البعث المولوي لغواً بالرغم من اللابدية العقلية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وإذا قلنا في مقدّمة الواجب إنها واجبة، فمقدّمة الحرام ليست بمحرّمة(1)؛ لأن اختيار المكلّف بعد الإتيان بالمقدّمة محفوظ. وقال الشيخ محمد حسين الاصفهاني(2): لو كانت مقدّمة الواجب واجبة مطلقاً ولو من دون قصد التوصّل، إذن فذهاب الشمر بن ذي الجوشن إلى كربلاء واجب؛ لأن حفظ الإمام في واقعه واجب -وإن لم يقصد الشمر- والقصد إلى ترتّب الآثار ليس قصداً إلى الحرام.

[مناقشة كلام النائيني] 

يبقى مطلب واحد، وهو أن نفرض إن البيع حرام مولوي، والمرحوم النائيني(3) يفرّق في النهي بين تعلّقه بالأسباب أو تعلّقه بالمسبّب، يقول: الأوّل لا يدلّ على الفساد، وأما الثاني: فيدلّ على الفساد بلا إشكال؛ لأن الوجوب كالحرمة يخرج الفعل عن تحت اختيار المكلف؛ لأن الاختيار ما انحفظ منه كِلا طرفي الفعل والترك، وفي الوجوب لا اختيار له في الترك كما أنه في الحرمة لا 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

() مناهج الوصول 1: 415، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الخامس: ما هو الواجب في باب المقدّمة، تتميم: في ثمرة بحث المقدّمة في مقدّمة الحرام، جواهر الأُصول 3: 246، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الثاني عشر: في مقدّمة الحرام.

(2) أُنظر: نهاية الدراية 1: 293، المقصد الأوّل: في الأوامر، مقدّمة الواجب. 

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 222، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

اختيار له في الفعل، فيكون هذا الفعل الذي يأتي به مسلوب الاختيار.

ونحن لم نفهم ذلك، هل يخرج عن اختياره تكويناً؟ فهذا لا تلتزمون به، وخلاف الضرورة من إمكان العصيان، فهل معناه أن الواجب مأمور به ولا يمكن أن لا يأتي به، والحرام منهيّ عنه ولا يمكن أن يأتي به ولا بُدَّ أن يتركه، إذا كان هذا هو المقصود أصبح دليلك مصادرة على المطلوب، فإن المدّعى هو أن تعلّق النهيّ عن المسبّب مبطل، ويكون البرهان -بناءً على ذلك-: لأنّ الاختيار مسلوب عن المكلّف، يعني: لأن الشارع نهى عنه، وهو عين المدّعى وعين محلّ الكلام من أنَّ الحرمة هل هي موجبة للفساد أو لا؟

إذن فلا بُدَّ أن تتمّموا كون النهيّ يدلّ على الفساد بطريق آخر، ربما أجده أحسن وإن لم يكن صحيحاً في نفسه، وحاصله: أن الشارع الذي نهى عن المعاملة السببية(1) (المسبّبية) كيف ينفذها؟ وإذا لم ينفذها فذلك مساوق للبطلان.

طرق حل الشبهة

كانت الشبهة هي أنه على فرض أن النهي عن المسبّب أو السبب لا يقتضي الفساد، فالشيء إذا كان منهيّاً عنه كيف يمكن أن تشمله أدلّة الإنفاذ، إذن فهذه الأدلّة قاصرة عن شمولها لمثل هذه المعاملة، وهو يكفي في بطلان المعاملة.

طريق في جواب هذه الشبهة: هو أن يقال: إنه إنما نفرض أنه لا يمكن الجمع بين النهي والإنفاذ في موضوع واحد، بحيث يكون موضوع واحد محرماً 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() كِلا اللفظين قاله السيد والله أعلم بواقع مراده. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ونافذاً، فقد يقال: إنه لا يمكن على إشكال(1) فيه. 

أما في المقام فالنهيّ متعلّق بالبيع أو العقد على الفرض، والنواهي متعلّقة بالطبايع بما هي، لا بالطبيعة بلحاظ الوجود الخارجي ولا بصفتها مرآة له، كما يقول (آغا ضياء)، بل يتعلّق بنفس الطبيعة، فالآمر حيث إنَّه يرى أن مطلوبه هو وجود الطبيعة في الخارج ولا يمكن أن يحقّقها بنفسه والمفروض أن المأمور يحقّقه(2)، فيحتاج إلى الأمر لعلّ العبد يطيع ويتحقّق المطلوب. فالتكليف -الأمر أو النهي- لا يتعلّق بالموجود الخارجي؛ لأنه بعد تحقّقه لا يمكن أن يتعلّق به أمر، لأنه أمر بإيجاد ما هو موجود. كما لا يمكن أن يتعلّق الأمر بلحاظ الوجود الخارجي؛ لأن هذا اللحاظ معناه أن ألحظ الوجود الخارجي، والنهي لا يتعلّق بالوجود الخارجي، بل بالطبيعة، ويزجر عن الطبيعة.

فالأوامر متعلّقة بالبيع، بنفس الطبيعة لا بلحاظ الوجود، ولا بعد فرض الوجود، بل يريد أن يوجده، فالأوامر والنواهي متعلّقة بنفس الطبيعة بما هي، -وما يقال: بأنها بما هي ليست إلّا هي غير صحيح- غايته أن الطبيعة لا تكون طبيعة بالحمل الشايع إلّا إذا تحقّقت في الخارج.

وأما في باب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وإن كانت متعلّقة 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

() سوف يأتي. (المقرِّر).

(2) المصلحة متعلّقة بصدور الفعل من العبد، والمولى يرغب بذلك ابتداء، لا أنه حين يعجز عن التنفيذ يسند ذلك إلى العبد. بل إنَّ العمل من العبد والمصلحة تعود للعبد والله غنيّ عن العالمين. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بنفس الطبيعة، لكن هنا يختلف عن ذاك، فإن الوفاء لا يتعلّق بالطبيعة بما هي؛ لأنها بهذا النحو لا وفاء لها، بل الطبيعة المتحقّقة في الخارج يجب الوفاء بها، لا أقول إن أدلّة التنفيذ متعلّقة بالفرد، بل متعلّقة بالطبيعة، فإن الفرد مصداق للطبيعة، مع خصوصيات فردية زمانية ومكانية وغيرهما، ولكن ما يجب الوفاء به هو نفس طبيعة العقد، ويجب الوفاء بها بعد كونها عقداً.

هناك الأمر والزجر لا معنى لهما بعد الوجود فيتعلّقان بالطبيعة، ويكون المطلوب إيجادها أو الانزجار عنها، وهنا وجب الوفاء بعد تحقّق الطبيعة، وبعد وجود ما ليس محلّ الأمر والنهي، فلا أمر للمولى فيه ولا نهي، فأحدهما وهو النهي عن المعاملة قبل الوجود، والآخر وهو الإنفاذ بعد الوجود، فلا مزاحمة بينهما لكي تقولوا إنهما متزاحمان، وذلك كالبيع وقت النداء، فإن ما هو الحرام هو إيجاد المعاملة، وأما وجودها فهو غير قابل للنهي، وعند العصيان وإيجاد المعاملة يسقط النهي ويشمله الأمر بالإنفاذ.

يبقى: إن ما تعلّق به النهي والزجر حقيقة هل ينافي معه دليل الإنفاذ(1)؟ لا منافاة أصلاً. إذ يمكن أن يقول الشارع: هذا لا تعمله ولكن إذا عملته فهو صحيح، فهو يحكم بعد فرض العصيان بحكم آخر تكليفي أو وضعي ولا ينافيه.

مضافاً(2) إلى أنَّ ذلك كله لو تعلّق بالأصيل، وأما إذا كان النهي عن التصرّف في مال الغير متعلقاً بالأجنبي الفضولي أو الغاصب، وقد عصى النهي، 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

() أُنظر: مناهج الوصول 2: 26، أنوار الهداية 2: 214، وغيرهما.

(2) هذا طريق ثانٍ للحلّ (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

والأجنبي(1) ليس له وجوب الوفاء، وإنما الذي يجب عليه الوفاء هو المالك بعد الإجازة، فوجوب الوفاء تعلّق بالمالك بعد الإجازة، والنهي تعلّق بذلك الفضولي الذي تصرّف بمال الغير من دون إذنه، فمن هذه الناحية لا إشكال.

[المائز بين القواعد القانونية والموارد الشخصية]

بل إنَّ حلّ(2) المطلب في تمام الموارد من الأشباه والنظائر، هو أنه بين القواعد القانونية والموارد الشخصية فرق كبير، والخلط بينهما منشأ لكثير من الاشتباهات في كثير من الموارد، فنقول(3) إجمالاً: إن الأحكام المتعلّقة بنفس الطبايع بحسب اقتضاء القوانين أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الذي هو عموم استغراقي، وليس معناه: أوفوا بهذا العقد بخصوصياته، وذاك العقد بخصوصياته، و(أكرم العلماء) ليس معناه: أكرم زيداً وعمراً، فهو لا ينحلّ هكذا وغير قابل للانحلال بهذا النحو، إذ ربما يعلم إن هذا الشخص عالم ولا يعلم اسمه، أو انه 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() إلّا بناءً على أنَّ المأمور بالدقّة هو جميع الناس، كلٌّ حسب تكليفه، فيشمل نفس الفضولي أيضاً، فيجب عليه ترتيب آثار الملكية للمشتري مثلاً. مضافاً إلى إمكان أن يقال: إن الشئ بعد وجوده عن عصيان وإن كان النهي ساقطا،ً إلّا أنَّ أصل وجوده واستمرار أثره الاعتباري مكروه للمولى إلى حدٍ يستحيل أن يحكم بصحّته. نعم، بناءً على النقل في الإجازة يرتفع هذا الإشكال، إلّا أنَّه خلاف التحقيق ولا يلتزم به السيد. (المقرِّر).

(2) هذا طريق ثالث للحلّ. (توضيح). (المقرِّر).

(3) مناهج الوصول 2: 65، المقصد الأول في الأوامر، الفصل السابع في متعلّق الأمر والنهي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ابن من، أو أنه عادل أو لا، ولا أيّ خصوصية من خصوصياته الأخرى، فهذا الموجود الخارجي ذو الخصوصيات الكثيرة بما أنه مطّلع على الأحكام الشرعية مصداق للعالم لا بحيثية كونه ابن زيد أو بحيثية أخرى.

ففي أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وفي سائر الأحكام الوضعية والتكليفية، وفي تمام العمومات والإطلاقات، ما هو الموضوع لحكم الشرع؟ هو نفس الطبيعة، وإذا تعلّق حكم بالطبيعة بوجودها الخارجي، أيضاً يتعلّق بالطبيعة الموجودة، فهذا الفرد وإن وجد مع الخصوصيات الخارجية، لكنّ الموضوع هو الطبيعة ولو اتّحدت في الخارج مع كثير من الأشياء.

مركز الأمر هو نفس الطبيعة، ويستحيل أن يسري إلى الخصوصيات الخارجية، حتى المتّحدة معه، ولا يمكن أن يكون منظوراً إليه، ولا أن الطبيعة مرآة إلى هذه الخصوصيات، ولا أن الحكم يسري إلى ملازماته، فـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ ليس معناه: سواء كان بيع زيد أو عمرو أو بيع الأصيل أو الغاصب أو الفضولي أو غيره -وحتى بعد تمامية مقدّمات الإطلاق، لا يتنقّح إلّا أنَّ الموضوع نفس الطبيعة- فلا يقال: إنك لاحظت بيع الغاصب، فكيف أجزته؟! فإنه يقال: متى لا حظته فإن موضوع الحكم هو نفس الطبيعة والخصوصيات غير دخيلة في لحاظ الآمر، ولا يمكن أن تكون داخلة في لحاظه، أقصد(1) آمرينا، يعني: الآمرين العرفيين.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() هذا قاله السيد، والظاهر أنه من باب التقية دفعاً لتوهّم الأذهان القاصرة، وإلّا فمراده قطعاً ما يشمل الشارع الإسلامي علّام الغيوب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ولهذا نحن في بحث الترتّب(1)، بالرغم من أنَّه واضح البطلان عندنا تقريباً، فإننا عندنا شيء أردأ من الترتّب وهو تعلّق الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ في عرض واحد، وتمام الكلام في محلّه، وعليه فالشارع لم ينفذ ما هو مبغوض له، فإن المبغوض له هو الخصوصيات وهي لم تؤخذ في أدلّة إنفاذ الطبيعة.

فالشارع يستحيل أن يأمر النائم والجاهل والعاجز ابتداء، ولكنّه يمكن أن يأمر الإنسان بما يشملهم قانوناً، لا أن له تجاه كلّ واحد منهم مبادئ خاصّة حتى يقال باستحالة الأمر إليهم. بل لا بُدَّ أن نلاحظ أن مبادئ وضع القانون ما هي، لا مبادئ الخصوصيات، لكي يأتي الكلام في الجاهل والقاصر وفي الخروج عن محلّ الابتلاء وغيرها(2).

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() أُنظر: مناهج الوصول 2: 23، المقصد الثاني: الأوامر، الفصل الخامس في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه، الأمر الرابع في ثمرة المسألة، وغيره.

(2) وقال أحد الإخوان ما محصله: إنك تقول إن دليل التنفيذ يشمل العقد بعد وجوده الخارجي، والنهي وإن كان متعلّقاً بالطبيعة إلّا أنَّ المبغوض هو وجوده الخارجي لا محالة، فيكون الوجود الخارجي للعقد مبغوضاً.

فكرّر السيد في جوابه ما كان قاله: من تعلّق النهي بالطبيعة، واستحالة سريانه إلى الخصوصيات، وعدم إمكان لحاظ الخصوصيات، ومن ثُمّ تكون مرتبة النهي غير مرتبة التنفيذ.

فقال الطالب: إنه حال العقد تكون المرتبة مرتبة العصيان ومرتبة التنفيذ في نفس الوقت، وأنتم لا تقولون إن التنفيذ يأتي بعد العقد بمدّة.

فأجاب السيد: نعم، نقول بذلك.

ولَـّما أصرّ الطالب ولم يقتنع، قال له السيد: إني لو كنت أظن أن كلامك وجيه لاستمعت إليك؟! (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

دليل عقلي مؤيّد بالسماع 

من الأدلّة التي يدّعى قيامها على بطلان البيع الفضولي البرهان العقلي المحض وقد سبق أن أشرنا إليه من خلال الكلام، وهو القائم على استحالة صدور القصد منه.

ومن الأدلّة على ذلك دليل عقليّ مؤيّد بالسماع، بمعنى أن الصغرى فيه ثابتة عقلاً وشرعاً، وهي حرمة التصرّف في مال الغير، وأما أن التصرّف لا ينسجم مع البيع الفضولي أو لزوم النهي عن المعاملة للبطلان، فهي مقدّمات عقلية.

ويمكن أن يقام على المسألة دليل عقلائي محض، وهو أن يقال: إنَّ ماهيّة المعاملة بين العقلاء يدّعى أنها عبارة عن التبادل بين الثمن والمثمَن في إضافة الملكية، وهذا التبادل لا يحصل في الفضولي بدون الإجازة، ولهذا يقال: إنه في عين الوقت الذي يعتبر العقلاء الإيجاب مبادلة بين المالين، إلّا أنَّهم لا يقولون بكونه وحده بيعاً؛ لأنه لا أثر له، ويرون ركنية القبول في وجود ماهيّة البيع، فإن الإنشاء وإن كان يحصل إلّا أنَّ ماهيّة البيع لا تحصل إلّا بالقبول، فيُعرف أن المبادلة هي التي يترتّب عليها الأثر في الخارج.

وأيضاً في باب الصحيح والأعمّ(1)، قال المحقّقون: إن البيع إذا كان أسماءً 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) أُنظر: فوائد الأُصول 1: 80-81، المقدّمة، المبحث الثاني: في الصحيح والأعمّ، الثمرة الأُولى، نهاية الأفكار 1: 97، المقدّمة، الأمر التاسع: في الصحيح والأعمّ، الكلام في ألفاظ المعاملات، جواهر الأُصول 1: 348، الأمر الحادي عشر: في البحث المعروف بالصحيح والأعمّ، الجهة التاسعة: في ألفاظ المعاملات، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

للأسباب، فالنزاع في كونه صحيحاً أو فاسداً ممكن، وأما إذا كان البيع عبارة عن المسبّبات، فأمره دائر بين الوجود والعدم، فيُعرف من ذلك أنهم يرون أن المسبّب هو النقل الواقعي، وهو دائر أمره بين الوجود والعدم، وإلّا لو كان المسبّب هو الوجود الإنشائي لما كان أمره دائراً كذلك، إذ قد يكون موجوداً صحيحاً وقد يكون موجوداً فاسداً لا يترتّب عليه الأثر.

فيُعلم من رأي العقلاء والفقهاء أن ماهيّة البيع هو البيع المؤثّر، والإيجاب وإن أوجد المعنى الإنشائي، إلّا أنَّه لم يكن بيعاً باعتبار كونه غير مؤثّر، حتى يلحقه القبول ويحصل التبادل، فإذا كانت ماهيّة البيع عبارة عن التبادل، فالبيع الفضولي الذي ليس كذلك ليس بيعاً، فلا تشمله أدلّة التنفيذ، ولا تلتحق به الإجازة لكونها تلتحق بأمر معدوم، وليست الإجازة إنشاء للبيع حتى تقول إنها موجدة لماهيّة البيع، بل هي إجازة للبيع السابق المعدوم.

إلا أنَّ هذا التقريب غير تامّ ويرد على القوم إشكالات:

فإنهم قالوا: إن المسبّب أمره دائر بين الوجود والعدم، وهذا غير تامّ.

فإن المسبّب هو المعنى الإنشائي للبيع وليس هو النقل، فإنه في البيع المؤثّر عندنا ثلاثة أمور:

أحدها: الألفاظ المستعملة بما لها من المعنى الإيجادي في الإنشاء.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثانيها: المعنى الإنشائي الذي يوجد بالألفاظ الذي هو المسبّب.

الثالث: النقل، والبيع أمره دائر بين أن يكون اسماً للألفاظ أو للمعنى الإنشائي، وغير محتمل أن يكون اسماً للنقل، بل النقل هو مسبّب المسبّب.

فليس كما قالوا من أنَّ البيع إذا كان موضوعاً للمسبب فالأمر دائر بين الوجود والعدم، إذ لو كان موضوعاً للنقل الخارجي والملكية لكان أمره دائراً كذلك، إلّا أنَّه غير محتمل أساساً، وإنما يدور أمره بين المعنيين الآخرين، وعلى كِلا التقديرين يدور أمر البيع بين الصحّة والفساد. فإنه إن كان موضوعاً للألفاظ فقد يكون صحيحاً يترتّب عليها الأثر المطلوب، وقد يكون فاسداً لا يترتّب عليه ذلك، وكذلك لو كان موضوعاً للمعنى الإنشائي(1)، فإنه أيضاً دائر أمره بين الصحّة والفساد إذا وجد بشكل لا يترتّب عليه الأثر، ولذا قد يقال للفضولي إنه فاسد يعني لا يترتّب عليه الأثر، وقد يقال: إنه صحيح تأهّلي بمعنى قابليته للحوق الإجازة، إذن فلا بُدَّ أن يعمّ النزاع كلّاً من وضع البيع للسبب وللمسبّب.

إذن، فالإشكال بأنه في محيط العقلاء البيع عبارة عن النقل الخارجي، لا نقبله، بل يقول العقلاء: (بعت) فملك، فيرون البيع والشراء سبباً للملكية، لا أن الملكية هي البيع، إذن نرجع(2) ونقول: بأن تمام المعاملات عبارة عن 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() قال السيد: وهو الحقّ. (المقرِّر).

(2) كيف يكون هذا نتيجة لذلك. بل ما يمكن أن ينتج عن الكلام السابق هو أن ماهيّة البيع عبارة عن الإيجاب والقبول، لا عبارة عن الفعل المترتّب عليها. أما الغاء ركنية القبول فهي نتيجة أوسع من المقدّمة. والاستشهاد بتعارف البيع غير تامّ. فإنها ظاهرة بالمبادلة الفعلية والتمليك الفعلي كما هو واضح، وتفسيرها بغير ذلك خلاف الظاهر، والفضولي ليس فعلياً فلا يكون بيعاً، إلّا أن يقال بفساد هذه التعاريف أساساً، فإنها لم ترد في كتاب ولا سنة. فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الإيجاب، ولذا يقال: إن البيع مبادلة مال بمال، وهو المعنى الإنشائي، وتمليك عين بعوض، وإن لم يحصل الملك.

وفي رواية “نيّة المرء خير من عمله(1)، إنه لا يريد أن يفصل العمل عن النيّة(2)، بل يريد أن يقول بأن النيّة روح العمل والعمل جسم للنيّة، والروح أفضل من الجسم، لا أنه يريد أن يفصلهما بحسب فهمي، ليقال إنَّ العمل بدون النيّة(3) لا خير فيه أصلاً وغير موجب للتقوى، لعلّه يريد أن يقول المعنى الذي نقوله: إن روح الإنسان خير من جسمه، مع أن جسمه بدون الروح من 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

() الكافي 2: 84، باب النيّة، الحديث 2، علل الشرائع 3: 524، الباب 301، الحديث 1، تهذيب الأحكام 4: 142، كتاب الزكاة، باب الزيادات، الحديث 30، الاستبصار 2: 62، كتاب الزكاة، أبواب زكاة الفطرة، الباب 32، الحديث 12، ووسائل الشيعة 1: 50، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 6، الحديث 15.

(2) وهنا قال في جواب عن أحد الأسئلة: فتعرّض ضمناً إلى الحديث القائل: “نيّة المرء خير من عمله“. فقال… (المقرِّر).

(3) كما أن النيّة بدون العمل لا تكون مصداقاً لشيء من الواجبات أو المستحبات (غير عنوان النيّة) في الشريعة؛ لكي يحصل المكلّف ثواب تلك الأعمال، وتكون مجزية عنها -كما هو مقتضى أطلاق الحديث- فضلاً عن أن تكون خيراً من العمل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الجمادات، لكن المراد أنه حال تعلّق الروح بالبدن وكونها روحاً للبدن والبدن بدناً للروح، فإن الجنبة الإلهية الغيبية في التكوين الإنساني أفضل من الجهة المادية فيه، وفي الحديث يُراد: أن الجانب الغيبي من العمل أفضل من العمل نفسه حال اقترانهما ببعضهما.

فهنا أيضاً لا نريد أن نفصل بين الإنشاء والمسبّب، ليقال: كيف يمكن أن يكون البيع اسماً للألفاظ وحدها، بل البيع إما موضوع للألفاظ وإن كانت ملازمة للمنشأ، أو للمنشأ المسبّب وإن كان موجوداً بالألفاظ.

فإذا كان البيع اسماً للمسبّب وهو المعنى الإنشائي فهو موجود في الفضولي وسائر الموارد.

دليل آخر على البطلان 

من الأدلّة المقامة على بطلان البيع الفضولي، معتمداً على أمور عقلائية مؤيّداً بالشرع:

منها: أن القدرة على التسليم(1) مأخوذة في المعاملة، والبيع الفضولي ليس فيه قدرة على التسليم، فهو إذن باطل، والقدرة على التسليم ثابتة عند العقلاء والشرع، وادّعي عليه الإجماع وتُمسِّك عليه بدليل الغرر.

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) أُنظر: إيضاح الفوائد 1: 417،كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان، وكتاب المناهل: 288، كتاب مناهل البيع، القول في المتعاقدين، منهل: هل يشترط في المتعاقدين أن يكونا مالكين؟ مقابس الأنوار: 128، البيع، المبحث الثاني: في شرط المتعاقدين، الموضوع الأوّل، القول الثالث: صحّة البيع وبطلان الشراء، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ومنها: أن المالك حيث لا يُعلم أنه يجيز أو لا يجيز فلا تكتسب المعاملة التأثير الفعلي، وهذا غرر، فكما أن الجهل بالأوصاف غرر، كذلك الجهل بتحقّق المعاملة(1)، وكِلا الدليلين لا حجّة فيهما.

فإنه بعد تسليم تمام المطالب المدعاة فيهما من أنَّ البيع الفضولي غرر كالجهل بالأوصاف، وأنه لا قدرة فيه على التسليم، فهل المدّعي يريد أن يدّعي أن كلّ فضولية غررية، وليس مقدوراً فيها على التسليم؟ فهذا ليس صحيحاً، لأنه إما أن يريد ثبوت هذا الشرط في المعاملة للفضولي، أو يريد ثبوته للمالك، أما الفضولي فقد يكون له قدرة على التسليم، كما لو كان محرزاً لتعقّب الإجازة، وأما قدرة المالك فهي غير مربوطة بالفضولي، فإنها معتبرة في أصل البيع، فإذا كان له قدرة على التسليم صح البيع فضولياً أم غيره، وإذا لم يكن له قدرة فكِلاهما باطل.

إذن فهذا الأمر ليس كلّياً مطلقاً(2)، بل قد يكون وقد لا يكون، ومعه لا 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 140، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الأُولى.

(2) لا يخفى أنه يمكن ادّعاء الكلّية في المقام، باعتبار أن الفضولي ممنوع من التصرّف في أموال المالك، والمنع الشرعي كالمنع العقلي. وهذا موجود في الأعمّ الأغلب من العقد الفضولي الذي ينجز بغفلة المالك انتظاراً للإجازة اللاحقة. ولا يستثنى من ذلك إلّا ما إذا كان الشخص مأذوناً بكلّ تصرّف إلّا البيع فإنه مسكوت عنه، وإلّا كان وكيلاً وخرج عن محلّ الكلام، ومثل هذا الفرد قليل الوجود جداً كما هو ظاهر، وبخاصّة أن تصوّر جامع التصرّف المأذون به الذي يشمل التسليم بعد البيع، ولا يشمل البيع نفسه، مع بقاء البيع مغفولاً عن الأمر به والنهي عنه، في غاية الإشكال. فالصحيح أنه ينقض بما بعد الإجازة، فإن الفضولي بعدها لا يكون قادراً على التسليم؛ لأنها إجازة للعقد لا إذناً في التصرّف الجديد. مع أن الخصم يسلّم صحّته في هذه الصورة، وهو يدّل على عدم اعتبار القدرة في الفضولي. نعم، هي معتبرة في المالك كما هو ثابت بالأدلّة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يوجب بطلان الفضولي.

وإذا ادّعي أنه قد يقع ذلك في الجملة، فلا مضايقة؛ لأن الأصيل قد يكون أيضاً غير قادر على التسليم، ولا يوجب ذلك بطلان البيع الفضولي، والنتيجة إنما تنفع المستدلّ إذا أثبتت الكلّية وإن كلّ فضولي غرري(1)  وغير مقدور التسليم، وهو باطل لا محالة.

إذن لا يكون هذا دليلاً كافياً.

[الاستدلال ببيان آخر على البطلان]

ويمكن أن نعمل دليلاً عقلياً وعقلائياً، ولعلّه شرعياً أيضاً على هذا النحو، وهو: أنك إما أن تقول: إن البيع تمام الموضوع للنقل وتحقّق الأثر، وليس للإجازة أيّ أثر، بل هي كاشف محض، وإما أن تقول بالعكس، وهو أن إنشاء البيع ليس له دخل أصلاً، وتمام العلّة للنقل هي الإجازة. وكِلا هذين 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() ينبغي أن يقال في مناقشة الغرر: إن المراد به ما هو لازم لماهيّة البيع الفضولي من عدم كون العاقد مالكاً، وكون الإجازة غير معلومة الصدور. فهذا أوّل الكلام، فإنه إن ثبت بدليل صحّة الفضولي يكون هذا المقدار من الغرر جائزاً لو كان غرراً.

وإن أريد به أزيد من ذلك فالمفروض عدمه وإلّا كان باطلاً لا محالة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الاحتمالين خلاف حكم العقلاء في المعاملات، وواضح الفساد عندهم.

أما الأوّل(1): فلأن الإجازة تعبّر عن رضاء المالك، وقبله لا يكون نافذاً.

وأما الثاني: فهو خلاف معنى الإجازة فإنها إجازة للبيع السابق وليس بيعاً مستأنفاً.

فلا بُدَّ أن تقولوا أحد الاحتمالات الأخرى: أما أن المجموع المركّب من البيع الفضولي والإجازة علّة للنقل. 

فيه إشكال عقلي، وذلك: إن المجموع من الموجود والمعدوم معدوم، فيستحيل أن يكون مؤثّراً فإن العقد قد تصرّم وأنعدم، والإجازة فعلية.

أو تقولوا: إن البيع مؤثّر لكن بشرط متأخّر، والشرط المتأخّر غير معقول.

أو تقولوا: إن الإجازة مؤثّرة لكن بشرط متقدّم، والشرط المتقدّم أيضاً كالمتأخّر في الاستحالة.

فلا طريق لنا إلى تصحيح البيع الفضولي، فلا بُدَّ أن يكون باطلاً.

والجواب عن ذلك: 

أولاً: بالنقض بالإيجاب والقبول، فإن تمام ما قلته يأتي فيه، فإنك إما أن تقول إن التأثير للإيجاب وحده أو للقبول وحده، وهما خلاف رأي العقلاء، أو أن المؤثّر كِلاهما فيلزم تأثير المعدوم في الموجود؛ لأن الإيجاب تصرّم وقته وانعدم، والمجموع من الموجود والمعدوم معدوم، أو أن المؤثّر هو الإيجاب بشرط متأخّر أو القبول بشرط متقدم، وكِلاهما محال، مع أنك لست منكراً 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() هذه الفقرة مني ولم أعلم كلام السيد فيها. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لأصل البيع، فأيّ جواب أعطيته في الإيجاب والقبول نعطيه في إجازة الفضولي، فإنها تفترق عن الفضولي بأمر واحد، وهو أن الإيجاب يحصل غالباً قريباً من الإيجاب زماناً، والإجازة أبعد زماناً منه عادة، وقلّة الزمان وكثرته لا تفرق في الحكم العقلي باستحالة تأخّر الشرط عن المشروط أو تقدّمه عليه.

وإذا قلت في الإيجاب والقبول: إن القضية ليست قضية علّية ومعلولية، لتكون موضوعاً للحكم العقلي، بل هي أمور اعتبارية، فأيّ مانع من اعتبار البقاء للإيجاب فيلحقه القبول، ويكون التأثير للمجموع المركّب، فالألفاظ هي التي انعدمت، وأما المعنى المنشأ فهو معنى اعتباري باقٍ، وبانضمامه إلى المعنى الاعتباري للقبول، يكون المجموع المركّب مؤثّراً.

عين هذا يأتي في البيع الفضولي، وهو أن ما انعدم هو الألفاظ، والمعنى المنشأ باقٍ فهو باقٍ بحسب اعتبار العقلاء، ولهذا يصدق عندهم الفسخ، فلنا أن نقول: إن كِلاهما مؤثّر، ولكن هل هو مؤثّر من أصله أو من حينه فذلك كلام آخر.

أو نقول: إنه في الاعتبارية يمكن جعل الشرط الفعلي شرطاً لموضوع سابق أو بالعكس، فالقضيّة قضيّة الاعتبار، لا الأمور التكوينية ليكون مستحيلاً.

نعم، قضيّة الشرط المتأخّر حيث إنَّه طويل الذيل نتكلّم عنه في الجملة في باب الكشف والإجازة.

[دعوى عدم ترتب الأثر والجواب عنها]

الدليل الآخر الذي يمكن إقامته أو أقاموه على بطلان البيع الفضولي، هو أن هذا البيع الفضولي ليس له أثر مترتّب عليه فعلاً أصلاً، وما لم يرتّب عليه العقلاء أثراً، تكون ماهيّة البيع لا وجود لها أصلاً.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وجوابه واضح، وهو: أنه إن كان المراد عدم ترتّب آثار البيع الصحيح الفعلي على الفضولي، فهو مسلّم، لكنّ محلّ الكلام في أنَّ هذا العقد هل له القابلية على ترتّب الأثر بعد الإجازة أم لا؟

وبعبارة أخرى: أن المراد هل هو أن مفهوم البيع لم يتحقّق أو أثره الفعلي لم يتحقّق، أما الأوّل فدعوى أن تمام الآثار ما لم تتحقّق لا يكون المفهوم متحقّقاً فهذا لا نقبله، لا نقبل أن الآثار هي آثار مفهوم البيع، وإنما هي آثار البيع الصحيح، لا الأعمّ منه ومن الفاسد، وأما الثاني، فلا يدلّ على بطلان الفضولي.

وهناك كلمات أخرى قيلت، ليس لها كلام طويل.

[المسألة الثانية:] الفضولي مع نهي المالك

الصورة الثانية للفضولي إنه على فرض كون البيع الفضولي صحيحاً، لكن لا يمكنكم أن تقولوا إنه مطلقاً صحيح، فإن القدر المتيقّن منه هو إيقاعه مع غفلة المالك وعدم سبق الإذن أو النهي. وأما إذا كان قد نهى المالك عن البيع فأدلّتكم قاصرة عن تصحيحه بالإجازة.

[التفصيل بين المسلك المشهور والمسلك المختار]

ونحن لنا كلام تارةً على مسلك القوم، وأخرى على مسلكنا، أما على مسلك القوم كالشيخ وغيره القائلين بأننا نحتاج بحسب القواعد إلى أن يكون العقد عقدكم وبيعكم وتجارتكم، بحسب فهمهم من الآيات الكريمة أن المراد منها أوفوا بعقودكم. فحينما يجيز المالك يكون العقد عقد المالك وينسب إليه. فهل يمكن أن نقول ذلك في العقد إذا حصل مبغوضاً للمالك ومنهياً عنه، ثُمّ 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أجازه؟ هل يكون العقد عقد؟ هل تستطيعون أن تثبتوا جزماً في العرف والعقلاء، أنه كما أنه مع عدم سبق النهي يكون العقد بالإجازة عقدي، كذلك لو سبق النهي وأوجد العقد مبغوضاً للمالك؟ إذا أثبتم ذلك جزماً فلا بأس، ويشمله (أوفوا بعقودكم).

ولكن هذا أمر نادر بين العقلاء، وإنما يذكرون تصويره في (المدرسة)، فهل يمكن أن تقولوا إنه أمر عقلائي؟ فإن ادّعيتم أنه مما يحكم به العقل، قلنا ليس المورد مورداً لحكم العقل، وأن ادّعيتم أنه مما يحكم به العقلاء، قلنا أيضاً لا يمكن، فإننا وإن سلّمنا أنه يصبح في الفرد الفضولي الشايع عقدكم وتجارتكم، فإننا نفهم من عمل العقلاء عقيدتهم، فإن العقلاء ليس قانونهم سابق على عملهم، وإنما كان لهم عمل بحسب الحاجات، ثُمّ وجدت قوانينهم العرفية طبقاً لأعمالهم، فليس عندنا قانون أن البيع نافذ عند العقلاء، وإنما لا بُدَّ من النظر إلى خصوصيات أعمالهم، فهل يمكن أن يدّعى أنه إذا نهى المالك من إيجاد المعاملة ثُمّ أجازها، يكون عند العقلاء نافذاً، على الأقلّ نشكّ في ذلك، ونحتمل أن النهي أسقط عن قابليته بجعل العقد (عقدك)، والعقلاء لا عمل لهم في ذلك؛ لأنه نادر الوجود بينهم. وهذا الاحتمال يكفي في جعل المسألة شبهة مصداقية لـ(أوفوا بعقودكم) ونحوها من أدلّة التنفيذ على مسلك القوم.

وأما على مسلكنا فنقول إننا لا نحتاج إلى إثبات هذا النحو من النسبة وإنما قال: أَوْفُوا بِالعُقُودِ(1)، وهذا عقد؛ بدليل كون النهي قابلاً للعصيان، فإنه 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نهاه عن العقد فأوجده عاصياً له، وكلّ العقلاء يقولون إنه خالف النهي فأوجد العقد، ولو كان النهي مسبّباً لسقوطه عن الماهيّة لكان معجزاً للآخر عن العصيان. فمبادلة مال بمال متحقّقة والنهي لا يمنع عن الوجود الإنشائي، ونحن لا نريد أزيد منه، وما هو المسلّم من عدم وجود الوفاء، هو عدم تحقّق الإجازة أصلاً دون صورة ما إذا تحقّقت فعلاً.

فعلى مسلكنا تكون صحّته على القواعد، وعلى مسلك القوم يشكل تصحيحه؛ لأنه يكون شبهة مصداقية لكلّ أدلّة التنفيذ.

الروايات الدالة على الصحة

توصّلنا إلى أنَّ عقد الفضولي مع سبق النهي عنه صحيح على مقتضى القاعدة على مسلكنا.

وأما بحسب الروايات، فالروايات في كتاب النكاح، إحداها(1) ما ورد في باب 22 من أبواب نكاح العبيد، صحيحة زرارة، عن أبي جعفر، قال: “سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه، وإن شاء فرّق بينهما، قلت: أصلحك الله، إن الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما، يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا تحلّ له إجازة السيد. فقال أبو جعفر: أنه لم يعصِ الله وإنما عصى سيده فإذا أجاز جاز(2).

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() سبق أن رويناها في الروايات الدالّة على صحّة العقد الفضولي. (المقرِّر).

(2) الكافي 11: 90، كتاب النكاح، الباب 119، الحديث 3، من لا يحضره الفقيه 3: 541، كتاب الطلاق، الباب طلاق العبد، الحديث 4862، تهذيب الأحكام 7: 351، كتاب النكاح، باب 30، الحديث 63، ووسائل الشيعة 21: 114، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فإن ما يفهمه العقلاء من ذلك هو أنه يدور الأمر مدار عصيان الله، وليس لعصيان السيد أيّ مدخلية في المطلب. فإن العبد لا بُدَّ له أن يعمل برضا السيد وإجازته، فلو عمل من دون إجازة يصدق أنه عصى سيده. فنفهم من قول الإمام أن عصيان السيد لا ينافي الإجازة، لا أن هذا المصداق بالخصوص صحيح، وإنما يبطل إذا كان فيه عصيان الله كنكاح المحارم والنكاح في العدّة. وأما إذا لم يكن عصياناً لله تعالى، ولم يتعلّق النهي بعنوان النكاح، إذن فهو قد أتى بحلال شرعي. وما هو حرام هو مخالفة المولى، فيقع النكاح صحيحاً. فيفهم من الرواية أنه متى كان العصيان للمولى ولم يكن عصياناً لله تعالى فلا ضير. فلو عصى سيده وباع ثُمّ أجاز المولى يكون صحيحاً.

ولو كان هذا المصداق بالخصوص صحيحاً عند الإجازة، لما كان مجالاً لإعطاء القاعدة الكلّية، بل لا بُدَّ أن يقتصر على القول بأن المولى لم يأذن، إذاً فلا إشكال في دلالة روايات النكاح على المطلب، ومنه نعمّمها إلى سائر الموارد.

[حول دلالة صحيحة محمد بن قيس]

وأما صحيحة محمد بن قيس(1)، عن أبي جعفر، قال: “قضى أمير المؤمنين في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائبفقال: هذه وليدتي باعها ابني 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

() سبق أن رويناها في الروايات الدالة على صحة العقد الفضولي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بغير أذني، فقال له أمير المؤمنين: خذ وليدتك وابنها…”(1).

فيقول الشيخ(2): إنه ترك الاستفصال، وهو إنما يتمّ إذا كان كِلا الفردين محتملاً، وبترك الاستفصال نفهم الشمول لهما. ولكنّ السائل يقول: (باعها ابني بغير أذني)، ويُفهم منه أن القضيّة لم تكن مورد النهي، وإلّا لقال ذلك، فترك الاستفصال ليس فيه فائدة.

هل نستطيع تقريب المطلب في هذه الصحيحة بنحو آخر بأن يقال: أنه في مسألة الأخبار المتعارضة، بحسب حكم العقل قبل الوصول إلى المرجّحات، أنها تسقط عن الحجّية؟ قالوا: إنها تسقط عن الحجّية بحسب المدلول المطابقي، ولا مانع من الأخذ بمدلوله الالتزامي، فإن الدلالة الالتزامية وإن كانت تابعة للمطابقية، ولكنّ أدلّة حجّية خبر الواحد تشمل اللازم والملزوم في عرض واحد. فالمدلول الالتزامي وإن كان لازماً للمعنى، ولكنّ الراوي أخبر بالمدلول المطابقي وأخبر بالمدلول الالتزامي، فتشملهما أدلّة الحجّية في عرض واحد. فإذا أسقطت الحجّية عن المدلول المطابقي، لا موجب لسقوطها عن المدلول الالتزامي، فإن الدلالة لم ترتفع وإنما ارتفعت الحجّية، والدلالة لم تكن تابعة للحجّية لترتفع بارتفاعها، وما بينهما تلازم، وهو الدلالة لم يرتفع شيء منها، 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 488، كتاب النكاح، الباب 41، الحديث 168، الاستبصار 3: 205، كتاب النكاح، أبواب العقود على الإماء، الباب 127، الحديث 9، ووسائل الشيعة 21: 203، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 1.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 374، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فتبقى الدلالة الالتزامية ثابتة وتشملها أدلّة حجّية خبر الواحد.

فلو كان هذا تامّاً هناك، فيقال -على فرض تماميته- في صحيحة محمد بن قيس إن كثيراً من فقراتها دالّة على أنَّ الأب ردّ بيع الولد للجارية. ومع ذلك قال: “إذا أجاز جاز“. فباللازم يُفهم أنه بعد أن كان الردّ ليس سبباً للبطلان، فكذلك النهي والكراهة ونحوه. وهذا نفهمه من الملازمة العقلية أو العقلائية. غاية الأمر أنه في مورد الردّ قام الإجماع على أنَّ الردّ هادم(1). والإجماع لا يهدم الدلالة، بل الدلالة المطابقية والالتزامية على حالهما، والمخبر أخبر بالدلالتين معاً، وحجّية خبر الواحد تشمل الخبرين في عرض واحد، وإن كانت الدلالتان متلازمتين، والإجماع غايته أن يسقط المدلول المطابقي عن الحجّية، فيبقى المدلول الالتزامي موجوداً. هذا هو التقريب.

وفي مقابله وعكسه يقال: إنه إذا بني على أنَّ الردّ إذا كان بعد وجود العقد يكون هادماً، فالنهي السابق يمنعه من الوجود؛ لأن الدفع أهون من الرفع. فإذا قام الإجماع على انهدام العقد بالردّ فهو هدم الموجود، فبالأولوية يكون النهي السابق مؤثّراً(2).

فهل البيان الأول تامّ بناءً على دلالة الرواية على الردّ؟ وقلنا إنها لا تدلّ. 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 278، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي، وغيره.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 122، الكلام في بيع الفضولي، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

لنا كلام في المدلولات الالتزامية، هل هي من دلالة اللفظ على شيئين مترتّبين، أو أن ما يقال(1): من أنَّ الدلالة الالتزامية دلالة لفظية مسامحة في التعبير، وإنما هي دلالة عقلية، فإن اللفظ موضوع للمعنى المطابقي ليس إلّا، ويستحيل أن يدلّ على أكثر من ذلك. ولكنّ المعنى المطابقي قد يكون له لازم يلزمه، فمتى ثبت المدلول المطابقي بلفظ أو بطريق البرهان، يلزمه ذلك الشيء، وعدم انفكاك اللازم من الملزوم دلالة عقلية. غاية الأمر بعض هذه الدلالات خفية محتاجة إلى قيام البرهان، أو بعضها من اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ، بحيث يأتي إلى الذهن بمجرد حضور الملزوم فيه عن طريق اللفظ، فمن ثُمّ اعتبرت مجازاً دلالة لفظية. فالدلالة الالتزامية من دلالة المعنى على المعنى، لا دلالة اللفظ على اللازم.

فإذا كانت من دلالة المعنى على المعنى، كقولنا: (أكرم زيداً) ولازمه إكرام حواشيه؛ لأن ذلك لازم عقلائي له. فلو دلّ دليل على عدم وجوب إكرام زيد فهل نقول أن خبر الواحد أخبر عن وجوب إكرام زيد وعن لازمه وهو إكرامه الحواشي، ودليل الحجية يشملها في عرض واحد، فإذا سقط المدلول المطابقي يبقى المدلول الالتزامي موجوداً؟ مع أن هذا اللازم كان لازماً لوجوب إكرام زيد، فإذا لم يكن موجوداً لا يكون لازمه موجوداً لا محالة، ونفي الملزوم نفي 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الأصول 3: 13، المقصد الثاني في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الثاني، مناهج الوصول 1: 327، المقصد الثاني: في الأوامر، الفصل الرابع في مقدّمة الواجب، الأمر الثاني، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

للازم. وليس من باب الدلالة اللفظية حتى يقال إنَّ الحجّية سقطت في إحدى الدلالتين ولا موجب لسقوط الأخرى. وإنما هو لازم المعنى، فإذا قام الإجماع على عدم وجوب الإكرام لزيد، فقد انتفى الملزوم، ومعه ينتفي اللازم لا محالة.

وليس عندنا أصلاً دليل على حجّية خبر الواحد، إلّا بناء العقلاء، ولا يُستشَم ذلك من أيّ دليل آخر، فلو علم العقلاء أن الملزوم غير موجود بإجماع ونحوه، فهل يأخذون باللازم، خصوصاً بالإجماع الذي هو دليل قطعي؟ فهنا حيث قام الإجماع على أنَّ الردّ هادم، فقد قام الإجماع على نفي الملزوم، ومعه ينعدم اللازم لا محالة.

وفي باب التعارض، إذا قام دليل على وجوب الظهر، وقام دليل على وجوب الجمعة. وكلٌّ منهما محتمل للمطابقة للواقع، ومن الممكن الأخذ به في نفسه. وبعد التعارض غاية ما نعرف أن أحدهما مخالف للواقع، ولا يثبت أن كِليهما مخالف للواقع. وإذ يتعارضان يتساقطان لعدم إمكان الأخذ بكِليهما ولا أحدهما المعيّن ولا أحدهما غير المعيّن. 

فهنا قد يقال(1): إنه بعد أن سقطت حجّية الدلالة المطابقية لا موجب لسقوط حجّية الدلالة الالتزامية، فإن الحجّتين تشملهما في عرض واحد، وسقوط الحجّية لا يستلزم سقوط أصل الدلالة، بل الدليل في نفسه لا زال محتمل المطابقة للواقع، لاحتمال صدق أحد المتعارضين.

ــــــــــ[205]ــــــــــ

(1) أُنظر: درر الفوائد 2: 271-274، البحث في تعارض الدليلين، المقام الأوّل، فوائد الأُصول 4: 755، خاتمة في التعادل والتراجيح، المبحث التاسع، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهذا يمكن أن يقال هناك، ولكنّه لا يقال هنا. ثُمّ إذا ثبت أن الملزوم غير موجود، وأن الردّ هادم، فلا يمكن أن يقال ببقاء اللازم، فالتقريب في الصحيحة غير صحيح.

وأما عكس الذي قلناه، وهو أنه إذا قام الإجماع على أنَّ الردّ هادم، فبالأولوية واللازم العقلي نفهم على أنَّ النهي مبطل؛ لأن الدفع أهون من الرفع.

كون الدفع أهون من الرفع لا دليل عليه، بل قد يكون الرفع أهون. وعلى فرض تسليمه، فقد يكون للردّ(1) حالة واحدة، وهو ما بعد العقد لعدم صدق الردّ قبله، وأما النهي ففيه مطلب آخر. فلا يمكن رفع اليد عن أحدهما بمجرد ثبوت بطلان الآخر. إذن فهو لا يصحّ صغرى ولا كبرى.

والمطالب التي أشار إليها الشيخ(2)، منها أنه إذا نهى فالنهي باقٍ حتى بعد وجود العقد، فينتزع منه الردّ. وهذا مستحيل أن يبقى النهي حتى بعد الوجود. ومنها أن الكراهة كافية في الردّ، وهذا لا دليل عليه هذه المسألة الثانية.

[المسألة الثالثة:] إذا باع الفضولي لنفسه

المسألة الثالثة: إذا باع الفضولي لنفسه، فهل تصحّحه إجازة المالك أو أن البيع باطل أساساً، أو يفرق بين الموارد؟ 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() حالان: دافعية ورافعية وقد يكون له. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 375، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

هناك بعض الإشكالات الواردة على بعض صوره وبعض الإشكالات على كلّ الصور. واحتمال الإشكال يكفي في عدم جواز التمسّك بالعمومات لكونه حينئذٍ شبهة مصداقية.

 [تقرير الإشكال العقلي في المقام] 

أحد الإشكالات: إشكال عقلي تعرّض له الشيخ(1)، راجع إلى قسم من الفضولي وهو: إن هذا الشخص الذي يكون فضولياً ويعمل المعاملة لنفسه وملتفت إلى أطراف المسألة، كيف يحصل له الجدّ إلى المعاملة؟ مثلاً الغاصب مرّة لا يعتقد بالمالكية والمملوكية، وهو بأن المالك هو الذي بيده المال. ومرّة يعترف بذلك، ولكنّه غير ملتفت إلى أطراف القضيّة، كِلا هذين الشخصين لا يرد عليه الإشكال.

وقسم من الفضولي ملتفت إلى القضايا، ويعلم أن المال مال غيره، وأنه ليس مالكاً، وأن البيع عبارة عن تبادل الإضافات، يرد عليه الإشكال العقلي، فإذا أردنا صحّة المعاملة كما نسب إلى المشهور من صحّة بيع الغاصب مطلقاً، فلا بُدَّ أن يرتفع هذا الإشكال(2).

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 377، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة؟

(2) أُنظر: رسائل الميرزا القمّي 1: 35، رسالة في بيع الفضولي، المقام الثاني: بيع الغاصب، مقابس الأنوار: 130، البيع، المبحث الثاني: في شروط المتعاقدين، الموضع الثاني، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وحاصل الإشكال العقلي، هو أن ماهيّة البيع عبارة عن تمليك هذا الشيء لذلك الشخص في مقابله تملّكه للعوض. وهذا إنما يتمّ إذا كان مالكاً ومسلّطاً على التمليك، والغاصب لا يرى لنفسه هذه السلطنة، فيستحيل أن يقصد الماهيّة التي هي تبادل الإضافات.

وبعبارة أخرى: إن ماهيّة البيع هي مبادلة مال بمال وتبديل إضافة المالكية والمملوكية، أو كما يعبر بعضهم: أن لي إضافة إلى هذا المال ولك إضافة إلى ذاك المال، والبيع هو المبادلة بين هاتين الإضافتين، وكيف يعقل القصد الجدّي إلى التبادل مع الالتفات إلى عدم وجود الإضافة المالكية؟

نعم، إذا أراد أن يبيعه عن المالك. فقد سبق إشكاله وجوابه، ولكنّ هذا فيه زيادة في الرداءة، وهو أنه يريد أن يخرج المال عن نفسه، وهذا المعنى لا يمكن القصد الجدّي إليه، ونقل المال مجرّداً لا يكفي. فما يقدر عليه وهو نقل المال لا يكفي وما يكفي وهو نقل الإضافة لا يقدر عليه.

[جواب الشيخ عن الإشكال ونقده]

وقد ذكرت جوابات على ذلك:

منها: جواب الشيخ(1): وهو أنه لو كان يرى نفسه غاصباً ويرى الملك ملك غيره، ويريد أن يبيعه عن نفسه ويملك لنفسه الثمن. فالبيع باطل والماهية لا تتحقّق، ولكن إذا كان الغاصب -بتعبير الشيخ- بالمجاز الادّعائي -وفي 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 378، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الواقع- الحقيقة الادّعائية، يدّعي أنه مالك، وهذا وإن كان ادّعاءً لا حقيقةً، ولكن به يستطيع أن يحصل له الجدّ إلى المعاملة.

هناك حقيقة ادّعائية يقولها الأصوليون تبعاً للسكاكي(1)، وأحد أنحائه في المقام أن يدّعي ملكية الشيء، ومصحّح الادّعاء هو أن الملكية من آثارها التسلّط الخارجي، والغاصب يرى أن التسلط الخارجي مسلوب عن المالك وثابت له، فيدّعي أنه ملكه. وبعد أن يدّعي أن هذا ملكي يثبت لازمه وهو أنه مالك، فإنه إذا كان هذا ملكي فأنا مالكه. فهذا نحو من الادّعاء.

ومرّة يدعي نفسه مالكاً، ولازمه هو أن هذا ملكي. ثُمّ ينقله على هذا الادّعاء –يقول الشيخ- نقلاً جدّياً. ونحو آخر للادّعاء، هو أن يدعي: أني أنا المالك المغصوب منه، ولازمه هو أن هذا من أموالي، فيبيعه عن نفسه، فهذه ادّعاءات على طريقة السكاكي. وهو أن يدّعي المصداق مصداقاً للطبيعة ثُمّ يستعمل اللفظ فيه.

في مقابله الحقيقة الادّعائية التي قالها بعض مشايخنا(2) وتابعناه، وهي استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، وتطبيق المعنى الحقيقي على الشيء مجازاً، يستعمل (الأسد) في الحيوان المفترس، ثُمّ يطبّقه على هذا الإنسان ادّعاءً. ففي 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الأُصول 2: 172، الأمر الثالث: في الحقيقة المسمّاة بالمجاز، مناهج الوصول 1: 102، الأمر الخامس: في المجاز، تهذيب الأُصول 1: 30، مقدّمة، الأمر الخامس: المجاز.

(2) وقاية الأذهان: 103- 108، القول في مباحث الحقيقة والمجاز، جواهر الأصول 2: 172، الأمر الثالث في الحقيقة المسمّاة بالمجاز.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مرحلة الاستعمال حقيقي، وفي مرحلة الجدّ ادّعائي. وأما طريقة السكاكي فهو أن يدعي أن زيداً أسد، ويستعمل اللفظ في (زيد). وبناءً عليه يكون مجازاً لغويّاً، وعلى ما قلناه حقيقة لغوية.

فإذا أردنا أن نطبّق ذلك في المقام، يقال: إنَّه يوقع البيع على المالك الحقيقي، ويدّعي أني أنا مالك. وعلى هذا يرتفع الإشكال العقلي والعقلائي، لكنّه يخرج عن محلّ الكلام، فإن محلّ الكلام هو أن يبيع لنفسه لا لمالك المال. مضافاً إلى أنَّ نفس هذا التصوّر مشكل في المقام. فإن الادّعاء إنما يتمّ فيما إذا استعمل اللفظ في معناه الحقيقي، وطبّق على المصداق تطبيقاً ادعائياً. ففي قولنا: (زيد أسد)، يدلّ كلّ لفظ على معناه الحقيقي، وتدلّ الهيئة على الهُوهُويّة ونحو من الاتّحاد بين الموضوع والمحمول، فيدلّ على تطبيق مفهوم الأسد على زيد بما له من الجهة الملحوظة، وفي المجاز السكاكي يكون قد طبّق المعنى المجازي على الفرد الحقيقي.

ففي المقام لا بُدَّ وأن تعمل عملاً يصبح به الغاصب مالكاً ادّعاءً؛ ليتم قصده للبيع على قول الشيخ، وأما إذا وقع البيع عن المالك الحقيقي، ثُمّ ادّعى أنه هو المالك. باعتبار أنه استعمل اللفظ في معناه الحقيقي، ثُمّ طبّقه على نفسه، فقد وقع البيع عن مالكه، ولا لادّعائه الآخر أي أثر في المعاملة. نعم، له أن يدّعي نفسه مالكاً في قبض الثمن مثلاً. إذن فالمطلب لا يتمّ على هذا النحو من الادّعاء.

لكن على المجاز السكاكي الذي يقوله الشيخ، يدّعي نفسه المالك، فيحصل له الجدّ في البيع لنفسه، فهنا يتصوّر على أحد الأنحاء الثلاثة السابقة، حتى في مثل أن يدّعي أنه هو المالك المغصوب منه.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وإنّا لم نستطع أن نفهم المطلب، ولا بعض المحشّين، أنه كيف يحصل الجدّ بالحقيقة الادّعائية؟ فهل الحقيقة الادّعائية تورث الغفلة عن الواقع، إذا غفل فلا حاجة إلى الادّعاء؟ وأما إذا كان ملتفتاً فالمملوك ادعاءً لا يمكن نقله حقيقةً.

[جواب الميرزا النائيني ومناقشته]

المرحوم النائيني(1) أشكل تبعاً للسيد(2)، ولعلّه كان يدافع عن إشكاله، أنه إذا كانت القضية الادعائية، فلا بُدَّ أن تثبت هذه الحقيقة الادّعائية، فإنه ليس كلّ غاصب يدّعي هكذا. نعم، فإذا علمت من غاصب هذا الادّعاء فبها ونعمت. وأما عند الشكّ فهو شبهة مصداقية.

وفي الجواب يقول: إن الغاصب كما سرق المال، فإنه يسرق الإضافة معه بنحو التجعُّل، نقول: إنه هل يسرق الإضافة حقيقة أو تجعلاً؟ 

لا سبيل إلى الأوّل، وإذا كان الثاني فلا بُدَّ من إحراز أنه سلب الإضافة من المالك وجعلها لنفسه. فالإشكال الوارد على الشيخ من حين البيع وارد عليكم من الأوّل، فإن بعض السارقين يسرق الإضافة وبعضهم لا يسرقها!! على أنَّ أغلبهم، بل كلّهم لا يفهمون هذا المطلب أساساً.

فيجب أن تحرز وجود هذا الادّعاء ابتداءً واستمراراً، فلو احتملت أيضاً 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 225، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 141-142، البيع، في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

سقوط ادّعائه أو رفع يده عنه عند العقد، لا يمكن الحكم بتصحيحه. فكلامه وكلام الشيخ لا يتمّ. والإشكال العقلي باقٍ على حاله، ولا يمكن الجدّ إلى المطلب.

 [بيان المحقق الأصفهاني ونقضه]

الشيخ محمد حسين يقول ما ملخصه(1): إن القصد المتوقّف عليه صحّة العقد يختلف باختلاف مباني القوم. فصاحب (المقابس) يقول: ما هو المعتبر من القصد في العقود، هو القصد إلى اللفظ مع الاستشعار بالمعنى، أما قصد ترتّب الآثار الشرعية والعقلائية فغير معتبر في ماهيّة البيع. ثُمّ يقول صاحب (المقابس) (2) في آخر كلامه: إن هذا القصد الناقص الصوري يعبر عنه بالعقد، وما هو المعتبر في المعاملات هو هذا(3).

ودليله: صحّة الإيجاب قبل القبول وبيع الفضولي وبيع المكره، وهو بغير هذا النحو غير ممكن.

والشيخ(4) عليه الرحمة، لا يرى هذا كافياً، بل مضافاً إلى قصد اللفظ 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 114-115، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الثالثة.

(2) أُنظر: مقابس الأنوار: 114-115، البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، الموضع الثاني.

(3) اُنظر المصدر المتقدّم.

(4) راجع كتاب المكاسب 3: 378، الكلام في عقد الفضولي، صور بيع الفضولي، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

والمعنى الإنشائي، لا بُدَّ في نظر البايع من حصول الأثر، أما النقل العقلائي والشرعي فهذا تابع لصحّة وفساد المعاملة لا مأخوذ في مفهومها. وإنما لا بُدَّ أن يكون الأثر مترتّباً في نظر المتبايعين.

يقول الشيخ محمد حسين(1): لا ما يقوله صاحب (المقابس) صحيحاً ولا ما يقوله الشيخ، بل زائداً على هذا المعنى، أنه في الأمور التسبيبية، لا بُدَّ أن يتسبّب للمعاملة بالألفاظ إلى الملكية العقلائية أو الملكية الشرعية. وأما ما قاله الشيخ من كفاية اعتبار النقل عند اعتبار النقل عند المتبايعين، فهو نقل خفيف المؤونة ولا يحتاج إلى لفظ أو فعل، بل من الممكن صدوره دونهما.

والمعاملة لا بُدَّ أن يتسبب بها إلى الملكية الشرعية، والعقلائية، ولهذا قد تستعمل الألفاظ في غير التسبب الى الملكية العقلائية والشرعية، ولو كان المعنى الإنشائي موجوداً فإنه لا يكون بيعاً، وحيث إنَّه في الإيجاب بعد القبول والبيع المعتبر فيه القبض كالصرف والسلم والفضولي، لا يتوفّر هذا المعنى، فلا بُدَّ أن نقول إنه يتسبّب إلى الأثر بعد حصول تلك الحيثيات كالقبض والإجازة والقبول.

إذن فعندنا هذه المعاني الثلاثة: ما يقوله صاحب (المقابس)، وما يقوله الشيخ العلّامة، وما قلناه -يعني الشيخ محمد حسين- وما قاله الشيخان يصلح جواباً على الإشكال العقلي؛ لأننا لا نتوخّى أكثر من القصد إلى اللفظ مع استشعار المعنى، أو مع قصد المتعاملين إلى النقل، فإذا وجد هذا المعنى 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

() أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 114-115، البيع، شروط المتعاقدين، المتعاقدين، بيع الفضولي، المسألة الثالثة. 

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

للغاصب يتمّ المطلب(1)، ولكن -نقول- بناءً على ما ذكرناه من ماهيّة المعاملة، وهو التسبّب إلى إيجاد الملكية الشرعية والعقلائية، لا يتمّ المطلب؛ لأن العاقد حيث يعلم عدم ترتّب الأثر الشرعي ولا العقلائي، ويعلم أنه لا يخرج مال غيره من جيب نفسه، فالإشكال على مسلكنا يكون باقياً.

نقول: إن هذا المطلب وإن كان خارجاً عن محلّ بحثنا، فإننا نتكلّم عن الإشكال العقلي هل يندفع على مسلك الشيخ أسد الله والشيخ أو لا؟

[ما قرره المحقق التستري في المقام والإيراد عليه]

ولكن حفظاً لحقّ العلماء، لا بُدَّ أن نرى أن الشيخ أسد الله ماذا يريد أن يقول؟ مع العلم أن ظاهر عبارته هو هذا: أن المعتبر هو اللفظ مع استشعار المعنى. فهل يريد أن يقول: إن التلفظ مع استشعار المعنى الإنشائي تصوّراً، من دون استعماله في المعنى الإيجادي بيع، هل يقصد ذلك على علوّ مقامه، وأنه هل مقصوده من القصد الصوّري الناقص؟

أنا أظن أنه في مقابل المسلك الذي ردّه وهو لزوم قصد الأثر بأن بيع الفضولي والمكره والغاصب بيع، وإنما حال العقد كحال جعل الإيجابات على نحو القوانين الكلّية التي يوجبها الشارع المقدّس، فليس أن هذا الإيجاب موجود في مورد ولغو في مورد(2)، وإنما هو جدّ إلى الإيجاب. فـ(أَوْفُوا بِالعُقُودِ) استعملت في العموم، تبقى إلى الآخر كذلك. وإن ورد عليها التخصيص، فإذا 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() يعنی: ينحلّ الاشکال العقلي ( توضيح). (المقرِّر).

(2) وهو مورد التخصيص (توضيح منه). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ورد عليها التخصيص ليس معناه أن اللفظ لم يستعمل في معناه، بل استعمل في معناه وهو المعنى الإنشائي، إلّا أنَّ هذا وحده لا يكفي، بل لا بُدَّ من إحراز أن هذا المعنى الإنشائي موافق لجدّ المولى. فإذا لم يكن دليل على التخصيص نحمله على الجدّ للأصل العقلائي القائل بذلك. وإذا خصّص المولى كلامه لا يستكشف أن اللفظ استعمل في غير معناه أو هزلاً، ولذا عنونوا في الأصول أن المطلق بعد التقييد حقيقة لا مجاز، وقد استعمل اللفظ في الإيجاد الإنشائي، وأما الإيجاد الواقعي فلا ربط له بالألفاظ.

فيحتمل أنه يريد ما قلناه وأصررنا عليه، من أنَّنا نحتاج في المعاملات إلى قصد المعنى الإنشائي، ولا نحتاج إلى ترتّب الأثر، وتعبيره بالعقد الصوري ليس معناه أن اللفظ له معنى ناقص، وليس معناه أن مجرّد استشعار المعنى ولو تصوّراً يكون كافياً. فإنه لا يناسب ذلك مقامه. وإنما هو قصور في التعبير، وقصده منه أنه كما أننا في باب الأحكام نقول إنه قصد صوري وليس معناه أن اللفظ لم يستعمل في معناه، وإنما في موارد التخصيص يكشف عن عدم موافقته للجدّ، فباب إنشاء الوجود مطلبٌ وباب الجدّ باب آخر. وليس أنه في مقام لا يكون جدّ يسقط اللفظ عن آليته للمعنى. فكما أن بيع الأصيل متوقّف عقده على الإنشاء لا على قصد ترتّب الأثر، كذلك الفضولي لا نريد فيه أكثر من ذلك المعنى، لكن بما أنه فضولي، فلا يترتّب عليه الأثر قبل الإجازة.

[نقد مقالة الشيخ الأعظم] 

والشيخ الذي يقول: أنه لا بُدَّ في نظر المتعاملين أن يكون مؤثّراً، كيف يمكن تصديقه؟ فهو الذي يعلم بأن إنشاء النقل لا يمكن أن يحدث، كيف 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يمكن أن يكون العقد مؤثّراً في نظره. 

وبعبارة أخرى، عندنا نقل في نظر الشرع ونقل في نظر العقلاء، ونقل في نظر المتعاملين. فكأن الموجب واقف في مقابل الشرع والعقلاء، بحيث إنَّ النقل الذي لا يوافق عليه الشرع والعقلاء هو يعتبره موجوداً، مع أنه يعلم أنه لا يحصل النقل ولا يمكن أن يحصل كيف له الجد إلى الإيجاب، عند الأصيل فضلاً عن الفضولي.

نعم، لو كان عنده دوار أو صداع في رأسه منعه من الالتفات إلى المسألة، لتمّ قصده، ولكن ليس لنا كلام بالمصدوع الرأس، وإنما الكلام في المتلفت، الذي يعلم أن وجود القصد وعدمه سيان، أيّ غرض يكون له في تحصيل الجد إلى المعاملة؟ يقول الشيخ: لأجل إيجاد المعاملة، فكأنّ غرضه هو مجرد إيجاد المعاملة.

[التأمل في بيان المحقق الأصفهاني]

أما كلامه(1) من أنَّ ألفاظ المعاملات أسباب عقلائية وشرعية، ولا يكون بيعاً إلّا أن يتسبّب الإنسان إلى الملكية العقلائية أو الشرعية، وحيث لا يمكن التسبب للموجب والفضولي والمكره، فنقول بالتسبب بعد القبول والإجازة(2).

ــــــــــ[216]ــــــــــ

() يعني الشيخ محمد حسين. (المقرِّر).

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 115، البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نحن نقول: إنك ترى أن المعاملة محتاجة إلى الإيجاب والقبول، ونقول بأن التسبب إلى الأثر يكون بعد الإجازة. مرّة يكشف العقلاء والشرع عن ملكية واقعية موجودة، وقد وضع لها الشارع أسباباً، إذا كان كذلك فالتسبيب إلى الملكية العقلائية والشرعية ممكن؛ لأن غاية وظيفة الشارع أنه كشف عن واقع الملكية وجعل لها سبباً، فإيجادي لسببها لا ربط له بالشارع والعقلاء، وإنما يكون حاله حال التكوينيات.

على هذا يكون لكلامه وجه، لكنّه لا يقول به ولم يقل به أحد.

ومرّة يقال: هذه الأمور لا واقعية لها وراء الاعتبار، فالملكية الشرعية هي التي اعتبرها الشارع والملكية العقلائية هي التي اعتبرها العقلاء. فأنت تحتاج إلى اعتبار الشرع والعقلاء. فهل يمكن التسبب بالألفاظ إلى إيجاد اعتبار العقلاء والشرع، فأكون سبباً لإيجاد الملكية العقلائية أو الشرعية؟ هذا محال، فإن الاعتبار العقلائي والشرعي له مبادئ خاصّة. وغاية ما في يدي هو إيجاد الموضوع الموافق لاعتبار العقلاء. فمتى رأى الأصيل أنه إذا قال: (بعت) على وجه الجدّ يكون موضوعاً لاعتبار العقلاء، فإنه يحصل له الجدّ إلى المعنى، بالمعنى الذي قلناه في تأويل كلام الشيخ أسد الله، وهو استعمال اللفظ بما له من المعنى الإيجادي في إيجاد المعنى الإنشائي.

مضافاً إلى أنَّ ما تقوله من التسبّب بعد القبول والإجازة غير تامّ. فهل الإجازة كاشف محض، أو جزء من سبب الأثر؟ لا شكّ في أنَّها جزء من سبب الأثر، سواء قلنا إنها ناقلة أو كاشفة، فإن القول بالكشف المحض واضح البطلان، وكيف أتسبّب إلى أمر أحد ركنيه – ليس كلِا ركنيه- في يدي، فإن 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الأثر مترتّب على أمرين: الإيجاب والقبول، فكيف أنا الموجب أكون سبباً لإيجاد الأثر المترتّب على الإيجاب والقبول معاً، كما أن الفضولي كيف يتسبّب بعمله إلى إيجاد الأثر المترتّب على عمله وعلى الإجازة معاً، مع أن عمله أحد جزئي الأثر؟

وإذا قلتم: أنا أضع أحد الجزأين، والآخر يضع الجزء الآخر.

فمرجعه إلى ما قلناه في تأويل كلام الشيخ أسد الله من أنَّنا لا نحتاج إلّا إلى استعمال اللفظ في معناه الإنشائي جداً، وإن لم يترتّب عليه الأثر، وأما الأثر فهو من عمل العقلاء.

إذن فكلامه أشدّ إشكالاً من كلام الشيخ أسد الله والشيخ.

إذن فلم يُـحَل على كلامه الإشكال العقلي، من قوله إنه ينزّل نفسه منزلة المالك، فإنه إن كان هو المالك الحقيقي فهذا كذب. وإن كان يعقد بما أنه مالك صوري فهذا لا يكفي. فبعد أن اعترفت بالإشكال العقلي من عدم إمكان توفّر القصد والجدّ له، لا يكون جوابه تنزيل نفسه منزلة المالك.

فالإشكال العقلي إلى الآن لم يـُحَل.

في حل الإشكال العقلي 

كان هناك إشكال عقلي، وهو عدم إمكان القصد جداً إلى مضمون المعاملة، مع الالتفات إلى القضية. إذن فالمعاملة (كلاه ﭘـوشي)(1) وليس أمراً جدّياً.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: ليس أمراً جدياً.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

نقول: إننا مرة نبني على أنَّ المعاملات أسباب واقعية لمعنى واقعي وهو الملكية، أو نقول: إن البيع عبارة عن النقل الواقعي في نظر العاقد أو في نظر من له الاعتبار -الشرع والعقلاء- بحيث لو لم يحصل النقل في نظر العاقد فليس معاملة أصلاً.

إذا قلنا بهذا الكلام، فالظاهر عدم انحلال الإشكال العقلي، لولا أنَّ المباني باطلة، بل على ذلك لا يصحّ حتى البيع الفضولي للمالك، فإن إيجاد النقل الواقعي غير متوفّر للفضولي لا لنفسه ولا لغيره. فإذا توخّينا النقل الواقعي فهو بلا إشكال غير موجود في الفضولي، وإنما يحصل بعد الإجازة، فلا يكون الفضولي بيعاً أصلاً.

وكذلك، النقل بنظر العاقد، فإن العاقد الملتفت، لا يمكن أن يرى الشيء الذي لا واقعية له ولا يمكن أن يحدث، أن يراه موجوداً.

مضافاً إلى ما قلناه من أنَّ الملكية أمر اعتباري، والبيع أمر عقلائي، وليست الملكية أمر واقعي له علل تكوينية، فما يقال: من أنَّ الملكية عبارة عن النقل الواقعي لدى الشرع أو العقلاء أو العاقد، غير حاصل في مورد الفضولي، لا الفضولي لنفسه ولا لغيره، وإذا ورد في الفضولي لنفسه روايات التنفيذ كصحيحة محمد بن قيس، لا بُدَّ أن يُلتزم بأنه ليس بيعاً ولكن أمر الشارع بترتيب الآثار عليه. فإن الروايات لا تجعل الماهيّة وإنما تأمر بترتّب الآثار. كما قوله “الطواف في البيت صلاة(1) فإنه ليس جعلا للماهيّة بل أمر بترتيب الآثار.  

ــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 214، الفصل التاسع، الحديث 70، ومستدرك الوسائل 9: 410، كتاب الحجّ، أبواب الطواف، الباب 38، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بل الأصيل أيضاً لا يتوفّر فيه النقل الواقعي أن توخّيناه، فإن الموجب بخصوصه وكذلك القابل لا يستطيع إيجاد النقل العقلائي، ولا يمكن أن يكون الإيجاب في نظر الموجب ناقلاً، بعد أن يكون ملتفتاً إلى أنَّه لا يكون كذلك في نظر العقلاء.

وأما إذا لاحظنا المعاملات بحسب المفاهيم العقلائية، فلا نشكّ في أنَّ البيع الفضولي كغيره بيع لدى العقلاء، غاية الأمر أنه محتاج في ترتّب الآثار إلى الإجازة. فنستكشف من ذلك أن البيع ليس عبارة عن النقل الجدّي أو النقل الواقعي، بل هو عبارة عن النقل الإنشائي.

افرضوا أن شخصاً تخيل أن هذا المال ملكه وباعه، فهذا بيع في محيط العقلاء، ولكنّه بيع مال الغير، ولا شكّ أنه لم يحصل النقل. نعم، النقل في نظر الإنسان موجود في هذا المثال، ولكنّه غير موجود في أصل الفضولي، إلّا على التأويل والمجاز والادّعاء الذي يقوله الشيخ مع أن الإنسان (لا يمكن أن يبسط سفرةً ادعاءً ويأكل الرز حقيقة)!!

وبيع المكره أيضاً عند العقلاء لا يترتّب عليه الأثر، ولكنّه عندهم بيع، ولذا يقال: إنه باع بالإكراه داره. فليس إشكالهم في صدق ماهيّة البيع، وإنما إشكالهم من حيث حدوث البيع بالقهر والإكراه.

فإذا كشفنا عن كلّ ذلك عن أن ماهيّة البيع ليست عبارة عن النقل الواقعي في نظر الشرع والعقلاء والعاقد، بل العاقد بعد أن يعمل المعاملة يوجد منشأ لها، وهذا المعنى المنشأ قد يترتّب عليه الأثر وقد لا يترتّب.

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الآن نرى أنه هل يفترق: الأصيل العادي والمكره، والفضولي للمالك والفضولي لنفسه في أصل الإنشاء أو لا؟ وإن كانوا يفترقون في أمور أخرى.

أحد الصور أن يأخذ الغاصب أو السارق بالعين إلى السوق فيقول: (بعتك هذا بكذا)، فيقول المشتري: (قبلت). ومرّة يقول: (بعت لنفسي بازاء دخول الثمن في ملكي). فالأوّل هو الصورة المتعارفة، والثاني صورة (مدرسية) قد يلجأ إليها العقلاء لبعض الخصوصيات النادرة.

ونحن نتكلّم في الصورة المتعارفة هل تفترق في وجود الإنشاء بالنسبة إلى تلك الأقسام من المتعاملين؟

فنقول: الأصيل الموجب إذا أراد أن يبيع، فإنه يعلم بأنه لا يترتّب عليه الأثر، لكن إذا انضمّ إليه القبول، فيحصل البيع الذي يترتّب عليه الأثر عقلائياً. فالموجب يوجد الإيجاب توخّياً لانضمام القبول إليه، وبذلك يحصل له الجدّ.

وبيع الفضولي لصاحب المال، لا يفترق عن الأصيل في الإنشاء، فإنه يعمله وهو يعلم أنه لا يترتّب عليه الأثر، ولكنّه يعمله متوقّعاً للإجازة، فهو لا يفترق عنه في الألفاظ ولا في عدم ترتّب الأثر، غاية الأمر أن الموجب متوقّع للقبول وهذا الفضولي متوقّع للإجازة.

وبيع المكره أيضاً عين المطلب، غايته يبيع تخلّصاً من الظالم، وهو يشترك مع الأوّلَين بإيجاد الألفاظ والإنشاء، وعدم ترتّب الأثر، إلّا بعد لحوق الإجازة منه بعد ارتفاع الإكراه.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

والغاصب الذي أشرنا إليه، لا يفترق إنشاؤه عن هؤلاء، غاية الأمر أن غرضه يختلف عن أغراضهم، فغرض الموجب هو توقّع القبول، وغرض الفضولي توقّع الإجازة، وغرض المكره التخلّص من الضرب، وغرض الغاصب تحصيل المال.

لا أنه -أي الغاصب- يريد إخراجه عن نفسه، بل يريد الإنشاء، مثلاً (أبيع عباءتك ثُمّ أشتريها وأسلّمها)، فهذا إنشاء أعمله حتى تتمّ سائر الشرائط بعد ذلك، وتكون موضوع الأثر عند العقلاء.

نعم، لو كان البيع عبارة عن النقل الواقعي لمال المالك، لكان هذا باطلاً، إذن فالأغراض تامّة والإنشاء موجود، فأين الإشكال العقلي في تحقّق المعاملة؟ غاية الأمر في الأصيل محتاج إلى القبول والفضولي محتاج إلى الإجازة.

فكما في باب الأحكام، إذا استعمل اللفظ في العموم يجعل الحكم بنفسه على العموم، ويكون الإنشاء جدّياً، لا أنه إنشاء في مورد دون مورد، بل إنشاء على نحو العموم، ولم يجعل فيه إلّا المنشأ، فهو جدّ استعمالي وليس في مرحلة الاستعمال هزل، والواجب الإنشائي موجود. نعم، الواجب الواقعي غير موجود، لعدم الجدّ إلى الواقع؛ لأن الإرادة الجدّية غير متوفّرة، إلّا أن الجدّ إلى الواقع خارج عن محيط الألفاظ والإنشاء.

فالفضولي والموجب والغاصب، له جدّ إلى التمليك الإنشائي، وهو غير الجدّ إلى ترتّب الأثر، فإن ترتّب الأثر من أحكام المعاملات عند العقلاء، وليس من مقومات مفهوم المعاملة والغاصب يعمل نفس العمل، ولا يلحظ أنه 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أخرجت من مالي وأدخلت في مالك، بل يقول: (بعت)، و(بعت) هو بعت في تمام الموارد، غاية الأمر أن الأغراض مختلفة؛ هذا يتخلّص من الإكراه، وذاك يتوخّى القبول، وذاك يتوخّى الإجازة، وهذا يريد تحصيل المال.

بناءً عليه فالإشكال العقلي في تمام الموارد غير وارد.

افرض أنه قال: (بعت هذا من نفسي لتملّك هذا الثمن لنفسي)، هنا مرّة يتوقّع الإجازة، ويملك، فليس فيه إشكال عقلي، ولكن بدون توقّع الإجازة، يكون نفس الإنشاء مشكلاً، إذا قصد ترتّب الأثر فعلاً، إلّا أن ترتّب الأثر لا دخل له في ماهيّة المعاملة فتصحّ بعد الإجازة، ويكون حاله حال تخلّف الوصف في العين الخارجية كقوله: (بعتك هذا الفرس العربي)، فيقع البيع على هذا الفرس ويلغو الوصف، ولا يؤثّر الوصف في جعله موضوعاً آخر، وإنما يخصّصه في الكلّيات.

فلو قال الغاصب: (بعت هذا لنفسي)، يلغو، ويكون كوصف الفرس بالعربي. نعم، لو قلنا: الإنشاء خفيف المؤونة، فيه خفاء فالإشكال العقلي غير موجود.

الإشكال العقلائي

الإشكال العقلائي، قاله الشيخ(1)، ولا يختصّ بالغاصب الملتفت فإن ماهيّة البيع إذا كانت عبارة عن تبادل الإضافات، فالفضولي لنفسه، وإن حصل له 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 378، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أنَّ يبيع الفضولي لنفسه، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الجدّ واعتبر نفسه مالكاً، فماهيّة المعاملة عند العقلاء لا تتحقّق، فإنه يريد أن يخرج مال غيره من جيب نفسه، وبعبارة الشيخ: أن المجيز ماذا يجيز؟ هل يجيز البيع لنفسه -يعني المالك-؟ فهذا لم يحصل. أو يجيز البيع للفضولي؟ وهذا باطل عقلائياً.

والإجازة لا تعمل بيعاً جديداً(1)، والانقلاب الذي نسب إلى الميرزا القمّي(2) مشكل جداً، وهذا إشكال عامّ في سائر المعاملات إذ يقال: إنه يجب إدخال الثمن في جيب من خرج منه المثمَن.

إذن فالإشكال العقلائي في بيع الفضولي لنفسه، إذا كان وراداً، لا يفرّق فيه بين الغاصب الملتفت وغير الملتفت والجاهل بالموضوع والعالم.

وحاصله: أن ماهيّة البيع عبارة عن مبادلة الإضافات، فهو يسبب تبديل الإضافة التي للبايع تجاه المال، والإضافة التي للمشتري تجاه الثمن إلى عكس هذه الإضافة، فيضاف الثمن إلى البايع والمثمَن إلى المشتري، وفي باب الفضولي لنفسه، يريد أن تقع المعاملة لنفسه، وأن يدخل الثمن في ملكه، في حين أن المثمَن ليس ملكه، وهذا معنى يخالف ماهيّة البيع.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 379، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

(2) اُنظر: جامع الشتات 2: 319، كتاب التجارة، الكلام في الفضولي المصطلح، المقام الثاني: في بيع الغاصب، وكتاب المكاسب 3: 378، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وبعبارة الشيخ: أن المالك إذا أجاز هذا البيع الفضولي، فهل يجيز ما أوقعه هذا الفضولي أو أمراً آخر؟ فإن كان يجيز ما أوقعه هذا الفضولي، فمعناه أن الثمن يدخل في ملكية البائع الغاصب، والمثمَن يخرج من كيس المالك، وهو مخالف لماهيّة المعاملة، وإذا أجاز شيئاً آخر فليس عندنا شيء آخر، فما يصحّ تعلّق الإجازة به ليس فيه إنشاء، وما تعلّق به الإنشاء لا تصحّ إجازته، وهذا ليس إشكالاً عقلياً حتى تصحّ المعاملة عند المناقشة فيه، بل يرجع إلى الإشكال العقلائي في عدم تحقّق ماهيّة المعاملة أصلاً.

لنا كلام راجع إلى المعاملات المتعارفة الصادرة من الغاصب والفضولي، وكلام فيما إذا وقع البيع على خلاف المتعارف، فقال: (بعتك هذا من نفسي ليدخل الثمن في ملكي).

أوّلاً نتكلّم في أنَّه هل أُخذ هذا المعنى في ماهيّة البيع، وهو أن يخرج البيع هذا من ملك هذا، ويدخله في ملك ذاك، وبالعكس، وهل هذا هو مقتضى تعريفه بتمليك العين بالمعوض، أو أن هذا التعريف ناقص يصحّ في بعض البيوع؟

نحن إذا أردنا أن نعرف موارد الماهيات الاعتبارية، فلا بُدّ أن نرى موارد صدقها العقلائي، ثُمّ إذا استطعنا أن ننتزع منها معنى انتزاعياً نجعله معرّفاً لمفهوم البيع، فهو. 

فلا بُدّ أن نرى أن البيع والشراء هل يصدق بهذه القيود، أو يصدق عقلائياً من دون هذه القيود؟

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مثلاً في بيع الكلّي، إذا بعتك حِملاً من الحنطة، فهل معناه أني مالك في ذمّتي أحمالاً من الحنطة، كما أنَّي مالك للحنطة في الخارج. أو أني بعد أن أملكك الكلّي تملكه في ذمّتي؟ وقبل إنشاء المعاملات ولا بعده لا أكون مالكاً للكليات في ذمّة نفسي، حتى يقال: إن نفس المعنى الموجود في الأعيان الخارجية موجود في بيع الكلّي(1)، ويُدّعى في العين الخارجية تبادل الإضافات، فيُدّعى ذلك في الكلّيات أيضاً.

مع أنَّ بيع الكلّيات بالرغم من كونه صحيحاً عند العقلاء، والشرع ليس كذلك، وليس فيه تبادل الإضافات بهذا المعنى وهو تبدّل ملكيتي بملكيته.

مثلاً: لاحظوا الوقف على الجهات العامة والعناوين الكلّية، وهو على التحقيق ليس ملكاً لتلك الجهة، وإنما يقفه عليهم ليدرّ المنافع عليهم، فكأنّه يضع شيئاً -يعني العين الموقوفة- على رأسهم ويحفظه لهم. فهذا يخرج من الملكية ولا يدخل في ملكية أخرى، فلو حصل مصحّح لبيع الوقف، فهذا الوقف لم يكن مملوكاً، فهل تقول بأن ماهيّة بيع الوقف لم تتحقّق!

أو مثلاً: شخص باع الوقف وقبض ثمنه بيده! وكان هناك وقف آخر يباع أيضاً فاشتراه بذلك المال؛ لكي يقفه عوضاً عن الوقف الأوّل، فالوقف الثاني لم يخرج من ملكية هذا ولم يدخل في ملكية ذاك، فالبيع صادق، إلّا أن الملكية و(تمليك عين بعوض) غير صادق، إلّا إذا وسعتم الملكية لمطلق أنحاء الإضافة.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الهمداني): 7، كتاب البيع، تعريف البيع.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بل الفقهاء(1) يمثّلون للقدرة على التسليم ببيع الطير في الهواء والسمك في الماء، وإذا لم تكن الماهيّة صادقة لَما علّلوه بعدم القدرة على التسليم، فيبيعه ويصدق البيع والشراء ثُمّ يصيده ويسلّمه، فقد بعته مع أنه ليس ملكي.

فنرى من كلّ ذلك، أنه وإن كان نوع البيع والشراء هو تمليك عين بعوض، إلّا أننا يجب أن نلاحظ موارد صدق البيع، لا خصوص موارد صدق تبادل إضافة الملكية. وحتى بعد فرض أننا لم نستطع أن نعرّف البيع تعريفاً جامعاً مانعاً، لا نستطيع أن نرفع اليد عن البيوع العقلائية، وتعريف (المصباح)(2) للبيع بأنه مبادلة مال بمال، يكون صادقاً، بعد تقييده بقيد يجعله صادقاً على تمام هذه الموارد، والذي لا شكّ فيه هو أن كلّ هذه الموارد بيوع، مع عدم التمليك والتملّك، وكذلك بيع الزكاة من قبل الدولة الإسلامية.

بناءً عليه، إذا لاحظنا بيع الغاصب والفضولي، وإذا لاحظنا معاملاتهم المتعارفة، فكلّهم يقولون: (بعت هذا بهذا)، لا أننا نختار في بيع الغاصب معنى، وفي الفضولي معنى، وفي المكره معنى، فليس كذلك، بل كلّهم يوقعون 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 48-51، كتاب البيع، المقصد الأوّل في أركانه، الفصل الرابع: العوضان، الشرط الرابع: القدرة على التسليم، الدروس الشرعيّة 3: 199-200، كتاب البيع، شرائط العوضين، يُشترط في المبيع القدرة على التسليم، جامع المقاصد 4: 92، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثالث: العوضان، مسالك الأفهام 3: 172، كتاب التجارة، الفصل الثاني في عقد البيع، الشروط المتعلّقة بالمبيع، الثالث، وغيرها.

(2) اُنظر: المصباح المنير 2: 69، كتاب الباء، مادّة (بيع).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الماهيّة بمعنى واحد، ونحن لا نريد أكثر من صدق البيع عليه، فالإشكال العقلائي في هذه المعاملات غير وارد.

[كلام الشيخ في المقام والنظر فيه]

ثُمّ نرى بعض الأمثلة التي ذكرها الشيخ(1)، وقال: إن فيها إشكالاً، وصحّحها على التنزيل، منها: ما إذا غصب المشتري الثمن، وقال: (تملّكت هذا المبيع بهذا الثمن)، وهو -أي الشيخ(2)– يصحّحه على التنزيل، وبعضهم(3) على التوكيل. 

نقول: مرّة يكون هذا قبولاً قبل الإيجاب، فيكون المعنى: (قبلت التمليك)، بالمعنى المطاوعي، ومرّة يريد أن القابل يملك هذا بعوض. إذا كان معنى مطاوعياً فكلامه نفس الكلام، فإنه ليس إخراجاً من ملك وإدخالاً في ملك، وإنَّما هو إنشاء التمليك، وليس المقصود بهذا في قوله: (بعتك هذا بهذا)، أن هذا ملكك، وإلّا يجاب بما ذكره الشيخ من أنَّ ذاك ساكت عن كون العوض ملكه.

وأمَّا إذا قال الفضولي: (بعتك لنفسي بهذا الثمن لنفسي)، على خلاف المتعارف، فالمرحوم النائيني(4) يقول: إن كلّ هذه الموارد من سرقة الإضافة، 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 380-383، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم 3: 383.

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 226-227، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة، فيما أفاده المحقّق القمّي.

(4) اُنظر: المصدر المتقدّم 1: 225.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ويشبّهه بالوكيل الذي يقول: (ملّكتك)، فكما أنَّ بيع الوكيل يقع للمالك؛ لأنه وجود تنزيلي له، هنا أيضاً بما أنَّه سرقة للإضافة، يقع للمالك، والشيخ يقول نفس المعنى بتعبير التنزيل.

نحن لا بُدّ أن نحسب حساب الموردين؛ لنرى أن باب الوكالة ما وضعه، وباب التنزيل ما حاله، هل هو مشابه له أو هناك خلط بينهما؟

افرضوا أن الوكالة من باب تنزيل الوكيل منزلة الموكّل، مع أنه ليس كذلك، فالوكيل حين يحسب نفسه حساب الموكّل يشتري للموكل لا لنفسه، فيعتبر نفسه فانٍ في الموكّل، ويرى بأن الموكّل هو الذي يشتري أو يبيع، فكأنّه يقول: (أنا الموكّل)، فهو يشتري له. ولا مانع من ذلك. أما الغاصب فيريد أن يشتري لنفسه، غاية الأمر أنه ينزّل نفسه بمنزلة المالك، ويسرق المالكية لنفسه؛ لكي يشتري لنفسه لا للمالك. فما يقوله الشيخ(1) من أنه بعد التنزيل يشتري للمالك، لا بُدّ من تفسيره بأحد وجهين:

إما أنه بعد التنزيل يشتري لعنوان المالك، ويقول بأنه هو المالك، وإما أنه يقيم شخصه في محلّ شخص المالك، نظير: أنا حاتم. فيقول: (أنا زيد) المالك، ويشتري للمالك، هذا لا مانع منه في باب الوكالة، وليس فيه إشكال عقلي ولا عقلائي؛ لأنه يشتري للمالك.

إلا أنه في نفسه غير صحيح؛ لأنه لا يريد أن يشتري للمالك، بل يريد أن 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 383، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يشتري لنفسه، ومن يدّعي: (أنا حاتم)، يريد أن يدعي السخاوة لنفسه لا لحاتم، أو من يقول: (أنا يوسف)، يريد أن يثبت الحسن لنفسه لا ليوسف، والغاصب يريد أن يشتري لنفسه لا للمالك.

فهذا يفرق في باب الوكالة وعن الحقيقة الادّعائية التي يقولها الشيخ(1)، فإن معنى الحقيقة الادّعائية أنه يريد أن يثبتها لنفسه، وهذا يريد أن يثبتها للمالك، فإذا لم نستطع أن نتخلّص من هذا الإشكال لا يكون كلام الشيخ تخلّصاً منه. 

نعم، يمكن أن يقال بنحو آخر: إن ماهيّة المعاملة بما أنَّها تبادل بين العينين بنحو من الإضافة، ولا نحتاج إلى الملكية، بل إلى الصدق العقلائي لتحقّق المعاملة، فكما أنه في العين الخارجية تقوم الإشارة على القيد في نظر العقلاء، فلو قال: (بعتك هذا الفرس العربي)، لا يقال: إنَّ البيع وقع على فرس عربي، وهذا ليس مصداقاً له، وإنما المعاملة واقعة على الموجود الخارجي، والموجود الخارجي غير قابل للتقييد، فيلغو الوصف ويصحّ البيع؛ ولذا يقول الفقهاء: إنه تخلّف الوصف. نعم، في الكلّيات يكون القيد مخصّصاً، فلو باعه فرساً عربياً، لا يستطيع تسليم غير العربي؛ لأنه ليس مصداقاً له.

بناءً عليه، يمكن أن تقول هنا أن البيع(2) يكون واجداً لقيد يكون لاغياً، إذا 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

() أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) قياس هذا القيد على القيد في بيع الفرس العربي من الغرائب، فإن الفرس متحقّقة في المرتبة السابقة في الخارج، ولا يضيف القيد إليها معنى جديداً أصلاً. أما البيع فليس متحقّقاً في المرتبة السابقة، وإنما يوجد بإنشاء البائع الذي هو فضولي لنفسه، وحينما يوجد يوجد مقيّداً بهذا القيد، فكيف يمكن شمول المقيّد لغيره؟ وبعبارة أخرى ما قصده وأوجده الفضولي بيع مقيد، وأما البيع غير المقيّد فلم يقصده ولم يوجده؛ لكي يصحّ بالإجازة كما هو واضح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

قال: (بعت هذا الذي هو ملكي، على أن يدخل الثمن في ملكي). فهذا النحو من المعاملات إذا صدق عليها البيع عقلائياً يُعلم أنه لم يؤخذ في ماهيّة البيع الخروج من ملكيته والدخول في ملكية أخرى.

كلام كاشف الغطاء 

ثُمّ ينقل الشيخ عن كاشف الغطاء أنه بالإجازة للعقد الفضولي لنفسه يقع البيع للفضولي، ثُمّ يبيّن وجهه.

ينقل الشيخ(1) عن كاشف الغطاء أنه قال في شرح القواعد(2): أنه في بيع الغاصب لنفسه، يقع البيع بالإجازة للغاصب، وعبارته: أنه يجيز معاملة الغاصب؛ فتقع بيعاً وهبةً معاً. ثُمّ ينقل له توجيهين:

أحدهما: أن من باع لنفسه، يجعل المال لنفسه، بحيث لو صار البيع صحيحاً، فإنه يملك المال، ثُمّ ينتقل منه إلى الغير، نظير (اعتق عبدك عنّي) و(اشترِ بمالي لك)، و(بعْ مالي عنك)، فهو بالبيع يعمل أمرين: ينقل المال له 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 384، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

(2) اُنظر: شرح القواعد 2: 85، كتاب البيع، الفصل الثاني في المتعاقدين، مبحث الفضولي، بيع الغاصب.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وينقل المال عنه، فمراد كاشف الغطاء أنه بالإجازة أيضاً كذلك، فإنها توجب انتقال المال إلى الغاصب وانتقال المال عنه.

[الكلام حول أعتق عبدك عنّي]

نحن لنا كلام في موارد هذا القياس، نحو (أعتق عبدك عنّي) وغيره وأمثالها، وكلام فيما هو موضوع البحث، وأنه هل يتمّ الوجه الذي يذكره فيه، وهل له وجه صحيح أو لا؟

قضيّة: (اعتق عبدك عنّي) فيه احتمالات: 

أحدها: أنه استيهاب من المالك، ونحن نريد أن نعمل بقول: (اعتقت عبدي عنك) عني أمرين: الهبة والعتق لذاك الإنسان.

الاحتمال الثاني: أنه بنفس قوله: (اعتق عبدك عنّي)، يريد إنشاء التمليك لنفسه فضولةً، فإذا أجاز المالك يحصل التمليك، وعتقه يكون إجازة لتمليكه، ويكون العتق معاملة واقعة بعد إنشاء التمليك.

وعلى هذا الاحتمال وهو إنشاء التمليك، مرّة نقول: أن قوله: (أعتق عبدك عنّي) كناية عن إنشاء التمليك، ويقع الإنشاء بالمعنى الكنائي، وأخرى: يريد المعنى الكنائي والمعنى المطابقي معاً، فهو إنشاء للأمر بعتق العبد، وهو تمليك للمال لنفسه فضولة في عرض واحد.

فهذه هي مهمّ الصور في هذا المقام، ونحن نريد تتميم المطلب بما قالوه وإن كان يصحّ بوجوه أخرى، فإنهم قالوا أنه إذا اعتق العبد يقع العتق صحيحاً عن الآخر.

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أما احتمال الاستيهاب في قوله: (أعتق عبدك عنّي)، فإنه إذا وهب أوّلاً ثُمّ قال: (أعتقت عنك)(1) فيخرج عن مفروض المسألة، وإذا فرض أنه بقوله: (أعتقت العبد عنك) يحصل أمران:

التمليك لذاك، والعتق، وبالعتق يخرجه عن ملكه، فمع قطع النظر عن أن إنشاء العتق لا يكون دالّاً على التمليك عقلائياً وعرفاً. فإننا نفرض إمكان ذلك، ونتصوّر أنه بهذا الإنشاء يدخل العبد في ملكه، ويخرجه عن ملكه بالعتق. وهو إنشاء واحد لا أكثر، وما لم يتمّ الإنشاء لا يترتّب عليه الأثر، فلا يقال إنَّه يحصل التملّك بالجزء الأوّل والعتق بالجزء الأخير، بل لا بُدّ أن يوجد المعنى الإنشائي التامّ، وهو يريد التوصّل بهذا الإنشاء التامّ أن يملّكه له، وبنفس الوقت يعتقه عنه، ونحن ليس لنا إلّا إنشاء العتق، فمن أين نأتي بالإنشاء الثاني؟

وإنشاء الملكية موضوع لإنشاء العتق، فهل يمكن بإنشاء واحد أن ينقّح المنشئ الموضوع لإنشاء آخر، بحيث إنَّه بعد تحقّق الملك يرتّب عليه إنشاء العتق؟ نعم، يمكن أن يحصل العتق وحده أو الملك وحده، ونحن نريد أن ننجز كِلا المطلبين بلفظ واحد، بحيث يكون دالّاً على معنيين طوليين أحدهما 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() لا يخفى أن السيد لم يتعرّض لمناقشة قوله: (أعتق عبدك عنّي) الذي يتضمن أمرين: استيهاباً، وتوكيلاً. أو بعبارة أخرى قبول مقدّم للهبة، وإيجاب للوكالة في عتق العبد الموهوب، وجملة مما قاله في الجملة الثانية يأتي فيه أيضاً من وجود الاستحالة والإمكان. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ينقّح موضوع الآخر، فهذا لا يمكن بإنشاء واحد(1).

إذا كان أعتق عبدك عني تمليكاً فضولياً

وأما الاحتمال الآخر: وهو أن يكون قوله: (أعتق عبدك عنّي) تمليكاً فضولياً، ونحن نتكلّم في أمرين: أحدهما على تقدير تماميته. والثاني: في إمكان ذلك أساساً.

إذا أنشأ التمليك لنفسه وتصوّرنا ذلك منه، فيمكن أن يتصوّر له وجه 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

() وهنا قال له أحد الإخوان ما محصّله: إن هذا بناءً على استعمال الألفاظ في المعاني الإيجادية صحيح، ولكن بناءً على أن الألفاظ تبرز معاني اعتبارية نفسية يكون صحيحاً، وذلك إن للمنشئ إرادتين اعتباريتين، إرادة التمليك وإرادة العتق، وأحدهما وهو الثاني يدلّ عليه اللفظ مطابقة، والآخر يدلّ عليه اللفظ التزاماً.

فأجاب ما محصّله: أنه مع غضّ النظر عن المناقشة في هذا المبنى الواضح الفساد، فإن القائل به لا يرى الاعتبار النفسي  وحده  وحده مؤثّراً، ولا الإبراز وحده كذلك، وإنما الشيء المؤثّر عقلائياً في نظره هو الاعتبار النفسي المبرز، وهذا الشخص وإن كان له اعتباران، إلّا أنه-مضافاً إلى كونهما أيضاً طوليين، ولا يمكن القصد إلى أحدهما إلّا بعد تمامية موضوع الآخر!- فإن أحد الاعتبارين له مبرز والآخر لا مبرز له، وذلك: أنك تحتاج أوّلاً إلى تحقيق موضوع الاعتبار العقلائي للملكية، وهو اعتبار التمليك المبرز في الخارج، ليكون موضوعاً للعتق، ويصحّ اعتباره وإبرازه، وإذا صحّ لفظ (أعتقت) لإبراز الملكية، لا يصلحّ أن يكون إبرازاً للعتق.

أقول: هذا صحيح في الدلالة المطابقية، إما جعل المبرز الثاني هو الدلالة الالتزامية أو نفس تصديه للعتق، بعد علمه أنه “لا عتق إلّا في ملك” فلا يرد عليه هذا الإشكال، وقد قيلت هذه الوجوه للسيد، فلم يعر لها بالاً!! انتهى. (المقرِّر) [اُنظر: فوائد الأُصول 4: 755، خاتمة في التعادل والترجيح، المبحث السادس وغيره].

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

صحيح، فإن الإنشاء إذا حصل من أحدهما لا تريد من الثاني إنشاءً، بل يكفي إظهاره للرضا. وبمجرّد أن ينطق الثاني بالحرف الأوّل من (أعتقت) يحصل إظهار للرضا؛ فيحصل الملك ويدخل في ملكه، والتتمّة(1) تكون دالّة على العتق، وليس لنا دليل على اشتراط سبق الملك على النطق، بل من الممكن حصول الأمرين بنفس النطق، فإنه لم يدلّ الدليل إلّا على لزوم خروجه عن ملكه حال العتق، وقد تحقّق ذلك في المقام.

لكن الشأن في أنَّه كيف تتمّم هذا المعنى: أن يكون (أعتق عبدك عنّي) تمليكاً وإنشاءً. مرّة يريد من قوله (أعتق عبدك عني) معنيين عرضيين لإنشاء التمليك وإنشاء الأمر بالعتق، نقول: هذا لا يمكن؛ لأن (أعتق عبدك) لا صلاحية له بالمعنى المطابقي لإنشاء التمليك. فاستعمال اللفظ في معنيين في عرض واحد لا يصلح له.

وإذا أردت أن تعمله بالمعنى الكنائي للتمليك، فهذا على أنحاء، مرّة نقول: إنه في باب المعاني الكنائية، الألفاظ وإن استُعملت في المعنى المطابقي لكن أريد منها جدّاً المعنى الكنائي، وهذا على نحوين:

ــــــــــ[235]ــــــــــ

() ظاهر هذه العبارة من غرائبه، بحيث يقال: إن الحرف الأوّل دالّ على الرضا، والحروف الأربعة الباقية دالّة على العتق. فإنه يجاب بوضوح: أنه لا الحرف الأوّل موضوع للدلالة على الرضا، ولا الحروف الباقية وحدها موضوعة للدلالة على العتق. وإنما عمله وتصدّيه للعتق حال ينتزع منها الرضا، وهذا كافٍ على مبنى السيّد في قبول الإنشاء. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إما بأن نقول: إن المعنى الكنائي أُريد من المدلول المطابقي للفظ، وهذا غير معقول.

وإما بأن نقول: أنه أُريد المعنى الكنائي من المطابقي باعتبار كونه لازماً له. ففي مثل (زيد كثير الرماد) استُعمل في معناه، وليس للمتكلّم نظر إلى مدلوله المطابقي؛ لتكذب القضيّة إذا كان قليل الرماد، بل هو ابتداءً يريد أن يُفهم لازم المعنى. على هذا يكون اللفظ إنشاءً بالمعنى الكنائي، ولا يكون المدلول المطابقي مقصوداً. 

لكنّ هذا الوجه لو تمّ فإنه لا يتمّ به المطلوب؛ لأنهم يريدون إيقاع التمليك والعتق معاً، والمفروض أنه لا جدّ له إلى المدلول المطابقي وهو العتق، بل إلى اللازم فقط. فإذا أعتق يحصل الملك دون العتق، وهذا غير مطلوبهم.

وأما إذا قلنا بأن المعنى الكنائي ليس من دلالة اللفظ، بل اللفظ مستعمل في المدلول المطابقي، ولكنّ المتكلّم يريد إفهام اللازم والانتقال إليه، هذا المعنى في باب الإخبار إخبار، ولكنّه في باب الإنشاء لا أثر له، فإنك تحتاج إلى إنشاء التمليك، والمفروض استعمال اللفظ في مدلوله المطابقي، مع إرادة نقل الذهن إلى معنى آخر من غير استعمال اللفظ فيه، فلا يكون إنشاءً.

وأما إذا أُريد أن كلاهما من المعنى المطابقي من اللفظ، فهذا لا يمكن، ولو جاز استعمال في معنيين؛ لأنهما معنيان مترتّبان، وفي المعنيين المترتّبين يكون استعمال اللفظ مستحيلاً.

إذن (أعتق عبدك عنّي)، لا يمكن أن يتمّ به المقصود للمناقشة إما في صغراه أو كبراه. 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أما في المثالين الآخرين اللذين ذكرهما الشيخ(1) وهما: (بعْ مالي عنك) و(اشترِ مالي لك)، وأضف إليهما (اعتق عبدي عنك) مع الكلام في المقيس عليه سوف نتكلّم فيه إن شاء الله.

[الكلام حول سائر الأمثلة]

وأما (أعتق عبدي عنك) أو (بعْ مالي لنفسك) أو (اشترِ بمالي لنفسك)، فإنه يختلف حاله عن (أعتق عبدك عنّي)، فإنه هناك بحسب الظاهر استيهاب، فكان لا بُدّ للمعتق من أن ينشئ صيغة الهبة والتمليك، ويخرجه من ملكه بالعتق، فكان فيه الإشكال العقلي.

وأما (أعتق عبدي عنك)، فهذا الأمر مثلاً لإنشاء التمليك، فإنه حين يراك محتاجاً إلى عتق عبد عن نفسك، يقول لك: (أعتق عبدي عنك)، فلا بُدّ أن يكون هذا إنشاء للتمليك. مثلاً يرى الفقير محتاجاً إلى عباءة فيعطيه المال، قائلاً: (اشترِ به عباءة)، وهو تمليك له، لا أنه بعد شراء العباءة يملكها.

هذا أيضاً حينما يقول: (أعتق عبدي عنك)، أو (بعْ مالي لنفسك) أو (اشترِ بمالي لنفسك)، ظاهر أنه يقصد التمليك، ولا يريد أن يعمل عملاً آخر غيره، ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك، وذلك -الغير- إذا أظهر الرضا بأيّ مظهر كفى في التمليك، ففي مثل (بعْ مالي عن نفسك) لو باع، فالنطق بالإيجاب يكون ملكاً له، وبالقبول يخرج عن ملكه، ونحن في التملك لا نحتاج إلى تمامية 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 384، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، الوجه الرابع والمناقشات فيه.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

العقد، بل مجرّد الإظهار يكفي.

بناءً عليه، فما قاله الآغايون(1)، ونقل عن كاشف الغطاء(2) من أنَّه بإنشاء التمليك يحصل أمران(3)، يرد عليه الإشكال العقلي، إذ بعد إنشاء التمليك يحتاج خروجه من ملكه إلى إنشاء جديد، ولا يكفي هذا الإنشاء الواحد.

أما نحن فقد قلنا بكفاية الرضا، فوقع في ملكيته بأوّل جزء، وخرج عن ملكيته بالجزء الأخير، فوقع العقد في ملكه، لا أنه بعد تمامية العقد يدخل في ملكه، ليقال بأن البيع يحتاج إلى إنشاء آخر، ففي (أعتق عبدي عنك)، لا يريد أن يعتق عبده عنه، وإنما يقول ذلك لأجل التمليك.

[الكلام حول تأثير الإجازة في المقام]

ثُمّ يقع الكلام في الإجازة، فنرى أن الغاصب ماذا يعمل والإجازة بأيّ شيء تتعلق؟ ما يتحصّل من كلمات الآغايون: أن الغاصب يريد إنجاز عملين، والإجازة تكون هبةً وبيعاً، وذاك الذي شرح كلام كاشف الغطاء واستدلّ عليه، يريد تتميم هذا المطلب بهذا النحو أيضاً، وهو أنه بالإجازة يتمّ الملك 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() اُنظر: مقابس الأنوار: 132، كتاب البيع، المطلب الأوّل، المبحث الثاني: في شروط المتعاقدين، الموضع الثاني: قصد الفضولي المعاملة لنفسه.

(2) اُنظر: شرح القواعد 2: 85، كتاب البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، مبحث الفضولي، بيع الغاصب.

(3) يعني: بنفس بيع الكتاب يكون قبولاً للهبة وبيعاً للكتاب، وهذا محال عند السيد.

(المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

والنقل، نرى هل هذا ممكن أو لا؟

لنا كلام في أن الغاصب الذي يقول: (بعت لنفسي)، هل يمكن -تصوّراً- قيامه بهذا العمل، وهو أن يملك هذا المال لنفسه بالمعنى الإنشائي، أو في نظره باصطلاح الشيخ، وبنفس هذا العقد يريد أن هذا الذي أصبح مملوكاً له إنشاء أو في نظره، يريد أن يبيعه هل يمكن؟ أو –في الحقيقة- يأتي عليه نفس الإشكال؟

فلا يمكن أن يقوم بكِلا العملين: أن يبيع مملوكه الإنشائي بصيغة واحدة؛ لأنهما أمران مترتّبان، فما لم يتمّ المطلب الأوّل لا يمكن الإنشاء الثاني، بل يحتاج إلى إنشاءين.

ونحن ما علينا من الغاصبين كيف يبيعون، بل نتكلّم كلاماً (مدرسياً).

أو أنه حيث يقول: (بعت هذا لنفسي)، يستوهبه من المالك حتى يملكه ليقع البيع، ثُمّ نرى الإجازة، بالنحو الذي نقل عن كاشف الغطاء واستدلّ عليه، إنه كما أنَّ الإجازة مصحّحة للبيع فإنها تقتضي أن يكون هذا المال ملكاً للمجاز، ويخرج بها الثمن من ملكه ويرد الثمن في ملكه.

لنا في ذلك كلامان:

أحدهما: بغضّ النظر عن أن المقام ليس محلّاً للإجازة، بل نفرض أنه محلّ للإجازة، نقول:

إنه بعد الاستيهاب لا بُدّ أن ينشئ الهبة، ولا يكفي إظهار الرضا، فيكون نظير (أعتق عبدك عنّي)، لا نظير (اعتق عبدي عنك)، فإن الثاني كان له طريق 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مصحّح، والأوّل يحتاج إلى انشائين، ولا يحصلان بإنشاء واحد.

مضافاً إلى إشكال آخر، وهو: افرضوا أنه استوجب من المالك، والإجازة حين تصدر من المالك، ويريدون بها تتميم الملك والبيع معاً، نقول: الإجازة لا تخلو من صور: إما أن تتعلّق بالنقل(1)، أو تتعلّق بالتمليك الضمني باصطلاحهم، أو تتعلّق بهما معاً، أو تتعلّق بالتمليك، والتمليك يكشف ويقتضي ملكية المجاز قبل البيع.

فإذا تعقلّت الإجازة بالتمليك، لا يتمّ مطلوبهم؛ لأنهم أرادوا أن المال بالإجازة يكون ملكه، وبها يخرج عن ملكه، فلو تعلّقت الإجازة بالمبادلة بين المالين فقط، لا يتمّ المطلوب، وإذا تعلّقت الإجازة بالتمليك الضمني فأيضاً لا يتمّ مطلوبهم. فإنهم يريدون أنها تصحّح البيع وتقتضي أن يكون ماله، وهي إذا تعلّقت بالتمليك فهي تملّكه المال، فيدخل في من باع شيئاً ثُمّ ملك، وهذا ما نتكلّم عنه بعد ذلك، بل ظاهر ذاك المستدلّ عن كاشف الغطاء أن ملكية المبيع تحصل بالإجازة، وهي تقتضي الملك قبله.

وإذا كانت الإجازة إجازة للبيع المتضمّن للتمليك، فهذا عليه إشكالان:

أحدهما: أنك حين تنجز الأمرين، فبالإجازة يحصل التمليك، ويكون ملكه، فلا معنى للإجازة، وإذا أردت الإجازة في عرض واحد، لا يتمّ مطلبكم؛ لأنك تريد دخوله في ملكه، وخروجه عنه بالبيع، فإذا أردنا تتميم المطلب المترتّب لا يبقى معنى لإجازة البيع بعد أن أصبح ملكه.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() يعني بإجازة الهبة. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وإذا قلت: إنَّه يجيز البيع، وهو يكشف عن ملكية المبيع، فهذا أولاً: كشف بلا ربط، وثانياً أن الإجازة إذا كشفت عن الملكية، فإنها تكشف عن أن الإجازة وقعت في غير محلّها، إذن لا يمكن تتميم المطلب بأيّ صورة.

[كلام الشيخ كاشف الغطاء ومناقشته]

وفي ذيل عبارة كاشف الغطاء(1)، أنه يمكن أن تكون الإجازة هبةً وبيعاً معاً، إذا جاز ما قصده الغاصب، وأما إذا قصد الملكية ثُمّ البيع فلا كلام فيه، يعني يقع هبةً وتمليكاً بلا إشكال.

نقول: لنا كلامان، كلام فيما لا كلام فيه وفيما قبله. أما ما يقوله من أنَّ الغاصب إذا ملك لنفسه ثُمّ باع، فهل مراده أنه أوقعهما بعبارتين؟ فهذا خارج عن موضوع البحث، فإن الكلام في بيع الغاصب بإنشاء واحد، وأما إذا كان المراد أن الأمرين يحصلان ببيع الغاصب، فقد قلنا إنه محال.

وأما ما يقوله: الإجازة هبة وبيع معاً ففيه احتمالان:

أحدهما: أن الإجازة تعمل الهبة والبيع في عرض واحد، ويكون المراد من قوله: (معاً) ذلك، إلّا أنه يبعد أن يكون مراده ذلك، وليس في نفسه صحيحاً؛ لأننا نريد أن يدخل في ملكه ثُمّ يخرج بالبيع عن ملكه، فإرادة تتميمهما معاً في عرض واحد لا يمكن. أو أنه يعني بقوله (معاً)، أنهما معاً يقعان، لكن بأيّ نحو؟ فإن قلنا إنها استيهاب وبيع لنفسه، فكلامه هو الكلام السابق.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) اُنظر: شرح القواعد 2: 85، كتاب البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، مبحث الفضولي، بيع الغاصب.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

احتمال آخر: أن الغاصبين حين يبيعون مال الناس لا نفهم قصده (ملّكتك من نفسي لك)، أو ينزّل نفسه منزلة المالك، كما يقول الشيخ، أو أن الأمر -في الواقع- ليس كذلك، فإنه يبيعه للحصول على المال، فهذا حين يجيز يتصوّر الأمرين: البيع وأكله للثمن، ويجيزهما معاً، فما يقوله من أنَّها بيع وهبة معاً، لا يريد إن الإجازة تنتج الهبة أوّلاً، ثُمّ يترتّب عليها البيع ليرد الإشكال، بل يريد أنه يصحّ البيع أوّلاً لمالكه، ثُمّ تصحّ هبة الثمن من المالك للغاصب. فلو قال: (أجزتهما) يصحّ الأمران معاً مع أنهما مترتّبان، ولا محذور في ذلك، كما لو أوقعت عدّة معاملات فضولية مترتّبة، فبعت مال شخص وقبضت الثمن فبعته، ثُمّ بعت الآخر وهكذا، فلو أجازها المالك صحّ البيع الأوّل، وأصبح موضوعاً للبيع الثاني، وصحّ بالإجازة، وهكذا إلى آخر السلسلة.

فكاشف الغطاء يقول(1): هذا المعنى، وهو أن الغاصب الذي يعمل عملين: البيع وأخذ المال، إذا أجازهما المالك يكون البيع أوّلاً، والهبة ثانياً. وبإجازة البيع يدخل الثمن في ملكه فيهبه إلى الغاصب، وهذا ليس فيه الإشكال العقلي.

ولكن الكلام في أن الغاصب الملتفت هل يأخذ المال ليأكله غصباً، أو ينوي التمليك لنفسه؟ فإذا أخذه غصباً وأجازه المالك، لا يكون هبةً بل إجازة في التصرّف، فكأنّه يقول: (هذا مالي وأنت تصرّف فيه)، فيكون إجازةً لا هبةً 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) اُنظر: شرح القواعد 2: 85، كتاب البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، مبحث الفضولي، بيع الغاصب.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

على ما هو مقصود كاشف الغطاء، هذا هو التقريب الأوّل للمطلب.

التقريب الثاني: الذي يقوله: ليس فيه كلام زائد، بل هو واضح الفساد، فما يقوله من كونه بيعاً نقول: إنه ليس بيعاً عقلائياً، وما يقوله حول: (بعت لولدي)، ليس معناه ذلك أيضاً، فتقريبه ليس تامّاً.

الإشكال الآخر للشيخ

الإشكال الآخر(1) الذي ذكره الشيخ ضعيف جداً، لكن نرى أن الشيخ كيف سلّم به؟

وحاصله: أن الأصحاب –على ما حُكي عنهم- قالوا: أن المشتري الأصيل إذا كان ملتفتاً إلى أنَّ العين الموجودة لدى البائع غصب، ومع ذلك يشتريه ويسلّم الثمن. 

قالوا: إذا ردّ المالك البيع لا يستطيع المشتري الرجوع على الغاصب بالثمن. وهذا يكشف عن أن معاملة المالك لا تكون سبباً لورود الثمن في ملكه. لسبق حقّ الغاصب بالمال. فيكون مانعاً عن أخذ المالك للمال. إذن فهو بيع بلا ثمن فيكون باطلاً.

يقول الشيخ(2): إنه إذا كانت هذه الحكاية عن الأصحاب صحيحة، وعلى فرض أن المشتري أعطاه الثمن على أيّ تقدير. إنما يتمّ الإشكال على النقل؛ لأن 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 388، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، الوجه الخامس، وجوابه.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

المالك بالإجازة لا يمكن أن ينقل الثمن لنفسه لسبق حقّ الغاصب به، وأما على الكشف فالإشكال غير وارد؛ لأنه يكشف عن أن الثمن كان ملكه، وأن المشتري أعطى للغاصب مال الغير، والنائيني(1) يتبع الشيخ في ذلك، ويقول نحو ما قال.

نحن نقول: إنه في نوع من المعاملات التي تقع، ويكون المشتري فيها أصيلاً، والبائع إما غاصب أو مالك، نوع المعاملات أن يقع الثمن بنحو كلّي، ولا يعقد المتعاملون على نقد معيّن، وهناك فرض البيع على ثمن خارجي:

فإذا كان بنحو بيع الكلّي، ونحن نفرض أن تمام مسلّمات الشيخ صحيحة، أن الفقهاء قالوا هذا المطلب، وأنه مطلب صحيح في نفسه، وأنه لا يمكن أن يرجع المشتري الأصيل إلى الغاصب؛ لأنه مكّنه منه على كلّ تقدير، نبحث على هذا الفرض، فإذا باع بثمن كلّي كما هو المتعارف، ثُمّ يسلّم المشتري للبائع الغاصب مالاً، فهذا المال لا يقع ثمناً لهذا البيع، ولا يتعيّن عن الثمن الكلّي بعمل الأصيل؛ لأنه وإن كان مسلّطاً على ماله، إلّا أنه سلّمه لغير من وقع له العقد، وهو المالك.

بناءً عليه، إذا أجاز البائع العقد فإنه يجيز البيع، وهو البيع بالثمن الكلّي، فعلى فرض أنه لا يستطيع الرجوع به، لكنّه لم يتعيّن ثمناً، فلو سلّم المال على أيّ تقدير ولو بتخيّل أنه ثمن، فهو ليس ثمناً.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 229، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فما يقال: من أنَّه إذا أجاز يكون بيعاً بلا ثمن، غير صحيح، فإن البيع كلّي، والإجازة كلّية، والثمن كلّي وهو لم يتلف، إذن ففي الكلّي لا يرد الإشكال.

وأما الثمن الشخصي، إذا بنينا على أن الأصل فيمن اشترى شيئاً بثمن شخصي ملكه، فيكون حاله حال باب الفسخ، إذا قلنا في البيع الخياري إن غير ذي الخيار معاملاته صحيحة، فلو باعه ببيع لازم أو تلف ماله في يده، فإنهم يفتون بأن حقّ الفسخ لا يسقط، بل يفسخ العقد ذا الخيار، ويرجع على الآخر، فإذا لم يكن الثمن موجوداً يأخذ عوضه، فيقال في المقام: إن مقتضى وجوب الوفاء بالعقود على المشتري الأصيل، وجوب تسليم الثمن إلى المالك دون غيره، فإذا أعطاه لغير الغاصب، وأخذنا بقول الفقهاء بعدم جواز ارتجاعه، فيكون بمنزلة التالف يكون مضموناً على المشتري، فنفس دفعه إلى الغاصب يكون بمنزلة التلف، كما لو باع من ليس له الخيار ما عنده.

وأما المالك(1) فله أن يقبله وأن يفسخه، نظير حقّ الورثة في قبول الوصيّة، فإنهم كان لهم حقّ القبول في حياة الموصى، ويبقى لهم هذا الحقّ بعد وفاته.

فنقول هنا: إنه له حقّ في تلقي هذه العين وإدخالها في ملكه، فإذا تلف كان المشتري ضامناً له، كما هو الحال فيمن له الخيار لو باع الآخر، فإنه هناك يعتبر الفسخ حلّاً للعقد فيجب دفع الثمن، وهذا يعتبر صحّة للعقد فيجب دفع الثمن.

ــــــــــ[245]ــــــــــ

() هذا في حدود فهمي من كلام السيد في هذا المطلب فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فمقتضى القاعدة أن البيع صحيح، والإجازة صحيحة، ويدفع المشتري عوض الثمن فيما إذا كان شخصياً، فلو سلّمنا مسلّمات الشيخ كلّها بما فيها أن الإجازة ناقلة، لكن لا نسلّم البطلان، أما في الكلّيات فلِما قلناه، وفي الشخصي فعلى المباني التي ذكرناها.

مضافاً إلى أنَّ الحكاية عن الفقهاء غير صحيحة، والنائيني يقول(1): بأن للفقهاء في ذلك أقوال ثلاثة، مضافاً إلى أنه لم يدفعه إلى الغاصب مجّاناً، وليس له هذا القصد.

ثُمّ تعرّض الشيخ(2) لأمرين أحدهما مجمل.

ــــــــــ[246]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 229، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 390، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، صور بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 

في بيع الكليات فضولةً

 

أحد الأمرين:

أنه لا يفرق في صحّة الفضولي بين بيع الأعيان الشخصية فضولة أو بيع الكلّيات، وما في الذمم، والكلام في الصحّة وعدمها ما سبق.

وهذا المطلب ثابت بلا إشكال إذا كانت ذمّة متحققة في الخارج، كما لو كان في ذمّتك حِمل من الحنطة للغير لسبب من الأسباب في نظر العقلاء، وهو ملك للمضمون له، أو الدائن، فيأتي الفضولي فيبيع هذا الحِمل، ويجيز مالكه ويكون صحيحاً، حاله حال سائر المعاملات.

أما بيع الكلّي من دون عهدة فعلية، ففيه إشكال تكلّمنا سابقاً حوله، وهو أن هذا الحِمل الذي يريد أن يبيعه لا هو مال ولا هو مال هذا. فإن الإنسان ليس مالكاً فعلاً لعشرة أحمال في ذمّته، فإن المملوك هو ما كان حنطة في الخارج، لا ما كان في الذمّة، واعتبار الذمّة ليس لأجل أن فيها أموالاً فعلية، إذن ليس له مال فعلاً؛ ليكون متعلّقاً للمعاملة، مع أن المعاملة عبارة عن مبادلة مال بمال.

وإنما يعتبر العقلاء ما في الذمّة مالاً إذا باعه المالك، وأما إذا باع الأجنبي بعهدة المالك، فالمال لا يكون مالاً ولا مضافاً إليه بالاعتبار الذي عمله الأجنبي، بل إضافة الحِمل إلى ذمّة ذاك يكون سبباً لسقوط المالية لا ثبوتها، فإن 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

حِمل الحنطة إذا أضيفت إلى ذمّة زيد تسقط عن المالية، وإنما نقول: بأن الكلّيات مال، لا باعتبار إضافتها إلى الذمّة، بل باعتبار قابليتها للوجود، فهذا لا مال ولا ماله، فلا يصحّ البيع.

والإجازة لا يمكن أن تتمّم المطلب، أوّلاً: لأن الإجازة يجب أن تقع على ما هو معاملة، فلا بُدّ أن يكون بيعاً لكي يجيزه. 

مضافاً إلى أنه على النقل تحصل بالإجازة المالية، وبعد أن يصبح مالاً يحصل البيع، فيرد الإشكال الذي ذكرناه في بعض الفروع، من أنَّ الإجازة كيف تجعل ما ليس بمال مالاً، ثُمّ كيف بعد أن تجعله مالاً تنقله بالبيع، فتعمل أمرين مترتّبين، فإن تحقّقت المالية بالإجازة، فلا إجازة للبيع، وإن أجاز البيع قبل حصول المالية كان لغواً.

وأما على الكشف الحقيقي فلا تفيد الإجازة أصلاً؛ لأن الإجازة تكشف عن أن تلك المعاملة صحيحة، مع أننا نعلم أنه لم يكن مالاً، والإجازة لا تكشف عن ماليته، وكذلك الحال بناءً على الكشف التعبّدي.

فرجع الإشكال إلى أمرين: أحدهما: أن هذه الكلّيات ليست مالاً، وإنما تصبح مالاً بعد أن يعرضها المالك للبيع، هذا غير تامّ، فإن الكلّيات مال لا بنفسها، بل نظير مالية النقد، فإنه إنما يكون مالاً باعتبار غطائه.

ولذا تسأل عن قيمة حِمل الحنطة، ولا تقصد الحِمل الموجود، وإنما أصبح للكلّي قيمة عقلائية باعتبار قابليته للوجود، فأصبح له قيمة، بلا إضافة إلى ذمّة. 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وأما ما قاله المرحوم النائيني وغيره(1): إنها -أيّ الكّليات- ليست لها مالية وبالإضافة إلى الذمّة تصبح مالاً.

نقول: أولاً: الإضافة التصوّرية إلى الذمّة، لا أثر لها في جعله مالاً.

ثانياً: أنه إذا أضيف إلى الذمّة امتنع وجوده وسقط عن المالية.

بناءً عليه، فالكلّيات مال باعتبار قابليتها للوجود، فحيث إنَّك لا تستطيع أن تدفع، فإن أحداً لا يشتري منك، ولكنّ الآخر يستطيع أن يدفع ويُوجِد الكلّي في الخارج، فيشترونه منه، ولم يصبح مالاً باعتبار إضافته إلى ذمّته.

بناءً عليه: إذا عاد الإشكال إلى إنكار مالية الكلّي، وأنه لا بُدّ من إضافته إلى الذمّة أو أن يكون البيع موجوداً.

فجوابه: أنه لا دخل في نظر العقلاء للإضافة فيه، وإنما يشتريه العقلاء باعتبار قدرته على إيجاده ودفعه.

وأما إذا قبلنا أن حِمل الحنطة ليس مالاً، فهل نريد أن نجعلها مالاً بالإضافة التصوّرية، فأيّ دليل على ذلك؟

أو نريد ذلك بالإضافة التصديقية، يعني: جعلها مالاً بعد إنشاء البيع، فبالبيع يجعلها مالاً وينقلها إلى الغير؟ 

فيأتي الإشكال السابق من امتناع صدور الأمرين المترتّبين بإنشاء واحد.

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) اُنظر: المكاسب والبيع 1: 88-89، كتاب البيع، في ما يُعتبر في البيع، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 53-55، كتاب البيع، تعريف البيع، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 12-13، كتاب البيع، تعريف البيع.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إذن، فجواب الإشكال أننا لا نقبل كون الكلّيات ليست مالاً، بل هو مال في سوق العقلاء.

الإشكال الآخر: أنه على فرض كونه مالاً، فليس هو مال المالك.

فجوابه: أنه ليس البيع إلّا مبادلة مال بمال، فنتوخّى صحّته عند العقلاء، وليس ضرورياً أن يكون الشخص مالكاً قبل البيع، فإذا أجاز المالك تمّت المعاملة.

[كلام حول حقيقة بيع الكلي]

الإشكالان اللذان ذكرناهما في الفضولي، لا تختص به، بل يشمل الأصيل أيضاً.

مرّة نقول: إن في الذمّة المعتبرة أموال موجودة كثيرة، والمعاملة تقع على هذه الأموال، إذا قلنا بذلك فلا إشكال، إلّا أن هذا على خلاف الواقع، فإن مسألة اعتبار العهدة شيء واعتبار المالية شيء آخر. وليس أن الإنسان قبل المعاملة توجد في ذمّته أموال كالمخزن الخارجي.

مثلاً: لو لاحظوا الأشباه والنظائر، كما لو أتلف شخص مال الغير، لا شكّ أنه على عهدته ضمان ذلك، ويعتبر في عهدته حِمل من الحنطة، فهل المضمون له أصبح شريكاً مع الضامن في الأموال التي في عهدته، بحيث إن المضمون يملك حِملاً والضامن يملك ما سواها من آلاف الأحمال؟

أو من قبيل الكلّي في المعيّن، كما لو بعت حِملاً مما في ذمّتي؟ أو الأمر ليس كذلك. فإنه قبل الإتلاف لا شيء في الذمّة، وإنما بعد الإتلاف يعتبر في ذمّتي 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

حِمل واحد من الحنطة ابتداءً، فالمغصوب منه مالك في عهدتك هذا الحِمل، ولست مالكاً في عهدتك لا لهذا الحِمل ولا لغيره؟

وكذلك الحال إذا حصل في العهدة مال بواسطة القرض، فإنه ليس بالقرض ينتقل مقداراً مما يملك المدين في عهدة نفسه إلى الغير، ويكون الغير شريكاً له في عهدته، بل ابتداءً يأتي الدين إلى ذمّته شرعاً وعقلائياً، أما نفس المديون فليس مالكاً في ذمّة نفسه لا لهذا الدين ولا لغيره(1).

فإذا تطلّبنا وتوخّينا المالية والمالكية معاً، يرد الإشكالان السابقان معاً: فإنك حين تبيع حِملاً كلّياً من الحنطة يقال: إن هذا الحِمل ليس مالاً، وعلى فرض كونه مالاً فليس مالك، ولا ملكك. فإذا لم يكن مالاً فماهيّة البيع لا تتحقّق، وإذا لم يكن مالكاً فهو بيع للمفقود وهو لا معنى له.

قلنا: إن اتّصاف الكلّيات بالمالية ليس للإضافة إلى الذمم، وإذا لم تكن مالاً لا تصبح كذلك بالإضافة إلى الذمم، بل بالجعل في الذمّة يسقط عن المالية. فلو قال شخص: (ضعْ مالك هنا وعليّ ضمانه)، يعني لو تلف أدفع بدله، يقال: إن هذا الشخص كما يجعل الضمان في عهدة نفسه، ويصبح ضامناً واقعاً باعتبار العقلاء، فلو جعل في ذمّته حِملاً من الحنطة(2) يكون مالاً عند العقلاء، بحيث إن الإنسان ليس له مال، وبالإضافة إلى الذمّة أصبح مالاً وأصبح مالي وملكي. أو 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() كان الأولى أن يقول: إن الذمّة اعتبرت أساساً ظرفاً للأموال التي يملكها الغير على الإنسان، دون أموال الإنسان نفسه. (المقرر).

(2) بنحو الإضافة التصوّرية، يعني: الحمل الذي في ذمّتي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

قال بنحو الجعل التصديقي: (في ذمّتي المال أو في عهدتي)، فإن العقلاء يعتبرون في ذمّته زائداً على أمواله الخارجية مالاً آخر. فيقولون: (إن لديه من الأموال كذا وكذا)، ويعدّون الأموال في ذمّته أيضاً. فكما قالوا هناك(1) بجعل الضمان كذلك هنا. مع أن الأمر -بلا شك- ليس كذلك.

ففي مورد المعاملة حينما تريد بيع حِمل الحنطة الكلّي إلى الغير، مرّة تريد إيجاد المالية له(2) بالإضافة التصورية وبمجرّد الإضافة كما قالوا، فتقول: (حنطتي، أو الحنطة التي في ذمّتي أبيعك). وبمجرّد الإضافة يقول العقلاء إنها أموال، لا شكّ أنه ليس كذلك، ولا فرق بين مورد المعاملة وغيرها، فإن المفروض أن المالية تتمّ بالإضافة لا بالمعاملة، وليس أن العقلاء يبذلون بإزائه المال معناه ذلك، وإنما حِمل الحنطة مال قبل الإضافة باعتبار أنه قابل للوجود، فصحّة المعاملة على الكلّي لا تتوقّف على هذه الإضافة، بل على إضافة أخرى نشير إليها غير الإضافة إلى الذمم.

أو تريد عملها يعني المالية بتمامية المعاملة، بحيث بعد القبول تصبح المعاملة منتجة لأمرين: 

أحدها: أنها قبل الانتقال تجعله مالاً وتجعله ملكه.

ثانيها: أنها تنقله إلى المشتري.

نقول: الإنشاء قاصر عن ذلك؛ لأنهما أمران مترتّبان، وأحدهما موضوع 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

() يعني: ما إذا قال: ضع مالك وعليّ ضمانه. (المقرِّر).

(2) بالإضافة التصديقية نتيجة للمعاملة، وأخرى تريد إيجاد المالية… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

للآخر، والثاني يوجد بعد الفراغ عن الأوّل، وهذان الأمران لا يمكن جعلهما بالإنشاء الواحد. 

إذن فالعقلاء في سوقهم لا يرون أنه ملكه بالإضافة التصوّرية أو التصديقية.

مع ذلك نرى أن بيع الكلّي في سوق العقلاء صحيح، وأن البيع مبادلة مال بمال.

نقول: الكلّيات ليست أموالاً بالإضافة إلى الذمّة، بل باعتبار قابليتها للوجود يبذل العقلاء في مقابلها المال. ومالية الكلّي قبل إضافتها إلى الذمّة، من قبيل مالية الأموال الخارجية التي ليس لها مالك قبل حيازتها، فالكلّي مال؛ فلذا نقول: إن حِمل الحنطة -القابل للتحقّق في الخارج- قيمته كذا.

افرضوا: أن شخصاً غير معتبر الذمّة عند العقلاء أصلاً، إما لكونه شخصاً متقلّباً أو لكونه فقيراً، فلا يعتبر عليه العقلاء في شراء شيء، فلو غفل البائع وباعه حِملاً من الحنطة هل أن مفهوم المعاملة لم يقع؛ لأنه ليس مالاً، باعتبار أن المال هو ما يكون له وجود باعتبار العقلاء، والفرض أن ذمّته غير معتبرة، فلا يقع البيع؟ أو أنَّه -في الحقيقة- معاملة، غاية الأمر أنه ليس له قدرة على التسليم، فإذا التفت العقلاء إلى عدم قدرته لا يعملون معه المعاملة؛ لأنهم ليس بهم سفاهة بحيث يعطون شيئاً بلا مقابل، ولعلّه لا يحصل الجدّ. أما مع الغفلة فتحصل المعاملة، وقد بذل المال بإزاء المال، غاية الأمر أنه غير قادر على التسليم، والقدرة على التسليم لا مدخلية لها في المالية، وإنما يكون مالاً باعتبار كونه قابلاً للوجود. 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وإذا لم يكن مالاً فلا تتحقّق له المالية بالإضافة إلى الذمّة، بل لو كان مالاً تسلب عنه المالية، إذ أنت مرّة تبيع حِمل الحنطة المقيّد بذمّة زيد، حِمل ذمّة زيد، فهو كلّي عقلي غير قابل للوجود، ومرّة تبيع الحمل الذي في ذمّة زيد على أن تكون الذمّة ظرفاً لا قيداً له؛ ليرتفع إشكال الكلّي العقلي. فهذا المال غير موجود، فإن زيداً ليس له في ذمّته شيء.

فنحن نقول عكس ما يقول النائيني من: أنَّ الأشياء لا مالية لها إلّا بالإضافة إلى الذمم. نقول: إن الأشياء لها مالية إلّا أن تضاف إلى الذمم.

العهدة(1): يعني يجب عليه الأداء كوجوب الصلاة، فإن أداءها يكون على العهدة، والذمّة ما يكون ديناً على الإنسان.

فلذا لو مات يجب أن يؤخذ الدين من الورثة، لا أن الميت(2) يجب عليه الأداء، فما نقوله من أنَّ الكلّي على الذمم يعني: في العهدة، ويجب عليه الأداء. 

فنحتاج إلى الإضافة لا بمعنى إضافة المبيع إلى الذمّة على ما يقولونه، فإنه محال، بل نحتاج إلى إضافة المعاملة إلى المتعامل، تقول: (بعت من قبل -قبلي- زيد حِملاً من الحنطة)، وبعد البيع يستقرّ في عهدك هذا المبيع، أما قبله فلا.

وفي الفضولي أيضاً يكون تشخيص الكلّيات بعد أن يقع العقد عنك أو عنه، يقول: (بعت من قبل موكلي حملاً من الحنطة). (حِملاً) غير مضاف ولا مظروف لذمّة زيد، فنحن نجعل الإضافة في البيع لا في المبيع، وأما المبيع فيبقى 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() وهنا قال فيما قال جواباً على سؤال. (المقرِّر).

(2) يعني بالموت تسقط العهدة ولا تسقط الذمّة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مطلقاً غير مضاف إلى الذمّة.

وما يقوله الشيخ(1) من أنَّ الكلّيات تصبح أموالاً على الإضافات ظاهر مراده ما نقوله، فإن كان ذلك فلا مضايقة، وإن كان مراده ما يقوله النائيني فليس بصحيح.

وتأدية لحقّ هذا المحقّق العظيم النائيني(2)، لا بُدّ أن ننظر فيما قاله حول المسألة التي يذكرها الشيخ، وهي ما إذا باع بالإضافة إلى الغير فمرّة يجيز ومرّة يردّ، فهل تبطل مطلقاً أو تصحّ مطلقاً، أو التفصيل الذي يذكره النائيني(3)، من أنَّه إذا كان اللفظ يقع باطلاً، وأما إذا كان في النيّة يقع له، وإذا لم يكن يقع للعاقد؟

[حول المائز بين الأعيان الشخصية والكليات]

في الشخصيات المبيع والمشترى متعيّنان في الخارج، وأما في الكلّيات فليس هناك تعيّن، فإذا وقع المبيع كلّياً فلا بُدّ أن يكون مقيّداً؛ لأجل أن يكون متعيّناً. 

الآغايون يقولون: إن الكلّي إذا أضيف إلى الذمّة يكون موجباً للتعيين، ونحن قلنا إن هذا غير تامّ، وقلنا إن القيد هو أن البيع لا بُدّ أن يكون مضافاً إلى المتعامل، وهو يكون موجباً لإضافة الكلّي إلى زيد، وهذا يحدث بعد تمامية 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 390، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، الأمر الأوّل: لا فرق بين كون مال الغير عيناً أو ديناً.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 232، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الأوّل.

(3) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

المعاملة، لا قبل المعاملة، ولا أن الإيجاب وحده يعمل هذا العمل.

فإذا قصد أن المعاملة تقع عن زيد، أو كما يقول الآغايون(1) في ذمّة زيد، فمرّة يضيفه إلى زيد لفظاً، وأخرى يضيفه إليه قصداً، فإذا أجاز المالك فلا كلام من وقوعه لمن ذكره(2) أو قصده، إنما الكلام فيما إذا ردّ المعاملة، فهل يقع لمن قصده سواء لفظاً أو قصداً؟

أو لا يقع في الموردين كما قال الشيخ(3) وتبعناه على ذلك؟ أو يفصّل بين ما إذا كان قد قصده لفظاً فبالإجازة يقع عن المالك، ومع الردّ يبطل، كما قال الشيخ(4)، وأما إذا قصده في النيّة، فبالإجازة يصح؟

وأما إذا ردّ فالمعاملة لا تبطل، بل يقع للعاقد، كما اختار المرحوم النائيني(5).

ــــــــــ[256]ــــــــــ

() اُنظر: المكاسب والبيع 1: 88-89، كتاب البيع، في ما يُعتبر في البيع، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 53-55، كتاب البيع، تعريف البيع، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 12-13، كتاب البيع، تعريف البيع.

(2) الذي فهمته هو أن المذكور أو المقصود في المعاملة هو المالك، ولذا وقع الكلام في أنّها تقع عن المالك الذي ذكره أو عن العاقد. (المقرِّر)

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 390، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، الأمر الأوّل.

(4) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(5) اُنظر: منية الطالب 1: 229-231، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وأما وقوعها للعاقد في الصورتين بأن يقال: كما أنه في العين الخارجية إذا كانت لك وقصدتُ أن تقع المعاملة مِنّي. فإذا كان قصدي لغواً فإن ذلك لا يسبّب بطلان البيع.

فهنا وقع بيع وإضافة إلى العاقد، فإذا انتفى الانتساب تقع المعاملة صحيحة عن المالك، ويجب عليه الوفاء، فكذلك الحال في الكلّي.

إلاّ أن هذا المطلب غير تامّ، والمقايسة على الأعيان الخارجية غير صحيحة، فإن الأعيان الخارجية متعيّنة باعتبار الإضافة الواقعية بالاعتبار العقلائي التي لها تجاه المالك، سواء أثبتَّ الإضافة أو سلبتها، فإذا أضفتها باللفظ أو القصد إلى غيره، لغت إضافتك، وصحّت المعاملة باعتبار إضافتها الواقعية العقلائية للمالك.

بخلاف الكلّي الذي لا يتعيّن إلّا بالإضافة، فما هو متعيّن بالإضافة إليك أو إلى شخص غير المالك، إذا سلبت الإضافة ينقلب الكلّي إلى كلّي غير متعيّن وبلا إضافة، لا أنه يصبح مضافاً [إلى] الغير، فإن الشخصي كان مضافاً واقعاً إلى المالك.

أما الكلّيات بقطع النظر عن الإضافة، فإنه لا يتعيّن فإذا سلبت الإضافة تبقى الطبيعة بلا إضافة، فإذا اخترنا في بيع الكلّي أنها تقع عليها المعاملة من دون إضافة في أنفسها، فلا بُدّ وأن يضاف البيع إلى شخص. ولا معنى لأن تسلب الإضافة شخص فتنسب إلى شخص آخر.

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مناقشة النائيني

وأما التفصيل الذي يقوله المرحوم النائيني(1) فحاصله: أنه في المعاملات التي تضاف لفظاً إلى الغير فالعمل الذي أوجده العاقد عبارة عن المعاملة المقيّدة، فإذا أجاز المالك صحّ، وإلّا بطل، كما قال الشيخ: 

وأما إذا قصده ولم يذكر، يقول(2): فلنا دعويان: 

أولّهما: أنه إذا ردّ وقع للعاقد واقعاً.

ثانيهما: أنه إذا أجاز وقع للمالك واقعاً.

أما الدعوى الأولى: فهي مبتنية على أمور هي مورد التسالم في المعاملات:

أولها: أن الأمور البنائية والأغراض المنويّة لا أثر لها، إلّا إذا أبرزت بالألفاظ الموضوعة لإنشاء تلك الأغراض، ولا يترتّب الأثر عند العقلاء على مجرّد وجود الغرض من النفس.

المطلب الثاني: أن كلّاً من المتعاقدين مالك لالتزام الآخر على عهدة صاحبة. إلّا إذا جعل الشارع أو المتعاملان الالتزام طرفياً، كجعل الخيار لطرف واحد.

الأمر الثالث: أنه في باب المعاوضات ليس لا بُدّ من تعيين المتعاقدين، إلّا في مثل النكاح.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) منية الطالب 1: 232، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة، الأمر الأوّل.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وينتج من هذه المقدّمات الثلاث: أن العاقد لا أثر لقصده حيث لم يتلفّظ به، وقد أعطى التزامه للآخر فهو في عهدته له، غاية الأمر لا تعيّن للطرف، وهو غير لازم، فلا بُدّ أن تقع المعاملة للعاقد.

وأما الدعوى الثانية: فلأن القصد وإن لم يؤثّر في صرف الالتزام إلى الغير، ولكن له معنى تكويني لا ينفكّ عنه، وهو قصد الغير، فهذا القصد يجعل المعاملة صورة هيولانية قابلة لإجازة المالك. هذا محصّل ما أفاده.

نحن نقول: إن تمام مقدّماته الثلاث مخدوشة بنحو من أنحاء الخدشة.

أما قوله: إن الأمور البنائية والأغراض المنويّة لا أثر لها إلّا باعتبار الألفاظ الصالحة لإبرازها. فليس هذا محلّ كلامنا، وإنما القاعدة تامّة في مثل شراء الدواء والغرض منه هو التأثير في الشفاء، فلا يكون للغرض أثر في بطلان المعاملة، أو في الأمور البنائية، كما لو كنت بانياً على اشترط الخيار في المعاملة ولم أشترط فلا يكون له أثر. فهل نستنتج من ذلك أن القصد كَلَا قصد؟

أما في مثل أن شخصاً وكّل شخصاً لشراء حِمل من الحنطة، وكان عازماً على أن يشتري لنفسه حِملاً من الحنطة أيضاً، فاشترى حِملاً لموكّله، فهل يكون قصده كَلَا قصد؟ أو في الحقيقة أن سوق العالم قائم على تأثير القصد في نسبة المعاملة إلى شخص دون شخص، فليس أن كلّ القصود كَلَا قصد، بحيث لا بُدّ أن يقول: (اشتريت وبعت عن موكّلي).

نعم، إيجاد أصل المعاملة بمجرّد القصد والنية لا يمكن، أما وقوعها عن شخص أو آخر فهو يختلف بالقصد تارةً وباللفظ أخرى. 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فهذه القاعدة في بعضها مورد للتسالم، وبعضها ليس مورداً للتسالم.

وأما المقدّمة الثانية: وهو أن أحدهما يملك التزام الآخر على عهدته يعني الآخر نفسه. نعم، المتعاقدان كذلك، لكن الفضولي ليس متعاقداً، والكلام ليس في الظاهر ومرحلة الإثبات عند الحاكم، وإنما كلامنا في الواقع، وأنا لم أعط التزاماً إذا كنت فضولياً، بل عملت المعاملة عن الغير، فإذا أجاز المالك يطالب بالتزامه، وإلّا فلا. 

فهذه القاعدة صحيحة في مورد الأصيل، وغير صحيحة في مورد الفضولي الذي يوقع المعاملة عن الغير.

وأما المقدّمة الثالثة: وهي أن تعيّن المتعاقدين غير لازم، فهي صحيحة في الأعيان الخارجية، وليس لا بُدّ أن تعيّن إضافتها إلى أحد.

أما الكلّيات فهي غير متعيّنة فهل تقول: (بعت حِملاً من الحنطة بعشرة دراهم)، من غير تعيين للبائع والمشتري، هذا لا يصحّ إلّا إذا تعيّن، بحيث بعد المعاملة يقع الحِمل بذمّتك والثمن بذمّته.

فتحصّل من ذلك: أنّه كأنّه قايس الأمور الكلّية بالأعيان الشخصية، على حين أن بعض مقدّماته صحيحة فيها، وأما في الكلّيات فلا يصحّ شيء منها، هو يقول بأن الكلّيات لا تتعيّن إلّا بالإضافة، فلا بُدّ من إضافتها إلى شخص ما، إما بالذكر أو القصد. فهذا كلامه غير تامّ.

يبقى ادعاؤه الآخر: وهو أنه يقع لنفس العاقد، باعتبار أن القصد لا أثر له في صرف المعاملة إلى أحد، فكأنّه يرى أن المعاملة تنصرف إلى العاقد.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ولكن الردّ إذا كان موجباً لرفع القيد، فيكون: (بعت لزيد) يكون: (بعت لا لزيد)، فمن الممكن أن يقول بأنه يقع له. لكن هذا غير صحيح، فإن المقيّد لا يجعله الردّ غير مقيّد، بل من حين الردّ يلغو القيد، وتنقطع الإضافة، ولا يكون ذلك سبباً للانصراف إلى العاقد، فالوجه الأوّل الذي ذكره غير تامّ.

الوجه الآخر الذي يقوله: إن الإضافة وإن لم يكن القصد لا أثر لها فيه، ولا يكون سبباً لأن تقع الالتزامات لمن قصده، ولكن له أثر تكويني، وهو قصد الغير، وهذا الأثر لا يرتفع، فهو يعمل مادّة هيولانية قابلة للإجازة نظير جعل التولية للغير.

نقول: الأمر التكويني ليس إلّا أنه قصد البيع عن الغير، وأنت قلت بأن القصد لا أثر له؛ لأنه من الأغراض المنويّة، وقلت إنَّه ينصرف إلى العاقد، فإذا ألغي هذا الأمر التكويني فليس لنا أمر تكويني آخر.

وهذا الأمر التكويني لا يخلو أمره؛ إما أن يكون مؤثّراً، أو لا يكون مؤثراً، فإن كان مؤثّراً فلا بُدّ أن تقع المعاملة للمالك، وإذا لم يكن مؤثّراً فليس لنا أمر تكويني آخر نصحّح به ذلك، فمع الردّ يبطل، ولا شيء غيره، مجرّد وجود القصد التكويني الذي لا يكون ذا أثر عند العقلاء بمقتضى المقدّمة الأولى التي ذكرها، كيف يصحّ بالإجازة، فإن الإجازة إنما تؤثّر في صحّة المعاملة الصالحة(1) سوقياً.

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() (بازار پسند) كذا عبارته وقد تكون بمعنى الرواج السوقي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وأما إذا كان القصد غير مؤثّر فليس هنا إنشاء صالح سوقياً؛ لأن المقصود لا تأثير إلّا بالإنشاء اللفظي. فكيف يكون الأثر التكويني وهو القصد إلى الغير صالحاً للتعقّب بالإجازة، وتكون به المعاملة مادّة هيولانية قابلة للإجازة، نظير جعل التولية للغير.

وكيف يكون هذا القصد نظير جعل التولية للغير، إذن فهو كاللفظ في التأثير، والإجازة نظير التولية، إذن يكون هذا رفعاً لليد عن المقدّمة الأولى.

إذن لا يتمّ ما قاله، ومقتضى القاعدة أنه مع الإجازة تتمّ المعاملة سواء قصده لفظاً أو قصداً، وإذا ردّ لا يصحّ، ولا معنى لوقوعه عن العاقد، هذا كلّه في مورد جعل إضافة واحدة.

[الأمر الأول: في الشراء لنفسه بما في ذمة الغير]

وأما في مورد جعل إضافتين، أحدهما: له والثاني: للغير فماذا يقال؟ 

قال(1)(2)بعد أن اعتبر في الكلّي الإضافة إلى الذمّة أو إلى الشخص: إنه إذا جمع العاقد في إنشاء واحد الشراء لنفسه وغيره، إما بقوله: (اشتريت لفلان على ذمّتي) أو (اشتريت لنفسي على ذمّة فلان)، ففي مثل ذلك ماذا نقول.

هناك صورة لا تنافي فيها، وهو ما إذا قلنا بأنه لا مانع من دخول الثمن في جيب من خرج منه المثمَن، فإنه إذا كان كذلك فلا تنافي بين القيدين في قوله: 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

( ) يعني: الشيخ على الظاهر. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 391، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 (اشتريت لنفسي في ذمّة عمرو)، بل يقع صحيحاً، ويخرج الثمن من عمرو ويدخل المثمَن في ملك العاقد.

وأما إذا لم نقل به؛ لأنه أمر غير عقلائي، وأن الثمن والمثمَن متبادلان، ولا بُدّ أن يخرج الثمن من ملك من يدخل في ملكه المثمَن. وإلّا لم تكن مبادلة ولا يكون بيعاً.

هنا كلامٌ، وهو أنه مع التوجّه إلى أطراف القضيّة كيف يمكن له هذا الإنشاء، فإنه إنشاء خاصّ جزئي؟ فهل يمكن أن يترتّب عليه هذا الأثر، وهو أن يقع العقد لي وله؟

إن قلت: إنه ينحلّ إلى إنشاءين فلا تنافي، غاية الأمر يلغو الشراء لنفسه، كما لو أوجد الفضولي المعاملة وأنشأها لشخصين، وقال: (اشتريت المال لهذا ولهذا)، لا بنحو المجموع بحيث يكون بينهما بالمناصفة، بل لأحدهما بنحوٍ بحيث إذا قبل أحدهما وقع له، وإذا قبلا معاً أو رفضا معاً لا يقع لأحدهما أو نرجع إلى القرعة.

هنا أيضاً: إذا أنشأ لنفسه مع القيد المنافي ينحلّ إلى إنشاءين، فلا تنافي، غاية الأمر يقع البيع لنفسه؛ لأنه أصيل لا يتوقّع الإجازة، وإذا وقع لغيره كان متوقّفاً على الإجازة.

إلّا إذا أشكلت إشكالاً عقلياً، بأن الملتفت إلى أنَّ هذا لا يقع بإجازة الآخر، كيف يحصل له الجدّ إلى المعاملة، أو الفضولي إنما يتصوّر مع فرض الإجازة.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إلاّ أن هذا ليس محلّ الكلام، وإنما محلّ الكلام هو الإتيان بقيدين متنافيين في إنشاء واحد، وهنا مرّة نتكلّم في مقام الثبوت، وأخرى في مقام الإثبات، أما مقام الإثبات وأنه لا يمكن أن يريد ثبوتاً أمرين متنافيين معاً، فأحد القيدين لاغٍ لا محالة، فننظر في مقام الإثبات في المحاكمة أن أيّ القيدين هو الثابت وأيّاً منهما هو اللاغي؟

هذا أيضاً ليس محلّ الكلام.

وإنما محلّ الكلام، هو مقام الثبوت إذا أراد وقصد كِلا الأمرين جدّاً، كما لو لم يكن ملتفتاً إلى تمام أطراف القضيّة، فإن الجدّ إلى إنشاء المتناقضين، والنقل إلى هذا وذاك غير ممكن، لكن مع الغفلة يمكن حصول الجدّ إليها. 

فالطيران إلى السماء محال، والقصد الجدّي إليه من الملتفت محال، ولكن الغافل يمكن منه الجدّ إليه، غاية الأمر أنه مهما حاول لا يتحقّق. فالملتفت وإن لم يكن يمكن أن يحصل منه الجدّ، إلّا أن الغافل عن أطراف القضيّة يحصل له القصد الجدّ.

إذن لا بُدّ أن نفرض القضيّة ومورد كلام الشيخ في مورد يمكن فيه القصد، وهو مورد غفلة المنشئ. ومع الالتزام باشتراط أن يدخل الثمن في جيب من خرج منه المثمَن.

فإذا حصل له الجدّ إلى هذا المعنى، فقال: (اشتريت لفلان بدرهم على ذمّة نفسي)، أو (اشتريت لنفسي بدرهم في ذمّة زيد)، مثالان ذكرهما الشيخ ولعلّه فرّق بينهما.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

مرّة نقول: إن هذين القيدين المتنافيين يسبّبان بطلان المعاملة بحيث لا تكون قابلة للإجازة، أو أن البيع يقع لنفسه ويلغو القيد الآخر، أو نقول: أيّ مورد فيه قيد الذمّة سواء كانت ذمّته أو ذمّة غيره يثبت، ويلغو القيد الآخر سواء كان شراءً لنفسه أو لغيره، فلو قال: (اشتريت لنفسي في ذمّة زيد)، يقع لزيد بالإجازة، وإذا قال: (اشتريت لزيد في ذمّتي يقع له).

[ما اختاره المحقق النائيني في المقام والإيراد عليه]

المرحوم النائيني(1) اختار أنه في مثل ذلك في كِلا المثالين، كِلا القيدين يلغو ويقع لنفسه. ومحصّل برهانه:

أنه له مقدّمتان:

المقدّمة الأولى: أنه في المعاملات التي تقع ليس صرف المعاملة إلى نفسي وغيري في رتبة واحدة، بحيث يدور الأمر بينهما، بل إذا عمل الشخص معاملة فهي مصروفة بطبعها إلى ذمّة نفسه، وهو ملزم بها، إلّا إذا صرفها القيد إلى الغير.

فهذان الأمران في مرتبتين: إذا لم تقع لنفسه تنصرف إلى الغير.

المقدمة الثانية: أنه إذا تمّت أركان معاملته ووجد قيد زائد بها بعد تمامية أركانها، وكان القيد منافياً يكون لاغياً، مثاله مني: إذا بادلت عيناً خارجية بمثلها وليست العينان لك، ومع ذلك قلت: (لنفسي)، يلغو القيد وتتمّ المعاملة.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 230، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ثُمّ يقول: إن هذين القيدين اللذين أتى بهما في المعاملة وهما قوله: (لنفسي) أو (لزيد)، وقوله: (على ذمّتي) أو على (ذمّة زيد)، قيدان متنافيان، وقيد الذمّة إنما يكون موجباً للتعيين على ما قلنا، إنما يكون عند عدم وجود المنافي، ومع وجوده لا يكون معيّناً، وقيد (لنفسي) أيضاً مبتلى بالمنافي، فيتساقطان، والمطلق ينصرف إلى نفس العاقد، كما قلنا في المقدّمة الأولى من أنَّ المعاملة بطبعها لها هذا الانصراف. 

إذن تسقط القيود وتقع المعاملة له.

نحن لنا كلامان: أما مقدّماته فليست خطأ، ولكنّ الكلام في أنها هل تنطبق على المقام أو لا؟ 

قلنا: في ذلك كلامان، كلام حول ما إذا باع ولم يذكر شيئاً، هل هو من باب الإطلاق والانصراف إلى نفس الإنسان، أو من باب التعيّن الارتكازي؟

أما بناءً على الإطلاق والانصراف، فالانصراف في باب المطلقات هو أن يذكر مطلقاً ولم يقيّد بقيد، فهذا هو محلّ الكلام في الانصراف.

وأما إذا ذكر مقيدين متنافيين، أو قيدين متنافيين في كلام واحد. فليس هنا إطلاق، بل محفوف بقيدين، وإذا لم يكن الأخذ به فلا بُدّ من القول بسقوطه، ولغو القيدين لا ينقّح لنا الإطلاق، والمطلقات مع القيود المتّصلة ليس معناه أن لنا مطلقاً وقيداً متّصلاً، بل من الأوّل يوجد ضيقاً، من باب (ضيق فم الرَّكِيَّة) كما يقول الآخوند، ويكون المقيد هو موضوع الحكم.

فلو سلّمنا أنك إذا قلت: (بعت حِملاً من الحنطة لزيد)، كان مطلقاً منصرفاً 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

إلى نفسك، ولكن في القيدين المتنافيين ليس أن لنا مطلقاً وقيدان حتى إذا ما سقطا يبقى الإطلاق، بل لنا كلام واحد مقيّد بقيدين متنافيين، فإذا سقطا يسقط أصل الكلام ولا يتمّ الانصراف(1).

[تحقيق حول الإطلاق]

وبناءً على ما نقوله من أنَّ القضيّة ليست قضيّة إطلاق وانصراف، بل تعيين ارتكازي، فهو بمجرّد أن يقول: (بعت) فهو يريد ارتكازاً أنه لنفسه، وهذا إنما يتمّ مع عدم وجود المنافي، وقد أتى بالمنافي، فالتعيين الارتكازي لا معنى له مع وجود التقييدين، فما يقوله من أنَّه يجب سقوط القيدين ويرجع إلى نفسه، غير صحيح.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

() وهنا قال له أحد الإخوان: إن الإطلاق هو رفض القيود.

فأجابه السيد: ماذا تقول؟ هل بمعنى أن المولى لا بُدّ أن يتصوّر تمام القيود المحتملة الدخل، وينفيها، بل الإطلاق بمعنى إرسال الحكم على الطبيعة من دون قيد، وإذا لم نقيّد نفهم منه الإطلاق، لا أن الطبيعة تنحلّ إلى الأفراد، هذا أيضاً غير صحيح، وإنما إذا وجدت الطبيعة في الخارج قيد، وإذا لم نقيّد نفهم منه الإطلاق، لا أن الطبيعة تنحلّ إلى الأفراد، هذا أيضاً غير صحيح، وإنما إذا وجدت الطبيعة في الخارج لحقها الحكم.

وأفاد: أن الإطلاق ليس من المداليل اللفظية، ولا يكون كذلك بمقدمات الإطلاق، وإنما هو مستنتج من فعل المولى وعدم البيان في مقام البيان. 

ولذا قلنا بأن ذكر باب الإطلاق والتقييد في مباحث الألفاظ غير صحيح، وإنما ذكروه لأنهم لا بُدّ أن يذكروه فذكروه بعد باب العموم. انتهى.. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فإذا لم يتمّ ذلك، فالوجه الذي يمكن أن يكون له صورة هو أن يقال: إن الكلّيات لا تتعيّن ولا تكون مالاً إلّا بالإضافة إلى الشخص، وإذا أضفناها يكون ما ليس بمالٍ مالاً، وما هو الركن في المعاملة هو المالان، وأما الاشتراء لنفسي أو لغيري فليس لهذين القيدين ركنية في المعاملة.

ففي الأعيان الخارجية لو قصدت البيع لنفسي يلغو القيد بعد تمامية أركان المعاملة، وتصحّ للمالك. 

فكما أن هذا يقال في الأعيان نقوله في الكلّيات أنه إذا قال: (بعت لنفسي على ذمّة زيد)، فهنا قيدان: 

أحدهما: على ذمّة زيد، وهذا القيد يجعله مالاً ولولاه لا يكون مالاً.

الثاني: الشراء لنفسي وهو يكون بعد حصول ركن المعاملة، فهذان قيدان طوليان أحدهما قيد الذمّة وهو محقّق للمعاملة، فإنه ما لم يكن مالاً لا تكون معاملة، وبعد تحقّقها تكون لزيد أو لعمرو، وهذا أمر زائد على قوام المعاملة.

فكما في الأعيان الخارجية يلغو ما ليس مقوّماً للمعاملة، ويبقى ما هو مقوّم لها كذلك في الكلّيات.

ونتيجته: أن قوله: (اشتريت لنفسي على ذمّة زيد)، يقع لزيد مع إجازته، وقوله: (اشتريت لزيد على ذمّتي) يقع لنفسه ويلغو قيد (لزيد).

هذا محصّل ما قاله البعض وذكره الشيخ في ذيل كلامه(1).

ــــــــــ[268]ــــــــــ

() ذكر السيد أوّلاً الإشكال الذي أشار إليه الشيخ، الذي ينتج تصحيح المعاملة لقيد الذمّة، وذلك نظير الأعيان الخارجية، وقيد (لنفسي) و(لغيري) يكون ملغى كما هو ملغى في الأعيان الخارجية، لا بعضها على خلاف إضافتها الواقعية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

في أنه يكون مالاً بالإضافة

وقرّبه بعضهم(1) بأن المال إنما يكون مالاً بالإضافة، ولولاه لا يكون مالاً، فيكون قيد الذمّة ركناً للمعاملة، لا بمعنى أن للمعاملة أركاناً ثلاثة، بل بمعنى أنه مقوّم لماهيّة المعاملة، وبعد أن يتمّ ما هو مقوّم الماهيّة تقع المعاملة لي أو لزيد.

بناءً عليه فقيد الذمّة يقع في المرتبة المتقدّمة؛ لأنه به تقع ماهيّة المعاملة، وتكون القيود الأخرى -وهي انتساب المعاملة (لنفسي) أو (لغيري)- واقعة في المرتبة المتأخّرة، سواء كانت مقدّمة في اللفظ أو متأخّرة، فتقع المعاملة باعتبار القيود المتقدّمة في الرتبة.

وبعبارة أخرى: أن هنا إضافتين، الإضافة التي تفيد الذمّة، والإضافة التي تفيد بأن البيع لي أو لغيري، وما يفيد الذمّة مقدّم رتبة على الإضافة الأخرى، فكما أنَّه في الأعيان الخارجية إذا وقعت المبادلة على غير إضافتها الواقعية تلغو القيود وتصحّ المعاملة لمن جعله في ذمّته، بناءً عليه فهذان المثالان صحيحان مختلفان من حيث النتيجة، فلو قال: (اشتريت لنفسي في ذمّة زيد) صحّ لزيد، ولو قال: (اشتريت لزيد على ذمّتي) صحّ له.

لنا كلام سبق الإشارة إليه، وهو أن نرى ما هو وضع السوق، مثلاً: إذا كنت أصيلاً في السوق فقلت: (بعت حِملاً من الحنطة بدرهم)، فكيف يتمّ 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) راجع كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 346-350، الفصل السادس، المبحث التاسع، الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الاعتبار؟ هل أوّلاً تعتبر الحِمل في ذمّتك بنحو القيدية أو الظرفية؟ ثُمّ تبيع ذاك المعنى الذي في الذمّة.

الاحتمال الآخر: أنك تبيع حِملاً من الحنطة على أن يكون بعد المعاملة في ذمّتك.

الاحتمال الآخر: الذي يعمله سائر الناس وهو أن يقول: (بعتك حِملاً من الحنطة)، وبعد أن يقبل أو يجيز المالك في الفضولي يصبح الحِمل ملكه في ذمّتك، أما قبل القبول والإجازة فلا تعمل أيّ عمل، ولا تضيف الحمل إلى ذمّتك، لا بالإضافة التصورية ولا التصديقية.

لا شكّ أن هذه الإضافات ليس لها اسم في السوق، وإنما المبايعة مبايعة مال بمال، وبعد حصول القبول أو إجازة الفضولي، يقول العقلاء أنت تملك في ذمّته مالاً، نحن في (المدرسة) تصوّرنا هذه الإضافات، وإلّا فحِمل الحنطة القابل للوجود مال في نفسه، ويشترونه من المتمكّن من التسليم، ولا يشترونه من غير المتمكّن، ويصبح مالاً في ذمّتي بعد تمامية المعاملة، وحينما تقول: (حِمل الحنطة ثمنه كذا)، لا يأتي إلى ذهنك كون الحمل في ذمّتك أو ذمّة زيد، ولا أنك تسأل عن أحد الأفراد الخارجية، بل تسأل عن نفس الطبيعة القابلة للوجود.

فليس أنه بالإضافة يصبح مالاً، بل هو مال وإن لم يضف إلى الذمّة، وإذا لم يكن مالاً لا يصبح مالاً بهذه الإضافة، وإلّا لو كانت الإضافة إلى الذمّة تجعل ما ليس بمال مالاً، للزم أن تحصل المالية بها لِما ليس بمال في أصله، كحمل التراب أو الماء إلى جنب النهر.

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

ولو لم تكن للأشياء مالية في أنفسها بغضّ النظر عن الذمّة وبها تصبح ذات مال، فلماذا اختلفت أقيامها وتفاوتت أثمانها، مع(1) أن نسبة الذمّة إلى كلٍّ منها على حد سواء، بل هذه -يعني الحنطة والشعير- أمور واقعية لها أقيام حقيقية، لا أنها ليست بمال وبالإضافة تصبح مالاً، ولا أن الإضافة لك أو لغيره تجعله مالاً.

وإنما تحتاج إلى الإضافة إلى المتعاملين، فإن الكلّي المجرّد القائم بين الأرض والسماء وإن كان مالاً إلّا أن هذه المعاملة تحتاج في صحّة المعاملة عليها في الاستناد إلى شخص، فإن كان للمبيعين إضافة حقيقية بالاعتبار، فالمبادلة بينهما مبادلة في الملكية.

وأما في باب الكلّيات، ففي الكلّيات لا يمكن مبادلة حِمل حنطة بحِمل شعير (معلّق بين الأرض والسماء)، ما لم يكن البيع والشراء مضافاً إلى المتعاملين. فليس من إضافة المبيع والثمن بل من إضافة البيع والشراء، وبعد وقوعه تشتغل ذمّة البائع بالمبيع وذمّة المشتري بالثمن.

وإن كان المراد أن الإضافة إلى الذمّة لأجل تعيين البائع والمشتري فلا مضايفة، فنقول: (بعت على ذمّة فلان أو في ذمّته)، وتقصد إسناد المعاملة إليه لا بيع الحِمل الذي في ذمّته.

إذن فكل هذه القيود: (لنفسي ولزيد وعلى ذمّتي وعلى ذمّة زيد ونحوها) لا تعمل عملاً أكثر من تعيين البائع والمشتري، فإذا تعيّن كلّ واحد يتحمّل ما 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() هذا مِنّي لإكمال المطلب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

أصبح على ذمّته، هكذا في أسواق الدنيا.

فما يقوله الشيخ والآخرون(1) من أنَّه بالإضافة يكون مالاً خطأٌ، فإنه مع التقييد بالذمّة يكون كلّياً عقلياً، وإذا كان مظروفاً في الذمّة بمعنى: أن تبيع الحِمل الذي في ذمّتك، فذمّتك فارغة ليس فيها شيء. وإنما بعد البيع يقع في ذمّتك لا لنفسك بل لغيرك، من قبيل باب الضمان، فإن الذمّة تشتغل بعد الضمان، ومن قبيل القرض فإن الذمّة تشتغل بعد القرض، كذلك تشتغل الذمّة بعد البيع.

فما يقال: من أنَّ الكلّيات نظير الأعيان الخارجية، صحيح باعتبار اشتراكهما في المالية بقطع النظر عن الذمّة، وغير صحيح باعتبار أن مالية الكلّيات منوطة بالإضافة إلى الذمّة، فما يقال من أنَّ قيد الذمّة مقدّم على قيد الكلام -يعني لنفسي ولزيد- باعتبار كونه مقوّماً لماهيّة المعاملة غير صحيح، بل كِلا القيدين لأجل تعيين البايع، وقد أتى بقيدين متنافيين. فهذا الوجه لا يتمّ.

[تلخيص وتحصيل]

وما يقال: ما أن العبارة المتقدّمة منهما تصحّ، فلو قال: (اشتريت لنفسي على ذمّة زيد) صحّ لنفسه، ولو قال: (اشتريت على ذمّة زيد لنفسي) صحّ لزيد، 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 390، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، الأمر الأوّل، منية الطالب 1: 229، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الأوّل، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 126، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: أن يكون البائع مالكاً، المسألة الثالثة: إذا باع الفضولي لنفسه، الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وكذا في مثل (اشتريت لزيد على ذمّتي) غير صحيح، فإن الإنشاءات لا يتمّ ظهورها إلّا بعد الانتهاء من الكلام، لا أنها ظهورات مستقلّة.

المرحوم النائيني يقول(1): قوله (اشتريت لزيد في ذمّتي) يمكن تصحيحه بوجهين:

أحدهما: أنه يعمل المعاملة لنفسه ويهبه لزيد.

الوجه الآخر: أن يشتري لزيد ويكون الثمن لزيد أيضاً، ولكنّه هو يضمنه في ذمّة نفسه، من قبيل ضمّ ذمّة إلى ذمّة.

نحن نقول: أولاً: إنه كان الكلام في التقييدين المتنافيين، وبما قلنا يرتفع التنافي ويخرج(2) عن محلّ الكلام.

ثانياً: أنه بالإنشاء الواحد لا يمكن أن تحصل الملكية والهبة، أو الملكية والضمان. نعم، يمكن في الضمان أن يقال بالانحلال إلى إنشاءين، فيكون الدالّ على المعاملة: (اشتريت لزيد)، والدالّ على الضمان قوله (في ذمّتي). إلّا أن هذا خارج عن محلّ الكلام.

فتحصّل: أنه لو حصل الجدّ إلى القيدين المتنافيين عند الغفلة تبطل المعاملة، ويسقط القيدان، ولا وجه لصحّتها.

ــــــــــ[273]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 229-230، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الأوّل.

(2) هذا غريب جداً، أن يكون حلّ التنافي خروجاً عن محلّ الكلام، مع انحفاظ موضوع الكلام في نفسه وهو القيدان بذاتهما. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [الأمر الثاني:] في الفضولي بالمعاطاة

الأمر الثاني: هل يقع الفضولي في المعاطاة أو لا.

هل يختص الفضولي في العقود اللفظية، ولا يجري في المعاطاة، أو لا فرق بينهما في جريانه(1)؟

الوجه الذي يمكن أن يقال(2) في منع جريانه في المعاطاة، هو: أنّ الأدلّة العامة والخاصّة في باب إنفاذ الفضولي تختصّ بالعقود اللفظية، ولا تعمّ المعاطاة، إلّا أنه وجه ضعيف؛ لأن جهة الفضولية لا إشكال فيها، وإنما الإشكال من جهة المعاطاة، وإلّا فالفضولي موجود في العقود، والمعاطاة كانت ولا زالت هي المعاملة الغالبة على السوق، وإنما يعملون المعاملات لفظياً باعتبار تأكيدها ويشهد عليها، وكل ذلك لا دخل له في ماهيّة المعاملة.

وإلاّ فالمبايعات البشرية كانت على المعاطاة وأقدم من اللفظية، والقدر المتيقّن من الأدلّة هو المعاطاة ولا بُدّ أن نلتمس وجود الإطلاق للمعاملة اللفظية، باعتبار كونها معاملة لفظية أيضاً.

فدعوى اختصاص الأدلّة العامة والخاصّة المعاملة اللفظية، بعد دفع سائر الإشكالات العقلية لا تكون صحيحة.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 394، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: إذا باع الفضولي لنفسه، الأمر الثاني: لا فرق في الفضولي بين البيع العقدي والمعاطاة.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 64-65، كتاب البيع، الكلام في المعاطاة.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بل من الممكن أن يُدّعى أن سائر الروايات في بيع الفضولي كانت قائمة على المعاطاة، كصحيحة محمد بن قيس، التي يقول فيها: “بارك الله في صفقة يمينك(1).

وعلى أي حال لا بُدّ أن نلاحظ هذه المعاملة(2) ونرى أنه هل فيها جهة فرق مع المعاملات اللفظية لنرفع اليد به عن القواعد أو لا؟

[إشكال الميرزا النائيني والمناقشة فيه]

أشكل المرحوم النائيني(3) على ذلك بناءً على إفادة الفضولي للإباحة، وبناءً على إفادته للملك، ونحن نتكلّم أوّلاً على ما عليه السوق والمختار من إفادتها الملكية.

يقول ما محصّلها(4): الأعمال التي تصدر من الإنسان تختلف عن أقواله في باب الإنشاء، ففي الأفعال، الأمر الصادر من الفضولي عبارة عن الإعطاء والأخذ وليس فيه إلّا التبادل المكاني، ولا ينفكّ هنا حاصل المصدر عن المصدر، وحاصل(5) المصدر هو العطاء، وهو لا ينفك عن المصدر، وما هو فعل الفضولي هو هذا، فلا بُدّ من أن ينتسب الإعطاء والأخذ إلى المالك.

ــــــــــ[275]ــــــــــ

() عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 205، باب التجارة، الحديث 46، ومستدرك الوسائل 13: 345، الباب 18 من أبواب عقد البيع، الحديث 1.

(2) يعني: المعاطاة الفضولية. (المقرِّر).

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 232-233، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الثاني.

(4) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(5) قال السيد بعد ذلك كما يأتي: بأن حاصل المصدر باصطلاح الميرزا هو الأثر، وهو منفكّ في المعاملة الفضولية عن المصدر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الفعل لا ينقلب عمّا وقع عليه وينتسب إلى الغير، وأما صاحب المال، فأخذه وإعطاؤه من باب أنه يكتسب عنواناً ثانوياً هو عنوان البيع، يكون صحيحاً، فمطلق الأخذ والإعطاء ليس بيعاً، ولكن بما أنَّ المالك قاصد للبيع فيكتسب عنواناً ثانوياً هو بيع المعاطاة.

فما هو البيع يحصل بأمرين: إما بإيجاد المادّة بالهيئة، فهنا -بتوضيح مِنّا- ينفكّ حاصل المصدر عن المصدر في المعاملة الفضولية، فإذا عمل الفضولي المعاملة وأجاز المالك يترتّب عليه الأثر، فيتحقّق حاصل المصدر، وأما إذا عمل المالك المعاطاة بعمله، فبما أنَّه يصدر المعاملة والعمل قائم به، فحاصل المصدر الذي لا ينفكّ عن المصدر يكون موضوعاً للأثر عند العقلاء.

أما الفضولي إذا عمل المعاطاة، فالفعل لا بُدّ أن ينسب إلى المالك، والفعل تكويناً حيث إنَّه فعل الفضولي ويستحيل أن ينقلب عما وقع عليه، فلا يكون قابلاً لتعقّب الإجازة.

إذن فالفضولي تحصل ماهيّته بالإنشاء دون المعاطاة.

ثُمّ يقول(1): بأن الإجازة ليست ناقلة حتى نقول بتحقّق النقل بها، وعلى تقدير كونها كذلك، فهذا يكون دليلاً على عدم صحّة المعاطاة.

لا بُدَّ أن نحسب حساب المعاملات لنرى أن الفرق الذي قاله صحيح أو لا. نقول: إن البيع العقدي فيه ألفاظ، وهي أمور تكوينية صادرة من الموجب والقابل، وهذه الألفاظ إذا لم يقصد الإنسان بها جدّاً إيجاد المعاملة لا يترتّب 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 232-233، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

عليها الأثر، وفي المورد الذي يكون للفضولي قصد إلى إيجاد المعاملة.

فعلى فرض ما ذهبوا إليه من لزوم الاستناد إلى المالك، فهذه الألفاظ التكوينية لا تنقلب عمّا وقعت عليه، وغير قابلة للإجازة، وما هو قابل للإجازة والانتساب هو البيع المسبّبي الذي أُنشئ بهذا الإنشاء.

إذن فعندنا في المعاملات أمران: أسباب تكوينية مسبب اعتباري، وهو القابل للبقاء والإجازة والانتساب بقول الآغايون. هذا في المعاملات الفضولية اللفظية.

وأما في المعاطاة فما كان من قبل صاحب المال يصدق أن عندنا عنوانين: أوّلي وثانوي: العنوان الأولي عبارة عن الإعطاء والأخذ، ولا تقع المعاملة بمجرّدها؛ إذ قد يكونان بقصد آخر غير قصد المعاملة كالتفرّج على الشيء، وإنما تقع المعاملة إذا أعطيته بعنوان التمليك العملي وأخذه بعنوان التملّك العملي، أو قل بعنوان التبادل التمليكي. 

فهنا عنوانان: ذات الإعطاء، والإعطاء بقصد التمليك، والنائيني(1) يعترف بحصول العنوانين، إذن فإعطائي وأخذه يوجد إنشاء المعاملة، كما كانت الهيئة توجد المادّة.

وأما المعاطاة الفضولية فلماذا ليس فيها هذان العنوانان، أيضاً فيه العنوانان: ذات الإعطاء والأخذ التكويني، وبمجرّده لا يقال بأنه بيع فضولي؛ إذ لعلك أعطيته مال غيرك للتفرّج عليه.

ومرّة الفضولي يريد أن يبيع مال الغير فيعطيه بعنوان البيع. فلماذا لم يصبح 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بالعنوان الثانوي إنشاء للمعاملة؟ والأثر الذي سمّاه بحاصل المصدر هنا ينفكّ عن الإنشاء. فإن الفضولي عمل التبادل، ولكن لا أثر له إلّا بالإجازة.

فأصبح لدينا عنوانان:

أحدهما: الإعطاء والأخذ، وهي في أنفسها ليست بيعاً فضولياً ولا غيره من المعاملات، بل ربما كانت غصباً وتصرّفاً بدون إذن المالك.

ثانيهما: إنشاء المعاملة بالأخذ والإعطاء، وهو معنى ثانوي، اعتباري للأخذ والإعطاء. وإذا اعتبرنا كون الأثر هو حاصل المصدر فقد انفكّ عنه.

إذن مادام قد وجد الفعل الصالح لإنشاء المعاملة، مع إعطاء مال الغير بقصد إيجاد المعاملة لماذا لا يقع بيعاً فضولياً؟

وبعبارة أخرى: أنه خلط بين الاعتبار والتكوين، فتخيّل أنه في المعاملة المعاطاتية ليس إلّا التكوين، مع أنها تشتمل أيضاً على العنوان الثانوي وهو إنشاء المعاملة، حالها في ذلك حال معاطاة الأصيل.

إذن فهذا الإشكال لا يمكن أن نوافق عليه. 

[إشكال الشيخ في المقام]

وهنا إشكال مشترك الورود بين تمام موارد الفضولي، وإن كان يمكن هناك(1) منع صغراه، وهو ما يشير إليه الشيخ(2) من أنَّ الإعطاء محرّم، وهو لا 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

() يعني: في الفضولي اللفظي. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 390، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، صور بيع الفضولي، المسألة الثالثة: الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

يمكن أن يكون مورداً لتنفيذ المعاملة، فتنفيذ المعاملة غير ممكن مع مبغوضيتها، ولا تكون قابلة للصحّة. 

أما في اللفظ الفضولي فكان من الممكن لك أن تقول: إنه ليس تصرّفاً، لكن هنا لا بُدّ أن تسلّم مال الغير وتعطيه إلى المشتري، وهذا غصب مبغوض للشارع، وكلّ ما كان مبغوضاً للشارع لا يمكن إنفاذه.

الجواب على ذلك: 

أوّلاً: ما قلناه هناك من أنَّ ما هو مبغوض للمولى عبارة عن التصرّف بمال الغير، وهذا العنوان غير عنوان البيع والإجازة، وبين العنوانين عموم من وجه، والحاكم إذ يريد أن يجعل الحكم على العناوين لا يلحظ الخارج أصلاً، وإنما يورد الحكم على العنوان، ولا يكون لسائر العناوين اللاحقة أيّ دخلٍ فيه.

فحين يجيز البيع لا يكون التصرّف في مال الغير ملحوظاً، وحينما يحرّم التصرّف في مال الغير لا يكون البيع ملحوظاً، فنتخلّص هنا، كما تخلّصنا في باب اجتماع الأمر والنهي.

ثانياً: مضافاً إلى ما قلناه من أنَّ أدلّة التنفيذ، موضوعها يتحقّق بعد حصول المعاملة، فإن هناك حليّة تكليفية، وهو جواز أن تبيع، هذا لا ربط له بنفوذ المعاملة، وهناك الحليّة الوضعية وهي تشمل البيع بعد وجوده الخارجي، والأثر يترتّب على البيع باعتبار أن العنوان ينطبق عليه، ولذلك يقع نافذاً فشمول الحليّة له بعد الفراغ عن العمل، وأما حرمة التصرّف في مال الغير فقبل الإيجاد، بمعنى أن إيجاد الشيء مبغوض، وأما بعد وجوده فيكون النهي التحريمي قد انتهى.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

فمحلّ الحرمة ليس هو محلّ المعاملة، وما هو محلّ المعاملة ليس هو محلّ الحرمة، بل هو مورد سقوطها. 

بناءً عليه فأيّ تنافٍ بين العنوانين حتى يقال: بأنه لا يعقل تنفيذ ما هو مبغوض، على حين أن ذاك ينهى عن الإيجاد وهذا ينفذ الأمر الموجود. 

علاوةً عليه فإن النهي في المعاملات -إذا لم يكن إرشاداً إلى الفساد- لا يستفاد منه البطلان.

الشيخ(1) في ذيل كلامه يقول: إذا سلّمنا كلّ ذلك، فغاية ما يستنتج من النهي هو عدم استقلال المعاملة، يعني يستوجب رفع اليد عن استقلالها، ونحن لا نريد أن ندّعي الاستقلال في الفضولي، بل لا بُدّ من اقترانها بالإجازة.

إذا أراد ما قلناه من أنَّ دليل النهي قبل الوجود، ودليل الإنفاذ بعد الوجود، فلا فرق في ذلك بين الاستقلال وغيره، وأما إذا سلّم بأن النهي التكليفي لا يلائم مع إنفاذ المعاملة، فهذه المعاملة لها سببية ناقصة وما هو المبغوض عبارة عن هذا السبب الناقص، وأما الإجازة فغير مبغوضة، فإذا كان النهي مبطلاً للسبب المستقلّ كذلك يكون مبطلاً لجزء السبب، فالمولى الذي نهى عن التصرّف لا يمكن أن يجيز جزء السبب لهذا التصرّف أيضاً فإنه لا يمكن أن ينهى عن مركّب ويجيز جزء سببه.

هذا كلّه على القول بإفادة المعاطاة ا لملكية. وأما الإباحة فلها كلام مختصر نتعرّض له إن شاء الله تعالى.

ــــــــــ[280]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

بناءً على إفادة المعاطاة الإباحة

إذا لم نقل في باب المعاطاة بالملكية، وقلنا بالإباحة، فمرّة نقول بالإباحة المالكية، وأخرى بالإباحة الشرعية.

فإن قلنا بالإباحة المالكية، فهل يجري فيها الفضولي أو لا؟ 

قد يقال(1): إنه غير جارٍ فيها؛ لأنها من العقود الإذنية، فإذا أعطى إجازة فالإجازة بنفسها تكون إذناً.

لكن الأمر ليس كذلك، فإننا إذا قلنا بالإباحة المالكية ليس على أنَّها إباحة مستقلّة، بل كما تكلّموا في الإذن المتحقّق في المقبوض بالبيع الفاسد.

القائل بالإباحة المالكية يقول(2): إن البيع متضمّن لإباحة التصرّف، لا أنه يدّعي الإباحة المالكية في البيع مستقلّاً، بقطع النظر عن البيع، إذن فقد وقع بيع باعتبار الإباحة المالكية، ثُمّ أجاز المالك هذا البيع، ثُمّ قام إجماع على عدم إفادته للملك. 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 478، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الكلام في بيع الفضولي، بيع الفضولي لنفسه، لا فرق في الفضولي بين العقدي والمعاطاة، واُنظر: منية الطالب 1: 334، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه، الأمر الثاني.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 130، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: أن يكون البائع مالكاً أو مأذوناً، المسألة الثالثة: إذا باع الفضولي لنفسه، الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وليس أن الإجازة مفيدةٌ للإباحة، بل هي إجازة للبيع المتضمن للإباحة، فيمكن أن يقال(1): لأنه يقع فيه الفضولي، بل يمكن أن يقع النزاع في الكشف والنقل، فإن المجيز مرّة يجيز البيع فيكشف عن حدوث البيع من الأوّل، ومرّة تفيد الإجازة النقل، وإن الإباحة حدثت من الآن في ضمن المعاملة.

وإذا قلنا بالإباحة الشرعية، أيضاً يمكن أن يقال: بأن المعاطاة جارٍ فيها الفضولي، بل يمكن أن يُدّعى هنا أكثر ويقال: بأن الإباحة الشرعية ثابتة، خرجت الملكية عنها بالإجماع، فالمعاطاة موافقة للقاعدة، ولكن قام الإجماع على إفادة المعاطاة من المالك الملكية، فيُدّعى أن الإجماع غير شامل للفضولي؛ لأنه خارج عن القدر المتيقّن منه، وأما إذا قلنا إن الإجماع شامل للمعاطاة الفضولية، فتكون كسابقتها.

نعم، صورة واحدة لا تقع فيها، وهي أن يقال: بأن المعاطاة خلاف القاعدة، والبيع أصلاً لا تأثير له، ولكن قام الإجماع على إباحة التصرّف، فالإجماع قائم على الإباحة دون ترتّب الأثر، فالفضولي غير صحيح.

هذا تمام كلامنا في هذا المطلب(2)

ــــــــــ[282]ــــــــــ

() أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 147، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه.

(2) ويقع الكلام في الكشف والنقل بعد العطلة الصيفية إن شاء الله تعالى. (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

الفهرس 

 

[الشرط الرابع: الملكية] 11

[في بيان المائز بين العقد والإيقاع] 11

جريانه في العقود والإيقاعات 14

في تحقيق حال الأمر المشترك في العقود والإيقاعات 16

[في الفرق بين عقد الفضولي وغيره] 21

هل الفضولي على مقتضى القاعدة 22

مناقشة من يقول بالاستناد 33

[مقالة المحقق النائيني ونقدها] 35

[في موافقة العقد الفضولي للقواعد ومخالفته] 40

في عدم لزوم القبول 44

في جريان الفضولي في العقود والإيقاعات مطلقاً أو لا 46

كلام النائيني ومناقشته 46

[حول المراد من العقود الإذنية] 49

[صور البيع الفضولي في مسائل ثلاث] 51

[المسألة الأولى: بيع الفضولي للمالك مع عدم المنع] 52

ــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

في رواية عروة البارقي 52

بعض الإشكالات على الرواية 57

صحيحة محمد بن قيس 62

[كلام الشيخ الأعظم في المقام والتأمل فيه] 65

رواية نكاح العبد 67

[بيان المراد من الأولوية في المقام] 73

رواية العلا بن سيابة 76

في تقييم هذه الروايات الفضولي 80

رواية عن زرارة 81

روايات نكاح الصغير 84

[في المراد من الولي في الرواية] 87

[استنتاج واستدراك] 92

رواية في ميراث الأزواج 93

رواية يريد الكناسي 96

رواية المضاربة 100

[تلخيص وتحصيل] 108

[كلام بعض الأعلام في المقام ومناقشته] 110

روايات الاتجار بمال اليتيم 113

[حول طرف الجمع بين الروايات] 115

ــــــــــ[384]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [الطائفة الأولى] 116

[الطائفة الثانية] 118

[تنبيه] 120

[الطائفة الثالثة] 123

رواية ابن أشيم 127

[تحقيق الحال في الرواية] 133

[عدم دلالة موثقة الحلبي على الصحة في المقام] 137

الكلام في الاستدلال على بطلان البيع الفضولي 138

[الاستدلال بالكتاب على بطلان عقد الفضولي] 138

التحقيق في المقام 140

طريق آخر بلحاظ آية (التجارة عن تراضٍ) 143

[ظهور الاستثناء في الحصر وعدمه] 143

الروايات الدالة على بطلان الفضولي 150

رواية (نهى النبي عن بيع ما ليس عندك) 150

[الاحتمالات في معنى (عندك)] 153

لا بيع إلا فيما تملكه 156

[تحقيق الكلام في المقام] 158

[كلام الميرزا النائيني] 161

رواية القاسم بن الفضيل وغيرها 164

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

وجه عقلي للبطلان 171

[نقل الأقوال في المسألة ونقدها] 174

في قبض الفضولي لنفسه كالغاصب 177

[مناقشة كلام النائيني] 182

طرق حل الشبهة 183

[المائز بين القواعد القانونية والموارد الشخصية] 186

دليل عقلي مؤيّد بالسماع 189

دليل آخر على البطلان 193

[الاستدلال ببيان آخر على البطلان] 195

[دعوى عدم ترتب الأثر والجواب عنها] 197

[المسألة الثانية:] الفضولي مع نهي المالك 198

[التفصيل بين المسلك المشهور والمسلك المختار] 198

الروايات الدالة على الصحة 200

[حول دلالة صحيحة محمد بن قيس] 201

[المسألة الثالثة:] إذا باع الفضولي لنفسه 206

[تقرير الإشكال العقلي في المقام] 207

[جواب الشيخ عن الإشكال ونقده] 208

[جواب الميرزا النائيني ومناقشته] 211

[بيان المحقق الأصفهاني ونقضه] 212

ــــــــــ[286]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [ما قرره المحقق التستري في المقام والإيراد عليه] 214

[نقد مقالة الشيخ الأعظم] 215

[التأمل في بيان المحقق الأصفهاني] 216

في حل الإشكال العقلي 218

الإشكال العقلائي 223

[كلام الشيخ في المقام والنظر فيه] 228

كلام كاشف الغطاء 231

[الكلام حول أعتق عبدك عنّي] 232

إذا كان أعتق عبدك عني تمليكاً فضولياً 234

[الكلام حول سائر الأمثلة] 237

[الكلام حول تأثير الإجازة في المقام] 238

[كلام الشيخ كاشف الغطاء ومناقشته] 241

الإشكال الآخر للشيخ 243

في بيع الكليات فضولةً 247

[كلام حول حقيقة بيع الكلي] 250

[حول المائز بين الأعيان الشخصية والكليات] 255

مناقشة النائيني 258

[الأمر الأول: في الشراء لنفسه بما في ذمة الغير] 262

[ما اختاره المحقق النائيني في المقام والإيراد عليه] 265

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج6 

 [تحقيق حول الإطلاق] 267

في أنه يكون مالاً بالإضافة 269

[تلخيص وتحصيل] 272

[الأمر الثاني:] في الفضولي بالمعاطاة 274

[إشكال الميرزا النائيني والمناقشة فيه] 275

[إشكال الشيخ في المقام] 278

بناءً على إفادة المعاطاة الإباحة 281

الفهرس 283