أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (7)

كتاب البيع

الجزء السابع

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج7 (536ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1700/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1700) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

5-06-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء السابع  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 

الإجازة وشرائط المجيز والعقد

 

ويحتوي على:

  • الكلام في الإجازة
  • الكلام في شرائط المجيز
  • الكلام في شرائط العقد المجاز

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 




الكلام في الإجازة

 

  • [هل الإجازة كاشفة أو ناقلة؟]
  • الثمرة بين الكشف والنقل
  • الثمرة بين الكشف والنقل
  • التنبيهات

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 




الكلام في الإجازة

 

انتهى البحث إلى باب الإجازة.

[هل الإجازة كاشفة أو ناقلة؟]

 

هناك كلام(1) في الإجازة في أنها كاشفة أو ناقلة؟ 

ونحن أوّلاً لا بُدّ أن نرى أنه هل يوجد إشكال عقلي في باب النقل أو لا؟ فإن كان فيه إشكال عقلي ودلّت عليه الأدلّة فلا بُدّ أن نصرفها عنه، وكذلك الحال في الكشف أو في بعض أحكامه لو كان فيها إشكال عقلي.

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 399، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، وراجع الأقوال في المسألة في مفتاح الكرامة 12: 606، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، حكم بيع الفضولي، في أنَّ الإجازة كاشفة أو ناقلة، رياض المسائل 8: 227، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في البيع، شروط البيع، الأوّل: يشترط كمال العقل والاختيار وأن يكون البائع مالكاً، جامع الشتات (الميرزا القمي) 2: 279، كتاب التجارة، السؤال 168، المقام الثالث: اختلفوا في أنَّ الإجازة كاشفة أو ناقلة، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [إشكال فخر المحققين على القول بالنقل] 

قالوا: إن في باب النقل إشكالاً عقلياً، وهو الكلام الذي قاله فخر الدين(1)، وهو: أننا لو لم نقل بالكشف وقلنا بالنقل، يلزم منه تأثير المعدوم في النقل والانتقال، وحيث لا يمكن أن يكون المعدوم مؤثّراً لا يمكن القول بأن الإجازة ناقلة، والعقد لا أثر له، بل إما أن يعتبر العقد ناقلاً والإجازة شرطاً، أو هي جزء السبب وهو جزأه الآخر.

فإن كان العقد مؤثّراً والإجازة شرطاً فالمفروض أنه حين وجود العقد لم يحصل النقل، وعند الإجازة لم يكن العقد موجوداً، فيلزم تأثير المعدوم في الموجود، وأما إذا كان جزء السبب فكذلك، وهو أن يكون الجزء المعدوم مؤثّراً.

[جواب الميرزا النائيني على إشكال الفخر ونقده]

المرحوم النائيني(2) يتعرّض لهذا الإشكال ويجيب عنه جواباً لم أفهم ارتباطه بالسؤال.

فإنه بعد أن ينقل كلام الفخر يقول: إن مراده أن التفكيك بين المصدر وحاصله محال، ويقصد بحاصل المصدر الأثر المترتّب على العقد.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 419-420، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 236، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 ثُمّ يقول: إن المنُشَأ في نظر المنشئ لا يتخلّف عن الإنشاء، وإنما يتخلّف باعتبار العقلاء، ولا يكون له أثر؛ لأنهم يعتبرون رضاء المالك.

هذا هو كلّ كلامه.

لنا إشكال على أصل المطلب وهو: أن المنشئ يعتقد عدم تخلّف الإنشاء عن المنشأ. هل كلّ المنشئين يعانون صداعاً في رأسهم ولا يلتفتون إلى المعنى؟! الفضولي يعلم أن عمله غير مؤثّر ويحتاج إلى لحوق شيء به.

إذا كان مرادكم من المصدر وحاصل المصدر، المعنى الاصطلاحي وهو الإنشاء والمنشأ، فلم يتخلّف، فإن البيع الإنشائي موجود محقّق صادر عن الإنشاء، غاية الأمر أنه لا أثر له. 

فلا بُدَّ أن يكون مرادكم من اسم المصدر وحاصله الأثر، وهو لا يترتّب عليه.

نقول: كيف يمكن للفضولي الذي يعلم بعدم تأثير عقده بدون الإجازة، كيف نقول إنه في نظره مؤثّر؟

نعم، بالنسبة إلى من يعتبر كلّ مال تحت يده ملكه يمكن أن يوجد عنده هذا الوهم، وأما بالنسبة إلى غالب الناس الذين يعتقدون بعدم تأثير تصرفاتهم في أموال الناس، كيف نقول أن الأثر في نظر المنشئ دائماً موجود؟

وعلى فرض صحّة ذلك، فأيّ ربط بكلام فخر المحقّقين، فإننا لو سلّمنا أن الأثر مترتّب بنظر المنشئ لكنّه في الواقع غير مترتّب؛ لأن العقلاء لا يعتبرون وقوعه، فإشكال الفخر يرد أيضاً. ولا يكفي أن نقول: إن الأثر مترتّب في نظر المنشئ وغير مترتّب عند العقلاء، بل لا بُدّ من حلّ الإشكال العقلي.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والحلّ هو ما تكلّمنا به غير مرّة، وهو أننا لا نتكلّم عن أمور تكوينية خارج بناء العقلاء، بل لا بُدّ أن نرى أن الموجود الاعتباري أيّ مقدار هو؟ وما هو موضوع الأثر عندهم ما هو؟ وما هو متصرّم الوجود هو ألفاظ العقود.

وأما المعنى المنشأ بالإنشاء فله بقاء اعتباري في نظر العقلاء، ويكون موضوعاً اعتبارياً لا حقيقياً، حتى يقال: إن الأمر الحقيقي لا يكون موضوعاً للمعنى الاعتباري، ولو لم يكن المنشأ عند العقلاء مستمرّاً لَما كان معنى للفسخ عند العقلاء، وحيث نرى وجود الفسخ عندهم ونفوذه، وشرط الصرف عند الشارع، نعرف أن للبيع معنى إنشائياً باقياً.

وبهذا يرتفع إشكال لحوق الإجازة بالعقد، ويرتفع كذلك إشكال فخر الدين وهو تأثير المعدوم بالموجود.

ونقول له: إن مقصودكم إن كان هو الـتأثير التكويني، فنحن ننكره، وأنتم -بما لكم من التحقيق- لا تريدونه. وإن كان قصدكم ما هو موضوع حكم العقلاء، فما هو موضوع حكمهم ليس هو ألفاظ العقود، وإنما هو العقود الإنشائية الاعتبارية، وهو باقٍ في نظرهم.

ونحن في الأمور الاعتبارية ليس لنا أن ننظر إلى الأدلّة العقلية، بل لا بُدّ أن ننظر إلى سوق العقلاء، فنحن نرى أن الفضولي أمر عقلائي، ونرى أنهم يرون صحّته بلحوق الإجازة، وعلى تقدير أنك لم تستطع تتميمه، فنحن نرى أن العقلاء يرون الفسخ فسخاً للعقد بلا إشكال، وكذلك الإقالة، وهذا كلّه باعتبار البقاء الاعتباري في سوق العقلاء.

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الإشكال العقلي على القول بالكشف]

وفي باب الكشف قالوا(1): إن هناك إشكالاً عقلياً، قسماً منه فيه إشكال عقلي، وهو أن يقال: إن العقد الذي أوجدته أنت ثُمّ لحقت به الإجازة، فإنها كاشفة عن هذا المعنى، وهو أن العقد إلى الآن لم يؤثّر شيئاً، وقد بقي كلّ شيء على ملكيته الأولى. 

والإجازة قلبت أثره من الأوّل، سواء اعتبرته قسماً من الكشف الحقيقي أو من الكشف الحكمي.

هذا غير ممكن؛ لأن مقصودكم من أنَّ الانقلاب إن كان ملكاً حتى الآن، يصبح ليس ملكاً، فما كان يصبح ما لم يكن، هذا محال.

أو مقصودكم أنه كان مالكاً، وهذا لا يزول، وقد كانت الإجازة سبباً لملكية الشخص الآخر حقيقة، فيلزم اجتماع الملكيتين في البرهة المعيّنة بين العقد والإجازة، يعني يكون مستقلّاً بتمامه ملكاً لهذا ومستقلّاً ملكاً لذاك.

وهذا اعتبار محال لا يعمله العقلاء، فإنه من قبيل اعتبار المتناقضين. 

وإن قال السيد(2): إنه يمكن أن يكون للملك الواحد مالكين، ومثّل له بملكية الفقراء للزكاة، والسادة للخمس، والموقوف عليهم للوقف، وهي أمثلة لا ارتباط لها بالمقام. ولا بُدّ أن تعدّ المسألة من واضحات العقول، فإن 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 420، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 149، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الاستقلال بالملكية معناه أن هذا الشيء مضاف لي وغير مضاف إلى غيري.

وإن هذا المالك له تمام التصرّف، وله أن يمنع أي شخص آخر عن التصرّف فيه، وهذا المعنى لا يمكن أن يتحقّق لشخصين أو عشرة أشخاص.

[حول الكشف المحض]

يبقى الكشف، حيث قيل(1) إن المشهور قائل بالكشف، فهو أن نرى أن الكشف الحقيقي هل فيه إشكال عقلي؟ لكي نرفع اليد عن ظهور الأدلّة به، ونقول إنه يرجع إلى الأمر بترتيب الآثار، وإن كان ملكاً للآخر وهو أن الإجازة من الآن تكشف عن أن العقد مؤثّر من الأوّل، غاية الأمر أني لم أكن مطّلعاً على ذلك.

الإشكال العقلي على القول بالكشف

نحن في صدد هذا المعنى، وهو أنه إذا كانت هناك إشكالات عقلية على النقل أو الكشف، إذا استطعنا أن ندفعها فإننا نتمسّك بالأدلّة العامة، أو خصوص أدلّة الفضولي إذا كانت دالّة على الكشف أو على النقل.

وفي هذا النحو من المسائل إذا دلّ الدليل بعمومه على مطلب، بحيث لولا الدليل العقلي للزمنا الأخذ به، وإنما منع منه المحذور العقلي.

في مثل ذلك إذا حلّلنا الإشكال العقلي بأدقّ ما يمكن يتعيّن ذلك، وإنما 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) اُنظر: مفتاح الكرامة 12: 606، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، حكم بيع الفضولي، الإجازة كاشفة أو ناقلة، رياض المسائل 8: 227، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في البيع، شروط البيع، الشرط الأوّل، مستند الشيعة 14: 280، كتاب البيع، الفصل الثاني: في شرائط المتعاقدين، ومنها المالكيّة، الفرع الرابع، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول إنه في الأحكام الشرعية ليس المدار هو العقل، بل العرف.

هذا في مسائل الأخذ بالدليل، ولكن إذا كان الظهور العرفي تامّاً لكن لا يمكن أن نأخذ به لأن الدليل العقلي على خلافه. فبأدق وجه إذا استطعنا حلّه يتعيّن علينا ذلك(1)، ولا نرفع اليد عن الحجّة الشرعية. نعم، إذا لم يمكن حلّه لم يمكن الأخذ بالحجّة الشرعية ولا بُدّ من تأويله.

وأنا قلت لكم ذلك حتى إذا قلت في هذا الصدد أمراً خارج العرف والعقلاء، لا تشكلوا بأن الأحكام الشرعية مبتنية على ذلك، لا على التدقيق العقلي.

الإشكال العقلي الذي نرى أنه قابل للدفع أو لا، هو في بعض أقسام الكشف.

فإن شخصاً لو قال بالكشف المحض بحيث لم يرَ للإجازة أيّ تأثير سوى الكشف، وإنما كلّ التأثير للعقد الحاصل في ظرفه، لا يأتي عليه إشكال عقلي من الشرط المتأخّر وغيره، ولكنّي لا أظنّ أن أحداً قال به.

[نقل الأقوال في المسألة]

وأما ما قاله الأصفهاني(2) من أنَّ هذا يظهر من المحقّق الثاني(3)، وصاحب 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

() ولو بأسلوب خارج عن العرف والعادة صح. (المقرِّر).

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 131، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: أن يكون بائعاً أو مأذوناً، في أنَّ الإجازة كاشفةٌ أو ناقلة.

(3) أُنظر: جامع المقاصد 4: 74، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 (الجواهر) (1)، فإن المحقّق قال: بأنَّنا لا نريد شيئاً يتحقّق بعد العقد، فالإجازة كاشفة محضة.

وصاحب (الجواهر) قال: إن العلل الشرعية معرّفات، وكتاب المحقّق لم يكن عندي، ولكن رأيت (الجواهر) وهو حتماً اعتمد على حفظه، ولم يرجع إلى (الجواهر)، وإلّا لم يقل ذلك.

يقول الشيخ محمد حسين: إن صاحب (الجواهر) قال: إن علل الشرع معرّفات، ومقصوده الأشخاص القائلين بأن الإجازة لا دخل لها أصلاً، وأنها كاشف محض، والتأثير التامّ للعقد. وأشكل عليه وعلى المحقّق الثاني أن هذا مخالف للإجماع.

وصاحب (الجواهر) يتكلّم نصف صفحة، ويقول صريحاً(2): إن الإجازة شرط، غاية الأمر أن الشرائط الشرعية ليست كالعقلية، فيمكن تقديمها وتأخيرها، ولم يقل إنها معرفات، بل يقول: إن العلل الشرعية كالعلل العقلية، إذا لم يرد شيء من الشارع فلا بُدّ من الأخذ بها، وأما إذا ورد شيء منه فلا نقول إنها كالعقلية، وإن تقدّمها وتأخّرها مستحيل.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) أُنظر: جامع المقاصد 4: 74، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) أُنظر: جواهر الكلام 22: 286، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ثُمّ يقول(1): بعض الأشخاص قال: بأنَّ الإجازة تكشف لنا علماً عن تأثير العقد، وإلّا فالعقد مؤثّر في ظرفه، وهو الذي نسبه الشيخ محمد حسين إلى صاحب (الجواهر).

ويقول صاحب (الجواهر): إنه إن رجع إلى ما قلناه، فهو. وإلّا فهو ظاهر الفساد، كيف والأدّلة دالّة على لزوم رضاء المالك؟

وأنا مطمئن بأن المحقّق الثاني(2) أيضاً لم يقل ذلك؛ إذ كيف يقال إنَّ المؤثّر هو العقد وحده، ومعه لا معنى للكشف أصلاً؟! نعم، لو قال شخص ذلك لا يرد عليه إشكال عقلي.

وإنما يأتي الإشكال العقلي على الكشف بهذا المعنى، وهو: أن الإجازة المتأخّرة لها نحو تأثير ودخالة وشرطية في تأثير العقد للنقل من أوّل الأمر، وهو المنسوب إلى المشهور على ما في (الجواهر)(3)، وهو مختاره أيضاً: أن الإجازة شرط متأخّر لتأثير العقد في محلّه، وحيث كانت الإجازة من الأوّل حاصلة بنحو الشرط المتأخّر، فالنقل والانتقال من الأوّل حاصل.

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 131، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

(2) أُنظر: جامع المقاصد 4: 74، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(3) أُنظر: جواهر الكلام 22: 285، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

القائلون بالكشف الحقيقي بهذا المعنى: منهم من يقول بإمكان الشرط المتأخّر، ومنهم من يرجعه إلى الشرط المقارن.

[كلام حول الشرط المتأخر]

الكلام فعلاً مع من يرى جواز الشرط المتأخّر، ومن هؤلاء الذين يرون صريحاً جواز الشرط المتأخّر في التشريع والتكوين معاً الشيخ أغا ضياء الدين العراقي.

[تقرير المحقق العراقي والنظر فيه]

يقول(1): إن ما هو المؤثّر في العلل التكوينية وفي باب التشريع ليس عبارة عن نفس الطبيعة، بل ما هو المؤثّر هو حصّة من الطبيعة، فما هو العلّة للإحراق ليس هو طبيعي النار، بل هو حصّة من النار هي التي تكون فيها خصوصية كالمماسّة وقابلية احتراق ما وضع فيها، وهي بواسطة هذه الخصوصية تكون مؤثّرة.

 ثُمّ يقول: إن المحصّل لهذه الحصّة الحاصلة على خصوصية بها تكون مؤثّرة، هو عبارة عن الأمر الذي له إضافة إليها، وبواسطة هذه الإضافة قد تحصل الحصّة ذات الأثر.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية الأفكار 1-2: 279-282، المقصد الأوّل: في الأوامر، البحث الرابع: في مقدّمة الواجب، تقسيم المقدّمة إلى المقتضي والشرط والمانع، دفع إشكال الشرط المتأخّر، بدائع الأفكار 1: 319-321، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثالث: في مقدّمة الواجب، تذييل: في الشرط المتأخّر، ومنهاج الأُصول 1: 286، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الشرط المتأخّر.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يقول: وهذه الإضافة عبارة عن نسبة قائمة بين هذه الطبيعة وأمر آخر، وما يكون مؤثّراً هو الطبيعة المضافة، وأما ذاك الذي هو طرف الإضافة فلا يكون مؤثّراً، وما كان شأنه كذلك، يعني: تحصل الحصّة بالإضافة، لا يفرق فيه بين أن تجعل الإضافة إلى المتقدّم أو إلى المقارن أو المتأخّر. هذا في التكوين.

وكذلك الحال في التشريع، فإن الماهيّة المأمور بها إذا كانت حصّة منها دخيلة في غرض المولى، بحيث لا بُدّ أن يتعلّق بها الأمر، وهذه الطبيعة تتقيّد بالعناوين الدخيلة في الغرض، وهذا القيد لا يفرّق فيه بين أن يكون متقدّماً أو متأخّراً أو مقارناً، وهذا أيضاً لا يفرّق فيه بين شرائط التكليف وشرائط الوضع الذي هو محلّ كلامنا.

إذن، فلا مانع من تقدّم الشرط وتأخّره ومقارنته، بلا فرق بين التكوين والتشريع وبين التكليف والوضع، هذا محصّل كلامه.

نقول له: أما في باب التكوين فهو وإن لم يكن لنا حقّ البحث فيه؛ لأنه خارج عن صددنا واختصاصنا، إلّا أن قضيّة الحصّة الحاصلة بالإضافات الاعتبارية الخيالية لا يمكن أن تكون منشأ للتأثير التكويني، وهو خلاف الضرورة، بل نحو وجود النار هو الذي يقتضي الإحراق، وليس لهذا النحو من الوجود أيّ دخل للإضافة فيه.

وعلى تقدير أننا سلّمنا أن المؤثّر هو الحصّة الخاصّة من النار المتقيّدة بالإضافة، فهذا إذا سلّمناه في الشرط المقارن لا يصحّ في الشرط المتقدّم والمتأخّر.

فقولك: لا فرق بين الشرط المقارن وغيره غير صحيح؛ لأنك قلت: إنَّ الحصّة هي الخصوصية التي تحصل في النار بنسبة الطبيعة إلى أمر متقدّم أو 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

متأخّر، فعندنا نسبة طرفها النار وطرف آخر حتى تحصل النسبة، فعندنا طرفان وعندنا نسبة حاصلة بينهما.

وفي باب المقارن أنت تتصوّر هذا المعنى إذ يمكن أن تكون هناك إضافة فعلية بين طرفين فعليين.

وأما إذا كان أحدهما متقدّماً أو متأخّراً، فلا شكّ أنه معدوم، والنسبة إنما تصحّ حينما يصدق قولنا بنحو القضيّة الموجبة: أن هذا مضاف إلى هذا، والموجبة بمنزلة القضيّة الفرعية، فإنها فرع موضوعها.

والحمل على المعدوم -يعني واقعه ومرحلة ثبوته- محال؛ إذ يستحيل أن يكون شيء ثبوتي ثابتاً للمعدوم، فإجازة الفضولي محال أن تقع طرف الإضافة بالنسبة إلى العقد، فإنك تقول: إن العقد المطلق ليس موضوعاً للوفاء، بل العقد المضاف إلى الإجازة، على حين أن العقد مضاف إلى الإجازة المعدومة.

فهذا اليوم ليس متقدّماً على الغد بنحو الإضافة؛ لأن انتزاع مفهوم المتقدّم والمتأخّر إنما يكون مع وجود الطرفين، ويستحيل أن يكون المتقدّم موجوداً والمتأخّر غير موجود. 

ولذا لم يكن يصدق مفهوم المبدأ والخالق على الله تعالى في الأزل، وإنما يصدق عليه عند بدأ الخلق، وهما (مع)(1) بعضهما البعض وليس بينهما تقدّم وتأخّر حتى الرتبي.

فقوله: لا فرق بين الشرط المقارن وغيره. نقول: الفرق بينهما أن المقارن 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() يعني: المتضايفين. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

طرف الإضافة موجود، وأما في غيره فمعدوم، فالإضافة وإن سلّمنا أنها تحصّل الحصّة إلّا أن الإضافة إلى المعدوم غير ممكنة.

قد يقال: إن هذا الكلام الذي قالوه من أنَّ الإضافة إلى المعدوم محال، ولازمه ثبوت شيء له، ولا بُدّ أن يكون هو ثابتاً فيلزم اجتماع النقيضين، هذا إنما هو في الإضافات الحقيقية. 

أما إذا كانت الإضافة اعتبارية فلا مانع، فنقول بالتفصيل بين هذين، فلو لم يتمّ المطلب في التكوين، فإنه يتمّ في التشريع، فيكون الشرط المتأخّر في البيع ونحوه ممكن ويكون الارتباط والإضافة إلى الإجازة من الآن واقعاً.

لكنّ المسألة خطأ؛ لأن الإضافة الاعتبارية وإن لم تكن إضافة مقولية لها واقع خارج عالم الاعتبار، ولكنّها لا تخرج عن الاعتبار فهي إضافة اعتبارية، فلا بُدّ أن نتصوّر المعدوم ونجعله طرفاً للإضافة، فإن كان طرفها هو الوجود التقديري التصوّري فهو ليس معدوماً. 

وإن قلت إنَّها إضافة إلى واقع الإجازة، فهو يلازم الإضافة إلى المعدوم وجعله مضافاً إليه، وهو محال.

نعم، يمكن اعتباره موجوداً، ولكن هذا الاعتبار لا يحقّق الشيء بنفسه، فإن ما هو شرط في صحّة البيع هو إجازة المالك بواقعها. 

فإذا قلت: أنا اعتبر الإجازة وأضيفها، فهذا الاعتبار فعلك وليس فعل المالك، وما هو شرط في صحّة البيع هو إجازة المالك الواقعية.

إذن فلا فرق بين الإضافة الاعتبارية والإضافة المقولية من هذه الجهة، وما قاله الشيخ آغا ضياء لا يتمّ.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [محاولات التخلص من القول بالشرط المتأخر]

الآخرون يريدون أن يتخلّصوا من الشرط المتأخّر، حتى الآخوند(1) الذي نسب إليه الشيخ محمد حسين(2) أنه يقول بالشرط المتأخّر لا يقول به، بل يريد إرجاعه إلى الشرط المقارن على ما سنقول.

هؤلاء الناس الذين يقولون باستحالة الشرط المتأخّر ويرجعونه إلى المقارن، كلّ من كان لازم قوله دخالة الأمر المعدوم في الموجود كلامه ليس صحيحاً عقلاً، حتى تأتي إلى العرف.

[تقريب صاحب الفصول]

سواء كان هو صاحب (الفصول)(3) الذي يقول: إن الشرط هو عنوان التعقّب؛ إذ يلزم منه أيضاً نفس اللازم الفاسد الذي يترتّب على الإضافة إلى المعدوم؛ لأن عنوان التعقّب لا يمكن أن يكون بالفعل صادقاً على هذا ما لم يكن ذاك الطرف ثابتاً، ومادام معدوماً يستحيل انتزاع أيّ عنوان منه.

فإن التعقّب أمر إضافي ولا يمكن انتزاعه من طرف ولا ينتزع من الطرف 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 93، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، تحقيق الشرط المتأخّر.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 133، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: أن يكون البائع مالكاً أو مأذوناً، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

(3) اُنظر: الفصول الغرويّة: 80، المقالة الأُولى، القول في الأمر، تمهيد مقالٍ لتوضيح حالٍ.

(4) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 59-60، الكلام في شروط المتعاقدين،

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الآخر، وأما إذا انتزعته مع حفظ المعنى الإضافي فهذا مستحيل عند عدم وجود الطرف الآخر.

[توجيه الميرزا النائيني]

ومن هنا يظهر ما في المطلب الذي في كلام النائيني، إذ يقول: إن الانتزاع يكون من هذا الطرف وهو موجود، وليس بلازم أن يكون الطرف الآخر موجوداً، وكأنه غفل أو المقرّر غفل عن معنى المتضايفيين، إذ لا يمكن أن يكون أحد المتضايفيين موجوداً ولا يكون المضايف الآخر موجوداً، يستحيل انتزاع (الأبوّة) من دون وجود الابن، ولا (البنوّة) من دون وجود الأب؛ لأن (الأبوّة) هي أبوّة الابن والبنوّة هي بنوّة الأب، وتعقّل كلٍّ منهما مستلزم لتعقّل الآخر، وتحقّق كلٍّ منهما مستلزم لتحقّق الآخر.

وبوجه آخر: أن منشأ انتزاع عنوان إذا كان هو ذات الشيء بما هو ذاته، أو وصف ذاتي غير ذي إضافة بما هو وصف ذاتي، فإنه يمكن انتزاع العنوان، كانتزاع الإنسانية والوجودية من ذات الشيء، أو الحياة من الأوصاف غير ذات الإضافة، وأخرى يكون وصفاً إضافياً كالعلم فإنه يستحيل انتزاعه من طرف واحد، يستحيل انتزاع العالم الفعلي من دون معلوم.

كلام الآخوند ومناقشته

المرحوم الآخوند يقول(1) -ونحن ننقل ما هو المربوط بمحلّ كلامنا-: 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 59-60، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إن الذين توهّموا تقدّم الشرط أو تأخّره عن المشروط، إنما هو في موردين، كِليهما ليس من الموارد التكوينية:

 أحدهما: باب الاعتباريات والانتزاعيات، وهي لا تحقّق لها إلّا بمنشأ انتزاعها، ولا يكون من قبيل محمول بالضميمة لها خارج، وإنما الخارج هو مناشئ انتزاعها، ومنها بيع الفضولي.

ثانيها: عبارة عن الأفعال الاختيارية الصادرة من الإنسان؛ إذ قد يتوهّم أن ماله دخل فيها يكون متقدّماً أو متأخّراً.

ولكن في شيء من هذين الموردين لا تنثلم القاعدة العقلية من استحالة تقدّم الشرط على المشروط، فهو يريد أن يقول: إنه ليس شرطاً متأخّراً، لا أن الشرط المتأخّر موجود وممكن كما نسب إليه تلميذه الأصفهاني.

[تقرير المحقق الأصفهاني والتأمل فيه]

يقول(1): أما في باب الاعتبارات والاختراعات التقنينية، ليست الواقعيات هي منشأ الاعتبار، بل الوجود اللّحاظي لها هو منشأ الاعتبار، فالوجود اللّحاظي للعقد هو منشأ الاعتبار، ولا دخل للوجود الواقعي في اعتبار المعتبر. فإذا كان الأمر كذلك، فكما يمكن لحاظ الأمر المقارن يمكن لحاظ الأمر المتقدّم والمتأخّر، فإن منشأ الأثر هو الوجود اللّحاظي لها، وهو مقارن دائماً.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب 2: 133، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما في الأفعال الاختيارية، فهو غير مربوط ببحثنا، ولعلّ ما يقوله فيها صحيح(1)

نقول: إن منشأ الانتزاع والاختراع هل له دخل في الانتزاع والاختراع، أو أن انتزاع أيّ شيء يصحّ من أي شيء؟ فإننا نريد أن نلحظ الإجازة ونقول: إن العقد بها صحيح نافذ، فهل يمكن أن تلحظ الإجازة وتتمّم بها العقد، أو أن الواقع والملحوظ بالعرض له دخل في ذلك، ولو كان الاعتبار يحصل بكل منشأ، فلماذا لحظت الإجازة في مقام تتميم العقد؟ هلّا لحظت أمراً آخر! وفي الحقيقة أنك حين تلحظ الإجازة ترى فيه الوجود الواقعي لها، وأنه هو المؤثّر، فليس انتزاعك واختراعك بدعياً؛ ولذا لا يحصل انتزاع كلّ شيء من كلّ شيء، وإنما يحصل الانتزاع من أمر ذي خصوصية، والأمور الخارجية وإن لم أنلها إلّا بالعناوين، ولكن ليس بنحو أن الأمور الخارجية أجنبية عن الموضوع ويكون كلّ الدخل للّحاظ مستقلّاً، وإنما نحن حيثما نتصوّر المفهوم نرى أنه كاشف عن الواقع، غايته بالعرض، وغافلين عن نفس المفهوم بما هو مفهوم، فمنشأ الانتزاع لا بُدّ له من خصوصية بها يكون منشأ للانتزاع دون غيره.

فإذا كان الأمر كذلك، نتكلّم أن منشأ انتزاع الإضافة، هل هي الإجازة قبل وجودها أو بعد وجودها؟ أما أن العدم له دخل في العقد فهذا ما لا تقولون به. وأما أن الإجازة في حال وجودها لها دخل فيه، إذن فقبل الوجود 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

() وحاصل ما ذكره السيد هو أن المنشأ للأفعال الاختيارية ليس هو الواقع، وإنما هو تصوّر الواقع ولحاظه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ليست منشأ للانتزاع فلا يمكن أن أتصوّرها واعتبر دخالتها في العقد، بحيث يرتّب العقلاء بلحاظها حكمهم بصحّة العقد.

أو تقول إن الوجود البعدي منشأ للأثر، فالغرض إن الإجازة بقيد كونها موجودة منشأ للأثر، وأنت تريد جعلها مبدأ للأثر حال عدمها؛ لأنك تقول: (هذا مالك فعلاً)، لأن الإجازة سوف تتحقّق، فيكون هذا من قبيل ما إذا اعتبرت الزوجية هذا اليوم بين اثنين بلحاظ أن العقد يحدث غداً.

إذن فهذا لا يمكن أن يكون منشأ للاعتبار، مع قبول تمام مقدّماتك، ويلحق بذلك كلام الشيخ محمد حسين رضوان الله عليه.

[بسط الكلام وتحقيق المقال]

نريد أن نحقّق هذا المعنى، وهو أنه سواء في شرائط المأمور به أو إجازة الفضولي، إذا دلّ دليل على أن الإجازة تدلّ على نحو الكشف على صحّة العقد من حين وقوعه، أو دلّ الدليل على صحّة صوم المستحاضة إذا اغتسلت ليلاً بعد الصوم، ولا يجوز أن نخلط بين قيود المركّب وأجزائه.

فموضوع البحث هو صوم المستحاضة الذي أفتى به بعضهم(1)، وأنه صحيح واقعي فعلي بشرط أن تأتي بالغسل بالليل بعد الإفطار، فبحسب الدليل -أي ظاهر الدليل- أنه اشترط شيئاً غير حاصل فعلاً في الصحّة الفعلية لذلك الصوم، والمقصود هو الصحّة الفعلية لا التأهّلية. وكذلك في باب 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 285-286، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإجازة، من يقول بأنَّها شرط متأخّر يقول بصحّة العقد الآن فعلاً، ويحصل منه النقل والانتقال فعلاً، غايته أنه مشروط بالإجازة المتأخّرة المعدومة فعلاً، فالمقصود بها الصحّة الفعلية لا الصحّة المراعاة، وإلّا فهو موجود حتى على النقل، فهذا الذي هو صحيح بالفعل مشروط بأيّ شيء، هل هو مشروط بالمعدوم، أو بعنوان التعقّب ونحوه؟!

ونحن إذ نتعرّض لذلك لا نريد حلّ المسألة على فهم العقلاء، بل بعد فرض وقوعها في الشرع كصوم المستحاضة بناءً على صحّته الفعلية، والإجازة بناءً على الكشف الحقيقي مشروطاً بالإجازة المتأخّرة، وبأيّ نحو حلّلنا الإشكال العقلي نأخذ بالظواهر الشرعية.

ولذا لنا طريق عقلي في المسألة نقول: إن المتدرّجات بالذات كالزمان والحركة –إذا لم تكن زمانية- نحو وجودهم ممتدّ وتصرّمي، والأجزاء المتوهّمة لهذا الموجود التصرّمي قطعات متقدّمة ومتأخّرة بحسب الواقع، لا بحسب مفهوم المتقدّم والمتأخّر ليقال: إن المتضايفين متساوقان قوّةً وفعلاً، ويستحيل انتزاع المتقدّم إلّا مع وجود المتأخر، فإن ذلك إنما هو في مفاهيم التقدّم والتأخّر، وأما واقع التقدّم فليس من المفاهيم ولا من المتضايفين، فاليوم بالواقع مقدّم على الغد، ومسير الإنسان لا يمكن أن تتقوّم أجزاؤه بعضه على البعض بمفهوم التقدّم والتأخّر، لعدم أحدهما عند وجود الآخر؛ ولكنّ التقدّم والتأخّر الذاتي متحقّق، الزمان كذلك والحركة أيضاً كذلك.

والزمانيات سواء كانت وقائع أو غيرها، لها نحو اتّحاد على التحقيق مع 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الزمان، فكما أنَّ الزمان أمر ممتدّ له تقدّم وتأخّر في الواقع لا بالمفهوم، وكذلك العلّة والمعلول، تتقدّم العلّة بواقع التقدّم لا بالمفهوم. كذلك الزمانيات لها بتبع الزمان تقدّم وتأخّر ذاتي غير التقدّم الإضافي، فلو لاحظت الزمان من الخارج وجدت أن الزمان له هذا الخاصية؛ لأنه متدرّج الوجود، ولو جُمعت أجزاءه معاً يسقط عن الحركة وعن الزمانية، وهذا أمر ثابت سواء كانت هناك مفاهيم في العالم أو لم تكن، ولا ربط له بباب الإضافات فهو متحقّق سواء كانت هناك مفاهيم إضافية أو لم تكن.

بناءً على هذا، فأيّ مانع من أن نحل القضيّة هكذا: أن صوم المستحاضة مرّة يقع الغسل في الزمان البعد ومرّة لا يقع، إذا وقع هذا الحادث الزماني بَعداً، فهذا الحادث الذي قبله -بتبع الزمان- له تقدّم واقعي عليه، وإذا لم يقع فالصوم متقدّم على سائر حوادث الزمان، إلّا أن الغسل لا وجود له حتى يتقدّم عليه فإن التقدّم متوقّف على وجود المتقدّم.

إذن فالصوم المتقيّد بواقع التقدّم المأمور به، وإنما يحصل هذا فيما إذا وجد ذاك في وقته، وحينئذٍ يحصل للصوم تقدّم بالذات عليه، وليس مفهوماً إضافياً ليقال: إنَّ الطرفين لا بُدّ أن يكونا معاً حتى يصحّ التضايف، فإن كونهما (معاً) ينافي التقدّم والتأخر الواقعي، مع أن التقدّم الإضافي متقوّم به.

وليس هذا الغسل شرطاً في صحّة الصوم من قبيل الشرائط الأخرى، بل بمعنى أن الصوم لا يقع في حينه متقيّداً بالقيد، بل إنَّها إذا اغتسلت كان للصوم واقع التقدّم وإلّا فلا، فإذا أرادت المستحاضة أن يصحّ صومها فلا بُدّ أن تأتي 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالغسل ليوجد للصوم قيده، وهو التقدّم الواقعي على الغسل.

ويقال: نفس المطلب بالنسبة للإجازة، إن هذا العقد الواقع في عمود الزمان غير خارج عن أحد أمرين: إما أن توجد الإجازة بعده أو لا تقع، إذا لم تقع لا يكون للعقد تقدّم على الإجازة؛ فلا يقع صحيحاً، وإلّا لم يكن له تقدّم عليه. هذا من طريق العقل.

ومن باب العرف يمكن أن نقول: إن موضوع حكمه هو الأمر المسامحي، وإن كان في نظر العقل غلطاً، فمثلاً ما هو النجس؟ هو ما هو الدم عرفاً لا ما هو الدم عقلاً، والشارع يتكلّم بصفته عرفياً.

وعليه فيصحّ كلام صاحب (الفصول) وغيره عرفاً، وإن لم يكن عقلاً صحيحاً، فإن العرف يقول: (إن هذا اليوم متقدّم على الغد)، ويقولون: (هذا اليوم أوّل الشهر)، مع أنه لا يمكن أن يكون أوّلٌ مفهوماً وإن كان أوّل واقعاً.

إن الصوم(1) ليس مراعى، بل علمك مراعى؛ لأنك لا تعلم أنه متعقّب واقعاً أو لا. بل الواقع لا يخلو من أحد أمرين: إما موجود أو غير موجود، فهو إما واقعاً صحيح أو واقعاً باطل، ولو كنت عالماً بالغيب لما كان حالك خارجاً عن أحد الأمرين.

الشيخ محمد حسين لولا القيود التي ذكرها في كلامه لكان وجهه صحيحاً، ولكنّه وضع عليه قيوداً فيها إشكال. فإنه بعد أن ذكر أن الإجازة لها دخل باعتبار العقلاء لا دخالة اقتضائية ولا دخالة شرعية. 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() وهنا قال فيما قال جواباً على سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ثُمّ يقول: يمكن أن نقول: إن ما هو راجع إلى المالكية والمملوكية ما لها دخل عقلائي فيها هو العناوين الفانية في المعنونات. فكما يمكن أن يكون المعدوم مالكاً ويكون مملوكاً، كذلك المعدوم الذي يوجد في محلّه يكون مالكاً والشارع يمضي إمضاءه ذاك، وتأخّر الإمضاء عن الممضى تأخّر بالطبع لا تأخّر بالزمان، حتى لا يقال إنَّه لم يأتِ وفيه مصلحة تشريعية، وهو منع الآخرين من التصرّف فعلاً فيه.

ولو كان قال كلمة واحدة من دون قيد، وهي:

أن العقد الذي سيلحقه الإمضاء جعله الشارع موضوعاً للأثر، فيأخذ عنوان (سيكون) لا ما هو ما موجود فعلاً؛ ليكون مضافاً إلى شيء آخر، فالعقد إما سيلحقه الإجازة أو لا، والشارع جعل حكمه على قسم منه، وهو ما سيلحقه الإجازة.

ولكنه ضمّ عدّة مطالب إلى كلامه(1):

أحدها: أن المعدوم يكون مالكاً ويكون مملوكاً، ولا بُدّ أن نظره إلى بيع الثمار في السنة الآتية، والى الوقت بالنسبة إلى البطون اللاحقة. إلّا أن هذه ليست مسألة غامضة، فإنه وإن ورد الدليل بجواز بيع الثمرة، إلّا أن البيع ليس على نفس الثمرة المعدومة، بل البيع وارد على العنوان، ويوجد مصداقه بعد ذلك. 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 135، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وكذلك الوقف وارد على العناوين، لا أن الواقف يشير إلى المعدوم ويجعله مالكاً، والعناوين تصدق حين وجود كلّ بطن على حدة؛ لذا المالك فعلاً ليس هو كلّ البطون، بل الطبقة الموجودة وكلّ بطن تملك في زمن وجودها. 

وفي باب الثمار لا مناص من القول بذلك أيضاً، ولذا فالثمرة بأيّ نحو وجدت تصبح مصداقاً لذلك العنوان، والعرف أيضاً يوافق على عدم ملكية المعدوم، وجعله مالكاً أو مملوكاً.

وأما ما يقوله من أنَّ الإمضاء الشرعي إمضاء لإمضاء المالك، وله تأخّر طبعي عنه. نسأل: إن إمضاء الشارع متأخّر طبعاً عن أيّ شيء، هل هو متأخّر عن إمضاء المالك؟ فالمفروض أنه غير موجود، والتأخّر الطبعي مشترط أيضاً بوجود الطرفين.

نعم، التأخّر الواقعي لا إضافة فيه، فيمكن للشارع أن يمضي ما سيمضيه المالك.

[هل الأدلة تقتضي الكشف أو النقل] 

وعلى أيّ حال، الإشكال العقلي في بعض أقسام الكشف والنقل غير موجود، فلا بُدّ أن ننظر إلى الأدلّة لنرى أنها تقتضي الكشف أو النقل، وإن أيّاً من أقسامهما تقتضي. وفي المسألة آراء كثيرة كلّ شخص قال شيئاً.

بعد أن لم يكن في مقام الثبوت إشكال عقلي، فإذا اقتضت القواعد الكشف أو النقل، فإنها لا تقتضي أمراً محالاً، أو إذا دلّت الروايات الخاصّة عليه نأخذ بها، ولا نستطيع أن نردّها بدعوى استلزامها المحذور العقلي.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بناءً عليه، يقع الكلام في مقامين لا ينبغي الخلط بينهما:

أحدهما: راجع إلى اقتضاء القواعد العامة كـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (2) و أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ (3)، للكشف أو للنقل.

المقام الثاني: راجع إلى الروايات الخاصّة وإن اقتضاءها هل يختلف عن العمومات لنعمل بها، أو موافق معها؟ بناءً عليه فنحن ما دمنا في مقام اقتضاء القواعد، لا ينبغي أن نتعرّض لدلالة الرواية الخاصّة.

[المقام الأول: مقتضى القواعد العامة]

ونحن قبل اختيار مطلبٍ، لا بُدّ أن نرى أن القائلين بالكشف وأنه مقتضى القاعدة من هم، وماذا يقولون؟ 

قول الميرزا الرشتي ومناقشته

منهم: الميرزا الرشتي يقول(4): إن الكشف موافق للقواعد. ويقول: إنه تؤيّده الروايات الخاصّة.

ومحصّل كلامه: أننا سبق أن قلنا إن ما هو معتبر في المعاملات والعقود إنما 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

(2) النساء: 29.

(3) البقرة: 275.

(4) أُنظر: كتاب الإجازة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني، الشرط الثالث، القول في الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث، المسألة الأُولى، الدليل الثامن.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هو الرضا التقديري (هذه كبرى المسألة)، والصغرى: إن الإجازة كاشفة جدّاً عن الرضا التقديري مقارناً للعقد، فإذا انكشف الرضا التقديري بالإجازة فإنه يكفي في صحّة المعاملة.

يقول: والرضا التقديري لا ينافي الردّ أيضاً، فتصحّ الإجازة بعد الردّ أيضاً؛ لأن معنى الرضا التقديري هو أنني لو أطلعت على الواقعيات لأجزت هذا العقد، ولكن حيث إنَّني غير مطلع عليها ولا زالت خفية عليّ، وأتخيّل وقوع المعاملة على خلاف المصلحة، فمن هذه الناحية رددت المعاملة، وهذا لا ينافي وجود الرضا التقديري مع الكراهة الفعلية. فإنها تنافي الرضا الفعلي دون التقديري.

 ثُمّ يقول: لا يرد على ما ذكرناه شيء من الإشكالات، إلّا عدّة أمور:

أحدها: أن ما قلته خلاف ظواهر الأصحاب، فإنهم قائلون بالرضا الفعلي لا التقديري.

ثانيها: أنه بناءً على هذا تكفي الإجازة حتى مع الردّ، وهذا لا يمكن الالتزام به.

ثالثها: أنه خلاف ظواهر الأدلّة، فإن أخذ الرضا ظاهر بالفعلي دون التقديري.

رابعها: أنه بناءً عليه لو كنت عالماً بتعقّب الإجازة لجاز لي التصرّف.

يقول: أما كونه مخالفاً لكلمات الفقهاء:

فأولاً: ممنوع. وثانياً: فليكن، وليس في المقام إجماع منافٍ له.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما صحّة الإجازة مع الردّ فيقول: إن لنا جواباً نقضياً وجواباً حلّياً.

أما النقض: فإنك إذا اعتبرت الرضا الفعلي فلا بُدّ أن تقول: إن الردّ لا يمنع؛ لعموم الأدلّة الخاصّة الدالّة على أن العقد يقع صحيحاً حتّى مع الرد.

وأما الحلّ: فإن الردّ يكون سبباً لانقطاع العقد عن الإنسان بكون الرضا رضا ابتدائياً لا رضاء ملحوقاً بالعقد، ونحن نريد الرضا الملحوق للعقد.

ثُمّ يقول: فتأمّل وسنذكر وجهه.

وأما ما قلته من أنَّه خلاف ظواهر الأدلّة فليس كذلك، فإنه أيّ فرق بين تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(1) وبين “لا يحل مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسٍ منه“، فقد قلتم بكفاية (الطيب) مع وجوده التقديري، بحيث لو كان مطلعاً على المصالح الواقعية لطابت نفسه، ففي تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ أيضاً كذلك. ثُمّ يشرع بالأدلّة الخاصّة ودلالتها.

ولا يذكر الوجه الرابع، إما لكونه اتّضح الجواب عليه مما تقدّم، وإما لكونه اتّضح من مناقشة الوجه الثالث عدم جواز التصرّف.

[نقد مقالة المحقق الرشتي]

نقول: مدّعاه مركّب من صغرى وكبرى، الصغرى: (أن كلّ إجازة كاشفة عن الرضا التقديري)، والكبرى: (أن الرضا التقديري كافٍ). وينتج: (أن الإجازة كافية في صحّة العقد).

ــــــــــ[38]ــــــــــ

(1) النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ونحن لنا كلام في الصغرى، وكلام في الكبرى، وكلام في أن الناتج منهما ما هو وكيف يكون.

أما الصغرى: وهي (أن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري). فنقول: إن أصل كاشفية الإخبارات والإنشاءات كلّيةً عن معنى: إما لأن ذلك المعنى هو مفادها كالقضية الإخبارية، مثل دلالة (جاء زيد) على مجيء زيد. وإما لأنها مشتملة على مبادئ تتضمّن المعنى الذي نريده، مثلاً حين أوقع عقداً أو طلاقاً -باعتبار مصالحي لا باعتبار الإكراه- فالعقد يكون كاشفاً عن كونه راضياً بتحقّق مضمونه، فالمطلب الذي نكشفه مأخوذ في مبادئ العقد، فيكون ذو المبدأ كاشفاً عن مبدئه نظير كشف المعلول عن العلّة.

فالذي يقوله من أنَّ الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري، لا يخلو من أحد حالين: إما أن مفاد (أجزت): أنني راضٍ بذلك لا سبيل إلى ذلك، ولا يمكن أن نقول: إن الإنشاء متضمّن لقضيّة إخبارية حاصلها: أنني راضٍ إذا كنت مدركاً للمصالح والمفاسد الواقعية لهذا العقد، فإذا لم تكن هذه الدلالة للإجازة، فلا بُدّ أن يقول إنها من قبيل دلالة المعلول على العلّة.

حينئذٍ نقول: إن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري فقط، دون الفعلي، بحيث إنَّ كلّ الناس يقولون إنها كاشفة عن الرضا الفعلي، وأنت تقول إنها كاشفة عن الرضا التقديري!!

أو تقول: إنها كاشفة عن الرضا الفعلي والتقديري معاً، وهو لا يقول إنها كاشفة عن الرضا الفعلي دون التقديري!

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: إذا كانت الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري دون الفعلي، فهو بوجه محال؛ لأن الكاشفية والمنكشفية تحتاج إلى تناسب ما بينهما، والرضا التقديري يعني ليس في قلبي فعلاً رضا وغير راضٍ بالمعاملة، وإنما الرضا على فرض، ولا يمكن أن يكون الرضا على فرض من مبادئ الرضا الجزمي، وإنما تكون الإجازة الجزمية نتيجة لمبادئ جزمية، والمبادئ التعليقية لا تنتج إلّا إجازة تعليقية.

وقلنا في الواجب المشروط: إنه لا يكون مطلقاً عند وجود شرطه، بل يكون واجباً مشروطاً قد حصل شرطه. نعم، هو ينتج نتيجة المطلق وهو لزوم التصدّي للامتثال، وهنا إذا رأيت البيع صلاحاً لي لا تصبح الإجازة فعلية. فهنا لو تصوّر الإجازة وأراد تطبيقها على المعاني التي تصوّرها لا بُدّ أن يجعل إجازته مقيّدة لا مطلقة. إذن، فكون الإجازة الفعلية تكون كاشفة عن الرضا التقديري أمر مستحيل، لا الرضا التقديري يستحيل أن يكون مبدأ لها، بل لا يكون مبدأ لأيّ شيء؛ لأنه رضا معدوم وليس بشيء، فلا يكون مبدأ لأيّ شيء.

وقولك: إنها كاشفة عن الرضا التقديري، هل يعني الرضا غير الموجود، أو الرضا بعد تحقّق المقدّر عليه والالتفات إليه؟

أما الأوّل فمحال؛ لأن المعدوم لا يكون منكشفاً(1)

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() ولم يذكر السيد الثاني، ولعلّه لكونه صحيحاً!! (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولو سلّمنا أن هذا المطلب صحيح، فهل يمكن أن تكون الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري والفعلي معاً، هل يمكن الجمع بينهما؟ مرّة أقول بنحو كلّي: (إن كلّ ما فيه المصلحة أجزته) فهذا ممكن. ومرّة هو إنشاء لأمر جزئي، هل يمكن دلالته على الرضا الفعلي بالعقد وبالرضا التعليقي على فرض المصلحة؟

وبعبارة أخرى: أن الإجازة الفعلية والإجازة التقديرية هل تقع في محلّين أو في محلّ واحد؟

فالإجازة التقديرية إذا كانت تتعلّق بالعقد من أوّل زمان وجوده، فما هو حال الإجازة الفعلية؟ هل تتعلّق بالعقد كذلك، أو من الآن؟ إذا كانت من الأوّل فلا معنى له؛ لأنه ينتج قولنا: (أنا مجيز فعلاً، وإذا كان فيه مصلحة فأنا مجيز) وهو لا معنى له. وعلى الثاني فالإجازة التقديرية تتعلّق بالعقد من أوّل زمانه والفعلية تتعلّق به من أوّل الأمر. فهل يمكن ذلك في الإنشاء الجزئي إيجاد هذين المعنيين بهذا اللفظ الواحد!؟

نعم، لك أن تقول أمراً آخر خارجاً عن باب الإجازة، وهو أني أعلم أن المالك لو علم بالمصالح لرضي، فيجوز لي التصرّف، إلّا أن هذا خارج عن باب الكاشفية، ومعه لا حاجة إلى الإجازة.

وأما الكبرى: وهي أن الرضا التقديري كافٍ. هل تلتزم بذلك في كلّ مورد، في التصرّف في أموال الناس؟ وقد صدقه الآغايون في ذلك، وفي المعاملات، إذن فالمدار هو الرضا والكراهة الواقعية دون الفعلية. فمثلاً لو علمت أنني إذا سرقت دار زيد فإنه سوف يُعطى داراً في الجنة كانت لي ذلك، 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا غضب وصاح بي أقول له: إن كراهتك الفعلية لا اعتبار بها؛ لأنها ناشئة عن الغفلة عن المصالح الواقعية، ولو علمت أنَّ الله يعطيك داراً في الجنة لرضيت!! فهل يكون لي أخذه بحجّة الرضا التقديري؟!

وما يقال: من أنَّه في التصرّف في مال الناس لا بأس بالرضا التقديري، إنما يعني الرضا الارتكازي غير الملتفت إليه، وهو فعلي وليس تقديرياً. فإذا كانت هناك كراهة فعلية فهي منافية للرضا الارتكازي كما هي منافية للرضا التقديري.

أو هل تقول في المعاملة بأنَّي أبيع مالك وإن نهيت وصحت بي فإن كراهتك لا اعتبار بها، وإنما الاعتبار برضاك التقديري، وأنك لو علمت أن العقد في مصلحتك لرضيت؟!

ويجب أن تلتزم بالعكس، وهو أن إنساناً يبيع عن طيب نفسه، ولكنّه لو التفت إلى ما في بيعه من المفسدة أو الغبن لما رضى به، يقول: هذه أمور اشتباهية غير ناشئة من الأمور الواقعيّة. إذن يجب أن تلتزم بأن العقد الغبني باطل؛ لا أنه عقد خياري.

وأما قوله: وأما الحلّ، فإن الردّ يوجب انقطاع العقد عن المالك، أليس هذا تناقضاً مع كلامه؟ فإن الذي يقول إن الإجازة كاشفة عن الرضا من الأوّل، فإن العقد إذا وقع برضا المالك من الأوّل لا يبقى معه معنى للردّ.

يقول: نظير الموانع التي تقع بين الإيجاب والقبول.

نقول: الإشكال يقع عليكم فيها فإن الإيجاب هو تمام ماهيّة البيع ومن 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

علم بتماميته لا معنى للردّ. ووجه التأمّل لعلّه أنه بناءً على ما قلناه لا معنى لانقطاع العقد عن المالك.

كلام المرزا حول ذلك 

المرحوم الميرزا ادّعى قياساً صغراه(1): (أن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري كشفاً جدياً)، وفي الكبرى يدّعي: (أنه يكفي الرضا التقديري في صحّة البيع).

وكان محصّل كلامنا مع إضافة: أن الكاشفية إما أن تدّعى نظير كاشفية الجملة الخبرية عن مدلولها، أو نظير كاشفية المعلول عن علّته وذي المبدأ عن مبدئه. أو يُدّعى الملازمة بين المعنيين؛ (الإجازة) و(الرضا التقديري)، ملازمة عقلية أو ملازمة عقلائية وعرفية، أو يجعل بين الرضا الفعلي والرضا التقديري كاشفية أو ملازمة على أحد الأنحاء السابقة.

نقول: في كليّة الموارد التي فيها قضايا انفصالية لزومية. 

أو بعبارة أخرى: في كلّ الملازمات بين الأشياء الموجودة في الواقع، لا يمكن حتى في لوازم الماهيّة أن يكون شيء لازماً لشيء في حال العدم، وما يقال بأن الأربعة ملازمة مع الزوجية، وأنه من لوازم الماهية، ليس المراد أن ماهيّة الأربعة قبل وجودها لها زوجية، فإن العدم لا شيء، واللاشيء لا يثبت له شيء، ولا بمعنى أن الماهيّة بقيد الوجود كذلك، بل معنى كونه لازماً لها: أن 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب الإجارة (للمحقّق الرشتي): 182-183، الفصل الثاني، الشرط الثالث، القول في الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث، المسألة الأُولى، الدليل الثامن.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الماهيّة حين تلحظها في عالم العقل وتجرّدها عن سائر الوجودات حتى الوجود اللّحاظي؛ لأنه لا يمكن لحاظها كذلك إلّا بلحاظ آخر. 

حينئذٍ تجد بأن هذا اللازم موجود في ذهنك، فليس أن اللازم ثابت للمعدوم حتى في لوازم الماهيّة، فإن الماهيّة لا تكون ماهيّة إلّا بعد الوجود، وقبل الوجود لا ماهيّة ولا لوازمها، ولكنّك إذا لاحظت الماهيّة في ذهنك في العالم الذي تكون فيه ماهيّة، وهو عالم الوجود، تجد أنها ملازمة للزوجية، من دون أن يكون الوجود قيداً لها ودخيلاً فيها، فضلاً عن لوازم الوجود.

وإنما نقول: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود)، ونحكم بذلك قبل وجود الشمس، أو نحكم بأنه إذا وجدت العلّة وجد المعلول، إنما نحكم بهذه الأحكام العقلية قبل وجود الشيء باعتبار أن الحكم على العناوين يعني عنوان الشمس وعنوان العلّة، وتجد أن هذا العنوان إذا تحقّق يتحقّق عنوان آخر بعده. فليس أن الأمرين حال عدمهما يكونان متلازمين، لكن حيث أدركنا الأمرين بالعناوين نحكم بالملازمة في ظرف الوجود. فليبقَ هذا في ذهنكم، فهو حين يقول: الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري.

نقول: ما فيه من الاحتمالات استقصاءً لها، وإن كان منها ما هو خلاف ظاهر كلامه: أنه يريد أن يدّعي الملازمة بين ماهيّة الإجازة والماهيّة الأخرى بنحو الملازمة بين الماهيّات. فهذا ليس بصحيح ولا يقول به.

أو يقول: إنه من لوازم الوجود من قبيل كاشفية العلّة عن المعلول، بأن يقول: هناك ملازمة في الوجود بين وجود الإجازة ووجود الرضا التقديري. فهل الوجود التقديري محقّق بالفعل؟!

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أو ما هو الموجود هو صدق هذه القضيّة -لو كانت صادقة- وهي: أنه إذا حصل المعلّق عليه حصل المعلّق والمشروط، ولو علم بالبيع لرضا به، فليست الملازمة بين العلم بالبيع وبين الرضا المعدوم، فقط هذا المعنى صادق -بناء على كون الملازمة بينهما ملازمة في الوجود-، وهو أنه لو كان عالماً بالبيع لرضا به، ولكنّنا نأخذ النتيجة هكذا: ولكنّه لم يعلم فلم يرض به. إذن، فبحسب كلامه أن الرضا غير موجود. وليس معنى الرضا التقديري أن الرضا موجود، وإلّا لم يكن تقديرياً.

فأنت الذي تقول: إنه ملازمة بين الإجازة والرضا التقديري، هل مقصودكم أن الإجازة ملازمة مع الرضا التقديري، بحيث يكون الطرف هو نفس الرضا المعدوم فعلاً، أو بين الرضا الفعلي الذي تكشف عنه الإجازة ونفس الرضا التقديري بهذا المعنى، بحيث إنَّه لو لم توجد الإجازة فالملازمة موجودة أيضاً؟ فهذا من الملازمة بين العدم في المعلّق والمعلّق عليه.

أو تدّعي الملازمة، بمعنى أن الإجازة بعد أن توجد يحصل الرضا التقديري، بحيث عندما يحصل المعلّق عليه وهو العلم بالبيع يحصل الرضا؟ 

هذا غير معقول. إذن، فلا بُدّ أن تكون الملازمة بين الإجازة وبين صدق هذه الجملة، لا بينها وبين ذات الرضا التقديري، بل الرضا بما أنَّه مقدر يعني جملة (إذا علم يرضى)؛ فيحكم أن ما هو معتبر في العقد هو هذه الجملة التعليقية لا الرضا التقديري، والإجازة لا تكشف عن الرضا التقديري، بل عن هذه الملازمة، إذن فما هو المعتبر لا تكشف عنه، وما تكشف عنه لا يعتبر في العقد، ولا هو قائل به، ولا دليل عليه وهو القضيّة التعليقية.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما ما يقوله من أنَّه: ما الفرق بين تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ولا “لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه(1)، فهو يريد أن ينقّح الرضا التقديري لا القضيّة التعليقية. إذن، فالملازمة العقلية غير تامّة.

بقيت الملازمة العرفية العقلائية بين الإجازة وبين الرضا التقديري المعدوم فعلاً، مع دعوى أن العقلاء لا يرون استحالة ذلك، أو الملازمة بين الجملة وهذا المعنى.

هو يدّعي: إن الإجازة ملازمة أو كاشفة عن هذا المعنى، وهو أنه لو علم هذا الإنسان بأن الفضولي قد عقد له لأجازه، ويقال: أن العقلاء يحكمون بذلك.

نقول: إن هذا البيع سواء كان ذا مصلحة أو لم يكن، لو علم به لأجازه، بحيث لا يكون وجود المصلحة وعدمها ووجود المفسدة ميزاناً، بل تكون تلك الملازمة هي الميزان، كيف يقول العقلاء ذلك مع أنهم يَجرُون دائماً وراء المصلحة؟!

أو تقول: إن الملازمة بين البيع ذي الصلاح وبين الإجازة، فلا بُدّ أن تقول: إن العقلاء يرون أن شيئاً ما إذا كان ذا مصلحة في زمان فلا بُدّ أن يكون دائماً كذلك. حينئذٍ يصحّ هذا الأمر. وأما إذا لم يكن الأمر كذلك، وكانت الأمور تنقلب من الصلاح إلى الفساد كما في: مَن بِيعَ داره فضولةً، فهو لو أجاز البيع لسقط متاعه في الشارع ولم يجد مسكناً، ولكنّه بعد حين رُزِق بيتاً خيراً 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

منه، فأصبحت إجازة ذاك البيع في مصلحته، فهل تقول إن الإجازة بعد وجود المصلحة تدلّ على الرضا التقديري حال الفساد؟!

إذن فالصغرى غير صحيحة لا عقلاً ولا عقلائياً.

وأما الكبرى وهي: أن ما هو المعتبر في العقد إنما هو الرضا التقديري.

نقول: إن الإشكال في إجازة العقد حال العدم، وهو الذي هربتم منه يرد عليكم، وأنت تريد أن تتكلّم كلاماً على الموازين متفصّياً عن الأسلوب الفلسفي للآغايون، لا كلاماً غير معقول؛ إذن نسأل أن الإذن التقديري موجود أو غير موجود؟

 فإن قلت: إنَّه موجود. قلنا إنك تقول: إذا علم لرضي به، وتقول: لكنّه لم يعلم فلم يرض به. أو ما هو معتبر في العقد أعمّ من الرضا الفعلي والتقديري، فمعناه أن المعتبر أعمّ من الرضا الموجود والمعدوم، هذا راجع إلى الإشكال العقلي.

[المراد من الرضا التقديري ودوره في المقام]

أو يريد من (الرضا التقديري) الرضا اللّحاظي الذي قال به الآخوند(1)، وقد أجبنا عنه وقلنا: إن ما هو المعتبر في صحّة العقد إنما هو واقع الإجازة الصادرة من المالك، لا لحاظها. 

أو يريد أن يقول: إن للرضا التقديري نحواً من الوجود الحقيقي، فمعلوم 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشيته على المكاسب: 60، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أنه قبل تحقّق المعلّق عليه لا وجود حقيقي له، فلا بُدّ أن يقول: إن ما هو المعتبر هو أعمّ من الرضا الموجود والمعدوم، وهو غير معقول.

مضافاً إلى أنه خلاف ظواهر الأدلّة، فإن (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) إذا لم ينتسب العقد إليّ نحواً من الانتساب لا يكون علّي وجوب الوفاء، و(تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) القيد ظاهر في الفعلية وفي الرضا التقدير لا رضا بالفعل.

وأما ما يقوله في الحلّ: من أنَّه إذا ردّ لا ينتسب العقد إليه، فعلى قولك لا تحتاج إلى الانتساب، بل أنت خارج عن محلّ البحث وهو العقد الفضولي، بل لا بُدّ لك أن تقول إن الفضولي كذب؛ لأن المالك إما أن يجيز وإما أن لا يجيز، فإذا أجاز فالرضا مقارن للعقد، وإن لم يجز وقع لغواً، فتكون الإجازة كاشفة على عدم كون العقد فضولياً لا عن صحّة العقد الفضولي، مع أننا نتكلّم بناءً على وجود العقد الفضولي وأنه صحيح، نتكلّم في صحّته بالإجازة، والشيخ يقول إنه بناءً على مقارنة الرضا الفعلي يخرج عن مبحث الفضولي، ولا بُدّ أن نتكلّم في الموارد الأخرى، وعلى ما قاله الميرزا الرشتي لا يبقى مورد آخر للكلام.

والمطلب الثالث الذي يقوله من أنَّه كما يكفي الرضا التقديري في التصرّف في أموال الناس، كذلك يكفي في المعاملات.

أولاً: المقايسة ممنوعة.

وثانياً: أننا لا نقبل هذا أيضاً، فإنه فرق بين الرضا الارتكازي والرضا التقديري، ففي الأوّل لو سألناه لقال: هو راضٍ، ولكنّه لم يلتفت إلى رضاه.

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما إذا فرضتم أنه –بحسب معرفته وإدراكه- غير راضٍ، فهل يمكن أن يقال: إنه مع النهي الصريح يجوز له التصرّف؟ لأن المالك لو التفت لرضي وأجاز. فالمطلب لا يصحّ لا في المقيس ولا في المقيس عليه.

ثُمّ يذكر مؤيّدات، هي الأخبار الخاصّة، ولا أعلم أنه يؤيّد بها أصل الكشف أو طريقته في الكشف، إذا كان أصل الكشف فلا بأس؛ إذ إنَّ هناك ما يدلّ عليه من الروايات، لكنّها لا تعني أن الكشف هو كذلك، بل تدلّ على الكشف في الجملة، دون الدلالة على كونه حقيقياً أو حكمياً أو غير ذلك من الخصوصيات، فلا تكون دليلاً على مدّعاه.

وجه آخر للكشف

وجه آخر قيل للكشف وإن لم يكن كشفاً، ولكنّه ينتج نتيجة الكشف: إن الإجازة متعلّقة بمضمون العقد أو العقد إذا حصل في الزمان السابق، فمن السابق تحقّق الوجود الإنشائي للمنشيء بعد الإنشاء، والمجيز يجيز نفس ذات المعنى الإنشائي؛ إذن، فمن حين وقوع العقد لا بُدّ أن يترتّب الأثر(1).

وبعبارة أخرى: عندنا كشف حقيقي وهو أنه بعد الإجازة نتصوّر أن العقد من الأوّل حاصل على الشرط ككلام صاحب (الفصول) في عنوان 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

(1) أُنظر: رياض المسائل 8: 227، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في البيع، شروط البيع، الشرط الأوّل: يُشترط في المتعاقدين كمال العقل والاختيار وأن يكون البائع مالكاً، وجامع الشتات 2: 279، كتاب التجارة، مسائل التجارة، السؤال 168، المقام الثالث: اختلفوا في أنَّ الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

التعقّب، أو بنحو الشرط المتأخّر، فمن حين الإجازة يحصل علماً على أن الانتقال حاصل من الأوّل، ونحن لم نكن ملتفتين ولم نكن نحكم بالحصول، وهناك النقل المتعارف الذي قالوه: أنه حين الإجازة العقد السابق له اعتبار البقاء، فيحصل النقل من حين الإجازة. 

وهناك النقل الحكمي وهو أن نقول: إن الشارع من الآن حكم باعتبار الملكية ويأمر بترتيب آثارها، وهذا الوجه ليس منها.

بل يقول صاحب هذا القول: بأن الإجازة مؤثّرة من الآن، ولكنّها من الآن تحصّل النقل من الأوّل؛ لأنها إجازة لمضمون العقد، ومضمونه كان هو الملكية الإنشائية في ذلك الحين، وحين يجيز تلتحق الإجازة بالعقد الذي أوقعه الفضوليّ، فمن حين الإجازة يقع العقد صحيحاً في ذلك الزمان، فهل نقل من الأوّل ولكن أحكامه أحكم الكشف؟ 

أشار إليه الشيخ(1) ويظهر من خلال كلام صاحب (الجواهر)(2)، ولكنّه لا يختاره، وإنما يختار الشرط المتأخّر.

نحن لا بُدّ أن نرى أنه كيف يتصوّر هذا المطلب، وماذا يريد أن يقول صاحب هذا الوجه؟ يقول: إنه من الآن يحصل النقل من الأوّل، لا شكّ أن 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 400-402، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في أدلّة القائلين بالكشف.

(2) أُنظر: جواهر الكلام 22: 286-287، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المالكية والمملوكية متضايفان ومتكافئان فعلّيةً وإنشاءً، فهل يريد أن يقول هذا المعنى: وهو أنك تملك الآن ذلك الشيء الذي كان في الزمان السابق، وهو النقل الذي قاله الشيخ(1): إنه على القواعد، وهو كذلك، وصاحب هذا الوجه لا يريد أن يقوله، أو يريد أن يقول: إن الإجازة أثّرت بأنَّك مالك في الزمان السابق، فالآن تجعل هذا الأثر، لا أنها تكشف عن الملكية السابقة، وهو الكشف الحقيقي؟ وهو لا بأس به بعد غضّ النظر عن إشكالاته العقلية، وهو لا يريد أن يقوله.

أو يقول: إنك الآن مالك في الزمان السابق باعتبار أن العقد السابق استند إليك، فإن نظرت إلى الزمان السابق تجد أنك مالك فيه الآن، يعني الزمان السابق أصبح واقعاً في الحاضر، فقد أصبح المملوك في الزمان السابق والمالك في الزمان السابق أيضاً؛ إذ بعد الإجازة يصبح أنك كنت مالكاً في الزمان السابق وهذا ملموك فيه أيضاً، ولكنّ هذا أمر حصل في الحال، فيجب أن يعاد الزمان السابق المعدوم ويحصل فيه هذا الشيء!! فالمملوكية في الزمان السابق تحتاج إلى وجودك -يعني المالك باعتبار تضايفهما- في الزمان السابق، وهذا فعلاً محال.

والعرف أيضاً لا يساعد عليه أن يقال: (أنت الآن مالك بالأمس)، فهو محال عقلاً وشنيع عرفاً، وفي نظري أن هذا الوجه أسوأ أنحاء الكشف والنقل؛ لأنه بديهي البطلان ولم يحصل تصوّر الألفاظ بوضوح.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 408، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مضافاً إلى إشكالات أخرى: 

أحدها: أن نتيجة هذا الوجه هو أننا إذا لاحظنا زمان ما بين العقد والإجازة، أرى أني كنت مالكاً ولم أكن مالكاً أيضاً، فإنك لا تريد أن تقول: إنك لم تكن مالكاً وأريد أن أجعلك بالإجازة مالكاً، بل تريد أن تجعلني مالكاً بتأثير الإجازة للنقل من الزمان السابق، وفي الظرف الذي لم أكن فيه مالكاً، وهذا انقلاب محال واجتماع للنقيضين.

ثانيها: أننا لا يمكن أن نتصوّر المالكين المستقلّين لا عقلاً ولا عقلائياً، بناءً عليه فهذا الفرض غير معقول والأمثال والنظائر -ما لم ترتفع الإشكالات العقلية- ملحق به.

وعلى فرض تسوية إشكاله العقلي، فـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ –كما يقول الشيخ- لا يمكن أن يكون شاملاً؛ لأنه هل باع هذا الشيء في زمان حصول العقد؟ إذن فهو غير قابل للتسليم فعلاً؛ لأنه بقيد الزمان غير موجود. ونحن لا نريد أن نصنع فضولياً من عند أنفسنا، بل نريد إنشاء الملك نظير ما عليه السوق، وفي السوق ليس الزمان ملحوظاً في النقل والانتقال، ولا دخل له فيه، ولا الإجازة تلحق الفضولي المقيّد بالزمان، بل تلحق أصل طبيعة البيع، فالإجازة هي نفس النقل، لا النقل في هذا الزمان أو في ذلك الزمان.

وأيضاً الملكية ليست أمراً امتدادياً، بل المملوك ممتدّ، فأنا مالك مادام هذا الشيء موجوداً، لا أن الملكية ممتدّة بحسب الاعتبار.

أَوْفُوا بِالعُقُودِ يقول نفس ذلك، فإن العقد ما لم يكن عقدي لا يجب الوفاء، وبقاء العقد ليس معنى ذلك بقاء الزمان السابق فعلاً، بل ذات ما هو 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الموجود في الزمان السابق حاصل الآن، بحيث يتجدّد عليه الزمان كسائر الزمانيات، فالمنشأ باقٍ إلى الآن وغير مرتبط بك، وبالإجازة ينتسب إليك ويكون مؤثّراً، فهذا كلام السوق والأدّلة العامة، ولا بُدّ أن ننظر إلى الأدلّة الخاصّة لنرى ما هو مؤدّاها.

الوجوه الأخرى التي ذكرت للكشف في عبارة (جامع المقاصد)(1) في نظري أنه ينظر إلى الشرط المتأخّر كصاحب (الجواهر)(2)، وعبارته: أن العقد تمام السبب، ولو كان شيء آخر دخيلاً فيه لم يكن تمام السبب. لعلّه يريد أن يقول إنه تمام السبب، والإجازة تعمل عملاً تجعل العقد في حينه تمام السبب، فيعلم أن الإجازة كاشفة عن ذلك. ويَبعُد أن يريد أن الإجازة لا اعتبار بها، وأنّ نقل شخصٍ مالَ شخصٍ آخر جائزٌ، لا يمكن أن يريد ذلك، وإن كان يظهر من عبارته.

إذن، فالموافق للقواعد هو النقل بالمعنى الذي يذكره الشيخ، وأما الكشف الحكمي فلا بُدّ أن ننظر في الروايات الخاصّة. لأجل تتميم القاعدة، والاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الآغايون نقولها لنراها تامّة أو لا.

مناقشة النائيني [في الفرق بين القبض والإجازة]

من جملتها أن المرحوم النائيني قال(3): يمكن أن يقال: إنه ما بين القبض في 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) مرّت الإشارة إليه، فراجع.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 235-236، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة وحكمها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

باب العرف وبين الإجازة فرق، فإن القبض جزء السبب، وأما الإجازة فصورة للمادّة الهيولانية، فإن العقد مادّة هيولانية والإجازة صورتها؛ لأنها إنفاذ ما وقع، فليست نظير جزء السبب ليقال: إنه ما لم يحصل السبب لا يمكن أن يحصل المسبب بأيّ نحو، بل لازم كونها صورة هيولانية للعقد وإنفاذاً لِما سبق، أنه ينتج أمراً متوسّطاً بين الكشف الحقيقي والنقل، ويقول إنه موافق للقاعدة.

وبعد بيانه يقول(1): ولو أنَّه في حين العقد لا ينفصل المصدر عن اسم المصدر، ولكنّه في اعتبار الشرع والعقلاء عدم حصوله إلّا بالإجازة، فما لم ترد الإجازة لا يمكن أن يقال: إن هذا مالك لهذا الشيء. فالإجازة ناقلة باعتبار أن لها دخلاً في النقل، وليس الناقل هو العقد وحده. 

ومن جهة أن الإجازة هي صورة للمادّة الهيولانية، أو بعبارة أخرى: إنفاذاً لِما سبق، فهي كاشفة، بمعنى أن المقدار الذي يمكن أن نرتّبه من الآثار على إجازة الأمر السابق نرتّبه عليها، نظير إنفاذ حكم مجتهد لحكم مجتهد آخر.

ثُمّ يقول: بناءً على هذا، كما يمكن أن يكون شخص مالكاً لشيء متأخّر، بحيث إنَّ المملوك متأخّر ولكن المالكية فعلية كإجازة شيء بعد شهرين أو لمدة شهرين، كذلك يمكن أن أملك أمراً متقدّماً، والمالك الآن ولكن المملوك سابق.

ومن بين كلامه -على من راجعه- يظهر اغتشاش وجهة مبهمة، وفي كلماته احتمالان: بعض كلماته ظاهر بهذا، وبعضها ظاهر بذاك. فإنه بعد أن 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يقول: إننا نفكّك بين الملكية والآثار، فقبل الإجازة لا أثر للعقد، وحال الإجازة يحصل النقل والملكية. 

ومن جهة أنها إجازة للعقد، فمن الأوّل تترتّب الآثار، فكما استوفى شخص منفعة ملكك، ثُمّ أجزته، فإن أجازتك له ترجع إلى إسقاط الضمان، وحيث إنَّ لها -للإجازة- أثراً لا مانع من رجوعها إلى المنفعة المستوفاة، وأما الملك فليس له أثر حال الإجازة، فيفكّك بين الملك ومنافع الملك؛ ولذا يمكن المصالحة على المنافع المتقدّمة، لكنّها لا تمكن على الملك المتقدّم. كذلك المنافع والنماءات التي في باب الفضولي، فإن الإجازة إذ تكون إنفاذاً للأمر السابق، فبالنسبة إلى نفس الملك لا أثر له حتى نقول: إنها تعمله. ولكن بالنسبة إلى المنافع لها أثر هو الضمان؛ فنقول: إن الإجازة تؤثّر في ملكيتها.

وهذا فيه احتمالان:

أحدهما: أنه يريد أن يقول: إننا نريد أن نفكّك في الآثار، فإن الإجازة حيث إنَّها أنفذت ما سبق، فبالنسبة إلى الملك لا تعمله، وأما بالنسبة إلى المنافع فلها أثر؛ فيتفكّك بينهما فيحصل الملك من الآن، وأما النماءات فتكشف الإجازة عن نقلها الواقعي.

فهذا هو الأمر المتوسّط بين النقل الحقيقي والكشف، فالنقل بالنسبة إلى العين؛ لأن الإجازة لها دخل في النقل، والكشف باعتبار أنها إنفاذ لما سبق، فهو يريد أن يفكّك بين الواقعيات، وأن الإجازة نقلت الملك من حين الإجازة، ونقلت المنافع من حين العقد.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الاحتمال الآخر: أنه يريد أن يقول بترتيب آثار الكشف قد يعبّر به وإن الإجازة حيث إنَّها تكشف عن إنفاذ الأمر المتقدّم، فبالمقدار الذي يمكن أن نتعبّد به من الآثار تترتّب الآثار، وذلك في المنافع والنماءات دون الملكية التي لا أثر لها.

نحن على كِلا الاحتمالين نقول: إذا كان البناء على حصول الملكية الواقعية للشخص، ففرق بين الملكية المتأخّرة والملكية في الزمان المتقدّم، فأنه نظّر بينهما، مع أنه في الملكية المتأخّرة حين تؤجّر دارك شهرين –مع غضّ النظر عن إشكال أن المنافع معدومة فإنه إشكال مشترك بينهما(1)– الآن تملك منافع الشهرين، وفي الزمان المتأخّر لا تكون المنافع لك، بل للشخص الآخر، وفي المنافع المتقدّمة الفرض أن المنافع ما بين الوصف والإجازة كان ملكه، وإذا استوفى منها شيئاً أو أتلفه فهو أتلف مال نفسه، وإتلاف مال نفسه لا ضمان فيه. وأنت تريد أن تجعل الإجازة تعود إلى الزمان الأوّل، وتقول إن ما أتلفه هو مال الغير، وفيه الضمان، وليس هو مال نفسه، فكيف تقول إنه بلا ضمان، ما وقع بضمان كيف يكون بلا ضمان؟!

ونقول: العقد واقع على أي شيء؟ هل وقع على العين والمنافع والنماءات، أو وقع – في الحقيقة- على العين فقط؟ فإذا أنفذت العقد فأنت تنفذ بيع الدار، ولا تنفذ ما لا دخل للعقد فيه، فإذا تحقّق هذا الإنفاذ تكون المنافع لك، وإذا لم يكن لهذا الإنفاذ أثر لا معنى لأن تكون المنافع لك، وأنت لا تريد أن تجعل أمراً 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() أي: بين المنافع المتقدّمة والمتأخّر. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تعبّدياً، وإنما تريد أن تجعل شيئاً على القاعدة.

فإذا كان الإنفاذ إنفاذاً لما سبق كما قال، فهو إنفاذ لما أوقعه وهو الملكية، وهي -على ما يقول- غير قابلة للإنفاذ، ومعها لا يبقى معنى لإنفاذ المنافع؛ لأنها لم تكن مضموناً للعقد. فما هو مضمون للعقد غير قابل للنفوذ في قولك، وما هو قابل له لم يكن مضموناً للعقد، هذا لا يتمّ لا عقلاً ولا عرفا. 

وهو حين يريد أن ينظّر هذا بإجازة المنافع المستوفاة لشخص معيّن في دار غيره سنة، ويكون بعهدته الضمانات، يقول: إجازة المالك له توجب سقوط الضمان. 

نقول: إذا كان للإجازة أثر فمعناه أن المنافع التي استوفيتها من مال غيرك كأنّك استوفيتها من مال نفسك، فهو يبدل الضمان باللاضمان، لا أن الإجازة ترجع إلى إسقاط الضمان. 

وإذا قلت: إن العقلاء يفهمون من هذه الإجازة إسقاط الضمان، فهذا لا يكون قابلاً للتنظير، فإن الإجازة حينئذٍ تكون كناية عن إسقاط الضمان، لا أن ما وقع حراماً وقع حلالاً وما وقع في ملك الغير وقع في ملك المجيز، بل معناه أن الدَّين مرّة أسقطه بلفظ الإسقاط، وأخرى بلفظ الإجازة. وهذا لا يشبه ما نحن فيه من أنَّه بالإجازة يحصل تغيّر واقعي، ويجعل الضمان لا ضمان في طرفه، هذا لا ربط له بإسقاط ضمان المنافع بلفظ (أجزت) أو (رضيت) أو (أسقطت).

الاحتمال الآخر: أن المراد ترتيب الآثار كما يقول شريف العلماء من أنَّ النقل الواقعي لا يمكن، فالمراد هو ترتيب الآثار، ولكنّه لا يريد أنه موافق 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

للقاعدة، ولكنّه استفاد من الأدلّة الخاصّة على الكشف، ولكنّه رآه مما يمكن عقلاً، فقال: إنَّ الشرع تعبّدنا بشيء وهو أنه ملك من الأوّل، وأثره الحصول على المنافع والنماءات.

والنائيني يقول(1): ترتيب الآثار بالنسبة هي شيء دون شيء، فإن الإجازة بما أنَّها إنفاذ للمعاملة فبالمقدار الذي يمكن أن ترتّبه نحن نرتّبه تعبّداً لا واقعاً، وهو ملكية المنافع.

نقول: أنت تدّعي أمرين:

أحدهما: أن هذه الإجازة بما أنَّها إنفاذ لذلك العقد فقد وجدت، بما أنَّها إنفاذ له ونريد ترتيب الآثار من هذه الجهة.

ثانيهما: أنه في حال الإجازة يترتّب الأثر بالنسبة إلى المنافع دون العين.

تقول: إذا صار البناء على التعبّد أمكن أن تقول: إنه بالإجازة تترتّب تعبّداً الأثر على ملكية العين، فتكون المنافع لي من الأوّلِ بحسب ترتيب الآثار لا الواقع. فإن ما قد أنقذه هو مضمون أصل المعاملة، وقد تعبّدنا الشارع أن أرتّب آثار ما أنفذته، فأرتّب آثار المعاملة الصحيحة، يعني: أرتّب آثار ملكيتي، والمنافع والآثار تكون منافع ونماءات ملكي التعبّدي. فإذا أتلفها شخص يحصل ضمان تعبّدي أيضاً، -وإن فرضنا أن التلف قبل القبض للبايع، فنفرض 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 235-236، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة وحكمها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أن المجيز قبضها وهو غير ملتفت ثُمّ أجاز- وما تقوله من أنَّ الملكية لا أثر لها، نقول: لها أثر باعتبار المنافع والنماءات وغيرها. فما يقوله غير تامّ.

نعم ما يقوله شريف العلماء لو دلّ عليه الدليل لا مانع منه لا عقلاً ولا شرعاً، وهو ترتيب الآثار تعبّداً، لا التفكيك بين الملكية والنماءات.

نعم، يختلج في الذهن إشكال آخر لينظر فيه الآغايون: وهو أنه يقول(1): في حين -حيث إنَّه- لا أثر لها فلا تؤثّر الإجازة في إنفاذها تعبّداً، وفي المنافع بما أنَّ إنفاذها له أثر، فلا مانع منه وأثره الضمان.

نقول: إن التعبّد موقوف على وجود الضمان، والضمان موقوف على التعبّد، فإنه ما لم تتعبّد بترتيب الآثار لا يحصل الضمان وأنت تقول أنما تترتّب الآثار؛ لأنه ضامن.

وإن النماءات بما أنَّ لها أثراً وهو الضمان، فالشارع يعبّدنا بالملكية السابقة، فقد تعبّدنا الشارع بلحاظ الأثر، ولأنه وجد أن التعبّد ليس لغواً فتعبّدنا، هذا ليس تعبّداً بما أنَّه ذو أثر في هذا الزمان، فهو يعبّدنا بالضمان، ولعلّ مراده هو ذلك.

ثُمّ إنَّ ما قاله من التفكيك بين الملكية والآثار هو مقتضى القاعدة، أيّ قواعد هذه؟! نعم، كون النقل لا بُدّ أن يحصل الآن موافق للقواعد، وترتيب الآثار لم يحصل من حينه، وأنت لا تقول بالشرط المتأخّر، وما لم تأتِ الإجازة لا يحصل شيء، وبعدها إذا كان العقد اعتبار البقاء فالإجازة تؤثّر الآن، وإذا لم يكن له ذلك فلا معنى له، وإذا لم يكن له بقاء فلا معنى للإجازة.

ــــــــــ[59]ــــــــــ

() أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما إذا قلت: بأن بقاء العقد غير بقاء الزمانيات الأخرى، فإن الزماني بذاته يبقى لا بزمانه السابق، وأما العقد فموجود فعلاً في الزمان السابق، يعني أن العقلاء يرون أن العقد من الثابتات، وأنه إذا وجد في زمان يبقى ثابتاً في ذلك الزمان مهما تصرّم الزمان، والفسخ والإجازة والإقالة كلّها لذلك العقد السابق. 

أو تعتبرون أن العقد أمر ممتدّ وأن النقل والانتقال أمر ممتدّ كامتداد الزمان، كلّ هذه أمور ننقّحها في المدرسة لتشييد الأذهان، ولكنّها لا تجعل الأمر مطابقاً للقاعدة.

فما قاله الشيخ من أنَّ للعقد بقاء عقلائياً، وتلحق به الإجازة، وتؤثّر النقل من الآن هو الموافق للقواعد، ما لم نخرج بدليل، ولا بُدّ بعد ذلك أن ننظر إلى كلام الآخوند فإنه أستاذ الأساتيذ.

الكشف الحكمي ومناقشة النائيني 

بعد أن انتهى المرحوم النائيني من ذكر أقسام الكشف، اختار أحد الوجوه وهو المتوسّط بين الكشف والنقل، ويسمّى بالكشف الحكمي.

 ثُمّ يقول: الأمور التي لها اعتبار في أمر متقدّم، لا تخرج عن أحد حالات ثلاث:

أحدها: ما كان من قبيل القبض في الصرف والسلم والرهن والوقف.

ثانيها: ما كان من قبيل الإجازة في الفضولي، وإجازة المرتهِن في بيع العين المرهونة.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ثالثها: ما كان من قبيل بيع العين على أن يدفع المشتري الزكاة، وبيع المرتهِن للعين ثُمّ يبرؤه الراهن. 

وهذه الأقسام مختلفة.

أما القسم الأول: وهو القبض في السلم فالمعاملة لا تتحقّق إلّا بعد القبض، ولا مجال لتوهّم الكشف فيه سواء كان القبض جزء السبب كما في السلم والصرف، أو شرطاً كما في الرهن والهبة ونحوها.

وأما القسم الثاني: وهو إجازة المالك أو الراهن، فبما أنَّ الإجازة إنفاذ لما سبق، ولذا تترتّب عليها الآثار بالمقدار الذي يمكن ترتيبها عليها من الآثار السابقة.

وأما القسم الثالث: فليس بوضوح القسم الثاني، ولكنّه له حكمه؛ لأن ما هو موضوع الحكم بواسطة تكون هذه العناوين في نظر العقلاء والعرف واسطة في الثبوت، ويسري الحكم إلى ذات العناوين المتأخّرة الموضوع، كما في بيع المال الزكوي إذا باعه ثُمّ يدفع المشتري الزكاة، والرهن إذا باعه الراهن.

لكن هذا الذي قلنا يختصّ بما إذا كان الموضوع السابق تمام الموضوع، كالمنافع والنماءات، وأما إذا لم يكن تمام الموضوع فلا تترتّب عليه الآثار. ولذا يفصل بين إنفاذ أصل المعاملة وبين إنفاذ منافعها ونماءاتها، فالأوّل لا يمكن للإجازة إنفاذه، وإنما ينفذ في المنافع.

 ثُمّ يقول: في البيع الفضولي الوارد في صحيحة محمد بن قيس، حيث حكم بحرية الولد بعد الإجازة، لكن لا تثبت بها الزوجية ولا أن الوطء وطء بذات 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

البعل. والسرّ في ذلك هو أنه إنما ينفذ ما فيه اعتبار البقاء في حال العقد دون سواه وهو الحرية، دون الزوجية، وأن الوطء وطء لذات البعل.

هذا محصّل ما قاله، وهو مأخوذ من أستاذه الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي صاحب (الحاشية)(1)، وبعضه من الشيخ(2) إذ ذكر التفصيل بين أصل المعاملة والمنافع.

ونحن ليس لنا كلام على أصل الدعوى، بل على خصوصياتها وإشكالاتها العقلية سبق أن قلناها، وسيأتي التعرّض لها عند مناقشة الآخوند، ونحن ذاكرون بعض الإشكالات في عبارته.

ما يقوله من أنَّ القبض قسمان(3): قسم ما كان من قبيل الصرف والسلم، وهو شرط في الصحّة. وما كان من قبيل الهبة والوقف، فهو جزء السبب. لم نعلم من أين استفاد هذا.

أما كلمات الفقهاء(4) فهم يعبّرون بالشرط، وأنه يشترط في بيع السلم 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() لم نعثر على كتابٍ له.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 410-411.

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 241، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ. 

(4) اُنظر: المبسوط 2: 122، كتاب البيوع، فصل في حكم بيع ما لم يُقبض، غنية النزوع: 227، كتاب البيع، الفصل الثالث: السلم، شرائع الإسلام 2: 57، كتاب التجارة، الفصل العاشر: في السلف، المقصد الثاني: في الشرائط، مسالك الأفهام 3: 413، كتاب التجارة، الفصل العاشر: في السلف، المقصد الثاني: في الشرائط، الشرط الثالث، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

القبض وفي الوقف، وفي قضيّة السلم لا دليل لفظي على اشتراط القبض، وإنما هو إجماع الفقهاء، وتسالم الأصحاب، والروايات الواردة في المقام ليس فيها التعبير بالشرط، ولا بجزء السبب. مثلاً في باب بيع الذهب والفضة ورد “يداً بيد”(1) وقد فهم منها الفقهاء الشرطية، ونحن نفهمها منها أيضاً، فإن المعاملة عبارة عن ذات البيع، والجهات الأخرى شرائط للتأثير والصحّة.

وفي باب الرهن ورد: “لا رهن إلّا مقبوضاً(2)، فتفصيله لا وجه له ظاهراً.

وأما ما قاله(3) من أنَّه لا مجال للكشف، فإن ما نجده من الخلاف الكبير في البيع في الكشف والنقل، باعتبار أنه ورد في الروايات ما يستفاد منه الكشف، ولو ورد في باب الوقف أو السلم نحو هذا النصّ، لتكلّموا فيه -بما فيهم النائيني نفسه- كما تكلّموا في البيع.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() الكافي 10: 242-243، كتاب المعيشة الباب 99، الحديث 12، من لا يحضره الفقيه 3: 263، كتاب المعيشة، باب السلف في الطعام والحيوان وغيرهما، الحديث 3948، تهذيب الأحكام 7: 45، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 81، وسائل الشيعة 18: 287، الباب 2 من أبواب السلف، الحديث 1. 

(2) دعائم الإسلام 2: 82، كتاب البيوع، الباب 21، الحديث 244، تهذيب الأحكام 7: 176، كتاب التجارة، الباب 15، الحديث 36، وسائل الشيعة 18: 383، الباب 3 من أبواب الرهن، الحديث 1.

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 241، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولذا يقول صاحب (الجواهر) في السَلَم(1): كان كشفاً أو نقلاً، فقوله أنه في مثل ذلك لا مجال للكشف، على حين هناك مجال للكشف في القسمين الأخيرين غير تامّ، بل نرى أن باب الرهن ونحوه أولى بذلك من باب الزكاة في القسم الثالث.

وأما ما يقوله في القسم الثاني(2): من أنَّ الإجازة بما أنَّها إجازة لِما سبق فلا بُدّ أن تنفذ كلّ ما يمكن إنفاذه، فتنفذ في النماءات والمنافع، وأما الزنا وأصل الزوجية فلا ينفذ، وأما الحرية فتنفذ.

نقول: إن الإشكال العقلي وارد في الجميع، إذا أردنا من الآن أن ننفذ ما وقع سابقاً، وقلنا: إن الإنفاذ يقع على مضمون المعاملة، وهو الملكية، وأما حرية الولد وحرمة الوطء فهو مترتّب على الملكية وعدمها، فالإنفاذ الواقعي للمنافع لا وجه له لا عقلاً ولا شرعاً. وإن أردتم التعبّد الشرعي، وأنه تعبّدنا بترتيب آثار المنافع دون الملكية، فأنت تريد أن تتكلّم على مسلك العقلاء، فهل إذا أردت أن أنفذ المعاملة بقول العقلاء أنه نفّذ المنافع والنماءات دون أصل الملكية؟ أيّ معنى لتنفيذ المنافع؟

وإن قلتم: إن المعاملة صحيحة من وجه وباطلة من وجه.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام: 24: 289، كتاب التجارة، الفصل العاشر: في السلف، المقصد الثاني: في شرائطه، الشرط الثالث: قبض رأس المال.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 241، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهذا ليس عقلائياً، بل هو تعبّد شرعي، أو حين نعرض رواية محمد بن قيس على العقلاء هل يفهمون منها أن الحرية صحيحة، وأنَّ الزنا بذات البعل غير صحيح؟ 

وما يقوله من أنَّ الإجازة تنفذ ما يمكن أن ينفذ وهو ما له أثر فعلي، فكما أنَّ الحرية لها أثر فعلي كذلك الزنا بذات البعل له أثر وهو التحريم الأبدي، وإن لم يحرّم لأنه غير ملتفت.

وإن ما يقوله في الأمر الثالث(1) من أنَّ العناوين الموضوع لحكم والمنوطة بأمر متأخّر يراه العرف حكماً لذات الأمر المتأخر، ويرى العناوين واسطة في الثبوت.

نقول: ما هو موضوع الحكم هو ما حصل فيه قيده وشرطه، لا ذات العقد، فإن العقد إذا كان مشروطاً برضا المالك لم يكن موضوعاً للحكم، إلّا بما هو مقيد.

وأما أمثلته(2): فمثال بيع المال الزكوي فهو أن يبيعه مَن وجبت عليه الزكاة على المشتري على أن يدفع المشتري، نرى أنه من الآن صحيح –يعني بعد دفع الزكاة- أو من الأوّل صحيح.

قال(3): هذا عنوان متوسّط بأمر متأخّر، فيرى العرف أن الحكم وارد على ذات المتأخّر.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: ماذا تقول أنت في باب الزكاة(1)؟ هل تقول بالاشتراك، والكلّي في المعيّن أو الحقّ كحقّ الرهانة. إذا قيل بالاشتراك فمعناه أني بعت ثلث مال الغير، وإذا دفعت الزكاة فمن الآن أصبح ملكي، ولم يكن ملكي؛ لأنه كان مالاً مشتركاً، ويكون إذن الشارع للمشتري بدفع الزكاة الآن في تبديل الشريك، وليس هنا عنوان متعلّق بأمر متأخّر.

وأما إذا قلنا -كما يقول السيد- بالكلّي في المعيّن فيمكن بيع المال كلّه إلّا مقدار الزكاة، ويكون كلّه حقّي طلقاً، وأما إذا بعته كلّه بما فيه مقدار الزكاة، فلا بُدّ من دفع الزكاة في الخارج، ويكون حينئذٍ كالإذن في التصرّف من قبل الشارع.

وأما إذا كان للفقراء حقّ في الزكاة، فالحقّ متعلّق بالمال إلى حين الدفع، وفي باب الرهن كذلك حقّ الرهن موجود حين الإبراء، وبه يزول الرهن لا أنه من الأوّل يزول الرهن، فإنه رهن على القرض، وما دام القرض موجوداً يبقى الرهن موجوداً.

إذن فلا يمكن تتميم كلامه لا على القواعد العقلية ولا الشرعية، وإنما قال ذلك باعتبار ميله الشديد لتطبيق روايات الكشف على القواعد. وليت شعري أنه لم يرد في الزكاة مثل ذلك حتى يتكلّف له ذلك، ولو كان وارداً لكان مخالفاً للقاعدة، على ما سوف نقول عند التعرّض لكلام الآخوند.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() يعني: في ملكية الفقراء. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الاستدلال بدلالة الاقتضاء 

هناك جهة في كلام المرحوم النائيني(1)، وتعرّض لها الشيخ(2)، لا بُدّ من التعرّض لها.

الشيخفي آخر كلامه عن الكشف حين يقول(3): أوّلاً وثانياً وثالثاً، يقول: إنه إذا دلّت الأدلّة على وقوع مضمون العقد من الأوّل ولا يمكن الأخذ بمضمونها، فبدلالة الاقتضاء، نقول: إن المقصود ترتّب الآثار، وهذا كان أحد محتمَلَي كلام الميرزا فيما نقلناه فيما سبق، ويكون المقصود من الكشف الحكمي: الحكم بالكشف، يعني نحن متعبّدون ومحكومون بترتيب الآثار الملكية من هذه الجهة.

نحن لنا كلام بأنه: 

مرّة نقول: إن العقد له مضامين متعدّدة مشمولة لـ (أَوْفُوا بِالعُقُودِ)، وأحد جهات مضمونه فيه محذور عقلي، فنرفع اليد عنه ونأخذ بالباقي، كما لو كان مضمون العقد هو انتقال العين وانتقال المنافع، فإذا قلنا بالكشف الحكمي، فبالنسبة إلى أصل العوض فيه محذور عقلي، وبالنسبة إلى النماءات لا محذور فيه، فيشملها (أَوْفُوا بِالعُقُودِ).

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 241، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ. 

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 407، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

(3) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ومرّة نقول: إن مضمون العقد واحد، وهو النقل والانتقال دون العوضين، وليس له عمل بالنسبة إلى المنافع، والمنافع تبع للعين، فحين كانت ملكاً لصاحب المال كانت المنافع له، وحين أصبحت العين ملكي أصبحت المنافع لي، فنرى أنكم بعد أن لم تستطيعوا تتميم هذا المضمون للعقد باعتبار استحالته هل يمكن أن ينفذ في خصوص المنافع؟ لا يمكن. فما هو مضمون العقد فيه محذور –على مسلككم-، وما لا محذور فيه ليس مضموناً للعقد.

وربما يكون مقصوده ما ذكره الشيخ(1) في الأمر الثالث، وهو التعبّد بترتيب الأثر، قلنا: حول هذا التعبّد كلام، فإن الشيخ سلّم أنه إذا جعلت (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) تضمنياً للعقد، والمضمون العرفي للعقد هو النقل من الأوّل، الشيخ سلّم بأنه بما أنَّنا لا يمكن ترتّب المضمون، لا بُدّ أن نقول بأن المراد ترتيب الأثر، وكان هذا أحد محتملات كلام النائيني.

نقول: مرّة نتكلّم في الأدلّة الخاصّة الواردة في الفضولي، كرواية محمد بن قيس، وفهمنا منها أنها تفيد نفوذ المعاملة، وحيث إن الكشف الحقيقي غير ممكن، فنحمله على التعبّد بالآثار، هذا لا بأس به وسنتعرّض له.

وأخرى يكون الكلام حول العمومات، فهل يمكن أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ تقوم بمضمونين: تنقّح العقد بحسب الواقع، وتأمر بالنسبة إلى ترتيب الآثار 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 407، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على العقد، ففي غير الفضولي تعمل الملكية الواقعية، وفي باب الفضولي -حيث لا يمكن الملكية الواقعية- فهي تأمر بترتيب الآثار؟ كيف يمكن ذلك؟ وهو الذي يعبّر عنه النائيني بأنه موافق للقاعدة، والشيخ يقول بأن مضمون العقد هو وقوع الملك من الأوّل، وحيث إنَّه لا يمكن أن نحملها على ترتيب الآثار.

نقول: أنتم حين قلتم ذلك هربتم من محذور عقلي، ووقعتم في محذور عقلي آخر، وهو أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ تعمل في مورد الصحّة، وتعمل في مورد، على فرض استحالة الصحّة تدلّ على الأمر بترتيب الآثار، فإن هذين لسانان لا يمكن أن يتكفّل الدلالة عليهما العموم، لا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولا تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ولا غيرها، إذن فلا يمكن تتميم ذلك على القواعد العامة كلّها.

مناقشة الآخوند

المرحوم الآخوندبعد أن يقول(1): إن الإشكال العقلي مرتفع، وقد سبق أن نقلنا قوله وناقشناه.

يقول: إنه لا في الكشف إشكال عقلي ولا في النقل، ولذا لا بُدّ أن نختار أحدهما على القواعد. 

ثُمّ يقول: إننا لا يمكن أن نقول بالكشف الحقيقي بمعنى صحّة العقد قبل الإجازة، رغم دخالة الإجازة بوجودها الخارجي في الصحّة، ولكن لا محيص 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

() راجع حاشيته على المكاسب: 61-62، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من أن نقول: إنه كشف بهذا المعنى: أنه من حين الإجازة يصحّ العقد، بحيث يريد أن يتمّم بالإجازة ذاك المعنى من الكشف الحقيقي.

ثُمّ يقول ما مضمونه(1): إن العقود على قسمين: قسم للزمان فيه دخل كالمتعة والإجارة، وقسم لا يكون كذلك كالبيع والعقد الدائم.

أما الأوّل كما إذا آجر فضولة وانقضى ستة أشهر، ثُمّ أجاز المالك، فحيث إنَّه أجاز مضمون العقد ولا معنى للتفكيك في مضمونه؛ فلذا هو يجيز تمام المدّة، بل الأمر كذلك حتى لو كانت المدّة كلّها منقضية، وما هو منشأ انتزاع المالكية وهو العقد الملحوق بالإجازة يحدث بعد الإجازة بالاعتبار.

ثُمّ يُشكل على نفسه(2): أنه كيف يمكن هذا؟ فإنه قبل الإجازة كانت ملكاً لصاحب المال، والزوجية لم تكن متحقّقة، وفي نفس الوقت كانت مملوكة لشخص آخر والزوجية متحقّقة. 

ويقول: لا محذور فيه؛ لأن وقت الاعتبار وقتين ومنشأ الاعتبار أوّلاً لم يكن موجوداً، وبعده أصبح موجوداً.

 ثُمّ يقول: وإن الملكية الدائمة والعقد الدائم كذلك؛ لأنه ينشىء الملكية المرسلة اللامحدودة بحدّ، وأنت تجيز الملكية المرسلة، وهي الملكية الواقعة من الأوّل. 

ثُمّ يقول: بأن هذا لا إشكال فيه وعلى القواعد.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) اُنظر: المصدر المتقدم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [نقل مقالة المحقق الأصفهاني]

الشيخ محمد حسين(1) يصدّق كلام أساتذه الآخوند من الناحية العقلية، ثُمّ يُشكل عليه من ناحية انطباقه على القواعد.

يقول: الملكية والزوجية ونحوها لو كانت من المقولات الحقيقة، لا يمكن أن نقلبها من حال إلى حال، وكذلك إذا كانت من الانتزاعيات ولها منشأ انتزاع، فإنه أيضاً لا يمكن، وأما إذا كان من الأمور الاعتبارية، فلا مانع منه؛ لأنه ليس من الحقيقة، بل قلب العناوين، يعني إلى الآن كان عقداً فضولياً والمالك لم يجز، فمن هنا كانت العين على ملكية صاحب المال، وبعد الإجازة انقلب العنوان من العقد غير المجاز إلى العقد المجاز، وبما أنَّه أمر اعتباري فلا مانع أن تعتبر هذا الشيء من الأوّل لذاك الإنسان.

 ثُمّ يقول(2): إنه لا فرق المنافع المستقبلية المتأخّرة كما في الإجارة، والمنافع الماضية، ثُمّ يبدأ بمناقشة قول الآخوند بأنَّه على القواعد.

[النظر فيما أفاده المحققان الآخوند والأصفهاني]

الآن نرى أن القائلين بالكشف الحكمي ويريدون به أن الإجازة تثمر نفس ثمرة الكشف الحقيقي، وهو كون المال قد انتقلت ملكيته من الأوّل، وهم 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 145-147، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالإجازة يعملون هذا الأثر من الأوّل، وهو الذي يكون كشفاً حقيقياً كالحكمي، أو يقولون: إن المنافع يعتبرون لها نحو من الاعتبار وينقلونها، وهذا لا يناسب أن يكون من الأوّل، فمرادهم لا بُدّ أن يكون الأوّل.

أما بالنسبة إلى المستقبل كملكية المستأجر للمنافع المتأخّرة، فقد كانت المنافع مملوكة لي، وإذا آجرتها فأنا لست مالكاً والآخر أصبح مالكاً للمنافع الآتية، إذن فلا إشكال في المنافع الآتية، مع غضّ النظر عن إشكال ملكية المعدوم والتخلّص منه بوجه ما.

وأما في المنافع السابقة، فلا بُدّ أن تقول: إنه كان مالكاً في الزمان الماضي، وأصبحت مالكاً في الزمان الماضي؛ لأن الزمان الماضي قد تقدّم وكانت العين ملكه، وكان قد استوفى المنفعة، وكان الاعتبار يقتضي كونها ملكه، وأنت الآن تريد أن تقول: إن لم يكن مالكاً فنجعل الاعتبار لا اعتبار. أو تقول: أنت من الآن لم تكن مالكاً في السابق.

نقول: ما اعتُبر ملكاً لي وكان تصرّفي فيه صحيحاً والتلف منه تلفاً منّي وخسارته عليّ، تريد أن تبدّله أنه لا ملكك ولا تصرّفك فيه صحيح ولا خسارته عليك. فهذا نفس ما يقال في الكشف الحقيقي، لكن تعمله الآن بالإجازة، ففي الوقت الذي كان ملكاً له لم يكن ملكاً له، كيف يمكن تصور ذلك؟ ومجرّد كونه أمراً اعتبارياً لا يتمّم المطلب.

وإذا سلّمنا ذلك وغضضنا النظر عن هذا الإشكال، لا يرد الإشكال الذي يذكره الآخوند من أنَّ الآثار الموجودة فعلاً، وهو التلف، تلف اعتباري لا تلف حقيقي.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: إنه بعد الانقلاب -إذا سلّمناه- يصبح تلفاً في ملكك، فإن التلف تكويناً وقع بالعين، ولكنّ هذه العين حين كانت ملكي كان التلف في ملكي، وحين أصبح ملكك أصبح التلف في ملكك. فلا يرد إشكال الآخوند فإنّا لا نريد تتميم تلف اعتباري، بل تلف حقيقي في ملكك بعد الانقلاب الاعتباري، كان التلف في ملكه فأصبح تلف في ملكي.

وأما قول الآخوند بأن هذا مطابق للقواعد، فهل تريد من ذلك أن العقلاء يوافقون عليه، ففيما إذا أجرت منافع السنة السابقة هل يقبله العقلاء؟ أما المنافع المتأخّرة فهي وإن كانت معدومة، لكنّها في عهدة الوجود وممكنة الاستيفاء. وأما المنافع التي لا يمكن أن تتحقّق أصلاً كالمنافع السابقة فلا يمكن للعقلاء أن يوافقوا على مثل هذه الإجازة، وأما لو كان قد انقضى ستة أشهر من السنة، وآجرت الدار من أوّل السنة إلى آخرها بما فيها الستة أشهر المنقضية، فالعقلاء إما أن يروا التجزئة في العقد، فيرونه نافذاً من الآن فصاعداً، وإما أن لا يروا ذلك فيعتبرونه باطلاً، وأما (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) فهي لا تريد أن تنقّح أموراً غير عقلائية، وتجعل المنافع المعدومة في ملكه، وإذا تمّمته في المدرسة بأدقّ الوجوه، فهو في النتيجة ليس وجهاً عقلائياً ليكون مشمولاً للعموم.

أما تصحيح الإجازة مع إلزام المالك ببدل المنقصة الفائتة وإلزام المستأجر بتمام المسمّى، فهو ليس أمراً عقلائياً ولا شرعياً.

إذن لا الكشف الحقيقي ولا التعبّدي شيء موافقاً للقواعد، وما تقتضيه القواعد هو أن العقد يعتبر العقلاء المنشأ فيه البقاء، وينفذ من حين الإجازة، 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ومن الآن أصبح عقدك باصطلاحهم، وأصبح عقداً مجازاً باصطلاحنا.

لكن في باب الفضولي وقعنا في مقابل روايات صحيحة وعليها العمل، كصحيحة محمد بن قيس(1)(2)

وفيها: أن الأب أجاز بيع ابنه للجارية، فهذه الإجازة التي قالها عملت عملاً في السابق، يعني هذا الولد تولّد في ملك الغير، وهو نماء مال الغير من الآن، بعد الإجازة أصبح الطفل السابق ملكاً له.

ومنها: روايات في باب النكاح(3)، مضمونها أنه إذا زوّج وليّان صبيين صغيرين، إذا كبر واحد منهما وأجاز ومات، عزل ميراثه، فإذا كبر الآخر وأجاز يحلف على أنَّه ما أجاز من أجل أخذ الميراث، فيحلف ويأخذه، فما هي مداليل هذه الروايات؟ وهل مدلولها مخالف للقاعدة، وهل هناك طريق للتخلّص؟

ظاهراً لا إشكال في أن تمام الطرق التي عملها الفقهاء للكشف، كان 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

() الكافي 10: 206-210، كتاب المعيشة، الباب 93، الحديث 12، الاستبصار 3: 205، كتاب النكاح، الباب 127، الحديث 9، تهذيب الأحكام 7: 488، كتاب النكاح، الباب 41، الحديث 168، وسائل الشيعة 21: 203، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(2) وذكر السيد مضمونها وسنذكرها بنصّها في محاضرة غد إن شاء الله تعالى. (المقرِّر).

(3) الكافي 10: 772، كتاب النكاح، الباب 64، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، وسائل الشيعة 21: 326-327، الباب 58، من أبواب المهور، الحديث 2، و26: 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لأجل أن أمامهم الروايات الخاصّة، فقال قوم: إنه نقل من الأوّل؛ لأنه إجازة لمضمون العقد، نظراً للنظر العرفي العادي، وبعضهم قالوا بالشرط المتأخّر ونحوه، وكلّ ذلك للروايات، ولولاها لقال الناس بالنقل.

كل ذلك مخالف للقواعد؛ لأن الشرط المتأخّر -سواء على الذي تصوّرناه، أو الذي تصوّره آغا ضياء(1)– معلوم أنه ليس باب المعاملات مبتنياً على مثل هذه المسائل الدقيقة، وكذلك عنوان التعقّب بالإجازة، فإن الإجازة بوجودها وقبل وجودها لا عنوان التعقّب.

أو قيل كما في (الجواهر)(2) و(جامع المقاصد)(3): أن الإجازة إجازة للعقد الذي سبق.

وجوابه: ما ذكره الشيخ(4) من أنَّ مضمون العقد هو المبادلة بين العينين 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الأُصول 3: 39، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الرابع: في بعض تقسيمات المقدّمة، مناهج الوصول 1: 336، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الثالث: في تقسيمات المقدّمة، وغيرهما.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 22: 285-286، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

(3) اُنظر: جامع المقاصد 4: 75، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

(4) راجع كتاب المكاسب 3: 399-400، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ليس إلّا، وليس أن في مضمونه إرسالاً كما يقول الآخوند(1).

فإذا كان النقل وسواه من الأقسام مخالفاً للقواعد، فلا بُدّ من دليل خاصّ لرفع اليد عنه، ولا بُدّ من مراجعة الروايات المستشهَد بها للنقل من الأوّل، أما حقيقة أو تعبّداً، وذلك لنظرين:

الأوّل: أنه هل يُستفاد منها الكشف أو لا؟

ثانياً: لو كان يُستفاد الكشف، فهل يُستفاد قسم خاصّ من الكشف؟

رواية محمد بن قيس والتعليق عليها

محمد(2) بن الحسن بإسناده، عن علي بن الحسن بن فضال، عن سندي بن محمد، وعبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر، قال: “قضى أمير المؤمنين في وليدة باعها ابن سيّدها وأبوه غائب، فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً، ثُمّ قدم سيّدها الأوّل فخاصم سيّدها الأخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك وابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه، -يعني الذي باع الوليدة -حتى ينفذ لك ما باعك، فلمّا أخذ الابن، قال أبوه: أرسل ابني. فقال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني. فلما رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه(3).

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 61-62، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

(2) ص126، ج 3. (المقرِّر)

(3) الكافي 10: 209-210، كتاب المعيشة، الباب 93، الحديث 12، الاستبصار 3: 205، كتاب النكاح، الباب 127، الحديث 9، تهذيب الأحكام 7: 488، كتاب النكاح، الباب 41، الحديث 168، وسائل الشيعة 21: 203، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقال السيّد عن سندها: إن رواتها كلّهم ثقات إلّا علي بن فضال، فإنه فطحي مقبول الرواية(1)، على أنها منقولة من طريق آخر فيه علي بن إبراهيم، وهو طريق صحيح(2).

قالوا: إنها بعدّة طرق تدلّ على الكشف أو على حكمه:

أحدها: ما أشار إليه المرحوم النائيني(3) في خلال كلماته: أنه حين أجاز تترتّب الآثار التي يمكن ترتّبها مثل تحليل الابن في رواية الوليدة، وهي هذه الرواية، وهذا الوجه موجود في كلمات شيخ الطائفة(4) إن الإجازة سبّبت تمامية المطلب من الأوّل، فصار مالكاً بالإجازة.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) رجال النجاشي: 257-258، باب العين، الرقم 676، الفهرست للشيخ الطوسي: 92، باب العين، باب علي، الرقم 381، معالم العلماء (لابن شهر آشوب): 65، باب العين، فصل في علي، الرقم 438، نقد الرجال 3: 245، باب العين، الرقم 3541، معجم رجال الحديث 12: 358، باب العين، الرقم 8019.

(2) كما أورده المرحوم الكليني في جامعه الشريف الكافي، فراجع ما تقدّم آنفاً.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 241، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

(4) أُنظر: الاستبصار 3: 205، كتاب النكاح، الباب 127، الحديث 739.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذا غير صحيح؛ لأن العقد الذي عمله وإن لم يكن صحيحاً، ولكنّه وطء شبهة وليس بزنا؛ لأنه كان يتخيّل نفسه مالكاً، وعلى أيّ حال حكمه هو هذا -يعني كون الولد حرّاً- سواء أجاز المالك أو لا، غاية الأمر بما أنَّه نماء مال الغير وقد أتلفه على صاحبه يغرم قيمته له.

[الاستدلال برواية سماعة]

الآن أقرأ عليكم هذه الرواية: عن أحمد بن محمد، عن أبي أيوب، عن سماعة، قال: “سألت أبا عبد الله عن مملوكة أتت قوماً وزعمت أنها حرة، فتزوّجها رجل منهم، وأولدها ولداً، ثُمّ إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البيّنة أنها مملوكته، وأقرّت الجارية بذلك، فقال: “تدفع إلى مولاها هي وولدها، وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه. قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤدّيه ويأخذ ولده. قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال: فعلى الإمام أن يفتديه ولا يُملك ولدُ حرٍّ(1).

فهو بالآخرة حرّ على أيّ حال، غاية الأمر أنه مربوط بتلك الغرامة التي تُعطى، لا أنه يجب أن يشتريه أبوه ليحرّره، وإذا لم يعمل الأب ذلك فالإمام يعمله؛ لأنه “لا يُملك ولد حر”.

وفي تمام الروايات ورد وجوب دفع قيمة الولد، فليست أن الإجازة عملت ذلك، بل في باب وطء الشبهة لإماء الغير حكمه أن يكون الولد حرّاً 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

()ص145، ج3. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

منتسباً إلى أبيه، ولكن بما أنَّه نماء مال الغير وأتلفه عليه، أو أنه تصرّف في الرحم بنحو من الأنحاء -على ما يقول بعضهم-؛ لذا وجب عليه أن يغرم مقدار من المال، لا أن الحرية وقعت بالإجازة.

وكذلك رواية: عن سليم، عن حريز عن زرارة، قال: ” قلت لأبي عبد الله: رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولاداً، ثُمّ إن أباها يزعم أنها له، وأقام على ذلك البيّنة، قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوّضه في قيمته ما أصاب من لبنها وخدمتها(1).

وعنه عن معاوية بن حكيم(2)، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله: في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثُمّ يجيء مستحقّ الجارية، قال: “يأخذ الجارية المستحقّ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أخذت منه(3) (4).

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() الاستبصار 3: 85، كتاب البيوع، الباب 57، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 83، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 71، وسائل الشيعة 21: 204-205، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 4.

(2) الظاهر أن نظر السيد إلى هذه الرواية لا إلى السابقة. (المقرِّر).

(3) ص147، ج3. (المقرِّر).

(4) تهذيب الأحكام 7: 82، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 67، الوافي 18: 750، كتاب المعايش والمكاسب، الباب 118، الحديث 3، وسائل الشيعة 21: 205، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الطريق الآخر: أن هذه الرواية ظاهرة بأن ثمن الولد لم يأخذه، ولا بُدّ أن لا يأخذه، فيعلم أن الولد ولده والجارية ملكه. 

الطريق الآخر: الذي أشير إليه في (الجواهر)(1): أن خدمة الجارية ولبنها ليس في الرواية أنه يدفع غرامتها، فيعلم أنها خدمته في ملكه.

والسكوت وحده غير كافٍ لكي نعتبر الرواية دالّة على العدم، بل لا بُدّ أن تكون الرواية في مقام بيان تمام أطراف الحكم. فنرى أنها هل تريد بيان القصّة كلها، أو تتعرّض إلى حكم الإجازة وحدها؟

[فقه رواية محمد بن قيس]

فخاصم سيّدها الأخير” ليعلم منه أن المسألة من باب القضاء، وهو واضح أيضاً من هذه الرواية في قوله “قضى أمير المؤمنين”.

فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني” أيّ مسألة شرعية أو قضائية تقتضي أنه بمجرّد أن يدّعي ذلك يقول له: “خذ وليدتك وابنها“؟ فإن المسألة الشرعية تحتاج إلى ثبوت، والمسألة القضائية تحتاج إلى بيّنة ونحوها، ومجرّد الدعوى لا يمكن أن يكون موضوعاً لا للحكم الشرعي، ولا للحكم القضائي. إذن، فالرواية لم تكن في مقام بيان جميع الحوادث، وإنما نفهم منها وقوع المحاكمة في الجملة.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 286-288، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فناشده المشتري” لشوقه إلى المرأة أو الولد، أو كِليهما، فأراد الإمام أن يدلّه على طريق لإلزام المالك على الإجازة، فأمره بأخذ ابنه، وهذا صحيح في باب القضاء، وخاصّة أن إذن الإمام موجود. ولَـمّا نظر المالك الأوّل إلى نفسه -بعد حبس ابنه- وجد أن أخفّ المحاذير بالنسبة إليه هو أن يجيز البيع، وإلّا دار أمره بين بقاء ابنه محبوساً أو يدفع قيمة ابن غريمه، فكانت إجازة العقد أخفّ المحاذير عليه.

إذن فالرواية ليست في مقام بيان تمام كيفية المطلب، لنفهم منها أن خدمتها أو لبنها كيف يكون، فقط تريد أن تقول الرواية: إن البيع يصحّ بالإجازة، فمن أين يثبت بهذه الرواية أن هذا كشف وليس نقلاً من حين الإجازة؟

صحيحة أبي عبيدة الحذاء 

في أبواب ميراث الأزواج، باب11، محمد بن يعقوب بسند صحيح، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: ” سألت أبا جعفر عن غلام وجارية زوجّهما وليّان لهما وهما غير مدركَين، قال: فقال: النكاح جائز أيّهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا. قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه إن هو رضي. قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح ثُمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك، وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثُمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر. قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا؛ لأن لها الخيار 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذا أدركت. قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية(1).

فيستفاد من هذه الرواية أنه عقد فضولي، وبالإجازة يصحّ من الأوّل، ولهذا فإن الزوج بالرغم من أنَّه مات قبل الإجازة، مع ذلك تجيز الزوجة وتأخذ الإرث، وهذا لا يكون إلّا على الكشف أو النقل من الأوّل.

الآن نحاول فهم هذه الرواية -وقد كنا تعرّضنا لها وحاولنا تأويلها- لنرى أن شيئاً خلاف القاعدة هل يمكن إثباته بهذه الرواية أو لا.

(زوجّهما وليّان لهما): نفهم منها الولي الشرعي، وخاصّة في سؤال أبي عبيدة الحذاء من أبي جعفر، وقد كان واضحاً في ذلك العهد أن ولي النكاح للصغير هو الأب والجد.

فقال: النكاح جائز“: ظاهره أنه نافذ فعلياً لا نافذ حيثياً.

 “أيّهما أدرك كان له الخيار“: يعني حقّ الفسخ، فيكون العقد صحيحاً فعلياً ولكنّه خياري، هكذا نفهم الرواية إلى الآن. 

وأما إذا أردنا حملها على خلاف الظاهر فلا بُدّ أن نتصرّف في ثلاثة موارد منها:

أحدها: حمل الولي على الولي العرفي دون الشرعي، فما هو ولي ليس بمراد 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 772، كتاب النكاح، باب تزويج الصبيان، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، وسائل الشيعة 26: 219، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وما هو مراد ليس بولي. ونخرج ما هو أولى بالولاية من غيره وهو الأب والجد عن تحت التعبير ونخصّ المراد بغيرهما. على الأقل قولوا إن المراد أعمّ من الولي الشرعي والعرفي.

ثانيها: حمل الجواز في قوله “النكاح جائز” على الجواز الحيثي، مع إمكان أن تلحقه الإجازة، مع كونه ظاهراً بالفعلية، فقوله: “الصلح جائز بين المسلمين(1) يعني صحيح فعلاً وليس حيثياً.

ثالثها: حمل الخيار على خيار الإجازة مع أنه ظاهر بخيار الفسخ، فيكون عقداً صحيحاً فعلياً لكنّه عقد خياري.

ونحن حين كنّا نريد تطبيقها على القواعد كنا نقول: إنه ورد في آخرها: “فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الأب” ولم يقل إنه عقد خياري، فيفهم من ذلك أن المراد بالولي أوّلاً هو الولي العرفي.

 نقول: غاية ما يستفاد منه أن للأب خصوصية في مقابل ما يراد من الولي في صدر الرواية، وهو الجامع بين الأب والجدّ والقيم والحاكم. على أنَّنا يمكن أن نفهم من قوله “جائز” أنهما -يعني الولي والأب- مثلان في الحكم.

ولا يخفى أن علمنا من الخارج بأحكام النكاح وأنحاء ولاية الأب وغيره، 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) الكافي 14: 653، كتاب القضاء والأحكام، الباب 9، الحديث 1، من لا يحضره الفقيه 3: 32، باب الصلح، الحديث 3267، تهذيب الأحكام 6: 226، كتاب القضايا والأحكام، الباب 88، الحديث 1، وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لا يصرف الرواية عن ظاهرها، غاية الأمر لك أن تقول: لا بُدّ أن نرفع اليد عن ظاهرها فلا نعمل بها، وإذا كان ظاهرها مطروحاً فهل تكون حجّة عند العقلاء بحيث تحوّل أوضاع السوق في العالم؟

[التحقيق في دلالة الرواية]

كان الكلام فيما نفهمه من رواية الحذاء، من دون النظر إلى فتاوى الآخرين أو الروايات الأخرى، ودائماً لا بُدّ أن ينظر الإنسان إلى أيّ رواية هكذا ليعرف دلالتها مع غضّ النظر عما يعرفه من الخارج. وإذا كان هناك رواية أخرى فلا بُدّ أن تلاحظ هكذا أيضاً، وبعد ذلك تصل النوبة إلى الجمع ما بينهما إن كان بينهما جمع عرفي. لا أن يقال: بأن معنى الرواية هو هذا لأن الفقهاء أفتوا بكذا، أو لأنه من المسلّم في الفقه كذا، فإنه يقال: إذا كانت مخالفة للمتسالم عليه: فنرى أنها هل يمكن إرجاعها إلى ما هو المتسالم بحيث يبقى الكلام عقلائياً، فنرجعها إلى فتاوى الفقهاء؟ وإذا لم نستطع أن نجعل دلالتها تطابق مضمون كلامهم، بل يقال: إن هذه الرواية بهذا المضمون ليست مورداً لفتوى الفقهاء وقد أعرضوا عنها، وبذلك ندخل في بحث الإعراض.

فلا بُدَّ أن نحاول فهم هذه الرواية مع عدم أيّ مطلب آخر: “النكاح جائز، وأيّهما أدرك كان له الخيار”: وهو يعبّر عنه بكونه جائزاً قبل الإجازة، فمعناه أنه نافذ ولهم حقّ فسخه.

فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا“: نفهم منه بعد ذلك الظهور أن العقد الخياري المتزلزل لا مهر فيه ولا 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ميراث، “إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا” وحينئذٍ يخرج العقد من التزلزل وتترتّب عليه تلك الأحكام، هذا هو الظاهر. والرضاء وإن قيل أنه بمعنى الإجازة، ولكن الرضا بالخيار أيضاً وارد في مثل قوله: “فهو رضاً منهما”(1).

“قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر، قال: يجوز ذلك عليه إن هو رضي“، و(يجوز) هنا لا بُدّ أن يراد بها غير ما يراد من كلمة جائز السابقة، فإنه حين قال: “جائزٌ: وأيّهما أدرك كان له الخيار“، كان قبل الإجازة، فإذا أردنا حمله على الفضولي، فـ(جائز) الأولى يكون المراد به ما كان في مقابل الصحيح الفعلي، و(يجوز عليه) يكون المراد به أن العقد بالإجازة يحصل له الجواز الفعلي، وهذا غير معقول، إذ لا يعقل أن يحصل للعقد الفضولي الجواز الفعلي من طرف واحد، بل العقد إما أن يكون جائزاً فعلاً من طرفين أو لم يكن كذلك من الطرفين أيضاً، إلّا أن نؤوله ونعكسه إلى معنى: أنه لازم عليه ولا يتمكّن من الرجوع.

وأما إذا حملناه على العقد الخياري فيكون من كونه جائزاً ولهم الخيار أنه عقد نافذ وجائز على الطرفين فعلاً، ولكنّه قابل للحلّ من الطرفين ويكون المراد من قوله: (يجوز عليه) أنه لا يكون لهذا الطرف حقّ الخيار بعد رضاه، فيكون المراد به أن يكون العقد خيارياً من طرف واحد، فلا يلزم الالتزام بخلاف الظاهر، بخلاف ما إذا حملناه على الفضولي، فإنه لا بُدّ من حمله على 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 292، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 47، عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 313، باب النكاح، الحديث 146، وسائل الشيعة 20: 294، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 14، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نحو من أنحاء خلاف الظاهر.

فكأنه هكذا قال: أوّلاً العقد جائز من الطرفين ولهما الخيار، وبعد أن يرضى أحدهما يكون لأحدهما(1) الخيار، ومع ذلك لا زال في العقد نحو من التزلزل لقدرة الآخر على الفسخ.

“قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضى النكاح، ثُمّ مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم“: هل ظاهرها بأنَّها ترثه بالفعل أو أنه إرث على تقدير، وذلك أنه إرث متزلزل بتزلزل العقد؟ فالنكاح نكاح تامّ يقتضي نصف المهر والإرث، فإذا رضى بالعقد أصبح العقد لازماً غير متزلزل وأصبح الإرث لازماً أيضاً، وهذا ظاهر من قوله: “يعزل ميراثها منه حتى تدرك” فهو ميراثها بالفعل لا أن مقدار من المال سوف يكون ميراثاً.

وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج“: ظاهر في أن العقد الذي وقع خيارياً يعطى به نصف المهر والميراث لكن متزلزلاً، فلا بُدّ من حفظ المال إلى حين؛ لكي نعلم أنه ماذا يحدث هل يجيز أو لا؟

فإذا رضى بثمن العقد وتعطيه الميراث، وأما إذا لم يرضَ لا يأخذ الميراث، فهي ترثه؛ لأنها زوجته فعلاً، ولكنّه لا يستقرّ إلّا برضاها. 

هذا هو ظاهر الرواية، فليست المسألة مسألة فضولي ولا أن الكشف كشف من السابق.

ــــــــــ[86]ــــــــــ

() وهو الذي لا زال صغيراً (توضيح). (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أقول: لم يُعلم الوجه الفنّي في استفادة أن العقد الخياري صحيح فعلياً، ولكنّه لا يترتّب عليه الأثر والحكم الشرعي إلّا بانقضاء الخيار وإسقاطه. مع أن لفظ الخيار الوارد في صدر الرواية مجمل، ومناسب مع الخيار بإسقاط الخيار أو الخيار بإجازة الفضولي، وهذه الاستفادة مبنيّة على مسلك فقهي شاذّ في البيع ونحوه من أنَّ العقد الخياري لا يكون موضوعاً للأثر الشرعي إلّا بعد انقضاء مدة الخيار، ولا تكون العين ملكاً للمشتري إلّا بذلك، وهذا المسلك خلاف التحقيق، وحتى أن السيّد لا يعترف به؛ إذ المشهور والمحقّق هو أن العقد مقتضٍ تامّ للنقل والتأثير سواء كان في زمن الخيار أو بعد انقضاء مدته.

ومن التهافت أن يقال إنَّ العقد صحيح فعلياً، ولكنّه لا يكون موضوعاً لترتّب الأحكام، بل إنَّ العقد إما أن يكون فعلياً وموضوعاً لترتّب الأحكام، أو لا يكون صحيحاً فعلياً حتى لا يكون موضوعاً للأثر.

فمن هنا يقع التساؤل على هذا المبنى في عدّة نقاط في الرواية:

الأولى: “إن ماتا قبل أن يدركا” فلماذا حكم بأنه لا ميراث بينهما ولا مهر؟ مع أن المستفاد من الرواية أن العقد صحيح فعلياً -على الفرض- وكونه خيارياً لا يقتضي ذلك، فلو تلفت العين عند المشتري في زمن الخيار تحسب عليه لا محالة، ولم يفتِ فقيه بأنَّها تحسب على البائع(1).

الثانية: أنه لماذا أمر بعزل الميراث؟ ولو كان العقد صحيحاً فعلياً صادراً 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() خاصّة إذا كان الخيار للبائع، وكذلك فإن المنافع والثمرات للمشتري دون البايع. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من وليّين شرعيين على ما يحاول السيّد إثباته لكان مقتضى القاعدة أن ترثه بنفس العقد، سواء أجاز بعد ذلك يعني أسقط خياره في الفسخ أو لا، ولم يلزم الانتظار.

الثالثة: أنه نفى الميراث فيما إذا ماتت الجارية ولم تكن أدركت؛ لأن لها الخيار إذا أدركت، فلو كان العقد صحيحاً والخيار خيار الفسخ لكان الميراث نافذاً ولا وجه لعدمه.

فيدل كلّ ذلك على أن عدم ترتّب هذه الأحكام نتيجة عدم وجود العقد الصحيح الفعلي أساساً، وإنما الموجود هو الوجود الإنشائي الاقتضائي له الذي لا يصحّ ولا يلزم إلّا بالإجازة، فإن لم يلزم كان عدم ترتّب الأحكام الشرعية والآثار على القاعدة.

وحينئذٍ يكون جميع الكلام المتأخّر في الرواية من قبيل القرينة المتّصلة على أن المراد بالولي من لا يكون عقده نافذاً(1) فعلاً، وإلّا لم يحكم الإمام بعدم ترتّب الآثار على عقده، ولا يكون فيه حزازة كما أشار إليه السيّد، غايته الاعتراف بالمجاز والتوسّع القائم عليه القرينة.

ولكن مع ذلك يمكن ألّا يستفاد منها الكشف، وذلك بتقريب: أن العقلاء يعتبرون للمعنى الإنشائي الاقتضائي نحو وجود مستمرّ إلى حين الإجازة -كما قال السيد- وحين تلحقه الإجازة ويكون أحد الزوجين قد رضى ومات فيكون بهذا العقد مقترناً بإجازة كِلا الزوجين، وتكون إجازة الثاني 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() بل متوقّف على الإجازة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الجزء الأخير من العلّة في النقل. وهذه الإجازة الناقلة تحدث زوجية لولائية، بمعنى أن الزوجين لو كان كِلاهما حيّاً لكان عقدهما صحيحاً فعلياً. وهذا معنى (أنها تحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج)، يعني التزويج اللولائي، وإلّا فالتزويج الفعلي غير موجود تكويناً ومن اللّغو القَسم على الرضاء به، هذا ولكن من ناحية الإرث يكون إرثاً فعلياً، فبعد هذا القَسم الذي تحلفه الزوجة تأخذ حصّتها من الإرث، وإنما عُزل وحُفظ لها باعتبار احتمال انتقاله إليها بإجازتها.

نعم، كان من الممكن تقسيم هذا الميراث قبل الإجازة بين سائر الورثة، إلّا أن الشارع حيث أراد حفظ حقّ هذه الزوجة ذات العقد الإنشائي أمر لها بحفظ حصّتها؛ رأفةً بها وشفقةً عليها، لكي تكون زوجة وارثة. فتأمّل في هذا التقريب، فإنه إن لم يتمّ يتعيّن استفادة الكشف من الرواية.

هذا والسيّد بعد أن أراد التخلّص من الكشف ومن تأثير الإجازة في الزمان الماضي، وقع بمثله في الفسخ، فإن الفسخ إذا كان من حينه، وكان العقد سابقاً صحيحاً باعتبار صدوره من الولي الشرعي – كما يميل السيّد إليه-، كان مقتضى ذلك حدوث الزوجية بالفعل، واستحقاق المهر والإرث، سواء أجاز الطرفان أو لم يجيزا(1). وإنما ينفي الفسخ أثر العقد إذا كان فسخاً للعقد من الأوّل لا من حين الفسخ، يعني تأثيره في الزمان الماضي -وهو ما هرب منه 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() باعتبار أن الموت حدث في زمن الزوجية الفعلية والفسخ في حينه لا من الأوّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

السيّد- فيكون حينئذ للانتظار وجه صحيح؛ إذ إنَّنا قبل الإجازة نحتمل عدم وجود العقد أصلاً، لاحتمال أنهما أو أحدهما سوف يفسخ، وينكشف أن العقد لم يكن ولا تكون الحصّة ميراثاً، ولا المهر مستحقّاً، كما يحتمل أنهما سوف يجيزان، وينكشف أن العقد تامّ وصحيح من الأوّل، فيستحق المهر والإرث، انتهى ما أقوله.

ولا يمكن لا على الكشف الحكمي(1)، ولا على مسالك أخرى في الكشف، أن يرثها فعلاً، مع أنه ظاهر بالفعلية، وعزل المال دليل على أنَّه مالها لكنّه غير مستقرّ، لا يجوز للغير التصرّف فيه لاحتمال أنها تجيز، ولا لها التصرّف فيه لاحتمال أنها لا تجيز فيبقى موقوفاً على إجازته.

“قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لأن لها الخيار إذا أدركت“. بناءً على الفضولي لا بُدّ أن يقال: لا؛ لأن الزوجية غير متحقّقة(2) والمقتضي غير موجود، وإنما قال: “لأن لها الخيار“؛ لأن العقد بما أنَّه خياري فلا ميراث لها.

هذا هو ظاهر الرواية في نفسها بقطع النظر عن فتاوى الفقهاء والروايات الأخرى. وأنت تريد صرفها عن ظاهرها وتقول: بأنَّ المراد من الولي هو الولي العرفي غير الشرعي. والمراد بالنفوذ النفوذ الولائي لا الفعلي، والمراد من الخيار 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() قال السيّد: (المقرِّر).

(2) هذا بناءً على النقل، وأما بناءً على الكشف فالإجازة كاشف عن سبق الزوجية حقيقة أو حكماً، فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يعني الإجازة، ومن قوله (ترثه) يعني بعد ذلك، كلّ هذا غير تامّ وخلاف الظاهر.

ثُمّ إنَّكم لا بُدّ أن تتمّموها على الفضولي في باب النكاح، ثُمّ تسرونها منه إلى تمام أبواب الفقه، أو تقولون: إنه كشف لا نقل. والروايات الأخرى فيها الإشارة إلى الخيار، وإن كانت الفتوى على أن الولاية في النكاح للأب والجد دائماً، وللوصي والحاكم في بعض الأحيان، إلّا أن الفتوى لا تجعل الرواية ظاهرة(1) في شيء ما، فإنك تريد أن تجعل ظاهرها حجّة، لا فتاوى الفقهاء حجّة. ولو تمّ لكان شيئاً على خلاف القاعدة في كتاب النكاح، فهل يمكن تسريتها إلى كلّ المعاملات كالبيع وغيره؟ لا يمكن ذلك. وإن كان في الفتاوى والروايات الأخرى الأمر بعزل الميراث، إلّا أنه لا يُعلم أنه من جهة كونه عقداً فضولياً أو من جهة كونه عقداً خيارياً.

الآن إنصافاً لا يمكن الاستفادة من هذه الروايات. 

صحيحة الحلبي 

الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن علي بن الحسين رباط، عن ابن مسكان، عن الحلبي (صحيحة)، قال: “قلت لأبي عبد الله: الغلام له عشر سنين فيزوّجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما تزويجه فهو صحيح، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك فيعلم أنه كان قد طلق. فإن أقرّ بذلك وأمضاه فهي واحدة بائنة، وهو خاطب من 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() إلّا على مبنى كون كلام الشارع كلّه كأنّه قادر في مجلس واحد، فيكون بعض الروايات بل الأحكام قرينة على بعض. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الخطاب. وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهي امرأته. قلت: فإن ماتت أو مات؟ قال: يوقف الميراث حتى يُدرك أيهما بقي، ثُمّ يحلف بالله ما دعاه إلى الميراث إلّا الرضا بالنكاح ويُدفع إليه الميراث(1).

(أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين)؟ فيه احتمالان: احتمال طلاق الأب، يعني كما يجوز نكاح الأب يجوز طلاقه(2). واحتمال طلاق الابن نفسه. “فقال: أما تزويجه فهو صحيح وأما طلاقه” يعني أما طلاق الأب وأما طلاق الولد وهو ابن عشر سنين، وهي مسألة معنونة وقد وردت فيها روايات… “فيعلم أنه قد طلق”(3)، يعني الأب أو هو يعني نفس الأب، “فإن أقرّ بذلك وأمضاه فهي واحدة بائنة… وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهي امرأته” فهو إما فضولي أو نظير الفضولي إن كان طلاق الولد؛ لأنه متوقّف على الإجازة.

تحبس عليه امرأته“: يعني افصلوا المرأة عنه، أو بمعنى دعوها موقوفة 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

() مَن لا يحضره الفقيه 4: 310، باب ميراث الصبيّين يزوّجان ثمَّ يموت أحدهما، الحديث 5665، الوافي 23: 1103، أبواب الطلاق، باب طلاق الصبي والمعتوه والسكران، الحديث 22847، وسائل الشيعة 26: 221، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 4.

(2) هذا غير محتمل، فإن سياق الرواية على إرجاع جميع ضمائرها إلى الولد دون الأب، كما هو واضح بأدنى تأمّل حتى في قوله: (تزوجه) فإنه مضاف إلى المفعول لا للفاعل. (المقرِّر).

(3) قال السيد في المحاضرة الآتية: إن الأظهر هو طلاق الولد. (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على الإجازة، فيقال: أنه حبسها لأجل هذه الجهة، وهي أنه لو أجاز يكشف عن أنها كانت امرأته من الأوّل، فلذا قال: ينبغي أن تحبس، وليس بواجب لجريان استصحاب بقاء الزوجية وعدم الطلاق، وربما ذلك للاحتياط المستحب في باب الفروج، فإذا أجاز وعلم أنها لم تكن زوجته بنحو الكشف الحقيقي وكان قد عمل(1) الملامسات من دون أن تكون زوجته، أو احتمال أن الزوجية متحقّقة الآن وقلنا بالنقل، لكن لو لامسها يحصل على المرأة نقص، فلذا ينبغي أن تعزل عنه.

فالرواية على صحّة الفضولي وغير دالّة لا على الكشف ولا على النقل، ولا يمكن استفادة أي منهما منها.

هناك روايات أخرى منها ما كان في باب الوديعة.

في ذيل صحيحة الحذاء(2) كلمة مخالفة لذيل صحيحة الحلبي، فإنه يقول في ذيل صحيحة الحذاء: “قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية“، وبمناسبة صدرها: (زوّجهما وليّان لهما… النكاح جائز وأيهما أدرك كان له الخيار)، فهنا إذ يقول: “يجوز عليها” يعني من دون خيار، وبعبارة أخرى: المراد 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() هذا معناه أن الشارع يحتمل الكشف الحقيقي، أو يعلم بصحّته، وإلّا لم يتمّ كلام السيّد. (المقرِّر).

(2) لخّص أوّلاً مسلكه في الإجازة وهو النقل من حينه، ثُمّ ذكر أنه تعرّضنا لصحيحة الحلبي وصحيحة الحذاء، وعرفنا أنهما غير دالّتين على الكشف.. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالصدر العقد الخياري، والمراد هنا العقد اللازم. وإذ حفظنا ظهور الوليّين لا بُدّ وأن نفصّل بين الأب والجدّ كما قيل به. وفي قوله: “يجوز عليها… ويجوز على الغلام” فيه تجوّز، ولا بُدّ أن نحمله على أن كلاً منهما زوّجه أبوه، لا أن أبا الولد زوّجهما معاً.

وفي صحيحة الحلبي: (أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما تزويجه فهو صحيح، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك فيعلم أنه كان قد طلق“. فإن مات أو ماتت قال: “يوقف الميراث حتى يدرك أيهما بقي…“.

فيأتي هذا المعنى، وهو أنه إذا زوّجه الأب أيضاً يكون العقد خيارياً، فهل نرجع هذه الرواية إلى تلك، ونقول إن المراد بالأب هو الجدّ وبه يتطابق الصدر مع الذيل في الرواية الأولى؟

صحيحة محمد بن مسلم 

وفي صحيحة محمد بن مسلم، (عقد الأولياء، باب6، رواية8) (1) قال: “سألت أبا جعفر عن الصبي يُزوَّج الصبية؟ قال: إن كان أبواهما اللذان زوّجاهما، فنعم جايز، ولكنّ لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بعد ذلك فإن المهر على الأب… “(2).

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() ص88، ج3 وسائل. (المقرِّر).

() تهذيب الأحكام 7: 382، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 19، الاستبصار 3: 237، كتاب النكاح، أبواب أولياء العقد، الباب 145، الحديث 4، وسائل الشيعة 20: 278، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 6، الحديث 8.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهو “جائز“: إما بمعنى العقود الجائزة، أو بمعنى أنه نافذ خياري وأما قوله: “فإن المهر على الأب“: أظنّ أن أصله: قال: (المهر على الأب)، و(إن) قد تشتبه مع (قال) في القراءة، وإلّا لا يكون التعليل صحيحاً.

وبناءً عليه تتعارض هاتان الروايتان؛ لأن صحيحة الحلبي دالّة على عدم الخيار في تزويج الأب، وظاهر هذه الرواية وجود الخيار. وشيخ الطائفة(1) حملها على الجِدّ، وهو ليس جمعاً عقلائياً عرفياً. فلا بُدّ من التفصيل بين الأب وغيره، فالأب عقده خياري، وغيره عقده فضولي. ومما يؤيّد ذلك(2) ما تلاحظون في روايات زواج العبد والأمَة بدون إذن المولى، فإنه يقول: (ذاك إلى سيده إن أجاز جاز)(3)، وفي بعضها التعبير: بأن النكاح فاسد(4)، فتعبير(5) الفضولي هكذا، لا أن يقال: إنه جائز له الخيار.

فيقال: إن رواية ابن مسلم صريحة في أن لها الخيار، ورواية الحذاء دالّة
-باعتبار السياق- على عدم الخيار، فرواية ابن مسلم أقوى ظهوراً فيقدّم 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

() أُنظر: الاستبصار 3: 237، كتاب النكاح، الباب 145، الحديث 4.

(2) يعني: كون عقد الأب خيارياً. (المقرِّر).

(3) الكافي 11: 90، كتاب النكاح، الباب 119، الحديث 3، الوافي 22: 604، كتاب النكاح والطلاق، باب تزويج الإماء والعبيد، الحديث 10، وسائل الشيعة 21: 114، الباب 24، من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(4) راجع الرواية الواردة في المصادر المتقدّمة.

(5) يعني: التعبير عن العقد الفضولي في لسان الروايات. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ظهورها، ويقال إنَّ عقد الأب صحيح وفيه الخيار، وينتج من الجمع بين الروايات أن الأولياء عقدهم صحيح لكن فيه الخيار. ويظهر من الروايات أن الإرث يكون موجوداً إلّا أنه غير مستقرّ لعدم استقرار النكاح. ومجرّد أن الفقهاء يفتون في ولاية الأب بأمر لا ينقّح لنا ظهور في الرواية، غاية الأمر تكون الرواية معارضة مع فتاواهم.

بقيت قطعة من رواية الحلبي، وهي قوله: أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين، قال: فقال: أما تزويجه فهو صحيح، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك….”

فيقال: إنه لو لم يقع الطلاق من الأوّل بالإجازة لا داعي لأن تحبس عليه، وقلنا: إن هذا أمر استحبابي باعتبار المحافظة عن حصول الملامسة(1).

ــــــــــ[96]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى الفرق بين قوله: “تحبس عليه”، وبين قولنا: (تحبس عنه)، وما فهمه السيّد من وجوب الفصل بين هذين الزوجين مما يُفاد عادة بالعبارة الثانية دون الأولى. وأما العبارة الأولى الواردة في الرواية فتدلّ على لزوم حبسها على زوجها في مقابل إباحتها للأزواج بعد طلاقه؛ أذ من المحتمل أنه سوف يرفض الطلاق بعد بلوغه وتبقى زوجته، فكان مقتضى الاحتياط في الفروج أن تحبس وتمسك لأجله لتكون بعد ذلك زوجته. وأما إذا أجاز الطلاق فتحلّ للأزواج إما من حينه على القول بالنقل، أو من حين العقد على الكشف.

وإما كونها (تحبس عنه ويجب الفصل بينهما) فأمر غير متعرَّض له في الرواية وهو خلاف القاعدة بنظر السيّد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

رواية بريد الكناسي 

وفي الباب السادس من أبواب العقود السابق، رواية بريد الكناسي ويحتمل يزيد، وإن كان الأرجح هو الأوّل ولم يوثّق، قال: قلت لأبي جعفر: “متى يجوز للأب أن يُزوّج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جاوزت تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين. قلت: فإن زوّجها أبوها ولم تبلغ تسع سنين، فبلغها ذلك فسكتت ولم تأب ذلك، أيجوز عليها؟ قال: ليس يجوز عليها رضاء في نفسها، ولا يجدر لها تأبّ ولا سخط في نفسها حتى تستكمل التسع سنين. وإذا بلغت تسع سنين جاز لها القول في نفسها بالرضا والتأبي، وجاز عليها بعد ذلك، وإن لم تكن أدركت مدرك النساء.

قلت: أفتقام عليها الحدود وتؤخذ بها وهي في تلك الحال، وإنما لها تسع سنين، ولم تدرك مدرك النساء في الحيض؟ قال: نعم، إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وأُقيمت الحدود التامّة عليها ولها.

قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟

فقال: يا أبا خالد، إن الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يُشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك. قلت: فإن أُدخلت عليه امرأته قبل أن يدرك فمكث معها ما شاء الله، ثُمّ أدرك فكرهها وتأبّاها. قال: إذا كان أبوه الذي زوّجه ودخل بها ولذّ منها وأقام معها سنة، فلا خيار له إذا أدرك، ولا ينبغي له أن يرد على أبيه ما صنع، ولا يحل له ذلك.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قلت: فإن زوّجه أبوه ودخل بها وهو غير مدرك، أتقام عليه الحدود وهو في تلك الحال؟ قال: أما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجل فلا، ولكن يجلد في الحدود كلّها على قدر مبلغ سِنّه، يؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة، ولا تبطل حدود الله في خلقه، ولا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم.

قلت: جعلت فداك، فإن طلّقها في تلك الحال، ولم يكن قد أدرك، أيجوز طلاقه؟ فقال: إن كان مسّها في الفرج، فإنَّ طلاقها جائزٌ عليها وعليه. وإن لم يمسّها في الفرج ولم يلذّ منها ولم تلذّ منه، فإنَّها تعزل عنه، وتصير إلى أهلها، فلا يراها، ولا تقربه حتّى يُدرك فيُسأل ويُقال له: إنَّك كنت قد طلّقت امرأتك فلانة. فإن هو أقرّ بذلك وأجاز الطلاق، كانت تطليقةً بائنةً، وكان خاطباً من الخطّاب(1)

قال الشيخ: الوجه فيه أن نحمله على أن المراد بذكر الأب: الجدّ مع عدم الأب، فإنه إذا كان كذلك كان الخيار لها إذا بلغت، فأما الأب الأدنى فليس لها معه خيار بحال بلا خلاف. وقد جوّز هذا التأويل في الخبر الذي قبله أيضاً(2).

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() الاستبصار 3: 238، كتاب النكاح، أبواب أولياء العقد، الباب 145، الحديث 5، الوافي 21: 423، أبواب وجوه النكاح وآدابها وشرائطها وأحكامها، باب وليّ العقد على الصغار، الباب 11، الحديث 21467، وسائل الشيعة 20: 279، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 6، الحديث 9. 

(2) ثُمّ إنَّ السيّد قرأ عبارات هذه الرواية وعلّق ما يراه على جملة منها. فكان مما قال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مسّها في الفرج” أعمّ من الجماع، فلا يقال: إن غير المدرك يمكنه ذلك، بل المراد أنه يمسّ منها ما يحرم أن يلمسه دون نكاح. وهو يفصل بين ما إذا مسّها في الفرج فيكون طلاقه نافذاً، وبين ما إذا لم تلذّ منه ولم يلذّ منها فلا يكون طلاقه نافذاً، بل تعزل ويكون طلاقه موقوفاً على إجازته بعد أن يدرك.

وظاهره وجوب العزل فيقال: إنه بعد أن أوجب عزلها فظاهره أنه أخذ بالاحتياط في الفروج، قال السيد: 

ومقتضى القاعدة أنه لا يجب العزل حتى بناءً على الكشف الحقيقي، فإن السبب التامّ لم يتحقّق ويجري استصحاب بقاء الزوجية واستصحاب عدم الإمضاء، فمقتضاه أنه جائز إلّا أن ظاهره اللزوم.

وفي صحيحة الحلبي القول بأنه ينبغي ذلك وهو عرفاً يستعمل في الأفضل والأحسن، وهو إما أنه دالّ على الاستحباب فيكون معارضاً مع هذه الرواية، أو ننكر ذلك ونقول: أنه ظاهر في الرجحان فحسب، فيقال استدلالاً للكشف: إن طلاقها موقوف على الإجازة، وحين يجيز يكشف عن صحّة طلاقه من الأوّل، ومقتضى الاحتياط في الفروج هو العزل؛ ولذا أمر به وكان مطابقاً لمقتضى القاعدة.

وهو مضافاً إلى ضعف السند ظاهراً، نرى أنه هل يمكن أن تقف هذه الرواية أمام القواعد؟ ومن المحتمل أنه أمر بذلك لأجل أن لا تكون المرأة ملموسة لاحتمال أنه يجيز الطلاق، وهذا مناسب مع الكشف والنقل، مضافاً إلى الإشكالات التي اذكرها.

“قلت: متى يجوز للأب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها. قال: إذا جاوزت 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين” يمكن أن تُقرأ على نحوين:

الأوّل: وهو الأظهر أنه إذا جاوزت تسع سنين فللأب أن يزوّج ابنته ولا يستأمرها. وأما إذا زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين. وظاهره التفصيل بين البالغة وغيرها بهذا المعنى: أن البالغة يكون أمرها بيد أبيها محضاً، على حين أن غير البالغة لها حقّ الخيار بعد بلوغها. فتكون البالغة أسوء حالاً من غيرها، هذا هو الظاهر الابتدائي للرواية، ويبعد أن يكون فيه قائل.

الاحتمال الثاني: أنه شرع في الكلام فقال: (إذا جازت التسع فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان لها الخيار إذا بلغت التسع). فيريد أن يذكر الحكم الثاني فقط، وهو ما إذا زوّجها قبل البلوغ، ولا يذكر حكم ما أن بلغت.

وقوله: “إذا جاوزت تسع سنين” يكون مقدّمة لقوله: “فإن زوّجها…“.

ولكن يبقى الكلام في الأب إذا زوّج الصغيرة كان صحيحاً، لكن لها الخيار، وقد صُرَّح بأنه لا خلاف في عدم ثبوت هذا الحكم، ولذا حمله الشيخ على الجَدّ.

“قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: يا أبا خالد، إن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ – ثُمّ يعدّد علامات البلوغ- قبل ذلك“. هذا نفس الكلام في الجارية، وهو أنه إذا أدرك كان له الخيار. وقوله: “يا أبا خالد“، لأجل التنبيه أو التأكيد. أو أنه يريد به الإشارة إلى أنَّ الغلام والجارية يختلفان في العمر المحدّد للبلوغ.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

“قال: إذا كان أبوه الذي زوّجه ودخل بها ولذّ منها وأقام معها سنة، فلا خيار له إذا أدرك، ولا ينبغي له أن يرد على أبيه ما صنع، ولا يحلّ له ذلك) ليس هناك تفصيل فتوائي بين ما إذا لذّ منها أو لم يلذّ وبين أن تقيم عنده سنة أو لم تقم.

(قلت: فإن زوّجه أبوه ودخل بها وهو غير مدرك، أيقام عليه الحدود وهو في تلك الحال): هل يعاقب هذا على الدخول على زوجته أو أنه لا يجوز الدخول في العقد الخياري؟ هذا من الإشكالات.

ولعلّه يريد أن يقول: فإن زوّجه أبوه، ودخل بها وهو غير مدرك، فقد بلغ حدّاً يستطيع الدخول، ولكنّه لم يبلغ خمس عشرة سنة ولم يُشعِر، فهل تجري عليه في هذا العمر الحدود أم لا؟ فأجاب الإمام (ولكن يُجلد في الحدود على مبلغ سنه)، بحسب ما يراه الحاكم صلاحاً.

“فقال: إن كان قد مسّها في الفرج، فإن طلاقها جائز عليها وعليه. وإن لم يمسّها في الفرج…”: وهذا التفصيل لم يرد في كلام الفقهاء، وإنما تكلّموا في أن طلاق من بلغ عشر سنين جائز أو لا، ونقل عن ابن عقيل جواز طلاق غير البالغ مطلقاً، وهو شاذّ. إلّا أن جملة من القدماء وغيرهم صحّحوا طلاق ابن العشر سنين، وأما هذا التفصيل فلم أقف عليه، وإن لم يكن تتبّعي كاملاً، إلّا أنه لو كان موجوداً لذُكر في (الجواهر) أو (الرياض).

فما يقال: من أنَّ عزل المرأة دليل على الكشف:

أوّلاً: سند الرواية ضعيف.

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وثانياً: عليها إشكالات كثيرة.

وثالثاً: أن الالتزام بالمطلب خلاف القاعدة.

بقيت روايات كتاب الوديعة.

روايات كتاب الوديعة 

من الروايات التي ينبغي أن نرى أنها تدلّ على أن الفضولي على الكشف أو لا تدلّ، الرواية الواردة في كتاب الوديعة: محمد بن الحسن(1)، عن محمد بن علي بن محبوب، عن ابن محبوب، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن مسمع أبي سيار، ورواه الصدوق(2) بإسناده عن مسمع أبي سيار أيضاً وهو لم يوثّق، قال: “قلت لأبي عبد الله: إني كنت استودعت رجلاً مالاً، فجحدنيه وحلف لي عليه. ثُمّ جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال هذا مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حلّ. فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح، وأوقفت المال الذي كنت استودعته، وأتيت حتى أستطلع رأيك، فما ترى؟ قال: فقال: خذ الربح، وأعطه النصف، وأحلّه؛ إن هذا رجل تائب، والله يحب التوّابين (3).

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() ص983، ج2. (المقرِّر).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 305، باب الوديعة، الحديث 4091.

(3) تهذيب الأحكام 7: 180، كتاب التجارات، الباب 16، الحديث 6، الوافي 8: 878، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب أحكام الديون والضمانات وسائر المعاملات، الحديث 18479، وسائل الشيعة 19: 89، كتاب الوديعة، الباب 10، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هناك كلام: أنه بالنحو الذي يقوله الأغايون في البيع في الذمّة، قالوا: إذا وقع العقد على العين يقع لصاحب المال، وإذا كان فضولياً يتمّ بالإجازة. وأما إذا وقع العقد على ما في الذمّة كما هو المتعارف، فإذا اشترى لنفسه ثُمّ دفع مالاً لغيره غصبياً، تصحّ المعاملة له ويملك المثمَن، ويكون ضامناً للبايع بالثمن وللمغصوب منه بالمال. 

إذا كان هذا صحيحاً فهذه الرواية على خلاف القاعدة، فإن البيع بالعين ليس متعارفاً، وحتى مع احتماله فإن ترك الاستفصال دليل على شمول الحكم للبيع بما في الذمّة.

مع أنَّ مقتضى قول الأغايون أن الثمن للمشتري، ويكون مطلوباً للبايع وللمغصوب منه، ومقتضاه أن تمام الأرباح تكون للمشتري وتمام المعاملات الواقعة على العين من قبله صحيحة. 

ونحن قلنا مكرّراً: إن هذا لا يتمّ في سوق العقلاء، أما في السوق: فأحد شواهده ارتكاز الغاصب وصاحب المال الوارد ذكرهما في الرواية، إذ يقول الغاصب: (وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك)، فيعلم منه أن البيع وإن وقع على الكلّي، إلّا أنه إذا كان الإنسان عازماً حين المعاملة على أن يدفع من أموال نفسه كان ما ذكروه صحيحاً، ولكنّه لو كان عازماً على أن يدفع من أموال غيره من مال السرقة، فهو اتّجار بهذا المال عرفاً. فلذا كان ارتكازهما على أن الربح ربحه.

 ثُمّ إن هذا الغاصب لم يكن قد عمل في خلال السنين معاملة واحدة ربح 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

منها أربعة آلاف دينار، وعلى فرضه فترك الاستفصال يدلّ على شمول الحكم لصورة تعدّد المعاملة أيضاً. 

نتكلّم عن أن هذا هل هو مسألة تعبّدية، وأن الإنسان إذا اشترى بمال الغير يتعبّد بأن الربح لصاحب المال، ولا يحتاج إلى الإجازة؟ وهذا إنما سأل الإمام ليس لأنه غير راضٍ عن المعاملات، بل لشبهة في ذهنه لعلّها كالإشكالات التي كانت في أذهان الأغايون، لعلّه كان يحتمل أن الفضولي لا يصحّ بالإجازة.

[التحقيق في المقام]

لا بُدَّ أن نرى أنه هل يكون الحكم في الرواية على القواعد على الكشف، أو على الكشف الحكمي الذي قال به صاحب (الجواهر)(1) وغيره الذي حقيقته النقل من الأوّل، أو الكشف الحكمي بمعنى الحكم بالكشف؟

بناءً على قول صاحب (الفصول)(2): إن ما هو الشرط في المعاملة وهو أنه بحسب متن الواقع هو التعقّب بالإجازة، فيقال بصحّة هذه المعاملات الواقعة مترتباً، فهذا الشخص إذا أجاز المعاملة الأولى التي هي في رأس السلسلة؛ لأنها بحسب الواقع متعقّبة بالإجازة.

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() اُنظر: جواهر الكلام 22: 286-287، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي.

(2) الفصول الغرويّة: 80، السطر: 36، المقالة الأُولى: في جملة من المباحث المتعلّقة بالكتاب والسنّة، القول في الأمر تمهيد مقالٍ لتوضيح حالٍ، تقسيم الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والثانية أيضاً متعقّبة بالإجازة وهكذا، فما هو شرط صحّة المعاملة حاصل في تمام هذه المعاملات.

إذن فالمعاملات صحيحة على القاعدة على الكشف، وإن كان الكشف في نفسه على خلاف القاعدة.

أو نقول: إن تعقّب العقد بالإجازة إنما يصحّ فيما إذا كان العقد الفضولي واقعاً على مال المجيز، والمعاملة الأولى التي في رأس السلسلة كذلك فتصحّ.

وأما المعاملة الثانية فليس هناك إجازة أخرى لها، وهو قد أجاز بيع مال الغير لا مال نفسه، باعتبار أن المعاملات وإن كانت طولية، إلّا أن الإجازة تشملها بشكل عرضي، والإجازة إن فرضناها انحلالية فهي تنحلّ عليها بشكل عرضي، فبالنسبة إلى المعاملة الثانية يكون قد أجاز بيع مال الغير لا مال نفسه، وليس هناك إجازة أخرى.

وهنا يقال: إن الإنسان إذا أجاز البيع الفضولي الواقع على مال الغير، وحصل له الجدّ للغفلة عن جهات المسألة، وإلّا لو كان ملتفتاً لعرف كونه أجنبياً ولم يكن حصول الجدّ له. فإذا حصلت إجازته لذاك البيع ثُمّ ملك، فهل تلك الإجازة كافية ولا يحتاج معها إلى معاملة أخرى؟

وهذا غير مسألة (باع ثُمّ ملك)، بل هو شخص باع وأجاز غيره ثُمّ ملك، هل تكفي إجازة الأجنبي بعد أن يصبح مالكاً، فالإجازة في حين صدورها لم تكن مؤثّرة ولكنّها هي نفسها تؤثّر بعد أن يصبح المجيز مالكاً؟ وهذا بحث يأتي، وإذا تمّ هذا المطلب أو تمّ المطلب الأوّل تكون الرواية على الكشف على 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

القاعدة، وإن كان الكشف على خلاف القاعدة.

وأما إذا قلنا بالكشف الحكمي الذي يقول به صاحب (الجواهر) والمحقّق الثاني والشهيد الثاني يعني النقل من الأوّل، لو أجاز تمام سلسلة المعاملات، فيصحّ مضمون المعاملة الأولى من حين وقوعها، فمن حين الإجازة أصبح هذا المال ملكي منذ ذلك الحين.

وأما المعاملة الثانية فيأتي فيها الكلام السابق، إذا قلنا إن الإجازة لا بُدّ أن تقع على مال نفسه، وإذا وقعت على مال غيره كانت لغواً، فهذه الإجازة تقع لغواً ولا تصحّ المعاملات المتأخّرة عن الأولى، وأما إذا قلنا إنه يوجب الصحّة فهنا أيضاً يوجبها، فالإشكال مشترك الورود وعلى المبنيين.

وأما بناءً على النقل الذي هو على القاعدة، إذا أراد بإجازة المعاملة الأولى أن يصحّح تمام المعاملات، لا يمكن. ولكنّه إذا أجاز تمام المعاملات فبالنسبة إلى المعاملة الأولى تصحّ، ويصبح المثمَن (العباءة) ملكاً له والثمن ملكاً للبائع.

وأما المعاملة الثانية وما بعدها، فإذا قلنا بأن الإجازة المتأخّرة عن النقل يكون لها اعتبار البقاء، تكون صحيحة.

ولنا وجه أسهل يصحّح المعاملات المتأخّرة على الكشف والنقل معاً، وذلك أن يقال: إن الإنسان حين يجيز المعاملة الأولى ويريد أخذ الربح، فهذه الإجازة تصحّح مبدأ السلسلة فقط.

وأما المعاملة الثانية فالرضاء باقٍ إليها، فتقع صحيحة أيضاً وكذلك ما بعدها، وقلنا إننا لا نحتاج إلى التلفّظ بالإجازة، بل الرضا يكون كافياً، فتكون 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإجازة متعقّبة بالرضا فتصحّ على الكشف. وكذلك على النقل، تقول: بأن الإجازة اللفظية تصحّح المعاملة الأولى، والرضا الموجود فعلاً يصحّح المعاملة الثانية، وما بعدها فإن كلاً منها معاملة أُلحق بها الرضا فتقع صحيحة.

فالرواية تدلّ على الصحّة بهذا النحو، ولكنّها لا تدلّ لا على الكشف ولا على النقل.

نعم، لو كانت تناسب مع الكشف دون النقل لتعيّن حملها عليه، ولكنّها تناسب كِلا المسلكين، فلا تكون دليلاً على أيٍّ منهما، وإنما ينبغي حملها على القواعد أيّاً كانت(1)

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان ما يرجع مضمونه: أنه لا بُدّ في تصحيح هذه المعاملات من القول بالكشف، وأما على النقل من الآن فلا يمكن تصحيحها.

وقد أجاب السيد مفصّلاً عن ذلك، وكان كلامه في ذلك محتوياً على توضيح المطالب السابقة، فكان مما قال: كانت تمام المعاملات قبل الإجازة باطلة فعلية، ولكنّها قابلة للصحّة ومراعاة بتعقّب الإجازة، وحين لحقت الإجازة صحّت المعاملة الأولى بالإجازة اللفظية، فأصبح الثمن ملك الآخر والعباءة ملك المجيز، والمفروض أن الغاصب أخذ العباءة التي هي ملكي، فباعها على شخص أصيل -وافرضوا أن الآخر كان أصيلاً في تمام المعاملات- في المعاملة الثانية، وهذه المعاملة صحّت فعلاً بمقتضى الرضاء الفعلي الموجود الآن، فأصبحت العباءة ملك المشتري وثمنها ملك المجيز.

وهكذا الكلام في تمام المعاملات، وهذه عين النتيجة التي تؤخذ من استفادة الانحلال من الإجازة، غاية الأمر أنهم أرادوا تصحيح تمام المعاملات بهذه الإجازة الواحدة، ولـمّا كان هذا غير ممكن صحّحنا المعاملة الأولى بالإجازة والباقيات بالرضا. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذه الرواية التي قرأناها، هل نستفاد منها أو لا؟ “إني كنت استودعت رجلاً مالاً”.

الظاهر أن المال كان من النقدين الدينار أو الدرهم أو الذهب، “فقال: هذه مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك” هل يفهم منه أن هذا الربح من أرباح التجارات مضاربة، أو فهم منه أنه اشترى بستاناً وباعه أو انتفع منه وباعه، وربح منه بهذا المقدار.

إذا كان المطلب على الأخير فالرواية دالّة على الكشف؛ لأنه فرق بين المنفعة الحاصلة من البيع وبين المنافع الحاصلة بالملك والزراعة، فإذا كانت أرباح من التجارة تكون معاملاته فضولية، وليس للملك نماء حتى يكون لصاحبه، وإنما حصل الربح بالمعاملة، فإذا أجيزت تكون تمام الأرباح للمجيز سواء قلنا بالكشف أو النقل.

وأما إذا كان قد اشترى بستاناً وأتى بمنافعها فعلى هذا يعلم أن الإجازة تعمل من الأول؛ لأنها لو كانت تعمل من الآن لكانت المنافع لصاحب البستان، وإنما ينتقل ذاك البستان من الآن، ولكن الإمام حكم بكون الأرباح للمجيز.

ماذا يأتي إلى ذهنكم من الرواية؟ هل يرد إلى الذهن أن الكسب والتجارة بالخصوص هو الذي كان قد عمله وحصل به الربح، حتى لا يفرق بين الكشف والنقل؟ أو يحتمل أنه حصل الربح من البستان حتى يفرّق بينهما؟ والإمام على أيّ حال حكم بأن المال ماله، وترك الاستفصال بين صورة 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

التجارة وصورة البستان. وعلى هذا لا مجال إلّا للكشف أو ما في حكمه، ويكون ترك الاستفصال دليلاً عليه.

بنظر الإنسان يأتي أنه استربح من التجارة بالخصوص، والنفع من التجارة ليس كنماء الملك، بل النفع يكون للمجيز على النقل والكشف، ولا تكون الرواية دليلاً على الكشف، وأما إذا لم يمكن تعيين أحد الاحتمالين(1)، فلا يمكن أن ترفع اليد عن القواعد.

وليس في الرواية(2) لفظ الإجازة، وإنما يعلم منها أنه راضٍ، فنقول: إن المعاملة التي في رأس السلسلة تصحّ بالإجازة، والرضا باقٍ في نفس المجيز لسائر المعاملات، فتصحّ كلّها، ولا يفرّق في ذلك أيضاً بين الكشف والنقل.

وإنما الفرق بينهما يكون على ذاك الاحتمال وهو: أن يكون الربح من بستانٍ، فإن الرواية حينئذٍ تكون دليلاً على الكشف؛ لأن الأرباح –على النقل- تكون لصاحب البستان، وأما إذا انصرفت إلى المعاملات السوقية كما هو كذلك، فإنها لا يستفاد منها الكشف.

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() وهما احتمال خصوص التجارة، واحتمال الأعمّ منها ومن البستان (ايضاح). (المقرِّر).

(2) وهنا أعاد السيد ما سبق بالأمس من تصحيح المعاملات إما بالقول بانحلال الإجازة فتصح المعاملات بلا فرق بين الكشف والنقل، وكذلك على مسلكه من تصحيحها بالرضا، وقال: وليس في الرواية… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

رواية عروة البارقي 

بقيت رواية عروة البارقي(1)، التي كانت ظاهرة في الفضولي(2)، والإشكال فيها أن القائل بالكشف يقول: أن النبي حين قال له: “بارك الله في صفقة يمينك” يظهر أنه لم يعمل شيئاً على خلاف الشرع، مع أنَّ شراءه لشاة ثانية فضولي، وتسليمه للشاة وإن لم يكن فيه مزيد إشكال إلّا أن تسلّم الثمن فيه إشكال، كما أنَّ المعاملة الثانية فضولية وإعطاءه للشاة وأخذه الثمن معاً على خلاف القواعد. 

والقائل بالكشف يقول: إن المعاملة تصحّ في زمانها، وأما على النقل فيشكل المطلب، ولماذا قال النبي: “بارك الله في صفقة يمينك“؟

ولا بُدَّ أن نضمّ شيئاً آخر، وهو أن عروة كان يعلم بالمسائل الفقهية الشرعية كما تعلم أنت الآن، كما كان يعلم بأن الفضولي على الكشف، وأن النبي سوف يجيزه، وإلّا كان فعله تجرّياً، والتجرّي حرام مثل المعصية، ولا يفرق عنها في المبادئ، وإنما يختلفان في الانطباق على الواقع وعدمه.

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() سنن الترمذي 3: 559، كتاب البيوع، باب ما جاء في اشتراط الولاء والزجر عن ذلك، الحديث 1258، سنن الدارقطني 3: 10، كتاب البيوع، الحديث 29، السنن الكبرى (للبيقهي) 6: 112، كتاب القراض، باب المضارب يخالف بما فيه، الحديث 11951، سنن أبي داود 3: 256، كتاب البيوع، باب المضارب يخالف، الحديث 3384، سنن ابن ماجه 2: 803، كتاب الصدقات، الباب 7، الحديث 2402، عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 205، باب التجارة، الحديث 46، مستدرك الوسائل 13، 245، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع، وشروطه، الباب 18، الحديث 1.

(2) ولخّص مضمونها فراجعه فيما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولا يبعد أن من يشرب كلّ يوم إناءً يعتقده خمراً أن يكون فاسقاً، ولا يصحّ أن يقال للمتجرّي: بارك الله لك. فلا بُدّ للقائل بالكشف أن يقول: بأن عروة كان يعرف أن الإجازة على الكشف، وأنها سوف تحصل. وإلّا فإن عروة لو احتمل النقل فهو تجرٍّ وإذا احتمل عدم الإجازة فهو تجرٍّ.

إذن فهو على الكشف والنقل تجرٍّ، ولا بُدّ أن يقال على كِلا المسلكين شيءٌ.

وأنا أعلم أن عروة يقيناً لم يكن يعرف أن المعاملة على الكشف؛ لأن هذه المسألة من الأمور المتأخّرة التي لم تكن في صدر الإسلام، فقط كان يعلم أن النبي إذا أجاز تصحّ المعاملة، سواء صحّحت المعاملة من حينها أو من الأوّل. وهذا يكفي.

أو يقال: بأنه يعلم بالإجازة الفعلية والرضا الفعلي، أو يقال: إنه ليس فضولياً، بل كان وكيلاً مفوضاً عن النبي كما قيل.

فهذا الإشكال مشترك الورود على مسلكَي الكشف والنقل، ولا بُدّ أن يفكر بجواب كهذا الذي قلنا.

[في دلالة روايات المضاربة]

على هذا الذي قلناه بعض الروايات في الاتّجار بمال اليتيم(1) أو المضاربة(2) 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) اُنظر: الأحاديث الواردة في الباب الثاني من أبواب من تجب عليه الزكاة من وسائل الشيعة 9: 87-89، وغيرها.

(2) راجع الأحاديث الواردة في الباب الأوّل من كتاب المضاربة من وسائل الشيعة 19: 15، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الذي عملوا على خلاف المضاربة، كصحيحة جميل، إذا كان قد عمل على خلاف المضاربة -لا على خلاف شرطها كما قلناه- فهو عمل معاملة فضولية، وفي ذهنه أنها مضاربة تحصل فيها الإجازة. 

كذلك في الاتّجار بمال اليتيم، إذا لم يكن تعبّد شرعي في تقديم جانب اليتيم، وكله تعرّضنا له وقلنا إنه غير مربوط بالفضولي، ولو كان دالّاً فحكمه ما قلناه في روايات الوديعة، إلّا إذا كان المحتمل شراء البستان لليتيم، إلّا أنه في غاية البعد.

[في روايات تحليل الخمس]

بقيت روايات تحليل الخمس(1)، يقول المرزا القمّي(2) عنها إنها كالصريحة في الكشف، ومقصوده: أن المعاملات التي عملها هذا الإنسان ووالده، قد حلّلها الإمام الصادق من هذه السنة، فشمل تمام المعاملات إلى هذه السنة لتطيب المناكح وولاداتهم. 

ولا يمكن أن يكون الولد طيباً إلّا بأن يكون هذا التحليل مصحّحاً للمعاملات السابقة.

والظاهر أنه حين قال هذا القول لم يراجع الروايات، وإلّا فالروايات لا 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) أُنظر: الروايات الواردة في الباب الرابع من أبواب الأنفال من وسائل الشيعة 9: 543.

(2) راجع كتاب الإجارة (للمحقّق الرشتي): 186، أحكام الإجارة، الفصل الثاني: في شرائطها، القول في الفضولي، المقام الثالث: في الإجازة، المقصد الثالث: في أحكامها، في أدلّة القائلين بالكشف، الدليل الثامن.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

دليل فيها بنظري، فإن التحليل كان من زمان رسول الله صادراً لأجل الزمان المتأخّر، ففي بعضها: عن أمير المؤمنين (1) أنه قال لرسول الله “قد علمت يا رسول الله أنَّه سيكون بعدك ملكٌ عضوضٌ وجبرٌ، فيُستولى على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه، فلا يحلّ لمشتريه؛ لأنَّ نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي منه لكلّ من ملك شيئاً من ذلك من شيعتي؛ لتحلّ لهم منافعهم من مأكلٍ ومشربٍ، ولتطيب مواليدهم، ولا يكون أولادهم أولاد حرامٍ. فقال رسول الله: ما تصدّق أحدٌ أفضل من صدقتك، وقد تبعت رسول الله في فعلك: أحلّ الشيعة كلّ ما كان فيه من غنيمةٍ وبيعٍ من نصيبه على واحدٍ من شيعتي، ولا أُحلّها أنا ولا أنت لغيرهم(2).

 وهذا قبل وجود الشيعة وانقسام المسلمين إلى مذاهب، وإلّا فالشيعة كانوا من زمان رسول الله، بل النبي نفسه شيعي، والله أيضاً شيعي بمعنى كونه يعلم الحقّ الذين نعلمه.

وفي بعضها: قال أمير المؤمنين لفاطمة: “أحلي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا…”(3) الحديث.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() ص131، ج2. (المقرِّر).

(2) وسائل الشيعة 9: 552، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 20.

(3) تهذيب الأحكام 4: 143، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 23، الوافي 10: 341، كتاب الزكاة والخمس، الباب 39، الحديث 22، وسائل الشيعة 9: 547، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 10.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والروايات الواردة عن الباقر والصادق: نقلاً عن أمير المؤمنين، وفي بعضها: “أحللنا (1) أو “أحلّ لهم” أو “هم في حلّ” أو “ما أنصفناكم(2) ونحوه، مما يدلّ على وجود الحكم من السابق.

والنبي كذلك وأمير المؤمنين ولي الأمر إذا حكم بشيء يبقى حكمه إلى الأبد.

نعم، في رواية عن أمير المؤمنين: “ألَا وأن شيعتنا من ذلك وآبائهم في حلّ(3). مع أنَّ آباءهم لم يكونوا شيعة بهذا المعنى، وكان الأمر في زمانهم بيد رسول الله، ولم تكن تقع مخالفات بهذا النحو، مضافاً إلى أنَّ الصدوق رواها “وأبناءهم(4).

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() علل الشرائع (للصدوق) 2: 377، الباب 106، الحديث 3، مَن لا يحضره الفقيه 2: 45، أبواب الزكاة، باب الخمس، الحديث 1662، الاستبصار 2: 59، كتاب الزكاة، الباب 32، الحديث 7، وسائل الشيعة 9: 539، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 5.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 2: 44، أبواب الزكاة، باب الخمس، الحديث 1659، الاستبصار 2: 59، كتاب الزكاة، الباب 32، الحديث 8، وسائل الشيعة 9: 545، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

(3) الاستبصار 2: 59، كتاب الزكاة، الباب 32، الحديث 5، تهذيب الأحكام 4: 138، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 8، وسائل الشيعة 9: 543، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 1.

(4) علل الشرائع (للصدوق) 2: 277، الباب 106، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والروايات التي كانت في نظره(1) ما كان عن الصادق: “من أعوزه شيء من حقّنا فهو في حلّ(2). ونحوها،(3) مع أنه ينقل ذلك عن آبائه عن أمير المؤمنين، فهذه الروايات على كثرتها لا تدلّ على أن الصادق حلّل من السابق شيئاً.

إذن فلم نجد شيئاً نتمّم به الكشف، والشهرة حاصلة من هذا الكلام الاجتهادي، والإجماع المعلّل فضلاً عن الشهرة غير حجّة، ونحن ما نعتبره حجّة من الإجماع والشهرة ما كان غير معلّل، وهو في المقام غير موجود.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() يعني: الميرزا القمي. (المقرِّر).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 2: 44، كتاب الزكاة، باب الخمس، الحديث 1660، تهذيب الأحكام 4: 143، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 22، وسائل الشيعة 9: 543، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 2.

(3) نحو قوله: “هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحيّ، وما يولد منهم إلى يوم القيامة“. (المقرِّر). [وسائل الشيعة 9: 544، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 4].

تقريرات، كتاب البيع، ج7 






التفصيل بين الكشف الحقيقي والحكمي والتعبّدي 

 

يقع الكلام في ثمرات الكشف والنقل.

الشيخ(1) تعرّض إلى الثمرة بين هذه الاحتمالات، في الكشف والكشف الحكمي والنقل، والميرزا(2) المرحوم لأجل تكثير الأقسام يتصوّر (18) قسماً وهو غير صحيح، وإلّا ارتفعت الأقسام إلى أكثر من ثلاثمائة.

هو قسّم الكشف إلى أقسام ثلاثة باعتبار مبانيه، ثُمّ يضربها بثلاثة مبانٍ للكشف الحكمي يحصل (9)، ثُمّ يضربها باثنين في مباني النقل، فيحصل (18) قسماً.

فإذا كان البناء على جعل القول قسماً فيمكن أن تحسب تمام الأشخاص المختلفين في المباني، كـ(جامع المقاصد)(3) الذي يرى أن تمام المؤثّر هو العقد، 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 410، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الثمرة بين الكشف والنقل.

(2) اُنظر: كتاب الإجازة (للمحقّق الرشتي): 186، أحكام الإجازة، الفصل الثاني: في شرائطها، القول في الفضولي، المقام الثالث: في الإجازة وموضوعها وشرائطها، المقصد الثالث: في أحكامها، المسألة الأُولى، بيان الثمرة على النقل والكشف.

(3) اُنظر: جامع المقاصد 4: 74-75، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وليست الإجازة إلّا للعلم بذلك، أو صاحب(الفصول)(1) القائل بتعقّب الإجازة، أو الآخوند(2) الذي يأخذ اللحاظ شرطاً وهو حاصل من الأوّل، أو آغا ضياء الدين(3) القائل بالحصّة المضافة إلى المتأخّر، أو بالنحو الذي قلناه من التقدّم الذاتي، هذه كلّها مبانٍ في الكشف وليست أقساماً له.

فلا بُدَّ أن تعتبرها قسماً واحداً، ولو حسبناه متعدّداً لكان عندنا خمسة أو ستة أقسام.

وللكشف الحكمي مبانٍ ثلاثة:

أحدها: ما ذكره (جامع المقاصد)(4) وتبعه عليه صاحب (الجواهر)(5)، ومضمونه أنه من حين الإجازة يصحّ العقد الواقع في السابق من الأوّل.

 الثاني والثالث: أن يقال: إن الإجازة بوجودها شرط، وذلك بأحد تصوّرين:

ــــــــــ[117]ــــــــــ

(1) اُنظر: الفصول الغرويّة: 80، السطر: 36، المقالة الأُولى: في جملة من المباحث المتعلّقة بالكتاب والسنّة، القول في الأمر، تقسيم الواجب إلى مطلقٍ ومشروط.

(2) راجع حاشيته على المكاسب: 59-60، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة.

(3) اُنظر: بدائع الأفكار (الآملي) 1: 320-232.

(4) أُنظر: جامع المقاصد 4: 74-75، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(5) اُنظر: جواهر الكلام 22: 286-287، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأوّل: أن هذا الشرط موجود من الأوّل، فيصحّ العقد من الأوّل صحّة فعلية.

الثاني: أن الإجازة حين وجودها تصحّح العقد من الأوّل.

وفي التعقّب بالإجازة تصوّران أيضاً:

الأول: أنه من الآن العقد متعقّب بالإجازة.

وثانيها: أنه بعد وجود الإجازة يتّصف العقد من الأوّل بالتعقّب.

والكشف التعبّدي وهو غير الكشف الحكمي، فإن الكشف الحكمي هو ما كان بحكم الكشف، والكشف التعبّدي هو التعبّد بالكشف، وهو على معنيين:

الأوّل: أنه بعد لحوق الإجازة يتعبّدنا الشارع بصحّة العقد من الأوّل، بحسب ترتيب الآثار.

الثاني: أن موضوع التعبّد هو بعد الإجازة، فمن الآن يتعبّدنا الشارع بترتيب الآثار من الأوّل(1).

بناءً عليه يكون أحد عشر قسماً، لو ضربناها ببعضها يكون (112) وإذا قسناه بمباني النقل يكون (37).

وفي الحقيقة أن المباني المختلفة في الكشف الحقيقي لا تجعل القول منها قسماً من الكشف، فإن نتيجة جميعها هو النقل من الأوّل، ولا معنى لأن نقيس بعضها إلى بعض.

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() لم يتّضح الفرق بين هذين الوجهين، وظاهرهما واحد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وهناك الكشف الحكمي ومناطه: أنه من الآن ينقلب من الأوّل، وهو بتمام مبانيه قسم واحد، ولا بُدّ أن تحسب حساب الكشف الحقيقي مع الكشف الحكمي، لا بين نفس المباني في المبنى الواحد.

وهناك الكشف التعبّدي الذي لا بُدّ أن تحسبه مع الوجوه الأخرى، وهو أنه بالإجازة يتعبّدنا الشارع بترتيب الآثار من الأوّل، أما جميع الآثار أو الآثار الممكنة -التي يقولها الشيخ-، أو نقول: إن موضوع التعبّد هو الإجازة، فإذا وجدت الإجازة يتعبّدنا الشارع إما مطلقاً أو غير مطلق.

الثمرة بين الكشف الحقيقي والحكمي 

وهنا أيضاً نقول: إن بحثنا هنا بغض النظر عن أن يكون أحد الطرفين أصيلاً والآخر فضولي، وأن تمام تصرفات الأصيل ممنوعة، بل تحسب حساب هذا: وهو أن الموجب قبل القبول يستطيع أن يرد، والأصيل يستطيع أن يعود قبل الإجازة، فنرى الفرق بين الكشف الحقيقي والحكمي على الكشف الحقيقي؛ أن الثمن ملك البايع، والمثمَن ملك المشتري، في علم الله، ولكنّه لا اطّلاع لنا، فإذا علمنا بتعقّب الإجازة فيجوز شرعاً التصرّف وتنفذ سائر التنقّلات. وأما إذا لم نعلم بحصول الإجازة فلا بُدّ أن نتمسّك بالأصول.

والشيخ(1)والآخرين(2) يتمسّكون بأصالة عدم تعقّب الإجازة، ويتمّمون به 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 410، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الثمرة بين الكشف النقل.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 242، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الثمرة بين الكشف والنقل، حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 152، كتاب البيع، في شروط المتعاقدين، الشرط الثالث: أن يكون البائع مالكاً أو مأذوناً، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلة، ثمرات النقل والكشف، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 152، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، ثمرات الكشف والنقل، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

عدم نفوذ العقد، وهو أصل مثبت فإنه مسألة عقلية. فلو كانت علّة ذات أجزاء أو ذات شرط وقد وجد جزؤها، واحتملت وجود جزئها الآخر، وتريد بالاستصحاب أن تثبت عدم تحقّق الجزء الآخر؛ ليثبت عدم تأثير هذا الجزء، يكون من قبيل الأصل المثبت.

فالحكم بعدم تأثير العقد في ظرفه على تمام الأقسام والمباني بالاستصحاب مثبت، غايته أنه في بعضها أشدّ وفي بعضها أضعف.

فمثلاً: على النحو الذي يقوله صاحب (الفصول) من اتصاف العقد بكونه متعقباً بالإجازة أو أن التعقّب شرط له، يعني يصحّ إذا تعقّب بالإجازة، وأنت تريد بالاستصحاب أن تقول إن العقد غير متعقّب بالإجازة أو أن شرطه غير حاصل، إذن فهو غير نافذ. 

هذا من الأصل المثبت، هذا إذا كان المستصحَب العدم النعتي، وأما إذا كان المستصحَب عدم تعقّب العقد بالإجازة بنحو العدم المحمولي فنتكلم فيه إن شاء الله تعالى.

كان الكلام في الثمرة بين هذه الأقوال، وقلنا إن ضرب الأقوال ببعضها البعض غير صحيح، بل لا بُدّ أن نجعل الكشف الحقيقي قسماً واحداً ومؤدّاه 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

النقل من حين العقد وإن لم نكن عالمين به، وكذلك الكشف الحكمي قسم واحد، ومؤدّاه أنه من الآن يحصل الانقلاب من الأوّل، وأما الكشف التعبّدي، فإن كان بمؤدّى أن الشارع من حين العقد يتعبّدنا بترتيب الآثار فهو من قبيل الكشف الحقيقي وملحق به.

وأما إذا كان هذا التعبّد حاصلاً بعد الإجازة غاية الأمر يتكلّم عن سعته وضيقه أنه تعبّدنا بتمام الآثار أو بعضها، فهذا يكون من قبيل الكشف الحكمي وملحق به.

إذن فعندنا مسلكان: الكشف الحقيقي والملحق به، والحكمي والملحق به. وهذا بغضّ النظر عن كون أحد الطرفين أصيلاً والأخر فضولياً، والآن نبني على جواز تصرّف الأصيل حكماً ووضعاً فيما عنده. فعلى الكشف الحكمي وملحقه المعاملة غير تامّة، والمال باقٍ على ملكه الأوّل، والأصيل لا دخل له في المطلب.

بحسب متن الواقع أنه على الكشف الحقيقي دون الحكمي له أن يرتّب تمام الآثار، فعلى الكشف الحقيقي وإن كان لا يعلم أنه مالك إلّا أن هذا هو الواقع وكذلك الكشف التعبّدي الملحق به، بخلاف الكشف الحكمي والتعبّدي الملحق به، فإن التصرّفات غير جائزة تكليفاً ولا وضعاً، هذا معلوم.

وإنما الكلام في الحكم الظاهري بعد أن كان الواقع عبارة عن الجواز والنفوذ، فإذا كان يعلم بالواقع وترتّب الإجازة فمعلوم أن تصرفاته صحيحة، وأما إذا شكّ في ترتّب الإجازة، فهل يتمّ المطلب بإجراء أصالة عدم ترتّب الإجازة، أو لا يتمّ مطلقاً، أو يتمّ على بعض المباني في الكشف دون بعض؟

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

القاعدة في الأصل المثبت 

القاعدة في الأصل المثبت ليس لنا فيه نص معيّن، وإن كان يستفاد من صحيحة زرارة(1) عدم حجّيته، فإنه استصحب الطهارة ولم يستصحب عدم النوم، وقد أشكلوا بأنَّكم ترون أن الأصل السببي يتقدّم على المسبّبي، مع أنه تمسّك باستصحاب الطهور، والحال أن الشكّ في الطهارة ناشئ من الشكّ في عدم النوم ولا بُدّ من استصحاب عدم النوم.

إذن فتقدّم الأصل السببي على المسبّبي خلاف ظاهر الصحيحة. وتكلّمنا في ذلك في موردين، في أوّل مبحث الاستصحاب(2)  وفي أواخره(3)، وذكرنا في المورد الثاني أنه استصحاب عدم النوم مثبت وغير جارٍ؛ لأنك تريد إثبات الطهارة بإثبات عدم النوم وعدم سائر النواقض الأخرى مع أنَّ ثبوت الطهارة في مثل ذلك حكم عقلي لا شرعي.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 11، الوافي 6: 257، كتاب الطهارة والتزيّن، أبواب الوضوء، الباب 24، الحديث 34، وسائل الشيعة 1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1.

(2) أُنظر: الرسائل (للسيّد الخميني) 1: 82، رسالة في الاستصحاب، في ذكر أخبار الاستصحاب.

(3) أُنظر: الرسائل (للسيّد الخميني) 1: 177، رسالة في الاستصحاب، تنبيهات: التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذن فيستفاد من الصحيحة عدم حجّية الأصل المثبت(1)

فقوله: “لا تنقض اليقين بالشكّ“، باعتبار ترتّب آثار البقاء، فلو شككت في أن زيداً عادل بعد أن كان عادلاً، فبالاستصحاب أتعبّد بوجود عدالته، فيكون موضوعاً لجواز الطلاق عندئذ.

أما الآثار الخارجة عن محيط الشارع من قبيل الأحكام العقلية، فلا يمكن أن يتعبّدنا الشارع بها لا بنفسها ولا باعتبارها واسطة إلى أمر آخر.

بناءً عليه فاستصحاب بقاء زيد لا يثبت كونه شيخاً لوكان هنا حكم شرعي على الشيخوخة، فلا يمكن استصحابه.

نعم، إذا كانت هناك كبريات شرعية إحداها تنقّح موضوع الأخرى يمكن ذلك.

فكلّ مورد يكون الاستصحاب فيه منقّحاً موضوع حكم شرعي، يكون 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() لا يخفى أن هذه الاستفادة متوقّفة على البرهنة على ضرورة حكومة الأصل السببي على المسببي مطلقاً، اتحدت نتيجتهما أو اختلفت، فإنه حينئذٍ ينحصر تمسّك الإمام باستصحاب الطهارة دون استصحاب عدم النوم، بكون الثاني مثبتاً إذ لو كان جارياً لتمسّك به ضرورة على الفرض، وأما إذا رفضنا حكومة الأصل السببي مطلقاً أو في صورة اتّفاقهما في النتيجة، إذن فيمكن للإمام أن يستشهد بأيّ الأصلين أراد، وقد اختار التمسّك باستصحاب الطهارة؛ لنكتة لا ترجع إلى إثبات النتيجة أو صناعة الأدلّة، ولم يترك الاستصحاب الآخر لكونه مثبتاً، بل تركه اختياراً مع إمكان أن يتمسّك به. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

جارياً وصحيحاً، والأغايون(1) يقولون إن مفاده: رتّبِ الأثر، ونقول أن ذات الموضوع يجري فيه الاستصحاب، وعلى أي حال ينتج نتيجة واحدة فيما هو المهمّ في المقام.

فنقول: إن طهارة الثوب وعدالة زيد الآن موجودة، وأما إذا لم يكن كذلك، ولم يكن للشارع حكم على الموضوع الذي نريد أن نستصحبه، وكان له حكم عقلي أو عقلائي، أو كان ذلك الحكم العقلي أو العقلائي واسطة لثبوت الحكم الشرعي، فإن الاستصحاب يكون مثبتاً وغير جارٍ.

وأنت هنا تريد باستصحاب عدم موضوع الحكم الشرعي نفي الحكم الشرعي. مع أنَّ الذي تعلّق به الحكم هو إكرام كلّ عادل أو جواز الطلاق أمامه، ولم يحكم بأنه إذا لم يكن عادلاً لا يجب إكرامه.

فباستصحاب عدم العدالة لا يثبت عدم الحكم، مع أنَّ قولنا: إذا لم يكن الموضوع موجوداً لم يكن الحكم موجوداً حكم عقلي، وهو مما لا يمكن للشارع أن يتعبّدنا به.

نعم، لو كان للشارع حكم في طرف السلب، أمكن استصحاب عدم الموضوع لإثبات موضوعه.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 404، المقصد السابع: الأُصول العمليّة، فصل في الاستصحاب، التنبيه الثاني والتنبيه العاشر، نهاية الأفكار 4: 17 و33 و219، المقصد الثالث: الاستصحاب، المقام الثاني: حقيقة الأحكام الوضعيّة، التنبيه العاشر، نهاية الدراية 3: 239، الاستصحاب، في تحقيق حال الوضع، التنبيه العاشر، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فمثلاً في باب السببية العقلية أو العقلائية أو الشرعية، إذا جعل الشارع شيئاً سبباً -وهو ممكن على التحقيق- وشككت في وجود المسبّب فاستصحب وجود السبب وأريد أن أرتّب عليه وجود المسبّب، يكون أصلاً مثبتاً؛ لأن الشارع وإن كان جعل السبب، إلّا أن ترتّب المسبّب على وجود السبب حكم عقلي وليس شرعياً.

نعم، إذا جعل الشارع ترتّب المسبّب على السبب كقوله: (العصير العنبي إذا غلى يحرم). فإذا شككت في ثبوت هذا الحكم لعصيرٍ في الخارج، فإنك تستصحب هذه القضيّة التعليقية: (كان هذا العصير إذا غلى يحرم، فالآن كذلك)، ويكون هذا الأثر شرعياً.

أما إذا جعل الملازمة أو السببية؛ فيكون وجود المسبّب عند وجود السبب أو وجود اللازم عند وجود الملازم حكماً عقلياً، لا يثبت وجود أحدهما باستصحاب الآخر.

وإذا قال قائل: إن هذا لازم عرفي وعقلائي. ففي عكسه وهو عدم ترتّب المسبّب عند عدم وجود السبب، فهو حكم عقلي بلا إشكال، فإن الشارع غايته أنه جعل السببية، وأما إذا لم يكن السبب موجوداً فليس هنا حكم شرعي، فهذا ليس بحكم شرعي.

ففي المقام باستصحاب عدم الإجازة في المستقبل، نريد أن نقول: إن هذا العقد لم يكن مؤثّراً، افرضوا أن موضوع الحكم الشرعي هو عبارة عن العقد المجاز، لكن عدم الحكم بعدم موضوعه، أو بعدم بعض أجزاء موضوعه أو 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قيوده فليس حكماً شرعياً ليتمّ إثباته بالاستصحاب.

بناءً عليه فعلى تمام المباني في الكشف الحقيقي، سواء القائل بالشرط المتأخّر(1) وأن المؤثّر هو الحصّة المضافة، وباستصحاب عدم الإجازة تريد أن تثبت عدم وجود الحصّة المضافة. أو الآخوند القائل بأن موضوع الحكم هو لحاظ الشرط المتأخّر، ويريد باستصحاب عدم الإجازة أن يثبت عدم وجود اللحاظ. أو صاحب(الفصول) القائل بعنوان التعقّب(2) أو القائل بالتعقّب الذاتي وبالاستصحاب يراد إثبات عدم التعقّب.

أو الميرزا القائل بالرضا التقديري(3)، وبالاستصحاب يريد إثبات عدم الرضا التقديري. كلّ هذه الأنحاء من الاستصحاب مثتبة.

نعم، بناءً على كلام (جامع المقاصد) لا بُدّ أن نؤوّله، وهو القول بأن العقد تمام الموضوع وليست الإجازة إلّا للعلم. مع أنَّ العقد إذا كان تمام الموضوع 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 59-60، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في أحكام الإجازة.

(2) أُنظر: الفصول الغرويّة: 80، المقالة الأُولى: في جملة من المباحث المتعلّقة بالكتاب والسنّة، القول في الأمر، تقسيم الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ.

(3) أُنظر: كتاب الإجازة (للمحقّق الرشتي): 184، أحكام الإجازة، الفصل الثاني: في شرائطها، القول في الفضولي، المقام الثالث: في الإجازة، المقصد الثالث: في أحكامها، بيان الثمرة على النقل والكشف.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فالعلم بالنقل والانتقال حاصل قبل الإجازة، فما معنى الإجارة؟

إلا أن نؤوّله ونقول: بأن أثر الإجازة هو العلم بشمول (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) له، فيكون نحواً من الكشف الحكمي، وإلّا فالكشف الحقيقي بمعنى كون العقد تمام الموضوع حتى من دون الإجازة لا أظنّ أحداً يلتزم به.

أو نريد بالاستصحاب أن ننقّح العناوين، فنثبت أن هذا العقد لم يكن متعقّباً بالإجازة، هذا العدم النعتي إنما لم يكن موجوداً قبل وجود الموضوع، فاستصحابه يكون مثبتاً، وقد ثبت في محلّه أن مثله لا يجري. أو نريد أن نعمل استصحاب عدم التعقّب، كلّه مثبت، فالمطلب وإن كان تامّاً إلّا أنه بهذه الأساليب لا يتمّ.

وأما الكشف التعبّدي فليس فيه كلام، إذ يكون تابعاً للكشف الحقيقي إذا كان التعبّد من حين العقد، والكلام فيه هو الكلام، وإذا كان التعبّد من حين الإجازة يكون كالكشف الحكمي.

عُلم أنه بناءً على الكشف الحقيقي والملحق به من الكشف التعبّدي وهو: أن التعبّد من أوّل العقد بحسب الواقع تصرّفه حلال ونافذ، وإذا كانت هناك حرمة فهي ظاهرية.

فهذا راجع إلى هذا الطرف، وإذا توخّينا الثمرة بين هذا المسلك وبين الكشف الحكمي الذي هو بمعنى أن الإجازة فعلاً تجعل العقد مؤثّراً من الأوّل، والكشف التعبّدي الملحق به وهو أن تكون الإجازة موضوعاً للحكم، وبوجودها الخارجي يحكم الشارع بأن هذا ملكك من الأوّل.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا توخّينا الثمرة لا بُدّ أن نقول: إنه على الكشف الحقيقي التصرّف حلال تكليفاً ونافذ وضعاً، وعلى هذا المسلك حرام تكليفاً وغير نافذ وضعاً.

فيرد هنا كلام، وذلك: أنه في باب الكشف الحكمي احتمالان: أحدها: أن الأحكام بما أنَّها ترد على العناوين، فعنوان العقد غير المجاز غير مؤثّر، وعنوان العقد المجاز مؤثّر، فما لم تلحق الإجازة فالملك ملك ذاك، وبلحوق الإجازة ينتقل العنوان فينتقل الملك، فكما أنَّ المنافع المستقبلة في الإجازة كانت ملك المؤجر ثُمّ أصبحت بعينها ملك المستأجر، كذلك الحال في المنافع السابقة الموجودة في الزمان الماضي، فإنه قبل الإجازة كان ملك ذاك وبعدها ينتقل إلى الآخر.

والمبنى الآخر أن نقول بالانقلاب، ومعناه أن هذا الفعل الخارجي الواقع على ملك الغير، تقلبه الإجازة إلى كونه تصرّفاً في ملك الإنسان، فينقلب التصرّف الخارجي من الأوّل بوقوع الإجازة، ونحن لا نتكلّم عن صحّة هذا المسلك فقد سبق أن قلنا باستحالته، وإنما الكلام فعلاً في الثمرة.

وفي التعبّد أيضاً يتصوّر نحواً من هذين المسلكين، فإنه قد يتعبّدنا الشارع بالنقل على النحو الأوّل أو بالانقلاب على الوجه الثاني.

الكلام في أنَّه على الكشف الحكمي لا إشكال أن المال قبل الإجازة كان مال الغير، وتترتّب أحكام ذلك عليه، فإذا سرقه أو زنى بالأمَة كان عليه الحدّ، فهو نظير النقل، غاية الأمر أن النقل من الآن وهذا نقل من الأوّل، وهذا بخلاف الكشف الحقيقي الذي ليس فيه ذلك أصلاً من حدّ أو حرمة.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فعلى المبنى الأوّل من الكشف الحكمي، لا بُدّ أن يلتزم بثبوت الحرمة والحدّ، باعتبار أنه وقع في حينه قبل الإجازة حراماً، ويبقى بهذا القيد حراماً إلى الأبد، وإن انقلب بعد ذلك بتغيّر العنوان.

وأما على مبنى الكشف بمعنى الانقلاب، فهل يقال ذلك أيضا؟ باعتبار أنها كانت جارية الغير، فلو وطأها كان زنا وإذا سرقها استحقّ الحدّ، أو لا يقال بذلك، باعتبار أنه بالإجازة انقلب هذا الفعل من الأوّل، فأصبحت الواقعة هكذا: أنه وطء في ملكك، والسرقة أصبحت أخذاً من ملكك.

فالزنا أصبح لا زنا، والسرقة لا سرقة، فبأيّ قاعدة يمكن حدّ هذا الفاعل، مع أنَّ الفعل أصبح في محلّه حلالاً وصحيحاً، وكذلك العصيان، لا يعاقب عليه يوم القيامة باعتبار أنه انقلب إلى غير العصيان.

أو إن هناك تفصيلاً بين الأحكام، فالحدود ونحوها لا نعملها باعتبار أنها تدرأ بالشبهات، ولكن العصيان موجد في محلّه، وإن انقلب بعدها وأصبح لا عصيان، فإنك حينما عملته كنت عاصياً(1)، والأدّلة الناهية عن التصرّف في مال الغير بالنسبة إلى هذا التصرّف الذي ينقلب إلى تصرّف في مال نفسه قد تكون الأدلّة منصرفة عنه.

فإذا قلنا إنه لا يترتّب شيء من الأحكام، لا تبقى ثمرة بين الكشف الحقيقي والكشف الحكمي الانقلابي، إلّا قليلاً، فيما سوى ترتّب الآثار عليه 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() هذا لا يثبت إلّا التجرّي، ولعلّ السيّد هنا استعمل العصيان بمعنى يشمل التجرّي، فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

التي تتكلّم عنها، وكذلك الانقلاب الاعتبار التعبّدي الملحق به، بأن يحكم الشارع الآن أن هذا كان ماله من الأوّل فإن الكلام فيه عين الكلام. وعلى أيّ حال فالمسألة بالنسبة إلى هذا المسلك مشكلة(1).

نعم، إذا كان معنى الكشف هو النقل من الأوّل –يعني المسلك الأوّل من الكشف الحكمي- فتمام الآثار تكون مترتّبة، وكذلك التعبّد الملحق به؛ لأن التصرّف كان في ملك الغير، وزنا في جارية الغير، ويبقى كذلك إلى الأبد.

مناقشة للشيخ

والشيخ هنا قال(2): إن الثمرة ما بين قسمين من الكشف الحقيقي وهما: ما إذا كانت الإجازة شرطاً، وما إذا كان عنوان التعقّب شرطاً، الثمرة بينهما هي: أنه على أحدهما يجوز التصرّف فيما انتقل إليه دون الآخر، ولم يذكر أن الجواز على أيّ قسم، لكن ابتداءً يفهم منه أن الذي يشترط عنوان التعقّب يكون جائزاً وعلى الآخر لا يجوز.

 ثُمّ يقول(3): والثمرة ما بين الكشف الحقيقي على الوجهين وبين الكشف الحكمي مع كون الإجازة شرطاً، ومرداه ظاهراً الكشف التعبّدي.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() والذي يسهّل الخطب أن المبنى غير صحيح. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 410-411، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، معاني الكشف.

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الثمرة هي: أنه إذا وطئ المشتري الأمَة، فبناءً على الكشف الحقيقي يقع حراماً ظاهراً لأصالة عدم الإجازة وواقعاً حلالاً، وعلى الكشف الحكمي يقع حراماً واقعاً.

ويقول: ولكن يمكن أن يقال: إنه إذا حصل الاستيلاد فبناءً على الكشف الحقيقي والحكمي معاً تكون أمَّ ولدٍ؛ لأن الشارع إذا تعبّدنا بالنقل تصبح الجارية أم ولده، مع احتمال خلافه، لأنه حين الاستيلاد لم يكن ذلك الحكم موجوداً.

 ثُمّ يقول(1): ثُمّ إن البائع إذا باع أم الولد، فعلى الكشف الحقيقي وقع البيع باطلاً مع احتمال أن البيع يرفع موضوع الكشف الحقيقي، ويقع البيع صحيحاً؛ لأنه بحكم الردّ، وعلى الكشف الحكمي يقع البيع صحيحاً، ومقتضى الجمع بين دليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ودليل النقل من الأوّل أن تكون المعاملة صحيحة ويرجع بالقيمة. 

هذا محصّل ما قاله ولا نعلم مقصوده، ونحن قلنا في باب الكشف الحقيقي: إنه النقل من الأوّل فإذا أنيط بالإجازة لم يكن كشفاً حقيقياً، ولكنّه سمّاه كذلك، ولا مشاحّة في الاصطلاح، إذ قسّم الكشف الحقيقي إلى ما كانت الإجازة فيه شرطاً، وإلى ما كان عنوان التعقّب شرطاً. وقلنا بأن كِلا هذين الوجهين يمكن أن يعتبر على وجهين: ففيما إذا كانت الإجازة شرطاً: 

إما أن يقال إنَّ الإجازة وإن كانت بوجودها الواقعي شرطاً، إلّا أن ما هو الشرط متحقّق من الآن، إما باعتبار أن الإضافة إلى المعدوم ممكنة، أو كما يقول 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

صاحب (الجواهر): إن ذلك في التعبّد ممكن. 

أو يقال: إن الشرط وإن لم يكن متحقّقاً حين العقد، لكن الإجازة إذا وجدت يصبح العقد مضافاً إليها، ويقال: بإمكان الإضافة إلى الأمر المتأخّر، فتكون الإجازة من الآن مؤثّرة من الأوّل.

وفيما إذا كان عنوان التعقّب شرطاً، أيضاً احتمالان:

أحدهما: أن يقال: إنه لا مانع في نظر العقلاء والعرف أن يكون العقد متعقباً بشيء معدوم فالشرط حاصل من حينه.

وثانيهما: أن وصف التعقّب يحصل بعد أن تحصل الإجازة.

فهذان الاحتمالان موجودان على كِلا المسلكين في الكشف الحقيقي، وهما موجودان في عبارة الشيخ(1) أيضاً. وإن لم يُعلم منه أنه ما هو الذي حكم بصحّته منهما، وما هو الذي حكم ببطلانه، فراجعوا عبارة الشيخ لنرى أنه هل يتمّ كلامه، أو أن الوقت كان آخر الليل فزلق به القلم إلى ما لا يتم؟!

ذكر الشيخ في الثمرة على الكشف الحقيقي، وظاهره أنه بناءً على القسمين من الكشف الحقيقي، وهما ما إذا قلنا بأن الإجازة بوجودها شرط، أو عنوان التعقّب بالإجازة شرط، فالثمرة هو جواز التصرّف فيما انتقل إليه. 

وظاهره أنه يقول: إن هذين القسمين يفصل بينهما، فعلى قسم يمكن التصرّف، وعلى قسم لا يمكن، ثُمّ يقول: والثمرة بين الكشف الحقيقي والكشف الحكمي، بناءً على كون الإجازة بوجودها شرطاً، أنه إذا وطئ الأمَة، فبناءً على 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الكشف الحقيقي يقع حلالاً واقعاً، وحرام ظاهراً؛ لأصالة عدم الإجازة، وأما بناءً على الكشف الحكمي فبحسب الحكم الظاهري أنه حرام.

وظاهر هذا الكلام عليه إشكال ظاهر أشكل به جماعة من المحشّين(1)، وهو: أنه قال هناك إنه حرام وهنا قال إنَّه حلال واقعاً، فأشكلوا أنه لا يمكن الجمع بين الكلامين.

 ثُمّ يقول(2): إنه إذا نقل البائع العين فبناءً على الكشف الحقيقي يقع باطلاً، ويحتمل أنه يكون بمنزلة الردّ. ويمكن بناءً على الكشف الحكمي أن يقع صحيحاً، لكن لا بُدّ أن يرجع بالقيمة جمعاً بين دليل صحّة العقد ودليل التعبّد بالكشف الحكمي.

[بسط الكلام وتحقيق المرام] 

ثُمّ يقول قاعدة كلّية(3) وهي: أن الميزان في الكشف الحكمي والتعبّدي هو: 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 62، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، القول في أحكامها، كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 376، الفصل السابع: في الإجازة والردّ، المبحث الثاني: في ثمرة الخلاف بين النقل والكشف، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 152، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: أن يكون البائع مالكاً أو مأذوناً، هل هي كاشفةٌ أو ناقلةٌ، ثمرات النقل والكشف، وغيرها.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 411، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الثمرة بين الكشف والنقل. 

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أن الآثار إذا لم تكن منافية للعقد فإذا استوفى الآثار لا بُدّ أن يعطي القيمة، وأما إذا كان منافياً للعقد كالتلف أو بمنزلته شرطاً كالعتق، فهذا فيه احتمال أن يقال بالبطلان، أو بالصحّة.

والكلام الذي نقوله قبل مناقشة الشيخ هو أنه سبق أن ذكرنا الثمرة بين الكشف الحكمي والكشف التعبّدي، الذي يسميه بالحكمي، ولكن بقي شيء يشير إليه هنا ولا بُدّ أن نبحثه على المبنى، ويأتي تحقيقه في باب الردّ.

وهو أن البايع لو لم يكن ملتفتاً إلى العقد الفضولي فأتلف العين أو باعها أو أعتقها الذي هو بمنزلة التلف شرعاً، هل هذا التصرّف بمنزلة الردّ؟ 

فإذا قلنا في باب الردّ: إنه يهدم العقد كما قال الشيخ، فهل هذه التصرّفات تهدمه ولا يكون العقد قابلاً للإجازة بعد ذلك، أو ليست هادمة للعقد؟ والآن نتكلّم على المبنى.

إذا بنينا على أنَّه كما أنَّ الردّ يهدم العقد ولا يكون العقد معه قابلاً للإجازة، كذلك هذه التصرّفات فسواء قلنا في باب الفضولي أن الإجازة كشف حقيقي، أو تعبّدي أو حكمي، تكون الإجازة لغواً، والعقد لا يكون قابلاً لتعقّب الإجازة.

فإنه بناءً على الكشف الحقيقي ما هو المؤثّر هو العقد المتعقّب بالإجازة، فإذا انهدم العقد بالردّ لا يبقى عقد لتأتي عليها الإجازة، فلا توجد إجازة ملحقة بالعقد.

وأما بناءً على الكشف الحكمي، إذ يقال: إنه يجيز ذلك العقد السابق، فالعقد قد انهدم، وأما بناءً على التعبّد الشرعي، فإما أن يأتي التعبّد على العقد أو 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على العقد الملحوق بالإجازة، وليس أن التعبّد أمر مستأنف، وإنما هو وارد على موضوعه، وهو أحد هذين الأمرين، فإذا انهدم العقد يرتفع موضوع التعبّد أو جزء موضوعه.

وأما إذا قلنا: إن هذه التصرّفات لا تهدم العقد السابق، فإذا قلنا بالكشف الحقيقي، فهذا عقد ملحق بالإجازة، وقد أثّر أثره وأصبح المبيع ملكاً للمشتري والثمن للبايع، ويكون التصرّف فيما انتقل عنه إذا كان تصرّفاً خارجياً حراماً، وإذا كان تصرفاً وضعياً يكون فضولياً.

وأما على الكشف الحكمي والتعبّدي، فهل نقول ما قاله الشيخ من أنَّ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالنسبة إلى ما قبل الإجازة كان يقتضي صحّة العقد المنافي، والمفروض أن هذا العقد لم يهدم العقد السابق، فبعد الإجازة يشمله العموم أيضاً، فيصحّ العقد الأوّل أيضاً. 

فكِلا العقدين صحيح؛ أما الثاني فمن أوّل وقوعه، وأما الأوّل فبالإجازة يحكم بصحّة العقد من الأوّل، ومقتضى صحّة الثاني هو دفع المبيع، ومقتضى صحّة الأوّل دفع العوض، فيكون من قبيل الفسخ بعد التلف الذي يرجع معه إلى القيمة.

أو لا بُدّ أن نقول: إن العقد الثاني وإن كان في ملكه ويشمله العموم، ولكن المفروض أن الإجازة تنقل المبيع من الأوّل، أو محكومة تعبّداً بهذا الحكم، فالإجازة من الآن تجعل العين من الأوّل ملكاً للمشتري، فبالإجازة يرتفع موضوع العقد الثاني، فإنها تقول: إن العين من الأوّل ملك المشتري، 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فالعقد الثاني من حين وقوعه واقع على مال الغير، فمن الآن تقول: إنه من حين وقوعه واقع على مال الغير.

وكذلك المال على التعبّد، فإنه من حين الإجازة تعبّدنا بترتيب آثار الملكية من الأوّل، ومعناه أنك من الآن لا بُدّ أن ترتّب آثار انتقال المال للمشتري، ومعناه أن العقد الثاني وقع على مال الغير. فالإجازة ترفع موضوع العقد الثاني، ولا يمكن الجمع بين هذين الدليلين، فإنهما ليسا عرضيين، بل أحدهما ينقّح موضوع الآخر.

فبحسب القاعدة سواء في الكشف الحقيقي أو الحكمي أو التعبّدي، فرق بين أن نقول: إن التصرّف هادم، أو إنه غير هادم للعقد، فعلى الأوّل مطلقاً لا بُدّ أن تقول ببطلان العقد، وعلى الثاني تقول بصحّته مطلقاً. والشيخ مرّة يقوّي هذا الطرف ويحتمل الطرف الآخر، ومرّة يعكس.

[تحرير كلام الشيخ الأعظم ونقده]

وأما كلام الشيخ فنحن لا نستطيع تتميمه، وكيف يصدر من مثل الشيخ؟! ولـ(جامع المقاصد)(1) كلام عليه إشكال واضح لا يخفى عليّ، فضلاً عنهم قدس سرهم، فلا بُدّ من أن نؤوّل كلامه، وقد أوّله جماعة المحشّين(2) بتأويلات بعيدة، وأذكر الآن ما أفهمه.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) اُنظر: جامع المقاصد 4: 74-75، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 131، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قال(1): بقي الكلام في بيان الثمرة بين الكشف باحتمالاته والنقل، فنقول: أما الثمرة على الكشف الحقيقي بين كون نفس الإجازة شرطاً وكون الشرط تعقّب العقد بها ولحوقها له، فقد يظهر في جواز تصرّف كلّ منهما فيما انتقل إليه بإنشاء الفضولي إذا علم إجازة المالك فيما بعد. 

وظاهره أنه يريد بيان الفرق بين قسمين للكشف الحقيقي، يعني الفرق بين الكشف الحقيقي وبين قول صاحب (الفصول)(2)، وهو كون الإجازة شرطاً بوجودها الخارجي، وهو ليس كشفاً حقيقياً، بل قلنا إنه كشف حكمي، فعلى هذا الثاني لا يجوز التصرّف، وعلى الأوّل يكون التصرّف جائزاً.

ثُمّ قال(3): وأما الثمرة بين الكشف الحقيقي والحكمي مع كون نفس الإجازة شرطاً، يظهر في مثل ما إذا وطئ المشتري الجارية قبل إجازة مالكها فأجاز، فإن الوطء على الكشف الحقيقي حرام ظاهراً؛ لأصالة عدم الإجازة، حلال واقعاً؛ لكشف الإجازة من وقوعه في ملك…

فقوله: (بين الكشف الحقيقي والحكمي مع كون الإجازة شرطاً). أعادوه إلى العبارة الأولى فيحصل التناقض في كلامه. ولكنّنا نعيده إلى الكشف الحكمي كما هو ملحق به في العبارة.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 410، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، معاني الكشف.

(1) كذا والظاهر أن قوله هو الآخر (المقرِّر).

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإن في الكشف الحكمي احتمالين: 

أحدهما: أن يكون التعقّب شرطاً.

وثانيهما: أن تكون الإجازة بوجودها شرطاً. وعلى الأوّل يكون مثل الكشف الحقيقي.

فيكون معنى قوله: (والحكمي مع كون الإجازة شرطاً)، يعني: شرط حكم الشارع، فيرتفع التناقض وتكون الثمرة هي ما يقوله الشيخ، فالتناقض في عبارته من جهتين: من جهة قوله (على الكشف الحقيقي)، حيث تخيّلوا أنه يريد قسمين من الكشف الحقيقي، مع أنه لا معنى للتفصيل في الكشف الحقيقي، مهما كثرت أقسامه.

ومن جهة العبارة الثانية: (والحكمي مع كون الإجازة شرطاً)، جعلوه شرطاً للكشف الحقيقي. وأما إذا أخذناه كما في العبارة شرطاً للكشف الحكمي يعني كشف بعد الإجازة لا من حين العقد، فيرتفع التناقض الظاهر في كلام الشيخ.

نعم، تبقى إشكالات أخرى في كلامه.

هذا محصّل الكلام في التفصيل بين الكشف الحقيقي والحكمي والتعبّدي.

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 





الثمرة بين الكشف والنقل 

 

تبقى الثمرة بين الكشف بأقسامه والنقل، هنا ثمرة معلومة واضحة. 

[الأول: بلحاظ النماء]

وهي أنه على النقل ينتقل المبيع من حين الإجازة وقبلها كان للأوّل، فكلّ التصرّفات فيه صحيحة، وكلّ الثمرات له، وبناء على سائر أقسام الكشف الثمرات تكون للثاني، أما على الكشف الحقيقي فظاهر، وأما على الكشف الحكمي فهو ينتقل من الآن، والثمرات تابعة للعين، وكذلك الحال في التعبّدي(1)، فهذه إحدى الثمرات وليس فيها مزيد كلام، يبقى الكلام في الثمرات الأخرى.

[الثاني:] تخلل الفسخ قبل الإجازة

من الثمرات التي ذكرت بين النقل والكشف: أنه بناءً على النقل يستطيع الأصيل فسخ الإنشاء الواقع قبل لحوق الإجازة، وأما على الكشف فلا يستطيع الفسخ، معلّلاً أنه على النقل ليست المعاملة تامّة من الأصل، كما هو حال 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 411، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان ثمرة الكشف والنقل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإيجاب قبل القبول، وأما على الكشف فالمعاملة تامّة قبل الإجازة(1).

نحن لا بُدّ أن نرى أنه على الكشف والنقل قبل الإجازة هل يمكن للأصيل أن يرجع عن قراره، أو على كِلا المسلكين لا يمكن أن يرجع، وعلى كِلا التقديرين تنتفي الثمرة، أو على الكشف لا يمكن أن يعود، وعلى النقل يمكن؟

ونرى أن أصل مستند إمكان الرجوع ما هو؟

الشيخ في آخر كلامه يقول(2): في النقل أيضاً لا يمكن أن يرجع، والسند في ذلك هو أدلّة صحّة المعاملات ونفوذها، فلا بُدّ أن نرى أنها هل تنطبق على المسلكين أو على أحدهما دون الآخر؟

وطبعاً الكشف الحقيقي بمعنى أن يكون العقد تمام الموضوع، ولا حاجة إلى الإجازة أصلاً، لا أظنّ أن أحداً يلتزم به وإن كان هو ظاهر كلام (جامع المقاصد)، ومراده: أنه بعد الإجازة يصبح العقد مشمولاً لـ(أَوْفُوا بِالعُقُودِ).

إذن كلّ من في باب الكشف الحقيقي والحكمي والتعبّدي والنقل للإجازة دخل إما بنحو جزء السبب أو الشرط، ولا يحصل النقل ما لم تحصل، فنحن نتكلّم على تقدير دخالة الإجازة.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 413، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان ثمرة الكشف والنقل.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأيضاً قبل الورود في الأدلّة لا بُدّ أن نقول هذا المعنى، وهو: أنه على الكشف بأقسامه يبحث أن العقد المتعقّب بالإجازة هل هو تمام الموضوع للحكم، أو أن تمام المؤثّر هو العقد ولو تخلّل هدم أو فسخ من قبل الموجب أو الأصيل؟ 

فإذا قلنا بأن تمام موضوع الحكم هو العقد الباقي على عقديته إلى زمان الإجازة، فإذا كان عقداً متعقّباً بالفسخ المتعقّب بالإجازة فإنه لا يكون مؤثّراً، وإذا قيل بأنَّ الفسخ لا يهدم على الكشف ولكنّه يهدم على النقل، فيمكن ظهور الثمرة حينئذٍ بينهما.

وأما إذا قلنا بأن ما هو تمام الموضوع هو العقد غير المتعقّب بالفسخ، أو في باب النقل، نقول: إن الإجازة إنما تؤثّر إذا لم يحصل الفسخ، وقلنا بأن فسخ الأصيل مؤثّر في هدم العقد، فعلى ذلك لا يمكن لا على الكشف ولا على النقل تصحيح العقد بالإجازة. 

وأما إذا لم يكن الردّ هادماً يكون العقد مؤثّراً على كِلا المسلكين أيضاً، أو يقال بالتفصيل.

ولا بُدَّ أن يستفاد ذلك من الأدلّة الشرعية، لا من سوق العقلاء؛ لندرة وجوده عندهم، ولا نستطيع أن نحصّل بناءهم على ذلك. وليس حاله حال أصل البيع أو أمارة اليد على الملكية ونحوها، مما تجد سائر العقلاء يسيرون عليه ورائجاً بينهم. والفضولي وإن كان موجود في السوق، لكن الفضولي الذي أحدهما أصيل يحصل منه الردّ نادر الوجود.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [حول إمكان التمسك بالعمومات في المقام]

وأما الأدلّة الشرعية فمهمها عمومات الكتاب، ويقول الشيخ(1): فيه إشكال. أما آية التجارة عن تراض(2) إنما هي في صورة انتهاء المعاملة من الطرفين، ليقال: (كلوا) أو (لا تأكلوا). وأما جزء السبب فإنشاء النقل من قبل الأصيل والموجب، فلم تصل النوبة فيه إلى أكل المال؛ لأنه قبل القبول أو الإجازة لم ينتقل المال حتى يقال (كلوه) أو (لا تأكلوه).

فلا يقال: إن الإيجاب تجارة بل هو إنشاء التجارة، وليس تجارة ما لم ينظمّ إليه القبول. وكذلك في الفضولي ما لم يجز الأصيل لم تحصل تجارة، ولم يحصل نقل ولا انتقال، فلا يكون مشمولاً للآية. وهذا بناءً على النقل بلا إشكال غير منطبق. وكذلك على الكشف الحكمي والتعبّدي.

وأما على الكشف الحقيقي، فهو مبتنٍ على هذا المطلب، وهو: أننا لا نحتاج إلّا إلى عنوان التعقّب بالإجازة ولا يضرّها الفسخ قبلها.

فالأصيل وإن كان يعلم بتعقّب الإجازة، ولكنّه يستطيع سدّ طريقه عنها، إذا قلنا بهذا فلا يكون مشمولاً للآية؛ لأن التجارة إنما تكون ويقال: (كلّ) أو (لا تأكل)، بعد النقل والانتقال، ولا بُدّ أن تحرز أنه تجارة عن تراضٍ بغض النظر عن الآية.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وإذا شككنا في ذلك فأيضاً لا يمكن التمسّك بالآية، فإن جواز الأكل إنما هو للعقد المتعقّب بالإجازة، ونحن نحتمل كون الفسخ هادماً للعقد.

وكذلك أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(1) فإنه لا تتحقّق المعاملة، ولا يمكن أن يكون هذا في باب الفضولي قبل الإجازة، وليس المراد تنفيذ عنوان البيع أو مفهومه اللغوي. 

هذا في الفضوليين. وكذلك إذا كان أحدهما أصيلاً أيضاً لا يمكن أن يقال: هذا ماله وله التصرّف فيه، وهذا على النقل بلا إشكال وكذلك على الكشف الحكمي والتعبّدي، وكذلك على الكشف الحقيقي إذا قلنا بأن الفسخ هادم.

العمدة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2) أن وفاء الدين ووفاء النذر ووفاء العقد على نحو واحد، فالوفاء بالنذر لا يعني وجوب الالتزام به وعدم فسخه، بل بمعنى تنفيذ ما نذرته وجعلته على عهدتك بالنذر.

ومعنى وفاء الدين أداء ما في الذمّة، وكذلك معنى الوفاء بالعقود ليس هو وجوب الالتزام به(3)، وإنما هو ترتيب الأثر على وقوع المعاملة، بمعنى وجوب التسلّيم والتسلم، ففي الفضوليين إنشاء العقد وإن كان حاصلاً قبل الإجازة 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

() البقرة: 275.

(2) المائدة: 1.

(3) على هذا لا يمكن التمسّك بإطلاق الآية في أيّ مورد لإثبات اللزوم في المعاملة، وهو كما ترى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إلّا أنه لا مجال لأن يقال: يجب الوفاء والتسليم، وكذلك إذا أجاز أحدهما أو كان أحدهما أصيلاً، فإن الوفاء يكون طرفينياً ولا يكون من طرف واحد.

نعم، لو كان ناظراً إلى عدم جواز فسخ العقد، فيقال: إنك إذا كنت أصيلاً من طرف واحد لا يجوز لك نقض قرارك، ولكن إذا قلنا أن المنهي عنه ليس هو رفع اليد عن الإنشاء من طرف واحد، بل عن الإنشاء الطرفيني للأصيلين ولم يقل ذلك للفضوليين، أو كان أحدهما فضولياً، هذا لا يأتي إلى ذهن الإنسان أصلاً، ففي النكاح مثلاً لو كان الزوج أصيلاً وشخص فضولي عن الزوجة، هل تلزم الزوج بدفع النفقة ونحوها، ولا نستطيع تتميم المطلب على فهم العقلاء. 

موضوع وجوب الوفاء(1) هو العقد الصادر ممن له الصلاحية، وأما الإنشاء المحض فهو فارغ (بوك)(2)، فلا يكون موضوعاً لوجوب الوفاء، والعقد الإنشائي وإن كان به مفهوم البيع متحقّقاً، لا أن مفهومه يتحقّق بالإجازة أو القبول، ولكنّه لا يكون موضوعاً لوجوب الوفاء لا في الفضوليين ولا في الأصيل الواحد، فقيد الإجازة ليس هنا شيء في الواقع ولا في الاعتبار، ولا يفرق في ذلك بين الفضوليين أو أحدهما أصيل.

وبعبارة أخرى: إذا كان للعلّة منه جزء فسواء وجد جزء واحد أو تسعة وتسعون جزءاً، فإنه لا يكون مؤثّراً في إيجاد المعلول، لا كما يقول الآغايون من 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: (المقرِّر).

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: إنشاء فارغ أي بدون معنى.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أنَّ المعلول أصبح قريباً، فكأنّهم يرون للمعدوم قرباً وبعداً؟!

هذا في باب النقل والكشف التعبّدي والحكمي، وما يقوله الشيخ من أنَّ هذا من آثار الوضع، وإذا حصل جزء السبب من الأصيل فليس هدمه تحت اختياره، غير صحيح، فإن السبب ليس حاصلاً ولا وجوب وفاء له، والعقد إلى الآن (هيج كاره)(1).

[هل الرد بهدم العقد أو لا؟]

الآن يأتي الكلام في أن الردّ هل يهدم العقد أولا؟ وهو كلام يأتي على مسالك الكشف والنقل.

الميرزا الرشتي يفرّق بين البيع وغيره، ففي البيع تخلّل الردّ بين الركنين بخلاف القبض والفضولي، ولكن على النحو الذي قلناه سابقاً من أنَّ تمام ماهيّة العقد تمّت بالإيجاب، إذا التزمنا بأنه تقصر يده عن الهدم، فهذا القول يحتاج إلى دليل، وإلّا فلا يجب الوفاء بذاك العقد.

وإذا قلنا: إنه لا يجب الوفاء لكن لا يجوز هدمه، فعلى جميع المسالك على السواء كذلك. 

أما على النقل فليست الإجازة مؤثّرة في نفسها، بل باعتبارها تنفيذاً للعقد ورضا به، ولو ردّ الأصيل لم يبقَ عندنا عقد متعقّب بالإجازة في الواقع وفي علم الله حتى يجب الوفاء به.

ــــــــــ[145]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: بدون عمل أي لا أثر له.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذن فلا يمكن التفصيل بين الكشف والنقل، بل على جميع المسالك يكون الردّ مؤثّراً، إذن فعلى هذه الأدلّة لا يتمّ.

وإذا شككنا أن هذا الإنشاء المتحقّق هل ينهدم بالردّ أو لا، ولم يمكن التمسّك بالعمومات، فلا شبهة مصداقية بها. فهل يمكن استصحاب جزء وتلحق به الإجازة، فيكون مشمولاً للعموم؛ لأنه بذلك يتحقّق كِلا جزئي الموضوع؟

أو نقول: أن العقد مشروط بالإجازة، وبالاستصحاب لا يمكن إثبات الشرط، إذن فلا يمكن تتميمه هكذا أيضاً، ولعلّه إلى هذا كان نظر الشيخ، إذ قال: ففيه إشكال(1).

منها: جواز تصرف الأصيل

الفرع الآخر: هل يجوز للأصيل التصرّف، وهو من فروع هذا الكلام، ولكن بما أنَّه يحتوي على بعض المطالب نتعرّض له.

من جهة ما جعلوه ثمرة بين الكشف والنقل، هو أننا على فرض أننا نقول: بأن فسخ الأصيل غير مؤثّر، لكنّ تصرّفه بناءً على النقل جائز وبناءً على الكشف غير جائز. 

وتقريب الشيخ لذلك هو(2): أنه على النقل يكون شرط النقل هو الإجازة، 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 412-413، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان ثمرة الكشف والنقل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإنها لها دخل إما شرطاً أو شطراً، وما لم تحصل لم يحصل النقل، وهذا المال ملكه وتصرّفه فيه جائز، ويمكن تصرّفاً برفع محلّ الإجازة.

وأما على الكشف: إذا قلنا بقول صاحب(الفصول) (1) وهو أن تعقّب العقد بالإجازة شرط، وعلمنا بعدم حصول الإجازة جاز التصرّف، وإن علمنا بتعقّبها لم يجز، وإن شككنا فمقتضى الأصل الجواز.

وأما إذا قلنا بقول المشهور من أنَّ الإجازة بنفسها شرط متأخّر، فالإجازة لا دخل لها في العقد لا شرطاً ولا شطراً، فيجب الوفاء بالعقد، ولو علم بعدم وجود الإجازة في ظرفها، ويجب على الأصيل أن يبقى على التزامه حتى يرد المالك، أو يجيز.

نحن لا بُدّ أن نتكلّم في بحثين: 

أحدهما: أننا لو قلنا بأن الفسخ غير مؤثّر، فهل نستطيع أن نقول هناك أن الفسخ غير مؤثّر، وهنا نقول: بجواز التصرّف، كما قال الشيخ؟

ثانيهما: في التفصيل بين النقل والكشف الذي قاله، وأن الثمرة هل تتمّ أو لا؟

أما المطلب الأول: فما هو مستند تأثير الفسخ وعدمه ليس ذلك إلّا لأن الأدلّة العامة ألزمته بوجوب الوفاء، والدليل وإن كان ظاهراً بالحكم التكليفي ولكن يستفاد منه الحكم الوضعي وهو صحّة العقد ولزومه.

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) أُنظر: الفصول الغرويّة: 80، المقالة الأُولى، القول في الأمر، تقسيم الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ومن هنا قالوا: إن الأصيل التزم في نفسه، فهو ملزم بهذا الالتزام، ولا يجوز له فسخه.

نقول: هل نصرف وجوب الوفاء عن معناه؟ ونقول: أن المراد به معنى آخر غير معناه، وأنه ليس الوفاء هو ترتيب الأثر كما كان هو المراد به في وفاء الدين والنذر، وإنما معناه عدم جواز الفسخ، ولزوم البقاء على الالتزام، ففي الأصيلين مثلاً لا تريد بوجوب الوفاء عليهما وجوب التسليم والتسلّم، ولا حدوث الملكية، ولا الصحّة واللزوم، وتقول: بأن الآية لم تتعرّض إلى ما هو معنى الوفاء عرفاً، بل تتكلّم عن الالتزامات المجعولة بحيث لو لم يفسخ الأصيلين لا يكون مخالفاً للوفاء وإن لم يحصل التسليم والتسلّم، لا يمكن الالتزام بذلك، وإن وجوب الوفاء مستعمل في حرمة النقض أو إبقاء العقد.

وإنما هو من قبيل اللازم له، فمثلاً في آية الوضوء لم يستعمل قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ…(1) بمعنى: أن الوضوء شرط للصلاة، بل استعمل كلّ لفظ في معناه، وهو وجوب الغسل والمسح، وتستفاد الشرطية باعتبار دخل هذه الأفعال في صحّة الصلاة. 

فـأَوْفُوا بِالعُقُودِ(2) أيضاً مستعملة في معانيها الخاصّة، وهي المعاني الموجودة عند العقلاء.

فإذا قلنا: إن وجوب الوفاء عبارة عن وجوب الوفاء لا عن حرمة النقض، 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

(2) المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: إذا كان يمكننا إثبات أن العقد لازم، فيلزم القول بعدم جواز الفسخ، وأنت تريد تتميم المسألة بالنسبة إلى الأصيل، فيكون وجوب الوفاء عليه معناه: أنه يجب عليه التسليم ويحرم عليه التصرّف ولا ينفذ فسخه، دون الآخر. إذن، فقد فهمنا عدم نفوذ الفسخ ضمناً.

وهذا المعنى الذي يقوله الشيخ وهو(1): أن الأصيل ليس له الفسخ حتى لو علم أنه لا يجيز، إلّا إذا ردّ الآخر، إذا تمّ هذا المعنى فيتمّ على جميع المسالك؛ لأن هذا المعنى حاصل على جميعها.

وإذا لم يتمّ هذا فلا يمكن تتميمه بـأَوْفُوا بِالعُقُودِ، فإنه من الأدلّة العقلائية لا (المدرسية)، ومعناه التسليم والتسلّم، وليس معناه أنه إذا وجد العقد يجب الوفاء به(2)، وإنما يفهم العقلاء وجوب الوفاء بالقرارات الواقعة من الطرفين الصالحين. ونفهم منه وجوب التسليم والملكية والصحّة واللزوم.

بناءً عليه، على ذلك المطلب لا يكون تصرّفه جائراً ولا نقله مؤثّراً، وعلى هذا المطلب يتمّ على جميع المسالك.

وهذا الذي قاله الشيخ غريب منه(3) ماذا نعمل؟ هو يقول: إن الإجازة شرط في مؤثّرية العقد، يعني في النقل، ومع ذلك يقول: لا يجوز له التصرّف، وهذا أمر ظاهر الإشكال.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 413-415، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، للثمرة بين الكشف والنقل مواضع.

(2) وإن كانا فضوليين، وإلّا كان مقتضاه وجوب الإجازة. (المقرِّر).

(3) وهنا ذكر عبارته كما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [تحقيق الحال في المسألة]

وإذا أردنا أن نحقّق المطلب، نقول: إنه بناءً على الكشف الحقيقي، إذا قلنا بأن ما هو الموضوع هو العقد المتعقّب بالإجازة ولا شيء آخر، أو هو الإجازة ولا شيء آخر، أو نحن نشك أنه إذا تخلّل بينهما فسخ، فنحتمل أنه يهدمه. 

فهنا من تمام المطلب أن نقول: إنه على الكشف الحكمي إنما يكون التصرّف جائزاً إذا لم يعمل في الوسط تصرّف هادم منافٍ، أو على مبنى الآخوند، أو إنما خيار اللذين التزما بالشرط التأخّر حقيقة، إما بلحاظ الإجازة أو اعتبار الحصّة المضافة، لا بُدّ أن نرى أننا إذا نحتمل هدمه للعقد، وعلى هذا التقدير لا تكون الإجازة قابلة للّحوق حتى تكون كاشفة. فالعقد الذي لم يرد ما ينافيه هو موضوع الكشف الحقيقي أو الحكمي أو التعبّدي، دون ما ورد ما ينافيه.

نعم، لو رفضنا ذلك وقلنا إننا نريد إنشاء العقد ووجود الإجازة، وهذا يفيدنا حتى مع وجود ما ينافيه في الوسط.

فعلى هذا يكون الكشف الحقيقي في طرف، والمسالك الأخرى في طرف؛ لأنه على الكشف الحقيقي تكون تمام الجهات تامّة، وغير قابلة للهدم، لأن الوجود الحدوثي مع الإجازة كافٍ في كونه موضوعاً للزوم، وكذلك الحال على الكشف الحكمي والتعبّدي والنقل، غايته على النقل يحصل النقل من حين الإجازة ولا يضرّه الهدم المتوسّط.

ولكن على الشكّ في الهدم بالفسخ الشيخ(1) أجرى أصالة عدم الإجازة، 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقلنا: تجري أصالة بقاء الملك في ملك صاحبه، فالمسألة مبتنية على أن الردّ هادم أو لا، وبلا إشكال إذا كان هادماً. كان العقد قابلاً لتعقّب الإجازة.

وأما ما قاله العلّامة(1) وكاشف اللثام(2) من أنَّه في العقد الفضولي تكون أمّ الزوجة حراماً، وليس نظرهم إلى دخل وجود الإجازة في صحّته، بل المراد أن عنوان العقد كافٍ في تحريم أمّ الزوجة ونحوها، ونحن لا نعرف أن البنت إذا لم تصبح زوجة كيف تصبح أمّها أمّ الزوجة، كأن هذا من أحكام الزوجة لا من أحكام العقد، على أن تمامية المسألة من طرف واحد لا معنى له، على أن كاشف اللثام قول لا إشكال فيه، والعلّامة من كلامه مختلف في ذلك.

من الثمرات التي ذكرت هو جواز التصرّف على النقل دون الكشف. وقلنا: إن أَوْفُوا بِالعُقُودِ لا يمكن تتميم المطلب بها، فإن معناها: إما العمل بمضمون العقد، أو الإلزام بالعقد.

فإن قلنا: إنها إرشاد إلى الإلزام بالالتزام بالعقد.

قلنا: هذا لا يمكن؛ لأننا إما أن نفهم منه حرمة النقض، ولا يكون الوجوب بالوفاء مراداً، فهذا لا حقيقة ولا مجاز، بل هو غلط، وإما أن نستعمله 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) اُنظر: قواعد الأحكام 3: 16، كتاب النكاح، الباب الثاني: في العقد، الفصل الثاني: في الأولياء، المطلب الخامس: في الأحكام.

(2) اُنظر: كشف اللثام 7: 107، كتاب النكاح، الباب الثاني: في العقد، الفصل الثاني: في الأولياء، المطلب الخامس: في الأحكام.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على طريقة الكنايات فهو على نحوين:

مرّة: لا تكون الجملة مقصودة أصلاً، ويكون المقصود معنى آخر، كالمثال الفارسي الذي تَرْجَمَتُهُ: (لا أستطيع أن أقول له إن فوق عينك حاجباً)، أو (لا أستطيع أن أنظر إلى ظلّه).

ومرّة يؤتى باللازم ويراد به الانتقال إلى الملزوم، ففي مثل ذلك لا بُدّ من قصد اللازم جدّاً، ففي المقام إنما ننتقل من وجوب الوفاء إلى لزوم العقد، إذا كان وجوب الوفاء مستعمل في معناه، إذن فلم يستعمل (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) في صحّة العقد أو لزومه، فإننا إذا قلنا: إن وجوب الوفاء لم يقصد معناه، فهذا معناه أنه يكون مانعاً عن الانتقال إلى اللازم. 

بناءً عليه فلا تكون هذه الآية دليلاً على وجوب أن يلتزم الأصيل إذا كان طرفاً واحداً بالعقد.

وإذا كان المراد به العقد، فلا بُدّ أن نرى ما العقد الذي يجب الوفاء به، هل لوحظ العقد بلا متعلقات أو لوحظ معها؟ ففي الأصيلين مثلاً: عملا عقداً مؤثّراً على أن تكون هذا العين لك وذاك لي، ولم يقرّرا أن هذا لك دون كون ذاك لي. نعم، لو كان العقد إعطاء الالتزام كما يقول الآغايون فيمكن أن يقال: إن الأصيل أعطى التزامه دون الفضولي. لكن نقول: إن ّالأصيل أعطى التزاماً مقيّداً بلحاظ التزام الآخر، ولم يعطِ التزاماً مطلقاً، فلو لم يفِ الآخر بعقده فليس هناك التزام. إذن، فلا يمكن تتميم المطلب بـ (أَوْفُوا بِالعُقُودِ).

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [فقه حديث الشروط]

فهل يمكن تتميمه بدليل “المؤمنون عند شروطهم(1): فيه –أيّ في هذا الدليل- احتمالان:

أوّلهما: أنه ناظر إلى لزوم الشرط، فكأنّ المؤمن والشرط لازم وملزوم، ولا يمكن للمؤمن أن ينفكّ عن شرطه.

ثانيهما: أنه يكون على شرطه، يعني: يعمل بشرطه.

فعلى الأوّل، وهو أن يفهم منه اللزوم ابتداءً، يُتكلّم أنه ما هو الشرط هنا
-بعد أن نفرض أن للبيع شرطاً، وأن الدليل يشمل الشروط الابتدائية على ما سبق- ما شرطناه في البيع، هو: أن يكون المبيع لك في مقابل الثمن، أو أن التزامي في مقابل التزامك بناءً على قول الآغايون، بناءً عليه يكون الفضوليان خارجيين، والأصيل من طرف واحد خارجاً أيضاً، فإنه التزام مقيّد بالتزام، وليس التزاماً مطلقاً ومبادلة في مقابل الثمن، وليس إعطاءً مطلقاً، إذن فعلى المعنى الأوّل لا يتمّ المقصود.

وأما على المعنى الثاني، وهو المتفاهم عرفاً، وهو وجوب العمل بالشرط، فإن معنى كون المؤمن واقفاً عند شرطه وقراره هو هذا، وليس معناه حرمة نقضه، فعدم تماميته واضح.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) مرّت الإشارة إليه، فلاحظ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [حول جريان الاستصحاب في المقام]

بقي كلام في الاستصحاب، فإننا قلنا: إننا إذا بنينا على الكشف إن الإجازة شرط في الموضوع، أو العقد المتعقّب للإجازة هو موضوع الحكم، أو هما بنحو التركيب، لا يمكن جريان استصحاب العقد؛ لأنه يكون مثبتاً.

وأما إذا قيل: إنه في باب الإيجاب والقبول أو في البيع الفضولي والإجازة، ليس الإيجاب مشروطاً بالقبول أو البيع الفضولي مشروطاً بالإجازة، بل الإجازة شرط الانتساب، فالعقد الفضولي إنما لا يجب عليك الوفاء به لأنه غير مربوط بك، وبالإجازة يصبح مربوطاً بك، ووجود الانتساب بالإجازة وجداني، لا أنها من قيوده، من قبيل أن نقول في الوكيل إذا باع عن موكّله: إن العقد بنفسه مؤثّر، لكن بما أنَّه صادر من الوكيل، لا أن العقد الصادر من الوكيل -بهذا القيد- يكون مؤثّراً.

فهنا نستصحب العقد، وأثر ذلك أنه إذا لحقت الإجازة يكون موضوعاً لـ (أَوْفُوا بِالعُقُودِ)، ونحن لا نريد أكثر من وجود العقد مع وجود الإجازة، فنحرز الأوّل بالتعبّد الاستصحابي، والثاني بالوجدان. فهذا(1) لا يبعد أن لا يكون مثبتاً؛ لأنك لا تريد أن تثبت به جزء الموضوع.

وبه يمكن أن نفرّق بين المسالك، فعلى القول بالكشف يمكن أن نستصحب، وفي باب الأصيل -سواء قلنا بالكشف أو النقل- نقول: إن فسخه لا يؤثّر لاستصحاب بقاء العقد.

ــــــــــ[154]ــــــــــ

() هذا جزاء قولنا: وأما إذا قيل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الرابع:] ما إذا خرج أحد المتعاملين عن قابلية التملك

من الثمرات التي ذكروها بين الكشف والنقل، أنه إذا خرج أحد المتعاملين(1) عن قابلية التمليك، كالموت والكفر، فعلى الكشف يقع صحيحاً والنقل ليس بصحيح، وقالوا(2) نحوه فيما إذا خرج أحد المبيعين عن قابلية التملك.

فيما إذا مات أحد المتعاملين

أما بالنسبة إلى المسألة الأولى، فيما إذا مات أحد المتعاملين الأصيل أو المجيز، نرى أنه هل على كلٍّ من مسلكي الكشف والنقل صحيح، أو عليهما غير صحيح حتى لا تظهر الثمرة، أو على النقل غير صحيح، وعلى الكشف صحيح حتى تظهر الثمرة؟

لا بُدَّ أن نتكلّم عن مطالب ثلاثة لم يتكلّموا فيها بوضوح مع أنها مهمّة:

المطلب الأول: مرّة نقول: إن الفضولي على خلاف القاعدة، ولا تشمله الأدلّة العامة، ومرّة نقول: إنه موافق للقاعدة، ولكن القواعد تقتضي النقل، وأخرى نقول: إنها تقتضي الكشف.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

() الأصيل أو المجيز (شرح). (المقرِّر).

(2) اُنظر: شرح القواعد (للشيخ كاشف الغطاء) 2: 96، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، مبحث الفضولي، الإجازة ناقلةٌ أو كاشفةٌ وثمرات الخلاف، كتاب المكاسب 3: 418، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان ثمرة الكشف والنقل، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإن قلنا: إنه على خلاف القواعد، ولا تشمله الأدلّة العامة وإنما يستفاد ذلك من الأدلّة الخاصّة(1)، ففي مثل ذلك لا بُدّ في كلّ شكّ في الفضوليين سواء كان شكّاً في المتعاملين أو الثمنين أو نفس العقد، لا بُدّ من الاحتياط ما لم يكن في الأدلّة الخاصّة إطلاق يشمله. فمثلاً: في الفضولي إذا شككنا باشتراط العربية أو تقدّم الإيجاب على القبول أو غير ذلك ولم يكن عندنا إطلاق رافع للشكّ، لا بُدّ أن نقول بالاحتياط فيما يشكّ، ومقتضاه اعتبار الشرط المشكوك.

وإذا قلنا: إن الفضولي على القواعد، غاية الأمر أنها تقتضي النقل، فهنا كلامان:

أحدهما: أننا إذا قلنا ذلك فإن الأدلّة تكون شاملة للأدلّة، وإنما تعبّدنا من جهة النقل بخلاف القاعدة، فمثلاً في الصرف والسلم ليس أن اشتراط القبض يجعله ماهيّة أخرى بحيث لا تشمله الأدلّة، بل تشمله الأدلّة عند الشكّ في دخل شيء آخر فيه، فهنا أيضاً اشترط الشارع شرطاً على خلاف القاعدة، ولكن بهذا لا يخرجه عن كونه عقداً، فلو شككنا في دخل شيء في المتعاملين أو الثمنين ندفعه بعموم (أَوْفُوا بِالعُقُودِ).

الكلام الثاني: إذا قلنا إن العموم يشمل الفضولي والقاعدة تقتضي النقل، ففي باب الكشف، إذا كان دليل الكشف قاصراً عن الشمول لمورد من الموارد، وكانت الموارد المسلمة غيرها، فلا بُدّ أن نقول بالنقل فيها مطابقاً للقاعدة.

المطلب الثاني: أن القائل بالكشف الحقيقي ماذا يريد أن يقول؟ هل يريد 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

() كما يقول به السيد ظاهراً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أن يقول: إن ماهيّة البيع تتحقّق بالتبادل الإنشائي الواقع من الأوّل سواء أجاز أو لم يجز، والإجازة بما أنَّ العقد مضاف إليها من الأوّل فمن الآن هذه الحصّة تكون مؤثّرةً، ويكون العقد من حينه سبباً للملكية. 

أو يريد أن يقول: نحن نريد قرار المعاقدة بين الشخصين، فإن هذا هو موضوع أدلّة وجوب الوفاء، وليس موضوعها هو المبادلة بين مال ومال، والأصيل قد أنشأ المعاملة من طرفه وقد مدّ يده للصفقة. والطرف الآخر في علم الله إذا مدّ يده وعقد من طرفه يكون من الأوّل مؤثّراً، وتكون النتيجة أن يصفّقا باليد لكي يتمّ العقد.

وأما إذا مدّ أحدهما يده ومات الآخر فقد انقطعت يده فلا تحصل الصفقة، فإذا لم يمدّ يده لم يكن عقد ولا يشمله الدليل، هل نقول هكذا؟

أو نقول كما قال صاحب (الجواهر)، غاية الأمر يشكل عليه بأنه على الكشف على القاعدة، وهو يتمسّك برواية الصغيرين لتصحيح الإجازة بعد الموت، وأما الروايات الأخرى كصحيحة محمد بن قيس وغيرها فكِلا الطرفين بقيا حيين.

وإذا شككنا، فعلى ما قلناه من القاعدة تقتضي النقل، فالكشف باطل، والنقل أيضاً لا يمكن؛ لأن الميت لا ينتقل إليه، وإن قيل الميت يملك وينتقل إليه يصحّ البيع، لكن تسقط عقلائيته.

المطلب الثالث: إن قلنا: إن ماهيّة البيع عبارة عن تبادل الإضافتين الخاصّتين اللتين كانتا موجودتين بين البائع والمثمَن وبين المشتري والثمن، لا كلّي الإضافة، تبادلها إما مستقلاً أو بالتبع. أو أن ماهيّة البيع هي عبارة عما 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يصدق عليه البيع والشراء (خريد وفروش)(1)، يعني هو التبادل بين العينين(2)، لا التبادل بين الإضافتين فإنه كلام مدرسي وهو أمر مستحيل؛ لتقوّم الإضافة بطرفيها.

والبيع والشراء كما يكون من مالكين أصيلين يكون من غيرهما أيضاً، كولي الوقف الذي يبيع مع المصلحة، فلا المثمَن كان ملكه، ولا الثمن يكون ملكه، بل يكون وليّاً عليه كالسابق، وكبيع الزكاة أيضاً، وكبيع الكلّي، فإنه ليس مملوكاً ابتداءً في الذمّة، ولكن بما أنَّ بيعه له عقلائية فنعمله، وبعد البيع يملك الآخر على ذمّتي شيئاً.

إذا كان هذان المبنيان موجودين: إما تبادل الإضافة الخاصّة أو المبادلة بين العينين، يعني صدق عنوان البيع والشراء، فعلى الأوّل يصحّ البيع، فإن الأصيل حينما يبادل بين الإضافتين في عالم الإنشاء وبالإجازة يتمّ تأثيره، لكن إذا الأصيل أنشأ ذلك ثُمّ مات الآخر قبل الإجازة، انتفت إضافته الخاصّة، وغيره إذا أجاز لا معنى له؛ لأن إضافته بقيت بلا مورد. ولذا في بيع الغاصب الذي تكلّم عنه الشيخ(3) كثيراً، قالوا بعدم إمكانه؛ لأن الغاصب يريد أن يخلع 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

() كلمة باللغة الفارسية تعني: البيع والشراء.

(2) فسّر السيد ما سمّاه بالبيع والشراء بتفسيرين: تارة قال: إنَّه التبادل بين العينين. وأخرى قال: إنَّه عبارة عن أنك جعلتني مالكاً، وجعلتك مالكاً. (المقرِّر).

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 376-383، الكلام في عقد الفضولي، صور بيع الفضولي، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإضافة عن نفسه، وهو غير واجد لها، والذين قالوا(1) بصحّته قالوا: إنه ينزّل نفسه منزلة المالك، إذن لا يمكن أن نقول بأن الورثة يجيزونه، ونحتاج في تصحيحه إلى دليل خاصّ.

وأما إذا توخّينا صدق عنوان البيع والشراء، ولم نسمع تلك الكلمات، فنقول: إن المبادلة وقعت إنشاءً وحين انتقل إلى الورثة فهم يجيزون، وكذلك حال المالك في بيع الغاصب.

يقع الكلام في باب الموت(2) وكلام في باب الكفر إذا كان المبيع مما لا يمكن لغير المسلم أن يملكه. أما في باب الموت، فالقائل بالصحة على الكشف والنقل، يقول: إن الأمر الذي وقع عليه العقد ينتقل إلى الورثة، وهم يقومون بنفس العمل الذي يقوم به المورّث، وهذا لا يفرق فيه بين المسلكين.

نحن قلنا: إنه يمكن أن يكون لنا شكّ، واحتمال من عدّة جهات:

أحدها: احتمال أن يكون كِلا الطرفين المتعاملين يبقى على قابلية التملك من حين العقد إلى حين الإجازة، وأما إذا مات أحدهما لا يمكن تصحيح البيع، لا على الكشف ولا على النقل، فلا تكون الثمرة متحقّقة، والقائل بالثمرة يقول: إنه على الكشف بما أنَّه يصحّ من الأوّل فيكون الانتقال إلى الحي، وأما على النقل فلا يمكن الانتقال إلى الميت على الفرض.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() اُنظر: المكاسب والبيع (للميرزا النائيني) 2: 46، الكلام في شرط المتعاقدين، القول في عقد الفضولي، المسألة الثالثة.

(2) قال بعد عنونة المسألة: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وعلى أيّ حال فنرجع في نفي هذا الاحتمال إلى العمومات كـ(أَوْفُوا بِالعُقُودِ) وغيره، ففيما إذا كان عند العقد كافراً ولكنّه كان عند الإجازة مسلماً(1)، ندفع هذا الشكّ بالإطلاق ونقول: إن هذا الأمر -يعني: استمرار إسلامه من العقد إلى الإجازة- غير معتبر، أو على الكشف نشكّ في أنَّه يجب أن يبقى على إسلامه إلى حين الإجازة، فندفعه بالإطلاقات أيضاً.

فإذا كان العقد بشكله العقلائي متوفر هنا وإنما رفعنا اليد عنه للإجماع على عدم جواز ملكية الكافر للمسلم، أما الزائد على هذا المعنى وهو ما يقوله صاحب (الجواهر)(2) من أنَّه يعتبر استمراره على القابلية، وإن إطلاق الأدلّة وصحيحة أبي عبيدة تدلّ عليه.

نقول: الأدلّة لا تدلّ على ذلك، بل إطلاق الأدلّة نافٍ للشكّ بالاشتراط، فمثلاً في العوضين لو سقط أحد العوضين عن الصلاحية للملكية ما بين العقد والإجازة فكان خمراً، ثُمّ أصبح خلّاً أو بالعكس، فلو كان الكشف على القواعد فلا بُدّ أن نلاحظ الصلاحية حين الانتقال، فإن كان صالحاً كان صحيحاً وإن خرج بعد ذلك أو قبله عن الصلاحية(3).

ــــــــــ[160]ــــــــــ

() وشككنا في لزوم بقائه على القابلية. (المقرِّر).

(2) أُنظر: جواهر الكلام 22: 291-297، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

(3) وهنا قال أحد الإخوان -ما محصله-: أنه إذا كان كافراً حين العقد يقع العقد على ملكية الكافر للمسلم.

فأجاب: بأن أدلّة عدم تملّك الكافر للمسلم كالإجماع ودليل: “الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه”، ولَنْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً لا تنفي صحّة الإنشاء وإنما تنفي الملكية الفعلية، والمفروض أنه حين يملكه حين الإجازة هو مسلم.

وفي صورة العكس، وهي: ما إذا كان حال الانتقال مسلماً وحال الإنشاء كافراً، فما قام عليه الدليل من أنَّه لا يمكن أن يكون مالكاً إنما هو حال الانتقال، والمفروض أنه كان حال الانتقال مسلماً، فالإجماع لا يشمله، غاية الأمر نحتمل أنه يشترط أن يكون من حين العقد إلى حين الإجازة باقياً على قابلية التملك، وهذا مجرّد احتمال ندفعه بالإطلاقات. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وعندنا شكّ آخر، وهو: أننا إذا بنينا أن النقل على القواعد، وحق النقل: فليس أننا بهذا نعزل العقد عن شمول الإطلاقات له، فإذا احتملنا دخل شيء في العقد، كدخل القبض في الصرف والسلم، وحيث الكشف على خلاف القواعد، وشككنا أن دليل الكشف يشمله أو لا، لا بُدّ أن يكون على القواعد، نقلاً.

فمثلاً في هذا المورد وعلى هذا المبنى(1) إذا شككنا أن الكشف فيما إذا كانت القابلية مستمرّة من الأوّل إلى الآخر، أو يكفي أن يكون قابلاً من الأوّل، فإن كان في دليل الكشف -وهو خلاف القاعدة- إطلاقاً فهو، وإلّا فالقدر المتيقّن هو صورة استمرار القابلية، وإلّا قلنا في هذا المورد بالنقل، ونقول: إنه نقل صحيح، إذا كان النقل مصحّحاً له، وأما إذا كان النقل لا يصحّحه، فنلتمس له الدعاء!! كما لو قلنا بأن الميت لا يملك مثلاً.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() وهو كون الكشف على خلاف القواعد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فلو مات المجيز قبل الإجازة، فهنا إشكالان:

الأوّل: من ناحية كون البيع هو التبادل بين الإضافتين الخاصّتين، أو هو المبادلة إجمالاً ومغلقاً (سر بسته)(1) ولم يكن لدليل الكشف قصور من هذه الجهة، فهنا على الكشف الحقيقي يحصل التبادل بين الإضافتين، فإن الإجازة ترجع إلى حال حياة المالك المجيز(2)، فسواء قلنا بأن البيع تبادل الإضافات، أو أنه المبادلة، يصحّ على الكشف. وأما على النقل فيبقى إشكال الإضافات فلا تصحّ المعاملة؛ لأن الإضافة مع الميت غير موجودة، وأما على المبادلة فله وجه ولكنّه خلاف مبنى صاحب هذا الكلام.

والتحقيق خلاف كِلا القولين، أما تبادل الإضافات فمستحيل أن يلزم أن تكون الإضافة بطرف واحد آناً ما وهو غير صحيح عقلاً وعرفاً. ولكنّ البيع بمعنى من المعاني تبادل عرفي بين الإضافات، بمعنى أنك كنت مالكاً لهذا وأنا مالكاً لذاك، وبعد العقد أصبحت مالكاً لهذا وأنت مالكاً لذاك، فتبادل الإضافات بهذا المعنى صحيح، وهو أن إضافتي لهذا العوض ذهبت وانعدمت وجاءت إضافة أخرى، وإضافتك انعدمت وحدثت إضافة أخرى، فهو تبديل للإضافة بمعنى من المعاني، وإن كان تبديل طرف الإضافة غير معقول عقلاً ولا عرفاً.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

() كلمة باللغة الفارسية تعني: مغلقاً من رأسه.

(2) لكنّ الورثة أيّ حقّ لهم في الإجازة بعد أن أنكر السيد وراثة هذا الحقّ على ما يأتي؟ وبعبارة أخرى: أنهم بالإجازة هل ينقلونه إليهم، أو إلى الميت؟ الأوّل خلافه الإنشاء للمجاز، والثاني لا حقّ لهم فيه بعد إنكار الإرث في هذا الحق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ونأتي إلى تمام الموارد التي على خلاف هذا، إذا لم يكن دليل خاصّ كالغاصب الغافل عن الموضوع أو الحكم، يملك في مقابل تملّكه هذا المال، فالمال ماذا يجيز، هل يجيز إنشاء الغاصب، أو يحدث إنشاءً جديداً، وإنشاء الغاصب كان هو تمليكه في مقابل تملّكه، أو في الميت، فإنه في حال حياته ملك الفضولي في مقابل ملكيته هو، والآن بعد الموت، بناءً على النقل نسأل: أن الورثة يجيزون ليملك الميت أو ليملكوا هم؟ فالأوّل ليس لهم صلاحية له، والثاني خلاف الإنشاء، وأدلّة الإرث لا يمكن أن تصحّحه.

نعم، إذا فهمنا منها أن الوارث في محلّ الموروث في جميع الأمور كان له وجه، إلّا أنه غير صحيح، وغاية ما يستفاد من أدلّة الإرث نقل العين إليه، فلا يتمّ هذا المبنى، وإلّا كان معنى ملك الزوجة للثمُن كونها عين زوجها في الثمن أو أنها ثمن زوجها، وإلّا لو كانت تمام زوجها لما اقتصرت على أخذ الثُمن، والأب سدس ابنه والابن الباقي، هذا أيّ اعتبار؟!

وإنما يستفاد من أدلّة الإرث نقل العين إلى الورثة. نعم، يبقى كلام واحد، وهو: أنه إذا رجع الميت إلى الحياة، فماذا نقول له، هل نقول: أنه أولى بماله(1) –إذا دل على ذلك دليل- أو نقول: أنه كان مالكاً له في الحياة الأولى وقد انتقل عنه، فلا يعطى له في هذه الحياة الجديدة.

بناءً عليه، فما لم يدلّ عليه دليل خاصّ لا يمكن تتميمه بالعمومات.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() ويكون من قبيل إعادة المعدوم العرفي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

في شبهة تبادل الإضافات 

المطلب الآخر: أنه على هذه الشبهة وهي احتمال تبدّل الإضافات يكون تبدّلها تامّاً بناءً على الكشف الحقيقي ونحوه مما يتمّم العقد من الأوّل، وأما على النقل فإشكال تبادل الإضافات محكم ولا يمكن تبادلها.

الشبهة التي قلناها كانت على مبنى من قال -بل صرّح- بأن هناك إضافة بين الإنسان والعين كالخيط المشدود، والبيع يسلب طرف الإضافة من هذا ويصله بذاك، والبيع عبارة عن هذا التبادل بين الإضافات، بناءً على ذلك لا تنحلّ الشبهة في بيع الغاصب ونحوه، ولا بُدّ أن نقول إنه باطل.

أما نحن فقلنا: إن ماهيّة البيع ليس هو الإخراج من ملكي والإدخال في ملك الغير، بل هو تمليك عين بعوض أو مبادلة مال بمال، وليس أحدهما متضمّناً لهذا المعنى، والأصيل والوكيل والفضولي والولي إنشاؤهم على نحو واحد، كلّهم يقول: (بعتك هذا بكذا)، وكلّهم أوجدوا ماهيّة البيع، كلٌّ منهم على غرض، وليس أن الأصيل يقول: (أخرجت هذا المال من ملكي وأدخلته في ملكك) ليقال: إن الفضولي لا يمكن فيه ذلك إلّا إذا كان غافلاً، وإذا أوقع ذلك لم يكن قابلاً للإجازة، بل الفضولي كان باطلاً يعني: الفضولي لنفسه. فالإخراج والإدخال لم يؤخذ في ماهيّة البيع أصلاً، والفرق بين الأصيل والفضولي هو أن الأصيل بعقده بحسب حكم العقل تصير العين للآخر، ولازمه خروجها عن ملكه. نعم، من يقول بتبادل الإضافة لا بُدّ أن يقول: إن البيع عبارة عن الإدخال والإخراج.

ــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وفي الفضولي إذا مات المجيز ولحقت الإجازة من قبل الورثة، هل يكون هذا العقد قابلاً للإجازة أو لا؟ 

نقول: إذا كان البيع إدخال وإخراج فلا يصحّ ذلك ولا بيع الغاصب ونحوه، ولكنّ السوق مخالف مع هذا المبنى، وليس البيع إلّا المبادلة، فالأصيل قال: (بعت هذا بهذا)، وحين مات وانتقل المال إلى الورثة أصبح الآن المال مال الورثة، فإذا أجازوا صحّت المعاملة، ولكنّ هذا لا يفرّق فيه بين الكشف والنقل. فإنه على النقل صحيح وعلى الكشف صحيح تأهلياً، يعني أنه قابل للحوق الإجازة.

فإذا قلنا بالكشف الحقيقي، فتصحّ المعاملة على أيّ مبنى من تبادل الإضافات أو الإدخال والإخراج؛ لأن الإجازة تؤثّر أثرها حين الحياة، وأما على النقل فيمكن تصحيحه على ما قلناه، إذا لم يكن إشكال آخر في البين.

[إشكال وحل]

نعم، هنا إشكال آخر في الباب، وهو الكلام الثالث الذي قلناه، وهو أن دليل الكشف موضوعه هو المعاقدة التي تقع بين الأصيل والفضولي، فتكون موضوعاً النفود من أوّل زمان العقد، أو أن دليل الكشف يقتضي أن المبادلة والبيع الإنشائي إذا أصبح متعقّباً لإجازة صاحب المال، فهذا الإنشاء المتعقّب يعمل عمله من الأوّل. فعلى المبنى الثاني لا إشكال أن النقل حاصل، وأما على الأوّل فيأتي هذا الكلام وهو: أن ذاك الذي أوقع المعاملة مد يده للصفقة ومات، وهذا الذي مدّ يده الآن هل تمتدّ يده في ذلك الزمان الأوّل في حال حياة 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الآخر، فيحصل الصفق، أو أن هذا محال بعد الموت وإنما ذاك كلام مدرسي. والمعاقدة لا تكون إلّا بين حيين، وأما إذا مات فالعقد ذهب من البين؟

إذا احتمل ذلك في باب الفضولي أو دلّ عليه دليل ولم يكن لدليل الكشف إطلاق، فإنه على خلاف القاعدة، ونحن إذا نظرنا إلى أدلّة الفضولي لم نجد لها إطلاقاً، فإنها تدلّ على أصل الفضولي لا على الكشف ليكون لها إطلاق، لا رواية محمد بن قيس، ولا رواية الحذاء، وإن كان الشيخ(1) يقول: إنها كما تنقّح الطرفين المتعاملين تنقّح الثمنين؛ لأن الزوجين في النكاح بمنزلة الثمنين في البيع، إلّا أن هذا لا بُدّ أن تعرضه على السوق، وأن مجرّد ورود دليل تعبّدي على المطلب، بخلاف طريقة السوق في باب النكاح، إذا عرضناه على العقلاء يجرده عن الخصوصية أو لا، فإذا تعبّدنا بذلك في باب النكاح، وقلنا: إنه فضولي وإن الولي كان وليّاً عرفياً وعرضناه على العقلاء، هل يقولان: أنه غير مربوط بباب الزواج بل عامّ شامل للبيع والجعالة والمزارعة ونحوها، أو أن عقد النكاح يشتمل على أحكام غير متوفّرة في سائر المعاملات فلا يمكن التعدّي منه إلى غيره؟

بناءً عليه، فما يقوله صاحب (الجواهر)(2)، من أنَّه لا بُدّ أن نقتصر على المتيقّن، في محلّه.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 419، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، للثمرة بين الكشف والنقل مواضع.

(2) أُنظر: جواهر الكلام 22: 290-298، كتاب التجارة، الفصل الثاني: القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأدلّة الأخرى: لم يكن لنا دليل حسابي فقضية عروة قضيّة خاصّة وليس لها إطلاق أو عموم. بناءً عليه، ففي مورد إذا كان ميتاً لا يمكن تتميم العقد لا على الكشف ولا على النقل، أما على الكشف؛ فلأنها لا تعرف حدود التعبّد بالكشف، ونحتمل اشتراط استمرار حياته، ولا بُدّ من دليل على نفيه، نعم لو علمنا بأن الثمن ينتقل إلى الميت عقلائياً؛ لصحّ، ولكن يكون بيعاً غير عقلائي.

نعم، في النقل الموافق للقاعدة أو إذا كان الكشف موافقاً للقاعدة، واحتملنا اشتراط أمر زائد على ما تقتضيه القاعدة، فإننا ننفيه بالعمومات، وإنما نتكلّم على فرض كون الكشف خلاف القاعدة، وعليه إذا احتملت دخل أيّ شرط كبقاء الحياة أو العربية في الكشف لا يمكن نفيه بالإطلاقات، فإنها تصحّح الفضولي لا تصحّح الكشف بالخصوص.

ونحن أيّ احتمال ورد في ذهننا ولم يكن له دافع يكون أصالة عدم النقل محكمة وأصالة بقاء الملك على مالكه، ولا بُدّ من دليل رافع لها، والكشف لا تقتضيه القواعد حتى يكون لأدلّته إطلاق، بل هو أمر لا يفهمه العقلاء وإذا تعبّدنا الشارع به فعلى العين والرأس، وأما في المورد الذي أشكّ في دخله، فإن الإطلاق يقتضي النقل دون الكشف، ففي غير المورد القدر المتيقّن يكون نقلاً.

فإذا كانت العين موجودة في زمان العقد وتلفت، واحتملنا أنه يشترط في الكشف وجودها من زمان العقد إلى زمان الإجازة، وأما على النقل فنقل المعدوم لا يكون عقلائياً، أو إذا انتقلت العين من كونها مما يملك إلى ما لا يملك كان في زمان العقد خمراً ثُمّ صار خلّاً في زمان الإجازة، وأنت تحتمل 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

اشتراط قابلية الشيء للتملّك من حين العقد إلى حين الإجازة، فلو كنت نقلياً لقلت بصحّته؛ لأنه حال النقل لم يكن خمراً، وأما على الكشف فلا يصحّ باعتبار أنه نقل من الأوّل وهو كان خمراً لا يمكن نقله.

والدليل الشرعي إنما قام على عدم جواز النقل ونحن فعلاً لا نريد نقله، وإنما توجّه البيع الإنشائي، وحين النقل كان خلّاً فيشمله (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) وبه يرتفع الشكّ، فما يقوله صاحب (الجواهر)(1) من أنَّ هذا أفسد من ذاك، ليس تامّاً، وليس لنا دليل على أن تكون العين قابلة للتملّك في طول مدّة ما بين العقد إلى الإجازة، بل لو صار خلّاً بين الإيجاب والقبول، صحّ العقد أيضاً؛ لأنه عقد عقلائي واقعي صحيح، وما خرج بدليل إنما هو أن بيع الخمر باطل، وليس معناه أن الإنشاء ليس بإنشاء، بل إنَّ النقل غير تامّ، والمفروض أنه حين النقل لم يكن خمراً.

وأما إذا بالعكس كان خلّاً فأصبح خمراً، فإنه يبطل على النقل وعلى الكشف معاً، أما على النقل فباعتبار كونه حين النقل خمراً، وأما على الكشف فلأنَّنا نحتمل بقاء العين على قابلية التملّك، وليس لهذا الاحتمال دافع.

يقع الكلام فيما يذكره صاحب (الجواهر)(2) من أنَّ شروط العقد إذا لم تكن مستمرّة من حين العقد إلى حين الإجازة كيف يمكن تصوّرها؟

ــــــــــ[168]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 291، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الخامس:] ما إذا تلف أحد العوضين قبل الإجازة 

من الثمرات التي ذكرت بين الكشف والإجازة، ما إذا تلف أحد العوضين بعد العقد وقبل الإجازة، فعلى الكشف تكون المعاملة صحيحة من الأوّل دون النقل(1).

[إشكال الميرزا النائيني ودفعه]

أشكل النائيني(2) بأنه في تلف المبيع لا تكون هذه الثمرة موجودة؛ لأن التلف قبل القبض من مال البايع، فعلى الكشف يكون من مال البايع، وعلى النقل يكون المحلّ قابلاً لتعقّب الإجازة، نعم إذا له  تـمـام السبب يمكن البحث فيه.

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) أُنظر: شرح القواعد (للشيخ كاشف الغطاء): 96، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين، مبحث الفضولي، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ وثمرات الخلاف، كتاب المكاسب 3: 418، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان ثمرة الكشف والنقل، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 169، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: أن يكون البائع مالكاً أو مأذوناً، القول في الإجازة والردّ، الثمرة بين الكشف والنقل، الحاشية الثانية على المكاسب (للمحقّق الخوانساري): 208، البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، وغيرها.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 250، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان الثمرة بين الكشف والنقل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: صحيح ورد في النبوي المعضود بفتوى الأصحاب(1) على طبقه: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه(2)، أما إذا أتلف شخص المبيع قبل القبض، فلا يكون النبوي ولا الفتاوى شاملة له، فإنه نفي الخلاف(3) في أنَّه مخيّر بين الرجوع على المتلف أو يفسخ المعاملة، فالفائدة تظهر في مثل ذلك. 

كما أنَّه لا بُدّ من البحث حول القبض من أنَّه لا بُدّ أن يحدث القبض بعد القبض، أو أنه يكتفى بما إذا كان حاصلاً قبل العقد باستعارة ونحوها، فلا يكون من التلف قبل القبض، فتظهر الفائدة. أو إذا تكلّمنا في الثمن، فإنه ليس بيعاً، ليقال إنَّه إذا تلف قبل قبضه فهو من مال المشتري، وإن قالوا: إنه لا فرق بين الثمرة والمبيع، إلّا أنه قول بلا دليل، فالثمرة تظهر في كلّ هذه الموارد.

إنما الكلام في شرائط العقد، كالعربية والتنجيز، فكيف يمكن أن تتحقّق أوّلاً ثُمّ لا تكون حاصلة، لا يظهر ذلك إلّا في صورة تبدّل الرأي، كما لو كان يرى جواز العقد بغير العربية، فعقد بالفارسي ثُمّ تبدّل رأيه إلى عدم الجواز، ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) أُنظر: مفتاح الكرامة 14: 308، كتاب المتاجر، المقصد الخامس: في لزوم البيع، الفصل الأوّل: في الخيار، المطلب الثاني: في الأحكام، تلف المبيع قبله قبضه من مال البائع، وغيره.

(2) مستدرك الوسائل 13: 303، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1، وعوالي اللئالي العزيزيّة 3: 212، باب التجارة، الحديث 69.

(3) أُنظر: جواهر الكلام 23: 157، كتاب التجارة، الفصل الرابع: في أحكام العقود، النظر الثالث: في التسليم، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فعلى الكشف تكون المعاملة تامّة، وبعد تماميتها قام الإجماع على إجزائه، ولا ينهدم العقد عما وقع عليه، وإن كان مقتضى القاعدة هو عدم الاعتداد بالفتوى السابقة، ولكنّهم تسالموا على إجزاء المعاملات السابقة كالنكاح والبيع وغيره، وأما في موارد عدم تمامية المعاملة، كما لو تبدّل الرأي قبل القبول، أو قبل الإجازة على النقل، فلا يمكن الاعتداد بالمعاملة، ثُمّ يتكلّم الشيخ حول بعض الأمور التي ليس فيها مزيد كلام، ثُمّ يذكر الشيخ تنبيهات.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 

تنبيهات 

 

الأول: إذا أجاز من الأول 

التنبيه الأول: كان مقتضى القاعدة أن يعرضه من الأوّل هكذا: إذا وقعت الإجازة من المجيز، فأجاز العقد من الأوّل، فالقائل بالنقل ماذا يقول؟ هل العقد والإجازة باطل، أو أن الإجازة صحيحة والعقد ملغى؟ والقائل بالكشف ماذا يقول؟ هل هو كشف أيضاً أو الأدلّة قاصرة عنه. أو بالعكس إذا أجاز المجيز من حين الإجازة فماذا يقال على الكشف وعلى النقل؟

ومناط المسألة ليس راجعاً إلى الإجازة، وأنها أيّ شيء، كما تكلّموا فيه، من أنَّ النزاع إذا كان في مفهوم الإجازة فهذا التقيّد لا يكون موجوداً، بل -بناءً على قول بعض- أنه يبحث عن اقتضاء الإجازة للعمل من الأوّل أو أنها لا تقتضي شيئاً. فكلامهم عن الإجازة مع أنها ليست مورداً للكلام، وإنما كان محلّ الكلام هو العقد، ولذا قال (جامع المقاصد)(1): إن العقد هو تمام الموضوع والإجازة ليست إلّا للعلم.

ــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) أُنظر: جامع المقاصد 4: 75، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقال بعض(1): أن العقد المتعقّب بالإجازة هو الموضوع، فليس كلام أحد في الإجازة وبلا إشكال أنها تفيد إجازة ما عمله العقد والرضا به، وليست الإجازة معاملة جديدة، فلا بُدّ أن نبحث عن العقد هل أنه تمام الموضوع والإجازة تكشف عنه، أو مفاده النقل من حينه، أو العقد لا يتمّ إلّا بمجيء الجزء الآخر للنقل وهو الإجازة؟

[تحرير الأقوال في المسألة]

فإذا قلنا في باب الكشف إن العقد هكذا: أن العقد متقيّد بأن يقع مضمونه من الآن، فيتكلّم أنه بناءً على هذا المبنى إذا أجاز من حين الإجازة، فلا طريق لنا إلى تصحيح الإجازة؛ لأن مضمون العقد هو النقل من حينه، وليس له بقاء إلى حين الإجازة، فإن هذا القائل لا يريد أن يقول أن مفاد العقد هذا ملكك إلى الأبد، بل يريد أن يقول: إنه كما في الإجازة أن العقد يقع الآن، كذلك عقد البيع، كما هو مسلك الآخوند(2) وصاحب (الجواهر)(3) و(جامع المقاصد)(4).

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) أُنظر: الفصول الغرويّة: 80، المقالة الأُولى، القول في الأمر، تقسيم الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 59-60، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

(3) أُنظر: جواهر الكلام 22: 290، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي.

(4) أُنظر: جامع المقاصد 4: 75، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا جعلت الإجازة مقيّدة بحينها تكون أجنبية عن العقد بالكلّية، فإنه من الآن ليس مضمونه، وما هو مضمونه وهو في حين العقد لم تجزه، فلا طريق لتصحيحه. وما يقول النائيني(1) من أنَّ هذا تابع لتصحيح الشرط الفاسد في العقود، فإذا صححناه تصحّ الإجازة، وقد ظهر أن هذا أجنبي عن المطلب.

أو -مثلاً- من يقول: إن العقد تمام الموضوع ويؤثّر من حينه، والإجازة فقط للعلم بأن العقد مؤثّر من الأوّل، فنسأل: إذا أجزت من حين الإجازة هل تكون هذه الإجازة موجبة للعلم بالصحّة، أو لا تكون كذلك إلّا بالإجازة المطابقة؟ وهذا أيضاً لا ربط له بالشرط الفاسد.

أو مثل الميرزا الرشتي الذي يقول(2): بأن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري، لا بُدّ أن يقول بالصحّة على نحو النقل؛ لأن الرضا حصل من الآن على الفرض، وفي هذه الصورة لا يمكنه أن يقول بالكشف، بل يكون للمالك أن يجيز أيّ مقدار، فإذا أراد جعل إجازته من حين العقد، وإذا أراد جعلها من حين الآن، وإذا أراد جعلها في الوسط.

أو من يقول: بأن الكشف تعبّد شرعي؛ لأنه خلاف القواعد، إما أن 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 252، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الأوّل.

(2) أُنظر: كتاب الإجازة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني: في شرائطها، القول في الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث: في أحكام الإجازة، أدلّة القائلين بالكشف، الدليل الثامن.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الموضوع هو العقد المتعقّب بالإجازة، أو هو الإجازة بوجودها الخارجي، فلا بُدّ أن نرى مقدار التعبّد، وماذا يستفاد من الروايات التي قيل دلالتها على الكشف، وأن الإجازة بأيّ نحو، هل يكون في هذه الصورة كشف أيضاً، أو الإجازة إذا وقعت على الشكل الاعتيادي مطلقة غير مقيّدة، فهو القدر المتيقّن من الصحّة، وأما إذا احتملنا أنه إذا قيّد الإجازة حتى بقيد موافق للكشف من الأوّل، فلا تكون موضوعاً للتعبّد بالكشف؛ لأن ما هو الموضوع هو البيع المتعارف الخالي من التقيّد، ففي مثل ذلك لا بُدّ من الالتزام بالنقل إن صحّ، وإلّا فلا يصحّ نقلاً أيضاً.

فليست المسألة مسألة الكلام عن الإجازة، بل لا بُدّ من أن نرى مباني الكشف(1) لنرى أن دخل الإجازة بأيّ مقدار، يقول الشيخ: وجهان: تحقيقه ما قلناه من أنَّه يختلف ذلك باختلاف المباني.

على الكشف

ظهر مما سبق أن الكشف أقسام: كشف حقيقي، وكشف حكمي، وكشف تعبّدي. فإذا وقعت الإجازة من الأوّل فلا بُدّ أن نرى أنه على النقل ماذا يقال؟ وإذا وقعت الإجازة من حينها فلا بُدّ أن نرى أنه على النقل والكشف ماذا يقال؟ الآن نحسب حساب أقسام الكشف لنرى أنه هل هي مختلفة فيما بينها أو متفقة؟

ــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 421، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أما في الكشف الحقيقي فهو القائل بأن العقد يوجب الانتقال من الأوّل، مرّة يكون مثل الآخوند(1) الذي يقول: بأن لحاظ الإجازة موضوع للحكم. أو كان مثل آغا ضياء(2) الذي يقول: إن حصّة من العقد تكون مؤثّرة، وهو المضاف إلى الإجازة. أو مثل صاحب (الفصول)(3) الذي يقول بالعقد المتعقّب بالإجازة-. أو مثل الميرزا الرشتي(4) الذي يقول: إن الإنشاء المتعقّب بالرضا التقديري هو الموضوع للحكم. كلّ هؤلاء، هل مرادهم أن الإنشاء هو المؤثّر في النقل إذا تعقّبته الإجازة، فإذا أجاز من الآن، لا يكون إجازة للإنشاء، مع أنَّ المراد هو إجازة الإنشاء لا إجازة شيء آخر؟ ولكن هذه الإجازة لا تكون لذلك الإنشاء، فإنه معدوم فعلاً ولا وجود له حال الإجازة، فلا يكون العقد متعقّباً بإجازته، فإن هذه الإجازة لا تكون إجازة للعقد، فهو متعقّب بالإجازة، 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 59-60، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

(2) اُنظر: نهاية الأفكار 2: 279-282، الأوامر، المبحث الرابع، الأمر الثالث، وبدائع الأفكار: 320-321، بديعة: اختلفوا في وجوب مقدّمة الواجب، الأمر الثالث، التنبيه الثالث.

(3) اُنظر: الفصول الغرويّة: 80، المقالة الأُولى، القول في الأمر، تقسيم الواجب إلى مطلقٍ ومشروطٍ.

(4) اُنظر: كتاب الإجازة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني: في شرائطها، القول في الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث: في أحكام الإجازة، أدلّة القائلين بالكشف، الدليل الثامن.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إلّا أنها ليست له وما هو المؤثّر هو المتعقّب بالإجازة الراجعة أليه، لا التعقّب بكل إجازة ولو كانت إجازة للنكاح مثلاً. فلا يمكن تصحيحه إلّا في الغافل الذي يرى أنه إذا أجاز من حينه يصحّ العقد السابق، ويكون مؤثّراً من الآن، إلّا أن هذا خارج عن محلّ البحث، فإن هذا يجيز العقد السابق وليس إجازة من الآن، فإن المفروض أنه يجيز بخلاف الكشف لا بوكالته. وفي المقام لم تقع الإجازة للعقد، فلم يكن عقداً متعقّباً بالإجازة، ولا حصّة مضافة حتى تكون مؤثّرة، فالعناوين التي نتوخّى وجودها لا تكون موجودة.

احتمال آخر: أنهم يريدون أن يقولوا: إن المنشأ له وجود اعتباري بقائي، والمجيز يستطيع أن يجيز الوجود الحدوثي، فما هو موضوع الحكم هو الوجود الحدوثي للعقد: إما لحاظ الوجود الحدوثي، أو الوجود الحدوثي المتعقّب، أو حصّة من الوجود الحدوثي، أو الوجود الحدوثي المتعقّب بالرضا التقديري.

إذا أرادوا ذلك فالإجازة إجازة لزمان البقاء لا لزمان الحدوث، على الفرض، فإن المفروض أنه يجيز على خلاف الكشف. أو يريدون أن يقولوا: إنه يجيز الوجود الحدوثي، ويشترط أنه ينتقل من الآن، فهذا خارج عن محلّ البحث، وإنما نبحث عما إذا كانت الإجازة على خلاف الكشف.

نعم، يمكنهم القول بأنه يجيز الوجود البقائي على أن يؤثّر من الأوّل، فهذا هو الشرط المتأخّر الذي فرّوا منه، وإنما قالوا ما قالوا لجعله شرطاً مقارناً، وإذا كان كذلك كان شرطاً متأخّراً، وهو محال عندهم، وليسوا هم كصاحب (الجواهر) الذي يقول: إن ذلك في التعبّديات ممكن.

فعلى الكشف مطلقاً لا يصحّ حتى على قول الميرزا الرشتي، فإن المنشأ 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المقارن للرضا التقديري لم يكن من الأوّل موجوداً بلا مقارن له بوجوده البقائي. هذا على الكشف الحقيقي.

أما القائلون بالكشف الحكمي، الذين يقولون: إن الإجازة بما أنَّها تجيز العقد من الأوّل، فيكون من الأوّل مؤثّراً، وكما يقول (جامع المقاصد) -على تفسير الشيخ(1) له في آخر كلامه- من أنَّ الإجازة تكون سبباً لتأثير العقد من الأوّل، فإن العقد من الآن أصبح مجازاً، والعقد(2) كان مضمونه النقل من حينه -إما قيداً أو إطلاقاً- فالإجازة تكون مؤثّرة من الأوّل، فلا بُدّ أن تكون الإجازة إجازة لمضمونه وهو التأثير من الأوّل، فإذا لحقت الإجازة فإنها تقلب الواقع عن واقعه، وأما إذا لم تكن الإجازة إجازة له، بأن كان مضمون العقد من حين العقد ومضمون الإجازة من الآن، فما عقد عليه لم يجزه وما أجازه لم يعقد عليه، فالقائل بالكشف الحكمي على تمام مبانيه لا يمكن تصحيح المعاملة؛ لاختلاف مضمون العقد عن مضمون الإجازة.

وأما في الكشف التعبّدي، وهو أن يقال إنَّ الشرط المتأخّر وإن كان مستحيلاً، إلّا أن الشارع تعبّدنا بترتيب آثار العقد من حينه، فلا بُدّ من البحث أن موضوع الحكم ما هو، وكلّ مورد شككنا فيه لا يمكن أن نقول فيه بالكشف، هذا على الكشف.

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 413، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في بيان الثمرة بين الكشف والنقل.

(2) هذا وما بعده شرح لأصل الكشف الحكمي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على النقل

والعمدة، أننا نقليّون، ولا بُدّ على النقل من أن يقال: إن ما هو المنشأ (وهو عنوان البيع) باقٍ إلى الآن، ولذا يصدق عليه الفسخ والإقالة والإجازة، فهذا المنشأ الباقي باعتبار العقلاء جزء الموضوع، والإجازة جزؤه الآخر، فحين ينظمّ إليه الجزء الآخر يكون تمام المؤثّر موجوداً.

فالكلام الآن هكذا: أنه إذا أجاز البيع من أوّل، فهذا لا يخلو من حالين:

أحدهما: الإجازة المقيّدة، بمعنى أنه حيث إنَّ غرضه متعلّق بالنقل من ذلك الحين فهو يجيز من ذلك الحين، من أمس، وليس له مصلحة بنفوذ العقد من هذا اليوم.

ثانيهما: أنه يجيز من ذلك الحين ولكنّه راضٍ بماهية العقد.

وما هو محلّ الكلام هو الأوّل دون الثاني؛ لأنه -على الثاني- إذا أمكن إلغاء القيد ويكون التقيد صورياً، ويكون الرضا من قبيل تعدّد المطلوب، لا يكون مضرّاً ولا خلاف مسلك النقل.

وإذا أراد إجازة الوجود الحدوثي أو الإنشاء فهذا لا نراه موضوعاً للحكم، وإنما لا بُدّ أن ترجع الإجازة إلى ما هو موضوع الحكم.

وإذا أراد النقل من الأوّل؛ لأن مصلحة تعلّقت بالإجازة من الأوّل، فأجاز كذلك، فعلى ما قلناه لا يتمّ؛ لأن ما أجازه ليس موضوعاً للحكم، وما هو موضوع الحكم لم يجزه فلا يتمّ.

هذا محصّل الكلام في الأمر الأوّل، وتحصّل أنه على جميع التقادير لا بُدّ أن نحكم بالبطلان.

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

التنبيه الثاني: هل يكفي الرضا الباطني في الصحة؟

هل يكفي في فعلية المعاملة الرضا الباطني، من دون إبراز أصلاً، أو أن الرضا لا بُدّ أن يظهر، والرضا المُظهَر هو المؤثّر في صحّة العقد؟ أو أن الرضا المظهر أيضاً لا يفيد، بل لا بُدّ أن يحصل إنشاء إيجادي للإجازة، فكما أنَّ المعاملة محتاجة إلى الجعل الإنشائي كذلك باب الإجازة؟ وإذا احتجنا إلى الإنشاء فيتكلّم أنه هل نحتاج إلى الإنشاء القولي أو يكفي الفعلي كالمعاطاة؟

وإذا كان لا بُدّ من القولي، فهل لا بُدّ أن يكون اللفظ صريحاً، أو لا بأس من الكناية، أو كما يقول صاحب (الكفاية)(1) إن الإنشاء القلبي كافٍ؟

ونحن مرّة نبحث المطلب من جهة الأدلّة العامة، ثُمّ ننظر إلى الأدلّة الخاصّة. 

[الكلام بحسب الأدلة العامة]

أما بحسب الأدلّة العامة فمن يريد أن يقول إننا نحتاج إلى إنشاء الإجازة وأن يكون لها معنى إيجادياً كأصل المعاملة، ماذا يرى ناقصاً في المعاملة حتى تتمّمه؟ هل تتمّم عنوان البيع، من باب أن بيع الفضولي الذي حصل ليس كافياً في تحقّق عنوان المعاملة، وإنما يكون كذلك بعد الإجازة، بحيث لولاها لا يصدق عليه البيع، وحيث إنَّ المعاملات إنشائية فلا بُدّ أن تكون الإجازة إنشائية أيضاً؟

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 66، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لكنّنا ننكر الصغرى وهو دخل الإجازة في عنوان المعاملة، فإن المعاملة متقوّمة بالإيجاب وحده دون القبول(1) فضلاً عن الإجازة، ولا دخل للقبول في إنشاء المعاملة أصلاً، فليس هذا الطريق طريقاً، بل أنا ذكرته استطراداً.

والمهمّ هو ما يُرى في كلماتهم(2) كثيراً، وهو أن المعاملة لا بُدّ أن تكون معاملته على أساس أن معنى أَوْفُوا بِالعُقُودِ(3): أوفوا بعقودكم، وتجارتكم(4)، وأحلّ الله بيعكم(5)، وهنا وإن كان عنوان البيع محقّقاً في الخارج إلّا أنه لا يصير بيعك إلّا بالإجازة، فكما أنَّ البيع من الأمور التسبيبية كذلك الإجازة، فإنه بسببها يستند البيع إليك، وإذا كانت من الأمور التسبيبية فهو يحتاج إلى الإنشاء، إذن فالإخبار لا يفيد ولا الرضا وحده.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 27، كتاب البيع، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، مسألة: الأشهر لزوم تقديم الإيجاب، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 62، كتاب البيع، في التكلّم في التعاريف المذكورة للبيع، 1: 90، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 131، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني، حاشية المكاسب (للمحقّق العراقي): 299، الخيارات، عدم ثبوت الخيار للفضولي، وغيرهما.

(3) المائدة: 1.

(4) النساء: 29.

(5) البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ونحن قد تكلّمنا سابقاً، وقلنا إننا إذا توخّينا أن يكون العقد عقدكم، فعندنا: العقد المصدري، وحاصل المصدر، والأثر، والأثر لا ربط له في المقام، فنحن والإنشاء والمنشأ إذا أوجده الفضولي أو أوجده أصيل ويريد أصيل آخر قبوله، فبالوجدان أن الإنشاء أوجده هذا الفضولي أو الأصيل الموجب، وحاصل المصدر هو حاصل فعل هذا الشخص لا حاصل فعل شخص آخر.

ومع غضّ النظر عن أن معنى كون الإجازة والقبول منافٍ مع هذا المعنى، يعني لو احتجنا إليها ففي بيع الأصيلين لا يكون كذلك، ولا يكون الإيجاب بالقبول إيجاباً للقابل، فإن القبول ليس له سِمة إلّا الرضاء بفعل الموجب، وماهيّة المعاملة يوجدها الموجب، وهذا الإيجاد بالوجدان فعل هذا الشخص مصدراً وحاصل مصدر. 

أنا إذا قبلت هل يصبح الفعل فعلي حقيقة، يعني: يكون المصدر فعلي وحاصله نتيجة لفعلي، وينقلب الواقع عما حصل عليه؟ إذا أرادوا ذلك فلا شكّ أن هذا غير موجود لا في الأصيلين ولا في غيرها.

وعليه، فلا بُدّ أن يقولوا: إن العمومات لا تشمل بيع الأصيلين؛ لأن العقد المركّب غير مستند إلى هذا وحده ولا إلى ذاك، فإذا قلنا إن معنى أَوْفُوا بِالعُقُودِ: أوفوا بعقودكم، فالإيجاب ليس عقداً ولا القبول عقداً، ولا بُدّ أن ينتسب العقد إليّ حتى يجب عليّ الوفاء، والخطاب للمجموع لا معنى له، والموجب والقابل قد عمل العقد، إذن فلا يمكنكم تتميمه حتى في الأصيلين.

وفي باب الوكيل لو باع الوكيل مالي، فمن باع مالي؟ أنا أو الوكيل؟ من الذي أوقع البيع حقيقة؟

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ليس إلّا الوكيل، والموكل إذ يقول: (أنا بعت)، هل يريد أن يقول أنه عمل العقد حقيقة؟ فهو كذب، وإذا أراد ذلك توسّعاً من باب أن المال ماله، كان مجازاً.

يستحيل أن ينسب المصدر إليك واسم المصدر إلى الآخر(1)، أو كما يقول النائيني(2)، ينسب إليه اسم المصدر دون المصدر، مع أنهما أمر واحد والفرق بينهما بالاعتبار، وحتى لو كانا أمرين فإنهما متلازمان كالعلّة والمعلول، فإذا كان المعلول من فعلي كيف لا تكون العلّة من فعلي؟! والإذن أيضاً، إذا أذنت لك في بيع مالي، هل تقول: أنه لا يشمله العمومات، أو نقول أن البيع يكون بيعك، أو أنه عقد منتسب باعتبار الإذن يعني عقد مأذون فيه ولا نتوخّى أكثر من ذلك؟

ولا نتوخّى أن يكون (عقدكم) لا في كتاب ولا في سنة، بل موجود فقط في حواشي المكاسب!! وربما بعض المصادر قبلها، ولو كان الانتساب مجازياً فلا يكون مشمولاً للعمومات؛ لأن أصالة الحقيقة تقف دون ذلك، فمن كان عالماً توسّعاً ومجازاً لا يكون مشمولاً لـ(أكرم العلماء)، وإذا كان (عقدكم) توسّعاً لا يشمله (أوفوا بعقودكم)؛ لأنه يعني ما كان عقدكم حقيقة، لا المنتسب في الجملة، ومن باب التوسّع.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال. (المقرِّر).

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 234، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، القول في الإجازة وحكمها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فيعلم من ذلك أنه لا بُدّ في العقد نحو من الارتباط، لا بالانتساب(1) بالنحو الذي يقولونه، وإنما البيع ما كان في سوق العقلاء بيعاً، أما بالمباشرة أو بالإذن، ومال الأجنبي لمال الأجنبي لا يمكن أن يكون مؤثّراً إلّا بعد الإذن به، فإن العقلاء يذهبون إليه ويسألونه: أن فلاناً باع مالك، ويعطوه حقّ رفضه وإجازته.

فما يقال(2) من أنَّ الرضا لا يكفي، بل لا بُدّ من إيقاع الإجازة، غير تامّ فإنه لم يبقَ شيء ناقص في المعاملة حتى يتمّ بها. وإنما لا بُدّ من الارتباط بنحو من الأنحاء إلى المالك، وهو يكفي فيه الرضا الكافي في سوق العقلاء، والعمومات إنما تتعرّض لسوق العقلاء.

أما أن يقال: إن إظهار الرضا قيد أو الرضا المظهر قيد، فهو أيضاً ليس بضروري، وأما ما يقوله الآخوند(3) من الإنشاء القلبي، فلم نفهم له معنى، فإنه 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 65، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي): 158، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني، وغيرهما.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الهمداني): 222، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، تحقيق القول في عقد الفضولي، في تحقيق الإجازة بالكناية، حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 66، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني، وغيرهما.

(3) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 66، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ليس القلب، بل العقل والعقل يدرك وليس أنه ينشئ إنشاءً، إذن فلا نريد شيئاً أكثر من الرضا ويكون مشمولاً لقوله: تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(1)، والشيخ(2) أيضاً يبني على ذلك ويقول: لولا الإجماع، ثُمّ يقول عن الإجماع: دونه خرط القتاد(3).

[دلالة الروايات في المقام]

والعجب أن الشيخ والآخرين تمسّكوا بروايات غير دالّة وأعرضوا عن صحيحة الحذاء، التي جعلوها دليلاً على الفضولي وعلى الكشف، ولم أرَ من أشكل في ذلك إلّا أنا.

وفيها: “إلَّا أن يكونا قد أدركا ورضيا”(4).

وفيها: ما دعاه إلى أخذ الميراث إلَّا الرضا بالنكاح(5).

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) النساء: 29.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 222، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 224، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

(4) الكافي 10: 772، كتاب النكاح، الباب 64، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، وسائل الشيعة 26: 219، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 1.

(5) مَن لا يحضره الفقيه 4: 310، باب ميراث الصبيّين يزوّجان ثمَّ يموت أحدهما، وسائل الشيعة 26: 221، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فلو كان الرضا غير معتبر ولا بُدّ من إظهاره أو إنشاء الإجازة، لكان عليه أن ينصّ على ذلك، وفي رواية الوديعة ليس فيها عبارة الرضا.

فالقواعد تقتضي كفاية الرضا.

[هل الكراهة دالة على الفسخ؟]

بقي مطلب واحد، وهو أننا إذا اكتفينا بالرضا في الإجازة فهل نكون ملزمين بالقول: إن الكراهة تدلّ على الفسخ، أو أن الكراهة تختلف عن الرضا، وأن المالك إذا كان حاضراً راضياً فليس ذلك فضولياً وتشمله تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ.

في باب (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) إذا تمّمنا كلام الآغايون من أنَّ المراد (عقودكم)، فغاية ما يقال في الأصيلين: بما أنَّكما معاً أوجدتما العقد فيجب عليكم الوفاء بالعقد الذي أوجدتماه، فعلى فرض صحّة ذلك للأصيلين لا يمكن أن يتمّ بالنسبة إلى الوكيل والفضولي والوصي، فإننا إذا أردنا (بعقودكم) وأردنا تتميمه بالإجازة فلا يمكن تتميمه على الحقيقة، ونحن أشكلنا حتى في المجاز، فلو قلنا: إن الآية تشمل حتى الحقائق الادعائية، ولكن قلنا أن الحقائق الادعائية لا بُدّ لها من مصحّح، كقوله تعالى: إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(1)، فهو يدّعي أنه ملك كريم حقيقة، فالبليغ إذا أطلق (الأسد) على زيد فهو يلتزم بسائر لوازمه العادية، فهو يسمّي أولاده أشبالاً وبيته عريناً، ولا يمكن أن يدّعي ادعاءً ويكون في كلامه أمر مناقض له. 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) يوسف: 31.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وماهيّة الإذن والإجازة والإمضاء متضمّنة لمعنى مناقض لكون العقد عقدي، فإن معناه (أني أمضيت فعلك)، و(بارك الله في صفقة يمينك)، ولم يقل (بارك الله في صفقة يميني)، وأنت تقول (أجزت عملك)، وهذا المعنى مضادّ للحقيقة الادعائية، فلا طريق لنا إلى إثبات أنه صار الفعل فعلي ادعاءً ومجازاً، فلو شملت الآية الادعاءات والمجازات، فإنها لا تشمل الإجازة، لمنافاتها معناها للحقيقة الادعائية.

بل لا نريد أزيد مما هو موجود في سوق العقلاء، وليست الإجازة سوى كاشفة عن الرضا، ولا تحتاج إلى جعل السبب وإنشائه، فإن السبب تامّ، نعم لا بُدّ من الانتساب إلى المالك، فيحصل ذلك بالإجازة(1).

إذن يتّضح أنه ليس المعنى: (أوفوا بعقودكم)، والعقلاء موافقون على ذلك، فإنه بمجرّد إظهار الرضا تكون معاملة عقلائية صحيحة، وأما إنشاء 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() وهنا قال بعض الإخوان ما محصّله: أن الشارع ادّعى هذه الحقيقة الادعائية، وهي أن العقد عقدك.

فأجاب بما محصله: بأن هذا وإن كان ممكناً من الشارع، بل حتى من المجيز بادعاء جديد مستأنف، وإن لم يكن ممكناً بنفس الإجازة. 

إلّا أنه يرد عليه: أوّلاً: أنه خلاف كلام الآغايون، فإنهم حين قالوا: نحتاج إلى الانتساب بهذا المعنى أثبتوه بنحو الحقيقة؛ ليكون مشمولاً للآية.

وثانياً: أن العمومات لا تشمل الأفراد المجازية، وإنما تقتصر في الشمول على أفرادها الحقيقية.

وثالثاً: أن مجرّد إمكان صدور ذلك من الشارع لا يجعله موجوداً إثباتاً، بل يحتاج إلى دليل وهو بلا دليل. إلّا أن تجعل كلام الآغايون دليلاً عليه، وهو كما ترى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الرضا وإنشاء الإجازة وأنها أمر تسبيبي يحتاج إلى إنشاء، فليس له عقلائية، فلا نحتاج إلّا إلى كونه عقداً عقلائياً، وأن لا يكون الطرف الآخر برّياً بحيث لا يمكن إيجاب الوفاء عليه، والآذن والمجيز ونحوهم كلّهم مرتبطون بالعقد بنحو من أنحاء الارتباط، بل أخذ لفظ الرضا في صحيحة الحذاء وآية: تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، ولم يقل تجارة عن إجازة.

كلام للشيخ ومناقشته

يقول الشيخ(1) بعد ذلك في آخر كلامه: ولكن على هذا يلزم أن الرضاء مقيّد والقوم لا يلتزمون به، ولازمه عدم نفوذ عقد المكره، وأن العقد يبطل بالكراهة.

أما اللازم الأوّل: فالالتزام به لا بأس به، لا بأس أن يكون صحيحاً من الأوّل، فإنه ليس للإظهار مدخلية في الموضوع، وإنما هو طريق إلى الرضا الذي هو شرط للمعاملة، فلو قال المالك: (أنه راضٍ) أو عُرف من حاله ذلك، وأوقعه الفضولي أمامه، لا يكون فضولياً من الأوّل.

وأما أنه يلزم أن تكون الكراهة فسخ، إلّا أن يقال إنَّ الفسخ غير الكراهة، كما قال الشيخ(2)، وهل المسألة هكذا؟ أن الأمور التي هي تسبيبية وإيقاعية لا بُدّ وأن تعمل بالإنشاء، فمهما رضيت بالبيع لا يقع بيعاً ما لم تنشأ بالقول أو 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 425، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالفعل، وفي المقام تمّ الأمر التسبيبي وهو المعاملة وكان له شرط وهو الرضاء، وقد التحق به وتمّت المعاملة.

ولو كان الرضى دخيلاً في المعاملة لكان بيع المكره باطلاً أساساً، مع أنه يوجد به عنوان المعاملة، وإنما الرضا شرط في النقل.

فالأصيلان المقرونان بالرضا يعملان أمراً تسبيبياً منضمّاً إلى أمر تكويني، فالأوّل هو المعاملة، والثاني هو الرضا المعاملي، نفس ذاك المعنى التسبيبي يوجده الفضولي، ويبقى شرطه التكويني وهو الرضا يلحق به بعد ذلك، وليس يلزم أن يكون هذا تسبيبياً.

أما بالنسبة إلى فسخ المعاملة بالكراهة، فهذه المعاملة عقدة تحتاج إلى حلّ، والفسخ أمر اعتباري يحتاج إلى إنشاء، ولا يكفي في الرضا بالفسخ أو الاشمئزاز من المعاملة في حصول الفسخ، وكذلك الحال في الإقالة لا يكفي في حدوثها الرضا بها. فالفسخ أمر تسبيبي يحتاج إلى السبب وهو الإنشاء، فما قاله الشيخ [في ذيل كلامه]: (إلّا أن يقال) متين.

في كفاية الإجازة بالفعل (عملاً لا قولاً)

الآن نفرض أننا نحتاج إلى الإجازة الإنشائية، فيقع البحث أنه هل لا بُدّ من اللفظ أو يكفي الفعل؟ وعلى الأوّل هل لا بُدّ أن يكون صريحاً، أو يكفي الكناية مثل: (بارك الله في صفقة يمينك)؟ 

وهذا كبراه واضحة، فإن الإجازة ليست زائدة على البيع، فقد قلنا في باب البيع أن المعاملة تصحّ إذا كانت عقلائية، ولا تحتاج إلى اللفظ الصريح والحقيقة. فكما يتمّ في اللفظ الحقيقي يتمّ في المجاز والكناية التي يعتبر بها 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

العقلاء الإيجاد. وكذلك في الفعل كالإشارة والتعاطي، وكان له ذلك المعنى في نظر العقلاء، فلو سألت المالك: (هل أجزت البيع) فأومأ برأسه فقد حصلت الإجازة عقلائياً ولا حاجة إلى اللفظ.

وليس كما يقول النائيني(1)، أنه من قبيل باب النكاح الذي لا يتمّ بذاك العمل فإنه زنا، في حين أن معنى النكاح غير معنى الوطء، وعلى تقدير أن يقال بتمامية النكاح بالمعاطاة، فليس بذلك العمل بل بترتيب بيت الزوجية والذهاب إليه والاجتماع فيه بصفتهما زوجاً وزوجة، والنكاح أمر اعتباري قد يحصل باللفظ وقد يحصل بالفعل، غاية الأمر أن الاحتياط في الفروج يفقدنا الجرأة على أن نفتي بذلك.

وهل التصرّف إجازة أو دليل على الرضا من قبيل: أن تمكين الفتاة إجازة؟ يقولون ذلك ولا يقولون: إنه تمكينٌ لأجنبي؛ فيكون حراماً، وفي الرواية في العقد على السكرى قال: (إذا أقامت معه فذلك رضا منه)(2)، قالوا(3): إنها 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 253، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 409، كتاب النكاح، باب ما أحلّ الله عزّ وجلّ من النكاح وما حرّم منه، الحديث 4430، تهذيب الأحكام 7: 392، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 47، وسائل الشيعة 20: 294، الباب 14 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1. نص الرواية: “إذا أقامت معه بعد ما أفاقت، فهو رضا منها”

(3) اُنظر: غاية الآمال 3: 390، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في صحّة عقد الفضولي، الكلام في الإجازة، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

صريحة في لزوم الإجازة، بل معناه أنه بما أنَّه رضي فالعمل حلال. فالتصرّف يدلّ على سبق الرضا فيقع التصرّف حلالاً، ولولاه لوقع تصرّفاً بمال الغير حراماً. نعم، لو كان غافلاً عن الرضا لم يكن دالّاً عليه، ولم يجز التصرّف.

التنبيه الثالث: هل من شرائط الإجازة أن لا تكون مسبوقة بالرد؟ 

هل من شرائط الإجازة أن لا تكون مسبوقة بالردّ؟ فلو كان الطرفان فضوليين، ثُمّ ردّ صاحب السلعة أو صاحب الثمن، فهل يستطيع أن يجيز بعد ذلك، أو هناك تفصيل بين صاحب السلعة وصاحب الثمن؟

الشيخ(1) يستدلّ أن الإجازة إذا كان المجيز أحد طرفي العقد، فهي بمنزلة الإيجاب إذا كان المجيز صاحب السلعة، وبمنزلة القبول إذا كان المجيز صاحب الثمن. وما لم تكن الإجازة طرفاً للعقد لا تكون مشمولة لـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنها إنما تشمل العاقدين، وكما يذكر في باب الصيغة: أنه إذا حصل الرد بين الإيجاب والقبول يكون هادماً للإيجاب ولا يكون قابلاً لتعقّب القبول، كذلك هاتان الإجازتان -في الفضوليين- بالنسبة إلى المالكين، فإنه إذا حصل الردّ تنتفي المعاقدة، ولا بُدّ من معاقدة أخرى.

نحن لنا كلام تارةً في الإيجاب والقبول المقيس عليه، فنرى أن الردّ بينهما هل يهدم الإيجاب أو لا؟ ثُمّ نتكلّم في الإجازة. 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 426، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: المباني(1) في الإيجاب والقبول مختلفة، فمن قائل: إنه كما أنَّ الوجوب هو الإرادة المظهرة، كذلك المعاملة هي عبارة عن الإرادة المظهرة وهي موضوع الحكم، وهو قول آغا ضياء، فالإيجاب إرادة مظهرة بلفظ الإيجاب، والقبول إرادة مظهرة بلفظ القبول، أو يقال: إن هنا بناء عقلي أو قلبي على أن هذا بإزاء هذا إذا كان هذا الوجه غير الأوّل. غاية الأمر أن البناء القلبي لا أثر له من دون إظهار.

الاحتمال الآخر: أن المعاملات عبارة العقد والعقد عبارة عن المعاقدة والمعاهدة بين الطرفين.

الاحتمال الآخر: أن العقود ليس يقال لها ذلك باعتبار المعاقدة والمعاهدة، بل باعتبار العقد الذي يقع -اعتباراً- بين الطرفين، وحيث إنَّ الإضافة بين المالك وماله مثل (الحبل)، فحينما يحصل التبادل بين الشيئين فكأنّه قد حصلت عقدة، وهذا التبادل عبارة عن البيع والإجازة.

[هل الرد قبل الإجازة كالرد قبل القبول؟]

فنرى الآن أنه بناءً على هذه المباني ماذا يكون، هل يكون الردّ هادماً أو لا؟ حتى بعد ذلك نتكلّم عن هدم الردّ لإجازة الفضولي، لنرى أنه إذا قلنا بالهدم هنا هل نكون ملزمين بالهدم هناك أيضاً، أو لا؟ فإثبات المطلب متوقّف على أمرين:

أحدهما: أنك يكون الردّ هادماً في الإيجاب والقبول.

ــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) مرّت الإشارة إليها في ثنايا البحث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ثانيهما: أن باب الفضولي كباب الإيجاب والقبول؛ لأن الإجازة من صاحب الثمن قبول ومن صاحب المثمَن إيجاب، فإذا التزمنا في باب الإيجاب والقبول بالهدم لا بُدّ أن نلتزم به في المقام، وأما إذا ناقشنا في أحد هذين المطلبين، فلا يتمّ إثبات المطلب بهذا الدليل.

أما في القبول، إذا فرضنا أن الإيجاب عبارة عن الإرادة المظهرة(1)، بحيث إذا ارتبط أحدهما بالأخرى حصل البيع، بناءً عليه إذا أراد الموجب وأظهر إرادته ورجع عن إرادته، فقد ارتفعت إرادته، والإيجاب حيث إنَّه إرادة مظهرة فيرتفع الإيجاب؛ لأنه لا تكفي الإرادة بوجودها الحدوثي بإيجاب المعاملة، وحين القبول لا يكون هناك إرادة مظهرة ليرتبط بها القبول ويكون العقد. فصاحب القبول لا بُدّ أن يقول إن الموجب إذا رد ينهدم العقد.

وأما إذا ردّ القابل، فإنه لا يمكن أن يردّ إرادة صاحبه، فإنه قد حصلت منه إرادة مظهرة وهي موجودة تكويناً، ولا يمكن لصاحبه رفضها.

نعم، له أن لا يقبل وما دام غير قابل لا يتحقّق العنوان، فلو ردّ القابل ثُمّ قبل؛ صحّت المعاملة. وكذلك الحال بعينه على مسلك البناء القلبي(2)، فإنه إذا رفع الموجب اليد عن إيجابه ارتفع الإيجاب، وأما ردّ القابل فإنه لا يؤثّر، فإنه قد وجد البناء المظهر في قلب الموجب تكويناً ولا يمكن لصاحبه رفعه.

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية النهاية (الإيرواني) 1: 14، المقدّمة، في معاني الحروف.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 66، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وإذا قلنا: إن العقود عبارة عن معاهدة وتعهّد بين الطرفين، فالتعهّد أمر معنوي غير القضيّة الإنشائية، فإذا رجعت عن تعهّدي لا يبقى شيء، ولكن ما دام هذا التعهّد موجوداً فيكون مؤثّراً ولا يكون ردّ القابل مؤثّراً، وبعد ردّ الموجب إذا تعهّد مرّة أخرى فهو تعهد غير مظهر فلا يكون مؤثراً. فهذا على مسالك غير مرضية.

وقلنا سابقاً: إن هذه المباني غير مرضية، ولكن لم نتكلّم بتفصيل عن مسلك المعاهدة والتعهّد. 

فأقول: انظروا إلى المعاهدات العقلائية، المنشورة في المجلّات لتعرفوا وضعها، ثُمّ إن انظروا إلى المعاملات في السوق لتجدوا حالها أيضاً، ونحن لاحظنا ووجدنا أنه في المعاهدات بين الدولتين، يقال: إن الدولة الفلانية والفلانية تعاهدتا على كذا أو عقد معاهدة، فالتعبير في المقام بهذا النحو، وكذلك في المعاهدات الحربية بين القائدين كذلك، أما بالنسبة إلى البيع فلا يمكنكم إثبات المعاهدة لا في السوق العقلائي ولا في التبايع بين الدولتين، وإنما يقال: (بعت هذا بإزاء هذا). نعم بعد العقد تكون عليك عهدة التسليم. والبيع مبادلة مال بمال أو تبديل عين بعوض وهو مطلب والمعاهدة شيء آخر، كما أنَّه ليس هناك التزام قلبي، بل هو مبادلة بين مالين، وإنما التعهّد من آثار المعاملة، وهو تعهّد الأداء، وهو غير مأخوذ في مفهوم المعاملة، وآية أَوْفُوا بِالعُقُودِ تتعرّض للوازم المعاملة لا ذاتها، وهو عهدة وجوب التسليم والتسلم؛ لأن عهدة الثمن والمثمَن عبارة عن المعاملة، والعقلاء يعملون مبادلة مال بمال، مع الغفلة عن التعهّدات والالتزام القلبي والإرادة ونحو ذلك.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وعلى تقدير التسليم يأتي الكلام، بأن أَوْفُوا بِالعُقُودِ هل هو حكم إرشادي، أو حكم تكليفي زائد على وجوب التسليم والتسلّم؟ فإن هذا أمر عقلائي مسلّم بوجوب التسليم والتسلّم، والشارع يريد أن يقول نفس هذا المطلب. أو يريد أن يقول حكماً زائداً على ذلك اسمه وجوب الوفاء، بحيث لو لم أسلّم أُضرب مرّتين، مرّة على عدم التسليم ومرّة على عدم الوفاء(1)

ويأتي نفس الكلام في الغصب؛ إذ يقال: أن حرمته إما عقلائية أو تكليفية تعبّدية زائدة على ذلك. فهل الآية تريد ذلك؟ أو في الحقيقة تريد الإرشاد إلى حكم العقلاء في وجوب التسليم والتسلّم، ونفهم منها أن المعاملة صحيحة كما هي عند العقلاء صحيحة؟

وإذا فرضنا أن لها معنى زائداً، فهل نحن ملزمون أن نحمل عليها: تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ و أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ و”الصلح جائز بين المسلمين(2) أو أن كلّ واحد منهما دليل مستقلّ، فحين قال: أَوْفُوا بِالعُقُودِ أخذ المعاهدة بنظر الاعتبار، على ما قال الآغايون(3)، فالذين ينكرون كون العقد عهداً لا بُدّ أن يلتزموا أن أَوْفُوا بِالعُقُودِ تنظر إلى المعاهدات كعهد ولاية علي، أو 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() إن كان مصداقهما واحداً. (المقرِّر).

(2) مرّ تخريجه.

(3) راجع رسائل الميرزا القمّي 1: 458، رسالة في الطلاق بعوضٍ عن الخلع، المقدّمة الأُولى: في تحقيق معنى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، بيان معنى العقد، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 172، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، في أحكام الردّ، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأعمّ من ذلك كعهد الله ونحوه، ولا تكون شاملة للمعاملات، وإذا خرجت المعاملات عن هذه الآية هل يلزم خروجها عن الآيتين الأخريين؟

أما نحن الذين نقول: إن تمام الموضوع هو الرضا بالمبادلة، فيكون مشمولاً لكلّ المطلقات، والعقد عبارة عن العقدة، لا عن العهد، وهذه العقدة لها مصحّح عقلائي صحيح، وكلّ العمومات تقول مطلباً واحداً، هو إمضاء ما وقع بين المتعاملين.

بناءً عليه، إذا كانت المعاملة عبارة عن مبادلة شيء بشيء، أنشأ الموجب المبادلة ورجع عن إيجابه، فأيّ دليل على أن الرجوع يهدم؟ فإن الإنشاء قد وجد ولا ينقلب عما وقع عليه، نعم نحن لا نتكلّم عما إذا ردّ ولم يرجع، بل ما إذا ردّ ثُمّ رجع عن ردّه، فأيّ دليل على أن هذا الردّ يكون هادماً؟ نعم، إذا ادّعيت أن الردّ يرفع اعتبار العقلاء، فهذا يحتاج إلى إثبات، ولا أظنّ أن العقلاء يرون ذلك ويكلفون الموجب بعد الردّ الإيجاب من جديد، فإن هذه مسألة (مدرسية) وليست عقلائية، نعم إذا كان إجماع في المسألة كما يقول السيد(1) فهو، وإلّا فالردّ غير مانع.

وأما القابل فله أن لا يقبل أصلاً، فإنه لولا القبول لا يكون الإيجاب موضوعاً للحكم، أما ردّه فلا يكون مؤثّراً، ولا يمكن أن يكون مؤثّراً في ردّ إنشاء الموجب على جميع المباني، لا عقلائياً ولا إجماع في مقابله.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 159، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وعلى فرض قبول الهدم بالردّ في الموجب أو فيه وفي القابل، في باب الإيجاب والقبول، فهل يأتي ذلك في باب الفضولي فلا بُدّ أن نقول بالهدم من صاحب السلعة وصاحب الثمن، أو لا نقول بذلك؟

نقول: لا يكون الهدم مؤثّراً على أيّ مسلك أخذته، مثلاً مسلك أن الإنشاء عبارة عن الإرادة المظهرة، وهي عبارة عن إرادة المنشئ لا إرادة شخص آخر، ومن ثُمّ يكون هدم المنشئ لإرادة نفسه هادماً لها، وأما في الفضولي فالمنشئ شخص والمجيز أو الرادّ شخص آخر، وسِمة المالك سِمة القابل، بمعنى أن ذاك المعنى الذي وقع في الخارج -بالإيجاب وحده أو به وبالقبول على قول الآغايون- أنا أمضيه وأجيزه حتى يكون البيع بيعي على قولهم، أو يكون البيع مجازاً على قولنا.

نعم، الإجازة والردّ إنشاء يحتاج إلى إرادة مظهرة على هذا المسلك، لكنّ ردّي لا يهدم إرادة المنشئ الآخر، وكذلك الحال لو كان له كراهة ثُمّ رضي، فإنه يكون كافياً.

دليل الشيخ 

كان الكلام في أن الردّ هل يكون مانعاً عن الإجازة وهادماً للعقد أو لا؟

مرّة يكون الطرفان فضوليين، وأخرى يكون أحدهما فضولياً، ففي جميع هذه الموارد يكون الردّ سبباً للهدم سواء كان الردّ من طرف السلعة أو من الطرف الآخر. أو ليس كذلك أصلاً. أو هناك تفصيل بين صاحب السلعة والآخر، هذا في الفضوليين، وكذلك إذا كان أحدهما أصيلاً، فردّ الأصيل قبل 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إجازة الآخر، أو ردّ الفضولي ثُمّ أجاز، فهل في تمام هذه الموارد يوجب الردّ الهدم أو لا، أو هناك تفصيل؟

أحد أدلّتهم: الذي ينقله الشيخ(1) أن الردّ فسخ للعقد، والمجيز بعد الإجازة يقع أحد طرفي العقد؛ لأنه إذا لم يقع أحد الطرفين لا تشمله أَوْفُوا بِالعُقُودِ فله مقدّمتان:

الأولى: أن المجيز أحد طرفي العقد، ولولا ذلك لم يشمله (أَوْفُوا بِالعُقُودِ).

الثانية: وحيث إنَّه أحد طرفي العقد فالإجازة بمنزلة الإيجاب والقبول.

ويقول(2): إنه إذا وقع الردّ بين الإيجاب والقبول، يسقط عن العقدية، فلا يمكن تعقّبه بالقبول، كذلك لا يجوز تعقّب الفضولي بالإجازة مع الردّ.

نعم، بلا شكّ إذا كان المسقط مسقطاً للعقد عن العقدية لا يمكن تعقّب الإجازة به، لكن الكلام في أن الردّ من الموجب أو من القابل هل يكون سبباً لانهدام العقد أو لا. هذا الذي أخذه الشيخ على أنَّه من المسلّمات وقاس عليه مسألة الفضولي.

ونحن قلنا: إنه على حسب المباني وإن كان يمكن أن يقال ذلك في ردّ الموجب، ولكنّ المبنى الحقّ أن عنوان العقد والبيع والتجارة ليس إلّا مبادلة مال بمال، وليس من قبيل المعاهدة والمعاقدة، ولو قلنا: إن العقد هو العهد 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 426، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

(2) وهذه بمنزلة مقدّمة ثالثة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المشدّد كما قيل(1)، فلا بُدّ من التفصيل بين عنوان العقد وعنوان البيع والتجارة. 

ولنا أن نقول: إن أَوْفُوا بِالعُقُودِ راجع إلى المعاهدات التي تقع بين الجماعات أو الأفراد، أو مع الله تعالى، واعتبار العهد هو من الأوّل وقع في العهدة، فعاهدت الله يعني: (وضعت في عهدتي)، واعتبار البيع أمراً آخر، وهو المبادلة، ووضع المبادلة في العهدة لا معنى له، وإنما أثره كون التسليم في العهدة.

وإذا لم نأخذ العقد -كما قلنا- باعتبار المعاهدة القلبية، بل باعتبار العقدة الاعتبارية التي تقع، فهو مبادلة مال بمال، وإنما سمّي عقداً من هذه الجهة، إذا قلنا بذلك فهذا لا يزيد عن كونه مبادلة مال بمال، والموجب قد أنشأ مبادلة المال بالمال، وأوقع تمام مالية البيع، فقد وقع العقد وقوعاً إنشائياً، وإن لم يكن موضوعاً لحكم العقلاء إلّا بالقبول، فهذا الذي أوجد هذا المعنى يردّ ويقول: (إيجاد لا إيجاد)، فهذا بلا ربط ولا معنى له، بل لا بُدّ لك من أن تثبت هكذا: أن من ردّ ثُمّ رجع إلى القبول لا يقبل منه عقلائياً.

وهذا إنما يكون إذا كان هذا المطلب -وهو الفضولي الذي يتخلّله الردّ- شايعاً في السوق، وأما إذا كانت هذه المسألة نادرة كما هو الواقع، فلا يمكن إثبات أن وضع العقلاء كيف هو، فهذا الإنشاء الاعتباري لا أقلّ من احتمال 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) أُنظر: العناوين الفقهيّة 2: 10، العنوان السابع والعشرون: في بيان أصالة الصحّة في العقود، غاية الآمال 2: 238، كتاب البيع، الكلام في شروط العقد، في اعتبار العربيّة في صحّة عقد البيع، بلغة الفقيه 2: 251، رسالة في عقد الفضولي، إشكالٌ على القول بصحّة الفضولي، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بقائه، حتى ترد في إمكان أجزاء الاستصحاب فيه.

وهذا يُتكلم فيه في عدّة موارد كما لو غسل وجهه للوضوء مع توفّر قصد القربة، ثُمّ عاد عن نية الوضوء، ثُمّ رجع إليها، فهل يكون الوضوء قابلاً للهدم بذلك؟ أو هذا الفعل قد حصل مقصوداً به القربة، فإذا رجعت إلى نية الوضوء قبل انقطاع الموالاة فقد حصلت أجزاء الوضوء مع الموالاة والترتيب؛ فيصحّ الوضوء(1)، وفي باب الصلاة(2) قالوا: إن قصد الخلاف لا يقطع الصلاة، وليست الصلاة كالصوم الذي يحتاج إلى قصد مستمرّ من الأوّل إلى الآخر، وإنما الصلاة تنقطع بأحد القواطع، دون القصد المجرّد مع الرجوع إلى النية دون إخلال بالأجزاء والشرائط. فإننا في الصلاة لا نريد أكثر من أربع ركعات لله تعالى، وإبطالها بنيّة الخلاف يحتاج إلى دليل.

يحتاج إبطالها إلى دعوى: أن هذه النية تخرج الصلاة عن صورتها، ويكون 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() أُنظر: المبسوط 1: 19، كتاب الطهارة، فصل في ذكر وجوب النيّة، غنية النزوع: 54، كتاب الطهارة، الفصل الرابع: في كيفيّة الطهارة، المعتبر في شرح المختصر 1: 140، كتاب الطهارة، الركن الثاني: في الطهارة المائيّة، الثالث: في كيفيّة الوضوء، الفرع الرابع، وغيرها.

(2) اُنظر: المبسوط 1: 102، كتاب الصلاة، فصل: في ذكر النيّة، المعتبر في شرح المختصر 2: 150، كتاب الصلاة، المقصد الأوّل: في أفعال الصلاة، الأوّل: النيّة، الفرع الثالث، قواعد الأحكام 1: 270، كتاب الصلاة، المقصد الثاني: في أفعال الصلاة، الفصل الثاني: النيّة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الركعة كلا ركعة، ونحوه في الوضوء وغيره من العبادات، وهي دعوى عهدتها على مدّعيها، فلو أحرم وطاف ثُمّ عزم على القطع وندم على الحج، ثُمّ رجع إلى نيته وسعى وتحلّل لماذا نقول ببطلان العمرة؟!

فهذا أمر عامّ للتعبّديات والمعاملات، هل يهدمها المنافي في الوسط أو لا؟ لا دليل على بطلانها بمجرّد القصد، وفي المعاملات لا تستطيع تحصيل دليل على الانهدام، بل يحتمل بقاؤه حتى لو كان الردّ من الموجب، ومعه لا بُدّ من الرجوع -في المعاملات والعبادات معاً- إلى الأصل، فالانهدام بردّ الموجب الذي يعتبرونه من الواضحات لم نفهمه.

فضلاً عن ردّ القابل، فإنه بأي مناسبة يكون فعلي مهدوماً بفعل الغير؟ على تمام المباني في ماهيّة المعاملة على ما سبق، فإن الموجب باقٍ بإرادته، والإنشاء قد أوجده ولا يهدمه فعل الغير، بحيث لا يمكن تعقّبه بالقبول، فهنا عدم الانهدام مسلّم ولا دليل على الانهدام.

الآن افرضوا أننا قلنا إن ردّ الموجب أو القابل موجب للانهدام، فإن ذلك باعتبار مبنى الآغايون بأن العقد مركّب من الإيجاب والقبول، فإذا تخلّله الردّ لم يكن المركّب موجوداً، وأما في الفضولي فهي معاملة عملها الآخرون -الفضوليون- وانتهت، ولهذا عبّر الشيخ(1) بأن الردّ فسخ للمعاملة، إذن فالعقد موجود ليكون قابلاً للفسخ، فهذا العقد الموجود هل يوجب الردّ فسخه؟ كما 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 427، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قبلنا ذلك في الإيجاب والقبول، معلّلاً بأن المجيز يقع أحد طرفي العقد، فهذا لم نقبله كما سبق وليس المجيز أحد طرفي العقد، ولا يكون شمول العموم له متوقّفاً على ذلك، فإن (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) يشمل حتى ما إذا صدر من الغير بإذنه أو إجازته ونحوها.

وكونه يخرجه من صدق العقد الذي هو بمعنى المعاهدة، هذا أيضاً لا نقبله فإذا ردّ المالك لا يرفع كون الفعل فعل الفضوليين. نعم لو قلنا بأن العقد فعلهم قبل الإجازة، وأما بعدها فيكون فعلاً مباشرياً للمجيز لكان له وجه، إلّا أن الوجدان حاكم على أن العقد فعل مباشري للفضوليين، غاية الأمر بالإجازة يكون العقد عقده، فيكون المجيز شريكاً في الفعل بنحو من الأنحاء، فقولوا: إني أصبحت بالإجازة أحد طرفي العقد، لكنّي لم أجز بعد ولست الآن أحد طرفي العقد، فلماذا يؤثّر ردّي في هدم العقد؟ مع أنَّي كالأجنبي، وليس إلّا أنهما عقدا على مالي عقداً فضولياً. فكلٌّ من العقد وأثره من فعل الفضوليين، وأني لم أجز لتكون المسألة نظير الإيجاب والقبول.

وقوله(1): إنهم تسالموا أنه إذا وقع شيء يرفع العقدية لا يكون العقد قابلاً لتعقب القبول أو الإجازة، فليكن فإني لم أجز لأكون أحد طرفي العقد، بل فعلي أجنبي عن العقد، وواقع بعد تماميته، وبالردّ لا يصبح إنشاؤهم إنشائي ولا منشؤهم منشئي، فبعد الردّ يمكن أن أجيز ويتمّ المطلب، فإن العقد متحقّق ولم 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 426، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ينقلب عما وقع عليه، والردّ جاء بعد تحقّق العقد وتماميته، وفرق بين الردّ بعد تمامية المركّب -ولا أثر للإجازة في ماهيّته، بل في ترتّب الأثر فقط- وبين الردّ قبل تمامية المركب. فلو تمّمنا تمام مقدّمات الشيخ -على أنَّ معظمها محلّ للمناقشة- لا نستطيع أن نصل إلى النتيجة.

نعم، على ما قلنا من أنَّ تمام ماهيّة العقد هو الإيجاب، ولا أثر للقبول إلّا ترتّب الأثر، لو قلنا هناك: إن ردّ القابل هادم للعقد، هنا أيضاً لا بُدّ أن تقول بذلك، إلّا أننا لا نقبله في الموضعين.

بقي أننا شاكّون في أن ردّ الموجب هل يوجب الهدم أو لا؟ فتصل النوبة إلى الأصل وهو استصحاب بقاء العقد، ففي أيّ مورد يجري، وأيّ مورد لا يجري؟

تمسك الشيخ بقاعدة السلطنة 

الشيخ(1) تمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات مدعاه بدعوى: إن مقتضاها أن للمالك قطع العلقة الحاصلة بعقد الفضولي، ثُمّ يأمر بالتأمّل.

إشكالات المحشين عليه ومناقشتها 

المحشّون كلّهم أشكلوا على قاعدة السلطنة، إلّا المرحوم النائيني جهد على رفع إشكالات القوم(2).

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) اُنظر: غاية الآمال في شرح المكاسب 3: 391، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في صحّة عقد الفضولي، الكلام في الإجازة، التنبيه الثاني، حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 67، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 159، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث، حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 501، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 185، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الإجازة، التنبيه الثالث، ومنية الطالب 1: 255-256، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الإشكال الأول ومناقشته]

أوّل إشكالاتهم(1): أن جواز لحوق الإجازة للعقد من الأحكام الشرعية وليس حقّاً مالياً، والناس مسلّطون، يسلط الإنسان على ماله، وهذا تسليط على الحكم لا على المال، وهو أنه: إذا أجاز نفذ العقد.

يجيب النائيني(2):

أوّلاً: أنَّنا لا نقبل أن إسقاط العقد ليس من الحقوق المالية، وكونه كذلك ظاهر. 

وبيانه أنه لا نشكّ أن البيع من العقود المالية، ونفوذ البيع بعد وجوده بلا 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 67، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 255-256، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 إشكال وثابت بالأدلّة الشرعية، فإذا كان البيع من الحقوق المالية فردّ العقد في مقابله لا بُدّ أن يكون كذلك، أي: من الحقوق المالية وكونه من أنحاء السلطنة بلا إشكال.

وثانياً: لو فرضنا أننا سلّمنا أنه ليس من الحقوق المالية، بل من الأحكام الشرعية كجواز البيع والهبة، ولكنّ الإنسان المحكوم بالجواز إذا باع لا يستطيع أن يعمل ضدّه ويرفع يده عن البيع، كذلك في مقابله الردّ لا يمكن أن يردّ ويعرض عليه ضدّه، فما أشكله المحشّون من أنَّ السلطنة سلطنة على الإجازة وعدمها ليس كذلك، بل سلطنة على أمر وجودي وهو إبقاء العقد وحلّه.

[التأمل في جواب الميرزا النائيني]

نحن قلدنا الأكثرين، ولم يبدُ كلامه بنظرنا تامّاً، بل لعلّ الواضح عدم تماميته. 

أما قوله: إن البيع من الحقوق المالية، فلا ندري ماذا يريد أن يقول، هل يقول: إن نفس البيع من الحقوق المالية بحيث يستطيع إسقاطه ونقله بعنوانه بيعاً؟ هل عندنا زيادة على المال الذي أملكه شيء زائد يسمّى بالحقّ، بحيث يكون في مقابل الملك والسلطنة؟ هل هنا زيادة على سلطنته على البيع أمر زائد هو حقّ البيع، بحيث يعتبر له أمرين: السلطنة على البيع وحقّ البيع، بحيث لو أسقط الشارع سلطنته في مورد بقي له الحقّ في البيع، فله أن يبيع تمسّكاً بحقّه؟ أو أن له في العين أمرين: الملكية والحقّ. نعم، إذا عبّرت عن الملك والسلطنة بالحقّ فلا مشاحة، ولكنّ المفروض أن الحقّ اعتبر شيئاً زائداً في مقابلهما، هذا محتاج إلى 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إثبات ولا دليل عليه عقلائياً ولا شرعاً، ليقال إنَّ العقد من الحقوق المالية.

وأما قوله: إنه كما أنَّ للإنسان أن يبيع ماله، فإن له حقّ أن يردّ العقد الذي أوقع على ماله، هذا بأيّ دليل بأنه بما أنَّ لي حقّ البيع فيجوز لي أن أردّ إنشاء غيري؟ هذا أيّ تناسب له ويحتاج إلى دليل غير دليل نفوذ البيع، فما قاله المحشّون صحيح مطابق لبناء العقلاء، من أنَّ السلطنة على البيع مقابلها السلطنة على عدم البيع، وليس في مقابلها ردّ البيع.

وبتعبير آخر: أن السلطنة تتعلّق بطرفي الشيء، ولا يمكن أن يكون الإنسان مسلّطاً على شيء ملزماً بخلافه، إذا أراد ذلك نقول: إنني إذا كنت مسلّطاً على الإجازة كنت مسلّطاً على تركها، فإنني إذا كنت قادراً على الوجود أكون قادراً على العدم، وليس في مقابل الإجازة ردّ عقد الآخر، وعدم إجازتي وإن كان يوجب عدم وقوع العقد لكنّه لا يوجب حلّ ما عمل الآخرون، فإن عقد الفضولي كما لم يكن وجوده بيدك كذلك ليس هدمه بيدك.

وأما كلامه الثاني: وهو أنه على فرض أننا لا نقبل كونه من الحقوق المالية، لكن بلا إشكال إذا كان حكيماً وعمل المكلّف على طبقه فباع، لا يجوز له إيجاد ضدّه، إذن إذا ردّ -الذي هو في مقابله- لا يجوز له إيجاد ضدّه.

لم أعرف تناسبه، فإنك إذا بعت وقفت عليك العمومات الشرعية والأحكام العقلائية تمنعك عن الردّ، فإن الحكم الشرعي بالسلطنة كان موضوعه المال، والآن ليست العين مالك. وأما الردّ فبأيّ دليل تقول: أنه لا حقّ لك أن ترفع يدك عنه فتجيز فتكون الإجازة موضوعاً للحكم الشرعي والعقلائي؟

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الإشكال الثاني ومناقشته]

الإشكال الثاني(1) للآغايون: أن الفضولي لم يتصرّف في مال الغير، وإلّا لكان تصرّفه حراماً وضعاً وتكليفاً، فإنه لا فرق في حرمة التصرّف في مال الغير بين التكويني والاعتباري، وأما إذا لم يكن تصرّفاً في مال الغير فالفضولي لم يزاحم المالك في سلطنته ليكون مورداً للتمسّك بدليل السلطنة، وإنما عمل إنشاءً صرفاً غير ملزم للمالك في شيء، وإنما يكون ملزماً له بإجازته، بل نقول: إننا نتمسّك بدليل السلطنة من الطرف الآخر، فإن لي سلطنة على إنشائي.

يجيب النائيني(2): إن هذا وإن لم يكن تصرّفاً ونقلاً في نظر العقلاء، ولكنّه نقل في نظره فلدليل السلطنة أن يقطعه.

نقول: مقصود الآغايون أنه في نظر الشارع والعقلاء ليس نقلاً بلا إشكال، والفضولي الملتفت -إذا لم يكن في رأسه صداع- يريد أن يعمل ما هو موضوع حكم العقلاء، ولا يرى أن إنشاءه نقل واقعي وإنما هو نقل إنشائي.

وبعبارة أخرى: إن ما وقع من الفضولي في نظره وفي نظر جميع العقلاء هو كونه بيعاً إنشائياً، وما لم يقع لا في نظره ولا في نظر العقلاء هو النقل الواقعي، وليس الفضولي الملتفت بخارج عن محيط العقلاء.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 159، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 255-256، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولو أغمضنا عن ذلك، ينتج: أنه في نظري نقل وليس بنقل في نظر الشارع والعقلاء، ويرجع إلى أنه في نظري تصرّف وليس بتصرّف، فهل الحكم الشرعي يدور مدار نظرك حتى لو خطّأك الشارع فيه، أو أن الأحكام -في الحقيقة- جارية على موضوعاتها الواقعية لا على تخيّلاتنا، وحديث السلطنة لا يقول: قطعت تصرفك الخيالي، مع أنه لم يحصل أيّ تصرف.

والعجب أنه في باب الرهن، يقول: إنه إذا باع الراهن من دون إذن المرتهِن فليس هذا مزاحمة، فإن المرتهِن يريد دينه وليس له حقّ أكثر من ذلك، والإنشاء ليس مزاحماً مع الدين.

نقول: إذا بنينا على أن دليل السلطنة يقف أمام العقد على مال الإنسان، وهو -يعني النائيني- يريد جعل العقد حقّاً مالياً ليكون مشمولاً لهذا الدليل. إذن فهو يشمل سائر الحقوق المالية كحقّ الشفعة وحقّ الرهن، فالإنشاء إذا لم يكن مزاحماً لذلك الحقّ فهنا أيضاً ليس مزاحماً، ولو كان مزاحماً هناك فهو مزاحم هنا أيضاً.

[الإشكال الثالث ومناقشته]

الإشكال الآخر للآغايون: إن الشيخ(1) قال: إن دليل السلطنة يقطع العلاقة. وقالوا(2): بأنه لم تحصل علاقة لكي تنقطع. 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 426، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 185، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 159، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ويقول النائيني(1): إنه لم تحصل علاقة شرعية ولكن حصلت علاقة عرفية، فهل الأمر كذلك: أن العرف يرى ذلك مع أنَّك لم تعمل الإنشاء ولم تحصل لك أيّ علاقة؟ 

 ثُمّ يقول(2): وعلى فرضه فإن العلاقة الإنشائية كافية. وهذا عين المصادرة؛ إذ معناه: أنه إذا باع يستطيع أن يردّ وهو عين المصادرة.

بناءً عليه، فما سار عليه سائر المشايخ صحيح، ولا يتمّ كلام المرحوم النائيني. والشيخ أيضاً يوافق على ذلك فإنه يأمر بالتأمّل(3).

فيما هو مقتضى الأصل

وهذا أيضاً لا بُدّ أن تقوله: وهو أنه على فرض تتميم المطلب على القواعد، فهل الصحيحة إذا دلّت على خلاف القواعد لا بُدّ من ردّها أو تأويلها، مع أن هذا أمر عقلائي؟ وليس أمراً عقلائياً لا بُدّ معه من رفع اليد عن الدليل. فإذا 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 256، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 426، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

اقتضت القاعدة العقلائية أو الشرعية شيئاً وكانت الصحيحة دالّة على خلافها، فنعمل بالصحيحة وتكون مقيّدة للقاعدة الشرعية ورادعة عن السيرة العقلائية، دون أن ترفع اليد عنها أو تأوّلها.

بقي أننا إذا شككنا ولم يتمّ المطلب فهل يتمّ بالأصل أو لا؟

نحن إذا لم نجد الأدلّة القائمة على نفوذ الردّ كافية ولم تستطع -من ذاك الطرف- أن تتمّم بالأدلّة العامة عدم نفوذ الردّ، ووقعت المسألة مورداً للشكّ، أو فرضنا أننا اعتبرنا الأدلّة العامة كدليل السلطنة دليلاً كافياً كما قرّب، أو المطلب الآخر الذي قالوه: من أنَّ العقد عبارة عن المعاهدة وهو لا يصدق مع الردّ، فقد اعتبرنا من مقتضى القاعدة والأدّلة هو نفوذ الردّ، وقام دليل اجتهادي خاصّ على صحّة العقد مع الردّ، والرجوع عنه فهل لا بُدّ أن تردّ الأدلّة الخاصّة ولو كانت تامّة سنداً ودلالة.

بتقريب: أنه إذا لم يكن عقداً عند العقلاء، فالشارع إذا صحّحه لا تحتمل أنه تعبّد محض دون أن يكون لعنوان العقد دخل فيه(1)، لكن غاية هذا التقريب أن العقلاء يقولون: إن الفسخ نافذ والشارع يقول إنه غير نافذ.

وهذا أمر للشارع أن يعمله فمثلاً العقلاء يصحّحون بيع السلم دون قبض، والشارع اشترطه.

كذلك في المقام إذا كان العقلاء يرون أن العقد هو المعاهدة فهو لا يتحقّق 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() وهذا إنما يتمّ إذا كان العقد هو المعاهدة عند العقلاء، وأما إذا كان هو تمليك عين بعوض والردّ يوجب فسخه فليس تعبّداً محضاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مع الردّ، للشارع أن يقول: إن البيع عندي كذا ولا يكون الردّ مؤثّراً، ولا تردّ الصحيحة حتى على مسلك الشيخ(1)، فضلاً عن أننا لا نرى مقتضى القواعد هو نفوذ الفسخ، فنأخذ بالصحيحة؛ لأننا شاكّون في أن قطع العلاقة هل يتحقّق بالردّ أو لا؟

وفي صحيحة محمد بن قيس(2)، قلنا إنها لا تدلّ على الردّ، وهنا صحيحة أخرى نرى أنها هل تدلّ على الردّ أو لا؟

[الاستدلال برواية إسماعيل بن بزيع]

أبواب عقد النكاح باب (14) محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: “سألت أبا الحسن عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوّجت نفسها رجلاً في سكرها، ثُمّ أفاقت فأنكرت ذلك، ثُمّ ظنّت أنه يلزمها ففزعت (ففرغت)(3) منه، فأقامت مع 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 426-427، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الثالث.

(2) الكافي 10: 209-210، كتاب المعيشة، الباب 93، الحديث 12، الاستبصار 3: 205، كتاب النكاح، الباب 127، الحديث 9، تهذيب الأحكام 7: 75، كتاب التجارات، الباب 75، الحديث 33، وسائل الشيعة 21: 203، الباب 88، من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(3) قرأها السيد على الوجه الأوّل فقط، وفي طبعة الوسائل على الوجه الثاني. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الرجل على ذلك التزويج، أحلال هو لها أم التزويج فاسد، لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟

فقال: إذا قامت معه بعدما أفاقت فهو رضا منها. قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ 

فقال: نعم(1). فما هو مفاد هذه الرواية؟!

(زوّجت نفسها رجلاً في سكرها): هل المقصود(2) أنها زوّجت نفسها بنفسها، أو أن وكيلها زوّجها؟ وإنما قيل زوّجت نفسها بالتعبير العقلائي، يعني أنها في حال السكر سبّبت إلى زواجها بمعنى أنها وكّلت في حال السكر؟

فإن التوكيل كان متعارفاً حتى في ذلك الحين، بل إنَّ إجراء المرأة العقد لنفسها منكر في نظر الناس وخلاف الحياء. إذا كان كِلا الاحتمالين موجود في الرواية فمِن ترك الاستفصال نفهم أنه سواء وكّلت أو عقدت في حال السكر، ثُمّ رضيت فإن الحكم بالصحّة يشملها. وإذا كان الاحتمال الأوّل فقط، فإنه لا يكون فضولياً فلا بُدّ أن نرى أنه هل يمكن أن نفهم منها حكم الفضولي أو لا؟

وما لا يمكن أن نعمّمه للفضولي فيما إذا قلنا: إنه لا بُدّ أن يكون (عقده)، 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 409، كتاب النكاح، باب ما أحلّ الله من النكاح…، الحديث 4430، تهذيب الأحكام 7: 392، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 47، وسائل الشيعة 20: 294، الباب 14 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.

(2) أُنظر: كتاب البيع (للمحقّق الكوهكمري): 396، الفصل السابع: في الإجازة والردّ، المبحث الثاني، التنبيه الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا هو عمل العقد فهو عقده لا محالة، فإذا أجاز يرتفع الإكراه، فلو أردنا أن نقيس عليه صحّة إجازة عقد الفضولي لا يكون هذا ممكناً، وأما إذا كانت شبهتنا من جهة أن إنشاء الموجب إذا رُدّ هل ينهدم الإنشاء أو لا، سواء عمله الإنسان أو وكيله؟

فالأمور الاعتبارية هل يهدمها الردّ مع الإجازة أو لا؟ فإذا زوّجت المرأة نفسها إنشاءً، وصحّحنا إنشاءها؛ لأنها كانت قاصدة له، ولكن يشترط عدم السكر لصحّته الفعلية، فهذا الإنشاء قبل ترتّب الأثر عليه زوجية إنشائية وليست حقيقية.

وقد قيل في الرواية بصحّته حتى مع الردّ، فنستطيع أن نفهم أن الإنشاءات كلّها كذلك، ولا خصوصية لفعل الإنسان، بل ردّ عقد الغير أولى بالصحّة، فلا يبعد على تقدير دلالة الرواية على الردّ على ما يأتي، أن تستفيد منها صحّة الفضولي وانحفاظه بعد الردّ وقابليته للإجازة.

نعم، يتكلّم في أن هذه المرأة السكرى إما ملتفتة للمعاني والمطالب أو لا؟ فإن لم تكن ملتفتة فصيغتها باطلة، وإن كانت ملتفتة للمعاني والمطالب فلا بُدّ أن يكون عقدها صحيحاً لا فضولياً. 

نقول مرّة يكون السكران مميّزاً للمعاني ولكنّه لا يدرك المصالح والمفاسد والغايات، مثل الصبي المميّز، فإن إنشاءه صحيح ما لم يقم دليل على فساده، فلو قال الشارع على طلاق الصبي -مثلاً-: إنه إذا بلغ وأجاز صحّ، لا نقول له: إنه إما ملتفت أو لا، فعلى الأوّل لا بُدّ أن يكون صحيحاً فعلياً وإلّا كان باطلاً أصلاً. 

فالسكران لم يفقد كلّ إحساسه بل هو يتكلّم كسائر الناس، وخاصّة المعتاد 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على ذلك، كما كان شأن المرأة على ما يظهر من هذه الرواية، غايته أنه لا يستطيع تمييز النتائج والعواقب، فلذا قال الشارع: إنها إذا أقامت معه فذلك رضا منها.

ففرض المسألة هو وقوع الصيغة صحيحة، وإنما الإشكال من ناحية كونها سكرى ثم أفاقت فأنكرت ذلك: احتمال أنها نفت وقوع التزويج، وقالت: أنا لم أزوّج نفسي، واحتمال: أنها قالت: لا أريد ذلك التزويج.

وفي رواية الصبي قال: (إذا بلغ فأنكر الطلاق فهو باطل)، فالإنكار مستعمل في مقابل القبول، وإنكار قول الإنسان يعني أنه غير صحيح، وهذا الاحتمال الراجح وفي الرواية قرينة عليه، وهو قوله: (ثم ظنّت أنه يلزمها) فلو كانت المرأة نافية لوقوع العقد لم تصحّ هذه الجملة.

(ففزعت منه)؛ لأنها ظنّت أنه يلزمها، (فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج)؛ لأجل أنها تخيّلت أنه يلزمها، فأقامت معه بالرغم من أنَّها أنكرت وفزعت، والفزع والإنكار هل هو شيء غير الردّ؟ فإننا لا نريد بالردّ أكثر من الكراهة المظهرة، ولا نحتاج إلى إنشاء الرد ّ، بأن يقول: (رددت).

(فقال): إذا أقامت معه بعدما أفاقت فهو رضا منها: فنفهم منه أن ا لرضا بالتزويج يصحّحه ولو كان مسبوقاً بالفزع والإنكار، فالتزويج محفوظ والرضا كافٍ.

[دفع وهمٍ]

وتوهم: أن الرضا كان على ظنّ أنه يلزمها، فهو رضا تعليقي وليس رضاً فعلياً واقعياً، غير تامّ، فإنه مرّة نقول: (رضيت إذا كان كذا)، ومرّة يجعل الأمر 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المعلّق عليه مفروضاً والرضاء فعلياً، فإنها سلّمت نفسها على اعتقاد أنه يلزمها، فرضاؤها فعلي على هذا الاعتقاد.

نعم، كان في صحيحة أبي ولّاد(1) بعد أن تعجّب الإمام من فتوى أبي حنيفة، قال -ما مؤدّاه- إن خصمك إنما رضى بنصف المال باعتبار فتوى أبي حنيفة، أنقل له فتوانا ثُمّ انظر أنه هل يرضى أو لا؟

هذا يختلف عن المقام، هذا من قبيل من كان ماله مسروقاً ثُمّ يقول للسارق: (أعطني النصف وخذ النصف حلالاً لك)، فإنه إنما يعمل ذلك لاستنقاذ النصف، وليس حلالاً حقيقة، ونحن في باب المعاملات نحتاج إلى طيب النفس وهو الرضا المعاملي، فلو توهّمت أن المعاملة صحيحة وأجزت صحّت الإجازة.

إذن لا بأس من استفادة صحّة إجازة الفضولي بعد الردّ من الرواية، ولا خصوصية لباب النكاح، بل يعمّ كلّ إنشاء، ويستفاد منها أن كلّ إنشاء لا يبطل الردّ.

[في جواز الرجوع إلى الأصل في المقام]

الآن، إذا شككنا في أن الردّ موجب للهدم أو لا؟ مرّة يتكلّم في باب الإيجاب والقبول من الأصيلين، إذا ردّ الموجب إيجابه أو ردّ القابل، هل ينهدم 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 473، كتاب المعيشة، الباب 147، الحديث 6، تهذيب الأحكام 7: 216، كتاب التجارات، الباب 20، الحديث 25، وسائل الشيعة 19: 120، كتاب الإجارة، الباب 17، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بأحد الردّين أو لا؟ هل يمكن تتميمه بالأصل؟

هذا مبني على أن العقد الذي هو موضوع أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أو أن البيع الذي هو موضوع أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ هل هو الإيجاب والقبول بحيث لا نريد إلّا وجودها في الخارج؟ إذا كان كذلك فلا إشكال أننا نستصحب الإيجاب ويلحقه القبول وجداناً، ويتمّ الركنان.

وأما إذا قلنا: إن العقد أمر بسيط انتزاعي ينحلّ إلى إيجاب وقبول، فإذا أردنا استصحاب الإيجاب لا يحصل ذاك المعنى الانتزاعي.

وبعبارة أخرى: أنه يكون مثبتاً بالميزان الذي ذكرناه للأصل المثبت، فإنه
-هناك- كان تمام الموضوع هو الإيجاب والقبول، وقد تحقّق الموضوع بانضمام الأصل إلى الوجدان وينطبق عليه العموم.

وأما إذا كان العقد معنى انتزاعياً بسيطاً ينحلّ إلى أمرين: الإيجاب والقبول، فالإيجاب وإن كان حاصلاً بالتعبّد، والقبول حاصلاً بالوجدان، ولكنّ العقد غير حاصل، وإنما هو حكم عقلي وعقلائي، أن يكون العقد موجوداً بانضمام القبول إلى الإيجاب، إذن فالمعنى الانتزاعي البسيط لا ينتج ليكون مشمولاً للعموم.

وأما على ما قلناه من أنَّ تمام ماهيّة العقد والبيع هو الإيجاب، وأما القبول فيعتبر لأجل ترتّب الأثر لا أنه معتبر في ماهيّة العقد.

فهنا احتمالان: أحدهما: أن العقد ليس هو موضوع الحكم، بل الموضوع متقيّد بمطلب وهو القبول أو الإجازة، بحيث يكون التقيّد دخيلاً. 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهذا أيضاً يكون مثبتاً؛ لأن الاستصحاب وإن نقّح وجود الإيجاب إلّا أنه لا ينقّح وجود التقيّد. 

وأما إذا قلنا أن تمام الموضوع هو العقد والإجازة أو القبول، فبالاستصحاب يتمّ الموضوع ويشمله العموم.

وفي باب الفضولي أيضاً يقال: إنه إذا حصل البيع الفضولي الإنشائي وردّ المالك صاحب السلعة أو الآخر، ثُمّ قبل، وشككنا أن الإنشاء هل أنهدم أو لا، هنا على جميع المباني يمكن استصحاب نفس العقد. نعم، إذا كان للرضا أو الإجازة دخل في عقد الفضولي كان الاستصحاب مثبتاً، وإن لم يكن متقيّداً، بل كان العموم شاملاً لكلّ عقد إلّا بالنسبة إلى الأجنبي. وهذا قد خرج بالإذن أو الإجازة أو الرضا عن كونه أجنبياً؛ فيكون مشمولاً للعموم.

والظاهر هو ذلك، فإننا لا نحتاج إلّا إلى التراضي لكي تكون (التجارة عن تراض)، إذن يتمّ المطلب بالأصل.

نعم على المباني الأخرى، من كون العقد هو المعاهدة -مثلاً- لا يمكن جريانه، فإن هذا العنوان لا يحصل بالأصل.

التنبيه الرابع: في أن الإجازة لا تورث

البحث الآخر: الذي عنونه الشيخ(1): إن الإجازة لا تورث؛ لأنها ليست من الحقوق، بل هي من الأحكام.

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 427، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أما الكلام في هذه الجهة وهي: أن الإجازة من الأحكام العقلائية للملكية، أو أن الحكم العقلائي للملكية هو السلطنة والإجازة من شؤون السلطنة، فهذا ليس دخيلاً في بحثنا كثيراً، على أيّ حال إذا لم تكن الإجازة من الحقوق لا تنتقل إلى الوارث، وكأنّ الشيخ أخذ بنحو مسلّم أنها لو كانت من الحقوق فإنها تنتقل.

أما المطلب الأوّل، فما يقوله الشيخ(1) تامّ وهو: أن الإجازة إذا كانت من الأحكام لا تنتقل.

وأما إذا كانت من الحقوق فهل تورّث أو لا؟ فهذا ليس مسلّماً كما أخذه، بل هنا كلام في مطالب.

أحدها: في المسألة المعنونة، والتي سوف يقع الكلام فيها من أنَّ المجيز هل لا بُدّ أن يكون مالكاً حال العقد، أو ليس لا بُدّ من ذلك، بل لا بأس أن يملكه بعد ذلك قهراً أو اختياراً ويجيز؟ 

فإذا بنينا على الأوّل: فسواء عددنا الإجازة من الحقوق أو من الأحكام، فهي لا تكون قابلة للإرث؛ لأنها تكون من الأحكام المختصّة كحقّ القسم للزوجة، إذ المفروض أن الوارث غير مالك حال العقد، فيعلم من ذلك أن الإجازة من مختصّات المجيز، فلو مات قبل الإجازة لا تكون الإجازة قابلة للانتقال بالميراث.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما إذا بنينا على الثاني وهو: عدم اشتراط أن يكون مالكاً حين العقد، بل غاية ما نريد أن يكون مالكاً حال الإجازة، فنقول: افرضوا أن الإجازة من الحقوق فهل نستطيع أن نتصوّر أن هذا الحقّ الذي لي -بصفتي مالكاً للمال- ينتقل لي نفس هذا الحقّ الوحداني بالإرث. فإنك لا يخلو إما أن تفرض أن هذين السببين: الإرث والملكية، ينتجان حقّين للإجازة أو حقّاً واحداً، فعلى الأوّل يكون للوارث حقّان:

أحدهما: بما أنَّه مالك يثبت له حقّ الإجازة سواء كان قد ورث من مالكه شيئاً أو لم يكن؛ لأن المفروض أن المالكية حال الإجازة كافية.

ثانيهما: حقّ ينتقل له من والده؛ فيكون له حقّان للفسخ والإجازة، هل هذا يمكن تصوره أو لا، ويكون الحقّان متزاحمين، ولا بُدّ أن يسقط أحدهما نتيجة للتزاحم؟ 

أو أن وجود حقّين مستقلّين من هذا القبيل محال، أن يكون لي اختيارٌ كاملٌ بسبب واختيار كامل بسبب الآخر، نعم يمكن أن يكون للخيار سببان إذا اجتمعا يكونان مثمرين في إيجاد حقّ واحد، وإذا انفرد أحدهما يكون هو المؤثّر.

وفي المقام هناك سببان للحقّ، ولكنّهما إنما يكونان كذلك إذا كانا عرضيين، وإلّا أثّر الأوّل دون الثاني لا محالة، فلو قلنا إن حقّ الفسخ وإن كان في طول الملك بالنسبة إلى المورّث، ولكنّهما ينتقلان في عرض واحد، وبعد أن ينتقل الملك إلى الوارث يكون من آثاره السلطنة على الإجازة أو الفسخ، فيقال: إن سبب الإرث هو المؤثّر ولا يكون الثاني مؤثّراً.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذا عقلاً صحيح، ولكنّه غير صحيح عقلائياً، فإنه بنظر العقلاء يكون مالكاً لحقّ الفسخ نتيجة كونه مالكاً للمال؛ لأن حقّ الفسخ من أحكام الملكية، ولا يقال له: إن حقّك المستقلّ غير موجود، وإنما خيارك باعتبار إرثك من والدك، والكلام في مثل هذا لا يكون بحسب الرتب العقلية وإنما بحسب الأمور العقلائية، فإذا كنت مالكاً ابتداءً لا يكون للانتقال بالإرث معنى ولا أثر.

إذن فإجازة العقد معنى وحداني، فإذا كان الوارث يملكه مستقلّاً، لا معنى لا يكون نفس الحقّ الوحداني ثابتاً له بالتبع، عن طريق الميراث، ويستحيل أن يكون الإنسان مالكاً لشيء بالأصالة وينتقل إليه بالتبع، وليس السببان عرضيين كالخيارات، وإنما تريد ما أنت واجد له بالأصالة أن ينتقل إليك بالتبع بالرغم من كونه وحدانياً بسيطاً. 

وإن فرضناه متعدّداً فأيضاً يلزم المحال غايته بشكل أمتن. فمثلاً في الملكية هل يمكن أن أكون مالكاً لهذا الشيء بالاستقلال، ومع ذلك أكون له مالكاً بالتبع كالشراء أو الحيازة، وفي المقام مجموع الورثة عندهم خيار، ونفس هذا الخيار الذي يملكه المجموع أنا أملكه، فإن هذا المال المشترك بنحو الإشاعة أنا مالك لحصّتي منه بالاستقلال، وبهذا اللحاظ أنا مالك للإجازة بالاستقلال، وبما أنَّ المجموع مشترك بين الورثة كلّهم يملك الإجازة بالتبع أيضاً؛ هذا مستحيل.

البحث الآخر: أنه على الكشف على طريقة صاحب (الجواهر) من أنَّ الإجازة على القواعد على الكشف؛ لأنها تجيز مضمون العقد الواقع في الزمان 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

السابق، فهنا ماذا يقال؟ الوارث ماذا يجيز، هل يجيز مضمون العقد الذي كان في ذلك الزمان، المفروض أنه لم يكن مالكاً من ذلك الحين؟ أو يجيز من الوسط، من حين انتقال المال إليه، فهذا ليس مضمون العقد، فإن العقد ليس معناه الانتقال في هذا الحين وفي هذا الحين وهكذا؟

بل إما أن يكون مضمونه هو النقل الطبيعي كما هو الصحيح، أو هو الانتقال في الزمان الأوّل. وعلى الثاني لو كانت الإجازة حقّاً لا تكون قابلة للانتقال، بل لا بُدّ أن يكون نفس ذلك الإنسان هو المجيز.

ولو كانت الروايات دالّة على الكشف ففي جميعها المجيز في الحياة، وليس فيها رواية دالّة على المطلب، فعلى الكشف يشكل كون الإجازة تورث ولو كانت حقاً.

إذن فليست المسألة صافية، وإن الإجازة إذا كانت حقّاً تورث وإن كانت حكماً لا تورث، بل إذا كانت حقّاً لا يمكن القول بالانتقال في جملة من الموارد.

ولنا إشكال صغير على النائيني إذ يقول: إن كونها من الحقوق المالية(1)، مع أنه نقل كلام الشيخ ولم يشكل عليه(2)، وإذا كان يرى كونها من الحقوق لا بُدّ أن يشير إليه.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 41، كتاب البيع، معنى البيع، الأمر الثالث: في اعتبار كون المبيع عيناً.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 256، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

التنبيه الخامس: في القبض الفضولي

الكلام الآخر الذي ذكره الشيخ(1) طرحه على شكل، ونطرحه على نحو آخر أنسب: هل الفضولي كما هو جارٍ في المعاملات -وقلنا إنه جارٍ في الإيقاعات أيضاً- جارٍ في الإقباض والقبض مطلقاً أو غير جارٍ مطلقاً، أو هناك فرق بين الشخصيات والكلّيات، فهو غير جارٍ في الشخصيات وجارٍ في الكلّيات؟ وجوه في المسألة.

القبض والإقباض في الشخصيات هو إعطاء ما في يدك للآخر، وهو يقبضه، فهذا الفعل الخارجي إذا نسب إلى المعطي يقال إقباض، وإذا نسب إلى الآخر يسمى قبضاً ونتيجة المصدر هو ماهيّة القبض المتقوّمة بطرفين.

فالقبض هنا تعلّق به حكم كالحكم بالصحّة والفساد؛ إذ يقال: إن قبض غير البالغ أو غير العاقل فاسد، مع أنه قبض تكويناً، إلّا أنه لا يترتّب عليه آثاره، في مقابل قبض البالغ العاقل فإنه صحيح يترتّب عليه آثاره، فالقبض الذي يكون موضوعاً للأحكام كقبض البائع أو المشتري أو الدائن ونحوها، هل الفضولي جارٍ فيه أو لا؟

[حول عقد الفضولي في الكليات]

وفي الكلّي زائداً على تسليم العين إلى الآخر، فيه مطلب آخر، وهو تعيّن الكلّي في هذا الشخص، فإن هذا الحِمل من الحنطة مصداق من الكلّي حقيقة، 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 428، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولكنّ الأجنبي إذا عيّنه فيه لا يتعيّن وإن كان مصداقاً للطبيعة، أو في مال الزكاة المشترك بين المالك والحكومة الإسلامية، أو قل الفقراء، إذا عزل المالك شيئاً وقال: جعلته زكاة، لم يكن له ذلك إلّا بدليل خاصّ، ما لم يتفاهم ويتّفق مع ولي أمر الزكاة. وإلّا لم يكن له دفع الزكاة إلى الفقراء، فإن الفقير غير مالك للزكاة، بل إما أنه غير مالك لها أصلاً، أو أن الجهة مالكة، فلا يصحّ دفع المالك إليه وإن اتّفقا عليه، هنا أيضاً باتّفاق الطرفين يحصل دفع البائع لحِمل الحنطة عند العقلاء والشرع.

هنا نتكلّم أنه إذا أوقع الفضوليان معاملة ثُمّ حصل القبض والإقباض بينهما إما للجزئي أو الكلّي، فقبل الإجازة من المالك بلا إشكال لا يقع القبض والإقباض لا في الكلّيات ولا في الجزئيات، فهل إجازة الأصيل كما تنفذ المعاملة هي تنفذ القبض؛ لأنه قبض فضولي، أو أن الفضولية غير جارية هنا لا في الكلّيات ولا الجزئيات، وإن كان القبض موضوعاً لبعض الأحكام؟

لا بُدَّ أن نعيّن محل الكلام، إذ مرّة نتكلّم أنه هل هذا الباب هو باب الفضولي أو لا، في الكلّيات والجزئيات؟ وأخرى نتكلّم أنه هل يأتي نزاع الكشف والنقل هنا كما كان يأتي في المعاملة؟

وبناءً على جريان الفضولي هنا، أو لا بُدّ أن يكون نقلاً، ثُمّ ليس يعد هذا مسألة فقهية بحثها الشيخ وهي: أن إجازة البيع هل هي إجازة للإقباض أو لا؟ فإنها ليست مسألة فقهية، فإن الإجازة مسألة عقلائية ولا بُدّ أن ننظر لوازمها العقلائية.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: -بقطع النظر عما قيل- ليس النزاع عقلياً بحيث إنَّه بالإجازة يحصل نحو من الانتساب، وهو كافٍ، وإنما المهمّ أن ننظر إلى أنَّ أدلّة الفضولي ماذا تقتضي، القواعد الكلية أو الأخبار الخاصّة؟

نرى أن القبض والإقباض هل هو من المعاملات والعقود التي تقع بين القابض والمقبض، ففي البيع هناك معاملتان: بيع وقبض، أو أن القبض ليس معاملة، وإنما هو دفع مال الغير إليه؟

في باب الشخصيات لا إشكال أصلاً، فإنه بعد البيع ينتقل المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، وكلٌّ منهما موظّف بحسب القواعد العقلائية والشرعية في دفع المال إلى صاحبه الذي أصبح مالكاً له، فليس القبض معاملة.

وأما في باب الكلّيات فالسيد(1) يقول في الكليات: الفضولي جارٍ؛ لأن المطلوب في العهدة كلّي ودفع المصداق يعود لُبّاً إلى المبادلة بين الكلّي والشخصي، فهل المسألة في سوق العقلاء كذلك، أو المسألة مسألة تعيين الكلّي في الشخصي وتعيين المصداق في يد صاحبه.

فإن ما في عهدتك هو نفس الطبيعة -غير المقيّد بالذهن- وهذه الطبيعة صادقة على هذا، فهذا الذي أوقعه هو عين ما تملكه في ذمّتي، فإنك تملك في ذمّتي حِمل حنطة وهذا حِمل حنطة، وليس مبادلة بين الكلّي والشخصي لا لبّاً ولا غير لبّاً، فلا يمكن أن نعتبره عقداً، حتى يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب 2: 212-213، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة والردّ، تنبيهات الإجازة، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا لم يكن القبض عقداً فتمام الأدلّة التي أقمناها على صحّة الفضولي لا تأتي هنا، فإنه هناك -في البيع الفضولي- كان العقد تامّاً وحاصلاً، غايته أنه يحتاج إلى نحو من الانتساب، إما بأن يصير عقدك على مختارهم، أو عقداً مجازاً على مختارنا؛ ليكون موضوعاً لوجوب الوفاء.

وأما هنا فبما أنَّ القبض والإقباض ليس معاملة، فتكون يدنا قاصرة عن سائر العمومات.

فما يقال: من أن إجازة القبض على القواعد؛ لأن الفضولي على القواعد، غير تامّ، وإنما يتمّ القبض على القواعد لا لكونه فضولياً، بل لأن في دليل القبض توسعة يشمل القبض المباشر والقبض المأذون فيه، والشيخ محمد حسين الأصفهاني يقول: إن الفعل أصبح منتسباً إليّ فهذا يكون كافياً.

نقول: هل انتسب لي باعتبار كونه فضولياً أو باعتبار كونه مأذوناً فيه؟

[الأدلة الخاصة في المسألة]

وأما الأدلّة الخاصّة: فليس عندنا إلّا رواية الاستيداع، رواية أبي سيّار، ومضمونها أن شخصاً أودعته مالاً فأنكره، وبعد سنين جاء وجلب لي أموالاً وأربعة آلاف درهم، فلم أقبضها حتى جئت أسألك، فأجاب الإمام -إن صحت الرواية- ما مضمونه: (خذ نصفه وأعطه نصفه، إنه رجل تائب والله يحب التوابين)(1).

ــــــــــ[225]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 305، باب الوديعة، الحديث 4091، تهذيب الأحكام 7: 180، كتاب التجارات، الباب 16، الحديث 6، وسائل الشيعة 19: 89، كتاب الوديعة، الباب 10، الحديث 1، نص الرواية: “خذ نصف الربح وأعطه النصف وحلّله؛ فإنَّ هذا رجل تائبٌ، والله يحبّ التوّابين”.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فنفهم أن تمام البيوع التي عملها كلّها صحيحة، وهو لم يعمل بيعاً واحداً في خلال السنين، بل عمل معاملات كثيرة، والغالب في باب الأثمان أن تكون كلّية، فمعاملاته في هذه السنين معاملات فضولية، وقبضه في الشخصيات والكلّيات من دون إذنٍ. إذن يُعلم أن القبض يصحّ بالإجازة، وإلا لم يكن الإمام أن يجيز له قبض المال.

نقول: هذا ليس دليلاً على أن القبض فضولي، وإنما هي دليل على صحّة أخذ المال، فليس هذا نظير باب الفضولي يصحّ مع الإجازة، فلو أخذ غاصب مال المالك، ثُمّ قال له المالك: (ليبق المال عندك)، فإن ضمانه الثابت بدليل اليد يرتفع، وفي باب الكلّيات إذا أخذ الأجنبي مصداقاً من الطبيعة وسلّمه يصحّ مع الإذن، لا من باب الفضولي، بل من باب أنه كان له تعيّن عرفي، وبإجازتي تعيّن، لا أن عمله كان جزء المؤثّر والجزء الآخر هو الإجازة كما في إجازة البيع الفضولي، بل الإجازة تمام الموضوع للقبض، ونحن لا نحتاج إلى تسليم خارجي وإنما نحتاج إلى تعيين مصداق الكلّي وهو يحصل بالإجازة.

فحتى لو عيّن المصداق مجنون أو صبي أو حيوان وحتى الهواء لو عزل مقدار ما وقع عليه البيع، ثُمّ رضا المالك بالتعيين يصحّ ولا يكلفه العقلاء بتعيين جديد، ولو كان قياسه على الفضولي صحيحاً لكانت أجازته إجازة لفعل المجنون وفعل الهواء وهو كما ترى، ولَما صحّ قبض الصبي والمجنون حتى ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مع الإجازة، مع أنه لا إشكال في صحّته مع أن بيعهم فضولياً غير صحيح.

فهذه الرواية وإن كان سندها مشوباً بالإشكال، إلّا أنه على تقديره ليست دليلاً على أن تمام البيوع ومتعلقاتها فضولية، بل البيوع فضولية وقد صحّت بالإجازة، وبالإجازة تصحّ القبوض مُرتّبةً الأوّل منها فالأوّل كما قلنا في حينه.

الروايات الأخرى لا تدلّ على ذلك، كصحيحة محمد بن قيس، ليس فيها أيّ ذكر عن الثمن الذي أخذه الولد ماذا يكون حاله وحكمه؟ فالروايات إذن لا تدلّ على جريان الفضولي في القبض بهذا المعنى.

نعم، إذا كان هناك حكم على القبض والإقباض، وكان هناك عموم يدلّ على أن القبض يحصل بالإجازة، فحينئذٍ نقول بصحته لا من باب الفضولي، بل من باب أن الإجازة تمام الموضوع، ويكون بها القبض قبضي؛ إذ القبض أعمّ من أن يصدر مِنّي أو بإجازتي أو بإذني ونحوها.

ومجرّد أن الكلّيات أمر اعتباري –كما يقول الآخوند- وبمجرّد الإجازة يحصل الانتساب، حتى لو حصل الانتساب لا نقبله؛ إذ لا تكون الأدلّة العامة والخاصّة شاملة له.

[في جريان الفضولية في القبض والإقباض مطلقاً أو لا؟]

هل الفضولية تجري في القبض والإقباض مطلقاً، أو لا تجري مطلقاً، أو تجري في الكلّيات دون الجزئيات، وهل يأتي فيها نزاع الكشف والنقل أو لا.

قلنا: إن كلّ فعل يقع فضولياً متقوّم بأن يكون سبباً لأمر أو -بنحو أوسع- موضوعاً لحكم، فمثلاً في باب البيع يكون العقد سبباً للانتقال، 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ويكون شرطه لحوق الرضا، ففي موارد يكون هناك شيئان جزء وشرط، أو جزءان فنبحث عن أن هذين الجزئين لا بُدّ أن يوجدهما شخص واحد، أو يوجد الجزء شخص والشرط شخص آخر وهو المالك؟

فهنا إذا وقع القبض على عين خارجية يأتي الكلام أننا نريد وجود أمرين: قبض خارجي ورضاء من صاحب المال، وكِلاهما جزء السبب في القبض الصحيح، ومع اجتماعهما يكون القبض صحيحاً، فكما في سائر المعاملات عندنا ماهيّة وشرط لتحقّق الماهيّة، كالعقد والإجازة، هنا أيضاً يقال: إن عندنا ماهيّة تتّصف بالصحّة والفساد، وهو القبض الخارجي، فإن ماهيّته لا تختلف في القبض الفاسد والصحيح، غاية الأمر أنه إذا أوجدها المالك فالشرط أو الجزء متحقّق، وإن أوجدها غيره احتياج إلى ضمّ الجزء الآخر.

بناءً عليه يكون بحث الفضولي جار فيه حتى يأتي الكلام في مرحلة الإثبات تحتاج إلى دليل. فإن هنا بحثين:

بحث ثبوتي في أن هذا الباب يجري فيه الفضولي أو لا؟ 

الثاني: إثباتي في الدليل على صحّته، فإنه بمجرّد إمكان الفضولي لا تثبت صحّته إلّا بالدليل.

في البحث الأوّل: تكلّمنا في قطعة منه، وقلنا: إنه في باب الشخصيات والجزئيات لو عقد الفضوليان على عينين، وتسالما، فإن للبائع الفضولي الثمن وللمشتري الفضولي المثمَن. فهل نحتاج نحن بعد الملكية إلى أمر آخر هو القبض، أو كلّ ما حتاجه هو وقوع المال في يد صاحبه؟ فلو عمل الأصيلان 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

معاملة ووصل المال إلى المشتري بغير إقباض البائع؛ إما أن المشتري أخذه قهراً، أو غاصب أخذه وأعطاه للمشتري مع غفلة البائع.

هل هذا كافٍ عند العقلاء أو لا؟ فيكلّفون المتعاملين قبضاً جديداً، والحقيقة لا تتوخّى إلّا الوقوع بيده. وأما عنوان القبض والتسليم فوسيلة نوعيه لذلك حتى في النبوي المشهوري (كل مال تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه)(1)، فلو تلف المال من البائع بعد العقد، فهل نجمد على لفظ الحديث، ونضمّن البائع باعتبار عدم حصول القبض، أو أن المال وصل إلى المشتري، وقبل وصول المال إلى يده تنفسخ المعاملة تعبّداً؟

فهل القبض له جزءان: القبض الخارجي ورضا المالك، أو أن باب الإقباض يلغى في الأعيان الخارجية، ووصول المال كافٍ في تمامية المعاملة، حتى أنه لو تلف لا يسمى تلفاً قبل القبض.

وكذلك “على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه(2) هل نريد الأداء غايةً للضمان، بحيث إنَّ الإنسان يؤدّي المال، فلو أخذه الدائن بالقوّة أو أوصله إليه الهواء أو حيوان لم يكن أداءً، أو كان -في الحقيقة- أداء ويكون الضمان المجعول في 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) مسند أحمد 5: 8، حديث سمرة بن جندب، سنن ابن ماجة 2: 802، الحديث 2400، سنن أبي داود 2: 155، الحديث 3561، سنن الترمذي 2: 369، الحديث 1284، عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 224، الفصل التاسع، الحديث 106، ومستدرك الوسائل 14: 8، كتاب الوديعة، الباب 1، الحديث 12.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

القاعدة قد ارتفع؟ ولو جمدنا على اللفظ لما ارتفع، فلو تلف في يد صاحبه أيضاً تكون ضامناً، والعقلاء يفهمون وصول المال إلى يد صاحبه، وإنما عُبّر بالأداء باعتبار كونه الوسيلة الغالبة لذلك.

فالقبض والإقباض بهذا المعنى غير لازم، فإذا لم نُردْ إلّا وصول المال إلى يد صاحبه، فعلم أنه لو أمره المالك بوضع المال في زاوية المسجد، فقد حصل القبض والإقباض العقلائي، ولا يطالبونه بوضعه في قبضته.

فإن المال كان ماله، وقد أمره بوضعه في هذا المكان أو بتسليمه لشخص آخر، وليس لا بُدّ أن يكون القبض قبضه، فإنه بالضرورة ليس قبضه، بل قُبض بإجازته.

فتمام الموضوع هو رضاء المالك، وقد وصل المال إلى صاحبه لا من باب التوكيل، كما يقول النائيني(1)، بل من باب أن المالك راضٍ أن يبقى ماله في يد الآخر.

وحديث (تلف المال قبل قبضه) ليس تعبّدياً صرفاً، بل له مقدار من العقلائية، فلو تلف المال قبل القبض يقول المشتري العقلائي: إني لا أعطي الثمن؛ لأنك لم تعطني المثمَن)، فإن البيع تسليم وتسلّم أو إعطاء وأخذ، ولا يقولون: إن البائع يدفع بدل المثمَن والمشتري يدفع بدل الثمن، فإن هذا الكلام مدرسي.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 257، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهذا هو الحال في الجزئيات، فإن الفضولية المتقوّمة بشخصين أحدهما يوجد أحد جزئي المعاملة، والآخر يوجد جزءها الآخر أو شرطها، غير موجود هذا المعنى في قبض الجزئيات.

وأما في باب الكلّيات فالمسألة أشكل بمقدار ما، فإن من ما قاله الشيخ من أنَّه في الجزئيات الإجازة نافذة وتوجب دفع الضمان، لا يريد أن يقول أن ذلك من باب الفضولي، بل في آخر عبارته هو كالنصّ في أن الشخصيات لا يجري بها الفضولي فضلاً عن الكلّيات، بل لعلّه يريد ما قلناه من أنَّنا لا نريد وجود عنوان القبض والإقباض بذاك النحو لا في (على اليد) ولا في غيرها.

نعم، في الأعيان الخارجية يكفي في وضع ضمان المشتري أن يكون برضاه، سواء وصل المال إليه أو إلى شخص آخر، وفي مكان معيّن كزاوية المسجد، أما في باب الكلّيات، فكأنّ الشيخ(1) يقول: إنه هناك معلوم أنه ليس فضولياً، وأما في الكلّيات التي يحتمل فيها الفضولي فإننا نحتاج فيها إلى أمرين: إلى القبض، وإلى انطباق الكلّي على الفرد بإذن المالك وإجازته، فالقبض حصل، وأما شرطه فيحصل الآن من المالك.

نرى أن تطبيق الكلّيات على المصداق، هل يحتاج إلى مد ّ بساط، وأن يتّفق الأصيلان ويمدّ أحدهما يده ويقول الآخر: (أسلمك مصداقاً مما كان في ذمتي)؟ فلو أعطاه لشخص آخر برضا المالك أو وضع مصداقاً في زاوية 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 428، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المسجد برضاه، فإن العقلاء لا يكلّفونه في قبض المصداق ليكون متشخّصاً. وليس أن الفعل لا بُدّ وأن يكون فعله، حتى نعتبر أن يكون القابض عاقلاً جامعاً للشرائط، بل إذا عزله الهواء والحيوان ورضي المالك جاز ويتعيّن في نظر العقلاء، فتمام الموضوع حاصل برضاء المالك.

فعلى ما قلناه لا يجري الفضولي في القبض لا في الشخصيات ولا في الكليات.

وأما إذا أغمضنا عن ذلك، وقلنا: إننا نحتاج إلى قبض وانتساب، فالتفرقة بين الكلّي والجزئي بدعوى(1): أن الأفعال الخارجية لا تنقلب عما وقعت عليها، ولكنّ الأمر الاعتباري ينتسب. 

نقول: لا وجه له؛ لأن المراد من أنَّ الأمر الاعتباري ينتسب، هل أنه يكون العقد عقده بنحو المصدر أو حاصله؟ فهذا كذب، وإن أردت أن يكون عقداً مأذوناً فيه؟ فهذا لا يختلف فيه الكلّيات والجزئيات، فإنه حين قبض الفضولي يقع قبضه باطلاً، وبالإجازة يصبح قبضاً مجازاً، فكما يجري الفضولي في الكلّيات كذلك يجري في الجزئيات.

وما لا ينقلب عما وقع عليه هو العقد الصادر منك على أن يكون صادراً مِنّي، هذا لا يمكن، والنسبة المجازية لا يشملها العموم، وأما إذا اكتفينا بالانتساب في الإجازة، فهذا يجري في الكلّيات والشخصيات.

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 258، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

في جريان نزاع الكشف والنقل في قبض الفضولي

كلام آخر: وهو أنه بناءً على جريان الفضولية في القبض، هل يجري فيها نزاع الكشف والنقل أو هنا يتعيّن النقل أو يتعيّن الكشف؟

المرحوم النائيني يقول: الفضولي جارٍ، ولكنّ نزاع الكشف والنقل ليس جارياً، ويقول: إن نقله صحيح، لكنّ كشفه غير صحيح، ولم نفهم له وجهاً، ولو قال العكس لكان له وجه. فإن معنى جريان الفضولي في شيء هو أن جزء السبب يعمله الفضولي، وشرطه أو جزءه الآخر يعمله المالك.

وهو يقول: أنه في العقود الإذنية، الفضولي غير جارٍ، ونحن لا نتصوّر العقود الإذنية فضلاً عن أن نصدّق بها. فإنه هل يراد بها أن هذه العقود متضمّنة للإذن، أو أن العقد صدر بإذني؟ هل مراده أن الوكالة -وهي من العقود الإذنية في نظره- متضمّنة لمعنى الإذن بالتصرّف بحيث إنَّ ما هو موضوع الأثر هو الإذن دون الوكالة؟ مع أن الوكالة أمر زائد على معنى الإذن، فإنه مرّة آذن لك في الجلوس في داري وهو ليس وكالة، ومرّة أريد أن تعمل عنّي معاملة، فهو وكالة، وهي لا تتم إلّا بالقبول، ولا تنتفي إلّا بوصول العزل، بخلاف الإذن، وليس أن الوكالة متضمّنة للإذن.

وإذا أردت الإذن الوكالي، فهو رضا معاملي تتضمّنه الوكالة، وإذا لم تحصل الوكالة لم يحصل هذا الإذن.

فإذا قلنا إن الوكالة من العقود، فيمكن أن نقول: إنها صحيحة كشفاً أو نقلاً، أنه من الآن وكيل أو أنه من الأوّل وكيل، فقوله: إن نزاع الكشف والنقل لا يأتي في العقود الإذنية، لا وجه له.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذا بنينا على أن الفضولي جارٍ في القبض، فهل يأتي فيه نزاع الكشف والنقل، ويمكن أن يكون القائل بجريان الفضولي قائلاً بالكشف، ويمكن أن يكون قائلاً بالنقل، كما قيل في أصل المعاملة، أو أن هنا خصوصية في باب القبض، بحيث إنَّه لا بُدّ من القول بالكشف، أو خصوصية تقتضي تعيّن القول بالنقل؟

يمكن أن يقال: إنه في باب القبض لا بُدّ أن تقول بالكشف، ولا يمكن القول بالنقل، بتقريب: أن النقل الذي قلنا به كان تصوّره بهذا النحو: العقود والإيقاعات من الأمور الاعتبارية خصوصاً العقود، لهذا يعتبر العقلاء لها نحواً من البقاء إلى زمان الإجازة، ومن هنا يقال: فسخ العقد، فهذا البقاء الاعتباري موجود في هذا الزمان، فإذا لحقت الإجازة يكون هذا العقد مؤثّراً، وهذا هو مقتضى القاعدة.

وأما في باب القبض فيقال: إن القبض عبارة عن الفعل الخارجي، والأخذ الخارجي، وليس هو أمر اعتباري حتى يكون له بقاء اعتباري، بل هو موجود، وجد في الخارج وانعدم. وأنت تريد أن تلحق الإجازة بهذا الفعل التكويني وتقول بالنقل، مع أنه معدوم فعلاً. 

كما كان الكلام في الإيجاب والقبول الذي هو أمر زماني متصرّم، ولو اعتبرنا القبض اعتباراً -من باب الخداع- فإن هذا القبض تابع لاعتبارك، وما هو المؤثّر هو الوجود الخارجي وهو ليس قبضاً.

إذن فلا بُدّ أن نقول بالكشف ولا نقول بالنقل، عكس قول النائيني.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نحن لا بُدّ أن نفهم مطلباً آخر، وهو: أننا لو قلنا بأن اللازم في المعاملات هو القبض بعنوانه، فهل القبض على نحو واحد، في المعاملات، وفي سبب الضمان وغايته في النبوي: “على اليد ما أخذت (أو ما قبضت) حتى تؤدّيه(1)، فإنه هناك ما هو موضوع الضمان وارتفاعه هو التسليط على المال، غايته أن التسليط تارةً يتحقّق بالقبض الخارجي، إذا كان المال منقولاً، فيكون القبض محقّقاً من محقّقات هذا الأمر الاعتباري، وهو التسليط.

وأخرى، لا يكون القبض معتبراً أصلاً كتسليم الدار أو القرية، ونحوها، وإنما يعتبر فيها خلع سلطنة الإنسان وإعطاؤها للآخر، فإن هذا قبض في نظر العقلاء. (ومن هنا نرى أنه قد يوجد القبض ولا يوجد التسلّط)(2)، فإنك مثلاً إذا جلست على الكرسي في طائرة، أو ركبت فرس الملك مثلاً، فإنك قد تصرّفت فيه، ولكنّك لست مسلّطاً عليه، بحيث يمكنك أن تأخذه وتذهب.

فالقبض ليس عبارة عن الموجود الخارجي، بل المدار هو التسليط على العين، وهذا معنى جامع بين المنقولات وغيره، ومحقّقاته متعدّدة في الخارج، وفي النبوي (كل بيع…)(3) إذا حصل القبض بهذا المعنى بأيّ نحو، فهو تلف بعد القبض وليس قبله.

ــــــــــ[235]ــــــــــ

() تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) هذا سطرٌ عبارةٌ مِنّي لا من السيد، مقدّمة لمثاله الذي ذكره. (المقرِّر).

(3) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بناءً عليه فمن قال: إن القبض من الأفعال الخارجية ولا ينقلب عما وقع عليه:

أوّلاً: إننا نقول: إنه من الأمور الاعتبارية، وهو التسليط فيمكن أن يقال: إن له اعتبار البقاء.

وثانياً: على تقدير تسليم عدم البقاء، ففي باب القبض لا نسلّم لزوم التعاصر زماناً، بل المدار في تحقّق الجزأين كيف كان، فإذا وجد جزء في زمان ووجد الجزء الآخر في زمان آخر، فإنه يكفي في وجود الموضوع، وليس الباب باب العلّية التكوينية حتى يكون محالاً، حاله في ذلك حال الإيجاب الذي ليس لا بُدّ أن يكون له اعتبار البقاء إلى حين لحوق القبول، بل إنَّ آثار الملكية مترتّبة على وجود الجزأين وإن كانا منفصلين زماناً.

فهنا أيضاً نقول: إنالقبض حصل جزء منه من الفضولي وقد انعدم، وجزء آخر يحصل جزء من المالك الآن، ويتمّ الموضوع وليس لا بُدّ أن يوجدا معاً، وإلّا امتنع صحّة الإيجاب والقبول.

المرحوم النائيني(1) قائل بالعكس، فإنه يقول: الفضولية جارية لكن نزاع الكشف والنقل غير جارٍ، ولكنّ عبارته قابلة للحمل على إنكار الفضولية، لكنّ قوله ذلك قرينة على جريانها، فإن نزاع الكشف والنقل جارٍ في خصوصها.

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 257، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهو يقول: إن هذا النزاع لا يجري لكن يتعيّن أن نقول بالنقل، وليس لا بُدّ أن نقول دائماً بالكشف، فإن المحقّق الثاني(1) الذي أصرّ على القول بالكشف قال في بعض الموارد بالنقل، وذكر في وجه ذلك: أن القبض كالعقود الإذنية، ونحن قائلون فيها بأن الإذن والإجازة هو تمام الموضوع، ولا يمكن أن نقول بأن الفعل فعله، إذن فلا يمكن أن نقول بالكشف ويتعيّن النقل.

نقول:

أولاً: إن هذا مناقض مع كلامه في أوّل مبحث الفضولي، فإنه قال هناك: إنالفضولية متقوّمة بأمرين: 

أحدهما: أن لا يكون الفعل الصادر من الإنسان تمام الموضوع والمؤثّر.

وثانيهما: أن لا تكون الإجازة تمام المؤثّر.

وقال(2): يخرج بالشرط الأوّل كثير من الإيقاعات والقبض والإقباض، فإنها -بهذا الاعتبار- خارجة عن باب الفضولي، ويخرج بالشرط الثاني العقود الإذنية وغيرها، فإنها أيضاً خارجة عن الفضولي وقد أشكل عليه في محلّه. 

ومراده أن هذه الأمور لا يجري فيها الفضولي، لا القبض ولا العقود الإذنية، لا لأن القبض راجع إلى العقود الإذنية بل لأن الفعل لا يتغيّر عما وقع عليه.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) أُنظر: جامع المقاصد 5: 75 و230، كتاب الدين وتوابعه.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 257، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وثانياً: إذا سلّمنا أن القبض من العقود الإذنية وهي تمام المؤثّر، فلا بُدّ أن نرى أنه على هذا هل لا بُدّ أن نقول بالنقل أو الكشف؟

فنقول: لو كان القبض من العقود الإذنية، وكان نزاع الفضولي جارٍ فيها، نقول: هذا يلغي النقل؛ لأن الفضولي الناقل لا بُدّ له من جزأين، جزء من الفضولي وجزء من المالك، ليكون تمام المؤثّر في النقل. وإذا كانت الإجازة هي تمام الموضوع -على مبناك- لا يكون كِلا الجزأين متوفرين، فلا يكون القول بالنقل صحيحاً.

وأما على الكشف فيمكن أن يقال: إن القبض من العقود الإذنية ويكون إيقاع الإجازة جزءاً بنحو الشرط المتأخّر، فالقبض المتعقّب بالإجازة هو موضوع الحكم، فإن الإجازة إنما تكون تمام الموضوع إذا كان لها أثر، وأما إذا لم تستطع أن تقول أنه مؤثّر، فإنه على النقل لا يكون للإجازة أن تعمل في السابق، وأما على الكشف فيمكن ذلك بنحو الشرط المتأخّر، إذن على مسلكه الأولى أن يقول بالكشف لا بالنقل.

[تفصيل المحقق الأصفهاني والنظر فيه]

ثُمّ إنَّ القبض هل يختلف حاله باختلاف الموارد؟ فقبض يكون تمام الموضوع للأثر الشرعي، كالقبض الذي يكون غاية لغرامة البائع إذا تلف المال قبل القبض.

وقبض يكون جزء الموضوع كالقبض الذي هو شرط صحّة الصرف والسلم، ففي الصرف والسلم بما أنَّ العقد أمر اعتباري يتحقّق بالقبض فنزاع 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الكشف والنقل جارٍ فيه؛ لأن القبض السابق يكون جزء المؤثّر في الأمر الاعتباري وهو تحقّق الملكية، فإذا أجزت القبض يمكن أن يكون ذاك الأمر بنحو الشرط المتأخّر مؤثّراً في النقل.

وأما في باب القبض الذي هو موضوع الحكم الشرعي، فغير قابل للكشف؛ لأنه لا بُدّ أن ينتسب إليه، حتى ينطبق عليه النبوي: “كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه” وإلّا فإن قبض الغير لا يكفي في الانتساب، ولا يمكن أن يكون الانتساب متقدّماً وما به الانتساب متأخّراً، فالإجازة لا تعمل الانتساب في الزمان المتأخّر.

فإذا وقع تلف بين الإجازة والقبض فهو تلف قبل القبض، فيخرج من مال البائع؛ لأن القبض وقع بالإجازة، وغير واقع قبلها، وأما إذا تلف بعد الإجازة كان تلفاً بعد القبض، هذا تقريب الشيخ محمد حسين(1) في إشكاله في القبض هنا، ولا إشكال هناك.

نقول: هذا تامّ على بعض المباني(2)، لكنّه ليس تاماً على جميع المباني، فمثلاً الميرزا الرشتي القائل بأن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري، فيمكن أن يقول في المقام: إن القبض من حينه كان مرضيا به بالرضا التقديري، أو من يقول: إن الإضافات والانتسابات ليس لا بُدّ من أن يكون طرفها موجوداً، بل المدار في 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 190، بيع الفضولي، الإجازة، تنبيهات الإجازة، التنبيه الخامس.

(2) مرّت الإشارة إليها غير مرّةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

التأثير هو وجود الحصّة المنتسبة إلى الإجازة المتأخّرة، فيمكن أن يقول هنا: بأن الحصّة المنتسبة كافية في القبض أيضاً، أو القائل بالانقلاب الحقيقي في الإجازة يمكن أن يقول به في القبض أيضاً. وكذلك في باب الكشف التعبّدي، الذي كان مسلكاً مستقلّاً في الإجازة، يقال به في القبض أيضاً. نعم، من يقول: بأن العقد السابق ينتسب إليّ من الآن، لا يمكن أن يقول في القبض بالكشف، وأنت تقول: إن هنا إشكالاً، إلّا أن الإشكال مطلب، وعدم تصوّره مطلب آخر.

هل إجازة العقد إجازة للقبض أو لا؟

مطلب آخر خارج عن البحث الفقهي تقريباً، هل إجازة العقد إجازة للقبض أو لا؟ هذا لا يكون إلّا مع القرينة فقد تقوم القرينة على ذلك، وقد تقوم القرينة على إجازة العقد وحده، وقد لا تكون قرينة ومعه لا يمكن القول بأنَّها إجازة للقبض. 

إنما الكلام فيما إذا كان القبض شرطاً في صحّة المعاملة، وأجاز العقد، فهل لا بُدّ أن نقول: إن الإجازة إجازة للقبض مطلقاً؛ لأن إجازته إجازة للعقد الصحيح بتمام خصوصياته، فإن المجيز يريد أن يباع ماله فيكون القبض داخلاً في الإجازة إلّا مع القرينة على الخلاف.

أو نقول: إن القبض بما أنَّه تصرّف خارج ومحتاج إلى مؤونة زائدة، فلا يكون إجازة له من العاقد، إذ لعلّه لو كان ملتفتاً إلى أنَّ العقد متوقّف على القبض لم يجز.

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وشرط القبض يختلف عن شرط العربية وتقدّم الإيجاب على القبول ونحوها، فإن تلك شروط عقلائية على تقدير ثبوتها، وأما هذا فشرط تعبّدي شرعي، والغافل لعلّه إذا التفت إلى هذا التعبّد لم يجز العقد، وهذا هو الظاهر، فإن إجازة العقد إجازة للعقد الصحيح بالنسبة إلى نحو اشتراط العربية دون اشتراط القبض، فإن القبض تسليط للغير على المال وربما لا يكون قابلاً به، إذن فإجازة القبض تحتاج إلى القرينة.

وأما ما قاله الشيخ(1) فيما إذا أجاز العقد وسلب إجازة القبض، فيه وجهان: كما قال المحشّون(2) له وجه واحد وهو بطلان الإجازة.

بقي أننا إذا قلنا بالفضولي فهل الأدلّة كافية أو لا؟ قلنا إن العمومات غير كافية، وأما الأدلّة الخاصّة فرواية أبي سيار وعروة تدلّ عليه؛ لأن رواية أبي سيار كان قد قبض لا محالة، فيكون القبص صحيحاً.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 429، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، التنبيه الخامس.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 194، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 160، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 504، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [التنبيه السادس:] هل الإجازة على الفور أم لا؟

البحث الآخر: الذي ذكره الشيخ(1) هو: أن الإجازة ليست على الفور.

وهذا البحث يختلف عن بحث الخيارات، فإنه هناك المسألة ذات وجهين؛ لأنها مبتنية على أن الخيار إذا ثبت بالدليل أو الإجماع ومضى الزمان الأوّل، فهل الزمان الثاني مورد لاستصحاب حكم الخيار حتى نقول بالتراخي، أو مورد للتمسّك بالعموم حتى نقول بالفور؟

وأما هنا فالمسألة ليست ذات وجهين، بل نحن إذا احتملنا الفور، فإنما هي احتمالات وتصوّرات بعضها باطلة عقلاً وبعضها باطلة عقلائياً.

[احتمالات الفورية]

أحد الاحتمالات: أنه إذا تراخت الإجازة، ينهدم العقد من قبيل ما يقال في الإيجاب والقبول.

فإنه إذا قيل بفورية القبول، فإنما هو على أساس أن العقد ماهيّة مركّبة فلا بُدّ أن تكون صورتها محفوظة عند العقلاء، فإذا تراخى القبول عن الإيجاب تقع صورة وحدانية للمركّب.

ولذا قالوا(2): إن من شرائط الإيجاب والقبول التوالي. وبعبارة أخرى: 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 429، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السادس.

(2) أُنظر: مقابس الأنوار: 107، المصباح الثاني، كتاب البيع، كتاب المكاسب 3: 157، كتاب البيع، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، الموالاة بين الإيجاب والقبول، حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 27-28، كتاب البيع، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، الموالاة بين الإيجاب والقبول، منية الطالب 1: 111، كتاب البيع، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، الموالاة بين الإيجاب والقبول، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الفورية، ففي الإجازة يقال بذلك أيضاً وأن سِمة الإجازة سِمة القبول، فإذا لم تلحق فوراً يسقط العقد عن العقدية.

إلا أن هذا الاحتمال ليس بصحيح؛ لأن الإجازة إذا كانت كالقبول، فيبطل في مقام الثبوت أيضاً، فلو لم يكن ملتفتاً مدّة من الزمن سنة أو سنتين، لا إشكال في صحّته، وإنما الكلام في الفورية بعد الاطّلاع، ولو كانت الإجازة كالقبول من هذه الجهة لانهدم العقد قبل الالتفات. إذن فالعقد باقٍ وغير منهدم.

 وأما أن يقال: إنه ينهدم بعد الاطلاع، فلا وجه معقول له.

الاحتمال الثاني: أن أهلية العقد لا تسقط، ولكنّها أهلية ناقصة لتعقّب الإجازة، مقيّد بما إذا اطّلع وأجاز فوراً، وأما مع التراخي فإن العقد يسقط عن الأهلية. هذا أيضاً غير محتمل.

وإنما المحتمل هو أن الشارع قد تصرّف تصرّفاً، واعتبر الإجازة على الفور دون التراخي، ويحتاج هذا الاحتمال إلى دافع ودافعه، هو: أننا لا نشكّ أن العقد عقداً عقلائياً، والشارع لا يستطيع أن يتصرّف في الأمور العقلائية، ونحن نشكّ في أن هذا العقد العقلائي الذي هو موضوع الأدلّة العامة، هل قيّده الشارع بفورية الإجازة أو لا؟

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مثل هذا الشكّ يدفعه إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ودليل السلطنة أيضاً؛ لأنه يعود إلى الشكّ في أن الشارع هل حدّد سلطنتي على الإجازة، ونقلي لأموالي عن هذا الطريق؟ ومقتضى إطلاق قاعدة السلطنة هو عدم هذا التحديد ما لم يحرز المانع الشرعي. وإنما لا يمكن التمسّك بالعمومات عند الشكّ في كونه عقداً أو إجازة ونحو ذلك، ولكن بعد أن كان ذلك محرزاً كان مشمولاً لهذه العمومات: وصحيحة محمد بن قيس لو كانت محاكمة الولد قد طالت حتى خرجت عن حدّ الفورية العرفية، فإنها تكون دليلاً على المطلب، وأما إذا لم تطل المحاكمة بهذا النحو، لا تكون دليلاً على المطلب، ونحن في غنى عن الاستدلال بها.

[كلام الميرزا النائيني في المقام]

والكلمة التي قالها المرحوم النائيني(1) لم نفهمها، قال: مباني الفورية في سائر الموارد هي: أن الإنسان مجبول على أن يدفع عن نفسه الضرر ويجرّ له النفع، فهذا الذي اطّلع على أن له الخيار ولم يأخذ به ولم يفسخ، فهذا دليل على أنَّه لا يريد دفع الضرر عن نفسه، وأنه رضى بالمعاملة، فهذا هو المبنى في ذاك الباب.

مع أنَّه قال(2) في ذلك الباب إن المبنى هناك هو التمسّك بالاستصحاب أو بالعموم، ولم يذكر هذا المبنى غير الصحيح هناك. فإن المسألة هناك هي في أنَّه 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 258-259، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السادس.

(2) أُنظر: منية الطالب 2: 86، القول في الخيارات، الرابع: خيار الغبن، مسألة: اختلف أصحابنا في كون هذا الخيار على الفور أو التراخي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هل له الخيار أو لا؟ وليس في أنَّنا هل نملك دليلاً على الإسقاط أو لا؟ بحيث إنَّنا لو لم نكن نعلم أنه أسقط نقول: بأن العقد على التراخي، فلو جعل لنفسه مدّة للتأمّل وقال: الآن لا أنا مجيز ولا رادّ، بل أريد أن انتظر إلى غد لأرى رأيي، هنا لا يمكن له أن يقول بإلزامه بالعقد.

[حول تضرر الأصيل بعدم الإجازة]

المطلب الآخر الذي عقده(1): هو أننا بعد أن بنينا على أن الإجازة للتراخي، لو كان المجيز متراخياً إلى حدّ يوجب الضرر للطرف الآخر، ونحن أوّلاً لا بُدّ أن نرى أن العقد هل هو لازم من طرف الأصيل، على الكشف والنقل، أو غير لازم عليهما، أو هناك تفصيل؟ 

وإذا بنينا على أنَّه لازم فهل يجوز له التصرّف أو لا؟ ونحن قلنا: إن له التصرّف؛ لأن المال ماله، وليس له الخيار بمقتضى استصحاب بقاء العقد.

فإذا بنينا هناك على وجود الخيار للأصيل، فإنه لا يضرّه تواني المجيز، فلا تصل النوبة إلى هذه المسألة، أو إذا قلنا: إن الأصيل له أن يتصرّف في ماله، فإنه ماله ولم ينتقل إلى غيره، غايته إذا قلنا بالنقل كان التصرّف جائزاً واقعاً وظاهراً، وإن قلنا بالكشف فجائز ظاهراً للأصل الحكمي والموضوعي، فأيضاً لا يأتي الكلام.

فلا بُدَّ أن نفرض أن العقد لازم للأصيل، ولا يجوز له التصرّف لا فيما 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 429، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

انتقل عنه ولا فيما انتقل إليه، -يعني بالانتقال الإنشائي- فإذا ماطل الفضولي في الإجازة، فماذا نقول؟

الآغايون الذين يرون حكومة (لا ضرر) على الأدلّة الأوّلية يقولون(1): إن لزوم العقد الضرري يرتفع بالقاعدة، والشيخ له احتمالان؛ أحدهما: ذلك، والثاني: أن له إلزامه بالإجازة أو الفسخ، والسيد(2) يقول: أوّلاً الإلزام، وإذا لم يستطع كان له الخيار.

ونحن حيث لا نقبل لا ضرر ولا ضرار، ولا نرى لها حكومة على الأدلّة الأوّلية(3)، لا بُدّ أن نرى أنه على قولنا ماذا يكون؟ وعلى قولهم ماذا يكون؟ أما على قول الآغايون فلا بُدّ أن نرى أنه متى يكون حكم الشارع ضررياً؟

ــــــــــ[246]ــــــــــ

() أُنظر: كفاية الأُصول: 382-384، المقصد السابع: في الأُصول العمليّة، قاعدة لا ضرر ولا ضرار، نسبة القاعدة مع أدلّة الأحكام الأوليّة، كتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 4، في دلالة قاعدة نفي الضرر على الضمان، منية الطالب 1: 156، كتاب البيع، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، مسائل في أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، السابعة، ومنية الطالب 2: 93، الخيارات، القول في أقسام الخيارات، الرابع: خيارن الغبن، وغيرها.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق اليزدي) 1: 160، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السادس.

(3) أُنظر: تهذيب الأُصول 3: 126، المقصد السابع: في الأُصول العمليّة، نيل الأوطار في بيان قاعدة لا ضرر ولا ضرار، التنبيه الثاني، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

في باب الخيار لم يكن أكثر من أنَّ الشارع حكم بوجوب الوفاء بالعقد، فكان هذا الحكم سبباً لوقوع الضرر على المغبون أو مشتري المعيوب، فيرتفع هذا الحكم على مبناهم.

أما في مسألتنا فمطلبان:

أحدهما: لزوم العقد، والآخر هو جواز التصرّف، فهذا المال مالي فإذا قلنا بأيّ دليل كان أنه لا يجوز له التصرّف في المال فيكون لوجوب الوفاء أثران، أحدهما لزوم العقد، والآخر عدم جواز التصرّف، فلو ارتفع الأثر الثاني، وكانت المعاملة لازمة، لكن جاز التصرّف المالكي، فأي ضرر يعود على الأصيل؟

أما على النقل فلا كلام أصلاً؛ لأن التصرّف إذا كان معدماً للعين فإن موضوع العقد الأوّل يرتفع، كما صرّح به الشيخ وغيره.

وأما على القول بالكشف لن يقول: بأنه من الآن يجيز العقد السابق، فيكون كالنقل من هذه الناحية، فإننا نتوخّى الصلاحية الفعلية، إلّا إذا قلنا بأن الصلاحية السابقة كافية.

فإذا جاز لي التصرّف وتصرّفت تصرّفاً معدماً للعين، ثُمّ أجاز، ينكشف أني قد تصرّفت في ملك الغير فيجب أن أغرم بدل العين لا محالة، وهذا ليس ضررياً.

فما هو منشأ الضرر هو عدم جواز التصرّف، وليس هو لزوم المعاملة. 

وفي الخيار أيضاً لو كان في الإمكان أخذ الزائد لما كان هناك ضرر، وكذلك لو أمكن الجبران، غاية الأمر هناك كان المال قد أصبح مال الغير، ولكن هنا 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المال مالي، وإذا رفعنا بـ(لا ضرر) عدم جواز التصرّف بالمال لا تصل النوبة إلى رفع اليد عن لزوم المعاملة ولا إلى الإجبار.

ولذا قالوا هنا بأن جواز التصرّف لا إشكال فيه، فلماذا صرفتم (لا ضرر) إلى اللزوم؟ مع أننا يجب أن ننظر إلى الضرر الخارجي، وهو ناشئ من عدم جواز التصرّف، لا من لزوم المعاملة، هذا كلّه على مبنى القوم ونتكلّم على مبنانا.

[تحقيق الكلام في المقام]

بناءً على مبنانا في (لا ضرر) من أنَّها لا تنفي الأحكام، بل هي مسألة سياسية حكومية، فماذا نقول؟

أما بالنحو الذي قلناه عن التصرّف من أنَّه لا دليل على منع الأصيل من التصرّف، فلا كلام؛ لأنه لا يرد عليه ضرر. 

وأما إذا قلنا إنه لا يجوز له التصرّف، وبـ(لا ضرر) لا يمكن أن تدفع لا حرمة التصرّف ولا لزوم المعاملة، أما إلزام أحد الطرفين، فلا دليل عليه. بل الظاهر الرجوع بالحكم إلى الحاكم الشرعي، كما رجع الأنصاري يشكو سمرة بن جندب، فإنه لم يرجع إلى النبي لكي يسأل منه مسألة، بل ليشكوا من ظلم ذلك الشخص الذي كان يدخل منزله بدون إذنه، ويطّلع على حريمه، والنبي قطع دابر الفساد بنحو الحكومة وأمر بقطع النخلة(1).

ــــــــــ[248]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 476، كتاب المعيشة، الباب 149، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 146-147، كتاب التجارات، الباب 10، الحديث 36، وسائل الشيعة 25: 428، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهنا لو حصل الضرر، لو لم يجز ولم يدفع، فهذا يكون نظير قضيّة سمرة، والحاكم هو الذي يتمّم المسألة، والنبي لم يأمره بعدم دخول المنزل بل قلع مادّة الفساد والخلاف وهي الشجرة، فللحاكم في مسألتنا قلع مادّة الفساد بأن يلزمه بأحد الطرفين، الفسخ أو الاجازة، وإلّا فالحاكم هو الذي يفسخ.

[التنبيه السابع:] هل يعتبر في صحة الإجازة المطابقة مع العقد الفضولي؟]

يعنون الشيخ مسألة أخرى وهي(1): أنه هل يعتبر في صحّة الإجازة المطابقة مع عقد الفضولي أو لا؟ وبحث المسألة مختصراً جدّاً وذكر الإجازة، ثُمّ انتقل إلى الشروط وفصل بينها، كأنّ المسألة ليست مهمّة.

[في تصوير كون النزاع كبروياً]

هنا لا بُدّ أن نبحث في عدّة مطالب:

الأّول: أن النزاع هل هو في الكبرى بمعنى أن المطابقة بين العقد والإجازة لازم أو لا؟ أو صغروي بمعنى أنه في المورد الذي بحثوا عنه هل هنا مطابقة أو لا؟

وبالنحو الذي دخل الشيخ(2) به في المسألة، عنواناً لها، يظهر أنه عنونها ــــــــــ[249]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 429، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والرد، التنبيه السابع.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم. 

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

كبروياً، والنائيني(1) أيضاً يظهر منه أن النزاع فيها كبروي وأن الموافقة ليست لازمة، وإنما الإجازة كالعقد الابتدائي.

نحن لا بُدّ أن نرى أنه هل يمكن أن نبحث كبروياً، ويمكن أن ندعي عدم لزوم التطابق بين الإجازة والعقد؟ ماذا يريد أن يقول القائل بأن الإجازة كالعقد الابتدائي؟ فإن الإنسان له أن يبيع داره وله أن يؤجّرها، وقد عقد الفضولي على داره عقد البيع، فهل له أن يجيز البيع وأن يجيز عقد الإجارة، وهل يصحّ بذلك العقد، ولو كانت الإجازة كالعقد الابتدائي لصحّ. أو مثلاً لو وقع العقد على الفراش وأنا أجيز بيع الحمار أو بيع الدار، كما كان لي بيعه ابتداء، أو أنه لا يقول ذلك في هذه الأمثلة؟

أو أنه يريد البحث في الأجزاء والشرائط، فالمسألة كبروية في حدود ذلك، والإجازة كالعقد الابتدائي في هذه الحدود، كما عنونها الشيخ(2) وفصّل بين الشرائط والأجزاء، فالإجازة كالعقد الابتدائي في الأجزاء دون الشرائط، فكما يستطيع الإنسان أن يبيع كلّ ماله أو بعضه، كذلك الإجازة كما قال الشيخ عموماً وخصوصاً.

ــــــــــ[250]ــــــــــ

() أُنظر: منية الطالب 1: 259، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 429-430، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع، ومنية الطالب 1: 259، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الآن نرى بعض الأمثلة، ولا أظنّ الآغايون يقبلون بها، فمثلاً تباع نظّارة شخص فضولةً فيقول المجيز: أجزت بيع نصفها -إحدى الزجاجتين والعضدين- بتمام الثمن، أو يريد أن يقول: إن المطابقة بنحو كلّي موجودة، سواء أجاز البعض أو الكلّي، فهل هذه الكبرى كذلك؟ ففي مثال بيع النظارة حين وقعت الإجازة على نصفها بتمام الثمن أو بعضه، هل هذا مطابق للعقد الواقع؟

ثُمّ لنا سؤال من الشيخ(1) ومن تبعه، وهو أنه من باب الإيجاب والقبول يقول فيها النائيني(2): إنها من المسائل التي قياساتها معها، فإنه -مثلاً- لو أوجب البيع وقبل الهبة لا يصحّ، بل يقول الشيخ: إنه لو قبل بنصف الثمن لا يصحّ.

نعم، -قال النائيني(3)– أنه في بعض الموارد يمكن وقوعه، مثل ما لو قال: (بعت كذا بكذا، وكذا بكذا)، فله أن يقبل أحدهما أو كِليهما؛ لأنهما بمنزلة العقدين، فكيف أصبحت المسألة هناك مسلّمة في الإيجاب والقبول، حتى في الجزء والشرط، وصارت المسألة هنا مسلّمة تقريباً من الطرف الآخر؟ 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 175، الكلام في المعاطاة، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع، ومن جملة شروط العقد التطابق بين الإيجاب والقبول.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 114، الكلام في المعاطاة، مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع: مسألة: ومن جملة شروط العقد التطابق بين الإيجاب والقبول.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 260، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

باعتبار أن الإجازة كالبيع الابتدائي، ألم يقل الآغايون أن معنى أَوْفُوا بِالعُقُودِ معناه: أوفوا بعقودكم، وإنما يصحّ الفضولي بالإجازة باعتبار أنه يصير العقد بها عقداً للأصيل، -مع غضّ النظر عما قلناه من أنَّ الإجازة بمنزلة القبول، وقبول الفضولي (هيج كاره)(1)– فالمجيز على قول يريد أن يعمل عملاً يصبح به العقد عقداً، فلا بُدّ من أن نبحث أنه لو أجاز بعض ما وقع عليه العقد، هل يكون العقد عقده، وهل معنى كون الإجازة كالعقد الابتدائي، أننا نغضّ النظر عن العقد الفضولي وعما وقع عليه؟

أو لا بُدّ أن نقول: إنه سِمة الإجازة ما هي؟ أو أنها تلتحق بأي شيء؟ وأن ما التحقت به هل كان مدلولاً للعقد الفضولي، أو لا؟ ولا نستطيع أن نغضّ النظر عن العقد الفضولي، فلا بُدّ أن نرى أن الإجازة متى تكون مطابقة ومتى لا تكون.

إذن ليست هنا كبرى كلّية ذات ميزان، فإن الأجزاء إذا كانت تحتاج إلى المطابقة إذن، فهناك كذلك، أو لا تحتاج، إذن فلا بُدّ من التعرّض إلى أنَّ المطابقة هنا أو هناك موجودة أو لا.

[في لحوق الإجازة بالإنشاء والمنشَأ]

المطلب الآخر الذي لا بُدّ أن نتأمّله: أنه في باب القبول والإجازة هل يلحقان بالإنشاء أو بالمنشأ، فإن الإيجاب فيه إنشاء وفيه منشأ فالقبول يلحق بأيّهما؟

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: لا عمل له أو هو غير مؤثر.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وكذلك إجازة عقد الفضولي، هل هو إجازة إنشاء العقد أو منشأه؟

أو أن بين العقد والإجازة فرق، فالقبول يلحق الإنشاء والإجازة تلحق المنشأ أو بالعكس.

[في لزوم التطابق بلحاظ الأجزاء] 

والثمرة: أننا إذا قلنا إن القبول يلحق الإنشاء، لو أنشأ شخص العقد على أمور كثيرة بعقد واحد، فهل عندنا انشاءات كثيرة، أو في الواقع عندنا إنشاء واحد ومنشآت(1) كثيرة، وهذا الكلام وارد في موارد كثيرة، كما لو نذر أن يصوم كلّ يوم خميس -لا على نحو المجموع- فهل النذر واحد، أو نذور كثيرة بعدد كلّ أيام الخميس في العالم، بحيث إذا خالف أحدهما بقي الآخر على رسله، وله امتثال مستقلّ وعصيان، أو أنه نذر وارد على متعلّقات متعدّدة. 

وكذلك في الكذب، كما لو قال شخص: (كلّ عالم في النجف سيد)، فهل ينحلّ كذبه إلى ألفي كذب، بعدد غير السيد من علماء النجف، أو أنه في الحقيقة كذب واحد ومتعلّقه كثير.

فلماذا في الكذب كذب واحد وفي الإنشاء إنشاء متعدّد؟ وكذلك في الخطاب إذا قلت: (أيّها العلماء) هل هناك مخاطبات متعدّدة أو خطاب واحد لكثيرين.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

() هذا محال؛ إذ يلزم منه اتّحاد العلّة وتعدّد المعلول، وهو يلازم وجود المعلول بلا علّة، وهو محال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا كان القبول والإجازة يلحق بالإنشاء، فلا انحلال في أيّ مورد، فإنه إنشاء واحد دائماً وإن حصل به انتقال أمور متعدّدة، فلا بُدّ من المطابقة بين الإيجاب والقبول وبين العقد والإجازة، فليس هناك أيّ مورد من موارد إجازة الأجزاء أو الشرائط يمكن صحّتها. 

نعم، من يقول بأنَّها كالشرط الابتدائي لا بُدّ أن يلتزم بهذه اللوازم الفاسدة، ولا أظنّ أنه يلتزم بها.

البرهان الذي ذكره الشيخ

فالبرهان(1) الذي يذكره على أن الإجازة بمنزلة البيع الابتدائي، هو أن التطابق في المورد الذي ذكره الشيخ غير لازم، فهذا مصادرة؛ لأن لزوم التطابق هو عنوان المسألة أساساً، ماذا برهن على عدم اللزوم؟ بكون الإجازة مثل البيع، فهذا عين المدّعى، إذ نسأل عن دليل كونها مثل البيع، ليس لكم دليل على ذلك، ونحن لنا دليل على عدمها وهو: أن الإجازة ليست مطلباً استئنافياً، فإنه في البيع المال مالي، ويجوز لي أن أتصرّف فيه بأيّ نحو، أما في الإجازة فمن الواضح أنه ليس جعلها وإيرادها على أمر آخر، وتكون مع ذلك صحيحة.

فيعود كلامك إلى أنَّ الإجازة كالبيع الابتدائي في هذه الموارد الخاصّة، وهو إجازة البعض، فهذا قياس واضح الضعف ومع الفارق، فإن المجيز لا يريد أن يعمل عملاً جديداً وإنما يريد أن ينفذ عمل الآخرين، ولا يعقل أن ينفذ أمراً لم يعمله أولئك، ويكون صحيحاً، والتنفيذ لا يصحّ إلّا بذلك، فلا يمكن 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً بعض ما سبق إلى أن قال: فالبرهان… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أن تقولوا: إن الإجازة تنفيذ له، مع أنها غير مطابقة مع العقد.

إذن فلا يمكن جعل البحث كبروياً، بل لا بُدّ من أن نسلّم الكبرى، ونتكلّم في التطابق أين يكون موجوداً وأين لا يكون، وأن في الإيجاب والقبول لا يوجد وفي الإجازة يوجد وإن وقعت إجازة لبعض المبيع.

[في الفرق بين الإجازة والقبول]

فلا بُدَّ أن نرى أنه هل هناك فرق بين الإجازة والقبول؟ حتى يقع – كما قالوا- مسلّماً هناك ومسلّماً هنا.

نقول: لا بُدّ أن نرى ما هي نسبة الإجازة إلى البيع الفضولي، ونسبة القبول إلى الإيجاب، لنرى ما هو الفرق بين الأمرين.

نقول: نحن لا بُدّ أن نستخرج المسألة من باب الإيجاب، وباب القبول والإجازة كِلاهما ليسا عملاً مستأنفاً، وإنما هما مطاوعة ورضاء وتنفيذ للإيجاب. فمؤدّى القبول هو أني أقبل عملك، فلا بُدّ أن نرى أن الموجب ماذا عمل؟ إذا كان قد عمل أمراً وحدانياً غير قابل للتجزئة والتكثير.

فنفرض أن الإيجاب لا الإنشاء فيه ولا المنشأ قابل للتحليل، بل وحداني لا كثرة فيه وبسيط لا جزء فيه.

والقبول يقبل هذا العمل، فهل يمكن أن يقبل القابل عملاً لم يعمله الموجب، ومع ذلك يكون قبولاً له، هل للقبول هذه القابلية؟

ولو فرضنا أن الإيجاب انحلالي، كما لو قاولت على عدد من الأثاث وعيّنت أثمانها، وقلت: (بعت كلّ هذا) للتسهيل بالعبارة، فإذا قلنا: إنه ينظر 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

العقلاء إلى الإيجاب في مثل ذلك على أنَّه انحلالي، يعني أن الموجب قد عمل عدّة أعمال بإيجاب واحد، انتقال هذا بكذا وانتقال ذلك بكذا وهكذا. 

يعني انتقالاً إنشائياً. فإن قبل القابل كلّها فقبوله مطابق للإيجاب بتمامه، وإذا قبل بعضه فهو مطابق لبعضه، وهذا من مطابقة الإيجاب للقبول لانحلال الإيجاب إلى عدّة أعمال.

فإذا صار البناء على أن المطلب لا بُدّ أن نستخرجه من الإيجاب لا من القبول، فلو عمل الفضوليان الإيجاب والقبول، وكان الإيجاب بسيطاً والقبول مثله؛ لأنه مطاوعة له. 

وأما الإجازة فهل هي أزيد من الرضا به وإجازته وقبوله؟ والعمدة على الإيجاب وقبول الفضولي (هيج كاره)(1) ولا فرق بين الإجازة والقبول أصلاً، كِلاهما مطاوعة للعمل الذي عمله الموجب، فلا بُدّ أن يكون القبول إذا أُرِيد أن يقع نافذاً، أن يقع من الأصيل، وإنما نقول بالقبول؛ لأنه ذو أثر، لا لأن له دخل في الماهيّة، فكذلك الإجازة تلحق بالماهيّة التامّة التي عملها الفضولي الموجب.

فإذا قلنا في أحد الموردين بلزوم المطابقة، لا بُدّ أن نقول في كِليهما أو نرفضه في كِليهما، أو نقول بالتفصيل باختلاف الموارد بين البيوع الانحلالية عقلائياً والبيوع غير الانحلالية.

فإذا كان منحلّاً فالتطابق موجود، وإن قبل البعض أو أجازه، ولا يختلف في ذلك القبول والإجازة، وكِلاهما في ذلك من القضايا التي قياساتها معها.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) تقدم ترجمته.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وحينئذٍ فلا بُدّ أن نرى أن القبول يلحق بالإنشاء أو يلحق بالمنشأ، والإجازة هل تلحق بالعقد الإنشائي أو المنشأ؟ 

إذا كانا يلحقان بالإنشاء فليس لكم أن تقولوا بالصحّة عند عدم المطابقة؛ لأننا عندنا إنشاءً واحد ومنشآت متعدّدة، وهذا له موارد كثيرة بعضها واضح وبعضها خفيّ.

وإذا بنينا على أن القبول يلحق بالمنشأ، يعني بما هو مطلوب العقلاء من المعاملة فهو نقل المال، فهنا قد يقال: إنه كما أنَّي أملك الدار أملك أحجارها وأعمدتها وغرفها.

وبعبارة أخرى: أن الملكية تشخّصها بأطرافها، فإذا كانت أطرافها متكثّرة فهي متكثّرة، ولذا ترى الشيء الذي يأتي إلى نظر الإنسان على أنَّه واحد، يمكن أن يباع نصفه وربعه وثمنه وهكذا.

إذن فالقرار الذي يعمله الإنسان في المعاملة هو قرارات متكثّرة بعدد أجزاء العين التي وقع عليها البيع، فإذا كانت قرارات متعدّدة، فكما يمكن أن يقبل القابل الكلّ يمكنه أن يقبل البعض ويرفض البعض. هذا ما يقوله الشيخ محمد حسين(1).

نقول: المسألة عقلائية لا عقلية، على أن عقليتها غير صحيحة أيضاً، فالمسألة لا بُدّ وأن تُبحث في السوق، فإنك إذا بعت نظّارتك هل يقال لك في 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب 2: 196، بيع الفضولي، الإجازة، تنبيهات الإجازة، التنبيه السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

السوق: إن هذه معاملات متعدّدة بعدد أجزاء النظّارة، فقد عملنا مليون معاملة!!! 

لأني بما أنَّي مالك فلي عدّة قرارات، وهذا كما يرجع إلى الكسر المشاع العشري كالنصف والربع، كذلك يرجع إلى الأجزاء، فإني مالك للدار ولغرفها وأعمدتها، وإذا كان في العمود عشر طابوقات فأنا مالك لها أيضاً، فعلى قوله يلزم أن تقع كلّ معاملة غررية، فإنك كما تملك الكسور العشرية كذلك تملك الأجزاء، فإذا بعت البيت ولم تعلم طابوقه الداخلي في داخل الجدران والسقف والأعمدة، ولم تعلم عدده، كانت المعاملة غررية، إلّا أن هذا أمر غير عقلائي. وليست إلّا معاملة واحدة.

نعم، فيما إذا بعت في عقد واحد عدّة أمور متباينة، يقول العقلاء إنها معاملات متعدّدة، فله أن يقبل بعضها دون بعض.

ففي كلّ مورد كانت المعاملة انحلالية كانت المطابقة موجودة عند إجازة البعض، ومتى لم تكن الانحلالية، لم تكن المطابقة موجودة، ففي مثال النظّارات ليس هنا إلّا شيء واحد وقع عليه البيع، فإذا قبل في الزجاجات دون الأجزاء الأخرى لم تكن المطابقة موجودة، ووقعت الإجازة باطلة؛ لأن المعاملة وقعت على الكلّ دون البعض.

إذن متى قلنا إن الإجازة تلحق الإنشاء لم تكن مطابقة بالمرّة، وإذا قلنا إنها تلحق المنشأ فعلى التفصيل السابق، والظاهر أن الإجازة تلحق بالمنشأ لا بالإنشاء، وأن الإنشاء آلة لتحقّق ما هو المطلوب للعقلاء، وهو النقل، والقبول 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يقع على النقل لا على إنشاء النقل، إذن ففي تمام الموارد القبول والإجازة بحكم واحد ولا يفرّق بينهما.

هذا كلّه في الأجزاء وأما في الشرائط.

[الكلام في عدم تطابق الأوصاف والقيود]

سبق الكلام بالنسبة إلى أجزاء البيع، وبُني على أن نبحث في الصغرى بتشخيص موارد التحليل -يقصد الانحلال-، وهذا يختلف باختلاف الموارد، فقد تكون عيناً شخصية وتكون مشتركة بين شخصين، وتباع فضولة وأجاز أحدهما ورفض الآخر، أو لو باع شخص ما يملكه ولا يملكه والميزان هو التحليل وعدمه.

ومرّة تقع المعاملة على الكلّيات المقيّدة الموصوفة، وأخرى تقع على الجزئي المقيّد، الموصوف، فالكلّي المقيّد مثل: (بعتك حِمل من الحنطة التي تكون من النجف) أو (من حِمل من التمن) كذلك، والجزئي الموصوف كالفرس العربي والعباءة النائينية والكزّ الأصفهاني والفرش الكاشاني والساهون القمّي؟؟!!

إذا وقعت المعاملة على الكلّي الموصوف، وأجازها المالك بلا وصف أو بوصف مخالف، ففي هذه الموارد هل هو مثل الأجزاء لنقول بالفرق بين التحليل وعدمه. أو أنها مطلقاً ليست تحليلاً، أو تختلف الكلّيات عن الجزئيات، أو القيد واللاقيد يختلف؟

افرضوا أنه باع الكلّي المقيّد مثل حِمل حنطة من النجف، فتارةً يقول: (أجزت حِمل الحنطة الذي يكون من الكوفة)، وأخرى يقول: (أجزت بلا 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قيد)، فهل في الكلّيات نقول: أنها تنحلّ إلى الفعل الطبيعي والى القيد، ولكنّه بما أنَّه مقيّد لا ينطبق إلّا على المقيّد، فإن مصاديق المقيد أضيق في الصدق من نفس الطبيعة، فإذا قيّده بقيد مخالف نقول إنها إجازة صحيحة؛ لأن ما وقع عليه العقد هو الطبيعي، وهو ما وقع عليه الإجازة، أو نقول بالبطلان إذا أجاز بقيد مخالف، لأن ما وقع عليه البيع يختلف عما وقع عليه الإجازة، يختلف ما إذا أجاز مطلقاً فقد يقال بالصحّة؛ لأن ما وقع عليه البيع هو طبيعة وقيد، والإجازة وقعت على الطبيعة.

أو أن هذا ليس منحلّاً عند العقلاء إلى طبيعة وقيد، كما هو الحال في الشروط التي تنحلّ إلى أصل وقيد، بل نفس الطبيعة المقيّدة عنوان واحد وقعت عليه المعاملة، والمالك إما أن يجيز هذا العنوان الوحداني وإما أن لا يجيز.

نعم من يقول: إن الإجازة كالبيع الابتدائي، يمكن أن يقول من هذا الكلام شيئاً كثيراً. 

وأما إذا عكس فباع الفضولي مطلقاً وأجاز المالك مقيّداً، فهنا أيضاً لا يمكن أن نقول: إن ما وقع عليه البيع هو الطبيعة القابلة للصدق على كثيرين بما فيها المقيّد، بل القرار وارد على نفس الطبيعة لا على خصوصية هذا أو ذاك، فإما أن يرفضه أو يجيزه، ولم يكن هنا قرار على الخصوصيات، فهذا هو الحال في الكلّيات.

ثُمّ أقول هذه الجهة أيضاً، إذا جعل القيد بنحو الشرط كما لو قال: (اشتريت العباءة على أن تكون نائينية) فإن الشروط على نحوين: إما شرط 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأجنبي كصلاة ركعتين، وإما ما يكون وصفاً وقيداً للمبيع ويجيء به بنحو الشرط، كما لو قال: (بعتك هذا الحِمل من الحنطة على أن يكون نجفياً)، فهل هذه الشروط تحليلية عقلائياً من قبيل الشروط الأجنبية، أو لا؟

هل هما انحلاليّان بحيث ينحلّ إلى التزامين، التزام بأصل الحمل والتزام زائد على أن يكون نجفياً؟ أو أن المتعاملين يريدان أن يحدّدا تارةً بالقيد، وأخرى بالشرط، إلّا مع وضوح أن لهما تعدّد المطلوب، فالعقلاء لا يرون الانحلال، فإذا قال: (اشتريت العباءة واشترطت أن تكون (خاﭼية)(1)، فالعقلاء يفهمون أنه يريد بيان قيود الطبيعة، وليس له تعدّد المطلوب بحيث يرضى لو دفع له عباءة (ثخينة) [سميكة]، غاية الأمر مرّة يكون بنحو القيد، وأخرى يكون بنحو الشرط.

فالشروط التي تعود إلى الطبيعة لها حكم قيود الطبيعة، إلّا أن يعلم من الخارج تعدّد المطلوب، كما لو كانت مقاولة سابقة بينهما بهذا الخصوص.

وأما الجزئيات فهنا حِمل من الحنطة نشير إليه، ونقول: (أبيعك هذا الحمل النجفي) فضولة، ثُمّ يقول المجيز: (أجزت بيع هذا الحِمل الكاظمي) بوصف مخالف، وهذا الحِمل بلا وصف، فهل هذا نظير الكلّيات، بحيث إذا اختلف الوصف أو أجاز بلا قيد أو العكس، فما أجازه لم يقع عليه القرار، وما وقع عليه القرار لم يجزه، فهنا أيضاً نقول: إن ما وقع عليه القرار هو المصداق المقيّد، وما أجازه هو المصداق المقيّد بقيد آخر أو غير مقيّد، فلم يتطابقا؛ فتكون باطلة.

ــــــــــ[261]ــــــــــ

(1) عباءة رجالية من النوع الخفيف أو الصيفي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أو هذه نظير تخلّف الوصف، فإن المعاملة على الطبيعة موجودة ببيان: أن البيع حين وقع على الموجود الخارجي فالبيع واقع على الموجود الخارجي، ومهما وصفته بألف وصف مطابقاً للواقع كان أو لم يكن لا يخرج عن كون المعاملة واقعة على الموجود الخارجي. نظير الاقتداء، إذا لم تكن على استعداد أن تقتدي بزيد وهو عادل، فاقتديت بزيد بعنوان كونه عمراً فهذا باطل، وإن اقتديت بالموجود الخارجي وكان زيداً والمفروض أنه عادل؛ صحّت صلاتك.

هكذا قالوا، وقلنا(1): إن الصلاة صحيحة على أيّ حال؛ لأن الاقتداء لا يكون إلّا بالفرد الخارجي، ولا يكون بالمفهوم الذهني!! فالاقتداء به نظير إهانته أو إكرامه.

وإذا أدخلت عليه ألف قيد فإنه لا يختلف معه الموجود الخارجي، والمفروض أنك اقتديت بشخص عادل، وصحّت صلاتك، وأما أنك عازم على عدم الاقتداء بزيد، فلا أثر له.

فهنا أيضاً نقول: إذا كان الشيء واجداً للقيد كان ذكره مؤكّداً له، وإذا لم يكن واجداً له كان لغواً، فإنه باع الشيء الخارجي وهو لا يختلف سواء وصفه أو لم يصفه، والمفروض أن هذا الموجود هو الذي وقعت عليه الإجازة، وليس البيع واقعاً على العنوان، كما هو الحال في الكلّيات، فإن الكلّيات تختلف عناوينها باختلاف قيودها وتختلف مصاديقها. وأما الموجود الخارجي وقوع الإجازة عليه بقيد مخالف، فإن ما وقع عليه البيع هو عين ما وقعت عليه 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

(1) أُنظر: تحرير الوسيلة 1: 251، فصل: في صلاة الجماعة، المسألة 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإجازة، فإنهما وقعا على شيء واحد موجود في الخارج، ففي باب الجزئيات لا يكون عدم ذكر القيود أو اختلافها مضرّاً في صحّة الإجازة.

نعم، لو جعل إجازته معلّقة على هذا القيد الذي ذكره خرج عن محلّ الكلام. 

تبقّى باب الشروط التي ذكرها الشيخ.

*****

إذا وقعت المعاملة الفضولية، وشرط فيها شرطاً، فهنا ماذا يقال؟ الشرط قد يكون واقعاً في ضمن العقد، وأخرى يكون واقعاً في ضمن الإجازة، وعلى أيّ حال تارةً يكون الشرط لصاحب المال على المشتري، وأخرى من المشتري عليه.

ففي ما إذا كان الشرط في ضمن العقد، هل مطلقاً لا بُدّ أن نقول إن الإجازة إذا وقعت بلا شرط تلغو الإجازة ولا تصحّ المعاملة؟ أو نقول بصحتها مطلقاً، وللمجيز أن يجيز أصل المعاملة ويردّ الشرط وتصحّ الإجازة والمعاملة؟ أو هنا تفصيل بين الموارد والشروط ففي بعض الموارد يصحّ بلا إشكال، وفي بعضها لا يصحّ بلا إشكال، وفي بعض الموارد محلّ إشكال؟

الآن نستعرض أقسام الشروط التي يمكن أن تقع من أحد المتعاملين على الآخر:

القسم الأول: ما يكون الشرط موجباً لخروج المعاملة عن الغررية، فلو باع الفضولي عباءة مطلقاً كانت المعاملة غررية؛ لعدم العلم بأنَّها شتوية أو صيفية، 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ويختلف الثمن باختلاف الوصف، فلو قال: (بعتك عباءة وشرطت عليك أن تكون (خاﭼـية نجفية) ارتفع الغرر بالشرط.

فلو كان الشرط داخلاً في رفع الغررية، أو في أيّ شرط مأخوذ في صحّة المعاملة، فالمجيز إذا أجاز المعاملة والمعاملة دون الشرط تصبح المعاملة غررية. 

فهذا القسم من الشروط بلا إشكال لا تصحّ الإجازة بدون شمولها لها، ولا أظنّ أننا إذا عرضنا مثل هذه الشروط على من يقول بصحّة الإجازة مطلقاً، كالنائيني(1) والسيد(2)، أنهم سيقولون بصحّتها.

القسم الثاني: قسم بلا إشكال لا بُدّ أن نقول إنه إذا أجاز البيع دون الشرط تكون المعاملة صحيحة، بحيث يبعد أنَّنا إذا عرضناها على الشيخ فإنها سيقول ببطلانها. مثلاً: أن المشتري لم يكن ليقدم على المعاملة دون الشرط، بل هما لا يريدان المعاملة بل يريدان الشرط، وحيث إنَّ الشرط الابتدائي غير نافذ أراد جعله في ضمن معاملة، ويحصل لهما الجدّ إلى المعاملة لذلك، ولو كان الشرط الابتدائي نافذاً لاقتصرنا عليه، ولكن حيث إنَّه غير نافذ جعلاه في ضمن المعاملة، وحصل لهما الجدّ إليها، فإن المعاملات لا ينحصر وقوعها لمصلحة الفرد المالية، بل قد تكون مصالح عقلائية أخرى لوقوع المعاملات، كما في عقد 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 259-260، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (اليزدي) 1: 160، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

النكاح لأجل التحليل والمحرمية بالمصاهرة، فيحصل الجدّ إلى ماهيّة المعاملة، باعتبار هذا السبب.

ففي مثل ذلك لا يكون للشرط قسط من الثمن، كما في شروط أخرى فيما إذا تعلّق غرضنا بأصل المعاملة مع خصوصية زائدة. 

هنا ليس كذلك، بل ليس مرادنا إلّا الشرط، فإنه بلا إشكال إذا لم يكن للشرط قسط من الثمن لو أجاز المالك العقد فقد صحّت الإجازة والمعاملة 

وما يقال في عدم التصحيح من وحدة القرار ووحدة الإرادة لا يأتي في المقام؛ لأن الغرض ليس واحداً بل الغرض تحصيل أمرين معاً، بل الأصيل هو الشرط دون أصل المعاملة.

ففي هذين القسمين لا إشكال.

وفي بعض الأقسام يأتي إلى النظر أنه ملحق بالقسم الأوّل، وهو ما أشرنا إليه سابقاً من أنَّ الشرط وإن لم يكن رافعاً للغرر، يعني: لم تكن المعاملة بدونه غررية، لكن كان الشرط لتحديد المبيع في نظر العرف، فلو ألقينا المعاملة أمام العرف لا يحلّلها إلى معاملة وشرط، بل يقول العرف: إن الشرط قيد لنفس المبيع، فهو شرط نظير القيد، وفي القيد سبق أن قلنا عدم صحّة إجازة المقيد دون القيد، فهنا يمكن أن نقول إنه عرفاً لا يكون التزاماً في ضمن التزام، فلو اشترى بطيخاً بشرط كونه حلواً، لا يحلّله العرف إلى أصل الطبيعة وإلى الشرط، بل يقول: إن ما أردته ليس هو هذا، وإن كان في نظر العقل التزام في ضمن التزام.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهذا النحو من الشروط عند العقلاء لا يمكن أن يجيز البيع ولا يقبل شرطها، كما يقول الشيخ(1)، فإنه لا يكون من قبيل الشروط الأجنبية، كشرط ركعتين من الصلاة أو الآيتين بصلاة الليل، الذي لا يكون محدّداً للمبيع بنظر العقلاء.

وبعض الشروط ملحق بالقسم الثاني، وهو اشتراط الأمر الأجنبي، كما لو بعت حِملاً من الحنطة وشرطت عليك الاعتكاف، فإن الشرط لا ينحصر أن يكون مالياً، بل له أغراض أخرى ككثرة المصلّين في المسجد، أو يريد ازدياد من يعبد الله تعالى ويعتكف، فإنه غرض من الأغراض، فهذا لا ينبسط عليه الثمن، وليس كالخياطة لو اشترطها في العقد، فهذا يلحق بالشروط التي لنا أن نجيز أصل المعاملة دون الشرط.

يبقى قسم من الشروط التي لها دخل في باب الأثمان بنحو من أنحاء الدخالة، وهو نوع الشروط، كما لو باع داره وشرط خياطة الثوب مع الثمن، وهو مما ينبسط عليه الثمن، فماذا نقول؟ هل نقول: أنه قرار واحد، والمعاملة بحسب اللُّبّ واقعة على الخياطة والمائة دينار كأنّها معاملة واحدة، وتكون الخياطة منضمّة إلى الثمن باعتبار أنه لم يكن يرضى بالثمن إلّا بها، فيقال -كما قال الشيخ(2)-: إنها إجازة غير نافذة؟

ــــــــــ[266]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 430، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الكلام في الإجازة، شروط الإجازة، التنبيه السابع.

(2) أُنظر: المصدر المتقّدم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أو نقول: إنه بحسب اللُّبّ وإن كان كذلك، لكنّنا -في الواقع- لا بُدّ وأن نلاحظ ما وقع في الخارج، وهو أن الثمن مائة دينار -مثلاً- وليست الخياطة جزءاً من الثمن، وإنما هي التزام آخر، وكون الشرط دخيلاً في قبول البائع للمعاملة لا يكون سبباً في أن يكون دخيلاً في المعاملة، فهو التزام في ضمن التزام؟

فبحسب اللُّبّ وإن لم يكن البائع مستعدّاً للقبول لولا اشتراط الخياطة، إلّا أن الأغراض الواقعية غير الأغراض المعاملية، فلا يبعد أن يقال إنَّه ينحلّ إلى عقد وشرط، فلو أجاز العقد دون الشرط فالمعاملة صحيحة.

والشيخ تكلّم(1) هنا كلاماً مختصراً ومضطرباً، لكنّه في أوّل المطلب يقول بالانحلال، وإن الشرط الفاسد لا يفسد المشروط، وفي نهاية كلامه يقول ذلك أيضاً. وتتمّة الكلام في ذلك في باب الشروط.

والميزان الأساسي هو وجود التحليل -يقصد الانحلال- عند العقلاء وعدمه، وهل الإرادة واحدة أو متعدّدة في نظر العقلاء؟

إذا وقع العقد مطلقاً وأجاز المجيز بالشرط 

وأما عكس المطلب وهو إيقاع المعاملة مطلقة، والشرط ملحق بالإجازة.

إذا أوقع الفضولي المعاملة بلا شرط، لكن المجيز ذكر شرطاً في تلو الإجازة، فنبحث عن أن الإجازة هل هي ملغاة أو لا؟

ــــــــــ[267]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ثُمّ الشيخ تعرّض استطراداً إلى البحث عن أن الشرط صحيح أو لا، وأساس البحث ينبغي أن يكون هو الأوّل، وهو عكس المسألة الأولى بأن حصل العقد الفضولي بلا عقد، وجعل المجيز تلو إجازته شرطاً لنفسه أو لطرفه، فهل تلغو الإجازة، أو أن الشرط لا يوجب إلغاءها؟

وبعبارة أخرى: أنه كما أنَّ العقد المشروط ينحلّ إلى عقد وشرط، وللمجيز أن يجيز العقد دون الشرط، وله أن يجيز كِليهما، فهل الإجازة المشروطة تنحلّ إلى إجازة لنفس العقد وإلى شرط، أو بما أنَّها مشروطة فهي التزام واحد، على ما يقول الشيخ فتلغو الإجازة؟ فهذا بحث.

ويبحث تارةً أخرى: أنه إذا صحّت الإجازة فهل يكون الشرط فيها ملزماً أو لا؟

وفي بحثنا ظاهر الشيخ من الإجازة ملغاة مطلقاً، وإن لم يقل ذلك في نظائرها، وهو قوله: (الأقوى الأخير)(1). ومن قائل: إن الإجازة تلحق أصل العقد، وهي غير معلّقة على شيء، والشرط واقع بعدها، فمطلقاً تصحّ الإجازة، وأما نفس الشرط ماذا يكون حاله؟ نصل إليه!. ومن المحتمل أن ترد نفس التفصيلات التي قلناها في عكس القضيّة تكون هنا أيضاً واردة، وهو التفصيل بين الموارد التي بحسب نظر العرف منحلّة إلى أصل العقد، أو إلى إجازة لأصل العقد وفيها شرط زائد، وبين الموارد التي لا يوافق فيها العقلاء على الانحلال.

ــــــــــ[268]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قلنا هناك: إنه مرّة يقع البيع على الكلّي، وأخرى يقع على جزئي موجود في الخارج، وعلى كلّ حال تارةً تكون الشرائط التي تذكر في الإجازة بحسب نظر العرف واردة لتحديد حدود البيع، أو حدود المجاز، فهو شرط لا استقلال له، بل هو بمنزلة القيد، فلو كان قد باع الفضولي حِمل حنطة كلّياً، فقال المالك: (أجزت وشرطت كونه من حنطة النجف)، فليس هذا من قبيل (أجزت) وشرطت أن تعتكف أو تخيط ثوبي، بل هذا في نظر العرف بيان لحدود المبيع، فكأنّها إجازة مقيّدة، فكأنّه قال: (أجزت إذا كان كذا)، فهنا نقول: إن الإجازة محدودة، والعقد لم يقع على هذا المحدود، فتقع الإجازة لاغية.

قال النائيني(1): إنه إذا تجاوز الآخر عن حقّه جاز وصحّت الإجازة، لكن الكلام ليس في ذلك، بل المقصود أن تقع الإجازة ملحقة بالبيع أو لا تقع، سواء كانت في مصلحة الآخر أو ضدّ مصلحته. فإذا كانت الإجازة ملحقة بالعقد صحّ له أو عليه، وإذا كانت فيها خصوصية تمنعها من اللحوق به لم يصحّ سواء كانت له أو عليه، وبعد أن يتحقّق هناك إلزام يكون له أن يتجاوز عن حقّه، والكلام في ثبوت هذا الإلزام ليتجاوز عنه.

فنقول: إنه وإن كان بحسب حكم العقل الدقيق (المدرسي) تنحلّ الإجازة إلى إجازة لنفس الطبيعة، وإلى شرط القيد الزائد، ولكنّ بحثنا عقلائي وليس عقلياً، وفي نظر العقلاء أن الشرط سيق لتعيين حدود المجاز. فليست الإجازة 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 260، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مطلقة، بل هي مشروطة، فإن الحدّ تارةً يبيّن بنحو القيد، وأخرى يبيّن بنحو الشرط.

والمفروض أن القيد واقع على نفس الطبيعة، والإجازة أصبحت محدودة ومشروطة، فلا تصحّ.

وقسم من الشروط ما يكون أجنبياً، وإنما جعله في ضمن الإجازة؛ لأن جعله في ضمنها ملزم، كما يقول السيد(1).

وذلك كشرط الاعتكاف أو صلاة ركعتين، وهنا بلا إشكال لا يمكن أن نقول إن الشرط سيق لتحديد المعاملة وتقييدها، ففي مثل ذلك يقال: إنها تنحلّ إلى إجازة للطبيعة وشرط زائد؛ فتقع الإجازة صحيحة، هذا في الكلّي.

وفي الجزئي: إذا قال: (أجزت بيع هذا الشيء إذا كان حلواً)، ونحو ذلك يحتمل أن يقال إنَّها إجازة مقيّدة أو معلّقة على فرض كونه حلواً، ويكون الظاهر أنها إجازة هذا الشيء، وقد شرط فيه شيئاً، ففي مثل ذلك يقال بصحّة الإجازة مهما كان القيد.

وأما غير هذه الشروط المسلّمة، كالشرائط التي لها دخل في ماهيّة المعاملة، وهي الشروط التي لا تحدّد الإجازة، ولكنّها تزيد على ذاك الطرف تحميلاً، كما لو قال: (أجزت بيع حمل الحنطة وشرطت الخياطة لثوبي)، فكان رضاؤه الواقعي بهذا الشرط، فإن كان يرى أن عشرة دنانير لحِمل الحنطة قليل، ولا بُدّ 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب 3: 215-216، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة والردّ، تنبيهات الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من إضافة دينارين عليه، وهو عمل الخياطة، وكان الكلام في أن اللُّبّيات لا دخل لها، وإنما الأغراض التي يعمل عليها الإنسان هو المهمّ.

فينحلّ إلى إجازة أصل الطبيعة وإلى شرط، وهو وإن كان دخيلاً في نفسي بإجازتي، وليس كاشتراط الاعتكاف الذي لا دخل له في المعاملة مما ليس له دخل في المعاملة، ومثل هذه الشرائط لم تقع موضوع البحث في كلامهم، فيقع الكلام في هل أننا ملزمون بالقيود اللُّبّية والأغراض النفسية؟ أو المهمّ هو ما تقع عليه المعاملة وهو بيع الحِمل بعشرة مع شرط زائد، وإن كان هذا الشرط داعياً للإجازة، فإن هذا لا يكون سبب للبطلان، هذا محلّ إشكال هنا.

يقول الشيخ(1) في أصل المسألة وعكسها بعدم الانحلال، لكن في أصل المسألة يقول على المبنى بعدم الانحلال في الشرائط، وهو في باب الشروط(2) قال بالانحلال، ويبدو للنظر أنه لا مانع من القول بالانحلال، فإن الإجازة مطابقة للشيء المجاز والشرط زائد لا يضرّ وجوده.

فهذا هو المطلب وقد طال الكلام فيه، والبحث الذي ذكره الشيخ تطفّلاً من صحّة الإجازة والشرط أو التفصيل بينهما أو إلغاؤهما، ويقول: الأخير هو الصحيح.

فلو شرطنا تلو الإجازة أو تلو الفضولي، فهل يكون ملزماً أو لا؟ إذا وقع 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

(1) راجع المكاسب 3: 430، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ، التنبيه السابع.

(2) راجع كتاب المكاسب 6: 95، في الشروط التي يقع عليها العقد.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الشرط في الإيجاب فهو القدر المتيقّن من النفوذ، بناءً على أن الشرط الابتدائي غير نافذ، وخروجه عن كونه ابتدائياً غير نافذ، فهل إذا وقع بعد القبول أو بعد الإجازة يكون نافذاً أو لا؟ سِمة القبول ليست إلّا الرضا بالفعل الذي وقع، وليس إنشاء للمعاملة، وماهيّة المعاملة وإنشاؤها كان من الموجب، غايته أنه لا أثر لها، إلّا بالقبول أو بالإجازة.

وفي باب الفضولي كلّ الآغايون وافقوا على أن المعاملة تامّة وإن كانت لا أثر لها إلّا بالإجازة، فالإجازة لها سِمة الرضاء بالعمل الذي كان قد وقع وتمّ.

ونحن نقول ذلك أيضاً في القبول، وعلى ما يقوله السيد(1): إن الشرط يخرج عن كونه ابتدائياً ومستقلّاً فيما إذا التحق بشيء فيكون ملزماً، وإن التحق بالإجازة والقبول. فنصلّي على محمد وآله ونشترط ويكون ملزماً؟! ولكن ليس الأمر كذلك، فإن الشرط ماهيّته أنه ليس قراراً ابتدائياً أصلاً، بل هو قرار في ضمن قرار، وذلك إنما يكون بالنسبة إلى جعله في ضمن الإيجاب، وأما القابل والمجيز فليس لهما إلّا الرضا ولا تخرج الشرط عن كونه ابتدائياً، فيكون الشرط ابتدائياً محضاً، فيكون على المبنى، فإذا لم تجيزوا الشروط الابتدائية لم يكن هذا نافذاً.

هل تخلف شرط الإجازة موجب الخيار للمجيز أم لا؟ 

بقيت كلمة من الكلام السابق لم أرهم قد تعرّضوا لها، وإنما تعرّضوا لها في المسألة السابقة حيث لم يكن لها ربط، وهي أننا إذا بنينا على أن الشرط تلو 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب 3: 215-216، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الإجازة والردّ، تنبيهات الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإجازة ابتدائي وغير مربوط بالإجازة، وأن الإجازة بصفتها من الأمور الإيقاعية ليس لها ضمن حتى يقع الشرط ضمنها، فلا شكّ أنه إذا تخلّف عن الشرط لا يترتّب عليه أثر، ولا يكون له الإلزام إلّا إذا قلنا إن الشرط الابتدائي ملزم.

لو أنَّنا قلنا: إن الشرط ضمن الإجازة له أثر؛ لأنه شرط في ضمن الإيقاع، ووسّعنا ذلك لكلّ الإيقاعات، فإذا شرط المالك في الإجازة شيئاً إما على نفسه أو على الطرف، ولم يقبل الآخر، أو قبل ولكنّه تخلّف عن تطبيقه، فهل يكون هذا موجباً لحق الخيار للمجيز؟!

فمثلاً -في الإيقاعات- لو أعتق وشرط على العبد شرطاً ولم يقبل العبد الشرط، أو قبله وتخلّف عن تنفيذه، فهل يتسلّط المعتق على رفع يده عن العتق، ولا نقول بفسخه؛ إذ لا معنى للحلّ والفسخ، لأن الفسخ إنما يكون فيما يقع بين اثنين. وفي الطلاق يشترط شرطاً، وباب الخلعي هل هو معاملة مستقلّة يكون من أحدهما الطلاق ومن أحدهما البذل، أو تقول إنه شرط في الطلاق وإذ ترجع المرأة بالبذل؟ يقول لها الزوج: (حيث إنَّك لم تعملي بشرطك وأخذت بذلك فإني أرفع يدي عن الطلاق)، وقد دلّ الدليل على عود الزوجية، فتجعل بالشرط الطلاق البائن رجعياً؟

وفي الإجازة لو شرط شيئاً وقبل الطرف ثُمّ تخلّف، فهل يلحقها خيار الشرط، بحيث يعود المجيز عن إجازته، أو الإجازة غير قابلة للمحو؟ في العقد يقال: إن له بقاءً عقلائياً، وباعتباره يصدق الإقالة والفسخ، فهل في الإجازة 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يقال بمثل ذلك، وأن لها وجوداً بقائياً في نظرهم، وما انعدم هو ألفاظ الإجازة، وأما المنشأ في الإجازة، فهو كالمنشأ في العقد، له وجود بقائي، له اعتبار البقاء، فإذا تخلّف الطرف عن الشرطية كان للمجيز حقّ العود عن الإجازة، وكذلك يقال في العتق والطلاق ونحوه، بقطع النظر عن أن الحرّ لا يعود عبداً، فإذا رفع المالك يده عن الإجازة لا يكون العقد مجازاً، فلا يكون موضوعاً للأثر الشرعي والعقلائي.

أو نقول: إن هذا يدلّ على أن الإيقاعات كلّها ليست كذلك، والعقلاء لا يوافقون على ذلك، على أنَّها مسألة ليست محلّ ابتلاء، وغير موجودة في سوق العقلاء، حتى نعرف رأي العقلاء فيها، فإذا أدّعينا أنها عقلائية نكون كمن يجلس في داره ويفكّر في المسائل العقلائية دون أن يكون مسبوقاً بما يحدث في سوق العقلاء، فإن بعض المسائل الواضحة نجدها في السوق كقاعدة اليد وغيرها مما يقوم السوق عليها، وأما غيرها من المسائل النادرة فالإنسان يجلس في داره ويفكّر ومهما خطر في ذهنه ينسبه إلى العقلاء، على أنَّه إذا كان مطلباً عقلائياً لا يكفي، وإنما الذي يكفي هو العمل العقلائي الذي أجازه الشارع أو سكت عنه، ثُمّ هل هناك مورد قال الشارع فيه بذلك حتى نجرده عن الخصوصية ونقول به في سائر الإيقاعات؟ مع أن الشارع لم يقل بذلك إلّا في الطلاق، مع أنه في العتق لم يقل بجواز الرجوع إلى العبودية عند تخلّف الشرط بلا إشكال، وعلى أيّ حال فالمسألة تحتاج إلى تأمّل.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 






الكلام في شرائط المجيز

 

  • [الأمر الأول: اعتبار كون المجيز جائز التصرف حال الاجازة]
  • [الأمر الثاني: هل يعتبر وجود مجيز حين العقد؟]
  • [الأمر الثالث: في عدم اشتراط جواز التصرف حين العقد]

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 






الكلام في شرائط المجيز 

 

في المجيز: 

أحد المطالب التي تعرّضوا لها(1): أن تمام الأمور التي اعتبرت في العاقد والبائع إذا كان أصيلاً معتبرة في المجيز أيضاً، من العقل والرشد والبلوغ وعدم الحجر لسفه أو فلس أو نحوه، من غير فرق بين الكشف والنقل.

أصل اعتبارها في الجملة بلا إشكال، وإنما الكلام في أنَّه هل هناك موارد يختلف فيها الكشف عن النقل في اعتبار هذه الأمور، بحسب المباني المختلفة للكشف؟! ففي النقل يقال: بما أنَّ المجيز يريد من الآن أن ينقل البيع، فلا بُدّ أن يكون جامعاً للشرائط، وأما في الكشف فالذي يقول بدخل الإجازة في النقل بأيّ نحو من الأنحاء، النقل من الأوّل إما بتأثير المتأخّر في المتقدّم، أو بعنوان التعقّب، أو باعتبارها أنها تنفذ مضمون العقد من الأوّل، أو غير ذلك مما سبق، فالإجازة على أيّ حال يكون لها دخل على هذه المسالك في العقد؛ ليكون موضوعاً لحكم الشرع والعقلاء، فلا بُدّ (2) أن يكون المجيز جامعاً للشرائط.

ــــــــــ[277]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 431، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز.

(2) هذه النتيجة لم يصرّح بها السيد، إلّا أنها واضحة من سياق كلامه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ومرّة يقال بما ذكره الميرزا الرشتي(1) من أنَّ الإجازة تكشف عن الرضا التقديري، وليس لها أيّ دخل في العقد، وإنما الدخيل في العقد هو الرضا التقديري، والإجازة ليست لها سِمة إلّا الكشف عنه، إذا قلنا بهذا يمكن في بعض الموارد أن يوجد فرق بين الكشف والنقل.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب الإجارة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني: في شرائطها، الشرط الثالث، القول في الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث: في أحكام الإجازة، أدلّة القائلين بالكشف.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 











[الأمر الأول: اعتبار كون المجيز جائز التصرف حال الاجازة]

 

مثلاً إذا أوقع الفضوليان المعاملة، ولم يكن المالك محجوراً عليه، ثُمّ أصبح محجوراً عليه إما لسفه أو لمرض الموت أو لدين مستغرق، وحين أراد الإجازة كان محجوراً، فعلى النقل وسائر مسالك الكشف لا تكون نافذة؛ لأنه يريد أن ينقل بها شيئاً إما من حينه أو من الأوّل، وأما بناءً على مسلك الميرزا الرشتي فإنه لم يكن حال العقد محجوراً وكان رضاه التقديري في ذلك الحين كافياً، وقد كشفت الإجازة عنه، والحجر لا يضرّ في سِمة كشف الإجازة عنه، وفي ذلك الحين لم يكن محجوراً، وعلى أيّ حال لا يمكن أن يقال إنَّه لا فرق بين الكشف والنقل.

السيد يقول(1): إنه على الكشف يمكن أن تقول إن منجزات المريض لا تحتاج إلى إذن الورثة بناءً على أنَّها ليست من الأصل، ببيان: أن التصرّفات الفضولية ليست حال المرض، وهو حين يريد أن ينفّذ فهو يُنفذ تصرّفاً سابقاً، فهو ليس تصرّفاً، بل تنفيذاً للتصرّف.

فهل السيد يقول: العقد الفضولي تصرّف في مال الغير، فهل هو يقول بحرمته؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال الغير إلّا بإذنه. فيقال: بأن 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 261، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، القول في الفضولي، القول في المجيز.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الفضولي باطل أو أن الحرمة النفسية غير منافية مع الصحة، أو -في الواقع- أن عقد الفضولي من دون أن يترتّب عليه أي اثر، ليس تصرفاً أصلاً وإنما يكتسب الأثر بالإجازة، إذن فلا يمكن أن نقول: أنه تصرّف قد وقع، وإن إجازة المريض إجازة للتصرّف الواقع، بل إنَّ الإجازة إذا انضمّت إلى ذاك العمل تكون مؤثّرة وناقلة، والمفروض أن المريض لا حقّ له أن ينقل المال إلى الغير إلّا بإذن الورثة، إذن فهو محجور عليه، إذن فمن هذه الناحية لا فرق بين الكشف والنقل إلا ما قلناه من مبنى الميرزا الرشتي، وعلى مبنى آخر وهو أن العقد تمام الموضوع والإجازة كاشف محض (هيج كاره)(1) فنعم، كما يقول السيد. 

فهذه المسألة لا إشكال فيها، وإنما نتكلّم في كلامه الثاني.

*****

كان الكلام في أن المجيز يجب أن يكون واجداً لشرائط المتبايعين، وإذا لم يكن واجداً لهذه الشروط لم تكن إجازته مؤثّرة.

المرحوم النائيني(2) عنون المسألة هكذا، ولكنّه حين دخل في تفصيل المسألة وقع منه بعض الخلط، فإنه بعد أن قال: إن المجيز لا بُدّ أن يكون واجداً للشرائط. ثُمّ يقول: إن هذه من القضايا التي قياساتها معها. ثُمّ يقول: إن المفلس أو الراهن إذا أراد أن يجيز العقد، فإنه لا يكون هذا العقد صحيحاً؛ لأن 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

(1) تقدم ترجمته.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 261، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذا التصرّف الذي عمله الراهن إذا كان عقد الفضولي قبل الرهن لا تكون إجازة المالك صحيحة؛ لأنّه يلزم من صحّتها الدور الواضح.

ففرض القضيّة هكذا: أنه وقع عقد فضولي على مال هذا الإنسان، ثُمّ بعده رهن العين، ثُمّ تساءل أن الإجازة بعد الرهن كيف هي؟ مع أن مسألتنا ليست في أن يتصرّف المالك بعد عقد الفضولي تصرّفاً مستقلّاً، كما لو باع ماله المباع فضولياً. فنسأل أن هذا التصرّف هل يهدم العقد الفضولي، ولا يكون قابلاً لتعقّب الإجازة، أو لا يهدمه، لنرى أنه على الكشف أو النقل كيف هي؟ وهل أن تصرّفات الأصيل مما ينافي الإجازة في حكم الردّ؟ وما هو معنون هنا غير هذا، وهو أن المجيز يجب أن يكون جامعاً للشرائط.

ولذا يذكر في المثال أنه مستلزم للدور، وأن صحّة عمله وهو الرهن موقوف على بطلان الإجازة، وصحّة الإجازة موقوفة على بطلان هذا التصرّف، وبطلان الإجازة موقوف على صحّة الرهن.

وإنما كلامنا في أنه حين الإجازة أصبح المالك المجيز محجوراً أو سفيهاً أو لم يكن بالغاً ونحو ذلك، فهل لا بُدّ من أن يكون جامعاً للشرائط كالمتبايعين باعتبار أن إجازته تصرّف في ماله، فتلك باب على حدة وبرهانه على حدة.

برهان ذاك هو أن التصرّف الذي عمله هل ينهدم به العقد الفضولي، أو أنه على الكشف يكون تصرّفه تصرّفاً بمال الغير فلا يكون صحيحاً؟ فقد وقع في كلامه خلط، ومدّعاه في غير هذا المثال صحيح، وهذا المثال بابه باب آخر.

والمبنى في مثاله ليس دورياً، فإن مبناه هو أنه على الكشف، العقد الذي 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بحسب الواقع متعقّب بالإجازة، وقع صحيحاً، وكلّ تصرّف بعده من قبل المالك يقع باطلاً أولاً، ليس التعقّب مطلقاً سبباً لصحّة المعاملة على الكشف، بل يكون التعقّب موجباً للصحّة فيما إذا لم يكن قبل الإجازة تصرّف آخر، منافٍ لها، وإلّا وقعت الإجازة لغواً. وهذا مبنى قلناه، ولا ربط له بمسألتنا هذه.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 









 [الأمر الثاني: هل يعتبر وجود مجيز حين العقد؟]

 

المطلب الآخر الذي يعنونه الشيخ(1): أنه في حال ما وقع العقد ولم يكن هناك مجيز، ثُمّ وجد المجيز بعد ذلك، فهل يصحّ العقد، أو يعتبر أن يكون المجيز موجوداً حال العقد؟ ثُمّ ينقل عن البيضاوي(2) أن هذا لا ينسجم مع مذهب الإمامية؛ لأن المجيز موجود، وهو ولي الأمر صاحب الزمان، ولذا نرى فخر الدين(3) والمحقّق الثاني(4) وضعوا عليه قيداً، ووافقهما عليه الشيخ وسار في كلامه عليه.

[فيما أفاده العلامة في المقام]

العلّامة(5) مثّل بمال اليتيم، وقالوا إنه غلط؛ لأنه هناك ولي لليتيم وهو إمام 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 431، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الأمر الثاني.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 432-433، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الأمر الثاني.

(3) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 419، كتاب المتاجر، الفصل الثاني، المتعاقدان.

(4) اُنظر: جامع المقاصد 4: 72، كتاب المتاجر، الفصل الثاني، المتعاقدان.

(5) اُنظر: قواعد الأحكام 2: 19، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

العصر أرواحنا له الفداء، ومثّلوا له ببيع الولي لمال اليتيم من دون مصلحة أو مع وجود المفسدة، ففي مثل ذلك لا يوجد المجيز؛ لأن المجيز هو ولي الأمر، وليس هنا ولي يمكن بيع المال بلا مصلحة أو بمفسدة.

نقول: لو وسّعنا الولي إلى الإمام فهل لا يستطيع بيعه مع وجود المفسدة، أو عدم المصلحة؟ بل تصرّفه مقدّم على تصرّف المالك. والأحسن أن نغضّ النظر عن مسألة صاحب الأمر؛ لأنّ فيها أموراً نجهلها.

وإنما نبحث بحثاً كبروياً لا صغرى له، وكثيراً ما يقع مثل هذا البحث في كلام الفقهاء، فليكن هذا واحداً منها. كما يبحث الفقيه أن الخمر خلق الساعة هل يكون طاهراً أو نجساً؟ ولعلّه –بعد أن نقّحنا الكبرى- وجد شخص ينكر الولاية بعد الأب والجدّ حتى للإمام إلّا مع توخّي المصلحة.

كانت أصل المسألة هي أننا هل نحتاج إلى مجيز أو لا؟ والعلّامة عبّر بنفس هذا النحو، إلّا أنهم قيدوه بالمجيز نافذ الإجازة فأن ذات المجيز وإن كان موجوداً إلّا أن الطفل الرضيع لا يكون مجيزاً، فنقيده بالمجيز نافذ الإجازة، هل لا بُدّ أن يكون موجوداً أو لا؟

نسأل أنه لماذا لا بُدّ من وجود المجيز حين العقد؟ هل لذلك دخل في مفهوم العقد، هذا لا سبيل إليه، فإن المعاملة تبادل مال بمال وقد حصل ولم يؤخذ فيه وجود ذات المجيز في الخارج، ولا يفرق هذا العقد عن سائر العقود الفضولية وغير الفضولية بحسب المفهوم. إذن نسأل هل لا بُدّ لصحة العقد من وجود المجيز، فهل من شرائط صحّة البيع وجود ذات المجيز -لا إجازته؟- لا أظن يقول به أحد.

ــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يبقى أن الإجازة من شرائط الصحّة في العقد الفضولي، فهل الإجازة حال العقد من شرائط الفضولي، هذا من مقدمات الفضولي إذن فلا بأس من تأخّرها ولا أحد يستطيع أن يقول إن ذات المجيز لها دخل في مفهوم العقد أو صحّته، إذن فلا بأس من أن يجيز العقد في الزمان المتأخر.

ثُمّ نسأل: هل لشأنية الإجازة دخل في صحّة المعاملة، فنحتاج إلى شخص واجد لشأنية الإجازة يكون دخيلاً في المعاملة ومن شرائطها؟ كلا.

وأما برهان العلّامة، فقد نُقل(1) عنه أنه قال: إن هذا العقد الذي ليس له مجيز ممتنع صحّته، وإذا كان الشيء ممتنعاً في وقت فهو ممتنع في جميع الأوقات.

[النظر في كلام العلامة]

نقول: ممتنع ما معناه؟ هل معناه أنه ممتنع بالذات، بحيث إن وجود العقد من الممتنعات بالذات كشريك الباري واجتماع النقيضين؟ أو أن صحّته هكذا. هذا غير صحيح ولا مراد له، وإلّا لَما قال: (وكلّ ممتنع في وقت ممتنع في جميع الأوقات)؛ لأن الممتنع بالذات لا وقت لامتناعه.

أما كونه ممتنعاً بالغير، فذاك الغير الذي أوجب امتناعه ما هو؟ إن قلتم: إنه هو عدم وجود المجيز، فهو مصادرة؛ لأن السؤال هو عن ذلك، فلا يمكن أن يكون ما ذكر برهاناً. وإذا كان المانع هو عدم الذات المتأهّلة للإجازة، فأيضاً مصادرة. 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 418- 419، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان، وغاية المرام في شرح شرائع الإسلام 2: 14، كتاب التجارة، في عقد البيع، الفرع الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أو تقولون هذا المعنى، وهو: أنه بعد أن فرضنا أنه يعتبر في صحّة العقد الإجازة، فبعد اعتبارها لا يعقل صحّتها مع عدم المجيز، باعتبار استحالة المشروط عند عدم وجود شرطه؛ لأن عدم المجيز ملازم مع عدم الإجازة، فلا يقع صحيحاً بالضرورة.

نقول: كلّ العقود الفضولية كذلك، فإنك يمكن أن تقول فيها: هذا العقد الفضولي بلا إجازة ممتنع، وكلّ ما هو ممتنع في وقت فهو ممتنع في جميع الأوقات، فإن هذا العقد الفضولي تشترط الإجازة في صحّته، ومع فقدان شرطه يكون ممتنعاً؛ لأن وجوده خُلف، فلا بُدّ أن ينكر بيع الفضولي أساساً.

وحلّه: أن الممتنع بالغير إذا وجد ذاك الغير يرتفع امتناعه، فمثلاً المعلول بدون علّته ممتنع، فهل أنه إذا وجدت علّته يكون ممتنعاً بالغير أيضاً، أو يكون
-في الحقيقة- واجباً بالغير؟ ونفس ذلك نقوله لو كان ممتنعاً لعدم وجود المجيز، فهذا يرتفع عند وجود المجيز وتأصّله، ولا يكون ممتنعاً في تمام الأوقات.

والعلّامة بما أنه (علّامة) فهو أعظم من أن يقول مثل ذلك، ولم أراجع كلامه، فلا بأس أن تراجعوه، وعلى أيّ حال فهذا الظاهر ليس ظاهراً تامّاً.

[استدلال المحقق الثاني والجواب عنه]

أقام(1) (جامع المقاصد)(2) برهاناً على هذه المسألة، ولم يبنِ عليه، واختار صحّة العقد بدون أن يذكر ردّاً للبرهان. ولكلامه تقريبان:

ــــــــــ[286]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة:… (المقرِّر).

(2) اُنظر: جامع المقاصد 4: 72، كتاب المتاجر، الفصل الثاني، المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أحدهما: ما هو ظاهره، وهو الذي قلناه من أنّ العقد ممتنع الصحّة فعلاً، وكلّ ما يكون ممتنعاً في زمان يكون ممتنعاً دائماً. 

هذا أحد تقريبات كلامه مع قطع النظر عن ذيل كلامه، وهو مما لم ينقله الشيخ عنه؛ وذلك أنه يقول: صحّة هذا العقد في هذا الحال ممتنعة، وإذا امتنعت في حالٍ امتنعت في جميع الأحوال؛ لأن العقد إذا كان باطلاً في زمان اقتضى البطلان مطلقاً، فيأتي بهذا التعليل لبرهانه، وظاهر عدم الانسجام مع المعلّل.

ثانيهما: لعلّ منظوره هو أنه يريد أن يقول: إن عقد الفضولي حين يحصل يحصل عقد إنشائي، وهذا الوجود الإنشائي قد يعبّر عنه بأنه باطل، يعني وقع بلا إجازة، وإن كان قابلاً للصحّة بها. وقد يعبّر عن العقد الفضولي بالبطلان باعتبار عدم صحّته من حيثية أخرى باعتبار كونه ربوياً مثلاً. 

إذن هو يقصد: أن العقد الذي لا مجيز له أو ليس له مجيز قابل للإجازة، لا يمكن أن يقع بالفعل صحيحاً، يعني يقع إنشاؤه ومنشؤه باطلاً، حاله في ذلك حال ما لو كانت المعاملة الفضولية ربوية؛ لأن الإجازة في الحال بما أنها ممتنعة التحقّق، فوقع العقد باطلاً بالفعل بطلاناً أساسياً لا بطلاناً فعلياً، باعتبار عدم تحقّق شرطه –كما قيل في التقريب السابق- ليقال له: إنه إذا وجد الشرط تحقّق المشروط، بل يريد أن يقول: إنه بما أن الصحّة الفعلية ممتنعة، إذن يقع الإنشاء باطلاً والمنشأ باطلاً، كسائر العقود الباطلة؛ لنقصان بعض شرائط صحّتها، كالعقد الذي تقدّم فيه القبول على الإيجاب لمن يشترط العكس. ومعه لا يكون قابلاً لتعقّب الإجازة، ومعلوم أن العقد إذا وقع باطلاً بهذا النحو فعلاً لا 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ينعكس عما وقع عليه، ويبقى باطلاً إلى الأبد.

فإشكال الشيخ غير وارد عليه، وهو رفض الشيخ للكبرى، فإنه إنما يتمّ على التقريب الأوّل، وأما على هذا التقريب فالكبرى تكون صحيحة لا محالة؛ لأن العقد لا تكون جهات صحّته متوفّرة منذ وجوده، وإذا كانت العلّة ناقصة كان المعلول ممتنعاً بالغير لا محالة، وإنما يقع الإشكال في الصغرى.

فنطالبه بالدليل على ذلك، وهو أن العقد إذا كان جامعاً لتمام الشرائط إلّا الإجازة والمجيز وقع العقد باطلاً. نعم، لو لم يكن هناك مجيز إلى الأبد فهو لغو وليس له اعتبار عقلائي، أما إذا كان وجود المجيز وحدوث الإجازة متوقّعاً فيكون العقد عقلائياً ولا دليل على بطلانه.

وقد يقال: إنه على الكشف لا يتمّ هذا التقريب، وذلك أنه في مثال اليتيم مثلاً إذا باع الفضوليان ماله بلا مصلحة ثُمّ صار ذا مصلحة، فإذا وقع العقد صحيحاً على الكشف، يقع العقد في قطعة من الزمان بلا مصلحة، وأما حين يصبح ذا مصلحة فإنه ليس فيه إجازة لكي يكون صحيحاً، فإن الإجازة ترد من الأوّل لا من الوسط. 

وهذا ليس إشكالاً بل خروج عن محلّ الكلام، فإنكم لا بُدّ أن تفرضوا أنه يتبدّل عدم المصلحة من الأوّل إلى المصلحة بنفس الإجازة، فالإشكال من ناحية عدم المجيز لا من ناحية عدم المصلحة، مضافاً إلى أن اليتيم إذا بلغ وأجاز يكون صحيحاً. فهذا الإشكال لا ينبغي إيراده على الكشف.

لكن في باب الكشف إشكال آخر، وهو: أننا إما أن نرى أن الكشف 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

موافق للقاعدة كما عليه (جامع المقاصد) (1) والميرزا الرشتي(2)، أو لا نراه كذلك، فإن رأيناه موافقاً شملته الإطلاقات، وكانت رافعة لأيّ شكّ في المقام. فإذا شككنا أنه هل يعتبر في عقد الفضولي وجود المجيز الصالح للإجازة؟ نتمسّك بالإطلاق لدفعه.

وأما إذا لم نرَ أن الكشف موافق للقواعد، وإنما نتعبّد به لأجل الأدلّة الشرعية الخاصّة عليه، وهذه الأدلّة الخاصّة لا إطلاق لها –كما هو كذلك- فمرّة نقول إن الأدلّة التي تقتضي الكشف لا إطلاق لها، إذن وقع العقد باطلاً؛ لأننا نحتمل دخل وجود المجيز بالفعل في صحّة العقد، وهذا الاحتمال لا دافع له.

وإما أن نقول ما قلناه سابقاً، من أنّ النقل على القاعدة، ولكن خرجنا من ذلك –فرضاً- في الموارد التي اقتضت الأدلّة الخاصّة القول بالكشف تعبّداً، ولم يكن لتلك الأدلّة إطلاق، فإذا لم ترفع الأدلّة الخاصّة شكّنا نتمسّك بالأدلّة العامة، ونقول بصحّة العقد على النقل، فبناءً على هذا لا يقال ببطلان العقد، وإنما يقال بصحّته بنحو النقل.

إذن إلى الآن لا يمكن أن نقول ببطلان العقد، وقد رأينا أن المحقّق الكركي بعد أن ذكر أدلّته للبطلان، وتمسّك بالأدلّة العامة لتصحيح العقد وحكم بصحّته وقد كنّا نحسب أنه دليل العلّامة، ونعجب من صدوره منه، ثُمّ 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

(1) أُنظر: جامع المقاصد 4: 74ـ 75، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) أُنظر: كتاب الإجارة: 180، الفصل الثاني: في شرائطها، الشرط الثالث، القول في الفضولي، المقصد الثالث: في أحكام الإجارة، الأولى: الإجازة كاشفةٌ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

علمنا أنه للمحقّق الكركي، وعجبنا من صدوره منه، لولا أنه لم يبقَ عليه.

[تقريب فخر الدين وبيان مقالته]

والشيخ محمد حسين ينقل في حاشيته عن فخر الدين كلاماً بتوضيح منه لا بُدّ من التعرّض إليه.

في مسألة لزوم وجود المجيز أو المجيز نافذ الإجازة حال العقد، قال العلّامة(1): لازم على إشكال. وقال فخر الدين(2): إنه يبتني على مقدّمات. وقرّبه الشيخ محمد حسين(3) بتقريب من عنده، بشكل لا نراه موافقاً مع كلام صاحب الإيضاح؛ لأنه غفل عن النكتة الأصيلة في كلامه، وهي المذكورة في ذيل كلام (جامع المقاصد).

أما كلام فخر المحقّقين كما نقله في (المقابس)(4) عنه: أنه يبتني على مقدّمات:

ــــــــــ[290]ــــــــــ

(1) اُنظر: قواعد الأحكام 2: 19، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 418، 419، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان، وغاية المرام في شرح شرائع الإسلام 2: 14، كتاب التجارة، في عقد البيع، الفرع الثاني.

(3) اُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 201، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثاني: أن يكون موجوداً حال العقد.

(4) اُنظر: مقابس الأنوار ونفائس الأسرار: 133، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شرط المتبايعين، الموضع الثالث والرابع: أن يبيع مال الغير أو يشتريه ولم يمكن صدور الإجازة منه.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأولى: أن معنى صحّة بيع الفضولي قبل الإجازة كونه في التأثير على أقرب مراتب الإمكان الاستعدادي، لاجتماع شرائط الصحّة غير الإجازة، وإذا أمكن إمكاناً قريباً حكم بالصحّة.

المقدّمة الثانية: كلّما يمتنع الشرط يمتنع وقوع المشروط به.

المقدّمة الثالثة: (وهي المقدّمة التي غيرها الشيخ محمد حسين في كلامه): إذا امتنعت الصحّة تعيّن البطلان لامتناع ارتفاعهما معاً. والبطلان في زمان يقتضي البطلان دائماً. انتهى.

فإن معنى صحّة البيع الفضولي، كونه قابلاً للصحّة الفعلية بتعقّب الإجازة، وإنما يكون كذلك إذا كان تامّ الشرائط ما عدا الإجازة(1)، وإذا امتنعت الإجازة لم يكن الإمكان الاستعدادي موجوداً، فإنه إذا امتنع الشرط امتنع المشروط، وإذا وقع العقد باطلاً أساساً، وليس فيه صحّة استعدادية تأهلية، لم يكن في الإمكان تجدّد الصحّة عليه بعد ذلك، وهو معنى أن البطلان في زمان يقتضي البطلان دائماً. وهو كبرى صحيحة؛ لأن العقد لا ينقلب عما وقع عليه، وليس هذا ما قلناه من أنّ العقد له صحّة تأهّلية، فيكون صحيحاً عند تحقّق الشرط لفرض عدم الصحّة التأهّلية أصلاً. 

الشيخ محمد حسين يقرّب كلامه بقوله(2): إن العقد الفضولي يتفاوت مع العقود الفاسدة مع اشتراكه، معها في عدم التأثير فعلاً في أنه قابل للتأثير 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() وهو معنى كونه من أقرب مراتب الإمكان الاستعدادي للصحّة. (المقرِّر).

(2) الحاشية ج1، ص 164. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالإجازة دون غيره، فلا بُدّ أن يكون الفضولي واجداً لتمام مراتب الإمكان الاستعدادي، بحيث لا يستند عدم فعلية التأثير إلا إلى عدم فعلية الإجازة، وأما مع عدم إمكان الإجازة حال العقد، فالعقد حينئذٍ غير واجد لجميع مراتب الإمكان الاستعدادي، إذ منها الإمكان من ناحية إمكان الإجازة فعلاً، فإذا امتنعت الصحّة التأهّلية فعلاً، زيادة على الصحّة الفعلية المقرونة بفعلية الإجازة لا بإمكانها، ولا نعني بالصحّة التأهّلية إلّا إمكان نفوذ العقد فعلاً بالإجازة، مع أنه لا يمكن امتناع الإجازة، وإذا امتنعت الصحّة التأهّلية في زمان امتنعت دائماً؛ لأن ما يتفاوت حاله بتفاوت الأزمان هي الصحّة الفعلية التابعة لوجود شرط الصحّة الفعلية وعدمه، لا الصحّة التأهلية، انتهى.

فأصل المطلب هو أن الدعوى هي: أنه هل من شرائط صحّة العقد الفضولي أن يكون المجيز موجوداً حال العقد أو لا؟ بعد فرض اجتماع سائر الشرائط الأخرى فيه؟ وهو الأمر الذي اعتبره أبو حنيفة(1) والعلّامة(2) وقال: على إشكال، وتابعه بعضهم على ذلك، وبعضهم رفضوه.

فمن شرائط صحّة باب الفضولي –الصحّة التأهلية-، بحيث يكون قابلاً لتعقّبه بالإجازة أن يكون له مجيز، هذه هي الدعوى. 

وبرهانه: أن يكون العقد الفضولي جامعاً لشرائط الإمكان الاستعدادي بما 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) كما أشار إليه في مفتاح الكرامة 12: 621، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني، حكم اشتراط أن يكون للعقد مجيزاً في الحال.

(2) اُنظر: قواعد الأحكام 2: 19، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فيها وجود المجيز فأصبح البرهان عين الدعوى، ولم تعملوا شيئاً إلّا أنكم ضممتم ما هو محلّ الخلاف من الشروط فيما بيننا إلى الشرائط المسلّمة بيننا وبينكم. فإن برهانكم يرجع إلى أن عقد الفضولي لا بُدّ أن يكون جامعاً للشرائط المتسالم عليها مع الشرط المختلف فيه، وهو لزوم وجود المجيز، فالبرهان إذا رتّبناه يكون مصادرة.

وإذا عبّرنا بتعبيركم نقول: ما الدليل على أنه يجب أن يكون العقد على أقرب مراتب الإمكان الاستعدادي؟ بل ما هو الدليل على لزوم أن يكون العقد الفضولي جامعاً للشرائط المعتبرة في عقد الأصيلين؟ مثلاً: إذا أوقع الأصيلان العقد ربوياً لكان باطلاً، ولكن الفضولي أوقع ذلك، ثُمّ تبدّل السوق من كون السلعة وزنية إلى كونها عددية كما في الخبز، وأنا الآن أجيز، فأيّ دليل على بطلانه؟ ودليل بطلان الربا ليس وارداً على إنشاء البيع، بل على المعاملات التي يعملها الناس فيما بينهم. أو مثلاً لو باع الأصيلان خمراً لوقع باطلاً، ولا طريق لتصحيحه. وأما إذا باع الفضولي خمراً، وحصل له الجدّ للغفلة أو عدم الاعتناء، ثُمّ صار الخمر خلّاً ثُمّ أجازه، لا دليل على بطلانه، فإنه باع موجوداً خارجياً وهو بعينه وقعت عليه الإجازة، فمن قال بأن العقد حال الإنشاء يجب أن يكون جامعاً للشرائط ما عدا الإجازة؟ وإنما لا بُدّ أن يكون جامعاً لهذه الشرائط قُبيل الإجازة.

ثُمّ إننا لو قبلنا ذلك في شرائط البائع والمشتري والبيع، وأما الإمكان والامتناع فليس من الشرائط، أيّ ربط للإمكان والوقوع بالشرائط الشرعية 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والعقلائية؟ وإذا احتملنا مثل هذا الشرط ننفيه بإطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)، فلو كان فعلاً ممتنع الإجازة فغايته أنه لا يقع صحيحاً فعليَّةً، وأما أنه لا يقع صحيحاً صحّة باب الفضولي، فلا. نعم، تحتاج الصحّة الفعلية إلى الإجازة، فإذا امتنعت الإجازة امتنعت الصحّة الفعلية؛ لتوقّفها على أمر ممتنع. وأما الصحّة التأهّلية فغير متوقّفة على الإجازة.

وعلى فرض أن الصحّة التأهّلية كانت ممتنعة، ثُمّ وجد له الإمكان الاستعدادي، من قال إنه باطل؟ لا دليل عليه، بل كلامنا عليه دليل؛ لأننا لو شككنا في ذلك دفعناه بإطلاق الأدلّة. إذن فلزوم وجود المجيز بهذا البرهان لا نقبله.

[تحقيق حول لزوم الضرر عل المشتري]

وأما لزوم الضرر الذي ذكره فخر الدين(2)، أنه إذا اعتبرنا المجيز يقع العقد باطلاً، بطلان باب الفضولي، ولا يقع على المشتري الأصيل ضرر، وأما إذا لم نعتبر ذلك وقع العقد صحيحاً في باب الفضولي، فالمشتري لا يمكن أن يتصرّف في المبيع؛ لأنه على النقل لا تكون الملكية حاصلة، وعلى الكشف لا يُعلم بحصولها وعدمه.

وأما في الثمن، فلأنه -على ما يقول الآغايون(3)– أصيل، ويشمله أَوْفُوا 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

(2) اُنظر: ايضاح الفوائد 1: 418، 419، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(3) أُنظر: جامع المقاصد 4: 72، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان، وراجع كتاب المكاسب 3: 431، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي القول في المجيز، الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بِالْعُقُودِ فيلزم منه الضرر، فلا بُدّ أن يقع العقد باطلاً.

وهذا الدليل كلّ خصوصياته محلّ إشكال، أما لزوم الضرر فليس كلياً، فإنه لو كان متوقّعاً وجود المجيز أو بلوغه بعد يوم أو أسبوع لا يقع المشتري في الضرر، أو قد تكون المنافع المتوقّعة من المعاملة كثيرة بحيث تجبر الضرر الواقع، إذن فلا يلزم الضرر دائماً.

وثانياً وهو العمدة: إنه إذا لزم منه الضرر فلا بُدّ أن لا يكون صحيحاً، أو لا يكون لازماً، مبني على حكومة (لا ضرر)(1) على الأدلّة الأوّلية، وإذا فتّشنا نجد أن لزوم المعاملة لا يلزم منه الضرر، وإنما يلزم الضرر من حرمة التصرّف، فلا بُدّ من أن ترتفع هذه الحرمة لا اللزوم، فيكون العقد لازماً جائز التصرّف، وإنما قالوا في خيار الغبن برفع اللزوم بلا ضرر باعتبار أن اللزوم هناك بنفسه كان منشأً للضرر.

وعليه فإن تصرّف تصرّفات غير ناقلة كان جائزاً، وأما إذا تصرّف تصرّفات ناقلة بنى على أن مثل هذه التصرّفات هل تمنع الإجازة أو لا؟ هذا على مبنى الحكومة. 

وأما على مبنانا(2) من كون (لا ضرر) أجنبياً عن أدلّة الأحكام، فالأمر واضح. 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 486، كتاب المعيشة، الباب149، الحديث8، عوالي اللئالي العزيزية1: 220، الفصل التاسع، الحديث93، ووسائل الشيعة25: 429، كتاب إحياء الموات، الباب12، الحديث4.

(2) أُنظر: بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر: 105-129، فصل: حول المختار في معنى الرواية، أنوار الهداية 1: 369-371، الأصول العملية، الاستدلال بالسنّة على البراءة، الأمر الثالث: حكومة الحديث [الرفع] على أدلّة الأحكام، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نعم، في موارد وجود الضرر يرجع إلى الحاكم وله أن يرفعه.

هذا كله بناءً على أنه لا يجوز التصرّف فيه، وأما إذا قلنا بجواز التصرّف على مبناهم، فإني كنت شاكّاً بلحوق الإجازة فاستصحب عدمها إلى الأبد، ونتيجته جواز التصرّف، مضافاً إلى ما قلناه من أنّ الطرف الأصيل لا يشمله وجوب الوفاء، فإن معنى وجوب الوفاء هو وجوب العمل بمضمون العقد بعد وقوعه.

وأما روايات باب النكاح، فصحيحة الحذاء(1) قد عرفنا مدلولها، وأما الروايات الأخرى فكما قال الشيخ(2).

فإذا سلمّنا لزوم وجود المجيز، فهل لا بُدّ أن يكون المجيز جائز التصرّف أو لا؟ وعدم جواز التصرّف إما لفقد المقتضي أو لوجود المانع، فالأوّل كما إذا لم يكن بمالك ثُمّ يملكه، ووجود المانع كالمحجور عليه لفلس أو سفه.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

() الكافي 10: 772، كتاب النكاح، الباب64، الحديث4، تهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، ووسائل الشيعة 21: 327، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 2، وإليك نصّ الرواية: عن أحمد بن محمّد وعلي بن ابراهيم، عن أبيه، عن عدّةٍ من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعاً عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر عن غلامٍ وجاريةٍ زوّجهما وليّان لهما -يعني غير الأب- وهما غير مدكين، فقال: “النكاح جائز وأيّهما أدرك كان، على الخيار… “.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 432، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 



[الأمر الثالث: في عدم اشتراط جواز التصرف حين العقد]

 

يذكر الشيخ عدّة موارد:

أحدها: ما إذا كان عدم جواز التصرّف لوجود المانع، نظير كون العين رهناً، وقد تعلّق بها حقّ الرهانة، فإذا باعها الفضولي فهل تصحّ المعاملة أو لا؟ وإذا قلنا بالصحّة، فهل هذا كسائر موارد الفضولي يحتاج إلى الإجازة أو لا؟ وإذا تمّ هذا الكلام فهل يقع فيه بحث الكشف والنقل، أو يتعيّن في المقام لخصوصية فيه القول بالنقل؟

إذن هنا عدّة كلمات:

أحدها: هل الباب مثل باب الفضولي، في الاحتياج إلى الإجازة أو لا؟

ثانيها: أن يبحث الكشف والنقل أوّلاً.

[المسألة الأولى: بيع المالك للعين المرهونة] 

أما المسألة الأولى: افرضوا أن حقّ الرهانة شامل لهذا الشيء، والمالك يبيعها ويريد أن تصحّ المعاملة ويفكّ الرهانة. وهنا لا ينبغي ذكر الإشكالات المشتركة الورود على سائر باب الفضولي كالتصرّف في مال الغير، بل لا بُدّ من ذكر ما يختصّ به المورد.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الكلمة الأولى: هل المقام نظير الفضولي في الاحتياج إلى الإجازة] 

في باب الفضولي، لا تشمل العمومات الإنشاء الذي يعمله الفضولي، وإنما هو إنشاء محض، وإنما يندرج هذا الإنشاء تحت العناوين المذكورة في العمومات، حين يصير هذا الإنشاء -على قول الآغايون- عقد صاحب المال. بناءً عليه لم يقع تخصيص في عموم وجوب الوفاء بالعقود، وإنما هو خارج عنها تخصّصاً، وحين يصير العقد عقده أو على قولنا: يكون عقداً مجازاً من قبله، حينئذٍ يشمله العموم. هذا في سائر أبواب الفضولي.

أما في عقد نفس الإنسان حين يبيع العين المرهونة، إذا حسبناه فهو عقد من صاحب المال، فيكون العموم شاملاً له، غايته يجب عليه الوفاء من ناحية أخرى هي التزامه بالرهن، ولا يمكن العمل بكِلا الأمرين، إذن يقع في وجوب الوفاء تخصيص بأن يكون البيع بغير مورد الرهن.

[كلام المحقق الأصفهاني في المقام]

أو كما قال بعضهم(1): إذا أردنا التمسّك بعموم وجوب الوفاء للعقد، زاحمه وجوب الوفاء بالرهن، فهما عقدان متزاحمان، فلو وقعا معاً لا يمكن العمل بأيّ منهما، وأما إذا كان أحدهما مقدّماً يكون هو المشمول للعموم دون الآخر، وفي ما نحن فيه الرهن مقدّم فلا يكون العقد مشمولاً للعموم، وحيث إن هذا المصداق لم يصبح مشمولاً للعموم، إذن فإلى الأبد لا يمكن أن يكون 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 206- 208، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث: يُشترط كونه جائز التصرّف حال العقد.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مشمولاً، فلا يمكن أن يقال: إنه حين يرتفع التزاحم نعمل بالعقد.

وحيث إن المزاحمة هنا عمدية (عقديّة)، فليس أن العامّ يتعنون بعنوان العقد المزاحم والعقد غير المزاحم؛ ليكون الثاني نافذاً دون الأوّل، كما هو الحال في سائر موارد التقييد والتخصيص، حيث يتعنون العامّ بضد عنوان الخاصّ.

فمثلاً بعد أن دلّ الدليل على لزوم الرضا بالعقد، تعنون وجوب الوفاء بعنوان العقد المرضي به، وأصبح عندنا عنوانان أحدهما ذلك والآخر العقد غير المرضي به، والعقد الفضولي قبل الإجازة مصداق من العنوان الثاني، وبها يكون مصداقاً للعنوان الأوّل. وأما هنا، فلم يتعنون العامّ بعنوان العقد غير المزاحم، فلا يمكن التمسّك به لِما بعد ارتفاع المزاحمة.

هذا محصّل كلام الشيخ محمد حسين، وهو وإن كان كلامه على النقل، لكن نحن نبحث الآن في الجملة.

نقول: إن استقصاء كيفية باب المزاحمات لا يمكن تفصيل القول فيه، ولكن أذكر لكم النتيجة، وهي: أن باب المزاحمات العقلية ليس لها أيّ دخل في الأدلّة، وإنما هي مزاحمة في مقام العمل. والأدلّة واردة على العناوين، والعناوين ليس بينها مزاحمة، وغير ناظرة إلى مرتبة المزاحمة، وإنما المزاحمة تكون بعد سراية العنوان إلى الفرد، فيتزاحم المصداقان، والفرد متأخّر عن إطلاق الأدلّة بعدّة مراتب.

ومن هنا قلنا بأن الترتّب واضح البطلان، ولكنّنا نقول بشيء أعلى من الترتّب، وهو: أن حكم الأهمّ والمهمّ كِلاهما موجود بالفعل، وهذه الفعلية لا 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تنافي حكم استحالة الجمع بين الامتثالين، فإن العقل حينئذٍ يرى المكلّف معذوراً عن الامتثال بالرغم من فعلية الحكم.

ولذا لو نذر أن يكون يوم عرفة في كربلاء، ثُمّ حصلت له الاستطاعة للحجّ، كان وجوب الوفاء بالنذر فعلياً والحجّ واجباً أيضاً، وحيث إننا علمنا أن وجوب الحجّ أهمّ عند الشارع من وجوب الوفاء بالنذر، فإذا قام المكلّف به، فإنه يكون معذوراً عقلاً عن الوفاء بالنذر، وإذا تركهما معاً يكون معاقباً بعقابين: عقاب على ترك الحجّ، وعقاب على ترك النذر، وإذا كان لنذره بدل وجب دفع البدل. فإنه غير معذور عن النذر وحده ولا عن الحجّ وحده، وأما عذره عن الجمع فالجمع(1) غير مأمور به.

إذن عند التزاحم، إذا أتى المكلّف بأحدهما يكون معذوراً عن الآخر، ومع وجود الحكم متعلّقاً بعنوانه، يستحيل أن يتعرّض الحكم لحال موضوعه، وإنما هو موكول إلى العقل؛ للحكم بمعذورية المكلّف بالرغم من فعلية الحكم، والعهدة على بابه.

فعند وجود رهن وعقد البيع، الحكم بوجوب الوفاء وارد على طبيعة العقد، والألف واللام تكثّر أفراد العقد ولا يتعرّض أصلاً لمورد التزاحم حتى تقول إنه لا يشمله، بل يشملهما معاً، غايته أنه معذور عن العمل بأحدهما وهو المتأخّر منهما؛ لوجود المانع، لا أنه يخصّص العامّ أو يقيّد المطلق.

ــــــــــ[300]ــــــــــ

() الجمع بعنوانه، وإن لم يكن مأموراً به، إلّا أن فعلية الأمرين ملازمة لوجوب الجمع لا محالة كما هو واضح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والعقود (هذا العقد وهذا العقد) بما أنها أفراد العقد، فدليل الحكمة والإطلاق يقتضي أن هذا العقد بما أنه واجب الوفاء فلا بُدّ أن يكون هكذا دائماً، فكأنّ الشارع جعل وجوب الوفاء لازم الماهيّة بالنسبة إلى العقد. إذن فللعقد عموم أفرادي وإطلاق أحوالي، والمزاحمة مع الرهن لا تخرج فرداً، بل تخرج حالاً عن إطلاق وجوب الوفاء، ويكون الإطلاق شاملاً لحاله الآخر، فهو ليس تخصيصاً للفرد ليقال إنه إذا خرج من العموم كيف يعود فيشمله مرّة أخرى، وإنما هو تخصيص لحالة من الفرد، فنرفع اليد بمقدار التقييد ونتمسّك بالمطلق في الحالة الأخرى بعد ارتفاع المانع.

إذن متى كان دليلنا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يكون مصحّحاً للمعاملة بإطلاقه، ولا يكون هذا الإشكال وارداً.

[كلام الميرزا النائيني في المقام]

بقي كلام المرحوم النائيني ناقصاً(1): فإنه يقول: نقلاً عن الشيخ في محلّه: إن هذا العقد الذي تعلّق به(2) الرهن، المقتضي بالنسبة إلى الصحّة موجود، فإذا ارتفع المانع، وهو حقّ الرهانة، فعلى قاعدة المقتضي والمانع يؤثّر المقتضي أثره.

يقول: إنه لا بُدّ أن نجد المقتضي في مقام الإثبات، حتى نقول بتأثيره في مقام الثبوت، فلا بُدّ أن نرى أنه هل له مقتضٍ إثباتي في الأدلّة أو لا؟ فإن 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

() أُنظر: منية الطالب 1: 262-263، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة: في ضمن مسائل، المسألة الأولى.

(2) يعني: بيع المالك للعين المرهونة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المراد بالمقتضي هو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فإنه شامل لكِلا العقدين: الرهن والبيع، فإذا ارتفع أحدهما، لم يكن مانع من شموله للآخر.

فهذا البيان ليس تامّاً؛ لأنه مرّة يكون المورد مورد التخصيص أو التقييد لعامّ أو لمطلق، فيكتسب العامّ أو المطلق بالتخصيص عنوانين: عنوان التخصيص وعنوان نقيضه، كما في تقييد هذا للعموم بصورة الرضا، فإنه يتعنون بعنوان العقد المقترن بالرضا، ويكون لكلٍ من العنوانين مصداق غير الآخر، فإذا لم يكن العقد مقروناً بالرضا لم يكن مصداقاً للعموم أصلاً، وحين يكون متعقّباً أو مقروناً بالرضا يكون مصداقاً، ويشمله العموم من ذلك الحين.

وأما في مثل مسألتنا في البيع والرهن، فإن كِليهما مشمول للعموم في نفسه، فهذا ليس بابه باب التخصيص؛ ليكون العامّ معنوناً بعنوان آخر، لكي لا يكون مصداقه حاصلاً ثُمّ يحصل بعد ذلك، بل بابه باب التزاحم، فإن لم يكن بينهما ترجيح لا يعقل أن يعمّهما العامّ، وإن كان أحدهما سابقاً – كما فيما نحن فيه- فيقع السابق صحيحاً، وباب المزاحمة لا تحصّل عنوان أحدهما بالنسبة إلى الآخر كما هو الحال في التخصيص، غايته لا يعقل شمولها لكِلا العقدين، فهو يشمل السابق ولا يعقل أن يشمل الآخر، وحينما يرتفع المانع لا يوجد مصداق جديد لكي يشمله العامّ، فلا يمكن أن يتمّ المطلب إذا كان دليلنا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

أما إذا كان دليلنا دليل نفوذ البيع ودليل نفوذ الرهن، فهنا يتعنون دليل إنفاذ البيع بما لم يتعلّق به حقّ الرهن، فحينما يرتفع المانع ينطبق عنوان (البيع غير المزاحم) عليه، فيكون العموم منطبقاً عليه، هذا محصّل كلامه على (النقل) ونحن كلامنا في الجملة أعمّ من الكشف والنقل.

ــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الفارق بين الإطلاق والعموم]

وقد وردت في كلامه عدّة كلمات لها سريان في كثير من موارد الفقه، لا بأس أن نتكلّم عن كلٍّ منهما كلمة مختصرة.

أحدها: أنه يقول: إن العامّ والمطلق في مورد التخصيص والتقييد يكون سبباً لانقسام العامّ إلى عنوانين: عنوان مورد التخصيص، وعنوان غير مورد التخصيص، فلو كان: (أكرم كلّ عالم) و(لا تكرم الفسّاق منهم)، يحصل على قوله عامّان معنونان بعنوانين لكلٍّ منهم مصاديق:

أحدهما: العلماء غير الفسّاق. والآخر العلماء الفساق، وفي باب التقييد للمطلق كذلك.

نقول في باب التخصيص للعامّ ليس كذلك، وإن كان في باب التقييد غير بعيد، فإن العامّ بعد تخصيصه لا ينقسم إلى عنوانين، وإلّا ينبغي أن يقول بأن إجمال المخصّص المنفصل يسري إلى العامّ. فلو كان (الفسّاق) مردّداً مفهوماً بين فاعل الكبيرة وفاعل الصغيرة، لو كان الخاصّ يعطي عنواناً للعامّ، ويصير العامّ (العالم غير الفاسق)، ففي المورد الذي نشكّ فيه لا يكون العامّ فيه حجّة، وإنما يكون حجّة لو لم يتعنون العامّ بعنوان الخاصّ، وعلى أيٍّ فله أن يعترف بذلك ولا يراه لازماً باطلاً.

وحلّ المسألة: هو أنه هناك فرق بين المطلقات والعمومات(1)، ففي باب 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

(1) أُنظر: مناهج الوصول 2: 231: المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الأمر الثاني، تهذيب الأصول 2: 156، 158، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الأمر الثاني: في الفرق بين العامّ والمطلق، وجواهر الأُصول 4: 319، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الأمر الثاني: في الفرق بين العامّ والمطلق.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

العمومات تكون الدلالات لفظية، فـ (كلّ) و(عالم) وإضافة (كلّ) إلى (عالم) تدلّ على مداليلها بدلالات لفظية، ويستقرّ ظهور هذه الدلالات عند سكوت المتكلّم، ويتمسّك العقلاء به، بحسب أصالة مطابقة المدلول للمراد الجدّي، وهذا الظهور اللفظي لا يمكن أن يغيّره أو يسلخه عن ظهوره شيء، وإنما المخصّص إذا ورد فهو أيضاً له دلالات لفظية، غاية الأمر أنه وارد على عنوان أصغر من عنوان العامّ. وليس بين العامّ والمخصّص فرق من حيث الظهور، وليس أن الخاصّ أظهر، فإن الدلالة فيهما لفظية، وليس أن ظهور ألفاظ أحدهما في مداليلها اللغوية أقلّ أو أردأ من الآخر، فليس تقدّم الخاصّ على العامّ من باب الظهور، بل هناك سرّ آخر في التقديم، وهو أن الأصل العقلائي في أن الإرادة الاستعمالية، وهي: ما هو مفاد الدليل بحسب الظهور اللفظي، موافق للجدّ، بحيث إذا لم يحصل مخصّص فأصالة مطابقة الجدّ للاستعمال تقتضي الأخذ بظهور العامّ، ويحتجّ به المولى على العبد والعبد على المولى، ولا يسمع من أحدهما احتمال المزاح ونحوه.

وهذا الأصل العقلائي -بعد استكمال سائر الأصول اللفظية- ثابت في العامّ في نفسه وفي الخاصّ في نفسه، والتخصيص عبارة عن أن الخاصّ يكشف عن أن الإرادة الجدّية للمولى تعلّقت بهذه الحدود، يعني فيما سوى الخاصّ من عنوان العامّ، وإن دلالته لا تشمل الفسّاق من العلماء، فحين يُلقى العامّ 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والخاصّ إلى العرف، يقال: إن الذي قال: (أكرم العلماء) هو قال: (لا تكرم الفساق)، فيفهم أن إكرام الفساق غير مراد جداً، فليس أن الخاصّ يتصرّف في ألفاظ العامّ ويضع إلى جنبه لفظاً، وإنما يكشف عن الإرادة الجدّية.

وأما في باب الإطلاق والتقييد، فليس هناك دلالة لفظية أصلاً، بل الإطلاق من الدلالات العقلية أو العقلائية، ولو كانت دلالته لفظية لما احتاج إلى مقدّمات الحكمة، وإنما المولى بحسب فعله الاختياري جعل الموضوع لحكمه هو اللفظ الدالّ على نفس الطبيعة، من دون أن يذكر قيداً، وهو حاكم ملتفت إلى الأصول العقلائية، فيكشف ذلك عن أن تمام الموضوع للحكم هو هذا العنوان الذي جعله بحسب فعله الاختياري موضوعاً، دون أي عنوان آخر دخيل في الموضوع؛ إذ لو كان هناك عنوان آخر دخيل لكان عليه أن يقيّد ولم يقيّد، فالإطلاق عبارة عن كون اللفظ تمام الموضوع للحكم، وهو من دلالة الأفعال لا من دلالة الألفاظ.

فالمولى الذي يقول: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ثُمّ يقول: لا بُدّ من الرضا بالبيع، يقول العقلاء أن ذلك العنوان لم يكن تمام موضوع حكم المولى بوجوب الوفاء، فالمقيد لا يضر بالدلالة اللفظية للمطلق، وإنما يؤثّر إلى كشفه للإرادة الجدّية. ومن هنا يسري إجمال المقيد إلى المطلق. وتمام الكلام في محلّه(1).

ــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) أُنظر: مناهج الوصول 2: 246-248، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، الفصل الثاني: في تخصيص العامّ بالمجمل، وجواهر الأصول 4: 365، المقصد الرابع: في العامّ والخاصّ، المبحث الثاني: في تخصيص العامّ بالمخصّص المجمل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فما يقوله: من أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يتعنون بورود المخصّص بعنوانين: عنوان العقد الغرري، وعنوان العقد غير الغرري. أو البيع الذي هو مورد للرهن وغيره، نقول: هذا في العامّ والخاصّ ليس كذلك، وفي باب المطلق والمقيّد لا يبعد.

الكلام الثاني معه: أنه يقول: إن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يتزاحم فيه العنوانين: عقد البيع وعقد الرهن، فإن العامّ يشمل كلّ واحد منهما في نفسه، وهما متزاحمان ومتمانعان، إذا تمانع الشيئان ولم يكن لأحدهما ترجيح لا يعقل أن يعمّهما العامّ. ثُمّ يقول: إن باب التزاحم ليس باب التعنون بالعنوان، ثُمّ يقول: إذا كان دخول أحدهما أسبق وجوداً، كما هو فرض المسألة، لا يعقل أن يعمّ العامّ البيع.

نقول: إذا كان الباب باب التزاحم، فليس التزاحم مانعاً للشمول، فإنه يمنع أيّ شيء؟ هل يمنع عن شمول الدلالة اللفظية؟ هذا لا يمكن؛ لأن التزاحم لا يغيّر اللغة، فبحسب الدلالات اللفظية يشمل العامّ كِلا المصداقين، غاية الأمر: يخرج الشيء في باب التزاحم بحكم العقلاء عن الحكم.

نقول: إذا لم يتعنون فلماذا لا يعمّهما العامّ؟ فإن البيع عقد والرهن عقد، والمفروض أن العامّ لم يتّخذ عنوان (البيع غير الرهني) فهو يشمل كِلا الأمرين. وأما أن مفاد العقدين متزاحم، باعتبار تمانعهما في الخارج؛ لأن الوفاء بكِليهما غير ممكن، -وذلك: على غير قول السيد(1) الذي يقول بإمكان بيع العين 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب2: 220-221، بيع الفضولي، الإجازة والردّ، تنبيهات الإجازة، المجيز.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المرهونة- فإن كان أحدهما أرجح فهو، وأما إذا كان أحدهما أسبق فلا أثر له. فإذا كان المتأخّر أرجح فإنه يتقدّم لا محالة، كما لو غرق أوّلاً إنسان اعتيادي مثلي ومثلك، ثُمّ بعد ذلك غرق نبيّ من الأنبياء، فالعقل هل يحكم بتقديم الأرجح لا الأسبق؟ لا محالة، بل لو كانا متساويين وأحدهما أسبق، فهل العقل يعيّن الأسبق، أو أنهما -في الحقيقة- عند العقل على السواء؟ فلو كان البيع والرهن من باب التزاحم، فوقوع الرهن أسبق لا يرجّحه، ولكن هنا يقال: إنه حيث إنه لا ترجيح فلا بُدّ أن يكون المكلّف مخيّر كسائر موارد المزاحمة.

نعم، يحتاج إلى دليل آخر لإثبات فساد البيع باعتبار أنه واقع على حقّ الغير، فكون الرهن أسبق لا يبرر شمول العامّ له دون البيع.

ثُمّ إنه -كما قلنا- ليس التزاحم هنا ما بين مداليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بحسب الأفراد، بل بحسب إطلاقه لبعض حالات الفرد، وهو البيع في حين مزاحمته مع الرهن، إذن فلا بأس أن يكون مشمولاً للعامّ الأفرادي دون الإطلاق الأحوالي. نعم، هنا كلام بأن الإطلاق الأحوالي إذا كان مقيّداً في الأوّل هل يعود الإطلاق بعد ذلك أو لا يعود؟ ولكن لا مجال إلى التعرّض له.

كان الكلام فيما إذا باع المالك العين المرهونة، هل يمكن تصحيح هذا البيع تمسّكاً بالعمومات بنحو صحّة البيع الفضولي بحيث يصحّ بالإجازة؟ وقد تقدّم الكلام في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وقال الشيخ محمد حسين(1) إن الاستدلال به.

 ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 208، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولكنّه يقول: إنه إذا كان الدليل هو دليل نفوذ البيع كـ أَحَل اللَّـهُ البَيْعَ(1) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2)، فالشيخ إذ يقول: المقتضي موجود فإذا ارتفع المانع يشمله الدليل، يريد بالمقتضي دليل صحّة البيع، ومن المانع دليل الرهن، وبهذا يمكن تتميم المطلب؛ لأن دليل صحّة البيع إذا ضممناه إلى دليل الرهن يكون عندنا عنوانان: عنوان البيع غير الرهن، وعنوان بيع الرهن.

وما قلناه -وهذا الكلام مِنّي- من أنّ التزاحم العقلي لا يكون سبباً في التعنون بعنوانين هنا ليس كذلك، بل يمكن أن نقول ذلك بلحاظ دليل الرهن، نظير القيود التي تطرأ على العمومات كتقييد البيع بالرضا. والمانعية منوطة بالرضا، فإذا ارتفع الرهن فلا معنى لبقاء المانعية، كما قلنا في بيع المكره من انقسام البيع إلى بيع المكره والى بيع غيره، ولا يصحّ البيع ما دام مكرهاً، ولكنّه إذا ارتفع الإكراه وُجد -على تصوره- مصداق بنحو القضيّة الحقيقية لـ أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، فهنا إذا ارتفع الرهن يشمله العموم. فهذا هو محصّل كلامه، حيث فرّق بين دليل (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) وبين دليل (أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ).

نقول: إنما يتعنون الشيء بعنوانين كتعنون البيع بالبيع المقرون بالرضا وغير المقرون. هذا فرع أن يقع التقييد في البيع في مثل تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ المقيّدة لـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، والمعنونة للبيع الى ذينك العنوانين. ومثل ذلك تعنون البيع إلى بيع المكره وبيع غيره بدليل حديث الرفع الحاكم على الأدلّة الأوّلية.

ــــــــــ[308]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

(2) النساء: 29.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما في المقام فلا يمكن التعنون، فإنه في باب البيع دليله: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ. وفي باب الرهن دليله نحو قوله: “لا بأس به”(1)، أو قوله: (استوثق من رهنك ما استطعت)(2)، مما يفهم منه أن: الرهن نافذ.

إذن فعندنا دليلان: (الرهن نافذ) و(البيع نافذ). ونحن نعلم من الخارج عدم إمكان نفوذ كِلا المعاملتين في الخارج، فيكون المورد كمورد التزاحم، وليس هناك وجه للتقييد. فإن بينهما عموماً من وجه، فإن إطلاق دليل الرهن يقتضي نفوذه سواء كان بيعاً أو لم يكن، وإطلاق دليل البيع يقتضي نفوذه سواء كان هناك رهن أو لم يكن. فلا وجه للتقييد.

نعم، يبقى ما قلته في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) من التمانع وعدم إمكان صحّتهما معاً، ويحكم العقل بسقوط أحدهما، وحكم العقل لا يجعل عنواناً على العامّ.

ولو تعارضا(3) وتساقطا فلا يمكن الأخذ بكِليهما، وحين يرتفع الرهن لم يحدث مصداق جديد ليشمله العامّ، فالتعنون في مقام الإثبات إنما يتمّ في مورد التقييد والحكومة وأما فيها إذا لم يكن ذلك.

ــــــــــ[309]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 42، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 66، ووسائل الشيعة 18، 379، الباب 1 من أبواب الدهن، الأحاديث 2، 3، 4.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 260، كتاب المعيشة، باب السلف في الطعام، الحديث 3936، تهذيب الأحكام 7: 42، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 67، ووسائل الشيعة 18: 379، الباب 1 من أبواب الرهن، الأحاديث 1، 3، 4. (نعم استوثق من مالك ما استطعت).

(3) هذا قاله جواباً عن سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وحلّ المسألة: أنه ليس في المقام باب التزاحم وليس تقييداً، فإن باب التزاحم هو أن يكون للطرفين إطلاق يشمل المورد. وهنا عندنا طرفان: دليل البيع ودليل الرهن. فإذا باع العين وأراد أن يرهنها لا يمكن لخروج العين موضوعاً عن إمكان الرهن؛ لأن الرهن لا يكون إلّا في ملك الإنسان، ومن الطرف الآخر حيث إن الرهن استيثاق وحفظ للمال فلا يمكن أن يُسمح له بالبيع، فتكون أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَمنصرفة عن هذا المعنى. وإذا كان لها انصراف فهو بمنزلة التقييد. فكأنّ الشارع قال: (أحل الله البيع الذي ليس مورداً للرهن)، إذن فمن الممكن المطلب من هذا الصرف في أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

ثُمّ إنه كان هناك كلام حول هذا المعنى، وهو: أننا بعد أن رأينا أن البيع صحيح إنشاءً وقابل للصحّة الفعلية، فهل أنه بعد فكّ الرهن يكون نظير البيع الفضولي -عند من يرى الحاجة إلى الإجازة، ولا يكتفي في الفضولي بمجرّد الرضا-؟، ففي المقام يقال بالحاجة إلى الإجازة ليصحّ البيع، أو لا يحتاج إلى الإجازة حتى على القول بضرورة الإجازة في الفضولي؟

ثُمّ يبدو من كلام آخر، وهو أن هذا الراهن الذي باع العين المرهونة، وقلنا بأنه بعد الفكّ يحتاج إلى الإجازة، فهل له الردّ للبيع، أو لا بُدّ أن يجيز البيع ولا يجوز له الرد؟

أما الكلام الأوّل: فمن يقول بلزوم الإجازة يقول ذلك بتقريب: أن المالك هو البائع وهو راضٍ به، إلّا أن رضاه حال العقد لا أثر له حال رضا الأجنبي 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالمعاملة. إذن، فعندنا تجارة بلا رضا؛ لأن رضا المالك غير مفيد، فيكون كالعقد الفضولي، فيحتاج إلى إجازة جديدة، ورضاه بعد ارتفاع الرهن أيضاً غير مفيد لأن الرضا وحده أيضاً غير كافٍ إلّا بإبرازه بالإجازة.

ولكن يمكن أن نقول: إن المسألة ليست كذلك، فإن رضاء الأجنبي لا اقتضاء له أصلاً، أما رضاء صاحب المال فهو مقتضي لصحّة المعاملة كالرضاء أثناء معاملة الصرف، فإنه لا يحتاج إلى رضاء جديد. فهذا الرهن حين كان موجوداً كان الرضا مقتضياً للصحّة، وكان هناك المانع عن تأثيره، فبناءً عليه نحن نحتاج إلى معاملة ورضا لا مانع منه، وقد حصل ذلك.

وأما أنه هل يجب عليه أن يجيز أو أن الإجازة ليست بواجبة؟ وإذا ردّ فهل يكون الردّ من قبيل الردّ في باب الفضولي، فيقع ما وقع فيه من الكلام أو أن الردّ هنا لا يفيد؟

أما أن الردّ نافذ أو ليس بنافذ، فهو أسوأ حالاً من الفضولي الذي قلنا إنه ليس بنافذ، فإن المعاملة تامّة ونافذة ومشمولة للعموم، فلا معنى لأن نقبل منه الردّ.

وأما قضيّة وجوب الوفاء، فهو ما سبق أن قلناه، من أنّ الآغايون يقولون أن معناه الإبقاء على العقد، وبناءً عليه فكِلا الطرفين أصيلان على الفرض، فلا يجوز لهما فسخ العقد، وأما على ما قلناه من أنّ معنى الوفاء هو العمل بمضمون العقد كالتسليم والتسلم ونحوه، فهنا يقال: إن المانع موجود، فإن العين لم تصبح مال الغير حتى يجب تسليمها إليه، ولا يكون حينئذٍ مشمولاً لأيّ عموم 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من العمومات، فإن البيع والعقد لم يحصل(1) ليشمله: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ. ولا أريد أن آكل منه ليشمله تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، بل حتى في الصرف والسلم لا دليل على وجوب الوفاء قبل القبض، ويجوز لي أن أنصرف ولا أدفع، ولا يشمله أيّ عموم فإنه ليس(2) بعقد شرعاً ولا أريد الأكل منه لكي يشمله تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، كما لا يشمله أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ على إشكال فيه.

[الكلمة الثانية: في جريان نزاع الكشف والنقل في المقام] 

يبقى الكلام في نزاع الكشف والنقل هل يجري في المقام؟ وهل يمكن تتميم المطلب على الكشف أو لا؟

الكلام الآخر الذي بقي: هو أنه هل يجري نزاع الكشف والنقل في مسألة الرهن، أو أن فيها خصوصية تقتضي القول بالنقل؟ ولا بُدّ أوّلاً من أن نميّز حيثية البحث، فإنه وقع خلط في كلام الأعلام بين مطلبين:

أحدهما: افرضوا أننا قلنا بالحاجة إلى الإجازة، وكان بائع العين المرهونة هو المالك نفسه، وكذلك لو كان بائعها الفضولي بلا إشكال(3). فما دام يحتاج العقد إلى الإجازة، نقول إن هذه الإجازة هل يجري فيها النزاع أو يتعيّن القول بالنقل؟

ــــــــــ[312]ــــــــــ

() يعني بنحو مؤثّر (إيضاح). (المقرِّر).

(2) يعني: ليس عقداً تامّ الشرائط (ايضاح). (المقرِّر).

(3) يعني: تحتاج إلى الإجازة بلا إشكال (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المطلب الآخر: أننا إذا قلنا: إن هذا لا يحتاج إلى إجازة في المقام –كما يقول الشيخ- وأنه يتمّم المطلب بفكّ الرهن، فهل يجري نزاع الكشف والنقل في فكّ الرهن كما يجري في الإجازة أو لا؟ فهذه مسألتنا إذا سلّم المطلب في أحدهما كان لنا البحث في الأخر.

أما المسألة الأولى: وهي أن بحث الكشف والنقل لا يأتي، بل يتعيّن النقل، سواء كان البائع هو المالك أو الفضولي واحتجنا للإجازة.

الوجه الذي قيل(1): أن الإجازة على الكشف تكشف عن الملكية من الأوّل، وهذا مما لا يعقل بعد فرض التمانع بين البيع والرهن، والمفروض أن العين تحت الرهن، فإنه كيف يعقل حين وجود مانع أن تكون العين ملكاً للغير، وفكّ الرهن بأداء الرهن أو الإبراء فعلي، لا أنه يكشف عن أن الدين منتفٍ من الأوّل، فالزمان السابق هو زمان دين ورهن، فالمانع كان موجوداً، فلا يمكن أن يقال: إن الإجازة كاشفة.

والعجب أن الشيخ محمد حسين(2) يبني أن هذا الإشكال ثابت، وعندما ينقل الإجماع أو الشهرة على الكشف يتحيّر في تبريره، وذكر وجهاً غير مرضٍ، ويبدو أنه لا يرضاه، ثُمّ قال: والكشف في غاية الإشكال(3).

ــــــــــ[313]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 208-210، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [اختلاف الحكم بحسب المباني]

نقول: إن بعض الصور في غاية الإشكال دون جميع الصور، وبالنحو الذي قلتموه من الكشف لا يكون فيه إشكال فضلاً عن غاية الإشكال.

فإنه في باب الكشف ثلاثة مسالك رئيسية ترجع إليها سائر الأقوال: الكشف الحقيقي والكشف الحكمي والكشف التعبّدي(1) .

أما الكشف على الكشف الحقيقي: بمعنى أن الإجازة كاشفة عن أن الشرط متحقّق من الأوّل من زمان العقد، فهذا لا يمكن بعد فرض مانعية الرهن أن يقال بصحّة البيع، سواء قلنا بكشف الميرزا الرشتي(2) من وجود الرضا المقارن، أو العقد المتعقّب بالإجازة، أو العقد الذي إجازته في الزمان المتعقّب.

وأما إذا قلنا بالكشف التعبّدي: وهو أن الشارع تعبّدنا بترتيب آثار العقد من الأوّل، وله صورتان:

ــــــــــ[314]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب الإجارة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني: في شرائط الإجارة، القول في البيع الفضولي، المقام الثالث: في الإجازة المقصد الثالث: في أحكام الإجازة، وأُنظر: منية الطالب 1: 234، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة وأحكامها، حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 148-149، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، وغيرها.

(2) أُنظر: كتاب الإجارة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني: في شرائط الإجازة، القول في البيع الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث: في أحكام الإجازة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الصورة الأولى: أن يكون تعبّد الشارع مترتّباً على العقد المتعقّب بالإجازة، يعني أن الشارع في الزمان الموجود فيه المانع تعبّدنا بترتيب آثار الملكية. وهذا منافٍ لحقّ الغير.

الصورة الثانية: أن يكون تعبّد الشارع منوطاً بالإجازة، ومن المعلوم أنه عند تحقّق الإجازة يكون الرهن منفكّاً ومرتفعاً. فكأنّ الشارع يقول: من حين الفكّ (رتّب آثار الملكية من الأوّل)، وليس لذلك أيّ منافاة مع حقّ الغير.

وأما الكشف الحكمي ومؤدّاه أن الإجازة من الآن تؤثّر في النقل من الأوّل من زمان العقد، وأشهر مبانيه هو أن مفاد العقد هو النقل من حينه، ولكنّه لم يحصل النقل لوجود المانع، بل حصل إنشاء صرف والإنشاء لا منافاة له مع حقّ الغير، وما لم يجز لم يحصل النقل، وبعد الإجازة يحصل النقل من حينه، وحين الإجازة تكون العين منفكّة عن الرهن، فلا يكون فيه منافاة لحقّ الغير.

والشيخ محمد حسين(1) قال في باب الكشف: إن هذا الانقلاب الذي يحصل بالإجازة انقلاب عنواني لا مانع منه؛ لأن الملكية ونحوها من الاعتباريات المحضة التي لا واقع لها إلّا صقع الاعتبار، وليست من الواقعيات ولا الانتزاعيات، فإلى حين الإجازة كان المالك هو زيد، وبعد الإجازة أصبح العقد مجازاً وانقلب عنوانه، فلا مانع من حيث تعدّد زمان الاعتبار، ففي نفس 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 131، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الزمان الذي اعتبروا فيه ملكية زيد تعتبر فيه ملكية عمرو. وقال: إن الإجازة بالنسبة إلى السابق، مثل الإجازة بالنسبة إلى الزمان المستقبل، فإن المنافع المستقبلة كانت لصاحب العين فإذا أجرّها أصبحت للمستأجر، فكما يصحّ ذلك في المستقبل يصحّ في الماضي. وليس كلامنا فعلاً في نقل هذا الوجه بعد أن سبق أن ناقشناه.

فهذا الذي قاله هناك لماذا لا يقوله هنا، بل هو يقول هنا: يختلف؛ لأن حقّ الغير متعلّق به فلا يمكن. 

نقول: إننا لا نريد أن ننقل العين في حال وجود الرهن، بل حين الانتقال لا يكون الرهن موجوداً، وبالإجازة لا أريد النقل السابق من السابق كما كان عليه الكشف الحقيقي؛ ليكون غير ممكن، بل العين تكون حين الإجازة خالية عن الرهن، ومن الآن أريد أن أنقلها من الأوّل. فلا يكون منافياً مع حقّ الغير.

بل هذا أهون من ذاك، فإن العين كانت ملكه وأنا لا أريد النقل في زمان المانعية، وإنما من الآن يحصل النقل من الأوّل بتبدّل العناوين.

إذن يقع هذا النزاع في الكشف الحكمي والتعبّدي دون الكشف الحقيقي، إذن لا يصحّ القول بأن النزاع غير جارٍ مطلقاً.

[حول جريان النزاع في فك الرهن]

الكلام الآخر: وهو مسألة أخرى، وهي: أننا في المقام إن الإجازة غير معتبرة، بل يكفي فكّ الرهن فهل يمكن مجيء نزاع الكشف والنقل في الفكّ كما 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يجري في الإجازة، وقد تعرّض لهذه الجهة المحقّق النائيني(1)، ولم يتعرّض للجهة التي تعرّض لها الشيخ محمد حسين، وكلامه مضطرب فيما ذكره، فهو يقول في الأول: إن الفكّ مثل الإجازة، فكما يمكن أن تكون الإجازة كاشفة كذلك الفكّ، وهو ليس من متمّمات النقل، بل من شرائط تأثير العقد. ثُمّ يقول: إن قلت: إن الإبراء والفكّ من حينه ولا معنى للكشف فيه. قلت: نعم، لكن لو كان الأمر فيهما كذلك ففي الإجازة كذلك، ولكنّ البحث في أن إبراء الدين يتّصل بالعقد من حين العقد أو من حين الإبراء، ولم نفهم مقصوده.

ثُمّ يقول في حاشيته بعنوان (منه)، ولم يُعلم أنها منه أو من المقرّر: إن هذا من قبيل الصرف والسلم، فكما أن العقد هناك انتسابه إلى المالك تامّ والقبض شرط في الملك، وهنا أيضاً كذلك؛ لأن عدم المانع من أجزاء العلّة، وما دامت العلّة ناقصة وما لم يوجد جزء العلّة لا يوجد المعلول، ومن الآن يوجد هذا الجزء فمن الآن يكون مؤثّراً.

نقول: يمكن جريان نزاع الكشف والنقل في بعض أقسامه، فإن القائلين بالكشف بالنحو الذي قاله (جامع المقاصد) (2) وتبعه عليه صاحب (الجواهر)(3) 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 262ـ 263، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الأُولى.

(2) اُنظر: جامع المقاصد 4: 74-75، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(3) أنظر: جواهر الكلام 22: 286-289، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وكثيرون، من أنّ النقل يحصل من حين العقد، والإجازة حيث إنها إجازة للعقد فلا بُدّ أن تكون إجازة من حين العقد، فمن يقول بذلك يمكنه أن يقول: إن النقل من حين العقد –كما هو مقتضى العقد عنده- كان له مانع، ولكنّه الآن قد ارتفع بالإجازة، فالنقل من حين العقد يحدث الآن، بمعنى أن مفاد العقد وهو النقل من حينه يكون ساري المفعول بعد الفكّ وارتفاع المانع.

وما يقوله من أنه من أجزاء العلّة، مرّة يريد أن يقول: إن التحقيق هو هذا ومرّة يريد أن يقول إن نزاع الكشف والنقل لا يأتي.

أما التحقيق فإننا سبق أن رفضنا القول بالكشف على القواعد، ولم نجد له دليلاً، ولكن مع ذلك يأتي النزاع لا بالنحو الذي قرّره النائيني في المتن وعدل عنه في الحاشية، فإن ما قاله من أنّ الفكّ يعود إلى العقد أو إلى الإجازة لم نفهمه، فإنه فكّ للرهن لا فكّ للبيع ولا للإجازة.

ثُمّ إن هذا الكلام الذي قلناه بتمامه جارٍ في العين المتعلقة لحقّ الغرماء طابق النعل بالنعل. وأما إذا كان محجوراً عليه للسفه أو الصغر، فهو لا يأتي فيه الكلام، فلو باع السفيه مال نفسه، وهو وإن كان محجوراً إلّا أن لفظه معتبر وليس ملغياً، ولذا لو باع أموال الآخرين جاز ونفذ. فإذا ارتفع سفهه تصحّ إجازته على الكشف والنقل، أو لو باع الفضولي مال الصغير ثُمّ بعد أن يكبر يجيز، يجوز على الكشف والنقل، وليس العين في هذين الصورتين متعلّقة لحقّ الغرماء.

ــــــــــ[318]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [المسألة الثانية: لو باع شيئاً ثم ملك]

المسألة الأخرى التي يعنونها الشيخ هي: أنه إذا باع عيناً ثُمّ ذهب فاشتراها، فهل هذه المعاملة صحيحة ومحتاجة للإجازة، أو صحيحة دون إجازة، أو باطلة حتى مع الإجازة؟ أقوال ينقلها الشيخ(1) ويختار الصحّة للأصل والعمومات. وليس هنا مانع عن العمومات إلّا ما ذكر صاحب (المقابس)(2)، وغالبه مأخوذ عن المحقّق الثاني(3) و(الإيضاح)(4). فينقلها الشيخ ويدافع ضدها.

[مقتضى العمومات والأصل في المسألة]

أما العمومات -بقطع النظر عن تلك الإشكالات- فمعلوم أنه يشمل هذا العقد، فإننا إذا شككنا في اعتبار شيء مع كون العقد صادقاً، ونسبته إلى البائع معلومة، يكون العموم شاملاً له بلا إشكال.

ــــــــــ[319]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية. 

(2) اُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع. 

(3) أُنظر: جواهر الكلام 22: 298، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي. 

(4) أُنظر: إيضاح الفوائد 1: 419، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما مقصود الشيخ(1) من الأصل، فهل مراده القاعدة المأخوذة من العمومات -على ما يقول السيد(2)-؟ فإنه خلاف الظاهر. فهل يمكن تأسيس أصل في المقام بحيث يصحّ به هذا العقد مع قطع النظر عن العمومات؟

مقصوده من الأصل هو: أننا نشكّ في أنه هل يشترط في العقد أمر زائد عما نعلم باشتراطه؟ وفيما نحن فيه هل يشترط في العقد أن يكون المجيز هو الذي كان مالكاً حين العقد؟ فنشكّ في ذلك فنستصحب، فهذا الاستصحاب هل يجري في العقد الخارجي لإثبات عدم اشتراطه؟

أو في عنوان العقد الفضولي يثبت أنه خالٍ من الشرط. أما جريانه في الفرد الخارجي فهو ليس له حالة سابقة، فإننا في أيّ وقت أحرزنا أن هذا العقد غير مشروط بشرط حتى نستصحبه، وأما جريان استصحاب العدم الأزلي فيه فقد بينا في محلّه أنه لا أساس له أصلاً.

وإذا أردتم جريان الاستصحاب في العناوين، والعنوان من الأزل عنوان، ونحن نعلم أنه قبل الشريعة كان عنوان العقد الفضولي موجوداً، ولم يكن مشروطاً قبل الإسلام، وبعد وجود الإسلام نشكّ في أنه جعل عليه هذا الشرط أو لا، فنستصحب؛ وحيث إن العنوان على هذا الفرد منطبق فهو ليس 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 163، كتاب البيع، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فيه شرط، إلّا أن استصحاب الكلّي لأجل إثبات حكم الفرد مثبت كما قال الشيخ، بل هو من أوضح أنحاء الأصل المثبت، فإن انطباق الكلّي على الفرد ليس حكماً شرعياً بل هو حكم عقلي(1).

أو تريد أن تقول: إن هذا العقد الموجود في الخارج، كان صحيحاً من قبيل صحّة باب الفضولي، بحيث لو أجازه مالكه لكان صحيحاً بلا إشكال، والآن أشك في أنه حين تحوّل مالكه إلى مالك آخر، هل تلك الصحّة باقية أو لا؟ فنستصحب، وبضمّه إلى الإجازة يصحّ، وهذا له إشكال مخصوص به وإشكال مشترك: 

فالإشكال المخصوص هو: أن ما أعلمه من الصحّة التأهّلية للعقد هو أن المالك الأوّل إذا أجاز صحّ، أما إذا تبدّل المالك وأجاز المالك للثاني فهل يصحّ أو لا يصحّ؟ فهذا نشكّ به من الأصل.

وأما الإشكال المشترك: أن جعل التلازم الشرعي يكون بأحد أنحاء ثلاثة، فمثلاً في مثال: (إذا غلى العصير يحرم) يمكن أن يكون بلسان جعل العلّية للغليان، ويمكن أن يكون بنحو جعل التلازم بينهما، ويمكن أن يكون بنحو جعل المعلولية للحرمة بأن يقول: (إذا وجد الغليان وجدت الحرمة)، فعلى أيّ 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

() وفي جواب عن سؤال لأحد الإخوان: نظَّر السيد هذا الاستصحاب بمثال البقّة والفيل، واستصحاب كلّي الحيوان لترتيب آثار الفرد وهو الفيل في المثال، فهنا أنت تستصحب العنوان الكلّي وهو نفسه لا أثر له، وإن أردت تطبيقه على الفرد كان مثبتاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من النحوين الأوّلين لا يمكن باستصحاب العلّة أو الملازم إثبات المعلول أو الملازم الآخر؛ لأن الحكم بأنه إذا وجدت العلّة وجد المعلول وإذا وجد الملازم وجد لازمه حكم عقلي لا شرعي، فلا يمكن إثباته بالاستصحاب، وأما النحو الثالث فيمكن إثباته بالأصل؛ لأن الترتّب منصوص في لسان الشارع.

ففي المقام افرضوا أنكم استصحبتم الصحّة التأهّلية، فإنه لا يكون كافياً من دون انضمام الإجازة لا محالة، والحكم بأنه (إذا انضم أحد الجزأين إلى الآخر يكون مؤثّراً) حكم عقلي لا شرعي، فلا يكون مجرى للاستصحاب.

فالأصل بحسب ما قاله الشيخ مثبت، وإن كانت الإطلاقات كافية كما قلنا.

لا يتوهّم من تقريرنا أنه لو قلنا: إن الحكم إذا كان متعلّقاً بالطبيعة وأصبح مجرى للاستصحاب فإنه لا يمكن بذلك إثبات الخصوصية الفردية، فإن ذلك مبني على أحد أمرين: إما أن الخصوصية لها أثر تريد أن تثبته باستصحاب الكلّي. وإما أن الأثر كان للطبيعة، ولكن قيل بأن العرف يختلف عن العقل، فإن العقل وإن كان يجد نفس الطبيعة متحقّقة في الخارج، إلّا أن العرف يرى الفرد مصداقاً من الطبيعة، وعلى كِلا الأمرين يكون إثبات حكم الفرد باستصحاب الكلّي مثبتاً.

وأما إذا قلنا بأن العقل يحكم بأن ما في الخارج هو تمام حقيقة الطبيعة، وكان الأثر هو أثر لنفس الطبيعة، فباستصحاب الحكم الوارد عليها ينطبق على ما في الخارج ولا يكون مثبتاً، وليس كما قلنا في الشبهة العبائية من أنّ الحكم للطبيعة، 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ونريد أن نثبته للمصداق، فإذا كان الحكم وارداً على الهاشمي وأكرمت هاشمياً بصفته إنساناً، فترتيب الحكم على خصوصية الفرد يكون مثبتاً.

الشيخ يقول في مسألتنا وهي(1): ما إذا باع الفضولي لنفسه عيناً خارجية ثُمّ اشتراها من مالكها، فإن أجاز المالك الأوّل فقد سبق الكلام عن صحّة ودفع الإشكالات عنه، وأما إذا أجاز المالك الثاني فهل يكون تامّاً أو لا؟

[إشكالات صاحب المقابس]

يقول الشيخ(2): إن القواعد تقتضي صحّة هذه المعاملة، ثُمّ ينقل الإشكالات(3) بشكل مستقصى.

[الإشكال الأول]

أحدها: أن بيع الفضولي لنفسه لا يمكن لعدّة إشكالات ترد هنا مع زيادة. ويقول الشيخ في بأن الإشكالات قد سبقت، وبعض ما ورد هناك لا يرد هنا. فكأنّه يريد أن يقول على عكس قول الإشكال بأن هناك إشكالات مشتركة وقد أجبنا عنها في محلّه، وهنا إشكالات لا ترد هنا، وهو إشكال أن ما وقع لم يقصده المتعاملان وما قصداه لم يقع. فإن هذا الإشكال كان وارداً هناك؛ لأن 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) أُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع والموضع الخامس والسادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

البائع الفضولي قصد نفسه بالبيع والمالك يجيز لنفسه، وهذا غير وارد في المقام؛ لأن البائع الفضولي قصد نفسه بالبيع ثُمّ ملك العين وأجاز البيع لنفسه أيضاً، فلم يختلف القصد.

نقول: هل يمكن الجمع بين الإشكالات على طريقة الشيخ؟ فإن الشيخ كان يقول إن هناك إشكالاً عقلياً يرد على ما إذا باع الفضولي لنفسه، وهو عدم معقولية أن ينقل الإنسان مال غيره عن نفسه. وكان الشيخ يجيب هناك أن الفضولي يدّعي أنه هو مالك حقيقي ويبيع مبنياً على ذلك، فما هو مقصوده من أدعاء أنه هو المالك؟

[تقرير الميرزا النائيني والنظر فيه]

يحتمل -ما ذكره النائيني(1)– من أنه يريد أن يقول إنه حيث إنه سرق العين سرق المالكية أيضاً ويرى نفسه مالكاً، فيرجع بيعه إلى أمرين:

أحدهما: إنه أوقع العقد لأجل مالك المال.

ثانيهما: إنه طبّق المالك على نفسه.

نظير المجاز الذي قلناه تبعاً لبعض الأعلام(2) من أنّ اللفظ استُعمل في 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 264، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: مناهج الوصول 1: 104، المقدّمة، الأمر الخامس: في المجاز، جواهر الأصول 1: 171، المقدّمة، الأمر الثالث: في الحقيقة المسمّاة بالمجاز، وراجع كتاب المكاسب 3: 378، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

معناه، وقد ادّعى بأن هذا مصداق له، فالأسد استُعمل في معناه الحقيقي، وادّعى أن زيداً مصداق له، ثُمّ حين يرد إشكال (أن ما قصد لم يقع)، يقول هنا أن هذا الإشكال لم يكن جارياً في بيع الغاصب، فهو غير جارٍ هنا بالأولى.

فإن كان مراد الشيخ من الحقيقة الادّعائية ما قاله المرحوم النائيني فيكون تثبيتاً للإشكال، فإننا إذا دفعنا الإشكال العقلي بادّعاء المالكية بهذا النحو بقي الإشكال الثاني بلا جواب، وهو (أن ما قصد لم يقع)، فإنه يفرق هنا عن تلك المسألة؛ لأن من يريد الإجازة -في تلك المسألة- هو نفس الذي قصدته، وهنا المالك الحقيقي الذي قصده هو زيد، والمجيز هو الفضولي نفسه بعد أن يشتري العين، فلو أجاب عن الإشكال العقلي بهذا الجواب بطل جوابه عن الإشكال الآخر في هذه المسألة.

وليس لكم أن تقولوا: إنه قصد المالك الكلّي القابل الانطباق على كِلا هذين، فإن الكلّي ليس بمالك، وإنما المالك هو ذاك، فيرد عين الإشكال.

وأما إذا كان مراد الشيخ هو هذا المعنى الذي هو أظهر احتمالات عبارته، وهو أن الفضولي يدّعي أنه مالك ومبنياً عليه ببيع العين. فالإشكال العقلي يجيب عنه الشيخ بأنه يدّعي أنه مالك وأن جيبه جيب المالك، فلا يقال كيف يخرج مال الغير من جيبه؟ وكذلك يجيب عن هذا الإشكال، وهو أنه قصد نفسه بادّعاء أنه مالك، فالإجازة تقع على ما قصده، وعليه لا يرد الإشكال الثاني أيضاً.

هل الإشكالات الواردة هنا مع الإشكالات الواردة في بيع الغاصب مشتركة، ويرد جوابها السابق، أو هناك أشكل من هنا وهنا سالم عن بعض تلك 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإشكالات الواردة هناك، أو هنا أشكل فإذا قلنا هناك بالصحّة لا نقول بها هنا.

الشيخ صاحب (المقابس)(1) بحسب ظاهر عبارته أن الإشكالات هنا أكثر، والشيخ يقول هنا سالم عن بعض الإشكالات، وهو إشكال (أن ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد).

أما بالنسبة إلى هذا الإشكال الذي ذكره الشيخ نرى أنه هل يمكن أن نأخذ بجوابه السابق هنا أو لا؟ فالكلام الذي قاله هناك أنه قال: الأولى في الجواب أن يقال: إن مغايرة ما وقع لما قصد ممنوعة. وتوضيحه: أن الفضولي حين ينشئ البيع ويقول: (ملّكتك بعشرة دراهم)، فالمقدار الذي يدلّ عليه الإنشاء هو أنه ملك هذا العين بالعوض. أما أن العشرة الدراهم تكون من مال المالك أو من مال الغير فالإنشاء ساكت عنه. وحينئذ لا بُدّ أن نرجع إلى مفهوم المعاوضة، وحين نرجع إليه نرى أن مقتضاها هو أن الثمن يدخل في جيب الذي خرج منه المثمن. فإذا أجاز المالك بيع الغاصب فقد أجاز المعاوضة التي عرفنا مقتضاها فيخرج الثمن من جيب هذا ويدخل المثمن جيب هذا.

هذا ما دفع به الشيخ الإشكال هناك، ولكنّ هذا الدفع لا يتمّ، فإن مقتضى المعاوضة لو كان هو هذا بحيث لو لم يوجد ذلك لا يتحقّق مفهوم المعاوضة أصلاً، بناءً عليه، فلا بُدّ أن يكون إنشاء المعاوضة قائماً على هذا الأساس؛ لكي يوجد مفهوم المعاوضة، فإن هذا هو معنى الاقتضاء في المفاهيم، فلا بُدّ أن 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) اُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يمّلك الثمن لمن يخرج منه المثمَن تمليكاً إنشائياً. 

وفيما نحن فيه: أن المالك الآن غير المالك في زمان العقد، فإذا كان مقتضى المعاملة هو ذلك، فالآن بحسب إنشائك أنك قد أنشأت ماهيّة تقتضي في مقام ماهيّتها أن يخرج المثمَن من جيب زيد، ويدخل الثمن في جيبه نفسه. والآن حين تريد الإجازة هل تجيز نفس تلك المعاملة بنفس ذلك الاقتضاء، مع أنك لست بزيد؟ فما هو مقتضى المعاملة لم تقع عليه الإجازة وما وقعت عليه ليس هو مقتضى المعاملة.

ثُمّ هناك إشكال أعلى ليس عليه جواب حسابي، وهو أنه في باب الفضولي يقتضي كما قال الشيخ(1) أن يدخل الثمن في جيب من خرج منه المثمَن، وفي الفضولي هذا هو الذي يقع، وأما هنا فلا بُدّ أن نلتزم أنه نحو إنشاء بحيث لو أجاز صاحب المال فهو يقتضي خروجه من جيبه، وإن باعه فهو يقتضي الخروج من جيب الآخر، فإما أن نقول حينئذ إن الإجازة ليس لها ذلك الاقتضاء(2)؛ لأنها -كما يقول الشيخ- ليست معاملة مستأنفة، أو نقول إن أصل المعاملة ليس لها هذا الاقتضاء، بحيث سواء كان هذا بائعاً أو ذاك لا يفرّق في المعاملة، فلو ذهبت العين بإرث أو بيع قبل الإجازة صحّ. وغاية ما تقتضي المعاملة: انتقال العين مِن مالكٍ ما.

ــــــــــ[327]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 438، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

(2) وهو أن يدخل الثمن في جيب من خرج منه المثمَن. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فإذا أمكن ذلك في باب الثمن والمثمَن مطلقاً، فلا بُدّ أن يلتزم بصحّة المعاملة إذا وقعت هكذا: وذلك أن شخصاً قال: (بعت هذا بهذا)، ولم يكن اقتضاء التبادل دخيلاً في مفهوم المعاوضة، بل يودع إلى حين الإجازة، فكلّ من أجاز هذا البيع تكون المعاملة له. فالإنشاء يوقع معاملة مبهمة بحيث تكون قابلة لتعلّق أيّ إجازة بها، وكلّ من أجازها يخرج العوض من جيبه، إذا اعترفنا بذلك ثبت الإشكال هنا.

وبعبارة أخرى: إنك إذا تمّمت المسألة بهذا الاقتضاء يبقى الإشكال هنا وارداً، وإذا أردتم دفع الإشكال هنا بإزاء الاقتضاء فلا بُدّ أن تقولوا: إن الإشكال السابق لا يرد هنا؛ لأن هذا الفضولي أنشأ لنفسه وأجاز لنفسه، ولا يمكن أن تقولوا في تلك المسألة بشيء وهنا بشيء آخر مهافت معه.

وإذا أردنا أن نصلح المسألتين فلا بُدّ أن نلغي ما قاله الشيخ، ونقول بإهمال المعاملة من هذه الناحية، وعدم اقتضاء المعاملة للتبادل بالنحو السابق، وإنما هي معاملة (پا در هوا)(1) معلّقة بين الأرض والسماء، وكلّ من أجازها صحّت له. أو أنها بنحو الإبهام يعني تقتضي المبادلة بين شخصين مبهمين، فنحتاج إلى بائع مبهم ومشترٍ مبهم غير معيّن، وبالإجازة يتعيّن ذلك المبهم.

ولكن من أين نستطيع أن ندّعي بأن حال المعاملات في سوق العقلاء هو ذلك؟

إذن فالإشكال في باب بيع الغاصب قابل للذبّ، ولكنّه هنا غير قابل 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: قدمك في الهواء أي غير مستقر.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

للذبّ، بل لا بُدّ من رفع اليد عن أحدهما، وحيث لا يمكن رفعها هناك؛ لأنه موافق للذوق العقلائي، فيصحّ، ولكن يفسد هنا ولا يكون قابلاً للذبّ، فقول الشيخ بأن الإشكال هنا أسهل وأهون غير صحيح.

[تحقيق في مقام الجواب] 

كيف يمكن الجواب على هذا الإشكال، وهو: أن المعاملة كيف يوقعها الفضولي بحيث تصلح أن يجيزها المالك، وتصلح أن يجيزها الفضولي نفسه إذا ملك العين أو اشتراها.

ولنا عدّة كلمات:

أحدها: في أن الفضولي ماذا يقصد في المعاملة؟

ثانيها: أن الإجازة إذا عملها صاحب المال أو إذا عملها الفضولي بعد انتقال المال إليه، فهل هذه الإجازة موافقة مع قصد الفضولي أو لا؟

ثالثها: أن نرى أن كلّ ما قصده الفضولي يقع في الإنشاء، أو أن إنشاء الفضولي يلغو بعض خصوصياته ويقع بعضها، فما يقع ليس أنه غير مقصود للفضولي، ولكن مقصوده بجميع خصوصياته، لا يقع وإنما يقع ببعض جهاته، فلا بُدّ أن نرى أن ما يقع ما هو، والخصوصية التي تلغو ما هي، وهل يمكن تصحيح إجازة المالكين الطوليين أو لا؟

فالمسألة ذات جهات ومهمّة، ولا تختصّ بهذا البحث، بل تعمّ بيع الغاصب، وما إذا باع الفضولي ثُمّ باع المشتري ثُمّ باعه المشتري الآخر وهكذا إلى أيادي كثيرة، وأراد المالك إجازة أحدها.

ــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والبحث يقع في بيع العين الخارجية تارةً، يعني ما إذا كان كِلا العينين خارجيتين، وأخرى فيما إذا كان كِلاهما كلّيين، وثالثة فيما إذا كان المثمَن خارجياً والثمن كلّياً، ورابعة بالعكس.

والمسألة بحسب ما عنونوها هي في صورة ما إذا كان المثمَن من الأعيان الخارجية والثمن كلّي، فلا بُدّ أن نبحثه أوّلاً، ثُمّ نرى أن الفروض الأخرى موافقة له أو لا.

ما هو قصد الفضولي في إنشائه حين يبيع العين الخارجية؟ يمكن أن يقصد عدّة أمور:

أحدها: ما قاله الشيخ(1) في باب بيع الغاصب من أنه ينزّل نفسه منزلة المالك، وعلى هذا الأساس يبيع لنفسه.

ثانيها: أنه ينزّل العين منزلة ماله.

ثالثها: أنه -كما يقول النائيني(2) ويدّعى أنه مراد الشيخ- يبيع لمالك الملكين وينزّل نفسه منزلة المالك، بحيث يتضمّن كلامه أمرين:

 أحدهما: إنشاء البيع للمالك.

ثانيهما: تنزيل نفسه منزلة المالك.

ــــــــــ[330]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 377، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 264-265، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أما على الصورتين الأوّلين، فقصد الفضولي أن يوقع المعاملة لنفسه، بصفته مالكاً ادّعاء، ويدخل الثمن في ملكه ادعاءً أيضاً، وبناءً عليه إذا كان المجيز هو الفضولي بعد شرائه للعين كانت الإجازة موافقة لقصده، وإذا وقعت من غيره، لم تكن موافقة لتمام خصوصيات قصده.

وأما بناءً على ما قاله النائيني، من أنه يوقع المعاملة بين المالكين، لكنّه ينزّل نفسه منزلة المالك، ففي مرتبة إنشاء المعاملة لا تنزيل، بل هي معاملة بين المالكين، وبعد الإنشاء نزّل نفسه منزلة المالك، فبحسب القصد الإنشائي تحقّقت المعاملة بين المالكين، بناءً عليه تكون الإجازة في بيع الغاصب موافقة لقصده، يعني إذا أجازها المالك الأوّل. وأما إذا اشترى العين وأجاز هو لا تكون الإجازة موافقة لقصده، فإنه مالك آخر وليس هو (زيدٌ). إذن ففي الصورة الأولى لا يوافق مع إجازة المالك الأوّل، وفي الصورة الثانية لا يوافق إجازة الفضولي، ونحن نريد تصوير المسألة بحيث تقع المعاملة صحيحة بأيٍ من الإجازتين.

فلا بُدّ أن ننتقل إلى هذا المطلب الذي ذكره الشيخ، وهو: أننا لا نبحث عن قصد الفضولي، فإنه وإن قصد البيع لنفسه إلّا أن هذا القصد لا دخل له في المعاملة، كقوله: (بعت يوم الجمعة)، فحين تكون العين شخصية والثمن كلّياً، فلا بُدّ أن تسير على ما يقتضيه مفهوم المعاوضة، وهو أن الثمن يدخل في جيب من يخرج منه المثمَن، ولا بُدّ هنا أن نعرف: أننا لا نعترف للإجازة بأكثر من سِمة الموافقة والرضا بما عمله العاقد، وليس لها أيّ عمل أو أيّ تأثير في النقل 

ــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والانتقال. فلا بُدّ أن يفرض كون الإنشاء تامّاً ومفهوم المعاملة متحقّقاً؛ لكي تلحقه الإجازة. وليست الإجازة بيعاً جديداً أو مؤثّراً في مفهوم بيع جديد حالها في ذلك حال القبض في الصرف والسلم، من أنه متمّم لعالم الأثر لا عالم المفهوم.

وبعبارة أخرى: أن نفس ما أنشأه تحدث له بالإجازة واقعية اعتبارية لا شيء آخر. فلا بُدّ أن نرى أنه في المعاوضة ماذا اعتبر الفضولي لتصحّ إجازة المالك أو إجازته؟ 

الشيخ يبني على إلغاء قيد (لنفسي) لعدم دخله في المعاوضة، وهذه العين الخارجية كانت للغير، وبمقتضى مفهوم المعاملة أن هذه العين انتقلت من مالكها ووصل الثمن إليه، فهذا تامّ في بيع الغاصب.

وأما إذا انتقلت العين إلى الغير أو إلى هذا الإنسان، يعني البائع الفضولي، هنا نسأل الشيخ: أنه هنا قيد (لنفسه) ملغى أو محفوظ؟ إذا كان ملغى فهو على جريان المعاملة تقع للمالك الأوّل إن أجازها، وأما أنها تقع للثاني فلا، وأما إذا كان القيد باقياً، فيبطل أساس المطلب الذي تريدونه، وتكون المعاملة غير قابلة لإجازة المالك الأوّل؛ لأن ما قصد غير ما وقع.

وأما إذا أردنا نحن أن نفهم هذا المطلب فنقول: هل أنه لا دخل في المعاملة لا المشتري ولا البائع ولا الثمن ولا المثمَن، أو أن المفهوم السوقي للمعاملة ليس هو ذلك، فإذا باع سمكاً في البحر بـ(دُرّ) في البحر أيضاً لم يكن بيعاً عند العقلاء، فالبيع وإن لم يكن ابتداءً هو تبادل الإضافات، ولكنّه يحتاج إلى نحو من الإضافة 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ليصدق أنه بيع. فلا بُدّ من وجود نحو إضافة للمالك، أو لولي الأمر ونحوه، واعتبار المبادلة بين أمرين لا مالك لهما ليس بيعاً بالعرف العقلائي.

فهذا الفضولي إذ يريد أن يملك العين بالعوض أو يبادل مال بمال، إذا أردت تصحيح المعاملتين فلا بُدّ أن تقول إن المعاملة تمليك للكلّي بالعوض، من مالك كلّي إلى مالك كلّي، وليس هو كلّياً بنحو صرف الوجود، وإلّا لانطبق على أوّل فرد، بل الكلّي الساري، فكأنّه قال: إذا كان هذا مالكاً أو هذا أو ذاك أو ذاك فإن إجازته تصحّ. أو تقول: إن الإنشاء التمليكي أصلاً غير موجود في المعاملة، فقوله: (ملّكتك) لقلقة لسان، وبالإجازة تصلح هذه اللقلقة.

وغاية ما يثبت بإلغاء الخصوصية هو ثبوت المعاملة للمالك الخارجي، وليس معناه وقوعها على الكلّي الساري أو البدلي، فعلاج الشيخ لبيع الغاصب لا يتمّ هنا.

ويرد نفس هذا الوجه على ما ذكره النائيني، فإنه لم يقصد أنني بعت هذا لمالك كلّي، فكيف تصحّ المعاملة بكِلا الإجازتين؟ ونحن لا يمكن أن نتصوّر وجهاً صحيحاً في تصحيح هذه المعاملة.

وأسوأ منه باب الكلّيات، فإننا قلنا: إن الكلّي إنما يكون مالاً، لا باعتبار إضافته إلى الذمة، بل إن الإنسان إذا باع حِملاً من الحنطة يعتبر العقلاء ذلك في ذمّته، فإذا باع زيد حِملين من الحنطة وأنت تريد أن تجيزه، هذا لا يمكن بحسب نظر سوق العقلاء، لعدم وجود الإضافة بينك وبين ذلك الكلّي، فالأسوأية ناشئة من أنّ الحِمل الكلّي لا مالك له.

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فتصحيح المسألة بشكل تامّ وموافق لمضمون المعاملة ولمضمون الإجازة ولسوق العقلاء، في غاية الإشكال. نعم، الإجازة في بيع الغاصب قلنا إنها تامّة، ولكن إذا كان المجيز هو الفضولي أو شخصاً آخر، لا يمكن القول بصحّتها.

[الإشكال الثاني]

الإشكال الآخر: الذي يبيّنه الشيخ.

هذه الإشكالات التي ذكرها الشيخ(1) عن صاحب (المقابس) (2)، قلنا: إن جواب ذلك الباب مع جواب هذا الباب لا يتّفقان، وإلّا فإن أصل المطلب وهو أنه إذا باع لنفسه واشترى وأجاز، إذا لاحظناه في حدّ نفسه فالإشكالات السابقة غير واردة عليه، إلّا الإشكال العقلي، وقد أجبنا عنه بنحو وأجابوا عنه بنحو، وقد حصل له القصد الجدّي إلى الإنشاء برجاء أنه يشتري العين ويجيز، ومفهوم المعاوضة حاصل، وحينما يجيز يكون هو صاحب المال ويكون العقد له.

إنما الكلام في الإشكال الثاني(3) الذي ذكره، وهو بالنحو الذي فهمه الشيخ 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع.

(3) اُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من إشكاله هو: أن تمام الإشكال حول الرضا وحول القدرة على التسليم حيث قال(1): إننا إنما جوّزنا بيع غير المملوك مع انتفاء الرضا والقدرة على التسليم؛ لأن البيع كان بيع صاحب المال، فيعتبر فيه القدرة على التسليم، وأما هنا فقد باع لنفسه وهو منتفٍ. فالشيخ وغيره(2) أرجع الإشكال إلى الرضا والتسليم، وأجاب عن الرضا بأن الرضا حال الإجازة كافٍ، والقدرة على التسليم بعدها متحقّقة.

[بسط الكلام في المقام]

إلّا أن ما يستفاد من كلامه ليس هو ذلك، بل كلامه حول ثلاث جهات، إذ يقول: إننا إنما جوّزنا بيع غير المملوك مع انتفاء الرضا والقدرة على التسليم؛ لأن البيع كان لصاحب المال ويعتبر فيه الرضا والقدرة على التسليم، هي تحصل له بالإجازة، أما هذا الذي يبيع لنفسه فهو فاقد لكلّ هذه الأمور، فإنه يبيع لنفسه وليس بمالك، ولا رضا له ولا قدرة على التسليم؛ لأن غير المالك رضاه 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 163، 164، كتاب البيع، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، المسألة الثانية، حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 135، كتاب البيع، الكلام في بيع الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

غير معتبر وغير قادر على التسليم الصحيح. إذن، فالإشكال من نواحٍ ثلاث:

أحدها: من ناحية الملك، ويمكنه بهذا الصدد أن يقول: إن مفهوم المعاوضة لا يتحقّق، ولا يقاس هذا على إجازة بيع الغاصب الذي يبيع لنفسه، إذ من الممكن تصحيح ذلك بما ذكروه من أنه بما أن العين خارجية فقيد (لنفسه) يلغو، ويقع البيع لصاحب المال، فإذا أجاز تمّ المطلب، وأما هنا فلا يريد جعل البيع لصاحب المال، بل لنفسه، فإذا أردت جعله لصاحب المال فإجازته -يعني صاحب المال- لا تفيد؛ لأنه لم يقصد البيع، وإن أردت جعله لهذا المجيز فهو ليس بمالك.

وهذا الإشكال لم يتعرّضوا له؛ لأنهم وجدوا أن الإشكال هنا عينه في تلك المسألة، وإلّا فصريح عبارته وجود الإشكال في المملوكية أيضاً.

الإشكال الثاني: أن المعاملة التي تقع لا بُدّ فيها من وجود شخص مجيز يكون رضاه مفيداً، وهذا الشخص غير موجود، أما المالك فلأن البائع بائع لنفسه، وأما البائع فلأنه ليس بمالك.

الإشكال الثالث: أننا نحتاج إلى القدرة على التسليم، ومن وقع له العقد وهو البائع ليس له قدرة على التسليم، لعدم كونه مالكاً، وصاحب المال أيضاً ليس له هذه القدرة، فإنه وإن كان متمكّناً من التصرّف في العين، ولكن معنى القدرة على التسليم أن له قدرة على العمل بمقتضى المعاملة، وهو فاقد لها؛ لأن البيع لم يقع. وأما البائع فغير مالك وإذا اشترى العين فهو تحصيل للقدرة. إذن فلا بُدّ أن يجاب عن هذه الأمور الثلاثة. 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أما بالنسبة إلى الإشكال الأوّل فلا بُدّ أن نقول إننا نحتاج إلى معاوضة إنشائية لا إلى النقل والانتقال الحقيقي. وهذا الفضولي ينشئ نقل هذه العين الخارجية من نفسه في مقابل الثمن الذي سيكون له، لا أنه يحصل له الآن. فإذا كنّا ندور مدار النقل الإنشائي دون النقل الواقعي، فمن قال أنه يعتبر في النقل الإنشائي وحصول مفهوم المعاملة انتقال العين من المالكين، هذا مجرّد ادّعاء هو أوّل الكلام. وليس لهذا الإنشاء أيّ أثر، ولكن إن اشترى العين يحصل المطلوب، أما قبل أن يشتريها فلم يكن للمعاملة مجيز لا المالك ولا البائع. وبعد أن يشتريها البائع يصبح مالكاً وإجازة المالك مفيدة.

بل قلنا سابقاً: إنني أبيع الطير في السماء، أو السمك في البحر، ثُمّ أقبض عليه وادفعه، وصحّة هذه المعاملة لا تحتاج إلّا إلى القدرة على التسليم.

كما أن حِمل الحنطة(1) الكلّي لم يكن مملوكاً قبل المعاملة كذلك هذه العين، وأنت حين العقد لا تريد ترتيب الأثر، وليس تصرّفاً في مال الغير، وفي النتيجة أنك عند الإجازة تكون مالكاً وتخرج العين منك، وهذا بيع عقلائي موجود في سوق العقلاء، ولهذا ورد النهي عنه في الروايات، والدلّالون كانوا يبيعون مال الغير ثُمّ يشترونه ويدفعونه، وليس البيع إلّا مبادلة مال بمال أو مبادلة عين بعوض، وهو حاصل بحسب المفهوم.

فهذا هو مهمّ إشكاله(2)، ولم يتعرّض له الآغايون. 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

() وهنا قال في ضمن جواب مفصّل لأسئلة وجّهت إليه:… (المقرِّر).

(2) اُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إننا إنما جوّزنا(1) هناك الصحّة بالإجازة بالرغم من فقد الملك والرضا والقدرة على التسليم، اكتفاءً بحصول هذه الأمور للمجيز، فهنا العين ملك للمالك وله هذه الأمور، إلّا أن العقد لم يقع له، ومن وقع له العقد فاقد لكلّ هذه الأمور، فليس هو مالكاً فعلاً ولا رضاه معتبراً وليس له قدرة على التسليم بالشكل المعتبر عقلائياً وشرعاً(2).

وقد سبق الكلام في كونه مالكاً.

وأما الرضا من المجيز فذلك بالنحو الذي قاله الشيخ من أنّ الرضا وإن كان يعتبر صدوره من المالك، ولكن لا دليل على أنه يجب أن يكون مالكاً حال العقد، ولا دليل على أن من وقع له العقد يجب أن يكون راضياً رضاء معتبراً حال العقد، هذا أوّل الكلام.

وما قاله الشيخ صحيح(3)، فما دام هذا العقد يصدق عليه أنه عقد أو بيع، وتشمله العمومات ومتوفّرة فيه الشرائط الأخرى، ونشكّ أنه هل يعتبر في المعاملات وجود شخص يكون صالحاً للرضا بالعقد من حين العقد، أو لا 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

() نقل السيد في أوّل كلامه عبارة (المقابس) كما يلي: (المقرِّر).

(2) أقول: عبارته بنصّها هكذا: إنا حيث جوّزنا بيع المملوك مع انتفاء الملك ورضا المالك والقدرة على التسليم، اكتفينا بحصول ذلك للمالك المجيز؛ لأنه البائع حقيقة، والفرض هنا عدم إجازته وعدم وقوع البيع عنه. انتهى. (المقرِّر).

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 437، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بأس أن يوجد بعد ذلك؟ فندفع هذا الشكّ بالعمومات.

وأما القدرة على التسليم، فكلام الشيخ أجنبي عمّا ذكره في (المقابس)، وكان لا بُدّ أن يقول: إنه لا دليل على وجوب التسليم، فإنهم استدلّوا على ذلك بالإجماع والسيرة ودليل الغرر والضرر، أما السيرة فلا بُدّ أن ننظر إلى العقلاء لنرى أنهم ماذا يريدون؟ فنقول: إن القدرة على التسليم ليست شرطاً أصلاً، فإن ما يمنعه العقلاء هو بيع ما لا يكون قابلاً للتسليم أصلاً، أما لو كان البائع غير قادر على التسليم ولكنّ المشتري قادر على أخذه بشكل من الأشكال، فهو بيع عقلائي صحيح، وليس فيه غرر ولا ضرر، والإجماع ليس يُعلم أنه تعبّدي وقدره المتيقّن هو ما سوى ذلك.

فنحن نقول للمحقّق صاحب (المقابس): بأنه لا دليل على أن القدرة على التسليم بهذا النحو معتبرة عندنا، افرضوا أنه ليس لديه قدرة أصلاً، ولكنّه يشتري العين ويدفعها، وهو مطلب عقلائي وليس فيه غرر.

[الإشكال الثالث]

الإشكال الثالث لـ(المقابس)(1): أن بيع الفضولي في أيّ مورد صحيح على الكشف مطلقاً على الأصحّ، ولازمه أن هذا المال يخرج من هذا الرجل قبل أن يدخل في ملكه، فإنني بعت العين لزيد وأريد أن اشتريها وأدفعها، وبناء على 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) أُنظر: مقابس الأنوار: 134، كتاب البيع، المبحث الثاني في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع، وراجع كتاب المكاسب 3: 438، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، الإشكال الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الكشف لا بُدّ أن يقع النقل من حين العقد، فلا بُدّ أن ينتقل منّي قبل ملكي للمال، وهذا محال.

أقول: ونص عبارة (المقابس): الثالث: أن الإجازة حيث صحّت كاشفة على الأصحّ مطلقاً؛ لعموم الدليل الدالّ عليه، ويلزم حينئذٍ خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله في ملكه، وهو محال(1).

[تحقيق الحال في الإشكال]

وفيه عدّة جهات من الكلام:

الجهة الأولى: أن هذا المحال هل يأتي على جميع مباني الكشف، أو على بعضها؟ وإذا كان على جميع المباني فلا بُدّ أن نرفع اليد عن أصل القول بالكشف، وإذا كان على مبنى معيّن فلا بُدّ من النظر فيه.

هذا المعنى المحال متوجّه إلى الكشف الحقيقي، فإن المجيز إذا أجاز ينتقل المال من حين العقد الأوّل، فمن حين انتقل المال لم يكن هذا صاحباً لهذا المال، فحين خرجت العين من ملكي لم أكن مالكاً.

وعلى الكشف التعبّدي، الإشكال العقلي غير موجود بلا إشكال، فإن معنى الكشف التعبّدي هو وجوب ترتيب الآثار، فهو بالرغم من أنه ملك زيد ولكن تجب ترتيب آثار تلك الملكية على العقد.

إنما الكلام على الكشف الحكمي وهو مبني على المبنى الذي سبق، إذ يقال: 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إن هذا الإشكال هو الإشكال في أصل القول بالكشف مما قالوه من أنه يلزم منه أن المالك هو المجيز في عين الوقت.

وقد أجيب هناك(1) أنه على الكشف (الانقلابي العنواني) كانت العين قبل الإجازة ملك صاحبها، وبعد الإجازة ينقلب العنوان من الأوّل ويصبح ملكي، فليس أنه ينقلب قبل الإجازة حتى يقال إنه انتقال قبل أن يدخل في ملكي، وإنما فرضنا أنه بعد الإجازة حصل النقل.

ولكن أصحاب هذا القول ينظّرون هذا بباب الإجارة، ويقولون بأنه كما يمكن ذلك في المنافع المتأخّرة في باب الإجارة، كذلك في المنافع الماضية، وقد قلنا بأن الماضي يختلف عن المستقبل، فإن الماضي يستحيل أن ينقلب عما وقع عليه، والمستقبل منافع غير مستوفاة، وتوجد في محلّها، فهي قابلة للانتقال، ولو كنت تستطيع أن تبيع ملكك(2) من الماضي لصحّ هذا القول، إلا أن كِلاهما محال.

[بيان الإشكال العقلائي في محل البحث]

فالإشكال العقلي يرد على الكشف الحقيقي والحكمي دون التعبّدي، ولكن يرد على كلّ هذه المباني إشكال عقلائي لا يمكن التخلّص منه، وهو أن يلتزم بأن المجيز مستوفٍ للمنافع بلا سبب، فإنه في البيع الفضولي كان يقال: إن البيع يقضي 

ــــــــــ[341]ــــــــــ

() أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 215، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الثالث.

(2) بأن تقول: (بعتك هذا من الأمس). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بانتقال المنافع من الأوّل، أما هنا فلا بُدّ أن نلتزم أن العين تصبح مال هذا بلا سبب، ويستوفى منافعها كذلك، وهذا لا يمكن الاعتراف به عقلائياً وشرعاً، بأن يقال: بأن الشارع تعبّدنا بأنك إذا بعت فضولة واشتريت العين وأجزت العقد، تكون المنافع التي كانت له تصبح لك تعبداً، هذا لم يرد شرعاً وعقلائياً.

فإذا التزمنا بالإشكال العقلي أو العقلائي، فهل نقول بأصل بطلان البيع، أو نقول بالكشف بالمقدار الممكن؟

أما بالنحو الذي قلناه في تتميم البيع الفضولي فهو أننا قلنا بأنه لا دليل على الكشف أصلاً لا إجماعاً ولا غيره. فالقواعد تقتضي النقل، افرضوا أن الأدلّة الخاصّة دالّة على الكشف، ولكن لم يكن لها إطلاق حتى يتمسّك به. فهذا المورد ليس مشمولاً لأدلّة الكشف، أو يشمله ولكن يلزم منه المحال. فلا بُدّ من أن نرفع اليد عن هذا الدليل، ففيما إذا لم نستطع تتميمه على الكشف لا بُدّ أن نقول بالنقل. ولا ينبغي القول بأن المعاملة باطلة بل نقول بصحّتها على النقل.

ونقول للمقابس: إنك إما أن تقول إن الكشف على القواعد، أو تأتي بدليل خاصّ عليه له إطلاق، وكِلاهما غير ممكن، أو تقول بالبطلان، ولكن لماذا نقول بالبطلان، بل نقول بالنقل.

[التأمل في كلام الشيخ]

فالشيخ بالرغم من أنه قال سابقاً(1) بأن القاعدة تقتضي النقل، ولكنّه هنا كأنه 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 408، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

سلّم الكشف وقال: إننا ننكر اقتضاء القاعدة للكشف من الأوّل، وإنما نقول به من حين ارتفاع المانع، فلا بُدّ من التأمّل في ذلك وهو أننا إذا قلنا: إن الكشف على القواعد هل يمكن القول بهذا التبعيض أو نقول بالبطلان من رأس؟

وأما إذا بنينا(1) على أن مقتضى القواعد هو الكشف، وللكشف مبانٍ كثيرة، ولكنّنا نتعرّض بالمقدار الذي يذكره الشيخ ويقول بأن مشهور القائلين بالكشف قائلون به، وهو أن العقد إذا وقع فمقتضاه النقل من حينه، والإجازة تتعلّق بهذا العقد.

إذن فهي لا بُدّ أن تصحّح النقل من حين العقد؛ لأنها لو أجازت العقد من الحال لم تكن موافقة لمقتضى العقد.

فنحن نريد حساب هذا المبنى، يقول الشيخ(2): بإننا لا نقبل بأن الأدلّة تقتضي الكشف مطلقاً حتى لهذا المورد، بل في مورد المانع نرفع اليد عن مقداره، ونأخذ بما بعد ارتفاع المانع، وليس في هذا إشكال عقلي، وإذا تكلمنا في شيء فلا بُدّ أن نتكلّم في أن الاقتضاء تامّ ويوجد مانع شرعاً أو عقلاً، ثُمّ يقول: إن الاقتضاء موجود بلا إشكال، وإنما هو لوجود المانع، وبعد ارتفاعه وحصوله مالكاً يصحّ الكشف.

نحن بحسب التصوّر نقول: إنه في المورد الذي باع مال الغير ثُمّ اشتراه وأجازه، فبالنسبة إلى هذا المبنى للكشف يوجد بحسب التصوّر احتمالان:

ــــــــــ[343]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً جملة مما سبق إلى أن قال: (المقرِّر).

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أحدهما: أن عمومات أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ لا اقتضاء لها للشمول لمثل هذا العقد، فإنها لا تشمل إلّا العقد المنتسب إلى صاحب المال وتقع إجازته في سلطنته، وأما أن يقع العقد والإجازة على مال الغير، فهو لا اقتضاء له للشمول له.

ومرّة نقول: إن اقتضاءه تامّ، ولكن فيه مانع وهو الحكم العقلي باستحالة اجتماع المالين في ملك الواحد، أو خروج المال منه قبل دخوله في ملكه.

فعلى الأوّل، لا تكون الإجازة مشمولة للعمومات، فإن الفضولي إما أن يجيز العقد من حينه أو لا يجيزه. وأما أن يجيزه من الوسط أو من الآن فلا حقّ له.

فإن الإجازة حينئذٍ لا تكون لاحقة للعقد (ملصقة بالعقد)؛ ولذا يقول الشيخ: إن هذا المورد ليس من ذاك القبيل، حتى نرى أنه صحيح أو لا.

وإشكاله: أن مفاد العقد هو عبارة عن النقل من حينه، فلو أجزت من الآن لم يكن مطابقاً، كما لو كان قد باع العباءة فأجزت الثوب، أو كان قد عمل صلحاً وأجاز البيع، كذلك لو كان مفاد العقد هو النقل من حينه على نحو لا يرجع إلى تعدّد المطلوب -وإلّا لجاز أن يجيز المطلوب الأدنى دون الأعلى- فإما أن يجيز من الأوّل أو لا يجيز، وليس له أن يجيز من الوسط.

فإذا كانت الإجازة خلاف مضمون العقد، فإجازتك -أيّها الفضولي- قد وقعت في حال اللااقتضاء؛ لأنك أجنبي عن العين في ذلك الحين، والعمومات لا تقتضي أن يجيز البيع غير المالك، فإذا لم يكن مشمولاً للأدلّة فهذا المصداق قد 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فات، وما هو الموجود فعلاً هو أن الفضولي بما أنه أصبح مالكاً فهو يريد أن يجيز العقد ولكن العقد غير موجود.

ففي المورد الذي أنت صالح للإجازة ليس هناك عقد، وفي المورد الذي كان العقد صالحاً لم تكن(1) أنت صالحاً للإجازة، ولا يمكن القول بالنقل من الوسط على هذا المبنى.

فكيف يقول الشيخ أنك من الآن تجيز؟ فإنه من الآن لم يقع عقده وفي السابق لم يكن له مقتضٍ، وما يقوله الشيخ من وجود القابلية، لا ربط للقابلية بالموضوع، فهذا لو قلنا بعدم الاقتضاء.

وأما لو أغمضنا عن ذلك وقلنا بأن الأدلّة العامة شاملة، مثل باب الرهن كما تخيّله الشيخ محمد حسين(2) على ما نذكر أنه لا ربط له بالرهن، فالعقد مشمول للأدلّة وله هذا الاقتضاء، ولكن فيه مانع عن النفوذ، فلا بُدّ أن نرى أن المانع مانع عن أي شيء، هل هو مانع عن أصل المصداق أو عن الإطلاق؟

فمثلاً: لو خرج من عموم أَوْفُوا بِالعُقُودِ زمان الخيار، فهو ليس تخصيصاً للعامّ ليقول الشيخ إنه إذا خرج الفرد كيف يعود من جديد، بل هو تقييد للمطلق، فإن أَوْفُوا بِالعُقُودِ  له عموم أفرادي وله إطلاق أحوالي، 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

() هنا يصح أن يكون شطرين بيت للشعر. (المقرر).

(2) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 215، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فكأنّ الشارع جعل وجوب الوفاء من قبيل لازم الماهيّة للعقد يصاحبه في طول الزمان. وإذا خرج حال من أحواله فليس أنه خرج الفرد كلّه، بل خرج حالٌ من أحواله. فهذا الفرد ليس له وجوب الوفاء في حال الخيار، فالإطلاق شامل لكلّ فرد، وقد حصل له مقيّد أو مانع عقلي أو شرعي، فنرفع اليد عمّا لا يمكن العمل به، ونعمل بالباقي، ويكون مشمولاً للإطلاق.

إذن فهذا الفضولي حين يجيز ذلك العقد الذي فيه اقتضاء الصحّة، وكان المانع هو عدم الملكية الذي يمنع عقلاً أو شرعاً للنفوذ، فالمانع ليس مانع المصداق، بل مانع إطلاق المصداق، ولذا لو لاحظنا المصداق في غير ذلك المال ثُمّ نجد فيه مانعاً فيكون الإطلاق شاملاً له، والإجازة كانت إجازة لمضمون العقد نفسه، لا إجازة من الوسط. إلّا أن مضمونه كان ممنوعاً في زمان فرفعنا اليد عنه. وحين ارتفع المانع أخذنا به، فيصحّ كلام الشيخ، هذا بحسب التصوّر.

وهذا غير بحث الرهن، فإنه هناك كان مانعاً فقط، وليس (لا اقتضاء)، إلّا أن يدّعى الانصراف ولم يدّعوه، فإن الراهن مالك وتشمله العمومات كـأَوْفُوا بِالعُقُودِ، وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ، ولكن فيه مانع وهو تعلّق حقّ الغير، وهذا المانع مادام نافذاً فهو يقيّد إطلاق (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، لا أن الفرد يخرج من عمومه.

أما هنا فليست العين ملكاً أصلاً، فالقضية في قصور المقتضي، وإن كان الشيخ قد فرغ عن تمامية المقتضي، مع أنه ليس بصحيح، فإنك على هذا المبنى تريد أن تجيز البيع في حال كون العين ملكاً للغير فلا يكون مشمولاً للأدلّة.

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهو هنا لقصور المقتضى لا لوجود المانع.

وأما القائل بالكشف على الانقلاب العنواني، فلا يقول بقصور في المقتضى ولا بوجود المانع؛ لأن الانقلاب عنواني، وبه يمكن أن تلحق الإجازة بالعقد.

وعلى أيّ حال إذا لم يكن الاقتضاء تامّاً فكلام الشيخ غير تامّ، وإذا لم يكن العموم شاملاً لهذا الفرد فالإطلاق لا يشمله أيضاً؛ لأنه متفرّع على العموم.

أما الدليل الآخر الذي يذكره صاحب (المقابس) ودليله الرابع والخامس المبنية كلّها على الكشف فنذكرها.

[كلام الميرزا النائيني ونقده] 

المرحوم النائيني(1) يذكر للكشف الانقلابي وجهاً للصحّة، لا بأس بذكره. يقول: إن هذه الإشكالات واردة على الكشف الحقيقي أما على الكشف الانقلابي فليس وارداً.

أما المحذور الأوّل وهو أنه خرج المُلك من مُلكه قبل دخوله فيه. لو خرج من حين العقد في زمان العقد الأوّل، فهو صحيح ووارد، ولكن هذا على الكشف الحقيقي، أما على الكشف الانقلابي فمن زمان العقد الأوّل إلى زمان العقد الثاني كانت العين للمالك الأوّل، وبعد أن اشترى الفضولي العين تُصبح العين للفضولي، ومن الآن حين يجيز ينتقل إلى المشتري الأوّل من حين العقد، فلا يلزم المحذور، فإنه خروج اعتباري لا حقيقي.

ــــــــــ[347]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 266-267، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: إننا إذا قلنا في باب الفضولي بالكشف الانقلابي، وأغمضنا عن إشكالنا هناك، فهل يصحّ هنا أو لا؟

وأنا أضرب مثاله من باب الإجارة على شكل الفضولي المتعارف، كما لو آجرَ دار الغير فضولةً لمدة سنتين، ومضت سنة ثُمّ أجاز المالك العقد، وقلنا إنه بالإجازة تنقلب المنافع السابقة وتكون للمستأجِر، فيكون العقد صحيحاً؛ لأنه كان المالك صاحباً للمال من الأوّل. 

لكن إذا كانت القضيّة هكذا: أن الفضولي آجر دار الغير لنفسه لمدّة سنتين، وبقيت الدار لدى صاحبها ليستوفي منافعها سنة، وبعد مضيِّ سنة ذهب الفضولي فاستأجر الدار من صاحبها سنة، فأصبحت منافع السنة الثانية له، فإذا أراد أن يجيز عقد إجارته السابق بحيث يصحّ في السنة السابقة والسنة الآتية، لا يكون صحيحاً؛ لأننا نسأل إن المنافع السابقة(1) له أو ليست له؟

إن قلتم: (له) فبأيّ سبب حصلت له، مع أنه من الآن استأجر الدار والمنافع الآتية أصبحت له دون السابقة؟ فإذا أجاز وأراد صحّته من الأوّل فمعناه أنه يجيز على مال الغير، فليس هذا إلّا أنه يخرج من ملكه قبل دخوله في ملكه.

وفي البيع أيضاً نقول: إنه إذا باع مال الغير لنفسه صبحاً وعند الظهر اشتراه، فمن الصبح إلى الآن كانت العين ملك صاحب المال، وبعد شرائه إلى حين الإجازة أيضاً ملكه، وبعد الإجازة التي يريد بها النقل من الأوّل، نسأل 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

() يعني: منافع السنة الأولى. (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أنه كان ملكه لكي يجيزه أو لم يكن ملكه؟ أما أنه ملكه، فهو خلاف الضرورة(1)، أنها كانت ملك الآخر، وإذا لم يكن ملكه فهو معنى أنه خرج من ملكه قبل دخوله في ملكه، فالظاهر انه لا يصحّ هنا، وإن صحّ هناك هذا المطلب غير الصحيح.

ثُمّ إنه على بعض أقسام الكشف لا مانع من قول الشيخ بالتبعيض والصحّة من حين الشراء، فمثلاً: الميرزا الرشتي(2) الذي يقول بالكشف بالرضا المقارن التقديري، فهنا للميرزا أن يقول بالتجزئة والتبعيض، ولا يرد عليه إشكال، فإنه إنما يقول بشرطية الرضا المؤثّر لا محالة لا بشرطية رضا الأجنبي، فالرضا إذا كان باقياً عند الفضولي من حين إيقاع العقد الأوّل إلى حين الإجازة، فقبل شرائه كان رضاؤه رضا الأجنبي، وبعد أن اشتريته أصبح رضا صاحب المال، فمن الآن رضاه مؤثّر؛ لأنه هو صاحب المال، وإن لم يكن ملتفتاً فالرضاء التقديري كافٍ على الفرض.

كما أن من يقول: إن موجب الصحّة هو العقد المتعقّب بالإجازة، وهي إجازة من له حقّ الإجازة، لا إجازة كلّ إنسان، فهو متعقّب بالرضا، لكن كان 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

() هذا الوضوح إنما هو على بطلان الانقلاب العنواني في مطلق الفضولي. وأما بناءً على صحته كما هو مفروض الكلام فمن الممكن تصور الانقلاب بنحو يصبح المال ملكاً للمشتري من حين العقد أو من حين ملك العين فتأمل… (المقرر).

(2) كتاب الإجارة (للمحقّق الرشتي): 184، الفصل الثاني في شرائط الإجازة، القول في البيع الفضولي، المقام الثالث، المقصد الثالث: في أحكام الإجارة

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

في قطعة منه لا أثر له، وقسم منه رضاه مؤثّر.

المرحوم النائيني بعد أن يذكر عدّة مطالب يقول(1): إن صحّة هذا العقد الذي نتكلّم فيه يتوقّف على أمرين:

أحدهما: أنه في باب البيع لا يلزم أن يكون شخصاً خاصاً، لا أقول: أن يكون كّلياً؛ لأنه لا يعقل ذلك، لأن الإضافة لا يعقل أن يكون طرفها كلّياً غير معيّن، بل نريد أنه غير معيّن بل من حيث زيد وعمرو…، فلو اشترى من شخص بخيال أنه زيد فبان أنه عمرو فإن البيع صحيح؛ لأن المتعاملين في البيع ليسا ركنين كما هو الحال في النكاح، وهذا صحيح بلا إشكال.

ثانيهما: أن باب البيع نظير باب الإرث، فكما أنه في الإرث يبقى الملك ويتغيّر المالك كذلك في البيع، يقول: إذا كان الأمر كذلك يتمّ المطلب، فإن هذا الفضولي الذي باع عن مورثه ثُمّ مات المورّث وانتقل المال إليه، فليس أنه حصل نقل في الملك، بل الملك محفوظ، ويصبح الوارث قائماً مقام المورّث، وعند الإجازة هو يجيز ما وقع.

فلو قلنا: إن باب البيع هكذا لقلنا بصحّته، ولكنّه ليس كذلك، فإن البيع بابه باب نقل الملك لا باب تبدّل المالك.

إذن فما أوقعه الفضولي هو البيع بين ملك زيد والمشتري، وما يجيزه هو البيع بين ملك نفسه والمشتري، وما وقع هو غير هذا، ولا يتوهّم أنه كباب الإرث.

ــــــــــ[350]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 267، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: 

أما المقدمة الأولى، وهي أنه لا يعتبر خصوصية الشخص الخاصّ. نعم، بالنحو الذي ذكره غير معتبر بلا إشكال، ولكن هذا لماذا يكون مانعاً في النكاح؟ افرضوا أن طرفي عقد النكاح ركنان، ولكن ماذا يضرّ فيه الجهالة، فإنها لم تتزوّج بزيد وتخيّلته هذا، بل تزوّجت بهذا الموجود الخارجي وتخيّلته زيداً، فبان عمراً، كما لو اقتدى بهذا الشخص على أنه زيد فبان عمراً، فهذا لا يضرّ في باب النكاح.

النكتة الأخرى في كلامه هي أنه يقول: لا أقول: كلّياً؛ لأنه لا يعقل أن يكون الكلّي طرفاً للإضافة، فإن طرف الإضافة لا بُدّ أن يكون معيّناً، فهل الكلّي غير معين؟! بل هو معيّن قابل للصدق على الكثيرين، بل قلنا: إن عنوان (أحدهما) أو واحد منهما معيّن أيضاً.

نعم، (إما هذا أو هذا)، وكذلك عنوان (أحدهما) المراد به ذلك غير معيّن. وهل الصاع من صبرة إلّا كلّياً، فكيف يقع طرفاً للإضافة؟ فإن الإضافة كما تكون للمالك تكون للمثمَن، فكما يقع الصاع من الصبرة طرفاً للإضافة كذلك يمكن أن يكون المالك كلّياً، ولا نقص فيه؛ لأنه معيّن.

المقدّمة الثانية: في أن الإرث عبارة عن قيام الوارث مقام المورّث. 

قلنا: إنه لا دليل عليه من نقل ولا عقل، بل الأدلّة على خلافه، وقوله (ما ترك الميت من حقّ أو ملك فلوارثه) ليس معناه قيامه مقامه، بل معناه انتقال المال إليه، فهل معناه قيام المرأة مقام ربعه وقيام الزوج مقام نصفه، وهكذا؟

ــــــــــ[351]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ولكن أيّ ربط لكلامه بمسألتنا، مسألتنا أنه باع مال زيد لنفسه، في مقابل انتقال الثمن إليه أيضاً، وقد ذكر النائيني في بعض الأمور السابقة: أنه هنا ليس كباب بيع الغاصب، فإن الغاصب قد سرق الإضافة فهو يعمل المعاملة بناءً على ملكيته للعين ادّعاءً، فهذا الادّعاء من الأمور المصحّحة هنا. وأما هنا فهذا الادّعاء غير موجود، وإنما الفضولي بما أنه مطمئن بأنه يملك العين فهو من باب المجاز للإشراف، ثُمّ أمر بالتأمّل.

فعلى هذا الترتيب الذي قاله بما أنه يرى أنه سوف يملك العقد لنفسه، إذن فقد وقع العقد الفضولي، فإذا كان في باب الإرث مثل ذلك وهو أن الوارث باع العين لنفسه متوقّعاً موت مورثه ليملك العين ويدفعها.

إذا كان كذلك فنصحّحه هنا ونبطله في باب الإرث، أما صحّته هنا فلأن من وقع له البيع هو الذي وقعت له الإجازة، فإنه أجاز فعل البيع لنفسه، وأما في باب الإرث فقد عمل المعاملة لنفسه لا لمورّثه، ومع الموت أصبح الوارث هو المورّث، في عالم الاعتبار، فيقال: إن هذا الشخص الذي يسير بعباءة وعمامة هو الميت!! فهنا لو كان قد عمل المعاملة لمورّثه لصحّت إجازته، ولكن إذا كان قد أوقعها لنفسه، فإن إجازته لا تصحّ بعد أن أصبح هو الميت بحسب الاعتبار، واعتبر أنت ذلك في التبديل الحقيقي، فلو باع الوارث العين لنفسه، وبدّله حضرة النبي عيسى إلى مورّثه، لما صحّ أن يجيز العقد السابق؛ لأنه قد أصبح شخصية أخرى، فكذلك الحال في التبدّل الاعتباري.

ــــــــــ[352]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الإشكال الرابع]

الإشكال الآخر الذي قاله صاحب (المقابس)(1) على مبنى الكشف: أنه لازمه اجتماع مالكين على مملوك واحد؛ لأنه على الكشف لا بُدّ من القول بأن العين من حين العقد الأوّل أصبحت للمشتري، مع أنه إنما تصحّ إجازة الفضولي إذا كان البيع الثاني صحيحاً وصحّته متوقّفة على أن تكون العين باقية في ملك صاحبها الأوّل. 

فبما أنه كشف فالعين ملك للمشتري، وبما أن البيع الثاني لا بُدّ أن يكون صحيحاً لتصحّ الإجازة، فالعين ملك للمالك الأوّل. 

إذن أصبح المالك شخصين لمال واحد، وحيث إن الملكية التامّة لشخصين أمران متضادّان، واجتماع الضدّين مستلزم لاجتماع النقيضين.

وكأنه أشار بذلك إلى ما يقال: من أنّ تمام القضايا الممتنعة ترجع إلى قضيّة واحدة وهي استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، فما هو الممتنع بالذات في الضدّين هو استحالة اجتماع النقيضين. وتمام الكلام في بابه.

وهو يقرب كلّاً من التضادّ ومن التناقض كما سبق، ويقول: إنه حيث إن مالكية هذا لها تمام الاقتضاء؛ لأن لا يكون المال ملكاً للآخر، ومالكية ذاك لها تمام الاقتضاء؛ لأن لا يكون المال ملكاً لذاك. فيلزم أن يكون كلّ منهما مالكاً 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

(1) أُنظر: مقابس الأنوار: 134-135، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع، وراجع كتاب المكاسب 3: 439، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وغير مالك، وهو ممتنع.

ثُمّ يقول(1): إن هذا الإشكال مشترك الورود في أصل الفضولي على الكشف، فأنت إذ تقول بالكشف إما أن تدفع الإشكال، أو تقول ببطلان الكشف، أما الاستلزام فلأنه على الكشف تكون العين من أوّل العقد قد وردت في ملك الغير وانتقلت عن المالك، مع أن المالك إنما تكون إجازته مؤثّرة في ماله لا في ملك غيره، فلا بُدّ أن تكون العين ملكاً له؛ لكي تؤثّر إجازته في تصحيح العقد.

إذن ففي سائر العقود الفضولية قد اجتمع المالكان على مملوك واحد.

ثُمّ يقول: إنه في أصل الفضولي ليس هناك اجتماع مالكين واقعيين، فإنه يمكن أن نقول: إنه بحسب الواقع أن العين انتقلت بالعقد إلى المشتري، ولكنّنا حيث لا ندري أنه متعقّب بالإجازة أو لا فنستصحب، فالملك الاستصحابي الصوري يكفي في كون الإجازة مؤثّرة.

وأما فيما نحن فيه، فبيع الأصيل لا بُدّ فيه من المالكية الواقعية، ولا تكفي فيه الملكية الصورية.

[جواب الشيخ الأعظم عن الإشكال والنظر فيه]

والشيخ أجاب بنفس الجواب الذي ذكره على الإشكال الأوّل، إذ يقول(2)

ــــــــــ[354]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 440-441، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إنه وارد على الكشف الحقيقي دون غيره من المسالك، ولا حاجة إلى إعادة الكلام، فإن نفس الكلام السابق وارد هنا، وإنما نتكلّم عن الخصوصيات الزائدة.

فمنها: هل هذا الإشكال هو الإشكال السابق بتقريب آخر، كما هو ظاهر الشيخ، أو أنه ليس كذلك؟ فإن الإشكال الأوّل هو أنه على الكشف يلزم أن تخرج العين عن ملك العاقد الفضولي قبل دخوله في ملكه، والإشكال هنا لا ربط له بالعاقد، وإنما يتكلّم عن المشتري وصاحب المال، ويقال: إن المال قد دخل في ملك المشتري قبل أن يخرج من ملك صاحب المال الأصيل، فلو سلّمنا الإشكال الأوّل يبقى هذا الإشكال باقياً، وهو أنه دخل في ملك المشتري قبل أن يخرج من ملك المالك الأوّل فيلزم اجتماع مالكين على ملك واحد.

ثُمّ إنه لا يمكن لأحد أن يلتزم بالإشكال الأوّل بعنوانه، وهو أن المال خرج من ملك العاقد قبل دخوله في ملكه، ولكن الإشكال الثاني التزموا به، وأنه يمكن أن يكون للمال مالكان، وأنه يمكن أن يكون فردان كلّاً منهما مالك لجميع المال. فهذا الإشكال غير مربوط بالسابق.

الشيخ يقول(1): إن ما قاله في (المقابس) من الإشكال في مطلق الفضولي إشكال جديد، وليس هو الإشكال السابق. ولم نفهم وجهه، فإن الإشكال في المقام وفي الفضولي والتالي الفاسد فيه واحد وهو امتناع اجتماع مالكين على 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 441، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، اشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ملك واحد، فلو كان هذا تالياً فاسداً فهو في كِلا الموردين كذلك.

بل إن الأطراف بنفسها موجودة، فإنها في أصل الفضولي هما المالك الأوّل والمشتري، يقال: إنهما يلزم أن يكونا مالكين لشيء واحد، وفي المقام أيضاً المالك الأصيل والمشتري لكن مع زيادة قصّة وهو وجود البيع الثاني.

والمطلب الذي ينبغي أن يتكلّم عنه هنا أمور: 

أحدها: أن اجتماع مالكين على ملك واحد، أخذ مفروض الاستحالة.

ثانيها: أن صاحب (المقابس) (1) حلّ الإشكال بالاكتفاء بالملكية الظاهرية، والسيد(2) صحّحه أنه يكفي أن تكون هناك ملكية تقديرية، يعني أنه لو لم تكن الإجازة كاشفة عن الملكية التقديرية، يعني إذا لم تكن الإجازة كاشفة، أو لم يكن قد أجاز أصلاً لكان مالكاً.

وتقريب هذين الوجهين: 

أما أوّلهما: فإنه بعد أن دلّ الدليل على صحّة الفضولي ودلّ الدليل على الكشف، فإما أن نقول: إنه كشف تعبّدي وليس كشفاً حقيقياً، أو إذا دلّ الدليل على الكشف الحقيقي بخصوصه، فصاحب (المقابس) يعتمد على أساس الملك الصوري، ولا يريد أن يقول أن الملكية الصورية دائماً كافية، وإنما 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

(1) أُنظر: مقابس الأنوار: 134ـ 135، كتاب البيع، المبحث الثاني في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 164، كتاب البيع، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذا طريق للتخلّص عن الإشكال بعد دلالة الدليل على الكشف الحقيقي -على الفرض- باعتبار أن الشارع إنما صحّح الفضولي اكتفاء بالملكية الظاهرية، نظير الاكتفاء بالطهارة الظاهرية عن الطهارة الواقعية.

وذلك بضمّ دليل الطهارة الأوّلية(1) إلى دليل أصالة الطهارة ونحوها، هنا أيضاً تقتضي الأدلّة الأوّلية صدور الإجازة من المالك، فمع ضمّ الاستصحاب لعدم الإجازة الدالّ على أن هذا مالك إلى ذلك، نفهم أنه يكفي المالكية الظاهرية في صحّة الإجازة.

وهذا ينقض عليه فيما إذا علمت بتحقّق الإجازة ولم تكن الملكية الظاهرية موجودة لعدم جريان الاستصحاب، ولكن لا يرد عليه قول الشيخ: والفرق بين البيع الأوّل والثاني تحكّم، أبداً ليس تحكّماً.

وأما تقريب كلام السيد من أنّ الاكتفاء بالملكية التقديرية، يعني لولا إجازته أو لولا الكشف لكان مالكاً ليس مراده كفاية هذه الملكية دائماً، بل مراده أنه بعد أن دلّ الدليل على الكشف لا بُدّ أن نفرض الإشكال العقلي بهذا النحو. ولكم أن تفرّوا من ذلك بالالتزام بالكشف التعبّدي، فإن كلمة (الحقيقي) لم ترد في الأدلّة، وإنما غاية ما دلّت عليه صحيحة محمد بن قيس وغيرها هو وجوب ترتيب آثار 

ــــــــــ[357]ــــــــــ

(1) أُنظر: مناهج الوصول 1: 317، المقصد الأوّل في الأوامر، الفصل الثالث: في الإجزاء، المقدّمة الخامسة: في وحدة الأمر وتعدّده، الموضع الثالث، المقام الثاني: الإتيان بمؤدّى الأُصول هل يقتضي الإجزاء؟ وأُنظر: لمحات الأُصول: 98، المقصد الأوّل: في الأوامر، المطلب الثالث: في الإجزاء، الموضع الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الملكية من حين العقد، وليس ذلك إلّا الكشف التعبّدي.

[ما أفاده الميرزا النائيني في تصوير الإشكال]

وهناك من يقول بأن هذا الإشكال ليس لازماً باطلاً عقلاً، كالمحقّق النائيني(1)، الذي يقول في الفضولي المتعارف: إن الصحيح في المقام أن يقال: إنه إنما دلّ الدليل على استحالة اجتماع مالكين على مملوك واحد، في المالكين العرضيين -وهنا قال السيد(2) بأن الملكيتين العرضيتين لا تكونان من الضدّين؛ لأنهما من الأمور الاعتبارية- وقال النائيني: وأما إذا كانا طوليين فليس اجتماعهما ممتنعاً، وأدلّ دليل على إمكان شيء وقوعه، وذلك كملك العبد لأمواله وملك مولاه للعبد وأمواله، هنا أيضاً كذلك؛ لأن المجاز يتلقّى الملك من المجيز، فهما طوليان في الملك فلا مانع من اجتماعهما.

ونحن لم نعرف مراده، هل مقصوده أن اجتماع الملكين عند الطولية غير ممتنع، أو أنه عند الطولية لا يتحقّق الاجتماع؟ وظاهر كلام المقرّر هو الأوّل. 

ونحن لنا كلامان:

أحدهما: أنه بعد أن فرض أن اجتماع المالكين على مملوك واحد مستحيل، وذلك لأنه مستلزم للتضادّ أو التناقض؛ إذ لا محذور آخر فيه. فهل 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 268، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 164، كتاب البيع، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الطولية ترفع التضادّ أو التناقض؟ فمثلاً: لو كانت هناك طولية في الأعيان الخارجية هل يرتفع التضادّ من قبيل أن يصبح البياض مقتضياً للسواد؟

والسيد الداماد(1) يشكل على بعض فتاوى الفقهاء، حيث أفتوا بأن ترك جميع المستحبات حرام وفعل جميع المكروهات حرام، قال: كيف تكون المكروهات بما هي مكروهات حراماً والمستحب بما هو مستحب واجباً، لا يمكن ذلك -إلّا إذا كان المجموع هو الموضوع وبه يخرج عن محلّ الكلام- ولا يمكن تنظيره بمسألة النذر فيما إذا تعلّق النذر بمستحب كصلاة الليل، فإن هذه الصلاة تبقى على استحبابها، لكن يجب عليه الإتيان بها؛ لأنه يجب الوفاء بالنذر فيكون مجَمَعاً لعنوانين.

والمثال الذي مثّل به من ملكية العبد واعتبره أدلّ دليل على الإمكان مع أنه لو ثبتت الاستحالة لا بُدّ أن نؤّول ما ثبت تعبّداً القول به، هذا المثال لا بُدّ أن يقال فيه: إن هذا العبد مالك لعباءته، وهو مع العباءة مملوك للمالك، فالعباءة بما أنها مملوكة لعمرو مملوكة لزيد.

وهذا أسوأ من المحذور السابق؛ لأنه من استلزام أحد الضدّين للضدّ الآخر، كاقتضاء البياض للسواد، فكيف ينسجم هذا مع اعترافك باستحالة الاجتماع؟!

ــــــــــ[359]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 218، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وكيف تحصل الطولية فيما نحن فيه؟ فإنه بمجرّد أن المجاز يتلقّى الملك من المجيز كيف يكون في طوله، فإنه ليس بينهما إلّا الترتّب الزماني، والطولية إنما تكون فيما إذا كان هناك ترتّب في العلّية والمعلولية، وإلّا لكان المشتري إذ يتلقّى الملكية من البائع، تكون ملكيته في طول ملكية البائع. فهذا الوجه لا يتمّ.

وهناك كلام آخر للشيخ محمد حسين نتعرّض له إن شاء الله.

*****

الإشكال العامّ على الكشف على أصل الفضولي من أنه يلزم اجتماع مالكين على ملك واحد، إما أن تنكروا أصل الفضولي أو أن تنكروا الكشف، ونحن ننكر الكشف فلا يلزمنا الدفاع عن هذا الإشكال، وإذا فرضنا أننا قلنا بالكشف فنقول بالكشف التعبّدي لا بالكشف الحقيقي ولا الحكمي، فإنهما مستحيلان على ما سبق. ولكن من يريد تصحيحه على الكشف الحقيقي ماذا يقول؟ كان لكلّ من صاحب (المقابس) والسيد والنائيني أجوبتهم التي سبقت.

[جواب المحقق الأصفهاني عن الإشكال]

الشيخ محمد حسين يقول: يندفع الإشكال بأننا لا نحتاج إلى اتّصال زمان الملك بزمان الإجازة على الكشف الحقيقي، وإنما نحتاج إلى اتّصال الملك إلى زمان العقد؛ لأن العلّة الموجبة للفعل بناءً على الكشف الحقيقي هو العقد، ومالكية المجيز موجودة في زمان العقد، وهي غير موجودة في زمان الإجازة إلّا أننا لا نحتاجها، فإنه كما يمكن للإنسان أن يبيع ماله كذلك يمكن أن يأذن ببيع 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ماله أو يوكل فيه، وكذلك يمكن أن يجيز بيع ماله(1).

نحن لم نستطع أن نفهم أنه ماذا تصوّر في الكشف الحقيقي، فإنه إن رأى أن الإجازة لا أثر لها أصلاً كان لكلامه نصيب من الصحّة، فإنّ النقل يحصل في ملك المجيز، لكن من يرى الإجازة دخيلة في النقل ولو بنحو الشرط المتأخّر، فهو يريد إيقاع النقل من حين العقد وتكون الإجازة دخيلة، فهذا القائل كيف يتمم المطلب؟

فإن هذا الشخص كان مالكاً صباحاً ووقع العقد الفضولي على ملكه، والإجازة لم تحصل فعلاً، وأنت تلاحظ الزمان من حين العقد إلى حين الإجازة، وتقول إن الإجازة حين وجدت ظهراً كانت مؤثّرة من حين الصبح، فإذا كانت إجازته مؤثّرة كان المال منتقلاً إلى المشتري من الصبح.

إذن فهو عند الظهر غير مالك فكيف تكون إجازته مؤثّرة؟ والإنسان إذا باع ماله بنفسه أو بوكيله أو بإذنه، فالعقد صادر منه، أما هنا فالإجازة المتأخّرة 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

() أقول: يتّضح من هذا الكلام هذا التقريب وهو: أن المدار في المجيز ليس أن يكون مالكاً أصلاً، بل ممن يعترف العقلاء بكونه له حقّ الإجازة ولا ينفذ العقد إلّا بإجازته، وإنما يحكمون بذلك باعتبار كونه مالكاً في السابق، أي إن العقد وقع على ماله، فكما يمكن للإنسان أن يأذن ببيع ماله كذلك له أن يجيزه، وإن لم يكن المال مملوكاً له فعلاً. وإنما أثّرت الإجازة من غير المالك باعتبار أن له حقّ الإجازة عقلائياً؛ لأن العقد وقع على ماله.

وإذا صحّ هذا التقريب على الكشف الحقيقي لا يرد عليه إشكال السيد الآتي، فإنه قال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذا كانت مؤثّرة فليس مالكاً حال الإجازة فكيف تكون إجازته مؤثّرة.

فإما أن تقولوا بما قاله السيد(1) من الملكية التقديرية، أو بما قاله صاحب (المقابس) من الملكية الصورية، وأما المالكية الحقيقية فلا يمكن. أو تقولوا بأن الإجازة لا أثر لها أصلاً.

[تحقيق الحال في كلمات الأعلام]

إذا وقع العقد مضافاً إلى الإجازة بوجودها المتأخّر، كما قال أغا ضياء(2)، أو مضافاً إلى لحاظها كما قال الآخوند(3)، يكون العقد من حين وقوعه مؤثّراً، فيكون المال خارجاً عن ملك المجيز حال الإجازة، فيلزم الإشكال وهو اجتماع مالكين على ملك واحد، فإنه بما أن الإجازة يراد كونها مؤثّرة فهو مالك، وبما أنها مؤثّرة في النقل من الأوّل غير مالك.

فلا يصلح أن يكون هذا الكلام جواباً عن الإشكال.

أقول: هذا اللّازم على مسلك الآخوند وآقا ضياء، وإن كان وارداً، ولكن على قول من يقول بأن الإجازة بوجودها الواقعي المتأخّر هو المؤثّر، بناءً عليه 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 164، كتاب البيع، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: بدائع الأفكار (الآملي): 320-332، المقصد الأوّل، المطلب الأوّل، بديعة: اختلفوا في وجوب مقدّمة الواجب، الأمر الثالث، تكملة.

(3) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقق الخراساني): 60، كتاب البيع، القول في العقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يكون المجيز مالكاً حقيقة إلى حين الإجازة لعدم تحقّق الشرط للنقل، ومن حين الإجازة فصاعداً ينقلب الواقع عما هو عليه، ويصبح المشتري مالكاً من الأوّل. 

وأما القول: بأن هذا مستحيل فهذا إشكال على أصل مبنى الكشف وليس إشكالاً زائداً.

الكلام الآخر: هو أنه كان هناك إشكال على أصل العقد الفضولي، وهناك إشكال على ما نحن فيه من أنه باع ثُمّ ملك، وحاصل الإشكال لزوم اجتماع مالكين على مملوك واحد.

والشيخ يقول: إنه بضمّ الإشكالين بعضها لبعض ينتج إشكال ثالث، وهو اجتماع ملّاك ثلاثة على مالك واحد وهم المجيز والفضولي والمشتري، وذلك قبل العقد الثاني، يقول(1): لوجوب(2) التزام مالكية المالك الأصلي حتى يصحّ العقد الثاني، ومالكية المشتري له؛ لأن الإجازة تكشف عن ذلك، وملكية العاقد له، لأن ملك المشتري لا بُدّ أن يكون عن ملكه، وإلّا لم تنفع إجازته في ملكه من حين العقد؛ لأن إجازة غير المالك لا تخرج ملك الغير إلى غيره، وللنائيني كلام حول ذلك، وللشيخ محمد حسين كلام.

أن صاحب (المقابس) والسيد والشيخ محمد حسين بعد أن ذكروا الإشكال العامّ في باب الفضولي تسالموا على بعض المطالب، وهي: أن المالك كان مالكاً 

ــــــــــ[363]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 441، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

(2) هذه عبارة الشيخ نفسه (ص138). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

حين العقد، وأنه إذا تعقّبت الإجازة ففي حال الإجازة لم يكن مالكاً وإنما انتقل إلى غيره، فهم يشتركون في ذلك وإن كان كلّ واحد اختار طريقاً في دفع الشبهة، وهو لزوم اجتماع مالكين على ملك واحد.

فنطرح مسألة لنرى أنه على هذه المسالك أيٌّ يصلح حلّاً له وأيٌّ لا يصلح، وهي ما إذا باع الفضولي مال غيره ثُمّ باع المالك للمال ثُمّ أجاز المالك للبيع الفضولي، فصاحب (المقابس) لا يقول هنا باستصحاب الملكية، والسيد لا يقول هنا بالملكية التقديرية.

أما الشيخ محمد حسين فماذا يقول(1)، كان يقول: إنه ليس لا بُدّ أن يكون أحد مالكاً من حين العقد إلى حين الإجازة، فهذا يجيز مع أنه ليس مالكاً؛ لأنه كان مالكاً حال العقد، وعليه فلا بُدّ أن يقول بأن العقد الثاني باطل فإن العقد الأوّل لازم من حين وجوده، وإذا كان صحيحاً لازماً فالعين قد انتقلت إلى الغير، ولا يكون المجيز مالكاً، فيقع العقد الثاني باطلاً.

وإنما نستطيع أن نقول بصحّة العقد الثاني وإبطاله للأوّل إذا قلنا إنه يكفينا مجرّد وقوع العقد وإجازة من كان مالكاً، بل قلنا باعتبار شيء آخر، مضافاً إلى أن ما قاله في نفسه محال فإن إجازة غير المالك يستحيل أن تكون مؤثّرة.

ــــــــــ[364]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 219، كتاب البيع، بيع الفضولي شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، اشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الشيخ يقول(1): مع ضمّ الإشكال العامّ في مطلق الفضولي إلى الإشكال الخاصّ، يلزم اجتماع ملّاك ثلاثة على ملك واحد، يعني أن العقد الذي وقع بهذا النحو (يعني: باع ثُمّ ملك) يرد فيه الإشكالان معاً، والإشكال الخاصّ كان هو: أن المشتري يكون مالكاً لأجل الكشف، ويكون العقد متعقّباً بالإجازة، ويكون المالك الأصلي أيضاً مالكاً؛ لأنه لم يرد ما يخرجه عن ملكيته. وكان الإشكال الخاصّ هو: أن المشتري مالك والفضولي أيضاً مالك، لكي يصبح المشتري مالكاً، فإن المشتري إنما يملك قبل العقد الثاني إذا كان الفضولي مالكاً حتى يتلقّى منه المشتري الملك، فلزم أن يكون للملك ملّاك ثلاثة.

النائيني يقول(2): خروج الملك من ملك شخص قبل دخوله في ملكه إنما يلزم إذا قلنا بالشرط المتأخّر الحقيقي، بمعنى أن تكون الإجازة من أجزاء العلّة للنقل، وهذا بنينا على استحالته.

وأما إذا لم يكن هذا مستحيلاً، فلا يلزم اجتماع ملّاك ثلاثة؛ لأنه من زمان وقوع البيع الأوّل إلى زمان وقوع العقد الثاني يكون المال ملك المشتري والمالك الأصلي، وأما بعد العقد الثاني يكون الملك ملك المشتري والمجيز، ولا وجه لأن يكون المجيز مالكاً قبل العقد الثاني؛ لأن تلقّي الملك وإن كان لا بُدّ أن يكون 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 441، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 266، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من مالكه، لكن لا يلزم أن يكون من المجيز، بل إما من المجيز أو من المالك الأصيل، إذن فلا يمتنع أن يجتمع مالكان على مملوك واحد.

وقد خطر لي أنه يريد أن يقول: أننا إذا قبلنا إمكان خروج المال عن ملكه قبل دخوله فيه، إذن فلا إشكال؛ لأنك تقول: إنه ليس لا بُدّ أن يكون الفضولي مالكاً، ليتلقّى المشتري الملك منه، فقبل العقد الثاني يكون المالك الأصلي والمشتري مالكاً دون الفضولي، وإن خرج المال من ملكه قبل دخوله فيه.

لكن هذا منافٍ لِما ذكره في التعليل من أنه لا يلزم أن يكون انتقال الملك من المجيز، بل إما من المجيز أو من المالك الأصلي.

نقول: الواقع لا يخلو من أحد الأمرين إما من المالك أو من المجيز، وفي الواقع هو المجيز فإن المالك الأصلي ليس بايعاً ولا مجيزاً، حتى يتلقّاه منه، فلا بُدّ أن يتلقّى الملك من المجيز، وإن قبلت أن يكون من يتلقّاه منه يجب أن يكون مالكاً.

إذن فلا بُدّ أن يكون المجيز مالكاً، فتمّ إشكال الشيخ من لزوم ثلاثة ملّاك على مملوك واحد.

الشيخ محمد حسين(1) يقول مطلباً كأنّه غير مربوط بكلام الشيخ، فإن الشيخ يقول بهذا المقدار وهو: أن ضمّ هذا الإشكال إلى الإشكال الآخر يولّد 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 219، كتاب البيع، بيع الفضولي شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، اشكالات صاحب المقابس، الإشكال الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإشكال الجديد، ويقول الشيخ محمد حسين: إن مالكية المشتري لها سبب ومقتضيها متحقّق وهو البيع والإجازة، ومالكية المالك الأصيل لها مقتضٍ أصلاً، وهو عدم خروجها من ملكه بلا سبب، وأما الفضولي فليس هناك سبب يوجب خروجه من ملكه بلا سبب.

ولكنّ هذا غير المسألة، فإن المسألة هي أن العنوان سبب لذلك، أو أنه بعد ضمّ نكتة أخرى إليه، ولا يكون هذا الإشكال منطبقاً على كلام الشيخ.

[الإشكال الخامس]

الإشكال الآخر الذي يذكره صاحب (المقابس) (1): أن(2) الإجازة المتأخّرة لـمّا كشفت عن صحّة العقد الأوّل، وعن كون المال ملك المشتري الأوّل؛ فقد وقع العقد الثاني على ماله، فلا بُدّ من إجازته له كما لو بيع المبيع من شخص آخر، فأجاز المالك البيع الأوّل، فلا بُدّ من إجازة المشتري للبيع الثاني حتى يصحّ ويلزم على هذا، فيلزم توقّف إجازة كلّ من الشخصين على إجازة الآخر، وتوقّف صحّة كلّ من العقدين على إجازة المشتري غير الفضولي وهو من الأعاجيب، بل من المستحيل، لاستلزام ذلك عدم تملك المالك الأصلي شيئاً 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

() أُنظر: مقابس الأنوار: 135، كتاب البيع، المبحث الثاني في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع، وراجع كتاب المكاسب 3: 443، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الخامس.

(2) هذه عبارة المقابس. (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من الثمن والمثمَن، وتملك المشتري الأوّل للمبيع بلا عوض إن اتّحد الثمنان، وبدون تمامه إن زاد الأوّل، ومع زيادة الانكشاف وقوعه في ملكه فالثمن له، وقد كان المبيع له أيضاً بما بذله من الثمن وهو ظاهر، والشيخ يقول(1): الجواب الجواب، فلا حاجة إلى الإطالة في الجواب.

[التحقيق في جواب الإشكال]

ونحن نسأل من صاحب (المقابس): أن من يقيم ثلاثة أدلّة على مدّعى واحد، معناه أن الدليل الأوّل دليل مستقل،ّ ولكن إذا لم يتمّ هذا الدليل فالدليل الثاني تامّ مستقلّاً، وإن فرضنا أنه غير صحيح فالدليل الثالث صالح وتامّ مستقلّاً.

فهنا نرى أنه إذا لم يتمّ الدليل الثاني يعني قلنا بإمكان اجتماع مالكين على ملك واحد، فيلزم الإشكال الثالث أو لا؟ 

افرضوا أن العباءة كان تمامها ملكي وتمامها ملكك، فإذا أنا بعت العباءة فإني لم أرد أن أقطع إضافتك إلى العباءة، ولا يحتاج إلى إجازتك، فيخرج من ملكي ويدخل الثمن في جيبي ويبقى المال ملكك، فإني لم أتصرّف إلّا في مالي، فلماذا يدخل الثمن في جيبك؟

 فإذا التزمنا بالإشكال الثاني فلا يلزم أيّ شيء من اللوازم التي ذكرها؛ لأني لم أتصرّف في مال الغير ولا يردّ المال في جيب الغير، وإنما يتمّ ذلك بضمّ 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 443-444، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الدليل الثاني إليه، حينئذٍ يصبح الدليلان دليلاً، وإلّا فإنه لا يتمّ الدليل.

تقريب البرهان الثالث الذي ذكره صاحب (المقابس): أنه إذا كان باع شيئاً ثُمّ ملك، فإن صحّحناه على الكشف، فلازمه: أن إجازة كلّ من الشخصين موقوفة على إجازة الآخر، وهو دور محال، كما أنه يلزم أن إجازة كلّ من العقدين موقوفة على إجازة غير المشتري الفضولي، وهو من الأعاجيب بل من المستحيل.

وذلك لأنه على الكشف بما أن المشتري يصبح من الأوّل مالكاً، فالعقد الثاني يقع في ملك المشتري فيحتاج إلى إجازته، والعقد الأوّل تتوقّف صحّته على إجازة العاقد الذي ملك المال بعد ذلك وهو الفضولي، فإنه لولا إجازة الفضولي لا يصبح ملكاً للمشتري، وإذا لم تكن إجازة المشتري لا تصحّ المعاملة الثانية.

إذن صحّة الإجازة من المشتري موقوفة على صحّة إجازة البائع الفضولي، وصحّة إجازة البائع الفضولي متوقّف على صحّة إجازة المشتري؛ لأن المشتري يشتري ماله، فلا بُدّ أن يجيزه.

ويلزم أيضاً: أن كِلا العقدين تتوقّف صحّتهما على إجازة المشتري غير الفضولي، وأما توقّف العقد الثاني فلأنه وقع على ماله، أما توقّف العقد الأوّل فمع الواسطة، فإن إجازة العقد الثاني لا تنفذ إلّا مع ملك الفضولي، ولا يملك إلّا بإجازة المشتري، وهو من الأعاجيب.

وكونه من الأعاجيب لا بُدّ أن يعود إلى الثاني؛ لأنه ادّعى الدور، وهو واضح الاستحالة، أما أن يغضّ النظر عن هذه الاستحالة ويعلّله باستحالة أمر 

ــــــــــ[369]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

آخر غير واضح الاستحالة، فهذا غير ممكن.

واعتقد أن في العبارة تغييراً، أصله: وهو من الأعاجيب بل من المستحيل واستلزام ذلك … الخ.

وقوله: (واستلزام ذلك) لا يريد به إبطال المطلب السابق حتى نبحث عن وجه الاستحالة، وحتى لو وجدنا وجهاً فإن نفس الدور بنفسه مستحيل. فلو كانت العبارة هكذا (واستلزامه)، فإن العبارة تصحّ حتى نرى مقدار صحّتها.

وقلنا: إن صحّة هذا البرهان متوقّفة على صحّة البرهان الثاني، وهو استحالة اجتماع مالكين على ملك واحد، وإذا توقّف برهان على صحّة برهان آخر، أصبحا برهاناً واحداً، ولم يكونا برهانين مستقلّين.

فإذا قلنا بإمكان اجتماع مالكين على ملك واحد، نقول: إن قوله إن صحّة البيع الثاني موقوف على إجازة المشتري الأصيل، إنما هو على فرض استحالة اجتماع مالكين على مملوك واحد.

وأما إذا كان كِلاهما مالكاً وباع أحد المالكين يصبح المالك هو المشتري والآخر، وكذلك الثمن يصبح لي وليس لك، وإنما الإشكالات بناءً على هذه الاستحالة، فإن رفعنا اليد عنه لا يبقى شيء من هذه الإشكالات.

أما القسم الأوّل من كلامه، وهو أنه يتوقّف البيع الثاني على إجازة المشتري، فقد وقع محلّاً للبحث، يقول السيد(1): أن المشتري وإن كان مالكاً إلّا 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 164، كتاب البيع، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أنه لا يحتاج إلى إجازة، وتقريبه ناقص وسنكمّله، فإنه يقول: بأن مالكية المشتري موقوفة على البيع الذي يملك به، فمالكيته من متفرّعاته، فهو مالك، لكن بما أنه مالك بشرط صحّة هذا البيع، فهذا البيع لا يمكن أن تكون صحّته موقوفةً على إجازته.

[إيراد المحقق الأصفهاني]

الشيخ محمد حسين(1) يقول: إنك بعد أن تقبل كونه مالكاً فكيف لا يحتاج إلى إجازته؟ وبعبارة أخرى: أن مالكيته موقوفة على وقوع البيع والإجازة في محلّه، إذن فهو الآن مالك صحيح فعلي، والمالك الفعلي يعطي إجازة مالكية، ولا يختلف الملّاك في الإجازة.

ويمكن تقريب كلام السيد، بأن صحّة إجازة الفضولي تتوقّف على مالكيته بلا إشكال، كما أن صحّة إجازة المشتري موقوفة على مالكيته أيضاً. ومالكيته موقوفة على وجود العقد في حينه.

فنسأل إن إجازته متوقّفة على صحّة العقد مع هذه الإجازة أو متوقّفة على العقد دون إجازة، فإن كان الأوّل كان دوراً محالاً، وإن كان الثاني لم نحتج في صحّة العقد إلى إجازته.

وهذا التقريب لا يرد عليه كلام الشيخ محمد حسين.

ــــــــــ[371]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 221-223، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لكن يرد عليه كلام آخر، وهو أنك تريد بهذا الكلام أن تقرب صحّة المعاملة على الكشف، في مقابل قول صاحب (المقابس) بالبطلان، فمرّة يكون لنا دليل خاصّ في هذا المورد على: أن من باع شيئاً ثُمّ ملكه فهو صحيح على الكشف الحقيقي(1).

حينئذٍ نقول: إن أحد طريقيه محال عقلي، وأحد طريقيه ليس محالاً، فيتعيّن بالتعبّد الخاصّ، وأما إذا لم يرد دليل خاصّ في المقام وإنما تريد تتميم المطلب على القواعد، فتصحيح هذه المعاملة على الكشف له أحد طريقين: أحدهما فاسد عقلاً، والآخر فاسد عقلائياً، فلا يمكن تتميمه على كِلا الطريقين، فإن هذا المشتري مالك بالفعل وغير موقوفة مالكيته على شيء، فهي وإن كانت متوقّفة على صحّة ذاك البيع وإجازته، إلّا أنه موجود في حينه ومتحقّق، فالآن هو مالك فعلي، وكونه مالكاً لولا الإجازة، لا يلزم كونه ليس مالكاً فعلياً، فهو مالك فعلي ولا يمكن أن يتمّ البيع بلا إجازته، فهذا(2) تالٍ فاسد عقلائياً لا يوافق عليه العقلاء والشرع، وإنما يتمّ المطلب إذا كان تامّاً عقلاً وعقلائياً.

فلصاحب (المقابس) أن يقول: بأن صحّة المعاملة على الكشف يلزم منها أحد اللازمين الفاسدين: إما العقلي وإما العقلائي، وكِلاهما لا يمكن الالتزام به، وليس عندنا دليل خاصّ على صحّة المعاملة على الكشف الحقيقي، لنلتزم تعبّداً باللازم 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() أُنظر: منية الطالب 1: 266، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

(2) وهو عدم الحاجة إلى إجازته. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الباطل العقلائي. فتكون المعاملة فاسدة، وبذلك لا يرد عليه كلام السيد.

الشيخ محمد حسين يقول(1): إن هذا الكلام الذي تقوله إنما هو على الكشف الحقيقي، وأما على الكشف الانقلابي سواء الانقلاب الحقيقي أو الانقلاب الاعتباري، فإن إشكال صاحب (المقابس) لا يرد؛ لأن الكشف الانقلابي ينقلب المال من الأوّل إما حقيقة أو اعتباراً، ويصبح في ملك الفضولي من الأوّل، وهو يقلب الملك، ولكنّه لا يقلب العقد، فالعقد قد وقع على ملك البائع. 

فقد وقع عقد صباحاً على ملكك، ثُمّ عند الظهر وقعت معجزة قلبت الواقع عن واقعه وأصبح الملك لي من الأوّل، فهل يمكن انقلاب الملك من ذلك الزمان، ولكن العقد لا يكون واقعاً على ملكي؟ فإن المال صار ملكي قبل العقد فكيف لا يقع العقد على ملكي، هذا مستحيل والأمر على أيّ حال سهل.

[تعليق على كلام صاحب المقابس]

بقي كلام آخر حول مطلب سابق، فإن صاحب (المقابس) ذكر عدّة لوازم باطلة: منها الدور، وهو: توقّف إجازة البائع على إجازة المشتري وبالعكس. ومنها: أن الثمن والمثمَن لا يملكهما المالك الأصل، بل يملكهما المشتري معاً بدون عوض أو مع زيادته عن العوض.

نقول: الدور نسلّمه، لكن إذا أغمضنا العين عن الدور، فهل تكون الأمور 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 221-223، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأخرى أعاجيب، أو أن وقوع خلافها من الأعاجيب؟! فإننا إذا قلنا: إن الكشف يقتضي أن يملك المشتري المال، فهنا عجيب واحد لم يذكره صاحب (المقابس)، وهو أن يخرج المال عن ملك الأصيل بلا سبب قهراً عليه، من دون أن يكون قد تصرّف بنفسه في ماله، وهو من الأعاجيب أو محال لو كان السبب الاعتباري من قبيل الأسباب الحقيقية.

ولكن إذا أغمضنا النظر عن هذا المطلب، كما أنه لم يذكره، إذن فالمشتري قد أصبح مالكاً فوقوع العقد(1) بلا إجازته وهو صاحب المال من الأعاجيب، وحيث إن العقد الثاني مترتّب على إجازة العقد الأوّل المتوقّفة على إجازة المشتري، فالعقد الأوّل أيضاً منتسب إلى إجازته، وهذا ليس من الأعاجيب، كما لو باع شخص مال غيره فضولة ثُمّ باع المشتري المال فضولة أيضاً قبل الإجازة. فإنه يمكن أن يقال -بمعنى من المعاني- إن إجازة المالك دخيلة في صحّة كِلا العقدين.

إذن فهذه التي اعتبرها من الأعاجيب -لولا الدور- تكون على القواعد، ولولا لزوم خروج المال من ملك المالك بلا سبب.

[الإشكال السادس]

الدليل الآخر: وهو السادس الذي أقامه صاحب (المقابس)(2) على بطلان 

ــــــــــ[374]ــــــــــ

() يعني: العقد الثاني (إيضاح). (المقرّر).

(2) أُنظر: مقابس الأنوار: 135، كتاب البيع، المبحث الثاني في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع، وراجع كتاب المكاسب 3: 444، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذا البيع، أنه قال: إن المالك الأصلي الذي وقع إنشاء البيع على ملكه، إذا ردّ ذاك البيع لفظاً وأنشأ الردّ انشاءً، فإن المعاملة تبطل ولا تكون قابلة لتعقّب الإجازة، وكما أن الإنشاء القولي موجب لذلك، كذلك العمل المنافي لذلك الإنشاء، فالإجازة تقع بعد الردّ ولا تكون مؤثّرة.

ونحن -بقطع النظر عن كلماتهم- نقول: إننا قلنا إن الاستدلال على قضيّة إنما يكون مستقلّاً إذا لم يتوقّف على برهان سابق. وأنت في البرهان الخامس قلت: إن لازمه أن يكون المشتري من الأوّل مالكاً وهو مستلزم للدور، وللأعاجيب، فلو سلّمنا هذا المحذور وقلنا بعدم الدور أو بإمكانه، وقلنا بأن المشتري مالك للمبيع، فإذا باع الأصيل مال المشتري هل يكون هذا ردّاً للمعاملة السابقة؟ 

فإن مالكية المشتري على الكشف ثابتة من أوّل العقد الأوّل، وقد أصبح الأصيل من ذلك الحين أجنبياً، وإذا باع الأجنبي مال الغير لا يكون بيعه ردّاً للمعاملة، بل يصبح بيعه فضولياً وواقعاً على مال المشتري.

إذن فالإجازة تكون مسبوقة بردّ الأجنبي لا بردّ المالك، فلا تبطل المعاملة وتقع صحيحة، بغضّ النظر عن المحالات السابقة، بل المالك الأصلي لا يؤثّر منه حتى إنشائه للردّ، فإن هذا إنما يفيد ممن إجازته مفيدة، وكلّاً من الردّ والإجازة لا يكون مؤثّراً من المالك الأصلي على الكشف، وإذا التزمتم أن من 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

حقّه أن يجيز، فقد رفعتم يدكم عن مبنى الكشف.

ولو أغمضنا عن الدليل الرابع أيضاً، وقلنا بإمكان اجتماع مالكين على مالك واحد، فيكون المالك الأصلي مالكاً؛ لعدم السبب الموجب للانتقال، ويكون المشتري مالكاً للكشف، فإذا تصرّف هذا المالك في ملكه لا يكون مربوطاً بمالكية المالك الآخر، فإنه إذا باع أحد المالكين التامّين لا يحتاج بيعه إلى إجازة المالك الآخر، فإنه لم يتصرّف في مالكيته وإنما تصرّف في مالكية نفسه.

ولو نظرنا إلى المطلب العقلائي، فهذا البيع الإنشائي الذي عمله الفضولي لنفسه، فإن المفروض أنه قال: (بعت هذا لنفسي في مقابل دخول الثمن في ملكي)، وهذا الإنشاء لا مانع منه ولا أثر له، وليس هو تصرّفاً في ملك المالك، فإذا جاء المالك وردّ هذه المعاملة لماذا تبطل هذه المعاملة؟ فإن الفضولي يقول له: (إنما بعتها لنفسي ولم أبعها لك لكي يكون لك حقّ إجازة المعاملة وإبطالها فأنت أجنبي عن المعاملة، وأنا لا أريد إخراج العين عن ملكك بهذه المعاملة؛ لكي يكون لك حقّ فسخها، وإنما هو إنشاء صرف أريد أن استفيد منه بعد هذا بشراء العين وتسليمها).

فما سلّمه الشيخ(1) والآخرون(2) من أنّ المعاملة تبطل بالردّ، غير تامّ، بل لا 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 444-445، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، الإشكال السادس.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 136، كتاب البيع، الكلام في بيع الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، وأُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 224، كتاب البيع، البيع الفضولي، شروط المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تنحلّ المعاملة أصلاً. نعم، لو كانت المعاملة قد وقعت للمالك بحسب إطلاقها أو لأجل تقييدها به، لكان ردّه نافذاً، إلّا أن هذا خلاف الفرض.

فالبيع الذي يقع على العين الخارجية مقيّدةً، كما لو قال: (أبيعك هذا الفرس العربي)، فإن أجازَ المالك بيع الفرس، فالبيع هو الفرس العربي ولم يسقط قيده، غاية الأمر أنه يقال هناك: إنه إذا لم يكن في الواقع عربياً، فالإشارة مقدّمة على التوصيف، ويقع البيع على هذا الفرس على أيّ حال، كما لو صفعت شخصاً باعتقاد أنه فاسق، فإن كان فاسقاً فالذي (أكل) الصفعة(1) هو زيد الفاسق، لا زيد بذاته، وإن لم يكن فاسقاً، فزيد قد (أكل) الصفعة وألغى القيد.

هنا أيضاً كذلك؛ لأنه على فرض أننا أجزنا مثل هذا البيع وصحّحناه بالإجازة، فليس أنه بحسب الواقع له أن يردّ البيع المقيّد بما هو مقيّد أو يجيزه، بل هذا البيع الخارجي موجود على أيّ حال مقيداً(2)، وإذا ردّ المالك الأصلي بشكل يسحب معه إمكان إجازتي لا يكون ممكناً له؛ لأن العقد مقيّد بقيد لا يمكن أن يناله ردّك، والمفروض أن العاقد يريد إجازة هذا المقيد بعد ذلك.

فما يسلّمه الشيخ وغيره من أنّ الردّ مبطل للمعاملة لا يتمّ.

ــــــــــ[377]ــــــــــ

() أي صُفِعَ.

(2) مقيّداً بكونه للعاقد. (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [التحقيق في المقام]

لنا في أن كل المعاملات(1) الفضولية المتعارفة، نتكلم في أن الردّ فسخ أو عنوان آخر غيره؟ الفسخ عبارة عن فكّ المعاملة التي عملها الطرفان، ويكون فيها خيار أو تفكّ بالإقالة، ولكن إذا أوجب أحد الأصيلين، وردّ القابل، فهل هو فسخ للإيجاب، أو أنه -في الحقيقة- عدم القبول؟ باعتبار أن الإنسان لا يستطيع التصرّف في مال غيره ونقله بعوض، فيحتاج إلى القبول، فإذا ردّ لا يكون فسخاً، فإن ما هو المربوط بمال الموجب ليس له حقّ فسخه، وما كان مربوطاً بماله له حقّ عدم القبول.

وأما المعاملة التي أوجبها الموجب فهي غير مربوطة بالآخر لكي يفسخها. نعم، لو أصبح الإيجاب غير قابل لتعقّب القبول، فإنه يكون لغواً، وأما كونه فسخاً كفسخ المعاملة التامّة من الطرفين مثلاً، فإنك إنما لك حقّ رفض قبول المعاملة على مالك، وأما الإنشاء الذي عمله الموجب فأيّ حقّ لك في فسخه؟

وأما إذا تمّت المعاملة وإيقاع القرار، ورأى أحدهما أنه مغبون، فله حقّ خيار فسخ العقدة التي حصلت بها المعاملة.

وأما الإنشاء الذي عمله الفضوليان على مالين لآخرين، وليس هذا الإنشاء تصرّفاً في ذلك المال لا تصرّفاً حقيقياً ولا اعتبارياً، وإنما هو إنشاء صرف فارغ (بوك)(2) فغاية ما تستطيع هو عدم إجازته، وأما أن تبطل الإنشاء 

ــــــــــ[378]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً الإشكال الأخير لصاحب (المقابس). (المقرّر).

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: فارغ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الذي هو فعل الفضوليين فأيّ حقّ لك فيه؟ فإن لم يكن الإنشاء قابلاً للقبول بعدها يلغو لا محالة، وإن كان قابلاً لا يلغو، بل يبقى حتى يلحقه القبول، فلا دليل على أن الردّ فسخ، هل قام عليه الإجماع؟ وهو -على تقدير ثبوته-، فغاية ما قام عليه هو أن من ردّ لا يستطيع أن يقبل على أنها مسألة عقلية مستحدثة، ولم تقع عقدة المعاملة حتى يصدق الفسخ، ولم أتصرّف في مالك وإنما هو إنشاء صرف، فلا يكون له حقّ الفسخ، ولا دليل على أن العقلاء يعتبرونه فسخاً، والعلقة التي يشير إليها الشيخ من (أنه يحصل له علقة بالمال)، غير تامّة، أيّ علقة تحصل؟ وإنما تحصل العلقة بالإجازة، ولهذا نقول -وإن تسالموا على خلافه- إن إنشاء الردّ لا أثر له فضلاً عن الإنشاء الفعلي.

الكلام الثاني: لو فرضنا أنه فسخ، فهنا لو أردت أن أبيعه لك، لكان فسخاً، ولكنّي لا أريد أن أبيعه لك، بل أريد أن أبيعه عن نفسي؛ ليدخل الثمن في جيبي. 

فإن قلت: إن هذا مستحيل. 

قلت: إنهم قالوا بإمكانه، فإنه إنشاء ويصدق عليه أنه بيع، وكان في الصدر الأوّل موجوداً وورد النهي عنه، وليس أمراً مستنكراً لدى العقلاء إلى الآن.

فهذا العقد أيّ سِمة للمالك في فسخه؟ فإنه لا يريد أن ينقل مالك عنك في مقابل دخول الثمن في جيبك، وإنما أردت المعاملة لنفسي فلا يكون الردّ فسخاً.

الكلام الثالث: إذا باع العين ولم يفسخ، يقول الشيخ(1): بما أنه غير ملتفت ــــــــــ[379]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 444-445، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، الإشكال السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إلى هذا المعنى لا يكون بيعه فسخاً. 

نقول: إذا كان ملتفتاً لا يكون فسخاً، بل يكون تثبيتاً للمعاملة، فإنك لو قلت للمالك: (إني بعت هذه العين، وأريد أن أشتري العين منك؛ لكي أسلّمها للمشتري)؛ فباعها إليك، فلا يكون هذا عملاً منافياً لمقتضى المعاملة ليقع فسخاً، بل يكون توكيداً وتثبيتاً للمعاملة، فلا يكون فسخاً مع الالتفات ومع عدم الالتفات -كما سلّم الشيخ-.

حينئذٍ يتكلّم أن هذا حين عمل المعاملة -مع قطع النظر عمّا سبق أن قلناه- لا تكون المعاملة قابلة للحوق الإجازة، كما قال النائيني(1)حيث قال: أن ما قاله المحقّق صاحب (المقابس) من أنه لا فرق بين الهبة وهذا المقام، تامّ، وبيانه في ذلك: أن البيع إذا كان عبارة عن تبادل الإضافات، وأمكن تعلّق الإضافة بالكلّي، لكان يمكن أن يقال: إنه إذا عمل لم وأراد غيره الإجازة أمكن. وأما إذا قلنا: إن تبادل الإضافات إنما هو في الإضافات الشخصية، فهذا المشتري لم يكن له إضافة حتى يجيز، وأما صاحب المال فقد باع ولم تبقَ له علقة حتى يجيز أيضاً.

نقول: إذا كان البيع عبارة عن تبادل الإضافات الواقعية، فليس هذا بيعاً أصلاً، فإن هذا الفضولي ليس له إضافة، وهو لا يريد نقل إضافة المالك، فلا يكون بيعاً، مع أنه بيع بلا إشكال في سوق العقلاء، فيدلّ كونه بيعاً على فساد ما تقولون.

ــــــــــ[380]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 268، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نعم، البيع معاوضة ويحتاج إلى العوض، لكن لا بين إضافتين محقّقتين، بل هو إنشاء للمعاملة بين العوضين، غاية الأمر لا واقعية لها إلّا بعد شراء العين، فلا بُدّ أن تقولوا إن البيع

إنشائي، لكن إذا باع فإنه يبطل، هذا أوّل الكلام، فهل ثبت بالإجماع أو بغيره؟ أما الإجماع فقدره المتيقّن هو ما إذا باع للفضولي، وأما غيره فقد سبق الكلام فيه. العمدة هي الروايات فراجعوها.

[في الروايات الناهية عن بيع ما ليس عندك]

لم يثبت إلى الآن لدينا دليل مقنع على بطلان هذا البيع، وأما تلك الأدلّة التي ذكرها صاحب (المقابس)(1) فغاية ما تبطل الكشف لا الفضولي.

العمدة هي الأخبار الواردة في هذا الباب، وهي خاصّة وعامة، والعمدة هي الخاصّة، إلّا أنه لا بُدّ من التكلّم في كِلا القسمين، والروايات العامة قد سبق الكلام عنها مستقصى في أوّل بحث الفضولي وفي المعاطاة حول قوله: “إنما يحلّل الكلام… (2). ولا بُدّ من الكلام مختصراً في المقام لكي لا يكون حوالة.

ــــــــــ[381]ــــــــــ

(1) اُنظر: مقابس الأنوار: 135، كتاب البيع، المبحث الثاني في شروط المتبايعين، البيع الفضولي، الموضع الثالث والرابع، وراجع كتاب المكاسب 3: 446، 447، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال السابع.

(2) الكافي 10: 176، كتاب المعيشة، الباب 87، الحديث 6، تهذيب الأحكام 7: 50، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 16، ووسائل الشيعة 18: 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث الرابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الروايات العامة في المقام] 

[الطائفية الأولى]

الروايات التي يمكن الاستدلال بها في المقام عدّة:

أحدها: ما يعبّر فيها: “لا تبع ما ليس عندك(1) أو نهى “النبي عن بيع ما ليس عندك”(2) مما هو مروي في الوسائل في أبواب أحكام العقود، ومنها رواية حكيم بن حزام عن النبي ومؤدّاها: إنني أبيع الشيء ثُمّ أشتريه وأسلمه، قال: “لا تبع ما ليس عندك(3).

ومحتملات هذه الرواية:

أحدها: أن تكون مختصّة ببيع الكلّيات، فإن باع الدلّال كلّياً موصوفاً ثُمّ اشتراه وسلّمه، لا يكون جائزاً، وقد وقعت هذه المسألة محلّ الخلاف بين العامة والخاصّة، في أنه هل يجوز أن يبيع الكلّي حالاً وهو ليس عنده، ثُمّ يشتريه 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

(1) مسند أحمد 3: 434، الحديث 15658، سنن ابن ماجه 2: 737، الحديث 2187، سنن ابن داود 3: 302، الحديث 3505.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 8، باب ذكر جمل من مناهي النبي، الحديث 4968، وتهذيب الأحكام 7: 230، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 25، ووسائل الشيعة17: 357، الباب 12 من أبواب عقد البيع، الحديث12.

(3) راجع وسائل الشيعة17: 357، الباب 12 من أبواب عقد البيع، الحديث12، و18: 48، أبواب أحكام العقود، الباب 7، باب أنَّه يجوز أن يبيع ما ليس عنده حالاً إذا كان يوجد، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ويسلّمه؟ فقال العامة(1) بمنعه وقال أئمتنا بجوازه(2).

الاحتمال الآخر: أنها مختصّة بالأعيان الشخصية، وبيانه: أنها ظاهرة في هذا المعنى، وهو أن ما عندك وما ليس عندك مورد لتعلّق المعاملة، فما ليس عندك يكون متعلّقاً للبيع في مقابل أن يكون ما عندك متعلّقاً له، وأما في الكلّيات فلم يتعلّق البيع في الخارج حتى يكون عندي أو ليس عندي، وإنما الخارج مصداقاً للمبيع، وقوله في رواية ابن حزام: (إني أبيع ثُمّ أشتري) محمول أيضاً على الشخصيات.

الاحتمال الثالث: أن إطلاقها يشمل الكلّيات والشخصيات معاً، وتقريب اختصاصها بالشخصيات تقريب (مدرسي)، وإلّا فإنه يقال عرفاً: (إن بعت حِملاً من الحنطة ولم يكن عندي)، فبما أنه مصداق للطبيعة يقال وبالنسبة إلى (عندك) فيها احتمالات: 

أحدها: أنه كناية عما ليس ملكك، يعني ما ليس ملكك لا يجوز بيعه.

الآخر: ما ليس تحت قدرتك وسلطتك وإن كان ملكك.

ــــــــــ[383]ــــــــــ

(1) مسند أحمد 3: 434، الحديث 15658، سنن ابن ماجه 2: 737، الحديث 2187، سنن ابن داود 3: 302، الحديث 3505.

(2) أُنظر: جواهر الكلام22: 284، كتاب التجارة، الفصل الثاني، في عقد البيع، القول في بيع الفضولي، وراجع كتاب المكاسب 3: 453، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، إشكالات صاحب المقابس، الإشكال السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الثالث: أنه يصدق على كِلا الأمرين، وإن كان صدق كلّ منهما من جهة خاصّة به.

وحينئذٍ بالنسبة إلى النهي عن بيع ما ليس عندك، بلا إشكال أن بيع الكلّيات في مذهبنا صحيح وإن لم يكن عند الإنسان حتى لو كان حالاً، فإنه وقع الخلاف في ذلك بين فقهائنا والعامة، وأجاب أئمتنا بالجواز.

وأما بالنسبة إلى العين الخارجية إذا بعتها ثُمّ اشتريها وأسلّمها، وهو محلّ البحث، فماذا نقول؟ “لا تبع ما ليس عندك” هل هو إرشاد إلى البطلان مطلقاً في الكلّيات والشخصيات معاً؟ فإنه إذا ورد النهي عما هو سبب لمطلب، يكون في نظر العقلاء مفيداً لإلغاء سببيته وكونه غير صحيح، غايته خرجنا عن هذا الإطلاق في الكلّيات، وبقيت العين الشخصية على البطلان.

وحينئذٍ فلا بُدّ أن ننظر لنرى أن ما هو متداول عند العقلاء، هل هو عبارة عن بيع الكلّيات ثُمّ شرائها وتحويلها؟ 

وأما بالنسبة إلى الأعيان فبيعها على هذه الصورة نادر الوجود في السوق، إذا كان الأمر كذلك لا نستطيع أن نقول: إن النهي إرشاد إلى البطلان مطلقاً خرج منه الكلّيات بالتقييد، وبقي العين الشخصية؛ لأنه يكون من قبيل إخراج الفرد الشايع الكثير وإبقاء الفرد النادر، وهو مستهجن.

وأما إذا قلنا بأن هذا النحو من المعاملة بكِلا قسميها في الكلّيات وفي الأعيان موجودة، وإن كانت في الكلّيات أكثر، فيرتفع الاستهجان، ومعه لا يمكن رفع اليد عن التخصيص.

ــــــــــ[384]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما إذا لم نفهم الإرشاد إلى الفساد؛ لأن الأعيان نادرة الوجود ولا يمكن تخصيص الفرد الشائع، فنقول: بالنسبة إلى بيع الكلّيات داخلة في العموم، لكن النهي نهي تنزيهي فيها، فهل يمكن الجمع بين هذين المطلبين، النهي التنزيهي والنهي الإرشادي؟ فإننا وإن قلنا(1) بإمكان استعمال اللفظ في معنيين، والإرشاد ليس مدلولاً لفظياً قد استُعمل فيه اللفظ، بل يستعمل النهي والأمر في معناه دائماً. لكن مرّة يكون النهي عنه نفسياً في نظر الشارع أو العقلاء كالنهي عن شرب الخمر، ونحوه مما هو منهي عنه بنفسه لا وسيلة إلى شيء آخر.

ومرّة: ينهى عن شيء لا بنفسه بل وسيلة لإفهام عدم شيء آخر، فكأنّه يريد أن يقول: لا تعمل فإنه لا يحصل (نكن كه نميشود ونخاهد شد)(2)، فليس الإرشاد دلالة لفظية، بل اللفظ استُعمل في معناه الحقيقي، وإنما يفهم العقلاء من الأمر الشرطية ومن النهي المانعية ومن مناسبات الحكم والموضوع. يفهمون ذلك من باب أن الشارع إنما قال ذلك ليفهموا ذلك، بعد أنه يعلم أنهم بما لهم من قواعد المحاورة يفهمون ذلك، وليس له طريقة خاصّة دونهم، وقد أمر بقيد ماهيّة أو نهى عنه، مما يتوقّع أن تكون الماهيّة صحيحة بدونه، فيفهم منه 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

(1) راجع مناهج الوصول 1: 180، المقدّمة، الأمر الثالث عشر في استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وتهذيب الأصول 1: 131، المقدّمة، الأمر الثالث عشر: في استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وجواهر الأُصول 2: 19، المقدّمة، الأمر الثالث عشر: استعمال اللفظ في أكثر من معنى.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: لا تعمل فإنه لا يمكن حصوله.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

العقلاء الشرطية أو المانعية.

فليس النهي مستعملاً في معنى البطلان مطابقة ولا كناية، ولا كونه طريقاً إليه، بل تكون الكناية ونحوها لغواً؛ لأن الاستعمال يتمّ بدونه، على أنهما يحتاجان إلى قرينة، وهي غير موجودة.

فقد قام الإجماع على صحّة بيع الكلّي، فإن لم يثبت كراهته أيضاً فلا بُدّ من التخصيص، وأما إذا أدّعى الكراهة فاللفظ مستعمل في معناه وهو البعث، وقد علمنا أن الإرادة الجدّية متعلّقة بمقدار منه بالنهي التنزيهي، وبمقدار منه بالإرشاد، فهذا ما هو محتمل.

[المحتملات في مقام الاستظهار]

وأما في مقام الاستظهار فما هو الأظهر؟؟!

قلنا: إن هناك ثلاثة احتمالات في (ما) الموصولة، وثلاثة في (عندك) واحتمالين في النهي، وقد كانت هذه احتمالات (مدرسية)، وبضرب بعضها في البعض تكون احتمالات كثيرة، ولكن الدالّ منها على المقصودة بعضها، وهي: 

1- أن تكون (ما) أعمّ من الكلّي والجزئي، و(عندك) أعمّ من السلطنة والملكية، والنهي أعمّ من الإرشاد والتنزيه.

2- أن يقصد من (ما) خصوص الجزئي، و(عندك) خصوص المالكية، ومن النهي الإرشاد إلى البطلان.

3- أن يقصد من (ما) خصوص الأعيان، والباقي أعمّ في مداليلها.

فلا بُدّ أن نرى أنه بحسب مقام الإثبات ماذا يستظهر من هذه العبارة، مرّة 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نأخذها وحدها من دون قرائن أخرى، وأخرى مع القرائن التي كانت عند الصدور.

فإذا كنّا وعبارة (لا تبع ما ليس عندك)، لا يبعد أن نستظهر من (ما) الإشارة إلى الأعيان الخارجية لا الكليات، بقرينة أن ما هو الظاهر بحسب المتفاهم العقلائي، أن ما تعلّق به البيع قد يكون عندك وقد لا يكون عندك، والكلّيات ليس حالها هكذا، فإنه قد يعبّر ويقال: (بعت حِملاً من الحنطة) ولم يكن عندي، إلّا أنه لا يخلو من مسامحة، بمعنى ليس عندي ما أفي به ما اشتغلت به ذمّتي.

والطبيعة وإن كانت متحقّقة في الخارج، لكن لا يلزم أن تكون متّصفة بتمام الأوصاف، فإن نفس الطبيعة إذا لوحظت في نفسها فهي قابلة للانطباق على كثيرين، ولكن إذا وجدت الطبيعة في الخارج فما هو الموجود في الخارج وإن كان عين الطبيعة، لكن ينسلب عنها بعض أوصافها، وهو الصدق على كثيرين، وما سلّمناه في الخارج وإن كان هو عين الطبيعة التي وقعت عليها المعاملة، لكن لا يصدق أن هذا هو الذي وقعت عليه المعاملة، فإن ما وقعت عليه هو أمر قابل للصدق على هذا وغيره، ونسبته إليه وإلى غيره سواء، فهذا المال الخارجي وإن كان هو عين الطبيعة التي تعلّق بها البيع، لكن لا بما هي قد تعلّق بها البيع.

فقولنا: (إن ما تعلّق به البيع قد يكون عنده وقد لا يكون عنده)، في الكلّيات لا يخلو من مسامحة، وأما في الجزئيات فيصدق ذلك بلا مسامحة وعلى 

ــــــــــ[387]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وجه الحقيقة، وعليه فيمكن أن يدّعى أن ظهور (ما) الموصولة هو في كونها كناية عن الموجود الخارجي بهذه القرينة.

و(عندك) ظاهرها ما كان في حوزتك وبين يديك، وأما التعبير بذلك عن المالكية ففيه معنى زائد على ما يدلّ عليه اللفظ، وإنما يعبر بذلك عن الملكية باعتبار أن لازمها أن يكون عنده، فالتعبير به عنه يحتاج إلى مسامحة، فـ(إن لم يكن عندك) إما كان في غرفة أخرى أو لم يكن تحت سلطتك، فإذا بقينا نحن وهذا التعبير (لا تبع ما ليس عندك) يرد إلى الذهن أنه يراد به النهي عن بيع ما لا يستطيع تسليمه.

ولكن العبارة ليست وحدها، فإنه في هذا الباب الذي ذكرت فيه أخبار من باع ثُمّ ملك، والباب المتقدّم عليه -من (الوسائل)- فيها لفظ (ليس عندي) و(لم يكن عندي) ونحوها، وهما في تمام الروايات يراد بها الكلّيات دون الجزئيات، وفي نظري أن رواية حكيم بن حزام يراد منها الكلّي لا الجزئي، ففي الباب السابع من أحكام العقود الرواية الأولى، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الطعام من الرجل، ليس عنده فيشتري منه حالاً، قال: ليس به بأس. قلت: إنهم يفسدونه عندنا، قال: وأيّ شيء يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأساً يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصلح…” الرواية(1).

ــــــــــ[388]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 18: 46، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقوله: (فيشتري منه حالاً) يعني في مقابل السلف الذي يكون مؤجّلاً، وهو لا يكون إلّا في الكلّيات، ففي كلّ الروايات في هذا الباب والباب الذي بعده ما عدا قوله: “لا تبع ما ليس عندك“، المراد منه ذلك. وكان هو محلّ البحث بين العامة والخاصّة.

فمن هذه الناحية بعد أن كان بيع الكلّي هو المتعارف في ذلك الحين بين الدلّالين، وهو محلّ البحث بين العامة والخاصّة، يصعب أن تُحمل على بيع عباءة الإنسان، فإنه قليل الوجود، وهناك دلالة على خلافه.

فبالرغم من الظهور الابتدائي هو ذلك، إلّا أننا لا نستطيع أن نقول إنه هو المراد، بل قد استفدنا أمرين خلاف هذا الظهور:

أحدهما: أن المراد بيع الكليات.

ثانيهما: أن المراد عدم المالكية لا عدم السلطنة.

فهذا الحديث إما أنه قيل تقية، وإما أنه نُسب إلى الأئمة كذباً، في الخلاف بين الخاصّة والعامة، مضافاً إلى ضعف السند.

[الطائفة الثانية]

الطائفة الأخرى من الروايات وقد سبق البحث فيها من جهة أخرى في باب الفضولي، وهي واردة من طرقنا ضعيفة، فإنها نقلت عن غوالي اللئالي في عدّة أبواب، وهي قوله: “لا بيع إلّا فيما تملكه(1)، وفي بعضها: “ولا عتق 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 205، باب التجارة، الحديث 47، ومستدرك وسائل الشيعة 13: 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع، الحديث 15210، وجامع أحاديث الشيعة 22: 818، الباب 1 من أبواب البيع، الحديث 1441.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إلّا فيما تملكه ولا طلاق إلّا فيما تملكه(1).

وقلنا هناك إنه فرق بين “لا تبع… ” و”لا بيع…“، فالأوّل يفيد النهي عن البيع، والثاني نفي للحقيقة ادّعاءً، وقلنا إن في مصحّح هذا الادّعاء عدّة احتمالات: إما باعتبار نفي جميع الآثار، أو أوضح الآثار وهو الصحّة، وقلنا هناك إنه نفي للصحّة الفعلية، باعتبار أن صحّة الفضولي مما لا إشكال فيه.

لكننا هنا نريد أن نقول شيئاً آخر، وهو أن الدليل يفيد نفي الصحّة أساساً، لكن لا في بيع الفضولي للمالك، فإنه مجرّد إنشاء، وهو لا يريد أن ينهى عن الإنشاء وإلّا كان بيع المأذون أيضاً باطلاً؛ لكونه غير مالك، كما أن هذا الفضولي يريد البيع للمالك، فالبيع وقع للمالك، وإنما يريد النهي عن بيع الغاصب لنفسه والسارق والخائن مما ورد الدليل على بطلانه.

فإذا قلنا: إن المراد مما ليس عندك هو العين، حينئذٍ نقول: إن السياق واحد، فيجب أن يكون متعلّق البيع والعتق مملوكاً، ويجب أن يكون متعلّق الطلاق مملوكاً بنحو من أنحاء المالكية، باعتبار أنها في حبالته، فهو مالك للزوجة بهذا النحو لا مالك لطلاقها.

وإن قلنا: إن المراد ملكية هذه المعاملات، فيكون المعنى لا بيع إلّا في ملك البيع، وهو وإن كان أبعد احتمالاً، إلّا أنه مع ذلك لا يشمل الفضولي البائع 

ــــــــــ[390]ــــــــــ

(1) راجع ما تقدّم آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

للمالك، فإنه لم يعقد لنفسه بل عقد للمالك، والمالك مالك للمبيع. نعم، يكون شاملاً للغاصب البائع لنفسه ومن يبيع برجاء أن يشتريه الذي هو محلّ الكلام.

ولكن حينئذٍ يأتي الكلام في أن المراد إذا كان هو نفي الحقيقة، فالبيع
-بحسب مراد الشارع- غير موجود فلا يمكن إجازة المالك لا في بيع الغاصب ولا فيما هو محلّ الكلام. 

أما في باب الغاصب فقد وردت صحيحة هي صحيحة محمد بن قيس، تصحّحه وتفيد أن المالك إذا أجاز صحّ بيع الغاصب.

وأما في سائر الموارد كما لو باع الغاصب لنفسه ثُمّ ملك، وأراد هو أن يجيز أو اشترى وأراد أن يجيز، أو باع شخص مال غيره رجاء شرائه منه، ثُمّ اشتراه وأراد أن يجيز، كلّ ذلك لا يكون صحيحاً، فإن الإجازة إنما تلحق بالبيع، وبحسب ظاهر الرواية -إن أخذنا به- أن هذا ليس بيعاً، وإن كان بيعاً عقلائياً إلّا أن الشارع لا يعتبره بيعاً، فلا يصحّ لحوق الإجازة به.

إذن فهذه الرواية تدلّ على البطلان، لولا أن سندها غير تامّ، فالاستدلال بها غير ممكن.

[الروايات الخاصة في المقام]

والعمدة هي الروايات الخاصّة.

كانت المسألة هي ما إذا باع شخص شيئاً خارجياً لشخص آخر، ثُمّ يشتريه من صاحبه ويسلّمه إليه، أو يجيزه، فهل هذا صحيح نظير البيع الفضولي أو غير صحيح؟!

ــــــــــ[391]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لا بُدّ أن نقرأ الروايات الواردة في المقام، ولا بُدّ أن نأخذ عدّة جهات في فهم الروايات أساساً.

أحدها: أن لا تأخذوا في ذهنكم العنوان الذي يعنونه صاحب (الوسائل) للباب، فإنه قد يفهم شيئاً من الرواية ويعقد له باباً، ولا يكون للرواية ظهور في ذلك الشيء.

ثانيها: أن لا تأخذ فهم الفقهاء في الكتب العلمية، فإن إيضاحها يبعد الإنسان عن فهم الروايات. 

ثالثها: أن تنظر إلى الرواية نظراً سوقياً لا نظراً عقلياً دقّيا، وتدخل لها بذهن السوق لا بذهن مشوب بالدقّة العقلية. فإن كثيراً من الرواة إن لم يكن كلّهم كانوا سوقيين، وبعيدين عن الدقّة العقلية.

[الاستدلال برواية خالد بن الحجاج]

من الروايات التي استدلّوا بها للمسألة: الرواية الخاصّة من الباب السابع من أبواب أحكام العقود: عنه، يعني عن الشيخ محمد بن الحسن(1)، عن خالد بن الحجاج أخي يحيى وهو مجهول(2)، وفي بعض النسخ عن خالد بن ــــــــــ[392]ــــــــــ

() وقرأ السند إلى يحيى بن الحجاج، وقال إن السند إلى هنا صحيح. (المقرّر).

(2) أُنظر: معجم رجال الحديث 8: 20، باب الخاء، الرقم 4177، ورجال العلّامة: 182، الفصل السابع والعشرون، الباب الأوّل، الرقم 17 وفيه: (وثّقه يحيى بن الحجّاج دون خالد)، ومنتهى المقال 7: 14، باب الياء، الرقم 3217.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نجيح(1) وهو مهمل، فالرواية ضعيفة(2).

أقول: ما وجدنا في نخستنا من (الوسائل) ما يلي: 

وعنه، عن ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجاج (نجيح)، قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يجيء فيقول: اشترِ هذا الثوب وأربحك كذا وكذا. قال: أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى. قال: لا بأس به، إنما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام(3).

هذه العبارة(4) فيها عدّة احتمالات:

أحدها: أنه يأمره بشراء الثوب له يعني للآمر، ويدفع المأمور الثمن من نفسه قرضاً عن الآمر، وإذا جاء بالثوب أعطاه ربحاً كذا وكذا. فكأنّ المأمور أصبح وكيلاً للآمر بالشراء وبإقراضه الثمن.

الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود الشراء للآمر أيضاً، لكن لا بنحو القرض السابق، بل يشتري الثوب بثمن كلّي ويفي المأمور ذمّة الآمر قرضاً من 

ــــــــــ[393]ــــــــــ

() أُنظر: رجال النجاشي: 150، باب الخاء، الرقم: 391، ورجال الشيخ الطوسي: 336، أصحاب الإمام الكاظم، باب الخاء، الرقم 4999، ومعجم رجال الحديث 8: 38، باب الخاء، الرقم: 4226.

(2) أُنظر: غاية الآمال 3: 393، كتاب البيع، القول في صحّة عقد الفضوليّ، القول في المجيز، الشرط الثاني، ما أورده المحقّق التستري.

(3) وسائل الشيعة 18: 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.

(4) وبعد أن قرأ السيد السؤال، قال: هذه العبارة:… (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

جيبه للآمر، ثُمّ يعطيه الآمر ربحاً كذا وكذا، فالقرض على الاحتمال السابق كان قبل البيع، وفي هذا الاحتمال بعد البيع.

الاحتمال الثالث: أن يكون الشراء للمأمور، ثُمّ بعد ذلك يشتريه الآمر منه بمعاملة جديدة مرابحةً، يعني يزيده على ثمن الثوب ربحاً.

وهذه الاحتمالات في الرواية احتمالات عرفية عقلائية، فإننا لا يمكن أن نقول إن المراد ثوب كلّي يعني هذا الثوب ونظائره، بل كان نظره إلى ثوب معيّن.

وأما احتمال أنه يريد أن يقول: (بعْ هذا الثوب لي ثُمّ اذهب واشترِه من صاحبه)، فهو غير موجود أساساً في العبارة عند من لا يريد عطف المسألة بالقهر إلى مراده ولا يكون ذهنه مشوباً بالمطالب العقلية.

والإمام قال في الجواب: – على تقدير صحّة الرواية- “أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى”. فقد استفصل الإمام بين ما إذا كان له الرفض أو ليس له، فإنه إذا أصبح المأمور وكيلاً للآمر، فإنه عند شراء الثوب ليس له حقّ الرفض؛ لأنه اشترى الثوب له.

وأما على الاحتمال الثالث وهو: ما إذا اشتراه المأمور لنفسه فللآمر أن يردّه وله أن يأخذه، فيكون البيع مرابحةً وصحيحاً، على أنه على النحو الأوّل يكون الربح ربحاً على القرض ويكون حراماً.

يبقى قوله: “إن شاء ترك وإن شاء أخذ“، الذي أوقع الآغايون(1) في 

ــــــــــ[394]ــــــــــ

(1) أُنظر: مقابس الأنوار: 270، كتاب النكاح، المقصد الأوّل: في العقد، مقابس لا ينعقد النكاح إلَّا بالكلام، راجع كتاب المكاسب 3: 447، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، الإشكال السابع، وغاية الآمال 3: 393، كتاب البيع، القول في صحة عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثاني، وأُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 139، كتاب البيع، القول في بيع الفضوليّ، المسألة الأُولى: أن يبيع للمالك مع عدم سبق منعٍ، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الاشتباه؛ إذ حسبوا أن الردّ والأخذ لا يكون إلّا للمعاملة المنجزة، وهو لا ينسجم مع ما استفدناه من صور العبارة، حيث لم يكن هذا الاحتمال يخطر على الذهن أصلاً. على حين أنهم هنا فهموا(1) أنه وقع بيع على هذا الثوب، فيسأل الإمام: إن البيع الذي وقع هل هو ملزم أو لا؟ بمعنى أنه كان مقاولة لا بيعاً، فيرجعون الأخذ والردّ إلى المعاملة، مع أنه يعود إلى المثمَن وهو الثوب، فإنه إذا كان المأمور قد اشتراه بالوكالة عن الآمر فليس للآمر الردّ، وأما إذا كان قد اشتراه لنفسه فللآمر الردّ، وحينئذٍ فتكون أجنبية عن مسألتنا أصلاً.

وهناك احتمال آخر ليس بعيداً جداً، وإن كان ما سبق أظهر منه، وهو: أن قوله (اشترِ لي ثوباً وأنا أعطيك عليه ربحاً)، يعتبر قراراً له إلزام عقلائي على قائله. فإذا ذهب المأمور فاشترى الثوب فإن الآمر ملزم بشرائه منه، والإمام يريد أن يقف أمام هذا المطلب ويقول: إنه إن كان يستطيع الأخذ والرد فلا مانع منه، وإن كان فيه إلزام عقلائي فهو بيع المكره، ولا يمكن أخذ الربح عليه لبطلان المعاملة.

والسؤال أساساً حول الربح هل هو حلال أو لا؟ وليس عن أصل حلّية 

ــــــــــ[395]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

البيع، فكان الجواب أن هذا الربح صحيح على وجه وباطل على وجه.

ثُمّ إن هذه العبارة مذيلة بقوله: “إنما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، وقد بحثنا عن ذلك في بحث المعاطاة مستقلّاً وملحقاً بهذه الرواية وبغيرها بحثاً مستقصىً.

ولكن لا بُدّ أن نبحث هنا بما هو مربوط بمحلّ الكلام.

ماذا كانت شبهة خالد بن يحيى من السؤال، هل مراده أن شخصاً إذا أمرني بهذا الأمر يكون صحيحاً أو لا؟ 

أو مراده السؤال عن الربح الذي يحصل عليه بهذا الترتيب بلحاظ كونه موعوداً من قبل الآمر، أو مراده السؤال عن صحّة البيع بلحاظ كونه ذا ربح موعود قبل ذلك؟

والاحتمال الأوّل غير مراد بلا إشكال، بل يأتي إلى النظر أن المقصود هو الثاني وهو السؤال عن الربح، ودونه الاحتمال عن صحّة المعاملة التي يذكر فيها هذا الربح، يعني: أن حصول الربح بهذه الصورة هل يكون حلالاً أو حراماً.

وقلنا: إن ظاهر الرواية هو أن قوله: “أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك“، يعود إلى البيع الثاني، فإن كان له حقّ الرفض كان الربح حلالاً، وإن كان ملزماً بأخذه كان الربح ربوياً.

ولكن مع غضّ النظر عن ذلك، وصرف كلام الإمام إلى البيع الأوّل، يعني: هل حصل بيع بحيث لا يمكن له أن يردّ؟ إذن فالربح حرام. أو لم يحصل بيع، بل مجرد المقاولة؟ إذن فهو حلال.

ــــــــــ[396]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: إن هذا البيع يكون على نحوين:

أحدهما: أن شخصاً من باب أن السوق بعيد عليه، أو ليس له مال حاضر وهو يعلم بالقيمة السوقية، فيذهب إلى صاحبه فيقول له: (إني اشتري منك أكثر من قيمة السوق بدرهمين، فاذهب فاشتره وادفعه إليّ، وبذلك تحصل على نفع)، وبحسب القواعد أن البيع الأوّل والثاني صحيح، فإذا كانت الواقعة هكذا وقد قال الإمام: (إذا كان قد باعك وليس له أن يردّ فالربح ليس حلالاً، وإذا كان له أن يردّ فالربح حلال)، حينئذٍ نفهم جزماً أن البيع غير صحيح ولو بإجازة واختيار البائع.

الاحتمال الآخر وهو الأظهر: أن الآخر حين قال: (اذهب فاشتري الثوب وأربحك كذا وكذا)، يعني أعطيك الربح بعد أن اشتريه لا قبل ذلك، فإذا كان المراد هو ذلك فيكون حاصل مراد الإمام الاستفصال عن حصول البيع قبل ذلك أو بعده، ولا يكون حينئذٍ دالّاً على بطلان المعاملة، بل دالّاً فقط على حرمة الربح. 

افرض أنك بعت العين على صاحبك بعشرة، ثُمّ ذهبت إلى السوق فاشتريتها بعشرة، وحين تسلّمها إليك تطلب منه الربح، فهذا الربح لا يكون جائزاً؛ لأنه ربح ربوي، فإن كِلتا المعاملتين ليس فيها ربح فلا يكون للربح سبب. فلا يكون نفي الإمام دليلاً على بطلان المعاملة، بل دليلاً فقط على حرمة الربح، وإنما يحلّ الربح إذا كان البيع متأخّراً عن الشراء.

نعم، إذا ارتكبنا خلاف الظاهر في خلاف الظاهر، دلّت على الحرمة، لكن 

ــــــــــ[397]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لا بالنحو الذي يقوله الشيخ(1) من أنها تكون دالّة على نفي الصحّة الفعلية مع إمكان الإجازة، بل تكون دالّة على البطلان المطلق حتى مع إذن البائع كما سبق.

إذن حتى على فرض الآغايون(2) لا تكون الرواية دليلاً على قولهم.

ثُمّ يقول الإمام -على تقدير صحّة الرواية-: معلّلاً قوله: “لا بأس … إنما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام“، هذه الرواية ضعيفة، لكن نحو هذا موجود في بعض روايات المزارعة الصحيحة، وهما روايتان صحيحتان:

 إحداها: ما عن سليمان بن خالد، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يزارع فيزرع أرض آخر، فيشترط للبذر ثلثاً وللبقر ثلثاً، قال: لا ينبغي أن يسمّي بذراً ولا بقراً، فإنما يحرّم الكلام(3).

ونحوها صحيحة -الحلبي(4)-، وليس فيها: “إنما يحلّل الكلام…”، وهناك لا بُدّ أن يكون المراد أن الكلام يكون سبباً في التحريم.

ــــــــــ[398]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 450، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، الإشكال السابع.

(2) وهو إرجاع كلام الإمام إلى البيع الأول. (إيضاح). (المقرِّر).

(3) الكافي 10: 392، كتاب المعيشة، الباب 128، الحديث 5، وتهذيب الأحكام 7: 197، كتاب التجارات، الباب 19، الحديث 19، ووسائل الشيعة 19: 42، الباب 8 من أبواب المزارعة والمساقاة، الحديث 6.

(4) الكافي10: 392، كتاب المعيشة، الباب 128، الحديث 6، ووسائل الشيعة 19: 41، الباب 8 من أبواب المزارعة، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يعني أن الشرط الذي ذكرتموه باطل ومبطل للمعاملة، وقد قلنا: إن الحرمة الوضعية والتكليفية بمعنى واحد، وإنما تستفاد الوضعية بالملازمة.

وأما هنا، فأين يرتبط هذا القول “إنما يحلّل الكلام ويحرم الكلام” بعد ذلك الكلام السابق عليه، وظاهره التعليل لقوله: “لا بأس“.

ويأتي إلى النظر ابتداءً: أنه لا يريد أن يعلّل بكِلا الجملتين حتى يقول الفيض(1) أن الكلام يحلّل بوجوده ويحرّم بعدمه، والفيض على أنه جليل في فهم الروايات، إلّا أنه هنا كان مشوباً بالعقليات، حيث تصوّر الماهيّة بما هي هي لا موجودة ولا معدومة، وقال بأنها بعدمها تحرّم وبوجودها تحلّل، والشيخ نقل كلامه ولم يعلّق عليه. في حين أن التحريم بالعدم غاية ما يمكن أن يقصد منه عدم التحليل لا التحريم بمعناه الحقيقي.

وظاهره أنه يريد أن يطبّق إحدى الجملتين على المورد لا كِلتيهما، وهو قوله: “إنما يحلّل الكلام…“، وليس كِلتا الجملتين تعليلاً حتى نتحيّر في إرجاعه، فهو في ذلك كقوله: “المؤمنون عند شروطهم إلَّا شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً “(2)، لا يريد أن يطبّق المستثنى والمستثنى منه على المورد، 

ــــــــــ[399]ــــــــــ

(1) اُنظر: الوافي 18: 700، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، الباب 109، ذيل الحديث 7.

(2) تهذيب الأحكام 7: 371، كتاب النكاح، الباب31، الحديث 66، والاستبصار 3: 232، كتاب النكاح، الباب 142، الحديث 4، ووسائل الشيعة 21: 276، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بل يريد أن يطبّق المستثنى منه فقط على المورد(1)، وإنما ذكر مجموع الجملة باعتبار ورودها عن النبي ونحو ذلك.

وإذا أرجعناه إلى الطرفين، فيمكن أن نرجع كِليهما إلى البيع نفسه، فإنه يحلّله عليكم ويحرّمه على غيركم، وأما كون البيع السابق محرّماً فيحتاج إلى مسامحة، وعلى أيّ حال فإرجاعه إلى الطرفين مسامحة، وخلاف الظاهر، والأحسن ما قلناه من أنّ هذه الجملة تحتوي على كبريين أحداهما مطبّقة على محلّ الكلام.

فتحصّل من جميع ذلك أن رواية خالد بن الحجاج إما أجنبية عن مسألتنا، أو أنها مربوطة بها ولكن لا تدلّ على فساد المعاملة، بل على حرمة الربح فقط، إلّا إذا ارتكبنا خلاف الظاهر في خلاف الظاهر، على أنها رواية ضعيفة، ودلالتها أضعف، فلا يمكن الاستدلال بها على المقصود.

[الاستدلال برواية يحيى بن الحجاج]

الرواية الأخرى يرويها يحيى بن الحجاج بلا واسطة، عن أبي عبد الله، وهي صحيحة، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل قال لي: اشترِ لي هذا الثوب وهذه الدابّة وبعنيها… -ولم نجدها في (الوسائل) ولا (المكاسب)، وتتمّتها من (المقابس)- أربحك فيها كذا وكذا. قال: لا بأس بذلك اشترها ولا تواجبه البيع، قبل أن تستوجبها أو تشتريها(2)، يأتي إلى النظر ابتداء احتمال أن 

ــــــــــ[400]ــــــــــ

() فكأنّه يقول: إن شرطكم مطابق للكتاب والسنة. (المقرِّر).

(2) الكافي 10: 166، كتاب المعيشة، الباب 85، الحديث 6، والوافي 18: 688، كتاب المعايش، الباب 108، الحديث 14، وراجع أيضاً مقابس الأنوار: 135، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، الموضع الخامس والسادس، القسم السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يكون البيع أوّلاً ثُمّ حصل الشراء، ولكنّ الظاهر أن الآمر أمره بالشراء أوّلاً، ثُمّ بالبيع عليه بالمرابحة، وهي الربح، ومحطّ السؤال هو قضيّة الربح لا المعاملة نفسها، فإن شراء الإنسان لنفسه وبيعه لا إشكال في صحّته، ولا تقع مورداً للسؤال، وإنما يأتي الإشكال بالنظر إلى الربح في الحصول عليه بهذا النحو.

وبلا إشكال أن السؤال عن العين الشخصية، فكانت هناك دابّة معيّنة وكان الآمر يريد أن يشتريها فلم يكن عنده المال اللازم، فقال للآخر اشترِها ثُمّ بعها عليّ بربح، وأما (بِعْها ثُمّ اشترِها) فهو خلاف الظاهر، ومن هذه الناحية ليس في الجواب استفصال من قبل الإمام.

وقوله: “ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها“، هل يريد أن يقول أمراً متّصلاً بما سبق، أو يريد أن يتبرّع بذكر مسألة مستقلّة؟ لا شكّ في ارتباطه في السابق، فهو يريد أن يقول: (إذا بعت ثُمّ اشتريتها وسلّمتها وطلبت ربحاً، يكون ذلك الربح على القرض ويكون حراماً)، أما إذا كان المراد النهي عن بيع ما ليس عنده، فإنه يكون المطلب أجنبياً عن السابق(1).

ــــــــــ[401]ــــــــــ

() أقول: لا شكّ بظهور قوله: “ولا تواجبه …”. بالنهي عن بيع العين الشخصية قبل أن يشتريها ويملكها، وهو المعبّر عنه ببيع ما ليس عنده، وأما كون حرمة الربح من أجل كونه ربحاً على القرض فهو في غاية البعد، وهو من (اللغز) حسب ما عبّر عنه بعض الإخوان. فكأنّ الإمام يريد أن يقول: إنك بعد هذا الأمر وهذه المقاولة لا تبادر إلى البيع ثُمّ تشتري العين وتدفعها، بل اشترها أوّلاً ثُمّ بعها للآمر. وبذلك يستقيم السياق من دون حاجة إلى فرض القرض كما هو واضح.

ومن المعلوم أن تحصيل الربح لا ينحصر بالشكل الذي ذكره السيد، وهو: أن يبيعها أوّلاً بعشرة، ثُمّ يشتريها بعشرة، ويطلب عليها ربحاً لم يذكر في المعاملتين، فإنه محرّم حتماً. بل هناك طريقة أخرى جائزة مع غضّ النظر عن حرمة بيع ما ليس عنده- وهو الربح في البيع للآمر حال كون البيع مقدّماً على الشراء أو مؤخّراً، وهذا واضح، وأما استبعاد أن يسأل عن الشراء لنفسه وبيع ما يشتريه، فهو بصرف وجوده وإن كان واضحاً، إلّا أنه بعد أن يختلط ويضاف إليه المقاولة والربح في البيع المتقدّم يكون مورداً للسؤال، ولا يكون بذلك الوضوح. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فالرواية صحيحة من حيث السند، وموردها العين الشخصية، بلا إشكال، لكن السؤال ليس عن بيع ما ليس عنده، بل عن الربح أساساً، ويريد أن يقول: إذا عقدت ثُمّ اشتريتها وسلّمتها يكون الربح حراماً.

وأنا أظنّ -كما هو الواقع- أن هناك مسألتين كانتا محلّ البحث: 

إحداهما: بيع ما ليس عندك، وإنما كان البحث في الكلّيات دون الجزئيات، فكانت العامة تبطله(1) على ما نُقل عنهم(2)، والأئمة صحّحوه، وهو غير مربوط بمسألتنا.

ــــــــــ[402]ــــــــــ

(1) راجع سنن ابن ماجة 2: 737، الباب 2، باب النهي عن بيع ما ليس لك وعن ربح ما لا يضمن، الحديث 2187 و2188، وسنن أبي داود 2: 144، الباب 34، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، الحديث 3503 و3504.

(2) نقله في تذكرة الفقهاء (ط. حديث) 10: 14، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الثالث: في المتعاقدين، المسألة الخامسة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والمسألة الأخرى: أن هذا النحو من الربح ما حاله، سواء في الكلّيات أو الجزئيات؟ وقد جوّز الإمام قسماً منه، ومنع قسماً، فجوّز ما إذا كان اشتراه ثُمّ باعه مرابحة، ونهى عن ما إذا باعه ثُمّ اشتراه وأراد عليه ربحاً، وهذا لا يفرّق فيه بين الكلّي والجزئي، وقد خلط الشيخ والآخرون بين هاتين المسألتين(1).

[رواية منصور بن حازم]

الرواية الأخرى التي تمسّكوا بها على المقصود: الرواية السابعة من الباب الثامن، صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله في رجل أمر رجلاً يشتري له متاعاً؛ فيشتريه منه. قال: “لا بأس بذلك إنما البيع بعدما يشتريه(2).

والظاهر أنه يشتري متاعاً كلّياً أو أعمّ من الكلّي والجزئي، يعني إما هذا المتاع أو غيره، وهو إنما يشتريه منه بالربح، وإنما لم يذكر ذلك لوضوحه، فإن حكم البيع والشراء ليس محلّ إشكال ليسأل عنه، ولم يقع محلّ خلاف بين العامة والخاصّة، فما هو مورد السؤال هو الربح الذي سُئل عنه في الروايات السابقة، وإنما ترك ذكره لوضوحه وقيام أعمال الدلّالين عليه، وقوله: “لا بأس بذلك إنما البيع بعدما يشتريه“، يعود إلى ما سبق من كون الربح جائزاً وغير 

ــــــــــ[403]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 367 وما بعدها، كتاب البيع، صور بيع الفضوليّ، المناقشة في الاستدلال بالروايات.

(2) تهذيب الأحكام 7: 50، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 18، ووسائل الشيعة 18: 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ربوي فيما إذا اشترىالمتاع ثُمّ باعه(1).

[الاستدلال بصحيحة معوية بن عمار]

الرواية الثامنة في نفس الباب: صحيحة معاوية بن عمار، قال: “قلت لأبي عبد الله: يجيئني الرجل يطلب مِنّي بيع الحرير، وليس عندي منه شيء، فيقاولني عليه وأقاوله على الربح والأجل، حتى نجتمع على شيء، ثُمّ أذهب فاشتري له الحرير فأدعوه إليه. فقال: أرأيت إن وجد بيعاً هو أحبّ إليه مما عندك، أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك؟ أو وجدت أنت ذلك، أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس(2).

ــــــــــ[404]ــــــــــ

() أقول: بعد أن فهم الإمام من ظاهر السؤال أن البيع للآمر يكون بعد الشراء بدلالة فاء (فيشتريه)، قال: “لا بأس بذلك إنما البيع بعدما يشتريه”، وهذه الجملة إخبارية بظاهرها وليست إنشائية في مقام الأمر ولا النهي، ولا مفهوم لها، فكأنّه قال: (لا بأس بذلك؛ فقد وقع البيع بعدما يشتريه). ومن هنا لا يمكن الاستدلال بها على بطلان البيع الذي هو محلّ الكلام بمفهوم الحصر. إلّا أن ظهور العبارة في التعليل مما لا يمكن إنكاره، فكأنّه قال: (لا بأس بذلك لأجل أن البيع وقع بعدما يشتريه)، ومن هنا يعرف أن في نظر الإمام أن وراء هذه المسألة مسألة أخرى محرّمة، وهي ما إذا لم تكن هذه العلّة متوفّرة، وهو ما إذا باع قبل أن يشتريه، فإنه يكون فيه بأس، أما في المعاملة نفسها أو في الربح الناتج عنها، لا بصفته ربوياً كما يذكر السيد، بل في نفس الربح الذي يذكره في البيع المتقدّم على الشراء، فإذا بطل الربح دلّ بالملازمة على بطلان المعاملة نفسها، وهذا واضح ولا أعلم كيف يخفى على الأعلام. (المقرِّر).

(2) الكافي 10: 174، كتاب المعيشة، الباب 87، الحديث 5، وتهذيب الأحكام 7: 50، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 19، ووسائل الشيعة 18: 50، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وهو كالصريح في أن الربح لا بأس به، فإنه يسأل عن أن هذه المقاولة في الربح والأجل هل تكون موجبة للربا أو ليست موجبة له.

أقول: مع تسليم هذا الظهور، فإنه الربح الذي يكون في البيع الذي يقع قبل الشراء لا في القرض الذي ليس في الرواية منه عين ولا أثر، ومعه يكون استفصال الإمام منصبّاً حول ما إذا كانت تلك المقاولة بيعاً ملزماً قبل الشراء؛ فيكون الربح فيها باطلاً، ويفهم بالملازمة بطلان المعاملة، وإن كانت غير ملزمة، ويبيعه بعد أن يشتريه؛ فيكون الربح حلالاً والمعاملة صحيحة. ولكنّ الرواية مع ذلك لا تكون دالّة على المقصود وهو بطلان المعاملة في الأعيان الشخصية. فإنها ظاهرة في الكلّيات، إلّا أن يعمّم الحكم بالبطلان بموجبها إلى كِلا القسمين، إن لم تقع هذه الرواية طرفاً للمعارضة مع الروايات المجوّزة لهذا البيع في الكلّيات.

[الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم]

الرواية التاسعة في الباب صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: “سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لي متاعاً لعلّي اشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من أجله، قال: ليس به بأس إنما يشتريه بعدما يملكه(1).

ــــــــــ[405]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 51، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 20، ووسائل الشيعة 18، 51، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 8.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هذه الرواية فيها إبهام بأن الشراء إذا كان قبل أن يملكه لا يقع صحيحاً، ولكنّ هذا وهم غير صحيح، فإنه إذا كان قد باعه عليه ثُمّ اشتراه وسلّمه وربح عليه، يكون الربح حراماً، فإنه ربح على القرض. وأما لو اشتراه وباعه بعد أن يملكه، فيكون الربح حلالاً(1).

[الإشكال بالروايات التي ظاهرها البيع الكلي]

ثُمّ راجعوا روايات البيع الكلّي، التي قال الشيخ(2): إنها محمولة على الكراهة، وهو غير تامّ؛ لعدم الفرق بينها وبين الشخصيات.

الشيخ أيّد مطلبه برواية الحسن بن زياد الطائي، قال: “قلت لأبي عبد الله: إني كنت رجلاً مملوكاً، فتزوّجت بغير إذن مولاي، ثُمّ أعتقني الله بعدُ، فأجدّد النكاح؟ قال: فقال: علموا أنك تزوّجت؟ قلت: نعم، قد علموا 

ــــــــــ[406]ــــــــــ

() أقول: لم تكن المقاولة الأُولى بيعاً بلا إشكالٍ؛ بقرينة قوله: (لعلّي أشتريه منك)؛ فهو إنما يشتريه منه بعد أن يملكه، فلا يمكن أن يدلّ السؤال على المطلوب. نعم، قد يكون جواب الإمام الظاهر في الحصر أو التعليل -على ما سبق بيانه- دالّاً على بطلان البيع السابق على الشراء وبطلان الربح فيه. وممّا يهوّن الخطب في هذه الرواية كون المتاع كلّيّاً على المظنون، كما أنها مسبوقةٌ بروايتين صحيحتين سنداً ودلالةً، وهما حجّةٌ على البطلان في الأعيان الشخصيّة، أعني: صحيحة محمّد بن الحجّاج وصحيحة منصور بن حازم. انتهى. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 453، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، ما أورده المحقّق التستري على الصحّة، الإشكال السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فسكتوا ولم يقولوا شيئاً. قال: ذلك إقرار منهم، أنت على نكاحك (1).

قال الشيخ(2): فإنها ظاهرة بل صريحة في أن علّة البقاء بعد العتق على ما فعله بغير إذن مولاه، هو إقراره المستفاد من سكوته، فلو كان صيرورته حرّاً مالكاً لنفسه مسوغة للبقاء مع إجازاته أو بدونها، لم يحتجّ إلى الاستفصال عن أن المولى سكت أم لا، للزوم العقد على كلّ تقدير.

وعندنا احتمالان آخران في الاستفصال:

أحدهما: إذا كان باب الفضولي على الكشف، فلا فرق بين إجازة العبد بعد حرّيته وبين إجازة مولاه، فإنه يصحّ من الأوّل على أيّ حال. وأما على النقل فيختلف زمان ابتداء الزوجية على اختلاف الإجازتين، وحينئذٍ يكون لها آثار، فيحتمل أن يكون الاستفصال بلحاظ هذه الآثار، وحينئذٍ لا تكون الرواية دليلاً على مطلوب الشيخ.

ثانيهما: أن يكون الاستفصال بلحاظ أنهم لو علموا لردّوا، فإنه عند ردّهم يحتاج إلى عقد جديد، ومع عدم ردّهم لاستئناف العقد، ومعه لا يصلح أن يكون دليلاً على المطلب، وأنه على أيّ حال لا يفرّق.

ــــــــــ[407]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 447، كتاب النكاح، باب المملوك يتزوّج بغير إذن سيّده، الحديث 4549، وتهذيب الأحكام 7: 344، كتاب النكاح، الباب 30، الحديث 37، ووسائل الشيعة 21: 118، الباب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث3.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 454، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، ما أورده المحقّق التستري على الصحّة، الإشكال السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقد استشهد الشيخ بالرواية الضعيفة، وأعرض عن روايتين صحيحتين، في نفس الباب من الوسائل وهو باب 24 من أبواب نكاح الإماء:

إحداهما: بنفس مؤدّى تلك الرواية، وهو ما عن معاوية بن وهب، قال: “جاء رجل إلى أبي عبد الله فقال: إني كنت مملوكاً لقوم، وإني تزوّجت امرأة حرّة بغير إذن مواليّ، ثُمّ أعتقوني بعد ذلك، فأجدّد نكاحي إياها حين أُعتقت؟ فقال له: أكانوا علموا أنك تزوّجت امرأة وأنت مملوك لهم. فقال: نعم، وسكتوا عنّي ولم يغيّروا عليّ. فقال: سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم، اثبت على نكاحك الأوّل(1)

ثانيهما: ما عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله، في حديث المكاتب، قال: “لا يصلح له أن يحدث في ماله إلّا الأكلة من الطعام، ونكاحه فاسد مردود. قيل: فإن سيده علم بنكاحه ولم يقل شيئاً، فقال: إذا صَمَت حين يعلم ذلك، فقد أقرّ. قيل: فإن كان المكاتب عتق، أفترى يجدّد نكاحه، أم يمضي على النكاح الأوّل؟ قال: يمضي على نكاحه(2).

ــــــــــ[408]ــــــــــ

(1) الكافي 11: 90، كتاب النكاح، الباب 119، الحديث 4، تهذيب الأحكام 8: 204، كتاب الطلاق، الباب 9، الحديث 25، ووسائل الشيعة 21: 117، الباب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(2) الكافي 11: 92، كتاب النكاح، الباب 119، الحديث 6، من لا يحضره الفقيه 3: 130، باب المكاتبة، الحديث 3484، وتهذيب الأحكام 7: 352، كتاب النكاح، الباب 30، الحديث 65، ووسائل الشيعة 21: 117، الباب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فيه احتمالان:

أحدهما: أن نفس الشخص السابق الذي قال عنه الإمام: (إن سكوتهم عنه إقرار لنكاحه)، إذا تحرّر يمضي على عقده السابق، ويكون السؤال باعتبار احتمال أنه ما دام مملوكاً تبقى زوجيته، وإذا أعتق يخرج عن زوجيته، ويحتاج إلى تجديد العقد، وهذا يبعد أن يكون مورداً للسؤال، بحيث يكون العتق بنفسه يحتمل أن يكون موجباً للفرقة كالطلاق.

ثانيهما(1): أنه سؤال مستأنف عمّا إذا أُعتق المكاتب ولا يعود إلى أصل المسألة، وهو سؤال حسابي يصحّ طرحه.

فيستفاد من الرواية مطلبان على خلاف مراد الشيخ الذي جعل تلك الرواية مؤيّداً له:

أوّلاً: أنه يصلح أن يكون ردّاً له.

وثانياً: أن الرواية دالّة على عدم الحاجة إلى إجازة جديدة، بل يستمرّ على نكاحه الأوّل، وهو خلاف ما يقوله من أنه محتاج إلى إجازة جديدة.

ثُمّ إن هناك جهات أخرى تعرّض لها الشيخ:

إحداها: أننا نفرض أن استفادة الشيخ تامّة، وهي أن بيع المملوك لا يجوز إذا كان في الأعيان الشخصية. فهل لا بُدّ أن نقول -كما قال الشيخ(2)– من أنه 

ــــــــــ[409]ــــــــــ

() وهو خلاف ظهور اللام في (المكاتب) في العهدية وخلاف وحدة السياق وإن كان السيد يميل إليه. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 454، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، ما أورده المحقّق التستري على الصحّة، الإشكال السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مخصوص بمورد الرواية؛ لأن القواعد تقتضي خلافه، وموردها ما إذا باع لنفسه، ولم يكن الذي باع متوقّعاً الإجازة، لا لإجازة المالك ولا لإجازة البائع إذا صار مالكاً، وأما سائر الفروض فيكون صحيحاً كما لو باعه على ثالث أو باعه متوقّعاً للإجازة.

نقول: ما هو مورد الروايات، هل هو كما يقول الشيخ؟ الواقعة هي: أنه أمره بأن يشتري فيشتريه منه، وفرضنا أن معناه: أنه يبيعه عليه ثُمّ يشتريه ويدفعه بقرينة استفصال الإمام، فهذا المورد هو مورد توقّع الإجازة لا أنه مورد عدم توقّعها، ويكفي في الإجازة هو التسليم فإنه إجازة فعلية. فما يقوله الشيخ من أنّ المورد هو ما إذا اشترى لا متوقّعاً للإجازة لا من المالك ولا من البائع إذا صار مالكاً غير تامّ.

أقول: على النحو الذي قلناه من فهم بطلان المعاملة من الصحاح السابقة، هو: أننا فهمنا ذلك من التعليل أو الحصر في جواب الإمام، ولم يكن السؤال دالّاً على شيء من ذلك في أيّ رواية كانت. ومن هذه الناحية لم يكن للحكم بالبطلان مورد معيّن في الرواية أصلاً. وحينئذٍ لا يبقى لدينا إلّا إطلاق المفهوم الدالّ على البطلان. وحينئذٍ يكون من المستطاع القول: بأننا نأخذ بالقدر المتيقّن منه، ويكون المورد المشكوك داخلاً تحت عمومات النفوذ كـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ ونحوها. والقدر المتيقّن هو أسوء الفروض لا محالة، وهو الذي ذكره الشيخ وشبهه، وأما غيره فيكون على هذا التقريب صحيحاً. إلّا أن هذا لا يتمّ، فإن إطلاق المقيد لا محالة مقدّم وحاكم على إطلاق العام(1).

ــــــــــ[410]ــــــــــ

() ولا وجه للأخذ بالقدر المتيقّن بعد وجود الإطلاق اللفظي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فما دام العنوان الخارج بالتقييد صادقاً كانت المعاملة باطلة. والعنوان المستفاد من قوله: “إنما البيع بعدما يشتريه” أنه متى ما كان البيع قبل الشراء لم يصحّ، سواء كان البيع لنفسه أو لشخص آخر متوقّعاً للإجازة أو لم يكن. فتأمّل.

إلا أن يقال: إن هذا النهي ينصرف إلى ما كان عليه ديدن السوق في ذلك الحين، وتكون غيرها من الصور داخلة تحت عمومات التنفيذ. انتهى.

الآن نرى أن الفروض الخارجة عن مورد الرواية ما حالها، هل يفهم العرف أن اعتقاد البائع والمشتري له دخل في البطلان، أو يرى -بحسب الحقيقة- أن بيع مال الناس غير جائز، وأنه باطل لأجل ذلك؟ ففي مثل ذلك لا يفرّق بين أن يبيع لنفسه أو لشخص آخر، فالنهي ليس لأجل أنه يبيع المال لنفسه، بل لأجل أنه يبيع مال الغير للغير، وهو نفسه بما أنه غير المالك يكون بيعه باطلاً، فلو باع عن ثالث واشتراه الثالث وحوّله أيضاً يكون باطلاً، وقد كان البيع لنفسه أولى بأن يقال بصحّته مما إذا باع لثالث.

فهناك جهتان من الإشكال في كلام الشيخ:

إحداهما: أن الروايات ليست كما قاله.

ثانيهما: أن العرف يتعدّى بإلغاء الخصوصية لغير مورد الرواية.

فإذ ا تمّت المسألة على ما قاله الآغايون فإن تمام الفروض تكون باطلة.

ثُمّ يذكر الشيخ فرعاً آخر وهو ما إذا باع للمالك وأصبح مالكاً كيف يكون حاله؟ وهي مسألة غير مربوطة بما نحن فيه، فإن البيع الفضولي الأوّل كان تامّاً 

ــــــــــ[411]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

في هذه الصورة، بحيث لو أجاز المالك لصحّ، فهل إذا ملك العين لا يجوز له الإجازة مثل بيع الغاصب، أو تكون الإجازة له جائزة والمعاملة صحيحة؟

[الأقسام المتصورة في المسألة]

الأقسام المتصوّرة هنا هي: أن يبيع لنفسه، أو للمالك، أو لشخص ثالث. وعلى أيّ حال مرّة يريد المالك الإجازة، وأخرى يريدها الأجنبي إذا ملك، وثالثة يريدها نفس هذا الشخص إذا أصبح مالكاً.

مرّة نرى أنه هل كلّ الأقسام مشمولة للروايات إذا كانت دالّة على البطلان، أو أنها مخصوصة بالصورة التي ذكرها الشيخ(1)، والتي قلنا إنها ليست هي القدر المتيقّن للأخبار؟ وعلى أيّ حال فهناك بعض الصور التي لا تشملها ألفاظ الأخبار، مثلاً “لا تبع ما ليس عندك(2) أو “لا بيع فيما لا تملكه(3)، لا شكّ في أنه إذا ألقي إلى العقلاء كما أنهم بحسب إلغاء الخصوصية العرفية لا يرون الاختصاص بالمخاطب، كذلك يفهمون من اللفظ: أن القضيّة ليست 

ــــــــــ[412]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 454، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، ما أورده المحقّق التستري على الصحّة، الإشكال السابع.

(2) سنن أبي داود 3: 302، كتاب البيوع، الباب 34، الحديث 3505، وسنن ابن ماجة 2: 737، كتاب التجارات، الباب 20، الحديث 2187، ومسند أحمد بن حنبل 3: 434، الحديث 15658.

(3) عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 205، باب التجارة، الحديث 47، ومستدرك ووسائل الشيعة 13: 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع، الحديث 15210.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

قضيّة البيع عن نفسه، بل القضيّة قضيّة بيع مال الغير، وأن مال الناس لا بُدّ أن يباع عن ملّاكه لا عن غيرهم، ومن هنا يفهم بطلان ما إذا باع مال الغير لثالث، ولكنّها لا تشمل البيع للمالك، فإنه فضولي صحيح.

ثُمّ إنه بالنسبة إلى من يريد الإجازة من المالك أو البائع أو الشخص الآخر إذا ملك، إذا باع لنفسه أو لثالث، وأراد المالك أن يجيز، فالكلام فيه نفس الكلام في بيع الغاصب، وقلنا: إنه ليس أن الغاصب أدعى أنه مالك وباع عن المالك، كما قال السيد وتابعه عليه النائيني(1)، فإن هذا وإن كان متصوّراً إلّا أنه غير واقع في الخارج، فإنه يقول: (أنا مالك ويبيع عن نفسه)، لو كان الادّعاء صحيحاً. بل قلنا: إنه ليس ادّعاءً، بل تختلف الأغراض في اختلاف هذه الصور، فإن الغاصب يريد الربح لنفسه والمالك أيضاً يريده لنفسه، والفضولي يريد الربح للمالك، فلو قال الفضولي: (بعتك لنفسي على أن أملك أنا الثمن)، فأبرز القيود، فبما أن المعاملة وقعت على الموجود الخارجي، فالقيود لا تعدّده، فتكون القيود ملغاة، فتكون الإشارة مقدّمة عليها.

وأما إذا باعه عن مالكه وأراد هو الإجازة فليس هذا نظير ذلك، بحيث نقول: إن عين المال مال الغير والبيع وقع عليه، فيقع البيع للمالك، وأنت تريد البيع الواقعي على هذا الأمر الخارجي، وتصرّفه عن حاله؛ لأنك تريد إلغاء قيد المالك وتدّعي أنه لك. إلّا أن يقال: إنه باعه لكلّي المالك، ولكنّه ليس أمراً 

ــــــــــ[413]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 271، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

سوقياً ولا مفهوماً عقلائياً. نعم، بناءً على ما قاله السيد(1) من أنّ البيع مبادلة مال بمال مبهماً، يصحّ. ولكن الأمر ليس كذلك، والثمن يجب أن يدخل في جيب من خرج منه المثمَن، والإجازة يجب أن تطابق العقد بقيوده، ونحن هناك صحّحناه باعتبار وقوع العقد على العين الخارجية، وهو هنا لا يمكن.

فإذا باعه المالك وأراد هو أو الثالث أن يجيز بعد أن أصبح مالكاً، لا يمكن أن نصحّحه.

[لو باع لنفسه ثم تملكه ولم يجز]

الشيخ يقول(2): إنه يتّضح من هذه المسألة مسألة أخرى: وهي أن يبيع مال الغير عن نفسه ثُمّ يملكه ولا يجيز. فهنا كلامان:

أحدهما: أن هذا هل يحتاج إلى الإجازة أو لا يحتاج، فينتقل إلى الغير بلا إجازة؟

ثانيهما: أنه على تقدير الاحتياج إلى الإجازة هل هو ملزم بالإجازة أو لا؟

[1- هل يحتاج الإجازة أو لا؟]

أما المسألة الأولى: فيقول الشيخ: إن البيع وإن كان على العين، لكنّه حينئذٍ كان على مال الغير، والآن أصبح مالكاً، والناس مسلّطون على أموالهم، بقطع 

ــــــــــ[414]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 141، كتاب البيع، القول في الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 457، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

النظر عن الأخبار الدالّة على الفساد، وإنما الكلام على القواعد.

نقول: شكّنا ليس إلّا في لزوم مقارنة البيع والمالكية، وأنه إذا أراد أن يبيع عن نفسه فهل لا بُدّ أن يكون مالكاً حين البيع، أو يكفي أن يكون مالكاً بعد ذلك؟ ونحو هذا يقال في آية إلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(1) في أن الرضا هل لا بُدّ أن يكون مقارناً، أو يكفي أن يكون منفصلاً؟ ونحوه يقال في مثل “لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه(2) بناءً على شموله للوضعيات، هل نحتاج إلى طيب النفس في المعاملة، أو نحتاج إلى طيب زائد على ذلك؟ فنحن نحتاج إلى الرضا بالتجارة وإلى الرضا في تصرّف المشتري أيضاً، وقلنا: إن هذا غير معقول، وإنما غاية ما نتوخّى هو أن لا يكون بيع المكره. ولا نحتاج إلى رضا وطيب نفس زائد.

وهذا البيع بلا شكّ بيع صادر عن طيب نفس ورضا، غاية الأمر أن رضاه لم يكن مؤثّراً قبل أن يصبح مالكاً، ولكنّه بعد أن أصبح مالكاً فقد عمل تجارة وكان له طيب نفس صادر من المالك، وغاية شكّنا هو في لزوم المقارنة بين 

ــــــــــ[415]ــــــــــ

(1) النساء: 29.

(2) متشابه القرآن (ابن شهر شوب) 2: 230، سورة النور: آية 61، وعوالي اللئالي العزيزية 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 98، ووسائل الشيعة 14: 572، الباب 90 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث2، والسنن الكبرى (البيهقي) 6: 100، كتاب الغصب، الباب 8، الحديث 11877، وسنن الدار قطني 3: 424، كتاب البيوع، الحديث 2885.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المالكية والمعاملة ليس إلّا، وهذا الشكّ كسائر الشكوك التي قد ترتفع بـتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ ونحوها من العمومات، وكذلك لو شككنا في مقارنة الرضا للمالكية، أيضاً يكون منفياً بالعمومات، مثلاً لو باع الراهن بطيب نفسه، ولم يكن لطيب نفسه أثر، فإننا نحتمل نفس الاحتمال، وهو شرطية مقارنة الرضا مع المالكية، ويندفع أيضاً بالعمومات.

ونحن مع احتمال أن الإجازة غير لازمة، فإننا لا نعلم بلزومها، وإنما
-بقطع النظر عما سبق- نشكّ في ذلك، فتكون شبهة مصداقية لقوله: “الناس مسلّطون على أموالهم(1)؛ لأني احتمل أنه ليس مالاً له، لأني احتمل أنه بمجرّد الشراء ينتقل إلى المشتري، وليس مالي، ولا بُدّ في شمول الدليل من إحراز موضوعه وهو المال، فلا يكون مشمولاً له.

ونحتاج في تتميم موضوعه إلى الاستصحاب.

إذا شككنا في أن هذا العقد يحصل به النقل مستقلّاً، أو يحتاج إلى الإجازة، فهل يمكن تتميم المطلب بقاعدة السلطنة وحديث “لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه“؟

وقد كان بياني بالأمس قاصراً؛ ولذا استشكل وقيل: إنه بعد العقد الثاني أصبح مالكاً، فكيف تقولون أنه يجب عليه دفع العين وإن لم يجز، فإن هذا يكون خلاف سلطنة المالك.

ــــــــــ[416]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، كتاب العقل والعلم والجهل، الباب 33، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نعم، بعد أن اشترى أصبح مالكاً، ولكنّنا نقول إنه يدفع العين باعتبار سلطنته لا قهراً عليه، فإنه قد أوجد السبب باختياره وسلطنته، مثلاً إذا كان البائع أصيلاً والمشتري فضولياً، فلم يحصل الانتقال من حين الإيجاب، والمالك -من طرف المشتري- حين يجيز، تنتقل حينئذٍ العين من البائع إليه، فهل هذا يكون خلاف دليل السلطنة وقهراً عليه، أو أنه -في الحقيقة قد أوجد السبب الناقل باختياره، وبعد الإجازة تلتحق الإجازة بذلك الإيجاب ويحصل التأثير؟ 

[النظر في استدلال الشيخ]

فهنا أيضاً الانتقال الذي نحتمله حصل بتسبيب منه، ولا يكون ذلك خلاف دليل السلطنة بل مؤيّداً لها، فإن النقل بتسبيب منه لا قهراً عليه.

ولذا حين يقول الشيخ إنه يقع التعارض بين العمومات ودليل السلطنة.

نقول: لا تعارض بينهما؛ لأن النقل حصل بتسبيبه. غاية الأمر أنه أوجد سبباً قبل الملكية، وحين حصلت الملكية انتقل المال بذلك السبب. نعم، لو جزمنا بأن العقد غير مؤثّر حتى بعد ملكه كان مقتضى السلطنة أن له أن يدفع العين وله أن يمسكها عنده.

فلو شككنا وقلنا إنه لا يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة ولا حديث “لا يحلّ…“، فهل يمكن باستصحاب الملكية أن نعمل عملاً؟ فإن العين ملكها هذا الشخص (الذي باع ثُمّ اشترى) بلا إشكال، فإن انتقال العين بدون أن يملكها البائع غير محتمل؛ لأن الملكية جزء سبب في الانتقال فلا بُدّ من تحقّقها، 

ــــــــــ[417]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذن فقد ملك العين آناً ما، فإذا شككنا أنه انتقل إلى ملك الغير أو لا، نستصحب بقاء الملكية.

فـمرّة: نريد تتميم الـمطلب بهذا الاستصحاب، وأخرى: نجعل هذا الاستصحاب منقّحاً لموضوع أمر آخر على ما سنقول.

فإذا أردنا أن نرتّب المطلب على نفس الاستصحاب بأن نقول: كان هناك عقد واقع على هذه العين الخارجية لنفسه، وحين اشتراها نشكّ بانتقالها إلى الغير، فنستصحب، ونأخذ النتيجة هكذا: أن الإجازة نحتاجها لأجل الانتقال.

فهنا يمكن اعتبار الإجازة على أحد نحوين:

النحو الأوّل: أن تكون الإجازة جزءاً للسبب الناقل، ويكون الموضوع مركّباً من العقد وإجازة المالك، فهنا يمكن أن يتمّ المطلب بالاستصحاب؛ لأن العقد ثابت بالوجدان من هذا الشخص، والإجازة من المالك حصلت بالاستصحاب، ولا يكون الاستصحاب مثبتاً.

النحو الثاني: أن تكون الإجازة شرطاً أو قيداً في تأثير العقد السابق في النقل، فحينئذٍ لا يمكن تتميم المطلب بالأصل؛ لأنه وقع العقد بالوجدان، وهذا المجيز مالك بالأصل، وتكون النتيجة: أن هذه الإجازة التي وقعت منه سبب لتأثير العقد السابق الواقع منه، وإن شرط ذلك العقد أو قيده موجود، وهذه مسألة عقلية لا شرعية، وهو تأثير المشروط عند وجود شرطه.

فإن اعتبرت الإجازة جزءاً لم يكن الأصل مثبتاً، وإن اعتبرت شرطاً وقيداً 

ــــــــــ[418]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لم يكن الأصل مثبتاً(1).

[دعوى الشيخ في استصحاب حكم المخصص]

الشيخ يقول(2): إننا إذا قلنا: إن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ شامل للمقام، ففي حال عدم كونه مالكاً لا وجوب وفاء عليه. وبعد أن أصبح مالكاً يجب عليه الوفاء بالنحو الذي قلناه فيكون استصحاب حكم المخصّص مقدّم على عموم العامّ، وقد أنكر المحشّون(3) أن يكون المقام داخلاً في هذه القاعدة، فكيف نتصوّر 

ــــــــــ[419]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى أن الاستصحاب بهذا النحو الذي ذكره السيد مما لا حاجة إليه، فإننا إذا شككنا في أن هذا البيع باطل أساساً أو أنه صحيح بالإجازة، فإننا نتمسّك بالعمومات لتصحيح العقد الأوّل، ولا ينفع استصحاب الملكية؛ لأن إجازة المالك للعقد الباطل غير ذات أثر، فكيف بمستصحب الملكية؟

وإذا شككنا، كما هو في محلّ الكلام، في أننا نحتاج إلى الإجازة في تأثير العقد السابق، أو أن العقد صحيح بلا إجازة؛ فاستصحاب الملكية يفيد في إثبات الحاجة إلى الإجازة بتقريب: أننا كنّا نعلم بكونه مالكاً قبل التسليم بدون إجازة، ونشكّ بأنه خرج عن ملكه بالتسليم بدون إجازة، فنستصحب ملكيته، وإنما ينتفي هذا الاستصحاب مع العلم بالانتقال وهو حال الإجازة. وهذا لا يفرّق فيه بين أن تكون الإجازة جزءاً للسبب الناقل أو شرطاً له؛ لأنها لم تقع مجرىً للاستصحاب ولا نتيجةً له. وإنما غاية ما أنتج الاستصحاب هو بقاء ملكيته، فنحتاج إلى الإجازة في رفعها. انتهى. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 458، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، فرع: لو باع لنفسه ثُمَّ ملكه… .

(3) أُنظر: غاية الآمال 3: 394، كتاب البيع، القول في صحّة عقد الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثاني، ما أورده المحقّق التستري على الصحّة، أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 73، القول في العقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثانية، أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 167، القول في الفضولي، استقصاء القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 138، الكلام في بيع الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثانية، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المسألة حتى تكون المسألة مسألة تخصيص؟

هنا مسألة: وهو أنه حين وقع العقد الأوّل منّي، يجب عليّ بحسب القاعدة الوفاء به، فيجب عليّ أن اشتري العين لأدفعها له. وحينئذٍ يقال: إننا علمنا من الخارج أنه في حال عدم الملكية لا يجب عليه الوفاء، فيكون هذا الحال خارجاً بالتخصيص، ونشك(1) أنه بعد العقد وجب عليه الوفاء فنستصحب العدم(2).

والشيخ في علوّ مقامه لا يمكن أن يخلط بين التخصيص والتخصّص، وقد قال في محلّه -وإن لم نوافقه-: بأنه في طرف الأصيل وإن لم تحصل له الملكية، لكنّه يجب عليه الوفاء بهذا العقد الإنشائي، باعتباره أصيلاً، فهنا أيضاً يقال بوجوب الوفاء بالعقد الأوّل، ونتيجته وجوب الشراء والتسليم، خرجنا من ذلك بالتقييد فيما قبل الملكية، وبعدها نشكّ في أن المخصّص حكمه باقٍ أو العامّ، وقد بنى الشيخ على جريان استصحاب حكم المخصّص، وإن أنكرناه.

وهذا نتعرّض له ونقرأ الروايات الواردة في المقام؛ لنرى ماذا تفيد.

ــــــــــ[420]ــــــــــ

() هذا لم يصرّح به السيد. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 457-458، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [تلخيص]

كان الكلام(1) في أن من باع مال غيره من قبل نفسه، ثُمّ ذهب ليشتريه، فهل تحتاج هذه المعاملة إلى إجازة، أو تنتقل من دونها إلى المشتري؟ التزم الشيخ بعدم الحاجة إلى الإجازة؛ لأن مقتضى وجوب الوفاء بالعقود أنه بمجرّد أن يصبح البائع مالكاً ينتقل إلى المشتري قهراً من دون إجازة. ثُمّ يقول: إنه قبل الشراء لم يكن محتاجاً إلى الإجازة، فيكون المورد من دوران الأمر بين التمسّك باستصحاب حكم الخاصّ أو التمسّك بالعامّ. ثُمّ هو يختار الآخر منهما. وكان إشكال المسألة هو أن المسألة مسألة التخصّص لا التخصيص.

وقد وجّهنا كلامه: بأن من باع العين يجب عليه الوفاء، بمعنى أنه يجب عليه أن يشتريه ويسلّمه، وقد خرج بالتخصيص قطعة منه وهو ما قبل الشراء، ويشكّ أنه مورد لاستصحاب المخصّص أو للتمسّك بالعامّ. ثُمّ يأمر بالتأمّل، ولعلّه يريد أنه مورد التخصّص لا التخصيص، يعني يريد نفس الإشكال الذي أورد عليه.

هنا لا بُدّ أن نبحث في أن دليل وجوب الوفاء بالنحو الذي تمّمه الشيخ وقال: إن الأصيل يجب عليه الوفاء باعتباره أصيلاً، ومعنى وجوب الوفاء عنده وجوب إبقاء العقد، وعدم فسخه، فعلى ذلك ماذا يجب أن نقول هنا؟

وحاصل الكلام في ذلك: أن وجوب الوفاء هل يحتاج إلى قيدين(2):

ــــــــــ[421]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً نتائج ما كان قاله قبل التعطيل، فقال:… (المقرِّر).

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الهمداني): 229، كتاب البيع، الكلام في المجيز، وحاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 133، كتاب البيع، القول في الفضولي، وحاشية المكاسب (للمحقّق العراقي): 299، كتاب الخيارات، عدم ثبوت الخيار للفضولي، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 117، كتاب البيع، القول في الفضولي، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أحدهما: أن يكون الإنسان مالكاً. 

ثانيهما: أن يكون –علاوةً على ذلك- العقد عقده، ليجب عليه الوفاء.

ويكون معنى وجوبه وجوب المحافظة على العقد، أو أن معناه وجوب العمل بمضمون المعاملة، سواء كانت العين في ملكي أو لم تكن، فيجب عليّ أن أحصّلها وأرفعها.

كما لو باع موجوداً خاصّاً من المعدن، وهو غير مالك له، فمثل هذا هل أنه لا يجب عليه الوفاء أصلاً؛ لأنه ليس بمالك، والأدلّة تختصّ بالمالك، أو أنه يجب عليه بعد أن يصبح مالكاً، أو أنه من الآن يجب عليه الوفاء ويلزم الاستحصال والتسليم؟

فإذا قلنا: بأن الوجوب منحصر بالمالك، وأما غيره فخارج تخصّصاً، فلا يكون بين كلام الشيخ هنا وكلامه هناك تنافٍ؛ لأنه هناك قال بوجوب الوفاء لأنه أصيل، ولا يجوز له الفسخ، وهنا قال بعدم وجوبه لأنه ليس بمالك، وغير المالك لا معنى لأن يقال: يجب عليك الوفاء بالعقد، فإذا كان كذلك يكون وجه تأمّل الشيخ هو: أن الباب ليس باب التخصيص لنستصحب حكم الخاصّ، بل الباب باب التخصّص.

ــــــــــ[422]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأخرى نقول: إن مقتضى الإطلاق شموله للمالك وغيره، إذا كان مقدور التسليم، ومعنى وجوب الوفاء هو وجوب التحصيل والدفع.

[2- هل ملزم بالإجازة أو لا؟]

ومن هنا يمكن أن يقال: إنه يجب عليه الإجازة بحسب نظر العقلاء، إلّا إذا قام الإجماع على خلافه، فيكون مخصّصاً ومورداً لاستصحاب حكم المخصّص.

ولا يبعد الاستفادة من روايات هذا الباب أنه لا يحتاج إلى الإجازة، وأن الانتقال إلى المشتري يحصل قهراً. فصحيحة يحيى بن الحجاج بالنحو الذي استفدناه إنما يكون البيع ربوياً إذا كان الانتقال قهرياً، وأما إذا كان له الإجازة فكان ينبغي أن ينهاه الإمام عن الإجازة، فإن لم يطلب ربحاً كانت المعاملة صحيحة بلا إجازة.

وصحيحة معاوية بن عمار(1)، استفاد منها الآغايون بطلان البيع الأوّل، وأنه إذا كان ملزماً بحيث لا يستطيع أحد من الطرفين الردّ، وكون هذا لا يستطيع الردّ في البيع الشخصي إنما هو فيما إذا عمل المعاملة الأولى لازمة، بحيث لا يستطيع كلّ منهما إلّا التسليم، فإذا كانت المعاملة الأولى كذلك خرج المال من ملكه بمجرّد البيع، واحتمال أنه بعد أن دفعها تكون المعاملة لازمة ولا 

ــــــــــ[423]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 50، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 19، ووسائل الشيعة 18: 51، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 7، وجامع أحاديث الشيعة 23: 146، الباب 35 من أبواب البيع، الحديث 155.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يستطيع الردّ موجود، إلّا أنه ضعيف، فإذا كان لا يستطيع الردّ لا يكون جائزاً باعتبار الربا، وإلّا كان جائزاً.

وعلى أيّ حال فقد قلنا أنه بحسب القواعد تامّ لا يحتاج إلى الإجازة.

[المسألة الثالثة: لو باع بتوهم كونه غير جائز التصرف فبان الخلاف]

إذا باع بتوهّم أنه ليس جائز التصرّف، ثُمّ انكشف أنه جائز التصرّف من حين وقوع العقد، يذكر الشيخ(1) لذلك صورتين: 

الصورة الأولى: ما إذا باع المالك بتوهّم أنه فضولي، ثُمّ انكشف وليّاً أو وكيلاً.

والثانية: أن يبيع عن نفسه فضولاً، ثُمّ ينكشف كونه مالكاً، أو يبيع عن الغير ثُمّ يظهر أن ذاك الذي باع عنه مالك، فهذه صور أربع.

[الكلام في الصور الأربع]

هنا كلام في أن جميع هذه الصور، حتى على القول بتصحيح الفضولي، نقول هنا بالبطلان لخصوصيته في المورد. أو بالعكس: يعني حتى لو قلنا بالبطلان في الفضولي نقول بالصحّة في جميع هذه الصور أو في بعضها، أو حالها حال الفضولي، فإذا قلنا بالصحّة فيه قلنا بها فيها، وإن قلنا بالبطلان فكذلك.

ــــــــــ[424]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 458، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أما البطلان حتى على القول بصحّة الفضولي، فلا وجه له، إلّا أن يقال: إن الفضولي أساساً على خلاف القواعد، ولذا كلّ معاملة شبيهة بالفضولي لا بُدّ من القول ببطلانها؛ لعدم اقتضاء القاعدة لصحّتها، ولا وجود الدليل الخاصّ على الصحّة، فمثلاً لو باع لنفسه ثُمّ بان وليّاً، وأراد أن يجيز، فغير مشمول؛ لأنه الفضولي. إلّا أن هذا الوجه غير صحيح؛ لأن الفضولي على القواعد كما التزم به الأغلب.

ومن هنا يقع البحث(1) في أنه صحيح فعلياً ولا يحتاج إلى الإجازة، أو أنه صحيح كصحّة الفضولي ويحتاج إلى الإجازة.

 هنا كلام مشترك بين جميع الصور، كان ينبغي أن نتعرّض له ولم نتعرّض له، وهو أنه هل الإنشاء في باب الفضولي مع إنشاء الأصيل مع إنشاء الوكيل من الطرفين؟ هل يختلف فيها سنخ الإنشاء؟ فإنشاء الفضولي غير جزمي ومترقّب للإجازة، على أن إنشاء الوكيل من الطرفين جزمي حتى يقال: أنه في تمام الموارد التي يكون الإنشاء لغير نفس الإنسان لا يكون جازماً، ويحتاج إلى شيء ليجعل جازماً. ويدّعى: أننا نحتاج في باب المعاملات إلى الجزم ليكون العقد مؤثّراً، والفضولي ليس جازماً، وبالإجازة تحصل الجازمية، ففي الصورة الرابعة وهي ما إذا كان يحتمل نفسه غير مالك، ثُمّ بان مالكاً، فإنشاؤه لا يعقل أن يكون جازماً؛ لأنه يعتقد نفسه غير مالك، ويحتاج في جازميته إلى الإجازة.

ــــــــــ[425]ــــــــــ

() إن البيع في هذه الصور الأربعة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إذن فعندنا مطلبان: 

أحدهما: أنه هل الإنشاء في باب الفضولي غيره في باب الأصيلين، وغيره في باب الوكيل من الطرفين، فكلّها إنشاءات غير جازمة، إلّا الوكيل من الطرفين، أو أنها كلّها إنشاءات جازمة؟

ثانيهما: أن الهيئات الإخبارية والإنشائية هل وضعت للحقائق المقصودة من ورائها، بحيث لو تكن الحقيقة حاصلة أو لم تحصل، فإن اللفظ يكون قد استعمل في غير ما وضع له، والأمر في الأوامر والنواهي وإن كان واضحاً في أنها موضوعة للبعث الإنشائي، سواء حصل الانبعاث أو لا، دون البعث الواقعي الملازم للانبعاث خارجاً، فإن الضرورة قاضية بأنه عند عدم وجود البعث الواقعي الأمر أمر والنهي نهي، وقد استعملا في معناهما، وأما واقع البعث فليس له أيّ ربط بمعنى الأمر.

لكن هذا في باب الجمل الإخبارية خفي، وليس بواضح ذلك الوضوح، في أنها هل وضعت للإخبار عن الحقائق، بحيث لا بُدّ أن تكون تلك الحقائق موجودة، وتستعمل الجملة فيها، بحيث لو لم يكن زيد(1) ولا قيام، يكون اللفظ مستعملاً في غير معناه؟ أنه هنا-أيضاً- لا ربط للواقعيات بدلالة الألفاظ، واللفظ مستعمل في معناه، سواء كان المستعمل فيه موجوداً أو غير موجود. ومطابقة الإخبار للواقع لا ربط له بمسألة دلالة اللفظ.

ــــــــــ[426]ــــــــــ

() في مثال: (قام زيد). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وكما أن الحال كذلك في المفردات كذلك الحال في المركّبات، فإنها لم توضع للدلالة على الواقع المتحقّق، بل وضعت للإخبار عن الواقع، وتارةً تطابق الواقع وأخرى تخالفه، وكِلاهما إخبار. 

وما يقوله السيد الأستاذ السيد محمد الأصفهاني(1) بأننا نحتاج باب الهيئات إلى التجّزُم غير تامّ. فإن اللفظ وضع للإخبار لا للإخبار الصادق.

وكذلك فيما هو محلّ الكلام، وهو إنشاء البيع، فإنه لم يوضع لكي توجب به المعاني الحقيقية المطلوبة منه، فإن تلك الحقائق غير قابلة لتعلّق الوضع بها، ولا هو موضوع للدلالة على حكم العقلاء، وليس أن البيع الفضولي رجائي وغير جزمي، والوكيل من الطرفين جزمي، فإن ذلك إنما يتوهّم فيما إذا كانت الألفاظ موضوعة لمعانيها الحقيقية، بحيث لو لم تكن الحقائق موجودة كان استعماله اللفظ مجازياً، على حين نرى أن البيع الفضولي بيع، وإنما يحصل النقل والانتقال باستعمال اللفظ في معناه، والفضولي يوقع اللفظ في معناه جازماً، ولا ربط لذلك بترتّب الأثر.

وعليه: إذا توخّينا الجزم في المعاملات فهو حاصل في الفضولي وغيره، وفي هذه الصور الأربع كلّها. فمن أراد أن يستدلّ على لزوم الإجازة: بأن الفضولي 

ــــــــــ[427]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الأُصول 2: 126، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثاني: فيما يتعلّق بصيغة الأمر، الجهة الأُولى: فيما وضعت له هيئة الأمر، وتنقيح الأُصول 3: 61، المطلب السادس الأمارات المعتبرة، الباب الأوّل: في القطع، الفصل العاشر، المقدّمة الثالثة، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

غير جازم ويحصل الجزم بالإجازة، فيكون الإنشاء الفضولي مختلفاً عن غيره لا يكون تامّاً.

على أننا لا نحتاج إلى الجزم في المعاملات، فإننا إنما نحتمل دخله، وهو عقد عقلائي فيشمله العموم، وينتفي الاحتمال، فلا بأس أن يبيعه برجاء أنه له.

[ما أفاده السيد اليزدي في الصورة الأولى]

الطريق الآخر: للزوم الإجازة، ما يقوله السيد(1) من أنّ الإجازة لازمة في تمام الصور الأربع. 

ففي الصورة الأولى لو باع مال الغير بتوهّم أنه فضولي، ثُمّ بان وليّاً، يقول: لا بُدّ من الإجازة؛ لأنه أراد أن يبيع مال الغير وهو لا يرى نفسه وليّاً، ويجب أن يعمل الولي للمولّى عليه بعنوان أنه ولي، وإلّا لم يكن عمله تامّاً. 

وهنا لم يعمله بعنوان كونه وليّاً، والتقريب الذي يذكره -وهو أردأ مما سبق-: أن هذا الذي باعه بتوهّم الفضولية لعلّه إذا التفت إلى كونه وليّاً لعلّه لا يبيع، فإن هذا الفرد من البيع وإن كان ذا مصلحة إلّا أن الولي غير ملزم بأن يأتي بهذا الفرد، بل له أن يأتي بفرد آخر، ولا أعلم أنه أراد أن يذكر تقريباً واحداً أو تقريبين.

فإن كان يريد التقريبين، فأحدهما أن يقال: إنه لا بُدّ في تصرّفات الولي من قصد العنوان، كما يقال في العبادات: إنه إذا أراد أن يعمل الإنسان عبادة للغير 

ــــــــــ[428]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 168، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فلا بُدّ أن يأتي بها بقصد النيابة، وإلّا لم تصحّ عنه، فكذلك في المعاملات لا بُدّ من قصد الولاية.

وقد ذكره السيد ولم يذكر له دليلاً، فإن كان جازماً فما هو الدليل على جزمه، وإن كان يحتمله، ندفع الاحتمال بالإطلاق، فإن المفروض أنه ولي أمر الصيغة، وتمام الجهات متوفّرة فيه من المصلحة وغيرها، والمفروض أنه باع العين الخارجية، فإذا باعها متخيّلاً كونه فضولياً، ثُمّ بان وليّاً، لم يكن ذلك مبطلاً. 

إلّا أن السيد(1) يرى أن تمام موارد الفضولي على خلاف القاعدة، ولكنّه يلزم منه أن يقول ببطلان تمام موارد الفضولي، إلّا القدر المتيقّن منه، وهو ما إذا باع الفضولي للمالك وأجاز المالك، الذي دلّ الدليل وحصل التسالم على صحّته.

والآخوند يقول(2): إن الأدلّة منعزفة، ثُمّ يأمر بالتأمّل. ووجهه معلوم وهو أن الأدلّة غير قاصرة عن الشمول لهذه الصورة، فأيّ دليل على لزوم قصد العنوان، أو على لزوم الجزم، أو على لزوم كونه ملتفتاً إلى كونه وليّاً حال المعاملة، فإنه كان وليّاً وكان راضياً، فلا وجه لبطلان المعاملة.

فمن أراد أن يقول بلزوم الإجازة عن هذا الطريق فإنه لا يتمّ له.

نعم، نقل الشيخ(3) عن ابن البرّاج شيئاً، والظاهر أنه يريد أن يقول: إنه إذا 

ــــــــــ[429]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 133، كتاب البيع، القول في الفضولي.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 133، كتاب البيع، القول في الفضولي.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 459، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أجاز ولم يعلم بإجازته أحد لا يكون إجازة، وهذا مطلب خارج عن محلّ كلامنا، وقد ذكره الشيخ في غير محلّه، والعجب أن صاحب (المقابس)(1) ذكر كلام ابن البرّاج وذكر أنه يريد به أنه لا يكون إجازة، وبالرغم من أنّ الشيخ اطّلع على كلامه فإنه لم يذكره.

هذا هو الكلام في الصورة الأولى.

[بيان مشترك للصور الأربع]

هناك بيان مشترك بين الصور الأربع في كونها محتاجة إلى الإجازة، على أن الشيخ في الصورة الأولى قال: إنها غير محتاجة إلى الإجازة، والباقي يحتاج إليها، وذكر التقريب الآتي في الصورتين، وغيره عمّمه لتمام الصور.

وذلك: أنهم تمسّكوا بـتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ وحديث “لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه(2)، وبالتقريب الذي ذكره الشيخ(3): أن آية التجارة وحلّ مال الغير ظاهرها أنه يلزم أن يطيب نفسه بالمعاملة أو بالمال بما أنه ماله ومع الالتفات إلى ذلك، وهذا غير خاصّ بالمعاملات، بل هو سائر إلى تمام ما يعتبر فيه طيب النفس.

ــــــــــ[430]ــــــــــ

(1) اُنظر: مقابس الأنوار: 136، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، الموضع الخامس والسادس.

(2) مرّت الإشارة إليه آنفاً.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 463، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي القول في المجيز، المسألة الثالثة، الصورة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [كلام في آية التجارة وحديث (لا يحل)]

ونحن لنا كلام في آية التجارة وفي حديث (لا يحلّ): 

أما الآية فهل مفادها ما قاله الشيخ من أنّ من يتاجر فلا بُدّ أن يكون راضياً بالتجارة مع كونها ماله، مضافاً إلى الشرائط الأخرى المعتبرة في صحّة المعاملة؟ فلو باع لنفسه معتقداً أن المال لغيره أو باع عن أبيه ثُمّ ظهر أن المال ماله -بقطع النظر عن إشكالات أخرى في الصحّة- احتاج إلى الإجازة، والأصيلان إنما يقومان بالعقد بعنوان كونه مالكاً لتصحّ المعاملة.

نحن من أين نفهم ذلك من الآية؟ فإن المراد ما كان مالي بحسب الواقع، فإن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية، ولم يؤخذ فيها العلم، فهذا مال سواء علم أو لم يعلم، وكونه راضياً بإيقاع المعاملة متحقّق على الفرض، فقد وقعت تجارة على ماله حال كونه راضياً بإيقاعها، فتكون مشمولة للآية، ومعنى الآية: هو أن تكون التجارة عن تراضٍ، لا أن أكل المال يجب أن يكون عن تراضٍ أيضاً، فإن هذا هو مدلول الحديث وليس مدلولاً للآية، وإذا لم أكن ملتفتاً إلى كونه مالي هل يخرج عن كونه مالاً، أو عن كونه ملكي، أو عن كون التجارة تجارة أو بيعاً، أو أخرج عن كوني راضياً؟ كلّ ذلك لا يكون، بل تبقى كلّ هذه العناوين ثابتة، والمفروض أني قصدت البيع لنفسي فتصحّ المعاملة، ولا يمكن استفادة شرطية العلم من الآية.

وأما الحديث فلا بُدّ أن يدّعى أنه ظاهر بهذا المعنى، وهو أنه إذا أودعك المالك مالاً وهو يعتقد أنه لغيره، وأجاز لك التصرّف فيه، لا يكون إذنه كافياً ما 

ــــــــــ[431]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لم يكن عالماً بملكيته، فهل معنى الحديث أنه لا بُدّ أن يعلم أنه ماله، أو أنه إذا حصل له الطيب على هذا الشيء الخارجي، فقد حصل له طيب النفس على ماله؛ لأن هذا الخارجي هو ماله؟

فإذا أذن بإتلافه فهو إذن المالك، ولا يمكن أن نقول إنه يصحّ أذا علم أنه ماله، دون ما إذا لم يعلم، لاحتمال أنه إذا علم أنه مالك لم يأذن. فإن هذا غير ظاهر من الحديث، بعد أن كان له رضاء فعلي. فهذا بحسب الظهور.

وإذا تمّمنا ذلك بحسب مناسبات الحكم والموضوع، أنه في تمام الصور الأربع يعتبر أن يكون ملتفتاً إلى العنوان سواء كان وليّاً أو وكيلاً أو مالكاً وانطباقه على نفسه، وقد استفاد الشيخ ذلك في الصورتين الأخيرتين، وعمّمه السيد(1) إلى الجميع.

وفي مناسبات الحكم والموضوع يقع الكلام تارةً في الآية، وأخرى في الحديث. 

أما في الحديث، فإذا ادّعي في التصرّفات الخارجية في أموال الناس، لا يبعد أن يقال: إنه لا بُدّ أن يكون ماله، وأن يكون ملتفتاً إلى كونه ماله، فإن العقلاء إذا قيل لهم أنه لا بُدّ أن تُؤخذ الإجازة من صاحب المال؛ ليجوز التصرّف فيه، يفهمون أنه يجب أن يكون ملتفتاً إلى كونه مالكاً، وإن كان هذا غير واضح تماماً.

ــــــــــ[432]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 168، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في المجيز، الشرط الثالث، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما الآية فالمعتبر هو الرضا في المعاملة لا في المال، وإلّا كان ممتنعاً لانتقال المال عنه، فلا معنى لاعتبار رضاه، فهل تقضي مناسبات الحكم والموضوع أنه إنما يقع التراضي بينهما فيما إذا علم أنه ماله، أو لا يمكن -في الحقيقة- فهمه.

وإذا قيل إنه في حلّية مال الغير يعتبر أن يعلم أنه صاحبه، فمن أين أعلم أنه يعلم بذلك؟ فإن اليد أمارة على الملكية، وليست أمارة على كونه عالماً بذلك، فإن الأصول العقلائية وإن كانت دالّة على لوازمها، إلّا أن ذلك ليس من لوازمها، فإذا دعاني شخص إلى مائدته هل يلتزم الشيخ وغيره بوجوب الاستفصال، بأن أسأله هل تعلم أنك مالك، أو أنت شاكّ في ذلك، وبدونه لا يجوز لي التصرف(1)؟!!

ــــــــــ[433]ــــــــــ

() وقيل للسيدمن قبل أكثر من واحد: إن ظاهر الحال أو الأصل العقلائي أو أن نفس إقدامه على المعاملة دالّ على أنه يعلم أنه مالك، فأنكر السيد كلّ ذلك.

أما الأوّل: فقال: أيّ ظهور هنا وما هو وجه اعتباره؟

وأما الثاني: فقال: إن العمدة في حجّية الأصل العقلائي هو سيرة العقلاء لا اعتقاداتكم. وأما الأخير فنقض عليه بالعقد الفضولي نفسه، فإنه إقدام على المعاملة دون أن يدلّ على أنه مالك.

أقول: إن التبادر الأوّلي يورث العلم أو الاطمئنان المتاخم له، بأن صاحب المال يعلم بكونه مالكاً لهذا المال، وذلك بحساب الاحتمالات؛ لأن كلّ المالكين عدا القليل جداً يعلمون بكونهم مالكين، فيكون احتمال انتساب هذا المال إلى الطائفة القليلة النادرة دون الأخرى من الوهن والضعف بمكان، بحيث لا يعتنى به عقلائياً جزماً. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فلو كنت قاطعاً بكونه ماله، ولكنّي كنت شاكّاً بكونه قاطعاً بذلك، لم يكن موضوعاً لآية التجارة عن تراضٍ بحسب كلام الشيخ والسيد، إلّا مع إحراز العنوان.

والعقلاء إذا باع ماله بطيب نفسه، أو أَذِن في الأكل من مائدته، وكان يعتقد أنه ليس بماله، بل مأذونٌ في التصرّف فيه، لا يرى العقلاء أنه أكلٌ للمال بالباطل، فلا يعتبر في المعاملة وحلّية المال إلّا التراضي وطيب النفس، ولم نفهم وجه التسالم على هذا من قبل المحشّين في الصورتين اللتين ذكرهما الشيخ، فضلاً عن أن نعمّمه لسائر الصور.

هذا محصّل الكلام في المقدار المشترك، ولكلّ صورةٍ كلامٌ خاصّ حول الصحّة وشرطية الإجازة.

[الكلام في الصورتين الثانية والثالثة]

هناك جهات مشتركة بين بعض الصور، يتكلّم فيها في الصحّة تارةً، وفي الاحتياج إلى الإجازة أخرى من غير جهة ما سبق، وذلك في الصورتين الثانية والثالثة، وأما في الأولى والرابعة فقد وقع العقد لصاحب المال، غاية الأمر مرّة يكون في الواقع وليّه، وأخرى هو بنفسه مالك.

وأما في الصورة الثانية والثالثة حيث أوقع العقد لنفسه ثُمّ بان أنه ولي عن صاحبه، أو أوقع العقد لمالكه معتقداً أنه ليس مالكاً -كأبيه مثلاً-، ثُمّ بان أنه مالك يتكلّم في كِلا الصورتين في الصحّة تارةً، وفي الإجازة أخرى.

ــــــــــ[434]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يقول الشيخ(1): البيع في الصورة الثانية صحيح، وقد عرفت أن قصد (لنفسه) لا ينفع ولا يضرّ، وإذا قيل إنه يحتاج إلى الإجازة فله وجه؛ لأنه أوقع العقد لنفسه وليس على طبق الإذن، ثُمّ يأمر بالتأمّل.

والإشكال الذي يرد بحسب الظاهر على الشيخ، ولعلّه هو المراد من التأمّل هو: أننا لو ألغينا قيد (لنفسه) فمعناه أن العقد وقع لصاحب المال، فيكون كالصورة الأولى، وقد قلت فيها بعدم الحاجة إلى الإجازة، وإن قلتم: إنه محتاج إلى الإجازة؛ لأنه لم يوقعه على الوجه المأذون لأنه أوقعه لنفسه.

إذن فهذا له قيديّة؛ لأنه لو كان ملغى لوقع العقد على الوجه المأذون، وإنما لا يكون مأذوناً به إذا كان له قيدية، فإذا كان له قيدية فكيف يتمّ بالإجازة؟ فإما أن تقول: إن العقد باطل حتى مع الإجازة باعتبار القيدية، وإما أن تقول إنه صحيح لا يحتاج إلى الإجازة.

نحن لا بُدّ أن نرى في القيود التي تقع على الأعيان الخارجية، هل لا بُدّ أن تقول إن القيد من الأوّل ملغى وغير موجود، فلو باع فرساً بقيد كونه عربياً، يكون البيع ملغىً أصلاً، ويقع البيع على الموجود الخارجي بلا قيد العربية، أو أن القيد ليس ملغىً بحيث إنه لو كان في الواقع عربياً فالعقد قد وقع على الفرس العربي، لكنّه إذا لم يكن عربياً فليس أن العقد يلغو، بل يلغو القيد ويقع العقد على الموجود الخارجي؟

ــــــــــ[435]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 460، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثالثة، الصورة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فمثلاً لو قال لرجل: (السلام عليك أيّها الرجل العالم)، فإن كان عالماً فقد سلّم على الرجل العالم، وإن لم يكن عالماً فهل أنه لا يجب ردّ السلام باعتبار عدم صدق القيد، أو أن السلام بما أنه واقع على الموجود الخارجي -لا على العنوان الكلي- فقد وقع على هذا الرجل ويجب ردّه؟

ولهذا في المعاملات يقال في صورة تخلف الوصف بالخيار لا بالبطلان، ولو كان القيد لاغياً لكان العقد باطلاً ولم يكن خيارياً(1)

ــــــــــ[436]ــــــــــ

() أقول: هذا مما لا يعقل أن يكون القيد بوجوده الخارجي مؤثّراً وبعدمه غير مؤثّر، فإن معنى القيدية هو الاشتراط والمشروط عدم عند عدم شرطه لا محالة، والصحيح في الأعيان الخارجية أن يقال إنها غير قابلة للتقييد أساساً، فالقيود الواقعة عليها لاغية وغير مؤثّرة وجوداً ولا عدماً.

أما عدماً فكما ذكره السيد من أنّ العقد وقع على الفرس الخارجي، والسلام وقع على الرجل الخارجي، فيترتّب عليه أثره. وأما وجوداً يعني فيما إذا كان الفرس عربياً والرجل عالماً واقعاً، فإن العقد قد وقع على الفرس العربي، والسلام على الرجل العالم لا محالة. 

ولكن السرّ في ذلك ليس هو القيد المأخوذ في الكلام، ولا ينافي ما قلناه من لغويته، وأدلّ دليل على ذلك أن القيد لو لم يكن موجوداً في الكلام فقال: (بعت هذا الفرس) و(السلام عليك أيها الرجل)، لوقع العقد على الفرس العربي أيضاً والسلام على الرجل العالم لا محالة، باعتبارهما واجدين للقيد واقعاً على الفرض، فزيادة ذكر القيد لا تؤثّر في المقام شيئاً.

وأما ما ذكره من خيارية المعاملة مع تخلّف الشرط، فهو باعتبار تخلّف الغرض الذي من أجله رغب المشتري وقبل بالمعاملة، لا باعتبار قيدية القيد المذكور في المعاملة، فإن الأعيان الخارجية غير قابلة للتقييد، وتمام الكلام في محلّه. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهنا يقال: إن قيد (لنفسه) ليس ملغى بحيث إنه إذا ملكه هو يكون باطلاً، وإنما باعتبار أن العقد حيث وقع على الأمر الخارجي فالقيد لا يكون سبباً في أن العقد غير واقع عليها، فيقال هنا: إن هذا العقد المقيّد بهذا القيد صالح لأن يجيزه العاقد؛ لأنه أوقع العقد لنفسه، وإذا أجاز صاحبه فليس أنه أجاز عقداً أجنبياً، وليس أن العقد وقع لصاحب المال بلا إجازة، فيمكن أن يقال: إنه يحتاج إلى الإجازة مع عين المال في أن القيد ليس بملغى بذلك المعنى بحيث إن العقد واقع ابتداءً لصاحب المال، وما ذكره قيداً على فرض وجوده يكون منطبقاً، وعلى فرض عدمه يكون محتاجاً إلى الإجازة.

فالقول ما يقوله الشيخ لكن بتعليل غير تعليله.

في الصورة الثالثة إشكال شبيه بما سبق، وهو أن العقد أوقعه العاقد للمالك ثُمّ ينكشف أنه مالك، وهذا له صور: 

أحدها: أن يقول: (بعتك عن مالكه)، وهو يعتقد أن مالكه هو أبوه.

ثانيها: (بعتك عن مالكه الذي هو أبي).

ثالثها: (بعتك عن أبي الذي هو مالك).

رابعها: (بعتك عن أبي) وهو يعتقد أنه مالك.

وفي الصورة الأولى كأنّهم تسالموا على صحّتها، ولهذا يريد الشيخ أن يرجع بعض الصور الأخرى إلى هذه الصورة؛ لأنه وقع عن مالكه وإن كان خطأ في التطبيق واشتباهاً في الانطباق.

ونحن لنا كلام في هذه الصورة التي تسالموا عليها، فإن العناوين تارةً 

ــــــــــ[437]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تكون: إما كلّية، وأخرى قابلة للانطباق على هذا أو هذا، كزيد المردّد بين شخصين وهو قابل لأن يراد به أيّ منهما. 

وأخرى نحسب حساب العقود وما هو تابع للعقود، نفرض أن امرأتين اسمهما فاطمة، فلو قال: (أكرم فاطمة) لأمكن شموله لهما على البدل على نحو المجموع، وأما لو قال: (زوجت فاطمة) وأراد بنت زيد لكونه غير مسبوق بوجود غيرها، فهل يمكن أن يقال: إن مراده هذا أو ذاك؟! أو نقول إن القيد إن لم يكن مذكوراً إلّا أن العقد تابع لقصده، فيكون واقعاً بما قصده؟

كلام آخر: أن من يعتقد أن المالك هو أبوه هل يتصوّر أن يبيع عن المالك الذي ينطبق حتى على نفسه؟ إلّا إذا غفل عن هذا الاعتقاد، هل هذا في مقام الكشف مثل من لا يعلم المالك فيتعلّق قصده بعنوان المالك، أو هو مثل: (زوّجت فاطمة)؟ فإنه وإن كان بحسب العنوان قابلاً للانطباق عليهما، ولكنّه حيث إنه غير مسبوق إلّا ببنت زيد وقد قصدها في التزويج، فلا يمكن أن يقال: إنه قاصد للأعمّ منها ومن غيرها، فيقع العقد باعتبار قصده.

ففي المقام يعلم أن مالكه الواقعي هو أبوه أو زيد -مثلاً-، فلا بُدّ أن يقصد من هو مالكه الواقعي في زعمه، فعلى فرض تتميم كلام الشيخ من أنّ هذه حيثية تقيدية إذن فهو عقد لمالكه، وهو مالك، فيقع لنفسه، أو إذا تمّ ما قال النائيني(1) من أنه له صور فإنه مرّة يعقد للمالك ومرّة يعقد لزيد، وهذه 

ــــــــــ[438]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 272، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، الجهة الثالثة، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الصورة يقول: إنها بلا إشكال مع أن فيها إشكالاً كما أسلفنا.

الصورة الأخرى: أن يقول: (بعت لأبي الذي هو مالك) أو (للمالك الذي هو أبي). وهذه صور (مدرسية) والغالب أن يؤتى بالوصف وحده أو بعنوان الذات وحدها، فيقول: (بعت للمالك) أو (بعت لأبي)، والأكثر قالوا بصحّته. فهل يمكن أن هذا يعود إلى ما قاله الشيخ من أنها حيثية تقييدية؟ فإن الحيثية التقييدية إنما تكون مع ذكر القيد في الكلام ليتساءل عن كونه حيثية تقييدية أو تعليلية. وأما إذا لم يكن القيد في الكلام، غايته أنه يعلم أن أباه هو المالك، فهذا لا يكون من قبيل الحيثية التقييدية.

والإشكال الآخر هو: أنه على فرض أخذ القضيّة تقييدية، ولكن حيث إنه قال: (بعت من زيد المالك)، فهل يمكن أن يقال: بأننا نلغي عنوان (زيد) ونأخذ بعنوان (المالك)، هذا أيضاً لا يمكن.

إذن سواء قال: (من زيد) أو (من زيد الذي هو مالك) أو (من المالك الذي هو زيد)، فإن لها حكماً واحداً، ويأتي فيها الكلام السابق من أنّ العقد على الموجود الخارجي يمكن أن يقع على القيد، ويمكن أن يقع على الذات. 

قلنا: إن الصور في المقام أربع، أن يقول: (بعت عن مالكه) أو (عن مالكه الذي هو أبي) أو (عن أبي الذي هو مالك) أو (عن أبي)، وفي تمام هذه الصور حتى الأولى لا بُدّ من أن نلاحظ الماهيّة التي وضعها تحت الإنشاء، لا بما أنها ماهيّة بل بما هي مقصودة.

فإن (المالك) وإن كان قابلاً لأن ينطبق على زيد وعمرو وبالآخرة ينطبق 

ــــــــــ[439]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على مالكه الواقعي، لكنّنا إذا لاحظنا القصد الذي هو المدار في المقام فإننا لا نريد أن نأخذ بالظاهر لنحتجّ به.

وإنما الكلام في مقام الثبوت، ومن يعتقد أن المالك هو زيد هل يمكن أن يأخذ عنوان المالك بنحو ينطبق على زيد وعلى غيره؟ هذا لا يمكن.

فما قاله الشيخ(1) -وأراد التخلّص به- من أنه حيث جعل البيع باعتقاد أنه مالك، إذن فالجعل يتبع المالك، هذا غير صحيح، فإنه حتى لو أتى بلفظ (المالك) وحده باعتباره أنه يعتقد أن هذا هو المالك الواقعي، ولا يحتمل غيره، لا يمكن أن ينطبق هذا المضمون إلّا عليه، فكأنّه قال: (بعت عن أبي)، والعقود تابعة للقصود لا للظهور، واللفظ بما أنه مقصود غير قابل للانطباق إلّا على الأب.

ولو قطع النظر عما قلناه، فهذه الصور مختلفة فيما بينها في الجعل، لو صحّ ما قاله الآغايون، فلو قال (لمالكه) يقع -بقطع النظر عما قلناه- لمالكه الواقعي، فلو كان هو مالكاً يقع البيع له، ولو قال: (عن مالكه الذي هو زيد) كان خطأ في التطبيق، ووقع عن المالك أيضاً، ولو قال: (بعت عن زيد الذي هو المالك)، فقد ذهب الحكم على زيد الموصوف بوصف غير موجود فيه.

وبناءً على ما تمّمه الآغايون أنه إذا كان لمالكه أو قاله: (لمالكه الذي هو زيد) فإنه يقع لمالكه الواقعي، أما فيما لو باع لزيد أو لزيد الذي هو مالك، يريد الشيخ أن يقول: إنه باع عن المالك، وأخطأ الاعتقاد، بأن يقول: (بعت عن 

ــــــــــ[440]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 460-461، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثالثة، الصورة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

زيد)، ولكنّنا نحذف زيداً ونقول: إنه باع عن المالك.

نعم، في قوله: (عن زيد الذي هو مالك)، هنا مجال للكلام بأن الجهة تقييدية، والقصد ليس هو لزيد بل هو للمالك، وحيث إنه يتخيل أن المالك هو زيد لهذا وصف زيداً بكونه مالكاً، فالصورة التي هي الغالب في المعاملات لا يصحّ فيها كلام الشيخ، فهل الأمر في صورة ما إذا قال: (زيد الذي هو مالك) هل يقع للمالك كما قال الشيخ؟

النائيني يقول(1): إن الحيثية التقييدية في الجزئيات غير ممكنة، وقال الشيخ: إنه إذا باعه لأبيه المالك، يقع للقيد ويلغو المقيّد، وهذا لا يمكن فإن الجزئيات غير قابلة للتقييد؛ لأنها غير قابلة للصدق على الكثيرين، ثُمّ يقول: وكلّ القيود والأوصاف بعد دخلها جهات تعليلية.

ونحن لم نفهم أنه هل للصدق على كثيرين في الأفراد دخل في إمكان التقييد؟ مع أن الكلّيات إذا قيّدت تضيق من حيث الأفراد والشخصيات تضيق من حيث الأحوال.

وأما رجوعها إلى الحيثيات ا لتعليلية فماذا يقول في خيار تخلّف الوصف؟ كما لو اشترى البطيخ بقصد كونه حلواً، وهذا القصد جهة تعليلية، وتخلّف الجهات التعليلية لا يوجب الخيار ما لم تذكر وتكون جهاتٍ تعليلية، فليس الكلّيات فقط قابلة للتقييد بل الجزئيات من حيث أحوالها بل الحروف.

ــــــــــ[441]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 274، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثالثة.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الإشكالات الواردة في المقام]

وأما الإشكالات المنقولة عن الإيضاح(1) في (المقابس)(2) ونقلها الشيخ(3) عن (المقابس)، وظاهره أنها ثلاثة إشكالات مستقلة(4)

أحدها: أنه كالغائب عند مباشرة العقد، لاعتقاده أن البيع لغيره.

ثانيها: أنه وإن كان منجّزاً في الصورة، إلّا أنه في المعنى معلّق، والتقدير: إن مات مورّثي فقد بعتك.

ثالثها: أنه كالعبث ولا عبرة به.

وأنا احتمل أنه إشكال واحد ذو شقوق، وإن كان هذا الاحتمال خلاف ظاهر العبارة، وذلك بأن يقال: إنه إما أن يبيع هذه العين عن نفسه، أو عن والده، أو عن غيرهما، فإن باعها عن نفسه فهو بيع معلّقاً، وإن كان في صورة التنجيز. وإن باعه عن أبيه فهو كالغائب عند مباشرة العقد؟! وإن باعه عن غيرهما فهو عبث، والعبث لا عبرة به.

ــــــــــ[442]ــــــــــ

() أُنظر: إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد 1: 420، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) أُنظر: مقابس الأنوار: 136، كتاب البيع، المبحث الثاني: في شروط المتبايعين، الموضع الخامس والسادس، القسم السابع.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 462، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجيز، المسألة الثالثة، الصورة الثالثة.

(4) نقلنا الإشكالات عن لفظ (المقابس) بترتيب ما قاله السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقد أورد الشيخ وغيره هذا الإشكال، بالرغم من أنه لا يرى الفضولي ونحوه عبثاً.

والإشكال إذا كان كذلك، فلا يُجاب عليه بما أجاب به الآغايون عن التنجيز، حيث قال الشيخ: إنه أنزله منزلة نفسه، وقال النائيني(1) بأن البناء على ما هو خلاف الاعتقاد ممكن. 

ونحن لم نفهم لا كلام الشيخ، فإنك إذا ادّعيت ألف ادّعاء لا يمكن أن تبيعه عن نفسك تنجيزاً، فإذا قال أحد بلزوم التنجيز في المعاملات، فهو ليس متحقّقاً، إلّا أن يبيعه بنحو التعليق المنجز بأن يقول: (إن مات مورثي فقد بعته).

ولا كلام النائيني، فإننا لم نتصوّر حقيقته، فإن البناء على خلاف الاعتقاد محال، حتى في الشرع، وأما التشريع فهو النسبة إلى الشريعة كذباً وزوراً، وهو أمر آخر.

فجواب هذا الإشكال -وإن كان لا يخلو عن إشكال- هو: أن الشخصيات لا مانع من تقييدها، لأن بيع هذا الأمر الخارجي للغير إذا لم يكن ذلك الغير فالبيع واقع على هذا الشخص ولا تتبدّل شخصيته، بناءً عليه فالإشكالات هي نفس الإشكالات السابقة.

وفي باب التنجيز قلنا(2): إن باب الإنشاء بابٌ وباب ترتّب الآثار بابٌ آخر، 

ــــــــــ[443]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 274، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجيز، الجهة الثالثة، المسألة الثالثة.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 467، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، وغاية الآمال 3: 395، كتاب البيع، القول في صحّة الفضولي، القول في المجاز، أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني) 74، كتاب البيع، القول في العقد الفضولي، القول في المجاز، أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 170، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في المجاز، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والإنشاء يكون منجّزاً دائماً، إن لم يعتقد المنشئ لغويته، وأما ترتّب الآثار الواقعية، فلا ارتباط لها بدلالة الألفاظ، ولم يؤخذ في مفهوم الإنشاء ترتّب الأثر حتى نحتاج إلى ما قاله الشيخ من الادّعاء، أو إلى ما قاله النائيني في سرقة الادّعاء مما لا يمكن أن يصدق.

ــــــــــ[444]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 



الكلام في شرائط العقد المجاز

 

  • [المسألة الأولى: في اعتبار كون العقد المجاز جامعاً لسائر الشروط]
  • [المسألة الثانية: هل يشترط العلم التفصيلي بخصوصيات العقد المجاز؟]
  • [المسألة الثالثة: حكم تعدد العقود ووحدة الإجازة]

ــــــــــ[445]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 





الكلام في شرائط العقد المجاز

 

ذكروا هنا مسائل:

[المسألة الأولى: في اعتبار كون العقد المجاز جامعاً لسائر الشروط]

 

منها: أنهم قالوا: إنه يعتبر في العقد المجاز أن تتوفّر فيه تمام الشروط المعتبرة في البيع، إلّا كونه فاقداً لرضاء المالك، وذلك يتحقّق بالإجازة، هذا على الإجمال.

وتفصيل الكلام في ذلك: هو أنه هل يعتبر تمام الشرائط، فلو لم يكن واحد منها موجوداً عند العقد لا يكون قابلاً للحوق الإجازة، ولو تحقّق الشرط بعد ذلك، أو لا بُدّ أن تكون متوفّرة حال الإجازة، ولو لم تكن كذلك حال العقد، أو لا بُدّ أن تكون مستمرّة من زمان العقد إلى زمان الإجازة، أو لا بُدّ أن تكون متوفّرة في زمان العقد وفي زمان الإجازة وإن انقلبت في الوسط، أو أن الشرائط يختلف حالها بحسب هذه الاحتمالات؟

والبحث في مبادئ هذا المطلب ليس مشكلة، ولكن بحسب التطبيق 

ــــــــــ[447]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والتصديق الفقهيين لا ينبغي الكلام فيها هنا، بل لا بُدّ من تحويلها على أبوابها، وأقصد من المبادئ هو البحث على التقادير بأن نقول: لو كان الشرط شرطاً للماهيّة فكذا، ولو كان شرطاً للإنشاء فكذا، ولو كان شرطاً للتأثير فكذا وهكذا.

وأما بحسب التصديق الفقهي فلا بُدّ من استقصاء الشروط واحداً واحداً واستقصاء أدلّتها، فإن الشرائط قد تختلف شرعاً وعقلائياً، فيكون بحثاً طويلاً جداً، فلا بُدّ من تحويله إلى أبوابه وموارده.

ولهذا نبحث المسألة تصوّراً وإن كانت المسألة لا تتمّ به، فنقول: إن الشرائط بحسب التصوّر مختلفة. 

فبعضها تكون شرائط مقوّمة للماهيّة بالنسبة إلى العقد، وبدونها لا يحصل العقد، كالقصد في مقابل الهزل والسهو والغفلة، وكمالية العوضين، فلو لم يكن أحدهما أو كِلاهما مالاً فإن مفهوم المعاوضة لا يتحقّق، وكشرط التمييز للصبي فإن معاملة غير المميز ليست بمعاملة.

وبعض الشرائط غير دخيلة في مفهوم العقد، ويتحقّق العقد بدونها، ولكنّها اعتبرت في الإنشاء شرعاً كالتنجيز، فلو كان الإنشاء معلّقاً لم يقع وإن كانت ماهيّة العقد صادقة، ومن قبيل بيع الصبي أو البيع بالعربية أو بتقدّم الإيجاب على القبول، ونحوها من الأمور المعتبرة -لو كانت معتبرة- في الإنشاء بعد تحقّق الماهيّة بنظر العقلاء، سواء كانت شرائط للعقد أو للعاقد أو للعوضين.

ــــــــــ[448]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

القسم الثالث: ما كان شرطاً في تأثير العقد، بعد أن تكون شرائط الماهيّة والألفاظ متحقّقة، كاشتراط القبض في المجلس في الصرف والسلم، وكاشتراط الإسلام في مشتري المسلم والمصحف، وهذا الشرط يمكن أن يكون راجعاً إلى الإنشاء، يعني أن المسلم والمصحف احتراماً لهما لا يجوز إيقاع الإنشاء عليهما للكافر. 

وقد يكون راجعاً إلى التأثير، فالإنشاء وإن كان جائزاً، إلّا أن الكافر لا يملكه، وقد يكون شرطاً للتسليط، فهل يملكه ولكن لا يسلط عليه؟ هذا كلّه محتمل بحسب التصوّر.

فهذه هي التصوّرات التي تتصوّر، وبعض الموارد نشكّ في أن الشرط فيها من أيّ قبيل، فلا بُدّ من الرجوع إلى الأدلّة، وفي بعضها ننتهي في الأدلّة إلى الشكّ أيضاً.

أما الشرائط المقوّمة للماهيّة، فلا شكّ بلزوم وجودها حال العقد، فلو أوقع غير المميز العقد لا يكون ذلك قابلاً للإجازة؛ لأن الإجازة إنما تلحق العقد، بعد كونه عقداً وفي الفرض لم يقع عقداً أصلاً.

إذن يعتبر حال إيقاع الفضولي أن تكون الماهيّة متوفّرة، وشرائطها متحقّقة.

وكذلك شرائط الإنشاء، كالتنجيز، فلو عقد الفضولي معلّقاً، معلوم أنه لا يكون قابلاً للحوق الإجازة؛ لأنه عقد على خلاف موازين الشرع، ففي مثل ذلك لا إشكال.

وأما ما كان من قبيل شرائط المالكية كاشتراط الإسلام في مالكية المسلم 

ــــــــــ[449]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والمصحف، فلو أنشأ الفضولي بيع المسلم أو المصحف للكافر، وأصبح المشتري مسلماً بعد العقد، فلا إشكال في صحّة لحوق الإجازة؛ لأن الميزان هو حصول الإسلام حال الانتقال إليه، وشرط التملّك حاصل في هذا الحال.

وهناك من الشرائط لا بُدّ من التكلّم فيه إجمالاً، وتفصيله يكون بالرجوع إلى الأدلّة، فالبيع الربوي حرام، ولكنّه بلا إشكال ليس من شرائط الماهيّة، فإنها معاملة عقلائية، ولكن هل هو من شرائط الإنشاء بأن يكون الإنشاء الربوي ملغى كإنشاء الصبي المميّز، أو أنه من شرائط التأثير، بمعنى أن المعاملة إنما تؤثّر إذا لم تكن ربوية، وإن المعاملة لا يمكن أن تكون ربوية ومؤثّرة؟

فافرضوا أن المعاملة حين إنشائها كانت ربوية، وبعد ذلك خرجت من الربوية لتغيّر طرأ على السوق، فلو كان الشرط شرطاً للإنشاء لا يكون العقد قابلاً للحوق الإجازة، وإن كانت شرطاً للتأثير، والشرط حاصل فعلاً؛ فتكون الإجازة مؤثّرة.

وكذلك الكلام بالنسبة إلى شرط العلم بكمّية العوضين، فلو كان المتبايعان جاهلين بمقداره ولكن كان المجيز عالماً به، فهل الجهل والغرر الذي نهى عنه النبي معناه أنه نهى عن إنشاء البيع الغرري؟ والمراد أن البيع الذي يريدان إيقاعه لا بُدّ أن يفهموا بمقدار ثمنه ومثمَنه، وأنه ماذا يخرج من كلٍّ منهما، وماذا يدخل إلى جبيهما؟ فيكون النهي متعلّقاً بالتأثير. ومحلّ التأثير هو الإجازة دون الإنشاء على هذا الفرض، فإن البيع بيع عقلائي، إلّا في بعض الجهالات التي تخرج البيع عن عقلائيته.

ــــــــــ[450]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والجهل لا يكون مستلزماً للغرر دائماً، كما لو كنت أعلم بأن قيمة الحنطة ضعف قيمة الشعير، وأعلم أن هذه الحنطة ضعف هذا الشعير، وإن كنت أجهل كمّيتهما، فهنا لا غرر أصلاً في المعاوضة بينهما.

فإن كان الشرط شرطاً في الإنشاء لا يكون قابلاً للحوق الإجازة، وإن كان شرطاً في التأثير يكون قابلاً لها.

أو في بيع الخمر إذا وقع البيع على موجودين خارجيين، وكانا حال البيع خمراً ثُمّ انقلبا خلّاً، فبطلان بيع الخمر، هل هو شرط في الإنشاء لكي لا يكون قابلاً للإجازة، أو شرطاً للتأثير والتصرّف في العوضين؛ ليكون قابلاً لها لكونه جامعاً لسائر الشرائط الأخرى؟ وكذلك الكلام في بيع آلات اللهو والقمار ونحوها.

فكلّ الموارد تعود إلى هذا المعنى، وهو: أن النهي شرعاً هل هو نهي عن الإنشاء حتى يقال بأن الشرائط يجب أن تتوفّر حال العقد، ولا يفيد وجودها حال الإجازة، أو أنها شرائط للتأثير، مع تحقّق الماهيّة وكون الإنشاء صحيحاً أيضاً، وليس للشارع التصرّف في الماهيّة ولم يتصرّف في الإنشاء على الفرض؟ فعلى هذا ما الدليل على أن تمام الشرائط يجب أن تكون موجودة حال العقد؟

فما يقال: من أنّ الأدلّة ظاهرة بالبيع الإنشائي، يعني نفس إيقاع الصيغة، أيّ أدلّة هي؟ هل هي أدلّة نهي النبي عن بيع الغرر(1) وعن بيع الخمر وعن 

ــــــــــ[451]ــــــــــ

(1) راجع السنن الكبرى (البيهقي) 5: 266، كتاب البيوع، الباب5، الحديث 10720، وسنن أبي داود 2: 274، باب في بيع الغرر، الحديث 3376، وسنن ابن ماجة 7: 24، التجارات، الباب 23، الحديث 2278، ودعائم الإسلام 2: 21، كتاب البيوع، الفصل الثالث ذكر ما نهي عنه من بيع الغرر، وعوالي اللئالي العزيزية 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، وبحار الأنوار 100: 81، كتاب العقود، أبواب المكاسب، الباب 16، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بيع ما لا يملك(1) ونحوها؟ فهذه الأدلّة قلتم هناك أنهم يرجعوها إلى التأثير، وقلتم هنا بأنها شرائط للإنشاء، والظاهر أنها شرائط للتأثير والنقل والانتقال لا للإنشاء المحض. سواء صدر من الفضولي أو غيره.

نعم، في شرائط الربا يأتي احتمال أن يكون الشارع قد منع عن إيقاع الإنشاء الربوي.

فلا دليل على ما يقوله الشيخ(2) من أنّ النصّ والإجماع دالّ على رجوعها إلى الإنشاء، أو على ما يقوله البعض من أنها شرائط للسبب لا للواحق المسبّب. نعم، هي من شرائط السبب، ولكنّها من شرائط الإنشاء أو السبب، لا دليل حسابي على الأوّل. 

فهذا هو قسم من الكلام، ولنا كلام آخر: أنه على الكشف والنقل، ماذا يكون الحال؟ فإن هاتين المسألتين هما ما نستطيع أن نبحثه، وأما واقعية الشرائط فلا بُدّ فيها من الرجوع إلى أبوابها ولا يسعها بحال هذا البحث.

فالآن نبحث عن الكشف بمبانيه والنقل، وأنه لا بُدّ أن يقال بالشرط في زمان العقد، أو الإجازة أو كِليهما، هذا أيضاً مما لا بُدّ فيه من الرجوع إلى الأدلّة. 

ــــــــــ[452]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 467، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [تفصيل الشيخ في المقام]

الشيخ في كلامه ذكر جهتين: 

إحداهما: أن كلّ الشروط مربوطة بالبيع الإنشائي، إلّا إذا قام الدليل على أنه من شرائط التأثير، واستدلّ على ذلك بكون ظهور الأدلّة هو ذلك. 

الجهة الأخرى: أنه كما يعتبر في الإيجاب والقبول أن يكون القابل حين الإيجاب جامعاً لتمام شرائط الموجب، فهنا كذلك بل أولى.

[الجهة الأولى: ارتباط جميع الشروط بالبيع الإنشائي]

أما كلامه الأوّل فقد قلنا: إن ما ينبغي أن يقع محلّاً للبحث، هي غير الشرائط المأخوذة في أصل تحقّق البيع بالحمل الشائع، والشرائط التي ورد أن لها دخلاً في لفظ البيع، وإنما يبحث في سائر الشرائط كالملكية والغرر والخمر، أو معلومية العوضين ونحو ذلك.

نحن نريد أن ندّعي أن كلّ الشروط الواردة في الشرع بأيّ لسان هي شروط التأثير، فإن الشروط التي تعتبر يمكن أن تكون بلفظ (يشترط في البيع كذا)، وهذا يقل وجوده في الشرع أو لا يوجد.

ويمكن أن يكون بنحو الأوامر الإرشادية أو النواهي الإرشادية كقوله: “نهى النبي عن بيع ما ليس عندك (1) و(الغرر)(2) أو قوله: “لا بيع إلّا في 

ــــــــــ[453]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه.

(2) تقدّم تخريجه.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ملك(1)، ونحوه مما يستفاد منه المانعية أو الشرطية.

فكلّ الشروط غير الداخلة في الماهيّة هي شروط لأيّ شيء؟ هل هي شروط في قوام المعاملة؟ هذا لا يمكن؛ لأنها أمر عقلائي لا يمكن أن يتصرّف فيه الشارع، أو أنها شرط لتحقّق المعاملة بالحمل الشائع.

وليس معنى المعاملة التي يترتّب عليها الأثر، بل هو أمر آخر، وإن خلط بينهما في كلام الشيخ محمد حسين(2)، بل المعاملة بالحمل الشائع هو إيجاد مفهومها بالوجود الإنشائي فإن ما يتحقّق بالإنشاء هو المعاملة بالحمل الشائع.

نعم، هناك كلام في الحمل الشائع في غير كتبنا، وهو أن هذا الحمل هل يكفي فيه وجود الماهيّة أو يشترط فيه ترتّب الأثر؟ ولسنا في مقام الكلام عما هو المصطلح، بل نتكلّم بغضّ النظر عن ذلك.

فمفهوم المعاملة التي يوجدها الأصيلان، فيوجد هذا المفهوم بالحمل الشائع، ويكون هذا الموجود سبباً لترتّب الأثر، فيكون تحقّقه شيء وترتّب الأثر عليه شيئاً آخر معلولاً له، وإذا صدر هذا الأمر من الفضولي فقد تحقّق البيع بالحمل الشائع، وخرج البيع من عالم المفهوم إلى عالم التحقّق، تحقّقاً لائقاً بحاله، غايته أنه كما أن بيع الصرف لا يترتّب عليه الأثر إلّا بالقبض في المجلس عند الشارع، كذلك الفضولي عند العقلاء، إلّا بإجازة المالك. فإنهم يقولون إنه 

ــــــــــ[454]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه.

(2) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 255، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجاز، الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أنشأ البيع، لكن لا يترتّب عليه إلّا بالإجازة.

فتمام الشرائط الشرعية غير الدخيلة في مفهوم المعاملة يتحقّق معها المفهوم، فإن البيع ليس إلّا مبادلة مال بمال أو تمليك عين بالعوض، دون أيّ شيء آخر(1).

فهل هذه الشروط شرط للمعاملة بالحمل الشائع(2)؟ يعني شرط تحقّق المفهوم؟ 

أما عند العقلاء فالبيع الغرري والربوي وبيع الخمر وآلات القمار هي بيع بلا إشكال، فهل هي شرط تحقّق البيع بالحمل الشائع؟ هذا لا يعقل، فإن تحقّقه بالحمل الشائع هو إنشاؤه، وهو متحقّق على الفرض سواء قال الشارع شيئاً أو لم يقل، فإن الأمور العقلائية ليست تحت اختيار الشارع، وقد أوجد البائع الإنشاء وتحقّق مفهوم المعاملة عقلائياً، فلم يبق إلّا أنها شرط لترتّب الأثر.

فسائر الشرائط التي هي محلّ البحث بأيّ لسان كانت سواء كانت بالاشتراط بالحمل الأولي أو بنحو الأوامر والنواهي الإرشادية، وهي إرشاد إلى أن هذا العقد لا يؤثّر وهو باطل عند الشارع، وإلّا فتأثيره العقلائي أيضاً
ــــــــــ[455]ــــــــــ

() أقول: كيف يكون البيع هو ذلك ليس إلّا، مع أن السيد يصرّح بوجود شرائط دخيلة في مفهوم المعاملة كبيع غير المميّز والنائم ونحوها، ولا بُدّ في مثلها أن تؤخذ في التعريف، وإلّا كان خلاف فرض اشتراطها، فيكون البيع عبارة عن بيع عين بعوض صادر من المميّز اليقظان الصاحي (غير السكران) ونحوه. انتهى. (المقرِّر).

(2) الأحسن أن يقال: بالحمل الأوّلي، فإنه الأنسب بالسياق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

-كماهيّته- مما لا يمكن للشارع التصرّف فيه، فغاية ما يستطيع الشارع أن يقوله هو أن هذا العقد لا أثر له وباطل عندي، فنحن بما أننا تابعون لقوانين الإسلام نتعبّد بالبطلان، وإن كنا لو نظرنا إلى المحيط العقلائي وجدناه بيعاً مؤثّراً.

بناءً عليه فما يقوله الشيخ(1) بأن الأدلّة ظاهرة بأن الشرائط هي شرائط للبيع، نسأل عن أنها شرائط في مفهومه، أو في تحقّقه؟ وكِلاهما لا يمكن.

إذن يرجع إلى أنها شرائط للتأثير وترتّب الأثر الشرعي، نقول: كلّ الشرائط كذلك إلّا ما هو دخيل في مفهوم المعاملة، إلّا إذا دلّ دليل على خلافه.

فأنت إذا شككت في أن هذا الشرط لا بُدّ وأن يكون من الأوّل، أو لا بأس أن يكون متحقّقاً ولو متأخّراً.

نقول: إن البيع بما أن له ماهيّة قابلة للبقاء عقلائياً، وهي التي تطرأ عليها الإجازة والفسخ، فالمدار اتّصاف هذه الماهيّة بهذا الشرط ولو متأخّراً، فإن الماهيّة كانت حاصلة وشرطها قد أصبح حاصلاً فتصحّ. وإنما لم يكن البيع مؤثّراً لعدم شرطه فحين وجد شرطه أصبح مؤثّراً، إلّا أن ينصّ الشارع على لزوم وجوده عند حدوث المعاملة، وهذا أمر آخر لا تقوم به أدلّة الاشتراط كالنهي عن بيع الغرر والخمر ونحوها.

فلو شككنا في أن الإجازة -التي هي من متمّمات السبب- هل يشترط فيها أن تكون باللغة العربية، أو بلفظ خاصّ ونحو ذلك من الشكوك، وقد ورد في الدليل المعتبر أن إجازة المالك نافذة، فإنه لا يكفي لإثبات شرطية تلك 

ــــــــــ[456]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الأمور ويحتاج إثباته إلى دليل آخر.

كذلك في المقام جزء السبب حاصل وجزء السبب الآخر يحصل، وتصحّ به المعاملة، كما لو انقلب الخمر الذي بعته خلاً قبل الإجازة، أما في الأصيلين(1) فغير قابل للصحّة لقيام الضرورة على خلافه.

[الجهة الثانية: في اعتبار بقاء الشروط إلى حين الإجازة]

الجهة الأخرى: التي تعرّض لها الشيخ هي: أنه كما أن القابل حين الإيجاب يجب أن يكون جامعاً للشرائط، كذلك في المقام، لا بُدّ أن تكون الشروط محفوظة إلى حين الإجازة.

ولأجل تقريب مسألة القابل نذكر تقريب الشيخ محمد حسين(2)، وحاصل ما قاله: إن المعاملة معاقدة ومعاهدة، فكما لا يمكن المعاهدة مع الميت أو النائم، كذلك بالنسبة إلى ما كان كالميت كالساهي أو من لا يؤثّر عمله شيئاً أصلاً. 

وبعبارة أخرى: أن المعاملة هي إعطاء الالتزام وأخذه، كما يعبّر النائيني(3)، وكما لا يمكن ذلك مع الميت كذلك من هو كالميت.

نقول: مسألة البيع ليست مسألة معاهدات ومعاقدات، وتبادل الالتزام، 

ــــــــــ[457]ــــــــــ

() هذا ذكره جواباً على سؤال. (المقرِّر).

(2) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 256، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجاز.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 232، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في البيع الفضوليّ، المسألة الثالثة، الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فليس فيه خطاب حتى يقال إنه لا يمكن توجيهه إلى الغافل أو الجاهل، ولا التزام فإنه -أي: الالتزام- من الآثار العقلائية للبيع، ولا معاهدة(1) فإنه لا تكون المعاهدة إلّا بين دولتين أو جيشين، وقلنا إن العقد عبارة عن العقدة، (عقدة النكاح)، وليس عبارة عن المعاقدة، فقد عبّر عن التبادل الاعتباري الحاصل بالعقدة. 

ونحن نتوخّى صدق مفهوم البيع، فإن كان صادقاً شمله عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ فلو أوجب الموجب وكان القابل غافلاً ثُمّ التفت وقبل يكون بيعاً، أو لو كان القابل محجوراً وخرج عن الحجر بعد الإيجاب فقبل، فقد حصل البيع من شخصين غير محجورين، فقد حصل المفهوم عقلائياً، فأيّ دليل على أن تمام شرائط الموجب يجب أن تكون متوفّرة في القابل حال الإيجاب؟

على أن بعض الشرائط لا نقبلها حتى في الموجب فلو أوجب على الخمر، ثُمّ تحوّل إلى الخلّ أو أوجد ملتفتاً ثُمّ نام، فقبل القابل، هل تقول أن البيع هو المعاهدة أو المعاقدة أو الالتزام ليس كذلك؟ فإنكم إن قلتم للعقلاء ذلك قالوا: (إنا نشتري ربع لبن ولم نعمل معه معاهدة)، فكلّ الشروط الزائدة عن ماهيّة البيع ندفع احتمالها بالإطلاق.

ــــــــــ[458]ــــــــــ

() على أنه يمكن المنع من كون المعاهدة لا تكون إلّا بين شخصين جامعين للشرائط، بل يمكن أن يعمل أحد الطرفين عهدة، ثُمّ يموت فيعطي الطرف الآخر عهده، ويكون هذا العهد سارياً على الدولة أو الجيش وما شاكل، فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما الإجماع التعبّدي فلم يثبت.

نعم، لو ثبت ما ادّعي في الإيجاب والقبول، يثبت في الإجازة أيضاً، فإن الفضولي بابه باب الإيجاب، وقلنا إن الإيجاب هو تمام ماهيّة العقد، وأن العاقد الفضولي هو الموجب، وأما قبول الفضولي فلا أثر له أصلاً. فكما قال الآغايون في الإجازة بأنها متمّم التأثير كذلك قلنا في الإجازة، والإجازة هي إجازة الإيجاب دون القبول.

فلو قال لك شخص: (بعت مالك لفلان) احتاج ذلك إلى قبولين، أحدهما منك، والآخر من الآخر، وليس هذا قولاً (سخيفاً!!) كما يقول الشيخ محمد حسين(1) بل مطابق للواقع وللمفهوم العقلائي.

[الكلام عن الكشف والنقل في المقام]

يقع الكلام بعد ذلك على الكشف والنقل.

لا يمكن أن نبحث التصديق الفقهي في هذه المسألة، فإن كلّ شرط من الشروط يحتاج إلى بحث مستقلّ، لكن لا بُدّ من أن نذكر احتمالات المورد التي لا يمكن إحرازها بحسب القواعد، حتى تكون القواعد باليد حين بحث كلّ شرط في مورده.

فنقول: إننا مرّة نحرز من الأدلّة أن الأمر المشكوك شرط حال العقد، أو أنه شرط حال الإجازة، وأخرى نحرز أنه شرط حال العقد وحال الإجازة، أو شرط 

ــــــــــ[459]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 255-256، كتاب البيع، بيع الفضولي، شروط المجاز.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

من حال العقد إلى حال الإجازة مستمرّاً، إذا أحرزا أحد هذه الأنحاء فلا كلام.

وفي الموارد التي نحرز أنه شرط حال العقد، ولا نعلم أنه معتبر حال الإجازة أو لا. أو نحرز أنه شرط حال الإجازة ولا نعلم أنه شرط حال العقد أو لا. 

وكذلك إذا أحرزا شرطيته في الحالين ولم نعلم لزوم الاستمرار ما بين العقد والإجازة، فإذا قلنا بالنقل وإنه على القواعد، والكشف إذا كان فهو على خلاف القواعد، فإذا كان عندنا مورد محرز نأخذ به، ومورد الشكّ نرجع فيه إلى العمومات ونرفع بها الشكّ، بعد أن كان شاكّاً زائداً على عنوان المعاملة.

وإذا قلنا بالكشف وأنه على القاعدة، فالكلام الكلام، من أننا نتمسّك بإطلاق الدليل لنفي الشكّ الزائد أو نقول بالكشف.

وإذا قلنا بأن الكشف على خلاف القاعدة وإنما قلنا به للدليل الخاصّ، فإن كان للدليل الخاصّ إطلاق، فإننا نرفع به الشكوك، وإذا لم يكن لدليل الكشف إطلاق -كما هو الواقع- وأن مقتضى القواعد هو النقل والكشف على خلاف القاعدة، وليس لدليله إطلاق، فقد قلنا سابقاً بأن كلّ مورد شكّ لم نستطع تتميمه على الكشف لعدم الإطلاق، فليس أننا نحكم بالبطلان، بل نقول بالصحّة على النقل.

هذا إذا أحرز المطلب في طرف وأحرز عدمه في الطرف الآخر، أو شكّ فيه.

[العلم الإجمالي باعتبار شرائط العقد]

في بعض الموارد يكون أصل اعتبار الشرط معلوماً، لكن نشكّ في أن الشرط معتبر في العقد أو في الإجازة.

ــــــــــ[460]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أو بعبارة أخرى: أننا بعد إحراز الشرطية نعلم إجمالاً إما أنه شرط حال العقد أو أنه شرط حال الإجازة، ويكون طرف العلم الإجمالي هذين الأمرين فقط، ولم تكن الاحتمالات الأخرى طرفاً له، كالاستمرار من العقد إلى الإجازة، بل هو مشكوك بدوي. فمن باب أن العلم الإجمالي منجز لا يمكن نفي طرفيه بأصالة الإطلاق، بل لا بُدّ أن نقول بلزوم وجود الشرط في كِلتا الحالتين، فهذا أيضاً مما لا إشكال فيه.

إنما الإشكال في بعض الموارد، وهو أن العلم الإجمالي له -بحسب التصور- عدّة صور: 

فمرّة: أعلم إما أنه شرط حال العقد أو أنه شرط حال الإجازة. 

وأخرى: أعلم إجمالاً أنه إما هو شرط في حال العقد أو في حال الإجازة، أو معتبر من حال العقد إلى زمان الإجازة. 

وثالثة: إما حال الإجازة أو من زمان الإجازة إلى زمان العقد بنحو الاستمرار القهقرائي. 

أو عكسه وهو العلم إما حال العقد أو من زمانه إلى زمان الإجازة، فهذه صور الشكّ عند عدم وجود الدليل.

فإذا شككنا أنه شرط إما حال العقد أو حال الإجازة، فهو الذي قلناه من عدم جريان الأصول الشرعية ولا العقلائية في أطرافه، فتكون أصالة عدم النقل جارية إلى زمان إحراز كِلا الأمرين.

أما إذا علمنا أنه شرط إما في زمان العقد أو منه إلى زمان الإجازة، أو علمنا 

ــــــــــ[461]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أنه شرط إما في زمان الإجازة أو منه إلى زمان العقد بالاستمرار القهقري.

ففي مثل ذلك: مرّة يكون الطرفان مأخوذين بشرط لا مثلاً -وإن لم يكن منطبقاً على المقام- علمنا إجمالاً إما هو شرط في زمان العقد وإذا كان في غيره يكون مضرّاً، أو أنه شرط معتبر من زمان العقد إلى زمان الإجازة، ونحو ذلك في العلم المعاكس له بالنسبة إلى الإجازة. فتكون الأطراف متباينة، ويكون منجّزاً نظير السابق، ولا تجري فيه الأصول.

وأما إذا كان هذا العلم الإجمالي غير مأخوذ بشرط لا، يعني لم يكن الاستمرار مضرّاً على التقديرين، فهذا في الحقيقة ليس علماً إجمالياً بل يرجع إلى الأقلّ والأكثر، فإن له قدراً متيقّناً، فإن وجوده حال العقد في العلم الأوّل أو حال الإجازة في العلم الثاني متيقّن واستمراره مشكوك فننفيه بأصالة الإطلاق.

والصورة الأخيرة: هي العلم إجمالاً بأن الشرط إما معتبر في حال العقد أو في حال الإجازة أو من حال العقد إلى حال الإجازة، فالعلم هنا له ثلاثة أطراف، فهل هذا نظير العلم الإجمالي السابق من أنّ له مورداً للقدر المتيقّن ومورداً للشكّ، غاية الأمر أن القدر المتيقّن هناك تفصيلي وهنا إجمالي؟

وبعبارة أخرى: أن هذا العلم الإجمالي -حال كونه لا بشرط من حيث الأطراف- ليس له أكثر من طرفين، أو أن العلم المنجز فيه ليس له أكثر من طرفين، فإنه لا يمكن أن ينجّز العلم هذا وينجّز هذا ثُمّ يعود وينجّز هذا وهذا، ولو كان العلم علماً بحال العقد وحال الإجازة وحال ما بعد العقد إلى ما قبل الإجازة لكان علماً إجمالياً ثلاثياً منجّزاً. ولكن الأطراف -على الفرض- هي:

ــــــــــ[462]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إما حال العقد وحال الإجازة، أو من زمان العقد إلى زمان الإجازة، فهل ينجّز هذا العلم الأطراف الثلاثة فلا بُدّ من إحراز وجود الشرط من زمان العقد واستمراره إلى زمان الإجازة، ويكون مانعاً عن التمسّك بالإطلاقات؟ أو أن هذا العلم في الحقيقة ينجّز الطرفين الأوّلين، وإذا كان منجّزاً للطرف الثالث يكون قد نجّز حال العقد وحال الإجازة مرّتين.

فغاية ما يكون هذا العلم قابلاً لتنجيزه هو الطرفين الأوّليين، وأما ما لا يكون العلم منجّزاً له فتجري فيه الأصول العقلائية، فينتج أنه لا بُدّ من إحراز الشرط في زمان العقد وفي زمان الإجازة، ولا بأس أن يكون متخلّفاً في الوسط، كما لو انقلب خمراً في الوسط(1).

تحصّل لدينا أن جميع الشرائط الشرعية ترجع إلى شرائط التأثير، وليس هنا شرطاً شرعياً دخيلاً في مفهوم المعاملة أو في تحقّقها بالحمل الشائع، لكنّ هذا في بعض الموارد يكون واضحاً وفي بعضها يكون مورداً للاستغراب.

فمثلاً: في الإكراه، فإن مما هو يعتبر في المعاملة هو الاختيار، وفيه لم يستغرب الآغايون أو يستشكلوا فيما إذا ارتفع الإكراه بعد ذلك في صحّة المعاملة، باعتبار ظهور الأدلّة باعتبار الاختيار حال العقد، وكذلك لم يستشكلوا في 

ــــــــــ[463]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إن الطرف الثالث هو مجموع فلا بأس أن يكون العلم الإجمالي منجّزاً له، وقال آخر: إنه يرجع إلى الشكّ في أن أحد الطرفين هل هو مجعول شرعاً مستقلّاً أو جزءاً؟ 

فقال السيد: إن الطرف لا يمكن أن ينجّز مرّة على مرّة، ولا يمكن أن يقع طرفاً للعلم الإجمالي مرّة على مرّة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

شرط المالكية، أو لو باع غير الولي مال الصغير.

وأما شرطية العلم بالعوضين في تأثير العقد، وبعبارة أخرى أن لا تكون المعاملة غررية، فهنا يقال: إنه إن إنشاء المعاملة الغررية كان جزء السبب فإنها معاملة عقلائية، والمنشأ موجود بالحمل الشائع، وهناك كانوا يقولون إنه عند الرضا يحصل الانتقال فهنا يقال: إنه إذا علم -بعد ذلك- الكيل والوزن ينتقل، فإن العلم به من شرائط تأثير المعاملة، فإذا حصل الشرط ولو متأخّراً صحّت، وكذلك لو كانت المعاملة على موجود خارجي للخمر، فغايته أنها لا تكون صحيحة للمانع، فإذا ارتفع المانع صحّت.

وما ذلك إلّا لأن المسألة لم تبحث على وجهها، أو أنهم تسالموا على ذلك يداً بيد، وإلّا سألنا أنه ما الفرق بين تلك الشرائط وهذه الشرائط؟ وما يقال من أنه يلزم منه تأسيس فقه جديد، أو تغيير الفقه غير صحيح، ولا يلزم شيء من ذلك، وفي الفضولي لو لم يكن عقلائياً لاستنكر الآغايون من القول بصحّته؛ لأن الملكية لا بُدّ أن تكون حال العقد، في حين أنه على القواعد ليس شيء منها باطل، فإن العقد نافذ والشرط شرط التأثير، ومتى لم يكن الشرط موجوداً لم يكن العقد مؤثّراً، ولكن إذا حصل يصبح مؤثّراً.

فهل الدليل على ذلك الانصراف؟ مع أنه كما يمكن ادّعاؤه هناك يمكن ادّعاؤه هنا. ولعلّه هنا أظهر، ففي قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر”(1)، أو الخمر 

ــــــــــ[464]ــــــــــ

(1) السنن الكبرى (البيهقي) 5: 266، كتاب البيوع، الباب5، الحديث 10720، وسنن أبي داود 2: 274، باب في بيع الغرر، الحديث 3376، وسنن ابن ماجة 7: 24، التجارات، الباب 23، الحديث 2278، ودعائم الإسلام 2: 21، كتاب البيوع، الفصل الثالث ذكر ما نهي عنه من بيع الغرر، وعوالي اللئالي العزيزية 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، وبحار الأنوار 100: 81، كتاب العقود، أبواب المكاسب، الباب 16، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أو العذرة، ونحوها من قوله “لا بيع إلّا في ملك(1) ونحوه.

قلنا: إنه لا يمكن بحث الشروط من حيث أدلّتها مفصّلاً، وإنها شرط لحال العقد، أو لحال الإجازة، أو غير ذلك، فمن هنا قلنا بعض الأمور الكلّية التي تكون ضابطاً فيما يحتمل الابتلاء بها في البحث الفقهي.

بعض الآغايون(2) -يعني من الطلاب- تخيّلوا أني أقصد مما ذكرته آنفاً أن العلم الإجمالي إذا كان له طرفان فهو منجّز، وإذا كان له ثلاثة أطراف فإنه لا يكون منجّزاً، وأنا لم أقلّ ذلك، فإنه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الاثنين والثلاثة والأكثر، لكن بشرط أن يكون العلم الإجمالي الثلاثي هكذا: إما هذا وإما هذا وإما هذا، فيكون الواقع الموجود في البين منجّزاً بالعلم، والعقل يحكم بلزوم تحصيله في التكليفيات، وبلزوم إحراز الشرط في الوضعيات. 

وأما إذا كان العلم الإجمالي بهذا النحو: أن الشرط إما معتبر حال العقد أو حال الإجازة أو في كِلا الحالين، ومثله: أن يعلم إجمالاً بوجوب إكرام إما زيد وإما عمرو وإما كِليهما.

ــــــــــ[465]ــــــــــ

() مرّت الإشارة إليه آنفاً.

(2) وهنا لخّص السيد بعض ما كان قاله إلى أن وصل إلى العلم الإجمالي بأن الشرط إما معتبر حال العقد، أو حال الإجازة، أو في حال العقد وفي حال الإجازة وما بينهما، ثُمّ قال: بعض الآغايون… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ففي مثل هذا العلم هل يكون منجّزاً (لكِليهما)؟ وهو الطرف الثالث تنجيزاً زائداً على تنجيز الأوّلين، أو كما يكون هناك انحلال في التكليف إلى معلوم ومشكوك يكون هناك انحلال في التنجيز إلى معلوم ومشكوك، فيكون عندنا مورد معلوم التنجيز، ومورد يشكّ في أنه منجّز بالعلم الإجمالي، ففي مثال العلم بوجوب الإكرام يكون العلم بالنسبة إلى زيد وإلى عمرو منجّزاً، سواء كان عنوان (كِليهما) موجوداً أو لم يكن، وأما طرفه الثالث فيشكّ في كونه منجّزاً أو لا.

فكما كنت تقول في العلم الإجمالي المردّد بين الأقلّ والأكثر بالانحلال في التكليف، فلو علم إجمالاً بأنه يجب إكرام إما زيد وحده أو هو مع عمرو، كان زيد معلوم الوجوب، ويشكّ في الزائد، فيكون موضوعاً للبراءة بلا إشكال عندكم. فكذلك في المقام أيضاً نقول: إننا نشير إلى ما هو واجب في علم الله وهو أحدهما
-زيد وعمرو- ونقول: إما ذاك واجب أو هو مع زيادة، فإن أحدهما له واقعية عند الله تعالى وإن كنّا لا نعلمه، فنقول إما هو واجب أو هو مع زياده.

وهذا الواقع لا يخلو أمره إما هو زيد أو عمرو، فيرجع هذا إلى قولنا: إما زيد المعيّن واجب الإكرام أو كِلاهما، وإما عمر المعيّن واجب الإكرام أو كِليهما، فإن كان الأوّل فزيد معلوم وجوب إكرامه، وعنوان (كِلاهما) مشكوك، وإن كان الثاني فعمرو معلوم و(كِلاهما) مشكوك، فنحن نحسب حساب الواقع ونقول إنه إما هو الواجب أو كِلاهما.

فما هو الفرق بين هذا الانحلال، وهو الانحلال في التنجيز، والانحلال في التكليف؟ وينتج أن هذا العلم الإجمالي ينجّز طرفين من أطرافه دون الطرف 

ــــــــــ[466]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الثالث، وهو أن يكون الوجوب متعلّقاً بكِليهما، فإن الواجب الواقعي تنجّز بالعلم الإجمالي أنه إما زيد واجب الإكرام أو عمرو، والخصوصية الزائد مشكوكة فتكون منفية بالأصل، وهذا النحو من العلم الإجمالي لم أرَ من يتطرّق إليه(1).

ــــــــــ[467]ــــــــــ

() أقول: لنا على ما قاله السيد بعض المناقشات: 

أولاً: أن فكرة الانحلال في التنجيز يمكن القول بأنها غير متصوّرة أساساً، فإنها متفرّعة على الشكّ في التنجيز في الطرف الثالث، وأخذ الطرفين الآخرين قدراً متيقّناً إجمالياً كما عبّر السيد بالأمس، والشكّ في التنجيز غير متصوّر، فإن التنجيز من أحكام العقل المتفرّعة على حكمه بوجوب الطاعة، والحاكم لا يمكن أن يشكّ في حكمه.

فالعقل بوجدانه إما أن يجد هذا الأمر منجّزاً*(1) بالعلم الإجمالي، أو غير منجّز، باعتبار كونه منجّزاً في المرتبة السابقة، والمتنجّز لا يتنجّز مرّتين -كما قال السيد بالأمس- والأساس هو الوجدان والشكّ غير متصوّر، ومع عدم الشكّ لا يتمّ المطلب بل إما أن يلحق هذا الطرف بالطرفين الآخرين في التنجيز، أو ينحلّ من باب (الانحلال في التكليف).

ثانياً: أن جريان أصالة البراءة عن التكليف المشكوك الثبوت متصوّر، وينتج الانحلال في التكليف في موارد العلم الإجمالي لا محالة، ولكنّ جريانها في الحكم المشكوك التنجيز فهذا مما لا يتصوّر، فإن موضوع البراءة هو الحكم المجهول أو غير الواصل أو ما لا يعلم ونحو ذلك.

وهذا إنما يكون عند الشكّ في أصل الحكم واقعاً، وأما الشكّ في التنجيز، فمرجعه الشكّ إلى أن الحكم هل هو واصل بالعلم الإجمالي؛ ليكون منجّزاً، أو غير واصل؛ لكي لا= 

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ــــــــــ[468]ــــــــــ

=يكون منجّزاً -مع غضّ النظر عن إشكالنا الأوّل-؛ فيكون شبهة مصداقية لموضوع الأصل*(2).

على أن غير الواصل إنما لا يكون منجّزاً إذا جرت عنه البراءة، أو كان مؤمَّناً عنه بأحد الأصول، وإلّا كان مجرّد الاحتمال منجّزاً، فيرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في كون هذا التكليف مما جرت عنه البراءة أو لم تجرِ، فكيف يكون هذا الشكّ موضوعاً لجريان هذا الأصل؟!

ثالثاً: مع غضّ النظر عن جميع ما قلناه، فإن هذا التعبير*(3)، وهو: أن نشير إلى الواقع في علم الله، ونقول: (إنه إما هو واجب أو هو وزيادة)، يعني: إنما يمكن أن نشير إلى الواقع ونأخذه قدراً متيقّناً فيما إذا كان الواقع متعيّناً، وأما إذا كان الواقع غير متعّين، وذلك في فرض أن يكون الواجب هو إكرام كِلا الشخصين، فلا يكون زيد بخصوصه وعمرو بخصوصه متعيّناً حتى في الواقع وفي علم الله تعالى، ومعه كيف تصحّ الإشارة إليه ليقال بأنه القدر المتيقّن في التنجيز.

وحيث إن المفروض في صياغة أصل العلم الإجمالي أن تعلّق الوجوب بكِليهما طرف للعلم الإجمالي، إذن فنحن نحتمل أن يكون للواقع تعيّن في خصوص أحد الشخصين، ونحتمل أن لا يكون له تعيّن، وإلّا لو لم نكن نحتمل ذلك لم يكن الطرف الثالث
-وهو كِلاهما- طرفاً ثالثاً*(4).

ومع هذا الاحتمال لا يمكننا بحال الإشارة إلى الواقع، فإنه غير ثابت على كلّ تقدير.

رابعاً: أن الإشارة إلى الواقع وأخذه قدراً متيقّناً، إنما يتصوّر في أصل وجود التكليف، حيث يقال: أن هذا التكليف معلوم الثبوت والزائد مشكوك، وإن أخذ الواقع قدراً متيقّناً في التنجيز فهذا مما لا يتصوّر لكون التنجيز متأخّراً مرتبةً عن ثبوت الواقع، فلا يتصوّر اتّصاف الواقع به.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ــــــــــ[469]ــــــــــ

إذن فيجب أن يصاغ هذا التعبير هكذا، ويبدل التنجيز عن كونه وصفاً للواقع إلى كونه وصفاً للعلم الإجمالي نفسه. فيقال: إن تنجيزه للطرفين متيقّن وتنجيزه للزائد مشكوك، وهذا هو عين المدّعى، فلا يصلح أن يكون مقدّمةً في الاستدلال، وإلّا كان مصادرة واضحة، إن لم يرجع إلى مسألة أن المتنجّز لا ينتجّز مرّتين، وظاهر السيد عدم رجوعه، وذكر دليلاً مستأنفاً، وسواء رجع إليه أو لم يرجع يبطل الانحلال في التنجيز، فتأمّل.

خامساً: قد يقال: إننا إذا تمّمنا كلام السيد في مثال وجوب الإكرام، وقلنا بأن العلم لا يمكن أن ينجّز الطرف الثالث، فإنه لا يمكن أن يتمّ فيما هو محلّ الكلام، وذلك للفرق الواضح بينهما، من حيث إن وجوب الإكرام جعل استقلالي، وما هو محلّ الكلام وهو الشكّ في الشرطية جعل ضمني.

فمرجع علمنا الإجمالي بأن الشرط إما معتبر في حال العقد أو في حال الإجازة أو في كِليهما إلى العلم الإجمالي ببطلان إحدى المعاملات الثلاث التي تخلّفت فيها أحد الأطراف للعلم الإجمالي الأوّل، وهذا العلم أطرافه متباينة بتباين الحصص الثلاث للمعاملة:

1- المعاملة الفاقدة للشرط حال العقد.

2- الفاقدة له حال الإجازة.

3- الفاقدة له في كِلا الحالين.

وإذا كانت أطرافه متباينة كان منجّزاً لا محالة، ولا يلزم منه تنجّز شيء واحد مرّتين ولا قدر متيقّن في البين.

إلّا أن الصحيح مع ذلك أننا إن لم نقل في مثال وجوب الإكرام بالانحلال، نقول به هنا، لا للقول بالانحلال في التنجيز، بل لأجل عدم تصوّر طرف ثالث للعلم الإجمالي، وإنما هذا العلم في واقعه ذو طرفين، فإن المعاملة الفاقدة للشرط في كِلا الحالين -وهو= 

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ــــــــــ[470]ــــــــــ

=الطرف الثالث- تناسب مع أحد أحوال ثلاثة لا رابع لها:

1- إما فاقدة للشرط في حالَي العقد والإجازة.

2- أو فاقدة له حال العقد.

3- أو فاقدة له حال الإجازة.

وكلٌّ من هذه الأحوال يناسب أيضاً مع الطرفين الأوّلين للعلم كما هو واضح، بأدنى تأمّل. فليس الطرف الثالث مورداً خاصّاً مستقلّاً عن الطرفين الآخرين؛ ليكون طرفاً للعلم الإجمالي.

أو إذا صغناه بصيغة التكليف لقلنا: إن الطرف الثالث لا تتصوّر فيه مخالفة قطعية غير مندرجة في كونها مخالفة لأحد القسمين الأوّلين، فلو علمنا إجمالاً بشرطية التكبير مثلاً إما بعد الركوع أو بعد السجود أو بعد كِليهما، ورجع علمنا هذا إلى العلم إجمالاً ببطلان أحد الصلوات الثلاث الفاقدة لإحدى هذه الأطراف. فإن الصلاة الفاقدة للشرط في كِليهما تناسب مع ثلاثة شقوق من قبيل ما سبق، والشقّ الأوّل مخالفة قطعية لكِلا الطرفين الأوّلين، والشقّان الأخيران مخالفة قطعية لأحدهما، كما هو واضح للمتأمّل، فلم يوجد مورد تتصوّر فيه مخالفة الطرف الثالث للعلم الإجمالي ليكون طرفاً له.

ومعه تكون النتيجة التي توصّل إليها السيد فيما هو محلّ الكلام صحيحة، وهو عدم قابلية العلم الإجمالي للتنجيز في الطرف الثالث، وهو احتمال الشرطية في حالي العقد والإجازة، لكن لا لأجل الانحلال في التنجيز بل لمنع طرفيته أصلاً.

وعلى أيّ حال فقد قال السيد بعد ما سبق. وبعبارة أخرى: أننا نعلم إجمالاً إما أحدهما… 

*(1) باعتبار أن الطرف الثالث مباين للطرفين الأوّلين ولو بلحاظ كونه المجموع. 

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وبعبارة أخرى: أننا نعلم إجمالاً إما أحدهما واجب أو أحدهما مع قيد، كما لو علمنا إجمالاً بأن أحدهما واجب الإكرام، أو أحدهما في السوق واجب الإكرام، فإنه ينحلّ إلى العلم بأنه: إما زيد واجب الإكرام وإما زيد في السوق واجب الإكرام، وإما عمرو واجب إكرامه وإما هو في السوق واجب إكرامه.

وخصوصية السوق قيد زائد يكون مورداً للبراءة، فيكون من الانحلال في التنجيز، كما كان ذاك انحلالاً في التكليف.

ففي محلّ كلامنا إذا علمنا إجمالاً باعتبار الشرائط، إما حال العقد أو حال الإجازة، أو كِلا الحالين، فحال العقد وحال الإجازة معتبر على أيّ حال، فيكون العلم الإجمالي بالنسبة إلى واقع أحدهما منجّز له على أيّ حال، وأما الزائد عليه فلا حجّة عليه، فيشمله إطلاق الأدلّة. 

وأما المسألة الفقهية، وهي: أن الكشف والنقل بالنسبة إلى الشروط 

ــــــــــ[471]ــــــــــ

*(2) نعم، يمكن إجراء استصحاب عدم الوصول بنحو العدم النعتي أو الأزلي، فتأمّل. إلّا أن هذا غير ما قاله السيد على أنه يدفع هذا الإشكال دون غيره. 

*(3) وأما إذا بدّلنا هذا التعبير إلى قولنا: (إذا كان زيد واجب الإكرام في الواقع فزيدٌ واجب الإكرام، وإن كان كِلاهما واجباً فزيدٌ واجب أيضاً). وكذلك بالنسبة إلى عمرو، فيكون زيد وعمرو متيقّناً إجمالاً، وعنوان (كليهما) مشكوك؛ فينتفي بالأصل. وهذه الصيغة صدرت أيضاً من السيد ولا يرد عليها هذا الإشكال. نعم، ترد عليها الإشكالات الأخرى. 

*(4) إذن فالتعيّن محتمل لو كان الواقع هو أحد الطرفين، وغير محتمل لو كان هو الطرف الثالث، إذن فليس عندنا قدر متيقّن على كلّ تقدير. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المحتمل اعتبارها هل يفرقان أو لا؟ أما بالنسبة إلى الشروط المأخوذة في الماهيّة والمأخوذة في الصيغة والمأخوذة في الإنشاء، فلا فرّق بين المسلكين، إنما الكلام فيما هو معتبر في العقد أو العوضين أو الطرفين، مما هو شرط في التأثير، فهل يفرّق الكشف عن النقل، أو لا يفرّق، أو أن الشرائط تختلف.

لا كلام لنا في الشرائط التي تكون مقدّمة للماهيّة، أو الصيغة سواء العقد أو الإجازة؛ لأن شرائط العقد لا بُدّ وأن تكون حال العقد وشرائط الإجازة لا بُدّ أن تكون حال الإجازة، وإنما الكلام فيما عدا هذه الشرائط كشرائط العوضين والمتعاقدين، فهل يجب أن تكون حاصلة حال العقد، أو حال الإجازة، وهل يفرّق في ذلك على الكشف وعلى النقل أو لا يفّرق؟

[هل الفضولي كالوكيل والمأذون]

هناك كلام(1) في أن الفضولي كالوكيل المفوّض، فمن حين وقوع المعاملة يجب أن يكون تمام الشرائط متحقّقة، كالوكيل المفوّض، أو أنه كالمأذون، باعتبار أن الإجازة المتأخّرة كالإذن المتقدّم، ولا فرق في ذلك بين الكشف والنقل. إلّا إذا قام دليل على أنه شرط حال الإجازة أو العقد، أو أن الفضولي كالمأذون في إجراء الصيغة لا في أصل المعاملة، فكما أن هذا كالمأذون لا ارتباط له بالمعاملة، وتمام الأمور لا بُدّ أن يتمّمها المالكان، ليقال إن تمام الشرائط لا بُدّ أن توجد حال 

ــــــــــ[472]ــــــــــ

(1) أُنظر في ذلك على سبيل المثال: بلغة الفقيه 2: 277، رسالة في عقد الفضولي، الكلام في موضوع الإجازة، شروط تأثير الإجازة، الشرط السادس، والمكاسب والبيع (النائيني) 2: 214، كتاب البيع، القول في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الإجازة، إلّا إذا دلّ دليل على لزوم وجوده حال العقد على الكشف.

أو على الكشف كالوكيل المفوّض وعلى النقل كالمأذون، فعلى الكشف لا بُدّ وأن توجد تمام الشرائط حال العقد، إلّا إذا دلّ دليل على لزوم وجودها على الإجازة وعلى النقل، حيث إن الأثر يترتّب حال الإجازة، فلا بُدّ من وجودها حال الإجازة.

أو لا هذا ولا ذاك، لا دليل عندنا أن الفضولي كالوكيل المفوّض، ولا أنه كالمأذون؛ لأنه فيهما لا بُدّ من الوكالة أو الإذن السابق، وأما الفضولي فليس المالك مسبوقاً بالعقد ولا ملتفتاً إلى وقوعه، ولا دليل عندنا أنه كالمأذون في الصيغة على الكشف أو النقل، فليس عندنا قاعدة كلّية نرجع إليها.

إذن فلا بُدّ أن نبحث وضع الشرائط واحداً واحداً، ولا يمكن تأسيس القاعدة بالنحو الذي ذكرناه، وما قاله الآغايون(1) أنه كالوكيل، فإن تمام الشروط فيه متوفّرة إلّا الإجازة، دعوى بلا دليل، أو أن هناك ظهوراً بأن الشروط لا بُدّ أن تتوفّر حال الإنشاء، ليس هناك ظهور فإن ألسنة الأدلّة مختلفة.

فلا بُدّ أن نبحث الشرائط كيف يكون حالها، قسم من الشرائط تكون شرائط للمالكية، فإن الكافر لا يمكن أن يصبح مالكاً للمصحف والمسلم، وهذا مربوط بحال النقل حين يصبح مالكاً وينتقل إليه. 

ونحن لسنا في مقام ذكر المسألة فقهياً، لكنّنا نتكلّم على المبنى، فلو بنينا على أن الكافر لا يملك المصحف والمسلم أساساً، فهنا: أما على النقل فواضح، فإنه 

ــــــــــ[473]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

لو أسلم قبل الإجازة، ففي حال الإجازة وحين ينتقل إليه المصحف هو مسلم، فلا يشمله دليل عدم الملكية، وتكون عمومات التنفيذ شاملة له.

وأما على الكشف: فمرّة نراه على القواعد بحيث لو شككنا في مورد بشيء بعد إحراز تمامية المعاملة فإننا ندفعه بإطلاق الأدلّة، ويثبت للكشف. فحال الانتقال-على الكشف الحقيقي- هو حال العقد، ونحن إذا احتملنا أنه يعتبر في الإجازة الكاشفة أن يكون المشتري مسلماً من حين العقد إلى الإجازة، هذا الاحتمال ندفعه على القواعد، فغاية ما يثبت هو إسلامه حال العقد، أما استمرار إسلامه إلى حال الإجازة أو إسلامه حال الإجازة، فندفعه بالإطلاق.

وإذا لم نرَ الكشف على القواعد، فكلّ شكّ دخيل(1) في الكشف لا بُدّ أن نأخذه بنظر الاعتبار، ومع عدمها لا يمكن أن نقول بالكشف، فلو احتملنا لزوم استمرار إسلامه بين العقد والإجازة أو حال الإجازة، وإلّا لم يكن كشفاً، فلا بُدّ أن يتحقّق هذا الشرط ليصحّ العقد على الكشف! وأما إذا لم يكن موجوداً، فقد قلنا إننا لا نقول بالبطلان، بل نقول بالصحّة على النقل.

وأما على أقسام الكشف: 

فأما في الكشف الحقيقي: وأنه من الأوّل يقع ولا انتظار في البين، إما بنحو الشرط المتأخّر، وإما بأيّ عنوان آخر مما قالوه، ففي حال العقد، لا بُدّ وأن يكون مسلماً ولا أثر لكفره قبله أو بعده.

ــــــــــ[474]ــــــــــ

() يعني: كلّ أمر محتمل دخله، (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما على الكشف الحكمي: 

فمرّة: يقال بالكشف الانقلابي حكماً أو حقيقةً، يعني حين الإجازة تصدق هذه القضية: أن هذا الذي كان كافراً وغير مالك للمصحف أصبح من زمان كفره السابق مالكاً للمصحف، فهذا يكون حاله حال الكشف الحقيقي، فإن تصرّفه وإن كان من الآن إلّا أنه يمدّ يده إلى الماضي ويجعله مالكاً حال(1) كفره، إما بنحو الانقلاب الحقيقي أو الحكمي.

ومرّة نقول: إن الكشف الحكمي يغيّر الملك لا المالك، فهو يملكك أنت الفعلي من الأوّل، كما شبّهوه بباب الإجازة، وقالوا: إنه كما أن المستأجر مالك للمنافع اللاحقة، فيكون ظرف المالكية فعلياً وظرف المملوك متأخّراً، ولا فرق في ذلك بين المتأخّر والمتقدّم، فيكون هذا النحو من الكشف الحكمي أنه من حين الإجازة يصبح المجيز مالكاً للمنافع السابقة.

فالإنشاء وإن كان حاصلاً حال كفره، إلّا أن النقل لم يحصل حينئذٍ، وإنما حصل النقل فعلاً، وهو(2) وإن كان من الأوّل إلّا أن ظرف المالكية فعلي والمالك فعلاً مسلم، فقد انتقل من الأوّل إلى المسلم، فعلى هذا الاحتمال لا يفرّق بين الكشف والنقل.

ــــــــــ[475]ــــــــــ

() إلّا أن يستفاد من الأدلّة عدم ملكية الكافر الفعلي، وهو ليس كافراً فعلياً على الفرض. وأما كفره الماضي وإن أصبح مالكاً فيه، إلّا أنه لا يكون من السبيل بعد فرض كون التصرّف حال الإسلام. فتأمّل. (المقرِّر).

(2) لم يقرّره السيد بهذا الوضوح، وإنما هو بتعبير مِنّي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وفي الكشف التعبّدي أيضاً يأتي نفس الكلام، فإنه قد يقال: إن التعبّد وارد على حال العقد، وإن العقد المتعقّب بالإجازة مؤثّر من الآن، فهذا يكون في حكم الكشف الحقيقي، يعني ينتقل إلى الكافر، وإسلامه المتأخّر لا أثر له.

وأما أن الشارع لاحظ حال الإجازة وأجرى تعبّده فيه، وهذا له صورتان: 

إحداهما: التعبّد بنحو الكشف الحقيقي من أنه مالك حال العقد، فهذا حكمه كالكشف الحقيقي أيضاً، باعتبار أن الشارع حيث نفى مالكيته لا يمكن أن يتعبّد بملكيته. إلّا أن يقال بالفرق بين الملكية الحقيقية والتعبّدية.

ثانيهما: أن الشارع يعبّدنا هكذا: أنه من حين الإجازة أصبح مالكاً من الأوّل، فظرف المالكية فعلي وظرف الملكية سابق، فقد بعته من الآن المنافع السابقة، والآن حال الإسلام فينتقل إليه.

فما قاله البعض من أنه على الكشف مطلقاً يفرق عن النقل غير تامّ، فإن مباني الكشف مختلفة، وما قاله الشيخ غير تامّ أيضاً، فهذا بالنسبة إلى شرط المالكية.

[حول شرط القدرة على التسليم]

وأما شرط القدرة على التسليم، فالمطلب -مع غضّ النظر عن كلام الفقهاء- أنها مسألة عقلائية، وليست تعبّداً شرعياً، فإذا لم يكن قادراً أصلاً على التسليم، فهي ليست معاملة عقلائية أصلاً، كما لو بعت -أنت الذي لا تستطيع الوصول إلى القمر- حجراً من أحجار القمر. وأما إذا لم يكن حال المعاملة قادراً على التسليم ولكنّه بعد شهر أو ستة أشهر يقدر عليه، فهي معاملة 

ــــــــــ[476]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

عقلائية يقومون بها مع الالتفات إليه، ولا دليل على أنه حال العقد والانتقال يجب أن يكون قادراً على التسليم.

كذلك الحال في زمان الإجازة، وبناءً عليه لا يفرّق على الكشف والنقل؛ لأنه على أي حال يُعلم أنه قادر على التسليم في زمان معيّن.

وما قاله البعض(1) من أنّ الشيخ قال: إنه يفرق بين الكشف والنقل. وقال: إن شرط القدرة من باب الغرر، وهذا منه تهافت.

نقول: لا تهافت، فإنه مع التمكّن في زمان معلوم لا تكون المعاملة غررية أصلاً.

وإنما يفرق الكشف والنقل على مبنى أنه حال الانتقال لا بُدّ أن يكون قادراً على التسليم، فيأتي حينئذٍ نفس الكلام الذي قلناه على شرطية الإسلام، ولا يمكن أن يقال أساساً أنه فرق بين الكشف والنقل إن قلنا بذلك، بل على الكشف الحقيقي، وما في معناه من الحكمي والتعبّدي يفرّق عن النقل، وأما المباني الأخرى في الحكمي والتعبّدي، فلا يفرّق؛ لاعتبار القدرة فعلاً، ولا اعتبار بعجزه السابق عن التسليم.

[حول شرائط العوضين]

وأما شرائط العوضين، فقسم منها مفهوم من الأدلّة، ويمكن تتميمه بالإطلاقات، كما لو كان في زمان العقد خمراً وأصبح في زمان الإجازة خلّاً أو 

ــــــــــ[477]ــــــــــ

(1) أُنظر: غاية الآمال 3: 365، كتاب البيع، القول في صحّة عقد الفضولي، أقسام بيع الفضولي، القسم الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بالعكس، أو كان حالهما خمراً وفي الوسط خلّاً، أو بالعكس.

وكذلك الأمر في آلات القمار، وكذلك فيما له منافع محرّمة وأصبح له منافع محلّلة.

هذا يفرّق على النقل منه على الكشف، فلو كان حال العقد خمراً ثُمّ أصبح خلّاً فعلى النقل ينتقل من الآن خلّاً، وقد كان العقد على الخمر عقد عقلائي، غايته لم يكن مؤثّراً للمانع، فإذا ارتفع المانع ينتقل، فيصحّ على القواعد.

وما قاله النائيني(1) في صورة ما إذا كان خلّاً ثُمّ صار خمراً ثُمّ رجع خلّاً حال الإجازة، يقول: إنه في غاية الإشكال، مع أنه ليس فيها إشكال، إذ لا دليل على لزوم تحقّق الشرط فيما بينهما، يعني: العقد والإجازة.

والشيخ(2) أيّ دليل له على أن شرائط العوضين لا بُدّ وأن تكون مستمّرة من حال العقد إلى حال الإجازة؟ فإن غاية ما دلّ عليه الدليل هو النهي عن الغرر(3)، وأن ثمن الميتة سحت ونحوه، ولم يحصل النقل حال العقد، وما حال 

ــــــــــ[478]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 277، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجاز: إنَّما الإشكال في شروط العوضين فإنَّه لو كان المبيع حين العقد خلاً ثم صار خمراً ثم تبدّل وانقلب إلى الخلّ حين الإجازة فتأثير الإجازة في غاية الإشكال.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 468، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الأوّل.

(3) السنن الكبرى (البيهقي) 5: 266، كتاب البيوع، الباب5، الحديث 10720، وسنن أبي داود 2: 274، باب في بيع الغرر، الحديث 3376، وسنن ابن ماجة 7: 24، التجارات، الباب 23، الحديث 2278، ودعائم الإسلام 2: 21، كتاب البيوع، الفصل الثالث ذكر ما نهي عنه من بيع الغرر، وعوالي اللئالي العزيزية 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، وبحار الأنوار 100: 81، كتاب العقود، أبواب المكاسب، الباب 16، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

النقل وهو حال الإجازة فهو خلّ والثمن ثمن الخلّ لا ثمن الخمر، فبناءً على النقل حال النقل لا بُدّ من كونه خلّاً حال الإجازة.

وأما على الكشف مطلقاً، فلا بُدّ(1) من كونه خلاً حال العقد؛ لأنه حال النقل.

وأما جهالة العوضين فلو كان لنا جرأة لقلنا إنه ليس شرطاً لا حال العقد(2) ولا حال الإجازة، وإذا حصل بعد ذلك يصبح مؤثّراً، وأما إذا لم يوافقونا على ذلك، فنسأل هل علمُ الفضولي المنشئ وعلم المجيز كِلاهما معتبر، أو يكفي أحد العلمين؟ إما علم الفضولي حال العقد وإن كان المجيز جاهلاً، أو علم المجيز حال الإجازة، وإن كان الفضولي جاهلاً؟ أو لا بُدّ من علم أحدهما بعينه؟ وبحسب القواعد أن علم أحدهما كافٍ، وإذا شككنا في شرطية علم المجيز بعد علم الفضولي أو العكس ننفيه بالإطلاقات.

ــــــــــ[479]ــــــــــ

() إلّا أن يستفاد من الدليل شرطية كونه خلّاً حال ترتّب الآثار، كما هو المفروض في كلام السيد، وهو زمان الإجازة، فلا تضرّ على جملة من مسالك الكشف خمريته السابقة. (المقرِّر).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 172، باب المعايش والمكاسب، الحديث 3648، ووسائل الشيعة 17: 194، الباب 5 من أبواب ما يُكتسب به، الحديث 8، وجامع أحاديث الشيعة 22: 360، الباب 10 من أبواب ما يُكتسب به، الحديث 642.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما ما قاله الشيخ(1) من أنه لا يشترط بقاء العاقدين الفضوليين على الشرائط إلى حال الإجازة، كما لو جنّ الفضولي فهو لا يضرّ، صحيح، وكذلك يقول في العوضين إما على الكشف فبلا إشكال، وأما على النقل فعلى احتمال، وله تتمّة كلام تأتي.

أوّلاً(2): إذا قلنا بأن النقل على القاعدة تمسّكنا بالعموم لأجل دفع كلّ شكّ.

وثانياً: إذا كان الدليل قد دلّ على الكشف فنتمسّك به بمقداره، وفي مورد الشكّ لا تقول في مورد عدم الشرط بالبطلان بل بالصحّة على النقل؛ لأن القدر المتيقّن من الكشف هو ما دلّت عليه أدلّته، وأما المورد المشكوك فتشمله الإطلاقات الدالّة على النقل باعتباره على القواعد.

نعم، لو كان الكشف على القواعد لكان تخلّف الشرط مبطلاً للمعاملة؛ لعدم إمكان التمسّك بالإطلاق لإثبات النقل على الفرض.

فتلك الفروق بين الكشف والنقل ليست دائماً تؤدّي إلى بطلان المعاملة، وهذه قاعدة فيما إذا كان العقد فاقداً للشرط ونحن نريد تصحيحه كشفاً، فلا يمكن تصحيحه؛ لأنه على القواعد.

كلام آخر: أننا إذا فهمنا أن الكشف على القواعد، وكان العقد في حين 

ــــــــــ[480]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 3: 467-468، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الأوّل.

(2) قرّر أوّلاً بعض ما أسّسه من القواعد، وذلك:… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وقوعه فاقداً لشرطه كما لو كان كافراً أو خمراً، ثُمّ حصل الشرط قبل الإجازة وفي حينها، فهل هنا لا بُدّ أن نقول أنه صحيح وأنه على الكشف، لكنّه من أوّل العقد إلى حين حصول الشرط لا يحصل النقل، ومن حين حصوله يحصل النقل؟ 

وبعبارة أخرى: أن الكشف لا بُدّ أن يكون كشفاً من حين العقد، بحيث لو لم يتمّ لدينا الشرط لا يمكن تصحيحه بعد ذلك، أو لا بأس بصحّته بعد ذلك. كما هو الحال في الخيارات، حيث لم يكن العقد لازماً أوّل وقوعه ثُمّ يصبح لازماً.

وبعبارة أخرى: أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) له عموم أفرادي وإطلاق أزماني في طوله، ويكون تخصيص العموم بإخراج فرد منه كإخراج البيع الربوي في تمام حالاته، وتقييد المطلق يكون بإخراج حالة من الفرد ولا يقتضي ذلك خروج الفرد بتمام حالاته، فيبقى الباقي تحت الإطلاق، ففي باب الخيار كان هذا الدليل استمرار اللزوم، بنحو ما قلناه من أنه جعله لازم الماهيّة لا بنحو الوفاءات المتعدّدة، ولا بنحو أنه إذا لم يكن أحد الوفاءات موجوداً لم يكن وفاء بعد ذلك، وقد قيّد إطلاقه وقد خرج منه حالة من حالات الفرد، وهذا ليس تخصيصاً أفرادياً، فنرفع اليد عن الإطلاق بمقدار زمان الخيار، ونحكم بلزوم المعاملة بعد القدر المتيقّن من زمانه. ولا يفرّق في ذلك مادام تقييداً للإطلاق بين ما إذا كان التقييد من أوّله أو في وسطه أو آخره.

ــــــــــ[481]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فكما في باب الخيار نرفع اليد عن إطلاق اللزوم، ويكون ما بعده من الأحوال مشمولاً للدليل، كذلك في المقام نرفع اليد عن إطلاق الصحّة، في حين عدم وجود الشرط، ويكون ما بعده مشمولاً للإطلاق، فإن قلتم: إن ما وقع باطلاً لا يمكن أن يقع صحيحاً. نقول هناك أيضاً: إن ما وقع جائزاً لا يمكن أن يقع لازماً.

فإننا غاية ما فهمنا من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو لزوم العمل بمضمون العقد، ولكن فهمنا بحسب الفهم العقلائي أن مضمون العقد قد وقع ليجب الوفاء به.

إذن فالعقد صحيح، وحيث إنه ألزمني بالوفاء، إذن فالعقد لازم، فقد فهمنا الصحّة واللزوم منه. 

فهنا يقال: إنه إذا خرج قسم من أحوال اللزوم أو أحوال الصحّة يبقى الباقي تحت الإطلاق، وهذا ليس تخصيصاً للعموم الأفرادي، بل حيث إننا علمنا بوجود شرط غير متوفّر في المعاملة، فقد منع ذلك الشرط عن تأثيرها في هذا الزمان، وحين يرتفع يشمله الإطلاق.

بناءً عليه: إذا كان الكشف على القواعد يمكن القول بالكشف بالمقدار الذي يقتضيه الكشف، وهو ما بعد زمان تحقّق الشرط.

بناءً عليه فسواء قلنا بالكشف أو بالنقل، أو قلنا بأن أحدهما على القواعد، لو كان العقد فاقداً للشرط ثُمّ تحقّق الشرط لا نقول بالبطلان تماماً، بل نقول بالصحّة كشفاً لو كان على القاعدة أو نقلاً كذلك، أو نقلاً أيضاً لو دلّ الدليل على الكشف بخلاف القاعدة، ولم نستطع تتميمه على الكشف.

ــــــــــ[482]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [في وجوب استمرار الشرط]

ثُمّ يعنون الشيخ مسألة أخرى، وهو: أن الشرط هل يجب أن يكون مستمرّاً؟ ويقول: أما شروط المتعاقدين فليس لا بُدّ من بقائها حتى على النقل، إلّا إذا قلنا: إن الإجازة عقد مستأنف؛ إذ على ذلك يكون الاستمرار هو الأقوى. 

وأما شرائط العوضين، فلا ينبغي الإشكال بأنه بناءً على النقل لا بُدّ من البقاء، وأما على الكشف فاحتمالان على أحدهما الأرجح الاعتبار.

وعلى أيّ حال فلنا معه عدّة كلمات تأتي لاحقاً.

نحن نتكلّم(1) أوّلاً بغضّ النظر عن كلام الشيخ، فإن المتعاقدين إما أن يكونا فضوليين، وإما أن يكون أحدهما فضولياً، فتارة يكونا فضوليين وشككنا بلزوم بقاء الشرائط التي كانا عليها حين العقد إلى زمان الإجازة كالحياة والعقل والالتفات، وأخرى نشكّ -في هذا الفرض- أن الأصيلين المعقود لهما هل يجب أن يكونا بالصفات التي يصحّ فيها منهما العقد من زمان العقد إلى زمان الإجازة؟

وبعبارة أخرى: أن نفس الشرائط المعتبرة في زمان الإجازة مسلماً للأصيل أو الأصيلين هل يجب أن تستمرّ -قهقرياً- في زمان العقد وما بعده، وما هو مقتضى القواعد في ذلك.

ــــــــــ[483]ــــــــــ

() بدأ السيد ينقل كلمات الشيخ التي ذكرها في آخر درس أمس، ثُمّ قال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الشيخ القائل بأن النقل على القواعد، وقد تابعناه على ذلك، وأن الكشف على خلاف القواعد، إذن فندفع كِلا الشكّين ونحوهما بإطلاق الأدلّة العامة، بعد فرض كونها عقوداً عقلائية ملحوقة بالإجازة؛ لأنه عندنا قدر متيقّن في لزوم وجود الشرائط، وذلك في المتعاقدين حال العقد، وفي الأصيلين حال الإجازة، وأما الزائد فمشكوك مدفوع بالإطلاقات.

وأما إذا قلنا: إن مقتضى القاعدة هو النقل، ولكن قلنا بالكشف للدليل الخاصّ الذي لا إطلاق له، فتمام الشكوك لا دافع لها، فبناءً على ما قاله الشيخ من أنه حتى على النقل لا بُدّ أن يقول -على مسلكه- (حتى على الكشف)؛ لأنه على النقل واضح.

نعم، هناك احتمال -وإن كان ضعيفاً- وهو أن الشرائط لا بُدّ أن تبقى في الفضولي إلى حين الإجازة، فحتى على الكشف يمكن أن يقال بالصحّة، إذ لا وجه لبقاء الأجنبي على الشرائط فيحصل الاطمئنان بخلافه. 

وأما شرائط العاقدين التي لا بُدّ من وجودها حال الإجازة، ويشكّ في لزوم وجودها حال العقد وما بعده، فلا يمكن تصحيحه على الكشف.

وأما إذا كان أحدهما فضولياً والثاني أصيلاً، فيقع الكلام فيه في جهتين: 

إحداهما: في بقاء الفضولي إلى زمان الإجازة. 

وكلام آخر في بقاء الأصيل إلى زمان الإجازة، فإننا نشكّ في لزوم بقائها على الشرائط. 

الكلام فيهما هو الكلام. فكلّ من يرى النقل على القاعدة يقول: إن القدر 

ــــــــــ[484]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المتيقّن هو لزوم وجود الشرائط حال العقد، في الأصيل والفضولي والزائد مشكوك ندفعه -في كِلا الموردين- بالإطلاق. وفي باب المجيز المتيقّن هو وجود الشرائط حال الإجازة وما قبلها مشكوك ندفعه بالإطلاق.

وأما على الكشف فكلّ شكّ لا اطمئنان بخلافه لا بُدّ من اعتباره، إلّا إذا قام دليل خاصّ على عدمه، وهذا مربوط بالأدلّة الخاصّة.

الشيخ يقول(1): (إلّا إذا اعتبرنا الإجازة عقداً مستأنفاً)، ليس مراده -حتماً- ما قال البعض(2) من أن الإجازة إيجاب وقبول، وإلّا لزم حصول الإجازة من الأصيل أيضاً، بل مقصوده كونها ركناً للعقد، يعني أن الإجازة قبول ذلك العقد، يقول: بناءً على ذلك الأقوى بقاء الشرائط إلى زمان الإجازة.

نقول: لو بنينا على ما بنينا عليه من أنّ الإجازة ليس لها إلّا سِمة القبول، فإننا قلنا بأن الإيجاب دائماً بالنسبة إلى الثمن فضولي، إلّا ما يكون الوكيل من الطرفين، وقلنا بأن القبول الفضولي (لغو لغو!) لا تأثير له أصلاً، فإن القبول ليس دخيلاً في الماهيّة وإنما له دخل في التأثير، وقبول الفضولي ليس له من ذلك شيء، فكما أن الإيجاب لا يؤثّر إلّا بالقبول كذلك لا يؤثّر إلّا بالإجازة.

ولذا لو كان لنا جرأة لقلنا بعدم لزوم الموالاة بين الإيجاب والقبول، فإنهم إنما تخيّلوا ذلك باعتبار تخيّل دخله في الماهيّة، فلا بُدّ أن يكون للماهيّة صورة 

ــــــــــ[485]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 468، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الأوّل.

(2) أُنظر: الرسائل الفقهيّة (للعلّامة البلاغي): 407، بيع الفضولي، الكلام في المجاز.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

عرفية تحصل بالتتابع، وأما بناءً على مبنانا فالماهيّة حاصلة بالإيجاب، ولها قابلية البقاء عرفاً، ولو حصل القبول بعد ستّين سنة لكان العقد تامّاً.

ولكن حيث ليس لنا هذه الجرأة فإنكم لا توافقوننا على ذلك، فغاية ما نسلم بذلك في الإيجاب والقبول وأما الإجازة -بعد تمامية ماهيّة العقد- فهي شرط للتأثير كما سلّمناه وسلّموه ولا مانع من تأخّرها.

فإذا قبلتم ذلك في الفضولي فسواء قلنا بأن الفضولي إيجاب وقبول، أو أنه عقد وإجازة، فإن ذلك لا يختلف في أن الإجازة ليس لها دخل في الماهيّة، فنقول: غاية ما ثبت أن الإجازة ركن في المعاملة، وغير دخيلة في ماهيّتها، فلا يعتبر بقاء المتعاقدين على صفة العقد.

والتقريبات التي ذكرت من أنّ المعاملة معاهدة، والمعاهدة لا تحصل بين النائم وغيره فإن النائم كالحجر، وأن المعاملة تبادل الالتزامات، فإن هذه أمور مدرسية يستنكرها السوق.

بناءً عليه، فسواء قلنا: إن البيع تامّ ويحتاج إلى الإجازة، أو الإيجاب يحتاج إلى قبول، سواء في الأصيل والفضولي، لا نسلّم بلزوم التتابع، فإننا نأخذ بالمقدار المتيقّن والزائد ننفيه بالإطلاق على النقل، وعلى الكشف لا بُدّ أن نأخذ الشكوك بنظر الاعتبار(1)

ــــــــــ[486]ــــــــــ

() وقال السيد الأستاذ ضمناً: بأنه لا يحتمل أن يكون المجيز كالموجب.

فأشكل عليه بعض الإخوان، وذكر بأن الإجازة على مسلك الأغايون إذا كانت عن الإيجاب تكون إيجاباً وإذا كانت عن القبول تكون قبولاً.

فأجاب السيد وقال فيما قال: إذا أوجب الفضولي وأوجب الأصيل فهذا له قبولان أحدهما القبول من الأصيل، والآخر الإجازة من المالك، غايته أن الآغايون يرون كِلا القبولين ركناً، وعلى مبنانا يكونان دخيلين في التأثير.

 فأجاب ذاك الأخ بأن هذا مما لا يلتزم به الآغايون.

فقال: يلزمهم الالتزام به، والمطلب أوضح من أن نفيض فيه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما شرائط العوضين، فمرّة تكون تبع الشيخ(1) من أنّ الأدلّة ظاهرة بلزوم توفّر الشروط حال الإنشاء، بناءً عليه في حال الإنشاء -على النقل- بلا إشكال معتبر، وفي حال الإجازة في كثير من الأحيان معتبرة أيضاً.

أما بينهما فأيّ دليل عليه، وقد أخذه الشيخ مسلّماً بأن الشرط لا بُدّ أن يكون بينهما موجوداً، ونحن نأخذه مسلّم العدم باعتبار التمسّك بإطلاق الأدلّة. 

وأما على الكشف، فلا بُدّ من اعتبار هذه الشرائط إذا لم يكن إطلاق في دليله، فما يقوله الشيخ(2) على الكشف غير تامّ.

ــــــــــ[487]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 468، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الأوّل.

(2) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 

[المسألة الثانية: هل يشترط العلم التفصيلي بخصوصيات العقد المجاز؟]

 

هل لا بُدّ أن يكون المجيز في حال الإجازة، أن يعرف خصوصيات المعاملة من كونه بيعاً أو صلحاً، وأن المعاملة وقعت على أيّ مقدار؟ 

وبالجملة لا بُدّ أن يعرف تمام ما لا بُدّ من معرفته للعاقد نفسه، أو ليس لا بُدّ أن يكون عالماً؟ وإنما العلم بذلك محوّل على العاقد، وقد سبق أن تكلّمنا في مباني المسألة.

فإننا مرّة نقول: إن الفضولي كالوكيل المفوّض، فهل لا يلزم أن نقول بأنه لا بُدّ أن يعلم الوكيل تمام الخصوصيات، بحيث إذا علم الموكّل تمام الخصوصيات لا يكون ذلك كافياً؟ 

أو يكفي علم أيٍّ منهما وإن كان الآخر جاهلاً، فلو كان الوكيل عالماً صح، لإطلاق أدلّة الوكالة، على إشكال فيه، ولأن الأمر عقلائي، وذلك بإيكال تمام الأمر إلى الوكيل المفوّض. 

وما يقال من أن الوكالة المطلقة غررٌ، فلا بُدّ من معرفة بعض الخصوصيات بمقدار يرتفع الغرر، غير تامّ؛ لعدم الغرر في إيكال المعاملة إلى الغير.

ــــــــــ[488]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وكذلك إن كان صاحب المال عالماً والوكيل جاهلاً، فإن كون الوكيل مفوّضاً لا يعني أن المالك كالأجنبي، بل له أن يعمل المعاملة بنفسه، فلو كان عالماً بالمطلب كفى(1)، بل علمُ صاحب المال أولى بالصحّة؛ لأنه أصيل، لا أن علمَ الوكيل له موضوعية ولا يكون لعلم الأصيل أثر.

فلا بُدّ أن يقال في الفضولي -إذا كان كالوكيل المفوّض-: إن علم أحدهما يكفي(2)، ولكن ليس هناك دليل على أنه كالوكيل المفوّض، فإن للوكيل المفوّض خصوصيات وأحكام لا تتوفّر فيه.

أم أن الفضولي مثل مُجري العقد، بحيث ليس له أيّ دخل، بل الأمر كلّه موكول إلى المجيز، وليس العاقد كالوكيل المفوّض في أن الأمر موكول إليه عقلائياً، مما قد يقال(3) من أنّ الإجازة لا تغيّر ما وقع عما وقع عليه، وإنما هو يجيز ما سبق، حيث يعلم أن معاملة معيّنة مجهولة لديه وقعت في الخارج وهي قابلة للإجازة، فيجيز. 

هذا أمر غرري وغير عقلائي، وإنما المجيز هو الذي يريد النقل، فهو الذي يجب أن يعلم الخصوصيات، ولا دخل لعلم الفضولي العاقد أصلاً.

فما يقوله الشيخ(4) حول ذلك صحيح، وما يقوله من أنّ الإجازة أحد 

ــــــــــ[489]ــــــــــ

() لا يخفى عدم الملازمة بين الأمرين. (المقرِّر).

(2) فإن المراد رفع الغرر، وهو يحصل بأحدهما. (المقرِّر).

(3) بناءً عليه. (المقرِّر).

(4) راجع كتاب المكاسب 3: 468، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الركنين لا يتمّ على مبناه، فإنهم يرون أن الركن الثاني للفضولي هو قبول الفضولي والإجازة، وقد قلنا: إن قبوله لا أثر له أصلاً، وإن باب الإجازة هو باب القبول ليس إلّا، فكما لا بُدّ أن يعلم القابل ماذا يقبل كذلك لا بُدّ أن يعلم المجيز ماذا يجيز.

الفرع الثاني الذي ذكره الشيخ أنه يقول(1): حيث إن المجيز هو أحد الركنين، والمعاهدة تقع بين ركنين كذلك، فلا بُدّ من الالتزام في فرع آخر، وهو أنه إذا كانت الخصوصيات معلومة ولكن لا يعلم وقوع البيع وعدمه، فلا بُدّ من أن نقول ببطلانها، وإن كانت معاقد الإجماع في الإيجاب والقبول شاملة له، والإجازة كالقبول لا أنها بعينه. 

فكما لا يمكن التعليق في الإيجاب والقبول كذلك في الإجازة، فإنها وإن لم تكن إيجاباً ولا قبولاً، ولكنّها كالقبول. 

كلّ المحشّين(2) أشكلوا، ومعهم حقّ، من أنها كالإيجاب لا أنها إيجاب، فلا 

ــــــــــ[490]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 468-469، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثاني.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 75، كتاب البيع، القول في العقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثاني، اُنظر: حاشية المكاسب، (للسيّد اليزدي) 1: 170، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في المجاز، وأُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 140، كتاب البيع، الكلام في بيع الفضولي، القول في المجاز، وأُنظر: منية الطالب 1: 278، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثاني، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تكون مشمولة للإجماع، إلّا أن النائيني(1) يقول: إن ما يقوله الشيخ من شمول الإجماع على بطلان التعليق في الإيجاب والقبول يشملها، وإن لم يكن تامّاً، لكنّ لنا وجهاً آخر، وهو أنه بالإجازة يستند البيع إليه، والإجازة إيقاع والإيقاع لا يقبل التعليق.

إلّا أن هذا لم نفهمه، فإنه إن كان المراد به ما قاله الآغايون(2) في الواجب التعليقي من أنّ الهيئة جزئي خارجي وغير قابل للتقييد، أو أنها إيجادية والإيجادي غير قابل للتعليق، والتعليق مساوق للعدم(3).

إذا كان المراد ذلك، فقد أجبنا عليه في محلّه(4)، وقلنا إن أغلب القيود تعود 

ــــــــــ[491]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 278، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثاني.

(2) اُنظر: مطارح الأنظار: 46، القول في وجوب مقدّمة الواجب، هداية في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط، وغيرهما، واُنظر: أجود التقريرات (للسيّد الخوئي) 1: 131، المقصد الأوّل: في الأوامر، المبحث الثالث: في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط، الأمر الثاني: في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة أو الجملة المركّبة منهما.

(3) اُنظر: أجود التقريرات (للسيّد الخوئي) 1: 27-29، المقدّمة، المعاني الحرفيّة، ونهاية الأُصول (للشيخ المنتظري): 17، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثالث: مقدّمة الواجب، وغيرهما.

(4) راجع مناهج الوصول1: 351، 352، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الرابع: في تقسيمات الواجب، الجهة الأُولى، وجواهر الأصول 3: 124، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الخامس، مقالة الشيخ في رجوع القيد إلى المادّة، استدراكٌ وإرشادٌ.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إلى الهيئات، وعودها إلى المادّة قليل، وكما أن المعاني الاسمية قابلة للتقييد كذلك المعاني الحرفية، وكِلاهما قابل للتقييد بالنظر الثانوي، في كلٍّ من المعاني الاسمية والحرفية، والنظر الثانوي نظر استقلالي، فإن ما هو غير قابل للتصوّر هو التصوّر عند إلقاء المعنى الحرفي، وهو النظر الأوّل، وأما النظر الثاني وما بعده فهو قابل للتقييد، وقلنا إن الجزئي قابل للتقييد.

ومسألة الإيجاديات أجيبت بأن الإيجاد التكويني غير الإيجاد الاعتباري، والإيجاد الاعتباري قابل للتقييد، فإني الآن اعتبر وجوب إكرام زيد إذا طلعت الشمس(1).

على أنه -لو غضضنا النظر عن ذلك- لا فرق بين الإيقاع والعقود، فإن كِليهما مرجعهما إلى المعاني الحرفية، فإذا بنينا على استحالة تقييدها فهو غير خاصّ بالإيقاعات، بل يشمل العقود، وإذا قلنا بإمكانه، شملهما أيضاً.

بقي الأمر الثالث في كلام الشيخ وهو ما إذا كان العقد متعدّداً والإجازة واحدة.

ــــــــــ[492]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 

[المسألة الثالثة: حكم تعدد العقود ووحدة الإجازة]

 

العقود المتعدّدة التي ترد على موضوع واحد، لها عدّة صور:

أحدها: أن تكون العقود عرضية، صادرة من شخص واحد.

ثانيها: أن تكون عرضية صادرة من عدّة أشخاص.

فالأوّل كما إذا كان شخص واحد فضولي مثل هذا المال لزيد، ثُمّ باعه لعمرو وهكذا إلى عدّة معاملات، والثاني أن يفرض أن أشخاصاً متعدّدين باعوا مالاً واحداً إلى أشخاص آخرين.

هذا ليس هو موضوع بحث الآغايون، لكن لا بُدّ من الكلام فيها لنرى ما هو حكمها.

[الصورة الأولى: أن تكون العقود صادرة من شخص واحد]

أما الصورة الأولى: فيرد الكلام في أن البيع الفضولي الثاني هل هو ردّ للبيع الأوّل الذي عمله هذا الفضولي أو لا؟ وأن الفضولي إذا أوقع شيئاً فضولة، هل له حقّ أن يردّ ما أوقعه أو لا؟ 

فلو قلنا بكِلا الأمرين: أن البيع الثاني ردّ وله أن يردّ البيع الأوّل، فالأصيل لا يمكن أن يجيز إلّا العقد الأخير، فلو ترتّبت العقود ترتّباً زمانياً، لم يكن للمالك إلّا إجازة الأخير.

ــــــــــ[493]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما إذا قلنا بأنه ليس له حقّ الردّ، ولكن قلنا بأنه إذا ردّ يكون ردّه فضولياً، وقلنا بجريان الفضولية في الإيقاعات كما قلنا بذلك سابقاً، وأن بعض الروايات دالّة عليه فيكون كلّ بيع ردّاً للسابق بنحو فضولي، فإذا أجاز المالك مبدأ السلسلة وهو البيع الأوّل، فقد أجاز هذا البيع وردّ فسخه، وإذا أجاز ما عداه فقد أجازه وردّ فسخه، وأجاز فسخ ما سواه.

وأما إذا قلنا بأن الفضولي ليس له الردّ فإن هذه العقود تكون عرضية، ويكون للمالك أن يجيز أيّاً منها شاء.

وهذا ليس محلّ الكلام.

[الصورة الثانية: أن تكون العقود صادرة من عدة أشخاص]

وإنما الكلام في العقود المترتّبة، كما لو باع الفضولي لزيد، وزيد باعه لعمرو وهكذا إلى عشر معاملات، فماذا ينبغي أن يقال بناءً على الكشف وعلى النقل؟ وهل تمام أقسام الكشف تختلف عن النقل؟! ونحن نغضّ النظر عن العوض، وننظر إلى نفس المبيع المتقلّب في هذه السلسلة.

أما بناءً على الكشف الحقيقي، فمعلوم، أنه إذا أجاز مبدأ السلسلة ففي تمام ما بقي يكون البائع أصيلاً؛ لأن الثاني أصبح مالكاً واقعاً حين بيعه للعين، وكذلك ما بعده. وإذا أجاز من الوسط لا تكون العقود السابقة عليه ملحوقة بالإجازة فلا تقع، وأما نفس العقد المجاز فيقع صحيحاً، وتمام العقود اللاحقة له تكون أصيلة. وهذا واضح.

غاية الأمر أنه يأتي كلام آخر، وهو أنه إذا أجاز من الوسط، فهو ردّ 

ــــــــــ[494]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

للسابقات، أو عدم إجازة لها، وفرق بين الردّ وعدم الإجازة. فإن ردّ العقود السابقة لا تكون معه قابلة للإجازة على ما سنقول في مبحث الردّ الآتي، وأما إذا كان من قبيل عدم الإجازة(1)، فيمكن أن يجيز أحد البيوع السابقة.

ونحسب الآن حساب النقل أوّلاً، لنرى أن الكشف الحكمي والكشف التعبّدي ملحق بالكشف أو النقل، على النقل ينتقل الكلّ من الآن، فإن أجاز مبدأ السلسلة فينتقل المال إلى المشتري الأوّل، فهنا كلامان:

أحدهما: أن من باع حين عدم ملكه فهل ذلك مضرّ بإجازته بعد ذلك؟ 

وبعبارة أخرى: إذا باع ثُمّ ملك فهل يستطيع أن يجيز، أو يعتبر أن يكون في حال العقد مالكاً لتصحّ إجازته؟

ثانيهما: أنه هل يحتاج إلى الإجازة أو لا، فيما إذا باعه ثُمّ ملكه؟

فإن قلنا: بأنه يحتاج إلى الإجازة، فليس أنه إذا وقع مبدأ السلسلة صحيحاً يصحّ الباقي، وإنما يكون موضوعاً للإجازة، وبإجازة الثاني يكون الثالث موضوعاً لها وهكذا.

وإن قلنا بعدم الحاجة إلى الإجازة، فكلّ السلسلة تقع صحيحة. وإذا أجاز الوسط يصحّ هو وما بعده، ويبطل ما قبله، وهذا لا كلام فيه.

وإنما الكلام في أن الكشف الحكمي والتعبّدي ملحق بالكشف الحقيقي أو بالنقل، أما الكشف الانقلابي من الأوّل، فلا ينبغي أن يقع فيه الكلام لكونه باطلاً أساساً.

ــــــــــ[495]ــــــــــ

() وهو الذي رجّحه السيد في سياق كلامه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما الكشف الذي قال به جملة من الآغايون كصاحب (الجواهر) وغيره(1) من أنّ الإجازة تؤثّر في العقد حين وقوعه، فهذا العقد بما أنه لم يكن مجازاً لم يكن مؤثّراً، والآن أصبح مجازاً فأصبح مؤثّراً، فالنقل يحصل من الآن، لكنّه نقل للملكية من الأوّل، فهذا القسم من الكشف يكون له حكم النقل؛ لأن العقود المتعدّدة لم تكن واقعة على ملكهم، ومن الآن ينتقل الملك السابق، فما يقوله الشيخ(2) من أنه (على النقل كذا وعلى الكشف كذا)، لا ينبغي أن يشمل هذا القسم من الكشف الذي يكون له حكم النقل.

وأما إذا قلنا بالكشف على الانقلاب الحقيقي، والتزمنا بهذا الأمر المحال، وأن من لم يكن مالكاً أصبح مالكاً، يكون حاله حال الكشف الحقيقي.

وأما الكشف التعبّدي فقد قلنا إنه على قسمين: 

أحدهما: ما كان موضوع التعبّد الشرعي هو العقد المتعقّب بالإجازة.

وثانيهما: ما كان موضوعه هو الإجازة، بوجودها وتحقّقها، فعند ذلك يعبّدنا الشارع بترتيب آثار الملكية من الأوّل. 

فالقسم الأوّل يكون نظير الكشف الحقيقي، والثاني ملحق بالنقل، فإنه 

ــــــــــ[496]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 289، القسم الثاني: في العقود، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي، وأُنظر: منية الطالب 1: 234، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 469، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

على الأوّل يتعبّدنا الشارع بكونك مالكاً من الأوّل، وعلى الثاني يكون التعبّد من الآن، نظير النقل.

تبقى مسألة واحدة، وهي: أنه بناءً على الكشف التعبّدي، هل يعقل من الشارع أن يعبّدنا بآثار تمام هذه العقود أو لا؟ فيأتي فيه الإشكال على الإخبار مع الواسطة وقد أجبنا عليه في محلّه(1).

وبعبارة أخرى: أنه إذا حصل تعبّد على شيء ذي أثر، وأردنا بالتعبّد أن نرتّب ذلك الأثر، وكان لأثره أثر، وأردنا بالتعبّد أن نرتّبه وهكذا، فهل يكون ممكناً؟

مثلاً: استصحاب العدالة معناه: رتّب آثار العدالة، وهي جواز الائتمام به، وجعله شاهداً في الطلاق ونحوه، ولكلٍّ من ذلك آثار، فهل يمكن أن نتعبّد بتمام هذه الآثار، أو لا يمكن؟ 

فيأتي في المقام إشكال باب الاستصحاب، وإشكال باب الإخبار مع الواسطة. والجواب على إشكال باب الإخبار لا يأتي فيه، إلّا أن جواب باب الاستصحاب(2) يأتي فيه.

ــــــــــ[497]ــــــــــ

(1) اُنظر: فرائد الأُصول 1: 122-123، المقصد الثاني: في الظنّ، المقام الثاني: في وقوع التعبّد بالظنّ، استدلّ المجوّزون على حجّيّته بالأدلّة الأربعة، وفرائد الأصول (الكاظمي) 3: 179-182، المقام الثاني: في الظنّ، المبحث الثالث، الفصل الرابع: في حجّيّة خبر الواحد، ونهاية الأفكار 3: 122-124، القسم الأوّل: في مبحث القطع والظنّ، المقصد الثاني: في الظنّ، المقام الثاني، حجّية خبر الواحد، وغيرها.

(2) أُنظر: الاستصحاب (للسيّد الخميني): 156، 157، التنبيه السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وهو غير خاصّ بالاستصحاب أو الأصول، بل شامل للأمارات، فإن حجّية الأمارات إذا كانت حجيتها بالتعبّد، فإنه لا يمكن التعبّد بآثارها، ولا الالتزام بحجّية لوازمها وملزوماتها، ونذكر الحلّ لكلّ هذه الموارد.

*****

إذا وقعت عقود متعدّدة مترتّبة على مال الغير، تأتي فيها شبهة نظير الشبهة التي ترد في باب الإخبار مع الواسطة، التي ذكرها الآغايون وأجابوا عنها، ونظير الشبهة في باب الاستصحاب التي ذكرناها وأجبنا عنها، كما أجبنا عن باب الإخبار مع الواسطة.

الشبهة في باب الاستصحاب هي: أننا في “لا تنقض اليقين بالشكّ(1)، إذا كانت هناك آثار متعدّدة الأثر، وأثر الأثر وأثر أثر الأثر وهكذا، فإذا كانت هذه الآثار شرعية مترتّبة وتريد أن تتمّمها بالاستصحاب، فيقال: إن “لا تنقض اليقين بالشكّ” إذا تعبّدنا بالأثر، فإنه يحصل الأثر بالتعبّد، فإن هذا التعبّد يكون موضوعاً لأثره الآخر، فإذا أردنا تتميمه بدليل الاستصحاب أيضاً، كان هذا الدليل منقّحاً للحكم والموضوع معاً.

ــــــــــ[498]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 260، كتاب الصلاة، الباب 40، الحديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 1: 61، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 136، وتهذيب الأحكام 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 11، والاستبصار 1: 373، كتاب الصلاة، أبواب السهو والنسيان، الباب 216، الحديث 3، ووسائل الشيعة 8: 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

والشبهة في باب الإخبار مع الواسطة، إن (صدّق العادل) بعد شمولها لخبر المفيد، تنقّح موضوعاً للحكم بحجّية خبر الصفّار، فهو ينقّح الموضوع والحكم معاً، وهكذا إلى تمام السلسلة.

وما قيل في باب خبر الواحد وإن كان صحيحاً كبروياً، لكن ليس له صغرى، فإنهم قالوا بأن (صدّق العادل) قضيّة حقيقة، والقضية الحقيقية تنحلّ إلى قضايا متعدّدة، وكلّ قضيّة تنقّح موضوع القضيّة الأخرى. ومبدأ السلسلة وجداني؛ فيشمله الدليل فينقّح موضوع الخبر الآخر، وهكذا.

ولكن قلنا هناك: إنه ليس في خبر الواحد تعبّد شرعي أصلاً حتى تشمله الكبرى الشرعية، وإنما هو أمر عقلائي معترف به من قبل الشارع.

وهذا الجواب(1) لا يرد في باب الاستصحاب؛ لأنكم كنتم تقولون: إنه بشمول دليل خبر الواحد لخبر الشيخ يحصل مصداق تعبّدي للدليل فيشمله، وأما “لا تنقض اليقين بالشكّ” فشموله لمبدأ السلسلة لا يوجد عندنا مصداق تعبّدي لليقين والشكّ حتى يكون مشمولاً له تارةً أخرى. فإن دليل الاستصحاب يقول: (من شككت بعدالته رتّب عليه آثار العدالة)، والأثر الذي رتّبناه هو صحّة الطلاق عنده، وأثر الطلاق وجوب العدّة، وأثر العدّة صحّة زواجها، وأثره وجوب النفقة. وهذه الآثار لم يفرض فيها يقين وشكّ حتى تكون مصداقاً تعبّدياً لدليل الاستصحاب، كما كان هو الحال في باب الإخبار مع الواسطة.

ــــــــــ[499]ــــــــــ

() يعني: جواب الآغايون (إيضاح). (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما فيما نحن فيه، بناءً على أن الكشف تعبّدي -سواء كان الموضوع هو العقد المتعقّب للإجازة الملحق بالكشف الحقيقي كما قلنا، أو هو الإجازة- فيكون ملحقاً بالنقل كما قلنا.

فهذا في مبدأ السلسلة صحيح، بأن يعبّدنا الشارع بلزوم ترتيب آثار الصحّة الفعلية من حين العقد، ومن آثار الصحّة هي أن تحصل لنا ملكية تعبّدية، وفي العقد الثاني الذي نريد أن نصحّحه ليس هناك ملكية حقيقية بل ملكية تعبّدية، ولا بُدّ أن نصحّحه بنفس الدليل الذي صحّح مبدأ السلسلة، فنفس هذا الدليل عمل الموضوع تعبّداً وجعل عليه الحكم وهكذا. فيرد هنا نظير الشبهة الواردة في باب الاستصحاب وباب الإخبار.

فهل هذا نظير باب الاستصحاب بحيث يرد فيه جوابه الذي أعطيناه هناك، أو نظير باب الإخبار بحيث يرد فيه الجواب الذي ذكره الآغايون، أو ليس من البابين أصلاً؟

ما قلناه في باب الاستصحاب هو: أن الاستصحاب هو إبقاء المتيقّن في زمان الشكّ تعبّداً، طبعاً بلحاظ الآثار، إلّا أنها غير مذكورة في لسان الدليل، فكأنّه تعبّدنا ببقاء العدالة، ولا نتوقع من الاستصحاب أكثر من ذلك. غاية الأمر يكون دليل الاستصحاب منقّحاً لموضوع دليل (يجوز الطلاق عند العادل) وحاكماً عليه، إذ يكون زيد مصداق تعبدي للعادل فيجوز الطلاق عنده، فإذا طلقت أصبحت مطلقة فيشملها قوله تعالى: والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ 

ــــــــــ[500]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ(1). وبعد تمامية مدة التربّص تشملها أدلّة الزواج، فإذا تزوّجت تشملها أدلّة وجوب النفقة. فليس أننا نتمّم تمام الآثار بالاستصحاب، حتى يرد الإشكال، بل نتمّم به مبدأ السلسلة، ونثبت باقي الآثار بكبريات أُخر.

ومن هنا لم تكن المثبتات حجّة؛ لأنها ليست ذات كبريات شرعية، فإنه إذا كان اللازم له كبرى شرعية أمكن إثباته بها، وإلّا كان مثبتاً.

أما هنا، فليس لنا دليل نعمل به التعبّد، فإنه مرّة يقوم دليل على أنه (إذا وقع العقد هكذا فهو ملكك تعبّداً) فإذا أصبح ملكي تعبّداً، كان مصداقاً لقوله: “الناس مسلّطون على أموالهم(2) ونصحّح به العقد بـأَوْفُوا بِالْعُقُودِ؛ فنتمّم سائر المعاملات المترتّبة بكبريات أُخر، لا بدليل الكشف نفسه.

وإذا كان هنا كبرى كلّية نظير ما قالوه في باب الإخبار من قوله: (صدق العادل) -وعلى أنها غير موجودة في كِلا البابين- مثلاً: (كلّ عقد وقع كذا فرتّب عليه آثار الملكية)؛ فينحلّ إلى قضايا متعدّدة، وتشمل سائر عقود السلسلة، ويكون كلّ واحد منقّحاً لموضوع الآخر، لكن ليس عندنا كلّ ذلك.

ــــــــــ[501]ــــــــــ

(1) البقرة: 228.

(2) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، كتاب العقل والعلم والجهل، أبواب العلم، الباب 33، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وإنما عندنا أننا -على فرض الاستفادة- استفدنا من صحيحة محمد قيس(1)، وصحيحة الحذّاء(2)، ورواية البارقي(3): أن القضيّة هي قضيّة الكشف، وليس لها لسان معيّن، فهل يمكن -والحال هذه- أن نقول: أننا لا نحتاج إلّا إلى التعبّد الأوّل، بحيث يكون التعبّد بترتيب الآثار من الأوّل كافياً لصحّة المعاملات الأُخر؟ إذ يقال: إن لازم ترتيب الآثار على صحّة العقد الأوّل عرفاً هو صحّة سائر المعاملات المتأخّرة عنه، شأنها في ذلك شأن المعاملة الصحيحة واقعاً. فهذه دعوى عرفية يمكن تصحيح المسألة على أساسها، والذي يسهّل الخطب أنه ليس كشفاً ولا كشفاً تعبّدياً. هذا في العقود الوارد على نفس المبيع.

ــــــــــ[502]ــــــــــ

(1) الكافي 10: 208، كتاب المعيشة، الباب 93، الحديث 12، وتهذيب الأحكام 7: 75، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 33، والاستبصار 3: 85، كتاب البيع، الباب 57، الحديث 4، ووسائل الشيعة 21: 203، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

(2) الكافي 10: 772، كتاب النكاح، الباب 64، الحديث 4، وتهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، ووسائل الشيعة 21: 327، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 2.

(3) السنن الكبرى للبيهقي 6: 112، كتاب القرض، الباب1، الحديث 11951، وسنن الدارقطني 3: 10، كتاب البيوع، الحديث 30، ومسند أحمد بن حنبل4: 376، ومسند الكوفيّين، حديث عروة، الحديث 19381، ومستدرك ووسائل الشيعة 13: 245، الباب 18 من أبواب عقد البيع، الحديث 15260.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [حكم العقود المترتبة على العوض]

وأما إذا وقعت عقود متعدّدة على العوض، -الواحد نوعياً المحفوظ ببدله وبدل بدله- كما لو بادل الفضولي شيئاً مع الفرس، ثُمّ بادل مشتري الفرس إياها مع الحمار وهكذا، فوقعت المعاملات على العوض النوعي.

الآغايون(1) يقولون: إنه هنا عكس ما سبق، فإنه في السابق إذا أجاز من الوسط يصحّ ما بعده ويبطل ما قبله، ولكن هنا إذا أجاز من الوسط، يصحّ ما قبله، ويبطل ما بعده؛ لأن لازم صحّة ما أجازه هو صحّة ما قبله، ولكن في قولهم هذا شبهة عقلية نذكرها.

[تحرير محل البحث]

إذا وقعت معاملات عديدة مترتّبة على عوض المبيع، بمعنى أنه باع المال بفرس والفرس بحمار والحمار بدار، وهكذا، فيكون العوض عوضاً كلّياً، قالوا: إذا أجاز الوسط صحّ ما قبله وبطل ما بعده، بعكس ما إذا أوقع المعاملات على مبيع واحد.

ــــــــــ[502]ــــــــــ

(1) أُنظر: إيضاح الفوائد 1: 418، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني المتعاقدان، وأُنظر: جامع المقاصد 4: 70-71، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني المتعاقدان، والدروس الشرعيّة 3: 193، كتاب البيع، بيع الفضولي وأحكامه، ومفتاح الكرامة 12: 610، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني المتعاقدان، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

نقول: في باب صحّة البيع، هناك عدّة احتمالات:

أحدها: أننا نحتاج إلى إنشاء الإجازة من المالك، ليصحّ البيع الفضولي، كما هو ظاهر الجلّ أو الكلّ(1) تقريباً. 

ثانيها: أن إظهار الرضا بالمعاملة معتبر، فلا يكفي الرضا المحض، كما لا نحتاج إلى إنشاء الإجازة.

وثالثها: يكتفى بالرضا الباطني، ولو من دون إظهار.

إذا قلنا بأن إنشاء الإجازة لازم؛ لأن الإجازة من الإيقاعات، وبها ينتسب البيع إلى صاحب المال، على ذلك توجد عدّة إشكالات.

أنه حين ينشئ الإجازة من الوسط، فإنه ليس بمالك للبدل الواقع في الوسط على ما هو الفرض، وتأثير الإجازة موقوف على كونه مالكاً، فلا بُدّ أوّلاً من تتميم كون المعاملات السابقة صحيحة ومجازة، حتى تؤثّر هذه الإجازة، فكيف يكون ذلك؟

فهل تقولون: أن إجازة العقد المتوسّط أو الأخير، هو إجازة للكلّ، أو تقولون: أن لازم هذه الإجازة هو ذلك؟ كِلاهما في أصل المطلب إشكال، ولو تمّ لم يصحّ أيضاً.

ــــــــــ[504]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 52، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، وأُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 133، كتاب البيع، في شروط المتعاقدين، وأُنظر: منية الطالب 1: 212، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، المسألة الأُولى، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

أما الاحتمال الأوّل: وهو ما إذا كانت الإجازة لهذا العقد إجازة لكلّ المعاملات، بالدلالة اللفظية، كيف يمكن أن تكون الإجازة على عنوان، ومع ذلك تشمل عناوين أخرى مباينة له في الدلالة اللفظية؟

ولو فرضنا أنها إجازة لتمام العقود، أو صرّح بذلك وقال ابتداءً: (أجزت تمام المعاملات)، مع ذلك لا يصحّ؛ لأن قوله هذا ينحلّ انحلالاً عرضياً –على إشكال في انحلال المعاني الحرفية وتصوّره كما ذكرنا في محلّه- والإجازة العرضية لا فائدة فيها، بل إذا أريد إجازة الجميع لا بُدّ من الإجازات المترتّبة، بأن يجيز العقد الأوّل، وإذ يصحّ يكون محقّقاً لموضوع الإجازة التي بعدها، وليس كسائر الموارد التي تشمل المترتبات في عرض واحد، كشمول (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) للعقود المترتّبة.

والإجازة العرضية لا فائدة فيها، فإنه ما لم يكن العقد الأوّل مجازاً لا يكون إجازة الثاني إجازة من المالك، بل حتى لو قال: (أجزت الكلّ مترتّباً) لم يصحّ، فإنه يعني: (أجزت هذه المترتّبات)؛ فيشمل إنشاء الإجازة سائر العقود في عرض واحد.

وأما انحلالها بهذا النحو وهو: أن تكون تلك الإجازة إجازة للعقد الأوّل، وبعد وقوعه صحيحاً تكون إجازة للثاني وهكذا، فهذا الانحلال مما لا يتصوّر ولا معنى له.

وأما الاحتمال الثاني: وهو دعوى أن لازم هذه الإجازة إجازة تلك العقود، 

ــــــــــ[505]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

كما قالوا(1) في مبحث مقدمة الواجب بأن وجوب ذي المقدّمة مستلزم لوجوب المقدّمة، وقد ناقشناه هناك، وقلنا(2): إن مقصودهم هل هو أن البعث إلى ذي المقدّمة مستلزم للبعث (لها)، بحيث إن البعث الملازم -إلى المقدّمة- يصدر من الآمر من دون مبادئه، أو بمبادئه؟ والأوّل محال، لاستحالة صدور الفعل الاختياري من دون مبادئه. والثاني خُلف المطلوب، فإن هذه المبادئ المتعلّقة بالمقدّمة لم تنشأ من مبادئ ذي المقدّمة ولا من إيجابها، ولا إيجابها ناشئ من إيجابه، ولا وجوبها ناشئ من وجوبه، وتمام الكلام في محلّه.

ولو تمّ هناك لا يتمّ هنا؛ لأنك هنا تحتاج إلى اللزوم الطولي، بحيث يصحّ العقد الأوّل، وبعد تماميته يجاز العقد الثاني، وبعد تماميته يجاز العقد الثالث، والكلام فيما إذا فرض أننا نحتاج إلى إنشاء الإجازة، فإنشاء الإجازة على العقد الوسط أو الأخير، هل هو مستلزم لإجازة العقود السابقة من دون مبادئ، أو أنه عند تلك الإجازة لا بُدّ عليّ من إجازتها، بحيث تكون الإجازة المتوسطة 

ــــــــــ[506]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية الأفكار 1: 258، المبحث الرابع: في مقدّمة الواجب، الأمر الأوّل، وأجود التقريرات (للسيّد الخوئي) 1: 231، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثامن: في مقدّمة الواجب، المقدّمة الثالثة، وغيرهما.

(2) أُنظر: تنقيح الأُصول 2: 30، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثاني عشر: في مقدّمة الواجب، ومناهج الوصول 1: 410، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب، وجواهر الأصول 3: 237، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الرابع مقدّمة الواجب، الأمر الحادي عشر، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

إنشاء لرأس السلسلة، وبعد تمامية إنشاء الإجازة للثاني وهكذا. هذا كيف يمكن أن يكون لازماً؟

ولو أغمضنا النظر عن ذلك، فكيف يصحّ العقد المجاز نفسه، وذلك لأننا وإن فرضنا أن لازم الإجازة هو إجازة العقود السابقة، فقد صحّت العقود السابقة، وأما صحّة العقد المجاز نفسه فلا تتمّ؛ لأنه إنما يصحّ مع إنشاء الإجازة حال المالكية، وهذا حال الإجازة لم يكن مالكاً(1)، وبعدها لم يجز. فلا بُدّ من الالتزام بأنه عند إجازة الوسط يصحّ ما قبله ويبطل هو وما بعده، إلّا مع تكرار إجازته، وهو مما لا تلتزمون به.

فإذا قلنا بأننا نحتاج إلى إنشاء الإجازة لا تصحّ العقود السابقة، بل تحتاج إلى إنشاء مستقلّ.

وأما إذا اعتبرنا إظهار الرضا ولا بجملة إخبارية.

إذا توخّينا إنشاء الإجازة، فقد قلنا إنه لا وجه للصحّة، بل هناك جهة أخرى وهي: أن الإجازة إذا صحّحت هذا العقد، فلا بُدّ أن يكون ذلك في المرتبة المتأخّرة عن صحّة العقود السابقة، لتكون العين ملكه؛ لتكون إجازة في ملكه. 

ــــــــــ[507]ــــــــــ

() هذا على الترتّب الزماني في إجازة العقود السابقة، وأما على الترتّب الرتبي ولكنّه في الزمان دفعة واحدة، فيمكن أن يقال: إن الإجازة وقعت حال الملك -ولو بالتسامح العرفي- وإن كان بالدقّة أن المالكية متأخّرة حتى بحسب الرتبة، فإن كان تفسير الإجازة سارية المفعول للزم تقدّم الشيء على نفسه، أو يلزم تأخّر الدلالة المطابقية للإجازة عن الدلالة الالتزامية في التأثير، وهو مما لا يمكن؛ لأنها فرع لها. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ونحن إذا توخّينا إنشاء الإجازة لصحّة العقد الفضولي، فهذه الإجازة إذا كانت مستلزمة لإجازات أخرى، فإن الإجازات الملزومة تكون في المرتبة المتأخّرة، مع العلم أن هذه الإجازة إنما تصحّ إذا أصبحت العقود السابقة مجازة في المرتبة السابقة.

فعلى ذلك فهذه الإجازة عند إيقاعها لم تكن مستندة إلى المالك، وبعد أن أصبح ملكاً له لم يجز إجازة أخرى. ولا يمكن أن تكون الإجازة في المرتبة المتأخّرة إجازة لِما كان من المرتبة المتقدّمة. 

وإذا قلنا بأننا لا نحتاج إلى الإجازة، بل إلى الرضا المظهر أو إظهار ولو بجملة خبرية، فتأتي تلك الإشكالات التي وردت على الإجازة. فإنك أظهرت الرضا بهذه المعاملة، وبحال أنها ليست ملكك، وهذا الإظهار ليس إظهاراً للرضا بغيره من العقود؛ لأن اللفظ لا يفيد أكثر من مدلوله. وإذا كان مستلزماً لإظهار الرضا، فيأتي نفس الإشكال، وهو أن الفعل الاختياري لا يعقل أن يكون مستلزماً لمثله لاستقلال كلّ فعل بمبادئه، ولا يمكن أن يكون الفعل الاختياري من المستلزمات العقلية اللابدية الاضطرارية، وإذا كان بدون اختيار وبنحو الاضطرار فليس معقولاً ولا مفيداً. أو مستلزماً لأن أرضى بهذا العقد وأرضى بهذا العقد أيضاً من أين ذلك(1)؟!

ــــــــــ[508]ــــــــــ

() قال أحدهم: إن ما هو المعتبر هو الرضا المظهر، وهو متحقّق في الجميع، (منّا) أما العقد المجاز فبالدلالة المطابقية، وأما غيره فمظهر بالدلالة الالتزامية.

فأجاب السيد: هذا خروج عن محلّ الكلام، وذلك لأن الإظهار الواحد لا يمكن أن يكون مظهراً لعدّة أمور، فكأن الظهورات الأخرى بدون إظهار، فإما أن تقولوا بالتفصيل في عقد الفضولي، فبعضها يصحّ بالرضا المظهر وبعضها بالرضا غير المظهر، وهو لا يمكن. وإما أن لا تقولوا بلزوم الإظهار، بل تكتفوا بالرضا الباطني بأي طريق وصل ولو من دون إظهار، وهو خروج عن محلّ الكلام.

فقال شخص آخر من الإخوان ما حاصله: إن هذه الإجازة بحسب الفهم العرفي إظهار للرضا، باعتبار الالتفات إلى عدم صحّة المعاملة إلّا بصحّة ما قبلها.

فأنكر السيد ذلك، وذكر أن الرضا بالعقود الأخرى لازم عقلي لا عرفي، فإن الإظهار يحتاج إلى مبادئ وهو غير موجود إلّا في العقد المجاز. (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يبقى أننا لا نتوخى إلّا الرضا إذا كان صادراً من صاحب المعاملة، فإن قلنا: إنه أعمّ من الرضا الحقيقي والتقديري، فلا شكّ في صحّة المعاملات الأخرى، فإن هذه الإجازة تكشف عن الرضا التقديري بالباقي.

وإن توخّينا الرضا الفعلي، فهو بوجوده الحدوثي محال أيضاً، ولكنّه بوجوده البقائي يصحّحه، -كما قلنا في رواية عروة(1)– فإن الرضا بوجوده الحدوثي يصحّح العقد الأوّل، وبوجوده البقائي مصحّح للباقي.

وفي رواية في باب الوديعة عن ابن الأصبغ ما حاصله: (أن شخصاً أودعته مالاً فأنكره، وبعد عدّة سنوات أتى بالمال وبمنافعه، فأخذت المال ولم آخذ

ــــــــــ[509]ــــــــــ

( 1) السنن الكبرى (للبيهقي) 6: 112، كتاب القرض، الباب1، الحديث 11951، وسنن الدارقطني 3: 10، كتاب البيوع، الحديث 30، ومسند أحمد بن حنبل4: 376، ومسند الكوفيّين، حديث عروة، الحديث 19381، ومستدرك وسائل الشيعة 13: 245، الباب 18 من أبواب عقد البيع، الحديث 15260.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المنافع، وأوقفتها إلى حين الرجوع إليك). 

فقال له الإمام ما حاصله: (خذ نصفه، وادفع له نصفه، فإنه رجل تائب، إن الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين)(1)، وليس في الرواية الأمر بالإجازة، فإنها لم تكن معاملة واحدة، بل متعدّدة، على أن ترك الاستفصال يجعلها شاملة.

وهذا المالك راضٍ بالمعاملات؛ لأنها منفعة له، وأنا استشكل فيها من ناحية كونه متديّناً متورّعاً، فيفهم من ذلك أن المعاملات مصحّحة بالرضا بالنحو الذي قلناه، بأن العقد الأوّل يصحّ بالرضا الفعلي والباقي يصحّ بالرضا البقائي، وليس شرط أن يكون المالك ملتفتاً إلى هذه المسألة العلمية.

إذن نحن إذا توخّينا الرضا تصحّ تمام المعاملات، ونحن لا نحتاج في باب المعاملات إلى أكثر من ذلك.

وهنا مطلب لم يتعرّضوا له، وهو: أن هذه السلسلة التي تقع مرّة على البيع وأخرى على الثمن، قد تكون هناك سلسلتان منفصلتان، فإن كانتا منفصلتين أساساً فقد سبق الكلام في كلٍّ منهما.

وأخرى يفرض أنهما متّصلتان ببعض معاملاتهما المتأخّرة، كما لو حصلت معاوضة بين بعض المشترين في هذه السلسلة والبائعين في الأخرى، وقلنا: إن ــــــــــ[510]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 305، باب الوديعة، الحديث 4091، وتهذيب الأحكام 7: 180، كتاب التجارات، الباب 16، الحديث 6، ووسائل الشيعة 19: 89، الباب 10 من أبواب الوديعة، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هناك احتمالين:

أحدهما: أن إجازة الوسط إجازة للمتأخّر وردّ للمتقدّم في سلسلة المبيع، وفي باب الثمن إجازة الوسط إجازة للسابق وردّ لِما بعده.

الاحتمال الثاني: أن لا يكون ردّاً.

إذا كانت الإجازة ليست ردّاً ولا بشرط من ناحيته، إذا أجاز من الوسط، وهو محلّ الملتقى(1)، فلازمه أن تصحّ سلسلة ونصف من هاتين السلسلتين، سلسلة الثمن وسلسلة المثمَن، فإنه إذا أجاز سلسلة الثمن وأجاز وكيله سلسلة المثمَن صحّ من سلسلة الثمن من مبدئها إلى العقد المجاز(2)، وإذا صحّ بذلك مبدأ(3) السلسلة تصحّ كلّ سلسلة المثمَن، أما من المبدأ إلى العقد المجاز، فلصحّة المبدأ. وأما ما بعد العقد المجاز؛ فلأنه يصحّ وما بعده كما سبق.

وإذا كانت إجازة العقد ردّاً لِما سواه، فالفرد الواحد لأنه يقع في تناقض، ولكن يمكن أن يجيز هو عقداً من إحدى السلسلتين، ويجيز وكيله ما يقابله في السلسلة الأخرى. فإجازة الوكيل مستلزمة لردّ مبدأ السلسلة، وإجازته هو مستلزمة للرضا بمبدأ السلسلة، فاجتمع الردّ والرضا على موضوع واحد، وإذا 

ــــــــــ[511]ــــــــــ

() هذا لم ينصّ عليه السيد، إلّا أنه كان مفهوماً من كلامه ومناسباً للحكم الآتي. (المقرِّر).

(2) لما سبق من أنه يصح وما قبله. (إيضاح). (المقرِّر).

(3) هذا فرضه اتّحاد مبدأ السلسلتين. (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

اجتمعا لا يصحّ ما قبل الإجازة من كِلا السلسلتين(1).

فهذا هو الكلام في هذه الصورة.

انتهى كلامنا إلى ما إذا كانت العقود مترتّبة على كلٍّ من الثمن والمثمَن، ولكن يلاقي كلٌّ من السلسلتين بالأخرى مرّة أو مرّتين أو أكثر.

بمعنى أن العقود المترتّبة على المبيع لو كانت خمسة، وكذلك في طرف الثمن، وبعده يشتري بالثمن الخامس ما هو مبيع في العقد الأوّل، فيقع المبيع في سلسلة الثمن والثمن في سلسلة المبيع، ثُمّ بعد ذلك وقعت العقود على كلٍّ منهما، بالعدد السابق وبعده لاقى كلٌّ منهما الآخر، وهكذا.

فعلى هذا، لو أجاز المالك، ما هو مورد للتلاقي الأوّل من العقود، أي: أجاز اشتراء ماله، فلازمه إجازة ما سبق على هذا العقد جميعاً، فيصحّ تمام السلسلة من هذا الطرف ولازمه صحّة سلسلة أخرى إلى مورد التلاقي.

وأما لو أجاز ما هو مورد للتلاقي الثاني، فلا بُدّ أن يتملك المبيع، وإلّا لا تؤثّر الإجازة، وأما لو أجاز ما هو مورد للتلاقي في الثالث، فهو كالأوّل، أي: مثل ما إذا أجاز مورد التلاقي الأوّل، بمعنى أنه يصحّ ما قبله من العقود بالإجازة أو بالرضا.

[حكم المسألة مع علم المشتري بالغصب]

يبقى في المقام إشكال، كما ذكره الشيخ بقوله: (ثُمّ إن هنا إشكالاً في شمول الحكم بجواز تتبّع العقود لصورة علم المشتري بالغصب، أشار إليه 

ــــــــــ[512]ــــــــــ

() وإنما يصحّ ما بعد الإجازة من سلسلة المبيع فقط. (المقرر عنه).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

العلّامة في (القواعد)(1)، وأوضحه قطب (2) والشهيد(3) في الحواشي المنسوبة إليه، فقال الأوّل(4) فيما حكي عنه: إن وجه الإشكال هو أن المشتري مع العلم يكون مسلّطاً للبايع الغاصب على الثمن، ولذا لو تلف لم يكن له الرجوع…) (5)

نحن نبحث في الجهتين:

الأولى: لا بُدّ أن نبحث على مبنى المشهور(6) في وجه الإشكال؛ لنرى أنه 

ــــــــــ[413]ــــــــــ

() اُنظر: قواعد الأحكام 2: 18، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان.

(2) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 12: 613، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين.

(3) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 12: 613، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: في المتعاقدين.

(4) أُنظر أيضاً: مفتاح الكرامة 12: 613، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني، في أنَّ بيع الغاصب من بيع الفضولي. 

(5) كتاب المكاسب 3: 471، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثالث.

(6) أُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 219، كتاب البيع، المقصد الأوّل الفصل الرابع: العوضان، الشرط السادس، المسألة (110)، الفرع المرموز له بحرف (هاء)، وأُنظر: جامع المقاصد 4: 71، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: المتعاقدان، الفصل الثاني: المتعاقدان، ومفتاح الكرامة 12: 613، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني في المتعاقدين، وجواهر الكلام 22: 305، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في بيع الفضولي، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

يتمّ أو لا؟

والثانية: أنه على تقدير كونه تامّاً، لا بُدّ أن نبحث فيما هو النتيجة في هذا المبنى.

[الجهة الأولى: مبنى المشهور في المسألة]

أما الجهة الأولى فنقول: إن مبنى القوم فيما إذا كان المشتري عالماً بأن البايع غاصب، هو: عدم جواز رجوع المشتري على الغاصب مع وجود عين الثمن، فيما إذا رجع المالك إليه وأخذ السعة منه. 

والوجه في ذلك(1): أنه قد ملّك الغاصب مجّاناً؛ لأنه بالتسليم إلى الغاصب ليس للمشتري استعادته من الغاصب بنصّ الأصحاب، وفي بعض كلماتهم(2)؛ لأنه تسلّط الغاصب على الثمن، وعلى كلٍّ لا بُدّ من البحث لنرى ما هو مرادهم، هل هو أن هذه المعاملة ليست معاملة لعدم الجدّ بها، كما يستفاد هذا من بعض كلماتهم(3)، فلازم ذلك التزامهم بأن بيع الخمر والفضولي والغاصب 

ــــــــــ[514]ــــــــــ

(1) أُنظر: إيضاح الفوائد 1: 417، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان. 

(2) اُنظر: جامع المقاصد 4: 71، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني، وراجع كتاب المكاسب 3: 474، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثالث.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 377، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ليس بيعاً لعدم الجدّ في الجميع، فلا أثر لعلم المشتري بأن البائع غاصب، وعدمه، وهم لا يلتزمون بذلك.

وأما لو كان مرادهم أن الجدّ متحقّق في الجميع، غاية الأمر أن المشتري في جميع هذه الموارد يسلّم الثمن مجّاناً ويملّكه مجّاناً، فيجوز للبائع التصرّف فيه بجميع أنحاء التصرّف، فلازم ذلك عدم حرمة ثمن الخمر، وعدم حرمة أجر الفاحشة، وهم لا يلتزمون بذلك، ولا يمكن الالتزام به أصلاً.

وأما ما قالوه(1) من أنه لو تلف لم يكن ضامناً، نقول: بأنه ضامن، و(على اليد ما أخذت) تشمل هذا، فلا يتمّ هذا المبنى من أصله.

وأما لو تمّ هذا المبنى، فهل يصحّ هذا العقد بالإجازة أم لا؟ يختلف هذا الحكم باختلاف تعابيرهم في المقام، فعبّر بعضهم عنه بأن هذا ليس بيعاً، فلا معنى للإجازة ولا يمكن التصحيح بالإجازة؛ لأنه لم يكن بيعاً، وعبّر بعضهم بأنه بيع غاية الأمر يسلّم الثمن إلى البائع مجّاناً، فلا يصحّ هذا البيع أيضاً؛ لأنه بيع بلا ثمن، والبيع إذا كان كذلك، باطل، فلا يمكن تصحيحه بالإجازة(2).

ــــــــــ[515]ــــــــــ

() أُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 193، كتاب البيع، بيع الفضولي وأحكامه، وأُنظر: جامع المقاصد 4: 71، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان، ومسالك الأفهام 3: 160، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، وغيرها.

() إلى هنا تمّت الاستفادة من أحد حضّار درس السيّد الأُستاذ. هذه المحاضرة التي انتهت، لم أوفّق لحضورها نتيجة لألم في رجلي، فنقلتها عن كتابة بعض الإخوان والحمد لله رب العالمين. (المقرّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

ملحوظة:

المطلب الذي كان مبنى المسألة وقاله المشهور، هو أنه إذا سلّم المال لم يضمن، لا في مورد التلف ولا في مورد الإتلاف، والمرحوم النائيني(1) له وجه يؤيّد فيه عدم الضمان عند التلف، ولكن العقد لا يكون صحيحاً، والشيخ محمد حسين(2) يقول: بأن كلّاً من التلف والإتلاف غير موجب للضمان.

أما النائيني فيقول(3): إن هذا الذي يدفع الثمن إلى الغاصب إذا كان يسلّمه بعنوان المعاوضة، فلا بُدّ أن يكون ضامناً عند التلف، وإن كان يسلّمه لا بعنوان المعاوضة، فلازمه جواز تصرّفات الغاصب فيما وصل إليه، والمسألة لا تخلو من أحدهما لا محالة.

يقول: لا إشكال أن عنوان التسليم عنوان مبني على المعاوضة؛ لأن المشتري فرض الغاصب مالكاً، وهذه جهة تعليلية موجبة لصحّة عقد المعاوضة، ولكنّها ليست موجبة لأن يكون التسليم تسليماً للمالك، وذلك لأن الجهات التعليلية تعمّم العناوين الاعتبارية، كعناوين المعاملات، فتكون 

ــــــــــ[516]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 283، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثالث.

(2) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 267، بيع الفضولي، الإجازة، شروط المجاز، الأمر الثالث.

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 283، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

المعاوضة للمالك باعتبارها أمراً اعتبارياً ولكنّ الجهات التعليلية لا تغيّر الجهات الخارجية، فإنه في الخارج قد سلّم لهذا الغاصب الخارجي، وإن كان تسليمه بعنوان الملك، كما لو ضرب شخصاً بعنوان كونه عدواً وكان -في الواقع- صديقاً، فقد وقع الضرب على الصديق. 

فبناءً عليه نفكّك بين عنوان المعاوضة وبين التسليم، فعنوان المعاوضة يقع للمالك، ولذا إذا أجازها المالك تنفذ المعاملة، فإذا تلف يكون موجباً للضمان، وإذا تلف تلفاً اعتبارياً كالانتقال إلى الغير يكون مضموناً أيضاً، وأما التلف السماوي فلا يضمن؛ لكونها مسلّمة إليه.

الشيخ محمد حسين(1) يقول: بعد أن وقع العقد من قِبل الغاصب، وسلّم إليه العوض وهو يعلم أنه غاصب، لا يمكن أن يدفعه بعنوان الوفاء بالمعاملة.

إذن فهذا الدفع ليس وفاءً بالمعاملة، إذن فقد أعطاه ماله وأجازه في سائر التصرّفات حتى المتوقّف منها على الملك، ولازمه عدم الضمان حتى في التصرّف المتلف. إذن، فكلٌّ من الإتلاف والتلف لا ضمان فيها، كما قال فخر المحققين(2).

ــــــــــ[517]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 268-269، كتاب البيع، بيع الفضولي، القول في المجاز.

(2) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 418، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني: المتعاقدان، و2: 194، كتاب الغصب وتوابعه، المقصد الأوّل، المطلب الثاني، الفصل الثالث: في تصرّفات الغاصب.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فهذا هو كلام هذين العلمين المحقّقين ذكرناه إتماماً للفائدة.

أما ما قاله المرحوم النائيني فقد اتّضحت مما قلناه سابقاً مباني الإشكال على كلامه، وإنما ننبّه في المقام على جهة، هي: أن وقوع العقد للمالك جهة تعليلية أو تقييدية؟ الشيخ كان يتمّمه على أساس الجهة التقييدية؛ لأنه يبيعه بعنوان كونه مالكاً، وإن كان مخطئاً في التطبيق، على إشكال في كلام الشيخ(1)

ومعنى الجهة التقييدية أن الحكم أورد على هذا الموضوع بما أنه مالك، وأما الجهة التعليلية فليس أن الحكم يرد على العنوان، بل بواسطة علّة متحقّقة هنا، فيتعلّق الحكم بهذا الشيء، فالتعامل مع هذا لأنه مالك، فما قاله النائيني ليس على ما ينبغي، ولا بُدّ أن يعبّر بالتقييدية.

على أنك تقبل أنه يدفعه إليه بعنوان المعاوض، وتقول: لا إشكال في ذلك -خلافاً للشيخ محمد حسين-، فلو تعامل مع الغاصب ودفع له المال بعنوان تسليم العوض، فهل هذا يوجب بقاء الضمان أو يوجب رفعه؟ وليس البحث في أنه يغيّر الواقعيات أو لا، بل البحث عن أن المعاملة مع هذا الغاصب بما أنه مالك وتسليمه بعنوان المعاوضة هل له أن يأخذه أو لا؟ وهما وإن كانا على خطأ في ذلك، إلّا أن ذلك لا يخرجه عن كونه معاوضة وتسليماً بعنوانها. وعليه فليس له أن يأخذه؛ لأن المعاوضة لم تقع، و(على اليد ما أخذت حتى تؤدّي)، ولو أخذه كان ضامناً.

ــــــــــ[518]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 383، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

فالكبرى التي ذكرها وإن كنّا نسلّمها، ولكن لا ارتباط لها بما نحن فيه.

وأما الشيخ محمد حسين(1)  إذ يقول: إن التسليم ليس مضموناً أصلاً، فهذا مما لا نقبله، فإن هذه المعاملة في نظر المتعاملين عقد صحيح، وليس أنه يقول له: (هذا مالي خذه وتصرّف فيه كيف شئت).

وهما وإن كانا مشتبهين، إلّا أن ذلك لا يخرجه عن كونه عوضاً، شأنه في ذلك شأن المعاملة الفاسدة، التي يعملها الناس ممن لا يعتني بقول الشارع أو العرف، وبناءً عليه فالإتلاف والتلف كِلاهما مضمونان، وليس الغاصب جائز التصرّف وأخذه للثمن غير صحيح، وكلّ المعاملات المتأخّرة عنه ليست صحيحة، ويبقى المال على حاله، لا فرق فيه بينه وبين الجاهل.

ولا أعلم أن قول المشهور ما هو، يقول الشيخ(2): إن كلام فخر المحقّقين أقرب إلى المشهور من (جامع المقاصد)، وفخر المحقّقين يقول: إن العين ما دامت موجودة لا يمكن أن تكون مضمونة، وما ينسبه النائيني(3) إلى المشهور، هو أنه على تقدير تلفه غير ضامن، فإن كان المشهور هو الثاني نطالب بالدليل، 

ــــــــــ[519]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 268-269، كتاب البيع، بيع الفضولي، القول في المجاز.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 473-474، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثالث.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 282، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في المجاز، الأمر الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وليس هنا إجماع لنتمسّك به، فإن المسألة قواعدية، وإلّا لو كانت المسألة تعبّدية لأخذنا بالمشهور، فإننا نعتبر كلام المشهور كالنصّ، بل أعظم من النصّ، ولكن البحث هنا على القواعد الاجتهادية.

[الجهة الثانية: فيما يترتب على مبنى المشهور]

المطلب المتفرّع على هذا المطلب هو: 

أنه على فرض تسليم صحّة العقد الأوّل هل يمكن تصحيح العقود المتأخّرة عنه؟ 

قلنا أنه إذا كان(1) منكراً لأصل وقوع العقد فسواء قلنا بالكشف أو النقل لا يكون قابلاً لأن تؤثّر فيه الإجازة أو تصحّحه، وكذلك لا يمكن أن تؤثّر الإجازة في تصحيح ما بعده أيضاً.

وإن كان المراد أنه سلّمه بعنوان التسليم في المعاملة، ولكن التسليم الذي عمله هو تسليم بعنوان المجّان، فهذا فيما إذا قلنا بالكشف الحقيقي، إذا وقعت المعاملة وتعقّبت بالإجازة، وأصبحت العين -من حين وقوع المعاملة- ملكاً للمغصوب منه، فإذا أراد أن يملكها كان ذلك له.

وأما على النقل فبالعكس، فإنه قبل الإجازة إما أن يتلف الثمن أو المثمَن وعلى أيّ حال لا مجال للإجازة، فإنه إذا باعه فقد انتقل الثمن للغير، ولم يبقَ موضوع الإجازة محفوظاً.

ــــــــــ[520]ــــــــــ

() لم نعلم مرجع الضمير، ولعلّه عائد على شخصٍ مذكور في الدرس السابق الذي لم نوفّق لحضوره. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

وأما الكشف الحكمي، فإن قلنا بالكشف الانقلابي المحال(1)، بمعنى أن العقد يؤثّر من الأوّل في الملكية بنحو انقلاب الواقع وإن ما كان ملكاً لهذا يصبح ليس ملكاً له، فهذا يكون نظير الكشف الحقيقي؛ لأنه الآن ملكه من الأوّل، وأصبح التصرّف جائزاً، فهذه المعاملة تؤثّر ويدخل الثمن في ملك البائع.

وأما الكشف الحكمي الأقرب إلى المعقول(2)، وهو أنه قبل الإجازة كان الثمن والمثمَن في ملك مالكه الأوّل، وبعد الإجازة يؤثّر العقد المجاز في حينه، وينقلب الواقع انقلابا عنوانياً.

وبناءً عليه يكون التصرّف قبل الإجازة في محلّه، ولم يكن له مانع، فهل بعد ذلك ينقلب عما وقع عليه، أو ينتقل من الأوّل من حين الإجازة لا من الأوّل، فقبل الإجازة الكاشفة قد انتقل الثمن إلى الغير، ولم يبقَ للإجازة موضوع لخروج الثمن عن ملكه؟

وأما الكشف التعبّدي، فهو على قسمين:

إما أن يكون الموضوع هو العقد، أو يكون الموضوع هو الإجازة. فعلى الأوّل يكون نظير الكشف الحقيقي، وعلى الثاني يكون نظير ما ذكرناه في 

ــــــــــ[521]ــــــــــ

(1) أُنظر: الحاشية على كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 131، كتاب البيع، البيع الفضولي، الإجازة كاشفةٌ أو ناقلةٌ.

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 235، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة وحكمها.

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

الكشف الحكمي، فإن الشارع لم يكن له إلى الآن تعبّد، وكانت التصرّفات صحيحة، فهل التعبّد يكون نظير الكشف الانقلابي، أو نظير الكشف الآخر؟ 

فإذا كان نظير النقل الانقلابي، بحيث يجب ترتيب آثار الملكية من الأوّل، وكانت التصرّفات كلّها في طول التعبّد الشرعي، فإنه يكون نظير ذلك القسم، وإذا كان التعبّد إنما يأتي في موارد قابلية المعاملة للإجازة، والمفروض أن هذه المعاملة غير قابلة للإجازة بمقتضى طبيعتها.

هذا محصّل المطلب إذا كان التسليم له تمليكاً له.

وأما إذا كان التسليم له ليس تمليكاً له، بل يسلّم العين بقصد المعاوضة، ولم نكن نقول بضمان التسليم بالمعاوضة لا بالتلف ولا الإتلاف، كما نسب إلى المشهور، فماذا نقول؟

إذا سلّم الثمن إلى الغاصب لا بعنوان التمليك ولا العوض، بل إباحة التصرّف، فإن قلنا في الإباحة المطلقة أنه عند التصرّف الناقل يملك الشيء آناً مّا، فعلى النقل هناك إشكال في المعاملات المتأخّرة. وعلى الكشف الحقيقي يكون تصرّفاً في مال الغير، وإذا قلنا بأن الإباحة ليست تمليكاً آناً مّا، بل لازمه أنه وكيل من طرفه، ويتصرّف في ثمنه وكذلك مثمَنه وهكذا، فيكون نظير المورد الذي يتصرّف فيه في ملك غيره فيه مزيد كلام.

ــــــــــ[522]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 





الفهرس 

 

الكلام في الإجازة 13

[هل الإجازة كاشفة أو ناقلة؟] 13

[إشكال فخر المحققين على القول بالنقل] 14

[جواب الميرزا النائيني على إشكال الفخر ونقده] 14

[الإشكال العقلي على القول بالكشف] 17

[حول الكشف المحض] 18

الإشكال العقلي على القول بالكشف 18

[نقل الأقوال في المسألة] 19

[كلام حول الشرط المتأخر] 22

[تقرير المحقق العراقي والنظر فيه] 22

[محاولات التخلص من القول بالشرط المتأخر] 26

[تقريب صاحب الفصول] 26

[توجيه الميرزا النائيني] 27

ــــــــــ[523]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

كلام الآخوند ومناقشته 27

[تقرير المحقق الأصفهاني والتأمل فيه] 28

[بسط الكلام وتحقيق المقال] 30

[هل الأدلة تقتضي الكشف أو النقل] 35

[المقام الأول: مقتضى القواعد العامة] 36

قول الميرزا الرشتي ومناقشته 36

[نقد مقالة المحقق الرشتي] 38

كلام المرزا حول ذلك 43

[المراد من الرضا التقديري ودوره في المقام] 47

وجه آخر للكشف 49

مناقشة النائيني [في الفرق بين القبض والإجازة] 53

الكشف الحكمي ومناقشة النائيني 60

الاستدلال بدلالة الاقتضاء 67

مناقشة الآخوند 69

[نقل مقالة المحقق الأصفهاني] 71

[النظر فيما أفاده المحققان الآخوند والأصفهاني] 71

ــــــــــ[524]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

رواية محمد بن قيس والتعليق عليها 76

[الاستدلال برواية سماعة] 78

[فقه رواية محمد بن قيس] 80

صحيحة أبي عبيدة الحذاء 81

[التحقيق في دلالة الرواية] 84

صحيحة الحلبي 91

صحيحة محمد بن مسلم 94

رواية بريد الكناسي 97

روايات كتاب الوديعة 102

[التحقيق في المقام] 104

رواية عروة البارقي 110

[في دلالة روايات المضاربة] 111

[في روايات تحليل الخمس] 112

التفصيل بين الكشف الحقيقي والحكمي والتعبّدي 116

الثمرة بين الكشف الحقيقي والحكمي 119

القاعدة في الأصل المثبت 122

ــــــــــ[525]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

مناقشة للشيخ 130

[بسط الكلام وتحقيق المرام] 133

[تحرير كلام الشيخ الأعظم ونقده] 136

الثمرة بين الكشف والنقل 139

[الأول: بلحاظ النماء] 139

[الثاني:] تخلل الفسخ قبل الإجازة 139

[حول إمكان التمسك بالعمومات في المقام] 142

[هل الرد بهدم العقد أو لا؟] 145

منها: جواز تصرف الأصيل 146

[تحقيق الحال في المسألة] 150

[فقه حديث الشروط] 153

[حول جريان الاستصحاب في المقام] 154

[الرابع:] ما إذا خرج أحد المتعاملين عن قابلية التملك 155

فيما إذا مات أحد المتعاملين 155

في شبهة تبادل الإضافات 164

[إشكال وحل] 165

ــــــــــ[526]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الخامس:] ما إذا تلف أحد العوضين قبل الإجازة 169

[إشكال الميرزا النائيني ودفعه] 169

تنبيهات 172

الأول: إذا أجاز من الأول 172

[تحرير الأقوال في المسألة] 173

على الكشف 175

على النقل 179

التنبيه الثاني: هل يكفي الرضا الباطني في الصحة؟ 180

[الكلام بحسب الأدلة العامة] 180

[دلالة الروايات في المقام] 185

[هل الكراهة دالة على الفسخ؟] 186

كلام للشيخ ومناقشته 188

في كفاية الإجازة بالفعل (عملاً لا قولاً) 189

التنبيه الثالث: هل من شرائط الإجازة أن لا تكون مسبوقة بالرد؟ 191

[هل الرد قبل الإجازة كالرد قبل القبول؟] 192

دليل الشيخ 197

ــــــــــ[527]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

تمسك الشيخ بقاعدة السلطنة 203

إشكالات المحشين عليه ومناقشتها 203

[الإشكال الأول ومناقشته] 204

[التأمل في جواب الميرزا النائيني] 205

[الإشكال الثاني ومناقشته] 207

[الإشكال الثالث ومناقشته] 208

فيما هو مقتضى الأصل 209

[الاستدلال برواية إسماعيل بن بزيع] 211

[دفع وهمٍ] 214

[في جواز الرجوع إلى الأصل في المقام] 215

التنبيه الرابع: في أن الإجازة لا تورث 217

التنبيه الخامس: في القبض الفضولي 222

[حول عقد الفضولي في الكليات] 222

[الأدلة الخاصة في المسألة] 225

[في جريان الفضولية في القبض والإقباض مطلقاً أو لا؟] 227

في جريان نزاع الكشف والنقل في قبض الفضولي 233

ــــــــــ[528]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [تفصيل المحقق الأصفهاني والنظر فيه] 238

هل إجازة العقد إجازة للقبض أو لا؟ 240

[التنبيه السادس:] هل الإجازة على الفور أم لا؟ 242

[احتمالات الفورية] 242

[كلام الميرزا النائيني في المقام] 244

[حول تضرر الأصيل بعدم الإجازة] 245

[تحقيق الكلام في المقام] 248

[التنبيه السابع:] هل يعتبر في صحة الإجازة المطابقة مع العقد الفضولي؟] 249

[في تصوير كون النزاع كبروياً] 249

[في لحوق الإجازة بالإنشاء والمنشَأ] 252

[في لزوم التطابق بلحاظ الأجزاء] 253

البرهان الذي ذكره الشيخ 254

[في الفرق بين الإجازة والقبول] 255

[الكلام في عدم تطابق الأوصاف والقيود] 259

إذا وقع العقد مطلقاً وأجاز المجيز بالشرط 267

ــــــــــ[529]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

هل تخلف شرط الإجازة موجب الخيار للمجيز أم لا 272

الكلام في شرائط المجيز 277

[الأمر الأول: اعتبار كون المجيز جائز التصرف حال الاجازة] 279

[الأمر الثاني: هل يعتبر وجود مجيز حين العقد؟] 283

[فيما أفاده العلامة في المقام] 283

[النظر في كلام العلامة] 285

[استدلال المحقق الثاني والجواب عنه] 286

[تقريب فخر الدين وبيان مقالته] 290

[تحقيق حول لزوم الضرر عل المشتري] 294

[الأمر الثالث: في عدم اشتراط جواز التصرف حين العقد] 297

[المسألة الأولى: بيع المالك للعين المرهونة] 297

[الكلمة الأولى: هل المقام نظير الفضولي في الاحتياج إلى الإجازة] 298

[كلام المحقق الأصفهاني في المقام] 298

[كلام الميرزا النائيني في المقام] 301

[الفارق بين الإطلاق والعموم] 303

[الكلمة الثانية: في جريان نزاع الكشف والنقل في المقام] 312

ــــــــــ[530]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [اختلاف الحكم بحسب المباني] 314

[حول جريان النزاع في فك الرهن] 316

[المسألة الثانية: لو باع شيئاً ثم ملك] 319

[مقتضى العمومات والأصل في المسألة] 319

[إشكالات صاحب المقابس] 323

[الإشكال الأول] 323

[تقرير الميرزا النائيني والنظر فيه] 324

[تحقيق في مقام الجواب] 329

[الإشكال الثاني] 334

[بسط الكلام في المقام] 335

[الإشكال الثالث] 339

[تحقيق الحال في الإشكال] 340

[بيان الإشكال العقلائي في محل البحث] 341

[التأمل في كلام الشيخ] 342

[كلام الميرزا النائيني ونقده] 347

[الإشكال الرابع] 353

ــــــــــ[531]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [جواب الشيخ الأعظم عن الإشكال والنظر فيه] 354

[ما أفاده الميرزا النائيني في تصوير الإشكال] 358

[جواب المحقق الأصفهاني عن الإشكال] 360

[تحقيق الحال في كلمات الأعلام] 362

[الإشكال الخامس] 367

[التحقيق في جواب الإشكال] 368

[إيراد المحقق الأصفهاني] 371

[تعليق على كلام صاحب المقابس] 373

[الإشكال السادس] 374

[التحقيق في المقام] 378

[في الروايات الناهية عن بيع ما ليس عندك] 381

[الروايات العامة في المقام] 382

[الطائفية الأولى] 382

[المحتملات في مقام الاستظهار] 386

[الطائفة الثانية] 389

[الروايات الخاصة في المقام] 391

ــــــــــ[532]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الاستدلال برواية خالد بن الحجاج] 392

[الاستدلال برواية يحيى بن الحجاج] 400

[رواية منصور بن حازم] 403

[الاستدلال بصحيحة معوية بن عمار] 404

[الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم] 405

[الإشكال بالروايات التي ظاهرها البيع الكلي] 406

[الأقسام المتصورة في المسألة] 412

[لو باع لنفسه ثم تملكه ولم يجز] 414

[1- هل يحتاج الإجازة أو لا؟] 414

[النظر في استدلال الشيخ] 417

[دعوى الشيخ في استصحاب حكم المخصص] 419

[تلخيص] 421

[2- هل ملزم بالإجازة أو لا؟] 423

[المسألة الثالثة: لو باع بتوهم كونه غير جائز التصرف فبان الخلاف] 424

[الكلام في الصور الأربع] 424

[بيان مشترك للصور الأربع] 430

ــــــــــ[533]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [كلام في آية التجارة وحديث (لا يحل)] 431

[الكلام في الصورتين الثانية والثالثة] 434

[الإشكالات الواردة في المقام] 442

الكلام في شرائط العقد المجاز 447

[المسألة الأولى: في اعتبار كون العقد المجاز جامعاً لسائر الشروط] 447

[تفصيل الشيخ في المقام] 453

[الجهة الأولى: ارتباط جميع الشروط بالبيع الإنشائي] 453

[الجهة الثانية: في اعتبار بقاء الشروط إلى حين الإجازة] 457

[الكلام عن الكشف والنقل في المقام] 459

[العلم الإجمالي باعتبار شرائط العقد] 460

[هل الفضولي كالوكيل والمأذون] 472

[حول شرط القدرة على التسليم] 476

[حول شرائط العوضين] 477

[في وجوب استمرار الشرط] 483

[المسألة الثانية: هل يشترط العلم التفصيلي بخصوصيات العقد المجاز؟] 488

[المسألة الثالثة: حكم تعدد العقود ووحدة الإجازة] 493

ــــــــــ[534]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7 

 [الصورة الأولى: أن تكون العقود صادرة من شخص واحد] 493

[الصورة الثانية: أن تكون العقود صادرة من عدة أشخاص] 494

[حكم العقود المترتبة على العوض] 503

[تحرير محل البحث] 503

[حكم المسألة مع علم المشتري بالغصب] 512

[الجهة الأولى: مبنى المشهور في المسألة] 514

ملحوظة: 516

[الجهة الثانية: فيما يترتب على مبنى المشهور] 520

الفهرس 523

ــــــــــ[535]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج7