أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (9)

كتاب البيع

الجزء التاسع

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج9 (232ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1702/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1702) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

9-08-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء التاسع  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 




بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  





مبحث ولاية الفقيه

 

ويحتوي على:

  • تمهيد
  • دلالة الروايات على لزوم الإمامية في كلّ زمان
  • [الأدلة على الحكومة والولاية]
  • [مسألة ولاية عدول المؤمنين]
  • [مسألة جواز تمليك المصحف للكافر]

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  



تمهيد

 

نريد أن نقول بعض الأمور حتى نوضّح ولاية الفقيه بنحو لا تحتاج معه إلى مزيد برهان، بحيث ينحصر الأمر بمقبولة عمر بن حنظلة، لكي يقال إنها غير تامّة السند والدلالة(1).

أولاً: أن المستعمرين شعروا بعد الحروب الصليبية بأن الأساس القوي المضادّ لهم هو قوّة الإسلام الموجودة في نفوس المسلمين، وكان أقوى ما تذرّع به المستعمر إلى ذلك أن قال: إن الإسلام ليس فيه تعاليم اجتماعية، وإنما اقتصر في أحكامه على العبادات وأحكام الحيض والنفاس، مما يتكفّل ارتباط الإنسان بربّه فقط.

وربما كان هذا الإيراد وارداً علينا في حدود مسلك البعض الذين يقتصرون في دراستهم على ذلك، ولا يشعرون بوجود الأحكام الاجتماعية في الإسلام.

على حين أننا نعجب كيف أن الإسلام نبع في مجتمع كانت جزيرته العربية 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

() وهنا تكلّم السيد حديثاً اجتماعياً واعياً مطولاً، وتعرّض إلى عدّة نقاط، نوجزها
– باقتضاب- فيما يلي:… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

متخلّفة قبلية، ودولة الفرس والروم ظالمة متحكّمة، وجاء مع ذلك بأحكام عادلة تتكفّل الإنسان مما قبل ولادته، وتواكبه إلى ما بعد وفاته، وتصل إلى سائر جزئيات حياته.

ثانياً: أنهم ادّعوا أن الإسلام وإن كان له بعض التشريعات إلّا أن قوانينه ناقصة، كحقل القضاء والجزائيات، فصاروا إلى أخذ القوانين من أوربا، فكان أنصار المشروطة في إيران يأخذون من السفارة البلجيكية كتاباً في القانون، ووضعوا على أساسه القانون الإيراني، وما رأوا في هذا الكتاب من نواقص ترجموها من المصادر الفرنسية والإنكليزية.

ومضى زمن أصبحوا يشعرون بالنقص والقصور الموجود في القوانين والإجراءات التي اتّخذوها، فالدعوى التي يمكن أن يحكم فيها الحاكم الشرعي ويفصلها في يومين، تبقى معطّلة ومعلّقة عندهم عشرين سنة، مما يعطّل حاجات الناس، ويبذّر أوقاتهم وأموالهم.

ثالثاً: أنهم قالوا: إن الأحكام الجزائية الإسلامية خشنة، حتى قال بعضهم -بكل صفاقة- أنها خشنة ناشئة من الأعراب، مع أنهم -كما وردت الأخبار به أخيراً- يقتلون عشرة أشخاص في تهريب عشرة دراهم من الهيروئين (الحشيشة). ولكن إذا ضرب شارب الخمر ثمانون سوطاً، فهو خشونة!!

مع أن أكثر المفاسد ناشئة منه، وكثيراً من المصادمات في الطرق وحوادث الانتحار والقتل والمشاحنات ناشئة منه.

وهذه الحروب الجارية في العصر الحديث والتي تستهلك المئات في كلّ 

ــــــــــ[12]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يوم، لا بأس بها!! ولكن إذا خرج الجيش الإسلامي لنشر الحقّ وقتل جماعة من المجرمين، فهو خشونة!!

ووصل الحدّ بنا إلى أننا إذا تكلّمنا عن الحكومة الإسلامية والأحكام الاجتماعية الإسلامية، نضطرّ للأخذ بالتقية، حتى إن الفقهاء أفتوا بأن لبس الفقيه للباس الجندي مخلّ بالعدالة، مع أن أمير المؤمنين والحسن والحسين كانوا جنوداً مقاتلين، ولو سمح للإمام الباقر لكان كذلك. وهذا ونحوه كلّه من الإعوجاج الناشئ من الغزو الفكري الأوروبي.

وأخيراً ذهبوا إلى القمر، وادّعوا أن هذا تأييد أكيد لفكرتهم وقوانينهم، مع أن القمر من خلق الله تعالى فليذهبوا إليه، وايّ ربط لذلك بالقوانين الجزائية والقضائية والمعاملية، والعدل المفيد في الدنيا والآخرة.

رابعاً: أن البرهان الذي نقيمه للزوم نصب الخليفة من قبل النبي، يؤكّد معنى تأسيس الدولة الإسلامية، ويؤكّد وجوبها. 

والسرّ في ذلك: هو أن القانون وحده لا يكفي بمجرّده لتطبيق العدل، بل يحتاج إلى قوة مجرية، وحكومة مطبّقة، ومن هنا أصبح عدم تعيين الخليفة من قبل النبي كأنّه ما بلّغ رسالته، فإن تعيينه هو نصف أمره بل روح أمره، ولا تقوم القوانين إلّا به. ولولا القوة المجرية فإن التشريع يكون ناقصاً.

خامساً: أنهم انطلقوا من لا شيء، في الدعوى ضدّ الإسلام، وإفهامكم أنه شيء سيّء، فوظيفتكم هي عرض الإسلام بوجهه الصحيح وتفاصيله العادلة أمام العالم، ولا تتخيّلوا أنكم لا تستطيعون، فإنهم بدأوا من الصفر قبل ثلثمائة 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

سنة، ودأبوا على العمل، حتى استطاعوا أن يربّوا أجيالنا على ما يريدون عن طريق المدارس التي أسّسوها، وقد بدأت هذه المدارس بمدرسة واحدة لم نحسّ بخطرها وأهمّيتها، ولم نلتفت إليها، وإلّا لمنعنا عن قيامها. فابدأوا وادأبوا كما دأبوا، تحصلوا على أكثر مما حصّلوا.

وفكرة أن الفرد في الحوزة العلمية، يجب أن يكون منفصلاً عن المجتمع والسياسة من الأفكار الخطرة المنحرفة التي استطاع زرعها فينا الخارجون عن الدين، وهم يريدون تحطيمنا وقتل الإنسانية فينا، فإنهم يخافون (الإنسان) ويسدّون أمامنا طرق الكمال، ولا مانع لديهم بعد ذلك أن نعمر المساجد بالصلاة والعبادة، فإن القائد البريطاني حين وصل إلى بلادنا وسمع المؤذن يؤذّن سأل: أنه إذا عمل هذا العمل هل هو مضرّ بالدولة البريطانية، فقيل له: كلا، قال، فليفعل ما يشاء.

إذن فالإسلام له في كلّ ذرّات العالم أحكام، يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار، حتى ندرك معنى الولاية، ولا يتوقّف إثباتها على التمسّك بإطلاق مقبولة عمر بن حنظلة.

في الكلام عن ولاية الحاكم، لا بُدّ أن نثبت أن الإسلام ليس أحكاماً قليلة، فقط مربوطة بعلاقة الفرد بربّه، وإنما جاء لتشكيل حكومة كبيرة، وأحكامه مناسبة لذلك، وهذا ليس محتاجاً إلى برهان؛ لأننا حين ننظر إلى صدر الإسلام، نرى أن النبي شكّل حكومة وبعث الولاة، وبعده لم يختلف اثنان في لزوم الحكومة، ونصب الخليفة، وإنما كان الخلاف فيمن يتكفّل هذا الأمر.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ولم يحدث مناقشة في ذلك إلى آخر الأمر. ويمكن أن يستشهد لذلك بعدد من الأحكام الفقهية.

فمن ذلك بيت المال في الإسلام، وحين ننظر إلى الميزانية التي بيّنها الله تعالى نراها من الكثرة والعظمة بحيث تكفي لتمويل كلّ مرافق الحكومة، وليست المسألة مسألة الفقراء أو السادات الذين يكفيهم سوق بغداد وحده، ونحن لم نفكّر بالمقدار الضخم الذي يجنى من سائر الممالك الإسلامية، أو كلّ ممالك الدنيا إذا عمّ الإسلام وجه الأرض إن شاء الله تعالى.

وقد يتصوّر رئيس الدولة الإسلامية الذي ندعو إليه رئيساً ذا قصر وبلاط كرئيس أمريكا، إلّا أن رئيسنا هو من تقتضيه قواعد الإسلام وهو الذي لا يتميّز عن أيّ شخص آخر في دولته، ويكون بلاطه المسجد، يدير الأمور ويجنّد الجيوش للحروب. وقد كان النبي لا يعرفه الغريب الداخل إلى المسجد من بين أصحابه – على ما يروى(1)-، كما أن أمير المؤمنين بعد أن بويع له بالخلافة ذهب إلى أرض له فزرعها وأجرى عليه ماء ثُمّ أوقفها، وكان حاله أسوأ في طعامه وشرابه ولباسه من سائر أهل مملكته(2)، فبهذا النحو من الحكم 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

() اُنظر: كنز الفوائد 1: 212، فصل من أخبار الوافدين على رسول الله…، خبر أبي تميمة الهجيمي، بحار الأنوار 73: 355، كتاب العشرة، أبواب النوادر، الباب 67، وغيرهما.

(2) اُنظر: وسائل الشيعة 19: 187، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 4، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

غزا الإسلام أقوى امبراطوريتين في عالم الظلم والفساد؛ لأنه كان يملك المعنى والواقعية والإيمان.

فلو كان الرئيس هو مثل ذلك، وكان العمّال على بيت المال تحت إرادته وتصرّفه وأمره، فكم يكون انتشار بيت المال وخيراته.

والجزية التي تفرض على أهل الذمّة، من وظائف الوالي والحكم على رؤوسهم وأراضيهم أو مواشيهم، أو على الكلّ بالتقسيم، والأراضي الخراجية التي محيت الآن لعدم وجود الدولة الإسلامية، أمرها ووضع الخراج عليها إلى الوالي، ويكون واردها أموال عظيمة، وميزانية كبيرة، فهذا بعض أحكام المال.

ومنها: الأحكام المربوطة بحفظ الثغور في الدولة الإسلامية، قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَـهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّـهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهُ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (1).

يعني أعدّوا أقصى مقدار يمكنكم توفيره، من القوّة حتى لا يؤخذ المسلمون على حين غرّة، حتى لا يوجد نفر قليل من اليهود من عملاء أميركا ليحرقوا المسجد الأقصى، والسر في ذلك هو أن المسلمين دائماً في فساد وليسوا يداً على من سواهم، ولا حكومة إسلامية عندهم، ومشغولون بالتناحر والتنافر، وهم سبعمائة مليون –بقدر الصين- يحكمهم مليون ونصف من اليهود، وقد كانوا عدداً قليلاً أزالوا أعظم امبراطوريتين في العالم يومئذٍ.

ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) الأنفال: 60.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ومنها: القضايا السياسية في الإسلام كالحدود والقصاص والتعزيرات، وهي كثيرة جداً من كتاب الحجر إلى كتاب الديات.

وليس هذا حكماً مجرّداً، بل كانت مطبّقة وتتوقّف في تطبيقها على وجود الحكومة، فالمسألة ليست مسألة فقاهة وتبليغ الأحكام، بل مسألة حكومة، ولهذا وقع الخلاف في تعيين الحاكم، وإلّا فما كان أسهل أن يبلغ كلّ واحد فقهه.

إذا تمّ ذلك نسأل: أن هذا الإسلام الذي جاهد النبي جهداً عظيماً في تبليغ الأحكام، بما فيها الأحكام المربوطة بالحكومة، وقال في حجّة الوداع ما مؤدّاه: كلّ شيء في الشريعة بلّغته حتى إرش الخدش(1)، وفي الروايات ما مؤدّاه: أن النبي قال كلّ ما يحتاج إليه المسلمون، ففي زمان الغيبة الصغرى هل أصبحت الأحكام مما لا يحتاجها المسلمون؟! ويقع الهرج والمرج وكلّ شخص يفعل ما يريد، ولا تجبى الأموال ولا تشكّل الحكومة ولا يدافع عن الثغور.

فلو قيل لكم: شكّلوا حكومة، هل تنفون ذلك، وتقولون بأن وظيفتنا هو الدعاء. مع أن وظيفتنا السيف وتشكيل الحكومة، ولعن الله كلّ من أوهمنا بأن وظيفتنا خاصّة بالدعاء!!

وهل هذا هو شأن الدين الباقي إلى يوم القيامة؟ وهل جعل الشارع حكمه مختصّاً بالمئاتي سنة الأولى للإسلام؟!

فإن قلتم: إن أحكام الإسلام نسخت، فهذا خلاف الضرورة، وإن قلتم: 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

() راجع الروايات الواردة في الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة 1: 480، أبواب الكلّيّات المتعلّقة بأُصول الفقه وما يناسبها، الباب 7، لا سيّما الأحاديث 708-732، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

إنها باقية، فهي تحتاج إلى حكومة، والأفراد عاجزون عن التطبيق جزماً.

فهل نستطيع أن نمنع النصارى عن دقّ الناقوس وبناء الكنائس، وهم دائماً يفعلون ذلك، واليهود يسيطرون على سوق إيران كما كانوا يسيطرون على سوق بغداد، وتأسيس إسرائيل قواعد في إيران، ولها فيها قوّة وسيطرة كبيرة، ونحن المنكرين لذلك لا قوّة لنا، ومن لديهم القوّة غير منكرين له، إن لم يكونوا عملاء وخدمة له، وما ذلك إلّا لأنه لا حكومة لنا، ولا قوّة، ولا فهم لأحكام الإسلام ودولة الإسلام.

فأيّ وظيفة للمسلمين، لعلماء الإسلام، لمراجع الإسلام في دفع هذه البلايا، وهل التكليف ساقط عنّا!! هم شرعوا من الصغر حين بنوا أوّل مدرسة بشكل غير ملفت للنظر؛ لبناء جيل جديد من أولادنا بلا دين، وبعيداً عن أحكام إسلامه، والأحزاب في بلادنا ليست كالأحزاب في أوربا، وإنما هي للتخريب والقتل فيما بينهم، هم -يعني المستعمرين- عملوها لذلك.

فلو كان المسلمون وهم 700 مليون لديهم حكومة العدل، وأحكام الإسلام، لَما استطاعت أمريكا وروسيا أن تغلط فيهم مثل هذا الغلط، وما ذلك إلّا لأنهم منعوا تطبيق الإسلام من أصله، وحالوا دونه بعد وفاة النبي مباشرة، حتى انقلبت الخلافة إلى ملك وكسروية، وحتى وصل الحال إلى ما وصلنا إليه.

إذن نتج من كلّ ذلك أن للإسلام أحكاماً للحكومة، تتوقّف على وجودها في تطبيقها، وإذا أردتم الاستناد إلى الروايات فسنقرؤها في اليوم التالي؛ لتروا دلالتها على لزوم الإمامة في كلّ وقت وزمان.

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  






دلالة الروايات على لزوم الإمامة في كلّ زمان

 

  • [رواية الكافي]
  • [رواية العلل]
  • [اختصاص المراتب السامية بالمعصومين]

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  







دلالة الروايات على لزوم الإمامة في كلّ زمان 

 

لعلّه(1) إذا ذهب الآغايون في الكرات الأخرى، فوجوب التبليغ ثابت أيضاً، فإن الآية شاملة لكلّ من يصل إليه.

 

[رواية الكافي]

 

وفي (الكافي)(2) باب(3): الردّ إلى الكتاب والسنة، وأنه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس إليه، إلّا وقد جاء في كتاب أو سنة.. عن أبي عبد الله قال: “إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد؛ حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن إلّا وقد أنزله الله فيه(4).

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() لخصّ أوّلاً جملة مما كان قاله، وكان فيما قال أن أشار إلى سعة أحكام الإسلام، وقال:… (المقرِّر).

(2) اُنظر: الكافي 1: 59، كتاب فضل العلم، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة … .

(3) أبواب العلم والجهل. (المقرِّر).

(4) الكافي 1: 59، كتاب فضل العلم، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة …، الحديث 1، الوافي 1: 265، كتاب العقل والعلم والتوحيد، الباب 23، الحديث 1، وبحار الأنوار 65: 237، كتاب الإيمان والكفر، الباب 24.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ولا شكّ أن مما يحتاج إليه العامة، هو التكليف في زمن الغيبة، بما فيها الأحكام الحكومية العامة، فكيف نوع الحكومة وشكلها؟

نوع حكومة الإسلام ليست من هذه الأنواع الموجودة خارجاً، فهي ليست حكومة استبدادية، بحيث إن سلطان الوقت مستبدّ برأيه يقتل من يريد ويكرم من يريد، فإن الاختيار ليس بيد الحاكم الإسلامي، بل لله عزّ وجلّ وللقانون الإسلامي، وكذلك كان رسول الله.

وليست حكومة مشروطة (برلمانية) بحيث يُنتخَب جماعة لجعل القوانين وتحميلها على الآخرين، ليست كذلك بالضرورة، وليست حكومة (جمهورية) بأن يكون الرئيس منتخباً والقوانين مجعولة.

وما يمكن أن تكون حكومة الإسلام هو حكومة القانون الإلهي سواء واردة في الكتاب أو في السنة، ويكون كلّ الناس تابعين لها ابتداءً من الرئيس وانتهاءً بالأمّة، فالسلطان الإسلامي يأمر بأمر الله وليس له رأي، حتى النبي كذلك استخلفه في الأرض وكان تابعاً لقانونه، وأمره بأن يُرجع بالخلافة إلى أمير المؤمنين.

ومثل هذه الحكومة لا بُدّ أن يكون رئيسها له خصوصيتان ركنيتان: 

الأولى: العلم بالقانون، بحيث لا يُجري القانون بخلاف مجراه.

الثانية: العدالة، بحيث يجري القانون بشكل عادل.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ومن بعد النبي لم يقع خلاف بين المسلمين في أن الحاكم يجب أن يكون أفضل، وإنما كان النقاش في الصغرى، في الشخص ومن هو الأفضل هل هو أمير المؤمنين أو غيره؟

ومن قال(1): (الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل)، لم تقبلوه منه، وإشكالات الشيعة على عدم جدارة من تولّى الخلافة، هي في عدم جوابه على مسألة، أو عدم تطبيقه للقانون على الوجه الصحيح، إذن فهو ليس لائقاً للإمامة.

ولا دخل للأمور الأخرى في الإمامة، مما عدا هذين الركنين، كالعلم بالغيب، وبالملائكة وبالله تعالى ودقائق صفاته، حتى العلم بأصول العقائد وأن الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، أو العلوم الطبيعية أو غيرها، كلّ ذلك غير مربوط بالرئاسة، العامة للمسلمين، بل وجودها وعدمها على حدّ سواء.

وهذان الركنان مما يقتضيه العقل أيضاً، فإن الحكومة إذا كانت قانونية، أو ليست شخصية، فإذا لم يعلم الأحكام اجتهاداً أو تقليداً ويريد أن يتكفّل الحكومة بدون أن يكون لائقاً لها، وشرط العدالة أيضاً كذلك، فإن المتلوث بالمعاصي، ليس أهلاً لأن يقيم الحدود ويشرف على بيت المال، ويعطى بيده اختيار المسلمين، وقد كان هذا واضحاً إلى زمان الغيبة.

وأما بعد الغيبة، بعد العلم ببقاء الأحكام ولزوم وجود الحكومة الإسلامية، وعدم الإهمال المؤدّي إلى الهرج والمرج ولزوم الدفاع عن الإسلام 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) أي: ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة 1: 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والمسلمين عند الهجوم شرعاً وعقلاً. فلا بُدّ أن يتصدّى للرئاسة وجلب الأموال الكافية لكلّ ذلك من الوجوه الإسلامية الصحيحة من أصغر كاسب في الناس إلى أصحاب الملايين، ليصرفها على الحدود وحفظ الثغور وعلى المنافع العامة والمرافق العامة وقطع الشوارع وصنع الذرّة(1)، وإذا اتّفق أن الماليات الشرعية لم تسع ذلك، فيجب على الحاكم لأجل حفظ الإسلام أن يجبي ضرائب إضافية، ويأخذ من أموال الناس، فإن مثل هذا الهدف تبذل في سبيله الدماء فضلاً عن الأموال.

والنبي عيّن -بضرورة المذهب- شخصاً للإمامة من بعده، إلّا أنهم منعوا عن ذلك، وقتلوا نطفة الإسلام من أوّل وجودها، ولو كان قد حصل أمير المؤمنين على الخلافة لَما وصل الأمر إلى معاوية، فإن ذلك إنما كان باعتبار المدّة التي مضت بعد النبي إلى خلافة أمير المؤمنين، وتأييد عمر وعثمان له وتمكينه من الشامات، فلو كان قد حصل على الخلافة لَما حصل كلّ ذلك، ولَما حصل من بعده قضايا الحسن والحسين وخروج الأمر عن اليد.

ثُمّ إن الله عزّ وجلّ، عيّن أشخاصاً معيّنين للإمامة، حتى زمان الغيبة، ونصّ عليهم الرسول، وبعده لم يرتفع التكليف، فهل عندنا حكومة تحفظ الثغور وتطبق الأحكام. إلّا أنه عزّ وجلّ لم يعيّن للولاية شخص بعينه، وإنما الولي هو العنوان، وهو من كان لائقاً للرئاسة وجامعاً لذينك الركنين السابقين، 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() أو الأمر بالنفير العام وتجنيد الناس إن احتاج الأمر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإذا استطاع فرد لائق الوصول إلى الرئاسة العادلة، وجب على الجميع إطاعته واتّباعه، وتكون ولايته إلهية لا محالة وطاعته طاعة لله عزّ وجلّ.

فالعالم العادل -غير المعيَّن- له نفس الولاية التي كانت ثابتة للنبي وليس كما قيل أن الاختيارات التي كانت ثابتة للنبي أكثر مما كان ثابتاً لأمير المؤمنين وهو أكثر مما هو ثابت للفقيه، فإن صلاحيات الحكومة على حدّ سواء في الجميع.

إذن فيجب أن يكون في كلّ القصبات والمناطق فقيه عادل (خود اختيار)(1) لا يرجع إلى فقيه آخر، يتصدّى بنفسه لجباية الأموال من منطقته وصرفها عليها، بما لها من مصالح وحاجات، وترجع سائر القصبات إلى حكومة مركزية كبرى، وهذا واضح شرعاً وعقلاً، ولا يحتاج في إثباته إلى مقبولة عمرو بن حنظلة.

وليس مرادي أن من يذهب إلى المحافظة على الثغور وعامل السلطان يجب أن يكون فقيهاً، بل السلطان نفسه يجب أن يكون فقيهاً، وأما إذا لم يكن فقيهاً ورجع إلى الفقهاء -كما يجب على هذه الحكومات أن تفعل لو كانت متدينة- فهو مضعّف للحكومة الإسلامية.

وأما القاضي في الحكومة الإسلامية فإن كان الرئيس هو الإمام المعصوم كان له نصبه وعزله، وأما في زمان (دولة الغيبة) فلا يعلم أن للرئيس منع الفقيه الآخر من القضاء، إلّا إذا اقتضت مصالح المسلمين ذلك.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: مختار لا يرجع لغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 

[رواية العلل]

 

في العلل(1) -باب علل الشرائع وأصول الإسلام- حدّثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار (وقد قال عنه الصدوق(2): إن روايته أصحّ من غيره وصحّحه العلّامة(3)، وهو من مشايخ الصدوق ومورد الاعتماد، وكان الصدوق يترضى عليه)، قال: “حدّثني أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوي (صحّحه العلّامة(4) واعتمد عليه النجاشي(5) في (رجاله) وهو من مشايخ الفضل بن شاذان) في حديث طويل في أوّله أمور عن النبوة ثُمّ يقول(6):

فإن قال قائل: ولم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة، منها: 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

() علل الشرائع 1: 253، باب علل الشرائع وأُصول الإسلام، الحديث 9.

(2) اُنظر: عيون أخبار الرضا 2: 127، الباب 35، ذيل الحديث 2.

(3) اُنظر: تحرير الأحكام الشرعيّة 4: 373، كتاب النذر، المقصد الخامس، الفصل الأوّل، البحث الحادي عشر.

(4) اُنظر: رجال العلّامة: 185، القسم الأوّل، الفصل السابع والعشرون، الباب الرابع، ترجمة يونس بن عبد الرحمن. 

(5) اُنظر: رجال النجّاشي: 295/678.

(6) أقول: لا تصريح ولا دلالة فيها على أن المتكلّم هو الإمام، بل لعلّه شخصٌ آخر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

أن الخلق لَـمّا وقفوا على حدّ محدود، وأمروا أن لا يتعدّوا تلك الحدود لِما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلّا بأن يجعل عليهم أميناً يأخذهم بالوقت عندما أبيح لهم، ويمنعهم من التعدّي على ما حظر عليهم؛ لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها: أننا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلّا بقيّم ورئيس لِما لا بُدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بُدّ لهم منه ولا قوام لهم إلّا به، فيقاتلون به عدوّهم ويقسّمون به فيئهم ويقيمون به جُمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها: أنه لو لم يجعل له إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً، لدرست الملّة، وذهب الدين، وغُيّرت السُنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبّهوا ذلك على المسلمين، إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت أنحائهم، فلو لم يجعل قيّماً حافظاً لِما جاء به الرسول الأوّل لفسدوا على نحو ما بيّناه، وغّيرت الشرائع والسُنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين… ” إلى آخر الرواية منقولة عن العلل بلفظه.

فيما يخصّ الفقرة الأولى(1): فالإسلام يحتاج إلى قيّم يشرف على مصالح المسلمين وحدودهم، فإنهم لا ينزجرون عن اتباع الشهوات إلّا بزاجر وحاكم، 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() وقد كان السيد يقرأ الرواية ويعلّق على كلّ فقرة منها، فقال:… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وهذا غير خاصّ بزمان دون زمان.

وأما الفقرة الثانية(1): فكلّ فرقة تحتاج إلى رئيس يديرها ويشرف على مصالحها العامة، وإلّا لحصل الهرج والمرج، والإسلام في ذلك كما عليه الآخرون يحتاج إلى رئيس، وذلك سواء قبل الغيبة وفي عصر الغيبة، فالله تعالى قد جعل هذا الحكم في المرتبة السابقة، والإمام موسى بن جعفر بولايته العامّة نصب حاكماً وقاضياً، ولكن بعد أن توفّي هل نقول بارتفاع الأحكام أو بالإهمال؟ وكِلاهما غير ممكن، أو نقول بكفاية الأحكام من دون رئيس، وهو أيضاً غير ممكن لتوقّف عدد كبير من الأحكام على وجوده.

وأما الفقرة الثالثة(2): وهل الولاية إلّا ذلك. بدونها يحصل الفساد كما حصل فعلاً، فإننا كنّا (بي عرزة)(3) ولسنا على مستوى المسؤولية، ومنعنا حتى المباحثة في هذه المطالب!! فدرست معالم الإسلام وغيّروا أحكامه وشاعت بيننا القوانين الخارجية، كما أراد الاستعمار كلّ ذلك لعدم وجود القيّم، فهل يمكن أن تذهب الأحكام والله ورسوله والأئمة لا يبالون بذلك!!

والقيّم يجب أن يكون صالحاً وأهلاً لتولّي الولاية، وإلّا فهؤلاء ليسوا قيّمين ولا صالحين، وإنما حكموا جبراً، وإذا لم يكن القيّم الصالح، فإنه يحصل ما قد حصل، فهل يرضى عقلكم بذلك!!

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() وقال تعليقاً على الفقرة الثانية:… (المقرِّر).

(2) وقال تعليقاً على الفقرة الثالثة:… (المقرِّر).

(3) كلمة باللغة الفارسية تعني: غير مبالين (ليس على قدر المسؤولية).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وإذا لم يظهر الإمام المنتظر، إلى مئات السنين –وبعض الروايات تدلّ على ذلك، وأن ظهوره يكون من أشراط الساعة، وقبل يوم القيامة بقليل- فهل نبقى بلا حكومة ولا أحكام، مع أن الله تعالى قد فرضها وشرّع لها أحكامها.

ورواية (الفقيه)(1): “رحم الله خلفائي (2)، لا تقولوا إنها مرسلة، بل إنها مما يحكم بها العقل؛ لأن الخلفاء يقومون بما كان يقوم به النبي من المسؤولية، ولا أعلم لماذا يقول الشيخ(3): دونه خرط القتاد، مع أن خلافه دونه خرط القتاد؟!

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) مَن لا يحضره الفقيه 4: 420، باب النوادر، الحديث 5919.

(2) وسائل الشيعة 27: 91، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب8، الحديث 50.

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 553، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية الفقيه.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  



[اختصاص المراتب السامية بالمعصومين]

 

أن محلّ الكلام(1) لم يكن في المراتب العالية المعنوية الروحية التي يتّصف ويختصّ بها النبي والأئمة، تلك المرتبة التي تدلّ عليها جملة من الأخبار منها:

ما يدلّ على أنهم كانوا أنواراً بعرشه محدقين قبل خلق الخلق(2).

ومنها: قول جبرئيل: “لو دنوت أنملة لاحترقت(3)، وهذه المرتبة كانت 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() ذكر السيد في أول الدرس أن بعضهم أشكل عليه بأن لازم ما قاله: هو مساوات الفقيه مع الإمام، فيدور الأمر بين رفع مستوى الفقيه إلى مستوى الإمام، وادعاء ما ليس له من المرتبة، أو خفض مستوى الإمام إلى مستوى الفقيه، ونكران ما رزقه الله تعالى من المراتب العالية.

وذكر في جوابه ما حاصله:… (المقرِّر).

(2) كما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة حسبما رواه في الفقيه 2: 613، كتاب الحجّ، زيارة جامعة لجميع الأئمّة، تهذيب الأحكام 6: 98، كتاب المزار، الباب 46، الحديث 1، الوافي 14: 1570، كتاب الحجّ والعمرة والزيارات، أبواب الزيارات وشهود المشاهد والمساجد، الباب 198، الحديث 2.

(3) مناقب آل أبي طالب 1: 155، فصل: في معراجه، وبحار الأنوار 18: 382، كتاب تاريخ نبيّنا، أبواب أحواله من البعثة إلى نزول المدينة، الباب 3، الحديث 86.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ثابتة للزهراء من دون أن تثبت لها الخلافة أو الإمامة. وإنما الكلام كان في الحكومة والولاية التي هي أمر عقلائي اعتباري، قد يكون بالنصب وقد يكون بالوراثة أو الانتخاب أو غيره، والتي بها تسدّ الثغور ويقوم الحاكم بمصالح المسلمين والولاية على الصغار، وجباية الزكاة والخمس وإقامة الحدود، وفي هذه الولاية لا يمكن أن يكون هناك فرق بين النبي والأئمة والفقيه، وليس أن الفقيه يضرب الزاني مائة سوط والنبي يضربه مائة وخمسين؛ لأنه أشدّ في الولاية، والفقيه يأخذ العُشر في الزكاة، والنبي يأخُذ أقلّ. بل هذه الحكومة التي نتكلّم عنها إنما هي في إجراء القوانين، وهي واحدة لا تتغيّر في الإسلام، سواء كان المجري هو النبي أو الإمام أو الفقيه.

ولا يتصوّر في هذا المعنى أن يكون أحد ولياً والآخر أشدّ ولاية، وإن كان يتصوّر فيها السعة والضيق، فالنبي والإمام ولايته عامة حتى للقضاة والولاة، بخلاف الفقيه فإنه لا يستطيع أن يعزل الفقيه الآخر.

وهذه الحكومة ليست إلّا أعمالاً شاقّة وصعوبات، وتعتبر أمراً خسيساً(1) بالنسبة إلى المقامات المعنوية الكبرى التي للأئمة؛ ولذا قال أمير المؤمنين ما مؤدّاه: (أنها أرخص عندي من هذا النعل)، أو (أنها أهون من عفطة عنز(2) ، 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

() هذا لا يخلو عن إشكال، فإن قيادة العالم قيادة عادلة هي من أكبر كمالات الإنسان بما فيها الإمام. (المقرِّر).

(2) هذا باعتبار انحراف المجتمع. (المقرِّر)ن هج البلاغة: 76، الخطبة 33، شرح نهج البلاغة 2: 185، شرح الخطبة 33، وبحار الأنوار 32: 76، كتاب الفتن والمحن، أبواب ما جرى بعد قتل عثمان …، الباب 1، الحديث 50.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ولولا لزوم الحجّة لتركتها وأعرضت عنها) (1).

مع أن المقامات المعنوية لا يمكن الإعراض عنها، ولا غصبها، ولا التنصيب فيها كما نصّب النبي علياً سلطاناً على المسلمين من بعده، على أن الحاكمية ليست بالأمر العظيم، فإنها ثابتة أيضاً لـ(خروشوف)(2) ورئيس أمريكا غصباً وظلماً.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) معاني الأخبار: 362، باب معاني خطبةٍ لأمير المؤمنين، علل الشرائع 1: 151، الباب 122، الحديث 12، نهج البلاغة: 50، الخطبة 3، وبحار الأنوار 29: 545، كتاب الفتن والمحن، الباب 15، الحديث 1.

(2) رئيس الاتحاد السوفيتي سابقاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  










[الأدلة على الحكومة والولاية]

 

  • [رواية الصدوق (اللهم ارحم خلفائي من بعدي)]
  • [رواية حصون الإسلام]
  • [رواية الفقهاء أمناء الرسل]
  • [الاستدلال ببعض الروايات] 
  • [مقبولة عمر بن حنظلة] 
  • [مشهورة أبي خديجة]
  • [الروايات المؤيدة في المقام] 
  • [فروع يعم الابتلاء بها من ولاية الفقيه]
  • [هل روايات المعروف معارضة لاختصاص الولاية بالفقيه]

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  



[الأدلة على الحكومة والولاية]

 

قوله(1): “اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك ونُظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك.

اللهم إني أوّل من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني إلّا رسول الله بالصلاة.

وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم. ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنة فيهلك الأمة(2).

ــــــــــ[35]ــــــــــ

() ثُمّ ذكر السيد أن النصوص الواردة في الحكومة والولاية في السنة ونهج البلاغة عديدة، وقرأ نصّاً من (نهج البلاغة)، وهو قوله:… (المقرِّر).

(2) شرح نهج البلاغة 8: 263، شرح الخطبة 131، وبحار الأنوار 34: 111، كتاب الفتن والمحن، الباب الحادي والثلاثون، الحديث 949.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

أنه(1) ذكر أموراً عديدة في صفة الولي الحاكم، تدور كلّها حول أمرين: العلم والعدالة، واحد منها راجع إلى العلم، والباقي راجع إلى العدالة. و(الجافي) هو الحاكم الذي يحجب رعيته عنه، ولا يقضي لهم الحوائج والمصالح، فيعطّلهم بجفائه. و(الحائف للدولة) هو الذي يتّصل ببعض الدول وينقطع عن بعض، ويرجّح بعضها على بعض، فإن الحاكم ينبغي أن يكون كلّ الدول عنده على حدّ سواء، إن كان في ذلك مصلحة للإسلام أو المسلمين، وإن كان في الانقطاع مصلحة انقطع عن الجميع، فيجب أن يكون الوالي عادلاً بالنحو التامّ الذي ذكره أمير المؤمنين في دستوره العظيم لمالك الأشتر(2) الذي ليس هو خاصّاً به، بل شاملاً حتى للفقهاء.

فيستفاد من ذلك أن الخلافة إنما هي للنظام، وقالوا: إن في خطبة الزهراء ما يدلّ على ذلك(3).

ــــــــــ[36]ــــــــــ

() أقول: وقد كان محلّ استشهاد السيد -على الأغلب- هو الفقرة الأخيرة يعني من قوله: “وقد علمتم” فذكر عنها:… (المقرِّر).

(2) اُنظر: نهج البلاغة: 427، الكتاب 53، تحف العقول: 126، وبحار الأنوار 33: 599، كتاب الفتن والمحن، أبواب الأُمور والفتن الحادثة بعد الرجوع عن قتال الخوارج، الحديث 744. 

(3) أقول: لم أجد بعد الفحص في الخطبة ما ينطبق على ذلك إلّا قولها: “فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك… والعدل تسكيناً للقلوب وطاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا أماناً للفرقة والجهاد عزاً الإسلام”. (الاحتجاج: ج1، ص134). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ولم يخالف في ذلك أحد، وأن الخلافة إنما هي لحفظ النظام، فإما أن تقولوا: إن النظام يحفظ بواسطة الحكومات الجائرة، فهذا لا ترضون به ولا يمكن القول به، أو تقولوا: إن حفظ النظام واجب ولكن لا علاقة لنا به، هذا أيضاً لا يمكن؛ لتوقّفه على وجود الوالي للمسلمين العالم العامل، ومعه لا حاجة للرجوع إلى الروايات، وإن كنّا سنرجع إليها ونجدها تدلّ على نفس المطلب، ولا إشكال فيه.

في (الوسائل) (1) باب 11 من كتاب القضاء الحديث السابع، محمد بن علي بن الحسين، قال: “قال أمير المؤمنين: قال رسول الله: (اللهم ارحم خلفائي) ثلاثاً، قيل يا رسول الله: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي“. ورواه في (عيون الأخبار) كما مرّ. ورواه في الباب السابع حديث 49(2).

(معاني الأخبار)(3)، ص 374: حدثنا أبي قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن داود اليعقوبي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) أقول: قوله: في (عيون الأخبار) خطأ، فإنه في أخبار الرضا، فلا يناسب وجود هذا الحديث فيه، وإنما هو في (معاني الأخبار) للصدوق أيضاً، ولعلّ الاشتباه من الناسخ. (المقرِّر).

(3) معاني الأخبار: 374، باب معنى قول النبي: “اللهم ارحم خلفائي”.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

جدّه، عن علي بن أبي طالب: قال – وروى الحديث السابق بنصّه(1).

وهذه الأسناد وإن لم تكن معتبرة، إلّا أن الكثرة عاضدة لها لا محالة، ومرسلات الصدوق بنحو التسلّم(2) ليست أقل من مرسلات ابن أبي عمير، فإنه إنما أرسلها لأنه كان يعرف الرجال، أو كان لديه قرائن حسّية غير اجتهادية على الصحّة، وليس الصدوق كالشيخ والمفيد اللذين كانا يعتمدان على الاجتهاد، فإن الصدوق كان محدّثاً وخبيراً.

نعم، لو قال: (روي) فإنه لا ينفع، وأما لو قال: (قال) فإنه يكون محلّ الاعتماد.

وأما من حيث الدلالة، فالروايات قد يختلف اعتقاد بعض الأشخاص فيها، فإن بعض المطالب الذهنية المركوزة تمنع عن الاستظهار من الرواية على ما هي عليه. ومن الغريب أن الكلمة بالنسبة إلى بعض أحوالها يقال إن مفادها بنحو وبالنسبة إلى بعض آخر يقال إن لها مفاد آخر!!

فلو قال النبي: (على خليفتي) لفهمنا أنه أسند إليه خلافة المسلمين، 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() أقول: ورواه السيد عن (معاني الأخبار) وعن (المجالس)، وعن باب اسباغ الوضوء من (الوسائل)، ولم نجده، وإن كان فيه تعرّض لعنوان الولاية، إلّا أنه لم يذكر هذا الحديث في حدود الفحص.

قال السيد: وفي (معاني الأخبار) يرويه بثلاث أسناد مختلفة.

 أقول: لم نجده، وما رواه هو ما سبق بلا زيادة. انتهى. (المقرِّر).

(2) يعني إرسال المسلمات. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والذين فهموا ذلك بأنفسهم قالوا: إن قوله: “اللهم ارحم خلفائي” محمول على (مسئلة كو)(1) وتبليغ الأحكام. وهذا غير صحيح، فإنه مع غضّ النظر عن أن التبليغ منافٍ مع مفهوم الولاية، فإننا لا ينبغي أن نفهم من الخلافة معنيين متباينين، فإنه أيّ فرق بين (خليفتي) و(خلفائي)، فكما لا نفهم من (خليفتي) التبليغ وحده فكذلك هنا.

على أن للخلافة معنى واضحاً في الأذهان غير غامض، وجميع الخلفاء بما فيهم الأمويون والعباسيون والعثمانيون، كانوا يمارسون السلطان بدعوى أنهم خلفاء رسول الله، ولم يكن مفهوم الخلافة غامض أو مجملاً ولم تكن مربوطة بالتبليغ و(مسئلة كو)(2) على أن هؤلاء الخلفاء لم يكونوا يعرفون المسائل لكي يبلّغوها، فكيف أن قوله: (على خليفتي) يحمل على هذا المعنى المعلوم، وقوله: “ارحم خلفائي” لا يحمل عليه.

أو يقال: إنها مقيّدة وخاصّة بالأئمة، وهو أيضاً لا يتمّ، إلّا إذا كان المراد بها المقامات المعنوية، إلّا أن موردها هو الخلافة التي هي أمر اعتباري لتمشية أمور المسلمين، ورسول الله كان يعلم حاجة المسلمين على مرّ العصور إلى الخليفة فقال ذلك.

وقوله: “الذين يروون حديثي وسنتي“، ليس صفة لخلفاء الرسول، 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: الشخص السائل.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: الشخص السائل.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإن الرسول لم يكن راوية ولا ناقلاً لكلام نفسه حتى يخلفوه في ذلك(1)، وإنما معناه: أنهم يعملون عمله، على أن رواية الحديث منافية مع الخلافة(2) أصلاً.

ومن هذه الرواية نفهم أن الفقه والعلم بالشريعة معتبر في الخلافة، ولا يمكن أن لا يكون الخليفة فقيهاً، فلو لم تكن هذه الرواية لأثبتنا بها ولاية الفقيه معتضدة بحكم العقل السليم والضرورة القطعية.

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() ولم يقل: (الذين يبلّغون الحكم الشرعي)؛ ليتمّ المطلب بهذا النحو. (المقرِّر).

(2) يعني: مفهوماً، وإلّا كان منافياً لما يأتي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 

[رواية الصدوق (اللهم ارحم خلفائي من بعدي)]

 

تعرّض السيد إلى رواية “اللهم ارحم خلفائي” فقال: رواها الصدوق في (جامع الأخبار) و(المجالس) و(عيون الأخبار) بخمسة طرق مسندة، وفي واحد منها: “الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنّتي ويعملّونها(1)، وفي الباقي: “فيعلّمونها الناس من بعدي(2)، وأما في روايته المرسلة(3) فيرويها الصدوق بدون هذه الزيادة.

ويأتي إلى النظر أنها رواية واحدة، وإذا دار الأمر بين السقوط والزيادة، كانت الزيادة خطأً غير ممكنة، وخاصّة إذا كانت جملة في عدّة كلمات كما هو في المقام، فإذا كانت زيادة فلا بُدّ أن تكون عمدية من قبل بعض الرواة الأوائل، إلّا أن دواعي العمد غير موجودة، خصوصاً أنها رويت بطرق متعدّدة، في بلدان عديدة، فاتّفاقهم على زيادة هذه الجملة، خطأ أو عمداً خلاف العادة جداً حتى يُقطع بعدمه، ولم يكونوا مجتمعين حتى يتّفقوا على الإزادة.

إذن فهذه الجملة سقطت في رواية الصدوق في المرسلة، أما من قلمه أو من 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() الأمالي (المجالس): 180، المجلس الرابع والثلاثون، الحديث 4.

(2) عيون أخبار الرضا 2: 37، الباب 31، الحديث 94.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 420، باب النوادر، الحديث 5919.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

قلم النسّاخ، وهو وإن كان خلاف الأصل، إلّا أن خلافه مقطوع العدم.

نحن نفترضها روايتين، ونتكلّم على هذا الأساس، أما الرواية مع الزيادة، فلا يمكن أن نقول: إنه أعمّ ممن يكتب الرواية في الكتاب من دون أن يكون فاهماً لها مميّزاً للغثّ والسمين، فإنه لا يصدق بذلك أنه يعملّه للناس، وإنما يكون من قبيل حبس الصوت، وإنما المراد بالتعليم هو بسط العلم بين الناس والجماهير كما كان يعمل رسول الله، ومن واضحات العقول أن الإسلام حين يجيء إلى كلّ العالم فلا بُدّ للمسلمين وخاصّة علماءهم أن يبعثوا أحكام الدين في كلّ الناس، عن طريق الكلام أو الخطابة أو الكتابة(1)، ولا يجوز إهمال الأحكام حتى تنسى وتتلف.

ولو فرض أن هذه العبارة غير موجودة، فماذا يريد أن يقول؟ سنّة رسول الله عبارة عن أحكامه، فإنها سنة الله تعالى، وإنما نسبت إلى الرسول باعتبار أنه المبلّغ لها، والى الأئمة بذلك الاعتبار فيقال: المذهب الجعفري، ونحن لا طريق لنا إلى النبي إلّا عن طريق أهل البيت، وقلّما يوجد طريق للنبي لا يتّصل بهم، فإن ما جعل الفقه الشيعي فقهاً، هو عمل الأئمة وزحماتهم. وحيث إنهم كانوا محاطين بحكّام الجور وشدّة التقية، والخوف لا على نفسه، بل على المذهب، بحيث لو عملوا على خلاف التقية لاستأصلوا المذهب من أساسه، ولم يكونوا يستطيعون بيان الأحكام بنحوها الواقعي إلينا، بل قد يكون أحياناً من باب التقية، ومن جراب النورة، وكان فقهاء أصحاب الأئمة 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() بالنحو الذي أنتم عليه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

كمحمد بن مسلم وزرارة، يذهبون بعنوان الحجّ في كلّ عام ليقابلوا الإمام، ويكتبوا عنه المسائل.

فمن يستطيع أن يقول: هذه سنة رسول الله؟ فإن غاية ما يمكن أن يقال: إن سندها صحيح، وأنها لم تصدر عن تقية. فهل رسول الله أراد الرواية سواء كانت صادقة أو كاذبة ومهما اتّفق، أو أنه أراد انتشار أحكامه الواقعية بين الناس، فإنه كان موظّفاً في تبليغ أحكام الله تعالى، ويبقى هذا التكليف للأئمة وللفقهاء من بعد؟

وهناك روايات(1) كثيرة، فيمن حفظ أربعين حديثاً، فإنه يحشر فقهياً، وليس المراد أنه قال: روي كذا وروي كذا، حال كونه جاهلاً لمعنى الحديث، بل المراد أنه يستطيع أن يشخّص أنها سنّة رسول الله أو لا، بالموازين التي أعطيت إلينا من قبل الأئمة.

إذن فهذه الرواية أصلاً غير مربوطة بمجرّد الرواية، فضلاً عن أن ذيلها لا يراد منه الرواية بلا إشكال.

وقد دلّت آية النفر(2) أن الفقهاء بحسب أصل تكوينهم ووظيفتهم إنما هو لتبليغ الحكم، وانتشار الإسلام بين الناس، لا للانزواء والابتعاد، وأنتم موظّفون لتشكيل الحكومة الإسلامية، فيجب أن تبدأوا بالتبليغات أوّلاً، فإن 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في باب من حفظ أربعين حديثاً في بحار الأنوار 2: 153، كتاب العقل والعلم والجهل، أبواب العلم، وغيره.

(2) أي: الآية 122 من سورة التوبة.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

جميع من سيطروا على الحكم كانوا أوّلاً جماعة قليلين، بلّغوا آرائهم إلى الناس ووسّعوا تبليغاتهم ودعايتهم حتى استطاعوا أن يسيطروا على الحكم، فإن كنتم لا تستطيعون السيطرة على الحكم فعلاً، فإنكم تستطيعون التبليغ، فلا تَقتصِروا فيه على أحكام العبادات، بل ينبغي التأكيد على الأحكام القانونية والسياسية للإسلام، فإذا اتّسعت التبليغات فإنكم سترون أن الأمّة تستيقظ فجأة، ويستطيع بعض أفرادها السيطرة على الحكم بالإسلام، وليس ذلك من الممتنعات كما قد يُتخيّل، فكثير من الفقراء المدقعين أصبحوا (ملك التجار) باعتبار جدّيتهم بالعمل، فلو كنّا مجدّين بالعمل وفهمنا الواقع، وعلمنا أن للإسلام أحكاماً عادلة غير متوفّرة في قوانين الدول، جاء بها في زمان كانت البشرية تعيش في الوحشية والتخلّف.

فهذه الرواية تامّة سنداً ودلالة، أما سنداً فباعتبار تعدّد الأسناد وإرسال الصدوق لها إرسال المسلمات. وأما دلالة فإنها بإطلاقها تشمل كلّ ما كان لرسول الله من العمل والولاية، فهو ثابت لخلفائه، وهم الفقهاء، إلّا ما خرج بدليل خاصّ، كجباية الزكاة ومحاربة مانعها وإعلان الحرب والصلح، فإنه أولى من الناس بأنفسهم في باب الحكومة، وكون الفقيه لا يقدر على ذلك لا يخرجه عن الولاية.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  





[رواية حصون الإسلام]

 

في (الوافي)(1) في كتاب القضاء باب فقد العلماء، عن (الكافي)(2)، عن محمد بن يحيى، عن أحمد (يعني: ابن محمد بن عيسى)، عن السراد (يعني: ابن محبوب، والسند إلى هنا صحيح)، عن علي بن حمزة (يعني: البطائني، وقد ضعّفوه(3)، إلّا أن الصدوق(4) قال: أصحابنا يعملون بروايته، ولا ينبغي إهمال الرواية بلحاظه، وبعضهم(5) وثّقه، وبعضهم(6) قال: إنه أوثق من ابنه(7)، فالرواية 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) الوافي 1: 148، كتاب العقل والعلم والتوحيد، أبواب العقل والعلم، الباب 5، الحديث 3.

(2) الكافي 1: 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 3.

(3) اُنظر: رجال الكشّي: 403/755، رجال العلّامة: 231، القسم الثاني، رجال ابن داود: 259، القسم الثاني، مجمع الفائدة والبرهان 8: 61، مناهج الأخيار 1: 38، روضة المتّقين 14: 94، وغيرها.

(4) اُنظر: عدّة الأُصول 1: 150، الباب الثاني: شروط قبول الأخبار، الفصل الخامس: في ذكر القرائن التي تدلّ على صحّة أخبار الآحاد أو على بطلانها … .

(5) اُنظر: تنقيح المقال 2: 262.

(6) أُنظر: رجال ابن الغضائريّ: 51.

(7) اُنظر: رجال ابن الغضائريّ: 51.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

معتمد)، قال: “سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كانت يصعد فيها بأعماله، وثُلِم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء؛ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام، كحصن سور المدينة لها“.

وفي بعض الروايات من هذا الباب: “إذا مات المؤمن الفقيه ثُلِم في الإسلام…(1)، وفي بعضها (المؤمن)(2) فقط، وهذه الرواية في صدرها، (المؤمن) وفي ذيلها (المؤمن الفقيه) فيأتي إلى النظر أنه كان في صدرها (المؤمن الفقيه) وسقط من قلم النسّاخ، وهي موجودة في الروايات الأخرى، واحتمال الزيادة بعيد جداً وليس متعارفاً، على حين أن احتمال السقوط موجود، على أن مناسبات الحكم والموضوع تقتضي ذلك؛ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها، فيكون موت أحدهم ثلمة في الإسلام.

فإذا كنّا وهذه العبارة الأخيرة في الرواية، فإنما نفهما إذا فهمنا الإسلام ما هو ليكون الفقيه سوراً له وحافظاً كما يحفظ سور المدينة إياها.

هل الإسلام عبارة عن الأحكام التي نباحث فيها؟ أو في الحقيقة كما قلنا: 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 2، والوافي 1: 148، كتاب العقل والعلم والتوحيد، أبواب العقل والعلم، الباب 5، الحديث 2.

(2) قرب الإسناد: 303، أحاديث متفرّقة، الحديث 1190، الكافي 1: 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الباب 5، الحديث 3، ووسائل الشيعة 3: 283، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، الباب 88، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

إن المهمّ في الإسلام هو الأمر الذي جاء لأجله، وشرّعت القوانين له، وهو تشكيل الحكومة الكبرى، لا بالنحو الامبراطوري بلوازمه الظالمة الفاسدة، كما رأينا النبي أصبح رئيساً للدولة الإسلامية، ورئيساً في سلوكه، وبقيت هذه السيرة محفوظة إلى زمان أمير المؤمنين -بالرغم من اعوجاج المجتمع- فكان يعيش كأقلّ فرد في المجتمع سيرة قال عنها: “ألَا وإنكم لا تقدرون على هذا ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد وعفة وسداد(1)، وكان يلبس ثوباً مقطوع الكمّ، ومع ذلك كان يحكم دولة كبرى وله ولاة في إيران ومصر.

فنحن نعرف من ضرورة التاريخ عدم وجود لوازم الامبراطورية، بحيث يصرف نصف بيت مال المسلمين على البلاط ومصالح الحاكمين فيه، فتنكسر الميزانية، فاحتجنا إلى الوقوف بذلة أمام أمريكا مسترحمين؛ كي تقرضنا أو تعطينا بالمجّان.

فالإسلام بعث لتأسيس الحكومة، وقد أسّسها فعلاً، غاية الأمر أنها لم يدعوها تستمرّ، وليس معنى ذلك أنه ليس له حكومة. وحكومته قائمة على أساس القانون الساري في كلّ الأمور التي يحتاجها الإنسان في حياته الخاصّة وأسرته وعلاقته ومجتمعه وعشيرته وأهله، وعلاقة المجتمع بالمجتمعات الأخرى، وأحكام الدولة، على حين أن القوانين الحديثة ليس لها إلّا عددٌ من 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) نهج البلاغة: 417، الكتاب 45، بحار الأنوار 33: 474، كتاب الفتن والمحن، أبواب ما جرى بعد قتل عثمان …، الباب 29، الحديث 686، ومستدرك الوسائل 12: 54، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 63، الحديث 9.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الأحكام العامة، من دون أن يتعرّض للفساد الشخصي أو انحراف الأسرة أو شرب الخمر وغير ذلك.

فهذا هو الإسلام، فإذا قيل إن الفقهاء هم حصون الإسلام فهل نقول: أن وظيفتنا هو الدعاء (دعاء كو)(1)؟ مع أن الفقهاء يجب عليهم أن يحفظوا سائر جهات الإسلام، والفقيه الجالس في بيته المنعزل عن الناس لا يتدخّل في نشر قوانين الإسلام، ولا يهتم بأمور المسلمين، هل هو حصن من حصون الإسلام؟ وحافظ له، أي شيء حفظ؟ فهذا أمرٌ من ولي الأمر أو من الله عزّ وجلّ إلى الفقهاء بالمحافظة على الدين، فلو قال سلطان لشخص: (أنت حصن المدينة الفلانية)، فهل معناه أنه يجلس في بيته، أم معناه أنه يحافظ عليها؟

وليس هذا وصفاً تشريفياً، كالذي يلقّب به بعضنا البعض، ونكتبه في الخطابات، بل كما كان رسول الله حافظاً للإسلام، فكذلك الفقهاء في زمن الغيبة، حافظون له، وهم مكلّفون بحفظه، ولا بُدّ أن يفهم ذلك علماء الإسلام والحوزات الدينية.

 نحن قصرنا عملنا على المباحثة ببعض الأبواب الموروثة عن السلف، وأهملنا الجزائيات حتى لم يبقَ إلّا اسمها، والآيات الواردة في الحدود، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ(2)، لم يبق منها إلّا القراءة الصحيحة!! وكأنّنا لسنا مخاطبين بها، مع أن النبي والخلفاء بعده كانوا 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: الداعي.

(2) النور: 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يقيمون ذلك كلّه. بل ليس للإمامة -بحسب منصبها الاعتباري- معنى إلّا ذلك.

قولوا: لا نريد حكومة، بل هرج ومرج، ولكن بالمقدار الذي تعترفون به وهو وجوب تبليغ الأحكام هل قمنا به؟

إذن فلماذا في كلّ طرف من أطراف بلاد الإسلام يخرج الشباب من دين الله أفواجاً، فهل نحن حافظون للدين؟!

في طهران دعايات مسيحية ويهودية وبهائية تضرب الإسلام وأحكامه، وفي كلّ قرى إيران -في حدود ما أعلم ولا أعلم بغير إيران- تبليغات ودعايات سوء تمحو الإسلام باسم الإسلام، ويحرفون الناس عنه.

لا يجب أن تموتوا بل يجب أن تحيوا وتعيشوا وتبدلّوا فكرتكم، فقد نسيت حقائق الإسلام وأصبح الإسلام غريباً.

قال لي عدد من الآغايون: إذن ما هو الطريق والتكليف؟ أنا أدلّكم على الطريق، لكن لا تتوقّعوا النتيجة بين عشية وضحاها، مثله مثل ذلك الهرم الذي كان يزرع جوزاً ويقول: زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون.

نحن الآن موظّفون ومكلّفون، بأن نرفع الإبهام الذي في أذهان الناس تجاه الإسلام، بالكلام والكناية بمقدار الإمكان، فنعرّف الإسلام، وأنه هل له حكومة، وكيف هي، وكيف قوانينه، وأنها قوانين عادلة لا تشبهها قوانين أخرى، يتكفّل الفرد من قبل ولادته إلى ما بعد وفاته، والقوانين الأخرى تتكفّل شيئاً قليلاً من ذلك.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والإسلام له معنويات يفقدها القانون الآخر، كالصلاة والحجّ، فإنها عبادة وسياسة، كما في صلاة الجمعة والحجّ، فإن الإسلام وفّر هذه الاجتماعات لنفكّر ونتدبّر فيما نحن فيه، ولو أرادت الدول أن تجمع مثل هذا العدد من الناس لصرفوا الأموال الطائلة وقد وفّرها الإسلام بسهولة، حتى تكون العبادة توأماً مع السياسة، ولكنّنا لا نزداد إلّا تباغضاً ونفرة عن بعضنا، وخطبة الجمعة ليست تلاوة سورة وكلمتين، بل كانت تستغل في خدمة الإسلام، وذكر مشاكله وعرض الحلول لها، وإعطاء البرامج الاجتماعية والأمر بالتجهز للحرب وغير ذلك من الأمور.

فإذا عرضتم الإسلام وقوانينه على الناس وخاصّة الجامعيين منهم، فستجدون مشترين كثيرين، ولا أقدر أن أقول أكثر من ذلك، فإنني بالتجربة أخبركم أن عيونهم وأيديهم ممتدّة إلى أقوالكم وتوجيهاتكم، اطبعوا الكتب ووزّعوها، تؤثّر تأثيراً بالغاً، إنني وجدت الناس محتاجين جداً إلى من يتحدّث إليهم باسمهم، فإنهم في ضغط وظلم، فإذا أثّرت التبليغات والدعايات أثرها في فهم الناس والشباب والجماهير للإسلام، فسيحصل (الموج) الإسلامي في الأمّة، وحينئذٍ فلا شكّ أنه يؤثّر الأثر المطلوب وسيحصل شخص يسيطر على الحكم ويطبّق الإسلام.

يجب أن تعيشوا في تبليغ الأحكام، كما تعيشون الآن في ذكرى يوم عاشوراء، وتقيمون المآتم، ولا يمكن لأحد أن يجعله منسيّاً عندكم، فكذلك يجب أن تكون التبليغات الإسلامية، فإن العمل الإسلامي أكثر وجوباً من الصلاة نفسها.

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإذا اقتصر الفقيه على المطالعة في داره، فماذا يحصّل الإسلام منه؟ ولماذا يفتقده المجتمع وهو لم يقدم له خدمة ولم يؤثّر فيه أثراً؟!

إذن فيجب أن يكون الفقيه حافظاً للإسلام، وإلّا فهو إما ليس فقيهاً حقّ الفقه، أو ليس مؤمناً حقّ الإيمان، فكونوا بنحو من الخدمة للإسلام، بحيث يفقدكم المجتمع الإسلامي إذا متّم ويستوحش الناس لفقدكم، وينثلم الإسلام، وليس ذلك إلّا بالخدمة الحاسمة الكبرى للإسلام، فإنه ليس هناك أغلى من دم الحسين، وقد أريق في سبيله.

فأنتم إنما تكونون خلفاء لرسول الله إذا علّمتم أحكام الإسلام، وأنهم -بما فيهم من مستعمرين ومنحرفين- يريدون فصلكم عن الناس وإبعاد الناس عنكم وإساءة ظنّهم بكم، فلا تكونوا على مستوى هذا الظنّ، بل يجب أن ترفعوا هذا الإبهام من أذهان الناس، فإن الناس لا يعرفون الآخوندي (يعني رجل الدين) وحتى هو لا يعرف نفسه، ولهذا أقعدوه عن عمله، وأفهموه أن الكلام غير مناسب لشأنه، حتى أصبح لا يعرف الكلام، مع أنه مكلّف ببيان الأحكام وحقائق الإسلام.

إذن فهذه الرواية من الأدلّة الواضحة لو فهمنا الإسلام على واقعه. نعم، لو كان الإسلام هو هذه الأحكام القليلة لما كانت دالّة على شيء.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  





[رواية الفقهاء أمناء الرسل]

 

من الروايات في المقام، عن (الكافي)(1) بسند موثّق(2)، في باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث الخامس، وفي المستدرك أبواب ما يكتسب به باب 38 حديث 8، عن موسى بن جعفر، وفي باب 11 الحديث:5(3)، من صفات القاضي، عن أبي عبد الله، قال: “قال رسول الله: الفقهاء أمناء الرسل، ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: وما دخولهم في الدنيا؟ فقال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم“. وفي (الكافي)(4) رواية معتبرة عن أبي عبد الله: “العلماء أمناء(5).

ومحلّ استشهادنا هو الفقرة الأولى من الرواية فنقول: نحن إذا خصصنا 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() الكافي 1: 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 5.

(2) رواها السيد عن (الكافي). (المقرِّر).

(3) ظاهره أنه في (المستدرك) أيضاً. وإن كان من المحتمل المراد هو (الوسائل) ولم نجد كلّ ذلك بالرغم من الفحص في حدود الإمكان. (المقرِّر).

(4) الكافي 1: 33، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 5.

(5) الوافي 1: 143، كتاب العقل والعلم والتوحيد، أبواب العقل والعلم، الباب 4، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

عمل الرسل ببيان المسائل والتبليغ للأحكام فكذلك يكون عمل الفقهاء، غاية الأمر أن النبي والأئمة كانوا أمناء الله، والفقهاء أمناء الرسل.

إلّا أن الأمر ليس كذلك بضرورة الدين بل بضرورة الأديان، من أن تبليغ الأحكام الإلهية وإن كان من أعمالهم، إلّا أن الأهمّ من ذلك هو تطبيق المسائل التي بلّغوها في الخارج، فليسوا يبلّغون الأحكام، بل إنهم مأمورون ببسط العدالة الإسلامية في تمام المرافق والمصالح.

ومن جملة القوانين التي جاء بها النبي أنه رئيسٌ لهم: أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ(1).

وإطاعة الله تكون بإطاعة المسائل التي يبلّغها رسول الله، ولا تكون إطاعتها إطاعة لرسول الله حتى لو صلّيت بهذه النية تكون صلاتك باطلة، وإنما تكون إطاعة الرسول لو أمر بتجهيز جيش أسامة فلا يجوز لاحد التخلّف. فهذا ليس أمر الله، بل أمر رسوله بصفته ولي أمر المسلمين. وإطاعته إطاعة لله بالمعنى الثاني؛ لأنه أمر بطاعته.

بناءً عليه فالتصرّفات المربوطة بالحكومة مما لا يمكن أجراؤها من قبل شخص معين، كانت ثابتة للنبي والأئمة من بعده، ثُمّ نصب الإمام بعده شخص لإجراء ذلك.

ولا يمكن الإخراج من كون الفقهاء أمناء الرسل بأن يقال: إلّا في الحدود وإلّا في حفظ نظام الدولة، وإلّا في حفظ الأموال، وهكذا إلى أن يبقى بيان 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) النساء: 59.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الأحكام وتبليغ المسائل، فهل يصحّ ذلك، مع أن المراد هو أن جميع الأمور المربوطة بالرسل بما أنهم رسل منوطة بالفقهاء، وهو التبليغ والتطبيق، فإذا قيل: (فلان أمين على الحدود)، فليس معناه أنه أمين في بيان أحكامها، بل في تطبيقها أيضاً، ومقتضى الأمانة هو التطبيق بكلّ دقّة، فمن استحقّ ضرب مائة سوط، لا يزيده سوطاً آخر ولا شتماً ولا سجناً، ولا أن يأخذ أكثر من الفرائض الشرعية، أو يقسّمها على وجهها غير الشرعي، ويجب طاعته في كلّ المصالح العامة كما كان للرسول. 

فإذا خالف القوانين وتطبيق العدالة، فإنه يسقط عن الولاية بنفسه، ولا تكون الولاية مجعولة له؛ لأنها واردة على العنوان، وهو ليس من مصاديقه حينئذٍ، وكذلك القاضي إذا جار في حكمه.

فالمسلمون يكونون آمنين وأحراراً في حدود المقررات الشرعية، وقد قرأنا فيما سبق(1) قول الإمام الرضا الذي كان مؤدّاه: (أن الله لو لم يجعل أميناً حافظاً لاندرست معالم الدين)، فلو لم يعيّن أميناً قيمّاً أو عيّن شخصاً غير عادل، لاندرس الدين أيضاً، فهو في تلك الرواية يبيّن القاعدة الكلّية وهي الحاجة إلى القيّم والحاكم، فلو كان الفقهاء مبسوطي اليد لَما جعلوا الإسلام مندرساً. فهل الإسلام هو القرآن وكتاب (الكافي) فقط نقبّله ونجعله على الرف، وإذا عطّلت الحدود والثغور لمَا كان الإسلام مندرساً؟!

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) كما في رواية العلل المتقدّمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وإنما يكون حفظ الإسلام بالأمانة عن الرسل، وإيضاح القانون وتطبيقه، وليس منحصراً بالتبليغ فقط.

وسرّ فهمنا للاختصاص بالتبليغ للمسائل هو أن الإسلام اندرس في أذهاننا، وعشنا دهراً على ذلك، مع أنه لو كان ورد كما ورد في حقّ زرارة ومحمد بن مسلم وأمثالهما، أنهم أمناء الله على حلاله وحرامه، لفهمنا منه خصوص التبليغ، ولكن لم يرد ذلك في هذه الرواية.

وبالنسبة إلى الأمانة، وإن كان يتصوّر أن يكون فرد أميناً غير عادل، لكنّنا نفهم هذا المعنى، وهو أنه لا يعطى مثل هذا المنصب لشارب الخمر، فلو كان شخص أميناً في الأموال لا يكون ذلك كافياً، وإنما يجب أن يكون أميناً في تطبيق حكم الله عزّ وجل، ولا يمكن أن يكون الفاسق كذلك.

وقوله: “ما لم يدخلوا في الدنيا“، لو كانت بدون الذيل لفهمنا منها المعنى الأعمّ من دنيا الحلال ودنيا الحرام، فالكاسب وإن كان يعمل عملاً جائزاً بل راجحاً إلّا أن له دخولاً في الدنيا، والفقهاء إذا كانوا كذلك لا ترتفع عنهم الأمانة الإسلامية المطلوبة، وإن كان بحسب الظاهر عادلاً نصلّي وراءه جماعة.

وأما الأمانة على إقامة الحدود والعدالة في تطبيق القانون، فلا بُدّ أن يكون أكثر من ذلك، فلو طلب الرئاسة -ولو الرئاسة المباحة- لا يمكن تسليم الأمانة الكبرى إليه.

وما ذكر في الرواية مصداق لذلك، وهو الدخول مع الظلمة، ما لم نعلم أنه معذور شرعاً كعلي بن يقطين، وحتى مع الشكّ لا يمكن تسليمه الأمانة 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الكبرى، فإن الفرد العادي إذا فسق لا يسقط إلّا هو، وأما الحاكم والقاضي إذا فسق كشريح القاضي وأبو هريرة وأضرابهم، المفروض بهم أن يعطوا إلى الإسلام عظمته. فإنهم بانحرافهم يكونون على الإسلام وصمة ولطمة.

فالفقهاء ليسوا كسائر الناس، بل لا بُدّ أن يمتنعوا عن بعض المباحات، وأن لا يتّقوا في موارد يجب على غيرهم فيها التقية، فإن التقية إنما شرّعت في الفروع، ولم تشرّع في الأصول فلو كانت أصول الإسلام مهدّدة فلا تقية.

فهذه الرواية موثّقة وتامّة سنداً ودلالة(1).

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() قلت* للسيد: إذا أصبح الحاكم غير عادل في التطبيق فمن الذي يعزله؟

فقال: هو بحسب التشريع معزول.

فقلت: القانون وحده لا يكفي بل يحتاج إلى من يطبّقه.

قال: الأمّة تطبقه، مَن كان الذي عزل عثمان غير الأمّة.

قلت له: الميرزا النائيني يقول في رسالته (تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة) بأن تأسيس البرلمان من ضروريات الدين.

فقال: هذا غير صحيح.

فقلت له: نعم في تشريع القوانين، وأما في إجرائها فلا بأس. 

فقال: نعم، إلّا أن التطبيق من عمل الفقهاء.

فقلت: فليكن برلماناً من الفقهاء.

قال: نعم.

فقلت: إذن يكونون بالانتخاب.

قال: كلا، فإنه متعيّن في نفسه دون انتخاب، وهذا الذي نقوله غير ما قاله.=

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ــــــــــ[57]ــــــــــ

=قلت له: هل العدالة والفقاهة المشترطة في الحاكم الإسلامي الأعلى مشترطة في عماله ومعاونيه كالقائد والوزير؟

فأجاب: كلّا غير مشترط، فإنه إذا أرسل والياً إلى بعض الأطراف، لا يشترط أن يكون فقيهاً، بل هو يرسل معه فقيهاً قاضياً.

فقلت له: فالعدالة.

قال: مشترطة جزماً. 

فقلت له: دلّ الدليل على اشتراط العدالة في خصوص الحاكم الأعلى الوالي على الأمّة، فأيّ دليل على غيره؟

فقال: والي بعض الأطراف، أيضاً والٍ على الأمّة، فإنه حين يرسل شخصاً إلى مصر ومعه قاضٍ، فإنه -يعني والي مصر- يستقلّ بالأمر ولا يرجع إلى المركز إلّا قليلاً، ومعه يكون مشرفاً مباشراً على مصالح الأمّة، فيجب أن يكون عادلاً. (المقرر).

* هذا كلّه نقل بالمعنى إلى حدّ كبير. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  



[الاستدلال ببعض الروايات] 

 

هناك بعض الروايات الأخر بعضها تمسّكوا بها، وبعضها لم يتمسّكوا بها، لا بأس بالتعرّض لها، وإن كان المطلب قد تمّ بالضرورة فيما سبق.

فمن(1) الروايات التي لم يتمسّكوا بها، ما عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك (مجهول)، عن عبد الله بن جبلة (ضعيف)، عن أبي جميلة (ضعيف)، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله قال: “قال أمير المؤمنين لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ(2).

وهذا الطريق ضعيف إلّا أنه من مرسلات الصدوق، التي هي مورد الاعتماد فإنه ينقلها بنحو الجزم.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

() الوسائل باب3 رواية2. (المقرِّر).

(2) الكافي 7: 406، كتاب القضاء والأحكام، باب أنَّ الحكومة إنَّما هي للإمام، الحديث 2، مَن لا يحضره الفقيه 3: 5، أبواب القضايا والأحكام، باب اتّقاء الحكومة، الحديث 3223، تهذيب الأحكام 6: 217، كتاب القضايا والأحكام، الباب 87، الحديث 1، ووسائل الشيعة 27: 17، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي وما يناسبه، الباب 3، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وشريح القاضي كان قاضياً (50 أو 60) سنة، ولم يستطع أمير المؤمنين عزله، فإنه حين أراد عزله احتجّ الرجال، وقالوا: إن الشيخين نصّبوه، فلا تخرج عليهما، وكان شريح يتقرّب إلى معاوية بالفتوى، ولذا كفّر حجر الكندي.

والقاضي لا يخلو من إحدى حالات ثلاث: إما نبيّ أو وصيّ أو شقيّ، ولذا قالوا: إن شريح لا نبيّ ولا وصيّ إذن فهو شقيّ.

ولكن ما حال فقهائنا؟ لا إشكال بأنه جُعل له القضاء، وإن كانت الولاية محلّ خلاف، وإن قال بها النراقي(1) واستفادها النائيني(2) أخيراً من مقبولة عمر بن حنظلة، إلّا أن ثبوت القضاء لهم من ضروريات المذهب، وحيث إن الفقيه ليس نبياً ولا شقياً بالضرورة، إذن فهو وصيّ نبيّ.

وإنما لم يتمسّكوا بهذه الرواية باعتبار أنهم تخيّلوا وفهموا من الوصيّ الأئمة، ولكن الوصاية أمر أعمّ من ذلك، وهو التخويل على أمر الأمّة بما فيه القضاء، وهو ثابت للفقهاء، والقضاء ليس بيان المسألة فقط على ما نبيّنه، فكما أن الوصي يعمل كلّ أعمال النبي فكذلك الفقهاء.

رواية أخرى أحسن سنداً ودلالة: وهي: ما عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن (ضعيف، واسمه 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) اُنظر: مستند الشيعة 17: 17، كتاب القضاء والشهادات، المقصد الأوّل، المطلب الأوّل، البحث الأوّل.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 325، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، مسألة: من جملة أولياء التصرّف … الحاكم.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

زكريا بن محمد)، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله قال: “اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي(1).

وهي بهذا السند ضعيفة، لكن الصدوق له طريق صحيح إلى سليمان بن خالد، فهي بهذا الطريق صحيحة.

لا تحكموا فإن الحكومة مختصّة بالإمام، والمراد بالإمام هنا ليس المعنى الاصطلاحي الذي نفهمه، بل المعنى اللغوي، وهو الرئيس والوالي، وإلّا لم يكن معنى للتقييد بالعالم العادل.

ولذا حُسب النبيّ مصداقاً من الإمام، وكونه إماماً لا يكفي، فإنه قد يكون من أئمة الجور، بل لا بُدّ أن يكون عالماً بالقضاء، وهو أيضاً لا يكفي، بل لا بُدّ أن يكون عادلاً بين المسلمين، فإذا تخلّف في شخص شرط من ذلك فإنه لا يكون إماماً أو والياً.

وهذا(2) لا ينطبق إلّا على نبي أو وصي نبي، والفقهاء عالمون على الفرض، 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() الكافي 7: 406، كتاب القضاء والأحكام، باب أنَّ الحكومة إنَّما هي للإمام، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 5، أبواب القضايا والأحكام، باب اتّقاء الحكومة، الحديث 3222، تهذيب الأحكام 6: 217، كتاب القضايا والأحكام، الباب 87، الحديث 3، ووسائل الشيعة 27: 17، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 3، الحديث 3.

(2) هذا ليس من السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وإلّا فلو لم يكونوا فقهاء والقضاء قد أسند إليهم بلا إشكال، إذن فالصفات الأخرى يجب أن تكون ثابتة لهم، وهما: وصاية عن رسول الله والإمامة.

فهذه الرواية أيضاً من المؤيّدات، بل من الأدلّة، وإنما لم يفهموا منها ذلك؛ لأنهم فهموا من الوصي الأئمة.

رواية تمسّكوا بها (1): ما عن (إكمال الدين)(2) للصدوق، عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب (وهو الكليني)، عن إسحاق بن يعقوب، قال: “سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان: أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك. إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم(3).

إسحاق بن يعقوب لم يوثّق(4)، وإن كانت بعض القرائن قائمة على وثاقته، إلّا أننا لا نقبل ما أنفرد به، لكن هذه الرواية من المؤيّدات.

حيث إن السؤال غير موجود عندنا، فلا نعرف أن الحوادث الواقعة ما هي، وهل كان السؤال بهذا العنوان كما هو ظاهر مطابقة الجواب للسؤال، أو 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() الوسائل كتاب القضاء، باب11 رواية10. (المقرِّر).

(2) إكمال الدين 2: 484، الباب 45، الحديث 4. 

(3) وسائل الشيعة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 11، الحديث 9.

(4) وقال السيد عن (إسحاق بن يعقوب) إنه لم يوثّق. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

أنه عدّد حوادث معينة؟ وهو بعيد.

وقوله: “وأنا حجّة الله” هل تفهم من الحجّية في المسائل الشرعية، كحجّية خبر الواحد؟

فلو قال النبي: (علي حجة الله)، فهل نفهم أنه خاصّ بحجّية قوله وتبليغه؟ أو أننا نفهم –كما هو الواقع- أنه كما أن النبي هو المرجع في كلّ الأمور، فيكون أمير المؤمنين كذلك، وهو حجّة الله في كلّ أقواله وأفعاله على المسلمين، ويحتجّ الله يوم القيامة بنفس وجوده، لا بخصوص أقواله -كما تخيّلنا- بل إن اعتقاد أن حجّية قول الإمام من قبيل حجّية قول زرارة اعوجاج في الاعتقاد.

وقوله: “فإنهم حجّتي عليكم“، معناه: أني لو ذهبت إلى قاضٍ آخر أكون محجوجاً، فلو كان الفقهاء مبسوطي اليد وأمكن الرجوع إليهم لوجب، فكما أن الولاية الثابتة له شاملة لكلّ الأمور (فإنهم حجّتي عليكم) في كلّ ذلك، فهذا هو الحكم الشرعي، وخروج الأمّة ونسيانها للحكم ليس مربوطاً بالحكم الشرعي.

فلو لم تكن ضعيفة لكانت دليلاً كافياً على المطلب.

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  






[مقبولة عمر بن حنظلة] 

 

مقبولة عمر بن حنظلة: هي ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ 

قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ(1). قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامناً، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وعلى حدّ الشرك بالله(2).

ــــــــــ[63]ــــــــــ

(1) النساء: 60.

(2) الكافي 1: 67، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث 10، تهذيب الأحكام 6: 218، كتاب القضايا والأحكام، الباب 87، الحديث 6، ووسائل الشيعة 27: 136- 137، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 11، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وكلّ رجال السند موثوقون، عدا عمر بن حنظلة، فيه كلام؛ فإنه لم يوثّقه أصحاب الرجال(1)، وأراد الشهيد(2) أن يذكر قرائن على توثيقه لم تتمّ، وينقل عنه مشايخ كثيرة، ومُدح في بعض الروايات، وهو قرينة على أنه لم يكن شخصاً (لا أبالِيّاً).

مضافاً إلى أن نفس متن الرواية يشهد على أن الرواية ليست من جعل عمر بن حنظلة، وإنشائه، فمثلاً الزيارة الجامعة الكبيرة ليس لها سند صحيح، لكنّ أسلوبها والحقائق الواردة فيها تدلّ على أنه ليس موضوعاً للرواة ولا من إنشائهم، بحيث يُطمأنّ أنه من الأئمة، أو نهج البلاغة الذي رواه السيد الرضي، وهو عالي الشأن يُطمأنّ بجزمه، إلّا أنها مرسلة، ولكنّ علو مقام الإنشاء يدلّ على أنه ليس من إنشائه، علماً أننا لو رأينا مقدّمته للنهج لرأينا فرقاً عظيماً، وفهمنا أن المتن ليس منه، وهذا التقريب إن لم يكن حجّة في الفقه، إلّا أنه من المؤيّدات.

والمهم أن هذه الرواية مقبولة بين الأصحاب، حتى اشتهرت بمقبولة عمر بن حنظلة، وكتاب القضاء من الأوّل إلى الآن يستند عليها. إذن فلا ينبغي الإشكال في السند.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) اُنظر: رجال الشيخ الطوسي: 142/1529، رجال ابن داود: 258/1097، وغيرهما.

(2) اُنظر: الرعاية في علم الدراية: 130-131، الحقل الثامن عشر: في المقبول، نقد الرجال 3: 353/3891، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

حيث(1) إنه تمسّك بالآية الشريفة، فلا بُدّ أن ننظرها مع سوابقها لنرى ماذا نفهم منها، ثُمّ نرجع إلى الرواية لنرى أن الجعل الذي أراد الإمام أن يقوله في مقابلهم.

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً(58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهَ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً(2)

قالوا: إن الأمانات مطلقة من الأمانات الخلقية والأموال المستأمن عليها، والأمانات الخالقية كالأوامر الشرعية، بمعنى إجرائها وتطبيقها، وبعضهم قالوا كما دلّت عليه الروايات(3) أن المراد بها الإمامة، وأن المأمور هو النبي أن يبلّغ إمامة أمير المؤمنين، والأئمة مأمورون كلّ واحد أن يبلّغ إمامة من بعده.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

() ثُمّ بدأ السيد بقراءة فقرات الرواية والتعليق عليها، فقرأها حتى انتهى من الآية التي استشهد بها الإمام، وقال:… (المقرِّر).

(2)النساء: 58-60.

(3) راجع الروايات الواردة في بحار الأنوار 23: 273، كتاب الإمامة، أبواب الآيات النازلة فيهم، الباب 16، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فقوله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُمْ: خطاب لمن في يده الحكومة، والحكومة في الإسلام تشمل القضاء وغيره على أكبر تقدير، إن لم يختصّ بغير القضاء، فإن القاضي يسمى قاضياً لا حاكماً بحسب المتعارف، والقاضي وإن كان أمره نافذاً إلّا أنه ليس الحاكم منحصراً به، بعد فرض أن الأمانات هي مطلق الأمور الشرعية، بل يشمل إجراء سائر أحكام الإسلام في الإطلاق، فإذا حكم رسول الله بإحراق بعض البيوت مثلاً، وكان بحسب الإسلام حكماً بالعدل؛ لأنه من اجتثاث عنصر الظلم، فهذا الحكم بالعدل، وإن لم يحكم لم يكن عدلاً؛ لأنه لم يلاحظ مصالح المسلمين، فإن نظر الوالي يجب أن يكون للمصالح العامة دون الخاصّة، ويجب أن تكون العواطف مقصورة على مصالح الحكم الإسلامي. فإن أمير المؤمنين كان يقطع يد السارق ثُمّ يداويه ويشفق عليه حتى يخرج لهجاً بمدحه، فكان يطبّق العدل بكل خشونة!! ويبذل العطف بكلّ رحمة، فالحاكم إذا جبى الخراج أو أقام الحدود يجب أن يطبّقها بلا زيادة ولا نقيصة.

وقوله: أَطِيعُوا اللَّـهَ…الآية: في رواياتنا: أن الأمانة لنا، وهذه الآية للمجتمع(1)، وإطاعة الله تكون في امتثال أحكامه، وإطاعة الرسول في أقواله في تنظيم البلاد والعباد، لا فيما يبلغه من أحكام فإنها إطاعة الله عز وجل ابتداء. وإن كانت طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، باعتباره أمر بطاعته في هذه الآية. وأولي الأمر هم الأئمةبضرورة مذهبنا، وإطاعتهم في أقوالهم بصفتهم ولاة حاكمين لا فيما يبلّغون من أحكام.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) أُنظر: مجمع البيان 3: 98، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وقوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ… الآية: المنازعات التي تقع بين الناس قد تكون بين فردين، مُدّعي ومدّعى عليه، وقد تقع نزاعات بين الناس في غير ذلك، كتحديد الحدود واغتصاب شخص لمال شخص، والخلاف بين جماعتين، ونحوه مما لا يمتّ إلى وظيفة القاضي بصلة، ولا يحتاج في إثباته إلى بيّنة ويمين لغرض العلم بالحكم سلفاً، وإنما يحتاج إلى تطبيقه، وليس ذلك إلّا وظيفة الحاكم، كإلزام الغاصب بردّ المال، فإنها من مسائل الحكومة في كلّ العالم، لا من مسائل القضاة.

وكل ما هو راجع إلى الرسول، فهو راجع إلى الأئمة، لا أنه في الآية الأولى حوّل عليهم، وهنا لم يحوّل عليهم، إذن فكلِا الاثنين لا تختصّ بباب القضاء.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ…الآية: إن لم تقل إن الطاغوت هو خصوص الحكومات الظالمة وخلفاء الجور، فهو -على الأقلّ- أعمّ، وإطلاقه على القضاة لا يخلو من مسامحة ويحتاج إلى تأويل، بأنهم يحكمون بخلاف ما أنزل الله، وإنما تصدق صيغة المبالغة من الطغيان على الحاكم بنحو أخصّ، وأما اختصاصها بالقاضي فغير محتمل، والكفر بالطاغوت ليس هو مجرّد أن لا يعتقد به، فإن الكافر به له وظائف يجب أن يعمل بها، حتى يقال إنه كافر بالطاغوت، طبعاً بحسب الإمكان.

أن التحاكم على نحوين: تحاكم بين شخصين مدّعيين(1)، فيكون من وظيفة

ــــــــــ[67]ــــــــــ

() ثُمّ تصدّى السيد لقراءة الرواية، فذكر أن الراوي لا يسأل عن حكم شخصي بل عن تكليف كلّي، ولذا يطرح مسألة ثُمّ يطرح مسألة أخرى، يريد أن يفهم التكليف الواقعي.

ثُمّ كرر السيد الفكرة السابقة بأن التحاكم على نحوين:… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 القاضي إثباته، بالبيّنة واليمين، ونحوٌ يكون النزاع ثابتاً بعد وضوح الحقّ، فيرجع إلى الحاكم لأخذ الحقّ لصاحبه، ولا يحتاج في ذلك إلى بيّنة ولا يمين، والتحاكم إلى السلطان من أوّل الدنيا إلى الآن لم يكن لسماع البيّنة، بل للإجراء والتطبيق. ولم يكن سماع البيّنة من عمل السلطان أصلاً، والخلفاء كانوا يوكلونه إلى القضاة، وأما الأمور الحكومية فكانوا هم الذين يقومون بها.

فإنما تحاكم إلى الطاغوت“: حكم سياسي إسلامي، حيث يعلم – مثلاً- أنه قتل ولده وأخذ داره، ومع ذلك لا يجوز له أن يتحاكم إلى الطاغوت، إلّا إذا انسدّ الطريق إلّا به، فإذا تحاكم إليه كان غير جائز، وإذا أخذه لم يكن له، بل بعضهم فهم منه أنه لو كان عين مالي لم يجز لي أخذه، فالتحاكم يكون إلى الولاة فيما يرجع إليهم والى القضاة فيما يرجع إليهم، وإذا لم نقل بحرمة الحقّ الشخصي، فلا أقل في الكلّيات فإنه سحت بلا إشكال.

ومراد الإمام هو انسداد أبواب الظلمة، وفتح أبواب الأئمة، وتحويل قضايا الناس إليهم، بل حتى لو أراد الوالي أو القاضي غير الشرعيين الحكم بالإسلام وتطبيقه، أيضاً لا يكون جائزاً، فإنه موكول إلى أهله، فضلاً عن تطبيقهم غير الإسلام.

(قلت: فكيف يصنعان؟): يعني في كلّ أمر حادث يعود إلى أي من النحوين السابقين للتحاكم، “فقال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا” ليس فيه إبهام ولا إجمال، وليس خاصّاً بالرواية، بل ذكر تمام مراتب الاجتهاد، وهو التوصّل إلى الحكم بالنظر والحصول على معرفة الحكم، وهي غير مجرّد العلم بالحكم.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فليرضوا به حكماً“: وهو ليس الحكم بين شخصين، بل الحاكم في كلّ أمر حادث.

فإني قد جعلته عليكم حاكماً“: يعني في كِلا نحوي التحاكم، بل هي أوضح فيما يعود إلى الحاكم منها فيما يعود إلى القاضي.

إذن فالرواية ليس فيها إبهام في الشمول لكِلا النحوين، وكون ذيلها بعد ذلك خاصّاً بالقضاء لا يضرّ في دلالة صدرها على العموم.

وقوله: “جعلته عليكم حاكماً“، يعني: في الأمرين اللذين لا يجوز الرجوع فيها إلى الطاغوت، وهذا تكليف عمومي للمسلمين يجب تطبيقه مع الإمكان، فإن الإمام حاكم مطلق له جعل الولاة والقضاة وعزلهم، وهو بولايته العامة الكلّية جعل الحاكم صاحب هذه الصفات.

إذن فالرواية تامّة سنداً ودلالة، وليس إخباراً ولا أنه ذكر الحكام أوّلاً، ثُمّ خصّ كلامه بالقضاة.

بقي بعض الكلام في مقبولة عمر بن حنظلة.

[توهم اختصاص المقبولة بباب القضاء]

توهِّم بأن المقبولة مربوطة بباب القضاء من ناحيتين:

الناحية الأولى: من ناحية صدر الرواية وهو قول الراوي: (بينهما منازعة في دين أو ميراث)، وقلنا: إن ذلك من باب المثال، لا أنه يريد أنكم لا ترجعوا في هذا وارجعوا في غيره إلى الظلمة، ولا يجوز أن ترجعوا إلى الظلمة في ذلك لا في ما يخصّ القاضي ولا فيما يخصّ الحاكم، فكِلا المطلبين محلّ السؤال ويستفاد من 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الآية التي أستشهد بها أيضاً، فإن انطباق الطاغوت على الحكام أكثر من القضاة وإنما يصدق عليهم ذلك باعتبار سيرهم في ركابهم.

الناحية الثانية: أن ذيل المقبولة مربوط بالقضاء واختلاف القضاة، ومن هنا ذكر المرجّحات، وهذا(1) في غاية السقوط، فإنه إذا كان المراد من الصدر
-بقطع النظر عن الذيل- عامّ للحكام، وعدم جواز الرجوع إلى الجائر منهم، ووجوب الرجوع إلى من نصّبه الإمام بهذه الرواية، فإنه لا يضرّه اختصاص الذيل بالقضاء، فإنه حيث كان القضاء محلّ ابتلاء للشيعة في ذلك الحين، فقد سأل عنه الراوي وأجاب عنه الإمام، والإمام لم يجب بخصوص ما هو محلّ الابتلاء، بل أعطى قاعدة عامة في أن الفقهاء يرجع إليهم المسلمون فيما يرجع إلى الحكام وفيما يرجع إلى القضاة.

فالرواية في نظري كالصريحة بالمطالب، ولا إشكال فيها سنداً ودلالة.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() يعني الاستشهاد بذيل المقبولة على الاختصاص بباب القضاء. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  







[مشهورة أبي خديجة]

 

في رواية(1) أبي خديجة، وهي ما رواه محمد بن الحسن بإسناده، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: “بعثني أبو عبد الله إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارؤ بينكم في شيء من الأخذ والعطا أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق. اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر(2).

وهذه الرواية وإن كنّا لا نريد أن نتمسّك بها، إلّا أن فيها ما يدلّ على ما قلناه من أن ما يرجع إلى القاضي من الأعمال غير ما يرجع إلى السلطان منها، وهذا وإن كان واضحاً لا يحتاج إلى استدلال، لكنّه يستفاد منها، وهي صحيحة سنداً.

ــــــــــ[71]ــــــــــ

() الوسائل، كتاب القضاء، باب11، رواية 7. (المقِّرر).

(2) تهذيب الأحكام 6: 303، كتاب القضايا والأحكام، الباب 92، الحديث 53، ووسائل الشيعة 27: 139، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 11، الحديث 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وقوله: “هؤلاء الفساق“، يعني القضاة الذين كانوا منصوبين من قبل الحكام يومئذٍ(1).

وأما قوله: “وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر”، فهو ليس تكراراً للكلام السابق، بل يريد أن يقوله: لا ترجعوا إلى القضاة فيما يُرجع إليهم فيه، ولا ترجعوا إلى السلطان فيما يرجع إليهم فيه، فيُعلم أن كلّاً منهما باب غير الباب الآخر.

وقد ورد كِلا الشأنين في المقبولة، غاية الأمر أنه هنا جعل القضاء، وهناك -يعني المقبولة- جعل ما هو أعمّ منه.

ثُمّ إنه يأتي الكلام في عدّة جهات.

الجهة الأولى: 

أن أبا عبد الله الصادقكان إماماً في وقته، وجعل الفقيه قاضياً -كما في المشهورة- أو أعمّ من ذلك -كما في المقبولة-. ولكن بموته يرتفع جعله لكلّ من نصّبه، ويكون الجعل بيد الإمام الذي بعده. 

إلّا أنها شبهة بلا أساس، فإنه بقطع النظر عن أن ولاية الإمام تختلف عن ولاية غيره، وكلّ ما يعمله أو يقوله متّبع في حياته وبعد وفاته، بغضّ النظر عن ذلك نقول: إن كلّ المناصب التي تجعل للأفراد في حكومات الدنيا، كوزير المالية أو العدل أو الدفاع أو رئيس الحكومة، إذا جعل وعين 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

() ثُمّ قرأ السيد الرواية إلى قوله: “… عليكم قاضياً “، وقال: إلى هنا كان الحديث عن القضاء. (المقِّرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

أشخاصاً في إدارته، ثُمّ تبدّل، فهل تذهب كلّ التعيينات ولا بُدّ لخلفه أن يبدأ التأسيس والتعيين من جديد؟!

أو أن التعيين باقٍ بقوّته؟ غاية الأمر أن للثاني أن يعزل، وما لم يعزل يكون التعيين السابق نافذ المفعول.

كما يذكر في كتبنا الفقهية، إذا أجاز الفقيه لأحد أو وكلّ شخصاً في الأمور الحسبية، فإذا مات الفقيه، ينتفي الإذن وكلّ الإجازات والوكالات. وأخرى: ينصّب الفقيه وليّاً للوقف أو على الصغير، فإنه لا يزول بموته، بل يبقى على قوّته، وإن كان يجوز للفقيه بعده أن يعزله لبعض المصالح.

فالإمام الصادق الذي كان ملتفتاً إلى كلّ المطالب، ويستحيل عليه الغفلة، وجعل قاضياً أو والياً؛ فيكون جعله كسائر الجعول في الدنيا، وهو أنه لا ينعزل إلّا بعزل الإمام الذي بعده، ولو كان يريد خلاف هذا المعنى والتحديد في حدود حياته لبيّنه وكان عليه التنبيه عليه.

وهل نحتمل أن أحداً من الأئمة بعد الإمام الصادق نقض هذا الحكم، وهل هذا الحكم قابل للنقض؟ فإن الإمام الصادق نهى عن الرجوع إلى الطاغوت وتمسّك بالآية، فهل نحتمل أن الإمام الرضا أو الإمام الصاحب أذن بالرجوع إلى الطاغوت!!

نعم، لو كان قد عيّن شخصاً قاضياً كان له عزله، فغاية ما يمكن أن يقال: إن العنوان الكلّي الذي جعله الإمام الصادق موضوعاً للقضاء أو الحكومة قد عزله بعض الأئمة من بعده، إلّا أن هذا غير محتمل، فإنه ماذا تعمل الأمّة 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

حينئذٍ، هل يرجعون إلى الفسقة والطاغوت؟ فهذا ما لا يمكن أن يجيزه الأئمة، وفي رواياتنا أكثر من خمسين رواية(1) ورد فيها النهي عن ذلك، أو أن يقع الهرج والمرج وتهدر الحقوق، ويعمل الناس ما يريدون، فهذا أيضاً مما لا يمكن الالتزام به.

إذن فهذا الجعل بقوّة بحيث لا يمكن أن يزول، وفقهاؤنا من أوّل ولادة الفقه إلى الآن تمسّكوا في باب القضاء بهذه الروايات، وأهمّها مقبولة عمر بن حنظلة، ولو كان مثل هذا الاحتمال واقعاً في أنفسهم، لَما جاز الرجوع إلى جعل الإمام الصادق. ولزم الرجوع إلى كلام الصاحب، ولم يرد عنه سند صحيح.

الجهة الثانية: 

أن يقول أحد: إن الإمام الصادقكان مقيّداً بقيود كثيرة، وكان في تقيّة، ولم يكن يمكنه أن يقول شيئاً خلاف فتاواهم، ولم تكن له أيّ ولاية ظاهرية، فكيف تصدّى لجعل الحاكم؟ كالشخص المحبوس ينصّب حاكماً، فإنه يقال له: ما أنت وذاك، فأيّ فائدة في نصب الحاكم؟

قد يقال: ذلك غفلة عن الأساس الذي يعمله الأشخاص العظماء في العالم، وهو عرض الأطروحة، فمثلاً نهرو حين كان في الحبس كتب كتاباً -وقرأته وأنا في السجن- فوجدته يطرح برنامجاً للهند، فقد كان محبوساً وكتب الأطروحة 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 27: 11، ومستدركه 17: 240، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، وتدبّر فيها.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ورسم الخريطة، لا لأجل أنه يأمل إطلاق سراحه، لكن باعتبار أن الأشخاص الكبار لا ييأسون بل يضعون الخريطة، فإن استطاعوا تطبيقها فهو، وإلّا فتبقى الأطروحة قابلة للإجراء والتطبيق في كلّ حين ولو بعد حين، ونحو ذلك ما عمله الرئيس السابق لـ(إندونيسيا)، فإنه كتب كتاباً وطرح الأطروحة في السجن، حتى تكون هذه المقدّمة محرزة عند العمل.

والإمام عمل شيئاً أكبر من الأطروحة، وهو النصب لوليّ المسلمين وحاكمهم وقاضيهم، ولو كانت القضيّة خارجية، لكان جعله لغواً في ظرف التقية، ولكنّه يحتمل أنه في يوم من الأيام يحصل ما قاله الإمام إذا استيقظ الشيعة على كلام إمامهم، وعلى أوضاع الدنيا، وعلى فهم الإسلام؛ فيحصل جماعة أو رجل يطبّق كلام الإمام ولو بعد ألف سنة.

مذهب الإسلام بل كلّ مذهب في الدنيا وجِد من لا شيء، فقد كان موسى فلّاحاً يملك العصا، واستطاع أن يسيطر على فرعون بهذه العصا، والنبي نعلم كيف بدأ دعوته وكلّ أمّته طفل وامرأة، ولكن كان له عزم وإيمان إلهي لم يكن في غيره، بحيث جعل له 700 مليون من المسلمين، ولكنّهم مع الأسف ليسوا مجتمعين ولا متعاطفين، وليس فيهم من يؤسّس حكومة الإسلام، التي لو أُسّست سقطت الحكومات الأخرى عن الأنظار، وليس هناك من يقول لهم: إن أمير المؤمنين كان يحكم في المسجد، وقضاؤه على دكّة في زاوية المسجد، ولباسه وطعامه الخشن، ولكنّ دولته كانت من إيران إلى الحجاز إلى مصر.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والشيعة 170 إلى 200 مليون، ولكنّهم لا يعرفون كيف يعملون وماذا يعملون، ولو اجتمعوا ولو اجتمع المسلمون لكان لهم عمل عظيم، ولو اجتمعت الأمّة على شيء لَما استطاعت الدول أن تحول دونه، ولم تستطع أمريكا أن تتصرّف في مقدّرات المسلمين بهذا النحو، ولما وقفنا أمامها أذلاء نستجدي الدولارات، ولما استطاع شرذمة اليهود أن يسيطروا علينا وترعهم أمريكا، ولَما استطاعت تبليغات السوء أن تدخل بلادنا معلنة مبدأ فصل الدين عن السياسة.

ولكن ليس لنا رشد ولا حياة، ولو كنّا أحياء ونفهم معنى الحكم في الإسلام لَما جرى كلّ ذلك، ولعمري أن العيش في كنف الحكومة العادلة والاطمئنان النفسي في ظل القانون الإلهي، مع أكل خبز الشعير، أحسن من السكنى في القصر، مع الخوف في أن يُهدم في أيّ يوم.

ولاية الفقيه تامّة بالنحو الذي قلناه، ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك، وليس في المقام إجماع، بل هناك خلاف، وبعضهم قال بالولاية على الإطلاق كالنراقي والنائيني، وأن كلّ ما هو ثابت للإمام ثابت للفقيه، وقد فصّلنا القول في ذلك لإيضاحه وتوكيده.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  






[الروايات المؤيدة في المقام] 

 

وما نقرؤه الآن من الروايات مجرّد مؤيّدات.

[العلماء ورثة الأنبياء]

منها: ما رواه في (الوافي)(1) ج 1، باب ثواب العالم والتعلم، عن (الكافي)(2) بسندين أحدهما ضعيف والآخر صحيح، والصحيح هو: علي بن إبراهيم، عن أبيه (وهو من أجلّاء الثقات وفوق هذا الكلام)، عن حمّاد بن عيسى، عن القدّاح (محبوب بن ميمون)، عن أبي عبد الله: “قال رسول الله: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنّة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض، حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر“.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

(1) الوافي 1: 155، كتاب العقل والعلم والتوحيد، أبواب العقل والعلم، الباب 7، الحديث 1.

(2) الكافي 1: 34، كتاب العقل والجهل، باب ثواب العالم والمتعلّم، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فقد ذكر من فضائل العلماء أنهم ورثة الأنبياء، وفي ذلك عدة كلمات:

أحدها: أن المراد من العلماء خصوص الأئمة، كما احتمله بعضهم(1)، إلّا أن سياق الحديث يدلّ على نفيه فإن قوله: “فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر“، ليس تعريفاً للأئمة لمن يعرف مقامهم وشدّة ارتباطهم بالنبي، فالمراد هم العلماء من الأمّة.

ونحوها(2) ما عن الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد (البرقي)، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله قال: “إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت، في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين(3).

فليس أن الأئمة ورثة الأنبياء، والناس يأخذون العلم عنهم، فإنه خلاف الظاهر، بل علماء الأمّة، هم ورثة الأنبياء، ولكن يجب أن يأخذوا علمهم من مصدر وثيق.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() أُنظر: مفاتيح الأُصول: 541، مفتاح القول في أنَّ الأصل عدم ثبوت الأحكام الثابتة لأنبياء بني إسرائيل للفقهاء من أصحابنا.

(2) باب فضل العلماء، ج1، الوافي. (المقِّرر).

(3) الكافي 1: 32، كتاب العقل والجهل، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 2، ووسائل الشيعة 27: 78، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 8، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الكلام الثاني: أنه لو كان عندنا فقط هذه العبارة: (العلماء ورثة الأنبياء)، فإنه لا يستفاد منها المطلوب؛ لأن الأنبياء لهم جهة النبوّة، وهي أخذ العلم من المبدأ الأعلى عن طريق الوحي -على فرق بينه وبين الرسول، من أن الرسول مأمور بالتبليغ دونه- وهذه الحيثية لا تقتضي الولاية من دون أن يجعلها الله لهم.

والمراد: أن العلماء ورثة الأنبياء بما هم موصوفون بهذا الوصف، فإذا لم يقتضِ هذا الوصف الولاية، فإنه لا يدلّ التنزيل على إثبات الولاء للعلماء.

نعم، لو نزّل العلماء منزلة أفراد من الأنبياء كإبراهيم أو موسى أو عيسى، لقلنا: إنهم كانوا جامعين لجهات عديدة منها الولاية، ولفهمنا ذلك، إلّا أنه لم يقل ذلك.

وإذا كان عندنا هذه العبارة، وكان المدار في الفهم هو العرف العامّ، كما هو كذلك، دون التحليل الملّائي (المدرسي)، فكلّ ما فهمه العرف العامّ هو الصحيح.

وهنا إذا قرأنا العبارة على العرف، هل يفهم منه أنه أراد الوصف العنواني، أو أراد الإشارة إلى الأشخاص، فلو سألنا العرف: أن العالم هل هو بمنزلة موسى؟ لقال: نعم. خاصّة بعد أخذ الوصف بنحو الجمع، يعني كلّ فرد فرد من الأنبياء، والتحليل خلاف الفهم العقلائي.

ولو سلّم أنه نزّل منزلة النبي بما أنه نبي، فإذا حكم الله تعالى على النبي بحُكم، فإنه يشمل إطلاق ذلك التنزيل، وقد حكم على النبي –في الآية- أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم(1)، فيشمله دليل التنزيل. 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() إشارةٌ إلى قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (الأحزاب: 6).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإن قلت: إنها للأشخاص. فالنبي من الأنبياء، ويكون العلماء قد نزّلوا بمنزلته في الولاية.

وإن قلت: إنها للعنوان. فهذا العنوان بنفسه مأخوذ في الآية.

ثُمّ إن النبي والرسول لا فرق بينهما في نظر الناس، وإن ذكر الفرق في الروايات(1)، فإذا جعل للرسول الولاية، أو وجوب الطاعة أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(2)، أمكن ضمّها إلى الرواية؛ فيتمّ المطلب.

الكلام الثالث: من ناحية الوراثة، فإن للرسول أحكاماً، فيكون نحواً من الإرث، لكن من قال بأن الولاية العامة موروثة؟ بل لا بُدّ من إحراز قابليتها للوراثة، إذ لعلّ إرثه منحصر بالأحاديث، وخاصّة أنه ورد في رواية أبي البختري: “إنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم“.

إلّا أن هذا غير تامّ؛ لأن الأمور التي يقال عقلائياً إنها إرث ما هي؟! فإذا قيل: (هذا وارث السلطان)، فهو يعني وارث تاجه وعرشه، ونحو وراثة أمير المؤمنين للنبي في ولايته، فإن النبي كان ذو ولاية واختيارات، وهي قابلة للانتقال بالإرث، وليس انتقالها محالاً، فلو كنّا نحن وهذه الرواية لقلنا: أن كلّ ولاية للنبي يرثها الفقهاء.

الكلام الرابع: وهو الإشكال المهمّ، وهو أن هذه العبارة واقعة في وسط 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في باب الفرق بين الأنبياء والرسل والأئمّة، ومعرفتهم وصفتهم وأمر الحديث في بصائر الدرجات 1: 368، وغيره.

(2) التغابن: 12.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

عدد من الأوصاف، وبعدها: “أن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر“، فهل يكون هذا قرينة على أن المراد هو خصوص ذلك؟ إذا أريد أن يُفهم من الرواية أن النبي لم يكن له إلّا الأحاديث مما هو قابل للإرث، فهو خلاف ضرورة المذهب؛ لأنه كانت له ولاية انتقلت إلى أمير المؤمنين، وأما رواية أبي البختري فغير تامّة سنداً، ولا دلالة لها على الحصر، فلو غُضّ النظر عن ذيل الرواية، فإنها لا تكون دالّة على الاختصاص، فإنه يكون في مقام بيان فضائل العلماء، ومنها كونهم ورثة الأنبياء في الولاية ووجوب الطاعة.

ولكنّ قوله: “لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً” -وهو كناية عن قلة أموالهم مع ما هم عليه من العظمة والسلطة- قد يكون قرينة على ذلك، إلّا أن غاية الأمر هو أننا لا يمكن أن نفهم الإطلاق بواسطة محفوفيتها بهذه الأمور، أما حصر الإرث بالأحاديث بنحو تكون معارضة للروايات السابقة فلا.

ولو فرض استفاده ذلك، فلا بُدّ أن تقولوا: أن إمامة الأئمة ليست بالوراثة بل بالنصب، ومعه يقال: إن هذا النصب موجود للفقهاء، فيتمّ الجمع بين هذه الرواية وتلك الروايات فإن هذه الرواية تقول -مثلاً-: إن الولاية ليست من الأمور الوراثية، وتلك الروايات تثبت النصب للفقهاء.

وفي (الفقه الرضوي)(1): “منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء من ــــــــــ[81]ــــــــــ

() فقه الرضا: 338، الباب 89، باب حقّ النفوس.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

بني إسرائيل(1).

فلا يقال: إن من أنبياء بني إسرائيل من كان نبياً على نفسه، أو عاملاً في حدود ما يأمره موسى.

فإنه يقال: إن موسى نفسه من أنبياء بني إسرائيل، والولاية ثابتة له، فنفهم من الإطلاق تنزيلهم منزلته.

وفي رواية (جامع الأخبار)(2) ما مؤدّاه: (إني افتخر بالعلماء يوم القيامة، وأقول: إنهم ورثة الأنبياء السابقين) (3). وفي (المستدرك)(4) عن (الدرر)(5): “العلماء حكام على الناس“. وفي نسخة(6): “العلماء حكماء على الناس“، ولا أجد لهذه العبارة الأخيرة صحّة من حيث جرّه بـ(على)، فيدلّ أن الصحيح هو النسخة الأولى، وهي دلالتها تامّة لو تمت سنداً، فإنها تشمل سائر الجهات.

وفضائل العلماء المذكورة في الروايات كقوله: “وفضل العالم على العابد 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() بحار الأنوار 75: 346، كتاب الروضة، أبواب المواعظ والحكم، الباب 26، ذيل الحديث 3.

(2) جامع الأخبار (للشعيري): 38، الفصل العشرون.

(3) نص الرواية: “أفتخر يوم القيامة بعلماء أُمّتي على سائر الأنبياء قبلي“.

(4) مستدرك الوسائل 17: 321، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 11، الحديث 33.

(5) غرر الحكم ودرر الكلم: 36، الحديث 559.

(6) مستدرك الوسائل 17: 321، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 11، هامش الحديث 33.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر(1)، بعد أن علمنا أنه لا بُدّ من وجود الحكومة في الإسلام؛ لجباية الأموال، وحفظ الثغور، وإقامة الحدود، وعلمنا بضرورة المذهب أن الحاكم في الدولة الإسلامية هو العالم العادل، وشككنا فيمن يؤسّس الحكومة هل يكون عالماً فيزيائياً، أو مؤمناً موثوقاً، أو فقيهاً عالماً، ثُمّ رأينا هذه الروايات في فضل العلماء، وسمعنا الطعن بمن تولّى الخلافة منهم بأنه لم يعرف الحكم فهو ليس أهلاً للخلافة؟

ويكون الجواب بأنه عارف للحكم، لا بأن معرفة الحكم لا دخل لها في الخلافة، إذن فلا يبقى شكّ في أن الفقيه هو الأهل للولاية.

وحين نقول: (إن الولاية للفقيه)، لا نريد أنهم يباشرون كلّ أعمال الدولة، وأن الفقهاء يذهبون إلى الحرب!! بل هو أمر مجعول لهم، ولهم حقّ الحياة في المجتمع بأمر الله عزّ وجلّ.

وهؤلاء الحكام لا يباشرون كلّ الأمور بأنفسهم بل بعمّالهم، والفقهاء كسائر الناس في حكومتهم، فإنه إذا صار البناء على تأسيس الحكومة، فإنه لا بُدّ من أيجاد معدّات، وخاصّة أن المسألة غير موكولة إلى شخص معيّن، بل إلى جماعة الفقهاء، فيجب أن يجتمع الفقهاء لذلك، ولو أرادوا أن ينصّبوا شخصاً أميناً لتولّي الحكم كان لهم ذلك.

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() الكافي 1: 34، كتاب العقل والجهل، باب ثواب العالم والمتعلّم، الحديث 1، عوالي اللئالي العزيزيّة 4: 74، الجملة الثانية، الحديث 56، والوافي 1: 155، كتاب العقل والعلم والتوحيد، أبواب العقل والعلم، الباب7، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

لا تقولوا: إننا لا قدرة لنا على ذلك، ولا إطلاع ولا دراسة تؤهّلنا لذلك، فإن كثيراً من الحكام لم يدرسوا في أيّ جامعة، بل ما هو المربوط بقيادة المسلمين ونشر العدل، هو ما درسه الفقيه وحصّله.

إذن فالحكم يحصل من الفقيه جزماً، وهل كان الرشيد أو عمر بن الخطاب أو أمير المؤمنين درسوا في جامعة خارجية!!

ولكن استطاع التبليغ الأجنبي أن يُفهمنا أننا لا نستطيع ذلك، حتى أنه استطاع أن يقنع البعض منكم. قال لنا الأجنبي: ليس وظيفتكم إلّا الدعاء، فإذا صدّقناه واقتصرنا على ذلك، فقد حقّقنا أمله وتبعنا رضاه.

أنتم يجب أن تكونوا سلاطين على الناس، والأموال مشروعة لكم، والقانون جاهز أمامكم، ولا تحتاجون إلى أخذه من الخارج، فلا بُدّ أن ننبذ الضعف من قلوبنا، ونفكر وندبّر حتى نستطيع الوصول إلى المطلب.

بل لعلّكم إذا بلّغتم وبيّنتم شرائع دينكم، وعرضتموه للناس، لعلّ رؤساء الجمهوريات في البلاد الإسلامية يتبعونكم ويصدّقونكم، فإننا لا نريد عزلهم بل نريد إصلاحهم.

ثُمّ قصّ السيد قصّتين على طلابه لإيضاح ما يريده:

إحداهما: إني كنت وآغاي قمي(1) وشخص ثالث(2)، فقال لي هذا الشخص: 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

() هو السيّد حسن ابن السيّد حسين القمّي، وهو من أهل العلم والفضل، وكان من علماء مدينة مشهد الرضا والمدرّسين فيها. ذكره الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) 14: 655.

(2) ظهر من السيد أنه من الحكومة الإيرانية. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

إن السياسة هي الكذب والدجل والفساد والشيطنة، فدعوها لنا، ولا تتدخّلوا في السياسة. نعم، إذا كان معنى السياسة هو ذلك، فهم أولى بها، إلّا أن سياسة الإسلام هي الحقّ والعدل والرشاد، وفي اليوم الثاني نشروا: أنه قد تمّ الاتفاق على عدم تدخّل العلماء بالسياسة، فخطبت وقلت: هذا كذب، إن الخميني الذي وافق على ذلك أخرجوه من البلد!!

ثانيهما: أنه كان السيد البروجرديّ(1) والسيّد الحجة(2) والسيّد الصدر(3) والسيّد الخوانساري(4)، اجتمعوا في منزلنا لغرض لا أريد أن أذكره، وأرادوا التفاهم، فقلت لهم: إنكم قبل أن تتفاهموا على شيء، لا بُدّ من أن تُحدّدوا موقفكم من هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم بالمقدّسين، فإن أيّ عمل تقومون به فإنهم يكسّرونكم ويخرجونكم من المجتمع(5). فقد أصبح المقدّس الإسلامي يمنع عن العمل الإسلامي، ويحقّق أمل الاستعمار في نفسه ومجتمعه.

فمتى تستيقظ الحوزات العلمية والآغايون المراجع ويعودون إلى الحياة ويدعون الإهمال، فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم، فهل هي تحبّ الكسلان المهمل؟ إنها تضع أجنحتها لأمير المؤمنين وأعماله الكبرى، فكونوا أهلاً لأن تضع الملائكة أجنحتها لكم.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

() السيّد حسين البروجردي (1292-1380هـ). 

(2) السيّد محمّد الحجّة الكوه كمري التبريزي ( 1310- 1372هـ).

(3) السيّد محمّد عليّ صدر الدين الصدر (1299-1373هـ).

(5) السيّد محمّد تقي الخوانساري (1305-1371هـ).

(6) هذه نهاية القصّة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [رواية تحف العقول]

ومنها: رواية ابن شعبة في (تحف العقول)(1)، التي قالوا: إنها أكثر دلالة من غيرها، إلّا أنها وإن كانت تامّة الدلالة، إلّا أن بعض ما سبق أهمّ منها، وهي مرسلة، وإن اعتمد صاحب (الوسائل)(2) على كتاب (تحف العقول)، إلّا أننا لم نوافقه.

وقد قالوا: إنها خاصة بالأئمة، فلا بُدّ أن نقرأها لنرى أنها خاصّة أو لا(3)؟

باب(4) ما روي عن الحسين بن علي: من كلامه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويروى عن أمير المؤمنين:

اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه، من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول: لَوْلاَ يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ…(5) وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا ــــــــــ[86]ــــــــــ

() تحف العقول: 237. 

(2) اُنظر: وسائل الشيعة 30: 156، خاتمة الكتاب، الفائدة الرابعة.

(3) ثُمّ بدأ السيد بقراءة الرواية معلّقاً على فقراتها، ونحن نكتب النصّ بكامله أولاً، ثُمّ نتصدّى لذكر تعليقاته. (المقرِّر).

(4) ص168 ط النجف. (المقرِّر).

(5) وتمام الآية: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. كِلا الآيتين في المائدة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.

وإنما عاب الله ذلك عليهم؛ لأنهم كانوا يرون من الظَلَمَة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد، فلا ينهونهم عن ذلك؛ رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون، والله يقول: فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي، وقال: وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ المُنكَرِ.

فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنها إذا أدّيت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع ردّ المظالم، ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.

ثُمّ أنتم أيّتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده(1)… أليس ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحقّ الله وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصرون، فاستخففتم بحق الأئمة.

فأما حقّ الضعفاء فضيّعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() عبارة لم يقرأها السيد. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الله، أنتم تتمنّون على الله جنّته، ومجاورة رسله، وأماناً من عذابه، لقد خشيت عليكم أيّها المتمنّون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته؛ لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فُضّلتم بها، ومن يُعرف بالله لا تكرمون، وأنتم بالله في عباده تكرمون، وقد ترون عهود الله منقوضة، فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمّة رسول الله مخفورة، والعمي والبكم والزمنى في المدائن مهملة، لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعينون(1)، وبالأدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كلّ ذلك مما أمركم الله به من النهي والتناهي، وأنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء، لو كنتم تشعرون، ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه. فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلبتم ذلك إلّا بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السنة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع.

ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم: فمن بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداءً بالأشرار وجرأةً على الجبار.

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() كذا قرأ السيد في طبعته، وفي ط النجف “تعنون” وهو تحريف. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

في كلّ بلد منهم على منبره خطيب مصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول، لا يدفعون يد لامس: فمن بين جبار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد. مطاع لا يعرف الـمُبدئ الـمُعيد. 

فيا عجباً، ومالي لا أعجب والأرض من غاشّ غشوم، ومتصدّق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنُري المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك. ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإنكم (إن لم)(1) تنصرونا وتنصفونا قوى الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا الله، وعليه توكّلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير(2). تمّت.

اعتبروا أيّها الناس” خطاب إلى عموم الناس وليس المراد به خصوص من في المسجد أو من في عصر الإمام، بل واضح أن المسألة شاملة لجميع الناس من الأوّليين والآخرين، كقوله تعالى في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ(3).

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() عبارة يدلّ عليها السياق ولا يتمّ بدونها، وهي غير موجودة في ط النجف. (المقرِّر).

(2) تحف العقول: 237، ووسائل الشيعة 16: 130، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي …، الباب 2، الحديث 9.

(3) ثُمّ بدأ السيد بالتكلّم عن الآية التي فيها ذكر الأحبار، وقبل أن نذكر ما قاله لا بُدّ من=

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ــــــــــ[90]ــــــــــ

=الالتفات إلى مدلول الآية، فإن فيه احتمالين:

الأوّل: أن يكون ذيل الآية وهو قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، جملة مستقلّة، ومعه يتعيّن الأخذ بعدّة ظواهر:

أحدها: أن يكون (لولا) حرفاً واحداً للتخصيص.

ثانيهما: أن المراد به تعنيف الأحبار والربانيين. 

ثالثهما: أن الضمير في (يَصْنَعُونَ) عائد إلى الأحبار والربانيين.

فيكون المراد من الآية تعنيفهم عن ترك النهي عن المنكر، وأن هذا الترك عمل سيء منهم، وهذا هو المعنى الذي أشير إليه في الرواية، وبنى عليه السيد كلامه.

الثاني: أن يكون ذيل الآية مرتبطاً بما قبله، على ما لا يبعد أن يكون هو الظاهر، ومعه لا بُدّ من الأخذ بعدّة ظهورات منافية مع ما سبق:

 أحدها: ظهور (اللام) في قوله: (لَبِئْسَ) في كونها واقعة في جواب الشرط أو ما بحكمه.

ثانيها: أن (لولا) كلمتان لا كلمة واحدة.

ثالثها: أن الفاعل في قوله: (يَصْنَعُونَ) عائد على الضمير السابق في قوله تعالى: قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ، وهم الظلمة. فيكون المراد من الآية تعليق سوء فعل الظلمة على عدم نهي الربانيين والأحبار، فكأنّه قال: لو لم ينههم الربانيون…. لبئس ما كانوا يعملون. ولكنّهم نهوهم عن ذلك، إذن فعملهم فعلاً لا يتعيّن أن يكون سيّئاً. ومعه لا يناسب أن تكون الآية تعنيفاً للأحبار والربانيين، بل المراد تقدير جهودهم في النهي عن المنكر.

والسيد حين ناقش الآية لم يكن ملتفتاً إلى ذيل الآية، والرواية لو كانت معتبرة السند، لكانت دليلاً على الاحتمال الأوّل في الآية، ولكنّها غير معتبرة فيكون ظهور الآية بالمعنى الثاني بحاله. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 هنا نكتتان(1)

إحداهما: أن الاعتراض والاستنكار متوجهان إلى العلماء والأحبار، ومن هنا يجب أن تجدوا العبرة. فإن العلماء إذا تخلّفوا عن الوظيفة، يكون ضررهم على الدين أشدّ من ضرر غيرهم عليه. 

الثانية: أنه جعل أمرين مورد النظر: 

أحدهما: قَوْلِهِمُ الإِثْمَ، وأنهم لماذا لم يحولوا ضدّ أقوالهم التي هي ضدّ الدين. والقول قد يكون أحياناً أشدّ على الإسلام من الفعل؛ لأنه يحدث (موجاً) أكبر، ويكون مضلّ بحيثية الإسلام، ومن هنا وجب ردّ البدعة، وإعلان كذبها بحسب العدل الإسلامي.

وليس لهذا اختصاص بعلماء اليهود والنصارى، بل مراد أمير المؤمنين: أن الله تعالى ذكره، ذكر الأحبار ليعتبر بذلك علماء الإسلام، ويستيقظوا ويتضامنوا في سبيل دفع البدعة.

ثانيهما: أَكْلِهِمُ السُّحْتَ. ليس أكل السحت منحصراً كما قد يخطر ببالنا بالبائع الذي يغبن المشتري، ويعطيه أقلّ من حقّه، بل أكل السحت قد يذهب بكلّ بيت مال الأمّة، فهذا نفطنا يأكلونه(2) ويعطون قسماً ضئيلاً منه، وهذا القسم بدوره قسم يذهب منه إلى الجيب، وقسم إلى الدولة، ولا يعلم إلّا الله أين يذهب أيضاً. فإذا لم يقف علماء الإسلام تجاه البدع، فسينشأ جيل جديد 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

()وفسّر السيد (الربانيون) بالعلماء، و(الأحبار) علماء اليهود. وقال:… (المقرِّر).

(2) أقول: يعني الأجانب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يرى أنها من الإسلام باعتبار سكوت علماء الإسلام عنها.

وإنما عاب” إلى قوله “والفساد” فقد جعل الربّانيين والأحبار في مقابل الظلمة، فهنا صفّ إلهي وصفّ شيطاني.

قوله: “رغبة … ورهبة“، سكتوا إما للطمع فيما في أيدي الظلمة، أو الخوف منهم، وتجدون في روايات الأمر المعروف والنهي عن المنكر التعريض بمَن ينتحل الأعذار عن هذه الوظيفة، وهل أكثر من السجن أو النفي أو التشريد في سبيل الإسلام، وأولياء الله تعالى قتلوا في سبيله.

(فبدأ الله بالأمر بالمعروف ….)، قد نتخيّل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منحصر بنهي السائق في السيارة إذا فتح الراديو على الغناء، أو نهي شخص إذا تجاهر بالإفطار، مع أن المنكر الكبير لا بُدّ وأن ينهى عند الكبار من العلماء، بنحو متضامن مترابط.

تصوّروا لو ارتفعت ألفا برقية من أطراف بلاد الإسلام في الاحتجاج، هل كانوا يقومون به؟!! كلّا! أنا أعرفهم كيف هم!! إلّا أنهم وجدونا أشدّ منهم ضعفاً وخوفاً، إنهم كانوا يرهبون قيام جماعة بالنشاط والخطب والتجمّع، فكيف إذا تضامن كلّ المسلمين وعلماء الإسلام؟

وقسمة الفيء“: يأخذون المال بلاحقّ ويصرفونه بلاحق.

ثُمّ أنتم أيّتها العصابة“: عصابة المسلمين، يتحوّل بذلك من مخاطبة الناس إلى مخاطبة العصابة.

إنما نلتموه….“: إنما كان لكم كلّ ذلك من العزّة والشرف، لأجل أنهم 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يتخوّفون من قيامكم بالحقّ ومطالبتكم به، هكذا كان في زمانه، أما الآن فلا شيء.

بحق الأئمة” ولم يقل بحقّي، بل مراده الأئمة في كلّ وقت. 

فلا تفزعون…” إذا شُتِمَ جدّكم صحتم واستنكرتم، ولكن إن هُتِك الإسلام لم تحرّكوا ساكناً ولم تفزعوا، إن حصل الفزع حصل الصوت!!

والعمي والبكم” ليس أحد مَن فكّر بالفقير العاني والأعمى والأعرج… الدعاية التي تسمعونها ضوضاء بلا صحّة، وألفاظ جوفاء بلا واقع، فهناك كلّ عشر قرى لا يوجد فيها طبيب واحد. ولا يفكّرون فيها، ولا يدعون لتطبيق الإسلام طريقاً، وهو الذي حلّ مشكلة الفقراء إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء(1).

المصانعة عند الظلمة“: الظلمة رصيد لكم، إذا قال لكم الظالم: (أيّها الشيخ الكبير) كان ذلك كافياً في نظركم.

وأنتم أعظم الناس مصيبة” يعني كلّ عصابة المسلمين.

لو كنتم تسعون ذلك” يحتمل أن يكون المراد: أنكم أهملتم ما ينبغي أن يأخذ العلماء بزمامه، وفيها احتمالات أُخر.

تلك المنزلة” لم يقل: حقّي، ولم يقل: حقّ الأئمة، بل قال: “العلماء بالله” وهم الربّانيون المذكورون بالآية، وليس المراد به العارف صاحب المسلك الفاني في الله، بل المراد به العارف بأحكام الله وسنّته.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

(1) التوبة: 60.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

مجاري الأمور….“: ليس محدّداً بزمان أو مكان، بل خطاب للعصابة كلّها. 

وقوله: “العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه“، يعني: الصفتين الأساسيتين اللّتين ذكرناهما للحاكم الشرعي، وهما: العلم والعدالة، فإن الأمانة شعبة من العدالة.

لكانت أمور الله عليكم تُرَدّ (أو تَرِد)…” لو كنتم صالحين وقمتم بالأمور، لصدرت عنكم الأمور، ولذهب الآخرون، فإنه لو وجدت حكومة الإسلام ورئيسها يعيش كذلك وابنه كذلك، لَما قامت حكومة في مقابله، وأما إذا لم يقم الإنسان بالأمر، فإن الظلمة يسيطرون على الحكومة.

فمن بين مستعبد… مغلوب” كلّ هذه الصفات تنطبق على هذا الزمان أكثر من انطباقه على ذلك الزمان.

خطيب مصقع“: كان الخطيب على المنبر، والآن وراء الراديو يقول بخلاف الإسلام.

“خول” يعني: عبيد وإماء.

فما هو المربوط بالأئمة من ذلك! العلماء بالله لا يختصّ بالأئمة، وكذلك الأمناء على حلاله وحرامه.

فهذه الرواية من المؤيّدات، ولولا ضعف سندها لكانت من الأدلّة.

فهذا تمام الكلام في المسالة بشكل عامّ، ولا نبحث في الجزئيات، وأن الزكاة كيف تجبى وكيف توزع؟ وإنما نقول بأن كلّ ما هو ثابت لرسول الله 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ثابت للفقيه، ما عدا ما دلّ الدليل على استثنائه.

ولسنا نقول بذلك متفرّدين، بل المرزا الشيرازي حين حرّم (التنباكو) إنما كان واجب الإتباع باعتباره حكم بذلك حكماً حكومتياً سلطانياً بحسب مصالح المسلمين، ولم يكن ذلك فتوى منه، وإلّا لم يكن نافذاً على الفقهاء الآخرين، وكذلك المرزا محمد تقي حين حكم بوجوب الجهاد للدفاع عن المسلمين، وتبعه الفقهاء في ذلك.

قالوا: وفي (كشف الغطاء)(1) كلام كثير حول ذلك. والنراقي والنائيني يوافقان أيضاً على ذلك. غاية الأمر أننا أوضحنا ذلك بالتفصيل، وذكرنا ما هو مربوط بهذا الزمان إطاعة للأمر الشرعي.

يقع الكلام في ولاية عدول المسلمين.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) اُنظر: كشف الغطاء 1: 226، الفنّ الثاني، المقصد الأوّل، البحث الخمسون.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  







[فروع يعم الابتلاء بها من ولاية الفقيه]

 

هناك بعض الفروع التي يعمّ الابتلاء بها من ولاية الفقيه، يحسن التعرّض لها مختصراً، ويحوّل تفصيل الكلام فيها على كتاب الخمس.

ما ثبت إلى الآن هو أن التصرّفات الثابتة للرسول والأئمة، من جهات الولاية والسلطنة ثابت للفقهاء، وكلّ ما ثبت بالدليل أنه للإمام فهو للفقيه، دون ما كان خاصّاً بهم، فمثلاً لو ثبت بدليل أن النبي
-من غير اقتضاء المصلحة- له أن يطلّق زوجة شخص فإنه لا يثبت للفقيه. نعم، لو اقتضته المصلحة كان ثابتاً له أيضاً ومن شؤون الحكومة الإسلامية، وأما كون الدليل قائماً على ذلك في النبي والأئمة فهو محلّ كلام، والآخوند ينفيه في (حاشيته)(1) على المكاسب، ويثبته آخرون(2).

[الكلام في سهم الإمام وسهم السادة] 

من الكلام الذي هو محلّ الابتلاء، الكلام في سهم الإمام، فإنه إذا بني 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 93، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، في ولاية الفقيه.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 327، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، مسألة: من جملة أولياء التصرّف … الحاكم.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

على أنه لشخص الإمام كما هو ظاهر الروايات(1)، وأن ما لله فهو للرسول وما للرسول فهو للإمام، حينئذٍ لا تشمله أدلّة الخلافة والنيابة، فإن الضرورة قاضية أن المال الشخصي للإمام يذهب إلى وراثه لا إلى الولي الذي بعده، ولو كان من ماله الشخصي فكيف ندّعي القطع برضى الإمام في صرفها بهذه المصارف التي نصرفها بها، كإعطائها للسيد وغيره، والمحصِّل(2) وغيره؟ من أين نحرز إذن الإمام بذلك؟

مع أننا نحتمل في هذا الوقت أن يريد الإمام صرفه ضدّ اليهود، أو ردّ الشبهات والكتب المنتشرة ضدّ الإسلام والمسلمين.

وعلمُ الفقيهِ بالإِذنِ غيرُ نافذٍ عليك، فإن علمه ليس حكماً ولا فتوى، بل لا بُدّ أنك تحصّل القطع بالإذن حتى يجوز لك التصرّف، ولا ينفذ قطع الفقيه عليك على هذا المبنى.

[في مصرف سهم السادة]

فلنبحث في سهم الإمام وسهم السادات بحثاً مختصراً، فنقول: بعض الأمور يدلّ بذاته على أن مصرفه لا يمكن أن يكون ذلك، فإن الميزانية الحاصلة من الخمس مقدار كبير جداً فوق العادة، بحيث لا يسدّ حاجة السادات فقط، بل يكفي لإدارة دولة بأسرها، فإنكم لو حسبتم حساب ما يخرج من الأرباح 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 9: 509، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 1.

(2) أي طالب العلم.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والكنوز والمعادن وغيرها، فإنه يكون مليارات في بلاد المسلمين فضلاً عن غيرها، والمشروع في الإسلام هو أخذ الخمس من كلّ العامّ.

وهذا المقدار نصفه للإمام ونصفه للسادات، وهم المساكين واليتامى، وأبناء السبيل، إذن فثلث الخمس الذي قد يصل إلى عشرة ملايين أو أكثر يصرف على ابن السبيل، فكم عندنا أبناء سبيل من السادات؟!! وكم عندنا يتامى من السادات؟! بل إن السادات بمجموعهم لا يتجاوزون المليونيون في العالم كلّه، والخمس أزيد منهم بكثير.

وحينئذٍ فالأمر يدور بين عدّة أمور: 

الأول: ما يعتقده العوام أننا نعطي للسيد ولو أصبح داره من الذهب، وهذا غير صحيح؛ لأنه خلاف الروايات التي تقيّد السيد المستحقّ بالفقر.

الثاني: أن نأخذ من الأغنياء بمقدار حاجة السادات، والباقي يبقى عندهم لا نأخذه، وهذا أيضاً لا يمكن الالتزام به.

الثالث: أن يكون الزائد عن حاجة السادات اختياره بيد والي المسلمين.

وما أفهمه أنا وله شواهد من الروايات هو أن هذا المال ليس لأحد أصلاً، بل جعله الله تعالى لمصالح المسلمين، والتصرّف فيه بيد والي المسلمين وهو النبي في حياته وبعده الأئمة، وبعدهم الفقهاء، غاية الأمر أنه كما في الحكومات الحاضرة تجعل لكلّ وزارة صندوقاً خاصّاً وميزانية معيّنة، كذلك جعل الإسلام (صناديق) مختلفة.

أحدها: للسادات، والآخر: للفقراء غير السادات وهو من الزكاة، 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والثالث: للخراج وهكذا. والزائد عن ذلك يصرف في مصالح المسلمين اجتماعياً وحكومياً.

بل الأنفال التي هي لله ولرسوله هكذا شأنها أيضاً، كرؤوس الجبال وبطون الأودية وإرث من لا وارثاً له.

وقوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ(1)، هل الله تعالى مالك للخمس مثل ملكيتي وملكيتك، بحيث لو وكلّ النبي بالبيع عنه، فإن المثمَن أو الثمن ينتقل إليه؟! أو أن معناه -في الحقيقة- كونه ولي الأمر بالنسبة لهذا المال، فكذلك النبي، واستعمال اللام يكون صحيحٌ بلحاظ أدنى اختصاص.

فإذا كان الأمر كذلك، فالفقيه هو ولي الأمر على هذا المال، ومعه لا يجب إحراز رضا الإمام، فإنه غير مربوط بشخصه، بل هو ولي عليه، وبعده كانت الولاية للفقيه.

نقرأ بعض الروايات التي دلّت على هذا المطلب:

علي بن الحسين المرتضى في (رسالة المحكم والمتشابه)، نقلاً عن (تفسير النعماني) بإسناده الآتي (وهو ضعيف)، عن علي قال: “وأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها، فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه؛ وجه الأمارة، ووجه العمارة، ووجه الإجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات، فأما وجه الأمارة فقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) الأنفال: 41.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

خُمُسَهُ(1) الآية، فجعل لله خمس الغنائم” (2)، الحديث.

الأمارة أمارة المسلمين، والخمس من شؤون الأمارة، وتحت نظر الأمير، والعناوين المذكورة في الآية مصارف، وإنما قسّمه بهذا النحو بينهم من باب أنه (صندوق) يعيشون عليه، لا أنه يجب إعطاؤه لهم بأجمعه أو حفظه لهم، ولذا لم يقل أحد منذ ولد الفقه أنه يجب البحث عن أبناء السبيل من السادات، وإعطائه لهم وحفظه لهم، بل معناه: أن عيشهم من هذا الصندوق. فالمسألة مسألة أمارة، لا هرج ومرج كلّ شخص يعمل ما يريد.

والمتصرّف هو ولي المسلمين؛ النبي والأئمة والفقهاء، بحسب المصلحة، بلا فرق بينهم أصلاً، غاية الأمر أنه يجب أن يشبع الفقراء أوّلاً، ساداتهم بالخمس والباقون بالزكاة -لِما يحدث من المفاسد بخلاف ذلك- ويصرف الباقي في مصلحة الإسلام والمسلمين.

محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (صحيحة)، عن الرضا، قال: “سُئل عن قول الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى فقيل له: فما كان لله فلمَن هو؟ فقال: لرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للإمام. فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقلّ، ما 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) الأنفال: 41.

(2) وسائل الشيعة 9: 489-490، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 12.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يصنع به؟ قال: ذاك إلى الإمام، أرأيت رسول الله كيف يصنع؟ أليس إنما كان يعطي الأعلى ما يرى؟ كذلك الإمام”(1).

فالمسألة موكولة للإمام بالولاية، لا أنها ملكه الشخصي، وهذه الروايات محكَّمة على كلّ الروايات الواردة في المقام التي تذكر أقسام مستحقّي الخمس، فإن هذه الرواية تقول: إن هذه الأقسام أقسام ابتدائية، وكلّه موكول للإمام يعطيهم بحسب المصالح، فإن قسَّم عليهم جميعاً أو على بعضهم أو لم يعطِ لأحد منهم لضرورة إسلامية، كان له ذلك بحسب المصلحة بدون استعمال الهوى والشهوات. وبعد لا حاجة إلى إحراز رضا الإمام، بل الفقيه مخوّل فيه.

ورواية أبي خالد الكابلي، قال: “قال: إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطي كلّ ما في بيت المال رجلاً واحداً، فلا يدخلنّ في قلبك شيء، فإنه إنما يعمل بأمر الله(2).

كما لو كان ظالم مرتشي يعطى رشوة كبيرة لدفع شره عن حوزة الإسلام، فالولي يستطيع أن يعطي المال لشخص واحد، بأمر الله، وطبقاً للمصلحة 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 544، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس …، الحديث 7، تهذيب الأحكام 4: 126، كتاب الزكاة، الباب 360، الحديث 4، ووسائل الشيعة 9: 519، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 2، الحديث 1.

(2) تهذيب الأحكام 4: 148، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 34، ووسائل الشيعة 9: 520، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 2، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

العامة، لا طبقاً للمصالح والشهوات النفسية. وإذا كان ذلك ثابتاً للإمام كان ثابتاً للفقيه أيضاً.

محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح في حديث طويل، قال: “وله -يعني: للإمام- نصف الخمس كملاً، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسّم بينهم على الكتاب والسنة، ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استيفائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يموّنهم؛ لأن له ما فضل عنهم(1).

ما يستغنون به في سنتهم” بحيث لا يبقى جائع، بحيث يضطرّ إلى الوجوه الأخرى، وإعطاء الفقير الكثير من المال مع بقاء الآخرين على الجوع، بدعوى أنه وصل المال إليه حال فقره واستحقاقه، غير صحيح، وإذا عملت ذلك لم أقم بالوظيفة.

فهو للوالي” ولم يقل: للإمام، وليس له بما أنه علي بن أبي طالب، بل الزائد للوالي يتصرّف به كما تتصرّف سائر الحكومات من إنجاز سائر المصالح بالأموال الضخمة، كشراء الطيارات.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 540، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس …، الحديث 4، تهذيب الأحكام 4: 129، كتاب الزكاة، الباب 37، الحديث 2، ووسائل الشيعة 9: 520، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 3، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وهناك عدد من الروايات(1) بهذا المضمون.

وأرى بأن روايات الأنفال(2) مهمّة جداً؛ لأنكم تارةً تقولون: بأن الإسلام لم يعطِ الإمام امتيازات، وأخرى تقولون: بأن للإمام كلّ الأرض. فوجه الجمع يستفاد من روايات الأنفال.

*****

تحصّل من مفاد الآية عدة أمور:

الأول: استفادة المصرفية في العناوين الثلاثة الأخيرة.

الثاني: أنه لا يجب التقسيم المتساوي بينهم، بل ذاك إلى الإمام إن شاء قسّم بالتساوي، وإن شاء عمل شيئاً آخر، بما يرى من المصلحة.

الثالث: أنه خاصّ بفقراء السادات دون أغنيائهم والقادر على العمل منهم.

الرابع: أنه يعطى بمقدار السنة، فإن زاد كان للإمام، وإن أعوز أكمل لهم من الوجوه الأخرى التي منها سهم الإمام، ويعطون بمقدار السعة، أي: كما يعيش سائر الناس.

[حكم سهم الإمام]

وأما الكلام عن سهم الإمام فصحيحة البزنطي كانت تدلّ بذيلها 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 9: 520، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 2.

(2) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 9: 523، كتاب الخمس، أبواب الأنفال.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

على حكم سهم السادات، وقد تكلّمنا عنه، وهي تدلّ بصدرها على حكم سهم الإمام حيث يقول: “فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال: لرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للإمام”، ونحن نريد أن نفهم معنى قوله: “وما كان لرسول الله فهو للإمام”(1).

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() أقول: يخطر لي تقريب غير ما سنذكره عن السيد، ربما يكون أحسن من الناحية التنظيمية والصناعية.

وحاصله: أن المراد بهذه العبارة لا يخلو عن أحد أمور: 

الأوّل: أن يكون المراد بيان أمر أخلاقي غير مربوط بالشرع، كوجوه الاحترام والمنزلة الاجتماعية. وهذا غير محتمل في نفسه، وخلاف تصدّي الإمام لبيان الحكم الشرعي، مضافاً إلى أنه لا يكون مرتبطاً بما قبله ارتباطاً استدلالياً، كما هو ظاهره على ما سيأتي.

الثاني: أن يكون المراد بيان أمر تكويني فلسفي، وهو خلاف الظاهر جداً من النواحي السابقة.

الثالث: أن يكون المراد بيان أمر شرعي مربوط بما سبقه من حكم سهم رسول الله من الخمس، وهو المتعّين بعد دفع الاحتمالين السابقين. فإذا كان كذلك فالأمر لا يخلو من أحد أمرين:

أوّلهما: أن يكون المراد بالموصول هو خصوص سهم النبي من الخمس، فكأنّه يقول: إن السهم الذي كان لرسول الله يكون للإمام. إلّا أنه غير محتمل أيضاً، لظهور بكونها كبرى كلّية بلا إشكال. وإن كلّ ما كان لرسول الله فهو للإمام.

وبعبارة أخرى: إن الظاهر من هذه العبارة أن الإمام يريد عقد الاستدلال بنحو الشكل الأوّل.

ثانيهما: أن يكون المراد بالموصول كلّ ما كان ثابتاً لرسول الله يشمله بالإطلاق، ويكون صغراه هو سهم الرسول من الخمس، كما سبق الاستدلال عليه من الظهور، وحينئذٍ فيقال:

إن ما كان ثابتاً للنبي شرعاً أحد أمور:

1- وجوب الطاعة له على الناس، ونفوذ أمره فيهم.

2- ممتلكاته بحسب ولايته العامة كالأنفال وغيرها.

3- ممتلكاته الشخصية.

فإذا نفينا الأمر الثالث: يتعيّن شمول الإطلاق للسهم بالنحو الثاني، والأمر الثالث غير محتمل جزماً؛ إذ لو كان هذا السهم أو الأنفال لرسول الله شخصاً لورثه أولاده وزوجاته، وهو مخالف للضرورة، فيتعيّن أن يكون للإمام كلّ ما كان لرسول الله بحسب ولايته العامة من ممتلكات ووجوب الطاعة وهو المقصود.

وبذلك تتمّ الكبرى، وأما الصغرى فتثبت بقوله: “لرسول الله” بعد ضمّ ضرورة عدم كونه موروثاً ولا ملكاً شخصياً.

وعلى أيّ حال فقد أفاد السيد:… (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

هل معناه أن ما قالته الآية غير صحيح، وأنه ليس لله بل لرسوله؟ هذا خلاف الضرورة، فهل معناه أن الله تعالى مالك والرسول مالك؟ هذا غير ممكن؛ لامتناع اجتماع مالكين على مملوك واحد، على أنه لا يمكن إضافة الملكية الاعتبارية إلى الله تعالى، بحيث يباع ملكه ويخرج عن ملكه، لا يمكن بالضرورة. 

بقي احتمال أن تكون مالكيته تختلف عن ملكية رسول الله، بأن يقال: 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

إن الله مالك بمعنى ولي الأمر ومالك التصرّف، ورسول الله مالك بالملكية الاعتبارية، هذا أيضاً خلاف ضرورة الفقه؛ لأنه لا إشكال أن ما جعله الله تعالى لنبيّه من الغنائم وغيرها لم يذهب إلى ورثته وأزواجه، بل ورد أنه بعده للإمام، ولو كان مالكاً لأورثه، وقد صرّح في الروايات أنها للإمام بعده.

إذن فرسول الله غير مالك بالنحو الاعتباري لملكية الناس، وكذلك الإمام لنفس الدليل.

يبقى احتمالات ثلاثة:

الأول: أن الإمامة واسطة في الثبوت، وأنه مالك من جهة الإمامة، كما يكون مالكاً من جهة البيع، وهذا يرد عليه التوالي الفاسدة السابقة.

الثاني: أن يكون المال لجهة الإمامة، بحيث تكون هذه الجهة هي المالكة، بمعنى الولاية المنطبقة على النبي. إلّا أن هذا لا يتمّ؛ لأنه يكون قوله: “للرسول” إسناداً إلى غير ما هو له، فإنه لا يكون للرسول ولا للإمام إلّا على وجه المجاز، على أنه بالنسبة إلى الله تعالى، ممتنع أن يقال: إنه ملك الجهة العليا.

الثالث: أن لا يكون هناك مالكية أصلاً، بل مجرّد ولاية التصرّف، كما كان المال بالنسبة إلى الله تعالى، وكما هو شايع ومتعارف في حكومات الدنيا، وبه لا يحصل اختلاف في مداليل اللامات في الآية، وبه يكون المال لله وللرسول، باعتبار أن ولاية التصرّف لهما معاً، وهو للإمام بعد النبي بنفس المعنى.

وبعبارة أخرى: إنه بعد أن نفيت الملكية الشخصية عن الله عقلاً، وعن الرسول ضرورة، ونفيت ملكية الجهة عن الله ضرورة، وعن الرسول بحسب 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ظهور الدليل، فيتعيّن الأخير، وهو جواز التصرّف بالولاية، كتصرّف الملّاك في أموالهم ، وبه يصحّ استعمال اللام، فإنها لا تفيد إلّا الاختصاص.

فصحيحة البزنطي يستفاد منها كلّ المطالب التي نتمنّاها ونتوخّاها، ولها تحكيم على كلّ الروايات المبيّنة للسهام، وهناك روايات أخر(1) حول ذلك فراجع.

وقضية الأنفال كذلك، فإن الروايات تدلّ على أنها لله وللرسول، فيأتي بها نفس الكلام، من أنه هل معناه أنها لهما بحسب الملكية الاعتبارية؟ كلّا.

أو لله التصرّف وللرسول الملكية الاعتبارية؟ كلّا، وإلّا لورثه لورثته، مع أنه للإمام بعده كما ورد في عدد من الروايات(2)، فهذا اللسان هو نفس لسان روايات باب الخمس، مع اختلاف المتعلّق.

وصفوا المال وصفايا الملوك والفرس الفارهة، للرسول، فهل ذلك لأجل أن يركبها؟ ففي رواية حمّاد بن عيسى، عن العبد الصالح في حديث قال: “وللإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع مما يحب أو يشتهى، فذلك له قبل القسمة، وقبل إخراج الخمس، وله أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من قبل إعطاء القسمة وقبل إخراج الخمس”.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) تقدّم بيان موضعها آنفاً.

(2) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 9: 537، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فالقضية قضية حكومة، فيعطي الفرس لشخص يجلبه إلى الإسلام، أو يدفع شره عن الإسلام، وإلّا فهو لم يكن يحتاج إلى ذلك في حياته.

إلى أن قال: “وله بعد الخمس الأنفال، والأنفال كلّ أرض خربة قد باد أهلها، وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولكن صالحوا صلحاً، وأعطوا بأيديهم على غير قتال، وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام، وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها، وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب…” إلى أن قال: “والأنفال إلى الوالي(1).

إذن؛ فليست القضية شخصية، فكما يقال الآن: إن سائر هذه الأموال للدولة أو للأمّة، فإذا كانت الحكومة صالحة فإنها تصرفها على الأمّة، فكذلك هذه الأمور بالنسبة إلى رسول الله والأئمة بعده.

ثُمّ نقل السيد عن (المستدرك)(2) مضمون رواية، وهي: ما نقله عن الكليني في (الكافي)(3)، عن علي بن إبراهيم، عن السندي بن الربيع، قال: (لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً، وكان لا يغبّ إتيانه، ثُمّ انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام، 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() الكافي 1: 540، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس …، الحديث 4، تهذيب الأحكام 4: 129، كتاب الزكاة، الباب 37، الحديث 2، ووسائل الشيعة 9: 520، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 3، الحديث 1.

(2) مستدرك الوسائل 7: 305، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 50، الحديث 2.

(3) الكافي 1: 410، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، ذيل الحديث 8.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ووقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة، قال ابن أبي عمير: الدنيا كلّها للإمام على جهة الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم. وقال أبو مالك: ليس كذلك، أموال الناس لهم، إلّا ما حكم الله به للإمام من الفيء والخمس والمغنم، فذلك له، وذلك أيضاً قد بيّن الله للإمام أين يضعه وكيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم وصار إليه، فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير، فغضب ابن أبي عمير وهجر هشاماً بعد ذلك، (الرواية الثالثة من الباب الخامس من أبواب الأنفال).

ونحن نقول لهشام بن الحكم: إن كنت تقصد الملكية الاعتبارية، فهي غير حاصلة للإمام، بل له جواز التصرّف، وكذلك قوله: “من أحيا أرضاً فهي له(1)، فإنها إجازة الحاكم لا إجازة المالك، ومن هنا له أن يمنع عن الإحياء لو وجد مصلحة لذلك، وكذلك الفقيه.

وإن جوّزنا الجهاد للفقيه، كما يقرب في ذهني، ويقول صاحب (الجواهر)(2): إنه لولا الإجماع لكان القول به قريباً، وجهاد الدفاع على أي حال ثابت للفقيه بلا إشكال، فيكون أولى بالتصرّف وولياً بالنسبة إلى الغنائم، وتمام الكلام في محلّه(3).

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 4: 145، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 26، ووسائل الشيعة 9: 549، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 13.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 21: 11 و15 و18، كتاب الجهاد، الركن الأوّل.

(3) عطلة عيد الأضحى المبارك. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 

[هل روايات المعروف معارضة لاختصاص الولاية بالفقيه] 

 

بعد(1) أن ثبتت الروايات المطلقة لولاية الفقيه، فهل تكون مثل روايات “كل معروف صدقة(2)، أو “عونك الضعيف من أفضل الصدقات(3) معارضة معها، بحيث يستفاد منها أن الأمر لا يختصّ بالفقيه، بل كلّ من يقدم على المعروف فهو جائز ويثاب عليه.

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() ألقى السيد محاضرة [أي قبل هذه المحاضرة (في يوم السبت)] لم أوفّق إلى حضورها لانشغالي بعيادة (السيد الحكيم) في مرضه في مستشفى (ابن سينا) في بغداد، وقد ذكروا عن هذه المحاضرة أنها تكرار لما سبق مع عنونة للمسألة الجديدة وهي ولاية عدول المؤمنين، وذكر منهج البحث أو طريقة السير فيها.

وقد اتّضح من محاضرة يوم الأحد -غداً- أن المطلب لا يكاد يكون ناقصاً، حتى أن السيد تمّم الكلام عن ولاية الفقيه، ودخل في مسألة عدول المؤمنين في يوم الأحد كما سيتّضح مفصّلاً. (المقرر).

() الكافي 4: 26، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، باب فضل المعروف، الحديث 1، ووسائل الشيعة 16: 285، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب فعل المعروف، الباب 1، الحديث 2.

() الكافي 5: 55، كتاب الجهاد، الباب3، الحديث 2، ووسائل الشيعة 15: 141، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، الباب 59، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الشيخ(1) تكلّم بنحو الإجمال، كأنّه أخذ مفروضاً أن المراد: كلّ معروف في مقابل المنكر، ونحن تارةً نتكلّم بناءً على ذلك، وأخرى بناءً على الرجوع إلى الروايات.

أما إذا أخذ المعروف بنحو الإطلاق في قوله: “كلّ معروف صدقة“، بتقريب: أن قوله: “صدقة” ليس المراد به إعطاء الصدقة، بل معناه الحصول على ثوابها، فكلّ عمل خير هو معروف وله ثواب الصدقة.

فعلى هذا الفرض هل يكون مثل هذا اللسان معارضاً مع إيكال الحوادث والأمور إلى الفقيه، أو معارضاً مع ولاية الأئمة بل الرسول؟ فإن المعارضة لو تمّت فإنها لا تختصّ بالفقيه، بل (كلّ معروف صدقة) غير خاصّ بعصر الغيبة، فكأنّه يريد أن يقول: إن المعروف يقوم به كلّ أحد بنحو الهرج والمرج، فكلّ من أراد أن يقيم الحدّ فلا بأس، سواء كان هو الفقيه أو الإمام أو لم يكن.

وهنا عدّة كلمات: 

أولها: أن النسبة بين هذه الروايات وأدلّة ولاية الفقيه ما هي؟ وهل هي العموم من وجه كما قال الشيخ(1) أو لا؟

ثانيها: ما هو نحو هذه الحكومة؟

ــــــــــ[111]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 557، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في 

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ونحن لو وسّعنا معنى المعروف إلى كلّ معروف حتى مثل الصلاة والصيام، فتكون الأدلّة على ولاية الفقيه والإمام أخصّ مطلقاً؛ لأنه ليس عندنا مورد يقوم به الولي بالمنكر، بل كلّ الأشياء التي يقوم بها من المعروف.

ويفترق المعروف عن اختصاصات الفقيه بالصلاة والصيام وإعطاء شيء إلى الفقير، ويجتمعان في كلّ ما هو مربوط بالولاية(1).

ومع الغضّ عن ذلك، والقول بأن النسبة بينهما هي العموم من وجه، كما ذكر الشيخ، ويقول: إن أدلة ولاية الفقيه حاكمة، ولم يذكر وجهها، ولكنّها تتمّ على أحد أنحاء.

أحدها: أن روايات المعروف على هذا النطاق الوسيع لا تتعرّض لمجري الصدقة أو فاعل المعروف، غاية الأمر نفهم من عدم ذكره عمومه لجميع 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() أقول: لم يذكر السيد وجه الحمل على هذا التقدير لعدم حاجته إليه؛ لكونه ممنوعاً كبرى عنده، إلّا أن مقتضى القاعدة بناءً على ذلك هو العمل بالمطلق والمقيّد معاً، لكونهما مثبتين كقوله: (اعتق رقبة) و(اعتق رقبةً مؤمنةً) مع عدم العلم بوحدة القضية، فإن عتق الرقبة الكافرة يكون جائزاً أيضاً، كذلك في المقام. إلّا أن يقال: إنه يلزم منه إلغاء أدلّة ولاية الفقيه أو لغوية الجعل فيها. 

ويمكن أن يجاب لدفع اللغوية بالطولية، ودفع الإلغاء بالأهمّية، والتأكيد على الفقيه كفرد أعلى للقائم بالأحكام الإسلامية.

وهذا يكاد يكون تامّاً لولا أحد أمرين:

إما الطعن في الكبرى كما فعل السيد، وإما استفادة المفهوم منه على ما سنشير. انتهى. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الناس، وتلك الروايات تقول: إن كلّ ما هو مربوط بباب الحكومة والقضاء موكول إلى الفقهاء أو إلى الإمام.

فغاية ما في الباب هو الإطلاق في أدلّة المعروف، فإذا ورد إيكال بعض المعروف إلى العلماء فإنه يكون مخصّصاً لذلك الإطلاق، وهذا يكون من باب التخصيص لا الحكومة(1).

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() أقول: لا يخلو الأمر عن أحد أمرين بنحو مانعة الخلو: إما أن نستفيد عموم المكلّف الفاعل للمعروف، أو لا. فإن لم نستفد سقطت روايات المعروف عن المعارضة أصلاً، وكانت روايات ولاية الفقيه موضّحة لإجمالها، ويكون من قبيل تعارض الحجّة باللاحجّة، والتمسّك بإطلاق المعروف لا يفيد، كما هو واضح؛ لكون فاعله هو بعض المكلّفين في الجملة.

وأما إذا استفدنا عموم المكلفين -كما اعترف به السيد- فالأمر أيضاً لا يخلو من حالتين: 

فإما أن نستفيد من روايات ولاية الفقيه المفهوم ولو بالحصر، أو الشرط، أو الارتكاز، أو نحو ذلك، وإما أن لا نستفيد. فإن لم نستفد كانتا قضيّتين مثبتتين، وامتنع حمل المطلق على المقيّد -كما قلناه في التعليقة السابقة- فما ذكره السيد في هذا الوجه من الحمل مع غضّ النظر عن المفهوم، لا يكاد أن يكون تامّاً. 

نعم، إن قلنا بالمفهوم لأدلّة ولاية الفقيه، بمعنى أنه لا يجوز لغيره القيام بأمور الحكومة والقضاء، صلح ذلك للتقييد، إلّا أن السيد لم يشر إليه، ولكنّ المظنون أنه تكلّم بناءً على ذلك ارتكازاً؛ لوضوح استفادة الحصر منه، وبه يتمّ الوجه الثاني الآتي، حيث يكون تصدّي غير الفقيه للقيام بهذه الأعمال -مع وجود الفقيه- منكراً ولا يكون معروفاً. ولولاه لأمكن إنكاره بدعوى دلالة أدلّة المعروف بإطلاقها على كونه معروفاً على كلّ حال. فخذ هذا بنظر الاعتبار. انتهى. (المقرر)..

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الثاني -وهو أوضح من الأوّل-: أننا إذا فهمنا من أدلّة الولاية أن هذا الأمر المربوط بالحكومة والقضاء، كحفظ أموال الصغار، موكول ومخوّل إلى الفقهاء وإلى الأئمة في زمانهم. فينتج أنه إنما يكون معروفاً حين لا يكون من المنكرات، وإذا قام أحد المكلّفين بالولاية على مال الصغير مع وجود الفقيه أو الإمام أو الأب أو الجدّ، فإنه يكون من المنكرات.

ففي مرتبة عقد الوضع لا بُدّ أن نحفظ المعروف على معروفيته حتى يرد عليه الحكم، وأما إذا قام شخص آخر بما أوكل إلى الإمام أو الفقيه أو الأب فإن المعروف يتبدّل منكراً، وعليه إذا كانت النسبة هي العموم من وجه، فإنه يخرج الموضوع عن موضوعيته.

لكن الشأن هو في أنه هل يريد أن يقول ذلك، أو يريد أن يقول أمراً آخر؟

أبواب فعل المعروف من كتاب الأمر بالمعروف، الباب الأول، ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله، قال: قال رسول الله: “كلّ معروف صدقة(1).

فهذه الرواية الواردة بنحو الإطلاق، فهل معناها: المعروف ما كان في مقابل المنكر، بحيث يكون شاملاً للصلاة والصوم، أو نفهم أنه يريد أن يقول: 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

أن الصدقة غير منحصرة بالأمور المالية من الزكاة الواجبة والصدقة المستحبة، بل يشمل كلّ فعل من أفعال الخير يوصل إلى الغير كالسلام والاحترام والضيافة؟ ولا يريد بهذا اللسان أن يؤسّس أساس الهرج والمرج، ويلغي أساس ولاية الرسول والأئمة والفقهاء، بل هو قضية أخلاقية غير مربوطة بذلك أصلاً.

الرواية السابعة من الباب: ما عن عمر بن يزيد، قال: “قال أبو عبد الله: المعروف شيء سوى الزكاة، فتقرّبوا إلى الله عزّ وجلّ بالبرّ وصلة الرحم(1)، يريد أن يقول إن المعروف ليس هو الزكاة، بل لا بُدّ أن تتوصّلوا إلى الله بالبرّ والإحسان وصلة الرحم، ولا يريد أن يقول: إن كلّ الأفعال معروف حتى الصلاة، أو التصرّف بمال الغير كاليتيم.

ولا تريد أن تلغي الفقه وتؤسّس فقهاً جديداً، وتلغي ولاية الأئمة والفقهاء، وتفتح باب قيام كلّ أحد بكلّ عمل مشروع، ليست متعرّضة لذلك أصلاً، حتى يقع التعارض.

كتاب الجهاد باب 59: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، قال: “قال رسول الله: ــــــــــ[115]ــــــــــ

(1) الكافي 4: 27، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، باب فضل المعروف، الحديث 5، مَن لا يحضره الفقيه 2: 55، أبواب الزكاة، باب فضل المعروف، الحديث 1685، ووسائل الشيعة 16: 287، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب فعل المعروف، الباب 1، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

عونك الضعيف من أفضل الصدقة(1).

فهل يريد أن يقول: أن كلّ من كان ضعيفاً إما كبيراً هرماً أو صغيراً أو مريضاً فتصرّفوا في ماله لأجل خاطره؛ لأن ذلك يكون عوناً له، وعون الضعيف من أفضل الصدقة. بحيث يكون معارضاً مع دليل عدم جواز التصرّف بمال الغير بغير إذنه، أو معارضاً مع دليل ولاية الجدّ والأب أو مع دليل ولاية الأئمة والفقيه؟

أو إنه -في الحقيقة- مطلب استحبابي لعون الضعيف، كتحريك الضعيف من مكانه، أو قضاء بعض حوائجه ونحو ذلك. على أن التصدّي للتصرّف بمال الطفل والإعراض عن رأي الأب والجدّ الذي يقوم بمصالح ولده أكثر من الولد نفسه لو كان شاباً!! لا يكون هذا التصدّي عوناً للضعيف، فهو أمر استحبابي لا يمكن أن يعارض الأحكام الإلزامية.

هذا في ولاية الفقيه.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  








[مسألة ولاية عدول المؤمنين]

 

  • [دلالة الروايات في المقام]

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  









[مسألة ولاية عدول المؤمنين]

 

أما بالنسبة إلى عدول المؤمنين أو ثقاتهم ففيه كلامات:

أحدهما: أنه هل يستفاد من الروايات الخاصّة الواردة في المقام، هل تدلّ على أن هؤلاء هم وليُّ الأمر، كما أن الفقيه ولي الأمر، أم لا، بل مجرّد جواز التصرّف؟

ثانيهما: أنه هل يستفاد ولايتهم في عرض ولاية الفقهاء، أو أنهم أولياء، أو جائزي التصرّف في طولهم؟

الكلام الثالث: أنه بغضّ النظر عن الروايات فهل في الأمور الحسبية التي لا يرى العقل والشرع إهمالها، إذا لم تكن أدلّة ولاية الفقيه، فهل تكون للفقيه أو لعدول المؤمنين ولاية، أو جواز تصرّف فقط؟ ثُمّ إن ذلك هل هو بنحو طولي أو عرضيين؟

في(1) تصرّفات عدول المؤمنين كلام بقطع النظر عن الروايات الخاصّة، بحيث إنها إذا لم تكن فماذا تكون تصرّفات عدول المؤمنين؟ وكلام في أن الروايات الخاصّة تدلّ على ولاية عدول المؤمنين إلى أيّ حدّ.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() نقلت [هذه المحاضرة] من كتابة أحد الإخوان بعد ترجمتها إلى العربية. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

هناك إشكال ثابت لعدول المؤمنين وغيرهم، إذ يقال بنحو العموم: إن شيئاً ثابت لا بنحو الولاية ولا بنحو إجازة التصرّف، لكن بنحو الأمور الحسبية، فإن الأمور الحسبية بالنسبة إلى عدول المؤمنين محلّ كلام في أنه ثابت أو لا.

فإننا تارةً نفهم أن حكم الشرع بنحو خاصّ وله دخل، وأخرى لا نفهم، فإن فهمنا أنه ليس له نظر خاصّ أو دخل، ونفينا الدخل للأمور الخاصّة، بلحاظ حكم العقل أو حكم الشرع، ففي زمان رسول الله والأئمة يستطيع عدول المؤمنين أن يتصرّفوا فضلاً عن زمان الفقيه، مثلاً إنقاذ الغريق لا يختصّ ببعض دون بعض، بل كلّ من أنقذ الغريق كان صحيحاً.

وأما إذا كان النظر مقتصراً على قسم خاصّ من الحسبيات، وأنه دخيل في الحكم الشرعي، شرعاً أو عقلاً، حيث دلّ الدليل على أن نظر الفقيه له دخل في المطلب، فلا يشمل ما إذا لم يكن الشخص فقيهاً، مثل القضاء الذي لا يتولّاه إلّا الفقيه، ولا يمكن لعدول المؤمنين القيام به، أو مثل الفتوى التي هي من الأمور الحسبية التي دلّ الدليل على اقتصارها على الفقيه، ولا إطلاق للدليل لغيره، فلا يمكن للواحد من عدول المؤمنين أن يفتي.

مرّة تكون الأدلّة بهذا النحو: وهي أن تكون دالّة على دخالة نظر الفقيه، لا بنحو الإطلاق، بل دخله عند وجود الفقيه، أما عند عدمه، فلا إطلاق له، ففي مثل هذه الموارد إذا كان الفقيه موجوداً فلا بُدّ أن تكون هذه الأمور بنظره، وفيما إذا لم يكن الفقيه موجوداً يمكن لغير الفقيه أن يتدخّل سواء كان مؤمناً أو فاسقاً، ثقة كان أو لم يكن.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وأخرى يقتضي الدليل أن نظر الفقيه له دخل عند وجوده، وعند عدمه يكون لنظر المؤمن الثقة مدخلية، وفي هذه الصورة لا بُدّ للمؤمنين العدول من النظر، وإذا احتملنا أن هذا الأمر الذي لا يجوز إهماله، مردّد بين أن يكون ثقة مؤمناً أو مؤمناً غير ثقة، أو غير مؤمن، ففي مثل ذلك يكون للنظر دخل ويكون شرطاً. (يعني نظر المؤمن الثقة).

ثُمّ إننا إذا قلنا في الأمر الذي لا يجوز إهماله: إنه لا دخل لنظر أحد بالخصوص، وإن كلّ من تدخل كان صحيحاً، فإن هذا لا يكون موجباً لولاية عدول المؤمنين، بل مجرّد إجازة التصرّف، ولا يمكن لهم أن ينصّبوا أحداً أو يعزلوه.

إذن إننا إذا اعتبرنا تصرّف المؤمنين من باب الأمور الحسبية، فإنه لا يكون موجباً لثبوت المنصب للمؤمنين.

مثلاً: في باب القضاء، إذا قلنا إن الشارع غير راضٍ بأن يذهب مال الناس هدراً، بل إذا تصدّى للقضاء فيه بنحو صحيح قاضٍ عادل، كان صحيحاً، وأما إذا لم يكن موجوداً فإنه يمكن لشخص أن يأخذ الحقّ أو المال من الظالم.

فيُرجع إليه في ذلك، وصحّة الرجوع هذه لا توجب أن يكون قد ثبت له المنصب أو الولاية، بل مجرّد جواز التصرّف.

فهذا هو الكلام مع قطع النظر عن الروايات.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  



[دلالة الروايات في المقام]

 

وأما روايات الباب، فهل يستفاد منها ولاية عدول المؤمنين، أو مجرّد جواز التصرّف، أو يختلف ذلك باختلاف الموارد؟

[الاستدلال بصحيحة ابن بزيع]

أبواب عقد البيع باب 16 (1): محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: “مات رجل من أصحابنا ولم يوصِ، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبد الحميد القيّم بماله، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي؛ لأنهن فروج، قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلّف جواري، فيقيم القاضي رجلاً منا فيبيعهن. أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه؛ لأنهن فروج، فما ترى في ذلك.

قال: فقال: إذا كان القيّم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس(2). ورواه 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() رواية 3. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 209، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 2، ووسائل الشيعة 17: 363، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 16، الحديث 2. وفي الكافي: (ليبيعهن) بدل من: (فيبيعهن).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 الشيخ(1) بإسناده عن أحمد بن محمد.

والقيّم عليه بماله، من حيث اللغة، يعني: ذلك الشخص الذي يكون متولّياً على مال شخص. فما معنى ذلك؟ هل معناه جعله متولّياً، أو جعله قائماً على بيع ماله، كجعله وكيلاً؟ فإنه متضمّن لإجازة التصرّف دون التنصيب للولاية، فإنه يفهم من (القيم على المال) المعنى الثاني، حيث يعلم من الرواية أن القاضي جعل عبد الحميد قيّماً لأجل أن يشرع بالبيع، فلو كان قيّماً لكان لا بُدّ أن يراعي المصلحة، ولم أعلم أن المراد الجدّي ما هو؟ هل أن القاضي جعله قيّماً أو هو تولّى القيمومة؟

فإن استفدنا القيمومة بمعنى النصب، فهل هذه إجازة نصب القاضي؟ أو أن الإمام بنفسه نصّب المؤمنين؟ وإذا كان الإمام قد أعطى إجازة، فإن نصب القاضي لهذا المؤمن لا يقتضي إثبات الولاية لسائر المؤمنين، باعتبار إقرار الإمام لنصب القاضي في مورد خاصّ.

تارةً يأتي إلى النظر بأن قوله: “فلا بأس“، أنه لا يريد التعرّض إلى مورد خاصّ، وإنما يريد بيان حكم إلهي عامّ، ولا يكون للمورد خصوصية.

وأخرى نفهم أن الإمام لا يريد بيان الحكم الإلهي، لكن بما أن للإمام الولاية التامّة من الله تعالى، فإنه له أن يجيز شخصاً أو ينصّبه لعمل من الأعمال، 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 9: 240، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 25.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وهذه الإجازة أو النصب من قبل القاضي، ليست بحكم، فهو إعطاء إجازة أخرى، وليس نصباً ليثبت مطلوبناً.

وأما إذا لم نستطع التجريد والتعميم، وقلنا باختصاصه بالمورد الخاصّ، فلا يمكن التعدّي منه إلى الموارد الأخرى.

قلنا(1): إن القاضي إذا كان قد جعل عبد الحميد قيّماً، اصطلاحياً، فإنه لا يستفاد من الرواية: أن مثل عبد الحميد، يكون منصوباً قيّماً على أموال الصغار. وحيث قال في الرواية ما مؤدّاه: إذا نصّب القاضي قيّماً مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس، فنحن نكون شاكّين في ولاية عدول المؤمنين، لكي يمكن أن نقول بثبوتها؛ إذ لعلّ الإمام يريد تنفيذ وإقرار جعل القاضي لقيمومة عبد الحميد، وإن (جعل القيمومة لمثلك ومثل عبد الحميد) لا ضير فيها. وأما أن عبد الحميد هو قيّم فلا تدلّ على ذلك.

هذا بناء على القيّم الاصطلاحي.

وأما إذا كان المراد من القيمومة القيام بالأمر لأجل القيام بالبيع، فأيضاً لا يستفاد الولاية، بل مجرّد إجازة التصرّف في بيع أمواله، ولا يثبت مقصودنا وهو الولاية على مال الصغير.

ويمكن أن يقال: إن هذه الرواية الشريفة لم تقل: إنه إذا وصل الأمر إلى حدّ الضرورة فلا بأس، أو إنه يكون حينئذٍ من الحسبيات.

ثُمّ إننا لا نعلم أصلاً ما هو شأن التصرّفات وأيّ نحو كانت، إذ نحتمل أن 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

() نقلت هذه المحاضرة أيضاً على غرار السابقة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

غاية التصرّفات كانت في مورد الضرورة، ونحتمل أن يكون قوله: (أو يقوم بعض أصحابنا) ترديداً من قول محمد بن إسماعيل.

ومعناه أنه ليس ذلك من القاضي، بل معنى ذلك السؤال حول ما إذا مات شخص بدون وصيّة، وأقيم شخص على أمر الصغير، فما ترى في ذلك؟ فقال الإمام: (لا بأس). وهذا وإن كان خالياً من أمر القاضي، إلّا أنه لا يكون مثبتاً للولاية، وإنما هو صرف إجازة التصرّف.

وقد اشتبه صاحب (الوسائل)(1) في المقام، ففي (مرآة العقول)(2): “ليبيعهن“. وفي ذلك لا يأتي أصلاً احتمال جعل المنصب، بل يوجد احتمالان فقط:

أحدهما: أن القاضي أقام هذا الشخص على البيع.

ثانيهما: أنه هو قام عليه بنفسه.

وحيث كان الاحتمال مردّداً بين هذين الأمرين لا يمكن استفادة الإجازة المطلقة، إذ يحتمل أن يكون المراد صرف تنفيذ حكم القاضي، بل إذا كان الاحتمال الثاني لا يستفاد منها إجازة مطلق التصرّف.

الآن لا بُدّ من النظر أن المراد من مثل عبد الحميد ما هو؟ قال الشيخ(3): إن فيها أربعة احتمالات بنحو الجمع، لا بنحو الخلّو.

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) كما مرّ آنفاً.

(2) مرآة العقول 19: 233، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 2.

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 565، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يعني لا بُدّ أن يكون حائزاً على كلّ الصفات، لا أن يكون شيعياً خائناً. وأن يكون له إجازة تصرّف. ويحتمل أن يكون محمد بن إسماعيل وعبد الحميد من الفقهاء، وإذا احتملنا ذلك فمن المحتمل أن يكون حكم الإمام إنما هو من جهة فقاهته، لا من جهة كونهم صرف عدول المؤمنين.

وقول الشيخ(1): إن احتمال الفقاهة مردود، ليس تامّاً؛ لأننا لا نعلم أنهم كانوا فقهاء أو لم يكونوا، ومجرّد كونه ليس عنده كتاب لا يدلّ على عدم فقاهته.

في صدر رواية(2) ينقل الراوي قصّة، ينقلها أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، وهي قضية شخصية، ثُمّ قال: (فذكرت ذلك لأبي جعفر)، ولو بقينا وهذا وحده، لقلنا: إنه نقل هذه القصّة الجزئية، لكنّه يقول: (وقلت له…)، فكأنّه سأله عن قضيّة كلّية، انطلاقاً إليها من القضيّة الجزئية، فقال: (يموت رجل…)، فأجاب الإمام: (إذا كان مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس)، فلو لم يكن محمد بن إسماعيل ذكر القضيّة الخارجية للإمام، فإنه يكون ذكر عبد الحميد من باب الاتّفاق؛ فيتعيّن كونه نقلها، فيفهم أن القضية شخصية.

وللجواب عدّة محتملات: 

أحداها: أن يكون حكماً إلهياً كلّياً بالجواز، وأنه يجوز أن يتولّى شخص نظير هؤلاء التصرّف في المال.

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() أُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) قرأ السيد الرواية وهي صحيحة محمد بن إسماعيل تارة أخرى، وأخذ بالتعليق عليها، فقال: في صدر رواية… (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ثانيها: أن يكون نصباً إلهياً كما أن الفقهاء نصبوا للولاية كذلك، كذلك نصب هؤلاء للتصرّف في أموال الصغار.

ثالثها: أن الإمام نصبه الآن أو في السابق للولاية على هذه الأمور، التي لازمها جواز التصرّف في هذه الأموال. 

رابعها: أن الإمام أعطى الإجازة للعنوان الكلّي، وهو من كان نظير هؤلاء في التصرّف بهذه الأمور.

خامسها: أنها إجازة شخصية في هذا المورد.

سادسها: أن مدلول الرواية مردّد بين هذه الأمور، بحيث لا يثبت بها إلّا الإجازة الشخصية.

وهذه الأمور تختلف من حيث النتيجة: فعلى الأول وهو جواز التصرّف، لا يستطيع أن ينصب غيره لذلك، وأما إذا كان بنحو النصب الإلهي أو من قبل الإمام فيصبح ذا منصب، فكما يجوز للإمام النصب كذلك يجوز له أن ينصب غيره. وإذا كانت إجازة كلّية فهي ثابتة لكلّ أحد، وأما إذا كانت إجازة خارجية فلا يمكن أن نستفيد منها شيئاً.

فأيّ هذه الاحتمالات هو الثابت في هذه الرواية؟

لا إشكال أن القصّة قصّة جزئية، وكذلك قوله: (فذكرت ذلك لأبي جعفر)، ولكنّه قال: (يموت الرجل…)، وقلنا: إنه ليس قيّماً، بل إجازة لبيع المال. 

وقلنا: إن هناك فرقاً بين القيّم على المال والقيّم بالمال، فالقيّم بالمال هو 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

المجاز للبيع، فلا يتعيّن حمله على القيّم الاصطلاحي، وقوله: (أو قال) هو قول أحمد بن محمد في نقله لكلام محمد بن إسماعيل بن بزيع، وهو يفيد التردّد بين الأمرين لا السؤال عن الأمرين، وقوله: “فلا بأس” يريد أنه إذا كان يبيع المال مثلك أو مثل عبد الحميد فإيّ مانع من ذلك؟

وما يقال: إن ما يقوله الأئمة حكم إلهي، إنما هو في غير هذا المورد، الذي فيه احتمالان:

أحدهما: أن يكون حكماً إلهياً. 

وثانيهما: أن يكون حكماً بالولاية.

فلا يمكن أن يدّعى أنه ظاهر بالحكم الإلهي، كما يستظهر ذلك من الموارد الأخرى، إذن فلا يثبت كونه حكماً إلهياً.

وأما احتمال كونه منصوباً من قبل الإمام لأمثال هذه الأمور أو لهذا الأمر الجزئي، فهو لا يمكن إثباته، بل هو خلاف القاعدة، فإن النصب للولاية على البيع أمر غير عقلائي، وإنما هو إجازة للتصرّف، وإنما تكون الولاية على الصغار.

فهذا كلّه لا يتمّ، وإنما الكلام في أنه إجازة كلّية، أو إجازة جزئية؛ بقرينة ما يقال في اللغة: إن (مثلك) يعني: أنت.

ثُمّ إن هنا كلاماً آخر، وهو أن النصب الذي يحدث هل هو كالنصب الذي يجعله النبي أو الأئمة، أو الواقف يجعل متولّياً للوقف؟ فإن المتعارف أن يبقى هذا الجعل على قوّته بعد موت الجاعل، وأما إذا أعطيت الإجازة لشخص أو أشخاص، فقد تنتفي الإجازة إذا مات المجاز كالوكالة. وأما إذا 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

نصب الفقيه قيّماً على الصغار ومات الفقيه، يبقى القيّم على قيمومته.

وأما بالنسبة إلى إجازة الأئمة فلا إشكال من انتفائها في أموالهم الشخصية بعد موتهم.

وأما إجازاتهم الكلّية فهل تبقى بعدهم أو لا؟

هذا ليس فيه دليل حسابي، وما روي عن النبي أنه قال: “حكمي على الأولين والآخرين(1)، إذا كان المراد بالحكم الولاية، ولو بمناسبة إضافته إلى نفسه، فالأئمة بناءً على ذلك من هذه الجهة كالنبي فتكون إجازاتهم متبعة إلى الآن. 

وأما إذا كان المراد به الحكم الإلهي، فيحتاج إثبات أحكامه بالولاية إلى دليل، وقضيّة أسامة بن زيد كان حكماً بالولاية، ولهذا لم يكن لأحد أن يتخلّف عنه إلّا بعد موته حتى أسامة نفسه، وتمسّكاً بإطلاق قوله: “لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة(2).

فإذا كان لنا دليل على أن ما صدر من الأئمة بالولاية سواء النصب أو الإجازة أو الحكم باقٍ إلى يوم القيامة. فتكون هذه الإجازة محفوظة ما لم يرفعها 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() أورد في الكافي 5: 18، والتهذيب 6: 133، عن مولانا الصادق أنَّه قال: “حكم الله عزّ وجلّ في الأوّلين والآخرين وفرائضه عليهم سواءٌ“. وفي عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 456، قال: “حكمي على الواحد حكمي على الجماعة“.

(2) دعائم الإسلام 1: 41، شرح نهج البلاغة 6: 52، ذكر أمر فاطمة مع أبي بكر، وبحار الأنوار 30: 430، كتاب الفتن والمحن، الباب 22.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الإمام الذي يليه، وأما إذا لم يدلّ دليل على ذلك، فلا يمكن تتميم هذا المطلب بهذه الرواية.

وهذه المسألة تأتي في مسألة تحليل الخمس، حيث كان الكلام فيها في زمان النبي حيث حلّلت الزهراء وحلّل أمير المؤمنين، ومن هنا يمكن أن يقال: إن تحليل الإمام المتأخّر دليل على عدم نفوذ تحليل الإمام السابق بعد موته. أو يقال: إنه بياناً لأصل الموضوع.

هذا يحتاج إلى دليل حسابي، ليس لنا وقت الإفاضة فيه، وإن لم يثبت احتجنا إلى إجازة صاحب الأمر أو الفقيه بناءً على عموم الولاية، إلّا أن تكون القضيّة في المقام شخصية، فإن الراوي ذكرها للإمام فلا يمكن التعميم وإلغاء الخصوصية.

نحن نريد أن نرى من الروايات أن عدول المؤمنين هل لهم الولاية كالفقهاء في الأمور الحسبية وغيرها من الموارد الخاصّة، أو أنه مجرد جواز التصرّف؟ ولم يثبت من رواية محمد بن إسماعيل الولاية، وأما الولاية على الصغير نفسه كجعله أجيراً ونحوه، فليس محلّ الكلام أصلاً، وإنما الكلام في الولاية على أموال الصغير، ولم يثبت ذلك.

[الاستدلال برواية إسماعيل بن سعد]

رواية أخرى عن إسماعيل بن سعد، رواها في (الكافي)(1) بسياق واحد، وفي 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 66- 67، كتاب الوصايا، باب من مات على غير وصيّةٍ وله وارثٌ صغيرٌ…، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 (الوسائل) في أبواب عقد البيع(1) باب 16 وفي الوصية(2) باب 88.

ففي باب 16قال: “سألت الرضا عن رجل مات بغير وصيّة، وترك أولاداً ذكراناً وغلماناً صغاراً، وترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم. وعن الرجل يموت بغير وصية، وله ولد صغار وكبار، أيحلّ شراء شيء من خدمه ومتاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك؟ 

فإن تولّاه قاضٍ قد تراضوا به ولم يستأمره الخليفة، أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس، إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك“.

وفي باب 88: ذكر النصّ السابق إلى قوله “قال: نعم“.

وعن الرجل يصحب الرجل في سفر، فيحدث به حدث الموت، ولا يدرك الوصيّة. كيف يصنع بمتاعه وله أولاد صغار وكبار؟ أيجوز أن يدفع متاعه ودوابّه إلى ولده الأكابر أو إلى القاضي؟ وإن كان في بلدة ليس فيها قاضٍ كيف يصنع؟ وإن كان دفع المتاع إلى الكبار ولم يعلم، فذهب فلم يقدر على ردّه كيف يصنع؟ قال: “إذا أدرك الصغار وطلبوا، فلم يجد بدّاً من إخراجه، إلّا أن يكون بأمر السلطان“. الحديث.

ومحلّ الشاهد قوله: (وعن الرجل يموت بغير وصية)، فإن قوله: (أيحلّ 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 9: 239، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 20، ووسائل الشيعة 17: 363، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 16، الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة 19: 423، كتاب الوصايا، الباب 88، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

شراء شيء من خدمه ومتاعه)، ليس ناظراً إلى أن كلّ من يريد أن يبيع هل يجوز له؟ بل مراده السؤال عن أنها هل هي قابلة للبيع أو لا؟ أما التولّي للبيع فليس له نظر إليه ولا إطلاق له.

وقوله: (من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك)، كأنّه في نظره أنه لو تولّى القاضي ذلك فلا مانع.

وأحد الاحتمالين في المراد هو أن يكون القاضي هو البائع، والضمير في قوله: (أيطيب الشراء منه؟) عائد إليه. ويكون حاصل الجواب أنه جائز بشرطين: 

أحدهما: أن يوافق الورثة الكبار على البيع.

الثاني: أن يقوم به عدل. وفيه احتمالان: أن يكون البيع صادراً من العدل، وأن يكون ناظراً على بيع القاضي.

وبناءً على ما فرض في هذا الاحتمال من صدور البيع من القاضي يكون العدل ناظراً. وقوله: “فلا بأس به” يعود إلى بيع القاضي.

وبناءً على ذلك لا نستطيع أن نفهم أنه بدون القاضي يستطيع العدل أن يبيع؛ لأنه جعل له النظر.

الاحتمال الآخر: أن القاضي كان من العامة، وكأنّه يريد أن يقول: إن الورثة الكبار يكونون راضين، والعدل يقوم بالبيع من جهة الصغار. وبذلك يقوم العدل بالمعاملة. وحيث إن المسألة والجواب كلّيان فيمكن على ذلك استفادة القاعدة العامة.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فنحن لا نستفيد النصب من هذه الرواية، أما الولاية على الصغير فليس محلّ الكلام أصلاً، وأما بالنسبة إلى الولاية على أمواله فلا يستفاد منها أكثر من الجواز، يعني جواز التصرّف لكلّ عدل في أموال الصغير بالبيع والشراء. ومقتضى الإطلاق شموله لغير الضرورة والحسبيات عقلاً وشرعاً أيضاً.

نعم، هناك احتمال كالذي قلناه في الرواية السابقة، وهو أن يكون الإمام في مقام بيان الحكم الشرعي، وأن الشارع أجاز العدل لذلك، فيكون حاله في جواز التصرّف كالأب والجدّ، فمع وجود العدل لا موضع لعمل الفقيه والحاكم.

والاحتمال الآخر: أنه إجازة من الإمام، وقلنا: إن ظهور كلام الإمام في أنه بيان للحكم الشرعي، إنما هو في غير أمثال هذا المورد الذي يكون للإمام الولاية على الأمر.

فهذه الرواية تفرق عن تلك الرواية في أنها ذكرت العادل، وهناك قال: “مثلك ومثل عبد الحميد“، ولعلّها تفسّرها. وفي أنها هنا لا يحتمل فيها القضيّة الشخصية، بل متعيّنة في الكلّية بخلافها هناك. فإنه محتمل فيها الشخصية.

وتشترك في هذا المعنى وهو: أن إجازة الإمام هل تبقى بعد موته أو لا؟ وهو أمر يحتاج إلى تتبّع عدد من الموارد يطول بنا المقام باستقرائها.

إذن فلا تستفاد الولاية بل مجرد جواز التصرّف أو إذن الإمام به.

[الاستدلال برواية سماعة]

(الوصية، باب 88): عن زرعة، عن سماعة، قال: “سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصيّة، وله خدم ومماليك وعقد، كيف يصنع 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس(1).

في تلك الروايات كان الكلام عن البيع والاشتراء، وهنا في تمييز الأموال المشتركة، وهو أيضاً يحتاج إلى الولاية والإجازة، فهل هي إجازة أو حكم شرعي؟ فإذا كانت إجازة خاصّة أو عامة، فإنها لا تنافي إجازة العدل، إذ لا تنافي أنه أجاز العدل وأجاز الثقة. 

وأما إذا كانت حكماً شرعياً، فيقع الكلام في أن الميزان هل هو العدالة أو الوثاقة أو كلّ منها مستقلّاً؟

فهذه هي الروايات التي عندنا. 

[الاستدلال برواية علي بن رئاب]

والشيخ(2) تمسّك برواية علي بن رئاب، والنائيني(3) قال: يستفاد من رواية علي بن رئاب ورواية زرعة الوثاقة، ومن رواية محمد بن إسماعيل ورواية إسماعيل بن سعد العدالة.

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 67، كتاب الوصايا، باب من مات على غير وصيّةٍ وله وارثٌ صغيرٌ…، الحديث 3، مَن لا يحضره الفقيه 4: 218، كتاب الوصيّة، باب فيمن لم يوصِ وله ورثةٌ، الحديث 5511، تهذيب الأحكام 9: 392، كتاب الفرائض والمواريث، الباب 46، الحديث 7، ووسائل الشيعة 19: 422، كتاب الوصايا، الباب 88، الحديث 2.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 566، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين.

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 329-330، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

مع أن رواية(1) علي بن رئاب لا ربط لها بمحلّ كلامنا أصلاً، فإنه قال: “سألت أبا الحسن موسى عن رجل بيني وبينه قرابة، مات وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك له وغلماناً وجواري ولم يوصِ، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أم ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ فقال: إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم، ونظر لهم، وكان مأجوراً فيهم. قلت: فما ترى فيمن يشتري منه الجارية فيتّخذها أم ولد؟ قال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم. فليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم(2).

فإنه يقول: (إذا كان له ولي فليعمل ذلك)، ولا يستفاد منها تصرّف عدول المؤمنين بأيّ وجه، غاية الأمر أنه يستفاد منها أنه لا والد له ولا وصيّة، ولكن يحتمل أن يكون الجدّ أو الفقيه موجوداً، ولا تصل النوبة إلى عدول المؤمنين.

ثُمّ إنه على فرض كونه حكماً شرعياً، فهل المعتبر الوثاقة أو العدالة أو العمل على طبق مصلحة الصغير؟

إذا أحرزنا بحسب الأدلّة أن جواز تصرّف العادل أو الثقة، حكم إلهي شرعي، فلا شكّ أنه موجود دائماً كذلك، وإذا أحرزنا أنه حكم سلطاني من 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() نفس الباب من الوسائل. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 208، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 4: 218، كتاب الوصيّة، باب فيمن لم يوصِ وله ورثةٌ، الحديث 5512، تهذيب الأحكام 9: 239، كتاب الوصايا، الباب 20، الحديث 21، ووسائل الشيعة 17: 362، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 15، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

قبل الإمام، وبنينا على أن إجازة الإمام باقية بقوّتها بعد وفاته، وكذلك لو تردّدنا بين الأمرين، إذ نعلم بجواز التصرّف في الجملة. وأما إذا أحرزنا أنه حكم سلطاني وشككنا ببقائه بعد وفاته، فيستصحب الحكم الثابت على عنوان العدل أو الثقة، فيثبت بقاء الجواز؛ لأننا نشكّ أن الإجازة هل هي من قبيل الواسطة في الثبوت أو الواسطة في العروض؟ وبعبارة أخرى: إنها هل تدور مدار وجود الإمام بقاءً كما تدور مداره حدوثاً أو لا(1)؟

وأما إذا لم نحرز أنه حكم شرعي إلهي أو حكم سلطاني، فيقع محلّ إشكال في صورتين: 

أحداهما: ما إن كان حكماً إلهياً نعلم ببقائه أو حكماً سلطانياً نعلم بانتفائه، وحيث إننا مردّدون بين الأمرين فنحن شاكّون في البقاء. فهل يدخل هذا في استصحاب القسم الثاني المردّد بين القصير والطويل، إذا كان الأثر ترتيباً على الجامع أولا؟ أو لا يمكن جريان الاستصحاب هنا ولو أمكن جريانه في الأحكام؟

فإننا قلنا: إن الجامع بين حكمين ليس حكماً شرعياً، بل هو مفهوم انتزاعي، وليس أن عندنا ثلاثة أحكام شرعية، وجوب الصوم ووجوب الصلاة والجامع بينهما. فلو أجرينا الاستصحاب من القسم الثاني للكلّي في 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() أقول: يكون هذا استصحاباً مع الشكّ في المقتضي، فيكون جريانه متوقفاً على البناء على كبرى جريان الاستصحاب مع الشكّ في المقتضي. وهو خلاف مشهور المتأخّرين، انتهى. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الموضوعات -كما هو الصحيح- وكان للجامع أثر فإنه يثبت به الحكم.

أما في الأحكام فيثبت بالاستصحاب الجامع بين الحكمين، وهو ليس حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي.

ومع غضّ النظر عن ذلك هناك خصوصية أخرى وهي أن أحد الحكمين شرعي والآخر سلطاني، والجامع بين هذين الحكمين ليس شرعياً ولا سلطانياً، كما أن الجامع بين الحكمين الشرعيين ليس حكماً شرعياً، ولا الجامع بين الحكمين السلطانيين حكماً سلطانياً. إذن فلا يجري استصحاب القسم الثاني من الكلّي.

وأما إذا كنّا نعلم بوجوده على تقدير كونه شرعياً، ونشكّ في بقائه على تقدير كونه سلطانياً، فالعلم متعلّق بالجامع، وهو ليس حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي(1).

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() أقول: قد يورد على ذلك إيرادان:

أحدهما: ما ذكره بعض الإخوان للسيد وحاصله: أن المكلف يعلم بوجود جواز جزئي للتصرّف بالنسبة إليه، ويشكّ في بقائه؛ فيستصحبه.

وحاصل ما ذكره السيد في الجواب: أن هذا إنما يتمّ في الجزئي الحقيقي، كهذا السقف الذي كنّا نعلم ببقائه، والآن نشكّ أن عماده إن كان خشباً فقد أنهار، وإن كان حديداً فهو باقٍ؛ فنستصحب. وأما في أمثال المقام فليس جزئياً، فإن الجواز الناشئ من الشارع غير الجواز الناشئ من الإمام، حاله في ذلك حال الماء الذي أعلم أني كنت يجوز لي التصرّف فيه إما شرعاً؛ لأنه من الأنهار الكبيرة، أو مالكياً؛ لأن مالكه أذن لي، والآن أشكّ في بقاء الجواز؛ لأنه إن كان شرعياً فهو باقٍ، وإن كان مالكياً فقد سحب المالك إجازته، فإنه في مثل ذلك لا يثبت بالاستصحاب إلّا الجامع، وهو ليس حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي.

الإيراد الثاني: أنه يمكن أن يستصحب إذن الإمام على تقدير وجوده، بناءً على نفي كون اليقين ركناً للاستصحاب، ويكون أثره تنجيز الجواز على المكلّف على كلّ تقدير، فإنه على تقدير كونه شرعياً فهو باقٍ وجداناً، وعلى تقدير كونه سلطانياً فهو باقٍ تعبّداً، إلّا أن هذا متوقّف على تلك الكبرى، وهي خلاف مشهور المتأخّرين. انتهى. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

واستصحاب الفرد المردّد بين هذا وهذا، بأن يقال: كان الفرد المردّد متيقّناً، والآن مشكوكاً، أيضاً لا وجه له؛ لأنه إنما يمكن استصحاب الفرد المردّد لو تعلّق الشكّ بالفرد والمردّد الذي تعلّق به اليقين. كما لو علمت أنه إما زيد وإما عمرو في الدار، ثُمّ شككت في أنه إما زيد وإما عمرو في الدار، فقد تعلق الشكّ بما تعلّق به اليقين.

وأما هنا فلم يتعلّق الشكّ بالفرد المردّد؛ لأنه في الواقع إما باقٍ جزماً وإما مشكوك البقاء.

على أن هناك إشكالات في أصل الفرد المردّد.

إذن، فإذا لم نستطع أن نثبت بقاء الحكم السلطاني بعد وفاة الإمام، فليس لنا دليل على أن العادل أو الثقة جائز التصرّف في أموال الصغير.

[هل يجوز الاكتفاء بالوثاقة في المقام] 

 الكلام الآخر: أنه في رواية إسماعيل بن سعد اعتبرت العدالة، وفي موثّقة سماعة اعتبرت الوثاقة، فمرّة نقول: إنه لعلّ العدالة معتبرة في باب المعاملات، 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وفي باب التقسيم يكفي الوثاقة، كما احتملوه، وأخرى نجرّد الموردين عن الخصوصية، ونعمّم الحكم إلى كلّ التصرّفات، فيتكلّم حينئذٍ في أن الوثاقة والعدالة بمعنى واحد كما قيل، أو أن الميزان هو العدالة، ولا بُدّ من تقييد دليل الوثاقة، أو الميزان هو الوثاقة، وإنما اعتبرت العدالة باعتبار كونها مؤدّية ومستلزمة للوثاقة.

أو الميزان ليس شيئاً منهما، بل المدار هو المطابقة مع مصلحة الصغير، كما ربما تدلّ عليه صحيحة علي بن رئاب، فكأنّ هذه الرواية تؤسّس أساس الهرج والمرج، وإن كلّ من يتصرّف في مال الطفل على طبق مصلحته، فإنه يجوز له ذلك، سواء كان فاسقاً أو عادلاً، بل سواء كان الأب موجوداً أو لم يكن موجوداً.

فهل العدالة والوثاقة أمر واحد؟ كما قالوا(1): إن الثقة في اصطلاح علم الرجال: العدل الإمامي، وقالوا: إنه في الروايات كذلك، وعلماء الرجال صرّحوا باصطلاحهم. وأما في الروايات فلم نفهم وجهه، فإن مثل قوله: “العمري وابنه ثقتان(2) مع كونهما عدلين إماميين، لا يعيّن كون الوثاقة بمعنى العدالة.

ــــــــــ[139]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 565، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، فوائد الأُصول 3: 189، المقام الثاني، المبحث الثالث، المقام الأوّل، الفصل الرابع، الهامش 2، وغيرهما.

(2) الكافي 1: 330، كتاب الحجّة، باب في تسمية من رآه، الحديث 1، ووسائل الشيعة 27: 138، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

أو يقال: إن الثقة مطلقاً هو الثقة في كلّ الأمور، فالثقة في أصول الدين هو الإمامي، والثقة في فروع الدين عادل، بخلاف ما إذا قلنا: إنه ثقة في ماله أو ثقة في كلامه، إلّا أن هذا خلاف بناء العقلاء من توخّي الثقة في الأموال بالخصوص من دون نظر إلى مذهبه.

وأما أن العدالة أخذت لأجل الوثاقة، فهو يحتاج إلى دليل يبرّر رفع اليد عن العنوان المأخوذ في لسان الدليل.

إذن نبقى نحن والشرطيتين: (إذا قام عدل) و(إذا قام ثقة فلا بأس). ويأتي فيهما ما يذكر في الأصول في أمثال هاتين الشرطيتين.

العجيب من المرحوم النائيني أنه يقول(1): إن التعارض بينهما متوقّف على القول بمفهوم اللقب، فإنه في المقام ليس هو مفهوم الوصف؛ لأن العدل ليس معتمداً على موصوف، وإنما هو لقب، واللقب لا مفهوم له، إلّا أنه -في الحقيقة- من مفهوم الشرط؛ لتوفّر الشرط في كِلتا القضيتين. فيرجع الكلام في وجه التعارض بين هاتين القضيتين ووجه الجمع بينهما، وقد بيّنا في الأصول: أن التعارض هو بين المنطوقين على كلّ المباني في مفهوم الشرط، وعلى المبنى الحقّ لا علاج له، ويرجع إلى الأصول العملية.

ومعه يكون مقتضى القاعدة اعتبار كِلا القيدين، إلّا إذا قيل بأن الوثاقة أعمّ فتقيّد بالعدالة، وأما إذا كان بينهما عموم من وجه -ولو في مرحلة 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشيته على كتاب المكاسب 2: 407، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، ولاية عدول المؤمنين.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الإثبات، باعتبار أن حسن الظاهر دليل على العدالة مع إمكان أن لا يكون لنا أيّ ظنّ بوثاقته-. فيعود حينئذٍ الكلام الأصولي.

*****

رواية إسماعيل بن سعيد تختلف عن رواية سماعة في التعبير، فهل هما من قبيل مفهوم الشرط، أو أحدهما كذلك؟ وعلى كِلا التقديرين ماذا ينبغي أن يقال؟!

أما رواية سماعة فلا إشكال أنها من مفهوم الشرط، فإنه قال: “إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس“. وأما في رواية إسماعيل فقد قال: “إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع، فلا بأس، إذا رضي الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك“. و(إذا) –على ما في كلام بعض أهل الأدب- ظرف للمستقبل يتضمّن الشرط، ومعه لا يفرّق بين الروايتين في مفهوم الشرط.

وإذا لم يثبت ذلك فإنه يعرف التعليق من القرينة، فإن رضا الورثة دخيل لا محالة، والمراد مجرّد المقارنة، وتعقيبه بقيام العدل يدلّ على تعليقه عليه، فالظاهر أن رواية إسماعيل بن سعد لها مفهوم الشرط، لكنّنا نتكلّم على كِلا التقديرين.

وما سنقوله إنما هو بغضّ النظر عن النظر إلى السند وإعمال مرجّحات التعارض، فإنه حينئذٍ يكون الظاهر الآخذ برواية سعد؛ لكونها صحيحة، والميزان الأخذ بالأعدل والأورع، وكونها معتضدة بالشهرة.

إلّا أنه من حيث الدلالة، هل هناك معارضة بين الروايتين، أو لا معارضة بينهما، على تقدير انتفاء المفهوم لرواية إسماعيل بن سعد التي أخذت عنوان العدل؟

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

هناك ظهوران في هذه الرواية: 

أحدهما: ظهور العنوان في كونه هو الموضوع، وليس مشيراً إلى شيء آخر، 

وثانيهما: أنه تمام الموضوع لا جزء الموضوع، ونحو هذين الظهورين ثابت للوثاقة المأخوذة في موثقة سماعة.

فيتنقّح عندنا موضوعان مستقلّان لجواز التصرّف، ولا معارضة بينهما لولا المفهوم، كالجاري والكرّ بالنسبة إلى الحكم بالاعتصام، فإن كلّاً منهما ظاهر بأنه تمام الموضوع ولا نزاع بينهما إذا لم يكن مفهوم.

في الانحصار بناءً على فهم المفهوم، بمعنى أن الموضوع منحصر بالوثاقة، وليس غيره موضوعاً ولا جزء الموضوع، فيقع التعارض بين الروايتين في أخذ عنوان العدالة حيث تدلّ أحداهما على كونها تمام الموضوع والأخرى أنها ليست بموضوع ولا جزأه أصلاً.

وعلاج هذا التعارض يختلف باختلاف المباني في المفهوم، وكلّها غير صحيحة، والمفهوم أصلاً غير موجود لكنّنا نتكلّم على المباني.

فمِن قائل: إن أداة الشرط موضوعة للعلّية المنحصرة أو منصرفة إليها، وهو نحو من الظهور اللفظي أيضاً، وأما في جانب رواية إسماعيل فهو ليس ظهوراً لفظياً، بل ظهور الفعل أن عنوان العدالة تمام الموضوع، فإن قلنا بأن الظهورات اللفظية مقدّمة على الظهورات الحالية، فإن اللفظية لها لسان ينفي الظهورات الحالية، دون العكس فنستكشف أن العدل إنما اختلّ من باب الوثاقة وأن الوثاقة تمام الموضوع.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وأما إذا لم نقل بتقدم الظهور الوضعي على الظهور الحالي، وإنما هما ظهوران متكافئان، فيكون ظهور العدالة بكونها تمام الموضوع معارضاً مع ظهور الموثّقة بالانحصار، فيتعارض هذان الظهوران ويتساقطان، وتسقط دلالة الموثقّة على الانحصار ودخالة العدالة في الموضوع.

وأما أخذ الثقة في الموضوع فيبقى بدون معارض، فإنه لا تعارض بين دخالة هذا العنوان ودخالة ذاك في نفسهما، لو لم يكن مفهوماً ودالّاً على الانحصار، وإنما نقول حينئذٍ بأن كِلاهما تمام الموضوع، وما يقال بأن المؤثّر حينئذٍ هو لقدر الجامع؛ لأن الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، كما قال الآخوند(1)، وقرّبه الشيخ محمد حسين الأصفهاني(2)، فهو لا يتمّ في الفقه، لكون الباب ليس من باب العلّية والمعلولية، بل من باب الحكم والموضوع، وإنما كان التعارض بين ظهور الموثّقة بالانحصار وظهور الأخرى بدخالة العدالة، فإن الانحصار ينفي دخلها. فمع عدم الترجيح -على الفرض- يتساقطان، وتبقى دلالة الموثّقة على دخالة الثقة وكونها تمام الموضوع بلا معارض، فينتج نفس النتيجة السابقة.

وأما إذا قلنا إن المفهوم ليس ظهوراً وضعياً، بل دلالة إطلاقية، إما في طرف الشرط أو الجزاء، فإطلاق الحكم له اقتضاءان -لا أن هنا إطلاقين- هما: ظهوره بالاستقلالية، وأنه لا شريك له بل هو تمام الموضوع، وظهوره 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) اُنظر: كفاية الأُصول: 201-203، المقصد الثالث، الأمر الثاني.

(2) اُنظر: نهاية الدراية 1: 613، المقصد الثالث، مفهوم الشرط.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

بالانحصار وأنه لا عدل له. وحينئذٍ فظهور رواية إسماعيل ظهور الفعل في أن العدالة تمام الموضوع، وفي الموثّقة إطلاق ثابت لولا التقييد، فيأتي الكلام في أن ظهور العدالة في الموضوعية هل هو مقدّم على إطلاق المفهوم ويكون بياناً له، ومعه لا يكون للموثّقة مفهوم ولا دلالة على الانحصار، وينتج أن يكون كِلا العنوانين تمام الموضوع بلا معارضة؟

نعم، يبقى الكلام في أنه إذا سقط الإطلاق فهل يمكن المحافظة على الإطلاق الحيثي؟ يعني: أن اقتضاء الإطلاق من حيث الانحصار يكون ساقطاً بالمعارضة، واقتضاؤه من حيث الموضوعية يكون محفوظاً -بعد فرض كونه إطلاقاً واحداً-، فإن الاقتضاء الثاني لا يعارض اقتضاء العدالة للموضوعية.

فإن قلنا بإمكان ذلك فهو، وإلّا قلنا إنه إطلاق واحد، وسقط الإطلاق؛ فإنه يسقط بكلّ اقتضاءاته فحينئذٍ يكون الميزان هو العدالة.

فمن قال بأنهما بما أنه ليس لأحدهما مفهوم فلا معارضة بينهما، غير تامّ، وإنما يتمّ إذا لم يكن لكِليهما مفهوم.

وأما إذا كان لكِليهما مفهوم، فإن قلنا بأن لهما ظهوراً لفظياً بالانحصار، فيقع التعارض بين المنطوقين بالملازمة، فيسقط الانحصار بالتعارض، ومعه لا نأخذ بأقرب المجازات وهي العلّة التامّة كما قيل، وإنما ينتهي الأمر إلى الأصول العملية، وأما إذا كان الظهور بالمفهوم ظهوراً إطلاقياً، فله كلام آخر طويل محوّل إلى علم الأصول.

فالنتيجة: هي أننا الآن لا نستطيع أن نثبت الحكم بجواز تصرّف الثقة أو 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

العدل؛ لأن الاحتمال الأرجح أن يكون إجازة، والاستصحاب لم يتمّ، فلا يتمّ باب التصرّف في أموال الصغار، ولا يبقى سوى مسألة الحسبيات.

[النسبة بين أدلة ولاية الفقيه وأدلة ولاية العدول] 

ثُمّ إنه يقع الكلام في أنه لو تمّت دلالة هذه الروايات فما هي نسبتها إلى أدلّة ولاية الفقيه؟

*****

كلّ الروايات التي عندنا مقتصرة على التصرّف في مال الصغير وتشترك
-على اختلاف مواردها- في هذه الجهة، فهل نستطيع أن نتوسّع من هذه الروايات في مال الصغير إلى التصرّف في نفس الصغير، إما بنحو جواز التصرّف أو الولاية -لو قلنا بها-، أو نتوسّع من مال الصغير إلى المجنون بماله ونفسه، أو نتوسّع إلى كلّ قاصر بنحو من أنحاء التصوّر حتى الغائب، أو يُقتصر على مورده ولا نتعدّاه؟

الاحتمالات التي قلناها: 

أحدها: أنها إجازة من ولي الأمر مجعولة بهذا الإنشاء نفسه.

ثانيها: أنها تكشف عن إجازة سابقة من ولي الأمر.

ثالثها: أنها تكشف عن حكم شرعي سابق بالجواز.

رابعها: أن تكون ولاية بأحد الأنحاء الثلاثة.

ولم نستطع أن نعيّن شيئاً من هذه الاحتمالات.

فإن كان بهذا الإنشاء يريد إنشاء الإجازة، فهل يمكن أن نقول: أن هذا 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الإنشاء الفعلي المأخوذ فيه عنواناً معيّناً وهو البيع والشراء والتقسيم، هل نستطيع أن نقول أنه حين ينشئ على عنوان أعمّ؟ أو إنما نقول بإلغاء الخصوصية، حين نكشف حكماً إلهياً ينشئ على عنوان؛ فيفهم العقلاء من كلام السائل والجواب كونه ليس بمراد، وإنما المراد هو الأعمّ منه؟ فمثلاً حين يقول: (أصاب ثوبي دم رعاف)، نفهم من الأوّل أن نظره ليس إلى الرعاف ولا إلى ثوبه، وإنما السؤال والجواب منصبّان على ملاقي الدم. وليس أن الحكم وارد على موضوع، ونحن نريد إسراءه إلى موضوع آخر؛ ليكون من القياس المحرّم.

وأما إذا أراد المنشئ كالواقف أن يجعل الإنشاء على ولده الأكبر، فلا نستطيع أن نقول: إنه وارد على عنوان أعمّ، وذكر من باب المثال، فإن هذا يحتاج إلى قرينة ولا يفهم من الكلام. فإذا أراد الإمام إنشاء إجازة التصرّف على مال الصغير، فإن قلنا: إنه إنشاء على معنى أعمّ احتاج ذلك إلى قرينة مفقودة. غاية الأمر أن نفهم أن هذا الإنشاء ليس على البيع وحده، بل على مطلق التصرّفات في مال الصغير، أو جواز التصرّف في نفس الصغير وغير الصغير من القاصرين فلا. وأما إذا كشف عن إجازة سابقة أو حكم إلهي سابق، فهو وإن كان ببعض المراتب، من حيث إمكان التجريد عن الخصوصية، إلّا أنه مع ذلك لا يمكن تعميمه أكثر من ذلك.

فلو كانت حدود تصرّف الثقة والعدل إنما هو في أموال الصغير، فهل بين أدلّة جواز تصرّفه وبين أدلّة جواز التصرّف تنافٍ وتعارض أو لا؟

أدلّة ولاية الفقيه لسانها مختلف، فبعضها يستفاد منها أن الفقيه ولي الأمر 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

دون أن نفهم منها القصر والحصر، كقوله: “العلماء أمناء الرسل(1).

ومنها: ما كان بلسان الأمر كالتوقيع الشريف: (ارجعوا في الأمور الحادثة…). 

وبعضها نفهم منه الحصر والقصر، ولا يبعد أن يكون منه قوله: “مجاري الأمور بيد العلماء بالله(2)، يعني: دون غيرهم. ومثل لسان: “-خليفتي أو- العلماء ورثة الأنبياء(3).

بتقريب: أنه كما كان النبي في حياته التصرّفات منوطة به بنحو منحصر، وليس لغيره التصرّف. فهناك بالنسبة إليه معنى إثباتي ومعنى سلبي يجمعها كونه ولياً منحصراً، فإن قال لشخص معين: إنه خليفتي، فيكون مِثْله في كلّ الأمور.

وأما بالنسبة إلى ولاية الفقهاء الشاملة لجماعة من الناس، فنفهم من ذلك أنه ليس بهذه التوسعة، فإن الفقيه ولي في كلّ الأمور التي تكفّلها النبي إلّا على الفقيه الآخر. فيتضمّن الدليل نفي ولاية غير الفقهاء وإن كانوا مؤمنين عدولاً، إذن هناك ثلاث طوائف من الروايات بهذا الصدد. 

أما الطائفة الأولى: التي يستفاد منها ولاية الفقيه، من دون حصر، فإثبات الولاية للعادل لا ينافيه؛ لأنه لا ينفي الولاية عن غيره.

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وأما الطائفة الثانية: التي فيها الأمر، فإن قلتم بدلالة الأمر بالدلالة اللفظية الوضعية أو الانصراف على التعيينية، فيكون الدليل على التخيير معارضياً له، فهو أمر بالرجوع إلى الفقيه معيّناً وليس مخيّراً، فإن دلّ دليل على جواز الرجوع إلى غيره فيكون مفاده معارضاً معه. 

وأما إذا كانت دلالة الأمر على التعيينية بالإطلاق كما يقول الآخوند(1) وغيره(2)، وقلنا: إنه غير معقول، أو بالنحو الذي قلناه من أن دلالته على التعيينية والنفسية والعينية باعتبار الاحتجاجات العقلائية، فإذا خالف المكلّف محتجّاً باحتمال الغيرية أو العِدل أو الكفائية، لم يكن معذوراً. وليس ذلك بدلالة لفظية، وإنما أقول: ليس بدلالة لفظية فباعتبار كونه شاملاً للإشارة أيضاً، كما لو أشار المولى لعبده أن يأتي، فإنه لا مجال له للاعتذار بالكفائية أو العدل، مع أن ذلك ليس لأن الإشارة تدلّ بنحو من أنحاء الدلالة على العينية أو التعيينية، إلّا أنها حجّة عند العقلاء على ذلك.

وعلى أيّ حال، فإن اقتضى ذلك الإطلاق أو الاحتجاج العقلائي، فالمعارضة صورية مرتفعة، فإن ظهور الإطلاق أو الحجّية موقوف على عدم بيان الخلاف، فيرتفع عند صدوره من المولى لا محالة، بأن قال: (لك أن ترجع إلى غير الفقيه)، ولا يكون الباب باب الإطلاق والاحتجاج. وعلى هذا فلا إشكال.

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) اُنظر: كفاية الأُصول: 76، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث السادس.

(2) اُنظر: نهاية الدراية 1: 249، المقصد الأوّل، نهاية النهاية 1: 110-111، المقصد الأوّل، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وأما: إذا فهمنا الحصر، كما في قوله: “مجاري الأمور بيد العلماء” أو “خلفائي… ” أو “…ورثة الأنبياء“، فإذا دلّ دليل على أن العدل المؤمن جائز التصرّف، أو ولي في نفسٍ ما الفقيه ولي فيه، فإن كان لنا دليل ظاهر في ذلك، فإنه لا يبعد أن نقدّم ظهوره، ونقول: إنه حصر إضافي.

لكن كأنّ هذا لا موضوع له؛ لأن النسبة بين الدليلين إنما هي العموم والخصوص المطلق، فإن التصرّف إنما هو في مال الصغير، بل لو عمّمنا تصرّفه إلى كلّ القاصرين، فإن الفقيه ولي كلّ الأمور، فهذا ليس فيه معارضة، والجمع بينهما عقلائي، فما قالوه من أن النسبة بينهما هي العموم من وجه، وتكلّموا حوله كثيراً، لا وجه له، ويكون حاله(1) حال ولاية الأب والجدّ الذي يقيّد دليل ولاية الفقيه، فإنه مطلق قابل للتقييد، غاية الأمر أن التقييد تارةً يكون لأصل الولاية كالأب، وأخرى لانحصارها مع انحفاظ أصل الولاية، كالعدل الثقة.

يبقى الكلام في باب المزاحمات في أنه هل يجوز للثقة أن يزاحم الثقة الآخر فيما له التصرّف فيه، أو مزاحمة الفقيه للعدل، أو العكس؟

[في مزاحمة الفقيه للفقيه الآخر] 

ينبغي(2) أن يكون البحث في الكبرى، وهو أنه هل يجوز للفقيه مزاحمة 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() يعني الثقة العدل. (المقرِّر).

(2) ألقى محاضرة [المحاضرة التي سبقت هذه المحاضرة] لم أوفّق إلى حضورها، فلعلّي أستطيع الحصول عليها من بعض الإخوان، وظهر من السيد في المحاضرة الآتية أنه كان الكلام في مزاحمة الفقيه للفقيه الآخر، وقد ذكر أمثلة لذلك. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الآخرين؟ دون الصغرى وهو أنه هل هذه مزاحمة أو لا؟ وبالنسبة إلى الفقيه لا إشكال ثبوتاً من مزاحمته، بخلاف النبي الذي لا يمكن مزاحمته، والمهمّ إثباته بالدليل. والكلام يقع في إمكان وجود الإطلاق ثبوتاً(1).

قلنا: إنه لا بُدّ أن نمحّص الكلام في الكبرى، والمسألة الفقهية هي أن التزاحم جائز أو لا. والشيخ وإن ذكر هذا في المقدّمات، ولكنّه ينتهي بعد سرد الأمثلة إلى أنه لا يجوز له.

بناءً عليه إذا تصرّف الفقيه تصرّفاً لا يكون مفنياً للموضوع، بل بقي لغيره مجال للتصرّف، كما لو أخذ أحدهم الأخماس ولم يوزّعها، بحيث بقي لغيره مجال للتصرّف، بأن يوزّعها فقيه آخر، فيبقى مجال لتوهّم أن كِلا الفقيهين على حدّ سواء، فهل في الأدلّة إطلاق أو لا؟

محصّل الكلام كان هو: أنه إذا تعلّق أمر بطبيعة، فمقتضى حالات هذه الطبيعة أن كلّ أحوالها لا تختلف، ليس باعتبار أن الجاعل ناظر إلى القيود والأحوال، بل باعتبار تجرّده عن القيود الدالّ على أن ما ذكره هو تمام الموضوع بلا قيد.

لكن المزاحمة ليست بين الطبائع نفسها، ولا بين الأحكام المجعولة، ولا بين طبيعة وفرد من الطبيعة الأخرى، بل بين الأفراد في الوجود الخارجي، ففي مثال الصلاة وإنقاذ الغريق لا تزاحم بين الطبيعتين، ولا بين الأمرين، ولا بين الأمر بطبيعته وهذا الفرد، إذا وجد أحدهما دون الآخر، وإنما المزاحمة بين هذا الفرد وهذا الفرد، من حيث عجز المكلّف عن الجمع بينهما.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() نقل عن بعض الإخوان. قال: والباقي كرّره بعد ذلك. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإذا كان الأمر كذلك، فالأوامر كلّها متعلّقة بنفس الطبيعة، والخصوصيات الفردية والمصداقية ليست مورداً للحكم حتى في مثل: (كلّ فقيه كذا)، فإن الحكم واردٌ على عنوان (كلّ فقيه)، وهو وإن كان شاملاً للأفراد، لكنّ خصوصية الفرد غير مأخوذة بصفته ابن زيد، بل بما أنه فقيه، أي: بما هو مصداق ذاتي للطبيعة، والألفاظ موضوعة للطبيعة بلا شرط ولا قيد، فالأفراد متّحدة مع الطبيعة في الخارج، ولا يمكن للخصوصيات الفردية أن تنتج وضع حكم أو رفعه، إلّا بقرينة زائدة.

ففيما هو عالم الجعل ليس هناك مزاحمة، وكذلك إذا وجد أحدهما دون الآخر، وإنما تقع المزاحمة بالعرض في الخارج، فيُرجّح الأهمّ عقلاً، ولا يمكن أن تسري المزاحمة إلى الطبيعة، أو أن يكون لها دخل في ذلك، فعالم الطبيعة ليس فيه تزاحم، وما فيه التزاحم هو عالم الأفراد، وأنت تريد أن تسري الإطلاق إلى عالم المزاحمة وهو عالم الأفراد، وهو مستلزم لملاحظة الأفراد في الجعل، وهو لا يعقل.

فلو قال المولى: (الفقهاء خلفائي) أو (أولياء الأمور)، وإطلاقه المستفاد من عدم بيان المتعلّق يقتضي أن تكون ولايته كولاية النبي، فهذا الجعل ليس فيه تزاحم، وكذلك إذا تصدّى أحد الفقهاء للعمل دون الآخر، وإنما التزاحم يكون في الخارج بقيام الفقيهين بعملين متنافيين، كما لو جعل فقيه متولّياً للوقف، وجعل فقيه آخر غيره مستقلّاً أو منظمّاً إليه، فهذا التزاحم لا يكون إلّا في مقام الوجود.

وهذا العام وإن كان عاماً استغراقياً -وليس كما قالوا: إن الحكم وارد فيه على نفس الطبيعة، وإن كلّهم أيدي رسول الله، ولا فرق بين أن يعمل 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

العمل بهذه اليد أو بهذه اليد أو بهذه اليد- فإنه لوحظ بنحو العموم الاستغراقي المنحلّ على الأفراد، فلو حلّلته إلى قضايا: (أن هذا الفقيه يجوز له التصرّف، وهذا الفقيه يجوز له التصرّف)، فإنه لا يحصل التزاحم بين الجعلين، وإنما يحصل في الوجود الخارجي عند إيجاد الفقيهين عملين متنافيين، فما تريد تتميم الإطلاق بلحاظه وهو الطبيعة لا يمكنه أن ينقّح الخصوصيات الفردية فضلاً عن خصوصيات أخرى، فإذا كان عالم المزاحمة خارجاً عن عالم الإطلاق، فكيف ننقّح به الحكم؟ فإن هذا في جعلين لا يمكن أن يكون فضلاً عن الجعل الواحد كما في المقام، فهل يمكن جعل الحكم وتكفّله بيان مورد التزاحم؟!

*****

كان الكلام إلى الآن في إمكان الإطلاق، فإن تنزّلنا عن ذلك وقلنا: إن ما قلناه كلام عقلي غير عرفي، والأدلّة يمكن أن يكون لها إطلاق، فهل الإطلاق موجود أو لا؟

مرّة نفهم من الأدلّة كقوله: “خلفائي” أو “ورثة الأنبياء” أو “أمناء الرسل” قضية انحلالية، وأن كلّ فقيه ولي على غيره بما فيهم الفقهاء، بحيث يكون كلّ فقيه ولي ومولّى عليه، وهذا الضرورة بخلافه، ولا يمكن إثباته بالأدلّة، وإنما نريد إثبات ولايته في أموال الصغار ونحوهم، فيكون ذلك نظير التمسّك بإطلاق فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ(1) أو فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ(2) 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) الأنعام: 118.

(2) المائدة: 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

في جواز التصرّف بمال الغير، أو حلّية لحم الخنزير.

وفي الحقيقة أن هذه أحكام على جهات من حيثٍ لا مطلقاً فقوله: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ يريد به أن الكلب المُعلَّم يجوز ذبحه [يجوز تناول ما يصطاده]، ويكون مذكّى في مقابل الميتة، وأما أنه حلال فعلياً أو لا، بحيث يكون له تعرّض للتصرّف بمال الغير، فلا.

ونحن يجب أن نفرض -لا كما فرض الشيخ(1) في أوّل كلامه، بل كما فرض في آخره- باب مزاحمة فقيه لفقيه آخر، فمرّة تقول: إن إطلاق الولاية يشمل ولاية فقيه على فقيه آخر، فهذا الذي قامت الضرورة على خلافه. وأخرى تريد استناد الإطلاق للدليل الدالّ على حفظ مال الصغير إطلاقه لموارد أخرى كجواز أخذ هذا المال من أرض الغير، إلّا أن هذا غير تامّ، فإن الدليل وإن فرض مطلقاً لكلّ تصرّف صالح من قبل الفقيه، وذلك لأن جواز التصرّف في هذا المال حكم حيثي على موضوعه، يعني من حيث كونه مال الصغير، أو من حيث كونه وقفاً، وهذا لا يشمل جواز الغصب أو جواز التصرّف في أعمال ولي آخر، فلو كان الإطلاق ممكناً فهو حيثي، فإن يد الفقيه الآخر يد حقّ؛ لأنه سلطان، فكيف يجوز للآخر مزاحمته؟

جهة أخرى من أدلّة عموم الولاية -بالنحو الذي قلناه-: أننا استفدنا منها: أن كلّ ما كان للنبي فهو للفقيه، إلّا ما دلّ الدليل على خلافه، ومن ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 570، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، مزاحمة فقيهٍ لفقيهٍ آخر.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

جملة الأمور الثابتة لرسول الله هو عدم جواز مزاحمة أحدٌ له حتى خلفائه وفقهائه، وعدم نفوذ تصرّفهم وضعاً، وكذلك حال كلّ إمام حال إمامته، حتى بالنسبة إلى من سيصبح إماماً بعده والفقهاء من أمّته، ونحن نريد إثبات ذلك للفقهاء بدليل الولاية فنقول: (كلّ فقيه خليفة ووارث للرسول)، فكلّ ما كان ثابتاً له ثابت للفقيه، ما عدا ما خرج بالدليل، ومما كان ثابتاً للنبي أنه لا يجوز لأحد مزاحمته ولو كان فقيهاً؛ فيثبت ذلك للفقيه أيضاً، وليس أن المجعول هو خلافة واحدة على المجموع، بل انحلالي، لكلّ فرد ولاية، ومن هنا كان اللفظ جمعاً.

وعندنا مقابل ذلك قضيّة أخرى كانت ثابتة لرسول الله وهي جواز مزاحمته مع كلّ أحد، وهذا يصل بالوراثة ما لم يدلّ دليل على خلافه.

فإذا أوصلنا كلِتا هاتين القضيتين بالوراثة كان ذلك متناقضاً، فإما أن نقول: إنه ليس شيء من هذين موروثاً؛ للتناقض وعدم الترجيح، فتكون أدلّة النيابة قاصرة عن صورة المزاحمة، إثباتاً ونفياً، ولا بُدّ من الرجوع إلى الأصول.

أو نقول: بأننا نأخذ بما هو راجح عقلائياً، وهو عدم المزاحمة؛ لأننا لا نتصوّر أن النبي يريد أن يتزاحم الفقهاء، ويختلّ النظام، فإن كلّ فقيه له رأي وعمل، وعدم المزاحمة هو الحال بين العقلاء، فإن كلّ مأمور ليس له أن يتصرّف في أعمال المأمور الآخر وما تحت يده، وإنما يرجع إلى السلطان الأصلي، فنفهم أنهم وارثون للنبي في حدود عدم التزاحم، فلو جعل فقيه ولياً أو وصياً أو حاكماً على أمر لم يكن لغيره عزله، ويثبت ذلك بالأدلّة الشرعية 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

للولاية، لا أنه يثبت بالأصل كما قيل، فينتج أن كلّ فقيه لا يمكنه أن يزاحمه أحد حتى الفقهاء، وهذا أمر موروث عن النبي. نعم، بعض الأمور التي لا يمكن إثباتها عقلاً أو شرعاً تكون غير ثابتة، فإن النبي لم يكن لأحد مزاحمته حتى أمير المؤمنين، وهذا الإطلاق لا يمكن إثباته للفقيه، فإن ولي الكلّ يستطيع أن يزاحمه.

فهذا يوافق عليه العقل والعقلاء، بخلاف مزاحمة كلّ أحد لكلّ أحد، فإنه مما لا يوافق العقل ولا العقلاء.

ولا بُدّ أن نرى أننا لو شككنا فما هو مقتضى الأصل(1)؟

ــــــــــ[155]ــــــــــ

() قلت له: أنه قد يوفّق فقيه إلى أن يصبح رئيساً للدولة الإسلامية، فيكون مقتضى القاعدة هو أنه يجوز له مزاحمة غيره من الفقهاء، ولا يجوز لهم مزاحمته.

فأجاب: حينئذٍ يجب عليهم، وهذا خارج عن محلّ الكلام.

أقول: خروجه عن محلّ الكلام في غاية الغرابة، فإن ولاية الفقيه ليس لها معنى إلّا ذلك، كما صرّح به السيد في أوّل المبحث، وعلى أيّ حال فما يمكن أن يقال وجهان:

الوجه الأول: أن ما كان ثابتاً للنبيمن عدم جواز مزاحمته، وأنه يجوز له أن يزاحم الآخرين، لم يكن له بصفته نبياً أو معصوماً أو يتلقّى الوحي ونحو ذلك، ولا بصفته فرداً من المسلمين، ولا بصفته ولياً اعتيادياً أيّاً كان -كما هو مقتضى كلام السيد-، بل بصفته رئيساً للدولة لا محالة، وهذا هو مسلك العقلاء في رؤسائهم وأمرائهم، مؤيّداً بكون رئيس الدولة واحداً دائماً، وليس في مرتبته شخص مماثل؛ ليكون له أن يزاحمه
-وقد ذُكر ذلك للسيد فلم يجب عليه-.

فإذا ثبـت هذا الوصف للنبي بصفته رئيساً للدولة، ثبت ذلك لكلّ رئيس دولة تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ــــــــــ[156]ــــــــــ

للحقّ، وهذا واضح.

ومعه لا يتمّ البرهان الذي ذكره السيد؛ إذ لا يكون للفقيه أيّ هاتين الصفتين إذا لم يكن رئيساً.

ويبقى بعد هذا إشكالان:

أولهما: أنه لا بُدّ من قيام الدليل على أن تلك الخصوصيات لم تثبت للنبي بصفته ولياً فحسب، وإن تجرّد عن معنى الرئاسة. وهذا واضح جداً؛ إذ بالنسبة إلى النبينجد تلك الخصوصيات ثابتة له بصفته ولياً ورئيساً، فيحتاج من يريد التجريد عن خصوصية الرئاسة إلى إقامة القرينة على ذلك، وهي غير موجود، أما بالنسبة إلى غير الرئيس من الأولياء -لو استعرضنا أحكامهم الشرعية- كالأب والجدّ للأب والوصيّ، ومتولّي الوقف ونحوهم من الأولياء، فقد نجد جملة من الموارد يجوز للغير التدخل في شؤونهم، كتدخّل الأب والجدّ في شؤون بعضهما البعض، وتدخّل الحاكم الشرعي في شؤون الوصيّ أحياناً وهكذا إلى حدّ لا نستطيع استنتاج كبرى عدم المزاحمة منه.

ثانيهما: أنه قد يقال: إن هذه الصفة تابعة للحكم الجعلي، سواء كان فعلياً أو لم يكن، فيكون من له هذه الصفة هو من جعلت له الولاية، سواء كان مبسوط اليد ورئيساً فعلياً أو لم يكن، ومن المعلوم بعد تتميم عموم الولاية من الأدلّة الاجتهادية، أن كلّ فقيه قد جعلت له الولاية فتثبت له هذه الصفة.

إلّا أن هذا غير تامّ:

أوّلاً: أنه لم يُجعل كلّ فقيه رئيساً بل جُعل ولياً -بالمعنى الشامل للرئاسة وغيرها- للاستحالة العقلائية بل العقلية من تولّي رئيسين فأكثر لشؤون الأمّة، وحيث خصصنا= تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ــــــــــ[157]ــــــــــ

=تلك الصفة بعنوان الرئيس، فإنها لا تكون ثابتة لمطلق الولي بما فيه الفقيه كما هو واضح.

ثانياً: أن هذه الصفة تثبت عقلائياً لفعلية الرئاسة لا لمرتبة جعلها، ونقصد بالفعلية: التولّي الفعلي لشؤون الأمّة، ومن هنا نرى أن الطامعين بالرئاسة أو من يرى لنفسه الحقّ فيها، لا يتّخذ لنفسه هذه الصفة ما لم يصبح رئيساً فعلاً، والأدلّة محمولة على مذاق العقلاء لا محالة، فتكون هذه الصفة خاصّة بالفقيه إذا أصبح رئيساً فعلياً للدولة الحقّة، وليس في حياة النبي ما ينافيه فإنه كان رئيساً فعلياً. فتأمّل.

الوجه الثاني: وهو الذي يستفاد من عبارة السيد المجملة في جواب سؤالي، وحاصله: أن نعترف أن النبي كانت له تلك الصفة بصفته ولياً لا بصفته رئيساً، أو نعترف أن هذه الصفة تلحق الرئيس التشريعي سواء كان فعلياً أو لم يكن كما في الأئمة. ومن هنا يكون مقتضى الأدلّة الاجتهادية -لأوّل وهلة- هو عدم جواز مزاحمة الرئيس لغيره من الفقهاء، وعدم وجوب إطاعتهم إيّاه.

وحينئذٍ فيدّعى التقييد في صورة الرئاسة بأحد وجوه:

الأوّل: أن المصلحة الإسلامية العليا تقتضي وحدة الأمر والنهي والاجتهاد والقانون في الأمّة، بنحو يمتّ إلى أصل كيان الدولة وبيضة الإسلام بصلة، بحيث يكون ذلك مهدّداً بالخطر عند عدمه، ولا يكون حفظ الوحدة إلّا بإنفاذ رأي الرئيس وتصرّفاته وحكومتها على تصرّفات غيره وإن كان فقيهاً. 

الثاني: أن السيرة العقلائية القطعية قائمة بأن كلّ رئيس في الدنيا على مدى التاريخ يعترف له العقلاء بهذه الصفة. وحيث تُحمل الأدلّة على مذاق العقلاء، أو بعبارة أخرى تدخل المسألة في كبرى ما إذا وجد دليل شرعي، وكان في مورده سيرة عقلائية أوسع منه أو أضيق، يكتسب ظهوراً في كونه إشارة إلى تلك السيرة، ومعه تثبت هذه الصفة للرئيس، تقريرات، كتاب البيع، ج9  

كان لدينا ثلاثة تقريبات لعدم المزاحمة بين الفقيهين: 

أولها: عدم الإطلاق أصلاً.

ثانيها: أنه لو وجد الإطلاق فهو حيثي.

وثالثها: وجود الدليل الاجتهادي على عدم المزاحمة، ووصول النوبة إلى الأصول العملية، منحصر على الوجه الأوّل.

أما على الوجه الثاني فلئن كان الإطلاق لم يثبت الولاية فلا يكون الأصل العملي أحسن حالاً منه.

وأما على الثالث فواضح فجريان الأصول العملية مبتنية على الوجه الأوّل. 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

وتكون هذه السيرة مقيّدة لإطلاق الأدلّة الاجتهادية لو وجد في مقابل السيرة.

الثالث: أن السيرة في العصور الإسلامية كان دائماً على ذلك، ولم يحتمل أحد في أيّ مذهب من مذاهب الإسلام خلافه، وهو اتّصاف رئيس الدولة بهذه الصفة وحكومة رأيه وتقديم أعماله على غيره أياً كان شأنه، بما في ذلك النبي والخلفاء الذين بعده، بل كان ذلك مرتبطاً بشؤون الخلافة ارتكازاً ارتباطاً وثيقاً، وفي غاية الوضوح، ومعه تكون هذه السيرة مقيّدة لإطلاقات الأدلّة الاجتهادية.

وأما حمل هذه الأدلّة على هذه السيرة، فهو مما يعمّمه لكلّ فقيه إلّا أن يحمل على الرئاسة الفعلية كما لا يبعد.

وعلى أيّ حال فتقديم رأي الفقيه إذا أصبح رئيساً، وجواز مزاحمته للفقهاء الآخرين، بمقدار من الوضوح والضرورة، ولعلّه يندرج في قول السيد: إن الولي المطلق له أن يزاحم الفقيه. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [مقتضى الأصل عند الشك في المقام] 

وينبغي أن نغضّ النظر عن الوجهين الآخرين، ونفرض أننا شاكّون في وجود الولاية في صورة ما إذا تكفّل المطلب شخص فهل للآخر الولاية أو لا؟ فإن الدليل الاجتهادي وإن لم يدلّ عليها إلّا أن احتمالها موجود.

هنا مرّة يكون الفقيه الثاني لم يصل إلى درجة الاجتهاد قبل تكفّل الفقيه الأوّل للأمر، وإنما أصبح مجتهداً بعده، فقبله كان عامياً ولم يكن ولياً، وبعده أصبح موضوعاً لأدلّة الولاية، والفرض أن هذه الأدلّة لا إطلاق لها، فهذا الفقيه لم يكن قبل التكفّل ولياً؛ لأنه لم يكن مجتهداً، وبعد التكفل يشكّ في ولايته، فهذا العنوان ثابت له حال الشكّ، وقبل التكفّل لم يكن هذا العنوان صادقاً عليه جزماً، فلا بُدّ من استثناء هذه الصورة من حمل الكلام، وهو فرض نادر.

وأما في الصورة الاعتيادية، وهو ما إذا كان عدد من الفقهاء في نفس الوقت، فتكفّل أحدهم أمراً، ونشكّ أن ولاية الآخر ثابتة على هذا المورد أو لا.

فهنا مرّة نستفيد من الأدلّة الاجتهادية أن الولاية غير مقيّدة، وذلك كما في البيع، فإن ماهيّته هو نقل المال ليس إلّا، مجرّداً عن التقييد بزمانٍ وعن الإطلاق لبقائه إلى الزمان الثاني، فإذا شككنا في تأثير الفسخ فنستصحب بقاء البيع على احتمال، أو بقاء المال على ملك صاحبه على وجه، أو عدم تأثير الفسخ على وجه غير صحيح؛ لأن الملكية غير مغياة بالفسخ.

فيقال في الولاية: إنها مجعولة بلا قيد، غاية الأمر نحتمل أن تصرّف الثاني 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

قاطع لولاية الأوّل، ومعه نشكّ في وجود القاطع أو المسقط لولاية الأوّل، فنستصحب هذه الولاية، ونرتّب عليها سائر آثارها الشرعية.

وأخرى يتردّد الأمر بنحو آخر، وذلك: بين كون الولاية مطلقة أو مغياة من أوّل الأمر، كما لو كان المولى قد قال: (السلطان ولي من لا ولي له)، فولايته محدودة بأن لا يتكفّل الآخرون للمطلب، وعلى تقدير إطلاقها فهي باقية جزماً لفرض عدم احتمال المسقط لها -بعد غضّ النظر عن الوجه الأول-، وعلى التقدير الثاني فحتماً هي زائلة.

وثالثة: يتردّد الأمر بالنحو السابق، مع احتمال المسقط أيضاً على تقدير إطلاقها، فيدور الأمر بين إطلاقها وتقييدها وسقوطهما.

وفي هذين الموردين لم يتعلّق اليقين والشكّ بالشخص، وإنما يكون من قبيل القسم الثاني من الكلّي كمثال البقّة والفيل، على كِلا التقديرين، أما على التقدير الأول -هو صورة الشكّ الثانية- فواضح، وأما على الأخير فلدوران الأمر بين الإطلاق من دون مسقط ولا غاية، وعلى هذا التقدير فهو باقٍ، وبين عدم هذا الإطلاق إما للمسقط أو للغاية.

والكلام هنا هو الكلام في كبرى المسألة، ويوجد بعض الكلام الخاصّ بالمسألة، وهو أن الولاية بلا قيد في مقابل المغياة، تارةً تكون بنحو السلب التحصيلي، وهذا لا يكون قسماً بل مقسماً، وبالجعل يكون قسماً، فمرّة يكون غير مغيّى وأخرى يكون مغيّى بغاية، ونحن مردّدون بين هذين القسمين بعد إحراز الجامع وهو أصل الولاية.

ــــــــــ[]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فيقع الكلام في الإشكال الذي قلناه، وهو أن الجامع هل هو حكم شرعي، أو موضوع ذو أثر، أو لا؟ ويأتي ما قلناه من أن الحكم الشرعي هو ما جعله الشارع، وما هو المتيقّن عندنا هو الجامع وهو غير مجعول، وما هو المجعول غير متيقّن، فإن الأمر مردّد بين قسمي هذا الجامع: المقيّد والمطلق، وليس أحدهما معلوماً، فلو قلنا: (هذا كان قبل التصرّف ولياً، والآن هو ولي)، يأتي عليه هذا الإشكال.

ولو أغمضنا النظر عنه، لا يأتي عليه إشكال آخر وهو أن استصحاب الطبيعة لا يثبت به على الجعل المطلق، وذلك بأن نثبت عدم جامع الولاية بضمّ التعبّد إلى الوجدان، باستصحاب عدم الإطلاق ووجدانية الانتفاء على تقدير التقييد، إلّا أن الاستصحاب الثاني للفرد لا يثبت نفي الجامع إلّا بنحو مثبت. فهنا نستصحب الجامع، ولا يكون استصحاب عدم المطلق مؤثّراً(1).

هذا كلّه في مزاحمة فقيه لفقيه، تبقى الصور الأخرى للمزاحمة نتعرّض لها إن شاء الله تعالى.

هناك جهة أخرى لم تذكر في هذا الباب، وهي ما إذا كان الفقيه وارداً في مقدّمات العمل -دون نفس العمل- كما لو شرع في مقاولات البيع أو التوكيل له، فهل للفقيه الآخر أن يبادر فيعمل العمل، بمعنى أنه يبيع؟ وإذا أرسل فقيه 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() أقول: كأنّ مراده الإشكال بوقوع المعارضة بين استصحاب وجود الولاية وبين استصحاب عدم المطلق. ونفيه باعتبار عدم جريان الثاني فيجري الأول بلا معارض. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

رسولاً لجمع الزكوات إلى بلد فبقي هناك أياماً، فهل يجوز للآخر أن يجبي الزكاة أم لا؟ ونحوه في الخراج وغيره.

الشيخ يقول(1): لا يستطيع. ولكنّه ذكر وجهاً ردّه الأعلام(2)، ولا وجه له، فإنه يقول: إننا إذا استندنا في المسألة على أدلّة النيابة، فلا تمكن المزاحمة حتى في المقدّمات؛ لأن الفقيه بمنزلة الإمام، والمزاحمة مع الإمام غير جائزة(3).

وقال الآخوند(4) وغيره(5) في جوابه: إنه لا دليل على عدم جواز مزاحمة إمام مع إمام، والمفروض أن كِلا الفقيهين بمنزلة الإمام.

والأدلّة التي اعتمدنا عليها في ولاية الفقيه كرواية الفقيه: “اللهم 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 570-572، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، مزاحمة فقيهٍ لفقيهٍ آخر.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 97، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 417، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، ولاية عدول المؤمنين، هل يجوز مزاحمة فقيهٍ لفقيهٍ آخر؟

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 570-572، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، مزاحمة فقيهٍ لفقيهٍ آخر.

(4) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 97، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، القول في العقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين.

(5) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 417، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، ولاية عدول المؤمنين، هل يجوز مزاحمة فقيهٍ لفقيهٍ آخر؟

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

خلفائي”(1)، أو صحيحة: “العلماء ورثة الأنبياء(2)، أو مقبولة ابن حنظلة: “جعلته حاكماً(3) أو التوقيع: “فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله(4)، أو رواية (تحف العقول): “مجاري الأمور بيد العلماء بالله(5)، لم يكن لسانها لسان التنزيل وإن هذا هو ذاك. 

فإنه فرق بين هذا التنزيل وبين أن يقول: (خليفة)، غاية الأمر أن كلّ ما هو ثابت للإمام ثابت لخليفته، واعتبار ورثة الأنبياء منافٍ مع اعتبار الوحدة، وإن قالوا: إن الوارث قائم مقام المورّث ومُنزَل منزلته، إلّا أنه لم يدلّ دليل على ذلك إن لم يكن قد دلّ على خلافه، فإن فرض الوراثة منافٍ لفرض الوحدة، إذ مع الوحدة لا معنى للوراثة، فكما أن الإمام الذي هو حجّة الله لم يعتبر هو الله عزّ وجلّ!! كذلك الفقيه لم يعتبر هو الإمام، حتى قوله: “علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل(6) فإنه جعله مثلهم لا عينهم ولو اعتباراً.

فليس أن الفقيه إذا زاحم مع فقيه آخر، فقد زاحم الإمام، بل من باب مزاحمة خليفة الإمام مع خليفة الإمام.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

(3) تقدّم تخريجها آنفاً.

(4) تقدّم تخريجها آنفاً.

(5) تقدّم تخريجها آنفاً.

(6) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

لكنّنا إذا قلنا -وهو مما لا شكّ فيه-: إن الإمام له أن يبعث شخصاً لجمع الزكوات، فهذا بنفسه ينتقل إلى خليفته، غاية الأمر أنه ينتقل إلى أمير المؤمنين بشخصه وإلى الفقيه بعنوانه ونوعه، فكما أن النبي لو عيّن في حياته عدّة خلفاء أو قضاة، فإنهم لا يستطيعون مزاحمته، ويثبت لهم من صلاحيات الحاكمية والسلطان ما كان ثابتاً له، فكذلك الفقيه، فلهذا نقول: بعدم إمكان المزاحمة حتى في مقدّمات العمل، فهذا وإن لم يكن مزاحمة بالدقّة العقلية، إلّا أنه أمر ثابت للنبي فينتقل إلى الآخرين(1)(2).

ومن هذا الكلام يتّضح الأمر في المطالب الآتية:

[في منازعة الفقيه لغيره]

فالفقيه يستطيع أن يزاحم غير الفقيه؛ لأننا في العدل ليس عندنا كونه خليفة رسول الله، غاية الأمر أنها إجازة في التصرّف، فإن كانت إجازة 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() قال بعض الإخوان: إن دليل السيد في منع المزاحمة في المقدّمات هو عين دليله في منعها في نفس العمل، وهو التمسّك بإطلاق دليل الخلافة بالنسبة الى عدم جواز مزاحمة أحدٍ للنبي، دون جواز مزاحمته لغيره كما سبق، وعلى ذلك يكون ما كتبناه ناقصاً إلّا بهذه التكملة، ولكنّي فعلاً لا أتذكر عن السيد إقامته لهذا الدليل في المقدّمات. (المقرِّر).

(2) أقول: لم يتّضح الوجه في إنتاج هذا الدليل بعد أن لم يدلّ دليل على عدم جواز تصرّف الشخص في ما تحت يد الآخر، إذا كان كِلاهما منصوبين في حياته، بل هو أوّل الكلام، وأما عدم جواز مزاحمتهم له فلا يثبت المطلوب كما هو واضح، انتهى. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ولايتيّة من ولي الأمر، فالفقيه يستطيع أن يزاحمه، لأنه كما أن النبي يستطيع أن يعزل منصوبه كذلك الفقيه يستطيع أن يعزله، كما لو عيّن النبي قائد الجيش أو سرية فيكون لأمير المؤمنين بعده أن يعزله، فكلّ ما كان للنبي فهو ثابت للفقيه، بدليل الخلافة والوراثة.

نعم، إذا كان جواز تصرّف العدل حكماً إلهياً، يعني أن الشارع المقدّس جعل العدل ناظراً إلى الأيتام. فكما أن الأب والجدّ ولي على أولاده من قبل الله تعالى، وليس لأحد أن يتصرّف فيما أسند إليه، حتى النبي، فإن الأحكام الإلهية ليست مسائل حكومية، إلّا إذا اقتضت المصالح الثانوية الاجتماعية خلافه، فثبت للنبي الحكم بخلافها، فكذلك الفقيه، كما في التنباك الذي حرّمه المرزا الشيرازي تحريماً حكومتياً، ولم يكن قوله ذلك فتوى، ولم يكن له أن يفتي، وإنما حرّمه للمصالح التي شخّصها في وقته، وأما غيرها من الأحكام كالولاية على الصغير فلا يمكن للنبي ولا لخلفائه الحكم بخلافها أو مزاحمتها، ومعه لا يمكن -بناءً على ذلك- للفقيه مزاحمة العدل.

وحيث لم نعلم نحن أيّاً من الوجهين في جواز تصرّف العدل، فلا مزاحم لإطلاق دليل الولاية، إذا كان الباب باب التقييد، وأما إذا كان دليل الولاية قاصراً حيث لم يكن الدليل قادراً على الشمول لِما ليس حكماً حكومتياً، فإذا لم نكن نعلم أن المورد حكم حكومتي أو إلهي، فيكون شبهة مصداقية، والأمر في المقام كذلك، فإنه إن كان جواز تصرّف العدل حكماً إلهياً فهو خارج عن أمور السلطنة، وإن كان منصباً وولايةً كان مندرجاً ضمنها، فتكون الشبهة مصداقية، وكذلك قوله: “مجاري الأمور بيد العلماء“، فإنها تتعرّض للأمور 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الحكومية والقضائية دون الأحكام الشرعية، إذن فلا يمكن تتميم هذا المطلب بهذا الدليل.

نعم، نفس الأمر الثابت للنبي ولأمير المؤمنين من الجهات السياسية للمسلمين مما يتعرّضون بدونها إلى الخطر، يكون للنبي أن يتصرّف في أموال المسلمين وأنفسهم في تحقيق ذلك، وكذلك يثبت للفقيه.

وأما مزاحمة العادل للعادل، كما لو أراد عادل أن يبيع فباع عادل آخر فلا مانع منه. نعم، لا يجوز له أن يتصرّف في ما أخذه عادل آخر، لكن يجوز له أن يبيعه، فيكون ذلك المال للغير، ويجب على الأوّل تسليمه إلى المشتري.

هذا في المزاحمة.

[تصرف غير الفقيه والعدل في مال اليتيم] 

وهناك مطلب آخر طويل الذيل، أشار إليه الشيخ في باب مراعاة المصلحة(1)، ولم أجد مَن بحث هذا المطلب، وهو أن الروايات والآيات الخاصّة بمال اليتيم، نرى أنه لكلّ أحد أن يتصرّف بأموال اليتيم لمجرّد كونه مطابقاً لمصلحته(2)، وليس لا بُدّ أن يقوم به العادل أو الفقيه، بحيث يكون دليل (لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال الغير)(3) ساقطاً؟! وإنما جعل العدل والفقيه 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 279-280، كتاب البيع، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، في وجوب مراعاة الأصلح وعدمه، في التصرّف في مال اليتيم.

(2) وإن كان فاسقاً. (المقرِّر).

(3) إشارة إلى نص الرواية: “لا يحلّ لمؤمنٍ مال أخيه إلَّا عن طيب نفسٍ منه” تحف العقول: 34، خطبته في حجّة الوداع، عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 113، المسلك الرابع، الحديث 309، مع فارقٍ يسيرٍ، ووسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلّي، الباب 3، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

طريقاً لإحراز الصلاح، فلو كان كافراً فله التصرّف مع إحراز المصلحة، بل يكون ذلك حتى مع وجود الجدّ، بناء على ما هو الصحيح من صدق اليتيم حتى مع وجوده.

هل في مال اليتيم خصوصية بحيث إن كلّ فرد يتصرّف فيه على وجه الصلاح، وإنه خارج عن القواعد العامة والكلّية أو لا؟

هناك مسألة في مفهوم الشرط وقع فيها خلاف بين الشيخ محمد تقي صاحب (الحاشية) (1) والشيخ الأعظم(2)، في قوله: “إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء“، هل مفهومه إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجّسه كلّ شيء، أو ينجسه شيء في الجملة؟ 

الشيخ الأعظم قائل بالتفصيل، حيث يرى أن الحكم إذا كان وارداً على عنوان الشيء، فيثبت العنوان بنحو الموجبة الجزئية، فيقال: إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجّسه شيء في الجملة، وأما إذا كان هذا الشيء عنواناً لِما يكون منجّساً في نفسه كالبول والدم، فيكون المراد: إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه الدم والبول، فيكون مفهومه: إذا لم يبلغ ينجّسه الدم وينجّسه البول وهكذا. ثُمّ يقول: 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) راجع هداية المسترشدين 2: 445- 446، تنبيهات مفهوم الشرط.

(2) راجع كتاب الطهارة 1: 318، الوجوه الدالّة على نجاسة الغسالة، الوجه الثاني: أدلّة انفعال القليل.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وحيث إن العناوين أخذت مشيرة إلى الواقعيات، فيستفاد من مفهوم هذه الرواية الموجبة الكلّية، وأما صاحب (الحاشية) فيقول: إنه يستفاد منها الموجبة الجزئية، وقد تبعناه على ذلك.

وأجبنا عن قول الشيخ (بأن العناوين أخذت مشيرة إلى الواقعيات)، أنه هل مرادكم أن مدلول هذه العناوين ليس مقصوداً أصلاً، وإنما المقصود هو هذا وهذا؟ فهذا ما لا نقبله في عنوان الشيء، فإن (شيء) و(كلّ) لم تسقط عن العنوانية بالكلّية، وإن أصبحت إشارة إلى العناوين الخارجية، ومعه يستفاد منها المفهوم بنحو الموجبة الجزئية؛ لأنها هي المقابلة للسالبة الكلّية.

ومثل هذا النزاع في مفهوم الشرط يسري في مفهوم الغاية، فلو قال -مثلاً-: (لا ينجّس الماء شيء حتى إذا صار قليلاً)، وأردنا فهم المفهوم منه، يأتي نفس الكلام من أنه عند حصول الغاية ينجّسه كلّ شيء، أو ينجّسه شيء في الجملة، فإنه يقال للنفي الكلّي: الإثبات الجزئي.

وكذلك في مفهوم الاستثناء، كما إذا قال: (لا ينجّس الماء كلّ نجاسة إلّا إذا كان قليلاً). فهل مفاد الاستثناء الإخراج الكلّي أو الجزئي؟ وبعبارة أخرى: إن الاستثناء الذي هو الإخراج من الحكم السابق، هل هو تابع له في الكلّية، أو أنه وارد -في الحقيقة- لنقض عموم المستثنى منه؟ وأما نقضه بنحو العموم فلا. وإن كانت بعض هذه الموارد أوضح من بعض، ومن يستظهر كون المفهوم موجبة جزئية، يستظهره في الجميع، وكذلك من يستظهر كونه موجبة كلّية.

فهل في الأوامر والنواهي هكذا؟ مثلاً لو قال: (إذا كان العالم عادلاً فأكرموه)، هل مفهومه: (إذا لم يكن العالم عادلاً فلا تكرموه)، بحيث يتحول 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الإيجاب إلى تحريم، أو مفهومه (أنه إذا لم يكن العالم عادلاً يجوز إكرامه وعدم إكرامه)، بحيث يثبت حكماً بالجواز، أو مفهومه -في الحقيقة- ليس إلّا نفي الحكم في المنطوق وهو الوجوب؟

ففي قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)، هل نفهم منه أنه إذا كان أحسن فإنه يجب التصرّف في مال اليتيم، وهذا التصرّف واجب على الجميع؟ هذا غير محتمل، فإن النهي وإن كان عاماً حيث يمكن لكلّ الناس أن لا يتصرّفوا، إلّا أن الإيجاب لا يمكن أن يكون كذلك، والاستثناء إنما ينقض العموم الموجود في المستثنى منه، فلا يستفاد منه ذلك، بل غاية ما يستفاد منه هو الجواز لبعض الأفراد، فإنه في أمثال هذه الموارد من المفاهيم نستظهر عدم ثبوت المدلول أكثر من القضية الجزئية الموجبة، فكذلك في المقام، فإن غاية ما يستظهر ارتفاع النهي العمومي، ولا يثبت سوى جواز التصرّف لبعض الأشخاص لا أكثر، ولا أحسب أنه هناك فرقاً بين هذا المورد وغيره مما يوافق عليه العرف جزماً (وهي المفاهيم).

ويعني تصبح المسألة حينئذٍ على نحو الواجب الكفائي، ولا نفهم منها إجازة عامة، وإنما إجازة خاصّة لبعض الأشخاص، كما هو مقتضى القاعدة في الاستثناء، إذن فنحن لا نفهم من الآية جواز التصرّف في مال الأيتام من قبل كلّ فرد، بوجه حسن.

*****

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) الإسراء: 34.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [كلام حول دلالة الاستثناء]

في باب الاستثناء كلام (طلبكَي)(1) كثير، لا بُدّ لنا من أن نرى ما هو نظر العرف فيه.

أما الكلام (الطلبكَي) فهو أن الأمر والنهي أو الحكم الذي يتعلّق بعنوان كلّي، قد استعملت الألفاظ في معاني نفسها بحسب الإرادة الاستعمالية، والاستثناء حين يأتي لا يخرج الألفاظ عن استعمالها في معانيها، ولكن الاستثناء والتخصيص يحكي أن هذا المقدار بحسب الإرادة الجدية خارج، فليس أن الاستثناء يدلّ على أن (العالم) لم يستعمل في معناه، وليس أن الجدّ موافق للاستعمال، بحيث يكون التخصيص كالنسخ. فالتخصيص إخراج عن الإرادة الجدية وليس إخراجاً جدياً، فلولا التخصيص لقلنا -بحسب القواعد العقلائية- أن يكون جدّه موافقاً لاستعماله، وبعد التخصيص لا ينكشف كونه تصرّفاً في الإرادة الجدية، بل ينكشف خطأ فهمنا، ونعرف أن الإرادة الجدية من الأوّل غير موافقة مع الإرادة الاستعمالية.

وهذا مطلب ثابت في تمام وضع القوانين، فإن مبنى المقنّنين على ذلك: أن توضع القواعد العامة أولاً، ثُمّ تذكر الاستثناءات. والكتاب والسنة مليئان من ذلك، وليس حال المقنّن حال المتكلّم حين يذكر شيئاً ويذكر بعد ذلك شيئاً أخصّ منه أو أعمّ، فإنه يقال عنه: إنه تناقض لا تخصيص، ولا فرق في ذلك بين ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: كلام الطلبة (طلبة الحوزة) أي: كلام يتداول في الحوزة العلمية.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

التخصيص المتّصل والمنفصل إلّا باعتبار عدم استقرار الظهور في الأوّل واستقراره في الثاني.

[مفاد الاستثناء في قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)]

فقوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عامّ بحسب الاستعمال لكلّ وجه من القرب، ثُمّ إن الاستثناء يخرج قسماً من هذا الحكم الصوري المقتضي للعموم، لا أن الاستثناء يجعل حكماً في مقام الحكم، فغاية ما نفهم هو أن الخارج بالاستثناء له حكم غير حكم المستثنى منه، أما أن هذا الحكم الآخر ما هو فلا نفهمه من الاستثناء، ولا نفهم منه إلّا قطع الحكم السابق. فالاستثناء إخراج وليس تأسيساً، من غير فرق بين الحكم الوضعي والتكليفي، كما لا فرق بين الحكم التكليفي المجعول بعنوان اسمي والمجعول بعنوان حرفي، كالأمر والنهي.

وقلنا هذا المعنى في بعض الموارد يفهم بوضوح، كالموارد التي أُخذ فيها عنوان في الموضوع، كقوله: (الماء لا ينجّسه شيء إلّا إذا كان قليلاً)، فقد أخرج من الحكم قسماً من الماء، ولولاه لكان يشمل كِلا القسمين، أما أن له حكماً آخر فهو لا يدلّ عليه الكلام، وإنما هو حكم العقل، ففي مثل ذلك يفهمه العرف بوضوح ويوافق عليه، ويرى أن مقابله: أنه إذا لم يكن الماء كرّاً ينجّسه شيء في الجملة لا أنه ينجّسه كلّ شيء.

وفي مثل: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، حيث دلّ ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

المستثنى منه على عدم جواز دخالة أيّ شخص بأيّ نحو من أنحاء القرب، ثُمّ أستثنى الوجه الأحسن وأخرجه عن الحكم العام، وإخراجه ملازم مع أن عدم جواز تصرّف أيّ شخص غير باقٍ على قوّته، وأما إثبات جواز تصرّف الجميع فلا يمكن فهمه من الاستثناء. وبعبارة أخرى: هل الاستثناء هو قطع للعموم، أو إثبات لعموم وحكم جديد؟ مقتضى قواعد الاستثناء هو الأوّل.

فهذه هي صناعة المطلب، والعقلاء يوافقون عليه فيما أُخذ فيه العنوان، فكذلك الحال فيما أُخذ الأمر والنهي ابتداءً، كما في الآية الكريمة، فإن مفاد الاستثناء هو إخراج ما لولاه لدخل، فيكون الخارج هو البعض في الجملة(1).

لو فرضنا استفادة العموم من الآية، فهناك جهة أخرى لا بُدّ من إثباتها، وهي أنه لا بُدّ أن يكون للآية إطلاق ليُفهم أن (الأحسن) هو تمام الموضوع، وأما إذا لم يكن لها إطلاقاً فيُفهم أن وجه الصلاح له دخل في المطلب، وأما أنه تمام الموضوع أو بعضه فلا يُفهم.

ففي الجملة الاستثنائية قد يكون المتكلّم في صدد البيان من ناحيَتي المستثنى 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() قلت له: إن في الآية عموم أفرادي -بلحاظ المخاطبين-، وإطلاق أحوالي -باعتبار وجوه التصرّف-، والاستثناء إخراج الوجه الأحسن من خصوص الإطلاق الأحوالي، ولا تعرّض له إلى العموم الأفرادي بوجه من الوجوه، بل إن هذا العموم محفوظ بنفسه في كِلا طرفي المستثنى والمستثنى منه، ونحتاج في تقييده إلى دليل آخر. 

فكرّر السيد في مقام الجواب مدّعاهُ في الإخراج عن المكلّفين، ولم يأت بشيء جديد، وأنا أجده واضحاً كلّ الوضوح، وقد عرضته على بعض الإخوان فقال: الحقّ معك. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والمستثنى منه، فينعقد الإطلاق في كِليهما وقد يكون المتكلّم في صدد البيان من إحدى الناحيتين، فلا ينعقد الإطلاق إلّا في ذلك الطرف، وقد يوجد مورد يكون الإطلاق في كِلا الموردين غير موجود، أما أنه يكون في مقام البيان في المستثنى منه فقط، فهو كثير في الروايات، كقوله: “لا تأكل إلّا ما ذبح من مذبحه(1)، فهو يريد أن يقول: إن غير المذبوح لا يجوز أكله، وأما أن المذبوح من مذبحه يجوز أكله حتى بدون تسمية أو توجيه إلى القبلة، فليست في مورد بيانه.

ونحوه: (لا بيع إلَّا في ملك)(2) و(لا وقف إلَّا في ملك)(3) و(لا ذبح إلَّا بحديدةٍ)(4). ولذا لا يمكن استفادة الإطلاق من المستثنى، فلا يثبت أن موضوعه هو تمام الموضوع، فما هو الحال في الآية؟

الآية وردت في موضعين من القرآن: 

أحدهما: في سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

() تفسير العيّاشي1: 47، تفسير سورة البقرة، مجمع البيان 1: 269، تفسير سورة البقرة، ووسائل الشيعة 24: 15، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذباح، الباب 5، الحديث 4.

(2) ورد في عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 247: “لا بيع إلَّا فيما تملك“. وأورده عنه كذلك في مستدرك الوسائل 13: 230، فراجع.

(3) كذا أُرسل إرسال المسلّمات في كشف الغطاء 4: 232، وبلغة الفقيه 1: 245، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 77، وغيرها.

(4) ورد “لا ذكاة إلَّا بحديدةٍ” في الكافي 6: 227، وتهذيب الأحكام 9: 51، والاستبصار 4: 80، ووسائل الشيعة 24: 7، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151) وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ(1).

ثانيهما: وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً(31) وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً(32) وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً(33) وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً(2).

فهو في كِلا السياقين يذكر مجموعة من المحرّمات أوّلاً، وغير المحرّمات استطراداً، كقوله: وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً، ويقول من الأول: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ(3)، يعني: أنا في مقام بيان المحرّمات دون ما هو جائز، فيكون المراد: لا تقربوا مال اليتيم بغير الوجه الأحسن، أما التقرب بالوجه الأحسن، فليس في مقام بيانه، فغاية ما يفهم أن الوجه الأحسن له دخل في الموضوع، وأما أنه تمام الموضوع فلا، ونحو قوله تعالى في النفس السياق: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالحَقِّ(4).

ــــــــــ[174]ــــــــــ

(1) الأنعام: 151-152.

(2) الإسراء: 31-34.

(3) الأنعام: 151.

(4) الأنعام: 151.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فما هو في مقام البيان وهو المستثنى منه لا يكفي في مقام إثبات المقصود، وما هو نافع لا إطلاق فيه.

وأما أن نفهم ذلك من مناسبات الحكم والموضوع، بتقريب أن الشارع له عناية باليتيم وأمواله لإيصال النفع إليه، فيكون الصلاح هو تمام الموضوع، فهو غير صحيح؛ لأن زيادة العناية بأموال اليتيم قد تقتضي تعيين أشخاصاً خاصّين للتصرّف فيه، فإن تشخيص وجه الصلاح موكول إلى الناس، فلو كان للآية إطلاق فيمكن للفاسق أن يتصرّف ويدّعي تشخيص الصلاح، بل يحلف عليه -لأنه لا يعرف إلّا منه-، ولا يكون ضامناً؛ لأنه يدّعي أنه محسن. ولو أنكر وصي الأب أو الفقيه تصرّفه عليه، فإنه يجيبهم: أنه لا حقّ لكم بالإنكار؛ لأن الله تعالى قال ذلك؛ فيقع الهرج والمرج في أموال اليتامى.

فالآية لا تدلّ على أن لكلّ شخص أن يتصرّف في أموال اليتيم إذا كان صلاحاً، وأما سائر الكلام عن الآية، كبيان معنى القرب ومعنى الأمر، فيأتي حين يتعرّض له الشيخ.

[في مفاد قوله تعالى (ويسألونك عن اليتامى)]

وأما آية: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَـهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ(1). فينبغي أن يقال إنها أجنبية أصلاً عن المسألة.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) البقرة: 220.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإننا إما أن نلاحظ الآية في نفسها -مع غضّ النظر عن الروايات-، فقوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى، لم تتعرض الآية إلى السائل، فمن الممكن أنهم أولياء اليتامى كالجدّ ووصي الأب، ومعه يختصّ السؤال والجواب بهم.

ثُمّ إنهم يسألون عن اليتامى لا عن أموالهم، والإصلاح لهم يعني حسن تربيتهم وتأديبهم بالآداب الشرعية والعقلائية. وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ يعني: يكونون معكم في بيت واحد، فتحصّل لهم معكم علاقة وخلطة، فسايروهم مسايرة الإخوان شفقة عليهم ورحمة بهم، ولا تعرّض في الآية إلى المال أصلاً.

ولو فرضنا شمولها للأموال، فمن هو الذي يسأل عن الأموال؟ فيها إجمال من هذه الجهة، هل السائل أجنبي أو الأولياء العرفيين أو الشرعيين أو الذين عيّنهم النبي بولايته العامة للإشراف على اليتامى؟ بل نفهم من إِخْوَانُكُمْ عدم جواز التصرّف، فإنه لا يجوز لنا التصرّف في مال أخينا إلّا بإذنه أو بإذن وليّه، هذا لو نظرنا إلى الآية وحدها.

[دلالة الروايات على التصرف بمال اليتيم]

وأما لو قرأنا الروايات فنحن نقرأ بعضها:

(كتاب التجارة باب 102، من أبواب ما يكتسب به): علي بن إبراهيم في (التفسير)(1)، عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله: قال: “لَـمّا نزلت:إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) تفسير القمّي 1: 72، تفسير سورة النساء.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً(1)، أخرج كلّ من كان عنده يتيم وسألوا رسول الله في إخراجهم، فأنزل الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنْ المُصْلِحِ(2). قال: وقال الصادق: لا بأس بأن تخلط طعامك بطعام اليتيم فإن الصغير يوشك أن يأكل كما يأكل الكبير، وأما الكسوة وغيرها فيحسب على كلّ رأس صغير وكبير ما يحتاج إليه (3).

ومن كان عنده يتيم” ليس كلّ أحد كيف كان، بل المظنون أن النبي بولايته وسلطانه قد عيّن لكلّ يتيم ولياً، وليس الأمر هرج ومرج، والقدر المتيقّن من السائلين هم هؤلاء، وكأن المقصود الأساسي هو أن لا يفصلوا بينهم وبين اليتامى ويعزلوا عيشهم وحياتهم، فإنه يحدث فيهم –وهم قد يكونوا مميّزين فاهمين- ضيقاً وضربة روحية، بل عليهم أن يأخذوا قسماً من أموالهم وقسماً من أموال اليتيم ويصرفوا منها على المجموع، وإن صادف أن اليتيم يأكل من أموالهم وبالعكس، كلّ ذلك لمصلحة اليتيم لكي يتربى تربية صحيحة.

ومنها محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني (ضعيفة ظاهراً)، في حديث قال: “قلت: أرأيت قول الله عزّ وجلّ: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ، قال: تخرج من أموالهم قدر ما يكفيهم، وتخرج من مالك قدر ما يكفيك، ثُمّ تنفقه. قلت: أرأيت إن كانوا 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) النساء: 10.

(2) البقرة: 220.

(3) وسائل الشيعة 17: 255، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 73، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يتامى صغاراً وكباراً، وبعضهم أعلى كسوة من بعض، وبعضهم آكل من بعض، ومالهم جميعاً؟ فقال: أما الكسوة فعلى كلّ إنسان منهم ثمن كسوته، وأما الطعام فاجعلوه جميعاً، فإن الصغير يوشك أن يأكل مثل الكبير(1).

وقوله تعالى: وَاللَّـهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنْ المُصْلِحِ يعني: كونوا مصلحين ولا تأكلوا من أموالهم أكثر، بل رجّحوا لهم الكفّة، وأعطوهم الأحسن من طعامكم. وقوله: “فإن الصغير يوشك أن يأكل مثل الكبير“، النكتة هي الاستقرار النفسي، فإنه لو فصل الطعام فإنه يحدث المحذور.

هناك طائفتان من الروايات، راجعة إلى التصرّف في أموال اليتامى، لا بُدّ من قرائتها.

 هل نستطيع أن نستفيد منها أن كلّ من يتصرّف في مال اليتيم بوجه الصلاح يجوز له ذلك أم لا؟ ولسنا في مقام الجمع بينها.

الطائفة الأولى: 

ما يرجع إلى التصرّفات الخارجية(2)

منها: ما رواه محمد بن يعقوب(3)، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() الكافي 5: 130، كتاب المعيشة، باب ما يحلّ لقيّم مال اليتيم منه، الحديث 5، تهذيب الأحكام 6: 341، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 73، ووسائل الشيعة 17: 254، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 73، الحديث 1.

(2) في مقابل التصرفات الاعتبارية المذكورة في الطائفة الثانية (إيضاح). (المقرِّر).

(3) باب 100 من أبواب ما يكتسب به. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

عن علي بن الحكم (الكوفي)، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي (لا يبعد وثاقته؛ فتكون الرواية صحيحة أو حسنة كالصحيح): “إنّا ندخل على أخٍ لنا في بيت أيتام، ومعه خادم لهم، فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم، ويخدمنا خادمهم، وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم، فما ترى في ذلك؟ فقال: إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، وإن كان فيه ضرر فلا…” الحديث(1).

فالسؤال ليس عن أن كلّ من يتصرّف كيف حاله، بل عن البيت الذي فيه أيتام فهل يجوز الجلوس على بساطهم والشرب من مائهم والأكل من طعامهم المختلط بطعام كفيلهم؟ طبقاً للروايات السابقة، فليس أن كلّ مَن يريد أن يأخذ اليتيم إلى بيته له ذلك، بل لذلك ضابط لا محالة، وهو الإذن إما من الأئمة، أو من قضاتهم.

نعم، لو لم يكن لليتيم كفيل لم يمنعوا أحد عن إيوائه وكفالته، فهل يفهم من كلام الإمام جواز التصرّف إذا كان فيه منفعة، وإن لم يأذن الولي؟ أو أن الطفل يكون عند جدّه فنذهب فنتصرّف في ماله؟ وليست الرواية في مقام بيان أن له أن يأخذ الأيتام، بل أخذ ذلك مفروضاً، غايته يستفاد أن الولي كان ولياً عرفياً.

على أن هذا التصرّفات الجزئية -كالدخول في الدار مع وجود الصغار 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 129، كتاب المعيشة، باب أكل مال اليتيم، الحديث 4، تهذيب الأحكام 6: 339، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 68، ووسائل الشيعة 17: 248، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 71، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والجلوس والشرب ونحوه- موجودة دائماً، وأما بيع دار اليتيم فلا يمكن التعميم إليه.

ومنها رواية علي بن المغيرة (ضعيفة)، قال: “قلت لأبي عبد الله: إن لي ابنة أخ يتيمة، فربما أُهدي لها الشيء فآكلها منه، ثُمّ أطعمها بعد ذلك الشيء من مالي، فأقول: يا رب هذا بذا، فقال:لا بأس(1).

واضح أنه لا ربط لها، فإنه ربما أهدي إليها (كاسة) من الحساء فتأكل بعضها، والبعض الآخر يدور أمره بين أن يأكله أو يتلف، فيأكله على وجه الضمان، وهو مطلب عقلائي، كاللقطة التي يقوّمها على نفسه ويأكلها، وهو أمر متعارف ولا ربط له بهذه المسائل، ولا يستفاد منها جواز التصرّف بمال اليتيم أصلاً، ولا يمكن أن تخلّ هذه الرواية بالقواعد العامة.

الطائفة الثانية: 

ما يرجع إلى التصرّفات الاعتبارية:

منها: (في باب 105 من نفس الأبواب) صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله في رجل ولّي مال يتيم أيستقرض منه؟ فقال: “إن علي بن الحسين قد كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره، فلا بأس بذلك(2).

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 129، كتاب المعيشة، باب أكل مال اليتيم، الحديث 5، ووسائل الشيعة 17: 249، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 71، الحديث 2.

(2) الكافي 5: 131، كتاب المعيشة، باب التجارة في مال اليتيم والقرض منه، الحديث 5، تهذيب الأحكام 6: 341، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 74، ووسائل الشيعة 17: 259، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 76، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

هذا عمل الولي، ولو لم يكن ولياً لَما صحّ التشبيه بعلي بن الحسين، فيفهم أن له نحواً من أنحاء الولاية، أما تصرّف الأجنبي فلا يستفاد بلحاظه شيء.

ومنها (الرواية الثالثة) عن محمد بن أبي نصر، قال: “سألت أبا الحسن عن الرجل يكون في يده مال الأيتام فيحتاج إليه، فيمدّ يده فيأخذه وينوي أن يردّه، فقال: لا ينبغي أن يأكل إلّا القصد، ولا يسرف، فإن كان من نيّته أن لا يردّ عليهم فهو بالمنزل الذي قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً”(1).

هذا نظير كفيل الأيتام الذي يسكنون معه، وأين ذلك من دعوى أن كلّ أحد مستقلّ بالتصرّف في مال اليتيم.

ومنها (باب 104 من نفس الأبواب): محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أسباط بن سالم (لم يوثق)، قال: “قلت لأبي عبد الله: كان لي أخ هلك، فأوصى إلى أخٍ أكبر منّي، وأدخلني معه في الوصية، وترك ابناً له صغيراً وله ومال. فيضرب (يعني: يضارب) به أخي فما كان من فضل سلّمه لليتيم وضمن له ماله؟ فقال: إن كان 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 128، كتاب المعيشة، باب أكل مال اليتيم، الحديث 3، وسائل الشيعة 17: 259، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 76، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

لأخيك مال يحيط بمال الميت إن تلف، فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم(1).

يعني إنما يجوز له أن يضارب به إذا كان له مقدار من المال بحيث يخرج من عهدته لو تلف كلّه، فقد أُخذ في جوازه قيدان:

أحدهما: ضمان المال.

الثاني: أن كلّ منفعة تحصل هي لليتيم، فإذا كان الوصي ليس له التصرّف إلّا بذلك فكيف بالأجنبي، وهل يمكن أن يعمّم ذلك لكلّ ذي مال؟ كلا!!

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله في مال اليتيم قال: “العامل به ضامن ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال” وقال: “إن عطب أداه(2)، لا تدلّ على أن كلّ أحد يتصرّف بمال اليتيم، بل خصوص من كان مال اليتيم على يده، وقوله: “في مال اليتيم” يعني: في العمل به، لقرينة كانت في كلام سابق، أو لفظ محذوف، ولذا فهم الإمام منه ذلك(3).

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() الكافي 5: 131، كتاب المعيشة، باب التجارة في مال اليتيم والقرض منه، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 342، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 78، ووسائل الشيعة 17: 257، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 75، الحديث 1.

(2) الكافي 5: 131، كتاب المعيشة، باب التجارة في مال اليتيم والقرض منه، الحديث 2، تهذيب الأحكام 6: 342، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 77، ووسائل 17: 257، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 75، الحديث 2.

(3) وهنا قال أحد الإخوان: إن إطلاق هذه الرواية واضح جداً، فإنه يقول: “العامل في مال اليتيم” وهو مطلق من حيث الولي والأجنبي.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ومنها: رواية ابن أبي عمير، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله قال في رجل عنده مال اليتيم، فقال: “إن كان محتاجاً وليس له مال، فلا يمسّ ماله، وإن هو أتّجر به فالربح لليتيم، وهو ضامن(1).

ومنها: روايات الاتّجار بمال اليتيم في كتاب الزكاة، (أبواب من تجب عليه ومن لا تجب الباب الثاني): 

منها: ما عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي العطارد الخياط (ضعيفة به)، قال: “قلت لأبي عبد الله: مال اليتيم يكون عندي فأتّجر به؟ فقال: إذا حرّكته فعليك زكاته” الحديث(2)

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 131، كتاب المعيشة، باب التجارة في مال اليتيم والقرض منه، الحديث 3، تهذيب الأحكام 6: 342، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 76، ووسائل الشيعة 17: 258، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 75، الحديث 3.

(2) الكافي 3: 541، كتاب الزكاة، باب زكاة مال اليتيم، الحديث 2، تهذيب الأحكام 4: 28، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 9، الاستبصار 2: 29، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 4، ووسائل الشيعة 9: 88، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فقد كان عنده اليتيم بوجه شرعي فيسأل عن التجارة بماله، لا أن كلّ أحد يأخذ مال اليتيم ويتّجر به.

ومنها: ما عن محمد بن عبد الحميد، عن محمد بن الفضيل، قال: “سألت أبا الحسن الرضا عن صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم، هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال: لا يجب في مالهم زكاة. حتى يعمل به فإذا عمل به وجبت الزكاة، فأما إذا كان موقوفاً فلا زكاة عليه(1)، فالمسألة مسألة الزكاة وليس أنه كان المال في يد أخيه بأيّ وجه كان.

ومنها: ما عن إسحاق بن عمار، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله قال: “قلت له: الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتّجر به أيضمنه؟ قال: نعم. قلت: فعليه زكاة؟ فقال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين، الضمان والزكاة(2). وهذا يدلّ على أنه لم يكن ذا مال، وإلّا لم يكن ضامناً.

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 4: 28، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 8، الاستبصار 2: 29، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 3، ووسائل الشيعة 9: 88، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 4.

(2) تهذيب الأحكام 4: 28، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 10، الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 5، ووسائل الشيعة 9: 89، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ومنها: ما عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع، قال: “سُئل أبو عبد الله عن الرجل يكون في يده مال لأخ له يتيم، وهو وصيّه، أيصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم، كما يعمل بمال غيره، والربح بينهما. قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا، إذا كان ناظراً له(1).

فهنا معارضة بين هذه الرواية التي تدلّ على عدم الضمان من الوصي، وبين الرواية السابقة التي دلّت على الضمان حتى منه، ولسنا الآن في مقام الجمع بينهما، ولا تدلّ على المطلوب، بل أعطت إجازة خاصّة في مورد خاصّ.

ومنها: ما عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن منصور الصيقل، قال: “سألت أبا عبد الله عن مال اليتيم يُعمل به؟ قال: فقال: إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح، وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به، فالربح للغلام، وأنت ضامن للمال(2). وهي غير دالّة أيضاً على المطلوب.

إذن فلم نستطع فهم ذلك من الآية الكريمة، ولا من الروايات، وهي 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 4: 29، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 11، الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 6، ووسائل الشيعة 9: 89، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 6.

(2) تهذيب الأحكام 4: 29، كتاب الزكاة، الباب 8، الحديث 12، الاستبصار 2: 30، كتاب الزكاة، الباب 13، الحديث 7، ووسائل الشيعة 9: 89، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

مسألة خارجة عن المطلب، وإنما تعرّضنا لها باعتبار تخيّل أنه يستفاد ذلك من الآية الكريمة، وقد عرفنا ما فيه.

[اشتراط المصلحة وعدمها في غير الأب والجد]

والمسألة التي هي محلّ البحث فعلاً هي: أنه في غير الأب والجدّ اللذين سبق الكلام فيهما، هل يشترط وجود المصلحة، أو يعتبر عدم المفسدة، أو تعتبر الأصلحية؟

هل يعتبر في تصرّفات غير الأب والجدّ كالحاكم والوصي وغيرهما التصرّف على وجه الصلاح أو الأصلح، أو يكفي التصرّف الخالي من المفسدة فيكون نافذاً؟

من المعلوم أن الأصل الأوّلي هو عدم النفوذ، وعدم الولاية، لكنّنا في الفقيه خرجنا بأدلّة الولاية عن عدم النفوذ؛ باعتبار أن ما كان ثابتاً للنبي ثابت للفقيه، وولاية النبي متحقّقة، غاية الأمر ما لم تتحقّق المفسدة، وأما وجود المصلحة فغير مشترطة، إلّا إذا قام الدليل على خلافه، والشيخ إنما تمسّك بالأصل بناءً على عدم تمامية أدلّة الولاية، لا ما إذا تمّمناها.

والعمدة هو أن نرى أن الأدلّة الخاصّة هل يستفاد منها اعتبار الصلاح أو الأصلحية، أو لا يستفاد؟ نحن نذكر أوّلاً محتملات الآية بغضّ النظر عن سوابقها، ثُمّ نرى أنه ماذا يستفاد منها؟ 

لا إشكال أن قوله تعالى: لاَ تَقْرَبُوا أمر كنائي، وليس مراداً جداً، وإنما يراد نقل الذهن إلى المطلب الجدّي، ولا إشكال في عدم حرمة القرب من مال 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

اليتيم بالمعنى الحقيقي، بل هو كناية عن شيء له محتملات عديدة:

[في المراد الكنائي (لا تقربوا مال اليتيم)]

الاحتمال الأول: أن يكون كناية عن التصرّفات الخارجية كالأكل والشرب.

الاحتمال الثاني: أن يكون كناية عن التصرّفات الاعتبارية.

الاحتمال الثالث: أن يكون كناية عن مطلق التصرّفات الوجودية الخارجية منها والاعتبارية.

الاحتمال الرابع: أن يكون كناية عن التصرّفات الخارجية وتركها، فكما أن التصرّف على غير الوجه الأحسن حرام، كذلك ترك التصرّف على الوجه الأحسن حرام.

الاحتمال الخامس: كونه كناية عن التصرّفات الاعتبارية وتركها.

الاحتمال السادس: كونه كناية عن مطلق التصرّفات وتركها.

الاحتمال السابع: أن يكون كناية عن معنى ثبوتي، بالمعنى الأعمّ، وذلك بأن لا يكون شاملاً للترك، بل يشمل لازمه كبقائه تحت اليد، فإذا حرم البقاء وجب ضدّه، فيكون المراد أنه لا يجب أن يبقيه تحت يده، إلّا على الوجه الأحسن(1).

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() أقول: وظهر من السيد أن هذا المعنى الأعمّ كما يشمل ذلك يشمل التصرّفات الخارجية والاعتبارية أيضاً، وهو لم يعطِ له عنواناً معيناً حتى نرى كونه شاملاً لها أو لا، انتهى. (المقرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ولازم هذه الوجوه هو أننا لو قلنا إنها تصرّفات وجودية خارجية، فالحرمة المتعلّقة بها بحسب الفهم العقلائي حرمة تكليفية، فإن الحرمة إذا تعلّقت بعناوين نفسية يفهم منها الحرمة التكليفية، لا باعتبار أن النهي مستعمل بأمرين: بالتكليفية تارةً والوضعية أخرى، بل لِما قلناه من أن للنهي معنى واحداً هو الزجر، إذا أضيف إلى معنى نفسي يفهم العقلاء منه أن هذا المعنى هو المبغوض بنفسه، وإن أضيف إلى أمور اعتبارية طريقية، كالمعاملات، فيفهم منها الإرشاد إلى أن هذا لا يتحقّق، ولا يترتّب عليه الأثر، فيكون إرشاداً إلى البطلان.

وإذا كان كناية عن كِليهما، فهو في المورد النفسي يستفاد منه الحرمة التكليفية، وفي المورد الآلي يستفاد منه الحرمة الوضعية. لا من باب أن النهي استعمل في غير معناه، بل استعمل في معناه وهو الزجر، غاية الأمر أن الزجر عن الأمور النفسية يعطي حرمة تكليفية، والزجر عن الأمور الآلية يعطي حرمة وضعية.

وإذا كان كناية عن الأمور الوجودية (يعني التصرفات الخارجية) وتركها، فكِلاهما (يعني: الوجود والعدم) أمر نفسي، ويفهم منه الحرمة التكليفية. 

وإذا كان كناية عن الأمور الاعتبارية وتركها، كان في الأمور الاعتبارية إرشاداً وفي تركها نفسياً. 

وإذا كان كناية عن المعنى الثبوتي بالمعنى الأعمّ فإن انطبق ذلك المعنى على الأمور النفسية يستفاد منه النفسية، وإن انطبق على الأمور الآلية يستفاد منها البطلان.

فهذه هي محتملات المسألة.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والمهم معرفة المعنى الذي أوردت الكناية من أجله.

لو كان المراد من القرب القرب المكاني -وليس المراد به الزماني بلا إشكال- وأراد أن يكنّى به عن الشيء وتركه، أو عن التصرّف الخارجي وتركه، أو التصرّف الاعتباري وتركه، أو من الجامع بينهما وتركه، فإما أن يكون بين التصرّف وتركه جامع أو لا. أما الأوّل فلا سبيل إليه، وأما على الثاني فيجب أن نجعل شيئاً -بدون جامع- كناية عن الشيء ونقيضه أو ضدّه، وهو أيضاً لا يعقل، إذ لا يعقل أن يكون ملزوم الشيء هو عدمه أو ضدّه، فإنه حين يذكر الشيء المكنّى به يريد نقل الذهن إلى ملزومه المكنّى عنه، فإذا امتنع أن يكون ملزوماً له امتنعت الكناية، فهذا ثبوتاً غير ممكن وغير موجود عند العقلاء.

وبقي من الاحتمالات الممكنة أن يكون المراد من القرب المكاني وجعله كناية عن التصرّفات الاعتبارية، مع أنه لا ربط للقرب المكاني بالتصرّفات الاعتبارية أصلاً، وأن يكون كناية عن التصرّفات الخارجية وهي كناية صحيحة ولا مانع عنها، وأما جعله كناية عن التصرّفات الاعتبارية أو الجامع بينهما وبين التصرّفات الخارجية، فلا بُدّ من تأوُّل التصرّفات الاعتبارية بأنها لها وجود خارجي ولها قرب وبعد؛ لتكون مناسبة مع القرب المكاني، فنحتاج إلى مجازين:

 أحدهما: مجاز ادعائي في أن الأمور الاعتبارية بمنزلة التصرّفات الخارجية، فكما أن التصرّفات الخارجية تقع على الموجود الخارجي ولها معه نحو من الاتحاد، كذلك يقال في التصرّفات الاعتبارية.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ثانيهما: أن نجعل القرب المكاني كناية عنه لينتقل إليه ذهن العقلاء، ولولا ذلك الادعاء لا تصحّ الكناية.

وإذا كان المراد من القرب القرب بمعنى أعمّ من ذلك، حيث نقول: (قربة إلى الله)، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ(1)، وهذا قريب من ذهني، وفي الفتوى: هذا قريب. فإذا كان هذا هو المعنى الحقيقي للقرب، بحيث يكون أعمّ من القرب الخارجي والمعنوي أو المكاني والمكانتي، ويكون قرب كلّ شيء بحسبه، فحينئذٍ لا بُدّ أن نقول: إن التصرّفات الاعتبارية نحو من القرب، فإن القرب المعنوي وإن فرض مقصوداً إلّا أن ملاكه العقلائي لا بُدّ أن يكون متحقّقاً، فلو بعت فضولاً لم يكن تصرّفات أصلاً، لا لغة ولا شرعاً، وإلّا كان حراماً، لكن يقال: إنه قرب بنحو من أنحائه، كلا، فإن القرب بالمعنى الأعمّ لا يصدق على كلّ شيء، بل له مورد لا يتعدّاه، والقرب إلى الله بمعنى تميّز العابد عن غيره، وقرب الله من عباده من قرب المجرّدات إلى الماديات الذي لا نفهمه، والقرب إلى الذهن اعتبر فيه نحو من القرب أيضاً، وأما البيع الفضولي فليس قرباً إلى المال حتى لو كان تصرّفاً فيه، فإن القرب يحتاج في صدقه إلى وجود جامع القرب ونحو من المساس، وكون البيع قرباً أمر لا يستحسن في (المدرسة) فضلاً عن عرف العقلاء.

فبعض هذه المحتملات غير معقول، وبعضها لا يمكن إلّا بتأوّل زائد، وبعضها لا تناسبه الكناية.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) الواقعة: 85.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

نعم، إذا بعته وسلّمته، كان تصرّفاً باعتبار التسليم، وأما إذا بعت مال اليتيم فضولة فغير مربوط بالآية أصلاً.

أما أن معنى القرب ما هو؟ هل هو القرب المكاني أو المعنوي أو الجامع بينهما؟ فهذا مطلب يرجع فيه إلى العرف واللغة، ولا بُدّ أن نرى أنه بدون قرينة ماذا يفهم العقلاء من القرب، هل يفهمون منه أكثر من القرب الزماني أو المكاني، بحيث يشمل المعنوي أيضاً، أو يفهم خصوص القرب المكاني، ويفهم منه بالكناية التصرّفات الخارجية؟

ثُمّ إنه لا بُدّ من مراجعة لواحق الآية وسوابقها، حتى نرى ماذا نفهم من القرب في الآية في الموارد الممكنة.

أي هذه المطالب الثلاثة يستظهر من الآية، وهي: الأعيان الخارجية أو التصرّفات الاعتبارية أو هما معاً؟!

يأتي إلى النظر أن القرب والبعد ليسا من المعاني العامة، بحيث تكون في كلّ موارد استعمالهما على وجه الحقيقة، بل بحسب ارتكاز العقلاء، بل قد يوجد في اللّغة أنه إذا استعمل القرب بلا قرينة قُصِد به الزماني والمكاني بالخصوص، إما نسبتهما إلى الله تعالى أو المعاني العقلية فهي من التشبيه والتنزيل بالقرب المكاني والزماني، فإذا قصد ما هو ظاهره من القرب المكاني يكون هذا قرينة على أنه نسب إلى الأمور الخارجية؛ لأنه إذا جعل القرب المكاني كناية فما هو المكنّى عنه، لا بُدّ أن يوجد بينه وبين القرب المكاني مناسبة، وأما ما يحتاج في تصحيحه إلى تأويل، فإنه يكون خارجاً عن التفاهم العرفي.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

على أن هناك قرائن عديدة على أن المراد هو التصرّفات الخارجية، والأحكام التكليفية، منها: أنه إذا توجّه أمر أو نهي إلى الأعيان، وهي قابلة لتعلّق الحرمة والحلّية بها، فإنه يستفاد الحكم التكليفي، فإذا قيل: (لا تقرب العين الخارجي)، يكون ذلك قرينة على أن القرب المراد قرب مكاني، فإنه في باب الكناية استعملت الألفاظ والهيئات في معاني نفسها، ويريد أن ينقلنا إلى المعنى الجدّي الآخر، فلو كان للقرب معنى أعمّ، لكن حين ينسب إلى العين الخارجية، فإذا قيل: (زيد قريب من مسجد الشيخ)، فإنه يفهم منه القرب المكاني دون القرب المكانتي، بمعنى التعبّد فيه.

وعلاوة على ذلك، نحن نفهم الحكم التكليفي من جهات، حيث قلنا: إن الأوامر والنواهي إذا توجهت إلى شيء له نفسية فيستفاد الحكم التكليفي، وإذا تعلّق بالأجزاء والشرائط فإنه يراد بها ما هو المتوقع من هذا الشيء كالصلاة، من حيث إنه لا يتحقّق به أو بدونه، فلو قال: (لا تقربوا بيع مال اليتيم)، لفهمنا إنه إرشاد إلى بطلانه، لكنّه قال: وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ، كما قال: وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى(1)، ووَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ(2)، ونحوها من العناوين التي لها نفسية، فيفهم حرمتها بنفسها، لا أنها إرشاد إلى شيء آخر.

فإذا قال: وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى، فهل تقولون: أنه أعمّ من نفس الزنا ومن أجرة الزانية، هذا يكون خلاف المتفاهم العرفي. فإنه بعد أن نسب إلى الزنا، 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) سورة الإسراء، الآية: 32.

(2) سورة الأنعام، الآية: 151.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فنلحق به أمراً آخر متعلّق به، فإنه لا يكون كلاماً عقلائياً.

وما قالوه من أنه مال اليتيم، والمالية بما هي مالية تناسب المعاملة والبيع والشراء، غير صحيح، فإنه فرق بين المالية بما هي وبين مال اليتيم، بما هو منسوب إلى اليتيم، كما لو قال: (لا تقربوا دار اليتيم أو عباءته)، فهو عنوان منتزع عن هذه الأمور.

وهذه الآية، وقعت في كِلا السورتين؛ الأنعام والإسراء، في خلال آيات مشتملة على أحكام تكليفية، واتّحاد السياق -الذي هو قرينة عقلائية في نفسها- يقتضي أيضاً كونها متكفّلة لذلك. ولا يمكن أن نخصّ السوابق بالحكم التكليفي، وأما القرب من مال اليتيم فنعمّمه للحكم الوضعي.

ويقول في سياق هذه الآية في سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ(1)، والتحريم ظاهر بالأحكام التكليفية، وأما البيع الباطل فهو حرام، بمعنى أنه لو قيل: (حرم عليكم البيع) لفهمنا منه البطلان، فإذا طلب منك أحد أن تعدّ المحرمات، فالمنتظر منك أن تعدّ المحرمات التكليفية، وأما كون البيع باطلاً فلا يأتي إلى الذهن أصلاً، ولو عددت المعاملات الباطلة لضحكوا عليك.

إذن فقد وقع من الأحكام التكليفية قوله: وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ كما وقع وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى ووَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ..

وكذلك وقعت هذه الآية في سورة الأنعام مع المحرّمات النفسية، ويقول: 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) الأنعام: 151.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

في آخرها: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ.، والحكمة في لسان القرآن والحديث عبارة عن الموعظة والأمر والنهي، فمثلاً لقمان الذي آتاه الله الحكمة، حين أراد أن يظهر حكمته نراه ينصح ابنه وينهاه ويأمره، أما أن البيع باطل، هل هو حكمة، يقول: (تعالوا أقول لكم حكمة… البيع باطل…) -أي حكمة هذه!- فيدلّ ذلك على أن كلّ ما ورد في السياق هو من المحرّمات التكليفية.

فإذا كان الأمر كذلك، كان البحث في الحسن أو الأحسن كلّه خارج عن محلّ الكلام في الآية أصلاً.

*****

[ما المراد من كلمة (الأحسن) في الآية] 

لا بُدّ في صدد فهم معنى الأحسن، من عرض احتمالات المسألة، حيث إننا قلنا: إن قوله: وَلاَ تَقْرَبُوا كناية، وقد سبق أن ذكرنا محتملاتها، يقع الكلام
-على جميع التقادير الممكنة فيما سبق- في ذكر محتملاتها(1)

الاحتمال الأول: أن يكون قد لوحظ في القرب معنى وحدانياً معيّناً، ولم يلحظ انطباقه على كثيرين وإن كان هو منطبقاً على كثيرين، فإن المولى مرّة يأتي بالحكم بعنوان واحد، كـ أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(2)، ومرّة يأتي به منحلّاً إلى الأفراد 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() أقول: يظهر من تعداد هذه المحتملات ومن محتوى كلام السيد أن تلك المحتملات كانت بحسب مضمون ومدلول الكناية، وهذه المحتملات بحسب صيغتها وكيفيتها، كما سيتّضح عند تعدادها وهي: الاحتمال الأول… (المقرر).

(2) البقرة: 275.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ومنطبقاً على الخارج، كـ(أكرم كلّ عالم) و(المؤمنون عند شروطهم) (1).

الاحتمال الثاني: أن يكون الملحوظ معنى وحدانياً منطبقاً على الكثيرين، ومنحلّاً على الأفراد أو على العناوين التفصيلية للمعاملات، كالبيع والإجارة والصلح ….

وكِلا هذين الاحتمالين ينطبق على كلّ الفروض الممكنة، من حيث إن هذا المعنى الوحداني هل هو خصوص الجامع بين التصرّفات الخارجية، أو خصوص الجامع بين التصرّفات الاعتبارية، أو الجامع بين كِلا نحوي التصرّف، أو الجامع بين هذا كلّه وبين الإبقاء المساوق لترك التصرّف؟

فإن كان كناية عن العنوان الجامع الشامل للترك، فلا يكون هناك محصّل للتفضيل، إذ حين يؤخذ العنوان وحدانياً جامعاً بين كلّ هذه الأمور، فإنه لا يبقى هناك شيء يفضل عليه، فنضطر أن نحمل الأحسن على مجرّد الأخذ بالصلاح.

وإذا جعلنا لاَ تَقْرَبُوا كناية عن الأفراد بوجهٍ إجمالي، أو عن العناوين بوجهٍ إجمالي، وإن كان هذا بعيداً، فيكون المراد: (لا تتصرّفوا بأي تصرّف، إلّا على الوجه الأحسن)، فهذا يمكن فيه التفضيل.

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() نص الرواية “المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله”، الكافي 5: 196، كتاب المعيشة، باب الشرط والخيار في البيع، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 22، كتاب التجارات، الباب 2، الحديث 11، ووسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وإذا كان المأخوذ هو العنوان الوحداني الجامع بين التصرّفات الاعتبارية فقط، ففي داخل هذا العنوان لا معنى للتفضيل، لكن يصحّ تفضيله على الأمور الأخرى، كالتصرّفات الخارجية أو ترك التصرّف، فإن كانت التصرّفات الاعتبارية أفضل من الترك فلا مانع عنها.

وأما إذا لوحظ عنواناً وحدانياً جامعاً بين التصرّفات الخارجية فقط، فأيضاً لا بُدّ أن تحسب حساب أنه أفضل من شيء يقابله كالترك أو التصرّفات الاعتبارية، وأما إذا لوحظ كِلا النحوين من التصرّف فلا بُدّ أن نحسب حساب أنه أفضل من الإبقاء أو ترك التصرّف.

ثُمّ يقع الكلام في أن قوله:  بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بأي شيء تعلّق؟ هل المراد: (لا تقربوا مال اليتيم إلّا مقاربة بالتي هي أحسن)، أو المراد: (لا تقربوا بوجه من الوجوه إلّا بوجه هو أحسن)، أو: (لا تقربوا بكيفية من الكيفيات إلّا بكيفية هي أحسن)؟

نحن لا نعلم أن المراد أيّ هذه الوجوه، مع أنها تختلف أثراً، فإننا إن قلنا مقاربة هي أحسن وأخذنا الأفراد بنظر الاعتبار، فلا مانع من الاستثناء، حيث جعل القرب كناية عن مطلق التصرّف، أو عن التصرّفات الاعتبارية، لكن بعنوان وحداني، أو بعنوان ملحوظ السريان إلى الأفراد أو إلى العناوين أيضاً، فيصير المراد: (لا تقربوا مال اليتيم بوجه بيعاً أو شراءً أو إجارة أو أكلاً أو شرباً إلّا بقرب هو أحسن)، فيصحّ الاستثناء.

وأما إذا كان بمعنى الخصلة أو الكيفية فالاستثناء لا يمكن أن يكون هو 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

المذكور إلّا بتقدير، كقوله: (لا تقربوا بكيفية من الكيفيات، إلّا بكيفية هي أحسن)، فإن أخذ الأفراد بنظر الاعتبار فالكيفية تلحظ بالفرد. فيقال: (لا تقرب هذا الفرد من البيع إلّا بالكيفية التي هي أحسن)، فيقع الكلام في أن الكيفية هل تلحظ بالبيع بالخصوص، أو الكيفية الأحسن في الأعمّ من البيع، أو غيره؟ 

فعلى الأوّل يكون المراد: (لا تقربوا هذا البيع إلّا بالكيفية التي هي أحسن في باب البيع)، وعلى الثاني يكون: (بالكيفية التي أحسن في البيع والإجارة والصلح وغيرها في المعاملات).

وقبل أن نتعرّض لِما هو وجه الاستثناء على مسلكنا، نقول: إن الوجه الذي ذكره الشيخ(1) لمعنى الأحسن وهو الخلوّ عن المفسدة، ضعيف جداً، لا يكاد يخطر في الذهن من ظاهر العبارة، فيبقى بعده احتمالان:

 أحدهما: التفضيل، والآخر مجرّد الحسن. وفي التفضيل احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون أحسن من الترك، وليس له تعرّض أن إيجاد هذه المعاملة أحسن من إيجاد الأخرى، فإذا كانت معاملة أحسن من الترك ولكنّها أسوأ أو مساوية لمعاملة أخرى، فلا مانع منه، بل تكون الآية دالّة على جوازها.

الاحتمال الثاني: أن يكون أحسن من كلّ شيء، وهذا فيه احتمالان: أحدهما: أن يكون أحسن من كلّ شيء في الحاضر والمستقبل، وهذا تعجيز 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 575، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، هل يُشترط في ولاية غير الأب والجدّ ملاحظة الغبطة لليتيم؟

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

للمكلّف عن التصرّف؛ باعتباره غير عالم بالغيب لأمور المستقبل. 

ثانيهما: أن يكون أحسن من كلّ شيء بالنحو المتعارف، يعني في حدود ما هو الملحوظ للإنسان المطّلع على هذه الأمور، ولازم ذلك: أنه إذا كان البيع أحسن من الترك، ولكنّ سائر المعاملات متساوية بالنسبة إليه، فلا بُدّ أن لا يجوز البيع لعدم صدق كونه أحسن من كلّ شيء، بل لو كان هناك معاملتان متساويتان فلا يجوز إيقاعهما.

الاحتمال الثالث: أن يكون أحسن المعاملات المعروضة عليك، فهذا يريد أن يشتري وهذا يريد أن يستأجر وهذا يريد أن يرتهن، فعليك أن تجد الأحسن من هذه المعاملات، ولازمه أنه إذا كانت هناك معاملتان متساويتان فإن الأحسن لا يكون صادقاً.

فهذه محاذير ذكروها للأخذ بمعنى التفضيل، وحينئذٍ فلا بُدّ أن تأخذ بمعنى مجرّد الحسن.

لكنّنا نقول: إنه على فرض أن تكون الآية في مقام البيان من ناحية المستثنى والمستثنى منه، وذكر المفضّل عليه، فإنه ينعقد للكلام ظهور تامّ في التفضيل، وأما إذا لم يذكر المفضّل عليه، ودار الأمر بين عنايتين: هما التقدير، والحمل على مجرّد الحسن، فلا يعلم هنا تقدّم الأوّل، ولا أقلّ من الإجمال، وإذا أجمل الكلام في المستثنى يسري إجماله إلى المستثنى منه، فيكون الحجّة في المنع عن المفسدة، فإذا تركنا الحسن فقد تركنا الأحسن، وأما إذا كان حسناً غير أحسن، فلا تمنع الآية منه.

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

هذا، ولكنّنا قلنا: إن الآية ليست في مقام بيان المستثنى، وإنما هي في مقام بيان المستثنى منه وتعداد المحرمات قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ فيكون حالها كحال قوله تعالى: وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ(1) أو “لا تأكل إلَّا ما ذُبح من مذبحه (2)، فهي تريد أن تمنع عن القرب، وليس لها نظر إلى الخصوصيات للقرب الجائز، حتى تقول: إن الأحسن ما هو؟ فإنها في مقام الإهمال والإجمال من هذه الناحية، ومعه يكون البحث في مدلول الأحسن مستأنفاً زائداً.

ونحن استظهرنا من الآية الحكم التكليفي والتصرّفات الخارجية، حيث منع الشارع عنها، وليست في مقام بيان الأحسن، فنعلم فقط أن أصل الحسن لا بُدّ من وجوده، وأما كونه أحسن أو حسن، فلا يمكن استفادته منها، إذن يكون ظاهر الآية أجنبياً عن بحثنا.

يبقى البحث في مقدار دلالة الروايات.

*****

[القرب بالمعنى المصدري يتصف بالحسن بلحاظ متعلقه] 

بقيت جهة في الآية لم أجد من يتعرّض لها، سواء قلنا أنها راجعة إلى التصرّفات الخارجية، أو إلى الأمور الوضعية، أو الأعمّ منهما، وسواء قلنا بالحسن أو الأحسن. فإن القرب بالمعنى المصدري لا يتّصف بالحسن ولا 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) الأنعام: 121.

(2) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الأحسن، وإنما يتّصف بهما بلحاظ المتعلّقات، والمتعلّقات المتصورة له ثلاث: المال ومال اليتيم واليتيم، فباعتبار القرب من أيٍّ منها ينبغي أن يلحظ الحسن أو الأحسن؟

فهل نلحظ الحسن بالنسبة إلى المال، بحيث لا نلاحظ إلّا أن هذه المعاملة حسن أو أحسن من تلك، ولا نلحظ غير المعاملة من صلاح اليتيم أو الجهات الخارجية؟ أو هل تلحظ مال اليتيم، ونقول: إن كلّ ما يرجع إلى المال ينبغي أن نلاحظه، فبيع هذا المال على هذا الشخص أو على هذا الشخص قد لا يختلف من حيث الثمن، لكن إذا بعناه على هذا فإنه تعود منه عوائد مالية لا تعود من الآخر؟

ومن هنا ينبغي أن نبيع عليه بالخصوص، وإن كانت المعاملة في نفسها أدون، وإن كنّا لو لاحظنا المعاملة نفسها لزم البيع للآخر، ولكنّنا لاحظنا الجهات الخارجية المالية فلزم بيعه لهذا.

ثالثة نلاحظ جهة اليتيم، وأنه أحسن بالنسبة إليه أو لا؟ وهذا قد يكون أصلح من جهة الماليات، وأخرى أصلح من الجهات الأخرى، فمثلاً لو أردنا بيع نصف دار اليتيم، وكان هناك مشتريان أحدهما يدفع قيمة أكثر من الآخر، ولكن الذي يشتري بالأعلى يضرّ اليتيم وتترتّب على شركته معه مفاسد مالية أو أخلاقية أو دينية.

الظاهر لزوم لحاظ كلّ هذه الجهات، فإنه لم يقيّد الأحسن بخصوص الجهة المالية أو الاعتبارية، بل يفهم العقلاء لزوم أخذ مال اليتيم بنظر الاعتبار، 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فاللازم على الولي أن يلحظ تمام الجهات حتى المصالح الأخلاقية، والدينية والخارجية للمطلب، لا المالية فقط، فلو دار الأمر بين البيع بالغالي مع ترتّب المفاسد والبيع بالرخيص فالثاني هو الأحسن، فإن المراد: (لا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن لليتيم)، لا أحسن للمال ولو كان ضدّ مصلحة اليتيم.

وكذلك إذا كان المراد التصرّفات الخارجية، فإن فيها نفس الاحتمالات السابقة، ونفس النتيجة السابقة، وهي لزوم لحاظ تمام الجهات، فلو دار أمر اليتيم بين أن يدخل داره رجل فاسق مقامر يجلب الذلّ والانحراف على اليتيم، ولكنّه يعطي خمسين ديناراً له، وبين أن يدخل داره أمير يخافه الناس فيمتنعون عن ظلم اليتيم، أو فقيه يرفع اليتيم اجتماعياً ودينياً، فهل الملحوظ مجرّد المصلحة في الأمور الخارجية، بل اللازم على الولي مراعاة حال اليتيم على كلّ حال.

وجهة أخرى في الآية لازمة البحث أيضاً، وهي أننا إذا حملنا الآية على الوجه الحسن وأرجعناه إلى المعاملات. 

فقد يتوهّم أنه إذا كانت هناك عشر معاملات الأخيرة منها أغلى جداً والأولى أرخص، قلنا: الخيار في إيقاع أيّ منها شئنا لعدم اشتراط الأحسن على الفرض، وأما إذا أرجعنا تشخيص الحسن والأحسن إلى العرف، ولوحظ فيه مصلحة اليتيم، فالقول بأن المعاملة الأرخص فيها صلاح لليتيم أيضاً كلامٌ مدرسي غير عقلائي، وإنما يقول العقلاء: إنك بتركك للمعاملة الأغلى عملت خلاف مصلحة اليتيم، فملاحظة مصلحة اليتيم تقتضي إيقاع المعاملة الأغلى، مع تساوي المعاملات في جهات أُخر، وإلّا لم يكن صلاحاً لليتيم عرفاً أصلاً.

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [في مقدار دلالة الروايات على المطلب]

ثُمّ إننا قلنا: إننا نبني تارةً على حمل القرب على أنه كناية عن المعاملات الاعتبارية، وأخرى كناية عن التصرّفات الخارجية أو الأعمّ، فإن بنينا على أنه كناية عن الأمور الاعتبارية، فهل يستفاد من الروايات لزوم وجود المصلحة، أو يكفي عدم وجود المفسدة؟

وبعبارة أخرى: كما أن الأب والجد اللذين علمنا بمقتضى الأدلّة كناية عدم وجود المفسدة في تصرّفهما، كذلك باقي الأولياء، كوصيّيهما والحاكم الشرعي، ووصيّه وعدول المؤمنين، إذا قلنا بولايتهم أو كان تصرّفهم من باب الحسبة عند عدم وجود الحاكم الشرعي، أو لا يكفي ذلك، بل لا بُدّ من وجود المصلحة. وقد استفدنا من الآية -على هذا التقدير- أصل الصلاح، وكان احتمال عدم المفسدة ضعيفاً.

[رواية ابن رئاب]

محمد(1) بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، قال: “سألت أبا الحسن موسى: عن رجل بيني وبينه قرابة، مات وترك أولاداً صغاراً، وترك مماليك وغلماناً، ولم يوصِ، فما ترى فيمَن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أمُ ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: إن كان لهم وليّ يقوم بأمرهم باع عليهم، ونظر لهم، وكان مأجوراً فيهم. قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أمُ ولد؟ فقال: لا بأس 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() باب 15 من ابواب عقد البيع. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر لهم فيما يصلحهم فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم(1).

ورواه الشيخ(2) بإسناده عن الحسن بن محبوب نحوه، وكذا الصدوق(3)، وسند الصدوق صحيح بلا إشكال، وسند الكليني صحيح على الظاهر.

قوله: “ولم يوصِ”، فرض أن الأب مات ولم يوصِ، وحينئذٍ من الممكن فرض أيّ واحد من الأولياء بعده. وقوله: “نظر لهم لعلّ” معناه التفاتة إلى مصالحهم، وقوله: “فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية”، كرّر السؤال باعتبار أن الإمام لم يجب عن خصوص ذلك. وقد كان أخذ أوّلاً كونه ناظراً لهم، ثُمّ قال ثانياً: “القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم“، واحتمال أن يكون ناظراً للمصالح وإن لم يكن هنا مصلحة، ضعيف غايته، بل المفهوم من تكرار هذا المعنى لزوم وجود المصلحة.

فيفهم من هذه الرواية عدّة مطالب: 

الأوّل: أنه ليس لكلّ أحد جواز التصرّف في مال اليتيم ولو عن مصلحة، بل لا بُدّ أن يكون المتصرّف قيّماً.

الثاني: أن الولي ليس له أن يتصرّف مطلقاً، بل لا بُدّ أن يكون ناظراً فيما يصلحهم.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) كما مرّ آنفاً.

(3) كما مرّ آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والثالث: أنه يجوز للولي المعاملة فيما يصلحهم، فلو باع الجواري طبقاً لذلك يكون صحيحاً.

وأما الروايات التي تمسّك بها الشيخ(1) فموردها التصرّفات الخارجية، وهي أجنبية عن المقام، ولا يمكن أن تشمل التصرّفات الاعتبارية، فلو لم نستفد لزوم المصلحة من الآية فإننا نستفيده من هذه الرواية.

*****

[في الروايات الدالة على جواز التصرفات الخارجية] 

كلام آخر، بالنسبة إلى التصرّفات الخارجية في مال اليتيم، هل هي جائزة أو لا؟ وقد وردت فيها بعض الروايات، ونحن نتكلّم في فقه الرواية أوّلاً. ثُمّ نسبتها إلى الرواية السابقة وإلى الآية الكريمة.

هذه الرواية خارجة بمضمونها عن المسألة، وإن كان يفهم منها ذلك، ولعلّ الشيخ يريد تعميم الحكم فيها إلى التصرّفات الاعتبارية.

(باب 100 مما يكتسب به) محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، قال: “قيل لأبي عبد الله: إنا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام، ومعه خادم لهم، فنقعد على بساطهم، ونشرب من مائهم، ويخدمنا خادمهم، وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم، فما ترى في ذلك؟ فقال: إن كان في دخولكم 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 577، كتاب البيع، الكلام في شرط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة في ولاية عدول المؤمنين، ظاهر بعض الروايات كفاية عدم المفسدة.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

عليهم منفعة لهم فلا بأس، وإن كان فيه ضرر فلا. وقال: بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(1) فأنتم لا يخفى عليكم، وقد قال الله عزّ وجل: وَاللَّـهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنْ المُصْلِحِ(2)(3).

كان صاحب البيت كفيلاً للأيتام، وأما كونه ولياً أو لا، فهذا مطلب آخر، والسؤال عن هذا التصرّف في مال الأيتام الذين تحت تكفّل أخ للراوي في الدين أو في النسب، وقد سبق أن ورد أن اليتيم يجلس ويأكل مع الأسرة، ولا ينبغي أن يكون منعزلاً عنهم. فتصرّف الكفيل في مال اليتيم جائز بهذا المقدار المسؤول عنه في الرواية، فيقول السائل هل نحن الذين ليس اليتيم تحت كفالتنا، هل يجوز لنا التصرّف كما يجوز لهم أو لا؟ وقد اشترط في الجواب وجود المنفعة في جواز الدخول، والمنفعة قد تترتّب على نفس الدخول، كما قد تترتّب بالأكل من طعامهم ودفع عوضه مع زيادة، وقد تترتّب بعد ذلك مصالح في المستقبل.

لا بُدّ أنكم تذكرون الرواية في باب اللقطة حول السفرة التي توجد مطروحة وعليها طعام، فقال الإمام ما مؤدّاها: (قوّموها على أنفسكم، وتناولوها)(4) على ما في رواية الصدوق، وقلنا: إن التصرّف بمال الناس غير 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() القيامة: 14.

(2) البقرة: 220.

(3) تقدّم تخريجها آنفاً.

(4) نص الرواية “يقوّم ما فيها ثُمَّ يؤكل؛ لأنَّه يفسد، وليس له بقاءٌ. فإن جاء طالبها، غرموا له الثمن”، الكافي 6: 297، كتاب الأطعمة، باب النوادر، الحديث 2، ومَن لا يحضره الفقيه 3: 297، الحديث 4064، ووسائل الشيعة 3: 493، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 50، الحديث 11.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

جائز، ولو مع الضمان، فظاهر الرواية أنها تعطي الإذن بتناول الطعام على هذا التقدير، بمعنى: أنهم إذ يقوّمون على أنفسهم فيصبح لهم فيأكلونه، وهذه إجازة شرعية، ولولاها لم يكن لنا ذلك.

فهنا أيضاً أعطى الإمام طريقاً لجواز التصرّف بمال اليتيم، عند دخولكم البيت انظروا؛ والإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ أن دخولكم هل فيه منفعة لليتيم أو لا؟

والمنفعة تكون بأحد الأنحاء السابقة، وأما مجرّد دفع ثمن المثِل، فيأتي إلى النظر أنه مبتذل جداً، ولا يعتبر منفعة لليتيم إذا كان بمقدار ما أكل وشرب، بل حتى بزيادة قليلة، وإنما تصدق المنفعة إذا دخلت إلى الدار مع تحفة أو هدية إلى حدّ لا يقال عرفاً لماذا جلس وأكل؟ إذ يقال: إنه محسن وترد منه إلى اليتيم منفعة. والكلام في الرواية أصلاً ليس عن الضمان بل عن جواز الأكل.

فلا يمكن أن يقال كما قال الشيخ(1) وقرّبه بعضهم(2): إن المراد بالمنفعة دفع 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 577، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، ظاهر بعض الروايات كفاية عدم المفسدة.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 430، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس، ولاية عدول المؤمنين، توضيح قوله تعالى: وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ثمن ما أكل وشرب، فإني إذا أتلفت حِملاً من الحنطة لشخص، ثُمّ دفعت له حِملاً من الحنطة، لا يقال: إنه أعطاه منفعة، بل جبر ما كان أتلفه عليه، وإنما يكون منفعة إذا أعطى هدية أو زيادة عن ثمن المِثل بنحو يقول العقلاء: إنه لم يخرج إلّا بإيصال المنفعة إلى اليتيم، وأما دفع ثمن المِثل فقط فهو لم يعمل إلّا جبران الضرر، ولم يخرج بالمنفعة بلا إشكال.

فالضمان في التصرّف في سائر أموال الغير وإن كان موجوداً إلّا أن لليتيم خصوصية، وهو أن التصرّف المعتاد في ماله مع وجود المنفعة العائدة إليه، لا يوجب الضمان، وإنما كانت هذه الخصوصية لئلا يتجنّب الناس الأيتام ومن عندهم الأيتام، فتترتّب على ذلك مفاسد، وتنقطع الزيارة بين الإخوان.

[كلام الشيخ الأصفهاني في المقام] 

الشيخ محمد حسين يوجّه كلام الشيخ بقوله: إن النفع وإن كان هو الزيادة، لكنّ الزيادة تختلف باختلاف ما نجعله أصلاً لها؛ لكي تكون زيادة عليه، ففي المعاملات يكون رأس المال أصلاً، وكلّ إضافة عليه هي منفعة، وأما في التصرّف في مال الغير أو مال اليتيم، فالأصل الذي يجب أن نحسبه هو المال المأكول أو المتصرّف به، وهذا المال قد تلف، وكلّ ما يأتي في محلّه فهو منفعة، ولأجل تحاشي دفع ما هو أقلّ من ثمن المِثل، اعتُبر ألّا يكون فيه مفسدة، ولو لا هذا الشرط لكفى دفع الأقل من ثمن المِثل أيضاً، ولكن حيث اشترط ذلك لم يجز دفع الأقلّ؛ لأن فيه ضرراً ومفسدة.

وهذا هو مراد الشيخ في أن إعطاء ثمن المِثل منفعة. ولا تنافي بين الصدر 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والذيل، فتدبّر فإنه حقيق به.

ونحن قد تدبّرنا فيه فلم نجده حقيقياً، فإننا يجب أن نعرض المسألة على العقلاء، فلو أكل من مال اليتيم مقدار مائة ودفع مقدار عشرة، فهل يقال إنه منفعة لليتيم؟ هذا مستغرب ومستوحش جداً عند العقلاء، هل هذا نفع أو جبران لبعض ما أتلفته وأفسدته؟ فمن دخل دار اليتيم بنيّة النفع لا يكون ضامناً ولو أكل بمقدار مائة، ومن لم يدخل بهذه النيّة، يكون ضامناً ولو أعطاه(1) مائة.

فإذا كان الأمر كذلك، ينحلّ التعارض بين الشرطيتين، فإنه لو وردت شرطيتان على هذا النحو: (إن غسلته بالمِركن فمرّتين) و(إن غسلته بالماء الجاري فمرّة)، فماذا نعمل في الكرّ، وهل هناك معارضة بينهما؟ وهناك وإن كان فيه إشكال بمقدارٍ ما، ولكن هنا لا إشكال فيه، فإن الكلام كلّه لمراعاة حال اليتيم، ونحن نعلم أن المراعاة لا تكون بدفع عوض المِثل، بل إنما تتحقّق بدفع الزيادة، فيكون الحاصل أنه إذا كانت هناك منفعة، فلا مانع من التصرّف، وفي مقابل ذلك مصداقان:

أحدهما: وجود المفسدة والضرر، والآخر: عدم الضرر والمنفعة معاً، وفي كِلا الحالين لا يكون التصرّف جائزاً.

على أن هناك مسألة وهي: أن الجواز مع المنفعة هل هو خاصّ بمثل المورد المسؤول عنه في الرواية، أو في مطلق التصرّف بمال اليتيم مع المنفعة؟ فإذا قيل: 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() يعني: بغير نيّة الجبران (إيضاح). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

إن المقصود هو مراعاة حال اليتيم، أمكن الالتزام بالتعميم، وإن قيل إن المقصود وهو مراعاة سائر الجهات، حتى صاحب الدار والواردين أيضاً، فإنه إذا امتنع الناس عن زيارة الشخص الذي في داره أيتام تقع مضيقة على المسلمين، فأذن الشارع الإسلامي لهم بالدخول مع وجود المنفعة، ومعه لا بُدّ من الاقتصار على مورده.

وعلى أيّ حال يفهم من الرواية أن الدخول والتصرّف لا يكون إلّا مع المنفعة، ومعها لا يكون ضامناً ولا تعارض بين الصدر والذيل، لا لِما قاله الشيخ بل لِما قلناه.

[في دلالة الروايات على التصرفات الاعتبارية]

مسألة: هل يمكن تصحيح التصرّفات الاعتبارية بهذه الرواية؟ وما هي النسبة بينها وبين الرواية السابقة الواردة في التصرّفات الاعتبارية، والنسبة بينها وبين الآية الكريمة؟

*****

هناك جهات في هذه الروايات لا بُدّ من الإشارة إليها:

الجهة الأولى: أنه هل يستفاد من رواية الكاهلي التي أجازت التصرّف للداخل إلى بيت اليتيم مع النفع، ثبوت الجواز لكلّ الناس، باعتبار أن تمام الموضوع هو النفع فيثبت الحكم لجميع الناس، أو أنه خاصّ بالواردين على الأيتام؟ ببيان: أننا في تلك الرواية رأينا خصوصية للكفيل الذي أُمر بإخراج قسم من ماله بمقدار الكفاف، وقسم من أموال اليتيم بمقدار الكفاف، ويخلط 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

بينهما، ويصرف على مجموع الأفراد منهما، ولم يؤمر ببذل المنفعة الزائدة كالواردين، ولم يمكن تعميمه لكلّ أحد.

فإن للكفيل خصوصية لا محالة، إنما أمر بذلك لمصالح روحية وتربوية للأيتام ولعائلته الكافلة أيضاً، فإنه لو صار البناء على أن يعيش اليتيم منعزلاً طعاماً وشراباً ومجلساً، تناله صدمة روحية كبيرة، قد تؤثّر على مستقبله، ولو عرف الناس لزوم تجنب اليتيم بهذا المقدار لم يتصدَ أحد لكفالة الأيتام. كما أنهم لو لزم عليهم دفع المنفعة إلى اليتيم كلّ يوم لتجنّبوا الكفالة، فقد روعي في هذا الحكم جانب مصلحة الأيتام ومصلحة الكافلين معاً.

وأما في رواية الكاهلي، فلم يجعل على الواردين ذاك التوسّع ولا هذا التضييق، وإنما روعي حال الواردين والمورود عليهم وحال اليتيم. أما مراعاة حال الواردين: فباعتبار جواز زيارتهم لأخيهم، وإن كان لديه الأيتام.

وأما مراعاة حال المورود عليه، فباعتبار إمكان أن يزورهم الناس، ولا يجب عليهم الاعتزال ملاحظةً لليتيم.

وأما مراعاة حال اليتيم فهو اعتبار المنفعة له.

إذن فنحن لا يمكن أن نفهم أن ذلك مشرّع لمصلحة اليتيم محضاً، وأنه يجوز التصرّف مع المنفعة لتمام الأفراد.

الجهة الثانية: أن الروايات الواردة في إجازة التصرّفات الخارجية للداخل وللكفيل كرواية الكاهلي وغيرها، هل يمكن أن نفهم منها جواز التصرّفات الاعتبارية أيضاً، فإذا جاز الدخول والجلوس جاز البيع أيضاً مع المنفعة؟ قالوا: إنه يمكن ذلك للأولوية، وقالوا في وجهها: أنه إذا جاز الدخول وأكل الطعام 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

والشراب الذي هو ضدّ اليتيم، وإتلاف لماله، جازت المعاملات أيضاً؛ لأنها في مصلحة اليتيم محضاً، (درخت خربوزه الله أكبر)(1). إلّا أن هذا غير تامّ صغرى وكبرى.

أما صغرى: فلأن التصرّفات لها موازين، ونحتاج إلى إذن شرعي وولاية، فإذا أذن لي الشارع في الدخول فليس لازمه أن يأذن لي ببيع عباءته وعمامته وداره أيضاً.

وأما كبرى: فلأن الأولوية غير ثابتة فقهياً، بل غاية ما هو ثابت هو التجريد عن الخصوصية عرفاً، والحمل على المثالية، بنحو يتسالم عليه المتكلّم والسامع. إذن فالتعميم للأمور الاعتبارية غير تامّ.

الجهة الثالثة: أنه ورد التمسّك بالآية الشريفة: وَاللَّـهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنْ المُصْلِحِ في كلّ من رواية الكاهلي والرواية التي قبلها، وكان الصلاح في رواية الكاهلي للزائرين هو دفع المنفعة وإيجادها، فإذا كان الدخول نافعاً كان جائزاً، وإلّا كان فساداً؛ لأن التصرّف بمال الغير بلا وجه جائز فساد، سواء كان فيه ضرر فعلاً أو لم يكن.

وأما في تلك الرواية فقد أُمر الولي بأن يخلط ماله بمال اليتيم، ويصرف منه على مجموع أفراد العائلة واليتيم معاً، فهل نقول إن الإصلاح هو مجّرد المساواة والإفساد هو الأكل من ماله، إذن فالمدار عدم الإفساد لا وجود الإصلاح؟! 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

(1) مثل فارسي يضرب للتهكم ومعناه: عندما تكون شجرة الجوز كبيرة بثمارها الصغيرة فكم تكون شجرة البطيخ بثمارها الكبيرة.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ومعه نحمل رواية الكاهلي على ذلك، وأنه يكفي عدم وجود الضرر، أو نحمل تلك الرواية على رواية الكاهلي، فنلزم الولي بإعطاء مال إضافي إلى اليتيم.

والوجه أن يقال: إننا قلنا: إن صلاح اليتيم غير منحصر بالمال، بل هناك منافع أخرى قد تكون أغلى وأعلى من المال، والولي إذا خلط اليتيم بأسرته في طعامه وشرابه وعاشره على نحو الأخوّة، كان ذلك في مصلحة اليتيم جداً، إلى حدّ قد تترتّب عليها منافع مالية كبرى في مستقبل حياته، فليس لا بُدّ للكفيل أن يعطى مالاً إلى اليتيم، بل المصلحة التي يقدّمها هي خلط اليتيم معه، وأما الداخل فليس وضعه هكذا، فقد أعتبر فيه منفعة أكثر من مجرّد الدخول، فإن الدخول ليس فيه نوع منفعة. نعم، لوكان فيه منفعة أمكن الاكتفاء بها أيضاً، إذن فلا معارضة بين الروايات.

الجهة الرابعة: في وضع الآية مع الروايات: وقد سبق أن قلنا: إن الآية في صدد بيان المستثنى منه، وليست في مقام بيان المستثنى والاستثناء، حتى يكون لها إطلاق وعموم وخصوص، ولم تقل الآية: إن كلّ أحد يستطيع أن يتصرّف حتى تقع المعارضة بينها وبين الروايات، فإنها مهملة من هذه الجهة، فالتمسّك يكون بالروايات خاصّة.

وأما بناءً على ما يقوله الشيخ(1) وغيره في الآية من أن التصرّفات أعمّ من 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 3: 574-579، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: في ولاية عدول المؤمنين، الاستدلال بقوله تعالى: وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الخارجية والاعتبارية، وأن (الأحسن) بمعنى التفضيل، وأن الآية في مقام بيان المستثنى والمستثنى منه.

افرضوا الآن أن الآية تتعرّض فقط للأمور الاعتبارية -حتى نرى حالها في التصرّفات الخارجية بعد ذلك- ورواية علي بن رئاب راجعة إلى التصرّفات الاعتبارية أيضاً. والآية بناءً على هذا المسلك أجازت لكلّ أحد التصرّف في المال، لكن بشرط أن يكون أحسن، وصحيحة ابن رئاب تقول: إن الولي تصرّفه نافذ على وجه الصلاح.

فهل نقول: أن الآية خصّصت بالرواية في خصوص الولي، بأن يقال: إن الولي له أن يتصرّف ويكفي فيه مجرّد الصلاح والحسن، والناس لهم أن يتصرّفوا لكن على الوجه الأحسن؟ أو يستفاد من الرواية أن التصرّف يكون للولي بما هو ولي، غاية الأمر فهمنا من قوله: “الناظر فيما يصلحهم” كفاية المصلحة، فهل نخصّص به الآية، أو أن تخصيصها مستهجن؟ فإن كان تخصيصها مستهجناً وقع التعارض بينها وبين الرواية فتتقدّم الآية لا محالة، وأما إذا لم يكن تخصيصها مستهجناً أو أخذنا بذلك الوجه، فيكون للولي جواز التصرّف، وغير الولي لا يجوز له التصرّف أصلاً.

[في الفرق بين الأحسن والحسن]

حينئذٍ يبقى الفرق بين الأحسن والحسن، فإن قلنا: إن الأحسن يراد به التفضيل، وإن الرواية يكفي فيها الصلاح، والفرض أن الناس خارجون بالتخصيص، والولي وحده هو المتصرّف، إذن فالآية تقول للولي: تصرّف على 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

الوجه الأحسن، والرواية تكتفي معه بالحسن، فتتقدّم الآية، وينتج أنه لا يجوز له التصرّف إلّا على الوجه الأحسن.

وأما في التصرّفات الخارجية، فيرد فيها نحو هذا الكلام، فإنه بناءً على إرادة الأفضل، وأن الآية في صدد بيان المستثنى، فيكون المراد: أن كلّ من يتصرّف بوجه أحسن فلا مانع، والرواية تقول: (كلّ من يأكل مع النفع فلا بأس)، وأما في الكفيل فيكفي الصلاح. حينئذٍ نقول: -احتمالاً- إن الناس ثلاث طوائف:

أوّلاً: الكفيل، ويكفي في تصرّفه الصلاح، ولو بمقدار المخالطة مع اليتيم.

وثانياً: الناس الزائرون، ولا يجوز لهم التصرّف إلّا مع النفع.

وثالثاً: الأجانب غير الزائرين، ولا يجوز لهم التصرّف إلّا مع إحراز الأحسن.

إلّا أن هذا الكلام هو على فرض غير واقع، وقلنا: إن الآية مجملة، وليست في مقام بيان المستثنى وليست معارضة للروايات، وبين الروايتين جمع عقلائي.

فتحصّل: أن من يزور الكفيل والكفيل نفسه، يكفي في تصرّفهما الصلاح، غاية الأمر أن الصلاح بالنسبة إلى الكفيل هو الخلطة بالنسبة إلى الزائرين يحتاج إلى صلاح خارجي إما مادي أو معنوي.

هذا تمام الكلام هنا.

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  






[مسألة جواز تمليك المصحف للكافر]

 

  • [قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] 
  • [قوله  (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه]

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  








[مسألة جواز تمليك المصحف للكافر] 

 

حسن أن يقع الكلام في بيع المصحف، قال الشيخ(1): أنَّ المشهور(2) يقولون بأن الكافر لا يجوز بيع المصحف له. ولا بُدّ أن يعنون المطلب بنحو أعمّ، وليس مراد الشيخ الانحصار بذلك، إلّا أنه حيث كان الكلام في شرائط المتعاقدين عبَّر بذلك، وإلّا فمقتضى ذلك أن الكافر لا يجوز أن يملك المصحف، سواء اشتراه أو كتبه بقلمه وقرطاسه، فيخرج عن ملكه لذلك.

وبعض الأدلّة(3) مضافاً إلى أنها غير تامّة في نفسها، فإنها خارجة عن موضوع البحث، كما لو استدلّ لذلك بأنه ملازم لإهانة المصحف، فإن موضوعنا هو أن تلحظ الشيء بنفسه، بقطع النظر عن العناوين الخارجة عنه كالهتك والتنجيس.

علماً أن الاستدلال بدليل الإهانة غير تامّ من جهات، فإن الحكم بالحرمة 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 603، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر.

(2) اُنظر: المبسوط 2: 62، شرائع الإسلام 1: 334، نهاية الأحكام 2: 456، وغيرها.

(3) اُنظر: الروضة البهيّة 1: 318، الحدائق الناضرة 18: 428، جواهر الكلام 22: 338، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وإن كان وارداً على إهانة المقدّسات عقلاً وشرعاً (بحيث تكون متصيّدة من الموارد)، والقرآن من أهم المقدّسات، إلّا أن الحرمة واردة على عنوان الإهانة، وعنوان التنفيذ والجواز وارد على عنوان البيع، والأحكام الشرعية يستحيل أن تسري من عنوان إلى عنوان.

غاية الأمر أنهما قد يتحقّقان سوية في الخارج كصلاة الفرادى إذا كانت في موضع يقام فيه الجماعة، فإن ما هو المحرّم هو الإهانة وقد حصلت بحسب الوجود مع الصلاة المأمور بها، إلّا أنه لا تسبّب بطلان الصلاة؛ لأن حكم أحد العنوانين لا يسري إلى عنوان آخر.

فما هو متعلّق الحكم لا اجتماع فيه وهو العنوان، وما فيه الاجتماع وهو عالم الوجود ليس فيه تعلّق للحكم. غاية الأمر أنهم قالوا: إن المبعّد لا يقرّب، وقد أجبنا عنه، على أن محلّ الكلام هو المعاملة دون العبادة.

فلو قبلنا أن البيع للكافر إهانة وقبلنا حرمة الإهانة ولكنّنا نريد أن نستفيد جواز البيع لا جواز الإهانة، وما هو المحرم هو الإهانة لا البيع.

مضافاً إلى أنه هل البيع إهانة أو كونه مالكاً إهانة؟

إذن فكيف يوزّع القرآن بين الطوائف، وقلتم بأنه لا يفرّق بين أبعاض القرآن في الإهانة، مع أن النبي كتب إلى الملوك والرؤساء ضمنها آيات من القرآن؟

وإن قلتم: إن في ذلك مصلحة.

قلنا: مصلحته هو الدعوة، وهي تتوفّر بغير القرآن أيضاً، على أن الإهانة 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

غير خاصّة بالكافر، بل قد تتمّ من قبل المسلم غير المعتني بالدين.

ثُمّ إن مجرّد التمليك ليس إهانة. نعم، لو تسلّط على القرآن ووضع يده عليه، فلعلّنا نقول: إنه إهانة.

وأسوأ منه محذور التنجيس، فالمسلم قد يكون كذلك.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  











[قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً

 

يبقى الدليل المهمّ، وهو الآية الشريفة، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً(1)، والرواية المشهورة التي نسبها الصدوق(2) إلى النبي جزماً (في باب ميراث شخصين من ملّتين)، وهي قوله: “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه(3)، وقال الشيخ(4): إن علماء الفريقين تمسّكوا بها.

فلا بُدّ أن نرى معنى الآية في نفسها بالنسبة إلى المسلم والكافر، ثُمّ نفهمها من سياقها وما قبلها، ثُمّ نطبّقها على المقام بتعميم المسلم إلى المصحف أيضاً.

استدلّوا بالآية الكريمة على أن الكافر لا يملك العبد المسلم، فمرّة ننظر إلى دلالتها في نفسها، وأخرى نفهمها بضمّها إلى صدرها، ومجموع الآية هي 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

(1) النساء: 141.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 334، كتاب الفرائض والمواريث، باب ميراث أهل الملل، الحديث 5719.

(3) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 226، الفصل التاسع، الحديث 118، ووسائل الشيعة 16: 14، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب موانع الإرث …، الباب 1، الحديث 11.

(4) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 582، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: يُشترط في من ينتقل إليه العبد المسلم … أن يكون مسلماً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّـهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ المُؤْمِنِينَ فَاللَّـهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً(1).

أما بحسب النظر إليها مستقلّاً، فقد ذكروا فيها احتمالات بعضها وردت فيها روايات:

أحدها: أنها مربوطة باليهود والمسلمين، وأن الله لم يجعل لليهود على المسلمين سبيلاً.

وثانيها: أن الكفار ليس لهم حجّة على المسلمين، حيث جعل الله تعالى دين الإسلام بنحو لا يملك الكفار حجّة في مقابله.

ثالثها: أنها مربوطة بالقيامة، وأنه لا حجّة للكافرين على المسلمين هناك.

فإن كان السبيل بمعنى الحجّة كما في بعض الكتب اللغوية(2): (ليس لك عليّ سبيل) أي: ليس لك عليّ حجّة تتعلّل بها. ويقول بذلك صاحب (الجواهر)(3)، ويقول: بأن ملك المملوك حجّة عليه، والشيخ(4) ينفي ذلك. 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) النساء: 141. 

(2) اُنظر: المعجم الوسيط: 415.

(3) اُنظر: جواهر الكلام 22: 336-337، كتاب التجارة، القول في شروط المتعاقدين، القول في بيع الفضولي، القول في ولاية الفقيه.

(4) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 585، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: يُشترط في من ينتقل إليه العبد المسلم … أن يكون مسلماً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

مع أن الآية غير مستعملة بمعنى الحجة، وفي القرآن استعمل (السبيل) ومشتقاته أقلّ من مائتي مرّة بقليل، ولم يستعمل في واحد منها إلّا بمعنى واحد هو الطريق، الذي هو المعنى اللغوي، أو هو الطريق الواضح، واستعمل منها سَبِيلِ اللَّـهِ(1) وسَبِيلِ الطَّاغُوتِ(2) والسبيل للكفار وغيرهم، وكلّها بمعنى الطريق.

غاية الأمر أنه تارةً يكون الطريق حسّياً وأخرى معنويّاً، فسبيل الخيرات ليس معناه أن السبيل استعمل بمعنى الخيرات، بل بمعنى طرق الخيرات، وكذلك يقال في المطالب النظرية هذا ليس طريق المطلب، فاستعمل الطريق مدّعياً أن الطريق المعنوي نظير الطريق الحسّي.

فيمكن أن يقال في المقام: إن السبيل في الآية استعمل في المعنى الأعمّ، الشامل لعدّة معانٍ:

أحدها: أن الله تعالى لم يجعل أيّ طريق للكافرين على المسلمين، كما جعل للنبي على الكفاية من الهداية الخاصّة، وإعانة الملائكة، وتقليل الكفار في أعينهم وتكثيرهم بأعين الكفار، على حين لم يجعل ذلك للكفار، وإنما يحاربون بما لديهم من يأس بدون هداية إلهية.

فإما أن يكون المراد من الآية خاصّاً بذلك، أو شاملاً له وللأمور التالية.

ثانيها: أن الكفار لا طريق لهم لتضعيف الإسلام، ولا للاحتجاج ضدّه، 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

(1) نحو سورة البقرة، الآية: 154.

(2) النساء: 76.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فإن الله تعالى قد جعل الأحكام وأوضحها بشكل تكون حجّة على الآخرين، وليس للآخرين حجّة عليها.

ثالثها: أن يكون المراد بها السلطة الاعتبارية، وهي -على تقدير تحقّقها- من أعظم الطرق على المسلمين، فكما جعل السلطنة والخلافة للنبي وبعده للأئمة وبعدهم للفقهاء، يكون قد جعل للكفار مثل ذلك. فهذا منفي في الآية، وأن الولاية الاعتبارية لم تجعل للكفار على المسلمين.

رابعها: أن يكون شاملاً ليوم القيامة أيضاً.

فليس المراد مردّداً بين هذه المعاني أو خاصّاً باليهود، بل المراد أن الله تعالى لم يجعل ذلك ولم يوفّق الكفار إليه، وليس المراد أنه لم يقع في الخارج، فإن كثيراً من الأحكام المجعولة، تعصى في الخارج ويقع خلافها.

إذن فلم تجعل سلطنة للكفار على المسلمين لا في التكوين ولا التشريع.

بل في صدر الآية إشارة إلى الجهة التي قلناها، فإن ظاهرها أنه يتكلّم عن المنافقين الذين هم في الظاهر مع المسلمين وفي الباطن مع الكفار، بل يعينونهم في حربهم، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّـهِ(1) انظروا كيف نسب الفتح إلى الله قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ. فلم يعبّر بالفتح ولم ينسبه إلى الله عزّ وجلّ.

فأحتمل أن ذيل الآية المستدّل به ناظر إلى ذلك، وأن التأييد الذي يعطيه الله تعالى للمؤمنين غير موجود بالنسبة إلى الكفار، وأما قوله تعالى: فَاللَّـهُ 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

(1) النساء: 141.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حيث جعلها بعض المفسرين(1) دليلاً على ارتباط الذيل بيوم القيامة، فهو يبدو بعيداً بنظر الإنسان.

فإذا كانت الآية راجعة إلى التكوين، كما هو الأقرب إلى الذهن، إذن فلا ربط لها بمسألة بيع المسلم على الكافر.

وأما إذا كانت بمعنى أعمّ يشمل كلّ أنحاء السلطنة فتشمله، إلّا أن هذه المسألة خارجة عن محلّ كلامنا فعلاً، وإنما نريد أن نرى أنه إذا لم يكن بيع المسلم للكافر جائزاً فهل يكون بيع المصحف حراماً أيضاً؟ 

إما أن يقال: هذا طريق مجعول من الله تعالى للكافرين على المسلمين، أو يقال: إن عدم السلطنة لأجل احترام المؤمن، واحترام القرآن، أكثر من المؤمنين، كما ذكر الشيخ(2)

ونحن ناقشنا في الصغرى فإنه أحياناً يجب نشر القرآن بين الكفّار، ولا يجوز سلطنة الكافرين على المسلمين.

فإن مقتضى نفي السلطنة بكلّ أنحائها أن يتجهّز المسلمون ضدّ الكفار ليخرجوا عن مقتضى هذه السلطنة، ولا يقولون إن سيطرة الكفار علينا قضاء وقدر، فنرضى بقضاء الله وقدره، فإن سلطنة الكفار لم تكن برضا الله تعالى ولا جعله.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

(1) اُنظر: مجمع البيان 3: 196، تفسير سورة النساء.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 586، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي، مسألة: يُشترط في من ينتقل إليه العبد المسلم … أن يكون مسلماً.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

فأما من ناحية القوى البشرية كالعقل والإرادة وغيرها فقد أعطاها لكلّ البشر، وأما من ناحية التوفيق والهداية الخاصّة فقد حجبه عن الكافرين، وأما من حيث الحكم الشرعي فهو لا يرضى بهذه السيطرة ويوجب القيام ضدّها والخروج عنها.

والقرآن ليس فيه الأراجيف الموجودة في الأناجيل المزورة المحرّفة، فإن فيها من الأراجيف ما يلزمهم بستره على الناس في زواياهم، ومع ذلك نراهم ينشرونه، لكن بين الناس الذين لا يلتفتون إلى أراجيفه كأفريقيا. 

وأما القرآن الذي جاء لهداية كلّ الناس، فلا يجب حفظه عند المسلمين، وأن لا يطلع عليه الكفّار، بل يجب نشره أمام العالم، وليس في ذلك أيّ إهانة، بل هو إبراز لعظمة القرآن ولأفكاره العليا. نعم، لو دلّ دليل خاصّ على عدم الجواز لتعبّدنا به، ولكنّه مفقود وهذه الآية والرواية لا تدلّان على ذلك.

ولو استطعنا أن نستفيد من الآية -بناءً على قولهم-: (أن كلّ محترم لا يجوز بيعه إلى الكافر) لشمل كتب الحديث والفقه فإنها محترمة أيضاً، وهو يوجب اختصاص الدعاية والثقافة الإسلامية بين المسلمين، وحجبها عن الآخرين، فلا ينفذ القرآن ولا الحديث إلى العالم، وهذا ليس من الإسلام، والسبب السياسي المعروف من ذوق الشريعة ينفيه، ما لم يقم عليه دليل خاصّ، وهو غير موجود.

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  



[قوله (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه] 

 

ومنه أتّضح الحال في الرواية: “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه(1)، فإن الإسلام لا يتأخّر أصلاً، فبالرغم من كلّ الضعف الذي عندنا، فإن أحكام الإسلام ودعوته تتقدّم دائماً، وإذا ذهب القرآن إلى الآخرين يجعل لنفسه مكاناً واحتراماً، حتى يسيطر إن شاء الله تعالى ويكون هو الغالب.

إذا لم يقم دليل على بطلان بيع المصحف، فمقتضى القواعد صحّته، ولو دلّ الدليل على بطلان البيع دون ما سواه من أنحاء النقل كالصلح، فبمقدار ما دلّ عليه الدليل نتعبّد به، ويبقى الباقي تحت القواعد المصحّحة. وما قلناه من مذاق الإسلام في وجوب نشره لم نكن نقصد تتميم المطلب به، وإنما قلناه بعد عدم تمامية الدليل عليه.

تبقى رواية: “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه“. ولا إشكال في سندها كما تقدّم، وأما دلالتها ففيها احتمالان:

أحدهما: أنها جملة خبرية جداً كما هي كذلك ظاهراً، نظير ما ورد في القرآن أكثر من مرّة من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ(2) ومعناه -كما في اللغة والتفسير-: 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) التوبة: 33.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

ليعليه على الدين كلّه، وإذا كان المراد بالرواية هو علو الإسلام دائماً، فلا بُدّ أن يكون المقصود هو أن حجّة الإسلام تعلو على سائر الحجج، وإن كان إخباراً عن الغلبة الخارجية، فلا بُدّ أن يكون المراد هو عصر الحجّة المنتظر كما ورد في تفسير(1) هذه الآية الشريفة.

الاحتمال الآخر: أن تكون قضية إخبارية سيقت مساق الإنشاء والبعث، فكأنّه حثّ المسلمين على الاجتماع، وجعل الإسلام هو الغالب على غيره، ولا يجوز لهم أن يسمحوا للآخرين بالسيطرة عليهم، فالمراد أن الإسلام يجب أن يكون عالياً ومسيطراً على الآخرين، ولا تجوز سيطرة الآخرين عليه. 

وعليه فنقول: إن من أهمّ أسباب علوّ الإسلام هو نشر القرآن في جميع الأصقاع، فهل يكون هذا الحديث دليلاً على وجوب الاحتفاظ بالقرآن بين جدران المسلمين، وحجبه عن الآخرين، وعدم جواز بيعه إليهم وتسليطهم عليه. بل يجب اطّلاع كلّ الناس على آيات القرآن؛ لكي يكون هذا سبباً لعلوّه الخارجي، كما هو عالٍ في المضمون وفي الحجّة.

والقرآن بنفسه له خصوصية لا تتوفّر في نشر ترجمته باللغات الأخرى، أو نشر الأحكام بلغات أخرى دونه، فإن كثيراً من الناس بواسطة نفس القرآن قلّت صلابتهم ضدّ الإسلام على أقلّ تقدير، وهناك أمل كبير في تحقّق ما هو أكبر من ذلك وأكثر. 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في تفسير الآية في البرهان في تفسير القرآن 2: 769-770، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

وأما الاحتجاج بأننا نطمئن بأنهم يمسّوه فينجّسوه، وتنجيسه غير جائز، فمضافاً إلى أن الرسول كتب الكتب إلى الناس وفيها القرآن ومنهم الكفار والملحدين، وأجزاء القرآن لا تختلف عن مجموعه من حيث وجوب الاحترام وحرمة التنجيس، على أن المسألة مسألة المزاحمة، وتقديم الأهمّ، فإن وجوب نشر الإسلام لا يمنعه أو يسقطه كونهم يمسّون القرآن جهلاً بالحكم الشرعي أو إنكاراً له.

إذن فلم يدلّ دليل على عدم جواز بيع المصحف، أو إذا جاز نشر القرآن جاز نشر كتب الحديث والفقه.

هذا تمام الكلام في هذه المسألة، ومعه ينتهي الحديث في شرائط المتبايعين.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  






الفهرس

 

تمهيد 11

دلالة الروايات على لزوم الإمامة في كلّ زمان 21

[رواية الكافي] 21

[رواية العلل] 26

[اختصاص المراتب السامية بالمعصومين] 30

[الأدلة على الحكومة والولاية] 35

[رواية الصدوق (اللهم ارحم خلفائي من بعدي)] 41

[رواية حصون الإسلام] 45

[رواية الفقهاء أمناء الرسل] 52

[الاستدلال ببعض الروايات] 58

[مقبولة عمر بن حنظلة] 63

[توهم اختصاص المقبولة بباب القضاء] 69

[مشهورة أبي خديجة] 71

الجهة الأولى 72

الجهة الثانية 74

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [الروايات المؤيدة في المقام] 77

[العلماء ورثة الأنبياء] 77

[رواية تحف العقول] 86

[فروع يعم الابتلاء بها من ولاية الفقيه] 96

[الكلام في سهم الإمام وسهم السادة] 96

[في مصرف سهم السادة] 97

[حكم سهم الإمام] 103

[هل روايات المعروف معارضة لاختصاص الولاية بالفقيه] 110

[مسألة ولاية عدول المؤمنين] 119

[دلالة الروايات في المقام] 122

[الاستدلال بصحيحة ابن بزيع] 122

[الاستدلال برواية إسماعيل بن سعد] 130

[الاستدلال برواية سماعة] 133

[الاستدلال برواية علي بن رئاب] 134

[هل يجوز الاكتفاء بالوثاقة في المقام] 138

[النسبة بين أدلة ولاية الفقيه وأدلة ولاية العدول] 145

[في مزاحمة الفقيه للفقيه الآخر] 149

[مقتضى الأصل عند الشك في المقام] 159

[في منازعة الفقيه لغيره] 164

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [تصرف غير الفقيه والعدل في مال اليتيم] 166

[كلام حول دلالة الاستثناء] 170

[مفاد الاستثناء في قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)] 171

[في مفاد قوله تعالى (ويسألونك عن اليتامى)] 175

[دلالة الروايات على التصرف بمال اليتيم] 176

الطائفة الأولى: 178

الطائفة الثانية: 180

[اشتراط المصلحة وعدمها في غير الأب والجد] 186

[في المراد الكنائي (لا تقربوا مال اليتيم)] 187

[ما المراد من كلمة (الأحسن) في الآية] 194

[القرب بالمعنى المصدري يتصف بالحسن بلحاظ متعلقه] 199

[في مقدار دلالة الروايات على المطلب] 202

[رواية ابن رئاب] 202

[في الروايات الدالة على جواز التصرفات الخارجية] 204

[كلام الشيخ الأصفهاني في المقام] 207

[في دلالة الروايات على التصرفات الاعتبارية] 209

[في الفرق بين الأحسن والحسن] 213

[مسألة جواز تمليك المصحف للكافر] 217

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج9  

 [قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] 220

[قوله  (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه] 226

الفهرس 229