أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (8)

كتاب البيع

الجزء الثامن

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج8 (400ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1701/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1701) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

1-07-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الثامن  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ويحتوي على:

  • الكلام في أحكام الردّ
  • [حكم الأيدي المتعاقبة لو لم يجز المالك]
  • [حكم المشتري من الفضولي الغاصب]
  • [حكم ما يغرمه المشتري من غير الثمن]
  • مسألة ما إذا باع ماله ومال غيره
  • [مسألة] بيع نصف الدار
  • مسألة ولاية الأب

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  




الكلام في أحكام الردّ

 

  • [ما يتحقق به الرد]

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  



الكلام في أحكام الردّ

 

حين نردّ إلى أحكام الردّ نبحث على أساس فرض أن الردّ هادم للعقد، وإن قلنا إنه لا دليل على ذلك، ولا بُدّ أن نفرض ما قاله الشيخ(1) من أنّ الأصيل لا بُدّ له من حفظ العقد وعدم جواز ردّه، وإن لم نقبله، فالبحث هو بعد تسليم هذين الأمرين.

 

[ما يتحقق به الرد]

 

الشيخ يقول(2): في الردّ الفضولي لا بُدّ أن يكون بالألفاظ الصريحة كـ(رددت) و(فسخت)، وإلّا -لو كان اللفظ غير صحيح- نتمسّك بالأصل؛ لأننا نحتمل أنه انفسخ وأنه لم ينفسخ، وأصالة بقاء لزوم العقد للأصيل، وبقاء قابلية اللزوم للمجيز جارية.

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) تقدّم الكلام فيه في الجزء السابق من كتاب البيع، تحت عنوان (بيع الفضولي للمالك مع سبق المنع).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 477، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في أحكام الردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أما كون الصراحة مطلوبة أو لا؟ فلا نتكلّم فيه. وإنما نتكلّم عن الأصلين اللذين ذكرهما الشيخ ولم يذكر المحشّون أن هذين أيّ أصل هما؟! 

فإنه أجرى في طرف المجيز أصالة بقاء قابلية اللزوم، وفي طرف الأصيل أصالة بقاء اللزوم.

نحن لو أجرينا الأصل لقلنا: إن العقد قبل الفسخ كان موجوداً، فهو الآن موجود، وما دام العقد غير منفسخ فيشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1). وفي طرف المجيز، قلنا بأن الموضوع إن كان هو العقد والإجازة أمكن جريان الأصل، وإن كان هو العقد المجاز لم يمكن جريانه؛ لكونه مثبتاً. الشيخ انحرف عن ذلك، واستصحب بقاء اللزوم. 

وقبل مناقشته لا بُدّ أن نعرف أن ما هو المعروف في باب الاستصحاب من أننا نستصحب عدالة زيد، ليس تعبيراً صحيحاً، فإنه لا بُدّ لك حينئذٍ من قضيّة في العدالة نفسها، فإن اليقين والشكّ دائماً يتعلّق بالقضايا ولا يتعلّق بالمفردات، بأيّ حال من الأحوال. فنحتاج إلى قضيّة متيقّنة وقضيّة مشكوكة، فيقال: (كنت عالماً بأن زيد عادل، فالآن زيد عادل)، فلو أصبحت عدالة زيد موضوعاً لحكم وأردنا استصحابها، فلا بُدّ أن نجد في العدالة قضيّة كقضيّة (العدالة موجودة). فلو كان الحكم على (عدالة زيد) لأمكن جريان الأصل، ولكن إذا كان الحكم على (زيد العادل) لَما أمكن جريانه؛ لأن ذلك لازم بقاء عدالته.

كذلك ما قاله الشيخ في باب الاستصحاب من أن المستصحَب عرض 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) المائدة: 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

قائم بالموضوع، ليس بصحيح، فإن المستصحَب لا يمكن أن يكون عرضاً، بل لا بُدّ أن يكون متيقّناً، والمتيقّن قضيّة لها موضوع ومحمول، والعرض بوجوده التصوّري غير قابل لتعلّق اليقين به، فلا بُدّ أن نستصحبه بوجوده التصديقي، ونقول: (كان العرض موجوداً فالآن موجود). وبذلك كان لزوم العقد به أو أن زيداً عادل مثبتاً.

[تحرير كلام الشيخ الأعظم في المقام]

بناءً عليه يمكن أن نعقد في تعيين مراد الشيخ من استصحاب لزوم العقد عدّة قضايا.

إحداها: لزوم العقد، فإنه كان موجوداً والآن موجود.

وثانيها: العقد اللازم، فإنه كان موجوداً والآن كذلك.

ثالثها: أن يكون تعبير الشيخ مبنياً على المسامحة، أو المراد: أنه كان العقد لازماً والآن هو لازم، والأوّل أظهر احتمالاته.

أما لزوم العقد فهو ليس موضوع الأدلّة حتى يشمله الحكم، بل موضوعها هو العقد اللازم، فلا يجري فيه الأصل(1).

ــــــــــ[15]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: اللزوم هو حكم فيستصحب، ألَا تقولون بجريان الاستصحاب في الأحكام؟

فقال: نعم، ولكنّه حكم لا أثر له. فإنك إن استصحبت الوجوب كان له أثر، وهو الوجوب العقلي للطاعة، وأما الطهارة فإنما تستصحب إذا كان لها أثر، ولكن لزوم العقد لا أثر له، غاية الأمر أننا نفهمه باللازم العقلي أن العقد لازم، وهو مما لا يثبت بالأصل. 

فقال ذلك القائل: إذن فوجوب الصلاة لا أثر له، وإنما الأثر للصلاة الواجبة.

فأجاب: نعم، وجوب الصلاة لا أثر له، إلّا أن يكون موضوعاً لحكم، وإنما الأثر هو لاستصحاب الصلاة الواجبة.

إذن، إذا استصحب لزوم العقد، وأردت إثبات وجود العقد وأنه لازم، كان إثبات أيٍّ من هذين مثبتاً، فإنهما من اللوازم العقلية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

القضية الثانية: (العقد اللازم كان موجوداً)، فهو الآن موجود، فلو كان العقد اللازم له حكم كان لك أن ترتّبه، وأما أن العقد لازم فلا يثبت به، فإنه قضيّة أخرى، وباستصحاب الوجود المحمولي لا يمكن إثبات الوجود الرابطي(1).

القضية الثالثة: كان العقد لازماً والآن لازم، بالمسامحة في التعبير، إذا كان كذلك، فهو أسوأ، فإني أشكّ في أصل وجود العقد، وإنما يصحّ مثل هذا الاستصحاب فيما إذا كان هناك عقد جائز واحتملت لزومه بالتصرّف -مثلاً-؛ فنستصحب جوازه، وفي المقام موضوع الحكم في القضيّة مشكوك، وهو العقد.

فيأتي الكلام في أنه هل يمكن تنقيح موضوع استصحاب بإجراء استصحاب آخر أو لا؟ مثلاً: لو ورد في لسان دليل: (زيد العالم إذا كان عادلاً فأكرمه). فأخذ العالم وصفاً للموضوع المفروض الوجود، والعادل في المحمول، فإذا شككنا في علم زيد وعدالته فلنا قضيتان متيقّنتان ومشكوكتان.

إحداهما: (زيد كان عالماً).

ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) أُنظر: تنقيح الأُصول 4: 140، تنبيهات في الاستصحاب، التنبيه الثالث، تذييل حول أصالة عدم التذكية، بحث حول استصحاب العدم الأزلي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والأخرى: (زيد العالم كان عادلاً).

فهل يمكن باستصحاب عالِميته أن نتمّم موضوع القضيّة الثانية، ليمكن جريان الاستصحاب فيها؟

وبعبارة أخرى: نحتاج في الاستصحاب إلى عينية القضيّة المتيقّنة والمشكوكة، وزيد بنفسه لم يكن موضوعاً للحكم، بل كان الموضوع هو (زيد العالم)، واستصحاب العالم والعادل عرضاً لا يفيد؛ لعدم اتّحاد القضيتين المتيقّنة والمشكوكة؛ لأن زيداً ليس هو الموضوع، فهل باستصحاب العالمية بمعنى أن (زيد كان عالماً والآن هو عالم) يمكن أن نتمّم به وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة الثانية، فنقول: (زيد العالم كان عادلاً والآن عادل)، أو لا؟ فإن وحدة القضيتين ليس من الأحكام الشرعية.

وما نحن فيه كذلك، فإنك مرّة تستصحب بنحو الكون الرابطي، وتقول: (إن العقد كان لازماً والآن هو لازم)، هذا لا يمكن؛ للشكّ في موضوعه، فتجري استصحابين: 

أوّلهما: تستصحب وجود العقد وتقول: (العقد كان موجوداً فالآن موجود)، ثُمّ هذا العقد تجعله موضوعاً للّزوم، فإنك تجعل اتّحاد القضيتين في الاستصحاب الثاني وتثبت موضوعه، وكِلاهما لا يمكن لعدم كون ذلك من الأحكام الشرعية.

وعلى أيّ حال، لم يكن هذا الاستصحاب محتاجاً إليه، فإنه كان ينبغي للشيخ أن يستصحب بقاء العقد لا أن يستصحب اللّزوم.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

تمسّك الشيخ(1) في مورد الشكّ بأصلين، هما: أصالة بقاء اللزوم بالنسبة إلى الأصيل، وأصالة بقاء قابلية اللزوم بالنسبة إلى المجيز. 

أوّلاً تحسب حساب القضايا الإخبارية، فإنه تارةً يخبر ويقول: (زيد عادل)، وأخرى يقال: (زيد العادل موجود)، وثالثة يقال: (عدالة زيد موجودة)، فهل الإخباران الأخيران هو إخبار بأن زيداً عادل، أو أنه لازم الخبر؟

جملة (زيد العادل موجود)، موضوعها: (زيد العادل) ومحمولها (موجود)، وهذا لا يمكن أن يقال: بأنه إخبار عن زيد عادل، فإنه ليس إخباراً واحداً، ولا أنه منحلّ إلى خبرين؛ لأن معناه انحلالها إلى نفسها وغيرها الذي يختلف عنها محمولاً وموضوعاً. 

وأما أنه إخبار عن: (زيد عادل) باللازم، فبالنحو الذي قلناه في الإنشاءات من أنه لا يمكن أن يكون الإنشاء لازماً لإنشاء آخر، كذلك لا يمكن أن يكون الإخبار لازماً لإخبار آخر. 

إذن فهو لازم الخبر لا الإخبار، يعني أنه إنما يصدق: (زيد العادل موجود) إذا صدق (زيد موجود) و(زيد عادل)؛ لأنه لو لم يكن موجوداً أو لم يكن عادلاً، لا تكون تلك القضيّة صادقة.

مثلاً: لو أخبرت بترتّب العلل، وهي ذات مبدأ واحد، فلو أخبرت عن وجود العلّة الأولى، فليس أنك قد أخبرت عن مائة قضيّة، بحيث إني كذبت 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

() أعاد السيد جملة مما سبق بعرض جديد فقال:… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

مائة كذبة، بل ليس إلّا كذباً واحداً، لكنّ لازم صحّة هذا الإخبار هو أن توجد سائر المعلولات، كما لو علمت بالعلّة الأولى فإنه ليس علماً بشيء آخر. غاية الأمر يوجد علم ثانٍ متعلّق بالمعلول الأوّل، وعلم آخر متعلّق بالمعلول الثاني وهكذا تتعدّد العلوم والمعلومات.

وكذلك قولنا: (عدالة زيد موجودة)، فإن العلم بها والإخبار عنها ليس علماً أو إخباراً بـ(زيد عادل)، فإنها تختلف عنها موضوعاً ومحمولاً، فهي ليست إخباراً عنها ولا تنحلّ إليها، بل لازم الإخبار بأن عدالة زيد موجودة لا تكون مطابقة للواقع، إلّا بعد وجود زيد وعدالته، فهو لازم الخبر وليس هو لازم الإخبار.

وأما باب التعبّد فليس كذلك، فلا يمكن أن تستصحبوا بقاء العلّة، وتقولوا بأن المعلول موجود، فإن باب التعبّد هو باب التفريق بين اللوازم وبين العلل والمعلولات، فقط لا بُدّ أن نأخذ بمجرى الأصل، فإن ترتّب عليه حكم رتّبناه مثل الكبرى التي تقول: (إذا كان هذا موجوداً فكذا). وأما إذا كانت هناك كبرى مترتّبة على معلوله فلا يترتّب عليه، وأما كبرى (إذا كانت العلّة موجودة كان المعلول موجوداً) فهو حكم عقلي لا شرعي، وإن كانت العلّية شرعية، فلا يمكن إثباته بالاستصحاب.

وفي المقام يأتي نفس الكلام، فإننا نريد استصحاب لزوم العقد، فلا بُدّ أن تكون له قضيّة؛ لتكون متيقّنة ومشكوكة، فإن الشكّ والعلم لا يتعلّقان بالمفردات.

فيقال: (لزوم العقد كان موجوداً)، ويراد باستصحابه إثبات أن العقد 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لازم. نعم، إذا كان لزوم العقد له أثر رتّبته، ولكن تريد ترتيب الأثر على اللازم، وهو لازمه العقلي، باعتبار أن الوصف إذا كان موجوداً كان الموصوف موجوداً، لاستحالة وجود الوصف بلا موضوع.

نعم، لو كان هذا التعبّد هو عين ذلك التعبّد كما قلنا في الإخبار، بأن هذا الإخبار عين ذلك الإخبار، أو هذا الإنشاء عين ذلك الإنشاء، لأمكن إثباته بالتعبد.

ولكنّنا قلنا بأنه ليس هذا الإخبار عين ذاك، ولا الإنشاء كذلك، فالتعّبد كذلك، فغاية ما يلزم هو التفكيك بين اللوازم والملزومات، وهو أمر لا مانع منه في باب التعبّد، فإنك باستصحاب لزوم العقد لا بُدّ لك من إثبات أمرين:

أولاً: العقد موجود.

وثانياً: العقد لازم.

وكِلاهما لازم عقلي لا شرعي، ولا يمكن إثباته بالتعبّد.

والمهمّ الذي أريد أن أقوله: هو أنه أيّ مانع من استصحاب وجود العقد، وبه نحقّق موضوع استصحاب آخر؛ لأن بعض الأكابر قال اشتباهاً في المقام، فإنه بعد أن فسخ بالكناية وشككنا أن فسخه مؤثّر، فهنا عندنا قضيتان:

إحداهما: العقد كان موجوداً وأشكّ بانحلاله بالعقد.

والثاني: العقد كان لازماً، والآن أشكّ أنه لازم أو لا؛ للشكّ في وجوده، فيكون موضوع الاستصحاب في القضيّة الثانية هو محمول الاستصحاب في القضيّة الأولى.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإنك أوّلاً تستصحب وجود العقد، وتقول إن العقد متحقّق إلى الآن، فتقول: هذا العقد المتحقّق كان لازماً وأشكّ ببقائه، فنجري استصحاب لزوم العقد الذي ذكره الشيخ بهذا النحو.

هذا أيضاً لا يمكن، فإنه قد يكون الشكّان في رتبة واحدة، كما لو كان ورد: (زيد العالم العادل يجوز تقليده)، وأشكّ ببقاء علمه وببقاء عدالته، فاستصحب. وأخرى لا يكون الشكّان في رتبة واحدة، كما لو ورد: (زيد العادل إذا كان عالماً فكذا). فقد أخذ أحد الوصفين في الموضوع والآخر في المحمول. فاستصحاب العدالة يجري ويترتّب عليه أثر لو كان له أثر.

وأما لو أردت به تتميم وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة في الاستصحاب الثاني؛ لأننا بالاستصحاب الأوّل تعبّدنا بكونه عادلاً، فيكون موضوعاً للقضيّة الثانية. فإننا نشكّ بأن زيداً العادل عالم أو لا، فنستصحب ونرتّب عليه أثره.

 نقول: هذا لا يمكن؛ لأن أحد الآثار المراد ترتّبها على الاستصحاب الأوّل، هو وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة للاستصحاب الثاني، إذ ليس موضوع الثاني هو (زيد) حتى يقال إنه وجداني، بل موضوعه هو (زيد العادل) ونريد تتميمه بالاستصحاب، يعني وحدة القضيتين، وهو أثر عقلي، وليس أثراً شرعياً. 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فما قال بعض الأكابر بأنه يمكن استصحاب الوصفين، كما هو الحال في سائر الموارد، لا يمكن المساعدة عليه، فإن الوصفين ليسا عرضيين، بل طوليين، فإننا نريد إثبات موضوع استصحاب باستصحاب آخر، وهو مثبت، حتى ولو كان الأثر شرعياً.

وفي المقام نريد أن نستصحب موجودية العقد، ونجعل ذلك موضوعاً للاستصحاب الثاني وهو استصحاب اللّزوم، فنعمل بذلك وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة في الاستصحاب الثاني وهو مثبت. فهذا بالنسبة إلى جريان استصحاب اللّزوم.

أما الاستصحاب الآخر الذي ذكره فهو أسوأ حالاً، وهو استصحاب قابلية اللّزوم، فإنه يأتي عليه تمام الإشكالات السابقة، فإنك إما أن تستصحب قابلية اللزوم أو العقد القابل، ويأتي عليه نفس الإشكالات.

مضافاً إلى: أن استصحاب قابلية العقد لا يثبت صحّته بالإجازة، فإن قضيّة: أن العقد القابل إذا تعلّق به الإجازة يكون صحيحاً، هذه للأحكام العقلية لا الشرعية.

على أننا قلنا: إننا لا نحتاج إلى هذه الأصول، بل نستصحب بقاء العقد، فإنه يكون موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقود، وموضوعاً للإجازة، ولا إشكال فيه.

[تفصيل الكلام]

عقدت المسألة بنحوٍ، ولكن الشيخ خلط بعض المسائل بمسائل أخرى، ولا بُدّ من فصلها، فإن عندنا ثلاث مسائل: 

الأولى: أن الردّ يبطل المعاملة أو لا؟ وفيه يبحث عن الحاجة إلى الردّ الصريح، أو الاكتفاء بالكناية ونحوها. 

المسألة الأخرى: أنه بعد حصول الردّ، ماذا يحصل؟ هل هو من باب 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الفسخ في الخيارات، أو أنه ردّ بحيث إن الرادّ لا يمكنه الإجازة، أما غيره فلا؟ ولم أجد من يتعرّض لهذه المسألة.

المسألة الثالثة: أن المانع عن الإجازة أيّ حادث من الحوادث هو؟

يقول الشيخ(1): يحصل الردّ بالقول الصريح، وبالفعل المنافي، ويعلّل بأنه يرفع موضوع الإجازة، وهذا لا ربط له بمسألتنا، بل مربوط بالمسألة الثالثة، وهو أن المانع عن الإجازة ما هو؟

[المسألة الأولى]

أما المسألة الأولى: وهو أنه يحصل الردّ بأي شيء، لا بُدّ أن نتكلّم أن الردّ هل هو مثل باب الإجازة؟ وقلنا إن الإجازة لا تحتاج إلى الإنشاء، بل إذا كان المالك راضياً بالمعاملة فإنه يخرج من الفضولية، كما قال الشيخ(2)، وقد وافقناه على ذلك، وإن لم يثبت على قوله بعد ذلك. فإذا قلنا بكفاية الرضا هناك، فهل في الردّ يكفي عدم الرضا، أو فرق بين المسألتين؟

فنقول: إنه هنا فرق بينهما، وهو أنه في باب الإجازة قد تمّت تمام الجهات المربوطة بالإيجاد والإنشاء، قد أوجدها الفضولي، وكذلك الموجب قد أوجد تمام ما هو المربوط بالإنشاء، فبعد عقد الفضولي الموجب قد حصل تمام ما هو 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 477، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في احكام الردّ.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 403-404، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

المربوط بالإنشاء والإيجاد، غاية الأمر أن هذا الاعتبار غير مؤثّر في النقل والانتقال؛ لأنه مال الغير، ويحتاج إلى رضاه، ولولاه لا تصحّ المعاملة، ولا نحتاج إلى أكثر من الرضا، ليكون مشمولاً لـتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، فإن التجارة قد حصلت من الموجب والرضا حصل من المالك.

وأما الردّ، فإذا بنينا على أنه حلّ للمعاملة، فالمعاملة لا بُدّ أن تحلّ بفعلك، ويكون الردّ من الإنشائيات، ومجرّد عدم الرضا ليس ردّاً ولا فسخاً، فما لا يمكن الالتزام به هو أن مجرّد عدم الرضا يحلّ المعاملة أو يجعلها غير قابلة للإجازة.

وهذا يستفاد من باب الوديعة، فإنه لا شكّ أنه حين غصب الودعي مال الوديعة، لم يكن المالك راضياً بأيّ تصرف، وحين أرجعها اكتفى الإمام بمجرّد الرضا، وأمره بدفع نصفه إليه، لا لاستحقاقه، بل لأنه رجل تائب(1)، وكذلك رواية محمد بن قيس(2)، فإنها إن لم يستفد منها الردّ فلا أقلّ من استفادة عدم الرضا.

إذن فما هو الذي يحصل به الردّ؟ طبعاً المباني في أن الردّ أين يؤثّر وأين لا 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 305، باب الوديعة، الحديث 4091، وتهذيب الأحكام 7: 180، كتاب التجارات، الباب 16، الحديث 6، ووسائل الشيعة 19: 89، الباب 10 من أبواب الوديعة، الحديث 1.

(2) الكافي 10: 209، كتاب المعيشة، الباب 93، الحديث 12، وتهذيب الأحكام 7: 488، كتاب النكاح، الباب 41، الحديث 168، ووسائل الشيعة 21: 203، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يؤثر، فإذا كان مستندنا هو الإجماع بأن الردّ مؤثّر، فهو على فرض ثبوته له قدر متيقّن، وأيّ احتمال لا بُدّ أن نضمّه إلى جنبه، فإن احتملت أنه يحتاج إلى لفظ أو لفظ صريح، فلا بُدّ أن نأخذه بنظر الاعتبار، على أن الإجماع غير موجود، وإنما أفتوا بتأثير الردّ باعتبار القواعد بتخيّل منافاته مع عنوان المعاملة.

وإذا أردنا أن نفهم ذلك باعتبار كون الردّ منافياً مع بقاء المعاملة، وأن الردّ فسخ للمعاملة في ارتكاز العقلاء(1)، أو -كما يقول الشيخ(2)– أنه يلغي العقد عن صلاحية عن تعقّبه بالإجازة، أو فهمنا ذلك من إطلاق في معقد الإجماع، أو من إطلاق الأدلّة اللفظية، إذا كان كذلك فنحن ندور مدار عنوان الردّ، سواء حصل باللفظ الصريح أو الظاهر أو الكناية، أو الفعل الظاهر بالردّ، وكذلك كلّ فعل أو قول هو ردّ عقلائياً.

لكنّ عنوان الردّ لا يحصل بالبيع ولو كان ملتفتاً، فإن العين وإن خرجت عن صلاحية الإجازة، بالنسبة إلى هذا الإنسان، ولكن البيع ليس ردّاً للمعاملة، فإن هدم المعاملة يحتاج إلى الإنشاء، خاصّة من الملتفت أنه لو انتقلت إلى غيره كان له الإجازة أيضاً.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 132، كتاب البيع، الكلام في بيع الفضولي، الكلام في الإجازة والردّ. التنبيه الخامس، كتاب البيع (للمحقق الكوهكمري): 398، الفصل السابع: في الإجازة والردّ، المبحث الثاني، التنبيه الثالث، وغيرهما.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 477، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وباب الإتلاف ليس ردّاً، ولكنّه يسقطه عن قابلية الإجازة، إلّا على الكشف، على ما سنقول. وكذلك عرضه للبيع أو بيعه بالبيع الفاسد، فإن ما يقوله الشيخ من أنه منافٍ للإجازة، وإن كان صحيحاً لكنّه أجنبي عما نحن فيه من أنّ هذا ردّاً وليس بردّ، ويدخل في مسألة أنه هل يحصل الردّ بذلك أو لا.

نعم، بعد المعاملة لا يمكن أن يجيز، ولكن كون مجرّد المعاملة ردّاً فلا دليل عليه. نعم، لو كانت هناك قرائن ينتزع منها العقلاء عنوان الردّ، ويجعل الفعل ظاهراً في الردّ كان ذلك ردّاً، فغايته أنه لا يكون معه قابلاً لتعقّب الإجازة كالتلف، وهو مسألة غير مسألة الردّ.

[المسألة الثانية]

المسألة الأخرى التي لم أرَ من يتعرّض لها، هو أنه لو ردّ المعاملة، فهل الردّ فسخ للمعاملة، بحيث إن هذه المعاملة انهدمت ولا يمكن أن تصحّحها الإجازة لا من الرادّ ولا من غيره إذا انتقلت إليه، أو أن الردّ غاية ما يعمله هو أن الرادّ لا يمكن له الإجازة؟

فإنه إذا كان دليلنا الإجماع فالقدر المتيقّن هو هذا المقدار، وهو عدم إمكان إجازة الرادّ، أما كونه فسخاً فليس أمراً اجماعياً، بحيث لا يمكن للغير الإجازة.

وأما إذا كان دليلنا النص، فإن ورد: (الردّ فسخ) أخذنا به، وإن كان ورد -كما ورد-: (إن شاء أخذ وإن شاء ترك)، فغايته أنه كما لو أنه أجاز لا يمكن له أن يردّ، كذلك لو ردّ لا يمكن له أن يجيز. 

وأما أن الردّ فسخ للمعاملة بحيث لا تكون قابلة حتى لإجازة الغير، فلا 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

دليل لنا عليه، لا من النقل ولا من العقلاء، بل تعبير الردّ غير تعبير الفسخ، كما يرد كثيراً في كلامهم، فإن الفسخ حلّ العقدة، والردّ هو عدم الرضا بالمعاملة ورفضها، وأما عند الشكّ فتجري الأصول التي قلناها.

[المسألة الثالثة]

تبقى المسألة الأخرى: وهي وإن لم تكن مربوطة بما نحن فيه، ولكنّنا نذكرها باعتبار تعرّضهم لها، وهو أنه أيّ الأعمال تصدر في الخارج فتمنع عن لحوق الإجازة بالعقد؟ فهنا كلامان:

أولهما: حول عدم تعقب الإجازة من الرادّ.

ثانيهما: حول عدم تعقّب الإجازة من الغير. 

وكلامنا فعلاً هو الكلام الأوّل. 

أما الإتلاف والتلف، فعلى النقل بلا إشكال لا معنى للإجازة، وإن كان هناك احتمال الانتقال إلى البدل إلّا أنه احتمال ضعيف، وأما على الكشف الحقيقي، فإن رأينا الكشف على القواعد، وإنه هو مقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فهو يشمل العقد من الأوّل واحتمال لزوم بقاء العين من حين العقد إلى الإجازة تتقيد بالإطلاق، فعلى ذلك يكون التلف من ماله لو لا أنه تلف قبل القبض.

وإذا رأينا الكشف على خلاف القاعدة، فتمام الاحتمالات لا بُدّ أن نأخذها بنظر الاعتبار، فنحتمل صحّة المعاملة كشفاً مع عدم تلف العين في البين، أو لم يتصرّف بها، فلا بُدّ من أن نأخذ كلّ ذلك بنظر الاعتبار، على إشكالات تأتي، وقلنا إنه في المورد الثاني لا يمكن فيه القول بالكشف نقول بالنقل، لكن هذا لا 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يأتي في المقام؛ لارتفاع الإجازة موضوعاً بالتلف.

أما التصرّفات الناقلة كالبيع والصلح ونحوه فما هو حالها على الكشف بأقسامه؟

أقول كلمة لتوضيح المطلب، حول أن الردّ موجب للفسخ أو لا. 

فإننا لا بُدّ أن نرى ما هو اعتبار الفسخ، وأن أيّ اعتبار عقلائي هو اعتبار للفسخ، وأي اعتبار ليس كذلك؟

المعاملة تتمّ، إما بقبول الأصيل أو إجازة العقد الفضولي، فينتقل الثمن إلى البائع والمثمَن إلى المشتري، ونحن وإن قلنا: إن الإجازة والقبول غير دخيلين في ماهيّة المعاملة، إلّا أنهما دخيلان في النقل حتماً، وسِمة القبول هو أن يقبل الإيجاب بوجوده الإنشائي، فيصبح مؤثّراً فيحصل أثره لا محالة، وكذلك الإجازة في العقد الفضولي. وليس ا لردّ إلّا رفض الإجازة، فإن المعاملة إذا كانت قد تمّت وأثّرت، فلا سبيل إلى رفع اليد عنها، إلّا بالخيار المجعول شرعاً كخيار المجلس والحيوان أو عقلائياً أو من جعل المتعاملين أو بالأصالة.

أما في باب عقد الفضولي قبل الإجازة وفي الإيجاب قبل القبول، فالإيجاب وإن كان بلا شكّ مبادلة مال بمال، غايته أنها مبادلة إنشائية وليس لها وجود حقيقي في عالم الاعتبار.

إذن فقد حصل الإنشاء ولم يحصل النقل، وفي كلّ ذلك ليس للقابل أو المجيز أيّ دخل، وإنما له حقّ عقلائي وسلطنة على ماله، بحيث لولا قبوله لَما أثّرت المعاملة، فله أن يقبل باختياره فيحصل النقل، وله أن لا يقبل، فيمنع من 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التأثير في نقل ماله. 

والردّ ليس إلّا عدم القبول، وليس أنه يفسخ المعاملة، فإن القبول والإجازة بعد صدروهما لا يمكن سحبهما ورفع اليد عنهما؛ لأن الواقع لا ينقلب عما وقع عليه، فيحتاج في رفعهما إلى الفسخ، وأما نفس الإجازة والقبول، فهو حقّ عقلائي لك أن تعمله فينتقل مالك، ولك أن لا تعمله فلا ينتقل مالك إلى غيرك، والردّ ليس إلّا ذلك.

وفي الروايات التي أشار إليها الشيخ(1) أخيراً ما يدلّ على ذلك، فإنه ورد فيها: (إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما)(2). نعم، في صحيحة أبي عبيدة الحذاء(3): (أن لهما الخيار) يعني الصغيرين. وقلنا إن هذه الرواية بعيدة عن إرادة العقد الفضولي، وإنما هو ولي، وقد قال الإمام أنه عقد خياري، وكوننا لا يمكن أن نفتي به لا يوجب أن نصرف الظاهر إلى غيره.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 479، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

(2) الكافي (ط. الإسلاميّة) 5: 478، كتاب النكاح، باب المملوك يتزوج بغير إذن مولاه، الحديث 2، وتهذيب الأحكام 7: 351، كتاب النكاح، الباب 30، الحديث 62، ووسائل الشيعة 21: 115، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.

(3) الكافي 10: 772، كتاب النكاح، الباب 64، الحديث 4، تهذيب الأحكام 7: 388، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 31، ووسائل الشيعة 26: 29، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [في التصرفات الناقلة من المالك قبل الإجازة]

الكلام في أنه إذا حصلت تصرّفات ناقلة من المالك، كما إذا وقعت معاملة فضولية على مال شخص، وربما نقل هذا المال إلى الغير وأخرجها عن ملكه، إما بتحرير أو بيع أو هبة أو صلح أو غيره، فهذا يختلف حاله على المباني في الفضولي.

[اختلاف الحكم باختلاف المباني في الفضولي]

أما على النقل فواضح، فإن الإنشاء الفضولي غير مؤثّر وغير مجاز، فيكون البيع(1) صحيحاً، ولكن تعبير بعضهم(2) بأنه -يعني البيع- يسقط العقد عن قابلية الإجازة، وما قاله الشيخ(3) من أنه نظير الردّ والفسخ غير تامّ، بل غايته أن هذا الشخص لا يمكن أن يجيز، وقد أصبح أجنبياً عن المال الذي باعه، وأما إذا انتقل إلى فرد آخر، أو انتقل إليه(4) بسبب آخر فلا مانع من أن يجيز البيع الفضولي، ولا دليل على أن ما انتقل عنه يسقط قابلية العقد عن تعقّب الإجازة، وإذا شككنا فقد قلنا حال الشكّ.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() يعني: بيع المالك. (إيضاح). (المقرِّر).

(2) أُنظر: منية الطالب 1: 285، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 480، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

(4) يعني: نفس المالك الأوّل على الظاهر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما على الكشف الحقيقي، فهو يُعبّر عنه في كلّ يوم -في كلام الآغايون- بتعبير، وهو إما أن يؤثّر العقد باعتبار وجود الشرط المتأخّر في حينه، أو أن العقد المتعقّب بالإجازة ناقل من الآن.

فمرّة نقول: إن الكشف الحقيقي على خلاف القواعد، ومرّة نقول: إنه موافق لها، فإن كان على القواعد فقد حصل عقد، وكان متعقّباً بالإجازة وشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وشككنا في دخل شيء آخر فيه، كعدم التصرّف الناقل، فندفعه بالإطلاق، وكذلك سائر الشكوك التي تحصل بعد تمامية العقد وحصول الشرائط المسلّمة.

وأما إذا لم يكن موافقاً للقواعد، فكلّ احتمال تحتمل دخله في صحّة العقد كشفاً لا بُدّ من أخذه بنظر الاعتبار. ونقول: إنه إنما يصحّ كشفاً إذا لم يحصل النقل، وليس أننا نريد أن نجعله -على الكشف الحقيقي- مالكاً من العقد إلى حين الإجازة، حتى يقال إنه خُلف، بل على الكشف الحقيقي إذا كان على خلاف القواعد، لا بُدّ أن يكون مالكاً لولا الإجازة، وذلك فيما إذا لم يتصرّف أيّ تصرّف.

وبعبارة أخرى: أننا لا نريد اعتبار المالكية، بل نقول إننا نحتمل أنه إذا تصرّف قبل الإجازة لا يكون كشفاً، وهذا الاحتمال لا واقع له، وإنما يصحّ كشفاً مع عدم وجود السبب الناقل في البين، وبالتصرّف الناقل يتّضح بطلان الكشف أساساً، فإن صحّته قاصرة عن الشمول لمثل ذلك.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن فهذه المعاملة صحيحة(1)؛ لأننا لا نملك دليلاً على بطلانه، ولم يكن عندنا إلّا الكشف وهو قاصر عن ذلك.

وفي الكشف التعبّدي، إذا كان من زمان العقد وهو على خلاف القواعد، باعتبار دلالة الأدلّة الخاصّة على الكشف مع استحالة الكشف الحقيقي والحكمي، فالتزموا بالكشف التعبّدي، فيأتي هذا الاحتمال وهو دخل عدم التصرّف في التعبّد، فإن كان لدليل التعبّد إطلاق كان محكّماً، وإن لم يكن له إطلاق فلا بُدّ أن نأخذ الاحتمال بنظر الاعتبار.

إذن فتقع المعاملة صحيحة ولا يمكن للمالك أن يجيز بعد ذلك. 

أما إذا كان الكشف التعبّدي من زمان الإجازة فحاله حال النقل.

وأما الكشف الحكمي على الانقلاب الحقيقي، فعلى تقدير وقوع هذا الأمر الباطل، وأن ينقلب الواقع عما وقع عليه من الأوّل، فمعناه: أنك الذي كنت مالكاً وتصرّفت في ملكك، انقلب الآن إلى اللامالكية وأصبح تصرّفك في مال الغير.

وأما على الكشف الانقلابي العنواني، فحيث إن العقد لم يكن مجازاً فلم يكن مؤثّراً، وكانت العين ملكاً للمالك والتصرّف في ماله، ومن الآن أصبح العقد مجازاً، فماذا نقول هنا؟

افترضوا أوّل السنة وقع العقد الفضولي غير مؤثّر، وفي وسط السنة باع المالك العين، وفي آخر السنة أجازه، فماذا يقال في هذه الصورة؟!

ــــــــــ[32]ــــــــــ

() البيع الذي عمله المالك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هل يقال: أنه من زمان العقد إلى زمان البيع، مادامت الإجازة لم تأتِ فهو ملكه ولم يحصل الانقلاب العنواني، والتصرّف كان تصرّفاً من المالك، وإذ يحصل النقل الحكمي هل يمكن أن يعمل هذا العمل، وهو: أن يجعل الزمان الأوّل -الستة أشهر الأولى من السنة وهو من العقد الفضولي إلى العقد الآخر- الذي لا مانع فيه ملكاً للفضولي؟ فإن الإجازة إذا أرادت أن تؤثّر في حلّ العقد الوسط لا يمكن؛ لعدم إمكان أن تنقل ما انتقل عنك، ولكن الانتقال في النصف الأوّل من السنة لم يكن منه مانع فتشمله الإجازة.

وفي الزمان الثاني انتقلت العين بالبيع إلى الغير، فإن كان الفضولي ملتفتاً لم يكن له خيار، وإذا لم يكن ملتفتاً كان له الخيار، وتكون النتيجة هي أن المنافع له والثمن له.

والفضولي وإن لم يقل: (بعتك ستة أشهر) ولو قال لبطل، والإجازة تكون للبيع المطلق، ولكن تأثيرها يكون بهذا المقدار.

وعلى أيّ حال فهذا القسم من الكشف فيه ثلاثة احتمالات:

الأوّل: أن يكون مثل الكشف الحقيقي، وأنه أصبح ملكه والبيع الوسط بلا محلّ، فينتقل إليه في تمام الزمان.

الثاني: أنه من الأوّل لا يكون للفضولي صحيحاً، والإجازة غير مؤثّرة أصلاً في تمام الزمان.

الثالث: أن نقول بالصحّة في الزمان الأوّل، والبطلان في الزمان الثاني.

فهذه هي الاحتمالات المدرسية وتعقيبه بلا موجب.

هذا في التصرّفات الناقلة. 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [في التصرفات غير الناقلة من المالك قبل الإجازة]

وأما التصرّفات غير الناقلة، فالكلام الذي يقال في هذا المورد، وإن لم يكن له نتيجة عملية، إلّا أن البحث شيء والنتيجة العملية شيء آخر، فإن البحث قد يكون مفيداً لإنارة الأذهان، ولذا إذا صرفنا في ذلك بعض الجهد والدقّة، لا يكون مورداً للإشكال.

كان الكلام في التصرّف الناقل الواقع في زمان كنصف السنة، ووقع العقد الفضولي في الزمان السابق في أوّل السنة، والإجازة في الزمان اللاحق آخر السنة.

فعلى الكشف الانقلابي العنواني، هل لا بُدّ أن نقول إن الإجازة باطلة والتصرّف الذي عمله صحيح، أو أن الإجازة صحيحة وتصرّفه باطل، أو نفكّك بينهما؟ فنقول: كِلاهما صحيح مع اختلافهما في المتعلقات.

فإن الإجازة تتعلّق بالعقد الأوّل، ولم يكن له مانع من الصحّة من حين وقوعه إلى نصف السنة حين وقوع العقد الثاني، ولا مانع من تأثير الإجازة، وبالعقد الثاني أصبح ملكاً للغير.

فإن التصرّفات التي قبل الإجازة لا يمكن أن تكون بعد الإجازة، وإنما هي تؤثّر في التصرّفات التي بعدها، ولا تؤثّر في التصرّفات التي قبلها.

إذن فعندنا نوعان من التصرّفات:

أحدهما: تصرّفات ما بعد الإجازة، وهي لا إشكال في بطلانها وأنها محتاجة إلى إذن المالك.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثانيهما: التصرّفات لما قبل الإجازة، وهي تبقى تصرّفات ما قبل الإجازة إلى الأبد، فيقال بناءً على الانقلاب العنواني: إن المالك حين باع في وسط السنة كان تصرّفاً في ملكه، وتصرّفاً قبل الإجازة، فيصحّ. فيلزم أن البيع الفضولي من أوّل السنة إلى وسطها لا مانع من صحّته، وأما البيع الذي وقع في وسط السنة فلا وجه لأن يكون مبطلاً للعقد الأوّل. فكلٌّ من الإجازة والعقد الثاني صحيح، فيكون المال ملكاً للمجاز له في الزمان الأوّل وملكاً للمجيز في الزمان الثاني.

فلم يصبح الالتزام بملكين في زمان واحد. فهل يمكن هذا القول؟

هذا على القواعد ينبغي أن يقال بصحّته، إذا كان إطلاق في دليل الكشف، وإلّا فنسألكم الدعاء في تمام الصور.

ومع وجود الإطلاق يكون الجزم بأحد الطرفين مشكلاً، ولكن حيث إننا نجزم بعدم الإطلاق، فلا يصحّ الفضولي على الكشف، وإنما يصحّ عقد المالك.

[تفصيل الميرزا النائيني في المقام والنظر فيه]

المرحوم النائيني بعد أن يقول(1): إن تصرّفات المالك على أقسام ثلاثة:

أحدها: التصرّفات المتلفة أو في حكمها كالأكل والعتق، وفي بعض أمثلته مناقشة.

ثانيها: التصرّفات الناقلة كالبيع والهبة.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 285-287، وأُنظر: كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثالثها: استيفاء المنفعة إما بنفسه أو بالإجازة.

يقول: بعض هذه الأقسام كالقسم الأوّل، لا يمكن أن يلحق به الإجازة سواء قلنا بالكشف أو بالنقل، ثُمّ يقول: لا يقال: إنه على الكشف ينكشف أنه تصرّف في مال الغير، إذن فالبيع باطل، فإنه يقال: إننا ذكرنا فساده قبل ذلك، وكان ملخّص ما قاله: إن الإجازة في العقد الفضولي ليس أنها من أيّ شخص وقعت فإنها تقع صحيحة وكاشفة، بل يحتاج إلى إجازة المالك. ويصرّح في ذيل كلامه بأنه مالك حال الإجازة، فإن تأثير الإجازة حكم شرعي مترتّب على عنوان المالك حال الإجازة.

ويقول: إنه بناءً على صحّة هذا البيع، فقد صار المالك أجنبياً، فلا تفيد إجازته.

نحن لنا كلام في أنه إذا باع صار أجنبياً. وكلام ثانٍ: في أنه على الكشف الحقيقي هل لا بُدّ أن يكون مالكاً حال الإجازة أو لا(1)؟

أما الكلام الثاني: فكيف تصوّر الكشف الحقيقي؟ وكان حاصل ما قلنا فيه، أنه عبارة عن الانتقال حين العقد، باعتبار أنه متعقّب بالإجازة، فهو 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

() أقول: لم يتعرّض السيد إلى كلامه الأوّل، إلّا أنه قد اتّضح مما سبق بأنه يرى أن الإجازة إنما تجعل المالك أجنبياً فيما بعدها، وأما التصرّفات السابقة عليها فتبقى تصرّفات من المالك إلى الأبد، باعتبارها تصرّفات ما قبل الإجازة، ومن الواضح أنه قبل الإجازة كان مالكاً، والبيع في ملكه، وليس أجنبياً حتى يقال ببطلان البيع. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وإن لم يكن مالكاً حال الإجازة، إلّا أنه بما أنه مالك حال العقد يكفي ذلك في صحّة العقد والانتقال، إذن فلا يتمّ على الكشف الحقيقي القول باشتراط المالكية حال الإجازة، فإنه لا يكون كشفاً حقيقياً. نعم، ربما تمّ ذلك على مبانٍ أخرى من الكشف.

والاعتبار العقلي والعقلائي هو عدم جواز التصرّف في غير ملكه، وهذا لا يريد أن يتصرّف فعلاً، بل يريد أن يتصرّف حال العقد، حين كان مالكاً(1).

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنه يكفي أن يكون المجيز مالكاً حال العقد، وإن لم يكن مالكاً حال الإجازة، ثُمّ تعرّض لبيانه الذي ذكره قبل مناقشة النائيني، وقال: فالنتيجة أن المشتري في العقد الفضولي يملك إلى حين العقد الثاني. والمشتري في العقد الثاني يملك من العقد الثاني فصاعداً.

أقول: ظهر من السيد أن العين في البيع الثاني تنتقل من المالك الأوّل -وهو بائعها- إلى المشتري في هذا البيع. لِما سبق أن قاله من أنّ هذا البيع قبل الإجازة، فيكون تصرّفاً من المالك في ملكه فيكون صحيحاً. والإجازة إنما تؤثّر فيما قبله من الزمان لعدم المانع، وقاصرة عن الشمول لما بعده لوجود المانع. ومعه يكون الثمن راجعاً إلى هذا المالك.

أقول: وهذا مخالف لِما سبق أن صرّح به بأنه بعد الإجازة تنتقل العين من حين العقد الفضولي إلى المشتري، ويكون بيعها الثاني في ملك المشتري، ويكون الثمن له إن أجاز.

وهنا قال له بعض الطلاب ما حاصله: إنه على هذا يكون قد حصل المالك على ثمنين في البيعين.

فأجاب: بأن هذا هو مقتضى كونهما بيعين، كما لو باع العين ثُمّ اشتراها ثُمّ باعها.

فقال الطالب: نعم، إذا اشتراها، ولكن في فرض المسألة لم تنتقل عنه.

فلم يجب السيد.

أقول: لهذا الإشكال وجه وجيه، فإن العين قد تكون قد انتقلت من المالك مرّتين، أوّلاً إلى المشتري في العقد الفضولي، وأخرى إلى المشتري في العقد الثاني. وقد حصل على ثمنين لمثمَن واحد في عرض واحد. نعم، هذا لا يرد على بيانه السابق حيث قال: إن البيع الثاني يكون من المشتري في العقد الأوّل لا من المالك نفسه. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [حكم المنافع في المقام]

[حكم الإجارة]

تبقى المنافع كالإجارة ونحوها. الشيخ يأخذ المسألة بشرط المحمول، وإذا أخذنا المسألة بهذا النحو فلا مفرّ من صحّة كلامه. يقول(1): كلّ التصرّفات الصحيحة التي يعملها الإنسان تنافي الكشف، فإن صحّة الإجارة إنما تكون إذا كان ملكه، فيبطل الكشف. فقد أخذ المطلب بشرط المحمول، ولم نعلم أنه يتكلّم على النقل أو على الكشف. وليس لا بُدّ أن نفترض أن البيع صحيح، بل لا بُدّ أن نرى أنه صحيح أو لا.

فقد أصبحنا أمام مسألة وهي أنه قد وقع عقد على العين، ثُمّ آجرها المالك ثُمّ أجاز، إذا قلنا بالنقل فالإجارة واقعة في ملكه والمنافع له، غايته أنه له خيار الفسخ إن كان جاهلاً. 

وأما على الكشف الحقيقي فلا إشكال إذا كان على القواعد في أن الإجارة 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 1: 479، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

باطلة؛ لأنها في مال الغير. والكشف الانقلابي كالكشف الحقيقي. والكشف التعبّدي إذا كان مبدأ التعبّد هو العقد، [فحكمة] الكشف الحقيقي؛ لأن الإجارة واقعة في ملك الغير بحسب التعبد، (وهذا التعبّد لا يتصوّر فيه كشف الخلاف كالتعبّد في الأصول). 

وأما لو كان مبدأ التعبّد هو الإجارة، فهل هو نظير الكشف الانقلابي فالإجازة باطلة، وإذا كان نظير الكشف الحكمي فتكون الإجارة صحيحة؛ لأنها وقعت قبل الإجازة، وما هو موضوع الحكم بالبطلان هو ما بعد الإجازة. وأما على الكشف الحكمي، فيأتي فيه نفس ما قلنا فلا نكرّره(1).

إذن لا يمكن أخذ أحد الأطراف مفروغاً عنه، بل لا بُدّ أن نأخذ سائر الأطراف موضوعاً للشكّ والبحث على ما هو الميزان الفقهي.

[كلامان في المقام]

بقي كلامان:

أحدهما: فيما إذا وضع العين رهناً.

ثانيهما: في المنافع الفائتة التي تحت يده، هل هي موجبة للضمان أو لا، لو كان التلف تلف سماوياً، على الكشف؟

هذا الذي قلناه من الإطالة والتفصيل في الكشف الحكمي، ليس لأن لنا فيه تحقيقاً فقهياً، وإنما هو لازم قول من يرى ذلك المسلك، ولعلّ فيه إشكالات عقلائية، كما لو تلفت العين بعد القبض أو قبله، وقال بعض الآغايون بأنه لا 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

() قال: وأما إذا كان الكشف على خلاف القواعد أخذنا بالقدر المتيقّن. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

قدرة له على التسليم، وهو إشكال من الإشكالات.

[الأول: إذا وضع العين رهناً]

أما باب الرهن الواقع بعد عقد الفضولي، فإن الرهن ليس كالإجارة(1)، فإنه ليس هناك منافاة بين الإجارة والبيع، فإن البيع يتعلّق بالعين والإجارة بالمنافع، غايته يتسلّط المشتري على الفسخ لو كان جاهلاً، أما إذا رهنت العين ثُمّ بعتها كان البيع باطلاً؛ لتعلق حقّ الغير فيه، حتى على النقل. وأما إذا تأخّر الرهن عن البيع الفضولي، فعلى النقل يكون الرهن الذي عمله رهن صحيح؛ لأن المال قبل الإجازة ماله، والتصرّف فيه صحيح، وبالإجازة يريد نقل العين المرهونة إلى الغير فالإجازة باطلة، كما لو أراد البيع بعد الرهن، إلّا إذا أجاز المرتهِن البيع أو الإجازة، فالبيع صحيح ويبطل الرهن.

نعم، هنا شبهة وهي أن هل يبطل الرهن فيصحّ البيع، أو يصحّ البيع فيبطل الرهن على أن أحدهما لا ربط له بالآخر؟

وجوابها: أن بطلان البيع بواسطة الحقّ الذي للمرتهِن وبعد صحّته يبطل الرهن.

وأما على الكشف فنفس الكلام السابق يأتي.

لا يجب أن نفرض أن الرهن، فالبيع باطل، بل لا بُدّ أن نرى أن الرهن هل يمنع أن تكون الإجازة كاشفة أو لا يمنع؟ ويرجع هذا إلى أن هذا التصرّف هل 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

(1) أُنظر: منية الطالب 1: 287، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هو معتبر عدمه في صحّة الإجازة، فإن كان لدليله إطلاق كانت الإجازة صحيحة. والرهن باطل؛ لأنه في مال الغير. فما قاله النائيني في كلامه: تارةً قال بأن الإجازة صحيحة، وأخرى قال: بأنه على الكشف يصحّ الرهن ويبطل البيع، وفي كِلاهما ما تعرف.

أما في المنافع المستوفاة وغير المستوفاة، فللنائيني متن وحاشية قد تكون له وقد تكون للشيخ محمد علي. وفيهما يسلّم أننا سواء قلنا بالكشف الحقيقي أو بالكشف الحكمي فالإتلاف فيه الضمان. ويختلف المتن عن الحاشية بأنه في المتن قال: إن في التلف الضمان، وأما في الحاشية فقال: إنه في التلف أمانة شرعية وليست أمانة مالكية، فلا يشمله (على اليد). أما الإتلاف ففيه الضمان بلا إشكال.

لنا كلام في الفرق بين الكشف الحقيقي والكشف الحكمي(1)، وقلنا: إن الكشف الحكمي الذي قاله الأعاظم هو الكشف العنواني، وأما الكشف الانقلابي فهو كان مجرّد احتمال فقهي لم يقل به أحد من المحقّقين. وبناءً على الكشف العنواني تكون كلّ التصرّفات قبل الإجازة تصرّفاً في ماله وصحيحة، وكلّ التصرّفات بعدها غير صحيحة؛ لأنها تصرّف في مال الغير، باعتبار أن العقد أصبح مجازاً فأوجب النقل من الأوّل. 

ففي المنافع المستوفاة قبل الإجازة هو استيفاء منافع ملك نفسه، لا ملك العين، وبعد أن صار العقد مجازاً لم استوفِ منها منفعة، ولا يعقل أن ينقلب 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

استيفائي قبل الإجازة استيفاء لِما بعدها، إلّا على الكشف الانقلابي الحقيقي، وإنما استيفائي كان بعنوان ما قبل الإجازة.

فما هو مسلّم في المتن والحاشية من أنّ الإتلاف على كِلا مسلكي الكشف يوجب الضمان غير تامّ، فإنه يوجب الضمان على الكشف الحقيقي ولا يوجبه على الكشف الحكمي، وعليه إذا لم يكن في الإتلاف إشكال، فالتلف بلا إشكال؛ لأن التلف في أمواله وتحت يده فلا يكون موجباً للضمان.

وإنما الإشكال في الكشف الحقيقي، وقد تلفت المنافع تحت يده من دون استيفاء، فهل يضمن كما أفاد في المتن أو لا كما في الحاشية؟ 

نقول: معنى الكشف الحقيقي هو ملكية الغير من الأوّل، فالمال هو ملك الغير وتحت يدي، فمن يدّعي أنها أمانة شرعية، ماذا يريد أن يقول؟ فإن الأمانة الشرعية ما أمره الشارع بحفظها أمانة، في مقابل الأمانة المالكية التي دفعت إليه برضا المالك. والأمانة الشرعية كباب اللقطة، فإن لي بعد اليأس من مالكها أن أحفظها عندي أمانة حتى يرجع صاحبها، أو أن أعطيها إلى الحاكم الشرعي، أو أن أنوي تملّكها، فإن أتلفتها وحضر صاحبها كان له أن يطالب ببدلها، وأما إذا تلفت تلفاً سماوياً كانت أمانة غير مضمونة(1).

فهل يقولون في المقام أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يشمله، وإنما يشمل ما بعد الإجازة، وإنما يجب أداء العين بعد شمول هذا الدليل، وأن لا يكون شاملاً فتبقى أمانة شرعية عند هذا الإنسان. أو يقول: أنه وإن شمله أَوْفُوا 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() على ما ظهر من السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بِالْعُقُودِ، ولكن هنا حكم ظاهري هو استصحاب عدم الإجازة واستصحاب بقاء الملك لنفسه، وهذه العين وإن كانت بحسب الواقع ملك الغير، إلّا أنه مع عدم وجوب الدفع يبقى أمانة شرعية.

أما أن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يشمله، فلماذا؟ فإنه عقد مجاز نافذ في الواقع بحسب الفرض، فيجب عليّ العمل به، ودفعه إلى صاحبه، وعدم اطّلاعي لا يغيّر من الواقع شيئاً، ولو لم يشمله هذا الدليل كفى شمول أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(1) له، فإن البيع نافذ وأصبح هذا المال ملكاً للغير، وملك الغير لا بُدّ من دفعه إليه. وجهلي بذلك هل يوجب ارتفاع الضمان وكونه أمانة شرعية؟ أو أنه ما دام المال أنه بحسب الظاهر لا يجب ردّ المال إذن فلا ضمان؟!

إذن فيجب الالتزام بذلك في سائر الموارد، كما لو اشترى شخص من الغاصب بظاهر اليد، فلا يكون ضامناً، مع أنهم يفتون بكونه ضامناً كما هو كذلك بلا إشكال، وإن كان جاهلاً.

ولو أراد شخص أن يرفع وجوب الأداء، بـ(رفع ما لا يعلمون) (2) باعتباره جاهلاً، فهل ينتج بذلك كونه أمانة شرعية، أو يرتفع الحكم التكليفي فقط، وهو وجوب الأداء؟ وأما الضمان فهو غير تابع لوجوب الأداء، كما أفتوا فيما لو 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

(2) الكافي (ط. الإسلاميّة) 2: 463، كتاب الإيمان والكفر، باب ما رفع عن الأُمّة، الحديث 2، ومَن لا يحضره الفقيه 1: 59، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 132، ووسائل الشيعة 7: 293، الباب 37 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أصبح الغاصب عاجزاً عن دفع المال إلى مالكه، وتلف المال في تلك الحال، فإنه يسقط عنه وجوب الأداء، دون الضمان. ولو قلنا بأن الحكم الظاهري موجب لارتفاع الواقع، إذن فلا بُدّ من أن الإتلاف أيضاً لا يكون موجباً للضمان؛ لأن الحكم الظاهري يثبت كونه ملكه فلا ضمان فيه بأيّ وجه، وهذا مما لا يلتزمون به. إذن، فلا دليل لنا على كونه أمانة شرعية إلهية.

فما أفاده في المتن على الكشف الحقيقي على القاعدة، وأما على الكشف الحكمي فغير تامّ.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  














[حكم الأيدي المتعاقبة لو لم يجز المالك]

 

  • [تفصيل الكلام في المسألة]
  • [المنافع المستوفاة وغير المستوفاة]

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

[حكم الأيدي المتعاقبة لو لم يجز المالك]

 

المسألة الأخرى التي ذكرها الشيخ هي(1): ما إذا لم يجز صاحب المال، وتعاقبت الأيدي على العين، وقد سبقت بعض أطراف هذه المسألة، وأن المالك والغاصب أيّ حكم له، ولا ينبغي تكرار الكلام فيه.

ولكن هنا نتكلّم من ناحية أخرى، وهي أن البائع الفضولي باع، وباع المشتري العين المغصوبة، وهكذا وقعت أيادي متعاقبة على العين، فماذا يقال هنا؟

فنقول في الأيدي المتعاقبة بالمقدار المناسب للمقام، وحاصل الكلام: افرضوا أنه وقعت سلسلة من الأيادي المتعاقبة على عين مغصوبة، أما بأن باعها الغاصب لأحد أو أعارها أو غصبها منه غاصب، فالآن نتكلّم حول ما إذا كانت العين موجودة. فعلاوةً على إمكان رجوع المالك إلى من عنده العين، ولا ينبغي أن يكون هذا محلّ إشكال.

فهل الأشخاص الآخرون -ممن كانت عندهم العين بلا منافع، فإن المنافع المستوفاة وغير المستوفاة لها بحث مستقلّ- هل هؤلاء الأشخاص الذين وقعت يدهم على العين، مكلّفون بأخذ العين ممن هي عنده، وللمالك إلزامهم بأخذها ودفعها إليه، أو ليس له ذلك، وإنما ذلك تكليف من بيده العين دون غيره؟

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 483، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، مسألة: لو لم يجز المالك… .

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 

[تفصيل الكلام في المسألة]

 

هنا، ليس عندنا إلّا قاعدة اليد(1)، بحسب المباني المختلفة التي بُحثت فيما سبق مستقصى، ولازم بعض المباني أنه يستطيع الرجوع إلى أيٍّ منهم شاء.

مثلاً: السيد كان يعتقد أن نفس ما أخذه على عهدة الضامن(2)، واللازم العقلائي أن العين إذا كانت موجودة فيجب ردّها، وإن تلفت فتبقى العين أيضاً في العهدة، ولا بُدّ من الخروج منها، وحيث إن المثل أقرب فلا بُدّ من دفعه، وإن لم يكن فالقيمة بعد تجريدها عن الخصوصيات.

وبعضهم قال(3): (على اليد) لا ربط لها بباب الضمان، بل (على اليد) يعني 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

() أي: قوله’: “على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي“، حسبما وردت الإشارة إليه في عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 224، الفصل التاسع، الحديث 106، ومستدرك الوسائل 14: 8، كتاب الوديعة، الباب 1، الحديث 12، مسند أحمد 5: 8، وسنن الدارمي 2: 264، وسنن ابن ماجة 2: 802، الحديث 2400، وغيرها.

(2) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 96، كتاب البيع، أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، الرابع: ضمان المثل أو القيمة.

(3) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 93، مقدّمة في ألفاظ عقد البيع، مسألة في لوازم القبض بالعقد الفاسد، الأوّل الضمان.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أن يحفظ العين أو أن يردّها، فعلى الأوّل لا تكليف للأيادي السابقة، وإن قلنا بوجوب ردهّا يكون نفس المعنى.

وبعضهم(1) قرّبوا (على اليد)، ربما كما قرّبها السيد، بأن للعين خصوصيات شخصية ونوعية ومالية، والعين تكون مضمونة بجميع هذه الخصوصيات، فإذا استطاع أن يخرج من عهدة الجميع وجب ردّ العين، وإذا لم يستطع ذلك انتقل إلى المِثل، ثُمّ إلى القيمة. إذا قبل مثل ذلك فلا بُدّ أن نقول هكذا.

وهنا مسلك لا يرد عليه التوالي الفاسدة التي قلناها على مسلك السيد، مع أنه ينتج نفس النتيجة. وهو أن يقال: إنه ليس أن نفس العين في العهدة والذمّة، نظير باب الديون، حيث إن الدين يكون على الذمّة، حتى يقال إنه يمتنع ذلك في الشخصيات، وعلى تقدير إمكانه فلازمه أن يملك الإنسان أموالاً كثيرة.

بل نقول إن الغاصب هو المسؤول وذو العهدة للعين (عهده دار العين)(2) كباب الكفالة، فإن الكفيل ذو عهدة لهذا الذي كفله، وليس معناه أن هذا الشخص الذي يأكل ويمشي على عهدته، بل نقول: هذا الشخص ذو عهدة عن هذا الشخص. فاعتبار باب الكفاية غير اعتبار باب الدين، فإن الدين بنفسه
-يعني الدينار الذي أصبح ديناراً(3)– بنفسه على عهدته، وأما باب الضمانات في 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 301-302، كتاب البيع ألفاظ عقد البيع، حكم المقبوض بالعقد الفاسد، الاستدلال برواية على اليد.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: المتعهد بالعين.

(3) هذا لا يمكن، مع العلم أنه من واضحات أحكام الدين أن الدينار الذي أخذه يملكه، وله أن يتصرّف فيه تصرّف المالك، ثُمّ يعطي بدله، وهذا يناقض المبنى المذكور. (المتن) (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الإتلاف فليس كباب الديون، فإن المِثل والقيمة هو الذي يكون على العهدة لا نفس العين، وأما باب ضمان اليد، فليس أننا نعتبر العين في العهدة، فننقلها من عالمها اعتباراً إلى العهدة، بل نقول: إن الضمان هو ذو عهدة العين والمسؤول عنها.

على هذا يستفاد من (على اليد) أنه بالنسبة إلى الآخذ يكون الضامن وهو عهدة العين، ولازمه العقلائي أنه عند وجود العين لا بُدّ من ردّها، وبعد تلفها يترتّب الضمان، فهذا الدليل لا يريد إثبات الضمان ابتداءً كما يقول المشهور(1)، الذي يقول بالضمان بمعنى تعليقي وهو قولنا: (إذا تلفت العين يجب عليك ردّ مِثلها أو قيمتها). وقلنا إن ماهيّة الضمان بهذا المعنى ماهيّة تعليقية، ولكن هذا المعنى التعليقي ثابت في العهدة فعلاً.

في مقابل أن يكون ثبوته تعليقياً أيضاً، وذلك كقولنا: (إذا أخذت العين كنت ضامناً) يعني إذا تلفت وجب عليك ردّ مثلها أو قيمتها، فليس المعنى التعليقي ثابتاً فعلاً، وقد يكون ثابتاً فعلاً، وذلك بعد أخذ العين.

ولكن على هذا المسلك ننكر مسلك المشهور ونقول: إنه ليس ما أخذه يكون عهدته، بل هو ذو عهدة العين، فلا يلزم عليه اللوازم الفاسدة التي ترد على مسلك السيد. 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

(1) نسبه المشهور للسيّد اليزدي في حاشيته على المكاسب 1: 96، كتاب البيع، أحكام المقبوض بالعقد الفاسد.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فهنا يقال إنه بمجرّد أن تقع العين تحت يد الشخص، يكون ذا عهدة لها، وهكذا الذي بعده إلى آخر السلسلة، فيكون من تكليف كلّ واحد منهم أن يدفع العين، ولو بأن تؤخذ من صاحبها بأيّ نحو كان، ويكون للمالك أن يلزمه بأخذ العين ودفعها إليه.

وأما أن نقول بما قاله المشهور، وهو إفادة قاعدة اليد بضمّ الشواهد التي قلناها للمعنى التعليقي، وقد قلّدنا المشهور في ذلك. ومعه لا يمكن أن نقول بلزوم أخذها ممن هي عنده. ولا يحقّ للمالك بإلزامه بذلك. فإن (على اليد) لا تفيد ذلك، ولا دليل آخر على ذلك. فإن “المغصوب كله مردود“(1) لا يشمل إلّا من كانت العين في يده.

هذا إذا كانت العين موجودة تحت يد شخص.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

(1) الكافي (ط. الإسلاميّة) 1: 542، كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال، الحديث 4، وتهذيب الأحكام 4: 130، كتاب الزكاة، الباب 37، الحديث 2، ووسائل الشيعة 9: 524، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  



[المنافع المستوفاة وغير المستوفاة]

 

المسألة الأخرى: التي إما أن المحشّين لم يتعرّضوا لها أو تعرّضوا لها هكذا، وهي مسألة المنافع المستوفاة وغير المستوفاة، ونحن نتكلّم في المستوفاة أوّلاً. 

يقول السيد(1)والنائيني(2) بأن المنافع سواء كانت مستوفاة أو غير مستوفاة، أو أوصافاً حدثت عند الغاصب، أو زيادة في القيمة لو قلنا بضمانها، أن هذه الأيدي المتعاقبة إذا حصل لواحد في وسطها وصف أو منافع استوفاها الشخص الوسط، أو تلفت الأوصاف تحت يده، وما قبله وما بعده من السلسلة لم يمكن الوصف ولا المنافع. هنا قال السيد والنائيني إذا كان كذلك يستطيع المالك أن يرجع إلى هذا الذي استوفى المنافع وإلى كلّ الأشخاص السابقين عليه، أما ما بعده فلا يمكنه الرجوع عليه.

يقع الكلام فيه في نقاط:

الأولى: في الرجوع إلى هذا الإنسان، سواء استوفيت أو تلفت، وهذا بحثه في 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 185، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 289، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بحث المقبوض بالبيع الفاسد، وقلنا: إن مقتضى القاعدة أنه يمكن الرجوع إليه.

الثانية: أن السابقين على من في يده العين، التي وقعت العين تحت يدهم من دون صفة ولا منفعة يقولون: إن مقتضى دليل اليد أن العين وتمام خصوصياتها مضمونة. 

نحن كلامنا هنا: هل مقصودهم هو أن اليد على العين تكفي في ضمان المنافع، وإن لم تكن على المنافع يد؟ أو مرادهم أن هناك يداً على المنافع تتبع اليد على العين؟ 

أما الأوّل فلا يمكن الأخذ به، فإن قاعدة اليد تقتضي ضمان ما كان داخلاً تحت اليد، فالقول: بأن المنافع تُضمن من دون أن تكون اليد عليها، لا يكون تامّاً.

وإن قالوا بالنحو الثاني، كما هو مرادهم، وهو أن اليد على الأوصاف ليس لا بُدّ أن تكون استقلالية، بل العين حين تقع تحت اليد، فإنها تقع تحتها بتمام خصوصياتها، وقد قلنا: إن المنافع المتصرّمة توجد بوجودها المتصرّم تحت يده تدريجاً وتنعدم، فلو لم يستوفها تكون على ضمانه، والضمان هنا تدريجي الوجود.

إذا قيل بذلك، فهذا الذي وجدت المنافع تحت يده، ووجدت الصفة تحت يده، يكون ضامناً، وأما السابقون عليه، فأيّ ذنب لهم؟! فإن المنافع لم تقع تحت أيديهم، بل وقعت العين وحدها على الفرض، والعين وإن ضُمنت بكلّ خصوصياتها، ولكن ليس الموجود والمعدوم معاً، وما سيتحقّق والآن معدوم ليس تحت يدي لا محالة، فلا يكون مضموناً.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن لا يكون ضامناً لا الأشخاص السابقون عليه ولا اللاحقون، والتفصيل بين السابقين وما بعده غير تامّ.

الكلام الآخر: هو أنه صحيح أنه يرجع إلى كلّ واحد، ولكنّ قرار الضمان ثابت لواحد منهم بعينه، ومقصودهم من ذلك -في فرض المسألة- أن المالك له أن يرجع إلى كلّ من السابقين على من عنده العين، فإذا رجع إلى رأس السلسلة يرجع إلى الثاني والثاني إلى الثالث، وهكذا إلى أن يصل إلى الشخص الذي حصل عليه قرار الضمان، وهو الضامن بالذات، ولا يرجع إلى أحد، وهو الذي تلفت عنده المنافع.

وأما إذا رجع إلى أيّ واحد آخر فيمكن أن يرجع إلى أيّ واحد منهم، بل على جميعهم، وإن كان غير مرتّب، وكلّ من غرم له أن يرجع إلى من كان عليه قرار الضمان. ولا يرجع هذا على أحد.

كان كلامنا(1) في المنافع المستوفاة وغير المستوفاة التي وجدت تحت يد المتأخّر، وتلفت تحت يده، فالذي قبله هل يكون ضامناً ولا يفرق بين وجود العين تحت يده أم لا؟

فهل يمكن تقريب الضمان للشخص الذي كانت تحت يده العين، ولكن خرجت من يده إلى يد آخر، وحصلت لها المنافع عند الآخر، ولم تكن حاصلة عند الأوّل؟

فإذا جعلنا المدار في الاستدلال هو قاعدة اليد، فيمكن تقريبه بعدّة أنحاء:

ــــــــــ[54]ــــــــــ

() كرّر السيد بعض ما كان قاله بالأمس بعرض جديد، وقال: (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أحدها: بناءً على أن (على اليد) تدلّ على أن الشارع قد اعتبر نفس العين في الذمّة، وقلنا لا مانع من اعتبار الأعيان الخارجية في الذمّة، فيقال: إن ما هو المعتبر في الذمّة من الأوصاف واللوازم والمنافع تابعة للعين الخارجية، فالذمّة تكون مشغولة بالمنافع والأوصاف، فيجب عليه أن يردّها وإلّا تبقى الذمّة مشغولة بها.

التقريب الثاني: بناءً على المبنى الآخر، وأنه ليست العين معتبرة في الذمة، بل اعتبر بقاعدة اليد الضامن ذا عهدة للعين الخارجية، حاله حال ما ربما هو المعتبر في باب الكفالة، فيقال: بما أن الضامن ذو عهدة لهذا الموجود الخارجي، فهذا الموجود أيّ وصف وجد له أو أيّ منفعة فهو ضامن لها، ويجب عليه دفع هذه الخسارات.

أما على المبنى الأوّل، فنحن إذا أردنا أن ننقّح الضمان بقاعدة (على اليد ما أخذت حتى تؤدّي) (1)، فالمنافع التي اعتبرت في ذمّتنا اعتبرها الشارع تبعاً لا جزافاً، فإننا فهمنا من (على اليد ما أخذت …) أن المأخوذ على عهدتك. إذن فالأخذ والاستيلاء معتبر. والاعتبار لا يمكنه أن يزيد على مفاد القاعدة، فلا يعقل أن تشمل المنافع التي حصلت بعد خروج العين عن يدي، فإنك إن قلت: إننا لا نحتاج إلى اليد، وإنما الضمان للعين ضمان لتمام الأوصاف، فهذا خارج عن بحثنا، وإنما نبحث مع من يستدلّ بالقاعدة ويقول بوقوع اليد على الأوصاف تبعاً.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) تقدم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 فنقول: إن اليد كانت على العين مجرّدة عن المنافع، وعلى اليد لا يعقل أن تزيد على مدلولها، وأنت تحاول ذلك، فإنك تحمّل عليها ما وقع عليه اليد وما لم يقع، فإما أن تقول: (وقعت اليد على المعدوم). وهذا محال؛ لأنه معنى إضافي وهو لا يقوم إلّا بطرفين موجودين، أو تقول: لا نحتاج إلى الاستيلاء أصلاً، وهو خلاف الاستدلال بقاعدة اليد. هذا على الوجه الأوّل. 

وبهذا يظهر الجواب على التقريب الثاني، وذلك أن العهدة لك على المنافع بتبع يدك على العين، لا مطلقاً، فبناءً على أننا نحتاج إلى اليد، وأن اليد على العين يد على المنافع، فهذا الموجود الخارجي حيث إنه قد وقعت يدي عليه، فقد أصبحت ذا عهدة له فاقداً للصفة. ثُمّ حدثت له منافع تحت يد من استولى على العين، فأيّ شيء وقع تحت اليد كان ذا عهدة عليه يجب عليه ردّه، وهي العين وكلّ صفة ونفع كان فيها أو حدث لها. ولكنّ الفرض أن المنافع وجدت بعد خروج العين عن يدي، فالمنافع لم توجد في يدي لا بالتبع ولا بالاستقلال.

[التقريب لثالث:] السيد في بعض كلماته السابقة، حين يقول حول (على اليد) في أن اليد على العين يد على المنافع، مضافاً إلى أننا لا نريد الاستيلاء على المنافع، فيكون هذا تقريباً ثالثاً، وهو أن يقال: إنه بما أن مأخوذنا هو نفس العين، دون الأوصاف والمنافع، ولكن لا يخرج عن عهدة العين إلّا بدفع الأوصاف والمنافع، وإن لم تحصل تحت اليد.

هذا صغراه وكبراه فيها إشكال، ولو سلّمنا أن الخروج من عهدة العين لا يكون إلّا بدفع غرامة المنافع، فليس هي المنافع التي ليس لها مساس بي ولا 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ارتباط، فلا نقبل أن الخروج عن العهدة لا يكون إلّا بدفعها.

فإلى هنا لم نجد دليلاً حسابياً على المسألة.

إلا أن يقال: بما أنك لم تدفع المال إلى صاحبه بل دفعته إلى غاصب آخر، فقد أتلفت الصفات التي حدثت عند الآخر؛ لأنك لو لم تعطها له لما تلفت.

فهذا مضافاً إلى أنه ليس إتلافاً(1)، فليس له كلّية، فإنه لو أخذ اليد العين والمغصوب منه والغاصب ومن تلفت عنده المنافع، فهل يذهب ورثة المغصوب منه إلى ورثة الغاصب ليطالبوهم بالمنافع التالفة؟ نعم، يطالبوهم بالعين، ولكنّ المنافع التي لا دخل لها بالمورّث، لا يشملها (على اليد) ولا قاعدة الإتلاف، ويحتاج ضمانها إلى دليل حسابي.

وليست المسألة من المسلّمات، بل المنافع غير المستوفاة، بل المستوفاة محلّ الخلاف، فقيل بالضمان وقيل بعدمه وقيل بالتوقّف.

وقد أردنا التعرّض لتعاقب الأيدي من حيث إن له الرجوع إلى أيٍّ منهم شاء أو إلى مجموعهم. يبقى ذلك إلى حين تعرّض الشيخ له.

ــــــــــ[57]ــــــــــ

() المقصود إثبات الضمان بقاعدة اليد لا بقاعدة الإتلاف حتى ندور مدار صدق الإتلاف. (المقرِّر). 

تقريرات، كتاب البيع، ج8  







[حكم المشتري من الفضولي الغاصب]

 

  • [إذا كان المشتري جاهلاً بالفضولية]
  • [إذا كان المشتري عالماً بالفضولية]

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  








[حكم المشتري من الفضولي الغاصب]

 

هذه مسألة نتعرّض لها لتعرّض الشيخ لها: وهي مسألة استقرار الضمان فيما إذا اشترى المشتري من البائع الفضولي الغاصب العين المغصوبة. فهنا بحث راجع إلى المثمَن الذي في يد المشتري، وبحث بالنسبة إلى الآخر الغاصب.

أما المثمَن، الذي عند المشتري فمرّة اشتراه ولا يعلم أنه بائع فضولي، وأخرى عالم بذلك، وعلى أيّ حال، فالثمن إما باقٍ أو تالف.

 

[إذا كان المشتري جاهلاً بالفضولية]

 

ففيما إذا لم يعلم أنه فضولي، فعلى أيّ حال يستطيع الرجوع إلى البائع لأخذ الثمن ولا كلام فيه، فإن البائع قد أتلف مال الغير، وهو له ضامن، وإذا تلف لعارض سماوي كان ضامناً أيضاً.

هذا هو واقع المطلب، ولكن الشيخ أشار إلى مقام الظاهر، والترافع، فهنا مرّة يتكلم عما إذا لم ينكشف الخلاف للمشتري، فما هو تكليفه، وأخرى يتكلّم عما إذا أقيمت الدعوى، فما هو التكليف بعدها.

أما إذا اشتراه مستنداً إلى يد هذا الشخص، وبحسب ادّعاء الآخر أنه ماله، فما لم يظهر الخلاف يعمل على الأمارة وهي اليد، وتكون المعاملة محكومة بالصحّة، وليس له إرجاع العين ولا استرجاع الثمن. وأما إذا أقيمت البينة

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

-من دون مرافعة- على أن المال الذي عند البائع مال الغير، فهي حجّة معتبرة، فكما لو حصل له العلم بكونه مال الغير، كان له الرجوع إليه وأخذ الثمن منه، كذلك في باب البيّنة نرتّب عليها لوازمها.

وأما إذا حصلت مرافعة فصاحب المال يستطيع أن يقيم الدعوى على المشتري، ويدّعي عليه أن العين التي عنده له؟ ويستطيع أن يقيم الدعوى على البائع، ويقول له: إن المال الذي دفعته إلى الغير مالي.

فإن أقام الدعوى على المشتري، فالبيّنة تكون على المالك، واليمين على المشتري؛ لأنه منكر، فإن أقام المالك بيّنة وحكم الحاكم على طبقها، فمرّة المشتري يعلم أنها عادلة، وأخرى يعلم أنها فاسقة، ولكنّه لا يستطيع أن يثبت جرحها عند الحاكم. فإن كانت عادلة عند المشتري أيضاً يترتّب عليها أثرها سواء حكم الحاكم أو لم يحكم.

وإن لم يحرز المشتري عدالتها ولكن حكم الحاكم على طبقها، ومستنداً إليها، فحكمه يفض الخصومة وتترتّب عليها آثار الواقع، فلا بُدّ أن يرجع العين ويأخذ الثمن.

وأما إذا لم تكن البيّنة عادلة عند المشتري، وكانت عادلة عند الحاكم، وقد حكم على طبقها، فهذا وأمثاله مما يبحث في باب القضاء في أنه إذا حكم الحاكم مستنداً إلى بيّنة غير عادلة عندي، وكذلك إذا حكم على طبق موازينه وأنا أعلم بخطئه، أو قامت حجّة على ذلك اجتهاداً أو بيّنة على خلافه. فهنا كلام في أنه هل لا يجوز نقض حكم الحاكم ظاهراً وواقعاً، ولا بُدّ أن يُرتب آثار الملكية ولو كان يعلم أنه ليس ملكاً له؟ هذا كلامه في باب القضاء.

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وعلى أيّ حال إذا قامت بينة رتّبنا الأثر عليها، وأما إذا لم تكن بيّنة، وفصلنا القضاء على الموازين الأخرى، كما لو كلّف المنكر اليمين فنكل وقلنا بجواز الحكم بالنكول، أو قلنا بردّ اليمين على المدّعي، وحكم الحاكم على ذلك. فهل هذا الحكم كالحكم المستند إلى البيّنة، بحيث لا بُدّ من ترتيب آثار الواقع؟ أو أن القضية(1) قضيّة فصل الخصومة لا قضيّة ترتيب آثار الواقع؟ نعم، احتمال أن اليمين ترفع الحقّ أساساً موجود، لقوله: “ذهبت اليمين بحقّه“.

فإذا حصلت الخصومة بهذا النحو، وحكم الحاكم بأخذ المال من المشتري ودفعه إلى المالك، فقد فصلت الخصومة بحسب الظاهر، ولكنّ المشتري لا يستطيع أن يرجع بالثمن على البائع؛ لأنه لا دليل على بطلان المعاملة في الواقع؛ لأنه ليس هنا بيّنة لتثبت لوازمها؛ فإن إثبات اللّوازم من خصائص الأمارة، وإذا كان حكم الحاكم مجرّد فصل للخصومة، فإنه لا يكشف عن الواقع. وحينئذٍ فلا بُدّ من دفع العين إلى المالك، ولا يجوز أخذ الثمن من المشتري لعدم الدليل على بطلان البيع، فإنه مما لا تتكفّله هذه الخصومة، هنا إذا أقام الدعوى على المشتري.

وأما إذا أقام المالك الدعوى على البائع، وهو من كان المال عنده، وقال له: (المال مالي)، وأنكر البائع. فهنا بحث في أنه هل هذا مدّعٍ ومنكر، أو أن المسألة من باب التداع؟

إنه في الدعوى الأولى كان المدّعى عليه ذا اليد، فيكون المدّعي خصمه وذو 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() كما مال إليه السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

اليد منكر. وأما في هذه الدعوى فقد خرجت العين من يده، والظاهر أنهما مدّعٍ ومنكر؛ لأن المالك لا يقول: (هذا مالي)، وذاك يقول: (هذا مالي)، ليكون من التداعي، بل المالك يقول: (هذا المال الذي دفعته أنت إلى المشتري هو مالي). إذن فهما متصادقان على أنه كان ذا اليد، غاية الأمر أن المالك يقول: (إنها يد غاصبة) والبائع يقول: (إنها يد مالكية).

الكلام هنا عين الكلام هناك. فإنه إن كانت بيّنة رتّبنا عليها أثرها، وأما إذا فضّت الخصومة بنحو آخر كاليمين أو النكول، وحكم الحاكم مستنداً إلى ذلك، وكذلك إذا حكم طبقاً لعلمه، فإن علمه حجّة عليه، لا على غيره؛ فيكون حكمه لفصل الخصومة، ولا تكشف عن الواقع.

فهذا هو الفصل بحسب موازين الدعوى.

وهنا كلام فيما إذا اعترف أن الثمن ماله(1). وذلك أنه إذا انتهت الخصومة إلى اليمين، وحلف المشتري بأن هذا لي، فلازمه أن المعاملة صحيحة، وأن الثمَن ملك البائع، فهذا الاعتراف هل نرتّب عليه أثر الاعتراف أو لا؟

[تفصيل الشيخ الأعظم في المقام]

يقول الشيخ(2): إذا كان الاعتراف مستنداً إلى اليد، كما في بعض الروايات: أنك إذا اشتريت مستنداً إلى اليد، فإنك تستطيع أن تحلف: (أنه لي). فإن قامت 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) يعني: اعترف المشتري أن الثمن مال البائع كما سيأتي. (المقرِّر).

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 484، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

البّينة على خلافه، يذهب أثر اعترافه. وأما إذا أقيمت البيّنة وكانت معتبرة عنده ومع ذلك قال أيضاً بأن هذا مالي، ولازمه أن الثمن مال البائع. فيُعلم أنه استند إلى علمه لا إلى ذلك. ومن يعترف أن هذا المال ملك ذاك الشخص، لا يستطيع أن يأخذه منه. فينتج أن المثمَن يؤخذ من المشتري ويدفع إلى المالك، ولكن المشتري لا يأخذ الثمن من البائع. غاية الأمر أن المشتري يقول: (إنه أُخِذت العين مِنّي ظلماً نتيجةً للاشتباه)، حاله في ذلك حال كثير من موارد فصل الخصومات.

وإذا لم نعلم أن اعترافه مستند إلى اليمين أو إلى علمه، يقول الشيخ(1): وجهان. ويقول الآخرون وجه واحد. يعني: أن الأوجه عدم إمكان أخذ الثمن لإطلاق دليل الاعتراف (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)(2) و(الإقرار نافذ).

وأما ظهور أنه استند المتعاملان إلى اليد، فليس هذا الظهور حجّة.

ثُمّ إنه بحسب الواقع، إذا كان استناده إلى اليد، هل يكون إقراره غير صحيح، إذا انكشف ذلك بعد ذلك؟ هل نفهم من دليل الإقرار أنه إذا استند الإقرار إلى اليد واقعاً نرفع اليد عنه، أو ما علمنا من الإقرار أنه مستند (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)، إلّا ما استند إلى قاعدة اليد، أو إلّا ما علم استناده إليها؟

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدم.

(2) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 223، المقدّمة، الفصل التاسع، وهداية الأُمّة إلى أحكام الأئمّة (الحرّ العاملي) 7: 536، القسم الثالث: الإيقاعات، الكتاب التاسع (الإقرار)، ومستدرك وسائل الشيعة 13: 370، الباب 3 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 15619.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإن كان المستثنى هو واقع الاستناد، وشككنا أن الإقرار مستند في الواقع إلى اليد أو لا، فإنه يكون شبهة مصداقية للعموم، فلا يشمله العموم، ولا يكون الإقرار نافذاً.

وأما إذا قلنا أنه يحتاج إلى الإحراز(1)، فإن العقلاء يأخذون بالإقرار ولا يسألون عن أنه مستند إلى اليد، وهذا هو قول الآغايون وهو الظاهر. 

إذن نأخذ بالإقرار إلّا إذا أحرز استناده إلى اليد. أو ما يبطل الإقرار.

هذا كلّه إذا لم يعلم المشتري أنه مال الفضولي.

وأما إذا كان يعلم ذلك …

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() يعني: إحراز الاستناد (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 

[إذا كان المشتري عالماً بالفضولية]

 

إذا كان المشتري عالماً بأن العقد فضولي؛ فموضوع البحث كما أشير إليه في ذيل كلام الشيخ، هو أن المعاملة الواقعة من الفضولي هي من قبيل بيع الغاصب لنفسه، وأما بيع الفضولي لغيره أو لصاحب المال، فليس الآن بحثه.

و لا بُدّ أن نمهّد البحث في هذا المعنى، وهو أن البيع واقع، ولا نناقش في وقوعه، فإن الغاصب والمشتري حصل منهما الجدّ إلى المعاملة، وحصلت ماهيّة البيع، كما يجب أن نحفظ أن هذا ليس(1) تسليماً ابتدائياً، بل تسليم على أثر المعاملة. نعم، قد يقال: إنه في حكم التسليم الابتدائي، لكن هنا يأتي. ولكنّه ليس ابتدائياً محضاً لا ربط له بالمعاملة أصلاً. كما أن فرض الكلام هو فيما إذا كان الثمن جزئياً شخصياً.

ففيما إذا كان المشتري عالماً بأن البائع غاصب، وإن المعاملة معاملة مع الغاصب، ماذا يكون الحكم؟ 

قسم من الكلام في صورة التلف، وقسم منه في هذا المعنى، وهو: أن الثمن أعطاه عوض المعاملة، وهي لم تتحقّق في الواقع، والثمن لا زال موجوداً عند 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

() يعني: تسليم المشتري للثمن إلى البائع الغاصب (ايضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

البائع. ومهمّ مباني المسألة قد سبقت. والشيخ(1) هنا يحاول جاهداً أن يقول: بأن هذا ليس تمليكاً، وكأنّه لو كان تمليكاً لما كان قابلاً للردّ، ولم يقل بأن التمليك المجّاني يكون هبة، والهبة قابلة للردّ .

الكلام الآخر في ذيل الكلام السابق، في أنه هل يجوز للبائع التصرّف في الثمن الذي تسلّمه أو لا؟ قال الشيخ(2): لا يجوز، وبعد عدّة أسطر في صورة التلف يقول(3): إن عدم الضمان هنا أولى مما إذا أعطاه أمانة ليحفظها، أو إجارة ليأخذ منافعها، ويعلّله: بأنه دفع المال هنا، وأجاز له التصرّف حتى التصرّف المتلف. فما هذا التنافي؟ فإنه إن كان قد أعطى إجازة في سائر التصرّفات، أو كان هذا أعلى وأولى من الاستيمان، إذن فلماذا لا يجوز له التصرّف؟ وإذا لم يجز له التصرّف، فماذا يكون أولى من باب الاستيمان؟

دعوى هذا التنافي إلى الكلام عن الكلام الأوّل، وهو أن الملك هل يحصل له أو لا؟ مع العلم أنه بحسب ظاهر العقد أنه تمليك بعوض.

هنا شيء أردت أن أقوله: هو أن الغاصب والخائن والظالم، ونحوهم ممن يكون يدهم على أموال غيرهم، إذا وصل إليه المال فإنه يعتبره ملكه؛ لأن 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 484، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 485، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

(3) راجع كتاب المكاسب 3: 486، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الحلال ما يحلّ في يدك، ولا يعتنون بالاعتبار الشرعي والعقلائي، فالبائع في هذه المعاملة كان من هذا القبيل من الناس، والمشتري أيضاً كذلك، وكذلك حال هؤلاء الغاصبين في البيوع الممنوعة شرعاً، كالبيع الربوي وبيع الخمر والخنزير، فهم يأخذون الربا باطمئنان ويسمّونه (اللباء).

وقسم من الناس يؤمنون بالحرمة، ويشعرون بها، ولكنّهم مع ذلك يعملون هذه المعاملات، حتى ربما تحصل التوبة في المستقبل، والمعاملة صحيحة في نظرهم ويرون بيع الخمر بيعاً. 

وقسم يعتنون بقواعد الإسلام وقوانينه فلا يحصل لهم الجدّ إلى معاملة بيع الخمر، وليس الجدّ هنا كالجدّ في البيع الفضولي، المنتظر للإجازة، وليس الإنشاء خفيف المؤونة، بل يحتاج إلى مبادئ وهي لا يحصل للمتشرعة في المعاملة المحرّمة. وهذا القسم الثالث خارج عن محلّ الكلام. وإنما نتكلّم عن القسمين الأوّلين من الناس الذين يعتبرون تلك المعاملات صحيحة، ويحصل لهم الجدّ إليها.

فالغاصب يعمل معاملة واقعية، والمشتري يسلّم الثمن على أساس هذه المعاملة، فتسليم الثمن تمليك، لكنّه لم يحدث ملك في الواقع؛ لأن المملّك الشرعي غير موجود، فإنه تمليك في معاملة فاسدة، وهو لا ينتج الملكية، ولا أنه أعطاه له ابتداء حتى يملّكه.

غاية الأمر تقع المناقشة مع الشيخ في أنه لو ملّكه، فهل أنه لا يستطيع أن يردّه أو يستطيع، مبني على أنه تمليك مجّاني من قبيل الهبة، أو شيء آخر؟ 

فإن كان الأوّل، يرد على الشيخ: بأن الهبة قابلة للردّ أيضاً. لكن للشيخ يريد أمراً آخر هو: أن تمليك الثمن تمليك جدّي في مقابل التمليك الإنشائي 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

للمثمَن. وقد عمل المشتري ذلك استنقاذاً لمال الغير من يد الغاصب، وذلك: لأن الثمن بما أنه مال المشتري يكون تسليماً محضاً، وأما العين (المثمَن)، فبما أنه ليس مالاً للغاصب يكون أعمّ من الصحيح والفاسد. وقياس المقام على المقام غير تامّ. فإن الهبة تمليك محض، وهنا التمليك أعمّ من الصحيح والفاسد، فإذا أراد الشيخ ذلك، لم يكن(1) للمشتري استرجاع الثمن، وإذا أراد أنه له الاسترجاع حتى لو ملكه، فهذا هو ما يقوله الآغايون(2)، وإن كان على خلاف ظاهر عبارة الشيخ.

على أيّ حال، إذا كانت العين(3) موجودة، فمن باب أنه لا وجه لملكيته لها، لا تحصل الملكية له، ويكون ضامناً، ولصاحبها استردادها.

ثُمّ إنه إذا سلّم المثمَن على طبق المعاملة الفاسدة، فلا ينبغي أن يقال إنه تسليم مجّاني، باعتبار أنه سلّمه وهو يعلم أنه مال الغير. بل هو تسليم على طبق المعاملة، باعتبار أنه لا يعتني بالقانون الشرعي. فيكون حاله حال المقبوض بالبيع الفاسد، فكما هناك لا يمكنك أن تقول إن هنا رضاً زائداً على الرضا المعاملي كذلك في المقام، ليس هنا إلّا الرضا المعاملي. وهذا الرضا لا يجوّز التصرّف. فالغاصب لا يجوز له التصرّف في الثمن، كما يقول الشيخ صحيحٌ.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() هذا لم يصرّح به السيد. (المقرِّر).

(2) أُنظر: المكاسب والبيع (للمحقّق النائيني) 2: 259، كتاب البيع، القول في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى: يرجع عليه إن كان جاهلاً بكونه فضوليّاً.

(3) يعني: عين الثمن. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وما نقل عن فخر المحقّقين(1) من أنّ نصّ الأصحاب على عدم جواز الردّ، لم نفهم الفرق بين هذا المورد وبين سائر أنحاء المقبوض بالبيع الفاسد، الذين أفتوا بجواز الردّ.

ثُمّ إنه لو تلف الثمن في يد الغاصب، وقد انتهينا مما قلناه: إنه تسليم في معاملة فاسدة، لأجل الوفاء بها. ولهذا لا يجوز التصرّف فيه، إذا نتج عندنا هذا. فما المانع من الضمان بقاعدة (على اليد)؟

[حول جريان قاعدة الضمان واليد والإقدام في المقام] 

وأما قاعدة (ما يُضمن بصحيحة يُضمن بفاسده)، فقد قلنا: إنها غير تامّة، وإنما تمام الدليل هي قاعدة اليد عند التلف وقاعدة الإتلاف عنده.

وما يقوله الشيخ(2) من أولوية عدم الضمان من الأمانة والإجارة؛ لأنه سلّم إليه ليتصرّف فيه ويتلفه، بخلافه فيهما غير تامّ، بل دفعه على أساس المعاملة، وليس هنا رضاً زائد على الرضا بالمعاملة بالتصرّف فيه أو إتلافه.

وما يقوله الشيخ محمد حسين(3)، ويشير إليه الشيخ من أنّ الادّعاء الذي قلناه 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 421، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثاني: المتعاقدان. 

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 486، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

(3) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 292-293، كتاب البيع، بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، حكم المشتري من الفضولي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

في الغاصب من أنه يدّعي أنه مالك وينشئ المعاملة؛ هذا إنما يصحّ في المعاملة الاعتبارية، وأما في الأمور الخارجية التكوينية فالادّعاء لا يغيّرها عما هي عليه.

نحن لم نقل إن الادعاء يعتبر زيداً عمراً، بل يعتبر اليد يد ضمان، فإذا قال: (خذ ثمن مبيعك)، لا يجوز له أن يأخذه، ولا يجوز له أن يتصرّف فيه؛ لأنه يأخذه بعنوان غير متحقّق، وهو المعاملة الفاسدة.

الشيخ محمد حسين يقول: سواء كان الدفع وفاءً أو ابتداءً، لا يرجع إليه؛ لأن الواقع لا يتغيّر عما وقع عليه، ونحن لا نريد تغيير الواقع وإنما نريد تغيير العنوان إلى يد الضمان. إذن فلماذا لا تشمل (على اليد) المقام.

وأما الإقدام على الضمان فغير تامّ؛ لأن الإقدام على البيع أيّ ربط له بالإقدام على الثمن.

وقال الشيخ(1): إن (على اليد) مخصّص بفحوى أدلّة الاستيمان وباب الإجازة، فإنه يأخذه فيهما ليحفظه، وهنا يأخذه ليتلفه. 

نقول: ليس كذلك، إذ لو أعطاه إجازة التصرّف فلماذا لا يجوز له التصرّف؟ ولماذا يضمن بالتلف والإتلاف؟ وإذا كان ضامناً فهذا يدلّ على أنه ليس هناك إلّا الرضا المعاملي.

هذا إذا كانت معاملة الغاصب لنفسه والثمن شخصي تبقى بعض الصور الأخرى.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 486، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذا المورد الذي بحثناه من مصاديق المقبوض بالبيع الفاسد، ففي هذا المورد وفي سائر الموارد للمقبوض بالبيع الفاسد إذا أردنا إثبات الضمان ليس عندنا إلّا دليل اليد، فإذا استطعنا إثباته فهو، وإلّا فالأدلّة الأخرى التي أشاروا إليها لا تتمّ؛ كقاعدة (كلّ ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده)، وأنه أقدم على الضمان، وكـ(حرمة مال المسلم كحرمة دمه)، فإنها لا تثبت المطلب الذي نحن بصدّده، وهو ما إذا سلّم الثمن إلى البائع، في مورد الكلام وغيره من البيوع الفاسدة.

أما قاعدة (ما يُضمن)، فلو قام الإجماع عليها لكان له وجه، ولكنّه ليس كذلك، فإن الشيخ يقول(1): لم يوجد قبل العلّامة، لكن ورد في كلام شيخ الطائفة(2).

وأما قضيّة الإقدام على الضمان، فقد مضى الكلام فيها في بحث المقبوض بالبيع الفاسد، حيث قالوا: إن الإقدام على الضمان إقدام على ضمان المسمّى لا على مطلق الضمان. وغاية تقريبه هو أنه إذا أقدم على مصداق فهو إقدام على الطبيعي، فإنه لو أقدم على ضمان المسمّى، فهو مقدم على أصل الضمان، ولكن هل يمكن أن يقال: إن الطبيعي متحقّق في موارد أخرى غير هذا المصداق، فإذا وُجد (زيد) فالطبيعي توجد بوجوده، ولا يلازم وجود الأفراد الأخرى.

فهو قد أقدم على المعاملة، على ضمان المسمّى، ونحن نريد أنه عند عدم تحقّق ضمان المسمّى، أن نضمّنه ضمان اليد، يعني القيمة الواقعية للمسمّى، وهذا لا يثبت بالإقدام.

ــــــــــ[73]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

(2) المبسوط 3: 85-89، كتاب الغصب، مسألة: إن غصبه ثوباً فنقص.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الشيخ(1) وجّه كلام شيخ الطائفة بتوجيه وجيه، وهو أنه لا يريد أن ينقّح الضمان للثمن الواقعي بالإقدام على ضمان المسمّى، بل يريد أنه بما أنه أقدم على الضمان فلم يكن التسليم مجّانياً، فليس عندنا شيء يمنع عن شمول قاعدة اليد، فإن المانع هو الأمانية والتسليط المجّاني من المالك، ولكن ليس هنا كذلك، وهذا توجيه صحيح سواء كان مراد شيخ الطائفة هو ذلك أم لا.

هذا قاله الشيخ هناك، ثُمّ لما وصل هنا إلى هذا المصداق من المعاملة يريد أن يقول: إن (على اليد) غير شاملة له. وما يقوله الآخرون له عدّة خصوصيات:

أحدها: أن التسليم الذي عمله تسليم مجّاني بلا عوض(2). 

ثُمّ يقول: إن قلت: إنه دفعه بإزاء ذاك المال.

قلت: بما أنه يعلم أنه مال الناس، فهو لم يضمّنه من كيسه. ثُمّ يدّعي الأولوية عن الإجارة والاستيمان والوديعة والعارية. فإذا لم يكن هناك ضمان فهنا بطريق أولى؛ لأنه أذن له بالتصرّف حتى التصرّف المتلف.

فالمقبوض بالبيع الفاسد، حين قال شيخ الطائفة: أقدما على كذا. لأنه يحقّق موضوع قاعدة اليد. وهناك لم يشكل بأنه تسليم معاوضي، وفي نتيجة بحثه -يعني الشيخ الأنصاري- لم يختر اختياراً مركزاً. ولعلّ مسلكه لصاحب (الجواهر)، الذي يدافع عن المشهور بكلّ جهده، ولعلّه في نظره أن المسألة مشهورة.

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 486، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

(2) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

في حين أنه في مورد الاجتهاد لا اعتبار بالمشهور. نعم، في موارد عدم وجود القواعد والاختلاف تكون الشهرة حجّة، وحجّيتها أقوى من خبر الواحد، بل أقوى من الخبر المتواتر الذي نعلم بصدوره عن الأئمة. فلو كانت الأخبار المتواترة على خلاف الشهرة الفتوائية، فنحن نطرح الأخبار ونفتي على طبق الشهرة، ولكن في مورد الأدلّة الاجتهادية، ومع احتمال استناد المتقدّمين إليها وأن جملة منهم تبعوا شيخ الطائفة في فتواه، فلا يمكن تتميم الشهرة عندنا.

وأما الأولوية التي ذكرها الشيخ: فنعم تتم، إذا كان المال مالي وأجزت لك التصرّف المتلف، كان ذلك أولى من الوديعة والإجارة، لكن في المقام ليس كذلك، وأساس المطلب، هو أن هذا التسليم هل هو تسليم مجّاني أو لا؟

نسأل عن أن الغاصبين والظلمة إذا باع أحدهم المال المغصوب، فإنه لا يسلّم ما عنده إلّا إذا سلّم الآخر، وإذا كان قد سلّمه ولم يسلّم الآخر، فإنه يأخذه ويسترجعه منه، لا أنه يقول له (كُلّ بالعافية). وهو أيضاً لا يبيع بالثمن الرخيص، ولا يتسامح، حاله حال سائر موارد البيوع العقلائية، والفرق هو أن هذا الغاصب لا يعتني بالقانون العقلائي أو الشرعي في مسار هذه المعاملة، وهذا لا إشكال فيه.

إذن فالثمن المدفوع ثمن للوفاء بتلك المعاملة. وأما في باب الاستيمان، فنفس المالك يعطي ماله ليحفظه له، فلا يشمله (على اليد)، وفي العارية دفعه له وأذن له بالتصرّف، فلا تشمله (على اليد)، وليس هنا كذلك، فإنه إنما يعطي الثمن بإزاء المثمَن.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وقد رأيت أن السيد(1) قال مطلباً متيناً، وهو إن لم يعطه مجّاناً، بل يكون ضامناً، وهو كلام صحيح.

فما قاله بعض المحشّين(2) من أنه لا ضمان له سواء كان تسليمه وفاءً أو ابتدائياً؛ لأنه يعلم أنه مال الغير، يقول النائيني(3): حال ذلك حال ما لو صفعه بصفته عدوّاً، فبان صديقاً، فقد وقعت الضربة على الصديق. ويقول الآخوند(4) وغيره: هذا ليس تسليماً اعتبارياً، بل من العناوين الواقعية، وهي لا تفرّقها الأمور الاعتبارية.

نحن قلنا: إننا لا ندّعي أنها تغير الواقع، ولكن الكلام في أن التسليم هل هو تسليم كيف كان، أو تسليم عن المعاملة، غاية الأمر أنها معاملة باطلة؟ وإن قلتم: إنه لا ربط له بالمعاملة، فهو خلاف الشواهد وخلاف الضرورة. إذن، فتشمله (على اليد)، ولا فرق بينه وبين سائر موارد المقبوض بالبيع الفاسد.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 177-178، كتاب البيع، القول في الفضولي، في أحكام الردّ.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 292، كتاب البيع، بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 283-284، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي القول في المجاز، الأمر الثالث، وأُنظر: منية الطالب 1: 291، كتاب البيع، القول في بيع الفضولي، مسألة في أحكام الردّ.

(4) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 80، كتاب البيع، القول في العقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [احترام مال المؤمن]

وأما قضيّة احترام مال المؤمن، فهو حديث “حرمة مال المؤمن كحرمة دمه“(1) فقد قلنا: إنه لا يريد أن يقول: إنه كما أن هذا حرام هذا حرام. بل هو في مقام تعظيم المؤمن، فيستفاد منه أنه كما أن دم المؤمن له حرمة كذلك ماله. إذن فلا بُدّ أن نرى حدود المشبّه به وهو دم المؤمن، فدم المؤمن له حرمة كذلك المال له حرمة، ودم المؤمن لا يهدر كذلك المال، ودم المؤمن يُضمن بالإتلاف كذلك ماله، لكن ليس عندنا في دم المؤمن ما يوازي قاعدة اليد، بحيث لو مات شخص تحت يدك من دون أن تكون سبباً في ذلك، تكون ضامناً له. لكنّنا في الأموال نريد إثبات ذلك، وأنه إذا تلف تحت يده ولو تلفاً سماوياً يكون ضامناً لها. ففي دم المؤمن ليس هناك ضمان اليد، وإنما فقط فيه ضمان الإتلاف، إذن فيستفاد منها قاعدة الإتلاف. أما ما نحن بصدّده وهو إثبات الضمان عند الإتلاف والتلف، لا يمكن استفادته منه.

[إشارة إلى فروع أُخر في محل البحث]

ثُمّ إن الشيخ ذكر فروعاً(2):

منها: إن ما قلناه إلى الآن من أنه لا رجوع له، هو ما إذا باع الغاصب 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

(1) الكافي 4: 88، كتاب الإيمان والكفر، الباب 151، الحديث 2، ومَن لا يحضره الفقيه 4: 418، باب النوادر، الحديث 5913، ووسائل الشيعة 12: 281، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9.

(2) راجع كتاب المكاسب 3: 492، كتاب البيع، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في أحكام الردّ، المسألة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لنفسه، وأما إذا باع الغاصب لصاحب المال، وأعطى المشتري الثمن من قبله إلى الغاصب، ليدفعه إلى صاحب المال، يقول: فهو ضامن في التلف والإتلاف. أما الإتلاف فواضح، وأما التلف فلماذا -لأنه أمين من قبل صاحب المال- يكون ضامناً؟ فهذا هو الذي يكون من قبيل الإجازة والاستيمان. فليس أنه كما أرسله الشيخ إرسال المسلّمات: أنه مضمون، بل مسلّمٌ أنه غير مضمون.

ومنها: ما إذا شرط ذاك الإنسان أنه إذا أخذ الغاصب ماله فلا بُدّ أن تدفع، فهو ضامن. صحيح، حتى أنه لو لم يدفع لكان ضامناً أيضاً.

ومنها: ما إذا كان الثمن كلّياً، وقد سلّم الثمن الشخصي، الكلام فيه نفس الكلام السابق، فإنه يسلّمه بعنوان تحويل المال وفاءً في المعاملة؛ فيضمن، والشيخ يقول بعدم الضمان.

وقضيّة تعاقب الأيدي في المثمن، كلامها نفس الكلام في صورة تعاقبها في الثمن.

هذا كلّه راجع إلى هذه المسألة.

وأما مسألة الغرامة …

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  







[حكم ما يغرمه المشتري من غير الثمن]

 

  • [لو كان المشتري جاهلاً]

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  








[حكم ما يغرمه المشتري من غير الثمن]

 

من المسائل التي ذكرها الشيخ(1): أن ما غرمه المشتري من الأجور أو النفقات التي أنفقها على العين أو المنافع المستوفاة أو غير المستوفاة. أما في صورة علم المشتري بالغصب، فلا دليل على وجود رجوعه إلى الطرف.

 

[لو كان المشتري جاهلاً]

 

إنما الكلام في صورة الجهل، وقد قسّمه الشيخ(2) إلى ثلاثة أقسام، أحدها: ما لم يصل نفعه إلى المشتري، كالنفقات التي ينفقها على الأرض ولم يصل إليه النفع. 

لا إشكال في أنه يمكنه الرجوع، وأدّعى(3) الإجماع عليه، وتمسّكوا في المقام 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 493، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

(2) اُنظر المصدر المتقدّم 3: 493-512.

(3) اُنظر: مفتاح الكرامة 12: 631، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني، وكتاب المكاسب 3: 494، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بقاعدة الغرور وقاعدة الإتلاف وقاعدة (لا ضرر)، ومنهم من لا يعتبر قاعدة الغرور، ويرى رجوعها إلى قاعدة الإتلاف وقاعدة الضرر.

[مستند قاعدة الغرور وبيان مضمونها]

فلا بُدَّ أن نرى هل قاعدة الغرور قاعدة مستقلّة دليلاً ومؤدّى، أو راجعة إلى هاتين القاعدتين؟ 

وإذا لاحظنا العناوين نرى أنه لا يمكن أن يكون دليل الضمان بالغرور هو دليل الضرر أو دليل الإتلاف؛ لأن ذلك إنما يكون دليلاً بعنوانه، مثلاً: دليل الضرر جعل عنوان الضرر موضوعاً للحكم، فلا بُدّ أن ندور مداره، ونحوه في باب الإتلاف. وقاعدة الغرور عنوانها مقدّم على عنوان الإتلاف والضرر. فإنه في المورد الذي قدّم شخص إلى آخر خبزاً ليأكله -وكان يريد أن يشتري الخبز لنفسه أيضاً- ولم يكن المشتري ملتفتاً إلى أنه مال الغير أو أنه ليست للبائع، فإن الغرور يكون صادقاً دون الضرر والإتلاف. فإن قلنا بالضمان فبعنوان الغرور. غايته أنه إذا تحقّق الغرر ولم يكن ضرر فلا معنى لجريان الدليل. وإذا كان هناك ضرر فإنه يرجع إليه بما أنه غره لا بما أنه أضر به، ولا يمكن أن يكون دليلها هو دليل الضرر والإتلاف فإما أن ننكرها أصلاً أو نقول: أنها قاعدة مستقلّة. فهل عندنا هذه القاعدة المستقلّة؟

عندنا رواية مرسلة ضعيفة جداً تقول: “المغرور يرجع إلى من غرّه“، نسبه المحقّق الثاني(1) إلى النبي، وقالوا بما أنه عنوان متداول بين الفقهاء فيكون 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

(1) حكاه عنه في مستند الشيعة 14: 296، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المالكيّة، الفرع التاسع، وحاشية المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 288، كتاب البيع، القول في الفضولي، القول في الإجازة والردّ، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

جابراً للسند(1)، ولكن هذا غير تامّ، فإنه لو استند الفقهاء إلى الرواية فإنه يوجب انجبار سندها، وأما استعمالهم لعنوان الغرور فلا يوجب الانجبار. إذن، فقاعدة الغرور لا تستفاد من هذه الرواية، بل لا بُدّ من الرجوع إلى الروايات الخاصّة، وهي كافية في إثبات هذا العنوان نفسه.

ولا بُدَّ أن يفهم -الآن- أن الغرور والتدليس والخدعة عناوين ثلاثة أو عنوان واحد والمعاني متقاربة، فعندنا قاعدة واحدة لا قواعد ثلاث معنونة بالعناوين الثلاثة، وما هو موجود في اللغة -على ما رأيته في تتبّعي الناقص- هو أنهم ترجموا أحد هذه الألفاظ بالآخر، فقيل مثلاً: (غرّه): خدعه(1)، و(دلّس عليه): خدعه(2). وسنرى من الروايات(3) أنه استعمل بعض هذه الألفاظ في محلّ الآخر. ولعلّ المعاني العرفية أيضاً متقاربة. إذن لا يكون عندنا قواعد ثلاث؛ قاعدة الغرور، وقاعدة التدليس، وقاعدة الخدعة. بل عندنا قاعدة واحدة 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) أُنظر: العناوين الفقهيّة 2: 443، العنوان التاسع والخمسون، والقواعد الفقهيّة (للسيّد البجنوردي) 1: 271، قاعدة الغرر، وغيرهما. 

 (2) اُنظر: لسان العرب 5: 11، مادّة (غرر)، مجمع البحرين 3: 421، مادّة (غرر)، وغيرهما.

(3) اُنظر: لسان العرب 6: 86، مادّة (دلّس).

(4) راجع الروايات الواردة في أبواب العيوب والتدليس من وسائل الشيعة 21: 207، لاسيّما الباب الثاني منه.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ومطلب واحد. فهو يرجع إليه بما أنه قد غرّه، وكلّ عنوان أخذ موضوعاً لحكم فظاهره أن له موضوعية له، وقد تمسّك الفقهاء بهذا العنوان نفسه أيضاً(1).

[الروايات الواردة في المقام]

الروايات كثيرة، منها ما في أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح، باب 7 الرواية 1: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته، فسأل عنها فقيل هي ابنة فلان، فأتى أباها فقال: زوّجني ابنتك، فزوّجه غيرها، فولدت منه، فعلم بها بعد أنها غير ابنته وأنها أَمة. قال: تردّ الوليدة على مواليها، والولد للرجل، وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة، كما غرّ الرجل وخدعه“(2).

وهذه الرواية معتمدة عندنا وإن تكلّموا في محمد بن سنان، وقد ذكر الغرور والخدعة معاً. ويفهم منها التعليل، وأنه بالرغم من أنه انتفع منها يرجع بمهرها على الخادع، فنفهم منها أمرين:

أحدهما: أن المغرور يرجع على من غرّه. وكونه من باب النكاح خلاف عموم التعليل فهي عين تلك العبارة. وربما استفاد الفقهاء هذه العبارة من هذه الروايات الخاصّة لا من تلك المرسلة. وربما يكون استفادة الكبرى الكلّية من 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) مرّ تخريجه آنفاً.

(2) الكافي 5: 408، كتاب النكاح، باب المدالسة في النكاح…، الحديث 13، ووسائل الشيعة 21: 220، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 7، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذه الرواية أولى من استفاد الكبرى من استفادتها من رواية الاستصحاب بالرغم من ورودها مورد الوضوء(1).

ثانيهما: أن الغرور والخدعة أمر واحد، لا أمران، وهما قاعدة واحدة لا قاعدتان.

ومنها: رواية جميل التي(2) ذكرها الشيخ(3) في مقابل قاعدة الغرور، هي من أدلّة الغرور ومصاديقه، وهي كالصحيحة أو صحيحة، غاية الأمر أنه لا يستفاد منها القاعدة الكبروية.

ومنها: أبواب العيوب والتدليس باب 2 الرواية الأولى: محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رياب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر… إلى أن قال: “وسألته عن البرصاء. قال: قضى أمير المؤمنين في امرأة زوّجها وليّها وهي برصاء، أن لها المهر بما استحلّ من فرجها، وأن المهر 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

() إشارةٌ إلى قوله: “فإنَّه على يقينٍ من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ، ولكن ينقضه بيقينٍ آخر“، حسبما رواه في تهذيب الأحكام 1: 8، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 11، ووسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

(2) قرأها السيد في الدرس ولم نجدها في الباب. (المقرِّر).

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 494، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

على الذي زوّجها، وإنما صار عليه المهر لأنه دلّسها، ولو أن رجلاً تزوّج امرأة وزوّجه إيّاها رجل لا يعرف دخيلة أمرها، لم يكن عليه شيء، وكان المهر يأخذه منها“(1). فبالرغم من أنه استفاد منها يكون المدلّس ضامناً. ونفس هذا المعنى سمّاه غروراً في رواية (دعائم الإسلام)(2)، وفيها أنه يرجع بالمهر على من غرّه بها. فنفهم منها: أن تمام هذه الألفاظ مترادفة، وتفيد قاعدة واحدة، وهي قاعدة مستقلّة، فيثبت الحكم بالضمان بعنوان الغرور لا بعنوان الضرر ولا الإتلاف. ورواية (دعائم الإسلام) وإن لم تكن معتبرة، إلا أنها وإن لم تكن صادرة من الإمام، فإنها صادرة من صاحب اللسان.

وحينئذٍ فنحن لا نتوخّى وجود الضرر، فإن لم يكن الضرر متحقّقاً مع صدق الغرور، فإنه يكون ضامناً، كما في المثال السابق. وبين العنوانين عموم من وجه. وكذلك فيما إذا لم يتحقّق الإتلاف، فيما إذا لم تكن المنافع متلفة، فيرجع عليه لا بقاعدة الإتلاف أو قاعدة اليد، بل بقاعدة الغرور.

بقي الكلام في أنه هل يعتبر في قاعدة الغرور أن يكون الغارّ عالماً بالواقعة أو لا؟ هذا يحتاج إلى تأمّل.

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 407، كتاب النكاح، باب المدالسة في النكاح…، الحديث 9، تهذيب الأحكام 7: 424، كتاب التجارات، الباب 38، الحديث 8، الاستبصار 2: 245، كتاب النكاح، أبواب ما يرد منه النكاح، الباب 150، الحديث 1، ووسائل الشيعة 21: 212، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب2، الحديث 2.

(2) دعائم الإسلام 2: 231، كتاب النكاح، الباب 7، الحديث 865.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [هل يعتبر علم الغار بالواقع أو لا؟]

استفدنا هذا المعنى، وهو: أن قاعدة الغرور بنفسها مستقلّة برأسها، غير مستندة إلى قاعدة الإتلاف وقاعدة الضرر.

ثُمّ إنه لا بُدّ من البحث في هذا المعنى وهو أنه هل لا بُدّ أن يكون الغارّ عالماً بالواقعة، أو أنه أعمّ من العالم والجاهل؟ مثلاً من يعطي المال الغصبي للغير، ويقول له: (كُلْه)، وقلنا بضمانه بقاعدة الغرور، فيمكن للمالك أن يرجع إلى الآكل، ويرجع الآكل على الغارّ. فهل في مورد جهل الغارّ يكون مشمولاً للقاعدة، فيرجع الآكل عليه بما غرمه للمالك، أو يختص ذلك بما إذا كان عالماً؟

لا بُدَّ أن نرى أيضاً أن الغرور والخدعة والتدليس، هل هي معنى واحد أو معانٍ عديدة، ولكلٍّ منها قاعدة مستقلّة؟ وفي اللغة فسّروا الغرور والتدليس بالخدعة. فيأتي للنظر أنها بمعنى واحد، خاصّة فيما هو مورد استعمالنا، وإن كان قد يكون لها موارد استعمال أخر. ففي (المنجد)(1): دالسه: خادعه. وفي (الصحاح)(2): المدالسة كالمخادعة. وفي (المجمع)(3): المدالسة: الخديعة، ودلّسه: أي خدعه. وفي (المنجد)(4) و(القاموس)(5) و(الصحاح)(6): غرّه: خدعه. وفي 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() المنجد: 222، مادّة (دلس).

(2) الصحاح 3: 930، مادّة (دلس).

(3) مجمع البحرين 4: 17، مادّة (دلس).

(4) المنجد: 546، مادّة (غرر).

(5) القاموس المحيط 2: 104، مادّة (غرر).

(6) الصحاح 2: 769، مادّة (غرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 (المجمع)(1): الغرور: الخداع.

وإذا لاحظنا الروايات نرى أن النفس نفس واحد، ففي رواية إسماعيل بن جابر السابقة: “كما غرّه وخدعه“. وفي رواية (الدعائم): أنه يعبر عن التدليس بالخدعة. فليس أن عندنا عدّة قواعد وإنما هي قاعدة واحدة.

إذا كان الأمر كذلك، فبالنسبة إلى الغرور لا أستطيع بارتكازي أن أفهم أخذ العلم فيه للغارّ. وإذا كان مأخوذاً فهو لم يؤخذ في الهيئة لا محالة؛ لكونها كسائر الهيئات. فلا بُدّ أن نرى مادّتها: الغرور والخدعة والتدليس عرفاً، هو: أن يلقي الإنسان غيره بخلاف الواقع عالماً، أو أنه يصدق تلك العناوين إذا كان جاهلاً أيضاً، فيقال له: خدعه ودلس عليه؟

وفي اللغة: (المنجد)(2): دلّس البائع كتم ما يبيعه على المشتري، (فهو يكتم مع علمه لا مع جهله). ومنه تدليس الماشطة التي يرجع إلى إخفاء عيوب الجارية. (المجمع)(3): التدليس كتمان عيوب السلعة عن المشتري. ونحوه في (الصحاح)(4). وفي (المنجد)(5): غرّه: خدعه واطمعه بالباطل. فيأتي إلى النظر أنه يعتبر في المادّة العلم. وفي… غرّه خدعه وأظهر له خلاف ما يخفيه، وأظهر له 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() مجمع البحرين 3: 422، مادّة (غرر).

(2) المنجد: 222، مادّة (دلس).

(3) مجمع البحرين 4: 71، مادّة (دلس).

(4) الصحاح 3: 930، مادّة (دلس).

(5) المنجد: 170، مادّة (خدع).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

المكروه من حيث لا يعلم (يعني: المخدوع). وفي (الصحاح) و(المجمع)(1): الخدع: إخفاء الشيء.

فإذا كان الغرور بمعنى الخدعة، والخدعة هي إخفاء ما يعلمه من العيب، يكون الغرور والتدليس أيضاً كذلك. وهو واضح عرفاً في الخدعة والتدليس، وإن لم يكن بذلك الوضوح في الغرور. فإذا كان الغارّ جاهلاً يشكل الحكم بالضمان بقاعدة الغرور.

والسيد(2) بالرغم من أنه يستدلّ للغرور بأخبار التدليس، لكنّه يقول بأنه أخذ البعض العلم في مفهوم الغرور، ولكنّه ليس كذلك؛ فإذا كان المدرك هو أخبار التدليس، فهما بمعنى واحد، إذن فالتفصيل الموجود في باب التدليس موجود في باب الغرور.

وبعبارة أخرى: أن عندنا ثلاثة احتمالات:

أحدها: أن تكون كلّها بمعنى واحد.

ثانيها: أن تكون معانيها مختلفة.

ثالثها: أن نشكّ بالاتّحاد والاختلاف.

فإذا أحرز الاتّحاد، إذا ورد قيد في روايات التدليس نسوّيها إلى عنوان الغرور. وإذا شككنا فتكون الشبهة مفهومية، فلا يمكن أن نتمسّك بقاعدة 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) مجمع البحرين 4: 320، مادّة (الخدع).

(2) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 288، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، أحكام الردّ، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الغرور؛ إذ من المحتمل أن لا يصدق الغرور في هذا المورد.

نعم، في موارد إحراز الاختلاف، لا يمكن إسراء قيد التدليس إلى عنوان الغرور.

[تتمة الروايات]

منها: الرواية الأولى من الباب الثاني من أبواب العيوب والتدليس: محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- وهي صحيحة بلا إشكال-: “قال في رجل تزوّج امرأة من وليّها، فوجد بها عيباً بعدما دخل بها. قال: فقال: إذا دلّست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة، فإنها تردّ على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليّها الذي كان دلّسها، فإن لم يكن علم بشيء من ذلك فلا شيء عليه وتردّ على أهلها“(1).

ومنها: سألته(2) عن البرصاء، قال: قضى أمير المؤمنين في امرأة زوّجها 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() الكافي 5: 408، كتاب النكاح، باب المدالسة في النكاح…، الحديث 14، تهذيب الأحكام 7: 426، كتاب النكاح، الباب 38، الحديث 10، الاستبصار 3: 247، كتاب النكاح، أبواب ما يرد منه النكاح، الباب 151، الحديث 6، ووسائل الشيعة 21: 211، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 1.

(2) وعنهم، عن سهل، عن أحمد بن محمد، عن رفاعة بن موسى، قال: “سألت أبا عبد الله إلى أن قال…”، -وهي معتبرة، وإن وقع الكلام في سهل إلّا أنه معتبر عندنا-. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وليّها وهي برصاء: أن لها المهر بما استحلّ من فرجها. وأن المهر على الذي زوّجها وإنما صار عليه المهر لأنه دلّسها، ولو أن رجلاً تزوّج امرأة وزوّجه إياها رجلاً لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء، وكان المهر يأخذه منها“.

فقد فصّل في الروايتين بين مورد العلم ومورد الجهل، فيكون ضامناً على الأوّل دون الثاني، وذلك: إما تعبداً، أو لأنه في صورة الجهل لا يصدق التدليس أصلاً، كما هو الظاهر. ولو كانت المرأة هي المدلّسة ووليّها لا يعلم كانت هي الضامنة، فإن لم يكن دفع إليها المهر لم يدفعه لها، وإن كان دفعه أخذه منها.

الرواية الرابعة من نفس الباب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن داود بن سرحان، وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي جميعاً، عن أبي عبد الله “في رجل ولّته امرأة أمرها، أو ذات قرابة، أو جارٍ لها لا يعلم دخيلة أمرها، فوجدها قد دلّست عيباً هو بها، قال: يؤخذ المهر منها، ولا يكون على الذي زوّجها شيء“(1).

نقول: يعني ليس هنا تدليس من قبله أصلاً.

فالروايات في باب التدليس فرّقت بين موردي العلم والجهل، فإما أن نستفيد أن الجاهل خارج عن موضوع التدليس، كما هو الظاهر، أو إذا قيل إن 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 407، كتاب النكاح، باب المدالسة في النكاح…، الحديث 10، من لا يحضره الفقيه 3: 87، باب الوكالة، الحديث 3386، تهذيب الأحكام 6: 216، كتاب الديون والكفالات والحوالات…، باب الوكالات، الحديث 7، ووسائل الشيعة 21: 213، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التدليس صادق عليه فما هو راجع إلى الجهل لا ضمان فيه. فهذه الأدلّة بنفسها تفيد قاعدة الغرور.

فلو أردنا التمسّك بقاعدة الغرور في المنافع المستوفاة وغير المستوفاة التي يجب أن يغرمها المشتري، والأجور والنفقات التي غرمها على العين ونحوها مما يرجع به على من غرّه، إنما يصحّ التمسّك بها لإثبات الضمان إذا ثبت أمران:

1- أن يكون الغرور مفهوماً غير التدليس.

2- أن الغرور أعمّ من الجهل والعلم.

وأما إذا لم نحرز الثاني لم يمكن الرجوع في صورة الجهل، وإذا لم نحرز الأوّل، وفهمنا أن الغرور والتدليس واحد مفهوماً، فما هو قيد التدليس يكون قيداً للغرور، كما هو الظاهر، وأن الروايات لم تحكم تعبّداً، وإنما فصّلت بين التدليس وغيره، والجاهل لا يكون غارّاً ولا مدلّساً.

الشيخ(1) أيضاً تمسّك بقاعدة الإتلاف، وإن هذا يصدق عليه أنه متلف، فكما أن شاهد الزور يكون ضامناً كذلك هذا.

[فروع في قاعدة الغرر]

هناك بعض الفروع في قاعدة الغرور لا يخلو التعرّض إليها من فائدة:

الخصوصية الأولى: 

إذا كان دليلنا على القاعدة هو مرسلة: “المغرور يرجع على من غرّه“، فهل 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 494، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذا ظاهر بأن يكون للغرور نحو من السببية والدخالة في أن يرتكب المغرور هذا الأمر؟ فلو خدعه على سلعة فاشتراها أو امرأة فتزوّجها، وكان للمغرور نحو إيجاد الداعي إلى ذلك، ثُمّ انكشف عيبها، فهذا يكون شمولاً للقاعدة بلا إشكال.

وأخرى يكون للإنسان داعٍ للزواج، وقد ذهب إلى الخطبة، ولكنّه إذا التفت وعرف بالعيب فإنه سوف ينصرف عنها. وقد تزوّجها بسبب غروره والإخفاء عنه. فهل هذا يكون مشمولاً للقاعدة؟

وإذا كان الإنسان لا يبالي بأن المال غصباً أو مال الغير، فهل له داعٍ إلى الشراء، وليس هو بنحو بحيث لو انكشف له الأمر لانصرف؟ أو له داعٍ إلى الزواج من امرأة ثرية، بحيث لو اطلع على عيبها لا يرتفع داعيه، وإن كان فعلاً جاهلاً والغرور صادقاً.

فهل تمام هذه الموارد تكون مشمولة لقاعدة الغرور؟ 

أما ما كان الفعل فيه بسبب الغرور فلا إشكال، وكذلك لو كان له داعٍ إلى الفعل، ولكنّه لو عرف لانصرف.

وأما النحو الثالث وهو عدم الانصراف حتى مع ظهور العيب، فهل يشمله الحديث لمجرّد أن وليّها أخفى عيبها عن الخاطب، بالرغم من أنه لم يوجِد داعياً جديداً في نفسه؟ أو لا يشمله؛ لأنه وإن أراد أن يغرّ الخاطب لكنّه لم يكن مؤثّراً. فإن الغرور المؤثّر هو ما يفوت به المطلوب الواقعي؟ فالإنسان الذي حصل على مطلوبه بالرغم من الغرور ويرضى بها معيبةً فإنه لا يكون مشمولاً للرواية، إذ يستفاد منها أن الغرور سبب لوقوع الواقعة، وليس هنا كذلك.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وتمام الروايات الخاصّة التي عندنا فيها هذا المعنى، سواء روايات النكاح أو رواية جميل التي بان فيها المبيع مال الغير، وهو تخلّف الغرض بسبب الغرور. فإن الإنسان يريد أن يكون ما يصل إليه حلالاً، لا أعمّ منه ومن الحرام، فقوله: “بما خدعه وغرّه“، باعتبار تخلّف الغرض بسبب الغرور، وأنه وصل إليه ما لا يرغب فيه. فلا يمكن أن يستفاد من الروايات الخاصّة أنه في كلّ مورد أخفى فيه العيب فإن المغرور يرجع إلى من غرّه.

[الخصوصية الثانية]

الخصوصية الأخرى: لو كان دليلنا المرسلة وهي تقول: “المغرور يرجع على من غره“، فيرجع عليه، يعني: إذا وقعت خسارات يرجع بها عليه. ومن هنا لا تكون الموارد التي أراد الفقهاء إثباتها بهذه القاعدة تامّة. كما لو كان شخص له داعٍ إلى الأكل فيقدّم له شخص آخر خبزاً، ويقول له: (كلْه)، ثُمّ بعد أن أكله علم أنه للآكل نفسه. فهذه المرسلة لا يمكن أن تنقّح الضمان في هذه الصورة على ما أراده الفقهاء. لعدم تحقّق الخسارة أصلاً. فإنه أراد أن يأكل على أيّ حال وقد أكل مال نفسه، فلم تحصل خسارة في المقام. ومثله ما لو كان شخص يبحث عن دار ليسكن فيها فآجر له شخص داراً فسكن فيها، ثُمّ انكشف أنها للساكن نفسه أو لشخص يؤجّرها بأقل من أُجرة الأوّل. ففي مثل هذه الموارد لا يرجع على من غرّه بشيء، وإنما يرجع مع وجود الخسارة كالفرع الأوّل من الفروع التي ذكرها الشيخ أخيراً، كما لو زرع المشتري في الأرض أو خسر عليها خسارات ثُمّ بانت للغير، فإنه يرجع على من غرّه.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأكثر الروايات الخاصّة هكذا. نعم، في بعضها: “لها المهر بما استحل من فرجها“(1)، فيقال: إنه بالرغم من أنه استفاد منها ولم يخسر(2) شيئاً، فإنه يرجع على من غرّه. 

نقول: إن المهر ليس من قبيل المال الذي يدفع في مقابل المال، بحيث يكون ثمناً للاستفادة. وعلى تقديره فليس المهر أتى مقابل دفعة واحدة من الانتفاع. وإنما هو أمر تعبّدي، فيستفاد من هذه الروايات أن الانتفاعات التي يستوفيها لا تنافي الغرور والرجوع بما وقع من ضرر عليه بسببه. وأما ما هو محلّ كلامنا، وهو عدم وجود الخسارة أصلاً فلا يكون مشمولاً للقاعدة.

وفي المنافع المستوفاة، إن لم يكن استيفاؤها مطلقاً، كما لو بانت داره ولكنّه لو كان يعلم بذلك لما سكن بها بل لآجرها. فقد تكون(3) هذه مشمولة للقاعدة. وأما لو كان استيفاؤها مطلقاً، كما -في المثال- لو علم بأنها له لسكنها أيضاً، ولتصرّف بها تصرّف المالك في ملكه، فيشكل رجوعه على من غرّه، فإنه لا يكون قد ورد عليه خسارة عرفاً.

بناءً عليه، فالخسارات التي تقع ولا دخل للغرور في وقوعها، وإن كان الغرور موجوداً، إلا أن لها داعياً مستقلّاً لإيجادها، وكذلك في الموارد التي لا تكون خسارة عرفاً -وإن كانت عقلاً كذلك- لا تكون مشمولة للقاعدة.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) باعتبار أنها خسارة معوّضة. (المقرِّر).

(3) هذا لم يصرّح به السيد بل سكت في هذا المقام دلالة عليه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وإذا لاحظتم الروايات وجدتم مواردها موارد الخسارات، وليس فيها مورد ليس فيه خسارة.

[الخصوصية الثالثة]

المسألة الأخرى التي لا بُدّ أن نبحثها: هي أنه هل في قاعدة الغرور ضمان أو لا، بل مجرد أنه ملزم بالدفع من دون أن تشتغل ذمّته بشيء؟ 

 والكلام الآخر: أنه على فرض الضمان، فهل المهر -مثلاً- في عهدة الزوج والغارّ معاً ابتداءً، أو في عهدة الغارّ ابتداءً وحده. أو بعهدة الزوج ابتداءً وحين يأخذه يكون الغارّ ضامناً، بحيث إن قاعدة الغرور مع الأخذ يكون سبباً للضمان؟ لا بُدّ من استفادة ذلك من عنوان: ” المغرور يرجع على من غرّه “، ومن الروايات الخاصّة.

لا بُدَّ أن نستفيد عدّة مطالب في قاعدة الغرور، من الروايات:

[الجهة الأولى: هل الغرور من باب الضمان أو الحق؟]

أحدها: أن باب الغرور هل هو من قبيل سائر الضمانات، كضمان الإتلاف وضمان اليد، فيكون في الغرور الضمان، أو بابه باب الحكم التكليفي، أو الحقّ للمغرور على الغارّ؟ 

وهذه الجهة ليس فيها بحث زائد؛ لأن الروايات على كثرتها لا تنافي فيما بينها، فقد عبّر في بعضها بـ(عليه) وظاهره أنه على عهدته، وفي بعضها (يضمنها) وظاهره الضمان. وفي بعضها (يرجع على من غّره) و(يغرمه) وهي إن لم نقل فيها ظهور بالأخذ منه، فلا أقل من أنها لا تنافي غيرها من الروايات.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [الجهة الثاني: في رجوع المالك إلى الغار أو المتلف]

ثانيها: أن باب الغرور هل هو كـ(باب اليد)، فكما في ضمان اليد نقول: أن كلّ من وقعت يده على هذا الشيء فهو عليه. وللمالك أن يرجع على أيٍّ منهم شاء، غايته إذا رجع على أوّل السلسلة يرجع إلى من بعده وهكذا، ويستقرّ الضمان على من تلفت العين في يده، فهل هنا كذلك الضمان على الزوج وعلى وليّها؟ أو لو أتلف شخص مال غيره للغرور، فللمالك أن يرجع على المتلف المغرور، ويرجع المغرور على الغارّ، وإن رجع على الغارّ لا يرجع على أحد؟ أو أن الضمان على الغارّ ابتداء، وأما المغرور فلا ضمان عليه أصلاً؟ وإذا كان الغارّ هو الضامن فما هو كيفية ضمانه، هل يكون ابتداء أو يكون ضامناً بعد الأخذ من المغرور، فماذا يستفاد من الروايات؟ 

طائفة من الروايات لها ظهور قويّ في أن الغارّ هو الضامن، وهي الروايات في باب العيوب والتدليس، باب 7 الرواية الأولى، رواية إسماعيل بن جابر التي قرأناها، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته، فسأل عنها، فقيل: هي ابنة فلان، فأتى أباها قال: زوّجني ابنتك فزوّجه غيرها، فولدت منه، فعلم بها بعد أنها غير ابنته، وأنها أمَة. قال: ترد الوليدة على مواليها والولد للرجل وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة، كما غرّ الرجل وخدعه“(1).

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فيجب أن يدفع الغارّ قيمة الولد إلى موالي الوليدة ولهم أن يرجعوا عليه به. وظاهره أنه ضامن، لا أن يُرجع إلى الزوج، والزوج يرجع إلى الغارّ، إذ لو كان المراد ذلك لَما كان هذا هو التعبير عنه. فطرف الحساب هو موالي الوليدة والغارّ وليس هو الزوج. ولولا قاعدة الغرور لكان على الزوج أن يغرمه، وبالغرور تنقطع المسألة عنه. وتتعلّق بالغارّ “كما غرّ الرجل وخدعه” فيستفاد منه الكبرى الكلّية، وهو: أنه في تمام موارد الغرور والخدعة يكون الحكم هو أنه في موارد التلف الحاصل نتيجة للغرور، فإن ما يكون على المتلف من الضمان لولا الغرور يكون على الغارّ.

ومنها: أبواب العيوب، باب2، الرواية2، وهي معتبرة(1)، قال: “سألت أبا عبد الله -إلى أن قال:- وسألته عن البرصاء. قال: قضى أمير المؤمنين في امرأة زوّجها وليّها وهي برصاء، أن لها المهر بما استحلّ من فرجها، وأن المهر على الذي زوّجها، وإنما صار عليه المهر لأنه دلّسها“(2). فنفهم من عموم التعليل ما فهمناه من التعليل السابق.

وبعدها عدّة روايات فيها: أن المهر على أبيها، أو على من زوجها.

ومنها: باب8، رواية2: وبإسناده عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سماعة، عن عبد الحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال: “سألته عن رجل خطب إلى رجل بنتاً له من مهيرة، فلمّا كان 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() سبق أن ذكرناها. (المقرِّر).

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ليلة دخولها على زوجها أدخل عليه بنتاً له أخرى من أمَة؟ قال: تردّ على أبيها، وتردّ إليه امرأته، ويكو مهرها على أبيها…” (1) فلولا الغرور كان مهر المِثل على الزوج، لكنّه بالغرور أصبح على أبيها الغارّ. ولو كان المراد أن للزوجة أن ترجع على الزوج ويرجع الزوج على الأب لَما كان هذا تعبيره.

ومنها: (وفي نفس الباب) أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره(2)، عن ابن أبي عمير، عن حماد عن الحلبي، عن أبي عبد الله قال: “إن علياًقضى في رجل له ابنتان، إحداهما لمهيرة والأخرى لأمّ ولد، فزوّج ابنة المهيرة، فلمّا كان ليلة البناء أدخل عليه ابنته لأمّ الولد، فوقع عليها. قال: تردّ عليه امرأته التي كان تزوّجها، وتردّ هذه على أبيها، ويكون مهرها على أبيها“(3). وأكثر الروايات هي من هذه الطائفة.

الطائفة الأخرى: التي في مقابل هذه الروايات.

منها: باب86، من أبواب نكاح الإماء، الرواية الأخيرة منه: وعنه، عن معاوية بن حكيم، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثُمّ يجيء مستحقّ 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 423، كتاب النكاح، الباب 38، الحديث 3، ووسائل الشيعة 21: 221، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 8، الحديث 2.

(2) النوادر: 80، الباب 16، الحديث 177.

(3) وسائل الشيعة 21: 222، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 8، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الجارية. قال: “يأخذ الجارية المستحقّ ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أخذت منه“(1).

ومنها: عنه، عن أبي عبد الله الفراء، عن حريز، عن زرارة، قال: “قلت لأبي جعفر: الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثُمّ يجيء الرجل فيقيم البينة على أنها جاريته لم يبع ولم يهب. فقال: يردّ إليه جاريته وبعوّضه مما انتفع. قال -يعني زرارة-: كان معناه قيمة الولد” (2).

تلك الطائفة كانت ظاهرة في أنها على الغارّ، وهذه الطائفة ظاهرة في أنها على الزوج، ويرجع عليه.

ومنها: أبواب الشهادات، باب13: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله، في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلّقها فتزوّجت، ثُمّ جاء زوجها فأنكر الطلاق. قال: “يضربان الحدّ، ويضمنان الصداق للزوج، ثُمّ تعتدّ، ثُمّ ترجع إلى زوجها الأوّل“(3). 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 82، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 67، ووسائل الشيعة 14: 592، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 5.

(2) الكافي 5: 216، كتاب التجارات، باب من يشتري الرقيق فيظهر به عيب، وما يرد منه وما لا يرد، الحديث 13.

(3) الكافي 7: 384، كتاب الشهادات، باب من شهد ثُمَّ رجع…، الحديث 7، مَن لا يحضره الفقيه 3: 548، كتاب الطلاق، باب طلاق المفقود، الحديث 4887، تهذيب الأحكام 6: 260، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 94، الاستبصار 3: 38، كتاب الشهادات، الباب 21، الحديث 1، ووسائل الشيعة 27، 330، كتاب الشهادات، الباب 13، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ومنها: بإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله في امرأة شهد عندها شاهدان بأن زوجها مات، فتزوّجت، ثُمّ جاء زوجها الأوّل. قال: “لها المهر بما استحلّ من فرجها الأخير، ويضرب الشاهدان الحدّ، ويضمنان المهر لها عن الرجل، ثُمّ تعتدّ وترجع إلى زوجها الأوّل“(1). 

فهذه تدلّ على ضمان الشاهدين للمرأة، وما قبلها تدلّ على ضمانها للرجل، بمعنى أن الزوج يكون ضامناً للمهر للمرأة، ويرجع بما غرمه عليهما. وكذلك ما قبلها.

فما يقوله الآغايون من أن الزوج هو الضامن ابتداءً، فإذا غرم شيئاً يرجع إلى الغارّ، لا يستفاد من هذه الروايات، وإنما يستفاد أنه من قبيل ضمان اليد، بحيث تستطيع الزوجة أن ترجع إلى أيّ منهما كان، فإن رجعت إلى الزوج يرجع إلى الغارّ، وإن رجعت إلى الغارّ فإنه لا يرجع إلى أحد.

نعم، يستفاد من رواية جميل أن لها أن ترجع إلى الزوج، ويرجع الزوج على 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 60، باب شهادة الزور وما جاء فيها، الحديث 3334، تهذيب الأحكام 6: 286، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 196، إلَّا أنَّ فيهما: “ويضمّنان المهر بما غرّا الرجل”، ووسائل الشيعة 27: 330، كتاب الشهادات، الباب 13، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الغارّ، ولكنّها لا تدلّ على أن ليس لها حقّ الرجوع على الغارّ ابتداء، فنفهم أن لها هذا الحقّ من الروايات الأخرى، فما هو المفهوم من المجموع ومقتضى الجمع العرفي بينها هو ذلك.

وما هو في روايات باب الشهادات، مبني على أنهم كانوا يعطون الصداق ابتداءً، فيكون الغارّ ضامناً للزوج باعتباره قد غرم الصداق سابقاً، فيأخذه منه باعتبار الغرور.

رأينا ما هو مقتضى الجمع بين الروايات، فإن بعضها صريح في أن المغرور المبتاع لا بُدّ من أن يدفع قيمة الولد، وبعد أن يدفع يرجع على البائع بما غرّه وخدعه، وبعضها يدلّ على أن قيمة الولد يدفعها الغارّ، وليس فيه أن المالك يرجع إلى المتلف أو لا. والجمع بين هذين المدلولين يقتضي أن له الرجوع إلى أيّ منهما كان وكِليهما ضامن.

[الجهة الثالثة: في حكم الغار مع المغرور]

الجهة الأخرى من الكلام: أن الغارّ مع المغرور ما هو حكمه؟ فإن عندنا ثلاثة أشخاص: الغارّ والمغرور والمالك. والمالك يمكنه الرجوع إلى أيّ منهما كان، غايته أنه إذا رجع إلى المغرور فإنه يرجع إلى الغارّ، أو إذا رجع إلى الغارّ لا يرجع إلى أحد ويستقرّ الضمان عليه. وأما المغرور والغارّ، فهل الغارّ ضامن لكلٍّ من صاحب المال وللمغرور بحيث إن للمغرور أن يأخذ منه قبل أن يدفع شيئاً؟ أو أن النسبة بينهما هكذا، وهو أن المغرور إذا غرم للمالك يرجع إلى الغار؟ وهذا ما لا بُدّ من النظر في استفادته من الروايات.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [الجهة الرابعة: في رجوع المغرور إلى الغار قبل الأداء] 

الكلام الآخر: الذي لا بُدّ أن يستفاد من الروايات والاعتبارات، هو أن صاحب المال إذا أبرأ الزوج فهل يرجع إلى الغارّ أو لا؟

فهل يمكن أن يستفاد من الروايات أن المغرور يرجع إلى الغارّ قبل أداء ما ضمنه؟

 باب 2، من أبواب العيوب، الرواية الأولى -وهي معتبرة- وفيها: قال: “فقال: إذا دلّست العفلاء والبرصاء والمجنون والمفضاة ومن كان به زمانة ظاهرة، فإنها تردّ على أهلها من غير طلاق ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي دلسها“ (1). فهل فرض هذا هو فرض أن الزوج قد أدّى المهر أو لا؟ فإنه في السابق كانوا يدفعون المهر أوّلاً قبل الدخول. فإن فرض ذلك، يكون الزوج قد رجع إلى الولي بعد الأداء، فلا يستفاد منها إمكان رجوعه إليه قبل الأداء، وإن لم يفرض ذلك، ولم نعلم قيام العادة على ذلك، فقد يؤخذ بإطلاق الرواية (ويأخذ المهر من وليها الذي دلسها) سواء كان دفعه أم لا.

هذا المطلب بعيد في النظر، خاصّة إذا لم يكن قد دفع المهر إلى الزوجة.

“وإن أصاب الزوج(2) شيئاً مما أخذت منه فهو له، وإن لم يصب شيئاً فلا شيء له“. فهل هذا يدلّ على أن صدر الرواية قائم على نفس هذا المعنى، وهو أن الزوجة أخذت المهر منه؟

ــــــــــ[103]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) واستمرّ السيد في قراءة الرواية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأكثر الروايات مفروضها هو أن المهر مأخوذ، ومنه يستفاد أن البناء في ذلك الحين على أخذ المهر.

منها: رواية رفاعة بن موسى، وفيها: “وكان المهر يأخذه منها“(1). الذي يدلّ على أنها أخذته.

ومنها: صحيحة الحلبي -الرواية الرابعة في نفس الباب- وفيها قال: “يؤخذ المهر منها“(2).

ومنها: رواية الحلبي أيضاً في حديث، وفيها: “ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها“(3).

إذن فلا يمكن استفادة الضمان المطلق.

ومنها: أحكام الشهادات، باب 13، الرواية الأولى(4)، محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن أبن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلّقها فتزوّجت، ثُمّ جاء زوجها فأنكر الطلاق. قال: “يضربان الحدّ، ويضمنان الصداق للزوج، ثُمّ تعتدّ، ثُمّ ترجع إلى زوجها الأوّل“ (5). 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) تقدّم تخريجها آنفاً.

(4) سبقت. (المقرِّر).

(5) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذه الرواية -بعد الوضع الذي رأيناه في الروايات السابقة- لا يمكن أن نستفيد منها ذلك، بل يستفاد منها أنه ضامن له بعد الأداء.

ومنها: أبواب العيوب، صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله في حديث: “إنما يردّ النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل. قلت: أرأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: المهر لها بما استحلّ من فرجها، ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها“(1). انتهى.

فإذا كان الولي ضامناً مطلقاً لم يقل: “مثل ما ساق إليها“. فمنه يعلم أنه ضمان بعد الأداء إلى المالك، فينتج أن كِليهما ضامن للزوجة ترجع إلى أيّ منهما شاءت، لكنّ الزوج إنما يرجع على الغارّ بما دفعه إلى الزوجة وساقه إليها. وهو الموافق للاعتبار أيضاً، فإن المراد بـ”المغرور يرجع على من غرّه“، أنه يرجع عليه بما غرمه، ولا وجه لضمانه ابتداءً، وإنما يضمن ضرره الناتج من الغرور.

[الجهة الخامسة: في رجوع المالك إلى الغار فيما لو أبرأ المتلف المغرور] 

المطلب الآخر: هو أنه إذا أبرأت الزوجة الزوج، أو أبرأ المالك المتلف المغرور. فهل يمكن للمالك أن يرجع إلى الآخر الغارّ؟ إن كان الضمان الذي قلناه لكِليهما معناه: أن كلّاً منهما ضامن سواء كان الآخر ضامناً أم لا. بحيث 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 433، باب ما يردّ منه النكاح، الحديث 4498، تهذيب الأحكام 7: 426، كتاب النكاح، الباب 38، الحديث 12، الاستبصار 3: 247، كتاب النكاح، أبواب ما يردّ منه النكاح…، الباب 151، الحديث 7، ووسائل الشيعة 21: 213، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يكون ضمانهما عرضيين، فمن الواضح بناء على ذلك أنه إذا سقط الضمان عن أحدهما فإنه لا يسقط عن الآخر.

وأما إذا كان الضمانان طوليين، بمعنى أن الزوج ضامن، والغارّ ضامن لِما يضمنه الزوج. فلو ارتفع ضمان الزوج لا يكون الولي ضامناً.

أما الروايات فمنها ما كان بتعبير (أنه على وليها) ونحوه، وظاهره أنه ضامن مستقلّ، وأن ضمانه غير مربوط بضمان الآخر. ورواية جميل لم تتعرّض لصورة الإبراء.

نعم، عندنا رواية واحدة يمكن الاستفادة منها، وهي الرواية الثانية من الباب 13، محمد بن علي بن الحسين بإسناده، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله في امرأة شهد عندها شاهدان بأن زوجها مات فتزوّجت، ثُمّ جاء زوجها الأوّل. قال: لها المهر بما استحلّ من فرجها الأخير، ويضرب الشاهدان الحدّ، ويضمنان المهر لها عن الرجل، ثُمّ تعتدّ وترجع إلى زوجها الأوّل(1). 

فيستفاد منها: أنه إذا لم يكن الزوج ضامناً فلا ضمان للشاهدين. وهذا موافق للاعتبار أيضاً، من حيث إن الضمان ابتداءً على الزوج، والشاهدان يضمنان عن الرجل ما ضمنه للمرأة. إذن فهذه الرواية مفسّرة لتلك الروايات، وتقول: (إن الغارّ ضامن ما المغرور ضامن).

أما إذا أبرأ المالك الغارّ، فهنا غاية أثره أنه لا يمكن أن يرجع المالك عليه، 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأن الضمان بينه وبين المالك ينقطع. ولكنّه لا يؤثّر في جواز رجوع الزوج إليه -يعني الغارّ- فإنه كان ضامناً ما ضمنه الزوج، ولا يلزم من إبراء المالك لذمّته ارتفاع هذا الضمان.

[مدرك قاعدة الاتلاف وبيان مدلولها]

ثُمّ إن الشيخ(1) يتمسّك هنا بقاعدة الإتلاف، ويقول: بأن الغارّ متلف. فهل هنا مورد قاعدة الإتلاف أو لا؟ وهل تشمل القاعدة ورواياتها المقام وهو: ما إذا تضرّر المغرور ولم ينتفع. هل يصدق أن الغارّ متلف أو لا؟ 

وإذا لم تشمله، فهل قاعدة التسبيب قاعدة مستقلّة، ولها دليل مستقلّ ولو من دون إتلاف؟ وعلى تقدير ثبوتها فهل تشمل المسألة والمسألة الآتية؟ كلّ ذلك لا بُدّ أن يستفاد من الروايات.

الشيخ تمسّك بعد قاعدة الغرور وبقاعدة الإتلاف، وقال إن المقام نظير شاهد الزور، ثُمّ يأتي إلى مسألة أن السبب أقوى من المباشر.

قلنا: إننا يجب أن نتكلّم في عدّة جهات:

الأولى: في قاعدة الإتلاف لإثبات حدودها.

الثانية: أنه بعد أن ننقّح حدودها فهل تشمل المقام وتثبت الضمان سواء كان قد انتفع أو لم ينتفع؟

الثالثة: أنه هل عندنا -زائداً على قاعدة الإتلاف- قاعدة التسبيب، فإذا 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 494، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

كان هناك سبب ومباشر فهل قوّة السبب موجب للضمان بالرغم من أنه لم يصدق الإتلاف؟ أو ليس عندنا قاعدة التسبيب؟

الرابعة: أنه على تقدير ثبوت قاعدة التسبيب، فهل فيما نحن فيه -في كِلا الموردين- تكون شاملة للمقام أو لا؟

[الجهة الأولى والثانية في حدود القاعدة عقلائياً وشمولها للمقام]

أما الكلام في قاعدة الإتلاف، وحدودها في فهم العقلاء، فإنها أمر عقلائي وليست قاعدة كقاعدة اليد التي قلنا إنها ليست موجودة عند العقلاء، ففيما لو أراق الدهن أو أكله، أو فتح القفص وفرّ الطائر أو نقص وصفه كما لو جعله معيباً، فإن العقلاء يطالبونه بالضمان، سواء حصل التلف أو لا، كالطائر الفارّ من القفص، فإنه موجود ولكن لا يستطيع المالك أن يتصرّف فيه تصرف المالك في ملكه، فالضمان أمر عقلائي في هذه الموارد. نعم، نقص القيمة السوقية بلا تصرّف في العين ليس لها ضمان عند العقلاء.

فهل نستفيد من الروايات في هذا الباب نفس المقدار الذي استفدناه من العقلاء، أو أقلّ من ذلك، ويكون الزائد أمراً عقلائياً غير مردوع عنه، أو أنه زائد عن المقدار العقلائي بشكل تعبّدي؟

ففي كتاب العتق، باب 18، الرواية الأولى: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله قال: “سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه. فقال: إن ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه ولا مؤاجرته. فقال: يقوّم قيمته، فيجعل على 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الذي أعتقه عقوبة. وإنما جعل ذلك عقوبة عليه لما أفسده“(1)، فقد أمر بالضمان فتدفع القيمة إلى الشركاء عقوبة. أما أنه بعد دفع القيمة للشريك فهل يجب عليه عتقه أو لا، أو أنه ينعتق قهراً؟ فهذه مسألة أخرى لا كلام لنا فيها فعلاً. وعلى أيّ حال إذا نقص المال بحيث لا يمكن للمالك التصرّف فيه تصرّف المالك في ملكه من التصرّفات المرغوبة، فيكون الطرف ضامناً.

فالمعتِق وإن لم يتلف حصّة الشريك؛ لأنها لا زالت رِقّاً له، غاية الأمر أنه فسد عليه، لأنه لا يستطيع التصرّف فيه التصرّف المرغوب، فيستفاد منها القاعدة العامة وهي (أن كلّ من أفسد على شخص مالاً كان ضامناً وإن لم يكن المال تالفاً حقيقة)، كما لو طار الطائر أو دفع المال إلى الظالم.

وعن عدّة من أصحابنا(2)، عن أحمد بن محمد بن خالد، وفي نسخة عن عدّة من أصحابنا عن علي بن إبراهيم، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن يحيى، وعلي بن محمد بن عبد الله القمي، وأحمد بن عبد الله، وعلي بن الحسن جميعاً، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: “سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه. فقال: هذا فساد على 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() الكافي 6: 182، كتاب العتق والتدبير والكتابة، باب المملوك بين الشركاء…، الحديث 1، تهذيب الأحكام 8: 220، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، الباب 1، الحديث 23، الاستبصار 4: 4، كتاب العتق، الباب 2، الحديث 9، ووسائل الشيعة 23: 36، كتاب العتق، الباب 18، الحديث 1.

(2) الرواية الخامسة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أصحابه -ولم يقل هذا إتلاف للمال-، يقوّم قيمته، ويضمن الثمن الذي أعتقه؛ لأنه أفسده على أصحابه“(1).

وعنه(2) -يعني صفوان-، عن النضر، عن هشام بن سالم، وعلي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن حريز، عن محمد بن مسلم، قال: “سألته عن المملوك يكون بين شركاء، فيعتق أحدهم نصيبه. قال: إن ذلك فساد على أصحابه، فلا يستطيعون بيعه ولا مؤاجرته. قال: يقوّم قيمته، فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك لما أفسده“ (3).

فنستفيد منه -وخاصّة بعد ضمّ ارتكاز العقلاء- أن كلّ من أفسد المال على أصحابه فهو ضامن، زائداً على من أتلف مال الغير فهو له ضامن.

كتاب الحدود، أبواب حد الزنا، باب29، الرواية الرابعة: وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن سعيد -مجهول-، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، قال: “قلت لأبي عبد الله: قوم اشتركوا في شراء جارية، فائتمنوا 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() الكافي 6: 183، كتاب العتق والتدبير والكتابة، باب المملوك بين شركاء…، الحديث 5، تهذيب الأحكام 8: 220، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، الباب 1، الحديث 22، الاستبصار 4: 3، كتاب العتق، الباب 2، الحديث 6، مع فارقٍ يسيرٍ فيهما، ووسائل الشيعة 23: 38، كتاب العتق، الباب 18، الحديث 5.

(2) الرواية العاشرة. (المقرِّر).

(3) تهذيب الأحكام 8: 220، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، الباب 1، الحديث 23، الاستبصار 4: 4، كتاب العتق، الباب 2، الحديث 9، مع فارقٍ يسيرٍ، ووسائل الشيعة 23: 39، كتاب العتق، الباب 18، الحديث 9.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بعضهم، وجعلوا الجارية عنده فوطئها. قال: يجلد الحدّ، ويدرأ عنه من الحدّ بقدر ماله فيها. وتقوّم الجارية ويغرم ثمنها للشركاء. فإن كانت القيمة في اليوم الذي وطأ أقلّ مما اشتريت به فإنه يلزمه أكثر الثمن؛ لأنه أفسدها على شركائه. وإن كانت القيمة في اليوم الذي وطأ أكثر مما اشتريت به يلزمه الأكثر لاستفسادها“(1).

“ويغرم ثمنها للشركاء“: إما باعتبار وجود الحمل الذي يكون سبيلاً لتحريرها، أو باعتبار هذا المعنى وهو أنه لا يؤمن عليها الحمل.

“لأنه أفسدها على شركائه“: فلا يمكن أن يتصرّفوا فيها تصرّف المالك في ملكه. وقد حمله في الرواية على القيمة الأكثر، وهذه مسألة أخرى. وإنما المقصود إثبات الضمان في الجملة وهو مما يستفاد من الرواية.

كتاب الإجارة، باب 29، فيه روايات متعدّدة يستفاد منها القاعدة التي استفدناها.

منها: رواية إسماعيل بن أبي الصباح، عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن القصّار يسلّم إليه المتاع فيخرقه أو يحرقه أيغرمه؟ قال: نعم غرّمه بما جنت يده“(2).

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 194، كتاب الحدود، باب الرجل يأتي الجارية…، الحديث 1، تهذيب الأحكام 10: 30، كتاب الحدود، الباب 1، الحديث 96، ووسائل الشيعة 28: 120، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ الزنا، الباب 22، الحديث 4.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 254، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الضمان، الحديث 3918، ووسائل الشيعة 19: 144، كتاب الإجارة، الباب 29، الحديث 8.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وفي رواية أخرى عن نفس الراوي: “سألت أبا عبد الله عن القصّار هل عليه ضمان؟ فقال: نعم. كلّ من يُعطى الأجر ليصلح فيفسد فهو ضامن“(1). فمن هذا التعميم نفهم عدم ارتباطها بالقصّار على الخصوص، كما تلغى خصوصية اليد. فإن أحرق العين فتلفت أو خرقها فأفسدها وبقيت عينها فإن عليه ضمانها.

وقوله: “كل من يعطى الأجر…” في مقابل من يتبرع بالإصلاح، فإنه محسن وليس مفسداً.

إذن نستفيد ما ذكرناه من الكبرى وهي: أنه من أفسد مال الغير فهو له ضامن، بل أوسع من ذلك أيضاً فإنه قد يكون متلفاً وقد يكون مفسداً بلا إتلاف، وقد يكون قد أفسد على صاحبه بلا إفساد حقيقي ولا إتلاف، بل منعه من التصرّف في ماله. وروايات باب العتق التي قرأناها تشمل تمام الصور. وهذا الأمر المركوز عند العقلاء.

بعض الروايات التي تفيد توسعة قاعدة الإتلاف:

منها: كتاب الحدود(2)، الباب الأوّل، رواية 1: محمد بن الحسن بإسناد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله، وعن الحسين 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 220، كتاب التجارات، الباب 20، الحديث 25، الاستبصار 3: 132، كتاب البيوع، الباب 87، الحديث 7، ووسائل الشيعة 19: 145، كتاب الإجارة، الباب 29، الحديث 13.

(2) هذا زائد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بن خالد، عن أبي الحسن الرضا، وعن صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم موسى: في الرجل يأتي البهيمة فقالوا جميعاً: “إن كانت البهيمة للفاعل ذُبحت، فإذا ماتت أحرقت بالنار، ولم ينتفع بها، وضرب هو خمسة وعشرين سوطاً ربع حدّ الزاني. وإن لم تكن البهيمة له قوّمت، وأخذ ثمنها منه ودفع إلى صاحبها، وذُبحت وأحرقت بالنار، ولم يُنتفع بها، وضُرب خمسة وعشرين سوطاً. فقلت: وما ذنب البهيمة؟ فقال: لا ذنب لها، ولكنّ رسول الله فعل هذا وأمر به؛ لكيلا يجتزي الناس بالبهائم وينقطع النسل“(1).

ومنها: كتاب الحدود، باب 1، رواية 4: وبإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب عن إسحاق، عن حريز، عن سدير، عن أبي جعفر: في الرجل يأتي البهيمة قال: “يجلد دون الحدّ، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها؛ لأنه أفسدها عليه، وتُذبح وتُحرق إن كانت مما يؤكل لحمه. وإن كانت مما يركب ظهره غُرم قيمتها، وجُلد دون الحدّ، وأخرجها من البلد(2) الذي فعل فيها إلى بلاد أخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها؛ كيلا يعيّر بها صاحبها“.

فيستفاد من التعليل: أن الإفساد على صاحبها سواء كان بنظر العقلاء 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() الكافي 7: 204، كتاب الحدود، باب الحدّ على مَن يأتي البهيمة، الحديث 3، تهذيب الأحكام 10: 60، كتاب الحدود، الباب 4، الحديث 1، الاستبصار 4: 223، كتاب الحدود، الباب 127، الحديث 1، ووسائل الشيعة 28: 357، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب نكاح البهائم…، الباب 1، الحديث 1.

(2) كذا قرأ السيد وهو المناسب للسياق، وفي نسخة (الوسائل): البهيمة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إفساداً أو لم يكن، بل كان بنظر الشارع إفساداً. فإنه يكون موجباً للضمان. إذ الأشخاص المؤمنون يضطرّون إلى ذبحه وإحراقه، ويحرم عليهم لحمها ولبنها وكلّ فوائدها فيضمن. كما لو عمل شخص الخلّ لغيره خمراً، فهو يفسد بنظر المتشرّعة. وإن كان قد أصلحها بنظر العقلاء، ونحوه لو ألقى قطرة خمر في حوض من الخلّ، فقد أفسده على صاحبه بنظر المتشرّعة، دون العقلاء.

أما لو عمل خلّ الكافر خمراً، فهو لم يفسده على صاحبه، ومن أفسده عليهم هم المسلمون ليسوا بصاحبه، فينبغي أن يقال بالتفصيل بين ما إذا كان إفساداً بنظر الحكم الذي يتبعه المالك، وبين ما إذا لم يكن إفساداً كذلك. فبالرغم من أن الكفار مكلّفون بتعاليم الإسلام إلا أن الإسلام أجاز لهم على شرب الخمر عند عدم التظاهر(1).

فمسألة الإفساد عليه في وطئ البهائم باعتبار قطع يد المالك عن ملكه، ولو كان هناك ملك فليس له الاستفادة المطلوبة، فيشمل هذا ما إذا أصبح المالك ممنوعاً تكويناً من التصرّف المالكي في ملكه، بحيث لا يمكنه الوصول 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: عما إذا كان إفساداً عندهم أيضاً كالذبح الشرعي عندنا لبعض الحيوانات المحرّمة عندهم. 

قال: يغرمه لصاحبه ويأكله.

أقول: يعني: بما أنه أفسده على صاحبه فيضمن، وبما أنه حلال في نظر الضامن فيأكله هو. وهذا على أساس ما سيشير إليه السيد من أن التالف والمكسور والميت يكون للضامن الغارم بعد دفع غرامة كاملة. لا للمالك السابق. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إلى غرضه المطلوب، فإنه يكون ضامناً. كما لو فتح باب القفص فطار العصفور، أو ألقى المتاع في البحر وبقي في قعر الماء فرآه سليماً ولا يصل إليه.

ويندرج تحت عموم التعليل ما إذا وطئ الوليدة فأولدها حرّاً، فهو لم يفسد الولد حقيقة، بل أصبح حاله أحسن، ولكنّه أفسده على صاحبه.

إذن نستفيد من الرواية الشمول لتمام هذه الموارد، وإن انقطاع يد المالك عن ماله شرعاً أو عقلائياً أو عقلاً، موجب للضمان وإن كان عين المال موجوداً بحاله أو أحسن منه. وميزان الضمان هو ذلك لا التلف نفسه. فلو أمكن محالاً الجمع بين التلف وتمكّن المالك من سائر التصرّفات لَما أوجب الضمان.

وهناك مسألة مشكّلة في الفقه، تستفاد من ذيل هذه الرواية، وهي: أن الضامن إذا أعطى الغرامة فهل المكسور والميت يكون للمالك أو للغارم؟ لعلّه يكون للغارم في نظر العقلاء بعد أن يدفع الغرامة كلّ القيمة. نعم، لو دفع الفرق بين الصحيح والمكسور كان مكسوره للمالك.

يقول: “وإن كان مما يركب ظهرها غرم قيمتها” يعني: المتلف الضامن، “وجلد دون الحدّ” يعني: نفس هذا الإنسان أيضاً، “وأخرجها” يعني: هذا الرجل، “من البلد الذي فعل فيها“ ما فعل “إلى بلد أخرى حيث لا تُعرَف فيبيعها فيها” فهل قيمتها للمالك أو له؟ إذا قيل عرفاً: (أغرم قيمتها للمالك، وبعها) يعني يكون قيمتها له لا للمالك، وإلّا يكون قد غرم قيمتها للمالك مرّتين. ويستفاد هذا أيضاً في باب العتق.

وهذه الرواية أوسع من قاعدة (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) فإنها 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

تدلّ على الضمان مع الإتلاف، وأما هذه القاعدة فتدلّ على الضمان إذا أفسده على صاحبه مع أنه لم يتلف، وإنما يكون التلف مضموناً باعتبار ذلك أيضاً.

ومنها: في كتاب الرهن، في باب7، الرواية2: وعنهم عن أحمد بن محمد وسهل جميعاً عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن إسحاق بن عمار، قال: “سألت أبا إبراهيم عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم، وهو يساوي ثلثمائة درهم -(فيهلك) على نسخة الكليني(1)، و(يهلكه) على نسخة الصدوق(2)– أعلى الرجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم؛ لأنه أخذ رهناً فيه فضل وضيعه. قلت: فهلك نصف الرهن؟ قال: على حساب ذلك. قلت: فيترادّان الفضل. قال: نعم“(3).

أما على نسخة الكليني من قوله: “فيهلك“، فلا يستفاد منها قاعدة الإتلاف، بل هو يهلك في نفسه. وفي “ضيعه” احتمال: أنه بمعنى أهلكه، واحتمال: أنه بمعنى أهمله. وإنما يقال: “ضيعه” -على أيّ حال- مع التفريط فيما إذا كان ينبغي أن يضعه في الصندوق فلم يضعه. فإن كان بمعنى “أهلكه” يكون 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() الكافي 5: 234، كتاب المعيشة، باب الرهن، الحديث 9.

(2) وفي (الفقيه) الجديد: فيهلكه، وفي (الوافي): يهلكه، غير موجود، وفي (الوسائل): يهلك (منه).

(3) تهذيب الأحكام 7: 172، كتاب التجارات، الباب 15، الحديث 20، الاستبصار 3: 120، كتاب البيوع، الباب 79، الحديث 9، ووسائل الشيعة 18: 391، كتاب الرهن، الباب 7، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نظير رواية الصدوق. وإن كان بمعنى أهمله، فلا يستفاد منها قاعدة الإتلاف، وإنما يستفاد قاعدة اليد، بمعنى أن يده كانت يد أمانية، فأصبحت يد الضمان.

وأما على رواية الصدوق: “فيهلكه“، فهل نقول: أنه حين همّ على إهلاكه تتبدّل يده إلى يد الضمان، وهي قاعدة اليد؟ أو أن الميزان هو الإهلاك، فإنه وإن كان الهمّ إلى الإتلاف موجباً للضمان، إلّا أنه يستفاد من: “أهلكه” و”ضيعه“ (1) أن الضمان بسبب الإتلاف، فيستفاد من قاعدة الإتلاف، وإن كلّ من أهلك وضيّع مال الغير فهو له ضامن؟

ومنها: باب 5، الرواية 2: وبإسناده عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله، أنه قال في الرهن: “إذا ضاع من عند المرتهِن من غير أن يستهلكه، رجع بحقّه على الراهن فأخذه، وإن استهلكه ترادّا الفضل بينهما”(2). و(استهلكه) بمعنى أهلكه لغة، ولكن هل المراد منها هو ذلك، أو المراد وضع الشيء موضع الإتلاف؟ يقال: الاستهلاك يعني طلب الهلاك، فيكون من قبيل (ضيّعه) في الدلالة على التفريط.

تبقى رواية شاهد الزور التي عبّرت بالإتلاف، نرى أنها هل تدلّ على قاعدة الإتلاف أو التسبيب؟ وكذلك الحاكم المخطئ والمفتي المخطئ.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() الذي ظاهره أنه أتلفه (منه).

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 308، باب الرهن، الحديث 4103، تهذيب الأحكام 7: 172، كتاب التجارات، الباب 15، الحديث 19، الاستبصار 3: 120، كتاب البيوع، الباب 79، الحديث 7، ووسائل الشيعة 18: 386، كتاب الرهن، الباب 5، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [الجهة الثانية والرابعة في قاعدة التسبيب وشمولها للمقام] 

قلنا أنه لا بُدّ من أن نبحث أمرين، ثُمّ نطبّقهما على محلّ الكلام، أحدهما: قاعدة الإتلاف وقد قرأنا رواياتها وثبتت بشكل أوسع من الإتلاف، بحسب أدلّتها من الروايات وبناء العقلاء.

ثانيهما: أنه هل عندنا مضافاً إلى قاعدة الإتلاف، قاعدة التسبيب، أو قاعدة قوّة السبب؟ فإنه إذا كان يصدق على السبب أنه متلف، فلا كلام من هذه الناحية، كما إذا أغرق المال بالماء أو أحرقه بالنار، أو وضعه أمام السباع فأكلته، فالمباشر وإن كان هو هذه الأمور إلّا أنه عرفاً يقال للفاعل: إنه متلف، وتشمله قاعدة الإتلاف ولا حاجة إلى قاعدة أخرى.

وإنما الكلام في مورد لا يصدق عليه أنه متلف، مع أن له نحواً من التسبيب، فهل يكون ضامناً أو لا؟ 

[روايات شاهد الزور]

نقرأ الروايات التي قد تدلّ على ذلك لنرى أنه هل يمكن استفادة قاعدة كلّية للتسبيب في غير الموارد الخاصّة الواردة أو لا؟

[الطائفة الأولى: من رجع عن الشهادة ولم يثبت كذبه]

هنا طائفة من الروايات هي روايات شاهد الزور، أو من رجع عن شهادته ولم يثبت كذبه؛ لاحتمال أنه في رجوعه كاذب.

منها: في أحكام الشهادات، باب 10، محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عمن أخبره عن 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أحدهما، قال في الشهود إذا شهدوا على رجل ثُمّ رجعوا عن شهادتهم، وقد قضى على الرجل: “ضمنوا ما شهدوا به، وغرّموا، وإن لم يكن قُضي طُرحت شهادتهم، ولم يغرّم الشهود شيئاً“(1).

وهي مرسلة سنداً، وتصحّح إما بتصحيح ما يرسله جميل بن دراج، ولم نقل به، أو بكونها مورد عمل الأصحاب كما هو الظاهر.

قد ذُكِر فيها حكمان:

أحدهما: أن يرجع الشاهد قبل حكم الحاكم، فلا يحكم الحاكم ولا غرامة على الشاهد.

ثانيهما: أن يرجع بعد الحكم إما قبل تلف المال عند من أخذه أو بعد ذلك، فهنا لا يرجع الحكم، بل يبقى نافذاً؛ لأنه لم يثبت أنه شاهد زور. ويعطى المال للمحكوم له، ويرجع على الشاهدين إن رجعا معاً، على كلّ واحد نصف، وإن رجع أحدهما أخذ منه النصف، وبحسب الفتوى.

فلماذا يضمن الشاهد؟ هل لأنه أتلف مال الغير؟ لا؛ لأنه لم يتلفه، بل غايته أنه رجع عن شهادته، فليست الغرامة للإتلاف، ولا لأنه جزء السبب للإتلاف؛ إذ قد لا يكون الإتلاف متحقّقاً أصلاً، بل المال موجود إما عند 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 383، كتاب الشهادات، باب مَن شهد ثُمَّ رجع عن شهادته، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 61، باب شهادة الزور…، الحديث 3339، تهذيب الأحكام 6: 259، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 90، ووسائل الشيعة 27: 326، كتاب الشهادات، الباب 10، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

المحكوم له أو عند المحكوم عليه ويأمره الحاكم بدفعه، ومع ذلك يكون الشاهد ضامناً بعد الدفع.

وإنما الغرامة لانقطاع يد المالك عن ماله، فإن سبب هذا الانقطاع عدّة أمور:

أحدها: شهادة الشهود.

الآخر: حكم القاضي.

الثالث: عمّال القاضي الذين أخذوا المال وسلّموه.

لكن ما ينسب إليه الانقطاع عرفاً هو الشاهد، فإن القاضي بعد تمامية موازين القضاء لا بُدّ له من الحكم وإلّا كان عاصياً، والعمّال يجب عليهم تطبيق الحكم على أنهما محسنان، وليس على المحسنين من سبيل. فالسبب الرئيسي هو الشاهد. فإن رجعا معاً فحيث لا يمكن ضمان كلٍّ منهما لتمام المال ولا أحدهما بالخصوص له دون الآخر، فلا بُدّ من ضمان النصف لكلٍّ منهما، وإذا رجع أحدهما فهو جزء السبب للغرامة فيضمن النصف.

فالباب باب التسبيب لانقطاع المال عن يد صاحبه، لا أنه سبب للتلف، فهذا من رجوع الشاهد عن شهادته.

ونظيره في غير الأموال: ما كان في باب 14، من أبواب الشهادات: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر، قال: “قضى أمير المؤمنين في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق، فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر، فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنما شبّهنا 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ذلك بهذا. فقضى عليهما أن غرّمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الآخر“ (1).

فالشاهدان يغرمان، مع أن القاطع هو عامل الإمام والحاكم هو الإمام، وليس الشهود قاطعين، وألزمهما بالغرامة؛ لأن لهما نحواً من التسبيب، لأن شهادتهما أصبحت موضوعاً للحكم الشرعي بلزوم الحكم بالقطع، والقاطع ملزم بإجراء الحكم الشرعي، فالمسبّب بلا إلزام شرعي هو الشهود.

[الطائفة الثانية: في المتعمد للكذب] 

وهناك طائفة في شاهد الزور، وهو المتعمّد للكذب.

فمنها: باب11: وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن جميل، عن أبي عبد الله – وهي رواية معتمدة-، في شاهد الزور، قال: “إن كان الشيء قائماً بعينه ردّ على صاحبه، وإن لم يكن قائماً ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل“(2). ورواه الشيخ(3) بإسناده عن أحمد بن محمد، ورواه الصدوق(4) بإسناده عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج مثله. 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 384، كتاب الشهادات، باب من شهد ثُمَّ رجع عن شهادته، الحديث 8، تهذيب الأحكام 6: 261، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 97، ووسائل الشيعة 27: 332، كتاب الشهادات، الباب 14، الحديث 1.

(2) الكافي 7: 384، كتاب الشهادات، باب من شهد ثُمَّ رجع عن شهادته، الحديث 3، ووسائل الشيعة 27: 327، كتاب الشهادات، الباب 11، الحديث 2.

(3) اُنظر: تهذيب الأحكام 6: 259، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 91.

(4) أُنظر: من لا يحضره الفقيه 3: 59، باب شهادة الزور وما جاء فيها، الحديث 3331.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ومنها: عن علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله في شهادة الزور: “إن كان قائماً، وإلّا ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل“(1).

 ومنها: محمد بن الحسن بإسناده، عن علي بن إبراهيم مثله. إلّا أنه قال: “إذا كان الشيء قائماً بعينه ردّ على صاحبه“(2).

ومنها: محمد بن يعقوب(3)، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن العلا بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله في شاهد الزور ما توبته؟ قال: “يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من مال، إن كان النصف أو الثلث، إن كان شهد وآخر معه“(4).

ففي بعضها: “بقدر ما ذهب من مال الرجل“. وفي بعضها: “بقدر ما أتلف من مال الرجل”(5).

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() الكافي 7: 384، كتاب الشهادات، باب من شهد ثُمَّ رجع عن شهادته، الحديث 6، ووسائل الشيعة 27: 328، كتاب الشهادات، الباب 11، الحديث 3. 

(2) تهذيب الأحكام 6: 260، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 93، ووسائل الشيعة 27: 328، كتاب الشهادات، الباب 11، ذيل الحديث 3.

(3) الرواية الأولى من الباب. (المقرِّر).

(4) الكافي 7: 384، كتاب الشهادات، باب من شهد ثُمَّ رجع عن شهادته، الحديث 2، تهذيب الأحكام 6: 260، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 92، ووسائل الشيعة 27: 327، كتاب الشهادات، الباب 11، ذيل الحديث 1.

(5) الكافي 7: 384، كتاب الشهادات، باب من شهد ثُمَّ رجع عن شهادته، الحديث 3، من لا يحضره الفقيه 3: 59، باب شهادة الزور وما جاء فيها، الحديث 3331، تهذيب الأحكام 6: 260، كتاب القضايا والأحكام، الباب 91، الحديث 91، ووسائل الشيعة 27: 327، كتاب الشهادات، الباب 11، ذيل الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والشهادة بعد أن يثبت أنها زور يرتفع حكم الحاكم، فيكون الشاهد ضامناً، وكذلك من وصل إليه المال بسبب شهادة الزور، سواء(1) كان عالماً بكونه مالاً حراماً أم لم يكن؛ لأنه بعد ارتفاع الحكم تكون يده على هذا المال يد ضمان، فإذا تلف يضمن بقاعدة الإتلاف، ولا يمكن أن يقال بضمان الشاهدين دونه، خاصّة فيها إذا كان عالماً. فإذا تلف مال الغير، فعندنا إتلاف واحد، لا أن هذا أتلفه وهذا أتلفه بمعنى واحد، بل ينسب التلف إلى من وصل إليه المال على وجه الحقيقة. وأما الشاهد فباعتبار أنه أتلف عليه ماله.

فـ(أتلف) الواردة في الروايات مسندة إلى الشاهد، يراد بها أنه أتلفه عليه من قبيل أفسده عليه، يعني قطع يد الرجل عن ماله. فلا يكون هذا دليلاً على قاعدة الإتلاف، بل يكون أعمّ منها، فإنه إذا أتلف المال فقد أتلفه على صاحبه، ولكن يشمل ما إذا تلف المال على صاحبه ولم يتلف حقيقة، كما لو طار العصفور من القفص، أو ألقى قطرة خمر في حوض الخلّ.

فهذا الشاهد له نحو من السببية للإتلاف على المالك، فإنه سبب لحكم الحاكم، أو الحكم سبب لحكم الشارع بالضمان. والحاكم يجب عليه الحكم، وعامله يجب عليه التنفيذ. وإنما المسبّب هو الشاهد، فيطالب هو، ولا يمنع 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() هذا العموم لم يظهر من السيد بوضوح. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ذلك من الرجوع إلى من تلف المال عنده. أما أن الشاهد هل يرجع على من أتلف المال، ويستقرّ الضمان على من أتلفه أو لا؟ بحث خارج عن محلّ الكلام.

إذ يستفاد من هذه الروايات قاعدة عامة، هي أنه لو كانت الوسائط بنحو ضعيف بالنظر العقلائي لا تكون ضامنة، ويكون الضمان على مَن كان النظر العقلائي مركّزاً عليه كسبب قوي، فلا يبعد القول بقاعدة التسبيب بهذا المقدار، بعد التعدّي من مورد الشاهد إلى غيره.

فالمهم في هذا الباب هو روايات شاهد الزور، فإن استطعنا أن نتمّم بها ضمان التسبيب أو نتعدّى منه إلى غيرها من الموارد، فهو، وأما إذا لم نستطع أن نثبت ذلك فيها فالروايات الأخرى لا تسعفنا.

والمراد من قوله في هذه الروايات: “لأنه أتلف مال غيره“.

هل المراد أن المتلف هو الشاهد، وأن من وصل إليه المال ليس متلفاً، وكأنّ هذا أمر تعبّدي من الشارع؟ إلا أن هذا أمر لا يمكن أن يتمّ، فإن من وصل إليه المال ضامن بلا إشكال، إما بقاعدة الإتلاف أو بقاعدة اليد.

فهل الشاهد متلف بضمان الإتلاف أيضاً، بحيث إن للمال متلفَين؟ هذا لا يمكن. إذن فالمتلف الحقيقي هو من وصل إليه المال، وإنما قيل للشاهد أنه متلف بعنايةٍ، فما هي العناية؟

قلنا: إن هذه العناية هي أن معناه أنه أتلف على صاحبه المال، وهذا خلاف الظاهر، فإن التعبير هو: (بمقدار ما ذهب من ماله)، ولم يقل: (بمقدار ما أتلف عليه).

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

العناية الأخرى: هي أن الشاهدين بعد أن أدّيا الشهادة، كأنّه ينسلب اختيار القاضي في أن يحكم أو لا يحكم بحسب الإلزام الشرعي له بالحكم. وكذلك دفع المال إلى المحكوم له كان واجباً، فحين دفع إليه أتلفه. 

فيمكن أن يقال: إن الشاهد هو المتلف بعناية أنه هو المسبب المختار إلى الإتلاف، ولم يبقَ بعد فعله فعل اختياري شرعاً بينه وبين التلف.

نعم، لو بقي القاضي مختاراً بعد الشهادة في أن يحكم أو لا يحكم، فإذا حكم نسب التلف إليه؛ لأنه السبب الأقرب، كما لو كان القاضي غير صالح للقضاء، فإن القاضي يكون ضامناً، دون الشاهد وإن كان زوراً، لعدم إلزام القاضي بالحكم، بل هو ملزم بتركه شرعاً.

إذن فيكون للمال متلف حقيقي هو من المال في يده، ومتلف ادعائي هو الشاهد الزور.

لكن يبعّد هذا التقريب: أنه لو كان الكلام في القاضي والشاهد وحدهما لكان القاضي ملزماً بالحكم، ولم يبقَ بعد أداء الشهادة فعلٌ اختياري، ولكن من وصل إليه المال ليس ملزماً بالإتلاف، بل قد يكون ملزماً بعده، كما لو كان عالماً بكونه مال الغير، وأن الشهادة مزورة، كما هو الغالب في موارد الشاهد الزور. فهذه العناية لا تصل إلى الآخر، بل يكون هناك بعد أداء الشهادة فعل اختياري آخر كان سبباً للتلف.

نعم، في الموارد التي ينسلب فيه الاختيار تكويناً أو شرعاً بسبب فعل الإنسان تصحّ هذه العناية، كما لو ألزمه -من غير إكراه- بل بنحو الجبر والقهر 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

على أن لا يأكل حتى اضطر إلى أن يأكل من مال غيره، فيقال للملزم إنه متلف بهذه العناية، فإنه لم يحصل بين فعله وبين التلف اختيار.

إذن فهذه العناية لا تتمّ، والأقرب هي العناية الأولى، وإن كانت خلاف الظاهر، إلّا أننا لا يمكن أن نحمل الإتلاف على المعنى الحقيقي في الشاهد على ما بيّنا. فتتعيّن(1) أقرب العنايتين. فيكون المراد هو أن الشاهد أصبح موضوعاً لإلزام الشارع للقاضي بإخراج المال عن مالكه وسلب يده عنه.

ومع هذا لا يتمّ المطلب، فإن مطلبنا هو أنه في أيّ مورد يكون السبب أقوى -ولو من إتلاف- يكون ضامناً. 

وفي رواياتنا عدّة قيود، لا بُدّ في فهم التعميم من إلغائها:

إحداها: أن نستشعر من قوله: “ضمن بمقدار ما أتلف“ التعليل بمناسبة الحكم والموضوع، وإن تمام ما له دخل في الغرامة هو أن هذا أخرج المال من يده وأتلفه عليه، وليس المدار في الغرامة هو كونه شاهد زور.

واحتمال أن الغرامة على الشاهد لأجل تأديبه، بعيد، فإنه ورد لتأديبه أنه يجلد دون الحدّ، يعني بمقدار ما يرى الحاكم، ويُشَهّر به في المدينة، ولو كان الضمان لأجل تأديبه لذكر في ذلك السياق. على أنه قيل: “بمقدار ما أتلف“، فيعرف أن المدار هو التلف.

إلّا أن استشعار التعليل من الحكم في نفسه بعيد، فإن قوله: “ضمن بمقدار ما أتلف من مال الرجل“، تقرير للحكم نفسه وليس علّة، فإن العلّة 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() هذا لم يصرّح به السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

تكون بعد تمام ذكر الحكم، كما في روايات الغرور: (هو ضامن كما غرّه وخدعه)(1). أما المقام فيكون من قبيل قوله: (هو أذكر حين يتوضأ)(2)؛ إذ يقولون إنه علّة للحكم، مع أنه في سياق بيان الحكم نفسه.

إذن فلا يستفاد من قوله: (ضمن بمقدار ما أتلف) الشمول لسائر الموارد بنحو الكبرى الكلّية.

[روايات أُخر استدل بها في المقام]

عندنا روايات لا يستفاد منها المقصود.

منها: روايات (من أضرّ بطريق المسلمين فهو ضامن)(3). أو من (حفر بئراً أو دقً مسماراً أو كنيفاً في طريق المسلمين، فهو ضامن)(4)، فنفهم من ذلك التعميم لكلّ إضرار بطريق المسلمين بحيث عمل عملاً لولاه لم يتلف المال أو النفس عند استطراقه في هذا الطريق. ولكنّ هذا الحكم هل هو من الأحكام 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

() تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) تهذيب الأحكام 1: 101، كتاب الطهارة، الباب 4، الحديث 114، ووسائل الشيعة 1: 471، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 42، الحديث 7، نص الرواية: “هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ”.

(3) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 241، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، البابين 8 و9.

(4) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 245، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 11.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

السياسية للإسلام؛ لأجل أن لا يضرّ الناس بطريق المسلمين، أو من باب التسبيب الموجب للضمان، إذن فلا يختصّ بطريق المسلمين؟ فيأتي للنظر أن المقصود هو الأوّل، فلا يمكن أن نفهم منها القاعدة العامة، وإن أيّ عمل وقع لولاه لما حصل التلف سواء بطريق المسلمين أم غيره، يكون موجباً للضمان.

نعم، في بعضها(1) (من أضرّ في غير ملكه)، وهذا أيضاً يحتمل لأجل السياسة؛ لئلا يضرّ الإنسان بمال الغير، وليس من باب التسبيب.

وأما روايات جناية الدابّة بيديها أو رجليها(2)، فلا يستفاد منها القاعدة العامة. 

وأما روايات(3): (أن خطأ القاضي على بيت مال المسلمين)، فالقاضي ضامن، ولكنّه من بيت المال، باعتبار أنه ملزم من قبل الشرع بالحكم. فهو نحو من التسبيب، ولكن لا يستفاد منه القاعدة العامة.

وأما روايات(4): (المفتي ضامن)، فلها بحث آخر غير مربوط ببحثنا.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

() اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 241، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 8.

(2) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 246، كتاب الديّات، أبواب موجبات الضمان، الباب 13.

(3) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 27: 226، كتاب القضاء، أبواب آداب القاضي، الباب 10.

(4) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 27: 220، كتاب القضاء، أبواب آداب القاضي، الباب 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن، فلم نستطع أن نستفيد قاعدة أخرى غير الإتلاف -بالسعة التي ذكرناها- وقاعدة الضرر، ثُمّ لا بُدّ لنا من التطبيق على الموارد التي ذكرها الشيخ.

[تحقيق المطلب]

الروايات التي عندنا في باب الإتلاف عدّة طوائف:

إحداها: أن يكون بين السبب أو ما يقال له السبب بعناية وبين المتلف واسطة مختارة. من قبيل شاهد الزور، والراجع عن شهادته في باب الأموال، فإن بعض الوسائط كالقاضي وعامله وإن كانت ملزمة شرعاً إلّا أن المتلف فاعل مختار وقد أتلفه بدون إلزام شرعي.

وطائفة: أن الواسطة بين السبب والتلف، وإن كان مختاراً عقلاً إلّا أنه غير مختار شرعاً، كروايات شاهد الزور في القطع والقتل، والشاهد الراجع في أبواب الجنايات، وذلك لأن الشاهد يرجع بعد إجراء الحكم، فالقاضي في حكمه وإن كان مختاراً عقلاً، ولكنّه ملزم شرعاً، وكذلك المأمور ملزم بإطاعة أمر القاضي بالتنفيذ، وليس هنا واسطة في البين، يكون مختاراً وغير ملزم.

وطائفة: لا يكون بين ما يقال له السبب بوجه وبين التلف واسطة لفاعل مختار أصلاً، مثل أن يكون الواسطة دابّة، أو كذا وكذا في طريق المسلمين فعثر به شخص أو حمّال، أو وضع مزلقة فزلق به(1).

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() وهنا تكلّم السيد بمناسبة مثال الدابّة، فذكر أن الحيوانات وإن كانت غير مختارة عرفاً، إلا أنها عقلاً لها إرادة واختيار كالإنسان تماماً، وإن كانوا لا تمييز لهم للصلاح والفساد، فلا يفهمون المولوية وإطاعة المولى، ولكن هذا لا يعني أنهم ليسوا بفاعلين مختارين، فإن الفاعل المختار هو من يتصوّر الموضوع ويصدّق بمصلحته، وهذا ثابت عندما نلقي شعيراً للحمار، الذي قالوا: إنه أقلّ عقلاً من غيره من الحيوانات، وقالوا إنه أكثر عقلاً!!

فقد اختار الأكل واصطفاه على سائر أفعاله، وإنما لا يثاب ولا يعاقب لعدم مبادئه فيه، وهو: إدراك قواعدها العامة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وطائفة من الروايات جعل فيها الضمان، وليس أن السبب فاعل له، بل كان مكلّفاً بحفظه ومنعه فلم يفعل، كرواية البعير المغتلم(1)، وفيها أن صاحبه ضامن لثمن ما يتلف، أو من في داره كلب عقور فدعا شخصاً إلى داره فتضرّر من الكلب، فإنه يكون ضامناً(2)، فهذا لم يغرِ الجمل أو الكلب إلى الإضرار، ولكنّه كان يجب أن يحفظه ولم يحفظه، فكان ضامناً.

ونحوه ما ورد فيما أفسدت الدابّة في الليل دون النهار(3)؛ لأنه في النهار يجب على صاحب المال حفظ ماله. فلا يكون صاحب الدابّة ضامناً، وأما في الليل إذ يذهب الناس للراحة، فيجب على صاحب الدابّة حفظها، فلو لم يحفظها لكان ضامناً.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

(1) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 250، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 14.

(2) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 254، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 17.

(3) اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 276، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 40.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وطائفة أخرى: القائلة: من تطبّب وتبيطر فليأخذ البراءة من الولي، وإلّا كان ضامناً(1)، ولا كلام لنا في البراءة، وإنما الكلام في ضمانهما، فإذا كانا مباشرين، فهو من باب الإتلاف، ويكونان ضامنين بقاعدته لا بالتسبيب، وأما إذا كتب الطبيب أو البيطار (نسخة) وأمر باستعمالها فما بين الطبيب وشرب الدواء فواعل مختارة كصانع الدواء وبائعه وشاربه، لكنّه يشمله إطلاق الرواية، فكأن الفواعل الآخرين كأنّهم مأمورون بإجراء أمر الطبيب، فلا ينبغي أن يقال بضمانهم، ويكون الطبيب هو الضامن لنحو من التسبيب، وهو أنه لولاه لما حصل(2).

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() اُنظر: الروايات الواردة في وسائل الشيعة 29: 260، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 24.

(2) أقول: لا يخفى أن مركِّب الدواء إن كان بأمر الطبيب محضاً، فهو كما ذكر السيد -بعد تسليمه- وأما إذا كان بغير أمر الطبيب، وإنما كان طبقاً لقواعد كيمياوية أو صيدلانية مستقلّة عن اختصاص الطبيب، وفرضنا أن الصيدلي تعمّد تركيب الدواء بنحو مضرّ بالمريض، فهو الذي يكون ضامناً دون الطبيب كما هو واضح؛ لأنه الفاعل المختار الأقرب.

على أن ما ذكره السيد لا يمكن تسليمه، فإن مركّب الدواء وبائعه إذا كان جاهلاً غافلاً، فلا شيء عليه، تكليفاً أو وضعاً، كما ذكر السيد.

وأما إذا كان عالماً بضرره على المريض أو بوجود خطأ في تركيب الدواء ونحو ذلك، فإنه ملزم بمخالفة أمر الطبيب ببيعه؛ دفعاً للإضرار المحرّم، فإن عصى هذا الحكم الشرعي باختياره كان ضامناً باعتباره الفاعل الأقرب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نعود إلى مسألتنا وهي ما ذكره الشيخ بأن المشتري إذا خسر على العين ولم ينتفع، ثُمّ بانت العين مستحقّة، وأمره صاحبها بقلع الزرع أو البناء، فإنه يصدق على البائع أنه متلف لمال غيره.

ونحن بالتوسعة التي قلناها لقاعدة الاتلاف، أصبح لها موردان:

إما متلف للمال حقيقة، أو متلف له على صاحبه، وليس البائع من أيٍّ منهما. أما الأوّل فواضح، وأما الثاني فلأنه ليس له أي فعل، ولم يأمره بأيّ عمل، ومجرّد بيع مال الغير على المشتري لا يكون إتلافاً، وأما الأعمال التي قام بها المشتري فهي من اختياره وليس للبائع أيّ دخل بها(1).

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() وهنا ذكر السيد في جواب على من قال بأن البيع الذي عمله البائع كان سبباً للإتلاف، قال: بأن البيع موضوع للإتلاف وليس إتلافاً، والسببية هي عمل ما له دخل في الإيجاد، لا أنها هي إيجاد موضوع الوجود. ومثّل لإيجاد الموضوع بما إذا قتل شخص فعوتب أبوه على قتله، باعتبار أنه أولده فأوجد موضوع القتل، فإنه لا قتل بلا مقتول.

إذن فلا إشكال بأن قاعدة الإتلاف غير شاملة.

وأما قاعدة التسبيب فهذه الموارد التي ذكرناها لها قبل قليل، أيّ منها منطبق على البائع. ولو قلنا بعمومها لقلنا: إن كلّ فاعل مختار غير ملزم ضامن، ولكن البائع ليس سبباً بأي نحو من أنحاء السببية، فإنه لا عمل له ولا قول، وإنما باع وأوجد موضوع التصرّف. وأما أنه لولا فعله لَما وجد فهو مثل أنه لولا الأب لما وجد القتل، فإنه لا يكون بلا مقتول. بناء عليه فالتسبيب بأيٍّ من الأنحاء السابقة غير موجود في المقام.

أقول: ربما يكون للإشكال الذي ذكرناه قبل (قاعدة التسبيب) وجه وجيه في تضمين البائع. بأن يقال بأن البائع كان مسبّباً عرفاً بل عقلاً لإتلاف المال.= 

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ــــــــــ[133]ــــــــــ

=أما عرفاً فعلى ما نمثّل مما يوافق العرف على اعتباره ضامناً، وأما عقلاً فباعتبار أن البائع يعلم إجمالاً بعد تسليم المال إلى المشتري -على الفرض- أنه سوف يرتّب عليه أثر الملك، بعد أن يتخيّل نفسه مالكاً. فهو يعلم بوقوع جامع التصرّف منه، بما فيه المتلف وغيره. والإنسان لا محالة مجبور ومضطرّ إلى جامع الأفعال الاختيارية. 

إذن فقد أوقع البائع المشتري في الاضطرار إلى جامع بين أفعالٍ كلّها محرّمة في الواقع، وحيث كان المشتري غافلاً على الفرض كان أوّل فاعل مختار لأسباب التصرّف المالكي هو البائع، وهو الذي يتحمّل تبعات تصرّفات المشتري من ضمان وعقاب.

فإن قلت: إن هذا الجامع جامع بين فعل متلف موجب للضمان وفعل غير موجب، فإنه ليست كلّ تصرّفات المالك تكون متلفة عادة، والعلم بالجامع بين موجب الضمان وغيره، غير موجب للضمان (يعني ليس موضوعاً للحكم به).

قلت: هذا صحيح، فيما إذا كان احتمال التصرّف المتلف طرفاً وهمياً أو مشكوكاً أو مظنوناً ظناً دون الاطمئنان، من أطراف العلم الإجمالي، كما لو باعه كتاباً ليحفظه في مكتبته، وفي مثله لو أتلفه المشتري إتلافاً حقيقياً أو اعتبارياً لا يكون بائعه ضامناً.

وأما إذا كان احتمال التصرّف المتلف مطمئناً به أو معلوماً عادة، كما لو باعه فاكهة أو خبزاً ليأكلها أو فحماً ليوقده، فالبائع إذا باعه مع وجود هذا الاطمئنان عنده، وكان المشتري غافلاً جارياً على طبق مالكيته المتخيّلة، فالبائع كان هو السبب الأخير في إيجاد مبادئ الإرادة عنده نحو هذا التصرّف فيكون ضامناً لا محالة.

ومثله ما لو استنصح*(1) المسافر شخصاً في طريق يسافر فيه فدلّه على طريق مسبع، أو استنصحه حول دار يسكن فيها فدلّه على دار مخطرة بالحشرات أو الانهدام مثلاً، فتضرّر من ذلك. فالمستنصح في المثالين قد ذهب في الطريق أو في الدار باختياره*(2)، ولكن السبب الأخير لبعثه وإيجاد مبادئ الإرادة عنده هو الناصح في المثال، فيكون=

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فما ذكره الشيخ(1) من التمسّك بقاعدة الإتلاف وقاعدة التسبيب غير تامّ. بقيت قاعدة الإضرار هل تصلح أن تكون (لا ضرر) دليلاً لنا على الضمان أو لا؟

[الاستدلال على الضمان بقاعدة لا ضرر]

في تمام الموارد التي بحثها الشيخ سواء في الموارد التي غرّم فيها المشتري ولم ينتفع، أو غرّم وانتفع، أو موارد اختلاف الثمن كمية أو جنساً، في تمام هذه الموارد تمسّك الشيخ(2) بقاعدة (لا ضرر) لإثبات الضمان.

وبناءً عليه لا بُدّ لنا من التكلّم في ثلاثة مطالب:

الأول: هل قاعدة (لا ضرر) صالحة لجعل الضمان أو لا؟

ــــــــــ[134]ــــــــــ

=ضامناً لضرره لا محالة.

وهذا ما يوافق عليه العقل والعرف معاً، كما هو واضح.

نعم، لو لم يكن البائع هو السبب الأخير في إيجاد مبادئ الإرادة عنده، كما لو تبرأ من هذه الناحية، وقال: بأن المال إذا ظهر ملكاً لغيري فأنا غير مسؤول، أو كان الباعث للمشتري على الشراء شخصاً ثالثاً عالماً بالغصبية رجاه رجاءً أكيداً في الشراء، فإن هذا هو الذي يكون ضامناً دون البائع أو معه، أو كان المشتري عالماً بالغصبية أو مطمئناً بها، وعلى أيّ حال فكلام السيد في فرض المسألة لا يتمّ. انتهى. (المقرر).

*() ومثله ما لو أعطاه فاكهة مسمومة مثلاً الى غير ذلك من الأمثلة. (المقرِّر).

*(2) وبدون إلزام شرعي. (المقرِّر).

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 499، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

(3) أُنظر المصدر نفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الثاني: أنه على فرض صلاحيتها فهل في تمام الموارد التي ذكرها فيها ضرر على المشتري، أو أن الموارد مختلفة؟

الثالث: أنه على فرض ورود الضرر فهل هو(1) مشمول للقاعدة؟

فلو تمّمنا هذه الأمور الثلاثة لقلنا: أن للمشتري أن يرجع على البائع.

أما المطلب الأول: وهو أن قاعدة (لا ضرر) هل هي صالحة لهذا المعنى أو لا؟

ربما يقال: إن (لا ضرر) ليست مشرّعة، وإنما هي واردة لنفي الأحكام الضررية، أما إثبات الحكم الذي يدفع الضرر عن شخص فلا يتأتى من القاعدة. 

وربما يقال: بأنه لا يعقل الجمع بين هذين المطلبين في كلام واحد، بين نفي الحكم وإثبات الحكم بالجبران، وإنما تثبت أحدهما لا محالة.

نقول: إنه بناء على مسلك القوم(2) في قاعدة (لا ضرر) من كونها نافية للضرر والضرار، وقد تبعوا الشيخ(3) في ذلك، لو أخذنا بذلك، فيأتي إلى النظر أن الأقرب هو تكفلّها للنفي والإثبات معاً، فإنها لا يمكن أن تفيد نفي الضرر إلّا بنحو الحقيقة الادّعائية، لا بالنحو الذي قاله الآخوند(4) من نفي الحكم 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() يعني البائع على ما تعرف. (المقرِّر).

(2) اُنظر: فوائد الأُصول 3: 262، المقام الثاني، المبحث الثالث، المقام الثاني، الوجه الرابع، وغيره. 

(3) اُنظر: فرائد الأُصول 2: 533، المقصد الثالث، المقام الأوّل، قاعدة لا ضرر.

(4) اُنظر: كفاية الأُصول: 381، المقصد السابع، خاتمة في شرائط الأُصول.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بلسان نفي الموضوع ادعاءً، بل إن المتكلّم ادّعى أن الضرر والضرار غير موجودين، والمصحّح في الحقائق الادعائية ليس هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له مجازاً، بحيث يكون مجازاً في الكلمة: بأن أطلق السبب وأراد المسبب، بل اللفظ استعمل في معناه الحقيقي. ولكنّ المتكلّم طبّقه وحمله مجازاً، فحين يقال: (زيد حاتم) ليس أنه قد استعمل (حاتم) في (زيد) مجازاً، بل اُستعمل بمعناه الحقيقي، وحمل على (زيد) مجازاً.

ففي قاعدة (لا ضرر)، بناء على أن المراد بـ(لا) فيها هو: النفي، يعني أن الضرر غير موجود والضرار غير موجود، فهو ينفي حقيقة الضرر والضرار، وحين ننظر فنرى أن الضرر موجود في الخارج. 

قالوا: إنها إنما تنفي الأحكام الثابتة بإطلاق أدلّتها لموارد الضرر، فالضرر غير متحقّق في محيط الإسلام(1).

فلو تمّ هذا الادعاء على إشكال فيه؛ باعتبار أن نصف الأحكام ضررية في نظر العقلاء، كالزكاة والخمس والجهاد، فالمشرّع الذي يرى ذلك في شريعته لا يمكن أن يدّعي نفي الضرر من شريعته، وأيّ ضرر أعظم من دفع مال حصّله الشخص بالتعب، وإلزامه بدفعه إلى غيره.

إلّا أن هذا الادّعاء لو تمّ فمصحّحه هو أنه ليس في أحكام الإسلام أحكام ضررية، وإنما يستطيع أن يدّعى ذلك باعتبار عدم وجود الحكم الضرري 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) راجع تفضيل الأقوال في المسألة في الرسائل (للسيّد الخميني) 1: 34-49، رسالة في قاعدة لا ضرر.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وتحريم الإضرار بالغير، والحكم بوجوب الجبران والقصاص إن وقع الضرر، بل بوجوب إجراء وتنفيذ حكم الحاكم بالقصاص أيضاً، وإلّا لم يصحّ هذا الادعاء. فكأنّه يريد أن يقول: إن من يدخل في الإسلام فهو مأمون من ناحية الأحكام من الضرر، وذلك إنما يتمّ فيما إذا كان كلّ ذلك محرزاً في الإسلام.

وإنما قلنا بأنه لا يجوز استعمال كلِا المعنيين، فيما إذا كان اللفظ مستعملاً فيهما، ولكن هذا الذي قلناه لا يرجع إلى ذلك، ولكنّ مصحّح الادّعاء لا يتمّ إلا بذلك، فلو كان هذا من الحقائق الادّعائية فلا بُدّ أن تثبت هذه الأبواب. 

وكلّ من يقول بالحقيقة الادّعائية يلزمه أن يقول بالتعميم، ومن قال بأنه مجاز في اللفظ فتختص القاعدة بنفي لأحكام الضررية.

ومن يقول بأنه نهي لا نفي، وقد قلنا بأنه نهي لا نفي، ولكنّه نهي سلطاني، ولا ربط له بالأحكام. نعم، لو قيل بأن النبي بما أنه سلطان ادّعى أن الضرر غير موجود في الشريعة، فلا بُدّ أن يكون قد نهى عن إضرار الناس بعضهم لبعض، وأمر بالجبران عند وقوع الضرر، حتى يصحّ هذا الادعاء.

فمن يقول بأن (لا ضرر) من الحقائق الادعائية، لا يمكن أن يقول: إنها غير مشرّعة، بل لا بُدّ أن تكون مشرّعة، بمعنى أننا نفهم منها وجود الأحكام الثبوتية(1).

نعم، بالنسبة إلى الجبران، غير تامّ، فإن الكلام فيما هو مربوط بالشارع، لا ما إذا وقع ضرر في السوق فيقال: بأنه يجب على الشارع إيجاب جبرانه.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وحيث إننا لا نقول بذلك فلا يمكن أن نفهم من (لا ضرر) ذلك.

ولو فرضنا أننا تمّمنا هذا المطلب وفهمنا من (لا ضرر) أنها مثبتة للأحكام بما فيها الجبران، فهل في تمام الموارد المذكورة في المقام ضرر أو لا؟ 

ففيما إذا بنى داراً أو زرع، وأمر المالك بالقلع، فمعلوم أنه ضرر، وأما إذا أراد شخص أن يستأجر داراً بمائة، فأرشده شخص إلى دار أخرى، وفي آخر السنة طلب منه المائة، أو أنه يريد أن يشتري البطيخ فيدفع له بطيخاً، ثُمّ يغرّم ثمنه لمالكه، هذا لا يعتبر ضرراً، ونحوه مما يقع من الإنسان بطبعه، فقول الشيخ إنه: أيّ ضرر أعظم من أن يتخيلّه الإنسان مجانياً، ثُمّ يؤخذ منه العوض، لم نفهم لماذا.

ثُمّ إنه لو كان في تمام الموارد ضرر، أو في الموارد التي فيها ضرر، فهل معنى هذه القاعدة أن الضرر لا بُدّ وأن يتدارك من أي شخص كان، أو يجب تداركه من قبل الشخص المضارّ نفسه، فيجب عليه الجبران، فنرى أن البائع أيّ ضرر أورد على المشتري؟ 

فإنه لم يعمل شيئاً إلّا أنه باعه عليه وجعله يتخيّل أنه ملكه، والمشتري بنفسه هو الذي زرع في الأرض أو بنى، وصاحب المال هو الذي هدمه أو قطعه، فصاحب المال هو الذي أضرّ بالمشتري، غاية الأمر بما أنه عرق ظالم، ولا حرمة له، فلا يكون هذا الضرر حراماً ولا يجب جبرانه، ولا يمكن أن تقول أن كِليهما موقع للضرر. وكون الضرر لم يقع لولا عمل البائع، لا يوجب كونه مضارّاً، فإن مجرّد أنه موجد للموضوع لا يجعله مضارّاً.

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بناءً عليه لو قبلنا المقدّمتين الأوّلين، فإن المقدّمة الثالثة لا تتمّ، فإنه ضرر، ولكن المضارّ هو شخص آخر غير البائع، فما يقوله الشيخ حول قاعدة الغرر والإتلاف والضرر، قد قبلنا القاعدة الأولى، ولم نقبل القاعدتين الأخريين بعمومهما.

ثُمّ إن ما يتعرّض له الشيخ(1) من (خوردة)(2) المطالب غير مهمّة، وإنما المهمّ هو قضية تعاقب الأيادي.

[حول ضمان تعاقب الأيدي]

هناك إشكال في باب تعاقب الأيدي، فإنه بحسب الروايات هو أن الغارّ ضامن، والمغرور ضامن أيضاً، ولصاحب المال الرجوع إلى أيٍّ منهما شاء، وإذا رجع على المغرور رجع المغرور على الغارّ، فعندنا شخصان ضامنان إما للإتلاف أو للتلف تحت يده، وكذلك في باب الأيادي المتعاقبة على العين المغصوبة، فإن جميعهم ضامنون، وإذا رجع المالك على السابق، فإنه يرجع على اللاحق، ويستقرّ الضمان على من تلفت العين تحت يده.

[إشكال اشتغال الذمم المتعددة بمالٍ واحد]

الإشكال في هذا أنه ليس هناك في مقابل المال الواحد إلّا بدل واحد، ففيما نحن فيه لا تطلب الزوجة من الزوج إلّا مهراً واحداً، وبحسب الأدلّة أن 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 504، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: ليس لها قيمة أي غير مهمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الزوج عليه المهر، وأن من دلّسها عليه المهر، فهل يتعدّد المال بتعدّد الذمم؟

وفي باب تعاقب الأيادي، أن البدل يكون له حصص مختلفة باختلاف الذمم، فكيف يعقل أن نطلب المهر من شخصين مع أن مهرها واحد، أو كيف يكون جميع من تعاقبت أيديهم على العين، ضامنين مع أن البدل واحد؟ فكيف يعقل ذلك؟!

[دفع الإشكال]

ظاهر الشيخ(1) وصريح السيّد(2) -وهو يفسّر عبارة الشيخ بذلك- أنه يريد دفع الإشكال بالقول بأنه لا مانع من اشتغال الذمم بشيء واحد على نحو البدلية، نظير الواجب التخييري والكفائي، والسيد يقول: إنه لا مانع من ملكية المتعدّدين للملك الواحد على نحو البدلية، كالفقراء المالكين للزكاة والسادة المالكين للخمس، فهذه الذمم ليس تعدّدها عرضياً حتى يقال: إن المال له أبدال متعدّدة، بل هو بدلي فلا يلزم ذلك.

وهذا وإن لم ينطبق على ظاهر الأدلّة، ولكنّه إذا كان هو التفسير المعقول الوحيد، فلا بُدّ من الأخذ به.

وأما إذا كان هو تفسير غير معقول ودفعاً للمحذور العقلائي بمحذور عقلي، فإن الذمّة على البدل إما معناه أن الشيء على البدل يكون على الذمم، أو 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) اُنظر المصدر المتقدّم 3: 505.

(2) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 306، كتاب البيع، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 (الذمم على البدل) تكون حاملة للشيء، وكِلاهما فيه إشكال عقلي، فإن العهدة على البدل والشيء على البدل أمر لا تحقّق له في الخارج، فإنه من الفرد المردّد، وهو لا يعقل تحقّقه.

وقياسه على الواجب الكفائي والتخييري(1) غير تامّ، فإنه ليس في الواجب الكفائي أن المكلّف هو كلّ واحد على البدل، وفي التخييري أن المكلّف به هو كلّ واحد على البدل، حتى يرد قول السيد أنه بما أنه جاز ذلك في التكليفيات جاز في الوضعيات، ليس كذلك، فإن الفرد المردّد لا تحقّق له، بل المكلّف في الواجب الكفائي هو عنوان (أحد المكلّفين)، والمكلّف به في الواجب التخييري هو عنوان (أحد الأمرين أو الأمور).

وما قاله السيد(2) من أن الفقراء مالكين على البدل للزكاة، والسادة مالكين على البدل للخمس، غير تامّ، فإنهم ليسوا مالكين أصلاً حتى نلتزم بهذا الأمر المحال، ونحن ليس عندنا سيد على البدل، إنما هذا سيد بعينه وذاك سيد بعينه.

على أننا نريد تتميم الضمان بقاعدة (على اليد)، ونحن ليس لنا يد على البدل، بل اليد دائماً معيّنة، فإن كلّ واحد منهم وقعت يده المعينة على الشيء المعيّن. فكيف حدث الضمان البدلي؟ وظاهر الأدلّة أن كلّ واحد منهم ضامن؛ 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 299، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، المسألة الثانية.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 306، كتاب البيع، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لأن الذمّة بينهم على البدل، فهل أنت تريد تصحيح ظواهر الأدلّة، أو الإتيان بأمر جديد؟

فما قاله الشيخ لا ينسجم مع ظواهر الأدلّة ولا العقل(1).

لنا كلام وهو العناوين الكلّية، كعنوان البدل(2) مرّة يكون قابلاً للصدق 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() أقول: لو كان قيد (على البدل) راجعاً إلى الموضوع، فكان عندنا ذمّة على البدل، ويد على البدل، وسيد على البدل، ومكلّف على البدل، لكان ما قاله السيد   تامّاً، فإنه يكون راجعاً إلى الفرد المردّد، وهو مما لا يعقل تحقّقه في الخارج، فلا يعقل تعلّق الحكم به أيضاً.

ولكن لا ضرورة إلى هذا الفهم، فإنه يمكن إرجاع هذا القيد إلى الحكم، مع لحاظ أفراد الموضوع جميعاً بأعيانهم. ومن المعلوم أن جعل الحكم أمرٌ بيد الشارع يمكنه أن يجعله بدلياً، بمعنى أنه شامل لهذا الفرد ومنجّز عليه إن لم يكن شاملاً لغيره ومنجّزاً عليه. 

وإذا لاحظنا الأمثلة نجد أن الملكية والضمان والواجب الكفائي والتخييري أحكام شرعية، فمن الممكن تصوّر أن تكون بدلية على أفراد موضوعها المعيّن. فهذا الفقير مالك إن لم يكن ذاك مالكاً وبالعكس، والغارّ ضامن إن لم يكن المغرور ضامناً وبالعكس، وهذا مكلّف بالصلاة على الميت إن لم يكن ذاك مكلّفاً وبالعكس، وهذا واجب إن لم يكن ذاك واجباً وبالعكس.

وهذا ليس فيه أيّ محذور عقلي. نعم، هو خلاف ظواهر الأدلّة في تمام هذه الموارد، فإن ظاهرها -فيما عدا الملكية- هو البدلية في السقوط لا في الثبوت، وفي الملكية للزكاة والخمس، الأمر بيد المالك يعطيها لكلّ الفقراء أو لبعضهم المعيّن. ولعلّ مراد السيد والشيخ هو ذلك فتأمّل واغتنم. انتهى. (المقرِّر).

(2) يعني بدل العين وعوضها (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

على الخارج صدقاً عرضياً، وأخرى يكون قابلاً للصدق على البدل، ففي الأعيان الخارجية إذا أصبح عشرة ضامنين ومتكفلّين لإحضار واحد أمام القاضي، فهناك عهدات متعدّدة متعلّقة بإحضار واحد وشخص واحد، وهذا ليس فيه إشكال عقلي.

والإحضار وإن كان عنواناً كلّياً قابلاً للانطباق على الكثيرين، إلّا أن إحضار زيد أمام القاضي واحد خارجاً لا يمكن أن يتعدّد، ونحوه في الواجب الكفائي، بأن يقال: (سابّ النبي يقتل)، فإن القتل وإن لم يمكن أن يتعدّد، إلّا أن كلّ عالم بحصول السبّ يجب عليه إيجاد هذا القتل الواحد، وهذا لا إشكال فيه في الخارجيات.

كذلك يمكن أن نتصوّره في الكلّيات، فيقال: إن بدل الشيء، وإن كان قابلاً للصدق على الكثيرين، لكن ليس معنى ذلك أن هذه العشرة دراهم بدله وهذه العشرة أيضاً بدله، في عرض واحد، بحيث يكون له بدلان، بل هو متكثّر، بمعنى أن زيداً إذا أعطى هذه العشرة كانت بدلاً عنه، وإذا أعطى تلك العشرة كانت بدلاً عنه. 

فيقال: بأن كلّي البدل -بمعنى- قابل للتعّدد، و-بمعنى- غير قابل للتعدّد.

فهو قابل للتعدّد باعتبار أنه قابل للصدق على الكثيرين، وغير قابل له، باعتبار أنه إذا تعدّدت فإنه لا تكون العشرون بدلاً له، بل العشرة هي بدله، فالجميع ضامنون لبدل واحد، وتكثّر الذمم لا يوجب تكثّر البدل، بل هذا يختلف باختلاف الاعتبار.

فكما في الخارجيات لم يكن تعدّد الكفالة موجب لتعدّد الإحضار، كذلك 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

تعدّد الذمم لا يكون موجباً لتعدّد البدل، فيقاس المقام بباب الكفالة، فهل ينطبق هذا على ظاهر الأدلّة أو لا ينطبق؟

كان الكلام في مسألتين:

إحداهما: أنه في باب الغرور، يكون الغارّ والمغرور معاً ضامنين، وقد تكلّمنا في ذلك(1).

ثانيهما: في باب الأيادي المتعاقبة، يكون كلّ من دخلت العين تحت يده ضامناً، وقد وقع في ذلك إشكال(2). 

وهو مشترك الورود(3) في كِلتا هاتين المسألتين.

وقلنا: إنه كما في العين الخارجية، إذا وقعت عليها عهدات مختلفة، فإنه لا يكون موجباً لتعدّد العين، كذلك بعض الماهيّات أيضاً غير قابلة للتكرار، فمن ذلك عنوان البدل والغرامة والعوض، فإنها لا تقبل التكرار لا عرضاً ولا طولاً، يعني ليست تتكرّر في الذمم في عرض واحد، ولا ما إذا أدّيت من قبل أحد الضامنين يبقى الآخر مشغول الذمة في طوله.

فهذه الماهيّة الواحدة تجعل في عهدة عدّة أشخاص، وهم وإن كانوا متعدّدين ولكنّ المضمون أمر واحد هو البدل، وإن أدّى أحدهم فإن موضوع 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() كما تقدّم في الجهة الثالثة، أنظر: ص102، (الثالثة: ومن جهات البحث الكلام حول حكم الغارّ).

(2) ثُمّ قرّب الإشكال. (المقرِّر).

(3) ذكره بالأمس وقال: وهو مشترك الورود… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الغرامة يرتفع؛ إذ لا معنى لثبوتها بعد ذلك، ولو دفعوا كلّهم دفعة واحدة، فلا يعقل أن يكون الجميع غرامة، فيؤخذ من كلّ واحد بالنسبة، فلو كانوا عشرة أخذ من كلّ واحد العشر.

إذن فلا يلزم من تعدّد العهدات تعدّد الغرامات، فإن الغرامة غير قابلة للتكرار، بل هذا هو معنى الضمان.

ولا يبعد أن يقال هذا في باب الماهيّات التكوينية، فلو تصوّر عشرة أشخاص ماهيّة الإنسان -لا الأفراد(1)– فهذه الماهيّة وإن كانت بحسب تعدّد اللحاظ قد وجدت بالأذهان المتعدّدة، لكن نفس الماهيّة غير متكثّرة، وليس أن تعدّد اللحاظ يوجب تعدّد الماهيّة، بحيث إن ملحوظي ماهيّة وملحوظك ماهيّة أخرى!

ولو لم يتمّ هذا في التكوينيات، فإنه في باب الضمانات والاعتباريات تامّ، وهو المستفاد من الأدلّة أيضاً، ففي بعضها أن الزوج ضامن، وفي بعضها الولي أو الأب ضامن، وفي بعضها أن الولي ضامن لها عن الزوج، فيستفاد منها أن كِليهما ضامنان، لكنّهما ضامنان لعنوان المهر، وهو ماهيّة غير قابلة للتعدّد والتكرار. فلا يكون معنى ضمانهما للمهر أن يكون كلّ واحد منهما ضامناً له مستقلّاً(2)، وينتج ضمانهما بالنحو الذي قلناه أنه إذا أدّى أحدهما قبل الآخر، سقط عن الآخر، وأن أدّيا معاً، أخذ من كلّ واحد نصفه. 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() فإنها تتكثّر بتكثّر التصوّر. (منه).

(2) ليقال: إن كون هذا بدل دون هذا ترجيح بلا مرجّح، وكون كِليهما بدل يلزم منه تعدّده. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فـ(على اليد) الذي هو دليل ضمان الأيادي المتعدّدة، وإن كانت تشملهما في عرض واحد، فإن كلّ واحد أصبحت يده سبباً لضمانه، فيأتي عنوان الغرامة إلى هذه العهدات المتعدّدة، وهو عنوان غير قابل للتكرار.

إذن فالإشكال موجب بنفسه لرفع الإشكال. 

فإنه قيل في الإشكال: إن البدل واحد، فكيف يقع في ذمم كثيرة، فإن لازمه تعدّد البدل. 

فيقال في الجواب: أن البدل واحد وغير قابل للتكرار والتكثّر، فيقع هذا البدل الواحد في الذمم الكثيرة، وتمام الأمثلة التي ذكرها الشيخ إذا كانت بهذا المعنى فليس فيها إشكال عقلي، من قبيل ضمّ ذمّة إلى ذمّة، كما في الدين.

[كلام الميرزا النائيني في المقام]

المرحوم النائيني(1) يتحصّل من كلامه قوله: إنه لا يمكن أن يقع البدل في عهدة المتعدّدين في عرض واحد، فإنه محال. ولا يراد(2) به المحال العقلي، بل باعتبار أنه لا يكون للعين الواحدة أبدال متعدّدة، لكن لا مانع من ذلك طولاً، هذا يكرّره في عدّة موارد، وبيّنه هكذا:

أن الغاصب الأوّل ضامن للمالك، والثاني ضامن للمالك أيضاً، لكنّ الأوّل ضامن للمالك ذلك(3) المال الذي يجب إخراجه من عهدة الثاني، والثاني 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 299، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في الإجازة والردّ، أحكام الردّ، المسألة الثانية.

(2) هذا تعليق من السيد. (المقرِّر).

(3) مفعول به لضامن. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ضامن للمالك ذلك المال الذي في عهدة الأوّل، أما ضمان الأوّل، فهو المسألة الثانية، وهي أن الأوّل هل يرجع إلى الثاني أو لا؟ وأما ضمان الثاني للمال الذي في عهدة الأوّل، فماذا يريد أن يقول؟!!

هل يريد أن يقول: أن الأوّل حين وقعت يده على العين جاءت العين إلى عهدته، وحين وقعت يد الثاني على العين جاءت العين التي في عهدة الأوّل إلى عهدة الثاني.

فهنا تتصوّر الطولية، بمعنى أنه ضامن الضامن، بأن يكون دين الأوّل موضوعاً لضمان الثاني، فهذا المعنى من الطولية صحيح.

ولكن ما هو الدليل على ضمان الثاني، فإن يده وقعت على العين لا على عهدة الأوّل، لكي يكون ضامناً لها؟

وإن كان المراد أن هذا ضامن ما ضمنه ذاك، وذاك ضامن ما ضمنه هذا، فهذه قضيّة عرضية وليست طولية، ففي ما تتصوّر فيه الطولية لا دليل على الضمان، وفيما يتصور فيه الضمان ليس هناك طولية.

والمرحوم النائيني يريد بهاتين الكلمتين، تتميم كِلتا المسألتين السابقة واللاحقة، وكلتاهما في نظري لا يتمّ، كما سيأتي.

المهمّ في المقام، دفع الأشكال الموجود في باب الأيادي المتعاقبة، لنرى أن تعدّد الذمم هل يوجب تعدّد الضمانات، بحيث إن ما له بدل واحد تكون له أبدال متعدّدة، أو لا؟ وهل بين الأعيان الخارجية والكلّيات فرق؟

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [دعوى المحقق الأصفهاني]

الشيخ محمد حسين(1) والآخوند لهما مسلك واحد سنقوله، لكنّ الشيء الذي يأتي للنظر على أساس أنه قول الشيخ محمد حسين هو: أن العين الشخصية إذا تعلّقت بها العهدات المختلفة المتعدّدة فإنها لا توجب تعدّدها؛ لأن الذمم أمر اعتباري، فلا يوجب تعدّد الأمر التكويني، وأما إذا كان الشيء كلّياً فإنه إذا وقع في ذمم مختلفة يكون له حصص مختلفة.

ثُمّ يقول: إن وعاء الأعيان الخارجية هو العهدة، ووعاء الماليات هو الذمم، فالعين الخارجية توجد في عهدات مختلفة، ولا يوجب ذلك تعدّدها، وأما الكلّيات، فبما أنه لا يمكن للشيء الواحد أن يقع في ذمم متعدّدة، فيكون ذلك موجباً لتعدّده.

وما ذكره مبني على أنه قاس الذمم والعهدات على الوجود الذهني، فإن الماهيّات إذا وجدت في الذهن يكون ذلك موجباً لتعدّد وجوداتها، فكما أن الماهيّة متعدّدة الوجود في الخارج كذلك هي متعدّدة الوجود في الذهن، فسرّى ذلك إلى الذمم وما يعتبر فيها، فلا بُدّ أن نرى أن باب الذمم هل هو باب وجود الشيء في الذهن، أو باب اعتبار الشيء في العهدة أو الذمّة؟

ليس أني إذا اعتبرت شيئاً في الذمّة ليس معناه أنه يوجد شيء في الذهن، بحيث يتحقّق شيء هناك، غير التحقّق الاعتباري، فكما أن الأعيان الخارجية
ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 311، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الردّ وأحكامه، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

-لو صحّ قوله- يكون وعاؤها العهدة، كذلك الكلّيات يكون وعاؤها الذمّة، ولا يوجب شيئاً من ذلك تعدّد العين ولا الماهيّة.

على أن قوله هذا غير صحيح، فإن العهدة لا يمكن أن تكون ظرفاً للأعيان الخارجية، فلا بُدّ أن نقول: إن مراده: هو أن الأعيان الخارجية تعتبر في العهدة، بمعنى أن الإنسان يكون ذا عهدة تجاه هذه العين الخارجية، ففي باب الكفالة لا يعتبر العقلاء زيداً -بعباءته وعمامته- في وعاء عهدتي، بل تضاف عهدتي إلى زيد، وأنا أكون ذا عهدة تجاهه، وسواء سمّى هذا عهدة أو ذمّة لا يفرّق في ذلك، وإن كان تعبير العهدة أحسن.

كما أنه ليس معنى اعتبار الكلّيات في الذمّة أن لها نحواً من الواقعية والتحقّق، وإنما الباب باب الاعتبار، فإذا كان الباب باب الاعتبار فكما لا تتعدّد العين الشخصية بتعدّد العهدات، كذلك نقول في الماهيّات غير القابلة للتكرار، كالدين الواحد والمهر، فإن المهر يعتبر في ذمّة هذا، وهو بنفسه يعتبر في ذمّة ذاك، وهذا اعتبار وليس وجوداً ذهنياً حتى يكون له حصص متعدّدة بحسب البرهان.

إذن لا يمكن أن يقاس باب الاعتباريات بباب الوجود الذهني، على أن هناك كلاماً في الوجود الذهني، خارج عن صدد كلامنا.

والاعتبار هنا عقلائي، بمعنى أننا لو قلنا للعقلاء: إنه اعتبر المهر على الزوج وعلى الولي، لا يفهم أيّ عاقل أنهما يجب أن يدفعا مهرين، بل مهراً واحداً، إن دفعه واحد سقط عن الآخر موضوعاً، وإن دفعاه معاً أخذنا من كلّ واحد النصف.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [جواب الميرزا النائيني عن الإشكال والنظر فيه]

وأما ما قاله النائيني في الذبّ عن الإشكال فقد طالعته كراراً، ولم أعرف ما يريد أن يقول، فإن الإشكال كان في أن البدل واحد وتعدّد الذمم موجب لتعدّده، فهو يقول في جوابه: إن التعدّد بنحو العرضية محال، ويكرّر أن التعدّد بنحو الطولية ممكن ولا إشكال فيه.

أما بنحو العرضية، فهو الذي قلناه من أن الجماعة الذين وقعت أيديهم على العين هم مشغولو الذمة عرضاً، لكن بعنوان واحد وشيء واحد، ولا إشكال.

وأما الطولية فلكلامه حولها احتمالات:

فإنه يقول: إن الغاصب الأوّل ضامن للمالك ذلك الشيء الذي يجب أن يخرج من كيس الثاني، والثاني ضامن للمال الذي هو في ضمان الضامن الأوّل. 

فهل يريد أن يقول: أن الأوّل حين صارت يده على العين أصبح ضامناً لها، والثاني حين صارت يده على العين صار ضامناً لكن بهذا النحو، فإن الأوّل بوقوع يده على العين أكسبها وصفاً اعتبارياً، هو كونها عيناً مضمونة، وحين جاءت تحت يد الثاني، ضمنها بصفتها مضمونة للأوّل، فضمان الثاني متأخّر رتبة عن ضمان الأوّل فلا مانع منه؟

إن أراد هذا، فبغض النظر عما قلناه، هل يحلّ إشكال تعدّد البدل؟ فإنك جعلت الضمانين في رتبة متأخّرة، ولم تجعل البدل في رتبة متأخّرة.

إذن يحصل عندنا بدلان في ضمانين، فمثلاً في مسألة الغارّ لو قلنا: إن الغارّ 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ضامن بعد الأداء، لقلنا: إنه بدل واحد طولي، لكنّ الحال ليس كذلك في باب تعاقب الأيادي، بل ضمان الجميع فعليٌّ، ويستطيع أن يرجع صاحب المال على أيّ واحد، فيكون البدل متعدّداً.

وإذا كان مراده كما هو ظاهر كلامه: أن الأوّل ضامن للمال، والثاني ضامن لِما في ذمة الأوّل، فهذا لا وجه له ولا يرفع الإشكال. 

أما عدم رفعه للإشكال، فهو لم يصبح ضامناً لصاحب المال، بل ضامناً لهذا ويستطيع الرجوع اليه، فهنا بدلان في ذمّتين. 

وأما أنه لا وجه له: فإن الضمان لا يكون إلا بوضع اليد، ويده لم تقع على ذمّة الآخر.

وإن أراد: أن أحدهما ضامن للشيء الذي ضمنه الآخر، فهذا لم تكن له طولية، فإن معنى الطولية أحد أمرين: إما إن يكون أحد الضمانين موضوعاً للآخر، أو يجعل الضمان الثاني بعد سقوط الأوّل. وأما ضمان الجميع لمال واحد فليس فيه طولية، بل هي عرضية. فلم استطع أن أفهم من كلامه معنى.

وأما ما ذهب إليه الآخوند وتبعه عليه تلميذه الشيخ محمد حسين، فهذا ما سنذكره إن شاء الله تعالى(1).

ــــــــــ[151]ــــــــــ

() ألقى السيد  محاضرة (بعد العطلة الصيفية) لم أوفّق إلى حضورها لأني لم أعلم بشروعه في البحث، ولم يذكر فيها شيئاً جديداً عما سبق، وقد وصل إلى نفس النهاية السابقة، وهو التعرض إلى كلام الآخوند.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [بيان الآخوند للإشكال والنظر فيه]

كان الإشكال(1) في مسألة الأيدي المتعاقبة، هو: أن الشيء الواحد إذا تلف فلا معنى لأن يكون له أكثر من بدل واحد، فاشتغال الذمم بأبدال متعدّدة منافٍ مع ما هو مقتضى القاعدة في باب الضمانات، فكيف يقال بأن ذممهم المتعدّدة مشغولة مع أن المضمون شيء واحد؟!

وكان خلاصة ما قلناه: إن الضامن والمضمون متعدّد، ولكنّ المضمون له والمضمون واحد، فهناك مثلاً عشرة ضامنين بعشرة ضمانات لمضمون واحد ومضمون له واحد، فنفس الشيء الذي ضمنه هذا وهو حِمل الحنطة يضمنه ذاك، ولا يلزم من تعدّد الضامن والضمان تعدّد المضمون، نظير باب الكفالة، فإن المكفول والمكفول له واحد، ولكن هناك عشرة كافلين وعشرة كفالات، ولا يلزم في البابين محذور، فإن الضمان أمر اعتباري، يمكن فيه ما قلناه على أنه موافق لبناء العقلاء.

فبناء على المشهور من استفادة المعنى التعليقي للضمان من (على اليد)، يستفاد أن هذه العين مأخوذة على عهدة كلّ من أخذ العين، فنفس الشيء الذي تلف حيث إنه ليس له إلّا قيمة واحدة، تكون نفس القيمة الواحدة، بمقتضى (على اليد)، على كلّ واحد ممن أخذ العين.

ويؤيّده الأخبار الواردة في باب المهر والغرور، فإنه يستفاد منها أن الغارّ ضامن والمغرور أيضاً ضامن، واستفدنا إمكان رجوعه إلى أيٍّ منهما، غايته 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() كرّر في هذه المحاضرة بعض ما سبق، وقال: كان الإشكال… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يرجع المغرور إلى الغارّ لو رجع المالك عليه، مع أن الإشكال وارد، فإن المهر الواحد ثابت في ذمّتين، وفي بعض الروايات يضمان، والضمان أمر اعتباري، ولا مانع من اعتباره بذمم متعدّدة، ويكون نتيجته أنهما إذا أدّيا معاً يكون من كلّ واحد النصف، وإن أدّى أحدهما قبل الآخر كان هو البدل ولغى ما يدفعه الآخر، وهذا معنى لا محذور فيه ويوافقه ظهور الأدلّة وبناء العقلاء.

الآخوند(1)، والشيخ محمد حسين(2) يريدان أن يفرّا عن الإشكال، فالآخوند يقول: إن مقتضى قاعدة اليد هو أنه إذا وقعت أيادي مختلفة على الشيء، فنفس العين تقع في عهدة أشخاص متعدّدين، ووقوعها في العهدة غير مسألة اشتغال ذمم متعدّدة بالقيمة(3)، غايته أن لازمه العقلائي هو أن العين ما دامت موجودة يجب ردّها بنفسها.

وإذا كانت اليد واحدة تعيّنت عليه هذه الأحكام، وإذا كانت أيادي متعدّدة فتكون بنحو الواجبات المتعدّدة، فكما تمّمناه في الواجب الكفائي(4) يتمّ هنا أيضاً.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 82-85، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، أحكام الردّ، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 313، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الردّ وأحكامه، المسألة الثانية.

(3) أُنظر المصدر المتقدّم.

(4) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 313، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، الردّ وأحكامه، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثُمّ يذكر شاهداً لذلك، وهو أن العين التي كانت على عهدته لو تلفت ثُمّ رجعت إلى الوجود، فيجب أداؤها بنفسها لا محالة، وهذا شاهد على ظهور دليل اليد بأن الضمان ضمان نفس العين سواء في حال الوجود أو الفقدان، إذ لو قلنا باشتغال الذمّة بالقيمة فلا وجه لوجوب دفع العين بعد عودها من العدم، بل لا بُدّ حينئذٍ من أداء قيمتها.

والشيخ محمد حسين يقول في ذيل كلامه نفس هذا المطلب، ثُمّ يقول: الفرق بين العهدة والذمّة هو أن العهدة وعاء الأعيان والذمّة وعاء الأموال، ولا مانع من تعدّد الذمم، ونتمّمه كما تمّمناه في الواجب الكفائي.

فهل مقصودهما (قدس سرهما) أن أصل المسألة ضمان اليد عقلائية بأصلها وكيفيتها، أو مقصودهم أننا بعد أن فهمنا ضمان اليد نستفيد منه أن لازمه العقلائي هو أن نفس العين حال وجودها يجب ردّها وبعد عدمها كذا؟ 

وقد قلنا: إن مسألة ضمان اليد أمر تعبّدي غير مربوط بالعقلاء، فلو قبض شخص العين بالسوم ثُمّ أخذها منه آخر فوقعت من يده وانكسرت، فإن العقلاء يرجعون على مَن انكسرت عنده دون الأوّل. 

وكذلك في الغاصبين المتعدّدين، لو كانت العين موجودة لا يرجعون إلى من تكون العين بيده، لا أنهم يرجعون إلى غيره ثُمّ يأمرونه بالرجوع على من تكون العين بيده، فبالتوسعة التي يذكرها الفقهاء غير موجودة عند العقلاء.

فما يقولانه (قدس سرهما) من أن العين على العهدة بنفسها فرارٌ عن الإشكال؛ لأن محلّ الكلام، كان هو بناء على مسلك المشهور. 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما أن العهدة هي وعاء الأعيان، قال: يريد أن العهدة اتّسعت فتعلّقت بالخارج، أو أن الخارج اعتبر في العهدة، ظاهر كِلا العلمين (قدس سرهما) الثاني، حيث قال الآخوند: إن ظاهر الدليل هو أن العين في عهدته، ويقول الشيخ محمد حسين: إن العهدة وعاء الأعيان.

وعلى أيّ حال فإن أريد الأوّل فهو خلاف الظاهر من الدليل، فإن ظاهرها أن العين على العهدة. وإن أريد الثاني فنسأل أنه حين اعتبر الوجود الاعتباري في الذمّة، فهل الوجود الخارجي لها ملحوظ أو منسي؟ فإن كان الخارج منسياً وملغى، فيلزم منه أن الثاني ليس بضامن؛ لأن يد الأوّل حين وقعت على العين، سلبت عن الخارج واعتبرت في عهدته، فلو وقعت يد الثاني عليها لا يكون ضامناً، لعدم وقوع يده على مال الغير، على أنه مع سلب الملكية والمالية عن العين عن الخارج لا معنى للعهدة أصلاً.

وإن قيل: إن العين في الوقت الذي يؤخذ بنظر الاعتبار وجودها الخارجي وملكيتها وماليتها، يعتبر لها وجود آخر في الذهن، بحيث تقع العين الاعتبارية في عهدته، فهل المالك مالك للعين الخارجية والأعيان الاعتبارية في مجموع الذمم؟ وهل ينسجم هذا مع اعتبار العقلاء؟ أو يقال: إن العين واحدة، ولكن الاعتبارات متعدّدة، فنحن نعتبر العين الواحدة في عهدة المتعدّدين؟

فهذا وإن ارتفع به الإشكال، إلا أنه خلاف الظاهر، وإذا كان هذا ممكناً فأيّ مانع عن اشتغال الذمة بهذا النحو بالقيمة، وهو يحفظ ظاهر الأدلّة ويرفع الإشكال؟

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولو أغمضنا عن ذلك، نرى مقدار انسجامه مع مبنى صاحب الكفاية في الواجب الكفائي.

فإنه يقول هناك(1): إن الجميع مكلّفون، وإذا عصى الجميع فالجميع معاقبون، وإذا أتى واحد منهم فالجميع يثابون.

فكيف ينطبّق ذلك في المقام، فإننا لو أغمضنا النظر عن كون البدل واحداً، يكون كلّ واحد منهم مأموراً بالأداء، ولو نظرنا إلى أنه لا يكون قابلاً للتكرار، لا يكون في الإمكان تعلّق أوامر متعدّدة بمتعلّق واحد، على أن ما يقوله من أنه إذا أدّى الجميع يقع من الجميع، لا يقع على نحو البدلية، ولو وقع عن البدلية لعاد الإشكال.

وأما على تصوّرنا للواجب الكفائي من تعلّقه بشيء واحد، فهو لا يمكن تطبيقه هنا؛ لاشتغال ذممهم جميعاً بالبدل.

[حول رجوع الضامن السابق إلى اللاحق]

تبقى مسألة نحن متحيّرون فيها، وهي: أنه إذا تلفت العين عند أحدهم، فيستطيع المالك الرجوع على أيّ واحد منهم، ومن رجع إليه يرجع إلى من هو متأخّر عنه، دون المتقدّم. نرى ما هو الدليل على ذلك؟

إذا حصلت أيادي متعاقبة على العين، فلا بُدّ أن نمهّد الكلام كما مهّده الشيخ(2) بما إذا لم يكن في المقام غرور، وكان كلّ واحد يعلم أنه مال الغير، كما 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 143، المقصد الأوّل، فصل في الوجوب الكفائي.

(2) اُنظر: المكاسب 3: 508، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نمهّده بالاختصاص بباب التلف دون باب الإتلاف أو التسبيب إليه، فإنه مما يأتي الكلام عنه.

المعروف(1) أن صاحب المال يمكن له الرجوع على أيّ واحد منهم، وإذا رجع للأوّل يمكن للأوّل الرجوع إلى أيّ واحد ممن بعده، وإذا رجع صاحب المال إلى شخص واقع في الوسط، كان لهذا الوسط الرجوع إلى لاحقه ومن بعده دون السابق.

هذا هو المعروف بحسب الفتوى، لكن الكلام في دليل ذلك، ويمكن أن يقال: إنه من المسائل المشكلة في الفقه، ولذا قال كلّ واحد شيئاً. ونحن ينبغي أن نذكر المقدّمات اللازمة للمسألة ولفهم كلام الآغايون(2)، وإن كان بعضها قد أشير إليه فيما سبق.

[الأمر الأول: الاستدلال على المطلوب بقاعدة اليد]

أحدها: أننا نتكلّم في المقام في خصوص الاستدلال بـ(على اليد)، على ما تمسّكوا به. وحينئذ فنقول: إنها تحتمل أحد تفسيرات:

الاحتمال الأول: أن كلّ ما جاء تحت اليد له ضمان، بحيث لو جاءت العين 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) اُنظر: قواعد الأحكام 2: 224، كتاب الغصب، المقصد الأوّل، المطلب الأوّل، الركن الأوّل، جامع المقاصد 6: 225، المقصد الأوّل، المطلب الأوّل، الركن الأوّل، مفتاح الكرامة 18: 96، كتاب الغصب، المقصد الأوّل، المطلب الأوّل، الركن الأوّل، الموجب الثالث، وغيرها.

(2) اُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إلى يدي وحصل لها منافع أو وصف زائد، وتلفت تحت يد اللاحق. فـ(على اليد) تضمن الأوّل نفسه فقط وتضمن الثاني في العين والمنافع أو الوصف الزائد.

الاحتمال الثاني: هو أنه بمجرّد أن تكون يدي على العين أكون ضامناً لتمام الخسارات التي يخسرها المالك. فلو تلفت العين عند المالك، فإن المالك يخسرها وتخرج من كيسه، وكذلك لو تلفت المنافع أو الأوصاف. فالغاصب يحلّ محلّ المالك في تمام الخسارات، فاليد على العين كافية في ضمان سائر الصفات والمنافع، وليس لا بُدّ أن تقع اليد على هذه الأمور.

الاحتمال الثالث: أننا نريد يداً، وأن تكون اليد استقلالية، فلا تكون الأوصاف ولا المنافع مضمونة أصلاً؛ لأن اليد فيها تبعية، وليست استقلالية، وإنما تضمن العين فقط؛ لأن (على اليد) تتكفّل التضمين باليد الاستقلالية دون اليد التبعية.

الظاهر أن أسوأ الاحتمالات هو الوسط؛ لأننا لا نملك إلا عبارة (على اليد ما أخذت)(1) وهو ظاهر بأن أيّ شيء اُخذ فهو عليه. غايته يُتكلّم في أن نفس الشيء عليه، أو أنه معنى عرفي تعليقي يعني إذا تلف فهو له ضامن. ولكنّنا على كلّ حال لا يمكن أن نقول: إن ما عليه هو زائد عن المقدار الذي أخذه، كما 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 1: 224، الفصل التاسع، الحديث 106، ومستدرك الوسائل 14: 7، الوديعة، الباب 1، الحديث 12، ومسند أحمد 5: 8، وسنن ابن ماجة 2: 802، وسنن البيهقي 6: 95.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يقول الاحتمال الثاني من أنه قد أخذ العين، ولكنّه يضمن المنافع والصفات.

مع أن ما أخذ هو العين، -وإذا شملت (اليد) لليد التبعية- فالمنافع والصفات الموجودة فعلاً، وأما تحميل المنافع والصفات غير الواقعية فعلاً على هذا الضامن، فهو مما لا يستفاد تضمينه من دليل على اليد.

نعم، يبقى الأمر دائراً بين الاحتمالين الأوّل والأخير، فإنه قد يمكن اختصاص الدليل باليد الاستقلالية، وإن كان الأرجح شمولها لليد التبعية أيضاً.

[الأمر الثاني: حول مفهوم الغرامات في نظر العقلاء] 

ثانيها: أن باب الغرامات والضمانات سواء ضمان الإتلاف والغرور أو ضمان اليد، هل هو من باب المعاوضات أو لا؟ أوّلاً نرى رأي العقلاء في ذلك، ثُمّ نرى هل أن للشارع كيفية خاصّة للضمان تخالفهم أو لا؟

أما الضمان عند العقلاء، ففي باب الإتلاف يقولون: إنك أحرقت مال الغير فأعطه عوضه. فهل نفكّر فلسفياً ونقول: بما أنه لا يمكن اجتماع العوض والمعوّض في ملك واحد، فلا بُدّ أن يكون المعوّض قد دخل في ملك من خرج منه العوض؟ هذا مما لا يفهمه العقلاء، وإنما معناه: أن العوض إنما يكون لازماً باعتبار انعدام وزوال العين، لا أن العقلاء يعقدون عقد معاوضة بين المعدوم وبين عوضه، والتعبير بالعوض لا يخلّ بهذا المعنى.

فلا إشكال عند العقلاء من هذه الناحية، فهل للشارع في باب الضمانات قول في مقابل قول العقلاء، بحيث إنه جعل معاوضة قهرية شرعية، بحيث يكون ذلك متحقّقاً في ضمان التلف والطبيب والختّان والقصّار والبيطار ومن أضرّ 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بطريق المسلمين. فالختان ماذا يكون معوضّه؟!!. وإنما عندنا التعبير بـ(ضامن) ونحوها. والضمانات في السوق العقلائي كثيرة تحدث كلّ يوم، ولم يقل الشارع شيئاً خلافاً للعقلاء، فنعرف جزماً أنه ليس للشارع طريق خاصّ به.

ثُمّ إنه هل الضمانات مختلفة المعنى باختلاف الموارد، أو لها معنى واحد؟! ففي شاهد الزور في النكاح (عليه المهر)، فماذا يملك في مقابله؟ إذن فلا تقع معاوضة شرعية قهرية، ويقول السيد(1): إن معنى العوضين هو ذلك.

المرزا(2) هنا يقول: باب التضمين معناه أنه إذا وقعت الضامن على الشيء تنتقل إليه تمام الخسارات التي كانت على المالك لولا اليد. ومقصوده كما يبيّن: أن جميع الخسارات التي تقع قبل اليد على المالك تقع عليه بعدها.

ثُمّ يقول: إن هذه الخسارات التي تنتقل إلى الضامن، هي ملك للمضمون له ملكاً متزلزلاً، وحيث لا يمكن الجمع بين ملكية هذا الضمان وملكية العين، فأيضاً يكون ملكه للعين متزلزلاً، وهذا من الغريب. ولذا أعرض عنه بعد ذلك، وذكر: أن الخسارات مملوكة ملكاً شأنياً، وبعد التلف والطلب يصير ملكاً فعلياً(3).

ــــــــــ[160]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 315-316، كتاب البيع، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

(2) اُنظر: كتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 122، المقصد الثاني، حكم تعاقب الأيادي على المبيع المغصوب.

(3) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فلو كان الملك متزلزلاً، فالنتيجة التي يريدها تصحّ، لامتناع ملكية العوض والمعوّض للمالك، إلا أن هذا له توالٍ فاسدة كثيرة، لا يمكن الالتزام بها لأحد إلّا من كان من قبيل أبي حنيفة(1)، الذي أدّعى ملكية الضامن للعين المضمونة. ومن هنا يمكن القول بأنه أعرض عن هذا القول وبدله إلى دعوى الملك الشأني، فيكون العوض مملوكاً للمالك ملكا ًشأنياً، والعين مملوكة ملكاً فعلياً، ولا مانع من الجمع بين هذين الملكين.

فما يقوله(2): (وبهذا يظهر أنه حصلت معاوضة قهرية بين العين والبدل) (3)، لا يمكن أن يتمّ على دعوى الملك الإنشائي وإن كانت تتمّ على الملك المتزلزل.

إذن فدعوى المعاوضة ليس في باب العقلاء ولا في باب الشرع شيء منه، لا يستشعر ذلك من شيء من الأدلّة.

[الأمر الثالث: حول مفاد قاعدة اليد في المقام]

لا إشكال في شمول دليل (على اليد) للعين، فيضمنها على الغاصب لصاحبها، وكذلك لون الثوب، فلو كان الثوب لشخص واللون لشخص، 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) أُنظر: بلغة الفقيه 1: 74، رسالة في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، منية الطالب 1: 133، كتاب البيع، مسألة في أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، وغيرهما.

(2) اُنظر: كتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 122، المقصد الثاني، حكم تعاقب الأيادي على المبيع المغصوب.

(3) أُنظر: كتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 122، المقصد الثاني، حكم تعاقب الأيادي على المبيع المغصوب.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وغصبه ثالث كان ضامناً للثوب لصاحبه، وضامناً للّون لصاحبه، وكذلك حقّ التحجير، هذا مما لا إشكال فيه.

[بحسب مقام الثبوت]

وفي تعاقب الأيدي احتمالات ثبوتاً، لا بُدّ أن نعدّدها ثُمّ نرى أن أياً منها يستفاد من الدليل إثباتاً.

الاحتمال الأول: أن صاحب المال يستطيع الرجوع إلى واحد منهم، أيّاً منهم شاء، ولكن ليس لأحدهم الرجوع على الآخر، ولا ضمان بينهم أصلاً.

الاحتمال الثاني: أن الآخذ من المالك هو الضامن، دون غيره.

الاحتمال الثالث: أن الأوّل ضامن للمالك، والثاني ضامن للأول، وهكذا، فكلّ من تلقّى من شخص يضمن له.

الاحتمال الرابع: أن تمام هؤلاء الأفراد الذين وقعت يدهم على العين ضامنون للمالك، وكلّ لاحق ضامن للسابق.

وهذا فيه احتمالان:

أحدهما: أن الجميع ضامنون للمالك، وكلّ واحد ضامن لخصوص من تلقّى منه العين دون الأسبق منه، فالثالث ضامن للمالك وللثاني دون الأوّل. 

ثانيهما: أن هؤلاء الأفراد الضامنين، كما هم جميعاً ضامنون للمالك، كذلك اللاحقون ضامنون للسابقين.

فكما يمكن للمالك الرجوع إلى أيّ واحد، فكذلك إذا أخذها من الأوّل، يكون للأوّل الرجوع على أيّ واحد من المتأخّرين عنه.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الاحتمال الخامس والأخير: الذي ينبغي أن يقطع بخلافه، هو أنه يجب إعطاء العين للمالك، والقيمة للسابق.

ولكلّ واحد من هذه الاحتمالات أثره كما هو واضح.

لكن هنا يقال: إن (على اليد) لها عناية خاصّة بيد الآخذ، فتجعله ضامناً، وغاية الضمان، هو الأداء (حتى تؤدّي)، وليس الدليل متعرّضاً إلى وجوب الأداء، فما عليه المشهور والتحقيق من المعنى التعليقي للضمان يكون هذا المعنى التعليقي فعلياً بحصول اليد، وقبلها لا يكون فعلياً. 

نعم، يكون معلّقاً بالتعليق العقلي، يعني: إذا وقعت يدك على شيء فالشارع يحكم بأنه إذا تلف فعليك. ولكن إذا وقعت اليد على ملك الغير يكون المعنى التعليقي فعلياً، وغايته هو الأداء، فإن هذا المعنى إنما يرتفع بالأداء، وبالأداء لا يكون أنه إذا تلف فهو عليه.

وحينئذٍ فيتكلّم عن أن إطلاق (على اليد) هل يشمل موارد أخذ العين من غير المالك، بحيث يكون الضامن الثاني ضامناً للأوّل كما هو ضامن للمالك أو لا.

مثلاً لو دلّ دليل على أن من أتلف مال الغير فهو له ضامن، أو من وقع تحت يده فهو له ضامن، ودلّ دليل على أن الضامن الثاني ضامن لمن أُخذ منه المال (وهو الأوّل)، فنفهم عرفاً منه أن نفس المعنى الذي في عهدة الأوّل أنت ضامن له، يعني أنه متى حصلت له خسارة -بالأداء إلى المالك- فهي على الثاني. وليس ضمان الثاني للأوّل بمعنى ضمان نفس المال؛ لعدم كون العين ملكاً للأول، وإنما الملاحظ في الدليل هو ضمان الأوّل، فيكون الثاني ضامناً من 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

جهة الضمان الذي في ذمة الأوّل. فيكون المعنى أنت ضامن لما يضمن ذاك.

وهذا يختلف عما قلناه في باب تعاقب الأيادي، فإنه هناك كان كلّ واحد ضامناً مستقلّاً للمالك أمراً واحداً، فإننا قلنا بأن الضمان والضامن متعدّد، ولكنّ المضمون والمضمون له واحد. 

وأما هنا فالثاني ضامن للمالك بالنسبة إلى نفس العين؛ لأن يده على ملكه. وحيث إنه أخذها من الشخص الأوّل، فهو ضامن له أيضاً.

وإذا قيل للثالث: (أنت ضامن للثاني)، فإما أن يقال: (إنك ضامن لكلّ مَن سبقك)، فنفهم الضمان بهذا النحو، وإما أن تكون الأيادي العشر المتعاقبة ضامنين بالتسلسل، بحيث يكون الأخير ضامناً للمالك لوقوع يده على عينه. وضامن للتاسع الذي هو ضامن للثامن الذي هو ضامن للسابع وهكذا إلى الأوّل، فتكون النتيجة أنه ضامن ضامن ضامن ضامن الضامن وهكذا، فكلّ واحد ضامن لكلّ من سبقه. هذا بحسب تصوّر المطلب.

[بحسب مقام الإثبات]

وأما بحسب مقام الإثبات، فهل يمكن لإطلاق (على اليد) أن يشمل هذه الموارد، بحيث نفهم أن كلّ من يأخذ مال الناس فهو ضامن لصاحب المال، أو نفهم أن الضمان باعتبار الآخذ، فكما تنقّح الضمان للمالك تنقح الضمان في المرتبة المتأخّرة للضامن السابق، فيكون الثالث ضامناً للمالك وللثاني وهكذا. وهذا لا مانع منه من الناحية الثبوتية، فإنه لا مانع من أن ينتقّح الدليل موضوع نفسه في المرتبة السابقة فيشمله الحكم من الدليل نفسه.

ــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولكن حيث إن المسألة ليست عقلائية، فالاستبعادات العقلية والعقلائية، قد يقال: إنها ما لم ترجع إلى برهان عقلي لا يسمع. فهل يفهم من إطلاق هذا الدليل أن الضامن ضامن لهذا وسابقه وسابقه وللمالك؟ فإذا شمله الإطلاق، نقول: إن كيفية الضمان عقلائية حينئذٍ، أما الضمان للمالك فكذا وأما الضمان للضامن فكذا.

أو أن هذا احتمال (مدرسي) وليس احتمالاً عرفياً، ولا بُدّ في فهم المعاني من الألفاظ من الرجوع إلى المحاورات العرفية، فهل يمكن فهم ذلك من إطلاق الدليل؟

وهذا لا يضرّه أخذ الأداء غاية للضمان، فإن غاية الضمان للمالك يكون هو الأداء إليه، وغاية الضمان للضامن السابق هو الأداء إليه، فإن أدّى العوض إلى المالك ارتفع الضمان له وتبقى الضمانات الموجودة تجاه بعضهم البعض. ولو أدّى الثالث للثاني يرتفع ضمانه تجاهه، ويبقى الضمان تجاه المالك، بل لو أدّى الأخير إلى الأوّل ينقطع ضمان الوسط باعتبارها ضمانات مترتبة، ويبقى ضمان الأوّل للمالك، ولو أدّى الأخير(1) إلى المالك ترتفع جميع الضمانات المترتّبة عليه.

وعلى هذا الفرض إذا رجع المالك إلى الوسط فإن الوسط لا يستطيع الرجوع إلى من بعده؛ لأن رأس سلسلتهم قد أدّى.

هذا كلّه يكون تامّاً في تعاقب الأيادي بهذه المقدّمة لو تمّ إطلاق الدليل. ولكن الإشكال في وجود الإطلاق لدليل (اليد) وليس عندنا دليل آخر.

ــــــــــ[165]ــــــــــ

() يعني العاشر (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وإن شئت قلت: إن الدليل بصدد بيان الآخذ لا المأخوذ منه، فالضمان بالنسبة إلى المالك يكون مسلّماً، وأما الضمان الزائد فمحلّ إشكال.

قلنا بأنه إذا أدّعي أن دليل اليد لم يذكر المأخوذ منه، وإنما اقتصر على ذكر الآخذ، ويقول بأنه ضامن لصاحب المال، ولمن أخذ منه العين، لتمّ المطلب المعروف تقريباً؛ لأن المعنى العقلائي للضمان للمالك هو: أنه إذا تلف فأعطِ عوضه. ومعنى الضمان لمن تلقّى عنه المال (الضامن الأوّل أو السابق عليه) فهو بما أنه غير مالك للمال فلا معنى لضمان العوض له(1). بل لازمه العقلائي أنه ضامن للضامن، فيكون المعنى أنه إذا تدارك الأوّل للمالك، فلا بُدّ أن يتدارك الثاني هذا التدارك، فإذا قيل: أنت ضامن لصاحب المال ولهذا الشخص، كان الضمان لصاحب المال بدفع العوض، والضمان لهذا الشخص بتدارك التدارك. هذا إذا كان للدليل إطلاق، فإن لوازمه العقلائية هي تلك، وقد سبق أن قلنا: إن الإشكال في تتميم إطلاقه.

[كلام الشيخ حول ضمان الأيادي المتعاقبة]

وللشيخ(2) كلام في توجيه الأيادي المتعاقبة، بالنحو المعروف، من أن المالك يستطيع الرجوع لأيّ منهم، وإذا رجع إلى أحدهم يرجع السابق على اللاحق، دون العكس. وحيث إن عبارته مشكلة ومجملة، فقد وردت عليه عشرة إشكالات، ثمانية منها للسيد، وواحد منها للشيخ محمد حسين، وواحد لشخص آخر.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

() ولا معنى لضمان عوضين للشيء الواحد. (المقرِّر).

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 508، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الشيخ في ابتداء النظر يقول: إن وجه رجوع السابق على اللاحق(1) هو أن اللاحق وقعت يده على شيء له بدل. أما الأوّل فلم تقع يده على شي له بدل. ومن هنا تشتغل ذمّة الثاني بأحد شيئين من البدل أو المبدل منه، ولا يمكن إسقاط البدلية من المبدل وتخصيص اشتغال الذمة بالمبدل، فإنه منافٍ للبدلية، وإلّا لخرج البدل عن كونه بدلاً.

ثُمّ يقول: إذا أدّى الثاني للمالك فقد أدّى ما يجب تداركه على عهدة الأوّل، ولا يجوز أن يعطي الثاني للأول؛ لأنه ليس هناك اشتغال ذمّة، فإن هذا الاشتغال إنما يحدث بالتدارك، وبدونه لا يحدث الاشتغال.

ثُمّ يقول: والحاصل: أن ما تلف فألزمنا به هذا الشخص، يكون ضامناً لشيئين لشخصين على البدل. فهو ضامن للمالك بدل العين، أو ضامن لمن تلقّى عنه المال بأن يتدارك التدارك. ويرجع المطلب إلى أن شخصين ضامنان لشخصين فالأوّل ضامن للمالك، والثاني ضامن للمالك ولمن تلقّى منه المال وهو الأوّل(2). 

[إشكالات على ظاهر كلام الشيخ]

هذا الظاهر لكلام الشيخ عليه إشكالات كثيرة:

منها: أنك تقول أوّلاً له بدل، ثُمّ تقول: إنه لا تشتغل الذمّة إلّا بعد 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() ويقع الكلام في تعاقب المال على يد اثنين فقط، ويقاس عليه الأكثر. (منه).

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 508-509، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التدارك وليس له بدل فعلاً، من الكلام المتناقض. وإذا تلف وانتقلنا إلى البدل فالجميع ضامنون له، ولا يختصّ الضمان بالمتأخّر، ثُمّ إن البدل الذي تقول بضمانه لم يرد على يد ليكون مضموناً، وعلى فرضه فهو مضمون لصاحب المال وغير مربوط بالأوّل، وعلى فرضه فلازمه إسراؤه إلى سائر أنحاء الضمانات. وغير ذلك من الإشكالات.

فماذا يريد الشيخ أن يقول؟! 

(إن الوجه(1) في رجوعه هو أن السابق اشتغلت ذمّته بالبدل قبل اللاحق، فإذا حصل المال في يد اللاحق فقد ضمن شيئاً له بدل) (2): وهذا ظاهر بما سبق، إلا أن مقصوده -ولو احتمالاً- ليس هو ذلك، بل مراده أنه إذا قيل في شيء حال وجوده أن له بدلاً، فمعناه أنه له بدل بعد تلفه، لا أن الذمّة اشتغلت به وببدله في مرتبة واحدة. فيكون المعنى أن هذه العين إذا تلفت لا تُهدر، بل ينتقل الضمان للبدل، وهو معنى الضمان التعليقي عند وقوع اليد على العين، وهو أنه إذا تلفت وجب عليك البدل.

وقرينة أن مراده هو ذلك قوله بعد ذلك: إنه إذا لم تتلف العين فلا بدل لها، ولم تشتغل الذمّة بالبدل.

فقوله: (فقد ضمن شيئاً له بدل) معناه ما ذكرناه، وهو أنه إذا تلف كان له بدل، وبوقوع يده على العين أصبحت مضمونة وغير مهدرة شرعاً.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() أقول: ثُمّ بدأ السيد بقراءة عبارة الشيخ في المكاسب وأخذ يفسرها بالنحو الآتي: إن الوجه… (المقرِّر).

(2) المصدر المتقدّم. 

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 (فهذا الضمان يرجع إلى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل)(1): هذا ليس بياناً للمضمون له، بل للضمان، فهو يقول: إن الضمان مستقرّ على أحد أمرين على سبيل البدلية، ومراده أن عندنا قضيّتين تعليقيتين:

إحداهما: إذا تلف فأعطِ بدله للمالك.

وثانيتهما: إذا تدارك السابق عليك فأعطِه ما تداركه. فمراده من البدلية هذا المعنى، لا أن هناك شيء مبهم في العهدة، ليرد عليه الإشكال.

(إذ لا يعقل ضمان المبدل معيّناً دون البدل، وإلّا خرج بدله عن كونه بدلاً، فما يدفعه الثاني هو تدارك لما استقرّ تداركه في ذمة الأوّل)(2): ليس المراد بعدم المعقولية مدلولها الحقيقي، بل مراده عدم اقتضاء إطلاق الدليل له. وقوله: (فما يدفعه الثاني…). معناه: أنه إذا دفع الثاني العين إلى المالك، فتسقط كِلتا القضيّتين التعليقيتين، أما الأولى فلارتفاعها محمولاً بالامتثال، وأما الثانية فلارتفاعها موضوعاً، لانتفاء موضوع تدارك الأوّل أساساً، بخلاف ما لو دفع الأوّل، فإن القضيّة الأولى تسقط عنهما. وتبقى القضيةّ الثانية على الثاني، وتصبح بذلك فعلية، بعد أن كانت تعليقية، لحصول موضوعها في الخارج وهو تدارك الأوّل. 

ثُمّ يقول بعد ذلك: (والحاصل أن من تلف المال في يده ضامن لأحد شخصين على البدل من المالك ومن سبقه في اليد)(3): يعني أن اليد حين وقعت 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) المصدر المتقدّم.

(2) المصدر المتقدّم.

(3) المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

على العين، فإطلاق دليل اليد يقتضي أنه ضامن لصاحب المال، وضامن للسابق عليه في اليد؛ لأنه تلقّاه منه.

فنعلم بذلك أن الشيخ أثبت الضمان لشخصين على البدل، ومراده الضمان التعليقي، وإذا تلفت العين أصبحت أولى القضيّتين التعليقيتين فعلية، وبقيت القضية الثانية تعليقية، فهو ضامن لأحد الشخصين من المالك والضامن الأوّل، وتشتغل ذمّته بأحد الأمرين: إما أن يتدارك العين، أو أن يتدارك تداركها. وذلك بإطلاق دليل (على اليد).

فإن قبلنا الإطلاق لهذا الدليل، ارتفعت سائر الإشكالات التي أوردت على الشيخ، فإنه لا يريد أن يقول: إن اليد وقعت على البدل، ليرد عليه الإشكال، وإنما يريد أن يستفيد من إطلاق الدليل: أنه من أيّ شخص أخذت المال فأنت ضامن له. وهذا ليس معناه الضمان للضامن الأوّل بدفع العوض له؛ لأنه لم يكن مالكاً، بل معناه أنه ضامن للضامن، وضمانه إنما يكون فعلياً إذا حصل التدارك فعلاً.

فعلى تقدير إطلاق الدليل، لا إشكال، إلّا أن الإشكال الوحيد الوارد على الشيخ، هو الإشكال في الإطلاق، بالنحو الذي سبق أن أشرنا إليه.

[تحرير الميرزا النائيني لكلام الشيخ ونقده]

المرحوم النائيني(1) يقرّب كلام الشيخ، ويختاره، وحاصل كلامه: أن الشيخ 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 302-304، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، أحكام الردّ، المسالة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يريد أن يبيّن طولية الضمان، فإن الضمان العرضي لهؤلاء الضامنين لا يمكن، وما قيل في الوجوب الكفائي من تتميمه بالإطلاق غير موجود في الضمانات.

وحاصل بيان طولية ضماناتهم: الأوّل حين وقعت يده على العين، فهي واقعة على شيء يجب إخراجه من ذمّة الثاني وذمّته. والثاني واقعة على شيء هو على عهدة الأوّل فيدهما مختلفتان، فإن الأوّل حين وقوع يده على العين لم يكن فيها خصوصية زائدة، ولكن بوقوع يده على العين اكتسبت خصوصية زائدة وهي خصوصية أن لها بدلاً والمراد أنه ضامنٌ لها، فحين تقع يد الثاني عليها تقع على العين بما لها من الخصوصية، وهي أنها مضمونة أو أن لها بدل. وهذا البدل ملازم للعين ولا يمكن سلبه عنها.

ولوازم ذلك متعدّدة: فلازمه أن للمالك الرجوع إلى أيّ واحد، وإذا رجع إلى واحد لا حقّ له أن يرجع إلى آخر، ولازمه أنه ليس عندنا إلا ضمان واحد ومضمون واحد لا أكثر، ولازمه أيضاً ما ذكره المشهور وهو أنه إذا رجع المالك إلى الأوّل يمكن للأوّل أن يرجع على لاحقه، ولا يمكن للّاحق أن يرجع على السابق.

ثُمّ يقول(1): والدليل على ذلك أن الأوّل حين وقعت يده على شيء، يجب إخراجه من ذمة الثاني، والثاني وقعت يده على شيء هو على عهدة الأوّل، ومراد الشيخ هو ذلك، فلا يرد عليه شيء من الإشكالات السبعة التي ذكرها السيد(2).

ــــــــــ[171]ــــــــــ

(1) اُنظر المصدر المتقدّم.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 310-313، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثُمّ يقول(1): إن عنوان (على اليد) وإن كان عامّاً استغراقياً -على حدّ قوله- إلّا أن العامّ الاستغراقي قد لا يكون في الأفراد على حدّ سواء، فإنه قد يكون خصوصية في بعض المصاديق تختلف المصاديق باختلافها، وهنا المصداق الأوّل وهو وقوع العين تحت يد الأوّل، هي عين بلا خصوصية، والمصداق الثاني، وهو وقوع العين تحت يد الثاني، ذو خصوصية ناشئة من ضمان اليد نفسه(2).

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 303، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، أحكام الردّ، المسألة الثانية.

(2) قال السيد الأستاذ: فهو -بعبارة منّا- بما أن يد الأوّل محقّق لموضوع ضمان الثاني وقيد فيه، فيكون متقدّماً عليه لا محالة؛ لتقدّم القيد على المقيّد في الرتبة، فيكونون كلّهم ضامنين، لكن بنحو التقدّم والتأخّر في الرتبة.

نحن نقول: أولاً أننا قلنا إذا كان مقصودكم أن مناط الطولية هو ذلك فقط، فهذا إنما يكون فيما إذا كان ضمان الأوّل دخيلاً في ضمان الثاني بحيث يكون من قبيل الموضوع أو قيده.

فإن الأوصاف التي تتّصف بها العين، قد تكون دخيلة في الضمان كالسمن، وبعضها غير دخيل فيه ككونها في المسجد أو في يوم الجمعة. فالأوصاف بالنحو الأوّل هي قيد في موضوع الضمان، ومقدّم عليه في عالم الاعتبار، وأما لو كان هذا الموضوع مقارناً اتّفاقاً لأمور أو متّصف بأوصاف غير دخيلة في الضمان، فهل يكون تقدّم الموضوع على الحكم موجباً لتقدّم مقارنه عليه، باعتبار أن المقارن مع المتقدّم متقدّم. كما يقال: أن الأطول من أحد المترين أطول من الآخر؟ أو يقال: أن المتأخّر عن شخص متأخّر عن شخص متأخّر عن معاصره، فهل يمكن تطبيق قياس المساواة كما في الكمّيات على الرتبة العقلية، أو أن للرتب العقلية موازين خاصّة، فإن انطبقت فهو، وإلّا لم يكن موجب لتأخّره؟ فالشرط أو العلّة يكون متقدّماً على المشروط، ولكنّ المقارن لأحدهما لا يلزم أن يكون متقدّماً، لعدم وجود الميزان للتقدّم فيه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ففي ما نحن فيه: حيث يتكلّم في ضمان الثاني للمالك، وعن طولية الضمانات للمالك، وأما ضمان الثاني للأوّل، فهو وإن تعرّض له الشيخ وتعرّضنا له، وفي كلام النائيني ما يشعر به في موضع واحد، إلّا أنه ليس في كلامه أيّ تصريح به.

فإذا حسبنا ضمان الثاني للمالك، هل يد الأوّل جزء الموضوع لضمان الثاني، بحيث لولاها لا يكون ضامناً؟ أو أنه – في الواقع- وصف مقارن للعين غير دخيل في ضمان الثاني؟ فليس أن يد الأوّل هي تمام الموضوع لضمانه، ولكن يد الثاني ليست تمام الموضوع لضمانه، بل موضوعه مركّب من موصوف وصفة؛ هما العين وكونها مضمونة للأوّل، بل يد الثاني هي تمام الموضوع لضمانه، كالأوّل، ووقوع يد الأوّل على العين لا دخل له في ضمان الثاني أصلاً.

أنا قرأت كلام المرحوم النائيني مكرّراً ولم أفهمه، فإنه يدّعي شيئاً، ويقيم برهاناً غير تامّ على مدّعاه.

فإنه أوّلاً يقول: الضمانات المتعدّدة العرضية للشيء الواحد، لا تعقل، لكن لا مانع من الضمانات الطولية. 

ثُمّ في باب تعاقب الأيدي يقول: إن الضمانات فيها ليست عرضية بل 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

طولية، وكلام الشيخ يعود إلى ذلك باعتقاده.

وحاصل دعواه في الضمان الطولي: أن الأوّل ضامن لِما يخرج من كيس الثاني والثاني ضامن لِما يضمنه الأوّل. فكِلاهما ضامنان للمالك، لكنّهما ليسا ضامنين على أيّ تقدير، بل يختلف الحال في ضامنيهما.

وحينما يريد أن يؤدّي المعنى يكرر نفس المعنى، وهو أن الأوّل ضامن لِما يخرج من عهدة الثاني، والثاني ضامن لِما يخرج من عهدة الأوّل. 

وبهذا تصحّ عدّة مطالب:

الأول: لا إشكال في تعدّد الضمانات والضامنين، لكون الضمانات طولية. 

الثاني: أن المالك إذا رجع إلى أحدهما لا يمكن الرجوع إلى الآخر.

الثالث: أن المالك إذا رجع على أحدهم رجع على لاحقه.

الرابع: إذا رجع على أحدهم، لا يرجع على لاحقه.

وحين يبرهن على ذلك يقول: إن يد الأوّل حين وقعت على العين، فقد ضمن نفس العين، وقضيّة (على اليد ما أخذت) تنحلّ إلى قضايا متعدّدة، ولا مانع أن يحقّق إحداها موضوع الأخرى. فيد الأوّل حين وقعت على العين اكتسبت العين صفة غير قابلة للانفكاك، وهي أنها صارت مضمونة عليه. وحين وقعت يد الثاني على العين، وقعت عليها بما لها من الخصوصية، والشيخ يقول: إن يده وقعت على العين بما أن لها بدلاً، وهو يعبّر بما أنها مضمونة للغير. فيريد أن يثبت بذلك أن الضمان طولي، وتترتّب عليه اللوازم السابقة.

نحن كان لنا كلام في الطولية قلنا شطراً منه.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وثانياً: أن الطولية التي قالها وقرّبناها هل ترفع الإشكال أو لا؟

وثالثاً: أن اللوازم الأربعة هل يمكن أن تتمّ على أساس الطولية؟

أما تقريب الطولية: فقد قلنا إنما هو في ضمان المالك، لا في ضمان بعضهم البعض. 

وحاصل تقريبها: أن يد الثاني حيث وقعت على العين وقعت بما لها من الخصوصية وهي كونها مضمونة للأوّل، إذن فضمان الأوّل قيد في موضوع ضمان الثاني، فيكون ضمان الثاني في المرتبة المتأخّرة عن قيد موضوعه لا محالة، ويكون الأوّل ضامناً للعين المجرّدة، والثاني ضامناً للعين المضمونة، و(على اليد) بشمولها لهم جميعاً، تضمنهم بهذا النحو، فالضمانات طولية.

وقلنا: إن مقصوده من كون العين مضمونة، هل مراده أنه جزء الموضوع للضمان الثاني، بحيث تكون العين جزأه الثاني. بحيث تكون العين هي تمام الموضوع لليد الأولى، وجزء الموضوع لضمان الثاني، فهذا لا يتمّ، فإنكم لو جرّدتم العين عن هذا القيد، فإنها أيضاً مال الغير وتكون مضمونة للثاني.

أو تريدون ما يلتزم به جملة منهم، من أن الخصوصية الدخيلة في باب الضمانات تكون مضمونة للثاني مضافاً إلى العين، فهذا لا يفيدكم، فإن الخصوصيات المضمونة، ككتابة العبد ونحو ذلك، مضمونة بضمان مستقلّ، بحيث لو خرج عن عهدة ضمان العين بقي ضمان الصفة وبالعكس، وقد وقعت اليد عليهما معاً، غاية الأمر أن أحدهما استقلالاً، والآخر تبعاً. فالضمانان في مثل ذلك عرضيان، وليس معنى وجود الصفة كونها جزء الموضوع.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وإن كان مراده: أن العين وإن كانت مضمونة ولكن حيث إنها مقترنة بشيء، هو ضمان الأوّل، فيكون متقدّماً على ضمان الثاني. فقد قلنا إن هذا غير تامّ؛ لأن مسألة أن المقارن مع المتقدّم متقدّم، لا يصحّ في الرتب العقلية، في العلل والمعلولات، على أنه ليس هنا تقدّم فإن صفة الشيء متأخّرة عنه.

أن الطولية(1) في الضمان على نحوين:

أحدهما: أن يكون أحد الضمانين معلّقاً على عدم الآخر، بحيث لا يكون أحدهما ضامناً إذا كان الآخر ضامناً، كما قد يقال في ضمان الغارّ والمغرور، من أن الغارّ يكون ضامناً دون المغرور، فإذا لم يكن ضامناً كان المغرور ضامناً، فإن أراد بقوله: (على كلّ تقدير)، أنه على بعض التقادير لا يوجد الضمان، فما هي تلك التقادير؟

النحو الثاني للطولية: ما قلناه من أن يكون من قبيل قيد الموضوع، فالأوّل يكون ضامناً للعين المجرّدة بعشرة، والثاني ضامناً للعين المضمونة بعشرة، والثالث ضامناً للعين المضمونة لشخصين بعشرة وهكذا. فهم مجتمعون في الضمان والمضمون فعلاً، لحصول القيد لكلٍّ منهم، فكلّ واحد منهم ضامن على أيّ تقدير، غاية الأمر أن الموضوع يختلف وهي موضوعات طولية، وهذا غير اشتغال الذمم طولياً، فإنها جميعاً مشتغلة بالضمان لحصول جميع الموضوعات.

وإذا أراد من الطولية أن الأوّل ضامن للمالك، والثاني ضامن للأوّل دون 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

()وهنا قال السيد جواباً على بعض الأسئلة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

المالك، والثالث ضامن للثاني لا للأوّل ولا للمالك، وملاك هذا الضمان هو الأخذ كما سبق أن عرفنا. فهذا ينتج خلاف ما قال الآغايون من جواز رجوع المالك إلى أيّ واحد منهم، بل ليس له إلّا أن يرجع على الأوّل فقط.

ثُمّ إنه لو سلّمنا الطولية وأنه لا مانع من تعدّد الضمانات باعتبار الطولية، فهل يتمّم هذا ما قالوه من أنه إذا رجع المالك على أحدهم كان للغارم أن يرجع إلى ما بعده؟ فهل هذا القيد بهذه الصورة وهو: أن الضامن الثالث مثلاً ضامن للعين المضمونة لشخصين، يتمّم هذا المطلب؟ بل الشارع لو جعل هذا النحو من الضمان، وحكم أن الأوّل ضامن للعين، والثاني للعين المضمونة لواحد، والثالث للعين المضمونة لشخصين، لا يكفي لإتمام ما قالوه، وإنما يحتاج في تتميمه إلى الضمان للضامن لا الضمان للمالك.

إن قوله(1): إن الأوّل ضامن لِما يخرج من ذمّة الثاني، والثاني ضامن لِما يخرج من عهدة الأوّل، لم نرد أن نناقشه، وإلّا فهو مما يلزم منه الدور، فإن كلّ واحد يكون في طول الآخر وجزءاً لموضوعه، فلا بُدّ أن لا يكون هذا هو المقصود، وإنما المراد الإشارة إلى ضمان كلّ واحد منهم، بالنحو السابق، يعني أن الأوّل يكون ضمانه مطلقاً، والثاني ضامناً لعين لو أدّاها الأوّل لكان له الرجوع عليه.

إذن فالطولية مضافاً إلى بطلانها في نفسها فإنها لا تنتج أيّ نتيجة. نعم، لو قيل: إن كُلاً منهم ضامن للمالك وللضامن السابق أيضاً، أمكن القول بما قالوه، إلّا أن الإشكال في إمكان استفادة ذلك من إطلاق دليل اليد كما قلنا.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال أيضاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [تقريبان للسيد اليزدي في توجيه الأيادي المتعاقبة]

السيد يذكر تقريبين لتصحيح الأيادي المتعاقبة(1):

[التقريب الأول]

أحدها: أنه يقول: إن الأحسن أن نقول: إن أحدهم حين يدفع الغرامة، فإنه يملك العين التالفة، ويكون قائماً مقام صاحب المال في هذا المعنى، وهو أنه كما أن صاحب المال يستطيع الرجوع إلى الجميع كذلك هذا الغارم.

ولأجل(2) ذلك يذكر السيد عدّة مقدّمات:

الأولى: لا إشكال أن هذا الشخص لو صالح بالعين التالفة مع أحدهم أو مع شخص آخر لجاز، فكذلك الغارم يملكها ويقوم مقام المالك في إمكان رجوعه على أيّ واحد من الضامنين.

الثانية: أن العوض يدخل في ملك من خرج منه المعوّض. 

المقدّمة الثالثة: أن باب المعاوضات وباب الغرامات واحد، وحيث إن العوض يدخل في ملك من خرج منه المعوّض، وباب الغرامة هو التعويض، فمقتضى العوضية هو كون العين ملكاً للغارم(3).

وبناءً على هذه المقدّمات بما أن العين التالفة اعتبرت موجودة في عهدة 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 315-316، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

(2)انظر الحاشية ص401. (المقرِّر).

(3) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هؤلاء، فهي قابلة لأن تقع عليها المعاملة، وحيث إن باب الغرامة لا يختلف عن باب المعاملة، وحيث إنه يدخل العوض في كيس من خرج منه المعوّض، فالغارّ يملك العين التالفة المعتبرة في ذمّته لاستحالة الجمع بين العوض والمعوّض.

ثُمّ يستشكل على نفسه(1)، أنه إذا كان مالكاً فلا فرق بين رجوعه على السابق ورجوعه على اللاحق. 

ويجب عليه بأن السبب للضمان هم السابقون، فلا يمكن له الرجوع عليهم.

[نقد مقالة السيد اليزدي في المقام] 

وهو لا يردّ هذا الوجه، ولكنّه يقول: إن مقتضى التحقيق هو الوجه الثاني.

نحن لنا كلام بأن هذا المطلب هل ينسجم مع مبناه؟ وكلام في صحّة أصل المطلب والمقدّمات. ونبدأ بالثاني فنقول:

أما المقدّمة الأولى: وهي أن العين التالفة تنتقل بالمعاوضة والمصالحة إلى الغارم، فتارة يكون هناك مطلب مسلّماً نصاً وفتوى مبتنياً على أن لزوم اعتبار المعدوم موجوداً أو اعتباره مملوكاً، فنكون ملزمين بهذا الأمر.

وأخرى لا نملك مطلباً مسلّماّ كذلك، وإنما نريد أن نثبته ابتداءً بالأدلّة كـ(على اليد)، وإثبات المطلب يكون بالرجوع إلى سوق العقلاء، لنرى الوضع فيه، فهل الوضع فيه كما قاله: من أنه بالإتلاف ومجيء المِثل والقيمة إلى الذمّة، يقول العقلاء أن صاحب المال مالك للمعدوم والعوض معاً؟

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) أُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أو يقال: أن المتلف مالك للتالف وقد وقع عوضه في عهدته؟ أو يقال: أنه وقعت معاوضة قهرية يدخل بموجبها المعدوم في ملك المتلف والعوض في ملك المالك؟

أو أن العقلاء في الحقيقة يقولون: بأن المتلف حيث إنه أزال العين عن الوجود فلا ملك ولا مملوك، فلا بُدّ أن يدفع العوض؟

وهل ما يقوله السيد من استقرار الضمان على عهدة هؤلاء بعد التلف، وهو معنى وضعي وليس حكماً تكليفياً، هل بمعنى أنه ملك للمالك، والغرامة من باب المعاوضة؟

فنقول: إن ما في عهدة الضمان إن لم يكن ملك المالك فلماذا يؤدّيه إليه؟

وإن كان ملكه فالدفع إليه يلزم منه الجمع بين العوض والمعوّض، فإنه يكون مالكاً للعين في الذمم بماليتها ونوعيتها، ومالكاً للعوض أيضاً.

إذن فبمجرّد تلف العين لا بُدّ أن يخرج عن ملكه، وإلّا لزم الجمع بين العوض والمعوض.

على أن مالكية التالف لا معنى له، وما يقوله من المصالحة، إنما هو مصالحة على ما في العهدة لا على التالف. وقد قلنا في باب الضمان إن الهوية ليس لها أيّ اعتبار في باب الضمان أصلاً.

وإنما المعتبر فيها هو المالية، والمنافع، فلو بقي في ميتة الخروف قيمة فالمضمون هو الفرق بين القيمتين، فإن دفع الضامن بمقدار المضمون فهو لم يدفع عوض الموجود، وتكون الجثّة ملكاً للمالك، وإن تراضى الطرفان على دفع 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

قيمة الجميع، فيكون بعضه من باب المعاوضة وهو ما وقع في مقابل الجثّة، وبعضها من باب الضمان، وأما إذا لم يكن للشيء عوض لا يكون مضموناً أصلاً، وإذا لم يكن مضموناً لم يدفع عوضه، وإذا لم يدفع عوضه يبقى حقّ الاختصاص ثابتاً للمالك.

فنقول للسيد حين يقول: (إن العين حين وجودها تكون على عهدة المكلّف وبتلفها يستقرّ الضمان، وأن الضمان من باب المعاوضة): هل معنى استقرار الضمان أن العين بما لها من البدل على عهدته، يعني بماليتها ونوعيتها؟ فالمالك مالك لمالية العين في عهدة زيد، ومالك للتالف أيضاً، مع أنه عوضه، فيلزم الجمع بين العوض والمعوّض.

فبناءً على كلامك لا بُدّ أن يكون الضامن مالكاً للمعدوم، فما يقوله من أنه لا إشكال من وقوع المعاوضة، نقول: لا إشكال من عدم وقوعها.

ثُمّ إن المالك حيث إنه مالك للعين في عهدات متعدّدة، بجميع خصوصياتها، هل يريد أن يقول: أن المضمون هو اعتبارات متعدّدة في الذمم، بحيث يتعدّد العوض عن المعوّض الواحد؟ فهذا مخالف لبناء العقلاء، ولا يمكن الالتزام به.

وإن أراد اعتبار أمر لا تكرار فيه فالأوّل إذا دفع العوض فقط سقط عن الجميع بأدائه؛ لأنه أمر واحد يسقط بأداء واحد. ولا تبقى الذمم ضامنه أصلاً. 

فبناءً عليه، تكون المقدّمة الأولى غير قابلة للتصديق لا من قبل العقلاء ولا من قبلنا.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يقول السيد في المقدّمة الأولى: لا إشكال في أنه إذا صالح المالك على العين التالفة واحداً من الضامنين في الأيدي المتعاقبة أو حسبها زكاة أو خمساً عليهم، أنه يقوم مقام المالك في العين.

نحن لنا كلام: في مالكية صاحب المال للعين التالفة ليرتّب إمكان انتقالها إلى الآخر أو لا. 

وكلام آخر: في أن المالك إذا صالح عليها مع شخص خارجي، فهل يقوم مقام صاحب المال في أنه يجوز الرجوع إلى الضامنين في الأيادي المتعاقبة؟

وكلام ثالث: في أنه إذا صالح مع واحد ممن في السلسلة لو حسبها عليه زكاة أو خمساً فهل يقوم مقام المالك في الرجوع إلى من يستطيع المالك الرجوع إليه أو لا؟

أما مالكية المالك للعين التالفة، فلا يمكن أن يقال إنها موجودة، بل لا بُدّ أن يكون في البين اعتبار، والاعتبار لا بُدّ وأن يكون شرعياً أو عقلائياً موافقاً مع الشرع، فلا بُدّ أن تقولوا إن الشارع أو العقلاء حين تتلف العين يعتبرونها ملكاً لصاحب العين، فنسأل: أن هذا الاعتبار يأتي على المعدوم بما أنه معدوم؟ 

هذا لا يمكن؛ لأن المعدوم المطلق غير قابل للإشارة والتصوّر. فلا بُدّ من اعتبار آخر.

فإن قلتم: إنه اعتبار الوجود بمعنى أنه اعتبرت الملكية للعين المعتبرة الوجود.

فنسأل: أنه اعتبار للوجود الذهني أو الخارجي؟

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإن قلتم: الذهني، فهو لا أثر له في الضمان ولا في الملكية ولا المالية. فلا بُدّ من أن تقولوا إنه اعتبار الوجود الخارجي.

وحين جعلت الملكية جزماً على الوجود الاعتباري الخارجي، يكون الاعتبار جزمياً، فإن القيود قبل دخول النسبة تكون معاني تصورية كقولك: (زيد العادل)، ولكن إذا قال: (جاء زيد العادل) يكون تصديقاً، فكأنّه أخبر عن أمرين، عن كونه زيداً وعن كونه عادلاً.

ولذا لو قال: (زيد العادل) ولم يكن عادلاً لم يكذب، وإذا قال: (جاء زيد العادل) ولم يكن عادلاً، فقد كذب، فتصبح القيود التصورية تصديقية(1).

ففي المقام أيضاً، اعتبر الوجود تصوّراً، ولكن حيث اعتبرنا له الملكية جزماً يكون الوجود معتبراً في الخارج أيضاً، فنتعبّد بأنه موجود وأنه مالك، فهذا يلغي موضوع الضمان، فإن الضمان كان على عنوانه التالف.

وأما إذا اعتبر المالكية من أنه في عهدة هؤلاء، ومن حيث الأثر بالرجوع إليهم، فهذا موقوف على أن لا يكون دليل الضمان قاعدة (اليد)، و(من اتلف مال الغير) لا يكون موضوعها التلف. فإنه إنما يستطيع الرجوع إليهم باعتبار أن الموضوع هو المعدوم التكويني الموجود وجوداً اعتبارياً، وليس الموضوع هو التلف.

إذن فتعتبر الملكية له من حيث، ويكون هذا هو موضوع الأثر، فيكون أثر 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإن جعل التصوّر طرفاً للنسبة لا يقلبه إلى تصديق… وتمام الكلام في محلّه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

عهدة هؤلاء هو موضوع الحكم بالضمان، فهل هذا ممكن: أن يكون الحكم بلحاظ الأثر، ويكون الأثر دخيلاً في الموضوع؟!!

وإن قلتم: إنه غير دخيل في الموضوع، فالمالكية لا تكون مربوطة بالضمان أصلاً. فما قاله من أنه لا إشكال فيه لا يكون ممكناً أصلاً.

وأما إذا لم يكن المالك مالكاً للعين التالفة فلا معنى للمصالحة؛ ليأتي الكلام الآتي.

وأما إذا سلّمنا أن المالك مالك للعين التالفة، ويريد أن يصالح شخصاً من السلسلة أو يعتبره عليه خمساً أو زكاة، فقد قال السيد(1) في مسألة العهدات المتعدّدة تبعاً لظاهر الشيخ (2): إنه على البدل كما في باب الواجبات الكفائية، فإن التكليفات والوضعيات لا تختلف، وإمكان رجوع المالك على الجميع، بحيث يكون كلٌّ منهم غارماً، لا يمكن عقلاً ولا شرعاً، بل لا بُدّ أن نتصوّر بنحو إذا أعطى واحد منهم سقط عن الجميع، ولا يحقّ للمالك أن يرجع إلى شخص آخر منهم؛ إما على البدل كما يقول السيد، أو بنحو العنوان غير القابل للتكرار كما قلناه، وعلى أيّ حال لا كلام في أنه إذا دفع أحدهم يسقط الضمان.

وبناءً عليه: لو حسبه على أحدهم زكاة فقد استوفى ماله، فمرتبة الاستيفاء 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 317-318، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 508-509، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

متقدّمة على الملكية المفروضة للعين التالفة، فالاستيفاء سبب للمالكية، وفي رتبة المالكية سقط عن الآخرين، وإن دفع الخمس والزكاة والمصالحة معناه الاستيفاء، ومعه لا حقّ له بالرجوع على الآخرين، ففي حين الملكية سقط ما في ذمم الآخرين بالكلّية، فإذا قلنا بأنه أصبح مالكاً فإنه لا يعقل قيامه مقام المالك؛ لأنه يكون كالمالك بعد الاستيفاء، والمالك بعد الاستيفاء لا حقّ له للرجوع إلى أحد، فكذلك القائم مقامه.

فالنتيجة التي تريدونها وهو أنه حيث أدّى أحدهم يصبح مالكاً فيمكنه الرجوع إلى الآخرين.

مع أنه إذا أدّى أحدهم سقط عن الآخرين فلا يمكن الرجوع إليهم.

وأما المصالحة مع إنسان خارجي، فالمالك له حقّ الرجوع إلى الضامنين، لا لأنه مالك للعين التالفة، بل لأنهم أتلفوا العين المملوكة، فانتفت الملكية أساساً.

وعدم ملكيته مؤكّدة للضمان، لا أن ملكيته قيد في الضمان، وذلك أن ملكيته انعدمت، فلا بُدّ من الجبران، ومالكية المتلف وعدمها على السواء، بل عدم مالكيته أولى.

وحيث إن المالك لا يرجع بهذه الجهة، فإذا انتقل هذا المعنى إلى الغير، فإنه أيضاً لا يمكنه الرجوع إلى أيّ من الضامنين أصلاً.

إذن فلا يمكن تتميم هذا المطلب مطلقاً ولو أخذ بكلّ كلامه(1).

المقدّمة الثانية: لكلام السيد أن العوض يدخل في كيس من خرج منه 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

() عطلة أوّل رجب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

المعوّض، ليس عندنا قاعدة كلّية بهذا النحو، بحيث تعمّ باب الغرامات أيضاً. 

وإنما باب الغرامات هو جبران الخسارة لا أكثر، باعتبار أن ما فات يجب دفع قيمته، لا أن العقلاء يعتبرونه ملكاً للضامن، ثُمّ تعود إلى المالك.

والأمثلة الجزئية التي ذكرها، كبدل الحيلولة، وأجزاء الزجاج المكسر فإن الأمر فيها قد يكون هكذا، وفي المعدوم ليس كذلك، على أنها محلّ إشكال أيضاً، إذن فالمقدّمة الثانية لا يوافق عليها العرف والعقلاء.

المقدّمة الثالثة: أن باب الغرامات مشمول لقاعدة أن العوض يدخل في كيس من خرج منه المعوّض، فإنها ليست خاصّة بالمعاوضات، بل تدور مدار وجود العوض، وقد تكلّمنا عن ذلك، لكنّ في المقام عندنا كلاماً واحداً، وهو أن ما ذكره في هذه المقدّمة لا ينسجم مع طريقته ومسلكه في (على اليد).

فإنه يقول: إن هذا الدليل يفيد أن نفس ما وقعت عليه اليد يأتي إلى العهدة، ويبقى فيها إلى زمان الأداء، فإن كانت العين موجودة، وجب دفعها، وإن لم تكن موجودة، وجب دفع مِثلها أو قيمتها.

فإن دفع ذلك هو دفع للعين بوجهٍ، وتعبيره حول ذلك وإن كان مختلفاً إلّا أن لازم مسلكه هو ذلك في مقابل قول المشهور(1)، بحدوث معنى الضمان، التعليقي بوقوع اليد على العين.

ــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) اُنظر: غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب 2: 291، كتاب البيع، الكلام في شروط العقد، أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، وكتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 70، المقصد الثاني، المسألة الرابعة، وهداية الطالب إلى أسرار المكاسب 1: 45، أنواع المكاسب المحرّمة، النوع الرابع، المسألة الثامنة، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وبناء على ما ذكره المشهور يكون دفع البدل عوضاً للعين التالفة.

وأما بناء على ما يقول السيد من أن نفس العين تحصل في الذمّة، وأنه لا يرتفع الضمان إلّا بحصول الغاية فلازمه أن أداء المِثل أو القيمة، نحو أداء له.

وبتعبير آخر: أن العين مشتملة على خصوصيات شخصية ونوعية ومالية، فإن استطاع الأداء بتمامها وجب، وذلك في حال وجود العين، وإلّا أدّى خصوصيتين منها، و إلّا فواحدة وهي المالية، فهذا نحو من الأداء للعين لا أنه عوض لها.

فما يقوله في المقدّمة من أن البدل يكون عوضاً للعين التالفة لا ينسجم مع مسلكه ذاك.

ثُمّ إنه يقول: إن قلت: إن المعدوم لا يملك.

قلت: إنه مسلّم وجود الخيار ومسلّم أنه يعود إلى المِثل والقيمة عند التلف. والتلف من حينه، ولازمه عدم الملكية للمعدوم(1).

نقول: لو فرض تسليم ما فرضه مسلّماً، وهو وجود الخيار بعد انعدام العين، والرجوع إلى المِثل والقيمة وأن التلف من حينه، إلّا أن عود العين إلى الملكية بعد التلف ليس مسلّماً، فإن باب الفسخ ليس باب المعاملة، بحيث يدفع أنه يجب دفع عوض العين مرّة أخرى، وإنما باب الفسخ هو باب حلّ العقدة التي جعلناها وعقدناها.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 316، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وبناءً عليه إذا فسخ وكانت العين معدومة، فهل يحكم العقلاء برجوع المعدوم إلى ملكيته؟ وحيث إنه لا يمكن أخذه، فهو يأخذ عوضه، هذا غير مسلّم. 

وما ربط العقلاء بهذا البناء فإن بناء العقلاء عملي، والبناء العملي بعيد عن اعتبار ملكية المعدوم، فإنه كلام (مدرسي) غير عقلائي، وإنما يدور الخيار عندهم مدار العوض، إن قالوا به.

وعلى أيّ حال فهذا الوجه الأوّل لم يرتضِ به السيد(1)، وذكره كأنّه أحسن من كلام صاحب (الجواهر)(2)، وهو حتماً ليس كذلك، بل كلام صاحب (الجواهر) أحسن منه. والسيد يرى بأن التحقيق موافق للوجه الثاني الذي سنذكره.

[التقريب الثاني]

الوجه الثاني: الذي يختاره السيد ويراه الموافق للتحقيق، هو أنه يقول: في باب الضمان لا فرق بين من وقعت يده على العين، وبين المتلف، فكما أن المتلف سبب لاستقرار الضمان على هذا الإنسان، كذلك أن اليد اللاحقة تحول بين السابق وبين العين فتكون سبباً في استقرار الضمان، إذ لولا الحيلولة لأمكن أن يخرج من الضمان ويدفعها إلى صاحبها(3).

ــــــــــ[188]ــــــــــ

(1) اُنظر المصدر المتقدّم 2: 315.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 37: 34، كتاب الغصب، النظر الأوّل.

(3) راجع حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 317، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، توارد الأيدي.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يقول: هذا نظير الغارّ والمغرور، فإننا قلنا أن المغرور يرجع على الغارّ لأجل سببيته في استقرار الضمان، كذلك نسبة المتأخّر إلى المتقدّم(1).

[نقد هذا التقريب]

نحن لنا كلامان معه:

أحدهما: أن كلامه هل ينسجم مع مذهبه في (على اليد)؟

وثانيهما: أننا لو قلنا بالضمان على المذهب المشهور هل يتمّ ما قاله أم لا؟

أما بالنسبة إلى مسلكه في (على اليد)، حيث يقول: إنه بمجرّد أن تقع يد الضامن على العين، فإن نفس العين تعتبر في عهدة الإنسان، وتبقى في عهدته حتى تحصل الغاية، وهي إما أن تحصل بدفع نفس العين، وإما أن تحصل بردّ شأن من شؤونها.

فالقائل بهذا المسلك، لا معنى لأن يعبّر باستقرار الضمان، فإن استقراره يناسبه المعنى التعليقي للضمان، ويكون بخروجه من التعليقية إلى الفعلية، بحصول التلف.

وأما على مسلك السيد فلا معنى لذلك، بل قد استقرّ ضمان العين في عهدته من الأوّل، ولم يحدث شيء غير العين في عهدته، سواء قبل التلف أو بعده، فمقام العهدة لم يفرق بالتلف وإن كان مقام الأداء قد اختلف.

إذن فبوقوع اليد على العين استقرّ الضمان، والذي يتلف العين بعد ذلك لا دخل في الاستقرار أصلاً، وليس هناك دخل لشيء في العالم في استقراره بعد وقوع 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) اُنظر المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

اليد عليه الذي هو تمام الموضوع فيه، فهذا الذي يقوله لا ينسجم مع مسلكه.

أما تمامية هذا الكلام بناء على مسلك المشهور إذ لعلّه غفل عن مسلكه حين قال بهذا الوجه، ومسلكهم هو الضمان بالمعنى التعليقي، (إن تلف فعليك، ويستقرّ بالتلف)، بمعنى أنه يخرج من التعليقية إلى الفعلية.

وبناءً عليه يمكن أن نقول للمتلف: إنه سبب في ضمان المتقدّم، وأما قبل التلف فليس في عهدتي لا المِثل ولا القيمة، وإنما يقع هذا العوض في عهدتي بعد التلف، أي: حين يعود المعنى التعليقي فعلياً، فإنما جاء العوض في ذمّتي بسبب إتلافك. فبالنسبة إلى الإتلاف صحيح.

وأما بالنسبة إلى التلف، فإن عندنا ثلاثة أشياء: 

الأول: يد السابق. 

والثاني: يد الثاني، وهي الحيلولة بين العين وبين الأوّل. 

والثالث: التلف. وما جعل الضمان فعلياً ليس هو يد السابق ولا يد اللاحق، فإنهما لم يأتيا إلّا بالمعنى التعليقي للضمان. ولم ينقلاه إلى الفعلية. وإنما سبب فعليته هو التلف سواء حصلت الحيلولة أو لا. 

والحيلولة لا تأتي بالضمان سواء تلف أو لم يتلف، فجزء الموضوع للضمان هو الوقوع تحت اليد والجزء الآخر هو التلف. والحيلولة لا دخل لها بأيّ من الجزأين. لا بالمعنى التعليقي للضمان ولا الفعلي.

ولو أغمضنا عن ذلك، فهذا المطلب لا كلّية له، فلو غصب شخص مالي وأخذه ثالث منه قهراً، وأخرى يغصبه ويعطيه لآخر اختياراً، بمعاملة أو 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

غيرها، وفي مثل ذلك يكون سبب الحيلولة هو الأوّل دون الثاني، فإنه هو الذي حال بين المال وبين نفسه، وإنما يكون الثاني سبباً فيما إذا أخذه قهراً عليه، فالمطلب لا كلّية له ولو تمّمنا كلّ كلامه.

وقياسه على المغرور غير تامّ، فإن المغرور في نفسه عنوان للضمان وموضوع مأخوذ في الأدلّة، وليس سبب الضمان فيه هو التسبيب، ولولا عنوانيته في الأدلّة لَما قلنا بالضمان في التسبيب، فإن من أكل مال الناس فهو ضامن، ولا ربط له بالتسبيب ولا تتمّ به، وإنما هو باب على حدة، وله أدلّة على حدة.

وما يقوله الآخوند(1)، من أن المسألة عقلائية، حتى في رجوع كلّ لاحق إلى سابق، فالعهدة عليه. إن ثبت كونه عقلائياً فهو، وإلّا فإن أصل ضمان اليد تعبّدي، وليس عقلائياً بالنحو الذي قال به الفقهاء.

[التحقيق في ضمان الأيادي المتعاقبة]

الوجه الذي نقوله: هو أنه هل يستفاد من (على اليد) أن كلّ واحد من الأيدي المتعاقبة ضامن لصاحب المال، وكلّ سابق ضامن للاحق، فللمالك الرجوع إلى أيٍّ منهما، وإذا رجع إلى أيٍّ منهم يرجع إلى لاحقه وهكذا، هل يستفاد ذلك من (على اليد) أو لا؟

وفي صدد ذلك لا بُدّ أن نرى في (على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه) أن نبحث في (على) وفي المضمون وفي الغاية، وهي أمور لم يتمّ الكلام فيها، فلا بُدّ 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب: 83، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، أحكام الردّ، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أن نتكلّم فيها حتى نرى أنه هل يتمّ المطلب أو لا؟

أما (على اليد) فيستفاد منه أن هنا (عليهيّة) وعهدة في المقام. فلو لم يكن في عهدة لم تكن اليد موجبة للعهدة، كما لو أخذت شيئاً من المباحات العامة فدخل تحت يدك، فلا يكون مضموناً.

فنتكلّم في أن المعتبر في العهدة كون المضمون عيناً أو مملوكاً، أو لا يعتبر؟ لا إشكال في عدم الاختصاص بكونه عيناً، فلو كان حقّاً أو منفعة كان لها عهدة أيضاً، بل العين الخارجية بذاتها ليس لها عهدة أصلاً، إلّا باعتبار المعنى الاعتباري لها وهي الملكية.

وكذلك إذا دخلت المنافع تحت اليد، بدخول العين فلا مانع من أن يكون (عليه) وكذلك فيما إذا لم يكن ملك أصلاً.

كما لو قلنا بأن الإجازة هي سلطنة على العين للانتفاع، ولم نقل إنها ملك المنفعة، فلو غصبها فيصدق أنه عليه؛ لأن هذه السلطنة ذات قيمة، فيشملها صدر الحديث.

وكذلك إذا كان حقّاً وليس ملكاً أصلاً، كحقّ التحجير، فإنه ليس ملكاً بل حقّ أن يملك، فيشمله (أن عليه)؛ لأنه حقّ مالي له اعتبار عقلائي، ولو لم يكن كلّ ذلك، بل كان شيء موضوعاً لحكم شرعي، كما لو وقف ظرفاً لسقاية الناس، والوقف ليس ملكاً بل هو فكّ ملك، فلو أخذه يصدق أنه (عليه) فإن للعهدة اعتبار عقلائي متحقّق فيه.

إذن ففي (على اليد) لا نحتاج إلى وجود المالك ولا ذي الحقّ ولا ذي 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

السلطنة ولا ذي الولاية، فقط نحتاج إلى صدق عنوان (العليهيّة).

وليس ضرورياً إمكان الأداء، حيث قلنا: إن (على اليد) وارد لجعل الضمان على الموضوع المحدود، كما في قوله: “كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر“(1)، أو “كلّ شيء حلال حتى تعلم أنه حرام“ (2). فإن بعض الشبهات الحكمية لا يمكن التوصّل إلى العلم بحكمها، فهل يقال: أن قاعدة الطهارة لا بُدّ أن تجعل في موضوع تحصل فيه الغاية؟ بل يمكن جعلها سواء أمكن تبديل الشكّ إلى العلم أو لا.

كذلك في المقام ليس لا بُدّ أن يمكن الأداء في كلّ مورد مورد، بل يكفي إمكان الأداء في بعض الموارد.

وعلى ما قلناه من أن المأخوذ ليس شرطاً أن يكون مورداً للملكية أو السلطنة، أو الحقّية أو الولاية، بل لا بُدّ أن يكون مما تصدق فيه (العليهية) حتى تشمله (على اليد).

وأما الأداء فكيفيته غير مذكورة في الحديث. وإنما نحن الذين يجب أن نفهمه، فلو كانت العين لزيد، وسلطنة الإجارة لشخص، والحقّ لشخص ثالث وهكذا، وغاصب العين قد وقعت يده على كلّ هذه الجهات، فمن الغاية نفهم 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) المقنع (للشيخ الصدوق): 15، إلَّا أنَّ فيه: “إلَّا ما علمت” بدل “حتىّ”، ومستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات…، الباب 30، الحديث 4.

(2) الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، تهذيب الأحكام 7: 226، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 9، ووسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 4، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أن العين مضمونة لصاحبها، وغايتها الردّ إلى المالك، والسلطنة مضمونة للمستأجر، وغايتها أداؤها إليه، والحقّ(1) مضمون لصاحب الحقّ وغايته التسليم إليه. فلو فرض أن شخصاً له حقّ المرور في العين، فمكّنه الغاصب من المرور، فقد حصلت الغاية له، بل دفعها إلى المالك لا يحقّق هذه الغاية ما لم يصل إليه حقّه، وهذه المعاني نحن نفهمها من الحديث.

وفي باب المساجد يكون الأداء بإرجاعها إلى حالها الأوّل، وهو تمكينه للمسلمين من الصلاة فيها والمباحثة! ولو خرب وهو تحت يده ولو بحادث سماوي، فهو ضامن ويجب عليه أن يبنيه، فهذا وإن لم يشمله (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) فإنه ليس من مال الغير بذلك المعنى، إلّا أن العهدة معنى عقلائي ثابت في هذا الباب، وبإرجاعه بالمعنى الذي ذكرناه تتحقّق الغاية وترتفع (العليهيّة).

وبناءً عليه إذا لم تكن الملكية أو وجود المالك معتبراً بل تصدق (العليهيّة) في غيره، فهذه العين حين وقوعها في يد الغاصب الأوّل لم يكن لها صفة، وحين وقوعها تحت يد الثاني كانت موصوفة بكونها مضمونة للأوّل. 

وهذا الوصف له اعتبار العهدة عقلائياً و(العليهيّة)، ويحصل فيه إمكان الإيصال اتّفاقاً، ونحن لا نتوخّى كون المضمون له مالكاً بل نتوخّى مجرّد صدق 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() إلّا أن يقال: إن الحقّ ونحوه لا يقع تحت اليد، فلا يكون مضموناً، وما يقع تحتها هو العين وصفاتها الحقيقية، إلّا أن يقال بشمولها للصفات الاعتبارية، أو بشمول الأخذ لمجرّد الزوال بفعل الغاصب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 (العليهيّة)، فتكون العين في عهدة الثاني للمالك، ويكون ضمان الأوّل في عهدته أيضاً للغاصب الأوّل، وهذا الوصف لا اعتبار به بالنسبة إلى الضمان للمالك أصلاً، وإنما المضمون له هو الضامن الأوّل، والغاية فيها ممكنة، وكل الأركان فيه متوفّرة، الضامن والمضمون والمضمون له والأخذ والأداء، بل هو أولى من المساجد في الضمان.

إذن فـ(على اليد) غير قاصرة الشمول لذلك، حتى نحتاج إلى كلّ ما قالوه من الكلام. فالثاني ضامن للعين للمالك وللأوّل ضمانه، يعني أن ضمانه في عهدتك، فإذا أدّى تكون الخسارة عليك، والثالث ضامن للوصفين والرّابع ضامن لثلاثة أوصاف والأخير ضامن للجميع، بناءً عليه فلا قصور فيها للشمول.

فإن تمّ هذا التقريب فهو، وإلّا فلا يمكن تتميم الحديث بأيٍّ من الوجوه السابقة.

[سقوط ضمان اللاحق بإرجاع العين إلى السابق] 

تبقى مسألة يحسن التعرّض لها، وهي أنه لو حصلت عشر من الأيدي المتعاقبة، فتارة يحصل القبض بالنحو القهري مرتّباً، بأن يرجع كلّ واحد على سابقه وهكذا. 

وأخرى يدفع الأخير للأوّل وأخرى يدفع الأخير للوسط، وهنا مرّة يحصل القبض مرتّباً طرداً أو عكساً، وتارة لا يحصل، ثُمّ إنها تتلف عند أحدهم.

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نحن لم نأتِ في الوجه الذي قلناه(1) من ناحية أن العين لها بدل، على ما يعبّر الشيخ(2)، ولم نبدأ من ناحية ما في ذمّة هذا الإنسان، سواء كان فعلياً أو تعليقياً.

بل قلنا: إن (على اليد) لم يؤخذ فيها كون المضمون له مالكاً للعين، أو للحقّ أو للمنفعة، بل بحسب إطلاقها لا يعتبر إلّا أن يكون لـ(العليهية) اعتبار عقلائي، بحيث يصدق أنه ضامن، سواء أمكن الردّ أو لم يمكن، فإذا أخذ العين، فاعتبار (العليهيّة) موجودة فيها وفي أوصافها أيضاً.

وأما وصف كونه مضموناً، فعلى مسلك المشهور ليس هناك شيء في الذمّة، بل هو معنى تعليقي، هو: أنه إذا تلف تشتغل ذمّته.

نعم، على مسلك الآخوند والسيد تكون ذمّته مشغولة بمجرد وقوع اليد، فنحن لا نريد أن نقول إن ما في ذمّة ذاك هو كذا، بل نقول: وصف كونه لو تلف لكان مضموناً هو وصف حادث للعين، كوصف خارجي اعتباري، قابل لـ(العليهية) في نظر العقلاء. فتكون (العليهيّة) للثاني و(اللهية) للأوّل وللمالك، فإذا أمكن أن نقول بذلك يتعيّن؛ لأن الإطلاق لم ينفِ الاثنينية في المضمون له.

وبناءً عليه إذا حسبنا حساب المالك بصفته مضموناً له، نرى أن الثاني حين وقعت يده على العين الموصوفة بكونها مضمونة. 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() تكلّم أوّلاً على الوجه الذي كان قد قاله. (المقرِّر).

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 508-509، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، المسألة الثانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يُتصوّر ضمانه على ثلاثة أنحاء:

النحو الأول: أن المعنى التعليقي ينسلب من الأوّل ويثبت للثاني.

فإن يد الثاني حين وقعت على الوصف وأصبح هذا الوصف مضموناً عليه، فمقتضى هذا الضمان هو انتقال المعنى التعليقي من الأوّل إلى الثاني.

كما قيل مثله على المذهب المنصور عند الإمامية، من أن الضمان (نقل ذمّة إلى ذمّة)، وهذا الوجه ينفع الضامن الأوّل لكونه يصبح بريئاً، وينفع المالك أيضاً بمعنى من المعاني.

النحو الثاني: أن يكون نظير الضمان العقلائي والعرفي، وقال به العامة، وهو الذي تعبّدنا الشارع بخلافه، ولولاه لقلنا به، وهو أن الضمان هو (ضمّ ذمّة إلى ذمّة)، بمعنى أن المضمون له له أن يرجع على المضمون وعلى الضامن معاً، فهنا أيضاً يقال نحوه، وهذا ينفع المالك، وذلك لأنه إذا لم يعط أحدهما يأخذ من الآخر، وينفع الضامن الأوّل؛ لأن الثاني إذا دفع يكون الأوّل بريئاً. 

النحو الثالث: أن يكون المضمون له هو الضامن الأوّل دون المالك، وهذا هو الذي قلناه، من أنه كما تصحّ (العليهيّة) والعهدة بالنسبة للعين للمالك، كذلك تصحّ في الوصف الخارجي المعتبر للعين، وهو كونها مضمونة ضماناً تعليقياً، و(العليهيّة) تصحّ في ذلك للضامن الأوّل، فكأنّ الثاني يقول: مضمونيتك للعين بالنسبة إلى المالك، فهو لا يريد نقل الضمان إليه، ولا (لهيته) للمالك. ولا يريد أن يضمن عهدته بل يريد أن يضمن ضمانه، فيكون ضمان الأوّل موضوعاً للضمان الثاني. فهذه ثلاثة احتمالات بحسب التصوّر.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما تصديقاً: أما بالنسبة إلى (لهيته) المالك، بمعنى أنه إذا لم يدفع فعَلَيَّ، فهو غير تامّ؛ لأنه يكون ضامناً سواء دفع أو لم يدفع، ودفعه يكون رافعاً للضمان لا كاشفاً عن عدمه من الأوّل. فكونه ضامناً إذا لم يدفع لا يتمّ.

وأما قضية نقل الضمان فهو ليس صحيحاً لوجهين:

أحدهما: كونه ليس معنى عقلائياً حتى نقول به، وإنما هو تحميل تعبّدي شرعي في مورد معين، بحيث لو لم يكن هذا التحميل لقلنا بما يقول العقلاء والعامة، ففي هذا المورد لا يمكن أن يقال به، بل قد نقول بأنه غير معقول، كما قال للعامة بأن قولكم غير معقول، مع أنه مطابق لبناء العقلاء.

وأما إذا كان ضامناً للضمان، فهو لا يعني أنه ضامن للدين، بل يكون ضمان الثاني غطاء (بشتيبانه)(1) لضمان الأوّل. 

فإذا قيل: (عليك ضمان هذا)، ولم يكن معناه النقل، فمعناه أنه إذا حصل عليه ضرر أو خسران فيجب عليك جبرانه كما يقال نحوه في سائر الضمانات، ولعلّ الرواية إنما سيقت بهذا النحو لدخول مثل هذه المطالب.

وهذا الوجه هو أقرب الوجوه، وليس بعيداً، لكنّنا لا نريد أن نفرضه على الآغايون، وبعد ضمه إلى بعض الوجوه التي قالوها وإلى تسالم المحقّقين على ذلك يكون هذا الوجه قريباً. 

وأما بالنسبة إلى التأكّد من وجوه الشهرة فليس عندي مصدر لها. 

مسألة من المتفرّقات: هو أنه بعد أن قلنا بضمان اليد بهذا النحو، فمرّة 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: مدعوم أو مسنود.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يرجع الأخير على من قبله وهكذا بنحو قهقري، إلى أن يصل إلى الغاصب الأوّل وتتلف تحت يده، ومرّة يدفعها الأخير إلى الأوّل، وتتلف عنده، أو يعطيها إلى الوسط وتتلف عنده، أو يعطيها الوسط إلى من بعده أو إلى من قبله وتتلف عنده، وهكذا.

أما صورة القهقري، فالأخير حين أعطى للتاسع فقد أدى إليه الوصف المضمون وهو كون العين مضمونة، فقد حصلت غايته وارتفع ضمانه للتاسع، وإن لم يؤدِّ العين للمالك ولم يرتفع ضمانها، وهكذا من بعده إلى الآخر.

فهذا الأخذ والإعطاء، هل يرفع الضمان فقط بالنحو الذي قلناه، أو يكون موجباً لإيجاد ضمان جديد أيضاً؛ فيكون غاية ذلك الضمان ومبدأ ضمان جديد؟

وبعبارة أخرى: عندنا لاحق وسابق قبلي، قد ارتفع حكمها بحصول الغاية، وعندنا لاحق وسابق فعلي حصل فيه ضمان جديد بنفس الدليل وهو أن العين حصلت على وصف باعتبار يد العاشر عليها، وحين رجعت إلى يد التاسع صار ضامناً لهذا الوصف.

ونفس التقريب يقال: إذا أعطى للوسط أو غيره، مهما دارت العين بينهم، فنحن لا بُدّ أن نلاحظ اللاحق والسابق بهذا المعنى، إذن فكلّ سابق يرجع على لاحقه، لا بالحساب الأوّل، الذي حصلت غايته بل بالحساب الجديد الذي لم تحصل غايته(1).

 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() أقول: أوردوا على السيد في كلامه هذا ثلاثة إشكالات.

أحدها: ما قلته له وحاصله: أن ردّ العين موجب لعدم الضمان، فكيف يكون سبب العدم سبباً للوجود؟!

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ــــــــــ[200]ــــــــــ

فأجاب: بأن العدم يكفي فيه عدم السبب، لا أنه يحتاج إلى سبب.

ثانيها: أنه بعد الردّ تكون ذمّة العاشر قد فرغت من الضمان، فكيف تكون موضوعاً للضمان؟!

فأجاب: بأنه ضمان آخر، لا نفس الضمان السابق ليرد الإشكال.

ثالثها: أن هذا مبتنٍ على التأبيد في بقاء الوصف للعين.

فأجاب: بالنقض بالعين نفسها، فإنه هل يقال بتأييد ضمانها حتى بعد الردّ إلى المالك، مع تحقّق الغاية المأخوذة في الدليل؟

إلّا أن الإنصاف عدم تمامية الوجه الذي قاله السيد، بعد ضمّ هذه الإشكالات بعضها إلى بعض في إشكال واحد. وذلك بأن يقال: بأن الوصف الذي حصل للعين من ضمان الضامن العاشر: إما أن يكون بالردّ قد ارتفع؛ لحصول غايته، أو لم يرتفع، فإن لم يرتفع فهذا خُلف الغاية المجعولة في الدليل على الفرض، وهو مقتضٍ للتأبيد لا محالة، فإنه إن لم يزل بحصول الغاية لا مزيل له بعد ذلك.

فإن قيل: إن هذا التأبيد باعتبار صدق المبدأ على الأعمّ من المتلبّس.

قلنا: إن هذا ليس موضوعاً للضمان ووجوب الأداء كما هو واضح، ونقض السيد بالعين نفسها دليل على بطلان هذا الشقّ من الإشكال.

وإن ارتفع ضمان العاشر: فإن بقي وصف العين المنتزع منه، كان معناه بقاء المعلول من دون علّة، ولازمه التأبيد أيضاً، وإن ارتفع وصفها ومع ذلك أصبحت موضوعاً للضمان، فهذا مما لا معنى له، لِما قاله السيد نفسه من أن معنى الضمان الثاني هو أن يدفع الضامن الثاني ما خسره الأوّل، بحيث يكون الضمان الثاني غطاء للأوّل؛ فيتّضح أن الضمان الأوّل إذا كان مرتفعاً كان الضمان الثاني مرتفعاً موضوعاً، لا أنه يكون موضوعاً له.=

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [حول إبراء المالك إحدى الأيادي المتعاقبة]

إذا حصلت الأيدي المتعاقبة، وأبرأ المالك أحدهم، فهل هو موجب لإبراء الجميع، أو ليس موجباً لإبراء أحد غير واحد، أو موجباً لإبرائه وما بعده، أو لإبرائه وما قبله من الأيادي؟ فهنا هذه الاحتمالات.

ويقع الكلام تارةً في صورة وجود العين وأخرى في صورة تلفها، وإن خصّ الآغايون الكلام في صورة التلف وعلى التقديرين إما أن نتكلّم على مسلك السيد والآخوند، القائل بأن نفس العين في العهدة، وإما أن نتكلّم بناءً على مسلك المشهور، من كون الضمان تعليقياً.

أما حال وجود العين على مسلك السيد والآخوند من كون نفس العين في العهدة، وأن غاية هذه العهدة هي أداء العين، غايته إن أداء المِثل أو القيمة نحو من الأداء للعين. هل للمالك إبراء أحدهم أو ليس له ذلك؟ 

له ذلك، فإن العين ملكه، له أن يسقطها عن ذمّة من يشاء.

ــــــــــ[201]ــــــــــ

=ومعلوم أن جواب السيد بأنه ضمان آخر لا يفيد في المقام؛ لأن هذا الضمان الجديد مترتّب على عدم الضمان لا على الضمان، كما أوضحنا، كما أن جواب السيد بأن العدم يكفي فيه عدم العلّة، لا يكفي؛ لأنه متضمّن للاعتراف بانعدام علّة الضمان الأوّل، فهو مرتفع ومع ارتفاعه يرتفع وصف العين، فلا يكون مضموناً على الضامن التاسع.

وإذا بطل هذا المطلب بين اثنين من الغاصبين العشرة، كان باطلاً بالنسبة إلى أيّ شخص دارت عنده العين بعد ذلك، إذن فلا يكون الردّ موجباً للضمان، بل غاية للضمان الأوّل، وبه يرتفع لا محالة..

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إلّا أن الإبراء هل هو بمعنى استيفاء العين، فلا(1) يبقى له حقّ في العين، فكما لو كان قد استوفى العين ليس له المطالبة بها مرة أخرى، كذلك لو أبرأ عنها بحيث تصبح العين من المباحات وتخرج عن ملكه؟ هذا لا يمكن الالتزام به لأحد.

وإذا أبرأ شخصاً من الوسط، وكانت العين عند الأوّل، فبسقوط العين من ذمّته تسقط عن الجميع؛ لأنه بمنزلة الاستيفاء، فكأنّ المال وصل إليه، أو لا بُدّ أن يقال: إن كلّ واحد ضامن للعين، فإذا أبرأ أحدهم فذلك لا ربط له بإبراء الآخر، أو نقول: إن من في يده العين يبقى مشغول الذمة وضامناً، وتسقط عن الباقين؟ هذا لا وجه له.

أو نقول: إن مقتضى على اليد ساقط، فإذا حصل الإبراء فقد حصلت الغاية أو ما هو بمنزلتها، فلا يمكن الرجوع إلى أحدهم حتى من كانت العين في يده، إلا بأدلّة أخرى غير (على اليد)، فقد يحصل التعارض بين دليل اليد وغيرها. فإنه إذا كان الإبراء بمنزلة الردّ، فإن دليل اليد حاكم على قوله “المغصوب كله مردود“(2)، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، بحيث يستغنى عن العين الخارجية.

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() فلو كانت العين عند الأوّل وأبرأه صحّ. (المقرِّر).

(2) الكافي 1: 542، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال…، الحديث 4، تهذيب الأحكام 4: 130، كتاب الزكاة، الباب 37، الحديث 2، ووسائل 9: 524، كتاب الخمس، أبواب الأنفال…، الباب 1، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فما يقوله الآغايون: من أن الإبراء استيفاء، لا يتمّ، ولا يمكن الالتزام به.

وحينئذٍ فيقال: بأن الإبراء من الضمان غير منافٍ لثبوته في العهدة، هذا أيضاً مما لا يتمّ.

وأما على مسلك المشهور عند وجود العين عند أحدهم، فليس هنا إلّا المعنى التعليقي للضمان، وهو إذا تلف بعهدتك فهل لي أن أبرأ أحدهم أو لا؟ هذا تامّ بلا إشكال.

وإذا أبرأ من أحدهم فهل هو إبراء للجميع، أو هي ضمانات متعدّدة، فلا يكون إبراء أحدهم إبراء للجميع؟ كذلك الأمر بلا إشكال، ولا يأتي هنا إشكال أنه مال واحد، وقد استوفاه، فهذا هو الكلام في العين حال وجودها.

وأما إذا تلف فبناءً على مسلك السيد من بقاء نفس العين في العهدة حتى بعد التلف، فإذا كان معنى الإبراء استيفاء العين، بمعنى استيفاء ما في العهدة فلازمه ارتفاع الضمان عن الجميع وإذا لم يكن استيفاء بل غايته دفع الضمان، فلا يمكن الرجوع إلى هذا الشخص، لا أن معناه الردّ والاستيفاء، وعدم الرجوع إلى هذا الشخص لا يلازم عدم الرجوع للآخرين، وكما لا يمكن لكم أن تقولوا بالاستيفاء بالإبراء حال الوجود كذلك في حال العدم.

ولو كان استيفاء اعتباراً فكيف تفرّق بين حال الوجود وحال العدم، مع أن العهدة لم تختلف، وإنما الذي اختلف هو مؤدّيها؟ كما قد يقال بأنه إلغاء عهدة واحدة، وليس معناه وصول العين واستيفائها، وليس له الرجوع على من أبرأه فقط، والعين لازالت في ملكه.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثُمّ إن لنا كلاماً أنه كيف يجمع بين كلاميه؟ فإنه هنا يقول: إنه إذا أبرأ فهو بمنزلة الاستيفاء ولا يكون له الرجوع إلى أيّ واحد، ويقول قبل ذلك: إنه إذا أخذ هذا من أحدهم يرجع على الآخرين، فإنه إذا أسقط عن تمام الذمم باعتبار كونه استيفاء، فكيف يقال: إذا استوفى من أحدهم يرجع على الآخرين؟ مع أنه قد سقط عن ذممهم هذا لا ينسجم مع ذلك.

وأما على مسلك المشهور من الضمان التعليقي، وبعد التلف يكون الضمان فعلياً، فهؤلاء يمكن لهم أن يفرّقوا بين ما قبل التلف وما بعده، فقبل التلف كان الضمان متعدّداً ولم يكن هناك مال، فإنه على كلّ واحد معنى تعليقي مستقلّ.

ونتيجة البراءة هو أنه إذا تلف لا تضمن المِثل والقيمة، وأما إذا تلف وضمن الجميع المِثل أو القيمة، يمكن أن يقال: إن الإبراء بمعنى وصول حقّه إليه، فتحصّل التفصيل بين قبل الانعدام وبعده، ولا تبقى له مناقشة إلّا أنه أداء أو ليس بأداء.

نحسب حساب المسألة على مسلك المشهور، قلنا: إن الضامن والضمان متعدّد، لكنّه حين يتلف يتعلّق بعهدتهم عنوان غير قابل للتكرار لعنوان البدل والعهود، ففي كلّ محلّ يستلزم الإبراء سقوط العنوان، يكون السقوط عن جميع الذمم.

فحين وجود العين وقع معنى الضمان التعليقي على كلّ واحد، وليس هناك شيء إلّا الضمان والضامنين والمضمون له، وأما المضمون فغير موجود في العهدة أصلاً.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإذا أبرأ أحدهم فهو ليس ملازماً مع إبراء الآخرين، وإنما هو وقوف، أما الضمان بعد التلف وحيلولة عن جعله فعلياً حينئذٍ، فإذا تلفت فيرجع المالك على الجميع إلّا هذا، فهذا الضمان التعليقي قابل للتكرار فيسقط عمن أبرأه فقط.

وأما بعد التلف فالضمان والضامن متعدّد، إلا أن ما تعلق بذممهم هو عنوان غير قابل للتكرار والتكثر، كما سبق بالنسبة لمهر المضمون للغارّ والمغرور، فلو استلزم إبراء أحدهم سقوط هذا العنوان من ذمّته، فإنه يكون موجباً لسقوطه عن سائر الذمم، ولو لم يصدق عليه أنه استيفاء، بل هو إبراء لعنوان يستحيل أن يكون له ثانٍ، فإن بقاء البدل وسقوطه لا يجتمعان.

وبعبارة أخرى: أن بقاء البدل في ذمّة الآخر إذا كان بعنوان البدلية، فهو خُلف قابليته للتكرار، وإذا كان بعنوان آخر، فهو مما لا منشأ له. إذن فإبراء أحدهم مستلزم لعدم صدق البدلية على غيره وغير البدل لم يكن في ذمّته.

فالتفصيل بين حال بقاء العين وحال تلفها بناء على مسلك المشهور(1).

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() إلا أن يقال ما عرضته على السيد في الجملة: أن هذا الأمر يختلف باختلاف قصد المالك عند الإبراء، فإن كان قصده إسقاط ذلك العنوان الوحداني غير القابل للتكرار، بمعنى أنه لا يريد بدل العين أصلاً، فما ذكره صحيح، فإنه معه لا يمكنه الرجوع على أيّ واحد منهم.

وأما إذا كان قصد المالك في إبراء واحد من الأيدي المتعاقبة، أن ذلك البدل الوحداني ينفكّ عن عهدته، ونتيجته خروج هذا الفرد عن سلسلة الأيدي المتعاقبة. 

وما يقال: من استلزامه إما لتعدّد البدل أو ثبوته بعد السقوط غير تامّ، فإن البدل واحد بالنوع لا محالة، وإن كان حال دفعه واحداً بالشخص، والوحدة بالنوع لا تنافي تعدّد الذمم واستقلاليتها بالبراءة والسقوط. فالتعدّد في الذمم لا في البدل، ويكون البدل الواحد ثابتاً في الذمم الأخرى غير ذمّة هذا الفرد.

وما يقال -كما قال السيد عندما قلت له ذلك-: من أن ثبوت البدل إما أن يكون على وجه المطلوبية والمديونية، وإما أن يكون على وجه آخر، والثاني باطل كما هو واضح، والأوّل باطل أيضاً؛ إذ يستلزم ثبوته بعد السقوط. مغالطة واضحة: فإن ثبوته محقّق في الذمم الأخرى على وجه المديونية، وسقوط محقّق في هذه الذمّة من أجل الإبراء، ولم يخرج البدل عن كونه واحداً، غاية الأمر بدل أن يكون ثابتاً في عشر ذمم أصبح ثابتاً في تسعة.

وما يقال: من قياسه على إعطاء البدل، غير تامّ أيضاً، فإن البدل يحقّق الغاية وهو الأداء، والمفروض اعتراف السيد بأن الإبراء ليس من قبيل الاستيفاء.

فما ذكره السيد لا يتمّ، وهو أيضاً موافق لبناء العقلاء وعملهم، من إبراء واحد دون آخر، انتهى. (المقرر)..

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [كلام الميرزا الرشتي في المقام]

والميرزا الرشتي(1) قبل الكبرى وهو أن الإبراء ليس استيفاء للبدل، وقبل أن الحقوق متكثّرة وهي قابلة لأن يلغى أحدهما دون الآخر قبل التلف، ولكنّه يصرّح أنه بعد التلف لو أبرأ أحدهم فإنه يرجع إلى المتأخّر ومن بعده ولكنّه(2) لا يرجع إلى المتقدّم.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 126، المقصد الثاني، حكم تعاقب الأيادي على المبيع المغصوب، الأمر الخامس.

(2) يعني المالك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإنه بين المتقدّم والمتأخّر فرق؛ لأن إبراء أحدهم لازمه إبراء ذمة المتقدّم دون المتأخّر.

وقال(1) في وجه ذلك -كما أشار إليه الميرزا النائيني(2) أيضاً-: إن ضمان هذا الإنسان واشتغال ذمّته ملازم لاشتغال المتقدّمين عليه؛ لأن لازمه هو إمكان أن يرجع عليه المتقدّم عليه، بمقتضى قاعدة اليد، فإذا لم يستطع الرجوع عليه فهو غير ضامن، وحيث إنه بعد الإبراء تصبح ذمّته بريئة ويتعذّر الرجوع عليه، إذن فذمتهم تكون بريئة، هذا حال المتقدّمين. وأما المتأخّرون، فيمكن أن يرجع إليهم المالك(3)، باعتبار إمكان رجوع المتقدّم فيهم عليهم.

نقول: إنه بناء على مبناك من كون العنوان غير قابل للتكرار، وأن التعلّقات مختلفة، نقول: إن أساس الضمان للمالك غير أساس ضمان المتأخّر للمتقدّم، وليس نفس الشيء سبب كِلا الضمانين، فإن وقوع اليد على العين سبب لضمانها إلى المالك، وغايته دفعها إليه، ووقوع اليد على الوصف، سبب لضمانها للمتقدّم، وغايته جبران خسارة المتقدّم.

والمالك حين يأخذ العين يرتفع موضوع سائر الضمانات؛ لأن ضمان كلّ 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() اُنظر المصدر المتقدّم.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 302-303، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، أحكام الردّ، المسألة الثانية.

(3) وليس الإبراء كالاستيفاء لينتفي الضمان، بل إن هناك ضمانات متعدّدة فإذا أبرأ أحدهم لا يلزم سقوط حقوق الآخرين منه. (منه).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

واحد للآخر كان عبارة عن لزوم جبران الخسارة على تقدير رجوع المالك إليه، وهذا ينتفي عند استلامه للعين.

وأما إذا أبرأه المالك، فالمالك إنما له أن يبرأه من حقّه، وأما أن يبرأه من حقّ غيره من الضامنين فهذا ليس له، فاستيفاء المالك وإن كان رافعاً لموضوع الضمان، إلّا أن إبراءه ليس رافعاً للضمان، فلو أبرأ المالك أحدهم يرتفع ضمانه للعين، ويبقى ضمانه للضامن المتقدّم موجوداً، فله أن يرجع عليه لو غرم للمالك، ولو أبرأه المتقدّم فليس له أن يرجع عليه لسقوط ضمانه له، ولكن ضمان المالك يبقى في عهدته.

فما يقوله من أن لازم الضمان للمالك هو ضمان المتأخّر للمتقدّم لا نتقبله، هذا مع قبوله سائر المقدّمات على أن فيها كلاماً يأتي.

[الإشكال على ما أفاده الميرزا الرشتي]

أشكلنا عليه(1): أن أساس الضمان بالنسبة إلى المالك هو أخذ العين، من دون دخل لأيّ شيء فيه، ولا تختلف حاله بالنسبة إلى أيّ واحد من سلسلة الأيادي المتعاقبة.

وهذا لا يمكن أن يكون أساساً للضمان للضامن السابق، فإنهم ليسوا مالكين، بل لا بُدّ أن يكون للضمان خصوصية أخرى غير الاستيلاء على مال المالك، وهو إما ما يقوله الشيخ من أن العين ذات قيمة، أو ما قلناه من أنها 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() لخصّ أوّلاً كلام الميرزا الرشتي ثُمّ شرع في الإشكال عليه فقال: أشكلنا عليه… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ذات وصف بوقوع يد السابق عليها وهو كونها مضمونة عليه.

فمع غضّ النظر عمّا ذكرناه من وحدة المضمون، وإلّا لم يفرّق بين المتقدّم والمتأخّر إذا أبرأ المالك أحدهم من حقّه(1) فليس هذا إسقاطاً لحقوق الآخرين، فإن حقّه مختصّ بالعين، وله أن يبرأ منه، وأما حقّ الآخرين(2) فليس مرتبطاً بالمالك، وليس من حقّه إسقاطه هذا أولاً.

ثانياً: ما هو اللازم وما هو الملزوم؟ عبارته(3): أن من لوازم ضمان المتقدّم
-بحكم قاعدة الضمان- هو الرجوع إلى الأيادي المتأخّرة، وقطعاً ليس هذا مراده، والذي يمكن أن يكون مراده، هو: إما جواز الرجوع أو اشتغال ذمة الثاني.

نقول: إن هذا ليس من اللوازم العقلية، وإلّا كانت الإشكالات كثيرة، بل لا بُدّ أن يكون لازماً شرعياً، فكيف نقحتم هذا اللازم؟ هل اللازم بنحو الإطلاق؟

إذن فاليد ليست وحدها دليلاً على الضمان، فإنه كما لا ينفكّ اللازم العقلي عن الملزوم كذلك اللازم الشرعي، فلو كان جواز رجوع الأوّل إلى الثاني، من لوازم اشتغال ذمة الأوّل، فلا بُدّ أن توجد اليد في الأوّل لازمها، بعضه تكويناً وهو يد الثاني وبعضه تشريعاً وهو اشتغال ذمّته، فهذا لا يمكن أن تلتزموا به.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) أي: المالك.

(2) أي: حقّ الآخرين في الضمان.

(3) أُنظر: كتاب الغصب (للمحقّق الرشتي): 126، المقصد الثاني، حكم تعاقب الأيادي على المبيع المغصوب، الأمر الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أو تقول: إن هذا لازم على فرض وجود الحكم والموضوع، فـ(يد) الأوّل حقّقت ضمانه أوّلاً مطلقاً، ولم يكن هناك لازم في العالم. وحين حدثت الأيادي المتأخّرة حصل اللزوم، وهذا له تاليان فاسدان، أحدهما: أنه بعد اشتغال الذمة أصبح هنا قيد لاشتغال ذمّة الأوّل، بعد أن كان مطلقاً، فإن اللازم لا بُدّ أن يكون بلحاظ قيد جديد، ولا يمكن أن يكون موضوع الحكم الأوّل هو موضوع الحكم المقيّد بعينه، فمن الآن -يعني حدوث يد الثاني- تغيّر موضوع ضمان الأوّل، وأصبح مقيّداً بوجود الثاني.

على أنه يلزم منه أن ينقّح دليل اليد الحكم والموضوع معاً، فبعد أن ينقّح ضمان الأوّل وضمان الثاني يكون ذلك موضوعاً للحكم باللزوم، وقيدية الثاني للأوّل، وكيف يتأتّى ذلك من دليل (على اليد)؟!

ثالثاً: أنه في سلسلة الأيادي المتعاقبة مرّة يبرأ المالك أحدهم، ومرّة يبرأ الغاصب الأوّل أحدهم، ومعناه سقوط ما هو صفة، وهو ضمان الوصف، يعني إذا رجع المالك إليه فلا حقّ له أن يرجع إلى الآخر، ولازمه أنه لا يستطيع الرجوع إليه.

إذن فلا بُدّ أن يسقط ضمانه للمالك أيضاً، على ما يقوله؛ لأن اللازم وهو جواز الرجوع إلى المتأخّر منتفٍ، إذن فالملزوم وهو جواز رجوع المالك عليه ينتفي أيضاً.

رابعاً: أنه لو كانت المسألة تتمّ بادعاء الملازمة صرفاً، فنحن ندّعيها بالنسبة إلى المتقدّم كما ادعاها بالنسبة إلى المتأخّر، ونقول: إنه بحكم القاعدة يصحّ أن 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يرجع المتقدّم على المتأخّر، وإذا أبرأ الضامن أحدهم لا يمكن أن يرجع إليه الضامن، فلا يمكن أن يرجع المالك إليه، بناء على ما قاله.

والحقّ ما سبق أن قلناه من أن المضمون غير قابل للتكرار، فإبراء أحدهم إبراء للجميع.

ثُمّ إنه لو أبرأ الغاصب الأوّل أحد المتأخّرين عنه، فيصحّ بالنسبة إلى ضمانه الذي له بلا إشكال، ولا يمكن له الرجوع إلى المتأخّرين عنه؛ لأن ضمانهم كان تعليقياً لو رجع الغاصب الأوّل عليه فعليه غرامته، وقد ارتفع هذا موضوعاً.

ولكن للمالك أن يرجع على أيّ واحد، وكلّ واحد يستطيع الرجوع إلى الآخرين، فإن الضامن الثالث مثلاً له ضمانات ثلاثة سقط واحد منها وبقي الباقي.

[حول رجوع المالك في صورة بقاء العين]

إذا كانت العين موجودة عند أحد الأفراد من سلسلة الأيادي المتعاقبة، فهل يرد هنا ما قيل في صورة التلف من أن المالك يرجع إلى أيّ واحد منهم لا خصوص من العين في يده فعلاً، وإذا رجع على أحدهم يجب عليه أن يأخذها ويسلّمها، أو أن وجوب التسليم خاصّ بمن تكون العين تحت يده؟

فمن يقول بكون العين في الذمّة، في فسحة من هذه الناحية، والدليل عنده موجود، فإن كلّ واحد ذو عهدة (عهد دار)(1) للعين، ويجب أن يدفع العين حال وجودها.

ــــــــــ[211]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: صاحب العهد.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما الشيخ ومن تبع المشهور في القول بأن دليل اليد وارد مورد جعل الضمان، بالمعنى التعليقي، والأداء لا دخل له إلا باعتباره غاية للضمان، فعلى هذا المسلك لا يمكن أن نقول إنه كلّ من دخلت العين تحت يده يجب عليه الردّ، لا بنحو الحكم التكليفي ولا بنحو الحكم الوضعي؛ لأن دليل اليد ساكت عن حال وجود العين على هذا المسلك.

وأما قوله: “الغصب كلّه مردود“، فيرويه في (الوسائل) في باب الخمس(1) والأنفال بسند صحيح، وفي باب الغصب(2) بهذه العبارة فقط بسند مرسل، انظروا إلى (الكافي)(3) و(الوافي)(4).

ونحن نتكلّم على كِلا التقديرين، على تقدير أن تكون الرواية بهذه العبارة فقط، وأخرى مع الرواية الواقعة في ضمنها.

أما على التقدير الأوّل: 

فتارةً: يكون المراد بيان أن كلّ مغصوب مردود، بحيث لا يستفاد منه أن كلّ من جرت يده على العين يكون مشمولاً لها. 

وأخرى: يكون المراد أن كلّ من غصب شيئاً وصدق عليه عنوان الغاصب يجب عليه أن يرد سواء كانت العين موجودة تحت يده أو لم تكن.

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 9: 524، كتاب الخمس، أبواب الأنفال…، الباب 1، الحديث 4.

(2)  اُنظر:  وسائل الشيعة 25: 386، كتاب الغصب، الباب 1، الحديث 3. 

(3) اُنظر: الكافي 1: 542، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه، الحديث 4.

(4) اُنظر: الوافي 10: 296، كتاب الزكاة والخمس والمبرّات، أبواب الخمس، الباب 34، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن فلا بُدّ من وجود الإطلاق لهذه القضية، وهو لا يكون متحقّقاً إلّا على التقدير الثاني، وأما على التقدير الأوّل كما هو الظاهر، فلا يكون لإطلاقها وجود. إذن، فهذه الرواية على تقدير كونها مستقلّة لا يستفاد منها المطلوب.

فضلاً عما إذا كانت الرواية مندرجة بعبارات أخرى حيث يريد الإمام أن يقول مطلباً آخر، فإنه كان بصدد تعداد الأنفال، إلى أن يقول: “وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب؛ لأنَّ المغصوب كلّه مردودٌ”، فإن مدلول (كلّ) في المقام ليس هو العموم الأفرادي، بل يريد أن يقول: إن المغصوب يعود إلى صاحبه، وليس شأنه كغيره من تقسيمه بين الإمام والمقاتلة بدفع خمسه، وليس في صدد بيان حكم الغاصب والغصب.

أو نقول: إنها مسألة عقلائية، فهذا لا يمكن أن نتمّمه بشكل كلّي، فإن غايته هو الرجوع إلى من في يده العين، وأما بالنحو الواسع الذي قاله الفقهاء من أن كلّ من مرّت يده على العين، فللمالك الرجوع عليه، ويجب عليه تحصيل المال وإعطائه للمالك، سواء كان غافلاً أو جاهلاً، ونحو ذلك. فالبناء إذا كان موجوداً فهو نادر، فضلاً عن شيوعه بين الناس في زمان الأئمة؛ لكي يثبت من عدم الردع حجّيته، إذن فهذه الأدلّة الاجتهادية غير تامّة.

إذن فلا بُدّ من انتهاء الأمر إلى الأصل وهو الاستصحاب، فهل يمكن تتميم المسألة به على ما يرام؟ لا إشكال أنه كلّ من وقعت يده على مال الغير، مكلّف بردّه إلى صاحبه شرعاً وعقلاً بلا إشكال، ونحن نعلم جريان يد الجميع على العين في مفروض المسألة، إذ الفرض حدوث تعاقب الأيادي، غايته 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

شككنا بارتفاع التكليف عند انتقال العين إلى غيره، فلا مانع من جريان الاستصحاب.

نعم، بناءً على بعض المباني التي يقول بها نوع المحقّقين، وهو سقوط التكليف عند عدم القدرة أو عدم الالتفات أصلاً، أو عند ضيق الوقت عن الأداء. فإذا لم يكن هناك تكليف لم يكن هناك مجال للاستصحاب.

إلا أننا لا نرى ذلك، بل نرى أن العاجز أيضاً مكلّف، غايته أنه له عذر عقلي، فإن القوانين الإلهية قوانين كلّية على موضوعات خاصّة، غاية الأمر بعض المكلّفين يكونون معذورين وبعضهم لا يكونون معذورين، والآغايون قالوا بثبوت التكليف على الجاهل، وادّعوا الإجماع عليه، في حين أنه لو كان التكليف للجاهل ممتنعاً عقلاً، لم يجعله الإجماع ممكناً، فكما قلتم في الجاهل نقول في جميع هذه الموارد.

فإن الخطابات غير خاصّة بالجاهل أو العاجز ولها مبادئ خاصّة بهما، لتكون ممتنعة، بل هي خطابات عامة قانونية، والجهة التي لا بُدّ أن تكون محفوظة في الخطابات يفرّق فيها بين الخطابات الشخصية والعامة، فإن الجهة في الخطابات الشخصية لا بُدّ أن تتوفّر بالنسبة إلى الشخص، وفي الخطابات العامة يكفي انبعاث بعض الأشخاص، في تحقّق الجهة في الخطاب، وليست هذه الخطابات انحلالية متعدّدة بل خطاباً واحداً.

ومن هنا كان تكليف الكفار والعصاة ثابتاً، وإلّا كان ممتنعاً لا محالة مع العلم بعدم الامتثال.

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن فيكون الحكم ثابتاً على الغاصب ويمكن استصحابه بهذا الاعتبار.

نعم، فرق بين الجاهل بالحكم والجاهل بالموضوع مع العلم بالحكم، فإن الغاصب لا تشمله أدلّة الحرج والضرر، فإنه يؤخذ بأشقّ الأحوال، ومثله الذي جعل نفسه مضطرّاً إلى أكل الميتة مثلاً، فإنه يجب عليه أن يأكل منها لحفظ نفسه، ولكنّه (يضرب بالعصا) على هذا الأكل في عين الوقت، وكذلك بالنسبة إلى الجاهل المقصّر في مسألة القصر والجهر، تصحّ منه صلاته، ولكن يكون ترك الإتمام حراماً عليه و(يضرب بالعصا) عليه، فهو يعاقب ولا يعيد.

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  




مسألة ما إذا باع ماله ومال غيره

 

  • [الكلام بحسب القاعدة]
  • [الاستدلال بصحيحة الصفار]
  • [اشتراط عدم فساد المعاملة فيما لو لم يجز الآخرٍ]

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  







مسألة ما إذا باع ماله ومال غيره

 

إذا باع ماله ومال غيره، فهل تصحّ المعاملة مطلقاً أو تبطل مطلقاً؟ أو إذا أجاز صاحب المال تصحّ، وإذا لم يجز تقع باطلة مطلقاً؟ أو إذا قلنا: إن الإجازة كاشفة يصحّ، وإذا لم نقل تبطل؟ أو هنا تفصيل بين موارد البيع على ما نشير؟ ونحن نتكلّم أوّلاً على القاعدة، ثُمّ على النصّ والإجماع.

 

[الكلام بحسب القاعدة]

 

والصور المحتملة للمسألة ثلاث:

الصورة الأولى: أن يكون له مال (عباءة) ومال لغيره (قباء)، فيضمّهما معاً ويبيعهما، بعد أن يعيّن ثمن كلٍّ منهما بمقاولة سابقة، وبدلاً عن إجراء عقدين يجري صيغة واحدة.

الصورة الثانية: أن يكون المال مملوكاً مشاعاً، نصفه له ونصفه لزيد، فيبيعه كلّه بثمن واحد وعقد واحد.

الصورة الثالثة: أن يكون البيع واحداً عرفياً، ولكن مشترك لا على نحو الإشاعة، كالنظارة يكون إطارها له وزجاجها لغيره، أو الدار المفروزة، نصفها المعين له ونصفها لغيره.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وفي جميع الصور، مرّة يكونان(1) عالمَين بأن قسماً من المبيع فضولي، ومرّة يكونان معاً جاهلَين، ومرّة أحدهما عالماً دون الآخر، فهل هذه الصور صحيحة على القاعدة، أو بعضها صحيح دون الآخر؟

[الإشكالات الواردة في المقام]

والإشكالات التي قيلت عديدة، بعضها للشافعي(2) وبعضها لغيره، لا بُدّ من الجواب عليها ليقال بصحّة المعاملة على القواعد.

أحدها: إن أَوْفُوا بِالعُقُودِ(3) وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(4)، تشمل كلّ عقد منسوب إلى المالك بالأصالة أو الوكالة أو نحوها، وأما إذا لم يكن هناك عقد بالنسبة إلى شيء فلا معنى لشمول الدليل له، وفي صورة ما إذا وقع العقد على أمرين سوية بأحد الأنحاء الثلاثة السابقة، ليس هنا إلّا عقد واحد واقع على المجموع.

والمجموع(5) أمر انتزاعي لا وجود له في الخارج، وإنما الموجود في الخارج هو منشأ انتزاعه، وهو الأجزاء، والجزء لم يقع عليه العقد بخصوصه ليشمله الدليل.

وبعبارة أخرى: أن الشمول للمجموع، بالنسبة إلى أحد المالكين مما لا 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() يعني البائع والمشتري. (المقرِّر).

(2) حسبما حكاه عنه في جواهر الكلام 22: 310، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع ما يملك وما لا يملك.

(3) المائدة: 1.

(4) البقرة: 275.

(5) هذا مستفاد من كلام السيد فيما يأتي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يمكن، فإما أن نُصحّح كِلا الجزأين أو أن نبطلهما معاً، ولعلّ هذا مراد الشافعي(1) حيث يقول: إن اللفظ الواحد لا يتجزّأ، وحيث لا يمكن القول بصحّة الباطل، فلا بُدّ من القول ببطلان الصحيح. هو ذلك.

والشيخ(2) قال بلا تفصيل بأن العقد الواحد، ينحلّ إلى عقود متعدّدة، أو أنه بمنزلة العقود المتعدّدة، كما يعبّر صاحب (الجواهر)(3) والسيد(4)، وبعضهم(5) يريدون إقامة برهان عقلي على الانحلالي، فنرى أن هذا الإشكال هل هو منحصر في صورة بطلان الفضولي ومرتفع مع حصول الإجازة، كما يقول الشيخ(6) والسيد(7)، أو أن العقد باطل سواء أجاز أو لا؟ إلّا أن يقال بالكشف، 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) حسبما حكاه عنه آنفاً في جواهر الكلام 22: 310.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 513، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

(3) اُنظر: جواهر الكلام 22: 309، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع ما يملك وما لا يملك.

(4) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 319، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع الفضولي مال نفسه مع مال غيره.

(5) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 334، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره.

(6) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 513، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

(7) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 319، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع الفضولي مال نفسه مع مال غيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

كما يقول الشيخ محمد حسين(1)، أو أن الإشكال وارد حتى على الكشف؟

وتقريب الإشكال على الكشف هو أن يقال: إن أَوْفُوا بِالعُقُودِ يقول: كلّ شخص لا بُدّ أن يعمل على عقده، وفي المقام كِلا من المالكين لا يستطيع الوفاء بالعقد مستقلّاً، ولا يمكن أن يخاطب به كذلك، فوجوب الوفاء واحد، وكلّ جزء لم يقع عليه العقد، أو الجزءان معاً ليس عقداً لأحدهما، فلا يتمّ ذلك إلّا على الانحلال.

الآغايون قالوا -بدون تفصيل-: إنه كما يقع الانحلال في التكاليف الشرعية يقع في الأحكام الوضعية، ففي التكاليف إذا أمر بمركّب اعتباري، وإن كان ارتباطياً -كما يصرّح المرحوم النائيني(2)– انحلّ الأمر على أجزائه، فهذا أيضاً عقود متعدّدة.

والشيخ محمد حسين يبرهن على انحلاله(3)، بتقريب: أن الإنشاء وإن كان بسيطاً، والمنشأ المسبب عنه بسيطاً إلا أن الملكية والمملوك واحد، بدليل أن كلّ جزء من أجزاء هذا الشيء ملكي، بل إن المجموع ليس موجوداً ليكون مملوكاً، أو يمكن بيعه ونقله، والتمليك حين يقع على هذا الشيء، فهو واقع على كلّ 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 333، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 308، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي: مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

(3) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 334، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

جزء من أجزائه، وليس القرار المعاملي أكثر من ذلك، فكلّ جزء له عقد مستقلّ وله وجوب الوفاء.

[التحقيق في المقام]

نقول: ظاهره أن ملك الإنسان حينما يبيعه، إنما يبيع أجزاءه، وليس المجموع موجوداً حتى يملك أو يباع. فنتكلّم على الميزان العقلي لنرى أن هذا ممكن أو لا؟

العقد والبيع والتجارة والشرط من الأفعال الاختيارية للإنسان، والعقد لا يمكن أن يكون بلا طرف، بل لا بُدّ أن يتعلّق بشيء لا محالة، والفعل الاختياري يحتاج في صدروه إلى مبادئه من التصوّر والتصديق بالفائدة والشوق والإرادة ونحوه حتى يصدر، والعقد غير المتعلّق بشيء لا تتعلّق به إرادة ولا اشتياق، والعقد المتعلّق بشيء لا بُدّ أن يتصوّر هو ومتعلّقه ويصدّق بفائدته، حتى يصدر من المكلف.

فما يقوله الآغايون من أن العقد المتعلّق بـ(الفرش) مثلاً والفرش ذو أجزاء خارجية وكسور عشرية، هل يقولون: أنه واقع على الأجزاء بتصوّر وتصديق بالفائدة أو بدونها؟ فإن كان مع التصوّر، فهل أنا تصوّرت أجزاء غير متناهية وغير محصورة عرفاً، ووقعت منّي عقود غير محصورة؟ على أنه قد وقع على كلّ جزء عقدان من هذه العقود، فإن لكلّ مال انقساماً إلى أجزائه الخارجية وإلى كسوره العشرية وأجزائها، على أن الأجزاء تكون مجهولاً ذاتاً ومقداراً، بكِلا النحوين، على(1) أن العنوان الموضوع للمجموع لا يمكن أن يصدق على 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

() هذا جواب على سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الجزء، فعنوان الفرش لا يمكن أن يصدق على عينه بالخصوص.

ومن الناحية العرفية إذا اشتريت من شخص (سماوراً) ثُمّ قلت: نحن عقدنا اليوم عدداً من العقود، على رأسه عقد وعلى قاعدته عقد وعلى غطائه عقد وعلى صنبوره عقد وهكذا، فإنه يقول لك: أنت تقرأ دعاء!!! فإنه ليس إلّا ملكاً واحداً، فإن الملك أمر اعتباري وارد على أمر اعتباري وهو المجموع. وحيث تنتقل مجموع الدار، فلا محالة تنتقل أجزاؤها.

كما أن الانحلال في التكاليف غير تامّ، فإذا قال: (صلِّ)، فهو أمر واحد تعلّق بواحد، فإن الصلاة أمر واحد، وبهذا اللحاظ لا يمكن أن يلحظ الأجزاء.

نعم، يلحظها في المرتبة السابقة، ويكوّن منها أمراً واحداً يتعلّق به أمر واحد، وأنا حين أريد أن أصلي لا بُدَّ أن آتي بالأجزاء.

 حتى العموم، في قوله: (أكرم كلّ عالم)، فإنه شامل للأجزاء بنفسه بأداة العموم، ولا معنى للانحلال فيه.

وأما في باب ضمّ شيء إلى شيء، بأن نعيّن قيمة كلّ واحد منها مستقلّاً بقرار سابق، ثُمّ نجمعها بصيغة واحدة، فالعرف يرى فيه الانحلال، وأن هناك معاملات وقرارات متعدّدة جعلت بلفظ واحد. كما لو قال: (بعت كذا وبعت كذا)، وليس في ذلك تبعّض الصفقة، بل هي معاملات متعدّدة، والآغايون جمعوا بين القول بالعقود المستقلّة وبين خيال تبعّض الصفقة، في حين أنه إذا كانت عقود متعدّدة فلا يصدق تعدّد الصفقة، وإنما يصدق في العقد الواحد لا محالة.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الإنشاء الواحد(1) يمكن أن يكون له منشئآت متعدّدة، كقوله: (بعت كلّ هذه الأشياء)، أو (زوّجتهما)، فإنه يكون عرفاً(2) من قبيل (بعت هذا وبعت هذا)، وذلك مثل الخطاب الواحد والمخاطبين المتعدّدين

إذن ففي فرعين من المسألة الأمر واضح؛ أوّلهما لا يصحّ الانحلال، وثانيهما يصحّ، يبقى فرع آخر وهو ما إذا كان المال مشتركاً بالإشاعة بين البائع وغيره.

[تحرير الكلام في قضية الانحلال]

قضية الانحلال التي يقولها الآغايون في التكاليف والمعاملات نريد أن نرى ما هو الحال فيها؟ 

في العمومات الاستغراقية وما هو ملحق بها هل يكون التكليف منحلّاً، أو لا؟ مثلاً لو قال: (أكرم كلّ عالم) فالهيئة والمادّة استعملت في معناها، ومورد استعمالهما في كلّ مورد على نحو واحد، لا أنها تكون في معنى إذا كان متعلّقها واحداً، وفي معنى آخر إذا كان متعلّقها متعدّداً، فإن المتعلّق لا يغيّر معنى المادّة ولا الهيئة، ويجب أن لا نخلط الدوالّ والمدلولات الكثيرة ببعضها البعض، بل كلّ واحد استعمل في معناه.

فإذا قال: (أكرم زيداً)، وجعله مفعولاً فإننا نفهم من تعدّد الدوالّ والمدلولات أن زيداً واجب الإكرام، وكذلك لو قال: (أكرم كلّ العلماء) أو 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: الإنشاء الواحد… (المقرِّر).

(2) ونظر العرف هو المتّبع في المعاملات. (منه).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 (كلّ عالم)، نفهم من تعدّد الدوالّ والمدلولات أن كلّ عالم واجب الإكرام، وليس في المقام شيء دالّاً على التكثير غير (كلّ).

فإن كان مرادهم من الانحلال الدلالة اللفظية على المعنى، فلا مشاحّة إلّا أنه ليس اسمه انحلالاً.

وإن كان مرادهم أن الهيئة تتغيّر فيما إذا تعقبتها (كلّ)، فهذا التكثير يجب أن لا ينسب إلى الهيئة، بل إلى (كلّ)، فإنها دالّة على الكثرة، فحين تسند إلى الهيئة، نفهم أن الوجوب يتعلّق بالموضوع المتكثّر، لا أن الوجوب ينحلّ إلى وجوبات متعدّدة. فإذا كان المقصود هو أننا نفهم من الدلالة اللفظية أن لكلّ فرد وجوباً، فلا مضايقة.

وكذلك الحال في الموارد التي نتمّمها بالعطف، ويكون نظيراً للعموم الاستغراقي نحو: (أكرم زيداً وعمراً وخالداً)، فإننا نفهم المعنى من الدلالات المتعدّدة، وكذلك الحال في سائر الجمل الإخبارية والإنشائية وسائر أنحاء العمومات الاستغراقية. ليس فيها إنشاءات متعدّدة على أفراد متعددّة، بل إنشاء واحد على عنوان واحد هو عنوان (كلّ)، نفهم منه الشمول لكلّ الأفراد.

وأما في العام المجموعي، وما يلحق به من باب المركّبات الحقيقية أو الاعتبارية، كما لو قال: (أكرم مجموع العلماء)، فهذا مركّب اعتباري، لا يعقل تعلّق الحكم به قبل ملاحظته، بل لا بُدّ أن يلاحظ المجموع على نحو المجموع، فيحكم عليه، فكأنّه واحد ذو أجزاء، وهذا هو فرقه عن (كلّ) الدالّة على تكثّر الأفراد، وفي هذا اللحاظ الذي يلحظ المجموع يكون الأفراد فانين، وفي لحاظ (البيت) الأجزاء ليست تحت اللحاظ أصلاً.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإن اللفظ يستعمل في معناه الموضوع له، وهو قد وضع لمعنى واحد عرفاً، وليس موضوعاً للجصّ والطابوق ولا دخل لها فيه، ولا يمكن أن يحكي الدار عنها.

إذن حين تقول: (أكرم مجموع العلماء) أو (بع دارك)، فهو أمر واحد يتعلّق بمتعلّق واحد، وليس في المقام كثير حتى ينحلّ، فهل معنى الانحلال شمول الحكم للموضوع وشيء آخر؟ 

والسيد حين يقول(1): إنه حين يبيع المركّب فإنه يصدق على الجزء أنه ملكه، وإنما صار ملكه بالعقد، إذن فقد وقع العقد على الجزء. أصل المطلب صحيح، لكن ليس أن هناك عقود كثيرة لكلّ جزء، بل عقد واحد على موضوع واحد.

وإذا قال: (أكرم مجموع العلماء)، فهذا عنوان واحد له حكم واحد، وليس أن كلّ فرد هو واجب، وإنما حيث وجب المجموع وجب كلّ جزء من أجزائه، و(الدار) حيث إنها عنوان واحد عند العقلاء، بل عند العقل، فإنه يقال: (أنا أملك داراً واحدة)، فليس أنه إذا باع داره فقد باع كلّ جزء جزء، وإنما تنتقل الدار إليه، وبانتقالها تنتقل الأجزاء.

وما قاله الأصفهاني(2) من أن الأملاك متعدّدة، ولا يمكن أن يكون 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 319، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع الفضولي مال نفسه مع مال غيره.

(2) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 334، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لمجموعها إضافة واحدة. فإنه يقال: إنه ليس لي أملاك متعدّدة، بل لي ملك واحد هو الدار، ولكن أستطيع أن أعود بلحاظ آخر فأحلّلها إلى أجزائها، فحين انتقال الدار تنتقل أجزاؤها لا محالة.

إذن فالانحلال غير تامّ في العام الاستغراقي والمجموعي والمركّبات، وغير مطابق للواقع.

[صورة أن المال مشترك بين البائع وغيره]

وعلى أيّ حال مرة يقول(1): (بعت هذا وهذا)، وفي المشترك المفروز أو غير المفروز يقول: (بعت نصفه بكذا ونصفه بكذا)، وبالنحو الذي قلناه، قلنا الإنشاء شخصي لا كلّي، فإن الوضع في الحروف والروابط عامّ والموضوع خاصّ. ولا يتصوّر كون الموضوع له عاماً، وأن ما هو كلّي هو الربط بالحمل الأولي، وما هو رابط هو ما كان كذلك بالحمل الشائع، فلو قلت: بدلاً عن (في) الظرفية، كما في قولنا: (زيد في الدار)، فقلت: (زيد الظرفية الدار)، أو بدلاً عن قولنا: (سرت من البصرة إلى الكوفة)، (سرت الابتداء البصرة الانتهاء الكوفة)، كانت مفاهيم كلّية اسمّية تصوّرية، ولا رابطة بينها.

فإذا قال: (بعت هذا وهذا)، أو قال: (بعت كلّ صاع من هذه الصبرة
-المعلومة المقدار- بكذا). فإن العقلاء يقولون: (باع كلّ صاع منها بكذا)، لا بمعنى تعلّق البيع بكلّ صاع منها مستقلّاً، بل بمعنى أن كلّ هذه الأصواع وقع 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() عدّد السيد  أوّلاً الصور الثلاث السابقة لبيع المالك ماله مع غيره، ثُمّ قال: وعلى أيّ حال… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

عليها البيع بنفس هذا الإنشاء.

وكذلك لو قال -في المفروز أو غيره-: (بعت نصف هذا ونصف هذا)، فإن العقلاء يفهمون أنه باع هذا النصف وباع هذا النصف، لا أن البيع إذا كان ذا أجزاء كان البيع نوعياً، وإذا كان واحداً شخصياً كان شخصياً. 

فإننا يجب أن نرجع في ذلك إلى فهم العقلاء، وفي كلّ مورد كانت الكثرة هي مصبّ البيع ومتعلّقه، بالعطف ونحوه، فإنه يكون البيع بنظر العقلاء متعدّداً، ولا يكون هناك خيار تبعّض الصفقة، بل ما يعود إليه من البيع صحيح فعلي، وما يعود إلى الآخر محتاج إلى إجازته، ولا يفرق في ذلك بين العالَمين والجاهلَين.

نعم، في بعض هذه الأمثلة التي ذكرناها -وهي بيع كلّ صاع من صبرة، وبيع نصفي الدار المفروزة أو غير المفروزة، وبيع رأس وجلد الدابّة، أو بيع النظّارة مع أن زجاجها ليس ملكه- قد يعتبر البائع لها الوحدة فيقدّر لها ثمناً واحداً ويقول: (بعتها معاً).

هذا ليس مثل السابق إذ لوحظ بنحو الوحدة، وكان البيع واحداً، فهنا إذا ظهر بعضه لغيره كان له خيار تبعّض الصفقة.

ولو لم يذكر البائع -في نفس الصور السابقة- الأجزاء، يعني لم يقل: (بعت هذا وهذا)، بل قال: (بعت الدار) أو (بعت الدابّة)، وذكر ثمناً واحداً لها، فهل تقول: إن ما يعود إليه باطل مطلقاً أو صحيح مطلقاً، أو أن هناك فرقاً بين صورة علمهما بالواقعة وعدمها، أو فرق بين علم البائع وجهله دون المشتري؟

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لا بُدَّ أن نرى أنه هل مجرّد الامتياز الاعتباري في نفس الأمر، يكفي في كون العقد الواحد منحلّاً إلى معاملتين، أو يختصّ ذلك في صورة علمهما، إذ يمكن أن يدّعى حينئذٍ أنه بيع وبيع أو بيع لشيئين، ويحتاج وقوعه على المجموع إلى اعتبار زائد. فقد يقال: إن الملتفت إلى الامتياز حين يقول: (بعت هذا) يكون قصده إلى بيع ما يرجع إليه لنفسه، وبيع ما يرجع إلى غيره عن مالكه.

أو يقع ذلك، سواء كانا جاهلَين أو عالَمين، والعقد واحد، إلّا أن الجزأين ما داما متمايزين في الواقع، امتيازاً اعتبارياً، فإن العقد يقع على كلّ مال عن صاحبه، وذلك كما لو كان هناك مال مشترك بين اثنين وأرادا بيعه، فوكّل أحد الشريكين الآخر في بيعه أو التوكيل فيه، فوكّل الآخر ثالثاً لبيع الدار في الجملة، فأجرى الثالث الصيغة جاهلاً بالشركة إذ يتخيّل أن الدار كلّها ملك موكله.

إلا أنه مع ذلك ينتقل الثمن والمثمن على واقعه لا محالة ويشمله أَوْفُوا بِالعُقُودِ(1) وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(2) ولا يحتاج إلى قصد مستقلّ أو عقد مستقلّ.

فكذلك الحال في محلّ الكلام لا يحتاج إلى قصد أو عقد مستقلّ على كلّ جزء على حدة. فإن النقل الإنشائي والعقد حاصل بالنسبة إلى كلّ السلعة، وما يعود إلى المالك لا نقص فيه، وصحّة فعليته لا تتوقّف على شيء، فيقع صحيحاً، ولا يضرّه وجود القسم الآخر. وأما القسم الآخر فقد وقع منه فضولياً، والفضولي عقد يحتاج في تأثيره إلى الإجازة، فبما أن الامتياز الواقعي 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1)  المائدة: 1.

(2) البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

موجود، فالعقلاء يرون تأثير كلٍّ بحسبه، ويشمل كِلا الفردين وجوب الوفاء.

ولا نستطيع أن نقول: إنه بما أن الجزء الآخر من البيع فضولي فيكون في الجزء الآخر باطلاً أيضاً، والعقلاء لا يرون ضرورة الاستقلال في العقد، فإن للعقد مضموناً مُنشأ قد صار فعلياً بالنسبة إليه، فإنه عقد صادر من صاحب المال فيكون مشمولاً للعمومات. وكون متعلّق العقد مفروزاً خلاف الضرورة، من صحّة عقد الشريكين الذي أشرنا إليه، ولا يضرّه وجود المال العائد إلى غيره حتى لو فسخ.

إذن ففي صورة العلم والجهل، يمكن القول بالصحّة وإشكال أن العقد وحداني بسيط لا يتجزأ لا يتمّ. فإنه إذا كانت أموال متعدّدة، يكون قابلاً للتجزئة عقلائياً.

[إشكال تبعية العقود للقصود ودفعه]

من الإشكالات التي تورد في المقام: أن العقود تابعة للقصود، وفي المقام أراد نقل جميع المال، والمفروض أن بعضه انتقل، ونقل البعض ليس مقصوداً، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، فلا بُدّ أن يحكم ببطلان العقد.

والآغايون بالرغم من أنه لا يرد عليهم هذا الإشكال؛ لأنهم قالوا: ينحلّ العقد إلى عقود، فكلّ عقد مقصود وواقع، وما لم(1) يقصد ولم يقع عقد مستقلّ، ولا يسري بطلان ما هو الباطل إلى ما هو الصحيح.

ــــــــــ[231]ــــــــــ

() هذا لم يذكره السيد صراحة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إلا أنهم أجابوا عنه بأجوبة مختلفة، فقال الآخوند(1): إن المقصود وإن كان نقل المبيع، إلّا أن القصد تعلّق بجملة ذات أبعاض، فبتعلّقه بالجملة يتعلّق بالأبعاض أيضاً، فإن المركّب لا يكون إلا الأبعاض بالأسر.

والشيخ محمد حسين يقول(2): إن مرادكم من المجموع الذي تعلّق به القصد ما هو؟ هل مجموع الملكيات أو ملكية المجموع. فإن كان المراد ملكية المجموع، فهو لا وجود له ولا مما يملك، فإن المجموع أمر انتزاعي ينتزع من الموجودات، وما هو قابل للملك هو ما كان موجوداً إما حقيقة أو باعتبار العقلاء، إذن فملكية المجموع لا معنى له.

وإن كان المراد مجموع الملكيات، وأنه تعلّق القصد بذلك، فإن جوابها أيضاً نفس المعنى، فإن ما هو ملكه هو هذا أو هذا أو هذا، وأما المجموع فلا ملكية له، وما هو فعل مسبّبي للعاقد، هو نقل هذا أو هذا، من الملكيات المتعدّدة، وأما المعنى المنتزع في طول حصول الملكيات وهو المجموع، فهو مما لا يتعلّق به الملك ولا التمليك(3).

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على المكاسب: 86، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 334-335، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره. 

(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 334-335، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نقول: أولاً كأنّ الآغايون، أخذوا مورداً أو مثالاً واحداً وتكلّموا عنه، فحين قيل: إنه لو باع ماله ومال غيره، تخيّلوا أنه باع فرشاً وعباءة، بحيث يكون المجموع اعتبارياً والموجود هو خصوص الأجزاء، فهو ليس موجوداً حتى يكون مورداً للقصد -كما يقول الآخوند- أو للتمليك -كما يقول الشيخ محمد حسين-.

إلّا أن المدعى هو أزيد من ذلك، فإن الدار وحبّة العقيق، موجود وحداني عرفاً، وهنا لا يمكن أن يقال: إن المركب هو أجزاؤه بالأسر، وقصده يكون قصداً لها، فإن الأجزاء التي تتركّب من مزجها حبّة العقيق مما لا يفهمها العرف ولم يطّلع عليها، وإنما الحبّة أمر واحد في نظره. فإذا انقسمت أصبحت شيئين، فهل يقول الآخوند: أنه أجزاء بالأسر، مع أنه ليس له أجزاء أصلاً، أو يقول الشيخ محمد حسين أنه ليس له وجود؟

على أن نفس مطالبهم لا تتمّ لا بالبرهان ولا على بناء العقلاء:

أما بالبرهان: فإن القصد والإرادة لا تتحقّق إلّا بمبادئها، فإنه لا يمكن القصد إلى الشيء بدون مبادئه، فهل تقولون أن القصد والمبادئ كما هي حاصلة بالنسبة إلى المجموع حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء، أو أن القصد إلى المجموع هو عين القصد إلى الأجزاء، أو أن القصد ينحلّ إلى قصود، والمبادئ تنحلّ إلى مبادئ، والمركّب ليس الأجزاء بالأسر. بل الأجزاء حين لحاظ المركب تكون فانية أصلاً، وبدونها لا يكون مركّباً أصلاً، بل تكون أجزاء متفرقة؟ 

فإذا قلت: (العسكر كذا) أو (الدار كذا)، فالدار ليست الأجزاء بالأسر، 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بل هي موادّها مع الهيئة الحاصلة لها. وحين يلحظ الدار يجعلها مرآة للموضوع له وهو الطبيعة ذات المعنى الوحداني في نظر العقلاء، ولا يمكن لحاظ الأجزاء التي وضع لها ألفاظ أخرى، لا بنحو الإجمال ولا التفصيل، غاية الأمر أنه قد ينتقل من المعنى الوحداني إلى معنى آخر، كما ينتقل من الضدّ إلى الضدّ. وهذا مطلب آخر له مبادئ أخرى، ويستحيل أن يكون مبادئ شيء مبادئ لشيء آخر، ولفعلٍ اختياري آخر.

فالقول بأن قصد المركّب هو قصد الأجزاء، فإن كلّاً منهما يحتاج إلى إرادة خاصّة، فليس المركّب هو الأجزاء بالأسر، بل الأجزاء مقدّمة للمركّب، تماماً كالمقدّمة الخارجية، فكما أن مبادئ قصد الذهاب إلى الصحن [الحضرة العلوي] لا تكون مبادئ للمشي، بل يحتاج المشي إلى مبادئ أخرى، كذلك القصد إلى الأجزاء بالنسبة إلى القصد إلى المركّب. فهذا حال المسألة العقلية.

وأما المسألة العقلائية، فالبيع هو مبادلة مال بمال، ولا يصحّ بدون المال، فحِمل الخشخاش وإن كانت قيمته ديناراً مثلاً، إلا أن حبّة الخشخاش الواحدة لا قيمة لها ولا مالية، ولا يصدق عليها البيع عقلائياً، فلا بُدّ بمقدار له قيمة، وهذا المقدار هو مجموع أيضاً والمجموع لا قيمة له على قولهم، فلا بُدّ أن يقع القصد على حبّات الخشخاش، وهي لا مالية لها، ولا يصحّ تعلّق البيع بها، فما هو الموجود وهو الأجزاء غير قابل للتمليك، وما هو قابل له، وهو المجموع لا وجود له، إذن فيكون جميع الخشخاش كلّه باطل لوقوعه على الأجزاء التي لا مالية لها، وكذلك الشعير والحنطة والحمّص وغيرها.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والغلط ناشئ من الخلط بين العقل والعرف، فإن المجموع، لا وجود له إلّا وجود الأجزاء، هذا صحيح لكن عقلاً لا عقلائياً، فهو يبيع الحمل من الحنطة على أنه ملك واحد، وكذلك يبيع الدابّة، وإذا لاحظ الأجزاء فإنه يلحظ أملاكاً، وهذه أمور سوقية، وليست عقلية مدرسية.

بل إن كلّ مركّب ينحلّ إلى أجزاء لا مالية لها، والبيع على ما لا مالية له باطل، وبيع المجموع يقولون إنه باطل، إذن تكون غالب المعاملات باطلة.

بل يأتي الإشكال في الكسر المشاع أيضاً، فإن النصف وإن كان ذا قيمة، إلّا أن واحداً من مليون من المبيع لا قيمة له. على أنه يلزم أن يكون الشيء قد ملّكه تمليكات لا تتناهى؛ لأن الكسر المشاع لا نهاية له. فهل يقبل ذلك عقلائياً؟!! ونحن يجب أن ننزل من مركب العقل إلى السوق.

إذن فالإشكال باقٍ على حاله.

[التحقيق في المقام] 

وما نقوله هو أن البيع له ألفاظ، قد وضعت لمعانيها من هيئة ومادّة وغيرها، ثُمّ هناك استعمال اللفظ في المعاني، ثُمّ هناك ترتّب الآثار على هذا الاستعمال خارجاً مع توفّر شرائطه. وما يمكن أن يتعلّق به قصد الموجب وما هو فعل اختياري له، هو استعمال اللفظ في المعنى، وإيجاد المبادلة الإنشائية بين الأمرين، ولا يعقل للموجب إيجاد أزيد من هذا المعنى. والمبادلة بين الأمرين، ليست وحدها موضوعاً لحكم العقل والعقلاء، وإنما تكون موضوعاً للأثر، مع لحوق القبول أو الإجازة.

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فما يمكن تعلّق القصد به ليس إلّا المبادلة الإنشائية، وهي حاصلة ولم تتخلّف عن القصد، في ماله وفي مال غيره، وما لم يقع وهو ترتّب الأثر ليس فعلاً اختيارياً للموجب، ولا يمكن أن يتعلّق به القصد، بل هو متوقّف على القبول أو الإجازة وعلى حكم الشرع أو العقلاء بالصحّة.

إذن فالإشكال في مثل ذلك لا يرد.

نعم، يرد في المعاطاة، لو قلنا بإفادتها الإباحة. فإنه تعبّد شرعي بالرغم من قصد المالك.

هناك ثلاثة إشكالات مترابطة، ولكنّها ليست إشكالاً واحداً، وإن خلطوا بينها، وأجابوا عنها جواباً واحداً.

أحدها: أن هذا ليس عقداً، وقد أجبنا عنه.

ثانيهما: أن ما وقع لم يقصد، وقد سبق الكلام عنه.

الثالث: أنه بعد التسليم كونه عقداً والقصد فيه متحقّق، إلّا أن شرط صحّة المعاملة غير حاصل، وهو الرضا بها(1)، فلا تشمله آية تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ.

وهذا إشكال آخر يجب أن نجيب عنه بجواب آخر. ولا يجوز خلطه بالإشكال السابق، كما فعل الآخوند(2)، ولعلّ مراده أنهما لهما جواب واحد.

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) وهو حاصل بالنسبة إلى المجموع دون البعض. (المقرِّر).

(2) راجع حاشيته على المكاسب: 85-86، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذا ليس كما يقول السيد(1) من أن كلّ جزء بنحو تعدّد المطلوب، فأحد المطلوبين، وهو أهمّهما هو قصد نقل المجموع، وثانيهما: قصد نقل الجزء، والرضاء بنقل البعض وهو الأدنى.

إلّا أن هذا مما لا يكاد يتمّ، فإن الرضا بنقل الكلّ إن كان قد عمل عمله، فينتقل كلّه، ومعه يستحيل أن يعمل المقصود الأدنى عمله؛ لكونه منتفياً موضوعاً، كيف يتصوّر أن يقع العقد بحسب المطلوب إلّا على التمام، ويقع بحسب المطلوب الأدنى على البعض؟ فهل المطلوب الأدنى له إنشاء مستقلّ، أو هو إنشاء واحد؟ لا يمكن الأوّل، وعلى الثاني إن قلتم: إنه ينحلّ إلى عقود متعدّدة فهذا مطلب آخر، غير تعدّد المطلوب.

ونفس الإشكال يأتي على الانحلالي (الذي يقول بالانحلال) أيضاً: فإنه إما أن يقول: إنه ليس هناك عقد على الجميع، وإنما عقود على الأجزاء فقط، وإما أن يقول إن أثر العقد واقع على الجميع مضافاً إلى الأجزاء، فإن أثر العقد في نقل الجميع، فهل في عرض ذلك هناك عقود متعدّدة على الأجزاء لنقلها، وإن لم يكن هناك عقد مؤثّر في نقل الجميع؟ فهذا ليس من باب الانحلال، بل من باب العقود المتعدّدة.

وأما مسألة قصد الرضا للجزء، فلا بُدّ أن نرى أنه في باب التجارة عن تراض، هل عندنا شرطان: الرضا، وعدم الكره للمعاملة، أو أن المدار في المعاملة 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 321، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع الفضولي مال نفسه مع مال غيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

-في الحقيقة- هو أن لا يكون مكرهاً، ولا نتوخّى الرضا بمعنى طيب النفس والفرح بالمعاملة، وإلّا لَما كان بيع المضطر صحيحاً، والمضطر يريد البيع وهو يكرهه غاية الكراهية، وما قيل بأن الشوق والشوق المؤكّد من مبادئ الإرادة غير صحيح، وإنما هو قد يتوفّر في غالب الأفعال إلّا أن جملة منها ليست كذلك. إذن فلا يعتبر أن يكون الرضا أمراً زائداً معتبراً في المعاملة زائداً على عدم الإكراه، وهذا هو المراد من الرضا بالآية؛ ولذا استشهدوا بها لنفي صحّة بيع المكره.

فإذا تمّ ذلك، فهذه معاملةٌ غير مكرهٍ عليها، وإنما أوقعها بطبع نفسه، ولا نحتاج إلى الرضا بمعنى طيب النفس، فالجزء إن قلتم: أوقعه بالإكراه فالمفروض عدمه، وإن قلتم: نحتاج إلى طيب النفس، قلنا: قد أنكرناه. إذن، فالرضا بالمعنى الدخيل بالمعاملة متوفّر على أيّ حال.

[إشكال لزوم الجهالة بالثمن]

من الإشكالات التي قيلت في المقام: هو لزوم الجهالة في الثمن بعد التقسيط، ويعتبر في المعاملة عدم الجهالة وعدم الغرر.

وأنا لم أفهم معنى هذا الإشكال، فإنه إن كان هناك دليل على أن مَن باع ماله ومال غيره يلزم الجهالة عند التقسيط، لكان هذا لازماً باطلاً في المقام. إلّا أن المدعى في المقام شيء والبرهان على بعض الموارد النادرة شيء آخر. فلو باع أمرين متساويين في الثمن، لَما كان هناك جهالة، وكذلك لو باع مقدارين متساويين من صبرة، أو كان ما باعه أمرين مختلفين، لكن كانت قيمته معلومة.

فغاية ما يمكن أن يقال نتيجة لذلك: إن هذا البيع صحيح، إلّا أنه يعتبر فيه 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أن لا يكون مجهولاً، ولا يصحّ هذا أن يورد إشكالاً حتى تأتي أجوبة الآغايون، والتناقضات التي وقعوا بها. غاية الأمر أن نبحث عن أن هذا العقد هل يلزم منه الجهالة أو لا يلزم؟ وهذا أمر غير مربوط بمسألتنا.

لكن الآغايون قالوا بكلمة واحدة تقريباً(1): إن البيع واقع على المجموع وثمن المجموع معلوم، وهذا يكفي. والسيد يقول(2): إن الغرر بمعنى الخطر غير موجود، وبمعنى الجهالة لا دليل عليه إلّا الإجماع، والقدر المتيقّن منه هو غير هذا المورد وهو معرفة ثمن المجموع.

نقول: الدليل على بطلان الجهالة في الثمن وفي المثمَن، غير منحصر بالإجماع، بل هناك روايات على ذلك، وقد عقد لها في(الوسائل) (3) بابين.

والإشكال على ما يقوله الشيخ محمد حسين(4) أشدّ؛ لأنه أجاب في الإشكال السابق على توفّر القصد والرضا، أن المجموع غير موجود وليس ملكاً ولا يمكن أن يتعلّق به القصد. وإنما الموجود والقابل للنقل وتعلّق القصد به هو هذا وهذا بعينه.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) راجع الأقوال في المسألة فيما تقدّم آنفاً.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 320-321، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع الفضولي مال نفسه مع مال غيره.

(3) لعلّه إشارةٌ إلى البابين الرابع والسادس والعشرين من أبواب عقد البيع وشروطه من كتاب التجارة من الوسائل، فلاحظ.

(4) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 334-335، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، الردّ وأحكامه، بيع المملوك وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لكنّه هنا يقول: إنه يعتبر عدم الجهالة حين التسبيب إلى المعاملة، وهذا الفضولي الذي يريد أخذ الإجازة من المالك، يريد أن يوجد التسبيب إلى المعاملة، فيشترط فيه عدم الجهالة والتسبيب موجود على المجموع، وهو يعلم بقيمة المجموع.

نقول له: إن المجموع على مسلكك لا موجود ولا مال ولا ملك ولا شيء من الأشياء، فهو ليس قابلاً للبيع ولا للإجازة ولا للإنشاء ولا تعلّق القصد به، وليس عندنا في الخارج إلّا الكثرة من الأجزاء، والمفروض أن مقدار جزء الثمن الذي يعود إلى جزء من المبيع مجهول، فيكون حاله كما لو قال: (بعت هذا بشيء من الثمن وهذا بشيء من الثمن) في البطلان.

والنائيني(1) وغيره ممن يقول بالانحلال، كأنّه قال بوقوع العقد على المجموع وعلى الأجزاء، وقد كنّا نحملهم على الصحّة، ونقول: إنهم يقولون: إن العقد واحد ينحلّ بالقوة إلى عقود كثيرة، إلّا أنهم في المقام يدور أمرهم بين احتمالات ثلاثة:

أحدها: أن يراد وقوع العقد على المجموع دون الأجزاء. فهذا خلاف مسلك الانحلال الذي يقولون به.

ثانيها: أنه وقع العقد على المجموع، ثُمّ وقعت عقود كثيرة على الأجزاء، فانتقل المجموع، ثُمّ انتقلت الأجزاء. فهذا لا يمكن؛ لأنه إذا عمل العقد المتعلّق 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 308، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بالمجموع عمله، فقد انتقل المجموع، وليس عندنا آلة أخرى لنقل الأجزاء.

ثالثها: أنه وقع العقد على الأجزاء بالخصوص، وينكرون وقوع العقد على المجموع، فيرتفع جوابهم الذي قالوه لدفع هذا الإشكال، ويكون الجهالة والغرر واقعاً؛ لأن ما هو معلوم هو المجموع دون الأجزاء، فإننا في المقام لا نعلم مقدار التقسيط على الفرض، وهذا هو معنى الجهالة. إذن، لا يتمّ ما قالوه.

ثُمّ إن الانحلاليين يقولون بتبعّض الصفقة، ومعنى تبعّضها هو أن هنا صفقة لها بعض، فإذا خرج بعض ماله  عن الصفقة وبان حال الغير، يكون ذلك تبعّضاً للصفقة، وهذا لا يناسب مع الانحلال، فإن الأجزاء قد أخذت عقوداً مستقلّة، فالجمع بين مسلك الانحلال والقول بتبعّض الصفقة غير ممكن، إلّا أن يقال بوقوع العقد على المجموع، أو برفع اليد عن هذا القول(1).

[الجواب عن الإشكال]

وأما جوابنا عن الإشكال فحاصله: أنه إذا لزم الجهالة والغرر يقع العقد باطلاً لا محالة، إلّا أن هذا غير مربوط بمسألتنا، وهي مسألة ضمّ ماله إلى مال غيره، وهنا يقال: إنه لو أراد بيعهما معاً أو ماله ومال شريكه في عين واحدة هل يصحّ أو لا يصحّ؟

والبائع مرّة يقول: (بعت هذا ببعض الثمن وهذا ببعض الثمن)، أو يقول: (بعت مجموعهما بثمنين)، فهذا باطل للجهالة. وأما في أكثر الموارد فهو معلوم، 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() يعني: تبعّض الصفقة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والغرر منتفٍ. وأما في الموارد التي يقول فيها: (بعتهما بعشرة) فالمقصود في مثل ذلك هو بيع المجموع، ونحن تصوّرنا إمكان وقوع المعاملة على المجموع ولا ينحلّ، فيجب على كلّ من الشخصين الوفاء بالعقد، وهذا هو مقتضى القواعد والعرف، إذن فكلّ هذه الإشكالات لا ترد.

ثُمّ إن هذه المسألة: (من باع ماله ومال غيره)، ومسألة: (من باع ما يملك وما لا يملك) من وادٍ واحد، ولا ينبغي فصلهما، وإن استقلّت الثانية ببعض الكلام فإنهما مشتركتان في الإشكال القواعدي، فلا نعيده. فقط لا بُدّ أن ننظر إلى النصّ الوارد في المقام وهو صحيحة الصفّار، لنرى أنه هل يستفاد منها الصحّة في تمام الموارد، أو لا يستفاد؟

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  



[الاستدلال بصحيحة الصفار]

 

نقرأ الرواية لنرى أن بيع ما يملكه وما لا يملكه، أو بيع ما يُملك وما لا يملك بالرغم من كون صحّته خلاف القواعد، فإنها تثبت بهذه الرواية، في مختلف الموارد أو في الجملة؟

وهي ما رواه محمد بن الحسن الطوسي بإسناده، عن محمد بن الحسن الصفار: أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري في رجل له قطاع أرضين، فيحضره الخروج إلى مكة، والقرية على مراحل من منزله، ولم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه، وعرف حدود القرية الأربعة، فقال اشهدوا: إني قد بعت فلاناً -يعني: المشتري- جميع القرية التي حدّ منها كذا والثاني والثالث والرابع. وإنما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك، وإنما له بعض هذه القرية، وقد أقرّ له بكلّها؟ فوقّع: “لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك“(1). ورواه الصدوق(2) بإسناده، عن محمد بن الحسن الصفّار، ورواه الكليني(3) عن محمد بن يحيى، عن 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 151، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 16، ووسائل الشيعة 17: 339، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 2، الحديث 1.

(2) من لا يحضره الفقيه 3: 243، باب إحياء الموات والأرضين، الحديث 3886.

(3) الكافي 7: 402، كتاب الشهادات، باب النوادر، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

محمد بن الحسن. وهذان الطريقان الأخيران في أعلى درجات الصحّة.

والمسألة التي يسألها الصفّار من الإمام، وإن كان هناك احتمال أن يكون السؤال عن قضيّة خارجية محلّ الابتلاء، إلّا أنه لا يبعد أن يكون السؤال افتراضياً، يسأله الراوي للتسجيل في الكتاب وتبليغ الأحكام الشرعية.

يحتمل(1) أن يكون هو الآن بصدد الإنشاء ليشهد الشهود عليه، كما يحتمل احتمال آخر.

 (… فهل يصلح للمشتري ذلك؟)(2) هذا سؤال عن أنه إذا وقع مثل هذا الإنشاء فهل يصحّ للمشتري أن يقبله أو لا؟ بحيث تكون المعاملة غير تامة. والرواية لم تنصّ على وقوع المعاملة. 

وأخرى تعرض المسألة بعد تمامية المعاملة، والصفّار يسأل عن تعيين تكليف ذلك الرجل، الذي لم يكن يعلم حدود أرضه فإنشاء البيع على المجموع، فهل المعاملة صحيحة أو لا؟

هل يصلح أن تكون تمام القرية له -لو كان الصفّار يحتمل ذلك-، أو يكون له ما يملكه منها. (وإنما له بعض هذه القرية، وقد أقرّ له بكلّها)؟ وفيه احتمالان:

أحدهما: أنه ملّكه في البيع كلّ القرية.

ثانيهما: أنه اعترف له بالبيع(3). 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

() ثُمّ قرأ السيد الرواية إلى حين قوله: (… والرابع). وقال: يحتمل… (المقرِّر).

(2) ثُمّ قرأ إلى قوله: فهل يصلح للمشتري ذلك؟… (المقرِّر).

(3) هذا لم يذكره السيد نصّاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بناءً على الاحتمالين السابقين هنا احتمالان(1):

أحدهما: على تقدير تمامية المعاملة يُسأل عن الواقعة، فيجيب الإمام: أن هذه المعاملة تنفذ فيما له، وتبطل فيما ليس له. وقد وجب الشراء من البائع فيما له، ولا يستطيع الردّ. ويحتمل: أنه يسأل عن القضيّة الشخصية، ويجيب الإمامعن كبرى كلّية، وأنه لا يجوز بيع ما لا يملك، يعني سواء اتّصل بمال آخر أو كان مستقلّاً، وقد عدم الصحّة هو بمعنى عدم التأثير الفعلي.

ثانيهما: على تقدير أنه ليس قضيّة واقعية، بل بنحو السؤال عن مسألة، فيكون المراد بيان الكبرى، وإن بيع ما لا يملك غير جائز، إذن فلا يصحّ للمشتري القبول. و”قد وجب الشراء” -بنحو كلّي-، يعني: يصحّ الشراء فيما هو مملوك. فيكون دليلاً على بطلان بيع ما يملك وما لا يملك.

وقد حمله الآغايون على أن السؤال بعد تمامية المعاملة، ويظهر من عدّة موارد من الرواية أنه سؤال قبل الوقوع، وأنه هل يصلح للمشتري القبول أو لا؟ والإمامحين يجيب أنما نظره إلى الجواب عن هذا السؤال، فيكون حاصلها بطلان أساس المعاملة وعدم قابليتها للقبول.

فإذا كان السؤال بعد وقوع المسألة، فللرواية دلالة في الجملة على الصحّة، فيقع البحث عن إطلاقها ومقدار شمولها لتمام الجهات، وإذا كان بنحو السؤال الفقهي على ما هو ديدن الرواة، فدلالتها على الصحّة منتفية، بل لنا أن نقول 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

() وحين انتهى السيد من قراءة الرواية قال: بناءً… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أنها دالّة على البطلان. وللتحقيق تتمّة.

كـل نسخ مـكاتبة الصـفّار سواء الـمنقولة في (الكافي)(1) و(الفقيه)(2) و(التهذيب)(3) و(مرآة العقول)(4) و(الحدائق)(5) -كلّها بالنحو المذكور في(الوسائل)(6) إلّا ما كان اختلافاً طفيفاً. غير أنه في (الوافي)(7) لم ينقل عبارة: (وإنما له في هذه القرية قطاع أرضين. فهل يصلح للمشتري ذلك). وفي (المستدرك)(8) عن (النهاية)(9) للشيخ: (أنه كتب إليه رجل…).

واختلاف نسخة (النهاية) غير مهمّ، فإنها ليست كتاب رواية، وإنما هو 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.

(2) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.

(3) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.

(4) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 24: 260، كتاب الشهادات، باب النوادر، الحديث 4.

(5) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة 18: 386، كتاب التجارة، أحكام العقود والمعاملات، الفصل الأوّل، المقام الثاني، المسألة الثالثة، المقام الأوّل.

(6) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.

(7) الوافي 17: 525، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب أحكام التجارة، الباب 83، الحديث 1.

(8) مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب العقد وشروطه، الباب 2، الحديث 1.

(9) النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: 421، كتاب المتاجر، باب بيع المياه والمراعي وحريم الحقوق…، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نقل بالمعنى، فهو لم ينقل كلّ خصوصيات القضيّة.

إنما الكلام في (الوافي)، وكون إتقانه كبيراً، والذي أظنّه أنه اشتباه من الكاتب؛ إذ قد يصادف كلمتين متماثلتين في الكلام، وحينما يصل الكاتب إلى الأولى ينتقل إلى ما بعد الثانية، ويسقط ما بينهما سهواً، وذلك في المقام قوله: (وإنما له… وإنما له). فقد تخيّل الكاتب أن الثانية هي بمعنى الأولى، فهو اشتباه من المؤلّف أو من الكاتب.

والإنسان حين يرى وجود هذا السطر في مختلف المصادر، ويحتاج إضافته إلى تعمّد مقطوع العدم، على حين أن الاشتباه في السقوط قد يحدث، خاصّة مع وجود النكتة التي ذكرناها. فيرجّح كون العبارة موجودة لا محالة.

وفي (الكافي) ورد ذيل للرواية غير موجود في (الوسائل)، ولعلّ السرّ في ذلك هو أن مكاتبات الصفّار كانت متفرّقة، وقد جمعها المشايخ في كتبهم ولذا نرى أن بعضهم من قدّم وبعضهم من أخّر، ولو كانت مرتبة بحسب الأصل عند السؤال من الإماملرتّبها المؤلفون على حالها. وبناءً عليه، فلا يمكن جعل مكاتبة قرينة على المراد من مكاتبة أخرى.

ونصّ الرواية في (الكافي) كما يلي(1): محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسين، أنه كتب إلى أبي محمد: رجل باع ضيعته من رجل آخر، وهو قطاع أرضين، ولم يعرف الحدود، وقت ما أشهده. وقال: إذا ما أتوك بالحدود فاشهد بها. هل يجوز له ذلك أو لا يجوز له أن يشهد؟

ــــــــــ[247]ــــــــــ

() نقلناه عن كلام السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فكتب له: “نعم يجوز والحمد لله“.

وكتب إليه رجل كان له قطاع أرضين، فحضره الخروج إلى مكّة، والقرية على مراحل من منزله، ولم يؤتِ بحدود أرضه، وعرّف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: اشهدوا أني قد بعت من فلان جميع القرية التي حدّ منها كذا والثاني والثالث والرابع. وإنما له في هذه القرية قطاع أرضين. فهل يصلح للمشتري ذلك، وإنما له بعض (أو نصف) هذه القرية وقد أقرّ له بكلّها؟ فوقّع: “لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء على البائع على ما يملك “. وكتب: هل يجوز للشاهد الذي أشهده بجميع هذه القرية أن يشهد بحدود قطاع الأرض الذي له فيها إذا تعرّف حدود هذه القطاع بقوم من هذه القرية؟ فوقع: “نعم“(1).

(وقد أقرّ له بكلّها) (2): يعني: باعها له، لا أنه إقرار بالمعنى المعروف.

(فهل يصلح للمشتري): فيه احتمالان:

أحدهما: أنها قضيّة خارجية يسأل عنها الراوي، فيجيب الإمام بكبرى كلّية أو جواباً جزئياً. 

ثانيهما: أنه سؤال عن مسألة كلّية، وأنه إذا وقع مثل ذلك ووقع إنشاء فهل يصلح لقبول المشتري أو لا يصلح؟ فليست المسألة الكلّية كالمسألة المبتلى بها، 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) وكان السيد يقرأ هذا النص ويعلّق عليه. فكان مما قال: (وقد أقرّ له بكلّها)… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فيحتمل أنه يسأل عن البيع الحاصل، ويحتمل أنه يسأل عن جواز القبول.

ثُمّ إنه لو قام الدليل -ولا دليل(1)– على كون المسألة خارجية، وأن الجواب عن ذلك، فإنه يتحصّل ظهور الرواية بأنه صحّ البيع فيما يملكه، وبطل البيع فيما لا يملكه. فيكون دليلاً على صحّة المعاملة.

وأما إذا سأل عن القضيّة الخارجية وأجاب الإمام جواباً كلّياً، أو سأل عن قضيّة كلّية وكان جوابه عنها لا محالة، لا بُدّ أن نرى أن المراد من الكبرى هل هو أن يساوي بين بيع ما يملك وما لا يملك، أو أنه يبطل بيع ما لا يملك؟ ويدلّ على الطريق الصحيح في البيع بقوله: “لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء على البائع“.

كما في (الكافي) وفي غيره “من البايع على ما يملك“. فتكون العبارة الثانية كبرى كلّية أيضاً، وأن الشراء إذا وقع على ما يملك فهو صحيح، فإن مجموع القرية وإن لم تكن له إلا أن بعضها له على أي حال.

فإذا كان مقتضى نظرك واعتقادك أن مقتضى القاعدة هو بطلان البيع على ما يملك وما لا يملك، وتصدي الرواية لبيان أمر مخالف للقاعدة يحتاج إلى مؤونة وقرينة، فتحمل على ما هو موافق للقاعدة، وأن هذا المجموع حيث إنه لا يملكه، فالبيع فيه باطل، وإنما يصحّ البيع إذا وقع على خصوص ما يملكه.

وأما إذا كان نظرك واعتقادك صحّة هذا البيع على مقتضى القاعدة، وحمل 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

() سوف يأتي الدليل من السيد على ذلك، وهو الفقرة الثالثة من رواية الكليني فانتظر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الرواية على بيان أمر مخالف للقاعدة يحتاج إلى مؤونة، فتحمل على ما هو موافق للقاعدة، فيكون المعنى أن الحكم الفعلي هو الصحّة على ما يملك، لو وقع العقد على ما يملك وما لا يملك. خصوصاً إذا كانت العبارة “على البائع” كما في نسخة (الكافي). فظهور العبارة يختلف باختلاف نظر الإنسان إلى ما هو مقتضى القاعدة.

(إذا عرف حدود القطاع بقوم من هذه القرية): لو عرف الشاهد حدود القطاع من شهود عدول من القرية، فهل يمكن أن يشهد بذلك أو لا؟ وبناءً على هذه العبارة يأتي إلى الذهن أن القضية جزئية شخصية، فإن شهد بعض أهل القرية هل تكون شهادتهم ماضية أو لا؟ فقال: “نعم“.

فهل ينافي هذا كلّية القضية؟ فإنه مرّة يسأل عن أنه في هذه القضية الواقعة هل يمكن تعيين ما يملك، أو لا، بشهادة أهل القرية؟ وأخرى يقال للإمام: إنك قلت: إنه لا يمكن إيقاع المعاملة على ما لا يملك، فلو أوقعها على خصوص أرضه التي يملكها، وأشهد على حدود القرية هل يصحّ ذلك أو لا؟ وإن لم يكن ببيعه؟، فقال: “نعم“، فتكون القضيّة كلّية وقدرها المتيقّن مورد السؤال.

فإذا فهمنا أن بيع ما يملك صحيح وما لا يملك غير صحيح، فهل نستطيع أن نتمّم بها سائر الخصوصيات أو لا؟

إذا بنينا على تمامية دلالة الرواية على الصحّة في الجملة، على إشكال فيه، فهل تستطيع الصحيحة، سواء في هذا الباب أو الباب(1) الذي يذكر له السيد 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

() وهو ضمّ ما لا يقبل التملك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

عنواناً مستقلّاً، أو لا نذكر له؛ لأن المطالب نفس المطالب، هل تستطيع الصحيحة أن تدفع الشكوك والاحتمالات الموجودة كما إذا ضمّ إلى المملوك ما ليس بملك عقلائياً كالحشرات، أو شرعاً كالخمر أو الخنزير، هل يصحّ أو لا؟ أو كان بعض البيع وقفاً؟ أو هل يصحّ في صورة جهل البائع أو جهل المشتري أو كِليهما أو علمهما أو علم أحدهما؟ وهل يصحّ فيما إذا كانت الضميمة متّصلة كالأراضي المتجاورة، أو منفصلة كعباء وقباء؟ هل يستفاد الصحّة في كلّ هذه الموارد من الصحيحة؟ لا بُدّ أن يقع الكلام عنها واحداً واحداً.

[دلالة الراوية على مسألة ضم ما يقبل التمليك إلى ما لا يقبل التمليك]

أما مسألة ضمّ ما لا يقبل التمليك إلى ما يقبله، فهذه الرواية إذا كانت الواقعة جزئية، فيمكن أن يتمّم دلالتها بهذا الطريق وهو: أن يتمسّك بترك الاستفصال، فإنه لو كان هناك فرق بين ضمّ ما لا يملك وما كان وقفاً مثلاً لفصّل، فترك الاستفصال يدلّ على عدم الفرق بين الموردين، فتصحّ المعاملة سواء كان المال الآخر ملك غيره أو وقفاً.

وكبرى ترك الاستفصال وإن كانت صحيحة دليلاً على العموم، إلّا أنه في بعض المواضع لا يحتاج إليها، فلو كان الموضوع منصرفاً إلى أمر معيّن، فإنه لا يحتاج إلى ترك الاستفصال، فلو قلت: (جئني بماء)، وهو منصرف إلى الماء العذب دون المالح الأجاج لقلته، فإن ترك الاستفصال لا يدلّ على العموم، ومن هنا لا بُدّ أن نعرف أن حال الوقف في زمان الإمام العسكري كان شائعاً 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

جداً أو كان نادراً بحيث لو قلت: (نصف الدار ملكي) لسألك صاحبك: (من هو مالك النصف الثاني؟) ولا يخطر بباله الوقف، كما هو عليه الحال فعلاً، بالرغم من شيوع الوقف، فكيف في زمان الإمام العسكري، ومبدأ عمر الإسلام حين كانت الأوقاف أقلّ.

ولو شككنا بالانصراف، فلا إطلاق نتمسّك به، فاحتمال الانصراف إلى الملك دون الوقف يكفي في إسقاط كون ترك الاستفصال دليلاً على العموم.

فما قاله السيد(1) من كونه دليلاً على صحّة البيع بضميمة الوقف غير تامّ، فضلاً عن أن نصحّح به ضمّ أمور أخرى كخمر أو خنزير، فإنه لو كان ترك الاستفصال دليلاً على صحّة البيع حينما كان قابلاً للتملك شرّعاً وعرفاً، ولكنّه مملوك للغير أو وقفاً، ولكن احتملنا أن ضمّ الخمر والخنزير يفترق عن ضمّ بيع باعتبار تحريم المعاملة عليهما، فضمّهما إلى المملوك مفسد لها أساساً، والمفروض أن القاعدة لا تقتضي الصحّة، ولا إطلاق في الرواية يقتضيها، لفرض كون القضيّة شخصية، فمع وجود هذا الاحتمال لا يمكن إلغاء الخصوصية.

هذا كلّه إذا كان السؤال شخصياً والجواب شخصياً، وأما إذا فرض كون السؤال شخصياً والجواب كلّياً، والمناط على الجواب. فقد قال النائيني(2) 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 355، شرائط المتعاقدين، بيع ما يقبل التمليك وما لا يقبله.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 318، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: ما لو باع ما يقبل التملّك وما لا يقبله صفقةً واحدةً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

في المسألة الأخرى(1): إن السؤال وإن كان راجعاً إلى القرية إلّا أن المناط هو الجواب. وقضيّة عدم جواز بيع غير المملوك لا ربط له بالمسألة، بل المناط هو الكبرى الثانية الواردة في الجواب في صحّة الاستدلال. وهي الدالّة على جواز الشراء فيما يملك، وإطلاقها يقتضي أن الضميمة مهما كانت فالمعاملة صحيحة.

نقول: هل هاتين الكبريان مستقلّتان عن بعضهما. غير مرتبطتين بموضوع السؤال. أو هما ورادتان على ذلك الموضوع، كما هو الواقع ولا شكّ فيه. فيكون المراد أنه إذا باع ملك غيره مع ملك نفسه، فإنه يصحّ فيما يملك ويبطل فيما لا يملك؟

والجملة الثانية ليس المراد بها أنه يجوز للإنسان أن يبيع ماله، وأن المؤمنين عند شروطهم، غايته يريد أن يقول: إن من باع ملك نفسه وملك غيره، صحّ في ملك نفسه وبطل في غيره، بنحو كلّي. فنفهم منها حكم ضمّ ما هو ملك للغير إلى ما هو ملك الشخص.

وأما التعميم إلى ما لم يكن قابلاً للملك والبيع أصلاً، فلا يمكن تعميه، بل لا بُدّ في التعميم من إلغاء الخصوصية، وأنّى لنا به، مع العلم بوجود الخصوصية في بيع الخمر والخنزير في نظر الشارع. واحتمال أن يكون ضمّها إلى مال الإنسان يبطل البيع أصلاً.

ولو كانت كبرى كلّية في موضوع خاصّ، فهل يمكن أن نستفيد منها الصحّة في ضمّ ما لا يقبل التملك، أو لا؟

ــــــــــ[253]ــــــــــ

() يعني: بيع ما يملك وما لا يقبل التملك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

قد يقال: إنه لا يمكن أن يستفاد منها ذلك، من باب: أن بيع الوقف باطل، باعتبار أنه غير قابل للتملك(1) لا باعتبار أنه ليس ملكي، فلو كان ملكي -كالأوقاف الخاصّة-

أيضاً لا يمكن أن أبيعه، وأما ملك الغير فهو شيء قابل للتمليك، فالمعاملة تصحّ عليه؛ لأنه قابل للتمليك. ففي الموارد التي يكون عدم ملكي مؤثّراً في بطلان المعاملة يمكن تتميم صحّتها بالرواية، وأما فيما لا يكون قابلاً للتمليك، والكبرى راجعة إلى ما يقبله بالخصوص، فلا يمكن تتميمها بالرواية.

نقول: الكبرى عندنا هي أن بيع ما لا يملك باطل، لا ما لا يقبل التمليك، وما لا يقبل التمليك إنما لا يصحّ بيعه، باعتبار أنه ليس ملكي، فإن ما هو شرط في صحّة البيع هو أن يكون ملكي، وعدم القابلية للتمليك سبب في عدم ملكيتي. فلو كان ما لا يقبل التمليك ملكي لجاز لي بيعه(2).

فسببية عدم قابلية التمليك للبطلان لا دليل عليه، فإن هذا كما هو غير قابل هو ليس ملكي أيضاً، وكونه ليس ملكي هو السبب، وقوله: “يجوز البيع فيما يملك” لم يكتب عليه أنه يجب أن يكون قابلاً للتمليك.

نعم، هنا مطلب، وهو أن القضايا السالبة، قالوا: إن لها ظهوراً في نفي المحمول مع حفظ الموضوع لا مع سلب الموضوع، فيقال: إن قوله: “وبطل فيما 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() الظاهر أن المراد هو عدم قابلية التمليك، وإلّا كان تهافتاً مع ملكية الأوقاف الخاصّة. (المقرِّر).

(2) هذا محال؛ لأنه خُلف كونه لا يقبل التمليك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لا يملك” يعني: في موضوع قابل للملكية، فلو لم يكن قابلاً للملكية(1)، كان سلباً للقضيّة بسلب موضوعها.

إلّا أنه هنا، على أنه ليس هذا من سلب الموضوع بذلك المعنى الذي يكون له ظهور بخلافه؛ فإن هذه الجملة لو ألقيت إلى العرف وقيل له: (لا يصحّ البيع فيما لا يملك)، ثُمّ يقال للعرف: (إن الخمر لا يملكه الإنسان؛ لأنه غير قابل للملكية)، ألَا يفهم العرف ذلك من هذه العبارة، ويقول: إنه حيث ليس ملكاً للفرد، ولو بسلب القابلية فهو مندرج في الكبرى، فإن ما هو شرط المعاملة هو التملك، فلو كان مال الغير أو لم يكن قابلاً للتملّك لم يصحّ البيع. والتفرقة بين هذين من كلام المدرسة لا من كلام السوق.

فالسؤال وإن كان عن الأرض إلّا أن الجواب يكون عامّاً(2) يندرج فيه مورد السؤال، ويشمل نظائره كبيع الوقف بلا إشكال، أما صورة الجاهل وغيره، فيحتاج إلى بحث.

[في أن المناط هو عموم الجواب لا خصوص السؤال] 

ما يقال: من أن المناط هو عموم الجواب لا خصوص السؤال صحيح كبروياً، لكنّ له موارد: فلو سأل السائل عن قضية شخصية، وأجاب الإمام 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() هذا فيه خلط بين التمليك والملكية، وما كان يتكلّم عنه هو التمليك، ومن المعلوم أن سلبه لا يلازم سلب الملكية التي هي موضوع القضية في الرواية، على أن هذه القضية من معدولة الموضوع لا من السالبة، فلا تكون مصداقاً للكبرى أصلاً. (المقرِّر).

(2) سيأتي من السيد ما ينافي ذلك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بكبرى كلّية، أو علّله بكبرى كلّية كان للجواب عموم أو إطلاق. كما في روايات الاستصحاب(1) أو رواية قاعدة التجاوز(2) أو روايات (لا ضرر)(3)، المعلّلة بأمور كلّية، فإن “لا تنقض اليقين بالشك” -مثلاً- إذا عرض على كلّ عاقل يرى أن الحكم هو حكم اليقين والشكّ، لا حكم الخصوصيات.

وكذلك لو كان السؤال كلّياً وإن كان الجواب هو جواب هذه المسألة، كما لو قال: (كلّ من خرج من شيء ودخل في شيء آخر ما هو حكمه؟)، فيقول: (ليس بشيء)، فإنه يفهم منه الحكم الكلّي أيضا.

وأما لو سأل السائل عن قضية شخصية، وفي الجواب لم يذكر موضوع المسألة الشخصية، بل ذكر الحكم فقط، فإنه لا يستفاد منها العموم.

وفي المقام هكذا، فإن ما سأل عنه الصفّار هو قضيّة خارجية بحسب الصورة، -إلّا إذا استطعنا أن نستفيد منه العموم- والإمام يجيب ولا يذكر الموضوع، بل يقتصر على بيان الحكم. والموضوع هو مصداق من مصاديق ضمّ ما يُملك إلى ما لا يُملك. مع خصوصيات زائدة، وقد ذكر الإمام حكم ذلك، فالجواب جزئي، وقدره المتيقّن هو ذلك. وإنما يكون كلّياً لو ذكر فيه 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في الباب 45، من أبواب الكلّيّات المتعلّقة بأُصول الفقه من الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة 1: 627، وغيره.

(2) راجع الروايات الواردة في الباب 42، من أبواب الوضوء من وسائل الشيعة 1: 468.

(3) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الموضوع فقيل مثلاً: (إذا باع ما يملك وما لا يملك، صحّ فيما يملك وبطل فيما لا يملك). وفي المقام لم يقل ذلك.

وما قيل من أن الميزان هو عموم الجواب لا خصوص السؤال، غير منطبق على المقام، فإن الجواب لا عموم له أصلاً. نعم، لو استطعتم تتميم المسألة بترك الاستفصال، أو إلغاء الخصوصية العرفية أو تنقيح المناط، فهو، وإلّا فإنه لا يتمّم العموم. فإذا احتملنا وجود الخصوصية لضمّ الخمر أو الطنبور أو لعلم البائع أو نحو ذلك من الخصوصيات لا يمكن دفع هذا الاحتمال.

ثُمّ يقول المرحوم النائيني(1): إننا نفهم من الرواية الانحلال، فهل الانحلال دليل على عموم الجواب؟ فإنه لو تمّ لصحّ البيع على القاعدة، والمفروض تصحيحه بالرواية مع فرض بطلانه على القواعد، فكيف تقول: أن هذا العقد ينحلّ إلى عقدين، إذن فكلّ عقد ينحلّ إلى عقدين صحيح. هذا أنتم تعملونه!! مع أن الجواب لا عموم له، فإنه لم يذكر فيه الموضوع. نعم، إن استطعتم فهم العموم من السؤال، وتحميله على الصفّار نفسه، فهو، وإلّا تعّذر فهم العموم لا محالة.

بناءً عليه، فلا يمكن أن يستفاد من رواية الصفّار العموم أو الإطلاق لتصحيح بيع ما يقبل التملك وما لا يقبله.

كما أننا يجب أن نلاحظ الخصوصيات الموجودة في السؤال أوّلاً، ثُمّ نلغي 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 308، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الخصوصية عنه. وليس معنى إلغاء خصوصيته أنه أصبح عاماً لسائر الخصوصيات. فإن للسؤال عدّة موارد:

أحدها: كون البائع عالم.

الثاني: أن بيع كلّ القرية لم يكن بيعاً فضولياً لأجل أخذ الإجازة عليه، بل لتصحيح الشهادة على البيع وإرضاءً للطرف. فهو بالنسبة إلى ما عدا ما يملك بيع صوري محض، وليس بيعاً جدياً فضولياً، ومعه نحتمل أن الإنشاء الجدي على مال الناس منضمّاً إلى ماله باطل، كما نحتمل أن العلم دخيل في البطلان، فما الذي يدفع هذه الاحتمالات؟

والقدر المتيقّن من مورد إمكان التجريد عن الخصوصية، هو بيع قطعة أرض له وقطعة ارض لغيره مجاورة لها يبعهما في عقد واحد. فيصحّ بيعه وإن لم يأخذ إجازة. وخصوصية القرية تكون ملغاة عرفاً، وأما بالنسبة إلى الأموال المنفصلة، فعلى عهدتكم، وأما صورة ضمّ ما لا يقبل التملك، فعلى عهدتكم.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  







[اشتراط عدم فساد المعاملة فيما لو لم يجز الآخرٍ] 

 

ومما قالوه في المقام إنه بعد أن صحّحنا بيع ما يملك وما لا يملك، ولو بحسب القواعد، كما سبق. اشترطوا هنا شرطاً، وهو أنه إذا لم يجز الآخر لا يحصل فساد في المعاملة، فلو باع ديناراً منه ودرهماً من غيره، بدينارين ودرهمين، فإن لم يجز الآخر حصل الربا. أو إذا باع عبداً آبقاً مع الضميمة، وكانت الضميمة للغير، فإذا لم يجز كان العبد الآبق وحده مبيعاً، فيبطل البيع. وكبرى ذلك: أن الإجازة لا يكون لها دخل في فساد أصل المعاملة. فإن كان لها دخل فإن المعاملة لا تتمّ. ونحن يجب أن نبحث في المسألتين اللتين ذكروهما.

[المسألة1: لو باع درهماً منه وديناراً من غيره ومحذور الربا] 

إذا باع درهماً منه وديناراً من غيره بدرهمين ودينارين، فهل هذا صحيح مطلقاً سواء أجاز أو لم يجز، أو باطل مطلقاً، أو صحيح إن أجاز وباطل إن لم يجز، أو تختلف صحّته بالقول بالكشف وغيره؟ احتمالات.

ومنشأ هذه الاحتمالات قبل الرجوع إلى الروايات يمكن أن يكون عدّة أمور، فإن العقلاء هل ينظرون إلى أنه يقع المشابه في مقابل المشابه، فالدرهم في مقابل الدرهمين، والدينار في مقابل الدينارين، أو يقع في مقابل غيره، فالدرهم في مقابل الدينارين وبالعكس، أو أن المجموع في مقابل المجموع؟ وعلى هذا 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التقدير: تارةً تبسّط بحيث يقع الدرهم في مقابل الدرهمين وبعض الدينار، والدينار في مقابل الدينارين وبعض الدرهم. وتارةً يبسّط بحيث يقع الدرهم في مقابل الدينارين وبعض الدرهم، ويقع الدينار في مقابل الدرهمين وبعض الدينار.

وعلى أي حال، فبعض هذه الاحتمالات تبطل العقد مطلقاً، وبعضها تصحّحها مطلقاً، وبعضها على تفصيل على ما يأتي.

بحسب التصور(1) أن هذا الدرهم إذا وقع في مقابل الدينارين والدينار في مقابل الدرهمين، كما لو كان المتعاملان قد قرّرا ذلك من الأوّل. حينئذٍ لا يلزم الربا. فلو كان لنا دليل شرعي أو عقلائي بانصراف كلّ جنس إلى غيره، فتكون المعاملة صحيحة مطلقاً. فإنها ليست معاملة ربوية وإن لم يكن القرار على ذلك.

وإذا عكسنا هذا المطلب، وقلنا: إنه كلّ جنس ينصرف إلى مماثله، فالدرهم في مقابل الدرهمين، والدينار في مقابل الدينارين، كما لو كانا قد قرّرا ذلك من أوّل الأمر، فالمعاملة باطلة، سواء أجاز أو لم يجز. وسواء قلنا بالكشف في الإجازة أو النقل. فإن المعاملة من أوّلها ربوية، ونظر الفقهاء ليس إلى ذلك.

وإذا قلنا بأن المجموع يكون في مقابل المجموع، فإن قال العقلاء بالانحلال، وأن الدرهم في مقابل درهم وجزء من الدينار، وبالعكس، فهو باطل مطلقاً.

وإنما مورد الإشكال في المسألة هي أن تقع المعاملة على المجموع ولا نقول 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة: بحسب التصور… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بالانحلال إلى معاملتين، أو انصراف أحد الطرفين إلى شيء. ولا يقال بالتقسيط عقلائياً. نرى أنه إذا وقعت المعاملة ومبادلة المجموع بالمجموع، هل يصبح البيع ربوياً أو لا؟

البيع الربوي عبارة عن بيع الفضّة بالفضّة -مثلاً- مِثلاً بمِثل، أو الحنطة بالحنطة مِثلاً بمِثله، فلو عومل على مجموع الذهب والفضّة في مقابل مجموع مِثله، والمجموع لا يصدق عليه أنه ذهب ولا فضّة، لا في طرف الثمن ولا المثمَن.

ثُمّ إن المعاملة التي تقع سواء في بيع الفضولي أو بيع الإنسان ماله، أو مجتمعاً، إن ما هو تمام ماهيّة المعاملة التي يقال لها بيع أو صلح، هو على قولنا الإيجاب وحده، وعلى قولهم أنه الإيجاب والقبول. أما ترتّب الأثر على الإيجاب والقبول، فهو مما لا دخل له في الماهيّة أو في صدق البيع أو المبادلة الإنشائية، وإنما الأثر يحصل نتيجة للبيع من الأصيلين والإجازة من المالك، فإنه إنما يكون موضوعاً للحكم العقلائي بالصحّة ويؤثّر في النقل بذلك. لا أن النقل المحقّق له دخل في الماهيّة، بل الماهيّة بعد تماميتها تكون موضوعاً لحكم العقلاء ويترتب عليها الأثر.

إذن عندنا ماهيّة معاملة تامّة، من دون توقّع أثر آخر، وهو التبادل الإنشائي الذي يحصل بالإيجاب وحده أو بالإيجاب والقبول، وهناك الأثر المترتّب عليه، وهو لا يتحقّق إلّا بصدور المعاملة من الأصيلين أو بالإجازة من المالك.

حينئذٍ يأتي هذا الكلام في باب الربا، وهو أن ما هو حرام في باب الربا، هو 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أن تكون المعاملة ربوية عند تحقّق البيع، فإن كان هذا هو الميزان ففي المقام عند مبادلة المجموع مع المجموع لم يكن البيع ربوياً، وأما إذا كان البيع الربوي من باب: خذ الغايات وأترك المبادئ، يعني أن غرض الشارع هو منع الفائدة والزيادة، فإن معنى الربا هو ذلك. إذا كان الميزان هو ذلك، فالمعاملة باطلة سواء قبل الإجازة أو بعدها. فإن مقداراً من المبيع وقع عليه البيع غير منتظر لأمر آخر ولا متوقّف على الإجازة. فالبيع الواقع نقل بعض ذلك المبيع في مقابل البعض، فهو باطل سواء أجاز أو لم يجز(1).

فما قيل من أنه إذا أجاز يصحّ وإلّا يبطل، وقالوا في وجهه: أنه إذا لم يجز فكأنّه من الأوّل واقع على ماله وزيادة، مع أن دليل الحرمة لم يرد على [لفظ] (كأنّه) بل ورد على الواقعيات، وإن كانت الزيادة واقعية فهي حاصلة من الأوّل. فالإجازة وعدمها ليست دخيلة في المسألة. بل النظر إلى مبادلة المجموع بالمجموع، بمعاملة واحدة في نظر العقلاء، وكون المجموع لا وجود له، كلام فلسفي لا فقهي. وإذا لوحظ المجموع فالأجزاء مغفول عنها، ففي حين 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

() أقول: هذا لا ينسجم مع فرض عدم الانحلال، فإن الفروض في المقام ثلاثة: إما أن يقع في مقابل درهمه الدرهمين، أو الدينارين والدرهمين كلّها، أو الدينارين بالخصوص، كما أن هناك احتمالات في التقسيط، وعلى صورة من ذلك تصحّ المعاملة لا محالة. وهو وقوعها وصرفها إلى غير الجنس بالخصوص. فإطلاقه القول بالبطلان، مع اعترافه بلزوم البيع في البعض -وهو مما يقتضي الانحلال أو التقسيط وغض النظر عن المجموع- مما لا ينسجم. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

المعاملة لم يكن ربا، وحين ترتب الأثر لم تكن معاملة. فيقع البيع صحيحاً. فإن أقمتم دليلاً على أن الميزان هو النتائج لا المقدّمات، وأنه إنما قيل: (يحرم البيع الربوي) مسامحة، وإنما كان باطلاً لا لأنه ربوي، بل لمنع الزيادة الحاصلة في الأثر المترتّب عليه.

ونحن عندنا دليل على الخلاف، فإنه يستفاد من الروايات، أن الميزان في الحرمة ليست هي النتائج، ولا المنع عن أن يدخل في جيبك زيادة؛ ولذا جازت الزيادة في الأعيان غير الربوية، وإن كانت أضعافاً مضاعفة. وفي المكيل والموزون، وردت طرق في التخلّص من الربا. فنعرف أن الشارع لا يخالف مع النتيجة، بل مجرّد الخروج بالمعاملة عن الربوية يكفي.

ولا ينبغي أن ندخل الاستحسان في المطلب. وأن نقول: إنه بالربا يختلّ نظام المجتمع، فإن البنوك مبنية على الربا ولم يختلّ النظام!!. ولولا التعبّد الشرعي لكان الربا من أحسن الأمور(1)، فهذا الاستحسان من قبيل أن يقال: إن الخمر إنما حرم لحرارة الهواء في الحجاز، إذن فهو في (سيبريا) ليس بحرام. فإدخال العقل في المسألة فيه مفسدة. ثُمّ إن القرض الربوي إذا لم يكن موجوداً فإن كثيراً من الناس يبقون متعطّلين، فإن كلّ البنوك ربوية، ولا تعطي إلّا بالفائدة، ومن الذي يعطي الناس بلا فائدة؟! ولعلّه إذا لم يحرّم الربا يكون السوق أحسن. إذن فبمقدار التعبّد تلتزم به لا أكثر.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() لا يخفى أن هذا الكلام باطل عقائدياً وإسلامياً، وجوابه موكول إلى محلّه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [دلالة الروايات في المقام على التخلص من الربا]

ونستفيد من الروايات أن الميزان هو مقام الإنشاء في حرمة البيع الربوي وبطلانه، وليس هو النتيجة.

أبواب الصرف، باب6، رواية 1: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: “سألته عن الصرف فقلت له: الرفقة ربما عجّلت فخرجت فلم تقدر على الدمشقية والبصرية، وإنما يجوز نيسابور الدمشقية والبصرية. فقال: وما الرفقة؟ فقلت: القوم يترافقون ويجتمعون للخروج، فإذا عجّلوا فربما لم يقدروا على الدمشقية والبصرية. فبعثنا بالغلّة فصرفوا ألفاً وخمسين منها بألف من الدمشقية والبصرية. فقال: لا خير في هذا. أفلا يجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها.

فقلت له: اشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم، فقال: لا بأس بذلك. إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، فكان يقول هذا فيقولون: إنما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار. وكان يقول لهم: نِعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال“(1).

فلو كانت النتائج هي الميزان لكانت النتائج هي النتائج. فيعلم من جواز 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 247، كتاب المعيشة، باب الصروف، الحديث 9، من لا يحضره الفقيه 3: 290، باب الصرف ووجوهه، الحديث 4043، تهذيب الأحكام 7: 104، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 51، ووسائل الشيعة 18: 178، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 6، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الفرار من الحرام إلى الحلال أن البيع غير منحلّ، وإلّا لوقع بعضه في مقابل البعض، ولَما وقع حلالاً.

نعم، هنا قرار يقول: إن كلّ جنس يصرف إلى غير جنسه، وهو أمر غير عقلائي، ولا يستفاد من الرواية.

ثانيهما: ما قلناه من أنه مبادلة مجموع بمجموع، فإنه حلال، ولا يصدق عليه عنوان ربوي. والفائدة إنما تحصل بالأثر الناتج من المعاملة لا من المعاملة نفسها. والأثر يكون بعد القسمة لا بنفس المعاملة. إذن فالمعاملة صحيحة بحسب القواعد، ولو من دون إجازة؛ لأنها لا ربط لها بالإنشاء، وإنما لها دخل في الأثر. وإنما تبطل هذه المعاملة بدليل خاصّ لو وجد.

لا بُدَّ أن نلاحظ دلالة الروايات على عدّة مطالب:

أحدها: أنه هل يستفاد منها صرف كلّ جنس إلى ما يخالفه، كما نقل عن بعض الفقهاء؟ بل قالوا إن كلام بعضهم يُشعر بالإجماع عليه.

ثانيها: هل الروايات مختصّة بصورة اختلاف سعر النقدين الدمشقي والعراقي؟ فلو أراد التخلّص من الربا بهذا النحو المذكور في الرواية، في هذا الموضوع الخاصّ فهو، وأما تعميمها إلى سائر الموارد فلا.

ثالثها: أن هذه الروايات دالّة على جواز بيع درهم ودينار من شخص واحد، بدرهمين ودينارين، فهل تشمل ما إذا كان الدرهم والدينار لشخصين أصيلين أو لا؟

رابعها: أنها هل يمكن أن تشمل الفضولي أو لا، فلو كان الدرهم لي 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والدينار لغيري، بعته بدون إجازته، هل يكون صحيحاً أو لا؟

فإذا استفدنا من الروايات أنه لا فرق بين الفضولي وغيره، ولا ما بين الشخص والشخصين، ولم نقل بالانصراف، صحّ فيما يملكه سواء أجاز أو لم يجز(1).

المطلب الأول: هل يستفاد منها صرف كلّ جنس إلى ضدّه أو لا؟!

قوله: “أفلا(2) يجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها“، هل يريد به جعل الذهب في مقابل الزيادة، أو تخلّصاً من الربا بلحاظ الزيادة؟ 

فإن كان المراد الأوّل، فيكون مراده أن بيع المجموع بالمجموع لا يكون باطلاً، ومعه لا يستفاد انصراف كلّ جنس إلى ما يخالفه ولو من دون قصد كما يذكر الفقهاء. 

وأما على الثاني فيكون المراد: (لماذا لا تجعلون الذهب في مقابل الزيادة حتى تتخلّصوا من الربا؟)، فيكون دالّاً على صرف كلّ جنس إلى ما يقابله مع القصد.

ــــــــــ[266]ــــــــــ

() ثُمّ قرأ السيد صحيحة عبد الرحمن السابقة، وذكر أن رواتها كلّهم صحاح ثقات، وذكر أنها مضمرة، إلّا أنه يظهر من ذيلها وهو قوله: “وكان أبي أجرأ على أهل المدينة منّي”: أنه* الإمام الصادق، كما يظهر من سؤال محمد بن المنكدر من الإمام الباقر في الرواية الآتية.

* يعني مرجع الضمير في المضمرة. (المقرِّر)..

(2) همزة الاستفهام غير موجودة في (الوسائل). ومنشأ توهّم وجودها الالف في اسم الإشارة السابق عليها. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولا تتخيّلوا ما تخيّله محمد بن المنكدر -في الرواية الآتية- من أنه أيّ عاقل يبيع الدينار بألف درهم؟ فإنه لا مانع من ذلك إذا ترتّب عليه غرض ومصلحة. نظير بيع الشرط، حيث يقال: أيّ عاقل يبيع الدار التي تساوي عشرة آلاف بخمسة آلاف؟ هذا غير صحيح؛ لأن الشخص الذي يعلم أنه سيكون له مال يدفعه في ذلك الحين يحصل له من الآن جدّ إلى البيع.

ففي المقام أيضاً حين يرى المتعاملان أن ألف درهم في مقابل الألفين لها قيمة، حصل لهم الجدّ بذلك، لكن لأجل الخروج عن الربا يضعون ديناراً لتكون الدراهم في مقابله، فيحصل الجدّ بهذا الاعتبار.

“فقلت: أشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم. فقال: لا بأس بذلك” هذا مثال لما ذكره الإمام من إضافة دينار على الدراهم، ولئن كان في كلامه كِلا الأمرين محتملاً وهما:

1- كون المجموع في مقابل المجموع.

2- كون الجنس منصرفاً إلى الجنس الآخر، إلّا أن كلام الراوي في هذه الفقرة من الرواية ظاهر في كون المجموع في مقابل المجموع، لا بالصرف، والإمام يقول: “لا بأس بذلك“.

فالفرار(1) على نحوين بهذا اللحاظ، إما صرف كلّ جنس إلى ما يقابله، بصرف الألف درهم إلى الدينار الواحد، وهذا ما لا يعمله الناس، وإما يبيع المجموع بالمجموع، وكِلاهما فرار من الحرام إلى الحلال.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

() ثُمّ قرأ السيد الرواية بما بعد الفقرة السابقة إلى نهايتها. وقال: فالفرار… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن فلا يمكن أن يستظهر من الرواية صرف الجنس إلى ما يقابله، إن لم نستظهر الطرف الآخر.

[روايتا عبد الرحمن ين الحجاج]

عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله قال: “كان محمد بن المنكدر(1) يقول لأبي: يا أبا جعفر رحمك الله، والله إنا لنعلم أنك لو أخذت ديناراً والصرف بثمانية عشر، فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا إلّا فرار. فكان أبي يقول: صدقت والله، ولكنّه فرار من باطل إلى حقّ“(2)(3).

وعن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: “سألته عن رجل يأتي بالدراهم إلى الصيرفي، فيقول له: آخذ منك المائة بمائة وعشرين أو بمائة وخمسة (خمسين خ ل) حتى يراوضه على الذي يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة ديناراً أو ذهباً، ثُمّ قال له: قد راددتك البيع، وإنما أبايعك على هذا؛ لأن الأوّل لا يصلح، أو لم يقل ذلك وجعل ذهباً مكان الدراهم، فقال: إذا كان آخر البيع على 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

() قال السيد: وهو من رجال العامّة المائلين إلى الأئمة. (المقرِّر).

(2) يعلم من هذا أن هذا هو نفس ما أشار إليه الصادق في الرواية السابقة، ومعه لا يمكن استفادة صرف الشيء إلى غير جنسه منها. (المقرِّر).

(3) الكافي 5: 247، كتاب المعيشة، باب الصروف، الحديث 10، تهذيب الأحكام 7: 104، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 52، ووسائل الشيعة 18: 179، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 6، الحديث 2..

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الحلال، فلا بأس بذلك…” الحديث(1).

وهذا فيه الاحتمالان: أنه بلحاظ الزيادة أو في مقابل الزيادة، ولو حصلت المعاملة على الزيادة لكانت ربوية، ولكن إذا جعلوا ديناراً، فإن المعاملة تكون صحيحة. والعبرة بما وقعت عليه الصيغة، لا بالمقاولة الأولى.

[صحيحة الحلبي]

وعن الحلبي (في صحيحة)، عن أبي عبد الله، قال: “لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين. إذا دخل فيهما ديناران أو أقلّ أو أكثر فلا بأس به“(2).

وهذه لا يستفاد منها الصرف بأن يجعل الألف درهم في مقابل الدينارين، ولا وجه لذلك إلّا كون المجموع بالمجموع.

إذن فما قاله الفقهاء لا يمكن استفادته من الروايات، وهو أن التخلّص من الربا يكون بالصرف التعبّدي غير الاختياري، وأما كون هذا الصرف غير موجود جزماً، فباعتبار أن الأئمة كانوا يتحدّثون في مثل ذلك في مقابل العامّة، فلا يكون حديثهم تعبّدياً بل على الموازين العقلائية. وإذا كان الصرف غير الاختياري شرعياً، فهو غير عقلائي. فغاية ما يستفاد هو الصرف الإرادي. 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 18: 180، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 6، الحديث 3، تهذيب الأحكام 7: 105، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 55، إلَّا أنَّ فيه: “إذا كان إجراء البيع على الحلال…”.

(2) تهذيب الأحكام 7: 106، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 62، ووسائل الشيعة 18: 180، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 6، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وبه يتخلّص من الربا، أو يكون المجموع في مقابل المجموع، وكِلاهما وجه عقلائي. وعلى أيّ حال فلا يتمّ ما ذكره الفقهاء.

المطلب الثاني: [في اختصاص التخلص من الربا بالموارد المذكورة] 

أنه هل يستفاد من الروايات اختصاص التخلّص من الربا، بالموارد المذكورة في نفس هذه الروايات، ولا تشمل كلّ زيادة. فبيع الصرف لا بُدّ أن يكون مِثلاً بمِثل، ولو كانت قيمته أغلى. فحتى لو لم تكن زيادة لكان هذا الحكم ثابتاً. فهو باب الصرف لا باب الربا. فإن الدراهم الدمشقية لقلّة قيمتها كانت ضعف الدراهم الأخرى عدداً، لكن مع ذلك لا بُدّ أن يكون مِثلاً بمِثل، فلا يمكن التعدّي إلى مورد أخذ الزيادة.

أو نفهم عدم الاختصاص بموضوع خاصّ، بل ينتفي الربا أصلاً، فإنه فرار من الباطل إلى الحقّ، وهي قاعدة كلّية كبروية في جواز ذلك. فالاختصاص بخصوص مورد زيادة السعر غير تامّ.

أو صحيحة الحلبي التي يقول فيها: “إذا دخل فيهما ديناران أو أقلّ أو أكثر فلا بأس“. تدلّ على أن العقد صحيح على الإطلاق، لأغراضٍ لا دخل لها في الموضوع. فإن الزيادة تصحّ بطريق شرعي حقّ.

بقي أمران:

أحدهما: أن هذه الأدلّة هل تشمل الاثنين أو تختص بالفرد الواحد؟

ثانيهما: أنها هل تشمل الفضولي أو لا؟

هناك جهة غير مربوطة ببحثنا كلّ الربط، ولكنّها تقريباً عقدة عند 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الفضلاء، وهو أن التخلّص من الربا كيف يكون جائزاً مع وجود النهي الشديد عليه وبيان مفاسده؟

[حول أقسام الربا وأحكامه] 

نحن لا بُدّ أن نرى أقسام الربا، لنرى أن ما يأباه العقل من الربا هل هو تمام أقسامه، أو بعضها، ثُمّ نرى أن الروايات التي بيّنت طرقاً للفرار من الربا هل تشمل كلّ الأقسام أو بعضها؟

ما أطلق عليه الربا في الروايات(1) على قسمين رئيسيين:

القسم الأول: راجع إلى الذهب والفضة والمكيل والموزون، من حيث حرمة الزيادة فيها، ووجوب كونها مِثلاً بمِثل. ويلاحظ أن هناك صنفين من نوع واحد، كالعنبر الشنبة من الرز، أو الحنطة والشعير، أو الليرة الإنكليزية والعثمانية، فإنهما يختلفان بحسب القيمة السوقية كثيراً. وكالأصل والفرع الوارد في الروايات، كالدهن والحليب والكشك، فإن أقيامها تختلف اختلافاً كبيراً.

فما يكون فيه فرق بين القيمتين، إذا أردنا أن نحسب في أنفسنا نرى أن تبديل حنطة بأكثر منها من الشعير ليس فيه تلك المفاسد الاقتصادية التي تذكر للربا. بل هو أمر عقلائي، فلو قطعنا النظر عن الشرع لا يكون ذلك ربا. فإنه لم تصل إلى شخص زيادة، فإن المدار في الزيادة هي زيادة القيمة لا زيادة الوزن أو الكيل، في نظر العقلاء وأهل السوق.

القسم الثاني: فيما لا يختلف قيمته، كمَنّ من الحنطة من صبرة ومَنّين من 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في أبواب الربا من كتاب التجارة من وسائل الشيعة 18: 117، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الحنطة من صبرة أخرى. في مثل ذلك لا يتعلّق غرضي كسبي ببيع مَنّ بمَنّين، ما لم يكن هناك جهات أخرى من المصالح السوقية، كما لو باع مَنّاً واحد نقداً بمَنّين مؤجّلاً، فقد اكتسب المَنّ الواحد قيمة باعتبار المدّة المقترنة به فإن العقلاء قائلون بأن للأجل قسطاً من الثمن -مثلاً-. أو في القرض يعطي مائة ليأخذها بمائة وعشرين، فهذا فيه نحو واحد من المفاسد.

وهذه معاملة ربوية حسابية، والربا الذي فيه مفاسد هو هذا القسم بالخصوص. وأما القسم الأوّل فليس فيه أيّ مفاسد اجتماعية، وإنما هو تحميل على عقولنا وتعبّد شرعي. فإن العبرة بالزيادة هو القيمة لا الوزن، فإن الحقّة من الخسّ كثير، ولكن يعدلها بل يفوقها حبّة واحدة من الفيروز.

[بيان نكتة حرمة الربا]

الروايات الراجعة إلى نكتة حرمة الربا ورواياتنا السابقة -المجوّزة للربا بالحيلة- لنرى مقدار ما أجازته منه، فتقتصر على مواردها.

أما قوله تعالى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ(1) فإن العباس أو خالد بن الوليد أراد أن يأخذ ما أعطاه من الربا، فنهت الآية عن ذلك(2). فهنا نتكلّم في جهتين:

ــــــــــ[272]ــــــــــ

() البقرة: 278-279.

(2) أُنظر: أسباب نزول الآيات (للواحدي): 58-59، سورة البقرة، مفاتيح الغيب 7: 83، تفسير سورة البقرة، كنز العرفان في فقه القرآن 2: 38، كتاب البيع، الآية الثالثة، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الجهة الأولى: أن هذا القرض -في الجاهلية- إذا كان له طريق تخلّص يمكن المشي عليه، فلماذا لا يبينه النبي من أوّل الأوّل، فيرتفع موضوعاً قوله تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّـهِ بل يقول: كلوا الربا بهذا الطريق، ولا يبقى الأمر إلى زمان الإمام الباقر حتى يبيّنه، ولم يبيّنه على ما سنشير إليه.

الجهة الثانية: أن الآية اعتبرت أخذ الربا ظلماً (لاَ تَظْلِمُونَ -بأخذ الزيادة- وَلاَ تُظْلَمُونَ). وكونه ظلماً لا لأنه حرّمه الشارع، بل حرّمه لأنه ظلم، والظلم مما لا يمكن تحليله.

وأما الروايات فنقرأ بعضها: 

رواية محمد بن سنان: أن علي بن موسى الرضا كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: “وعلّة تحريم الربا لِما نهى الله عز وجل عنه، ولِما فيه من فساد الأموال؛ لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً. فبيع الربا وشراؤه وَكْسٌ على كلّ حال على المشتري وعلى البائع. فحرّم الله عزّ وجلّ على العباد الربا لعلةّ فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لِما يتخوّف عليه من فساده، حتى يؤنس من رشده، فلهذه العلّة حرم الله عزّ وجلّ الربا وبيع الدرهم بالدرهمين“.

وعلّة تحريم الربا بعد البيّنة؛ لِما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم، وهي كبيرة بعد البيان، وتحريم الله عزّ وجلّ لها لم يكن إلّا استخفافاً منه بالمحرّم الحرام، والاستخفاف بذلك دخول في الكفر.

وعلّة تحريم الربا بالنسبة لعلّة ذهاب المعروف، وتلف الأموال، ورغبة 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الناس في الربح، وتركهم القرض والقرض صنائع المعروف، ولِما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال “(1).

إن الإمامقسّم الربا إلى قسمين(2): ربا معاملي: الدرهم بالدرهمين. وربا بالنسبة وهو درهم واحد نقداً بدرهمين مؤجلين. 

“وعلى البائع“(3): مع هذا لا يمكن أن نفهمه في الدرهمين اللذين يساوي أحدهما الاثنين من الصنف الآخر. فالنهي تعبّدي لو أراد كلّ الأقسام. وإذا أردنا أن نفهمه، فلا بُدّ أن نحمله على الدراهم المتساوية بالقيمة نسبياً.

“وعلّة تحريم الربا بعد البيّنة“: وهذا خارج عن محلّ كلامنا.

وهو القبض(4). وأضيفوا(5) كسل الناس عن التجارة، فيصبح الفرد جالساً في داره لا يعمل، وأمواله تعمل بدله. وهذه رواية ضعيفة.

وصحيحة هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عن علّة تحريم الربا، 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

() مَن لا يحضره الفقيه 3: 566، باب معرفة الكبائر…، الحديث 4934، ووسائل الشيعة 18: 121، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 11.

(2) وقرأ السيد هذه الرواية وكان يعلّق على فقراتها: فقال فيما قال: إن الإمام… (المقرِّر).

(3) ثُمّ استمرّ بقراءة الرواية إلى قوله: “وعلى البائع“… (المقرِّر).

(4) ثُمّ قرأ: “علّة تحريم الربا بالنسبة لعلّة ذهاب المعروف”، قال: وهو القبض… (المقرِّر).

(5) ثُمّ شرح السيد ما تذكره الرواية من المفاسد للربا، كما هو واضح من عبارتها. وقال: وأضيفوا… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فقال: “إنه لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال، والى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض“(1).

الآن نرى أن هذه العلّة بعينها موجودة في مورد القسم الثاني، فإنه لا يفرق في الظلم بين أن يسمّى بيعاً أو رباً. فهو يحسب حساب الربا ولكنّه عند المعاملة يضمّ إليه شيئاً (منديلاً أو نحوه) لتصحّ المعاملة، أو يقول أن بيع العملة الورقية متفاضلاً جائز؛ لأنه من بيع المعدود، فيتحصّل نفس الأمر 

الذي يحصل من الربا، ولم يتغيّر إلّا الألفاظ. ويترتّب عليه نفس المفاسد، كعدم الرغبة في التجارة، وأكل حقوق الناس.

وبناءً عليه إذا وردت رواية أو روايات، تريد أن تجيز الظلم بهذه الطرق والحيل، تكون نظير الروايات في بيع العنب ليجعل خمراً، فإنها غير قابلة للتصديق والعمل، فلو كان المراد من رواياتنا ذلك، لا تكون قابلة للتصديق والعمل أيضاً.

وبعبارة أخرى: إن رواياتنا إذا كانت واردة في القسم الأوّل، قسم التعبّد، وأجازته بالحيلة، فلا بأس. ولا يكون ظلماً ولا مخالفاً لحكم العقل والعقلاء، وإنما الإشكال أن يعمل الشارع طريق الحيلة للقسم الثاني من الربا.

فإذا استعرضنا الروايات في هذا الباب، ووجدناها مختصّة بالقسم الأوّل، 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 567، باب معرفة الكبائر…، الحديث 4937، ووسائل الشيعة 18: 121، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 11.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يتمّ المطلب، فإنه ليس ربا في نظر السوق والعقلاء، وتعميم الحكم بالجواز من القسم الأوّل إلى القسم الثاني غلط وغير صحيح. وعليه فتنحلّ العقدة التي عندنا وعند الآغايون في تجويز الربا بالحيلة(1).

[المعاملات الداخلة في محل كلامنا ثلاثة أقسام]

أحدها: الربا القرضي.

الثاني: الربا المعاملي. الذي هو في حقيقته راجع إلى الأوّل، من قبيل بيع مَنّ حنطة نقداً بمَنيّن مؤجّلين.

الثالث: الربا التعبّدي، وهو مسألة المِثل بالمِثل، فإن وجوب التساوي وزناً أو كَيلاً أمر تعبّدي من قبيل وجوب التقابض في المجلس.

وباب مِثلٍ بمِثل باب، وباب الربا باب آخر، والزيادة في المِثل بالمِثل لا ينبغي أن نسمّيها ربا، وتسميتها بذلك لا يجعلها منه، فإن الزيادة فيها هي الزيادة في الثقل والحجم، على حين أن الزيادة في الربا هي زيادة القيمة.

فإذا وردت حيلة في باب الربا -ولم ترد- فإنه لا يمكن العمل بها؛ لأن الربا ظلم عقلاً وقرآناً، والحيلة لا تغيّر الظلم والفساد، ولو كان باب التقييد فهو أيضاً لا يمكن، بأن يقال: بأن الظلم غير جائز إلّا في هذا، على أنه ليس من التقييد بل معارض للقرآن الكريم.

فباب المِثل بالمِثل غير باب الربا، قد يكون ربا وقد لا يكون، كما في درهمين 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

() قسم السيد أوّلاً المعاملات الداخلة في محلّ الكلام إلى ثلاثة أقسام. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

رخيصين بدرهم ثمين، فاشتراء الشيء بقيمته ليس ربا، والربا إنما هو القرض وما كان من قبيله، لغة وعرفاً. وليس كونه ظلماً مقتصراً على لفظ المعاملة، وإنما تترتّب سائر المفاسد بغضّ النظر عن ذلك.

[استنكار تحليل الربا بالحيلة والخديعة]

وأما الروايات(1) الواردة للحيلة فهل هي واردة للتخلّص من الربا كما سمّاه صاحب (الوسائل) في عنوان الباب، أو أنها – في الواقع- تخلّص من مسألة المِثل بالمِثل؟ ولا يجوز أن يكون غير ذلك، وفتاوى الفقهاء مطابقة لذلك، ولم يقولوا شيئاً زائداً، ما عدا المتأخّرين حين لم يفهموا جهات المسألة.

الباب الأخير من أبواب الربا، رواية الحسن بن صدقة (ضعيفة)، عن أبي الحسن الرضا، قال: “قلت له: جعلت فداك إني أدخل المعادن وأبيع الجوهر بترابه بالدنانير والدراهم، قال: لا بأس به. قلت: وأنا أصرف الدراهم بالدراهم وأصيّر الغلّة وضحاً، وأصيّر الوضح غلّة، قال: إذا كان فيها ذهب فلا بأس. قال: فحكيت ذلك لعمّار بن موسى الساباطي فقال لي كذا قال لي أبوه. ثُمّ قال لي: الدنانير أين تكون؟ قلت: لا أدري. قال عمّار: قال لي أبو عبد الله: يكون مع الذي ينقص“(2).

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في الباب 20 من أبواب الربا من كتاب التجارة من وسائل الشيعة 18: 162، وغيره.

(2) تهذيب الأحكام 7: 117، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 115، ووسائل الشيعة 18: 162، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 20، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إنه يسأل(1) عن تعويض الدينار الجيد بالدينار الرديء بدون زيادة. فهل هذا ربا -سوقياً-؟ أو أنه في الحقيقة تخلّص من مسألة وجوب التماثل لا من الربا. فإنه يكون من بيع المجموع بالمجموع، فيكون جائزاً كما سبق؟

“فإذا عجّلوا(2) فربما لم يقدروا على الدمشقية والبصرية، فبعثنا بالغلّة فصرفوا ألفاً وخمسين منها بألف من الدمشقية والبصرية، فقال: لا خير في هذا“(3) يعني يلزم من هذا أن لا يكون مِثلاً بمِثل. لا أنه يلزم منه الربا. فإنه يكون مطابقاً للقيمة السوقية، ومن يشتري بالقيمة السوقية لا يكون مرابياً ولا ظالماً.

“فقلت له: اشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم. فقال: لا بأس بذلك“(4). هذا مثال لِما ذكره الإمام له، لا أنه يريد أن يقول: إني أريد أن أتخلّص من الربا.

والرواية(5) واردة على هذه المسألة، وليس لها إطلاق للتخلّص من الربا، بل هي عارية أصلاً من التعرّض إلى الربا (فيقولون: إنما هو الفرار)(6) من المِثل 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

() وقد فسّر السيد الغلّة بالدرهم الرديء المغشوش، والوضح بالدرهم الجديد، وقال: إنه يسأل… (المقرِّر).

(2) ثُمّ قرأ السيد رواية عبد الرحمن بن الحجاج التي سبقت روايتها وشرح قسماً منها، فمن ذلك أنه قال: فإذا عجّلوا… (المقرِّر).

(3) تقدّم تخريجه آنفاً.

(4) تقدّم تخريجه آنفاً.

(5) هذا قاله جواباً على سؤال. (المقرِّر).

(6) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بالمِثل لا من الربا؛ لأن وجوب التماثل من واضحات الشريعة ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاق التعليل بقوله: “نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال“.

ورواية محمد بن المنكدر(1) أيضاً تبيّن نفس المطلب، ولا ربط لها بالربا.

وكذلك رواية عبد الرحمن بن الحجاج الثانية(2) (وقد سبقت أيضاً)، فإنه يعوّض المائة بمائة وعشرين، باعتبار اختلاف القيمة، لا أنه غير عاقل يبدّل بهذا النحو بالرغم من تماثل القيمة.

 (أو لم يقل ذلك) (3)(4): هذا في مورد اختلاف القيمة، وهو مطّلع على أنه يجب أن يكون مِثلاً بمِثل. فيعمل ذلك تخلّصاً من المفاضلة لا من الربا، ولا ربط لها بالربا.

رواية إسماعيل بن جابر(5)(6)، ورواية أبي بصير(7)، ورواية الحلبي(8)، وذكر أنها غير مربوطة بالربا من غير تفصيل.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

() وقد سبقت أيضاً. (المقرِّر).

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) ثُمّ قرأ عبارة الرواية إلى قوله. (المقرِّر).

(4) تقدّم تخريجها آنفاً.

(5) ثُمّ قرأ السيد بعض روايات هذا الباب. (المقرِّر).

(6) تهذيب الأحكام 7: 106، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 61، ووسائل الشيعة 18: 180، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 6، الحديث 6.

(7) تهذيب الأحكام 7: 98، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 28، ووسائل الشيعة 18: 181، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 6، الحديث 7.

(8) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن فأيّ دليل على التخلّص من الربا؟ وكيف يمكن التخلّص منه مع هذا التشديد الشديد على حرمته؟ بل يجب أن لا نسمّيه تخلّصاً من الربا، ولا يكون الربا جائزاً بالتخلّص بأيّ وجه(1).

وقال: ورواية نهج البلاغة حملها الآغايون على كراهة التخلّص. فهل هذا دليل على ذاك الطرف ليكون مكروهاً؟ فإن التخلّص إنما هو من المِثل بالمِثل لا من الربا. والنبي يأمر بقتل المرابي، ثُمّ لا يأمر بطريق التخلّص من الربا، مع أنه نبيّ الرحمة، ليتخلّص من إراقة الدماء. ويقول: أيها الناس كلوا الربا بهذا الطريق. فيعلم أن قضية الربا لا طريق للتخلّص منه وإن جرّ إلى المقاتلة.

وكيف يمكن أن يكون التخلص جائزاً مع أنه تترتّب عليه سائر المفاسد التي تترتّب على الربا نفسه؟

وإجماع الفقهاء حاصل، لكن على أنه يجوز بيع الدرهم بالدرهمين، إذا كان معه من غير جنسه، وأما جواز التخلّص من الربا القرضي، فهذا ما لا يتحصّل من كلام الفقهاء ولا الشرع.

إذن فالتخلّص من الربا غير جائز، والتخلّص من مسألة المِثل بالمِثل جائز شرعاً وعقلائياً.

هناك روايات صحيحة في جواز الربا القرضي، إلّا أننا يجب أن نتثبت من إسنادها، ومن أن اشتمالها على بعض المطالب هل هو موهن لها أو لا؟ وكونها 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

() ثُمّ روى السيد رواية عن نهج البلاغة عن النبي، تدلّ على عدم جواز الربا القرضي بالحيلة. ولم نجدها. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

مخالفة للكتاب والسنة أو لا؟ وهل يمكن إثبات فتوى بهذه الأهمّية بمثل هذه الروايات؟

يرويها صاحب (الوسائل)(1) في الباب التاسع من أبواب أحكام العقود، ثلاث روايات من الباب عن محمد بن إسحاق بن عمار الصيرفي، وقد وثّقه النجاشي(2) والمفيد(3)، وقال العلّامة(4): حيث إن الصدوق يقول(5): إنه واقفي فأنا أتوقّف في رواياته. وابن داود(6) ذكره في البابين ولم يوثّقه، فليس هو من الطبقة الرئيسية من الثقات، فإذا ورد شيء مستنكر عقلاً وشرعاً، وفي إثباته مؤونة زائدة عن سائر الأحكام، فإنه لا يمكن التمسّك به.

رواية منها في سندها علي بن حديد وهو ضعيف، ورواية فيها محمد بن (أبي) عبد الله وقد راجعت فكان أكثر من بهذا العنوان ضعاف، وسند الصدوق(7) إلى محمد بن إسحاق مجهول، فأني راجعت مشيخة الصدوق 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

() اُنظر: وسائل الشيعة 18: 55، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 9، الحديث 4.

(2) اُنظر: رجال النجاشي: 361/968.

(3) اُنظر: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 2: 248، فصل في النصّ على إمامة الرضا.

(4) رجال العلّامة الحلّي: 158/123.

(5) حكاه عنه في وسائل الشيعة 30: 461، محمّد بن إسحاق بن عمّار التغلبي.

(6) كتاب الرجال (لابن داود): 165/1310.

(7) اُنظر: مَن لا يحضره الفقيه 3: 287، باب المبادلة والعينة، الحديث 4033.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

في(الوسائل)(1) و(الفقيه) -الجديدة- و(رجال المامقاني)(2)، وليس فيه محمد بن إسحاق بن عمار، ونفس الرواية موجود في (الفقيه)، لكنّ سندها غير موجود في المشيخة، ومن هنا تسقط الرواية عن الاعتبار.

رواية أخرى(3): صحيحة عن محمد بن إسحاق(4)، لولاه لا يكون فيها إشكال، رواية أخرى عن مسعدة بن صدقة(5)، وهو لم يوثّق وإن قيل(6): إن رواياته محلّ الاعتماد. 

روايات أخرى: عن علي بن الحكم(7) وهو ليس خالياً عن الإشكال. وعبد الملك بن عتبة هو الهاشمي وهو لم يوثّق. 

رواية أخرى: مرسلة وفيها محمد بن سليمان الديلمي(8) وهو ضعيف جداً. إذن ففيها رواية واحدة صحيحة بقطع النظر عن محمد بن إسحاق وحاله ما قلناه. هذا حال إسنادها، فلو أردنا إثبات هذا المطلب، فلا يكون إلّا بهذه الرواية.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

() اُنظر: وسائل الشيعة 30: 461، محمّد بن إسحاق بن عمّار التغلبي.

(2) اُنظر: تنقيح المقال 2: 78.

(3) راجع الروايات وإسنادها في بابها. (المقرِّر).

(4) اُنظر: وسائل الشيعة 18: 55، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 9، الحديث 4.

(5) اُنظر: المصدر المتقدّم 18: 54، الحديث 3.

(6) لم نقف على القائل في كتب الرجال وغيرها.

(7) اُنظر: وسائل الشيعة 18: 55، الحديث 5.

(8) اُنظر: المصدر المتقّدم 18: 56، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما دلالتها فجيدة. فمنها ما عن محمد بن إسحاق، قال: “قلت لأبي الحسن: إن سلسبيل طلبت منّي مائة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف. فأقرضها تسعين ألفاً وأبيعها ثوباً وشيئاً تقوّم عليّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم. قال: لا بأس“(1).

والراوي قد اشتبه في الحساب، فذكر في ذيل كلامه غير ما ذكر أنها طلبته منه، وهذا اضطراب في المتن وليس مهمّاً جداً. ودلالتها على جواز الحيلّة واضحة(2).

ومنها: ما عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله قال: “سُئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عيّنها إيّاه، فلما حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فأراد أن يقلب عليه ويربح، أيبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوى مائة درهم بألف درهم ويؤخّره؟ قال: لا بأس بذلك. قد فعل ذلك أبي وأمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه“(3).

ــــــــــ[283]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 205، كتاب المعيشة، باب العينة، الحديث 9، ووسائل الشيعة 18: 54، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 9، الحديث 1. 

(2) أقول: ليس فيها اضطراب ولا اشتباه، فإنها طلبت منه أن يقرضها مئة ألف درهم، وقد أعطاها على الفرض تسعين ألف درهم منها وألف درهم قيمة الثوب فأصبح ما وصل إليها واحداً وتسعين ألفاً، وهو يقلّ عما طلبته بتسعة آلاف، هذا الفرق لا يكون فارقاً عند التعامل بالأموال الكبيرة. فتأمّل. (المقرِّر).

(3) الكافي 5: 316، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 49، ووسائل الشيعة 18: 54، كتاب التجارة، أبواب العقود، الباب 9، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أقول: لا تعرّض في هذه الرواية إلى ما هو محلّ الكلام من الربا ذي المفاسد الشنيعة والنهي الشديد، وإنما المراد منها: إن رجلاً اقترض من آخر قرضاً صحيحاً شرعياً، وحين حلّ عليه الأجل لم يكن عنده ما يعطيه، فكان التأجيل ضرورياً له، وللأجل قسّط من الثمن عقلائياً والتأجيل والصبر على المال المجمّد عند المدين عمل عقلائي يقوم به الدائن في مصلحة المدين، فمن المنطقي -سوقياً وعقلائياً- أن يتقاضى عليه الأجرة. إلّا أنه حيث كان غير جائز شرعاً فأرادا تطبيق الأمر على القواعد الشرعية، فجعلا التأجيل شرطاً في ضمن عقد لازم وهو البيع. وكان الربح المحاباتي للثوب ومقداره تسعمائة درهم بمنزلة الربح على التأجيل. وهو لم يقع في المعاملة إلّا جزءًا من قيمة الثوب في عقد البيع. وبيع الشيء بأكثر من ثمنه جائز، بل لازم مع علم المشتري.

فإذا كان هذا صحيح سوقياً وشرعاً، فلا يكون ظلماً أساساً؛ ليكون معارضاً مع الآية، أو داخلاً في أدلّة النهي عن الربا، وليكن هذا على ذكر منك في الروايات الآتية، فإن سائر روايات هذا الباب لا تتكفّل إلّا بيان مسألة تأجيل القرض مدّة أطول. وليس لها أيّ نظر إلى تحليل الربا القرضي أو البيعي ولو بالحيلة. ما عدا الرواية الأولى في الباب -وقد سبقت- والأخيرة في الباب، وهما ضعيفتان لا تقوم بهما حجّة. ومن المعلوم أن تعميم الحيلة من مورد الروايات إلى مورد آخر غير جائز، ولا إطلاق في الروايات له أصلاً.

ومنها: ما عن إسحاق بن عمار، قال: “قلت للرضا: الرجل يكون 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

له(1) المال، فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف، ويؤخّر عنه المال إلى وقت، قال: لا بأس“(2).

إذن فعدد من الأئمة -بحسب مدلول روايات هذا الباب- كانوا يعملون ذلك. فهل تصدّقون أن هذا العمل المستنكر كان يقوم به الأئمة ولو كان جائزاً.

فمثلاً: وطء الدبر، وإن كان جائزاً إلا أنه حين سأل الإمام أنكم تعملون ذلك، قال: “لا“(3)، هل كان الأئمة بهذا المقدار من الطمع في المال بحيث يعملون ذلك ويأمرون به؟ فهذه تكون جهة وهن في الروايات(4).

ــــــــــ[285]ــــــــــ

() يعني على الغير. (منه).

(2) تهذيب الأحكام 7: 53، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 28، ووسائل الشيعة 18: 55، كتاب التجارة، أبواب العقود، الباب 9، الحديث 6.

(3) الكافي 5: 540، كتاب النكاح، باب محاشّ النساء، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 415، كتاب النكاح، الباب 36، الحديث 35، ووسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الباب 73، الحديث 1.

(4) أقول: إنما ينصّ الإمام في الرواية على أنه فعله وأمره به أبوه، تأكيداً على حلّيته وجوازه كما هو واضح، وليس ذلك إلّا التأجيل الزائد في دين من الديون يشترط في عقد بيع محاباتي، كما قلنا، وليست حيلة للربا الظالم، وقد يكون المديون هو الإمام فلا يستلزم عمله لذلك كونه طمّاعاً، بل يصدق أنه عمله بمجرّد أن يكون طرفاً في معاملة البيع المشار إليها.

وأما الرواية الأولى والأخيرة الدالّة على جواز الحيلة في الربا -كما أشرنا- فليس فيها -على ضعفها- أيّ إشارة بأن الإمام قام بهذا العمل أو أمر به ولده. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نظير روايات(1)  تحليل الخمس، بالإطلاق(2) الذي توهمّوه، من أن الخمس قد صار حلالاً، فقد حلّلنا الخمس على الأغنياء، وليذهب السادات إلى الاستجداء، بحيث بعد نزول الآية -آية الخمس- بأشهر أو سنوات قليلة يرتفع حكم الخمس أساساً، بل إن الخمس لو لم يكن مشروعاً لَما كفت الزكاة لتغطية نفقات الدولة والإدارة الإسلامية.

فيقال: إن هذا مرتفع من أوّل نزوله! هذا مستنكر ومخالف للكتاب، فإن ما أراد الله إجراءه إلى يوم القيامة كيف يُرفع في سنوات قليلة؟

ومنها: روايات بيع العنب ليجعل خمراً(3)، حيث ورد جواز بيعه على الخمّار، أيّ إعانة على الفحشاء أكثر من ذلك؟! فهذه روايات غير قابلة للعمل ومخالفة للعقل، والإمام مع ما هو عليه من التنزّه، بحيث لا يقوم حتى بالمكروهات كيف يبيع العنب على الخمّار، ويعين على الفحشاء؟! هذا لا يمكن أن أصدّقه، فما فيه لوث واستنكار عرفاً لا يعمله الإمام وإن كان جائزاً شرعاً، كمدّ الرِجل في المجالس مثلاً. فهذه الروايات مهما كانت كثيرة وصحيحة هي مطرحة.

لو وردت رواية تقول: إنما حرّمت الخمر لإسكارها وفسادها، فيقال: هذه 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

() قال السيد: نظير روايات… (المقرِّر).

(2) راجع الروايات الواردة في باب إباحة حصّة الإمام من الخمس للشيعة مع تعذّر إيصالها إليه وعدم احتياج السادات من أبواب الأنفال من كتاب الخمس من وسائل الشيعة 9: 543، وغيره.

(3) راجع الروايات الواردة في باب جواز بيع العصير والعنب والتمر ممّن يعمل خمراً من أبواب ما يُكتسب به من كتاب التجارة من وسائل الشيعة 17: 229، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

حكمة، وإنما المحرّم شربها، فنضعها في (كابسولة) ونبتعلها، وهو لا يصدق عليه الشرب، ولو كان له نفس النتيجة، أو وردت روايات تنهى عن بيع المصحف على الكفّار، لأجل أن لا يقع القرآن تحت يد الكافر، فيقال: هذا حكم البيع، فلا بأس بالهبة إليه.

 هذا يفهمه العقلاء منافياً، كما يفهمون التنافي بين دليل حرمة الخمر ودليل الجواز مع العلاج -مثلاً-.

في المقام كذلك، فإن الربا ظلم عقلاً وقرآناً، وقد ورد إلينا على فساد الربا ومصالح تحريمه روايات كثيرة. فنحن مرّة نفرّ من المفسدة إلى المصلحة، بحيث لا تترتّب تلك المفاسد، فلا إشكال، ولكن إن كان مجرّد خروج من مفهوم إلى مفهوم، وفيه عين المفاسد موجود، فإنه يكون فراراً من الباطل إلى الباطل لا من الباطل إلى الحق.

هناك -يعني من مسألة المِثل بالمِثل- كان صحيحاً؛ لأنه باطل تعبّدياً، فيصحّ بالحيلة، وأما هنا فكان فيه مفاسد كثيرة، مثال شرب الخمر وبيع المصحف، فالعقلاء يرون معارضة بينها وبين القرآن، فضلاً عن الروايات(1).

ــــــــــ[287]ــــــــــ

() أقول: قد عرفنا أن هذه الروايات لا تعرّض لها لتجويز الربا بالحيلة أصلاً، وإنما تعرّضت لأمر واحد هو جواز اشتراط تأجيل الدين في بيع لازم محاباتي، ومعه لا تكون مثبتة لما تنفيه الآية.

وينتج جواز ما نصّت عليه هذه الروايات وحرمة الربا حتى بالحيلة*، وجواز ما نصّت عليه تلك الروايات وهو جواز المِثل بالمِثل مع الحيلة. انتهى.

* بما فيه القرضي والبيعي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولو التفت الفقهاء(1) إلى ذلك لما أفتوا بذلك، والروايات المعارضة هنا، ورواية نهج البلاغة.

إذن فلو لم تثبت الحرمة لا يمكن الفتوى بالجواز والمسألة في غاية الإشكال، والفقهاء لعلّهم خلطوا بين البابين وتمسّكوا برواية عبد الرحمن بن الحجاج لتصحيح الربا فالمسألة مسألة اجتهادية، والشهرة في المسألة الاجتهادية لا اعتبار بها، وإنما الشهرة المعتبرة، التي لا تقصر حجّيتها عن الإجماع، هي التي لا يكون هناك دليل على خلافها(2).

[المطلب الثالث والرابع: فيما إذا كان المالك متعدداً وفي شمولها للفضولي]

كان الكلام فيما إذا ضمّ إلى ماله مال الغير وباعه، وانتهى الكلام إلى ما إذا كانت الضميمة بنحو بحيث إذا لم يجز صاحبها تحدث مفسدة، كحصول الربا أو بيع الآبق، حيث قالوا إنه يشترط أن لا يكون كذلك، وقد سبق أن قلنا بصحّته على مقتضى القواعد سواء قلنا بصحّة الفضولي أم لا، وسواء أجاز أو لم يجز.

انتهى مطلبنا إلى أن هذه الروايات التي وردت للتخلّص من الربا هل هي منحصرة فيما إذا كان المالك واحداً، أو أنها أعمّ من ذلك، وهل تشمل باب الفضولي أم لا؟ 

وهذا لا فرق فيه بحسب القواعد، فإننا نقول بالصحّة على كلّ حال، 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

() قال السيد: ولو التفت الفقهاء… (المقرِّر).

(2) عطلة شهر رمضان. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولكن إن قيل بالبطلان على القواعد، فهل يستفاد صحّتها من هذه الروايات بالضميمة بإجازة المالك، أو من دون إجازته؟

أبواب الصرف باب 6 رواية عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله قال: (سألته عن الصرف، فقلت له: الرفقة ربما عجّلت فخرجت فلم تقدر على الدمشقية والبصرية، وإنما يجوز نيسابور الدمشقية والبصرية)(1). وقد سبق أن قلنا: إن حاصل المسألة، هي أن جماعة كانوا في العراق أو في المدينة وأرادوا الذهاب إلى عملهم، وكان الدرهم في نيسابور يختلف عن الدرهم الذي في يدهم سعراً، بحيث لو أرادوا أن يبدّلوا به فلا بُدّ لهم من دفع الزيادة.

(فبعثنا بالغلّة) يعني الدرهم النازل أو المغشوش، وهم كانوا قافلة بحاجةٍ إلى تبديل دراهمهم، فبعثوا بالغلّة، وبعث الغلّة يكون على نحوين: إما أن يكون دراهم كلّ واحد في كيس مستقلّ، وإما أن تلقى الدراهم على بعضها البعض وتقع المعاملة عليها، وطبع القضية يقتضي هذا الثاني، ولا أقلّ من أن كِليهما احتمال صحيح. 

فلو كان يشترط في الضميمة أن تكون من واحد، لكان على الإمام التفصيل، بأن يذكر العلاج بالشكل الذي يقع صحيحاً، فقوله: “أفلا يجعلون فيه ذهباً؟“، وكانت المسألة تقتضي التفصيل فلا بُدّ أن يقول: إن كلّ شخص يضمّ إلى مال نفسه شيئاً، مع أنه لم يقل ذلك.

إذن فلا يفرق بين ما إذا كانت الضميمة من شخص واحد أو من 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

متعدّدين، بل ندّعي أنه يمكن أن تكون الضميمة من الوكيل لا من أحدهم.

رواية الحلبي (الرابعة) قال: “لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين، إذا دخل فيهما ديناران أو أقلّ أو أكثر فلا بأس به“(1).

يعني لا بأس بالمقابلة عند وقوع المعاملة والمبادلة، يعني أن الحكم وارد على السبب، وما هو الفعل الاختياري الذي يقع موضوعاً لاعتبار العقلاء، فكما أن الأصيل يحقّق موضوع اعتبار العقلاء كذلك الفضولي، وهما على حدّ سواء من هذه الناحية، وليس حكم العقلاء أو القانون الشرعي أو العقلائي تحت اختياري، بل له مبادئه الخاصّة.

فحين ينفي البأس يعني أن المبادلة تخرج عن مسألة المِثل بالمِثل، وحين تتحقّق الماهيّة تكون صحيحة من هذه الناحية؛ لأن المبادلة وقعت على المجموع بالمجموع، سواء كان من ضمّ مالين لشخص واحد أو لشخصين أصيلين، أو لشخص آخر لم يجز، وتشمله هذه الرواية، والمعاملة بمعنى المنشأ لا بمعنى الأثر.

فيستفاد الصحّة من هذه الصور ومن هذه الروايات كما هو مطابق للقاعدة. ونتكلّم في الإباق.

[مسألة2: بيع العبد الآبق مع الضميمة]

إذا باع العبد الآبق الذي هو ملكه، وضمّ إليه ضميمة من الغير، وباعه، فإن أجاز كان صحيحاً؛ لأنه بيع العبد الآبق مع الضميمة وإن لم يجز كان باطلاً؛ لأنه بيع العبد الآبق بلا ضميمة.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والكلام في أصل المسألة وما هو مقتضى القواعد في بيع العبد الآبق، عهدته على محلّه، ولكن بمقدار ما هو مربوط بمحلّ الكلام، مرّة نبحث بغضّ النظر عن النصّ الوارد، بعد تسليم عدم الجواز، وأخرى نبحث مع دلالة النصّ.

أما بغضّ النظر عن النصّ، افرضوا أن الإجماع قام على عدم جواز بيع العبد الآبق إلّا مع الضميمة، فلو باع مع ضميمة مال من غيره ولم يجز، فهل بعدم الإجازة يصبح بيعاً بلا ضميمة؟ 

أو أن الإجازة لا دخل لها، لِما قلناه في المسألة السابقة، من أن البيع عبارة عن المبادلة الإيقاعية الإنشائية، وهي مشتركة بين بيع الأصيل والفضولي، وهو بيع لا لترتّب الأثر عليه بل لوجود المبادلة. فلا بُدّ من أن تلاحظ ما وقع عليه البيع والمبادلة، لا أن نلاحظ ما يحدث بعد ذلك وهو الأثر. فإذا أنشأنا البيع مع الضميمة مع مال الغير فإنه بيع للعبد مع الضميمة، سواء أجاز أو لم يجز، فإنه أصبح بيعاً مع الضميمة قبل الإجازة، لا أنه مع الإجازة يكون بيعاً للعبد الآبق مع الضميمة، وبدونها يكون بلا ضميمة، ولا يعقل أن تكون الإجازة وعدمها مغيّرة للعقد الواقع قبلها.

وحينئذٍ، فإن كان بيع العبد الآبق باطلاً لكونه غرراً بمعنى الخطر كبيع العباءة الضائعة، فهذا لا يتمّ؛ لأن لبيع العبد الآبق مصالح عقلائية، كتحريره في الكفارة، أو غيرها، وليس الضرر بمعنى الجهالة لعدم(1) وجودها على 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() هذا إضافة على كلام السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الفرض وإن كان غرراً، فهل يرتفع بضمّ الضميمة؟ كلا. وإنما هو أمر تعبّدي، فلا بُدّ أن نلاحظ حدود التعبّد من الروايات لنرى أنه إذا كان الغرر المعتبر عدمه، ما كان حال المعاملة فالمعاملة صحيحة، وإن قيل إن الغرر لا بُدّ أن لا يكون موجوداً حال ترتّب الأثر، فإنها لا تكون صحيحة.

وفي نظري أن المسألة تعبّدية، فقد قام الإجماع(1) من أصحابنا على ذلك، فنرى ما هو مقدار مدلول النصّين الواردين في المقام.

[دلالة الأخبار في المقام]

باب 11 من أبواب عقد البيع، الرواية الأولى: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن رفاعة النخّاس، قال: “سألت أبا الحسن موسى قلت له: أيصلح لي أن اشتري من القوم الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها، إلّا أن تشتري منهم معها ثوباً أو متاعاً، فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً، فإن هذا جائز“(2).

قوله: (وأطلبها)، هل هو مختصّ بما إذا كان لا يعلم بمحلّها، فلعلّه يجدها 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) أُنظر: مفتاح الكرامة 4: 269، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، الفرع الأوّل، جواهر الكلام 22: 397، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثالث، وغيرهما.

(2) الكافي 5: 194، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة…، الحديث 9، تهذيب الأحكام 7: 124، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 12، ووسائل الشيعة 17: 353، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب11، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولعلّه لا يجدها؟ أو هل يشمل صورة ما إذا كان يعلم بوجودها، فإنه لا غرر من ذلك؟ إذ لا إشكال فيما إذا كان له قدرة على التسلم وإن لم يكن للبائع قدرة على التسليم.

وقوله: “ثوباً أو متاعاً“، يشمل ما إذا كان المتاع لهم أو كان وكيلاً في بيعه، فإنه إذا باع الوكيل يصدق أن المشتري اشترى منه مال غيره، وكذلك الفضولي، فإنك لو قلت: (اشتريت مال زيد من عمرو) فقد قلتُ حقيقة ولم أقل مجازاً، وقد قال: “جاريتكم فلانة وهذا المتاع” ولم يقل: (ومتاعكم)، وإذا كانت المسألة تعبّدية فإنه لا يستفاد منه الجهة التي شرّعت لأجلها الضميمة، وإن كان في الرواية الأخرى ما يدلّ عليها، ومقام الاشتراء ليس مقام نفوذ المعاملة وتأثيرها، بل مقام إيجادها وإنشاؤها -إلّا أن يقال: إنها منصرفة إلى مال نفسه- وليس إلى ذلك من سبيل.

 وبإسناده، (يعني الشيخ)، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله، في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله، قال: لا يصلح إلّا أن يشتري معه شيئاً آخر، فيقول: اشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا، فإن لم يقدر على العبد الذي نقده فيما اشترى منه(1)“(2).

ــــــــــ[292]ــــــــــ

() لعلّ التقدير: (كان العوض فيما اشترى منه)، يعني: الضميمة، أو: (كان الذي نقده فيما اشترى منه) وهو الضميمة. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 124، كتاب التجارة، باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة وما يجوز من ذلك وما لا يجوز، الحديث 11، ووسائل الشيعة 17: 353، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 11، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وهي موثّقة إن كان الحسن في سندها هو الحسن بن محبوب، ولكنّه لا يُعلم ذلك، ولكنّها موثقة بأسناد أخرى عن الصدوق(1) وغيره(2)(3).

إلّا أن قوله: “فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه” ظاهره أنه إن لم يستطع الحصول على العبد فإن الثمن يقع في مقابل المتاع، إلّا أن هذا الظهور لا يمكن الأخذ به، فإنه ليس مورداً للعمل(4)، فلا بُدَّ أن يكون النظر إلى هذا المعنى، وهو أن جيبك لا يبقى فارغاً، فإنه مع عدم الضميمة يبقى خالياً ويذهب المال هدراً، بخلافه مع الضميمة.

فإن كان هذا تعليلاً حصل هناك فرق بين الإجازة وعدمها؛ لأنه إن أجاز فقد دخل في جيبه شيء، وإن لم يجز لم يدخل في جيبه شيء، إلّا أن إثبات ذلك مما لا يمكن، فإنه بعد عدم إمكان الأخذ بظهورها، فهل نضيف من (جَيْبُنا) شيئاً ونقول: أن المراد هو ذلك؟ هذا لا يمكن.

ومعه لا يمكن رفع اليد عن النصّ السابق وإطلاقه لِما إذا كان ماله أو مال غيره أجاز أو لم يجز، وتكون المعاملة صحيحة على القواعد.

ومسألة التقسيط ليست مسألة فقهية، وأحسن ما ذكر في ذلك هو ما قاله ــــــــــ[294]ــــــــــ

() راجع مَن لا يحضره الفقيه 3: 225، باب البيوع، الحديث 3833.

(2) راجع الكافي 5: 209، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 3.

(3) وهنا قرأها السيد إلى قوله: “…بكذا وكذا “. وقال: هذا مثل سابقه، وهو مطلق بما إذا كان هذا الشيء ملكه أو ملك غيره أجاز أو لم يجز. (المقرِّر).

(4) لم يبيّن السيد النكتة التفصيلية لذلك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

السيد(1)، وما في (الوسيلة)(2) مأخوذ منه.

ــــــــــ[295]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 328، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع الفضولي مال نفسه مع مال غيره.

(2) راجع وسيلة النجاة (مع حواشي الگلبايگاني) 2: 149، كتاب الشركة، القول في القسمة، المسألة 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  









[مسألة] بيع نصف الدار

 

  • [حول حقيقة الكسر المشاع]
  • [بسط المقال في صور المسألة]

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  







[مسألة] بيع نصف الدار

 

إذا كان مالكاً لنصف الدار أو السلعة فباع نصفها، فهنا صور تعرّضوا إلى بعضها، أما فيما إذا كان المراد ومحلّ الانطباق معلوماً فلا كلام، وإنما الكلام فيما إذا كان بعض جهاتها مجهولة.

الصورة الأولى: أنه قال: (بعت نصف هذه الدار) وكان المقصود جداً هو هذا العنوان، فلا نعلم أنه ينطبق على النصف الذي هو ملكه، أو على نصف رفيقه، أو على النصف المشاع بينهما.

تارةً هذا الشخص يعلم بالواقعة، وأن نصف الدار له ونصفها لغيره، وأخرى جاهل بالواقعة، فتارةً يعتقد أن تمام الدار له، وأخرى يعتقد أن كلّها لرفيقه، وثالثة يعتقد أن تمامها لشخص آخر، أو يعتقد أنها مشتركة بين صاحبه وثالث، إلى غير ذلك من الصور.

الصورة الثانية: أنه قال: (بعت نصف هذه الدار)، وقصد معنى واقعياً، ولكنّا لا نعلم أن ذلك المعنى ما هو، إما نصفه أو نصف رفيقه أو النصف المشاع.

الصورة الثالثة: أن أطراف العلم الإجمالي له طرف آخر، أي نحتمل أنه قصد عنوان نصف الدار، ونحتمل أنه قصد معنى واقعياً على الاحتمالات الثلاثة، وفي كلّ هذه الصور يمكن فرض العلم والجهل والجهل المركّب بصورها السابقة.

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 

[حول حقيقة الكسر المشاع]

 

وقبل الدخول في المسألة لا بُدّ أن نعرف معنى النصف المشاع، وهل هو من الأمور الاعتبارية كالبيع والصلح، أو من الأمور الحقيقية التكوينية؟

تعرّض الشيخ محمد حسين(1) لذلك، وهو يعتقد أن النصف المشاع مطلب واقعي. فقال: الأجسام قابلة للقسمة بأقسام كثيرة إلى غير النهاية، وإن كان الحجم واحداً في الخارج، وهذه الأجسام غير موجودة بالفعل، وإنما الموجود بالفعل هو الجسم الواحد.

والأقسام موجودة بالقوّة بنفس وجود الجسم وجزئيته بجزئيته، نظير الأمور الانتزاعية الموجودة بوجود منشأ الانتزاع، ونظير وجود المقبول بالقابل.

والجزء المشاع عبارة عن هذا المعنى، وهو قابلية الأجسام للتقسيم، لكن حيث إنه متساوي النسبة إلى سائر الأجزاء، فيقال: إنه مشاع، وبهذا يفترق عن الكلّي في المعيّن، فإن الكلّي في المعيّن عنوان كلّي قابل للصدق على كثيرين، لكن في مورد معيّن، وأما الجزء المشاع فهو عبارة عن نفس الأقسام المعيّنة الموجودة في هذا الجسم بالقوّة فلا تكون كلّيات، ولا قابلة للصدق على كثيرين، بل لا 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 341-342، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، بيع نصف الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يعقل ذلك؛ لأنه قبل تعيّن الأقسام لا تكون الأقسام موجودة، وعند تعيّنها تكون مفروزة وممتازة.

نقول: إذا كان المطلب العرفي عبارة عن هذا المطلب الفلسفي والجزء الذي لا يتجزأ، فهو بالرغم من أنه غير مربوط به فيه إشكال أيضاً؛ لأنك قلت: إن الأجزاء الموجودة في الجسم بالقوّة هي الجزء المشاع. وقلت: إن ما هو المتحقّق هو الجسم لا الجزء، وإن ما أنا مالكه هو الجزء الموجود بالقوة لا بالفعل.

إذن الذي هو موجود بالفعل لا مالك له، وقوله موجود بالقوّة لا يخلو من مغالطة، وفي الحقيقة أنه غير موجود، وإنما الموجود هو قوّة التقسيم لا غير، وإلّا لزم الجزء الذي لا يتجزأ.

إذن فالأقسام غير موجودة لتكون مملوكة، وما هو الموجود لا يكون مملوكاً، فإن كنت مالكاً للهيولى القابلة للانقسام باصطلاحهم فأنا غير مالك للصورة، على أن ملكية الهيولى أمر غير عرفي، وأن كنت مالكاً للصورة، فأنا غير مالك للجسم.

على أن الملكية غير خاصّة بالأجسام التي برهن على اتّصالها، بل تشمل الأجسام الاعتبارية المتكوّنة من أجسام متشتّتة متفرّقة كالدار والمسجد.

على أن التقسيمات قد تتحقّق والجزء المشاع لا يتحقّق، فإنه لو كان الجزء المشاع هو الذي يتحقّق بالفعل، فعند الانقسام الفعلي يحصل التقسيم بين المالكين، فنقول: (هذا مالك لهذا القسم وهذا مالك لهذا القسم)، فيخرج بالتقسيم عن الإشاعة، ولا يخرج عن الإشاعة من دون تقسيم خارجي، مع أنه 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

مما يحصل بلا إشكال بلا تقسيم خارجي، كتقسيم الأرض تقسيماً اعتبارياً بوضع الحدود بين الحصّتين، فلا بُدّ أن نقول إن هذا هو تقسيم صحيح، وفي الحبوبات لا بُدّ أن لا نصحّح التقسيم إلّا إذا انقسمت كلّ حبّة إلى قسمين، فإن ما هو منقسم بالقوّة هو كلّ حبّة، وأما المجموع فهو موجود اعتباري لا حقيقي، فلو أردنا إفرازه الحقيقي -على قولك- فلا بُدّ أن نقسّم كلّ حبّة، ولو قسّمنا حِمل الحنطة إلى قسمين لكان بيعاً؛ لأن النصف الذي وصل إليه نصفه لي، والنصف الذي وصل إلي فيه نصف له.

فالأولى فصل المسألة من العقليات ومرجعها إلى السوق والعقلاء، فلا بُدّ أن نرى أن الجزء المشاع الذي يقوله العقلاء، ومهما قسّمناه يقولون (نصف ملك لهذا ولهذا)، إلّا إذا قرّر الفرز الاعتباري بقرار خاصّ.

وثبوتاً عنوان النصف عنوانٌ كلّي مفهوماً، ونحوه السدس والثلث وغيرها، مرّة العقلاء يريدون تعيين الوزن بذكر عنوان الجزء الكلّي، فيقال: عشر هذه الصّبرة المكوّنة من عشرة أصوع والمراد به صاع واحد، فيكون العشر صادقاً على كلّ عشر، وغير صادق على نصف العشر.

وأخرى: يعتبر العقلاء أن هذا الجسم الخارجي له نصف، لا بنحو يفرز بالتقسيم الخارجي، فإذا قالوا: (نصف الدار لك)، مع غض النظر عن الفرز، فقد اعتبروا الجسم في الخارج نصفين، فالاعتبار سارٍ إلى الخارج كالملكية، فيصدق بالحمل الشائع أن هذا ملك، ويصدق أنه له نصفان.

فهذا الشيء الخارجي مرّة يعتبره العقلاء كلّه ملكك، وأخرى يعتبرون 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بعضه ملكك، فيعتبرون له بعضاً، وليس معنى الإشاعة أن هذا النصف مشاع فيه، فإنك إذا كنت مالكاً للتمام فإنك مالك للنصف والربع بملكية الكلّي، فإن العباءة ملك واحد لا أملاك متعدّدة، فبالنظر الوحداني إلى الطبيعة تكون الأجزاء فانية وغير ملحوظة حتى يحكم بكونها ملكك، وأما بالنظر التفصيلي حين يقال: (كلّ الدار لك)، فإنه يعتبر لها الجزء، ويحكم بكونها ملكك.

فهذا إذا كان مالكاً للنصف لكن من دون إفراز، فهو بمالكية النصف مالك للربع وغيره من الكثرات، فما دام النصف ملحوظاً فتمام الكثرات غير ملحوظة وفانية في اللحاظ الوحداني للطبيعة، وهذان النصفان متعانقان في عالم الاعتبار ومبهمان، وإذا قسّم الجسم إلى قسمين متحقّقين يقال: (هذا النصف لهما وذاك لهما أيضاً)، لا من باب إشاعة النصف فيها، بل لأن ملكية النصف ملكية لكثراته المتضمّن لها، ولا ينتفي ذلك إلّا بالتقسيم الاعتباري ولا دخل للقسمة الواقعية، إلّا إذا كان التقسيم الخارجي فارزاً.

وبعبارة أخرى: إن التقسيم الخارجي لا دخل له في الإفراز، وما له دخل غير مقيّد بالتقسيم الخارجي، على أن التقسيم الخارجي يكون مفرزاً بالاعتبار كالقرعة أو التراضي.

فالمسألة في باب الشركة وباب التقسيم مسألة اعتبارية، وليست عقلية، وما هو واقعي هو الكسور العشرة، لا الكسر المشاع، فالنصف المشاع ليس النصف الكلّي، بل هو النصف الصادق اعتباراً على الخارج، وإن لم يكن مفروزاً هو موضوع الملكية.

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الكسور التسعة ألفاظ وضعت لماهيّة هي في النصف -مثلاً- قسم من قسمين متساويين في القسمة، ولا دخل في هذه الماهيّات بشيء من القيود أو الحدود الشخصية أو المصداقية، فلو قيل: (الإنسان أعمّ من الأبيض والأسود) ليس معناه أن التعميم مأخوذ في الماهيّة بحيث إن الإنسان حيوان ناطق إما أبيض أو أسود، بل الإنسان وضع لماهيّة الحيوان الناطق، وهذه الماهيّة حال الوجود تارةً يكون فردها أبيض وأخرى أسود. فكذلك ماهيّة الكسور التسعة كالنصف والثلث ونحوها، موضوعة لذلك المعنى إما كونه لزيد أو لعمرو أو كونه مشاعاً أو مفروزاً فليس دخيلاً في الماهيّة.

لكن متى أضفنا الكسر المشاع إلى الموضوعات، فإنه يختلف باختلافها، فلو أضفناه إلى المعدودات مما يفهم منها العدد عرفاً، فنفهم أن النصف هو عددي أيضاً كالخمسين من المائة، لا النصف المشاع بحيث يكون المراد لحاظ النصف لكلّ فرد أيضاً.

وإذا أضفناه إلى الدابّة أو الدار مما ليس لنصفه امتياز، وإنما نصفه اعتباري، فمن أجل هذه المناسبات يفهم الإنسان أن المراد هو النصف المشاع.

ثُمّ إن مالكية زيد للنصف ومالكية عمرو للنصف ومالكية كِليهما للمجموع لا ربط له بالدلالات اللفظية، وبحسب دلالته لا يتعيّن أنه لأحدهما، فلو كان نصف الدار لي ونصفها لك، وكان ثالث جاهل بالواقعة، فقال: (بعت نصف الدار)، فنفهم النصف المشاع، فهنا إذا أجزت يقع مطابقاً للإنشاء، فإنه باع نصف الدار، والإجازة وقعت على النصف أيضاً، ولم يكن 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الإنشاء مقيّداً بقيد يمنع عن انطباقه على متعلّق الإجازة.

ولو أجاز كِلا المالكين يصحّ أيضاً؛ لأن كِليهما مالك للنصف، فكلّ واحد ينطبق على العنوان غير المقيّد، ويكون إجازة كلّ منهما مصداقاً له، ويكون مالك النصف بعد الإجازة مالكاً للربع.

ولو باع أحد المالكين مع الغفلة عن الواقعة، نصف الدار، فإن قلنا: إنه ولو كان جاهلاً يقع منه، فإنه يقع منه، وإن أنكرنا أن ينصرف التصرّف والبيع إلى ما يملكه.

فيرد نفس الكلام السابق، فإن أجاز هو لعقده أو أجاز الآخر صحّ، فإنه (بعت مالي عنك) بتخيّل أنه لك ثُمّ علمت أنه لي يحتاج إلى إجازة – مثلاً-. فإنه لا يتعيّن من قبل نفسه ولا من قبل رفيقه، ولا غيرهما، وليس هو بباطل بل صالح لضمّ الإجازة له، وهو وارد على عنوان النصف، إذا لم نقبل ما يقوله الشيخ(1) من الانصراف، فما أفاده من البطلان لا يتمّ.

ــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 512، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع من له نصف الدار نصف ملك الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  






[بسط المقال في صور المسألة]

 

وهنا نأتي إلى أصل المسألة: ولها صور عديدة جداً، نتعرّض للمهمّ منها:

[الصورة الأولى]

أحدهما: ما ذكره الشيخ(1) من أنه لم يقصد إلّا مفهوم هذا اللفظ، وهو (بعت نصف الدار)، ونحن نعلم أنه لم يقصد أكثر من ذلك، من كون النصف له أو لغيره إما لجهلٍ أو لغفلةٍ أو لغير ذلك.

فهنا بما أن لفظ (النصف) مضاف إلى (الدار) فهو ظاهر بالنصف المشاع، وليس له أيّ دلالة أخرى زائدة على هذا المعنى، فهل تتمّ الأصول والقواعد التي يقرّرها الشيخ من أن التصرّفات الاعتبارية منصرفة إلى كونها تصرّفات المالك في ملكه، أو أن لفظ البيع ينصرف إلى ما كان له؟ وهل هذا للغافل أو للملتفت؟

وبعبارة أخرى: إنه في تمام المعاملات الإنشاء والمنشأ تابع لقصد المنشئ، فلا يمكن مع عدم القصد أن يحمل على المنشئ ويقال: (إنك قصدت كذا وكذا)، مع أننا نعلم هنا أنه لم يرد أكثر من لفظ (النصف). نعم، في صورة الشكّ يمكن صرفه إلى القواعد العقلائية.

ــــــــــ[306]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إذن فلا يمكن أن نطبّق القواعد التي ذكرها الشيخ(1) على المورد الذي ذكره، وهو ما إذا علمت أنه لم يقصد، أكثر من مفهوم هذا اللفظ، والتعارض بين الأصول والظهور غير موجود.

ثُمّ تأتي إلى صورة وجود هذا التعارض، بين ظهور النصف في الربعين، وظهور التصرّف والبيع أنه له، وما هو المخرج عن هذا التعارض.

فيما إذا علمنا أن المنشئ لم يرد إلّا مفهوم (نصف الدار)، ولم يقصد بل لم يخطر في ذهنه أصلاً لا النصف الذي هو ملكه ولا النصف الذي هو للآخر ولا النصف الذي بينهما، وإن كان هذا المفهوم قابلاً للانطباق على كلٍّ منها لا بمعنى أنه كلّي قابل للانطباق على كثيرين، بل بمعنى أنه يمكن أن يقع ويصدق على كلٍّ منها. 

فهنا تارةً يقال بأنه ظاهر بالنصف المشاع ليس إلّا، وأخرى يقال: إنه ظاهر بنصف مشاع في الحصّتين كما قال الشيخ، ومقصوده ليس أنه مشاع في المشاع، بل مراده أنه يشمل الربعين المشاعين، فإن كلّ نصف يحتوي ربعاً مشاعاً، فهو إشاعة واحدة لا أكثر.

الآن نرى أن الأصول التي ذكرها الشيخ(2) وفصل القول فيها الشيخ محمد حسين(3)، هل تكون مقدّمة على ظهور الموضوع، أو لا تكون مقدّمة، أو يكون الكلام مجملاً، أو لا تجري الأصول أصلاً؟

ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) راجع حاشيته على المكاسب 2: 344، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع نصف الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والكلام فيما إذا لم يلتفت إلى الواقعة ولم يقصد أكثر من مفهوم النصف وعنوانه، وقلنا بأن اللفظ ظاهر بالنصف المشاع بلا عنوان، هنا لنا كلامان: كلام فيما نقوله، وكلام في جريان الأصول التي قالوها.

[كلام المحقق الأصفهاني في المقام] 

الشيخ محمد حسين يقول: مرّة نتكلّم في الظهور الكلامي، وأخرى نتكلّم في الظهور المقامي، والظهور المقامي يمكن تقريره بعدّة وجوه: 

أحدها: أن التصرّفات التي يعملها الإنسان محمولة على الصحّة، وهو أصل عقلائي، وهذا التصرّف إذا وقع في ماله فهو تصرّف صحيح، وأما إذا وقع في مال غيره أو في مال مشترك بينه وبين غيره فهو تصرّف غير صحيح، وإذا دار الأمر بين التصرّف الصحيح والتصرّف غير الصحيح، يحمل التصرّف على الصحيح.

فالأصل العقلائي يقتضي وقوعه في ملكه، وإلّا لم يقع صحيحاً. 

ثُمّ يقول في ذيل هذا الوجه: إنه قصد النصف الصحيح فإنه يريد أن يوقع المعاملة الصحيحة.

نقول: أصالة الصحّة ليست كلمة تعبّدية وليس دليله: (احمل أخاك على أحسن الوجوه) (1)، بل دليله البناء العقلائي على العمل بالوجه الصحيح من 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

(1) جاء في نص الرواية: “ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه” الكافي 2: 362، كتاب الإيمان والكفر، باب التهمة وسوء الظنّ، الحديث 3، ووسائل الشيعة 12: 302، كتاب الحجّ، أبواب أحكام العشرة، الباب 161، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

محتملات كلّ معاملة، حتى قبل العمل، فإذا احتمل الإنشاء وجهاً باطلاً فعلياً ووجهاً صحيحاً نحمله على الوجه الصحيح، لا يفرّق في ذلك بين الأصيل أو البيع الفضولي، وصحّته بمعنى أن إنشاءه وقع بوجه صحيح قابل للحوق الإجازة. فأصالة الصحّة إنما تشمل فعل الفضولي والأصيل والموجب والقابل، إذا دار أمره بين الفاسد والصحيح، وليس ذلك إلّا الإنشاء. 

وأما الشرائط العقلائية لصحّة الإنشاء وترتّب الأثر عليها عقلائياً مما لا يكون تحت اختيار المكلّف، فهذا مما لا يمكن إثباته بأصالة الصحّة.

فلا يقال: إنه إذا كان عقداً فضولياً لا تشمله أصالة الصحّة، بل الفضولي والأصيل لا يختلفان من هذه الناحية أصلاً.

فإن ما هو الصادر منهما هو الإنشاء ليس إلّا، غاية الأمر أنه لا يترتّب الأثر على الفضولي إلّا بالإجازة، فليس الأمر في المقام دائر بين الصحيح والفاسد، بل دائر بين صحيح شرطه حاصل وبين صحيح شرطه غير حاصل. 

وما يجري فيه أصالة الصحّة هو الفعل دون الشروط الدخيلة في النفوذ، وأصالة الصحّة لا تنقّح إلّا الصحّة، وأما كونه ماله أو ليس بماله فلا تستطيع أن تثبته، فإذا شككنا في الإنشاء الذي عملته صحيحاً أو فاسداً فعلياً جرت أصالة الصحّة فيه، وأما العنوان الذي أخذه في المعاملة، وكان الظاهر منه الإشاعة الحقيقية -على الفرض- ونريد بأصالة الصحّة أن نجعله مطبّقاً بخلاف الظاهر على ماله، فهذا لا يمكن عمله بأصالة الصحّة، فإننا نعلم بعدم انطباقه على ماله، فلا مجال لجريان الأصل، والفضولي ليس بفاسد حتى ننفيه بالأصل.

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وما يقوله في ذيل كلامه من أنه يريد أن يبيع النصف بيعاً صحيحاً، وقد تعلّقت إرادته بالبيع الصحيح، ولو بلحاظ اللواحق وهي الأصول العقلائية.

فهو عجيب، فإنه مضافاً إلى أن العقلاء لا يقصدون في معاملاتهم مثل ذلك: (أبيع النصف الذي يطبّقه العقلاء على نصفي)، فإنه أيضاً غير معقول، فإن إرادة النصف بهذا النحو له مبادئ مستقلّة لا محالة، وأصالة الصحّة لا تعيّن كونه غير فضولي مع كونه قابلاً للانطباق على كِلا الوجهين، إذن فأصالة الصحّة غير مقيّدة.

على أنه خروج عن فرض المسألة.

إذا تعلّقت أرادته بالنصف الذي له ظهور بنصفه، فهذا معناه أننا نعلم تعلّق قصده بنصفه، يعني أننا إذ نعلم أن إرادته تعلّقت بالبيع النافذ الفعلي، نعلم أنه قصد بيع نصفه بالخصوص، والفرض أننا لا نعلم ذلك.

لا بُدَّ أن نرى ما هو محلّ النزاع حتى نرى هل أن الأصول التي ذكروها تجدي أو لا؟

وبالنحو الذي ذكره الشيخ(1): أنه لم يقصد إلّا مفهوم النصف، وظاهره أنه لم يرد إلّا هذا، غاية الأمر أنه يقع الكلام في أن الألفاظ المفردة لا تدلّ إلا على معناها، وإنما يفهم المقصود الواقعي للمتكلّم من مجموع الكلام (روي هم رفتن)(2).

ــــــــــ[310]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 512، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع من له نصف الدار نصف ملك الدار.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: مجموع كلامه.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإذا قال: (أكرم العالم العادل)، لم يرد من العالم إلّا معناه، ولا من العادل إلّا معناه، لكن بدلالة التوصيف يدلّ على أن مراده وجوب إكرام العالم الموصوف بالعدل.

فمراد الشيخ من أنه لا يريد إلّا النصف، هل هو لأنه لم يرد من لفظ النصف إلّا النصف، وبتعدّد الدالّ والمدلول يريد أن هذا النصف له؟ فهذا ثابت في سائر الموارد حتى في مثل: (بعت نصف داري)، على أنه لا يمكن أن يقع محلّاً للكلام بعد تعيّن المراد.

فما يمكن أن يقع محلّاً للنزاع هنا هو إذا لم يكن يستفاد من كلامه رجوعه إلى النصف الذي يملكه، كما لو كان غير عالم بالواقعة، ولا عالم بالأصول والظواهر التي قالوها، فإذا كان كذلك كيف تُعمِلون أمره بأصالة الصحّة؟

إذن فلا بُدّ أن يكون مقام الثبوت تامّاً، وإنما يقع الخلاف في مقام الإثبات.

ثانيها: قالوا: إنه إذا لم يرد إلّا النصف، فإما أن نبني على أنه مشاع بين الحصّتين، أو نبني على أنه مشاع مطلق، قالوا: ظهور (بعت) وسائر الأصول تكون حاكمة على ظهور (النصف) بالإشاعة، ومنها ظهور تصرّفه في أنه في مال نفسه.

نقول: هذا الذي يريد بعضهم أن يتمّمه من ناحية الغلبة، فيه مسامحة في التعبير، فإن البيع ليس تصرّفاً بل لا بُدَّ أن يقال: إن البيع له ظهور عقلائي بأنه واقع على ماله، فهل نستطيع أن نفهم أنها نحو غلبة بحيث يكون طرفه الآخر نادر كالمعدوم لا يعتني به العقلاء؟ وإذا قلت ذلك فهل تلتزمون به دائماً؟

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 فلو كان هناك شيء ليس لي عليه يد، فأنشأت عليه البيع، وقال شخص: (هذا ملكي)، فلا بُدّ أن تقول: إن هذا مدّعٍ؛ لأن البيع أمارة كاليد عندك. فيكون الآخر على خلافها فيكون مدّعياً. فهل يكون هذا حجة عقلائية؟ وإلّا مجرد كونه يورث ظنّاً لا يكون حجّة.

ثالثها: قالوا: لفظ (ملّكت) ظاهر بأنه لم ينزّل نفسه منزلة الغير. الشيخ يقول: كونه نزّل نفسه منزلة الغير ولا كونه غاصباً، خلاف المفروض، فيتعيّن أنه يبيع لنفسه. وبعضهم يقول أكثر من ذلك: إنه دالّ على التمليك الحقيقي، وهو لا يكون إلّا من صاحب المال.

إلّا أن ذلك ظهر مما سبق أنه غير صحيح، فإن ماهيّة البيع مشتركة بين الفضولي والمكره والأصيل. فإنها جميعاً بيع حقيقي. وما هو الفارق بينهما ليس في ماهيّة البيع وهي المبادلة. بل في الشروط. وليس أني في الفضولي أنزّل نفسي منزلة الغير، بل أقول: (ملّكت مال زيد لعمرو) ولا يصحّ أن يقال: إن زيد باع ماله إذا باعه الفضولي، كما أنه لا يفرض في المقام أنه باع لنفسه، ولو كانت المبادلة دالّة على شيء زائد على ماهيّة المعاملة، وهو كونه أصيلاً لَما كان الفضولي بيعاً من الأوّل، مع أنه بيع بلا إشكال عقلائياً وفقهائياً. وما هو موضوع حكم العقلاء أمر زائد على ماهيّة المعاملة.

إذن فكيف يكون (بعت) ظاهر بالبيع الحقيقي المؤثّر؟ وما يحكم به الشارع والعقلاء ليس تحت اختياري وقصدي وجدّي. فالأصول التي يجرونها لا تتمّ.

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [التحقيق في المقام]

مرّة نبني على أن النصف ظاهر بالمشاع القابل للانطباق على نصفه ونصف صاحبه والنصف الذي بينهما(1)، وعلى أيّ حال إما أن يكون البائع مأذوناً من صاحبه وإما أن لا يكون مأذوناً. فهذه أربع صور متصوّرة في الصورة التي هي محلّ الكلام.

وقبل الدخول في هذه الأقسام نقول مطلباً وهو: أن الظهور اللغوي في هذا الباب غير موجود عندنا، وما يقال من أن لفظ (النصف) ظاهر بالمشاع أو بالنصف الذي يعود إليه، أو أن (بعت) ظاهر بالتملّك الحقيقي، إنما هو بالإطلاق. فإن النصف والبيع وضعا لمعناهما، ونسبته إلى النفس في قولي: (بعتك) باعتبار أني أوقعته، وأما كونه بيعاً حقيقة مؤثّراً فلم توضع له الألفاظ.

فالظهورات التي تُدّعى في المقام للنصف والبيع، إنما هو باب الإطلاقات، أي: أن مقتضى الإطلاقات هو ذلك، وحينما يكون اللفظ مطلقاً يكون منصرفاً إلى فرد.

والإطلاق لا ينصرف بالدلالة اللغوية، فدلالة (الماء) على الحلو والأُجاج ليس باعتبارهما، فإن اللفظ موضوع لنفس الطبيعة، ولكن بحسب الاستعمالات المتعدّدة تنصرف الطبيعة إلى حصّة خاصّة.

والمنافيات التي ذكرت في المقام في مقابل هذه الإطلاقات، ككون مقام 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

() وأخرى نبني على أنه دالّ على إحدى هذه الحصص بالتعيين. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التصرّف هو كذا ولفظ البيع دالّ على كذا(1)!! ليست دلالات لغوية أيضاً، والباب باب الإطلاق والانصراف، فلا بُدّ من أن نرى ما هو مقتضى الإطلاق.

وحينئذٍ فإذا بنينا على أن النصف إذا نسب إلى الطبيعة بلا قيد يقتضي بالإطلاق أن يكون النصف مشاعاً، وكذلك هو يقتضي أنه لا ربط له بخصوص حصّة معيّنة، فإنه ليس هنا إلّا مفهوم النصف المشاع. وكما يقول الشيخ(2): أن عنوانَ النصفِ عنوانٌ كلّي، وما ليس كلّياً هو واقع المشاع باعتباره اعتباراً وُضِع على هذا الشيء في الخارج كما سبق أن قلنا. والنصف المشاع بعنوانه كلّي قابل للانطباق على حصّتي وحصّته والحصّة ما بينهما.

وحينئذٍ يقال: بأنه بالنسبة إلى أحد المصاديق تمام شرائط الصحّة موجودة، وفي باقي المصاديق ليست تمام شرائط الصحّة موجودة. فما هو الجامع للشرائط هو حصّة العاقد نفسه. وحصّة الغير وإن كان المفهوم قابلاً للانطباق عليها. لا أنه باعه من دون إجازة. ففي المورد الذي تمام الشرائط موجودة، لماذا لا ينطبق عليه؟ ليس ضرورياً أن يقول البائع: (بعت مالي)، بل يكفي أن لا يكون ما في العقد منافياً لذلك. والمفروض أن الإطلاق يقتضي النصف ليس إلّا، وكونه لم يُرد بيع ماله لا يعني أنه لم يرد شيئاً، بل أراد معنى صالحاً لأن يقع على ماله، وهو جامع للشرائط وقابلاً للانطباق، وأما الحصّة الأخرى فمحتاجة إلى إجازة الآخر، فلا تنطبق.

ــــــــــ[314]ــــــــــ

() هذا أصبح مثالاً مكرّراً!! (المقرِّر).

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم 3: 523.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما إذا بنينا على أن الإطلاق يشعر أن النصف هو النصف المشاع من الحصّتين، وإن لم يكن هذا صحيحاً، نرى أن الإطلاقات المقابلة له أي وجه تقتضي؟

يقول الشيخ محمد حسين(1): إننا إذا اخترنا الإطلاق المقامي منافياً له، فلا إشكال في تقدّمه عليه؛ لأن هذا ظهور إطلاقي بخلاف ظهور التصرّف في ملكية نفسه.

نقول: الإنسان حين يتصرّف في شيء ونقول: إن له ظهوراً في أنه يتصرّف في مال نفسه، فهل هذا الظهور هو غير الإطلاق؟

فإذا كان هناك ظهور كلامي منافٍ للظهور المقامي، فهل يبقى الظهور المقامي ظاهراً؟ -هذا مع غضّ النظر عن ظهور (بعت)- مع أن الإطلاق المقامي منوط بأن لا يكون هناك إطلاق كلامي لا محالة. فقوله: مقدّم عليه بلا إشكال، لا يتمّ بلا إشكال. 

نعم، لو قلتم: إن ظهوره العملي يسقط ظهوره الكلامي، أو قلتم: إن للتصرّف لساناً؛ لكان لِما قلتم وجهاً. إلّا أن شيئاً من ذلك لا يتمّ.

وأما إذا كان ظهوراً كلامياً انصرافياً، فيفصّل ثلاثة أقسام، قسم منه أن (بعت) له ظهور بالبيع الحقيقي وهو منافٍ للفضولية. كما نذكره فيما بعد.

وفيما إذا علمنا أنه لم يُرد إلّا النصف، فيها أربع صور:

ــــــــــ[315]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 345، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع نصف الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الأولى: أن يفرض أن إطلاق النصف لا يقتضي إلّا النصف المشاع.

الثانية: أنه يقتضي النصف بين الحصّتين -لا بمعنى أنه أراده، فإنه خلاف المفروض من أنه لم يقصد إلّا النصف- والكلام في مقتضى الإطلاق، وفي كِلا الصورتين إما أن يكون أجنبياً عن النصف الآخر، وإما أن لا يكون أجنبياً، كالمأذون والولي ونحوهما.

كان الكلام فيما إذا بنينا على أن الإطلاق يقتضي الانصراف إلى المشاع بين الحصّتين، فما هو حال الظهورات والانصرافات التي ذكروها؟ الشيخ محمد حسين(1) يقول: إننا إذا اعتبرنا هذا الظهور، ففرق بين أن نتمسّك بالظهور المقامي أو نتمسّك بالظهور الكلامي. وقد سبق الكلام في الظهور المقامي.

قال(2): وفي الظهور الكلامي تفصيل، فإنه لنا ثلاثة وجوه للظهور:

الأوّل: أنه يسند البيع الحقيقي إليه بقوله: (بعت)، وهذا شأن المالك أو المأذون والولي ونحوه، وأما الفضولي الحقيقي فلا يستطيع أن ينسب إلى نفسه البيع الحقيقي، والبيع الحقيقي منافٍ للفضولية، فهذا الظهور مقدّم على ظهور النصف بالحصّتين. لكنّ النصف بدل بالإطلاق، وهذا الظهور مقدّم عليه؛ لأن الإطلاق لا يكون إلّا مع وجود القرينة.

نقول: ما فرضه من أن (بعت) ظاهر بالبيع الحقيقي ومقصوده بما يترتّب عليه الأثر في مقابل الفضولي. هل مراده أن اللفظ موضوع لذلك، بحيث إن 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم 2: 344.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

البيع الحقيقي في مقابل غير الحقيقي الذي لا يترتّب عليه الأثر؟ فهذا أما يجب أن تنكره، فإن البيع ثابت وهو المبادلة، والأثر غير دخيل في الماهيّة. إذن إذا نسب البيع لنفسه فإن ذلك يقتضي من باب الانصراف -ما لم تقم قرينة على الخلاف- إلى تصرّف المالك، وهذا الظهور ونحوه مستند إلى الغلبة، وإلّا فالظهور اللفظي الوضعي غير موجود بلا إشكال.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا بُدّ أن نعكس المطلب عما مرّ بقوله: فكما أن (بعت) ينعقد له ظهور تبعاً لموضوعه، فحين يقتضي ظهور الموضوع العودة إلى الحصّتين -على الفرض في هذه الصورة- فلا يتحصّل لـ(بعت) ظهور آخر.

وبعبارة أخرى: إن ظهور العبارة في قولنا: (بعت نصف الدار) قبل أن ننتهي من العبارة، ظهور تصوري ليس بحجّة، وهو لا يدلّ إلّا على أصل إيقاع البيع، ولو كان دالّاً على ما يترتّب عليه الأثر لكان معارضاً لقولنا: (بعت عن زيد) وهو ظاهر الفساد. فإما أن تلتزموا بتقدّم ظهور النصف، وإما أن تقولوا بأن الكلام أصبح مجملاً؛ لأن إطلاق كلٍّ منهما حجّة لولا الآخر، ولكن لو ضمّ أحدهما للآخر يكون الكلام مجملاً، لاحتفاف كلٍّ منهما بما يصلح للقرينة. 

ولو قلتم المقدّم في الكلام مقدّم. 

قلنا: إنكم حينئذ لا بُدّ أن تفرّقوا بين: (بعت نصف الدار) و(نصف الدار بعتها)؟!

ثُمّ يقول(1): إذا كان مبنى الكلام هو الوجه الأوّل، وهو أن نسبة البيع 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم 2: 346.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إلى نفسه ظاهرة في أنه لم ينزل نفسه منزلة الغير، وأنه لا ولي ولا مأذون، بل هو يبيع عن نفسه. فهنا يحصل عندنا إطلاقان:

أحدهما: يقتضي البيع لنفسه، والآخر وهو إطلاق (نصف الدار) في الرجوع إلى الحصّتين، يقول: أن أحد الإطلاقين نافٍ للقيد والآخر مثبت له، وظهور المقيد مقدّم على ظهور المطلق. ثُمّ يرجع الوجه الثالث إلى الوجه الثاني، ويظهر مما سنقوله مناقشته أيضاً.

نقول: في كلامه عدّة جهات:

إحداها: أن الظهورين وإن كانا إطلاقيين، إلّا أن متقضيات الإطلاق تختلف، والإطلاق مع الإطلاق لا يفرّق في درجة الظهور وقد اعترف بعدم وجود الأظهر. وإذا كان لازم أحدهما القيد ولازم الآخر عدم القيد، فهذا لا ربط له بالإطلاق، وإنما يكون القيد مقدّماً فيما إذا ذكر القيد في الكلام، وليس المقام من الموارد التي يقدّم هذا على هذا. فإن اللوازم والمقتضيات إنما هي بعد تمامية الإطلاق، ومورد المعارضة في المقام هو مرتبة الإطلاق في المرتبة السابقة عن اللوازم.

مضافاً إلى أنه كيف يكون أحدهما ينفي القيد والآخر يثبته؟!

فإننا إذا لاحظنا المقتضيات، نجد بأن البيع ظاهر بكونه لنفسه وهو منافٍ للفضولية، سواء كان البيع له محضاً أو لهما(1). فإذا لاحظنا المقتضيات يرى العرف أنهما متنافيان، فما يقوله من أن ظهور المقيد مقدّم على ظهور المطلق 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

(1) أي: الوكيل والمأذون.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

غير تامّ في المقام صغرى وكبرى.

إذا كان النصف ظاهراً بالحصّتين، وكان المالك أجنبياً، فموضوع البحث أنه لم يُرد إلّا ذلك المفهوم. وما قالوه من أنه أراد بالإرادة الارتكازية، لا تفصيلية. أيضاً خارج عن موضوع البحث، وإنما محلّ الكلام فيما إذا لم يُرد بالإرادة الإرادة الارتكازية شيئاً أيضاً، ومعه فكلّ الأصول التي ذكرت في المقام لا تجري، ويأخذ بظهور الموضوع أيّاً كان. وعلى فرض جريانها في نفسها، فلا معارضة بينها؛ لأن ظهور الموضوع مقدّم على باقي الظهورات، فإن مقام التصرّف إنما يكون له ظهور ما لم يقم قرينة على خلافه. وظهور البيع ونحوه تابع للموضوع، وإنما يتمسّك بهذه الظهورات في مورد لا يكون للموضوع ظهور أصلاً.

الصورة الأخرى: ما إذا كان لفظ النصف ظاهراً بالحصّتين، لكنّه كان وكيلاً أو ولياً أو مأذوناً من الطرف الآخر، ولم يكن فضولياً. 

الشيخ(1) أخذ طريقاً لإثبات المطلب وعبارته مشوشة، وإذا وضعت لفظ (الثاني) بدل (الأوّل) تمّ المطلب.

وذلك أنه يقول: إذا كان المالك مجازاً أو ولياً للطرف الآخر، فهل هو كالأجنبي أو لا؟ وجهان مبنيان على أننا نتّكل على أيّ من الأصول السابقة. هل هو ظهور البيع أن البائع في مقام التصرّف، أو كان هو أن البيع ظاهر 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 522، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع مَن له نصف الدار نصف ملك الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بالأصالة؟ والأقوى هو الأوّل. والظاهر أن العبارة هي: (الأقوى هو الثاني). يعني أننا إذا بنينا على أن لفظ البيع ظاهر بأنه في مقام التصرّف فهو كالأجنبي، وإن بنينا على أن الإنشاء دالّ على الأصالة فهو ليس كالأجنبي، والأقوى هو الثاني، يعني أنه ليس كالأجنبي.

ثُمّ يذكر وجهاً لكونه ليس كالأجنبي، والاستناد إلى هذا الوجه صحيح، لكن عليه حاكم، وذلك لأن ظهور البيع وظهور النصف، كِلاهما بالإطلاق، لكن ظهور المقيّد حاكم على ظهور المطلق، يعني ظهور النصف في الحصّتين هو الأقوى، وحينئذٍ فالأقوى هو الاشتراك، وهذا مثل ما قاله الشيخ محمد حسين فيما سبق.

وقد سبق أن قلنا: إنه ليس عندنا ظهور مقيّد، بل إطلاقان، لا أننا نحسب حساب اللوازم، بل لا بُدّ أن نحسب حساب الإطلاق، غاية الأمر يقع الكلام في كونهما قرينة على أيٍّ منهما على الآخر. وقاعدة أن إطلاق المقيّد مقدّم على الاطلاق لكنّه أجنبي عن المقام. وفي الفرض السابق لو سلّمنا مع الشيخ الإجمال أو تقدّم ذلك الظهور، فهو هنا لا يأتي؛ لأن ظهور البيع بالبيع الحقيقي لا معنى له في المقام، لأنه صادر من الولي، كما أن كون الأصل أن يبيع ملكه، لا ربط له بالمقام؛ لأنه ولي، ولا غلبة في المقام نافية لذلك. وأصالة الصحّة لا تجري لكون البيع صحيحاً على كِلا الحصّتين. إذن فالأصول غير جارية، إذن فالظهور بالحصّتين لا معارض له أصلاً.

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الشيخ محمد حسين(1) عدل عن الوجه السابق، الذي ذكره في الصورة السابقة، وعدوله صحيح، إلّا أنه ذكره بوجه غير صحيح. حيث قال: إننا عندنا مدلولان مطابقيان ومدلولان التزاميان، فإطلاق الإنشاء(2) له مدلول مطابقي وهو نفي الغير محضاً أو مشتركاً، ومدلول التزامي هو أنه لي محضاً. و(نصف الدار) له مدلول مطابقي -على المبنى-: أنه ليس نصفه محضاً ولا نصفي محضاً، ومدلول الالتزامي أنه مشترك بينهما فلا بُدّ أن نمحّص هذه الظهورات حتى نرى أين التنافي.

يقول: لا تنافي بين المدلولين المطابقيين، بل بينهما توافق في وجه وتخالف في وجه، ولا تنافي بينهما، فإنهما في الحصّة التي يملكها مشتركان، وفي الحصّة التي يملكها مختلفان. وأما المدلولان الالتزاميان، فبينهما تنافٍ بالتضادّ باعتبار أنهما مثبتان متكاذبان، لوجود تنافٍ بين كونه مالي وأنه مال مشترك.

وأما المدلول المطابقي لأحدهما مع الالتزامي للآخر، فهما متنافيان بنحو السلب والإيجاب؛ لأن المدلول المطابقي للإنشاء دالّ على عدم الشركة، والمدلول الالتزامي للنصف مثبت لها. والمدلول المطابقي للنصف دالّ على عدم التمحّض في الملك، والمدلول الالتزامي للإنشاء دالّ على التمحّض.

فإذا اتّضح ذلك، ففي مورد التضادّ ليس أحدهما مقدّماً على الآخر، وفي مورد 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 350-351، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، بيع نصف الدار.

(2) أي: في لفظ (بعت).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التناقض من قال أن أحدهما مقدّم على الآخر. ثُمّ يقول: فتأمل فإنه حقيق به.

نقول: هذه الدلالات أجنبية عن باب الإطلاق، وليس للمطلق مدلول مطابقي ومدلول التزامي، فإنه ليس دلالة لفظية، حتى يتّصف بذلك، وإنما هو ناشئ من عمل المتكلّم، وعدم نصبه للقرينة الدالّ على أن العنوان المأخوذ هو تمام الموضوع، وعدم القيد يعني عدم جعل القيد، لا أن الإطلاق يدلّ على عدم القيود.

فالنتيجة التي يقولها وهي: أنه ليس من باب ورود المقيّد على المطلق صحيح، إلّا أنه بالوجه الذي ذكره جعل المسألة أسوء حالاً مما سبق، فإن الدلالات المطابقية والالتزامية من دلالات الألفاظ وأجنبية عن مسألة الإطلاق. والألفاظ لا تدلّ إلّا على معانيها، وهي في ذلك لا تحتاج إلى مقدّمات الحكمة، وما يحتاج إلى المقدّمات ليس من دلالات الألفاظ.

إذن فما ذكره غير تامّ، وما قاله الشيخ من تقديم ظهور النصف صحيح، لا لِما ذكره من تقديم القيد، بل لِما ذكرناه من تقدّم ظهور الموضوع أو عدم وجود المعارض له.

إذا قلنا: إن التقييد ظاهر بالمشاع المطلق، لا بين الحصّتين، ولم يكن البائع أجنبياً، بل كان وكيلاً عن الآخر أو ولياً.

هناك نكتة لم نذكرها: فإن بعضهم أدّعى ظهور النصف بالمشاع بين الحصّتين، وبعضهم ظهوره بالمشاع بلا عنوان. والشيخ أوّلاً أدّعى الأوّل وأخيراً أدعى الثاني.

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لعلّ منشأ القول الأوّل هو أن هذا الموجود الخارجي كما أنه بينهما كذلك، أيّ قسم قسموه أو أشاروا إليه، فهو أيضاً مشاع بينهما، وليس النصف الخارجي مملوك لأحدهما، فكذلك لو باع نصف الدار، ولم يقم قرينة على انتسابه إليه: نصفي، كان النصف بينهما كالتقسيم الخارجي، فلعلّ هذا هو منشأ ادعاء ظهور النصف بذلك.

ولكن إذا لم نلاحظ الأنصاف الخارجية فإنها أقسام التكوين ولا ربط لها بالنصف المشاع، وإنما لاحظنا النصف الاعتباري الذي اعتبره العقلاء وجعلوه مطبّقاً على الخارج، فهذا النصف ليس من قبيل النصف الخارجي بحيث لا بُدّ أن يكون النصف له أيضاً، وإذا قلت: النصف المملوك، فنصف هذا النصف وربعه مملوك أيضاً. فيصدق النصف المملوك على النصف الذي لهذا والنصف الذي لهذا. ولكنّه حين قال: (النصف المملوك)، أشار به إلى النصف الاعتباري العقلائي الذي يملكه.

فالنصف في البيع إذا لم يكن إشارة إلى الأجزاء الخارجية ليكون مشتركاً بينهما، فإن النصف الخارجي ليس ملكي محضاً، ولذا لا يجوز لي التصرّف فيه إلّا بأذنه، ولكن النصف الاعتباري ملكي محضاً، ولذا يجوز لي التصرّف فيه بدون إذنه، بل مع غضبه وعصيانه.

بناءً عليه نحن حين نقول: إن الإشاعة ظاهرة بالإشاعة المطلقة. باعتبار أن النصف هو الذي يقع موضوعاً للبيع، وهو صادق على كلّ الأنصاف، نصفه ونصف الآخر والنصف الذي بينهما. والمشاع الخارجي إذا اعتبرناه فإنه أيضاً يكون كذلك.

ــــــــــ[323]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثُمّ إن الشيخ(1) بعد أن ينكر ظهور النصف في الحصّتين يبني على أنه كالكلّي  -في مسألتنا وهو ما إذا كان وكيلاً ونحوه- فكما لو باع صاعاً من صبرة أو نصف الصبرة، فإنه ينصرف إلى ذمّته، وانصرافه إلى الآخر يحتاج إلى قرينة، وما يدفعه هو مصداقاً له، كذلك هنا يقول: إن المبيع كلّي ومالك مصداقه، فلا بُدّ أن يحوّله له.

نعم، بالنسبة إلى ما إذا كان كلّياً في المعيّن كذلك، ولو كان المعيّن هو الموجود الخارجي. فلو بعت كلّي النصف المشاع -لا النصف المشاع المعتبر في الخارج- فهو له مصاديق كثيرة. يأتي إلى عهدتي نصف الدار بنحو الكلّية، ولا يملك من الخارج شيئاً، والخارج هو مصداق للمبيع لا نفس المبيع.

ولا يكون الصاع من الصبرة جزئياً، فإن الشيء ما لم يوجد لم يكن كلّياً. وأنت لا تملك من الخارج شيئاً، وإنما الخارج هو مصداقه، غاية الأمر أنه منحصر دفعه من الصبرة، ونحو ذلك مسلك المرحوم السيد اليزدي(2) بالنسبة إلى ملكية الفقراء للزكاة.

فإذا كان المبيع -في مسألتنا- كلّياً، كان كذلك لا محالة حاله حال سائر الكلّيات، ونسبته إلى النفس غير لازم، وما قالوه من أنه بالانتساب إلى الذمّة يكون منسوباً إليه، قلنا: إنه بذلك يصبح كلّياً عقلياً. وهذا -يعني كونه مشاعاً كلّياً- هو مراد الشيخ، وإن لم تكن عبارته واضحة في ذلك، غايته أنه يقول: إن 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 523، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع من له نصف الدار نصف ملك الدار.

(2) اُنظر: العروة الوثقى 2: 344، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل، المسألة الخامسة عشرة.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذا النصف الذي يملكه مصداق له، وكأنّه يريد أن يقول: إن هذا النصف ملكه ابتداء، مع أنه إذا كان العنوان كلّياً، فإنه لا يملك من الخارج شيئاً، والمسألة ليست قهرية بل مسألة تسليم، وله أن يسلّم هذا النصف، كما له أن يشتري القسم الآخر من صاحبه ويدفعه.

لكن الكلام أساساً ليس عن المشاع الكلّي، بل في المشاع الخارجي الاعتباري، فيما إذا لم يكن وكيلاً، قلنا: إن هذا النصف الاعتباري صالح لأن يقع على سائر الحصص. لكنّه مخصّص؛ لأن تمام الشرائط موجودة في النصف الذي أملكه، دون ما يملكه الآخر. وأما هنا فليس كذلك؛ لأن الشرائط حاصلة بالنسبة لكِلا الشخصين؛ لأني بالنسبة إلى حصّتي مالك، وبالنسبة إلى الحصّة الأخرى وليّ أو كيل، وليس فيها مخصّص. والظهورات والأصول التي ذكرت لا تشملها، والبيع لم يكن ظاهراً في كونه لنفسه كما ذكرنا، وإنما كان ظاهراً -على تقدير تسليمه- بالبيع العقلائي، وهو هنا صحيح عقلائي على الطرفين، فلا بُدّ أن يقال ببطلانه في جميع الحصص. والانتظار لا يمكن لعدم وجود حالة منتظرة بعد اجتماع الشرائط، فلم يحصل النقل حتى تعمل القرعة، واختيار البائع لا يمكن أن يكون مرجّحاً.

[النظر في تقريبات الشيخ للمسألة]

والشيخ(1) يقرّب المسألة بتقريبات لا هي صحيحة، ولا نحتاج إليها، فذكر بعضها: فبالنسبة إلى المهر لو صالحت أو وهبت الزوج قبل الدخول فطلّقها 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 523-525، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: لو باع مَن له نصف الدار نصف ملك الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

قبله، فمن قال هناك بأن النصف ظاهر بالحصّتين، قالوا هنا: إن الزوج يأخذ الباقي لا نصف الموجود وقيمة النصف الآخر. وبين هذين المسلكين تنافٍ، ولعلّ ذلك لعدم الفرق بين الباقي وجزئه. وكأنّه يرى أخيراً أنه مشاع بين الحصّتين.

لكن مسألة المهر تفرق عن مسألتنا: فإنه في باب الطلاق تملك الزوجة المفروض… مرّة نقول: نصف ما فرضتم، يعني في حال الفرض. وأخرى نقول: إن الزوجة ملكت بالعقد المهر كلّه. ويحصل بالطلاق قبل الدخول سبب جديد للملكية، لا أن الطلاق يكشف عن ملكه من الأوّل. فالنماء يكون للزوجة لا للزوج. وما دامت الزوجة لم تتصرف تصرّفاً لازماً أو غير لازم، فالنصف نصف الجميع، وأما إذا تصرّفت تصرّفاً لازماً وقيل لها: (أعطي النصف)، يعني النصف الموجود، لا النصف الموجود ونصف قيمة المعدوم. فإن العقلاء يقولون: إن النصف موجود ويمكن انتقاله، ولا يصار إلى القيمة إلّا بعد تعذّر النصف، ولم يتعذّر، فهذا من هذا الباب لا من باب ظهور النصف بالمشاع الحصّتين.

وفي باب الإقرار والصلح ونحوها لا ترد الأصول التي قالوها، وتمام الكلام في محلّه.

وما هو مربوط بمسألتنا هو الصورة الأخرى، وهو ما إذا كان البائع قد أراد شيئاً ولا نعلم أنه أيّ شيء أراد. هل أراد نصفه أم نصف شريكه أو النصف ما بينهما؟

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

بقيت كلمة من الكلام السابق، فإن الشيخ في أوّل المبحث يدّعي أن لفظ (النصف) ظاهر في النصف المشاع بين الحصّتين، ويبحث مقداراً على هذا الأساس، وفي أواسط المبحث يقول: إلّا إذا أنكر شخص هذا الظهور، بل قال: إن حمله على الحصّتين مفروض العدم. ثُمّ بعد ذلك يقول: إذا أقرّ أحد الشريكين بأن النصف لشخص آخر، لا إشكال أنه يحمل على الحصّتين، فهل هذا تبدّل في الرأي؟ أو أن الكلام الوسط حيث إنه لم يصدّقه فهو لا يتبناه؟

عندنا كلام في الإقرار مربوط بمسألتنا، أنه هل يفرّق بين البيع والإقرار؟ فالبيع محمول على الحصّة الخاصّة لا المشاع بين الحصّتين، كما سبق، ثُمّ رأيت هذا المطلب في كلمات السيد(1)، وهو أن حمله على المشاع بين الحصّتين إنما هو باعتبار أنهم رأوا أن التقسيمات الخارجية تكون كلّ حصّة منها مشتركة بين الطرفين.

وإجمال الكلام: أن التقسيم الذي يرد على الشيء في الخارج أو العنوان الحاكي عن الأقسام الخارجية كالنصف الشرقي، بلا إشكال أنه مشترك بين الحصّتين، وأما العناوين الاعتبارية كالبيع والصلح والإقرار والرهن، فإنها
-بقطع النظر عن القرينة على الخلاف- تدلّ على المشاع بلا عنوان. فإنها أمور اعتبارية واردة على الاعتبار الخارجي الذي قلناه، فيكون لها ظهور بالنصف المشاع. بناءً عليه، فأحد هذين الشريكين اللذين تحت يدهما هذا الدار، أقرّ بأن 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 332-334، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، مسألة: لو باع مَن له النصف النصف مشاعاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

نصف الدار لزيد، إذا قلنا: إن النصف ظاهر بالنصف المشاع عند الإطلاق، فلا إشكال أنه محمول عليه ولا معارض له. 

وأما إذا لم يكن هذا الظهور موجوداً فلا يكون للإقرار أثر؛ لأنه إقرار بالأعمّ من حصّته وحصّة غيره، والإقرار إنما ينفذ إذا أقرّ بماله. وهنا إقرار بالمعنى الأعمّ. فإنه من الممكن أني غاصب أو هو غاصب أو كِلانا كذلك. فلو أخبر بعنوان أعمّ من أن يكون مربوطاً به أو بغيره، فمن يقول بأنه بينهما، هل يريد به النظر إلى التقسيمات الخارجية؟ فهذا لا يتمّ؛ لأن التقسيمات الخارجية مشتركة بلا إشكال، ولا يمكن أن يقال: هذا نصفي، وهذا نصفك، بخلاف التقسيمات الاعتبارية، فإنه يصدق أن النصف له وليس لي، وذلك لي وليس له.

ينقل عن الشيخ كاشف الغطاء(1): أنه إذا قال: (أقرّ أن هذا الدار له)، فينصرف إلى حصّته، ولو قال: (نصف هذا الدار له)، فهو بينهما. فيظهر أنه موافق على ظهور النصف في المشاع بين الحصتين، لكنّه لو قال: (أقرّ) كان ذلك قرينة على عوده إلى حصّته. مع أن نفوذ الإقرار غير مأخوذ في مفهومه، وإنما يترتّب عليه بعد وجوده.

ــــــــــ[328]ــــــــــ

(1) اُنظر: شرح الشيخ جعفر على قواعد العلّامة: 184-186، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني، بيع ملكه وملك غيره صفقةً، حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 2: 346، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، مسألة: لو باع مَن له النصف النصف مشاعاً، كتاب البيع (للسيّد الخميني) 2: 577، الكلام في شروط المتعاملين، بيع الفضولي، مسألة: حكم بيع من له النصف النصف، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ففي البيع يأتي البحث في تقدّم ظهور الموضوع أو ظهور الذيل. وأما في باب الإقرار والإخبار، فلا يأتي ذلك؛ لأننا إذا قلنا: إنه ظاهر بالنصفين، فلا معارض له، وإن قلنا: إنه ظاهر بالمشاع المطلق، لم يكن للإقرار أيّ أثر، باعتبار كونه صادقاً على المعنى الأعمّ من ماله ومال غيره.

[الصورة الثانية]

إن كلّ ما سبق(1) ليس هو محلّ البحث، وإنما موضوع البحث هو ما إذا كنّا نعلم أنه قصد شيئاً، لكنّنا لم نعلم ما هو. ولهذه الصورة أقسام كثيرة، نذكر بعضها ويتّضح الأمر في الباقي. 

فمثلاً يمكن أن يكون علمنا الإجمالي ذا طرفين: إما قصد نصفه، أو نصف شريكه. وإما قصد نصفه، أو النصف ما بينهما. وإما نصف شريكه، أو النصف ما بينهما. 

وأخرى تكون أطراف العلم الإجمالي ثلاثة: إما نصفه أو نصف الآخر أو النصف المشترك بينهما. 

وثالثة تكون أطرافه أربعة وهي الثلاثة السابقة مع احتمال أنه لم يُرد إلّا مفهوم النصف، بحيث يكون هذا أحد المحتملات إلى جنب المحتملات الأخرى.

ففي الاحتمال الأخير، ونحوه مما يكون هذا الاحتمال الأخير وهو أنه لم يرد إلّا النصف طرفاً للعلم الإجمالي سواء كان معه طرف واحد أو اثنان أو 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

() ثُمّ إنه يقول السيد: إن كلّ ما سبق… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثلاثة. وقلنا: إن هذا الاحتمال يعود إلى كونه جاهلاً بالواقع أو غافلاً بحيث لم يقصد إلّا المفهوم.

إذا قلنا: إن الأصول العقلائية التي ذكرت كظهور البيع وظهور مقام التصرّف غير جارية في الإنسان الغافل. وإنما تثبت إذا كان للإنسان نحو من الالتفات كقاعدة التجاوز والصّحة. فإذا كان كذلك واحتملنا غفلته، فيكون المورد من قبيل الشبهة المصداقية للأصول العقلائية؛ لأني لا أعلم أنه ملتفت لكي تجري، أو غير ملتفت لكي لا تجري، فإذا انضمّ هذا الطرف إلى أحد تلك الأطراف أو أكثر فلا تجري، أو نأخذ بظهور اللفظ أيّاً كان ولا يكون له معارض؛ لعدم جريان تلك الأصول.

وهنا لو قيل بالتفصيل بين أن نعلم أن منشأ ذلك هو الجهل، دون ما إذا علمنا أنه غفل، فإنهما مع اشتراكهما في عدم جريان الأصول العقلائية إذا احتملنا الغفلة، فالأصل العقلائي ينفي الغفلة، وهو أصالة عدم الغفلة، ولكن ليس هناك أصل ينفي الجهل. فعلى ذلك يتكلّم أن هذا الأصل هل هو من باب الأمارات عند العقلاء، أو من باب الأصل التعبّدي العملي عندهم؟ فإن العقلاء عندهم أمارات وعندهم أصول موضوعة إما لمصلحة

تيسير العيش أو موروثة من قوانين قديمة. ونحتاج إلى إثبات كونها أمارة -يثبت لازمها- إلى قرينة أو دليل.

فإذا كان أصل عدم الغفلة أمارة عقلائية، فهذا يخرج عن أطراف العلم الإجمالي للأمارة، فتبقى الاحتمالات الأخرى. وأما إذا قلنا: إنه أصل عقلائي، 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فهو لا يخرج الطرف عند العلم الإجمالي، وتمام الكلام في ذلك على بابه.

وما هو محلّ الكلام هو ما إذا علمت أنه قصد شيئاً ولم أعلم ما هو، هذا يجري فيه عين الكلام السابق من أن الأصول العقلائية هل تجري أو لا؟ وأيّها يكون مقدّماً على الآخر؟ وقد كرّر السيد اليزدي(1) هنا نفس الكلام من أن هذه الأصول مقدّمة على إطلاق النصف وظهور بالإشاعة المطلقة أو الحصّتين. ويأتي جوابنا عليها من أنها إطلاقات متعارضة ولا ترجيح بينها، وليس أحدهما مطلقاً والآخر مقيّد. ولا بُدّ من لحاظ الموضوع فيقدم ظهور النصف مهما كان، فإنه هو الذي يلحظه العقلاء، ويكون البيع واسطة في اللحاظ، غاية الأمر إذا كان ظاهراً بالمشاع فإنه ينطبق على ملكه، وإذا لم يكن نحتمل البطلان.

وأما مسألة ضمّ ما يقبل التمليك إلى ما يقبله، فالكلام فيه عين الكلام، وسأنظر فيه فإن وجدت فيه أمراً زائداً خاصّاً به نتعرّض له، وإلّا بدأنا بمسألة الولاية.

محلّ الكلام فيما لا يقبل التمليك هي نفس تلك المطالب التي سبقت في بيع نصف الدار لا أكثر.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

(1) راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 332-334، شروط المتعاقدين، بيع الفضولي، مسألة: لو باع مَن له النصف النصف مشاعاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  






مسألة ولاية الأب

 

  • [الروايات الواردة في المقام] 
  • اشتراط العدالة في الولي 
  • [في اعتبار المصلحة والغبطة في تصرف الولي]

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  







مسألة ولاية الأب

 

من المسائل التي ثبوتها -في الجملة- من واضحات الفقه، ولكن حيث إنه يمكن إثباتها عن طريق الرواية، ولهذا نتعرّض إلى بعض الروايات ونرى ما هي دلالتها، أو أنه يكفي الوضوح والضرورة أو الإجماع -تقريباً-.

 

[الروايات الواردة في المقام] 

 

الروايات التي يمكن أن نتمسّك بها مبثوثة في مختلف أبواب المجلد الثاني والثالث من(الوسائل)(1)، بعضها دلالتها جيدة.

محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن (هو ابن فضال)، عن الحسن بن علي بن يونس -يوسف على ما في (الكافي)(2) وهو الصحيح-، عن مثنى بن الوليد -ليس خالياً من الـحُسن، ولا بأس به، ولم يرد فيه طعن، وإن لم يرد فيه توثيق- عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله: أنه سُئل عن 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

(1) راجع الأحاديث الواردة في بعض أبواب كتاب الوصايا من وسائل الشيعة 19: 257.

(2) الكافي 7: 62، كتاب الوصايا، باب النوادر، الحديث 19.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، وأن يكون الربح بينه وبينهم، فقال: “لا بأس به، من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي“(1). ورواه الشيخ(2) بإسناده عن أحمد بن محمد مثله، ومحمد بن علي بن الحسين بإسناده عن محمد بن يعقوب مثله(3). (باب 94 من كتاب الوصايا).

فهذا يدلّ على أن الأب له التصرّف في مال ولده، والإذن للوصي بالتصرّف في مال اليتيم بالمضاربة، لعدم احتمال أن يكون إذن الأب نافذاً دون تصرفه. وهذه الرواية أحسن من جميع الروايات من حيث الدلالة؛ لأنها مشتملة على التعليل.

وبإسناده عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن خالد الطويل (لم يوثّق)، قال: “دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان. فقدّمتني أم ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إن هذا يأكل أموال ولدي. قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي. فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه. ثُمّ أشهد عليّ ابن أبي ليلى: إن أنا حرّكته فأنا له ضامن. فدخلت على أبي عبد الله فقصصت عليه قصّتي ثُمّ قلت له: ما 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 19: 427، كتاب الوصايا، الباب 92، الحديث 1.

(2) تهذيب الأحكام 9: 237، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 14.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 228، كتاب الوصيّة، باب الرجل يوصي إلى رجلٍ بولده ومالٍ لهم…، الحديث 5538.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ترى؟ فقال: أما قول ابن أبي ليلى فلا استطيع ردّه وأما فيما بينك وبين الله عزّ وجلّ فليس عليك ضمان“(1). (نفس الباب).

الشيخ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع -وهؤلاء الثلاثة الأخيرون لم يوثّقوا- قال: “سُئل أبو عبد اللهعن الرجل يكون في يديه مال لأخ له يتيم، وهو وصيّه، أيصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم، كما يعمل بمال غيره والربح بينهما. قال قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا، إذا كان ناظراً له“(2).

إذن فللأب أن يعمل وتصحّ منه المعاملة، وليس عليه ضمان، وكذلك وصيّه؛ فإنه بإذن الأب، فهذه دلالتها تامّة، ولكنّ سندها غير تامّ.

محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن إسماعيل بن سعد الأشعري (صحيحة)، قال: “سألت الرضاعن رجل مات بغير وصيّة، وترك أولاداً ذكراناً غلماناً صغاراً، وترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم. وعن الرجل يموت بغير 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 62، كتاب الوصايا، باب النوادر، الحديث 16، من لا يحضره الفقيه 4: 228، كتاب الوصيّة، باب الرجل يوصي إلى رجلٍ بولده ومالٍ لهم…، الحديث 5539، تهذيب الأحكام 9: 236، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 12، ووسائل الشيعة 19: 428، كتاب الوصايا، الباب 92، الحديث 2.

(2) تهذيب الأحكام 4: 29، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 11، ووسائل الشيعة 9: 89، كتاب الزكاة، أبواب مَن تجب عليه الزكاة ومَن لا تجب عليه، الباب 2، الحديث 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وصيّة وله ولد صغار وكبار، أيحلّ شراء شيء من خدمه ومتاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك؟ فإن تولّاه قاضٍ قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكبر من ولده معه في البيع فلا بأس، إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك“(1).

فيدلّ على الأب إذا كان قد أوصى فلا إشكال في الجواز، وكانت المسألة واضحة بين الراوي والإمام. ولو كان الأمر على خلاف ذلك لكان على الإمام أن ينبّه على ذلك، فمِن إقراره نفهم أن الإمام أيضاً يفتي بذلك(2).

وعنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (صحيحة)، قال: “مات رجل من أصحابنا ولم يوصِ، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبد الحميد القيّم بماله. وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبد الحميد المتاع. فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن؛ إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيّته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي؛ لأنهن فروج. قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر، وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلّف جواري، فيقيم القاضي رجلاً منّا فيبيعهن. أو قال: يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه؛ لأنهن فروج. فما ترى في ذلك؟ فقال: إذا كان القيّم به 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

() الكافي 7: 67، كتاب الوصايا، باب مَن مات على غير وصيّةٍ…، الحديث 1، وسائل الشيعة 17: 363، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 16، الحديث 1.

(2) باب 16 من أبواب عقد البيع، وهناك روايات مماثلة في باب 15 أيضاً كما ذكر السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس“(1). ورواه الشيخ(2) بإسناده عن أحمد بن محمد، وكذا الذي قبله.

فيدلّ على أنه إنما ضعف قلبه باعتبار عدم الإذن من الأب، وإنما حصلت الشبهة باعتبار عدم وصيّته. وهذا ما أقرّه الإمام، ولم يناقش فيه.

أبواب عقد البيع باب 15، الرواية1، محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب (وهي بطريق الشيخ صحيحة بلا إشكال، وكذلك بطريق الصدوق، وكذلك بهذا الطريق بنظرنا -يعني: طريق الكليني-) قال: “سألت أبا الحسن موسى عن رجل بيني وبينه قرابة، مات وترك أولاداً صغاراً، وترك مماليك وغلماناً وجواري، ولم يوصِ. فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أم ولد، وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم، وكان مأجوراً فيهم. قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أم ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم“(3). ورواه الشيخ(4) بإسناده، 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 209، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 2، ووسائل الشيعة 17: 363، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 16، الحديث 2.

(2) تهذيب الأحكام 7: 69، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 9.

(3) الكافي 5: 208، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 1، مع فارقٍ يسير، ووسائل الشيعة 17: 362، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 15، الحديث 1.

(4) تهذيب الأحكام 7: 69، كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 8.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

عن الحسن بن محبوب نحوه، وكذا الصدوق(1)..

هل المراد بالولي هو الذي يعيّنه الأب، ومعنى كونه ترك الوصية أنه لم يوص ببيع المماليك، أو المراد من الولي هو الجدّ، أو المراد به القيم الشرعي
-على ما يشار إليه بعد ذلك في الرواية-؟ الظاهر ليس المراد به القيّم الذي يعيّنه القاضي الشرعي؛ لأن القيّم كان تعيينه مربوطاً بباب الحكومة، وبيد قضاة الجور. ولم يكن الأئمة وفقهاؤنا بقادرين على تعيين قيّم. وتعيينه لم يكن أمراً خفياً مستوراً، بل كان القيم يتصدّى للبيع والشراء علناً.

بناءً عليه، فيكون المراد: أنه إذا كان هناك قيّم شرعي صحيح، وذلك لا يكون من قبل قضاة الجور، ولا يكون -كما قلنا من قبل الأئمة-، فيتعيّن أنه منصوب من قبل الأب أو الجدّ. ويكون المراد بكونه لم يوصِ: أنه لم يوصِ ببيع الجواري والمماليك، وإن كان خلاف الظاهر الابتدائي لقوله: (ولم يوصِ)، إلّا أن ذيل الرواية يكون قرينة عليه.

وإذا كان القيّم من قبل الأب نافذ التصرّف، فلا يمكن أن لا يكون الأب نافذ التصرّف في أموال ولده عرفاً وعقلاً، فولاية الأب لا إشكال أنها تستفاد من هذه الأخبار.

[الإشكال في ولاية الجد]

وأما ولاية الجدّ وما بعده، فلا تستفاد من هذه الروايات. نعم، تستفاد من روايات غيرها إذا لم يكن فيها إشكال. وهي الرواية المتضمّنة لعبارة: “أنت 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 4: 218، كتاب الوصيّة، باب فيمن لم يوصِ وله ورثةٌ…، الحديث 5512.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ومالك لأبيك“. منها واحدة نرى أنه هل يمكن أن تأخذ بها أو لا يمكن؟ ثُمّ نرى الروايات الأخرى.

[في المراد من قوله  أنت ومالك لأبيك] 

الشيخ بإسناده(1)، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي المعزى(2)، عن عبيد بن زرارة (صحيحة بحسب النظر)، عن أبي عبد الله، قال: “إني لذات يوم عند زياد بن عبد الله، إذ جاء رجل يستعدي على أبيه. فقال: أصلح الله الأمير، إن أبي زوّج ابنتي بغير إذني. فقال زياد لجلسائه الذين عنده ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاحه باطل. قال: ثُمّ أقبل عليّ فقال: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فلمّا سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: أليس فيما تروون عن رسول الله: إن رجلاً جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال له رسول الله: أنت ومالك لأبيك؟ قالوا: بلى. فقلت لهم: فكيف يكون هذا وهو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه؟ قال: فأخذ بقولهم وترك قولي“(3).

وفي نفس الباب بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النظر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله، قال: “إذا زوّج 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() باب 11 من أبواب أولياء العقد. (المقرِّر).

(2) قال السيد هو عبيد بن المثنّى. (المقرِّر).

(3) الكافي 5: 395، كتاب النكاح، باب الرجل يريد أن يزوّج ابنته…، الحديث 3، ووسائل الشيعة 20: 290، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 11، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه“. قال: “ولابنه أيضاً أن يزوّجها، فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً فالجدّ أولى بنكاحها“(1).

الإمام(2) أبو عبد الله استدلّ على أولئك، فلا بُدّ أن يكون استدلاله مقبولاً عرفاً، فلو كان النبي قد قال: الجدّ أحقّ من الأب لَما كان فيه إشكال. ولكن الإمام استدلّ بهذه العبارة: “أنت ومالك لأبيك“، فلا بُدّ أن نرى طريق الاستدلال بناء على أن يكون اللام مضموماً.

لاشكّ أنه لا يريد أن يقول: (أنت عبد مملوك لأبيك، وإن مالك هو ماله وليس لك). فإن هذا هو خلاف الضرورة، وخلاف ظاهر العبارة في أنه نسب المال إلى الابن بقوله: “مالك“.

فلا بُدَّ أن يراد به معنى كنائي، كما لو قال أحدنا: العبد وماله لمولاه، فإنه كناية عن أن تصرّفك صحيح. فهذا يكون كناية عن أن أباك يكون هو الولي بالتصرّف فيك. وفي باب الكناية لا يكون المعنى المطابقي مراداً أساساً، كما لو قلت: (لا تستطيع النظر إلى ظلّه)، أو قلت: (لا تستطيع أن تقول له فوق عينيك حاجب)، لا يراد به المعنى المطابقي، بل امتناع التعرّض له وصعوبته.

إلّا أن أولوية الأب على الولد -في حدود مدلول هذه العبارة- لها ثلاثة احتمالات:

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 385، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 23، ووسائل الشيعة 20: 291، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 11، الحديث 7.

(2) وقد تكلّم السيد عن الرواية السابقة واستشهد بالرواية الأخيرة عرضاً، فقال عن الأولى: الإمام… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أحدها: أنها أولوية في باب النكاح فقط.

ثانيها: أنها في مطلق موارد اشتراكهما في السلطنة، ففي كلّ مورد كان للأب وللجدّ السلطنة على التصرّف كان عمل الجدّ متقدّماً ونافذاً دون الأب. 

ثالثها: أنها في مطلق ما للولد التصرّف فيه. فإن الأب يستطيع التصرّف أيضاً. غاية الأمر أن هذا المعنى الكنائي بهذه السعة لا يمكن أن يكون مراداً؛ لكونه خلاف الضرورة أيضاً، فإن الابن بالغ رشيد على الفرض، فليس للأب أن يبيع عنه أمواله بلا إشكال. فنأخذ بها في الموارد الباقية كالابن السفيه المتّصل سفهه بالصغر، أو مطلقاً على القول به(1). 

فإما أن يقال بالانصراف عن الأموال التي للابن، أو تخرج بتقييد الضرورة الفقهية، ولكن تبقى الموارد الأخرى مما للأب والابن سلطنة عليه داخلة، ويكون تصرف الجدّ متقدّماً.

احتمال آخر قد ترونه بعيداً، وهو: القراءة بفتح اللام، فإن الرواية لم نتلقّها بالقراءة حتى تكون مضبوطة، (أنت ومالَكَ…) يعني ما تستطيعه من التصرّفات ثابتة لأبيك، فكأنّه قال: (كلّ ما للأبن من التصرّف فهو لأبيه)، فهو كناية عن تقدّم الجدّ على الأب، أو عن مساواته على الأقلّ، يعني: مَن تقدّم منهما فهو نافذ، ولم تتعرّض لصورة المزاحمة.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى ما فيه، فإنه خلاف مورد الرواية نفسه، على أن السفيه لا تصرّف له ليقال: إن الأب أولى منه، على أن للسفيه أدلّة أخرى أوضح وأصرح، فلا نحتاج معها إلى مثل هذه الرواية. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لكنّ هذه الرواية بعد ضمّها إلى الروايات الأخرى لا يتحصّل أمر كافٍ قريب إلى النفس، وإن حاول الشيخ محمد حسين(1) الجمع بينهما بكلام غير صحيح جداً(2).

هناك روايات فيها هذه الجملة: (أنت ومالك لأبيك)، أو ما يقرب منها. ومنها ما يجيز تصرّف الأب في أموال الابن، مع شيء من التعارض يرتفع بالجمع العرفي.

وقلنا: إن الرواية السابقة تشمل بإطلاقها صورة ولاية الابن على ابنه في نفسه وماله. وهذا الإطلاق وردت عليه بعض التقييدات، كالتصرّف في نفس الولد، بإيجاره أو بيعه، وماله كبيع داره أو فرشه. فنرفع اليد عن الإطلاق بمقدار التقييد، ونأخذ بالباقي. 

وفي محلّ الكلام وهو ولاية الابن على ولده، لم يقع مورداً للتقييد. وقلنا: إنه لعلّ نفس هذه الجملة منصرفة عن تصرّف الأب في أموال الابن، فقد كان واضحاً أن الولد مستقلّ في ماله ونفسه، وليس لأحد ولاية عليه، مضافاً إلى أنه نسب المال إلى الولد في العبارة، فيحصل لهذه العبارة نحو من الانصراف عن ذلك. نعم، يبقى باب الولاية مشمولاً لها وغير خارج بالتقييد.

ــــــــــ[344]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 375-376، شروط المتعاقدين، أولياء العقد، ولاية الأب والجدّ.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 375-376، شروط المتعاقدين، أولياء العقد، ولاية الأب والجدّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وهناك روايات أخرى مطلقة كالرواية السابقة. كالذي روى عن عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد)(1)، عن عبد بن الله الحسن (وهو مشهور لم يوثّق)، عن علي  بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته، فهوى أن يزوّج أحدهما، وهوى أبوه الآخر، أيّهما أحقّ أن ينكح؟ قال: الذي هوى الجدّ أحقّ بالجارية لأنها وأباها للجد“(2). ورواها علي بن جعفر في كتابه(3)، وبذلك يرتفع الضعف الناتج من عبد الله بن الحسن.

فهذا تعليل وكناية أن في صوره تزاحم الأب والجدّ يكون الجدّ مقدّماً، وبذلك نفهم ولاية الأب وولاية الجدّ وأن كلّاً منهما له أن يتصرّف في نفسه، ولكن ولاية الجدّ مقدّمة، ويستفاد منه أن كلّ تصرّف للابن يمكن أن يقوم به الأب، إلّا ما أشرنا إليه من المعهودية والانصراف، فتبقى الولاية.

باب 68، من كتاب العتق: محمد بن الحسن بإسناده، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي، قال: “أتى النبي رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عمد إلى مملوكي فأعتقه كهيئة المضرّة لي. فقال رسول الله: أنت ومالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانتهيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

(1) قرب الإسناد: 285، باب ما جاء في الأبوين، الحديث 1128.

(2) وسائل الشيعة 20: 291، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 11، الحديث 8.

(3) مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها: 109، قسم المسائل، الحديث 19.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يَشَاءُ الذُّكُورَ… وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا(1)، جازت عتاقة أبيك. يتناول والدك من مالك وبدنك، وليس لك أن تتناول من ماله ولا بدنه شيئاً إلّا بأذنه“(2).

ظاهره أن الابن رجل كبير، وأن العتق كان مضرّاً، وقد أنفذه النبي واستشهد بالآية، وهذه رواية ضعيفة السند، وليست مورداً للعمل، على أن هنالك روايات تدلّ على عدم نفوذ مثل هذا التصرّف من الأب، وصاحب (الوسائل)(3) يحملها على محامل غير عرفية، وعدم العمل بهذه الرواية لا يطعن بالقاعدة المستفادة من الروايات السابقة.

محمد بن الحسن(4) بإسناده، عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن سعيد بن يسار، قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يحجّ من مال ابنه وهو صغير. قال: نعم، يحجّ منه حجّة الإسلام. قلت: وينفق منه. قال: نعم(5). ثُمّ قال: إن مال الولد لوالده، إن رجلاً اختصم هو ووالده إلى النبي فقضى أن المال 

ــــــــــ[346]ــــــــــ

() الشورى: 49-50.

(2) تهذيب الأحكام 8: 236، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، الباب 1، الحديث 82، ووسائل الشيعة 23: 105، كتاب العتق، الباب 67، الحديث 1.

(3) اُنظر: وسائل الشيعة 23: 105، كتاب العتق، الباب 67، ذيل الحديث 1.

(4) باب 36، من أوّل كتاب الحجّ، أبواب وجوبه وشرائطه، وانظر نحوه في باب 107 من أبواب ما يكتسب به. (المقرِّر).

(5) قرأ السيد في نسخته: نعم بالمعروف. وهو غير موجود في نسختنا، وربما يكون زيادة من السيد والله العالم. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

والولد للوالد“(1). وبإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عمرو بن حفص، عن سعيد بن يسار مثله(2).

هذه ليست مورداً للعمل، فتحتاج إلى تأويل، كالفرض على أنها معارضة بروايات أصحّ منها سنداً. وهناك في باب 108 من أبواب ما يُكتسب به، روايات عديدة تدلّ على ذلك(3).

باب 107، من أبواب ما يكتسب به، من كتاب التجارة: محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، قال: “سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه. قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف“. وقال: “في كتاب علي: أن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلّا بإذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها. وذكر أن رسول الله قال لرجل: أنت ومالك لأبيك“(4).

ــــــــــ[347]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 5: 15، كتاب الحجّ، الباب 1، الحديث 44، ووسائل الشيعة 11: 91، كتاب الحجّ، أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الباب 36، الحديث 1.

(2) تهذيب الأحكام 5: 16، كتاب الحجّ، الباب 1، الحديث 45.

(3) راجع الأحاديث الواردة في الباب 78 من أبواب ما يُكتسب من كتاب التجارة من الوسائل 17: 262.

(4) الكافي 5: 136، كتاب المعيشة، باب الرجل يأخذ من مال ولده…، الحديث 5، مَن لا يحضره الفقيه 3: 452، كتاب النكاح، باب أحكام المماليك والإماء، الحديث 4561، إلَّا أنَّه لم يرد فيه صدر الرواية، تهذيب الأحكام 6: 343، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 82، الاستبصار 3: 48، كتاب المكاسب، الباب 26، الحديث 1، ووسائل الشيعة 17: 262، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 78، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فهذا بنفسه يفسّر هذه العبارة النبوية، وهذه رواية صحيحة، ونفهم منها حدود المراد، وأنه ليس المراد بيع الابن أو إيجاره أو بيع ماله، بل المراد التصرّفات الأخرى.

وعنه، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر: “إن رسول الله قال لرجل: أنت ومالك لأبيك. ثُمّ قال أبو جعفر: ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه مما لا بُدّ منه، وَاللَّـهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ(1)“. فهذا توضيح وتقييد للعبارة النبوية، ونفهم من ذلك أن النبي لم يقصد الإطلاق بشموله الواسع؛ لأن الله لا يحب الفساد.

وهناك روايات راجعة الى حدود تصرّف الأب في أموال ابنه كاختصاصه بصورة الاضطرار، أو الحاجة، والإمام يفسّر كلام النبي بحيث لو أخذنا بها لعلّه تنحلّ هذه العقدة وتنفرج لولا سندها.

وعن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: “قلت لأبي عبد الله: ما يحلّ للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطرّ إليه. قال: فقلت له: فقول رسول الله للرجل الذي أتاه فقدّم أباه، فقال له: أنت ومالك لأبيك. فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي فقال: يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أمي، فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه. وقال له: أنت ومالك لأبيك. ولم يكن عند الرجل شيء 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

(1) البقرة: 205.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أفكان رسول الله يحبس الأب للابن“(1). ورواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء(2). ورواه في (معاني الأخبار)(3) عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم. ورواه الشيخ(4) بإسناده عن محمد بن يحيى، وبإسناده عن محمد بن يعقوب.

والمراد بالاضطرار هو مطلق الحاجة الشديدة وليس مراده الاضطرار الذي يحلّ معه أكل الميتة، بل الغصب من الابن ولو من قبل غير الأب إذا كان مضطرّاً.

ورواية الإمام الرضا -في نفس الباب(5)– فيما كتب من مسائله، يذكر فيها العلل، ويذكر نفس النكتة السابقة التي تقول: إن الابن موهوب إلى أبيه، مع بعض نكات الجعل.

إذن، فنفهم من مجموع هذه الروايات ثبوت الولاية للجدّ، وجواز 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 136، كتاب المعيشة، باب الرجل يأخذ من مال ولده…، الحديث 6، ووسائل الشيعة 17: 265، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 78، الحديث 8.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 177، كتاب المعيشة، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات، الحديث 3669.

(3) معاني الأخبار: 155، باب معنى قول النبي’ للرجل… “أنت ومالك لأبيك”، الحديث 1.

(4) تهذيب الأحكام 6: 344، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 87، والاستبصار 3: 49، كتاب المكاسب، الباب 26، الحديث 6.

(5) اُنظر: وسائل الشيعة 17: 266، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 78، الحديث 9.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

التصرّف في أموال ولده بمقدار ما يحتاج إليه ويضطرّ. وفي بعض الروايات أنه إذا دفع الولد نفقة أبيه لم يكن للأب أن يأخذ منه شيئاً. فلا يتحصّل من هذه الروايات أمر على خلاف القاعدة، إلّا مسألة الحجّ والعتق الضرري، وهي ليست مورداً للعمل. ومعه لا حاجة إلى تأويل العبارة النبوية بما ذكره الشيخ محمد حسين(1)، بل هي مجرّد إطلاق وتقييد كسائر التقييدات في العالم. ومعه تكون الولاية(2) والتصرّفات الاعتبارية مشمولة للإطلاق غير خارجة بالتقييد. والرواية بهذا المقدار مورد للفتوى.

[في شمول الروايات للجد الأعلى]

هذا بالنسبة إلى الأب والجد، وأما أبو الجدّ وما بعده، فهل يمكن أن تكون هذه الأخبار شاملة له؟ أو أنه يرد عليها إشكال عقلي هو سنخ الإشكال في الأخبار مع الواسطة. والإشكال على استصحاب الآثار مع الواسطة، والإشكال الذي ذكرناه في رواية الفضولي فيمن تاجر بمال غيره فأجازه الإمام. وهو أن العموم أو الإطلاق ينقّح الموضوع وينقّح الحكم، على ما نتكلّم عنه فيما بعد.

الكلام في أن الجدّ وإن علا هل تستفاد ولايته من الروايات أو لا؟ وهل يرد على الاستفادة -على تقديرها- إشكال عقلي أو لا؟ فهنا كلامان:

ــــــــــ[350]ــــــــــ

() راجع حاشيته على كتاب المكاسب 2: 375-376، شروط المتعاقدين، أولياء العقد، ولاية الأب والجدّ.

(2) يعني: ولاية الولد على ولده. (منه).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أما دلالة نفس الروايات بحسب الفهم العرفي، فلا ينبغي أن يكون محلّاً للإشكال. فعلى فرض حمل قوله: “أن الجارية وأباها لجدها“، أو “أنت ومالك لأبيك“. نفهم منهما الجدّ وجدّ الجدّ مهما علا، فإن الجميع يصدق عليهم الجدّ، بل يصدق عليهم الآباء أيضاً. فيثبت أن الجدّ مهما علا فحكمه نافذ في الصغير. 

والمورد وإن كان هو صورة التعارض بين الأب والجدّ الأدنى إلّا أنه يعطي قاعدة كلّية أخذ منها الجدّ الشامل لمن قبل الجدّ الأدنى من الأجداد. بل إن مناسبات الحكم والموضوع تثبت ذلك. إذ نفهم أن الأجداد مهما تصاعدوا لهم الحقّ في نكاح الجارية. وعلى هذا النحو من الفهم ينتفي الإشكال العقلي أيضاً؛ إذ يكون الأجداد كلّهم لهم التصرّف في عرض واحد.

نعم، لو قلنا إن الجدّ هو الجدّ الأدنى فقط، فإننا نفهم من التعليل أن المراد ليس هو الرجل الذي خاطبه النبي بهذه العبارة، فإن الأئمة طبّقوها على رجال آخرين غير من قالها النبي عليه. والعقلاء يفهمون منها الأعمّ لكلّ أب وابن. ففي كلّ مرتبة من الأجداد هناك أب وابن فيصدق أنه هو وماله لأبيه. فهذا الفهم العقلائي لا ينبغي الإشكال فيه.

[الإشكال العقلي في المقام]

إنما الكلام في الإشكال العقلي هنا، وهو الإشكال في الإخبار مع الواسطة وإجازة المالك للمعاملات الفضولية المتعاقبة، كما في رواية عروة(1) وآخر كتاب الوديعة.

ــــــــــ[351]ــــــــــ

(1) أُنظر: عوالي اللئالي 3: 205، باب التجارة، الحديث 46، مستدرك الوسائل 13: 245، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 18، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

إن في المقام(1) فرقاً بين الموردين ففي مورد الإخبار مع الواسطة، يرى العقلاء أن قوله: (صدق العادل) -لو كان موجوداً- مختصّاً بالإخبار بلا واسطة. ويكون الثاني مصداقاً تعبّدياً للمسألة. ومن هنا وقع الإشكال في أنه كيف ينقّح الموضوع والحكم؟ وأجابوا بالانحلال والقضية الحقيقية، ففي كلّ مرتبة يحدث مصداق جديد، وقد أجبنا في محلّه أنه ليس عندنا دليل على حجّية الأخبار حتى يقع الإشكال، وإنما الدليل كلّه منحصر بالسيرة العقلائية.

وأما في المقام فالفهم العقلائي والعرف لا يفرّق بين الأجداد المتصاعدين، فإننا إن فهمنا ذلك من نفس الرواية، فلا إشكال كما سبق. وإن خصّصنا الجدّ بالأدنى فهو بعد الفراغ عن الدلالة العقلائية، ولهذا في الموارد التي دلّت الأدلّة على معنى، لا نرفع اليد عن حجّيته ما لم يثبت الدليل على الامتناع. وهنا عندنا دليل لفظي حجّة، فما لم يثبت الامتناع يجب التمسّك به.

فيما نحن فيه: أشكلوا أن الرواية تجعل لا ولاية لهذا، وبنفس هذا الدليل يريد جعل الولاية للثاني على نفس ما جعلت له الولاية من الأوّل، فيكون الدليل متكفّلاً لتنقيح الحكم والموضوع معاً. وهذا إما أن نجيب عليه بالانحلال كما ذكروه هناك. أو نقول: إنه لا حاجة إلى ذلك، فإن هذه الولاية حكم إلهي وليست كالإمامة المجعولة من قبل النبي والقضاء المجعول من الإمام، بل يأتي للنظر أن الولاية حكم إلهي بولاية سائر الأجداد على الطفل. وليس النبي يريد أن يجعل الولاية بهذه العبارة، إن لم يكن معلوم 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

() أقول: ثُمّ ذكر السيد في مقام الجواب عن هذا الإشكال. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

العدم، وإنما هو كاشف عن حكم شرعي سابق مدلول بدليله، ومعه لا إشكال حتى نحتاج لدفعه، إذ لا تكون الولايات طولية حتى يقع الإشكال، بل كلّ جدّ من الأوّل جائز التصرّف في الطفل بدليل سابق، فجمعها في العبارة ويقول: ” أنت ومالك لأبيك“.

نعم، لو أردنا تتميم الولاية بهذا الدليل، وقلنا بأنه لا يشمل غير الأب والجدّ الأدنى، فيأتي الإشكال في الأخبار مع الواسطة والفضولي، وقد قلنا أن إجازة الفضولي لا تكفي حتى بالانحلال أو العموم، حتى لو قال (أجزت تمام المعاملات)، بل تمّمناه بمجرّد الرضا المحرز الوجود. كما أننا قلنا في خبر الواحد إنه ليس عندنا كبرى كلّية حتى تكون انحلالية، وأما في المقام فعندنا كبرى كلّية يفهم العقلاء منها الانحلال، وإن كلّ من في السلسلة داخلون فيه، وكلّ فرد مصداق للتعليل، فالإشكال العقلي مرتفع، ولا مانع من الالتزام بنفوذ تصرّف الجدّ مهما علا.

[في ولاية الجد بعد موت الأب]

ثُمّ يأتي البحث في ولاية الجدّ بعد موت الأب، وهو مبتنٍ على مطلب وهو: أنه هل يجب أن يكون الأب والجدّ موجودين حتى يكون الجدّ نافذاً، فترتفع ولايته بعد موته أو لا؟ وهذا مبتنٍ على مطلب وهو: أن ولاية الجدّ هل هي طولية على ولاية الأب أو لا؟ يعني أن الجدّ وليّ على الأب بما هو ولّي الصغير، فلو لم تكن هذه الواسطة في الحياة لم يكن للجدّ ولاية.

بناء عليه إذا كان عدد من الأجداد موجودين في الحياة، وانقطع واحد منهم 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

في الوسط، فإنه ينقطع ما قبله من الأجداد، فهنا أيضاً نقول: إنه إذا مات الأب فلا ولاية للجدّ، وإن الأب والجدّ وليّان في عرض واحد. ولا نفهم من العبارة أن من له الولاية عليه فالجدّ ولي عليه. بل نفهم أنهما وليّان في عرض واحد.

وجهة أخرى، أن رواية عبيد الله بن زرارة، حين تمسّك بالعبارة النبوية هل يريد أن يثبت الأحقّية بعد الفراغ عن الولاية، أو يريد إثبات الولاية للجدّ ومن بعده؟ حتى نفهم ولاية الجدّ بعد موت الجدّ، أو ولاية المتقدّمين من الأجداد، بعد سقوط الحلقات من الوسط.

مسألة اعتبار حياة الأب في ولاية الجدّ عنون في كتاب النكاح، واختلف الفقهاء فيه، حيث نسبوا إلى المتقدّمين(1) أنه يعتبر فيه حياة الأب، والشيخ عنون ذلك في (الخلاف)(2)، وذكر بأنه تنتفي ولاية الجدّ عند موت الأب، ونسب صاحب (الجواهر)(3) ذلك إلى جماعة منهم الشيخان. وتمسّكوا برواية الفضل بن عبد الملك.

أما فيما نحن فيه وهي التصرّفات المالية، فلم يقع خلاف في ولاية الجدّ، من قبل أصحابنا، وصاحب (الجواهر)(4) في كتاب النكاح يجعل من الأدلّة على ولايته هناك بأن الإجماع قائم على نفوذ تصرّفاته المالية، وعدم الفرق بين صورة 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

(1) اُنظر: الكافي (للحلبي): 292، النهاية (للطوسي): 466، المهذّب 2: 195، وغيرها.

(2) اُنظر: الخلاف 4: 265، كتاب النكاح، المسألة 17.

(3) اُنظر: جواهر الكلام 29: 171، كتاب النكاح، القسم الأوّل، الفصل الثالث، الفصل الأوّل.

(4) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وجود الأب وعدمه. فما قاله الشيخ محمد حسين(1) من وجود الخلاف بين الفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين في هذه المسألة وتمسّكهم برواية الفضل بن عبد الملك، كلّه أجنبي عن المسألة، حتى أنه لم يحتمل ذلك أحد في المقام. وإنما قال ذلك بدون مراجعة.

نحن أردنا أن نفهم تصورات المسألة من رواية عبيد الله بن زرارة(2)، و(قرب الإسناد)(3)، فهل نفهم ترتّب الولاية أو لا؟ فإن فهمناه فلا بُدّ من الالتزام -بقطع النظر عن التسالم الموجود- أنه إذا سقط واحد من سلسلة الأجداد سقط ولاية مَن قبله من الأجداد وبقيت ولاية مَن بعده.

احتمالات القضية ثلاثة:

أحدها: أن ولاية الأب من قبيل الواسطة في العروض لولاية الجد، فتدور مدارها وجوداً واستمراراً.

ثانيهما: أن ولاية الأب واسطة لثبوت ولاية الجدّ، والواسطة في الثبوت يمكن أن تسقط مع بقاء الحكم ذي الواسطة.

ثالثها: أنهما ليسا من باب الوساطة أصلاً، بل كما أن الأب ولي فكذلك الجدّ، فلا فرق بينهما من حيث الولاية.

ــــــــــ[355]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 377، شروط المتعاقدين، أولياء العقد، ولاية الأب والجدّ.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ومنشأ هذه الاحتمالات هو فهم العبارة الواردة في رواية عبيد بن زرارة، فإن الفقهاء العامّة بعد أن أفتوا بالبطلان، ويُعلم أنهم لا يرون ولاية الجدّ في حياة الأب. أحتجّ عليهم الإمام بقول النبي: “أنت ومالك لأبيك“. فماذا يريد أن يقول؟ هل يريد أن يقول: ما دمت تستطيع أن تتصرّف فعلاً فيثبت هذا التصرّف لأبيك؟ أو يريد أن يقول: بما أنك أنت ومالك لأبيك، فيثبت له ما ثبت لك، بل أولى منك بالتصرّف؟

فإن فهمنا الأوّل كان ظاهر بالتبعية، فيكون نظير باب النكاح بل أوسع؛ لأن الكلام هناك في الاختصاص بحال الحياة، وهنا أعمّ مما لو انتفت الولاية بموت أو سفه أو جنون أو غيرها، ويكون من قبيل الواسطة في العروض أو الثبوت وجوداً وبقاءً.

وإن فهمنا الثاني عرفاً من العبارة فكأنّه يريد أن يقول: (إنك ومالك لأبيك وإنك لا شيء في مقابل الجدّ). فظهورها العقلائي بهذا المعنى لا بالمعنى الأوّل. 

مضافاً إلى رواية (قرب الإسناد)(1) التي يرويها صاحب(الوسائل)(2) من كتاب علي بن جعفر مباشرة، فتكون بذلك صحيحة، نفهم منها أن البحث فيها عن الأحقّية بعد الفراغ عن ولاية الأب في موضوع النكاح. “لأنها وأباها للجدّ” فلمّا كان الحفيد وأبوه للجد، فيفهم أن الحفيد كما هو لأبيه كذلك هو 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

لجده، وكِلاهما تصرّفهما نافذ فيه بل الجدّ أولى.

كما نفهم من كِلا الروايتين ولاية الأجداد المتصاعدين، فإن كلّ واحد منهم هو وماله لأبيه، فإن الرواية قيلت في البالغ لا في غيره، فكلّ متقدّم أولى من المتأخّر عنه.

فهذا هو حال الروايات على أن المسألة ليست محلّ خلاف، وأما رواية الفضل بن عبد الملك، فضعيفة في نفسها سنداً، على أنها خاصّة في باب النكاح، على أنها -كما قال صاحب (الجواهر)(1)– لا مفهوم لها بل نفهم منها أن ولاية الأب ثابتة حال حياة الأب بلا مفهوم.

أبواب العقد وأولياؤه، باب11، رواية 4: عن حميد بن زياد (واقفي ثقة)، عن الحسن بن محمد (وُثّق)، عن جعفر بن سماعة (لم يوثّق وبه تكون الرواية ضعيفة)، عن أبان، عن الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد الله قال: “إن الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه، وكان أبوها حياً، وكان الجدّ مرضياً جاز. قلنا: فإن هوي أبو الجارية هوى وهوى الجدّ هوى، وهما سواء في العدل في الرضا، قال: أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ“(2).

ــــــــــ[357]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام 29: 171، كتاب النكاح، القسم الأوّل، الفصل الثالث، الفصل الأوّل.

(2) الكافي 5: 396، كتاب النكاح، باب الرجل يريد أن يزوّج ابنته…، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 391، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 40، ووسائل الشيعة 20: 390، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 11، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وأما الاستدلال بولاية الأجداد الآخرين بآية الْأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ(1) فلا يتمّ، إن لم نخصها بما تعرّض له في كتاب الله وهو خصوص الميراث، على أن الجدّ المتأخّر قد يكون أقرب إلى الولد من الجدّ الأعلى.

بقيت مسألة اشتراط تصرّفات الجدّ بكونه عادلاً مرضياً، ومسألة اشتراطه بوجود المصلحة أو عدم المفسدة، أو عدمها(2).

ــــــــــ[358]ــــــــــ

() البقرة: 180.

(2) قلت له بعد البحث: إني أتذكر أن في رواية عبيد الله بن زرارة قوله: “أليس فيما تروون عن رسول الله…” فنعرف أنه احتجّ بالرواية عن طرقهم فتسقط عن الاعتبار. 

فقال: نعم، قد يقال: إن لها مفهوماً في عدم ورودها من طرقنا.

فقلت: كلّا، لا مفهوم لها، وإنما لا بُدّ من الاستدلال بروايات أخرى وردت فيها هذه العبارة النبوية.

فقال: إذن، نفهم منها أن ذلك صادر عن رسول الله.

أقول: هذا لا يمكن باعتبار ظهورها بالاحتجاج والإلزام، ما لم يضمّ صحّة إسناد الروايات من طرقنا أو شهرتها في نفسها كقرينة على ثبوت هذه العبارة النبوية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  





اشتراط العدالة في الولي

 

ولاية الأب والجدّ وسائر الأجداد هل هي مشترطة بالعدالة، أم أنه ولي ولو لم يكن عادلاً؟ الشيخ(1) تمسّك بالأصل، ولم يذكر ما هو هذا الأصل، وتمسّكوا من الطرف الآخر بالأصول، التي يعلم ما هي، إلّا أن المهمّ هو تحقيق مراد الشيخ من الأصل. والاحتمالات الموجودة في هذا الأصل عدد من الوجوه.

[تحقيق مراد الشيخ من الأصل]

فإننا مرّة نلحظ عنوان الولاية بنفسه ومفهومها. وأخرى نلاحظ الولاية المجعولة للأب والجدّ من قبل الشارع، وثالثة نلاحظ جعل الشارع للولاية. وعلى كلٍّ منها يمكن تقريب الأصل.

التقريب الأول: 

أن يقال: عنوان ولاية الأب عنوانٌ ثابت من الأزل، قبل جعل الشارع، لم يكن مشروطاً ومتقيّداً بأمرٍ كالعدالة. وبعد أن جعل الشارع المصداق وهو الولاية، فإن جعله على العادل فقد حصل تقييد على هذا العنوان، لكنّا نشكّ أن 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 535، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسائل متفرّقة، مسألة: في ولاية الأب والجدّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

هذا الاشتراط حاصل أو لا. وحينئذٍ فنأتي بالمفهوم إلى زمان الشارع ونقول: إنه غير متقيّد.

وأخرى نلاحظ الولاية من ناحية الجعل، كالجعل في الوقف والوصايا، فإذا شككنا في أنه وقف على أولاده مطلقاً أو على أولاده العدول، فنقول: إن الجعل على الأولاد مهملاً معلوم، ونشكّ في القيد الزائد، والأصل أن الجعل غير مقيّد بقيد زائد.

وهناك استصحاب المجعول نذكره بعد مناقشة هذين الاستصحابين.

القاعدة العامّة في الأصل المثبت: أننا إذا استصحبنا موضوعاً ووقع تحت كبرى كلّية شرعية شاملة له، لم يكن مثبتاً، وإذا لم تكن عندنا كبرى شرعية لكنّها كانت عقلية، كان مثبتاً، فإذا قال المولى: (يجوز الطلاق عند العادل)، فنستصحب أنه كان عادلاً فالآن عادل. وأمّا إذا أردنا أن نستصحب عدالته. فإن كان عندنا كبرى شرعية تقول: (إذا كانت عدالة زيد موجودة فكذا)، فهو، وإلّا إذا كان من باب (أن عدالة زيد موجودة فهو عادل لا محالة)، فهو من حكم العقل، فلا يثبت بالاستصحاب. فيجب أن ننقح موضوع الكبرى الشرعية وهي: (كان زيد عادلاً، فالآن هو عادل).

وفي المقام لو لم يكن عندنا إلّا إشكال واحد، فإن كِلا التقريبين للاستصحاب يكونان مثبتين. أما التقريب الأول: الذي يقال فيه: إن ولاية الأب كانت غير متقيّدة بشيء فالآن غير متقيّدة، لإثبات أن زيداً ولي مطلقاً، كان هذا مثبتاً. نعم، لو كان زيد وليّاً عادلاً، ثُمّ ارتفعت عدالته فإنك تستصحب كونه وليّاً. وأما التقريب الثاني الذي يقال فيه: تعلّق الجعل بالولاية 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولم يعلم أنه تعلّق بأمر زائد، فنستصحب عدم تعلّقه بالزائد، فإن تعلّق الجعل بالزائد وعدمه ليس له حكم شرعي، وليس عندنا كبرى تقول: (إذا لم يتعلّق الجعل فكذا)، وإنما هو حكم العقل أنه إذا لم يتعلّق الجعل بالقيد فلا بُدّ أن يكون المجعول مطلقاً، فيكون مثبتاً وإن كان له حالة سابقة بالنحو الذي قلناه.

[التقريب الثاني]

إن المجعول(1) الذي جعله الشارع، ونحن نعلم أنه تعلّق الجعل بالولاية، غاية الأمر لا نعلم أنه جعلها للعادل أو للأب وإن لم يكن عادلاً. فهذا الوجود الاعتباري المجعول نشير إليه ونقول: إن اشتراط العدالة منذ الأزل لم يكن في هذا الموجود -مشيراً إلى الماهيّة-، وبعد أن تحقّق نشكّ في أنه أصبح مشروطاً أو لا، فنستصحب.

نظير عدم القرشية، أو عدم القابلية للتذكية، أو عدم مخالفة الشرط للكتاب. ومحصّل هذه الاستصحابات: أن الشيء مرّة يكون لازم الماهيّة، وأخرى يكون من عوارض وجود الماهيّة في الخارج. 

فمثال لازم الماهيّة: أن الزاوية تساوي قائمتين، أو الأربعة زوج. ومثال ما يكون من عوارض الوجود: القرشية للمرأة، فما كان من لوازم الماهيّة، فلا يمكن أن يكون له حالة سابقة، فقابلية التذكية من لوازم الماهيّة فلا يمكن أن يجري فيها الاستصحاب، وأما إذا كان من عوارض الوجود كالقرشية والقابلية 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

() قرر السيد في هذه المحاضرة استصحاب الولاية المجعولة، فقال: إن المجعول… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

-بناءً على كونه من عوارض الوجود-، فنقول: إن هذه المرأة قبل الوجود لم تكن منتسبة لقريش، وبعد أن وجدت نشكّ أنها أصبحت منتسبة أو لا، فنستصحب عدم القرشية ونثبت لها الحكم.

هنا أيضاً نقول نظير ذلك: إن الولاية حين تجعل في الخارج يعتبر في ثبوتها للموضوع العدالة، وليس اشتراطها بذلك من لوازم الماهيّة، بل هي نظير عوارض الوجود، فنقول: إن هذه الولاية قبل تحقّقها الاعتباري من قبل الشارع لم تكن مشروطة بالعدالة، وبعد تحقّقها نشكّ في أنها هل شرطت أم لا؟ فنستصحب عدم كون الولاية مشروطة إلى هذا الزمان، فنثبت أن هذه الولاية الجزئية المجعولة لهذا الإنسان غير مشروطة بالعدالة.

وفي المقام لا يمكن أن نعطي التفصيلات والمقدّمات الكثيرة التي ذكرناها في الأصول(1)، إلّا أنه نذكر في المقام مختصراً ما يكون مناسباً للغرض فعلاً.

ففي مثال القرشية، ما يمكن أن يكون هو موضوع الحكم الشرعي تصوّراً، فيه عدّة احتمالات:

أحدها: أن يكون بنحو الموجبة المعدولة: (المرأة غير القرشية تحيض إلى خمسين). ولا أقول إنها موجبة معدولة؛ لأن الموضوع دائماً مفاهيم مفردة إلّا أنه من قبيلها.

الثاني: بنحو الموجبة سالبة المحمول: (المرأة التي لم تكن قرشية).

ــــــــــ[362]ــــــــــ

(1) اُنظر: مناهج الوصول 2: 259-269، أنوار الهداية 2: 101-113، الاستصحاب: 69-104، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الثالث: سالبة بنحو حفظ الموضوع وفرض وجوده. نحو: (المرأة لم تكن قرشية).

الرابع: أن يكون السلب تحصيلياً بحيث يناسب مع وجود الموضوع وعدمه. نحو: (المرأة لم تكن قرشية)، ولو بسلب الموضوع.

إلّا أن الأخير لا يمكن أن يكون موضوعاً؛ لأن الشيء العدمي لا يكون موضوعاً للحكم الثبوتي، إلّا بعد الوجود كما يأتي.

وما يمكن أن يكون هو الموضوع هو القضايا الأُوَل، فإن أُخذت بأحد الأنحاء الثلاثة، فلا يمكن أن يثبت للمرأة شيء قبل وجودها. فإن الشيء المعدوم المطلق لا يمكن أن يثبت له شيء، بحيث تثبت له صفة (غير القرشية) أو (التي لا تكون قرشية). 

وإذا قيل: إنها حال عدمها إما قرشية وإما غير قرشية. 

نقول: كلّا! فإن نقيض الموجبة هي السالبة المحصلة المناسبة مع ارتفاع الموضوع، وأما (المرأة غير القرشية) فموجبة، والموجبة يستحيل أن تناقض الموجبة، بل حال العدم أنه لا قرشي ولا غير قرشي. نعم، هي حال العدم ليست قرشية؛ لأنه لا قضيّة ولا موضوع ولا محمول ولا نسبة. وأما اعتبار الوجود الموضوع فمعلوم أنه لا معنى له.

وأما الرابع: بأن نستصحب ونجلب السلب التحصيلي إلى زمان الوجود، فنقول: هذه المرأة ليست قرشية في الأزل، ولو بسلب المحمول، وهذا كافٍ في المسألة. 

نقول: لو كانت أمارة لكانت كافية. ولكن باستصحاب المعنى الأعمّ لا 

ــــــــــ[363]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

يثبت المعنى الأخصّ، كاستصحاب جامع الحيوان لإثبات وجود الفيل؛ فإنه مثبت. وفي المقام تتيقّن بالسالبة المحصّلة الأعمّ من وجود الموضوع وعدمه فنتيقّن بها سابقاً، وهي لا بُدّ أن تكون موضوع شكّنا لاحقاً، وإثبات هذا المعنى لفرده الموجود مثبت، فإن انطباقها عليه عقلي لا شرعي، بناءً عليه فالأصل بهذا النحو أيضاً باطل.

[التقريب الثالث]

الاحتمال الآخر للأصل في كلام الشيخ: أنه لا يريد أن يستصحب الكون الناقص -كما في الاحتمالات السابقة- بل يريد أن يجلب الكون المحمولي إلى هذا الزمان. فإن الاشتراط بالعدالة والانتساب إلى قريش أمور حادثة وليست بأزلية، لم يكن لها وجود فالآن أيضاً غير موجودة بالاستصحاب، إلا أنك تريد أن تثبت أن هذا الأب ولي بدون شرط، وإثباته باستصحاب عدم الاشتراط مثبت. وكذلك إثبات كون المرأة ليست قرشية باستصحاب عدم الانتساب، فإن استصحاب الكون المحمولي لإثبات الكون الرابط من أوضح أنحاء الأصل المثبت.

إذن فالأصول غير تامّة، ولا دخل لها في المسألة، العمدة في المقام هو الإطلاقات.

[نقد ما قرره الآخوند في العام والخاص]

الآخوند(1) في باب العامّ والخاصّ، يقول ما حاصله: أنه إذا ورد عامّ 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

(1) اُنظر: كفاية الأُصول: 223، المقصد الرابع، إيقاظ.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وخاصّ، ففي أكثر الأحيان نستطيع أن نحرز موضوع العامّ المخصَّص، فإنه وإن كان التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية لا يمكن بلا إشكال، إلّا أنه يكون تمسّكاً بالعامّ مع وجود الاستصحاب الموضوعي. ومثّل له باستصحاب عدم القرشية. وقال(1): ورد(2): المرأة ترى الدم إلى الخمسين، خرج منه القرشية، ونحن وإن لم ننقّح القرشية بالأصل، إلّا أن أصل عدم الانتساب بين المرأة وقريش له حالة سابقة، فنستصحبها ونتمسّك بالعامّ وهو أنها لا ترى الدم؛ لأن المرأة التي لا يكون بينها وبين قريش نسبة، تكون مندرجة تحت قوله: (المرأة ترى الدم إلى خمسين). فهو يريد جرّ عدم الانتساب إلى زمان الحياة وينقّح أنه باقٍ تحت العامّ.

فإن أخذنا بظاهر كلامه -والظاهر حجّة-؛ فعليه إشكال واضح، فإن المرأة التي لا تكون من قريش، قضيّة موجبة سالبة المحمول. وإثبات ذلك باستصحاب السلب المحمولي من أسوء أنحاء الأصل المثبت.

[التقريب الرابع]

تقريب آخر أسلم إلّا أنه أيضاً لا يخلو عن إشكال، وذلك أن يقال: إننا نحسب -تصوّراً-: أن الموضوع مركّب من المرأة ومن عدم انتسابها إلى القريش. والمرأة محرزة بالوجدان لنا وعدم الانتساب بالأصل، فيتمّ الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل.

ــــــــــ[365]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 2: 335، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب 31.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ونحن بغضّ النظر عن الإشكال المشترك في الموضوعات المركّبة، نقول: إن الجزء الآخر هل هو عدم الانتساب حال الوجود، أو حال العدم، أو الجامع بينهما؟

أما كونه حال العدم فلا يمكن أن يكون موضوعاً ولا جزء الموضوع كما هو معلوم. وأما كونه جامعاً بين حال الوجود وحال العدم مناسباً معهما، فهذا الجامع لا محالة يتعيّن بأحد فردَيه، وهو ما يكون حال الوجود لاستحالة تعيّنه بالفرد الآخر. فيكون هو القسم الثالث، وهو أن يكون الجزء الآخر هو الانتساب حال الوجود، فيكون الموضوع هو المرأة وعدم انتسابها إلى قريش على أن يكون زمان الوجود قيداً.

وما قيل من أن القضايا الحينية قضايا مشروطة، مبني على تخيّل أن القضيّة بإدخال لفظ (الحين) تكون حينية، مع أن الشرطية والحينية أمر واقعي، فقولنا: (كان زيد عادلاً فالآن عادل)، حيث إنه لا دخل للزمان في الموضوع أصلاً، فتكون قضيّة حينية؟ 

وهذا بخلاف المقام، فإن عدم الانتساب إنما يكون في حال الوجود لا في حال العدم، إذن فزمان الوجود له دخل في الموضوع، فما هو المتيقّن هو عدم تحقّق الانتساب قبل وجود المرأة، وإلّا فبعد الوجود نحن شاكّون بالانتساب، وإنما كان اليقين حال العدم باعتبار أنه لا انتساب ولا امرأة ولا قريش. فيصدق بأن انتساب المرأة إلى قريش لم يكن، فاليقين متعلّق بعدم الانتساب حال عدم الموضوع، وأنت تجرّه إلى زمان وجود الموضوع، فيثبت عدم الانتساب حال الوجود. وهو من المثبتات الشائعة.

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فالأصول غير تامّة، والمهمّ هو إطلاق الأدلّة، حيث أنكره البعض، فهل هو متوفّر عندنا أم لا؟

[دلالة الروايات في المقام]

عندنا رواية محمد بن مسلم في باب القضايا -سبقت، وفي (الوسائل) باب 92، من كتاب القضايا- وسندها جيد. قال فيها: (لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حيّ)(1). فإذا كان مراده كونه نافذاً إذا كان عادلاً، فلا بُدّ أن يقيّد، وليس عدد العدول أغلبياً حتى يقال: إن الإمام استند على الأغلبية، فإن لم يكن الأغلب بالعكس، إلّا أن وجود غير العادل ليس نادراً بل هو نصف أو أكثر ممن يموت ويخلّف أولاداً. فترك الاستفصال مع لزوم التقييد -على فرض الخلاف- يدلّ على الإطلاق.

فنفهم أن كلّ ما أذن فيه الأب من أموال الابن فهو نافذ سواء كان عادلاً أو لم يكن. وإطلاقها ثابت بلا إشكال. ويحتاج في التقييد إلى دليل، إن لم نقل إنه من تقييد الأكثر، فهو غير خالٍ من الإشكال. 

ورواية خالد الطويل -نفس الباب من(الوسائل)(2)– وفيها قوله: “أما قول ابن أبي ليلى فلا استطيع ردّه، وأما فيما بينك وبين الله عزّ وجلّ فليس عليك ضمان“(3). فإنه نفى الضمان بلا استفصال، فبمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) وقد سبقت فراجع. (المقرِّر).

(3) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

العادل وغيره من الآباء.

وكذلك رواية عبيد بن زرارة، التي ناقش فيها الإمام الصادق علماء العامّة، فإنها أيضاً مطلقة -يعني قوله: “أنت ومالك لأبيك“(1)– مطلق من حيث العدالة وعدمها.

إذن فالإطلاق تامّ، وإنما الإشكال في المانع، فإنه أُدّعي المانع العقلي الذي ذكره في (الإيضاح) (2)، والمانع وهو: آية النبأ(3) وآية الركون(4) اللتين تمسّكوا بهما. هل يكون ذلك مانعاً عن الإطلاق أم لا؟

بعد أن اقتضى الإطلاق ولاية الأب والجدّ، والأجداد المتقدّمين، لا بُدّ من إقامة الحجّة على الخلاف حتى نرفع اليد عن هذه الحجّية؛ إما بقرينة عقلية أو شرعية، وإلّا فنتمسّك بالإطلاق.

الأدلّة التي أقيمت لاعتبار العدالة تختلف من حيث النتيجة، لو تمّت، فبعضها يقتضي أن غير العادل ليس ولياً، حتى إذا عمل طبقاً للمصلحة فعمله باطل، فهو كالأجنبي لا ولاية له، وإنما العادل هو الولي. وذلك كآية الركون إلى الظالم. فإنها -لو تمّت دلالتها- تعتبر العدالة موضوعياً، فإن جعل الولاية 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) اُنظر: إيضاح الفوائد 2: 628، كتاب الوقوف والهدايا، المقصد الرابع، الفصل الرابع، المطلب الثاني.

(3) أي: الآية: 6 من سورة الحجرات.

(4) أي: الآية: 113 من سورة هود.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

للفاسق ركون له، والفاسق ظالم، والركون إلى الظالم محرّم. وهذا ليس تحريماً على الله تعالى لعدم معقولية شمول التكليف في الآية له، وإنما هو بمعنى أن جعل الولاية للظالم قبيح، والله لا يفعل القبيح. وحينئذٍ فينتج أن الفاسق سواء كان تصرّفه موافقاً لمصلحة الطفل أو لم يكن، فإنه لا يكون نافذاً، وعمله باطل؛ لأنه تصرّف بمال الغير بلا ولاية.

وأما إذا تمسّكنا بآية النبأ -كما كتب عن الشيخ في تقريرات اللقطة(1)– فإنها لا يستفاد منها أن العدالة لها موضوعية، وإنما ذلك باعتبار الإيصال إلى الواقع، باعتبار أن تصديق كلام الفاسق لا يوصل إلى الواقع، وقد يحصل منه الندم. فإن الفاسق لا يبالي أن يعمل بالصلاح أو لا يعمل، فلا نستطيع أن نقول إنه ليس بوليّ، بل لا بُدّ من التثبت في إخباره.

[حول دلالة العقل على اعتبار العدالة]

وإن تمسّكنا بدليل العقل الذي يذكره في (الإيضاح)(2)، وحاصله: أن الصغير الذي لا يستطيع دفع المفسدة عن نفسه، يستحيل من حكمة الباري تعالى أن يجعل عنه وليّاً في إقراراته وإخباراته، مع أنه غير مبالٍ بالعصيان والمفاسد. محال على الله أن يعمل هذا العمل.

ــــــــــ[369]ــــــــــ

(1) حكاه عنه في هداية الطالب إلى أسرار المكاسب 2: 323، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في أولياء التصرّف.

(2) اُنظر: إيضاح الفوائد 2: 628، كتاب الوقوف والهدايا، المقصد الرابع، الفصل الرابع، المطلب الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

وهذا الوجه لا يستفاد منه اعتبار العدالة بالنحو الذي يعتبر في الصلاة أو الطلاق، بل يكفي أن يكون أميناً، ولا يستفاد منه اعتبارها بنحو الموضوعية.

فما قاله المرحوم النائيني(1) من أن هذا البحث لا ثمرة فيه؛ لأننا إذا قلنا باعتبار المصلحة فمعاملة الفاسق صحيحة، وإذا قلنا بأنه يعتبر عدم المفسدة فكذلك. وإلّا فمعاملته باطلة. 

إلّا أن هذا الكلام محلّ إشكال طرداً وعكساً. فإننا من أين استفدنا ذلك؟ فإن لم يجعل الله تعالى الفاسق وليّاً فلا يصحّ عمله وإن كان فيه مصلحة. كما إذا جعل شخص وليّاً فليس معناه أنه في الواقع معاملاته باطلة، بل بمعنى أن نظره هو المتّبع في تشخيص المصلحة والمفسدة وإن كان مخالفاً للواقع.

أما الوجه العقلي لصاحب (الإيضاح) فنقول في جوابه: إننا في الأحكام التي يجعلها الشارع، حين نلاحظ أن (لا جعلها) أكثر مفسدة من جعلها، وإن كان في جعلها مفسدة أيضاً، فإذا دار الأمر بينهما كان الجعل مرجّحاً لا محالة، فإذا دار الأمر بين جعل الولاية على نحو الإطلاق، أو مقيّدة بالعدالة وكان الأب الفاسق قد لا يبالي بالمصالح والمفاسد، إلّا أن عدم جعل الولاية له بمعنى التقييد بالعدالة، يستلزم فساداً أكبر، على ما نذكر، وحكمة الباري تعالى تقتضي أن يأمر بما هو أقلّ مفسدة لا محالة. وهنا إن لم ندّعِ أن الجعل للعادل أكثر مفسدة من الجعل المطلق، فلا أقلّ من احتماله.

والوجه في ذلك: أن هذا الحكم ليس مجعولاً على فرد معيّن، بل هو سار 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 323، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

على الأمّة الإسلامية كلّها، أو على مجموع سكان الأرض إذا انتشر الإسلام إن شاء الله تعالى. فالشرع غير خارج من حالين: إما أن يجعل الولاية للأب والجدّ العادل دون الفاسق، وإما أن الفاسق لا يجعل له الولاية بل يهمل أمره يعمل ما يشاء، فإن أهمل أمره كان كما لو جعل له الولاية، فإن الفاسق يعمل ما يشاء سواء وليّاً أو لم يكن. وإذا لم يهمله؛ فإما أن يكون للمسلمين حاكم شرعي عادل مستند في عمله إلى القضاة والعمال، وأما أن لا يكون ذلك بل يكون الوضع على نحو أيامنا هذه(1).

فإن كان هناك حكومة عادلة، فنرى أيّ مفسدة تحصل عند عدم ولاية الأب الفاسق؟! فإنه لا بُدّ للعمال والقضاة من أن يحفظوا أموال آلاف الأطفال حال وجود الأب، وبعد موته إذا لم يكن الجدّ عادلاً أو شكّ في عدالة الأب أو الجدّ. فيكون من وظيفة الحاكم أن يختم بالشمع كلّ الأبواب، بمجرّد أن يحتمل أن فيها أطفالاً(2) أو أن تموت الأم أو أن يموت الأب أو احتمل تحوّله إلى الفسق وهكذا.

فإذا عمل الشارع ذلك تحصل اختلافات عظيمة بين الناس، وتقف أمور الدولة لأجل كثرة الأطفال واليتامى، بل إن هذا أيضاً لا يكفي؛ لأن الفسّاق إذا علموا من الحاكم هذا القرار فإنهم يأكلون المال قبل أن يصل خبره إلى 

ــــــــــ[371]ــــــــــ

() أقول: لم يتكلّم السيد على التقدير الأخير إما غفلة أو باعتبار وضوح نتيجته، فتأمّل. (المقرِّر).

(2) لا يخفى ما في هذا الفرض. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الحاكم. فإن الحاكم لا يصل إلى كلّ الوقائع ولا يعلم بكلّ الأحوال. ولا يجوز للشارع عقلاً أن يخلط أمور المملكة ويحصل الاختلاف بين الناس في سبيل الأطفال واليتامى، فيصرف نصف ميزانية الدولة لأجل ذلك، فيكون له على كلّ الناس عيون وجواسيس، وعمال بعدد الناس كلّهم.

فإذا احتملنا ذلك، بل احتملنا أن هناك مصلحة عند الله لا نعلمها يكفي في الأخذ بالإطلاق الذي هو حجّة في نفسه، ونقول في مقابل (الإيضاح) إنه يستحيل عدم جعل الولاية المطلقة.

[الاستدلال بآية الركون على اشتراط العدالة]

وأما آية وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(1) فيذكر في (مجمع البيان)(2) أنه ورد عنهم: أن الركون إلى الظالم هو المدح والنصيحة والطاعة. ومن مناهي النبي المروية في (الفقيه)(3) و(الوسائل)(4) النهي عن مدح الظالم والتواضع له والطاعة له، إن الله تعالى قال: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ .

ومن نفس الآية نفهم هذا المعنى، وبعدها قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

(1) هود: 113..

(2) مجمع البيان 5: 306، تفسير سورة هود.

(3) اُنظر: مَن لا يحضره الفقيه 4: 11، باب ذكر جملٍ من مناهي النبي’.

(4) اُنظر: وسائل الشيعة 17: 183، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 43، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمّ لَا تُنْصَرُونَ(1)، إن المسألة التي تكون بهذه العظمة، لا تثبت لمن لم يردّ السلام، بحيث لا يجوز أن نقول له: صبّحكم الله بالخير!! وإنما هو راجع إلى الظلمة، والأمر بمقاومتهم مقاومة سلبية، فإن الظالم إذا واجه أوجهاً مكفهرّة فإنه يقصر في ظلمه لا محالة، وإنما حصّل الظَلَمَة القوة من التشويق والتأييد الذي يحصلون عليه. فكانوا يجعلون لهم الأحاديث، حتى قال الخليفة نفسه: (إن قفاك لقفا كاذب على رسول الله)(2)، ولا تشمل الآية الفاسق المرتكب لبعض الصغائر والكبائر. إذن فالآية أجنبية عن المقام.

مضافاً إلى أنه نهيٌ لنا، وأنا لم أجعله وليّاً، وإنما يأتي هذا النهي في جعل الوصاية، وأما شمول النهي للشارع المقدّس فلا معنى له، كما لا معنى لشمول التقبيح له أيضاً، فإنه يعمل على مصالح كبرى قد لا تكون مدركة لعقولنا، وليس لنا أن نقيس أفعال الشارع بأقوالنا وأفعالنا وعقولنا القاصرة. أنه يرسل موسى إلى فرعون لعلّه يذكر أو يخشى(3)، وهذه غاية العناية منه عزّ وجلّ مع علمه بعصيانه، فلماذا نقول: أنه يستحيل على الباري أن يجعل أو يجب عليه أن يجعل.

وأما آية النبأ التي ذكر الشيخ لها وجوهاً، فهي غير مهمّة، إذن فالمقيّد غير موجود، والإطلاق نتمسّك به.

ــــــــــ[373]ــــــــــ

() هود: 113.

(2) اُنظر: تاريخ بغداد 12: 320، تاريخ دمشق 53: 425.

(3) إشارة إلى قوله تعالى: فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه: 44).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

احتملوا أن نظر فخر المحقّقين إلى آية النبأ، فإنه قال(1): إن الفاسق في إخباراته وإقرارته، لا يجب تصديقه عقلاً، وعليه نصّ الكتاب، فالظاهر أنه يشير إلى آية النبأ، فيكون تصديق الفاسق منافياً مع الآية.

إلّا أن في ذلك نظراً، وذلك أن لنا كلامين:

أحدهما: أن نبحث أن إخبارات وإقرارات الفاسق، هل ينافي قبولها الآية أو لا؟

ثانيهما: أن نبحث في أنه هل يستفاد من الآية: أن أفعال الولي كإخباراته كما نسب(2) إلى الشيخ في بحث اللقطة، ويُـجَر من بحث اللقطة إلى المقام أو لا؟

أما تقريب عدم قبول إخبارات الولي الفاسق فهو أن يقال: إن جعل الولاية لشخص ملازم شرعاً مع قبول إقراراته بالنسبة إلى ذلك الشيء، فنفهم من جعله في الروايات وليّاً مطلقاً ولو كان فاسقاً، نفهم بالملازمة الشرعية أن إخباراته يعني -الأب والجدّ- وإقراراته مقبولة. إذن فالروايات تدلّ بالملازمة الشرعية على قبول قول الولي فاسقاً كان أو لا.

والآية تدلّ على عدم قبول قول الفاسق سواء كان وليّاً أو غير ولي. فيتعارضان بنحو العموم من وجه. وإذا تعارضت آية مع رواية تقدّمت الآية، ولم تتقدّم الرواية إلّا بعلاج.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

(1) اُنظر: إيضاح الفوائد 2: 628، كتاب الوقوف والهدايا، المقصد الرابع، الفصل الرابع، المطلب الثاني.

(2) حكاه عنه في هداية الطالب إلى أسرار المكاسب 2: 323، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في أولياء التصرّف.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ولا يكون العلاج هو أن خبر الفاسق في نفسه غير مقبول، وإن كان وليّاً كان قوله مقبولاً؛ لأن(1) الأحكام الواردة على الموضوعات، تارةً تكون حينية، مثلاً قوله: (الغنم حلال)، لا إطلاق لها لحال كونها موطوءة؛ لأنها في مقام بيان حكم الذات، لا في مقام بيان الحكم الفعلي. فلو ورد: (الموطوء محرّم). فإن النسبة وإن كانت هي العموم من وجه، إلا أنهما لا يكونان متعارضين، لأن النسبة بينهما هي العموم من وجه.

إلّا أنه ليس دائماً إذا تعلّق الحكم بموضوع نقول: إنه من حيث الذات كذا ومن حيث العارض كذا. فإن هذا خاصّ بالأحكام الحيثية دون الأحكام الفعلية، والمراد بآية النبأ على تقدير دلالتها: أن إخبار الفاسق لا بُدّ من التثبت به إن أوجد احتمالاً، وإلّا فإن وجوده كعدمه. إذن فالآية مع الرواية عامّان من وجه، فإذا لم يوجد عندنا علاج، فلا بُدّ من تقديم الآية.

وأما إذا قلنا بأنه لا ملازمة شرعية بين جعل الولاية وقبول قول الولي، فلا تعارض بين الدليلين، إلّا أن النتيجة تكون أن تصرّفاته نافذة، لكنّ إخباراته غير نافذة.

هنا كلامان:

أحدهما: في مفاد الآية الكريمة، وأنه هل يستفاد منها أن قول الفاسق مطلقاً غير معتبر، أو لا يستفاد؟ وإنما الآية تتعرّض إلى الذهاب إلى الحرب أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(2)، وإن قول الفاسق لا 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

() وهذا شروع في الجواب. (المقرِّر).

(2) الحجرات: 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ينبغي التعويل عليه في الأمور المهمّة والتجهيز للحرب ومنازلة بني المصطلق وقتل الألوف، بل لا بُدّ من التثبّت في المطلب، بل لا ينبغي حتى التعويل على كلام العادل وإن كان ثقة، بل البيّنة كذلك، ما لم ينتهي التثبّت إلى العلم. فالآية مربوطة بعظائم الأمور وليست في مقام أن كلام الفاسق غير معتبر أو أن كلام العادل معتبر. ومعه لا تقع المعارضة بينها وبين تلك الروايات، بل الروايات تدلّ على حجّية قول الولي بلا معارض، والقواعد العقلائية تقتضي العمل بخبر الثقة عادلاً أو فاسقاً بل كافراً، ولم تتعرّض الآية لذلك، حتى يدور الأمر بين تخصيص الآية أو ردع بناء العقلاء بالآية ويقع البحث الطويل عن ذلك.

وإن أغمضنا عن ذلك وقلنا بدلالة الآية: فمرّة: يكون عندنا دليل لفظي بأن: (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)(1)، وهو غير موجود. وأخرى: قام إجماع على ذلك. وثالثة: عندنا إجماع بخصوص الفسّاق، فإذا كان الإجماع بخصوص الفسّاق فإنه يقيّد الآية، باعتباره يكشف عن الدليل المعتبر رضا الشارع، وإذا كان عندنا دليل لفظي فيكونان عامّين من وجه، فيكون الكلام هو الكلام، ولا بُدّ من تقديم الآية.

نعم، لو دلّ دليل على خصوص المالكين الفسّاق، في اعتبار الإقرار، فأخبار الولاية يمكن التمسّك بها كقوله: “أنت ومالك لأبيك“(2)، وحينئذٍ 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

(1) هذه القاعدة من القواعد الفقهيّة المشهورة المتداولة على ألسنة الفقهاء، واستدلالهم بها كاستدلالهم بالآية والرواية، وإن لم ترد في خبرٍ أو أثرٍ معتبرٍ. راجع ما أفاده السيّد البجنوردي في القواعد الفقهيّة 1: 11، قاعدة من ملك، الجهة الثالثة، وغيره.

(2) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فيقال: بأن الآية ودليل نفوذ الإقرار وإن كانا عامّين من وجه، ولكن في خصوص هذا المورد راجع إلى المالك وروايات الولاية تنزّل منزلة المالك، فيكون إقراره مسموعاً، وداخلاً في العنوان المخصّص، وأما إذا كان هناك إجماع، فلا نعرف حدوده، ولم يقم إجماع في الفاسق.

[ما نُقِل عن الشيخ في المقام والتأمل فيه]

الشيخ على ما نقل(1) عنه في بحث اللقطة، أنه ألحق أعمال الفسّاق بأقوالهم في عدم الاعتبار، بثلاثة طرق.

أحدها: لو كان التثبّت في الأقوال لازماً فهو في الأفعال ألزم. وما الفرق بين الأفعال والأقوال.

الثاني: أن معنى الجهالة الوقوع بخلاف الواقع، وهو كما يكون في الأقوال يكون في الأفعال.

الثالث: أن الندامة في الاتكال على الأفعال أشدّ منه في الاتكال على الأقوال.

لكنّ هذا من أساسه باطل، فإنك لا تعرف الفرق بين الأقوال والأفعال، فذو اليد الفاسق، وإن لم نقبل قوله، لكن نقبل عمله، والشارع يرتّب عليه الأثر، وإنكار ذلك يلزم منه تغيير الفقه واضطراب سوق المسلمين، ولا أظنّ أن الشيخ يريد أن يقول ذلك.

ــــــــــ[377]ــــــــــ

(1) حكاه عنه في هداية الطالب إلى أسرار المكاسب 2: 223، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في أولياء التصرّف.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

ثُمّ إنه ليس مطلقاً الجهالة هي العلّة، بل إصابة القوم بجهالة هو العلّة، وذلك هو الحرب معهم، وقتلهم، ولا يمكن تجريده عن الخصوصية، والندامة المرادة في الآية ليست مطلق الندامة، بل الندامة العظيمة الناتجة عن القتل الجماعي بغير حقّ.

ومما دلّ على التقييد رواية الفضل(1) بن عبد الملك السابقة التي قال فيها: “وكان أبوها حياً وكان الجدّ مرضياً” وقال: “وهما سواء في العدل والرضا“. إلّا أنها غير تامّة سنداً، والعلّامة(2) ادّعى الإجماع أن الفسق ليس مانعاً، والعدالة غير معتبرة في النكاح. فالرواية معرض عنها من قبل الفقهاء. 

ثُمّ إنه هل يمكن أن نرفع اليد عن إطلاق تلك الأدلّة بهذه الرواية؟ وإن كان الجمع بين المطلق والمقيّد عقلائياً، لكن هذا ليس دائمياً، وإنما يكون تامّاً فيما لو كان العامّ أو المطلق وارداً في مقام بيان القاعدة العامّة فيما لو كان السؤال كلّياً، وأما لو كان السائل يسأل عن أمر هو محلّ ابتلائي، فالإمام ليس له أن يقول المطلق ليصدر المقيّد بعد ذلك، وإلّا كان تغريراً بالجهل، فلا يكون هنا الجمع العقلائي ممكناً، بل يقع التعارض بين المطلق والمقيّد، والمقام من هذا القبيل، محلّ الابتلاء، حيث يسأله: (أنا ضامن أو لا). فيقول الإمام: (كلا، أنت لست ضامناً). فالباب باب المعارضة لا باب الإطلاق والتقييد، وتلك الروايات المطلقة تكون مقدّمة.

ــــــــــ[378]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) اُنظر: تذكرة الفقهاء 2: 599، كتاب النكاح، الركن الثاني، البحث الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 

[في اعتبار المصلحة والغبطة في تصرف الولي]

 

هل يعتبر في تصرّفات الأب والجدّ في أموال الطفل أن تكون غبطة للصغير، بحيث لو لم يكن غبطة -ولو بدون الفساد- لم يكن التصرّف نافذاً. أو يعتبر أن لا يكون مضرّاً بالصغير، سواء كان تصرّفاً مالياً أو بدنياً، أو لا يعتبر فيه شيء وتصرفه مطلقاً نافذ؟

نحن يجب أن ننظر إلى الروايات الواردة من عدّة جهات:

أحدها: أنه فيها إطلاق من هذه الجهة أيضاً، مضافاً إلى إطلاقها من جهة العدالة، أو لا؟ وهل فيها إطلاق لصورة ما إذا كانت مفسدة، حتى يكون محكّماً حتى يرد المقيّد؟

ثانيها: أنه إذا بنينا أنه لا إطلاق في الروايات، فهل عندنا مقيّد بغير حال الضرر، أو لحال الغبطة، أو لا؟

[الروايات الواردة في المقام]

وعلى أيّ حال، إذا لم نستفد من شيئاً من الروايات، فالقدر المتيقّن من الولاية هو حال الغبطة، ومقتضى الأصل في الباقي عدم النفوذ.

والروايات عديدة منها ما ورد في التصرّفات الاعتبارية في مال الصغير، وبعضها في التزويج، وبعضها روايات راجعة إلى أكل مال الصغير، فالقسم 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

الأوّل هل له إطلاق دالّ على النفوذ أو لا؟

منها: رواية محمد بن مسلم (السابقة) في باب الوصية: أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم، وإذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، وأن يكون الربح بينه وبينهم، فقال: “لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك، وهو حيّ“(1).

ومورد الرواية هو التصرّف على وجه الصلاح للطفل، باعتبار استعمال ماله في المضاربة، وعدم تعطيل المال، وهو وإن كان جعلاً للمال في مورد الخطر، إلّا أنه عمل عقلائي للاسترباح، فهو صلاح مال اليتيم.

ولكن هل يستفاد من التعليل إطلاق “من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك، وهو حي“؟ 

فنقول: إن مورده وإن كان هو المضاربة، وهو صلاح للصغير، إلّا أن تمام ما هو العلّة والموضوع للنفوذ هو إذن الأب دون شيء آخر، فهو يشمل صورة عدم المصلحة بل صورة وجود المضرّة أيضاً، كما بنى عليه المرحوم النائيني(2) في الدورة السابقة على التقريرات، كما لو سأل الراوي عن حكم الخمر، فقال الإمام: (كلّ مسكر حرام)، فنفهم أن الحرمة تدور مدار المسكر دون الخمر، وكذلك في أخبار الاستصحاب(3) نفهم أن الحكم يدور مدار اليقين والشكّ، دون المورد وهو الوضوء.

ــــــــــ[380]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 324، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين.

(3) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

أو أن هذا يفترق عن مثال الخمر وروايات الاستصحاب، حيث تعيننا مناسبات الحكم والموضوع على التعميم، وأما في المقام فيقال: إن المضاربة فيها خصوصية وربح غير موجود في التصرّفات الأخرى، فيشمل سائر موارد التجارات والصلاح. 

وأما التعميم إلى كلّ مورد أجاز فيه الأب إذا لم يكن فيه مصلحة أو حتى إذا كان فيه مفسدة، لا إشكال أن مورد الضرر لا يشمله، وأما مورد عدم النفع وعدم الضرر فيأتي إلى النظر مشكلاً، وإن رفع اليد عن هذه الخصوصية مشكل بنظر العقلاء باعتبار وضوحها، فلا يمكن التعدّي منها لسائر موارد إذن الأب.

ورواية(1) الاتّجار بمال اليتيم(2)، ليس فيها إلّا الإذن وأنه ليس ضامناً، وليس فيها كبرى يستفاد منها الإطلاق.

تبقى الروايات المشتملة على الكبرى النبوية: “أنت ومالك لأبيك” كرواية عبيد بن زرارة (في محاججة العامّة)، أو تعليل رواية علي بن جعفر(3) بأنها وأباها للجدّ، حيث فهمنا منها الإطلاق، وإن وردت عليه التقييدات الكثيرة، خاصّة قوله: “أنت ومالك لأبيك“، فكأن التصرّف في ولده بإجارة أو في ماله ببيعٍ، كأنّه تصرّف في مال نفسه، ومعلوم أن المالك يستطيع التصرّف في أموال نفسه حتى مع الضرر، فضلاً عن عدم وجود المصلحة، وإن كانت هناك ــــــــــ[381]ــــــــــ

() في كتاب الوصايا باب 92 وقد سبقت. (المقرِّر).  

() تقدّم تخريجها آنفاً.

() كِلاهما سبقا فراجع. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

روايات أخرى تحدّد التصرّفات بنحو معين كصحيحة أبي حمزة الثمالي، وفيها: “ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه مما لا بُدّ منه وَاللَّـهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ(1)“(2).

ولا يبعد أن يفهم أن ما هو الموضوع هو غير ما فيه الفساد، وأما ما لا صلاح فيه ولا فساد، وإن لم يكن فيه مصلحة، فهو داخل في ما هو الجائز، فنفهم أن تمام التصرّفات في الصغار وأموالهم يشترط فيها أن لا يكون فيها فساد، ومنه نفهم الكبرى الكلّية في التصرّفات المالية وغيرها، إذ لا يمكن أن يقال: إن الله لا يحب الفساد في الماليات دون غيرها، بل هي محكّمة في سائر الإطلاقات ما كان مالياً وغيره، وهو تقييد بعدم الفساد لا بوجود المصلحة.

وهذا التقييد ضروري، مضافاً إلى أنه لا يمكن فهم الإطلاق من المطلقات أصلاً، فإنه خلاف الضرورة، مثلاً بأن يضرب الطفل ضرباً مبرحاً، أو يؤجّره في عمل ثقيل، أو في طريق غير شرعي، أو إلقاء أمواله في البحر، أو توزيعها على الناس.

وبعض الروايات يستفاد منها أنه إذا لم يكن غبطة ولا فساد كان جائزاً، كروايات تقويم الجارية، في باب 38 من أبواب نكاح العبيد(3)، وهو ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

() البقرة: 205.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) الرواية الأولى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

عن أبي الصباح، عن أبي عبد الله: “في الرجل يكون لبعض ولده جارية، وولده صغار، هل يصلح أن يطأها؟ فقال: يقوّمها قيمة عدل، ثُمّ يأخذها، ويكون لولده عليه ثمنها “(1).

فلو باع على نفسه لا بُدّ أن تكون قيمته قيمة عدل، فكذلك لو باعها على الغير، ولا يجوز دون ذلك كما نفهم أنه لا يلزم الزيادة عليها، لتكون مصلحة إضافية للولد، فيصحّ سواء كان البيع بقيمة العدل صلاحاً أو لا. 

وهناك روايات أخرى تدلّ على ذلك.

في كتاب النكاح في نكاح الابنة – أولياء العقد باب ثبوت الولاية للجد- عن عبيد الله بن زرارة، قال: “قلت لأبي عبد الله: الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر، فقال: الجدّ أولى بذلك، ما لم يكن مضارّاً“(2) ولم يقل: إذا كان نافعاً.

وهناك روايات تدلّ على الجواز حتى في حال الضرر.

نتـج إلى الآن أنه يجوز للأب والجدّ التصرّف في مال الطفل وبـدنه
ــــــــــ[383]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 471، كتاب النكاح، باب الرجل تكون لولده الجارية…، الحديث 2، تهذيب الأحكام 8: 204، كتاب الطلاق، الباب 9، الحديث 26، الاستبصار 3: 154، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 101، الحديث 2، ووسائل الشيعة 21: 140، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 40، الحديث 1.

(2) الكافي 5: 395، كتاب النكاح، باب الرجل يريد أن يزوّج ابنته…، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 390، كتاب النكاح، الباب 32، الحديث 36، ووسائل الشيعة 20: 289، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 11، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

-بالإجارة ونحوها- ما عدا مورد الضرر.

وهناك روايتان تجيز التصرّف حتى في مورد الضرر(1):

إحداهما: رواية سعيد بن يسار السابقة: قال: “قلت لأبي عبد الله: الرجل يحجّ من مال ابنه وهو صغير، قال: نعم، يحج منه حجة الإسلام. قلت: وينفق منه؟ قال: نعم،….” الرواية(2).

ثانيتهما: رواية زيد بن علي، عن علي: قال: “أتى النبي رجل فقال: يا رسول الله: إن أبي عمد إلى مملوكي فأعتقه كهيئة المضرّة لي، فقال رسول الله: أنت ومالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانته يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ… وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا(3). جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك وبدنك وليس لك أن تتناول من ماله ولا بدنه شيئاً إلّا بإذنه“(4).

فهذه واردة في مورد الضرر، معلّلاً أن الابن للأب، إلّا أنها ليست مورد عمل الفقهاء، لا الشيخ(5) وحده، وما عمل به الشيخ ونقله عن المفيد هو 

ــــــــــ[384]ــــــــــ

()كتاب الحج باب 36 من شرائطه وابواب ما يكتسب به باب 107. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 5: 15، كتاب الحجّ، الباب 1، الحديث 44، ووسائل الشيعة 11: 91، كتاب الحجّ، أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الباب 36، الحديث 1. 

(3) الشورى: 49-50.

(4) تقدّم تخريجها آنفاً.

(5) اُنظر: النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: 359، كتاب المكاسب، باب ما يجوز للرجل أن يأخذ من مال ولده.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

خصوص الحجّ من مال الابن، وخالفوا بذلك المشهور. 

والرواية الثانية مضافاً إلى ضعف السند أعرض عنها المشهور، وليست مورد عملهم، وإن نسب إلى الشيخ في (النهاية)(1) تصحيح العتق. وأما القول بالتوسعة إلى غير العتق فلا يقول به أحد، مضافاً إلى معارضتها بروايات أخرى.

فتحصّل إلى الآن أنه يجوز للأب والجدّ التصرّف إذا لم يكن فيه مفسدة ومضرّة، ولا يعتبر فيه وجود المصلحة.

[المراد من النهي عن الاقتراب من مال اليتيم]

بقى قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(2) ويأتي تفصيلها في بحث عدول المؤمنين، حيث تعرّضوا لها وذكروا معانيها، وإنما نقول ما هو مربوط بالمقام.

والنهي عن قرب مال اليتيم ليس على وجه الحقيقة، بل هو كناية لا محالة، فإما أن تكون كناية عن التصرّفات الخارجية كما ورد في بعض الروايات، أن شخصاً يدخل بيتاً فيه صغير، فيتصرّف في الدار وفرشه وطعامه وشرابه، فقال: (إذا كان فيه منفعة للصغير، فلا بأس وإذا كان ضرر فغير جائز)(3)، 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

(1) اُنظر: النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: 545، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، باب العتق وأحكامه.

(2) الأنعام: 152.

(3) نص الرواية: “إن كان في دخولكم عليهم منفعةٌ لهم، فلا بأس. وإن كان فيه ضررٌ فلا”، الكافي 5: 129، كتاب المعيشة، باب أكل مال اليتيم، الحديث 4، تهذيب الأحكام 6: 339، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 68، ووسائل الشيعة 17: 249، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 71، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

فإذا أخذت هدية إلى اليتيم ودخلت داره كان تصرّفك في داره شفقة لا ظلماً؛ لكي ينطبق عليه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً(1).

إذا كان هذا هو موضوع الآية، فلا ينافي الموضوع في مسألتنا وهو التصرّفات الاعتبارية والمعاملات للأب والجدّ، فإنه إذا صحّت المعاملة صار هذا للمشتري وهذا لليتيم، فلا تصحّ فيه التصرّفات الخارجية إلّا بالتي هي أحسن، وإذا شملت الآية النفقة كانت مخصّصة بالروايات لا محالة.

وأما إذا كانت التصرّفات شاملة للتصرّفات الخارجية والاعتبارية، سبق وأن قلنا بأن الأوامر ليست دالّة على النهي التشريعي والنهي الوضعي، كما قسّموه، فليس أن قوله: (لا تصلِ فيما لا يؤكل لحمه)، مستعملة في النهي الوضعي، وقوله: (لا تشرب الخمر)، مستعمل في النهي التكليفي، بل النهي موضوع للزجر، والأمر موضوع للبعث، ولكن إذا نسبناه إلى شيء يستفاد منه النفسية، فيفهم منه العقلاء أنه حرام أو واجب، وإذا نسبناه إلى شيء يتّصف بالصحّة والبطلان يستفاد منه الشرطية والمانعية، أي: الحكم الوضعي، وبناءً عليه إذا فهمنا من بعض مصاديق الأمر الحكم التكليفي، ومن بعضها الحكم الوضعي، لا يكون 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

(1) النساء: 10.

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

من استعمال اللفظ في أكثر من معنى(1)، فيكون بالنسبة إلى التصرّفات الخارجية مستفاداً منه الحرمة وبالنسبة إلى التصرّفات الاعتبارية البطلان.

فبناءً على أن اليتيم هو فاقد الأب بلا واسطة، ويقال له ذلك حتى لو كان له جدّ، فهذا الجدّ أجازت الروايات تصرّفه من دون تقييد بالأحسن، فيكون بينها وبين الآية عموماً من وجه، فإن الروايات لها إطلاقان: 

أحدهما: أنها أجازت تصرّف الجدّ في مال الصغير يتيماً أو غيره.

ثانيهما: أنها أجازت تصرّفه مقيّداً بعدم المضرّة، سواء كان فيه مصلحة أو لا. والآية مطلقة من حيث المكلّف أن يكون هو الجدّ أو غيره، ولكنّها خاصّة باليتيم.

وحينئذٍ فنتكلّم في أن الآية هل تريد أن تقول: أيها الناس لا تتصرّفوا إلّا على الوجه الأحسن، سواء كان جدّاً أو غيره، أو أنها تعيّن كيفية التصرّفات المجازة المفروغ عن صحّتها في الشريعة، وهي تصرّف الأولياء كالجدّ وغيره، وتخصّه بما إذا كان فيه مصلحة، لا أنها تريد أن تنهى عن التصرّفات الأُخر؟

فعلى الوجه الأول: تكون التصرّفات الاعتبارية والخارجية، محرّمة، إلّا أن الروايات يكون فيها تحكيم على الآية، فإن الحكومة ليست عنواناً مستقلّاً، وإنما هي عنوان يندرج فيه التقييد والتخصيص والتخصّص والورود، فهنا يقال: إن الآية تمنع عن التصرّف في مال اليتيم، والروايات تجعل مال اليتيم مالاً للجدّ، كقوله: “أنت ومالك لأبيك“، أو الجارية وأبوها للجد، فتكون حاكمة 

ــــــــــ[387]ــــــــــ

() فإنه لا يفرّق ذلك بحسب المراد لاستعمالي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

على مدلول الآية على إشكال في دلالة الأوّل على ذلك(1).

وأما إذا قلنا أن الآية لها نظر إلى التصرّفات المجازة شرعاً، فيكون تقريب الحكومة من كِلا الطرفين، أما من هذا الطرف فما سبق، وأما من الطرف الآخر فباعتبار أن الآية تتعرّض لما لم تتعرّض له الروايات، فتكون الآية مقدّمة، فإن الروايات دلّت على أنه يجوز للجد التصرّف في مال الصغير سواء كان يتيماً أو لم يكن، الآية تقول: التصرّفات في مال اليتيم كذا(2).

فإذا تعارضت هاتان الحكومتان فالظاهر أن المُخرج عن الموضوع مقدّم، فإنه يخرج الجدّ عن هذه المطالب، فإنه لو كانت الآية ناظرة إلى نحو التصرّفات في مال اليتيم الشاملة للتصرّفات الاعتبارية، فهي شاملة للوصي والحاكم وعدول المؤمنين ونحوهم، فيبقى هؤلاء تحت إطلاقها، ويكون الجدّ مستثنى من ذلك؛ لأنه نزّل مال اليتيم منزلة ماله.

هذا على تقدير تسليم أن لاَ تَقْرَبُوا أعمّ من التصرّفات الخارجية والاعتبارية، وحمل (الأحسن) على (أفعل التفضيل)، أي: ما فيه المصلحة، فإن الآية تكون مع ذلك مقدّمة.

ــــــــــ[388]ــــــــــ

() أقول: ولكنّ السيد ذكر بعد هذا: أن قوله: “أنت ومالك لأبيك” يدلّ على تمحّض المال للأب اعتباراً، وانعزال اليتيم عنه لا شغل له ولا عمل، لا أنها تدلّ على الملكية المشتركة بينهما!!

أقول: ولا أعلم ما إذا كان السيد ملتزماً بإطلاق هذا التنزيل، فإنه يلزم منه تأسيس فقه جديد كما هو واضح. (المقرِّر).

(2) لا يخفى أن هذا يعود الى التقييد محضاً. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 

الفهرس 

 

الكلام في أحكام الردّ 13

[ما يتحقق به الرد] 13

[تحرير كلام الشيخ الأعظم في المقام] 15

[تفصيل الكلام] 22

[المسألة الأولى] 23

[المسألة الثانية] 26

[المسألة الثالثة] 27

[في التصرفات الناقلة من المالك قبل الإجازة] 30

[اختلاف الحكم باختلاف المباني في الفضولي] 30

[في التصرفات غير الناقلة من المالك قبل الإجازة] 34

[تفصيل الميرزا النائيني في المقام والنظر فيه] 35

[حكم المنافع في المقام] 38

[حكم الإجارة] 38

[كلامان في المقام] 39

[الأول: إذا وضع العين رهناً] 40

ــــــــــ[389]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [حكم الأيدي المتعاقبة لو لم يجز المالك] 47

[تفصيل الكلام في المسألة] 48

[المنافع المستوفاة وغير المستوفاة] 52

[حكم المشتري من الفضولي الغاصب] 61

[إذا كان المشتري جاهلاً بالفضولية] 61

[تفصيل الشيخ الأعظم في المقام] 64

[إذا كان المشتري عالماً بالفضولية] 67

[حول جريان قاعدة الضمان واليد والإقدام في المقام] 71

[احترام مال المؤمن] 77

[إشارة إلى فروع أُخر في محل البحث] 77

[حكم ما يغرمه المشتري من غير الثمن] 81

[لو كان المشتري جاهلاً] 81

[مستند قاعدة الغرور وبيان مضمونها] 82

[الروايات الواردة في المقام] 84

[هل يعتبر علم الغار بالواقع أو لا؟] 87

[تتمة الروايات] 90

[فروع في قاعدة الغرر] 92

الخصوصية الأولى: 92

[الخصوصية الثانية] 94

ــــــــــ[390]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [الخصوصية الثالثة] 96

[الجهة الأولى: هل الغرور من باب الضمان أو الحق؟] 96

[الجهة الثاني: في رجوع المالك إلى الغار أو المتلف] 97

[الجهة الثالثة: في حكم الغار مع المغرور] 102

[الجهة الرابعة: في رجوع المغرور إلى الغار قبل الأداء] 103

[الجهة الخامسة: في رجوع المالك إلى الغار فيما لو أبرأ المتلف المغرور] 105

[مدرك قاعدة الاتلاف وبيان مدلولها] 107

[الجهة الأولى والثانية في حدود القاعدة عقلائياً وشمولها للمقام] 108

بعض الروايات التي تفيد توسعة قاعدة الإتلاف: 112

[الجهة الثانية والرابعة في قاعدة التسبيب وشمولها للمقام] 118

[روايات شاهد الزور] 118

[الطائفة الأولى: من رجع عن الشهادة ولم يثبت كذبه] 118

[الطائفة الثانية: في المتعمد للكذب] 121

[روايات أُخر استدل بها في المقام] 127

[تحقيق المطلب] 129

[الاستدلال على الضمان بقاعدة لا ضرر] 134

[حول ضمان تعاقب الأيدي] 139

[إشكال اشتغال الذمم المتعددة بمالٍ واحد] 139

ــــــــــ[391]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [دفع الإشكال] 140

[كلام الميرزا النائيني في المقام] 146

[دعوى المحقق الأصفهاني] 148

[جواب الميرزا النائيني عن الإشكال والنظر فيه] 150

[بيان الآخوند للإشكال والنظر فيه] 152

[حول رجوع الضامن السابق إلى اللاحق] 156

[الأمر الأول: الاستدلال على المطلوب بقاعدة اليد] 157

[الأمر الثاني: حول مفهوم الغرامات في نظر العقلاء] 159

[الأمر الثالث: حول مفاد قاعدة اليد في المقام] 161

[بحسب مقام الثبوت] 162

[بحسب مقام الإثبات] 164

[كلام الشيخ حول ضمان الأيادي المتعاقبة] 166

[إشكالات على ظاهر كلام الشيخ] 167

[تحرير الميرزا النائيني لكلام الشيخ ونقده] 170

[تقريبان للسيد اليزدي في توجيه الأيادي المتعاقبة] 178

[التقريب الأول] 178

[نقد مقالة السيد اليزدي في المقام] 179

[التقريب الثاني] 188

[نقد هذا التقريب] 189

ــــــــــ[392]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [التحقيق في ضمان الأيادي المتعاقبة] 191

[سقوط ضمان اللاحق بإرجاع العين إلى السابق] 195

[حول إبراء المالك إحدى الأيادي المتعاقبة] 201

[كلام الميرزا الرشتي في المقام] 206

[الإشكال على ما أفاده الميرزا الرشتي] 208

[حول رجوع المالك في صورة بقاء العين] 211

مسألة ما إذا باع ماله ومال غيره 219

[الكلام بحسب القاعدة] 219

[الإشكالات الواردة في المقام] 220

[التحقيق في المقام] 223

[تحرير الكلام في قضية الانحلال] 225

[صورة أن المال مشترك بين البائع وغيره] 228

[إشكال تبعية العقود للقصود ودفعه] 231

[التحقيق في المقام] 235

[إشكال لزوم الجهالة بالثمن] 238

[الجواب عن الإشكال] 241

[الاستدلال بصحيحة الصفار] 243

[دلالة الراوية على مسألة ضم ما يقبل التمليك إلى ما لا يقبل التمليك] 251

[في أن المناط هو عموم الجواب لا خصوص السؤال] 255

ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [اشتراط عدم فساد المعاملة فيما لو لم يجز الآخرٍ] 259

[المسألة1: لو باع درهماً منه وديناراً من غيره ومحذور الربا] 259

[دلالة الروايات في المقام على التخلص من الربا] 264

المطلب الأول: هل يستفاد منها صرف كلّ جنس إلى ضدّه أو لا؟! 266

[روايتا عبد الرحمن ين الحجاج] 268

[صحيحة الحلبي] 269

المطلب الثاني: [في اختصاص التخلص من الربا بالموارد المذكورة] 270

[حول أقسام الربا وأحكامه] 271

[بيان نكتة حرمة الربا] 272

[المعاملات الداخلة في محل كلامنا ثلاثة أقسام] 276

[استنكار تحليل الربا بالحيلة والخديعة] 277

[المطلب الثالث والرابع: فيما إذا كان المالك متعدداً وفي شمولها للفضولي] 288

[مسألة2: بيع العبد الآبق مع الضميمة] 290

[دلالة الأخبار في المقام] 292

[مسألة] بيع نصف الدار 299

[حول حقيقة الكسر المشاع] 300

[بسط المقال في صور المسألة] 306

[الصورة الأولى] 306

ــــــــــ[394]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [كلام المحقق الأصفهاني في المقام] 308

[التحقيق في المقام] 313

[النظر في تقريبات الشيخ للمسألة] 325

[الصورة الثانية] 329

مسألة ولاية الأب 335

[الروايات الواردة في المقام] 335

[الإشكال في ولاية الجد] 340

[في المراد من قوله أنت ومالك لأبيك] 341

[في شمول الروايات للجد الأعلى] 350

[الإشكال العقلي في المقام] 351

[في ولاية الجد بعد موت الأب] 353

اشتراط العدالة في الولي 359

[تحقيق مراد الشيخ من الأصل] 359

التقريب الأول: 359

[التقريب الثاني] 361

[التقريب الثالث] 364

[نقد ما قرره الآخوند في العام والخاص] 364

[التقريب الرابع] 365

[دلالة الروايات في المقام] 367

ــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج8  

 [حول دلالة العقل على اعتبار العدالة] 369

[الاستدلال بآية الركون على اشتراط العدالة] 372

[ما نُقِل عن الشيخ في المقام والتأمل فيه] 377

[في اعتبار المصلحة والغبطة في تصرف الولي] 379

[الروايات الواردة في المقام] 379

[المراد من النهي عن الاقتراب من مال اليتيم] 385

الفهرس 389