الجزء العاشر
3 , 373
ص44 الصدر، محمد.
كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج10 (416ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1703/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1703) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
6-09-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
كتاب البيع
تقريراً لما أفاده الأستاذ
آية الله العظمى
السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء العاشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
شرائط العوضين
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[الشرط الأول: اعتبار المالية في العوضين]
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يقع الكلام في: شرائط العوضين:
قالوا(1): إنه يشترط في العوضين أن يكونا متمولّين.
هناك مناقشة، وهي: أن كونهما متمولّين دخيل في صدق البيع؛ لأنه مبادلة مال بمال، فإذا لم يكن مالاً لم يكن بيعاً، ومعه يكون جعله في بحث شرائط العوضين غير صحيح، بل لا بُدّ أن يذكر في بحث مقدّمات ماهيّة البيع.
ولكن هل يشترط في البيع كونه مبادلة مال بمال، وإذا لم يكن مالاً -ولكن لشرائه أغراض أخرى- لم يكن بيعاً؟!
وهذه الأغراض مرّة باعتبار الخاصّية التي في الشيء والتي توجب رغبة العقلاء به، فهذه الأغراض مما توجب ماليته. وهناك أغراض لا يحصل منها المالية، وإنما هي لمجرّد دفع الضرر، كما لو وجد الفأر في أرض أو مزرعة فيعلن صاحبها بأنه يشتري الفأر الواحد بعشرة فلوس مثلاً، فهذا لا يعني كون الفأر أصبح ذا ثمن، وأصبح مضموناً، غاية الأمر أن صاحب المزرعة، مرّةً يُعطي
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 9، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين الماليّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أُجرةً على صيده، وأخرى يكون باعتبار الشراء لدفع شرّه. فهل هذا لا يصدق عليه البيع عند العقلاء، وأنك تدفع إليه الأجرة؟ أو أنه بيع في الواقع وهذا ثمنه؟ وبه يصبح الفرد مالكاً لا يجوز غصبه، لكنّه ملك لا مالية له؟ فهذا مما يُبذل بإزائه المال وليس مالاً، بل لأجل دفع الأذى، إذن؛ فكونه متمولّاً ليس من شرائط صدق ماهيّة البيع.
كلام آخر: هل المالية التي نفرضها معتبرة في البيع، هل هي المالية لدى نوع العقلاء، أو يكفي كونه مالاً عند جماعة من العقلاء؟ مثلاً نوع من حيوانات الماء يتنفر منها العقلاء، ولكن نوع من الناس يأكلونها ويبذلون بإزائه المال، أو مثلاً هناك شيء لا يرغب فيه العقلاء، ولكن هناك مرض يصلح أن يكون هذا دواء له، فيبذل عشرة من الناس أو واحد، بإزائه المال الكثير، فهل يكفي كونه متمولّاً لعشرة من الناس أو واحد. فيصدق البيع على شرائه بأعلى القيم؟ ظاهراً يصدق البيع، إلّا أن يقال: إن العرف يقول: هذا مال عنده، وهو يكفي في المالية، فيكون النزاع لفظياً.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الآن نبحث على الفرضين: فرض اعتبار المالية، وفرض أنها ليست معتبرة في المورد الذي نشكّ أنه مال أو ليس بمال.
الشيخ يقول(1) أوّلاً: إن البيع غير صحيح؛ لأنه مبادلة مال بمال، ثُمّ يتمسّك بقوله: “لا بيع إلا في ملك”(2)، ثُمّ في نهاية كلامه يتمسّك بعمومات أَوْفُوا بِالعُقُودِ(3) وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(4). ولكنّنا إذا اعتبرنا المالية في صدق مفهوم البيع، فلا يمكن التمسّك في مورد الشكّ بالعمومات، للشكّ في صدق البيع والتجارة. فكيف قال الشيخ بذلك مع أنه هو الذي علّم الناس هذه المطالب وأخذوها من بعده عنه؟!
وكلّما فكرنا لم نجد للجمع بين صدر كلامه وذيله جمعاً صحيحاً، فإننا إذا حملنا الملك على المال لم ينسجم الصدر مع الذيل، وإذا حملنا كلامه على غير مورد الشكّ، لم ينسجم مع بعض كلامه الآخر، وعلى أيّ حال إن أراد هذا
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
(2) تقدّم تخريجه آنفاً.
(3) المائدة: 1.
(4) البقرة: 275.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المعنى، فلا مجال للتمسّك بالعمومات.
أو أنه يريد أن يقول: إن البيع لا يحتاج إلى المالية، فإذا شككنا أو علمنا أنه ليس بمال، ولكنّه يصدق عليه البيع، ولكنّنا احتملنا أن المالية معتبرة عند العقلاء، بشرط زائد على ماهيّة المعاملة، أو احتملنا أنها عند الشارع كذلك، ففي مثل ذلك لا مانع من التمسّك بالعمومات.
وبعضهم منع من التمسّك بالعمومات، باعتبار أن الشروط التي للمعاملة كالعربية وتقدّم الايجاب، والتي للعوضين كاشتراط المعلوم في مقابل بيع المجهول، والمتعاملين كالبلوغ والرشد، في هذه الموارد الثلاثة قد يكون الشكّ في وقوع ما هو الشرط بعد العلم بالاشتراط، كما لو شككنا في وقوعه بالعربية بعد العلم بالتقيّد بها، فهنا لا شكّ أن هذا العقد لا يمكن التمسّك لتصحيحه بـأَوْفُوا بِالعُقُودِ، بالرغم من صدق البيع عليه؛ لأن المفروض كونه مقيّداً، فيكون شبهة مصداقية للعامّ وللمخصّص.
وأما إذا شككنا بأصل الشرط، فهل نتمسّك بـأَوْفُوا بِالعُقُودِ أو لا؟
فهنا يقال: بعدم إمكان التمسّك؛ لأن هذا العموم لا يتعرّض إلّا لشرائط جهة البيع، وأما شرائط العوضين والمتعاملين فلا تعرّض فيها إليها. أو أن تمام هذه الشرائط ترجع -في الحقيقة- إلى صحّة العقد، فالشرط وإن كان في المتعامل، إلّا أننا نشكّ أن البائع إذا كان صبياً هل يصحّ العقد أو لا؟ أو اذا لم يكن للشيء المبيع مالية هل يصحّ أو لا؟ والشارع كان في مقام البيان، وقال: (إذا تحقّق البيع فهو نافذ)، فكلّ شرط شككنا عند عدمه في نفوذ البيع زائداً على
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ماهيّة البيع ندفعه بالعموم، سواء احتملت كونه شرطاً عقلائياً أو شرعياً.
فظاهر كلام الشيخ(1) هو ما فهمه الآخرون(2)، وأشكلوا عليه من كونه تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 9-10، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين الماليّة.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند الخراساني): 103، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأول، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 10، البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الجهة الأخرى: ما قالوه إن المالية قد تكون عقلائية وقد تكون شرعية، وقد يجتمع العنوانان وقد يفترقان.
ويرى في العبارات أن الشارع أسقط ماليته العقلائية، مع أن هذا غير مقدور للشارع، وما يستطيعه الشارع هو التعبّد بأن لا نرتّب آثار البيع عليه. وكونه ليس بيعاً عندي لا معنى له؛ لأن الماهيّة إما صادقة وإما غير صادقة. وليس عندي وعندك له أثر، وإذا لم نرتّب الأثر يكون النزاع لفظياً في أنه ليس بمال في محيط الشارع أو لا. وإذا احتملنا الإسقاط لا يمكن التمسّك بالإطلاق، ولكن حيث يبقى الصدق العرفي موجوداً يمكن التمسّك به.
إذن فاشتراط المالية ليس فيه دليل قوي.
ثم أنه مرّة تعتبر المالية في العوضين في مطلق المعاملات، وأخرى لا نعتبرها في مطلق المعاملات، وإن كانت موجودة نوعاً، وثالثة نعتبرها في خصوص البيع؛ لأنه عُرّف بكونه مبادلة مال بمال. ولكن في سائر المعاملات لا نعتبرها.
فإذا اعتبرناها في مطلق المعاملات ففي موارد الشكّ لا يمكن التمسّك بالعمومات؛ لأن كلّ معاملة تقع في العالم تحتاج إلى مالية، وهذا وإن كان عقداً
ــــــــــ[18]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إلّا أنه يحتاج إلى مالية، وأما إذا قلنا بعدم احتياجها إلى المالية فيمكن التمسّك بالعمومات بوضوح.
وإنما الإشكال فيما إذا اعتبرنا المالية في البيع دون غيره، وهنا مرّة يقصد المتعاملان إيجاد معاملة بيعية، وأخرى يقصد بها إيجاد معاملة أخرى، وما هو موضوع البحث هو البيع. فهل نقول: أن هذا البيع هو بيع وعقد وشرط وتجارة، هو عدة أشياء؟ وإذا كنّا شاكّين في البيع فلسنا شاكّين في كونه عقداً وتجارةً وشرطاً. فإن لم يمكن التمسّك بـ أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ لكونه شبهة مصداقية، فإنه يمكن التمسّك بالعمومات الأخرى، كما قال الشيخ محمد حسين(1)، وقال: إننا إذا أردنا التمسّك بـ أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ أو برواية (تحف العقول)(2) التي فيها: (البيع كلّه حلال إذا كان فيه صلاح)(3). فهذا لا يمكن؛ لكونه دخيلاً في الماهيّة، وأما غيره من العمومات فيكون شاملاً له إذا كان يفيد المعنى العامّ لا العناوين الخاصّة.
والفرق -في الحقيقة- بين هذه العمومات، إنما هو باختلاف الموضوع المأخوذ فيها، وهي مترتبة من حيث الخصوص والعموم، فأخصّها أَحَلَّ اللَّـهُ
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) راجع حاشية المكاسب (للأصفهاني) 3: 10، شرائط العوضين، الشرط الأوّل.
(2) تحف العقول: 333.
(3) نص الرواية:”وكلّ شيءٍ يكون لهم فيه الصلاح من جهةٍ من الجهات، فهذا كلّه حلالٌ بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته وعاريته”، وسائل الشيعة 17: 84، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 2، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
البَيْعَ، وأوسع من دليل التجارة؛ لأنه يشمل كلّ تكسّب، وأوسع منه دليل العقود؛ لأنه يصحّح العقد سواء كان كسباً ومربوطاً بالمال، أو لم يكن -لو قلنا بشمولها له-، فما لا يشمله دليل البيع يشمله دليل التجارة كالإجارة، وما لا يشمله دليل التجارة، يشمله دليل العقود، كالعقود غير المالية.
صحيح عندنا عدّة اعتبارات (بيع وتجارة وعقد وشرط)، لكن ليس معناه أنه ينحلّ العقد إلى ثلاثة أمور أو أربعة، وإنما يكون بيعاً وعقد البيع وشرط البيع وتجارة البيع. فلا يمكن القول بأن هذا ليس بيعاً، ولكنّه تجارة وعقد. مع أني أريد أن أصحّح البيع، فاذا لم يكن مشمولاً لدليل البيع لكونه شبهة مصداقية له، يكون كذلك بالنسبة إلى كلّ العمومات.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[الشرط الثاني: اعتبار الملكية]
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما مسألة اشتراط الملكية في العوضين:
فالشيخ(1) عبارته مشوشة، كأنّه ليس له بها عناية، فهو لم يذكر أنه يشترط الملكية، وإنما قال: بأن الفقهاء اشترطوها احترازاً من عدّة أمور. والكلام تارةً يقع في اعتبارها في ماهيّة البيع، وأخرى في اعتبارها في صحّته.
أما في ماهيّة البيع فلا إشكال أنها غير معتبرة؛ لأن ماهيّة البيع عبارة عن تبادل إنشائي، والصحّة وعدمها متأخّرة عن الماهيّة وتقرّرها الذاتي. ومن هنا يكون بيع الفضولي بيعاً، وكذا بيع الصرف والسلم قبل القبض بيعاً. وإن كانت الماهيّة متقوّمة بذلك فلا يعقل أنها تقع في مورد ولا تقع في مورد، بل لا بُدّ أن تقع في كلّ مورد، وبيع الأوقاف من قبل أوليائها، مع أننا لا نقول بكونه ملكاً، بل الوقف العامّ فكّ ملك، فلا بُدّ أن لا يكون بيعها بيعاً مع أنه بيع. فلا ماهيّة البيع ولا صحّته تتوقّف على الملكية، من غير فرق بين الكلّيات -كما قال الجميع- وبين الجزئيات.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 11، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين الماليّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إنما الكلام في أنه يعتبر في صحّة المعاملات السلطنة على المبيع، بحيث لولاها لبطل العقد.
قيل: إن ما هو المعتبر في باب المعاملات أن يكون المبيع تحت سلطة البائع، فبيع الأوقاف ونحوها للولي الذي له سلطة دون غيره، وكذلك هو ولي الصغير. فهل هذه قاعدة عامة؟ وهل هذه قاعدة كلّية؟ بحيث نحتاج إلى سلطنة على المبيع في صحّة العقد، فنحتاج إلى التأويل في بعض الموارد؟ ويأتي الكلام في بيع الكلّي.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
قال الشيخ محمد حسين(1): إنه في الكلّيات والمباحات العامة جهة مشتركة وجهة مختصّة ببيع الكلّي، فالكلّي تارةً لا يضاف إلى الذمّة فلا سلطنة لي عليه، فالبيع يكون باطلاً، وكلّ الناس متساوون بالنسبة إليه، وفي هذا يشترك الكلّي مع المباحات، فإن الناس سواء بالنسبة إليها، والكلّيات غير المضافة إلى الذمّة فيها جهة بطلان أخرى، وهي أنها غير متعيّنة ويعتبر في المبيع أن يكون متعيّناً.
نحن نقول: إن ما قلته من أن الكلّي إذا كان مضافاً إلى الذمّة يصبح عليه سلطنة من قبل الفرد. عليه إشكال عقلي وإشكال عقلائي.
أما عقلاً فلأن الكلّي المضاف إلى الذمّة ليس قابلاً للنقل ولا للوجود، فإن الإضافة نحو من القيد، والكلّي المضاف إلى الذمّة كلّي عقلي لا وجود له في الخارج.
وأما عقلائياً فلأننا يجب أن لا نجلس في المدرسة ونفكر، بل يجب أن ننزل إلى السوق، وفي السوق غالب المعاملات بنحو كلّي، فهل رأيت شخصاً يضيفه إلى ذمّته ثُمّ يتعامل عليه؟ هذا لم يحدث في سوق العقلاء، ولا يفهمه العقلاء.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 11-12، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وفي الواقع إننا لا نحتاج إلى السلطنة بل إلى الاعتبار العقلائي، وإنما تحتاج السلطنة على الغطاء (بشتبانه)(1) لا على الكلّي، فإن العقلاء يقولون بوجود العهدة، والذمّة للفرد؛ لأنه له مال أو شأنية يعتبرها العقلاء، ويشترون منه على أساسه، من دون أن يعتبرون السلطنة له. فالشخص المحجور عليه من قبل السلطان الشرعي أو العرفي لا يشترون منه؛ لأن عهدته ليست إلّا غطاءها وهو المال مع القدرة على التسليم. وهي غير متحقّقة لديه، فإذا لم يكن للفرد هذا الغطاء، فألف إضافة إلى الذمّة لا يفيده، وبهذا الغطاء تقع الأمور مورداً لرغبة العقلاء، ويُقدمون على شرائه.
إذن فالملكية غير معتبرة في ماهيّة ولا في صحّة العقد، والسلطنة ليست معتبرة دائماً خاصّة في الكلّيات.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: دعم وسند وغطاء.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذا بنينا على أن المالية غير معتبرة في العوضين ولا الملكية، فمرّة تعتبر السلطنة، وأخرى ننكرها كبيع الكلّي من دون إضافة إلى الذمّة.
فإن لم نعتبر السلطنة، فنقول في بيع الكلّي -مثلاً-: إن العقلاء يعتبرونه ويرغبون به بدون إضافة إلى الذمّة، باعتبار وجود الغطاء له وهو القدرة على أدائه. وحينئذٍ ماذا نقول في ماهيّة البيع، وكذلك إذا اعتبرنا السلطنة، وقلنا: إن الكلّي كما أن ماليته باعتبار الغطاء، فكذلك السلطنة وهو كافٍ في صحّة البيع.
على هذا الفرض، ماذا نقول في ماهيّة البيع؟ فإنها لا مبادلة مال بمال، ولا تمليك عين بعوض، ولا جعل الشيء بإزاء الشيء، فإنه يصدق بوضع شيء إلى جانب شيء حقيقة أو اعتباراً، أو نقول: أنه نقل معاملي بعوض، غاية الأمر أنه قد يملك وقد لا يملك، ولكن يجعل له السلطنة، كنقل الأوقاف.
فنقول: بأننا لم نجد تعريفاً جامعاً مانعاً للبيع، والبيع أوضح من أن نعرّفه، وفي كلّ مورد صدق البيع عند العقلاء كان مشمولاً لـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، فبيع الأعيان والحقوق والكلّي والمنافع والأوقاف العامة، كلّها بيع عند العقلاء، ولا حاجة لنا إلى تعريف. ولو قلنا -بعبارة عامة بين ذلك-: إنه نقل معاملي بعوض، لزم صدق نقل السلطنة بإزاء سلطنة الآخر، مع أنه ليس بيعاً بلا
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إشكال. فيشكل تعريف البيع بشكل خالٍ عن الإشكال. نعم، البيع المتعارف هو مبادلة مال بمال. مع غضّ النظر عن موارد النقض.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وهناك أمور هي مال كالمعادن والأخشاب وغيرها من المباحات الأصلية مما لم يتصرّف به أحد، وليست ملكاً لأحد، وهي بالنسبة إلى كلّ الناس على حدّ سواء. ما حال بيعها؟! كبيع السمك في الماء والطير في الهواء.
المرحوم النائيني يقول(1): البيع سفهي.
وهو غير صحيح، إذ ربما يكون أحدهما قادراً على الاصطياد دون الآخر، فيبيعه ثُمّ يصطاده ويسلّمه، وتكون المعاملة عقلائية.
وأما كون الناس على السواء بالنسبة إليها، فهل يعتبر في ماهيّة البيع أن لا يكون الناس على السواء، بحيث يعتبر فيه أن يكون له نحو اختصاص بأحد العوضين؟ والذي يقول: سفهي، يقول: إنه بيع سفهي، فالماهيّة محفوظة.
وإذا قيل بأن الصحّة الفعلية منوطة بالتسليم.
فنعم، ولكنّنا نسلم بعد البيع. فإذا باع سمكة ثُمّ حازها فملكها، يكون من باب باع ثُمّ ملك، كالذي يبيع ملك غيره ثُمّ يشتريه، وهو لا يؤدّي إلى بطلان المعاملة.
غاية الأمر أن يتكلّم هنا وفي باب الفضولي حول أن أَوْفُوا بِالعُقُودِ هل
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 340، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
اعتبرت مترتّبة على صحة المعاملة؟ فهنا لا يوجد وجوب بالوفاء؛ لأن هذا البيع لم ينتج ملكاً للبائع ولا للمشتري، بل بقي على السواء بينهما وبين غيرهما، وإذا أخذه ثالث وحازه ملكه. والبيع الذي ليس له وجوب الوفاء أمر ملغى؛ لأن حاله بعد العقد لم تختلف عما قبل العقد. والصحّة التأهّلية ليس يشملها وجوب الوفاء.
وإذا قلنا بأن وجوب الوفاء غير تابع للصحّة الفعلية، بل يشمل كلّ قرار، فلو بعتك شيئاً وشرطت عليك تسليم هذا الطائر وأنت قادر على تسليمه، فهو شرط صحيح يشمله الوجوب. أو في باب الجعالة لو قال: (من ردّ ضالتي أعطيته هذا السمك الذي في النهر)، وهو قادر على صيده. فيجب علي استخراجه ودفعه، وإذا صاده شخص آخر ضمن -أي: الجاعل- قيمته. فوجوب الوفاء يقول: (يجب عليك أن تملكه وتسلّمه). ويقال في باب الفضولي: إن مقتضى وجوب الوفاء بالعقد الإلزام بالشراء وتسليمه إلى المشتري، فإن وجوب الوفاء غير مترتّب على صحّة المعاملة فعلاً. بل في الجعالة أقول: (من ردّ ضالتي أعطيته خاتم زيد). والعقلاء يرون إمكان تسليمه وصحّة عمله.
فأيّ هذين المعنيين يراد من وجوب الوفاء؟ أصل العقد هو القرار، وإطلاقه ينفي اعتبار الصحّة الفعلية، فإنها مؤونة زائدة، بحيث إنه يجب الوفاء بالعقد الصحيح الفعلي، فيكون إطلاقه شاملاً لغيره.
إذن فغير بعيد أن يكون العقد صحيحاً في مثل ذلك، ولم يقم نصّ ولا إجماع، وإنما هو أمر مبحوث على القواعد.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المورد الآخر للملكية: الأراضي المفتوحة عنوة.
يتعرّض له الشيخ(1) ثُمّ يبحث في الأراضي، وقبل ذلك لا بُدّ أن نرى مالكيته للإمام في الثلاثة الأقسام من الأراضي ما هو وضعها.
ففي بعض الروايات: (الدنيا والآخرة لنا نضعها حيث نشاء)(2) . ومنها: (الدنيا كلّها لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا)(3). ومنها: (أن جبرئيل حفر بإبهامه ثمانية أنهر، فهي لله ولرسوله ولنا) (4).
ــــــــــ[31]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 12، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين وأحكامها.
(2) نص الرواية: ” الأرض كلّها لنا”، الكافي 1: 407، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 152، كتاب التجارة، الباب 11، الحديث 23، الاستبصار 3: 108، كتاب البيوع، الباب 72، الحديث 5، ووسائل الشيعة 25: 415، كتاب إحياء الموات، الباب 3، الحديث 2.
(3) نص الرواية: ” الدنيا وما عليها لرسول الله“، الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 6.
(4) نص الرواية: ” جبرئيل أن يخرق بابهامه ثمانية أنهارٍ…، فما سقت أو استقت فهو لنا “، الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 5، ووسائل الشيعة 9: 550، كتاب الخمس، أبواب الأنفال…، الباب 4، الحديث 17.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هل يراد به -كما فهم ابن أبي عمير(1)– أنه ملك له أو الملكية الحقيقية، كما قالوا والتي لا نستطيع أن نفهمها؟
ثُمّ هناك روايات خاصّة بالأراضي الموات والغابات، ثُمّ نبحث في الأراضي المفتوحة عنوة التي هي ملك للمسلمين، وكيف هي الملكية؟
فقيد (المملوك) في المبيع أخرج المباحات الأصلية والأراضي المفتوحة عنوة، على كلام يأتي. فإذا تمّت الروايات التي ذكرها (الوافي) في ملكية الإمام كلّ الأشياء على حدّ ملكيتنا. إذن لا نجد شيئاً غير مملوك لنبحث عنه. ومن ذلك يُعلم أن الفقهاء لم يكونوا يرون المالكية بهذا المعنى للإمام، فلا بُدّ أن نقرأ الروايات لنرى إمكان حملها على معنى لا ينافي ملكية سائر الناس.
وأكثر الروايات ضعيفة السند، وإن وجد فيها ما هو المعتبر(2).
منها: ما عن (الكافي)(3)، عن محمد عن ابن عيسى، عن السرّاد، عن هشام
ــــــــــ[32]ــــــــــ
() أُنظر: الكافي 1: 410، ذيل الحديث 8، الوافي 10: 290، كتاب الخمس والزكاة والمبرّات، أبواب الخمس، الباب 33، الحديث 10، ومستدرك الوسائل 7: 304، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 5، الحديث 2.
(2) ثُمّ نقل السيد عن الباب 33 من أبواب الخمس من (الوافي) عدة روايات. (المُقرِّر).
(3) الكافي 1: 407، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 1، ووسائل الشيعة 25: 415، كتاب إحياء الموات، الباب 3، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بن سالم، عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر، قال: “وجدنا في كتاب علي أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين. أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتّقون، والأرض كلّها لنا، فمن أحيا الأرض من المسلمين فليعمّرها، وليؤدِّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي. وله ما أكل منها. فإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده، فعمّرها وأحياها، فهو أحقّ بها من الذي تركها، يؤدّي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله ومنعها، إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فأنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم”.
صدرها وذيلها يدلّ على أن المراد بالملكية الملكية الاعتبارية، كما تدلّ عليه بعض الروايات الأخرى. وعلى أي حال فمحتملاتها عديدة:
أحدها: أن المقصود بمثل قوله: (الأرض كلّها لنا)، أو (الدنيا لنا)، أو (الدنيا والآخرة)، هو الملكية الحقيقية. وأنا لا أعلم ما هو المراد بالملكية الحقيقية، هل المراد أنه كما أن الله تعالى هو مالك السماوات والأرض، ومالك يوم الدين بمعنى كونه خالقاً لها. فكذلك النبي والأئمة خالقون للدنيا والآخرة. فهل ذلك في عرض الله عزّ وجلّ، أو أن الله تعالى خلقها وجعلهم وسائط في الإيجاد؟ على أيّ حال هذا لا ربط بالروايات، فإن في بعض الروايات: “خلق الله آدم، وأقطعه الدنيا قطيعةً. فما كان لآدم فهو لرسول
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الله، وما كان لرسول الله فهو للأئمّة من آل محمّد“(1). وهذا لا ربط لها بالمالكية الحقيقية.
الاحتمال الثاني: أن النبي والأئمة مالكون كملكية الله تعالى، ونقول: إن الله تعالى مالك ملكية اعتبارية عقلائية، فكذلك النبي والأئمة، فنثبت الملكية العقلائية: إما باعتبار العقلاء إياها لله عزّ وجلّ. وإما بأن يدّعى أن الله تعالى اعتبرها لنفسه منذ الأزل وجعلها ملكاً له. فلو وكلّ النبي فباع عنه يخرج عن ملكية الله تعالى. هذا كلّه لا يمكن قوله.
الاحتمال الثالث: أن تكون ملكية الله مختلفة عن ملكية الإمام وهذا لا يمكن.
الاحتمال الرابع: أن يكون المراد به اختيار التصرّف. فكما أن الله تعالى ولي كلّ الأمور في الدنيا والآخرة، وقد خلق آدم وأقطعه الأرض وجعلها تحت اختياره وولايته. وهذا معنى زائد على الولاية التي للحكومات. فإن الحكومات ترى ولايتها في مورد الولاية. وهي سلطنة ثابتة للنبي والأئمة. وأما هذا الذي نقول، فهو كون تمام الأرض وكلّ الدنيا والآخرة قد جعلها الله تعالى تحت تصرّفهم.
وبهذا يمكن تتميم كثير من المطالب، لولا أنه مخالف لظاهر بعض الروايات، على أن المسائل الاعتقادية غير ما دلّ على ترتيب الأثر، فإنها لا
ــــــــــ[34]ــــــــــ
() الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 7، والوافي 10: 287، كتاب الخمس والزكاة والمبرّات، أبواب الخمس، الباب 33، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يمكن تتميمها برواية وروايتين، وإنما تحتاج إلى تواتر أو تسالم ونحو ذلك. فلا يمكن أن يدّعى لظاهر بعض هذه الروايات أن تمام أجزاء الأرض مملوك ملكية اعتبارية للإمام، وأنه أجاز إجازة شخصية لشيعتهم. فإن ذلك مما لم يلتزم به الفقهاء، إذ لا يكون شخص مالكاً لشيء أصلاً، مع أنهم يقولون بملكية الكافر بالحيازة.
ومنها: ما عن (الكافي)(1) عن محمد بن أحمد، عن الرازي عن أبي حمزة، عن أبيه (إذا كان هو أبو حمزة البطائني فضعيف، أو مجهول) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله قال: “قلت له أمَا على الإمام زكاة؟ فقال: أُحلّت(2) يا أبا محمد، أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام، يضعها حيث شاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز ذلك له من الله. إن الإمام يا أبا محمد لا يبيت ليلة أبداً ولله في عنقه حقّ يسأله عنه“(3).
فهذه الرواية خلاف الضرورة من وجوب الزكاة على الإمام عند وجود النصاب لديه. وإن كان المراد بكون الإمام لا يبيت ليلة ولله في عنقه حقّ، يعني: لا تكليف عليه أصلاً، فهذا لا يمكن تصديقه. نعم، لا يبيت الليلة إلّا وقد أفرغ ذمّته من التكليف.
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 4.
(2) أي: أتيت بالمحال وتكلّمت به.
(3) الوافي 10: 290، كتاب الخمس والزكاة والمبرّات، أبواب الخمس، الباب 33، الحديث 8.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
على أن رواية الكابلي مشتملة على مطلب قام الإجماع على خلافه، وهو دفع الخراج، وإنما على الزارع الزكاة لا الخراج. وإذا كان الإمام مالكاً لجميع الأرض وما عليها، فليس هناك مالك غيره، غاية الأمر أن الشيعة مأذونون وغيرهم غاصبون، وعلى أيّ حال لا يجب الزكاة على أحد. إذن فلا بُدّ من طرح الكتاب والسنة الدالّة على وجوبها والتأكيد والأهمّية التي لها في الشرع. وأن السني إذا استبصر صحّ عمله إلّا الزكاة. تطرح كلّ ذلك بهذه الرواية الضعيفة؟!
نعم، النبي والأئمة أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم. ولهم التصرّف فيها وفيهم بنحو زائد على تصرّف الحكومات، وهذا غير أن الملكية منفية عن كلّ أحد إلّا للإمام.
(التهذيب)(1): عن سعد، عن أبي جعفر، عن السرّاد، عن عمر بن يزيد، قال: “رأيت مسمعاً بالمدينة، وقد كان حُمل إلى أبي عبد الله تلك السنة مالاً، فردّه أبو عبد الله عليه. فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبد الله المال الذي حملت إليه؟ قال: فقال: إني قلت له حين حملت المال: إني كنتُ ولّيت البحرين الغوص، فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئتك بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك، أو أعرض لها وهي حقّك الذي جعله الله في أموالنا. فقال: أوَما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلّا الخمس؟ يا أبا سيّار إن الأرض كلّها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا. فقلت له: وأنا أحمل إليك
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 4: 144، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 25.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المال كله. فقال: يا أبا سيّار قد طيّبناه لك وأحللناك عنه، فضمّ إليك مالك. وكلّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون، يحلّ لهم ذلك، حتى يقوم قائمنا فيحبيهم طسق ما كان في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم. وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم، حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صَغَرةً“.
(الكافي): قال عمر بن يزيد: “فقال لي أبو سيار: وما أرى أحداً من أصحاب الضياع ولا من يلي الأعمال يأكل حلالاً غيري، إلّا من طيّبوا له ذلك(1).
فنرى الإمام -بحسب الرواية- يقول للشيعي الذي يأتي بالخمس: إن كلّ المال لنا، وأنه ليس لنا الخمس فقط. فكأنّ عمر بن يزيد يريد أن يضع شيئاً في مقابل الآية(2)، الآية تقول: الخمس للإمام، وعمر بن يزيد يقول كلّه للإمام، إذا كان المراد بالرواية هو أولوية التصرّف فهو صحيح، ولكن ظاهر الرواية هو ملكية المال في عرض ملكية الخمس، وعلى ما قلناه يريد الإمام أن يقول: إنك تخيّلت أن لنا حقّ التصرّف في الخمس، بل لنا حقّ التصرّف في الجميع.
ومنها: ما في (الكافي)(3) عن محمد، عن أحمد، رفعه إلى عمرو بن شمر، عن
ــــــــــ[37]ــــــــــ
() الكافي 1: 408، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 3، ووسائل الشيعة 9: 548، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب4، الحديث 12.
() أي: آية الخمس الواردة في سورة الأنفال، الآية: 41.
() تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
جابر عن أبي جعفر قال: “قال رسول الله: خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة. فما كان لآدم فلرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد”(1).
وهذه هي مالكية التصرّف وليست مالكية بذلك المعنى.
ومنها: ما في (الكافي)(2) أيضاً عن محمد، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن أحمد، عن علي بن النعمان، عن صالح بن حمزة، عن أبان بن مصعب، عن يونس بن ظبيان أو المعلّى بن خنيس، قال: “قلت لأبي عبد الله: مالكم من هذه الأرض؟ فتبسّم، ثُمّ قال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض، منها: سيحان وجيحان، ونهر بلخ، والخشوع وهو نهر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر، ودجلة والفرات. فما سقت واستقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدوّنا منه شيء إلّا ما غصب عليه. وإن ولينا لفي أوسع ما بين ذه والى ذه –يعني بين السماء والأرض-. ثُمّ تلى هذه الآية: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا المغصوبين عليها خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ(3) بلا غصبٍ”(4).
ــــــــــ[38]ــــــــــ
(1) الوافي 10: 287، كتاب الخمس، والزكاة، والمبرّات، أبواب الخمس، الباب 33، الحديث 3.
(2) الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 5.
(3) الأعراف: 32.
(4) وسائل الشيعة 9: 550، كتاب الخمس، أبواب الأنفال…، الباب 4، الحديث 17.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
“فما سقت واستقت“: المراد به ما يسقي الأرض بنفسه، وإلّا نقول: إن المراد من قوله: “لنا” ولاية الأمر.
ومنها: رواية أخرى(1) منها أن جبرئيل حفر خمسة أنهر بدل ثمانية.
ومنها: ما في (الكافي) (2) أيضاً عن علي بن محمد، عن سهل، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الريّان (ضعيف)، قال: “كتبت إلى العسكري: جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول الله من الدنيا إلّا الخمس. فجاء الجواب: إن الدنيا وما عليها لرسول الله“.
ظاهره: أنه مالك للدنيا كملكيته للخمس، فاذا قلنا: إن ملكيته للخمس أيضاً بنحو الأولوية، فإن المشهور أن مالكيته لمجموع الخمس ليس بنحو المالكية الاعتبارية، بل بنحو مالكية التصرّف، وخاصّة في سهم السادات، وعلى ما قلناه يكون ولي الأمر بالنسبة إلى الخمس، فكلّ الأرض يكون ولي الأمر عليها.
ومنها: ما في (الكافي)(3) عن السندي بن الربيع قال: ” لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً، وكان لا يغبّ إتيانه، ثُمّ انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك أن أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام، ووقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() اُنظر: الكافي 1: 409، الحديث 8، مَن لا يحضره الفقيه 2: 45، الحديث 1663، ووسائل الشيعة 9: 530، الحديث 18.
(2) الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 6.
(3) الكافي 1: 410، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 8.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
قال ابن أبي عمير: الدنيا كلّها للإمام على جهة الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم، وقال أبو مالك: ليس كذلك، أملاك الناس لهم، إلّا ما حكم الله به للإمام من الفيء والخمس والمغنم، فذلك له، وذلك أيضاً قد بيّن الله للإمام أين يضعه، وكيف يصنع به.
فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير، فغضب ابن أبي عمير وهجر هشاماً بعد ذلك”.
وهذه رواية ضعيفة، وتدلّ على أن المباحثة في هذا الأمر موجودة منذ ذلك الحين، وقول ابن أبي عمير: ” الدنيا كلّها للإمام على جهة الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم”، لو اقتصرنا على العبارة الثانية لقلنا: إنه يريد الأولوية، ولكنّ المظنون أنه يريد الملكية الاعتبارية، ولم يكن الملك مستعملاً إلّا بذلك، لا بمالكية التصرّف.
على أنه يبعد من ابن أبي عمير وهشام بن الحكم على جلالة قدرهما المقاطعة على مباحثةٍ، وليست المسألة من أصول المذهب حتى يكون إنكارها كفراً.
فالذي يمكن أن يقال: إن الله تعالى ولي الأمر وكذلك رسول الله، والأئمة في الدنيا والآخرة، فقد أجاز الله تعالى لهم التصرّف، وكذلك آدم وكلّ نبيّ مرسل. ولا إشكال في ذلك، وأما الملكية الاعتبارية فليست لله ولا للنبي ولا للأئمة في سائر الأرض، على أن هذه الملكية في الآخرة لا تصحّ.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بالآخرة لا بُدّ من تأويل الروايات السابقة، إما بالحمل على الملكية الحقيقية، أو بما قلناه، فإنها ليست مورداً لفتوى الأصحاب بنحو الملكية الاعتبارية.
ولا بُدّ في المقام من ملاحظة جهة هي: أن هناك نحوين من ولاية التصرّف للنبي والأئمة:
أحدهما: التصرّف في حدود سلطنته، بحسب ما تقتضي المصلحة العامة، وما تثبته الحكومات لأنفسها، وهذا هو الذي فصّلناه فيما سبق، وأثبتناه للفقهاء.
الثاني: وهو مطلب إذا كان ثابتاً للنبي والأئمة فهو أمر زائد على ذلك، ولا يرجع إلى الرئاسة العامة. كقوله: (الدنيا لنا) أو (الأرض لنا) أو (الدنيا والآخرة لنا).
فلو حملناها على ولاية التصرّف، إذن فالإمام يستطيع التصرّف في نفسي ومالي، وهذا أمر زائد على سياسة الحكومات وما هو المجعول للفقهاء، بل هو خاصّ بهم على تقدير ثبوته لا يشاركهم فيه أحد.
وفي الروايات الآتية، هل يثبت هذا المعنى الواسع الخاصّ بهم؛ لكي يقال: أن ولاية التصرّف في كلّ شيء متحقّقة، فلماذا خصّ الأنفال والأراضي بالذكر؟
فإنه يقال: إن التصرّف في كلّ شيء كان بمعنى زائد على الحكومات ومسائل السياسات والسلطنة، وأما الأنفال والأراضي فمربوطة بمسائل السلطنة والمصالح العامة.
الأراضي قسّموها إلى أقسام، والمعنى المشترك بين عّدة أقسام منها أنها
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
للإمام وهي الأراضي التي لا ربّ لها، والمعمورة من قبل الله تعالىّ والتي باد عنها أهلها أو صولحوا عليها، والأراضي المحياة إلهيّاً ثُمّ ماتت، أو كانت ميتة ثُمّ أُحييت من قبل الله تعالى.
هذه كلّها من الأنفال، والأنفال لله ولرسوله.
وكلّ مطالب الروايات هو حول مدلول الآية الكريمة، ولا تزيد عليها إلّا قوله: “وكلّ ما للرسول فهو للإمام“، ولا بُدّ أن نرى الآية ماذا تريد أن تقول، وهي قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ(1)؟ هي فيها عدّة احتمالات:
أحدها: أن الأنفال لله ولرسوله بنحو الاشاعة مناصفة، بنحو المالكية الاعتبارية، وقوله: “وما كان لله فهو لرسوله“(2)، إما وهبه له أو صالحه عليه أو أجازه للتصرّف.
الثاني: كلّه لله وكلّه لرسوله بالملكية الاعتبارية.
الثالث: أن المالكية الاعتبارية للعنوان كعنوان الألوهية والرسالة، كالذي يقال: إنه إذا وقف على الجهة فالجهة هي التي تملك، فالأنفال تكون للألوهية والرسالة والإمامة.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
(1) الأنفال: 1.
(2) بصائر الدرجات 1: 29، الباب 12، الحديث 5، ووسائل الشيعة 9: 484، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 1، الحديث 6.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الرابع: أن المالكية هنا مالكية التصرّف لا الملكية الاعتبارية، بل بمعنى ولاية الأمر، والتصرّف ولايةً اعتبارية.
الخامس: أن نقول بالتجزئة، فمثلاً نقول: الله ولي التصرّف، والنبي ملكيته اعتبارية، أو العكس، أو أحدهما ملكية الذات والآخر الجهة، وهكذا.
المالكية الاعتبارية بالمعنى الثابت لي ولك، فيأتي إلى النظر أنه لا يوجد اعتبارها بالنسبة إلى الذات الإلهية المقدسة، ليس لها اعتبار عقلائي، بحيث لو باعه وكيله لخرج عن ملكه، فهو مستبعد ومستقبح في النظر، والعقلاء اعتبروا الملكية بحسب حاجاتهم تدريجاً، فإنه لم تكن أوّلاً ملكية ثُمّ وجدت وتعقّدت إلى أن وصلت إلى حالها الحاضر، ثُمّ ستتعقّد كلّما تقدّم الزمان. ولم يحكم العقلاء بثبوتها لله عزّ وجلّ لا مشاعاً ولا مفروزاً، وإن عبّر في بعض الروايات بأنه نصفه لله ونصفه للرسول، إلّا أنها ليست معتبرة سنداً.
وكونه كلّه لله وكلّه للرسول مضافاً إلى ما قلناه لا يمكن أن يتحقّق عند العقلاء وجود مالكين اعتباريين، فبالنسبة إلى الله تعالى ولاية التصرّف أمر عقلائي، وإن كلّ أمر منه يجب إطاعته.
وأما بالنسبة إلى رسول الله فهو لم يكرّر اللام؛ حتى يقال باختلاف معناها عن المعنى الثابت لله عزّ وجلّ، وإن كان أيضاً خلاف الظاهر، بل بالنحو الذي يتصوّر لله تعالى لا بُدّ أن يتصوّر للرسول، واللام لا تدلّ على الملك.
وإنما تدلّ على نحو من الاختصاص، فإننا إذا قلنا: (السرج للفرس) لم نشعر بمؤونة، وحتى لو كان دالّاً على الملك يجب صرفه بالنسبة إلى الله تعالى،
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فيثبت نفس المعنى للرسول، فالأشياء بالنسبة إليه يضعها حيث شاء، وهو لا يشاء إلّا لمصلحة.
فالآية تدلّ على جواز التصرّف لله ولرسوله، وما كان للرسول فهو للإمام، كالذي يقال اليوم بالنسبة إلى المعادن ونحوها إنها للملك أو الدولة أو للأُمّة، على اختلاف الأنظمة، وليس معناه أنه يذهب إلى ورثته، بل بمعنى ولاية التصرّف ونفوذه.
ومما يؤيّد ذلك أنه لا إشكال في الفقه، وتدلّ عليه بعض الروايات(1) وإن لم يكن محتاجاً إليها لوضوحه، وهو أن مالكية الإمام في المقام ليست بنحو تصل إلى ورثته، فالنبي إذا مات لا تصل الأنفال الى زوجاته وبنته الزهراء، وإنما تصل إلى الإمام الذي بعده، فلو أردنا أن نجمع بين مالكية الإمام وعدم الانتقال إلى الورثة وعدم الإخلال بأدلّة الإرث، فلا بُدّ أن نقول: إنه ملك العنوان. لكن هل نقول: إن جهة الألوهية هي المالك؟! على أن مالكية الجهة تحتاج إلى دليل، والمأخوذ في الروايات هو الذات لا الجهة، على أن الجهة غير قابلة للتصرّف إلّا بالذات التي تتولّى المنصب، فيحتاج إلى دليل على أن ما يملكه منصب الرسالة يتصرّف به الرسول بالولاية، لعلّه بتصرّف غيره!!
وهذا بالنسبة إلى الله تعالى واضح، ولكنّه في الرسول والإمام غير واضح. إلّا أن يقال: إن عنوان السلطنة والولاية هو المالك، بحيث يكون السلطان هو ولي التصرّف، إلّا أنه أيضاً خلاف ظاهر الدليل.
ــــــــــ[44]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 25: 412، كتاب إحياء الموات، الباب 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مع أننا يجب أن ننظر إلى ما تراه الحكومات في مالكيتها على اختلاف الأنظمة، فيقال: إنه للدولة أو للحكومة أو للأمّة على اختلاف التعابير، فكذلك يقال إنه للإمام. فإنهم لا يريدون الملكية الخاصّة، بحيث يعود للورثة، أو مالكية الأملاك الخاصّة للناس، ولا أنهم يقولون بمالكية الجهة، وإنما يقولون بالسلطنة والولاية، والإسلام في الأمور العامة التجارية والسياسية لم يأتِ في الأغلب بشيء جديد، بمعنى: أن السلطنة عرفاً بنحو، وشرعاً بنحو آخر، هذا لا يمكن.
ولو نظرنا إلى الروايات كلّها لم تجد ما يخالف ذلك، بل في مرسلة حمّاد يعبّر: أن الأنفال إلى الوالي. ولا تقول: إنها للوالي، أو تقول: صفو المال أو صفايا الملوك إلى الإمام يصرفها في المؤلفة قلوبهم. فالإسلام لم يأتِ بشيء جديد في الدول، ولعلّه هو الذي ابتدأ هذه المطالب، ولعلّها كانت قبله، لا أعلم.
وأما دعوى الإجماع(1) على أنها للإمام، لا نعلم كونه بنحو الملكية الاعتبارية، بل لعلّهم أرادوا ما أردنا، على أنها ليست مسألة إجماع، بل تستفاد من الكتاب والسّنة.
والآن لا بُدّ أن نبحث عن خصوصيات الأراضي.
أحدها أقسام الأرضين: الأراضي الموات، ولها مباحث طولانية محلّها باب إحياء الموات، وإنما نذكرها بنحو الإجمال.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) اُنظر: الخلاف 3: 525، غنية النزوع: 204، جامع المقاصد 7: 9، جواهر الكلام 38: 11، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
في الطائفتين من الروايات السابقة: روايات (الدنيا والآخرة لنا)، وروايات: (الأنفال للإمام) قلنا إن الطائفة الأولى لا بُدّ من تأويلها، فإن الأخذ بظاهرها خلاف الضرورة، بل إن لها لوازم شنيعة جداً، فإن مقتضى كون الأرض وما عليها للإمام أن الناس وأموالهم له أيضاً، ومقتضى أنهم أحلّوا ذلك للشيعة هو أنه يحلّ للشيعة نساء أهل السنة ونساء أهل الكفار، والعقد الذي عقدوا باطل؛ لأنه بدون إذن، وتصرّف الشيعي حلال؛ لأنه بالإذن. وكذلك بالنسبة إلى أموال أهل السّنة وأهل الذمّة وسائر الناس، وكلّ ذلك خلاف ضرورة الدين. وأما ما قاله صاحب (الجواهر)(1) عن بعض المحدّثين: إن الأمر كذلك، لكنّه خلاف التحقيق، فهو غفلة عن لوازمه الباطلة.
وهذا -على تقدير ثبوته للنبي– ليس من باب الحكومة وإن سمّي بالولاية، ولكنّنا حملناها على مالكية التصرّف، فيثبت أن المال بالرغم من كونه مالي، فللنبيّ والإمام أن يتصرّف فيه، فيطلّق زوجة زيد ويبيع ماله، مع غضّ النظر عن المصالح العامة للمسلمين، وهو أيضاً أمر زائد على باب الحكومة. وعلى أيّ حال: فإن لم نستطع أن نصرف هذه الروايات عن ظاهرها فلا بُدّ أن ندَعْ علمها إلى أهلها.
وأما بالنسبة إلى الأراضي الموات التي ورد أنها للإمام، ففيها عدّة كلمات:
أوّلاً: في أن هذه الأراضي التي للإمام فهل، يجوز لغير الإمام أن يتصرّف
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 38: 11، كتاب إحياء الموات، الطرف الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فيها بتحجير أو إحياء ونحوه؟ أو أن جواز التصرّفات موقوفة على إذن الإمام؟
وثانياً: أنه إذا كان موقوف على الإذن فهل أعطى الإمامهذا الإذن أو لا؟ وما هي حدود هذا الإذن؟ هل هو للشيعة أو المسلمين أو لمطلق الناس؟
وثالثاً: إذا لم يثبت الإذن من قبل الإمام فهل يستطيع الفقيه العادل أن يأذن أو لا؟ بمعنى أنه هل تعمّ ولاية الفقيه لهذا المورد أو لا؟
أما الكلام الأول، فبناءً على أن الإمام مالك لرقاب الأراضي، فبحسب القواعد لا يجوز التصرّف بماله إلّا بإذنه، وما يُرى في بعض الكلمات من أنه مالك حال الموت، فإذا تبدّلت بالإحياء ارتفع ملكه؛ لأنه كان تابعاً للعنوان، غير تامّ؛ لأن الإحياء وقع على ملك الغير بدون إذن صاحبه، فلا يكون جائزاً.
وكذلك بناءً على الولاية السلطنتية والحكومتية، فإن معناها أن هذه الأراضي موكول أمرها إلى الوالي وهو النبي والأئمة، فكما أن الولي العرفي لا يتصرّف الناس بما يرجع إليه إلّا بإذنه، كذلك الوالي الشرعي، لا فرق بين مالكية الشيء والولاية عليه، والحكومات لا زالت تمنع الآخرين عن أقطارها أرضاً وبحراً وجواً، فليس للدول الأخرى التصرّف بشيء من ذلك إلّا بإذنها، لا من باب أنها مالكة بل من باب أنها ولي الأمر عليها.
وكونه أمر جديد من الإسلام يختلف عما عليه العقلاء، فليس الأمر فيه كذلك، بل الشارع ماشٍ على ذلك المشي. إذن فالقواعد تقتضي عدم جواز
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التصرّف، والفقهاء(1) يقولون به، غاية الأمر أنهم يقولون إنه ملك، ولا أحسب أنهم يريدون غير الذي قلناه، ومن هنا لم يتعرّض أحد منهم أنه يذهب إرثاً أو أنه يكون منحلّاً بأدلّة الإرث.
الكلام الآخر أننا إذا لم نستطع أن نفهم أن الإمام أجاز أو لم يجز، فهل للفقيه أن يعطي الإجازة أو لا؟
قد يقال(2): إن الأراضي الموات من الملك الشخصي للإمام كسهمه، وولاية الفقيه لا تشمل الملك الشخصي له، بل غاية ثبوتها في الأمور السلطانية.
لكنّه يقال: إن الأمر إذا كان كذلك فلماذا لم يذهب إرثاً؟ وكذلك سهم الإمام لا إشكال أنه ليس من الملك الشخصي، ولذا ينقل إلى الإمام الذي بعده، بل هو من أوضح الأموال السلطانية، ولذا فإما أن تقولوا: إنه ملك الإمام بما أنه إمام، أو إنه ولي التصرّف فيه، أو إنه ملك الدولة الإسلامية، أو إنه ليس ملكاً أصلاً، بل هو مال مذخور لحوائج الإسلام، وعلى أيّ حال فالإمام وليّ الأمر عليه.
أما على ما هو الحقّ من الولاية ونفوذ التصرّف، سواء في سهم الإمام أو الأراضي فواضح، إلّا إذا ورد فيها الإذن.
وأما إذا قلنا: إنه جهة الولاية هي المالك، فهذه الجهة تحتاج إلى ولي، والولي
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 18، شرائط العوضين، أقسام الأرضين وأحكامها، القسم الأوّل، المقام الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هو الإمام، وعلى كلّ حال فهذه الولاية السلطانية الثابتة للإمام تنعقد بعده إلى الفقيه، وتشملها ولاية الفقيه، فللفقيه أن يقول: من أحيا أرضاً فهي له، وان لم يرد بذلك نصّ عن الإمام.
وأما ما تجدونه في بعض الحواشي(1) من أنه ولاية الفقيه إنما هي في الجهات السلطنتية، وهذا ملك للإمام كسهمه، فغير تامّ كما عرفنا. نعم، لو كان مالاً شخصياً لكان موروثاً، ولم يكن للفقيه عليه ولاية، لكن هذا المبنى باطل في نفسه.
وفي باب موات الأراضي لا إشكال أنها للأمام، وليس لأحد التصرّف فيها، ولكنّه ليس واضحاً جداً. فإن هنا ثلاث روايات: إحداها مرفوعة، والأخرى مرسلة، والثالثة محمولة على الخربة لا على مطلق الموات، لكن مقتضى القاعدة في الشؤون السلطنتية هي كونها بإذن الإمام، ولو لم ترد هذه الروايات.
الكلام الآخر: أنه هل عندنا دليل على أن الائمةأجازوا التصرّف أو لا؟ وما هي حدود الاجازة؟ ثُمّ يبقى كلام صغير في أن المحيي هل يصبح مالكاً للأرض أو لا؟ حيث قال: الشيخ -أني أتذكر من بعض مواضع (المبسوط) أنه- قال بعدم ملكية المحيي، وعلى أيّ حال فهذا القول ضعيف غايته.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هل ورد الإذن من قبل الإمامفي إحياء الموات، وما هو حدود هذا الإذن، هل للشيعة أو للمسلمين أو للناس؟
هنا روايات يستفاد منها الإذن للشيعة، وتنفي الإذن عن غيرهم.
منها (1): ما في الباب الرابع من أبواب الأنفال، من كتاب الخمس من (الوسائل): الكليني بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن أبي جعفر (وهو مشترك بين كثيرين، جملة منهم وكلّهم يروي عنهم سعد بن عبد الله، إلّا أن المظنون أن يكون هو ابن عيسى)، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد (وهو مشترك بين شخصين، أحدهما غير موثّق، وكِلاهما يروي عنهما الحسن بن محبوب)، عن أبي سيّار ومسمع بن عبد الملك في حديث، قال: “قلت لأبي عبد الله: إني كنت وليت الغوص”. الحديث(2). ورواها كما سبق عن (الوافي)(3)، مع اختلاف يسير هو قوله: “فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم“، وفي (الكافي) (4): “ما في أيديهم“.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
() الرواية 12. (المقرِّر).
(2) تهذيب الأحكام 4: 144، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 25، ووسائل الشيعة 9: 548، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 12.
(3) الوافي 10: 286، كتاب الخمس والزكاة والمبرّات، أبواب الخمس، الباب 33، الحديث 2.
(4) الكافي 1: 408، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وهذه الرواية علاوة على ضعف السند أنها من الروايات التي تثبت ملكية الأرض للإمام ، وهو ما لم يقبله الفقهاء، وقوله: “كلّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض” مطلق من حيث كونه بالإحياء أو انتقلت إليه من المحيي، بحيث ينتهي إليه، إذن فلم يؤخذ بمدلول هذه الرواية.
ومنها: الشيخ(1) بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال، عن جعفر بن محمد بن حكيم (مجهول)، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، (وثّقه النجاشي(2)، وقال بعضٌ(3): رجل خبيث، والعلّامة(4) متوقّف في الأخذ بروايته، فالرواية ضعيفة بابن حكيم)، عن الحرث بن مغيرة النصري، قال: “دخلت على أبي جعفر فجلست عنده، فاذا نجيّة قد استأذن عليه، فأذن له فدخل، فجثا على ركبتيه، ثُمّ قال: جعلت فداك إني أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلّا فكاك رقبتي من النار. فكأنّه رقّ له. فاستوى جالساً. فقال: يا نجيّة سلني فلا تسألني اليوم عن شيء إلّا أخبرتك به. قال: جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان؟ قال: يا نجيّة إن لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال، وهما والله أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب الله.. إلى أن قال: اللهم إنا قد
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() الرواية 14 في نفس الباب. (المقرِّر).
(2) اُنظر: رجال النجاشي: 245/645.
(3) اُنظر: رجال الشيخ الطوسي: 339/5051.
(4) اُنظر: خلاصة الأقوال: 243، القسم الثاني، الفصل السادس عشر، الباب الثاني عشر.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أحللنا ذلك لشيعتنا“. الحديث(1).
أن في كلام الإمام بمجموعه احتمالين(2):
أحدهما: أنه راجع إلى سائر العناوين المذكورة.
ثانيهما: أنه راجع إلى الأنفال، على أن الفقهاء لا يقولون للإمام بالملكية بذلك المعنى.
ومنها: عن علي بن محمد (وهو من مشايخ الصدوق، وهم غير محتاجين إلى التوثيق على ما قيل)، عن علي بن العباس (ضعيف جداً)، عن الحسن بن عبد الرحمن (مجهول)، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة (الثمالي ظاهراً)، عن أبي جعفر في حديث قال: “إن الله جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء، ثم قال عزّ وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(3)، فنحن أصحاب الخمس والفيء، وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا. يا أبا حمزة ما من
أرض تفتح، ولا خمس يخمّس، فيضرب على شيء منه، إلّا كان حراماً على من
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 4: 145، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 27، ووسائل الشيعة 9: 549، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 14.
(2) أقول: أضاف السيد إلى هذه الرواية ما مضمونه: (وحرّمناه على غيرهم، فالناس يتقلّبون في الحرام إلى يوم القيامة). ولم أجده في نسخة (الوسائل) عندي، ثُمّ ذكر السيد: أن في كلام… (المقرر).
(3) الأنفال: 41.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يصيبه فرجاً أو مالاً“، الحديث(1).
وقوله: “في جميع الفيء” إما يريد به الأعمّ من الخمس، أو خصوص الخمس، والفيء وإن كان غير الخمس، لكن استناده إلى الآية لا يمكن إلّا بذلك. ثُمّ يقول: “فنحن أصحاب الخمس والفيء“، لكن لا يبعد أن يكون ذلك مقصوداً.
فهذه أربع روايات ضعيفة، ثلاث منها مشتملة على مطالب لا يقول بها الفقهاء بلا إشكال، إذن فلا نستطيع أن نفهم منها نفي التحليل عن الغير.
وطائفة أخرى تثبت التحليل للشيعة، ولا تنفيه عن غيرهم.
منها: ما عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن الوشاء، عن القاسم بن بريد، عن الفضيل (وكلّهم معتمدون)، عن أبي عبد الله قال: “من وجد برد حبّنا في كبده فليحمد الله على أوّل النعم. قال: قلت: جعلت فداك ما أوّل النعم؟! قال: طيب الولادة. ثُمّ قال أبو عبد الله: قال أمير المؤمنين لفاطمة: أحلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا. ثُمَّ قال أبو عبد الله: إنا أحللنا أمّهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا“(2).
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) الكافي 8: 286، كتاب الروضة، الحديث 431، ووسائل الشيعة 9: 552، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 19.
(2) تهذيب الأحكام 4: 143، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 23، ووسائل الشيعة 9: 547، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 10.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الظاهر أن المراد من الفيء هو فدك؛ لأنه إنما يقال بإن الأراضي الموات للإمام، أو للعنوان، أو نحو ذلك، والزهراء خارجة عن ذلك. وإنما لها فدك لما ورد من طرقنا(1) وطرقهم(2) بأن رسول الله أعطاها إياها، وقوله: “أمّهات شيعتنا” لعلّ نظره إلى ما كان من الغنائم، ولعلّه ناظر إلى أنه حيث إنه مال الغير فلا يكون طيباً، فأراد الإمام أن يجعله طيباً تماماً.
ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد (المشترك)، قال: “سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله عن رجل أخذ أرضاً مواتاً، تركها أهلها فعمّرها، وأكرى أنهارها، وبنى فيها بيوتاً، وغرس فيها نخلاً وشجراً، قال: فقال أبو عبد الله: كان أمير المؤمنين يقول من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه“(3).
وصدرها خاصّ بالموات بعد التعمير والإحياء، وهي مسألة أخرى غير ما
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في باب نزول الآيات في أمر فدك من كتاب الفتن والمحن من بحار الأنوار 29: 105، وغيره.
(2) اُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 5: 63، تفسير سورة الإسراء، الدرّ المنثور في تفسير المأثور 4: 177، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
(3) تهذيب الأحكام 4: 145، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 26، ووسائل الشيعة 9: 549، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 13.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
نحن فيه، وقوله: “وعليه طسقها“، ليس مورداً للعمل، وقوله: (على أن تؤخذ منه)، مناف مع الروايات السابقة التي دلت على أنه يأخذ طسق الأرض لا نفس الأرض من الشيعة.
[هل الإجازة مختصة بالمسلمين؟]
هل الإجازة مختصة بالمسلمين وغيرهم غير مجازين، هنا حديثين نبويين هما: “موتان الأرض لله ورسوله ثُمّ هي لكم مني أيها المسلمون“(1)، وقوله: “عادي الأرض لله ورسوله ثُمّ هي لكم“ (2).
ورواية أبي خالد الكابلي (السابقة) وهي عن أبي جعفر قال: “وجدنا في كتاب علي: إِنَّ الأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(3)، أنا وأهل بيتي أورثنا الله الأرض ونحن المتّقون والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرّها وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، وإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرّها وأحياها فهو أحقّ بها من الذي تركها، فليؤدِّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 480، باب إحياء الموات، الحديث 1، ومستدرك الوسائل 17: 111، أبواب كتاب إحياء الموات، الباب 10، الحديث 2.
(2) عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 481، باب إحياء الموات، الحديث 5، ومستدرك الوسائل 17: 112، أبواب كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 5.
(3) الأعراف: 128.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فيجبيها ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله، ومنعها إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فيقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم”(1).
لا نستطيع أن نقول: الأرض لله يعني أرض الخراج لله، بل كلّ الأرض لله، و”أورثنا الله الأرض” يعني كلّ الأرض، وقوله: “فليعمرها وليؤدّ خراجها” يستفاد منه أنه لا يملكها، فتكون هذه الرواية مخالفة لفتوى الفقهاء من جهتين:
إحداهما: قوله: “إن الأرض لنا” الظاهر بالملكية الاعتبارية.
وثانيهما: كونه لا يملكها، مع عدم إمكان حملها على خصوص الأراضي الخراجية. وقوله: “من أحيا أرضاً من المسلمين” لا مفهوم له، فلا منافاة بينه وبين (أن من أحيا أرضاً من غير المسلمين، فهي له أو هو أحقّ بها).
وأما الحديثان النبويان فمضافاً إلى إرسالهما، يأتي إلى النظر أنهما اخترعا في مقابل أخبار الأراضي الخراجية حتى يفيدا انتقال الأرض من النبي إلى المسلمين مباشرة لا الانتقال من النبي إلى الإمام ثُمّ إلى المسلمين.
ثُمّ هل معنى ذلك أنها كانت للنبي على جهة الملك ثُمّ انتقلت إلى المسلمين، وبعده لا ربط لله ورسوله بها؟! أو بقي النبي يملكها مضافاً إلى ملكية المسلمين لها، وكِلاهما ملكية اعتبارية؟ هذا أيضاً لا يمكن، والتفريق بين الملكيتين بأن يكون أحدهما الولاية أو جواز التصرّف والآخر الملكية الاعتبارية. أيضاً لا يمكن. كما أن ظاهره هو انتقال كلّ الأراضي الموات ابتداءً إلى المسلمين بلا توسّط الإحياء أو نحوه، وظاهره انتقاله إلى جميع المسلمين فرداً
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فرداً لا مجموعهم، وكِلاهما مما لا يمكن العمل به.
وعلى أيّ حال فغاية ما يمكن حمله عليه هو أن للنبي جواز التصرّف وقد أعطى جواز التصرّف للمسلمين، فهذا لا يدلّ على الانحصار بهم، فإنه كما أعطى إجازة للمسلمين يستطيع أن يعطي غيرهم أيضاً.
وأما الروايات التي يمكن أن يستفاد منها أن الإجازة لكلّ الناس سواء كان مسلماً أو غير مسلم.
فمنها: ما في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: “سألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى. قال: ليس به بأس“. إلى أن قال: “وأيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها وهي لهم“(1)(2).
فقد سئل الإمام عن أراضي اليهود والنصارى بنحو كلّي، هل يجوز الشراء منها؟ فأجاب بالإيجاب، ثُمّ قرّب المطلب بفعل رسول الله، فهل
ــــــــــ[57]ــــــــــ
() أقول: وظاهر كلام السيد أن العبارة التي حذفها صاحب (الوسائل) بقوله: (إلى أن قال مؤدّاها) ما ورد في رواية أبي بصير من قوله: “وقد كان رسول الله حين ظهر على خيبر وفيها اليهود خارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملونها ويعمرونها”. انتهى. (المُقرِّر).
(2) تهذيب الأحكام 4: 146، كتاب الزكاة، باب الزيادات، الحديث 29، ووسائل الشيعة 15: 156، كتاب الجهاد، الباب 71، باب حكم الشراء من أرض الخراج والجزية، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يستفاد منه أن هذه الأراضي المسؤول عنها نظير أراضي خيبر أو أن المراد بهذا التقريب أنه لا يفرق في الأراضي؟ فكما كان النبي يقبّل المسلمين الأراضي الخراجية كذلك هو يقبل اليهود والنصارى، فهو يستشهد بفعل النبي من كونه يعامل المسلمين وغيرهم على حدّ سواء.
“وأيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض” يعني من الموات الأصلية “أو عملوه” يعني: في الأراضي التي باد أهلها أو انجلوا عنها واحتاجت إلى تجديد، “فهم أحق بها” ثُمّ عدل إلى قوله: “وهي لهم” الظاهر بالملكية.
وإذا كانت العبارة شاملة للأراضي الخراجية فلا بُدّ من تأويل قوله “لهم“، لكن يأتي إلى النظر أن أصل السؤال والجواب ليس عن الأراضي الخراجية، بل عن الموات أو الموات بعد العمل، وقوله: “وأيّما قوم” يريد أن يبيّن مطلباً كلّياً غير مربوط بالسابق، وليست القصة قصة أحقّية بل ملكية، فيكون هذا قرينة على خروج الأراضي الخراجية عن السؤال والجواب.
ويفهم منه بوضوح أن كلّ من يحيي الأرض فهي له سواء كان من المسلمين أو غيرهم.
ثُمّ يأتي هذا الكلام وهو أن قولهم من أحيا أرضاً فهي له، هل هو نظير من اشترى شيئاً فهو له، فإن هذا الأخير ليس في مقام بيان شرائط المبيع والمتبايعين حتى نتمسّك بإطلاقه من هذه الناحية في جواز الشراء من الغاصب مثلاً، فكذلك في قولهم: “من أحيا أرضاً… “. أو أن مقتضاه هو أن الإحياء تمام الموضوع لكون الأرض للمحيي، ولا ينتظر بعد ذلك حالة جديدة، فيفهم من
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ذلك أن الإجازة معطاة من قبل المالك الحقيقي الله تعالى أو النبي بنحو الحكم الشرعي بالجواز أو الإجازة، ولولا ذلك لم يصدق أن من أحيا أرضاً فهي له.
مضافاً إلى أن هذه الروايات في الشراء من اليهود والنصارى، لم يكن فيها أن الأرض كانت قبل ذلك للمسلمين، ومن المعلوم أن اليهود والنصارى لم يكونوا قد استأذنوا في الإحياء بل أحيوا الأرض على طبعهم، فيشملهم قوله: “أيما قوم أحيوا أرضاً“، والقول بأنه مربوط بالأرض الخراجية مع صرف “لهم” عن ظهوره وسوسة.
وبعضهم لكثرة ولائهم لأهل البيت وجدوا أن كلّ هذه الروايات مربوطة بالشيعة، وأن غيرهم محرّم عليهم، مع أنه قال: “أيها المسلمون“، ولم يكن هناك سني وشيعي.
هل تملك الأرض الميتة بالإحياء؟ أو أحقّية التصرّف فقط؟ أو يفرّق بين المسلم فيملك بالإحياء، وغيره فلا يملك؟ وتفصيل الكلام في كتاب إحياء الموات وإنما تعطى كلّيات القضية.
والروايات الظاهرة بالملكية على عدة طوائف:
1- من أحيا أرضاً فهو أحقّ بها.
2- من أحيا أرضا فهي له.
3- من أحيا أرضاً فهو أحقّ بها وهي له.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وهناك خصوصيات في الروايات لا بُدّ من أن نقرأها لنرى أنه هل يستفاد منها الملكية، أو أحقية التصرّف؟ ثُمّ نرى مقدار التعارض بينها ووجه الجمع.
منها: رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال: “أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمّروها فهم أحقّ بها”(1)، وأخرى عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: “أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحقّ بها وهي لهم”(2).
ومنها: ما عن حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وفضيل وبكير وحمران وعبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي جعفر وأبي عبد الله قال: “قال رسول الله من أحيا أرضاً مواتاً فهو له“(3).
وعن زرارة عن أبي جعفر قال: “قال رسول الله: من أحيا أرضاً ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 149، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 8، ووسائل الشيعة 25: 411، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 3.
(2) الكافي 5: 279، كتاب المعيشة، باب في إحياء أرض الموات، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 152، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 20، الاستبصار 3: 107، كتاب البيوع، الباب 72، الحديث 2، ووسائل الشيعة 25: 412، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 4.
(3) تهذيب الأحكام 7: 152، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 22، ووسائل الشيعة 25: 412، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مواتاً فهو له“(1).
ومنها: رواية محمد بن مسلم السابقة في شراء الأرض من اليهود والنصارى، وهي لها ظهور بالملكية من عدّة جهات:
أحدها: قوله: “فهم أحقّ بها وهي لهم“، وظهورها تامّ في الملكية.
ثانيها: كونها مسبوقة بشراء الأرض من اليهود والنصارى، فإنهم لو لم يكونوا مالكين لما صحّ الشراء منهم، بل لا بُدّ حينئذٍ أن يقول: أنه يشتري ما لهم من الأرض، مع أن ظاهره انه يشتري نفس الأرض، وإطلاقها يقتضي كونهم مالكين عن طريق الإحياء وغيره.
وكذلك رواية محمد بن مسلم الأخرى التي فيها، “فهم أحقّ بها وهي لهم“، ليس قوله: “لهم” تكراراً محضاً، بل ذكر بعناية خاصّة، لكي يفيد الملكية.
وأما روايات (فهي لهم) فهي أكثر، منها: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، (موثّقة) قال: “قال رسول الله: من غرس شجراً أو حفر وادياً بارياً لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضاً ميتة، فهي له، قضاء من الله ورسوله“(2)، ورواه الصدوق مرسلاً، كذا رواه في
ــــــــــ[61]ــــــــــ
() الكافي 5: 279، كتاب المعيشة، باب في إحياء أرض الموات، الحديث 3، الاستبصار 3: 108، كتاب البيوع، الباب 72، الحديث 4، ووسائل الشيعة 25: 412، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 6.
(2) الكافي 5: 280، كتاب المعيشة، باب في إحياء أرض الموات، الحديث 6، ووسائل الشيعة 25: 413، كتاب إحياء الموات، الباب 2، الحديث 1. وفي الكافي: “مَن غرس شجراً أو حفر وادياً بدأً لم يسبقه إليه أحدٌ وأحيى أرضاً ميتةً... “.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
(المقنع)(1). ورواها الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم(2)، وبإسناده عن الصفار عن إبراهيم بن هاشم(3).
وقوله: “فهي له” ظاهره أنه بنحو واحد، بالنسبة إلى الشجر وماء البئر والأرض والموات، ولا شكّ أن ملكية الشجر ملكية تامّة حتى لو غرس الشجر في ملك الغير، فيكون ملكية الأرض كذلك.
وقوله: “قضاء من الله ورسوله“، نستطيع أن نفهم أنه قضاء بالولاية وليس حكماً شرعياً، فإن الحكم الشرعي وإن صدق عليه أنه قضاء الله، ولكنّه ليس قضاء لرسول الله. إذن فهذه الرواية لها قوّة ظهور بالمالكية.
في مقابل ذلك رواية الكابلي السابقة، وهي ظاهرة بنفي الملكية.
أحدهما: قوله: “فليعمّرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام” فلو كانت الأرض له، لما كان فيها خراج، وإنما الخراج على أراضي الدولة أو الإمام، وأما في مالي ففيه الصدقات لا الخراج.
ثانيهما: قوله: “ويمنعها ويخرجهم منها، إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم”(4).
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) المقنع: 393، باب المزارعة والإجارة وشراء أراضي أهل الذمّة….
(2) تهذيب الأحكام 7: 151، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 19، والاستبصار 3: 107، كتاب البيوع، الباب 72، الحديث 1.
(3) تهذيب الأحكام 6: 378، كتاب المكاسب، الباب 93، الحديث 227.
(4) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذن فكلاً من الشيعة والسنة غير مالكين، غاية الفرق بينهما أن القائم يأخذ الأرض من السنة ويبقيها في أيدي الشيعة، يقاطعهم عليها.
ومنها رواية عمر بن يزيد السابقة، منها قوله: “فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم“(1)، الحديث. وهو واضح بعدم الملكية.
لكن هذه الروايات بقطع النظر عن فتاوى الأصحاب معارضة مع تلك الروايات، ولا تصلح للقرينية عليها بحمل (لهم) على غير الملكية، فإن لكلٍّ منها ظهوراً حسابياً في مدلولها هذا في إثبات الملكية وذلك في نفيها. ولا يمكن أن نحمل هذه على استحباب الخراج بعد وجوب الزكاة، أو نقول: إن المراد بالخراج هو الزكاة، فإنه يقول: “يترك الأرض في أيديهم“، ولو كانت لهم لما صدق ذلك البتة.
على أن بين هاتين الروايتين تعارض قابل للجمع، هو إثبات وجوب الخراج، في رواية الكابلي، وعدم وجوبه في رواية عمر بن يزيد، ووجه الجمع هو أن علياً أمر بدفع الخراج والصادق حلّله، لكنّ ظهورهما في أن الأرض للإمام وليست لمن أحياها مما لا شكّ فيه.
لكن يسهل الخطب بأن رواية الكابلي وعمر بن يزيد، وإن وصف في (الجواهر)(2) بالصحيح، ونحن لم نفهم بعد عدم ثبوت توثيقهما على أن هاتين
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
(2) صرّح بذلك في غير موضعٍ من (جواهر الكلام)، فراجع على سبيل المثال الجزئين الحادي والعشرين والثامن والثلاثين منه في باب أحكام الأرضين.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الروايتين خاصّة بالأرض الميتة بل من الروايات التي تقول: (كلّ الأرض لنا)، فيجب أن يدفع عن الجميع خراجاً وهي ليست مورد العمل.
والشهرة حاصلة، بل دعوى الإجماع على ملكية الأرض بالإحياء خاصّة بالنسبة إلى الشيعة، ونحن بناؤنا على أن الشهرة الفتوائية ليست من المرجّحات، بل تميّز الحجّة عن اللاحجّة، على أنه بلا إشكال أن الأرض كلّها ليست للإمام بذلك المعنى، إلّا بالنحو الذي قلناه مما لا ينافي مع الملكية.
إذن فكلّ من أحيا أرضاً ملكها، سواء كان شيعياً أو سنياً أو كافراً، بقي الكلام في الأراضي العامرة بالأصل(1).
الكلام في الأراضي العامرة بالأصل مثل الغابات والأحراش التي تنبت الأشجار فيها بواسطة الأمطار والسيول والرطوبات، وقد وقع البحث عن أنها من الأنفال وملك للإمام كما هو المشهور(2) أو من المباحات الأصلية، كما نقل عن صاحب (الجواهر)(3).
ثم إنه كما أن الموات تكون ملكاً للمحيي، فهل هذه الأراضي تملك
ــــــــــ[64]ــــــــــ
() فترة التعطيل بمناسبة وفاة السيد الحكيم والعطلة الصيفية. (المُقرِّر).
(2) اُنظر: منية الطالب 1: 341، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 21، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الثاني، وغيرهما.
(3) اُنظر: جواهر الكلام 16: 120، كتاب الخمس، المقصد الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بالإحياء أيضاً أو الحيازة أو لا؟ ثُمّ إنه هل يكون ذلك للشيعة أو للمسلمين، أو لمطلق الحائز أو المحيي، وإن كان كافراً؟
ما كان يذهب إليه صاحب (الجواهر)(1) كما ينقل عنه الشيخ(2) وغيره(3)
-ولم أراجع (الجواهر)-: بالرغم من أنه عندنا أن الأرض التي لا ربّ لها للإمام، لكن في مقابله مرسلة حمّاد: (كلّ أرض ميتة لا رب لها للإمام)، فعبّرت بالأرض الميتة، ومفهومها أنها إذا كانت عامرة ولو لم يكن لها ربّ فهي ليست للإمام، فبمفهوم الوصف نقيّد تلك المطلقة، فينتج أن الأراضي التي لا رب لها قسمان: عامرة وميتة، والعامرة خارجة بالتقييد، وفي مقابله يقول الشيخ: أن القيد وارد مورد الغالب.
نحن لا بُدّ أن نحاول فهم مطلب من الروايات وهو: أن أصل الحكم ليس حول الأرض الميتة والعامرة، بل الحكم دائر مدار أن لا يكون للأرض ربّ وصاحب، بل كلّ شيء بلا صاحب(4).
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 38: 74، كتاب إحياء الموات، الطرف الثاني.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 16-17، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الثاني.
(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 21، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الثاني، منية الطالب 1: 341-342، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل، وغيرهما.
(4) أي ما كان بلا صاحب مطلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
في كلّ ممالك ودول الدنيا يرون أن الأراضي التي لا صاحب لها، والإرث الذي لا وارث له، ملك للأمّة، ويسمّونه بالمؤمّم، ولعلّ هذا كان قبل الإسلام، فحيث إن الإمام غير محدودة مملكته بحدّ معيّن، بل يملك كلّ الأرض مما يراه سائر السلاطين في حدود ممالكهم، يكون ثابتاً له في سائر الأرض.
فالمدار هو أن لا يكون للمال صاحب سواء كانت أراضيَ أو كنوزاً أو معادن، وسواء كانت الأراضي عامرة أو ميتة، بالأصل أو بالعرض، فإن ثبت ذلك انقطعت كلّ هذه الكلمات، وإن لم يثبت كان لا بُدّ أن ننظر للخلاف بين الشيخ وصاحب (الجواهر).
منها: الباب 1 من أبواب الأنفال: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري (صحيحة)، عن أبي عبد الله قال: “الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب… وكلّ أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء“(1).
والمراد من الخربة الأرض التي ليس لها مالك، لا ما كانت خربة وإن كان لها مالك، وشاهد ذلك: “كلّ أرض لا ربّ لها“، فلو كان لها مالك كانت لمالكها كالإرث الذي له وارث. فما ورد في هذه الروايات من عدّ بطون الأودية
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 539، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس…، الحديث 3، ووسائل الشيعة 9: 523، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ورؤوس الجبال من الأنفال، في مقابل الأرض الميتة يراد بها الغابات والأحراش النابتة على هذه الأماكن من السيول والرطوبات التي تكون فيها.
وكل ذلك يشترك في أمر هو أنه لا صاحب له، وليست هذه الأمور بعناوينها للإمام، وإنما تكون له باعتبار أنها لا تخصّ شخصاً أو صنفاً معيّناً من الناس، بل هي ملك للأمّة ولا بُدّ أن تُصرف في مصالح المسلمين.
ومنها: في رواية حمّاد وهي (مرسلة)، وفي (الوسائل) الفيء قوله: عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح، وفيها: “والأنفال كلّ أرض خربة قد باد أهلها، وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب… وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها”(1).
فهل نفهم من قوله: “كلّ أرض خربة باد أهلها” أن هنا قيدين، أو أن المدار هو أنه باد أهلها، باعتبار أنها لا مالك لها فهي للإمام، فاذا باد أهلها ولكنّها ليست خراباً كانت للإمام، إما بعنوان أنه وارث من ولا وارث له، أو لأنهم أعرضوا عنها، فيكون هذا دليلاً على أن الإعراض موجب للخروج عن الملك، فما قالوه من أنه لا دليل عليه، غير تامّ.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله أنه سمعه يقول: “أن الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم… فما كان من أرض خربة
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 541، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس، الحديث 4، تهذيب الأحكام 4: 130، كتاب الزكاة، الباب 37، الحديث 2، ووسائل الشيعة 9: 524، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 4.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أو بطون أودية فهذا كله من الفيء، والأنفال لله وللرسول”(1). الحديث. فتخصيص بطون الأودية بالذكر مقابل الموات الخربة، يراد بها الغابات العامرة بالأصل، يعني لا دخل للعمارة ولا للموت في الحكم، بل باعتبار أنها لا مالك لها، ولا معنى لأن يكون لأحد بها اختصاص فهي ملك للإمام وتصرف في مصالح الأمّة.
ومنها: صحيحة ابن البختري، عن أبي عبد الله قال: “إن جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ، (وهذا ما لا نفهمه، ولا نعلم كيفية حدوثه ومعناه) فما سقت أو سقي منها فللإمام”. الحديث(2)…
فإن فهمنا منها أن ما أخذه الناس من هذه الأنهار بالآلات وسقوا منه أراضيهم، فهو مما لا يمكن الالتزام به، ولكن نفهم ما سقى طبيعياً بدون تصرّف بشري ونما فيه الزرع من الرطوبة ونحوها.
ومنها: موثّقة إسحاق بن عمار قال: “سألت أبا عبد الله عن الأنفال
ــــــــــ[68]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 4: 133، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 4، ووسائل الشيعة 9: 529، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 10.
(2) الكافي 1: 409، كتاب الحجّة، باب أنَّ الأرض كلّها للإمام، الحديث 8، ومَن لا يحضره الفقيه 2: 45، الأنفال والفيء ومصرفهما، الحديث 1663، ووسائل الشيعة 9: 530، كتاب الخمس، أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام، الباب 1، باب أنَّ الأنفال كلّ ما يصطفيه من الغنيمة، وكلّ أرضٍ ملّكت بغير قتال، الحديث 18.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فقال: هي القرى التي قد خرجت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول…” الحديث(1).
فالميزان هو الجلاء، لكن الغالب أن أهل البلدة لا ينجلون عنها حال العمران، وإنما يذهبون عنها في الحوادث الطبيعية التي لا تدع المكان قابلاً للسكنى، فتكون للإمام سواء كانت خراباً أو معمورة، فلو كانت خراباً لكن تحت تصرّف أهلها ويدهم لم تكن للإمام.
فالذي يأتي للنظر أن ما لا مالك له فهو للإمام يصرفه في مصالح الأمّة الإسلامية، فما قيل من النزاع ليس له موضوع، ولكن مع غضّ النظر عن ذلك لا بُدّ أن نبحث عن صناعة المطلب في الخلاف بين الشيخ وصاحب (الجواهر).
نقلوا عن صاحب (الجواهر)(2) أنه بالرغم من أنه ورد بأن كلّ أرض لا ربّ لها فهي للإمام، إلّا أن مقتضى رواية عمار التي وصفت الأرض بالميتة أنها إذا كانت عامرة فليست للإمام، ومقتضى الجمع بينها أن الأرض العامرة ليست للإمام، واذا كانت لا رب لها فهي للإمام.
وبعبارة أخرى إن هنا قيدين عند تطابقهما يكون للإمام.
الشيخ يقول(3): إن القيد لا مفهوم له؛ لأنه وارد مورد الغالب، وإنما يكون
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) تفسير القمّي 1: 254، تفسير سورة الأنفال، ووسائل الشيعة 9: 532، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 20.
(2) اُنظر: جواهر الكلام 38: 74، كتاب إحياء الموات، الطرف الثاني.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 16-17، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
له مفهوم إذا لم يكن غالبياً.
وأشكلوا على الشيخ: أنه إذا كان الأمر كذلك تسقط المطلقات عن الإطلاق؛ لأنه يحتمل الاعتماد في عدم التقييد على الغلبة(1).
ونحن لنا كلام حول المطلقات، وكلام حول محلّ الكلام.
أما الكلام عن المطلقات، فنفرض أن القيد الوارد مورد الغلبة لا يمكن أن يقيد الإطلاق، فلو ورد مطلق وورد له مقيّد منفصل، وتمّت مقدّمات الإطلاق في المطلق، دلّ على أن هذا العنوان هو تمام الموضوع للحكم من دون قيد آخر، وأن الطبيعة بلا قيد هي موضوع الحكم، وبذلك يكون المطلق حجّة بين العبد ومولاه، لا نرفع عنه اليد إلّا بحجّة أقوى.
فإذا ورد مقيّد وأحرز قيديته، فإنه يكون حجّة ويكون مقتضى الجمع العقلائي هو أن الحكم للمقيّد، وأما إذا لم تحرز القيدية، بسبب الغلبة، فلا يكون المقيّد حجّة في القيدية، ومعه لا يمكن أن نرفع اليد عن حجّية الإطلاق.
فهذا بالنسبة إلى التقييد تامّ، فهل هذا في المطلق تام كذلك، بحيث لا ينعقد الإطلاق مع احتمال الاعتماد على الغلبة، بحيث إن أحد مقدّمات الإطلاق هو أن يكون هناك غلبة؟
المطلق ليس ناظراً إلى الأفراد، بل المولى يلاحظ نفس الطبيعة ويجعلها موضوعاً للحكم، وليس أنه إذا ألقى قيداً ينصرف ذهن العقلاء إلى قسم
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 22-23، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
خاصّ ومقيّد معيّن، فالغلبة لا أثر لها في الإطلاق، وإن كان لها أثر في التقييد، فإن الأفراد مغفول عنها في الإطلاق، فضلاً عن غلبة الأفراد، وليست عدم الغلبة من مقدّمات الحكمة.
إذن فإذا لم يكن عندنا قيديّة ومفهوم بسبب الغلبة، فلا يمكن رفع اليد عن تلك الروايات.
مضافاً إلى أنه في المقام ليس عندنا مطلق، بل عندنا عامّ، فإن سائر الروايات كانت بلسان: (كلّ أرض لا ربّ لها فهي للإمام)، وفي رواية حمّاد: “كلّ أرض ميتة لا رب لها“، فلو قلنا بتأثير الغلبة في باب المطلق والمقيّد، لا نقول به في المقام، غاية الأمر إذا كان للوصف مفهوم فإنه يكون دالّاً على أن ما لا يكون ميتاً فهو للإمام، وإذا لم يكن له مفهوم، ففي مورد الغلبة كما يقول الشيخ لم يمكن رفع اليد عن العامّ.
نعم، في القيود المتّصلة، وإن لم يكن لها مفهوم تمنع عن فهم الإطلاق، ولكن هذا لا يلزم منه أن هذا يمكن تقييد المطلقات المنفصلة به، وعلى أي حال، فإذا كان لها مفهوم يتمّ كلام صاحب (الجواهر)، وإن لم يكن لها مفهوم يتم كلام الشيخ.
وما قالوه من أنه لا ربط لها بالإطلاق والتقييد، بل هنا دليلان مثبتان، وفي باب الدليلين المثبتين إذا كان الحكم على صرف الوجود يحمل المطلق على المقيّد، وإذا كان على مطلق الوجود لا يحمل، وحيث إن الحكم هنا وارد على مطلق الوجود، فلا يحمل المطلق على المقيّد.
وهذا أجنبي عن كلام صاحب (الجواهر)؛ لأنه قائل بالمفهوم، فإنه لا يريد
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أن يقيّده بالقيد المثبت، بل بالمفهوم النافي، وهو أن الأراضي العامرة التي لا ربّ لها ليست للإمام.
نحن لا بُدّ أن نرجع إلى أصل المطلب لنرى حاله، والظاهر أنه لا موضوع له، بمعنى أنه لا يمكن فهم المفهوم من رواية حمّاد فانه يقول فيها: “وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها”، والثلاثة الأولى أراضٍ محياة دائماً كما في الآجام، أو غالباً كما في رؤوس الجبال وبطون الأودية، فكأنّ الإمام أراد أن يبيّن حكم كلٍّ من الأرض المحياة والميتة، وأنهما معاً للإمام.
فهل نأخذ المفهوم من ذلك بحيث يقع التناقض في الكلام، حيث يدلّ المفهوم على أن الآجام ورؤوس الجبال وبطون الأودية إذا كانت محياة فهي ليست للإمام؟
إذن فهي لا مفهوم لها حتى نتكلّم عن الغلبة في التقييد، وكلّ هذه العناوين أخذت باعتبار أنها لا ربّ لها سواء كانت الأرض حيّة أو ميتة.
يبقى بحث آخر وهو أنه كما أن الأراضي الميتة تملك بالإحياء، فهل ورد في هذه الأراضي التي هي للإمام أيضاً إذن بالإحياء أو الحيازة أو لا؟
هل تملك الأراضي المعمورة بالأصل بالحيازة ونحوها أو لا؟ والكلام يقع في هذه الأراضي، وفي نفس الأشجار المزروعة عليها، وكِلاهما بمقتضى الروايات هو للإمام، بمعنى أنه ولي أمره وتتوقف حيازته وعمارته على إذنه كالأراضي الميتة، غاية الأمر قد ورد هناك إذن عامّ بالإحياء من الله
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ورسوله، فهل الأمر كذلك في هذه الأراضي العامرة بالأصل أيضاً.
أما رواية “من سبق إلى من لم يسبق إليه أحد فهو أحقّ به“(1)، إذا فرغ عن الإشكالات سنداً ومتناً، فإنه يشمل كلّاً من الأراضي والمزروعات عليها إذا لم يسبق إليها مسلم.
لكن يرد عليه الإشكال السندي، فإنها مرسلة ولا نعلم استناد الأصحاب إليها لتكون حجة.
والإشكالات على متنها:
أحدها: أن “من سبق… أحقّ به” ليس دليلاً على الملكية لمن جلس في مسجد أو مدرسة، بل المراد به ما لا يصل إلى الملك من مراتب الحقّ.
ثانيها: إشكال الآخوند(2) من أن الرواية ليست بصدد بيان أن شخصاً إذا حاز من المباحات كان أحقّ به، وإنما هي بصدد بيان الترجيح حين المزاحمة بين شخصين بعد مفروضية وجود الحقّ لهما.
الثالث: أن هذه الرواية تفترق عن الإذن في باب في إحياء الموات، فإنه كان مختصّاً بتلك الأراضي، على حين أن هذه الرواية أعمّ من الأراضي، ونفهم من عمومها أنه يجب أن لا يكون أحد مالكاً لما يحوزه المسلم، والإمام كان مالكاً
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() نص الرواية “مَن سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلمٌ، فهو أحقّ به”، عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 480، باب إحياء الموات، الحديث 4، ومستدرك الوسائل 17: 111، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 4.
(2) راجع حاشيته على المكاسب: 104-105، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الأوّل، الكلام في أحكام الأرضين.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لهذه الأراضي، وهذه ليست إجازة مالكية، وإلّا لزم جواز التصرّف في الأموال الخاصّة للإمام أيضاً وهو خلاف الواقع.
وكلام الآخوند أجابوا(1) عنه، ولا يبعد عدم صحّته، فإن مسألة السبق إلى من لم يسبق إليه أحد مسألة عقلائية وأمر تعبّدي شرعي هو من ضروريات بناء العقلاء، في حيازة المباحات العامة، ومن الواضحات أن هذا خاصّ بالأموال العامة والمباحات الأصلية ولا تكون في أموال الناس، فإذا أُلقي هذا الحديث للعقلاء يفهمون منه أنه يريد بيان ما في ارتكازهم ولا يرونه تعبّداً صرفاً، والعقلاء حين يرون الموارد مختلفة ففي المساجد والخانات والمدارس لا يحتمل عاقل أن الرواية تصرّح بملكية السابق إلى حيازتها.
ولذا لاحظتم أنه في عدد من روايات إحياء الموات يقول: “فهو أحق بها
ــــــــــ[74]ــــــــــ
() اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 23، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الثاني.
ونصّ ما ذكره هناك هو: والإشكال فيه من وجوه:
أحدها: ما عن شيخنا الأُستاذ في تعليقته الأنيقة، وهو أنَّ الإطلاق مسوق لبيان أحقيّة السابق، وأنَّه لا يجوز مزاحمته، لا لبيان جواز السبق إلى كلِّ ما لم يسبقه إليه أحد. والجواب: أنَّه بالمطابقة يدلّ على الترخيص في السبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد، وبالالتزام على أنَّه لا يجوز مزاحمته، حيث إنَّه مقتضى كونه أحقّ به ولا يجوز مزاحمة ذي الحقّ، فيكون كقوله: “مَن أحيى أرضاً ميتة فهو أحقّ بها، وهي له”، فإنَّه يتضمّن الترخيص الشرعي في الإحياء، وأنَّه سبب للأحقيّة أو الملكيّة، فكذلك هنا يكون دليل السبق دالاً على سببيّة السبق للأحقيّة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وهي له“، يريد الإشارة إلى أن المراد بالحقّ هنا هو الملكية، فما قاله الآخوند من أنه ليس بصدد بيان ذلك، خلاف فهم العقلاء، وكذلك يستفاد منها أن (الأحق) الوارد فيها نفس الأحق الذي يراه العقلاء، ولا يريد أن يقول أمراً آخراً.
وأن باب (إحياء الموات) وباب (من لم يسبق إليه) من باب واحد، غايته أن الثاني أعمّ، وبعبارة أخرى: لا يفهم العقلاء من هذه الروايات أنها واردة لردعهم عن الاعتقاد بالملكية وتحويلهم إلى الأحقية التي هي شيء جديد عليهم.
وبه يندفع الإشكال الثالث، فإن هذه الرواية إذا أُلقيت إلى العقلاء لا يُفهم منها جواز التصرّف في الأموال الخاصّة للإمام، فإن مالكيته للأراضي ليست على نحو مالكية العباد، بل إما بمعنى ولي الأمر، أو كما يقول الآخوند: إنها ملكية كملكية الله، أو أن الجهة مالكة والإمام ولي الجهة، وعلى أي حال فهذه المطالب موجودة عند العقلاء، فلا بُدّ من عرضها على العقلاء لنرى ماذا يفهمون.
إذن فلا إشكال في متنها، وإنما الإشكال في سندها، على أنها غير محتاجة إلى رواية، فإنها مسألة عقلائية وقال تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً(1) وقال: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ(2). ولا يراد من (الأنام) ولا (لكم) خصوص الإمام، كما لا ينافي كونها للبشر ولاية الإمام عليها.
وأما سائر الروايات، فهل يستفاد منها الإذن العامّ بالحيازة والإحياء؟
منها: أبواب إحياء الموات باب (1): محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) البقرة: 29.
(2) الرحمن: 10.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمد بن مسلم، قال: “سألته عن الشراء من أرض اليهود، والنصارى. قال: ليس به بأس. إلى أن قال: وأيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو (و) عملوه فهم أحقّ بها وهي لهم“(1).
ألا يشمل هذا الحديث الأرض الممطورة والمزروعة إذا عمّر فيها بيتاً أو جعلها بستاناً، فإنه إن لم يصدق عليه الإحياء فإنه يشمله أنه عمله، وبحسب الارتكاز أن الأرض الميتة ليست هي الأرض الصخرية التي لا تنبت شيئاً فقط، بل لا يبعد شمولها للبراري التي تنتج شيئاً من الحشيش أو الزرع، فإذا قلع الزرع أو الأشجار وعمّر فيها بيتاً أو عمل بستاناً فإنه يصدق أنه عمل فيها.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم الأخرى، قال: “سمعت أبا جعفر يقول: “أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمّروها، فهم أحقّ بها وهي لهم“(2)، بعد وضوح أنه لا يشمل الأموال الخاصّة بالناس، ويصدق الإحياء إذا أزال الزرع المتشابك المشوش وزرع بستاناً منظماً أو عمّر عمارة.
وفي رواية أخرى: “وأيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض فعمّروه فهم أحقّ به وهو لهم”(3).
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 240، كتاب المعيشة، باب إحياء الموات والأرضين، الحديث 3876، مع فارقٍ في اللفظ، تهذيب الأحكام 4: 146، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 29، الاستبصار 3: 110، كتاب البيوع، الباب 74، الحديث 3، ووسائل الشيعة 25: 412، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 7، مع اختلافٍ يسيرٍ.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
(3) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ومنها: في صحيحة معاوية بن وهب (الباب 3)، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: أيّما رجل أتى خربة بائراً فاستخرجها وكرى أنهارها وعمّرها، فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرض لرجل قبله، فغاب عنها وتركها فأخرجها، ثُمّ جاء بعد يطلبها، فإن الأرض لله ولمن عمّرها”(1)، وهذا دليل على أن الإعراض موجب لقطع الملكية.
ومنها: في رواية سمرة بن جندب عن النبي: “من أحاط حائطاً على الأرض فهي له“(2)، إلّا أن سندها معلوم الفساد.
إذن فالإذن بإحياء هذه الأراضي موجود، كما هو الحال في الأراضي الموات.
وأما في حيازة المباحات العامة، فإن العقلاء والمتدينين لا يأتي بذهنهم أنها لا تنتج الملكية، بل كان المطلب في زمن الإسلام، بل ما قبل الإسلام، فلا شكّ في إنتاج الحيازة للملكية.
الأراضي التي كانت معمورة بمعمّر ثُمّ خربت، فما حالها، وهي على أنحاء.
فمنها: ما هو معمور بالأصالة التي ثبت أنها للإمام، وبدون أن تقع عليها
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 279، كتاب المعيشة، باب في إحياء أرض الموات، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 152، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 21، الاستبصار 3: 108، كتاب البيوع، الباب 72، الحديث 3، ووسائل الشيعة 25: 414، كتاب إحياء الموات، الباب 3، الحديث 1.
(2) عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 48، باب إحياء الموات، الحديث 3، ومستدرك الوسائل 17: 111، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
عمارة من شخص أو حيازة، ثُمّ عرضها الموت، لا إشكال أنه للإمام، ولا كلام لنا فيه.
ومنها: الأرض المعمورة بالأصل، فعمل فيها شخص فملكها ثُمّ عرض عليها الموت، ومنها الموات بالأصل عمرها شخص وأحياها فملكها، ثُمّ عرض عليها الموت. فما هو حكم هذين القسمين، هل هو باقٍ على ملكية صاحبها الأول؟ أو تعود ملكيتها إلى الإمام بحيث لو أراد المالك أن يتصرّف فيها من جديد فانه يحتاج إلى إذن جديد؟
وهناك تفصيل بين ما إذا كان قد أحياها وبين ما إذا اشتراها أو ورثها ونحوه، فإن كان قد أحياها زال ملكه عنها، وإن كان قد ملكها بسبب آخر بقيت على ملكيته.
وما هو الأصل في المسألة هو ما أشرنا إليه من أن الأراضي الخربة بمجرّد خرابها تكون ملكاً للإمام، أو بعد الخراب والإعراض عنها تكون له.
روايات باب الأنفال طائفتان:
الأولى: وردت بعنوان: (كلّ أرض خربة للإمام).
والثانية: وهي الأكثر بعنوان: (كلّ أرض خربة باد أهلها أو انجلا أهلها فهي للإمام).
ففي الرواية الأولى صحيحة البختري: “وكلّ أرض خربة… فهو لرسول
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الله” الحديث(1).
وفي الرواية السابعة: “كلّ أرض خربة… فهو خالص للإمام”(2).
وفي الرواية العاشرة: “فما كان من أرض خربة… فهذا كلّه من الفيء”(3).
والرواية الثانية عشر(4) والسابعة والعشرين(5) نحو ذلك، فهذه خمس روايات بعنوان: (كلّ أرض خربة).
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() تقدّم تخريجها آنفاً.
(2) تهذيب الأحكام 4: 133، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 7، ووسائل الشيعة 9: 529، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 8.
(3) تهذيب الأحكام 4: 133، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 4، ووسائل الشيعة 9: 527، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 10.
(4) وسائل الشيعة 9: 532، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 22، وقد نقلها صاحب الوسائل عن المقنعة (للشيخ المفيد): 290، الباب 38، باب الزيادات. ونصّ الرواية: ما عن محمّد بن مسلم قال: “سمعت أبا جعفر يقول: الأنفال هو النفل وفي سورة الأنفال جدع الأنف، قال: وسألته عن الأنفال؟ فقال: كلّ أرضٍ خربة أو شيء كان يكون للملوك، وبطون الأودية ورؤوس الجبال، وما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكلّ ذلك للإمام خالصاً“.
(5) المصدر المتقدّم 9: 533، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 27، وقد نقلها صاحب الوسائل عن تفسير العياشي 2: 47، تفسير سورة الأنفال، الحديث 10. ونصّ الرواية: ما عن أبي أسامة زيد، عن أبي عبد الله قال: سألته عن الأنفال؟ فقال: “هو كلّ أرضٍ خربة، وكلّ أرضٍ لم يوجف عليها بخيلٍ ولا ركاب“.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فلو لم يكن لدينا إلّا ذلك فهل نفهم أن كلّ الأراضي الخربة تكون للإمام حتى داري أو بستاني إذا خربت فهي للإمام، أو نفهم منها خصوص الأراضي الخربة التي باد أهلها أو أهملوها وأعرضوا عنها، خصوصاً وقد قرنت بالأودية ورؤوس الجبال؟
وفي مرسلة حمّاد: “كلّ أرض خربة باد أهلها“(1) وفي ذيلها: “كلّ أرض ميتة لا ربّ لها“(2)، وفي الرواية السابعة: “سألته عن الأنفال فقال: قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها“(3).
معناه: أنهم أعرضوا عنها وذهبوا، وفي الرواية التاسعة: “كلّ أرض جلى أهلها من غير أن يحمل عليها“(4) الحديث.
وفي الرواية (11): سألته عن الأنفال فقال: “ما كان من الأرضين بادٍ أهلها“(5)، وأما إذا ذهب أهلها وهم ناوون للعود فهو خارج عن هذه الروايات.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
(3) تهذيب الأحكام 4: 133، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 6، ووسائل الشيعة 9: 526، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 7.
(4) تهذيب الأحكام 4: 132، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 2، ووسائل الشيعة 9: 526، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 9.
(5) تهذيب الأحكام 4: 133، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 5، ووسائل الشيعة 9: 527، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 11.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذن فهنا قسمان للأراضي الخربة، فإن تركها أهلها فهي للإمام، وإن لم يهملها فهو ليس للإمام.
وأما روايات نفس الباب فماذا تريد أن تقول؟ وأيّ الوجوه السابقة تعيّنه؟ هل تكون الأرض ملكاً للأوّل مطلقاً أو للثاني مطلقاً، أو إذا كان ملكها الأول بالإحياء كانت للثاني وأذا ملكها بسبب آخر كانت له، كما يرى صاحب (الوسائل) (1)، أو هناك وجه آخر غير ذلك.
ومنها: محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب (صحيحة)، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها وعمّرها، فإن عليه فيها الصدقة“، (يعني: أنها ملكه، والتعبير بأن عليه فيها الخراج يعني أنها ملك الإمام). فإن كانت أرض (أرضاً الأرض: نسختين) لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخرجها، ثُمّ جاء بعد يطلبها، فإن الأرض لله ولمن عمّرها“(2).
ــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) كما يرشد إليه عنوان الباب الذي عقده في الوسائل 25: 414؛ إذ ورد فيه: باب: “أنَّ مَن أحيى أرضاً ثُمَّ تركها حتّى خرجت، زال ملكه عنها، وتكون لِـمَن أحياها، وإن كانت له ملكاً بوجهٍ آخر، فعلى مَن أحياها أن يؤدّي إليه أُجرتها “.
(2) الكافي 5: 279، كتاب المعيشة، باب في إحياء أرض الموات، الحديث 2، تهذيب الأحكام 7: 152، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 21، الاستبصار 3: 108، كتاب البيوع، الباب 72، الحديث 3، ووسائل الشيعة 25: 414، كتاب إحياء الموات، الباب 3، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إن كان قوله: “فإن كانت أرض” بالضم، يعني: غير الأولى، وعلى الوجهين الآخرين يناسب أن تكون هي الأولى.
وقوله: “لمن عمّرها” يحتمل فيه إرادة الثاني، كما يحتمل فيه إرادة الأوّل، وإن كان الأوّل(1) أظهر، وقوله: “تركها” دالّ على أنه أعرض عنها، إذ لو كان ناوياً الرجوع إليها لما كان هذا التعبير مناسباً.
وفي رواية الكابلي (بعد غضّ النظر عن إشكالاتها): “قال: وجدنا في كتاب عليّ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(2): أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتّقون، والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمّرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها وأحياها فهو أحقّ بها من الذي تركها، فليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي”، الحديث(3).
وقوله: “تركها أو أخربها” يعني: أعرض عنها.
ومنها: بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النظر بن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها، ويجري أنهارها ويعمّرها ويزرعها، ماذا عليه؟ قال: الصدقة،
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() يعني: الوجه الأوّل. (المقرِّر).
(2) الأعراف: 128.
(3) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤدّ إليه حقّه“(1).
وقوله: “فليؤدّ إليه حقه“، يحتمل أن يكون المراد إرجاع ماله إليه كما لا يبعد، أو أن يكون المراد دفع الأجرة، وكِلاهما على القواعد، وعلى أيّ حال فإن دلّ دليل على أن الأرض للثاني أخذنا به، إلّا أن ما دلّ على ذلك خاصّ بصورة الإعراض وهو غير مفروض في هذه الرواية، وبرواية (المستدرك)(2): “هل عليه فيها الصدقة”.
إذن فلا تعارض بين الروايات وليس شيء من تلك الأقوال صحيحاً، بل الصحيح هو التفصيل بين الخربة التي أعرض عنها أهلها والخربة التي لم يعرض عنها، فالأُولى تكون للثاني الذي أحياها والثانية تكون لأهلها، ويجب إرجاعها أو دفع الأجرة عنها، ولا فرق في ذلك بين الأرض المحياة بالأصل وعمل فيها الأوّل، أو الموات وقد مُلكت بالإحياء إذا أعرض عنها ولو مع وجود الحياة فيها، وتكون للثاني بالإذن العام من الإمام.
بالنحو الذي قلناه: أن الروايتين دالتان على أن الأرض تركها صاحبها وظاهرتان بالإعراض، فتكون الأرض للثاني، ولا حقّ للأوّل.
وصحيحة الحلبي وسليمان بن خالد، ظاهرها أن لها صاحب ولا بُدّ أن يؤدّي إليه حقّه، وهذا مورد ارتكاز العقلاء، ومطابق للقواعد وروايات الأنفال.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 148، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 7، ووسائل الشيعة 25: 411، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 2.
(2) اُنظر: مستدرك الوسائل 17: 113، أبواب كتاب إحياء الموات، الباب 2، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وفي روايةٍ خصوصية تكون شاهداً على هذا الذي قلناه، وهي رواية معاوية بن وهب التي يقول فيها: “فان كانت الأرض لرجل قبله فغاب عنها وتركها”، حيث يأتي إلى الذهن أنه يريد أن يقول: إنه قبل أن يعمّرها الثاني كانت للأوّل، ولكنّه تركها وأعرض عنها، فخرجت عن ملكه، فأحياها الثاني فكانت له.
فإن لم نقبل هذا الوجه كان له وجه آخر يؤدّي إلى نفس النتيجة، وهو أن هذه الصحيحة إن لم يظهر منها خصوص الإعراض، كما هو الصحيح في الوجه الأوّل، فلا أقلّ إنها أعمّ ممّا إذا أعرض أو لم يعرض، وليست في خصوص ما لم يعرض بلا إشكال.
وكذلك رواية الكابلي التي يقول فيها: “فان تركها أو أخربها فأخذها رجل من المسلمين … “، حيث يقال: إن المراد من الترك ترك الزراعة وهو أعمّ من الإعراض، وعدمه، وليس خاصّاً بغير المعرض على أيّ حال.
ومعه تكون صحيحة الحلبي ورواية سليمان بن خالد مقيّدة لها، حيث دلّتا على أنه إن كان يعرف صاحبها أرجعها له، وليس فيها فرض أنه أعرض عنها، فإنما تكون للثاني فيما إذا لم يعرف صاحبها، وفي (المستدرك)(1) عن (نوادر ابن عيسى)(2)… عن ابن مسكان، عن الحلبي… وفيها: “إن كان يعرف صاحبها فليؤدِّ إليه حقّه“(3).
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
(2) النوادر (للأشعري): 166، الباب 36، الحديث 430.
(3) بحار الأنوار 101: 255، أبواب الأَيمان والنذور، الباب 2، الحديث 11.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وعلى أيّ حال فإما أن كلّ طائفة واردة على موضوع غير الآخر، إذ الأولى مختصّة بصورة الإعراض والثانية خاصّة بغيره، وإما أن الأولى أعمّ والثانية خاصّة بصاحب الملك، فتكون مقيّدة لها، ونتيجته التفصيل بين الإعراض وعدمه أيضاً.
ولو جزنا ذلك فهل هناك من وجه معتبر على الوجوه والتفصيلات التي قيلت في المقام؟
أما القول المنسوب للمشهور، وهو بقاء الأرض في ملك الأول مطلقاً، فلا بُدّ أن نؤوّل صحيحة معاوية بن وهب ونقول: إن المراد من قوله: “فإن الأرض لله ولمَن عمّرها” يعني من عمّرها أوّلاً.
على حين أنها ظاهرة بالثاني، وحينئذ تكون موافقة مع الروايتين الدالّتين(1) على مثل قوله: “فليؤدّ إليه حقّه“، وتكون مفصّلة، يعني: تفسّر الحقّ بنفس الأرض، وأما رواية الكابلي فحيث إن مضمونها مخالف أساساً مع فتوى القوم فقد أعرضوا عنها؛ لأنها خاصّة بالأراضي الخراجية ودالّة على أنه حتى الشيعة لا يملكون، وأن القائم يأخذها منهم. فقد أعرضوا عنها، أو أوقعوا المعارضة بينها وبين الروايات الأُخر، ثُمّ رجعوا إلى الأصل.
إلّا أن هذا الوجه غير صحيح أما إرجاع صحيحة معاوية بن وهب إلى مدلول الروايات الأُخر مع ظهوره بخلافه، فهو مما لا يصحّ، كما أن إيقاع المعارضة مع وجود وجه للجمع العقلائي مما لا يتمّ.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() الحلبي وسليمان بن خالد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وما يُنسب إلى المحقّق(1) من أن الأرض للثاني ويعطي الأُجرة للأوّل دون أن يسلمّ إليه الأرض، وجهه إرجاع صحيحة معاوية بن وهب إلى الأوّل، وفي الروايتين “فإن كان يعرف صاحبها، فليؤدّ إليه حقّه” يعني: الأجرة بالخصوص، وهذا وجه غير وجيه.
والتفصيل بين ما إذا ملكها بالإحياء أو بسبب آخر، يمكن أن ينظر إلى هذا التفصيل بأحد وجهين:
الوجه الأول: أن الروايات في هذا الباب خاصّة بما إذا أحياها الأوّل ثُمّ انتقلت إلى الثاني، وقد حرصت الروايات أنها تخرج عن ملكه، غاية الأمر أن صاحب (الوسائل)(2) ذهب إلى وجوب دفعه للأُجرة.
وأما إذا كان الأوّل قد ملكها بشراء أو غيره، فهذا على القواعد من أن الملك لا يزول بهذه الأمور.
الوجه الثاني: أن تكون الأرض للثاني، ولكن يعطي الأوّل حقّاً وأن لم تكن الأرض له، وذلك لأن الأرض بعد أن أصبحت ميتة بالعرض كان أحياؤها أيسر من الأرض الميتة بالأصل وبمصرف أقلّ جداً، حيث هيأها الأوّل للثاني فيعطي الأوّل أجرة على ذلك.
فيحمل قوله: “فإن الأرض لله ولمن عمّرها“، أو قوله: “فهو أحقّ
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) اُنظر: مفتاح الكرامة 19: 34، كتاب الأمانات وتوابعها، المقصد الثالث، الفصل الأوّل، السبب الأوّل.
(2) كما تقدّم عنه آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بها“، على أنها للثاني، ويحمل قوله: “وليدفع إليه حقّه“، يعني: شيئاً من ناتج الأرض، وهذا يحدث تفصيلاً جديداً في المسألة.
كلام آخر: أن رواية سليمان بن خالد والحلبي القائلة: “إذا عرف صاحبها فليؤدّ إليه حقّه“، هل يريد أن يفصّل بين ما إذا كان صاحب الأرض معروفاً وما إذا لم يكن معروفاً، بحيث إن له مفهوماً أو لا؟ فإن مفهومه لو كان هو: إن لم يعرف صاحبها لا يؤدّ إليه حقّه، مع أنه إن لم يعرفه فلا معنى لدفع حقّه إليه.
لكن يمكن أن يُتكلّم عن أنها وإن لم يكن لها مفهوم، لكن لو بنينا على ما إذا أعرض أو لم يعرض فأحياها فإنه يملكها، وإنما يجب الردّ إذا عرف صاحبها، فلا بُدّ أن يفصّل بين ما إذا أعرض عنها صاحبها فهي للثاني، وبين ما إذا لم يعرض، فإن لم يعرف الثاني صاحبها، فهي له (الثاني) أيضاً، وإن عرفه وجب إرجاع حقه إليه.
وهذا تفصيل غير بعيد؛ لأن الأرض تكون مجهولة المالك، فيصحّ تملّكها بالإذن العامّ المستفاد من هذه الروايات، وحسب ما أتذكّر هناك رواية في مجهول المالك يقول فيها الإمام: (لا أعرف صاحباً له إلّا أنا)(1) يعني: هو ولي أمره والإذن فيه إليه.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) نص الرواية: “والله ما له صاحب غيري”، الكافي 5: 138، كتاب المعيشة، باب اللقطة والضالّة، الحديث 7، مَن لا يحضره الفقيه 3: 296، كتاب المعيشة، باب اللقطة والضالّة، الحديث 4063، ووسائل الشيعة 25: 450، كتاب اللقطة، الباب 7، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كلام آخر: حول الموارد التي نشكّ فيها، فإن الأراضي الميتة بالأصل لا إشكال أنها لمن عمّرها، والأرض التي كانت معمورة ثُمّ صارت ميتة محل إشكال، وفيها هذه الأقوال التي ذكرناها.
نفرض أن موضوع الحكم بالملكية هو الميت بالأصل، فإذا شككنا أن هذه الأرض ميتة بالأصل أو لا، كان لنا أن نستصحب هذا المعنى فيها، فإن كلّ أراضي العالم كانت ميتة بالأصل في زمانٍ.
وأما إذا كان دليلنا رواية: “مَن سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلمٌ، فهو أحقّ به”(1). فإن فهمنا منها مجرّد عدم إحياء آخر لها قبل ذلك كان حالها كالذي سبق، وإذا فهمنا أن المدار هو عنوان السبق فاستصحاب عدم سبق المسلم على هذه الأرض لا يثبت أن الأرض التي سبقت إليها مما لم يسبق إليه أحد، كمن أدرك الركوع وراء الإمام أو الركعة في الوقت، فإن استصحاب كون الإمام في الركوع لا يثبت أنني أدركت الركوع، إلّا إذا تسامحنا وقلنا: إن المراد أنني ركعت والإمام راكع، فإن الإدراك عنوان عقلي لا يثبت إلّا بالأصل المثبت، وكذلك عنوان السبق.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 3: 480، باب أحياء الموات، الحديث 4، وجامع أحاديث الشيعة 18: 465، كتاب أحياء الموات وأبوابه، الباب 1، الحديث 11.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وكذلك في رواية: (إذا حفر بئراً بديّاً -يعني: في أرض بكر-)(1)، فإن استصحاب عدم تصرّف أحد في الأرض لا يثبت كون الحفر حفراً بديّاً.
بعد أن قلنا: إن استصحاب عدم الحفر لا يثبت عنوان (البدي)، واستصحاب عدم الإحياء لا يثبت عنوان (لم يسبق إليه أحد)، فهل هنا طريق آخر لإجراء الأصل؟
بأن يقال: إذا حفر البئر في أوّل البشرية كان بدياً، وإذا سبق إلى الأخذ كان سبقاً إلى من لم يسبقه إليه أحد، فاستصحب وأثبت موضوع الحكم.
هذا أيضاً مثبت؛ لأن ما هو موضوع الحكم ليس هو الحفر البديّ، بل ما هو سبب الملكية هو الحفر، أو هو السبق الخارجي، ولا يثبت بالاستصحاب التعليقي أن هذا الحفر بديّ إلّا بنحو مثبت، غايته أنه يثبت أنه إذا حفر كان بديّاً.
وإذا سبق كان سبقاً إلى ما لم يسبق إليه أحد، وهذا تعليق في الموضوع، وهو لا يترتّب عليه الحكم؛ لأن الحكم ليس على المضمون التعليقي، بل لا بُدّ من تحقّق المعلّق عليه، فلا يثبت أن هذا الحفر الخارجي إيجاد للمعلّق عليه إلّا بمقدّمة عقلية.
وهذا التعليق يختلف عن التعليق الذي يذكر في لسان الشرع، فإن ذاك التعليق حكم شرعي، فإذا استصحب القضية التعليقية يثبت موضوع الحكم.
وأما في المقام فالحكم ليس على وجه التعليق، بل تريد تحقيق موضوع
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) نص الرواية: “مَن غرس شجراً أو حفر وادياً بديّاً لم يسبقه إليه أحدٌ، أو أحيا أرضاً ميتةً، فهي له”، تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الحكم بوجود الحفر أو السبق.
ويمكن أن يجري الاستصحاب بنحو آخر يمكن أن يكون صحيحاً، بأن يقال: إنه في الزمان السابق كانت الأرض إذا حفر أحد بئراً فيها فهو له، وهذا الآن منطبق على الأرض في الزمان السابق، فنشير إلى هذه الأرض ونقول: إن لها حكماً شرعياً بأنها للحافر؛ لأنها لم يكن قد حفرها أحد، فكلّ من يحفرها يكون حفره بديّاً، وكلّ من يسبق إليها فقد سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد، فتكون له، فنستصحب هذا المعنى.
كما أن الحكم إذا جاء على العنب قائلاً: (إذا غلى حرم)، وموضوعه وان كان هو العنب، ولكنّنا نشير إلى هذا العنب الخارجي ونقول: (إذا نشّ عصيره حرم)، ونطبق الحكم على الموجود الخارجي، فإذا جفّ العنب وذهبت رطوبته، يتغيّر عنوان العنبية، ولكن عنوان (هذا) يبقى، ونحن نريد أن نحرز موضوع دليل الاستصحاب وهو اليقين والشكّ، لا موضوع الدليل الاجتهادي وهو العنبية.
وقد سبق أن قلنا: إن المولى إذا جعل السببية، فإن استصحاب العلّة لا يثبت المعلول؛ لأن ترتّب المعلول على العلّة عقلي دائماً، فيكون مثبتاً وإن أنكر ذلك الأصحاب، وأما إذا جعل المولى المعلول بعد علّته ومترتّباً عليها، كان استصحاب العلّة مما يثبت المعلول باعتبار وروده في لسان الدليل.
في المقام نفهم من قوله: (مَن سبق إلى ما لا يسبقه إليه) أو (من حفر بئراً بديّاً) أنه حكم على موضوع، فنطبّق هذه الكبرى على أرض خارجية، ونقول: إنها كانت بديّة قبل خلق الخليقة بالوجدان، فكان من حفر فيها فهو له،
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فنستصحب، ويكون الاستصحاب منقّحاً لموضوع الحكم الشرعي لا للعناوين الأخرى، فلا يكون مثبتاً(1).
يبقى إشكال(2) واحد وهو: أن قضية ترتّب الملكية على الإحياء والحيازة وإن كان أمراً عقلائياً موجوداً قبل الإسلام، ولكن الحكم الذي جعله الأنبياء السابقون للأراضي لا نعلم أنه بأيّ نحو كان، فإنه يحتمل وجوهاً:
أحدها: أنه كان بنحو قوله: (من أحيا أرضاً فهي له)، و(من حفر بئر بدياً فهو له).
الثاني: أنه جعل السببية، يعني قرّر أن الإحياء أو السبق سبب للملكية.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
() قلت له: بأن هذا الحكم لم يكن منجزاً قبل الإسلام.
فقال: ما دام الحكم وارداً على موضوع كلّي فليس فيه متقدّم ومتأخّر.
فقلت: ولكنّنا نريد أن نطبّقه على أرض خارجية، كما نطبّق الحرمة على العنب الموجود في المخزن.
فقال: هو قضاء من الله ورسوله.
فقلت: يعني أن حكم الإسلام كان موجوداً من الأوّل.
فقال: مؤكداً، نعم.
أقول: هذا غير مفهوم، فإن وجود الحكم في الأزل وإن كان صحيحاً، إلّا أنه غير منجّز، فلا يمكن أن يكون موضوعاً للاستصحاب، وأما في صدر الإسلام فلا يعلم أن الأرض بديّة، أو لم يسبق إليها أحد حتى يستصحب. (المقرِّر).
(2) لعلّ هذا هو الإشكال الذي ذكرناه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الثالث: أنه جعل الملازمة بينهما.
الرابع: أنه جعل الحكم على القضية الموصوفة كقوله: (الأرض المحياة التي صارت محياة بفعل شخص فهي للمحيي).
فهل يتمّ استصحاب الحكم على جميع هذه الاحتمالات أو بعضها؟ وعلى الثاني لا يمكن إجراؤه أصلاً؛ لأنه يكون بنحو الشبهة الحكمية.
فإذا كان الجعل بنحو السببية، لم يكن الاستصحاب جارياً؛ لأن وجود المسبّب عند وجود سببه أمر عقلي لا شرعي، ونحوه جعل الملازمة.
وأما على الاحتمال الرابع وهو جعل القضية الموصوفة، فأيضاً لا يتمّ موضوع الحكم بالاستصحاب؛ لأن المتيقّن هو أن الأرض كانت ميتة بالأصالة، فالآن كذلك بالاستصحاب، ونريد أن نثبت بالإحياء أن هذه الأرض الميتة بالأصالة هي محياة، فأثبت موصوفها بالإحياء، وهذا مما لا يمكن تتميمه بضمّ الوجدان إلى الأصل؛ لأن الاتّصاف أمر زائد على وجود الجزأين فلا يثبت بالأصل.
نعم، لو كان الجزءان بهذا النحو: (إذا جاء زيد ولم يجئ عمر)، أمكن إتمام الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل. نعم، على النحو الأوّل يجري الاستصحاب، ولكنّنا لا نستطيع أن نعلم أن جعله كان على أيّ نحو.
نعم، يمكن أن يقال: إن ما كان عليه العقلاء من الأوّل ليس هو قضية الملازمة ولا السببية ولا جعل القضية الموصوفة، بل الجعل كان بهذا المقدار، وهو: (من أحيا أرضاً فهي له، ومن حفر بئراً فهي له)، فإنه ليس جعلاً زائداً
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
على عمل العقلاء، بل هو مطابق لعملهم، وينتج من عملهم النحو الأوّل من الجعل، وهذا العمل كان مرضياً للشارع السابق، فينتج منه حكم شرعي على طبقه، ومن البعيد أن يغضّ الشارع السابق النظر عن عمل العقلاء، ويجعل قضايا أخرى لنفسه كالسببية والملازمة، وحيث إن هذا الأمر العقلائي سابق بلا إشكال، ولم يرد ردع من الشرائع السابقة على الإسلام، فنستكشف منه الحكم الشرعي، فنستصحبه ونرتّب الأثر.
إلّا أن هذا الكلام كله كان كلاماً نظرياً (طلبكياً)(1)، والمهمّ أننا استفدنا من الـروايات أن مـن أحيا أرضاً فـهي لـه، وهـو ممـا يمكن إحراز موضوعـه بالاستصحاب.
هذا تمام الكلام في المسألة الأولى.
القسم الثاني: الأراضي العامرة بالأصالة، فإذا كان الحكم هكذا: الأرض العامرة بالأصالة للإمام، والأرض العامرة بالعرض لمن أحياها، بحيث إن هنا حكمين وجوديين، فهذا لا يمكن تتميمه بالأصل؛ لأننا إذا شككنا أن هذه الأصل عامرة بالأصل، أو أنها عامرة بالعرض فإنه لا يمكن إثبات أيٍّ من ذلك؛ لأن أصالة عدم كونها عامرة بالعرض كأصالة عدم كونها عامرة بالذات، لا يمكن إثبات العنوان المقابل له.
الاحتمال الآخر لنحو جعل الحكم: أن الأرض غير العامرة بالعرض
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: مدرسياً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
للإمام، والأرض العامرة بالعرض للمحيي، فهذه الأرض لها حالة سابقة؛ لأنها قبل وجود البشر كانت غير عامرة بالعرض، فهي الآن كذلك بالاستصحاب، فنطبّق عليها كبرى أنها للإمام، وبه يتنقّح موضوع الإذن العام بالإحياء، فتكون للمحيي.
فكلّ كبرى تنقّح موضوع كبرى شرعية أخرى، وكذلك إذا كان الحكم: (كلّ أرض لا ربّ لها فهي للإمام) على ما اخترناه، فإنه يمكن إثبات هذا الحكم باستصحاب هذا العنوان، وهي أنه لم يكن لها ربّ فالآن كذلك، فيتمّ موضوع الحكم.
وأما إذا كان موضوع الحكم هو الأرض العامرة أو المعمّرة، فإن قال: إن كانت الأرض عامرة بشرياً فهي للمحيي، وإن كانت عامرة بدون عمل بشري فهي للإمام، فهذه لا يمكن استصحاب موضوعها؛ لأن كونها عامرة بالعرض أو بالأصالة ليس لها حالة سابقة؛ لأننا لا نعلم أنها كانت على أيّ نحو.
وأما الأصول النافية، بأن يقال: إن هذه الأرض لم تكن عامرة بالعرض بنحو العدم الأزلي المناسب مع انتفاء الموضوع، ونريد أن نثبت أن هذه الأرض لم تكن هكذا، فهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت.
القسم الآخر: من الأراضي التي تكلّمنا عنها هي الأراضي التي أحياها شخص وملكها، ثُمّ عرض لها الموت، فما هو مقتضى الأصل العملي عند الشك؟
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مرّة نبني على أن موضوع رجوعها إلى ملك الإمام هو إعراض المحيي، وأخرى نبني أن الأرض الخربة للإمام، فما دام الإحياء فهي للمحيي، وإذا ذهب الإحياء فهي للإمام، سواء أعرض أو لم يعرض.
وعلى الأوّل: إذا شككنا أنه أعرض أو لا فاستصحاب عدم الإعراض هل يتمّم أنه حيث إنه غير معرض عنها فهذه الأرض ملك له، أو يحتاج إلى استصحاب الملكية؟
إذا استفدنا من الروايات -كقوله: (الأرض التي جلى عنها أهلها)- أنه إذا أعرض كان للإمام بحيث إن الحكم الشرعي للإعراض هو ذلك، ترتّب على استصحاب عدم الإعراض أنه لمالكه لا للإمام، واستصحاب الملكية أيضاً جارٍ، فيترتّب عليه حكمه وهو حرمة تصرّف الغير فيه.
وعلى الثاني: وهو أن ما يخرجها عن ملك المحيي هو الخراب ونحوه، فهنا نحوان من الشكّ:
مرّة: يكون مفهوم الخراب معلوماً، ولكن شككنا في أن الأرض خربت أو لا، فاستصحاب الخراب جارٍ، فتكون الأرض لصاحبها بلا إشكال.
وأخرى: نشكّ في مفهوم الخراب وأنه هل يصدق على هذا المقدار من النقصان في حيثيات الأرض أو لا؟ مثل الشبهة في الغروب والمغرب، فأنا أعلم أن الشمس غربت، وأن الحمرة لم تزل، لكن أشكّ في أن النهار هو سقوط القرص أو زوال الحمرة، فالشكّ هنا في انطباق مفهوم النهار على هذا وعدمه سعةً وضيقاً.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فهنا إشكال في أن الاستصحاب يجري أو لا يجري؟ مثل ذلك يرد هنا فأنا لا أشكّ بمقدار النقصان الحادث في الأرض، ولكن أشكّ في مفهوم الخراب أنه هل لا بُدّ أن تخرب كلّ حيثيات الأرض، أو هو بنحو يصدق على الخراب الأقلّ؟ فيأتي الإشكال في الاستصحاب، ومعه لا بُدّ من استصحاب الملكية، فإن الأرض كانت ملك زيد، فهل سبّب الخراب خروجها عن ملكه أو لا؟ فاستصحب، وارتفاع موضوع الدليل الاجتهادي لا يلزم منه ارتفاع موضوع دليل الاستصحاب وهو اليقين والشكّ.
القسم الرابع: أيضاً اتّضح الكلام فيه مما حقّقناه في القسم الأوّل الذي هو الأرض الميتة، فقد عرفنا أنها للإمام وأنها تملك بالإحياء، وإذا أعرض عنها فهي للإمام، وإذا صولح عليها مع ولي كان حكمها تابعاً للمصالحة.
وإنما الإشكال في الأراضي المفتوحة عنوة، والبحث فيها طويل، إلّا أننا نتعرّض لنقاطه المهمّة.
فمن تلك النقاط: أن الفتح لا بُدّ أن يكون بإذن الإمام، وإلّا كانت الأرض للإمام، وهو أمر متسالم عليه بين الفقهاء.
ومن النقاط: أن الأراضي المفتوحة عنوة، هل هي ملك للمسلمين؟ وكيف هي كذلك؟ لا بُدّ في ذلك أن ننظر إلى الروايات لنرى ماذا يستفاد منها:
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فمنها: أبواب عقد البيع باب (21) الرواية (4): محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي (صحيحة)، قال: ” سُئل أبو عبد الله عن السواد ما منزلته؟ قال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يُخلق بعد “(1).
فهل المقصود من قوله: “لجميع المسلمين”، هل يراد به ملكية فعلية للأقسام الثلاثة: من هو مسلم فعلاً، ومن هو كافر فعلاً ممن سوف يدخل في الإسلام ومن هو غير موجود؟
لا شكّ أن هذا غير مراد. علاوة على أن المعدوم لا يمكن اعتبار الملكية عليه، فإن ما هو طرف الاعتبار وهو (الصورة الذهنية) ليس معدوماً، وما هو يراد تمليكه وهو (المعدوم) يستحيل أن يكون طرفاً للإضافة، وإن قيل إن الاعتبار خفيف المؤونة.
إذن فالمراد أنه لجميع المسلمين، سواء الفعليون أو الذين يوجدون بعد ذلك، وكلّ من يوجد ينطبق عليه أنه مسلم فتكون له، فهو بنحو العموم الاستغراقي لكلّ من انطبق عليه هذا المفهوم. وليس الحكم على الطبيعة سواء كانت موجودة أو معدومة، بل الحكم على العنوان، وما لم يتحقّق العنوان لا
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 147، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 1، الاستبصار 3: 109، كتاب البيوع، الباب 73، الحديث 1، ووسائل الشيعة 17: 369، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 21، الحديث 4.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يصدق عليه أنه مسلم، نظير مفهوم النار فإنه ما لم تتحقّق في الخارج لا يصدق عليه أنه نار، وليس ما في الذهن ناراً إلا خيالاً وتشبيهاً. فالمسلم لا يكون مسلماً إلّا إذا وجد في الخارج وشهد الشهادتين، سواء كان كافراً أو معدوماً. والقضية لا ترجع إلى قضية تعليقية مفادها: (إذا وجد مسلم في الخارج كان كذا)، بل إلى قضية حملية تنجيزية، غاية الأمر أنه إذا لم يوجد لم يكن مسلماً.
فهل معنى ذلك أن مقداراً من الأرض لهذا المسلم، ومقداراً منها لهذا المسلم، وإذا وجد مسلمٌ آخر كان له مقدار منها وهكذا. فيكون كلّ مسلم مالك لمقدار من الأرض؟ أو أن معناه أنه لطبيعي المسلم كما قالوا، أو أنه ملك الجهة العامة، أو أنه ملك الأفراد؟ أو أنه ليس أحداً مالكاً، وليست الأرض لأحد، ولكن إذا صرفت منافعها على المسلمين فيقال: إنها للمسلمين، كما يقال -عند أهل هذا العصر- أنها ملك الملّة أو الأمّة، فإن المراد ليس أنها للأفراد ولا أنها للطبيعي، بل بمعنى أنها تصرف على مصالحها. فهي ليست للإمام وليس له حقّ فيها قليلاً ولا كثيراً، كما في رواية حمّاد، بل هي للمسلمين؟
فهذه هي الاحتمالات، وبعضها لا يتمّ على القواعد أصلاً كملك المعدوم. وبعضها لا يمكن الالتزام به كملك الأفراد بنحو يباع أو يورث، وتبقى الاحتمالات الأخرى لا بُدّ أن تستفيدها من الروايات(1).
ــــــــــ[98]ــــــــــ
() سألته دام ظله: عن الفرق بين ملكية الإمام وملكية المسلمين، بعد إرجاع كِليهما إلى معنى ملكية الأمّة، وجعل ولايتهما معاً إلى الإمام.
فأجاب: أن الفرق بينهما في أن للإمام أن يأذن بالإحياء فتملك بالإحياء، ولكن أراضي المسلمين لا تملك بالإحياء. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هناك ثلاث روايات في أن أراضي الخراج للمسلمين:
منها: صحيحة الحلبي السابقة.
ومنها: ورواية محمد بن شريح، قال: “سألت أبا عبد الله عن شراء الأرض من أرض الخراج، فكرهه، وقال: إنما أرض الخراج للمسلمين“(1)، الحديث.
ومنها: كتاب الجهاد باب 17 محمد بن الحسن بإسناده، عن الصفّار، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن أبي بردة بن رجا (مجهول)، قال: “قلت لأبي عبد الله: كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: ومن يبيع ذلك؟! هي أرض المسلمين“(2).
نحن مرّة نحسب حساب التعبير الذي في صحيحة الحلبي، وأخرى ننظر إلى الروايات الأخرى.
أما بحسب الظهور فقد قلنا: إن الظهور الابتدائي للعبارة هو أنه لجميع أفراد المسلمين، سواء الموجودون والمعدومون والكفرة الفعليون. مثل الوقف على البطون المتأخّرة. وهذا الظهور لا يمكن الالتزام به؛ لأنه لا إشكال أن الكافر الفعلي ليس له من الأراضي الخراجية شيء، والاعتبار على المعدوم ممتنع.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 148، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 3، الاستبصار 3: 109، كتاب البيوع، الباب 73، الحديث 3، ووسائل الشيعة 17: 370، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 21، الحديث 9.
(2) تهذيب الأحكام 4: 146، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 28، الاستبصار 3: 109، كتاب البيوع، الباب 73، الحديث 4، ووسائل الشيعة 15: 155، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ…، الباب 71، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الاحتمال الآخر: أنها لأفراد المسلمين، كما هو ظاهر الألف واللام و(الجميع). فيكون ملكاً فعلياً لأفراد المسلمين الموجودين حال الفتح عنوة دون غيرهم. وهو خلاف نصّ صحيحة الحلبي.
الاحتمال الآخر: أن الحكم لعنوان: (جميع أفراد المسلمين) كعنوان (الفقراء) إذا قلنا بملكيتهم للزكاة. فهو ينطبق على الموجودين والبطون المتأخّرة، إلّا أن هذا خلاف ظاهر قوله “لجميع المسلمين” فإنها ظاهرة في الأفراد، فصرفه إلى العنوان الاسمي أو ملكية الجهة خلاف الظاهر.
وما تخيّلته هو أن الأمر يدور بين أحد ظهورين: إما ظهور اللام في الملكية، وإما ظهور الألف واللام و(الجميع). على أن اللام لا تدلّ على الملكية بل تدلّ على مجرّد الارتباط، وقد استعمل في القرآن في غير الملكية المقصودة كقوله تعالى: لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ(1). ولا نحسّ بأيّ مجاز أو مؤونة في قولنا: (اللّجام للفرس). وإنما تحمل اللام على الملكية حينما لا يوجد أيّ شيء آخر، فيكون لها ظهور ضعيف على الملكية.
إذن فهي في المقام لا تدلّ على أكثر من مجرّد ارتباط الأرض بالمسلمين، فإن الإمام حين لاحظ أن منافع هذه الأرض يجب صرفها في مصلحة المسلمين قال: إنها لهم، وليس هذا خلاف الظاهر.
وحين يدور الأمر بين رفع اليد عن هذا الظهور الضعيف أو رفع اليد عن عدّة ظهورات فعلية قوية متعاضدة، يتعيّن رفع اليد عن الظهور الضعيف.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) البقرة: 284.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فالأرض محفوظة للصرف في مصالح المسلمين، وليس للأفراد فيها شيء أصلاً؛ لصراحة رواية حمّاد بخلافه، وإنما هي للمصالح العامة كالجهاد وبسط الإسلام وحاجات الدولة الإسلامية، وهذا هو الذي نفهمه حين ينسب الأمر إلى الدولة. كما تسير عليه الدول اليوم في الأمور المؤمّمة. واعتقد أنه يمكن استفادة ذلك من صحيحة الحلبي إلى حدّ لا نكاد نحتاج إلى غيرها.
ونحوه قوله: “المسلمون شركاء في الماء والكلاء“(1). فإنه ليس معناه الشركة في الملكية، وإلّا لوجب استئذان الشريك. وإنما هم مشتركون بهذا المعنى وهو: أن لهم الحيازة ويملك كلّ فرد ما يحوزه.
نحن لا بُدّ أن نحافظ على ظهورات الكلام إلى أكبر حدّ ممكن، فأيّ احتمال كان أوفق بالظاهر من دون محذور عقلي لا بُدّ من الأخذ به.
ووضع الحكم على العنوان العام كـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(2) و(النار حارّة)، فكلّ فرد يوجد يكون مصداقاً له، وإن كان ممكناً، لكن ما نحن فيه نحتاج إلى مالك ومملوك. وحين الفتح كان هناك عدد من المسلمين يصدق عليهم أنهم جميع المسلمين، وقد جعلت لهم الملكية، فإذا جاء جيل آخر ليس هنالك جعل آخر بالنسبة إليهم، وليس هناك قضيّة شرطية -بالنحو غير الصحيح -ولا
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 239، كتاب المعيشة، باب بيع الكلأ والزرع والأشجار…، الحديث 3874، تهذيب الأحكام 7: 146، كتاب التجارات، الباب 10، الحديث 33، ووسائل الشيعة 25: 417، كتاب إحياء الموات، الباب 5، الحديث 1.
(2) البقرة: 275.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
قضية حقيقة -بالنحو الصحيح-؛ لكي تكون شاملة لهم. وهو وإن كان الحكم على عنوان المسلمين -كعنوان الفقراء في باب الزكاة- ممكناً، إلّا أن ظاهر القضية الاستغراقية والحكم الفعلي، إذن فالمالك هو الجيل الأوّل، والجيل الثاني لا يكون مالكاً، فإن الملكية الفعلية تحتاج إلى مالك فعلي، وهو ينطبق على الموجود دون المعدوم.
نعم، يمكن أن يقال: إن الشارع قبل هذا الكلام جعل السببية، أي: سببية كون الأرض مفتوحة سبباً لمالكية المسلمين. وهذا العنوان إلى الآن صادق، ومتى يوجد مسلمون فالسببية تعمل عملها. فحين كان هناك عدد موجود كانت الأرض بالشركة بينهم، ثُمّ تسلب منهم وتعطى لآخرين بعدهم وهكذا.
وهذا ليس فيه إشكال عقلي، ولكنّه خلاف ظاهر قوله: “جميع المسلمين“، فإن له ظهوراً بالفعلية، إلّا إذا قيل: إن قوله: “لمن هي الآن ولمن يوجد بعد ذلك” يصرف ظهورها عن الفعلية، لكنّ الالتزام بهذا المعنى مشكل وغير منسجم مع ظهور سائر الروايات.
وعلى أيّ حال، فلا شكّ فقهياً أن هذه الأراضي وإن كانت ملكاً للمسلمين، إلّا أن واحداً منهم، بل ولا جميعهم -باستثناء الوالي- لا يستطيعون التصرّف بيعاً ولا إجارة ولا أيّ معاملة، ولا يترتّب عليهم شيء من آثار الملكية، ولهذا يلزم منه لغوية جعل الملكية، وإنما جعلت هذه الأرض موقوفة متروكة للصرف على مصالح المسلمين.
وأمرها إلى الوالي يصرفها في ذلك، وهذا هو بنفسه ما يسمى الآن في
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الدول الحاضرة بالتأميم (ملّي)(1)، وليس معناه أنه ملك الأمّة، بل معناه أنها تصرف في مصالحها العامة. إذن فالأرض ليست ملكاً لتباع أو تورث، وهذا الوجه أيّ مانع منه، غايته التصرّف في ظهور ضعيف، مع حفظ سائر الجهات.
ومنها: (الوسائل)، ب 21، من أبواب عقد البيع، الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله قال: “لا تشترِ من أرض السواد شيئاً، إلّا من كانت له ذمّة، فإنما هو فيء للمسلمين“(2).
ورواه الصدوق(3) بإسناده عن أبي الربيع الشامي نحوه.
وفي (المستدرك) أبواب عقد البيع باب13: “لا تشتروا من أرض السواد شيئاً فإنها فيء للمسلمين”.
وقالوا: في وجه تسميتها بالفيء أن الأراضي كلّها كانت لآدم، فأغتصبها الظلمة، فكلّما أخذ رسول الله منها شيئاً فقد رجع المغصوب إلى صاحبه، والفيء هو الرجوع.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
( ) كلمة باللغة الفارسية تعني: وطني.
( ) تهذيب الأحكام 7: 147، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 2، الاستبصار 3: 109، كتاب البيوع، الباب 73، الحديث 2، ووسائل الشيعة 17: 369، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 21، الحديث 5.
( ) مَن لا يحضره الفقيه 3: 241، كتاب المعيشة، باب إحياء الموات والأرضين، الحديث 3879، مع فارقٍ في اللفظ.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فقد قال: (هو فيء المسلمين) أو (فيء للمسلمين)، ولم يقل: إنها ملك للمسلمين، فيفهم منه أنه راجع إلى المسلمين بنحو غير الملكية، فيكون مؤيداً لذلك المطلب، وهو أن الملكية ليست بذلك المعنى، وإنما المراد أنه يصرف من هذه الأرض على مصالحهم بإشراف وليّهم وتصرّفه.
ومنها: (التهذيب)(1) في قسمة الغنائم الحديث 366، مرسلة حمّاد بن عيسى (ص128 وما بعدها ج4) يقول فيها: “والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب، فهي موقوفة متروكة بين من يعمّرها ويحييها -ثُمّ يذكر حكم الزكاة إلى أن يقول-: ويؤخذ بعد ما بقي من العشر، فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمّال الأرض وأكرتها، فيدفع إليهم أنصبائهم على قدر ما صالحهم عليه، ويأخذ الباقي، فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير“(2).
“موقوفة” فيها عدّة احتمالات(3):
الأوّل: أن تكون موقوفة وقفاً اصطلاحياً، بجعل من الشارع، لمصالح المسلمين، ومعه لا تكون ملكاً لأحد؛ لأن الوقف على الجهات العامة لا يكون
ــــــــــ[104]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 4: 130، كتاب الزكاة، الباب 37، الحديث 2.
(2) الكافي 1: 541، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس…، الحديث 4، ووسائل الشيعة 15: 111، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ، الباب 41، الحديث 2.
(3) كان السيد يقرأ فقرات من هذه الرواية ويعلّق عليه. فذكرها إلى قوله: “موقوفة” فيها عدّة احتمالات:… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ملكاً، لأنه لا يمكن جعل الملك لهم.
الثاني: أن تكون موقوفة اصطلاحية، إلّا أن حمل ذلك على الأرض حمل عنائي ادعائي، فهو من جملة الحقائق الادّعائية، فاللفظ استعمل بمعناه الحقيقي وحمل على الأرض ادّعاءً.
ومن آثار الوقف أنه ليس ملكاً للموقوف عليه، وأنه لا ينتقل إلى الورثة، فتترتّب كلّ هذه الأحكام بإطلاق دليل التنزيل.
الثالث: أن يكون المراد المعنى اللغوي، يعني: متوقفة، بمعنى أن هذه الأرض جعلها الشارع من حين الفتح متوقفة لم ينقلها إلى أحد. فالأرض حين يصدق عليها أنها عنوان مفتوحة عنوة، فهي تكون موقوفة بمجرّد الفتح لا بعد ذلك. ولازمه أنه لم ينتقل إلى المسلمين، فإنها لو كانت ملكهم لانتقلت إليهم، وإن لم يمكنهم أن يبيعوه بعد ذلك. وظاهر الرواية أنه بمجرّد الفتح موقوف ولم ينتقل إلى الغير.
فعلى كلّ هذه الاحتمالات ظاهرها أنها ليست ملكاً، ويكون منافياً للروايات السابقة الدالّة على أنها للمسلمين، وأحسن جمع بينهما هي أنها موقوفة للمسلمين؛ فصحّ التعبير بأنها لهم، وأنها أرض للمسلمين، ولا يلزم إلّا الظهور الضعيف لـ(اللام)(1).
فإن بنينا على أن الأرض للمسلمين والوالي ولي المسلمين كولي الصغار، لم يكن للولي شركة في المال، بل كان المسلمون شركاء معهم، فيصرف ولي المسلمين
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() ثُمّ قرأ السيد الرواية إلى قوله: “وهم عمال الأرض وأكرتها“. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أموالهم عليهم. وحين لا يكون المسلمون مالكين فالأمر كله للوالي وليس للمسلمين وسط في الموضوع، وشركتهم هنا بمعنى أنه يأخذ قسماً منه يصرفه في مصالح المسلمين. فليس الربح للوالي حقيقة، وإنما هو يأخذها بوصفه ولياً. والشركة إذا نسبت إلى الولي فإنها لا تفيد الملك كالوقف للجهات العامة.
“ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير“(1). لو كانت الأرض للمسلمين لكان قسم منها للوالي بصفته مسلماً. فليس الأرض ملكاً للمسلمين، وهم ليسوا مصرفاً أصلاً كالفقراء في الزكاة، بل هي للمصالح العامة.
وبعبارة أخرى: إن الأرض المفتوحة عنوة، خالصة -الرواية- وأنها ليست لأحد، موقوفة متروكة تصرف منافعها على الناس. إذن فالمسألة صحيحة كما قال الشهيد(2) والأردبيلي(3). وما توهّم أنه من المسلّمات غير تامّ، بل هو من النظريات، ولعلّهم استدلّوا بهذه الأدلّة، ولعلّ مرادهم من أنها ملك للمسلمين يريدون بها هذا المعنى الذي قلناه.
المسألة الأخرى: أنه هل يمكن أن تباع أرض الخراج تبعاً للآثار أو لا؟
هل يجوز بيع الأراضي المفتوحة عنوة أو لا؟
ــــــــــ[106]ــــــــــ
() وهنا قال السيد: إن الاستشهاد بهذه الرواية تأييد لما قلناه وليس استدلالاً. ثُمّ قرأ الرواية إلى قوله: “ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير“… ().
(2) اُنظر: مسالك الأفهام 12: 393، كتاب إحياء الموات، الطرف الأوّل.
(3) اُنظر: مجمع الفائدة والبرهان 7: 471-473، كتاب الجهاد، المقصد الثالث، المطلب الثالث.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
صاحب (الوسائل)(1) خلط ما بين الروايات في الأراضي الميتة والأراضي الخراجية والأراضي لأهل الذمّة. فلا بُدّ أن ننظر في خصوص ما هو المربوط بالمسألة.
فهل يمكن في الأراضي الخراجية البيع والشراء، أو لا يمكن؟ أو يفرّق بين زمان الحضور والغيبة، أو يفرّق بين إجازة الولي وغيره، أو يفرّق بين البيع بتبع الآثار وغيره؟ أقوال لا بُدّ أن نفهم ما هو الصحيح منها من الروايات.
فمنها: باب (71) من كتاب الجهاد، (باب حكم الشراء من أرض الخراج والجزية)، محمد بن الحسن بإسناده، عن الصفّار، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن أبي بردة بن رجا، قال: “قلت لأبي عبد الله كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ (قال)(2): ومن يبيع ذلك؟! هي أرض المسلمين. قال: قلت: يبيعها الذي هي في يده. قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثُمّ قال: لا بأس اشترى حقّه منها، ويحوّل حقّ المسلمين عليه، ولعلّه يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه“(3).
ــــــــــ[107]ــــــــــ.
() كما يظهر ذلك من عنوان الباب الحادي والعشرين من أبواب عقد البيع وشروطه من الوسائل 17: 368؛ إذ ورد فيه: باب اشتراط اختصاص البائع بملك المبيع وحكم بيع الأرض المفتوحة عنوةً والشراء من أرض أهل الذمّة.
(2) هكذا قرأها السيد فيما أتذكّر، وهو أنسب للسياق، ولكنّه غير موجود في (الوسائل). (المُقرِّر).
(3) وذكر السيد في سندها أبو بردة بن رجا مجهول، ولا يوثّقه رواية صفوان عنه، وليس بصحيح ما قيل من أن كلّ من روى عن أصحاب الإجماع فهو ثقة. (المُقرِّر). تهذيب الأحكام 4: 146، كتاب الزكاة، الباب 39، الحديث 28، الاستبصار 3: 109، كتاب البيوع، الباب 73، الحديث 4، ووسائل الشيعة 15: 155، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ، الباب 71، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فقد ذُكر في الرواية إشكالان:
أحدهما: أن الأرض للمسلمين، فكيف يجوز بيعها؟
وثانيهما: أنه من يدفع الخراج؟ فإن البائع الذي كان مكلّفاً بدفعه قد ذهب، والمشتري غير مكلّف بدفع الخراج.
والإمام يريد أن يعالج كِلا الإشكالين بقوله: “اشترى حقّه منها، ويحوّل حقّ المسلمين عليه“. فهو لا يبيع الأرض، بل حقّه في الأرض والخراج يدفعه المشتري باشتراط عليه في نفس المعاملة.
فليس الإمام في مقام بيان ستة احتمالات يريد أحدها بنحو مانعة الخلو، ولعلّ غيرها أقوى منها. وليس في مقام بيان أنه يبيع الحقّ المعدوم، والعجب من بعض المحشّين(1) أنه فهم من حقّه في الأرض نفس الأرض، باعتبار أنه يبيع الجزء الذي يملكه منها. مع أنه لو باع عشرة أجربة يكون نسبته إلى المسلمين الموجودين فضلاً عن غيرهم أقلّ من عقدة الإصبع، فلا يكاد يكون متموّلاً. على أننا سبق أن قلنا: إن الشركة بهذا المعنى بين المسلمين غير صحيحة. على أن المشتري حينئذٍ لا يكون له أن يتصرّف في الأرض إلّا بإذن الشركاء.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 39، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الأوّل، أقسام الأرضين، القسم الرابع.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لا يتّفق أن هناك (دهقان)(1) ليس له أثر في الأرض، فإنهم يزرعون قسماً من الأرض ويحرثون القسم الآخر ويهيئونه للزرع، فهو يبيع الحرث لا يبيع الأرض، وهو عمل له مالية، وقد صنعه بوجه شرعي. فما قاله الفقهاء من أن الأرض لا أثر لها، ناشئ من عدم اطّلاعهم على عمل (الدهاقين).
وأما قراءة (يحوّل) بالمبني للمجهول، فإن التحويل يكون بالقرار لا من قبل شخص آخر.
وهذه الرواية دليل على أنه ليس المطلوب في باب البيع وجود عين مبيعة، حتى نحمل اللفظ على معناه الحقيقي، فإن هذا كلام مدرسي وليس له خارج المدرسة أثر، بل هو بيع عرفي تشمله مطلقات التنفيذ.
فالرواية ظاهرة في أن الأرض الخراجية لا تملك بالآثار؛ لأنها لو كانت تملك لَما قال: “من يبيع ذلك؟“؛ لأنه يبيعها حينئذٍ باعتبار أنها ملكه. ولَما وضع الإمام طريقة للتخلّص من الإشكال، فهذه الرواية -لو لا ضعف السند- نصّ في المطلب.
محمد بن الحسن(2) بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي، قال: “سئل أبو عبد الله عن السواد ما منزلته إلى أن قال: فقلت: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح، إلّا أن يشتري منهم
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() كلمة باللغة الفارسية تعني: مزارع.
(2) باب 21 من أبواب عقد البيع. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
على أن يصيّرها (يجعلها: نسخة الفيض(1)) للمسلمين“(2).
وهي صحيحة الحلبي السابقة التي يقول في صدرها: إن الأرض للمسلمين. والراوي بعد أن علم أن الأرض للمسلمين كيف يسأل عن شرائها من الدهاقين؟ إلّا أن يسأل عن شرائها من غير مالكها. فهل يصحّ هذا السؤال؟ وليس هناك احتمال أنه كان للمسلمين والآن للدهقان، بل هي للمسلمين، وظاهره أنه شراء من الدهاقين، فما هو الوجه في ذلك؟
“فقلنا(3): الشراء من الدهاقين” لم يقل شراء الأرض، والدهقان في اللغة هو رئيس الإقليم كما في (المنجد)، وفي (المجمع)(4) أنه مقدّم أصحاب الزراعة.
ونحن نتكلّم على كلا الاحتمالين، فإن كان المراد به الزارع فيكون البيع بحسب المعهود بينهم لا بيع نفس الأرض، وإن كان المراد به رئيس القرية، فلم يكن في زمان الإمام الصادق وقوّة السلطان يومئذٍ لم يكن شخص قادراً على أخذ القرية من السواد غصباً، واعتبارها ملكاً له، بغضّ النظر عن الدولة، بل كانت الأرض تحت سيطرة الحكومة، لكن كانوا يتقبّلونها من السلطان، ثُمّ
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() الوافي 18: 994، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب أحكام الأرضين والمياه، الباب 159، الحديث 10.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
(3) ذكر السيد صحيحة الحلبي أيضاً، وشرح فقراتها بالنحو الذي ينطبق على مبناه بأن بيع الأرض المفتوحة عنوة لا يكون إلّا ببيع الآثار. (المُقرِّر).
(4) مجمع البحرين 6: 250، مادّة (دهقن).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يعطونها للناس على نحوين: إما أن يقبلوها للأشخاص قطعة قطعة، أو أن دهقاناً يريد أن يخرج من القرية إلى المدينة فيبيعها إلى دهقان آخر، وعلى أيّ حال فليس المراد بيع الأرض أصلاً، وإنما يبيعها كما لو كان زرعها وكانت الأرض لغيره، فهو يبيعها باعتبار الآثار.
“قال: لا يصلح، إلّا أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين”: فيه احتمالان:
أحدهما: “لا يصلح” بمعنى: لا يصحّ، فالبيع على نحوين بنحو صحيح وبنحو فاسد.
ثانيهما: بمعنى لا ينبغي ولا يرجّح. وقوله “يصيرها للمسلمين“: ليس المراد أنه يجعل جميع زراعته للمسلمين، بل قسماً منه كالثلث والربع والنصف، ومعناه: أنه كما كان البائع قد قرّر قسماً من الغلّة للمسلمين، كذلك يجب على المشتري، نظير ما قاله هناك من أنه يحوّل حقّ المسلمين عليه. وهو يؤيّد ما ذكرناه من أن جميع الروايات تتعرّض إلى أن الأراضي والخراج للمسلمين.
ونحوه ما ورد في رواية شريح، قال: “سألت أبا عبد الله عن شراء الأرض من أرض الخراج، فكرهه، وقال: إنما أرض الخراج للمسلمين“(1). فلو كانت المسألة مسألة بيع لم يرتفع الإشكال بدفع الخراج، وإنما كان الكلام حول الخراج.
ونحوه في رواية أبي بردة: (ومن يبيع ذلك؟ وهي أرض للمسلمين. قال:
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يبيعها الذي هو في يده). يعني بالنحو المتعارف، فلم يكن الكلام حول بيع الأرض، بل حول خراج المسلمين وأموال الدولة. فإذا قرأنا قوله في رواية أبي بردة “يحوّل حقّ المسلمين عليه” بالمبني للمجهول بمعنى التحويل القهري. فلا بُدّ أن نحمل قوله “لا يصلح” على معنى (لا ينبغي). وإذا قرأناها مبنياً للفاعل فالمراد: أن اللازم هو ذلك، حتى لا يكون هناك نزاع، وإذا حملناه على الاستحباب تكون أوفق بالقواعد والروايات.
قوله: “فإذا شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها” هذه الجملة إما تفريع على السابق أو تتمّة للشرط. فإن كانت تفريعاً يكون ذلك بعيداً، فإنه من البعيد أن الولي يجعل لنفسه حقّ الفسخ، وإلّا البائع يجعل هذا الحقّ على المشتري، فإن المزارعة لازمة لا يمكن فسخها. ومن البعيد أن الأرض تكون بيد المشتري غصباً، وإذا جعل خيار الشرط للحاكم فلا يقدم الناس عليه.
وبهذا الذي قلنا يتمّ فهم ذيل الرواية، “قال: يرد عليه رأس ماله“، إذا كان غاصباً فلا بُدّ أن يرد، لا أنه يرد ذلك متفضّلاً. وأما لو كان البيع باعتبار الآثار فلا بُدّ بعد الفسخ من إرجاع ما أخذه، “وله ما أكل من غلتها بما عمل” فإن المعاملة كانت صحيحة وليست غصبية.
ومنها: رواية(1) أبي الربيع الشامي (لعلّها حسنة)، عن أبي عبد الله: “قال: لا تشترِ من أرض السواد شيئاً، إلّا من كانت له ذمّة، فإنما هو فيء للمسلمين“(2).
ــــــــــ[112]ــــــــــ
() الرواية 5 من باب 21 من أبواب عقد البيع. (المُقرِّر).
(2) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
والفيض في (الوافي)(1): “لا تشتروا“، وفي (الفقيه)(2): “لا يُشترى من أراضي أهل السواد“، وفيه نسخة بدل: (لا تشتروا). ونحن نتكلّم على كلّ الاحتمالات.
فعلى نسخة (الوسائل) في الطبعتين القديمة والجديدة، حيث إن من كانت له ذمّة لا يستثنى من (لا تشتر). فلا بُدّ معه من الحمل على معنى معقول. ومعه يكون إما تفصيلاً في المشتري أو تفصيلاً في البائع. فالأول إذا كان تقدير العبارة: (يشتري مَن كانت له ذمّة). غير أنه خلاف الظاهر، وكان الأنسب على ذلك أن يقول: (إلّا إذا كانت لك ذمّة). والأنسب هو التفصيل في البائع، أي: (لا تشترِ ممن له ذمّة أو أرض من له ذمّة). وهذا أظهر على نسخة: (لا تشترِ).
ومعه يقع الكلام في معنى (من له ذمّة).
قالوا: إنه بمعنى الذمّي، فإن أرض العراق كان منها لأهل الذمّة ومنها أرض الخراج. فما كان لأهل الذمّة يمكن شراؤه، وما كان أرضاً خراجية لا يمكن. والظاهر أن هذا ضعيف؛ لأن أرض العراق كلّها للمسلمين.
الاحتمال الآخر: الذمّة بمعنى العهدة والضمان، يعني يصحّ شراء الأرض من بائع قد تقبّل الأرض من الحاكم، ولا يصحّ من غيره. فإن قلنا بالملكية كان البيع واقعاً على الأرض، وإن لم نقل به -كما هو المنسجم مع كونها للمسلمين- فالبيع إنما هو باعتبار الآثار، فإن كان له ذمّة قد تقبّل الأرض فإحداثه للآثار
ــــــــــ[113]ــــــــــ
( ) الوافي 18: 996، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب أحكام الأرضين والمياه، الباب 159، الحديث 11.
( ) تقدّم تخريجه عنه آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يكون بحقّ، وتكون له، فيجوز بيعها، وإن كان غاصباً لا ذمّة له، فالآثار ليست له ولا حرمة لها، بل كلّها للمسلمين، فلا يجوز شراؤها منه.
وأما نسخة: “لا تشتروا“، فلا مانع من كون التفصيل تفصيلاً بين المشترين.
فيقع الكلام في المراد من الذمّة، والظاهر أن المراد به ما سبق في الروايتين السابقتين، وهو من له عهدة وضمان، فإما أن يكون ذلك مداراً للصحّة أو مداراً للأرجحيّة.
الاحتمال الآخر: أن الذمّة هو بالمعنى الاصطلاحي -وإن لم يكن موجوداً في اللغة، وإنما ورد فيها بمعنى الضمان- ويكون المراد به في المقام من يستطيع الأداء، وهذا الاحتمال أضعف من ذلك.
وعبارة الفقيه: (من أراضي أهل السواد شيئاً)، فقد نسب الأراضي لأهل السواد، مع أنه قال: إنها فيء للمسلمين، وهذه النسبة باعتبار أن (الرعية) أو الزارع يقول عن الأرض التي يزرعها: إنها أرضي، وتلك أرضه. ثُمّ يقول: إنها للمسلمين، فلا يجوز الشراء إلّا إذا كان له ذمّة يستطيع أن يحوّل حقّ المسلمين. فهذا بيع رعيّتي لا بيع نفس الأرض. وفي نظري أن الإشكال المنظور إليه في تمام الروايات هو في دفع مال المسلمين، ولا كلام في ملكية الأرض ولا بيعها، بل كان البيع بينهم مرسوماً متعارفاً.
“فإنما هي فيء للمسلمين“: تعليل لعدم جواز شراء أرض المسلمين، إلّا أن يكون كذا، وتبقى للمشتري كما كانت للبائع من ملكية الآثار ودفع الخراج.
ورواية ابن شريح قال: “سألت أبا عبد الله عن شراء الأرض من
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أرض الخراج، فكرهه، وقال: إنما أرض الخراج للمسلمين. فقالوا: فإنه يشتري الرجل وعليه خراجها. فقال: لا بأس“ (1) … الحديث(2).
يعني الشراء الرعيّتي، فإن دفع الخراج لا يصحّح بيع أراضي المسلمين، فالبيع لا يكون إلّا بالآثار بالنحو الذي كان متعارفاً، والخراج بعهدة المشتري وهو المراد من قوله في رواية أبي بردة: “يحوّل حقّه عليه“.
من أوضح(3) الروايات دلالة على المقصود صحيحة حمّاد التي يقول فيها: “والأرضون التي أخذت بخيل أو ركاب، فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمّرها ويحييها، ويقوم عليها على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج؛ النصف أو الثلث أو الثلثين، على قدر ما يكون لهم صلاحاً ولا يضرّهم. إلى أن قال: ويُؤخذ بعد ما بقي من العشر فيقسّم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمّال الأرض وأكرتها”.
وقوله: “موقوفة” يعني: لا يحصل عليها نقل وانتقال، ولكن يقبلها الوالي ويأخذ خراجها. وقوله: “الذين هم عمّال الأرض“: وليسوا مالكين لها.
وفي باب (74) روايتان، كأنّها رواية واحدة، نقرأها بسند صحيح، وهو ما رواه محمد بن يعقوب بسنده، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: “ذكرت لأبي الحسن الرضا الخراج… إلى أن قال: وما
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() الرواية من الباب نفسه. (المقرِّر).
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
(3) باب: 41، من قسمة الغنائم في الجهاد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذي يرى“(1). فالأراضي المفتوحة عنوة والتي يصدق عليها إلى الأبد أنها مفتوحة عنوة، لا مالك لها، بل هي أمرها إلى الإمام، ولو كان لها مالك لَما قال: إن أمرها إلى الإمام، وليست للناس الذين أوجدوا آثارها أو اشتروا الآثار. فيُعلم من ذلك أنهم لا يريدون رقبة الأرض، بل يراد الشراء المتعارف من قبل الزرّاع. فحتى لو وردت رواية تقول: (يجوز شراء الأرض المفتوحة عنوة)، لقلنا: إنه شراء الرعيّة والزرّاع أكرة الأرض.
ومنها: في باب (21) من عقد البيع، الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن عبد الله بن جبلة، عن علي بن الحرث، عن بكّار بن أبي بكر، عن محمد بن شريح، قال: “سألت أبا عبد الله عن شراء الأرض من أرض الخراج، فكرهه، وقال: إنما أرض الخراج للمسلمين. فقالوا له: فإنه يشتريها الرجل وعليه خراجها. فقال: لا بأس“(2).
ومنها: عنه، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى أرضاً من أهل الذمّة من الخراج، وأهلها كارهون، وإنما يقبلها من السلطان لعجز أهلها عنها، أو غير عجز … إلى أن قال: وسألته عن الرجل اشترى أرضاً من الخراج، فبنى بها
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 513، كتاب الزكاة، بل أقلّ ما يجب فيه الزكاة من الحرث، الحديث 2، تهذيب الأحكام 4: 38، كتاب الزكاة، الباب 10، الحديث 8، الاستبصار 2: 26، كتاب الزكاة، الباب 11، الحديث 4، ووسائل الشيعة 9: 182، كتاب الزكاة، أبواب زكاة الغلّات، الباب 4، الحديث 1.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أو لم يبنِ، غير أن أناساً من أهل الذمّة تركوها له أن يأخذ منهم أجرة البيوت، إذا أدّوا جزية رؤوسهم؟ قال: يشارطهم فما أخذ بعد الشرط فهو حلال“(1).
وهذا السند فيه إرسال حيث قال: “عن غير واحد”. والذي يأتي إلى الذهن أن المراد به جماعة، فيوثق بصحّته.
(عن رجل اشترى – (اكترى) كما في (الوافي)(2) و(التهذيب)- أرضاً من أهل الذمّة …) فهو يريد أن يسأل عن حكم نزول أهل الخراج عليه ثلاثة أيام. وإن هذا الحكم هل هو خاصّ بالمسلمين؛ باعتبار أن الأرض لهم، أو يعمّ أهل الذمّة لها. فهل يفهم من الرواية أنهم ينزلون على المالك رغماً عنه، أو أن الأرض بما أنها للمسلمين، فهل يجوز لأهل الذمة أن ينزلوا فيها ثلاثة أيام؟
فإذا تمّ هذا الاحتمال، فمعناه أن الأرض بقيت على ما هي عليه قبل الشراء، على ملكية المسلمين، وإنما الشراء للآثار، ومعه يجيب الإمام بالجواز والإذن، إذا كان دافعاً للجزية على أن يأخذ منه الأجرة.
منها: الشيخ بإسناده عن فضالة، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، قال: “سألته عن شراء أرضهم؟ فقال: لا بأس أن تشتريها، فتكون إذا كان ذلك
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 282، كتاب المعيشة، باب شراء أرض الخراج…، الحديث 1، تهذيب الأحكام7: 149، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 12، ووسائل الشيعة 17: 371، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 21، الحديث 10.
(2) الوافي 18: 989، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب الأرضين والمياه، الباب 159، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بمنزلتهم، تؤدّي فيها كما يؤدّون عنها“(1).
ومنها: بإسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: “سألته عن شراء أرض أهل الذمّة. فقال: “لا بأس أن تشتريها، فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم: تؤدّي فيها كما يؤدّون عنها“(2).
الظاهر أنهما رواية واحدة، وفي الأولى منهما يقول (سألته)، وفي الثانية عن أبي جعفر، فيُعلم أن المراد بالأولى ذلك. ولا يعلم أن الكلام في أرض الجزية أو الأرض الخراجية، وأرض الجزية يجوز شراؤها؛ لأنهم مالكون لها، إذن فلا يُعلم أن هذه الرواية مربوطة بمسألتنا أصلاً.
ومنها: بالإسناد عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن فضال، عن الحسين بن سعيد، عن حريز، عن أبي عبد الله قال: “رفع إلى أمير المؤمنين رجلٌ مسلمٌ اشترى أرضاً من أراضي الخراج. فقال أمير المؤمنين: له ما لنا، وعليه ما علينا؛ مسلماً كان أو كافراً. له ما لأهل الله، وعليه ما عليهم “(3).
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 7: 148، كتاب التجارات، الباب 11، الحديث 5، الاستبصار 3: 110، كتاب البيوع، الباب 74، الحديث 2، ووسائل الشيعة 17: 369، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 21، الحديث 7.
(2) الكافي 5: 283، كتاب المعيشة، باب شراء أرض الخراج…، الحديث 4، ووسائل الشيعة 17: 370، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 21، الحديث 8.
(3) تهذيب الأحكام 4: 147، كتاب التجارات، الباب 39، الحديث 33، ووسائل الشيعة 15: 157، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ، الباب 71، الحديث 6.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يأتي إلى النظر أنه اشترى من أراضي الجزية.
ولهذا قال لا فرق بين المسلم والكافر، وأن الجزية إذا كانت على الأرض أخذت من المشتري وإن كان مسلماً، فكأنّ شراءه كان منكراً عندهم، فرفعوه إلى أمير المؤمنين، وإلّا فشراء الأراضي الخراجية ولو باعتبار الآثار ليس منكراً، وإنما المنكر هو عدم دفع المسلم للجزية التي كانت على الأرض.
إذن فالروايات بين ظاهرة ظهوراً قوياً بعدم المالكية، وبين روايات يقول في صدرها أنها أرض المسلمين، ثُمّ يقول: يبيع حقّه لا مانع منه. وبعضها يدلّ على جواز الشراء. فإذا ضممنا هذا إلى ما قلناه من أن البيع المتعارف هو البيع (الرعيتي) دون بيع رقبة الأرض نتج المطلب.
المطلب الذي لم يتعرّض إليه الشيخ هنا، وإنما تعرّض إليه في مكان آخر في المكاسب المحرّمة، وهو شرائط الأرض التي تكون خراجية، ما هي؟ وهل هو الفتح فقط أو هو مع شيء آخر؟ ثُمّ نذكر موارد الشبهة من أن هذه الأرض أو تلك هل هي جامعة للشرائط أو لا؟ فماذا نقول بالنسبة إلى هذه الأمور، وهي محلّ الابتلاء؟
لا إشكال أن الأراضي المفتوحة عنوة للمسلمين، وإنما الكلام في شروط هذا الحكم، وأنها بأيّ شكل فتحت؟ ومن قبل أيّ من المسلمين فتحت؟ فهل من الشرائط أن الفتح لا بُدّ وأن يكون بإذن الإمام، وإلّا كان من الأنفال؟
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ثُمّ إن ما يفتح بإذنه هل يفرّق فيه بين الأرض المحياة وغيرها، فتكون المحياة للمسلمين والموات للإمام، كما نقل على ذلك الإجماع والشهرة وعدم الخلاف(1)؟ إلّا أن الظاهر وقوع الخلاف في ذلك حيث نُقل عن العلّامة الحلّي(2) أنه لا فرق بين ما فتح بإذن الإمام وغيره. فلا بُدّ أن نرى حال الروايات وحال الإجماع.
الآية الشريفة: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ(3) في مقابل كلّ الأقسام، وموضوعها كلّ غنيمة، يكون خمسه لله ولرسوله، وباقيه لكم على ما يفهم الإنسان، يعني للغانمين.
وهنا كلام(4) وهو: أن الآية هل تختصّ بغنائم دار الحرب، أو تشمل الفوائد الأخرى؟ حيث قالوا بالأوّل باعتبار أن المستعمل فيه الغنائم عادةً، والآية واقعة ضمن السياق القرآني للحرب. وعمّم آخرون لكلّ الفوائد.
وهنا كلام آخر لم أرَ من تعرّض له، وهو أن الآية هل تختصّ بالغزوات
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() اُنظر: مجمع الفائدة والبرهان 7: 473، الحدائق الناضرة 12: 478، جواهر الكلام 16: 18، وغيرها.
(2) اُنظر: منتهى المطلب 8: 575-577، كتاب الزكاة، المقصد السادس، البحث الرابع.
(3) الأنفال: 41.
(4) بين بعضنا وبين العامة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التي كان يأمر بها النبي، وأما الغزوات التي لم تكن بأمره فلا تشملها الآية؟ فمصبّ الآية هو الغزوات التي أمر بها ولي المسلمين، وأما غيرها فلا تتعرّض له الآية. إلّا أن هذا لا يتمّ؛ لأن مَن قال ذلك تنحصر دعواه بالانصراف إلى الحروب التي كانت تقع في ذلك الحين، وإلّا فهو خلاف إطلاق الآية، وهو إطلاق محكّم منبّه عليه بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا. ومعه فلا يمكن أن يُدّعى أن مصبّ الآية هو ذلك.
إذن فهي تشمل كلّ غانم في دار الحرب، سواء خضعوا بالسيف، أو هربوا من وجه الجيش الإسلامي، أو سلّموا الأرض إليهم، وسواء كانت الغزوة بأمر حكومة شرعية، كرسول الله، أو من قبل جماعة من المسلمين تصدّوا إلى غزو الكفار وغنموا. فكلّ ما غنموه خمسه لله ولرسوله.
وحينئذٍ فالأراضي التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب للإمام -بحسب الروايات-، والتي أُوجف عليها بإذن الإمام مسلماً أو بغيره -محتملاً- فهو للمسلمين. والأراضي المصالح عليها تابعة للصلح، ومعه تكون كلّ هذه الأراضي خارجة عن إطلاق الآية. فيكون ذلك محلّ إشكال في الآية من هذه الناحية. أو نقول: إن تقييد الآية بغير الأرض لا يُعلم أنه من التخصيص المستهجن حتى نرفع اليد به عن الروايات. ولهذا لم نجد الآغايون استوحشوا من هذه التقييدات.
إذن فيستفاد من الآية أن الأربعة أخماس الباقية لكم، فما دلّ دليل على أنه للمسلمين أو للإمام فهو، وإلّا فمقتضى إطلاق الآية أنه للغانمين. فلو لم نستطع أن نثبت -مثلاً- أن الغزو بدون إذن الإمام ما هو حكمه؟ أو حصل
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تعارض بين الروايات الخاصّة، فيكون إطلاق الآية مقتضياً لكونه للغانمين. إذن فيجب أن نبحث عن المقيّدات للآية.
[في المقيّدات الواردة في الآية]
هناك من الروايات ما يستفاد منه مثل مفاد الآية الكريمة، وهو أن الغنائم تخمّس والباقي لأصحابه.
الخمس، باب (2)، رواية (4) محمد بن يعقوب بسنده، عن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة (فيه كلام)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر قال: “كلّ شيء قُوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشترى من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا“(1).
فهذه الرواية راجعة إلى دار الحرب، ولفظها عامّ يقتضي إطلاقه صورة عدم وجود إذن الإمام، فيكون معارضاً مع ما دلّ على أن الغنيمة في مثل ذلك تكون للإمام.
وكذلك ما رواه السيد المرتضى(2) في (رسالة المحكم والمتشابه)، نقلاً عن (تفسير النعماني) بإسناده عن علي -يقول فيها-: “فأما وجه الأمارة فقوله
ــــــــــ[122]ــــــــــ
() الكافي 1: 545، أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس…، الحديث 14، ووسائل الشيعة 9: 487، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 5.
(2) الباب نفسه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ فجُعل لله خمس الغنائم…” الحديث(1).
وفي مقابل هذه الطائفة طائفة من الروايات تدلّ على أن الأرض المفتوحة عنوة موقوفة متروكة بيد من يعمّرها ويحييها، كمرسلة حمّاد وغيرها. وهذه تخالف الآية مخالفة إطلاق وتقييد، وتخرج هذه الأراضي عن إطلاق الآية.
وهناك عدة روايات تمسّك بها الفقهاء كصاحب (المدارك)(2) وصاحب (الحدائق)(3) والسيّد(4) والشيخ(5):
منها: مرسلة عباس الورّاق، وهي ضعيفة السند والدلالة، الأنفال، باب (1)، رواية (15) محمد بن يعقوب الكليني، بإسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن أحمد بن يسار، عن يعقوب بن العباس الورّاق، عن رجل سمّاه، عن أبي عبد الله، قال: “إذا غزا قوم بغير إذن الإمام، فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس“(6).
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
(2) اُنظر: مدارك الأحكام 5: 417، كتاب الخمس، الفصل الثاني.
(3) اُنظر: الحدائق الناضرة 19: 462، كتاب التجارة، أحكام العقود والمعاملات، الفصل التاسع، المقصد الثاني، المسألة الحادية عشرة.
(4) المراد هو السيّد الطباطبائي في رياض المسائل 5: 259، كتاب الخمس، المسألة الأُولى.
(5) اُنظر: كتاب الخمس (للشيخ الأنصاري): 361، الأنفال، المسألة 1.
(6) تهذيب الأحكام 4: 135، كتاب الزكاة، الباب 38، الحديث 12، ووسائل الشيعة 9: 529، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 16.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فقد فصّل ما بين الغنائم التي أذن بها الإمام وغيرها، فإن أُخذت عن طريق الغزو المأذون فيه، فهو موافق للآية، وإن أُخذت عن طريق الغزو غير المأذون فيه فكلّه للإمام.
ومنها: في نفس الباب (رواية 3) محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب (السند في كمال الصحّة)، قال: “قلت لأبي عبد الله: السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف يقسّم قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم، أخرج منها الخمس لله وللرسول، وقسّم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ“(1).
ومفهوم الشرط فيها هو: أنهم إن لم يقاتلوا فليس يجب فيها الخمس. وأما لو قلنا: إنه مفهوم القيد لكان هو: إن لم يكن الأمير ممن يقرّه الإمام لم يجب الخمس. وهذا يندرج تحته حالتان: ما إذا لم يقاتلوا أصلاً، بل غنموا من دون قتال، وما إذا قاتلوا بإمرة أمير غير مأذون. ووجود الشرط في أوّل الجملة يُحدث وهناً في مفهوم القيد.
ويبعّده أيضاً أن الإمام ذكر المفهوم في ذيل الرواية، فقال: “وإن لم يكونوا قاتلوا عليها…“، وهو مفهوم الشرط. إذن فالأمر دائر بحسب لحاظه بين أمرين: القتال وعدم القتال.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 43، كتاب الجهاد، باب قسمة الغنيمة، الحديث 1، ووسائل الشيعة 9: 524، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وليس له نظر إلى أن القيد له دخل في الحكم، وأن له مفهوماً، بحيث يكون موجوداً وإن لم يذكره، وإنما ذكر القيد باعتبار أنه السائل ذكره في سؤاله. فلا يتحصّل من كلام الإمام ثلاثة أقسام:
1- ما لو لم يقاتلوا.
2- ما لو قاتلوا بإذن الإمام.
3- ما لو قاتلوا بغير إذنه.
بل الأمر دائر بين قسمين فقط.
وأما انجبارها بعمل الأصحاب، فقد خالف فيه العلّامة(1)، واستجوده في (المدارك)(2)، وبعضهم توقّفوا كالمحقّق(3) حيث ناقش ابن إدريس(4) الذي يذهب إلى ذلك.
فقوله: “موقوفة متروكة” يقتضي إطلاقها الشمول لصورة إذن الإمام وعدمه. ورواية يعقوب ابن عباس تقول: إن الغنيمة بغير إذن الإمام للإمام، سواء كانت أرضاً أو لم تكن. والنسبة بينهما عموم من وجه، تختصّ الثانية بغير الأرض من الغنائم المأخوذة بغير إذن الإمام، وتتّفق الروايتان على الأرض التي أُخذت بإذن الإمام، ويختلفان في محلّ الاجتماع وهي الأرض التي أُخذت بغير
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) اُنظر: منتهى المطلب 8: 575-577، كتاب الزكاة، المقصد السادس، البحث الرابع.
(2) اُنظر: مدارك الأحكام 5: 418، كتاب الخمس، الفصل الثاني، المقصد الأوّل.
(3) اُنظر: المختصر النافع 1: 64، كتاب الخمس، المسألة الأولى.
(4) اُنظر: السرائر 1: 497، كتاب الزكاة، باب في ذكر الأنفال.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذن الإمام. فما هو العلاج؟
هل يتساقطان ونرجع إلى عنوان عامّ وهو الآية؟ فإن الروايتين اتفقتا على أنه لا يجب دفع خمسها، إما لأنها للمسلمين أو لأنها للإمام، وبعد التساقط والرجوع إلى الآية يثبت وجوب دفع خمسها، ويكون الباقي للغانمين.
وإذا قلنا أن هذا النحو من المعارضات يندرج في الروايات العلاجية، فتأتي الشهرة القائمة على أن هذه الأرض للإمام، فتكون مرجّحة لِما يوافقها من الروايات، وأما إذا كانت شهرة كبيرة، فيندرج معارضها بالشاذّ النادر البيّن غيّه.
فهذه الرواية(1) ورواية الورّاق، تعارضان تلك الروايات الواردة في الأرض المفتوحة عنوة، كصحيحة البزنطي ومرسلة حمّاد. سواء قلنا: إن في الأراضي المفتوحة عنوة خمس، أو لم نقل. فإن مقتضى صحيحة البزنطي أن الأرض إلى الإمام يقبلها كيف شاء، وكلّها موقوفة متروكة، وليس فيها مسألة الخمس، سواء كانت مفتوحة بإذن الإمام أو لم تكن، ومقتضى صحيحة معاوية بن وهب أن الغنائم التي أذن بها الإمام فيها الخمس، سواء كانت أرضاً أو لم تكن.
وهناك كلام آخر، وهو أنه ماذا يريد أن يقول في صحيحة معاوية بن وهب؟
ــــــــــ[126]ــــــــــ
() روى السيد رواية معاوية بن وهب، وذكر أن السؤال فيها عن كيفية قسمة الغنائم المأخوذة، وأنها غير خاصّة بالمنقولات؛ لأن الأرض غنيمة أيضاً، بل من أكبر الغنائم، وغير خاصّة أيضاً بسرية معينة، وإنما هي حكم كلّي. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فمرّة تقول: إن القيد لا مفهوم له، فيكون الأمر دائراً بين قسمين: أنهم قاتلوا، وأنهم لم يقاتلوا.
وأخرى تقول: بأن القيد فيه عناية أيضاً -حتى يتمّ كلام المشهور- فيكون مفهومه: إذا قاتلوا بلا أمير أمّره الإمام فلا يجب الخمس. فيدخل تحت هذا المفهوم عدّة صور:
منها: ما إذا أرسل الإمام جماعة إلى الغزو ولم يؤمّر عليهم أميراً.
ومنها: أنه أرسلهم وأمّر غيره عليهم أميراً فأجازه أو لم يجزه.
ومنها: ما إذا ذهبت جماعة من دون إذنه بدون أمير أو بأمير نصّبه غيره أجازه أو لم يجزه. فإن إجازته لتأمير غيره أميراً لا يصدق عليه أنه أمّره. فهذه الصورة داخلة في المفهوم، ومحمولة على أنه لا يجب فيها الخمس، وأما أن حكمه ما هو؟ هل تكون الغنيمة للغانمين أو للمسلمين أو للإمام؟ فهو غير مذكور.
وفي رواية الورّاق: “إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا، كان للإمام الخمس“. فقد أُخذ في الفقرة الأولى الإذن، وفي الفقرة الثانية الأمر، وبينهما فرق من حيث إن الإذن يناسب مع تأمير غيره وإجازته دون الأمر.
وصحيحة معاوية بن وهب كان مفهومها: (إذا لم يؤمّر عليهم أميراً)، وهو شامل لِما إذا كان بإذنه. فهذه جهة مخالفة بين صحيحة معاوية ورواية الورّاق. وتلك هي جهة المخالفة بين هاتين الروايتين وتلك الروايات.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
عندنا في المقام طوائف ثلاث من الروايات:
الطائفة الأولى: الآية الكريمة، وما وافقها من الروايات الدالّة على كلّ غنيمة فيها الخمس، سواء كانت أرضاً أو لم تكن، أو كانت بإذن الإمام أو لم تكن. ومثل الآية قوله: “كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمداً رسول الله، فإن لنا خمسه“(1)..
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنه: (إذا غزا قوم وغنموا بغير إذن الإمام فالغنيمة للإمام) كمرسلة الورّاق. وهي مع الطائفة الأولى عموم من وجه.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على أن الأراضي المفتوحة عنوة للمسلمين، كصحيحة البزنطي وذيل مرسلة حمّاد. ونسبتها إلى الطائفة الثانية عموم من وجه، فإذا تعارضا وتساقطا يبقى اعتبار إذن الإمام بلا دليل.
وأقوال العامة مختلفة، فالشافعي(2) قال: لا فرق بين ما ينقل وما لا ينقل فكلّه فيه الخمس، ويقسّم الباقي على المقاتلين. ووافقه العلّامة(3) على ذلك. وأبو حنيفة(4) قال: الإمام مخيّر بين ثلاثة أمور: إما أن يقسّم الأرض بين المقاتلين، أو يجعلها موقوفة لمصالح المسلمين، أو يدعها بيد الآخرين ويأخذ منهم الجزية. وقال مالك(5): إن الأرض بمجرّد أن تؤخذ تكون قهراً موقوفة لمصالح
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
(2) اُنظر: الخلاف 4: 195، كتاب الفيء، الأُمّ 4: 181، وغيرهما.
(3) اُنظر: منتهى المطلب 8: 577، كتاب الزكاة، المقصد السادس، البحث الرابع.
(4) اُنظر: الخلاف 4: 195، كتاب الفيء، شرح فتح القدير 4: 303، وغيرهما.
(5) اُنظر: الخلاف 4: 195، كتاب الفيء، بداية المجتهد 1: 387، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المسلمين. ونقل الشيخ(1) إجماع الإمامية على أن الأراضي المفتوحة عنوة مطلقاً فيها الخمس، وأربعة الأخماس الباقية ليست للمقاتلين بل لمصالح المسلمين.
فهل يمكن استفادة دعوى الشيخ من الروايات؟
نقرأ مرسلة حمّاد التي قيل إنها مورد تسالم الأصحاب، ما عدا ما يعود إلى حكم الزكاة.
(عن العبد الصالح أبي الحسن الأوّل، قال: “الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، ومن الغوص، والكنوز، ومن المعادن، والملاحة”(2). ويراد بالغنائم غنائم دار الحرب، بقرينة جعل غيرها قسيماً لها. “يؤخذ من كلّ هذه الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعله الله له، ويقسّم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك”.
وليس هذا إطلاقاً حتى يقال: إنه ليس في مقام البيان، بل هو عموم لغوي.
“ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم… ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته: سهم لأيتامهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسّم بينهم على الكفاف والسعة بما يستغنون به في سنتهم”. لعلّه يريد به المنقولات، ولكنّه كلام بلا دليل، فإن الحديث كان عن مطلق الغنائم، فإن أمره إلى الإمام، فقد يدفع إليهم الأرض فإذا زاد عن حاجة سنتهم كان له استرجاعها.
“وللإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة،
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) اُنظر: الخلاف 4: 195، كتاب الفيء.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
والدابّة الفارهة، أو الثوب أو المتاع مما يحب أو يشتهي، وذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس” لا باعتبار أنه شخصياً يستفيد منها، وإنما باعتبار أن “له أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من قبل إعطاء المؤلّفة قلوبهم، وغير ذلك من صنوف ما ينوبه” كرؤساء القبائل وغيرهم يستميلهم بالهدايا الجليلة.
وما قيل بأن الرواية إذا كان في ذيلها تقييد فلا ينعقد لها ظهور، فإن ذلك إنما يتمّ فيما إذا كانت الرواية من سطر واحد. بحيث ينتظر السامع انتهاء الكلام، وأما إذا كانت الرواية مفصّلة ومطوّلة، وتتكفّل ذكر أحكام متعدّدة، فإذا كان في صدرها إطلاق وفي ذيلها تقييد تفصلهما مطالب أخرى، فإنه ينعقد للإطلاق ظهور بالإطلاق، ويكون ذيل الرواية من قبيل المقيّد المنفصل. كما لو ورد مثل ذلك في سورة البقرة، ومعه فيستفاد من صدر الرواية أن كلّ الغنائم سواء كانت أراضي أو لم تكن، وسواء كانت بإذن الإمام أو لا، ففيها الخمس.
وأما ذيل الرواية فيقول: “وليس لمن قاتل شيء من الأرضين وما غلبوا عليه إلّا ما احتوى العسكر”.
وقوله: “ما احتوى العسكر” قيد لـ”ما غلبوا عليه“؛ لأن الأرض لا يصدق عليها ذلك. وهناك قال: أربعة الأخماس للمقاتلين، وهنا قال: إذا كان من الأرض فليس لهم شيء، ولا مما لم يحتوه العسكر. فهذا فيه الخمس لكن الباقي ليس للمقاتلين.
وقوله: “والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب، فهي موقوفة متروكة بيد من يعمّرها ويحييها ويقوم عليها”.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ما سبق من الرواية هي أن الأرض ليست للمقاتلين بل يدفع منها الخمس، والباقي ليس للمقاتلين. فالآن كأنّه يقول: الأرض التي أخذت عنوة، والتي قلنا عنها كذا، تكون أربعة أخماسها الباقية موقوفة متروكة، يصرف ريعها في مصلحة المسلمين. وحينئذٍ تتمّ المسألة على ما هو المشهور، وهو أن غير المنقول يخمّس، لكن ما بقي فهو للمسلمين لا للمقاتلين.
وإن لم نستفد ذلك من الرواية فإنه يمكن أيضاً تصحيح كلام المشهور، بأن نقول: إنه بين صحيحة معاوية بن وهب ومرسلة الورّاق الدالّة على أنه إذا كان بإذن الإمام تفيد الخمس، من جهة، وبين صحيحة البزنطي وذيل مرسلة حمّاد على تقدير عدم استفادة ذلك منها، الدالّتين على أن الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين؛ فيتعارضان.
فإن كان الباب باب الترجيح رجّحنا الموافق للكتاب، وإذا تساقطا رجعنا بعد التساقط إلى الكتاب أيضاً، وهو يقول: إنه يجب فيه الخمس، ويرجّح أيضاً بالإجماع أو الشهرة إذا كانت من المرجّحات.
فالمسألة تتمّ على مسلك المشهور، سواء أخذنا برواية حمّاد أو طبقاً لقواعد باب التعارض.
[في اشتراط إذن الإمام]
يقع الكلام في اشتراط إذن الإمام. يقع الكلام في أصل المسألة بعد أن انتهينا من التعارض، وهو أنه هل إذن الإمام معتبر في أن تصير الأرض ملكاً للمسلمين أو لا؟ ثُمّ ما هو المعتبر؟ هل هو إذنه أو أمره أو تأميره أميراً؟
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لنا كلام في النسبة بين مرسلة الورّاق وصحيحة معاوية بن وهب، وكلام في النسبة بين هاتين الروايتين وبين ما دلّ على أن الأراضي المفتوحة عنوة للمسلمين.
أما النسبة بين هاتين الروايتين، فتارةً نتكلّم بناء على عدم المفهوم، كما هو الظاهر من عدم وجود مفهوم الشرط فضلاً عن مفهوم الوصف.
أما صحيحة معاوية بن وهب فتقول: (إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس … وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام). وهذا الذيل ليس هو مفهوم الشرط للصدر، بل المفهوم هو إن لم يقاتلوا كان هذا الحكم منتفياً.
فيكون هذا من قبيل قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه، وإذا لم يجئ فأكرم عمراً). ومن وجود هذا الدليل نعرف أنه ليس لها مفهوم شرط بحسب فهم العقلاء.
وأما مرسلة الورّاق فتقول: (إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام. وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا، كان للإمام الخمس).
وقد وقع الكلام في أن (إذا) أداة للشرط أو لا؟ والصحيح أنها ظرفية تتضمّن معنى الشرط. إلّا أن المفهوم غير ثابت في المقام؛ لأن مفهوم صدرها هو: (إذا غزا قوم بأمر الإمام لم يكن كلّه للإمام)، وليس المفهوم هو أن خمسها للإمام، فوجود الذيل يدلّ على أن الشرطية لا مفهوم لها فضلاً عن القيد. ونحن تارةً نتكلّم بناءً على عدم المفهوم، وأخرى بناءً على المفهوم.
أما بناءً على عدم المفهوم، فينتفي التعارض أساساً بين قوله: (إذا إذن ففيه
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الخمس)، وقوله: (إذا أمّر عليهم أميراً ففيه الخمس)؛ لأنهما قضيتان مثبتتان لا مفهوم لهما. وكذلك لا يعارضهما الذيل وهو قوله: (إذا غزوا بغير إذن الإمام فكلّه للإمام).
وأما بناءً على المفهوم، فيوجد نحو من التعارض.
وهنا كلام عُنون بين الشيخ(1) وصاحب (الحاشية)(2) في القضايا الكلّية: أن مفهوم السالبة الكلّية موجبة كلّية أو موجبة جزئية؟ فمفهوم قوله: (إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء)(3) أنه ينجّسه كلّ شيء، أو ينجسه شيء في الجملة؟ ونحن تبعنا في ذلك البحث صاحب (الحاشية). وقال الشيخ هناك: إن قوله: (لم ينجّسه شيء) ينحلّ إلى أنه لم ينجّسه هذا وهذا وهذا، فيكون المفهوم: (إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجّسه هذا وهذا وهذا). إلّا أن هذا غير تامّ، فإنه مضافاً إلى إنكار الانحلال في نفسه فإن الحكم وارد على عنوان كلّي لا على هذا وهذا، فإننا قلنا: إنه لو فرضنا ذلك فأيضاً مفهومه ليس بهذا النحو الذي ذكره
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) اُنظر: مطارح الأنظار: 174، القول في المفهوم والمنطوق.
(2) اُنظر: هداية المسترشدين 291، المقصد الثاني، المطلب الثاني، البحث الأوّل، أصل: في مفهوم الشرط.
(3) الكافي 3: 2، كتاب الطهارة، باب الماء الذي لا ينجّسه شيءٌ، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 1: 9، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث 12، تهذيب الأحكام 1: 39، كتاب الطهارة، الباب 3، الحديث 46، الاستبصار 1: 6، كتاب الطهارة، الباب 1، الحديث 1، ووسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الشيخ، بل مفهومه: (إذا لم يكن قدر كرّ فليس أنه لا ينجّسه هذا وهذا وهذا)، وهو يناسب مع تنجيس البعض.
والمقام نظير ذلك، فإن مفهوم قوله: (إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام وجب الخمس، وقسّم الباقي على المقاتلين) هو أنه إذا لم يكن مع الأمير لم يخرج الخمس، ولم يقسّم الباقي على المقاتلين، بحيث ينحلّ إلى قضيتين سالبتين، أو أن مفهومه انتفاء مجموع الحكمين بقضية سالبة واحدة؟
فإن انحلّ المفهوم إلى قضيتين، عارضت هذه الصحيحة مرسلة الورّاق التي تقول: (إذا غزا بأمر الإمام فغنموا ففيه الخمس)، فإن الأمر غير التأمير، فيجتمعان فيمن أمرهم الإمام ولم يأمّر عليهم أميراً، فتوجب المرسلة فيه الخمس، وتنفيه الصحيحة.
وإذا قلنا: إن المفهوم هو سلب الحكم على نحو المجموع، فلا تعارض المرسلة بل يناسبها، فإن سلب المجموع يناسب مع ثبوت أحد الحكمين. ويكون بينهما جمع عقلائي.
وأما إذا نسبنا هاتين الروايتين إلى روايات الأرض المفتوحة عنوة، حيث تثبتان فيها الخمس، وتنفيه تلك الروايات، فإن ظاهرها أن جميع الأرض للمسلمين.
فهنا تارةً نقول بتقدّم التخصيص على التعارض، وأخرى لا نقول بذلك، فإن قلنا بتقدّمه وإننا نعارض نتيجة التخصيص، فنقيّد صحيحة معاوية بن وهب بروايات الأرض المفتوحة عنوة كرواية حمّاد، التي فهمنا منها ثبوت
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الخمس في الأرض، إلّا أن الباقي لا يقسّم بين المقاتلين، فتكون النتيجة هي ذلك، فتعارضها بمرسلة الورّاق، وبينهما عموم من وجه، فيوافق في قسم منه الكتاب، وهو مسألة دفع الخمس، فيؤخذ به(1).
وأما إذا كانت المعارضة قبل التخصيص، فتقع المعارضة بين روايات الأراضي التي تقول: إنها للمسلمين، وبين قوله: (إذا غنموا بغير إذن الإمام فهو للإمام)، فإذا ادّعينا أن الثاني حاكم على الأوّل؛ باعتبار كونه متعرّضاً لموضوعه، وتمّ ذلك عقلائياً، فلا كلام.
وأما إذا لم نقل بالحكومة، وحصل التعارض بنحو العموم من وجه، وليس فيها موافق للكتاب، فإنه لم يتعرّض إلى ذلك، والعامة مختلفون حول ذلك، فتصل النوبة إلى الشهرة التي نقلها الشيخ(2)، فإن جعلناها من المرجّحات فهو، واذا قلنا: إن المخالف شاذّ نادر، فهو لا حجّية له، والظاهر أن المشهور هو كِلا عقدي القضية: (إذا كان بإذن الإمام فهو للمسلمين) و(اذا كان بغير إذنه فهو للإمام).
ولا إشكال بحسب الروايات الصحيحة أن أرض السواد وهو العراق للمسلمين، والإمام لم يؤمّر أميراً لفتحه، غاية الأمر أن الإمام أمر بذلك أو
ــــــــــ[135]ــــــــــ
() أقول: لا تخلو عبارة السيد من إجمال، ويحتاج تحقيقها إلى طويل مقال أعرضنا عنه توخّياً للاختصار. (المُقرِّر).
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 2: 243، المكاسب المحرّمة، الخاتمة، المسألة الثالثة، التنبيه الثامن.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذن به. فنفهم من ذلك أن تأمير الإمام لا دخل له، ومعه فيكون مفهوم صحيحة معاوية بن وهب ساقطاً على تقدير وجوده. كما أنه ليس من المعلوم اعتبار أمر الإمام، بل يكفي مجرّد الإذن في صيرورة الأراضي المفتوحة عنوة للمسلمين.
[في اشتراط أن تكون الأرض محياة حال الفتح]
هل حكم الأراضي المفتوحة عنوة مختصّ بالمعمورة المحياة، أو يعمّ الموات؟ يقع الكلام في جهات:
الأولى: أن الروايات التي تخصّ الأرضين من باب الأنفال على عدّة ألسنة:
منها: كلّ أرض ميتة للإمام(1).
ومنها: كلّ أرض لا ربّ لها للإمام(2).
ومنها: كلّ أرض ميتة لا ربّ لها فهي للإمام(3).
وقلنا: إنه يستفاد من مجموع الروايات أن كلّ مال لا صاحب له فهو للإمام، كميراثٍ من لا وارث له، والبحر المطيف بالدنيا، والأنهار، ورؤوس الجبال ونحوها.
فلا بُدّ أن نبحث أن المراد بما لا ربّ له ما هو؟ والربّ هو المالك لغة. فهل المراد به المالك الخصوصي، أو الأعم؟ فمرتع القرية ومرافقها وإن لم تكن مملوكة
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجها آنفاً.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
(3) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لأحد إلّا أنها من توابع القرية، ولها نحو اختصاص بأهلها. أو لو وقف أرضاً محياة على جهة عامة، ثُمّ ماتت الأرض، فهل نقول: إنها أرض لا ربّ لها؟
الظاهر أن المراد به هو الأعمّ من ذلك. فإن الموقوف وإن كان فيه فكّ ملك، إلّا أننا نفهم مما لا ربّ له أن كلّ شيء لا ربط لأحد به فهو للدولة، كما عليه الدول، وأما الموقوف على الجهات فلا يأتي إلى الذهن شمول العنوان له.
فإذا توسّعنا أكثر، ففي الزمان الذي فيه الممالك محدّدة الحدود والثغور، كما في زماننا هذا، حتى أنه قد تقع الحرب على متر من الأرض برّاً أو بحراً. فهل يصدق على الأراضي أنه لا ربّ لها. نعم، حين كانوا لا يعنون بالأرض هذه العناية لم يكن للأراضي النائية مالك. فلو فتحت المملكة هل نقول: إنه له ربّ فهو ليس للإمام، أو لا يمكن أن نقول ذلك؟ فإنه وإن كان في زمن الأئمة أرض لا ربّ لها، ولكن كانت هناك حدود وثغور، وفي مثل هذا الظرف قيل إن بطون الأودية ورؤوس الجبال للإمام، والسرّ في ذلك أن الباب قد لا يكون باب الملكية، بل من باب الولاية، فإن الدول لا تقول بالملكية للأراضي، بل بولاية الأمر عليها.
فإذا كان الأمر كذلك، وولايتهم باطلة شرعاً ولا اعتبار لها، فغاية ما نستطيع أن نتجاوز عن الملك الخاصّ إلى نحو المراتع والأوقاف، وأما أن نقول: إن رؤوس الجبال وبطون الأودية ملك الدول فهي ليست للإمام، فهو غير ممكن، ولا يبقى لنا من الأنفال شيء تقريباً.
الجهة الثانية: أنه هل يصدق على الأرض الموات أنها غنيمة، أو أن الغنيمة
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هي الأمور التي يمكن أن يستفاد منها؟ وإذا كانت أعمّ فكلّ المملكة من الغنائم برّاً وبحراً داخلة تحت الآية.
وقد يقال: إن هذا يختلف باختلاف تقدّم التمدن، فإذا تقدّم الزمن إلى حدّ أن كلّ الحدود أصبحت تحت نظر الدولة، وكلّ شبر منها ترى له قيمة، فيقال: إن الغنيمة تصدق، والآية تقول: (كلّ غنيمة فيها الخمس)، وكان يستفاد من الآية أن الباقي للمقاتلين، وصرّحت به بعض الروايات، وهناك روايات: (كلّ أرض لا رب لها فهي للإمام)، وبينهما عموم من وجه.
وحينئذٍ نقول: إننا تارةً نقول إن الإمام مالك كسائر الملّاك، غاية الأمر أنه أجاز للناس الإحياء، فالأراضي الميتة قبل الفتح كانت للإمام، أو بعض الأراضي المفتوحة كانت للإمام، وليست للكفار، فلا يصدق عليه الغنيمة، كما لو كان بعض أموال المسلمين عند الكفّار، فإنه لا يعتبر من الغنيمة، فإذا كان مالكاً خاصّاً فلا إشكال من خروجه من الغنائم.
وأما إذا قلنا: إنه ليس مالكاً بل هو ولي الأمر -كما سبق أن قلنا-، فهل يمكن على هذا أن نقول: إنه خارج عن الغنائم أيضاً، أو لا منافاة بين الولاية لشخص والمالكية لشخص آخر؟ فإذا كانت من الغنائم فالآية تقول: إنها فيها الخمس، وتقول الروايات: إنه لا خمس فيه، وبينهما عموم من وجه، فتتقدّم الآية، ويثبت أن فيها الخمس.
نعم، يمكن أن يقال: إن التعبير: بأن (الأنفال لله ولرسوله يضعه حيث أحبّ)، بحيث تكون تحت محيط تصرّفه، ويكون ولي أمر نافذ، وليس ولياً
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
جعلياً، ومعه تكون خارجة عن الغنائم. ومعه يكون مطابقاً للمشهور، حيث إنهم قالوا: إنه لا خلاف في أن الموات حال الفتح للإمام وليس فيها الخمس، وليس حالها حال المعمورة.
إذن فكلّ الشروط ثابتة:
أولاً: أن تكون الأرض مفتوحة عنوة.
ثانياً: أن تكون محياة حال الفتح.
ثالثاً: أن يكون الفتح بإذن الإمام.
فهذه هي المسألة الفقهية.
يبقى الكلام عن حال الشكّ.
بعد أن ثبتت الشرائط أو القيود الثلاثة لكون الأرض للمسلمين، فما هو مقتضى الأصل في مورد الشكّ.
والشكّ تارةً يتصوّر تعلّقه بثلاثة القيود كلّها، وأخرى يفرض أن اثنين معلومة وواحداً مشكوك.
أما الشكّ في كونها مفتوحة عنوة، مع اليقين بالجهتين الأخريين، يعني: يعلم أنها بإذن الإمام لو كانت مفتوحة، وأنها عامرة حين الفتح على تقدير تحقّقه؛ فصور الشكّ في ذلك كثيرة. فإنه تارةً لا يعلم بأيّ جهة من الجهات؟ هل هي مفتوحة عنوة، أو مصالح عليها، أو باد منها أهلها، أو بقيت ملكاً لأهلها؟ فهو مردّد بين كلّ العناوين المنطبقة على الأرض.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فإذا أردنا إثبات أحد هذه العناوين الثبوتية التي أُخذت في موضوع الحكم بالأصل الجاري في العنوان الآخر، لم يمكن؛ لكونه من أوضح أنحاء الأصل المثبت.
وهنا مسألة في الفقه محلّ الابتلاء، وهي نفي الموضوع لنفي الحكم، كما لو ثبت الحكم بالدليل الشرعي على طرف وجود الموضوع، ولم يترتّب على عدمه، فقال: يجوز الطلاق عند العادل، ولم يقل: ولا يجوز الطلاق عند غيره. فإذا استصحبنا عدم عدالة زيد لأجل نفي الحكم، كان هذا مثبتاً؛ لأن انتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع حكم عقلي لا شرعي.
وفي المقام إذا قال: (إذا فتحت الأرض عنوة فهي للمسلمين)، فلو جرى استصحاب عدم الفتح عنوة، ونريد أن نثبت به أنه ليس للمسلمين، مع أن الشارع لم يقل إن غير المفتوح عنوة ليس للمسلمين، فيكون من قبيل نفي الحكم بنفي الموضوع فيكون مثبتاً.
ولو دار الأمر بين الفتح عنوة وبين أنها ما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب فهي من الأنفال، فهنا عدّة كلمات:
أحدها: أن هذا الأصل هل يجري أو لا؟ يحتاج ذلك إلى مراجعة لسان الأدلّة.
*****
أما إذا كان الأمر مردّداً بين جميعها إلّا واحداً، فإذا أجرينا الأصل لنفي الموضوع توصّلاً إلى نفي الحكم، قلنا: إنه غير جارٍ. ولو كان بينها أصل يترتّب
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
عليه حكم شرعي، فإنه يجري بلا أن يعارض الأصول الأخرى التي تنفي الحكم بنفي الموضوع.
والمهمّ هنا أن نرى ما هو موضوع الحكم الشرعي: أن الأرض للإمام أو أنها من الأنفال؟ فان استطعنا إحرازه كان المطلب سهلاً فقهياً؛ لوجود الإجازة العامة بالتصرّف.
هل موضوعه: (ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب) -كما في صحيحة البختري- أو ليس موضوعه بهذا العموم بحيث يشمل حتى أراضي الكفّار قبل الإسلام. بل موضوعها هو الأراضي التي وصلت إلى المسلمين من الكفّار، ولا يكون وصولها بخيل ولا ركاب؟ وفيها احتمالان:
أحدهما: أن يكون الموضوع هو ذلك على وجه التقييد.
ثانيهما: أن يكون الموضوع هو الغنيمة، وأن لا يوجد خيل وركاب بلا تقييد.
والروايات مختلفة في إفادة هذا المطلب، ففي رواية حمّاد: (كلّ أرض فتحت عنوة، فهي موقوفة متروكة، تصرف في مصالح المسلمين)، ثُمّ يقول: والأنفال، ويعدّ منها الأراضي التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بل صولحوا عليها صلحاً، وأعطوا بأيديهم إلى المسلمين. فليس الموضوع هو أنه لم يوجف عليها، بل مع إضافةٍ هي: الصلح ونحوه، فليس الموضوع أمراً سلبياً، بل مطلب ثبوتي وهو التسليم بلا إراقة دماء.
وفي رواية معاوية بن وهب، في السرية التي يبعثها الإمام، فيغنمون غنائم.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
قال: ” إن قاتلوا عليها -يعني على الغنائم- مع أمير أمّره الإمام عليهم أُخرج منها الخمس“، فقد فرضت الغنيمة، وإن لم يقاتلوا عليها، وليس لذلك حالة سابقة. نعم، لو كان الموضوع هو (كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل وركاب) وتقع غنيمة -كما هو الحال فيما إذا لم يقل: (عليها)-، ففي أوّل إرسال السرية لم تكن حرب، ونشكّ أنهم غنموا بحرب أو لا. فيمكن أن نستصحب، فيثبت الموضوع بضمّ الوجدان إلى الاستصحاب، فيكون هذا الأصل جارياً، ولا تعارضه الاستصحابات الأخرى لنفي الحكم بنفي الموضوع، فلا يكون له معارض.
وأما الأصل الجاري في إذن الإمام: فالأصل فيه هو مرسلة الورّاق التي تقول: (إذا غزا قوم بغير إذن الإمام …). ونحن نريد أن ننقّح أنه غزا قوم بغير إذن الإمام، لا عدم إذنه مطلقاً، وهو ليس حالة سابقة، واذا أردنا أن نستصحب النفي المحمولي لإثبات النعتي يكون مثبتاً، فإذا كان مستندنا هذه المرسلة لم يكن الاستصحاب جارياً.
بقيت كلمة من الأصل السابق، وهي أن التعبير وإن اختلف في الروايات، إلّا أن التعبير الأكثر وروداً هو: (أن الأرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، أو ما لم يوجف)، وفي بعض الروايات عناوين وجودية: (لم يوجف بل صالحوا عليها صلحاً)، أو (أعطوا بأيديهم من غير قتال). وأن بعضها بالواو، وفي بعضها (ولكن صالحوا صلحاً) أو (أعطوا بأيديهم)، فيمكن أن يقال: إن ما ذكر في الروايات مثال لكونه مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكذلك جلا أهلها، أو أرض خربة.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فالمدار هو هذا العنوان، فلو اقتصرنا عليه كان له حالة سابقة، فإنه قبل الإسلام يصدق على كلّ الأراضي، إلّا أن هذا العنوان لم يبقَ على إطلاقه بلا إشكال.
فإذا كان الموضوع هو ما وصل إلى يد المسلمين بلا خيل ولا ركاب، فيأتي عليه الإشكال الذي ذكرناه في أصالة عدم التذكية. حيث أجروها، وقلنا: إن ما هو موضوع الحكم الشرعي هو الحيوان الذي زهق روحه بكيفية خاصّة -شرعية- حلال، والحيوان الذي زهق روحه بلا طريق شرعي ميتة. لا أن الموضوع هو (لم يزهق روحه بكيفية شرعية) بحيث يناسب مع عدم الحيوان، بل مع حياته. فإذا أردنا استصحاب عنوان: (زهق روحه بلا كيفية شرعية)، لم يكن له حالة سابقة. وأما عنوان: (لم يزهق روحه بكيفية شرعية من زمن حياته إلى حين زهاق الروح) ونثبت أنه زهق بلا كيفية شرعية، فهو مثبت.
هنا أيضاً يأتي نفس الإشكال: فإنه إذا كان الموضوع هو (ما غنم المسلمون بلا خيل ولا ركاب فهو للإمام وإذا غنموا بخيل وركاب فهو للمسلمين). بحيث كان التقسيم على غنيمة مال الكفار. أما عنوان (أنهم غنموا بلا خيل ولا ركاب) فليس له حالة سابقة. وما له حالة سابقة هو (أنهم لم يغنموا بخيل وركاب) وذلك قبل الحرب أو قبل الإسلام. فإذا أردنا أن نستصحبه إلى الآن ونستنتج أنهم غنموا بلا خيل ولا ركاب، فهو من واضحات الأصل المثبت.
واذا كان الموضوع هو الأرض، ولم يؤخذ عنوان (المغنومة) قيداً فيها، بل شرطاً أو وصفاً، فيقال: الأرض إذا لم يغنموها بالعنوة فهي ليست للإمام، وقد
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ورد مثل هذا التعبير: (إذا لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين)(1). فنقول: قبل الإسلام أو أوّل الدعوة هذه الأرض لم تكن مفتوحة عنوة، ولا مصالح عليها، ولا جلا عنها أهلها، كلّ هذه الأوصاف لم تكن؛ فنستصحب، فيثبت أنها للإمام بضمّ الوجدان إلى التعبّد.
فهذا غاية ما يمكن به تقريب الأصل إذا لم تكن المغنومة قيداً بل شرطاً.
يبقى الشرط الثالث: وهو عبارة عن الحياة حال الفتح، والشيخ كأنّه لم يرد أن يبحث عنها مفصّلاً، وإنما قال: استصحاب عدم الحياة حال الفتح، وفي مقابلها الأرض غير المحياة حال الفتح. فإذا أردنا استصحاب عدم كونها محياة حال الفتح، فهي ليس لها حالة سابقة، فإنك لا تعلم أنها محياة حال الفتح أو غير محياة.
أو تقول: قبل الفتح لم تكن محياة، فنستصحبه إلى زمان الفتح، فإذا كان الموضوع هو الأرض المحياة، كان الاستصحاب مثبتاً، وإذا كان الموضوع هو أن لا تكون مفتوحة وأن لا تكون محياة. والشيخ أراد أن ينفي بذلك كونها للمسلمين. فهو فيه الإشكال السابق، وهو أنه أصل نافٍ للموضوع لأجل نفي الحكم.
أو تريد إثبات ملكية الإمام عليها لا نفي ملكية المسلمين بأحد نحوين:
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 43- 44، كتاب الجهاد، باب قسمة الغنيمة، الحديث 1، ووسائل الشيعة 9: 524، كتاب الخمس، أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام، الباب 1، باب أنَّ الأنفال كلّ ما يصطفيه من الغنيمة وكلّ أرضٍ ملكت بغير قتال…، الحديث3.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إما أن نستصحب عدم الإحياء إلى زمان الفتح، ونحن نريد فتحاً وعدم إحياء، ففيه إشكال: أن ما هو الموضوع ليس هو عدم الإحياء، بل الأرض الميتة.
ويجاب عنه: أنهما مطلب واحد عرفاً، على أنه بالإمكان أن نستصحب عنوان الميتة إلى حال الفتح، ولا نريد إثبات أنها ميتة حال الفتح، فيثبت الحكم. فإذا ثبت أنها للإمام فيشمله قوله: (من أحيا أرضاً فهي له). ولا تأتي إشكالات الأرض الخراجية.
كما في الإمكان أن نستصحب استصحاباً حكمياً، فإن هذه الأرض كانت ميتة في زمان، وكانت للإمام؛ فنستصحب، فإننا نشكّ أنها خرجت عن ملك الإمام، بمعنى أنها أصبحت محياة حال الفتح. وهذا الأصل مقدّم على الأصل الذي ذكره الشيخ.
*****
كما أن أصالة بقاء ملك الإمام التي قلناها مبنية على مطلب، وهو أنه ورد في بعض الروايات أن الأرض كانت لآدم، ثُمّ انتقلت بين الأنبياء إلى أن وصلت إلى نبيّ الإسلام. وحينئذٍ فيقال: إن الأرض كانت للولي، فيكون لها حالة سابقة، فنستصحبها، وولي الأمر موجود وجداناً. أو يقال: (الأنفال لله وللرسول وكلّ ما كان لهم فهو للأئمة). وهذا ليس أنفالاً في هذا الزمان، بل أنفالاً من الأوّل، وكانت لله، ونحن نحتمل أن هذه الأرض خرجت عن كونها لله -بهذا المعنى-، ونحتمل بقاءها؛ فنستصحبها. أو نقول: كانت هذه الأرض ميتة، وكانت نفلاً، ونحتمل خروجها عن النفلية بالإحياء، فنستصحب
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كونها نفلاً؛ فتكون للإمام. ولولا مثل هذا الكلام لَما كان لها حالة سابقة.
بعد أن نفرغ عن الجهة الفقهية، تبقى هناك جهات أخرى مهمّة، ومحلّ ابتلاء، لا بُدّ من التعرّض لها.
منها: أننا بعد أن عرفنا أن الأرض الخراجية محتاجة لأمور ثلاثة: الفتح عنوة، والإحياء، وإذن الإمام. فما هو الطريق لإثبات هذه القيود التي هي من الموضوعات.
[الشياع]
فمن طرق ثبوت الموضوعات: الشياع، والشياع تارةً يكون على أمر حاضر، ومرّة عن شيء سابق، وعلى الثاني لا يتمّ الشياع، إلّا إذا كان شايعاً أو متواتراً في كلّ الطبقات. فلو كان شايعاً بين الناس في زمان، ولكنّه يرجع مدركه إلى كتاب واحد، أو كتب قليلة كالكتب الأربعة للمشايخ الثلاثة، فالعلم بمشاهدة كثرة الروايات وإن كان يحصل للشخص البسيط غير المدقّق، ولكن مع التدقيق لا يحصل العلم لرجوعه إلى العدد القليل.
فإذا سألنا عن وجود هذا الشرط، فإنه يرجع إلى عدد قليل من المؤرخين من أهل السنة، لا أقلّ ولا أكثر، وليس هذا تواتراً. لاحظوا أنتم الحوادث التي تقع في عصرنا، كيف ينقلها الناس بشكل مختلف ومتضارب، فكيف بالحوادث القديمة؟ وكتب التاريخ ليست متواترة، وليس عندنا كتب تاريخية كثيرة. والآن وإن كان يُبنى على صحّة ما في كتب التاريخ، إلّا أن الإنسان لا يمكن أن
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يبنيه على طبق الموازين. فالشياع إنما يكون فيما إذا كان شايعاً في كلّ جيل إلى زمان حدوث الحادثة، بحيث لو سألت كلّ جيل يحصل لي العلم بالمدلول، ونحن ليس عندنا مثل ذلك لا في التاريخ ولا في الأخبار. والفرد الواحد إذا نقل روايات كثيرة لا يحصل التواتر لرجوعها كلّها إلى ذلك الفرد.
[البينة]
ومن طرق ثبوت الموضوعات: البيّنة. فإن كان بهذا النحو: بأن يرويها عادلان عن عادلين، حتى ينتهي إلى زمان حدوث الحادثة، ويقولون: إن العراق فتح عنوة، كان ذلك كافياً. إلّا أن ذلك غير موجود. والشيخ الطوسي(1) والشيخ الصدوق وإن أخبرا بذلك، إلّا أنهما حصل لهما العلم بسبب حاصل عندهما، ولا يحصل لنا العلم به، وإنما حصل لهما العلم عن طريق الحدس لا الحسّ. كما لو شهد خمسة عشر إنساناً عند زيد وعمرو أن هذا اليوم هو أوّل الشهر، فحصل لهما العلم وأخبرا عن ذلك، فهل يكون إخبارهما حجّة؟ مع أنني لو سمعت أولئك الخمسة عشر لا يحصل لي العلم من قولهم.
والشيخان أخذا كلامهما من الروايات، ونحن إذا نظرنا فيها لم يحصل لنا العلم، ولكنّهما شهدا بالمدلول ابتداء، فهل تكون شهادتهما حجّة؟! مع أنه لم يكن لهما اطّلاع زائد على ما لدينا، بل كان كلامهما مستنداً إلى التاريخ لا أكثر ولا أقلّ، فحصول العلم لديهما لا يجعل كلامهما حجّة. وإنما تكون البيّنة حجّة بالحسّ ونحوه.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) اُنظر: الخلاف 4: 196، كتاب الفيء، المسألة 19.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذن، فيشكل إثبات المطلب بالبيّنة أو الشياع، فضلاً عن خبر الواحد، فإن حجّيته خاصّة بالأحكام ولا تشمل الموضوعات الصرفة. فإذا احتملت أن كلام الإمام لم يرد منه الواقع، بل كان تقية أو مجازاً أو تورية أو كناية لم يمكن الأخذ بالخبر، ولم يمكن نفي الاحتمال بالأصول العقلائية، فإن أصالة الجدّ أصل عقلائي في مقام الاحتجاجات، وأما في الموضوعات الصرفة فلا يمكن التمسّك بالخبر مع وجود الاحتمال. نعم، لو رجع إثبات الموضوع إلى إثبات الحكم، أمكن ذلك باعتبار رجوعه إلى الحكم.
إذن فليس لنا سبيل إلى إثبات الفتح عنوة، أو أنها محياة حال الفتح، وأما حصول الظنّ المتاخم للعلم، فهذا إن كان علماً عادياً فهو علم، وإلّا لم يكن حجّة.
يبقى عدة مطالب أخرى طويلة الذيل:
أحدها: أنه بعد أن لم نستطع أن نستفيد من الروايات أن أراضي العراق للمسلمين، فهل نرتّب عليها أثر الأرض الخراجية؟
ثانيها: هل أن الفتوحات التي وقعت بعد الرسول لها حكم الأرض الخراجية، حتى لو لم يثبت إذن الإمام، بل حتى لو لم يثبت الفتح عنوة؟ بل ما جعله خلفاء الجور أرضاً خراجية هل أنفذه الأئمة، ولو كان في الواقع نفلاً؟
ثالثها: أنه إذا ثبت أن هذه الأرض خراجية، فحتى لو حزنا منها حجراً لم
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يجز، أو أنه فيها توسعة؟
رابعها: أنه بعد ثبوت كلّ هذه المطالب، هل يمكن للفقيه أن يأذن في إحيائها كالإمام أو لا؟
لنا هنا كلامان:
أحدهما: حول أراضي العراق التي هي مورد النصّ.
الثاني: الأراضي الخراجية التي فتحت بعد النبي.
الشيخ(1) يريد -بعدّة وجوه- أن يثبت أن كلّ الحروب التي وقعت بعد النبي كانت بإذن الإمام.
منها: رواية (الخصال)(2) التي فيها: (أن كلّ ما وقع في زمان الثاني كان برأيي ومشورتي). ويقول: إنها بالرغم من أن سندها فيه عدد من الضعاف إلّا أنها مجبورة.
إلّا أن هذا الكلام غير صحيح، فإنه إن سُلّم كونها مجبورة، إلّا أن دلالتها غير تامّة. فإن ما هو ظاهر رواية الورّاق التي تقول: (إذا غزوا بأمر الإمام ففيه الخمس، وإن غزوا بغير إذن الإمام فكلّه للإمام). وصحيحة معاوية بن وهب
ــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 2: 243- 247، المكاسب المحرّمة، الخاتمة، المسألة الثالثة، التنبيه الثامن.
(2) اُنظر: الخصال 2: 374، باب السبعة، امتحان الله أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن…، الحديث 58.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التي تقول: (إذا قاتلوا بأمير أمّره الإمام فالخمس للإمام) ظاهرها أننا ندور مدار أمر الإمام أو تأميره لأمير. ورواية (الخصال) لا يثبت فيها أكثر من أنه كانت هناك مشورة، وليس معناه أن الإمام أمر الجيش بالغزو، أو جعل عليه أميراً. ومتى كان أمره نافذاً في زمان الثاني، ولم يكن الجيش منبعثاً عن أمره؟! فرواية (الخصال) وغيرها غير تامّة؛ لأنها لا تثبت عنوان الأمر أو التأمير الذي يدور حكم الأرض الخراجية مداره.
ومنها: أننا نقطع برضا الإمام بالفتح الإسلامي. نعم، ولكن الرضا لا ينقّح الأمر أو التأمير. إلى إشكالاتٍ أُخر.
ومنها: أننا نستفيد ذلك من عدّة حوادث، كذهاب الإمام الحسن في فتح تركيا(1)، وأن عمّار وسلمان كانا واليين من قبل الدولة(2).
إلّا أنه لا يتمّ؛ لأننا لا نعلم أنه كان برضاهم أو لم يكن. وأنهم هل كانوا يستطيعون أن يتخلّفوا لو أمرهم الخليفة أو لا؟ فلا يثبت الرضا.
ومنها: حمل فعل المسلم على الصحّة، حيث إنه لو لم يكن الغزو بإذن الإمام لم يكن صحيحاً، وإن كان بإذنه وقع صحيحاً.
ونحن لم نفهم ذلك فإن أصالة الصحّة إنما تجري فيما له صحّة وفساد كالمعاملات. وأما الجهاد فليس فيه صحّة وفساد. افرضوا أنه بدون إذن الإمام لا يكون جائزاً، وبإذنه يكون جائزاً. إلّا أنه ليس هنا قاعدة تقتضي حمل فعل المسلم
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) اُنظر: تاريخ الطبري 3: 323، الكامل في التاريخ 3: 109، وغيرهما.
(2) اُنظر: أُسد الغابة 4: 46، ترجمة عمّار بن ياسر.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
على ما هو الجائز. نعم، لا يكون النسق ثابتاً، إلّا أنه لا يترتّب الأثر على الحلّية. ولو تنزّلنا فغاية الأمر أننا نفهم أنه لم يعمل عملاً حراماً، وأما إثبات الإذن فهذا مما لا يمكن إثباته؛ لكي يترتّب عليه أثره وهو حكم الأرض الخراجية.
مضافاً إلى أننا لو فهمنا من الصحيح ما يترتّب عليه الأثر، فالأثر يترتّب على كِلا الشقّين، فإن الجهاد إذا كان بإذن الإمام فالخمس للإمام، وإن لم يكن بإذنه فكلّه له. فكِلا الصورتين لها أثر، والصحّة متحقّقة. وأصالة الصحّة لا تعيّن أحدهما في مقابل الآخر.
مضافاً إلى أن مورد أصالة الصحّة هو ما إذا أراد الفرد إيجاد مركّب ذي شرائط عديدة عقلائية أو شرعية، فإنه يوجده على موازينه، ولا بُدّ أنه لاحظه بتمام شرائطه وأحكامه، فإذا شكّ في ذلك شملته أصالة الصحّة، ولكن إذا علمنا أن هذا الشخص لا يعتبر هذا الشرط، كما لو كنّا نرى بطلان العقد بالفارسية، وكان شخص يرى صحّته فأوجد عقداً، فهل تجري أصالة الصحّة لإثبات كونه بالعربية؟ كلا.
وفي زمان الخلفاء كان الأعمّ الأغلب مؤتمرين بأمر الخلفاء لا بأمر الأئمة. إلى حدّ أن الإمام أراد أن يعزل القاضي فلم يستطع؛ لأن أغلب الأمّة كانت واقفة مع الخلفاء، ومعه فلا مجال للحمل على الصحّة.
والعمدة هي الروايات الواردة في أراضي العراق، وكونها أرض خراجية، هل نستطيع أن نستكشف وجود الشرائط فيها: أنها مفتوحة عنوة، وأنها بإذن
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الإمام، وأنها محياة حال الفتح. أو لا؟
غاية ما يمكن إثباته في أراضي العراق من تسالم الأصحاب والتاريخ، أن فتحها كان عنوة، والخلاف في ذلك قليل. وأما قضية الإذن، فلا بُدّ من إثباته بهذه التشبّثات، فهل نستطيع أن نستنتج ذلك الحكم من روايات الأرض الخراجية.
وهي صحيحة الحلبي باب (21)، من أبواب عقد البيع: “سئل أبو عبد الله عن أرض السواد ما منزلته…؟ إلى قوله: بعدُ“. ورواية أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله قال: “لا تشتر من أرض السواد شيئاً، إلا من كانت له ذمّة؛ فإنه فيء للمسلمين“.
هنا مطلبان نذكرهما عجالةً:
أحدهما: لو ثبت -فرضاً- أن أراضي العراق مفتوحة عنوة، يبقى الشرطان الآخران، ومقتضى إطلاق رواية الورّاق (إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فهي للإمام) أنها تكون للإمام سواء الأراضي أو غيرها، وسواء كان في زمان بسط يد الإمام أو زمان غيره.
وهنا قال: (أرض السواد للمسلمين)، وفيها احتمالات:
الأول: أن شرائطها حاصلة بما فيها إذن الإمام.
الثاني: أن إذن الإمام غير معتبر في الأراضي، وإنما هو معتبر في الأمور الأخرى.
الثالث: أنه يفرّق بين زمان بسط يد الإمام وزمان عدمه. فيقال بلزوم
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الإذن في الأوّل دون الثاني. والكوفة حيث فتحت في غير زمان بسط يد الإمام فلا مانع أن لا يكون الإذن متحقّقاً. فإذا تمّ أحد الاحتمالين الآخرين، وخصّصنا تلك الروايات بغير الأراضي، وبغير زمان بسط يد الإمام، فأرض السواد تدخل موضوعاً في الأراضي الخراجية؛ لأنها فتحت عنوة، فتكون للمسلمين. كما يحتمل أن لا تكون الشرائط متوفّرة فيها، وكانت للإمام ولكنّ الإمام جعلها أرضاً خراجية، أما لمصالح المسلمين، أو لأنه لا يمكن أن يقول: هي ملكي؛ لأنه لو قالها لاحتجّوا عليه. فأصبحت خراجية بأمر الإمام أمير المؤمنين، وجرى على ذلك الأئمة بعده.
وغاية ما يقال في كشف الإذن ما قاله الشيخ(1) من أصالة الإطلاق في رواية الورّاق، ومفهوم رواية معاوية بن وهب، فإنها تقتضي أنها لم يرد عليها تخصيص أو تقييد، فإنه خلاف الأصل، إلّا أن هذا الكلام خلاف التحقيق الذي يوافق عليه الشيخ ظاهراً. فإنه مرّة أشكّ أن كذا شيء خارج عن الإطلاق أو العموم أو لا، فيكون هناك مجال لجريان أصالة العموم والإطلاق، وأما في صورة العلم بخروجه، مع الشكّ في وجه الخروج هل كان تخصيصاً أو تخصّصاً، فليس هذا مورداً لأصالة الإطلاق.
وبعبارة أخرى: إن هذه أصول عقلائية عملية، بمعنى أن العقلاء إذا وردت إليهم حجّة فإنهم يعتمدون عليها، ولا يرفعون اليد عنها ما لم ترد حجّة
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 2: 243-247، المكاسب المحرّمة، الخاتمة، المسألة الثالثة، التنبيه الثامن.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
على الخلاف. والعموم حجّة من المولى ما لم يرد خاصّ عليه، ولا يرفع اليد عنه لمجرّد احتمال التخصيص. وأما إذا كان التكليف معلوماً وأن زيداً لا يجب إكرامه، ولكنّ الوجه في ذلك مشكوك، فليس للعقلاء في ذلك رأي بأنه خارج تخصصاً بحيث يكشف عن حال الفرد من أصالة العموم.
فهنا نعلم أن أراضي العراق للمسلمين، ولكن لا ندري أنه لأجل التخصيص بغير الأراضي، أو بغير زمان بسط يد الإمام، أو أنه لأجل التخصص لعدم اعتبار الإذن.
فالشيخ حين يتمسّك بالإطلاق لإثبات الإذن، فإنه يتمسّك بأصالة العدم لكشف حال الفرد، وهو خلاف التحقيق. ومعه لا يمكن إثبات الإذن. نعم،
-تعبّداً- لا بُدّ أن نقول: إن أراضي العراق خراجية، وأما أنها لماذا أصبحت كذلك فنحن شاكّون في ذلك بأحد الأسباب السابقة.
تبقى الجهة الأخرى: وهي أننا نشكّ في أن الشرط الآخر حاصل حال الفتح أو لا. فهي إما محياة أو أن الإحياء ليس شرطاً.
والمهمّ الآن هو هذا المطلب وهو: أن هذه الروايات -كما قال الشيخ(1) في آخر كلامه- نستفيد منها أن كلّ أراضي العراق للمسلمين، سواء كانت محياة أو غير محياة. ومعه تكون كلّ التصرّفات في هذه الأراضي غصبية على طول التاريخ.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[في المراد من عنوان (أرض السواد)]
ورد عنوان أرض السواد في كلّ من صحيحة الحلبي ورواية أبي الربيع الشامي، يقول الشيخ(1): إن مقتضاها أن تمام أرض العراق للمسلمين، ومنه نكشف أنها كانت بإذن الإمام، وأنها كانت محياة حال الفتح. ويعني المقدار المحيا منها بما ذكر في (النهاية) من أنها 32 مليون أو 33 مليون جريب. ثُمّ يقول: فكيف يتصرّفون في الأرض فيعملون تربة وكوزاً من ترابها، ويبيعونها ويشترونها؟
ومنشأ ما قاله الشيخ هو أنه فُسّرت أرض السواد بأرض العراق، ولو تمّ ذلك لكان للإشكال الذي ذكره وجه.
والظاهر أن أرض السواد وأرض العراق غير مترادفين. وما يقوله من أن هذا المقدار يدلّ على أن أرض السواد هي أرض العراق، كأنّه لم يكن له وقت للحساب!!
وإلّا فأرض العراق 453 ألف كيلو متر، وفي بعض المصادر 125 ألف ميل، وفي أعلام (المنجد)(2) أنه 444 ألف أو 442 ألف كيلو متر، وهذا يكون أكثر بكثير من تلك الأجربة؛ لأن الجريب إذا كان ألف متر مربع، فالكيلو متر المربع يكون مليون متر مربع، فتكون نسبة تلك الأجربة إليه نسبة الواحد بالألف. فإن العراق إذا كان 450 ألف كيلو متر، فأنه يكون 450 مليون
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
(2) المنجد: 342.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
جريب، ونسبة 33 مليون جريب إليه نسبة ضئيلة جداً(1).
فالشاهد الذي ذكره الشيخ شاهد بخلاف مراده. ويدلّ على أن العراق أكثر من الأراضي الموات، ولعلّه يقطع بذلك لبعد أن يكون أراضية كلّها مزروعة، ولو كان كلّه عامراً فلا بُدّ أن يكون سكانه ثلاثون مليوناً حتى يستطيعون أن يزرعوه.
ومعه فالنهي عن الشراء ونحوه محمول على ما يكون بمعرض الشراء والبيع من الأراضي، وهو المزروع المحيا، وأما البراري والجبال فخارجة عن محلّ الكلام.
في (المنجد)(2): سواد العراق لِما بين البصرة والكوفة. وفي (المجمع)(3): سواد الكوفة نخيلها وأشجارها، ومثله سواد العراق سمى بذلك… الخ. وفي (الصحاح)(4): سواد الكوفة والبصرة قراها. وفي (القاموس)(5): السواد من
ــــــــــ[156]ــــــــــ
() أقول: تكون النتيجة 45 مليون جريب، وهو مقارب لـ(33 مليون)؛ لأن الجريب إذا كان 1000 متر مربع، تكون نسبته إلى الكيلو متر 1/100، فيكون450 ألف كيلو متر 45 مليون جريب، لا 450 مليون جريب، ولو سلّم -جدلاً- فإن نسبته إلى 33 مليون جريب 1/13 تقريباً، لا واحد على الألف كما ذكر السيد. وهذا من غرائبه. وعلى ما قلناه يكون ما نقله عن الشيخ تامّاً إلى حدّ بعيد. (المُقرِّر).
(2) المنجد: 361.
(3) مجمع البحرين 3: 72.
(4) الصحاح 2: 429.
(5) القاموس المحيط 1: 315.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الكوفة والبصرة قراها، إلى أن قال: هي رستاق العراق، والرستاق هي القرى وما حولها، كما في (المنجد) وغيره. وفي (تاريخ التمدّن الإسلامي)(1): يسمّى ما بين دجلة والفرات سواداً. وفي (المبسوط)(2): وأما أرض السواد وهي: الأرض المفتوحة من الفرس، فتحها عمر، وهو سواد العراق. ويريد به العامر من أراضي العراق، وهذا هو الموافق للاعتبار حيث ما تراه العين أخضر يميل إلى السواد سمّي سواداً. ولو لم يكن السواد يراد به سواء العراق لأمكن حمله على سواد الكوفة والبصرة، وحيث يراد به سواد العراق يكون المعنى قرى العراق والعامر من أراضيها.
فنحن شاكّون في بغداد والعتبات المقدسة، أنها من سواد العراق أو لا، والمظنون أنها كانت مواتاً وعمرانها متأخّر عن الفتح الإسلامي. نعم بعض الأراضي يُعلم أو يُظنّ كونها مزروعة منذ ذلك الحين كالأراضي المجاورة لشط الكوفة، ومعه يندفع الإشكال في هذه الأراضي، ولا حاجة فيها إلى التشبّثات؛ لأننا شاكّون بكونها محياة، فتكون للإمام، والإمام أجاز التصرّف فيها، إذن فكلّ من له يد على شيء منها فهو مالك لها، ومقتضى قاعدة اليد في الأصول أنها ملكه، والعلم الإجمالي الموجود في تمام الأرض لا أثر له؛ لأن أكثر أطرافه خارج عن محلّ الابتلاء.
كلام آخر: حول مطلق الأراضي الخراجية، محمد بن يعقوب، عن محمد بن
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) تاريخ التمدّن الإسلامي 2: 295.
(2) اُنظر: المبسوط 2: 33، كتاب الجهاد وسيرة الإمام، فصل: في ذكر مكّة هل فُتحت عنوةً أو صلحاً؟ وحكم السواد وباقي الأرضين.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم (صحيحة)، عن أبي جعفر، قال: “سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله. فقال: إن أمير المؤمنين قد سار في أهل العراق سيرة، فهو إمام لسائر الأرضين“(1). الحديث. باب (69)، من كتاب الجهاد.
فهل المراد بها أن كونها خراجية أمر مفروغ عنه، ولكن لأمير المؤمنين سيرة خاصّة بمقدار الخراج، بحيث يجب عدم تغييره بعده حتى لو اختلف حال الناس من حيث المعاش، وتكون من قبيل السرقفلية؟ أو أن المقصود أن ما فتح بعد الرسول كان بلا إذن الإمام فإنه لم يكن لهم ولاية في ذلك، فأصبحت الأرض للإمام؟ والإمام لمصلحة المسلمين أو لأيّ سبب آخر جعلها خراجية، وأخذ منهم الخراج. ومعه لا يكون مقدار الخراج معيّناً، بل هو موكول إلى كلّ زمان بزمانه، فيكون هذا حكم تعبّدي شرعي، أو حكم ولايتي من قبل الإمام. ولعلّ هذا أقرب إلى النظر في كونها إمام الأراضي من مسألة مقدار الخراج، بحيث لا يمكن تغييره على طول الدهر.
فالخلفاء أو الفقيه إذا كان مبسوط اليد يستطيع أن يأخذ الخراج منهم، لكنّ هذا لا ينافي الإذن بزراعتها بالنسبة إلى الشيعة، فإنه أخذ الخراج، لا أنه جعل الأرض موقوفة.
*****
ــــــــــ[158]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 2: 53، أبواب الزكاة، باب الخراج والجزية، الحديث 1677، تهذيب الأحكام 4: 118، كتاب الزكاة، الباب 33، الحديث 1، ووسائل الشيعة 15: 154، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ، الباب 69، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هناك ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن تكون أرض العراق هي أرض السواد.
الثاني: أن أرض السواد أخصّ من أرض العراق، يعني: ما هو مزروع منها.
الثالث: أن نشكّ في ذلك.
وأما احتمال أن الأرض الموات هي أرض السواد فهو غير محتمل.
فإذا أحرزنا تساويهما مفهوماً، من حيث إنهم حين رأوا الخضرة، سمّوا كلّ أرض العراق سواداً. فمرّة نحرز أنه لم يمرّ وقت على العراق كان مزروعاً كلّه كما نقطع بذلك. وإلّا لزم أن يكون سكانه 30 مليوناً حتى يزرعوه لو حسبنا حساباً دقيقاً. فكان من الأرض ما هو محيا ومنها الميت. وعليه فصحيحة الحلبي ورواية ابن الربيع اللتان تدلّان على أن أرض السواد للمسلمين، تتعارضان بنحو العموم من وجه مع ما دلّ على أن كلّ أرض ميتة للامام، وهو عدد من الروايات.
ويجتمعان في أرض السواد الميتة. وتتقدّم روايات الأرض الميتة على صحيحة الحلبي؛ لأنها موافقة للكتاب، فإن الأنفال لله وللرسول، والروايات دلتّ على أن الأرض الميتة من الأنفال، ولعلّ العامة مخالفون في أنها للإمام؛ فيكون ذلك من أسباب تقديمها أيضاً.
وإذا شككنا وتردّد الأمر بين أن تكون أرض السواد هي خصوص المحيا
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أو الأعمّ منه ومن الموات؛ فتكون شبهة مفهومية، ففي موارد تيقّنها تكون حجّة وأما في مورد شكها فهي ليست حجّة ولا يمكن أن تعارض الطائفة الأخرى، ومعه لا تكون صحيحة الحلبي حجّة بل روايات الأرض الموات للشكّ في صدق السواد على الموات فلا تشملها أدلّة أنها للمسلمين.
وأما إذا علمنا أن السواد هو خصوص المحيا، فلا اشكال بأن الموات تكون للامام.
وفي المورد الذي نعلم أن أرض السواد هو المزروع أو ينتج بعد المعارضة أن أرض السواد (وهي المحياة) للمسلمين -بناءً على الوجه الأول- ولكن قد يقال إن لنا علماً إجمالياً بأن بعض هذه الأراضي مزروعة فلا بُدّ أن نحتاط.
إلّا أن هذا العلم الإجمالي لا يوجد بشكلٍ مؤثّر؛ لأن بعض هذه الأراضي معلوم الإحياء قبل الإسلام تفصيلاً كالكوفة والحيرة والموصل، وبعضها نعلم بحدوثها بعد الاسلام كبغداد والعتبات المقدسة. ولا يبقى بعد ذلك علم إجمالي، ويكون ادّعاؤه جزافياً. على أن كثيراً من هذه الأراضي خارج عن محلّ الابتلاء، فإما أن نقول بما قاله الآغايون من أن الخروج عن محلّ الابتلاء مسقط للعلم الإجمالي عن المنجزية، وهو غير صحيح. وإما أن تقول: إن العقلاء في أعمالهم وعاداتهم وارتكازهم لا يعتنون بما هو خارج عن محلّ الابتلاء، وتدلّ عليه بعض الروايات(1)، ومعه فتنحلّ المسألة فيما هو محلّ ابتلائنا من الأراضي.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) راجع المحاسن 2: 495، باب 77، الجبن، الحديث 597، وسائل الشيعة 25: 119، كتاب الأطعمة، باب 61، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[في الأراضي المحياة حال الفتح]
يبقى كلام في الأراضي التي نعلم أنها كانت محياة حال الفتح كالكوفة والحيرة والموصل، أو نفرض أن صحيحة الحلبي تدلّ على حصول الشرائط، أو على إسقاط الشرط، بحيث كانت الأراضي كلّها للمسلمين، فهنا تارةً ننظر الى صحيحة محمد بن مسلم القائلة بأن أمير المؤمنين سار في أراضي العراق بسيرةٍ فهي إمام لسائر الأراضي. وقد كان فيها احتمالان:
أحدهما: أنها لم تكن أرضاً خراجية وأنها ملك للإمام واقعاً إلّا أنه جعلها أرضاً خراجية، وهذا يناسب مثل قولهم (الخراج حلال عليكم وحرام عليهم) لأنها لو كانت خراجية واقعاً لكان اللازم أخذ الخراج وعدم التسامح به فإن الإمام لا يملك منه شيئاً. فنفهم من ذلك أنها ليست موقوفة متروكة لا بُدّ أن يصرف ريعها في المصالح التي تعود الى جميع المسلمين وإنما هي للإمام ولكنّه أعطاها للمسلمين وأخذ عليها الخراج وهذا لا ينافي الإذن بزراعتها وعدم دفع خراجها، ومعه يكون الأمر في هذه الأراضي سهلاً.
ثانيهما: وأما إذا قلنا: إن هذه الأراضي خراجية واقعاً(1)، فمرّة يكون الإمام موجوداً ومبسوط اليد أو نائب الإمام كذلك فلا بُدّ أن يعمل بحكم هذه الأرض فيأخذ الخراج ويصرفه في مصالح الجهاد ونحوه.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) اُنظر: الحدائق الناضرة 18: 307، كتاب التجارة، المقدّمة الرابعة، المسألة السادسة، المقام الأوّل، بلغة الفقيه 1: 227، رسالة في الأراضي الخراجيّة، المقالة الأُولى، الأمر الخامس، وغيرهما.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما إذا لم يكن الإمام ولا نائبه مبسوط اليد كزمان الإمام الصادق أو زماننا هذا. فالأمر يدور في هذه الأرض بين عدّة أنحاء من التصرّفات، إما أن نهملها باعتبار عدم جواز التصرّف فيها، وهذا خلاف مقصود الشارع باستغلال الأرض لمصلحة المجتمع. وإما أن نستعمل الأرض، وندفع الخراج الى الحكّام غير الشرعيين، فإن كان الخراج من الحسبيات التي لو تكفّلها حاكم الجور لكنّا ملزمين بالجري على طبقه، فهذا إنما يتمّ فيما لو تكفّله بعض الحكّام، وعزم على جباية الخراج.
وأما في زمان لا يعمل الجائر بذلك فهذه الأراضي؛ إما أن نهملها، وإما أن ندفع الخراج الى الظلمة ليأكلوه ويصرفوه في غير مصارفه، أو أن نستغل الأرض ونستثمرها بدون خراج. فنقول: إن حكم الأرض الخراجية خاصّ بزمان وجود الامام وبسط يده، وأما إذا لم يكن أحد متكفّلاً بذلك، فللمسلمين أن يتصرّفوا في هذه الأرض ويبيعوها ويشتروها ويملكوها، ولهم الإذن في ذلك. وهذا كلّه بناءً على التسليم، وإلّا فالأرض ملك للإمام.
ثُمّ إننا لو لم نستطع تتميم هذا المطلب، فإذا رأى الامام أن الامر صار بنحو لا يمكن معه صرف الخراج في مصالح المسلمين، فهل هناك مانع من أن يأذن النبي أو الإمام للأفراد بالاستيلاء على الأرض، وأن يملكوها؟ فإن الإمام أولى بالمؤمنين من أموالهم وأنفسهم، فإذا كان للإمام ذلك كان للفقيه ذلك، حتى يظهر الإمام عجل الله فرجه فيأخذ منهم الطسق، وكذلك لو انبسطت يد الفقيه كان له أخذ الخراج.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[الشرط الثالث: اعتبار كون الملك طلقاً]
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
من الشرائط التي اعتبرت في البيع وذكرت للعوضين من زمان العلّامة(1) ومن تحته(2)!! هو أن يكون الملك طلقاً، وقال الشيخ: إنهم فرّعوا عليه أن لا يكون البيع وقفاً، ولا أمّ ولد ولا رهناً ونحو ذلك(3).
وهنا كلام فيما هو المقصود بالطلق بحيث يرجع الى كونه من شرائط العوضين، لا كما يقول الشيخ من كونه السلطنة على البيع(4)، فإنها من شرائط
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) اُنظر: قواعد الأحكام 2: 23، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث.
(2) اُنظر: الروضة البهيّة 3: 253، كتاب المتاجر، الفصل الثاني، المسألة الثالثة، الحدائق الناضرة 18: 438، كتاب التجارة، الفصل الأوّل، المقام الثالث، المسألة الرابعة، وغيرهما.
(4) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 29، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين.
(5) راجع المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المالك لا العوضين. ومقصودهم بالطلق ليس هو معناه اللغوي وهو الحلال، فهل معناه ما ليس فيه مانع من الموانع؟ وهذا مبني على أنه هل يمكن أن نجعل عدم المانع شرطاً أو لا؟ فنقول: إن الشرط والمانع متقابلان في عالم التكوين، يعمل كلّ منهما غير ما يعمله الآخر، فالشرط دخيل في فاعلية الفاعل أو إتمام اقتضاء المقتضي، والمانع يحول دون تأثير المقتضي، لا أن عدمه من متمّمات المقتضي والمؤثّرات، فإن العدم يستحيل أن يكون مؤثّراً. فوجود المانع مانع عن التأثير، لا أن عدمه شرط في التأثير، وإنما التأثير عند عدم المانع هو للمقتضي لا للأمر العدمي.
وفي الأمور الشرعية اعتبر الشرط والمانع على غرار وجوده في عالم التكوين، كاعتبار مانعية غير المأكول عن الصلاة، وشرطية الطهارة لها. فعدم الحدث لا يكون من المؤثّرات بحيث تكون صحّة الصلاة منوطاً به.
وبالنسبة الى الطهارة الخبثية، فالطهارة عبارة عن خلوّ الجسم من القذارات، فإذا كان الجسم خالياً منها يقال له طاهر، كما أنه إذا كان الجسم بما هو مستقذر عقلائياً، والقذارة عبارة عن شيء وجودي، والطهارة عبارة عن خلوّ الطبيعة عن ذلك الأمر الوجودي؛ ولذا قلنا: إنه لولا الاشتهارات والإجماعات لقلنا بما اختاره السيد المرتضى(1) والفيض الكاشاني(2) بشكل أوسع، ولقلنا: إن التطهير لا حاجة فيه الى الماء، بل يكفي إزالة القذارة في حدوث
ــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) اُنظر: الناصريّات: 105، كتاب الطهارة، المسألة الثانية والعشرون.
(2) اُنظر: مفاتيح الشرائع 1: 77، المفتاح 87، أحكام النجاسات.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الطهارة، ولو بطريق الكحول النجسة، فإن القذارة تزول بها وهي تتبخّر فيبقى الجسم طاهراً، والماء لا يأتي بصفة وجودية، وإنما يحصل به النقاء.
نعم، الشارع لبعض السياسات المعيّنة اعتبر أهل الكتاب والكفّار نجسين، وأنهم أنجس من الكلب(1) لا أن (خروشوف) من قبيل العذرة فعلاً. والكافر وإن كان فيه صفة نفسية أوجبت الحكم بنجاسته، إلّا أنه ليس على جسمه قذر تكويني لا نستطيع أن نفهمه، وبمجرّد أن يشهد الشهادتين تطير تلك القذارة التي لا نفهمها عن جسمه، هذا كلام (درويشي) لا واقعي ولا فقهي.
فكلام الشيخ(2) يعود الى أن شرط البيع هو أن لا يكون مانع، مع أن الشارع إما أنه جعل الوقف -مثلاً- مانعاً أو لا. فإن جعله مانعاً كان ذلك كافياً، ويكون ارجاعه الى الشرط -مضافاً الى كونه محالاً- لغواً، فإن الشارع يريد إجراء القوانين بأن لا يباع الوقف وأمّ الولد، ومعه لا حاجة لأن يقول: جعلت عدم المانع شرطاً؛ فإنه لا يتكلّم فلسفة، مضافاً الى أن الشيخ جعله من شرائط المالك، وظاهر كلام الفقهاء جعله من شرائط العوضين.
مضافاً الى أن قوله: “إن من شرائط صحّة البيع كون الانسان قادراً على
ــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) اُنظر: وسائل الشيعة 1: 220، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، باب كراهة الاغتسال بغسالة الحمّام، الباب 11، الحديث 5.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 29، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شرط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التصرّف بكل وجوهه”(1)، غير تامّ، فإن العين المستأجرة يجوز بيعها، ولا تمكن كلّ التصرّفات فيها، وإذا كان المرادُ كلَّ التصرّفات البيعية، فيرجع هذا الى ما نفاه الشيخ بنفسه.
ولذا أرجعه الى أن المراد هو: أن تكون تمام الموانع منتفية عن سلطنتي، فلا يمكن أن يكون المراد منها الموانع البيعية، وإن كان هذا الشرط متوفّراً في مثل الوقف. إذن فليس عندنا شرط واحد ترجع إليه كلّ الموانع، وإنما كلّ مانع هو بنفسه مانع مستقلّ، أما الوقف فسوف تعرف أن ماهيّته منافية للبيع ومانع عنه، لا أن عدمه شرط، ولا أن وجوده مانع وعدمه شرط.
ثُمّ إننا لا بُدّ أن نرجع الى الأدلّة لنرى أنه هل يستفاد منها المانعية أو الشرطية؟ فقوله: (لا يجوز بيع الوقف) من قبيل قوله: (لا تجوز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه)، يستفاد منه المانعية، وأن بيع الوقف غير صحيح شرعاً، لا أن عدم الوقف أو عدم أمّ الولد شرط في الصحّة، إذن فيستفاد من الأدلّة المانعية لا شرطية العدم.
والمانعية بمعنى مانعية كلّ عنوان مستقلّاً، لا مانعية الجامع(2) بين هذه العناوين بدليل أن الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، فإنها أحاديث تفيد في
ــــــــــ[168]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 30.
(2) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 106-107، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
(السركرمي)(1) ولا ربط لها بالفقه.
فالطلق جَمَعَ في التعبير بين الموانع وليس شرطاً مستقلّاً، والموانع هي أن لا يكون وقفاً وأن لا يكون رهناً وأن لا يكون أمّ ولد ونحو ذلك.
*****
يستحيل أن يكون للعدم دخل في التأثير في التشريع كالتكوين، بل هو عين التكوين؛ لاستحالة أن يكون للعدم خصوصية في استيفاء المصلحة من الفعل المأمور به، بل الأمر كذلك حتى لو قلنا: إن المصالح والمفاسد المتوخّاة من التشريعات في الإسلام هي أمور اجتماعية وسياسية فأيضاً يكون دخل العدم فيها مستحيلاً.
نعم، لو قلنا بأن التشريع يعود إلى الاعتبار، وقلنا بإمكان جعل الشرطية والمانعية، أمكن أن يجعل للعدم تأثيراً اعتبارياً.
وقد يقال: إن اعتبار المانعية يعود إلى الشرطية دائماً، فإن المانع لا يمكن جعله قيداً؛ لكونه مانعاً عن وجود الطبيعة، وعدمه لا يمكن جعله قيداً، فيرجع كلّه إلى جعل الشرطية.
الا أن هذا لا يتمّ، فإنه إذا رجع المطلب إلى تشريع الشارع وليس له واقع وراءه، فقوله: (جعلته شرطاً) يعني: عاملوه معاملة الشرط، ورتّبوا عليه الأثر، ويعتبر العقلاء في طول ذلك أن المأمور به لا يوجد إلّا بوجود هذا الشرط، وكذلك في طرف المانع كقوله: (لا تصلّ في شعر ما لا يؤكل لحمه)، فقد جعل
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: المزاح أو الهزار.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المزاحمة بين الأمرين، وكما أن المزاحم في عالم التكوين يمنع عن وجود الطبيعة، كذلك في عالم التشريع، فنكون ملزمين بتركه؛ لأنه مع وجوده لا توجد الطبيعة المأمور بها، ومعه فلا يلزم ارجاع اعتبار المانع إلى اعتبار الشرط، فإنهما اعتباران متغايران، والشارع إذا أراد التوصّل إلى مطلوبه يمكنه ذلك بأحد الجعلين، ومعه يكون الجمع بين هذين الجعلين لغواً، فالأمر دائر بين احتمالين لا ثالث لهما: إما أنه جعل الوقفية مانعاً، أو جعل عدمها شرطاً. وأما كِلاهما فلا. فما هو المجعول منهما؟!
لا بُدّ أن نستفيد ذلك من الأدلّة، فيقع بحث في ماهيّة الوقف لأجل أن نرى أنها هل تقتضي أن يكون عدمها قيداً ليكون شبيهاً بالمانعية أو لا؟ فيقع الكلام في الوقف.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وقبل ذلك نقول: قد يقال: إن للوقف أقساماً:
الأوّل: وقف المساجد والمشاعر.
الثاني: وقف القناطر والخانات.
وفي هذين القسمين يكون الوقف تحريراً عن الملكية.
الثالث: الوقف على الجهات العامة كالفقراء والعلماء.
الرابع: وقف خاصّ على الذرّية.
الخامس: وقف على المسجد كحصيره ونحوه.
نقول: الوقف ليس له أقسام، وإلّا لم يكن محصوراً بذلك، وإنما هي تقسيم في المتعلّق. فمن الأقسام المتصوّرة بناءً على ذلك: الوقف على حيوانات حديقة الحيوانات، وهو وقف صحيح؛ لأن إطعام الحيوانات مطلوب، والوقف على الإحجاج لا الحُجاج، وعلى الإرسال إلى الزيارة. والوقف على غير الأشخاص، وهكذا إلى أقسام كثيرة، إلّا أن هذه الأقسام كلّها أقسام للمتعلّقات وليست أقساماً للوقف.
إذا تمّ ذلك -وهو تامّ بلا إشكال- والمسألة العقلائية هي أنه يستطيع أن يقف كلّ شخص ملكه، وأن الوقوف على ما يقفها أهلها، وللوقف سيرة سابقة على الإسلام، كالكنائس فإنها موقوفة وعليها موقوفات. فالوقف ماهيّة واحدة
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
سواء في المؤبّد أو غيره، كما لو وقف على شخص لا ذرية له، ولم يذكر بعده أحداً، وإنما هو اختلاف في القيد.
فاذا تمّ ذلك ورأينا في بعض الموارد أنه لا معنى لاعتبار الملكية، كما في الوقف على الحيوانات، فهل يقال: إن الحيوانات تملك؟ أو لو وقف على الإحجاج فهل يقال: إن هذا المعنى المصدري يملك؟ هذا أمر غير عقلائي، ومعه نستكشف أنه في الوقف لا توجد ملكية، لا بمعنى أنه (بشرط لا) بالنسبة إليها، بل بمعنى أنه (لا بشرط) بالنسبة إليها، ولا بُدّ أن نستفيد الملكية في بعض موارد الوقف من أدلّة أخرى.
يقع الكلام في تحديد ماهيّة الوقف. فعن صاحب (الجواهر)(1) تبعاً للشيخ كاشف الغطاء(2): أن الوقف عبارة عن الحبس، والحبس عبارة عن الممنوعية من التصرّف، فيعود معنى الوقف إلى الممنوعية من التصرّف.
وقد ذكرت على هذا إشكالات غير واردة:
منها: هل المراد بالممنوعية الممنوعية المالكية أو الممنوعية الشرعية؟ فإن
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 358، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
(2) اُنظر: شرح الشيخ جعفر على قواعد العلّامة: 232-239، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، بيع الوقف وأحكامه.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أريد بها الممنوعية المالكية فلازمه أمران:
الأوّل: أن الممنوعية مطلب إيقاعي، فيكون الوقف إيقاعاً مع أنه من لعقود.
وثانياً: أن الممنوعية المالكية إنما تكون فيما إذا كان مالكاً للعين، ولا إشكال في خروجه عن ملكه.
وإذا أريد بالممنوعية الممنوعية الشرعية، فقد ذكر أموراً، ونقتصر على ما ذكرناه من الاشكال. وهو غير تامّ(1).
أما ما فرضه من أن الوقف من العقود فهو محلّ إشكال، بل مورد منع كما سيأتي. وأما ما قيل من أن لازمه أن يكون مالكاً حال الوقف فليس يلازم؛ لأنه كان مالكاً، وبجعل الممنوعية يخرج عن ملكه، كما لو باع وشرط على المشتري أن لا يتصرّف تصرّفاً معيّناً.
وإنما الإشكال في أن الوقف هل هو المانعية عن التصرّف؟ فلو قال: (جعلته ممنوعاً من التصرّف) أو (جعلت العين ممنوعة عليها التصرّفات) لم يكن وقفاً عند العقلاء، وإنما ذلك من أحكام الوقف. نظير الكلام في باب الإحرام، وأنه هل هو عدم ارتكاب المحرمات، فلو قصد العصيان لم يكن محرماً؟! أو أن الإحرام من المعاني الوضعية التي تتحقّق بقصد الحجّ والتلبية كالتكبير الذي يكون إحراماً للمصلي، وليس الإحرام عبارة عن قصد تروك معينة، وإنما هي
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 74، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الوقف.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
من محرمّات الإحرام لا من مقوّماته ومحقّقاته؟
والشيخ محمد حسين(1) لم يتمّم كلام (الجواهر)، فذكر مطلباً آخر: وأن الوقف هو قصر الملك على جهة خاصّة أو على شخص خاصّ. ثُمّ يقول في تفسيره: (قصر الملك) يعني قصر الملكية، وحيث إن الملكية لا تفرق ماهيّتها من مورد إلى مورد فالمقصود أن يقصر الملك، ويكون حكمه الشرعي أن لا يكون قابلاً للبيع والشراء.
ثُمّ يقول: “وإذا فرضنا أن الواقف قصر التمليك لا قصر الملكية، فهو -حيث إنه يريد الوقف- يجعل حصّة من الملكية ملازمة مع الحكم الشرعي بعدم جواز النقل والانتقال، فهو يملك بهذه الحصّة. إذن فالوقف بنظره إما تمليك الحصّة الملازمة، أو هو قصر الملكية بشخص أو جهة عامة”.
وهذا الكلام ليس أحسن حالاً من كلام صاحب (الجواهر)، فإن التمليك وجعل الملكية ليس موجوداً في كلّ الأوقاف، ولو كان هناك ملك فهو في الأوقاف الخاصّة، وأما في الأوقاف العامة كالمسجد والحسينية، والمعاني المصدرية كالإحجاج أو الحيوانات، فجعل الملكية فيها غير معقولة، فجعل الحصّة الملازمة مع الملكية كلام مدرسي. والناس حين يقفون لا يدركون ذلك، ولا يخطر في ذهنهم، والذي لا يلتزم بالشرع لا بُدّ أن يقول -بناءً على كلامه-: وقفت على الحصّة الملازمة مع حكم العقلاء بعدم النقل والانتقال، وفي الواقع أنه لا يرد في الذهن المنع عن النقل والانتقال.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وما يأتي إلى النظر بحيث يناسب مع كلّ هذه الأمور، ولا بُدّ من النظر بعد ذلك في لوازمه، هو أنه يقول: (وقفت عليه)، فهو متعدٍ بـ(على)، كما في: (جعلته على رأسهم)، فالمأخوذ في مفهوم الوقف هو جعل العين الموقوفة على رأس الموقوف عليهم، بحيث تسقط عليهم منافعها، كالسحاب الذي يكون واقفاً على منطقة يمطرها برحمته، وهذا أمر موجود عند العقلاء قبل الشرع والشرائع منذ ما وجد في البشر المفاهيم المعاملية الاعتبارية، وليس الوقف أكثر من هذا، وأما أنه لا يستطيع أن يبيعه فهذا حكمه العقلائي، وليس داخلاً في ماهيّته، بحيث يكون الوقف هو الاختصاص بنحو لا يتصرّف فيه.
بعد أن اتّضحت ماهيّة الوقف، فهل تختلف لوازمها، فنقول: إن المتعلّق
-مدخول (على)- قد تختلف لوازمه في نظر العقلاء، فلو كان هو شخصاً معيّناً وقفت عليه العين ودرّت عليه المنفعة، فالعقلاء يقولون: إنها ملكه. وأما في الجهات العامة فإن كان العقلاء يرون قابليتها للملكية كان الأمر أيضاً كذلك، فإن المحلّ يكون قابلاً للملكية فيملك. وأما في مورد لا تكون قابلة للملكية كالمسجد والحيوانات والمعاني المصدرية كالإحجاج، فالملك غير متصوّر عقلائياً، ولم يقل الواقف هو ملك المسلمين حتى يكون ملكاً لهم، إذن فماهيّة الوقف واحدة، وان اختلفت لوازمها باختلاف الموارد.
والوقف لا يرجع إلى الحبس ولا إلى السكون عن التقلّبات، فإنه لا يرد في ذهن أيّ واقف منع التقلّبات عنها، ولو قال: جعلتها ممنوعة عن التقلّبات لم
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يكن وقفاً. وأما وقف المسجد فهو خارج عن الوقف، وإنما بابه باب جعل المعبد، فلو قال جعلته مسجداً أو معبداً صحّ، ولو وقفه على المسلمين أو لصلاتهم لم يكن مسجداً.
*****
ليس معنى الوقف إسكانه عن النقل والانتقال، بل معناه إمساكه فوق رأسهم، كالسحاب الماطر، ولا يتعدّى عنهم إلى غيرهم في درّ المنافع، وهو معنى أن (الوقوف على ما يقفها أهلها) إذن فالوقف لا ربط له بالبيع والشراء، ولا يرد شيء من ذلك في ذهن الواقف. ولو سلّمنا أن الوقف له معنى السكون ولا بُدّ أن يكون له متعلّق، إلّا أنه لا يرد إلى الذهن أن متعلّقه هو عدم النقل والانتقال، بل معناه أن الوقف كائن عليهم تنزل عليهم منافعه، أما أنهم يستطيعون بيعه أو لا، فهذا لا ربط له بالوقف(1).
قد يقال: نعم، ولكن الوقف لا مالك له فكيف يباع، وإن لم يكن البيع منافٍ لماهيّته، وهذا ليس مانعاً عن البيع، بل مقتضاه عدم الاقتضاء للبيع؟
نقول: إن مسألة أن الوقف إذا تمّ هل يخرج من ملك الواقف أو لا؟ محلّ
ــــــــــ[176]ــــــــــ
() وهنا قال بعض الحاضرين: إن مقتضى الوقف هو التأبيد.
فأنكر السيد ذلك، وقال: الدوم لدرّ النفع ما دام وقفاً لا للوقف نفسه، والدوام أخذ في الوقف في مقابل الانقطاع، شأنه في ذلك شأن الزواج الدائم، ومعناه أنه مستمرّ ما لم يطرأ سبب آخر. وليس معنى دوام الزواج المنع عن الطلاق، وكذلك الوقف..
تقريرات، كتاب البيع، ج10
خلاف في الجملة. وهل يدخل في ملك الموقوف عليهم؟ محلّ خلاف حسابي في أنه يدخل في ملكهم مطلقاً، أو لا يدخل مطلقاً، أو هناك تفصيل بين موارد الوقف العام وموارد الوقف الخاصّ.
أما المسألة الأولى: فلو لم تكن هناك مخالفة واضحة مع ارتكاز العقلاء، لم يكن هناك دليل على خروجه عن ملك الواقف، بل لم يكن من البعيد أن يقال بملكيته، فإنه إنما جعله مدرّاً منافعه على شخص معيّن، لا أنه أخرجه عن ملكه. نعم، مقتضى ارتكاز الناس هو أنه خارج عن ملكه، على أننا قلنا مراراً إن اعتبار الملكية ليس جزافاً، وإنما يكون تبعاً للآثار، والمفروض عدم وجود أيّ أثر للوقف تجاه الواقف من التصرّفات والمنافع، فلا تجعل له المالكية. نعم، لو قلنا: إن من الآثار هو جواز بيع الوقف في الأوقاف المنقطعة، أمكن جعل المالكية للواقف، بمعنى أن هذا الطريق لا يكون دالّاً على سلبها، إلّا أن ارتكاز العقلاء قائم على سلب الملكية منه، وعلى ذلك تسالم الفقهاء، ولم ينقل القول بخلافه إلّا من واحد على وجهٍ ظني لم يثبت(1).
وأما الموقوف عليه، فهل هو مالك مطلقاً حتى المساجد تكون للمسلمين، أو غير مالكين مطلقاً، أو هناك تفصيل بين الوقف الخاصّ حيث يقول المشهور بملكيته، والوقف العام حيث يقول المشهور بعدم الملكية فيه؟
والقائلون بالملكية إما أن يقولوا بأن الوقف تمليك للجهة أو للأفراد، إلّا
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) اُنظر: الحاشية الأُولى على المكاسب (للخوانساري): 116، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أن هذا غير تامّ، أو يقولون بما قاله في (الشرائع)(1) من الاستدلال بأن الموقوف عليه له النماء والضمان فيكون مالكاً.
نقول: أما النماء فلا ملازمة بين ملكية النماء وملكية العين، فإن العقلاء إنما يعتبرون الملكية في صورة ما إذا كان الانسان يباح له سائر التصرّفات والتقلّبات بنحو لا يشوبه شيء. وأما الموقوف عليه الذي لا يستطيع أن يبيع أو يصالح أو يرهن، فهل يكفي أخذه للمنافع بالحكم عليه بالملكية؟ مع أنه في كثير من الموارد تكون العين لشخص والمنافع لشخص آخر كالعين المستأجرة، والواقف لم يقل: (هي ملك لك)، وإنما جعلها على رأسه تمطر عليه منافعها.
وأما مسألة كون الضمان له على مَن أتلف العين الموقوفة، والضمان يكون على من أتلف مال الغير، فينكشف أن هذا مال الغير.
نقول: إن هذه الكبرى على تقدير استفادتها من الأدلّة ليست هي كبرى تأسيسية، بل عقلائية ثابتة قبل الشرع والشريعة، فلا بُدّ أن نرى حدودها. فلو خرّب شخص العين المستأجرة، وقلنا بعدم بطلان الإجارة، فيكون ضامناً للمستأجر، يعني أنه يجب عليه أن يعيدها بنحو يتمكّن المستأجر من سكناها، ونحوها العين المرهونة. ولو أمكن في باب الإتلاف إعادة العين لكان مطالباً بها. والعقلاء في مورد حصير المسجد يقولون بالضمان ولو لم يكن ملكاً لأحد. فليس الضمان ملازماً للمالكية، بل هو إتلاف متعلّق بجماعة ينتفعون منه، فلا يكون مجانياً وهدراً، فلا بُدّ أن يبدله حتى يصل إليهم النفع، وتدرّ عليهم المنافع. فليس أنه إذا كان الضمان موجوداً كانت المالكية موجودة. فهذا الدليل لا يتمّ.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) اُنظر: شرائع الإسلام 2: 172، كتاب الوقف، النظر الثالث.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الوجوه التي ذكروها للاستدلال على أن الموقوف عليهم يملكون العين الموقوفة عديدة:
أن الوقف عقد يحتاج إلى القبول، ومعه فلا بُدّ أن تتحقّق الملكية، وإلّا فالقبول لأجل أيّ شيء؟
وهذا الوجه له صغرى وكبرى، فالصغرى هي أن الوقف عقد يحتاج إلى القبول، والكبرى هي أن كلّ عقد يحتاج إلى القبول يكون موجباً لحصول الملكية، فلا بُدّ من التكلم في كِلا الأمرين..
فهل الوقف من العقود ومحتاج إلى القبول، أو من الإيقاعات لا يحتاج إلى قبول؟ قلنا: الوقف ماهيّة واحدة، وليس هنا على شكل وهنا على شكل آخر، وإنما له أقسامه باعتبار اختلاف المتعلّقات، فتارةً ينقسم باعتبار العين الموقوفة كوقف المسجد والخانات، وأخرى ينقسم باعتبار الموقوف عليهم كالوقف العامّ والخاصّ. والماهيّة واحدة على أيّ حال، فإذا رأينا في بعض الموارد أنه لا معنى للقول بمالكية الموقوف عليهم بوجه تعيّن المصير إلى ذلك في الجميع؛ لأن الماهيّة واحدة. فلو وقف مزرعة على طيور الحرم، فهو وقف شرعي صحيح، فهل الطيور تقبل أو تملك؟! وكذلك لو وقف على حيوانات حديقة الحيوانات، أو على الإحجاج بالمعنى المصدري. فهل الإحجاج يقبل، أو الحاكم يقيم نفسه مقام الإحجاج فيقبل، وهل الإحجاج يملك أو الحاكم يملك؟!
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فإذا لم يحتج إلى القبول، تعرف أن الوقف ليس عقداً ولا يحتاج إلى القبول، وهو ليس عند العقلاء معاقدة، وإنما هو اعتبار العين على رأس الطيور لدرّ المال عليهم. وليس هو تمليك المنافع كالإجارة، ولا تمليك العين كالبيع، بل هو حفظ العين على الموقوف عليه ليدرّ عليه المنفعة، وهو معنى موجود في كلّ موارد الوقف، وهو معنى إيقاعي وليس عقداً، والمشهور وإن قالوا بذلك، إلّا أنهم لم يتلقّوه عن الشرع، وإنما هو من الأمور الاجتهادية.
وصاحب (الجواهر)(1) يسلّم أوّلاً أن الوقف الخاصّ ملك، ويدّعي عليه الاجماع، وحيث إن الوقف ماهيّة واحدة فالوقف العامّ ملك أيضاً، فإن الجهة أو العنوان هو الذي يملك، ولا مانع منه كما في الزكاة والخمس. والقبول يكون للطبقة الأولى في الخاصّ وللحاكم في العامّ. فهو يذكر فقط الموارد التي لا يأبى العقل والعقلاء عن القول بالملكية، مع أننا لو حصّلنا مورداً يمتنع فيه ذلك، والوقف ماهيّة واحدة؛ إذن فلا بُدّ أن نقول بعدم المالكية في الجميع. فقد يكون الوقف خاصّاً، لكن لا على إنسان، كما لو وقف على هذا الطائر وأولاده. وقد يكون عاماً كذلك كما لو وقف على طيور الحرم أو على الوحوش أو على كلاب الهراش التي لا مالك لها. وهو عقد شرعي صحيح. إذن فإما أن نقول: إن ماهيّة الوقف مختلفة متعدّدة؛ فهذا غير ممكن. أو نقول إن الوقف كلّه من العقود، فهذا أيضاً غير ممكن لِما عرفناه من النقوض. وأما الحلّ فلأنّ اعتبار الوقف عند العقلاء هو الإيقاعية، وإنما يطالب بالقبول في المدرسة لا عند العقلاء.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 28: 90، كتاب الوقوف والصدقات، النظر الثالث، المسألة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
نعم، لو قلنا: إن المنافع تملك فقد يقال: إن ملكية المنافع ليست قهرية بل اختيارية، ولا يدخل شيء في ملك إنسان رغماً عليه. لكن لو قلنا بملكية المنفعة، فليس ذلك لأجل اقتضاء ماهيّة الوقف، وإلّا لاقتضى تمليك المنفعة للطيور والوحوش وحصير المسجد. بل حيث إنه موقوف ليدرّ المنفعة عليه، فمن كان قابلاً للتملك يقول العقلاء: إنها ملكه، ولو كان ذلك من مقتضى الوقف لكان الوقف على الطيور والوحوش باطلاً. وأما في المورد غير القابل للملكية فلا يحكم العقلاء بها للموقوف عليه. ولو تمّ قوله: “حبس الأصل
-العين- وسبل الثمرة”، ليس معناه تمليكها. نعم، لو قيل: إن الثمرة سبيل لك، يجوز لك التصرّف فيها من كلّ الوجوه؛ ويحكم العقلاء بملكيتك. وأما لو كانت سبيلاً للحيوان، فلا يقال بملكيته إيّاها.
على أن دعوى: أن كلّ مورد فيه ملكية يحتاج إلى قبول، غير مسموعة، فإن الإرث ملك بلا قبول، بل هو قهري من قبل الله عزّ وجلّ.
وأما عن الكبرى وهي: أن كلّ عقد يحتاج إلى القبول سببٌ لجعل العين ملكاً لك. لماذا؟ أليس الأستيمان والعارية عقد غير منتج للملك؟ والقابل إنما يقبل الوقف والاستيمان لا الملكية. كما أنه لو صالح على أولوية في شيء أو حقّ اختصاص فإن الملكية لا تحصل. ولو قلنا: إنه عقد يحتاج إلى قبول، ولكن لا يكون مملكاً، وإنما يترتّب عليه نحو اختصاص بالعين الموقوفة، والموقوف عليه إنما يقبل معنى الوقف وهو: أن تكون العين على رأسه تدرّ المنافع، لا الملكية، ومعه فلا يتمّ هذا الدليل على الملكية.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مما يذكره صاحب (الجواهر)(1) في الاستدلال على ملكية الموقوف عليهم دفاعاً عن المشهور: أن المال لا يكون بلا مالك في الشريعة، والعين الموقوفة خرجت من الواقف بلا إشكال، إذن فلا بُدّ أنها دخلت في ملك الموقوف عليه، لئلا تبقى بلا مالك.
فهل المعادن في الأرض ليست مالاً عند العقلاء، أو ليست مالاً في الشريعة؟ لا شكّ أنها أموال؛ ولذا يبحث عنها العقلاء. أو مراده أن المال الذي له ضمان لا يمكن أن يكون بدون مالك؛ لأن التضمين يكون ضماناً للمالك.
حينئذ نقول: إذا كانت الملكية بنحو ملكية (العباء) مما يتوقّف عليه الضمان، فالحقوق أموال، إلّا أنها ليست ملكاً كحقّ التحجير، وصاحبها ليس مالكاً، بل ذو حقّ. مع أنها تكون مضمونة بلا إشكال، فإذا أتلف العين المرهونة كان ضامناً للراهن والمرتهن، بل حتى لو أتلفها الراهن كان ضامناً لجعل بدلها رهناً. فإذا أتلف العين الموقوفة لزمه بدلها لتكون دارّة للنفع على الموقوف عليهم.
أن العين الموقوفة صدقة والصدقة توجب الملكية.
أما أصل كون الوقف صدقة، فهو مما يستفيده صاحب (الجواهر)(2) من
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 28: 90-94.
(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الروايات ويذكر لذلك روايات:
منها: ما رواه الشيخ، عن صفوان بن يحيى، وبإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن السندي، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: “أوصى أبو الحسن بهذه الصدقة: هذا ما تصدّق به موسى بن جعفر: تصدّق بأرضه في مكان كذا وكذا، كلّها وحدّ الأرض كذا وكذا، تصدّق بها كلّها ونخلها وأرضها وقناتها ومائها وأدخالها وحقوقها وشربها من الماء، كلّ حقّ هو لها في مرفع أو مظهر، وعرض وطول، أو مرفق أو ساحة أو أسقية أو متشعب أو مسيل أو عامر أو غامر، تصدّق بجميع حقوقه من ذلك على ولد صلبه من الرجال والنساء… إلى أن قال: تصدّق موسى بن جعفر بصدقته هذه و-هو- حيّ صحيح، صدقة حبساً بتّاً بتلاً مبتوتة لا رجعة فيها ولا ردّ؛ ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، لا يحلّ لمؤمن أن يبيعها ولا يبتاعها ولا يهبها ولا ينحلها ولا يغيّر شيئاً مما وصفته عليها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها(1)“(2).
وسند الشيخ هذا وإن كان ضعيفاً إلّا أنه يذكر بعدها أسناداً عن الصدوق وغيره صحيحة. وهي صريحة في أنها صدقة بالأعيان، ولا بُدّ من ضمّ كبرى
ــــــــــ[183]ــــــــــ
() كتاب الوقف، باب 10، رواية 4. (المقرِّر)
(2) تهذيب الأحكام 9: 149-150، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 57، ووسائل الشيعة 19: 202، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 10، الحديث 4، مع تفاوت يسير بين الروايتين.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إليه وهي: (كلّ صدقة لا بُدّ أن تكون تمليكاً)؛ ليكون البرهان منتجاً، وهذا مما لا تدلّ عليه الرواية، فإنه استعمل الصدقة في الوقف بقرائن تدلّ عليه، والفقهاء قالوا: إنه إذا قال: (هذا المال صدقة) لا يكون وقفاً، وإنما يكون وقفاً مع القرائن. ولعلّه إنما قال: (صدقة) باعتبار أن المهمّ إنما هو إدرار النفع، ولمّا كانت المنافع كلّها للموقوف عليهم فيصدق على ذلك الصدقة.
ومما لا إشكال فيه أن الصدقة بمعنى الوقف تتعلّق بالأعيان، وغاية ما تدلّ عليه الرواية هو أن الصدقة بمعنى الوقف تعلّقت بالعين، وليست من قبيل الصدقات الأخرى، ولا يريد الإمام أن يذكر المعنى اللغوي، ولم يقل: إن الوقف صدقة، ولم تصرّح اللغة بذلك، وإنما أطلق الصدقة على الوقف، والاطلاق أعمّ من الحقيقة، وأصالة الحقيقة لا تجري مع العلم بالمراد، وخاصّة مع العلم بأنه ليس معنى الوقف هو الصدقة في اللغة. فإذا أطلق عليه نعلم أنه إطلاق مجازي لا حقيقي، وخاصّة باعتبار القرائن الموجودة.
مضافاً إلى أنه يقول: “صدقة حبساً بتّاً بتلاً مبتوتة“. فقوله: “بتّاً” يعني: قطعياً جزمياً. وقوله: “بتلاء“(1) يعني: مقطوعاً عن غيره، وليست ملكاً لأحد لا الواقف ولا الموقوف عليه. وإن حملها صاحب (الجواهر) على الواقف. وقوله: “لا رجعة فيه” يعود إلى المبتوتة لا إلى البتلاء. فيستفاد منها خلاف مقصود صاحب (الجواهر).
على أنك لو تتبّعت تمام روايات الوقف فلن تجد أيّ رائحة للإحتياج إلى
ــــــــــ[184]ــــــــــ
() كذا قرأها السيد، وليست في (الوسائل) مهموزة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
القبول. ولو كان القبول شرطاً لكانت أكثر أوقاف المسلمين العامة ومساجدهم وحسينياتهم ومشاهدهم باطلة. وهل يوجد في كلّ بلد فقيه عادل يقبل الوقف؟ وقبض الواحد على خلاف القواعد. نعم، يحتاج الوقف إلى القبض كما دلّت عليه الروايات.
إذن فالوقف ليس عقداً ولا معاملة ولا معاوضة، وإنما هو ما قلناه من اعتبار العين واقفة فوق الموقوف عليهم تدرّ عليهم منافعها. فالوقف لا مالك له. والبيع يحتاج إلى سلطنة، ولا دليل على أن الواقف ولا الموقوف عليه ولا المتولّي ولا الحاكم له سلطنة على بيع الوقف. ولم يكن في ماهيّة الوقف مانع عن البيع وعدم السلطنة من باب عدم الاقتضاء لا من باب المانع. فهل يمكن إثبات بطلان البيع للوقف من الأدلّة اللفظية أو لا؟
أما الصغرى وهي: (أن الوقف صدقة) ففيها كلامان: كلام في كلّيتها وكلام في صحّتها.
أما في كلّيتها فلا إشكال أنه لو تمّت الكبرى فالصغرى ليست كلّية، فإن الصدقات هي الأموال التي تعطى بوجه قربي، وما لا يعطى كذلك لا يكون صدقة. والوقف لا يشترط فيه قصد القربة، بلا إشكال. نعم، لو قصد القربة يقال له صدقة، فلو وقف على ذريته حبّاً لهم لا للتقرب إلى الله، كان وقفاً
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() استمرّ السيد يناقش هذا الوجه الأخير، فذكر أن كبراه وصغراه محلّ بحث. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
صحيحاً، ولم يكن صدقة. ومعه فلو سلّمنا بكلّية الكبرى وبهذا القسم من الصغرى فإن القياس لا يكون منتجاً، وإنما ينتج في هذا القسم من الوقف. وحينئذٍ فلا بُدّ من التفصيل في الوقف -حتى في الوقف الخاصّ- بين ما قصد به القربة وغيره، فالأوّل موجب للملكية دون الثاني. ولا أظن أنه يلتزم به.
ولعلّه يريد أن يفهم حكم ذلك القسم من هذا القسم، من باب اتّحاد الماهيّة، فإنه إذا كان بعضه يوجب الملك وبعضه لا يوجبه كان كلّه كذلك، إلّا أن هذا لا يتمّ؛ لأن ماهيّة الوقف لم تكن تقتضي الملكية، ولا يمكن إثباته.
وغاية ما أثبتت الروايات أن الأئمة وقفوا بلفظ الصدقة، وقلنا: إن قوله: (هذه الصدقة) إطلاق، والاطلاق أعمّ من الحقيقة. وما يوجب الملك -على فرضه- هو الصدقة الحقيقية لا الصدقة بنحو المجاز، وليس فيه إخبار حتى تقول: إنه إلحاق حكمي. بل هو يريد الانشاء للوقف. وحيث إنه قصد القربة فهو يناسب لفظ الصدقة. ونحن يكفينا الاحتمال، ولكن أنت لا بُدّ أن تثبت أنه صدقة حقيقية حتى يكون القياس منتجاً.
الكليني بإسناده إلى الحسين بن سعيد، عن النظر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن عطية، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: قسّم رسول الله الفيء، فأصاب علياً أرض، فاحتفر فيها عيناً، وخرج منها ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير، فسمّاها عين ينبع. فجاء البشير يبشّره، فقال: بشّر الوارث.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
() باب (6)، من كتاب الوقف، الرواية (2):… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هي صدقة بتّاً بتلاً(1)، في حجيج بيت الله وعابر سبيله، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً”(2).
حمل صاحب (الجواهر)(3) قوله “بشر الوارث“، بمعنى: (بشّر الموقوف عليهم)، مع أنه لفظ معروف، يعني: هو أمر لا يخصّني، بل يخصّ الورثة، والدنيا ليست لي. لا أنه أمر من الإمام يجب أن يمتثله، والبتّ بمعنى القطع، والبتلة بمعناها، لعلّه يقصد أنها من الصدقات التي لا يملكها أحد. فلو كان قال: (بتّة مِنّي) لكان لِما قاله صاحب (الجواهر) وجه. إلّا أنه لم يقل ذلك. وقوله: “في حجيج بيت الله وعابر سبيله“، ولم يقل: (لحجيج) حتى يستفاد منه الملكية، بل هو بمعنى الصرف في ذلك، لا أنه جعلها ملكاً للحجيج وعابري السبيل.
وفي الرواية التي بعدها: وهي ما رواه الكليني، عن محمد بن يحيى، عن فضالة عن أبان، عن عجلان أبي صالح، قال: “أملى أبو عبد الله: بسم الله
ــــــــــ[187]ــــــــــ
() قرأها السيد (بتلاء) وهو غير موجود في نسخة (الوسائل). (المُقرِّر).
(2) الكافي 7: 54، كتاب الوصايا، باب صدقات النبي وفاطمة والأئمّة ووصاياهم، الحديث 9، تهذيب الأحكام 9: 148، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 56، ووسائل الشيعة 19: 186، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 2.
(3) اُنظر: جواهر الكلام 28: 92، كتاب الوقوف والصدقات، النظر الثالث، المسألة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الرحمن الرحيم: هذا ما تصدّق به فلان بن فلان وهو حيّ سويّ بداره التي في بني فلان بحدودها صدقة لا تباع ولا توهب حتى يرثها وارث السماوات والأرض. وأنه قد أسكن صدقته هذه فلاناً وعقبه، فإذا انقرضوا فهي على ذي الحاجة من المسلمين”(1). انتهى. فهي وقف عليهم، ولم يقل إنها ملك لهم. ومعه فيستفاد من هذه الروايات أن القضيّة ليست تمليكاً.
وأما الكبرى: وهي أن كلّ صدقة توجب الملكية، فليس فقط لم تثبت بل ثبت عدمها. فالزكاة هي من أوضح انحاء الصدقات قال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ(2)
ولو سلّمنا ملكية الفقراء ونحوهم للزكاة، فماذا تقولون في الرقاب؟ هل العبد يملك؟ كلّا بلا إشكال، وإنما هي صدقة لا يملكها أحد، بل هي العبد يُشترى ويُعتق. وكذلك سهم المؤلّفة قلوبهم لا يتضمّن تمليك أفرادهم، بل هو صرف المال بأيّ نحو حصل فيه التأليف. فلو كان أبو سفيان ممن لا يتألّف قلبه بإعطاء المال باعتباره يأنف عنه، بل يتألّف قلبه لو صرفنا المال في الاحتفال
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() الكافي 7: 39، كتاب الوصايا، باب صدقات النبي وفاطمة والأئمّة ووصاياهم، الحديث 40، تهذيب الأحكام 9: 131، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 5، ووسائل الشيعة 19: 186، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 3.
(2) التوبة: 60. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بمجيئه، وزيّنا الطرقات بالأنوار لأجل ذلك، فنصرف ذلك من الزكاة، ولا تكون ملكاً له.
وسبيل الله القدر المتيقّن منه هو الجهاد، وإن قالوا: إنه مطلق الخيرات، أو إنه الخيرات العامة للمسلمين. إلّا أن القدر المتيقّن منه هو الجهاد، وقد استعمل في الكتاب الكريم في ذلك. وهولا يعني تمليك المجاهدين، بل صرفها في كلّ شيء يتعلّق بالجهاد كشراء البنادق مثلاً. واستعمال (في) يعني أنه مصرف للزكاة ليس على نحو صرفها للفقراء.
وكذلك الحال في ابن السبيل بناءً على ما هو الظاهر من عطفه على (سبيل الله). فليس لا بُدّ أن تعطيه المال، بل نعطي أجرة الطائرة، ونمكّنه من الجلوس فيها إلى بلاده.
ومن باب استقصاء المطلب نشير أن هناك وجهاً آخر قد يقال للاستدلال به على ملكية الموقوف عليهم، وذلك هو التمسّك بجواز بيع الوقف أحياناً، والمسألة شديدة الاختلاف، ذكر صاحب (الجواهر)(1) اثني عشر قولاً فيها، ويستفاد من عبارته أنها أكثر من ذلك، وقال: وليست هناك مسألة مثلها في الخلاف. وعلى أيّ حال فالتمسّك بجواز البيع له ثلاثة وجوه:
الوجه الأوّل: إذا جاز بيعها فهي ملك؛ لأنه لا بيع إلّا في ملك، وليس غير
ــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 360، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الموقوف عليه مالك؛ لانقطاعها عن الواقف بلا إشكال، ولا معنى لتمليكها للأجنبي. إذن فتنحصر ملكيتها بالموقوف عليه.
الوجه الثاني: أن الذي يمارس البيع ويقوم به هو الموقوف عليه، فلا بُدّ أن يكون مالكاً، وإلّا لم تكن له ممارسته.
الوجه الثالث: أنه في بعض أقسام بيع الوقف يكون الثمن للموقوف عليه، وهذا متفرّع على أن تكون العين لهم، وإلّا لم يكن الثمن لهم.
[الوجه الرابع:](1) أن ملكية المشتري فرع ملكية البائع، ولا اشكال بانتقال الموقوف إلى ملكه، فنفهم بالملازمة أن بائعه وهو الموقوف عليه كان مالكاً.
فهذه هي طرق هذا الوجه، ولبعض مطالبها محلّ يأتي فيما بعد، ونحن نتكلّم على الاحتمالات.
أما أن أصل البيع هل يقتضي مالكية البيع للبائع ومالكية الثمن للمشتري قبل البيع؟ فهذا غير صحيح؛ لأن الفقهاء صحّحوا بيع الكلّي وهو غير مملوك قبل البيع، بل حيث إن حِمل الحنطة له مالية والبيع ليس مبادلة ملك بملك، بل مبادلة في المالية، أو تمليك عين بعوض. فأنا أملّكك الكلّي وأنت تملك بتمليكي، ومعه فما قيل من أن ملكية المشتري فرع ملكية البائع غير صحيح، بل هو فرع تمليكه.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() لخّص السيد الاستدلال الأخير، وأضاف إليه وجهاً آخر* وهو: [الوجه الرابع:]…
* يصلح هذا الوجه أن يكون تدقيقاً للوجه الثاني. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما أن المتصدّي للبيع هو الموقوف عليه إذن فلا بُدّ أن يكون مالكاً. الإشكال في صغراه وكبراه. أما صغراه فلأنه محلّ خلاف أن من يتصدّى للبيع هل هو المتولّي أو الحاكم أو الموقوف عليه؟ وقد فرّعوا تصدّي الموقوف عليه للبيع على مالكيته، لا أننا نسلّم ذلك ونفرع عليه القول بملكيته. والكبرى أيضاً غير صحيحة وهي أن كلّ متصدٍّ للبيع لا بُدّ وأن يكون مالكاً. مع أن ولي الصغير متصدٍّ للبيع وهو غير مالك، إلى كثير من الموارد. ولو فهمنا من الروايات أن المتصدّي هو الموقوف عليه، فلعلّ وجهه أنه: بما أنه وقف عليهم العين لتدرّ عليهم المنافع، فلهم حقّ في العين أكثر مما هو موجود للآخرين فباعوا.
أما مسألة أنهم يملكون أو لا، فهذه بنفسها مسألة خلافية، فلا بُدّ من أن نبحثها بعد ذلك من أن عوضها مملوك أو وقف. وعلى فرض كونها للموقوف عليهم، والقدر المتيقّن من ذلك ما إذا لم يكن للعين الموقوفة أيّ نفع، والمال الذي يعوّضه لا يمكن جعله موقوفاً عوضها، كما لو بيعت بدرهم. فهنا يمكن أن يقال: إن العين لم تكن ملكه، ولكن حيث إن العين كانت لدرّ المنفعة عليه، وهذا الدرّ حين وجود العين يجب أن تحفظ لتدرّها، وحين لا يمكن حفظها يكون أكل الثمن نحو من المنفعة؛ أما الواقف فقد انقطعت يده بالكلية، وأما الموقوف عليه فهو صاحب حقّ في أكل منافعها، فيكون إعطاء الثمن إليه أولى من إلقائه في الطريق!!
إذن فهذه الأدلّة لا تدلّ على ملكية الموقوف عليه.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تبقى جهة أخرى: لا يبعد استفادة عدم الملكية منها، وهو ما ذكر في الحديث النبوي: “حبّس الأصل وسبّل الثمرة“(1)، تسبيل الثمرة ليس تمليكاً فلا بُدّ أن يكون حبس العين هو التمليك، فإن حبسها عليهم فقد ملّكها لهم. وحينئذٍ فنقول هنا نظير ما قيل في المقبوض في البيع الفاسد، من أن البائع راضٍ بالبيع، فلو ظهر فساد البيع تكفي الرضاية المالكية. وقلنا: إن الرضا رضاء بالبيع لا رضاء بالتصرّف. على أنه لا يعقل أن يكون الرضا بالبيع رضاً بالتصرّف سواء كان فاسداً أو صحيحاً؛ لأنه يخرجه بالبيع عن ملكه فيعود الرضا إلى رضا البائع بتصرّف المشتري بماله. فلا تكون إجازته جدية ورضاؤه واقعياً.
هنا أيضاً نقول: إذا كان الوقف تمليكاً بنحو حبس العين وتسبيل الثمرة، فيعلم منه أن تسبيل المنفعة تحت اختياره، وفي الروايات يقول: (أسكنت خالاتي)(2)، والإسكان بعد الوقف، فنعلم أنهم لا يملكون، والوقف ليس
ــــــــــ[192]ــــــــــ
() نص الرواية: “أسكن هذه الصدقة خالاته“، عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 260، باب الديون، الحديث 14، ومستدرك الوسائل 14: 47، كتاب الوقوف والصدقات، أبواب كتاب الوقوف والصدقات، الباب 2، الحديث 1.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 4: 248، كتاب الوصيّة، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5588، وتهذيب الأحكام 9: 131، كتاب الوقوف والصدقات، باب 3، باب الوقوف والصدقات، الحديث 7، وسائل الشيعة 19: 187، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، باب عدم جواز بيع الوقف، الحديث 4.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
اعتباراً لملكية الموقوف عليه، بل هو اعتبار مناسب مع التسبيل، ولو كان الوقف هو تمليك العين فلا؟ معنى لتسبيل المنفعة(1).
الروايات الواردة في موارد جواز البيع وعدم جوازه لا بُدّ أن تقرأ كلّها، حتى نعلم أنه إلى أيّ مقدار جائز وإلى أيٍّ غير جائز. وقد قال صاحب (الجواهر): إنه لا توجد مسألة مثلها محلّ خلاف.
من الروايات التي ذكرها الشيخ(2) في أوّل كلامه صحيحة الصفّار في مكاتبته إلى أبي محمد العسكري، وهما روايتان أصلهما رواية واحدة:
ــــــــــ[193]ــــــــــ
() أقّول: يرد على هذا أمران:
أحّدهما: أن هذا ينافي انقطاعه عن الواقف. فلو كان انقطاع الملكية عن البائع يوجب استحالة الرضاء جدياً بتصرّفات المشتري، فكذلك الحال في الواقف لاشتراكهما بانقطاعهما.
ثانيّهما: أننا لا نقول بذلك في كِلا الموردين. فللبائع أن يحدّد من تصرّفات المشتري، كما لو باعه بشرط أن لا يتصرّف فيه تصرّفاً معيناً، فإنه نافذ، أو وهبه بمثل هذا الشرط فإنه نافذ أيضاً، ولا تضرّ به انقطاع الملكية؛ لأنه انتقل إلى الآخر انتقالاً ناقصاً مقيّداً، ولا يقاس على مسألة البيع الفاسد، حيث لا يفرض شيء إلّا صرف التمليك. ومعه فيكون اختيارية التسبيل للواقف مما لا ينافي ملكية الموقوف عليه؛ لأنه انتقل إليهم على هذا النحو. انتهى. (المقرِّر).
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 33، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الصدوق(1)، عن محمد بن الحسن الصفّار: أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي في الوقف وما روى فيه عن آبائه، فوقّع: “الوقوف تكون على حسب ما يقفها أهلها إن شاء الله“(2). ورواها الشيخ(3) باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار مثله.
وما رواه الكليني، عن محمد بن يحيى، قال: “كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد في الوقوف وما روى فيها، فوقّع: الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء الله“(4)، فالسؤال في هذه الرواية وقع عن أيّ شيء؛ ليكون مناسباً مع الجواب؟ وما هو الذي روي عن آبائه؟
تارةً نتكلّم في صحيحة الصفّار مع الغضّ عن صدرها، وأخرى نتكلّم فيها مع ضمّ صدرها الغامض، وأخرى نتكلّم فيها مع ضمّ صدرها الموضح.
أما الكلام فيها مع الغضّ عن صدرها، بمعنى: أننا لو بقينا تحت قوله: (الوقوف على ما يقفها أهلها). فماذا يستفاد منها؟
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() باب 2 من الوقف. (المقرِّر).
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 237، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5567، ووسائل الشيعة 19: 175، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 2، الحديث 1.
(3) تهذيب الأحكام 9: 130، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 2، مع فارقٍ يسيرٍ.
(4) الكافي 7: 37، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 34.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فيها احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن الوقف جعل شرعاً تابعاً لكيفية جعله، فهذه الجملة تتعرّض إلى ما هو راجع إلى الإيقاف، ويقال بأن الوقف تابع للإيقاف، فإن أوقف على العلماء كان عليهم، وإن أوقف على السادات كان عليهم، فتكون الوقوف تبعاً لجعل الواقف جعلاً إيقافياً. وأما أن بيعه جائز أو لا فلا ربط له بالإيقاف، ولا تعرّض في الرواية إلى الشرائط الزائدة على الوقف، فضلاً عن الأمر والنهي الإلهي بصحّة البيع وعدمه.
الاحتمال الثاني: أنه يريد التعرّض إلى الجعل وإلى تمام تبعاته، فلو قال: (أوقفت على العلماء، ولكن إذا احتاج ورثتي فهو لهم)، فهذا داخل في الرواية. فكلّ قرار يجعله الواقف ولو كان زائداً عن الإيقاف ولكنّه كان مربوطاً بالوقف باعتبار رجوعه إلى تقييده، فهو داخل في هذه الجملة، وأما الأحكام التي تترتّب على الوقف فلا ربط لها بجعل الجاعل.
الاحتمال الثالث: أن الوقف بحسب اقتضاء ذاته وبحسب اقتضاء الحكم الشرعي ليس له حكم إلّا درّ المنافع على الموقوف عليه، غاية الأمر تارةً يقال: إنه وقف لا يُباع ولا يوهب. ولا معنى لجعل الحكم الشرعي قيداً في الوقف، فإنه غير داخل تحت يد الواقف، وإنما هو تابع لموضوعه، فلا يمكن القصد إليه جداً، إلا باعتبار الإشارة إلى حصّة خاصّة من الوقف. فيكون المراد: أن الوقف ومتعلّقاته ومطالب بيعه وهبته وعدمها كلّ ذلك تحت يد الواقف. فإن اشترط عدم بيعه وهبته أو أطلق كان غير جائز، وإن اشترط إمكان بيعه وهبته أو هبته
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
دون بيعه كان نافذاً. فيكون الوقف تابعاً لجعل الواقف وقراره بناءً على هذا الاحتمال الثالث.
فإذا تمّ ذلك كان مقتضى الأدلّة العامة كـأَوْفُوا بِالعُقُودِ(1) جواز بيعه، ما لم يقيّد بعدم الجواز، لا أنه حكم شرعي موضوعه الوقف، بل الحكم الشرعي متعلّق بإمضاء شرط الواقف. ولو كان ذلك حكماً شرعياً لأصبح قوله: “لا يباع ولا يوهب” تأكيداً لا احترازاً، وظاهرُ القيدِ الاحترازيةُ. فهو يريد بهذا الاحتراز أن يقف الوقف الذي لا يباع ولا يوهب.
ولو بنينا نحن -مع غضّ النظر عن الفهم العقلائي- كان الاحتمال الأوّل أقرب هذه الثلاثة.
وأما بناءً على ضمّ الصدر الغامض وهو قوله: في الوقف وما روي فيه عن آبائه، فوقّع: “الوقوف على حسب ما يقفها أهلها“. هل كان مراده السؤال عما روى عن آبائه، فأجابه الإمام: أنه روي عنهم هذه الجملة. فهذا غير صحيح؛ لأن الروايات متظافرة في نقل كثير من أحكام الوقف، فتكون هذه الرواية مكذّبة لها. إذن فهذا المعنى غير مراد.
ويحتمل أن يكون المراد منها: (أن الروايات الواردة عن آبائك مختلفة، بعضها تمنع عن البيع وبعضها تجيزه، وحين لم يستطع الجمع بينها فقد سأل الإمام عن ذلك فأجاب: “الوقوف على حسب ما يقفها أهلها“).
ومعه فيكون لها نظر تحكيم إلى كلّ تلك الروايات المتعارضة.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) المائدة: 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ونقول: ما ورد (أنه لا يجوز البيع)؛ فباعتبار أن الواقف شرط عدم جوازه. وما ورد (أنه يجوز البيع)؛ فاعتبار أن الواقف اشترط جوازه، أو عوده إليه عند الحاجة. ومثل هذا الجمع لو كنّا نحن وتلك الروايات لم نستطع القيام به فإنه ليس عرفياً، ولكن حيث إن الإمام جمع هكذا فنقبله؛ لأنه يعرب عن الواقع. وعلى أيّ حال فهذا الاحتمال هو الأنسب باعتبار المناسبة بين السؤال والجواب.
وأما الرواية الأخرى عن الصفّار الموضّحة للمطلب، فهي تدلّ على ذاك الاحتمال الذي كان يرد إلى الذهن في الجملة من الصدر الغامض، أشير إليه في هذه الرواية بوضوح. ولا يبعد أن تلك الرواية من اختصار الصدوق لهذه الرواية.
الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، قال: “كتبتُ إلى أبي محمد أسئله عن الوقف الذي يصحّ كيف هو؟ فقد روي أن الوقف إذا كان غير مؤقّت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان موقّتاً فهو صحيح ممضى. قال قوم: إن الموقّت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقال آخرون: هذا مؤقت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والذي هو غير مؤقّت أن يقول: هذا وقف ولم يذكر أحداً. فما الذي يصحّ من ذلك وما الذي يبطل؟ فوقّع: الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله“(1). (باب 5، من كتاب الوقف).
ــــــــــ[197]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 9: 133، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 9، الاستبصار 4: 100، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 62، الحديث 2، ووسائل الشيعة 19: 193، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 7، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فقد اختلفوا في معنى التوقيت، فقال قوم: إنه هو الذي يكون دائماً ومؤبّداً. والتوقيت أصله أن يكون له وقت. وقد يكون له وقت محدود، وقد لا يكون له وقت محدود. فإن قلنا: إن الوقت هو مجموع الأمرين، يكون غير الموقّت هو ما لا دخل للوقت فيه. وإن قلنا: إن الوقت هو المحدود بحدّ مؤقّت، كان في مقابله أمران: ما لم يذكر فيه وقت، وما كان مؤبّداً. فهؤلاء القوم ذكروا أن الموقّت هو المؤبّد، ومقابله ما لا يكون كذلك فيكون باطلاً.
وذكر غيرهم أن الموقّت هو المحدود بوقت معيّن مذكور أو في نفس الأمر، وفي مقابله أن لا يذكر له وقت مثل أن يقول: (وقفت) ويقتصر، فالوقف غير المؤبّد مؤقّت عند هؤلاء غير مؤقّت عند أولئك.
وقوله: “ولا يذكر أحداً”، فلعلّ مقصوده أن عدم ذكر الأحد ليس لدخالة الأحد الموقوف عليه، بل لكونه يصير بذلك غير مؤقّت بمعنى أنه مهمل من ذكر الوقت. ولو كان غير الموقّت هو ما لا يكون الموقوف عليه مذكوراً فيه لكان مقابله الموقّت، وهو ما يكون الموقوف مذكوراً فيه.
أجاب الإمام: “الوقوف بحسب ما يقفها“. يعني كلّها صحيحة بالقرار الذي يجعله الواقف. فإن قال: (إلى أن يرث الله الأرض) فهو صحيح. وإن ذكر زيداً وذرّيته وأهمل ذكر الفقراء فهو صحيح. وإن قال: (هو وقف) واقتصر كان صحيحاً أيضاً. وهو صحيح على القاعدة، ويصرف على الخيرات والمبرّات، فيستفاد منها أن الوقف سواء كان مؤبّداً أو غير مؤبّد وكان موقّتاً بأيّ وقت أو لم يكن موقّتاً فهو صحيح، وليس الوقف شيئاً أزيد من جعل الواقف كالوصية.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لكن يريد الشيخ(1) أن يستفيد منها أنه لا يجوز بيعه. مع أنه لا يستفاد منها ذلك على أيّ حال، سواء نظرنا إلى هذا الصدر أو إلى ذاك الصدر المجمل الذي قلنا: إن الإمام يريد أن يجمع بين طائفتين من الروايات. ومراده هنا: أن ما جعله البائع وقفاً مؤبّداً لم يجز بيعه، وإن وقفه موقّتاً جاز. أو قطعناها عن الصدر واعتبرناها كبرى كلّية (الوقوف على ما يقفها أهلها). فلو قال: (وقفتها إلى الأبد) فلماذا يكون لازماً ولا يستطيع الرجوع فيه؟ فليكن حاله كالهبة والوصية، فإذا قبل أن الوصية نافذة ويتبع رأي الموصي فليس معناه أنها لازمة عليه. نعم، لو شرط أنه لا يباع ولا يوهب وكان له إطلاق للواقف، فيجب عليه أن يمتنع عن البيع باعتبار قراره.
ولو بقينا نحن وهذه الجملة، وكان الوقف تابعاً لِما يقفه أهله بتمام شرائطه وأحكامها، والوقف ليس له اقتضاء المنع في البيع. فلا بُدّ أن نقول بجواز الوقف، وتكون الرواية دليلاً على لا اقتضائية الوقف تجاه البيع، لا على عدم جوازه، فيجوز بيعه بالأدلّة العامة لو لم يكن دليل خاصّ. ولا يستفاد من هذه الرواية اللزوم.
لا بُدّ من أن نقرأ الرواية لنرى مدى انطباقها على كلام الشيخ: روى شيخ الطائفة في (التهذيب)(2)، بسنده إلى علي بن مهزيار، قال: “قلت روى بعض
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 32، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين كونه طلقاً.
(2) تهذيب الأحكام 9: 132، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 8.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مواليك عن آبائك: أن كلّ وقف معلوم فهو واجب على الورثة، وكلّ وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة. وأنت أعلم بقول آبائك. فكتب: هو عندي كذا“. (تهذيب، ج9، ص132).
فإن كان له وقت معلوم فهو واجب على الورثة وممضى، وإن كان إلى وقت جهل مجهول فهو باطل. وظاهره أنه إذا كان له وقت محدود إلى عشر سنين أو إلى الأبد، وأما إذا كان إلى غير وقت، يعني: لا يعلم وقته، يشمل ما إذا قال: (إلى وقت ما)، أو قال: (على زيد وورثته) واقتصر، فإن ذلك وإن كان موقوتاً في نفس الأمر، إلّا أن وقته جهل مجهول فيبطل. فظاهره التفصيل بين المجهول والمعلوم من حيث الوقت كالإجارة.
الموقّت(1) هو كلّ ماله وقت كالصلاة التي يقال إنها موقوتة أو مؤقّتة، وما ليس له وقت محدود فليس موقّتاً وقد يسمّى موسّعاً. فإذا لم يحدّد وقتاً فهو باطل. وان كان موقوتاً فهو صحيح، سواء كان إلى الأبد أو إلى عشر سنين. ولو بقينا نحن وهذا المقدار لَما كان هناك اختلاف بين هاتين الروايتين بأن نحمل الوقت هنا على الوقت المعلوم.
ولو قال: في ذيلها: (الوقوف كما يقفها أهلها) لفهمنا منها أن الوقت ليس فيه باطل، بل كِلا القسمين صحيح. فيحصل اختلاف بين الروايتين عن تصحيح غير الموقّت وإبطاله. ويمكن الجمع بينهما بأنه هناك يقول: “جهل مجهول“، فنحمله على الوقت المجهول إذا جعله مجهولاً في العبارة فقال: (إلى
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() ثُمّ قرأ السيد من (التهذيب) رواية الصفّار السابقة. وقال: الموقّت… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وقت ما) فهو باطل. ورواية الصفّار وإن شملته باطلاقها إلّا أنه يكون مقيّداً بتلك الرواية. ونحمل الموقّت وغير الموقّت في صدر رواية الصفّار على أن غير الموقّت ما جعل في زيد واعقابه ويقتصر، والموقّت ما جعله إلى عشر سنين أو إلى الأبد. فينتج أنه إذا قال: (إلى وقت مجهول) فهو باطل بالتخصيص من إطلاق الرواية الأخرى، وباقي الأقسام صحيح.
وأما إذا ضممنا إلى رواية الصفّار اختلاف القوم، لقلنا بأن كِلا القولين لهؤلاء القوم غير صحيح. وقوله: “والذي هو غير موقت” هل يعود إلى الأخير أو إليهما معاً؟ فإن عاد إليهما كان قول الأوّلين أن المؤبّد موقّت والمهمل غير موقّت، وإن كان عائداً إلى الأخير كان قول الأوّلين أن المؤبّد موقّت وغير المؤبّد غير موقت. وقول الآخرين أن الموقّت ما له وقت محدود وغير الموقّت هو المهمل عن ذكر الوقت. فهل أمضى الإمام تفصيل هؤلاء أو لا؟ هنا احتمال
-غير عرفي- ناشئ من أن رواية الأكثر (أوقفها) ولكن في (الوسائل) عن الكليني (وقفها)، نعلم من ذلك أن الوقف إيقاف العين، والايقاف يحتاج إلى موقوف عليه، فما يذكر فيه الموقوف عليه فهو صحيح مطلقاً، وما لا يذكر فيه فهو باطل، فهو يريد تصديق الذيل وهو عدم ذكر أحد. هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام، فإن ماهيّة الإيقاف أن تكون على شيء، فإذا لم يذكر فيها شيء لم يكن إيقافاً. فإذا كان له إطلاق إلى كلّ الأقسام الباقية يخرج منها بالتقييد الجهل المجهول، ويكون الباقي صحيحاً.
الشيخ في (التهذيب) ذكر فتواه، ثُمّ حاول تطبيق النصّ عليها: (قال محمد بن الحسن: الوقف متى لم يكن مؤبّداً لم يكن صحيحاً، وإذا قيّد بوقت أو أجل
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بطل الوقف)(1)، لعلّ مراده من المؤبّد ما لا يذكر فيه الوقف، وأما إذا قال عشر سنين فهو باطل.
وهذا الذي رواه علي بن مهزيار من قوله: (كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب)، معناه: أنه إذا كان الموقوف عليه مذكوراً؛ لأنه إن لم يذكر في الوقف موقوف عليه بطل الوقف… ولم يحمله على إرادة الأجل وإلّا لبطلت فتواه، (ولم يرد بالوقت الأجل، وكان هذا تعارضاً بينهم). فهل الموقّت كان اصطلاحاً بينهم بحيث نثبته من الخارج، أو تريد أن تستفيده من هذه الرواية -رواية الصفّار-؟ مع أنه يفهم منها أن الاختلاف غير موجود في ذكر الموقوف عليه وعدمه، بل في التأبيد وعدمه، ” فقال قوم: المؤبد موقت وغيره غير موقت، وقال آخرون: إذا لم يذكر حال الوقف في آخر فهو موقّت، وغير الموقّت ما لا يذكر فيه أحد”. وقولهم غير معتبر ما لم يثبت الاصطلاح فيه.
بناءً عليه، فالامام يريد أن يبيّن كيفية الوقف بالمقدار الذي يجعله الواقف، فإن الأحكام الشرعية خارجة عن الواقف. وما هو بيده هو إيجاد الماهيّة، لا أنه يجعلها كذلك (ما جعل الله المشمش مشمشاً)، وتحت يده كلّ خصوصياتها التي تدخل في الجعل. وأما الماهيّة والحكم فهو خارج عن يده، فغاية ما يفهم من الرواية هو عدم جواز التصرّف، خلاف جعل الواقف وشرطه، وأما عدم جواز ردّ الموقوف عليهم، وعدم جواز الفسخ، فهو لا يستفاد من الرواية.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 9: 132، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، ذيل الحديث 8.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تمسّكوا لعدم جواز بيع الوقف بعدّة روايات، فيها قوله: “لا تباع ولا توهب ولا تورث“. والشيخ(1) أورد بعضها، وذكر أن الوصف فيها نوعي، ومن البعيد أن يكون شخصياً، وخاصّة أن الشرط على الموقوف عليهم، ولا بُدّ أن يكون الشرط متأخّراً عن ذكرهم. مضافاً إلى أنه لو كان الشرط شخصياً لكان منافياً للشرع من جوازه بيع الوقف أحياناً.
والروايات الواردة في الموضوع مختلفة، بعضها ظاهر بإنشاء الوقف والصدقة. وبعضها: (أملى أبو عبد الله ورقة الوقف). وبعضها حكاية عن صدقة أمير المؤمنين أنه تصدّق بصدقة فكتب كذا. فلا بُدّ أن نرى الروايات لنرى مقدار دلالتها على جواز بيع الوقف.
منها: رواية أيوب بن عطية، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: قسّم رسول الله الفيء، فأصاب علياً أرض، فاحتفر فيها عيناً، وخرج منها ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير، فسمّاها (عين ينبع)، فجاء البشير يبشّره، فقال: بشّر الوارث، هي صدقة بتّاً بتلاً في حجيج بيت الله وعابر سبيله، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً “(2).
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 34، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
(2) باب 6 من الوقف والصدقات. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وهذه حكاية وقف أمير المؤمنين، فنعلم أن إنشاءه هكذا. واشكلوا(1) أنه من الشرط المتأخّر، ففرضوا أن الوقف من باب العقود بين الواقف والموقوف عليهم، ويحتاج إلى إيجاب وقبول، فإذا وقع في ضمنه شرط فلا بُدّ أن يذكر بعد ركن العقد، وإذا كان مخالفاً للكتاب كان باطلاً.
وأما إذا كان إيقاعاً كما قلناه فإن كثيراً من موارد الموقوف عليه لا يُتصوّر منهم القبول، وفي مورد الرواية كذلك. وحينئذٍ فليس أنه شرط شرطاً على أحد، بل كلّه منوط بالجعل بأحد احتمالين:
الأوّل: أن الصدقة حيث كانت مشتركة بين المستحبة والواجبة والوقف، فجاء بهذه الأوصاف للقرينة على إرادة الوقف.
الثاني: أن الوقوف على ما يقفها أهلها، وكلّ المطالب بيد الواقف، فقوله: “لا تباع ولا توهب” يراد به الجعل لا القرينية، لا أنه يريد أن يشترط شيئاً على أحد. وهذا الاحتمال أقوى نظراً، إلا أننا إذا لاحظنا ما جعله الأئمة من الوقفيات فإنهم نصّوا على جواز البيع أحياناً، فإذا جعل الواقف الوقف مؤبّداً كان شرطه متبعاً، وإن جعله منقطع الآخر أمكن بيعه بعد انقراض الموقوف عليهم. إذن الروايات التي في مقام جعل الوقف لا يمكن الاستدلال بها. وأما قوله: “فمن باعها فعليه لعنة الله“، فإنما ينصّ على ذلك لمن خالف القرار، لا لمن خالف حكم الشرع. وإلّا لكان في لعن الله تعالى كفاية، وهو يعلم مقدار
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 34، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
عقابه لعصيانه الحكم الواقعي.
منها: رواية ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله، قال(1): “تصدّق أمير المؤمنين بدار له في المدينة في بني زريق، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي، تصدّق بداره التي في بني زريق، صدقةً لا تباع ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث السماوات والأرض، وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن، فإذا انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين”(2). وهذا هو الذي يقوله الشيخ: إن الوصف فيها للنوع لا للشخص. وقلنا: إنه يتمّ على فرضه، لا على فرضنا. وقد كتب أمير المؤمنين ورقة الوقف، ولا نعلم كونها جعلاً للوقف ابتداءً، فهل قال في جعله: (أوقفت) أو (وقفت) أو (شرطت عليكم) أو لم يقل؟ فدلالتها أضعف من السابقة. وما قاله من أن الشرط لا بُدّ أن يكون متأخّراً عن ذكر الموقوف عليهم، مبني على افتراض لزوم القبول منهم، فهل كان أمير المؤمنين قد أحضر خالاته واشترط عليهن وطلب منهن القبول!!
ومنها: ورواية عجلان أبي صالح، قال(3): “أملى أبو عبد الله: بسم الله
ــــــــــ[205]ــــــــــ
() الباب نفسه. (المقرِّر).
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 248، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5588، تهذيب الأحكام 9: 131، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 7، ووسائل الشيعة 19: 187، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 4.
(3) الباب نفسه. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الرحمن الرحيم هذا ما تصدّق به فلان بن فلان وهو حيّ سويّ بداره التي في بني فلان بحدودها، صدقة لا تباع ولا توهب حتى يرثها وارث السماوات والأرض، وقد أسكن صدقته هذه فلاناً وعقبه، فإذا انقرضوا فهي على ذوي الحاجة من المسلمين” (1). وقوله: “فلان بن فلان” يدلّ على أن هذا هو حاصل الوقفية لا نفسها. وإلّا كان ينبغي أن يقول: (جعفر بن محمد أو علي بن أبي طالب)، ومعه يبقى ما هو المجعول مجهولاً.
ومنها: رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال(2): “أوصى أبو الحسن بهذه الوصية.. إلى أن قال: تصدّق موسى بن جعفر بصدقته هذه وهو حي صحيح، صدقة حبساً بتّاً بتلاً مبتوتةً لا رجعة فيها ولا ردّ، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، لا يحلّ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها ولا يبتاعها ولا يهبها ولا ينحلها، ولا يغيّر شيئاً مما وصفته عليها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها …” الحديث(3).
لعلّها أحسن مما ذكره الشيخ في الدلالة، فإنه لم يقل: لا يباع ولا يوهب، بل قال: (لا يحلّ أن يبيعها). فيأتي إلى النظر أنه بعد أن يتمّ الوقف لا يحلّ ذلك.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
() الكافي 7: 39، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 40، تهذيب الأحكام 9: 131، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 5، الاستبصار 4: 97، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 61، الحديث 2، ووسائل الشيعة 19: 186، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 3.
(2) باب 10 من الوقف والصدقات. (المقرِّر).
(3) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إلّا أن يقال: إن قوله: “ولا يغيّر شيئاً مما وصفته” شامل لعدم جواز البيع أيضاً. إذن فدلالتها في الجملة ثابتة. لكن لنا أن نقول: إن الوقف إذا قال جاعله: (بتلاً مبتوتة) أصبح مقطوعاً عن كلّ أحد، لا يجوز بيعه أبداً. وأما لو قال: (أوقفت) واقتصر، فيجوز بيعه. وعلى أيّ حال فلم يرد دليل واضح على اللزوم الشرعي للوقف.
ومع تسليم ما قاله الشيخ لا يتمّ مطلبه؛ لأننا بيّنا أن بين الصدقة والوقف عموماً من وجه، فما لم يقصد القربة من الوقف لا يكون صدقة، فإذا قبلنا أن الوصف وصف معهود ونوعي، فإنما هو وصف للوقف الذي يكون صدقة فلا يباع ولا يوهب، وأما ما لا يكون صدقة فليس كذلك، وأنت تريد تأسيس قاعدة عامة. وأكثر الوقف ليس مقصوداً به القربة، بل الغالب أنه يريد بذلك إعالة أولاده ونحوهم. إذن فهذه الروايات في دلالتها إشكال، وعلى فرض دلالتها فليست عامة لكلّ الأوقاف، بل هي أخصّ من المدّعى.
من الروايات اثنتان تتضمنان صيغة جعل الإمام للوقف، ومنها اثنتان تتضمنان الحكاية عن الجعل. لا بُدّ أن ندقّق فيها حتى نرى ما إذا كانت تفيد القاعدة الكلّية في عدم جواز البيع أو لا.
فالروايتان اللتان تنقلان الجعل:
إحداهما: رواية أيوب بن عطية، وفيها يقول: “بشّر الوارث“، ثُمّ يقول: “هي صدقة بتّة بتلاً في حجيج بيت الله…” وقد سبقت.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وقوله: “لا تباع” لعلّه وصف للصدقة كما احتمله الشيخ(1) في تلك الرواية، إلّا أنه بعيد عن هذه الرواية؛ لأنه قال ذلك بعد قوله: “بتة بتلاء في حجيج بيت الله“، ولو كان صفة لها لكان اللازم مجاورتها كما وقع في تلك الرواية، ولذا خصّ الشيخ تلك الرواية بالذكر لتطبيق هذا الاحتمال، مع أننا لا بُدّ أن نلاحظ كلّ الروايات ومداليها والنسب بينها، ولا يكفي سرد رواية واحدة والأخذ بمدلولها الابتدائي.
الاحتمال الآخر: أنه تابع للجعل، فإن قال: (لا تباع) أو قال: (تباع) اتُّبع قوله؛ لأن الوقوف على ما يقفها أهلها. وليس هذا بياناً للحكم الشرعي.
وورد(2): أنه يجوز للحسن والحسين بيع الوقف في الدين ونحوه. وليس البناء على نقل قصّة، وذكر الحكم الشرعي فيها. وإنما يقال ذلك في الجعل.
الرواية الثانية: رواية عبد الرحمن بن الحجاج، قال: “أوصى أبو الحسن بهذه الصدقة -وقد سبقت-.
وقوله: (ولا يغيّر شيئاً مما شرطته) يعني: ما ذكره من أنه للذكر مثل حظّ الانثيين. ولا يبعد استعمال الشرط في مطلق القرار الشامل للشرط الابتدائي.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 34، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
(2) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وقوله: “حبساً بتاً بتلاً” كما يمكن أن يكون بياناً للحكم الشرعي كذلك يمكن أن يكون بياناً للجعل من قبل الواقف في مقابل إعطاء الإجازة، للبيع عند الاحتياج. وليس لهذه الرواية دلالة في التوصيف أو الإشارة إلى الوقف المعهود شرعاً. ولا أنه يقول: إنه لا يجوز بيع الوقف، وإنما هو تابع لقرار الواقف. فالروايتان المنقول فيهما لفظ جعل الوقف لا تدلّان على المطلوب.
وأما الروايتان الأخريان:
فإحداهما: رواية ربعي بن عبد الله السابقة، ومن المحتمل أنه يذكر نتيجة الوقف لا لفظه، بمعنى أنه وقفه بنحو تكون هذه نتيجته. ومن قال بأن قوله: “لا تباع ولا توهب” وصف لصدقة، لعلّه قال: (تصدّق بها صدقة لا تباع ولا توهب)، ولو كان وصفاً لكان من المحتمل أن يكون منه لا من الشارع. ولا دليل على أنه نقل للوقف المعهود.
والثانية: رواية عجلان أبي صالح، وقد عرفنا عدم دلالتها، فما هو جعل للوقف لا ظهور له، وما هو كتابه بعد الجعل لا يكشف عن ألفاظ الجعل، وإنما يكشف عن نتيجته.
قلنا مراراً أن الجمل الإخبارية التي ترد للبعث والزجر ليس أنها تستعمل في تلك الجملة، وأن قوله: (تعيد صلاتك) معناه أنها استعملت بمعنى: (أعد صلاتك). بل الجملة الإخبارية باقية على إخباريتها، غاية الأمر أن الجدّ تارةً يكون مطابقاً مع الاخبار، وأخرى يجعل الاخبار كناية ونحوه على المراد.
وقوله: “صدقة لا تباع ولا توهب” لا يمكن أن يراد بها الإخبار بذلك؛
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لأن كثيراً من الأوقاف باعها الناس ووهبوها. إذن فهذا إخبار لإفهام مطلب عدم جواز البيع. فسواء جعلتها وصفاً للصدقة كما هو ظاهر الرواية التي ذكرها الشيخ أو لم يجعلها وصفاً، على أيّ حال لا تدلّ على المطلب. فإنها إنما تدلّ على ذلك حين نعلم من ظاهر الكلام أو من الخارج أنه لا يجوز بيعه وهبته شرعاً، وقد ذكره لأنه لازم للوقف. مع احتمال كون ذلك جعلاً من قبل الإمام، وأن هذه الصدقة من تلك الصدقات التي لا تباع ولا توهب. فلا دليل على أنها بيان للحكم الشرعي إن لم ندّعِ الظهور بكونها من الإمام؛ لأن الوقوف على ما يقفها أهلها. إذن فهذه الروايات لا تدلّ على عدم جواز بيع الوقف.
بقيت رواية باب: (6) رواية: (1)، وهو ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن جعفر الرزاز -من مشايخ الكليني ووثّقه البعض(1)-، عن محمد بن عيسى، عن أبي علي بن راشد -كان وكيل ناحية أبي محمد، ومعه يكون مورد الثفة-، قال: “سألت أبا الحسن قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلمّا وفّرت المال خُبّرت الأرض وقف. فقال: لا يجوز شراء الوقوف، ولا تدخل الغل في ملكك، ادفعها إلى من أُوقفت عليه. قلت: لا أعرف لها ربّاً. قال: تصدّق بغلّتها“ (2).
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) وثّقه السيّد الخوئي في معجم رجال الحديث 16: 185، رقم الترجمة 10423.
(2) الكافي 7: 37، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 35، مَن لا يحضره الفقيه 4: 242، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5576، تهذيب الأحكام 9: 130، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 3، الاستبصار 4: 97، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 61، الحديث 1، ووسائل الشيعة 19: 185، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
استدلّوا بكثير من مواضع هذه الرواية:
أحدها: أن الإمام لم يستفصل حول ما أن الوقف هل من القسم الذي اشترط الواقف عدم جواز البيع أو لم يشترط، وهل اختلف الورّاث فيما بينهم أو لم يختلفوا، وهل احتاج الوارث صرفه في دين أو لا؟ فيدلّ عدم الاستفصال على عموم الحكم.
ثانيها: قوله: “لا يجوز شراء الوقوف” والجمع المحلّى بالألف واللام يفيد العموم.
ثالثها: قوله: “لا تدخل الغلّة في ملكك” متقضى إطلاقها أن الوقف مطلق لا يملّك.
رابعها: قوله: “أدفعها إلى من أوقفت عليه“. أيضاً يدلّ بإطلاقه على ذلك.
خامسها: قوله: “تصدّق بغلتها” كذلك لا بُدّ أن نرى أن علي بن راشد ماذا كان في ذهنه؟ هل أنه لم يكن يعلم في زمان الإمام الهادي والعسكري وهو وكيل الناحية أن الوقف لا يجوز بيعه فسأل عن جواز بيعه وعدمه. أو أنه يعلم هذا الحكم، ولكن إذا اشتراه الانسان جاهلاً هل يكون صحيحاً. أو أنه يعلم بعدم جوازه ولكن حيث إنه ابتلي بالمسألة فجاء يسأل عن العلاج بعد أن اشتراها وأخبر عن أنها موقوفة؟ فإن كان لا يعلم أنه غير جائز فالاستدلال
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
صحيح فيما عدا الاشكال الذي سوف أذكره. وكذلك لو كان يسأل عن حكم الشراء من قبل الجاهل أيضاً لا بأس بالاستدلال. وأما إذا كان يسأل بعد الفراغ عن كون الوقف غير جائز عن مورد ابتلائه، فهل ترك الاستفصال يدلّ على العموم حتى لصورة إذن المالك، فلو سأل الراوي: (اشتريت داراً فبانت للغير). فقال: (لا يجوز شراء مال الغير)، فهل ترك الاستفصال يدلّ على العموم بصورة إذن المالك؟ أو هو في الحقيقة يسأل عن علاج لمورد ابتلائه، فيكون كلّ ما يقال تابع لذاك الفرض، فلا يكون له إطلاق كصورة إذن صاحبه؟ وكذلك في المقام هو سؤال عن طريقة العلاج وليس شبهة حكمية.
إذن فقد فرض أنه من الوقف غير الجائز البيع، ومعه لا يكون له إطلاق لغيره من الموارد. فإنه بحال بحيث لو علم لَما اشتراه، فلا يمكن شموله لِما إذا كان بحال بحيث لو علم لاشتراه، وقوله: (بيع الوقف غير جائز) يعني: ما فرضت أنه لو علمت به لَما اشتريته غير جائز، وهذا منه مقدّمة لبيان العلاج، إذن فالرواية لا تدلّ على عدم جواز البيع مطلقاً.
هذا بالنسبة إلى الهيكل العامّ للرواية. وأما خصوصياتها: فالغلّة هي نماء الملك، فهل كان الزرع له أو للبائع؟ ولو كان له فكيف يقول الإمام: “ولا تدخل الغلّة في ملكك“؟ ولماذا لم يستفصل الإمام عن ذلك؟ ألَا تفهمون أن الإمام كان يعلم بهذه القصّة الشخصية؟ ولو كان لا يعلم للزم الاستفصال. والغلّة وان استعملت في الأرض في بعض الروايات(1) كقوله:
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) راجع بعض الروايات الواردة في الوسائل 19: 190، الوقوف والصدقات، الباب 6، وغيره.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
(وقف غلّة)، لكن هنا قرينة على إرادة الناتج من الأرض وهو الأمر بالتصدق، وعلى أيّ حال فهذا يشكّل وهناً في دلالة الرواية.
على أنه هل يدلّ قوله: “لا يجوز شراء الوقوف” على العموم، فيكون قوله: (لا تكرم العلماء) و(لا تكرم كلّ العلماء) على حدّ واحد؟ فلو قال: (لا يجوز شراء كلّ وقف) فهل نفهم منها القضيّة السالبة الكلّية أو السالبة الجزئية، ويكون الظهور منعقداً على ذلك؟ لا شكّ أن الثاني هو الصحيح، فهل الألف واللام كـ(كلّ). وقوله: (لا تكرم العلماء) مثل (لا تكرم كلّ العلماء)، وقوله: “لا يجوز شراء الوقوف” مثل (لا يجوز شراء كلّ وقف)؟ قد يقال باستفادة السالبة الجزئية منه، وحينئذٍ لا يتمّ الاستدلال.
العامّ له دلالة لفظية على العموم. ومعه لا ينبغي أن نسأل أن المولى في مقام البيان أو لا. وإنما يقال ذلك في باب الإطلاق؛ لأن بابه ليس باب دلالة الألفاظ، وإنما هو دلالة فعل المولى أو المتكلّم، حيث إنه ذكر الماهيّة موضوعاً للحكم، ولم يقيّدها، ولو كان قاصداً للقيد لَما كان اللازم أن يجعلها وحدها موضوعاً بل يقيّدها. ولذا قلنا: إن الإطلاق ذكره في مباحث الألفاظ غير خالٍ من الإشكال؛ لعدم ربطها بباب الألفاظ.
فلو شككنا في فرد أنه داخل في الموضوع أو لا، كان لنا أن نتمسّك بالعموم. وأما إذا كان المشكوك حالاً من حالات الفرد فإنه لا يمكن التمسّك بالعموم، فإنه ليس مشمولاً له أساساً. بل نحتاج إلى مقدّمات الإطلاق، فإذا
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كان في مقام البيان ولم يقيّد بحال أو بزمان اقتضى ذلك الإطلاق رفع الشكّ. ولا ينبغي الخلط بين العموم الوضعي والاطلاق الأحوالي كما حصل من أعاظم أهل الفن كالشيخ الأعظم(1) والمرحوم النائيني(2) وشيخنا(3)، حيث قالوا: إن الفرق بين العموم والاطلاق هو أن العموم يستفاد منه العموم قبل جريان مقدّمات الحكمة، والإطلاق يستفاد منها العموم بعدها. مع أنه لا يستفاد من المطلق بعد جريانها أن كلّ بيع نافذ، بل يستفاد منه أن نفس الطبيعة تمام الموضوع للحكم.
فإذا شككنا أن الوقف يجوز بيعه أو لا في حال الحاجة إليه، أو الخلاف بين أربابه. فإذا ورد: (لا يجوز بيع الوقف) لا يمكن أن نتمسّك به، سواء كان في مقام البيان أو لم يكن؛ لأنه شامل للأفراد دون الأحوال، ويكون ذلك استثناء من الإطلاق لا من العموم. فيقع الكلام في أنه هل كان الإمام في مقام بيان الإطلاق الأحوالي في رواية علي بن راشد؛ ليمكن أن نتمسّك بها في الموارد التي استدلّوا بها والأحوال التي ذكروها، أو لا يمكن؟
كلّ الصور والموارد التي ذكرها الشيخ، ووقع الخلاف فيها بين الأصحاب بين مجيز ومانع، ليس راجعاً إلى بيع الوقف بشكل مطلق، بل راجع إلى عروض العوارض لقلّة المنفعة أو طرو الاحتياج أو الاضطرار أو الاختلاف بين
ــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) اُنظر: مطارح الأنظار (ط. ج) 2: 257، هداية في أنَّ تقييد المطلق لا يوجب مجازيّته.
(2) اُنظر: فوائد الأُصول (للنائيني) 2: 511، المقصد الرابع، الأمر الأوّل.
(3) اُنظر: درر الفوائد (ط. ق) 1: 178، المقصد الخامس.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الموقوف عليهم، أو شرط الواقف جواز البيع عند حاجة ورثته أو الموقوف عليهم. فالاستدلال بعموم الرواية لا يكون تامّاً، ولكن إذا كان لهذه الرواية إطلاق وكان المولى في مقام البيان نفهم من ترك الاستفصال الإطلاق. وأما إطلاقات الذيل في قوله: “لا تدخل الغلّة في ملكك” وما بعدها فهي تابعة لاطلاق الصدر، وليس لها إطلاق مستقلّ وإن كان حالها لو وردت وحدها لكانت كذلك.
وفي (مرآة العقول)(1) تختلف الرواية عن نسخة (الوسائل)(2) في ثلاث مناطق:
1- وفّرت ووفّيت.
2- وقوف ووقف.
3- في ملكك وفي مالك.
ونحن نتكلّم على نسخة: (الوقوف)؛ باعتباره جمعاً محلّى باللام، إذا قلنا: إنه ليس كـ(كل)، وإنه يستفاد منه السالبة الكلّية، لكنّه لا يكون رافعاً لهذه الشكوك، فإنها ليست استثناء من العموم، بل هو على تقديره استثناء من إطلاق العبارة.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) اُنظر: مرآة العقول 23: 63، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 35.
(2) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فهل كان الإمام في مقام البيان أو لا؟ لا بُدّ أن نذكر احتمالات الرواية، وأنه على أيّها يكون في مقام البيان، وأنه ما هو الصحيح منها؟
الاحتمال الأوّل: أن السائل كان يسأل عن حكم بيع الوقف. وهذا غير محتمل باعتبار عصر الصدور، وحال السائل، وكونه وكيل الناحية، فإن هذا الحكم كان يومئذٍ من واضحات الإسلام، فكيف يخفى على مثله؟!
الاحتمال الثاني: أنه يسأل عن الحكم حال الجهل. وهذا أيضاً بعيد عن شخص بمثل منزلته وقربه من الأئمة.
الاحتمال الثالث: أنه كان عالماً بعدم الجواز، إلّا أن عبارته كانت ظاهرة بكونه جاهلاً بالحكم، ومن هنا أجابه بالقاعدة العامة بعدم الجواز. إلّا أن هذا غير محتمل؛ لأن العبارة ظاهرة بكونه عالماً بالحكم، وأنه لو كان يعلم أنها وقف لَما اشتراها ولا سلّم ثمنها. ولا يحتمل أن الإمام فهم غير ما هو الظاهر.
الاحتمال الرابع: أنه يسأل عن حكم واقعة معينة ابتلى بها بحسب الخارج، ويريد أن يعرف تكليفه ووظيفته بعد انكشاف حال الأرض. فذكر له الإمام القاعدة العامة المطلقة استطراقاً لبيان تكليفه. إلّا أن هذا غير محتمل باعتبار القرائن التي سوف نذكرها في الاحتمال الآتي.
الاحتمال الخامس: وهو واقع القضيّة بحسب ما يبدو للنظر، وهو أن السائل يسأل عن وظيفته الفعلية عالماً بالحكم، ولذا لم يكن من المناسب ذكر الحكم المعلوم لديه، وإنما ذكر ذلك مقدّمة لتعيين وظيفته، يعني: أن الوقف في المورد الذي تسأل عنه لا يجوز بيعه ولا تملك الغلّة…
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كما لو سأله شخص فقال: (اشتريت داراً ودفعت ثمنها، ثُمّ بانت أنها دار الغير). فقال: (لا يجوز شراء مال الغير). فإنه لا يكون في مقام بيان هذا الحكم؛ لأن السائل عالم به، وإنما يذكره مقدّمة لتعيين التكليف، ومعه فتكون هذه العبارة حجّة بعمومها الأفرادي؛ لأنه لا يحتاج إلى أن يكون في مقام البيان. وأما الإطلاق فلا يكون موجوداً، ويكفي الشكّ في ذلك إذ لا بُدّ من إحراز كونه في مقام البيان لانعقاد الإطلاق، فما هو ظاهر العبارة لا يحتاج إلى أن يكون في مقام البيان، وما يحتاج فيه إلى ذلك ليس هو ظاهر العبارة.
بقيت هناك خصوصيات في الرواية قد توجب وهناً في دلالتها، لا بُدّ من النظر إليها وتمحيصها.
القواعد الفقهية التي تعطى من قبل الأئمة سواء كانت بالعموم أو الإطلاق:
تارةً: كان الراوي يسأل الإمام لأجل كتاب الكتاب من دون أن تكون المسألة محلّ ابتلائه، وإن كان تعرض على شكل المسألة الشخصية، فيقول: (أصاب ثوبي دم رعاف)، وهو لم يصبه، وإنما يريد به التفريع الفقهي. فكان الأئمة يعطون القواعد العامة للرواة حتى تصل للناس. وفي مثل ذلك لا بأس من التمسّك بعموم وإطلاق الروايات.
وأخرى: تكون الموارد شخصية جزئية ويمكن أن يستفاد منها العموم، أو الإطلاق القابلين للتقييد والاستثناء، وذلك فيما إذا كان إلقاء القاعدة لا يوقع المكلّف في خلاف الواقع كقوله: (هذا ونحوه يعرف من كتاب الله: وَمَا
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (1).
وثالثة: تكون القضيّة جزئية، ولكنّها ذات وجوه، بحيث لو ألقى الإمام القاعدة العامة لوقع السائل في خلاف الواقع، أو كان يحتمل فيه ذلك.
فهنا لا يمكن إلقاء القاعدة، بل لا بُدّ من أن يستفصل عن الخصوصيات، ومقامنا في رواية أبي علي بن راشد فلا يمكن التمسّك باطلاقها. نعم، يبقى عموم قوله: “لا يجوز بيع الوقف” صحيحاً، ولم يستثنى منه ولا مصداق واحد. وإنما كلّ الاستثناءات التي ذكروها هي حول حالات الوقف، فتكون استثناء من الإطلاق. فلو لم تكن هذه الاستثناءات موجودة لما كان هناك مانع من الإطلاق، ولكن بحسب النصّ والفتوى يجوز بيع الوقف كحالة الاختلاف الشديد والخراب، فلا يكون الإطلاق جدياً، ويكون موجباً لوقوع السائل في خلاف الواقع.
وبعبارة أخرى: إن ترك الاستفصال لا يدلّ دائماً على الإطلاق، كما لو كان المورد محلّ الابتلاء للسائل، فحيث إنه لم يستفصل نعلم منه أنه كان يعلم بالمورد، ولا يمكن أن نفهم الإطلاق من ترك الاستفصال حتى ترد عليه المقيّدات، فإنه لا يجوز إلقاء السائل بخلاف الواقع وإغرائه بالجهل. فهنا كيف يقول الإمام: (البيع باطل)، بل أن يسأل عما إذا كان البيع وقع على الوجه
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 33، كتاب الطهارة، باب الجبائر والقروح والجراحات، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 363، كتاب الطهارة، الباب 16، الحديث 27، ووسائل الشيعة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الطهارة، الباب 39، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الصحيح أو الباطل؟ وحيث لم يستفصل يدلّ على أن الإمام كان معهوداً بالواقعة، وخاصّة وأن ابن راشد كان من وكلاء الناحية ومن خاصّة الأئمة. وإذا كانت المسألة معهودة فليس فيها إطلاق.
الآن نرى اختلاف النسخ في نقل هذه الرواية، فإنها وردت في (التهذيب)(1) هكذا: “اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلمّا وفّرت المال خُبّرت أن الأض وقف. فقال: لا يجوز شراء الوقوف، ولا تدخل الغلّة في ملكك، ادفعها إلى من أوقفت عليه. قلت: لا أعرف لها ربّاً. فقال: تصدق بغلتها“. (ص130، ج9). ووردت في (الفقيه)(2) باختلاف، فورد: “إلى جنبي” بدل “جنب ضيعتي“، و”بألف درهم” بدل “الألفين“. و”لا يجوز شراء الوقف” لا “الوقوف“(3)– أقول: لم نجدها في (الفقيه)-. وفي (الوسائل) هنا: “الوقوف” وفي كتاب البيع: “الوقف“.
وقوله: “تدخل” مردّد بين الثلاثي والرباعي، كما أن (الغلّة) مردّد معناها بين أن يكون المراد بها الأرض نفسها أو غلّتها ونتاجها. فعلى نسخة (التهذيب) وإن كان الأرجح أن يكون الفعل رباعياً إلا أنه يحتمل أن يراد بالغلة الأرض، يعني: (أن الأرض لا تدخل في ملكك)، بل يجب دفعها إلى الموقف عليهم، وحين قال: (لا أعرفهم). قال: “تصدق بغلّتها” وهو نتاجها مع حفظ الأرض عنده. وعلى رواية (الفقيه) يحتمل أن يراد بالغلّة نتاج الأرض، ويكون الفعل
ــــــــــ[219]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 9: 130، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 3.
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 242، باب الوقوف والصدقة والنحل، الحديث 5576.
(3) و”مالك” بدل “ملكك“. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
رباعياً، يعني لا تخلط نتاج الأرض بمالك، وما يخلط هو النتاج لا الأرض نفسها، ولمّا قال: (لا أعرف الموقوف عليهم). قال: (تصدّق به) يعني: بهذا الذي قلت لك لا تخلطه بمالك.
وعلى أيّ حال فقد قال ذلك بدون استفصال إذن فكان يعلم بالمطلب، فلا يكون لها الإطلاق. ومنشأ الغفلة هو أنهم تمسّكوا بالعموم مع أنه مورد التمسّك بالإطلاق. وهذا وارد في لفظ: (الوقوف)، فضلاً عن: (الوقف) الذي هو إطلاق من أوّل الأمر. على أنه لا يُعلم أنه كان في مقام البيان ولا بُدّ أن يحرز ذلك لإحراز الإطلاق.
يبقى الكلام عن الحقوق الثلاثة ومانعيتها عن بيع الوقف، وهي حقّ الله وحق الموقوف عليهم وحق الواقف.
الشيخ(1) يستفيد من الروايات التي سبق أن تمسّك بها في العين الموقوفة، ثلاثة حقوق متعلّقة بها:حق الله وحق الواقف وحق الموقوف عليهم.؛ لأن الواقف أوقفها ابتغاء وجه الله على البطون، فأصبح فيها حقّ إلهي وحق للواقف في أن ينتفع منها بالثواب وحق للبطون في أن ينتفعوا من فوائدها.
أما أنه هل يستفاد ذلك من الروايات أو لا. فهذا غير مهم. وإنما المهمّ أن نفهم تقريبات هذه الحقوق.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 35-36، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فما هو تقريب أن لله حقّ في ذلك، يمكن أن يتصور لذلك وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن تقاس العين الموقوفة بالمسجد ونحوه. فمثلاً مقام إبراهيم لماذا لا يجوز بيعه، لا لحقّ للمسلمين فيه فإنه ليس للمسلمين فيه حقّ بلا إشكال وكذلك كلّ مسجد فإنه تحرير وفك ملك. بل باعتبار كونه مشعراً إلهياً ومشاعر الله لا يمكن أن يتصرّف فيها أحد أو يقال في المسجد؛ لأنه بيت الله لا يعني الملكية بل بمعنى أنه حين
يصير مسجداً يكون لله حقّ في أن يعبد في هذه البقعة ويكون للمسلمين حقّ في أن يعبدوا الله فيه.
فيقال في العين الموقوفة: أن الصدقات التي حدثت ابتغاء وجه الله تعالى حيث إنها كذلك فلا بُدّ أن تبقى جارية ابتغاء وجهه عز وجل. فإنها كما كانت صدقة بوجودها الحدوثي كذلك لا بُدّ أن تبقى صدقة بوجودها البقائي. ومعه فلا يمكن إزالتها تحفظاً على حقّ الله فيه.
الوجه الثاني: أن الله تعالى يأخذ الصدقات(1)، فالصدقات لله عزّ وجلّ، إذ لو لم تكن له فلماذا يأخذها؟! وفي الروايات(2) استحباب أن يقبل الإنسان يده
ــــــــــ[221]ــــــــــ
() إشارةٌ إلى قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ (التوبة: 104).
(2) راجع بعض الروايات الواردة في وسائل الشيعة 9: 439، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 29، باب استحباب تقبيل الإنسان يده بعد الصدقة وتقبيل ما تصدّق به.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
عند دفع الصدقة؛ لأن الصدقة تصل إلى يد الله عز وجل ثُمّ إلى يد المتصدق عليه. فكأن يده تكتسب بركة بذلك وتمسّكوا في الروايات بهذه الآية: وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ(1). فنقول: إن الصدقات إذا أخذها الله بوجودها الحدوثي فقط فإنه يحوّلها إلى المتصدق عليه. ولكن الوقف صدقة بوجوده الحدوثي والبقائي معاً، فيجب أن تبقى بيد الله بوجودها البقائي. وهذا ليس ملكاً بل حقّ أن تبقى في يد الله عز وجل.
الوجه الثالث: رواية الحكم قال(2): “قلت لأبي عبد الله إن والدي تصدق عليّ بدار ثُمّ بدا له أن يرجع فيها وإن قضاتنا يقضون لي بها. فقال: نِعْم ما قضت به قضاتكم وبئسما صنع والدك، إنما الصدقة لله عز وجل فما جُعل لله فلا رجعة له فيه. فإن أنت خاصمته فلا ترفع عليه صوتك وإن رفع صوته فأخفض صوتك”(3).
والرجوع وإن كان هنا للواقف لكنّنا نقول: إنما كان بوجوده الحدوثي صدقة فيجب أن لا يختل وجوده الحدوثي، واختلال ذلك يكون راجعاً إلى المالك باسترجاعها، ولكن يملكها الـمُتصدّق عليه لأنها بوجودها البقائي ليست صدقة كالزكاة مثلاً فإنها لا يمكن للمالك استرجاعها ولكن للفقير أن
ــــــــــ[222]ــــــــــ
() التوبة: 104.
(2) باب (11) رواية (1). (المقرِّر).
(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 247، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5587، ووسائل الشيعة 19: 204، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 11، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يتصرّف فيها. وأما إذا كان الشيء صدقة بوجوده الحدوثي والبقائي معاً، فكما أن المالك لا يمكن له الرجوع بالوجود الحدوثي كذلك لا يمكن الإخلال بالوجود البقائي من قبل الآخرين كالموقوف عليهم.
إلا أن هذه المطالب أقرب إلى المطالب العرفانية منها إلى الفقه.
أما الوجه الأول: في باب المشاعر والمساجد فلا إشكال في حرمة بيعها وضعاً وتكليفاً. إلّا أنه لم يثبت أنه بمعنى حقّ لله عز وجل في ذلك. بل غايته أنها لا تباع بحكم الله عز وجل.
وليس حقّاً للمسلمين بحيث يكون قابلاً للإسقاط. وما نحن فيه يفرق عن ذلك؛ لأن ذلك معدّ لعبادة الله فقد يقال: إن من حقّ الله أن يعبد فيه. وأما في الصدقة والوقف فالله يعطي الثواب عليه. وإعطاء الثواب إن كان حقّاً فهو بالنسبة إلى الواقف على ما سنتكلّم عنه وأما أن يقال بأن من حقّ الله إعطاء الثواب عليه، فهذا ليس حقاً. وعلى فرض تسليمه فالقضية لا كلّية لها؛ لأن بعض الوقف صدقة ولا يكون من العبادات دائماً.
وأما الوجه الثاني: فمعنى أن الله يأخذ الصدقات فهو فوق إدراكنا وفوق باب الفقه ولا يمكن استنباط المطالب الفقهية من مثل هذه المعاني الدقيقة. ولو سلّمناه فلماذا يكتسب الله تعالى حقّاً فيما يأخذه، بحيث لا يرفع اليد عنه إلّا بدليل؟!
وأما الوجه الثالث: فالرواية تقول: الصدقات لله. فهل تريد بذلك أن تقول أنها ملك لله عز وجل بحيث إذا قال هذا صدقة لفلان لله عز وجل يعني
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ملك فلان وملك لله عز وجل. أو أن هذه اللام في الحقيقة لأجل أنه تصدق به من أجل الله وتقرّباً إلى الله وابتغاءً لوجهه. وليس ذلك إلّا أنه يعطيني ثواباً. ولم أعطه لله لكي اكتسب منه حقاً، ولم يقم دليل تعبدي على أن ما دفع لأجل الله يكون لله حقّ فيه. فإن هذا يحتاج ثبوته إلى دليل. إذن فحق الله ليس له مضمون مفهوم.
قيل(1) إن من موانع بيع العين الموقوفة تعلّق حقّ الواقف بها، فلا يمكن لذلك للموقوف عليهم بيعه. وفي تقريب ذلك -بعد خروجها عن ملك الواقف بلا إشكال- هو أنها وإن لم تكن ملكه إلّا أنها كالعين المستأجرة، فكما أن المستأجر ليس مالكاً للعين إلّا أنه له حقّ استيفاء المنافع منها، كذلك الواقف له حقّ استيفاء المنفعة الأخروية من العين.
وبعبارة أخرى: أن العين الموقوفة للموقوف عليهم ومنافع للواقف فبما أنها تنفع الموقوف عليهم يكون لهم فيها حقّ استيفاء المنافع، وبما أنها تنفع الواقف يكون له فيها حقّ استيفاء المنافع. ولا فرق في المنافع بين الدنيوية والأخروية في لزوم الاستيفاء.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 35، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، وحاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 171، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الثاني، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 80، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
نقول -أولاً- إجمالاً: إن غاية ما يثبت بهذا الوجه هو أن بيع الوقف موقوف على إجازة الواقف. فإنه إذا كان ذا الحق، فذو الحقّ إذا أجاز كان البيع صحيحاً، فيكون الدليل أخصّ من المدعى وهو عدم جواز بيع الوقف مطلقاً. على أن هذا خاص بباب المثوبات، أما إذا لم يقصد الواقف القربة بل وقف على أولاده فلا يحصل ثواب لا على أصل الوقف ولا على بقائه ولا يسمى هذا صدقة جارية، أو إذا انقطعت منافع الوقف بنحو لا يرجى عوده فلا بُدّ أن يقال: بأن البيع صحيح. فهذا إجمال المطلب.
وأما أصل ثبوت حقّ الواقف فنقول: إن الواقف حين يقف العين يعطيه الله تعالى ثواباً على أصل الوقف وهذا لا يزيد إلى آخر الدهر. ويعطيه ثواباً ثانياً حين يستفيد الناس من العين الموقوفة. فهنا كلامان: أحدهما: أن إعطاء الثواب هل هو حقّ يجب أن يستوفيه الواقف من الله تعالى أو لا؟
ونحن في أحسن العبادات وأكثرها خشوعاً وعدداً لا نسلم وجود الاستحقاق بعد أن كان التعبّد بالقوّة والظروف التي وفّرها الله عز وجل للمكلف. فإذا لم يكن الثواب مسلّماً عن سببه المباشر فكيف بالسبب غير المباشر، فلو بنى مسجداً كان له ثواب أصل البناء مباشرة، وثواب آخر حين يصلي المسلمون فيه، وهذا غير مربوط بعمل الواقف، وإنما هو ثواب تفضلي، فلا يكون الثواب متعلقاً للحق.
مضافاً إلى أن استفادة الواقف ليست استفادة مستقيمة، فإنه قد يكون للعين نحوين من المنافع: صورية ومعنوية وكلّ قسم منها لشخص، والمنافع
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الصورية كالسكنى والثمار هي منافع قائمة بهذه العين فيكون له حقّ استيفائها فأفرضوا أنها يجب أن تبقى مما ينتفع بها. وأما ثواب الله تعالى فليس من قبيل المنفعة القائمة بالعين وثمراتها. حتى يكون له حقّ استيفاء المنافع من العين.
وأما حل أصل المطلب فهو: إن المنافع التي يستوفيها الواقف في طول المنافع التي يستوفيها الموقوف عليهم، كما لو نذر شخص أنه كلما انتفعت من هذه الدار أعطيت بعضها لفلان. فالدار والمنفعة لمالكها، وفي طول المنفعة يجب عليه الإعطاء لفلان. فإذا كان لذاك حقّ فهو حقّ إعطائه، ولا يجب عليه أن يأمر بإيجاد المنفعة؛ لأن القضيّة لا تنقح موضوعها. وهنا يختلف الحال في المقام عن ذلك فإن المنافع الحاصلة من العين للموقوف عليهم باعتبار قرار الواقف، والثواب على أصل الوقف أعطاه الله وانتهى.
وأما الثواب الذي يعطيه على بقاء العين، فهو إنما يكون فيما إذا انتفع منه الموقوف عليهم فإن الله تعالى وعد بإعطاء الثواب بذلك. ويستحيل أن يكون لهذا الثواب مساس بالعين؛ لأنه مترتب على العين بواسطتين، وهو لا يستطيع حفظ موضوعه لا العين ولا إدرار المنافع على الموقوف عليهم؛ لأن الثواب فرع انحفاظه، فلو كان هناك حقّ فهو حقّ غير مربوط بالعين أصلاً.
وأما ما قاله بعضهم(1) من أنه لا يكون دليلاً على عدم جواز البيع لإمكان أن يبيعها مسلوبة المنفعة إلى الأخير، ثُمّ يقول: إلّا أنه بيع ما لا مالية له وهو
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 80، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
باطل. وهذا عجيب فإن بيع ما لا منفعة له ليس بيعاً عقلائياً فإن الأمر دائر بين بيعها بمنافعها أو بقاء العين على حالها تدر المنافع على الموقوف عليهم، وحيث لم يجز الأوّل يتعيّن الثاني، وأما بيعها مسلوبة المنفعة فماهية البيع غير حاصلة فيكون بطلان البيع في نفسه دليلاً على عدم الجواز.
يبقى حقّ البطون اللاحقة الذي هو المهمّ: وهذا يكون على فروض فإننا تارةً نفرض أن باب الوقف تمليك العين على الموقوف عليهم، وأخرى نتكلّم بناءً على أنه ليس تمليكاً كالذي اخترناه. وعلى الثاني تتصور على شكلين: مرّة يكون إيقافاً لانتفاع الموقوف عليهم لا تمليكاً للمنافع لأحد وأخرى يكون تمليكاً للمنافع يتصرّفون فيها ما يشاءون.
وكلام آخر يظهر من ذلك: أن الواقف يملّك جميع البطون في عرض واحد أو يملّك لهم وبنحو تقطيع الملكية على حصص الزمان فهو ملك في هذا الزمان لهذه الطبقة وبعد انقراضها تكون للطبقة الثانية وهكذا فهو تمليك تقطيعي. وهذا في البيع يكون باطلاً: أن يقول هذا ملك زيد إلى سنة ثُمّ هو ملك عمرو وهكذا ولكنّه في الإجارة صحيح فيقال نحوه في الوقف فيكون تمليكاً طولياً لكل طبقة حال وجودها. وإذا كان التمليك عرضياً للعين فقد يكون تمليك المنفعة عرضياً أيضاً وقد يكون تقطيعياً على الوجه الثاني، وكذلك الكلام في الانتفاع. وهناك كلام آخر هو أن الوقف على البطون هل هو وقف على العنوان أو على الأشخاص.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إثبات أن حقّ الموقوف عليهم مانع عن البيع يحتاج إلى أمرين:
الأمر الأوّل: أن حقّ البطون اللاحقة متعلّق بهذه العين فعلاً.
الثاني: أن هذا الحقّ يكون مانعاً عن البيع. فلا بُدّ من البحث في كلا الأمرين.
ومما قيل من موانع البيع هو تعلّق حقّ البطون اللاحقة: مرّة نفرض أن حقّ البطون اللاحقة متعلّقة بالعين لنرى أنه هل يكون مانعاً عن البيع أو لا فيكون البيع بالنحو الذي لا يمنع عن حقّهم جائزاً. كما لو باع واشترط الانفساخ بعد انقراض هذه الطبقة وفرضنا صحّة شرط النتيجة، فهل يكون حقّ أولئك مانعاً عن مثل هذا البيع أو لا؟ فإذا كان المانع هو استيفاء البطون المنفعة فهو لا يكفي للمانعية؛ لأن البيع ينفسخ ويعود إليهم. فلا يدلّ ذلك على عدم الجواز مطلقاً. إلّا إذا تصورنا بعض التصورات في الوقف:
1- منها: أن نتصور أن الوقف تمليك للعين الموقوفة لتمام الطبقات بالفعل، فإذا قبل شخص من الطبقة الأولى كان ذلك كافياً في تحقّق ذلك ويكون تمليكاً لأشخاصهم لا للعناوين. غاية الأمر أن المنافع تدر على كلّ طبقة حال وجودها. وأما تمليك المنفعة فعلاً للبطون فهو وقف باطل؛ لأنه ينتج عدم جواز تصرف أي طبقة فيه؛ لأنه مال مشترك حينئذ وحصته مجهولة.
إذا صحّ ذلك، فليس البيع باطلاً باعتبار أنه مفوت لحقوق الآخرين، بل باعتبار أنهم ليسوا مالكين وحدهم، بل لهم شركاء هم البطون الآتية، فإذا
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أرادت هذه الطبقة بيع حصتها فهي مجهولة والبيع باطل.
2- منها: أن نتصور أن الوقف تمليك على الطبقات طبقة بعد طبقة، وقلنا: إن هذا في البيع غير جائز ولكن يقولون إن الإجارة تمليك محدود وكذلك تمليك الطبقة ملكية محدودة وكذلك الطبقة التي بعدها وهكذا. و(الوقوف على ما يوقفها أهلها) فلو وقفها على هذا النسق يكون صحيحاً.
إذن فهذه العين ملك للطبقة الموجودة ملكاً محدوداً ومعه لا يستطيع أن يملك تمليكاً مرسلاً ولكن يمكن التمليك المحدود، فلو كان البيع المحدود غير عقلائي، فلينقل بناقل آخر محدود كالصلح، وكلامنا أعمّ منه.
3- منها: إن نقول أن الوقف ليس تمليكاً -على ما هو الصحيح- بل هو إيقاف لدر المنفعة، فهذا له عدًة تصورات: أما أن وقفه على الموجود والمعدوم بالفعل، ولكن المنفعة محدودة طبقةً بعد طبقة، حينئذ فهل هذا الإيقاف يكون مانعاً عن البيع؟
أحد الإشكالات في ذلك: أنكم لستم مالكين. وهذا هو الإشكال الذي نجزم به في المنع عن البيع. ولو أعرضنا عن ذلك فجاز بيعه لجهة من الجهات فمجرد الإيقاف على الطبقات هل يُوجِد حقّاً فعلياً للطبقات الآتية، أو للطبقة الفعلية فحسب. فإن كان للطبقات حقّ فعليّ في استيفاء المنفعة كلٌّ في محلّه فهذا يكون مانعاً عن البيع المطلق المرسل؛ لأن الحقّ فعلي وإن كان الاستيفاء متأخراً فلا بُدّ من إبقاء العين لإمكان الاستيفاء.
وأما إذا قلنا: بإن الإيقاف طبقة بعد طبقة أيضاً، لا أنه وقف على الموجود
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
والمعدوم، فالإيقاف إيقاف محدود، فالطبقة المتأخّرة حتى لو كانت موجودة فهي ليست موقوفاً عليها، وإنما هو إنشاء الوقف وليس له فعلية، فليس لهم حقّ في العين. فهل هذا الحقّ غير الفعلي -بمعنى أن هذا المال لو بقي لكان وقفاً عليهم- يمنع عن البيع أو يكون البيع -في الحقيقة- رافعاً لموضوع الحق، كما لو كان يستطيع أن يحول دون وجود الموقوف عليهم فلا يتزوج.
وأما إذا قلنا: إن الوقف ليس على الأفراد، بل على العناوين، فإننا بعد أن نبرهن على أن المعدوم لا يكون مالكاً ولا ذا حقّ ولا يشار إليه، ينحصر أن يكون الحكم على العنوان. وما يقال: (وقفت على أولادي وذرياتهم) إنما هو وقف على العنوان لا على الواقع، وكلّ طبقة توجد فإنها تتصرف باعتبار انطباق العنوان عليها. فكما قلنا: إن الوقف العام تمليك أو إيقاف على الجهة كذلك في الوقف الخاصّ تمليك أو إيقاف على العناوين. نظير تمليك الزكاة للفقراء والخمس للسادة فالشخص ليس له حقّ وماله حقّ ليس هو الشخص بل هو العنوان. ومعه فالطبقة الموجودة لا تستطيع أن تبيع لأنها ليست مالكة للعين، لا لمانع عن ذلك كالفقير لا يستطيع بيع الزكاة أو المصالحة عليها قبل قبضها، إلّا أن يقال إن الجهة تصلح أن تكون مانعة عن البيع(1).
4- منها: أن تكون العين فعلاً كلّها ملكاً للطبقة الأولى وكلّها ملك للطبقة الثانية وهكذا.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
() وحين بدأ السيد بالكلام عن الأمر الأوّل عدّد أقسام تصوّر الملك والحقّ كما سبق، وأضاف إليها بعض التصورات الأخرى. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
5- منها: أن يكون الملك بنحو الشركة فعلاً.
6- منها: أن يكون الملك لهذه الطبقة بالفعل ولكل طبقة بعدها عند وجودها.
وعلى أيّ حال فيقال بأن للموقوف عليهم حقّ فعلي في أن تبقى العين محفوظة، حتى تدخل في ملكهم عند وجودهم. كما لو قال الموصي: (هذه العين بعد عام من وفاتي لفلان)، بنحو النتيجة؛ فإنه يكتسب حقّاً في أن تبقى حتى يملكها وإن لم يملكها بعد الوفاة مباشرة. ثُمّ ذكر الوجوه المبنية على إنكار الملك، وأن حقّ الموقوف عليهم يكون فعلياً؛ لأنه ليس كالإرث، فإن الإرث متوقّف على عنوان ما ترك، فله رفع الموضوع وليس للورثة المناقشة، وأما العين الموقوفة فللبطون اللاحقة حقّ بالفعل مانع عن رفعها موضوعاً.
فهل الحقّ الفعلي للبطون اللاحقة أو ملكيتها متصوّر أو لا؟ بحيث إن المعدوم الذي لا تحقّق له ولا امتياز وهو باطل محض يكون مالكاً وذا حقّ. يمكن أن يبيّن إمكانه ببيانين:
أحدهما: أن الحقّ والملكية من الأمور الاعتبارية، وليست من الأمور الواقعية. فإذا كان المراد اتّصاف المعدوم بشيء كان محالاً؛ لأن إثبات شيء لشيء فرع وجود المثبت له. وأما إذا كان أمراً اعتبارياً فلا مانع من أن نثبت الملكية والمالكية للأعدام. إلّا أن هذا لا يتمّ؛ لأنه من الإثبات الحقيقي للأمر الاعتباري، وليس إثباتاً اعتبارياً. فيقال: (زيد مالك). لا أننا نعتبر الملكية وإن
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لم يكن مالكاً. فإذا كانت الملكية والمالكية اعتبارية وإن لم يكن مالكاً فلا بُدّ من نفي الملكية في الموجودين أيضاً.
وأما إذا قلت: إن المعدوم يملك كالموجود، بحيث يكون الإثبات حقيقياً لا اعتبارياً، فهو أمر إثباتي يتفرّع على وجود المثبت له، ولا يتصوّر ثبوته للمعدوم.
وأما مفهوم المعدوم فهو لا يمكن أن يكون كاشفاً عن الواقع، ولا يمكن أن تتّصف الطبقة المتأخّرة في كونها كاشفة والعنوان منكشفاً. إذن فالطبقات الأخرى ليس لهم حقّ أو ملك فعلي.
البيان الثاني: أن القضايا الحقيقية: كـ(كلّ نار حارة)، لا يراد بها أن تكون مقصورة على الأفراد الموجودة، وإلّا لم تكن قضيّة حقيقية. فإذا لم تكن هكذا فلا بُدّ أن تكون مشمولة للأعدام. وخصوصاً على ما هو الصحيح من كونها قضيّة بتيّة لا شرطية.
فإنه قد يقال: إن المطلب لا يمكن إثباته للأعدام فجعلوها شرطية، بمعنى: (إذا وجد لكان حاراً). وأما إذا قلنا: إنها بتيّة، فلا بُدّ أن يكون ثابتاً لكلّ الأفراد المعدوم منها والموجود. فيكتشف من ذلك أنه يمكن الحكم على المعدوم.
نقول: ليس لازمه ذلك، فإن قوله: (كلّ نار حارة) إخبار عن النار، والمعدوم ليس ناراً حتى لو قلنا: (كلّ فرد من النار حارة)، فإن المعدوم ليس فرداً. فإن النار لا تكون ناراً إلّا بوجودها بالحمل الشايع. فالحقيقية قضيّة بتيّة
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ليست بشرطية. لكنّها ورادة على عنوانٍ يكون الموجود فقط مصداقاً له. والنار المعدومة ليست ناراً. على أن المسألة لا تنتج من مثل هذا الكلام، فإن إسناد شيء من الأعدام ضروري البطلان، ولو توصّلنا إليه ببرهان فاعلموا أنه مغالطة وليس برهاناً. إذن فالذرّية المعدومة ليست ذرّية، واعتبارها طبقة غير صحيح، فإنهم ليسوا طبقة، وإنما هي صور ذهنية وليس وراءها شيء.
فإن قيل: إنهم حين يوجدون يملكون أو يكونون ذوي حقّ، وهذا كافٍ في المانعية، بحيث إن هذا المعنى التعليقي: (إذا وجُدوا كانوا كذا…) يكون مانعاً عن تغيّر العين ليتحقّق شرط الحقّ أو الملك. أو نفرض أن للأعدام حقّاً فعلياً أو ملكاً. أو قلنا بأن الوقف تمليك فعلي لتمام العين للطبقة الأولى، وتمليك فعلي لتمامها للطبقة الثانية وهكذا. فهذا كلّه لا يكون مانعاً عن مطلق البيع. فعلى الفرض الأخير مثلاً: ما المانع من البيع، وتنتقل إلى المشتري كما كانت للبائع، فلو صحّ أن البائع يملكها بتمامها والبطون الآتية تملكها بتمامها أمكن للمشتري ذلك أيضاً، ولم يفت على البطون شيء؛ لأنها لا زالت تملك كلّ العين.
وكذلك الملكية المشتركة ونحوها(1) من الأقسام، فإن غاية الأمر أن يكون البيع فضولياً، فيكون البيع منصبّاً على العين والمنفعة، وحيث كان البائع لا يملك من المنفعة إلّا ما كان حال وجوده، فإنها تنتقل إلى المشتري بهذا المقدار، وتكون العين منقطعة الآخر من حيث المنفعة، إما جميعها على الوجه الثاني، أو بمقدار الراجع إلى البطون المتأخّرة من الشركاء على الوجه الأوّل. وعلى أيّ
ــــــــــ[233]ــــــــــ
() كما في التمليك التقطيعي في الزمان طبقة بعد طبقة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
حال يكون البيع ممكناً وجائزاً، ولا يكون مفوّتاً لحقوق الطبقة المتأخّرة، وكذلك لو قلنا بثبوت الحقّ وأنكر الملك.
إذن فحقّ البطون المتأخّر الفعلي لا يتصوّر، ولو تصوّرناه لا يكون مانعاً عن صحّة البيع الفعلي.
قلنا: إن الوقف ليس تمليكاً، بل إيقاف للعين على الموقوف عليهم لدرّ النفع وهو فكّ ملك. وعليه فعدم جواز بيع الوقف على القاعدة، وإنما يحتاج إثبات السلطان على البيع إلى دليل. فلا يجوز البيع لا للواقف ولا للموقوف عليهم ولا لغيرهم. ولا ربط لذلك بإطلاق الأدلّة.
ومسألة عدم جواز بيع الوقف أمر موقفٌ من الأوّل، لا في هذه الشريعة فقط، وإنما هو موجود في ارتكاز العقلاء والمتشرعين. ولعلّه يقال: أنه بناءً على هذا الارتكاز نفهم الإطلاق من الأدلّة الشرعية سواء مثل (لا يجوز بيع الوقف) أو مثل (لا يباع ولا يوهب) و(الوقوف على ما يقفها أهلها) وإن أشكلنا على دلالتها تارةً وعلى إطلاقها أخرى، فنتممها بالارتكاز. ويقال: بان هذه المناقشات لا تتمّ، بل يفهم أن الوقف غير جائز.
ولكن يمكن المناقشة في ذلك بأن دلالتها إنما تتمّ فيما إذا كان الارتكاز مطلقاً، إلّا أن الارتكاز موجود في الجملة، وعدم الجواز بهذا المقدار لا إشكال فيه ولا شكّ يعتريه، والعموم الأفرادي لقوله: (لا يجوز بيع الوقف) باقٍ على حاله. وإنما الكلام في شمول هذه الأدلّة لحال الاختلاف بين الموقوف عليهم،
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أو ما إذا شرط البائع جواز بيعه أو سقطت العين عن المنفعة. فإذا ثبت شمول الارتكاز لمثل هذه الموارد للشكّ فقد يقال بشمول الأدلّة لها في طول الارتكاز. واما إذا كان الارتكاز ثابتاً في الجملة، مع غضّ النظر عن العوارض والطواري، وأما فيها فليس هناك ارتكاز، بل ما هو مورد للشكّ عندنا هو مورد شكّ العقلاء أيضاً. ومعه فلا يمكن التمسّك بإطلاق الأدلّة. فيبقى الدليل على عدم جواز بيع الوقف هو أنه فكّ ملك.
نعم، لو اقتضت الجهات الشرعية العامة كمصالح المسلمين البيع، كان للحاكم والإمام بيعه. وأما في اقتضاء المصالح الخاصّة للموقوف عليهم ذلك فتحتاج السلطنة على البيع إلى دليل.
ثُمّ إن الشيخ(1) طرح مسألة يكون الحق فيه بحسب قاعدة التصنيف أن تطرح بعد ذلك، فإنه يذكر القواعد العامة، ثُمّ المخصّصات، ثُمّ لا بُدّ أن يذكر هذه المسألة، إلّا أننا تبعاً له نذكرها هنا، وهو أن الوقف هل يبقى إلى زمان البيع أو يرتفع بطروّ المجوّز؟
فلو وقع اختلاف شديد بين الموقوف عليهم، لا يرجى زواله إلّا بالبيع، فصار البيع جائزاً، فهل تخرج العين عن الوقف بنفس هذا الجواز؟ فلو تصالحوا بعد ذلك بقي الوقف منتفياً، ويحتاج عوده إلى دليل. كما ينقل عن صاحب
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 36، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
(الجواهر) وكاشف الغطاء، أو ما يخرج بالعين عن الوقف هو الجواز المتعقّب بالبيع؟ أو أنها تخرج بالبيع عن الوقف لا بالجواز كما اختاره الآخرون؟ أو لا يبطله حتى البيع، فإن ما هو الوقف هو المالية لا العين، والمالية محفوظة في الثمن؟ ثُمّ إن العين إذا خرجت عن الوقف فهل تصبح ملك الموقوف عليهم أو الواقف أو من المباحات العامة؟
أما المسألة الأولى، وهي: أن الوقف هل يخرج من الملكية بنفس الجواز؟ فقد قيل: إن هذا يتمّ على مسلك من قال: إن ماهيّة الوقف هو نفس الامتناع عن المعاوضات والحبس من النقل والمعاملات، كما نقل عن صاحب (الجواهر) وكاشف الغطاء. وهذا يناقض جواز النقل فلا يمكن أن يبقى الحبس ويطرأ الجواز، بل يتحوّل الحبس إلى الجواز، ويكون الجواز ذاهباً بالحبس، على أن هذين العلمين ساكتان عن الإشكال.
الإشكال الواضح الذي يرد عليهما: فإن لازمه خروج العين عن الوقف حتى مع ارتفاع الطاري وإن لم يبيعوها، ويحتاج عودها إلى الوقف إلى دليل. على أن مقتضى القاعدة حينئذٍ أن تعود إلى الواقف إذا كان بطلان الوقف انفساخاً، وكِلاهما مما لا يلتزمان به.
الآن نرى هل الممنوعية والجواز متنافيان ولا يجتمعان أو لا؟
إذا أمر الآمر بشيء على نحو الإطلاق، ثُمّ نهى عنه على نحو الإطلاق، فهذان متنافيان ولا يجتمعان، وأما إذا كانا آمرين كالأب والأمّ فأمر الأب بشيء ونهت الأمّ عنه، فهو مما يعقل اجتماعه، نعم تقع المزاحمة للمكلف بحسب عالم
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الامتثال. ولا يكون أحدهما مذهباً للآخر، ولكن يجب أن يعمل بهذا دون ذلك، ولا باس من عصيان الآخر إذا كان الأوّل مهمّاً، وإذا تساويا كنت مخيراً بينهما.
ففي باب الوقف ما كان مانعاً عن المعاملات وموجباً لحبس العين وتحقّق ماهيّة الوقف هو جعل الواقف، والشارع ليس شغله هنا. والإمضاء ليس معناه الأمر الشرعي، وإنما (الوقوف على ما يقفها أهلها). وطروّ الجواز إنما هو من قبل الشارع لا من قبل الواقف. فهو من قبيل الجعل من قبل جاعلين. وحيث إن الحكم الشرعي مقدّم على أمر الواقف فنتّبعه، فالواقف ليس شارعاً والشارع ليس واقفاً، فهذه العين باقية على وقفيتها نستطيع أن لا نبيعها، فإن بيعها ليس إلزامياً بل جائزاً، ونستطيع أن نعمل بكلام الشرع فنبيعه، وحيث لا يعقل اجتماعه مع البيع فينتفي الوقف.
وما في يد الواقف هو المنع من التصرّفات الناقلة للعين -على الفرض- وأما إجازة الشارع ومنعه فليس تحت تصرّف هذا الإنسان، فهل المضادّة بين الوقف وإجازة الشارع؟ كلّا؛ لتعدد الجاعل، وهما لا يتضادّان ولو تعلّقا بموضوع واحد، وإن كان المراد التضادّ بين تنفيذ الشارع للوقف وإجازته للبيع فلا بُدّ أن نرى أن التنفيذ هل هو من قبيل الجعل أو لا؟ فلو عمل العقلاء بظواهر الألفاظ ولم يردعهم الشارع، فهل هذا أمر من الشارع بالعمل بها، أو أنه بصفته فرداً من العقلاء لا مانع له من السير على ذلك، فلا حاجة إلى كشف الرضا من قبل الشارع أصلاً، بل يكفي عدم المنع عنه، فكذلك الحال في
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الوقف، فإن سكوت الشارع عنه معناه العمل على طبق عمل العقلاء، ومعه لا مناقضة بين جعل الواقف للمنع وإجازة الشارع(1).
وأما إذا قلنا بأننا نحتاج إلى دليل على التعبّد والتنفيذ وهو قوله: (لا يجوز بيع الوقف)؛ ليكون دليلاً على رضاه، وعلى أيّ حال فليس للشارع حكم جديد وأثر جديد، بل هو يجيز ذلك المعنى ويرضى به. والمفروض أن الوقف هو جعل الممنوعية، فحين يجيزه الشارع فهل معناه إنفاذ ذلك النهي، أو أن له نهياً آخر فوقه؟ فعلى الأوّل يكون المنع للواقف لا للشارع، فلا تضادّ له مع الإجازة. وأما على الثاني فيكون التعارض موجوداً، وتكون النسبة بين دليل التنفيذ ودليل الجواز هي العموم المطلق. ومعه فهل يرتفع لزوم الوقف أو الوقف نفسه؟ مع أن الشارع لا يستطيع أن يرفع وقف الواقف، غايته أن يقول: إن الممنوعية التي جعلها هي غير نافذة. والتضادّ إنما هو بين الممنوعية والإجازة شرعاً، لا بين إجازة الشارع ومنع الواقف.
فما قاله صاحب (الجواهر) من أن الممنوعية والجواز متضادّة، وسلّموه
ــــــــــ[238]ــــــــــ
() أقول: لا يخفى أن هذا إنما يتمّ فيما إذا كان بيع الوقف عقلائياً سكت عنه الشارع. إلّا أن هذا لم يثبت؛ فيتعيّن أن يكون إجازة الشارع في بيعه تأسيسياً، فلا يتمّ هذا الوجه*. انتهى.
* إلّا أن يقال: إن المراد عدم المناقضة بين سكوت الشارع عن الوقف وبين إجازته للبيع. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
منه، غير مسلّم. والشيخ يقول(1): وقد سبقه إليه بعض(2)، ثُمّ ينقل عبارة هذا البعض، وهي دالّة على التنافي بين البيع والوقف لا بين الجواز والوقف.
ولو بنينا على أنه بمجرّد طروّ الجواز يبطل الوقف، ففيه إشكالان:
الإشكال الأوّل: ما يقوله الشيخ(3) من أنه خلاف الإجماع؛ لأن لازمه عوده إلى الواقف.
ويمكن الدفاع عن ذلك: بأن صاحب (الجواهر) وغيره قائلون بالملكية، فليس الوقف هو الامتناع عن التصرّفات محضاً، بل كأنّه تمليك امتناعي، أو تمليك ملازم مع الامتناع، أو تمليك وامتناع؛ ولذا يعبّرون أن الامتناع داخل في مفهومه، لا أنه تمام مفهومه.
وحينئذٍ فإذا جاز بيعه فهل يرتفع الوقف من جميع الجهات التي حدثت بجعل الوقف بما فيها الملكية؟ أو أنها قابلة للانحلال؛ فيرتفع بعضها دون بعض؟ فإذا طرأ جواز البيع تبقى الملكية. والوقف وإن كان ذاهباً لاستحالة بقاء المركب بعد ذهاب جزئه، إلّا أن ملكية الموقوف عليهم تبقى ثابتة وإن ارتفع الحبس، فما يقوله الشيخ من أنه خلاف الإجماع غير تامّ. والتضادّ واقع
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 36، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
(2) اُنظر: شرح الشيخ جعفر على قواعد العلّامة: 233، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، بيع الوقف وأحكامه.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 37، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مع أحد جزئي مفهوم الوقف وهو الحبس دون الملكية.
الإشكال الثاني: على قول صاحب (الجواهر): أنه إذا جاز النقل وكان مضادّاً للوقف بحيث تخرج العين عن الوقفية، ولم يقع البيع وتصالح الموقوف عليهم، فلا تعود إلى الوقفية بعد ذلك، ويحتاج عودها -بحسب القاعدة- إلى دليل جديد.
ونظير هذا الإشكال موجود على جميع من يقول بجواز البيع بصورة أخرى، وهي: أنه لو جاز بيع الوقف ويرتفع العارض من دون بيع، فيقال: هذا كان وقفاً جائز البيع، فنحتاج على عدم جواز البيع بعد ذلك إلى دليل. وإذا أجيب عنه بأن تسالم الأصحاب على عدم الجواز، أمكن الجواب به عن صاحب (الجواهر) أيضاً، بأنهم تسالموا على عود العين إلى الوقفية، ونحن نريد أن نرى الحال على مقتضى القواعد. فهل يندفع الإشكال عن صاحب (الجواهر) أو لا؟
مرّة تلاحظ جعل الواقف، وأخرى الأدلّة الشرعية تنفيذاً أو استقلالاً.
أما بالنسبة إلى جعل الواقف إذا قال: (وقفت الدار وحبستها عن المعاملات) ففيها عدّة احتمالات:
أحدها: أن يكون الوقف منحلّاً على الطبقات طبقة بعد طبقة، بحيث تكون هناك أوقاف متعدّدة على طول الزمان.
الثاني: الوقف واحد، والتقطيع إنما هو للمنافع طبقة بعد طبقة، كما هو ظاهر الرواية الواردة عن أمير المؤمنين: “أسكن هذه الصدقة خالاته“(1).
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 4: 248، كتاب الوصيّة، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5588، وتهذيب الأحكام 9: 131، كتاب الوقوف والصدقات، باب 3، باب الوقوف والصدقات، الحديث 7، وسائل الشيعة 19: 187، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، باب عدم جواز بيع الوقف، الحديث 4.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الثالث: أنه بالنحو الذي اخترناه من أن الوقف فكّ ملك وإيقاف على رأس الموقوف عليه طبقة بعد طبقة.
الرابع: أنه ليس وقفاً عليهم، بل وقف لهم، فإن المنافع تدرّ في مصلحتهم، فتكون اللام لام الغاية. ويحتاج الوقف إلى موقوف له لا موقوف عليه.
وصاحب (الجواهر) يقول بالتمليك والحبس عن المعاوضات. فإذا حبسه وملّكه لعنوان واحد جامع بين الموقوف عليهم على طول الزمان، فعرضت حيثية اقتضت ارتفاع الوقف، بحسب قول صاحب (الجواهر)، فإذا لاحظنا الوقف على هذا العنوان الواحد، فهل يكون المنع عن الانتقالات نظير العام المجموعي؟ بحيث إذا حصل الانتفاء في مكان أو زمان فإنه يكشف من الأوّل أن الوقف لم يكن موجوداً، فإن الحكم في العموم المجموع حكم واحد منصبّ على المجموع بما هو مجموع، وهو ينتفي بانتفاء أحد أفراده. والوقف ليس هكذا بالضرورة.
فالممنوعية التي يجعلها الواقف إذن لها إطلاق على الحالات، وليست على المجموع بما هو مجموع. فإذا ورد: (أكرم العالم)، وورد: (لا تكرم الفاسق)، وكان زيد عالماً، ثُمّ عرض له الفسق فارتفع وجوب الإكرام عنه، ثُمّ عاد إلى العدالة. فهل يقال: إنه لا دليل على وجوب الإكرام؟ أو -في الحقيقة- إذا أردنا إخراجه بعد العود إلى العدالة فلا بُدّ من إيراد تقييد آخر وهو: أن العالم الذي
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
صار في شيء من الزمان فاسقاً فلا يجب إكرامه. وإذا لم يكن مثل هذا الدليل موجوداً فالإطلاق باقٍ بدون حاجة إلى دليل على الاستمرار، ونحو ذلك في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ المقيّد بجواز الفسخ فوراً عند العلم بالغبن ونشكّ ببقاء الجواز. فلا حاجة إلى الدلالة على الاستمرار حتى يرد إشكال، وإنما نقول: إن هذا الدليل يدلّ على أن العقد بلا قيد هو تمام الموضوع، فيكون كلّ فرد مشمولاً للعموم الأفرادي، وكلّ حالة مشمولة للإطلاق الأحوالي. فإذا عرض الغبن وارتفع وجوب الوفاء وشككنا بعد ذلك فإننا نتمسّك بإطلاق الدليل، وأن العقد هو تمام الموضوع، ونقول إنه إذا لم يكن الآن(1) واجب الوفاء فإننا نحتاج إلى قيد آخر، وهو أن الغبن ليس له.
وأما في محلّ الكلام فيما إذا وقف على عنوان واحد، بحيث عندما يوجد مصداقه يكون موقوفاً عليه، فقد منع عن البيع على هذا العنوان -الدار مثلاً- بلا قيد(2)، فإذا ارتفع الحكم في حالٍ بحسب الحكم الشرعي، وجاء الجواز ثُمّ ارتفع الحال، وشككنا ببقاء الجواز، نقول: إن بقاء الجواز يحتاج إلى قيد آخر أكثر من التقييد بشدّة الاختلاف، وهو أن يقيّد ويقال: إن الوقف إذا كان مسبوقاً بالاختلاف ولو في زمان جاز بيعه. ومعه فنتمسّك بإطلاق جعل الواقف لإثبات كونه ممنوعاً(3).
ــــــــــ[242]ــــــــــ
() يعني: في الآن الثاني. (المقرِّر).
(2) بحيث يكون مقتضاه عدم الجواز مطلقاً في أيّ حال. (المقرِّر).
(3) قلت له: إن الإطلاق من الواقف والتقييد من الشارع وهذا من قبيل تعدد الجاعل.=
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ــــــــــ[243]ــــــــــ
=فقال: ليس هو من الإطلاق والتقييد، وإنما سمّيناه بذلك.
فقلت له: هو تقييد للتنفيذ الشرعي.
فلم يجب، والسرّ في ذلك ما عرفناه من مسلكه من أن التنفيذ ليس حكماً، فليس له إطلاق، ولا يكون قابلاً للتقييد.
والذي أراه أن السيد كان ينبغي أن يقول بناءً على مبانيه: إن إطلاق جعل الواقف لم يرد عليه التقييد، لا من الواقف -كما هو المفروض- ولا من الشارع -لاستحالة أن يكون الجعل الشرعي مقيّداً لجعل الواقف-. إذن فهو شامل لحال الاختلاف وما بعدها. ولولا الحالة الطارئة لكان يجب الوفاء به؛ باعتبار دليل التنفيذ الشرعي. غاية الأمر أنه ورد دليل شرعي له موضوع وله محمول، فموضوعه الاختلاف الشديد، ومحموله جواز البيع. والمحمول لا يكون فعلياً إلّا بفعلية موضوعه. فإذا ارتفع الاختلاف ارتفع الحكم بالجواز، وبقي إطلاق منع البائع على حاله، فيشمله دليل التنفيذ من جديد.
وبهذا البيان يتّضح أنه لا حاجة إلى القول بأن دليل الجواز تخصيص في جعل الواقف؛ لاستحالة ذلك. ولا تخصيص في التنفيذ الشرعي، فلا حاجة إلى افتراضه حكماً شرعياً مستقلّاً، وإنما يعود التنفيذ الشرعي بعد ارتفاع الاختلاف؛ باعتبار وجود مقتضي الوقف -وهو جعل الواقف- مع عدم المانع بعد ارتفاع الحكم بالجواز موضوعاً. فيعود حاله كما كان قبل الاختلاف. نعم، لو كان دليل التنفيذ لفظياً لأمكن أن يكون الحكم بالجواز تقييداً له، ومعه يدخل المطلب في مسألة دوران الأمر بين التمسّك بالعام أو استصحاب الحكم المخصّص. وحيث يكون المختار هو التمسّك بالعام، فإنه ينتج اللزوم أيضاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لو اعتبرنا(1) إجازة الشارع بمنزلة التقييد وإن لم نقل بذلك. يستحيل(2) أن يشمل دليل الجواز ما بعد ارتفاع الاختلاف بين الموقوف عليهم؛ لأن موضوعه هو الاختلاف، ويستحيل أن يتعدّى الحكم عن موضوعه. إذن فإذا كان الجواز ما بعد ارتفاع الاختلاف ثابتاً فهو إما بالاستصحاب أو بأصل جعل الواقف.
أما بالاستصحاب فلا يثبت باعتباره محكوماً لإطلاق الجعل على ما سنرى. وأما بحسب إطلاق الجعل فلا يثبت؛ لأن إطلاقه يقتضي المنع لا الجواز، فإن موضوع المنع بعد التقييد بدليل الجواز أصبح هو الملك الذي لا اختلاف فيه أو ليس خراباً، وبعد ارتفاع العارض يكون وقفاً لا اختلاف فيه، وإخراج ما بعد الارتفاع يحتاج إلى قيد جديد، وهو أن الوقف الذي وقع فيه الاختلاف والمسبوق بالاختلاف يجوز بيعه.
وحال جعل الوقف حال سائر الأوامر والنواهي، مع فرق واحد فإنه في الأمر يوجد الأمر ومادّته ومتعلّقه، وهنا يوجد الجعل ومادّته ومتعلّقه، ويزيد بانتزاع مفهوم الوقف منه. كما لو كان قوله: (أكرم زيداً) سبباً في إيجاب ركعتين من الصلاة عليّ، أو سبباً في إيجاد عنوان انتزاعي أو تركيبي، فبالدليل ينتزع منه العنوان أو جزء المركّب. والوقف عنوان منتزع من الموضوع والمحمول معاً في قولنا: (الملك لا يجوز نقله)، لا أنه موضوع في هذه القضية. وعلى أيّ حال
ــــــــــ[244]ــــــــــ
() قضى السيد الدرس كلّه بتوضيح المطلب الذي قاله. وكان أن أخذ إشكالنا عليه بنظر الاعتبار بقوله: لو اعتبرنا… (المُقرِّر).
(2) وقال فيما قال: يستحيل… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فيكون الوقف منقطع الوسط، وهو أمر جائز فقهياً كالمنقطع الأوّل والمنقطع الآخر. وليس الوقف كالعقد بحيث إذا بطل لا يعود إلى الصحة؛ لأن الوقف متعلّق للنهي المتّصف بالإطلاق.
قال صاحب (الجواهر): إن الوقف هو الامتناع الشرعي، وقال بالمنافاة بينه وبين جواز البيع، وقلنا: إنه لو سلّمنا ذلك فلا منافاة، بل يمكن أن يكون الوقف ثابتاً وجائز البيع. فيكون وقفاً جاز بيعه، وحينئذٍ يرد عليه إشكال، كما يرد على الشيخ أيضاً الذي يقول بأن الوقف هو التمليك للبطون المتلاحقة، وحكمه الشرعي أنه لا يجوز بيعه، كما يرد على أن الوقف فكّ ملك وإيقاف على رؤوس الموقوف عليهم. يرد على كلّ هذه المباني ويقال: إذا جاز بيعه عند حال معيّن كالاختلاف الشديد أو الخراب أو وقوعهم في الشدة، فجاز البيع، ثُمّ ارتفع العارض بدون البيع، وشككنا بارتفاع الجواز، وشككنا أن العارض هل هو واسطة في الثبوت بحيث يبقى الجواز بعد زواله، أو واسطة في العروض يدور مداره وجوداً وعدماً، فيكون استصحاب جواز البيع جارياً، ما لم يكن هناك إطلاق يدفعه؟ فلا بُدّ أن نرى الأدلّة السابقة لنرى أن فيها إطلاقاً أو لا.
أما قوله: (الوقوف على ما يقفها أهلها) فقد قلنا: إنه لا إطلاق له، وأنه لا يصلح إلّا لتنفيذ ما جعله الواقف أياً كان، وليس هو تنفيذاً للحكم الشرعي. وكذلك قوله: (لا يباع ولا يوهب) فإننا رجّحنا أن يكون المراد به المنع المالكي لا بيان الحكم الشرعي. وحينئذٍ فلا يتمّ المطلب إلّا إذا ضممنا كِلتا هاتين الروايتين وقلنا: إن الوقف ليس له لون معيّن، فإن أجاز الواقف بيعه نفذ، وإن
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لم يجز نفذ شرطه أيضاً، وحينئذٍ يكون مختصّاً على أيّ حال بالوقف الذي يكون صدقة، ولا يشمل مطلق الوقف، إلّا على مبنى من قال بلزوم قصد القربة في الوقف.
والعمدة في دليل عدم الجواز هو قوله: “لا يجوز شراء الوقوف” لو كان لها إطلاق، وإذا ناقشنا إطلاقها كما سبق، فلا دليل لنا على عدم الجواز، فيما لو طرأ المجوّز وزال، فيجري استصحاب جواز البيع وعدم كونه وقفاً- على مسلك صاحب (الجواهر)- غير أن المسألة ليست خلافية بينهم في عدم جواز البيع.
هذا كلّه فيما إذا كان الجعل فعلياً على كلّ البطون. وأما إذا نفينا ذلك وقلنا باستحالته على الأعدام، بل يرجع إلى الجعل على عنوان أو إلى قضيّة تعليقية أو شرطية طبقة بعد طبقة: إذا انقرضت الطبقة كان وقفاً على الأخرى. فبناءً على مسلك صاحب (الجواهر) لا إشكال؛ لأن الوقف يكون هو جعل امتناع البيع لهذه الطبقة على تقدير انقراض السابقة. فإذا عرض عارض وزال في عهد طبقة واحدة، فإنه يأتي الإشكال مع جوابه. وأما في البطن اللاحقة، فلا مجال للشكّ؛ لأنه أصبح الوقف الإنشائي فعلياً بوجودهم، وهذا لم يعرض عليه الجواز لنستصحبه، فيكون جعل الوقف نافذاً. وأما على مسلك الشيخ وهو التمليك فيقال: إن هذه العين الخارجية جاز بيعها، وبعد انقراض الطبقة نشكّ بارتفاع الجواز فنستصحب، فنحتاج إلى الإطلاق لنفيه. على حين أن صاحب (الجواهر) يقول إن الوقف هو المنع.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يقع الكلام في أن الوقف هل يبطل بالجواز أو بالبيع؟ أو لا يبطل حتى بعد البيع؟ وهو مبني على مسألة أخرى هي: أن الوقف يتعلّق بالشخص أو بالمالية أو بالشخص المتّصف بالمالية أو بالمال المتّصف بالشخص أو بالشخص والمال؟ ولكلٍّ من هذه الوجوه لوازمه على ما نذكر.
وبعبارة أخرى: هل يبطل الوقف بالبيع، أو هو باقٍ مطلقاً؟ أو يبطل من جهة ويبقى من جهة أخرى؟ والوقف بحسب المحتملات العقلية يمكن أن يتعلّق بشخص العين ولا تكون المالية ملحوظة أصلاً. ويمكن أن تكون ماليتها ملحوظة بنحو الجهة التعليلية دون التقييدية. ويمكن أن تكون ملحوظة بنحو الجهة التقييدية، فيقف العين بما أنها مال. ويمكن أن يتعلّق بمالية الشيء بلا قيد. أو بالمالية الناشئة من هذا الشخص بما أنها منه، أو بالشخص والمال على نحو التركيب. أو يتعلّق بالعين وببدله: إما على وجه الإطلاق، أو بنحو طولي، يعني: يتعلّق بالعين، وعند بطلانه عنها يتعلّق بالبدل. وهذا التصوّر ممكن في المالية أيضاً.
فإن تعلّق الوقف بالعين بلا لحاظ المالية، أو كانت المالية جهة تعليلية، فالوقف يكون محفوظاً حتى لو سقطت مالية المال بالكلّية، فإن المالية ما لم تلحظ استقلالاً أو قيداً لا تكون دخيلة في الوقف. نعم، بناءً على ذلك تخرج العين بالبيع عن الوقف.
وإذا تعلّق الوقف بالعين بما أنه مال، يعني لوحظت فيها المالية بجهة
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التقييد. فإذا ذهبت المالية تذهب وقفيته لانتفاء الموضوع بعد زوال المالية. وبالبيع يبطل الوقف لانعدام الشخص.
وإذا تعلّق الوقف بالمال لا بالشخص؛ فتارةً يتعلّق بالمال في ضمن هذه العين، وأخرى يتعلّق بمالية هذه العين مجرّداً عنها الخصوصية. فإن فرض الأوّل وهو المالية الملصقة بالعين ومن عوارضها: إذا ذهبت المالية يذهب الوقف ويبطل الوقف بالبيع. وعلى الثاني: قالوا بأن الوقفية لا تبطل بالبيع؛ لأن المالية محفوظة على كلّ حال.
وإذا تعلّق الوقف بالعين وعند البيع ببدله، بحيث ينحلّ الوقف إلى وقوف طولية، فلازمه أن العين إذا ذهبت فوقفها يبطل، ويتعلّق الوقف ببدلها. وما يقال في كلماتهم من أن الوقف لو كان متعلقاً بالمالية لم يبطل البيع، غايته إذا كانت المالية مطلقة جاز بيع العين، وإذا كان بنحو من التقييد لم يجز. ولكن مع طروّ المجوّز والبيع لم يبطل الوقف لانحفاظ المالية(1).
عندنا كلامان:
الكلام الأوّل: فيما إذا قال: (وقفت مالية هذه العين)، هل يصحّ الوقف أو لا؟
الكلام الثاني: أنه إذا صحّ فهل يبطل الوقف ببيع العين أو لا؟
أما الكلام الأوّل: فالظاهر بطلانه؛ لأن ماهيّة الوقف هي حبس العين
ــــــــــ[248]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 114-115، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صورة جواز بيع الوقف.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وتسبيل المنفعة، والمالية لا هي عين وليس لها منفعة. فإن ما يثمر الفاكهة هو الشجرة لا ماليتها. فإن المالية اعتبار عقلائي اعتبروه في الخارج صفة للخارج. فما لا يكون مالاً كالأشجار الموجودة قبل البشرية وقبل الاعتبار العقلائي كانت مثمرة بالفاكهة وهي ليست مالاً. فلو قال: (وقفت مالية هذه العين) لم يصحّ؛ لأن مالية الشيء ليست من الأعيان وليس لها منفعة.
أما الثاني: فلو صحّ هذا الوقف فعدم بطلانه بالبيع غير صحيح؛ لأن مالية الشيء قائمة في اعتبار العقلاء بالشيء نفسه، ولا يمكن أن تتحوّل ماليته إلى غيره. فإذا بدّلنا مالاً بمال، فماليته غير محفوظة.
وما يقال في باب التجارات: إن رأس المال محفوظ، يراد به ذلك، لا أن مالية الأجناس جاءت هنا، وإلّا لزم انسلاخها عن المالية فعلاً، وكلّ شيء له مالية خاصّة به لا تتعدّى منه إلى غيره، وإنما يحدث التبادل بين المالين، فالمالية متبادلة وليست محفوظة. فإذا وقف مالية هذه العين. فإن كان مطلقاً لم يكن وقفاً، وإن وقف مالية هذه العين، فهي تنتقل بانتقال العين، وبدلها ليس متعلّقاً للوقف. فما تعلّق به الوقف غير موجود، وما هو موجود ليس وقفاً. إذن فلا يصحّ هذا الذي تخيّلوه.
وأما ما قاله الآخوند(1) من أن الوقف تعلّق بالعين، وعلى فرض بطلانه يتعلّق ببدله. فلا يرد عليه ذاك الإشكال من أن البدل لم يكن موجوداً حال
ــــــــــ[249]ــــــــــ
(1) أُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 109-110، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
العقد، فإن ذلك في الوقف والإنشاء الواحد والمفروض تعدّده، و(الوقوف على ما يقفها أهلها)، والوقف المتعلّق بهذا العين وإن كان يبطل بالبيع لكن يكون بدله وقفاً. لكن يُسأل عما لو كان البدل من قبيل الأثمان أو المنافع، فهل تكون وقفاً أيضاً؟ بل لا بُدّ أن يبطل لعدم موضوع الوقف. نعم، لو أبدلته بعينٍ لصحّ الإنشاء، لكنّه على أيّ حال يبطل وقف العين، ويوجد وقف جديد لبدلها، لا أنه يبقى وقف واحد كما هو المدّعى.
ويقول الآخوند(1): إن الوقوف كلّها هكذا لقيام القرينة على ذلك. فإنه لو وقف على طول الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليس لنا أعيان محفوظة إلى ذلك الحين، فيكون هذا قرينة على تعلّق الوقف بهذه العين، وعلى فرض عدمها فهو متعلّق بشيء آخر.
نقول: القرائن لا تقوم بذلك لاستحالة ذلك؛ لأن الإنشاء الواحد المتعلّق بشيء واحد يستحيل أن ينحلّ إلى إنشاء فعلي على شيء وإنشاء تعليقي على شيء متأخّر عنه رتبة وثابت حال بيعه. نعم، يمكن أن يقوم بإنشاءين إلّا أنه خارج عن مورد الكلام.
وكل هذه الاحتمالات مدرسية، وإنما الوقف يتعلّق بالعين لا مقيّداً بالمنفعة ولا بالمالية. وما يقال: (حبّس الأصل وسبّل الثمرة)، لا بنحو أن يكون ملحوظاً في الإنشاء. ولا إشكال أنه لا يرد في ذهن أكثر الواقفين صورة ما إذا زالت العين، ويكون هذا مغفولاً عنه غالباً. وحينئذٍ فإذا جاز البيع وحصل
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الانتقال بطل الوقف ولا طريق لصحّته.
على أنه من المتسالم عليه بينهم عدم جواز البيع للوقف أساساً، وعوده إلى عدم الجواز بعد ارتفاع المجوّز.
يبقى الكلام في المجوزات.
بعد أن اقتضت القاعدة عدم جواز البيع للوقف مطلقاً. يقع الكلام في أنه هل يجوز بيعه عند عروض العوارض، أو لا يجوز مطلقاً، أو هناك تفصيل؟
كل الأقسام مشتركة في ماهيّة الوقف، وهو -على ما قلناه- فكّ ملك، لكنّ هناك أقساماً للوقف، لا بُدّ أن نرى مقدار شمول الحكم بالجواز لها.
فهناك أوقاف لها آثار شخصية لا تترتّب على غيرها كعرفات والمشعر الحرام والمسجد الحرام، فإن لها آثاراً لا تقوم بغيرها ولا يتصوّر لها بدل. ومن ذلك المساجد الأربعة على ما هو الصحيح من اختصاص جواز الاعتكاف بها.
وقسم من الموقوفات لها أحكام خاصّة على الطبيعي لا على الشخص، كالمساجد، فهل يمكن أن يكون لها بدل؟ فإذا خرب مسجد وقلنا بإمكان التبديل في الموقوفات العامة، وبدّلناه. فهل يشمله الحكم بصفته بدلاً للمسجد؟ كلا؛ إذ لا حكم لبدل المسجد. وإن جعل مسجداً شمله حكم المسجد، فإن الآثار ترتّبت على مصاديقها في عرض واحد، ولا يكون أحد مصاديقها بدلاً عن الآخر. فإذا جاز بيع المسجد فمعناه عدم وجوب التبديل، وإن كان ذلك في القسم الأوّل من الموقوفات أوضح.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ومن المشاعر: المشاهد المشرفة، فلو بعنا مشهد أمير المؤمنين لم يكن في الإمكان أن نبني في مكان آخر ليكون بقعة له. وكذلك حال قبور الأئمة والصلحاء.
إنما الكلام في الأوقاف الأخرى كالأوقاف على الجهات والعناوين الكلّية، والأوقاف الخاصّة، والأوقاف على الأوقاف، والأوقاف على البقاع المتركة.
قد يقال: إن مقتضى القاعدة في الوقف العامّ عدم جواز البيع لجهتين:
إحداهما: أنه ليس بملك.
وثانيهما: أنه ليس مالاً؛ لأن الشارع أسقط ماليته.
وأما في الأوقاف الخاصّة التي يقال فيها بالملكية فمقتضى القاعدة جواز البيع.
وقد يعبّر ويقال: إن متعلّق نظر الواقف هو العين بمراتبها الشخصية والمالية، كما في اليد العادية التي تقع تحتها العين بتمام مراتبها؛ الشخصية والنوعية والمالية. فإذا أمكن إرجاعها بتمام مراتبها وجب، وإلّا لزم الردّ بمِثلها إن كانت مِثلية، وإلّا فبقيمتها، وليس له ردّ المالية وحدها مع إمكان ما قبلها من المراتب. فكما أنه عند تعذّر العين تكون المالية مضمونة، كذلك العين الموقوفة إذا تعذّرت وتلفت تكون المالية موقوفة بنفس ذلك الوقف. والحبس الذي جعله ليس مانعاً مطلقاً، بل هو مانع ما دامت للعين منفعة منظورة، وإذا سقطت العين عن المنفعة، فإن الوقف يذهب إلى المالية. ويجوز بيع العين حينئذٍ.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هذا محصّل ما قاله المرحوم النائيني(1) وآخرون(2)، قالوه في الأوقاف الخاصّة، ويشبهه كلام الآخوند من أنه من قبيل تعدّد المطلوب، فإذا لم يقع في العين وقع في المالية(3).
نقول: إن ما قاله لا يتمّ لا في الأوقاف العامة ولا في الأوقاف الخاصّة.
أما في الأوقاف العامة إذا قلنا: إنه تحرير، فهو ليس ملكاً، بل هو تحرير لأجل درّ المنفعة. فإن قلتم بعدم جواز البيع باعتبار أني لا بُدّ أن أكون مالكاً حتى أبيع، فلا نسلّم ذلك، فإنه إنما يحتاج البيع إلى تمليك، وأما أنه يجب أن يكون البائع مالكاً فلا، كما أسلفنا في بيع الكلّيات وعمل الحرّ. ولكن مَن البائع للوقف على الجهات؟ ليس هو الجهات نفسها؛ لعدم قدرتها، ولا هم الأفراد؛ لعدم ولايتهم، وإنما هو الحاكم الشرعي، فإن الأوقاف العامة من أوضح موارد الولاية العامة لله ولرسوله وللفقيه، وهي القدر المتيقّن والمسلّم منها. فإن كان البيع ممنوعاً لم يجز له بيعه ما لم يقترن بعنوان ثانوي مجوّز.
أما إلغاء ماليته فلم نفهم معناه. فهل الشارع ألغى المالية العقلائية، أو أنه
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 348، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لا يجوز بيع الوقف إجماعاً.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 115، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني: كونهما طلقين، صور جواز بيع الوقف.
(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 109-110، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تعبّدنا بعدم المالية؟ أما التعبّد بعدم المالية فيحتاج إلى دليل، وليس عندنا إلّا أدلّة تنفيذ الوقف، وهي لا تدلّ على ذلك. وإن كان المراد إسقاطه للمالية العقلائية فهو مما لا يمكن للشارع، على أنه يقول: “فمن باعه فعليه لعنة الله“، الذي يفهم منه أنه بيع عقلائي لكنّه لا يجوز شرعاً، على أن هذه الأدلّة وردت في الوقف الخاصّ، فهل يمكن تعميمه للوقف العام أو لا؟ إذن فإطلاق الكلام في ذلك غير صحيح.
وأما قوله: (إن كان الوقف ملكاً فالقاعدة تقتضي جواز بيعه)، فالآغايون(1) ذكروا في توجيهه وجهاً غير معقول وحاصله: أن الوقف وقف للعين، وإذا بيعت فهو وقف للمالية(2). والـمُنشَآت وإن كان يمكن فيها التكثير وقابلة له، إلّا أن الإنشاء غير قابل له. فلا يمكن أن يشمل ما بعد متعلّقه بمرتبتين، وما جعل قرينة على ذلك وهو تعلّق غرض الواقف بالمنفعة -إذن فيكون الوقف شاملاً للمالية بعد ذهاب العين- غير تامّ، بل الغرض في الوقف من قبيل الغرض في الشراء. فهل إذا فات غرض المشتري يحكم ببطلان العقد؟!
يقول المحقّق النائيني أيضاً: إن الوقف تمليك وتحرير، فالتحرير لا يجوز بيعه لعدم الملكية والمالية كما سبق. وأما ما هو ملك فيقول: إن الوقف تعلّق
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() اُنظر: مقابس الأنوار: 157، كتاب البيع، المطلب الأوّل، الشرط الثالث، الصورة الثامنة، التنبيه الثاني، جواهر الكلام 22: 373، كتاب التجارة، الفصل الثاني، الشرط الثاني، وغيرهما.
(2) شروع في الجواب. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بعين الرقبات، لكن حيث إنها لا تبقى فكأنه تعلّق الوقف بماليتها إذا عرض عليها شيء يسقطها عن المنفعة. ثُمّ يقول: إن الموقوفات الموجودة مقترنة بمنافعها، وإذا سقطت عن المنفعة تعلّق الوقف بماليتها. فنراه أوّلاً يتمّم المسألة بعنوان (كأنّه)، ثُمّ يقول ذلك بنحو التنجيز، ثُمّ يشّبه ذلك بضمان اليد كما حقّقه فيها.
نقول: إنه لو كان قال كالآخوند من أن الوقف متعلّق بالأعمّ من العين والمالية، لكان لكلامه صورة. وأما إذا اعترف بتعلّقها بالعين فزوال المنفعة لا يوجب توسعة الوقف إلى المالية. فإن كان بعنوان: (كأنّه) فهذا ليس فعلياً وإن ادّعى الفعلية، فإشكاله ما سبق من استحالة جعله من إنشاء واحد. وإذا لم يدّعِ الفعلية فكيف يجزم به بعد ذلك؟
وأما تنظيره بـ(على اليد): فغير تامّ مع غضّ النظر عن فساد مبناه هناك. فإننا حتى لو مشينا على مبناه في (اليد)، فإنه لا يكون نظيراً للمقام، فإنه يقول: إن اليد تتعلّق ابتداءً بشخص العين ونوعيتها وماليتها. فإن أمكن تسليمها بتمام مراتبها لزم، وإلّا انتقل إلى النوع والمالية. وأما الوقف فقد تعلّق بالعين فقط دون بدلها، فلا يصحّ كلامه.
ثُمّ إنه هل يجوز إجارة المسجد كما قال الشيخ كاشف الغطاء(1)؟ فإذا خرب
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) اُنظر: شرح الشيخ جعفر على قواعد العلّامة: 232، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، بيع الوقف وأحكامه.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المسجد بحيث لا يستفاد منه للصلاة، فهل يجوز أن نؤجّر أرضه للزراعة، ونعمّر بإجارته المسجد نفسها، أو مسجداً آخر، أو نصرفها في مصالح المسلمين، أو مثلاً نؤجّر المشعر وعرفات في غير مورد الحج، أو نشترط تمكين المسلمين من الحج فيها -والشيخ كاشف الغطاء قال ذلك في المساجد والخانات ونحوها-، أو كان المسجد عامراً فنحفظه للصلاة، ولكن نؤجّر جدرانه لعرض البضاعات والإعلانات، فإذا رآها الناس عاملوا صاحبها في مغازته؟
بعضٌ قالوا: إن كاشف الغطاء أَخْبَرُ بأدلّة أقواله، ومرادهم أنها لا تتمّ على القواعد.
وبعضٌ قالوا: إنه صحيح، والشيخ يميل إليه. وقالوا في توجيهه(1): إن المسجد له جهتان:
الجهة الأولى: جهة عبادية المسجد، وهو من هذه الجهة له أحكام إلزامية كحرمة التنجيس ووجوب الإزالة. واستحبابية كاستحباب الصلاة فيه.
الجهة الثانية: كونه من الأوقاف العامة. فمن جهة المسجدية لا نؤجّره وإنما نؤجّره من الجهة الثانية.
والحديث في أصل المسالة بنحو يفهم من الجواب أنه: في باب المساجد والمدارس والخانات ونحوها، هل يقفها مسجداً ووقفاً عامّاً بحيث ينحلّ إلى أمرين، مع أنه ليس جعل المسجدية شيء والوقفية شيء آخر؟ فإن زيداً وإن
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 104-105، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الوقف، إجارة الوقف.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
انحلّ إلى طبيعة وخصوصيات، إلّا أن المسجد بعين مسجديته هو وقف. وهل ينحلّ وقف الذرّية إلى وقف على الذرّية وإلى وقف عامّ، أو -بحسب الحقيقة- إن الوقف العام متحقّق بهذا الوقف الشخصي الواحد وهو مصداقه؟
إذن فهذا مسجد فحسب، ولكن من قال إنه لا يجوز إجارة المسجد أو المدرسة؟ وما هو المانع من ذلك فيما لا يزاحم الموقوف عليهم؟ المانع هو أن الوقف تابع لجعل الواقف في جميع الحيثيات، فإذا أوقفه للإسكان فمعناه أن تمام منافعه منحصرة بالإسكان، فقد أسقط سائر المنافع الأخرى وأجازه الشارع. فكما لو وقفه للسادات حرم على غيرهم، كذلك لو وقفه للإسكان أو جعله مسجداً انحصرت منفعته به. ولو أجاز إجارته لم يصبح مسجداً. فلو اقتصرنا على عنوان المسجد لم يصحّ فيه شيء غير العبادة، لكن السيرة قائمة على إيجاد أعمال أخرى فيه كالجلوس والدرس والسكنى كأهل الصفّة، فكان ذلك دالّاً على جوازه. وأما جعل المسجد مزرعة أو مقهى فهو أمر منكر عند المسلمين.
نعم، يأتي الكلام في أن عنوان المسجد إذا ورد على شيء لا يزول أصلاً، أو أنه كسائر العناوين كعنوان الملكية متوقّف على الاعتبار العقلائي، فلو كان عندي شيء ونزل شيء مما يقال إنه ينزل من المريخ(1)، فأخذه وذهب، فإنه يخرج عن الاعتبار العقلائي بالملكية. وكما لو غرقت الأرض تحت البحر بحيث لا يكون قابلاً للزوال، وكان فيها دار أملكها فإنه لا يحكم العقلاء بالملكية.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() يقصد الطبق الطائر. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فكذلك لو كان فيها مسجد، فإن عنوان المسجدية يزول بذلك. فلو ركب جُنبٌ في سفينة فوق هذا المسجد جاز.
ونفس هذا الذي قلناه في المساجد يأتي في الخانات أيضاً من هذه الجهة، لكن إلحاقها بالمساجد من تمام الجهات غير صحيح، فإنها ليست مثلها في عدم قابليتها للتبديل، كما دلّ الدليل على ذلك في المساجد والمشاعر. فإن المانع عنه في الخانات ليس إلّا الوقف، فإذا جاز بيعها أمكن تبديلها.
والأدلّة العامة الواردة في تنفيذ الأوقاف الخاصّة كقوله: “الوقوف على ما يقفها أهلها“، وإن كان يمكن استفادة شمولها للوقف العامّ، إلّا أنها لا يمكن شمولها لصورة طروّ العوارض، لِما قلناه من أنها لا إطلاق لها، أو لما يقوله الشيخ(1) من أنها منصرفة عن صورة طروّ العوارض كتعطّل الوقف، أو الاختلاف الشديد المؤدّي إلى القتال وإراقة الدماء، وهذا الانصراف صحيح لو سلّمنا الإطلاق في نفسه. وهو كما أنه موجود في الأوقاف الخاصّة موجود في الأوقاف العامة أيضاً، بل هي بالجواز أولى. فإن أمرها يكون موكولاً إلى الحاكم، فلو اندرست العين وجب على الحاكم حفظ مصالح المسلمين بإبدالها. بل قد يجوز له بيعها أو إبدالها بدون الاندراس فيما لو اقتضت المصلحة ذلك.
وما قلناه في المساجد من عدم إمكان التبديل لا يأتي في أجزائها، كحجارة المسجد إذا انهدمت، وحجارة الحرم الشريف والكعبة المعظّمة. فإنها قابلة للتبديل.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 34-35، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فالأوقاف العامة -ما عدا المشاعر والمساجد والضرائح المقدسة- كالأوقاف
المخصّصة للمشاريع العامة، وكالمدارس للعلماء، والخانات للزوار، أو الأوقاف على الجهات أو المساجد أو العناوين الكلّية. هذه الأوقاف سواء جعل الواقف عليها متولّياً أو لا، فإن أمرها موكول إلى الحاكم، وأمر بيعها سهل؛ لأنها وقفت لمصالح المسلمين. فإذا اقتضت تلك المصالح بيعه لزم، كما لو وقف خاناً على المارّة وانقطع المرور من ذلك الطريق بالمرّة بشكل لا يرجى عوده، أو حصل الاختلاف بين طائفتين من المسلمين على موقوفة ونحوه مما يجب تدخّل الحكومة فيه. فعلى الوالي أن يبيعه، وللوالي الحقّ في التصرّف في أموال المسلمين حتى في أموالهم الخاصّة لو لزم الأمر. فدائرة ولاية النبي والأئمة وسيعة، وقد أوكلت بجملتها إلى الفقهاء في زمان الغيبة. وأما المتولّي فلا يستطيع ذلك، فإن شؤون التولية هي حفظ الوقف لا إخراجه عن الوقفية. فأمر بيع الأوقاف العامة سهل، وليس كما يقول الشيخ وغيره من أنه لا يجوز.
إنما الكلام في الأوقاف الخاصّة، لا بُدّ أن نرى مواردها:
المورد الأوّل: أن تنتفي المنفعة بالكلّية، أو تنتفي المنفعة المنظورة، ولا يمكن استفادة الموقوف عليهم منها.
هنا تارةً نتكلّم عن أن مقتضى البيع موجود أو لا. ثُمّ إنه إذا كان موجوداً فهل هناك مانع عنه أو لا؟
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أما مقتضى البيع فتوجد في كلماتهم بيانات له:
منها: ما قاله الآخوند(1) من أننا نفهم من القرائن -وهي تسبيل المنفعة إلى الأبد، ولا يمكن أن يبقى الشخص إلى الأبد- أنه وقف الشخص ما دام قابلاً للانتفاع، وإذا زال يكون الوقف متعلّقاً بالبدل. وقد سبق الكلام فيه مع بيانات أخرى.
ومنها: ما قاله الشيخ محمد حسين الأصفهاني(2) من أن ماهيّة الوقف مركّبة من حبس العين وتسبيل الثمرة. حينئذٍ نرى أن تسبيل المنفعة مضيّقة لدائرة الحبس أو موسّعة لها. فإن كانت مضيقة كان الوقف دائراً مدارها وينتفي بانتفائها. إلّا أن الاحتمال الذي يقوّيه هو أن تكون موسّعة لدائرة الوقف.
بيان ذلك: لمّا كان الوقف هو تحبيس العين وتسبيل المنفعة إلى الأبد، وهذا لا يمكن في عين شخصية، أو لا يمكن انحفاظ العين إلى الأبد، وغرض الواقف غرض عقدي، ممضى من قبل الشارع بقوله: “الوقوف على ما يقفها أهلها“، وليس كالأغراض التي تكون غايات للمعاملات، ولا يضرّ تخلّفها في بطلان العقد. غاية الأمر أنه يأتي الكلام في أن المنفعة لازمة للعين،
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحّقق الخراساني): 109-110، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لا يجوز بيع الوقف إجماعاً، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 113-115، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
والمفروض أن العين محبوسة، وأنت تريد أن تُخرج العين عن الحبس وتحبس عيناً غيرها ذات مالية أخرى. فبأيّ طريق يصحّ ذلك؟ يقول: إن مالية العين وإن كانت قائمة بشخصها لكن عند العقلاء إن حفظ المالية يكون بالبدل. فإذا لم يمكن حقيقة بقاء التسبيل الممضى شرعاً، أمكن حفظ ماليتها وبقائها بحسب النظر العقلائي، حتى يحصل الغرض العقدي للواقف الممضى شرعاً.
يقول(1): وهذا أحسن مما قاله المرحوم الأستاذ -يعني الآخوند- الذي يقول بتعلّق الوقف بالعين وببدلها، فإن البدل ليس تحت سيطرة الواقف. وما قلناه ليس معناه تعلّقه بالبدل.
نقول: أما إشكاله على الآخوند فغير وارد؛ لأنه لا يقول إن الوقف يتعلّق بمال الغير، بل يقول: إنه يتعلّق ببدل ماله، وهو تحت سيطرته من أوّل الأمر. فلو أمكن إيجاد هذا الأمر بالإنشاء الواحد أو أوجده بإنشاءين أمكن.
على أن كلامه أساساً غير تامّ:
أوّلاً: إن ما قاله من أن ماهيّة الوقف مركّبة من تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، فهل معناه أن الواقف ينشئ كِلا المعنيين، حتى نسأل عن أن أحدهما موسّع للآخر أو مضيّق له؟ كما يقال في باب الأوامر: إن الأمر يدور مدار علّته سعة وضيقاً. فإذا قال: (لا تشرب الخمر؛ لأنه مسكر)، نفهم أنه قال: (لا تشرب المسكر). أو نقول: إن المطلوب الأساسي للمولى هو عدم وجود شرب المسكر في الخارج، ويكون هذا البيان كافياً في الاحتجاج على ذلك، ولا يحتاج
ــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 3: 115.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المولى إلى جعل جديد للحرمة على المسكر. فيجب الارتداع عنه، وإن كان يستحيل سريان النهي عن متعلّقه وهو الخمر إلى المسكر.
وعلى أيّ حال فالوقف ليس كذلك، بل أمر بسيط غير مركّب. فإذا قال: (حبست العين وسبّلت المنفعة)، فهل يقصد الإنشاء على التسبيل، أو جعل الأمرين كناية عن ذاك المعنى البسيط للوقف؟!
ثانياً: افرضوا أن الوقف أمر مركّب، فهل تأتي في باب المعاملات مسألة التوسعة والتضييق، كما تأتي في باب الأوامر والنواهي، فلو قال: (بعت الخمر؛ لأنه مسكر) يفهم منه أنه باع كلّ ما عنده من المسكرات؟ كلّا؛ لأن المتّبع هو الإنشاء دون القصد، فلا يوجب توسيعاً ولا تضييقاً. فكذلك الوقف.
ثالثاً: أنه حين يقول: (وقفت الدار وسبّلت منفعتها)، فهل يقصد ثمرة الدار أو ثمرة الدار وثمرة ماليتها؟ مع أن المالية لا ثمرة لها، ولا يصدق فيها السكنى، ولا أيّ شيء آخر، ولا يصدق أنها ثمرة العين، فإن ما هو ثمرة البستان هو تفاحه وبرتقاله، وليس هو ماليته. وليس معنى (أسكنت خالاتي) أنه أسكنهنّ في المالية، بل اسكنهنّ في الدار. فالمنفعة منفعة الدار وليست منفعة بدلها. والواقف حين يقف العين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يحسب حساب تلف العين الموقوفة، ولم يخطر ذلك في ذهنه ما لم يكن عالماً درس المسألة الفقهية، وحتى لو كان قاصداً فلا أثر له، وإنما معنى التأبيد ما يكون مقابلاً للانقطاع.
وما قاله الآخوند هو أسلم من هذا البيان، فهل هناك طريق آخر لمطابقة البيع لمقتضى القاعدة في الموارد غير المنصوصة أو لا. قبل أن تصل إلى المانع؟
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ولأجل تتميم الفائدة نذكر الوجوه التي تنتج جواز بيع الوقف عند خرابه، وهو وإن كان التعبير في بعضها بالبيع غير صحيح، فإن المراد الفقهي هو جواز بيع العين التي وقع عليها الوقف، سواء كان الوقف باقياً أو لا.
أما على مسلك كاشف الغطاء(1) وصاحب (الجواهر)(2) من أن الحبس هو حبس عن النقل، وهو المانع عن نقله، مع قولهم بالملكية. فيمكن أن يقال هنا سنخ ما قال الشيخ(3) من أن الأدلّة منصرفة عن هذا المورد، فيقال: إن الممنوعية منصرفة عن مورد خراب العين وكونها في مورد الضياع. فإذا جاز بيعه يرتفع المنع، فيصبح ملكاً غير وقف، فيتّفق الولي مع الموقوف عليهم على بيعه.
وأما بناءً على من يقول بالتمليك إلّا أن المانعية شرعية، فيقال: إن الحبس إنما هو فيما إذا كان له منفعة، وأما إذا لم يكن للعين منفعة فلا يتأتى الجدّ للإنشاء مع العلم، ومع الجهل يحكم ببطلان الوقف. فكما أن هذا ثابت في الأوّل كذلك لو سُلبت المنفعة بنحو لا يرجى زواله، من حيث إن الوقف يتوقّف على إدرار المنفعة، فينتفي الوقف بانتفائها، إلّا أن الملكية تبقى، فيبيعها المالك والولي.
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) اُنظر: شرح الشيخ جعفر على قواعد العلّامة: 232- 239، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، بيع الوقف وأحكامه.
(2) اُنظر: جواهر الكلام 22: 358، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 62، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وفيه إشكالات:
منها: أنهم تخيّلوا أن الوقف هو إدرار المنفعة، مع أنه -بناءً على هذا الوجه- ما هو قوام الوقف هو تسبيل المنفعة لا إدرارها، فإنه كافٍ في تحقّق الوقف.
حال الوقف في ذلك حال البيع، فإنه لا يصحّ ابتداء على ما لا مالية له، ولكن إذا كان له مالية صحّ البيع، فإذا سقطت عنه المالية لا يكون البيع باطلاً، مضافاً إلى بطلان المبنى في نفسه.
وأما بناءً على ما قلناه في الوقف من أنه ليس تمليكاً للغير، لا في الوقف العامّ ولا الوقف على الجهات ولا الوقف الخاصّ، بل هو ماهيّة مشتركة في جميع الموارد، وليس أنه في بعض موارده تمليك وفي بعضها الآخر تحرير، بل هو في كلّ الموارد تحرير. بمعنى أنه إيقاف لدرّ المنفعة على الموقوف عليهم. وتسبيل المنفعة يعني: درّها، وهو غاية للوقف، وليس دخيلاً في مفهومه، وإنما مفهومه هو الإيقاف فقط.
والوقف لا يكون على الأشخاص لاستحالة شموله للمعدومين، وإنما يتعلّق بالعناوين حتى الوقف للذرّية، فإن المعدوم ليس من الذرّية، وحين يوجد يكون منها. فإذا سقطت العين عن المنفعة بالمرّة فهل نقول بلزوم حفظها أو لا؟ وكما يكون للحاكم الولاية في بيع الوقف العامّ إذا اقتضتها المصالح العامة، كذلك الحال في الأوقاف الخاصّة على الذرّية، فإن أمرها إلى الحاكم، فإنه مسؤول عن حفظ مصالح المسلمين، وهذه منها، والطبقة الموجودة ليست
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مالكاً، فدخلها في البيع من باب زيادة التحفّظ، لا من باب مقتضى القاعدة فإنها لا تقتضي دخالتهم فيه. فإذا لم يبعها الحاكم وقد انعدمت منفعتها لم يكن قد عمل في حفظ مصالح الذرّية فلم يقم بوظيفته.
نعم، لو ورد دليل على عدم جواز البيع نتعبّد به. لكنّنا قلنا: إن الأدلّة لا إطلاق لها، والشيخ قال: إنها منصرفة. إذن فيصحّ البيع فيما إذا انعدمت المنفعة أو كادت. والموقوف عليهم لا دخل لهم، وأمرها إلى الحاكم فإنه جزء من وظيفته.
والشيخ يقول(1): الأمر دائر بين ثلاثة أمور:
أحدها: التضييع.
والآخر: البيع.
والثالث: أكل الطبقة الموجودة [للوقف].
وحيث بطل الآخران تعيّن البيع. والعجب أنهم قالوا(2): إن الشيخ يقول: إن الأدلّة المانعة والمجوّزة بينهما عموم من وجه، مع أنه يقول(3) بانصراف الأدلّة المانعة، فلا تكون النسبة بينهما على هذا النحو.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 62، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 117، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 61، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يتصوّر الوقف في كلّ من الأوقاف العامة والأوقاف الخاصّة على ثلاثة أنحاء:
النحو الأوّل: أن يكون الوقف واحداً على عنوان واحد، منطبق على طائفة موجودة، وعلى كلّ طائفة عند وجودها، بحيث يكون الوقف عرفياً وإن كان الانطباق متدرجاً، وليس التدرج قيداً في الوقف.
النحو الثاني: أن يقف على طبقة، ثُمّ على طبقة، لا بنحو أن تكون الطبقات قيداً، بل بنحو الواجب المعلّق، بأن يكون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً، فلا تكون الطبقات قيداً للوقف، بل طبقات للموقوف عليهم، فيكون الإنشاء منحلّاً إلى وقوف متعدّدة، وكلّها فعلية، والموقوف عليهم متأخّر.
النحو الثالث: أن يكون الوقف مشروطاً؛ بأن قال: (وقفت على هذه الطبقة، فإذا انقرضوا وقفت على الطبقة التي بعدها).
فهذه ثلاثة أنحاء للوقف، ونحن لا نريد أن نقول: إن الأوقاف الخارجية كيف تكون، فإنه مما يتوقّف على الاستظهار من الوقفيات، ونحن نتكلّم على الاحتمالات وإن كان الثالث بعيداً، وكلّها تأتي في الأوقاف الخاصّة والعامة.
فإن كان الوقف على العنوان الوحداني، فإن قلنا: إن غاية ما نستطيع تصوّره هو: أن الوقف على المعدومين غير معقول، وإنما الوقف على العنوان وهو فعلي لا بنحو الواجب المعلّق ولا بنحو الواجب المشروط، وقد سبق أن قلنا: إن الوقف هو إيقاف لدرّ المنافع، فإذا أوقف على المسلمين صار من
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
منافعهم العامة، وإذا أوقف على الذرّية كان من مصالح طائفة خاصّة من المسلمين، كما لو وُقِف على طلبة العلم. وقد أسلفنا أنه لو جعل للوقف متولّياً فليس له حقّ البيع، فإنما هو متولٍ على تعميره والصرف منه وعليه، لا على انعدامه.
وحينئذٍ فإذا خرب بحيث لا يرجى عوده، وصارت مصالح المسلمين والذرّية متعلّقة ببيعه، فعلى الحاكم حفظها وعدم تضييعها، وذلك ببيعها، إلّا إذا دلّ دليل على عدم الجواز. وقلنا: إن الأدلّة الدالّة على عدم جواز بيع الوقف إما غير دالّة وإما لا إطلاق لها، وإذا كان لها إطلاق فهي منصرفة كما قال الشيخ. ومصالح المسلمين لا يفرق فيها بين مصالح المسلمين عامة أو مصالح جماعة منهم أقلّ عدداً وأضيق دائرة. وإذا أراد الحاكم بيعها لم يكن للموقوف عليهم منعه عن البيع.
وعلى الصورة الثانية: يكون حالها حال الصورة الأولى في الأوقاف الخاصّة والعامة، ما دام الوقف فعلياً.
وعلى الصور الثالثة: وهي الواجب المشروط بحيث يجعل الشرط قيداً للهيئة. فهذا محلّ إشكال وكلام من أن الوقف على الموجودين بالخصوص، وأما المتأخّرون فليس الوقف بالنسبة إليهم إلّا الإنشاء وليس فعلياً، فليس لهم وقف ولا مصالح. وما يقوله الشيخ(1) من أنه وقف شأني، يعني: إنشائي وكونه صالحاً أن يكون ملكاً، وإلّا فالملك الشأني لا يكون ملكاً. أو نقول: إنه كما يجب
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 63-64.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
على الحاكم حفظ المصالح الفعلية، كذلك ما سوف يكون من المصالح، فإنها مصالح عرفاً. وعلى ذلك يكون نظير الأوّل.
هذا بالنسبة إلى الطبقة المتأخرة، وأما بالنسبة إلى الطبقة الموجودة، فإذا اتفقوا على أن يدعوه يتلف، فهل أنه لا يجوز للحاكم منعهم؟ كما لو أهمل المالك ماله. أو نقول: إنه ليس ملكهم حتى نجيز لهم الإهمال والتضييع فلا يجوز لهم ذلك، غاية ما يجوز لهم أنه ينصرفوا عن منافعه ويرفضوها، فتصرّف منافعها في المسلمين باعتبارها من الانفال أو تكون المباحات يملكها من يحوزها. ففي مثل ذلك نجيز بيعه، وليس للموقف عليهم المنع عنه.
فإذا كان الكلام بنحو الواجب المشروط، بحيث يشترط الوقف على الطبقة المتأخّرة بانقراض الطبقة المتقدّمة، ويتحقّق بتحقّقها، فهذا مورد النظر. فهل نقول: أنه الآن من مصالح المسلمين، أو أنه ليس وقفاً ولا مصلحة؟ فهل يمكن أن نقول: إنه بحسب حكم العقل والعرف من قبيل الوجوب المشروط ومقدّماته؟ فإنه بناءً على وجوب المقدّمة يقال بوجوبها في الواجبات المطلقة، وأما في الواجبات المشروطة حيث نعلم بتحقّق شرطه في حينه، فلم يقولوا بالوجوب الترشحي للمقدّمة، لكن قالوا بوجوبها لئلا يفوت غرض المولى في حينه. وأما من يقول بأن وجوب المقدّمة على فرضه ليس ترشّحياً -كما قلنا-، فإنه يقول بإمكان وجود وجوب المقدّمة وحال عدم وجوب ذيها.
ومعه يقال في المقام: إن الوقف وإن كان مشروطاً بانقراض هذه الطائفة، إلّا أننا نعلم بتحقّق الشرط، وأن هذه الطائفة سوف تنقرض ويكون الوقف فعلياً على الطبقة الأخرى، فإن كان المال للمسلمين أو لبعضهم ووقع موقع
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التلف، فهل يحكم العقل والعقلاء بأن هذه المصلحة التي هي في عهدة التحقّق يجب حفظها بجعل العين الموقوفة بشكل تتحقّق مصلحة المسلمين في حينه؟ فلا يجوز لنا تضييع هذا الوقف، بل يجب أن تجعله بمال يتحقّق فيه حكم الوقف، فيكون حاله حال المصلحة الفعلية. وعلى أيّ حال فالقضية ذات وجهين.
إلّا أن الواجب المشروط قليل في الأوقاف، فإنه إن قال: (وقفت على ذرّيتي) واقتصر كان وقفاً واحداً على العنوان، وإن قال: (طبقة بعد طبقة)، لم يكن قيداً للوقف، بل للاستفادة. ويؤيد قوله (وقفت وأسكنت خالاتي وأخوالي وذرّياتهم)، الدالّ على أن الوقف واحد، والتعدّد إنما هو بلحاظ المنفعة. ولذلك لو سألنا الواقف فإنه يقول: (وقفت على ذريتي إلى الأبد) ولا يقول: (إنني وقفت أوقاف متعدّدة على الطبقات).
الشيخ(1) يذكر وجهاً لجواز البيع ويقول -بعد أن قرّر عدم المانع، وأنه لا دليل على حرمة البيع في هذا الحال-: إن مقتضى البيع موجود؛ لأن الأمر دائر بين ثلاثة شقوق: فإما أن نَدَع العين الموقوفة حتى تفسد، أو أن تتصرّف الطبقة الموجودة من الموقوف عليهم فيأكلونها، أو أن نبيعها حتى تصل المنفعة إلى الطبقات المتأخّرة.
أما الأوّل: فينافي حقوق الله وحقوق الطبقات الموجودة والمتأخّرة، وبهذا يندفع استصحاب عدم جواز البيع -وسنتكلّم عنه-.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 62.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما الثاني: وهو أكل الموجودين فهو تفويت لحقوق الطبقات الأخرى وحق الله تعالى. على أنه لو جاز ذلك لجاز البيع أيضاً، فيثبت جواز البيع في الجملة. وإذا بطل الشقّان تعيّن الثالث.
وأشكلوا(1): أن هذا ليس تضييعاً للمال، وإنما هو ضياع له بأن ندعها حتى تتلف، وما هو الحرام هو التضييع لا الضياع. والظاهر أن الشيخ في القسم السابع(2) أشكل نفس الإشكال على آخرين. وقالوا(3): إن هناك نسبة العموم من وجه بين دليل حرمة التضييع وبين دليل جواز البيع، ولا دليل على تقدّم أحدهما على الآخر.
أما مسألة تضييع المال وضياعه، فلا بُدّ أن يرجع فيه إلى العرف، فإذا كان هناك شاة مذبوحة، فإذا أهملتها حتى تلفت، فهل أن العرف يرى هذا ضياعاً لا تضييعاً؟ لا يبعد أنه يعدّه تضييعاً وإن لم يكن مسلّماً(4).
ولكن أَلَا نستطيع أن نفهمه من أدلّة الإتلاف والتبذير، فإن حرمته من
ــــــــــ[270]ــــــــــ
() اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الخراساني) 3: 117، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 88، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، مسألة: لا يجوز بيع الوقف.
(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الخراساني) 3: 117، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(4) أقول: هذا ثابت جزماً، فإن الاستمرار يكون مستنداً إليّ لا محالة؛ باعتبار أني قادر على إنقاذ العين من التلف فلم أفعل. فإن لم يكن مستند عقلاً فعقلائياً. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
باب الإبقاء على المال وعدم إفساده، فله نظر مقدّمي بالنسبة إلى ما هو المنظور الأصلي. فلو نهى المولى عن شرب الخمر من أجل عدم الوقوع في ذهاب العقل، فهل يمكن أن يقال: إن الحرام هو الشرب، وأما الإشراب فهو جائز؟ أَلَا نفهم من دليل الحرمة أن الشارع لا يريد وقوع هذا الأمر في الخارج أصلاً؟! وكذلك هنا بل أوضح. فإن قوله تعالى: وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً(1) يُفهم منه أن المدار هو عدم ضياع المال وإبقاؤه في الخارج، إذن فتمامية الإشكال مما لا يُعلم.
وأما قضيّة العامّين من وجه فقد قدّم الشيخ مقدّمة؛ لئلا يرد هذا الإشكال وهو الانصراف، غاية الامر أن المستشكل لا يقول بالانصراف، والعجب من الشيخ(2) والشيخ محمّد حسين(3) أنه يقول: لا يقال: إن قوله: “لا يجوز شراء الوقف” واقع في مورد الخرب بدليل قوله: (فلمّا عمّرتها خُبّرت أنها وقف). وهذا(4) غير موجود فيما بيننا، بل يقول: “فلما وفرت المال” أو (وزنت المال) ونحوه. ولم يرد ما ذكره الشيخ لا في (الوسائل)(5) ولا (الوافي)(6) ولا
ــــــــــ[271]ــــــــــ
() الإسراء: 26.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 33، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 114، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(4) شروع في الجواب. (المقرِّر).
(5) تقدّم تخريجها عنه آنفاً.
(6) الوافي 10: 555، كتاب الزكاة والخمس، أبواب سائر أصناف الإنفاق، الباب 69، الحديث 14.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
(الحدائق)(1) ولا -على المظنون- في (التهذيب). فالشيخ أثبته اعتماداً على الذاكرة واعتمد الشيخ محمد حسين على عبارة الشيخ.
ثُمّ يجيب الشيخ على ذلك: بأن العمارة لا تدلّ على سبق الخراب، ثُمّ يقول -يعني المستشكل-: إن الانصراف الذي قاله الشيخ غير تامّ؛ لأن خراب الوقف أمر كثير الوقوع، وليس قليلاً حتى يوجب الانصراف عنه، مع أن الانصراف الذي يقول به الشيخ ليس من باب القلّة، بل من باب الاستبعاد أن يقول الشارع: (دعه حتى يتلف). فإن السامع حين يسمع كلاماً من متكلّم يفهمه طبقاً لأغراضه. فهذا الاستبعاد يمنع من استفادة شمول الدليل لصورة الخراب على تقدير وجود الإطلاق. وقد سبق أن قلنا: إنه غير موجود.
وعلى فرض كونه عموماً من وجه، فإنه إذا كان دليل الجواز هو الآية، يعني: قوله تعالى: وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً، فإنها تكون متقدّمة. ولم أقف على رواية تدلّ على هذا المدلول.
إذا لم يكن لدليل عدم جواز بيع الوقف إطلاق، أو كان، ولكنّه كان معارضاً بدليل عدم جواز تضييع المال، كما قال الشيخ؛ فتساقطا. فهل يكون
-في هذا الفرض- استصحاب عدم جواز بيع الوقف جارياً أو لا؟
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) اُنظر: الحدائق الناضرة 18: 445، كتاب التجارة، الفصل الأوّل، المقام الثالث، المسألة الرابعة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
قال الشيخ(1): إن المنع السابق في ضمن وجوب العمل بالوقف، ووجوب العمل بالوقف هو انتفاع البطون، وهذا الوجوب زائل قطعاً، فالمنع الذي في ضمنه زائل أيضاً.
وهذه عبارة مجملة لا يُعلم المقصود منها. فهل يجب على الموقوف عليهم الانتفاع بالعين الموقوفة، بحيث يكون هذا بنحو الوجوب المطلق؟ فلو خربت وجب تعميرها؛ لأنها مقدّمة الواجب المطلق، مع أن هذا الوجوب مما لا دليل عليه. وإذا كان صحيحاً فما معنى أن حرمة البيع في ضمن هذا الوجوب؟ فإنهم قالوا في الوجوب الضمني: إنه إذا تعلّق الوجوب بشيء وجبت أجزاؤه بنحو الوجوب الضمني. أما المقدّمات واللوازم فليس وجوبها ضمنياً، بل ينبغي أن يسمّى تبعياً، وحينئذٍ فهل نقول: إن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، بحيث إذا وجب العمل بالوقف وجب حفظه، وإذا وجب حفظه حرم بيعه؟
ويحتمل أن يكون مقصود الشيخ: إن الواجب ليس هو العمل بمقتضى الوقف، بل الواجب حفظه للانتفاع. فهل يثبت من هذا حرمة البيع من باب أن المطلق متى حرم تركه كانت مصاديق تركه حراماً، وكان كلّ ما يلازمه كالبيع والصلح ونحوه حراماً أيضاً؟ إلّا أن هذا الكلام محلّ للكلام في كلّ أطرافه. فإننا لا نقول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام، على أنه إذا حرم الضدّ العام فإن ملازماته لا تكون حراماً، فإنها أضداد خاصّة.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 62، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وعلى أيٍّ فهذا كلّه خلاف التحقيق، ولا اعتقد أن الشيخ يلتزم به.
وعلى فرض تماميته، فهل مراد الشيخ إجراء القسم الثالث من الاستصحاب، بأن يقال: إن وجوب العمل بمقتضى الوقف كان موجوداً، وكانت حرمة البيع في ضمنه أو ملازماً له، ولكن الوجوب سقط، وحرمة البيع التي في ضمنه سقطت جزماً. ونحتمل حدوث حرمة أخرى للبيع بعد سقوط تلك الحرمة. نظير قولنا: إنه كان هناك إنسان في المسجد، وقد خرج جزماً، ونحتمل بقاء الجامع لاحتمال دخول إنسان آخر مقارناً لخروجه، فنستصحب طبيعي الإنسان؛ لأننا كنّا نعلم بوجوده ونشكّ بارتفاعه.
إلا أن مثل هذا الاستصحاب وإن كان جارياً في بعض الأحيان، إلّا أنه لا يجري في الأحكام حينما يكون المراد استصحاب الجامع بين حكمين، فإن هذا الجامع ليس بحكم شرعي حتى يستصحب.
على أن الاستصحاب في المقام يمكن أن يكون شخصياً وليس كلّياً، فإن هذه الحرمة التي في ضمن وجوب العمل بالوقف، لا نعلم بزوالها، بل نحتمل بقائها بسبب آخر. مثل أن السقف كان قائماً على دعامة، وقد زالت جزماً، ونحتمل بقاءه قائماً على دعامة أخرى، فإن هذا لا يجعله سقفاً ثانياً. ومعه لا يكون الاستصحاب كلّياً بل جزئياً. نعم، إنما يصحّ ذلك في اللازم ونحوه حيث نحتمل بقاءه لازماً لأمر آخر، وأما في مثل الحكم الضمني أو الغيري، فلا يمكن بقاؤه في ضمن حكم آخر مع انحفاظ ذاته.
وعلى أيّ حال فهذا البحث غير صحيح، وإذا أردنا التدقيق فلا بُدّ أن
ــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
نبحث عن أن حرمة البيع متعلّقة بأي شيء في لسان دليلها؟ قال: “لا يجوز بيع الوقف“، وليس فيها عنوان المنافع. وقد قلنا: إنها منصرفة عن العين الخراب، فلا يكون شاملاً لها، ولا يكون هذا الانصراف مقيّداً للسان الدليل. فهذا الحكم انطبق على هذا الموجود الخارجي قبل خرابه، فنقول: (هذا وقف)، و(كلّ وقف لا يجوز بيعه)؛ فـ(هذا لا يجوز بيعه). فقد علمنا أن هذا لا يجوز بيعه، ونشكّ بارتفاع الحكم مع بقاء صفة الوقفية فنستصحب. ولو كان الحكم مقيّداً لقلنا: (هذا وقف مورد للانتفاع) و(كلّ وقف مورد للانتفاع لا يجوز بيعه)؛ إذن (فهذا لا يجوز بيعه). فالقطع يتعلّق باتّصاف العين الخارجية بالحكم، فنستصحب كما لو قال: (أكرم كلّ عالم) وكان زيد عالماً، فأقول: (زيد عالم) و(يجب إكرام كلّ عالم)؛ فـ(زيد يجب إكرامه). فإذا زال علمه خرج عن موضوع الدليل الاجتهادي جزماً، لكنّني احتمل أن يكون العلم واسطة في الثبوت للحكم لا واسطة في العروض، بحيث يكون قابلاً للبقاء بعد زوال العنوان، غاية الأمر أن هذا لا يثبت بالدليل الاجتهادي، فيمكن إثباته بالاستصحاب؛ لأن موضوع الدليل الاجتهادي وإن كان منتفياً إلّا أن موضوع دليل الاستصحاب لا زال باقياً وهو اليقين والشكّ، فنستصحب وجوب الإكرام. فكذلك في المقام.
[بسط الكلام في دليل الاستصحاب]
نحن في الفروع التي ذكروها -بعد أن قلنا بعدم وجود الإطلاق- ينحصر دليلنا بالاستصحاب، ومعه فيكون التعرّض له مهمّاً ومؤثّراً.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فإذا قلنا: إن ماهيّة الوقف عبارة عن حبس العين وتسبيل المنفعة، بحيث يجب أن تكون الثمرة موجودة حتى تسبل، فكأنّه رجع الوقف إلى أنه: حبس العين ووجود المنفعة المسبّلة. فالوقف على خلاف سائر الموارد في ذلك، فإنه إذا قال: (بعت العين وسبّلت الثمرة) لا يصحّ، ولكنّه يصحّ في الوقف. وأما إذا لم توجد المنفعة فالوقف باطل. وكذلك لو قلنا بما يقول به صاحب (الجواهر)(1) من أن الماهيّة متقوّمة بوجود النهي المالكي، وما ليس كذلك لا يكون وقفاً.
فمن دليل (لا يجوز بيع الوقف) نفهم: أن ما لا يكون وقفاً لا يجوز بيعه، وهذه العين كانت وقفاً، وكان لها عدم جواز الشراء، والآن بعد أن انعدمت منافعها ليست وقفاً جزماً بناءً على كِلا المسلكين، ولكن مع ذلك نشكّ في أنه يجوز بيعه أو لا، لاحتمال أن ما كان وقفاً في وقت لا يجوز بيعه إلى الأبد. فهل يجري الاستصحاب في المقام أو لا؟
أما الاستصحاب الموضوعي فلا يجري؛ لفرض إحراز الموضوع وارتفاع الوقف. والاستصحاب الحكمي يجري كما سنشير إليه.
وأما إذا اعتبرنا الوقف هو الإيقاف، لكن لغرض درّ المنفعة على الموقوف عليهم، وليست المنفعة دخيلة في ماهيّة الوقف، بحيث ينتفي بانتفائها. وقلنا: إن تسبيل المنفعة لا يقتضي وجودها استمراراً وإن كان كذلك حدوثاً، فإنه عند انتفائها يبقى التسبيل الإنشائي موجوداً. فالإيقاف باقٍ، غاية الأمر شككنا أنه
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 358، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مع ثبوت الوقف هل يجوز بيعه أو لا؟ هنا لا معنى للاستصحاب الموضوعي أيضاً لأجل إحراز وجود الموضوع، وإنما يجري الاستصحاب الحكمي.
والتعبير بالاستصحاب الموضوعي وموضوع الاستصحاب غلط، فإن الاستصحاب لا موضوع له، فإنه من القضايا لا من المفردات. فإن الشيخ اعتبر له موضوعاً -اعتبر زيداً موضوعاً-، والمستصحب وجود الإكرام. مع أن هذا غير صحيح، فإن الاستصحاب يتقوم بالشكّ واليقين وهما لا يتعلّقان إلّا بمفاد الجمل. فالمستصحب عبارة عن (زيد قائم) لا عن قيام زيد. إلّا إذا أرجعناه إلى جملة، وقلنا: قيام زيد موجود ليتعلّق بها الشكّ واليقين، ومعه لا يمكن إثبات (كان) الرابطة إلّا بنحو مثبت. أما لو استصحبنا الكون الربطي ابتداءً، وهو (زيد قائم) أو (زيد عادل)، وكان هناك حكم يترتّب عليه، فيثبت بذلك صحّة ترتيبه. فالشيخ أشتبه واعتبر المستصحب مفرداً وهو غير معقول، فإن الشكّ واليقين لا يتعلّقان إلّا بالجملة.
والقضية المتيقّنة والمشكوكة يجب أن تكون واحدة بنظر العرف، لا بحسب لسان الدليل؛ فإن الفرض أن الدليل الاجتهادي قاصر عن هذا المورد ولا مفهوم له، ولو كان شاملاً له إذن لم يجرِ الاستصحاب. فما يقوله الشيخ(1) من أننا يجب أن نأخذ من العرف موضوع الدليل الاجتهادي سعة وضيقاً، وأنه هل
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) اُنظر: فرائد الأُصول 2: 618، المقام الثاني: في الاستصحاب، أدلّة الأقوال في الاستصحاب، حجّة القول الثامن، ومطارح الأنظار 4: 388، القول في الاستصحاب، هداية في الاستصحاب في الأجزاء بعد تعذّر الكلّ، هداية في تقوّم الاستصحاب ببقاء الموضوع.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هو إشارة إلى الذات أو تعبّد بالعنوان؟ فإن كان إشارة إلى الذات جرى الاستصحاب؛ لكونها -وهي الموضوع- محفوظة. ولكن الصحيح أن الدليل الاجتهادي لو كان شاملاً للمورد فلا حاجة إلى الاستصحاب. وإنما الكلام فيما إذا فهمنا أن (العنب) هو تمام الموضوع، والدليل الاجتهادي لا يشمل الزبيب جزماً، ولكنّني احتمل بقاء الحكم بعد زوال العنوان؛ لأنني احتمل كونه واسطة في العروض لا في الثبوت. فحيث يوجد العنب يصبح العنب (هذا)؛ لأن العنب إذا غلى ينجس، وهذا عنب؛ فهذا ينجس. وحينئذٍ تتّحد القضيتان؛ لأن الزبيب عين العنب عرفاً، ولم يطرأ عليه الإجفاف. فإذا جفّ لا يكون مشمولاً للدليل الاجتهادي، ولكن أقول: كنت على يقين أن هذا إذا غلى يحرم، وأشكّ أن هذا إذا غلى يحرم؛ فاستصحب(1) .
ــــــــــ[278]ــــــــــ
() أقول: هذا الكلام من غرائبه. فإن الحكم إنما يشمل الموجود الخارجي بصفته مصداقاً من العنوان المأخوذ في لسان الدليل، ولا يمكن أن يشمله شمولاً مطلقاً. والعنوان ظاهر في التقييد؛ فيدور مداره وجوداً وعدماً، ولا أقلّ من انتفاء شخص الحكم الذي يمتنع معه الاستصحاب. وليس العنوان ظاهراً بالعلّية حتى يدور أمرها بين كونه واسطة في الثبوت أو في العروض أو علّة محدثة ومبقية أو محدثة فقط. ومما يزيد المطلب غرابة هو ما يذكره من تعليق الأحكام بالعناوين والطبائع، واستحالة انفكاكها عنها، وسرايتها منها إلى غيرها. كما أن ما يقال عادةً من امتناع تعلّق الأحكام بالأفراد أيضاً شاهد على ما نقول.
فإن قيل: فإن الفرد يكتسب الحكم بصفته مصداقاً للطبيعة.
قلنا: نعم، ولكن ذلك لا يكون مفيداً إلّا في مورد بقاء العنوان مع الشكّ في ارتفاع الحكم. وأما إذا علمنا بانتفائه فقد علمنا بخروجه عن المصداقية؛ فتكون قضيّة القيد انتفاء الحكم جزماً.
ومعه يتّجه كلام الشيخ في لزوم إحراز بقاء موضوع الدليل الاجتهادي، حتى يجري الاستصحاب بعد الشكّ في بقاء حكمه وعدمه. فإن إحراز بقاء الموضوع لا يلازم احراز بقاء الحكم -كما تخيّله -؛ لاحتمال أن تكون الحالة الطارئة -في الآن الثاني- علّة في ارتفاعه ثبوتاً فيستصحب.
نعم، إذا كان مقتضى كلام الشيخ تعلّق اليقين والشكّ بالمفردات فهو غير صحيح. بل نستصحب موضوع الدليل الاجتهادي بنحو الكون الرابطي غير المثبت. فإن موضوعه هو العادل، وكان زيد عادلاً؛ فالآن عادل.
وعلى ماقلناه فعلى مسلك صاحب (الجواهر) والمسلك الآخر، لايجري الاستصحاب؛ لانتفاء الموضوع، وهو الوقف على الفرض، وعدم* احتمال بقاء شخص الحكم بعده، وعدم تعلّقه بالأفراد.
نعم، على مسلكه يجري الاستصحاب؛ لفرض بقاء الوقف واحتمال اقتضاء الحكم في الآن الثاني للعارض الجديد. انتهى. (المُقرِّر).
* يعني: قيام الحجّة الاجتهادية على العدم بمفهوم القيد بنحو الموجبة الكلّية. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ففيما نحن فيه قال: “لا يجوز بيع الوقف“، وقد انتفى الوقف جزماً، واحتملنا أن ما كان موقوفاً آناً ما لا يجوز بيعه الى الأبد، فلا يجري استصحاب الموضوع للعلم بانتفاءه، بل نشير الى هذه الدار ونقول: (كانت لا يجوز شراءها فالآن كذلك)؛ لأن الحكم انطبق على الخارج. وهذا الاستصحاب في سائر الموارد غير المنصوصة، كانعدام المنفعة وقلّتها، أو كونه عوداً على الموقوف
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
عليهم، ما لم يقم دليل على الجواز.
بعض الفروع المترتبة على جواز بيع الوقف، وكان الأنسب ذكرها بعد الانتهاء من المسألة، لكنّنا نتابع الشيخ في ذكرها في المقام.
[1- في كون البدل له استعداد البقاء ذاتاً ومنفعةً]
الموقوفات يمكن أن تكون على أنحاء مختلفة:
الأوّل: أن يكون للأعيان استعداد البقاء الى انقراض الموقوف عليهم ذاتاً ومنفعة.
الثاني: أن تكون لها قابلية البقاء ذاتاً لا منفعة.
الثالث: ألّا تكون لها قابلية البقاء لا ذاتاً ولا منفعة.
وهذا التقسيم يأتي في الموقوفات العامة والخاصّة، فهل في جميع هذه الموقوفات إذا بيعت يجب أن نبدلها بعين لها استعداد البقاء ذاتاً ومنفعة، أو لا يجب في الجميع. أو تبدّل كلّ عين بمثلها من هذه الناحية.
الشيخ(1) تحدّث عن ذلك بمقدار سطر واحد، فقال: يمكن أن يقال: إن الاعيان الموقوفة إذا لم يكن لها استعداد البقاء للطبقات المتأخّرة، فلا يجب مراعاة حالهم؛ لأنهم لا حقّ لهم في الوقف، وخارج عن حدود استحقاقهم. ثُمّ أمر بالتأمّل.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 62، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فهل نقول: إن إنشاء الواقف يختلف في هذه الموقوفات؟ فإذا وقف عيناً قابلة البقاء ذاتاً ومنفعة كان الوقف مرسلاً. وإذا لم يكن كذلك كان الوقف محدّداً. بحيث يكون منقطع الآخر وينتفي الوقف بانتفائها. لا شكّ أن الجعل واحد سواء كان على الأرض أو الدابّة، فإنه فرق بين تحديد الإنشاء وكون الشيء غير قابل للبقاء، وليس البيع منقطع الآخر جزماً.
وما قاله بعض المحقّقين(1) من أن الحبس لغرض الانتفاع فيدور مداره، ولا يعقل أن يبقى الوقف من دون انتفاع، إلّا أن هذا يتوقف على أن نقول على أخذ الانتفاع في ماهيّته، مع أنه ليس كذلك. وتسبيل المنفعة الوارد في الحديث ليس باعتبار دخالته في ذاته، وإنما هو ماهيّة واحدة بإنشاء واحد، لا أنه ينشئ أمرين: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، بل حتى لو أنشأ بهذا النحو فإنه يقصد الكناية إلى الماهيّة الواحدة للوقف. فمثلاً: الجسم وإن كان مادّة وصورة إلّا أنني إذا قلت: (الجسم كذا) لا يعني أنني قلت: (المادّة كذا) و(الصورة كذا)، مع أنني لم أقصد ولم ألتفت إلى المادّة والصورة أصلاً. وإنما قصدت الجسم بصفته أمراً وحدانياً.
وبعضهم قال(2): إن هذا وإن كان تابعاً للأغراض وهو انتفاع الطبقات، وهو محدود بوجوده، لكن يجاب ذلك: بأن الأغراض قد تكون موسّعة للوقف
ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 114، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 180، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثاني، الكلام في بيع الوقف وما يتعلّق به.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وقد تكون مضيّقة، فإن كانت مضيّقة حدّدته بصورة وجود المنفعة، وإن كانت موسّعة تعلّق الوقف بالعين وبالمالية معاً.
وقال: إن هذا الإشكال إنما يتمّ فيما إذا قلنا: إن الأغراض مضيّقة، وأما إذا قلنا: إنها موسّعة للوقف فتعلّق بالمالية، لم يرد الإشكال.
وقد سبق أن ناقشناه، ولو سلّمنا أن الوقف يتعلّق بالمالية، فالمالية أحياناً محدودة، كما لو كانت موقوفة خربة في طريق كثير المارّة، فإنها قد تباع بثمن كبير، لكن لو منع المرور تماماً وبقيت صحراء خالية، فإنها لا تباع بثمن، فإن البرّية لا قيمة لها!!
وعلى ما قلناه: من أن الأوقاف ليست ملكاً ولا حقّ للمعدومين فيها، وإنما الوقف فكّ ملك وإيقاف لدرّ المنفعة، ففي الأوقاف العامة صار من مصالح المسلمين، وفي الخاصّة صار من مصالح بعضهم. فإذا جاز بيعها وكان بيعها إلى الوالي حتى في الوقف على الذرّية؛ لأنه هو الولي على البطون الآتية دون الأب؛ لأن الأبوّة لا تصدق على المعدومين ولا عنوان الذرّية. وإذا باعها الوالي وجب عليه مراعاة حال المسلمين أو الجزء منهم، فلا يجوز له أن يبدلها بعين غير قابلة للبقاء إلّا قليلاً؛ محتجّاً بأن العين الأولى كانت بعد خرابها كذلك. فإن هذا خلاف وظيفته الأوّلية.
ولا يقال: إنه كما يجوز في الأوقاف العامة أن نعطي المنفعة للبعض كذلك يجوز ذلك في الأوقاف الخاصّة.
فإنه يقال: إن البسط على الجميع أو الاقتصار على البعض تابع لكثرة
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الموقوف عليهم وقلّتهم، ولا ربط له بالوقف العامّ أو الخاصّ. فإن كانوا كثيرين فقد ورد عدم وجوب الاستيعاب، سواء كان الوقف على ذرّية معيّنة، أو كان على عنوان عامّ كالفقراء أو المسلمين. وإذا كانوا أفراداً محدودين وجب الاستيعاب، سواء كان الوقف خاصّاً أو عامّاً، كما لو وقفت على عدول بقالي النجف وكانوا خمسين، فيجب استيعابهم.
[2- في احتياج البدل إلى صيغة الوقف]
من فروع بيع الوقف التي تعرّض لها الشيخ(1): أنه بعد أن حصل البيع وأخذ البدل فهل البدل يكون وقفاً بلا حاجة إلى صيغة الوقف، أو يحتاج إليها، أو هناك تفصيل بين الأقسام؟
أما بناءً على مسلك من يقول ببطلان الوقف قبل حصول البيع بمجرّد جوازه، وتبقى ملكية الموقوف عليهم(2)، فلا وجه لكون الثمن وقفاً -إلّا ما سنذكر-؛ لأن صيغة الوقف كانت متعلّقة بالعين -على ما هو التحقيق- والبدل ليس بدلاً للوقف؛ لأن العين خرجت عن الوقف قبل البيع.
وعمدة دليل من يقول(3) بوقفية الثمن كونه مقتضى العوضية كما في الرهن،
ــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 180، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثاني، الكلام في بيع الوقف وما يتعلّق به.
(2) اُنظر: جواهر الكلام 22: 358، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 66، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فإن مقتضاها أيضاً كون الثمن رهناً. وفي المقام لم تحصل المبادلة مع الوقف، بل مع الملك.
نعم، من يقول(1): بأن الوقف طارئ على العين أوّلاً وبالذات وعلى بدلها على تقدير تلفها. يكون لذلك الكلام وجه، إلّا أن المبنى باطل أساساً.
وأما إذا قلنا بأن الوقف يبطل بنفس البيع، فهذا محلّ البحث في أن مقتضى العوضية هل هو جعله وقفاً أو لا؟ ففيه احتمالان:
أحدهما: أن الوقف وملكية الغير بينهما مضادّة. غاية الأمر أنه إذا لم تكن المجوّزات قد طرأت كانت الغلبة لهذا الضدّ، وهو الوقفية، وإذا طرأت المجوّزات كانت الغلبة لذاك الضدّ، وهو البيع عند وقوعه.
بناءً عليه فالإنشاء بنفسه غير منافٍ للوقف ما لم يحصل تملك المشتري فعلاً. فإن المعاوضة لا تتحقّق إلّا بالقبول. فحين تحصل المعاوضة تكون الوقفية قد انتفت. فالمشتري لا يشتري الوقف، بل يشتري العين مسلوبة الوقفية. وليس أنه يملك الوقف آناً ما ثُمّ يخرج عن الوقفية لمكان المضادّة. ومعه فما قاله الشيخ(2) وتابعوه(3): من أن مقتضى المعاوضة أن يكون عوض الوقف وقفاً، لا يتمّ؛ لأن هذا
ــــــــــ[284]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند): 110، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 66، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للآخوند): 110، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، وحاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 127- 128، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ليس عوض الوقف، بل عوض العين الذي كان وقفاً.
وأما إذا قلنا بأن البيع ينافي دوام الوقف لا أصل ثبوته، فيملكه المشتري آناً ما وقفاً، ثُمّ يصبح ملكاً طلقاً، كما يقال مثله في العمودين. فيكون لِما قالوه وجه، وهو أن يقال: إن المعاوضة وقعت بين الوقف بما أنه وقف وبين الثمن، فيجب أن يكون وقفاً مثلها.
إلا أنه يمكن أن يناقش أن البيع مبادلة مال بمال، فما له دخل في مالية المال يقع الثمن في مقابله، وإن لم يكن له دخل في القيمة، ككون الحنطة باردة في الشتاء وحارّة في الصيف، فإن الثمن لا يكون في مقابلها. ومن ذلك الوقف، فإنه كان مانعاً عن البيع قبل طروّ المجوّز، فإنه لا يعقل أن يكون دخيلاً في المالية بعد طروّه. ومعه فلا تكون المعاوضة مع الوقف، بل مع العين التي كانت موقوفة، فحتى لو قلنا: إن المشتري يملك الوقف آناً ما، إلّا أنه لنا أن ننكر أن الثمن عوض الوقف.
على أن الكبرى وهي أن عوض الوقف لا بُدّ أن يكون وقفاً، لا دليل عليها، وإلّا لزم أن يكون عوض الحنطة حنطة. وغاية ما ثبت هو أن يكون الثمن في ملك من خرج من كيسه المثمن. وأما أن عوض الوقف وقف فلا. غايته أن يقال: إن الوقف يصبح ملكاً للموقوف عليهم، لا بحيث يجوز لهم سائر التقلّبات، بل بنحو يجب عليهم حفظ مصالح الطبقات المتأخّرة، ونحن إذ نقول: إنه فكّ ملك، فهو ليس كالمباحات العامة، بل بنحو يجب فيه حفظ مصالح الطبقات المتأخّرة.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ثُمّ إن من يقول: إن له حكم الوقف(1)، لا بُدّ أن يلتزم بعدم جواز معاوضته بالثمن، إذ لا معنى للوقف فيه بل لا بُدّ أن يبادل عيناً بعين، مدرسة بمدرسة، وهذا قلّ مَن تعرّض له(2)، وإن صرّح البعض بأنه لا يجوز بيع الوقف، إلّا بما يصلح أن يكون وقفاً(3).
وذكر الشهيد(4) برهاناً على عدم احتياج الثمن لصيغة الوقف، وهو: أن البدل لا بُدّ أن يحلّ محلّ المبدل ويملأ محلّه. وحيث إن العين موقوفة محبوسة
-كما يقول الشيخ- فكذلك يجب أن يكون بدلها.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 66، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 134، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(3) قلت له: أنه على المختار يصبح الثمن أو العوض من المباحات العامة، بنحو يجب حفظ مصالح الطبقات المتأخّرة فيه، وهذا هو مفهوم الوقف.
فأجاب بأمرين:
أحدهما: إن الوقف لا يتحقّق مفهومه إلّا بإنشاء الصيغة.
أقول: وهي دعوى لم يذكر عليها دليل.
ثانيهما: النقض بجواز البيع، فإنه مما يقال بجواز بيعه، ولو كان وقفاً لَما جاز بيعه.
أقول: وهذا النقض ليس واضحاً، بل يمكن الالتزام بضدّه، فإنه تثبت مثل هذه الأحكام بالقواعد لا بدليل خاصّ. (المُقرِّر).
(4) اُنظر: غاية المراد 2: 442، كتاب العطايا، المقصد الثاني، المطلب الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ونحو هذا المعنى يقوله بعض(1) مِن أن البيع عبارة عن جعل الشيء بإزاء الشيء. وهذا يختلف اقتضاؤه باختلاف الموارد. فقد يقتضي السقوط كما في بيع الدين على من هو عليه. وأخرى يقتضي التحرير، كما لو باع العبد على من ينعتق عليه وإن ملك البائع الثمن. وله في الوقف اقتضاء آخر وذلك إن الأعيان الموقوفة على نحوين: وقفية محضة كالوقف العامّ، ووقفية مملوكة كالوقف الخاصّ. ومقتضى البيع كون الثمن وقفاً محضاً تارةً ومملوكاً أخرى. ونحن لا نتوخّى في الوقف أكثر من ذلك.
وهذا حاصله نفس ذلك الوجه، إلّا أن قوله: (إن هذا هو مقتضى البيع)، أبعد من عبارة الشهيد من أن العوض يدخل في محلّ المعوّض، فهذا مهمّ ما قالوه لعدم احتياج الثمن إلى صيغة.
ونحن لو سألنا صاحب هذا القول: أنه على مبنى صاحب (الجواهر) وكاشف الغطاء من أن العين تخرج عن الوقفية بمجرّد جواز البيع، وتدخل في ملك الموقوف عليهم. فماذا يجب أن يقال؟ إن برهان الشهيد يقتضي أن لا يكون البدل وقفاً؛ لأنه ليس بدلاً عن العين الموقوفة، بل عن العين المملوكة ومقتضى ملئه لمكانها كونه مملوكاً لا وقفاً.
وإذا قلنا بأن الوقف يبطل بالبيع نفسه من باب المضادّة بين الوقف وملكية الآخرين، فبنفس البيع سقطت العين عن الوقفية لا بإنشاء الموجب، وإلّا كان
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 127-128، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أوضح منه، بل مثل كلام صاحب (الجواهر)؛ لأنها سقطت عن الوقفية قبل الملكية. بل سقطت عنها بتمامية القبول، وما وقع في ملك المشتري ملك طلق لا ملك الوقف. فهنا غاية ما يقتضي برهان الشهيد من (أن البدل يحلّ محلّ المبدل) أن المشتري يعطي بدل ما وصل إليه، لا أنه يعطي بدل ما لم يصل إليه. وما جاء إلى المشتري هو الملك الطلق لا الوقف. فببرهان الشهيد لا يكون البدل وقفاً.
وقيل بتعبير آخر(1): إن الإضافات التي كانت لهذه العين للموقوف عليهم سقطت وحصلت إضافة للمشتري. فلا بُدّ أن أملأ مكان تلك الإضافات التي سقطت وأعطي بدلها.
نقول: إنما يجب على المشتري بدل الإضافة التي ترجع إليه، لا مطلق الإضافات التي انسلبت عن البائع. والمقايسة بالبيع غير تامّة، فإنه في البيع الاعتيادي يكون لكلٍّ من المتبايعين سلطان على العين وعلى تمليكها بالعوض، فكلٌّ منهما يملكها بالعوض بمقتضى سلطانه، وأما مشتري العين الموقوفة فله سلطان على الثمن، إلّا أنه لا سلطان له على جعله وقفاً. وهو إنما يعطي البدل بعنوان الثمنية لا بعنوان الوقفية، ولو أراد الوقف لم يكن هناك معنى لأخذ العوض عنه. على أن الفرض هو أن البدل يصبح وقفاً حين يصل إلى الموقوف عليهم، لا حين يخرج من المشتري، والمشتري لا سلطان له على وقف ما خرج من كيسه وتمّت المعاملة عليه.
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 128، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ولو قيل: إن البيع يتنافى مع استمرار الوقف لا مع أصل الوقف، كما يقال في العمودين، وهناك صحيح، إلّا أنه هنا غير صحيح، إلّا أنه يدّعى عدم المضادّة بين البيع والوقف إلّا من حيث الاستمرار، فتنتقل إلى المشتري وقفاً، ثُمّ تعود ملكاً طلقاً. فهنا يكون مقتضى برهان الشهيد هو وقفية الثمن بعد أن وصل المثمَن إلى المشتري وقفاً أيضاً. إلّا أننا نقول: إن المشتري يقف ثُمّ ينقل أو ينقل ثُمّ يقف. مع أنه إذا وقف لا يمكنه النقل وإذا نقل لا يمكنه الوقف.
إذن فصيرورة البدل وقفاً بالبيع غير صحيح، ولا بُدّ ظاهراً من إجراء صيغة الوقف.
ثُمّ إنه على كلّ المباني إذا لم يوجد مشترٍ يعطي في مقابل الوقف ملكاً، وإنما وجد من يعطي نقداً أو حنطة مما لا معنى للوقف فيه. فهل يقال هنا بعدم جواز البيع أو بجوازه؟ وإذا بعناها فالثمن هل هو ملك أو وقف؟ يقول الشيخ(1) في أوّل كلامه: إنه لا يحتاج إلى صيغة. ثُمّ يقول: إنه بحكم الوقف، يعني: ملك الموقوف عليهم؛ إذن قل: ملك لا وقف. ثُمّ إنه يرتّب آثار الملك إلى آخر كلامه، ثُمّ إنه إذا اشترينا بهذا المال أرضاً فهل تصبح بالشراء وقفاً؟ وهل هي إلّا بدل المملوك لا الموقوف؟
يبقى عندنا مطلب: وهو أن البدل لو أصبح وقفاً بالشراء فهل يحرم بيعه أو لا؟
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 65، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذا قلنا: إن بدل الوقف وقف، فهل يجوز بيعه إذا لم تحدث مسوّغات البيع عليه أو لا؟
إذا قلنا: إن ماهيّة الوقف، هو الحبس عن الانتقالات، كما يظهر من الشيخ في بعض كلامه(1)، حيث يستفيد من قوله: “صدقة لا تباع ولا توهب“: أنه صفة للنوع لا أنه حكم شرعي. فبناءً عليه لا بُدّ أن يوجد المسوّغ لبيع البدل؛ لأنه كما أن الوقف بالصيغة لا يجوز بيعه إلّا بالمسوّغ، فكذلك الوقف بالبدلية. فإن ماهيّة الوقف متحقّقة فيه على الفرض، وهي كونه لا يباع ولا يوهب.
وكذلك لا يجوز بيعه لو قلنا: إن قوله: “لا يجوز شراء الوقف” له إطلاق، فإن هذا وقف فيشمله إطلاق النهي.
وأما إذا أنكرنا الأمور الثلاثة كما هو الصحيح ” فلا أن الوقف هو الحبس عن الانتقالات، ولا أن المراد من (لا تباع) كونه صفة للنوع، ولا إطلاق في النهي عن بيع الوقف. إذن فلا يبقى دليل على عدم جواز بيعه، بل مطلقات تنفيذ العقود تصحّحه. وكأنّ الشيخ أعرض عن كلامه الأوّل، حيث قال أوّلاً: أنه لا يحتاج إلى تجديد الوقف، فكأنّه أراد أنه وقف لا يحتاج إلى تجديد الوقف، ثُمّ قال: إنه بحكم الوقف من حيث كونه ملكاً للموقوف عليهم.
وأما إذا قلنا: إن الوقف -حتى الخاصّ منه- ليس من باب الملكية، بل من باب الإيقاف عليهم لدرّ المنافع عليهم، أو قلنا بالملكية لكن لا كملكية سائر
ــــــــــ[290]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 34-35، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الأشياء، بل هي ملكية محدودة، والبدل وإن لم يصبح وقفاً – كما قلنا- إلّا أنه لا يمكن أن يكون مملوكاً ملكية مطلقة، بل لا بُدّ أن يكون مملوكاً ملكية محدودة كالمثمن. وليست الملكية كالوقف خارجاً عن الماهيّة، بحيث لا يمكن أن ينتقل إلى الثمن، فلو كانت العين مملوكة بملكية محدودة كما لو كانت داراً للإسكان والانتفاع فقط، لم يجز جعل الثمن إلّا كذلك. لا من باب تحقيق أغراض الواقف، فإنها لا أثر لها لوضوح عدم شمول صيغته للثمن، بل لأجل كون الملكية محدودة من أوّل الأمر بجعل الواقف.
فإن العين الموقوفة كانت ملكيتها محدّدة، ولو بقينا نحن وذلك لَما جاز بيعها، وطروّ الجواز لا يقتضي كونها ملكية مطلقة، بل غايته ارتفاع المنع عن بيع الوقف، فتكون الملكية محدّدة كما كانت. ومعه فلا بُدّ أن يكون البدل كذلك. نعم، تنتقل العين إلى المشتري مطلقة بحسب الدليل الشرعي الخاصّ.
وتخيّل أن العين تصبح ملكيتها مطلقة قبل البيع آناً ما، ثُمّ تنتقل بالبيع؛ فيكون الثمن بدلاً عن العين المملوكة ملكاً مطلقاً، غير تامّ؛ لأنه ينافي مسألة التضادّ بين الوقف والانتقال، فإن هذا التضادّ يقتضي كون انتقالها وخروجها عن الوقفية أو الملكية في مرتبة واحدة.
إذن فالثمن أو البدل لا يجوز التصرّف فيه خارجاً عن الملكية المحدودة، فإن المنافع الزائدة لم يكونوا مالكين لها أساساً. نعم، في الموقوفات على مطلق المنافع يمكن أن يقال: إنه تصبح ملكية بدلها ملكية مطلقة، فإن غاية الأمر أنه لم يكن يمكن بيع العين، ولكنّه حين جاز أصبحت ملكيتها مطلقة، فيكون بدلها
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كذلك أيضاً. ومعه فلا يبعد القول بأنه لا يجب أن يشتري شيئاً مثله(1).
[3- في جواز التصرف ببدل الوقف وبيعه]
ثُمّ إنه يقع الكلام في عدّة أمور:
أحدها: أنه هل يجب حفظ غرض الواقف في الثمن أو البدل، فإذا كان مدرسة لزم أن نشتري مدرسة، وإذا كان بستاناً للنزهة لزمنا أن نشتري مثله أو لا؟
ثانيهما: أن الحاكم الشرعي هل يجب أن يحفظ الأصلح للموقوف عليهم، أو يكفي توفّر المصلحة في الجملة؟
ثالثها: أنه هل يجب شراء الوقف بدل الوقف أساساً أو لا؟
[4- في وجوب شراء البدل المماثل]
الأوقاف سواء العامة منها أو الخاصّة تارةً تكون للانتفاع، يعني: لهم حقّ المنفعة من دون أن تكون لهم ملكية المنفعة. وأخرى يكون وقف منفعة، وهذا على قسمين:
ــــــــــ[292]ــــــــــ
() أقول: هذا كلّه لو قلنا بالملكية إلى جانب الوقف، وأما لو نفيناها فكلّ هذا الكلام لا يأتي، وإن ساقه السيد مساقاً واحداً مع مختاره في نفي الملكية. إلّا أن الواقع هو أنه بناءً على نفي الملكية لا يمكن أن يكون البدل ملكاً، بل يخرج من ملك المشتري، ويكون بنحو بحيث يجب أن تحفظ به مصالح الموقوف عليهم بطبقاتهم. فإن قلنا بعدم جواز بيعه، كان وقفاً قهراً، كما أشرنا في تعليقنا على المحاضرة السابقة. وإن قلنا بجواز بيعه، لم يرتفع وجوب حفظ المصالح على كلّ حال، فيكون من قبيل وقف المالية المحفوظة في الأبدال المختلفة. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الأوّل: أن يقف هذه المنافع بدون تقييد، فيجعل لهم مطلق المنافع.
الثاني: أن يجعل للمنافع قيوداً وشروطاً، فيقول مثلاً: (هو وقف على أولادي؛ ليؤجّروها على أهل العلم، أو الزوار)، فلا تكون لهم المنفعة المطلقة، بل بقيود.
فهل يجب في كلّ هذه الموارد أن نشتري المماثل أو نعاوض الوقف معه، أو لا يجب المماثل مطلقاً، أو هناك تفصيل بين هذه الأقسام؟
الظاهر أن التفصيل أوفق بالقواعد، فلو وقف للإسكان فهناك طريقان للزوم شراء المماثل:
الطريق الأوّل: أن هناك معاكسة بين تلقّي المشتري للعين وتلقّي البائع للثمن. فالبائع يبيع الوقف، وحين يتلقّاه المشتري يتلقّاه ملكاً مطلقاً، وذلك للتضادّ بين الوقف والانتقال، والضدّان متّحدان في المرتبة فضلاً عن الزمان. وأما الثمن فيخرج من المشتري طلقاً، ولكن حين يتلقّاه البائع، تصبح ملكيته محدّدة لا مطلقة؛ لأجل بعض الخصوصيات، إذن فالثمن الحاصل لديهم مملكوك بنحو يجب تهيئة شيء قابل للإسكان، كما كانت عليه العين الموقوفة من قبل. هذا في موارد وقف الانتفاع.
وكذلك في وقف المنفعة كما لو قال: (هذا وقف على أولادي؛ ليؤجّروه على العلماء)، فهذا ليس ملكية مطلقة حتى نذهب إلى تطبيق الأصلح ولا إلى حال الموقوف عليهم.
الطريق الثاني: أن المصالح العامة كالوقف العامّ أو الأولاد هل هي
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مصلحة مطلقة، أو مصلحة خاصّة؟ فإنه قد يقف قرية على مصالح العلماء بشكل مطلق، وأخرى يقف مدرسة لإسكان الطلاب، وحينئذٍ فمن يجب عليه حفظ المصالح -وهو إما المتوّلي أو الحاكم الشرعي على ما يأتي- يجب عليه حفظ هذه المصلحة الخاصّة لعموم الطلّاب أو لعموم المسلمين. فإذا أوقف على أولاده ليؤجّروها على العلماء يمكن أن يقال: إن كلاً من الموقوف عليهم والعلماء لهم مصلحة في الوقف يجب حفظها، ويكون حفظها بشراء المشابه.
[مناقشة ما أفاده العلمان الآخوند والنائيني في المقام]
وأما الطرق التي قالوها، كالطريق الذي ذكره المحقّق النائيني(1) فإنه يقول ابتداءً: إن المشابه غير لازم، ولكنّه ينتهي إلى لزومه؛ لأنه يقول: إن الوقف بالنسبة إلى الأشياء القابلة للفساد خلال الزمان كالدار يتعلّق بالعين، وبعد خرابها يتعلّق بالمالية، وأما بدله فلم يتعلّق الإنشاء به ليجب تحصيل المشابه، فتحصيله يحتاج إلى دليل. إلّا أن يقال: أنه كما قيل في الضمان أنه يترتّب من الشخصي إلى البدل إلى المالية عند عدم سابقه(2)، فكذلك ينبغي أن يقال في الأوقاف، فيقال: بأن الوقف يتعلّق بالعين، وعلى تقدير التلف فبالبدل، وعلى تقدير عدمه فبالمالية.
ــــــــــ[294]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 350، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثاني، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 1: 369- 371، كتاب البيع، حكم المقبوض بالعقد الفاسد، حكم المنافع المستوفاة، إذا تعذّر المثلي في المثلي.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ولكن هذا لا يتمّ في باب الضمان، ولو سلّمناه لم يصحّ قياس الوقف عليه، فإنك كنت تقول في باب الضمان: إن اليد تقع على صورة الشيء الشخصية وصورته النوعية والمالية، فيجب الخروج عن عهدة ذلك بحسب الإمكان. واليد واقعة دفعة واحدة على الأمور الثلاثة، لا أنها واقعة على العين وإن لم تكن فعلى النوعية وإن لم تكن فعلى المالية، وإنما الترتّب في الخروج عن العهدة.
وأما في المقام فأنت تريد أن تجعل وقوع الإنشاء مترتّباً على هذه الأمور. وهو مستحيل في الإنشاء الواحد أن يكون تنجيزياً وتعليقياً، تنجيزياً على العين وتعليقياً على النوعية والمالية. فما قيل في الضمان لا يتمّ هنا.
كما أن ما قاله الآخوند(1) وهو: أننا يجب أن نحفظ غرض الواقف، فإنه مقدّم على حقّ الموقوف عليهم، وغرضه غرض إنشائي.
قلنا: إن الأغراض لا اعتبار فيها في المعاملات ما لم تكن تحت الإنشاء. والإنشاء لم ينصبّ على البدل، وإنما اقتصر على العين فقط. ومعه فلا دليل عندنا على لزوم حفظ غرض الواقف. أو أنه صار حقّاً لله عزّ وجلّ، فإنه مما لا محصّل له كما سبق(2).
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 110-111، كتاب البيع، القول في
(2) أقول: يمكن أن يناقش جواب السيد للمحقق النائيني: بأن المقصود الحقيقي للنائيني هو وقوع الإنشاء دفعة على الجهات الثلاث للعين، فتكون بمنزلة اليد العرضية في باب الضمان تماماً. ويكون الخروج عن عهدة حقّ الموقوف عليهم تدريجياً، كالخروج عن عهدة الضمان. ولا يتحصّل جواب من السيد على هذه المناقشة، إلّا أنها خلاف ظاهر عبارة النائيني.
ويمكن أن يناقش جواب السيد مع الآخوند: بأن السيد بعد أن اعترف أن الغرض إذا كان تحت الإنشاء وجب حفظه، ففي إمكان الآخوند أن يقول: إن تعيين المصرف في أغلب الأوقاف يعبّر عن أغراض الواقف، وهو مما يجعل في صيغة الوقف عادة. فإذا اشترط إجارته على العلماء كان غرضه متعلّقاً بذلك، وحيث إنه صار تحت الإنشاء كان متّبعاً، فيجب شراء المماثل لأجل ذلك. ولا يصلح الجواب بأن الوقف لم يقع على البدل جواباً. فإن شراء البدل ليس لكونه مما وقع الإنشاء عليه، بل لأجل كونه مقدّمة لتنفيذ غرض الواقف الذي أصبح واجب الاتباع. انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فالصحيح التفصيل بين وقف المنفعة المطلقة، فلا مانع من بيعه في أيّ جهة كانت. فإن الموقوف عليهم يكونون مالكين مطلقين من هذه الناحية، وحينئذٍ فلا بُدّ أن يلحظ الأصلح لهم. وأما في المنفعة المشروطة فيجب شراء المماثل.
[5- من هو المتصدي للبيع؟]
إذا جاز بيع الوقف فمن هو المتصدّي للبيع؟ الحاكم أو ناظر الوقف لو كان موجوداً، أو -في الموقوفات الخاصّة- الطبقة الموجودة من الموقوف عليهم، أو هم والحاكم، أو هم والمتولّي أو الثلاثة مجتمعين؟
فإن الأوقاف سواء الخاصّة أو العامة قد يجعل لها متولّياً، فإذا حصل فهل يمكن أن يكون هو المتصرّف بالبيع أو لا؟
وكلامنا في الوقف الذي حصل له المجوّز، ولم يشترط الواقف البيع. فإنه إن اشترط البيع كان له أن يعيّن له متولّياً، ويكون ذلك تحت اختياره. وأما لو لم
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يشترط وكان الوقف مطلقاً، لم يكن البيع داخلاً في اختياراته، لينصب له المتولّي وليس ذلك لأن النصب منصرف عن البيع، وإنما هو خاصّ بالإشراف على الوقف، بل القضيّة قضيّة قصور اختيار الواقف عن أن يجعل متولّياً للبيع، فلا معنى لتعيينه من قبل الواقف. إذن فالناظر لا عمل له، بل يجب أن نعزله عن هذا المجال.
إنما الكلام في أن نبحث تارةً في الأوقاف العامة: أن المتولّي للبيع هل هو الحاكم أو لا؟ وأخرى في الأوقاف الخاصّة: هل هو الموقوف عليهم، أو الحاكم، أو هما معاً؟
[المتصدي لبيع الأوقاف العامة]
ففي الأوقاف العامة قيل: إن الطريق لإثبات أن المتصدّي للبيع هو الحاكم هو أن الأوقاف العامة لله، وكلّ ما كان لله فهو للنبي، وكلّ ما كان للنبي فهو للإمام، وكلّ ما كان للإمام فهو للفقيه(1).
ونحن لنا إشكال في كلّ هذه المطالب. أما أن الأوقاف العامة لله، فهل المراد أن الله مالك اعتباري للأوقاف العامة؟ فهذا ما ننكره، وعلى فرض أن نقول بثبوت المالكية لله عزّ وجلّ بنحو من الأنحاء، فلا نقبل أن كلّ ما يملكه الله عزّ وجلّ فهو لنبيه. وعلى فرض تسليمه بالنسبة إلى النبي والإمام فلا نقبل ثبوته للفقيه. فإن ما هو ثابت للفقيه ليست هي الأملاك الخاصّة
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 130، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
للإمام أو النبي، بل ما كان ثابتاً للنبي والإمام بجهة النبوة والإمامة. ونحن لا نقبل أن يكون التصرّف في الأوقاف العامة راجعة إلى الإمامة والرياسة، وأنها من الأمور الولايتية للإمام، فلا تكون للفقيه.
والشاهد عليه أن الواقف يستطيع أن التولية لآحاد المسلمين، وكلّ ما كان كذلك لا يمكن أن يكون من الأمور العامة التي تسند إلى الرئيس، إذن فالرئيس لا دخل له في بيع الوقف أيضاً. والولاية لسائر المسلمين منتفية أيضاً عن البيع، والفرض عدم وجود ناظر أيضاً، بل عدم صحّة إسناد النظر في البيع إليه. إذن فمن يتصدّى للبيع؟!
نقول في أصل القضية: إن المسألة ليست حول المالكية الاعتبارية لله والنبي والإمام والفقيه، وإنما المسألة هي أن مصالح المسلمين مما ليس لها متصدٍّ أو من يصلح للتصدّي، أو لم يكن تعيين المتصدّي لها. من يتصدّى لها في الحكومات؟ هل يقع هرج ومرج، أو يدعون أمرها يؤول إلى التلف والضياع؟ كلّا، بل يكون المتصدّي لها هو المدّعي العام في الحكومات، فيكون المتصدّي لها هو ولي المسلمين، فإذا كان متولياً للمصالح فهو الذي يتكفّل المصالح المتعلّقة بالوقف أيضاً.
ثُمّ إن ما يقوله الشيخ محمد حسين(1) من أنه حيث يمكن أن يعيّن متولياً فلا يكون من مصالح المسلمين. نقول: هل إمكان ذلك يكون سبباً لقطع يد الحاكم عنه، أو إن فعليّة التعيين توجب ذلك؟ فإن مجرّد الإمكان مع عدم
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 3: 130-131.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فعليّة التعيين لا يعني عدم اندراجه في المصالح العامة، على أننا قلنا: إنه في هذا المورد لا يمكن أن يعيّن للبيع متولّياً؛ لأنه خارج عن حدود اختياراته.
[المتصدي لبيع الأوقاف الخاصة]
وأما في الأوقاف الخاصّة، فأيضاً لدى الشيخ محمد حسين إشكال فيها، حيث يرى أنه لا يمكن أيضاً للحاكم أن يتصدّى لبيعها؛ لأنه يتصدّى لأموال القاصر والغائب وهو وليّهما، والمعدومون ليسوا قاصرين ولا غائبين، بل هم [من قبيل] السالبة بانتفاء الموضوع. على أن ثبوت الملكية لهم غير معقول، بل لو كانت الطبقة المتأخّرة موجودة لما كانت مالكة.
ثُمّ يقول: إن الموقوف عليهم هم الذين يتصدّون للبيع، ولا يلزم في المتصدّي للبيع أن يكون مالكاً ملكية مرسلة، بل يكفي نفوذ تصرّفه.
وهذا الكلام مبني على أن يكون الموقوف عليهم مالكين ملكية محدّدة مرتّبة بترتّب البطون. فملكيتهم وإن لم تكن مرسلة لكن لا يشترط أكثر من ذلك في البيع.
نقول:
أوّلاً: إن حدود ولاية الحاكم غير مقتصرة على القاصر والغائب، بل تشمل كلّ الأمور التي ليس لها متصدٍّ، سواء كانت من مصالح القاصرين أو الغائبين أو مصالح طائفة من المسلمين.
وثانياً: إن قوله: إن المتصدّي يكفي أن يكون مالكاً للتصرّف وإن لم يكن مالكاً ملكية مرسلة غير تامّ. فإن غاية ما يثبت للموقوف عليهم هو ملكية
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المنفعة، وأما البيع فلا ربط له بدرّ المنفعة. ولو كان لهم -في مورد- ملكية مرسلة لجاز لهم أن يبيعوه ويأكلوه، بحيث يفوت على البطون الآتية. وأما إذا كانت ملكيتهم محدودة فمن قال أنهم مالكون للتصرّف؟! هذا مصادرة وأوّل الكلام. إذن فالموقوف عليهم إما (بيكاره)(1)، أو هم جزء من المطلب كما سيأتي.
[بسط الكلام وتحقيق المرام]
من هو المتصدّي للبيع في الأوقاف الخاصّة، هل هو الموقوف عليهم أو الحاكم أو الناظر، أو هم جميعاً؟
أما بالنحو الذي قلناه من أن الوقف ليس تمليكاً، بل إيقافاً على الموقوف عليهم ليدرّ عليهم النفع، وهم يملكون منافعها، فلا إشكال أن الموقوف عليهم ليسوا مالكين. والناظر أيضاً لا شأن له، كما قلنا. فالأمر للحاكم.
وأما إذا بنينا على أن الوقف تمليك، فيجب النظر في المطلب، والمتصوّر في أنحاء جعل الواقف عدّة أقسام:
الأوّل: أن يقف وقفاً تنجيزياً على عنوان واحد، هو عنوان الذرّية، والمنافع تملكها الطبقات طبقة بعد طبقة.
الثاني: أنه وقف على العناوين إما بنحو التنجيز على الطبقة الأولى، والتعليق على الطبقات المتأخّرة، بنحو الواجب المعلّق أو بنحو الواجب المشروط.
الثالث: أن لا يكون الوقف على العنوان، بل على الأشخاص في الطبقة الحاضرة وفي الطبقات المتأخّرة على العنوان؛ لاستحالة الحكم على المعدوم.
ــــــــــ[300]ــــــــــ
() كلمة باللغة الفارسية تعني: لا عمل له أو لا دور له.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فهذا العنوان الواحد هل هو نظير العناوين الذاتية والوصفية في الطبائع المأخوذة لا بشرط أو لا؟ فمثلاً عنوان العالم ينطبق على زيد بتمام المعنى، وعلى عمر بتمام المعنى، وليس أن أحدهما جزء الماهيّة. فإن هذا هو شأن الماهيّات اللابشرطية، سواء كانت ذاتية كالحيوان الناطق، أو وصفية كالعالم. فهل العنوان الوحداني المأخوذ في موضوع الوقف حاله ذلك أو لا؟ لو كان كذلك، وكان التمليك وارداً على العنوان الواحد اللابشرطي، لا نطبّق على كلّ فرد تمام التمليك، وهذا غير معقول، ولا قابل للجعل في عالم الاعتبار.
إذن نعلم من ذلك أن الموضوع ليس هو ذلك، وإنما أُخذ العنوان بنحو لو كان الموقوف عليهم واحداً لكان التمليك خاصاً به، ولو كان متعدّداً يكون بالشركة بينهم، وكلّ واحد يوجد تعلق به الوقف وهكذا. وهذا لا يمكن أن يكون على عنوان لا بشرطي منطبق على الخارج، بل ينحصر أن يكون على عنوان غير منطبق على الخارج، انتزعه عن الخارج، وتصوّر له نحواً من الوحدانية، وأورد الوقف عليه. شأنه في ذلك شأن الوقف العامّ على العناوين، فإنها أيضاً لا يمكن انطباقها على الخارج. وإنما ينطبق على الخارج الماهيّة لا بشرط، كعنوان العالم وعنوان الذرّية، فإن زيداً ذرّيةً وعمراً ذرّية، وكذلك عنوان الولد، فإن زيداً ولد وعمراً ولد. ولكن ذلك لو أصبح متعلّقاً للوقف للزم أن يكون كلّ واحد منهم مالكاً بتمام الملكية؛ لأجل تحقّق الحكم عند تحقّق تمام موضوعه(1).
ــــــــــ[301]ــــــــــ
() وهنا أشكل الإخوان (الطلّاب) على السيد عدّة إشكالات:
منها: أن هذا الإشكال يرد على المنافع على مختاره بملكيتها للموقوف عليهم، وهو العنوان الوحداني على الفرض، فما تقولونه في المنافع قولوه في أصل ملكية العين.
فأجاب: أن المنافع لا تحتاج إلى جعل*، بل هي بدرّها التدريجي تدخل في ملكية الموجود منهم.
ومنها: أن لفظ الذرّية يصدق على الفرد الواحد والأفراد المتعدّدين صدقاً متساوياً. وهذا واضح ليس فيه أيّ استحالة. فإذا فرد مِن الذرّية مَلكَ العين، وإذا وجد أكثر كانت الملكية لهم جميعاً. مثل لفظ (الماء) الذي يصدق على القليل والكثير.
فأجاب: أن لفظ الذرّية ونحوه: إما أن يكون مأخوذاً (لا بشرط)، أو (بشرط شيء). فإن أخذ (لا بشرط) جاء المحذور السابق. وإن أخذ (بشرط شيء) امتنع انطباقه على الخارج. وأما صدق (الماء) على المتعدّد فباعتبار الجنس لا باعتبار المصداق.
كما استنكر السيد القول بأن الذرّية تصدق على المتعدّد صدقاً واحداً. وقال: كيف يكون الإنسانان إنساناً واحداً، والولدان ولداً واحداً؟! على أنه ليس الكلام بخصوص لفظ الذرّية، بل نتكلّم بالولد ونحوه.
أقول: ما استنكره السيد هو في الحقيقة مِن واضحات اللغة، لا يحتاج إلى إيضاح. ومعه فيقال: بانطباق العنوان على الخارج، بهذا النحو، وينتج النتيجة المطلوبة بدون استحالة. (المُقرِّر).
*وليس لها وجود محقّق لكي يملك. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لا يخفى أن الطبائع سواء كانت ذاتية أو عرضية أو انتزاعية كلّها لا بشرط، لا بمعنى أنها مقيّدة بذلك، بل بمعنى سلب الشرط سلباً تحصيلياً، أي: لم يلحظ فيها الـ(لا بشرط) والـ(بشرط) والـ(بشرط لا). فإن الطبائع المقيّدة بلا بشرط غير قابلة للصدق على كثيرين، وما هو القابل لها هو الطبيعة بنفسها مسلوب عنها الشرط.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فليس كلامنا في أن الأمر الاعتباري هل هو قابل للصدق على الكثيرين أو لا؟ وإنما كلامنا في أن الوقف إذا كان مفيداً للتمليك فهل يملك الطبيعة القابلة للكثيرين بنفس طبيعة العالم، أو الولد المنفي عنه الشرط؟ فكما تتحقّق الطبيعة بتحقّق الفرد يتحقّق الملك به أيضاً، فإذا وجد فرد آخر فإنه لا يمكن ثبوت الملكية له؛ لأن المال أصبح لفرد آخر. فكيف يمكن أن يملك بحيث يختصّ بالواحد على تقدير الإنفراد، وبنحو الشركة عند التعدّد؟ فلو ملّك للعسكر، وكان هناك مصداق تتحقّق الطبيعة بتحقّقه، فيكون هذا ملكاً لها. فلو وجد عسكر آخر، فلا ملك حتى يكون ملكاً له. فلو أمكن أن يكون هذا العسكر تمام المالك وذاك تمام المالك، لقلنا بإمكان هذا الجعل. إلّا أن هذا غير ممكن وغير واقع في الوقف، بل ما هو المتحقّق هو التشريك في المالكية، ولا يعقل وجود التشريك على تقدير تعلّق الجعل بالطبيعة، فإنه لو وجد فرد واحد يكون الملك له، وإذا وجد فرد آخر فإن قلنا بأن الملكية تنسلب عنه وتثبت له ولغيره بنحو التشريك، احتاج ذلك إلى جعلين فأكثر، ويستحيل جعل ذلك بجعل واحد.
هذا إذا وقف على الطبيعة بلا شرط، وأما إذا وقف على الذرّية بعنوان الذرّية فهو غير قابل للتحقّق في الخارج. فإن ما هو قابل للصدق على الكثيرين هو نفس الطبيعة، وأما الطبيعة بقيد كونها قابلة للصدق لا تكون قابلة له، وإلّا كان زيد قابلاً للانطباق على الكثيرين. وكذلك في التقييد بالكلّي، وإلّا كان زيد كلّياً. فما يصدق على الكثيرين لا كلّي ولا جزئي، بل نفس الطبيعة. ففي الأوقاف إن جعلت المالك نفس الطبيعة أنتج أمراً مخالفاً لطبيعة الأوقاف،
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
واستحالة الشركة. إن جعلت المالك عنوان الذرّية أو العسكر بما هو عنوان، فهو ممالا يمكن أن يصدق على الخارج.
وباب المنافع يفرق عن باب تمليك العين، ولا يأتي فيها ذلك الإشكال، فإنه لو كانوا عشرة فإنهم يملكون منافع زمان وجودهم، فإن وجد فرد آخر أو أكثر فإنهم لا يملكون المنافع السابقة، بل يشاركون في المنافع الآتية.
إذن فالوقف إذا كان على عنوان وحداني، فإن الموقوف عليهم أجنبيٌّ عن البيع؛ لأنهم غير مالكين.
ما سبق كان فيما إذا كان الوقف متعلّقاً بعنوان واحد. وأما إذا كان الوقف على العناوين بمعنى الذرّية نسلاً بعد نسل. فيرد نفس الإشكال الذي ذكرناه على الوقف على العنوان الواحد. فإن نسل الطبقة الأولى إن كان الوقف قد تعلّق بها بلا بشرط، فلازمه الباطل محقّق، وهو امتناع الشركة المطلوبة في الوقف. وإذا كان الوقف على العنوان بما هو عنوان، لا يكون الأشخاص موقوفاً عليهم؛ لأنهما متضايفان. وهذا وارد في التمليك والإيقاف الذي قلناه أيضاً.
ويمكن الجواب عنه على كِلا المبنيين: أن ما هو المطلوب في الوقف هو الجعل، بنحو يكون المالك أو الموقوف عليه واحداً لو كان واحداً، وإذا وجد شخص أو أشخاص آخرين لشاركوه، وإذا مات منهم واحد خرج عن الموقوف عليهم، وتكون العين ملكاً للباقي أو موقوفة عليهم.
وهذا يمكن تخريجه بأن يقال: إن الوقف ليس على نفس الطبيعة، ومع ذلك مقتضاه هو ذلك. وذلك لأنه في الموارد التي يمكن تحقّق الطبيعة بأفراد مستقلة
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(1)، فإن الحلّية واردة على نفس طبيعة البيع، فكلما تحقّق البيع تحقّقت الحلّية، وكان لكلّ فرد حلّية مستقلّة، والجاعل وإن جعل حكماً واحداً على طبيعة واحدة، إلّا أن هذه الطبيعة الواحدة حين تتحقّق في الخارج تتكثّر بتكثّر الأفراد بما لها من لوازم وأحكام.
فإن قلنا بالوقف فالقائل به لا يقول ولا ينبغي أن يقول بأنه تمليك ابتدائي كالهبة الخاصّة، بل غاية ما يمكن أن يقال في التمليك: هو أنه إذا وقف على أفراد أو عنوان منطبق على الخارج. فبتحقّق الإيقاف ينتزع الملكية. فالملكية ليست استقلالية في الجعل، بل انتزاعية بالتبع.
فإذا نظرنا إلى الإيقاف بغضّ النظر عن الملكية، فهذا الإيقاف إذا ورد على نفس الطبيعة، فلازمه أنه إذا وجد مصداق واحد تحقّق الإيقاف عليه، وإذا وجد اثنان كان الإيقاف عليهما، وإذا وجد ثلاثة كان الإيقاف عليهم، لا لأنه إيقافات، بل لأنه إيقاف على الطبيعة، فإذا تكثّرت أفرادها كان وقفاً عليهم. ولو مات منهم واحد خرج عن الإيقاف عليه، وأما المنافع فهي تدرّ على الموجود منهم، فإذا وجد شخص آخر شارك في المنافع الآتية كما قلنا.
فإذا كانت الملكية انتزاعية وليست استقلالية، فتكتسب نفس صفة الإيقاع المنتزعة منه. فإذا كان على فرد واحد كانت لواحد، أو متعدّد كانت لمتعدّد، وحيث لا يمكن الملك التامّ لهذا الفرد والملك التامّ لذاك الفرد، فهذا يكون قرينة على أنه مملّك لهما بالشركة، ولا يأتي الإشكال الوارد على الملكية
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الاستقلالية. كما لا يرد على الإيقاف نفسه، وخاصة إذا قلنا: إن الإيقاف عبارة عن حفظ العين لاستفادة المتأخّرين منها. وليس إيقافاً جعلياً إنشائياً. وفي الروايات التعبير بالموقوف له والموقوف عليه(1).
الطريق الآخر: إذا أوقف على الذرّية طبقة بعد طبقة، فيمكن أن يكون بنحو العموم الاستغراقي. كما في الإخبار بأن كلّ نار حارة، فإنها قضيّة حقيقية
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() أقول: هذا النحو من الإيقاف غير مقصود للواقف جزماً، فإن العين بعد أن كانت ملكاً له يحتاج إيقافها إلى إنشاء جعل لا محالة. ويترتّب عليه لزوم الحفظ، وليس الحفظ بنفسه إيقافاً. فإذا كان الإنشاء جعلياً ورد الإشكال السابق تماماً؛ لأنه إذا وجد فرد واحد فقد تحقّقت الطبيعة بوجوده وتحقّق الإيقاف عليه، فإذا وجد فرد آخر فلا يتصوّر إلّا إيقاف آخر بالنسبة إليه بعد انفساخ الإيقاف الأوّل، وهذا لا يمكن تحقّقه بالجعل الواحد.
فإن قيل: بأنه أوقف على الطبيعة، وكما أن الفرد الواحد وجود لها كذلك المتعدّد، فيصحّ أن يكون إيقافاً على المتعدّد.
قلنا: هذا يصحّ فيما إذا كان المتحقّق فعلاً أفراد متعددون، وهو مما يصحّ على القول بالملكية أيضاً، وأما لو وجد أوّلاً شخص واحد فقد تحقّق وجود الطبيعة مع لازمها، ولا معنى لتحقّقها إلّا بجعل جديد.
فإن قيل: فإن الفهم العقلائي يكون قرينة على المطلوب.
قلنا: نعم، إلّا أنه يأتي في باب الملكية أيضاً، وخاصّة بعد الذي قلناه من أن لفظ الذرّية والنسل ونحوه ينطبق على الفرد الواحد والمتعدّد، انطباقاً متساوياً بحسب الفهم العرفي. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تنجيزية تشمل كلّ نار، والموجود نار، فيكون حارّاً، والمعدوم ليس بنار فلا تشمله الحكاية، ومتى ما وجد فرد كان ناراً فيكون حارّاً. ولا تعود هذه القضيّة إلى قولنا: إذا وجد في الخارج شيء وكان ناراً فهو حارّ، كذلك الحال في الجعل الإنشائي بنحو القضيّة الحقيقية، مثل: (كلّ عقد يجب الوفاء به)، فكلّما وجد عقد يشمله الحكم، والمعدوم ليس عقداً، وما هو حارّ هو النار بالحمل الشايع، وما هو واجب الوفاء هو العقد بالحمل الشايع. فإذا أمكن تحقّق كلّ فرد استقلالاً بتمام الحقيقة، كان كلّ فرد تمام المصداق للحكم والموضوع.
وهناك أحكام بتطبيقها لا يمكن أن تتكثّر تكثّراً استقلالياً كالملكية، فإنه بمناسبة الحكم والموضوع نقول: إن العقلاء ينتزعون من الوقف جعل الشركة. فلو قال: (حمل الحنطة لورثتي) لا يفهم العقلاء الاستقلال لكلّ فرد، بل الملكية المشتركة، بخلاف ما إذا قال: (كلّ ورثتي يجب إكرامهم)، فإنهم يفهمون استقلال الأفراد. فنحن نتطلّب في الوقف نتائج غير منسجمة مع الجعل الواحد على الطبيعة الواحدة، لكن في الوقف أو جعل الملكية على نحو القضيّة الحقيقية لا مانع من إنتاجها لمثل تلك النتائج. ومن قال بالملكية فإنما يقول بها منتزعة عن الإيقاف، لا أنها جعل ابتدائي للملكية(1).
ــــــــــ[307]ــــــــــ
() أقول: إن فهم العقلاء للقضية الحقيقية بنفسه لا يجعل ما كان مستحيلاً ممكناً، إلّا بأن يعود إلى أن العقلاء يفهمون من الجعل الواحد جعول مترتّبة، بحيث تكون الملكية أو الإيقاف لواحد عند انفراده، ثُمّ إذا وجد آخر ينسلخ منه، ويكون على نحو الشركة بينهما، وهكذا. وهذا مضافاً إلى عدم صحّته في نفسه؛ لوضوح عدم قيام القضيّة الحقيقية بذلك عقلائياً. فإن السيد لم يذكره، بالرغم من عدم كفاية ما ذكره لتتميم المطلب على تقدير تسليم إشكاله. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ومعه يأتي الكلام في أنهم مالكون، فهل يستطيعون بيعه بنحو لا يلاحظون فيه مصالح الطبقات الآتية؛ لأن تلك الطبقات لا حقّ لهم ولا ملك؛ أذن فليبعهُ هؤلاء ويأكلونه؟ وهذا ما لم يقل به أحد. والسرّ في ذلك أنه وقف تنجيزي على عنوان قابل للانطباق على الجميع، فأصبح جزءاً من مصالح الطبقات، ولو لم تكن موجودة، فيجب حفظها من الآن، لا نريد القول بأن المعدومين موجودون، بل باعتبار أنه أصبح جزءاً من مصالح الطبقات الآتية(1).
قال: إذن فالموقوف عليهم ملكيتهم محدودة، ولا دليل على أن المالك المحدود يستطيع أن يملّك تمليكاً مطلقاً. إذن فلا بُدّ أن نضمّ إليهم الحاكم باعتبار الطبقات الآتية. هذا إذا قلنا بالملكية. وأما إذا لم نقل بها فالموقوف عليهم أصلاً لا شغل لهم (بيكارند)(2)، ولا يمكن التصدّي للبيع، بل هو من مختصّات الحاكم دونهم ودون الناظر.
ــــــــــ[308]ــــــــــ
() أقول: هذا لا معنى له، إلّا بعد فرض إمكان الإشارة إلى المعدومين بنحو من أنحاء الإشارة، وهو بالتجريد العرفي، وإلّا فالتعبير بمصالح الطبقات الآتية لفظ بلا معنى. وكون اللفظ قابلاً للانطباق عليهم لا يبرّره كما هو واضح. بعد فرض أن لا حقّ لهم ولا ملك. غايته أنه من المتوقّع أن يصبحوا مصداقاً للعنوان في حينه، وهذا بمجرّده لا يبرّر وجوب المحافظة على مصالحهم حين كونهم سالبة بانتفاء الموضوع. إذن فالمطلب لا يكاد ينسجم على مبانيه. (المُقرِّر).
(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: لا عمل لهم أو لا دور لهم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذا لم يكن بدل الوقف وقفاً، فالمتصدّي للبيع -بناء على ما اخترناه- هو الحاكم؛ لأن الوقف خارج عن اختيار الواقف، وأما الموقوف عليهم فليسوا مالكين، وأما الناظر فلأنه خارج عن النظر في هذه الجهات.
وبحسب ما قلناه وقاله آخرون: الوقف هو الإيقاف، وليس تمليكاً ولا تحريراً خاصّاً، وليس نقلاً من الواقف، فإن النقل عن ملك الطرف غير مأخوذ في ماهيّة البيع والهبة، فضلاً عن الوقف، وإن كان لازماً لها. فما هو الوقف ليس هو تحرير العين وإيقافها عليهم، بل هو الإيقاف، غاية الأمر أن اللازم العقلائي هو خروجه عن ملك الواقف. وأما دخوله في ملك الموقوف عليهم فقد قلنا: إنه لا دليل عليه، وعليه فلا يأتي إشكال عقلي ولا شرعي على وقف البدل. فإنه ليست قضيّة الوقف على الملك، فإنه لا مالك له حتى يوقف عليه. وليس من وقف الشيء على الشخص نفسه حتى نقول إنه غير جائز شرعاً.
كما أننا إذا اعتبرنا أن الوقف هو الإيقاف، لكن ينتزع من الوقف الخاصّ ملكية الموقوف عليهم، لا أنه هو عبارة عن الملكية، فإذا قلنا: إنه يخرج عن الوقف بطروّ المجوّز، فإنه يخرج عن الملكية أيضاً، إلّا إذا قلنا بأنه اعتبار في ضمن اعتبار، فإذا ذهب أحدهما بقي الآخر. وإذا لم يكن الوقف وقفاً لم يكن ملكاً أيضاً، بل محرّراً تحريراً مقيّداً بأن يصرف على هؤلاء، فلا إشكال أيضاً.
[الإشكال العقلي في المقام]
وإنما يأتي الإشكال العقلي فيما إذا قلنا بأن الوقف عبارة عن التمليك الخاصّ؛ إذ يقال: بأن بدل الوقف ليس وقفاً، بل هو ملك للموقوف عليهم،
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فكيف توجدون ماهيّة الوقف -وهي التمليك الخاصّ- فيما هو المملوك؟ وهل ذلك إلّا من تحصيل الحاصل؟
وقد أجيب عن ذلك بجوابين:
الأوّل: ما ذكره السيد المرحوم(1) في مسألة أخرى، وهو: أن الوقف على النفس ليس فيه إشكال عقلي، بل إشكاله شرعي فقط؛ لأنه لا مانع من تبديل ملك بملك آخر. فهذا الشيء ملكه فيملّكه لنفسه بملك آخر، ويبادل بين ملكية وملكية أخرى.
الجواب: أنه لا يمكن أن يلتزم السيد بالتغاير المفهومي الماهوي بين هاتين الملكيتين، لوضوح عدم دخل مفهوم الوقف فيه، وإنما غاتيه التبديل بين مصداقين للملكية، فقد كان له مصداق من الملك ويريد أن يوجد مصداقاً آخر.
فنقول: ما هو سبب المبادلة بين الملكيتين، فإنه كان ملكي، ويستحيل أن توجد بدلها ملكية أخرى إلّا بسبب للتبديل، فما هو هذا السبب؟ وليس عندنا إلّا الوقف، وهو لا يتضمّن معنى المبادلة. غايته يفيد التمليك، فإذا كان هذا التمليك لغواً عقلاً أو عقلائياً؛ لكون المال مملوكاً في المرتبة السابقة، لم يبق سبب للمبادلة. نعم، لو قال بالتضادّ الذي قلناه لكان له وجه، إلّا أن السيد لا يقول به.
الثاني: ما ذكره الشيخ محمد حسين(2) من أن التمليك حاصل بالبيع،
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 197، كتاب الوقف، الفصل الأوّل، الشرط الرابع.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 131، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ويريد بالوقف أن يجعل أمراً لم يحصل فيما سبق؛ ليكون من تحصيل الحاصل، وهو الخصوصية الزائدة.
نقول: إن الوقف هل هو الإيقاف أو التمليك؟ إن كان هو الإيقاف، إذن فارفعوا يدكم عن كلامكم؛ إذ إن ما كان ملكي يكون وقفاً عليّ، وهذا لا محذور فيه. وإن كان تمليكاً خاصّاً -كما قلتم مكرّراً في كلامكم- فيكون (أوقفت) لغواً؛ لأن التمليك لا يملّك المملوك، وكذلك لو كان تمليكاً إيقافياً أو إيقافاً تمليكياً، بنحو الماهيّة المقيّدة أو المركبة، لوضوح أن الملكية حاصلة، فلا يمكن أن يوجد بالصيغة إلّا جزء الماهيّة. فلا تكون الماهيّة المقيّدة قابلة للجعل. وجعل جزء الماهيّة لا دليل على نفوذه، فكأنك تريد أن تقول: إن هذا ملكه، لكن لا يجوز أن يبيعه، ولا أن يهبه، وهذا لا دليل على نفوذه. فما يتوقّع حصوله من الصيغة ليس هو الوقف، بل جزء أو قيد ماهيّة الوقف(1).
ــــــــــ[311]ــــــــــ
() أقول: إذا ضممنا عدّة مقدّمات أمكن إنتاج المطلوب:
الأولى: أن الوقف تمليك خاصّ مقيّد في نظر العقلاء.
الثانية: أن الدليل قائم على وجوب وقف الثمن، وإن كان ملكاً قبل الصيغة.
الثالثة: أن ما يريده الشارع في هذا الدليل هو حدوث مفهوم الوقف في الخارج، وليس هو مسبّبيته عن الصيغة بالخصوص.
ومعه فإذا كانت الملكية موجودة، وساغ لنا الوقف، أمكن إيجاد جزء الماهيّة بالصيغة، فيكون المتحقّق هو الملكية المقيّدة، وهو الوقف المطلوب شرعاً.
لا يقال: بأن مثل هذه الصيغة لا دليل على نفوذها.
فإنه يقال: إنه مضافاً إلى الأدلّة العامة، يمكن أن نفهم النفوذ من نفس دليل وجوب وقف الثمن، بعد العلم بأن الشارع يعلم أن الثمن مملوك، وأن الوقف هو التمليك الخاصّ، فينحصر أن يكون المراد هو إيجاد جزء الماهيّة، كما هو واضح، بعد استحالة تحصيل ما هو حاصل. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وإذا غضضنا النظر عن الإشكال العقلي، فليس هناك إشكال شرعي إلّا الإجماع، وهو منتفٍ في الثمن. إذن فكلّ ما ذكرناه هو شواهد على بطلان المبنى وتعيّن ما اخترناه.
[6- في بقاء نظارة الناظر لبدل الوقف]
إذا عيّن ناظراً للوقف، ثُمّ باعوا الوقف وأخذوا البدل. فإما أن نقول: إن البدل وقف، أو إنهم أجروا عليه صيغة الوقف، فهل نظارة الناظر موجودة عليه أو لا؟
يمكن تقريب وجود النظارة بطريقين:
أحدهما: ما ذكره الشيخ(1) من أن الناظر له حقّ على العين، فيكون له حقّ على البدل.
والثاني: ما قاله الشيخ محمد حسين(2) من أنه كما قيل في الوقف نفسه أنه جعل لوقف العين، وإذا تلفت فهو وقف للبدل، وإذا تلف فهو وقف للمالية،
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 69، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 132، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إذا كان للإنشاء مثل هذه القدرة، فالنظارة أيضاً تترتّب بنفس الترتيب، ويكون ناظراً بنفس الجعل الأول.
وكِلا الوجهين غير وجيه:
أما مسألة الجعل فالمفروض أنه جعل واحد، وليس جعولاً متعدّدة، وكما قلنا في الوقف: إن الجعل الواحد يستحيل أن يكون جعلاً لهذا الشيء، وعند فقدانه يكون جعلاً لهذا الشيء، كذلك في المقام.
وأما ما قاله الشيخ من ثبوت حقّ النظارة للناظر، فأيضاً غير صحيح، فإن حقّ النظارة كان تبعاً لجعل الواقف، ليس زائداً عليه، فتحدّد بحدود، وليس له حقّ مطلق حتى يتعلّق ببدله.
[7- في جواز التصرف بثمن الوقف والاتجار به]
الكلام في الثمن الذي نفرض أنه من النقدين. فهل حال الثمن حال العين من جواز تصرّف الموقوف عليهم بها وانتفاعهم منها؟ أو لا يكون هذا جائزاً للموجودين منهم؛ لتعلّق حقّ البطون الآتية؟ ثُمّ نتكلّم عن جواز الاتّجار بهذا الثمن، كيف يكون مصير المنافع. ونتكلّم عن أنه على فرض مالكية الموقوف عليهم الثمن، وعلى فرض عدم المالكية، فماذا يعمل الفقيه؟
قلنا: إن الموقوفات على ثلاثة أنحاء:
فمنها: موقوفات يملك الموقوف عليهم المنفعة المطلقة.
ومنها: ما يملكون منها منفعة مقيدة واحدة، كما لو قال لهم: (أجّروا هذه الدار على العلماء وتصرّفوا بثمنها)، فهم لا يستطيعون أن يعملوا غير ذلك.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ومنها ما لا تكون المنفعة مملوكة أصلاً، وليس للموقوف عليهم إلّا حقّ الانتفاع كالإسكان في دار أو مدرسة. ويختلف حكم الثمن باختلاف هذه الأقسام.
فإن كانت المنفعة مطلقة، يكون الثمن ملكاً ومنافعه المطلقة لهم، فإذا باعوه، وقلنا بأن الثمن موقوف أيضاً وله منفعة واحدة، وهو شراء شيء تحصل به المنفعة المطلوبة، فهو ذو منفعة بهذا المقدار، فلا يجوز فيه الاتّجار ولا يجوز أكله. إلّا أن هذا لا يمكن؛ لأن الوقف الاصطلاحي غير صحيح، وغيره لا دليل عليه. فهذا ثمن مملوك للطبقة الموجودة وما بعدها، فيمكن الاتّجار به، فهل له حكم الوقف من جهة أنه يجب أن يبقى في يد الموقوف عليهم يأخذون منه المنافع؟
هناك في باب العين لم يدلّ دليل خاصّ على وجوب التسليم إلى الموقوف عليهم، إلّا في حدود إمكان انتفاعهم منها، والبناء العامّ خارجاً على التسليم إليهم على أيّ حال. والمفروض أن الثمن ليس وقفاً وليس له منافع بنفسه، فلا وجه لدفعه إليهم إلّا باعتبار الموقوف عليه أميناً، حاله في ذلك حال الأجنبي.
وعلى فرض أن المنافع المطلقة لهم، فيمكن أن يقال بجواز الاتّجار به، فهل المنافع -كما يقول الشيخ- ملك للبطون، أو ملك لهؤلاء الموجودين فقط؟ من يقول بأن الثمن وقف بماليته وقف، فلا بُدّ أن نقول: إن المنافع للطبقة الموجودة؛ لأن المالية وقف لا أن العين هي الموقوفة. والمنفعة الموجودة هي ثمرة المال، فأصل رأس المال بتبادلاته محفوظ، والربح الزائد يكون من قبيل المنفعة
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أو الثمرة ملك للموجودين. وأما إن قلنا بأن الثمن هو ثمن العين الموقوفة لا أكثر، فهو مع ربحه ملك للبطون، فتكون الثمرة مشتركة أيضاً.
وأما إذا كان المملوك هو المنفعة المحدودة، أو الانتفاع بالخصوص، فالثمن ليس مملوكاً كاملاً مطلقاً، فإذا بعنا المدرسة فلا وجه للتصرّف بثمنها. فإن الواقف أسقط كلّ المنافع وحصرها بالإسكان. فليس لهذا الثمن منفعة لنكون مالكين لها بنحو مطلق لنتمكّن من الاتّجار به. لكن هل يمكن الاتّجار لكي يشتري بالربح الزائد مدرسة أكبر أو لا؟ محلّ إشكال؛ لأنه ليس لهم المنفعة إلّا بهذا المقدار، أو ليس لهم الانتفاع المعيّن، لا أكثر.
ثم إن هذه الفروض الثلاثة التي فرضناها يختلف الحكم فيها في بعض الفروع الآتية، فلو كانت كلّ المنافع غير مشروطة للموقوف عليهم، فإذا باعوه وأخذوا الثمن، فسواء قلنا بأنه ملك أو فكّ ملك يجوز الاتّجار به؛ لأن الثمن ملك لهم وليس عليه أيّ شرط، فتصحّ التجارة به بالتفاهم بين الحاكم الشرعي والموقوف عليهم، وإذا حصلت منافع يكون له حكم الموقوفة حتى يشتري بالمجموع ثمناً مماثلاً. وإذا كان فكّ ملك كان للحاكم الاتّجار به، فإذا زادت منافعه اشترى به شيئاً.
فإذا خسرت التجارة، فإذا قلنا بالملك وتاجر الموقوف عليهم بإذن الحاكم، فيكون الخسران بعهدتهم والمنفعة ملكاً عامّاً للبطون على تأمّل، وإذا كان فكّ ملك واتّجر الحاكم فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن ولا سبيل على المحسنين؛ لأنه لا يريد المنفعة لنفسه.
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما إذا كانت المنفعة مقيّدة أو كان انتفاعاً كالإسكان، فإذا قلنا بالملك فهو ملك لا بُدّ أن يصرف مصرفاً معيّناً خاصّاً. كما كان المال في العين نفسها، فإنها وإن سلّمنا أنها ملك إلّا أن منافعها ليست لهم، وإنما لهم الانتفاع الخاصّ منها، فلا يكون لهم التصرّف بالثمن باتّجار ونحوه، إلّا في بعض الموارد التي يتوقّف عليها حفظ الثمن، كما لو كان الثمن بحيث لو بقي لكان في معرض التلف، كما لو أسقطت الحكومة قيمته، ومعه فيضعونه في التجارة حفظاً للنتيجة المطلوبة، وهي حصول المنفعة الخاصّة. إذن الاتّجار في القسم الأوّل جائز، وفي القسمين الأخيرين غير جائز إلّا في مورد التلف.
وأما إذا قلنا: إنه ليس ملكاً لا العين ولا ثمنها -على ما هو الصحيح-، بل هو فكّ ملك. فالعين وهي المدرسة فكّ ملك لإسكان الطلاب. والثمن فكّ ملك لإيجاد شيء مشابه يحفظ تلك المصلحة الخاصّة. ولا يجوز الاتّجار به؛ لأن مثل هذه المنفعة لم تكن للموقوف عليهم في العين، فلا تكون في الثمن.
[إذا طرأ الخراب على بعض الوقف]
إذا خرب نصف الوقف إلى حدّ حصل فيه مجوّز البيع فبعناه، فإذا كانت المنفعة مطلقة فالثمن الذي ورد من يد الموقوف عليهم أو الحاكم ليس الميزان فيه شراء المشابه، بل حفظ ما هو الأصلح للموقوف عليهم، فإذا كان الأصلح لهم صرفه على القسم العامر من العين الموقوفة، لزم صرفه فيها، وإذا كان الأصلح شراء شيء آخر وجب.
نعم، يبقى الكلام في هذا الفرع، وفي الفرع الذي يلي في أنه: إذا دار الامر
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بين مصلحة الطبقة الموجودة والطبقة الآتية فأيّاً منها نقدّم؟ فإذا فرضنا أنه إذا صرفنا الثمن على القسم العامر من الموقوفة، تصل المنافع إلى هؤلاء الموجودين موفّرة كثيرة، ولكنها تقلّ في السنوات الآتية، ولا ينال الطبقات المتأخّرة منها إلّا القليل، ولكنّنا إذا اشترينا منها شيئاً آخر كان له الآن منافع قليلة، وسيكون له منافع كثيرة للطبقات الآتية، فأيٌّ منهما يجب ملاحظته وحفظه؟
هل نقول: -كما قال الشيخ(1)– من أن الملك وإن كان مشتركاً، إلّا أن منفعة الملك لهؤلاء فعلاً، فتكون مصلحتهم مقدّمة على مصالح البطون الآتية، فإن الملك للعين، وليس للطبقات الآتية ملك للمنافع ولا مملوك، فإن المملوك هو المنافع الآتية لا المالية.
أو نقول: إن نسبة الحاكم إلى كلّ الطبقات نسبة متساوية، ونظره إليهم يجب أن يكون متساوياً، فإنه لا بُدّ أن يلحظ مصلحة المسلمين ككلّ، وحيث يدور الأمر بين مصلحة طبقة واحدة، ومصالح طبقات متعدّدة متطاولة من المسلمين أو الذرّية، تكون مصالح الأكثر متقدّمة لا محالة.
أو نقول: هاتان مصلحتان متزاحمتان. وفي المصالح المتزاحمة يرجع الحاكم إلى القرعة. وإن شئت قلت: إنه ليس هنا منفعة فعلية، بل هو توفير المنفعة لإحدى الطبقتين، ولا طريق إلى معرفتها إلّا بالقرعة، فهذه وجوه ثلاثة أختيارها إليكم. فهذا كلّه في المنافع المطلقة.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 70، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما إن كانت المنفعة محدودة كالإسكان ونحوه، وخرب نصف المدرسة وبعناه، فإذا أمكن بثمنه شراء مدرسة أخرى فقد حفظنا فيه الجهة المطلوبة؛ لأنه قد حصل لنا مدرسة ونصف لأهل العلم. وإذا كان الثمن بمقدار لا يمكن فيه شراء مدرسة أخرى، ولكن إذا صرفناه على النصف الموجودين، يكون أصلح للموجودين والمتأخّرين؛ وجب. وأما شراء أشياء أخرى فلا يكون ممكناً.
وأما إذا وقع التزاحم بين حفظ مصالح الموجودين وحفظ مصالح الطبقات الآتية، فالكلام فيه نفس الكلام.
نتكلّم الآن فيما إذا كان لها منافع فعلية، ودار الأمر بين إبقائها لمصلحة الموجودين أو صرفها لمصلحة الآتين. وهو فرع أشكل مما كان قبله يحتاج إلى تأمّل.
نتصوّر في المسألة الأخيرة ثلاث صور، نرى ما هو حكمها؟
الأولى: أن النصف الذي بعناه قيمته موجودة في اليد نقداً، ودار الأمر بين صرفها على التعمير وهو الأصلح للبطون الآتية، أو أن نشتري أمراً آخر؛ حتى يكون أوفر ربحاً للموجودين.
الثانية: أن لا يكون البدل ثمناً، بل عيناً: إما بأن بدّلنا العين الموقوفة بعين، أو بدّلناها بثمن، واشترينا به شيئاً ذا منفعة، ولم يوقف إلى الآن، فيدور أمرها بين أن نبيعها ونصرف من النصف الموجود لحفظ مصالح البطون الآتية، أو نبقيها لمصلحة الموجودين.
الصورة الثالثة: أن المنافع الفعلية للوقف والتي هي ملك خالص لهؤلاء
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الموجودين، هل يجب أن يصرف في تعمير الوقف؛ ليبقى للبطون الآتية؟ أو تبقى عند هؤلاء ليأكلوها، ولو بزوال العين الموقوفة عن البطون الآتية؟
وهذه الصور الثلاث مختلفة فيما بينها.
ففي الصورة الأولى: بناءً على الملكية يكون الثمن مشتركاً بين الطبقات، ولا يمكن تقسيمه، غاية الأمر أنه يستفاد من منافعه. وأمره دائر بين أن تحصل به منفعة للموجودين، أو يعمّر به القسم الموجود من العين الموقوفة؛ فتحصل به منافع الآتين، ويقال: أنه ليس هنا شيء آخر.
وفي الصورة الثانية: حيث توجد عين غير موقوفة بدل العين الموقوفة، ونريد بيعها وصرف ثمنها على الموجود من الوقف في مصلحة البطون الآتية، أو حفظها لمصلحة الموجودين. نقول: إن الموقوف عليهم الموجودين لهم حقّ استيفاء المنفعة من العين، وإن كانت الملكية بينهم وبين الآتين على حدّ سواء، ولكن هناك امتياز زائد لهؤلاء الموجودين.
وفي الصورة الثالثة: نريد أن نصرف ملكهم الخالص في مصالح الطبقات الآتية، فالملك للموجودين ثابت.
وفي الصورة الأولى يمكن أن يقال: إن الثمن وإن كان مشتركاً بين الطبقات بناءً على الملكية، لكن يمتاز الفعليون بأن لهم حقّ بأن يصرف الثمن في شيء ينتفعون به، ولذا لو طلبوا من الحاكم أن يشتري ذلك لم يكن له التخلّف. إذن فتشترك الصور كلّها بزيادة امتياز حقّي أو ملكي للموجودين، لا معارض له من الطبقات الآتية. ومعه لا يكون الأمر دائراً بين تحصيل منفعة لهؤلاء أو
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تحصيلها لأولئك، بل يدور الأمر بين إعطاء الحقّ المطلق لهؤلاء، أو ملكهم وصرفه في منافع الآخرين، وهذا ضرر على هؤلاء الموجودين، وهو غير جائز، ما لم يقم دليل خاصّ على عدم الحقّ أو على وجوب الصرف.
فهل دلّ دليل على ذلك بعد فرض أن الواقف لم يذكر مصرف المنافع، ولم يتعرّض لفرض خراب العين؟
يقول السيد محمد كاظم(1) في ملحقات العروة في الفرع الأخير -يعني الصورة الثالثة-: الأوجه أو الأقوى أن يصرف لتعمير العين لوجهين:
الأول: حفظ الوقف.
والثاني: الانصراف؛ لأن غالب الأوقاف تتعرّض لذلك، وتذكر أن الصرف على التعمير أولى، ومعه فينصرف اللفظ إليه.
أما وجوب حفظ الوقف بالبذل عليه من ملك شخص، فلم يدلّ عليه دليل، غاية ما دلّ الدليل على وجوب حفظه، وأما لو كان آيلاً للخراب بطبعه فلا دليل على وجوب تعميره، وإلّا لَما اختصّ بأموال الموقوف عليهم ومنافعهم.
وأما الانصراف والغلبة فهي غير محرزة. ولو فرض وجودها فهي لا تشكل انصرافاً لمن لم يتعرّض من الواقفين لفرض الخراب.
الوجه الآخر الذي قاله بعضهم(2) في المقام: إن الوقف وإن كان وقفاً للعين،
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 262، كتاب الوقف، الفصل السابع، مسألة 44.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 114-115، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، صور جواز بيع الوقف، الشرط الأوّل.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لكنّه حبس العين وتسبيل المنفعة أبداً، وهذا موسّع لدائرة الوقف من العين إلى المالية، فلو تمّ ذلك أمكن أن يقال: إن الوقف حبس العين أبداً، وهذا التأبيد مضيّق لدائرة الانتفاعات، فإنه لا بُدّ أن يكون موجوداً دائماً ليدرّ المنفعة. فتأبيده يقوم على منفعة الموجودين.
أو يقال: إن القواعد العقلائية تقتضي ذلك، فإن الدار المملوكة المستأجرة إذا انهدمت صرف عليها مالكها من مال الإجارة؛ لتبقى وتدرّ عليه المنافع. إلّا أن هذا لا يتمّ؛ لأنهم إنما يصرفون على الدار لأنهم هم الذين يستفيدون، وأما لو صار البناء على أن يستفيد غيرهم فلا يصرفون شيئاً، وفي المقام كذلك، فإن صرف حقوق الموجودين من الموقوف عليهم، أو ملكيتهم تصرف في مصالح البطون التالية في مثل ذلك لم يثبت البناء العقلائي.
إذن فيدور الأمر بين الإضرار بهؤلاء الموجودين، وأخذ حقّهم، في سبيل تحصيل النفع للمتأخّرين، وبين حفظ حقّهم لهم، مع عدم حصول النفع للمتأخّرين، وبدليل حرمة الإضرار يتعيّن الثاني. ولكن بلحاظ ما قالوه من المناقشات لا بُدّ من الاحتياط.
هناك صور كثيرة تعرّض الشيخ(1) إلى بعضها، وبعضها أشار إليه.
وقبل ذلك لا بُدّ أن نرى مطلباً، وهو: أنه هل مجرّد تصوّر أدلّة حرمة بيع
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 71-77، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الثانية والثالثة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الوقف -كما بيّنا سابقاً- كافٍ في الحكم بصحّة بيع الوقف؛ تمسّكاً بعمومات صحّة البيع والعقود، أو أنه محلّ التمسّك بالاستصحاب المنتج لبطلان البيع؟
وما ناقشه الشيخ(1) في جريان الاستصحاب غير وارد، فإن هذه العين قبل عروض المجوّز لم يكن بيعها جائزاً، ونشكّ في أنه يجوز أو لا. فهل الأصل مقدّم على الأدلّة الاجتهادية في المقام؟
نعم. أما بناءً على مسلك صاحب (الجواهر)(2) من زوال الوقف بجواز البيع، فإننا إذا شككنا أنه هل يجوز بيعه أو لا. وليس عندنا دليل اجتهادي على الجواز ولا على عدمه، يثبت بالاستصحاب أنه لا يجوز بيعه، ونستصحب عنوان الوقف، وهو يقول: أنه لا يمكن أن يكون وقفاً ويباع. فيصبح البيع بيعاً للوقف، وهذا غير جائز في نظره. إذن يكون الاستصحاب مقدماً على العمومات.
وكذلك الحال على المسلك الآخر(3)، وهو أن العين لا تخرج عن الوقف إلّا بالبيع، وهذا بيع لا نعلم بجوازه، وبالاستصحاب يثبت أن هذا وقف حتى بعد البيع. ونحن لا نريد أن ننفي الضدّ الآخر ليقال إنه مثبت، بل نريد أن نثبت أحد الضدّين فحسب وهو الوقفية. فإننا إنما نصحّح البيع باعتبار دلالة
ــــــــــ[322]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق 4: 62، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الأُولى.
(2) اُنظر: جواهر الكلام 22: 358، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني، الأوّل في بيع الوقف.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 36، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الدليل على جوازه في الوقف؛ فيتقدّم هذا الضدّ على الضدّ الآخر وهو الوقفية. وأما إذا لم يدلّ دليل على جواز بيعه على الفرض، فالاستصحاب يثبت أنه باق على وقفيته. وعمومات أَوْفُوا بِالعُقُودِ لا يمكن أن ترفع مثل هذا الشكّ، فإنها إنما تنفي القيد المشكوك، وأما في مورد نعلم أنه إذا كان وقفاً لا يجوز بيعه، فلا يشمله العموم. وإن تخيّله بعضهم. نعم، إذا لم يكن استصحاب في البين فلعلّ الشكّ يرتفع بالعمومات(1).
فإذا لم يدلّ دليل على حلّية البيع لا بُدّ من الحكم ببطلانه؛ لأنه خرج من الحلّية بيع الوقف بلا إشكال، والاستصحاب يثبت الوقفية فيحرز عنوان المخصّص، فيكون متقدّماً على العموم كتقدّم المخصّص نفسه، وهو عدم جواز
ــــــــــ[323]ــــــــــ
() أقول: هذا من غرائبه بعد التسليم أن الأصل ليس حجّة في لوازمه، والأمارة حجّة في لوازمها. فإننا بعد فرض أننا فاقدون للدليل على عدم جواز بيع هذا الوقف، فنحن وإن كنّا فاقدين أيضاً على الفرض للدليل على جواز بيعه في مورده، إلّا أننا لسنا فاقدين للعمومات المصحّحة، ومن الواضح أن هذه المعاملة مصداق للبيع بلا إشكال، فهي فيها مقتضى الصحّة، وغاية ما يتصوّر مانعاً هو الوقف، مع أن هذا الوقف بوجوده الجزمي لا دليل على عدم جواز بيعه، فكيف بوجوده الاستصحابي؟! والمفروض أن الاستصحاب لا يثبت بطلان البيع، إلّا بناءً على الأصل المثبت. كما أن عموم وجوب الوفاء إنما خصّص بالدليل المانع الذي لا يمكن شموله في المقام. فإذا لم يكن مشمولاً للخاصّ كان مشمولاً للعام بعد إحراز مصداقيته له كما قلنا. ويكون هذا الدليل الاجتهادي أمارة على بطلان الوقفية؛ لكونه أمارة حجّة في لوازمه، ولعلّ السيد لو كان قد ادّعى إجراء استصحاب عدم جواز البيع لكان أفضل. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
البيع على مبنى صاحب (الجواهر)، أو عدم ملكية المشتري بناءً على المبنى الآخر. إذن فنحتاج إلى دليل على الجواز في الصور الأخرى.
الصورة الثانية: أنه لم يخرب، ولكنّه سقط عن المنفعة بالكلّية.
الصورة الثالثة: أنه سقط عن المنفعة المقصودة للواقف.
الصورة الرابعة: أنه ليس له منفعة معتدٍّ بها.
الصورة الخامسة: أنه له منفعة، لكن لا يعدّها العرف منفعة.
الصورة السادسة: أن يحتاج الموقوف إليهم حاجة شديدة إلى بيعه.
الصورة السابعة: أن يكونوا محتاجين إليه في الجملة.
الصورة الثامنة: أن يكون بيعه أعود عليهم.
ففي الصورة الثانية: وهي أن يقول العقلاء: هذا ليس له منفعة، كالدار الموقوفة كانت تدرّ مئات الدنانير، ثُمّ أصبحت عرصة، بحيث يمكن أن تستأجر في السنة بعشرة فلوس ليلعب فيها الأطفال، فهذا يصدق عليه أنه ليس له منفعة، فالكلام فيها هو الكلام في الصورة الأولى طابق النعل بالنعل. فإنه لا فرق بين إنعدام المنفعة وبين هذا المقدار من المنفعة.
ولكن في الموارد التي لها منفعة، ولكنّها دون المتوقّع من هذه العين، فهذا يحتاج جواز بيعه إلى دليل. وكذلك إذا كانت له منفعة ليست بالكثيرة، فضلاً عما إذا كان بيعه أصلح للموقوف عليهم. والدليل على ذلك يمكن أن يثبت لكلّ هذه الصور. وهما الروايتان اللتان يذكرهما الشيخ في الصورة الرابعة، وهي لو تمّت تجيز بيع الوقف جملة وتفصيلاً. فلا بُدّ أن نرى مدلولها والإشكالات الواردة عليها وإسنادها.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[استدراك]
وقع في الأبحاث السابقة خلط لا بُدّ من التنبيه عليه. فإنه قد يُتكلّم في أن إطلاق أدلّة نفوذ البيع أو عمومها هل يرفع تمام الشكوك الحاصلة لنا، سواء كانت شكّاً في اعتبار شيء في أصل ماهيّة البيع، أو في العوضين، أو المتعاملين، أو لا؟
فنقول: كلّ مورد إذا أخرجناه كان تخصيصاً للعموم الإفرادي، أو تقييداً للإطلاق الأحوالي، فيكون منفياً.
وأخرى: لا يكون لنا شبهة حكمية بالتخصيص أو التقييد، فنحن لا نشكّ بأن شيئاً خارج عن العموم أو لا، ولكنّا نشكّ في أنه باقٍ بحاله أو لا. مثلاً ورد: (أكرم كلّ عالم)، وورد: (لا تكرم فاسقاً)، وكان زيدٌ فاسقاً، فخرج عن الدليل الأوّل، ونشكّ أنه باقٍ على الفسق أو لا، فاستصحاب كونه فاسقاً يكون محرزاً للموضوع الخاصّ. فإن الاستصحاب ليس معناه: (رتّب الآثار)، بل الإبقاء التعبّدي لِما كان سابقاً. فإذا شككنا لا يمكن أن نقول بشمول دليل الخاص له إلّا بالاستصحاب.
وأما إذا شككنا في أن هذا خارج بالتخصيص عن العامّ أو لا؟ كما هو الحال في محلّ الكلام. فإننا كنّا نعلم أنه لا يجوز بيع الوقف، فإذا شككنا أنه سقط عن الوقفية بقلّة منفعته أو اختلاف ورثته، نستصحب بقاءه على الوقف، فيندرج تحت دليل المنع عن البيع لو كان له إطلاق، ولكن إذا ناقشنا في أدلّة عدم جواز بيع الوقف، والقدر المتيقّن من عدم الجواز هو حال سلامة العين وقبل عروض
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
العارض، وبعد عروضه نشكّ أن بيعه أصبح جائزاً أو لا، فنستصحب عدم الجواز، فيأتي الكلام في أنه إذا ورد تخصيص على العامّ، وشككنا بأنه مورد للتخصيص أو مورد للاستصحاب، فأيٌّ منهما يكون شاملاً له؟
وهذا يأتي إلى النظر أنه أسهل من قضيّة استثناء الزمان الثاني للخيار من عموم تنفيذ البيع، فإنه -هناك- كان مسبوقاً بخيار مسلّم خارج عن العموم؟ وكان الشيخ يقول: إنه لم يرد التخصيص الزائد، وكنّا نقول: نعم، ولكن ورد التقييد الزائد. بخلافه في المقام، فإن المصداق المشكوك لم يكن مندرجاً تحت مصداق متيقّن الخروج من العامّ، بل من الأوّل نشكّ في أن: (أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ) هل خُصّص بالخراب المطلق، أو يعمّ صورة قلّة المنافع، أو هل خصّص بالخلاف الذي يؤدّي إلى القتل، أو يعمّ مطلق الخلاف؟ نعم، كلّ هذه العناوين مسبوقة بحال عدم الجواز قبل طروّ الطارئ، فعندنا استصحاب عدم الوقف، وعدم جواز البيع، وعدم الانتقال، ونحوه من الاستصحابات الموضوعية والحكمية، وعندنا أَوْفُوا بِالعُقُودِ ونحوه من العمومات، بحيث لو كان الشكّ ابتدائياً لشمله.
فعلى مبنى صاحب (الجواهر) يكون استصحاب بقاء الوقف إلى الآن حائلاً دون شمول عمومات التنفيذ. فإننا تارةً نقول: إن عمومات التنفيذ تنطبق على البيع بعد وقوعه، وقبله لا شيء. وأخرى نقول: بإمكان شموله لما إذا شككت بجواز بيعه، فأستطيع أن أنقّح صحّة البيع قبل تحقّقه. فاستصحاب الوقف إلى ما قبل البيع يقول: (إذا شككت فهو وقف). وعموم جواز البيع بلا قيد يقول: (هذا ملك وبيع نافذ)، فنكشف أنه لم يكن وقفاً وإلّا لَما نفذ البيع.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأوضح منه أن يقال بعدم بطلان الوقف إلّا بعد البيع، فإن أَوْفُوا بِالعُقُودِ يقول: (يجب الوفاء بهذا العقد)، والاستصحاب بعد البيع يقول: (إذا شككنا أنه وقف فابنِ على أنه وقف). فهنا لا بأس بالتمسّك بالعموم. فإنه من الشكّ أن هذا المورد خارج بالتخصيص، وإنما يكون الاستصحاب منقّحاً للموضوع فيما إذا تحقّق الخروج بالدليل المخصّص.
إلّا أن السير على هذه القواعد في الفقه مشكل، فإن ارتكاز المتشرّعة مبتنٍ على عدم جواز بيع الوقف حتى في هذه الصور، ولا يخرجون عن ذلك إلّا نادراً.
جملة من الصور منها ما إذا كان البيع أصلح للموقوف عليهم، قيل: إنها من موارد جواز البيع.
وهناك روايات لا بُدّ أن نقرأها:
منها: ما رواه المشايخ الثلاثة، منهم الشيخ في (التهذيب)، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب -السند إلى هنا موثوق-، عن جعفر بن حنان -مجهول فهي ضعيفة-، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل أوقف -وفي غير (التهذيب): وقف- غلّة له على قرابته من أبيه وقرابته من أمه، وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلّة” ليس بينه وبينه قرابة بثلاث مائة درهم كلّ سنة، ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه ومن أمه. قال: جائز للذي أوصى له بذلك. قلت: أرأيت إن لم يخرج من غلّة الأرض التي أوقفها إلّا خمسمائة
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
درهم؟ فقال: أليس في وصيّته أن يعطى الذي أوصى له من الغلّة ثلثمائة درهم، ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وأمه؟ قلت: نعم. قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلّة شيئاً حتى يوفّوا الموصى له ثلثمائة درهم، ثُمّ لهم ما يبقى بعد ذلك. قلت: أرأيت إن مات الذي أوصى؟ قال: إن مات كانت الثلثمائة درهم لورثتهم يتوارثونها ما بقي بينهم أحد منهم، فأما إذا انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلثمائة درهم لقرابة الميت، ترد إلى ما يخرج من الوقف، ثُمّ تقسّم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلّة. قلت: فللورثة -(مِن) في غير (التهذيب)- قرابة الميت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا، ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة؟ قال: نعم، إذا رضوا كلّهم، وكان البيع خيراً لهم، باعوا“ (1) (2).
إن فيه احتمالين(3):
الأوّل: أنه يسأل عن الوقف الذي يجعل فيه مثل هذه الوصية هل يصحّ أو لا؟
ــــــــــ[328]ــــــــــ
() التهذيب: ج9، ص133، حديث 565. (المُقرِّر)
(2) الكافي 7: 35، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 29، مَن لا يحضره الفقيه 4: 242، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5577، تهذيب الأحكام 9: 133، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 12، الاستبصار 4: 99، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 61، الحديث 6، ووسائل الشيعة 19: 190، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 8.
(3) وكان السيد يقرأ الرواية ويعلّق عليها. فقرأ السؤال الأوّل من الراوي وقال إن فيه احتمالين:… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الثاني: أنه لا يسأل عن الوقف، بل عن خصوص هذه الوصية. ومن هنا أجاب الإمام عن ذلك فقال: “جائز للذي أوصى له بذلك“. ولم يجب عن مسألة الوقف، مما يدلّ على أنه فهم من السؤال الاحتمال الثاني.
وهنا قيلت شبهات، منها: أن في الرواية احتمالات:
أحدها: أنه قرن الوصية بصيغة الوقف، فقال: (ادفعوا بعد موتي هذا المال إلى فلان).
ثانيهما: أنه أوصى بعد تمامية الوقف. وهذا القسم من الوصية باطل، فلماذا ترك الإمام الاستفصال؟ وهل يلتزم بجوازه من هذه الرواية؟ وعلى أيّ حال فلا يستفاد من الرواية وقوع الوصية في أثناء الوقف.
إلّا أن الصحيح هو الاحتمال الثالث: وهو أن لا يُراد بالوصية معناها الاصطلاحي، بل مجرّد العهد والايعاز، بمعنى الاشتراط في إنشاء الوقف لذلك، فتجري الثلثمائة درهم بعد الإنشاء لا بعد موت الواقف.
وهنا في قوله: “وقف غلّة” احتمال غير معتدٍّ به، وهو أن تكون الغلّة بمعنى ما يخرج من الأرض، لا الأرض نفسها، فإنها مستغلّة، وإنما يطلق عليها الغلّة تجوّزاً ومجازاً. ويكون المراد من الوقف غير معناه الاصطلاحي وخاصّة بنسخة (التهذيب): (أوقف)، حيث يحتمل أنها استعملت بمعناها اللغوي، واستعمالها بمعنى (وقف) نادر. فقد أوقف الغلّة نفسها على هؤلاء، وقرّرها لهم، واستثنى منها 300 درهم لغيرهم.
وقوله بعد ذلك: “من غلّة الأرض التي أوقفها” كما يمكن أن يكون صفة
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
للأرض يمكن أن يكون صفة للغلّة. كما أن قوله بعد ذلك: “ما يخرج من الغلّة” كما يمكن أن تكون (مِن) ابتدائية، كذلك يمكن أن تكون تبعيضية، حيث يراد من الغلّة الثمرات.
ومعه فلا تكون الأرض وقفاً، بل ملكاً، غاية الأمر أنه يجب عليهم إبقاؤها ليستفيدوا منها، بل لعلّهم إذا باعوها انتقلت إلى المشتري، كما كانت عندهم، فيجب عليه دفع الثلثمائة دينار إلى ذرّية ذلك الرجل وهكذا. ومعه لا تكون الرواية مربوطة ببيع الوقف أصلاً.
بناءً على بطلان الاحتمال الذي قلناه من أن المراد بالغلّة المنافع دون الأرض، وخاصّة بناءً على رواية غير (التهذيب): (وقف)، الظاهر بالوقف الاصطلاحي، وهو أقوى من ظهور الغلّة بالمنافع، ومعه يكون المراد: وقف الأرض، وخاصّة حين يسأل عن بيع الأرض، وذلك باعتبارها وقفاً.
[في دلالة الرواية على الوقف الدائم أو المنقطع]
وبناءً عليه فهل يستفاد من الرواية أنه وقف منقطع أو دائم، أو أن ترك الاستفصال يدلّ على وحدة الحكم في القسمين، وأنها مجملة من هذه الناحية؟ لا بُدّ أن نقرأها لنعرف ذلك.
وقبل ذلك لا بُدّ أن نرى أن المراد من الوقف الدائم والمنقطع ما هو؟ فيه احتمالات:
الأوّل: أن الوقف الدائم هو ما أخذ فيه قيد الدوام إلى الأبد، ويقابله المنقطع وهو ما سوى ذلك. والعناوين وإن كانت في الخارج مؤيّدة، إلّا أن
ــــــــــ[330]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الوقف منقطع ما لم يذكر فيه قيد الدوام.
الثاني: أن الوقف المنقطع ما قيد بالزمان المنقطع. والدائم ما بقي مرسلاً غير موقّت بوقت، سواء احتمل بقاء الذرّية إلى الأبد أو علم بانقراضهم. شأنه في ذلك شأن البيع والنكاح الذي يكون دائماً ما لم يقترن بوقت، وإن كان حياة الزوج والمشتري غير مؤبّدة.
الثالث: أن ننظر إلى الموقوف عليهم، فإذا انقرضوا كان منقطعاً في الواقع، وإن قيّدت بالدوام اشتباهاً أو لم تقيّد بشيء، وأما إذا بقوا كان دائماً، ولذا تقع بعض الموارد محلّاً للشكّ في أنها منقطعة الآخر أو لا.
والصحيح أن لا ننظر إلى الموقوف عليهم، بل إلى الوقف نفسه، فإن كان مقيّداً كان منقطعاً وإلّا كان دائماً. ولا دليل فقهي حسابي على ارتباطه بالموقوف عليهم، وأوقاف الأئمة وإن كانت مؤبّدة، إلّا أنها لا تدلّ على بطلان ما سواها، ودليل (الوقوف على حسب ما يقفها أهلها) يدلّ على الصحّة.
فإذا رجعنا إلى الرواية نرى أن قوله: “أوقف على قرابته” فيه احتمالان:
أحدهما: أن الحكم بالوقف وارد على هذا العنوان.
ثانيهما: أن يكون إشارة إلى الموجودين من القرابة حال الإنشاء.
والظهور مطابق للاحتمال الأوّل، خصوصاً في باب الأوقاف، فإن الوقف على الموجودين قليل نادر. وبعضهم أراد أن يفهم الاحتمال الثاني من لفظ (الورثة) ذلك، وسيأتي نقاشه.
وعلى أيّ حال فعلى الاحتمال الأوّل يكون الوقف مؤبّداً على الاحتمال
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الثاني في معنى الدوام، ومجهول الدوام بناءً على الاحتمال الثالث؛ لأنّا لا نعلم أنهم معقّبين للذرّية أو لا. وإن كان من المحتمل كونهم معقّبين؛ لأن آباءهم من أوّل البشرية إلى الآن معقّبون، فلا بُدّ أن يكون آباؤهم كذلك. نعم، لو كان العنوان مشيراً إلى الخارج فهو منقطع على كِلا الاحتمالين.
وما يدلّ على كون المراد هو العنوان هو: إيصاؤه بثلثمائة درهم للرجل وذرّيته مهما تناسلوا، وهذا يناسب أن يكون الموقوف عليهم طبقات متنازلة أيضاً، لا خصوص الموجودين من القرابة.
ثُمّ إنهم قالوا: إن قوله: “يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلّة” يدلّ على أنه ليس وقفاً، وإلّا لَما كان إرثاً. فإن تلقّي الوقف من الواقف لا من المورث.
نقول: الكلام في الرواية عن حكم الثلثمائة درهم، لا عما بقي. وفي هذا احتمالان:
الأوّل: أنه جعل لهم ثلثمائة درهم.
الثاني: أنه اشترط على الموقوف عليهم أن يدفعوا إليهم ذلك.
فعلى الأوّل يحصل أولئك بنحو التوارث، والباقي يحصل عليه الموقوف عليهم بنحو جعل الواقف.
وأما على الاحتمال الثاني: فالمال كلّه ملك للموقوف عليهم، ويجب عليهم دفع الثلثمائة إلى أولئك، فيكون تلقّياً من الواقف.
ونحن لا نعلم أن أيّاً من الاحتمالين هو الصحيح بحسب جعل الواقف. والراجح أن لا يكون معنى الإرث هنا هو المعنى الاصطلاحي، بل من قبيل:
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أن الله يرث الأرض ومَن عليها، فبحسب فهمنا يكون الوقف دائماً لا منقطعاً، خلافاً للشيخ(1) وآخرين(2).
ولعلّ صدر الرواية ليس في مقام بيان الوقف أصلاً، ولذا لم يُجب الإمام عنه، بل عن جعل الثلثمائة درهم للأجنبي. ومعه فلا يمكن أن نعلم الدوام والانقطاع في الوقف. نعم، لا بُدّ من النظر في آخر الرواية، وأن ترك الاستفصال فيه يدلّ على الإطلاق. وأما ترك الاستفصال في صدر الرواية فلا يصحّ، وإن تمسّك به الشيخ(3).
ثم هل للرواية ظهور في الوقف المنقطع أو لا؟
عنون الفقهاء مسألتين:
إحداهما: أنه يشترط في الوقف الدوام والشهرة، بل الإجماع تقريباً عليه، ونقل الإجماع على أنه إذا قُيّد بسنة بطل. ولكن يقع حبساً أو لا؟ وجهان: ذهب الشهيد(4) إلى وقوعه حبساً، ويظهر من بعض الكلمات كـ(الجواهر)(5) والسيّد(6)
ــــــــــ[333]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 81- 82، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الرابعة.
(2) اُنظر: مختلف الشيعة 6: 289، كتاب الهبات وتوابعها، الفصل الثالث: في الوقف.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 82، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الرابعة.
(4) اُنظر: الدروس الشرعيّة 2: 264، كتاب الوقف.
(5) اُنظر: جواهر الكلام 28: 53، كتاب الوقوف والصدقات، النظر الثاني، القسم الرابع.
(6) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 192، كتاب الوقف، الفصل الأوّل، الشرط الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أن معنى الدوام عدم تقييده بالوقت، فما هو قيد الصحّة هو عدم التقييد بالوقت.
ثانيهما: وقد سلّم صاحب (الجواهر)(1) أنها من متفرّعات المسألة الأولى، وذلك ما إذا أوقف على عنوان منقرض غالباً كالأولاد، فهل هو وقف، أو حبس، أو باطل؟
قال شيخ الطائفة(2): مِن أصحابنا من يقول ببطلانه، وفي (مفتاح الكرامة)(3) يقول: إننا لم نطّلع على القائل، فالشهرة قائمة هنا على الصحّة، وهناك على البطلان. فقد صحّحوه، ولكنّهم أختلفوا أنه وقف أو حبس. يقول صاحب (الجواهر)(4): إن القائل إنه حبس يريد أنه في حكم الحبس. والسيد يقول(5): المشهور أنه وقف. وكلمات الأصحاب مختلفة جداً.
أما الرواية فلا تدلّ على الانقطاع بالمعنى الأوّل، فإن “أوقف على قرابته
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 28: 55، كتاب الوقوف والصدقات، النظر الثاني، القسم الرابع.
(2) اُنظر: الخلاف 3: 543، كتاب الوقف، مسألة 9.
(3) أُنظر: مفتاح الكرامة 21: 462، كتاب الوقوف والعطايا، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المطلب الثاني.
(4) اُنظر: جواهر الكلام 28: 55-56، كتاب الوقوف والصدقات، النظر الثاني، القسم الرابع.
(5) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 192، كتاب الوقف، الفصل الأوّل، الشرط الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
من أبيه وقرابته من أمّه”، وهم أناس كثيرون عادةً، وانقطاع النسل الكثير بعيد. مضافاً إلى قوله: “ما بقوا وبقيت الغلّة” فإن ظاهرها نافٍ لهذا الاحتمال. وأما الانقطاع بالمعنى الثاني فأيضاً لا نستطيع أن نثبته، فإن لم تكن الرواية دالّة على عدمه فلا أقلّ من عدم إمكان إثباته.
وقوله: “فللورثة من قرابة الميت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا، ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة. قال: نعم، إذا رضوا كلّهم، وكان البيع خيراً لهم..” إذا كانت الرواية غير ظاهرة بالمنقطع، وغير معلوم عند المجيب أنه يسأل عن المنقطع أو الدائم، وخاصّة وإن الانقطاع بالمعنيين الأوّلين(1) منفي بالظهور، وعلى فرض احتمال المعنى الثالث وهو انقراض الموقوف عليهم وعدمه، فلا ظهور في الرواية عليه.
ومعه يكون ترك الاستفصال دالّاً على أن بيعه جائز على كِلا التقديرين.
وقوله: “ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلّة شيئاً، حتى يوفّى الموصى له ثلثمائة درهم، ثُمّ لهم ما يبقى بعد ذلك” فكيف كان الجعل بحيث أنتج هذه النتيجة، بحيث لا يجوز للموقوف عليهم أن يتصرّفوا بالمال قبل دفع الثلثمائة درهم كلّها؟! هل كان بنحو الكلّي في المعيّن أو بنحو الإشاعة؟ فلو كان بنحو الكلّي في المعيّن استطاعوا أن يتصرّفوا حتى يبقى من المال بمقدار الحصّة. وإن كان بنحو الإشاعة وقع النقص على الطرفين، مع أن ظاهر الرواية وجوب دفعها موفّرة. يمكن أن نقول: إنه جعل بهذا النحو: (أعطوه ثلثمائة درهم، ولا
ــــــــــ[335]ــــــــــ
() وهو تقييده بسنة أو بما ينقرض غالباً. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يمكن التقسيم قبل ذلك، ثُمّ قسّموا الباقي). وهذا واضح من قوله: “أليس من وصيّته أن يعطي الذي أوصى له من الغلّة ثلثمائة درهم، ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وأمّه“. كما هو الحال في سائر الحقوق المالية المتعلّقة بالأحوال، فإنه لا يجوز التصرّف فيها إلّا بعد إخراج الحقّ.
وقوله: “ورثته”: لا بُدّ من تأويله، فإنه قال هناك: “على عقبه”. والعقب هم الأولاد دون الزوجة والأخوة، وإن كانوا وارثين في الجملة. فإما أن يختصّ المراد ببعض الورثة وهم الأعقاب، ونقول: ليس المراد الإرث الاصطلاحي.
وقوله: “إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة” قيل: إن المراد أنهم اشتروا شيئاً يخرج منه من الربح بقدر ما كان يخرج من الغلّة. إلّا أن هذا أمر نادر: أن لا يكون للغلّة إلّا ربح قليل، ويكون ثمنها كافياً لشراء أرض ذات ربح وفير، والغالب أن ما يشترونه لا يكون كافياً بالحاجة كالعين نفسها. فإنما هو يسأل عما إذا كان يجوز أن تباع الأرض ويؤكل ثمنها. قال: “نعم، إذا رضوا كلّهم، وكان البيع خيراً لهم، باعوا“. فإن “نعم” ظاهرة بأنها تأتي على فرض الاحتياج الموجود في السؤال، وإن لم نقل بمفهوم الشرط، فإنه لا ينبغي الخروج على هذا الفرض، فهنا قيدان: (الاحتياج)، و(كونه خيراً لهم)، ولا ينبغي أن يشتروا ما يختارونه كما يقول الشيخ(1)، بل ما هو الأصلح لهم.
إذن فالرواية مخالفة من عدّة جهات للقواعد والفتاوى، إلّا الشيخ المفيد(2)
ــــــــــ[336]ــــــــــ
(1) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 192، كتاب الوقف، الفصل الأوّل، الشرط الثاني.
(2) اُنظر: المقنعة: 652-653، كتاب الوقوف والصدقات، باب الوقوف والصدقات.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الذي أفتى وأنكر فتواه. وإشكال الشيخ(1) وارد وهو أن الرواية تذكر الحاجة، ومسألتنا كون البيع أنفع ولو لم يكن حاجة. ثُمّ لا تقول الرواية: (يجب شراء شيء بدل الوقف)، ومسألتنا أنه يجب. فإذا كانت الرواية دالّة على شيء فهي لا تصلح أن تكون دليلاً على المسألة.
الرواية الأخرى التي تمسّكوا بها لجواز بيع العين الموقوفة، إذا كان البيع أنفع لهم، بحيث يكون المراد تبديل الوقف بما هو أنفع.
أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في (الاحتجاج)(2)، عن محمد بن عبد الله جعفر الحميري، عن صاحب الزمان: “أنه كتب إليه: روي عن الإمام الصادق خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه، وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه. فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا على البيع، أم لا يجوز إلّا أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه. فأجاب: إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإذا كان على قوم من المسلمين فليبع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إن شاء الله تعالى” (باب 6، رواية9، من
ــــــــــ[337]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 81-82، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة الرابعة.
(2) الاحتجاج 2: 490، ذكر طرف ممّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان من المسائل الفقهيّة….
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كتاب الوقف)(1).
فأن محمد بن عبد الله(2) بن جعفر لم يلاقي الإمام، وإنما بينهما واسطة مجهولة، فقد يكون هو أحد النواب الأربعة، أو بعض وسائطهم، أو واسطة مستقلّة إلى الإمام. هذا مجهول عندنا، على أن غايته أنه رأى التوقيع، ونحن لا نعلم أنه توقيع الإمام ، فإثبات المطلب بمثل هذه التوقيعات لا يتمّ(3).
يسأل(4) أن الرواية واردة في صحّة البيع مع الاجتماع، فهل هو صحيح مع
ــــــــــ[338]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 19: 191، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 9.
() وتكلّم السيد عن سند هذه الرواية، فذكر أن محمد بن عبد الله. (المُقرِّر).
() أقول: جهالة الواسطة غير مضرّة لأمرين:
أحدهما: كبرى أن من يخرج على يده التوقيع فهو ثقة، فإنها لو تمّت تنتج أن الواسطة بينه وبين الإمام ثقة أيّاً كان شخصه.
الثاني: ظهور الرواية بأن الواسطة هو أحد النواب الأربعة، أو نحوهم، لظهور قوله: “كتب إليه” أنه كتب ذلك بالطريق المتعارف عند الخاصّة يومئذٍ، وهو إما بالرجوع إلى نفس الباب، أو إلى بعض وسائطه، كما هو معروف من التاريخ. وعلى أيّ حال فهو ثقة. كما أن دعوى أننا لا نعلم بأن التوقيع هو توقيع الإمام مدفوع بشهادة الراوي كونه توقيعه، إذ الظاهر كونه قاطعاً بذلك، ووجه القطع معروف وهو أن الخطّ الذي كان تصدر به التواقيع واحداً دائماً، يعرفه الخاصّة ويستدلّون به على صدق الجواب، كما هو معروف من التاريخ أيضاً. (المُقرِّر).
(4) ثُمّ كان السيد يقرأ أقساماً من العبارة ويعلّق عليها، فقرأ السؤال في الرواية، ثُمّ قال: يسأل… (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
التفرّق أو لا؟ فهل هو ناقل للرواية بتمامها، أو لموضع الحاجة منها؟ ولعلّه يفهم الأوّل من قوله: “أصلح لهم“؛ لأنه خارج عن صدد سؤاله، فيدلّ على أنه كان في صدد بيان جميع الرواية. وإذا لم يكن ذلك تامّاً فلا تتمّ دلالة الرواية؛ إذ لعلّ هناك مجوّزات للبيع أخرى، كانعدام المنفعة، أو الخلاف بين الموقوف عليهم.
قوله: “بأعيانهم وأعقابهم“، هل يفهم من (العقب) لكلّ فرد من أفراد القوم ما تعاقبوا وتناسلوا. ويحتمل كونه العقب في الجملة، ويحتمل أن يراد به العقب العقب المباشر دون من بعده. ويحتمل أن يراد بالعقب الابن وابنه في عرض واحد. ونفهم من قوله: “فاجتمع أهل الوقف على بيعه” أنهم يستطيعون أن يجتمعوا، ولو كان الوقف على من تعاقبوا لم يستطيعوا أن يجتمعوا، فيفهم منه أن أهل الوقف هم الأبناء والآباء في عرض واحد، وكلّهم موجودون فعلاً؛ فيجتمعون. ويحتمل أن يفهم من قولهفي الرواية السابقة: “ما تعاقبوا وبقيت الغلّة“. وقال: “إذا رضوا “: إن رضاء الموجودين هو الميزان، وقد ألغى الشارع رضاء الآتين. فكما قالوا: إن قبول الموجودين كافٍ في الوقف إذا احتاج إلى قبول، كذلك رضاؤهم بالبيع. فلعلّ المراد من هذه الرواية هو ذلك.
وقد سأل الراوي سؤالين، وقد تصدّى الإمام أوّلاً للجواب عن السؤال الثاني، ثُمّ أجاب عن السؤال الأوّل بقوله: “إذا كان الوقف على إمام المسلمين، فلا يجوز بيعه، وإذا كان قوم من المسلمين، فليبع كلّ قوم ما
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يقدرون على بيعه، مجتمعين ومتفرّقين إن شاء الله تعالى”.
هل المراد من (إمام المسلمين) وقفه على هذا العنوان؟ والإمام هو المقتدى لا خصوص المعصوم، فيراد به الوقف العام مع ذكر مصداقه، وإذا كان الوقف على الإمام الأصل فلعلّ المراد: أن المسلمين لا يستطيعون أن يبيعوه، وليس له نظر إلى أن الإمام لا يستطيع ذلك. فإذا كان للإمام لم يجز بيعه، وإذا كان المسلمين جاز، ويحتمل أن يكون المراد الوقف على إمام المسلمين بما هو كذلك، لا شخص الإمام؛ فيكون وقفاً على مصالح المسلمين، أي: الوقف العامّ، فيكون تفصيلاً بين الوقف العامّ والوقف الخاصّ. واحتمال أنه يذكر الوقف على الإمام والوقف على بعض المسلمين، ويدع الوقف على كلّ المسلمين مهملاً بعيدٌ. فيأتي إلى النظر إلى أنه وقف على الإمام بما هو إمام، فيعود إلى الوقف العامّ.
وأما الوقف على قوم من المسلمين يقول: “فليبع كلّ قوم ما يقدرون” إن حملنا القوم على قوم بعينهم، فلا بُدّ أن يقول: (فليبع كلّ فرد) ويكون التعبير بالقوم بلحاظ أجزاء القوم غير منسجم مع العبارة. نعم، إن حملنا قوم من المسلمين على الجنس تكون العبارة على مقتضى القاعدة. وقوله: “ما يقدرون“، يعني: ما يستطيعون شرعاً بيعه.
والآن لا بُدّ أن نرى نسبة صدرها إلى ذيلها، فإنه يقول في السؤال في صدرها: “وكان أصلح لهم“، فهل يريد في الجواب إلغاء هذا الشرط، أو أنه يريد أخذ تلك الرواية المأثورة مفروضة ومحفوظة القيود، ويجيب عن السؤال
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بمقداره، كما هو الأظهر، فهو يجيب من هذا الحيث؟ إذن يُفهم أن الأصلح قيد في الجواب أيضاً. ولو لم تكن تلك الرواية صحيحة ولم يكن الأصلح قيداً، لأشار إلى ذلك، فسكوته عن ذلك يدلّ على تصديق تلك الرواية، ويكون الجواب على حيثية السؤال.
وأما نسبة هذه الرواية إلى الرواية السابقة: فإن في الرواية السابقة قيدين:
أحدهما: (الاحتياج) وقد وقع في السؤال، واندراجه في الجواب بمعنى قيام الجواب على أساسه محلّ إشكال.
ثانيهما: “إذا كان خيراً لهم” وقد وقع في الجواب. وهنا بعد أن يكون قيد الأصلح مراداً، تكون هذه الرواية دالّة عليه. وبين (الأصلح) و(الخير) عموم من وجه. فإن الخير يعبّر به عن زيادة الأموال، وهو قد يكون أصلح وقد لا يكون. وحينئذٍ فهل نعتبر كِلا القيدين، باعتبار أن إحدى الروايتين تقيّد الأخرى من هذه الناحية؟ وإذا كان الاحتياج قيداً فالقيود ثلاثة، وهذا لا فتوى عليه.
إذن فالروايتان غير قابلتين للعمل؛ لأنهما مخالفتان للقواعد، مضافاً إلى ضعف سندها وإعراض الأصحاب عنها، واضطراب متنها، فإنه يقول: “فليبع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه“، وهو بإطلاقه خلاف الضرورة. إذن فهذه الصورة لا تتمّ، وهي: جواز البيع إذا كان أصلح.
تمسّكوا أيضاً بروايات أخرى منها(1): مكاتبة علي بن مهزيار: قال: “كتبت
ــــــــــ[341]ــــــــــ
() صحيحة، باب 6، من الوقف. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إلى أبي جعفر الثاني: إن فلاناً ابتاع ضيعته فأوقفها، وجعل لك في الوقف الخمس، ويسأل عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض، أو تقويمها على نفسه بما اشتراها، أو يدعها موقوفة؟ فكتب إليّ: “أعلِم فلاناً أني آمره أن يبيع حقّي من الضيعة، وإيصال ثمن ذلك إليّ، وأن ذلك رأيي إن شاء الله، أو يقوّمها على نفسه إن كان ذلك أوفق له“ (1).
هناك إشكال عام في المكاتبات وهو: أنه-ما لم يشهد له ثقة بكونه خطّ الإمام– يحتمل أن يكتب شخص شبيه كتابته تماماً، وهو ليس بنادر.
والظاهر الابتدائي للرواية أن بيع هذا الوقف جائز، ولكنّه ليس حكماً كلّياً، فلا نعلم أنه جائز؛ لأن الوقف مطلقاً يجوز بيعه، أو لأنه وقف خاصّ، والوقف الخاصّ يجوز بيعه، أو لأن بيعه أصلح، كما يريد المستدلّ بالرواية ولو باعتبار أن الاحتمالات الأولى غير محتملة، فيتعيّن الأخير.
يبقى الكلام في أنه وقف خاصّ أو عامّ منقطع أو دائم. ظاهره أنه وقف على خصوص الإمام، مع احتمال أن يكون وقفاً على عنوان الإمام وكان ينطبق يومئذٍ على ذلك الإمام؛ ولذا عبّر بهذا التعبير، كما يحتمل أن يكون
ــــــــــ[342]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 36، الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 30، من لا يحضره الفقيه 4: 240، باب الوقف والصدقة، الحديث 5575، تهذيب الأحكام 9: 130، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث4، الاستبصار 4: 98، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 61، الحديث 5، ووسائل الشيعة 19: 187، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
دائماً بعد الإمام لورثته، أو للإمام بعده، وبعده في سبيل الله، ولم يذكر ذلك لعدم الحاجة إليه. وقد ذكرنا أن المنقطع لا يقاس بانقراض الموقوف عليهم، بل باقترانه بالمدّة وبدونها يكون دائماً، فيكون الدائم بمعنى غير المنقطع لا المقرون بالدوام.
أشكلوا على هذه الرواية بعدة إشكالات:
منها: أنه لم يرد في الرواية قبول الإمام للوقف، والقبول في الوقف الخاصّ لازم.
إلّا أنه لا يتمّ؛ لعدم لزوم القبول، وعلى ذلك كانت أوقاف الأئمة.
ومنها: أنه لا قبض فيها.
وأجابوا عنه بأن الإمام أجاز الوقف، وسلّط وكيله عليه، فيحصل القبض من قبله.
ولكنّنا لا نعلم أنه أجاز الوقف لأيّ جهة؟ فإن فيه احتمالات:
منها: حصول ضرورة شديدة للإمام.
ومنها: أنه أنفع.
ومنها: وجود كِلا الجهتين.
ومنها: أنه يخاف وقوع الخلاف بين الموقوف عليهم، ولعلّه عند خوف الخلاف يجوز البيع.
ومنها: أنه خصوصية للإمام؛ لأن مخالفتهم له ازدراء بمنزلته ومقامه.
وليست المسألة كلّية حتى يتمسّك بإطلاقها. ومع وجود هذه الاحتمالات
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لا يمكن الاستدلال بالرواية. نعم، لو اجتمعت كلّ هذه الاحتمالات فلا بأس بالاستدلال بها، ولعلّنا نقول به حينئذٍ.
وهناك احتمالات أُخر:
منها: إن المراد بالخمس ليس هو خمس الضيعة، بل الخمس الذي عليه للإمام، فوقفه للإمام فضولة، والإمام لم يجز الوقف، بل أمره بالبيع وتسليم ثمنه إلى الإمام.
كما يحتمل: أنه لم يقف الخمس، بل عزله عن الوقف، وإن كان خلاف الظاهر.
يبقى الكلام في الصورة الأخرى.
يبقى الكلام فيما إذا اشترط في الوقف جواز البيع.
من الموارد المستثناة من المنع عن بيع الوقف: ما إذا اشترط الواقف حين الوقف جواز بيع العين الموقوفة، وإذا أردنا أن نعتبره استثناءً مستقلّاً فلا بُدّ أن نفرض أنه ثابت في غير موارد الجواز الشرعي للبيع. فهل هذا من موارد الجواز، أو أنه شرط فاسد، أو أنه يبطل الوقف؟
وقد وسّعوا ذيل هذه المسألة، كما لو أجاز بيعه ولم يشترط، كما هو الحال في وقف أمير المؤمنين للإمام الحسن، حيث أجاز له بيعه، وكما لو أجاز لنفسه البيع في إيقاع الوقف، وفي مثل ذلك لا يمكن إنفاذه بأدلّة إجازة الشرط، بل بأدلّة السلطنة على المال؛ لأنه ليس من قبيل الشرط على الغير في ضمن عقد،
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بحيث يتعقّبه القبول، بل شرط لنفسه في ضمن إيقاع. وقد يشترط أو يجيز للموقوف عليهم البيع ممن هو موجود منهم من الطبقة الأولى، وقد يجيزه لأجنبي، كما قد يشترط أن يباع ويشتري غيره ويوقف، أو يكون وقفاً.
فهل هذا مخالف لماهيّة الوقف، بحيث إن هناك تناقضاً بين الجعلين، ولا يتأتّى حال الالتفات، أو يتأتى ولا يمكن تطبيقه، وإن ورد في لسان الشرع تنفيذ ذلك فلا بُدّ من تأويله، أو أن اشتراط جواز البيع لا ينافي ماهيّة الوقف؟ أو أنه -وإن كان غير منافٍ للماهيّة- إلّا أنه مخالف للشرع، فلا يكون صحيحاً، أو أنه غير مخالف، فيكون نافذاً؟
أما على مبنى صاحب (الجواهر)(1) من أن الوقف عبارة عن حبس العين وتسبيل المنفعة، فالوقف هو الممنوعية عن النقل بجعل المالك، فإذا أجاز البيع مطلقاً أو استثنى حالة معيّنة، ارتفع الوقف فيما جاز فيه البيع. فيعود ملكاً فيجوز بيعه. لكنّنا قلنا بأن الوقف ليس هو ذلك، بل هو عنوان مستقلّ هو الإيقاف عليهم وعدم التجاوز عنهم.
وإن قلنا: بأن الوقف الدائم منافٍ مع عدم الدوام والبيع في حال من الأحوال، لكنّنا قلنا: إن الدوام ليس من قيود الوقف هو غير المحدود في مقابل المحدود، ومعه فلا منافاة بين إيقاع الوقف وطروّ الجواز في الصور السابقة أو في هذه الصورة.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 358، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
غاية الأمر أنه يقع الكلام أنه هل لا منافاة في كلّ الأقسام، أو في بعضها دون بعض؟ فلو أوقف على شخص وأولاده، واشترط أنه يبيعه مع الحاجة، هل ينافي أو لا؟ ولو اشترط لنفسه أو لأجنبي هل ينافي أو لا؟ أما في الصورة الثانية فالمنافاة ثابتة، فإن الثمن لا يكون ثمن الوقف ولا محفوظاً في مصلحته، فلا بُدّ أن يكون الوقف محدوداً على أيّ حال، وينتهي الجعل بحصول الحدّ. وأما إذا اشترط البيع للطبقة الأولى، فأيضاً لا بُدّ وأن نقول: إن الوقف محدود؛ لأن الوقف ليس على خصوص هذه الطبقة، بل عليهم ومَن بعدهم نسلاً بعد نسل، فرجوع الثمن إليهم بالخصوص لا يكون معقولاً، إلّا بانتفاء أصل الجعل، لا أن الجعل مطلق والعين خارجة عن الوقف للتنافي بينه وبين البيع. فحين يتحقّق الشرط -لو صحّ على كلام يأتي- تصبح العين ملكه، فيستطيع بيعها والتصرّف في ثمنها. غاية الأمر يأتي الكلام في أن هذا ثمن الوقف، والوقف باقٍ، إلّا أنه مختصّ بهذه الطبقة … أو أن الجعل مرتفع.
إذن فهناك تفصيل بين هذه الأقسام، فبعضها ينافي ماهيّة الوقف ويبطلها، وبعضها لا يبطلها.
الأقسام الثلاثة التي قلناها هي:
أوّلاً: أن يقول الواقف: (إذا احتجت أو احتاج فلان -الأجنبي- يباع الوقف ونتصرّف في ثمنه).
ثانياً: إذا احتاجت الطبقة الأولى أو بعضهم يباع ويتصرّفون في ثمنه.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ثالثاً: أن يباع ويبدّل بعين أخرى.
إذا اعتبرنا في الوقف الدوام لا بالمعنى الذي قلناه، بل بالمعنى الذي قيل، وهو أن يكون الوقف على عناوين دائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ففي القسمين الأوّلين -الأوّل بلا إشكال، والثاني على الظاهر- يكون الشرط منافياً مع ماهيّة الوقف. ففي الأوّل لا يعقل أن يكون وقفاً على تلك الطائفة إلى الأبد، ومع ذلك يعود الثمن إلى الواقف، بل مرجعه إلى جعل الوقف منقطع الآخر إلى آنٍ ما قبل البيع. إذن فهو منافٍ لماهيّة الوقف ومفسد له، حتى لو قلنا بأن الشرط الفاسد غير مفسد؛ لأنه إنما لا يكون مفسداً إذا لم يكن منافياً مع الماهيّة، وكذلك الحال في القسم الثاني راجع إلى الوقف المنقطع.
إنما الكلام في القسم الثالث: في أنه هل يرجع إلى ذلك أو لا؟ فمن يقول بعدم رجوعه إليه يعبّر بتعبيرات:
منها: ما قاله المرحوم النائيني(1) من أن الوقف لم يتعلّق بشخص العين، بل بها وبماليتها، بنحو الترتّب، وعند وجود هذا الشرط يكون المطلب أوضح، إذ منه يُفهم أنه وقف الجامع بين العين والبدل، وهذا الجامع موجود بوجود العين ما دامت، وبالبدل عند عدمها.
أو يقال كما قال الشيخ محمد حسين(2): إن إنشاء الوقف وإن لم يكن قد
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 351، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثاني، الصورة السادسة.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 150-153، كتاب البيع، شرائط العوضين، صور جواز بيع الوقف، الصورة السادسة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تعلّق بمالية العين، بل بالعين، ولكن إجازة البيع تكون لأجل حفظها، لكن ببعض شؤونها وهو المالية. والعين وإن لم تكن موجودة عرفاً ولا عقلاً، كما أن مالية العين شيء قائم بالعين، ومالية البدل شيء قائم بالبدل، ولا وحدة لهما عقلاً، إلّا أن العرف يرى أن البدل حفظ لمالية العين، فكأنّ شخص هذه المالية باقية، فلا يكون منافياً مع مقتضى الوقف، بل يكون مؤكّداً لبقاء الوقفية(1).
أما عمّا قاله المحقّق النائيني: فقد قلنا سابقاً بأن الترتّب في الإنشاء الواحد بهذا النحو لا يمكن. وأما مع وجود الشرط فقد يقال إنه بجعلين، فلا مانع منه. فهل يصحّ ما قاله من أن الجعل متعلّق بالجامع ما بين العين والمالية؟ فإن العين كانت لي والبدل كان لغيري، وبعد البيع أصبح بالعكس. إذن فهما طوليان، وحين الوقف ليس عندي إلّا الجامع القابل للانطباق على العين دون غيرها، فإن ما هو قابل للانطباق على الكثيرين هو نفس الطبيعة، وأما الجامع المتشخّص بالشخص فهو شخص غير قابل للانطباق على غيره، ولم يؤخذ في الجامع الانطباق على الكثيرين وعدمه. إذن فهو مالك للعين ليس إلّا، فإنشاء الوقف على الجامع بينها وبين غيرها لا يكون صحيحاً.
وإن قلت: إنه وقف الجامع الذي يكون مصداقاً عند الانطباق، فهذا يعني أنه وقف ما سيصير بدلاً، لا أنه وقف البدل. وإن أردت: الوقف على نحو الطولية، بحيث يكون وقفاً للعين وحدها أوّلاً، ثُمّ وقف للبدل وحده ثانياً، فهذا يكون من قبيل الوقف المنقطع الآخر بالنسبة إلى العين، وهو خلاف
ــــــــــ[348]ــــــــــ
() فلا يكون باطلاً حتى لو قلنا ببطلان البيع المنقطع الآخر. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
مقصوده من جعل الوقف دائماً.
وأما ما قاله الشيخ محمد حسين: فالوقف مرّة يتعلّق بالمالية، وأخرى بالعين، والثمرة دائماً ثمرة العين لا المالية، فالشجرة إنما تثمر والدار إنما يكون لهما منفعة بصفتها عيناً موجودةً، سواء كان لها مالية أو لم يكن، وسواء كان العقلاء موجودين أو لا. فلو وقف مالية هذا الشيء كان باطلاً أساساً.
وإذا قلت: بأن الوقف يتعلّق بالعين بما أنه مال.
قلنا: إن الدار بما أنها مال تختلف عرفاً وعقلاً عن بدلها -كالبستان مثلاً- بما أنه مال، وإن قلنا بأن المالية محفوظة عرفاً -على إشكال فيه- فإن نفس العين لا يمكن أن يقال بانحفاظها عرفاً.
وبعد بطلان الوجهين، يتحصّل أنه إذا وقف واشترط البيع والتعويض، وقلنا بدخالة الدوام في ماهيّة الوقف، فيكون الشرط باطلاً والوقف باطلاً. وإذا صحّحنا الوقف المنقطع صحّ. أو نقول كما قال الآغايون(1) من أن هذه العين وقف إلى هذا الحدّ، وبعدها تكون مالية العين موقوفة، فهذا باطل؛ لأن مالية العين غير قابلة للوقف، أو نقول(2): إنه وَقَف البدل وقْفاً ينطبق عليه في حينه، فهذا وقف منقطع الآخر، فإذا قلنا: يبطل؛ فهو في تمام الصور لا بُدّ أن نقول بالبطلان، وإذا قلنا بالصحّة ففي تمام الصور لا بُدّ أن نقول بها.
ــــــــــ[349]ــــــــــ
(1) اُنظر: منية الطالب 1: 351، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثاني، الصورة السادسة.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 150-153، كتاب البيع، شرائط العوضين، صور جواز بيع الوقف، الصورة السادسة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هناك مبنيان في الوقف:
أحدهما: أنه من العقود، سواء كانت ماهيّته تمليكاً أو حبساً.
الثاني: أنه من الإيقاعات ولا يحتاج إلى قبول. وهذان المبنيان يختلفان في صحّة الشروط المأخوذة في الوقف.
فإذا اعتبرناه عقداً، وشرط الوقف في ضمن العقد على القابلين وهم الموقوف [عليهم]، فيكون نافذاً عليهم. وأما إذا كان إيقاعاً فلا يكون فيه شرط اصطلاحي، ولا بُدّ في تنفيذه من دليل آخر. ونحن نتكلّم على كِلا المسلكين عن صحّة شرط البيع في الوقف. وليس شرط البيع من قبيل جعل حدّ للوقف، فإنه كما في سائر الموارد لم يكن يبطل الوقف إلّا بالبيع، كذلك لو اشترطه. فلا بُدّ أن نرى أن هذا الشرط مخالف للكتاب بالمعنى الأعمّ، أو غير مخالف، أو أنه مورد للشكّ.
هناك موقوفات للأئمة يقال فيها: (إنها بتّة بتلة لا تباع ولا توهب، ومن باعها فعليه لعنة الله)(1). وكان فيها احتمالات:
أحدها: أنه بيان لماهيّة الوقف.
الثاني: أنه بيان للحكم الشرعي.
الثالث: أنه قرار نفس الواقف، من حيث إنه قد يشترط البيع، وأخرى يمنع عنه.
أما إثبات الماهيّة العرفية أو اللغوية بالرواية، فمشكل، إلّا أنه -على أنه-
ــــــــــ[350]ــــــــــ
(1) تقدّم الإشارة إلى المصدر.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بناءً على هذا الاحتمال، لا بُدّ أن نقول ببطلان الشرط والوقف، وأما بناءً على الاحتمال الثاني وهو بيان الحكم الشرعي، ففيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون (لا يباع) حكماً للوقف البتّي المبتول، أي: المنقطع عن ملك الواقف. ومعه لا يكون منافياً مع الوقف المنقطع الآخر؛ لأن الوقف المنقطع يكون قسماً آخر غير الوقف البتّي المبتول؛ فيجوز بيعه(1).
وأما بناءً على الاحتمال الآخر، وهو الذي قوّيناه من أنه قرار الواقف، فيكون موافقاً -على وجه- مع قوله: “الوقوف على ما يقفها أهلها“. ولا ينافي جواز البيع مع الشرط.
ونتكلّم الآن بناءً على استفادة الحكم الشرعي، فلو قلنا بأن الوقف من العقود، واشترط الواقف على الموقوف عليهم بيع الوقف وصرف المال إليه أو إليهم، فهل يكون بناءً على هذا الاحتمال مخالفاً لكتاب الله، أي: لحكم الله أو لا؟
فهل يمكن أن نتمسّك بأوفوا بالشروط(2) أو لا؟ مرّة نفهم من الشرط معنى أعمّ مساوقاً لمطلق القرار، فلا يصحّ الشرط. وإن قلنا: إن المراد به الشرط
ــــــــــ[351]ــــــــــ
() أقول: ولم يذكر السيد الاحتمال الثاني بناءً على كونه بياناً للحكم الشرعي، ولعلّه هو كون (لا يباع) حكماً لمطلق الوقف، فتكون منافاته مع جواز البيع واضحة. (المُقرِّر).
(2) اُنظر: تهذيب الأحكام 7: 467، كتاب النكاح، الباب 41، الحديث 80، ووسائل الشيعة 18: 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الاصطلاحي الذي يقع في العقود، فيمكن أن يقال بحسب مناسبات الحكم والموضوع: إن المراد بالشرط المخالف لكتاب الله ليس مخصوصاً بالشروط، بل إن كلّ شيء مخالف لكتاب الله وعلى خلاف إرادة الله فهو باطل، إذن فلا يمكن تصحيح مثل هذا العقد بالعمومات؛ لكون ذلك الدليل مقدّماً عليها بعد توسعته. وأما إذا جمدنا على لفظ الشرط، وفهمنا منه معنى لا يشمل أصل العقد؛ فيبطل الشرط دون العقد.
وأما صورة الشكّ، فالكلام فيه طويل لا ندخل فيه.
وأما على مسلك الأوّل، وهو: أن نعتبر الوقف إيقاعاً لايحتاج إلى قبول، فإن الوقف عبارة عن الإيقاف، لا أنه التمليك ولا الحبس، وليس معاملة تتقوّم بطرفين، بل تصحّ سواء كان هناك موقوف عليهم أو لم يكن. ومعه فلا يحتاج إلى قبول، ولو قبل لكان لغواً.
فبناءً على ذلك لا معنى للتمسّك بدليل الشروط لتتميمه، فإن اشترط البيع لنفسه أو للموقوف عليهم، فهذا ليس شرطاً على شخص آخر، بل هو جعل له في ماله، فلا بُدّ أن نرى أن دليل: “الوقوف على ما يقفها أهلها” هل تصحّحه أو لا -كما قيل-؟ وأدلّة السلطنة كذلك أم لا؟ والعجب أنهم تمسّكوا بأدلّة الشروط لتصحيحه.
أما دليل “الوقوف على ما يقفها أهلها“، فهل يصحّح الوقف بأيّ نحو دائماً كان أو منقطعاً على هؤلاء أو هؤلاء، ولا يشمل اشتراط بيع الوقف بما هو وقف؟ فهذا لا يمكن تتميمه.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما دليل: “الناس مسلطون على أموالهم“(1)، فأيضاً لا يمكن التمسّك بها، أما إذا قلنا بأنه مقيّد بأن لا يكون التصرّف على خلاف حكم الشارع، فإن هذا الشرط يكون صحيحاً. وإن قلنا: إن هذا الدليل منصبّ على المال، وبعبارة أخرى أنه تسليط على المال لا على حكم الشارع، لم يمكن التمسّك، فإنه يعود إلى جعل الوقف، لا إلى بيع الوقف بما أنه وقف.
بقيت الرواية الواردة عن أمير المؤمنين، لا بُدّ أن نقرأها لنرى أنه هل يثبت هذا الشرط فيها أو لا؟ ونرى أنه هل يثبت أن هذا الشرط مخالف لأحكام الله أو لا؟
ما قلناه كان بحسب الاحتمالات، وأما بحسب ما حقّقناه فهو أن قوله: “لا يجوز شراء الوقف” لا إطلاق لها بالنسبة إلى الحالات، وأما وقوف الأئمةفقد استظهرنا أنها من قبيل شرط الواقف، لا الحكم الشرعي، ولا لبيان ماهيّة الوقف.
ولكن لو كان لها إطلاق فهل يمكن أن نرفع اليد بهذه الرواية الآتية أو لا؟ وهي ما رواه الصدوق في (التهذيب)(2) بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن
صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج(3)، قال: “بعث إليّ بهذه الوصية أبو ــــــــــ[353]ــــــــــ
() عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، كتاب العقل والعلم والجهل، أبواب العلم، الباب 33، الحديث 7.
(2) تهذيب الأحكام 9: 147، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث55.
(3) الوسائل، بـ(10)، رواية (4). (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إبراهيم في (الوافي)(1): موسى بن جعفر، بوصية أمير المؤمنين: “هذا ما أوصى به وقضى في ماله علي عبد الله ؛ ابتغاء وجه الله؛ ليولجني به الجنّة، ويصرفني به عن النار، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه: أن ما كان من مال بينبع من مال يعرف لي وما حولها صدقة، ورقيقها غير أبي رباح وأبي نيزر وجبير عتقاء، ليس لأحد عليهم سبيل. إلى أن يقول: وأن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة حيّاً أنا أو ميّتاً، يُنفق في كلّ نفقةٍ، أبتغي بها وجه الله، في سبيل الله ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد.
وأنه يقوم على ذلك الحسن بن علي، يأكل منه بالمعروف، وينفقه حيث يريد الله تعالى في حلّ محلّل لا حرج عليه فيه. فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه. وإن شاء جعله شراء الملك. وأن ولد علي مواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي، وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها فليبعها إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن باع فإنه يقسّمها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثاً في سبيل الله، ويجعل ثلثاً في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثاً في آل أبي طالب، وأن يضعهم حيث يريد الله، وإن حدث بحسن بن علي حدث وحسين حيّ فإنه إلى حسين بن علي، وأن حسيناً يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسناً. له مثل الذي كتبت للحسن، وعليه مثل الذي على الحسن. وأنّ الذي لبني فاطمة من صدقةٍ على مثل الذي لبني علي.
ــــــــــ[354]ــــــــــ
(1) الوافي 10: 561، كتاب الزكاة والخمس والمبرّات، أبواب سائر أصناف الإنفاق، الباب 70، الحديث 10.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
إلى أن يقول: وأنه شرط على الذي يجعله أن يترك المال على أصوله، ويُنفق الثمرة حيث أمره به من سبيل الله ووجوهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد…” إلى آخر الرواية.
فهل هذه الرواية وصيّة أو وقف؟ فإنه وإن قال: “هذا ما أوصى به وقضى في ماله“، إلّا أن قوله بعد ذلك: “صدقة واجبة بتلة حيّاً أنا أو ميّتاً” يعيّن كونه وقفاً، فإن الوصية لا تكون حال الحياة. وظاهرها جعلها من الآن صدقة.
وقوله: “يُنفق في كلّ نفقة“، يعني: ريعها، لا هي نفسها، وكذلك قوله: “يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يريد الله” فيكون قوله: “فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال“، ظاهراً في ريعها أيضاً، وإن كان احتمال عوده إلى نفس الموقوفة موجود. ويكون المراد أن الإمام علي وسّع على الإمام الحسن، وذلك أنه أمره أوّلاً أن يأكل بالمعروف، ثُمّ سمح له بالبيع أيضاً والصرف في دَينه. فالظاهر أنه غير مربوط بجواز أصل البيع. و”نصيباً” ظاهر بالرجوع إلى الثمرات، فإن الوقف لا نصيب فيه.
“وأن شاء جعله شراء الملك” أي: ملكه الخاصّ، وهو أيضاً يعود إلى النصيب من الربح.
“وأن ولد علي ومواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي“: هذا ليس بياناً للولاية الكلّية، وإنما هو مربوط بالسياق، ويستفاد منه أنه أعطاهم مالاً وجعل للإمام الحسن الولاية عليه. وإلّا فالبالغ الرشيد وكذلك الصغير ممن له أب أو جدّ لا يكون الإمام وليّاً عليه.
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
“وأن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها“، يعني: غير دار الصدقة، على ما هو ظاهرها الابتدائي، وإن كان يمكن إرجاع الضمير إلى دار الصدقة أيضاً، ولكنّه خلاف الظاهر. وبيع الإنسان لأموال نفسه لا يحتاج إلى إجازة، ولكن حيث يقول: (إن أموال ولد علي إلى الحسن)، فيفهم أنه جعل لهم أموالاً، وجعل للحسن داراً للسكنى، فيمكن للإمام أن يجيز له أن يبيعها.
“فليبعها إن شاء لا حرج عليه فيه“: مطلق من حيث طروّ مجوّزات البيع، وغير منوط إلّا بإرادته، ولكنّه يجب أن يقسّم المال الذي يحصل عليه بعد البيع. وقوله: (يجعل لهم) يعني: يقفه عليهم، وإن كان احتمال أنه ينفقه عليهم موجوداً.
وعلى أيّ حال، فيمكن أن يكون المراد بيع دار الصدقة، ولا مانع من ذلك، وظاهره أنه يجوز ذلك. وهذا أيضاً ليس مخالفاً للقاعدة. وإن كان لا يمكن الاعتماد على الرواية لِما فيها من احتمالات. وإن كان ظاهرها أن الوقف تبع لجعله، فله أن يشترط جواز البيع كما أن له المنع عنه، ومعه فاشتراط البيع صحيح ومطابق لهذه الرواية والقاعدة.
من الصور المبحوثة في المقام: أن الوقف لا زال على حاله له منفعة وليس خراباً، ولكنّنا نعلم أنه إذا بقي يخرب أو يسقط عن المنفعة، كما لو كان على طريق، ونعلم أنه سوف يتغيّر الطريق وتزول منفعته. وقد يظنّ أو يعلم
ــــــــــ[356]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بالخراب من جهة الاختلاف بين الموقوف عليهم.
بالنحو الذي أسلفناه أنه بحسب القاعدة حيث لا إطلاق في أدلّة المنع، أو أنها منصرفة عن هذه الصور كما يقول الشيخ(1)، فتجوز المعاملة عليه لشمول دليل التنفيذ له، وعدم وجود المانع الشرعي عنه.
السيد(2) له مطلب عامّ في المعاملات، يقول: إن الأغراض في كلّ أمر مختلفة، فقد تكون الأغراض عناوين للموضوعات، فلو أمرني شخص أن أوزّع مالاً على طلّاب مدرسة السيد، وعلمت أنه لا يعنيه التوزيع عليهم بالتعيين، بل باعتبار الاضطرار، فلي أن أوزّعه على كلّ مضطرّ، بل يجوز أن لا أعطي لأولئك الطلّاب شيئاً، وخاصّة فيما إذا علمت أنهم أعداؤه، وقد توهّم الآمر خلافه، وهو لا يريد توزيع ماله على أعدائه. وكذلك لو وكّلني بالبيع على شخص وعلمت أنه ليس غرضه إلّا النفع، وعلمت أن البيع في مكان آخر، أو على شخص آخر أنفع له. كان لي ذلك طبقاً لغرضه، وإن كان بحسب ظاهر الشرع لست وكيلاً.
وفي الوقف أيضاً كذلك، فإننا مرّة نحرز أن الواقف له نظر إلى خصوصية في نفس العين الموقوفة، كبيت الأب أو الجدّ أو خطّهما، يريد الواقف حفظه.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 35، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً.
(2) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 262، كتاب الوقف، الفصل السابع، مسألة: 45.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وإذا لم نحرز ذلك فالكلام ما قلناه في بيع الوقف. وأما إذا أحرزنا أنه إنما أوقف البيت على ذرّيته لا لخصوصية فيها، بل لأجل انتفاعهم، واطّلعنا على أن الاختلاف بين الورثة أو الأداء إلى الخراب يغيّر العنوان ويخلّ بالغرض، فيكون المورد من موارد العناوين التي تكون مقيّدة للمعاملات، فكأنه وقف الدار بماليتها. ثُمّ يقول: إنه وإن كان عندنا إجماع على بطلان المالية، لكن وقف (هذا) بما أنه مال لا مانع منه.
بل في المساجد يمكن أن يقال: إن غرض الواقف هو وجود المصلّين، فإذا علمنا أننا إذا خرّبناه ووسّعناه فإنه يكون أوفق بغرضه، جاز ذلك. ولم يقل: إنه إذا نقلناه جاز أيضاً، بالرغم من أن لازم كلامه ذلك على ما نشير إليه.
أما مقايسة مسألة: اصرف المال في كذا بالإيقاعات والإنشاءات فهو غير صحيح. فإنه في تلك المسألة كان له غرض خاصّ، فلو علمت أنه متوهّم، وأن هؤلاء أعداؤه، وهو لا يرضى بإكرام عدوّه، فهذا باب، وباب جعل المعاملة باب آخر. وفي مسالة الوكالة على المعاملة لم تقع المعاملة بعد، فلي أن أعملها في مورد رضاه، ولا تكون فضولية؛ لأنني أوقعتها برضا صاحبها.
وأما في باب المعاملة فهل يلتزم بذلك؟ فلو اعتقد أن أولاده محتاجون، فأوقف عليهم شيئاً، ولم يكونوا محتاجين، فهل تقول: إنه يبطل الوقف؟ وكذلك لو اشتريت الدواء لا أريد منه إلّا التوصّل إلى ارتفاع المرض، فإذا لم يفد في ذلك فهل نقول ببطلان المعاملة؟ فالقول بجواز بيع الوقف أو تبديله
ــــــــــ[358]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لمجرّد تخلّف الغرض، يلزمه الاعتراف بهذه اللوازم في سائر المعاملات.
وإذا غضضنا النظر عن ذلك وقلنا: إن الإجماع قائم على بطلان وقف المالية، مضافاً إلى بطلانه عرفاً، وإنما وقف هذا بما أنه مال.
نقول: إنه إن عاد الوقف إلى المالية فهو غير صحيح، وإن كان الوقف وقف العين فقد تعلّق الوقف بالعين، فلا يمكن نقله إلى عين أخرى.
وليس هذا خاصّاً بالوقف، بل سائر في سائر المعاملات، فهل يلتزم به السيد؟ فلو اشتريت حيواناً أو متاعاً لغرض الحصول على المال، فهل يمكن تبديله بحيوان آخر؛ لأنه أنفع؟ فإذا لم يجز بالبيع لم يجز بالوقف؛ لأنه لا فرق بينهما من هذه الناحية. فإن الإنشاء الواحد على موضوع واحد يستحيل سرايته إلى غيره.
وما قيل من أن الأغراض موسّعة ومضيّقة لباب المعاملات، عرفنا أنه غير صحيح. وبناءً على ما قاله يمكن أن يبيع المسجد ويشتري مسجداً آخر أكبر من الأوّل أو أقرب إلى البلد؛ ليتحقّق الغرض وهو كثرة المصلّين.
وعلى ما قلناه فيما إذا كان يؤدّي بقاء الوقف إلى خرابه خلال مدّة غير طويلة، بحيث ينهدم أو تنعدم منفعته أو المنفعة المنظورة للواقف، فبيعه صحيح، ولا دليل على بطلانه من عموم أو إطلاق أو اعتبار. والمباشر للبيع هو الحاكم الشرعي؛ حفظاً لمصالح المسلمين.
وإلحاق الظنّ بالعلم -كما ذكر الشيخ(1)– محلّ إشكال.
ــــــــــ[359]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 88، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة السابعة.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فإن لم يتمّ ما قلناه، وأردنا دليلاً خاصّاً، فلا بُدّ من مراجعة صحيحة علي بن مهزيار.
مكاتبة علي بن مهزيار: قال: “كتبت إلى أبي جعفر الثاني: إن فلاناً ابتاع ضيعة، فأوقفها، وجعل لك في الوقف الخمس، ويسأل عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض، أو تقويمها على نفسه بما اشتراها، أو يدعها موقوفة. فكتب إليّ: أعلِم فلاناً أني آمره أن يبيع حقّي من الضيعة، وإيصال ثمن ذلك إليّ، وإن ذلك رأيي إن شاء الله. أو يقوّمها على نفسه إن كان ذلك أوفق له“.
وكتبت إليه: “أن الرجل كتب: إن بين من وقف بقيّة هذه الضيعة عليهم اختلافاً شديداً، وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كلّ إنسان منهم ما كان وقف له من ذلك، أمرته. فكتب بخطه إليّ: وأعلِمه أن رأيي له إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف: أن يبيع الوقف أمثل، فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس“.
تمسّكوا بهذه الرواية لأجل تصحيح الصور التي ذكرها الشيخ، وكان لكلٍّ طريقة في الاستدلال. ولكن نحن ماذا نفهم منها؟ ولا بُدّ أن ننظر فيها إلى جهات:
الأولى: أن الوقف هل هو تامّ أو لا؟
الثانية: أنه وقف دائم أو منقطع؟
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الثالثة: مقدار دلالة الرواية، وأنها تنطبق على أيّ صورة من الصور التي ذكرها الشيخ.
ونحن قرأناها فيما سبق، والآن نريد أن نرى هل هي مكاتبة واحدة أو مكاتبتان؟
“ويسأل عن رأيك”: إما قال ذلك شفاهاً لابن مهزيار، أو كتبياً أيضاً، “وكتبت إليه” يعني في نفس المكاتبة أو في مكاتبة غيرها. ولو كانت واحدة لَما عبّر: (كتبت مرّة أخرى). بل مقتضى القاعدة جعل السؤالين في المكاتبة مسوقاً مساقاً واحداً. ويحتمل أنه كتب عدّة أسئلة متفرّقة في خطاب واحد، وجعل تحت كلّ سؤال فراغاً للجواب، وأجاب الإمام تحت كلّ سؤال بجوابه. أو أنه كان قد كتب السؤالين بمساق واحد، والإمام أجاب بمساق واحد.
وهذه الرواية على أيّ حال حكاية عن تلك المكاتبة وليست هي، فإنه لا يقول في المكاتبة: (وكتبت). ومن هذا الطرف: لو كانت مكاتبتين لما صحّ قوله: “هذه الضيعة”. فيظهر أنها مكاتبة واحدة، غاية الأمر أنها أسئلة منفصلة. ولعلّها كانت مكاتبتين، وكانت في المكاتبة الثانية تفاصيل تعيين الأرض، ولم يرد الراوي نقله في الرواية، وإنما اكتفى باسم الإشارة(1).
ــــــــــ[361]ــــــــــ
() أقول: السؤال الثاني والجواب يعيّنان احتمال كونها أسئلة متفرّقة في مكاتبة واحدة. أما تفرّقها فيفهم من قوله: “وكتبت إليه” إذ لو كان مسوقاً بسياق واحد لما خلا ذلك من عناية. على أن الصيغة العامة للسؤال تؤيّده، باعتبارها منفصلة عما سبق، وليست ذات سياق واحد. وأما كونها في مكاتبة واحدة فأوضح ما يدلّ عليه قوله: “وأعلمه”، فإنه لا يصحّ مع العطف على رسالة سابقة كما هو واضح.
فإن قلت: فإنه ينسجم مع السياق الواحد أيضاً.
قلنا: نعم، لولا القرائن الدالّة على نفيه.
فإن قلت: فإنها قرينة على إثباته.
قلت: كلّا، فإن القرائن السابقة تجعل السؤال والجواب ظاهراً بانفصال السياق ظهوراً مقدّماً على ظهور الواو هنا بالوحدة. على أنه غير ظاهر بذلك، فإن عطف الجملة على جملة سابقة مع انفصال سطرين مثلاً ليس بعزيز.
ويدلّ على وحدة المكاتبة أيضاً التحويل في الضمائر والعهد ونحوها على السؤال السابق، بحيث لو كانت مكاتبة منفصلة لاحتاج إلى قرائن كثيرة، كقوله: “أن الرجل”، الظاهر بالعهد القريب. وقوله: “بقية” يعني: ما سوى حقّ الإمام منها، المعلوم من السؤال السابق. ولو كان في مكاتبة سابقة لاحتاج إلى قرينة أكثر. وكذلك قوله: “هذه الضيعة” كما أشار السيد انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ثُمّ إنه لا إشكال أن حصّة الإمام كانت مشتركة مخلوطة، فهل يكون صدر الرواية دالّاً على أن الوقف تامّ، ثُمّ يسأل عن جواز بيع الوقف بعد تمامه؟ فهل كان يحتمل جواز بيع الوقف مطلقاً؟ وهذا بعيد، وخاصّة في زمان أبي جعفر الثاني، وخاصّة وأنه ليس مطلباً إسلامياً فقط، بل أمر عقلائي عامّ. فنعلم من ذلك أنه يسأل عن الجواز بعد طروّ العذر أو المجوّز، فإما أن الوقف لم يتمّ ولم يقبض، أو أن حصّة الإمام لم تكن موقوفة، بل كانت خمساً يريد من الإمام إجازة لوقفها، فقد سأل عن الأمور الثلاثة: البيع، أو التقويم على نفسه، أو أن يدعها موقوفة، بعد الفراغ عن جواز أيّ واحد منها.
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ولو لم يكن البيع في المقام جائز لَما أجاز الإمام. غاية الأمر يأتي السؤال عن نسبة تلك الحصّة إلى الإمام، فإن ظاهرها كونها نسبة تامّة، ولعلّها غير تامّة، وإنما يقال إنها حصّته؛ لأن الواقف عزل له حصّة، ويريد إيصالها إلى الإمام بنحو من الأنحاء.
والذي يظهر أن الوقف كان على خصوص الإمام، وخصوص أولئك الأشخاص الآخرين، ولا يشمل الذرّية، ولم يكن لها في الرواية أيّ أثر، والإمام أمره بأن يرسل المال إما لإيجاد معذّر له، أو لأجل تبديله بوقف آخر.
“أن يبيع الوقف أمثل“: ليس الاختلاف ناشئاً من الوقف، بل كان الاختلاف بينهم شديداً، وكان يخاف أن يشتدّ ويتفاقم بعد الوقف(1). ولو كان قد أعطاهم الموقوفة لَما استطاع أن يبيعها، فيُعلم أنه لا زال الوقف في يده، ويخاف أنه لو دفعه أن يتفاقم الخلاف. وليس أن الوقف هو الذي أحدث الخلاف بينهم، وما دام الأمر بيده فهو يسأل عن أنه هل يقفه أو يبيعه، أو يدفع المال لهم؟ إذن فلا يستفاد منها جواز بيع الوقف بعد تماميته كما قال المجلسي(2). غاية الأمر أننا ذكرنا مرجّحات ذلك.
يبقى احتمال أنه يسلّمه إليهم لأجل الوقف، هذا لا يعلم بل لعلّه يريد أن
ــــــــــ[363]ــــــــــ
() يعني: تسليم العين الموقوفة. (المقرِّر).
(2) اُنظر: مرآة العقول 23: 60-61، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة…، ذيل الحديث 30.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يدفعها إليهم بوجه آخر. على أن ما ذكره البعض في المقام صحيح، وهو: أن حصّة الإمام مشاعة فيها، فكيف يدفعها إليهم؟! إذن فهو أوقف الأرض إنشاءً ولم يقبضها إلى حين سؤاله عن التكليف، ويحتمل أنه سأل عن الحكم عن جواز دفع المال إليهم، مع أنه يتسبّب إلى تفاقم الخلاف. أو يسأله عن المصلحة في دفع المال إليهم، فإن صار عن طريق الوقف فهو أفضل عنده وإن لم يكن دفع المال إليهم بدونه.
وقوله: “أصحاب الوقف” يعني: من وقفت عليهم، لا من تمّ الوقف عليهم. ولا يريد أن يقول: إنه كلّما لزم تلف النفوس والأموال جاز البيع، حتى ترد إشكالات الشيخ(1). ومعه لا تكون الرواية دليلاً على شيء من هذه الصور.
[المحتملات في الرواية]
نذكر محتملات الرواية لنرى أنه أيّها الأظهر، وأيّها الأوفق لقواعد الوقف؟
أحدها: ما ذكره المرحوم المجلسي(2) من أن الوقف لم يكن تامّاً، وقد ذكرنا له وجهاً فيما سبق.
ــــــــــ[364]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 96، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، صور جواز بيع الوقف، الصورة العاشرة.
(2) اُنظر: مرآة العقول 23: 60-61، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، ذيل الحديث 30.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ثُمّ إن في قوله: “وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده” عدّة محتملات:
منها: بعد تمام الوقف.
ومنها: بعد إنشاء الوقف.
ومنها: بعد هذا الإخبار.
ومنها: بعد موت الرجل.
وعلى هذا الاحتمال لا يكون له ظهور في أنه لا يسلّم الوقف. وذيل الرواية دالّ على أن الاختلاف ناتج عن الوقف، وأنه بالبيع يرتفع الخلاف. وسؤاله عن ذلك يدلّ على أنه قادر على البيع بالرغم من اختلافهم. وفي نظره أن البيع سبب لقطع الخلاف أو عدم تفاقمه. ومن هنا يستفاد من ذيل الرواية أن أصل الاختلاف على الوقف، وأنه يزول أساساً بالبيع، فيسأل عن أنه هل يجوز البيع مع هذا الوضع أو لا؟
“فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف”: ليس سؤالاً عن الإجازة، بل عن فتواه في المطلب. وتعبير الإمام في الفقرة الأولى يختلف عما هو عليه في الثانية، ففي الأولى كانت حول حصّة الإمام فقال: (آمره بالبيع). وفي الثانية التي تعود إلى حصص الآخرين ذكر له رأيه.
“إن كان قد علم الاختلاف“: لا مجرّد الظن والوهم واحتمال التفاقم.
“أن بيع الوقف أمثل“: يعلم منه أن الاختلاف الشديد فعلاً موجود، وأن احتمال شدّته موجود، فيقول: إن البيع أمثل “فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس“.
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وهو إنما يسأل باعتبار كونه قادراً على رفع الاختلاف، وإلّا لو لم يكن قادراً على البيع أو لم يكن البيع مزيلاً للاختلاف لما صحّ السؤال.
[بحث في المقام]
وهنا بحث في جهات:
الأولى: أن هذا الوقف كيف يجوز للواقف أن يبيعه وفي المستحقّين صغار ومجانين وطبقات آتية؟! على أن الواقف لا ربط له بالبيع كما سبق أن قلنا. مع أن ظاهر العبارة أنه حكم شرعي، وأن خوف تفاقم الخلاف يذهب بحقوق هؤلاء. فهل هذا مطابق للقواعد؟ أو أن الوقف على هؤلاء بأشخاصهم وليس فيهم صغير ولا مجنون؟ فإذا قلنا بالملكية -وهو لا زال وقفاً- فلماذا يبيعه الواقف؟ هذا أيضاً على خلاف القواعد. ولو لم نقل بالملكية فالبيع ليس للواقف أيضاً، بل للحاكم الشرعي. إلّا أن يكون الإمام بولايته العامة يأمره بالبيع؛ باعتباره السبب الرئيسي لقطع الخلاف، فلا يكون من قبيل الحكم الشرعي، إلّا أنه خلاف ظاهر العبارة. وإن قلنا بأن الوقف المنقطع ملك للواقف، فله أن يبيعه، ولكن لماذا يسلّم المال لهم؟ وهل يجب عليّ رفع الاختلاف بين أقوام بدفع عباءتي إليهم!!
الثانية: وإن كان الوقف دائماً فلماذا يبيعه الواقف؟ وإذا كان ناظراً عليه، فلا بُدّ أن يستفصل الإمام عن ذلك، على أننا قلنا بأن الناظر ليس له أن يبيع(1). إذن
ــــــــــ[366]ــــــــــ
() وأما إذا فهمنا أنه وقف دائم، ويسلّمه إليهم ليقفوه، فهذا خلاف الظاهر والمتفاهم العقلائي. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فعلى كلّ صورة لا يكون للرواية وجه مطابق للقواعد. والمسألة محلّ إشكال، إلّا إذا صرنا إلى التأويل، وبعد التأويل لا تبقى حجّة لاستفادة الحكم الشرعي.
إذن فلا يستفاد من الرواية صدراً وذيلاً جواز البيع مع حصول الاختلاف مطلقاً، أو الاختلاف الذي يخشى معه القتال. لكنّنا قلنا بأن القواعد تقتضي الجواز، وتحتاج إلى دليل على الخلاف. وإنما الذي يقول بعدم الجواز هو الذي يبحث عن دليل على الجواز.
بالرغم من أن الكلام حول البيع، إلّا أنه ينبغي أن نتكلّم حول الوقف المنقطع في أمور:
الأوّل: أنه هل هو صحيح أو باطل؟
الثاني: أنه لو كان باطلاً فهل البيع يحتاج إلى مجوّز كالوقف الدائم، أو أنه جائز أساساً، أو أن في جوازه خلافاً؟
الثالث: أنه لو جاز بيعه فمن هو البائع؟
أما أن الوقف المنقطع الآخر صحيح. أما بحسب القواعد فلا بُدّ أن يكون صحيحاً ما لم يدلّ دليل على الخلاف؛ لأنه لم يؤخذ في ماهيّة الوقف شيء غير الإيقاف، ولذا لا نجد أيّ تجوّز في قولنا: الوقف الدائم، والوقف المنقطع الوسط، والوقف المنقطع الآخر. ولا يستفاد من الروايات الواردة في أوقاف الأئمة اختصاصه بالدائم.
ــــــــــ[367]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
والعمدة الأخرى أن الروايات الخاصّة هل تدلّ على جواز الوقف المنقطع، سواء كان من قبيل المقيّد بعشر سنوات أو المقيّد بشخص معيّن؟
منها صحيحة علي بن مهزيار قال: قلت: “روى بعض مواليك عن آبائك: إن كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكلّ وقف إلى غير وقت جهل مجهول، فهو باطل مردود على الورثة. وأنت أعلم بقول آبائك فكتب: هو عندي كذا”(1).
ولا نعلم أن علي بن مهزيار كان يفهم(2) معنى ما روي، وكان يسأل عن صحّة ذلك باعتبار صحّة النقل أو صحّة (الجهة)، حتى يتمّ المطلب بقوله: “هو عندي كذا“. أو أنه لم يفهم المطلب وكان يريد من الإمام تفصيلاً، فلم يفصّل له الإمام. فماذا نحن نفهم من الرواية؟
أما قوله: “إن كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب” القدر المتيقّن من ذلك هو أن يذكر وقتاً محدّداً كعشر سنين -هذا الذي أجمعوا على خلافه- فيكون بحسب الرواية صحيحاً.
أما قوله: “إلى الأبد” أو “إلى أن يرث الله الأرض” فهل يكون وقته معلوماً في مقابل (وقت ما)، أو (مجيء الحاج)؟ أو أنه وقت غير معلوم؛ لأنني لا أعلم أنه متى الأبد، أو متى يرث الله الأرض؟ فيكون من قبيل مجيء الحاج، بل أسوء
ــــــــــ[368]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 9: 132، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 8.
(2) التهذيب، ج9، ص134. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
منه؛ لإمكان تحديد يوم مجيئهم تقريباً، مع عدم إمكان تحديد وقت فناء الأرض، مع اشتراكهما في وجود الوقت الواقعي. والمدار هو الوقت المعلوم لا الوقت الواقعي، وإن كان مجهولاً. إذ نقول: إنه إذا قال: (إلى الأبد) كان معلوماً، وإذا قال: (إلى أن يرث الله الأرض) كان مجهولاً(1)، إلّا إذا كان كناية عن الأبد، ويبقى ما هو متيقّن المجهولية، بحيث ليس له وقت أساساً حتى في الواقع وعلم الله عزّ وجلّ كقوله: (في وقت ما)، فهو باطل؛ ولذلك قال مؤكّداً: “جهل مجهول“. والقدر المتيقّن من الجهل المجهول ذلك، أو (إلى قدوم الحاج) أو (إلى أن يرث الله الأرض) بالمعنى المطابقي، أو (إلى الأبد) على أحد الاحتمالين. فهل كان يعلم ابن مهزيار ما هو المراد، أو لم يكن يعلم؟
ومنها: ما(2) عن محمد بن الحسن الصفّار، قال: “كتبت إلى أبي محمد أسأله عن الوقف الذي يصحّ كيف هو؟ فقد روى أن الوقف إذا كان غير موقّت فهو باطل مردود على الورثة. وإذا كان موقّتاً فهو صحيح ممضى. قال قوم: إن الموقّت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: وقال آخرون: هذا موقّت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والذي هو غير موقّت أن يقول: (هذا وقف) ولم يذكر أحداً، من الذي يصحّ من ذلك، وما الذي يبطل؟
ــــــــــ[369]ــــــــــ
() إذا قصد معناه المطابقي. (المقرِّر).
(2) نفس المصدر والصفحة. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فوقع: “الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله“(1).
أما القوم الذين ذكرهم أوّلاً فيحتمل في كلامهم: أنهم يريدون بالوقف الموقّت ما عُين له وقت معلوم، في مقابل ما إذا ذكر الوقت ولم يذكر مقداره، فيكون نفس المراد من الرواية الأولى.
الاحتمال الآخر: أن يراد بالوقف الموقّت ما كان له وقت واقعي، فإن كان كذلك كان صحيحاً، وإلّا فهو باطل. يندرج في ذلك ما إذا حدّده بعشر سنين، أو بحياة شخص، أو بقدوم الحاج، أو إلى الأبد، أو إلى أن يرث الله الأرض. فإنه في كلّ ذلك وقت واقعي، قد يكون معلوماً لدينا وقد يكون مجهولاً.
وأما القوم الذين ذكرهم ثانياً: فيحتمل أنهم عارضوا أولئك، فيكون حاصل مرادهم أن الوقف الذي قيل فيه: (إلى أن يرث الله الأرض) غير موقّت، وإنما الموقّت هو الذي ذكرت فيه الطبقات، ولم يذكر حاله بعد انقراضهم، فيكون موقّتاً في مقابل الدائم. كما يحتمل -ولعلّه الأرجح- أن يكون مرادهم: أن الموقّت غير منحصر بذلك، فكِلا الصورتين هو وقف موقّت، في مقابل غير الموقّت وهو الذي لا يذكر له وقت أصلاً، أو إلى وقت ما؛ فيكون هذا باطلاً وغير صحيح. وليس نظر هؤلاء إلى أن الموقوف عليهم مذكورون أو غير مذكورين، وإن كان لازم قولهم أن المذكورين فيه وقف موقت.
وأجاب الإمام: “الوقوف على ما يقفها -أهلها-“، يعني: أن الوقف
ــــــــــ[370]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 9: 133، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 9، الاستبصار 4: 100، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 62، الحديث 2، ووسائل الشيعة 19: 193، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 7، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تابع بجعل الواقف، وليس محدّداً من حيث الوقت وعدمه. فإنه ليس معاملة تثبت به الغرر، كالإجارة ليبطل مع جهالة الوقت.
نعم، لو قال: (إلى وقت ما) لم يكن وقفاً عقلائياً فيبطل. وأما غيره من التحديدات كعشرسنين أو قدوم الحاج أو إلى الأبد أو إلى أن يرث الله الأرض وغيره… فكلّه صحيح. أو أن يشترط رجوعه إليه في الآخر أو في الوسط، ثُمّ يعود إليهم أو إلى غيرهم.
نعم، خرجنا عن القول بالصحّة في الوقف إلى وقت محدّد كعشر سنين؛ لإعراض الأصحاب. فإنهم بالرغم من أنهم رووا هذه الرواية، وهي واضحة الدلالة على جوازه؛ لكونه القدر المتيقّن منها، مع ذلك لم يعملوا بها، فلا يمكننا العمل بها(1).
الجهة الثانية في البحث عن الوقف المنقطع في أنه هل هو نظير الدائم في الاحتياج إلى مجوّز لبيعه، أو أن بيعه جائز على أيّ حال، أو هناك تفصيل بين ما إذا
ــــــــــ[372]ــــــــــ
() وهنا قال له بعضهم: إنه لم يقل أحد أن الإعراض موهن للدلالة.
فأجاب: نعم، موهن للدلالة، فإن غاية دليل حجّية خبر الواحد هو السيرة العقلائية، ولم يثبت عمل العقلاء بالخبر الذي يعرض عنه راويه. بل إن الإعراض موهن لظواهر القرآن أيضاً كوجوب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فإنه وارد في القرآن، وتنطق به الروايات بدون معارض، إلّا أننا لا يمكن أن نفتي به لإعراض الأصحاب. (المُقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كان الوقف على شخص أو طبقة واحدة، وبين ما إذا كان وقفاً على أكثر من طبقة؟
فبناءً على أن الوقف عبارة عن الإيقاف عن النقل كما قيل إما بحسب ماهيّته أو بحسب جعل الواقف، فسواء كان تمليكاً أو إيقافاً لا ينبغي التفصيل بين أقسام الوقف، بل يكون غير قابل للنقل، ولو كان وقفاً على شخص بعينه، وقلنا بأن الواقف مالك أو هو مالك.
وأما بناءً على أن النقل وعدمه غير داخل في ماهيّة الوقف، بل هو تمليك خاصّ، أو إيقاف على الموقوف عليهم لا يتعدّاهم، لا أنه إيقاف عن النقل. فيتّجه حينئذٍ التفصيل بين الشخص وبين الطبقات المتعدّدة.
فإن قلنا بأن الوقف على الشخص يشمله حكم الحبس، فمقتضى القاعدة جواز البيع، ولا مانع من جهة الوقف عنه. غاية الأمر أنه يبيعها، ولكنّه لا يسلّمها إلّا بعد انتهاء المدّة شأن العين المستأجرة.
وأما إذا كان الوقف المنقطع وقفاً على الطبقات نسلاً بعد نسل، لكنّه لم يذكر حاله بعد ذلك حتى يرث الله الأرض، فيمكن أن يقال بالمنع عن البيع؛ لأنه وإن قلنا بكونه ملكاً، إلّا أنه غير متمحّض للطبقة الأولى؛ ليمكن لهم أن يبيعوه، فيحتاج جوازه إلى مجوّز.
هذا هو الكلام بحسب القواعد العامة.
وأما بحسب الروايات، فلا بُدّ أن نرى أنها هل منعت عن بيع كلّ الأقسام، أو عن خصوص ما كان وقفاً على الطبقات، أو إلى الأبد، في مقابل ما كان على شخص أو طبقة؟
ــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فمنها: صحيحة أبي علي بن راشد، قال: “سألت أبا الحسن قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلمّا وفّرت المال خُبّرت أن الأرض وقف. فقال: لا يجوز شراء الوقوف، ولا تدخل الغلّة في ملكك، ادفعها إلى من أُوقفت عليه. قلت: لا أعرف لها ربّاً. فقال: تصدق بغلتها“(1).
فقوله: “لا يجوز شراء الوقوف“، شامل لأنحاء الوقف الدائم والمنقطع، وفي المقام ورد بلفظ الجمع، ودلالة الجمع على الشمول لفظية غير محتاج إلى مقدّمات الحكمة، والاستغراق فيه فردي لا نوعي. يعني: أيّ فردٍ من الوقف لا يجوز شراؤه، إلّا أن يُدّعى الانصراف عن المنقطع حتى في العموم، بأن يقال: إن نكتة عدم جواز بيع الوقف إنما هي عدم الملكية، أو عدم كونه ملكاً للطبقة الأولى. فما دلّ على عدم الجواز ينصرف عما إذا كانت القواعد تقتضي جوازه.
وقد يقال بأننا لا نفهم العلّة ولا نعرفها، وإنما نحن تابعون للحجّة الفعلية، وإذا أُخذ عنوان في موضوع الحكم دلّ على أنه تمام الموضوع، ولعلّ
ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 37، كتاب الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 35، مَن لا يحضره الفقيه 4: 242، باب الوقف والصدقة والنحل، الحديث 5576، تهذيب الأحكام 9: 130، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 3، الاستبصار 4: 97، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 61، الحديث 1، ووسائل الشيعة 19: 185، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الشارع يرى أنه ما دامت العين وقفاً لا يجوز بيعها. إذن فيكون إطلاق الرواية تامّاً.
نعم، حيث رُويت: “لا يجوز شراء الوقف“، مع العلم أنها رواية واحدة؛ فهو مردّد بين الأمرين، فإذا أشكلنا على إطلاق كلمة (الوقف) فلا يمكن التمسّك بإطلاقها للوقف المنقطع، وليس حالها حال العموم -إلّا إذا كان في مقام البيان-. إلّا أن الآخرين الذين يرون وجود الإطلاق في هذه الروية ونحوها كيف يقولون هنا بنحو التسليم: إنه يجوز بيع الوقف إذا كان على طبقة واحدة؟ وإنما استشكلوا في متولّي البيع. وكيف قالوا: إن المقتضي موجود والمانع مفقود؟ فإن المقتضي وهو الملكية وإن كان موجوداً إلّا أن المانع موقوف على شمول الإطلاق للمورد، فإن أنكروه كان المانع مفقوداً. وإن قالوا بالإطلاق لم يكن لهم القول بالجواز.
ومنها: مكاتبة علي بن مهزيار التي قرأنا والتي يقول فيها: “وأعلِمه أن رأيي له إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل؛ فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس” (1).
ــــــــــ[374]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 36، الوصايا، باب ما يجوز من الوقف والصدقة والنحل…، الحديث 30، مَن لا يحضره الفقيه 4: 240، باب الوقف والصدقة، الحديث 5575، تهذيب الأحكام 9: 130، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث4، الاستبصار 4: 98، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 61، الحديث 5، ووسائل الشيعة 19: 187، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فلو كان بيعه جائزاً مطلقاً لَما احتاج إلى مجوّز، فنعلم من ذلك أنه غير جائز، وليس الاختلاف مطلقاً مجوّزاً، بل الاختلاف الذي يحتمل فيه تلف الأموال والنفوس.
ومنها: رواية يحيى الحلبي، عن أيوب بن عطية، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: قسّم رسول الله الفيء، فأصاب علياً أرضاً، فاحتفر فيها عيناً، فخرج منها ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير، فسمّاها عين ينبع، فجاء البشير ليبشّره، فقال: بشرّ الوارث. هي صدقة بتّاً بتلاً في حجيج بيت الله وعابر سبيله، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً(1)“(2).
بأن يقال: إن قوله: “لا تباع ولا تورث“، ليس وصفاً لمطلق الصدقة، بل للصدقة البتّة البتلاء، فإذا لم تكن الصدقة كذلك جاز بيعها، كما لو كانت غير منقطعة عن الواقف، أو غير مشترطة البيع.
إلا أن هذه ليست دلالة تقف أمام الإطلاق على تقدير وجوده، إلّا أننا لم نعترف أساساً بوجوده، فمقتضى القاعدة هو جواز البيع.
إذا كان الوقف على شخص فمرّة نقول: إن الوقف باقٍ على ملك الواقف،
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) التهذيب، ج9، ص148.
(2) الكافي 7: 54، كتاب الوصايا، باب صدقات النبي وفاطمة والأئمّة ووصاياهم، الحديث 9، تهذيب الأحكام 9: 148، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 3، الحديث 56، ووسائل الشيعة 19: 186، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6، الحديث 2.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وإنما يدرّ المنافع على الموقوف عليهم. وأخرى نقول: إنه يرد في ملكية الموقوف عليهم. فإذا انتهى أمد الوقف إما أن يكون للواقف، أو للموقوف عليهم، أو يصير في سبيل الله.
فإن قلنا: إنه يبقى في ملك الواقف، فبيعه جائز، إلّا أنه لا يسلّم إلى المشتري إلّا بعد انتهاء المدّة، وينتقل إليه مسلوب كالعين المستأجرة، ولا يكون من ناحية الوقف مانع.
وإن قلنا: إنه يملكه الموقوف عليه ملكاً مستقلّاً، فالشيخ يقول(1): إن بيعه غير جائز؛ لأن الواقف قرّر أن تبقى العين على يد الموقوف عليهم، ليأخذوا المنافع. فإن أراد من ذلك بقاء العين في أيديهم -بنحو منافٍ مع بيعها(2)– فهذا معناه بطلان التفصيل الذي قاله بين بيع الواقف وبيع الموقوف عليهم؛ لأن معناه أنه لا يجوز للواقف بيعه أيضاً. وإن أراد بقائها تحت يدهم لينتفعوا منها، فهو مسلّم، إلّا أنه لا ينافي انتقالها بالمعاملة مسلوبة المنفعة.
وقد يُعلّل عدم جواز البيع بأنه ليس ملكاً طلقاً؛ باعتبار أن الفقهاء اشترطوا أن يكون البيع طلقاً. وهم إنما قالوا ذلك في الوقف الذي يكون طبقة بعد طبقة، فإنه ليس ملكاً طلقاً، سواء كان يملكه الموقوف عليه أو يرجع إلى
ــــــــــ[376]ــــــــــ
() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 105، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، الوقف المنقطع.
(2) عبارة من المقرِّر لا من السيد. (المقرِّر).
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الواقف أو يصير في سبيل الله.
وأما إذا كانوا الآن مالكين، ولم يكن لهم شريك، وليس هناك طبقة بعدهم، وقلنا أنه ملك مستقرّ يرجع إلى الورثة، فلا يكون من قبيل ما صرّح الفقهاء بالمنع عن بيعه؛ لكونه ليس طلقاً. إذن يجوز لهم البيع، ولا يجوز لهم التسليم؛ لكي تبقى منافعه لهم إلى أمد الوقف.
وأما إذا قلنا: إنه ليس ملكاً مستقرّاً ويرجع إلى الواقف، قال الشيخ(1): لا يجوز بيعه لا من قبل الواقف؛ لأنه ليس مالكاً فعلاً. ولا من قبل الموقوف عليهم؛ لأنه لا بُدّ أن تبقى العين عندهم. إذا كان المقصود بقاءه في يدهم للانتفاع منه، فهو لا ينافي صحّة البيع كما قلنا. وإن كان المراد أن الواقف قرّر عدم نقلها، فهو مما ننكر أخذه في ماهيّة الوقف.
يقول: بل حتى لو أوقف وأجاز لهم بيعه فأيضاً لا يجوز.
نقول إن قلنا: إن الواقف ملّكهم العين إلى حدّ معلوم -يعني ما دامت حياتهم- ويعود إلى الواقف. فيكون ملكهم حال حياتهم وملكه بعد ذلك. فلماذا لا يجوز البيع بإذنه؟ فإنه للعين مالكان مطلقان ولا ثالث لهما. فإذا باعوه بإجازته فإنه يصير ملكاً للمشتري، غايته أنه يبقى عندهم مدى حياتهم يستفيدون منه.
وإذا قلنا: إنه ليس تمليكاً محدوداً، بل هو ملك مطلق، غاية الأمر يرجع إلى الواقف بعد انقراضهم -لا بنحو التقطيع الزماني كما في الفرض السابق-، فلا
ــــــــــ[377]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بُدّ أن يكون البيع صحيحاً بإجازته.
وأما إذا قلنا: إنه بعد انقراضهم يصير في سبيل الله، والمفروض أنه لم يجعله الواقف كذلك، وإلّا صار دائماً، بل باعتبار أنه ليس ملكاً للواقف ولا للموقوف عليهم، فلا مالك له وكلّ مال لا مالك له فهو للإمام، فلماذا يصبح في سبيل الله؟ وإذا قلتم أنه في سبيل الله فذات الملك في سبيل الله، لا أن منفعته كذلك.
هذا كلّه في المانع من جهة الوقفية. وقد تحصّل: أن المانع غير موجود من هذه الناحية. فهل للبيع إشكال من جهة أخرى، وهل هو بيع غرري أو لا؟ فهل إن رواية الحسين بن نعيم أجازت بيع الغرر على خلاف القواعد؟ وليس عندنا في بطلانه إلّا حديث: (نهى النبي عن الغرر) أو “نهى النبي عن بيع الغرر“(1)، والتسليم بين الفقهاء على بطلانه، فإذا لم أعلم أنحاء المنافع التي للعين، فهل يوجب هذا بطلان المعاملة؟ وإذا لم أعلم مقدار مالية المنافع التي للعين، فهل يوجب ذلك البطلان؟ هذا مما لا يمكن الالتزام به، فلو لم يكن يعلم بمقدار منافع الدار أو قيمتها، هل يكون البيع باطلاً؟ فهذا يبطل كثيراً من
ــــــــــ[378]ــــــــــ
() دعائم الإسلام 2: 21، كتاب البيوع…، الفصل الثالث، الحديث 34، عيون أخبار الرضا 2: 46، فيما جاء عن الرضا من الأخبار المجموعة، الحديث 168، عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، ووسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المعاملات؛ لأن كثيراً من الناس يشترون ولا يعلمون بالقيمة السوقية أو بأوصاف المبيع.
وأما مسألة القدرة على التسليم، فإذا لم يكن له قدرة على التسليم أصلاً، فالشيخ وإن قال: (إنه من باب الغرر)(1)، إلّا أنه في الحقيقة ليس بيعاً غررياً، بل بيع غير عقلائي، وأما عدم القدرة الموقّت فليس غررياً، كما في بيع الدار حال العمرى والرقبى، فإنه جائز -بمقتضى الرواية – ولكن يسلّم بعد انتهاء المدّة. إذن فهذه النواحي لا تضرّ بصحّة بيع الوقف.
وأما رواية الحسين بن نعيم فالظاهر أنها لا تريد أن تؤسس شيئاً على خلاف القاعدة، فإنه لو صار البناء على اشتراط معرفة قيمة المنافع، فإن أكثر المعاملات تصبح باطلة.
وأما الوقف نسلاً بعد نسل، والكلام فيه هو ما ذكره الشيخ. وأما بيع أمّ الولد فلا نتكلّم فيه. يبقى الكلام في بيع الرهن.
ــــــــــ[379]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 102، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن شروط العوضين كونه طلقاً، الوقف المنقطع.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
من جملة الموارد التي قيل أن العين خارجة فيها عن الملكية والبيع غير جائز: هو أن يتعلّق بها حقّ الرهانة.
والبحث في أن حقّ الرهن مطلقاً مانع عن صحّة المعاملة، أو مطلقاً غير مانع، أو في بعض الحالات دون بعض؟ وهل تعلّق حقّ بالعين جعلها غير جائزة التصرّف من المالك، كأملاك الغير، أو أن التصرّف المنافي لحقّ المرتهن غير جائز دون غير المنافي؟
قد يقال: إن التصرّف المنافي مع حقّ المرتهن هو المانع عن المعاملة، وأما إذا لم يكن كذلك فلا مانع منه، كما لو رضي المشتري بأن تبقى العين على الرهانة، فيكون كما لو وضعت ماله -ابتداءً- رهناً برضائه، أو وضعت مال الاستعارة رهناً.
فإن قلنا: إن قوله: “لا يحلّ لأحدٍ أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه”(1)، لا نفهم منه أنه يشترط أن يكون مالاً، بل نفهم بمناسبات الحكم والموضوع أنه لو
ــــــــــ[380]ــــــــــ
() كمال الدين 2: 521، الباب 45، ذكر التوقيعات الواردة في القائم، الحديث 49، الاحتجاج 2: 480، ذكر طرفٍ ممّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان من المسائل الفقهيّة…، ووسائل الشيعة 9: 540، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 3، الحديث 7.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
كان ملكاً ولم يكن مالاً لم يجز التصرّف فيه(1)، كحق التحجير والخمر الذي للتخليل ونحوها. ومن جملة الحقوق حقّ المرتهن، فلو أجزنا التصرّفات غير المنافية مع حقّه كسكنى الراهن للدار المرهونة أو ركوبه للفرس، كان هذا منافياً مع تعلّق الحقّ، فكما لو كان ملكاً للغير لا يجوز التصرّف فيه كذلك لو كان مورداً لحقّ الغير. فهل يجوز التصرّف في الخمر المعدّ للتخليل بما لا ينافي حقّ مالكها، كنقلها من مكان إلى مكان؟ كلّ ذلك غير جائز بحسب القاعدة وحكم العقلاء، وإجماع الفقهاء، مضافاً إلى أنه خلاف فهم العقلاء من ذلك الدليل.
وإذا قلنا: إنه لا يجوز البيع إذا كان مخالفاً للرهن، فهل نقول: إن المشتري لا بُدّ أن يجيز الرهن حتى يبقى، كما قيل أو لا، بل تنتقل العين إليه مرهونة، فإن كان عالماً فلا كلام، وإن كان جاهلاً وعلم فإن رضى فهو، وإلّا كان له حقّ الفسخ، ولا حاجة في استمرار الرهن إلى إجازته. حالها حال العين المستأجرة حيث تنتقل إلى المشتري بما هي مستأجرة، وتبقى كذلك، سواء رضي المشتري أم أبى. وقياس هذا على الرهن الابتدائي على ملك الغير قياس مع الفارق، فإنه في الابتداء يكون المال مال الغير فلا يمكن إلّا بإجازته، وأما في الاستدامة فلا يملكها إلّا مرهونة.
وبناء على أنه لا يجوز مطلقاً كما هو المشهور بل اُدعي الإجماع(2) عليه،
ــــــــــ[381]ــــــــــ
() بل لو كان فيه حقّ الغير أيضاً لا يجوز. صحّ. (المقرِّر).
(2) اُنظر: الخلاف 3: 253، كتاب الرهن، المسألة 59، جواهر الكلام 22: 383، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الثاني أن يكون الملك طلقاً، الثالث في بيع الرهن، كتاب المكاسب 4: 153، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً، وغيرها.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وعليه مرسلة بن أبي جمهور(1) ومرسلة العلّامة(2)، فإذا باعه فهل هو باطل من أصله وغير قابل للإجازة، أو متوقّف على الإجازة كالعقد الفضولي، فإذا أُسقط حق الرهن أو انتهى أمده صحّ العقد؟
يقول الشيخ(3) -والحقّ معه-: يقع البيع فضولياً؛ للعمومات وروايات النكاح وأولويته عن الفضولي. وقد أشكلوا على هذه المعاني الثلاثة:
أما التمسّك بالعمومات، فليست أنها قد نوّعت العقود إلى عقد رهن لم تتعقّبه الإجازة، وإلى عقد تعقّبته الإجازة، بل هي خارجة عقلاً، فلا يبقى إطلاق للدليل حتى يكون متنوّعاً لنقول: إن هذا مندرج في هذا النوع أو ذاك(4).
هكذا أفاد الشيخ محمد حسين، ولم أفهمه، فهل أن التنويع يجب أن يكون أساساً تنويعاً شرعياً، فلو كان البيع منصرفاً عن بيع معيّن، فهو تنويع للبيع إلى بيع منصرف عنه وبيع منصرف إليه. فإذا كان حكم العقل من قبيل القرينة الحافّة
ــــــــــ[382]ــــــــــ
() اُنظر: عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 98، وفيه: وقال: “لا يحلّ مال امرئ مسلم إلَّا بطيبٍ من نفسه“.
(2) أُنظر: مختلف الشيعة 5: 421، كتاب الديون، الفصل الثالث.
(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 154، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
(4) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 261-262، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الرهن.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
بالكلام لكانت تقول: إنه خارج من أوّل الأمر، فهذا تنويع إلى ما هو داخل وما هو خارج وان لم يكن تنويعاً شرعياً. وإن كان مخصّصاً عقلياً منفصلاً، فهو على الأغلب منوّع لكن لا بمعنى تعنون الكلام، بل بمعنى أنه حيث لا يمكن العمل به، فلا يمكن أن يقال: إنه نافذ. فإذا زال حقّ الغير، فهو عقد تامّ من دون أيّ نقص من أيّ جهة من جهاته. وكذلك الحال في بيع مال الغير، فإنه لم يكن جائزاً عقلاً -لا شرعاً فقط- ولكن البيع بوجوده الإنشائي كان محقّقاً ومتوقفاً في صحّته على الإجازة، فإذا أجازه يكون عقداً تامّاً يجب الوفاء به، فلماذا لا يشمله العموم؟ ومجرّد كون التنويع ليس شرعياً لا يكون مانعاً عن الشمول.
إذا باع الراهن وأجاز المرتهن، فهل هو مثل العقد الفضولي والمكره، أو يفرق عنها؟ الشيخ تعرّض لذلك في مسألة الفضولي(1)، وتعرّض له هنا. فقال هناك: إن المقتضي في باب بيع الراهن موجود، فحين يكون المانع مفقوداً بفكٍّ أو إجازةٍ فإنه يؤثّر أثره، كالموانع في التكوين. وهنا(2)(3) يقول: إن العمومات تقتضي صحّته، ولم يرد عليه تخصيص. ثُمّ يتمسّك بروايات نكاح العبد، ثُمّ بـ… وكلّ هذه المطالب أصبحت مورداً للإشكال.
ــــــــــ[383]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 346، كتاب البيع، الكلام في شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي.
(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 2: 206، كتاب البيع، بيع الفضولي، الإجازة، شروط المجيز.
(3) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 153-154، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
أما ما قاله هناك فالشيخ محمد حسين يقول: إن المقتضي في مقام الإثبات لا بُدّ أن نثبته حتى يثبت المقتضي في مقام الثبوت. ومراده من المقتضي في مقام الإثبات إما وجوب الوفاء بالعقود، أو أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ. وهناك يشكل على التمسّك بوجوب الوفاء بالعقود، ويصحّح التمسّك بـأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ. وإشكاله أنه يقول: إنه إذا وردت مخصّصات ومقيّدات على العموم والإطلاق، فهي تعنون العام بعنوانين:
أحدهما: العنوان الذي يكون العقد عليه صحيحاً.
والآخر: العنوان الذي يكون عليه العقد باطلاً.
فدليل اشتراط الرضا في المعاملة، يقسّم العقد إلى قسمين: عقد مقارن معه الرضا، وعقد ليس معه رضا، بنحو القضيّة الحقيقية، وما يتحقّق في الخارج إن كان مصداقاً لهذا فهو صحيح، وإن كان مصداقاً لذاك فهو باطل. ودليل وجوب الوفاء يشمل كلّاً من عقد البيع والرهن، فلو وقعا معاً يتزاحم الإطلاقان ويسقطان. وإن وقع الرهن قبلاً شمله وجوب الوفاء دون البيع. فالباب باب المزاحمة بين إطلاقين لوجوب الوفاء، وفي مثل هذه الموارد، ليس بابه باب التعنون بعنوانين بحيث إذا انطبق على الرهن لا ينطبق على البيع. هذا في حال المزاحمة. أما بعد أرتفاعها فليس عندنا عقد جديد ليجب الوفاء به بعد فكّ الرهن ويكون مصداقاً لوجوب الوفاء بالعقد. إذن فلا يمكن التمسّك بهذا العموم. وأما أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ فيتعنون بعنوانين ويصحّ التمسّك به.
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما هنا فيقول(1): إنه لا يمكن التمسّك به أيضاً؛ لأن الخارج عن عقد البيع خارج بحكم العقل؛ لأن ماهيّة الرهن هي انحفاظ العين على الدين، فمورد الرهن خارج عقلاً عن البيع، فليس يعنونا بعنوانين. ومقصوده أن هذا البيع غير مشمول للإطلاق، وحين يرتفع المانع ليس هناك بيع جديد ليشمله الإطلاق.
ولنا في مناقشته عدّة كلمات نذكر أهمها:
منها: ما قاله: من أننا يجب أن نتمّم المقتضي في مقام الإثبات؛ ليتمّ في مقام الثبوت. فهو يريد أن يتمّم المطلب إثباتاً، وحيث لا يتمّ مقام الإثبات لا يتمّ مقام الثبوت أيضاً. فكأنّه يريد أن يقول: إن المخصّصات الشرعية تعنون العامّ أو المطلق في مقام الإثبات، يعني في مقام ظاهر الدليل. فكأنه قال: (أوفوا بالعقود المقارنة أو المتعقّبة للرضا). فقد أصبح العقد في عنوانين: العقد المتعقّب للرضا فيجب الوفاء به، وغيره فلا يجب الوفاء به. فهل يلتزم بلوازم ذلك؟
مثلاً: هل يقول: أن إجمال المخصّص يسري إلى العامّ. فلو قال: (أكرم العلماء)، وقال: (لا تكرم الفسّاق)، وتردّد الفاسق بين فاعل الصغيرة وفاعل الكبيرة مفهوماً. فإذا كان المخصّص متّصلاً لم نستطع أن نتمسّك بالعام؛ لكونه مجملاً. وأما إذا كان منفصلاً فهل يلتزم أنّا نرفع اليد عن العام لإجمال
ــــــــــ[385]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 261-262، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الرهن.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
المخصّص؟ وسرّه أن العام لا يتعنون بالمخصّص، وإنما يكشف المخصّص عن عدم تعلّق الإرادة الجديدة بمقداره، ومعه يكون حجّة فعلية لا يرفع اليد عنه إلّا بحجّة أقوى.
وأما ما قاله من أنه حين ترتفع المزاحمة، فلا يوجد عقد ليشمله الإطلاق، نقول: هذا العقد له حالان:
1- حال المزاحمة.
2- حال عدمها.
فإن باب المزاحمة العقلية يرتفع بمقداره، وهو حال من أحواله، فيبقى حال عدمها على حاله.
على أنه ينقض عليه باشتراط الرضا، فهل يريد تأثيره بنحو الكشف الحقيقي؟ وإنما تكلّم على أساس النقل، فإن قلتم: إن الرضا المتأخّر يجعل العقد واجب الوفاء من حين وجوده، إذن فلا بُدّ أن تقولوا بالكشف، ولكن على النقل قد وجد العقد بدون رضا، فلا يشمله الدليل، وبعد ذلك ليس عندنا عقدٌ ليشمله الدليل.
وتحقيق المطلب: أن العقد اعتبار عقلائي باقٍ، وإنما ألفاظه ذاهبة، وبهذا الاعتبار يكون قابلاً للفسخ والبقاء، وهذا الوجود العقلائي كما يصحّحه الرضا الملحق في باب الفضولي والمكره، كذلك في المقام له اعتبار البقاء، فإذا ارتفع المانع شملته العمومات فيصحّ. فإن باب المزاحمة ليست مخصّصاً إفرادياً، بل باعتبار عدم إمكان العمل، فإذا ارتفعت المزاحمة شمله العموم، فبعد ارتفاع
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الرهن لا بُدّ من الالتزام بالصحّة.
وفي: أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ أيضاً كذلك، غاية الأمر أنه كان يعتقد هناك أنه يتعنون بعنوانين، وهنا عاد عن اعتقاده ذاك؛ باعتبار كون المخصّص عقلياً، وهو لا يعنون العامّ. مع أن المخصّصات العقلية إن كانت متّصلة فإنه يولد صغيراً(1)، وإن كان منفصلاً فإنه يكون كسائر المخصّصات، والمخصّص لا يعنون العامّ إلّا في باب الحكومة.
والشيخ(2) يتمسّك أيضاً بأدلّة زواج العبد، وهو قوله: “إنه لم يعصي الله ولكن عصى سيده فإذا أجاز جاز“(3). والمراد: أنه ليس عصياناً تكليفياً بحيث لا يكون قابلاً للرفع بالإجازة، بل هو عصيان تكليفي وشيء آخر وهو حصول التصرّف بلا إجازة، لِما دلّ عليه الدليل من عدم نفوذ معاملات العبد إلّا بإذن سيده. فإذا تعقّبته الإجازة كان نافذاً.
ــــــــــ[387]ــــــــــ
(1) أي: ليس له تأثير.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 154، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
(3) الكافي 5: 478، كتاب النكاح، باب المملوك يتزوّج بغير إذن مولاه، الحديث 3، مَن لا يحضره الفقيه 3: 541، باب طلاق العبد، الحديث 4862، تهذيب الأحكام 7: 351، كتاب النكاح، الباب 30، الحديث 63، ووسائل الشيعة 21: 114، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 1.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يقول الشيخ: أننا نستفيد من ذلك حكماً كلّياً وهو: أن كلّ حقّ آدمي
-يعني ما كان في مقابل حقّ الله تعالى- إذا وقع التصرّف بدونه يكون موقوفاً على إجازة ذي الحقّ.
أيضاً أشكل عليه بأن الحقوق على قسمين:
1- ما كان قابلاً للإسقاط.
2- ما لم يكن قابلاً له.
ومعه فلا يمكن التمسّك بالرواية(1).
نقول: إن هذا غير تام؛ لأنه إذا ورد عموم يقول: كلّ من له حقّ من الناس فهو قابل للإجازة. فإذا دلّ دليل على أن مورداً غير قابل للإجازة نرفع اليد عنه، وإذا احتملنا في مورد أنه قابل للإجازة أو لا، فالعموم مقتضٍ لصحّته بالإجازة، ولم يرد عليه المقيّد حتى يكون التقسيم مانعاً عن التمسّك به.
تمسّك الشيخ(2) لصحّة بيع الراهن بفحوى أدلّة صحّة بيع الفضولي، بعضهم فسّر الفحوى بأنه في بيع الفضولي بيع لِما هو ملك للغير، فإذا كان قابلاً للإجازة كان مورد حقّ الغير أولى بالصحّة من الإجازة لأن هذا الحقّ أضعف من ذلك.
ــــــــــ[388]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 262، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الرهن.
(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 155، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ثّمُ استشكل في ذلك(1) بأن الحقّ الذي لا بُدّ أن نقايسه بالملك ونجعله أولى بالصحّة مع الإجازة، هو ما كان من قبيل حقّ التحجير، فإنهما شبيهان ببعضهما. وأما الحقّ الذي في باب الرهن فليس إلّا مراعاة لحال المرتهن، فإذا أجاز ورفع يده عن حقه صحّ، وليس هذا من باب الأولوية من البيع. فإن الإجازة هناك تحقّق الانتساب، وهنا لا يتحقّق الانتساب.
إذا صحّ هذا التفسير الذي قاله الشيخ محمد حسين، فلا معنى للأولوية في حقّ الاختصاص، فإنه لا فرق بينه وبين الملك في مسألة الفضولي، ولا دخل لضعف الحقّ وقوّته فيها.
لكن أصل التفسير غير صحيح، فإن الشيخ لا يريد أن الفحوى لأضعفية الحقّ، بل يريد أن البيع الواقع من الأجنبي وغير المنتسب إلى البائع ليس له مقتضى الصحّة، وبالإجازة يتمّ اقتضاؤه، فإذا كانت الأجازة متمّمة للمقتضي كانت رافعة للمانع مع وجود المقتضي بطريق أولى، كما في موارد الرهن، حيث تكون العين ملكاً للبائع، وهذا أمر صحيح ومعقول.
بحسب القواعد والعمومات وتعليل: “لم يعصِ الله، وإنما عصى سيده”
-بعد الغضّ عن إشكاله الكبروي- إذا قلنا: إنه صحيح على القواعد، فهل
ــــــــــ[389]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 262، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الرهن.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
يأتي إشكال صاحب (المقابس)(1)، الذي له عدّة جهات منها ما بيّنه قبل قوله: إن قلت. فلا بُدّ من تقريبه وتحقيقه بغضّ النظر عما يقوله بعد ذلك.
نقول: ادّعى الإجماع على أن الراهن ممنوع من التصرّف والاتفاق عليه، وشيخ الطائفة(2) ادّعى إن الأخبار على طبقه، والعلّامة ذكر النبوي: “إن الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرّف“(3)، وكذلك مرسلة ابن أبي جمهور(4). والغرض من الرهن هو جعل الرهن موقوفاً لا يتصرّف فيه، والمنع عن التصرّف يتعلّق بذات المعاملة ولو لأجل حقّ الغير، والنهي المتعلّق بذات المعاملة يقتضي فساده، كما كان الحال عليه في بيع الوقف وبيع أمّ الولد.
نقول في تقريبه: إنه لو تمّ الدليل على المنع، كان شاملاً للتصرّفات الخارجية بلا إشكال، فتكون من المحرمات التكليفية، وأما التصرّفات الاعتبارية فتكون باطلة وضعاً؛ لِما سبق أن قلناه مكرّراً من أن النهي إذا تعلّق بأمور لها (نفسية)، فَهِمَ العقلاء منها أن الزجر متعلّق بذاتها وهو معنى الحرمة التكليفية. وإذا تعلّق بأمور يتوقّع لها الصحّة والفساد يفهم العرف من النهي عنها عدم صحّتها، وإذا تعلّق الأمر بالسبب يفهم منها أنها ليست أسباباً ولا
ــــــــــ[390]ــــــــــ
(1) اُنظر: مقابس الأنوار: 190، كتاب البيع، المطلب الأوّل، المبحث الثاني، الشرط الثاني، السبب الخامس.
(2) اُنظر: الخلاف 3: 253، كتاب الرهن، مسألة 59.
(3) مختلف الشيعة في أحكام الشريعة 7: 429، المقام الثاني: في حكم العاجز عن التكفير، مسألة 83.
(4) تقدّم تخريجها آنفاً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
تترتّب عليها مسبّباتها. وكذلك الحال في الأوامر، فإذا تعلّق النهي بعنوان شامل للأمرين، كالنهي عن التصرّفات من قبل الراهن الشامل للتصرّفات الخارجية -التي لها نفسية- والاعتبارية -التي لها سببية-، فهنا قد استعملت الألفاظ في معانيها، لا أنها استعملت بمعنيين، ولكنّ العقلاء يعطون لكلّ مورد حسابه، فيفهمون بعد التحليل من المنع عن التصرّفات الخارجية حرمتها التكليفية، ومن المنع عن التصرّفات الاعتبارية عدم نفوذها، فهذا هو تقريب كلام، قبل قوله: (إن قلت).
إذا نظرنا إلى كلام صاحب (المقابس) فهل يستفاد المنع من المعاملة، بعد فرض ثبوت الدليل على أن الراهن ممنوع من التصرّف؟
من المحتمل أن نقول: إنه مساق قوله: الراهن ممنوع من التصرّف، هو مساق (لا يحل مال أمرئ إلّا بطيبة نفسه)(1)، فإننا إذا أخذنا الأعمّ من الوضعي والتكليفي، أي: التصرّفات الخارجية والاعتبارية، فإنه أيضاً إذا تعلّق النهي بالنفسيات فإنه يستفاد منه الحكم التكليفي، وإذا تعلّق بالأسباب استفيد من الحكم الوضعي. فلا يختلف حاله عن حال الفضولي، فيمكن التمسّك بدليل: (لا يحلّ) للإرشاد إلى البطلان. ولكنّه إرشاد إلى بطلان المعاملة، وليس إرشاداً إلى فساد ألفاظ العقد، بحيث تصبح كألفاظ الصبي والمجنون، ولا إلى نفي
ــــــــــ[391]ــــــــــ
() تحف العقول: 34، خطبته في حجّة الوداع، مع اختلافٍ يسيرٍ في اللفظ، عوالي اللئالي العزيزيّة 3: 473، باب الغصب، الحديث 3، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلّي، الباب 3، الحديث 3، ومستدرك الوسائل 17: 88، كتاب الغصب، أبواب كتاب الغصب، الباب1، الحديث 5.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
سببيتها للوجود الإنشائي للعقد، وإنما يُراد بالبطلان عدم النقل والانتقال، فلا ينافي صحّته بتعقّب الإجازة.
ومن المحتمل أن نقول: إنه عن طريق الحكم التكليفي المولوي. تقريبه: أن هذه التصرّفات التي تكون ممتنعة، حيث إنه بلا إشكال أن التصرّفات الخارجية ممنوعة تكليفاً، فكذلك التصرّفات الاعتبارية ملحقة بها في الممنوعية التكليفية. – بغضّ النظر عما ذكرناه – فإذا كان حراماً وكان النقل والألفاظ والإنشاء مبغوضة للشارع، فلا ينسجم مع تقييد الشارع. فإن النهي يتعلّق بذات المعاملة ولا يكون قابلاً للتقييد.
ونحن لنا أن ننكر تعلّق النهي بذات المعاملة، وإنما تعلّق بعنوان التصرّف لا بعنوان البيع -في دليل الإجماع وبناءً العقلاء والنبوي- وهما عنوانين عامّين من وجه. فإن التصرّف قد يكون بيعاً وقد يكون تصرّفاً خارجياً، كما أن البيع قد يكون تصرّفاً بمال الغير، وقد يكون بمال نفسه. حالهما في ذلك حال الغصب والصلاة، والحكم الوارد على عنوان يستحيل أن يلحظ معه أي شيء آخر غير نفس الطبيعة.
فقد يقال: إن دليل تنفيذ البيع لا يرى فيه إلّا البيع، ودليل تحريم التصرّف لا يرى فيه إلّا التصرّف. والمصاديق الأخرى للتصرّف لا ترى عن طريقه، ومورد الحرمة هو التصرّف، ومورد التنفيذ هو البيع، إذن فقد تعلّق النهي بأمر خارج عن ذات المعاملة. فما قاله من أنه متعلّق بذاتها لا لأمر خارج، لا يكون تامّاً.
ولو سلّمنا أن النهي تعلّق بأمر داخل. نقول: إن النهي إما متعلّق بالسبب أو بالمسبّب. فإن تعلّق بالسبب فهو حرام، لكن لماذا لا يترتّب عليه الحكم
ــــــــــ[392]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الوضعي؟ فإن مجرّد تعلّق النهي بالسبب لا يكون دليلاً على البطلان. وإن كان النهي متعلقاً بالمسبّب -وليس إرشاداً إلى البطلان- فلا بُدّ من أن يكون صحيحاً؛ لأنه لا بُدّ أن يكون مقدوراً.
ثُمّ يُنظّر المقام ببيع الوقف وبيع أمّ الولد. والشيخ(1) يصدّقه ويقول: إنه مطلب تعبّدي.
نقول: هناك أيضاً صحيح على القاعدة، كما لو باعها سيدها أو غيره ثُمّ مات ولدها، فإنه يصحّ البيع حينئذٍ، وكذلك لو باع الوقف ثُمّ حصل المجوّز فيؤثّر البيع بالإجازة، ولا دليل على بطلانه؛ لنقول: إنه تعبّدي.
ثُمّ يقول(2): إن قلت: إن المقام وبيع الفضولي لا بُدّ أن نقول: إنها كلّها صحيحة، أو نقول كلّها باطلة. والفرق تحكّم. ثُمّ يقول: إننا لا نقول بصحّة الفضولي فيما لو باعه ظلماً، وإنما نقول بالصحّة فيما لو باعه انتظاراً للإجازة وبالنيابة عن المالك. وأما نفس المالك فباب النيابة لا معنى له، وإنما أصبح المالك ممنوعاً عن المعاملة، فلا يمكن أن يبيعه؛ لمنافاته مع دليل الحجر. إذن فيقع باطلاً صرفاً غير قابل للصحّة بتعقّب الإجازة.
ما قاله من التمييز بين صورة الظلم والنيابة غير موجود في باب الفضولي، فإنه حتى لو أراد الظلم فإن البيع ليس تصرّفاً ولا يكون حراماً كما
ــــــــــ[393]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 147، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
(2) اُنظر: مقابس الأنوار: 190، كتاب البيع، المطلب الأوّل، المبحث الثاني، الشرط الثالث، السبب الخامس.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ذكر في باب الفضولي. وأما مسألة النيابة، فهل الدليل قائم على عنوان النيابة أو يصحّ؛ لأنه ليس ظلماً؟ فإن كان الثاني فيرد ما يذكره الشيخ من أنه إذا لم يقصد الظلم يقع صحيحاً حتى لو لم يقصد النيابة. فإن النيابة لم تقع في دليل، وإنما المدار هو الظلم وعدمه على الفرض. إذن فلا يدلّ النهي على أن المعاملة غير قابلة للإجازة.
ثُمّ يقول(1) -بنحو الادعاء-: إنه يُعلم من تتبع موارد العقد أن البيع المربوط بالإنسان نفسه إما صحيح مطلقاً أو باطل مطلقاً، وأما أن يكون صحيحاً من حيث أو باطل من حيث، فليس موجوداً مثل الفضولي، إن أراد وجود ذلك خارجاً فلم يثبت. وإن أراد ثبوته بحسب القواعد فهو أوّل الكلام، وإنما القواعد تقتضي صحّته، فهل الإجازة كاشف أو ناقلة؟
هل الإجازة كاشف أو ناقلة؟ على أقوال:
منها: أن مقتضى القواعد هو الكشف في الفضولي، والنقل هنا(2).
منها: عكس ذلك(3).
ــــــــــ[394]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر السابق.
(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 191، كتاب البيع، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 266-268، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثاني، بيع الرهن.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
ومنها: أنهما في الخلاف سيّان(1).
وينبغي أن نتكلّم أوّلاً عن أن بيع الراهن الموقوف على إجازة المرتهن: هل هو من باب أن حقّ الرهانة ينافي مع البيع، فإذا سقط الحقّ أو كشفت الإجازة عن الإسقاط صحّ، وإلّا لم يصح؟ أو الإجازة تمام الموضوع للصحّة، ولا ينافي الرهن مع البيع، إذ يمكن أن تنتقل إلى المشتري مرهونة؟
وما ذكره الشيخ(2) من الإشكال من أن الكشف لا ينسجم مع الرهن؛ لأنه يلزم وجود مال الغير رهناً. ثُمّ يقول: إنهم يقولون: إن التصرّف من الأوّل باطل.
نقول: بل الجواب أنهم لا يرون التنافي بين البيع وبين الرهانة، وأن العين انتقلت إلى المشتري مرهونة. فإن التصرّف المنافي للرهن هو التصرّف المتلف، فإذا قلنا بهذا هنا لا يبقى مانع عن جريان الكشف، غاية الأمر كان العقد هناك موقوفاً على إجازة صاحب المال، وهنا موقوف على إجازة صاحب الحقّ. فإن النقص في العقد باعتبار ذلك، لا باعتبار نقص اقتضائه. والإجازة تكون إجازة لمضمون العقد، وهو الانتقال من حين العقد، في كلٍّ من بيع الفضولي وبيع الرهن، ولا إشكال.
وأما إذا قلنا بأن الإجازة إجازة لمضمون العقد، ولكنّها دليل على إسقاط
ــــــــــ[395]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 160-161، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
الحقّ أيضاً، فهي بالنسبة إلى النقل كشف، وبالنسبة إلى اسقاط الحقّ نقل، يعني: مؤثّر من الآن في إسقاطه؛ لأن الإسقاط المتقدّم بالمسقط المتأخّر محال. ونتيجته أنه تنقل العين المرهونة حال رهنها إلى المشتري، ومن حين الإجازة يسقط حقّ المرتهن المتعلّق بها. فهي تدلّ على إسقاط حقّه في ملك المشتري من الآن.
وإذا قلنا: بالتنافي بين الرهن وملكية الغير كما عليه ظاهر الشيخ، فالإجازة بما هي إجازة لا يمكن أن تعمل شيئاً، بل لا بُدّ أن يسقط الحق، حتى تؤثّر أثرها. فإذا كان المرتهن قد أسقط حقّه سابقاً، فالراهن يبيع العين الساقط عنها الحقّ ولا مانع منه. وأما إذا باع العين حال تحقّق حقّ المرتهن فالإجازة إذا أسقطت الحقّ صحّ البيع، وليس لها عمل بما هي إجازة، كما كانت مؤثّرة على المباني السابقة.
وحينئذ فيُتكلّم: أننا هل نقول هنا بالكشف لو كان مقتضى القاعدة الكشف في الفضولي؟ بعضهم قال(1) -بتعبير ما-: إن القاعدة تقتضي الكشف ولو قلنا هناك بأنها تقتضي النقل، والمحقّق الثاني(2) قال عكس ذلك.
فمن يقول بالنقل في الفضولي تمسّك بالعمومات من حيث إن العموم بدون الإجازة لم يكن شاملاً للمالك. وبها يصبح العقد عقداً، فيشمله عموم وجوب الوفاء بالعقود. فالقاعدة تقتضي النقل؛ لأنه سابقاً لم يكن لي عقد حتى يصح.
ــــــــــ[396]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 191، كتاب البيع، القول في شروط العوضين، الشرط الثاني.
(2) جامع المقاصد 4: 74-75، و5: 146.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأما في باب إجازة المرتهن فالنسبة للمالك متحقّقة، والمرتهن ليس مالكاً لتحقّق النسبة إليه. ونحن نشكّ في أن العقد الذي تتعقّبه الإجازة هل هو خارج عن العموم أو لا، بعد العلم بخروج ما لا تتعّقبه الإجازة عنه؟ ومع الشكّ يكون العموم شاملاً له.
نقول: إنه بناءً على منافاة حقّ المرتهن مع صحّة العقد، فما دام الحقّ قائماً لا يمكنكم التمسّك بالعموم، ويكون خارجاً قطعاً عنه، ولا مجال للشكّ في ذلك، ولا يمكن أن يقع على صفة الصحّة بدون الإجازة. وأما إذا حصلت الإجازة فإن كانت متقدّمة على البيع، كانت -مع الالتفات إلى منافاته مع حقّ الرهن- دالّة بالالتزام العرفي على إسقاط الحقّ. ولكن إذا كانت الإجازة متأخّرة عن البيع، فإن قلنا: إنها تنتج إسقاط الحقّ المتقدّم فكذلك. ولكن هذا محال، وليس للإجازة صلاحية ذلك، إذن فلا بُدّ أن نقول بالنقل.
وعلى أيّ حال فالمطلب مختلف على المباني، ولا نستطيع أن نقول: إنه نقل في كِلا الموردين، أو كشف كذلك.
إذا باع الراهن وردّ المرتهن، فهل هو مثل الردّ في باب الفضولي، بحيث كلّ من قال إنه موجب للهدم كذلك هنا، أو ليس مثله مطلقاً، فلو قلنا بالهدم هناك لا نقول به هنا. أو هناك تفصيل بين الصور التي قلناها؟
فمرّة لا نقول: -كما لم نقل- بالمنافاة بين الرهن والبيع، فالإجازة ليست دالّة على سقوط الحقّ، وإنما هي كاشفة عن رضاء ذي الحقّ.
ــــــــــ[397]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
وأخرى نقول: بالمنافاة بينهما، وإن الإجازة ليس لها دخل في صحّة المعاملة، بل غايتها أنها تدلّ على إسقاط الحقّ، أما ابتداءً أو لأنها دالّة على لزوم المعاملة؛ باعتبار أنها تكشف عن ارتفاع الحقّ في طول التنافي.
وما يأتي إلى النظر أنه في باب ردّ الإيجاب محلّ التسالم على أنه يهدمه، بحيث لا يكون قابلاً للحوق القبول، ولا يكون الاعتبار العقلائي قائماً بالنسبة إليه. وإجازة الفضولي نظير القبول، فإن طرف المعاملة هو الأصيل دون الفضولي. فإذا ردّ الطرف فإن المعاملة لا تكون قابلة للحوق الإجازة. فهل من له حقّ في العين، أو له ولاية على السفيه، أيضاً يكون كذلك بواسطة ما عنده من الحقّ أو الولاية؟ فهل يوجب ذلك أن يقع طرفاً للمعاملة؟ أو في الحقيقة أن طرف المعاملة هو البائع والمشتري؟ غايته أن إجازته شرط في التأثير، فالإجازة في الفضولي قبول في الواقع، بل هي عين القبول، خاصّة بعد الذي سبق أن قلناه من أن القبول الفضولي ليس له أثر أصلاً. وضمّه إلى الإيجاب كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان. غاية الأمر أن الإجازة منفصلة، والقبول متّصل إذا اشترطنا الاتّصال.
وكذلك الحال في ولّي السفيه، فإنه ليس طرفاً للمعاملة، بل طرفها هو السفيه والطرف الآخر. غاية الأمر أنه محجور عن التصرّفات، فإذنه ليس لكونه طرفاً، بل لكون صحّة العقد متوقّفة على إذنه. فلو ردّ ثُمّ أذن فإنه لا يمكن قياسه بباب الإجازة والقبول. فنحن لو قلنا بأن الإجازة تمام الموضوع، وأنه لا منافاة بين الرهن والبيع، فلو ردّ لا يؤثّر ردّه، وله أن يقبل بعد ذلك. فلو قبلنا بتأثير الردّ بالهدم هناك لا نقول به هنا.
ــــــــــ[398]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
فضلاً عما إذا كان هناك منافاة بين الرهن والبيع، وإن الإجازة لا دخل لها بالصحّة، إلّا باعتبارها كاشفة عن إسقاط الحقّ لتصحّ المعاملة، فالردّ والهدم غير موجود على الإطلاق، فإذا لم يجز فكأنّه يقول: (لم أسقط حقي) فإسقاطه للحقّ بعد ذلك لا ينافيه.
مسألة أخرى: أننا لو قلنا في إجازة الراهن بالصحّة على الكشف أو النقل، فهل نقول ذلك في دفع الدين وإسقاط الحقّ والإبراء؟ وهل نقول: إن المعاملة غير صحيحة؟ أو القول بالكشف لا معنى له، أو أن النزاع جارٍ؟
أما قضيّة صحّة المعاملة، فالمهمّ شمول عموم وجوب الوفاء له، الشيخ مرّة يقرّب هذا الطرف وأخرى ذاك الطرف، وفي كلامه إشكالات كثيرة في عدم الانسجام مع مبانيه(1).
والإشكال الذي كان في ذلك هو: أن العقد حال إيجاده لم يكن مشمولاً للعموم، وفي باب الإجازة حيث إنها إجازة لمضمون العقد فتؤثّر في تصحيحه من حينه. ولكن حين ذهب الحقّ أو حصل الإبراء لا عقد ليشمله العموم.
والعمدة أن نرى: أن أَوْفُوا بِالعُقُودِ كما له عموم أفرادي بلا إشكال، فهل له إطلاق دالّ على أن العقد هو تمام الموضوع للحكم أو لا؟ وما يقوله الآغايون من وجود إطلاق أزماني أو أحوالي له غير صحيح، فإنها أمور لا ربط
ــــــــــ[399]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 163-164، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقاً كونه مرهوناً.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
لها بالإطلاق. فإن غاية ما ينقّحه الإطلاق هو أن الماهيّة هي تمام الموضوع للحكم. فنعلم من الإطلاق أن تمام الموضوع لوجوب الوفاء هو العقد. فإذا حصل مانع في مورد بدليل خارجي، فنرفع اليد عنه بمقداره، وبعد ذلك يكون وجوب الوفاء باقياً وسارياً.
فإن كان المراد من عدم وجود العموم الفوقاني أنه ليس متعرّضاً للزمان، فهو صحيح بلا إشكال، وإن كان المراد أن العقد ليس له إطلاق، ولا يدلّ على أنه تمام الموضوع للحكم، فنحن ننكره، بل الإطلاق باقٍ، وبمقدار ما دلّ الدليل على خروجه نرفع اليد عنه، ولا فرق بين أن يكون الإطلاق شمولياً في الزمان أو لم يكن. وخاصّة بعد أن قلنا: إن للعقد وجوداً اعتبارياً عقلائياً بقائياً.
ومع وجود الإطلاق لا مجال للاستصحاب، وإن كانت تعبيرات الشيخ لا تخلو من مسامحة، فتارة قال: الاستصحاب حاكم على العموم. وأخرى قال: نقطع أن الاستصحاب غير جارٍ، فلا بُدّ أن نرجع إلى العموم. والحقّ في هذا معه؛ لأننا نقطع أن المنع خاصّ بالرهن، ولا نحتمل بقاء الممنوعية بعده. فالمرجع هو الإطلاق.
بناءً على القول بالكشف في الإجازة، فهل يأتي ذلك في باب فكّ الرهن؟ يظهر من الشيخ(1) أن المستند في باب الكشف هو أن العقد الواقع في ذلك الزمان يصحّ بالإجازة من ذلك الزمان، فيتمّ القول بالكشف. وإذا كان المستند
ــــــــــ[400]ــــــــــ
(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 164-166.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
هو الدليل الآخر الذي يظهر من كلماتهم كقولهم(1): إن العقد تمام الموضوع للسببية، وحين تلحق الإجازة به نعلم أنه كان سبباً تامّاً، إذن يتمّ القول بالكشف، وإذا لم نقل بالكشف يلزم أن يؤثّر الموجود في المعدوم، فإن العقد غير موجود الآن، وإنما هو موجود في حينه. إذن فلا يمكن أن نقول هنا بالكشف. ونحن نعالج كِلا الجهتين:
أما الأمر الأوّل: وهو أن الإجازة لاحقة للعقد الواقع في الزمان السابق، ولازمه القول بالكشف.
نقول: أما على ما يقوله الآغايون من مانعية حقّ المرتهن عن صحّة العقد، فهو يختلف حاله عن باب إجازة الفضولي، فإنه هناك لم يكن عندنا إلّا عقد وإجازة، والإجازة وإن كانت متأخّرة إلّا أنها إجازة لأمر متقدّم، فلو بنينا على ما قلناه من عدم المنافاة بين الرهن والنقل، وأنه لا يحصل النقل لا من باب المانعية، بل لتوقّفه على إجازة الراهن، فيمكن حينئذٍ أن نقول: ليس هنا إلّا العقد والإجازة، والإجازة ملحقة بالعقد السابق. مع فرق أن المجيز هناك كان طرفاً للمعاملة، وهنا ليس طرفاً وإن كانت إجازته دخيلة، فيمكن تقريب الكشف بذلك. ولكن بناءً على المانعية يكون عندنا علاوة على العقد والإجازة: المانعية. فلا يكفي الإجازة والعقد وحدهما، بل لا بُدّ أن يسقط الحقّ، فلا بُدّ أن
ــــــــــ[401]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للإيرواني) 1: 126، كتاب البيع، الكلام في شرائط المتعاقدين، القول في الإجازة، ومستمسك العروة الوثقى 14: 494، كتاب النكاح، فصل في أولياء العقد، المسألة 21.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
نكشف أنه سقط حقّه من ذلك الزمان، ويستحيل أن تسقط الإجازة ما قبلها.
ومن هذا الطرف حين يقول: إننا نستند إلى أدلّة أخرى، كقولنا: العقد سبب تامّ للنقل، وبالإجازة نعلم أنه سبب تامّ(1). وهو بهذه الصورة واضح الإشكال كما يقول الشيخ بأن يقال: إن مرادكم من كونه سبباً تامّاً بدون الإجازة، فهذا لا يمكن، وإذا احتاج إلى الإجازة كانت متأخّرة، فلا تؤثّر في السابق. ولكنّنا نقول: هو تمام الموضوع للوجود الإنشائي غير المقيّد بالزمان. فإن النقل الإنشائي الناتج عن العقد مرسل من حيث الزمان غير مقيّد به، والإجازة إذا كانت مقيّدة بالزمان لم تكن إجازة لمدلول العقد، بل لا بُدّ أن تكون إجازة للنقل المرسل، وحيث ينطبق النقل المرسل على ذلك الزمان، فقهراً تكون الإجازة منطبقة على ذلك الزمان أيضاً. فالتقريب الذي قالوه كان قائماً على أساس تقيّد العقد بالزمان. وبهذا التقريب يندفع الإشكال.
فإذا تمّ ذلك ففي صورة الفكّ والإبراء ونحوه لا مجال للكشف؛ لأنه كان باعتبار أن الإجازة إجازة للأمر المرسل، فتكون بنحو الإرسال، فتصطبغ بصبغته، وأما في باب الفكّ فلا يأتي هذا الكلام، بل يتعيّن النقل من حين الفكّ لا محالة.
وأما الأمر الثاني: وهو تقريب صاحب (الإيضاح)(2) من أنه إذا لم تؤثّر الإجازة في وقت العقد، يلزم تأثير المعدوم في الموجود، فنكشف بذلك أن
ــــــــــ[402]ــــــــــ
(1) اُنظر: الروضة البهيّة 3: 229، كتاب المتاجر، الفصل الثاني: في عقد البيع وآدابه، القول في الآداب، يشترط في اللزوم الملك.
(2) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 419، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
السبب المؤثّر هو السبب المتعقّب بالإجازة، وذلك بعد قيام الدليل على صحّة عقد الفضولي.
وبتعبير آخر: إن الأمر يدور بين أحد شقوق: إما أن نقول ببطلان عقد الفضولي، فهذا خلاف الدليل الاجتهادي. وإما أن نقول بتأثير الإجازة اللاحقة في العقد المتقدّم، فهذا فيه المحذور العقلي. وإما أن نقول بأن السبب المؤثّر هو العقد المتعقّب بالإجازة، وهو المتعيّن بعد بطلان السابق.
وفي باب إجازة الراهن لو دلّ دليل خاصّ على صحّته -كما دلّ في الفضولي- لكان نفس الكلام وارداً، فإن القول ببطلانه مخالف للدليل المفروض، والقول بالنقل يستلزم المحذور العقلي، كما أن القول بصحّة العقد بدون إجازة غير ممكن، فيتعيّن الكشف. وأما إذا لم يكن لنا دليل خاصّ في باب الرهن، فيدور الأمر بين خلافين عقلين! فإن تأثيره من الزمان السابق خلاف العقل، كما أن تأثيره من الآن أيضاً خلاف العقل؛ لأنه إسقاط المتقدّم بالمتأخّر، وحينئذٍ فلا بُدّ من القول ببطلان الفضولي في باب الرهن. أو نردّ كلامه إلى مسألة بقاء العقد والقول بالنقل.
ثُمّ إننا إذا قلنا بالكشف فكنّا نقول في الفضولي: إنه إذا علم بتعقّب الإجازة فيجب عليه الوفاء بالعقد، فهل الأمر هنا أيضاً كذلك؟
هنا خلط في كلماتهم، فالسيد(1) يقول بأن البيع صحيح ولو كان حقّ الغير
ــــــــــ[403]ــــــــــ
(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للسيّد اليزدي) 1: 161، كتاب البيع، شرائط المتعاقدين، بيع الفضولي، القول في المجيز.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
متعلّقاً به، والإجازة لها السببية إلى الصحّة. ومع ذلك يقول: يجب عليه أن يفكّ الرهن. ثُمّ يدخل في الردّ والإيراد.
نقول: كما قلنا: إننا إذا لم نقل بالمنافاة بين البيع والرهن، فلا فرق بين المقام وبين بيع الفضولي، فكما قلنا هناك بوجوب الوفاء، كذلك نقول به هنا. وليس معناه رفع اليد عن الرهن، بل معناه وجوب تسليم العين المتعلقّة لحقّ الغير إلى المشتري؛ للعلم بتعقّب الإجازة.
وإذا قلنا بالمانعية، فإن قلنا بأن الإجازة المتأخّرة كما تصحّح البيع المتقدّم، تستطيع أيضاً أن تسقط الحقّ المتقدّم، فنكشف منها عدم تعلّق الحقّ من الأوّل، فيجب الوفاء بالعقد، ولا يأتي الكلام عن وجوب الفكّ. وإن قلنا: إن الإجازة المتأخّرة لا تعمل شيئاً، فهذه العين متعلّقة لحقّ الغير، ولم تنتقل حتى يجب الوفاء. وما قاله الشيخ(1) بأن الوفاء هو المحافظة على العقد غير صحيح، بل معناه تنفيذ العقد وإيصاله إلى نهايته بالتسليم ونحوه، وهنا لم يحصل النقل ليجب الوفاء به.
هذا تمام الكلام في بيع الرهن، وتبقى أمور غير مهمّة لا نتعرّض لها. نتكلّم بعد ذلك في القدرة على التسليم.
ــــــــــ[404]ــــــــــ
(1) اُنظر: كتاب المكاسب 5: 18، القول في الخيار وأقسامه وأحكامه، المقدّمة الثانية.
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[الشرط الأول: اعتبار المالية في العوضين] 13
[حكم الشك في المالية] 15
[في كون المالية شرعية أو عقلائية] 18
[الشرط الثاني: اعتبار الملكية] 23
[حكم بيع الكلي] 25
[في اعتبار السلطنة] 27
[حكم بيع المباحات] 29
الكلام في أحكام الأراضي 31
[الروايات الواردة في المقام] 31
[أنحاء تصرف المعصوم] 41
[مدلول آية الأنفال] 42
أقسام الأرضين 45
ــــــــــ[405]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[1- الأرض الموات] 46
[الكلام الأول: حول جواز التصرف في الأراضي الموات] 47
[الكلام الثاني: حول إذن المعصوم في التصرف] 49
[الطائفة الأولى: الروايات التي تثبت الإذن للشيعة وتنفيه عن غيرهم] 50
[الطائفة الثانية: الروايات التي تثبت الإذن للشيعة ولا تنفيه عن غيرهم] 53
[هل الإجازة مختصة بالمسلمين؟] 55
[الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على الإذن المطلق] 57
[ملكية الأرض بالإحياء] 59
[في فقه الروايات الدالة على الملكية أو أحقية التصرف] 60
[في الروايات المعارضة والنافية للملكية] 62
[2- الأراضي العامرة بالأصل] 64
[الروايات الواردة في المقام] 66
[حول الخلاف بين صاحب الجواهر والشيخ الأعظم] 69
[حول تملك الأراضي المعمورة بالحيازة] 72
[3- الأراضي الموات بالعرض] 77
ــــــــــ[406]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[روايات باب الأنفال] 78
[في مقتضى الأصل] 88
[مقتضى الأصل عند الشك في الأرض الموات] 88
[إشكال في المقام] 91
[مقتضى الأصل عند الشك في الأرض العامرة] 93
[مقتضى الأصل عند الشك في الأرض التي عرض لها الخراب] 94
[4- الأراضي المفتوحة عنوة] 96
[هل الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين؟] 96
[الروايات في المقام] 97
[هل يجوز بيع الأراضي المفتوحة عنوة؟] 106
[الروايات الواردة في المقام] 107
[شرائط كون الأرض خراجية] 119
[فقه آية الخمس] 120
[في المقيّدات الواردة في الآية] 122
[في اشتراط إذن الإمام] 131
[في اشتراط أن تكون الأرض محياة حال الفتح] 136
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[مقتضى الأصل حال الشك في الشرائط] 139
[طرق ثبوت الموضوعات] 146
[الشياع] 146
[البينة] 147
[تحقيق في عدة مطالب] 148
[في الفتوحات التي وقعت بعد النبي] 149
[حكم أرض العراق] 151
[في المراد من عنوان (أرض السواد)] 155
[في الأراضي المحياة حال الفتح] 161
[الشرط الثالث: اعتبار كون الملك طلقاً] 165
[ما المقصود من الطلق] 165
[هل يُستفاد من الأدلة المانعية أو الشرطية؟] 168
[مسألة: في عدم جواز بيع الوقف] 171
[في تحديد ماهية الوقف] 172
[إشكال المحقق الأصفهاني على تعريف (الجواهر)] 172
[المختار في المقام] 175
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[حول ملكية الواقف والموقوف عليه] 176
[الاستدلال على دخول الوقف في ملك الموقوف عليه] 179
الوجه الأوّل: 179
[الصغرى: الوقف عقد ومحتاج إلى القبول] 179
[الكبرى: كل عقد يحتاج إلى القبول موجب للملكية] 181
الوجه الثاني 182
الوجه الثالث 182
[الصغرى: العين الموقوفة صدقة] 182
[رواية عبد الرحمن بن الحجاج] 183
[إشكال في المقام] 185
[رواية أيوب بن عطية] 186
[رواية عجلان أبي صالح] 187
[الكبرى: كل صدقة توجب الملكية] 188
[الوجه الرابع] 189
[ما يستدل به على عدم ملكية الموقوف عليه للوقف] 192
[في دلالة الروايات على جواز بيع الوقف وعدمه] 193
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[مكاتبة الصفار] 193
[بسط الكلام في المكاتبة] 194
[في الروايات الدالة على عدم الجواز] 203
[الكلام في فقه الروايات] 207
[رواية أبي علي بن راشد] 210
[العموم الوضعي والإطلاق الأحوالي] 213
[تحقيق الحال في الرواية] 215
[مانعية الحقوق الثلاثة لبيع الوقف] 220
[تقريب حق الله في الوقف] 221
[تقريب حق الواقف في الوقف] 224
[تقريب حق الموقوف عليهم في الوقف] 227
[أقسام تصور الملك أو الحق في الوقف] 228
[في ملكية المعدوم] 231
[عدم جواز بيع الوقف في ارتكاز العقلاء والمتشرعة] 234
[هل يبطل الوقف بطرو المجوّز لبيعه؟] 235
[إشكالات على صاحب الجواهر] 238
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[هل العقد يبطل بنفس البيع أو بجوازه؟] 247
[في مجوزات بيع الوقف] 251
[مناقشة ما أفاده الميرزا النائيني] 252
[كلام الشيخ كاشف الغطاء في الوقف العام] 255
[الكلام في بيع الأوقاف الخاصة] 259
[المورد الأول: انتفاء المنفعة بالكلية] 259
[بيانات في مقتضى البيع] 260
[أنحاء الوقف] 266
[الوجه الذي أفاده الشيخ لجواز البيع] 269
[استصحاب عدم جواز بيع الوقف] 272
[بسط الكلام في دليل الاستصحاب] 275
[فروع مترتبة على جواز البيع] 280
[1- في كون البدل له استعداد البقاء ذاتاً ومنفعةً] 280
[2- في احتياج البدل إلى صيغة الوقف] 283
[3- في جواز التصرف ببدل الوقف وبيعه] 292
[4- في وجوب شراء البدل المماثل] 292
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[مناقشة ما أفاده العلمان الآخوند والنائيني في المقام] 294
[5- من هو المتصدي للبيع؟] 296
[المتصدي لبيع الأوقاف العامة] 297
[المتصدي لبيع الأوقاف الخاصة] 299
[بسط الكلام وتحقيق المرام] 300
[الإشكال العقلي في المقام] 309
[6- في بقاء نظارة الناظر لبدل الوقف] 312
[7- في جواز التصرف بثمن الوقف والاتجار به] 313
[إذا طرأ الخراب على بعض الوقف] 316
[التعارض بين عمومات صحة البيع والاستصحاب] 321
[استدراك] 325
[المورد الثاني: كون البيع أصلح للموقوف عليهم] 327
[رواية جعفر بن حنَّان] 327
[في دلالة الرواية على الوقف الدائم أو المنقطع] 330
[مكاتبة الحميري] 337
[مكاتبة ابن مهزيار] 341
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[المورد الثالث: اشتراط الواقف جواز البيع] 344
[حول مخالفة الاشتراط لماهية الوقف وعدمه] 346
[دلالة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج على صحة الشرط] 353
[المورد الرابع: بقاء الوقف يؤدي إلى خرابه أو سقوط المنفعة] 356
[كلام السيد اليزدي في المعاملات وتطبيقه في المقام] 357
[الاستدلال بمكاتبة ابن مهزيار] 360
[المحتملات في الرواية] 364
[بحث في المقام] 366
[الكلام حول الوقف المنقطع] 367
[الأمر الأول: في صحة الوقف المنقطع] 367
[دلالة الروايات في المقام] 368
[الأمر الثاني: في جواز بيع الوقف المنقطع] 371
[دلالة الروايات في المقام] 372
[المانع من جهة الوقفية] 376
[المانع من جهة البيع الغرري] 378
[مسألة] في بيع الرهن 380
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات، كتاب البيع، ج10
[ما أفاده الشيخ من كونه بيعاً فضولياً] 382
[تمسك الشيخ بالعمومات] 382
[مناقشة المحقق الأصفهاني للشيخ] 384
[نقد ما أفاده المحقق الأصفهاني] 385
[تمسك الشيخ برواية نكاح العبد] 387
[تمسك الشيخ بدليل الأولوية] 388
[كلام صاحب المقابس في المقام] 389
[هل يجري نزاع الكشف والنقل في بيع الرهن؟] 394
[حكم الردّ في بيع الرهن] 397
[هل فكّ الرهن يصحح المعاملة] 399
[هل فكّ الرهن كاشف أو ناقل؟] 400
الفهرس 405