أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
كتاب البيع الجزء (11)

كتاب البيع

الجزء الحادي عشر

3  , 373

ص44 الصدر، محمد.

كتاب البيع/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج11 (440ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1704/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1704) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

2-10-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



كتاب البيع

تقريراً لما أفاده الأستاذ

آية الله العظمى 

السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الحادي عشر   

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ـــــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 







بقية شرائط العوضين

 

ويحتوي على:

  • [الشرط الرابع: القدرة على التسليم]
  • [الشرط الخامس: العلم بمقدار الثمن والمثمن]

ـــــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 







 





[الشرط الرابع: القدرة على التسليم]

 

  • [الاستدلال بروايات النهي عن بيع الغرر]
  • [الاستدلال بالنبوي (لا تبع ما ليس عندك)] 
  • [فقه الأحاديث الواردة في المقام] 
  • [الاستدلال بأن التسليم من لوازم العقد]
  • هل القدرة حال العقد شرط أو حال الاستحقاق؟
  • [هل يشترط القدرة على التسليم في الصرف والسلم] 
  • الكلام في بيع العبد الآبق

ـــــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 




[الشرط الرابع: القدرة على التسليم]

 

من جملة الشروط التي قيلت للعوضين: القدرة على التسليم. ووقع الكلام في أنها من شرائط العوضين أو المتعاملين. فلا بُدّ أن نرى أن الشرط ما هو؟ لنرى أنه مناسب مع العوضين أو المتعاملين.

ففي ضوء الأدلّة التي قالوها وأهمّها قاعدة (الغرر) و(التسالم)، هل يكون الشرط هو القدرة على التسليم، بحيث يكفي تحقّق هذا العنوان في صحّة المعاملة، ولو تخلّف الطرف ولم يسلّم. فلو علم أن الآخر قادر على التسليم، لكنّه لا يعمل قدرته في ذلك، ولا يدفع، فهل هذا المورد يكون خالياً من الغرر، سواء بمعنى الجهل بالمحصول أو بمعنى كونه في مورد الخطر؟

والشيخ يقول(1) في غضون كلامه: إن الميزان ليس هو القدرة على التسليم، بل القدرة على التسلّم، بل القدرة على الحصول مطلقاً، فلو أخذنا القدرة على التسلّم شرطاً، ولم يكن قادراً عليه، ولكن الآخر يسلّمه على أيّ حال، فهل يحصل الغرر والإقدام على الخطر. أو لو أخذنا القدرة على التسليم والتسلّم شرطاً، ولم يكونا قادرين عليه، ولكنّه علمنا أن أجنبياً يستطيع أن يدفع المال أو 

ـــــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 178، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يرجع العبد الآبق باختياره، فهل يكون مورداً للغرر والخطر؟ ولو أخذنا العلم بالحصول شرطاً، ولم يعلم بالحصول أو علم بعدمه كانت المعاملة باطلة. ولكن لو كان يعلم أنه يستطيع الحصول عليه، ولكنّه لا يريد الحصول عليه، فهو يعلم بعدم الحصول بسوء اختيار نفسه. فهل هذا يكون غرراً؟

ولو أخذنا الشرط أحد الأمرين من العلم بالحصول أو العلم بالقدرة على التسلم. فأيضاً يقال: إذا كان في الواقع له قدرة على التسلمّ، ولكنّه يعتقد بعدمها، أو في الواقع يحصل له المطلب ولكنّه يعتقد بعدمه، أو يشكّ، فهل يكون غرراً؟

 وعلى أيّ حال فالاعتقاد بحصوله في يده لا ربط له بالبائع والمشتري، بل يناسب كونه شرطاً للعوضين، والقدرة على التسليم يناسب كِلا الجهتين، وكلمات الفقهاء مختلفة في المقام فالمحقّق قال(1): يشترط أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه. والعلامة قال(2): يشترط القدرة على التسليم.

النائيني(3) يريد جعله أمراً برهانياً، وإن كنت أحتمل أنه من فلتات قلم المقرّر. فإنه يقول: إنهم قالوا: إن القدرة على التسليم من شرائط المتعاملين، والصحيح أنها من شرائط العوضين، كما قال الشيخ. وبرهانه: أنه يعتبر في 

ـــــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) شرائع الإسلام 2: 11، كتاب التجارة، الفصل الثاني، شروط المبيع، الشرط الثالث.

(2) قواعد الأحكام 2: 22، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث.

(3) أ ُنظر: منية الطالب 1: 378، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثالث..

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العوضين أن يكونا متموّلين، وما لا يكون تحت قدرة المتعاملين كالطير في الهواء لا يعتبر مالاً. والمال وإن لم يكن جِدَة حقيقية، بل جِدَة اعتبارية، إلّا أن الموارد التي تمتنع كلّ التصرّفات، أو يمكن التصرّف الذي لا يعتبر تصرّفاً مالياً كالعتق، فإنه لا يكون مالاً، ويعتبر في العوضين أن يكونا مالاً.

وهذا الكلام محلّ للإشكال من عدّة جهات: فإن الشيخ قال في الأوّل حين تكلّم عن شرائط العوضين(1): يعتبر أن يكون متموّلاً، فلو كانت القدرة ملازمة للمالية، كان هذا البحث متدرّجاً في ذاك. وقد تكلّمنا هناك في شرطية المالية، وقلنا: إنه أحياناً لا يعتبر المالية، ولا يحتاج -حينئذٍ- إلى الاستدلال في المقام بقاعدة الغرر، بل العقد لا يكون جامعاً لشرائط ماهيّته.

وتخيّل أن القدرة على التسليم من قبيل الطير في السماء؛ لتكون المالية مسلوبة، مع أنها قد توجد في موارد أخرى تكون المالية محفوظة، كما لو كان شخصان على ساحلين للبحر الأسود، لا يستطيع أيٌّ منهما أن يعبر البحر، فإذا تبايعا لا يستطيعان التسليم، إلّا أن المالية محفوظة.

ثُمّ إن ما يقوله عن الجِدَة الاعتبارية -على إشكال فيه فإنه ليس شبيهاً بالجِدَة بل بالإضافة- غير صحيح؛ فإنها صفة للملكية وليست صفة للمال. فإن المال حال كونه منقطعاً عن الإنسان، كالجواهر في المعادن أموال، وأيّ أموال، ولكنّها ليست ملكاً، فقد خلط بين المال والملك.

 ـــــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 9، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: في شرائط العوضين: الماليّة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وعلى أيّ حال فالمعنى الأعمّ من هذه الاحتمالات بلا إشكال من اشتراطه وعدم صحّة المعاملة بدونه، ولكنّنا لا بُدّ أن نرى أن استدلالاتهم صحيحة. فإن تمّت فهو، وإلّا فنلتزم في موارد التسلم وعدم العقلائية بالبطلان، ويبقى الباقي مورداً للشكّ.

ـــــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[الاستدلال بروايات النهي عن بيع الغرر]

 

لعلّ أصل الحكم في اشتراط التسليم في الجملة ثابت بلا إشكال، ومورد لتسالم الأصحاب(1)، بل العامّة(2) والخاصّة، ويقول السيد: بأن كلّ العامة تمسّكوا بهذه الرواية في هذه المسألة. والشيخ يقول(3): بأن أصحابنا تسالموا على الاستدلال بهذه الرواية، وعلى أيّ حال فأصل الفتوى متسالم عليها.

والرواية مرويّة في (الوسائل)(4) و(المستدرك)(5) بنحو مرسل، ولكن التسالم 

ـــــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) اُنظر: غنية النزوع: 211، كتاب البيع، وتذكرة الفقهاء 10: 48، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع: العوضان، الشرط الرابع: القدرة على التسليم، وجامع المقاصد 4: 92، كتاب المتاجر، المقصد الثاني: في البيع، الفصل الثالث: العوضان.

(2) اُنظر: اللّباب في الفقه الشافعي: 221، كتاب البيوع، والمبسوط (للسرخسي) 13: 12، باب البيوع الفاسدة، والكافي في فقه الإمام أحمد 2: 8، باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز.

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 179، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

(4) راجع وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3.

(5) راجع مستدرك الوسائل 13: 283، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 33، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

عليها يغني عن التعرّض إلى سندها.

وهذه الرواية تارةً نأخذها وحدها: “نهى النبي عن بيع الغرر“، بغضّ النظر عن صدرها. فماذا يستفاد منها؟ ما يستفاد من أهل اللغة أن الغرر استعمل به ومشتقاته بعدّة معاني: 

منها: التعريض إلى الهلكة(1). وفي (الصحاح)(2): الخطر، ولعلّه يعود إلى الأوّل. ومنها: الغفلة والإغفال(3). ومنها: ما لا يؤمن فيه من الضرر، كما في رواية عن أمير المؤمنين أنه فسرها بذلك(4)

ومنها: ما لا اعتماد عليه، ولا وثوق به(5).

وهناك كلام في مثل هذه الأشياء يحتاج بحثه إلى وقت أكثر، وهو أنه قد تتعدّد المعاني للمادّة؛ باعتبار اختلاف مشتقّاتها، فمادّة الافعال لها معنى غير معنى المجرّد، أو مادّة الافتعال كذلك، كما أن المعاني قد تختلف باختلاف أبواب موازين الأفعال، كباب (ضرَب يضرِب) و(نصَر ينصُر)، كـ(غرّ يغَرّ) و(غرّ يغُرّ) و(غرّ يغِرّ). كما أن لهذه المادّة معاني أخرى كغرّة الشهر وغرّة الوجه.

ـــــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) أقرب الموارد 2: 866.

(2) الصحاح تاج اللّغة وصحاح العربيّة (للجوهري الفارابي) 2: 768، فصل العين، غرر.

(3) القاموس المحيط 2: 105، والنهاية (لابن الأثير) 3: 355.

(4) كذا أورده في جواهر الكلام 22: 387، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثالث، إلَّا أنَّنا لم نعثر عليه بنصّه في سائر المجامع الروائيّة.

(5) اُنظر: النهاية (لابن الأثير) 3: 355.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وبعض أهل الأدب يحاول أن يعيد المعاني إلى معنى واحد يكون هو الأساس لكلّ الاستعمالات. لكن المطلب ليس كذلك، فإنه في العربية وغيرها، كانت هناك مجتمعات منفصلة عن بعضها البعض انفصالاً تامّاً، وكلٌّ وضع لنفسه ألفاظاً يتفاهم بها، وحين اتّصل الناس ببعضهم البعض تعلّم كلٌّ منهم من الآخر، فحدث هناك الاشتراك. وليس الأمر كما قالوه من أن الاشتراك محال؛ لأنه مخالف للحكمة، فإنه مبنيّ على تخيّل أن الواضع واحد أو مجتمع واحد، وأما إرجاع الألفاظ إلى معنى واحد، كما قاله بعضهم من إرجاع السفر والسفرة إلى معنى واحد، فهو مما لا يمكن تصديقه.

والعجيب أنهم أرجعوا هذه المعاني المتكثّرة للغرر إلى معنى واحد هو الجهالة، وما كان منها بعيداً تمحّلوا بارجاعه إليه. ثُمّ أَسْرَوا الجهالة من المبيع إلى الجهالة بحصوله في يده. مع أنه لم يذكر للغرر في اللغة معنى الجهالة. ولو كان موجوداً ومقصوداً بحيث يكون المعنى: نهى النبي عن البيع الذي فيه الجهالة، لكان على خلاف المقصود أدلّ؛ لأنه يراد به جهالة العوضين لا جهالة الوصول إلى يده.

والخطر لا ربط له بالمقام أصلاً، فإنه عبارة عن التعريض للهلكة، ومن المضحك أن يقال: إن في المعاملات البسيطة تعريضاً للهلكة، حتى مع العلم بعدم التسليم. 

ثُمّ إن الغفلة غير الجهل، فإن العالم قد يكون غافلاً، وهي وإن استلزمت جهلاً، إلّا أنه لا يصدق على الغافل عنوان الجاهل. وما قالوه من أن الخطر يرجع إلى الجهل؛ لأن الجاهل هو الذي يتعرّض للخطر، غير تامّ، فإن العالم قد يقدم على الخطر أيضاً.

ـــــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وإن كان ولا بُدّ من إرجاع الغرر إلى معنى واحد فلماذا لا يرجع إلى معنى الخدعة؟ فإنها أقرب من معنى الجهل. ولو خلّينا والرواية فبعض المعاني لا يكاد يكون لها محصّل؟ كما لو كان المراد نهى النبي عن بيع الخطر؟ أو نهى النبي عن بيع الغفلة. نعم، نهى النبي عن بيع الخدعة صحيح، لكنّني إذا علمت وأقدمت فهل يكون خدعة؟ وهناك من أرجع الغرر إلى الخدعة(1)، فهل هذا شيء غير ما ورد في كتاب النكاح(2) -في رجل باع على آخر جارية فأولدها، ثُمّ بانت أنها للغير-: أنه غرّه وخدعه؟ وأما تفسير الغرر بأنه (ما كان على غير عهد وثقة)، أو (ما لا يؤمن منه الضرر) لم يثبت أنه معنى لغويّ، والمناسب معه هو: (ماله ظاهر يغرّ المشتري وباطن مجهول)، كما ذكر في النهاية(3) والشهيد(4) [في القواعد] وهو عبارة عن الخدعة والغش.

وفي (الوسائل)، باب (40) من آداب التجارة، باب جواز مبايعة المضطرّ والربح عليه على كراهية، رواية أبي أيوب، عن أبي عبد الله، قال: “يأتي على الناس زمان عضوض، يعضّ كلّ امرئ -على- ما في يده، وينسى الفضل، وقد 

ـــــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 379، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثالث.

(2) راجع الروايات الواردة في الباب الثاني من أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح في وسائل الشيعة 21: 211، وكذلك باب 88، من أبواب نكاح العبيد والإماء 21: 203.

(3) اُنظر: النهاية (لابن الأثير) 3: 355.

(4) اُنظر: القواعد والفوائد (للشهيد الأوّل) 2: 137-138، القاعدة 199.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

قال الله: وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ(1). ثُمّ ينبري في ذلك الزمان أقوام يبايعون المضطرّين، أولئك هم شرار الناس(2). ورواه الصدوق في (عيون الأخبار)… وزاد فيه: “وقد نهى رسول الله عن بيع المضطرّ وعن بيع الغرر (3).

فقد وقع النهي عن بيع المضطرّ وعن بيع الغرر في سياق واحد. فكيف نحمل الأوّل على الكراهة، والثاني على الإرشاد إلى البطلان؟! نعم، لو كان الغرر بمعنى الغش والخدعة، وكان الغشّ حراماً، كان كِلاهما حكماً تكليفياً، والمراد بالنهي عن بيع المضطرّين عدم جواز استغلالهم والبحث عنهم للاسترباح عليهم.

وفي (المستدرك)(4) في هذا الباب، في صحيفة الرضا(5) -وصاحب (المستدرك) يبالغ في صحّتها، بحيث تكون أحسن من (الكافي)-: “وسيأتي على الناس زمان يقدّم الأشرار… ويبايع المضطرّ، وقد نهى النبي عن بيع 

ـــــــــــــ[21]ــــــــــ

() البقرة: 237.

(2) تهذيب الأحكام 7: 19، كتاب التجارات، الباب 1، الحديث 80، الاستبصار 3: 71، كتاب البيوع، الباب 44، الحديث 1، ووسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 2.

(3) عيون أخبار الرضا 2: 45، الباب 31، الحديث 168، مع فارقٍ في اللفظ، ووسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3.

(4) مستدرك الوسائل 13: 283، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 33، الحديث 1.

(5) صحيفة الإمام الرضا: 84، الحديث 190.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المضطرّ وعن بيع الغرر، وعن بيع الثمار حتى تدرك“.

فبمناسبة بطلان بيع الثمار يعرف منه الإرشاد إلى البطلان في العناوين الثلاثة. واحتمال آخر: وهو أن يكون بيع الثمار باطلاً للجهالة، والغرر ليس باطلاً للجهالة، وإلّا كان من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ، بل بمعنى الخدعة، فلا يكون باطلاً، بل يفهم منه الحرمة التكليفية، فيحصل أننا نفهم الكراهة من الأوّل، والحرمة من الثاني، والبطلان من الثالث.

 وعلى أيّ حال فلا يستفاد منها قول الآغايون من أن الغرر هو الجهالة، لا في الذات ولا في الصفات. نعم، لو كان تسالم الأصحاب على الفهم حجّة فهو، وإلّا فيمكن أن الأصحاب بعد أن كان المطلب مسلّماً عندهم أرادوا أن يجعلوا دليلاً كدليل العامة.

ـــــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 







[الاستدلال بالنبوي (لا تبع ما ليس عندك)] 

 

استدلّوا على وجوب التسليم بالنبوي: “لا تبع ما ليس عندك(1). والشيخ بعد أن يذكر الاحتمالات يختار أحدها(2). ولا بُدّ أن نرى أننا نحن ماذا نفهم بقطع النظر عن الروايات الأخرى؟

بعد أنه لا إشكال أنه ليس المراد منه المعنى الحقيقي للحضور، وهو كونه إلى جواره أو إلى جنبه، بحيث لو لم يكن كذلك لكان باطلاً، وإنما أُريدَ به المعنى الكنائي. نرى أنه في باب الكنايات والاستعارات لا بُدّ أن تكون مناسبات عقلائية وأدبية لتصحّ الاستعارة والكناية. فيمكن أن يكون المراد ما ليس ملكاً، بمناسبة أن ما لا يكون ملكاً له ومنقطعاً عنه في عالم الاعتبار الشرعي كأنّه 

ـــــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) السنن الكبرى (للبيهقي) 5: 267، كتاب البيوع، باب مَن قال لا يجوز بيع العين، الحديث 10725، وسنن أبي داود 3: 302، كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، الحديث 3505، وسنن ابن ماجة 2: 737، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، الباب 20، الحديث 2187، وسنن الترمذي 3: 534، البيوع، كراهية بيع ما ليس عندك، الحديث 1232، وسنن النسائي بأحكام الألباني 7: 289، كتاب البيوع، بيع ما ليس عند البائع، الحديث 4613.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 183، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

غائب عن الإنسان، فيصحّ أن يقال: إنه ليس عنده بنحو الاستعارة أو الكناية. كما يمكن أن يكون المراد: أن يكون الشيء ملكاً، إلّا أن المالك ممنوع عن جميع التصرّفات الخارجية والاعتبارية، فإنه حينئذٍ يمكن أن يقال: إنه ليس مالكاً أو ليس عنده، بنحو الاستعارة أو الكناية. كما أنه إذا لم يكن مالكاً، ولم يكن يستطيع التصرّفات الخارجية، وهو لا يستطيع التصرّفات الاعتبارية، فالتعبير أيضاً يكون صحيحاً.

فإن كان كناية عن الملكية فهل يأتي عليه إشكال الشيخ(1) من أنه لا بُدّ حينئذٍ أن يأتي باللام فيقول: (لا تبع ما ليس لك)؟ كلّا. فإنه حينئذٍ يكون معنى حقيقياً لا كنائياً، والمفروض في المقام هو الاستعمال الكنائي، ولا يجوز استعمال اللفظ الحقيقي في الكناية، أو الاستعارة، وإنما يتمّ ذلك بلفظ آخر مستعمل بمعنى آخر يكون المراد الجدّي متعلّقاً بالمعنى المكنّى عنه.

وأما إذا كان المالك يستطيع كلّ التصرّفات إلّا واحداً: فإن كان هذا الواحد من الآثار المهمّة التي تكون سائر الآثار بالنسبة إليه كالعدم فيصحّ الاستعمال بضمّ ادّعاءٍ إلى ادّعاء، كقوله: “يا اشباه الرجال ولا رجال(2). فقد نفى الرجولية، بالرغم من أن الرجولية المحفوظة في الحيوان محفوظةٌ عندهم، 

ـــــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 183، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم.

(2) نهج البلاغة (تحقيق: صبحي الصالح): 70، الخطبة 27، قالها ليستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

باعتبار أن الأثر المهمّ للرجولية هو الشجاعة، بحيث تكون سائر الآثار بالنسبة إليها كالعدم، وحيث إنها غير متحقّقة فيدّعى أنه لا أثر للرجولية، وحيث لا أثر لها فيدّعى أن الرجولية أساساً منفية. وأما إذا لم يكن هذا الأثر من الآثار المهمّة التي تكون باقي الآثار بالنسبة إليه كالعدم فلا يصحّ الاستعمال الكنائي. والقدرة على التسليم من هذا القبيل، فإنه إذا كان مالكاً وقادراً على كلّ التصرّفات إلّا التسليم، فإنه لا يصدق أنه ليس عنده. فما قالوه من أن (عنده) معناه: أنه له السلطنة التامّة على الشيء، وكونه مالكاً، فلو كان عاجزاً عن التسليم مع حفظ المالكية لا تكون سلطنته تامّة … غير تامّ.

وفي (الوسائل)(1) في أبواب أحكام العقود باب: (7 و 8) حوالي عشر روايات نفهم منها أنه ليس المراد القدرة على التسليم، بل المراد الإشارة إلى أمرٍ كان مورداً للخلاف بين العامة والخاصّة، وكان أمراً متعارفاً يومئذٍ، وهو أن يبيع الإنسان مال غيره، ثُمّ يشتريه ويدفعه. فيكون المطلب مربوطاً بخصوص هذا المعنى.

منها: باب (7)، رواية (1): عن إسحاق بن عمار وعبد الرحمن بن الحجاج جميعاً، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده، فيشتري منه حالاً. قال: ليس به بأس“. الحديث(2).

ـــــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في البابين السابع والثامن من أبواب أحكام العقود من كتاب التجارة في وسائل الشيعة 18: 46-48.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 282، باب الربا، الحديث 4021، تهذيب الأحكام 7: 49، كتاب التجارات، الباب 4، الحديث 11، ووسائل الشيعة 18: 46، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 7، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

معناه أنه يبيع كلّياً وهو ليس عنده، يعني: ليس مالكاً، فإذا اشتراه وحوّله جاز. غايته أنهم في باب الأعيان الخارجية منعوا من أن يبيعه فضولياً ثُمّ يشتريه.

وحين نراجع الروايات لا نشكّ أن المراد من “ما ليس عندك“: ما لست مالكاً. غاية الأمر أنه في الكلّيات محمول على التقية أو الكراهة، وفي الجزئيات الخارجية غير جائز، وعلى أيّ حال لا يستفاد منه المطلوب.

ـــــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 






[فقه الأحاديث الواردة في المقام] 

 

الاستدلالات لا بُدّ أن تكون على موضوع واحد، وحينما استدلّوا بالنبوي “نهى النبي عن بيع الغرر” كان فيها جهتان:

الأولى: أنها لا يستفاد منها القدرة على التسليم.

الثانية: أنه لا ربط لها بالواقع، بل المدار هو العلم بالحصول واللاحصول. فلو كان جاهلاً بالحصول يبطل ولو كان حاصلاً في الواقع. وإذا كان عالماً يصحّ ولو كان متعذّراً في الواقع.

وأما مع الاستناد إلى رواية “لا تبع ما ليس عندك” فهي تختلف في كِلتا الجهتين عن قاعدة الغرر، فإن استفادة القدرة على التسليم منها وجيهة، بينما لم تكن وجيهة هناك. مضافاً إلى أن المدار فيها هو الواقع لا العلم. إذن فكلّ روايةٍ دليلٌ على شيء، وليسا دليلاً على مطلب واحد.

ثُمّ إنه هل يستفاد من قاعدة الغرر -لو تمّت دلالتها- بطلان السبب ولغويته، بحيث لا يكون قابلاً للجبران أو لا، بل يكون مراعى. فهو إرشاد إلى عدم تحقّق المسبّب لا إلى لغوية السبب؟ 

يقول الشيخ(1): إنه لا يستفاد في النبويين أكثر من بطلان المسبّب، ولا مانع 

ـــــــــــــ[27]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 184، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

من أن يبقى العقد مراعى، حتى إذا حصلت له القدرة على التسليم يصحّ. فلا يحصل النقل إلّا بعد تحقّقه نظير بيع الراهن. وهذا وإن كان مستفاداً، إلّا أنه يستفاد من حال الفقهاء، فهم قائلون بالبطلان رأساً.

نرى أنه ماذا يستفاد من هاتين الروايتين؟ فإنه على تقدير تمامية دلالتهما فلا إشكال أنهما يشملان ما إذا كان ذات البيع مجهولاً أو صفاته كذلك. فهل يلتزم الشيخ بأنه إذا باع شيئاً مجهول الذات أو الصفات، تبقى الصحّة مراعاة بارتفاع الجهالة ولو بعد العقد؟ هذا بلا إشكال لا يمكن الالتزام به. فلو تمسّكنا بهما في الاستدلال على القدرة على التسليم فهل يمكن التفكيك بأن نقول: إن قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر” بالنسبة إلى الجهالة يبطل العقد رأساً، ولا يكون مراعى، وفي القدرة على التسليم يبقى مراعى؟

هذا لا يمكن؛ لأن النهي إذا رجع إلى السبب يفيد لغويته، وإذا رجع إلى المسبّب يفيد بطلانه، وإذا رجع إلى كِليهما يفيد لغوية السبب. فهل يمكن أن نقول:إنه يرجع مرّة إلى السبب ومرّة إلى المسبب، فإذا رجع إلى المسبب وقع مراعى، وما رجع إلى السبب بطل أساساً، فما كان راجعاً إلى جهالة الذات أو الصفات يرجع إلى السبب، وما كان راجعاً إلى القدرة على التسليم يرجع إلى المسبب؟ هذا غير ممكن بلفظ واحد، وعلى تقدير إمكانه يحتاج قصده إلى دليل.

وأما رواية: “لا تبع ما ليس عندك“، فقد وردت في قصّة حكيم بن حزام، حيث يسأل: إني أبيع الشيء ثُمّ اشتريه من صاحبه فاسلّمه. فقال: “لا تبع ما ليس عندك“. فقد سأل عن مورد المراعاة في الحقيقة، فقال له: “لا تبع ما 

ـــــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ليس عندك“، فمعناه: أنه ليس مراعى بل يقع لاغياً. فإذا كانت في موردها راجعة إلى لغوية اللفظ، ونريد أن نعمّمها بما إذا كان الشيء في ملكي، ولست قادراً على التسليم، فيبقى مراعى. فهنا -أيضاً- لا بُدّ من إرجاع النهي في مورد الرواية إلى السبب. 

وأما القدرة على التسليم فإن الحقناها به -ولو يمكن إلحاق المورد بها- كان نهياً عن السبب أيضاً، فلا يقع مراعى أيضاً. وأما أن نقول: إنها أفادت في موردها نهياً عن السبب، وفي المورد الآخر نهياً عن المسبّب. فهذا غير ممكن في لفظ واحد، ولو كان ممكناً فهو مما لا شاهد عليه. إذن فيستفاد ما عليه ظاهر القوم وهو اللغوية.

ـــــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 







[الاستدلال بأن التسليم من لوازم العقد]

 

ثُمّ إنهم استدلّوا بأمور أخرى للقدرة على التسليم، منها: أن لازم العقد وجوب التسليم. وحيث إن الأمر لا بُدّ وأن يتعلّق بالقادر، فالتسليم لا بُدّ وأن يكون مقدوراً ليتعلق به الوجوب(1).

ونحن -في المقام- لا نتكلّم عن إمكان تعلّق الأمر بالعاجز وعدمه؛ لأنه بحث طولاني، والظاهر إمكانه بحسب الأمر القانوني. لكن نقول:إنه للبيع صور عديدة بالنسبة إلى حال القدرة على التسليم: 

فمرّة: أعلم بانتفائها أصلاً. 

وأخرى: أعلم بانتفائها الآن لكن أتوقع حصولها بعد شهر مثلاً.

وثالثة: أشكّ، فلا أعلم أنها الآن متوفّرة أو لا، وإذا لم تكن فهل توجد بعد ذلك أو لا؟ 

فقولهم: إن لازم العقد وجوب التسليم. يمكن أن يقرّب -تارة- ويقال: إن لازم العقود العقلائية بقطع النظر عن الشرع هو ذلك؛ لأن باب المبايعات بحسب النوع -إلّا ما ندر- إنما هو لأجل الحصول على الثمن والمبيع، وليس 

ـــــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 185.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

للبيع مطلوبية مستقلّة. فإذا لم يكن له قدرة على التسليم والتسلّم أصلاً، فإنه لا يحصل له قصد جدّي إلى المعاملة، إذن فتبطل المعاملة من هذه الجهة.

إذا قلنا ذلك، فما عند العقلاء ليس هو وجوب التسليم، بل هو التوصّل إلى ذلك الشيء، فلو كان الشيء في يد المشتري فقد حصل المطلب. فالمطلوب عقلائياً هو حصول الشيء، ولو لم يكن من ناحية القدرة على التسليم، كما لو جاء به شخص ثالث أو الماء أو الهواء أو الطير. وكذلك الحال في صورة الشكّ؛ إذ يمكن أن أعمل المعاملة رجاءً، وتبقى صحّتها موقوفة على الحصول.

وأما إذا كانت المسألة مسألة وجوب شرعي مستفاد من الأدلّة، كـأَوْفُوا بِالعُقُودِ، فظنّي أنها واردة طبقاً للمطلب العقلائي، فإن شيئاً إذا كان شايعاً عند العقلاء، ومطبّقاً في سوقهم، ثُمّ ورد فيه من الشرع شيء لا يفهم منه العقلاء شيئاً زائداً على مسلكهم. فبالمناسبات العقلائية نفهم أن المراد نفس المطلب، وهو: الحصول على الشيء، لا مباشرة التسليم. فإذا لم يكن التسليم ممكناً أصلاً، لم يصحّ، فإنه ليس عقلائياً ولا شرعياً.

ثُمّ إنه سواء كان هذا العموم عقلائياً أو تعبّدياً، فإنه لا يدلّ على الفورية. أما إذا كان عقلائياً، فإن المدار عند العقلاء هو التسليم دون الفورية. وأما إذا كان تعبّدياً فكذلك. فإن الأمر لا يدلّ على الفورية، وإنما هو بعث نحو نفس الطبيعة فقط. فإذا علمت أنه يحصل بعد ذلك، فلا يدلّ هذا العموم على بطلانه، وإذا شككت بحصوله، فأعمل العقد الآن، فإذا حصل ينكشف أنه كان مشمولاً للعموم.

ـــــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بالنسبة إلى التقريب الذي ذكره الشيخ(1) وصاحب (الجواهر)(2) وآخرون من أن وجوب التسليم مأخوذ في البيع، فلا بُدّ أن يكون البيع مقدوراً، وإلّا لم يكن التسليم واجباً. وإذا لم يكن مقدوراً كانت المعاملة باطلة. والشيخ يورد عليه إشكالاً بأنه لا يستلزم البطلان لو تمّ.

لكن يمكن تقريبه بتقريب آخر -قد يرجع إليه وقد لا يرجع- وهو: أن التزام المتعاملين بالتسليم في المعاملات من مقتضيات المعاملة. وقلنا بأن المعاملات بعناوينها ليست مورد الرغبة للعقلاء، بل للتوصّل إلى المتاع ونحوه. فالتسليم بالمعنى الأوسع من لوازم المعاملة عقلائياً، بل لو لم يلتزم الطرفان بذلك لا يحصل الجدّ إلى المعاملة.

[إشكال في المقام]

وهذا الوجه أيضاً فيه إشكال -وإن كان الإشكال على الوجه السابق أوضح- وحاصله: أن الجدّ إلى المعاملة شرط من شرائطها، ومقوّم من مقوّماتها، فإن كان عدم الالتزام بالتسليم مؤدّياً إلى نقص هذا الشرط وهو الجدّ، إذن يكون راجعاً إليه. وما قاله الفقهاء هو اشتراط أمر زائد بعد كون المعاملة تامّة في نظر العقلاء، على أن هذا الوجه لا يثبت بطلان المعاملة كلّية، بل يكون الجدّ دائراً مدار 

ـــــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 185، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 22: 390-391، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العلم بالقدرة، لا مدار واقع القدرة. فلو كان عاجزاً أو يتخيّل نفسه قادراً، فإنه يحصل له الجدّ، والعكس صحيح أيضاً، مع أنهم لم يصحّحوه.

صاحب (الجواهر)(1) يقول: إن قلت: إن الأصل عدم وجوب تقييد وجوب التسليم بشرط القدرة، ويبيّن الأصل -على ما هو ظاهر كلماته- بأن القدرة على التسليم أخذت في باب وجوب التسليم، ووجوب الوفاء، من باب أنها أمر عقلي، والتكليف بالمحال غير ممكن، فالإطلاق لو اقتضى التسليم مطلقاً نكشف أن هذا الإطلاق وارد في موضوع يمكن أن يقال فيه: أنه واجب التسليم والوفاء مطلقاً. وهذا إنما يكون في باب العقد، على أن يكون العقد مشروطاً بالقدرة، إذن فالقدرة أخذت في الموضوع مفروضة الوجود. قلنا: بأن الأصل معارض بأصل آخر(2).

ونحن الآن نتكلّم عن الأصل الأوّل، وهو أصالة عدم كون البيع مقيّداً بقيد. وهو ما يشير إليه الشيخ حين يقول: (فيه نظر واضح)(3)، والمرحوم النائيني حين يقول: (أصلان لا أصل لهما)(4). نظرهم -كما نظنّ- إلى الأصل العملي. إلّا أنه مثبت. فإن أصل وجوب التسليم نفرضه ثابتاً، ونشكّ في أن هذا 

ـــــــــــــ[33]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 22: 391.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 185، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

(4) اُنظر: منية الطالب 1: 382، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الوجوب مقيّد بوجوب التسليم أو لا، فنستصحب عدم كونه مقيّداً، ونكشف من ذلك أنه مفروض الحصول في الموضوع. فإن هذا الأصل ليس له حالة سابقة، إلّا بناءً على مبنى من يقول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، ولا نقول به، على أنه لو جرى، لا يثبت شيئاً آخر لا بنحو الأصل المثبت.

وأما إذا كان المراد من الأصل إطلاق الدليل -كما قيل-، وليس هناك إلّا أَوْفُوا بِالعُقُودِ، فيثبت بذلك أن التسليم واجب مطلقاً، ونكشف من ذلك أن موضوعه هو المقيّد بالقدرة. ويكون المراد بالأصل المعارض هو أن وجوب الوفاء يقتضي ثبوت هذا التقييد، وأَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ يقتضي باطلاقه نفيه فيتعارضان.

نحن نرى أن وجوب الوفاء لو كان بالمعنى الذي قلناه فهو مقتضٍ للتسليم. ومعنى الإطلاق فيه هو أن العقد تمام الموضوع لوجوب الوفاء. فما يقوله صاحب (الجواهر)(1) من وجوب الوفاء، أُخذ في موضوعه العقد المقيّد بالقدرة. نقول: هذا القيد عقلي من باب امتناع التكليف بغير المقدور. ونحن لا بُدّ أن نفرّ من امتناع التكليف. وهو كما يمكن أن يتحقّق بتقييد الموضوع بالقدرة، كذلك يتحقّق بتقييد الحكم، مع إبقاء الموضوع مطلقاً غير مقيّد، فلا تكون القدرة على التسليم شرطاً في صحّة المعاملة.

وبعبارة أخرى: إن هناك قيداً عقلياً للتخلّص من التكليف بالمحال، وهو 

ـــــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 390-391، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مردّد بين نحوين: إيراده في الموضوع، أو إيراده في الحكم. ولا يتعيّن أحدهما، ومعه فلا يتمّ الدليل على تقييد الموضوع. ومعه لا تقع المعارضة بين العامّين؛ لأنها إنما تقع فيما إذا كان أحدهما يقتضي اعتبار القدرة، والآخر ينفيها، لكنّنا لم نفهم من وجوب الوفاء إثبات القدرة؛ ليكون معارضاً.

الوجه الآخر الموافق للتحقيق: أن القيود العقلية كالعلم والقدرة ليست قيوداً شرعية للأمر ولا للمأمور به، فإن تكليف العاجز والجاهل محال، فكما قيل في العلم: إنه ليس قيداً للتكليف، لكن الجهل عذر عقلي مع بقاء التكاليف على إطلاقها. كذلك الحال في القدرة، ولو كان العلم شرطاً شرعياً للتكليف لَما وجب التعلم، بل استطيع عمداً أن أكون جاهلاً؛ لأن شرط الموضوع لا يجب تحصليه. كما أنه لو كانت القدرة شرطاً شرعياً لجاز تعجيز النفس، مع أنه لم يقل به أحد، بل إنهم في حال الشكّ بالقدرة يحتاطون، من باب أنها عذر عقلي، ولا بُدّ من إحراز العذر العقلي، ومع الشكّ بالقدرة يشكّ في وجود العذر.

فحينئذٍ يدور الأمر بين أن نكشف قيداً شرعياً في الموضوع، أو لا نكشف قيداً أصلاً؛ لأن التكليف ليس مقيّداً، وإنما هو عذر عقلي، فالإطلاق يقول
-بنحو الحكم القانوني-: إن الوفاء واجب، والعقل يحكم بالعذر عند العجز، ومعه فالإطلاق محكّم، من دون قيد في الموضوع ولا الحكم.

هل القدرة على التسليم شرط أو العجز مانع؟ 

يبقى الكلام في أن القدرة معتبرة في باب التسليم، أو أن العجز مانع. وهنا مطالب كثيرة نشير إليها إجمالاً: 

ـــــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

منها: أنه هل يصحّ أن يكون شيء مانعاً أساساً أو لا، بل كلّ شيء يعود إلى الشرط؟ 

والآخر: أن المانع لو أمكن فهل الشرطية والمانعية قابلة للجعل أو لا؟ 

إحدى الجهات التي يحسن التعرّض لها في المقام هو: أن معنى المانعية ما هو؟ أظنّ أن أهل الفنّ(1) تسامحوا حين قالوا: إن المقتضي ما يلزم من عدمه العدم، والمانع ما يلزم من وجوده العدم. مع أن الأعدام لا تكون شرطاً ولا مانعاً، ولا يصدق أيّ حكم من الأحكام عليها، فضلاً عن وجود التأثير والاقتضاء والاستلزام. وكثيراً ما يشتبه الإنسان بين العنوان أو المفهوم وبين الواقع. والعدم الواقعي غير قابل للتصوّر والإشارة، ولا يمكن أن يكون لازماً ولا ملزوماً.

والمانع -بالنحو الذي يفهمه الإنسان- إنما يتحقّق في الأمرين الوجوديين اللذين لا يجتمعان في الوجود. فإنه إذا وجد أحدهما في محلّ فهو يضادّ وينافي الآخر. فما دام هذا محقّقاً لا يمكن تحقّق ضدّه، فهو مانع عن تحقّق ضدّه، فقد يعبّر أنه يلزم من وجوده العدم، وإن كان هذا غير قولنا: إنه يكون مانعاً عن التحقّق. ولا يتمّ ما قيل من أن التمانع بين المقتضيين. فإن التمانع بالأصالة إنما هو بين نفس الضدّين، فإن المانعية ليست تأثيراً وفاعلية(2)

ـــــــــــــ[36]ــــــــــ

() اُنظر: شرح الإشارات والتنبيهات 3: 116-119، الحكمة المتعالية 2: 127-128، تعليقة المحقّق السبزواري، وغيرهما.

(2) فلا يكون أحد الضدّين جزء السبب للآخر. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إذن فما قاله الشيخ(1) من أن العجز لا يمكن أن يكون مانعاً -لأن المانع هو ما وجوده مستلزم لعدم شيء آخر، وهذا لا وجود له ليكون مؤثّراً- لا يتمّ، فإن التعبير عن المانع بذلك لا يتمّ.

ثُمّ إن ما هو محلّ الكلام في المقام هو أن المانعية والشرطية وسائر الوضعيات كالسببية والجزئية، هل يمكن جعلها من قبل الشارع المقدّس، أو إسقاطها، أو لا؟ 

هنا وقع خلط بين التكوينيات والتشريعيات. فإنه في الأمور التكوينية لا تكون الأمور الانتزاعية قابلة للجعل مستقلّاً، كالفوقية والتحتية والسببية والشرطية، فإنها إنما تجعل بجعل منشأ انتزاعها. فقاس الآغايون التشريع بالتكوين، فكما لا يمكن جعل السببية في التكوين كذلك في التشريع، فإنه يجعل السبب لا السببية والشرط لا الشرطية.

مع أن هذه المقايسة غير صحيحة؛ لأنه ليس في التشريع باب التأثير والتأثّر أصلاً أو ترشّح وجود. فقولنا: (هي طالق)، جعله الشارع سبباً لقطع الزوجية، مع أنه لم تكن هناك أيّ سببية، وبالجعل أصبح سبباً، لا أنه جعل لها مؤثّرة تأثيراً وجودياً، فإنه ليست المسألة مسألة إيجاد، بل مسألة موضوع وحكم. فالمطلب ليس وجوداً تكوينياً، بل أمر اعتباري عقلائي منفّذ من قبل الشارع. فالأمر تابع لاعتبار الشارع المقدّس، فله أن يجعل المانعية والشرطية والسببية. فإن 

ـــــــــــــ[37]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 186، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المقنّنين -والشارع المقدّس على رأسهم- جعلوا الأمور الاعتبارية على طبق الأمور الخارجية، ولكن ليس معناه أنه تترتّب عليه آثار الخارج. فمثلاً إذا قلنا بأن الملكية جِدَة اعتبارية، فالعقلاء حين وجدوا في التكوين مقولة الجِدَة اعتبروا شيئاً مشابها للتكوين، ولكن لا يكون لها آثار التكوين. ونحو ذلك في السببية والشرطية والمانعية، فإذا وجد الشارع أن الحدث منافٍ مع الصلاة، فله أن يجعل الطهارة شرطاً أو الحدث مانعاً، وليس معنى المانع كون عدمه شرطاً.

نعم، دلّ الدليل العقلي على أن الأحكام لا تكون جزافاً من قبل الله تعالى، بل هي لا محالة عن مصالح ومفاسد. ولكنّه لا يتعيّن أن تكون المصلحة أو المفسدة في المتعلّق -كما تخيّلوا-، بل قد تكون في المتعلّق وقد تكون في الأمر، وقد تكون مصالح خارجية تقتضيه، كالدليل الذي دلّ على نجاسة الكفّار، فإن الحكم بنجاسة ما يخرج من الأخبثين باعتبار الاستقذار الحقيقي. وأما جعلها للكفار فليس كذلك، بحيث يكون على بدنه شيء يزول بمجرّد نطقه بالشهادتين، بل قيد يكون الكافر أنظف من المسلم، وإنما حكم الشارع بنجاسته باعتبار مصالح سياسية، ولمثل ذلك حكم بنجاسة الخمر. إذن فلا دليل على أن المصلحة والمفسدة قائمة في نفس الشيء(1).

ـــــــــــــ[38]ــــــــــ

() أقول: كلام المصنّف هذا يدعوني أن أُقسّم المصالح المتعلّقة بنفس المتعلّق إلى قسمين:

القسم الأوّل: ما يترتّب على الشيء مباشرة، بحيث يكون من قبيل المعلول الأوّل له، كمعراجية المؤمن في الصلاة. وهذا هو الذي فهمه السيد من تعلّق المصلحة بنفس المتعلّق، ورتّب عليه عدّة آثار:=

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ـــــــــــــ[39]ــــــــــ

=منها: التضادّ بين مصالح الأحكام المتضادّة.

ومنها: وجود قسم ثالث من المصالح، لا يكون متعلّقاً بالأمر ولا المتعلّق، بل يكون من قبيل اقتضاء المصالح العامة للأمر.

وهذا القسم وإن كان أخصّ أنحاء تعلّق المصلحة بالمتعلّق، إلّا أنه ليس ضروري الثبوت دائماً، فإن التشريع الذي يتوخّى العدل العامّ الكامل، قد لا يتوخّى ترتّب الأثر على جزئيات التشريع مباشرة، بل بالواسطة، وهو:

القسم الثاني: وهو ما ترتّب الأثر به على المتعلّق، لكن بالتسبيب والواسطة، أي: بعد سلسلة من العلل والمعلولات قلّت أو كثرت. وهذا في الحقيقة من قبيل تعلّق المصلحة بالمتعلّق، لا من قبيل اقتضاء المصالح العامة للحكم، فإنه يصدق أنه جزء علّة المصلحة، وأنها لم تتحقّق لولاه. ومع ذلك يبقى هناك فارق أساسي بين هذا القسم وبين تعلّق المصالح بالأمر والنهي، فإنه حينئذٍ يكون المتعلّق خالياً من المصلحة بالمرّة، وتكون المصلحة متعلّقة بالأمر؛ باعتبار التوصّل إلى مقدار امتثال العبد لِما لا يفهم مصالحه من الأحكام.

وأوضح مثال لذلك هو مشاركة متعلّقات الأحكام في تطبيق العدل العامّ المطلوب للإسلام. ومن أمثلته: الأمر بإقامة الشهادة بالنسبة إلى الحكم، بعد وضوح أن الشهادة الواحدة جزء العلّة له، ومثل العتق بالنسبة إلى أن يصبح المعتَق عضواً صالحاً في المجتمع، ووجوب دفع الزكاة في رفع المستوى الاقتصادي للمجتمع، وهكذا.

ويندرج في ذلك أيضاً ما ذكره السيد من الحكم بنجاسة الكفّار؛ لأجل التوصل إلى مصالح سياسية هي انفصالهم عن المسلمين، وعدم سراية أفكارهم وأخلاقهم وعقائدهم إليهم -كما صرّح السيد بذلك-، فإنه لولا أن يكون في الحكم بطهارتهم مفسدة، أو في= 

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فحين يجعل مانعية الحيض عن الطلاق ليس باعتبار التمانع الواقعي بين الدم والفرقة الاعتبارية، بل هو مانع جعلي، فإذا جعل المانعية يكون حال الأمرين في عالم الاعتبار حال الضدّين في عالم التكوين. فكما لا يجتمع الضدّان تكويناً كذلك لا يجتمع الحدث والصلاة أو الحيض والفرقة، فإرجاع المانع إلى عدم الشرط فرار من المطر إلى الميزاب!! فإنه يستحيل أن يكون العدم مؤثّراً، وإنما لا بُدّ أن يبقى المانع مانعاً فقط.

ـــــــــــــ[40]ــــــــــ

=الحكم بنجاستهم مصلحة من هذا القبيل، لَما حكم بذلك.

على أنه يمكن أن يقال باندراج هذا المثال في القسم الأوّل: وأن القذر بحسب حكم الشرع هو نفس بدن الكافر، لا باعتبار قذارة خارجية طارئة كما في المسلم، بل هو عين نجاسة كما في الكلب والخنزير تماماً. وهذا وإن لم يكن عرفياً، إلّا أنه يكون من قبيل المصلحة المباشرة للمتعلّق ولو تعبّداً.

ومن هذا القسم الثاني نعرف عدم ترتّب تلك الآثار التي رتّبها السيد، التي:

منها: التضادّ بين مصالح الأحكام المتضادّة؛ لوضوح أن ذلك إنما يكون في المصلحة المباشرة، لا في المصلحة الأخيرة التي تشارك في إيجادها أمور كثيرة. ومعه لا يكون
-على هذا المستوى- ربط بين هذه المسألة ومسألة جعل المانعية والشرطية كما حاوله السيد*.

ومنها: وجود قسم ثالث من المصالح، حيث اتّضح أنه في الحقيقة من قبيل تعلّق المصلحة بالمتعلّق، لكن عن طريق الوسائط، ولا نتعقّل قسماً ثالثاً يكون أجنبياً عن تعلّق المصلحة بالمتعلّق أو بالأمر. انتهى. (المقرِّر).

* بل حتى لا ربط بينهما على مستوى القسم الأوّل، إلّا على التخيّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 كلّ دليل(1) دلّ على شرطية العدم أو مانعيته لا بُدّ من تأويله، وحمل ما دلّ على شرطيته على مانعية الموجود، وما دلّ على مانعيته على شرطية الموجود. نعم، في مسألة (لا صلاة إلّا بطهور) -إذا كان أعمّ من الحدثية والخبثية كما هو الظاهر- وقلنا بأن الطهارة ليست أمراً وجودياً وإنما هي عدم النجاسة، والنجاسة هي الأمر الوجودي العارض حقيقة أو تعبّداً، وتطهيره يكون بإرجاعه إلى حاله الأوّل. ولذا قلنا: إنه لو بقينا نحن والقاعدة لكان كلّ منظّف مطهّراً، حتى الكحول الطبيعية النجسة، فإنها تزيل القذارة، ثُمّ هي تطير ويبقى الجسم بلا قذارة. وليست النجاسة أمراً معنوياً حتى نحتمل بقاءها، ولكن الطهارة الحدثية أمر وجودي (نور ووجود أعلائي لا نفهمه)، والخبثية أمر عدمي. فبالنسبة إلى الطهارة الحدثية شرطية، وبالنسبة إلى الخبثية مانع، لا الطهارة شرط.

[تحرير كلام الشيخ الأعظم في المقام]

ثُمّ إن الشيخ يقول(2): إن النزاع في أن القدرة شرط أو العجز مانع، ليس نزاعاً مفيداً؛ لأن الشبهة إذا كانت حكمية فالعمومات محكمة، وإذا كانت شبهة خارجية فإن كانت هناك حالة سابقة جرى الاستصحاب، وإلّا فلا.

وقلنا: إن المستند في اعتبار شرطية القدرة أو مانعية العجز: مرّة يكون هو 

ـــــــــــــ[41]ــــــــــ

() ذكر السيد أوّلاً نتائج ما سبق بالنسبة إلى الشرطية والمانعية، ثُمّ قال: كلّ دليل… (المقرِّر).

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 186-187، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

حديث: “نهى النبي عن بيع الغرر“، فلا بُدّ أن نرى أنه ما هو مدلوله ومقدار إثباته، حتى نرى مورد الشكّ. وقلنا: إن ما يرتفع به الغرر هو العلم بالقدرة على التسلّم أو الحصول، لا القدرة على التسليم؛ إذ لعلّه قادر ولا يدفع بسوء اختياره. ولو كان قادراً على التسلّم ولا يستلم لا يكون غررياً؛ لأنه بسوء اختياره. والعلم هنا شرط بنحو الموضوعية وليس طريقياً، فإنه لا دخل للواقع أصلاً. فإذا علمنا بالقدرة على التسلّم أو الحصول كانت المعاملة صحيحة، وإذا علمنا بالعجز فهي باطلة.

أما إذا شككت بأني قادر على التسلّم أو لا، أو شككت بالحصول مع إحراز القدرة على التسلم، فهل الأصل يمكن أن يتمّم المطلب، بعد أن كان العلم هو تمام الموضوع للصحّة، والشكّ تمام الموضوع للبطلان، وليس للواقع دخل أصلاً، فهل نستصحب العلم؟ كلا؛ لأنه لا شكّ فيه. أو نستصحب القدرة على التسلم ونريد أن نثبت به أني عالم بالقدرة على التسلم؟ فهذا واضح البطلان؛ لأن العلم الوجداني لا يحدث بالأصل التعبّدي، حاله حال: الخوف من ضيق الوقت الذي لا يرتفع باستصحاب بقاء الوقت. إذن فلا يجري الأصل في مثل ذلك(1).

ـــــــــــــ[42]ــــــــــ

() أقول: هذا يحتاج إلى ضمّ مقدّمة لم يذكرها السيد، وهي: أن المستفاد من الدليل هو شرطية خصوص العلم الوجداني. وأما إذا كان الشرط الأعمّ من العلم الوجداني والتعبّدي، وكان الاستصحاب علماً تعبّدياً -ولو بناءً على جعل الطريقية-، فهو يكون كافياً لإثبات الموضوع بتمامه. ولا يكون مثبتاً؛ لأن العلم التعبّدي أثر لنفس جريان الأصل، لا للمتعلّق كما هو واضح. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما في مثل موضوع كلام الشيخ من أن المعتبر هو قدرة البائع على التسلم أو أن عجزه مانع. فهذا تابع لما يستفاد من حديث “لا تبع ما ليس عندك“، هل يستفاد من شرطية القدرة أو مانعية العجز؟

يقول: إذا كانت الشبهة خارجية، فلا إشكال في جريان الاستصحاب، ولم يستشكل فيه أحد بعده(1).

نقول: موضوع القدرة ما هو؟ هل هو ذات الشيء مع قطع النظر عن عوضيته في المعاملة، أو هو العوض بما هو عوض في المعاملة؟ فإن كان موضوع القدرة هو ذات الشيء، فهذا له حالة سابقة؛ لأني كنت قادراً على تسليم الشيء قبل المعاملة، وأشكّ حال المعاملة بالقدرة، فأستصحب. إلّا أن الموضوع ليس هو ذلك نصّاً وفتوى. فإن مقتضى قوله: “لا تبع ما ليس عندك“، ومقتضى كلمات الفقهاء هو كون موضوع القدرة هو العوض لا ذات الشيء بما هو. ومعه فلا يكون الاستصحاب جارياً؛ لأن العلم قبل المعاملة بوجود القدرة وإن كان متحقّقاً إلّا أنه لم يكن عوضاً، وأما بعد المعاملة فهو ظرف الشكّ، إذ لو كان عندنا علم حول المطلب لَما احتجنا إلى الأصل. وأما إجراء الأصل في ذات الشيء لإثبات القدرة على التسليم في العوض، فهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت(2).

ـــــــــــــ[43]ــــــــــ

() اُنظر المصدر آنفاً.

(2) أقول: وقد كثرت الأسئلة مع السيد حول هذا المطلب، وقد أثّرت في تغيير بعض خصوصيات الموضوع في المحاضرة الآتية على ما سنرى. نذكر المهمّ منها:

فقال أحدهم: إن موضوع القدرة هو ما يكون عوضاً لا العوض الفعلي.

فأجابه: إن ما يكون عوضاً قد ينطبق على ذات الشيء، وقد ينطبق على غيره على تقدير تسليم شيء آخر بدله.

وقلت له: إن العوضية جهة تعليلية لا تقييدية، فلا يكون مثبتاً.

فقال: بل جهة تقييدية، راجعوا عبارات الفقهاء تجدونها كلّها تأخذ هذا العنوان قيداً.

وقلت له: إن قوله: “لا تبع ما ليس عندك” موضوعه متقدّم على محموله، وما هو ثابت في المرتبة المتقدّمة على البيع هو ذات الشيء لا العوض، ويستحيل أن يؤخذ ما يكون متأخّراً عن المعاملة -وهو العوض- في الرتبة المتقدّمة عليها.

فلم يجب السيد عن هذه الاستحالة بشيء أصلاً.

ولعلّه يريد القول: بأنه في الأمور الاعتبارية لا يكون ذلك مستحيلاً. 

أقول: -لو سلّمناه- فلا أقلّ من كونه خلاف الظاهر، ويحتاج إلى قرينة إثباتاً.

وقد أوجبت هذه الأسئلة أن يتعرّض في المحاضرة الآتية لعنوان ما يكون عوضاً، ويجيب عليه، على ما سنرى. وأن يرفع يده عن استفادة عنوان العوضية من النصّ، بل اقتصر في المحاضرة الآتية على الاستشهاد بكلام الفقهاء. وأنه قال بجريان الاستصحاب بدون أن يلزم كونه مثبتاً على بعض التقادير، على ما سنرى. فلاحظ وتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [في عنوان العوضية] 

قال الفقهاء: يعتبر في كلّ من العوضين أن يكون مقدور التسليم. وهي دالّة بظاهرها على جعل القدرة من شرائط العوضين. وقبل تحقّق البيع لا حاجة لأن يكون العوض مقدور التسليم، فيشكل إجراء الأصل الذي يجريه الآغايون.

ـــــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فإن ما قيل من إمكان إحراز الموضوع بضمّ الأصل إلى الوجدان، لا يتمّ في المقام. فإنهم إنما قالوه في المركّب حيث يثبت أحد جزئيه بالوجدان والآخر بالأصل. وقد ناقشنا في تمامية ذلك هناك. ولو سلّمناه فإنه لا يتمّ هنا، فإن الحكم لم يرد على ذات الشيء على: العبا والنقدين. بل ما يجب تسليمه هو الشيء بعد وقوع المعاملة عليه، وقد يقال بوجوب تحقّق القدرة على التسليم حال التسليم -كما يذكر الشيخ(1)-. إذن فالحكم وارد على عنوان العوض بالإجماع وغيره، فلا يمكن إجراء الأصل فيه؛ لأنه قبل المعاملة وإن كان مقدور التسليم إلّا أنه ليس عوضاً، وبعدها حاله مشكوك، إذ لو حصل لي العلم لَما احتجت إلى الأصل. وإنما أريد استصحاب وصف ذات الشيء؛ لإثباته له بعنوان كونه عوضاً بالملازمة العقلية(2).

ـــــــــــــ[45]ــــــــــ

() راجع كتاب المكاسب 4: 179، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث في شروط العوضين: القدرة على التسليم.

(2) أقول: ما ذكره من عدم إمكان ضمّ الوجدان إلى الأصل، يتمّ -لو تمّ- فيما إذا كانت القدرة وصفاً للعوض بعنوانه. إلّا أن هذا لم يثبت، والإجماع دليل لُبّي لا يمكن التمسّك به، والنصّ وكلمات الفقهاء مناسبة مع هذا المعنى ومع غيره إن لم تكن ظاهرة بخلافه. ومعه ففي الإمكان أن يقال: إن ما هو موضوع الوجوب هو ذات الشيء المتّصف بصفتين:

إحداهما: كونه عوضاً في معاملة.

والأخرى: كونه مقدور التسليم.

بأن يكونا قيدين عرضيين للذات، ولا يكون أحدهما قيداً للآخر. وحينئذٍ فيمكن إثبات كونه عوضاً بالوجدان؛ لكون المعاملة متحقّقة وجداناً، وإثبات القدرة على التسليم بالاستصحاب بدون أن يكون مثبتاً. بل أستصحب نفس القدرة المعلومة قبل المعاملة لذات الشيء، وهو يكفي في إثبات جزء الموضوع على تقدير العرضية.

على أن الطولية بين الوصفين لا تنحصر بما ذكره السيد؛ لتكون مانعة عن الأصل، بل قد تكون من طرف القدرة، بأن كانت صفة للعوض بعنوانه كما قال السيد. كما قد تكون من طرف العوضية بأن يقال: إن القدرة على التسليم إذا كانت شرطاً في صحّة المعاملة، فلا يكون الشيء عوضاً، إلّا بعد الفراغ عن القدرة؛ لأن المطلوب كونه عوضاً في معاملة صحيحة، ومعه فينحصر إجراء الاستصحاب في القدرة على ذات الشيء ليثبت كونها معاملة صحيحة.

إلّا أن يقال: إنه مع غضّ النظر عن الاستحالة التي ذكرناها فيما سبق، وتصوّر إمكان توقّف أحدهما على الآخر، يكون الأصل الجاري مثبتاً ولو من ناحية الطولية التي ذكرها السيد، ولا تصحّحها الطولية من الطرف الآخر. فإنها لا اقتضاء لها لذلك كما هو واضح. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هناك احتمال آخر وهو أن المعتبر هو القدرة على ما يصير عوضاً، وما يقع عليه البيع. بلا إشكال أن هذا الشرط غير معتبر حال المعاملة، بل ما يصير عوضاً حال العوضية، فالحكم وإن ورد على الذات إلّا أن حال العوضية له دخل في المطلب. وحينئذٍ فلا يكون إجراء الاستصحاب مفيداً أيضاً.

وأما إذا أردنا أن نستفيد المطلب من قوله: “لا تبع ما ليس عندك“. بعد تسليم أن معناه: لا تبع ما لا تقدر على تسليمه. وفهمنا منه أن: المقدور التسليم يصحّ بيعه. فلا إشكال في جريان الأصل ولا يكون مثبتاً؛ لأني كنت قادراً على 

ـــــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

تسليم هذا الشيء ولا أزال كذلك بالاستصحاب، فيصحّ بيعه، فيكون من قبيل الحكم والموضوع، فلا يكون الأصل مثبتاً(1).

وأما إذا لم نعلم بسبق الحالة السابقة، وشككنا بالقدرة على التسليم، قالوا: لا بُدّ أن نفحص كما في سائر موارد الشكّ بالقدرة، غفلة عن أن الذي قالوه هناك إنما هو في مورد القدرة العقلية التي هي شرط في التكليف. من باب أن القدرة ليست شرطاً شرعياً. وقالوا: بأن الشكّ في القدرة ليس عذراً، فلا بُدّ أن يفحص أو يحتاط. وأما إذا كانت القدرة شرطاً شرعياً، فلا بُدّ لها من الإحراز، فإذا شكّ في القدرة، فإنه لا يجب الفحص، ولكن ما دمت شاكّاً فالمعاملة باطلة؛ لأصالة الفساد، واستصحاب بقاء الملك على ملكية مالكه الأوّل.

ثُمّ إنه في الموارد التي قلنا بأن القدرة على التسليم شرط، فهل يفرق بين مانعية العجز وشرطية القدرة. تصوّر الآغايون(2) (أنّا حين نقول)(3)  إن العجز هو عدم القدرة، فإذا أردنا استصحابه يكون الاستصحاب مثبتاً. مع أنه لو كان عندنا عنوانان لَما استصحبنا الحالة السابقة، فإن العجز هو عدم القدرة في المورد 

ـــــــــــــ[47]ــــــــــ

() أقول: يظهر أن السيد في كلامه هذا أخذ الاستحالة التي قلناها بنظر الاعتبار المنتجة لكون الموضوع هو ذات الشيء، لا العوض بعنوانه. وأما مع غضّ النظر عن ذلك، فلا يكفي كونه موضوعاً وحكماً في دفع المثبتية؛ لأن الموضوع هو العوض، فيكون مصداقاً للحكم بالملازمة العقلية، فلا يكون الأصل جارياً. انتهى. (المقرِّر).

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 382-383، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الثالث.

(3) من المقرِّر.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

القابل، فإن الجدار وإن لم يكن قادراً بالمعنى المطلق إلّا أنه لا يوصف بعدم القدرة بهذا المعنى، فإنه من قبيل القضايا المعدولة المحمول، وإنما يوصف به المورد القابل، فيقال: (زيد لا قدرة) أو (لا قادر) أو (غير قادر). والعدم المطلق وإن كان ثابتاً إلّا أن العدم في المورد القابل ليس له حالة سابقة. فإذا أردنا أن نستصحب عدم القدرة الأزلي إلى موضوع نشكّ في تحقّق القدرة فيه، فيكون استصحاباً مثبتاً.

وبعبارة أخرى: إنه استصحاب للمعنى الأعمّ لإثبات الحكم للأخص، مضافاً إلى أنه لا يمكن أن نثبت من السلب التحصيلي قضيّة واقعية، فإن ما هو ثابت هو عدم عنوان قدرة زيد، واستصحابه مثبت.

وإذا راجعنا الأدلّة فإن ظاهرها وإن كان هو كون العجز مانعاً؛ لأن قوله: “لا تبع ما ليس عندك” مثل قوله: (لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه)، فهو ظاهر في أن العجز مانع، (نكن كه نميشه)(1) لكن لو لم يكن العجز -بالبرهان- مانعاً حيث يكون عنواناً عدمياً، والعدم غير قابل للتأثير، فلا بُدّ وأن نحمل الروايتين على الشرطية: شرطية القدرة -أو شرطية ما يؤكل(2) لحمه- كما في كلمات الفقهاء ومعقد الإجماع.

والشيخ يقول(3): إذا كانت الشبهة حكمية أو مفهومية فهو محلّ التمسّك 

ـــــــــــــ[48]ــــــــــ

() كلمة باللغة الفارسية تعني: لا تفعله، لأنه غير ممكن.

(2) هذا لم ينصّ عليه السيد. (المقرِّر).

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 3: 186-187، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بالعمومات، كما لو لم أعلم معنى العجز هل أنه التعذّر أو التعسّر؟ ففي القدر المتيقّن يكون مورداً للعمل بالعمومات. وكذلك الحال فيما لو شككت في بعض البيع.

ـــــــــــــ[49]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



هل القدرة حال العقد شرط أو حال الاستحقاق؟

 

والطرق التي اعتمد عليها الشيخ(1) في أصل المسألة هي قاعدة الغرر، و”لا تبع ما ليس عندك“، ولم يرتضِ الأدلّة الأخرى.

وقلنا بان قاعدة الغرر لا يستفاد منها وجوب التسليم لا حال العقد ولا حال الاستحقاق. وإنما يتحقّق عدم الغرر في المعاملة عند العلم بالحصول، سواء بعمل البائع أو المشتري أو أجنبي أو حيوان أو غير ذلك.

وأما حديث: “لا تبع ما ليس عندك“. ففيه احتمالات:

الأوّل: أنه قاله من أجل حصول الغرر.

الثاني: أنه يريد تنفيذ ما عليه العقلاء.

الثالث: أنها مسألة تعبّدية مستقلّة عن العقلاء وعن الغرر.

لا سبيل إلى الأوّل لِما عرفناه من الفوارق بين مفاد الحديثين، فإن المدار في قاعدة الغرر هو العلم محضاً إما بالقدرة على التسلم أو بالحصول، ولا دخل للواقع أصلاً، بخلاف حديث “لا تبع ما ليس عندك“.

كما أنه لا سبيل إلى الثاني، وهو مطابقته للعمل العقلائي، فإنه إذا لم يكن هناك قدرة على التسليم ولا التسلّم ولا علم بالحصول لا يراه العقلاء بيعاً 

ـــــــــــــ[50]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 187.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أصلاً، ولا يحصل الجدّ إليه جزماً. وإذا لم يحصل الجدّ فماهيّة البيع لا تكون متحقّقة، بخلاف هذه الرواية، فإنه يستفاد منها أنه يحصل البيع، ولكنّه لا يصحّ باعتبار تخلّف الشرط الشرعي. على أن العقلاء يقدمون على المعاملة مع العلم بالحصول مطلقاً، في حين أن هذه الرواية -لو تمّت طبقاً لفهم الشيخ- تقول: إن ما هو المعتبر هو القدرة الفعلية للإنسان على التسليم حال المعاملة. وهذا أمر تعبّدي غير ثابت عند العقلاء، فإنهم كما ينظرون إلى المعاملة طريقاً للحصول على ذات الشيء، كذلك ينظرون إلى القدرة على التسليم بصفتها طريقاً كذلك، وليست القدرة تمام الموضوع عندهم. وبحسب هذه الرواية أنه يجب توفّرها حال المعاملة، بل يستفاد من صدرها أكثر من ذلك حيث كان يسأل عن أنه يبيع الشيء الذي هو ملك الغير، ثُمّ يذهب ويشتريه ويسلّمه. فقال له: “لا تبع ما ليس عندك“. وهي معاملة صحيحة عند العقلاء، والقدرة على التسليم حين التسليم متوفّرة. فالنهي تعبّدي؛ باعتبار اشتراط القدرة الفعلية حال العقد.

إذن فأصل المسألة هو أن القدرة معتبرة حال العقد، ولكن لو سلّمنا مع الشيـخ أن القـدرة معتبرة حال التسليم، فهل تتـفرّع عليها الفروع التي ذكرها؟ 

والمسألة فيها احتمالان:

أحدهما: أن يكون اشتراط القدرة على التسليم مطلقاً من حين وقت التسليم. فتكون المعاملة من حين وقوعها مشروطةً بالقدرة على التسليم حال التسليم.

ـــــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ثانيهما: أن يكون اشتراط القدرة على التسليم مشروطاً بحال التسليم، وأما قبل ذلك فلا اشتراط أصلاً.

فإن بنينا على الأوّل، فالفروع التي ذكرها لا تتمّ، كبيع الفضولي وبيع من ينعتق عليه، وبيع ما هو في يد المشتري، فإن القدرة معتبرة حال العقد، وهي غير متوفّرة في الجميع(1)، فتقع المعاملة باطلة. 

وأما إذا بنينا على الثاني فإذا باع ما في يد المشتري أو باع موجّلاً أو باع فضولياً فلا استحقاق للتسليم، ومع عدم استحقاق التسليم لا تكون القدرة مشترطة أساساً -بناءً على هذا الوجه- فتقع المعاملة صحيحة، وتتمّ التفريعات التي ذكرها الشيخ. وإن كان بعض من استشكل عليه قد خلط بين هذين الوجهين. ومراد الشيخ هو الثاني، وعليه يتمّ كلامه.

وأما إذا قلنا: إن استحقاق التسليم ليس من شرائط شرط القدرة شرعاً، بل هو ثابت في مورد الاستحقاق، لا في زمان العقد. فعند تحقّق العقد، وتحقّق زمان استحقاق التسليم، تكون القدرة على التسليم معتبرة. ففي مثل ذلك لا تتمّ فروع الشيخ، فلو كان الشيء في يد المشتري لا يكون البائع قادراً على التسليم مع أنه يشترط التسليم.  

إذا كان الخطر(2) لمجرّد أنه لا يسلّمه بعد بيعه، إذن ففي مثل ما إذا علم أنه 

ـــــــــــــ[52]ــــــــــ

() ولو من باب تحصيل الحاصل. (المقرِّر).

(2) وصلت بعد الشروع في الدرس فوجدت السيد متصدّياً لمناقشة  الفروع التي ذكرها الشيخ.وفهمت من السياق أنه ذكر: 

أوّلاً: ما إذا كان المبيع في يد المشتري، ولم أسمع تعليقه عليه.

ثانياً: بيع من ينعتق عليه. وقال فيما قال: إذا كان الخطر… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

لا يسلمّ أو جهل ذلك ولكنّه قنع -مع ذلك- بالمعاملة وأقدم عليها، فإن الغرر يكون مرتفعاً. كلّا، فإن مجرّد الإقدام على المعاملة لا يصحّحها.

ثُمّ إن من ينعتق عليه مرّة أعلم أنه ينعتق عليّ، وأخرى أجهل ذلك، وأقدم على المعاملة برجاء أن لا يكون كذلك، وأخرى أقدم عليه برجاء أن يكون كذلك.

فإذا جهلت ذلك فلا إشكال أنها مسألة غررية، ومجرّد الرضا بالمطلب وإقدامه عليه لا يجعل المعاملة غير غررية. ومع لحاظ حكم الشرع بالانعتاق القهري يتحقّق الغرر. وعلى أيّ حال فعلى المشهور من أن الحادث في هذا لطرف هو انتقال الثمن، والحادث في الطرف الآخر هو الحرية؛ فتكون المعاملة مع الجهالة غرراً. وقد تكون غرراً باعتبار أن المعاملة تقتضي التسليم، وهذه المعاملة خالية من التسليم –سواء قلنا بملكيته آناً ما أو لم نقل-. مع هذا لا يرتفع الغرر؛ لأن الغرر في التسليم متحقّق سواء أقدم عليه أو لم يقدم، غاية الأمر أنه قد يُقدم عليها بالرغم من كونها خطراً، وكذلك الحال لو كان يجهل أنه ممن ينعتق عليه، ولكنّه أقدم برجاء أنه ممن ينعتق عليه. فإن الإقدام لا يرفع الخطر.

فبيع من ينعتق عليه يفرق عن بيع ما هو حاصل عنده، فإن المعاملة في الأوّل غررية، وفي الثاني ليست غررية، فإنه مع العلم أنه حاصل عنده لا يكون غررياً.

ـــــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ثالثاً: الفضولي حيث يقول الشيخ(1): أنه لا حاجة إلى القدرة على التسليم، إلّا في زمن الاستحقاق وهو متحقّق، فتصح المعاملة. 

[إشكال الشيخ في الفضولي على القول بالكشف] 

ثُمّ يورد إشكالاً على الكشف.

فهل الفضولي على النقل وعلى الكشف يختلفان مطلقاً، أو لا يختلفان مطلقاً، أو هناك تفصيل في الكشف؟ فإن الكشف على أنحاء أربعة:

الأوّل: الكشف الحقيقي، بمعنى: أن الإجازة المتأخّرة تؤثّر تأثيراً اعتبارياً في العقد المتقدم، والعقد بما أنه متعقّب بالإجازة فهو صحيح.

الثاني: ما نقله الشيخ(2) -ويظهر- من عبارة (الجواهر)(3) و(جامع المقاصد)(4) من أنه لا يحصل النقل والانتقال من الأوّل، ولكن من حين ما يجيز ينقلب الواقع عما وقع عليه بسبب الإجازة. فما كان له في ذلك الحين يكون لي في ذلك الحين.

الثالث: الكشف التعبّدي على غرار الكشف الحقيقي، يعني: أن العقد المتعقّب بالإجازة يؤثّر في ترتيب آثار الملك من أوّل الأمر.

الرابع: الكشف التعبّدي على غرار الكشف الانقلابي. يعني: التعبّد بآثار الانقلاب من الأول.

ـــــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 188.

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

(3) اُنظر: جواهر الكلام 22: 286، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في بيع الفضولي.

(4) اُنظر: جامع المقاصد 4: 70-75، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نرى أنه هل الإشكال وارد على الكشف دون النقل؟ 

فإذا قلنا: إن وجوب الوفاء بمعنى المحافظة على العقد كما فسّروه، فالأصيل الذي أصبح طرفاً للفضولي قد أوجد عقد منتسباً إليه، فيجب الوفاء به وعدم نقضه، فإذا أجاز سلّمه. 

وأما إذا قلنا: إن معنى وجوب الوفاء هو ترتيب الأثر على العقد، وإن العقد المؤثّر هو موضوع وجوب الوفاء، ففي الكشف الثاني الذي قاله الشيخ ونسبه إلى المشهور ليس عندنا عقد مؤثّر ليجب الوفاء به، والمفروض أن الحكم بالوجوب لم يرد على العقد مطلقاً، بل على خصوص العقد المؤثّر.

وأما بناءً على الكشف الأوّل، لا بُدّ أن يقال: إن العقد مؤثّر من الأوّل، للعلم بحصول شرطه، وكونه متعقّباً بالإجازة. فيشمله وجوب الوفاء. غايته هنا كلام بأن وجوب الوفاء على كِلا المتعاملين وجوب على نحو الإطلاق، أو بنحو الارتباط والتقابل. فهل يريد الشارع أن يبيّن أمراً تعبّدياً أجنبياً عن العقلاء، فيقول: أوفِ بالعقد سواء وَفَى الآخر أو لا، كما قال: (صلِّ سواء صلّى الآخر أو لا)؟ فإن العقلاء لا إشكال أنهم يرون وجوب الوفاء وجوباً متقابلاً -ادفع لكي أدفع-، ويفهمون هذا المعنى من الدليل الشرعي أيضاً، وإذا لم يجب التسليم وجوباً مطلقاً لا يكون العقد غررياً؛ لأنه لا استحقاق للتسليم ما لم يحصل التسلّم، والقدرة معتبرة وقت الاستحقاق لا وقت العقد.

إذن فالقول بالنقل وبالكشف الانقلابي لا يفرق، وأما القول بالنقل وبالكشف الحقيقي فبينهما فارق لو قلنا بالوجوب المطلق للوفاء.

ـــــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أصبح حاصل ما قلناه حول إشكال الشيخ على الكشف هو: أن الغرر من أيّ جهة يحصل؟ هل من جهة أن العقد يجب المحافظة عليه مع كونه محروماً من التصرّف؟ فهذا إشكال باقٍ على النقل وعلى الكشف المشهوري، بل على كلّ أقسام الكشف والنقل، فهو إشكال على النقل أيضاً. إلّا أن أصل المطلب غير تامّ، فإن وجوب الوفاء ليس بمعنى وجوب حفظ العقد، بل بمعنى العمل به، وما دام العقد غير مؤثّر لا يجب العمل به.

وإذا كان الإشكال من جهة أنه على الكشف يحصل النقل في الطرف الأصيل، ولكنّه لا يحصل في الطرف الآخر، فلا يكون للأصيل القدرة على التسلّم. فهذا ليس إشكالاً على الكشف بالمعنى المشهوري؛ لأنه لم يحصل النقل من الأوّل. نعم، يرد على الكشف غير المشهور؛ لأنه انتقل إليه من الأوّل، ولا قدرة له على تسلّمه، إلّا أن هذا لا يوجب حصول الغرر؛ لأن القدرة معتبرة حال التسليم، فإذا علمت بأنه حال الإجازة له قدرة على التسليم كان كافياً.

وإذا كان الإشكال من ناحية أنه بعد حصول النقل للأصيل لا بُدّ أن يسلّم ماله إلى الغير؛ لأنه يعلم بوجود الإجازة، بخلاف الفضولي فإنه لا يجب عليه ذلك، فإنه أيضاً غير تام؛ لأننا لا نسلّم هنا بأن الأصيل يجب عليه التسليم، فيما إذا لم يجب على الآخر التسليم، فإن العقلاء يرون هذا المطلب مرتبطاً.

ـــــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 





[هل يشترط القدرة على التسليم في الصرف والسلم] 

 

مسألة أخرى: قال الشيخ(1): إنه في الموارد التي تكون القدرة شرط لتأثير العقد، لا تكون القدرة على التسليم معتبرة أصلاً.؛ لأن متمّم سبب النقل
-الذي ما لم يحصل لا يحصل النقل- إذا تعذّر وجوده حال العقد وحتى لو علم بأنه متعذّر حصوله بعد العقد، كالقبض في الصرف والسلم، ولكنّه حصل صدقة بعد العقد، صحّ العقد.

وبعبارة أخرى: إن شرائط تأثير العقد إذا كانت متعذّرة لا يكون غرراً؛ لأن البيع لم يتمّ. فإنه في الموارد التي يؤثّر العقد فيها الشرط حاصل، وفي الموارد التي لا يكون حاصلاً، لا يكون العقد مؤثّراً.

وبعبارة ثالثة: إن وجوب التسليم والتسلّم حكم للعقد الناقل، وهو لا يحصل إلّا بحصول ذلك الشرط، كما لو علم الموجب أن القابل غير قادر حال الإيجاب على التسليم، ولكنّه قادر حال القبول، فهنا لا تكون القدرة حال الإيجاب مشترطة؛ لأنه حال الإيجاب ليس الباب باب التسليم، وبعده: توجد القدرة على التسليم. وفي باب الصرف والسلم أيضاً كذلك، فإنه قبل القبض لا 

ـــــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 190، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بيع، وبعد تحقّق البيع يكون الشيء حاصلاً في يده. فلا تكون القدرة معتبرة.

بعضهم يقول: أصلاً غير ممكن؛ لأن القبض شرط بعد العقد، فإذا أخذناه شرطاً في العقد لزم الخلف.

الظاهر أنه وقع خلط في كلٍّ من كلام الشيخ(1) والمحشّي(2)، بين الأمور التي تكون من مقوّمات العقد عند العقلاء، وغيرها. فإن الأدلّة التي تجعل الشرائط والموانع هي في نظر العرف بعد الفراغ عن صحّة المعاملة عرفاً، فلا تشمل أجزاء ومقوّمات الماهيّة، فما هو مربوط بقوام المعاملة لنا أن نقول: إنها غير لازمة الإحراز، كالقبول فله أن يوجب برجاء القبول. أما القبض فليس دخيلاً في الماهيّة، وإنما هو شرط لأجل تحقّقها في الخارج، واشتراط القبض في الصرف والسلم شرط في ذات الصرف والسلم، لا في السلم المشروط بالقبض؛ لأن الشرط ناظر إلى الماهيّة لا إلى الماهيّة المشروطة بالشرط.

وما هو الشرط هو القدرة على التسليم حال البيع لو كان المستند هو رواية حكيم بن حزام، لكنّه يكون شرطاً تعبّدياً لا بلحاظ مباني العقلاء، ولا بلحاظ الغرر، ومعه لا يفرق بين الصرف والسلم وغيرهما. وإذا كان المستند هو دليل الغرر، فما هو الشرط هو العلم بالتسلّم أو بالحصول لا الواقع. والشرط في الصرف والسلم نفس التسليم لا العلم به، يعني: لا يكون البيع مؤثّراً إلّا 

ـــــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 191-192.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 296، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بالقبض الخارجي. فإذا أوقعت الصرف والسلم وكنت جاهلاً فإنه يقع باطلاً للغرر، ولا يصحّحه حصول التسليم بعده.

والشيخ قال(1): إننا لا يجب أن نحرز الشرائط من أوّل الأمر، وهذا صحيح لو كان القبض الخارجي هو الشرط، إلّا أن كلامنا هو أن لا يكون البيع غررياً، والشرط وارد على البيع بالمعنى العرفي، لا على البيع بعد القبض، والشيخ يقول: بعد القبض لا غرر، مع أنه لو كان التسليم مجهولاً كان الغرر ثابتاً. وأعجب منه أنه يقول: إن التسليم والتسلّم حكم العقد الناقل، وهو لا يحصل إلّا بحصول ذلك الشرط، وهو عبارة أخرى عن أن اشتراط القبض هو اشتراط لا في ذات البيع، بل في البيع المشروط بالقبض.

فلنا أن نقول: إنه يشترط التسليم؛ لكي لا يكون البيع غررياً، وما كان غررياً لا يفيد صحّته بالتسليم.

وكذلك كلام المحشّي(2) لا يتمّ؛ لأن التخلّف إنما يلزم إذا كان الشرط هو التسليم، إلّا أن ما هو الشرط في باب الصرف والسلم هو نفس التسليم، وما هو شرط في باب الغرر هو العلم بالقدرة على التسلم. وكلّ شرط يرد على ذات البيع لا على البيع المشروط، فلا بُدّ أن نلاحظ البيع في نفسه عقلائياً، لنرى أنه 

ـــــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 189، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 294، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

غرري أو لا. وإن كان جاهلاً بالقدرة على التسلّم فهو غرري ولا يصحّحه التسليم بعد ذلك.

نعم، لو كان عالماً بالقدرة على التسلم صحّ من هذه الجهة، فإذا حصل القبض صحّت المعاملة.

الشيخ يعطف عقد الرهن على عقد السلم، مع أنه يختلف عنه كثيراً، فإنه في عقد السلم كان يوجد عندنا أدلّة:

أحدها: النهي عن (ما ليس عندك) الذي فهم الشيخ وغيره منه لزوم التسليم.

ثانيها: “نهى النبي عن بيع الغرر“.

وكِلا هذين الدليلين لهما دخل في السلم، وليس لهما دخل في الرهن؛ لأنه ليس بيعاً ليشملانه. و(نهى النبي عن الغرر) غير ثابت، ولو كان ثابتاً فهو غير شامل للمعاملات. ونحن نتكلّم على كِلا الفرضين:

الفرض الأوّل: أن تكون هذه الأدلّة منحصرة بالبيع، إذن ففي باب الرهن لا دليل على اعتبار القدرة على التسليم والتسلّم، وما يقوله الشيخ، من أن القدرة على التسلّم بعنوانها متحقّقة بالقبض غير صحيح، فإنه لا يعتبر في الرهن إلّا القبض، والقدرة إنما هي طريق إليه. إلّا أن يكون مقصوده ذلك.

الفرض الثاني: أن الغرر معتبر في كلّ المعاملات بما فيها الرهن، فقد وقع الخلط في كلام الشيخ والشيخ محمد حسين، في حين أن باب الرهن أوضح من باب السلم، فإنه اعتبر فيه القدرة على القبض، لا العلم بالقدرة على التسليم 

ـــــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الذي يعتبر في السلم، على أن كلّ شرط راجع إلى ذات المعاملة في عرض واحد، ولا يعقل أن يكون “لا تبع ما ليس عندك” وغيره تارةً موضوعها نفس المعاملة، وأخرى موضوعها المعاملة الموصوفة بوصف آخر.

[فروع في المسألة]

وهناك بعض الفروع التي يذكرها الشيخ قد سبق الكلام فيها بشكل مستقصىً، ولكن يقول الشيخ(1): هنا مطلباً وهو أن ما هو المعتبر هو القدرة المعلومة. 

[الفرع الأول: حول اعتبار القدرة المعلومة] 

فلو علم شخص أنه قادر وتبيّن بعد ذلك أنه كان عاجزاً حال المعاملة، ولكن تجدّدت القدرة عنده، فتصحّ المعاملة، وإذا لم تتجدّد لم تصحّ.

هذا له عدّة تصورات:

الأوّل: أن تكون القدرة بوجودها الواقعي شرطاً بدون أن يكون للعلم دخل أصلاً، إلّا كونه طريقاً إلى ما هو الشرط.

الثاني: أن يكون العلم بالقدرة تمام الموضوع بلا دخل للقدرة الواقعية أصلاً.

الثالث: ما يقوله الشيخ وهو: أن تكون القدرة المعلومة موضوعاً للحكم، فالموضوع مركّب من جزأين: القدرة، وكونها معلومة. فإذا كان عاجزاً بطلت 

ـــــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 193، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المعاملة، وإن حصلت القدرة بعد ذلك.

الرابع: أن نحتاج إلى القدرة في الجملة، كمثال الشيخ حيث علم بالقدرة حال المعاملة وتبيّن خلافه، فلو تجدّدت القدرة فقد حصل الأمران: العلم بالقدرة كان حاصلاً، والقدرة الواقعية حاصلة فعلاً. 

وعلى الوجه السابق الذي عنونه الشيخ يكون هذا المثال باطلاً؛ لأن القدرة المتأخّرة لم تكن معلومة، فالشيخ خلط ما بين الاحتمالين الأخيرين.

هذا بحسب التصوّر. أما بحسب التصديق أيٌّ منها هو الصحيح؟ فنحن ورواية حكيم بن حزام وباب الغرر والإجماع المدّعى. فالرواية اعتبرت القدرة على التسليم حال البيع، ودليل الغرر اعتبر العلم بالقدرة على التسليم، أو العلم بحصوله عنده. والإجماع -قالوا في الجملة- أنه اعتبر القدرة على التسليم.

ولا يمكن ضمّ الدليلين الأوّلين ليستفاد منهما اشتراط القدرة المعلومة، بدعوى أنهما تتمّمان جزأي الموضوع، فتعتبر القدرة جزءاً بالرواية، والعلم بها جزءاً بدليل الغرر. هذا غير صحيح؛ لأن هذين الدليلين واردان في موردين، فإن الرواية اعتبرت القدرة حال المعاملة، ودليل الغرر اعتبر العلم بالقدرة وقت التسليم. فضمّ الروايتين لا يستفاد منه القدرة المعلومة. إلّا أن يقال: إن الإجماع قائم على اشتراط القدرة على التسليم، والقدر المسلّم منه هو أنه لا يحصل منه التسلم أو لا يتحقّق الحصول. ودليل الغرر يقول باشتراط العلم بالقدرة على التسلّم، فحينئذٍ يمكن أن يصحّ من هذا التركيب من الدليلين مطلب ناقص.

ـــــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [الفرع الثاني: هل العبرة بقدرة الموكّل أو الوكيل؟] 

فرع آخر: أن القدرة المعتبرة هل هي معتبرة في الموكل أو في الوكيل، أو هناك تفصيل بين ما إذا كان وكيلاً في إجراء الصيغة فقط، فتكون القدرة المعتبرة هي قدرة الموكل، أو كان وكيلاً عامّاً فتكون قدرته هي المعتبرة؟ 

إذا كان المستند هو رواية حكيم بن حزام بالمخاطب بها في قوله: “لا تبع ما ليس عندك” هو نفس البائع وليس وكيله. والمفروض أنها تدلّ -على تقدير الدلالة- على مطلب تعبّدي غير عقلائي، وهو اشتراط القدرة الفعلية حال المعاملة، فحينئذٍ لا نستطيع أن نتعدّى بها إلى الوكيل، فلا تكون قدرة الوكيل مقيّدة. 

وأما إذا كان المدرك دليل الغرر، فالقدرة على التسليم حاصلة سواء كان القادر هو الوكيل أو الموكل أو غيرهما، ولا تكون قدرة الوكيل أو الموكل معتبرة، بل ما هو المعتبر هو العلم بالقدرة في الجملة، أو العلم بالحصول مطلقاً.

ـــــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



الكلام في بيع العبد الآبق

 

ونحن وإن لم نكن نتعرّض إلى مسائل العبيد، إلّا أن الكلام في هذه المسألة يعمّ بيع الدابّة الضالّة والمغصوب ونحوه، فلا بُدّ من التكلّم في مداركها.

الشيخ(1) عنون مسألتين وذكر مطالب لا تتناسب مع طبع التصنيف، فإن مسألة جواز بيع العبد الآبق منضمّاً أو منفرداً، وكذلك بيع المجهول والمغصوب، كلّها من المسألة الأولى. وكذلك إن هذا الخلاف هل يجري في غير البيع أو لا؟ وهل يجري في الثمن أو لا؟ كلّها من متفرّعات المسألة الأولى.

ثُمّ إن الشيخ عنون المسألة عن العبد الآبق، وذكر نفس النقاشات السابقة، مع أن مقتضى القاعدة هو أن يذكر الخصوصيات التي تنفرد بها هذه المسألة عن سوابقها زائداً على مسألة القدرة على التسليم. 

وما يمكن أن يقع موضوعاً للبحث هنا: هل يتحقّق الغرر فيما إذا كانت بعض المنافع حاصله؟ إلّا أن جميعها غير حاصلة. كما لو كان يشتري مغصوباً ويبيعه على شخص أقوى من الغاصب يستطيع أن يأخذه منه. وكالعبد الآبق إذ يكون بعض منافعه ممكنة الاستيفاء كالعتق والبيع على من يعتقه دون خدمته 

ـــــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 195، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لا يجوز بيع الآبق منفرداً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وما إليها. فهل يكون ذلك مشمولاً لدليل الغرر، أو “لا تبع ما ليس عندك“، أو لا؟ وهل هذا المقدار من الانتفاع كافٍ في رفع موضوع الدليلين، أو أنه ما لم تحصل كلّ المنافع أو أكثرها فهو غرر؟

ثُمّ إن الفرار هل هو في حكم التلف، بالرغم من وجود هذه المنفعة القليلة؟ وليس هذا خاصاً بالعبد الآبق، بل يشمل المجهول والضالّ ونحوه. والمستند إما أن يكون هو دليل التلف، أو دليل الغرر، أو دليل: “لا تبع ما ليس عندك” في رواية حكيم بن حزام.

فإذا كان مستندنا رواية حكيم فهو شرط تعبّدي تكون المعاملة على أساسه باطلة، ولكنّنا استشكلنا في تمامية الرواية أساساً. 

وإن كان المدرك هو رواية الغرر، فقد قال الشيخ: إنه إذا كان ميؤوساً من الحصول فإن المعاملة تكون باطلة؛ لأنه في حكم التالف، وإن كان يحتمل الحصول كانت باطلة؛ لأنه غرر.

فإن قيل: إن جواز العتق لا يجعله غررياً.

قلنا: إن هذا المقدار من المنفعة لا يكفي.

نقول: العتق غير مشروط بالوجود تحت اليد، وفيه ثواب كثير جداً، وعتقه تحت اختياري، ومثله لا يعدّ تالفاً عقلائياً. أما كونه تالفاً حقيقياً فلا، وأما كونه تالفاً حكمياً فالتالف الحكمي هو ما منفعته ذاهبة بالكلّية، كالحلي الساقط في قعر البحر، وأما إذا كان يستطيع عتقه فهو منفعة معتدٍّ بها، ولا يكون بها في حكم التالف. ومعه فيضمن الغاصب المنافع التالفة للعبد دون 

ـــــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العبد نفسه؛ لأنه موجود، وليس في حكم التالف ليحكم ببطلان المعاملة.

على أننا يجب أن نرجع إلى سوق العقلاء، لنرى أنهم ماذا يقولون، فإذا سقط الخاتم في قعر المحيط فالمعاملة عندهم غير جدية؛ لأن المعاملة وسيلة إلى تحصيل الشيء، وهي في المقام ليست وسيلة. وأما إذا كانت له منفعة مطلوبة عقلائياً فالمعاملة عليه تامّة، بالرغم من عدم وجود خدمته. فهل تكفي هذه الفائدة في رفع الغرر؟ 

مبنيّ على معنى الغرر، فإن قلنا: إنه الجهالة، فالجهالة متحقّقة؛ لأن المشتري جاهل في أنه يحصل عليه أو لا. وإذا قلنا: إنه الخطر، فلا خطر في هذه المعاملة لوجود المنفعة الفعلية. ولا يوجد شيء يعلم المشتري أن كلّ منافعه متوفّرة فيه فعلاً.

على أننا ناقشنا في رواية حكيم بن حزام، وقلنا: إن المراد بها أن يكون البائع مالكاً. وناقشنا في الغرر بأن المراد به الخدعة، ومعه يكون بيع الآبق صحيحاً بحسب القواعد. إلّا إذا ورد دليل تعبّدي على عدم جواز بيعه منفرداً فنلتزم به. فماذا يستفاد من هذه الروايات؟

[دلالة الروايات في المقام] 

منها: الشيخ في (التهذيب) (ج7،ص124) عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن رفاعة النخّاس، قال: “سألت أبا الحسن -يعني موسى بن جعفر- قلت له: يصلح لي أن اشتري من القوم الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها، إلّا أن تشتري معها منهم 

ـــــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

شيئاً ثوباً أو متاعاً، فتقول لهم: أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً. فإن ذلك جائز(1)(2).

منها: الشيخ في (التهذيب)(3) -نفس الصفحة- يسنده إلى الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله: في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله. قال: “لا يصلح له، إلّا أن يشتري معه شيئاً آخر، ويقول: اشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا. فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه(4).

لم يستفصل الإمام من حيث إنه يرجو الحصول عليه أو لا يرجو، فكِلاهما سواء في أنه لا يجوز شراء العبد منفرداً. فيستفاد منها أن بيع العبد الآبق ليس بابه باب الغرر، بل يكون بابه باب رواية حكيم بن حزام، وهو 

ـــــــــــــ[67]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 124، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 12، والكافي 5: 194، كتاب المعيشة، باب العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 9، وسائل الشيعة 17: 353، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 11، الحديث 1. 

(2) رواها السيد عن (الوسائل) باب (16) من أحكام العقود، رواية(1)، ولم نجدها، ولكنّها موجودة في (التهذيب). وقال عنها: إنها صحيحة السند. وقال: من المحتمل أنه كان عالماً بأنه يجدها، أو أنه يرجو ذلك على أقلّ تقدير، والرواية شاملة لكِلا الفرضين. وعلى أيّ حال فليس له علم بالعدم. (المقرِّر).

(3) تهذيب الأحكام 7: 124، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 11.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 3: 225، باب البيوع، الحديث 3833، ووسائل الشيعة 17: 353، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 11، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

القدرة الفعلية على التسليم. فتكون المعاملة باطلة إلّا بالضميمة.

إذا كانت مسألة العبد الآبق ونحوه من متفرّعات القدرة على التسليم، فلماذا فرزه الفقهاء بالبحث. وقد عرفنا أن المعاملة ليست غررية لوجود المنفعة العقلائية التي يمكن أن يستوفيها المشتري، سواء استوفاها فعلاً أو لا، وسواء كان قاصداً لهذا الغرض أو لم يكن. فلو لم يكن قصده المعتق لا ينبغي أن نقول: إنها معاملة غررية أو سفهية، بل تكون المعاملة صحيحة على القاعدة سواء في بيع العبد الآبق أو الدابّة الضالّة أو غيرها.

فهل يستفاد من الروايتين إلغاء هذه المنفعة واعتبارها كـ(لا منفعة)، وإذا لم تستفد ذلك فالمعاملة صحيحة؟ ولا بُدّ أن نرى أنه إلى أيّ حدّ منع الشارع من هذه المعاملة، هل في خصوص العبد الآبق، أو في غيره أيضاً؟ فإذا لم نستفد التعميم نقول بالصحّة في بيعه منفرداً في غير العبد الآبق.

والوجه في استفادة إلغاء هذه المنفعة من موثّقة سماعة السابقة، هو أن يقال: إنه إذا لم يلغ الشارع تلك المنفعة، فلماذا لا يجوز بيعه منفرداً؟ وحيث إنه لم يجز ذلك نفهم أنه إلغاء.

وطريق آخر: أنه بالرغم من كون العبد الآبق مالاً عقلائياً ومملوكاً، قال الشارع: إن الثمن يقع بازاء الشيء الآخر. فإذا لم يلغ الشارع هذه المنفعة فلماذا يقع الثمن بإزاء ذلك؟ بل يمكن أن يقع بإزائها بالرغم من كونه آبقاً. إذن فلا بُدّ أنه ألغى هذه المنفعة.

ونحن نتكلّم في معنى قوله: “فإن لم يقدر على العبد، كان الذي نقده فيما اشترى منه”، تصوّراً. هل يريد أن يقول: إن المعاملة يجب أن توقع هكذا فيقال 

ـــــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

في العقد: (إنه إذا لم يحصل العبد فالثمن بإزاء هذا)، كالبيع بثمنين: (إذا كان نسية كذا، وإذا كان نقداً كذا)؟ أم هو على وجه الشرط أو القضيّة الشرطية: (إذا لم أقدر على العبد فالثمن على هذا)؟ بعد ورود المعاملة على المجموع في المرتبة السابقة؟ أم هو بنحو إيجاد معاملتين منجزة على المجموع، وتعليقية على هذا الموجود؟ أو هو تصرّف في المعاملة بنحو الحكم الشرعي التعبّدي: (أنه إذا لم يقدر على العبد كان الثمن على هذا)، أو هو -كما هو الأرجح- أنه ليس حكماً شرعياً، بل هو حكم عادي عقلائي بأنك إذا لم تحصّل العبد فلم يذهب المال الذي دفعته هدراً، بل يكون في مقابله هذا الشيء؟ 

فإن الأغراض العقلائية تقتضي الحصول على الخدمات الاعتيادية للعبد، ومعه فالغرض متعلّق بحصول العبد في اليد، والعتق وإن تعلّق به الغرض، إلّا أنه خلاف الغالب. فقد قال الإمام ذلك المطلب العادي العرفي طبقاً للأغراض العقلائية الاعتيادية، باعتبار أنه إذا لم يحصل المال وقع هذا الشيء بإزائه، ولم يذهب الثمن هدراً، لا أنه يقصد إلغاء تلك المنفعة أو صرف الثمن صرفاً تعبّدياً. 

ومعه فلا تكون الرواية دالّة على إلغاء تلك المنفعة؛ لتكون باطلة، ويكون أكل الثمن أكلاً للمال بالباطل. ولذا في صحيحة النخّاس لم يذكر ذلك، ولو كان حكماً شرعياً كان لا بُدّ من ذكره(1).

ـــــــــــــ[69]ــــــــــ

() ثُمّ نقل السيد رواية عن (الوسائل)، عن (دعائم الإسلام) -لم نجدها- وهي على أيّ حال ضعيفة السند. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إذن فالمعاملة على العبد الآبق صحيحة على القاعدة، ولكن خرج العبد الآبق نصّاً وفتوى وإجماعاً. وبمقدار التعبّد نرفع اليد عن مقتضى القاعدة، ويبقى الباقي على الجواز.

[فقه صحيحة النخّاس]

الصور في الرواية عديدة:

أحدها: أن يقطع بحصول العبد الآبق.

ثانيها: أن يقطع بعدم حصوله.

ثالثها: أن يكون آيساً من الحصول عليه، وإن كان يحتمل احتمالاً ضعيفاً ذلك.

رابعها: أن يكون مطمئناً بالحصول عليه.

خامسها: أن يرجو ذلك.

فأيّ هذه الصور مستفاد من الرواية، وماذا نعمل لغير الصورة المستفادة؟ 

وفي قوله: “لا يصلح شراؤها” من رواية النخّاس ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يعود الضمير إلى الجارية الآبقة بدون القيود الأُخر المأخوذة في السؤال. وحينئذٍ يُدّعى أن للرواية إطلاقاً لكلّ الصور السابقة؛ فينتج أن للآبق حالين: حال الضميمة، وحال عدم الضميمة. ففي الأوّل يكون البيع جائزاً، سواء كان قاطعاً بالحصول عليه، أو قاطعاً بعدمه، أو غير ذلك من الصور السابقة. كما أنه بدون الضميمة باطل على كلّ تلك الصور. 

لا يقال: إنه مع اليأس أو القطع بالعدم كيف يقدم على المعاملة؟

ـــــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فإنه يقال: إن من جملة الأغراض العقلائية المتصوّرة هو: أنه يشتريه بقيمة رخيصة ويعتقه.

الاحتمال الثاني -في مقابل الأوّل-: أن تكون كلّ الخصوصيات الدخيلة في السؤال دخيلة في الموضوع، يعني لا يصلح شراء الجارية التي سألت عنها، حيث قال: (أشتري الجارية الآبقة وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا). وما يطلب هو ما يكون الفرد قاطعاً بالحصول عليه، أو يرجو الحصول على الأقلّ. أما صورة اليأس فيبعد فيها الطلب جداً، وإن كان هناك احتمال عقلي ضعيف، كما أن صورة القطع بالعدم مناسبة مع عدم الطلب. إذن فينتج أنه في صورة الرجاء لا يجوز إلّا بالضميمية.

ففي صورة عدم رجاء الحصول هل نقول بالصحّة على القواعد؟ خصوصاً على الذي قلناه من أنها شاملة لصورة القطع بالحصول، ولا يكون بيعاً باطلاً عقلائياً ولا شرعاً، ولا يعتبر في القدرة على التسليم أكثر من ذلك، فيما عدا ما يستفاد من رواية حكيم بن حزام التي ناقشناها ورفضناها.

ولا يمكن أن نقول -كما قيل- بالبطلان للأولوية وللقطع بالمناط، فإنه لو تمّ في مورد الرواية فهو حكم تعبّدي صرف، لا يفهم العقلاء حدوده، فيقتصر منه على مورد التعبّد، وإنما تكون إلغاء الخصوصية في موارد يفهم العقلاء فيها حدود الحكم. ومعه نطبّق في غير مورد الرواية مقتضى القاعدة العامة من الصحّة.

ولا يمكن أن نعامل المستثنى غير معاملة المستثنى منه، فنفهم من المستثنى 

ـــــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

منه عدم الجواز بدون الضميمة في كلّ الصور الخمس السابقة. ونفهم من الاستثناء الجواز مع الضميمة في بعض تلك الصور. فإنه إن كان عدم الجواز مع القطع بالعدم أولى، فلا دليل أنه في طرف الاستثناء يكون أردأ من غيره.

إذن فالرواية تدلّ على الصحّة مطلقاً مع الضميمة، وعلى البطلان مطلقاً مع عدمها. إذن فلم يدلّ دليل على البطلان مع الضميمة أحياناً. نعم الشيخ يقول: إن البطلان على القواعد .. وقد أنكرناها.

الاحتمال الثالث في الرواية: عدم وجود الإطلاق -لوجود ما يصلح للقرينة- وعدم التقييد. لكنّه حينئذٍ لا يكون حجّة في مقابل الإطلاق، ولا يكون الحكم ثابتاً على غير المقيّد؛ لأنه لا يحكم على المقيّد بما هو مقيّد.

[فقه رواية سماعة]

أما رواية سماعة في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله -(عند أهله)، (من أهله)- باختلاف النسخ التي في كتب الحديث. قال: “لا يصلح” -كما في (الكافي)، “لا يصلح له” كما في (التهذيب)-، إلّا أن يشتري معه شيئاً آخر، ويقول: اشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا…” الرواية. فلو لم يكن في الرواية الأُخرى: (جاز)  -ولا يجوز- ولو لم يكن فتوى الفقهاء، لأمكن القول بأنها ليست في مقام بيان الحكم الشرعي أساساً، بل هو ترجيح ونصيحة. 

نعم، قد يقال: إنه ماذا ينفع ضمّ الضميمة إلى العبد، بعد أن كان لها قسط من الثمن، فإنه لا تكون الضميمة إلّا بعد أن يدفع ثمنها إلى جانب ثمن العبد الآبق. إذن فعلى أيّ حال قد ذهب المال من يده المقابل للآبق، وضمّ المال 

ـــــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الحاضر إليه لا يكون مؤثّراً، حاله حال المعاملتين المستقلّتين.

وهناك كلام آخر: هو أن ضمّ شيء إلى شيء في المعاملة يختلف حاله في نظر العقلاء، فقد يعتبران معاً كالسلعة الواحدة، كفردتي الحذاء وقسمي الباب، بحيث لو بطل البيع في أحدهما بطل في الآخر. وأخرى لا يكون كذلك، كضمّ الفراش إلى الكرسي في معاملة واحدة بعد تعيين ثمنهما مسبقاً. ففي مثل ذلك يمكن أن يقال: إن البيع ينحلّ إلى بيعين بحيث لو بطل أحدهما صحّ الآخر.

ومن هنا نفهم من الرواية: أن البيع بالضميمة أصبح بيعاً واحداً، وأصبح الثمن في مقابل المجموع. ولذا يأمر بأن يقول: “أشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا“، يعني: يأمر باعتبار الوحدة بينهما، فيكون الثمن واحداً والسلعة واحدة، فإذا لم يحصل هذا كان في اليد على أيّ حال ثمن ومثمّن حاضران في الجملة. وتكون الضميمة مؤثّرة.

[النسبة بين روايتي النخّاس وسماعة]

الآن نتكلّم عن النسبة بين الروايتين. يقول في رواية سماعة: “في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله”، يمكن أن يستفاد منه حصول الرجاء أيضاً؛ لأن الاشتراء العقلائي قائم على ذلك. لكنّه مشكل في النظر، فإن العتق مطلوب عقلائي في غير الآبق، فضلاً عن الآبق الذي يحصل بقيمة أرخص. والكفارات غير قليلة حتى يقال إنها نوادر. فبقطع النظر عن الذيل يكون له إطلاق، وكذلك الجواب.

فهل عبارة الذيل صالحة للتقييد بمورد حصول الرجاء، وهي قوله: 

ـــــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 (فإن لم يقدر عليه …)؟ هل يفهم منه أنه كان له رجاء؟ فإن الصدر إن كان له إطلاق لصورة العلم بالحصول والرجاء واليأس وغيرها، فيكون الحكم وارداً على العبد الآبق بعنوانه بدون قيد، وتحصيل القدرة وعدمها أمر واقعي غير مربوط بالعلم والجهل. وهو يحصل سواء كان عالماً بالحصول أو عالماً بعدمه. والعالم بالعدم وإن لم يحتمل حصول القدرة له، إلّا أن الشخص الخارجي يحتمل حصولها له. إذن فلا يستفاد من هذا الذيل حصول الرجاء، مضافاً إلى ما قلناه من أن ذلك ليس بياناً للحكم الشرعي، بل بيان لأمر عقلائي.

إذن فهذه الرواية مطلقة، فهل تقيّدها صحيحة النخاس، سواء كان ذلك على طبق القاعدة أو على خلافها؟ السؤال في الصحيحة كان خاصّاً بحصول الرجاء، إلّا أنه في الجواب كانت الاحتمالات التي ذكرناها، فإن كان لها إطلاق توافقت الروايتان. وإن كانت مقيّدة والعرف يلغي خصوصيتها، أو نقّحنا المناط القطعي، فتوافقها أيضاً. وإن لم يكن كذلك، بأن كان القيد مراداً جداً. فيأتي الكلام في أن القيد لا بُدّ وأن يكون ذا فائدة، فهل له مفهوم أو لا؟

وأخرى يفرض أن هذه الخصوصيات وقعت في كلام المتكلّم لا بنحو القيد، فمن قوله: “أطلبها” نفهم: أنه مورد الرجاء، إلّا أنه غير مقيّد به لكي نورده في كلام المجيب، ونحاول استفادة المفهوم منه. فـ(الآبقة) قيد، إلا أن الإطلاق ليس قيداً. ومعه لا يكون الجواب مقيّداً ولا مطلقاً، أما أنه غير مقيّد فلعدم ورود القيود فيه، وأما أنه ليس مطلقاً فلورود ما يحتمل كونه قرينة، ومعه فلا تصلح أن تكون مقيّدة لرواية سماعة، وحينئذٍ فلا بُدّ أن نأخذ بإطلاق 

ـــــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

رواية سماعة، فما يقوله الشيخ(1) من أن سؤال السائل كان على مثل هذا المورد، صحيح، إلّا أنه ليس قيداً حتى يسري من السؤال إلى الجواب، ونفهم منه المفهوم، وبالمفهوم نقيّد الرواية الأخرى.

إذن فمحصّل الروايتين: أن العبد الآبق لا يجوز شراؤه بلا ضميمة ويجوز معها، بدون دخل أيّ مطلب آخر.

[هل المنفعة تقوم بدل العين؟]

مطلب آخر: هل يمكن أن يقال بقيام المنفعة بدل العين في تصحيح بيع العبد الآبق؟ أما لو بنينا على جواز بيع المنفعة مستقلّاً، كما بنينا لعدم الدليل على المنع فلا إشكال. ولكن لو بنينا على عدم الجواز فهل نفهم من هذه الروايات أن ضمّ المنافع والحقّ إليه لا مانع منه، لكن لا بعنوان البيع بل بعنوان الشرط؟ الشيخ يقول(2): نعم.

يقول في كِلا الروايتين: (أنه قل في المعاملة كذا وكذا). وكذلك قوله: (إلّا أن يشتري معه)، إن فهمنا منه أنه من قبيل اللّف والنشر المرتّب، أي: اشترِ الجارية بكذا والثوب بكذا. لقلنا إنهما معاملتان مستقلّتان، غاية الأمر أنه ورد في المقام تعبّد صرف. وهذا بعيد جداً. ومعه فيستفاد أنه يريد تأسيس بيع واحد. ومعه فإلحاق المنفعة إن كان بنحو البيع بحيث يقع البيع على المجموع كان من قبيل ذلك، وإن لم يجز البيع وتعيّن جعلها بنحو الشرط، فلا يكون بيعاً 

ـــــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 202، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: يجوز بيع الآبق مع الضميمة في الجملة.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 202-203.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مجرّداً، بل ينحلّ إلى بيع وشرط، مع أن المستفاد من الرواية أنه لا بُدّ من حصول بيع واحد، بحيث يمكن أن يقال: (إن لم يكن هذا فهذا). إلّا أن يقال بنحو المسامحة أن البيع المشروط بيع واحد مقيّد. وأما إذا قلنا: إنه قرار في قرار كما هو الصحيح، فهو غير مناسب مع سياق تلك العناية المجموعية.

نعم، ما لا يجوز بيعه منفرداً لا يجوز بيعه منضمّاً. وهو وإن لم يستفد من الرواية، إلّا أنني لو كنت أعلم إجمالاً أن أحد الآبقين يأتي، وأن لي قدرة عليه، وكان الواقع هو ذلك، فكلٌّ منهما بحياله، وإن لم يجز بيعه. ولكن يصحّ البيع بضمّ أحدهما إلى الآخر، بحيث يمكن أن يقال: (إن لم يكن هذا فهذا). نعم يمكن أن يقال: إن فرض العلم بالقدرة غير فرض القدرة، فلو صادف أن خالف علمي مع الواقع فإذا كان المراد هو التعبّد الشرعي، فلا يصحّ ذلك، لكنّنا قلنا: إنه ليس المراد به التعبّد الشرعي.

[في بيع الدابة الضالة ونحوها]

مطلب آخر: وهو الذي دخلنا في بحث العبد الآبق من أجله، وهو أنه هل يمكن التعدّي من بيع العبد إلى غيره كالدابّة الضالّة؟ وهل نفهم من الروايات أنه في كلّ مورد كان الشيء مرجوّ الحصول لا يصحّ بيعه إلّا مع الضميمة؟ وكلّ مورد كان الشيء مقطوع عدم حصوله -وهو غرر باعتبار عدم وجود الفائدة له كالعتق في العبد- فإنه يجوز بيعه مع الضميمة، بالرغم من اقتضاء القواعد بطلانه؟ 

الصحيح أن ذلك لا يمكن، فإنه في الجارية والعبد خصوصية لا توجد في 

ـــــــــــــ[76]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

غيرهما، إلّا إذا كان مثيلاً لهما في هذه الناحية، فإن للعبد منفعة حاصلة على أيّ حال، وهو إمكان العتق، فحتى لو فهمنا من هذه الروايات -على خلاف القواعد- بطلان البيع إلّا مع الضميمة، فإلحاق ما لا يكون بيعاً عقلائياً ولا شرعاً -وهو ما كان مقطوع عدم حصوله من سائر الأشياء- به لا يكاد يكون ممكناً. وإنما يكون حاله أنه ملحق بالقواعد العقلائية، فمتى اقتضت تلك القواعد جوازه أنفذناه، ومتى اقتضت بطلانه أبطلناه. إذن فما هو منطلق بحثنا لا يستفاد من هذه الروايات. نعم، هناك روايات أخرى في ضمّ المجهول إلى المعلوم يمكن أن يستفاد منها الجواز، إلّا أنه يحتاج إلى بحث أطول لا مجال للدخول فيه.

بناءً على أن تكون المعاملة على العبد الآبق عقلائية، وأنه يكفي العتق في تصحيحها ولو منفرداً. ففي موردٍ كنت أعلم أنه لا أجده أو كنت يائساً منه. فهو ليس تالفاً حقيقياً كما هو المفروض، ولا تالفاً حكمياً أيضاً، فإن التالف الحكمي عقلائياً هو من انقطعت منافعه بالمرّة، بحيث يحسبه العقلاء حساب التالف. وإذا جعله شخصي هكذا -يعني: آبقاً- فإنه لا يضمن ضمان التلف. نعم، يضمن المنافع لكونها تالفة. 

وبناءً على أن ذيل موثّقة سماعة لا يريد إلغاء ماليته وحسابه حساب التالف، حيث قلنا: إن أحسن الاحتمالات وأسلمها الذي لا يخالف القواعد العقلائية أنه ليس حكماً شرعياً، بل بيان جاء على طبق الأغراض العقلائية، وهو وإن كان مخالفاً للظاهر، إلّا أنه أسلم الاحتمالات. وما ورد من أنه يجوز بيع السمك في الآجام مع الضميمة، مخالف للقواعد؛ لأن السمك ليس له، 

ـــــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ووروده في (دعائم الإسلام)(1) لا يمكن أن يثبت مطلباً على خلاف القواعد.

وهذا الاحتمال وإن كان أسلم الاحتمالات، بخلاف احتمال صرف الثمن تعبداً إلى الموجود. إلّا أننا نتكلّم على كِلا الاحتمالين: فإن كان على النحو الذي قلناه، فلا تتفرّع الفروع التي قالها الشيخ(2) بعد ذلك، وإنما تكون معاملة كسائر المعاملات، حيث ينتقل الثمن إلى البائع، وينتقل العبد الآبق مع الضميمة إلى المشتري، فإن حصل عليه وتلف عند المشتري فهو تلف بعد قبضه. وإن تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، وقالوا في مثل ذلك أنه ينفسخ العقد قبل التلف آناً ما، بحيث يعود إلى البائع ويتلف في ماله. فيعود جزء الثمن بحسب الضمان المعاملي. وكذلك الضميمة لو تلفت قبل القبض، وكذلك لو تلفا معاً. فالكلام فيه هو الكلام في سائر البيوع. ولا يتفرّع ما ذكره الشيخ من الفروع، فإنها جميعاً مبنية على القول بالصرف.

فإن قلنا بصرف الثمن إلى الضميمة إن لم يجد العبد، فلا يكون هناك تعارض بين الدليلين: دليل الصرف، ودليل الضمان. بل يكون دليل الصرف حاكماً عليه. فإن دليل الضمان يقول: إذا تلف قبل قبضه فما يقابله من الثمن يعود إلى ملك البائع. وهذا الدليل يقول: إن الثمن ينصرف كلّه إلى الضميمة، ولا يكون في مقابل العبد شيء من الثمن. فذاك يأخذ عنوان المقابلة وهذا ينفيها موضوعاً.

ـــــــــــــ[78]ــــــــــ

(1) اُنظر: دعائم الإسلام 2: 23، كتاب البيوع، الباب 3، الحديث 43.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 203-205، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: يجوز بيع الآبق مع الضميمة في الجملة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والفروع التي قالها الشيخ تترتّب على فرض القول بالتلف.

منها: أنه إذا تلف قبل اليأس، فكونه على المشتري مشكل. فإنه بناءً على الصرف يحمل قوله: (إن لم يقدر عليه ) على مورد وجود الرجاء، فإذا تلف فهو سالب بانتفاء الموضوع، ولا يصدق القدرة عليه، كما يقول الشيخ. إلّا أنه ليس تامّاً. فإن قوله: (إن لم يقدر عليها) صادق؛ لأنه بنحو السلب التحصيلي لا بنحو معدولة المحمول. وإن فهم عرفاً عدم الصدق. فنفهم أنه حكم ما إذا لم يأت إلى يده، فيقع الثمن أمام الضميمة. وباقي الفروع لا نتعرّض لها.

[اشتراط القدرة على التسليم في سائر المعاملات] 

ثُمّ إن هناك مطلباً، بل مطلبين أحدهما مناسب مع المقام، والآخر مناسب مع بيع المجهول. وهو: أنه إذا سلّمنا اشتراط القدرة على التسليم في باب البيع، فهل هي شرط في سائر المعاملات؟ 

أما رواية حكيم بن حزام فهي مختصّة بالبيع. وكذلك قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر“. ولا نتعدّى عن البيع إلّا بأن يقال: إنه بمناسباتٍ يمكن التعدّي إلى كلّ نقل في مقابل شيء آخر، أي: ما يكون كالبيع من هذه الجهة مثل الإجارة. 

وعلى أيّ حال ففي الصلح لا يتمّ؛ لكونه قائماً على مبادلة المجهولات، فإنه ليس معاملة، بل هو نحو اتّفاق بين الطرفين، وعفو عن الزائد المجهول. فيكون هذا نظير ما قالوه في (لا ضرر) -وناقشناه- من أن هذه القاعدة لا تشمل الموضوعات الضررية في نفسها، كالزكاة والجهاد القائم على الضرر والحرج. 

ـــــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فهنا يقال: إن الصلح مبني على الجهالة والمسامحة، فهو خارج موضوعاً عن قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر” أو (عن الغرر). ولو كان مشمولاً له لانسدّ باب الصلح.

وأما قوله: (نهى النبي عن الغرر)(1)، فقيل إنه لم يتمسّك به قبل العلّامة(2) أحد، وقال بعضهم -ممن لا يخلو من التتبّع-: إن العلّامة وَهَمَ، ومقصوده: “نهى النبي عن بيع الغرر“، وإلّا فإن قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر” غير موجود. 

الشيخ في (الخلاف)(3) في كتاب البيع مسألة (245) يقول: “نهى النبي عن بيع الغرر“. وفي كتاب الضمان(4) في مسألة (13): “نهى النبي عن بيع الغرر“. وفي كتاب الشركة(5) مسألة (6): “نهى النبي عن بيع الغرر“. مع أن مسائل الضمان والشركة ليست بيعاً حتى يكون في ذهنه “نهى النبي عن بيع الغرر“. وفي (الغنية)(6) في باب بطلان شركة الوجوه وشركة الأعمال تمسّك برواية: 

ـــــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) اُنظر: المكاسب والبيع 4: 467، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، المسألة الثالثة: القدرة على التسليم.

(2) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 51، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الرابع، وغيره. 

(3) الخلاف 3: 155، كتاب البيوع، المسألة 245.

(4) الخلاف 3: 319، كتاب الضمان، مسألة 13.

(5) الخلاف 3: 331، كتاب الشركة، مسألة 6.

(6) اُنظر: غنية النزوع: 264، فصل في الشركة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نهى النبي عن بيع الغرر“. وكذلك شيخ الطائفة، ولا بُدّ أن ابن إدريس قد تمسّك بها أيضاً وإن لم يكن (السرائر)(1) عندي. إذن فهي مرسلة موجودة وليست موهومة.

(المستدرك)(12، باب(7)، من أبواب عقد البيع، عن (دعائم الإسلام)(3): عن أمير المؤمنين أنه سئل عن بيع السمك في الآجام، واللبن في الضرع، والصوف في ظهور الغنم. قال: “هذا كلّه لا يجوز؛ لأنه مجهول غير معروف، يقلّ ويكثر، وهو غرر”. قال أبو عبد الله: “إذا كان في الأجمة والحضيرة سمك مجتمع، يوصل إليه بغير صيد، وكان مع اللبن الذي في الضرع لبن حليب حاضر، أو غيره، كان جائزاً“.

قالوا: إن قوله: “وهو غرر” تمسّك بالحديث: “نهى النبي عن بيع الغرر“.

مع أن في الرواية قرينة على أنه يتحدّث عن البيع، فكأنّه يقول هذه المعاملة غررية. ولا يمكن أن نستفيد ذلك(4).

ـــــــــــــ[81]ــــــــــ

() اُنظر: السرائر 2: 41 و290 و322، وغيرها.

(2) مستدرك الوسائل 13: 235، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 7، الحديث 1.

(3) دعائم الإسلام 2: 23، كتاب البيوع، الفصل 3، الحديث 42.

(4) أقول: قلت له: إن قوله “وهو غرر” تعليل، والتعليل يعمّ المورد وغيره، ويحمل المورد على المثالية.

فقال: كلّا، فإن ما ذكره قبله يمكن أن يعتمد عليه في مقام التقييد. ومعه لا يكون له إطلاق.=

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ـــــــــــــ[82]ــــــــــ

=أقول: والتحقيق أن يقال: إن قوله: “وهو غرر” لا يخلو أمره من أحد احتمالين:

الأوّل: كونه تكراراً للصغرى السابقة –كما فهم السيد-، يعني كأنّه يقول: (وهذا البيع غرري). ومن المعلوم أن الصغرى لا تكفي في الإنتاج ما لم تنظمّ إليها كبرى. إذن فبارتكازية الشكل الأوّل من القياس يتعيّن أن يكون هناك كبرى مستترة.

الثاني: أن يكون بياناً للكبرى ابتداءً، بقرينية ظهوره في التعليل، كأنّه قال: (هذا بيع باطل؛ لأنه غرر).

 وعلى أيّ حال فهذه الكبرى المستترة أو الظاهرة يدور أمرها بين ثلاثة احتمالات مترتّبة من حيث السعة:

الأوّل: أن يكون موضوعها خصوص البيع الغرري.

الثاني: أن يكون موضوعها المعاملة الغررية، كأنّه قال: (هذا بيع باطل؛ لأن كلّ معاملة غررية باطلة).

الثالث: أن يكون موضوعها مطلق الغرر، والمحمول بناءً على هذا الاحتمال حكم تكليفي بالحرمة لا محالة، ولا يحتمل كونه وضعياً كالاحتمالين السابقين.

والظاهر الأوّلي للعبارة وإن كان هو الاحتمال الثالث؛ لأن تقدير لفظ المعاملة أو البيع خلاف الظاهر. إلّا أن تطبيق الحكم التكليفي في المقام المستلزم للحكم الوضعي -على بعض الأقوال- خلاف الظاهر أيضاً، بل الظاهر أن المقصود إفادة الحكم الوضعي بالبطلان ابتداءً ببيان هذه الكبرى.

وأما التقدير فليس مستغرباً بعد وجود القرائن المتّصلة عليه في صدر الرواية كما سنرى. وإذا انتفى هذا الاحتمال، ودار الأمر بين الاحتمالين الأوّلين نقول بتعيّن الاحتمال الأوّل، وهو تقدير لفظ البيع؛ لأنه الموجود في العبارة السابقة، ولفظ المعاملة غير كتاب البيع،= ج11 

لو فرض (أن نهى النبي عن الغرر) واردٌ، فلا بُدّ(1) أن يكون المراد النهي عن بيع فيه الغرر. وقد قلنا: إنه بمعنى الخدعة، أي: نهى النبي عن بيع فيه الخدعة. فتكون الخدعة حرام كالغش.

وأما حملها على الجهالة مع أنه لم يرد في اللغة ذلك إلّا في هذه الرواية، فهو غير صحيح. وفي المقام المسألة أوضح، فإن النهي هناك راجع إلى المعاملة. أما في قوله: (نهى عن الغرر) فلا معنى لأن يكون المقصود النهي عن الجهالة أو النهي عن الخطر، وإنما المراد النهي عن الخدعة، وهو واضح، فتكون الخدعة حراماً شرعاً في المعاملة وغيرها، ولا حاجة إلى التأويل والتقدير، كما في الاحتمالين الآخرين(2).

ـــــــــــــ[83]ــــــــــ

=موجود، ولا دليل على تقديره. ومسألة التعليل يكفي فيها أصغر الكبريات المنطبقة على المقام.

وبهذا تعرف تمامية كلام السيد، وبطلان ما قالوه، فإن ما قالوه متوقّف على تمامية الاحتمال الثالث، وهو أن يكون نهياً تحريمياً عن عنوان الغرر، ليكون مرادفاً للنبوي: (نهى النبي عن الغرر). وما قاله السيد متوقّف على تمامية الاحتمال الأوّل، وهو الاختصاص بموارد البيع. وقد عرفنا عدم تمامية الثالث وتعيُّن الأوّل. انتهى. (المقرِّر).

(2) يعني قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر” ذكرها السيد مقدّمة لفهم النهي عن الغرر. (المقرِّر).

(3) العطلة الصيفية. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 




[الشرط الخامس: العلم بمقدار الثمن والمثمن]

  • [المسألة الأولى: العلم بمقدار الثمن]
  • [المسألة الثانية: تعيين المثمن] 
  • [هل الحكم منوط بعنوان الغرر؟]
  • [هل الوزن أصل للكيل؟]
  • [مسألة: في كفاية إخبار البائع بمقدار المبيع] 
  • [مسألة: في كفاية المشاهدة لصحة المعاملة]
  • [مسألة: في الوجوه المتصورة لبيع متساوي الأجزاء] 
  • [مسألة: لو باع صاعاً من صُبرة]
  • [مسألة: إذا اشترى بالمشاهدة ثم تغيرت العين قبل القبض] 
  • [مسألة: في لزوم اختبار الأوصاف التي تختلف القيمة بحسبها]
  • [مسألة: في صحة بيع ما يفسده الاختبار] 

ـــــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 




  •  [لو اعتمد على إخبار البائع ثم انكشف العيب] 
  • [بيان دعوى الشهيد في المقام] 
  • [ثمرة النزاع في المسألة]
  • [اشتراط البراءة من العيب فيما لا قيمة لمكسوره] 
  • [مسألة: في صحة بيع المسك في فأرته]
  • [مسألة: بيع المجهول منضمّاً إلى المعلوم] 
  • [مسألة: حول الإندار]
  • [في مقتضى الأصل العملي في المقام]
  • [مسألة: بيع الظرف والمظروف معاً] 
  • [خاتمة حول تعلم الأحكام]

ـــــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 





[الشرط الخامس: العلم بمقدار الثمن والمثمن]

 

من شرائط العوضين: العلم بمقدارهما.

فهنا مسألتان:

الأولى: العلم بمقدار الثمن.

والثانية: العلم بمقدار المثمَن.

وفي كِلا المسألتين لا بُدّ أن نفرض أحد فرضين:

أحدهما: أن أركان المعاملة حاصلة عرفاً وعقلاً، وقد ذكر الثمن والمثمَن ولكن مقداره مجهول، وإن كان متعيّناً في الواقع.

والفرض الثاني: أن لا يذكر الثمن أصلاً. كما لو أوكل تعيينه إلى أحدهما بعد العقد: إما بان يقول: (بعتك بالثمن الذي تعيّنه بعد ذلك). أو بأن يقول: (بعتك، وأنت الذي تحكم بالثمن). 

ـــــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 





[المسألة الأولى: العلم بمقدار الثمن]

 

وبين هذين الفرضين فرق.

[الفرض الأول: إذا كان مقدار الثمن مجهولاً]

أما المسألة الأولى: وهو أن البيع عقلائي والثمن والمثمَن مذكوران في المعاملة، ولكنّ الثمن يكون مجهولاً. فالدليل على بطلان المعاملة قد يكون حديث: “نهى النبي عن بيع الغرر“، وقد ورد من طرقنا(1) وطرق العامة(2)، وقد سبق أن استشكلنا في دلالته -ولكن العدول عن المعنى الذي فهمه علماء العامة والخاصّة كلّهم- واستدلّوا به على فساد بيع المجهول، ولم يجدوا في دلالته إشكال، فيمكن أن يقال: إن الاحتمالات التي قلناها على خلاف العرف والعقلاء، والعلماء بصفتهم عرفاً وعقلاء فهموا هذا المعنى من الحديث، فيمكن أن نسمّي ذلك جبراً للدلالة، ويمكن أن نسمّيه تخطئة لِما ذكرناه.

وهناك رواية في (المستدرك)(3)، عن (دعائم الإسلام)(4) مرسلة: (إذا باعه 

ـــــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه من طرقنا آنفاً.

(2) تقدّم تخريجه من طرق العامّة آنفاً.

(3) مستدرك الوسائل 13: 242، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 2.

(4) دعائم الإسلام 2: 51، كتاب البيوع، الباب 12، الحديث 131.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ولا يعرف فليس بيعه ببيع) (1).

وصاحب (الوسائل)(2) في باب (23) من أحكام العقود، يروي عدّة روايات بهذا الصدد عن الكليني، ويرويها الشيخ في (التهذيب)(3) باختلاف من جهة السند، ولا نعلم مصدر الاختلاف هل هو اشتباه صاحب (الوسائل)، أو اشتباه هذه الطبعة من (التهذيب)؟ 

في (الوسائل)(4) عن الكليني، عن محمد بن يحيى -والشيخ(5) عن محمد بن يحيى-. وفي (الوسائل) عن بعض أصحابه، عن الحسين بن الحسن -والشيخ: عن أبي عبد الله عن الحسين بن الحسن الضرير-. وفي (الوسائل): عن حماد بن ميسر، عن جعفر، عن أبيه -والشيخ: عن حماد، عن أبي عبد الله-، قال: “يُكره(6) أن يُشترى الثوب بدينار غير درهم؛ لأنه لا يدري كم الدينار من 

ـــــــــــــ[89]ــــــــــ

() نص الرواية: عن أبي عبد الله عن آبائه: “أنَّ رسول الله قال: من باع بيعاً إلى أجلٍ لا يعرف أو بشيءٍ لا يعرف، فليس بيعه ببيعٍ“.

(2) راجع الأحاديث الواردة في باب عدم جواز البيع بدينار غير درهم من أبواب أحكام العقود من كتاب التجارة في وسائل الشيعة 18: 80.

(3) راجع الأحاديث الواردة في تهذيب الأحكام 7: 116، كتاب التجارات، الباب 8.

(4) وسائل الشيعة 18: 80- 81، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 23، الحديث 1 و4.

(5) تهذيب الأحكام 7: 116. (المقرِّر)، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 110.

(6) كره. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الدرهم(1). وعلى أيّ حال فالرواية غير معتبرة؛ لأن الحسين بن الحسن مجهول، وحمّاد بن ميسر لم يذكر في كتب الرجال.

ولكن كيف لا يدري كم الدينار من الدرهم؟ فإنه إذا كان المتبايعان لا يعلمان فإنهما يرجعان إلى سوق المسلمين، وهو معلوم فيه لا محالة. فهل نقول: إنها -بقرينة بعض الروايات الأخرى التي تقول: لا يجوز بيع الدينار بالدرهم نسيةً أو إلى أجلٍ- تكون من تلك الروايات، حيث إنه لا يعلم نسبة الدينار إلى الدرهم في الزمان المستقبل؟ أو يقال: أنه كانت هناك دراهم مختلفة النسبة إلى الدينار. فإذا قال: (دينار إلّا درهم) لم يُعلم أيّ الدراهم هو المراد؟ نعم لو كانت الدراهم واحدة النسبة إلى الدينار صحّ البيع. 

وهذا له مبعّد: فإن ظاهر التعبير أنه درهم معلوم، ولكنّه لا يعلم نسبته، لا أنه لا يعلم أيّ درهم هو، ومعه فالأقرب في هذه الرواية والتي بعدها هو الوجه الأوّل. والنسبة هو أن يبيعه بدرهم ذلك الحين، لا أنه يبيعه بدرهم حالي يبقى عنده إلى ذلك الحين، وإلّا كان نقداً مع شرط خارجي.

 وعلى أيّ حال فالقضيّة قضيّة الجهالة، لا جهل نسبة الدرهم إلى الدينار بالخصوص، وسبب البطلان هو المجهولية في الثمن. وأما تسرية الحكم إلى باب المثمَن فهو ما يبحث عنه عند بحثه.

الشيخ و(الوسائل)(2) عن الكليني كِليهما، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن 

ـــــــــــــ[90]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 197، كتاب المعيشة، باب بيع المتاع وشرائه، الحديث 7، وتهذيب الأحكام 7: 116، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 110.

(2) وسائل الشيعة 18: 80، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 23، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بنان بن محمد -الوسائل: عن أبيه(1)-، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي: في الرجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل، قال: “فاسد؛ فلعلّ الدينار يصير بدرهم(2).

يستفاد منها أن السبب ليس هو الجهالة، وإلّا كان التعليل بالاختلاف كافياً، وإنما معناه أن هذا البيع بلا ثمن، فإننا لو احتملنا أن الدينار يصير بدرهم لكان بيعاً بلا ثمن. فهذه الرواية تخالف سابقاتها من هذه الجهة.

ولكن حيث إن هذا الاحتمال بعيد، وإنما ذكره باعتبار المبالغة، والمقصود هو التنزّل في القيمة والاختلاف، فتعود هذه الروية إلى تلك الروايات. أو نعيد تلك الروايات إلى هذه الرواية، فنقول: “لا يدري كم الدينار من الدرهم” مطلقة من حيث كونه بعشرة دراهم أو خمسة أو بدرهم واحد. أو نقول: لا منافاة بين الروايتين، فإن كِلا السببين موجبان للبطلان.

وعنه(3)، عن علي، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن وهب، عن جعفر، عن أبيه: “أنه كره أن يشتري الرجل بدينار إلّا درهم وإلّا درهمين نسيّة، ولكن يجعل ذلك بدينار إلّا ثلثاً وإلّا ربعاً وإلّا سدساً، أو شيئاً يكون جزءاً من الدينار(4).

ـــــــــــــ[91]ــــــــــ

() الذي هو محمد بن عيسى (منه) نفس الباب. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 116، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 108.

(3) الباب نفسه في (الوسائل)، ونفس الصفحة من التهذيب. (المقرِّر).

(4) تهذيب الأحكام 7: 116، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 109، ووسائل الشيعة 18: 81، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 23، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هذا يعلم منه أن البطلان سببه الجهالة الناشئة من اختلاف النسبة، والمقصود هو أن لا تكون المعاملة مجهولة. فهذه روايات هذه المسألة، والشيخ خلط بين المسألتين.

[الفرض الثاني: أن لا يذكر الثمن أصلاً]

إذا لم يذكر الثمن في المعاملة، وبقي مقداره مجهولاً بأن يبيع بحكم الطرف بأحد معنيين:

أحدهما: أن يشير إلى الثمن الذي سيعيّنه: إما بعنوان كلّي كما لو قال: (بعتك بما حكمت) فهو عنوان قابل للانطباق في الخارج. ولا إشكال في هذا البيع من حيث ذكر الثمن والمثمَن، وأنه بيع عقلائي، إلّا من حيث الجهالة. وإما بنحو الإشارة إلى الجزئي الخارجي الذي سيتحقّق كما لو قال: (بعتك بما تحكم به بعد ذلك).

ثانيهما: أنه لا يذكر الثمن في العقد أساساً، وإنما يوكله إلى الغير؛ باعتبار أنه يعيّنه بعد ذلك. وفي هذه الصورة معناه: عدم صدق المعاملة، فإن الثمن ركن لها، ولا معنى للبيع بلا ثمن. والروايات الواردة إنما وردت في المعاملات التي تحقّقت ولكنّها غررية. وعلى أيّ حال فالمعاملة باطلة: أما في الصورة الأولى فللغرر، وأما في الصورة الثانية فلانعدام أحد ركنيها.

[صحيحة النخّاس]

فنقرأ صحيحة النخّاس لنرى أيّاً من الصورتين تتعرّض لها؟ وقد خلط بينهما الآغايون. وهل يمكن العمل بها أو تأويلها أو لا؟ 

ـــــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهي ما رواه الشيخ في (التهذيب)(1) قال: الحسن بن محبوب، عن رفاعة النخّاس، قال: “سألت أبا عبد الله قلت: ساومت رجلاً بجارية، فباعنيها بحكمي، فقبضتها منه على ذلك، ثُمّ بعثت إليه بألف درهم، فقلت: هذه الألف درهم حكمي عليك، فأبى أن يقبلها منّي. وقد كنت مسستها قبل أن أبعث إليه الألف درهم. قال: فقال: أرى أن تقوّم الجارية قيمة عادلة، فإن كان قيمتها أكثر مما بعثت إليه كان عليك أن تردّ إليه ما نقص من القيمة. وإن كان قيمتها أقلّ مما بعثت إليه فهو له. قال: قلت: أرأيت إن أصبت بها عيباً بعد ما مسستها. قال: ليس لك أن تردّها، ولك أن تأخذ قيمة ما بين الصحّة والعيب (2).

المساومة(3): إن معناها مبادلة الكلام عن الثمن بين المتبايعين، وليس معناها مجرّد العرض في السوق. 

قوله(4): “فباعنيها بحكمي”: يظهر أن المساومة لم تستقرّ على اتّفاق بينهما، فباعه بحكمه. وليس معنى ذلك الرضا بما سبق أن قاله المشتري، أو بما يعيّنه أياً 

ـــــــــــــ[93]ــــــــــ

() ج7، ص69. (المقرِّر). كتاب التجارات، الباب 6، الحديث 11.

(2) الكافي 5: 209، كتاب المعيشة، باب شراء الرقيق، الحديث 4، مَن لا يحضره الفقيه 3: 230، باب البيوع، الحديث 3851، ووسائل الشيعة 17: 364، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 18، الحديث 1.

(3) وقرأ السيد الرواية فقرة فقرة، وعلّق عليها. فقال عن المساومة:… (المقرِّر).

(4) وقال عن  قوله:… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

كان، وإنما معناه الرضا بما يقول لو كانت قيمة عادلة.

وظاهرها الاحتمال الثاني من الاحتمالين السابقين، وهو إهمال ذكر الثمن على أن يعيّنه المشتري بعد ذلك، فإن الاحتمال الأوّل احتمال دقيّ مدرسي، على أنه لو أراد العنوان الكلّي أو الإشارة لقال: (بما حكمت)، ولكنّه قال: “بحكمك”. ومع تعيّن الاحتمال الثاني لا يكون البيع صادقاً، وإن كان قد أطلق عليه المفهوم، فإنه قد يقال: (بعتك بلا ثمن) ومجرّد إطلاق المفهوم عليه لا يجعله بيعاً في نظر العقلاء.

فقد فرض الإمام(1) صحّة البيع، فكيف تمّ ذلك؟ فإنه لو تمّ في الرواية الاحتمال الثاني لم يكن البيع متحقّقاً أصلاً، إلّا أن يقال: إنه حدث بإرسال المال، وهو خلاف ظاهر الرواية. وعلى فرض كون المراد هو الاحتمال الأوّل فالمعاملة غررية باطلة.

فهل يمكن أن يقال: إن هذه المساومة والمعاملة الباطلة أصبحت موضوعاً لحكم شرعي بما ذكره الإمام؟ أو كما يقول صاحب (الحدائق)(2) من أنها معاملة غررية فتقيد أدلّة الغرر؟ كِلاهما لا يمكن والمعاملة باطلة أساساً.

وإذا كان  البيع وارداً على عنوان (ما حكمت) بعنوانٍ كلّي منطبقٍ على 

ـــــــــــــ[94]ــــــــــ

() ثُمّ قرأ السيد الرواية إلى قوله: “فهو له“، وقال: فقد فرض الإمام… (المقرِّر).

(2) اُنظر: الحدائق الناضرة 18: 461-463، كتاب التجارة، الفصل الأوّل، المقام الثالث، المسألة السابعة، الموضع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الخارج، بحيث يكون ذلك ثمناً له. ففي مثل ذلك يصحّ أحد الحكمين، وهو ما إذا كان قد عيّن له أكثر من القيمة السوقية كان نافذاً، ولا يأخذ منه شيئاً، ولا يصحّ الحكم الأخر وهو: أنه إذا عيّن له أقلّ من القيمة السوقية لا بُدّ من إتمامها. فإن المدار إذا كان هو حكمه فحسب فلا معنى لدفع الزائد.

الاحتمال الآخر: ما نقل عن صاحب (الحدائق)(1) من أنه جعل نظره طريقاً إلى الواقع، وأنه يجب عليه تعيين القيمة السوقية، فيصحّ أحد الحكمين، وهو: أنه إذا دفع إليه ناقصاً عن القيمة السوقية يجب عليه إكماله. أما إذا بعث إليه زائداً فلماذا لا يردّه، إذا كان المدار هو القيمة السوقية؟ 

ومعه فلا بُدّ وأن نرى تأويلات الرواية التي ذكرها الشيخ وغيره، هل يمكن الأخذ بها، أو لا بُدّ من طرح الرواية(2)؟ 

ـــــــــــــ[95]ــــــــــ

() راجع المصدر المتقدّم.

(2) أقول: لا حاجة إلى تأويلٍ، والرواية صحيحة على القاعدة؛ لأن معنى: (أنه باعها بحكمه) ليس المراد رضاه بكلّ مقدار كان، بل المراد لزوم تعيينه القيمة السوقية فما فوق. فإن رجع الحاكم -يعني: المشتري- إلى القيمة السوقية فهو، وإن حكم بأكثر منها كان لازماً عليه. ومعه لا يرد أيّ إشكال.

أما الإشكال بأن البيع يكون بلا ثمن: فلا تكون المعاملة متحقّقة، فلا يكون وراداً أساساً؛ لأن البيع يكون بثمن لا يحتمل نقصانه عن القيمة السوقية بحسب ما اتّفقا عليه ارتكازاً. وإذا كانت القيمة السوقية فما فوق ثمناً له، كفى ذلك في صحّة المعاملة كما هو واضح.

وأما الإشكال بكونها معاملة غررية: فهو أيضاً باطل؛ لأن الغرر إنما يتحقّق مع نفوذ رأيه إذا عيّن الأقلّ من القيمة السوقية. وقد فرضنا عدم نفوذه بحسب ما اتّفقا عليه ارتكازاً. نعم، الترديد فيما سيحكم به موجود، إلّا أن أقلّ مقدار محتمل هو القيمة السوقية، وليس له أن يحكم بما هو أقلّ. إذن فالغرر لا يكون موجوداً على أسوء الاحتمالات.

وأما الإشكال بعدم لزوم دفع الزائد عما حكم به لو كان أقلّ من القيمة السوقية: فواضح الاندفاع بعد الذي قلناه من أنه لا يحقّ للمشتري الحكم بثمن يقلّ عن القيمة السوقية، فلو حكم به لا بُدّ أن يدفع الزائد.

وأما الإشكال بأن الحكم لو زاد عن القيمة السوقية فلماذا لا يردّها: فهذا لِما قلناه من أن المدار هو الأخذ برأيه فيما زاد عن القيمة السوقية، فكلّ ما حكم به يكون لازماً عليه، ولا يمكن الرجوع به. وكلّ هذا الذي قلناه واضح في الارتكاز العقلائي في المعاملات، وإنما نشأ الإشكال من تخيّل انحصار الترديد بين أن يكون المدار الأخذ برأيه محضاً، أو بالقيمة السوقية رأساً. مع أن هنا شقّاً ثالثاً، وهو الأخذ برأيه فيما زاد عنها ولم تقم المعاملات في أيّ سوق على الرضا بالحكم فيما لو قلّ عنها. ومعه لا حاجة إلى أيّ تأويل مما سيذكره السيد . (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هل يمكن العمل بصحيحة النخّاس على النحو الذي ذكره صاحب (الحدائق)؟ وهل نستطيع نحن فهمها بنحو لا يكون هناك خلاف ظاهر شديد مع تصحيح تمام المطالب التي ذكرها؟ من المعلوم أن سياقها سياق صحّة المعاملة، لا حكم تعبّدي على مجرّد المساومة والمعاملة الباطلة.

قال صاحب (الحدائق): إنه وإن ادّعي الإجماع وعدم الخلاف، إلّا أنه غير صحيح، والرواية صحيحة، فنعمل بها ولا مانع لأن نقيّد بها الإجماع(1).

ـــــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحدائق الناضرة 18: 461-463، كتاب التجارة، الفصل الأوّل، المقام الثالث، المسألة السابعة، الموضع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وقد سبق أن قلنا: إن حجّية خبر الواحد لا دليل عليها أصلاً، إلّا سيرة العقلاء(1)، وإنما كان هناك تسالم على المطلب، ولذا حصل التحويل على بعض الثقات. بل لو كان بعض الروايات ظاهرة بالحجّية فهو محمول على بناء العقلاء. فإذا وجدت رواية نقلها الناقلون وأفتوا أنفسهم على خلافها فلا يمكن العمل بها. فالقول بإمكان الأخذ بالرواية عل خلاف الشهرة غير صحيح. 

وكذلك الحال بالنسبة إلى الظواهر. فلو أفتى المشهور على خلاف ظاهر القرآن نأخذ بالمشهور، ولا يكون هذا مخالفة للقرآن، بل من تفسير القرآن. فالأمر بالتسبيح عند طلوع الشمس وعند غروبها ظاهر بالوجوب، وقد أجمع العلماء على استحبابها. وكذلك لو كانت الرواية ضعيفة وعمل بها العلماء الأوّلون، يكون جابراً لضعفها. ولا إشكال في ذلك، بل عمل العقلاء على ذلك.

التأويلات التي ذكرت منها ما ذكره الشيخ(2) أن المراد من “باعنيها” أنه لم يبعها، بل أعطاها إيّاه ليوقع البيع بعد ذلك ويرسل الثمن. والحكم بأن الثمن إذا قّل يجب إرسال الباقي، إنما هو من خيار الغبن، فنرسل المال حتى يسقط خياره ويرضى بالمعاملة. ولم يذكر الشيخ الشقّ الآخر من الحكم.

وإذا أوكل المطلب إلى رأيه محضاً فلا معنى للغبن رأساً. وأما إذا كان نظره طريقاً إلى الواقع فليس تشخيصه تمام الموضوع، فإذا عيّن على خلاف الواقع كان له خيار الغبن، وإذا كان أكثر فالمشتري له خيار الغبن، فكيف يتمّ الحكم بأن الزائد ملكه، مع كون تشخيصه تشخيصاً للواقع؟ 

ـــــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) راجع أنوار الهداية 1: 313، الاستدلال بسيرة العقلاء على حجيّة الخبر.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 208-209، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين العلم بقدر الثمن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ومثله تأويل الشيخ محمد حسين(1) من حيث ورود نفس الإشكالات عليه.حيث قال: إن الواقع ليس ميزاناً؟ بل الميزان هو تشخيصه؟ وخيار الغبن ثابت؛ لأنه توكيل وقبول برضاه. إلّا(2) أن نظره إن كان هو تمام الموضوع فلا ردّ فيه ولا زيادة ولا نقصان.

ومطلب أريد أن أقوله أنا، وهو أن المساومات على نحوين:

الأوّل: أن يقول أحدهما: (هذا اشتريه بهذا المقدار)، ويقول المشتري: (بل بهذا المقدر)، بلا نظر إلى القيمة، حتى يتّفقوا على ثمن معيّن.

الثاني: أن يقول أحدهما: (إن قيمته كذا)، والآخر يقول: (بل كذا). وعلى هذا الثاني فقوله: “باعنيها بحكمي” الظاهر بإيقاع المعاملة ساعتئذٍ أنه باعها اتّكالاً على قوله في أن القيمة السوقية هي كذا. فإذا ظهر الخلاف كان مغروراً، ويكون الجبران بناءً على قاعدة الغرور. وخيار الغبن وإن كان يمكن ثبوته له لكنّه لم يتعرّض لذلك . وإذا زاد فالمعاملة ماضية على حكمه، فلا يمكن له إرجاعه. نعم قوله: “هذا حكمي عليك” مشعر بأنه حكم بعد ذلك، وهو ينافي ما قلناه، إلّا أنه إشعار وليس ظاهراً.

ـــــــــــــ[98]ــــــــــ

() اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 311، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الرابع.

(2) شروع في الجواب. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[المسألة الثانية: تعيين المثمن] 

 

من شرائط البيع تعيين المثمَن ولا إشكال فيه في الجملة، ولا خلاف، ودليل الغرر يشمله. وإنما الإشكال في الروايات التي ذكرها الشيخ(1) هل تدلّ على المطلب؟ وهل يمكن فهم ذلك من الروايات السابقة في الدينار والدرهم بأن نقول: بأنه لا خصوصية للثمن، وإنما جهة البطلان هو كون البيع مجهولاً، فيعمّ الجهالة في المثمن، أو يجعل الدينار إلّا درهم مثمَناً؟ 

[دلالة الروايات في المقام]

الروايات التي ذكرها الشيخ:

[الكلام في صحيحة الحلبي]

إحداها: صحيحة الحلبي، رواها المشايخ الثلاثة عنه بطرق صحيحة: الصدوق بإسناده عن الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: “وما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً فلا يصلح بيعه مجازفةً، هذا مما يكره من بيع الطعام(2). ورواه 

ـــــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 210-213، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين العلم بقدر المثمن.

(2) وسائل الشيعة 17: 341، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الكليني(1) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد عن الحلبي. ورواه الشيخ(2) بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير.

وعنه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله: أنه قال في رجل اشترى من رجل طعاماً عدلاً بكيل معلوم، وأن صاحبه قال للمشتري: (ابتع منّي هذا العدل الآخر بغير كيل؛ فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت) . قال: “لا يصلح إلّا بكيل“. وقال: “وما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً، فإنه لا يصلح مجازفة هذا مما يُكره من بيع الطعام (3). ورواه الكليني(4) والصدوق(5) كالذي قبله.

وعنه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، قال: قال أبو عبد الله: “ما كان من طعام سميت فيه كيلاً، فلا يصلح بيعه مجازفة(6) (7).

ـــــــــــــ[100]ــــــــــ

() الكافي 5: 193، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 1.

(2) تهذيب الأحكام 7: 122، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 2، والاستبصار 3: 102، كتاب البيوع، الباب 67، الحديث 2.

(3) تهذيب الأحكام 7: 36، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 36، ووسائل الشيعة 17: 342، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4، الحديث 2.

(4) الكافي 5: 179، كتاب المعيشة، باب شراء الطعام وبيعه، الحديث 4.

(5) مَن لا يحضره الفقيه 3: 210، باب البيوع، الحديث 3781.

(6) كلّه في باب4 من أبواب عقد البيع من (الوسائل). (المقرِّر).

(7) تهذيب الأحكام 7: 122، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 1، الاستبصار 3: 102، كتاب البيوع، الباب 67، الحديث 1، ووسائل الشيعة 17: 342، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهذه رواية واحدة بألفاظ مختلفة، ونحن نبحث أوّلاً في الذيل الذي رواه الصدوق بقطع النظر عن الصدر أوّلاً، ثُمّ نضمّه إليه.

ما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً، فلا يصلح بيعه مجازفة“: الشيخ يقول: إنه كناية عن أن كلّ ما كان مكيلاً، فلا يصحّ بيعه مجازفة(1). وإذا تمّ ذلك كان فيه دلالة على المطلب، فإنه يثبت للمكيل والموزون والمعدود والمذروع أيضاً، وأن كلّه يجب أن لا يكون مجازفة، وأن بيع المجازفة لا ينبغي أن يقع. بل يستفاد أن سبب البطلان هو المجازفة، فإنه لو ألقى هذا الكلام إلى العرف والعقلاء فإنهم يقولون: إن الإشكال فيه من جهة المجازفة. وأما كون المجازفة مقيّدة بخصوص المكيل فهذا ما لا يفهمه العقلاء. ومعه فيفهم أن كلّ طعام أو غير ذلك قيس بأحد المقاييس العقلائية لا يجوز بيعه جزافاً. كلّ ذلك إذا تمّت الدلالة التي يقولها الشيخ.

لكن الإشكال في دلالتها على ذلك، فإن معنى: ما “سمّيت فيه كيلاً” ليس كونه مكيلاً، بل معناه: أنك ذكرت فيه كيلاً، كأنّه يريد أن يقول: (إنك إن بعته مقدراً بالكيل فلا تدفعه مجازفة)، فإن الجزاف تارةً يكون بأصل المبيع كبيع الصبرة مشاهدة، وأخرى يكون الجزاف في تقدير الكيل، بأن يدفع له كمية بدون كيل على أنها تساوي كيلاً معيّناً. وهذا هو المراد من قوله ما: “سمّيت فيه كيلاً“، يعني: ما ذكرت فيه كيلاً معيّناً فلا يجوز بيعه مجازفة، بهذا النحو الثاني.

ـــــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 211، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين العلم بقدر المثمن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ومعه فأيضاً نقول بنفس ذلك التقريب: إن الكيل ليس له خصوصية ولا موضوعية، وإنما الموضوعية عرفاً للجزاف. وأما إذا لم يسمّ مقداراً معيّناً من الكيل أو غيره، وإنما أراد البيع بالمشاهدة، كان ذلك جائزاً، فما هو الممنوع في الرواية هو مورد ذكر مقدار الكيل ونحوه. وما هو الواقع في الخارج من الجزاف لا يكون منه مانع.

وأما الصدر في رواية الحلبي، وهو قوله: (رجل اشترى من رجل طعاماً بكيل معلوم) يفهم منه: أن الأكيال تختلف، وإلّا لم يكن معنى لقيد (معلوم)، قال: “لا يصلح إلّا بكيل“، يعني: ما ذكر فيه الكيل بقرينة، قوله بعده مباشرة: “وما كان من طعام سميت… “.

وما أشكله الشيخ(1) من أن قول البائع معتبر.

جوابه: أن ما هو معتبر هو قول البائع في أن هذا كذا كيله. وأما شهادته بأن هذا نظير ذاك فهو تطبيق اجتهادي حدسي لا يصدق فيه. وعلى أيّ حال فالرواية تدلّ على أن تطبيق الكبرى على المقام باعتبار أن ما عيّن فيه الكيل لا يجوز بيعه جزافاً. دون ما لم يعيّن فيه ذلك. ثُمّ إنه يمكن تجريده عن خصوصية الكيل أيضاً بنفس التقريب السابق، وأن الكيل لا خصوصية له. وإنما المسألة مسألة البيع الجزافي، ولا أن التسمية لها دخل في الموضوع. وبذلك نفهم حكم الموزون وغيره من المقاييس.

ـــــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 213، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين العلم بقدر المثمن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صحيحة الحلبي مع صدرها موجودة في (الكافي) و(الفقيه) و(التهذيب)، ولا إشكال فيه. وإنما الإشكال في أن مضمونها خلاف المشهور. فإن قلنا: إن المتعارف في وزن وكيل الامتعة هو أن يحدث عند البيع، وغالباً ما لا يسمع قول البائع بالمقدار، وإنما يزنونه ويأخذونه. ومعه فلا يحتاج البائع إلى وزنه مرّتين: عند جنيه، وعند بيعه. ومعه فهذا الرجل لا يريد الإخبار عن مقدار الكيل، بل يريد أن يقول: إن هذين العدلين متماثلان بالمقدار. ولم يكن إخباراً عن الكيل، وإلّا لصرّح به. والمراد بالكيل المعلوم هو الكيل البصري أو الكوفي ونحوه، لا ذكر مقدار الكيل. ومعه فتكون الكبرى منطبقة على الصغرى، فإنه يريد أن يبيع العدلين بلا كيل، وإنما فقط أخبر بأن الثاني مثل الأوّل. لا أنه أخبر بوزن الأوّل وأخبر أن الثاني مثله. وإلّا فمع حصول الاطمئنان بقوله فلا إشكال، وفي هذه الصورة لا يكون البيع مجازفة، ولا تنطبق عليها كبرى المجازفة. فإن المجازفة ما كان بلا كيل، لا ما كان الاتّكال فيه على قول البائع.

ويأتي إلى النظر إلى أنها ليست ثلاث روايات، بل رواية واحدة مع الصدر، باعتبار تعرّضه إلى الكيل في صدرها. وعلى نسخة (الوسائل): “لا يصلح بيعه مجازفة“، ولا يكون ذلك إلّا إذا ترك البائع وزنه سابقاً، وإلّا كان الشراء مجازفة دون البيع، فيستفاد منه أن البائع والمشتري معاً مجازفان.

إذن لا تريد الرواية أن تقول: (لا يمكن الإتّكال على قول البائع)، بل تريد أن تقول بأنه: لا يمكن قبول قوله في التنظير بين العدلين تخميناً، فإن التخمين على الأكثر خاطئ، والعدلان غالباً يختلفان.

ـــــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [الكلام في الروايات الأخر]

ورواية ابن بكير(1)، عن رجل من أصحابنا، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الجصّ، فيكيل بعضه، ويأخذ البقية بغير كيل. فقال: “إما أن يأخذ كلّه بتصديقه، وإما أن يكيله كلّه (2).

وليس معناه أنه يأخذ كلّ ما خرج كيفما كان، بل يأخذه بظنّ أنه مثله. فقال: (إما أن تعتمد عليه فتصدّقه، وإن لم تعتمد عليه فلا بُدّ من كيله). وليس المقصود أنه: إما أن يأخذ كلّه مجازفة، أو كلّه كيلاً. ويستفاد منها مضافاً إلى مضمون الرواية السابقة: أنه لا يمكن الاتّكال على تصديق شخص صدوق، وليس للكيل حال البيع موضوعية، فإن أحرز مقداره بقوله كان كافياً.

وعن محمد بن حمران، قال: “قلت لأبي عبد الله: اشترينا طعاماً، فزعم صاحبه أنه كاله، فصدّقناه وأخذناه بكيله. فقال: لا بأس. فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل. قال: لا. أما أنت فلا تبعه حتى تكيله(3).

“فصدقناه”: معناه أنه مورد الاطمئنان لهم. “حتى تكيله“. 

ـــــــــــــ[104]ــــــــــ

(1) باب (4) من أحكام العقود. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 195، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 13، تهذيب الأحكام 7: 125، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 16، ووسائل الشيعة 17: 344، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 3.

(3) تهذيب الأحكام 7: 37، كتاب التجارة، الباب 3، الحديث 45، ووسائل الشيعة 17: 345، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

لأحد أن يقول: إننا إذا صدّقناه فلماذا لا نبيع على تصديقه؟ وإذا لم نصدّقه فلماذا اتّكلنا عليه؟

والجواب ظاهراً: أن الخروج عن المجازفة يتحقّق مع الاتّكال على قول البائع. ولكن الإثبات الشرعي لقوله بنحو أستطيع أن أخبر به يحتاج إلى بيّنة. وأنا عند البيع لا بُدّ أن أخبر بكيله، وإذا قال: (زيد أخبرني) لا يصدقونه. ولا يستطيع أن يخبر بالواقع اتّكالاً على رأيه. غايته خبر واحد في الشبهة الموضوعية. وفرق بين الخروج من المجازفة في البيع وبين الإثبات الشرعي للمطلب.

ورواية ابن العطارد: يقول في ذيلها قلت: “فأُخرج الكرّ والكرّين، فيقول الرجل: أعطنيه بكيلك. قال: إذا ائتمنك فلا بأس(1). وهي مثل الرواية السابقة في التفصيل بين الوثوق بالبائع وعدمه(2).

ورواية سماعة قال: “سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن، هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن؟ فقال: أما أن تأتي رجلاً في طعامٍ قد كِيل وُوزن تشتري منه مرابحة، فلا بأس إذا اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه، إذا كان المشتري الأوّل قد أخذه بكيل أو وزن، وقلت له عند البيع: إني أربحك كذا وكذا، وقد 

ـــــــــــــ[105]ــــــــــ

() الكافي 5: 179، كتاب المعيشة، باب شراء الطعام وبيعه، الحديث 6، تهذيب الأحكام 7: 38، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 47، ووسائل الشيعة 17: 345، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 6.

(2) الباب نفسه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

رضيت بكيلك ووزنك، فلا بأس(1)(2). إذن فلا يصحّ الاتّكال إلّا مع الوثوق.

وعن يعقوب بن شعيب قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون لي عليه أحمال كيل مسمّى، فيبعث إليّ بأحمال فيها أقلّ من الكيل الذي لي عليه، وآخذ مجازفة؟ قال: “لا بأس (3)(4).

وهذا غير راجع إلى البيع، بل إلى أداء ما في الذّمة، فإذا أدّاه مجازفة جاز أن يقبل؛ لأن معناه: أنه يعفو عن الزائد.

فمحصّل هذه الروايات أنه يجوز الاتّكال على قول البائع في مورد اتكال العقلاء عليه واطمئنانهم به، ولا يلزم قيام البيّنة على المقدار، كما أنه لا تجوز المجازفة.

ـــــــــــــ[106]ــــــــــ

() الباب نفسه. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 178، كتاب المعيشة، باب شراء الطعام وبيعه، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 38، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 46، ووسائل الشيعة 17: 346، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 7.

(3) الباب نفسه. (المقرِّر).

(4) مَن لا يحضره الفقيه 3: 225، باب البيوع، الحديث 3834، تهذيب الأحكام 7: 125، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 17، الاستبصار 3: 102، كتاب البيوع، الباب 67، الحديث 4، ووسائل الشيعة 17: 345، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[هل الحكم منوط بعنوان الغرر؟]

 

ما ورد في الثمن والمثمَن أُخذ فيه عدّة عناوين:

أحدها: عنوان الغرر في قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر“.

ثانيها: أنه لا يدري كم الدينار من الدرهم. وذلك في روايات بيع الثوب بدينار إلّا درهم.

ثالثها: المجازفة في روايات الكيل والوزن.

رابعها: النهي عن بيع السمك في الآجام، وبيع اللبن في الضرع، وبيع الصوف على ظهور الغنم.

فهل هذه العناوين موضوعات مستقّلة يدور الحكم مدار كلّ واحد منها؟ أو كما احتمله الشيخ(1) من أن روايات الكيل تكون بلحاظ الغرر، ويكون الغرر نكتة فيها؟ أو أنها مصداق من مصاديق الغرر، وليست النكتة نكتة الغرر. وليس عندنا إلّا عنوان بيع الغرر، مع ورود الحكم على العنوان التفصيلي لا عنوان الغرر؟ وكان الإمام يفتي بعدم جواز هذه الأمور، فكان يطبق قاعدة الغرر ويقول: (لا يجوز؛ لأن هذا مجهول يقل ويكثر لا يعرف وهو غرر)، 

ـــــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 314، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين العلم بقدر المثمن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فليس هناك إلّا عنوان مستقلّ واحد هو الغرر.

فإن فرض أن الغرر بمعنى الجهالة كما كان الشيخ يصرّ عليه، وإن رفع اليد عنه الآن، فيعود قوله: (لا يدري كم الدينار من الدرهم) إلى الغرر؛ لأنه نصّ في الجهالة. وفي باب الكيل والوزن يكون باطلاً؛ لأجل الجهل. وكذلك بيع السمك واللبن والصوف.

وأخرى نفرض أن الغرر بمعنى الخطر في المعاملات، أو عنوان ما لا يؤمن معه الضرر. فينفصل عنوان الخطر عن عنوان (لا يدري)، فإنه ظاهر بأن عنوان الجهل مستقلّاً موضوع الحكم، وكذلك المجازفة يمكن إرجاعها إلى الجهالة، فلا تكون هذه الأمور من مصاديق الغرر. نعم، لو كان الغرر هو الجهالة كانت مصداقاً له. ولا ينبغي للشيخ أن يقول: إنها من أفراده على هذا التقدير. فما يقوله الشيخ من أن المبادلة بين مقدارين متساويين لا يكون غرراً(1)، لا يتمّ فيما إذا كان الغرر هو الجهالة؛ لفرض تحقّق الجهل بالمقدار، وإنما يتمّ لو كان الغرر هو الخطر، أو ما لا يؤمن معه الضرر.

الآن نرى أنه لو كان الغرر هو الخطر، أو ما لا يؤمن معه الضرر، فيكون عنوان الغرر مستقلّاً عن عنوان (لا يدري كم الدينار من الدرهم) وعن عنوان المجازفة. وإذا فهمنا التعميم لدليل المجازفة إلى الثمن وإلى المثمَن والى المكيل والموزون والمعدود والمذروع، فيكون الغرر مستقلّاً عن المسألة، ولا يمكن 

ـــــــــــــ[108]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 214، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: من شروط العوضين العلم بقدر المثمن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

تطبيق كبرى الغرر عليها. فإن وجوب أن يكال المكيل قانون في نفسه قد يكون نكتته غير الغرر، وكذلك المنع عن المعاملة، إذا لم يكن يدري كم الدينار من الدرهم. فكيف نرجعه إلى الغرر؟ وهل يفهم العقلاء ذلك؟ مع أننا لسنا إلّا مع الدليل الاجتهادي التعبّدي.

نعم، لو أخذ الجزاف بمعنى الضرر، رجع إلى الغرر، لكن معنى الجزاف ليس هو ذلك، بل معناه بيع المكيل بلا كيل والموزون بلا وزن، وأما رجوعها إلى الخطر أو ما لا يؤمن معه الضرر، فلا نستطيع أن نعرفه. نعم، بناءً على ما ذكره الشيخ من معنى الجهالة للغرر، كانت من مصاديقه. إلّا أنه باطل لم يرد في اللغة أساساً.

نعم، هنا مطلب لا يهمنا كثيراً، وهو أنه كيف يرتفع الغرر في باب الكيل والوزن؟ فلو جعل ظرف معيّن للكيل به في السوق، فملأناه من الطعام، لا نعلم إلّا أن الطعام مساوق لملء هذا الكيل. فهل يرتفع بذلك الغرر، أو لا بُدّ أن نرجعه إلى وزن الكيلو مثلاً، ونرجع الكيلو إلى أجزائه حتى يعود أقلّ الأجزاء إلى كونه ثلاث حبات حنطة مثلاً، فيرجع الكيل والوزن إلى المشاهدة؟ أو -بحسب الحقيقة- أن مسألة الكيل والوزن مسألة عقلائية، وأنه بمجرّد أن يتعارف السوق على مقدارٍ فإنه يخرج عن الجزاف، وبما أن استعملها سواء عرفت أجزاؤها أو لا، وسواء عرفت نسبتها إلى الأوزان الأخرى أو لا؟ فالغريب الذي يرد إلى بلدة أخرى له أن يستعمل الأوزان التي في السوق، وإن لم يعلم أجزاءها أو إرجاعها إلى بلاده، بل حتى لو لزم الغرر بحسب اللغة، لكن بحسب الفقه يرتفع 

ـــــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الغرر بمجرّد أن يعرف مطابقة الوزن للسوق، ولا يريد النبي حين نهى عن بيع الغرر أكثر من ذلك.

[الغرر الشخصي و الغرر النوعي] 

هذا المطلب الذي يقوله الشيخ(1) في هذه المسألة والمسألة التي بعدها، إذا كان دليلها دليل الغرر فلا بُدّ أن يكون غرراً شخصياً، وإذا كان دليلها الروايات فلا يكون شخصياً. وقلنا: إنه أُخذ في الروايات عناوين ثلاثة: (الغرر)، و(لا يدري كم الدينار من الدرهم)، و(المجازفة). فإن كان الغرر بمعنى الجهل كما أصرّ عليه الشيخ فلا بُدّ أن نلاحظ الجهل جهلاً شخصياً؛ لأنه لا معنى لأن يقال: (لا تبع المجهول، لكن إذا علم الآخرون فلا بأس). وكذلك قوله: “لا يدري كم الدينار من الدرهم” ظاهر بالشخصي، ولا معنى للنوعية فيه. وكذلك في روايات الكيل، وأنه لا يصلح بيعه مجازفة، فإنه إذا عرف الآخرون مقدار الكيل لا يكفي، بل لا بُدّ أن المتبايعين يعرفانه شخصياً. فإذا لاحظنا كلّ العناوين رأيناها شخصية بحسب ظواهر أدلّتها.

وأما التكلّم عن الغرر النوعي، فإنما يأتي إذا لم نأخذ الغرر بمعنى الجهل، وإنما نأخذه بمعنى الخطر، أو ما لا يؤمن معه من الضرر. وحينئذٍ لا يكون الميزان في الغرر عدم الدراية. بل وجود الخطر أو ما لا يؤمن من الضرر وإن كان مجهولاً. 

ـــــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما “لا يدري كم الدينار من الدرهم” فمعلوم أنه من باب عدم الدراية. وأما في باب المكيل والموزون فإن استطعنا أن نستفيد من الروايات: أن هذه من مصاديق الغرر، وليس هو مطلباً مستقلّاً، فيبقى الميزان ميزان الغرر، ولا نقبل ما قلناه في (لا يدري) بل نخصّه في باب الثمن دون المثمَن، إذن ففي كلّ مورد يكون مأموناً من الخطر والضرر فإنه لا يلزم الكيل والوزن ولو كان مجهولاً، وأما إذا قلنا بأن هذا ليس من مصاديق الغرر، فإن فهمنا أن الغرر علّة لذلك والمسألة دائرة مداره، فكذلك.

وإن قيل -كما قال الشيخ(1)-: إنه لحكمة الغرر لا لعلّية الغرر، فلا تكون هذه الموارد مصداقاً للغرر. ويحكم في الموارد التي ليس فيها غرر بالبطلان، ويكون الغرر نوعياً، فالنوعية التي قالها الشيخ مبنيّة على ذلك. فنحن لا بُدّ أن نكيل المكيل ونزن الموزون. ومعه فيكون التفصيل صحيحاً.

[في دفع الغرر والخروج عن المجازفة]

وهنا كلام آخر: وهو أنه لا شكّ أن البشر في أوّل المطلب لم يكن لديهم وزن ولا ميزان، وإن كان الميزان موجوداً في زمن موسى، لكن زمانه كان زمان حضارة كبيرة، ونحن نتكلّم عن الزمان الأسبق منه. ولا شكّ أن المبادلة قبل وجود الميزان والكيل لم تكن جزافاً محضاً، وليس هناك من يعطي أمواله على أساس ذلك. وإنما كان هناك تقدير … 

أما في المعدودات فكانوا بحسب طبعها يعدّونها. وأما الأرض فكانت 

ـــــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

تقاس بالشبر أو الذراع ونحوه. أما الحنطة والشعير ونحوه، فهل كانوا يبيعونه بالمشاهدة؟ أو كانوا يقيسونه بالكفّ كما هو الموجود في بعض القرى؟ وربما كانوا يعينون الصبرة بالشبر. هذا كلّه مجهول لنا، وإنما المعلوم هو أن الميزان متأخّر عن هذه الاعتبارات. كما أن الكيل بالكفّ سابق على الكيل بالآنية. ثُمّ أصبحوا يعملون المكاييل من حياكة السعف أو جريد النخل ونحوه. ثُمّ وجد الميزان بعد ذلك. وكانوا يتبادلون، فكلّما كان الشيء أهون في نظره أعطى منه أكثر.

فيأتي الكلام أنهم يومئذٍ كيف كانوا يخرجون عن الجزاف؟ لم يكن ذلك بالكيل المعروف، بل بالكيل البسيط الذي كان عندهم. والكيل المتعارف يخرج به الشيء عن الجزاف. كما أنهم كانوا يختارون صخرة للوزن، ويتبانون عليها، ويخرج بذلك عن الجزاف، وإنما يكون الجزاف ما لم يوزن بتلك الصخرة.

وإذا قوّمت طائفة من البشر المالية بهذا الكيل في محيط فيه نقود بالنقود، فإذا ذهب أحد أفرادهم إلى مكان آخر يجهل مقدار الكيل فيه. فإذا طبّقنا مسألة أنه (لا يدري كم الدينار من الدرهم)، فإنه لا يدري نسبة هذا الكيل أو الوزن إلى كيل بلده ووزنه. فيكون البيع مجهولاً، وإذا كان الميزان كونه ليس جزافاً، فهذا ليس جزافاً؛ لأن الكيل معلوم في هذا البلد ومتعارفاً عليه. وليس ضرورياً أن نعرف نسبة هذا الكيل إلى الكيلو -مثلاً- وإرجاعه إلى أجزائه. فإنه أمر لا يعرفه إلّا الخواص. فهناك فرق بين الجهل وبين الجزاف، فإذا كان الأمر دائراً مدار الجزاف فلا مانع من الكيل بالنسبة إلى الشخص الغريب. وإنما قال في الرواية بكيل مصر؛ باعتبار أنه موجب للخروج عن الجزاف.

فالغرر بمعنى الجهل غير مسألة الجزاف. نعم، يمكن تقييدها به.

ـــــــــــــ[112]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[هل الوزن أصل للكيل؟]

 

إذا كان المراد من الأصالة والتبعية: أنه كانت الأشياء موزونة، ثُمّ للتسهيل أصبحت مكيلة. فالكيل وزن بنحو أسهل، هكذا يقول الشيخ(1)، ويؤيّده بتأييدات غير صحيحة:

منها: أن أكيال البلاد المختلفة لا تنسب إلى مكيال عامّ معيّن، فيعلم أن الأصل هو الوزن. 

مع أن الشيخ ينبغي أن يلتفت إلى أن الأوزان في البلدان مختلفة، ولا تنسب إلى وزن واحد. فإن أريد بالأصالة الأقدمية، فالكيل أقدم، وإن أريد بها الأضبطية، فالكيل أضبط.

الكلام أنه في عصر النبي كيف كان الكيل والوزن؟ هل كانا أصيلين لا يرجع أحدهما إلى الآخر، أو كان أحدهما يرجع إلى الآخر؟ لا نستطيع أن نعرف. إلّا أننا حيث نرجع إلى الروايات نجد الأكثر هو التعرّض إلى الكيل. ولا يبعد أنه في صدر الإسلام كانوا على الوضع البدائي السابق يبيعون بالكيل. وليس البيع بالكيل بيعاً بالمشاهدة، كما يقول الشيخ، وإلّا كان الموزون 

ـــــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 223-225، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: التقدير بغير ما يُتعارف التقدير به.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بالمشاهدة أيضاً، فإن أغلب الناس لا يعرفون هذا الوزن إلّا بالمشاهدة، غاية الأمر أنه مضبوط ولا يكون بيعاً بمشاهدة بل بمقياس.

فما يقال من أن الوزن أصل، والكيل يرجع إليه، وإشارة إليه، غير صحيح. فإن لم يكن الوزن راجعاً إلى الكيل، فلا أقلّ من التساوي.

وما ينبغي البحث فيه: أن أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ وأَوْفُوا بِالعُقُودِ كم طرأ عليهما من القيود؟ فإنه لو لم ترد أدلّة الغرر لقلنا بجواز البيع بالمشاهدة والجهالة، فإنها بيوع في نظر العقلاء، وإن قالوا بلزوم الكيل أو الوزن، إلّا أنها غير دخيلة في ماهيّة البيع، وإنما تخرج عن ذلك بأدلّة التقييد، أحدها قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر“، فهل يريد أن يقول: يجب أن لا يكون مجهولاً من جميع الجهات، ومعروفاً من حيث الكيل والوزن وعدد حبات الحنطة، وإلّا كان غرراً؟ وهل يريد أن يقول: (بيعوا بالوزن، وأما الكيل فغرري)، مع أنه كان في زمانه الكيل موجوداً؟ لا دليل عليه. 

بل غاية ما يفهم منه بناءً على أن معنى الضرر الجهالة: أن ما يكون من قبيل بيع القصب في الآجام واللبن في الضرع باطل. وأما إذا علم بكونه مطابقاً لمقياس عقلائي يخرج عن كونه من الغرر. فإذا بعناه بالوزن لا يجب أن نعلم كيله، وإذا بعناه بالكيل لايجب أن نعلم وزنه، والاختلاف بين الكيل والوزن وإن كان موجوداً إلّا أن العقلاء لا يعتنون به، وقد سار الشرع على مسارهم. فهل البيع بالكيل بيع غرري كما يقول الشيخ…؟ كلّا. فإن الغرر ما لا مقياس له أصلاً، وقد قيس هذا بالكيل على الفرض. وإنما يتعرّض الحديث إلى وجوب وزن الموزون، وكيل المكيل، وعدّ المعدود.

ـــــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وكذلك صحيحة الحلبي: (لا يصحّ مجازفة)، هل يريد أن يقول: إنه يجب أن يكون معلوماً بجميع المقاييس؟ أو أنه في مقابل أن نقيس بمقياس أصلاً؟ وإنما يحتاج إلى أحد المقاييس. وكون الكيل والوزن مقياسين مستقلّين، أو يرجع أحدهما إلى الآخر، مما لا يستفاد من هذه الرواية، ولا يستفاد منها تعيّن الوزن. فإنه ليس أحدهما راجعاً إلى الآخر، بل كلٌّ منهما مقياس مستقلّ، فإن الكيل كان رائجاً في البلاد العربية في صدر الإسلام كما يظهر من الروايات.

[هل يجوز بيع الموزون بالكيل وبالعكس؟] 

كلام آخر: وهو أن صحيحة الحلبي السابقة التي ورد فيها: (أنه كان بعض الاحمال)، وقال: (خذ الباقي على ذلك). فقال: (لا يصلح إلّا بالكيل)، وفي نسخة (الفقيه): “لا يصحّ”. ثُمّ قال: “ما سمّيت به كيلاً يصحّ مجازفة“. فهل يريد أن يقول بأن الطعام الكيلي لا يباع إلّا بالكيل؟ أو يريد أن يقول: أن ما كلته في مورد الكلام لا يجوز بيعه مجازفة؟ وكذلك الذيل وهو قوله: “ما سمّيت فيه كيلاً لا يصلح مجازفة“، لا يعيّن القياس بالكيل. ولعلّه لذلك غيّر العبارة، وأنه لا يحتاج إلى قياسه بالكيل، بل يكفي عدم المجازفة.

ثُمّ لا بُدّ من الكلام فيما ذكره الشيخ من أننا لو فرضنا الكيل والوزن أصيلين، فما تعارف فيه أحدهما هل يجوز بيعه بالمقياس الآخر؟ أو هناك تفصيل بينهما، فالمكيل لا بأس بأن يوزن والموزون لا يكال، كما اختاره الشيخ(1)؟

ـــــــــــــ[115]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 222-224، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: التقدير بغير ما يُتعارف التقدير به.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فهنا لا بُدّ أن نرى أنه إذا كان مكيلاً وبعناه بالوزن فهل يكون مجازفة وغرراً ليكون باطلاً أو لا؟ أو إذا احتملنا كونه ليس مجازفة واحتملنا -على الأقلّ- أن المجازفة هو عدم المقياس أساساً، والمفروض أنني قسته بكيل متعارف، وإن كان موزوناً فلا نقبل أنه يكون غرراً وجزافاً ما دام يقيس بمقياس معروف، ولا يجب معرفة نسبة أحد المقياسين للآخر، وإذا شككنا في ذلك فهو شكّ في مفهوم المخصّص نتمسّك فيه بالإطلاق بالنسبة إلى المقدار الزائد.

يشكل أن نعرف بنحو الاطمئنان أن النظام في باب الأجناس هو الوزن، وأن الكيل كان طريقاً إليه، أو أن الكيل والوزن مطلبان مستقلّان يباع الطعام بكلٍّ منهما. وغاية ما نعرف أن الكيل أقدم من حيث الزمان من الميزان.

ولكن في زمان النبي، كيف كان؟ 

هناك جملة كبيرة من الروايات(1) ذكرت اسم الكيل، وبعضها عطفت الكيل على الوزن، بـ(أو) أو بـ(الواو). فيعلم أنهما مطلبان متعارفان. وفي القرآن قال: وَلاَ تَنقُصُوا المِكْيَالَ وَالمِيزَانَ(2). وذلك بالنسبة إلى الملل السابقة وبالنسبة إلى هذه الملّة. فيستفاد من ذلك أن الكيل والوزن على نحو واحد، فحال الكيل حال الميزان.

ـــــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال الأحاديث الواردة في الباب السادس من أبواب الربا من كتاب التجارة في وسائل الشيعة 18: 132، وغيرها.

(2) هود: 84.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ومن الطرف الآخر، يوجد في باب الزكاة ما يستفاد منه أنه كان هناك كيلات موزونة، فالوسق كان حِملاً، ولم يكن كيلاً معيّناً. إلّا أنهم قالوا: إنه ستون صاعاً، والصاع قالوا: إنه مكيال يساوي أربعة أمداد. إذن فالمكاييل كانت معيّنة بالأوزان، وعلى أيّ حال فالمطلب يحتاج إلى التتبّع أكثر من ذلك في كتب التواريخ وغيرها، ولا تنافي بين الأمرين، وهو أن يكون الكيل دالّاً على الوزن أحياناً، ويستعمل استعمالاً مستقلّاً تارةً أخرى. ونحن نتكلّم على التقديرين.

فإن كان كِلاهما مستقلّاً، فلا يحصل الجزاف بأيٍّ منهما كان. وليس معنى هذا أن الكيلة المقترحة يصحّ القياس بها أيضاً، كما أنه ليس معنى هذا إمكان استعمال الكيل فيما ليس مقياساً له، فإن هناك أنحاء من البيع لا يصلح فيه الكيل ولا الوزن ولا العدّ، كما في الأحجار الكريمة التي تحتاج إلى المشاهدة، وبدونها يكون البيع جزافاً. ومن ذلك ظروف الذهب والفضة والزجاج، فإنها لا تصحّ بالكيل ولا الوزن ولا المشاهدة، وإنما تباع بالعدد. وإنما نقول بأنه يصلح كلٌّ من الكيل والوزن، فيما يصلح لهما من الطعام بحسب المتعارف، بحيث إنه يباع بهذا وبذاك، وإن كان بأحدهما أكثر حتى سمّي مكيلاً أو سمّي موزوناً.

فكان كِلا الأمرين مقياساً له، وذلك في البلدان التي لم تلغ الكيل، أما في البلدان المتقدّمة والأزمنة المتأخّرة فقد ألغي الكيل ونُسي.

وكذلك الحال في المعدود كما في الجوز والبيض، فإنه لم يكن الكيل أو الوزن مقياساً له، كان بيعه به جزافاً، وإن كان الوزن أساساً أضبط من العدد. فما لم يكن مقياساً له لا يصحّ استعماله فيه، وإنما يصحّ فيما كان مقياساً وآلة له.

ـــــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صحيحة ابن مسكان، عن أبي عبد الله أنه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه، فيكال بمكيال، ثُمّ يعدّ ما فيه، ثُمّ يكال ما بقي على حساب ذلك العدد. قال: “لا بأس به(1).

فقد كان مقياس الكيل هو العدد، لا أن المراد أنه يباع بالكيل، بل يجعل الكيل طريقاً إلى العدد. فقال: “لا بأس به“، فإنه قد يحصل اختلاف في الكمّية لكن بمقدار يتسامح به سوقياً، ومن هنا لو باع شيئاً راجحاً لكان بالدقّة مجهولاً لجهالة الزيادة، إلّا أنه لا يكون غرراً؛ لأنه مما يتسامح به عرفاً، وهو مما تبانى عليه السوق. 

فما قاله الشيخ(2): إنه كيل عند الاضطرار. غير صحيح، وإنما هو طريق متعارف إلى معرفة العدد، وأما لو كيل بالكيل ابتداءً أو بالوزن، لكان جزافاً، فإنهما ليسا مقياساً له أصلاً. ولكن جعله أمارة عليه مطلب عقلائي، وإذا كان المقياس عقلائياً لا يكون البيع جزافياً. ومع الشكّ يكون الإطلاق محكماً(3).

ـــــــــــــ[118]ــــــــــ

() باب 7، من عقد البيع. (المقرِّر). الكافي 5: 193، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 3، مَن لا يحضره الفقيه 3: 223، باب البيوع، الحديث 3828، تهذيب الأحكام 7: 122، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 4، ووسائل الشيعة 17: 348، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 7، الحديث 1.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 224، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: التقدير بغير ما يُتعارف التقدير به.

(3) عطلة النصف من شعبان. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [المدار في الدراهم والدنانير العدد أو الوزن؟] 

هل الدراهم والدنانير معدودة أو موزونة، إن كانت معدودة لا يأتي فيها الربا المعاملي، في حين أنه وارد فيها. وإذا كانت موزونة، فلا بُدّ من وزنها، على حين ليس أحد -سوى الخاصّة- من يطلع على وزنها أو يعرفه.

الظاهر أن الدينار الذهبي والدرهم الفضي، فيهما جهتان:

الأولى: المادّة، وهي الذهب والفضة.

والثانية: السكّة المعيّنة.

وقيمة السكّة تفرق عن قيمة المادّة، وقد تزيد عليها إلى حدّ ما. والدرهم والدينار باعتبار السكّة من المعدودات، وليس في السوق أيّ نظر إلى وزنه، وإنما ينظر إلى أنه كم يعطى من (الجنس) في مقابله. بل قد تكون المادّة ملغاة بالمرة كالدينار الورقي، فإنه سكّة محضة، إذا أعطته الدول اعتباراً وكان الذهب غطاء له، وليس أن البيع بالدينار بيع بغطائه من الذهب أو الفضة، ولا يخطر ذلك في ذهن المتبايعين، وإنما أصبح الدينار الورقي (نقداً) باعتبار سكّته.

ولذا لو أسقطت الدولة سكّة المعاملة عن الدرهم الفضي والدينار الذهبي، يبقى على قيمته الواقعية، بخلاف الورق فإنه لا قيمة لمادته. نعم، إذا علم نقصان وزن الدينار الذهبي المسكوك عن وزنه المقرّر، كان معيباً، وللمشتري خيار العيب. ولكن ليس معنى ذلك وقوع المعاملة عليه موزوناً. ولذا لو بعنا الليرة المسكوكة بالوزن أو الكيل كان غرراً ومجازفة؛ لكونه مجهول العدد. نعم إذا أُلغيت سكّتها أصبحت موزونة. فالدرهم والدينار فيه جهة 

ـــــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مادّته وهو الذي يقع فيها الربا. وفي الجهة الأخرى -وهي السكّة- معدود، فلا يكون جزافاً إذا بيع بدون وزن.

[هل المناط في الكيل والوزن ما كان في عصر الشارع]

المسألة الأخرى: التي وقعت محلّاً للبحث، هي أنه هل الكيل والوزن هو ما كان في عصر الشارع، فما كان في عصر الشارع مكيلاً فهو يبقى مكيلاً إلى يوم القيامة، ولا يندفع الجزاف عنه إلّا بالكيل، ويشمله أحكام المكيل من حرمة الربا فيه وإن أصبح معدوداً بعد ذلك. ونحو ذلك لو كان موزونا في عصر الشارع، وبالعكس لو كان معدوداً في عصر الشارع، وأصبح مكيلاً أو موزوناً، فإنه لا بأس ببيعه متفاضلاً حتى لو بعته بالكيل أو الوزن، على أنه يجب بيعه بالعدد، ولا يرتفع عنه الغرر إلّا بذلك.

وليس المقصود من عبارة الشيخ في (المبسوط)(1) من أن المدار هو كيل المدينة بلا خلاف، ليس المقصود أنه لا حقّ لنا في تغييره، فلو كان كيل النبي عشر أصوع لا حقّ لنا بجعله خمسة. بل المراد أن ما كان مكيلاً أو موزوناً في زمن النبي بقي مشمولاً لأحكام المكيل والموزون إلى الأبد. وما كان معدوداً شمله أحكام المعدود إلى يوم القيامة. هذا ما نسب إلى المشهور(2).

ـــــــــــــ[120]ــــــــــ

(1) اُنظر: المبسوط 2: 90، كتاب البيوع، فصل في ذكر ما يصحّ فيه الربا وما لا يصحّ.

(2) اُنظر: شرائع الإسلام 2: 39، كتاب التجارة، الفصل السابع: في الربا والقرض، وإرشاد الأذهان 1: 379، كتاب المتاجر، المطلب الثالث: في الربا، والحدائق الناضرة 18: 471، كتاب التجارة، أحكام العقود والمعاملات، الفصل الأوّل، المقام الثالث: المسألة السابعة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ونحن نتكلّم في جهات:

إحداها: أن العناوين الواردة في الروايات من قبيل: (الطعام لا يصلح إلّا بالكيل أو الوزن). ومن قبيل: (لا يكون الربا إلّا فيما يكال أو يوزن)، هل يمكن أن يستفاد منها أن الطعام الذي كان مكيلاً في زمان النبي لا بُدّ أن يكون الآن مكيلاً، وإذا جهلنا ذلك فالمقياس هو المقياس العامّ بين البلاد، وإن اختلفت البلاد فالمقياس هو مقياس البلد؟ فهل يكفي استفادة ذلك من مجموع الروايات؟

نتحدث أوّلاً عن معقولية استفادة ذلك من الروايات. ثُمّ هل يستفاد ذلك من الروايات؟ ثُمّ هل هناك إجماع في المقام أو لا؟

ما قيل في باب الربا من أن المكيل والموزون لا يجوز التفاضل فيه، وما يقال هنا من أن المكيل يجب بيعه كيلاً والموزون يجب بيعه وزناً . هل المراد به الأجناس المكيلة والموزونة في عصر النبي، أو في عصره ومصره معاً، أو في مصره فقط؟ أو المراد مجرّد صدق العنوان بلا قيد في المكان أو الزمان؟ أو هناك تفصيل بين الربا وبين المقام؟ قد وقعت أبحاث مفصلة في ذلك.

والكلام هنا يقع بعد البناء على أن مسألة الغرر مستقلّة عن مسألة وجوب بيع الكيل كيلاً والموزون وزناً. وليس هذا مصداقاً للغرر. فإنه قد يوجد الغرر بغير المكيل والموزون، كبيع السمك في الآجام، وقد تتخلف القاعدة الأخرى بدون حدوث الغرر، كما لو بيع مقداران معلوما التساوي في الكمية والقيمة، لكنّهما مجهولا الكيل أو الوزن. وأما إذا كان هذا مصداقاً للغرر، فلا يبقى موضوع في هذه المسألة للحكم.

ـــــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [التحقيق في المقام]

يقع الكلام في أن ما نسب إلى المشهور من أن ما كان مكيلاً وموزوناً في زمان الشرع، إذا علم ذلك، كان المقياس هو ذلك. وإذا لم يعلم فالوزن الذي اتّفقت عليه البلاد هو المقياس، وإن اختلفت البلاد فيكيل ويزن بمقياس البلد.

لا يعقل أن يبيّن ذلك بعبارة واحدة، فلو قيل: (ما كان مكيلاً أو موزوناً فإنه لا يجوز بيعه بدون كيل أو وزن) أو (لا يجوز بيعه متفاضلاً)، فإن المتكلّم إما أن يراد كونه مكيلاً وموزوناً في زمان الكلام، فيكون هذا هو المقصود، أو يريد ما ينطبق عليه هذا العنوان، فهو مقصود، أو يريد ما اتّفق عليه البلاد، فهو المقصود. ولا يمكن استفادة كلّ هذه الأمور من الروايات، إلّا إذا وردت في رواية خاصّة بهذا النحو، وهي غير موجودة. فهذا المطلب لا يعقل استفادته من الروايات، لا أنه في غاية الإشكال كما يقول الشيخ(1).

أما لو أردنا أن نفهم من الروايات ما يذهب إليه المشهور من أن ما كان مكيلاً وموزوناً في عصر النبي يبقى مشمولاً لنفس الحكم إلى الأبد.

نقول: إن قوله: (ما يكال أو يوزن لا يجوز التفاضل فيه أو لا يباع إلّا بكيل أو وزن)، ليست قضيّة حقيقية اصطلاحية، بل شبيهة بها. والقضية الحقيقية ليست بمعنى أنها واردة على الموضوع المقدّر الوجود، وإن وقع ذلك في لسان بعض أهل الفن. وإنما الحكم فيها وارد على الطبيعة، أو على العنوان الإجمالي 

ـــــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 231، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: التقدير بغير ما يُتعارف التقدير به.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الكلّي (ككلّ) فمتى تحقّق الفرد انطبق عليه الحكم، لا أننا نقدّر أفراداً ليشملهم الحكم، وليست الحقيقية قضيّة شرطية، بل هي بتّية.

فما ورد من القضايا في المقام: إما ورد على نعت القضايا الحقيقية، أو على نحو القضايا الخارجية. وقلنا: بأن القضيّة الخارجية لم يرد فيها الحكم على الفرد، وإلّا كانت شخصية. بل ورد فيها الحكم على العنوان أيضاً، غاية الأمر أن الطبيعة فيه قد قيّدت بقيود بحيث لا تنطبق إلّا على الخارج. ولذا كان تقسيم القضايا إلى حقيقية وخارجية تقسيم للقضايا الكلّية لا الشخصية.

فما يكال أو يوزن: إما أن يكون مأخذواً بنحو القضيّة الحقيقية، أو بنحو القضيّة الخارجية. وعلى كِلا التقديرين: إما أن يكون ما هو الموضوع هو ما يكال أو يوزن حقيقة، وإما أن يؤخذ هذا العنوان مشيراً إلى ما في الخارج، فهنا أربعة فروض:

إما أن يؤخذ عنوان المكيل بنفسه موضوعاً للحكم الكلّي.

وأخرى: يؤخذ بما هو مشير إلى الخارج، أي: ما هو مكيل وموزون في الخارج وإن جمعها في التعبير، والمراد الإشارة إلى الماهيّات الموزونة، فكأنّه قال: (الحنطة والشعير).

وثالثة: يكون بنحو القضيّة الخارجية، ويكون العنوان هو المكيل بنفسه، كما لو قال: (المكيل في المدينة) أو (في هذا العصر).

ورابعة: يؤخذ هذا العنوان مشيراً إلى الماهيّات الموزونة أيضاً، فكأنّه قال: (حنطة المدينة وشعيرها).

ـــــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهذه القضايا الأربع تختلف في لوازمها:

فإنه على الفرض الأوّل: يكون الموضوع هو عنوان المكيل والموزون، بلا دخل للزمان والمكان فيه أصلاً، ويكون مشمولاً للحكم في أيّ زمان تحقّق.

وعلى الفرض الثاني: يكون عنوان الكيل إشارة إلى الطبائع التي هي مكيلة أو موزونة. ولا يكون للزمان والمكان دخل فيه، ولا يختصّ بعصر النبي. فكأنّه قال: (الحنطة والشعير لا يجوز التفاضل بينها).

وعلى الفرض الثالث: يكون الموضوع هو مكيل المدينة وموزونها، وأما ما سوى ذلك ممّا هو مكيل وموزون، فلا يجب فيها القياس ولا يحرم فيها التفاضل.

وأما على الفرض الرابع: فهو الذي يتمّ عليه مدّعى المشهور، حيث تكون الإشارة إلى الطبائع التي كانت موزونة في المدينة، فتكون هي المشمولة للحكم في أي زمان وجدت، ولكن لا يسري منها إلى غيرها. فهذه تكون قضيّة حقيقية لكن في الأشياء الخاصّة، فإذا كان الأمر كذلك، ودلّ عليه دليل فهو، وإن لم نستطع أن نفهم ذلك، فلا بُدّ أن نتعبّد بمقدار الأدلّة.

فلا بُدّ أن نقرأ الروايات لنرى أن التفصيل الذي قاله الآخوند(1) بين باب الربا وباب تقدير المكيل والموزون، هل يتمّ أو لا؟

إنما يتمّ مدّعى المشهور إذ أُخذ عنوان المكيل والموزون بنحو الإشارة إلى 

ـــــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 126-127، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: في تقدير المبيع بالمتعارف من الكيل أو الوزن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الخارج، أي: إلى العناوين الخارجية الموجودة في زمان النبي -لا إلى الموجودات الخارجية الموجودة يومئذٍ- بنحو القضيّة الخارجية، وتؤخذ العناوين المشار إليها بنحو القضيّة الحقيقية. وأما إذا كانت الإشارة إلى مطلق ما يكال أو يوزن، أو إذا كانت الإشارة إلى ذوات الخارج، فلا يستفاد مدّعى المشهور.

ولا دليل على الملازمة بين الربا وبين المكيل والموزون، فيمكن أن نستفيد من روايات الربا: أنها بنحو الإشارة، ومن روايات الباب: الموضوعية.

الآخوند يذكر القضيّة الكلّية، وهي أن المكيل والموزون إذا كان له موضوعية بعنوانه، فلا بُدّ أن يكون غير خاصّ بمكان وزمان. وإذا كان له كاشفية عن الخارج، فلا بُدّ أن يراد به المكيل والموزون في زمن الشرع، فمقتضى إطلاق الأدلّة أن يكون المراد هو مكان وزمان النبي؛ لأنه هو المتعيّن دون غيره.

ثُمّ يقول: إنه في الروايات الواردة في باب الربا، لا بُدّ وأن يكون عنواناً مشيراً، ولا يبعد أن يكون في هذا الباب بنحو الموضوعية. وهناك مناقشة في عبارته، فإنه يقول: إنه في روايات الباب بنحو الموضوعية، ولكن يقول بالرغم من هذا بأنه لا بُدّ وأن يرتفع الغرر بالكيل والوزن. مع أنه لو كان كذلك لَكلَّ يعني: كون المكيل طريقاً لرفع الغرر، ولو كان موضوعاً تامّاً لَما احتاج في رجوعه إلى الغرر. وقلنا: إنه لا بُدّ من البحث عنه بغضّ النظر عن الغرر إلى مناقشات أخرى.

فلا بُدّ أن نقرأ الروايات لنرى أنه هل على كلامه شواهد، ليثبت التفصيل الذي قاله، أو أن الروايات من سنخ واحد؟

ـــــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [في دلالة الروايات]

منها: صحيحة الحلبي السابقة التي يقول فيها: “وما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً، فإنه لا يصحّ -يصلح- مجازفة“، وظاهرها دخالة الكيل بعنوانه، لا أنه مشير إلى الأجناس في زمان النبي، ولا كونه مشيراً إلى عنوان الغرر. ولا شاهد لنا على أن الكيل والميزان لرفع الغرر؛ إذ لا شاهد على رفع اليد عن الظهور بدخالة العنوان. إلى روايات أخرى.

والمهمّ هو الروايات التي يعتقد الآخوند دلالتها على الإشارة، وكأنّه أراد أن يقرّب دعوى المشهور، ولم يرَ ملازمة بين البابين، وإلّا لو كان النظر إلى الروايات لرآها أقوى دلالة من تلك الروايات(1):

ومنها: رواية زرارة عن أبي عبد الله، قال: “لا يكون الربا إلّا فيما يُكال أو يُوزن (2). وظاهرها دخالة العنوان في موضوع الحكم.

ومنها: موثّقة منصور قال: “سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين؟ قال: لا بأس ما لم يكن كيلاً (3).

ـــــــــــــ[126]ــــــــــ

() باب 6، من الربا، نفس الباب، الرواية الخامسة. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 146، كتاب المعيشة، باب الربا، الحديث 10، مَن لا يحضره الفقيه 3: 275، باب الربا، الحديث 3996، تهذيب الأحكام 7: 17، كتاب التجارات، الباب 1، الحديث 74، ووسائل الشيعة 18: 133، كتاب التجارة، أبواب الربا، البا ب6، الحديث 1.

(3) الكافي 5: 191، كتاب المعيشة، باب المعاوضة في الحيوان والثياب وغير ذلك، الحديث 8، ووسائل الشيعة 18: 134، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 6، الحديث 5.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وفيها احتمالان:

أحدهما: أنه ما دام هذه الأشياء غير مكيلة ولا موزونة فلا بأس. وأما إذا أصبحت الشاة والبيض موزوناً في مجتمع فلا يجوز. فيصير له قوة دلالة في الموضوعية، ولا تكون إشارة إلى الموضوع الخارجي، فالرواية تكون كالنصّ على خلاف مراد الآخوند.

ثانيهما: أن يكون المراد أن هذه الأشياء ليست مكيلة ولا موزونة، وإنما المكيل والموزون كذلك، فيكون ظاهره الموضوعية.

ومنها(1): موثّقة منصور بن حازم، قال: “سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين؟ قال: لا بأس ما لم يكن كيلاً أو وزناً (2).

وهي نصّ في المطلب، فإنه أشار إلى الأفراد الخارجية أوّلاً، ثُمّ ذكر قاعدة كلّية. والقول بكونه إشارة إلى كيل المدينة، كالقول بأن قوله تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ راجع إلى عقود المدينة، فإن الإشارة تحتاج إلى قرائن قوية لاستفادتها، وكيف يكون خاصّاً بكيل المدينة مع أن الرواية عن ابي عبد الله؟!

نعم، لو أريد الاستدلال للمشهور، فلا بُدّ من التمسّك بالروايات التي ذكرت الأفراد، كبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مِثلاً بمِثل، مع أنه هنا 

ـــــــــــــ[127]ــــــــــ

() باب 16، من أبواب الربا. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 118، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 119، والاستبصار 3: 100، كتاب البيوع، الباب 66، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ذكر الأفراد ثُمّ أعطى القاعدة العامة. إذن فلا إشكال أن القضايا حقيقية، وأن المكيل والموزون هو الموضوع، ولا يختصّ بزمان ولا مكان.

ثم إذا كان المقصود هو أخذ عنوان المكيل والموزون بنحو الإشارة، فإنه يتمّ كلام المشهور فيما إذا كان المراد هو المكيل في المدينة، ولذلك احتمالان:

أحدهما: أن يكون المراد البلد الذي فيه النبي وهو المدينة، أو كان المكان الذي كان فيه أوّلاً، وهو مكّة، أو كان المراد مجموع المنطقة التي تشملهما كالحجاز.

ثانيهما: أن يكون المراد ما كان مكيلاً أو موزوناً في زمن النبي.

[دعوى الإجماع في المقام] 

وقد نقل الإجماع في قضيتين:

إحداهما: أن ما كان مكيلاً أو موزوناً في عصر النبي ففيه الربا.

ثانيتهما: أن كلّ ما لا يكون مكيلاً ولا موزوناً في عصر النبي فليس فيه الربا.

فإن كان المكيل معيّناً بمكّة أو بالمدينة أو بالحجاز -وكانت مشتركة في المقياس- ففي الإمكان حمل الروايات عليه، والإجماع أيضاً يكون عليه. وأما إذا كانت المناطق مختلفة، أو كان المراد عصر النبي، فالأماكن مختلفة جزماً، ولا نستطيع أن نقول: كلّ قارات الأرض مشتركة بكيل، أو وزن، بل المقدار المشترك في غاية الندرة. فلعلّ سكان أفريقيا كانوا يبيعون الحنطة بالمشاهدة. وكذلك لو كان بين المدينة ومكّة أو بلدان الحجاز اختلاف.. فإن الإجماع على 

ـــــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ذينك القضيتين يبقى بلا أثر، لعدم إحراز كون شيء مكيلاً أو موزوناً في عصر النبي أو مكانه. والروايات إذا كانت إشارة إلى الخارج أيضاً لا أثر لها.

وما يرى في الكلمات -على ما في (مفتاح الكرامة)(1)-: (أن ما كان مكيلاً أو موزوناً في عصر النبي ففيه الربا) وبالعكس. 

والسيد في (العروة)(2) يصرّح بأن ظاهر كلمات القوم هو ذلك، وقد ادّعي عليه الإجماع. ولا نستطيع أن نحرز هذا الإجماع مع اختلاف البلدان. وفي عبارة (المبسوط)(3) إن ما كان مكيلاً وموزوناً في عصر النبي. ثُمّ يقول: المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكّة. فهل المراد انحصار الأمر بذلك؟ لا يمكن، وإنما المراد: أن ما يكال ثُمّ يصبح معدوداً، فيشمله حكم المكيل. مضافاً إلى أنه لا إجماع على ما ذكره، بحيث يكون قائماً على التفصيل في المكيل والموزون بين مكّة والمدينة.

ونحن نتكلّم عن الفرضين، وهما: وجود الإجماع على كِلا المطلبين، أو وجود الإجماع على المطلب الأول.

فإذا كان الإجماع على العنوان، فهل نقول: إنه لا بأس بالتمسّك بالعموم وإن كانت الشبهة مصداقية؛ لأن دليل المخصّص لُبّي، كما يقال في أصول 

ـــــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) اُنظر: مفتاح الكرامة 14: 50، كتاب المتاجر، المقصد الرابع، المطلب الأوّل، الشرط الثاني.

(2) اُنظر: تكملة العروة الوثقى 1: 32، كتاب الربا، مسألة 35.

(3) اُنظر: المبسوط 2: 90، كتاب البيوع، فصل: في ذكر ما يصحّ فيه الربا وما لا يصحّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الآغايون. فإننا إذا شككنا فإنه يكون شبهة مصداقية لِما يكال ويوزن، وشبهة مصداقية لغير ما يكال ويوزن، بعد أن خرج ما يكال وما يوزن عن العمومات. ليس عندنا أصالة الصحّة، وإنما عندنا أصالة بقاء الملك على مالكه السابق. ومعه فلا يمكن التمسّك بالعمومات عند الشكّ في أنه مكيل في عصر النبي أو لا. حتى لو كان الدليل لُبّياً، وما قالوه في اللُّبّيات: نأخذ في القدر المتيقّن والباقي يكون مشمولاً للعامّ، ليس صحيحاً، خصوصاً في العقليات، فإن العقل لا يخرج المصاديق، بل يخرج العنوان، فكما لو استثني العنوان في دليل، لا يمكن التمسّك بالعموم، فكذلك لو خرج العنوان بمناط عقلي. فتكون موارد الشكّ إلى ما شاء الله، وليس عندنا إجماع أو أخبار أو دليل على اتّفاق أهل الأرض جميعاً على كيل أو وزن. وإنما يحتاج إلى علم الغيب.

[مقتضى الأصل عند الشك]

على فرض اعتبار الإجماع أو الشهرة المدّعاة، فماذا نعمل في موارد الشك؟ 

الإجماعات والروايات تفرق نسبتها إلى عمومات أَوْفُوا بِالعُقُودِ ونحوها.

فعمومات التنفيذ لا إشكال أنها حقيقية، والحكم وارد فيها على العناوين، وإنما الإشكال في الروايات والإجماع الوارد عليه، فإذا لم يدلّ دليل على التخصيص فلا بُدّ من الأخذ بها.

فإذا كانت الأخبار والإجماع واردين على عنوان المكيل والموزون، إما بنحو القضيّة الحقيقية أو القضيّة الخارجية على أن ما كان مكيلاً فكذا، وما ليس 

ـــــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بمكيل فكذا. فتفيد تخصيص عمومات الآيات بالمكيل والموزون. وإذا كان الحكم في الأخبار على ما كان مكيلاً في عصر النبي، والإجماع كان كذلك، ولا يكون إشارة إلى الخارج، فقد وقع العنوان المقيّد موضوعاً للحكم في الدليل الخاصّ؛ فيكون المورد شبهة مصداقية للعمومات وللمخصص معاً، فلا بُدّ من الرجوع إلى الأصول كأصالة بقاء الملك على مالكه. والتكليف عن حرمة المعاملة والربا وإن جرت عنه البراءة، إلّا أن التصرّف بالشيء لا يكون إلّا بمعاملة صحيحة.

وإذا كانت الأخبار واردة على العناوين، وكان الإجماع إشارة إلى الخارج. فالإجماع حجّة في قدره المتيقّن. وفي الزائد لا بُدّ أن نرجع إلى الأخبار لا الآيات، وتكون عمومات الآيات مخصّصة على أيّ حال. ويكون مورد الشكّ مشمولاً للحكم بالربوية مثلاً بحاله الفعلي من المكيلية أو عدمها.

وأما إذا كانت الروايات على نحو الإشارة إلى الخارج والإجماع على العنوان، فالروايات لا تقيّد العمومات إلّا بمقدارها. ولا تكون الشبهة مصداقية؛ لعدم كون الموضوع هو العنوان، فإذا شككنا أن هذا خارج أو لا شمله العامّ. والقدر المتيقّن من المخصّصات ما علم كونه مكيلاً أو موزوناً في زمان النبي، ولكن الإجماع القائم على العنوان يقيّد عمومات أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ، ومعه لا يمكن التمسّك لا بالعمومات ولا بالإجماع في مورد الشكّ.

وإذا كانت الأخبار والإجماع معاً بنحو الإشارة إلى الماهيّات الخارجية، فلا يمكن التمسّك بالعمومات؛ لأن الإجماع قدره المتيقّن هو ذلك، والأخبار لا 

ـــــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

تكون الشبهة فيها مصداقية، بل يقتصر فيها على الفرد المعلوم.

فهل عندنا أصل يحرز أن هذا ما كان جارياً في زمن النبي؟ فلو حصّلنا العلم بأن شيئاً ما كان في زمان الجاهلية موزوناً، وشككنا في زمان النبي، فنستصحب استصحاباً مستقيماً. إلّا أن هذا فرض نادر، وما هو الموجود هو أننا نعلم الآن بكونه مكيلاً أو موزوناً، ونشكّ في زمن النبي فنستصحب، ونحرز به موضوع الأدلّة بنحو الاستصحاب القهقري على تقدير تماميته. فهل يمكن أن ننقّح موضوع الحكم به؟

هذا فرع أن نعرف: أن الموضوع هو المكيل والموزون في زمن النبي بنحو يكون الزمان قيداً فيه أو ظرفاً له. فإن كان قيداً له، كما قالوا: إنه وقع الإجماع على هذا العنوان.. كان الاستصحاب مثبتاً، سواء كانت القضيّة المتيقّنة مطلقة، بمعنى: أننا نعلم كونه مكيلاً، ونريد بالاستصحاب أن نثبت به المقيّد، أو كانت القضيّة المتيقّنة مقيّدة أيضاً، كما لو كان المتيقّن هو المكيل في زمان الجاهلية بقيد الزمان، والمشكوك هو المكيل في زمن النبي بقيد الزمان أيضاً. فإن الموضوعين حينئذٍ يكونان متباينين، وإنما يمكن الاستصحاب فيما إذا كانت القضيتان المتيقّنة والمشكوكة واحدةً موضوعاً ومحمولاً، لا فرق بينهما إلّا من حيث تعلّق اليقين والشكّ باختلاف الزمان، على أن يكون الزمان ظرفاً لا قيداً.

وأما إذا أخذنا الأخبار والإجماع بنحو الإشارة إلى الخارج، واستصحبنا بأحد النحوين: مستقيماً، أو قهقرائياً، وعلمنا الآن مثلاً أنه مكيل، ونريد أن 

ـــــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نثبت كونه مكيلاً في زمان الشارع، فكونه مثبتاً أوضح؛ لأن الإجماع ليس على العنوان، بل على هذا وهذا، ونحن نريد أن نجعله مكيلاً في زمان النبي، وأن الإجماع عليه والأخبار عليه، وهذا مثبت(1).

ـــــــــــــ[133]ــــــــــ

() أقول: إما أن يراد بالإشارة الإشارة إلى الأفراد الخارجية، أو إلى الماهيّات المكيلة والموزونة. فإن كانت الإشارة إلى الأفراد، فلا يمكن أن نقول: (هذه الحنطة مكيلة الآن فهي -بالاستصحاب- مكيلة في زمن النبي)؛ للقطع بأن هذا الغرر لم يكن موجوداً في زمان النبي، ومعه تكون صفته سالبة بانتفاء الموضوع. اللهم إلّا إذا كان الاستصحاب تعليقياً مضافاً إلى كونه قهقرياً؛ بأن يقال: (هذه الحنطة إذا كانت موجودة في زمان النبي كانت موزونة.) إلّا أن هذا غير تامّ حتى بناءً على تتميم الاستصحاب التعليقي؛ لأنه إنما يصحّ فيما إذا كانت القضيّة المتيقّنة تعليقية، لا ما إذا كانت بتّية كما في المقام. فإننا لا نستطيع أن نقول بلحاظ ظرف اليقين: (إن هذه الحنطة إذا وجدت كانت مكيلة). فالتعليقي غير متيقّن، والبتّي غير مشكوك، فلا يمكن الاستصحاب.

فإذا كانت الإشارة إلى الأفراد، فالحقّ مع السيد في عدم جريان الاستصحاب، لا لكونه مثبتاً، بل لعدم اتّحاد القضيتين. أما لو غضضنا النظر عن ذلك أمكن شمول الإجماع والأخبار له، فإنها دليل على المحمول، وليست مأخوذة في الموضوع حتى يكون مثبتاً. وكأن السيد يرى أننا نريد بالاستصحاب أن نثبت كون الحنطة مكيلة ومجمعاً عليها أو شموله للأخبار، بنحو يكون ذلك قيداً في الموضوع، وهو ما لا يثبت بالاستصحاب، إلّا بناءً على الأصل المثبت. إلّا أن هذا غريب غايته، فإن هذه الأمور دليل على المحمول بعد تنقيح الموضوع بالاستصحاب، وليست مـأخوذة في الموضوع. وقد ذكرنا ذلك له، فلم يقتنع، ولم يأتِ بجديد.

وإن أُريد بالإشارة: الإشارة إلى الماهيّات الخارجية، فالاستصحاب يكون تامّاً مستقيماً، أو قهقرائياً -لو صحّ-، فإن القضيّة المتيقّنة هي أن الحنطة مكيلة، وهي القضيّة المشكوكة باعتبار اختلاف الزمان، مع أخذه ظرفاً لا قيداً.

فيثبت كون الحنطة مكيلة في زمن النبي، فيشملها الإطلاق، سواء في ذلك الأخبار أو القدر المتيقّن من الإجماع.

إذن فيتمّ الاستصحاب بدون أن يكون مثبتاً، بعد أن برهنّا أن الإجماع والأخبار تكون دليلاً على المحمول، لا أنها تؤخذ في الموضوع. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [الاستصحاب الموضوعي في المقام]

في الاستصحابات الموضوعية، الميزان أن الاستصحاب يحرز موضوع الدليل الاجتهادي، فإذا استصحب كون زيد عالماً ينقّح موضوع (أكرم كلّ عالم)، وليس هذا الاستصحاب مصدراً جديداً لحكم. والاستصحاب الموضوعي لا بُدّ أن ينقّح الموضوع بقيده؛ ليشمله الدليل الاجتهادي. وإذا استصحبنا ذات الموضوع؛ فإنه لا يفيد، إذا كان الحكم على المقيّد في الدليل.

والدليل الاجتهادي عندنا هو الإجماع لو تمّ، على أن كلّ ما كان مكيلاً في عصر النبي فهو مشمول لأحكام الربا وحرمة المجازفة الى الأبد -لو كان الإجماع في مسألتنا-، وأن كلّ ما لم يكن مكيلاً فبالعكس، فالحكم ليس على طبيعة المكيل والموزون، بل على المقيّد بعصر النبي، فإذا كان للموضوع حالة سابقة مع قيده، كما لو علمنا بكونه مكيلاً في زمان النبي، وشككنا في آخر زمانه بذلك، فنستصحب. وأما إذا كان المتيقّن هو كونه مكيلاً أو موزوناً، ونريد إثبات القيد بالملازمة العقلية؛ فيكون مثبتاً.

وإذا كان إشارة إلى الأشياء الخارجية، فهو أسوء حالاً، فإننا إذا لم نعلم إن الإجماع قائم على اللّوز أو لا، ونريد أن نستصحب إلى زمان النبي، بحيث 

ـــــــــــــ[134]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نقول:إنه مورد للإجماع، وإن المجمعين أشاروا إليه، فهو مثبت.

وإن لم نأخذ القيد بنظر الاعتبار، فإلغاؤه موجب لشبهة النراقي(1) التي تقول: إن كلّ استصحاب معارض باستصحاب آخر في مورده. فاستصحاب وجوب الجلوس من قبل الظهر إلى ما بعد الظهر معارض باستصحاب إباحة جلوس ما بعد الظهر، الذي لم يكن ثابتاً قبل الظهر؛ فيستصحب إلى ما بعد الظهر.

نقول: هذا فيه إلغاء للقيود، فإن ما هو الواجب هو أصل الجلوس، والجلوس المقيّد بما بعد الظهر غير واجب. وهاتان القضيتان يمكن القطع بهما، ولو كانتا متنافيتين أو متعارضتين لَما أمكن القطع بهما.

نعم، يمكن جعل الاستصحاب على خلاف مذهب صاحب (الجواهر)، وذلك فيما كان من قبيل الأطعمة والفواكه التي توجد على الأشجار والزروع، وذلك بأن نقول: إن اللّوز حين كان على الشجرة لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وإنما يباع بالخرص، والخرص وإن كان خرصاً لمقدار وزنه، إلّا أنه لا يباع بالوزن ولا بالكيل. فإذا شككنا أنه مكيل في زمان النبي أو لا، نقول:إنه حين كان على الشجرة في عصر النبي لم يكن مكيلاً، وبعد انفصاله عن الشجرة نشكّ أنه أصبح مكيلاً أو لا، فنستصحب عدم كونه مكيلاً، فيكون مصداقاً لإحدى القضيتين المجمع عليهما(2).

ـــــــــــــ[135]ــــــــــ

() حكاها عنه الشيخ الأعظم في فرائد الأُصول 2: 646-649، المقصد الثالث، المقام الثاني، الأمر الثاني.

(2) أقول: هذا الاستصحاب إذا كان على الفرد -كما هو المفروض- فهو لا ينقّح الموضوع، إلّا في خصوص الأفراد التي كانت في زمان النبي، أو التي بقيت بوجودها الخاصّ إلى ما بعده. ولا يمكن أن يشمل الأجيال المتأخّرة؛ لأن ذاك الفرد قد انعدم، وهذا الفرد المتأخّر ليس له حالة سابقة في زمان النبي. نعم، بالتجريد عن الخصوصية، أو القول بعدم الفصل، أو قانون: أن الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. أو بالاستصحاب التعليقي بأن يقال: هذا الفرد لو كان في زمان النبي لتمّ فيه الاستصحاب، فتأمّل.. بأحد هذه الطرق يمكن التعميم، إلّا أن السيد لم يشر إلى ذلك. وقد ذكرنا له هذا الإشكال. 

فأجاب بما حاصله: أنه بعد أن يثبت بالاستصحاب أن هذا اللّوز غير مكيل، يكون مشمولاً للإجماع بأن ما كان غير مكيل في زمان النبي، فلا يكون فيه الربا إلى الأبد. وإذا كان الحكم وارداً على الفرد كان البحث لغواً بعد انعدامه، كما هو واضح.

نقول: إن غاية ما يثبت هذا الوجه: أن الفرد لو بقي بحدّه الخاصّ بعد النبي لم يشمله حكم الربا. وأما التعميم من هذا الفرد إلى غيره، فلا يمكن إلّا بأحد الطرق التي ذكرناها. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [كلمات الأصحاب في الإجماع المدعى] 

على أن هذا الكلام كلّه مبني على وجود الإجماع أو الشهرة، فهل هو موجود فعلاً أو لا؟ قال في (مفتاح الكرامة)(1): ثُمّ إن الموجود في كلام الأصحاب اعتبار الكيل والوزن فيما بيع بهما في زمن الشارع، وحكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها، فما كان مكيلاً في بلد أو موزوناً يباع كذلك، وإلّا فلا. وظاهر (مجمع البرهان)(2) نسبته إلى الأصحاب… ويقول في باب الربا: 

ـــــــــــــ[136]ــــــــــ

() من كتاب المتاجر، ص238. (المقرِّر). أُنظر: مفتاح الكرامة 14: 52، كتاب المتاجر، المقصد الرابع، الفصل الثالث، المطلب الأوّل، الشرط الثاني.

() ص516. (المقرِّر). أُنظر: مجمع الفائدة والبرهان 8: 477، كتاب المتاجر، المقصد الرابع، المطلب الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فقد تحصّل أن ما عُلم أنه في زمن النبي مكيل أو موزون فهو ربوي إجماعاً، كما في (التنقيح)(1) وظاهر (المبسوط)(2)، وإن تغيّر بعد ذلك، ولا فرق في ذلك بين بلده أو بلد آخر إذا أقرّ أهله عليه(3).

ويقول في مسألتنا: قال في (المبسوط)(4): إذا كانت عادة الحجاز على عهده في شيء من الكيل، لم يجز إلّا كيلاً في سائر البلاد، وما كانت فيه وزناً، لم يجز فيه إلّا وزناً في سائر البلاد. والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكّة. هذا كلّه بلا خلاف.

يريد أن ما كان كيلاً فإنه لا يجوز العدول إلى الوزن، وبالعكس فإنه جعل الوزن في مقابله. وفي كلامه قضيتان متنافيتان، فإنه إذا كان المقياس هو كيل الحجاز، فلماذا ذكر مكيال المدينة وميزان مكة؟ وإذا كان المقياس عليهما بحيث يجب على سائر البلدان المتابعة، بما فيها بلدان الحجاز الأخرى، إذن فلماذا ذكر مقياس الحجاز؟ على أن لازم القضيّة الثانية لزوم تبعية مكّة للمدينة بالمكيال وتبعية المدينة لمكّة بالميزان. وهذا ما لم يتفوّه به أحد.

ـــــــــــــ[137]ــــــــــ

() اُنظر: التنقيح الرائع 2: 91، كتاب التجارة، الفصل الخامس.

(2) اُنظر: المبسوط 2: 90، كتاب البيوع، فصل في ذكر ما يصحّ فيه الربا وما لا يصحّ.

(3) ص229. (المقرِّر). أُنظر: مفتاح الكرامة 14: 52، كتاب المتاجر، المقصد الرابع، الفصل الثالث، المطلب الأوّل، الشرط الثاني.

(4) اُنظر: المبسوط 2: 90، كتاب البيوع، فصل في ذكر ما يصحّ فيه الربا وما لا يصحّ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

على أننا من تتبّع الأقوال نجدها من (الشرائع)(1) وما بعدها(2).وليس قبلها 

قول إلّا من (الخلاف)(3) والقاضي(4). وكانت المسألة بين القدماء محلّ خلاف.

ويقول: من قواعدهم أن تحمل الألفاظ على المعاني الشرعية، إذا كان لها ذلك(5)

الشيخ(6) يشكل بأن الكلام ليس في مفهوم الكيل. إذن فذلك من قواعدهم، وليس هناك إجماع بل تطبيق لقواعدهم، فتكون المسألة اجتهادية، على أن المسألة التي نجد الكلمات فيها مختلفة كيف نحتمل الإجماع فيها(7).

ـــــــــــــ[138]ــــــــــ

(1) اُنظر: شرائع الإسلام 2: 39، كتاب التجارة، الفصل السابع، الأمر الأوّل.

(2) اُنظر: مختلف الشيعة 5: 97-98، كتاب التجارة، الفصل السادس.

(3) اُنظر: الخلاف (للطوسيّ) 3: 56، كتاب البيوع، المسألة: 80.

(4) اُنظر: المهذّب 1: 363، كتاب البيوع، باب الربا.

(5) اُنظر: مفتاح الكرامة 13: 34، كتاب المتاجر، الفصل الثالث: العوضان (لو تعذّر الكيل أو الوزن أو العدّ).

(6) كتاب المكاسب 4: 230، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة التقدير بغير ما يُتعارف التقدير به.

(7) عطلة رمضان. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[مسألة: في كفاية إخبار البائع بمقدار المبيع] 

 

بعد البناء على أنه يعتبر في صحّة المعاملة للمكيل الكيل، وللموزون الوزن، وللمعدود العدّ، وكلّ ما كان ذا مقياس يجب أن يكون معلوماً بذلك المقياس. يقع الكلام في أن إخبار البايع هل هو كافٍ في صحّة المعاملة أو لا؟ أو أن هناك تفصيلاً بين ما إذا كان المخبر أميناً أو لا؟ أو أن هناك تفصيلاً بين ما إذا كان المشتري مصدّقاً للبائع أو لا يصدّقه؟

لا بُدّ أن ننظر إلى روايات هذا الباب، وهي مختلفة المدلول طبقاً للاحتمالات التي قلناها، فلا بُدّ أن نقرأها ونحاول الاستفادة منها، فبعضها ظاهر في أنه يصحّ الإتّكال على قول البائع مطلقاً في صحّة المعاملة:

[دلالة الروايات في المقام]

منها: ما رواه الشيخ بإسناده، عن الحسن بن محبوب، عن زرعة بن محمد، عن سماعة(1) (موثّقة)، قال: “سألته عن شراء الطعام، وما يُكال ويُوزن، هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن؟ فقال: أما أن تأتي رجلاً في طعام قد كيل ووُزن (-كَيّل ووَزَن-) تشتري منه مرابحة، فلا بأس إن أشتريته منه، ولم تكله 

ـــــــــــــ[139]ــــــــــ

() باب5 من أبواب عقد البيع. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ولم تزنه، إذا كان المشتري الأوّل قد أخذه بكيل أو وزن، وقلت له عند البيع: إني أُربحك كذا وكذا، وقد رضيت بكيلك ووزنك. فلا بأس(1).

وظاهرها أن الرضا بالكيل كافٍ في الصحّة، سواء كان موثوقاً أو لم يكن. نعم، يمكن أن يكون الرضا فرعاً عما إذا كان البائع موثوقاً في الجملة عند المشتري، وعلى أيّ حال فإرادة الإطلاق محتملة، وأن مجرّد الرضا بوزن البائع كافٍ.

ومنها(2): ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن أبان، عن عبد الرحمان، بن أبي عبد الله، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري بيعاً فيه كيلٌ أو وزنٌ بغيره -كما في (الوسائل)(3) وفي (الكافي)(4) و(التهذيب)(5): يعيّره. يعني: يجعل له معياراً-. ثُمّ يأخذ على نحو ما فيه؟ قال: لا بأس به“.

هل المراد أنه يشتري حِملاً فيكيله، ثُمّ يأخذ باقي الأحمال على ذلك، فيجعل الأوّل معياراً والباقي يأخذه مثله؟ ومعلوم أنه يأخذه باعتبار قول البائع بأن الأحمال متماثلة.

ـــــــــــــ[140]ــــــــــ

() تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) باب 4 منها. (ضعيفة). (المقرِّر).

(3) وسائل الشيعة 17: 342، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4، الحديث 4. 

(4) الكافي 5: 193، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 4.

(5) تهذيب الأحكام 7: 122، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ومنها: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن أبي سعيد، عن عبد الملك بن عمرو، قال: “قلت لأبي عبد الله: أشتري مائة راوية من زيتٍ، فأعترض راويةً أو اثنتين فاتّزنهما، ثُمّ آخذ سائره على قدر ذلك. قال: لا بأس به (1).

فيها احتمالان:

أحدهما: أنه لا بأس باعتبار إخبار البائع بالتماثل، فتكون من روايات الباب.

والاحتمال الآخر: أن ذلك باعتبار أن الأحمال متساويةٌ غالباً.

وعلى أيّ حال فالمعاملة صحيحة.

هناك روايات أخرى لا بُدّ أن نرى هل هي صالحة لتقييد هذه الرواية:

وهو ما رواه الشيخ، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان عن محمد بن حمران (موثّقة)، قال: “قلت لأبي عبد الله: اشترينا طعاماً فزعم صاحبه أنه كاله فصدّقناه وأخذناه بكيله. فقال: لا بأس. فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال: لا. أما أنت فلا تبعه حتى تكيله(2).

ـــــــــــــ[141]ــــــــــ

() الكافي 5: 194، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 7، مَن لا يحضره الفقيه 3: 226، باب البيوع، الحديث 3836، تهذيب الأحكام 7: 123، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 5، الاستبصار 3: 102، كتاب البيوع، الباب 67، الحديث 3، ووسائل الشيعة 17: 343، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 1.

(2) تهذيب الأحكام 7: 37، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 45، ووسائل الشيعة 17: 345، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وقوله: “زعم” ليس معناه أنه خلاف الواقع.

وكذلك الرواية الثامنة من نفس الباب: عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله: أنه سأل أبا عبد الله عن الرجل يشتري الطعام، أشتريه منه بكيله وأصدّقه؟ فقال: “لا بأس“. الحديث(1).

وظاهره كونه مورد الاطمئنان والاعتماد. وقوله: “أصدقه” وقع في كلام الراوي، فلا يكون صالحاً لتقييد المطلق. فإنه لم يقع القيد في لسان الإمام، وإنما سأل الراوي عن أحد المصاديق. نعم، لا يمكن أن نفهم منها الإطلاق، لكنّها لا تكون حجّة في رفع اليد عن المطلق. ولا يستفاد منها قولنا: (إذا صدّقته فلا بأس)(2).

وعن(3) صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي العطارد (مهمل)، قال: “قلت لأبي عبد الله: أشتري الطعام فأضع في أوّله وأربح في آخره. -إلى أن 

ـــــــــــــ[142]ــــــــــ

() باب 5. (المقرِّر). مَن لا يحضره الفقيه 3: 210، باب البيوع، الحديث 3782، تهذيب الأحكام 7: 36، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 38، ووسائل الشيعة 17: 346، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 8.

(2) أقول: هذا لأن المطلق والمقيّد موجبان، ومعه لا يتمّ الحمل. ولو كانا متنافيين بالإيجاب والسلب لزم الحمل وإن كان القيد في كلام الراوي؛ لأن كلام الراوي كأنّه مكرّر عرفاً في كلام الإمام، أو –على الأقلّ- يكون تحت إقرار الإمام. انتهى. (المقرِّر).

(3) الباب نفسه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

قال- قلت: فأخرج الكرّ والكرّين فيقول الرجل أعطنيه بكيلك. قال: إذا ائتمنك فلا بأس“.

يعني إذا كان ثقة فهي توجب التقييد، إلّا أنها ضعيفة. 

والظاهر أن فتوى الأصحاب على الإطلاق، فهم لم يعتمدوا على هذه الرواية لتكون مجبورة بها.

بالنحو الذي نقل عن صاحب (الرياض) والعلّامة جواز الاعتماد على قول البائع مطلقاً، قال صاحب (الرياض)(1): إنه لا خلاف فيه. ولم يقيّد. وقال العلّامة: إن البائع إذا أخبر بشيء فإنه يجوز الشراء منه عندنا(2). ولم يقيّده بقيد. فهل نستطيع أن نفهم ذلك من الروايات أو لا؟

ظاهر رواية سماعة السابقة أنه إذا أخبر البائع أنه كاله وأنه كذا وكذا كيلاً، فالبيع صحيح. وكان مقتضى إطلاقها أنه لا قيد في ذلك.ولم نجد مقيّداً لذلك، ففي الروايتين كان القيد في لسان الراوي، ولا يستفاد منها أنه: (إذا صدّقته فلا بأس).

وهناك رواية فيها ضعف، وكأنّ مفادها غير محلّ الكلام، وهي رواية أبي العطارد السابقة. 

ـــــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) اُنظر: رياض المسائل 8: 234، كتاب التجارة، الفصل الثاني، شروط البيع، الشرط الثاني.

(2) تذكرة الفقهاء 10: 83، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، مسألة: 46.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فإن هنا مسألتين:

إحداهما: وجود كرّ متعارف في السوق، ويقول البائع: (هذا كلناه فكان عشرة أكرار) مثلاً.

ثانيتهما: أن البائع يعدّ كرّاً -يعني آنية يعتقد كونها كرّاً- ويحتمل أنه أقلّ من الكرّ المتعارف، وإن كان عدد مقدارها من الطعام معلوماً. 

والظاهر أن المراد من الرواية هو هذا الثاني، فإنه يقول: “أخرج الكرّ والكرّين” يعني: الآنية التي يكال بها مقدار الكرّ. “فيقول الرجل أعطنيه بكيلك” يعني: بهذه الآنية ويصدقه على أنها مساوية للكرّ المتعارف. “قال: إذا ائتمنك فلا بأس” يعني: باعتبار الكيل الذي عرضه، لا الطعام الذي سبق أن كاله(1).

وهناك مرسلة ابن بكير، عن رجل من أصحابنا، قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الجصّ، فيكيل بعضه، ويأخذ البقية بغير كيل. ـــــــــــــ[144]ــــــــــ

() أقول: هذا الفهم للرواية في غاية الغرابة، فإنه مخالف للظاهر من عدّة جهات:

أوّلاً: قوله: “الكرّ والكرّين” الظاهر بالكرّ المتعارف دون الاقتراحي.

ثانياً: قوله: “الكرّين” حيث لا يكون وجه لكونه يخرج آنيتين للكيل، وإنما يكون المراد أنه يخرج كمية من الطعام مقدارها كرّ أو كرّان.

ثالثاً: قوله: “بكيلك”. الظاهر بالعمل لا بالمكيال. انتهى.

وقد ذكرت بعض هذه الإشكالات للسيد، فلم يذكر شيئاً إلّا الاستغراب من ذلك، وتأكيد وضوح فهمه، وقال: (لا إشكال أن معناها ذلك). (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فقال: إما أن يأخذه كلّه بتصديقه، وإما أن يكيله كلّه (1).

وفيها احتمالان:

الأوّل: أن الرجل يريد أن يشتري الجصّ الآن، فيأخذ بعضه بكيل والآخر جزافاً.

الثاني: أنه اشترى مائة حِمل من الجصّ مثلاً، وجاء البائع بكمية من الجصّ، فقال: هذه كذا وكذا. وهذا غير مسألتنا، وإنما هو الجزاف في الوفاء، وهو لا محذور فيه؛ لأنه يتضمّن إسقاط الحقّ. وهذا هو الظاهر، فإن قوله: “يشتري” ظاهر في أنه قد اشترى(2).

وجواب الإمام فيه أيضاً احتمالان:

الأوّل: أنه تفصيل بين إخباره عن الكيل الوجداني، فيجوز الاعتماد عليه، وبين ما إذا كان إخباره حدسياً، فلا بُدّ أن يكال كلّه.

ـــــــــــــ[145]ــــــــــ

() باب (5) الرواية (3). (المقرِّر). الكافي 5: 195، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة والشيء المبهم، الحديث 13، تهذيب الأحكام 7: 125، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 16، ووسائل الشيعة 17: 344، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 5، الحديث 3.

(2) أقول: هذا الظهور غريب، وكيف يستظهر من الفعل المضارع معنى الفعل الماضي؟! إلّا أن الظهور صحيح بالنسبة إلى مجموع السياق المتكوّن من قوله: (يشتري) الظاهر بتحقّق تمام المعاملة وقوله: (فيكيل) يعني: بعد تمام المعاملة. فيكون ظاهراً بالوفاء. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الثاني: أنه تفصيل بين كونه ثقةً أو عادلاً، وبين ما لم يكن كذلك. وعلى أيّ حال فإنما يؤخذ بتصديقه، يعني بإحراز البائع لمقدار الكيل. ومعه يكون مؤدّاها مماثلاً لمدلول رواية سماعة. فهذه الرواية مضافاً إلى ضعف سندها غير صالحة؛ لتقييد إطلاق رواية سماعة.

تبقى صحيحة الحلبي الظاهرة بعدم كفاية قول البائع مطلقاً.

والعمدة هي صحيحة الحلبي التي قرأناها سابقاً عن أبي عبد الله، أنه قال: في رجل اشترى من رجل طعاماً عدلاً بكيل معلوم، وأن صاحبه قال للمشتري: (ابتع منّي هذا العدل الآخر بغير كيل، فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت). قال: “لا يصلح إلّا بكيل“. وقال: “وما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً، فلا يصلح بيعه مجازفة(1).

يحتمل أن يكون المراد أن إخباره بأنه مثله غير كافٍ، بل لا بُدّ من أن يكال، وقد ذكرنا عدّة جهات في أنها لا تعرّض لها إلى الكيل، وإنما يراد به أخذ الأفراد الأخرى طبقاً لأفراد مكيلة سابقاً. وكانت إحدى الجهات: أن المتعارف هو ذلك، فإن المتعارف أنه لا يعتمد على قول البائع، وإنما يوزن الطعام، وإذا وزنوه فإنهم لا يزنونه مرّة أخرى. فهم يحملون الاحمال بشكل متساوٍ في نظرهم، فيكيلون واحداً أو اثنين، ويقول البائع: (إن الباقي مثله). لا أنه قال: (كلته).

مضافاً إلى أنه يقول في ذيله: (لا يجوز مجازفة). وإذا أخبر البائع بكمّيته فإنه لا يكون مجازفة، بل الإخبار مطلقاً يخرجه عن المجازفة على ما سنقول، كما لو 

ـــــــــــــ[146]ــــــــــ

() باب 4، الرواية 2. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وصف البائع ماله، فإنه يخرج عن المجازفة، إذن فيكون المراد أنه يعطي المبيع بلا كيل. لا أنه يخبر عن كيله السابق.

وإذا كان الاحتمالان موجودين ينتج من ترك الاستفصال العموم لكِلا الاحتمالين. فيستفاد من صحيحة الحلبي: أنه لا يجوز البيع، سواء أخبر أن كيله كذا، أو أخبر أنه مساوٍ للمقدار الذي كاله(1).

ورواية سماعة تُخرج إحدى هاتين الصورتين. فإن ظاهرها أنه اشتراه الأوّل بكيل ووزن، ومعه لا بأس بالاعتماد على قول البائع. فيكون الجمع العقلائي بين الروايتين هو القول بالتفصيل بين الأخبار تخميناً وحدساً، فلا يعتبر قوله، وبين أن يخبر عن حسّ، فلا مانع عن الاعتماد عليه.

غاية الأمر، أنه يقع الكلام في أنه يكون مقبولاً إذا أحرز أنه كاله، وأخبر عن كمّيته. أو يكون مقبولاً في الأعمّ مما إذا أحرز أو لم يحرز. والذي يرد إلى الذهن من رواية سماعة وإن كان هو صورة إحراز أنه كاله، إلّا أنه بعيد. وإنما المراد التفصيل بين الإخبار عن حسّ أو عن حدس(2).

ـــــــــــــ[147]ــــــــــ

() أقول: هذان الاحتمالان ثابتان بنحو القضيّة المنفصلة المانعة الجمع، ولا يحتمل كونهما  مقصودين معاً من قوله: (بغير كيل). ومعه فكيف يمكن أن نفهم الإطلاق لكِلا الاحتمالين حتى يمكن أن يكون مقيّداً برواية سماعة على ما سيذكر السيد؟! انتهى. (المقرِّر).

(2) قال أحدهم: إن ظاهر قوله: “قد كيل ووزن”، أنه قد تمّ كيله ووزنه، وأنه فرض ذلك ثابتاً.

فقال السيد: المراد أنه مكيل أو موزون. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [هل الإخبار عن المقدار يوجب الخروج عن الغرر] 

نريد أن نرى أن إخبار البائع بكمّية المبيع، أو إخبار المشتري له بذلك، إذا كان البائع جاهلاً. وكذلك إخبار المشتري بالثمن، أو إخبار البائع له، إذا كان هو جاهلاً. هل يخرج المورد عن عمومات الغرر ونحوها؟ وإذا التزم البائع أو المشتري بالكمية، فهل يخرج المورد عن تلك العمومات أو لا؟ 

الروايات في باب الكيل والوزن عديدة:

منها: حديث الغرر. ويحتمل كونه بمعنى الجهل، كما فُسّر بالضرر وما لا يؤمن من الخطر.

ومنها: الروايات الواردة بعنوان: (لا يدري) أو (لا يعلم) كمرسلة (الخلاف)(1): “أن النبي نهى عن بيع الصبرة بصبرة وهو لا يدري كيل هذه من هذه“. ومرسلة (دعائم الإسلام) في بيع حصّة من ملك بحصّة من ملك آخر. فيقول: (إذا كانا عالمين بالمقدار فلا بأس)(2).

ومنها: الروايات الواردة بعنوان المجازفة، كصحيحة الحلبي السابقة. 

فهل إخبار البائع بأن هذا قد كيل أو وزن يخرج الـ(لا يدري) إلى 

ـــــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) الخلاف 3: 56، كتاب البيوع، مسألة 80.

(2) راجع دعائم الإسلام 2: 59، الباب 14، فصل ذكر الأقضية في البيوع، الحديث 157. ونصّ الحديث: وعنه أنَّه سُئل عن رجلين باع كلّ واحدٍ منهما حصّته من دارٍ بحصّة لصاحبها من دارٍ أُخرى، قال: “ذلك جائزٌ إذا علما جميعاً ما باعاه واشترياه، فإن لم يعلماه أو لم يعلمه أحدهما، فالبيع باطل”.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الـ(يدري) وإلى العلم؟ أو الإخبار -في الحقيقة- مهما كان موثوقاً فإنه لا ينتج العلم، إلّا إذا كان احتمال الخلاف ضعيفاً جداً إلى حدّ يكون ملغى عند العرف، ويقول العرفي: (أعلم وأدري)؟ 

وعلى أيّ حال فخبر الثقة في باب الاحتجاجات يختلف عنه في باب الواقعيات. ففي باب الاحتجاج يبني العقلاء على نفوذ الخبر الواحد؟ وانقطاع عذر المأمور لو أخبره الثقة عن حكم المولى، من دون لحاظ جهة الكشف أصلاً. 

وأما في الكشف عن الواقعيات فالعقلاء لا يرتّبون الأثر؟ إلّا إذا حصل الوثوق. وعلى كلّ حال فإذا كان الميزان حصول الدراية والعلم، فهو مما لا يحصل بخبر الثقة. إذن فلا بُدّ -لو قطعنا النظر عن روايات الباب- أن نقول بإنه لا بُدّ من حصول العلم العادي، وهو الذي يسمّيه العقلاء علماً. ولا يكتفى بالظن الغالب؛ لأنه ليس علماً.

وأما إذا كان المدار ما ورد في صحيحة الحلبي من قوله: (لا يصلح إلّا الكيل). فقد أخذ واقع الكيل لا العلم به موضوعاً، فلا بُدّ أن يثبت الكيل. وهناك بناءٌ للعقلاء على حجّية خبر الواحد إلّا مع الوثوق. غاية الأمر أنه لا حاجة إلى تحصيل العلم، بل الوثوق يكون كافياً. فإن العقلاء كما يعملون بالعلم يعملون بالوثوق أيضاً.

وأما عنوان المجازفة الوارد في ذيل صحيحة الحلبي وفي غيرها، فهو إنما يتحقّق في البيع هكذا! بدون شيء ولا سابق معرفة. وأما إذا أخبر الثقة ولو لم يحصل الوثوق فهو ليس بيعاً مجازفة. بل لو لم يكن ثقة ولكن كان صاحب 

ـــــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المال، فأيضاً يخرج عن كونه مجازفة عند العقلاء. إذن فهذه العناوين المأخوذة في الروايات تختلف في مقتضياتها.

وأما إذا التزم المتعاملان، أو التزم البائع على أن هذا مقداره كذا أو وصف له. فإن كان المدار هو حصول العلم أو ثبوت الكيل، لم يكن ذلك كافياً. نعم، لو كان المدار هو عدم حصول المجازفة، كان ذلك حاصلاً.

وإذا كان المدار هو الغرر، وكان معناه الخطر وما لا يؤمن من الضرر، فيكون ذلك رافعاً له أيضاً. فهل الأوصاف تختلف -كما قال بعضٌ(1)– ففي الأغراض الشخصية يكون الالتزام والتوصيف كافياً، وأما في الأغراض النوعية للمعاملات، وهي ما يكون مقوّماً للمعاملة، فذلك مما لا يكون كافياً؟ وباب المقدار من باب المقوّمات، كما لو باعها على أنها حنطة ولم تكن حنطة. 

ونحن نقول: هل وصف الصحّة من الأغراض الشخصية أو الأغراض العامة؟ لا شكّ أن عامة الناس يميلون إلى صحّة البيع. فإذا اشترط الصحّة ووصفها كان ذلك نافذاً، ولا يمكن أن يقال: ما دام الشرط عامّاً يكون من مقوّمات المعاملة ولا يصحّ شرطها.

على أنه لنا مناقشة في المثال الذي ذكره: فإنه إذا بعت هذه الصبرة على انها مائة كيلو، فبانت أقلّ بكيلوين، لا يكون تخلّفاً لمقوّم المعاملة. فإن الكلّيات تتباين عناوينها بالقيود، وأما الجزئيات فلا تتباين وإن كانت مقيّدة. كما لو قال: 

ـــــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) اُنظر: فقه الإماميّة، قسم الخيارات (للميرزا حبيب الله الرشتي): 436-437، أقسام الخيارات، الرابع: الكلام في خيار الغبن، مسألة: في مسقطات خيار الغبن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 (بعتك هذا العبد الكاتب) ولم يكن كاتباً. فلو بانت أنها ليست بحنطة كانت المعاملة باطلة، وأما لو بانت أقلّ كانت المعاملة متحقّقة في نظر العقلاء، ولم يتخلّف مقوّمها.

فإذا كان المدار هو عدم الخطر فالتزام المتعاملين بالمعاملة يرفع الخطر ولا يكون غرراً، كما هو الحال في الوصف أيضاً.

[المحتملات في روايات الباب]

نرى أنه ماذا يستفاد من روايات الباب؟ نذكر المحتملات أوّلاً لنرى ما هو مفادها:

الاحتمال الأوّل: أن الشارع جعل خبر البائع في باب مقدار البيع حجّة وطريقاً -باصطلاح الآغايون- أو أنفذه. فبالرغم من أن المورد من الموضوعات، وفيها يعتبر البيّنة، إلّا أن الشارع أسقط ذلك، واعتبر قول البائع مثبتاً للواقع بدون قيد ولا شرط.

الاحتمال الثاني: أن الشارع أنفذ نفس الطرق العقلائية التي هي طريق إلى الواقع. غاية الأمر أن الشارع في الموضوعات ألزم بالبيّنة، إلّا أنه هنا اكتفى بالطريق العقلائي لإثبات الواقع.

الاحتمال الثالث: أن الشارع أنفذ قول البائع لا مطلقاً، بل في خصوص إثبات الكيل في البيع.

الاحتمال الرابع: أن الشارع أنفذ الطريق العقلائي العام في خصوص ذلك دون غيره.

ـــــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الاحتمال الخامس: أن الشارع اعتبر قول البائع بالنسبة إلى صحّة المعاملة، أو اعتبر كلّ إخبارٍ عقلائي لذلك.

ونكتة الاقتصار على صحّة المعاملة يُحتمل أن يكون هو أن المدار في صحّة المعاملة هو أن لا يكون مجازفة. وإذا أخبر البائع أو كلّ مخبر عن المقدار خرج عن كونه مجازفة. وكذلك هو لا غرر فيه؛ لأنه لو انكشف الخلاف كان له الخيار. وإذا قلنا: إن الغرر عبارة عن الجهالة، وفي مرسلة (الخلاف) عنوان (لا يدري)، فمطلق الخبر لا يرفع الجهالة، وإنما إذا أوجب الوثوق العالي يقال عرفاً بأنه يرفع الجهالة، فيمكن أن يكون هذا تخصيصاً لدليل الغرر. ولا بدع في ذلك إذ قد وردت عدّة تخصيصات عليه كضمّ الزرع للسنة الآتية.

الشيخ يقول(1): اعتبر الشارع الطريق العقلائي. ويقول: وشهدت له الروايات. وما عندنا من الروايات التي يمكن أن يقال بكونها شاهدة على ذلك روايتان:

إحداهما: بعنوان (صدّقناه).

والأخرى: بعنوان (أُصدّقه).

وهذه ليست دلالة للرواية، فإن غايته أنه قال: “لا بأس“. وأما (أُصدّقه) فهو وارد في مورد السؤال. ولا يدلّ على أنه يجب أن يكون مورداً للتصديق، غايته أنه في مورد السؤال تكون المعاملة صحيحة. مضافاً إلى أن 

ـــــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 240، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع، جاز الاعتماد عليه … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

قوله: “لا بأس” ينسجم مع عدد من المحتملات التي قلناها، كجعل الطريقية لقول البائع بالنسبة إلى هذا المورد الخاصّ، وكجعل الطريق العقلائي وإنفاذه. وينسجم مع مجرّد تصحيح البيع، فإن قوله: (لا بأس) يعني: لا بأس بالبيع. وأما أنه اعتبره بما هو طريق عقلائي، فهو مما لا يستفاد منه(1).

وإن الإمام قال في كِلا الصحيحتين: (إذا أردت أن تبيعه فلا بُدّ أن تكيله). فلو كان الشارع قد أنفذ الطريق العقلائي، فلماذا يجب كيله بعد ذلك؟ فإنه إذا كان عندي طريق عقلائي ممضى شرعاً، فأستطيع أن أشهد بمضمونه وأخبر عنه. فالإلزام بكيله دليل على أنه لم ينفذه على الإطلاق. فيحتمل أنه أنفذه في المورد الخاصّ، ويحتمل أنه أنفذه باعتبار صحّة البيع، أو باعتباره رافعاً للغرر، أو تخصيصاً لأدلّة الجهالة، أو تخصيصاً لدليل الغرر أساساً. إذن فهاتان الروايتان لا تدلان على المطلب. فكونه طريقاً مطلقاً لا يدلّ عليه. وأما كونه طريقاً من جهة فهو كلام مدرسي لا كلام الإمام.

وأما رواية: (إذا ائتمنك)، فإذا لم يكن فيها إشكال سندي، ولا أنها كانت متعرّضة لمسألة أخرى، فقد قيّدت المطلب، لكن يشكل أن نفرّق بين الإخبار بهذا الشيء عن الإخبار بالوزن.

وأما مرسلة (الجصّ) فعلاوة على أنه يحتمل أنها في مقام الاستيفاء، لا يستفاد منها أنه تصديق المشتري للبائع، بل التصديق بالواقع بدون دخل لقوله في ذلك. ولأجل هذا سمي تصديقاً وكان مقابلاً للتصوّر. ولعلّ الظاهر هو 

ـــــــــــــ[153]ــــــــــ

() كذا ذكر السيد، على خلاف ما قاله قبل قليل. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الإضافة إلى الفاعل، وأما إضافته إلى المفعول فيحتاج إلى التقدير بأن يقال: (بتصديقك إيّاه). ولو أغمضنا كانت الرواية مطلقة.

العمدة أن نذكر موثّقة سماعة مع الإشكالات الواردة عليها، وهي: ما رواه الشيخ بسنده، عن الحسن بن محبوب، عن زرعة بن محمد، عن سماعة، قال: “سألته عن شراء الطعام، وما يكال ويوزن، هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن؟ فقال: أما أن تأتي رجلاً في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة، فلا بأس إن اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه، إذا كان المشتري الأوّل قد أخذه بكيل أو وزن، وقلت له عند البيع: إني أربحك كذا وكذا، وقد رضيت بكيلك ووزنك. فلا بأس“.

احتمال: أنها مثل رواية عبد الملك بن عمرو راجعة إلى تلك المسألة، فإن هنا مسألتين:

إحداهما: أن مشاهدة الكيل لا تفيد، بل لا بُدّ أن يكرّر الكيل والوزن عند المعاملة. فكأن ذلك وجوب تعبّدي التزم به مشهور العامة، ووردت رواية عبد الملك بن عمرو لنفي ذلك.

الثانية: مسألتنا وهي كفاية إخبار البائع، فيحتمل أن تكون موثّقة سماعة مثل رواية عبد الملك واردة في المسألة الأولى. إلّا أنه يدفع هذا الاحتمال قوله: (أبيعه بدون كيل)، فإنه منافٍ مع المسألة الأولى. فإذا كان الإمام قد أجاب عن تلك المسألة لم يكن الجواب منسجماً مع السؤال. وإن كان يحتمل في الجواب وحده ذلك.

ـــــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

واحتمال آخر: أنه يريد أن يفصّل بين إخباره أنه كيل ووزن؛ فلا يجوز الاعتماد عليه، وبين ما إذا أحرز الكيل والوزن وأخبر البائع عن الكمّية؛ فيجوز الاعتماد عليه. فأصل الكيل والوزن لا بُدّ أن يكون معلوماً بالوجدان أو بالبيّنة، وإنما يقبل قول البائع بمقداره.

إلا أن هذا التفصيل بعيد عن الذهن، ولم يفصّل الفقهاء مثله. وإنما يريد
-ظاهراً- اعتبار قول البائع وكفايته في الصحة، لا بمعنى تتميم الكشف، وإنما كونه ميزاناً لارتفاع الجزاف والغرر، إذا كان المراد به الخطر المعاملي -كما هو الظاهر-. وعلى تقدير إرادة الجهالة من الغرر، فلا بأس بكون الموثّقة مقيّدة لدليل الغرر.

 وعلى أيّ حال فالاعتبار لقول البائع شامل للفاسق والعادل معاً.

بالنحو الذي قلناه من التفصيل، هو أن المستند إما أن يكون هو قاعدة الغرر بمعنى الجهالة، فبغضّ النظر عن الرواية، لا ترتفع الجهالة عرفاً بالوثوق الداني، وإذا كان بمعنى الخطر أو ما لا يؤمن به من الضرر، فإنه يرتفع بالتزام المتعاملين. وإذا كان المستند هو دليل المجازفة فأيضاً يرتفع كذلك.

لكن الشيخ(1) يفرض فرضين:

أحدهما: ما إذا كان المدار هو الكيل؛ فالظن يكون كافياً. وإذا كان المدار هو الغرر -وهو يرى أنه بمعنى الجهالة- فيرتفع ببناء المتعاملين. وهذا يرد عليه 

ـــــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 241، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إشكال واضح: فإنه إذا كان المدار ثبوت الكيل، فنحتاج في إثباته إلى حجّة ولا يكفي الظنّ. وإذا كان المدار هو الغرر وكان الغرر بمعنى الجهالة، فهو لا يرتفع ببناء المتعاملين. نعم، لو كان الغرر بمعنى الخطر فإنه يرتفع.

وما قالوه من الدور هنا -كالذي قاله الآخوند(1)– هو دور معيّ، كما في استناد الحجرين على بعضهما البعض. فكلٌّ من الطرفين يتوقّف على حالة في الآخر. فوصف صحّة المعاملة ووصف صحّة الشرط يمكن أن يتحقّقا معاً، وليس توقف أحدهما على الآخر توقفاً بحيث يلزم وجود أحدهما قبل الآخر.

على أن كلّ إشكالات الآخوند بناءً على أن يكون الغرر بمعنى الجهالة، وغير معلوم أن يكون له إشكال لو كان الغرر بمعنى الخطر.

[حكم مخالفة الإخبار للواقع]

المسألة الأخرى التي تعرّضوا لها(2): أنه لو لم يكن إشكال من جهة الإخبار بالكيل والوزن، فإذا تخلّف الإخبار بالنقيصة أو بالزيادة، فهل يوجب ذلك بطلان المعاملة من جهة أخرى، لا لأجل الغرر وأمثاله، بل لأجل أمر آخر؟ فهل نقول: أن المعاملة باطلة من الأوّل؟ أو نقول: إنها صحيحة ولازمة، أو إنها 

ـــــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 241، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه … .

(2) اُنظر: جامع المقاصد 4: 427، كتاب المتاجر، المقصد السادس، الفصل الثالث: في الشرط، وكتاب المكاسب 4: 241، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صحيحة وخيارية، وإذا لم يفسخ فتمام الثمن واقع في مقابل المثمَن بلا تقسيط؟ أو نقول: إنه صحيح وخياري ويقسّط؟ 

أما القول ببطلان المعاملة فما قيل في وجهه: إن المعاملة وقعت على عنوان لا معنون له، فلو بعته على أنه عبد فخرج سكّيناً أو فرشاً مثلاً، فإنكم تلتزمون ببطلان المعاملة، لا أن العبدية والفرشية غير دخيلة في المعاملة، بل ما وقع عليه العقد مباين للمشار إليه. كذلك الناقص والكامل في المعاملة، فإن ما وقع عليه العقد مباين للمشار إليه، فإن الناقص والكامل متباينان. وليس المقصود من الهاذيّة -هذا- ما هو أعمّ من كلّ الأشياء، فالعنوان المأخوذ فيه غير موجود.

الجواب الذي ذكره الآغايون(1):

بعضهم قالوا: إن المسألة كذلك؛ لثبوت المباينة في الموردين. لكن هنا فرق بين المسألتين، أنه في مسألة العبد والفرش لا ينحلّ العقد إلى عقود: عقد واقع على المادّة الأوّلية، وعقد واقع على الصورة. وأما في مسألتنا فينحلّ العقد إلى عقود متعدّدة، ونحن أردنا أن نوقع العقد على العشرة وكان واقعاً على ثمانية. فيبطل العقد في اثنين منها باعتبار كونهما سالبين بانتفاء الموضوع، ويبقى ثمانية على الصحّة، والعقد حاصل عليها باعتبار الانحلال.

ومن قائل آخر: إنه يقول: إن المادّة الأصلية للأشياء ليست مطلوبة ولا مالية لها، ولم يقع عليها العقد، فباعتبار التباين لا يكون باباً للانحلال، وأما في المقام فالعقد ينحلّ إلى عقود متعدّدة، فمقتضى القاعدة صحّته فيما هو موجود، 

ـــــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 395، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وعدم صحّته فيما هو غير موجود(1).

هذا لم نستطع إلى الآن أن نصدّق به، وهو أن العقد الواقع على شيء ينحلّ إلى عقود متعدّدة على عدد أجزائه، وقد لا تكون أجزاؤه متناهيةً ولو عرفاً. وقد قلنا: إننا إذا بعنا الدار فالعقود الواقعة على ما في داخل الجدران والأرض عقود على مجهول، فتكون باطلة. وليس الأمر كذلك، والانحلال غير صحيح، فلو حلفت أن لا أوقع إلّا عقداً واحداً، لم أحنث. فبالعقد الواحد تنتقل الأجزاء المتعدّدة، من دون أن تكون منظورة حال العقد. بل لو باع ماله ومال غيره، فليس أنه نقل كلّاً منهما بعقد غير الآخر، بل بإنشاء واحد نقل المجموع. ولا يفرق ذلك في عالم الإنشاء عن نقل الأمور المتعدّدة من مال الإنسان نفسه.

في المقام: في مثال العبد والفرش يكون العرف مقدّماً للعنوان على الإشارة، ويقول: إن ما وقع عليه العقد غير موجود. وكذلك في المقادير مع الاختلاف الكبير، كما لو بعت الحنطة على أنها مائة حِمل، فبانت صاعاً واحداً. وأما لو كانت الكمّية في نظر العرف من قبيل الأوصاف مع انحفاظ ذات الشيء في نظره، كما لو باع مائة حِمل من الحنطة، فبان ناقصاً صاعاً أو صاعين، فإنه يقال: (إن ما وقع عليه العقد موجود في الخارج). وكذلك الماء الذي نقص قليلاً يقال: (إنه موجود)، فالقضية المتيقّنة محفوظة عرفاً، فيمكن استصحاب الكرّية. ونحوه إذا كان الإنسان ناقصاً ليد واحدة فيقال: (هذا الإنسان موجود). وأما إذا كان هناك يد فقط، فلا يقال: (إن هذا إنسان، لكن لا رأس 

ـــــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 329-330، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس: العلم بقدر المثمن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

له ولا صدر له ولا بطن له ولا رجل له؟!!). بل هذه يد لا أنها إنسان. فلو باع عبداً ثُمّ ظهر يداً واحدة. لا يقال: إنه صحّ العقد في ذلك ولا بُدّ للبائع أن يجبر الباقي. ولو باع عشرة أجربة من الأرض فبانت تسعة. فالمبيع محفوظ عرفاً. وأما لو باع عشرة أجربة فبانت عشرة أذرع، فهذا غيره عرفاً.

إذن فينبغي أن نعرض المسألة على العرف، فمتى كان مساعداً على اتّحاد المبيع وانحفاظه، قلنا بالصحّة، وبتقديم الإشارة على العنوان. ومتى ما لم يكن مساعداً، قلنا بالبطلان، وبتقديم العنوان على الإشارة.

الآغايون القائلون بالانحلال نقول لهم: هل هو انحلال حقيقي، بحيث تكون هناك عقود عديدة في هذا العقد الواحد؟ أو يقال: بالانحلال بنحو المجاز والتنزيل؟ فإذا كان مجازاً فإنه لا يمكن أن يكون محلّاً للأثر، مع أنهم رتّبوا عليه الأثر، وهو صحّة البيع بالنسبة إلى ما هو موجود، وبطلانه بالنسبة إلى الناقص. إذن فهو ليس انحلالاً مجازياً بحيث إن العقد هو بمنزلة العقود المتعدّدة، وإنما انحلاله حقيقي عندهم.

فنسأل: إن العقد إذا وقع على البيت، فهل هو لم يقع على البيت أصلاً، وإنما وقع على الأجزاء؟ أو يقع على البيت، ثُمّ ينحلّ إلى الأجزاء؟ وفي كِلا الأمرين إشكال.

فإن كان العقد واقعاً على البيت وعلى الأجزاء، بحيث يوجد هناك بيوع متعدّدة -ونفرض المتبايعين أصيلين- فهذا البيت بما أنه متعلّق للبيع قد انتقل جميعه، ونصفه وقع عليه البيع أيضاً، فقد انتقل مرتين: مرّة مع المجموع، ومرّة 

ـــــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وحده. والربع المشاع انتقل ثلاث مرات، وهكذا إلى ما لا ينتهي إلى حدّ. وكذلك الحال لو لاحظنا الأجزاء الخارجية للمبيع، حيث يكون كلّ جزء منتقلاً مع المجموع، ومنتقلاً مرّة أخرى ببيع خاصّ به.

وإن قلتم: إن البيع لم يقع على البيت، بل على الأجزاء ابتداءً. فهذا لا أظنّ أن أحداً يلتزم به، على أن له لوازم باطلة(1).

على أن بعضهم قائلٌ بخيار تبعّض الصفقة، مع أنه لا موجب للقول به بناءً على الانحلال؛ لأن هناك بيعاً واقعاً على هذا وبيعاً واقعاً على هذا. وقد صحّح البيع هناك من دون تبعّض . وليس عندي صفقة واحدة، بل صفقات. إلّا أن تقولوا:إنه بيع واحد وبيوع متعدّدة.

وفي خيار العيب لو باع داراً فيها غرفة معيبة، فلماذا أرد الدار كلّها؟ بل أرد الغرفة المعيبة بما هي متعلّق لبيع مستقلّ.

وأما واقع القضيّة فهو: أن البيع واحد والنقل واحد، والأجزاء تنتقل بذلك النقل الواحد. فالدار تنتقل بكلّ أجزائها، لا أن أجزاءها تنتقل بالبيع. ولا يرد إلى الذهن أجزاء البيع حتى نوقع البيع عليها، فهذا الذي يستغيث ويقول: (أيّها الناس أنقذوني)، فهل ينحلّ كلامه إلى نداءات متعدّدة واستغاثات متعدّدة؟ بل هو نداء واحد وخطاب واحد، والمنادى أو المخاطب متعدّد(2).

ـــــــــــــ[160]ــــــــــ

() لم يذكرها السيّد. (المقرِّر).

(2) قلت له: بأنه يمكن تصوير الانحلال بنحو لا يرد عليه الإشكال، وذلك بأن يقال: إن البيع لا ينحلّ إلى عقد مستقلّ ليرد الإشكال، وإنما هو بيع واحد، ينحلّ إلى أجزاء ضمنية، وعقود اندكاكية، بمعنى صدق هذه القضيّة وهي: أن كلّ جزء من المبيع انتقل بالبيع في مقابل جزء من الثمن، فينحلّ العقد باعتبار انحلال البيع والثمن بهذا المعنى. ولا محذور -حينئذٍ- أن ينال الجزء الواحد بيعاً مستقلّاً وبيعاً اندكاكياً؛ لأنه في الحقيقة ليس إلّا عبارة عن جزء ذاك البيع المستقلّ، وليس شيئاً زائداً عليه. فلا يرد الإشكال.

ثمُ ّإن قولهم بخيار العيب وبخيار تبعّض الصفقة، قرينة على عدم قولهم بالانحلال إلى عقود استقلالية، فكيف يجعل القول بهذين الخيارين نقضاً عليهم؟

فأجاب السيد: بأن هذا شيء آخر غير مسلكهم، فإنهم يصرّحون بالانحلال إلى عقود متعدّدة. مع أنه لا يحتمل انحلال العقد لا إلى عقود مستقلّة ولا إلى عقود ضمنية.

أقول: هذا وحده لا يكفي كما هو واضح بعد عدم ورود الإشكال الذي ذكره على ما ذكرناه، وإمكان حمل عباراتهم عليه. وبه تندفع سائر الإشكالات التي ذكرها بالأمس واليوم، كما هو غير خفيّ على المتأمّل. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [حول ثبوت الخيار وعدمه]

هل هذا البيع خياري أو لازم؟ قد يقال: إن الوصف يكون من قبيل الدواعي، فلو قال البائع: (اشترِ منّي بطيخاً كالعسل)، فاشترى ولم يكن كالعسل. فالوصف إنما هو في الحقيقة من قبيل الدعايات، وليس شرطاً في البيع. وكذلك لو أخبر بكونه تامّاً وظهر ناقصاً، فإن كلام البائع صار داعياً للمشتري إلى شراء هذا الشيء الخارجي، فيقال: إنه بيع صحيح لازم.

أو نقول: إن هذا وإن صحّ في مثال البطيخ، إلّا أنه لا يصحّ في المقادير، فإني إنما آخذه باعتبار كونه عشرة أكيال وأدفع ثمن العشرة. فالمقادير مقوّمات، 

ـــــــــــــ[161]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بمعنى أنها دخيلة في المعاملة وتبتني عليها المعاملة وليست أوصافاً، كما قال بعضٌ(1): إنه قيل في الفلسفة: كمّ متّصل وكمّ منفصل. هذا فقه وليس فلسفة.

بعد البناء على صحّة العقد لو ظهر ناقصاً نقصاً غير مضرّ بالشخصية، وأنه ليس الكيل من قبيل الدواعي. فهل الخيار هو خيار تخلّف الوصف، بحيث إما أن يفسخ وإما أن يرضى بتمام الثمن كسائر الأوصاف؟ أو هو من قبيل خيار بعض الصفقة، بحيث يتبعّض الثمن؟ أو هو وصف، ولكنّه يشمله خيار تبعّض الصفقة. وجوه؟

المفروض أن المشار إليه في الخارج هو مورد العقد، وأن العرف يقدّم الإشارة على العنوان. والبيع واقع على الموجود الخارجي، فإذا قسّطنا الثمن كان معناه أن نصفه بإزاء نصف الثمن، وربعه بإزاء ربعه، وهكذا. لا أننا نجعل قسطاً من الثمن في مقابل الموجود، وقسطاً في مقابل المعدوم. فإن هذا مما لا يمكن. فإن البيع إذا كان في مقابل العنوان فقد تخلّف. والمفروض أن المعاملة لم تقع على العنوان، وإنما وقعت على الموجود الخارجي، وإن قال على أنه كذا كيلو. والقيود مهما وقعت على الخارج لا تغيّره، فلو اقتديت بزيد على أنه عمرو أو ضربته كذلك، فإن الاقتداء والضرب يقع على الخارج. نعم، إلاقتداء حيث إنه عنوان عقلائي يكون قابلاً للتقييد، لكن الضرب أمر تكويني فلا يكون قابلاً له. إذن فالبيع واقع على هذا الموجود الخارجي، لا على هذا الشيء وشيء 

ـــــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) راجع حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإصفهاني) 3: 319، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس: العلم بقدر المثمن، التقدير بالمتعارف وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

آخر ناقص أو زائد. والتقييد إنما يقع على هذا الموجود الخارجي لا على شيء آخر، والثمن إنما وقع بإزاء الموجود الخارجي، فنصفه بالنصف وربعه بالربع. ولا يكون هناك تقسيط إذا قبل الطرف بالعقد بتمامه.

أو نقول: هناك فرق بين ما إذا باع صبرة بالمشاهدة أو زولية بالمشاهدة؛ فيقسّط الثمن. وبين موارد التقدير. ففي الأوّل يقال: إن النصف في مقابل النصف، والربع في مقابل الربع عرفاً. وفي موارد التقدير يقول العرف: إنه اشترى هذا الشيء الخارجي كلّ كيلو بكذا. وحيث لم يقع في مقابل الناقص شيء، إذن فلا بُدّ من التقسيط.

إذن فالخيار هو خيار تبعّض الصفقة، باعتبار أن العقلاء يرون أنه اشترى الحنطة كلّ كيلو بكذا. مع عدم وجود ما يقابل مجموع الثمن. وليست المقادير وصفاً، وإن كانت كذلك فلسفياً، فما يقال من أنها وصف ولكنّه وصف يقسّط عليه الثمن… كلام غير عرفي.

فهل الزيادة مثل النقيصة التي قلناها؟ حيث عرفنا أنه إذا ظهر ناقصاً نقصاناً كثيراً، فالعنوان الذي وقع عليه البيع غير متحقّق، وما هو متحقّق ليس مبيعاً فكذلك لو كان أزيد. بخلاف ما لو بان ناقصاً قليلاً فإنه لا يضر بالشخص عرفاً، فإنه يقال: إن المبيع موجود، فكذلك في الزيادة لو كانت قليلة يقع البيع على العين الخارجية وهي غير محفوظة. 

وأما ما قيل من أن المشتري لم يُرد الزائد، والبائع لم يقصد الناقص، فهو إشكال يرد على النقيصة أيضاً، إلّا أنه ليس بإشكال؛ لأن البيع واقع على 

ـــــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الخارج، والخارج لا يختلف ولا يتعدّد بالقيود -كما قلنا-.

وعلى ذلك فهل يجب على البائع أن يدفع المبيع كلّه في مقابل الثمن؟ الكلام نفسه يرد، فإن المبيع في نظر العرف أن كلّ كيلو هو كذا. فالمقدار الزائد لم يقع الثمن في مقابله. والخيار نفس الخيار، وهو خيار تبعّض الصفقة.

هذا هو حاصل الكلام في هذا المبحث، ويقول الشيخ إنه سوف يأتي بعض الكلام عنه.

وأما البيع بالمشاهدة، فالشيخ ينقل(1) عن العلّامة(2) أنه يمكن بيع قطيع من الغنم بالمشاهدة وعليه دعوى الإجماع. فهل الآغايون يرون أن دليل المنع قاصر عن الشمول لذلك، أو أن لدينا مقيّداً له … أو أن هناك فرقاً بين الموارد؟ لا بُدّ من النظر إلى الأدلة.

ـــــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 245، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: هل يجوز بيع الثوب والأراضي مع المشاهدة؟

(2) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 84، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، مسألة: 47.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[مسألة: في كفاية المشاهدة لصحة المعاملة]

 

الأشياء التي تباع بالمشاهدة، بعضها لا طريق لتشخيصها إلّا المشاهدة، دون الكيل والوزن والعدّ والذرع. مثاله: حالات الفرس كتشخيص كونه صالحاً للركب، أو للتحميل أو معرفة جماله أو عمره، أو طريقة مشيه. وأحياناً يحتاج التشخيص إلى معرفة أهل الخبرة، ومثل الجواهر التي تباع في السوق، فإنه يلاحظ حجمها ووصفها بالمشاهدة عادة.

ومن الأشياء ما يتعارف بيعها بالمشاهدة مع أنها من الموزونات، كبعض أقسام الخشب، والتبن لعلّه كذلك في أنه موزون والوزن دخيل في ماليته.

وبعض الأمور يكون للمساحة دخل في ماليتها، لكنّها تباع بدون ذلك، كبيع الدار بدون معرفة مساحتها كما هو الغالب، أو بدون معرفة عدد أبوابها وشبابيكها، وبيع البستان أيضاً بدون معرفة مساحته أو بدون معرفة عدد أشجاره وأنواع الزرع والشجر فيه.

[هل تعارف السوق على المشاهدة رافع للغرر]

أما الموارد التي لا يمكن رفع الغرر إلّا بالمشاهدة، فلا كلام. وأما الموارد الأخرى التي لا يستعمل فيها الوزن أو الذرع مع دخله في المالية. فهل بمجرّد 

ـــــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

تعارف ذلك يرتفع الغرر كما يدّعي صاحب (الجواهر)(1)، وعدد من المحقّقين(2)؟ نقول: الآغايون يفسّرون الغرر بالجهالة كالشيخ وعدد من محشي كتابه(3). فهل التعارف السوقي يرفع الجهالة مع دخالة الوزن والتقدير في الثمن؟ وليس أن المشتري يشخّص وزنه بالمشاهدة، إلّا بالنسبة إلى أهل الخبرة إلى حدّ ما، مع أنه لا يختصّ هذا البيع بهم. فالجهالة متحقّقة بلا إشكال.

فإن قلت: إن المقدار المجهول متسامح به عرفاً وسوقياً.

قلنا(4): كلّا، فإنه في بيع الشيء الكثير قد يكون الفرق كبيراً ومهمّاً، وغير قابل للمسامحة، ومع ذلك يباع بالمشاهدة من دون وزن.

وأما إذا كان الغرر بمعنى الخطر المعاملي، فالمشتري إذا كان لا يعلم ما يدخل في ملكه من مقدار الوزن أو الذرع، كان ذلك خطراً معاملياً لا محالة. فإذا اشترى كمّية من الفحم يريد توفيرها للشتاء، وهو لا يعلم أنه يكفي لشهرين أو لثلاثة أشهر، فأيّ خطر معاملي أكثر من ذلك؟! إذن فلا نستطيع أن نقول: إن هذه المعاملات خارجة موضوعاً عن دليل الغرر.

ـــــــــــــ[166]ــــــــــ

() اُنظر: جواهر الكلام 22: 429-431، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الخامس.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 388، القول في شرائط العوضين، من شرائط العوضين عدم الغرر.

(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإصفهاني) 3: 332، شرائط العوضين، الشرط الخامس: العلم بمقدار المثمن، جواز بيع ما تكفي فيه المشاهدة بالمشاهدة.

(4) هذا جواب على سؤال منه. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ويمكن أن نقول: بأن رواية الغرر إنما كانت بالنسبة إلى المكيل والموزون خاصّة. ونستشهد لذلك بروايات كثيرة في بيع الثمار الرطبة مما هو غرري بتمام المعنى، وقد أُجيز بيعها لعامين أو مع الضميمة أو بعد بدو صلاحها ولو في بعضها، فيضمّ ما بدا صلاحه إلى غيره. وجواز كلّ ذلك مورد النصّ والفتوى. وكذلك يجوز أن يشتري الخضار لقطة أو لقطتين، وكذلك الفصيل، أو يشتري الحنطة والشعير في سنبلها. وحينئذٍ نقول:إنه من البعيد تخصيص المرسلة بما هو غرر بالحمل الشائع بهذا المقدار. فيستكشف أنها خاصّة بالمكيل والموزون، على حدّ قوله: (ما سمّيت منه كيلاً فلا يجوز بيعه مجازفة).

أو نقول: ما قلناه في بحث الخبر الواحد، إن ما هو متعارف عند العقلاء كثيراً كالعمل بخبر الواحد، أو بالظواهر أو باليد. لا يمكن الردع عنه بآيات النهي عن العمل بالظن. بل تحتاج في الردع عنها إلى قوة وتأكيد كما حدث في الربا ولا يمكن أن تكون مرسلة واحدة رادعة عنها. ومعه فما كان متعارفاً في زمان الشارع من بيع الخروف والدار والبستان بالمشاهدة، يكون جائزاً ولا يمكن الردع عنه بمرسلة الخلاف. فهذه المرسلة. إما أن مضمونها خاصّ بالمكيل والموزون أو عام لغيره بنحو لا أثر له. وهذه البيوعات كانت تحدث في زمان الأئمة والفقهاء بمرأى ومسمع منهم ولم ينهوا عنها.

وليس الأمر كما ينقل عن (تحرير العلّامة)(1) بأنه يجوز بيع القطيع بالمشاهدة. 

ـــــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) اُنظر: تحرير الأحكام (ط. ق) 1: 177، كتاب المتاجر، المقصد الخامس، الفصل الرابع، وفي (ط. ج) 2: 340.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فإن هذا لا يمكن قبوله؛ لأن عدد أفراد القطيع دخيل في القيمة. ولم يكن متعارفاً ذلك في زمانٍ، وأنما تجوز تلك الأمور باعتبار تعارفها من السابق ولا يبعد كونه موجوداً إلى حدّ الآن.

إذا علمنا أن شيئاً يباع في زمان الشارع بالمشاهدة، وكان الآن على ذلك أيضاً، فإذا كان المتعارف يرفع الغرر موضوعاً، فهو صحيح على القاعدة، ولا يحتاج إلى ملاحظة زمان الشارع. نعم، لو كان هذا غررياً، فلا بُدّ أن يثبت كونه متعارفاً في زمان الشارع، وأن: “نهى النبي عن بيع الغرر“لم يردع عنه، وأنها إمّا مخصصة أو مصبّها شيء آخر. وعلى أيّ حال فتكون المعاملة صحيحة.

وما يمكن به توجيه القول بأن المتعارف يكون رافعاً للغرر، كما قال به صاحب (الجواهر) وغيره، هو: أن شيئاً أصبح تقدير ماليته بالمشاهدة، لا أن المشاهدة طريق لمعرفة الكيل، فإن شيئاً إذا كان متعارفاً قياسه بالوزن فلا ترتفع الجهالة عنه بالكيل. وإذا كان متعارفاً قياسه بالكيل فلا ترتفع الجهالة عنه بالوزن، وإذا كان متعارفاً قياسه بالعدّ فلا ترتفع الجهالة عنه بالكيل أو الوزن، وإذا كان متعارف قياسه بالكيل أو الوزن فلا ترتفع عنه بالعدّ، وإذا كان متعارفاً قياسه بالمشاهدة فلا ترتفع عنه الجهالة بالوزن ولا بالكيل ولا بالعدّ. 

فلو قيل: إن وزن هذا البغل مائة كيلو مثلاً، فإن جهالته لا ترتفع. فإذا تعارف سوق المسلمين على المشاهدة، وعلى كونها مقياس المالية، فإذا كان شيئاً يباع كلّ حِمل بعير بكذا، وصادف أن وزناه لم ترتفع جهالته؛ لأننا لم نعرف كم يكون الحِمل من هذا الوزن. فبيع الغنم يكون بالمشاهدة لا بالوزن، وأما كوني 

ـــــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أريد أن يكون لحمها كثيراً فهذا من أغراض المعاملة، كالغرض من الدواء وهو الصحّة.

فما يقوله صاحب (الجواهر) وغيره من أن المتعارف رافع للجهالة. ليس مرادهم رفعها في ما هو مكيل أو موزون، بل ما تعارف عليه السوق ببيعه بالمشاهدة، فيكون أكثر ما ذكروه من الأمثلة صحيحة، إلّا ما ذكره العلّامة من جواز بيع القطيع، فإنه غير متعارف.

ـــــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 






[مسألة: في الوجوه المتصورة لبيع متساوي الأجزاء] 

 

المسألة الأخرى التي عنونها الشيخ(1): وهي: أن الأشياء التي يتساوى أجزاؤها يتصوّر فيها أنحاء من البيع. والكلام الآن في مقام الثبوت، لا في مقام الإثبات والاستظهار، وإن كانت بعض الصور لا تختصّ بمتساوي الأجزاء. ولهذا مثّل الشيخ بأمور من غير متساوي الأجزاء.

الصورة الأولى: أن يباع بنحو الكسر المشاع. 

كما لو قال: (بعتك عشر هذه الصبرة -أو صاعاً- بنحو الإشاعة منها). أو (بعتك نصفي العبدين). فهذه المعاملة صحيحة، ولا يختلف في متساويي الأجزاء ومختلفي الأجزاء.

وما قاله العلّامة(2) من أنه لا يجوز بيع عبد من عبدين، أو خروف من خروفين، أو ذراع من أذرع. كان نظره إلى مقام الإثبات لا الثبوت، فإن ذلك التعبير لا يراد به الإشاعة ولا يمكن أن ينتجها. مع أنه لا بُدّ أن يكون اللفظ 

ـــــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 247، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

(2) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 84، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، مسألة 47.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صريحاً أو مجازاً مع القرينة. ولذا لا مضايقة للعلّامة مع البيع بكسر المشاع، بحسب الأمثلة التي ذكرناها.

ويقول الشيخ(1) هنا: إنه لا فرق بين أن يعلم عدد الأصوع في الصبرة أو لا يعلم. نقول: إن قال: (بعتك عشر الصبرة) فلا بُدّ أن يعرف مقدارها ليعرف مقدار عشرها، وإلّا كان مجهولاً. وإن قال: (صاعاً من صبرة) فالنسبة وإن كانت مجهولة إلّا أن المبيع معلوم. وليس لا بُدّ أن تكون النسبة معلومة. فكلام الشيخ صحيح، ومن أشكل عليه لم يلتفت إلى المطلب.

ونحن قد بحثنا جملة من المطالب في بيع نصف الدار، وإن لم نستوفها. فلا بُدّ أن ننظر إلى الكسر المشاع هل يمكن تتميمه في (المدرسة) أو لا؟ وإذا عجزنا عنه فإن ذلك لا يقتضي القول بالبطلان لرواج هذه المعاملة في السوق. هل هو مالك ملكية ضعيفة، أو أنه مالك بعض أجزاء الصبرة؟ لا إشكال في وجودها عند العقلاء، في الشركة والإرث والبيع. وإن كلّ جزء لحظناه فهو مشترك بين الاثنين. فيقع الكلام في ماهيّته، وأنه هل هو من الكلّيات بحيث لا يفرق بينه وبين الكلّي في المعيّن، أو أنه جزئي حقيقي؟ وهل تترتّب لوازم الكلّي أو الجزئي، أو لا تترتّب؟ 

[الكلام حول ماهية الإشاعة]

ما هي ماهيّة الإشاعة؟ وهل هي متحقّقة قبل ملك الأشخاص، أو أنها 

ـــــــــــــ[171]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 247، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أمر كلّي أو جزئي..؟ مسائل اختلفوا فيها. ونحن تكلّمنا بعض الكلام في بيع نصف الدار. لكن لا بُدّ من التكلّم هنا بعض الكلام.

بعضهم اختار(1): أنه جزئي حقيقي، وأنه ثابت في الحقائق قبل حدوث الملكية. وقال في بيانه: إن الأجسام القابلة للتقسيم إلى نصف والى نصف النصف. ما يفرض لها من الأقسام موجود بالقوة، وما هو الموجود بالفعل عبارة عن الجسم، فكما أن الأمور الانتزاعية موجودة بوجود منشأ انتزاعها، كذلك الأجزاء موجودة بوجود الكلّ، وهي جزئي حقيقي بجزئيته. وحيث إن النصف الموجود في الكلّ نسبته إلى الكلّ على حدّ سواء؛ لذا قالوا: إنه جزء مشاع وسارٍ في الكلّ، وليس معناه أنه كلّي، فإنه جزئي بجزئية الجسم.

ثُمّ رتّب على هذا المعنى: أن القسمة إفراز وليست نقلاً، بل تعيين للجزء اللامعيّن، فكان النصف لا معيّن ونسبته إلى جميع الأجزاء على حدّ سواء، والقسمة تجعله معيّناً.

 نقول: إنه مضافاً إلى أن خلط المسائل العرفية والعقلائية في الفقه بالفلسفة يكون مورداً للغلط والاشتباه.

فأنه لا يتمّ حتى على الأساس الفلسفي، فإن ما يقوله من أن الجزء موجود بالقوة، وأنه جزئي موجود بوجود منشأ انتزاعه، غير صحيح، وإنما التعبير قد يكون منشأ للوهم، فإنه قد يعبّر ويقال: إن الشجرة موجودة في الحبّة بالقوة. 

ـــــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 397-398، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأخرى يقال: إن الحبّة فيها قوّة وجود الشجرة. فإن المطلب واحد في التعبيرين. وواقع المطلب هو أن الشجرة غير موجودة -الآن- أصلاً. وما هو موجود هو الحبّة، لكن أودع الله تعالى فيها قوّة قابلة لأن تكون شجرة. فإذا أردنا أن نبيع الشجرة الموجودة في الحبّة، لا يكون بيعاً عقلائياً ولا صحيحاً شرعاً.

كذلك ما يقوله من أن الجزء موجود بالقوة في الجسم. فإن هذا مما لا يعقل:

أولاً: لا يعقل أن يكون فعلية الشيء قوّة لشيء آخر. فإن هذا التركيب انضمامي وليس اتّحادياً. فما هو قابل لأن يصير شجرة هي الصورة، بل القوّة المنضمّة إليها.

فانتقال النصف المشاع بالإرث أو الشركة أو غيرها لا يتعلّق بالموجود؛ لأن الموجود بالقوّة له قوّة الوجود لا أنه موجود. فما انتقل إلى هذا وذاك هو قوّة وجود النصف، إذن فالعين ليست لأحد. وقوّة النصف كقوّة وجود الشجرة في الحبّة.،وقوة النصف غير فعلية، والآن غير موجود، وإنما تكون الفعلية بتحقّق الصورة، والمادّة وحدها غير كافية في الوجود. فيلزم على هذا القول عدم انتقال الفرس؛ لأن النصفين غير موجود، والموجود غير منتقل.

ولو كان النصف موجوداً في الخارج، إذن فنصف النصف موجود أيضاً، وَلَورد عليهم الإشكال الوارد على النظّام(1)، وهو غير المتناهي المحصور بين حاصرين.

ـــــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) هو إبراهيم بن سيّار بن هاني البصريّ، المعروف بالنظَّام المعتزليّ. ويمكن الوقوف على حقيقة ما يذهب إليه النظَّام والإشكال الوارد عليه في كتاب المواقف (للأيجي) 2: 336، وشرح المقاصد في علم الكلام (للتفتازاني) 1: 297.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يقول: إذن فالقسمة إفراز وليست تبديلاً(1).

نقول: هذا مما لا ينطبق لا على الصبرة ولا على الفرس. فالصبرة التي قسّمناها إلى قسمين، فما تقوله من أن الجسم منقسم بالقوّة إلى ما لا ينتهي لا ينطبق في المقام، فإن الصبرة ليست جسماً، وإنما الجسم هو الحنطة، فكلٌّ منهما مالك لنصف كلّ حبّة. إذن فلا يكون التقسيم إفرازاً بل تبديلاً، إلّا إذا قسّمنا الحب قسمين، على إشكال فيه.

الإشكال الآخر عليه: أن التقسيم الذي يكون في الأجسام كما ذكره(2) لا يمكن أن يكون قسمةً إشاعية. فإن الجسم قابل للانقسام في الخارج إلى قسمين معيّنين لا قسمين مشاعين، ولا يكون النصف التكويني نسبته إلى الجميع على حدّ واحد. وهل معنى نسبته إلى الجميع أنها نسبة الكلّي إلى مصاديقه؟ هذا على خلاف ما يصرّح به. على أن نسبة النصف إلى النصف الآخر تختلف عن نسبته إلى نصف النصف وليست على حدّ سواء.

إذن فالوجه الذي يقوله للإشاعة غير صحيح.

بعضهم قال(3) في الشركة بنحو الإشاعة، وأن القسمة هل هي معاوضة أو 

ـــــــــــــ[174]ــــــــــ

() راجع منية الطالب 1: 398، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

(2) بحيث تكون نسبته إلى الجميع على حدّ واحد. (المقرِّر).

(3) اُنظر: منية الطالب 1: 397-398، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إفراز الحقّ غير المتعيّن؟ قال: إن المسألة مبتنية على الخلاف الذي بين المتكلّمين والفلاسفة(1) حول الجزء الذي لا يتجزّأ. فأكثر المتكلّمين على أن مادّة الأجسام عبارة عن أجزاء لا تتجزّأ. وفي مقابلهم محقّقو المتكلّمين والفلاسفة الذين يذهبون إلى أن الأجسام غير مركّبة من أجزاء لا تتجزّأ، ويذهبون إلى أن الجزء الذي لا يتجزّأ محال.

فإننا إن أنكرنا الجزء الذي لا يتجزأ وقلنا بإمكان الانقسام في الأجسام إلى ما لا يتناهى. فلا بأس أن نقول: إن هذا الجزء نصفه لهذا ونصفه لهذا. وأما إذا أنكرنا ذلك، وقلنا بإمكان الجزء الذي لا يتجزّأ، فلا نستطيع في الجزء الذي لا يتجزّأ أن نقول: إن نصفه لهذا ونصفه لهذا. فإما أن نقول بتعدّد المالك له، أو أنه في الواقع لهذا، أو في الواقع لهذا. فبعض الأجزاء في الواقع لهذا وبعضها لذاك.

ثُمّ يقول: إن الكسر المشاع كلّي، قابل للانطباق على الجزء الشرقي وعلى الجزء الغربي. وحيث إننا نقول باستحالة الجزء الذي لا يتجزّأ فنقول: إن القسمة هي إفراز الحقّ غير المتعيّن وليست معاوضة. وأما إذا قلنا بإمكانه فتكون القسمة نحواً من النقل والانتقال.

[نقد وتحقيق] 

ونحن لا نريد أن نتعرّض إلى المطلب بتفاصيله، لكن نريد أن نقول: إن الناس منذ القديم إلى الآن قائلون بإمكان الشركة بين اثنين فأكثر. فهل بنوا 

ـــــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحكمة المتعالية 5: 66، المطلب الأوّل، الفنّ الثاني، الفصل الأوّل، شرح المنظومة 4: 171، المقصد الرابع، الفريدة الأُولى.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ذلك على القول بإمكان الجزء الذي لا يتجزّأ، أو أن الفقهاء الذين اختلفوا في أن القسمة مبادلة أو إفراز، بنوا المسألة على ذلك؟ وعلى تقديره فالجزء الذي لا يتجزأ من الصغر بحيث لا تراه أكبر المجاهر، حتى أن الهباء أو الذرّ الذي يرى بالشمس يعتبره القائلون بالجزء الذي لا يتجزأ مركّباً من أجزاء كثيرة. إذن فهو ليس أمراً نراه ونحسّ به لنقول: إن نصفه لهذا ونصفه لذاك. وما كان بهذه المثابة فهو ليس مالاً، ولا ملكاً. فإن المالية والمالكية من الأمور العقلائية، ولا ربط لها بالفلسفة. وليست مربوطة بذلك.

ولو قلنا بالملك المستقلّ للجزء الذي لا يتجزأ فهل نقول بذلك بالنسبة إلى الأجزاء المنضمّة أو لا؟ فإن قلنا(1) بذلك كان المجموع ملكاً لواحد وهو خلف الفرض. وإن لم نقل بالملك المستقلّ في الأجزاء المنضمة، كان معناه أن الملكية العقلائية لهذا الجسم على نحوين:

أحدهما: الملكية المستقلّة للجزء الذي لا يتجزّأ.

والأخرى: الملكية المشتركة للأجزاء المنضمّة، وهذا لا يمكن الالتزام به.

على أنه(2) وغيره(3) حين يقولون: بأن المشاع كلّي ولا فرق كبير بينه وبين الكلّي في المعيّن .

ـــــــــــــ[176]ــــــــــ

() هذا لم يصرّح به السيد، وإن كان يقتضيه تسلسل البرهان. (المقرِّر).

(2) راجع منية الطالب 1: 398، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

(3) راجع حاشية المكاسب (للمحقّق الإصفهاني) 2: 353، كتاب البيع، شروط المتعاقدين، الشرط الخامس: مسائل بيع نصف الدار.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نقول: فهذا مالك للكلي، والكلّي غير موجود في الخارج، غاية الأمر أنه قابل للانطباق على الخارج. فنسأل هل الكلّي منطبق على الخارج أو لا؟ فإن قالوا: إنه منطبق. سألناهم عن الخارج. وإن قالوا: غير منطبق، فالكلّي بحياله غير موجود. وهذا إنما يحدث من خلط العقليات بالعرفيات.

ثّم نحن نقول لـمَن قال بأن النصف موجود بوجود القابلية للانقسام: إن قابلية الانقسام إلى ما لا ينتهي وعدمها إنما هي في الأجسام، مع أن الإشاعة ثابتة في الحقوق، كحقّ التحجير الذي يكون مشتركاً بين اثنين، وكالمنافع المشتركة بين اثنين إذا استأجرا حيواناً بأجرة بينهما. فهل ما قالوه يأتي فيه أيضاً؟!

والظاهر الذي يأتي إلى نظري هو: أن الإشاعة الموجودة في الكلمات.. كانت كلّما تقدّم العصر ومشى الزمان يتغيّر معناها، حتى تخيّلوها بشكل يكون سارياً في الجسم كلّه. فما يقال في المتون الفقهية: إنه إذا اجتمعت حقوق الملّاك على سبيل الإشاعة فهي حقوق مشتركة، لا يراد بها السريان إلى تمام الأجزاء كما فهموها، وإنما المراد بالإشاعة ما كان في مقابل القسمة والإفراز.

وأما توصيف الكسر بكونه مشاعاً. فهل هو من أوصاف الجسم أو من أوصاف المملوك؟ نرى في اللغة والعرف أنه لا يقال: (إن هذا الحجر مشاع) أو (إنه مفروز)، وإنما يقال: (منفصل ومتّصل). وإنما يوصف به الملك فيقال: (النصف المشاع لي، والنصف المشاع له). والإفراز ليس هو عبارة عن فصل القسمين، بل الإفراز من الأمور الاعتبارية. فإن الملك والحقّ ونحوها من 

ـــــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الأمور الاعتبارية، وليس لها وجود خارجي. لكن العقلاء يعتبروها في العين والخارج، فيقال: (هذا الشيء لك) أو (ملك لك). وإفرازه أيضاً من الأمور الاعتبارية، والشركة أيضاً من الأمور الاعتبارية. فلو انقسمت الصبرة إلى قسمين تكويناً فإن الإفراز الشرعي الاعتباري غير حاصل، بل لا بُدّ من التراضي بينهما، حتى يحصل الإفراز الاعتباري. وكذلك لو قسّمنا الدار بخطّ أو بجدار، فإنه يحصل التقسيم تكويناً، لكن إفراز السهم لا يحصل إلّا إذا شمله اعتبار العقلاء. فإذا ورث اثنان شيئاً يقال: (إنهما شريكان بالإشاعة) يعني: بنحو غير مقسّم(1).

قلنا: إن الأمور العقلائية من البيع والشراء وغيره لا بُدّ من النظر فيها إلى النظر العقلائي، ونحلّ إشكالها على هذا الأساس.

ومسألة الإشاعة والإفراز غير مربوطة بالجزء الذي لا يتجزّأ، ولذا تكون شاملة للمنافع والحقوق والديون. والنصف المشاع ليس أنه يصدق على هذه الجهة وعلى تلك الجهة، من الجسم فإنها معيّنة وليست مشاعة. وإذا قسّمت 

ـــــــــــــ[178]ــــــــــ

() قلت له: إنه بغضّ النظر عن الملكية والمالية والأمور العقلائية، يتصوّر العقل مفهوم نصف هذا الجسم. فهذا النصف المتصوّر في المرتبة السابقة هو الذي يحكم العقلاء بملكيته. وحيث إن الجسم من أيّ جهة انقسم كان مصداقاً لذاك المفهوم؛ لذا كان مشاعاً. وبذلك يتمّ المطلب.

فأجاب: بأنه لا يتمّ المطلب، ولا يكون هذا كسراً مشاعاً، فإننا سنقول بأن الكسر المشاع لا مصداق له في الخارج، على ما سنوضحه في اليوم الآتي. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المال لا يصبح السهم معيّناً، بل يبقى كلّ قسم ملكاً للاثنين. والكلّ إنما هو عبارة عن عنوان خارج عن الأفراد الخارجية قابل للصدق على كلّ واحد. وليس النصف المملوك كذلك؛ لأن هذا النصف إذا لاحظته فنصفه لهذا ونصفه لذاك. وهذا من أنحاء الجزئي الحقيقي لا من أنحاء الكلّي، فالنصف المملوك غير قابل للانطباق على هذا الشخص وذاك. نعم، هو أمر قابل للإفراز من أيّ جهة قطعته.

فلا بُدّ أن ننظر إلى المطالب العقلائية. لا إشكال أن المشاع في مقابل المفروز من اعتبارات الملك، وليس من اعتبارات ذات الأشياء. فالجسم ليس مشاعاً ولا مفروزاً، وكذلك إذا كان ملك شخص واحد، بالرغم من أن الجزء الذي لا يتجزّأ موجود، والتقسيم إلى ما لا يتناهى ممكن. لكن بعد أن يكونا شريكين يقال: إنهما شريكان بنحو الإشاعة أو بنحو الإفراز. وإن كان الشركة بنحو الإشاعة لا تخلو من تجوّز، فإن الإشاعة هي الشركة، كما أن الشركة بنحو الإفراز لا تخلو من تجوّز، كما لو كان أحدهما مالك للطابق الأوّل من الدار والثاني مالك للطابق الثاني. فإنه يقال: إنهما شريكان في الدار باعتبارها شيئاً واحداً عرفاً، وإن لم تتحقّق الشركة حقيقة. بخلاف ما لو كان الاثنان مالكين لكلّ الدار، فإنه يكون كلٌّ منهما مالكاً لنصف مالكيته بنحو الإشاعة. وهذا من الاعتباريات لا من الواقعيات المربوطة بالعين.

نحن ننظر ونرى أنه لو اختلط منّان من الجوز، فإنه لا تحصل الشركة الحقيقية، بل تبقى كلّ حبّة منه ملكاً لمالكها الأوّل. بخلاف ما لو أوقعنا عقد 

ـــــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الشركة، فإنه يكون مالكاً بنحو الإشاعة، يعني: أن كلّاً منهما يكون مالكاً لكلّ جوزة. مع أن الواقع بعد عقد الشركة لم يتغيّر، إذن فالمسألة ليست تكوينية، وإلّا لم يمكن تتميمه بعقد الشركة. ومهما انفصل المال تكويناً فإنه لا يحصل التقسيم، وإنما يحدث التقسيم الاعتباري بالقرعة أو المصالحة. ولو كان المطلب تكوينياً لحصل الانقسام بالتقسيم التكويني.

[إشكال في المقام] 

والإشكال المهمّ في المقام: أنه عند بيع النصف المشاع ما هو الذي ينتقل إلى المشتري؟ بعد العلم أن المشاع لا ينتقل، وإنما حكم الفقهاء بأن الإشاعة فرع الملكية. فما الذي أبيعه؟ هل هذا النصف أو النصف الكلّي أو النصف المبهم (هذا أو هذا)؟ كلّ هذا لا يكون ولا يقصد، فإن الموجود في الخارج هو النصف المعيّن الجزئي، فما وقع عليه البيع غير موجود في الخارج.

نقول في مقام الجواب: إن المعيّن تارةً يطلق في مقابل المبهم، وأخرى في مقابل اللامعيّن. والعقلاء يبيعون؛ تارةً: هذا النصف، وأخرى: النصف الكلّي، وأخرى: النصف المبهم (هذا أو هذا)، ورابعة: النصف، بقول مطلق لا المبهم ولا المعيّن، وهو اعتبار من الاعتبارات، فإن العقلاء يبيعون نصف هذا الموجود الخارجي بدون تعيين. فإذا حصل بيع النصف اللامعيّن فإنه يشمله أحكام العقلاء، وهو: أن هذا الجسم إذا قسّمته نصفين فكلّ نصفٍ منهما هو مملوك للشريكين معاً، وليس هذا باعتبار أن النصف المشاع سارٍ في الجسم كلّه، بل باعتبار أن ذلك هو اللازم العقلائي لبيع النصف غير المعيّن .

ـــــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والأمر في الحقوق أيضاً كذلك، وفي المنافع أيضاً، وفي الكلّيات أيضاً كما لو اشترى اثنان منّاً كلّياً من الحنطة بمال مشترك، مع أن تلك التقسيمات (يعني إلى ما لا يتناهى) غير موجودة فيها.

والاعتبار وإن كان أمراً ذهنياً إلّا أن المعتَبَر في الخارج، فيصدق بالحمل الشايع عرفاً على هذا أنه مملوك وأنه مشاع، وأنه مفروز. والمسائل العقلائية ليست برهانية حتى نقول:إنه لا يوجد شيء في الخارج.

فتحصّل أن المشاعية والمفروزية من أوصاف المالكية لعدّة مالكين، ومن الأمور الاعتبارية. وما يقع تحت البيع هو نصف هذا الشيء بدون قيد(1). 

ـــــــــــــ[181]ــــــــــ

() قيل للسيد: إنه يصدق على الجسم أن فيه ثلثاً بدون قيد ونصفاً بدون قيد.

فقال: كلّا، فإن معناه أن يكون الموجود الخارجي غير متعيّن، مع أن كلّ موجود في الخارج فهو متعيّن، وكلّ جزء في الخارج فهو متعيّن.

فقال له: فإنكم سلّمتم على أن الجزء المشاع صادق على العين الخارجية.

فقال: نعم، ولكن ذلك بالاعتبار، لا بالواقع والعيان.

أقول: عندنا قضيّة لا شكّ في صدقها في المرتبة السابقة على السوق العقلائي والاعتبارات العقلائية، وهي: أن هذا الجسم له نصف وله ثلث وله ربع إلى آخر الكسور، وهو أمر ثابت بمقتضى القوانين الرياضية غير قابل للنقاش. 

وما قاله السيد من أنه يلزم أن يكون الموجود الخارجي غير متعيّن. 

جوابه: أن صدق هذه القضيّة لا يكون في عالم الخارج والعيان، فإن كلّ ما هو خارجي فهو متعيّن، بل يكون في عالم الواقع ونفس الأمر، ولا ضير أن يكون الشيء الخارجي له صفة نفس الأمرية، فإن عالم نفس الأمر أعمّ من الواقع الخارجي وشامل له. شأنه في= 

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ـــــــــــــ[182]ــــــــــ

=ذلك شأن قولنا: (الإنسان ممكن)، فإن الإنسان عبارة عن الفرد الخارجي، والإمكان غير موجود في الخارج، وإلّا احتاج إلى إمكان ولتسلسل، بل هو موجود في لوح نفس الأمر.

وهكذا شأن القضايا الرياضية عموماً، كالملازمات الناتجة من الجمع والطرح والتقسيم والقوانين الرياضية العامة، فإنها ليست من عالم الخارج، وإنما يوجد في الخارج مصاديق لها. وليست من عالم الذهن، وإنما يدرك الذهن صورة لها، ويدرك استقلال وجودها عن إدراكه، وأن لها ما بإزاء في الواقع ونفس الأمر خارج الذات المدركة.

وكذلك الحال في فكرة الكسور عموماً، وانقسام الواحد إلى أقسام. فكلّ شيء له نصف وله ثلث وله ربع. ومن هنا يثبت المطلوب. ويكون نصف هذا الشيء له ثبوت واقعي خارج عالم الاعتبار وقبل سوق العقلاء. ويكون من خصائص هذا المفهوم إمكان تطبيقه على أشكال مختلفة من حيث إمكان تقسيم الجسم من جهات مختلفة، وإن كلّ جزء يحتمل أن يندرج في هذا النصف أو في ذاك النصف. فهو من هذه الجهة يشبه الكلّي، كما أنه من حيث انطباقه على فرد معيّن لا غير يشبه الجزئي. ومن هنا قالوا: إنه يشبه الكلّي في المعيّن .

إلّا أنه مع ذلك لا يرتبط بمسألة الجزء الذي لا يتجزّأ، فإن صدق هذا المفهوم كافٍ لأخذ النتيجة على ما سوف نعرف، ولا نحتاج إلى التقسيم غير المتناهي. مضافاً إلى أن هذا التقسيم يخرج الأجزاء عن كونها مالاً أو ملكاً، وإن أمكن التوصّل إليها بلحاظات رياضية دقّية.

فإذا تصوّرنا هذا المفهوم أمكن القول: إن ما يقع عليه الملك والبيع والشركة والإفراز هو ذلك. فإذا كان شيء مشتركاً بين أثنين كان كلّ واحد منهما مالكاً للنصف الواقعي لهذا= تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ـــــــــــــ[183]ــــــــــ

=المال. لا يختلف في ذلك الجسم الواحد أو عدّة أجسام (كصبرة الحنطة)، فإن انقسامها الواقعي محفوظ على أيّ حال. وكما يكون الجسم بمجموعه مالاً كذلك يكون كسره لا محالة، ما لم يقصر عن التقويم. فالنصف الواقعي مما يرغب فيه العقلاء ويبذلون بإزائه المال. وهو الذي يقع عليه البيع ولا يكون الإشكال وارداً.

والإفراز هو تعيين مصداق هذا المفهوم، وهذا التعيين يحصل تكويناً بالانقسام. إلّا أن ذلك لا يكون كافياً في المعاملات، ما لم يقع التراضي بين الطرفين في تطبيق المفهوم الذي يملكه كلٌّ منهما على هذه الحصّة الخارجية. وأما بدون التراضي فيبقى كلٌّ منهما مالكاً مشاركاً في كِلا النصفين. وهذا أيضاً لا يرجع إلى مسألة الانقسام اللامتناهي، أو الجزء الذي لا يتجزّأ، وإنما السرّ في ذلك: هو أن الانقسام بدون التراضي حيث لا يكون له حجية شرعاً، فيبقى القول بأن هذا مالكٌ لنصف المجموع… صادقاً، وكذلك في الآخر. ومن المعلوم أن نصف المجموع مفهوم واقعي سارٍ في هذا النصف الخارجي، وفي ذاك النصف الخارجي أيضاً. فيصدق على كِلا النصفين أنه مشترك بينهما أيضاً. وإنما يحصل التقسيم الشرعي إذا انحسرت الملكية عن المجموع، واختصّت بنصف معيّن، وذلك بالتراضي بينهما.

واصطلاح الإشاعة إنما وجد في كلماتهم باعتبار أن النصف الواقعي بمفهومه الرياضي قابل للانطباق على التنصيف من أيّ جهة كانت، وأن كلّ جزء فهو يحتمل أن يدخل في هذا النصف وأن يدخل في ذلك النصف -وذلك قبل حصول التقسيم-، فتصوّروا كأن هذا النصف له وجود شائع وسارٍ في المجموع؛ فسمّوه بالنصف المشاع. وليس المراد بالنصف المشاع أمر زائد على النصف بمفهومه الرياضي الواقعي.=

وما قاله السيد من أن الجسم لا يوصف بكونه مشاعاً… صحيح، إلّا أن السرّ في ذلك تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 ـــــــــــــ[184]ــــــــــ

=ليس كون هذا المطلب اعتبارياً وليس واقعياً، بل باعتبار أن وصف الإشاعة وصف للكسر، وليس وصفاً لمجموع الجسم. فإنها تستدعي أمرين: مشاعٌ وهو الكسر، ومشاعٌ فيه وهو الجسم. وأما لو لوحظ الجسم بانفراده فلا معنى للإشاعة فيه. نعم، يصدق أنه ذو كسر مشاع.

كما أن ما قاله: من أن الجسم المملوك لواحد لا معنى للإشاعة فيه.

نقول: أما الكسور الواقعية فهي متحقّقة تكويناً في عالم نفس الأمر. وأما الكسور باعتبار تعلّق الملكية ببعضها دون البعض، فالمفروض أن الملكية فيها على نحو واحد، وليست على ملّاكٍ مختلفِين، إذن فيكون لحاظ الكسور -في مثل ذلك- لغواً لا أثر له.

نعم، يخرج من اللغوية لو مات الشخص، وأُريد التقسيم على ورّاثه، أو لو أراد المالك أن يبيع نصف داره أو عبده. ولو لم يكن للشيء كسر مشاع واقعي في المرتبة السابقة لَما صحّ هذا البيع.

وأما الكسور بالنسبة إلى الحقوق والديون والمنافع فهي على نحوين:

النحو الأوّل: ما يلحظ انقسامها بلحاظ انقسام متعلّقاتها الخارجية، كالمنافع على وجه العموم، فنصف منافع الدار هي بالدقّة منافع نصف الدار، بوجوده الواقعي الممتدّ على طول الزمان. وكبعض الحقوق، كحقّ التحجير. فإن نصفه يعني الحقّ على نصف الأرض وهكذا.

النحو الثاني: ما لا يكون له ما بإزاء في الخارج، وإنما جعله العقلاء اعتباراً على غرار الانقسامات الواقعية، كحقّ الخيار إذا انتقل إلى عدّة ورثة، وكالمبيع الكلّي إذا اشتري بمال مشترك ونحو ذلك. والحمد لله رب العالمين. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [الصورة الثانية: أن يباع بنحو الفرد المردد] 

الفرض الثاني: -الذي ذكره الشيخ(1)– هو أن يكون المبيع بنحو الفرد المنتشر والمردّد، لا المشاع ولا الكلّي في المعيّن . ومورده مثل الصبرة أو الأكوام المتعدّدة من الصيعان. فكيف يتصوّر هذا المفهوم في مقابل ذينك الأمرين؟ 

وليس قوله: (بعتك واحداً من العبدين) أو (من الصاعين) في مقابل الكلّي في المعيّن، بل هو منه في الحقيقة. فإن الكلّي عبارة عن مفهوم أو ماهيّة قابلة للصدق على الكثيرين، سواء كان الأفراد له كثيرين أو لا. فإذا كان الكلّي بنفسه موضوعاً بدون قيد، يكون قابلاً للصدق على كثيرين، ولا يكون أفراده محدودين بحدّ. 

فلو قيّدناه وقلنا: (الإنسان النجفي) كان كلّياً، إلّا أن حدوده أضيق في قابلية الصدق. ولو ضاق أكثر فإنه لا يضرّ بكلّيته. فلو كان له مصداق واحد بحسب الخارج، أو لا يمكن أن يوجد له إلّا فرد واحد كمفهوم واجب الوجود. مع هذا هو كلّي في عالم مفهوميته، وقابل للصدق على كثيرين. والبرهان على استحالة تعدّده في الخارج لا يضرّ بكليته، فلو قيّد الكلّي بحيث لا يكون له إلّا مصداق واحد أو اثنان.

فمفهوم (أحدهما) في عالم المفهومية مثل (واحد منهما)، فكما أن قوله: (واحد من الناس) كلّي، كذلك (واحد منهما). فهو قابل للصدق على هذا وعلى 

ـــــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 248، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ذاك، دون غيرهما باعتبار قيده. وهذا داخل في القسم الثالث وهو الكلّي في المعيّن، يعني: الكلّي المقيّد بقيد لا ينطبق إلّا على معيّن، كقوله: (الإنسان في هذه الدار)، فكما لا ينبغي البحث هنا عن الكسر المشاع، كذلك لا ينبغي البحث عن المفهوم الكلّي.

وكذلك ليس محلّ البحث هنا أن تكون صيعاناً متعدّدة، يملك واحداً منها فيقول: (بعتك الصاع الذي أملكه)، فإن هذا فرد معيّن، وبحثنا في البعض من الجملة.

بل ما هو البحث هنا ما كان في مقابل الكسر المشاع وفي مقابل الكلّي في المعيّن . وذلك يكون بأحد نحوين:

النحو الأوّل: أن يبيع الفرد المردّد الخارجي بالحمل الشايع، وهذا لا تحقّق له أصلاً، فكما أن قولنا: الفرد المعدوم الخارجي لا معنى له ولا محصّل. كذلك الفرد الخارجي المردّد، فإن ظرف الخارج ليس ظرفاً للتردّد أصلاً.

النحو الثاني: أن نقيّد المفهوم أو الماهيّة بالترديد، فنقول أحدهما المردّد أو المردّد بالحمل الأولي. وهو من قبيل الكلّي لا إجمال فيه، وإن قلّت أفراده. وهو مفهوم كلّي في عالم المفهومية، غاية الأمر أنه لا مصداق له في الخارج. فمثلاً: مفهوم ممتنع الوجود أو شريك الباري كلّي في عالم المفهومية، وإن استحال وجود مصداقه في الخارج. ونحن لا نتوخّى في الكلّي الصدق الخارجي الفعلي، بل نتوخّى قابلية المفهوم للصدق على الكثيرين.

وهذان النحوان يختلفان في البحث، فالإشكال في الأوّل عقلي؛ إذ ليس 

ـــــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هناك شيء يتعلّق به الإنشاء أصلاً، فإن قولنا: (الفرد المردّد الخارجي) لغو محض ولقلقة لسان بدون محصّل. 

وأما النحو الثاني فليس فيه إشكال عقلي، فإنه مفهوم موجود يمكن أن يتعلّق به الإنشاء، ولا يمتنع أن يقع طرفاً للإضافة. والبيع نقل إنشائي وتبادل إضافة إنشائية، إلّا أن إشكاله عقلائي، وذلك أن هذا الكلّي لا مصداق له في الخارج، فلا يكون البيع عقلائياً، وإنما ينفذ البيع إذا كان له غطاء خارجي.

وليست المسألة كالكلّي الذي يمثّل به الشيخ(1)، فإن الكلّي عنوان موجود، والكلّيات تباع عند العقلاء.

وعلى تقدير انتفاء الإشكال العقلي والعقلائي، فهل يشمله عنوان المجهول أو الغرر أو المبهم بحسب الأدلّة أو لا؟

[تأويل النصوص الظاهرة بتعلق الحكم بالفرد المردد]

إذن فماذا نعمل(2) لِما وقع في الشرع من أمثاله: كما لو عقد المسلم على خمس زوجات بعقد واحد، وقد أمرت الروايات(3) -وأفتوا على طبقها- أنه يختار 

ـــــــــــــ[186]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 251، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

(2) قرّر السيد في أوّل المحاضرة النحوين السابقين للفرد المردّد. ثُمّ قال: إذن فماذا نعمل… (المقرِّر).

(3) راجع الروايات الواردة في الباب الرابع من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد من كتاب النكاح في وسائل الشيعة 20: 522.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

منهن أربعاً. والمجوسي لو أسلم على أكثر من أربع يتخيّر في إبقاء أربع عنده وإخراج الزائد. وكذلك ورد من غير طرقنا أنه أسلم رجل في زمان النبي على أختين. فأمره أن يتخيّر إحداهما(1).

يقول صاحب (الجواهر)(2) في مسألة العقد على خمس: إنه أمرٌ عليه النصّ والفتوى، ولا امتناع فيه، نظير مسألة ما إذا أسلم الذمي على سبع نساء -فقد شبّه الممتنع بالممتنع-، ونحوه لو عقد على امرأتين إحداهما ابنته والأخرى أجنبية.

فهل نقول هنا: إن أربع نساء واقعية مردّدة بقيت في زوجيته، وواحدة واقعية مردّدة خارجة؟ هذا لا يعقل، بحيث إن العقد أثّر في أربعة مبهمة، ولم يؤثّر في واحدة مبهمة، هذا أيضاً لا يعقل. فإن المبهم والمردّد لا وجود له في الخارج أصلاً. إذن فلا بُدّ من تأويل ما ورد بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: أن نقول: إن ما هو الممتنع شرعاً هو العقد على خمس مع ترتيب آثار الزوجية عليهن. وأما العقد على خمس بحيث لا يترتّب أيّ أثر قبل الاختيار، فهذا لا محذور فيه. نظير الذي قلناه في ملكية العمودين من أن الملكية الممتنعة شرعاً فيهما هي الملكية المستدامة التي تترتّب عليها الآثار، وأما الملكية 

ـــــــــــــ[188]ــــــــــ

(1) سنن الترمذي 2: 428، أبواب النكاح، باب 34، ما جاء في الرجل يُسلم وعنده اختان، الحديث 1129.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 30: 12-13، كتاب النكاح، القسم الأوّل، الفصل الرابع، السبب الرابع، القسم الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

آناً ما بحيث يترتّب عليها الانعتاق القسري فهذا مما لا دليل على عدم جوازه.

فهذه الزوجية ليس للزوج حقّ الاستفادة من أيّ واحدة قبل الاختيار. نعم، لو اختار بالقول أو بالعمل أربعاً انتفت الخامسة(1).

 الوجه الثاني: أن العقد الواقع على الخمس واقع إنشاءً، ويكون مراعى في كلّ واحدة منهن على الاختيار. فالعقد صحيح نظير صحّة العقد الفضولي، إلّا أن الفضولي مراعى بإجازة المالك، وهذا مراعى بإجازة الزوج.

الوجه الثالث: أن العقد واقع على الخمس، لكن حيث لا يمكن نفوذه على الخمس للامتناع الشرعي، ولا على أربع معيّنة للترجيح بلا مرجّح، ولا على أربع غير معينة للامتناع العقلي، ولا على أربع مبهمة في الخارج؛ إذن يصبح عندنا كليان: كلّي النصاب، وكلّي الزائد على النصاب. وله اختيار أن يطبّق ذلك على مصاديقه. وهذا الوجه له وجود في كلمات صاحب (الجواهر)، حيث يقول: (الكلّي الذي لا وجود له إلّا في جزئياته).

الوجه الرابع: أن العقد يقع على اللاتي سوف يختارهن الزوج في علم الله تعالى، فإن الله تعالى يعلم ما سوف يختاره، وإنما أُمر بإخراج واحدة ليتعيّن لدينا ما في علم الله تعالى. وعلى هذا إذا لم يختر ولا وحدة لا يستطيع أن يعمل عمل 

ـــــــــــــ[189]ــــــــــ

() أقول: وحاصل هذا الوجه هو صحّة العقد صحّة فعلية على خمس، مع حرمة الاستفادة من أيّ واحدة ومعه فيكون إخراج الخامسة إبطالاً لعقدها الفعلي بحكم الشارع أو من قبيل الفسخ من قِبله. وكذلك الأثر على اختيار الأربع بالملازمة الشرعية. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الزوجة معها؛ لعدم وجود المختار الواقعي منهن.

فهذه وجوه ترفع الإشكال العقلي، فإذا دلّت الرواية الصحيحة عليه أمكن التعبّد به، ونفس الكلام يأتي فيما إذا أسلم على أكثر من أربع(1).

ـــــــــــــ[190]ــــــــــ

() أقول: هناك بعض اللوازم الفقهية للعقد على الخمس، فلا بأس أن نرى مقدار إمكان ترتّبها على هذه الوجوه؛ لنأخذ منها ما يترتّب عليه كلّ الآثار. والذي يرد إلى الذهن من ذلك لازمان:

اللازم الأوّل: أننا نعلم إجمالاً بوجود أربع زوجات وارثات له على تقدير موته قبل الاختيار. 

اللازم الثاني: أنه ليس له أن يختار أقلّ من أربع.

وكِلا هذين اللازمين يترتّبان على افتراض الفرد المردّد أو المبهم على تقدير تسليم إمكانه. فإن الأربع المردّدة يكن زوجات فعليات وارثات، وواحدة مردّدة أجنبية من الخمس؛ باعتبار بطلان العقد عليها لا تكون زوجة ولا وارثة.

وأما الوجه الأوّل: فيترتّب عليه كِلا اللازمين أيضاً؛ باعتبار فعلية الزوجية في أربع منها، وعدم قيام الدليل على جواز الفسخ إلّا في واحدة. نعم، لو لم يختر كان لازمه أن تكون الخمس كلهن وارثات.

وأما الوجه الثاني: فلا يترتّب عليه كِلا اللازمين:

أما اللازم الأوّل: فلأن الميراث خاصّ بالزوجة الفعلية، ولا يعمّ من وقع عليها العقد إنشاءً، كما هو ظاهر أدلّته.

وأما اللازم الثاني: فلأن الاختيار بيده في إجازة أو رفض أيّ عقد منها، كما لو أوقع خمسة بيوع فضولية، فله أن يجيز واحداً أو اثنين أو أكثر، فكذلك في الزوجات. إلّا أن يقال بوجود حكم تعبّدي بوجوب إجازة أربع، وهذا مضافاً إلى أنه لم يقم عليه دليل، فإنه لا يكون تصحيحاً على مقتضى القاعدة كما هو المطلوب، بل يكون تابعاً لدليله التعبّدي المفروض.

وأما الوجه الثالث: فيترتّب عليه اللازم الثاني بوضوح؛ باعتبار أن النصاب شرعاً منحصر في أربع، فيكون المفهوم الكلّي منطبقاً عليه لا محالة. وأما اللازم الأول: فلا يبعد انطباقه أيضاً؛ باعتبار أن عندنا كلّي أربع وارثة وكلّي واحدة غير وارثة، فتكون الواحدة المعيّنة وارثة باعتبارها مصداقاً من ذلك الكلّي مستخرجة بالقرعة مثلاً. ولا يقال: بأن هذا الكلّي قابل للانطباق على الخمس فتكون الخمس وارثات. فإنه يقال: نعم، هذا لازم لولا القرعة. وأما معها فيكون الانطباق تعبّدياً على من يخرج بالقرعة.

وأما الوجه الرابع: فلا يترتّب عليه شيء من اللازمين؛ لعدم تعيّن الزوجات قبل الاختيار. فلا يترتّب اللازم الأوّل؛ إذ لو مات قبل الاختيار لا تكون له ولا زوجة واحدة في علم الله تعالى. كما أنه لا يتعيّن عليه أن يختار أربعاً كاملة إلّا بناءً على ذاك الوجوب التعبدي.

ومعه لم يتمّ من الوجوه الممكنة مما يترتّب عليه سائر اللوازم إلّا الأوّل والثالث. أما الفرد المردّد فهو مستحيل ثبوتاً وإن أمكن تتميم لوازمه. ومعه لا بُدّ من النظر في الأدلّة الإثباتية الاجتهادية من استظهار أيٍّ من الوجهين الممكنين. وهذا موكول إلى محلّه. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهناك موارد إشكالها أقلّ، كالذي ورد في وصية أبي جعفر: أنه أعتق ثلث عبيده(1). وظاهره الثلث الكلّي لا ثلث كلّ واحد منهم، فإنه لو قال: (ثلث 

ـــــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) راجع الرواية الواردة في الباب الخامس والسبعين من كتاب الوصايا في وسائل الشيعة 19: 408.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العبد) كان ظاهره الثلث المشاع، لكن لو قال: (ثلث العبيد أو الجماعة) يكون ظاهراً في الكلّي في المعيّن لا المشاع.

وكذلك لو طلّق إحداهن وقيل بوجوب القرعة، فإنه يحلّ بأحد هذه الوجوه.

وعلى أيّ حال، فلو غضضنا النظر عن الامتناع العقلي والعقلائي، فهل تبطل المعاملة بالأدلّة الأربعة التي ذكرها الشيخ(1)، وهي: الجهالة والغرر والإبهام و…؟ هل هذه أربعة أدلّة؟ مع أن الشيخ فهم من الغرر، معنى الجهالة. نعم، لو كان بمعنى الخطر المعاملي كان غير الجهالة، لكن الشيخ لا يبني على ذلك، فيكون الضرر والجهالة والغرر بمعنى واحد. وأما الإبهام فإن كان واقعياً أمكن إرجاعه إلى الجهالة أيضاً، فإن المبهم لا يمكن تعلّق الوجود الواقعي به، ولا الوجود العلمي به.

الشيخ يقول في باب الجهالة: إن هذا لا يسمّى جهالة؛ لأنه لا واقع له. فإنه قد أخذ في الجهالة أن يكون هناك واقع مجهول. 

والشيخ هناك قال: يعتبر العلم بالثمن والمثمَن إجماعاً واستدلّ عليه بدليل الجهالة. وتكلّموا هناك أنه هل العلم شرط أو الجهل مانع؟ فإن اعتبرنا العلم شرطاً -كما صرّحت به (دعائم الإسلام)(2)– فهل هذا البيع الذي لا يكون قابلاً للتحقّق ولا لتعلّق العلم به يكون صحيحاً؟ كلّا. إلّا أن يقال: إن ذلك الشرط 

ـــــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 248-249، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

(2) راجع دعائم الإسلام 2: 51، كتاب البيوع، الباب 12، الحديث 131.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بالنسبة إلى ما يمكن وجوده ويكون قابلاً لتعلّق العلم به، وأما ما لا يمكن أن يكون كذلك، فليس شرطاً فيه. إلّا أن هذا غير صحيح، فإن ما لا يكون قابلاً لتعلّق العلم به أولى بالبطلان من غيره، ولا أقلّ من المساواة.

فإذا كان العلم غير موجود، فالشرط غير متحقّق. ومعه لا يمكن التمسّك بالأدلّة العامة، كما قيل(1).

[الصورة الثالثة: أن يباع بنحو الكلي في المعين]

القسم الآخر لبيع الأجزاء المتساوية: الكلّي في المعيّن .

[فرق الكلي في المعين عن المشاع والفرد المردد] 

وفرقه عن المشاع -بالنحو الذي قلناه- هو أن المشاع ليس كلّياً، بل هو جزئي خارجي باعتبار العقلاء، على حين أن الكلّي في المعيّن كلّي.

وفرقه عن الفرد المنتشر الذي ليس هو إلّا وهمٌ واضح، وهو: أن الكلّي في المعيّن كلّي، وذاك الفرد جزئي وهمي لا واقعي.

ومثل هذا الفرد لا يمكن الإشارة إليه؛ لأنه ليس بواقع أصلاً، وإنما هو مجرّد عنوان الفرد المنتشر أو المردّد بلا معنون. فما يتوهّم من تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد كما قال الآخوند(2)، غير صحيح. فإن العلم الإجمالي لم يتعلّق بالفرد 

ـــــــــــــ[193]ــــــــــ

(1) راجع منية الطالب 1: 400، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، من شرائط العوضين: عدم الغرر.

(2) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 128، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: في بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المنتشر، بل بعنوان قابل للانطباق على هذا وعلى ذاك. وإنما جاء هذا التوهّم من التعبير بالعلم الإجمالي أو الفرد لا بعينه. والحقيقة، أنه عبارة عن القضيّة المنفصلة: (إما هذا وإما هذا). أو المنفصلة الحقيقية: (إذا لم يكن هذا فهذا وإن لم يكن هذا فهذا)، أو قولنا: (إن كان هذا فليس ذاك وإن كان ذاك فليس هذا). فقد عبّروا بالعلم بأحدهما. ويراد به في الحقيقة عنوان (أحدهما) لا أحدهما في الخارج. فإنه مضافاً إلى أن الخارج ليس ظرفاً للعلم، وإنما يتعلّق العلم بالعناوين دائماً، فإن (أحدهما في الخارج) غير متحقّق أصلاً، وغير قابل للإشارة إليه، ولا تعلّق العلم به.

والعلم لا إجمال فيه والمعلوم لا إجمال فيه، أما المعلوم بالعرض فهو ذاك الفرد الواقعي، ويكون صدق المعلوم بالإجمال منحصراً به، ويكون صدقه على الأطراف الأخرى كاذباً، وأما المعلوم بالذات فيجب أن لا يكون منطبقاً إلّا على ذلك الفرد الواقعي، وإلّا كان علمي جهلاً. ولكن حيث إني أجهل عنوان ذلك المشخّص الخارجي، فاحتمل انطباقه على هذا وعلى هذا. فالعنوان محتمل الانطباق على الأطراف، لا أنه قابل للانطباق عليها. وإنما حصل الإجمال باعتبار عدم إمكان التشخيص، لا باعتبار الإجمال في المعلوم أو في العلم. ولم يتعلّق العلم بالكلّي ولا بالمردّد ولا بالمبهم.

[فرق الكلي في المعين عن الكلي في الذمة] 

ففرق الكلّي في المعيّن عن المشاع والفرد المنتشر لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في فرق الكلّي في المعيّن عن الكلّي في الذمّة. ولا ينبغي لكم في هذا 

ـــــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الصدد أن تتأمّلوا تأمّلاً عقلياً، بل تأمّلوا تأملاً عقلائياً، فإننا في العرف نرى أن الشخص المعتبر إن قال: (بعت حِملاً من الحنطة) اشتراه الناس منه، وإن لم يكن لديه حنطة أصلاً. وكذلك إذا باع منّاً من حنطة النجف فقيّدها بقيد أو ضيّق القيد فقال: (بعتك منّاً من حنطة سوق الحويش)، ولا يعترض عليه أنه باع مال غيره، وكذلك لو قال: (بعتك فرساً عربياً) ولم يكن منه إلّا فرس واحد هو ملك لغيره، فلا يعترض عليه أنك بعت مال غيرك. أما لو قال: (بعتك هذا الفرس) وأشار إلى مال غيره. أو قال: (بعتك صاعاً من صبرة) وهي كلّها لغيره؛ اعترض عليه العرف. فلماذا يرد هذا الاعتراض؟ لا بُدّ أن نرى ما هو الكلّي في المعيّن عند العرف.

الفرق بين الكلّي في المعيّن وسائر الكلّيات، لا بُدّ أن نرى كيف هو؟ نرى أن الكلّي حتى إذا قيّد بقيود لا ينطبق إلّا على واحد، هو ملك للغير. فإنه لا يقال: (إنك بعت مال الغير)، أو (إنه محتاج إلى إجازة). وإذا دفع من غيره لا يقال: (إنك دفعت غير ما وقع عليه العقد). وأما إذا أضيف إلى الخارج وكان من مال زيد، فبالرغم من أنه كلي، إلّا أنه يقال: (إنه باع مال غيره). وإذا باع حِملاً كلّياً واشترط كونه من حنطة زيد، لا يقال: (إنه باع مال غيره)، وإنما إن استطاع أن يشتري ويدفع فهو، وإلّا كان له حقّ الفسخ، وإن لم يفسخ كان له أن يدفع من مال آخر.

فلماذا يقال: أنه باع مال غيره، إذا باع كلّياً في المعيّن من مال الغير؟ مع أن المالك ليس له إلّا الصبرة، وليس له أمران: صبرة خارجية، ومال كلّي آخر. 

ـــــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والصاع من الصبرة كلّي على أيّ حال وإن كان مضافاً إلى غيره. فما كان مالاً خارجياً لم يقع عليه البيع وإن كان ملكاً لزيد، وما وقع عليه البيع  وهو الكلّي ليس ملكاً لزيد. فلماذا يقال: أنه باع مال غيره؟ وفي الكلّيات المقيّدة التي لا تنطبق إلّا على فرد من مال الغير، لا يقال ذلك؟!.

لا بُدّ أن نحسب حساب الكلّي في نفسه لنرى هل هما مختلفان في عالم الكلّية أو لا؟ الكلّي هو العنوان القابل للصدق على كثيرين. فمفهوم الشيء عامّ، ومفهوم الإنسان أضيق منه، ولا فرق بينهما في الكلّية. غاية الأمر أن صدق الشيء أعمّ من مفهوم الإنسان. ومهما قيّدت الكلّي فهو كلّي ما لم يكن له تشخّص وجود خارجي. البتّة الوجود الذهني كالخارجي جزئي. وكذلك إذا أضيف الكلّي إلى الخارج فقيل: (صاع من صبرة)، نرى أنه لا يفرّق في كليته عن الكلّي غير المضاف إلى الخارج، وهما متساويان في الكلّية، غاية الأمر أن هذا يصدق على أفراد كثيرين، والآخر يصدق على أفراد قليلين. إذن فبغضّ النظر عن الاعتبار العقلائي لا فرق بينهما. وإنما الفرق بينهما بالاعتبار.

المالية أساساً إنما تنشأ من تعلّق أغراض العقلاء بالشيء، والكلّيات بما هي لا تتعلّق بها أغراض العقلاء، فلو باع كلّي العنقاء لا يقع؛ لأنه غير قابل للانطباق في الخارج. وما يتعلّق به غرض العقلاء هو الكلّي القابل للانطباق على الخارج. فإن مالية الكلّيات مثل مالية (الورق النقدي)، لا يقصده العقلاء إلّا بغطائه ورصيده الذي قد يكون هو الزرع والضرع، وقد يكون هو النفط، وقد يكون هو (الجواهر) والذهب، مع اعتبار ذمّة الدولة. وبهذا أصبح 

ـــــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 (الكاغذ)(1) الذي لا يسوى فلساً قيمته عشرة دنانير. ولو أسقط الاعتبار بعد ذلك تسقط قيمته تارةً أخرى، فقدرة الورق على التبديل بالذهب أو غير ذلك، هو الذي جعله مالاً في سوق العقلاء.

والكلّيات في أنفسها لا مال لها، ولو أضيفت إلى الذمّة فأيضاً لا مالية لها. وإنما ماليتها بغطائها، وهي قدرة الفرد على الأداء، والإضافة إلى الذمّة مطلب مغفول عنه في نظر العقلاء. وإنما يعتبر في الذمّة بعد البيع، فيقال: (أنا أطلب فلاناً حنطة). وليس أن البائع إذا قال: (أبيعك حِمل حنطة) لا يشتري منه أحد، ولكن إذا قال: (أبيعك حِمل حنطة مضاف إلى ذمّتي) يشتري منه الناس، بل يكفي حمل الحنطة مطلقاً. نعم، إذا كان الفرد غير محرز القدرة على التسليم أو محرز العدم، فإنه لا يشتري منه أحد. فمالية الكلّي إنما هو بغطائها ورصيدها.

إذا تمّ ذلك فنقول: الكلّيات التي يبيعها بدون إضافة إلى محلّ معيّن، سواء كان الكلّي مقيّداً أو غير مقيّد، بل حتى لو قيّدت بقيود لا تنطبق إلّا على واحد، فإن غطاءها هو القدرة على التسليم في حينه. والمفروض أنه يكون قادراً سواء كان مطلقاً أو مقيّداً، فيصحّ وإن كان المصداق ملكاً للغير. 

وأما إذا أضاف الكلّي إلى مال الغير، فقال: (صاعاً من صبرة زيد)، فهو في عين حال كونه كلّياً، إلّا أن رصيده مال الغير، وليس أن الناس يقولون: (إن لزيد أمرين: حنطة خارجية، وحنطة كلّية). بل له حنطة خارجية فقط، ولكن حيث إن غطاء هذا الكلّي ورصيده الخارجي هو لزيد فيقال: (إنه باع مال زيد). 

ـــــــــــــ[197]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: الورق.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والكلّي المضاف لا يمكن تطبيقه من دون إضافة، فلو كانت الصبرة من عشرة أصوع، وبعت منها صاعاً وصاعين وثلاثة أصوع كلّية حتى يصل إلى العشرة، كان الصاع الحادي عشر الكلّي بدون غطاء، والناس لا يشتروه منّي(1).

فليس الكلّي في المعيّن غير كلّي، ولا أن الكلّي في الذمّة مضاف إلى الذمّة والكلّي في المعيّن غير مضاف إليها. وإنما الفرق بينهما في أرصدتهما وما لهما من غطاء.

فالكلّي الذي تقع عليه المعاملة هو اعتبار عقلائي. فإذا لم يكن مضافاً إلى الخارج، يعتبره العقلاء ديناً في ذمّته، وإذا مات فإنه يتعلّق بأمواله نحواً من أنحاء التعلّق. وأما إذا أضيف إلى الخارج، وهو ما قد يعبّر عنه بالكلّي الخارجي في مقابل الكلّي الذمّي. وليس مرادهم منه أنه كلّي موجود في الخارج، بل العقلاء تارةً يعتبرون الكلّي ديناً عليه بعد البيع -لا باعتبار الإضافة إلى الذمّة- 

ـــــــــــــ[198]ــــــــــ

() أقول: في الحقيقة إنني إذا بعت أحد عشر صاعاً كلّية من صبرة ذات عشرة أصوع، فنعلم إجمالاً ببطلان أحد المعاملات. ولا تكون الباطلة هي الأخيرة؛ لتساوي نسبتها إلى الصبرة مع المعاملات الأخرى، والمفروض –على مبنى السيد- أنه لا يملك المشتري شيئاً من الصبرة الخارجية. وقد ذكرت ذلك للسيد، فلم يقبله وأنكر تساوي النسبة باعتبار تدرّج المعاملات زماناً في الوجود. إلّا أن هذا بالدقّة العقلية غير صحيح؛ لوضوح عدم دخل التدرّج الزماني بالانتساب. 

نعم، يمكن أن يدّعى عقلائياً: أن بيع الصاع الكلّي من الصبرة كأنّه بيع صاع فعلي من الصبرة الخارجية، فإذا عمل عشر معاملات فكأنّه باع عشرة أصوع، وتصبح الصبرة كلّها مستحقة للغير، فيكون البيع الحادي عشر بلا موضوع، ولكن هذه الدعوى مما لم يدّعه السيد. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأخرى يعتبره العقلاء موجوداً في الخارج. والمسألة اعتبارية وليس من قبيل التحقّق الخارجي، فإنه لا يمكن أن يكون الكلّي موجوداً في الذمّة ولا في الخارج. والكلّي الخارجي -أو الكلّي في المعيّن – لا يكون من قبيل الدين في الذمة، ولذا لو مات لا يبقى في ذمّته، بل يكون على ولّيه أن يدفع صاعاً من صبرته.

وأما صحّة المعاملة عليه فلا ينبغي الإشكال فيه؛ لأنه لا غرر فيه لا بمعنى الجهالة ولا بمعنى الخطر المعاملي أو وقوع ما لا يؤمن معه من الضرر؛ لأن أجزاء الصبرة متساوية، وعنوانه الكلّي معلوم، وإضافته إلى الخارج معلومة، فلا جهالة فيه. وليس فرداً خارجياً حتى يكون مجهولاً. وما يقوله الشيخ(1) من أننا في الفرد المنتشر لم نقل بالغرر فهنا أولى. 

قلنا: إن الفرد المنتشر يكون غررياً على تفسيره للغرر بالجهالة؛ لأنه بيع المجهول؛ لأنني لا أعلم أني بعت هذا الفرد أو ذاك. وفي المقام لا جهالة؛ لأنه اعتبار كلّي وليس فيه خطر معاملي؛ لأن أجزاء الصبرة متساوية وجميع أجزائها معلومة، وليست الأجزاء هي المبيعة، وإنما المبيع هو العنوان.

[إشكال في المقام]

وهناك إشكال آخر: وهو أن شيئاً كلّياً وليس بمشاع أمر غير معهود، فلا يكون صحيحاً(2).

ـــــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 251-252، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 23: 222-223، كتاب التجارة، الفصل الرابع، النظر السادس.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هناك كلام في المعاملات وهو أن المعاملات الصحيحة هي خصوص ما تلقّيناه من قبل الشارع، وهي عدد محصور لا زيادة عليه. فالتأمين ليس معاملة معهودة في الشرع فلا تصحّ. وكذلك الضمان بنقل ذمّة إلى ذمّة عندنا. وإنما الضمان هو نقل ذمّة إلى ذمّة.

إلا أن هذا الكلام غير صحيح؛ لأننا مرّة نريد أن نتمسّك بالأدلّة الخاصّة للبيع أو للصلح أو الإجارة ونحوها. فهو مما لا يمكن؛ لأنه مما لا يصدق عليها ذلك. وأخرى نريد أن نتمسّك بـأَوْفُوا بِالعُقُودِ والشروط. فهذا لو كان إشارة لما هو المعهود لم يمكن التمسّك به. إلّا أنه ليس كذلك، بل هو عامّ والألف واللام للجنس، فيصحّ به كلّ معاملة شائعة عند العقلاء، ما لم يدلّ دليل على بطلانها.

فالضمان بمعنى نقل الذمّة يتمّ بدليله الخاصّ. وأما الضمان بضمّ ذمّة إلى ذمّة فهو أمر عقلائي، فقد يمكن تتميمه بالعمومات.

إلا أن هذا الكلام غير جارٍ هنا؛ لأنه بيع، وليس معاملة جديدة، إلّا إذا قيل: إن المبيع ينبغي أن يكون معهوداً في زمن الشارع. وهذا لا يلتزم به أحد وتنفيه العمومات المصحّحة على أيّ حال، والكلّي في المعيّن وإن لم يكن معهوداً، إلّا أنه من متعلّقات المعاملة، وهو لا يلزم وجوده في زمن الشارع.

إلا أن يقال: إن متعلّقات المعاملات على أصناف: فمرّة هي أعيان، وأخرى هي فرز، وأخرى هي إشاعة، وأخرى هي كلّي في الذمّة، وأخرى كلّي في المعيّن . وهذا الأخير لم يكن معهوداً، وهذا أيضاً غير صحيح، بل إذا اخترع 

ـــــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العقلاء معاملة ولم نجد دليلاً يبطلها فإنها تكون صحيحة بالعمومات. على أن الكلّي في المعيّن معهود في زمن الشارع حيث أوصى الإمام الباقر بعتق ثلث عبيده.

وهذه الوصية لا يمكن أن تكون إلّا كلّياً في المعيّن، فإنه ليس المراد الثلث المشاع بحيث يكون ثلث كلّ فرد. وليس المراد الثلث لا بعينه فإنه غير معقول. إذن فهو كلّي في المعيّن . وإنما أقرع له الإمام الصادق باعتبار أنه كلّي مضاف إلى الخارج. فكلّ عبيده الستين مستحقّ لانطباق العنوان عليه ومستحقّ للحرية، فبابه باب القرعة؛ لأن القرعة تكون في موارد تزاحم الحقوق.

ـــــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[مسألة: لو باع صاعاً من صُبرة]

 

لو قال: (بعتك صاعاً من صبرة)، ودار الأمر بين كونه كلّياً مشاعاً، أو فرداً مرددّاً، أو كلّياً في المعيّن . فهل يحمل اللفظ -في مقام الإثبات- على أحدها؟ أو هناك تفصيل بين ما إذا كانت الصيعان متفرقة أو مجتمعة، فإن كانت مجتمعة حمل على الفرد المنتشر وإن كانت متفرقة فيأتي فيها الكلام؟ أو تحمل على الكلّي المشاع؟ 

لا بُدّ أن نرى أن ماهيّة الصاع وماهيّة المشاع هل وضعا لماهيّتين بحيث يكون استعمال أحدهما في الآخر مجازاً؟ أو أنهما وضعا لمعنى واحد؟ ثُمّ نرى التنوين قد وضع لأي شيء؟ 

أما الصاع وكلّما وضع لمقادير معيّنة كالـمَنّ وغيره، فهو معنى غير معنى الكسر المشاع. فإن للمقادير معاني ليس لها إضافة ولا يتوقّف تصورها على تصوّر شيء آخر. بخلاف الكسر المشاع فإن الكسور متضمّنة للنسبة، كالثلث فإنه يكون في مقابل الثلثين. ومعه فلا يمكن أن يقال: إن الصاع والكسر بمعنى واحد.

والصاع اسم جنس يصدق على الكثير والقليل من الأفراد، شأنه في ذلك شأن سائر أسماء الجنس كرجل وحنطة. ولكن فرقه عن الحنطة أن الحنطة يصدق عنوانها سواء كانت متفرّقة أو مجتمعة، والمحدودية فيها محدودية جنسية 

ـــــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وليس فيها شيء زائد على الطبيعة، ويصدق على الكمّ المتّصل والمنفصل، وأما الصاع فيصدق على العشرة أصوع، لكن لا على مجموعها، بل على آحادها، والمجموع ليس صاعاً كلفظ الواحد، فإنه يصدق على الكثير صدقاً متعدّداً لا صدقاً واحداً. فالاثنان إذا لوحظ أفراده فهذا واحد وهذا واحد. وأما إذا لوحظ المجموع فإن اعتبرت لهما الوحدة كان واحداً وإن لوحظ الاثنين في عالم الاثنين فهما ليس واحداً. فالصاع مقدار محدود لا يصدق على الصبرة. وهو وسائر المقادير كالذراع مثلاً، اسم جنس قد يطلق على أفراد غير متناهية، لكن بمقدار محدود.

إذن فعنوان الصاع وعنوان المشاع لفظان وضعا لأمرين لا يدلّ أحدهما على الآخر، إلّا بالقرائن.

وأما التنوين، فعلى قسمين:

القسم الأوّل: التنوين الذي لا يضيف معنى إلى الطبيعة، لكن هناك معنى آخر يستفاد منه أو من الهيئة. فلو قلت: (زيدْ) أو قلت: (زيدٌ) لم يختلف معناه. وكذلك لو قلت: (قائمْ) أو (قائمٌ). ولو قلنا: (زيدْ قائمْ)، فكذلك فإنه يدلّ كلّ لفظ على معناه بدون ارتباط بينهما. ولو قلنا: (زيدٌ قائمٌ) كان هناك احتمالان:

أحدهما: أن الهيئة موضوعة للدلالة على الهوهوية التصديقية.

وثانيهما: أن التنوين دالّ على ذلك يكون بمنزلة (است)(1) الحرفية الفارسية.

ـــــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: يكون.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وقد توصّل أهل اللسان العرب إلى ذلك بجعل التنوين في اللفظين.

وقد يرد التنوين في أسماء الأجناس ولا يتغيّر معناها أيضاً كقولنا: (زيد إنسان)، فإنه لم يتغيّر معنى الإنسان بالتنوين، ولم يضف عليه أيّ معنى. ولكن دلّ التنوين على معنى آخر هو الهوهوية التصديقية أو التصوّرية، التي ذكرناها في محلّه.

وقسم آخر من التنوين نراه يحصل به تغيير بالمعاني، مثل (جاء رجلٌ) فـ(رجلٌ) غير الرجل القابل للصدق على القليل والكثير، وإنما يستفاد من التنوين قيد الوحدة بدالّين ومدلولين. ففي قولنا (جئني برجلٍ) قد استعمل (الرجل) بنفس معناه. والتنوين الذي هو معنى حرفي استعمل بنفس معناه أيضاً. وكذلك في قولنا: (جاءني رجلٌ). ولا يفرق العلم بحقيقة هذا الرجل أو الجهل به في دلالة اللفظ، غاية الأمر أن القرينة دالة على عدم إمكان وجود المبهم تدلّ على أن (جاءني رجل) هو رجل معيّن وإن (جئني برجل) لا واقعية له أصلاً.

إذن لفظ الصاع دالّ على نفس الطبيعة ليس إلّا، وهو المقدار المعيّن، والتنوين بالمعنى الحرفي يدلّ على الوحدة، كأنّه قال: (صاع واحد).

وهذا المطلب موجود في الكسر المشاع، فالثلث موضوع لطبيعة معيّنة نسبية صادقة على كلّ أفراد الثلث.

ولكنّنا نرى شيئاً موجوداً في الكسر وغير موجود في الصاع، فإنه في الكسر قد يطلق ويقال: (ثلث من هذه الصبرة)، وفي الصاع يقال: (صاع من هذه الصبرة)، وفي الثلث يقال: (ثلث الصبرة)، وفي الصاع لا يقال: (صاع 

ـــــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الصبرة). مع أنه لا الكسر موجود ولا الصاع موجود في الخارج، وما هو في الخارج مشتمل على الكسور وعلى الصيعان -بمعنى من المعاني-، مع الغفلة عن المعنى الفلسفي.

[حمل (الصاع من الصبرة) على الكلي في المعين] 

فإذا قال: (بعت ثلثاً من هذه الدار)، فهل نحمله على الكلّي في المعيّن؟ لعلّ الظاهر -بحسب فهم العقلاء- أن أفراد المجموع إذا كانوا متفرّقين كالأغنام، وقال: (ثلثها ملكي) يُفهم منها الكلّي في المعيّن، وليس مشاعاً كالقسم السابق، بل هو كسر كلّي في المعيّن . وأما إذا كانت أجزاؤه متّصلة ولا امتياز فيها، فتكون ظاهره في المشاع، ويحتاج حسابها كالكلّي في المعيّن إلى نظر آخر في فرض الأجزاء المتّصلة منفصلة. فلا يبعد كونه محمولاً على الكسر المشاع.

وكلامنا في الصاع من الصبرة، فإن الصاع يدلّ على معناه، والتنوين يدلّ على الوحدة بالمعنى الحرفي، فلو حملناه على المشاع فمعناه أننا استعملنا اللفظ في معنى آخر. وأما كونه دالّاً على الفرد المنتشر أو الكلّي في المعيّن، فلا بُدّ أن ننظر إلى الواقع لنرى أن هذا اللفظ مطابق مع أيٍّ منهما؟ والفرد المنتشر -على فرض إمكانه- فرد في الخارج، فهو محتاج في الدلالة عليه إلى ضمّ الخصوصية الفردية، واللفظ لا يدلّ عليه. وذلك بخلاف الكلّي في المعيّن، فإنه ليس هناك إلّا (صاعٌ) ولا حاجة فيه إلى أيّ قرينة أخرى. نعم، نفهم كونه في المعيّن من الخارج. والفرد المنتشر يحتاج إلى قرينة على إرادة خصوصية المصداق، بخلاف الكلّي في المعيّن فإنه لا يحتاج إلى قرينة.

ـــــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما التفصيل الذي قاله بعض الأكابر(1) في: التفصيل بين الصيعان المتّصلة والصيعان المتفرّقة، بدعوى: أن المتصلة لا خصوصية لها، فإذا كانت منفصلة كانت لها خصوصية، فيستحيل أن يكون كلياً.

نقول: هذا راجع في الواقع إلى دلالة الألفاظ، فإن الإنسان كلّي، جميع أفراده لهم خصوصية فردية. فالصاع يدلّ على الطبيعة ولا ربط له بالخارج. نعم، قد تنضمّ له قرائن أخرى تدلّ على ذلك، كقولنا: الإنسان الموجود أو الموجود في هذا البلد. ونحن لا نريد أن نستعمل اللفظ في الخصوصيات، بل في معناه الكلي. فنقول في الصيعان المتفرقة: (بعتك صاعاً منها)، فيكون كلّياً في المعيّن .

[الثمرة بين القول بالإشاعة والقول بالكلي في المعين] 

[الثمرة الأولى] 

من الثمرات التي ذكرت بين القول بالإشاعة والقول بالكلّي في المعيّن: أنه بناءً على الإشاعة إذا تلف قسم من المبيع يذهب من المشتري بمقدار نسبة ما يملك، فيكون في التالف تلفاً قبل القبض، ويكون المقدار الموجود بينهما بنفس النسبة. وأما بناءً على الكلّي في المعيّن، إذا تلف الجميع إلّا صاعاً واحداً، فلا بُدّ من تسليمه إلى المشتري ولا يذهب منه شيء.

بناءً على ما قلناه في الإشاعة يشتركان بالنسبة في هذا الواقع الخارجي، وكذلك إذا حملنا (الصاع من الصبرة) على الإشاعة، لكن يكونان شريكين 

ـــــــــــــ[206]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 400-401، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع بعضٍ من جملةٍ متساوية الأجزاء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بنسبة الصاع إلى المجموع. وأما في الكلّي في المعيّن فحيث إنه لا شركة فيه والخارج غير مملوك للمشتري، فلا إشكال على ما قلناه.

وقال الميرزا القمي(1) -كما ينقل عنه الشيخ(2)-: إنه إذا كان كلّياً في المعيّن فالاختيار للمشتري. ولم نعلم له وجهاً. فلا بُدّ أنه يرى لهذا الكلّي خصوصية، فهل يقول: إنه يعود للفرد المردّد؟ فإننا في الفرد المردّد أيضاً لا نقول بأن الاختيار للمشتري، بل هو إما  للبائع أو يتفقان عليه.

أو يقول: إن هذا إذا ملك كلّي الصاع، وذاك كلّي التسعة أصوع؛ فيكون الخيار للمشتري. 

كلّا، أيضاً يكون الخيار للبائع.

وقالوا(3): إن المشاع والمردّد يرجع إلى الكلّي في المعيّن، ولكن مع ذلك قالوا: إنه يتعيّن المبيع باختيار الاثنين: البائع والمشتري. وإنه إذا تلف يكون بينهما. وإن المشتري ملك جزءاً من هذا المال، بالرغم من أنه قائل بكونه كلّياً، ولم نستطع أن نفهم كيف أنه مالك للكلي مع أنه يملك شيئاً من الخارج؟!

وبعض الأعاظم يقول(4): إن الكلّي في المعيّن والمشاع لا يفرق في الكلّيات، 

ـــــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) اُنظر: جامع الشتات 2: 95، المسألة 72.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 259، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

(3) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 203، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: فيما إذا باع صاعاً من صبرةٍ.

(4) اُنظر: منية الطالب 1: 402، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ولكن المشاع كلّي من طرفين. وإنما كان في الكلّي في المعيّن بيد البائع، وفي المشاع بينهما، وذلك لأنه في الكلّي المعيّن لا دخل للخصوصية الخارجية أصلاً. وأما في المشاع فقد لوحظت الخصوصية الخارجية، لكن لوحظت الخصوصية بما هي كلّية، بمعنى أن الملحوظ خصوصيةٍ ما.

نقول: الكلّي مع الخصوصية يعني الكلّي المقيّد، فكما أن الكلّي لا يوجب ملكية الخارج، فكذلك الكلّي مع الخصوصية. وإذا كانت الخصوصية كلّية فضمّ الكلّي إلى الكلّي لا يصبح شخصياً، وليس له حقٌّ في أيّ صاع يعيّنه في الخارج، على أن أصل المطلب غير تامّ عندنا. فلا يتمّ تفصيله.

الثمرة الثانية: 

أنه إذا بقي صاع واحد، فبناءً على الكلّي في المعيّن يستحقّ المشتري هذا الصاع، وبناءً على المشاع فبعض الصاع له -وكانت الثمرة الأولى بالنسبة إلى اختيار البائع والمشتري-.

وكونه مستحقّاً لهذا الصاع له أحد معنيين:

الأول: أنه تعيين قهريّ.

الثاني: أنه يستحقّ أن يعيّن البائع هذا الصاع، وليس له حقّ في اختيار صاع آخر.

وإذا كان المقصود هو التعيين القهريّ فهذا الصاع الذي بقي في الخارج هو ملك المشتري، نظير ما قيل في الواجب المشروط من أنه إذا حصل الشرط يصير واجباً مطلقاً. وما قيل في الواجب الموسع من أنه إذا ضاق وقته يصير واجباً مضيّقاً.

ـــــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهذا المطلب -هناك- غير صحيح، وهنا أيضاً غير صحيح فإنه إذا قال: (إذا جاء زيد فأكرمه). فإن هذا الجعل يبقى على حاله، سواء حصل الشرط أو لا، لا أنه إذا حصل الشرط يتغيّر الجعل الإلهي. وكذلك الواجب الموسّع لا يتغيّر بامتثال المكلّف وعدمه، غاية الأمر أنه قبل الضيق يوجد تخيير عقلي بين الأفراد، حتى يصل إلى وقت الضيق، فيحكم العقل بعدم التخيير وتعيّن هذا الفرد، وأنه إذا لم يأتِ به المكلّف فالواجب الموسّع يكون قد عصي، ولا يتغير الحكم عن واقعه، ويستحيل أن ينقلب الإنشاء بمبادئه عما هو عليه.

وكذلك إذا جعل البيع وقال: (بعتك صاعاً من هذه الصبرة)، وقد انتقل إلى المشتري هذا العنوان الكلّي، وليس وراءه جعل آخر، فإذا انحصر في صاع، فهل نقول: إن بيع الكلّي صار بيعاً جزئياً؟ هذا محال. أو نقول: إنه في الحقيقة لازال المشتري يملك صاعاً من الصبرة، ولكنّه يكون مستحقّاً لهذا الصاع بالتعيين؟ ولا إشكال.

فإذا ساعد العرف على التطبيق القهريّ من حيث إن البيع وإن كان كلّياً إلّا أن هذا المملوك هو هذا الخارجي عرفاً، بحيث لو لم يسلّمه لم يكن وافياً بالعقد، فيكون هذا الصاع ملكاً للمشتري بنظر العرف، وليس للمالك أن يتكلّم. وإنما لا يقال بذلك قبل التلف؛ لأنه لم يملك الخصوصية، والاختصاص بصاع معيّن ترجيح بلا مرجح.

ولكن بعد التلف يرتفع محذور الترجيح بلا مرجح.

ـــــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وعلى ذلك تحمل رواية الغصب، حيث يسأل أنه اشترى عشرين منّاً من أربعين، فاحترق منها عشرون. فأجابه الإمام: (أن ما احترق فهو من المالك، والباقي لك)(1). فإنه كان من قبيل الكلّي في المعيّن لا المشاع ولا المردّد. والعرف يحكم بالتعيين، وليس حكماً تعبّدياً محضاً، وما هو المحال هو تغيّر الإنشاء، لا حكم العرف بالتعيين.

[الثمرة الثالثة] 

هناك وجه آخر للفرق بين القول بالإشاعة والقول بالكلّي في المعيّن، فيما إذا باع صاعاً من الصبرة من واحد، ثُمّ باع صاعاً من الصبرة لآخر، وتلفت الصبرة، وبقي صاع واحد. 

فإذا قلنا بالإشاعة كانت المسألة داخلة في الخلاف الموجود في مالك التصرّف، فيما إذا باع الشريك نصف الدار، فهذا النصف هل هو النصف الذي يملكه أو هو نصف المجموع؟ فهنا إذا كانت الصبرة عشرة أصوع، وقال: (بعتك صاعاً من الصبرة)، فكأنّه قال: (بعت عشر الصبرة) في البيع الأوّل، وفي البيع الثاني أيضاً كذلك. وعلى أيّ حال فالشركة حاصلة، إلّا أنه إذا كان عُشر المجموع وأجاز الأوّل، يكون الأوّل مالكاً لعشر الصبرة إلّا عشر العشر، ويكون للثاني عشر الصبرة، وللبائع ثمانية أعشار وعشر العشر.

ـــــــــــــ[210]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 126، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 20، ووسائل الشيعة 17: 365-366، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 19، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أقول تكون المسألة هكذا:

      للمالك               للمشتري الأوّل      للمشتري الثاني

1010     9+110     9        10         110                       10         8         10

أي: الصبرة بتمامها، ولم يذكر السيد على تقدير أن يكون المراد عشر ما يملكه وهي التسعة أعشار الباقية. فإن كان المراد: عشر المجموع المطبق على ما يملكه، فلا إشكال، إذ يكون لكلٍّ من المشتريين العشر وللمالك ثمانية أعشار، وإن كان المراد عشر التسعة أعشار كان للمشتري الأوّل عشرة من مائة جزء، وللمشتري الثاني عُشر التسعين الباقية، أي: تسعة من مائة جزء. وللمالك الباقي أي: 81 من مائة جزء(1).

كما أن السيد لم يذكر الحال فيما إذا لم يجز المشتري الأول. والظاهر أنه يكون مثل هذا الفرض الأخير الذي ذكرناه، فإنه يبطل في عشر البيع الثاني، فيكون للمشتري الثاني تسعة أعشار العشر، أي: تسعة من مائة جزء كما سبق.

ـــــــــــــ[211]ــــــــــ

() وتكون المسألة رياضياً هكذا:

  للمشتري الأوّل                               للثاني                                              للمالك

  =         910         910   +               110          910 +           1          10 

1  = 1010=9 10  +1 10 =1    910    + 1 10 =  1010      910    + 1 10  

أي: مجموع الصبرة. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

كما أن السيد لم يذكر الحال في فرض تلف الصبرة إلّا صاعاً واحداً، في صورة ما إذا كان استحقاق الثاني يختلف عن الأوّل، وإنما خصّ الكلام -فيما يلي- في صورة ما إذا كان استحقاقها متّفقاً، وذلك على ما اختاره من أن لكلٍّ منهما صاع.

والظاهر بناءً على الشركة أن نفس النسبة تبقى محفوظة في الصاع الباقي. فإذا كان استحقاق كِلا المشتريين متّفقاً كان لهما العشر في هذا الصاع وللمالك ثمانية أعشاره، وإذا كان استحقاقهما مختلفاً كانت النسبة كما ذكرناه في الصبرة، والسرّ في انحفاظ النسبة هو أن الخصيصة الرئيسية لباب الشركة هو: أن ما يَتْوى منهما وما يبقى لهما، فكذلك في الثلاثة. انتهى.

وأما إذا قلنا: إنه كلّي في المعيّن، فهنا كلامٌ.. فالشيخ(1) -وتبعه بعضٌ(2)– قال: إنه إذا باع صاعاً من صبرة، فهذا الصاع سارٍ في جميع صاعات الصبرة، وإذا باع صاعاً من صبرة لآخر، فليس هذا سارياً في جميع الصيعان، بل فيما يملكه البائع، وهو ما عدا الأوّل، ولو تمّ ذلك يكون البائع بعد البيع الأوّل مالكاً للصبرة إلّا صاعاً، فإذا تلفت إلّا صاعاً واحداً، فالباقي هو صاع من عشرة، فيكون مستحقّاً للأوّل، وأما الصاع من تسعة فلم يبق له مصداق في 

ـــــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 260، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 402، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الخارج، فيكون من قبيل تلف المبيع قبل قبضه للمشتري الثاني.

وهذا بحسب ظاهره غير تامّ؛ لأن المفروض أن المبيع كلّي في المعيّن، والخارج ليس كلّياً، بل كلّه ملك للبائع حتى بعد البيع، فما يقوله: من أن المملوك هو ما عدا الصاع غير تامّ.

أو نقول: إن الصاع الباقي ليس للمشتري الأوّل، ببيان أن ما اشتراه الأوّل كلّي وما اشتراه الثاني كلّي، فهو إنما باع كلّيين، غاية الأمر أنه مضاف إلى الخارج. فكما أن الصاع الأوّل قابل للانطباق على الجميع كذلك الثاني. ولذا لو لم يتلف يكون للبائع أن يدفع هذا الصاع للمشتري الأوّل أو للمشتري الثاني. فإذا بقى صاع واحد فإنه يكون مَطبقاً لكِلا العنوانين، وترجيح المشتري الأوّل بلا مرجّح. وهذا راجع إلى أن كِلا المبيعين صاع من عشرة، وليس الثاني صاعاً من تسعة.

قالوا: إنه بناءً على الإشاعة فهذا الصاع مشاع بين المالك والمشتريين، وأما بناءً على أنه كلّي في المعيّن فالصاع الباقي يكون للمشتري الأوّل، وأما الثاني فالبيع منفسخ بالنسبة إليه؛ لأنه تلف قبل القبض.

أو نقول وجهاً آخر، والصحيح أن المبيع عنوان كلّي، وما في الخارج ليس مبيعاً، سواء كان المبيع كلّياً في المعيّن، أو صرف الوجود كما عبّر بعضهم(1)، فإنه تعبير آخر عن الكلي، لا أن صرف الوجود موجود بوجود واحد من هذه 

ـــــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 339، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، بيع صاعٍ من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الأصوع، فالخارج لم يبع ولم يخرج عن ملكه، وما وقع عليه البيع هو الكلّي. ولا يمكن أن نقول: إن الكلّي خرج من ملكه؛ لأنه لم يكن يملك الكلّي.

العمدة أن نرى أن الكلّي في المعيّن والكلّيات العامة هل يفرق في أحكامها العقلائية أو لا؟ فلو أنه باع فرساً كلّياً مقيّداً بقيود لا تنطبق إلّا على فرد واحد هو ملك للغير، لا يقول العقلاء: (إنك بعت ملك الغير)؛ لأن انحصار المصداق من باب الاتّفاق بواحد كذلك لا يعود إلى البائع، ولا يجعل البيع مضافاً إلى الخارج. 

ولكنّه إذا باع حِملاً من حنطة زيد، فهو وإن كان كلّياً لكن يعترض عليه: (بأنك بعت ما لا تملك). ونحن نرى أنه إذا أجاز صاحب الحنطة يقع البيع صحيحاً، ويكون صاحبها ملزماً بدفعها.

وكذلك الحال لو باع كلّياً في ذمّة زيد، أو مِن قِبله، فإنه يعترض عليه بدون الإجازة، ويصحّ بعد وجودها. فكما أن الكلّي في الذمّة اعتبار ليس إلّا، كذلك الكلّي في الخارج اعتبار ليس إلّا.

وكذلك لو باع مقداراً من الحنطة، صحّ، ما دام له ذمّة واعتبار في نظر العقلاء، حتى إذا ما وصل إلى ما فوق اعتبار ذمّته فلا تكون بيوعه عقلائية، فإن الذمّة باعتبار القدرة على الأداء، فإذا باع ما لا يقدر على أدائه كان لاغياً، فبيع الصاع من الصبرة كالذمّة، لا بُدّ من أن يباع من الذمّة بمقدار ما تطيقه الصبرة، فلو باع صاعاً من هذه الصبرة، فهي وإن كانت جميع الصيعان في ملكه، إلّا أن ملك التصرّف غير موجود له. فليس له إفناء هذه الصبرة، وإلّا كان خلاف 

ـــــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

دليل وجوب الوفاء بالبيع. 

وبعبارة أخرى: إن مقتضى الوفاء بالعقد، بعد أن لم يكن للمبيع مصداق إلّا في هذه الصبرة، أنه يجب تسليم صاع من هذه الصبرة إلى المشتري. فقد قلّت قدرته على التصرّف في هذه الصبرة إتلافاً أو بيعاً لمجموعها.

نعم، له قدرة في التصرّف فيها إلّا صاعاً. فلو باع منها صاعاً تحدّدت سلطنته عن صاع واحد، وماله قدرة شرعية وعقلائية بالنسبة إليه هو صاع من تسعة لا من عشرة، فلو باع صاعاً آخر فما له القدرة عليه هو ثمانية وهكذا. فلو باع تسعة أصوع فهو قادر على التصرّف في صاع واحد لا غير.

فهو مالك، ولا يخرج عن ملكه -كما يقول الشيخ(1)– إلّا أن الملك وحده لا يكفي، بل لا بُدّ من وجود السلطنة على النقل، وبدونها لا يمكن. كما لو باع أحد عشر صاعاً من صبرة ذات عشرة أصوع، ومعه فيكون كلام الشيخ تامّاً لا من باب أنه ليس مالكاً، بل من باب أنه ليس له سلطنة. فالباقي بعد التلف هو صاع من عشرة لا من تسعة، وكان المبيع الثاني هو صاع من تسعة لا من عشرة، ولم يكن للبائع أن يبيع مرّتين صاعاً من عشرة لقصور سلطنته، ولا يعقل أن يوجد واحد من تسعة بعد تلف التسعة، فيتمحّض الصاع الموجود للمشتري الأوّل.

ولو تنزّلنا وقلنا: إن الصاع الباقي لكِليهما، فهل هو بنحو الإشاعة بينهما، أو بنحو الكلّي في المعيّن؟ فمثلاً لو باع صاعاً من هذه الصبرة على زيد، وباع 

ـــــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 260، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صاعاً منها على عمرو، وتلفت، وبقي صاعان. فهل الباقي بنحو الإشاعة بينهما بحيث تشمله أحكامها، أو لا زال كلّياً في المعيّن، ويكون للمالك أن يعيّن هذا لزيد وذاك لعمرو، أو بالعكس، فيكون لتصرّف المالك مجال؟ وإذا بقي واحد فالظاهر أنه كلّي في المعيّن؛ لأنه لا دليل على الإشاعة، وحيث إن كلاً من المشتريين يتطلّب صاعاً كاملاً، وهذا لا يمكن، فينزل إلى النصف، فيكون للمالك أن يدفع هذا النصف إلى زيد وذاك إلى عمرو أو بالعكس، فإن وجوب الوفاء لكِليهما موجود، ولا يمكن الوفاء بالمجموع، فلا بُدّ من دفع النصف.

[الثمرة الرابعة] 

من الثمرات بين القول بالإشاعة والكلّي في المعيّن، أنه إذا حصل نماء أو منفعة فبناءً على الإشاعة فهي لمجموع الشركاء. وأما بناءً على الكلّي في المعيّن فهي للبائع؛ لأن الموجود الخارجي له ولم ينتقل عنه، والتعيين من حينه لا من الأوّل.

[صور قبض المشتري]

ثُمّ إن الشيخ يقول: إن ما نقوله من أن المبيع كلّي، فذلك فيما قبل التعيين، وأما بعده فيخرج عن الكلّية، أما إذا قبض المعيّن فواضح، وأما إذا قبض المجموع فتحصل الشركة بين البائع والمشتري.

ونحن لا بُدّ وأن نرى صور القبض لنرى لوازمها:

الصورة الأولى: أنه بعد أن كان المبيع كلّياً خارجياً بمعنى كونه معتبراً في الخارج، بحيث يقول المشتري: (صاع من الصبرة لي). وهذا الصاع ليس فرداً 

ـــــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مردّداً؛ لاستحالته وكونه معدوماً لا وجود له. وليس هو الفرد المعيّن الخارجي؛ لأن كلّ الأفراد ليست للمشتري. وليس هو صاعاً مشاعاً؛ لأنه ليس مقصوداً، فيبقى أن يكون كلّياً معتبراً في الخارج.

فهذه الصورة من القبض تقول: إن البائع يسلّم إلى المشتري الكلّي الذي باعه للخروج من التلف قبل القبض. فإنه كما أن تلف مثل هذا الكلّي يكون بتلف الصبرة كلّها، وليست من قبيل الكلّيات العامة التي لا تتلف، فإنه مضاف إلى الخارج، فإذا تلف تلف الكلّي بالتبع، ولا يكون قابلاً للتحقّق. كذلك لو سلّمت مجموع الصبرة، فقد سلّمت الكلّي، كما لو دفعت صاعاً واحداً فقد شخّصت الكلّي به، ولو دفعت نصف الصبرة فقد شخّصت ذاك الصاع به، فكذلك لو سلّمت المجموع، فتكون الموجودات الخارجية تحت يد المشتري، والكلّي تحت يده بالتبع، كما كانت تحت يد البائع قبل القبض، فإن تلف يكون تلفاً بعد القبض.

ولازم ذلك أنه إذا أتلف المجموع يقع على المشتري، وأما إذا تلف بعضها فلا بُدّ أن يكون تلفاً على البائع؛ لأن الجميع له، ولم يتشخّص الكلّي في الخارج، ولم يحصل من إقباض الكلّي إلّا التفصّي من التلف قبل القبض. وهذه الصورة لم يتعرّضوا إليها.

الصورة الثانية: وقد تعرّضوا لها، وقالوا: إنه بعد أن باع صاعاً من صبرة، له أن يعيّن ذلك بصاع خارجي، أو أن يعيّنه بكسر مشاع، فيسلّم له المجموع، ويقول: (عُشره لك). ولو تمّ هذا المطلب يكون التلف على كِليهما والباقي لهما.

ـــــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إنما الكلام في أن البائع هل له هذا الاختيار أو لا؟ هنا لا بُدّ أن نرى أن الكلّي في المعيّن الذي حقيقته تقييد الطبيعة بقيد الوحدة، يكون هو مع الإشاعة اعتبارين متغايرين، فإن الإشاعة معتبرة في الخارج، فيقال: (نصف هذا الموجود الخارجي لك)(1).

وليس كما قال البعض(2): إنه نصف كلّي يمكن انطباقه على كلّ نصف، بل 

ـــــــــــــ[218]ــــــــــ

() أقول: لم يتحصّل هنا فرق بين الكلّي في المعيّن والكسر المشاع. فإن كِليهما -كما قال السيد- اعتبار في الخارج، حتى الكلّي في المعيّن اعتبره العقلاء في الخارج. فهذه الخصيصة غير فارقة بينهما. وأما خصوصية تحديد الكلّي في المعيّن بكمّية معيّنة غير مضافة -كما عبّر السيد-، وتحديد الكسر بأمر نسبي دائماً كالربع والنصف، فهي خصوصية غير فارقة أيضاً؛ لإمكان أن يكون الصاع المبيع مأخوذاً بنحو الكسر المشاع، كما اعترف به السيد، وتكون النتيجة أن المشتري يملك من المجموع بنسبة الصاع إلى المجموع. كما يمكن أن يكون الكسر الاعتباري النسبي مأخوذاً بنحو الكلّي في المعيّن، كما لو قال: (بعتك عشر العشر من هذه الصبرة)، فإنه ظاهر بذلك. نعم، لو قال: (بعتك عشر هذه الصبرة)، فإنه ظاهر بالكسر المشاع.

وأما خصوصية أخذ قيد الوحدة في الكلّي في المعيّن عن طريق التنوين، فهو أيضاً مما لا معنى لأخذه مميّزاً كافياً؛ إذ إن التنوين لا يدخل إلّا على المفرد، فلو قال: (بعتك صاعين من هذه الصبرة)، كان كلّياً في المعيّن، من دون أن يحتوي على التنوين. إذن فتمام الخصائص التي ذكرها السيد مميزات للكلّي في المعيّن عن المشاع غير تامّ. انتهى. (المقرِّر).

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 402، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نصف خارجي بنحو مشاع لي ومثله لك، وكلّ جزء فيه فهو بيننا. فهي اعتبارات متخالفة فيما بينهما. فإذا باع كلّياً في المعيّن فللبائع تعيين الكلّي الذي باعه، وأما أن له تصرّفاً آخر، وهو جعل المبيع مشاعاً، فهذا يحتاج إلى اتّفاق بينهما. وليس أنه إذا كان الصاع عشر الصبرة، فيكون كسراً مشاعاً، فإنهما اعتباران مختلفان، فإن العشر ليس مصداقه الصاع، بل مصداقه العُشر الموجود في الخارج.

فليس للبائع تعيينه بالكسر المشاع، لكن لو كان له ذلك، أو اتّفقا عليه آثار الشركة.

الصورة الثالثة: التي تحتمل من كلام الشيخ(1)، وبعضهم حمل عليه كلامه فقالوا: إن الشيخ يقول: إنه أعطاه الصبرة فيعود المطلب إلى كلّيين، يكون المشتري مالكاً لصاع كلّي والبائع لتسعة أصوع. وقالوا: إن لازم ذلك أنه إذا تلف يتلف على الاثنين.

إلا أن الكلام في صحّة هذا الاحتمال، فإننا نسأل: أنه ما الفرق في الصبرة بين ما قبل القبض وما بعده فإنه قبل القبض كان للمشتري الكلّي وللبائع الشخصي؟ فهل بعد القبض يصبح البائع مالكاً للكلّي مع العين، أو بدون العين، والعين لا مالك لها؟ وكِلاهما لا يمكن الالتزام به، وإنما للبائع الخارج لا غير، فلا يتمّ هذا الاحتمال.

ـــــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 260-261، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: (بيع صاعٍ من صبرةٍ).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الصورة الرابعة: التي يحتمل نظر الشيخ إليها: أن يقال: إن هذا الموجود الخارجي الذي يسلّمه إلى المشتري إنما يكون مصداقاً للمبيع بالكسر المشاع. فإن المصداق إن كان هو صاع معيّن فهذا ترجيح بلا مرجّح. وإن كان هو مجموع الصيعان، فهو ليس مصداقاً للصاع. وإنما يمكن مصداقيته إذا تحوّل إلى الكسر المشاع. وهذا التحويل وإن لم يكن ممكناً للبائع ابتداءً، إلّا أنه إذا انحصر الأمر في لزوم دفع المصداق، فيكون لازمه العقلي والعقلائي ذلك.

ولكن الإشكال في أن التحويل بهذا النحو، لماذا يكون لازماً وممكناً للبائع، مع أن الكسر المشاع ليس مصداقاً للصاع من الصبرة؟ 

ولا يمكن أن يقال: إن هذا من قبيل الشركة القهرية الحاصلة باختلاط المالين، فإنه لا يعقل في المقام؛ لأن المبيع كلّي وهو ما يملكه المشتري، والبائع يملك الشخص، فلا معنى لاختلاطهما، والشركة القهرية إنما تحصل بخلط المال الخارجي. إذن فهذه الصورة ليست من الصور المعقولة.

[الفرق بين الاستثناء والكلي في المعين] 

المسألة الأخرى: أنه ما الفرق بين الاستثناء والكلّي في المعيّن، حيث إنهم قالوا في الصاع من الصبرة: إنه كلّي في المعيّن، وفي الاستثناء إنه مشاع، مع أنهم لم يرتّبوا عليه كلّ آثار المشاع؟ 

المشهور(1) أن بيع الصاع من الصبرة كلّي في المعيّن، وللبائع التصرّف حتى 

ـــــــــــــ[220]ــــــــــ

(1) اُنظر: تحرير الأحكام (ط. ق) 1: 189، القاعدة الثانية في العقود، كتاب المتاجر، المقصد الثامن: في بيع الثمار، السابع عشر، وفي (ط. ج) 2: 397، والدروس الشرعيّة 3: 239، كتاب البيع، الدرس: 250، وجواهر الكلام 24: 85، كتاب التجارة، الفصل الثامن: في بيع الثمار، وكتاب المكاسب 4: 267، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، أقسام بيع الصبرة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يبقى واحد، وعليه الخسارة. وفي مسألة الثمار قالوا: إن له أن يستثني نخلة أو أرطالاً معيّنة أو كسراً مشاعاً معيّناً. والمشهور أنه لو وقع تلف فإنه يكون عليهما. ولذا وقع البحث أنه ما الفرق بين المسألتين مع أنهم في مكان رتّبوا أحكام الكلّي في المعيّن، وفي مكان آخر رتّبوا أحكام الإشاعة. وبالرغم من أنهم قالوا: إنه لهما، قالوا: إن للمشتري أن يتصرّف بهذا الشيء … فهذه مشكلة ثانية.

وبعبارة أخرى: إنه تارةً يقع السؤال عن الفرق بين الاستثناء وبين الكلّي في المعيّن، وأخرى يقع السؤال عما رتّبوه على الاستثناء من أحكام، بعضها من أحكام الإشاعة، وبعضها راجع إلى الكلّي في المعيّن.

[الصور المحتملة في الاستثناء]

وما يتصوّر من الاحتمالات ابتداءً للاستثناء عدّة صور:

الصورة الأولى: أنه لو قال: (بعتك ثمرة هذا البستان إلّا صاعاً)، ونفترض أن يكون المراد من كلٍّ من المستثنى والمستثنى منه الشيء الخارجي، ويكون المراد بالصاع المستثنى حينئذٍ الصاع المشاع؛ لعدم احتمال آخر في البين، أما الفرد المردّد فلاستحالته، وأما الصاع المعيّن فلأنه خلاف الفرض، وأما الكلّي في المعيّن فهو خُلف أيضاً؛ لعدم وجود الكلّي في الخارج، فيتعيّن أن يكون صاعاً 

ـــــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مشاعاً؛ لأن المشاع هو الموجود في الخارج.

ويترتّب على ذلك أن يكون الثمر الخارجي مشتركاً بينهما بالنسبة والخسارة عليهما، والقسمة أو تمييز الصاع المستثنى بالاتّفاق بينهما(1).

الصورة الثانية: أن يراد بكلٍّ من المستثنى والمستثنى منه الأمر الكلي(2).

لا يقال: إن لفظ الإشارة في قوله: (بعتك ثمرات هذا البستان) يجعله جزئياً خارجياً.

فإنه يقال: إن الإشارة لو دخلت على المبيع مباشرة كانت دالّة على ذلك لا محالة، كما لو قال: (بعتك هذه الثمرات). ولكن الإشارة جاءت متأخّرة فقال: (ثمرات هذا البستان)، فكما لم توجب الإشارة في قوله: (بعتك صاعاً من هذه الصبرة) كونه جزئياً، بل بقي كلّياً، كذلك في المقام.

لا يقال: إن قولنا: (ثمار هذه الشجرة) دالٌّ على الجزئي الخارجي، فكذلك في المقام بلا فرق.

فإنه يقال: نعم، لو كان قد قال: (بعتك ثمار هذا البستان) وسكت لكان 

ـــــــــــــ[222]ــــــــــ

() لا يكون لأحدهما التعيين إلّا إذا دلّ عليه دليل خاص ولا يجوز تصرف أحدهما إلّا بإذن الآخر. (المقرِّر).

(2) وليس معنى أنه استثنى الكلي أن يكون البائع مالكاً للكلّي، فإننا قلنا في بيع الصاع من الصبرة: إن المشتري مالك للكلي، والخارج للبائع، لا أنه مالك للخارج والكلّي معاً، فإنه خلاف تسالم العقلاء، وليس أنهما يملكان كلّيين والخارج لا مالك له. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

كذلك. لكنّه استثنى منه صاعاً. فمن مجموع الاستثناء وتأخّر لفظ الإشارة عن المبيع نفهم كون المراد من الثمار الكلّي.

ويترتّب على ذلك أن يبقى الخارج للبائع، وتكون الخسارة عليه، وله تعيين ما يدفعه إلى المشتري، وما يبقيه عنده. غاية الأمر أن سلطته على التصرّف بسائر ثمار البستان تتحدّد، فلا يجوز له إلّا أن يدفعها إلى المشتري.

الصورة الثالثة: أن يكون المراد بالمستثنى منه الكلّي، والمراد بالمستثنى الجزئي، ويكون الاستثناء منقطعاً لا محالة. ويكون المستثنى منه صاعاً مشاعاً لا محالة؛ لبطلان الاحتمالات الأخرى كما سبق.

وثمرته هي نتيجة ما إذا بعت كلّياً بدون استثناء؛ لأن الاستثناء لم يعمل شيئاً؛ لأنه منقطع، والخارج كلّه للبائع والخسارة عليه. نعم، تصرّفاته تكون ناقصة والاستثناء بالإرادة الجدية ليس استثناء من البيع، بل من حدود التصرّف بحيث لا يكون له أن يتصرّف في المبيع.

الصورة الرابعة: أن يكون المراد بالمستثنى منه الجزئي، ومن المستثنى الكلّي، ويكون الاستثناء منقطعاً أيضاً، ونتيجة ذلك أن تنتقل الثمار إلى المشتري، وتكون ملكاً له، وتكون الخسارة عليه، ويكون عليه أن يعيّن صاعاً يجعله للبائع.

هذا بحسب الصور المتصوّرة بدواً، وأما لو قال: (بعتك هذه الصبرة إلّا صاعاً)، فيكون المستثنى منه متعيّناً في كونه جزئياً؛ لدخول لفظ الإشارة على المبيع. نعم، يكون المستثنى مردّداً بين كونه مشاعاً أو كلّياً في المعيّن، ولعلّ الثاني أظهر، فكما لو قال: (بعتك مقداراً من هذا البستان) لكان كلّياً، كذلك في 

ـــــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الاستثناء نفهم أن المبيع ليس هو كلّ الثمرة، فلا يتعيّن أن يكون جزئياً، بل يكون كلّياً بدون أن يرتكب خلاف الظاهر أصلاً.

[الفرق بين الاستثناء والإشاعة] 

لماذا قال الفقهاء بالفرق بين الإشاعة والاستثناء، مع أن بيع صاع من صبرة واستثناء صاع من صبرة، كِلاهما ظاهر في الكلّي في المعيّن، مع أنهم قالوا في الاستثناء: إنه يتلف منهما. وفي الصاع من الصبرة رتّبوا آثار الكلّي في المعيّن من أن منه التلف وعليه التعيين، ويظهر من بعضهم في الاستثناء التفصيل بين ما إذا كان التلف سماوياً فيكون بينهما أو غيره فيجب الدفع من الموجود.

يقع الكلام في مقامين:

الأول: أنه هل الاستثناء ظاهر بالإشاعة أو لا؟

الثاني: أنه كيف رتّبوا عليه بعض أحكام الإشاعة وبعض أحكام الكلّي في المعيّن؟

أما قضيّة الاستظهار من الكلام، فمن الممكن أن تكون الجمل التي يستعملها البائع والمشتري مختلفة، فمرّة يقول: (بعت صيعان هذه الصبرة إلّا واحداً منها). أو (بعت ثمرة هذا البستان إلّا عشرة أصوع منه)، فيكون الموضوع قبل الإشارة. فمن الممكن أن يدّعي أنه بحسب ظواهر المفردات والجمل يكون المستثنى والمستثنى منه كلّياً. 

نعم، بدون الاستثناء لو قال: (بعت ثمرات هذا البستان) وسكت، نعرف أن المراد تمام الثمرة وهي جزئية، وأما مع وجود الاستثناء فالثمرة دالٌّ على 

ـــــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نفس الطبيعة، ولا موجب لرفع اليد عن ظهوره هذا. والإشارة إشارة إلى البستان، والاستثناء ظاهر بالاتّصال، والصاع ظاهر بالكلّية. فلا يكون في ذلك أيّ مخالفة للظاهر، وتكون النتيجة أنه أراد بيع تسعة صيعان من الصبرة.

نعم، قد يدّعى الانصراف إلى الثمرات الموجودة في الخارج، فيدور الأمر بين أن نقدّم الانصراف على ظهور الاستثناء في الاتصال وظهور الصاع في الكّلي، فنحمل الصاع على الصاع الخارجي، ومع استحالة الفرد المردّد يتعيّن أن يكون صاعاً مشاعاً.

يوجد اشتباه في بعض الكلمات، فإننا إذا قلنا (هذا إنسان)، فالإنسان استُعمل في معناه ونفهم بتعدّد الدالّ والمدلول أن الإرادة الجدّية من الإنسان هو الفرد، لا أنه استُعمل الكلّي في الفرد. نفس هذا الكلام قالوه في الاستثناء إذا قال: (بعت ثمرة هذا البستان إلّا صاعاً)، فإنه استُعمل الصاع في نفس معناه، ولكن بتعدّد الدالّ والمدلول نفهم أن المراد هو الموجود الخارجي. ومعه نحمل الاستثناء على الاتّصال والصاع على الجزئي.

نقول: لو كانت النسبة في الصاع هي نسبة الكلّي إلى مصداقه كزيد والإنسان، لكان هذا صحيحاً، لكن الإشاعة فيها مطلب زائد على كونه مصداقاً، فإن الصاع المشاع ليس مصداقاً للفظ الصاع، وإنما فيه مؤونة الشياع في التمام، وأنه مشترك بينهما. فإذا حملنا الصاع على المشاع نكون قد حملنا اللفظ على خلاف الظاهر. نعم، لو كان الفرد المنتشر ممكناً لكان مصداقاً للطبيعة، لكنّه غير ممكن.

ـــــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ففي مثال قوله: (بعتك صيعان هذه الصبرة إلّا صاعاً).. يدور الأمر بين رفع اليد عن الانصراف لو تمّ إلى الموجود الخارجي، وبين أن نحمل الصاع على الصاع الخارجي المشاع -بعد استحالة وجود المردّد، والمجهول باطل-. وهذا يحتاج إلى مؤونة. وأنّى لنا الترجيح بحيث يكون الانصراف قرينة على حمل الصاع على المشاع؟!

ولو قال: (بعتك هذه الثمرات إلّا صاعاً) أو (هذه الصبرة إلّا صاعاً منها)، يكون إشارة إلى الموجود الخارجي، فيدور الأمر بين ارتكاب أحد خلافَي الظاهر، فإنه لو كان الصاع الخارجي من قبيل الكلّي ومصداقه، لم يكن فيه ارتكاب خلاف الظاهر، إلّا أن الأمر ليس كذلك، وحمله على ما عدا ما استثنى خلاف الظاهر. والاستثناء المتّصل من حيث كونه ظاهراً باستثناء المصداق، لا يكون مصداقاً إلّا المشاع، لا الصاع الخارجي، فأيٌّ منهما المقدّم.

أو نحمل الاستثناء على الانقطاع، ونقول: إن هذا ليس كسائر موارد الاستثناء المنقطع. فإنه لو قال: (بعتك هذه الصبرة إلّا صاعاً منها)، فهو كلّي في المعيّن، وهو موجود في الخارج بحسب الاعتبار، كما أن الكلّي قد يعتبر في الذمّة، وما هو منافٍ مع الوجود الخارجي هو الوجود الحقيقي الكلّي لا الوجود الاعتباري، وحينئذٍ لا يكون الاستثناء منقطعاً أصلاً. فلو قال: (بعتك هذا القطيع إلّا واحداً منه)، فهذا الواحد ليس مبهماً ولا مردّداً، ولا يمكن أن يكون مشاعاً، أي: مقدار الواحد مشاع في الجميع، وإنما هو كلّي في المعيّن، واستثناء الكلّي في المعيّن لا يكون منقطعاً عرفاً؛ لكون ظرفه الاعتباري هو الخارج ولو كان منقطعاً عقلاً. 

ـــــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والنتيجة أنه يريد أن يحفظ لنفسه أحد المصاديق الخارجية، ويقطع يد صاحبه عن إتلاف الجميع، وحينئذٍ لا يكون الأمر دائراً بين الاحتمالين السابقين، بل نقول: إن المستثنى منه ظاهر بالجزئي، والمستثنى ظاهر بالكلّي في المعيّن .

يبقى أن هذا ماذا يريد أن يقول: هل يريد أن ينقل الجميع ويأخذ لنفسه واحد؟ كلّا. أو هل يريد بالاستثناء جعلهما كليين؟ هذا خلاف الظاهر. نعم، هو لا يريد أن يحفظ لنفسه الملكية، بل تنتقل الملكية إلى المشتري، ولكن تنقطع يده وجواز تصرّفه عن مقدار المستثنى، وهذا هو شأن الكلّي في المعيّن أساساً كما سبق.

وكذلك لو باع هذه الثمرات إلّا صاعاً، فإنه ينتقل إلى المشتري، لكن يكون قاصر التصرّف عن الصاع المستثنى، وإنما تختلف الصور والجمل لو اقتصرنا في الفهم على المداليل اللغوية للألفاظ، وأما لو أخذنا الفهم العرفي فيكون المستثنى منه جزئياً، والمستثنى كلّياً، والاستثناء متصلاً.

فلا بُدّ أن نرى ماذا يعمل العقلاء في سوقهم؟ لا أن نرجع إلى القواعد أوّلاً، ثُمّ نحملها على العقلاء، بل نأخذ برأي العقلاء، فإن كان موافقاً مع القواعد اللغوية والعقلية، وإلّا حملناها عليه ووجّهناها باعتباره، ويكون اللازم الأخذ بها دون ما توصل إليه القواعد.

فالعقلاء حين يبيعون ثمار بستان، واستثنوا منه شيئاً. فهل يريدون بيع كلّي -من قبيل صاع من صبرة-، وهو عبارة عن عنوان: (زرع هذه المزرعة إلّا واحداً). بحيث يكون كلّياً، ولا ربط له بالخارج أصلاً؟ أو حين يبيع القطيع إلّا واحداً، هل يريد الفرد المشاع بينهما؟ أو -في الواقع- لا هذا ولا ذاك، بل يريد 

ـــــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بيع الزرع والقطيع الموجود إلّا واحداً؟ لا شكّ أن هذا البيع عند العقلاء، ليس كلّياً وليس كسراً مشاعاً بحيث يكون منتجاً للشركة، سواء في بيع الثمرات أو بيع القطيع، ولا يخطر بذهن العرفي ذلك، إلّا إذا انحرف عن عرفيته.

فكما لا مانع عرفي من أن يبيع صاعاً من صبرة، كذلك لا مانع من أن يبيع الصبرة ويستثني صاعاً منها، فيكون حال المشتري في الثاني حال البائع في الأوّل، حيث يصبح مالكاً للمجموع، ويكون له الخيار في دفع أيّ صاع يختاره، وتكون يده منقطعة عن التصرّف في جميع الصيعان تصرّفاً نقلياً أو إتلافياً.

[توجيه فتاوى المشهور في المقام]

إلا أن الآغايون(1) حاولوا أن يعملوا وجهاً للمطلب المنسوب إلى المشهور، فلم يستطيعوا ذلك في الحقيقة، ولا يمكن تتميم كلّ ما قيل، وليس في المقام شهرة أو إجماع، بل هي من المسائل الفرعية الاجتهادية.

والفتاوى التي حاولوا تتميمها هي: أن التلف يكون منهما، ولازمه الإشاعة. ولكن المشتري مستقلّ بالتصرّف(2). وبعضٌ قال(3): إذا تلف بفعله فلا بُدّ من أن يدفع من البقية، وإذا كان التلف سماوياً فبينهما.

ـــــــــــــ[228]ــــــــــ

(1) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 239، كتاب البيع، الدرس: 250.

(2) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 87-88، كتاب البيع، المقصد الأوّل: في أركانه، الفصل الرابع: العوضان، الشرط الخامس: العلم بالعوضين، المسألة: 47، وجواهر الكلام 24: 85، كتاب التجارة، الفصل الثامن: في بيع الثمار.

(3) راجع جواهر الكلام 24: 87، كتاب التجارة، الفصل الثامن: في بيع الثمار.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [تفسير الشيخ لكلمات المشهور والمناقشة فيه] 

وقد تصدّى الشيخ(1) لتتميم المطلب فقال: إن الإشاعة فيما لا يسلّم للمشتري، وإن الاشتراك في التالف لا في الموجود. 

فإن كان فتوى المشهور هو أن التالف بينهما، فيمكن أن نقول إنه على القاعدة، فإن التالف حينما يكون مشتركاً بينهما فإنه بينهما لا محالة. وأما الموجود فيستقلّ به المشتري ملكاً وتصرّفاً. وأما الفتوى الثالثة فلا بُدّ للشيخ من أن يقيّد التلف بما إذا لم يكن بتفريط منه.

نقول: هل يمكن الجمع بين هذين الأمرين في كلام واحد:

أحدهما: كلّي في المعيّن فيما بقي، والآخر: المشاع فيما تلف؟ فإن هذه مطالب إنشائية، فهل يمكن إنشاء ذلك بقولنا: (إلّا صاعاً منها)، بحيث يكون الصاع كلّياً في المعيّن فيما بقي، ومشاعاً في ما تلف؟ لا يمكن ظاهراً، ولو فرض إمكانه فالظاهر أنه على خلاف الظاهر، وليس هو المتبادر على أيّ حال.

ثُمّ إنه ما المقصود من أن التالف مشاع؟ هل بعد التلف تحدث الإشاعة، مع أنه بعد التلف ليس فيه اعتبار الملك، فكيف يكون ملكاً مشتركاً؟ مضافاً إلى أنه في زمان التلف كان المال لواحد، وبعد التلف كان مشتركاً.. فالضمان حال التلف لذلك المالك الواحد، وأما بعده فلم يحدث تلف جديد. أو مراده: قبل التلف يصبح آناً ما مشتركاً ثُمّ يتلف، فهذا ما هو دليله؟

ـــــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 265-266، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أو مقصوده أن ما يتلف في علم الله هو مشترك؟ وعلى أيّ حال فالشيخ لا يجزم بذلك، بل يقول لعلّ هذا هو الوجه.

أو يقال: إن المشهور قائل أنه يصبح مشاعاً من حين البيع، ويكون التلف عليهما. ويوجّهه الشيخ ويقول: إن هذا البائع قد باع كلّياً واستثنى لنفسه كلّياً، فعندنا كلّيان، فإن تلف فلا ترجيح من أن يخرج من كيس هذا أو من كيس ذاك، فيقع التلف عليهما. وفي عبارته: أنهما كلّيان وفي الخارج تحصل الشركة(1).

فنسأل: أن كلّ واحد منهما هل يملك الكلّي والجزئي معاً، بحيث يكون له ملكان؟ لا شكّ أنه ليس كذلك عقلائياً، بل ليس له إلّا ملك واحد. أو المراد أن الخارج لا مالك له؟ هذا خلاف الواقع وسيرة العقلاء.

ثُمّ إنه لم يحصل حلّ الإشكال، فإن غاية ما يثبت: إن التلف عليهما. وأما الاستقلال فلماذا؟ فإنه إذا كان الخارج مشتركاً لم يجز الاستقلال بالتصرّف. وإذا كانا كلّيين فكما لا ترجيح للتلف من أحدهما، فكذلك لا ترجيح للتصرّف من أحدهما.

أو نقول ما قاله بعض: من أن الاستثناء إن كان كلّياً فالاستقلال بالتصرّف على القاعدة، ويكون التلف عليهما ببناء المتعاملين، وإن كان الاستثناء جزئياً، فالاشتراك على القاعدة، ويكون الاستقلال ببناء العقلاء(2)، وهذا أننا أسّسنا 

ـــــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 266، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ. قال الشيخ: فكلّ منهما مالك لعنوانٍ كلّيٍّ فالموجود مشترك بينهما.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 404-405، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وجهاً ولم ننظر إلى السوق.

إذن فالفتاوى لا تنسجم، وهي أمور اجتهادية لا إجماع عليها ولا شهرة تعبّدية، وقد قالوا: إننا لا قطع لنا بالإجماع، بل المطلب على القواعد(1). إذن فنحن لسنا ملزمين بإيجاد الوجه، بل يكون المطلب على القواعد، وهو شمول أحكام الكلّي في المعيّن له، ولا دليل على أن التلف بينهما.

[كلام الميرزا النائيني في المقام]

لأجل تتميم الفائدة، ولأجل أن يُعلم كلام بعض الأعاظم، نقول:إنه قال بعضهم(2) في مقام حلّ الإشكال الناشئ من اختلاف الفتاوى في المقام. قال: إن الفرق بين الكلّي في المعيّن والاستثناء ليس هو أن أحدهما جزئي والآخر كّلي. بل كِلاهما كلّي: (صاع من صبرة) أو (الصبرة إلّا صاعاً). وتعبيره أنه (لا وجه للإشاعة). 

لكن لو باع كلّياً في المعيّن فما يقع عليه الإنشاء والتملك هو الكلّي المجرّد عن جميع الخصوصيات، فإذا تلف منه شيء وبقي منه شيء لا بُدّ أن يعطي للطرف مما بقي، ويكون مستقلّاً بالتصرّف؛ لأن الموجود ملكه. غاية الأمر أن ملكه اعتبر في طول ملك الآخر.

ـــــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 403، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

(2) اُنظر: منية الطالب 1: 404-405، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما في باب الاستثناء، فإنه وإن كان كلّياً إلّا أنه استثناء مع الخصوصية، وكان قد عبّر قبل ذلك بـ: خصوصية من الخصوصيات الخارجية. إلّا أنه قال: إن الخصوصية الخارجية لا تكون سبباً لأن يصبح الكلّي جزئياً، نظير الفرد المنتشر، فإنه لا يخرج عن كلّيته لكن خصوصيته الفردية له. ولازمه أنه حيث اعتبرت الخصوصية فلا بُدّ أن لا يكون التلف من كيس المشتري، بل لا بُدّ أن يقع من الاثنين معاً. وحيث إنه كلّي فيكون مستقلّاً بالتصرّف.

فإن قيل: إن مال البائع ومال المشتري مخلوطان، ولازمه الإشاعة. 

يقال: إن بناء المتعاملين على أن المشتري مستقلّ بالتصرّف الإتلافي والبيعي، ومال البائع يصبح قهراً شايعاً في ما عدا ما تصرّف فيه، وهذا البناء بمنزلة الشرط الضمني. وبذلك تنسجم كلّ الفتاوى.

نقول: أما ما يقوله من أن الكلّي في المعيّن كلّي مجرّد عن الخصوصية، وفي باب الاستثناء أُخذت الخصوصية ومقصوده الخصوصية الخارجية، أوّلاً نسأل: أنه لماذا كان باب الاستثناء كذلك؟ هل لأنه ظاهر بالاتّصال وهو استثناء من مستثنى منه خارجي، إذن فلا بُدّ أن يكون المستثنى متخصّصاً بخصوصية خارجية؟ هل هذا هو المدرك؟ فهذا ينافي الكلية أساساً. وإذا لم يتمّ ذلك فلا يكون وجهاً في كون المستثنى كلّياً مع الخصوصية. وبعضٌ جعل الاتصال قرينة على أن المستثنى هو فرد خارجي فينحصر أن يكون مشاعاً(1). وهذا ما لا تقول به؟!

ـــــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإصفهاني) 3: 343، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس: الفرق بين المسألة ومسألة الاستثناء.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

على أنه كيف أن الكلّي مع الخصوصية يبقى على كلّيته؟ فإنه إذا كان الكلّي في باب المستثنى مضافاً إلى خاصّ، فالكلّي في المعيّن أيضاً مضافٌ إلى الخاصّ، وليس كالكلّي في الذمّة، وأما لو كان الكلّي مقيّداً بالخصوصية الخارجية فكيف يبقى كلّياً صادقاً على كثيرين؟ وكيف أن الخصوصية الموجودة في الخارج المساوق وجودها للتشخّص، تقترن مع الكلي، ويبقى الكلّي على طبيعته؟ كلّا. فيدور الأمر بين أن يكون قد استثنى صاعاً معيّناً في الخارج، أو صاعاً مشاعاً، وكِلاهما غير ممكن، أما الإشاعة فقد صرّحت بعدمه. وأما الصاع المعيّن، فهو خُلف كون الصاع المستثنى كلّياً.

وأما لو كانت الخصوصية عنوانية كلّية، فلا بُدّ أن تكون الخصوصية شاملة للجميع، وغير خاصّة بالبعض دون البعض. ولا فرق بين الكلّي بلا خصوصية أو الكلّي مع الخصوصية، فكما أن الصاع من الصبرة لاحقّ في أن يعيّن الطرف صاعاً معيّناً، وأنه إذا تلف أحدهما ذهب من المشتري، كذلك باب الاستثناء، فلا يتمّ هذا الكلام.

وأما أن المسألة هي مسألة البناء النوعي للمتعاملين، فهذا عهدته على مدّعيه(1)، كأنّه بناء على أنك تصرف في مالي، فبالرغم من أنه مشاع، لك أن تتصرّف فيه.

فما قلناه يبقى صحيحاً ومطابقاً لسوق العقلاء.

ـــــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) اُنظر: منية الطالب 1: 405، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لو باع صاعاً من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [أنحاء بيع الصبرة] 

الشيخ يقول(1): إن بيع الصبرة على عشرة أنحاء، خمسة منها فيما إذا كانت الصبرة معلومة، وخمسة إذا كانت مجهولة، وكأن المقصود هو تقسيم الأعمّ من الصحيح والفاسد، فإن خمسة منها صحيح فقط، وحينئذٍ فيمكن أن تبلغ الأقسام إلى ثلاثين:

منها: أن يبيع الفرد المنتشر.

ومنها: أن يبيع التمام إلّا واحد.

ومنها: أن يبيع التمام إلّا شيئاً منها.

ومنها: أن يبيع شيئاً منها.

ومنها: أن يبيع كسراً ما منها.

ومنها: أن يبيع الجميع إلّا كسراً ما منها.

ومنها: أن يبيع صرف وجود الكيل.

ومنها: أن يبيع الجميع إلّا صرف وجود الكيل. 

إلى غير ذلك من الأقسام.

والكلام الذي وقع في المقام هو أننا إذا لم نعلم أن الصبرة مشتملة على المقدار الذي باعه، فهل يقع هذا البيع صحيحاً، وله خيار تخلّف الصفقة إذا عرف كونه ناقصاً؟ أو  يقع باطلاً؛ لكون البيع فرداً مجهولاً؟

ـــــــــــــ[234]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 267، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

كأنّ المعاملات تختلف -كما قال الشهيد(1)– فمرّة يبيع هذا الموجود بكذا بدون ذكر الصاع، وأخرى يبيع جميع صيعانها أو مجموعها بكذا، وثالثة يبيع كلّ صاع منها بكذا. فإذا باع المجموع لا يلزم أن يعلم ما يقع من الثمن في مقابل كلّ صاع. بخلاف ما لو وقعت المعاملة على كلّ صاع، فإنه لا بُدّ أن يعلم ما يقع من الثمن في مقابل كلّ صاع، وأما ما يقع في مقابل المجموع فليس لا بُدّ من الالتفات إليه. 

والمعاملة في الصورة الأولى معاملة واحدة في نظر العرف، فالصفقة كانت صحيحة، ثُمّ علمنا أنها أقلّ، فهذا محلّ خيار تبعّض الصفقة. وأما إذا باع كلّ صاع بكذا فالمعاملة منحلّة في نظر العقلاء، ولا نظر إلى المجموع أصلاً، فإذا علمنا بوجود سبعة أصوع، وقال: (بعتك هذه العشرة أصوع كلّ صاع بكذا)، فإن ظهر أن ثلاثة منها ناقصة، فالمعاملة باطلة في ثلاثة؛ لأنها بلا مثمَن، وتصحّ في الباقي، ولا وجه للقول بثبوت خيار تبعّض الصفقة.

[التحقيق في المقام] 

مرّة يبيع من هذه الصبرة كلّي في المعيّن، وهو لا يعلم أنها بالمقدار الذي ذكره، بحيث يحتمل أنها أقلّ من المبيع، ولعلّ هذا هو مورد بحث الشيخ والآخرين. وأخرى يبيع الشيء الخارجي، فيقول: (بعتك هذه العشرة أصوع) وهو لا يعلم أنها عشرة أو أقلّ، ونحن نبحث في كِلا الموردين.

ـــــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) أُنظر: الروضة البهيّة 3: 268، كتاب المتاجر، الفصل الثاني، المسألة السابعة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [بيع الشيءالخارجي]

أما إذا باع هذا الموجود الخارجي، فهذا البيع يتصوّر على عدّة أقسام، لا بُدّ أن نرى ما هو منها غرري، ونفرض أن الغرر بمعنى الجهالة لا بمعنى الخطر المعاملي، أو نثبت اشتراط عدم الجهالة بدليل اشتراط العلم بالثمن والمثمَن ولو لم يكن اسمه الغرر.

فحين أبيع كلّ الصبرة، يمكن أن تكون هذه المعاملة على ثلاثة أنحاء، فإنني إذا علمت أن الصبرة مشتملة على عشرة أصوع: 

فمرّة أقول: (بعتك هذه الصبرة بكذا)، فلا يكون الصاع مورداً للإنشاء. 

وأخرى أقول: (بعتك جميع هذه الصيعان) ومقصودي المعاملة على الجميع أو المجموع. 

وثالثة أقول: (بعتك كلّ صاع بكذا).

ففي الصورة الأولى: المعاملة واقعة بين الدينار وهذه الصبرة، وليس لا بُدّ أن أعرف ما ينال الصاع من الثمن؛ لأن ما هو محطّ المعاملة غير مجهول، وما هو مجهول ليس هو محطّ المعاملة.

وفي الصورة الثانية: محطّ المعاملة هو الجميع أو المجموع، وما يعود إليه من الثمن معلوم، وما هو مجهول وهو ما يعود إلى كلّ صاع من الثمن مطلب آخر. 

وفي الصورة الثالثة: ليس لا بُدّ أن يعرف ما يعود من الثمن إلى الجميع أو المجموع، وإذا لم يعرف ذلك تكون المعاملة باطلة، فإن ما أعرفه ليس هو محطّ المعاملة، وما هو محطّها لا أعرفه؛ لأننا نتحدّث عن محذور الجهالة، لا عن الخطر المعاملي.

ـــــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فمثلاً لو كان المعدود يجب العلم بعدده، فلو باع عدّة أكيال من الجوز كلّ واحد 1000 جوزة، لكن لا يعلم كم الجوز في مجموع الأكيال، لم يكن ذلك مضرّاً، فإن المعاملة ليست على الجميع، ولا المجموع، ولا الكلّ بلا حساب العدد، بل هي معاملة واقعة على كلّ كيل على حدة فتصحّ.

فلو كانت المعاملة على الجميع أو المجموع، وكانت ناقصة في الواقع، فهو مورد خيار تبعّض الصفقة. ولكن إذا كان المبيع: كلّ صاع، فهي عدّة معاملات، بعضها صحيح وبعضها فاسد. وحيث قلنا بصحّته لا بُدّ أن لا نقول بثبوت الخيار.

وفي الصاع من الصبرة، تأتي نفس الصور الثلاثة، مرّة: بيع هذا الموجود، وثانية: بيع الجميع أو المجموع، وثالثة: (كلّ صاع كذا). ففي الصورة الثالثة تصحّ المعاملة ولو لم أعلم المجموع؛ لأن مورد المعاملة هو الصيعان لا المجموع، وليس فيه خيار تبعّض الصفقة، بل هو عدّة معاملات، بعضها صحيح وبعضها فاسد.

هذا إذا كان مقدار الصبرة معلوماً، وأما إذا كان مقداراً منها مجهولاً، فمرّة أبيع الموجود الخارجي، وأعلم أنه مشتمل على سبعة أصوع، وأشكّ باشتماله على ثلاثة أخرى. فإذا بعت هذه الصبرة أو جميع الأصوع أو مجموعها، فالمبيع مجهول، فيكون باطلاً، وعلى مسلك الجهالة لا يكون الخيار موجوداً؛ لأن الخيار لا يوجد العلم، وإنما هو يرفع الخطر المعاملي، فلو أخذ الجهل ميزاناً فإنه لا 

ـــــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يرتفع بالخيار. لا كما يقول الشيخ(1) من أنه ليس غرراً عرفاً، فإن الغرر بمعنى الجهالة موجود دائماً، وإنما أخذه الشيخ هنا بمعنى الخطر، وفي مورد آخر يأخذه بمعنى الجهالة.

وأما إذا وقعت المعاملة على الأفراد: (كلّ صاع بكذا). وأنا أعلم أن الصبرة مشتملة على سبعة أصوع، وأشكّ باشتمالها على ثلاثة أخرى، فالمعاملة تكون واقعة على كلّ واحد واحد، ولا يكون العلم بالمجموع لازماً. فلا بُدّ من القول بصحّة المعاملة في السبعة، وبطلانها في الثلاثة؛ لأنها غير واقعية على الفرض.

وفي هذا الفرض لو أخذنا الغرر بمعنى الخطر المعاملي، فيمكن أن يقال: إنه في موارد ثبوت الخيار لا يكون الخطر موجوداً ولا دور. فإن ارتفاع الخطر بالخيار إنما هو بإحرازي للخيار، لا للخيار الواقعي. فإني إذا علمت بثبوت الخيار علمت بأني مأمون من الغرر، والخيار الواقعي لا دخل له في المطلب، فلو كان الخيار واقعاً ثابتاً، ولا أعلم به، تبطل المعاملة؛ لأني أقدمت على ما لا يؤمن معه من الضرر، فالطريق المخوفة مثلاً ميزان إتمام الصلاة فيها هو الخوف لا الضرر الواقعي.

ولا ينبغي أن نحسب حساب الخيار الواقعي ونضمّه إلى البيع، ونقول: إن أحدهما يتوقّف على الآخر؛ ليحصل الدور، مضافاً إلى أنه ليس دوراً باطلاً، بل 

ـــــــــــــ[238]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 268-269، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هو دورٌ معيّ، فإن الصحّة والخيار يُوجَدان معاً، لا أن أحدهما يوجد الآخر. على أن تمام الموضوع هو إحرازي للخيار لا الخيار الواقعي.

ثم إنه إذا باع الموجود الخارجي بعد إحراز مقداره، فهل نقول بأن الثمن يتوزّع على الأجزاء، كما قالوا في صورة أخرى أو لا؟ فمثلاً لو أحرزت أن هذا الفرس عربي، فبيعه يكون على عدّة صور:

فمرّة: أبيع الموجود الخارجي بدون البناء المعاملي على صفته.

وثانية: أبيعه مع هذا البناء.

وثالثة: أبيعه مع الشرط كونه فرساً عربياً.

ففي الصورة الأولى: مقتضى القاعدة أن المعاملة صحيحة ولازمة.

وفي الصورة الثانية: يثبت الخيار، لكن لا ينحلّ الثمن على أجزاء المبيع لمجرّد أن المعاملة بنيت على وجود الوصف، أو على أن المبيع هو كذا صاع، ولم يشترط ذلك في المعاملة، وإنما تكون تجزئة الثمن فيما إذا كان نظر العقلاء مساعداً على أن كلّ مقدار من الثمن قد وقع في مقابل مقدار من المثمَن، بحيث تكون المعاملة قد وقعت عليه، لا بنحو حاصل النتيجة، فلو اشترى هذا الموجود المتكوّن من عشرة أصوع، يصدق أنه اشترى صاعاً أو صاعين، كما يصدق أنه اشترى نصف الفرس وربعها، إلّا أن هذا الصدق بمعنى كلفة أجزاء المبيع، لا وقوع المعاملة عليهما.

نعم، القسم الثالث: وهو ما إذا باع كلّ صاع منها بدرهم، تكون المعاملة منحلّة عرفاً، والمبيع متعدّد؛ فتصحّ المعاملة في السبعة الموجودة. وأما في الثلاثة 

ـــــــــــــ[239]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الأخرى، فغايته أني كنت أتخيّل صحّتها ولكنها غير صحيحة؛ لأنها ثمن بلا مثمَن فلا تصدق المعاملة عرفاً.

[البيع بنحو الكلي في المعين]

وأما لو باع كلّياً في المعيّن، كما لو باع خمسة أصوع من هذه الصبرة، ونتكلّم أوّلاً فيما إذا كان محرزاً اشتمالها على عشرة أصوع، ثُمّ ظهر كونها ثلاثة أصوع مثلاً، فالمعاملة هنا باطلة، لا أنها تصحّ في البعض وتبطل في البعض؛ لأن الخمس عنوان وحداني وليس فيه تجزئة، وهو ليس له مصداق خارجي، وهذه الثلاثة أصوع الموجودة ليست مصداقاً للخمس، وعنوان الثلاثة وإن كان له مصداق، إلّا أن المعاملة لم تقع عليه. فما وقع عليه البيع ليس له مصداق، وما له مصداق لم يقع عليه البيع.

نعم، يمكن أن يقال: إنه لا بُدّ من غضّ النظر عن ذلك، وإن المعاملة تصحّ عرفاً ويكون لك خيار تبعّض الصفقة. ولكن أنّى لنا بإثبات ذلك؟! وما يقال بأني اشتريت هذا الصاع، فهو من قبيل اشتريت نصف الدار، معناه: كلّفني كذا.

[إذا شككنا بمقدار المبيع] 

يقول الشيخ(1): إننا إذا شككنا أن الخارج مشتمل على المقدار المبيع أو لا، فمرّة تقوم البيّنة على اشتماله وأخرى خبر الواحد، وثالثة الاستصحاب. وفي 

ـــــــــــــ[240]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 269، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

كلّ الأقسام توجد مناقشة: فإننا تارةً نأخذ الجهالة بحقيقتها في مقابل العلم سبباً للبطلان. 

وأخرى نوسّع معنى العلم إلى البناء على أيّ طريق عقلائي، ونقول: إنه لا يكون بناءً على الجهالة، ولا يراد بدليل الغرر أكثر من ذلك.

فإن أخذنا الجهل بحقيقته، فارتفاعه بالبيّنة أو خبر الواحد أو الاستصحاب، موقوف على أن يستفاد من أدلّتها إقامتها مقام العلم. 

أما خبر الواحد فليس هناك دليل تأسيسي على حجّيته، إلّا سيرة العقلاء، وبناؤهم على ذلك ليس على تنزيله منزلة العلم، بل العمل به على واقعه وظنّيته. 

وأما روايات البيّنة الواردة في باب القضاء، فلا يمكن استفادة قيامها مقام العلم، فقط تدلّ على إمكان العمل بها في باب القضاء. وأما رواية مسعدة: التي يقول فيها: “والأشياء كلّها على هذا حتى يستبيّن لك غير ذلك أو تقوم به البينة(1)، فإنه وإن كان يحتمل أنه حسبها حساب العلم، إلّا أن الظاهر أنه جعلها في مقابل العلم، وخاصّة بعد العطف بـ(أو)، والعلم الذي أخذه في صدر الرواية ليس هو العلم الوجداني، بل هو مجرّد عدم وجود الحجّة.

وأما الاستصحاب، فلا يبعد أنه في موارد اليقين الطريقي  يقوم مقام 

ـــــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40، تهذيب الأحكام 7: 226، كتاب التجارات، 21، الحديث 9، ووسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يُكتسب به، الباب 4، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

اليقين. فلو استفدنا من دليله إلغاء الشكّ وإقامة اليقين مقامه، فيكون الاستصحاب من الأمارات، أو نقول:إنه في موارد الشكّ ابنِ على أن لك يقيناً متحقّقاً، و(لا تنقض اليقين بالشكّ)، وأنه شامل لليقين الطريقي والموضوعي. وفي مقابله أن يقال: إن الدليل قاصر عن الشمول لليقين الموضوعي، فيكون باب الاستصحاب لو تمّ كالبيّنة وخبر الواحد. فإن استصحاب الشمول لا يحصّل القطع، ولا يكون ذلك حتى بناءً على الأصل المثبت. نعم، لو كان الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي، فيكون مقدماً على أدلّة الغرر، فإنه يأمر بترتيب آثار العلم، كما هو مقتضى جواز الشهادة طبقاً للاستصحاب بناءً على الروايات المعتبرة، بل الصحيحة(1).

وأما إذا كان الغرر بمعنى الخطر، أو ما لا يؤمن معه الضرر، ففي العمل بالطرق العقلائية كالبيّنة وخبر الواحد، فإنها تكون رافعاً للغرر والخطر، وأما الاستصحاب فلا يمكن، إلّا إذا بنينا على أنه أصل عقلائي كما قال القدماء(2)، وهو لم يثبت، فإن العقلاء لا يعملون بالاستصحاب أبداً.

وبعبارة أخرى: تارة يكون دليلنا على بطلان المعاملة للجهالة قاعدة الغرر، بعد تفسيره بالجهالة، وأخرى القواعد الأخرى كعدم صدق المعاملة في صورة 

ـــــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في الباب السابع عشر من كتاب الشهادات في وسائل الشيعة 27: 336، وغيرها.

(2) اُنظر: تهذيب الأُصول (ط. ق) 2: 114، المقصد السادس، في قيام الأُصول مقام القطع. وفي (ط. ج) 2: 336.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

عدم وجود المبيع، وإذا كان دليلنا هو (الغرر) فتارة يكون بمعنى الجهالة، وأخرى بمعنى ما لا يؤمن به من الضرر.

فإذا علمت أن الصبرة مشتملة على عشرة أصوع، وفي الواقع لم تكن مشتملة، فهل المعاملة تكون صحيحة في الواقع، أو تقع صحيحة في الظاهر؛ لأنه ليس غرراً؟ بل حتى في مورد جهلي بمقدار الصبرة ليس غرراً بمعنى الجهالة، فإني إذا بعت عشرة أصوع بعشرة دراهم، فإنه ليس في البيع جهل أصلاً؛ لأني بعت الكلّي لا الخارج، فما هو محطّ المعاملة لا جهل فيه، وما هو المجهول ليس محطّاً للمعاملة، وإنما هو من مصاديق المبيع. نعم، الغرر بمعنى الخطر موجود عرفاً؛ لاحتمال أن لا أقبض. فالبطلان ليس من جهة الجهالة، بل باعتبار أني بعت ما لا مصداق له في الخارج. غاية الأمر أنه إذا قلنا بالانحلال عرفاً فيصحّ البيع في البعض ويبطل في البعض.

فلو قال: (بعتك هذا الفرس العربي)، فالمبيع هو الموجود الخارجي على كلّ حال، وإن تخلّف الوصف. وأما إذا قال: (بعتك فرساً عربياً) وأراد أن يدفع فرساً غير عربي، فهو ليس مصداقاً للمبيع، ولا يكون هنا خيار تخلّف الوصف.

ففي المقام لو قال: (بعتك هذه العشرة أصوع)، فإذا كانت تسعة ثبت له خيار تبعّض الصفقة الذي هو أشبه شيء بخيار تخلّف الوصف هنا. وأما إذا قال: (بعتك عشرة أصوع من هذه الصبرة)، فالمبيع كلي، فإذا بانت خمسة، فالخمسة ليست مصداقاً من العشرة، بل هما عنوانان متباينان، وليس أن للعشرة مصاديق متعدّدة هي التسعة والثمانية والسبعة وهكذا، فدفع المبيع لم 

ـــــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يحصل، لا أنه مدفوع وله الخيار. فإذا كنت علمت أنها عشرة وكانت خمسة، فالمعاملة باطلة وإن كنت أتخيّل صحّتها، فالشيخ وغيره خلطوا بين الكلّيات والجزئيات، والخيار ثابت في الجزئيات لا في الكلّيات. والغرر بمعنى الجهل هنا غير مبطل؛ لأن المبيع معلوم، وإنما هو مجهول المصداق، نعم دليل: (نهى النبي عن بيع ما ليس عندك) يشمله.

وبناءً على ما جرينا عليه، تكون الأمارة والأصل قائمين مقام العلم، ويحرز بها الصحّة الظاهرية للمعاملة، وإذا كانت الصبرة مسبوقة بالعشرة وشككنا بنقصانها جرى الاستصحاب، ولا يكون مثبتاً، وكذلك لو قامت عليه البينة ونحوها؛ لأن المدار هو الواقع لا العلم، والواقع يثبت عن هذا الطريق وغيره.

إنما الكلام في جريانها بناءً على ما قاله الآغايون من أن المسألة غررية بمعنى الجهالة، وأغمضنا العين عما قلناه من أن المبيع ليس مجهولاً، وإنما الانطباق مجهول. ونرى ما قاله الشيخ(1) من أنه أيّ غرر أعظم من أن البائع لا يدفع المقدار المطلوب؟!

هنا لا بُدّ أن نرى أن الأدلّة التي أخذ منها عنوان العلم، كقوله: “من أفتى بغير علم (2)… و”من قضى بغير علم(3). ليس المراد به العلم بمعناه الوجداني، 

ـــــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 269، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

(2) دعائم الإسلام 1: 96، ومستدرك الوسائل 17: 243، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 4، الحديث 1، الكافي 1: 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 9، وفيه : “مَن أفتى الناس بغير علم … “.

(3) المستدرك (للحاكم النيسابوري) 4: 90، كتاب الأحكام، ومجمع الزوائد 4: 193، كتاب الأحكام، باب القضاء، والجامع الصغير 2: 234، حرف القاف، الحديث 6004، وكنز العمّال 6: 91، كتاب الإمارة والقضاء، الباب الثاني: في القضاء، الحديث 14981، و14982.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بل العلم بمعنى الحجّة. ومثله قوله: “حتى تعلم أنه قذر (1). يعني قيام الحجّة على القذارة، ويوضحه ما ورد عن الرسول من أنه قال -بالمضمون-: (إنما أنا بشر مثلكم إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان فربما كان أحدكم الحقّ بحجّته، أَلَا فمن أخذت له من أخيه شيئاً فكذا وكذا)(2). فكما أن أخذ العلم يراد به ما هو الأعمّ من العلم الوجداني، فكذلك الجهل في قوله: “نهى النبي عن بيع الغرر“، إذا كان بمعنى الجهالة.

ونحن لم نقبل في الأصول(3) إطلاق دليل الاستصحاب، بحيث يقوم مقام القطع الموضوعي.

ـــــــــــــ[245]ــــــــــ

 (1) تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 119، ووسائل الشيعة 1: 142، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 4، الحديث 2.

(2) الكافي 7: 414، كتاب القضاء والأحكام، باب أنَّ القضاء بالبينات والأَيمان، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 229، كتاب القضايا والأحكام، الباب 89، الحديث 3، ووسائل الشيعة 27: 232، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الباب 2، الحديث 3.

(3) اُنظر: أنوار الهداية 1: 122-123، قيام الاستصحاب مقام القطع الطريقيّ، وتهذيب الأُصول (ط. ق) 2: 37. وفي (ط.ج) 2: 210.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هل نستطيع في مسألة العيوب أن نقرّب المسألة بنحو يكون له خيار تبعّض الصفقة؟ لا بُدّ قبل ذلك أن تحسب حساب إنشاء النقل والنقل الإنشائي، والنقل الحقيقي العقلائي في الفرد المعيّن، ثُمّ تذكر حال الكلّي في المعيّن .

إذا كان الإنشاء جدياً، فإرادته متعلّقة بالإنشاء وبمقدّماته. 

ومنها: أنه يعلم أنه بإنشائه يوجد وجود إنشائي للمعاملة، فإذا كان يعلم أن هذه المعاملة بلا موضوع، فلا يعقل أن يحصل منه إنشاء جدّي، كالعقد بين المنارتين عقد النكاح.

وأخرى: يحصل الجدّ إلى الإنشاء، لكن النقل الإنشائي لا يحصل كالعقد بين رجل وامرأة فضولة رجاء تعقّب الإجازة، أو كان يتخيّل كونه مجازاً. ثُمّ ينكشف أنهما عمودان لا إنسانان، فلا يحصل زواج إنشائي، وإن أنشأ الازدواج [الزواج] لعدم الموضوع. 

في البيع أيضاً قد ينشئ البيع على هذا الموجود، ثُمّ باعتبار أنه حيوان، ثُمّ يظهر أنه خيال محض وليس حيواناً. فقد وجد الإنشاء جدّاً، لكن لم يحصل عقد إنشائي.

وثالثة: يحصل الجدّ والنقل الإنشائي، لكن لا يحصل النقل الواقعي العقلائي، كبيع الفضولي لمال الغير، فإن الانتقال والحكم بالملكية عقلائياً موقوف على إجازة المالك.

وقلنا فيما سبق: إن ماهيّة البيع ومبادلة مال بمال يوجدها البائع بالإيجاب، وأما المشتري فلا يعمل بالقبول شيئاً في ماهيّة البيع، والبيع الفضولي كالأصيل 

ـــــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

من ناحية تمامية ماهيّة البيع. إلّا أن الماهيّة وحدها ليست موضوعاً للأثر عند العقلاء، ما لم يلحق القبول في الأصيل والإجازة في الفضولي. وليس للقبول ولا للإجازة أيّ أثر في الماهيّة لا جزءاً أو لا شرطاً ولا مقوّماً.

فإذا باع هذا الفرش الخارجي، وكان مالكاً للنصف فقط، فالإنشاء الجدّي حاصل على الموجود الخارجي، والمبادلة الإنشائية حاصلة، والمبادلة الحقيقية بالقبول حاصلة بالنسبة إلى النصف، وأما النصف الآخر ففضولي. ويقول سوق العقلاء: إنه بيع صحيح. فإن أجاز المالك الآخر فالكلّ للمشتري، وإن لم يجز فنصفه له. وليس أنه إذا لم يجز كانت المعاملة باطلة. كما أنها ليست عدّة معاملات، بل هو إنشاء واحد على تمام الموجود الخارجي، لكن موضوع الحكم بالملكية عقلائياً متوقّف على الإجازة في النصف الذي لا يملكه.

فإذا أشار إلى الموجود الخارجي وقال: (بعتك هذه العشرة أصوع)، وكان في الواقع سبعة فتارة نقول: إن الموجود الخارجي تحت الإنشاء، ولم يتعلّق بعنوان العشرة، بل بتخيّل العشرة، فيرد نفس الكلام الذي قلناه فيما إذا لم يكن له نصفه. 

وأخرى نقول: إن العنوان هنا دخيل، كما لو عقد على هذه العشرة، ولكنها كانت ثمانية، وهذه الثمانية كان نصفها له ونصفها ليس له، فالإنشاء هنا جدّي، لكن بالنسبة إلى صاعين منها، حيث إنه لا واقع لهما لا يحصل فيهما نقل إنشائي، وثمانية منها يحصل فيهما النقل الإنشائي، وبالقبول يحصل النقل الواقعي في أربعة، وبعد الإجازة ينتقل النصف الثاني كشفاً أو نقلاً. لا من باب أن ماهيّة 

ـــــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

البيع انقسمت إلى قسمين، بحيث إن الإنشاء اختلف في القسم الفضولي عنه في الأصيل.

ومثل ذلك ما لو باع ما لا يملك في الشرع منضمّاً إلى ما يملك. فالمعاملة الإنشائية حاصلة، ولا يمكن للشارع أن يمنع منها؛ لأنه تصرّف في الأمور العقلائية، وإنما غاية ما يقول: إنه في قانوني لا يكون هذا مالاً، أو لا يكون البيع مؤثّراً. وكلّ ما اعتبره الشارع زائداً عما لدى العقلاء فهو ليس من شرائط الماهية.

فهل يمكن تقريب نفس هذا الكلام في الكلّي في المعيّن، فلو باع عشرة أصوع من الصبرة، ولم يكن مالكاً لشيء منها، فالمعاملة واقعة والإنشاء جدّي والنقل الإنشائي حاصل، لكن لا يترتّب عليه الأثر إلّا بالإجازة. والمبيع وإن كان هو الكلّي إلّا أنه مضاف إلى الخارج، فهو يحتاج إلى الإجازة، ولو كان نصف الصبرة له ونصفها ليس له، فبالنسبة إلى ما يملكه يحصل النقل الواقعي، ويتوقّف الآخر على إجازة المالك، وإذا لم يجز فليس أن الماهيّة مفقودة، وإنما تخلّف شيء خارج عن ماهيّة المعاملة؟

فلو باع كلّ عشرة أصوع من الصبرة، وكانت ثمانية نصفها له ونصفها لغيره، فالمعاملة واقعة على العشرة، وماهيتها متحقّقة، ولكن حيث إن اثنين منها لا واقع لها، فهما غير صالحين للنقل، فلا يحصل النقل الإنشائي بإزائهما، وإنما يحصل فيما هو صالح له وهو الثمانية، والنقل الحقيقي حاصل فيما يملكه، والنصف الآخر يبقى على النقل الإنشائي ما لم تتعقّبه الإجازة. وهو بيع واحد وإنشاء واحد، فيكون خيار تبعّض الصفقة ثابتاً. هذا غاية تقريب المطلب.

ـــــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [إذا باع الصبرة كل صاع بكذا مع جهالة المقدار]

الفرع الذي ذكره الشيخ(1) أخيراً ليس فيه كلام إلّا كلمة واحدة، والفرع هو: أنه إذا باع الصبرة الخارجية كلّ صاع بكذا، فهل يصحّ البيع مع جهل مقدار الصبرة أو لا؟ محلّ خلاف. يقول الشيخ: إنه تظهر الصحّة من إطلاق بعض العناوين وبعضهم أبطلها، وفيه نظر(2).

عرفنا من الأقسام السابقة أنه لو كان جاهلاً بمقدار الصبرة، وبيع صرف وجود الصاع، بحيث لا يُعلم أنه واحد أو اثنان أو ثلاثة، فإنه يشكل صدق عنوان البيع، مضافاً إلى أنه مجهول وخطر.

أما إذا أراد بيع تمام الصبرة، ولكنّه يجهل مقدارها، فالمبيع هو هذه الصبرة، ونحن لا نعلم مقداره، فإذا اعتبرنا العلم كان باطلاً، وأما إذا كان المدار هو الخطر أو البيع الجزافي، فلا وجه للبطلان؛ لعدم وجود الخطر ولا الجزاف، باعتبار أننا سوف نزنه أو نكيله بعد ذلك فنعرف مقداره، وهو أيضاً مأمون من الضرر.

ـــــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 270، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: بيع صاعٍ من صبرةٍ.

(2) راجع المصدر السابق.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 





[مسألة: إذا اشترى بالمشاهدة ثم تغيرت العين قبل القبض] 

 

المسألة الأخرى التي عنونها الشيخ(1): أننا إذا كنّا شاهدنا العين وعرفنا أوصافها، ثُمّ مضت مدّة من البائع والمشتري بحيث تتغيّر فيها العين عادة.

الصور في هذه المسألة أكثر مما ذكره الشيخ، فإن تغيّرها تارةً يكون إلى صفة معلومة عادة، وأخرى نحرز بحسب العادة تغيّرها ولا نعلم الصفة التي ستصبح إليها. والشيء إذا زادت الرغبة فيه زادت قيمته، وإذا قلّت الرغبة فيه قلّت قيمته. فإذا تغيّرت العين إلى صفة مجهولة، ولكنّنا نعلم أنها لا تؤثّر في المعاملات والرغبات. وهذه أيضاً صورة لم يتعرّض لها الشيخ، وإنما تعرّض إلى صورة ما إذا تغيّرت العين إلى صفات أخرى مجهولة عند المتبايعيَن، فهنا تارةً نحسب حساب البائع، وأنه هل يجوز له أن يصف المبيع بهذه الصفة المجهولة؟ وأخرى نتكلّم عن أن المشتري إذا علم بالواقعة وهي أن البائع مثله جاهل بالواقع، فهل لتوصيف البائع أثر في رفع الغرر أو لا؟ وأخرى أن المشتري لا يعلم بالواقعة، بل إما أن يعتقد علم البائع بالوصف أو أنه شاكّ بذلك.

أما في صورة ما إذا كانا معاً يعلمان بأوصاف مشاهدة قبل مدّة من الزمن، 

ـــــــــــــ[250]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 271، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والعادة تقتضي التغيّر إلى صفة مجهولة دخيلة في المالية، وكِلاهما جاهل لها، والمشتري يعلم جهل البائع بها، فهل يجوز للبائع أن يُخبر عن الأوصاف؟ هذا ليس كذباً؛ لأنه محتمل المطابقة للواقع، لكنّه قول بغير علم، وهو قبيح عند العقلاء، وغير جائز عند الشارع، كالفتوى بغير علم، والقضاء بغير علم.

وإذا وصف البائع المبيع بوصف، فهل هو قول بغير علم أو لا؟ القيود الواردة على الكلّيات لا يجعلها تحكي عن الواقع، أو تكون إخباراً عنه، كحِمل من الحنطة النجفية، أو زيد العالم، وإنما هو مطلب تصوّري في نفسه. وأما لو أردت الإخبار عن الواقع فقلت: (جاء زيد العالم)، وكان في الواقع مجيؤه ثابتاً، إلّا أنه ليس بعالم. فإني أخبرت عن مجيئه، وأخبرت عن علمه ضمناً، بحيث لو قال شخصان عادلان: (جاء زيد العادل) لثبتت عدالة زيد بإخبار البيّنة. إذن فالبائع كما لا يستطيع أن يخبر ابتداءً عن هذه الأوصاف، كذلك لا يستطيع تكليفاً أن يبيعها بالأوصاف، فإن الجزم الإنشائي إذا ورد عليها، كان كالإخبار، فلو قال: (صلِّ وراء هذا الرجل العادل) كان إخباراً بالعدالة. وكلّ نسبة ناقصة إذا دخلت في نسبة تامّة أصبحت تامّة، سواء كانت في إنشاء أو في إخبار.

فإذا كانا معاً يعلمان بالواقعة، كما هو الظاهر من فرض الشيخ، فهل الإخبار رافع للغرر عن المشتري تعبّداً، أو باعتبار كونه موجباً للظنّ، أو للوثوق عرفاً؟ وأما إذا كان يعلم المشتري أنه جاهل فلا فائدة من إخباره. وما ورد في الروايات(1) من أن إخبار المخبر بمقدار المبيع كافٍ، ليس مورده محلّ 

ـــــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في الباب الخامس من أبواب عقد البيع وشروطه من كتاب التجارة في وسائل الشيعة 17: 343، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الكلام وهو صورة علم المشتري بجهل البائع.

فلا ينبغي الخلط بين الكلّيات والجزئيات، فإن الكلّيات يرتفع الغرر عنها بالتوصيف، وأما الجزئيات فلا ينفع التوصيف وحده في رفع الغرر، وإنما يرفعه التوصيف الكاشف عن الواقع، لا التوصيف الجزافي أيّاً كان.

وأما الاشتراط فليس فيه محذور الكذب، لكن الاشتراط لا يرفع الغرر إذا كان بمعنى الجهالة، فإن الجهالة لا يرفعها التوصيف ولا الاشتراط ولا الخيار. نعم، لو كان المدار هو الخطر والجزاف فهو ليس خطراً ولا جزافاً. ولا دور؛ لأنه ليس توقّفاً في الواقعيات، بل المدار هو العلم بالخيار، على أنه ليس من التوقّف في شيء.

والمقام وإن كان لا يقصر عن بيع الغائب، إلّا أن بيع الغائب إذا لم يعلم البائع صفته أيضاً، فإن توصيفه لا يكون رافعاً للجهالة. نعم، إذا كان يعلم صفته دون المشتري كان كافياً.

الصورة الأخرى: أن المشتري يحتمل أن البائع قد اطّلع على صفاته ويحتمل صدقه، فهل إخبار البائع مطلقاً كافٍ، أو في صورة إيجاده للوثوق عند المشتري، أو غير كافٍ أصلاً؟ 

أما دفع الغرر بمعنى الجهالة، فهو تابع لِما قلناه من أن الجهالة إذا كانت أعمّ من الجهل الواقعي لا في مقابل العلم الوجداني، بل نقول: إن المراد من العلم الأعمّ من الطرق العقلائية والحجّة القائمة. فإذا كان له طريق عقلائي
-ومنه إخبار البائع- فإن الجهالة ترتفع. نعم، لو كان العلم بمعناه الوجداني، 

ـــــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فإنها لا ترتفع. وأما الوارد في باب الكيل والوزن من قبول قول البائع، إذا فهمنا منه عقلائياً أن الكيل ليس دخيلاً بعنوانه، بل المراد أن مجرّد قول البائع كافٍ في رفع الغرر، بعد استبعاد أن يكون تخصيصاً في دليل الغرر، فيمكن إلغاء الخصوصية، والقول بأن إخبار البائع كما هو كافٍ في الكيل والوزن الذي هو من مقوّمات البيع، كذلك هو كافٍ في سائر الأوصاف التي هي من خصائص البيع.

ومن ذلك يتّضح الفرع الآخر، فيما لو علم أن الصفات عادة لا تتغيّر، فإنها وإن كانت لا توجب وجود العلم، لكنّه لا يكون جزافاً ولا جهالة عرفية.

[في جريان الاستصحاب في المقام] 

يقع الكلام أننا إذا شككنا فهل يجري الاستصحاب أو لا؟

إذا كانت الصفة ليس لها اقتضاء البقاء ولا اقتضاء التغيّر، وشكّ في التغيّر. وهي الصورة التي ذكرها الشيخ(1)، أو كان يعلم إجمالاً بتغيرها إما إلى ما تقتضي العادة تغيّرها إليه، وإما إلى ما لا تقتضيه العادة من الأوصاف وهذا ما لم يذكروه.

يقول الشيخ(2): يكون البيع صحيحاً؛ لأن أصالة عدم التغيّر تجري، فيبني المتعاملان على مورد الأصل. وهذا الأصل من الطرق التي يبني عليها العقلاء.

ـــــــــــــ[253]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 271، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها … .

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهنا لا بُدّ من البحث في جهات:

الأولى: أن أصالة عدم التغيّر هل هو من الأصول التي يعوّل عليها العقلاء بالنحو الوسيع الذي يذكره الشيخ(1) أو لا؟

الثانية: أنه لو كان كذلك، فهل لا بُدّ أن يبني المتعاملان عليها في المعاملة لتقع صحيحة، أو أنها غير محتاجة لذلك؟ 

الثالثة: أنهما إذا لم يبنيا على هذا، ثُمّ انكشف تغيّر الصفة، فهل يثبت الخيار أو لا؟ 

الرابعة: إذا لم يكن هذا الأصل عقلائياً، فهل يجري الأصل الشرعي ويبني عليه المتعاملان أو لا؟ 

الخامسة: إذا جاز بناؤهم عليه، فهل يؤثّر في رفع الغرر أو لا؟ 

يقع الكلام في أن ما أدّعي ثبوته وما هو ثابت على إشكال إنما هو: أصالة السلامة، لا بمعنى استصحاب السلامة، فكلّ مورد شكّ العقلاء في شيء أنه سالم أو معيب ادّعي أن العقلاء يرون أن الأصل هو السلامة على إشكال فيه. وأما أصالة عدم التغيّر فإن كان هذا أصلاً عقلائياً، فهو -إذن- ثابت في تمام موارد الاستصحاب الشرعي، فإنه شكّ في تغيّر الحالة السابقة، فهل يلتزم الشيخ بلوازم الاستصحاب ومثبتاته؟ فإن هذا لو كان أصلاً عقلائياً فلا معنى للأصل الشرعي. بل ينبغي أن نقول: إنه إمضاء لأصالة عدم التغيّر. ولا بُدّ أن يكون الاستصحاب مثبتاته حجة؛ لأن مثبتات الأصول العقلائية حجّة، مع أنه لا يلتزم بذلك.

ـــــــــــــ[254]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ثُمّ إنه لو بنى على أن أصالة عدم التغيّر من الأصول العقلائية، فلا نحتاج معها إلى البناء عليها في العقد، كما ذكر الشيخ(1). بل ينبغي أن يكون كسائر المحرزات العقلائية، وإنما يلزم البناء إذا كان هناك نحو من الجهل. والشيخ يستمرّ مع البناء إلى آخر كلامه، ولذا يقول(2): إن الخيار هو خيار الشرط. مع أنه لو كان طريقاً عقلائياً لَما احتاج إلى البناء، ويرتفع الغرر بدونه.

نعم، لو قلنا: إن الجهالة بمعناها الحقيقي أُخذت في دليل الغرر فإنها لا ترتفع بالبناء ولا بالاشتراط. ولو أخذناها بمعنىً في مقابل المعنى العقلائي، كانت هذه الأمور رافعة للجهالة.

نعم، لو أجرينا الاستصحاب الشرعي، يدخل المورد في أنه مما جرى فيه الاستصحاب، فهل لي أن أخبر عن الواقع جزماً بلحاظه أو لا؟ ونفهم من إخبار جواز الشهادة طبقاً للاستصحاب: أنه يمكن ذلك، ففي المقام نقول: إن المتعاملين يجريان الاستصحاب الشرعي ويبنيان عليه، فيرتفع الغرر.

نقول: لو كان المشتري غافلاً والبائع شاكّاً ببقاء الصفة، فأجرى الاستصحاب وأخبر ببقائها، كان ذلك ممكناً، وبه يرتفع الغرر عن المشتري، أما مع علم المشتري بالواقعة فهل يمكن أن نستصحب ونبني على ثبوت الصفة؟ مع أن الاستصحاب لا يقوم مقام القطع الموضوعي ليرفع الجهالة، وحال المشتري واحدة قبل الإخبار وبعده؛ لأنه يعلم أن البائع يخبر على طبق 

ـــــــــــــ[255]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 272.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الاستصحاب، فلا يكون أثره أكثر من الاستصحاب.

نعم، لو وسّعنا معنى العلم إلى كلّ حجّة شرعية، فإنه يكفي الاستصحاب، ولا يحتاج إلى البناء عليه في المعاملة. فالبناء الذي بنى عليه الشيخ لا يتمّ له وجه. ومعه فما يريده الشيخ من الخيار الثابت للبائع تارةً، وللمشتري أخرى، لا يكون صحيحاً، ما لم يضف إلى المطلب العقلائي بناءً جديداً خارجاً عن أصل المعاملة.

[اختلاف البائع والمشتري في تغيّر الأوصاف]

هناك عدّة صور للاختلاف بين البائع والمشتري، ذُكر صورتان منها. 

وقبل الدخول في أصل المسألة لا بُدّ أن نتذكّر بعض المطالب.

إن الميزان في تعيين المدّعي والمنكر ما هو؟ هل أن المنكر من لو تَرك تُرك
-كما قيل(1)-، أو هو المخالف مع الدليل أو القواعد الشرعية والعقلائية، فهو المدّعي، وفي مقابله المنكر من يوافق قوله الدليل والقواعد؟ أو أن التشخيص بيد العرف، فإن وافق مع الموازين الأخرى يؤخذ بها، وإلّا لم يؤخذ بها؟ 

عنوان المدّعي والمنكر كسائر الموضوعات المأخوذة في الأدلّة الشرعية؛ فإن 

ـــــــــــــ[256]ــــــــــ

(1) اُنظر: شرائع الإسلام 4: 97، كتاب القضاء، النظر الرابع: في أحكام الدعوى، وقواعد الأحكام 3: 436، كتاب القضاء، المقصد الثالث: في الدعوى والجواب، الفصل الأوّل: المدّعي، وإيضاح الفوائد 4: 324، كتاب القضاء، المقصد الثالث: في الدعوى والجواب، الفصل الأوّل: في المدّعي، والتنقيح الرائع 4: 267، كتاب القضاء، النظر الثالث، المقصد الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الشارع يتكلّم بما هو عرفي حتى في القرآن الكريم. وذلك في الجهات المربوطة بالعرف، وأما الأمور العقلية كمسائل القضاء والقدر، فموازينها عقلية، والشارع يتكلّم طبقاً على تلك الموازين. وأما فيما نحتاج إليه فعلاً فكلام الشارع قائم على أساس العرف. فلا بُدّ أن نرجع إلى العرف في تعيين المفهوم والمصداق، لا كما قال الآخوند(1): إن العرف يعيّن المفاهيم دون المصاديق، فإن الميزان في تعيين المصداق هو العقل. غير صحيح، وليس للشارع مطلب خارج العرف والعقلاء في هذه الحدود، فكما نأخذ مفهوم الدم من العرف، كذلك المصداق. فالدم الذي غسلناه بالماء ولم يزل لونه، لو نظرناه بالمجهر لوجدنا دماً لا زالت الكريات الحمر تسبح فيه. وهو بالنظر الدقي دم أيضاً؛ لأن لون الدم لا ينتقل عنه، وإنما يتّصف به الجسم باعتبار وجود العروض نفسه وهو الدم. مع أننا لو نظرنا إلى العرف نجده أنه ينفي كونه دماً.

والمفهوم العرفي للمدّعي والمنكر يكون موافقاً مع قاعدة: لو تَرك تُرك. لكنّه قد يكون موافقاً مع التعريف الآخر وهو الموافقة مع القواعد، وقد لا يكون. فإن كان الأصل عقلائياً كاليد وظواهر الألفاظ ونحوها، وافق المفهوم العرفي لذلك. وأما إذا كان الأصل شرعياً غير موجود عند العقلاء، كالاستصحاب، فإنهم إنما يعملون بوثوقهم بالبقاء وعدم الاعتناء بالوهم الضعيف، وأما إذا حصل الشكّ لديهم فإنهم لا يبنون على الاستصحاب.

فالأصول العقلائية تكون معيِّنة للمدّعي والمنكر، كقاعدة اليد، وغيرها، 

ـــــــــــــ[257]ــــــــــ

(1) اُنظر: كفاية الأُصول: 57، المقدّمة، الأمر الثالث عشر.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

كما لو قال الموجب: (لم يكن لي إرادة جدّية)، فإن العرف والعقلاء يعتبره مدّعياً والآخر منكراً. وكما لو قال صاحب اليد: (هذا لي)، وقال الآخر: (هذا لي)، فصاحب اليد منكر والآخر مدعٍ.

لكن ما يقوله الفقهاء(1) -وموجود في كلمات الشيخ(2)-: إنهم يتمسّكون بالاستصحاب، وبناؤهم على عدم كون الاستصحاب أصلاً عقلائياً، ولذا لا يرون حجّية مثبتاته. ولا يمكن أن يقال: إن الميزان هو الأصل الشرعي، ويكون عند العرف كذلك. مع أن العنوان العرفي لا يتحقّق بجريان الأصل الشرعي. فلو قال: (هذه زوجتي) وأنكرت المرأة، وكان استصحاب بقاء الزوجية جارياً، فإنه لا ينقّح عنوان المدّعي والمنكر الذي هو موضوع دليل “البينة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه(3)، فإنه لا ينقّح الموضوع العرفي. فلو كان الدم العرفي موضوعاً في الدليل لم يترتّب على استصحاب الدم.

ـــــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) اُنظر: إيضاح الفوائد 1: 432، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، والدروس الشرعيّة 3: 199، كتاب البيع، المسألة: 238، وجامع المقاصد 4: 109، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 274-275، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد …، الفرع الأوّل.

(3) الكافي 7: 361، كتاب القضاء والأحكام، باب القسّامة، الحديث 4، مَن لا يحضره الفقيه 2: 32، باب الصلح، الحديث 3267، تهذيب الأحكام 10: 166، كتاب الديات، الباب 12، الحديث 1، ووسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إذن فدليل (البينة على من أدّعى) أمر عرفي، فإن وافق مع الموازين الأخرى أخذنا بها، وإلّا لم نأخذ بها، وكان المدار في تعيين المدّعي والمنكر هو العرف.

[هل العبرة بمصب الدعوى أو بنتيجتها؟] 

كلام آخر: أن الميزان في تشخيص المدّعي والمنكر، هل هو مصبّ الدعوى، أو ما تنتهي إليه الدعوى؟ فلو قال: (وهبتني) وقال الآخر: (بعتك)، كان مصبّ الدعوى هو الاختلاف في عنوان المعاملة. والنتيجة هي أنه لو كان بيعاً فذمّته مشغولة. فهل نأخذ بالنتيجة، أو بمطرح الدعوى ومصبّها. وكما لو قال: (إنها زوجتي المنقطعة) وقالت: (أنا زوجته الدائمة)، فالمطرح هو العنوان، والنتيجة هي أنه لو كان دائماً لكان لها المطالبة بالنفقة. والصحيح هو تعيين المدّعي والمنكر في مطرح الدعوى.

نعم، لا بُدّ أن يكون مطرحها ذا أثر، ولو لم يكن لها أثر لم تكن مسموعة، وحينئذٍ لا بُدّ من أن ننتقل إلى مطلب آخر وهو أن حكم القاضي هل هو من الأمارات حجّة في لوازمه، أو أنه مثل الأصول يتعبّد بمحلّه؟ فإذا قلنا: إنه من الأمارات وكان مصبّ الدعوى لا أثر له، ولكنّه ينتهي إلى لوازم أو ملزومات لها أثر شرعي أو عقلائي، فإن الدعوى تكون مسموعة، فلو حكم أخذنا بلوازم حكمه. وأما إذا كان من قبيل الأصول فلا تسمع الدعوى في مثل ذلك، إلّا إذا كان لمطرح الدعوى أثر شرعي، أو طرحت الدعوى باعتبار نتيجتها. وأما كون السماع في مطرح الدعوى أو النتيجة فالعرف يرى أن المدار هو المصبّ، إذا كان له آثار، لا أن نغضّ النظر عن المصبّ ونذهب وراء النتيجة.

ـــــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ثُمّ إن الظاهر أن حكم القاضي أمارة على الواقع، فإن البيّنة أمارة، والقَسَم نحو من الأمارة إلى نفي الواقع. والحكم قائم عليهما؛ فيكون أمارة، فإذا حكم بحكم يترتّب عليه لوازمه. فلو حكم بكونها زوجة دائمة، وقال الزوج: ليس لها أن تطالبني بالنفقة. لا يُسمَع كلامه.

إذا اعتبرنا ميزان المدّعي والمنكر موافقة الأصل الشرعي والعقلائي، فلا إشكال أن الأصل الشرعي يعتبر حجّة بقطع النظر عن الادّعاء. فلو لم نعتبر الشكّ في المقتضي، وكان قول أحدهما موافقاً مع الاستصحاب الجاري في مورد الشكّ في المقتضي، لم يكن الأصل حجّة فلا يمكن تعيين المدّعي والمنكر على أساسه.

فلو كان الأصل مثبتاً في مورد الدعوى لم يكن حجّة، ولا يمكن تشخيص المدّعي والمنكر على أساسه. فإنه لو كان الأصل الشرعي ميزاناً في ذلك فإنما هو ما يكون حجّة.

نكتة أخرى: أن يكون القاضي سامعاً لمدلول كلامي كِلا الشخصين، حتى يرى أن الدعوى هل هي مسموعة أو لا. وإن كانت صحيحة ذات أثر شرعي أو منتهية إليه، فلا بُدّ أن يلاحظ مصبّ الدعوى، لا أن نغضّ النظر عنها، ونذهب إلى النتيجة والمرجع.

[صور الأختلاف وأحكامها في المقام]

وفي المسألة التي ذكرها الشيخ يمكن طرح الدعوى بأساليب مختلفة، وهو أن يدّعي المشتري تغيّر المبيع عن الأوصاف، والبائع يدّعي بقاءه. ودعوى 

ـــــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

التغيّر يمكن أن تعرض على أشكال تعرّض الشيخ لقسم منها(1):

أحدها: -وهو المناسب مع التفريع على أصل المسألة- أن المشتري يدّعي أن ما رأياه منذ زمن قد تغيّر إلى زمان العقد. والبائع يدّعي أنه باقٍ على وصفه السابق. وكان نظر المشتري إلى إثبات الخيار لنفسه.

ثانيها: أن الأوصاف التي رأياها كانت محفوظة عند العقد، ولكنّها تغيّرت قبل القبض. بناءً على ما قيل من أن تغيّر الأوصاف قبل القبض يوجب الخيار، فهو يريد أن يجلب الخيار لنفسه، وهذا النحو من الدعوى مسموع.

وأما إذا ادّعى تغيّر الأوصاف بعد القبض فهي غير مسموعة، فإننا لو علمنا بتغيّر الأوصاف لم يكن لذلك أثر، وكلام الشيخ إنما هو حول القسم الأوّل.

ويمكن -هنا- للمشتري أن يدّعي انتفاء الأوصاف من الأوّل، لكنّه لم يدعِ ذلك، بل ادّعى عنوان التغيّر، وهي دعوى مسموعة؛ لأن القاضي إذا حكم بالتغيّر كان له الخيار، وإذا حكم بعدمه لم يكن له. والعرف يرى المشتري مدّعياً والبائع منكراً. وكذلك بناءً على أن يكون الميزان هو أن المدّعي من لو تَرك تُرك، فإن المشتري لو تَرك تُرك. وأما موافقة الأصل، فإن كانت أصالة عدم التغيّر أصل عقلائي معوّل عليه، فهو من الأمارات، ويكون مثبتاً لمثبتاته، ويكون قول المشتري مخالفاً للاصل فيكون مدّعياً.

ـــــــــــــ[261]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 274، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما لو كان هذا الأصل شرعياً كأصالة عدم التغيّر إلى زمان العقد، فإنه لا يثبت أن العقد وقع على شيء غير متغيّر، كما هو مرادنا، وعنوان عدم التغيّر لا أثر له. وكذلك لا يثبت بهذا الأصل عنوان الضرر. فلا يمكن تعيين المدّعي والمنكر على هذا الأساس.

والمطالب التي قيلت في المكاسب من هنا إلى آخر المسألة خارجة عن باب القضاء.

منها: أن المشتري ينتزع منه الثمن. وهذا معناه أن الميزان هو النتيجة لا المصبّ.

ومنها: أن المشتري له يد على الثمن.

ومنها: أن الأصل براءة ذمّة المشتري من الثمن. مع أن الميزان هو مصبّ الدعوى دون النتيجة.

ومنها: أن المشتري يدّعي علم البائع بالتغيّر والبائع ينكره.

ومنها: أن الأصل عدم وصول حقّ المشتري إليه.

وكلّ ذلك لا ربط له بمصبّ الدعوى. وكذلك ما ذكره الشيخ(1) من أن الأوصاف الملحوظة حين المشاهدة هل هي شرائط في العقد، أو أنها مأخوذة في نفس المعقود عليه؟ فعلى الأوّل يكون الأصل مع البائع، وعلى الثاني يكون مع المشتري. فهذا أيضاً خارج عن مصبّ الدعوى، فإنه إنما يدّعي التغيّر، لا أنه شرط شيئاً أو لم يشترط. ولا بُدّ من النظر إلى المصبّ عرفاً.

ـــــــــــــ[262]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 276.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وفي الفرع الثاني الذي يحتمل أن يكون الشيخ ناظراً إليه، وإن كان خلاف التفريع: أنه بناءً على ثبوت الخيار في التغيّر قبل القبض وبعد العقد، لو تسالما على بقاء الأوصاف إلى حين العقد، وادّعى المشتري التغيّر قبل القبض، فأيضاً يأتي نفس الكلام، ويكون المشتري مدّعياً بلحاظ المفهوم العرفي، وقاعدة: لو تَرك تُرك.  نعم لو لوحظت الأصول الشرعية، لم يكن في الإمكان أن يثبت كونه ضررياً، أو مما وقع العقد مبنيّاً عليه.

هاتان المسألتان متّفقتان في كلّ الجهات إلّا جهة واحدة، وهي: أن الاستصحاب الشرعي في المسألة الأولى مثبت؛ لأنه لا يثبت أن حكمه الخيار، وأن بناء المتعاملين عليه، وأما في الثانية: فإن موضوع الخيار فيها هو التغيير.

وبغضّ النظر عمّا قلنا من تعيين المدّعي في المشتري في كِلتا المسألتين فإن الوجوه التي ذكرها الشيخ لكون البائع هو المدّعي والمشتري هو المنكر، هي الوجوه التي نقلها من (الدروس)(1) و(المبسوط)(2) وابن إدريس(3) والعلّامة(4)، كأنّه يريد أن يقول: إنها جميعاً مطلب واحد، في حين أن (الدروس)(5) تمسّك 

ـــــــــــــ[263]ــــــــــ

(1) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 199، كتاب البيع، المسألة: 238.

(2) اُنظر: المبسوط 2: 77، كتاب البيوع.

(3) اُنظر: السرائر 2: 243، كتاب المتاجر، باب حقيقة البيع وأقسامه … .

(4) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 61-62، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، مسألة: 33.

(5) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 199، كتاب البيع، المسألة: 238.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

باليد، واليد إنما تكون في الأعيان الخارجية، ولا معنى لها في الكلّ. والعلّامة(1) تمسّك ببراءة ذمّة المشتري من الثمن، وفرضه فيما لو كان الثمن كلّياً كما في نوع المعاملات. وكلام الشيخ(2) وابن إدريس(3) أعمّ حيث قالا: إنه لا ينتزع المال من المشتري إلّا بالبيّنة أو بإقراره. وهو أعمّ من الثمن العيني والكلّي. ولا بُدّ من مناقشة هذه الوجوه واحداً واحداً.

[حالات وجود الثمن]

أما قضيّة أن الثمن موجود خارجي، فله عدّة صور تعرّضوا لها.

[الصورة الأولى: الثمن تحت يد المشتري]

أحدها: أن يكون الثمن تحت يد المشتري. وقد وقعت المعاملة، وهذا له صور:

1- أنه يدّعي التغيير وينفي وقوع الفسخ.

2- أنه يدّعي التغيير ويفسخ.

3- أنه يدّعي التغيير ونحتمل أنه قد فسخ.

قالوا(4): إن ظاهر اليد أن جميع أنحاء التصرّفات ثابتة لذي اليد، وهي أمارة على ثبوت سلطنة ذي اليد عليها، حتى لو علمنا أن العين مملوكة للغير فإنها 

ـــــــــــــ[264]ــــــــــ

(1) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 199، كتاب البيع، المسألة: 238.

(2) اُنظر: المبسوط 2: 77، كتاب البيوع.

(3) اُنظر: السرائر 2: 243، كتاب المتاجر، باب حقيقة البيع وأقسامه … .

(4) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 199، كتاب البيع، المسألة: 238.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

تثبت سلطنته عليها ولو بالوكالة ونحوها. فكذلك يد المشتري على الثمن فإنها ظاهرة بسلطنته على جميع التصرّفات، ولو أننا نعلم في حال العقد أن هذا الثمن للبائع، إلّا أن للمشتري جميع أنحاء التصرّفات ولو بالفسخ. ونحن لا نرفع اليد عن هذه الأمارة إلّا إذا ثبت أنه لا يجوز إلّا حفظ المال. ومع قيام الأمارة لا وجه للتمسّك بالأصول كأصالة عدم سبب الخيار.

هذا ما قيل في الصورة الأولى.

لنا كلام في أن أمارة اليد على سلطنة المشتري على جميع التصرّفات، ليس عليه دليل لفظي، وإنما هو مطلب عقلائي، في ترتيب العقلاء الآثار على اليد. فلا بُدّ أن نرى حدوده. فهناك أقدار متيقّنة، وأما في مثل المقام وهو ما إذا كانت خصائص المسألة معروفة لنا، وهو أن الثمن صار للبائع وليس للمشتري أيّ تصرّف إلّا احتمال أن يكون له الخيار، أو احتمال أنه فسخ. وفي مثل ذلك لم يقم البناء العقلائي على أنه ماله، وأنه مسلط على التصرّف. واحتمال بنائهم لا يكفي، بل لا بُدّ من إحرازه، وليس عندنا دليل لفظي أنه كلّما جاز شيء في اليد فتصرّفات ذي اليد نافذة فيه. إن لم يكن خلافه محرزاً.

ثُمّ إن هذه العين بمجرّد العقد صارت ملكاً للبائع، فشمله دليل: “الناس مسلّطون على أموالهم” -بغضّ النظر عن كلام العلّامة- فالبائع مسلّط على جميع التصرّفات، وكان المشتري قبل الفسخ محروماً منها إلّا احتمال أن يكون له الفسخ، فهل اليد أمارة على أن له الفسخ. ولولا الفسخ فالتصرّف فيها غير جائز، ولم يدّع المشتري جوازه. فإن كانت اليد دالّة على جواز التصرّف في 

ـــــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العقد، فهذا باطل؛ لأنه ليس له يد على العقد، وإن كانت دالّة على جواز التصرّف في العين، فهي لا تدلّ على جواز الفسخ.

وأما إذا كان المدّعى حصول الفسخ، ويحتمل أنه مؤثّر أو أنه غير مؤثّر، وأن تصرّفه إنما هو على ملك الغير. ونحن نعلم أن كلّ التصرّفات لمالك العين دون غيره، ونحن نعلم أن العين قد خرجت من مالكها إلى غيره، فلا عمل لقاعدة (الناس مسلّطون) فإنها شبهة مصداقية لها. نعم، باستصحاب مالكية البائع يتنقّح موضوع قاعدة السلطنة، وأن له أن يأخذ المال من المشتري. والمشتري ليس له إلّا اليد، وهي لا تدلّ على نفوذ فسخه. بل يمكن إجراء استصحاب كون اليد على مال الغير، ونحكم بوجوب ردّه إلى البائع.

فاليد في الصورة الأولى -بتمام أقسامها- ليس لها أيّ أثر.

[الصورة الثانية: الثمن في يد البائع بعد العقد]

الصورة الثانية: أن الثمن بعدما كان في يد المشتري صار الآن في يد البائع، وأنه يعامله معاملة المالك.

قالوا: إننا نستصحب الملكية المطلقة للمشتري، وليس في مقابله أمارة.

نقول: يد البائع أيضاً أمارة على الملكية عند من يعتبر يد المشتري أمارة. فكيف يجري استصحاب بقاء سلطنة المشتري؟!

في الصورة الأولى وهي: ما إذا كان المال تحت يد المشتري لنا كلام آخر، وهو: أننا لو سلّمنا أن اليد أمارة على السلطنة المطلقة، وعلى الملكية، لكن هناك كلام في باب القضاء، وهو أن شخصاً لو كانت له على شيء يد وأدّعاه شخص 

ـــــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

آخر، فصاحب اليد مرّة يقول: (هو لي)، وأخرى يقول: (أنا اشتريته منك). فإذا نفى صاحب اليد دعوى الآخر، كان هو المنكر والآخر المدّعي. وأما إذا قال صاحب اليد: (أنا اشتريها منك)، فيصبح صاحب اليد مدّعياً والآخر منكراً بواسطة الاعتراف بأنها كانت لك وقد تلقّيتها منك بالشراء. وفي المقام كذلك، فإن المشتري يدّعي تغيير العين، ويدّعي أنه بواسطة أعمال الخيار يرجع الملك من البائع إليه.

فهو يعترف أنه كان ملكاً للبائع، ويقول: (الآن هو ملكي). فهذا نظير أن يدّعي أني اشتريتها منه، فتنقلب الدعوى، فيكون مدّعي الانتقال مدّعياً والآخر منكراً، ويبطل أثر اليد في تعيين المنكر.

في الصورة الأخرى: وهي ما إذا كان الثمن في يد المشتري، ثُمّ صارت في يد البائع، قالوا(1): إنه تجري أصالة عدم السلطنة المطلقة -للبائع- ولكنّه مزاحم بأصالة عدم سبب الخيار. وقلنا بأن البائع أيضاً ذو يد، فلو قلنا بتأثير اليد وأماريتها للمشتري لزمنا القول به للبائع أيضاً.

ولكن ما هو حال الأصل الجاري في المقام، وهو أصالة عدم سبب الخيار؟ 

قلنا في محلّه: إن دليل جعل الأسباب والمسبّبات له أنحاء ثلاثة:

الأوّل: جعل السببية، بأن يقول: (جعلت الغليان سبباً للحرمة).

الثاني: جعل الملازمة، بأن يقول: (جعلت الملازمة بين الغليان والحرمة).

ـــــــــــــ[267]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 354-355، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، البيع بالرؤية القديمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الثالث: جعل الحرمة بعد الغليان، بقوله: (إذا غلى يحرم).

فعلى الأوّل: إذا أردنا باستصحاب بقاء السبب ترتيب أثر المسبّب كان مثبتاً؛ لأن ترتّب المسبّب على السبب عقلي. وكذلك في جعل الملازمة، فإن وجود الملازم عند وجود لازمه عقلي. وليس باعتبار أن هذه المطالب شرعية لا عقلية فلا يكون الأصل مثبتاً، بل الشرعيات من قبيل العقليات تماماً. نعم، في النحو الثالث يمكن أن يترتّب الأثر على الاستصحاب.

وسبب الخيار لم يؤخذ في موضوع دليل، وإنما هو مفهوم منتزع عن بعض الأمور التي لها سببية عقلائية أو شرعية للخيار. فلا بُدّ أن نرى هل أن العقلاء جعلوا السببية، وأن تخلّف الشرط -مثلاً- سبب عند العقلاء للخيار، أو ملازم له، أو موضوع لتعلّق الخيار، أو نشكّ في ذلك؟ فإن كان تخلّف الوصف سبباً للخيار، وكان عدم التخلّف سبباً لسلب الخيار، كان الأصل مثبتاً؛ إذ يراد به سلب السبب، وترتيب آثار عدم المسبّب، وهو حكم عقلي لا شرعي ولا عقلائي. وكذلك لو كان من باب الملازمة. وإذا كان موضوعاً للخيار كان الاستصحاب جارياً. وأما إذا شككنا وتردّد أمره بين السبب وغيره، فإن أمر الاستصحاب يتردّد بين المثبت وغيره، فلا يكون جارياً.

فسواء كان سبب الخيار هو مصداق السبب وهو التغيير، أو عنوان المسبّب إجمالاً، فإن الأصل يكون مثبتاً سواء كانت السببية شرعية أو عقلية.

إشكال آخر: وهو أننا هل نريد عدم سبب الخيار في العقد أو عدم سبب الخيار المطلق؟ والأوّل هو الذي يترتّب عليه كون العقد ليس خيارياً. وهو 

ـــــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ليس له حالة سابقة. فإنه متى كان العقد ولم يكن تغيّر أو لم يكن سبب الخيار في العقد موجوداً ليستصحب. نعم، عدم السبب المطلق له حالة سابقة، وذلك قبل وجود العقد، بنحو السالبة المحصّلة الأعمّ من نفي الموضوع، وأنت تريد من ذلك إثبات عدم كون العقد خيارياً، فيكون الأصل مثبتاً؛ لأن استصحاب العدم المطلق لإثبات العدم الخاصّ مثبت. فأصالة عدم السبب فيها هذان الإشكالان.

[الصورة الثالثة: الثمن في يد البائع قبل العقد]

الصورة الثالثة التي فرضت: وهي أن الثمن كان بيد البائع قبل العقد، ثُمّ وقع عليه العقد، فجعلوا قول البائع موافقاً للأصل. وقالوا(1): إن السلطنة التي كانت للمشتري على الثمن معلولة للملكية وقد زالت، والسلطنة الأخرى مشكوكة الحدوث، فنستصحب عدم السلطنة والأصل مع البائع.

لنا كلام في أن القائل أن يد المشتري أمارة على ثبوت جميع أنحاء السلطنة له، فهنا يلزمه القول: بأن يد البائع على الثمن بعد البيع، وتكون أمارية اليد مقدّمة على كلّ أصل. بل هو أولى من أمارية يد المشتري.

ولنا كلام في أصالة عدم السلطنة، فإن مجرّد الشكّ بالسلطنة لا يكفي، بل لا بُدّ من إحراز وجودها السابق ليجري الاستصحاب، وحينئذٍ نقول: هل المراد أصالة عدم سلطنة المشتري على الثمن بما أنه ثمن، أو على نفس العين؟ 

ـــــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 355، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، البيع بالرؤية القديمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فقبل العقد كان للمشتري سلطنة على العين؛ لأنها ملكه، وما هو مورد الشكّ إنما هو بعد البيع، حيث يحتمل أنه بيع خياري، فيشكّ أنه هل حدث بالفسخ حق للمشتري أو لا؟ فالثمن بما هو ثمن ليس له حالة سابقة. فإنه أيّ وقت لم يكن له حقّ في الثمن حتى نستصحبه؟ فإنه بمجرّد أن اتّصف بالثمنية نحتمل أن له حقّاً. وأما بنحو النفي الأزلي بأن يقال: إنه حين لم يكن ثمن لم تكن عليه سلطنة، فنستصحب عدم السلطنة لإثبات عدمها على هذا الثمن، وهو مثبت. فإن استصحاب العدم النفسي لإثبات العدم الرابط مثبت. وأما العين فلا إشكال أنها ليس لها حالة سابقة؛ لأن سلطنته انقطعت بالعقد.

ونحن قلنا: إنه لا يرجع قول الشيخ(1) وابن إدريس(2) إلى قول (الدروس)(3)، ولا يرجع قول العلّامة إلى أيّ واحد من هؤلاء، فإن (الدروس) تكلّم عن اليد على الأعيان الخارجية، والشيخ وابن إدريس ذكرا أن الثمن ينتزع من المشتري، ولا ينتزع من المشتري إلّا بالبيّنة أو الإقرار. وهذا أعمّ ظاهراً من الخارجي والكلّي.

[مناقشة مع كلمات الأعلام] 

نقول للشيخ -بغضّ النظر عن كلام العلّامة-: هل نتكلّم عن قبل الفسخ أو بعده. فإن كان قبل الفسخ فالثمن ملك البائع، وأما المشتري فلا يريد أن يدفع حقّ الآخرين، ولا يمكن أن يمنعه إلّا بالبيّنة أو الإقرار. والبائع لا يريد 

ـــــــــــــ[270]ــــــــــ

(1) اُنظر: المبسوط 2: 77، كتاب البيوع.

(2) اُنظر: السرائر 2: 243، كتاب المتاجر، باب حقيقة البيع وأقسامه.

(3) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 199، كتاب البيع، المسألة: 238.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أن ينتزع مال المشتري بل يطالبه بحقّه، وهو دفع الثمن الذي أصبح ملكه. وأما بعد الفسخ، فيكون شبهة مصداقية لحرمة التصرّف بمال الغير، لكن استصحاب بقاء المال على مالكه، وهو البائع، فيحقّق موضوع الدليل، ويكون للبائع المطالبة، وإذا كان ديناً تشمله أدلّة وجود الأداء.

وأولى بالنظر قول العلّامة(1) الذي تمسّك بأصالة البراءة عن الثمن، وهو في الكلّيات، فإنه بعد البيع وقع على عهدته مال الغير، أما قبل الفسخ فيجب عليه الدفع، وبعده فالاستصحاب جارٍ، ولا أقلّ من استصحاب الاشتغال.

فهل ما ذكره العلّامة(2) من أن الثمن والمثمَن في زمن الخيار لا يجب دفعه، كلام قام الإجماع عليه؟ والشيخ(3) قال في محلّه(4): إنهم لم يتعرّضوا إلى ذلك ولا إجماع عليه.

بعضهم قالوا(5): إن مراد العلّامة: أن بعض الخيارات -لا كلّها- لا يجب 

ـــــــــــــ[271]ــــــــــ

() اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 61، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، مسألة: 33.

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم 11: 181، كتاب البيع، المقصد الثالث، الفصل الأوّل، المطلب الثاني، مسألة 347.

(3) يعني الشيخ الأنصاري. (المقرِّر).

(4) اُنظر: كتاب المكاسب 6: 187-188، القول في الخيار، أحكام الخيار، مسألة: ومن أحكام الخيار ما ذكره في التذكرة … .

(5) اُنظر: منية الطالب 1: 408، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

دفع المثمَن فيها، فإن الخيارات قد تكون زمانية كخيار المجلس والحيوان والشرط. وبعضها خيارات ثابتة باعتبار الشرط الضمني كخيار العيب والغبن وتخلّف الوصف. وقسم منها ما نحن فيه وهو خيار تغيّر الوصف، وهذا لا ينبغي جعله قسماً في مقابل الشرط الضمني. إلّا أنه جعله قسماً في مقابله. قال(1): والعلّامة قال بعدم وجوب الدفع في القسم الأوّل لا في القسمين الأخيرين. ثُمّ يقول: إن هذا التفصيل موافق للقاعدة، فإنه في الخيارات الزمانية لا يجب الدفع، وفي غيرها يجب الدفع. ويقول في وجه ذلك: إنه في موارد الخيار الزماني يصل تمام حقّ المالك إليه، وإنما جعل الشارع الخيار إرفاقاً بالمالك أو بقرار من المتعاقدين. فجميع أنحاء سلطنة التصرّف تخرج عن ذي الخيار. أما في القسمين الآخرين للخيار، فليس المبيع بتمام خصوصياته واصلاً، بل هناك عيب أو مخالفة للوصف أو تغيير للوصف، فليس هذا النحو من الخيار من الخيارات الإرفاقية، فلا يتعلّق الخيار بالعقد ابتداءً، بل له حقّ استرداد العين؛ لأنه معيب ويتعلّق الخيار بالعقد ثانياً وبالعرض، ومعه يكون حقّ المطالبة ثابتاً.

قال أوّلاً: إنه في(2) الخيارات الزمانية يكون العقد متزلزلاً؛ إما بجعل من الشارع أو من المتبايعين، إذن فجميع أنحاء النقل تحت سلطنة ذي الخيار. ثُمّ إن 

ـــــــــــــ[272]ــــــــــ

() اُنظر: منية الطالب 1: 408، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

(2)حاصل ما ذكره [الماتن] وكرّره ثلاث مرّات في عبارته، أن قال أوّلاً: إنه في… (المُقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ماهيّة الخيار من الخيارات الزمانية عبارة عن الحقّ المتعلّق بالعقد، بخلاف الخيارات الأخرى، فإنها متعلّقة بالعين أوّلاً، ومتعلّقة بالعقد ثانياً. وسرّه: أن ما وقع عليه العقد لم يصل إلى ذي الخيار، فمن حقّه أن لا يسلمه إلّا إذا وصل خلافه. بخلاف الخيارات الزمانية، فإن تمام حقّه وصل إليه، فيتعلّق الخيار بالعقد، فتكون النتيجة هي أن دليل السلطنة لا مخصّص له في القسمين، ولا بُدّ من الدفع إلى صاحبه، وفي الخيارات الزمانية لا بُدّ من رفع اليد عن دليل السلطنة؛ لأن تمام المطلب وصل إليه.

نحن لم نستطع أن نفهمه حتى مع تمامية كلّ مقدّماته، لأننا نسأل: أن الخيار حين يكون متعلّقاً بالعقد كان متزلزلاً، يعني: يكون قابلاً للفسخ، فما دام الفسخ غير متحقّق، فالعوض للآخر، فلماذا لا يشمله دليل السلطنة؟ ولماذا يكون متزلزلاً موجباً لعدم شمول دليل السلطنة له، فإنه انتقل إلى الغير ولم يفسخ؟

ثُمّ إنه ما الفرق بين التزلزل الابتدائي والثانوي، فإذا كان التزلزل موجباً لعدم شمول دليل السلطنة، ففي كِلا الصورتين لا بُدّ أن يكون كذلك، على أن ماهيّة الخيار على نحو واحد، فلماذا تقسمها إلى قسمين؟ فكلّ كلامه راجع إلى دعوى بدون دليل.

ثُمّ إنه لو قلنا بأنه في زمان الخيار لا يجب التسليم والتسلّم. يقول الشيخ(1)

ـــــــــــــ[273]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 282، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الأصل مع البائع وهو أصالة عدم سلطنة البائع على الثمن، لكن هناك أصل حاكم مقدّم عليه وهو: أصالة عدم سبب الخيار، ولا مدفع لذلك الأصل، إلّا هذا الأصل على فرض جريانه.

[مطالب لها صلة بمحل البحث] 

ولأجل التوضيح لا بُدّ أن نذكر المطالب التي تمتّ إلى المقام بصلة:

المطلب الأوّل: أننا ذكرنا في محلّه(1) أقسام القضايا ككلّ، ولا نذكر منها إلّا أقسام القضايا السالبة؛ لأنه محلّ الحاجة في المقام.

نقول: إن اليقين والشكّ اللذين أُخذا في دليل الاستصحاب لا يتعلّقان إلّا بالقضايا، ولا يتعلّقان بالمفردات كعدالة زيد، فإن اليقين بها بمعنى اليقين بأن عدالة زيد موجودة، أو بأن زيداً عادل.

والقضايا السالبة يمكن أن تكون على ثلاثة أنحاء بحسب الآثار الشرعية المترتّبة عليها:

النحو الأوّل: السالبة بسلب الموضوع، مثل: (شريك الباري ليس بعالم). فإنه ليس حكماً وارداً على الشريك المفروض الوجود.

النحو الثاني: السالبة المحصّلة عن موضوع محقّق، مثل: (زيد لم يكن عادلاً).

النحو الثالث: السالبة الأعمّ من سلب الموضوع ووجوده.

ـــــــــــــ[274]ــــــــــ

(1) اُنظر: أنوار الهداية 2: 101، الأُصول العمليّة، تنبيهات البراءة، بيان اعتبارات القضايا.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إذا كان الحكم مترتّباً على السلب مع فرض وجود الموضوع، كما لو كان زيد موجوداً ولم يكن عادلاً، والآن أشكّ أنه صار عادلاً أو لا. فيصحّ الاستصحاب، وأما إذا كان السلب لانتفاء الموضوع أو الأعمّ، وكان الأثر مترتّباً على سلب الوصف عن الموجود الخارجي، كالمرأة التي ليست بقرشية لا تحيض إلى ستّين سنة، فإن الحكم لم يرد على السالبة بانتفاء الموضوع ولا على الأعمّ، فإذا أردنا استصحاب السلب عن موضوع موجود في الخارج، فليس له حالة سابقة إذا احتمل كونه موصوفاً بمجرّد وجوده، وما له حالة سابقة هو السلب بسلب الموضوع أو السلب الأعمّ. ونحن نريد أن نأتي بهذا السلب ونثبت به السلب للموجود الخارجي، فيكون مثبتاً على ما سبق في ميزان الأصل المثبت، وستأتي الإشارة إليه عما قريب. وفيه أيضاً: كونه استصحاباً للعلم لإثبات الحكم الخاصّ.

المطلب الثاني: أنهم ذكروا لتقدّم الأصل السببي على الأصل المسبّبي موازين عديدة غير صحيحة، وما يمكن أن يقال: إنه لم يرد دليل على هذا التقدّم، وإنما نريد تحقيقه على حسب الموازين كغسل الثوب المستصحب النجاسة بالماء المستصحب الكرّية. فاستصحاب الكرّية أصل سببي، واستصحاب النجاسة في الثوب أصل مسبّبي، واستصحاب الكرية يرفع الشكّ في النجاسة.

نقول: إن استصحاب الكرّية لا منافاة له مع استصحاب النجاسة بوجه؛ لأنهما موضوعان ومحمولان. وما لهما نزاع هو أن يوجد أصل يقول: (إن ما غسل بالماء نجس)، ويوجد أصل آخر يقول: (إنه طاهر)؛ ليتعارضا. واستصحاب الكرّية لا يمكن أن يكون رافعاً للشكّ في نفسه. وما يرفع الشكّ 

ـــــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هو أنه بعد استصحاب الكرّية يكون الماء مشمولاً لكبرى شرعية تقول: (المغسول بالكرّ طاهر)، وهذا يكون رافعاً للشكّ بالنجاسة، وهذه كبرى لم يؤخذ فيها الشكّ، فتكون مقدّمة على اللسان الذي أُخذ فيه الشكّ. فنكتة التقدّم هو أن الدليل الاجتهادي مقدّم على الأصل العملي، وليس في الأصل السببي دليل اجتهادي يقول: (لو كان هذا نجساً فالماء ليس كرّاً).

المطلب الثالث: أن ميزان الأصل المثبت -كما قلنا مكرّراً- هو: أن القضيّة المستصحبة إذا كانت موضوعاً لحكم شرعي لم يكن الأصل مثبتاً. وأما إذا كان الحكم مترتّباً على الواسطة فإنه يكون مثبتاً.

[تقرير الشيخ الأعظم في المقام ونقده]

والآن لا بُدّ أن ننظر إلى الأصول التي ذكرها الشيخ(1)؛ لنرى أنها هل تنطبق على هذه القواعد أو لا؟

أجرى الشيخ -بناءً على أنه في زمان الخيار لا سلطنة للبائع على الثمن، ولا للمشتري على المثمن- أصلاً وأصلاً حاكماً عليه. فقال: إذا مشينا على قول العلّامة فالشكّ: أنه له خيار أو لا، يوجب الشكّ في سلطنة البائع على الثمن. فيكون من يوافق قوله هذا الأصل منكراً، والآخر مدّعياً وهو المشتري. ولا مدفع لهذا الأصل إلّا أصالة عدم سبب الخيار بناءً على جريانه، فيكون حاكماً على هذا الأصل.

ـــــــــــــ[276]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 275-281، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا باع عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ونحن لنا كلامان:

أحدهما: أن أصالة عدم سلطنة البائع على الثمن هل تجري أو لا؟

والآخر: أن أصالة عدم سبب الخيار هل تجري أو لا؟

[الأمر الأول: في أن الثمن خارجي أو كلي] 

أما الأمر الأوّل، فالثمن قد يكون خارجياً، وقد يكون كلّياً كما هو العادة، وعلى أيّ حال، فبحسب ما ذكرنا في المقدّمات إذا استصحبنا عدم سلطنة البائع على الثمن -الذي هو معقد الإجماع بدعوى العلّامة، وكذلك عدم سلطنة المشتري على المثمن- فهذا ليس له حالة سابقة، فإنه من حيث وقوع البيع صار الثمن ثمناً، وحدث احتمال سلطنته عليه، ولا علم أنه ليس له سلطنة على الثمن، وقبل البيع كان السلب بسلب الموضوع حين لم يكن ثمن ولا بائع ولا مشتري ولا سلطنة. فإذا أردنا استصحاب ذلك لنوصله إلى زمن البيع، فهذا من واضحات المثبتات.

أما إذا كان الثمن خارجياً، فمرّة نقول: إنه قبل أن يكون هذا الثمن الخارج ثمناً، لم يكن للبائع سلطنة في أخذه من المشتري؛ بعلّة أنه كان للغير ولا سلطنة له على مال الغير. وبعد البيع زالت العلّة وزال المعلول وهو الحكم، واحتمل أنه مقارناً لذلك حدثت سلطنة أخرى على المثمن. فعندنا ماهيّة عدم السلطنة، وعندنا شخصان لها، اللذان هما مصداقان لذلك المفهوم، وهما: سلب السلطنة عن مال الغير، وسلب السلطنة عن الثمن باعتبار زمن الخيار. فنستصحب كلّي سلب السلطنة إلى زمن تحقّق البيع. ونريد أن نثبت به عدم السلطنة على الثمن، 

ـــــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهو من استصحاب الكلّي وترتيب آثار الفرد عليه، وهو من المثبتات.

وأما أن نقول: إن الأحكام الواردة على العناوين إذا حدث مصداقها في الخارج، فإن الحكم يلحق المصداق أيضاً. فلو قال: (كلّ عالم يجب إكرامه)، وتقول: (هذا عالم فيجب إكرامه). وكذلك في المقام نقول: هذا مال الغير ولا سلطنة لأحد عليه، فالبائع لا سلطنة له على هذا المال، فينطبق الحكم على هذا الموجود الخارجي.

وحينئذٍ نقول: إن مال الغير الذي هو إما موضوع للحكم أو علّة له، يرتفع بارتفاعه لا محالة. ونحتمل حدوث حكم آخر على موضوع أو علّة أخرى. فعدم السلطنة على هذا المال بما هو مال الغير ارتفع قطعاً، ونحتمل ثبوت حكم آخر على الثمن بما هو ثمن، فيكون من قبيل استصحاب الكلّي من القسم الثالث. والحكم وإن سرى إلى الخارج، إلّا أن ثبوته على العنوان لا زال بحاله، فيستحيل بقاؤه بعد زوال العنوان.

[الأمر الثاني: في أصالة عدم سبب الخيار] 

وأما أصالة عدم سبب الخيار فيقع الكلام في أصل جريانها، وفي أنه هل هو أصل سببي مقدّم على الأصل الآخر أو لا؟

الاحتمالات في كلام الشيخ(1) كما يلي:

أحدها: أن نأخذ بظاهر كلامه من أن سبب الخيار غير موجود 

ـــــــــــــ[278]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 279-280، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

باعتبار الأصل، فيكون حاكماً على أصالة عدم السلطنة. 

حينئذٍ نقول: إن أصالة عدم السلطنة ناشئة من أنه هل له خيار أو لا؟ فإذا كان له خيار فلا سلطنة له، وإذا لم يكن له خيار فله سلطنة. وشكّنا بوجود الخيار مسبّب عن الشكّ بثبوت سببه وعدمه. فالشكّ في السلطنة ناشئ من الشكّ في سبب الخيار مع الواسطة.

وأصالة عدم سبب الخيار فيها عدّة إشكالات، فإننا هل نريد بأصالة عدم سبب الخيار أن نثبت عدم السلطنة؟ مع أنه لم يترتّب على ذلك السلطنة ولا عدمها شرعاً، وإنما ترتّب على الخيار وعدمه. فإذا أردت ترتيب المطلب بلا واسطة لم يكن صحيحاً.

وإذا كان المراد أن أصالة عدم سبب الخيار تجري، ويترتّب عليها عدم الخيار، وإذا ترتّب عدم الخيار كانت السلطنة موجودة. فيرد عليه ما قلناه من أن ترتّب المعلول على علّته، وعدمه عند عدمها حكم عقلي، وليس حكماً شرعياً. فيكون سلب المسبّب عند عدم سببه مثبتاً.

مضافاً إلى إشكال مشترك يرد عليه في كلّ الأقسام، وهو: أنك تريد أن تجعل العقد خيارياً حتى يترتّب عليه عدم السلطنة، أو بالعكس، وأصالة عدم الخيار في العقد ليس له حالة سابقة؛ لاحتمال عدم الخيار مع وجود العقد، وهو مثبت؛ لأنه من استصحاب العدم المطلق لإثبات العدم الرابط.

وإذا كان مراده أصالة عدم التغيّر، فليس مراده أصالة عدم التغيّر الذي هو من الأمارات، فإنه لو كان كذلك فإنه يكون مقدّماً على الأصل، سواء كان 

ـــــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

سببياً أو مسبّبياً. إذن فمراده الأصل الشرعي، فنرى أن التغيّر وعدمه لا حكم له أصلاً، فإن الخيار لم يترتّب على التغيّر، ولم يترتّب عدمه على عدمه، بل الخيار مترتّب على تخلّف الشرط، وعدمه على عدمه، وأنت تريد أن تثبت بأصالة عدم التغيّر عدم تخلّف الشرط. إذن فلا خيار أو بالعكس، وليس عندنا خيار التغيّر في الشريعة.

وأما أصالة عدم تخلّف الوصف، أو عدم تخلف الشرط، فليس له حالة سابقة؛ لأنه من حين وجود البيع أشكّ في أن التخلّف موجود أو لا. وما هو معلوم هو عدم وجود التخلّف بنحو السلب التامّ، فإذا أردنا أن نثبت السلب الرابط فيكون مثبتاً. مضافاً إلى أنه لا يثبت أن العقد كان مبنيّاً على ذلك().

ـــــــــــــ[280]ــــــــــ

() وهنا قال له أحد الإخوان ما مؤدّاه: أن الموضوع مركّب من العقد على عين، وأن تكون تلك العين غير متغيّرة، ومعه يمكن إثبات موضوع الخيار هذا بضمّ الوجدان إلى الأصل، ولا يكون مثبتاً.

فأجاب: بأن هذا غير صحيح؛ لأن الأصل لا يثبت كون الذات المبيعة أو العين المعقود عليها متغيّرة. وكون عدم التغيّر موجوداً في العالم بغضّ النظر عن العقد لا يفيد، وليس هو موضوع الخيار.

نعم، لو جرى استصحاب عدم الخيار في البيع لترتّب عليه أنه بيع لازم على إشكال فيه وحاصله: أنه في باب ثبوت الأحكام للموضوعات لو رتّبناها عليها بالاستصحاب لكان ممكناً؛ لأن ترتّب الحكم على موضوعه شرعي. فهل عدم الحكم بعدم موضوعه شرعي أو عقلي؟ فلو ترتّب وجوب الإكرام على العدالة، ولم يكن للقضية مفهوم ولا حكم للفاسق، واستصحبنا عدم العدالة، فارتفاع الحكم عن زيد هل هو من الأحكام=

 تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ـــــــــــــ[281]ــــــــــ

=الشرعية أو العقلية؟ فإنه ليس عندنا حكم شرعي بعدم الحكم عند عدم الموضوع. وقد يمكن التشبث بالعرف من أنه متى ثبت حكم لموضوع كان الحكم الشرعي لعدمه عدم الحكم، إلّا أن الإشكال في ذلك هو أن العرف لا دخل له في ذلك. ولم يتّضح جواب هذا الإشكال إلى الآن.

أقول: هذا غريب من السيد: 

أما نقضاً فباعتبار أن ترتّب الحكم عند وجود موضوعه أو علّته عقلي أيضاً، لوضوح أن الكبرى الشرعية لا تثبت موضوعها ولا علّتها، وإنما تشخيص ذلك إلى العقل، فيكون ترتّب الحكم على موضوعه لازماً عقلياً لمجرى الأصل؛ فيكون الأصل مثبتاً. وبذلك ينسدّ باب جريان الأصول الموضوعية بالمرّة.

وأما حلاً بناءً على كلّ ما يذهب إليه السيد من مباني فهو أن يقال: إن الحكم أيضاً يكون منفيّاً عند استصحاب عدم موضوعه بأصل ظاهري حكمي، مضافاً إلى الأصل الموضوعي، وذلك بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: أننا بعد استصحاب عدم الموضوع نشكّ في وجود الحكم وعدمه؛ للشكّ في مطابقة هذا الاستصحاب للواقع وعدمه، فيتحقّق بالشكّ بثبوت الحكم موضوع البراءة العقلية والشرعية وأصالة الإباحة.

الوجه الثاني: أنه يمكن إجراء استصحاب عدم الحكم الجزئي، أيّ: الحصّة التي كانت تترتّب لو كان هذا الموضوع تامّاً . وحيث نشكّ في تحقّق الموضوع نشكّ في تحقّق الحكم لا محالة، وحيث إنه مسبوق بالعدم عندما كان موضوعه مقطوع العدم، ونشكّ بتبدّله إلى الوجود، فنستصحب عدمه.

ويمكن أن يجاب بوجوه أخرى بناءً على مبانٍ أخرى.=

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 ـــــــــــــ[282]ــــــــــ

=الوجه الثالث: بناءً على أن القضايا الحقيقية ترجع إلى قضايا شرطية عرفاً، إذن فيكون كلّ حكم وموضوع راجعاً إلى قضيّة شرطية، ويكون المفهوم النافي للحكم عند انتفاء الموضوع ثابتاً على طول الخطّ. وبذلك يصبح الانتفاء عند الانتفاء شرعياً لا عقلياً.

الوجه الرابع: أنه بغض النظر عن ذلك، لا نكون بحاجة إلى المفهوم، فإن انتفاء شخص الحكم بانتفاء قيده مما يدلّ عليه -عرفاً- الوصف والقيد، بل اللقب فضلاً عن الشرط. ونحن لا نحتاج في ترتّب عدم الحكم على عدم موضوعه شرعاً إلى أكثر من ذلك.

الوجه الخامس: أنه يمكن أن يقال: إنه يستفاد من لسان أدلّة الأحكام الظاهرية نحو من الحكومة على أدلّة الأحكام الواقعية، بحيث ينتج توسيع موضوعاتها الواقعية ثبوتاً وعدماً إلى الثبوت والانتفاء الظاهري. بمعنى: أن الموضوع الثابت ظاهراً يترتّب عليه الحكم واقعاً، والحكم المنتفي ظاهراً يترتّب عليه عدم الحكم واقعاً.

وانتفاء الحكم عند الانتفاء الظاهري لموضوعه وإن لم يكن انتفاءً شرعياً، بعد غضّ النظر عن الوجوه السابقة، إلّا أنه عقلي قطعي. فكما لو قطعنا بعدم الموضوع وجداناً نقطع بعدم حكمه، فكذلك لو قطعنا بعدمه ظاهراً -والحكم الظاهري محرز وجداناً- فإنه يترتّب عليه القطع بعدم الحكم واقعاً، بعد البناء على الحكومة الظاهرية التي أشرنا إليها.

الوجه السادس: أن نقول بحجّية الأصل في إثبات اللازم البّين بالمعنى الأخصّ، ولو من باب إلحاقة بمجرى الأصل نفسه في ترتّب الأثر، باعتبار أن العرف يقطع بعرفيّته أن المولى الذي يأمر بترتيب الأثر على الملزوم يأمر أيضاً بترتيب الأثر على لازمه البيّن المكشوف عرفاً. فيفهم ذلك من نفس لسان دليل الأصل، وخاصّة فيما إذا كان محرزاً كالاستصحاب.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [نقد كلام العلامة في المقام]

على أن استصحاب عدم الخيار إنما يثبت عدم وجود السلطنة باللازم. على أنه يرد عليه الإشكال المشترك وهو: أنه ليس له حالة سابقة.

الوجه الآخر: نُقل عن العلّامة أن البائع أدّعى علم المشتري بوصف المبيع، والأصل عدمه، ولعلّه يستفاد من كلامه أصل آخر: وهو أن البائع يدّعي أن المشتري راضٍ بالوصف، والأصل عدمه. فالبائع يدّعي على خلاف الأصل، وقول المشتري على وفقه. 

والشيخ وإن تعرّض إلى الأصل الأوّل خاصّة، إلّا أن الكلام في الثاني هو الكلام في الأوّل. وقد أجاب الشيخ(1) بجوابين:

أحدهما: إن أصالة عدم علم المشتري بهذا الوصف معارض بأصالة عدم علمه بوصف آخر.

ثانيهما: أنه يتقدّم عليه الأصل السببي، فإن الشكّ في أنه كان على الوصف حين العقد، ناشئ من الشكّ في التغيير، والأصل عدم التغيير.

ـــــــــــــ[283]ــــــــــ

إذا تمّ ذلك، كانت الصغرى في محلّ الكلام محرزة، فإن انتفاء الحكم عند انتفاء موضوعه لازم عقلي وعرفي بيّن بالمعنى الأخصّ؛ فيترتّب لا محالة، باعتبار شمول دليل الأصل له. إلّا أن هذا -في واقعه- قول بحجّية الأصل المثبت بهذا المقدار، وهي ما لا يريده السيد. وإن كانت بهذا المقدار ليست ببعيدة. انتهى. (المُقرِّر).

() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 275-276، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إذن فعندنا عدّة أصول: أصالة عدم علم المشتري بهذا الوصف، وأصالة عدم رضاه بهذا الوصف، وأصالة عدم علمه بوصف آخر، وأصالة عدم رضاه بوصف آخر، وأصالة عدم التغيّر الذي يحكم عليها جميعاً.

والإشكال المشترك على جميع هذه الأصول هو ما قلناه من أن كلّ هذه الأمور ليس لها حالة سابقة. فإن عدم علمه بهذا الوصف أو عدم علمه بوصف آخر ليس موضوعاً لحكم أصلاً، ولو كانت موضوعاً لحكم، فعدم علمه بالوصف حال البيع ليس له حالة سابقة، وعدم علمه المطلق، وإن كان له حالة سابقة وإثبات العدم حال البيع مثبت. فإن عدم رضائه السابق لا أثر له، وإنما عدم رضائه بعد البيع له أثر، -على الفرض- وهو لا يثبت بالأصل. 

وهذا الإشكال نفسه يرد على أصالة عدم التغيير. مضافاً إلى أنه أيّ حكم من الأحكام مترتّب على علم المشتري؟! فإن الخيار غير مترتّب على عدم العلم، بل غايته أن تخلّف الشرط موجب للخيار، وعدم التخلف سبب للزوم، فتكون أصالة عدم العلم مثبتة للّزوم بعدّة وسائط عقلية. بأن يقال: إن المشتري علم بالوصف، ثُمّ رضى به، ثُمّ اعتبره في العقد، ثُمّ تخلّف الوصف. وكذلك عدم الرضا ليس له حكم شرعي، وأنت تريد أن تثبت به حيث إنه غير راضٍ بهذا الوصف فهو راضٍ بغيره، وجعل العقد مبنيّاً عليه، وقد تخلّف، إذن فالخيار ثابت.

مع أنه ليس شكّاً سببياً ومسبّبياً، فإن علم المشتري وعدمه ليس مسبّباً عن وجود الوصف في الخارج. نعم، حال المشاهدة يكون عادة عالماً بالوصف. لكن هل الوصف المشاهد باقٍ إلى الآن أو لا؟ فإن هذا هو محلّ الدعوى. وهذا هو مصبّ 

ـــــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الدعوى، وقلنا: إنه لا يمكن غضّ النظر عنها، وإرجاعها إلى مسألة أخرى.

ولو فرضنا أن الأصل سببي ومسبّبي، فليس كلّ أصل سببي حاكم على الأصل المسبّبي، بل لا بُدّ أن يكون الأصل السببي رافعاً للشكّ في الأصل المسبّبي، وذلك بالطريق الذي قلناه وهو: أن الأصل السببي يترتّب عليه حكم شرعي اجتهادي، ويكون هذا رافعاً للشكّ في الأصل المسبّبي.

[بيان دعوى المحقق الكركي في المقام وردّها]

أما ما قاله المحقّق الثاني: وهو أصالة عدم وصول حقّ المشتري إليه(1)، الشيخ يقول: أما الحقّ اليقيني فقد وصل إليه، فإنه قد دفع المثمن. وما شككنا في وصوله إليه نشكّ في ثبوته(2).

بعضهم قالوا(3): إن الأصل على نحو آخر غير النحو الذي قاله المحقّق الثاني، فإن عندنا أصلين متنافيين، فإنه لا إشكال أنه عند البيع لا بُدّ أن يكون وصف الهزال والسمن معلوماً، فعند العقد كان الأمر مردّداً بين كونه على الهزيل أو على السمين، وعند التسليم نعلم أنه لم يدفع إليه حقّه، وبعد التسليم يتردّد الأمر بين أن يكون سميناً حتى يعلم أن حقّه لم يدفع إليه، وبين أن يكون 

ـــــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) اُنظر: جامع المقاصد 4: 109، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 276، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

(3) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (المحقّق الأصفهاني) 3: 356-357، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، البيع بالرؤية القديمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مهزولاً حتى يكون الحقّ قد دفعه جزماً، والحقّ بمفهومه ليس له أثر، وما له أثر هو الحقّ بالحمل الشايع، فلا يكون جواب الشيخ صحيحاً.

 نقول:إنه كما قال: وقت العقد لا بُدّ أن يكون الوصف معلوماً، ولكن كيف يحدث الحقّ؟ فلو عقدا على دابّة مشلولة أو مهزولة معلومة الوصف، فهل يحدث حقّ للمشتري بأن يأخذها مشلولة، بحيث لو عادت صحيحة لكان ذلك على خلاف حقّه؟ أو يكون هناك تخلّف الشرط؟ وإنما الحقّ ثابت من أحد الطرفين دون الآخر. فلو شوهدت الدابّة سالمة ثُمّ هزلت كان حقّه غير واصل إليه، وكان الوصف متخلّفاً.

فإذا وقع العقد على سالم وسلّمه سالماً فقد سلّم إليه حقّه. وأما لو وقع على الهزيل ودفع سمينة فحقّه واصل إليه.

وليس أن الأمر دائر بين حقّين متباينين، وبعبارة أخرى: إنه حصل خلط بين الأوصاف التي ترفع الغرر -وهي كلٌّ من السمن والهزال- وبين الأوصاف التي تحدث الحقّ -وهي أوصاف الكمال-. وإنما يحدث تخلّف الهزال حقّاً بالعناية الثانية، إذا كان المشتري لجوجاً. فالأصلان المتباينان لا أصل لهما.

[تقرير آخر للشيخ الأعظم] 

يقول الشيخ(1): إنه يمكننا أن نبني المسألة على أن الوصف المشاهد قبل البيع هل هو من قبيل الشرائط التي اعتبرت في ضمن البيع، بحيث لو لم يتحقّق 

ـــــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 276-277، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الشرط فالبيع صحيح؟ أو هو من قيود المعقود عليه، فيكون الأمر دائراً بين بطلان البيع وصحّته؟ ولهذا فهذه القيود من القيود التي لا يمكن إلغاؤها. فإن قلنا: إنه من الشروط التي في ضمن العقد، فالأصل مع البائع، وهو أصالة عدم الاشتراط. وبعبارة أخرى: أصالة عدم وقوع العقد على الشيء بالشرط الكذائي. وإن جعلنا الوصف من قيود المعقود عليه، فالأصل مع المشتري كما سوف نتكلّم.

هنا كلام في الشرائط المستقلّة، وإن الشرط المشكوك في العقد إذا كان على تقدير وجوده شرطاً مستقلّاً، كالخياطة، فهل هنا أصل موجب لنفيه أو لا، أو أن هناك تفصيلاً بين الشرائط التي يجعلها العقلاء في حكم الشرط الضمني في المعاملة وغيره؟ فما ذكر في ضمن المعاملة له أصل نافٍ، وغيرها ليس له أصل، كما سوف نقول؟ أو نقول بتفصيل آخر: وهو أن البيع عبارة عن الإيجاب والقبول أو عن الإيجاب وحده، كما اخترناه وليس للقبول دخل في ماهيته وإن كان دخيلاً في ترتيب الأثر؟ 

فلو اشترط شيئاً في ضمن العقد، فهل يمكن أن يقال: إن هذا ليس من قبيل إثبات العدم الخاصّ بإجراء الأصل لنفي العدم المطلق، أو إثبات عدم المحمول بعدم الموضوع؟ لا يمكن أن يقال ذلك. فإنه إذا ذكر الشرط في ضمن العقد نقول: إن البيع واقع، ولم يقع فيه شرط. بمعنى أنه حين قال: (بعتك) لم يكن الشرط متحقّقاً، ونشكّ أنه قال بعد ذلك: (وشرطت عليك كذا). أو نقول: البيع مركّب عند الآغايون من الإيجاب والقبول، وبانتهاء القبول يحصل نفوذ كلّ ما قيل في الإيجاب؛ فيجري الأصل في الإيجاب، ونقول إنه غير 

ـــــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مشروط. وهذا المقدار ثابت، وهو أنه وقع الإيجاب في زمان ولم يقع الشرط، وإن لم يكن البيع واقعاً.

إلا أن هذا [غير] صحيح، فإن الوقوع بعد الإيجاب لا أثر له، بل الأثر مترتّب على الوقوع بعد البيع، والبيع مركّب من الإيجاب والقبول -على الفرض-، وإن أردت من استصحاب ذلك إثبات كونه غير واقع في البيع؛ فهو مثبت.

وكذلك استصحاب عدم الشرط في الإيجاب بناءً على ما قلناه، من أن الإيجاب هو تمام ماهيّة البيع، فإن الماهيّة لا أثر لها عقلائياً وشرعاً إلّا بالقبول، ولا يكون الإيجاب واجب الوفاء بدونه، فالعقد قبل القبول لا أثر له، والعقد المؤثّر الذي نريد أن نقول إنه لا شرط فيه لا يتمّ إلّا بالأصل المثبت(1).

هذا إذا ذكر القيد في العقد، وفي المقام ليس كذلك، فإنه لم تحدث إلّا المشاهدة، وإلّا العقد على العين المحتملة التغيير.

والشيخ(2) ردّد الأمر بين مطلبين: إما كونه شرطاً في هذا البيع أو أنه شرط 

ـــــــــــــ[288]ــــــــــ

() قال أحدهم: إن الموضوع إذا كان مركّباً من حصول القبول ومن عدم الشرط؛ فإنه يكون تامّاً بضمّ الوجدان إلى الأصل.

فأجاب: أنه لا بُدّ من وقوع الشرط في ضمن العقد المؤثّر، فيكون إثباته بالأصل متعذّراً، إلّا بناءً على الأصل المثبت. فإنه لا يتمّ إلّا بالملازمة العقلية، وليس عندنا كبرى شرعية تقول: إذا لم يقع في ضمن الإيجاب فهو واقع في ضمن العقد..

(2) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

للمعقود عليه. إلّا أن الصحيح أن الأمر دائر بين ثلاثة أمور:

أوّلاً: أن يكون شرطاً مستقلّاً.

ثانياً: إن يكون شرطاً مبنيّاً عليه العقد، كما لو باعه مبنيّاً على مقاولة سابقة. وهو عند العقلاء كشرط ضمن العقد.

ثالثاً: أن يكون شرطاً للمعقود عليه. فليس أن الشرط إذا لم يكن استقلالياً انحصر أن يكون شرطاً للمعقود عليه، بل يمكن أن يكون ذلك ويمكن أن يكون شرطاً مبنيّاً عليه العقد.

والشرط في المقام لم يقع استقلالاً في البيع، بل وقع مبنيّاً على المشاهدة، وليس هذا من قيود المعقود عليه، بحيث لا ينطبق على الخارج، ولهذا فهو يبيع الخارج الآن. فليس الشرط في المقام مستقلّاً ولا شرطاً للمعقود عليه، بل هو شرط غير مستقلّ في العقد، يعني أن العقد وقع مبنيّاً عليه. فالتقريب الذي ذكرناه للاستقلال لا يأتي، وهو استصحاب عدم كون العقد مشروطاً فيه، أو أصالة عدم كون الشرط معقوداً عليه.

ولو أغمضنا النظر عن ذلك يأتي الإشكال على الشيخ، فإنه قال: وبعبارة أخرى: يجري أصل عدم وقوع العقد على المقيّد، أو على الشيء المبني عليه العقد. 

نقول: إنه لو صحّ ذلك فإنه لا ينفع للاستدلال؛ لأنه لو جرى هذا الأصل لجرى ذاك الأصل. مع أنهما معاً لا أثر لهما، والسلب المطلق لا حكم له، ولو أردت إثبات العدم الخاصّ باستصحابه كان مثبتاً.

ـــــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

قال الشيخ: إنه يمكن أن نبي المسألة على أن هذا الوصف المشاهد بمنزلة الاشتراط في ضمن العقد، فتجري أصالة عدم الاشتراط، ويكون هذا الأصل مع البائع. أو أنه من قيود المعقود عليه، فيكون مع المشتري، ثُمّ يختار أنه ليس من الشرائط ضمن العقد؛ لأنه لم يقع شرطاً مستقلّاً في العقد لننفيه بالأصل، بل هو من قيود المعقود عليه. ولذا كان مرجع الدعوى إلى أن العقد وقع على عنوان ينطبق على هذا الموجود بوصفه أوّلاً. 

لنا كلام في أن المسالة هل هي مبتنية على هذا المعنى، بحيث لو أن إنساناً  شرط في ضمن العقد لزمه القول بأن المنكر هو البائع، وإن قال: إنه شرط للمعقود عليه لزمه القول بأن المنكر هو المشتري؟ 

نقول: إن الكلام إذا كان في الاعتبار وعدمه بعد الفراغ عن صحّة المعاملة، كما هو طبع البحث، بحيث إن المعاملة مبنيّة على أوصاف تصحّ باعتبارها -إذ لو لم تبتنِ المعاملة على وصفٍ كانت باطلة على مبنى الشيخ – إذ فقد اتّفقا على بناء المعاملة على الوصف، فهل إذا بنينا على أنه من قيود المعقود عليه كان الأصل مع المشتري؟ 

ليس كذلك، إذ لا إشكال أن العقد وقع على خصوصية، وإلّا لو كان المعقود عليه هو ذات الطبيعة، لم يكن خيار، فلا بُدّ أن يكون هناك وصف ضمني زائد حتى يثبت الخيار. وفي ذلك يختلفان، فالقيود وإن كانت للمعقود عليه لكنّها ليست قيوداً لفظية، ونحن نجري الأصل في تلك الخصوصية التي ينشأ منها الخيار ونقول: إن الأصل عدمها -مع غضّ النظر عن الإشكال 

ـــــــــــــ[290]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العمومي- فعلى كِلا التقديرين سواء أجرينا أصالة عدم الاشتراط أو أصالة عدم وقوع العقد على الشيء الملحوظ على أيّ حال يكون الأصل مع البائع. وكذلك إذا كان الأصل عدم قيد المعقود عليه، فإن هذه القيود سبب للخيار. 

وقولك: إنها ليست مستقلّة، نقول: ليس لا بُدّ أن تكون أوصافاً مستقلّة ليجري فيها الأصل، بل يمكن نفي الشرط الضمني، وعدم البناء على ذلك في العقد، وأنه لا مضايفة لك عن هذه الأصول. هذا إذا فرغنا من صحّة البيع، وكان الاختلاف في أنه خياري أو لا.

لكن عبارة الشيخ(1) مشعرة في أن الاختلاف بصحّة المعاملة، فيعود النزاع إلى أن هذا البيع هل وقع على عنوان ينطبق على هذا الموجود، إذن فهو صحيح؟ أو لا، إذن فهو باطل؟ فتكون أصالة الصحّة مقدّمة على الأصول الأخرى المنتجة للبطلان. فإنها أصل عقلائي وهو مقدّم على الأصول الشرعية.

وبغض النظر عن ذلك نقول: إننا لو قلنا بأن الأصل جارٍ في قيود المعقود عليه، يقول الشيخ إن الشكّ في أن العقد هل وقع على عنوان ينطبق على هذه الصفة، أو لم يقع على ذلك، فإن كان واقعاً على ذلك فهو عقد لازم، وإذا لم يكن العقد واقعاً على ذلك، فالمعاملة ليس لها لزوم الوفاء.

نقول: إننا تارةً نتحدّث عن عنوان ينطبق عليه أو لا. وأخرى نتكلّم عما هو بالحمل الشايع مما ينطبق عليه بعد اتّفاقهما على وجود وصف في المعاملة، وأنه إذا تخلّف كان سبباً. وما ينطبق عليه بالحمل الشايع يعني العين المتّصفة 

ـــــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بهذا الوصف، والحمل الشايع مما لا ينطبق على هذا من الأوصاف، هو العين المتّصفة بصفات مفقودة، فهل الشيخ يريد أن يجري الأصل على الحمل الأولي على إجماله؟ بمعنى أن الأصل: هو  أن العقد لم يقع على عنوان ينطبق عليه. فهو مضافاً إلى الإشكال المشترك من أن العدم الوصفي ليس له حالة سابقة، والعدم الأزلي لا أثر له. فإن ما تريده هو للعمل بهذا العقد، واستصحاب العدم الأزلي لا يثبت أن هذا العقد لازم.

وإذا أردت الحمل الشايع لِما ينطبق عليه، فالاختلاف أن العقد وقع على موجود فالعقد صحيح، أو على موجود آخر فالعقد باطل. فالنزاع راجع إلى أن العقد وقع على هذا، فهو باقٍ أو على شيء آخر، فهو مفقود. فأصالة عدم ما ينطبق عليه، يرجع إلى أصالة عدم العقد على وصف موجود، وهذا ليس له حالة سابقة، وأصالة العدم الأزلي لا أثر له. وبخلافه لا يجري الأصل أيضاً، بل إن أصالة عدم وقوع العقد على الوصف المفقود -مع غضّ النظر عن تلك الإشكالات- أحسن في الإثبات ورفع الخيار.

[تحقيق وتحصيل]

بعد أن اختار الشيخ(1) أن القيود والأوصاف المأخوذة في العقد من أوصاف المعقود عليه، لا من شرائط العقد، مرّة يقول: إن النزاع في التغيّر وعدمه يعود إلى أن العقد واقع على الشيء الذي ينطبق على هذا الموجود، فالمشتري يلزم بالأداء. وإن كان واقعاً على أوصاف أخرى، فالتخلّف حاصل 

ـــــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وله خيار تخلّف الشرط. وهنا يرى الأصل جارياً، ويراه كافياً لرفع لزوم العقد.

أما معارضته مع أصل آخر هو أصل عدم وقوع العقد على الشيء بأوصافه المفقودة، يقول عنه: إنه غير مفيد؛ لأننا لا بُدّ أن نثبت أن العقد وقع على المفقود الأوصاف، وعدم وقوعه على الأوصاف المفقودة لا يثبت وقوعه على الأوصاف الموجودة. فذلك الأصل جارٍ وهذا الأصل لا يجري.

وأحياناً يتمسّك(1) بأصالة عدم وقوع العقد على هذا الموجود الموصوف، ويراه كافياً، ثُمّ يقول: وعلى الثاني يعود النزاع إلى أن العقد واقع على المطلق، بحيث يكون شاملاً لهذا الوصف أو لا. ويقول: إن الأصل كونه غير واقع على المطلق، ويراه كافياً لرفع اللزوم، وأما معارضه وهو أصالة عدم وقوع العقد على العين بالأوصاف المفقودة، فهو لا يثبت أن العقد وقع على هذه الصفة الموجودة، كما هو الفرض إذا أريد إثبات اللزوم. لكن بنفي المطلق يمكن أن نسلب اللزوم.

كأنه يرى أنه بالأصل إذا أثبتنا نقيضه كان كافياً، فمثلاً لو شككنا أنه واقع على هذا الشيء الموصوف أو على العنوان القابل للانطباق أو على المطلق. فيكفي أن يثبت اللزوم بإثبات الأصل نقيض هذه الأمور. وأما أصالة عدم وقوع العقد على الشيء المفقود فلا يراها كافية، بل لا بُدّ أن يثبت أنه وقع العقد على هذه الأوصاف ليكون لازماً.

وقد تحصّل مما قلناه أن رفع النقيض بالأصل لا يثبت النقيض الآخر، فإن 

ـــــــــــــ[293]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نقيض وقوع العقد على هذا الوصف، هو اللاوقوع المطلق، واللاوقوع أعمّ من اللاوقوع قبل العقد أو بعده، أو بسلب العقد أصلاً. وأما إذا قيّد السلب المطلق بقيد، فإنه يلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما. فنقيض (زيد العادل في البيت) هو السلب المطلق المناسب مع انتفاء القيد ومع انتفاء المقيّد، فلو استصحبنا عدم عمرو في البيت أو استصحبنا العدم المطلق لزيد، فهو لا يثبت وجود زيد المقيّد، وإنما لا بُدّ من الاقتصار على مورد التعبّد.

وعدم وقوع العقد على ما ينطبق على هذا الشيء، نقيض وقوعه عليه، ومجرّد كونه نقيضه لا يثبت بالأصل أننا لا يجب أن نعمل بهذا العقد. والسلب والإثبات شرعاً إنما على الموضوع المحقّق الوجود، ونحن نريد أن نبرهن على عدم لزوم العقد، وانتفاء وقوع العقد على مطلق قابل للانطباق على هذا المقيّد أو على مقيّد غير قابل للانطباق عليه، لا أثر له. 

فإن هذه أعدام مطلقة مناسبة مع عدم القيد وعدم المقيّد وعدم العالم أصلاً. والعدم المطلق أصلاً لا أثر له. وما هو مورد الأثر ومحطّ الدعوى هو لزوم هذا العقد، أو وجود الخيار فيه، أو حصول التخيير في المبيع. وكلّها تتكفّل سلب المحمول عن موضوع موجود، فلو أردت سلبها بإثبات السلب المطلق كان مثبتاً؛ إذ نقول: إن السلب المطلق ليس لعدم العقد، ولا لعدم العاقد؛ لتحقّقهما بالوجدان، إذن إذا كان هناك سلب فهو مستند إلى سلب الوصف كاستصحاب الحيوان وترتيب الأثر على الفيل. إذ يقال: إنه كان في هذا المكان حيوان هو إما بقّة وإما فيل، ثُمّ بعد شهر نقول:إنه إذا كان هناك حيوان فهو فيل؛ لأنه لو كان بقّة لماتت. غاية الفرق بين هذا المثال ومحلّ 

ـــــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الكلام: أن ذاك في طرف الإثبات، ومحلّ الكلام في طرف النفي.

ولو أغمضنا عن ذلك فالجواز الذي نتكلّم عنه في العقد ليس هو كونه جائزاً كعقد الهبة، بل هو كون العقد لازماً أو خيارياً. فاستصحاب عدم وقوع العقد على الوصف المفقود يكون سالباً للخيار. فإذا كان الأصل الذي يذكره الشيخ جارياً، وهو أصالة عدم وقوع العقد على ما ينطبق على هذا.. لإثبات عدم لزوم العقد، فالأصل الذي ذكرناه أيضاً يكون جارياً.

مضافاً إلى أن إسراء الحكم من العنوان إلى المعنون، بالأصل، مثبت، وأصالة عدم وقوع العقد على المطلق، لم نفهمها، هل مراده المطلق بدون قيد أصلاً أو المطلق بدون هذا القيد؟ فإن أراد الأوّل كان على خلاف الكلام في هذه المسألة، وقد سبق له أن قال: إن العقد لا يمكن أن يكون غير مبتنٍ على الأوصاف. فالعقد لاشكّ أنه واقع على الموصوف، والنزاع هو أنه وقع على هذا الموصوف أو ذاك. وهو يرى جريان الأصل في عدم وقوع العقد على هذا الوصف، فلماذا رفع اليد عنه، وقال بجريان أصالة عدم وقوعه على المطلق، مع أنهما لم يختلفا في ذلك؟ إلّا إذا رجع الخلاف إلى أن العقد واقع على هذا الموصوف بهذه الصفات، أو على هذا الموصوف بصفات أخرى.

ثُمّ إنك تريد بأصالة عدم وقوع العقد على المطلق، أن تثبت أن العقد وقع على غير المقيّد بهذه القيود، فيرد عليه الإشكال المشترك.

ثُمّ يقول الشيخ: ومن هذه الأمور ظهر أن التمسّك بأصالة اللزوم غير جائز؛ لأن الشكّ في اللزوم وعدمه ناشئ من الشكّ في أن العقد واقع على هذا 

ـــــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الموجود، وهذا الأصل وارد على أصالة اللزوم(1).

هل مراده من أصالة اللزوم عموم أَوْفُوا بِالعُقُودِ؟ أو استصحاب بقاء العقد حتى بعد الفسخ؟ فإن كان مراده العموم فالتمسّك به بعد خروج البيع الخياري عن العموم غير صحيح؛ لأنه شبهة مصداقية لموضوع المخصّص.

وإذا كان مراده أصالة بقاء العقد، وهو أصل صحيح جارٍ سواء فسخ أو لم يفسخ، وأصالة بقاء ملكية هذا وملكية ذاك على حالها. فنقول: أيّ أصل حاكم على هذا المعنى؟ فإننا أوّلاً لا ندري أن العقد لازم أو لا. لكن لو استصحبنا بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ ننتزع منه اللزوم، ويكون محقّقاً لموضوعات المطلقات، وأما استصحاب اللزوم فليس أصلاً مستقلّاً. والشكّ في بقاء العقد ناشئ من الشكّ في تأثير الفسخ وعدمه، وهو ناشئ من الشكّ في أن العقد خياري أو لا. فلا بُدّ لك أن تأتي بأصل يقول: ابنِ على أن العقد خياري، وأن الفسخ مؤثّر؛ ليكون حاكماً. وإلّا فأصالة عدم وقوع العقد على هذا لا يرفع شكّنا، إلّا إذا جعلته بنحو مثبت: بما أن العقد لم يقع على هذه الأوصاف، فهو إذن واقع على أوصاف أخرى -بالملازمة العقلية-، فهو عقد خياري.

[التمسك بأصالة اللزوم]

قال الشيخ: إنه ظهر مما قلناه أن التمسّك بأصالة اللزوم أيضاً لا وجه له. بأن يقال: إنهما اختلفا في وجود شيء مسبّب للخيار، وأصالة اللزوم تنفيه، 

ـــــــــــــ[296]ــــــــــ

(1) كتاب المكاسب 4: 278، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهذا ليس بصحيح؛ لأن الشكّ في أن هذا العقد لازم أو لا مسبّب من الشكّ في أن العقد تعلّق بهذا الشيء بوصفه الموجود أو بوصف آخر. وأصالة عدم تعلّق العقد بهذا الموجود وارد على أصالة اللزوم.

ولا يمكن أن يقال في مقابله: إن أصالة عدم تعلّق العقد بوصف مفقود تسلب الخيار؛ لأن ما هو مفيد جارٍ، وما ليس بجارٍ ليس بمفيد. فإن المفيد هو أن يثبت أن القيد المفقود لم يقع في ضمن العقد، وهو ليس له حالة سابقة، وما له حالة سابقة هو عدم تعلّق العقد بالوصف المفقود، وهو لا يثبت أن العقد لم يكن في ضمنه كذا… فيكون حال المقام حال الماء المخلوق الساعة، ونشكّ أنه وجد كرّاً أو دونه، فاستصحاب أن هذا لم يكن كرّاً ليس له حالة سابقة، واستصحاب عدم الكرّ لا يثبت أن هذا ليس بكرّ. فنبقى نحن وأصالة عدم تعلّق العقد بهذا الموجود، وهو حاكم على أصالة اللزوم.

ونحن نتكلّم أوّلاً على فرض صحّة أصالة اللزوم، ونقول: إن اللزوم وعدمه ليس معناه أنه عقد جائز كالهبة، أو ليس بجائز، بل معناه أنه عقد لازم أو خياري، وما هو موجب للخيار ونافٍ للّزوم هو تخلّف الوصف، فإنه إذا تعلّق العقد بوصف وتخلّف الوصف، يرى العقلاء أن له خيار تخلّف الوصف أو تخلّف القيد. وليس عندنا خيار عدم تعلّق العقد بهذا الموصوف، بل ليس هذا العدم موضوعاً لحكم أصلاً.

والشكّ في اللزوم مسبّب عن الشكّ في أن الوصف هل هو متخلّف أو لا، وهذا الشكّ ناشئ من الشكّ في أن متعلّق العقد كان هو الموجود دون المفقود. 

ـــــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فأصالة عدم تعلّق العقد بهذا الموجود لازمه العقلي أن العقد قد تعلّق بالوصف المفقود للعلم الإجمالي بأنه إما متعلّق بهذا أو بذاك؛ فيكون الأصل مثبتاً.

فإذا سلّمنا بأصالة اللزوم، وأغمضنا عن أن الإشكال الذي ذكرتموه على أصالة عدم تعلّق العقد بالمفقود يرد عليكم، يعني: كما أن عدم تعلّق العقد بالمفقود لا حكم له، كذلك عدم تعلّق العقد بالموجود لا حكم له. وإنما لا بُدّ أن نثبت أن هذا العقد لم يتعلّق بهذا الموجود، وهذا ليس له حالة سابقة معلومة، والسلب المطلق لا أثر له، ولو أريد إثبات السلب الخاصّ به كان مثبتاً.

ولو أغمضنا عن ذلك لا يتمّ المطلوب أيضاً؛ لأن الشكّ في لزوم العقد ناشئ من الشكّ في سبب الخيار، وهو تخلّف الوصف، كما أسلفنا. وليس عندنا شرعاً: أنه إذا تعلّق العقد بهذا الوصف فالعقد لازم، ولا أنه إذا لم يتعلّق بهذا الوصف فهو خياري.

فضلاً عن أن أصالة اللزوم غير صحيحة في نفسها، وإنما هي استصحاب بقاء العقد حتى بعد الفسخ، أو الأدلّة العامة كـ(أَوْفُوا بِالعُقُودِ). وأما ما يقوله بأن هذا الاستصحاب مساوٍ للّزوم … نقول: كلّا… سمّوه ما شئتم، ليس عندنا إلّا هذا الاستصحاب. ويكون العقد نتيجة لهذا الاستصحاب مشمولاً للعمومات، فإذا أراد أن يأتي بأصل حاكم عليه لا بُدّ أن يقال: ابنِ على أن الفسخ مؤثّر أو نحوه.

وأما ما قاله من جريان أصالة عدم وقوع العقد على الموجود، فهو مثبت؛ لأن لازمه وقوع العقد على الوصف المفقود، وهو متخلّف إذن فالعقد خياري. 

ـــــــــــــ[298]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهذه كلّها أحكام العقد. وكذلك الكرّ المخلوق الساعة، فإنه كما أن أصالة عدم كون هذا كرّاً بالعلم الناقص ليس له حالة سابقة، والعدم المطلق لا أثر له، كذلك أصالة عدم كون هذا دون الكرّ، أيضاً ليس له أثر شرعي. والعدم المطلق لا أثر له، وإثبات الكرّية به مثبت.

[التمسك بالعمومات لإثبات اللزوم]

ثُمّ إن عمومات (لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه)(1) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2) لا تفيد؛ لأنها عمومات مخصّصة، بلا إشكال، وإنما الإشكال في أنه ما هو المخصّص لها. يقول الشيخ إنها مقيّدة بما إذا لم يصل المقيّد إلى المشتري، فنستصحب عدم وصوله إليه، ويكون العقد خيارياً.

قال الشيخ(3): ظهر مما قلناه أن العمومات التي تقتضي لزوم العقد، مثل: (لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه) ، لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(4) و”الناس مسلّطون على أموالهم(5)، أيضاً لا يمكن التمسّك بها؛ لأنها مخصّصة بأدلّة الخيارات، وخرج منها المال الذي لم يدفع 

ـــــــــــــ[299]ــــــــــ

(1) أُنظر: عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 98.

(2) النساء: 29.

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 279-280، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

(4) النساء: 29.

(5) عوالي اللئالي العزيزيّة 1: 222، الفصل التاسع، الحديث 99، وبحار الأنوار 2: 272، كتاب العقل والعلم والجهل، أبواب العلم، الباب 33، الحديث 7.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

عوضه الذي وقع العقد عليه إلى المشتري، والأصل عدم دفع العوض إلى المشتري، وهو نفس أصالة عدم وصول حقّه إليه، وبه يثبت خيار تخلّف الوصف.

ولنا حول هذا الكلام مطلبان:

أحدهما: أنه هل خرج من هذه العمومات المال الذي وقع العقد عليه ولم يدفع إلى المشتري.

الثاني: أن أصالة عدم دفع ما وقع عليه العقد إلى المشتري هل يتمّ في نفسه؟ وهل هو محقّق لموضوع الخيار، أو لا؟ 

أما المطلب الأوّل فلا يتمّ، فإن معنى التخصيص في (لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه) أن هذا المال مال زيد، ويدلّ الدليل على حرمة التصرّف باعتباره مال الغير، ثُمّ يقول دليل آخر: إنه يجوز التصرّف في مال زيد، كاستثناء ذلك حال المجاعة؛ فإنه مخصّص لهذه العمومات. والمبيع في البيع الخياري قبل الفسخ للمشتري، فتصرّف البائع فيه حرام، وبعده يخرج عن ملكه. 

نعم، له أن يغيّر الموضوع بالفسخ، وهذا ليس تخصيصاً. وإنما يتصوّر التخصيص فيما إذا كان المال باقياً على ملك الغير، وجاز لنا التصرّف فيه. وهذا في المقام غير محتمل، حتى ما كان من قبيل الفسخ بالعمل، فإن هذا العمل يكون حراماً، إلّا إذا قلنا: إنه ينفسخ بالمقدّمات، وهذا خلاف محلّ كلامنا.

وأما المطلب الثاني: وهو أن الأصل عدم وصول العوض الذي وقع عليه العقد إلى المشتري. فمن جهات الكلام فيه: أننا نريد أن نثبت أن المعاملة 

ـــــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صحيحة، وأن الخيار خيار تخلّف الوصف، كما تكلّم عنه الشيخ أوّلاً وعاد إليه أخيراً(1). ولا بُدّ من تصويره بحيث يجب بعد الفسخ إرجاع تمام الثمن وتمام المثمَن، وأنه لو أسقط خياره لكانت معاملةً صحيحة لازمة. ولذلك ثلاثة أنحاء متصورة:

النحو الأوّل: ما يشعر به كلام الشيخ من أنه يكون التقييد بنحو لا ينطبق على الخارج. ففي مثل ذلك لا يكون من باب الخيار؛ لنقول إن أدلّة الخيار مخصّصة، بل بابه باب الصحّة والبطلان.

النحو الثاني: أن نجعل الشرط مثل الجزء يقابَل بجزء من العوض، وهذا خياره ليس خيار تخلّف الوصف، بل خيار تبعّض الصفقة، وليس يجب بالفسخ إرجاع تمام الثمن.

النحو الثالث: أن الثمن واقع في مقابل العين، وأما الوصف فهو قيد زائد، بحيث لا يكون في مقابله ثمن. وهذا خياره خيار تخلّف الوصف.

فأيّ من هذه الأنحاء يختاره الشيخ، فإن اختار الأوّل، كما هو ظاهر كلامه، تكون كلماته الأخرى غير صحيحة. وإن اختار الثاني فليس الخيار خيار تخلّف الوصف. وإن اختار الثالث فتمام العوض يكون مستحقّاً على الآخر وقد تخلّف، فغايته ما يثبته الخيار. وأصالة عدم وصول العوض إلى المشتري لا تجري؛ لأننا نعلم أن ما وصل إليه هو تمام العوض. نعم، نشكّ بوجود 

ـــــــــــــ[301]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 279- 280، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الوصف، ولا يمكن إثبات عدمه بذلك الأصل. نعم، لو جرى أصل عدم وقوع العقد على الوصف الموجود؛ لأثبت ذلك، لكنّنا سبق أن قلنا ما فيه.

وأصالة عدم وصول العوض إليه -بغضّ النظر عما قلناه- ومع البناء على النحو الثاني، وهو مقابلة الوصف بالعوض، فلا بُدّ أن نفترض أنه كان في يد البائع لا في يد المشتري، وإلّا لم يجرِ الأصل. وهذا العوض مردّد بين أن يكون هو الوصف المفقود فهو غير واصل، أو الموجود فهو واصل. والأصل في خصوص هذا وهذا غير جارٍ. وإنما عندنا كلّي العوض، فهل يجري فيه الأصل؟ 

وإشكاله:

أولاً: أن كلّي العوض ليس بعوض.

وثانياً: أن عدم وصول كلّي العوض إليه ليس موضوعاً للخيار، بل لا بُدّ أن نثبت أن ما وقع عليه العقد لم يصل إليه. والجامع في واقعه جامع بين ما هو مقطوع الوجود ومقطوع الارتفاع، واستصحابه لا يثبت الحكم للفرد إلّا بالملازمة.

المطلب الثاني: أن استصحاب عدم وصول العوض الذي وقع عليه العقد غير محقّق لموضوع خيار التخلّف، وإنما هو محقّق لموضوع التخلّف نفسه. فإن موضوع خيار التخلف هو أن ما وقع عليه العقد قد تخلّف، سواء وصل أو لم يصل، وكون ما وصل إليه ليس كما وقع عليه العقد، لازم ذلك. وأنت تريد أن تقول: حيث إنه لم يصل لي في الخارج إذن فالعقد واقع على المفقود. إذن فقد تخلّف؛ إذن فالخيار ثابت. وهذه أصول مثبتة.

ـــــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [النظر في التخصيص وموضوع الخيار] 

لأجل أن نفهم أن التخصيص ورد على أيّ شيء، وأن موضوع الخيار ما هو؛ ليمكن نفيه بالأصل وترتيب الأثر عليه. لا بُدّ أن نرى إلى أسلوب فهم اللزوم من العمومات، كدليل (لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه) ثُمّ نرى أنه ماذا تصرّف دليل الخيار فيه.

أما تقريب اللزوم فقد سبق تفصيله في باب المعاطاة، وحاصله: أن قوله: (لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه) ليس حليّة تكليفية مجرّدة، بل يفهم منها الحلّ الوضعي، وليس أن الحلّ على قسمين تكليفي ووضعي، أو أن التحريم على قسمين، بل الحلّ والتحريم على نحو واحد، ويستعمل في معنى واحد. ولكنّ العقلاء يفهمون منه باختلاف الموارد التكليف تارةً والوضع أخرى. فهذا العموم يفهم منه الإطلاق لكِلتا الحلّيتين. فكما لا يحلّ تكليف أكل المال وشربه إذا كان للغير، كذلك لا يحلّ بيعه، بمعنى أنه لا ينتقل بالبيع، فكذلك لا ينتقل مال الغير بالفسخ. وبإطلاق الحديث يثبت أن الخيار ليس له سببية لهذا التملّك، ومنه نفهم أنه لا يؤثّر في العقد، فنفهم من ذلك أن العقد لازم.

وفي باب الخيار، الروايات الواردة في خيار المجلس وخيار الحيوان، والعقلاء القائلون بخيار الشرط وخيار تخلّف الوصف، هذا الخيار في مقابل اللزوم، فإذا كان العقد لازماً فلا اختيار لي في فسخه. ومعنى الخيار هو إعطاء الاختيار في فسخ العقد، فالدليل الدالّ على الخيار يتصرّف في لزوم العقد، وهو الجزء الأخير من السلسلة المستفادة من العموم السابق، فإذا كان لي خيار 

ـــــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ففسخي نافذ، وإذا فسخت فتملّكي للعين حلال بالمعنى الوضعي. وفي آخر السلسلة يصادم مع نفس مفاد الدليل، فيحصل التخصيص مع الوسائط.

وهنا كلام آخر، وهو: أنّ ما هو سبب الخيار وموضوعه، هل هو ما يقوله الشيخ، وهو عدم دفع البائع ما وقعت عليه المعاوضة إلى المشتري؟ وبعبارة أخرى: عدم وصول حقّ المشتري إليه، هل هو موضوع دليل الخيار المخصّص لدليل اللزوم؟ 

قال الشيخ: إن قلت: إن موضوعه عنوان الوصف الذي لا ينطبق على الخارج، فمثلاً موضوعه هو وقوع العقد على السمين الذي لا ينطبق على الهزيل الفعلي.

أو لا هذا الموضوع ولا ذاك، وإنما المعاملة كانت مبتنية على وصف السمن، وهذا غير متحقّق، فقد حصل على خلاف البناء. فتمام الموضوع هو تخلّف ما بنى عليه العقد، وأما وصول حقّه إليه، أو وصول ما وقع عليه العقد وعدمه، فهو غير مربوط بالخيار أصلاً. نعم، إذا كان العقد قد وقع على الهزيل، إذن فقد تخلّف، إذن فهو له خيار.

ثُمّ يعبر الشيخ(1) بتعبير آخر وهو: أن سبب الخيار هو أنه لم ينتقل إليه ما وقع عليه العقد. فإن كان المراد النقل الخارجي فنعم، لكن إذا كان المراد الانتقال العقدي، فليس هو موضوعاً، بل هو اللازم العقلي للموضوع، وهو التخلّف. نعم، كانت أصالة عدم وصول حقّه إليه أو عدم وصول ما وقع عليه 

ـــــــــــــ[304]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العقد، يثبت كون العقد كان مبنيّاً عليه، لأمكن أن يكون دليلاً.

نعم، أصالة بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ، وأصالة بقاء الملك على ملكيته إلى ما بعد الفسخ، أصل محقّق لموضوع العمومات. فلا بُدّ أن تأتي بأصل حاكم على هذا الأصل.

[أصالة عدم التغيّر]

وأما استصحاب عدم التغيّر: فإذا كانت أصلاً معوّلاً عليه عند العقلاء
-كما يقول الشيخ(1)– فلماذا تكون مثبتاته حجة؟

يقول الشيخ: ظهر مما قلناه أن الأصل الذي تمسّك به العلّامة في (التذكرة)(2) صحيح، وهو أصالة عدم التزام المشتري بتملّك هذا الموجود، وبه يثبت أنه ليس عليه وجوب الوفاء(3).

وظهر مما قلناه أن هذا الأصل ليس له حالة سابقة، ولا يترتّب عليه الأثر بالنحو الذي يريده الشيخ. أما أنه لا حالة سابقة له، فلو كان يعتبر العدم المحمولي المطلق، لكان له حالة سابقة، إلّا أنه لا أثر له. وإثبات العدم الخاصّ، له مثبت. وأما العدم الخاصّ فليس له حالة سابقة؛ إذ مع البيع نحتمل أنه وقع 

ـــــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 281-282.

(2) اُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 61-62، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، مسألة: 33.

(3) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 281، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

مبنيّاً على الوصف، مضافاً إلى أن التزام تملّكه لهذا الموجود ليس موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد، بل موضوعه هو العقد، وبعد الالتزام نريد إثبات أنه لم يقع العقد، فيكون الأصل مثبتاً.

ثُمّ إنه للشيخ من أصالة عدم التغيّر احتمالان:

أحدهما: أنها أحياناً لا تجري، وهو ما إذا علمنا أنه كان سميناً، وأن الهزال حاصل بعد ذلك، واحتملنا أنه حال المرافعة كان هزيلاً، فهل تجري أصالة بقاء السمن، أو أصالة بقاء الهزال إلى حين المشاهدة؟

ونحن في تشخيص المدّعي والمنكر لا بُدّ أن نرى مطرح الدعوى، فلو ترتّب عليه أثر كانت دعوى مسموعة، وليس للمجتهد أن يأخذ بنتيجة الدعوى. فإذا أدّعى المشتري تغيّر البيع، وقال البائع: (إنه لم يتغيّر)، فهل هذه دعوى مسموعة يترتّب أثر على الحكم لو صدر فيها، فإن كانت مسموعة ليس له أن يغيّر المجرى.

الشيخ يغيّر الدعوى ويقول(1): إن أحدهما يقول: (إنها كانت سمينة حال البيع)، والآخر ينفيها. مع أننا لو جئنا إلى الأوصاف بالحمل الشايع كالسمن والهزال فإن الدعاوى تختلف اختلافاً كثيراً. فإذا كان السمن والهزال معاً وصفين وجوديين، فقد يدّعي أحدهما وجود السمن حال المشاهدة، ويدعي الآخر وجود الهزال عندها. ومرّة يدّعي أحدهما وجود السمن عندئذٍ، والآخر يقول: (لم يكن سميناً). وثالثة: نعلم بطروّ السمن والهزال معاً، ونشكّ بالمتقدّم 

ـــــــــــــ[306]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والمتأخّر. ورابعة: لا نعلم بالحالة السابقة أصلاً. فإذا كانت الأصول ذات أثر فإنها تختلف في تعيين المدّعي والمنكر.

فإن كان أصل عدم التغيّر أصلاً عقلائياً، فإن الأصول العقلائية ليست تعبّدية، وإنما باعتبار أن العقلاء يرتّبون آثار الواقع عليها بتمام لوازمه. وكأنّ الشيخ يرى أنه أصل عقلائي، كالأصل التعبّدي الشرعي لا يثبت لوازمه. فإذا كان مثبتاً للوازمه يثبت تقدّم هذا الأصل على الأصول الأخرى. بخلاف ما لو كان أصل عقلائي تعبّدي. إلّا أن العهدة على الشيخ في إثبات ذلك.

فإذا جرت أصالة عدم التغيّر، فهل نرفع الشكوك التي عندنا، ومجرّد السببية والمسببية هل يكفي في ذلك؟ وقد سبق أن قلنا: إن تقديم الأصل السببي ليس لمجرّد كونه مسبّبياً، بل لِما قلناه فيما سبق، وبناءً على الذي قلناه يكون الأصل مع البائع، فيكون منكراً ويكون المشتري مدّعياً، وذلك لأن أصالة بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ وبقاء الملك على مالكه، جارٍ ولا حاكم عليه ولا معارض له.

هذا كلّه راجع إلى المشتري، إذا أدّعى التغيّر.

[دعوى البائع التغيّر الموجب للخيار] 

وأما إذا ادّعى البائع التغيّر، وقال: إننا أوقعنا العقد مبنيّاً على الهزال ومشروطاً به. وقد ظهرت سمينة حال العقد، فتخلّف الشرط؛ فلي الخيار. فإذا شككنا أن الوصف تغيّر بالزيادة أو لا. يقول الشيخ(1): إننا في المسألة السابقة 

ـــــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) اُنظر: المصدر المتقدّم 4: 282.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

جعلنا الأصل مع المشتري، وكان البائع مدّعياً، فهنا الأصل مع البائع ويكون المشتري مدّعياً. وهذا الأصل هو أصل عدم وقوع العقد على هذا الموجود. أما أصالة عدم وصول حقّه إليه، فهو وإن أجريناه في طرف المشتري، إلّا أنه ليس في طرف البائع مثل ذلك. وقال الشهيد: الأصل مع المشتري(1) ولم يعلم وجهه.

نقول: إن الأصل مع المشتري وخلافه لم يعلم وجهه.

نعم، في المسألة السابقة لم نستطع أن نفهم كيف أن الأصل مع المشتري ولم يعلم وجهه. أما هنا فقد سبق أن قلنا: إن الميزان في تمييز المدّعي من المنكر هو العرف، ولعلّ قاعدة (من تَرك تُرك) تكون موازية مع الفهم العرفي. والعرف في المسألة السابقة كان يرى المشتري مدّعياً، وهنا يرى البائع مدّعياً، وكون دعواه موافقاً مع الأصل أو لا، هذا مما لا يأتي إلى ذهن العرف أصلاً، وإنما هذه أمور مدرسية لا سوقية، ونحن يجب أن نفهم المطالب من السوق لا من المدرسة!!

وأما أصالة عدم وقوع العقد على هذا الموجود، وهو الأصل الذي تمسّك به الشيخ(2)، فليس له أثر، فإن عدم وقوع العقد على هذا الموجود، ليس له أثر. وما له أثر هو أن العقد الواقع لم يقع على هذا، وهذا ليس له حالة سابقة. ويرد عليه نفس الإشكال الذي أورده الشيخ على الأصل الجاري في الماء المخلوق الساعة.

ـــــــــــــ[308]ــــــــــ

(1) اُنظر: اللمعة الدمشقيّة: 107، كتاب المتاجر، الفصل الثاني، المسألة الثامنة.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 282، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ على العقد عليها …، الفرع الأوّل.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأصالة بناء العقد إلى ما بعد الفسخ، وأصالة بقاء الملك إلى ما بعد العقد، يكون جارياً، وبناءً عليه فالقاضي إذا وجد المبيع عند البائع، وهو يعترف أنه للمشتري يأخذه ويعطيه للمشتري، ثُمّ يقول للبائع: (أثبت أن فسخك مؤثّر).

[حكم الإختلاف في تقدم التغيّر على العقد وتأخره]

إذا اختلفا في أن التغيّر هل هو واقع قبل العقد أو بعده، أو أحدهما يقول إنه وقع قبل العقد، والآخر يقول إنه قبل القبض؟ أو اتّفقا على أن العين تالفة، لكن اختلفا أنها هل تلفت قبل البيع بحيث وقع البيع على الشيء التالف، أو بعده؟

أما الفرع الأوّل، وهو ما إذا شككنا في التقدّم والتأخّر، فأصالة عدم التأخّر وأصالة عدم التقدّم يتعارضان. وأما أصالة عدم وقوع العقد إلى حين التغيّر، وأصالة عدم وقوع التغيّر إلى وقوع العقد، فلا يجريان لعدم الحالة السابقة، إلّا بنحو العدم الأزلي الذي يكون إثبات العدم الخاصّ به مثبتاً.

لكنّنا نقول: إنهما إذا اختلفا في التغيّر: هل هو واقع قبل البيع أو بعد البيع والقبض؟ فهل يكون من قبيل التداعي؟

وفي باب التداعي مرّة يكون لكلّ دعوى أثر، كما لو ادّعى أحد الزوجين أنه عقد منقطع، والآخر أنه عقد دائم. وأخرى يكون التداعي لكنّ أحدهما مهاجم والآخر مدافع، لكن بصورة دعوى مقابلة. ولكن مراده نفي الدعوى الأخرى ليس إلّا. وكذلك في المقام فإن البائع ليس له همّ في المقام، وإنما الذي يذهب ويدقّ باب القاضي هو المشتري، فالبائع إذا قال: (ليس التغيّر مقدّماً على 

ـــــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العقد)، كان دفاعاً، وأما إذا قال: (إن العقد متقدّم على التغيّر)، فهل يكون عرفاً منكراً؟ أو نأخذ الدعوى على ظاهرها ونقول أنه تداعٍ؟ والصحيح عرفاً هو الأوّل، والمسألة موكولة إلى باب القضاء.

وأما أن نُجري في المقام: أصالة عدم وقوع العقد إلى زمن الهزال، أو أصالة بقاء السمن إلى زمن التغيّر، فهذان أصلان مثبتان وإن كان لهما حالة سابقة، والأصل المثبت لا يجري، لا أنهما يجريان ويتعارضان. وليس كما يقول بعض الأعاظم(1): إنهما ساقطان؛ لجهتين:

الأولى: كونهما مثبتين.

والثانية: كونهما متعارضين.

فإذا لم يجريا رجع الشيخ إلى أصالة عدم وصول حقّه إليه، وقد تكلّمنا فيه، والأصل الجاري هو أصالة بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ، فيكون القول قول البائع.

وأما إذا كان الاختلاف بهذا النحو، وهو: أنهما يتسالمان أن العقد وقع على وصف معيّن، ولكن اختلفا في أن الوصف تلف قبل القبض أو بعده. فهنا لا بُدّ أن نرى أننا في مسألة تلف المبيع قبل القبض وتلفه بعده، هل عندنا جعلان من الشارع: أحدهما أنه إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه، أو أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له. والآخر أن التلف بعد القبض من مال المشتري. أو 

ـــــــــــــ[310]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية المكاسب (للمحقّق الخراساني): 131، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ …، الفرع الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أن هذا الجعل الثاني ليس جعلاً جديداً، بل هو على طبق القاعدة في تلف المال من صاحبه، وليس عندنا إلّا الجعل الأوّل؟ فإذا كان هناك جعلان فأصالة عدم التلف إلى حين العقد لا يثبت وقوعه بعده. وكذلك أصالة عدم وقوع العقد إلى حين التلف لا يثبت وقوعه على التالف.

ولكنّ الصحيح أنه عندنا جعل واحد، وهو أن التلف قبل القبض من مال البائع، وقد استفيد منه مطلب أوسع هو: أن تلف الوصف قبل القبض موجب للخيار. وحينئذٍ نقول: إن موضوع الخيار هو التلف قبل القبض. فإذا نفينا ذلك بالأصل انتفى الحكم، ولا حاجة إلى إثبات أن التلف صار بعد القبض، فإنه بعد العقد نعلم أنه آناً ما لم يكن التلف واقعاً. وهذا يكفي في استصحابه، ولا نحتاج إلى عدم وقوعه بعد القبض، وإلّا كان مثبتاً.

[حكم الإختلاف في تقدم التلف على العقد وتأخره]

الفرع الذي يذكره الشيخ(1) هنا تبرّعاً هو أن العين التي وقعت عليها المعاملة تسالما على تلفها بعد القبض، ولكن اختلفا، فقال المشتري: إنها تلفت قبل البيع، والبائع يقول: إنها تلفت بعد البيع، فالاختلاف في تقدّم وتأخّر البيع على التلف أو التلف على البيع.

الأصل الموضوعي هنا غير موجود، فإن أصالة عدم تقدّم هذا على ذاك، وأصالة عدم تقدّم ذاك على هذا غير صحيح، وكذلك أصالة عدم وقوع البيع 

ـــــــــــــ[311]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 284، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ …، الفرع الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إلى زمان التلف، فإنه لا يثبت وقوع البيع على التلف. وأصالة بقاء العين إلى زمان البيع مثبت أيضاً. ويقول الشيخ: إنه يجري أصل بقاء الثمن على ملك المشتري لأصالة عدم تأثير البيع، فهو يعلّل هذا الأصل بذاك. 

[في أصالة عدم تأثير العقد] 

ونحن نتكلّم أوّلاً في أصل عدم تأثر البيع في نفسه، ثُمّ نتكلّم في التعليل.

ما المراد من أصالة عدم تأثير البيع، فإن البيع من حين وقوعه نحتمل كونه مؤثّراً، وليس له حالة سابقة، والعدم الأزلي مثبت؟ أو تريد أن تقول: إن الإيجاب قبل صدور القبول لم يكن له أثر، وبعد القبول نشكّ أنه كان له أثر أو لا، فنستصحب عدم تأثير الإيجاب؛ ليثبت أن البيع ليس مؤثّراً؟

هذا فيه إشكالان:

الأوّل: أنه على قولكم من أن العقد مركّب من الإيجاب والقبول، فإن التأثير ليس للإيجاب حتى بعد القبول، وإنما بعد القبول يصبح البيع مؤثّراً لا الإيجاب. فالإشكال هو أن الإيجاب ليس مؤثّراً لا قبل القبول ولا بعده.

الثاني: إنه إذا أريد بالأصل إثبات عدم تأثير البيع كان مثبتاً. وأما على قولنا من أن ماهيّة البيع هو الإيجاب، والقبول شرط في التأثير، كإجازة الفضولي، فيمكن أن نستصحب عدم تأثير الإيجاب ويترتّب الأثر، إلّا أن هذا بعد إحراز أنه بيع، ونحن لا نعلم أنه بيع، إذ لو كانت العين تالفة لم يكن المبيع مالاً ولم يكن البيع بيعاً. وأصالة عدم تأثير البيع فرع وجود البيع.

ثُمّ إن الشيخ لماذا يعلّل هذا الأصل بذاك الأصل؟ هل يرى أن الأصل 

ـــــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الثاني حاكم باعتباره سببياً؟ إذا كان ذلك فلا معنى لأن تروا أن الأصل المسبّبي يكون جارياً، بل يجري الأصل السببي، ويرفع موضوع الأصل المسبّبي ولو كان موافقاً له. وإذا كان تعبير الشيخ بـ(الواو): (ولأصالة عدم تأثير البيع) فمعناه أنه قد جمع ما بين الأصل المسبّبي والأصل السببي، ولو باعتبار جريان أحدهما بعد التنزل عن الآخر.

ثُمّ يقول(1): قال بعضهم: إن أصالة الصحّة مقدّمة على هذه الأصول. لا إشكال أن أصالة الصحّة بناءٌ عقلائي، ولم يتمّ عليه دليل شرعي بهذا العنوان. وإنما العقلاء يرتّبون الآثار على المعاملات، إذا شكّوا في كونها جامعة للشرائط التي يرونها، ويغضّون النظر عن احتمال بطلانها، وهو أصل أقرّه الشارع ووردت روايات تدلّ على جريان أصالة الصحة(2)(3).

لكنّنا يجب أن نرى أن أصالة الصحّة عند العقلاء إلى أيّ حدّ؟ هل تجري فيما إذا دار الأمر بين وجود البيع وعدمه، بحيث يبني العقلاء على وقوع العقد. كلا، وإنما البناء على الصحّة خاصّ في صور الشكّ بوقوع المعاملة على الخصائص المعتبرة عندهم، بعد أصل وجود الماهيّة في الجملة.

ـــــــــــــ[313]ــــــــــ

( ) اُنظر: المصدر المتقدّم.

( ) راجع الروايات الواردة في الباب 161 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحجّ في وسائل الشيعة 12: 302.

( ) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 284، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ …، الفرع الثاني.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وليس هذا الأصل باعتبار أنه لا يحصل من المسلم لغوٌ وقبيحٌ. كما قال الشيخ(1)، بل هو أمر عقلائي، ومتعلّقها هو المعاملات لا الإنشاءات، كما قال بعضهم(2). فإن هذا كلام من المدرسة لا من الخارج. فإن بناء العقلاء ليس على الإنشاءات، بل تمام أعمالهم على آثار المعاملات ومسبّباتها.

غاية الأمر: أن تقولوا: إنهم يبنون على صحّة الأسباب ويرتّبون عليها المسبّبات. على أنه لم يثبت أنهم يرتّبون على أصالة الصحّة لوازمها.

فإذا شككنا أن العقد واقع أو لا، يكون حاله كما لو شككنا أنه عطس أو باع بيعاً صحيحاً، فهل يبنى على كونه بيعاً صحيحاً؟ وفي المقام الأمر دائر بين الوجود والعدم. وعلى أيّ حال فالشيخ يقول: هذا ليس محلّ أصالة الصحّة، وإنما لها مجالات أخرى.

ـــــــــــــ[314]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 284، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: إذا شاهد عيناً في زمانٍ سابقٍ …، الفرع الثاني.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 366، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، البيع بالرؤية القديمة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[مسألة: في لزوم اختبار الأوصاف التي تختلف القيمة بحسبها]

 

قال الشيخ(1): إذا كانت الأوصاف أوصافاً تختلف القيمة باختلافها، كالأمور التي يراد لونها أو غالب صفاتها، ومنه الكيل والوزن. ونحن نتكلّم عن صورة الجهل بالمثمَن، ثُمّ نتكلّم عن التفصيل بين القيمة وغيرها.

فنقول: 

تارةً: يكون ذات المبيع مجهولاً لكنّ الوصف معلوم، كما لو كان يُعلم أن المبيع حيوان سمين سريع المشي كثير الأكل نشيط، ولكنّه يشكّ في كونه فرساً أو حماراً. وكذلك لو كان يعلم أن المبيع لو كان درّاً فصفته كذا وكذا وإن كان ياقوتاً فصفته كذا وكذا، ولكنّه لا يعلم أنه درّ أو ياقوت.

وأخرى: يكون المبيع معلوم الذات مجهول الوصف. والأوصاف مختلفة، فإنها قد تكون بنحو الكمّ المتّصل أو المنفصل، كما في عدد الأفراد في المعدود، والعدد في المذروع والمكيل والموزون. فقد يشكّ في الكمّية وإن عرفت سائر الأوصاف. 

ـــــــــــــ[315]ــــــــــ

() اُنظر: كتاب المكاسب 4: 287، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لابدَّ من اختبار الطعم واللون والرائحة … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وثالثة: تكون الأوصاف من قبيل الكيفيات، وهي تارةً تكون مورداً لرغبة العقلاء فيها، ولذلك تكتسب القيمة، وأخرى لا تكون مورد رغبتهم فلا تختلف القيمة باختلافها. وكذلك الحال في قيمة الشيء فإنها أمر اعتباري يعتبره العقلاء في الشيء، وهو وصف قابل للزيادة والنقصان، وقد يكون هذا الوصف مجهولاً.

[في فقه النبوي (نهى النبي عن بيع الغرر)]

فقوله: “نهى النبي عن بيع الغرر“، لو كان الغرر هو الجهالة، هل يشمل تمام هذه الأقسام أو لا؟

فإن كان المراد بالحديث هو أن محطّ المبادلة يجب أن لا يكون مجهولاً، فلو كان محطّ المبادلة معلوماً لا يكون الحديث شاملاً للأمور الأخرى، فإذا كان الأمر كذلك، فإذا كان الشكّ في الذات كان مشمولاً للحديث، وكذلك إذا كان الشكّ في الكمّ المتّصل أو المنفصل، فإنه زيادة في الذات أو إضافة ذات على ذات. فيرجع الشكّ فيها إلى الشكّ بالذات، فيكون مشمولاً للحديث. نعم، لو كان الشكّ في جسم واحد ذي مساحة معيّنة، لكن لا يعلم أن طوله أكثر وعرضه أقلّ أو بالعكس، أو أنه هل هو مربع أو مدوّر مع انحفاظ مساحته عند الحساب؟ فهذا يعتبر ذاتاً واحدة.

وأما الأوصاف الأخرى كالرائحة ونحوها، فلا تكون مشمولة للحديث، فإن الثمن لا ينبسط على الأوصاف، وإنما يقع بإزاء الذات الموصوفة. فإذا كان مراد الحديث هو معلومية الذات خاصّة، لم يكن جهل الأوصاف قادحاً، سواء كانت مرغوبة أو لا.

ـــــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما إذا قلنا: إن المراد من الحديث، هو: أن ما يكون واقعاً تحت البيع يجب أن يكون معلوماً، فهل يجب أن يكون معلوماً من جميع الجهات؟ فهو وجه. كما إذا كان المراد بالغرر الجهل، وكان النهي تعبّدياً صرفاً، فلا يبقى فرق بين الذات وبين الصفات المرغوبة وغير المرغوبة، ومعرفة قيمة الشيء، بل ومعرفة آثاره، كما إذا كان هذا الحبّ مسهّلاً أو لا.

فكيف يمكن تخريج كلام الفقهاء(1) حيث قالوا: باشتراط معلومية الذات والأوصاف المرغوبة والكمّ المتّصل والمنفصل، وأما القيمة فلم يذكروا أنها يجب أن تكون معلومة، فلو كانت العين معلومة الأوصاف مجهولة القيمة، ورضي المشتري بقيمة معيّنة جاز، غاية الأمر أن له الخيار مع ظهور الغبن، وكذلك لم يعتبروا معلومية الأوصاف التي لا تتغيّر القيمة بتغيّرها، وإنما الميزان هو معلومية الأوصاف التي تتغيّر القيمة بتغيّرها. وإن لم يعلم أن تغيّر القيمة باعتبار وجود هذا الوصف، بأيّ مقدار.

فهل نقول في باب القيمة: أن ما يباع لا يباع ملحوظاً قيمته، وإن كانت جهة تعليلية له، لكنّه لا يلحظ في مقام البيع. وكذلك الأوصاف التي لا تتغيّر القيمة بتغيّرها، فإنها تكون مغفولاً عنها أصلاً خلال المعاملة. 

وأما الأوصاف الأخرى فتكون ملحوظة في أثناء البيع، فتكون مشمولة 

ـــــــــــــ[317]ــــــــــ

(1) اُنظر: المقنعة: 609، كتاب التجارة، والوسيلة: 246، كتاب البيع، وجواهر الكلام 22: 433، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس: أن يكون المبيع معلوماً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

للحديث. هذا غاية ما يمكن أن يقال من تقريب كلام الفقهاء، وما أدري أنه صحيح أو لا، ولكن الفقهاء هكذا قالوا.

ثُمّ إن ما يباع من دون فحص، كالرقِّي والبطيخ، كيف لا يشمله الحديث، مع أن لها أوصافاً مورداً للرغبة عند العقلاء، مع أنه ليس البناء على كسره؟ فهل ما يكون الاختبار مفسداً له خارج عن الدليل تخصّصاً؟ أو أن السيرة الجارية عند العقلاء بمثل هذا البيع من زمان الأئمة تجعل الحديث منصرفاً عن ذلك؟ وعلى تقدير الشمول فهو مخصّص، كما أنه لا يجب الاطّلاع على تمام الخصوصيات والسيرة قائمة على ذلك، فلا يشملها الحديث. وأما القيمة فليست مورداً للاعتناء: إما لأنها مغايرة للمثمَن، وإما أن نتمسّك بالسيرة لإثبات ذلك أيضاً. ولعلّ تلقّي الركبان من ذلك، فإنه بيع لشيء مجهول القيمة، ومع ذلك يكون مكروهاً لا باطلاً. وإن كان له خيار الغبن على تقديره، والإنصاف أني لم أستطع أن أطبّق الدليل على كلام الفقهاء.

إذا انحصر الدليل بالنبوي المعروف: “نهى النبي عن بيع الغرر“. فهل يشمل تمام الموارد أو لا؟

هل المراد أنه نهى عن بيع في مبيعه الغرر أو الجهالة، أو نهى عن بيع فيه الجهالة بحيث إن الجهالة في نفس البيع؟ فإن كان الغرر في نفس البيع فمعناه أن البيع الذي هو المبادلة إذا كانا لا يعلمان أن المبادلة بين أيّ شيء وأيّ شيء، كان البيع مجهولاً، وتكون الأوصاف مطلقاً خارجة غير الكمّ المتّصل والمنفصل؛ لأن البيع واقع بين الثمن والذات، وأما الأوصاف فلا دخل لها في البيع أصلاً، وإن أثّرت في زيادة القيمة، سواء كان وصف السلامة أو وصف الكمال، 

ـــــــــــــ[318]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وتكون المعاملة صحيحة مع تخلّفه.

وأنا لا أعلم أن الأوصاف الدخيلة في زيادة القيمة ونقصها، كيف يجب أن تكون معلومة ولكن لا يلزم العلم بالقيمة؟! فإنه إذا كان المدار هو الجهل المعاملي، لا يبقى مجال للتفصيل من هذه الجهة.

وإذا كان المراد أنه نهى النبي عن بيع مبيعه مجهول، وثمنه مجهول، إذن فلا بُدّ أن نعلم بتمام الخصائص والصفات، فنعلم -مثلاً- ما هو مقدار إجارة الدار في كلّ شهر، إلّا الأوصاف التي يكون مغفولاً عنها تماماً. ومع الجهل بسائر الأوصاف يكون المبيع مجهولاً. مع أنهم لم يلتزموا بلزوم الاطّلاع على مقدار القيمة، وعلى مقدار المنافع وقيمتها.

فأيّ هذين الاحتمالين أقرب؟ هل نأخذ الغرر بمعنى الجهل، أو بمعنى المجهول؟ لعلّ الأظهر من اللفظ هو الأوّل، وأن البيع فيه الغرر والجهالة. والبيع إنما يقع على الذات لا على الأوصاف. فإذا كانت الذات أو الكمّ المتّصل أو المنفصل في الثمن أو المثمَن كان البيع مجهولاً. وأما سائر الأوصاف فلا يقع عليها البيع ليكون مجهولاً. وإنما الجهل بها جهل بالمبيع بذاته لا بما هو مبيع، ولو كان المبيع كناية عن ذات البيع كانت الكناية باطلة.

وإذا وسّعتموه أكثر، وفهمتم منه ذات المبيع، كما قالوا: إنه إشارة إلى الموجودات الخارجية المنتقلة بالبيع، سواء كان ذلك بالأصالة أو بالتبع. إذن فيجب العلم بالأوصاف وبالقيمة أيضاً، فإنها أمر مهمّ في التجارات، ولا يلتزمون به. غاية الأمر أنه خيار الغبن. فما ذهب إليه الفقهاء لا يمكن تتميمه بهذا الحديث.

ـــــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فهل نقول: إن فهم الفقهاء حجّة؟ أو نقول: إنه كان لديهم قرائن دالّة على المطلب؟ أو نجعل كلامهم مقيّداً أو كاشفاً عن المقيّد، مع أن الشهرة المدركية ليست بحجّة؟

[روايات أُخر في المقام]

هناك روايات يستفاد منها أنه غير لازم، وروايات يستشعر منها أنه لازم، لا بُدّ أن نقرأها.

إذا استفدنا من الحديث النبوي اعتبار معلومية الذات والكمّ المتّصل والمنفصل، ومانعية الجهل بها، فهل يمكن استفادة عدم الجهل بسائر الأوصاف من الحديث أيضاً؟ إن استفدناه من الحديث فهو، وإلّا فهل يمكن استفادة ذلك من الروايات ولو بعنوان الغرر، بحيث ينكشف أن الغرر في الحديث النبوي شامل للكلّ؟

العمدة منها روايات أبواب السلف نقرأ بعضها وندع الباقي على الآغايون باب:(1) حديث (9): محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي -صحيحة-، عن أبي عبد الله قال: “لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سمّيت الذي يسلّم فيه فوصفته، وإلّا فأنت أحقّ بدراهمك(1).

فيُعلم أن التوصيف أمر زائد على أصل ماهيّة الحيوان، وأن ذلك معتبر في 

ـــــــــــــ[320]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 41، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 62، ووسائل الشيعة 18: 310، كتاب التجارة، أبواب السلف، الباب 11، الحديث 17.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ماهيّة البيع، وليس للسلف خصوصية، وغاية الفرق أنه في غير السلف يكتفى بالمشاهدة بخلاف السلف. وإذا عرضنا الرواية على العرف لا يفهم لإسلاف الحيوان خصوصية بحيث لو كان الإسلاف في الفرش لثبت الحكم أيضاً، وأن التوصيف إنما هو لرفع الجهالة، والسوق يفهم التوصيف بمقدار رفع الجهالة، فإن كانت الأوصاف مرغوبة لزم ذكرها، وكان رافعاً للجهالة، وإلّا فلا يلزم ذكرها. فلو ذكر الأوصاف غير المرغوبة وأهمل المرغوبة، أو ذكر بعض الأوصاف المرغوبة وأهمل الباقي، فإنه يكون مشمولاً للرواية، إلّا أنه لا يفهمه العرف.

ومنها: الرواية الأولى في الباب: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله، قال: “لا بأس بالسّلف في المتاع، إذا وصفت الطول والعرض”(1).

هل نقول: يراد بالمتاع خصوص ما له طول وعرض، وما كان ذلك منه مرغوباً؟ أو أن المتاع كلّ ما يستمتع به الإنسان من الأثاث والرياش؟ فإن كان الأوّل يستفاد منها أن الوصف الدخيل في الذات وهو الكمّ المتّصل ونحوه لازم الذكر دون غيره.

ـــــــــــــ[321]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 199، كتاب المعيشة، باب السلف في المتاع، الحديث 1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 265، باب السلف في المتاع …، الحديث 3953، تهذيب الأحكام 7: 27، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 1، ووسائل الشيعة 18: 283، كتاب التجارة، أبواب السلف، الباب 1، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أو نقول:إنه مطلب كنائي لاستقصاء تمام الأوصاف، وهو أمر عرفي وعقلائي، فيكون دليلاً على المسألة.

ومنها: محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي عبد الله(1)، قال: “لا بأس بالسلم في الحيوان والمتاع إذا وصفت الطول والعرض، وفي الحيوان إذا وصفت أسنانها(2). والمراد بالأسنان إما العمر، أو المراد الأسنان التي في الفم، فإنه يستدلّ بعددها على مقدار عمرها. ومن المعلوم أن الطول والعرض في الحيوان لا معنى له، فيعرف أنه معنى كنائي للتوصيف الرافع للجهالة. نعم، لو كان ذلك مربوطاً بالمتاع فقط لم يكن إلى الفهم الكنائي سبيل.

ومنها: عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (3)، قال: “ لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سمّيت شيئاً معلوماً (4) (يحتمل أن يراد به كونه من أيّ نوع، وثمنه بأيّ مقدار).

ومنها: عنه(5)، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن 

ـــــــــــــ[322]ــــــــــ

() رواية 10 من الباب. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 41، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 63، ووسائل الشيعة 18: 286، كتاب التجارة، أبواب السلف، الباب 1، الحديث 10.

(3) رواية 6. (المقرِّر).

(4) الكافي 5: 220، كتاب المعيشة، باب السلم في الرقيق …، الحديث 4، ووسائل الشيعة 18: 285، أبواب السلف، الباب 1، الحديث 6.

(5) رواية 7. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

سماعة، قال: (سُئل أبو عبد الله عن السلم في الحيوان فقال: أسنانٌ معلومةٌ، وأسنانٌ معدودةٌ إلى أجلٍ مسمّى معلومٍ لا بأس به)، لأجل رفع الجهالة(1). وروايات أخرى بهذا المعنى(2).

فيأتي إلى النظر صحّة هذه الاستفادة، وأن العقلاء إذا اشتروا شيئاً فلا بُدّ أن يذكروا الأوصاف التي تكون مورداً لرغبتهم، وإلّا كان السلف باطلاً، بل مطلق البيع.

ومنها: ما في (المستدرك)(3) عن (دعائم الإسلام)(4) عن أبي جعفر قال: “لا بأس بالسّلف بالمتاع إذا وصف طوله وعرضه وجنسه وكان معلوماً (يعني من الجهات الأخرى)، وليس المراد من الجنس العنوان الكلّي بالاصطلاح المنطقي، بل يراد به الحنطة الفلانية والفرس الفلاني.

 ومنها: محمد بن الحسن(4) بإسناده، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن داود بن إسحاق الحذاء، عن محمد بن العيص، قال: “سألت أبا عبد 

ـــــــــــــ[323]ــــــــــ

() الكافي 5: 222، كتاب المعيشة، باب السلم في الرقيق …، الحديث 11، ووسائل الشيعة 18: 285، كتاب التجارة، أبواب السلف، الباب 1، الحديث 7.

(2) راجع الروايات الواردة في الباب الأوّل والثاني والثالث من أبواب السلف من كتاب التجارة في وسائل الشيعة 18: 283.

(3) مستدرك الوسائل 13: 381، كتاب التجارة، أبواب السلف، الباب 1، الحديث 2.

(4) دعائم الإسلام 2: 52، كتاب البيوع، الباب 12، الحديث 136.

(5) أبواب عقد البيع، باب 25. (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الله عن رجل اشترى ما يذاق يذوقه قبل أن يشتري. قال: نعم، فليذقه ولا يذوقن ما لا يشتري(1).

فيه احتمال ذكره الشيخ(2) وهو أنه بصدد بيان الجواز وعدمه، فكأنّه أذن إذناً عاماً للمشترين في أن يذوقوا ما يذاق، وأما إذا لم يكن مشترياً فالإجازة غير موجودة. ولا يريد أن يقول: إنه له أن يعمل ذلك ولو بدون إذن صاحبه، بل هناك إذن عام للمشترين، وقرّبه بعض بوجه آخر(3).

وفيه احتمال آخر وهو أنه ليس تعرّضاً للجواز، وإلّا لاكتفى بـ(نعم). بل قال: “فليذقه“، فهو يجب عليه أن يذوق، وإن لم يكن مشترياً لا يجوز له ذلك، والعرف يرى أن الذوق ليس له دخل، وإنما هو معرفة الوصف الرافع للجهالة، وهي تارةً تكون بالذوق وأخرى بغيره. فلو لم تكن الرواية ضعيفة سنداً لكانت تامّةً دلالةً.

ومنها: عن أحمد بن محمد بن عيسى(4)، عن ابن سنان، عن يونس بن 

ـــــــــــــ[324]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 7: 230، كتاب التجارات، الباب 21، الحديث 24، ووسائل الشيعة 17: 376، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 25، الحديث 1.

(2) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 289، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لابدَّ من اختبار الطعم واللون والرائحة… .

(3) اُنظر: الحاشية الأُولى على المكاسب (للمحقّق الخوانساري): 153، البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لابدَّ من اختبار الطعم واللون والرائحة… .

(4) رواية 2، الباب نفسه.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يعقوب، عن عبد الأعلى بن أعين -السند إلى هنا لا بأس به- قال: (نُبّئت
-مرسل- عن أبي جعفر أنه كره شراء ما لم تره)(1).

ومنها: محمد بن يعقوب(2) عن عدّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عبد الرحمان بن حمّاد، عن محمد بن سنان قال: (نُبّئت عن أبي جعفر أنه كره بيعين: اطرح(3) وخذ على غير تقليب، وشراء ما لم ترَ)(4).

وقد أُخذ هنا لفظ الكراهة، لكنّنا في سائر الروايات نفهم أنه بمعنى لا يصح ولا يجوز، كما في الكيل والوزن حيث ورد بعنوان الكراهة: (فلا يصلح البيع مجازفة)(5)، مع أنه واضح البطلان، وإن كانت الكراهة بالمعنى الاصطلاحي فإنه يدلّ على جواز البيع بدون رؤية. أو نقول: إنها مطلقة من حيث التوصيف وعدمه، فنقيّدها بروايات التوصيف، فيكون البيع جائزاً بدون رؤية مع تحقّق التوصيف.

ـــــــــــــ[325]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 7: 9، كتاب التجارات، الباب 1، الحديث 30، مع فارقٍ في اللفظ، وسائل الشيعة 17: 376، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 25، الحديث 2.

(2) رواية 3، الباب نفسه.

(3) يعني بيع من قال أطرح وخذ. (منه). (المُقرِّر).

(4) الكافي 5: 153، كتاب المعيشة، باب آداب التجارة، الحديث 13، ووسائل الشيعة 17: 376، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 25، الحديث 3.

(5) مَن لا يحضره الفقيه 3: 223، باب البيوع، الحديث 3829، ووسائل الشيعة 17: 341، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهناك روايات دالّة على الجواز(1) لا ينبغي أن نتأخّر فيها؛ لأن الكلام في ذلك ليس هنا محلّه. فبأيّ شيء يرتفع الجهالة؟

[حالات الشك في الصحة والعيب]

بناءً على أن الحديث النبوي السابق شامل للكيفيات الدخيلة في رغبات النوع، فالشكّ تارةً: يكون بالصحّة والفساد. 

وأخرى: يكون شكّاً في العيب. فإن الشكّ تارةً: يكون سارياً إلى المالية، بأن يشكّ أن المبيع صحيح أو فاسد لا مالية له. 

وأخرى: يُحرز أصل المالية، ويكون الشكّ في الصحّة والعيب. وأخرى نشكّ في أن العين واجدة لصفة الكمال أو لا، مع انحفاظ سلامتها على كِلا التقديرين. 

وأخرى: يشكّ الإنسان أن المبيع من أيّ أصناف النوع الواحد، هل من هذا الصنف أو ذاك؟ 

ومن المعلوم أن القيمة تختلف باختلاف الأصناف. وهذا الشكّ كثيراً ما لا يستطيع المشتري الاعتيادي تشخيصه أصلاً حتى بالاختبار، بل يحتاج تشخيصه إلى متخصّصين. فكون الاختبار رافعاً للغرر ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنما يكون رافعاً له فيما يدركه نوع الناس، وكذلك صفة الفساد فإنه مما يدركه نوع الناس. وأما صفة الكمال، فما ارتفع بالاختبار فهو، وإلّا كان الجهل باقياً.

ـــــــــــــ[326]ــــــــــ

(1) راجع الرواية الواردة في الباب الثامن من أبواب أحكام العيوب من كتاب التجارة، في وسائل الشيعة 18: 111.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وعلى أيّ حال، فتوصيف البائع هل يقوم مقام الاختبار، وخاصّة فيما لا يمكن فيه الاختبار؟ سبق في الروايات أن إخبار الشخص المؤتمن يرفع الغرر لا مطلق الإخبار. 

وأما التوصيف فالجمل التوصيفية الناقصة ليست بمنزلة الإخبار كقولنا: (غلام زيد)، فإنه ليس فيه صدق وكذب. ولكنها إذا دخلت في نسبة تامّة تصبح القيود تامّة أيضاً، ويلزمه الإخبار بتمام القيود، فلو قال: (جاء زيد العالم). وكان زيد قد جاء وليس بعالم، فهو كذب. وكذلك إذا لم يجئ زيد أصلاً. فلو قال: (بعتك هذا الفرس العربي)، يكون إخباراً بكونه فرساً عربياً. إذن فإذا كان البائع موثوقاً فإنه يرتفع بوصفه الغرر، دون ما إذا لم يكن موثوقاً.

وأما الاشتراط، وبناء المتعاملين على أنه موصوف بكذا، فهما لا يرفعان الغرر، وكذلك لو وصف الشيء وهو لا يعلم صدق وصفه، وكذلك الالتزام بوجود الوصف، فإننا لو سلّمنا الملتزم فإنه يقول: لا أعلم أنه موصوف. وكذلك الاشتراط فإنه لا يحقّق العلم.

وفي كلماتهم قالوا: إن اشتراط الصحّة والبراءة من العيب يصحّح المعاملة ويسقط الخيار(1). أما اشتراط الصحّة، فقد قلنا: إنه لا يرفع الغرر، وكذلك البراءة، فإنها لا ترفعه إلّا إذا علم بالعيب. 

وهناك رواية تدلّ على أن البراءة من العيب صحيحة، فهل تدلّ على انتفاء 

ـــــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) اُنظر: جواهر الكلام 22: 437- 438، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع، القول في شرائط العوضين، الخامس: أن يكون البيع معلوماً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الغرر، أو على الصحّة وإن كان غرراً؟ وهي ما رواه محمد بن الحسن بإسناده، عن الصفّار، عن محمد بن عيسى، عن جعفر بن عيسى، قال(1): “كتبتُ إلى أبي الحسن: جُعلت فداك، المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كلّ عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبقَ إلّا نقد الثمن فربما زهد، فإذا زهد فيه ادّعى عيوباً وأنه لم يعلم بها. فيقول المنادي: قد برئت منها. فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها. أيصدّق فلا يجب عليه الثمن، أو لا يصدّق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن(2).

إذا قال: (أبيعه بكلّ عيب)، فهل تجري أصالة السلامة عند العقلاء في المبيع، بالرغم من ظنّهم أو احتمالهم، على الأقلّ، بعد التبرّي بوجود العيب، وأن البائع قد أحرزه أو احتمله؟ وعلى أيّ حال فليس هذا محلّ أصالة السلامة -لو فرضنا تماميتها في نفسها-.

وكأنّه(3) فرغ عن المسألة، وهو أنه لو كان سمع البراءة فإنه لا إشكال أنه ليس له الرجوع. وإنما الكلام أنه يدّعي شيئاً خلاف الظاهر، وهو عدم سماعه نداء البائع بالبراءة، “فكتب: عليه الثمن” يعني لا يصدّق، وإنما هي دعوى جزافية.

ـــــــــــــ[328]ــــــــــ

() أحكام العيوب، باب8. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 66، كتاب التجارة، الباب 5، الحديث 29، ووسائل الشيعة 18: 111، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 8، الحديث 1.

(3) ثُمّ قرأ السيد الرواية إلى قوله: (ولم يبقَ إلّا نقد الثمن)، ثُمّ قال:وكأنه… (المقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ففي عين الحال الذي يحتمل فيه العيب وأصالة السلامة لا تجري، مع ذلك قال بصحّة المعاملة. وفي الكيل والوزن لم يكن إشكال في لزوم معلوميتهما، وإنما الكلام في صفات الكمال وسائر الخصائص التي تشبثنا فيها بروايات السلف ونحوها، ولم تكن خالصة من الاغتشاش، فمع أن وصف الصحّة مهمّ عقلائياً ولا نافي له، تصحّ المعاملة.

وقد نفهم من ذلك أن التفصّي من كلّ صفة موجب للصحّة، كما لو باع الدهن وقال: (من أيّ نوع كان). ولا يمكن أن نقول: إن وصف الكمال يجب أن يُذكر بنفسه، ولكن وصف الصحّة يكفي التفصّي منه إجمالاً. فإن هذا مما لا يأتي إلى ذهن العقلاء. والمسألة مشكلة والرواية معتبرة عمل بها الفقهاء. والأخذ بها على خلاف القاعدة مشكل، وطرح الرواية مشكل، فإنها صحيحة وعدم الأخذ بكلام الفقهاء مشكل.

[في جريان أصالة السلامة]

نتكلّم أنه هل تجري أصالة الصحّة أو لا؟

رفع الغرر إما أن يكون بالعلم بما هو مورد النظر، بأن نعلم بثبوت الوصف الفلاني، أو نثق بثبوته وثوقاً ملحقاً بالعلم عقلائياً. وكذلك إذا وصف المبيع وصفاً راجعاً إلى الإخبار، فإنه يرتفع الغرر، إذا أوجب الوثوق. وأما التزام المتبايعين أو تباينهما على وجود الوصف، مع كونهما جاهلين به حال المعاملة، فهو ليس له أيّ كشف عن الواقع، فضلاً عن حصول الوثوق.

إنما الكلام في أصالة السلامة فيما إذا شككنا أنه معيب أو لا، سواء كان 

ـــــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الشكّ في العيب شكّاً في ثبوت أصل المالية، أو لم يكن.

إذا كان بناء العقلاء على السلامة باعتبار أن الأشياء بطبيعتها يغلب عليها السلامة، بحيث لا يعتنى بالطرف الآخر، بحيث ينتج الوثوق الشخصي؛ فيكون كسائر الوثوقات في الاعتبار. وإن كان بناؤهم على اعتبار الوثوق النوعي بالسلامة، فلو لم يحصل وثوق شخص كفى الوثوق النوعي. ولكن إذا لم يحصل الوثوق الشخصي لا يرتفع الغرر، فإن الجهل جهل شخص لا يرتفع إلّا بالوثوق الشخصي، ولا يمكن أن يرتفع جهل شخصٍ بعلم غيره من نوع الناس. 

وإذا كانت أصالة السلامة راجعة إلى أن الشيء كان سالماً ثُمّ طرأ العيب عليه، وهو الوجه الذي رضيه الشيخ(1) فهذا ليس استصحاباً، وليس عندنا استصحاب عقلائي.

وهنا كلام يؤثّر في كثير من الموارد، فأنا حين أريد أن أشتري دهناً جيداً، أسأل عن جودته وسلامته، طبقاً للأغراض الشخصية، ولا يأتي إلى ذهني أن الشرع أوجب ذلك، بدليل أن المسلم غير المعتني بل غير المسلم يقوم بنفس العمل. وأخرى يكون المتاع كثيراً جداً، ولا يمكنهم مشاهدته وفحصه، وإنما يسألون بائعه عن أوصاف الكمال. نعم، قد يفحصون لأجل التأكّد من أنه ليس معيباً عيباً مسقطاً عن المالية، والشراء الكبير كان موجوداً في زمان النبي 

ـــــــــــــ[330]ــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب المكاسب 4: 292، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لابدَّ من اختبار اللون والطعم والرائحة … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والأئمة، ولم تكن وليست هي الآن مبنية على الفحص عن صفات الكمال. وما يوجد عند العقلاء من الفحص عن المعاملات الصغيرة إنما هو في أغراضهم الخاصّة لا الشرعية.

فماذا نعمل؟ هل يشمل هذه السيرة: الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، وتكون رادعة عنها؟ هل تردع هذه الآيات عن البناء على الخبر الواحد، وأصالة الصحّة ونحوها، أو أن السيرة مخصّصة؟

وفي المقام نقول: هل النبي نهى عن بيع الغرر بشكل لوحظت فيه كلّ الموارد والأوصاف الراجعة إلى الكمّية والكيفية، والقيمة، ونقول أن بناء العقلاء لا يصلح للتخصيص؛ لأنه متوقف على الإمضاء؟

إذا تمّ مثل هذا الكلام هناك ففي المقام ليس كذلك، فإنه منذ زمان النبي إلى زمان الإمام الرضا لم يكن حديث “نهى النبي عن بيع الغرر” موجوداً، وفي زمانه وجد هذا الحديث، على غموض في دلالته وحدوده. وأمير المؤمنين حين كان يعظ في السوق لم يكن يأمر بالتدقيق بالوصف، ولم يمتنع سوق العقلاء عن ماله تمسّكاً بهذا الحديث. إذن فهي سيرة ممضاة، ولم يرد الحديث إلّا في زمان الإمام الرضا على إشكال في سندها في الجملة وفي دلالتها بلا إشكال. ولم يتغيّر السوق لا في زمن الإمام الرضا ولا بعده. ومن أخبار باب السلف لم يكن يستفاد لزوم الاستقصاء في الأوصاف، وإنما لزوم ذكرها في الجملة.

ويمكن أن يقال: إن ما هو المتسالم هو الكيل والوزن وإحراز عدم الفساد 

ـــــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المطلق المسقط عن المالية، كما في المشمومات والمذوقات، وإلّا فلا دليل على لزوم التوصيف كصفات الكمال وإن اختلفت القيمة باختلافها.

وما يباع من دون فحص كالبيض والبطيخ، لا يجب فحصه؛ للسيرة القطعية بعدم الفحص، والنبوي لا يمكن أن يردع عنها؛ لأن ما يتقوم عليه السوق لا يمكن أن يردع عنه بحديث واحد. وقد رأينا أن الآيات الناهية عن العمل بالظن نزلت، وحديث “نهى النبي عن بيع الغرر” كان موجوداً، ولم يتغيّر السوق بمرأى ومسمع من المعصومين.

ـــــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 











 [مسألة: في صحة بيع ما يفسده الاختبار] 

 

في الأشياء التي يفسدها الاختبار: ادّعي الإجماع على عدم لزوم الاختبار. ولكن هل يعتبر في صحّة المعاملة اشتراط الصحّة والبراءة من العيب معاً، أو أحدهما بالخصوص معتبر، أو لا يعتبر شيء منهما، أو أن الإشكال مندفع بأصالة الصحة، أو أنها لا أثر لها؟

أما بالنحو الذي قلناه من أن “نهى النبي عن بيع الغرر” يشمل ما يعود إلى الذات دون ما يعود إلى الكيفيات، فبجهل بعض الكيفيات يكون البيع صحيحاً، إلّا بدليل خاصّ. 

وأما على قول من يقول: إن الحديث يشمل سائر الموارد، فقد قلنا: إن الاشتراط لا يرفع الجهالة، وكذلك البراءة من العيب، فلا بُدّ أن نستثنيها بإجماع أو سيرة قطعية مدعاة. وأصالة الصحّة ما لم تجلب الوثوق لا ترفع الغرر، وإذا كانت أصالة الصحّة أصلاً عقلائياً معمولاً به فلا بُدّ أن يكون هذا دليلاً على الاستثناء، أو على عدم وجود الإطلاق أصلاً. والقائل بالبراءة من العيب ربما كان ناظراً إلى الرواية التي قرأناها، والتي يظهر منها أنه بالبراءة تصحّ المعاملة، لا من أنه يُرفع الغرر، بل باعتبار الدليل الخاصّ المخصّص لدليل الغرر. ومن لا يعتمد على هذه الرواية يقول بوجود السيرة العقلائية على عدم الاختبار، 

ـــــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهي ليست سيرة مختصّة بزمان دون زمان، وثابتة مع وجود احتمال العيب. وقلنا بأن النبوي غير صالح للردع، بل السيرة مخصّصة له.

ـــــــــــــ[334]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[لو اعتمد على إخبار البائع ثم انكشف العيب] 

 

والمسألة المتفرّعة على هذه المسألة وعلى سابقتها هي: أننا إذا بعنا شيئاً إما بإخبار البائع أو بأصالة السلامة، ثُمّ انكشف أنه معيب، فتارةً يكون العيب مسقطاً للمثمَن عن المالية كالبيض الفاسد تماماً، وأخرى لا يكون.

أما إذا كان العيب مسقطاً له عن المالية، فهل البيع باطل من أصله، كما يقول الأكثر أو الكلّ؟ أو من حين الكسر الموجب للاطّلاع على اللامالية؟ ينقل عن الشهيد الثاني أنه قال: البيع صحيح إلى زمان الكسر، ومن هذا الحين ينفسخ البيع(1).

نتحدث أوّلاً عن أنه على أيّ مبنى يقال بصحّة المعاملة؟ فإنه إذا كان البيع هو مبادلة مال بمال، فهو غير حاصل في المقام، فإنه إنما يحصل إذا كان الثمن والمثمَن مالاً، والمفروض أننا حين كسرنا هذا البيض عرفنا أنه كان من الأوّل فاسداً وساقطاً عن المالية، لا أنه عرض له الفساد.

فهل يريد أن يقول ما قاله صحاب (الجواهر)(2)وأيّده بعض 

ـــــــــــــ[335]ــــــــــ

(1) اُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 198، كتاب البيع، الدرس 238.

(2) اُنظر: جواهر الكلام 22: 439، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المحشّين(1)، حيث ذكر -بتقريب مني-: أن المالية أمر اعتباري لا واقعية له. وما له واقعية هي الذوات الخارجية كالبيض والفرس. فقبل وجود العقلاء كانت هذه الأمور، وكانت الجواهر في المعادن، لكن اعتبار المالية لم يكن موجوداً. فلو سألت جبرئيل ما هذه الأشياء لقال: ذهب أو نفط، ولم يقل: أموال. إذن فالمالية اعتبار عقلائي، وهذا الاعتبار كلّما وجد في شيء فهو مال، فإنه واقعيته بواقعية الاعتبار. وفي مورد كون البيض غير فاسد بحسب الظاهر يعتبر العقلاء ماليته، والمالية متقوّمة بهذا الاعتبار. وبعبارة بعضٍ(2): إن المالية من ميل الناس إلى الشيء، وفي وعاء الميل الذي هو ما قبل الكسر، إذا سقط عن المالية في هذا الوعاء فلا مالية له في هذا الوعاء، وأما إذا تبدّل الوعاء بالكسر، فلا ينكشف أنه لم يكن مالاً في الوعاء السابق. فإنه كان اعتبار المالية موجوداً، وبالكسر انتهى أمد الاعتبار، لا أنه انكشف عدم وجوده من الأوّل.

فهل الشهيد يريد أن يقول ذلك؟ فهذا لا ينبغي أن يتمّ في المدرسة، بل ينبغي أن يتمّ في السوق. فإذا كان لشخص مخزن بيض فاسد، فانكشف فساده، فهل يقول: (كان عندي مال والآن ذهب مالي)، أو يقول: (لم يكن عندي مال، وإن كنت أتخيّل وجوده)؟ وحلّ المطلب هو أن تنظر أن مورد اعتبار العقلاء ما 

ـــــــــــــ[336]ــــــــــ

(1) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 377، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، بيع ما يفسده الاختبار.

(2) اُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 376، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، بيع ما يفسده الاختبار.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

هو؟ فإنهم إنما يعتبرون المالية باعتبار أنهم عالمين بوجود خصوصيات وصفات مرغوبة في الشيء، وقد تكون هذه الصفة وهمية، كما لو تخيّلوا أن قطعة زجاجية هي من الألماس فإنهم يرغبون بها ويدفعون المال بإزائها، ولكن حين تعرف حقيقتها يرون أنها لم تكن مالاً أصلاً. فإن الاعتبار العقلائي يدور مدار واقع الأوصاف، فإنها هي التي تكون مورداً للرغبة، وليس كلّ ما مال إليه الإنسان فهو مال، وإلّا فتحصيل العلم يميل إليه الإنسان، وهو ليس بمال.

أو نقول: إن الشهيد يريد أن يقول: إنه لا يوجد نصّ في أن البيع مبادلة مال بمال، وإنما هو أمر قاله صاحب (المصباح)(1)، وكلامه ليس بحجّة، وإنما هو مبادلة مال بعوض. فلا بُدّ أن نرجع إلى السوق ونرى أن من باع بيضاً فاسداً هل يقول: (بعت بيضاً فاسداً) أو لا يقول؟ وبعبارة أخرى نفرّق بين مثل التصريح بعدم المالية كما لو قال: (بعتك بلا ثمن) أو (بعتك هذا المعدوم)، فإن العقلاء لا يعتبرونه بيعاً. وأما بيع البيض المغلّف الذي هو بحسب الظاهر مال، وإن كان واقعاً ليس بمال، فهل يقول: (كان البيع لغواً ولقلقة لسان) أو يقول: (اشتريت وظهر المثمَن فاسداً). إذن فالبيع غير متقوّم بالمالية، بل بمعنى أعمّ متحقّق في محلّ الكلام.

فيقع الكلام أنه بالكسر هل ينكشف فساده من الأوّل أو من حينه؟ نقول: إنه وإن سلّمنا كونه بيعاً، لكنّ صحّة البيع هل هي منوطة بالظاهر كما أن المالية منوطة به أيضاً، بحيث يعرض الفساد من حين الكشف، وقبله نتمسّك 

ـــــــــــــ[337]ــــــــــ

(1) المصباح المنير 1: 69، مادّة (بيع).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بعمومات الحلّية والتنفيذ؟ أو يريد أن يقول: أن الانفساخ فعلي، ولكنّ الفسخ متقدّم، فالعقد من هذا الحين ينفسخ من الأوّل، نظير بيع الفضولي الذي يصبح من حين الإجازة ملكه من الأوّل.

وهل انتفاء العقد يكون بالبطلان، أو يكون بالانفساخ كموارد الخيار، وهل هو صحيح عرض له الانفساخ؛ فيُتكلّم عن سبب عروضه؟ وعلى أيّ حال فهذا أبعد عن الإشكال مما قاله صاحب (الجواهر) من أنه مال واقعي، فإنه مما لا يوافق عليه العرف.

ـــــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[بيان دعوى الشهيد في المقام] 

 

للشهيد ادّعاءان: 

أحدهما: أن العقد وقع صحيحاً إلى حين ظهور العيب.

ثانيهما: أنه بطل البيع من حينه، ويحتمل من أصله -كما نقل النصّ عنه-، ولا بُدّ أن مراده من البطلان من حينه: أنه ينفسخ.

إلّا أن المدّعى الأوّل غير صحيح، فإنه وإن صدق عليه عنوان البيع، إلّا أننا لا نستطيع أن نتمسّك بالعمومات لتصحيحه، بل هو أكل للمال بالباطل؛ لأنه أكل للمال في مقابل لا شيء.

وأما مدّعاه الثاني: فقد قُرّب بنحوين أحدهما أشار إليه في (الجواهر)(1).

[التقريب] الأول

 الأوّل: أن قاعدة التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له بناءً على أنها أعمّ من الخيارات الزمانية ومن خيار العيب والغبن، نقول: إن هذا المبيع مال واقعي، ولكنّه في معرض السقوط عن المالية، وهذه المعرضية عيب في المبيع، ففيه خيار العيب، والتلف الواقع واقع في زمن الخيار، سواء قلنا بأن العيب الواقعي 

ـــــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 439، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

سبب للخيار، أو إن ظهور العيب سبب له، فإن كان السبب هو العيب الواقعي 

فمن المعلوم أنه معيب واقعاً، وهو معرّضيته للسقوط عن المالية، وأما إذا كان ظهور العيب سبباً للخيار، فصحيح أن الخيار والتلف وقعا في زمن واحد، إلّا أنه يكفي في ذلك كون التلف في زمان الخيار، بل هذا هو مقتضى القاعدة، والتقدّم والتأخّر لا أثر له، فإذا انفسخ البيع تراجعا الثمن والمثمن(1).

ونحن لا نفهم هذا الكلام من عدّة جهات:

أوّلاً: هل كونه في معرض السقوط عن المالية عيباً؟ ولو كان عيباً فكونه في معرض التنزل عيباً أيضاً؟ فهل يلتزم في مثل ذلك بالخيار؟ بل هو ليس عيباً، ولهذا لا نقول بالخيار مع معرّضية التنزّل الفاحش ونحوه، وبالجملة لا يصدق هنا خيار العيب العرفي.

ثانياً: أن خيار العيب أو غيره إنما يثبت إذا كان المشتري جاهلاً، وفرض المسألة أنه يريد اختبار ما اشتراه، إذن فهو يعلم أنه في معرض الفساد والسقوط عن المالية، فإنه لو علم بعدمه لَما اختبره، إذن فهو يعلم بالعيب، ومعه لا يمكن أن يثبت له خيار العيب.

ثالثاً: أنه إذا تلف الشيء بفعل المشتري، فلا يكون التلف ممن لا خيار له، وإنما ذاك فيما إذا تلف تلفاً سماوياً، والمفروض أن الإتلاف حاصل من قبل المشتري؛ لأنه هو الذي كسره بالاختيار، وكسره هو الموجب لإتلافه وإسقاطه عن المالية، فإنه كان مالاً إلى هذا الزمان على الفرض.

ـــــــــــــ[340]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

رابعاً: قوله: (إن التلف في زمن الخيار) لا يلزم أن يكونا في زمن واحد، هذا صحيح، ولكن ماذا يقال في الخيار مع بطلان البيع؟ فإنه بطل البيع، وحصل الخيار في زمن واحد، فهل يقال بالخيار في البيع الباطل؟ هذا لا معنى له.

[التقريب الثاني]

ومعه لا يكون هذا الوجه صحيحاً.

ويتلوه في الضعف التوجيه الآخر، وهو ما ذكره صاحب (الجواهر)(1) والشيخ(2) من أن هذا العيب حيث كان بسبب سابق حاصل عند المالك، فهو مضمون على البائع، ونتيجة مضمونيته هو انفساخ البيع.

هذا بأيّ مناسبة؟ فإن البائع إذا كان سبباً للإتلاف، فإنه يوجب ضمان الإتلاف، لا ضمان ثمن المِثل كما هو المطلوب، والتلف واقع بالفعل من المشتري لا من البائع، ولا ينبغي أن يكون ضمانه على البائع، وعلى أيّ حال فالصحيح بطلان البيع من الأصل.

ـــــــــــــ[341]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 438، كتاب التجارة، الفصل الثاني: في عقد البيع وشروطه وآدابه، القول في شرائط العوضين، الخامس: أن يكون البيع معلوماً.

(2) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 298، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: يجوز ابتياع ما يفسده الاختبار … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

 [ثمرة النزاع في المسألة]

 

الثمرات التي قيلت للقولين أعني: قول الشهيد بصحّة المعاملة إلى حين ظهور الفساد، والقول الآخر بالفساد من الأوّل.

[الثمرة الأولى]  

وهي أنه على قول الشهيد يكون الثمن ملكاً للبائع، والمثمَن ملكاً للمشتري -إذا كان له مالية-. وعلى القول بالفساد يبقى الثمن على ملك المشتري، والمثمَن على ملك البائع -لو كان صالحاً للتملّك-.

وقالوا: إنه لو وقعت معاملات عديدة بعد هذه المعاملة، فإن كان تاجرَ بالمثمَن وظهر فساد المعاملة بطلت جميع المعاملات، ولا بُدّ من إرجاع الأعيان إلى أصحابها الأوائل، وأما لو تاجرَ بالثمن فلا تبطل المعاملات، إلّا إذا وقع شيء منها بعد الانكشاف، وهذا لا إشكال فيه.

إنَّما الإشكال أنه بناءً على قول الشهيد -مع دعوى: أن هذا مال، وأنه يسقط عن المالية من حين الكسر-: فتارةً يكسره البائع، وأخرى يكسره أجنبي، فهل هذا مضمون؟ فإنه يصدق أنه أتلف مال الغير، أو أنه تبدّل المال بلا مال، فلا تشمله قاعدة (من أتلف). 

ظاهراً أن هذه القاعدة عقلائية، وإن وردت في الشرع، فلا بُدّ أن يرى أن 

ـــــــــــــ[342]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

العقلاء هل يضمنون في هذا الفرض أو لا؟ بحيث يفترض أن البيع الفاسد مال عند العقلاء وكسره إتلاف له، وإذا قال إن كسره تبديل مال بلا مال، يضحكون عليه(1).

إذن فهذا المال يكون مضموناً، فلو أتلفها الأجنبي وكان ضامناً، فلمن يضمن؟ يضمن لصاحب المال! والبيض إلى حين الكسر ملك للمشتري وقد حصل التلف في ملكه، فيكون مضموناً له، فيأخذ المشتري عشراً من المتلف باعتبار إتلافه، وعشراً من البائع باعتبار انفساخ المعاملة، فهل يلتزم الشهيد بذلك؟ وإذا أتلفها البائع يضمن ثمن المِثل بالإتلاف للمشتري، ويضمن القيمة له أيضاً لا انفساخ المعاملة، ولا أظنّ أن الشهيد يلتزم بذلك.

[الثمرة الثانية]

الثمرة الأخرى: ضمان مؤونة النقل، فلو نقل البيض الفاسد إلى مكان آخر، فمؤونة النقل على من؟ ومؤونة المكان الذي تشغله أيضاً، ومؤونة إخراجه من ذلك المكان لو وجب، كما لو كدّس البيض الفاسد في المسجد، فإن كانت المعاملة صحيحة فهو ملك المشتري، ومؤونة النقل عليه، وكلّ ذلك عليه، وإن كانت المعاملة فاسدة فالمشتري نقل مال البائع، وتكون مؤونة النقل على البائع.

وهناك احتمالان آخران: 

أحدهما: أن المؤونة على أيّ حالٍ تكون على البائع؛ لأنه فعله باعتبار غرر 

ـــــــــــــ[343]ــــــــــ

(1) لم يقبل منه أو يستهزؤون به.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

البائع له، فيتحمّل المؤونة، سواء كان المشتري مالكاً أو البائع. 

والاحتمال الآخر: أن المؤونة تكون على أيّ حالٍ على المشتري.

أما الاحتمال الأوّل فنقول: إن قاعدة الغرور المستفادة من النبوي: (المغرور يرجع إلى من غرّه)، ومن الروايات في باب النكاح التي يقول فيها: “كما غرَّ الرجل وخدعه “(1)، والغرر أساساً هو الخدعة، وعند الخدعة يرى العقلاء الرجوع إلى الغارّ.

وأما إذا كانا معاً جاهلين بما في البيض، ولكن باعتبار أن الظاهر ماله أو باعتبار أصالة الصحّة اشتريا هذا المال، وليس البائع أَخْبر من المشتري ليحصل منه الغرر.

وبعد البيع صار المال للمشتري وليس للبائع أيُّ ربطٍ في أن يأذن للمشتري في التصرّف فيه أو أن لا يأذن، فقاعدة الغرور لا مجال لها. وأما قاعدة (الضرر) فتطبيقها من الأوّل على ذلك (نا مربوط)(2).

وأما ما يقوله (جامع المقاصد)(3)، من أن المؤونة تكون على أيّ حال على المشتري، فلا يبعد مطابقته للقواعد، أما بناءً على صحّة المعاملة فواضح، فإنه ملك للمشتري فمؤونة نقله عليه، والبائع لم يخدعه كما قلنا، كما أن الأمر كما 

ـــــــــــــ[344]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 21: 220، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 7.

(2) كلمة باللغة الفارسية تعني: لا علاقة له به.

(3) أُنظر: جامع المقاصد 4: 96، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

قاله من أنه لا مقتضى لرجوع المشتري إلى البائع؛ إذ ليس هناك غرر ولا ضرر ولا تسبيب، حتى لو أمره البائع بإخراجه من منزله؛ لأنه مأمور بحسب ظاهر الشرع بذلك.

وأما إذا قلنا بفساد المعاملة والمالية غير موجودة فهو غير مربوط بالبائع حتى يضمن.

أما أجرة النقل من محلّ الكسر إلى غيره، فإنه ليس مالاً إلّا أن يثبت كونه مملوكاً، فيشمله قاعدة المقبوض بالبيع الفاسد، فيجب عليه إرجاعه، وإن كان كسره في ملك الآخرين، وأمر صاحب البيت بإفراغ بيته، فقد ظهر بعد الكسر أنه ملك للبائع.

أما لو كسره في المساجد والمشاهد ونحوها، فالذي يأتي إلى النظر أن الكاسر هو الذي عليه إخراجه وليس هذا تكليف عام بين الناس أجمعين على نحو الكفاية، بل الحكم يخصّ الكاسر، ويكون التفريغ واجباً عليه حتى لو كان البيض ملكاً للآخر. 

وأما لو كان البيع صحيحاً إلى هذا الزمان، ومن الآن عرض عليه الانفساخ فلا بُدّ أن صاحبه هو الذي ينقله.

ـــــــــــــ[345]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[اشتراط البراءة من العيب فيما لا قيمة لمكسوره] 

 

الشيخ يذكر فرعاً(1) في ذيل كلامه، سبق الكلام في بعضه.

يقول: إن الشيخ(2) وأتباعه(3) فيما لا قيمة لمكسوره يرون صحّة البيع لو اشترط البراءة من العيب، وهناك من قال(4) بالبطلان.

ومحصّل الكلام هنا: هو أننا إذا قلنا ببطلان المعاملة فيما ليس لمكسوره قيمة، فلا تصحّ، حتى إذا اشترطنا البراءة من العيوب.

وإذا قلنا بالصحّة واشترطنا البراءة، فإنه يوجب البطلان. 

وهناك احتمال آخر وهو أن البراءة من العيب لا أثر لها، وإنما إذا كنّا نقول بالصحّة فنقول بها سواء اشترطت البراءة أم لا، وإذا كنّا نقول بالبطلان قلنا به مطلقاً أيضاً، ولكلٍّ من ذلك وجه يمكن أن يقال.

أما الاحتمال الأوّل: فلأننا إذا قلنا بالبطلان فلا نقول به -مثلاً- لعدم صدق ماهيّة البيع؛ لأن البيع هو تمليك عين بعوض وهو متحقّق، وإنما هو 

ـــــــــــــ[346]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 300، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: يجوز ابتياع ما يفسده الاختبار…

(2) أُنظر: النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: 404، كتاب المتاجر، باب بيع الغرر… 

(3) أُنظر: الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 247، كتاب البيع، فصل: في بيان بيع الغرر، وغيره.

(4) أُنظر: الدروس الشرعيّة 3: 198، كتاب البيع، الدرس 238، وغيره.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

باطل من باب أنه أكل للمال بالباطل، فإنه أكل للمال في مقابل لا شيء، وإنما يقال: بصحّتها من باب أن المثمَن مال، فاشتراط البراءة يكون سبباً للصحّة، فإن بطلان المعاملة إنما هو باعتبار معاوضة المال بالمال، فإذا قيّد بالبراءة عن العيب خرج عن كونه مالاً.

لكن لو حصل لنا غرض عقلائي في الانتفاع من البيض الفاسد -حتى مع العلم به- فلا ينبغي أن يقال بالبطلان؛ لأن الغرض ليس باطلاً وإنما هو عقلائي، وليست الأغراض العقلائية متعلّقة بالأموال فقط. 

فالمال يدفعه العقلاء لا في مقابل المال، بل في مقابل الملك برجاء السلامة أو بدونه، وبالبراءة لا يكون البيع أكلاً للمال بالباطل.

وأما إذا كان لمكسوره قيمة، فمن باب أننا لا نعلم بالواقع يكون البطلان من ناحية الغرر، فلولا البراءة من العيب يكون غررياً، وأما مع هذا القيد فيبقى غررياً أيضاً، إلّا أن رواية جعفر بن يحيى تصحّحه، بل ربما يشمل إطلاقها حتى ما إذا لم يكن لمكسوره قيمة -وإن لم تكن في الحقيقة في مقام البيان من هذه الناحية-.

ويمكن تقريب المطلب على عكس ذلك، فإننا إذا قلنا بصحّة المعاملة فيما لا قيمة لمكسوره، فإنه يصدق عليه البيع عرفاً، وأما كونه أكلاً للمال بالباطل، فهو مما لا يكون لضمان الأرش، فإن فيه أرشاً مستوعباً، وأما إذا تبرّأ من العيوب فيكون أكلاً للمال بالباطل؛ لأن البراءة تزيل الأرش فيكون المال في مقابل اللا مال.

وأما إذا كان لمكسوره قيمة، فمبنى الصحّة هو أصالة السلامة، وبالتبرّي يزول هذا الأصل.

ـــــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[مسألة: في صحة بيع المسك في فأرته]

 

المسألة الأخرى التي تعرّض لها الشيخ(1): هي بيع المسك في فأرته، فإنه خارج عن أدلّة الغرر، فإنه ادّعي الإجماع واللا خلاف على صحّة البيع، وفي فرض المسألة عدّة أنحاء من الجهالة: 

أحدها: احتمال الفساد المطلق المسقط عن المالية، والآخر: الشكّ في مراتب الكمال، والثالث الشكّ في كمّية المسك.

أما الشكّ الأوّل فأصالة السلامة إذا كانت توجب الوثوق فإنها تكفي، وكذلك لو كانت أصلاً عقلائياً، أو يثبت أن السيرة قائمة على بيع المسك بدون الفتق في سوق العقلاء، فإن ذلك يرفع سائر جهات الشكّ.

وأما إذا غضضنا النظر عن هذه السيرة فإن قلنا ما قلناه في دليل الغرر، من أنه يشمل الجهل بالذات والجهل بالمقادير دون سائر الصفات، فيمكن تصحيح المعاملة في الأوصاف.

نعم، يبقى الإشكال بالنسبة إلى الشكّ في المقدار، ما لم يثبت إجماع أو سيرة.

ـــــــــــــ[348]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 305، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: المشهور -من غير خلافٍ يُذكر- جواز بيع المسك في فأره.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ونحوه بيع الدرّ في داخل الصدف، فإنه إن ثبت بناء العقلاء على بيعه بدون فتح فهو، وإلّا فمقتضى القاعدة لزوم فتحه، وعلى فهمنا لدليل الغرر يكون البيع صحيحاً.

ـــــــــــــ[349]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[مسألة: بيع المجهول منضمّاً إلى المعلوم] 

 

من جملة المسائل التي طرحوها: أن المجهول الذي لا يجوز بيعه إذا ضمّ إلى المعلوم فهل يجوز بيعه أو لا؟ كضمّ السمك الذي في البركة إلى القصب الذي في الأجمة.

ما طرحه القدماء من الأوّل هو العناوين الواردة في النصوص، كبيع الحليب في الضرع(1) والسمك في الأجمة(2) والصوف في ظهور الغنم(3)، مع ضميمة المعلوم، والعلّامة(4) بعد أن مشى طبقاً لسائر القدماء أعطى قاعدة كلّية، وهي: أن كلّ مجهول لا يجوز بيعه حتى إذا انضمّ إليه معلوم. نعم، يجوز إذا كان المجهول تبعياً.

ـــــــــــــ[350]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 17: 348، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 8، وغيره.

(2) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 17: 354، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، وغيره.

(3) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 17: 351، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 10، وغيره.

(4) أُنظر: قواعد الأحكام 2: 26، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، الفرع السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فتوهّم المتأخّرون(1) أن العلامة قائل بالتفصيل بين ما إذا كان المجهول يباع بالأصالة وبين ما إذا كان يباع بالتبع، فحاولوا تعداد أقسام التبعية: فمنها الشرط، والقيد، والتبع الداخلي وهو الجزء، والتبع العرفي كالمفتاح للدار، وهذه غير مربوطة بالمسألة المطروحة أصلاً.

فإن المسألة هي: أن هذا المجهول إذا باعه بنفسه فالبيع باطل، وإذا ضمّ إليه ضميمة، فهل هو صحيح أو لا؟ أما اشتراط ضمّ المجهول فهي مسألة مستقلّة يتكلّم فيها أنه هل هو كما في الجزء يكون غرراً كذلك في الشرط أو لا؟ وإذا كان فيه غرر فهل يفسد البيع المشروط أو لا؟ 

فإنه ليس بيعاً مجهولاً ليدخل في المسألة، بل يدخل في بيع المعلوم، فليس هذا تفصيلاً في مسألتنا، والعلّامة لا يريد أن يقول بهذا التفصيل، وإنما طرح مسألتين إحداهما ما قاله الفقهاء، والأخرى أنه إذا باع المعلوم وضمّ إليه المجهول وتقيّد به هل يكون جائزاً أو لا ؟

وإنما المسألة التي فيها النصّ والبحث، وقد طرحت فيها النصوص(2) هي: أنه لا يجوز بيع السمك في الأجمة إلّا بضمّ القصب، ولا بيع اللبن في الضرع 

ـــــــــــــ[351]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 313، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: في عدم جواز بيع المجهول منضمّاً إلى المعلوم، منية الطالب 1: 412-413، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضمّ معلوم إليه وعدمه.

(2) تقدّم تخريج الأحاديث والروايات ذات الصلة آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ولو بضميمة اللبن المحلوب، ولا بيع الصوف إلّا بضميمة المقطوع، فهل وردت هذه الروايات على خلاف القواعد؟ فإما أن نردّها كما فعل ابن إدريس(1)، أو نقول إنها موافقة للقواعد ولا بأس بالأخذ بها. 

ما قلناه إلى الآن وحصلت عليه شواهد كثيرة هو أن الغرر ثابت في ذات المبيع، وفيما يكون مكيلاً وموزوناً، فيشملها الحديث النبوي “نهى النبي عن بيع الغرر(2)، وأما الجهل بالصفات أو بالقدرة على التسليم، فلا يكون مشمولاً للحديث.

[حكم ما يكون مكيلاً أو موزوناً في حالٍ دون حال] 

وهناك مطلب آخر لا بُدّ أن نقوله وهو: أن الأشياء تارةً تكون مكيلة أو موزونة، وأخرى ليست مكيلة ولا موزونة، فالصوف على جلد الحيوان ليس مكيلاً ولا موزوناً إلّا بعد قطعه، والحيوان نفسه ليس مكيلاً ولا موزوناً إلّا بعد أن يذبح ويصبح لحماً، وكذلك الفاكهة على الشجرة حتى تقطع، وكذلك الأسماك في البحر والأجمة حتى تصاد وتموت، وإنما تباع هذه الأمور بالمشاهدة، فلا بُدّ أن نرى العقلاء متى يرون الشيء موزوناً ومتى لا يرونه موزوناً، وماذا تفيد النصوص حول ذلك، وهل فيها تخصيص للنبوي أو لا؟ ونحو ذلك بيع الخضروات كالباذنجان والطماطم قطفة وقطفات، وعلى جوازه النصّ والفتوى.

ـــــــــــــ[352]ــــــــــ

(1) أُنظر: السرائر 2: 322، كتاب المتاجر والبيوع، باب بيع الغرر والمجازفة … .

(2) دعائم الإسلام 2: 21، الحديث 34، عوالي اللئالي العزيزيّة 2: 248، باب المتاجر، الحديث 17، والنهاية في غريب الحديث والأثر 3: 355، مادّة (غرر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والنهي عن الغرر كما قلنا إنما يشمل الذات والكيل والوزن، فإذا لم يكن مكيلاً ولا موزوناً ولا معدوداً فإنه لا يكون مشمولاً لدليل الغرر، ولا دليل على وجوب كيله ووزنه، ومثله بيع التمر على الشجرة بتمر أكثر منه، فإنه لا يكون ربّاً؛ لأن ما على الشجرة ليس موزوناً، وإنما يباع بالمشاهدة ولا غرر فيه.

ومن هنا أمكن أن يقال: إن ذات المبيع معلوم، ومقدار قطفاته أو خرطاته -لو كان ورقاً كالسدر- معلوم. نعم، أوصافه الأخرى مجهولة، وأما كيله ووزنه فهو منتفٍ موضوعاً.

[روايات بيع اللبن في الضرع]

وأما الروايات الواردة في المقام:

فمنها ما رواه الكليني، عن محمد بن إسماعيل -وهو ثقة عندي-، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم(1)، قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل له نعم يبيع ألبانها بغير كيل، قال: نعم حتّى تنقطع أو شيءٌ منها(2)، وهي معتبرة السند.

ويحتمل أنه يبيع ألبانها الخارجية بغير كيل، ويحتمل أنه يبيع ألبانها في 

ـــــــــــــ[353]ــــــــــ

() باب 8 من عقد البيع. (المقرِّر)

(2) الكافي 5: 193، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة …، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 123، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 8، الاستبصار 3: 103، كتاب البيوع، الباب 68، الحديث 3، ووسائل الشيعة 17: 348، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 8، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الضرع بغير كيل، كما أن “شيئاً منها” يحتمل أنه يبيع شيء من ألبان النعم، أو يبيع بعض ما في الضرع، كما إذا قال له: (احلب خمس دقائق) مثلاً.

ومنها (1): موثّقة سماعة قال: “سألته عن اللبن يُشترى وهو في الضرع. فقال: لا، إلَّا أن يحلب لك منه أسكرّجة، فيقول: اشتر منّي هذا اللبن الذي في الأسكرّجة وما في ضروعها بثمنٍ مسمّى. فإن لم يكن في الضرع شيءٌ، كان ما في الأُسكرّجة(2).

ويستفاد منها أن هذا الذي يأمر به الإمام إنما هو فرار من أكل المال بالباطل، وهو أن لا يكون في الضرع لبن أصلاً، فيكون المال بلا مقابل، ولو حلب وباع كان البيع صحيحاً، سواء كان في الضرع شيء أو لا. مع أنه لو كان الحليب موجوداً في الضرع كان مقداره مجهولاً، ونحو هذا موجود في روايات كثيرة، مثل رواية العبد الآبق التي تشترط في صحّة بيعه الضميمة، فإذا لم يكن العبد حاصلاً (كان ما نقده فيما اشتراه)، وفي بعض روايات بيع الثمار أنه إذا لم يثمر هذا العام فهو يثمر في السنة الآتية.

ولم ترد هذه الروايات على خلاف القاعدة، بل إن سوق العقلاء على ذلك، 

ـــــــــــــ[354]ــــــــــ

() نفس الباب (المقرِّر)

(2) الكافي 5: 194، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة …، الحديث 6، مَن لا يحضره الفقيه 3: 224، كتاب المعيشة، باب البيوع، الحديث 3831، تهذيب الأحكام 7: 123، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 9، الاستبصار 3: 104، كتاب البيوع، الباب68، الحديث 6، ووسائل الشيعة 17: 349، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 8، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وليست هذه الأمور من المكيل أو الموزون، حتى يشمله دليل وجوب الكيل والوزن، ودليل النهي عن الغرر.

كما أنهم أشكلوا على هذه الرواية في أنها ضمّ مجهول إلى مجهول، فإن ما في الأسكرجة من الحليب غير معلوم، وما في الضرع غير معلوم.

والصحيح أن غاية المراد: أنه لا يجوز بيع ما في الضرع مستقلّاً، ولم يقل (احلبوا مقداراً مجهولاً) فلعلّ الأسكرجة كانت كيلاً معلوماً.

وفي صحيحة العيص بن القاسم السابقة، ظاهر قوله (بغير كيل) إحراز وجود اللبن مع الشكّ في المقدار، وقوله “نعم” نصّ في الجواز. وأما موثقة سماعة غاية الأمر أن لها ظهوراً في المنع، ولعلّ المراد به الكراهة، فهل نعامل بينهما معاملة النصّ والظاهر فتحمل الظاهر على الكراهة، أو نعاملها معاملة المطلق والمقيّد، فينتج الجواز مع الحلب لا مع عدمه، والأولى الأوّل. فإنه ليس النهي فيها نصّاً في المنع، وخاصّة مع التعليل، فإنه ظاهر في الاحتياط الاستحبابي أو الكراهة، فإنه لو عُلم وجود الحليب في الضرع -كما هو الأغلب- فإنه لا حاجة إلى ذلك.

فهذا لعلّه تفصيل بين معلوم الوجود ومحتمل العدم، بل لعلّه مخصوص بمعلوم الوجود، وأما التقييد فيأتي إلى النظر بعيداً.

نحن نذكر الاحتمالات التي تأتي إلى الذهن، ويكون اختيار الصحيح منها إليكم.

قلنا: إننا لو بقينا نحن والحديث “نهى النبي عن بيع الغرر” فإنه يكون 

ـــــــــــــ[355]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

شاملاً للجهل بالذات وبالكمّيات المتّصلة والمنفصلة، فإنه بجهلها يصبح المجموع بما هو مجموع مجهول، وأما سائر الأوصاف فغير مشمولة للخطاب، وإنما ألحقنا جهالة الكيل والوزن بجهالة الذات، مع أن الكيل والوزن والعدد من الأعراض؛ لأنه حين يباع المكيل والموزون ونحوه ويدفع الثمن بإزائه، يقسّط الثمن على أجزائه، ويقع في مقابل كلّ جزء من المثمّن جزء من الثمن، وهكذا في كلّ ما يقاس بمقياس.

والوزن -بمعنى الثقل التكويني- وإن كان موجوداً أو متحقّقاً لكلّ مادّة. ولكنّ الشيء تارةً يباع بالوزن، وأخرى لا يكون في البيع من الموزونات، وإن كان في التكوين منها. وكذلك الشيء له مساحة تكويناً، إلّا أنه قد يكون من المحسوسات وقد لا يكون. فمثلاً قِطع الحديد موزونة حال البيع، ولكن لو عملوا منها (سماور)(1) فلا يكون موزوناً، وإنما يباع بالمشاهدة أو العدد، والقماش يكون مذروعاً، ولكن لو صنع جبة فإنه لا يكون مذروعاً، وإذا لم يكن الشيء موزوناً أو مذروعاً لم يشمله حكم الموزون والمذروع.

والثمار التي على الأشجار ليست من المكيلات ولا الموزونات، والمخمّن وإن خمّن لها مقداراً لكن البيع لا يقع على ما وصل إليه التخمين، بل يقع على الخارج، فلو أخطأ التخمين لا يكون فيه رجعة، وكذلك الخضروات والصدف حين وجودها في أماكنها الأولى.

ومعه تكون خارجة موضوعاً عن دليل لزوم الكيل والوزن والعد، ولا 

ـــــــــــــ[356]ــــــــــ

(1) كلمة باللغة الفارسية تعني: غلاية الشاي المعروفة.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يكون بيعها بدون ذلك، خلاف تلك الروايات، وهي وإن كان لها وزن طبيعي وعدد تكويني إلّا أنه لا يعدّ عرفاً من المكيل والموزون والمعدود، وما يعدّه العرف مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً ويدفع الثمن بإزاء ذلك، إذا كان مجهولاً ترجع الجهالة إلى الذات، وأما إذا لم يكن كذلك عرفاً، لم ترجع الجهالة إلى الذات، بل كانت الذات معلومة على الفرض، وتكون الجهالة في الأوصاف فقط، ويكون الجهل بالوزن والكيل جهلاً بالوصف، ونحو هذا يأتي في اللبن أيضاً.

موثقة سماعة السابقة أشكلوا عليها إشكالاً واضح الدفع، وهو: أنها ضمّ مجهول إلى مجهول، فلا يكون هذا البيع صحيحاً حتى لو قلنا إن ضمّ المعلوم إلى المجهول يوجب الصحّة. 

نقول: إنه من ضمّ المعلوم إلى المجهول، فإنه قال: (يحلب لك منه أسكرّجة) وهي كانت مقداراً للتقدير، ولم يقل: (يحلب لك مقداراً من الحليب في الأسكرجة)، بل قال: “أسكرجة” يعني: واحدة كاملة، وليس هذا الحكم من باب الغرر، بل من باب أنه إذا لم يكن في الداخل شيء، لا يكون أكل الثمن أكلاً للمال بالباطل، ومفروض المسألة أنه بحسب النوع يعلم وجود الحليب في الضرع، لا أنه يشكّ في ذلك، وإنما ذلك للاحتياط أو الاستحباب، وعلى أيّ حال فهذا الإشكال غير وارد.

وصحيحة العيص بن القاسم السابقة كأنّه كان في ذهن السائل أن اللبن من المكيلات، وهو بيع الألبان بدون كيل، إذن فالبيع باطل. أو أنه بيع صحيح؛ لأن اللبن في الضرع كالثمر على الشجرة لا يحتاج إلى تقدير.

والجواب في قوله: “نعم، حتى ينقطع أو شيء منها“. فيه احتمالات:

ـــــــــــــ[357]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أحدها: -ما قلناه- أنه يجوز أن يبيع ما في الضرع، ولكن على نحوين: إما أن يبيع إلى الانقطاع أو يبيع إلى ما قبل الانقطاع، كما لو باع نصف ما في الضرع، فإن باعه هكذا وجب حلبه كلّه وقسمته.

ثانيها: ما احتمله المحدّث الفيض(1) والمجلسي(2): أن المراد حتى ينفصل الحليب أو بعضه. والعجيب أن المجلسي يقول: إنها على ذلك توافق الروايات الأخرى، مع أنه على بعض فروضه يصبح خلاف ضرورة الفقه. فإنه يسأل: هل يجوز بيعه بدون كيل؟ فإذا أجابه: (نعم، إذا حلبه كلّه أو بعضه)، يصبح بيعه ضروري البطلان، فإن الحليب الخارجي يجب أن يُكال.

ثالثها: أنه لا يسأل عن الألبان الموجودة، بل عن مطلق اللبن، وهو يعلم أن هذه الشياه تعطي اللبن لمدّة ثلاثة أشهر وبعضها لمدة شهرين مثلاً، فيجوز أن يبيع ألبانها لمدّة ثلاثة أشهر حتى ينقطع الجميع، أو عن شهرين حين ينقطع البعض. 

ومعه يكون مدلولها كمدلول روايات الثمار، فإن بيعها لعامين فأكثر لا يحتاج إلى بدو الصلاح، وكذلك هذا البيع للَّبن لا يتوقّف على وجود شيء من اللبن فعلاً في ضروعها(3).

ـــــــــــــ[358]ــــــــــ

() راجع الوافي 18: 669، أبواب أحكام التجارة، باب 106، بيع الغرر والمجازفة…، الحديث 8.

(2) راجع مرآة العقول 19: 208، كتاب المعيشة، باب بيع الغرر والمجازفة، الحديث 5.

(3) للقطع بحصول اللبن خلال المدّة، وبوجود الثمار خلال العامين فأكثر (منه). (المُقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وكل هذه الروايات كأنّها تعالج مسألة واحدة، وليس ملاكها هو الغرر، فإنه لا يرتفع بأيّ معنى فرضناه، وإنما ملاكها هو أن لا يكون الشيء في مقابل اللا شيء.

يمكن أن يقال في صحيحة عيص بن القاسم وموثّقة سماعة نحو آخر من الجمع، فإن الجملة التي في ذيل الموثّقة لعلّها بمنزلة التعليل، وهي قوله: “فإن لم يكن في الضرع شيء، كان ما في الأسكرجة“، وفي الصحيحة: “نعم، حتى ينقطع أو شيء منها“.

فنقول: إنه في رواية سماعة يفرض أن الحليب موجود في الضرع، وقد يحتمل أن لا يكون في الضرع لبن.

إذن يقال في المقام وأمثاله: إننا إذا علمنا بوجود الحليب في الضرع جاز البيع من دون ضميمة؛ لأن الغرر مختصّ بذات الشيء، وهي معروفة في المقام، والكمّية لا يعتبر معرفتها، بل هي كسائر الأوصاف التي لا يشملها النبوي، بل إما أن يبيع بعض اللبن أو كلّه.

وإذا لم نعلم أن في الضرع لبناً أو لا، فلا بُدّ من الضميمة وهي اللبن المحلوب أو غيره، وليس لأجل احتمال الغرر، بل لأن البيع غير صادق على تقدير عدم وجود اللبن ولا الضميمة، وفي مورد الشكّ نشكّ أنه بيع أو لا، وأما إذا ضممنا إليه شيئاً خارجياً يكون البيع صادقاً، وإن كان اللبن معدوماً.

فنفصل بين ما إذا علمنا بوجود اللبن في الضرع، فلا حاجة إلى الضميمة، أو مع احتمال عدمه، فلا بُدّ من الضميمة، ولهذا ذكرت الضميمة في الموثّقة ولم تذكر في الصحيحة.

ـــــــــــــ[359]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والروايات(1) الآتية يوجد نفس الجمع، وهي روايات بيع الحمل:

[روايات بيع الحمل مع ضميمة الصوف]

منها ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محبوب، عن أبي إبراهيم -أو إبراهيم- الكرخي -البغدادي، وهو لم يوثّق لكن بصفته يروي عنه أحد أصحاب الإجماع، وهو أن أبي عمير وابن محبوب قد يقال بتوثيقه، إلّا أن هذا لا يتمّ عندنا-، قال: “قلت لأبي عبد الله: ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهماً؟ فقال: لا بأس بذلك، إن لم يكن في بطونها حملٌ، كان رأس ماله في الصوف(2).

وليس المقصود أن هذا البيع له حالان: إما أن يكون الصوف والحمل موجوداً فيقع الثمن في مقابلهما، وإما أن لا يكون الحمل موجوداً فيقع الثمن في مقابل الصوف، ليس المراد صرف البيع تعبّداً، بل يريد أن يقول: إنه إذا لم يكن ذاك موجوداً فهذا موجود. كما قيل في اللبن وكما قيل في الثمرة من أنه إذا لم يكن في هذه السنة ثمر، ففي السنة الآتية.

ـــــــــــــ[360]ــــــــــ

() باب 10 من عقد البيع (المقرِّر)

(2) الكافي 5: 194، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة …، الحديث 8، مَن لا يحضره الفقيه 3: 231، باب البيوع، الحديث 3853، تهذيب الأحكام 7: 124، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 10، ووسائل الشيعة 17: 351، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 10، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ويظهر من هذه الرواية أنه يجوز بيع الأصواف مستقلّاً بلا ضمّ الحمل، ولو فيه غرر، فإنه معلوم الذات ومشاهَد ومحدوس الكمّية، وليس مكيلاً ولا موزوناً، كما يظهر منها أنه إذا ضمّ الحمل جاز إن كان مشكوك الوجود. كما يظهر أيضاً أنّنا إذا أحرزنا الحمل كان بيعها جائزاً مستقلّاً.

وهذا نظير التفصيل في الثمرة بين بدو صلاحها فيجوز بيعها لعامّ واحد، وعدمه فلا يجوز إلّا بضميمة، فإذا أحرزنا الحمل جاز بيعه مستقلّاً، وإلّا لم يجز إلّا مع الضميمة حتى يصدق البيع ولا يكون أكلاً للمال بالباطل.

الاحتمال الآخر: أن هذه هي حكمة الجعل، وليست علّة له حتى ندور مدارها، فيقال: إنه على أيّ حال لا بُدّ من ضمّ الضميمة، وقد شرّعت باعتبار الحكمة الغالبة من الشكّ في وجود المنضمّ إليه، وكلّ الأمثلة من باب ضمّ ما يجوز بيعه منفرداً إلى ما لا يجوز بيعه منفرداً، وليس من ضمّ المجهول إلى المجهول.

ومنها: في(1) معاني الأخبار(2) عن محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز، عن القاسم بن سلام، بإسناد متّصل -مجهول- إلى النبي: (أنه نهى عن المجر) وهو أن يباع البعير أو غيره  بما في بطن الناقة، (ونهى عن الملاقيح والمضامين)، فالملاقيح ما في البطون وهي الأجنّة، والمضامين ما في أصلاب الفحول، وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضرب الفحل في عامه وفي أعوام. (ونهى عن بيع حبل الحبلة) ومعناه: ولد ذلك الجنين الذي في 

ـــــــــــــ[361]ــــــــــ

() نفس الباب. (المقرِّر).

(2) معاني الأخبار: 278، باب معنى المحاقلة والمزابنة … وغير ذلك من المناهي.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بطن الناقة، وهو نتاج النتاج، وذلك غرر(1).

والظاهر أن هذه التفسيرات من الصدوق(2). وفي “مجمع البحرين”(3) ألحقها بالرواية، ولعلّه تخيّل أن كلام الصدوق من الرواية.

ويستفاد منها أن بيع ما في بطن الناقة غير جائز، وإطلاقه يقتضي أنه باطل، سواء ضمّ إليه شيئاً أو لم يضمّ، ورواية الكرخي تقيّده، فيحصل التفصيل بين محرز الوجود ومحتمل العدم، فالأوّل صحيح بلا ضميمة، والآخر باطل حتى مع الضميمة، إلّا أنه تفصيل ضعيف غايته.

ومنها: ما روى(4) الشيخ بإسناده، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر، قال: “لا تبع راحلةً عاجلةً بعشرة ملاقيح من أولاد جمل”(5) وهي صحيحة من حيث السند.

ـــــــــــــ[362]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 17: 352، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 10، الحديث 2.

(2) كما مرّ آنفاً عن معاني الأخبار: 278.

(3) قال في مجمع البحرين 3: 479، في الحديث: “نهى عن بيع المجر”. وهو أن يُباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة. فراجع المادّة (مجر) منه.

(4) نفس الباب. (المقرِّر).

(5) في الوسائل: لا تبع من آجلة عاجلة، قال السيد وهو غلط صححوه على ما في الكافي وغيره كما قلناه. (المقرِّر). الكافي 5: 191، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة …، الحديث 5، تهذيب الأحكام 7: 121، كتاب التجارات، الباب 8، الحديث 133، وفيه: (أولاد حمل) بدلاً من (أولاد جمل)، ووسائل الشيعة 17: 352، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 10، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ولكن هل يراد من الملاقيح: اللقاح، وهو مناسب مع (الجمل) الظاهر بالفحل، ويكون المعنى: لا تبع الموجود بما ليس حملاً أصلاً، بل هي لقاح فقط؟ أو نأخذ الجمل بمعنى الناقة، فيكون المعنى النهي عما في بطنها بما هو موجود، وهو الراحلة؟

ولا مانع أن هذا البيع لا يكون جائزاً، إلّا أن ضمّ اللبن إلى الصوف يكون جائزاً، ولو ضمّ إلى اللبن شيئاً غير الصوف مما يمكن أن يباع منفرداً جاز بالتعدّي والتجريد عن الخصوصية، والرواية الدالّة على ذلك صحيحة لم يعرض عنها الأصحاب؛ لأنهم قبل ابن إدريس يرون الصحّة، والرواية الأخيرة ضعيفة لم يعمل بها القدماء.

والإنصاف أنه بضمّ هذه الروايات إلى بعضها يستفاد أن الضميمة توجب صحّة البيع من باب أنه مال فلا يذهب الثمن هدراً. فيجوز بيع الثمار لعدّة سنوات، وبالتعدّي يمكن أن يقال إنه يجوز بيع الحمل لعدّة سنوات، إلّا أنه يحتاج الإفتاء به إلى جرأة على المولى!!

[إشكالان في المقام]

الرواية التي تقول بجواز بيع الأصواف على ظهر الغنم مع ضمّ الحمل إليه، تقول: إذا لم يكن الحمل فرأس ماله في الصوف.

أشكلوا عليها(1): أنه ضمّ مجهول إلى مجهول، وليس من ضمّ معلوم إلى مجهول، ومحلّ البحث هو الثاني لا الأوّل، وعلى الأوّل لا يكون أحد قد عمل بهذه الرواية.

ـــــــــــــ[362]ــــــــــ

(1) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الإيرواني) 1: 211.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأشكلوا(1) أيضاً: أن كلامنا في مورد يكون المجهول متحقّقاً، وأما في المقام فيحتمل أنه غير متحقّق؛ لأنه قال: (إذا لم يكن الحمل فرأس ماله في الصوف) فيعلم أن الحمل كان مشكوك الوجود.

والظاهر أن كِلا الإشكالين لا يردان: 

أما الإشكال الأوّل: فلأنه إنما يكون ضمّ مجهول إلى مجهول، فيما إذا لم يجز بيع الصوف على ظهر الأغنام مستقلّاً، وهذا على خلافه كثير من القدماء والمتأخّرين، إذ قالوا بجوازه؛ لأنها مثل الثمرة على الشجرة ليست مكيلة ولا موزونة، بل يكفي فيها المشاهدة، وقضية ضمّ المعلوم إلى المجهول ليس لخصوصية في المعلوم، بل باعتبار أن بيعه منفرداً صحيح، فضمّه إلى ما لا يجوز بيعه بالانفراد، فيكون بيع المجموع جائزاً.

إذن فالجهل بمقدار الصوف لا يضرّ بالصحّة، فإنه إن أريد المجهول بحيث يكون جهله دخيلاً في صحّة البيع فهو ممنوع، وإن أريد الجهل الذي لا يضرّ، فلا مانع من التوصّل به إلى صحّة البيع.

وأما الإشكال الثاني: فهو أيضاً غير وارد؛ لأن الحمل إذا لم يكن معلوم الوجود حقيقة وإن كان بيعه باطلاً، إلّا أنه محمول على ما هو الغالب في من يريد أن يشتري الحمل أنه يشخّص أن الأنثى حامل وأنه في بطنها ولد أو في ضرعها لبن، فهذا يكون نكتة للجعل في أن من يريد أن يشتري لو أخطأ في التشخيص، أو لو مات الحمل أحياناً، فإنه يقع الثمن في مقابل الصوف، لا أنه يكون باطلاً تماماً.

وأما ما في العبد الآبق من أن قوله: (إذا لم تجد العبد كان المال بإزاء 

ـــــــــــــ[364]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الضميمة)، إرجاع للبيع تعبّداً إلى الضميمة، وكذلك في ضمّ الصوف إلى الحمل إذا لم يكن الحمل، رجع البيع إلى الصوف تعبّداً، فهذا غير صحيح؛ لأنه ليس المراد التعبّد، بل المراد أنه إذا لم يكن الحمل موجوداً فالمشتري لم يخسر، بل حصل على الصوف، وإذا لم يكن العبد موجوداً يحصل المشتري على الضميمة.

فهذه الروايات لا إشكال فيها، وأما سنداً فبعضها معتبرة، وبعضها منجبرة بعمل الأصحاب على طبقها قبل الشيخ وبعده، على أن كلّ مَن أشكل على الرواية كأنّه سلّم السند.

[روايات بيع السمك في الآجام]

ومن الروايات طائفة في بيع السمك(1)، والسمك قد يكون موزوناً وهو ما إذا ذكّي، وقد يكون معدوداً وهو ما إذا كان حياً في مكان محصور كالحوض ونحوه، كما هو الحال في السمك الملون، وقد لا يكون موزوناً ولا معدوداً كما لو كان في الأجمة أو بحر الخزر.

فإذا فهمنا من “نهي النبي عن بيع الغرر” اشتراط معلومية الذات، فالذات هنا معلومة وهو السمك، وليس لا بُدّ أن يعلم الوزن أو العدد؛ لأنه ليس بموزون ولا معدود، وكذلك الجوز على الشجرة فإنه ليس معدوداً، والعنب على الشجرة ليس موزوناً، ولا دليل على لزوم شيء زائد، عدا ما يستفاد من رواية (دعائم الإسلام)(2).

ـــــــــــــ[365]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

روايات (1) السمك: 

منها: ما رواه عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد -وهو ابن أبي عمير، وهو وإن كان يحتمل غيره إلّا أن الآخرين لا رواية لهم- عن معاوية بن عمار -موثّقة- عن أبي عبد الله، قال: “لا بأس أن يشتري الآجام إذا كان فيها قصبٌ(2).

والأجمة لغة(3): الأشجار الملتفة، وظاهراً أنه يراد بها الغابة(4)، وظاهر الرواية أنه يشتري نفس الأجمة، يعني: الأشجار التي لا تتحدّد بالمشاهدة باعتبار التفافها، فيضمّ إليها القصب المشاهد، ويصحّ البيع، وهذا غير مربوط ببيع السمك.

ومنها: عنه(5) -يعني: عن الحسن بن محمد بن سماعة-، عن بعض أصحابنا، عن زكريا، عن رجلٍ، عن أبي بصير -مرسلة-، عن أبي عبد الله في شراء الأجمة ليس فيها قصب إنما هي ماء. قال: “يصيد كفّاً من سمك، تقول: أشتري منك هذا السمك وما في هذه الأجمة بكذا وكذا(6).

ـــــــــــــ[366]ــــــــــ

() باب11 من أبواب عقد البيع. (المقرِّر).

(2) تهذيب الأحكام 7: 126، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 21، ووسائل الشيعة 17: 355، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 5.

(3) راجع لسان العرب 12: 8، مادّة (أجمَ)، والمصباح المنير 2: 6، ومجمع البحرين 6: 6.

(4) راجع تاج العروس 2: 296، مادّة (غيب)، ولسان العرب 1: 656، مادّة (غيب).

(5) نفس الباب. (المقرِّر)

(6) تهذيب الأحكام 7: 126، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 22، ووسائل الشيعة 17: 355-356، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 120، الحديث 6.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

“إنما هي ماء” هل معناه أن الشجر الملتف ماء.. مع أنه غير موجود في اللغة ذلك؟ أو هل يراد أنه يوجد في الأجمة شجر وماء، أما هناك ماء فقط دون شجر ولا قصب؟ وهل يريد شراء الماء؟ كلّا.

نفهم من الجواب أنه لا يريد شراء الأجمة، بل ما فيها، فإذا ضممنا قصباً كان أمراً معلوماً، ولكن القصب غير موجود، فكيف يصحّ البيع والسمك غير قابل للمشاهدة؟ فيأمر الإمام بأن يصيد سمكة أو أكثر ويقول: (بعتك هذا وما في الأجمة بكذا).

وقالوا: إن هذا من بيع المجهول بالمجهول، فإن ما صاده مجهول الكمّية.

وقلنا: إن هذه الأسماك الصغيرة التي يقبضها في كفّه مبيع عددي وليس موزونا.

وقالوا: إنه من ضمّ شيء إلى أمر مجهول الوجود.

نقول: ليس كذلك، إذ يحرز عادةً وجود سمك في داخل الماء غير ما اصطاده.

فهل يمكن أن يقال: أنه يريد أن يشتري الأجمة، ويكون المراد مما في الأجمة قطعاتها، فهو يشتري بعض القطعات، ويصيد سمكاً، ويقول: (بعتك هذا السمك)، فلا يكون من ضمّ السمك إلى السمك كما فهموا ؟

نعم، يبقى إشكال وهو: أنه لماذا لم يضمّ أحد الأشجار بدلاً عن السمك؟ فهل يضمّ السمك لخصوصية فيه! كما أنه يرد مثل هذا الإشكال في الرواية السابقة، إذ يسأل أنه لماذا لم يضمّ الشجرة بدلاً عن ضمّ القصب؟

ـــــــــــــ[367]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

لا أعلم لماذا كان ذلك وقد جعلوا الرواية الثانية قرينة على الرواية الأولى، وقالوا: إن المراد بالأوّل السمك، مع أنه لا ملازمة بينهما، فإنه يقول في الأولى: إنه يشتري الأجمة، ولم يقل: (يشتري السمك).

ومنها: محمد(1) بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله، قال: “إذا كانت أجمة ليس فيها قصبٌ، ُخرج شيءٌ من السمك، فيُباع وما في الأجمة(2).

فيها نفس الاحتمالين، وقلنا: إن هذا موافق للقواعد، ولا يشملها حديث الغرر، وأما إذا قلنا بأنه يشملها فهذه الروايات تدلّ على الجواز، وهي تدلّ على المطلوب على كلّ احتمالاتها.

ثم إنه لا يبعد أن رواية معاوية بن عمار تريد أن تقرّب نفس المطلب المذكور في رواية أبي بصير، أو تريد أن تقول أن ضمّ القصب إلى الأجمة جائز، ويكون من قبيل ضمّ ما يجوز بيعه منفرداً إلى ما يجوز بيعه منفرداً، وأكثر اللغويين [على](3): أن الأجمة هي الشجر الملتف، ولكن نقل في (منتهى 

ـــــــــــــ[368]ــــــــــ

() نفس الباب. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 194، كتاب المعيشة، باب بيع العدد والمجازفة …، الحديث 11، تهذيب الأحكام 7: 124، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 14، ووسائل الشيعة 17: 354، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 2.

(3) أُنظر: المصباح المنير 2: 6، مادّة (أجم)، مجمع البحرين 6: 6، مادّة (أجم)، تاج العروس 16: 7، مادّة (أجم)، وغيرها.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الإرب)(1) عن (المغرب): أن الأجمة هي محلّ مجيء الماء ونبات العشب.

حينئذٍ فيراد بما في الأجمة: ما في الماء، ويراد ببيع هذا السمك مع ما في الأجمة: ضمّ السمك إلى السمك، وأنه يريد بيع السمك فتتّفق الروايتان على هذا المضمون.

ولكن لا يعلم من رواية معاوية بن عمار أنه يريد من الأجمة -أو ما عليه أكثر اللغويين-: أنه الشجر الملتف. وعلى كِلا الاحتمالين يدلّ على المطلب الذي نريده.

وفي (أقرب الموارد)(2): أجم الماء تغيّر فهو آجم. وربما أخذت الأجمة من ذلك، فيكون من محتملات الرواية: أن الماء تارةً يكون صافياً فلا إشكال في جواز بيع السمك، وأخرى يكون متغيّراً بحيث لا يُرى السمك وهو غالب أماكن وجود السمك؛ لأن السمك بحركته يخلط الماء بالطين، ففي رواية أبي بصير “إنما هي ماء” يراد به شراء ما في الأجمة، وليس هناك قصب، ولا يمكن ضمّه إلّا مع وجوده، فإذا كان الماء متغيّراً فإنه يصيد شيئاً من السمك ليضمّه؛ فتكون الرواية دليلاً على المطلوب.

وفي رواية العبد الآبق وهنا، يقول: (أشترى منك هذا وهذا)، فقد بذلت عناية على بيع المجموع؛ باعتباره وحدة من دون انحلال، حتى لا نقول بأن ما قابل المجهول باطل.

ـــــــــــــ[369]ــــــــــ

(1) أُنظر: منتهى الإرب 1: 12، مادّة (أجم).

(2) أقرب الموارد 3: 4، مادّة (أجم).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ومنها: عن (1)محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد -يحتمل أنه الأسدي الثقة، ويحتمل أنه أخو أحمد بن محمد وهو ممدوح-، عن علي بن الحكم، وعن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن غير واحد جميعاً، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبد الله في الرجل يتقبّل بجزيةٍ رؤوس الرجال وبخراج النخل والآجام والطير، وهو لا يدري لعلّه لا يكون من هذا شيءٌ أبداً أو يكون، أيشتريه؟ وفي أيّ زمان يشتريه ويتقبّل منه؟ قال: “إذا علمت من ذلك شيئاً واحداً قد أدرك فاشتره وتقبّل منه به(2).

هل التقبّل صلح، أو هو بيع، أو هو معاملة مستقلّة؟ قوله: (لعلّه يكون) يحتمل أن يراد به أنه يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون. ويحتمل أن يراد: أنه يحتمل أن لا يكون، ويحتمل أن يكون شيء منها. والاحتمال الأوّل أقرب.

وهل التقبّل عين الاشتراء، أو أنه يفرض، أوّلاً التقبّل ثُمّ بدا له أن يسأل عن الاشتراء وعن التقبّل معاً؟ وقد كرّر (التقبّل) في الرواية ثلاث مرّات، ومن هنا يأتي إلى النظر أنه شيء مستقلّ عن الشراء سؤالاً وجواباً.

بعضهم تخيّل أن (اشتر وتقبّل منه) يعود إلى الأخير، يعني: (اشتر ما أدرك 

ـــــــــــــ[370]ــــــــــ

() نفس الباب. (المقرِّر).

(2) الكافي 5: 195، كتاب المعيشة، باب العدد والمجازفة…، الحديث 12، مَن لا يحضره الفقيه 3: 224، كتاب المعيشة، باب البيوع، الحديث 3832، مع فارقٍ في اللفظ، ووسائل الشيعة 17: 355، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 4.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

دون ما لم يدرك)، وهو على خلاف الاستدلال على محلّ الكلام. 

في مقابل احتمال آخر وهو: أن يراد أنه إذا أدرك بعضه فاشتر الكلّ وتقبّله، وهو على خلاف ظاهر الرواية.

والإشكال الآخر: أن ما ذكر في الرواية هو التقبّل وهو معاملة مستقلّة، ونحن نريد أن نتكلّم عن البيع والشراء(1)، نقول: هو يذكر حكم الشراء أيضاً، سواء كان هو عين التقبّل أو غيره.

والإشكال الآخر: أنه إذا كان المراد: لا أدري أنه هل يوجد شيء أو لا يوجد أصلاً؟ فيكون من ضمّ معلوم الوجود إلى مجهول الوجود، وعلى الاحتمال الآخر، يكون السائل بقوله: “أن لا يكون من هذا شيء أبداً ” قد سأل عن نوعين: 

أحدهما: ما كان مجهول الوجود. 

والآخر: ما كان مجهول الصفات.

وفي الجواب احتمالان: 

أحدهما: أنه إذا شككت أنه هل يحصل أو لا؟ إذا أدرك شيء منه فلا بأس بشرائه، وأما إذا كان بعضه حاصلاً فعلاً، أو تعلم بحصوله ولكنّه مجهول الصفات، فلا يجوز؛ لأنه غرر، وعلى التقدير الأوّل يكون صدق عنوان البيع محلّ شكّ ما لم يضمّ إليه ما أدرك.

ـــــــــــــ[371]ــــــــــ

() أُنظر: مختلف الشيعة 5: 252، كتاب المتاجر، الفصل الرابع عشر، مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يشتري الإنسان أو يتقبّل بشيءٍ معلومٍ.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ثانيهما: أنه يريد أن يقول كبرى كلّية وهي: أنه إذا أدرك شيء منها، فلا مانع من البيع، وليس للعدد دخل، وإنما الذي له دخل هو ضمّ ما يجوز بيعه منفرداً إلى ما لا يجوز بيعه منفرداً.

ويأتي إلى النظر أن هذه الرواية لو عرضت على السوق فإنه يفهم منها الاحتمال الثاني دون الأوّل، فتكون الرواية من الأدلّة على المطلوب، وهو مطلب كلّي، وهو: أن ما لا يجوز بيعه لو ضمّ إلى ما يجوز جاز بيعه.

ثم إنه لا ينبغي أن يُقصر النظر على مورد هذه الروايات باعتبارها على خلاف القواعد، بل نفهم منها أوسع من ذلك، مثلاً في روايات العبد الآبق يقول: (إن لم يوجد العبد كان الثمن في مقابل الضميمة)، وكذلك في رواية (جميع ما في الضرع)، أمر بحلب شيء في الأُسكرّجة، فإذا لم يكن في الضرع شيء كان ما في الأُسكرّجة، وفي باب الحمل يقال نفس هذا المعنى، وأنه إذا لم يكن حمل كان رأس ماله في الصوف، فيستفاد في فهم العقلاء من هذه الموارد: أنها ليست مسألة خاصّة بهذه المطالب، وإنما المسألة هي بيع المجهول إذا انضمّ إلى معلوم، أو بيع ما لا يجوز بيعه منفرداً بضمّه إلى ما يجوز بيعه منفرداً، فلو ضمّ الحليب المحلوب من البقرة إلى ما في ضرع الناقة، فهل يكون هذا غير جائز، فلو احتمل أو علم أنه لم يبق في الضرع حليب، أمكن ضمّ الحليب الموجود في ضروع الحيوانات الأخرى ؟

فالعقلاء الذين هم المدار في فهم الروايات لا يرون الخصوصية للغنم والنعاج واللبن. نعم، لو رأينا رفض هذه الروايات؛ لأنها شاذّة -كما قال ابن 

ـــــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إدريس(1)– أمكن، لكنّنا رأينا أنها معمولٌ بها وعليها الشهرة، بل ادّعي الإجماع(2) على بعض فروعها، وأفتوا على طبقها في المتون الفقهية.

وأما دلالتها فينبغي أن نفهمها عن طريق العقلاء لا عن التعبّد، وحين نلحظ كثيراً من أبواب الفقه نراها على نحو واحد، نعرف أنه ليس للخصوصيات مورد، وإنما هي تعطي قاعدة عامة. والتمسّك بها لا يقتضي رفع اليد عن روايات الغرر والروايات الآمر بالكيل والوزن، فإنه في المقام ليس مكيلاً ولا موزوناً.

[أنحاء بيع المجهول منضماً إلى المعلوم] 

المطلب الآخر الذي تعرّض له الآغايون: أنه يجب أن يباع كلّ واحد منضمّاً إلى صاحبه، وهذا له ثلاثة أنحاء:

 الأوّل: بيعهما معاً.

الثاني: أن يباع المعلوم، ويجعل المجهول شرطاً بنحو شرط النتيجة، وشرط النتيجة صحيح، فينتقل المعلوم بالبيع والآخر بالشرط.

الثالث: أن نبيع المجهول ونجعل المعلوم شرطاً. 

فهل يمكن أن يستفاد من هذه الروايات صحّة كلّ هذه الأنحاء، أو يقتصر على الأوّل أو الأوّلين دون الأخير ؟

بحسب الجمود على الألفاظ -كما جمدوا على الأمثلة- هو صحّة القسم 

ـــــــــــــ[373]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) راجع غنية النزوع: 212، كتاب البيع، الخيار.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الأوّل، فإن معنى الأمر بضمّه هو بيعه معه جزءاً.

وفي الروايات بذلت عناية في بيع المجموع لا بنحو الانحلال، وهذا يمكن أن نفهم به النحو الثاني، وهو أن يبيع المعلوم ويشترط المجهول، فإنه كما يرفع غائلة البطلان ضمّ المجهول جزءاً، كذلك برفعها ضمّه شرطاً!!. وذلك من جهتين:

أوّلاً: بحسب فهم العقلاء عدم الفرق بينهما عند العقلاء.

وثانياً: لأن المهمّ أن لا يخسر رأس ماله بدون مقابل.

أما القسم الثالث: فهذا المطلب غير متوفّر فيه؛ لأن الشرط إنما يصحّ فيما إذا صحّ البيع، والمفروض أن بيع المجهول غير صحيح، كما أنه لا يرد فيه (إذا لم يكن ذاك فهذا)؛ لأنه إذا لم يكن ذاك فالشرط باطل أيضاً، ولا يدخل في جيبه شيء.

فالأرجح هو صحّة القسمين الأوّلين، غاية الأمر أننا يجب أن نقيّد دليل الغرر بالنسبة إلى الشرط.

[بيان مراد العلامة في المقام] 

عبارة العلّامة التي ذكرناها ماذا يستفاد منها؟ قال: (كلّ مجهول مقصود بالبيع لا يصحّ بيعه وإن انضمّ إلى معلوم، ويجوز مع الانضمام إلى معلوم إذا كان تابعاً)(1).

ومعناه بحسب الظاهر: أن المجهول إذا قُصد بالبيع كان باطلاً وإن انضمّ إليه معلوم، وأما إذا بعنا المجهول بنحو التبع فهو صحيح. 

ـــــــــــــ[374]ــــــــــ

(1) قواعد الأحكام 2: 26، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، الفرع السابع.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وفيه احتمال آخر وهو ما نقله في (مفتاح الكرامة)(1) من أن العلّامة قال في موضع آخر(2): إذا باعه وشرط الحمل صحّ، وإن باعه معه لم يجز؛ لأنه جزء المبيع، وأن المبيع لا بُدّ أن يكون معلوماً، ومعه لا بُدّ من حمل الجواز على معنى: أنه لو جعل شرطاً كان نافذاً، فيكون كأنّ العلّامة أفتى بأمرين: 

أحدهما: أن جميع المجهول غير جائز وإن انضمّ إلى معلوم. 

وأما في باب الشرط فشرط المجهول جائز.

ومعه لا ينبغي أن نتكلّم عما تكلّم عنه غير واحد من المحشّين(3) من أن شرط المجهول هل يسري إلى البيع أو لا؟ وإنما الكلام في أن دليل الغرر هل هو خاصّ بالبيع، أو يعمّ سائر الشروط والعقود؟ على أننا قلنا إن دليل الغرر لا يخلو سنداً من الخدشة ودلالة عن الاحتمال.

والشيخ(4) تمسّك في كتاب البيع بحديث “نهى النبي عن بيع الغرر“، 

ـــــــــــــ[375]ــــــــــ

(1) أُنظر: مفتاح الكرامة 13: 208، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، فرع: في بيع المجهول.

(2) أُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 275-276، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط السادس، المسألة 125.

(3) أُنظر: منية الطالب 1: 412-413، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الرابع: عدم الغرر، حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 389-394، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، وغيرهما.

(4) أُنظر: الخلاف 3: 55، كتاب البيوع، المسألة 80.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وتمسّك في كتاب الضمان والشركة(1) بحديث (نهى النبي عن الغرر). وابن زهرة(2) تمسّك بالثاني في أحد البابين، فهي ليست مرسلة العلّامة، بل لها سابقة، وإن كان نقل الشيخ لها في كتابه (الخلاف)(3) غير جابر لضعفها.

وعلى أيّ حال فإن لم نفهم من البيع في الروايات السابقة ما يشمل الشرط اختلفنا مع العلّامة في أن ضمّ المجهول إلى المعلوم لا يراه صحيحاً ونراه صحيحاً، والشرط يراه صحيحاً ونحن لا نراه صحيحاً، ويكون المطلب على عكس ما قاله.

وإن فهمنا من الحديث النبوي النهي عن الشرط مثل الجزء، فنناقشه في الشرط دون الجزء، أما الجزء فللتمسك بالروايات المخصصة لدليل الغرر، وأما الشرط فلأنه مشمول لدليل الغرر ولا مخصّص له، وعلى أيّ حال فالنبوي بكِلا صيغتيه شامل للشرط.

*****

كان يحتمل من كلام العلّامة أن المقصود بالتبعية: أنه إذا تعلّق البيع بالشيء كان ذلك الشيء مقصوداً بالبيع، وإذا تعلّق بشيء ثُمّ شرط شيئاً آخر فالمشروط ليس مقصوداً بالبيع، بل هو تبع. والشرط تارةً شرط في متن العقد، بحيث إنه إذا كان مجهولاً وكان دليل الغرر شاملاً للشروط كان شاملاً له. وقد يتعلّق 

ـــــــــــــ[376]ــــــــــ

(1) أُنظر: الخلاف 3: 319، كتاب الضمان، المسألة 13، و3: 330، كتاب الشركة، المسألة 5.

(2) أُنظر: غنية النزوع: 264، فصل في الشركة.

(3) كما مرّ آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الشرط بالمبيع، كما لو اشترى دهناً وشرط أن يكون من دهن (كرمانشاه)(1)، مع أن كِليهما يجهل صفة الدهن الكرمانشاهي. وثالثة يكون شرطاً للثمن.

وعلى أيّ حال فنتكلّم عن شمول دليل الغرر له.

وكذلك يمكن هذا الكلام فيما إذا قيّدناه بقيد، كما لو قلنا: (اشتريت منك هذا الدهن الكرمانشاهي)، فإن كان التقييد أو التوصيف بأمر مجهول، فهل يكون مشمولاً للدليل أو لا؟ أو أن المجهول ليس بيعاً، بل هو قيد البيع؟ وإذا لم يشمله “نهى النبي عن بيع الغرر“، فهل عندنا (نهى النبي عن الغرر) ليشمله أو لا؟

الاحتمال الثالث: أن تكون الأصالة والتبعية مربوطة بما هو المقصود بالبيع، وما هو تابع له، فما كان مقصوداً بالأصالة إذا كان مجهولاً فالبيع باطل ولو ضمّ إليه شيء، وما هو مقصود بالتبع فإنه لا تضرّ به الجهالة إذا كان المقصود بالأصالة معلوماً، وكونه بالتبع لا يمنع عن شمول النبوي له، فإنه بيع على أيّ حال، والروايات السابقة في السمك إذا كان المقصود بالأصالة هو السمك الذي في الماء لا ما اصطاده، فإذا كان جزءاً للمبيع يشمله الحديث النبوي، وأما إذا كان بنحو الشرط فيشمله الكلام السابق.

ولقائل أن يعكس المطلب ويقول: ما كان المجهول فيه مطلوباً بالأصالة فهو بيع صحيح، وما كان المعلوم فيه بالأصالة والمجهول بالتبع  فهو باطل. 

ويكون وجهه: أن المستفاد من رواية سماعة: أن الغرض متعلّق باللبن 

ـــــــــــــ[377]ــــــــــ

(1) مدينة إيرانية.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الذي في الضرع، لا بما في الأُسكرّجة. فقيل فيها: إن هذا -يعني: (ضمّ هذا إلى هذا)- هو طريق التخلّص، وكذلك في رواية السمك.

فيقال: إن “نهى النبي عن بيع الغرر” مطلق، خرج منه هذا الطريق؛ للتخلّص، والباقي يبقى تحته.

إلاّ أن هذا لا يتمّ: 

أوّلاً: أن هذا التفصيل لا يذهب إليه العقلاء، مضافاً إلى أن روايات ضمّ الصوف إلى الحمل يستفاد منها أن الصوف أيضاً مقصود بالبيع، وليس أن المقصود هو الحمل فقط، وإنما ضمّ الصوف للتخلّص. على أن رواية سماعة علّلت المطلب بعدم الخسارة، فإذا كان الأغلب مجهولاً وجائزاً فكون الأكثر معلوماً أولى بالصحّة.

[كلام صاحب الجواهر في المقام]

صاحب (الجواهر) عليه الرحمة(1) -بعد الاعتراف بالعمل بالروايات- قال حول التبعية والأصالة: إنه يستفاد من الروايات أنه إذا جعل الثمن في مقابل المعلوم وإن قلّ، وكان وجود المجهول وعدمه في مقام المعاملة على حد سواء، لا أن الثمن يقع في مقابلهما معاً، وما ورد من التعليل يستفاد منه أن البيع أصلاً وقع في مقابل هذا، وإنما يملك الشيء الآخر إذا وجد. ثُمّ يأمر بالتأمّل.

ووجه التأمّل واضح، وهو: أن هذا لا وجه له؛ لأن النبي نهى عن 

ـــــــــــــ[378]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 446، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الخامس.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بيعين في بيع، كأن يقول: (بعتك هذا نقداً بكذا ونسيّة بأزيد منه)، فتكون الجهالة في الثمن، ومقامنا يكون عكس ذلك، أي: تكون الجهالة في المثمَن، فإنه على تقدير وجود الآخر يكون الثمن في مقابلهما، وعلى تقدير عدمه فالثمن في مقابل هذا، وإذا جعلناه في مقابل هذا فقط فذاك لا يكون مربوطاً بالمعاملة.

والمقصود من الرواية: أنه يريد أن يشتري كُلّاً من الصوف والحمل، ولا يأتي إلى ذهن الراوي أنه على تقديرٍ يشتري كِلا الأمرين، وعلى تقديرٍ آخر يشتري أحدهما، فهو بيع واحد لا بيعان في بيع، وكذلك قوله: تقول: (بعتك هذا وما في الأجمة) فإنه عناية في أن لا يكون البيع قابلاً للانحلال.

فكلام صاحب (الجواهر) لا تدلّ عليه الروايات، ولا ينسجم مع اعتبارات العقلاء، ويلزم من كونه بيعين في بيع، مع أنه حين أخذ بهذه الروايات كان عليه أن يعمل بها ابتداء.

ـــــــــــــ[379]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

[مسألة: حول الإندار]

 

المسألة التي عنونوها هي من فروع عدم جواز بيع المجهول، وهي قضيّة الإندار وهو بيع المظروف مع إسقاط مقدار تخميني للظرف، وعلى جوازه في الجملة دلّ الإجماع(1) وبعض الروايات، ويمكن أن يقع الكلام فيه من جهات:

[أنحاء الإندار] 

الجهة الأولى: أن الإندار يمكن أن يقع على أنحاء، بعد التسالم على أنهم وزنوا الظرف والمظروف ولم يبيعوه بدون وزن، كما أن المبيع هو خصوص المظروف دون الظرف، وأما بيع الظرف والمظروف، فتلك مسألة أخرى يذكرها الشيخ بعد ذلك.

فهنا مرّة يقال: (إن هذا الشيء الخارجي المعروف الوزن أبيع ما فيه بكذا)، بدون إندار للظرف.

وثانية: نفس هذا الفرض، لكنّه يقول: (أبيعه كلّ رطل بكذا).

ـــــــــــــ[380]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 447-448، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الخامس، مفتاح الكرامة 13: 229، كتاب التجارة، المقصد الثاني، الفصل الثالث، في جواز الإندار لظروف المبيع، وغيرهما.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وثالثة: يوزن المجموع، ثُمّ يندر بمقدار الظرف تخميناً، ثُمّ يقول: (بعتك ما في الظرف بكذا).

ورابعة: نفس الفرض، لكنّه يقول: (بعتك ما في الظرف كلّ رطل بكذا).

وفي تمام هذه الصور: إما أن يكون وزن الظروف والإندار أمراً متعارفاً في السوق، وأخرى يفرض أنه ليس متعارفاً. وعلى أيّ حال فما يسقطونه تارةً أمر متعارف في السوق: بأن يكون الإسقاط أمام مثل هذه الآنية رطلين مثلاً. وعلى كلّ تقدير يعلم المتبايعان بما هو متعارف في كبرى أو صغرى الإندار. وأخرى يجهلان ذلك. وثالثة يجهلان إحداها. ورابعة يجهل أحدهما دون الآخر كِليهما أو إحداهما.

[دلالة الروايات في المقام]

وعندنا في المقام طائفتان من الروايات:

 إحداهما: “نهى النبي عن بيع الغرر(1). فإذا لم يتمّ سنداً أو دلالة، ننظر إلى الطائفة الثانية وهي: الروايات الخاصّة بالإندار، ونرى هل هي معارضة لمقتضى القاعدة أو لا؟ 

وإذا كانت مخالفة لها فهل يصحّ الأخذ بها أو لا؟ وإذا صحّ الأخذ بها فتكون مصحّحة لأيٍّ من هذه الصور التي ذكرناها؟ ثُمّ نتعرّض لِما يقوله الشيخ من أن الباقي بعد الإندار يكون معلوماً لا مجهولاً، فيخرج تخصّصاً عن دليل الغرر، فهل يصحّ ذلك أم لا؟

ـــــــــــــ[381]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

على أيّ حال فهذه الأقسام الأربعة من حيث الجهالة كما يلي: 

أما القسم الأوّل: فالمبيع فيه مجهول الوزن، ويكون كما لو وزن مقداراً من الرقّي والبطيخ، ثُمّ بعنا البطيخ وحده، وإنما يكفي وزن المجموع عند بيع المجموع لا عند بيع البعض، فيكون غرراً مشمولاً لدليله، كما يكون مشمولاً للأدلّة الآمرة بالكيل والوزن، فإنه موزون على الفرض.

وأما القسم الثاني: وهو أن يقول: (بعتك ما في الزقاق كلّ رطل بكذا) وذلك قبل الإندار، فيكون كُلٌّ من الثمن والمثمَن مجهولاً؛ لأن مقدار الأرطال مجهول، ومقدار ما يدفع من الثمن في مقابلها مجهول، فحتى لو كان الإندار متعارفاً ومقداره متعارفاً، لكنّنا إذا شككنا بمقداره بالنسبة إلى هذا الزقاق كان مجهولاً غررياً.

وأما القسم الثالث: أعني بيع المجموع بعد الإندار، فالمبيع معلوم تخميناً، والثمن معلوم وجداناً.

وأما القسم ا لرابع: وهو أن يقول بعد الإندار: (بعتك كلّ رطل بكذا)، فيكون كُلّاً من الثمن والمثمَن معلوماً تخميناً، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك.

[صحيحة الحلبي]

محمد بن الحسن بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله، أنه قال: في رجل اشترى من رجل طعاماً عدلاً بكيل معلوم، وأنّ صاحبه قال للمشتري: (ابتع مِنّي هذا العدل الآخر بغير كيل، فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت)، قال: “لا يصح إلّا 

ـــــــــــــ[382]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بكيل“. وقال: “وما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً، فإنه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام(1).

وقد قلنا: إنه إذا أخبر البائع وكان موثوقاً لدى المشتري فلا مانع منه، وقوله: (مثله) يعني: أنها متقاربة في الوزن، لا أنه مثله بالضبط، بل المتعارف على وزن حِمل واحد وأخذ الباقي على غراره، فنفهم من ذلك أن هذا مما لا يوجد فيه اختلاف فاحش، فإذا كان هذا هو نفس ما ورد في صحيحة الحلبي التي تقول: (لا يجوز بيعه مجازفة)، لقلنا: إن هذا ليس مجازفة؛ لكونه متعارفاً.

وأما إذا لم يكن متعارفاً فيكون التخمين مجازفة، ولا يكون جائزاً، والمورد الذي ذُكر في صحيحة الحلبي لم يكن الفرق كبيراً فيه في التخمين، ومع ذلك نهى عنه، وقال: إنه مجازفة.

نعم، تثقيل الميزان لا بأس به، إلّا أن الصحيحة تدلّ على أن التخمين في المعاملات غير جائز، وخاصّة في المعاملات الكبيرة التي يكون خطأ التخمين فيها كبيراً لا يُتسامح فيه.

كلّ الأقسام لبيع المظروف فيها جهالة، لكن بعضها في الثمن وبعضها في المثمَن، ومقتضى القاعدة أن تكون قاعدة الغرر شاملة لها، وتشملها أيضاً 

ـــــــــــــ[383]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 179، كتاب المعيشة، باب شراء الطعام وبيعه، الحديث 4، مَن لا يحضره الفقيه 3: 210، كتاب المعيشة، باب البيوع، الحديث 3781، تهذيب الأحكام 7: 36، كتاب التجارات، الباب 3، الحديث 36، ووسائل الشيعة 17: 342، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4، الحديث 2.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الروايات الآمرة بالكيل والوزن، واستفدنا من صحيحة الحلبي أن الحدس والتخمين غير كافٍ، بل لا بُدّ من التحقيق في ذلك، فما قاله بعضهم من أن الزيادة بمقدار يُتسامح فيه، فلا يكون مشمولاً لدليل الغرر. فإنه لو صحّ ذلك نرفع اليد عنه بصحيحة الحلبي الدالّة على لزوم المعرفة التفصيلية.

[التخصيص بالسيرة العقلائية]

وهذا التعارف الموجود والسيرة العقلائية، هل تخصّص الأدلّة التي على خلافها، أو أن هذه الأدلّة تردع عنها، فمثلاً الآيات الناهية عن العمل بالظن(1) هل تردع عن السيرة، أو أن السيرة تخصّصها؟ فهل يمكن أن يقال ذلك هنا: أنه بعد أن قامت السيرة العقلائية على صحّة بيع ما في المظروف بعد الإندار، فإما أن تقيّد روايات الغرر، أو تكون منشأ لانصرافها ؟

فهل تقول في المقام ما نقوله في كلّ سيرة من هذا القبيل؟ الظاهر أنه يفرق بين الموردين، فإن ما قلناه إنما هو في السيرة إذا وجدت بين الناس بنحو شائع جداً، كاليد وأصالة الصحّة في العقود والإيقاعات، حيث يلتزم بها العقلاء جميعاً سواء الملتزمون بالديانة أو غيرهم، فإذا حصلت رواية بين الإمام والراوي في غرفة من الغرف فإنها لا تكون صالحة للردع عن السيرة، ولا أن تقلب السوق عما هو عمله عليه. وأما إذا كانت القضيّة كالإندار من وقوعه على شكل قليل، وليس سيرة شائعة بين كلّ العقلاء، وأنها قد تحصل بين بعض 

ـــــــــــــ[384]ــــــــــ

() كالآية 36 من سورة يونس: إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، والآية 28 من سورة النجم: وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

التجار في بعض الأوقات، فلا تحتاج في الردع عنها إلى بيان واسع.

والأقسام التي سبق أن قلناها فيها جهالة من أيّ ناحية؟ وإذا قلنا بصحّة بعضها من الروايات أو الإجماع، فهل يمكن أن يلحق بها بعض الأقسام الأخرى؟ والإندار هو تخمين وزن الظرف، حيث يوزن مع المظروف ويستثنى منه ذلك. 

فتارةً: قبل الإندار يقول: (بعتك المظروف بكذا)، فهنا الثمن معلوم وجداناً، وأما المثمَن فمجهول لم يتعيّن لا تخميناً ولا وثوقاً، وإنما هو يعلم وزن مجموع الظرف والمظروف.

وثانية: قبل الإندار يقول: (بعتك كلّ رطل بكذا)، وهنا الثمن والمثمَن مجهول، فإذا كان الغرر بمعنى الجهالة، فإنه يكون شاملاً له.

وهاتان الصورتان لو دلّ دليل على صحّة القسم الثاني، فإنه يصحّح القسم الأوّل أيضاً؛ لأنه لو لم يعتبر العلم لا في الثمن ولا في المثمَن فصورة معلومية الثمن صحيحة أيضاً.

وأما إذا دلّ الدليل على صحّة الصورة الأولى، فإنه لا يكون شاملاً للثانية؛ لأن غاية ما يثبت هو أن الشارع غضّ النظر عن معلومية المثمَن، وهو لا يدلّ على غضّ النظر عن معلومية المثمَن.

وأما إذا حصل الإندار، وتخمين الظرف والمظروف، فهنا أيضاً صورتان فإنه تارةً يدفع الثمن في مقابل المجموع أيّاً كان وزنه الواقعي، فهنا الثمن معلوم تحقيقيّ والمثمَن معيّن بالتخمين والحدس، وإذا صحّت هذه الصورة بدليل، لا يمكن أن تصحّ الصورتان الأوّليان؛ لأن المثمَن مجهول تحقيقيّ في كِليهما، 

ـــــــــــــ[385]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والثمن مجهول تحقيقيّ في إحداهما، ولكن إذا صحّت الصورتان الأوليان تصحّ هذه الصورة. وأخرى يقول بعد التخمين والإندار: (بعتك كلّ كيل منها بدرهم)، فالثمن والمثمَن غير معلومين تحقيقاً، ولكن كِلاهما معلوم تخميناً، فلو صحّ ذلك صحّت الصورة السابقة، فإن الثمن كان فيها تحقيقياً والمثمَن تخمينياً، كما أنه لو صحّت الصورتان الأوّليان تصحّ هذه الصورة أيضاً دون العكس؛ لاحتمال اعتبار التخمين في الثمن والمثمَن، وأن لا يكون مجهولاً مطلقاً.

[حول معقد الإجماع المدعى في المقام]

بقي أن نتعرّض إلى معقد الإجماع(1) الذي نقله فخر الدين(2)؛ لنرى أنه ماذا يثبت به، وأنه يصحّح أياً من هذه الأقسام ؟

نحن ننظر -بقطع النظر عن تعارف السوق للإندار- إلى عبارة الفخر في دعوى الإجماع، وإلى الروايات الواردة في المقام؛ لنرى أنها تشمل أيّ قسم من هذه الأقسام؟ وإذا استفدنا من ذلك شيئاً جئنا إلى التعارف؛ لنرى ما هو؟ وهل يكون قرينة على فهم الروايات ومعقد الإجماع ؟

وعلى أيّ حال، فالإجماع الذي يذكره فخر الدين إجماع منقول، ليس به 

ـــــــــــــ[386]ــــــــــ

(1) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 13: 229، كتاب التجارة، المقصد الثاني، الفصل الثالث، فروع في جواز الإندار لظروف المبيع، وكتاب المكاسب 4: 321، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، مسألة: يجوز أن يندر لظرفٍ ما يُوزن مع ظرفه …

(2) إنَّما أفاد فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 433، جواز الإندار للظروف دون نقل الإجماع، فتفطّن.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

اعتبار، خصوصاً مع ورود النصوص في المقام، وإنما نتعرّض له لأجل كونهم بحثوه، ولأجل أنه يستفاد منه قيام الشهرة على المطلب على الأقلّ.

يقول في (مفتاح الكرامة)(1) قال فخر الإسلام: نصّ الأصحاب على أنه يجوز الإندار للظروف بما يحتمل الزيادة والنقيصة.

وهذا -طبعاً- في مورد يحتمل الزياد والنقيصة، فما هو الإندار الذي حكم الفخر بجوازه؟ 

هو عبارة عن إندار أمر معلوم بإزاء الظروف، كطرح رطلين مثلاً من المقدار الموزون بنحو يحتمل انطباقه على الواقع، فالإندار كان معلوماً، غاية الأمر أنه يحتمل انطباقه على المجهول وعدم انطباقه، والتفسير بـ(ما يحتمل الزيادة والنقيصة) معناه التعيين، إذ لو أندرنا بـ(مقدار هذه الظروف) بعنوانه لا معنى لاحتمال الزيادة والنقيصة، ومعه يكون تفريع الشيخ على عبارة الفخر غير صحيح.

ومن هنا يعلم أن فخر الدين استفاد من نصّ الأصحاب مطلباً وهو أننا استثنينا من المجموع أمراً مجهولاً، فالبيع صحيح، وما نصّ عليه الأصحاب في المتون الفقهية هو هذا المقدار، والإندار استثناء لمعلوم، لكن كون الاستثناء معلوماً لا يؤدّي إلى أن يكون المبيع معلوماً، كما لو كان المجموع مجهولاً، فاستثنيت منه رطلاً أو رطلين، فيكون باطلاً، لا لأنه استثناء مجهول، بل لأنه استثناء من المجهول، واستثناء المجهول من المبيع إنما هو في مورد لم يحدث فيه 

ـــــــــــــ[387]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إندار معين (محدّد)، وأما مع الإندار المحدّد، فلا يكون استثناء مجهولاً، بل هو استثناء معلوم، فعبارة الفخر بعيدة عما يفهمه الشيخ منها.

والظاهر أن هذه العبارة منطبقة على المعنى الثاني الذي أسلفناه في الصور الأربع، وهو أن يقول: (بعتك كلّ رطل بكذا)، فإنه هو المتعارف سوقياً، وأما احتمال بيع المجموع، فهو احتمال مدرسي، ومنه يُعلم أن استثناء المجهول ليس معناه استثناء كذا، وإنما معناه: أنهم يبيعون المظروف كلّ مَنٍّ بكذا، ونفهم من العبارة: أن الاستثناء بهذا المعنى صحيح.

وإذا كانت العبارة تتعرّض -بالنحو الذي قلناه- إلى بيع كلّ رطل بكذا، فيكون الثمن والمثمَن مجهولين، وغير معلومين لا بالعلم ولا بالتخمين، وإذا صحّت هذه الصورة تمّت سائر الصور. 

أما الصورة الأولى فلأنها لا تنقص عن هذه الصورة، بل تزيد عليها بمعلومية الثمن، ولا يحتمل أن المعلومية مضرّة بالمعلومية. وإحدى الصور كان الثمن والمثمَن فيها تخمينيين، والأخرى كان الثمن معلوماً وجداناً والمثمَن معلوماً تخميناً، وكلّها تصحّ بعبارة الفخر، هذا كلّه بالغضّ عن المتعارف.

[فقه الروايات الواردة في الإندار]

والعمدة هي الروايات:

منها: محمد (1) بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل -بن بزيع-، عن حنان -بن سدير-، قال: “كنت جالساً عند أبي 

ـــــــــــــ[388]ــــــــــ

() باب 20 من عقد البيع. (المقرِّر)

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

عبد الله، فقال له معمّر الزيّات: إنّا نشتري الزيت في زقاقه ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق، فقال: “إن كان يزيد وينقص، فلا بأس، وإن كان يزيد ولا ينقص، فلا تقربه(1).

وفي (التهذيب)(2) و(الكافي): “ويحسب لنا فيه“، وكذلك في (الوسائل)(3)، وفي (الكافي) طبع الآخوندي و(الوافي)(4) للفيض “فيحسب” ينقلها الفيض عن (الكافي)(5) و(التهذيب).

وقوله: “إنا نشتري الزيت في زقاقه” هل يعني: أننا نشتري الزيت وحده، أو نشتريه مع زقاقه؟ الظاهر هو الأوّل. وقوله: “فيحسب لنا فيه نقصان” ظاهر أنه يحسب النقصان بعد البيع، فيوقع البيع على المجهول قبل الإندار وبعد البيع يحسب النقصان، وأما إذا كانت العبارة بالواو فظاهرها كما هو المتعارف من أنهم يبيعون الدهن بظرفه قبل الإندار، ثُمّ بعد البيع يفرغون الأواني ويقبضونها بيدهم، ويندرون لها تخميناً، فلا فرق بين وجود (الفاء) ووجود (الواو) من هذه الجهة، غاية الأمر أن (الفاء) له ظهور بالترتب، وإلّا فواقع المطلب أن حساب 

ـــــــــــــ[389]ــــــــــ

() الكافي 5: 183، كتاب المعيشة، باب فضل الكيل والموازين، الحديث4، وسائل الشيعة 17: 367، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 20، الحديث 4.

(2) تهذيب الأحكام 7: 128، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 30.

(3) وسائل الشيعة 17: 367، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 20، الحديث 4.

(4) الوافي 17: 479، كتاب المعايش والمكاسب والمعاملات، أبواب أحكام التجارة وشروط البيع والربا، الباب 74، الحديث 5.

() كما تقدّم آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الإندار يكون بعد المعاملة، وهذا منطبق على مورد إجماع فخر الدين، ومعه تكون شاملة للأقسام الثلاثة الأخرى إذا كان دليلنا قاعدة الغرر.

ومنها: محمد(1) بن الحسن بإسناده، عن الحسن بن محمد بن سماعة (وسند الشيخ إليه فيه ابن برير، وهو لم يوثّق، وإن قال النجاشي عنه: إنه علوّ في السند، فإنه يراد به الإسناد القصير الذي يصل بسرعة الى الإمام، ولا يراد به علوّ الشأن)، عن عبد الله بن جبلة، عن علي بن أبي حمزة (قال الشيخ(2): إن الأصحاب يعملون بروايته)، قال: سمعت معمّر الزيات يسأل أبا عبد الله  فقال: “جُعلت فداك إني رجل أبيع الزيت(3).. -إلى أن قال- قلت: فإنه يطرح لظروف السمن والزيت لكلّ ظرف كذا وكذا رطلاً، فربما زاد وربما نقص، فقال: إذا كان كذلك عن تراضٍ منكم، فلا بأس(4).

وعلى أيّ حال فلا يبعد العمل بهذه الرواية، وإن كان لا يمكن الاعتماد عليها وحدها.

ـــــــــــــ[390]ــــــــــ

() نفس الباب. (المقرِّر)

(2) أُنظر: العدّة في أُصول الفقه (للطوسيّ) 1: 150، الفصل الخامس: في ذكر القرائن التي تدلّ على صحّة أخبار الآحاد أو على بطلانها.

(3) “يأتيني من الشام فآخذ لنفسي ممّا أبيع؟ قال: ما أحبّ لك ذلك”. كذا قرأها السيد،  وليست موجودة في الوسائل. (المقرِّر).

(4) تهذيب الأحكام 7: 128، كتاب التجارات، الباب 9، الحديث 29، ووسائل الشيعة 17: 366-367، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 20، الحديث 1.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والظاهر أن قوله: “ما أحب لك ذلك” لا يبعد أنها نصيحة أخلاقية، لا أن المعاملة تكون باطلة، وقوله: “فإنه يطرح”، هل يعني (فيطرح): فيكون له ترتّب على الكلام السابق، وهو الشراء والبيع على الغير؟ لا يبعد أن هذا يستفاد منه عين ما في تلك الرواية، فإن معنى الطرح هو ذلك، فإنه لا يكون إلّا بعد المعاملة، يعني: أنه حصل البيع وحصل التوزين، ثُمّ يلقى منها مقدراً، والطرح غير الاستثناء.

ومن قال بأنها مهملة لا تدلّ على ذلك رواها هكذا: (إنّا نطرح…)، ولم ينقل صدر الرواية ولا نصّها، كما ورد، ولو لوحظ الصدر والنصّ كما ورد يستفاد منه ما قلناه.

وقوله: “لكلّ ظرف كذا وكذا” يستفاد منه أنهم يطرحون لكلّ ظرف مقداراً، لا أنهم يطرحون للمجموع، وهذا هو مقتضى القاعدة، فإن الظروف تختلف في وزنها، كما يستفاد منها أن البيع ليس للمجموع، بل لكلّ رطل كذا. فيعلم أن هذا هو المتعارف وعليه العمل الخارجي، وأما بيع المجموع فهو احتمال مدرسي.

ومنها: عبد(1) الله بن جعفر في قرب (الإسناد)(2)، عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: “سألته عن الرجل يشتري المتاع وزناً في الناسية والجوالق، فيقول: (ادفع للناسية رطلاً أو 

ـــــــــــــ[391]ــــــــــ

() نفس الباب. (المقرِّر)

(2) قرب الإسناد: 262، باب ما يحلّ من البيوع، الحديث 1035.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أكثر من ذلك)، أيحلّ ذلك قبل البيع؟ قال: إذا لم يعلم وزن الناسية والجوالق، فلا بأس إذا تراضيا(1).

وهذه الرواية غير تامّة سنداً؛ لأن عبد الله بن الحسن مجهول، ولفظ الناسية وإن وقع فيها، إلّا أنه لم يرد في اللغة وفي الصحاح: الباسنة الجوالق. وقوله: “يشتري المتاع وزنا في الباسنة والجوالق” يحتمل فيه أن الطعام يوزن وهو في هذه الظروف، كما يحتمل أنه يشتري المتاع وهو فيها. فهل يعني ذلك أنهم يزنون المجموع ويبيعون المظروف.

وقوله: “ادفع للباسنة رطلاً أو أقل أو أكثر من ذلك”، بلا إشكال أنه بعد البيع يقول: (أعطي قليلاً من الزيت بدل الظروف). ويحتمل أنه استثنى شيئاً من الأوّل والآن يقول (أدفع منها كذا) كما يحتمل أنه من الآن يقول ذلك، إلّا أنّ احتمال الاستثناء من أوّل الأمر ساقط، إذ معه لا معنى للدفع أصلاً، وإنما يصدق إذا لم يكن قد استثنى شيئاً، فإنه إذا كان قد استثنى الظروف لم يكن في مقابلها شيء حتى يدفعه بعد البيع، إلّا أن تكون معاملة جديدة، فظهورها لعلّه أكثر من سابقاتها في كون الاستثناء بعد البيع.

وقوله: “أيحلّ ذلك البيع”، قالوا: إنه ظاهر في أنه يسأل عن البيع لا عن الإندار، فهو يسأل عن البيع الذي وقع فيه الإندار هل يصحّ أو لا؟ وجوابه: أنه صحيح أو ليس بصحيح، ولكنّ الظاهر أن عمدة سؤاله عن الإندار 

ـــــــــــــ[392]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 17: 367، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 20، الحديث 3.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المحتمل للزيادة وللنقصان، ولكنّه يسأل عن البيع الذي حاله هكذا، ولعلّه كان يعلم بصحّة البيع ولكنّه كان يسأل عن الإندار.

“قال: إذا لم يعلم وزن الباسنة والجوالق فلا بأس” لا يريد أن يقول: إنه إذا لم يعلم وزن الظروف كان البيع صحيحاً، وأما إذا علم به كان البيع باطلاً، وإنما في مورد يعلم بوزن الظروف لا مجال للإندار، وعلى أيّ حال يفهم من الجواب أنه متضمّن للتفصيل بين حالتين، وهذا يعين كون الإندار بعد البيع، وأما إذا كان الإندار قبله فأحد الشقّين يكون صحيحاً واضحاً.

ثُمّ قال: “إذا تراضيا” وفرض البيع هو فرض التراضي، والمفروض أن الاشتراء وقع بالتراضي، وإنما الذي يحتاج إلى التراضي هو هذا الدفع الجديد.

[في تخصيص دليل الغرر] 

هناك شبهة تقول: إن الكلام يقع مرّة في الغرر والجهالة المعتبر عدمها في البيع، فقد عرفنا من الرواية أنه إذا كان المبيع والثمن مجهولاً حتى بدون تخمين، فإنه يقع صحيحاً، فيكون مخصّصاً لدليل الغرر.

لكن هناك مطلب آخر في المقام، وهو أنه لعلّه في مورد تعارف الإندار إذا أريد تضييق الأمر والحيلولة دونه والإلزام بوزن الظرف مستقلّاً والمظروف مستقلّاً، فإنه تحصل صعوبة في الأسواق والمبايعات، فلعلّ تجويز ذلك لتسهيل المطلب حتى لا يحصل ضيق في أعمال التجار. 

لكنّنا إذا أردنا أن نعمل مطلباً اقتراحياً غير ما هو المتعارف، فلعلّه لا يكون جائزاً.

ـــــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فمثلاً: للاستنجاء حكمان غير ثابتين في مورد آخر: أحدهما: الطهارة بالأحجار أو الخرقة. والآخر: طهارة الماء المستنجى به. فإذا أردنا أن نسري ذلك إلى موارد أخرى ونقول: إن غايته أن يكون هذا الماء ماءً قليلاً، فإذا لم يتنجّس، فكلّ ماء قليل لا يتنجّس، لكن يحتمل أن يكون كثرة ابتلاء الناس بذلك في اليوم مرّة أو مرّات، يكون سبباً للتسهيل غير موجود في مكان آخر.

وكذلك الحكم بطهارة ماء الحمام، حيث قيل، إن سبيله سبيل الجاري، فإنه قد يقال: إنه لا خصوصية لكونه في الحمام، فيعمّ كلّ ماء، لكنّنا قلنا: إنه يحتمل أن يكون حكماً تسهيلياً للحمام، فلا يعمّ غيره، وإنما قلنا بالتعميم بعد ذلك باعتبار ما ورد في الأخبار(1) من التعبير بأن له مادّة.

وفي المقام أيضاً يقال في مقام بيان التعميم: إنه حيث أجيز البيع مع جهل الثمن والمثمَن، فإذا كان أحدهما مجهولاً كان مساوياً لذلك أو أولى بالصحّة، لكنّه لعلّه من باب التسهيل، وليس المطلب كما ندركه بعقولنا، ولذا قال الإمام: “أوّل من قاس إبليس(2)، و”السنة إذا قيست محق الدين(3)، فإذا 

ـــــــــــــ[394]ــــــــــ

(1) راجع الروايات الواردة في وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، باب عدم نجاسة ماء الحمّام إذا كان له مادّةٌ بمجرّد ملاقاة النجاسة.

(2) المحاسن 1: 211، باب المقاييس والرأي، الحديث 80، الكافي 1: 58، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث 20، ووسائل الشيعة 27: 39، باب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 6، الحديث 4.

(3) المحاسن 1: 214، باب المقاييس والرأي، الحديث 97، الكافي 1: 57، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث 15، من لا يحضره الفقيه 4: 119، كتاب الديّات، باب الجراحات والقتل بين الرجال والنساء، الحديث 5239، ووسائل الشيعة 27: 41، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي …، الباب 6، الحديث 10.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

أراد المشتري أن يعمل ذلك بغير ما هو المتعارف سوقياً، فلا يكون ذلك ممكناً، وتكون استفادة جوازه مشكلة.

[هل الإندار يختص بالتجارات الكبيرة] 

الكلام الآخر: أن هذه الروايات الثلاث: إحداها تقول: “إنّا نشتري الزيت في زقاقه، فيحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق” بلفظ الجمع، فإن زقاق جمع زقّ، ومن رواية علي بن حمزة يظهر أن الأمر كان متعارفاً، فهل يمكن أن نثبت به أن بيع الزقّ الواحد أيضاً كذلك؟ ألَا نحتمل الفرق بين التجارات الكبيرة وبيع المفرد، فإنه لو كلّف التجّار بإهراق الأدهان الكثيرة، يحصل ضرر مالي، فجاز بيعها بدون ذلك، فهل يمكن ذلك في القليل أيضاً، وفي المال الذي لا يحصل بوزنه ضرر. وكيف يمكن التعميم؟ وإنما يمكن بالإطلاق أو إلغاء الخصوصية، وكِلاهما غير ممكن، وإذا قطعت في مثله بالجواز كان قطعك حجّة عليك لا علينا.

نعم، رواية علي بن جعفر الضعيفة سنداً تختلف عن تينك الروايتين من جهتين:

الجهة الأولى: أنها تذكر الزيت والسمن، وإذا أمكن التعدّي بإلغاء الخصوصية، فإنما نتعدّى إلى المايعات التي تكون في الظروف، وأما إلى الرقّي 

ـــــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

والبطيخ فلا، فإن للمايعات خصوصية غير موجودة في غيرها(1)

الجهة الثانية: أنه ورد فيها (الباسنة) وهو جمع (الباسن)، كما في القاموس(2)، و(الجوالق) بالفتح جمع، وبالكسر مفرد، فقد أجيز البيع في ظرف واحد، فلا يختصّ بالتجارة الكبيرة(3).

فإذا كان مستندنا هذه الرواية فغايته التعميم إلى المايعات على تأمّل فيه دون غير المايعات مما يباع في الظروف.

وفتوى الأصحاب لم يُعلم أن لها إطلاقاً، ولو كان لها ذلك لَما كان له قيمة؛ لأن المسألة مسألة اجتهادية.

[دعوى أن صحة البيع لإخبار البائع لا للإندار] 

المطلب الآخر: أن رواية علي بن حمزة وموثّقة حنان، ليست في مقام بيان 

ـــــــــــــ[396]ــــــــــ

() أقول: هذا وهم غريب، فإنه لم يرد في الرواية -كما وجدناها في الوسائل- أيّ ذكر للزيت ولا السمن، وإنما ذكرت المتاع. ثُمّ قال: “ادفع للباسنة رطلاً أو أكثر”.

نعم، فهم السيد منها الدهن خاصّة، فإن كان هذا بنحو المثال، فهو وإن كان بنحو أنه مورد لها فهو وجداني العلم، ومعه فالاختصاص بالمايعات وعدم إمكان التعدّي إلى غيرها لا وجه له، وخاصّة وأن الجوالق لا معنى لوضع الزيت ولا أي مائع فيها؛ لأنه يتسرّب منها ويهراق، وإنما هي ظرف معدّ للجوامد كما هو واضح كالحبوب وغيرها، وعليه فيكون إطلاقها اللفظي تامّاً. انتهى. (المُقرِّر).

(2) أُنظر: تاج العروس من جواهر القاموس 18: 58، مادّة (بسن).

(3) أقول: إذا كانت الباسنة جمعاً والجوالق يحتمل أن يكون جمعاً، فأين حكم المفرد؟ إلّا على أحد التقديرين الذي لم تقم عليه حجّة. انتهى. (المُقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

البيع، بل في مقام بيان حكم الزيادة والنقيصة، فإذا بقينا نحن وذلك، فلعلّ صحّة البيع مفروضة من الخارج، فمثلاً في الكيل إذا قيل: إن إخبار البائع إذا كان موثوقاً فلا بأس، لكن إذا بعته وجب أن تكيله، فقد تعرّض للإندار بعد الفراغ عن صحّة البيع، ولعلّ صحّة البيع كان على موازينه لا على قضيّة الإندار، و لعلّه من باب قبول إخبار البائع بالكمّية وعدم قبوله في الإندار.

وهذا احتمال في نفسه، وإن كان مخالفاً لفتوى جميع الأصحاب.

*****

التفكيك بين اللازم والملزوم شرعاً ممكن وغير نادر، وما لم يحرز عدم التفكيك بين الجهات لا يمكن رفع اليد عن القواعد المقتضية للبطلان، فلعلّه فرغ عن صحّة المعاملة ولم يكن في مقام بيان صحّتها، فالإشكال في أصل الصحّة، وهل يستفاد من الروايات ما ادّعاه فخر الدين(1) من أنه لا يجوز بيع المجهول إلّا في هذا المورد ؟

رواية حنان قال: ” كنت جالساً عند أبي عبد الله، فقال له معمّر الزيّات: إنّا نشتري الزيت في زقاقه ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق ” إذا كان اللفظ ظاهراً عرفاً بأنه مجهول ولم يكن له إطلاق، لم يكن ظهوره متوقّفاً على كونه في مقام البيان، وحيث إن هذا الظهور منتفٍ، فيتعيّن استفادته من الإطلاق. 

ـــــــــــــ[397]ــــــــــ

(1) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 13: 229، كتاب التجارة، المقصد الثاني، الفصل الثالث، فروع: في جواز الإندار لظروف المبيع.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ولو احتملنا أنه كان بإخبار البائع فلا بُدّ أن نلتزم بذلك إلى الآخر، فإن إخباره برفع الجهالة عن الظرف والمظروف، وحيث رأينا شرعاً التفكيك بين اللازم والملزوم ونحتمل هنا أن إخبار البائع فقط في رفع الغرر كافٍ، لكن إخباره في أخذ مال الغير والتصرّف فيه غير كافٍ.

“فقال: إن كان يزيد وينقص فلا بأس، وإن كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه” لا يعني أنه إذا عرفت الزيادة فلا بأس، أو إذا عرفت النقيصة فلا بأس، بل المراد ما إذا احتمل الزيادة والنقيصة، وهو معنى ما ورد في الرواية الأخرى لمعمّر الزيات عن قوله: “فإنه يطرح لظروف السمن والزيت لكلّ ظرف كذا وكذا رطلاً فربما زاد وربما نقص”. فقد فرض وقوع معاملة صحيحة، ونحن نحتمل أنها وقعت على موازينها، فكيف ندّعي أن هذا جائز وخارج عن دليل الغرر؟

نعم، لك أن تدّعي الاطمئنان من ألفاظ الرواية، أو دعوى الإجماع، أو الشهرة، أو من القرائن: أن المتعارف هو أنهم يزنون المجموع ثُمّ يبيعونه، وليس في المقام إخبار للبائع أصلاً، ومعه فالزيّات يسأل عن هذا الأمر المتعارف، إذ لو سأل عن غير ذلك للزم أن ينصب قرينة. وقد أجاب الإمام بنحو يفهم منه أن هذا مستثنى من بيع المجهول، وحينئذٍ لا يكون لكونه في مقام البيان أو عدمه أثر.

والتفكيك بين اللازم والملزوم وإن كان ممكناً إلّا أنه بعيد، ومعه تكون دعوى فخر الدين صحيحة، وهو مدلول كلام العلماء.

والكلام الذي قلناه يحتاج إلى تتمّة، فإننا لو بقينا نحن والروايتين المعتبرتين، فالأقسام التي ذكرها الشيخ هل تصحّ أو لا؟ وكلامنا أنها تصحّ على 

ـــــــــــــ[398]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

خلاف القاعدة، لا كما قيل من أن الإندار بمقدارٍ يُتسامح فيه، إلّا أن البناء المعاملي يصحّحهما، فإنه بمقدارٍ لا يُتسامح فيه خاصّة في التجارات الكبيرة، وقد قلنا: إن البناء المعاملي لا يجعل المجهول معلوماً.

وحين ننظر إلى الروايتين نراهما وردتا في الزيت والسمن، هذا لهما خصوصية غير موجودة في الحنطة والرقّي والبطيخ، فبأيّ دليل نعمّم؟ وعبارة الفخر لم يثبت أنها في مقام البيان حتى يتمسّك بإطلاقها لكلّ ظرف، سواء كان متعارفاً أو لا. ولو كان قال ذلك…؛ [-فنحن-] لأن الفقهاء قديماً وحديثاً قيّدوا الجواز بنحو المتعارف، على أنه لا يمكن الاتّكال على الإجماع والشهرة؛ لأنَّ المسألة مورد الروايات والاجتهاد، فغاية ما تتعدّى من الروايات إلى كلّ المايعات على إشكال، فإن في إفراغ الزيت مؤونة غير موجودة في غيره.

نعم، لو ضممنا رواية (قرب الإسناد)(1) أمكن التعدّي منه إلى بيع الطعام، إلّا أنه لا يمكن العكس الذي يجوّزه الشيخ(2)، وهو بيع الظرف وإندار وزن المظروف.

[في كون الإندار قبل المعاملة أو بعدها] 

الكلام الآخر: أنه تارةً يكون الإندار قبل المعاملة ليحصل شرط الصحّة، فإن لم يكن معلوماً فلا أقلّ من أن يكون تخميناً. والآخر: أن يكون الإندار بعد 

ـــــــــــــ[399]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجها آنفاً.

(2) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 322-323، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة: يجوز أن يندر لظرفٍ ما يوزن مع ظرفه مقدارٌ …

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المعاملة. فأيٌّ من ذلك يفهم من الروايات؟

أما على الفرض الأوّل -غير الصحيح- الذي قاله بعضهم، ماذا تريد أن تقول الرواية ؟

ففي رواية حنان: “إنا نشتري الزيت في زقاقه، ويحسب لنا فيه نقصان
-يعني: قبل البيع- فقال: إن كان يزيد وينقص فلا بأس..“، فيه ثلاثة احتمالات:

 الأوّل: أنه ناظر إلى شخص هذه المعاملة، وأنها محتملة للزيادة والنقصان.

الثاني: أنه ناظر إلى هذه المعاملة باعتبار الزقاقات المتعدّدة، فالمراد أن بعضها يزيد وبعضها ينقص احتمالاً.

الاحتمال الثالث: أنه لاحظ نوع المعاملات، وأنه قد يزيد في معاملة وينقص في معاملة.

فهل المراد من القسمين الأخيرين أننا نعلم أن هذا زائد وأن هذا ناقص، أو نعلم بها إجمالاً ونبقى شاكّين؟ مع ذلك فإن احتمال المساواة أيضاً جارٍ بطبيعة الحال، فإذا كان التخمين دائماً زائداً فهو خلاف المتعارف، فيكون داخلاً في أدلّة الغرر وأدلّة وجوب الكيل والوزن، وإنما الخارج منهما -بحسب هذه الروايات- ما هو المتعارف عند التجّار.

وكذلك الحال فيما إذا كان دائم النقيصة، وهو وإن ذكر الزيادة إلّا أنه ذكرها كمثال لتخلّف هذا الشرط.

[أما على الفرض الثاني:] بناءً على الوجه الذي اخترناه من كون الإندار 

ـــــــــــــ[400]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

بعد المعاملة متعارفاً وواقعاً، يقع كلامنا في مقامين:

أحدهما: أن شروط هذا البيع الخارج عن القواعد، ما هي؟

ثانيها: أن الإندار الذي يقع بعدُ ما هو حاله؟

أما المقام الأوّل: فقد قلنا: إن المذكور في الروايات والمستفاد من كلمات الفقهاء هو الإندار المتأخّر عن المعاملة، ونذكر الآن محتملات المطلب:

أحدها: أنه شرط متأخّر، بحيث يكون وجود الإندار في الخارج له دخل في صحّة المعاملة، بحيث لو وقعت المعاملة ولم يحصل الإندار تكون باطلة، كما هو الحال في الفضولي بدون الإجازة.

ثانيها: أن البناء على الإندار أثناء المعاملة شرط في صحّتها، غاية الأمر يقع الكلام في أن البناء على الإندار حال الإندار كافٍ، أو لا بُدّ من البناء عليه مستمرّاً من أوّل المعاملة أو فيما بين البيع الإندار، وكل احتمال لا بُدّ أن نجد له إطلاقاً نافياً. وإن لم نجد كان احتمالاً منجّزاً لا بُدّ من الاحتياط بلحاظه.

وإذا قلنا بشرطية الإندار، فهل يمكن أن يقال: أن المعاملة بعد أن وقعت وزنوا الظروف صدفةً وعلموا بمقاديرها؟ فهل يلتزم بصحّة هذه المعاملة، أو أن هذه المعاملة التي اتّفق العلم بعدها بوزن الظروف غير صحيحة، ولا بُدّ من تجديد البيع بعد العلم بالوزن كما هو الصحيح؟(1)

ـــــــــــــ[401]ــــــــــ

() أقول: هذا لا يكاد يظهر له وجه بعد إمكان أن نستفيد صحّة هذه المعاملة من أخبار الإندار نفسه، فإن هذه الروايات أجازت الإندار التخميني بما يحتمل الزيادة والنقيصة، وجعلته كافياً في صحّة البيع، والمراد باحتمال الزيادة والنقيصة احتمالهما مع احتمال المساواة كما هو واضح. وإلّا لو لم نحتمل المساواة وعلمنا إجمالاً إما بالزيادة أو النقيصة أشكل الحكم بالصحّة على مبنى السيد دام ظله؛ لأنه يكون من العلم بأحد باطلين.

فإن الإندار بما يعلم زيادته وبما يعلم نقيصته غير جائز كما سبق. فكذلك الإندار بما يعلم إجمالاً بوجود أحدهما، فلا بُدّ من أن يكون الإندار محتملاً للمساواة أيضاً، كما هو طبيعة الإندار عرفاً، وقد اعترف السيد بذلك في بعض كلماته.

وحينئذٍ فنقول: إذا كان الإندار بما يكون مساوياً تخميناً كافياً في صحّة المعاملة، فالإندار بما يكون مساوياً قطعاً أولى بالصحّة عرفاً. 

فإنهم بعد أن يوقعوا المعاملة على المظروف المجهول ثُمّ يزنون الظروف، فإنهم يندرون مقدارها المعلوم المساواة، وهو أولى بالصحّة بحسب الدلالة الالتزامية العرفية لنفس أدلّة الإندار، انتهى. (المُقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

فهل يمكن أن نستفيد من الرواية بعض هذه الوجوه؟ 

في رواية حنان قال: “كنت جالساً عند أبي عبد الله، فقال له معمّر الزيّات: إنّا نشتري الزيت في زقاقه، ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق”
-مراده السؤال عن الديدن العامّ والعادة المستمرّة، لا السؤال عن حادثة واحدة- فقال: “إن كان يزيد وينقص فلا بأس“.

فيه احتمالات: 

 الأوّل: لا بأس بالاشتراء.

الثاني: لا بأس بالزيت، يعني: أن التصرّف فيه حلال.

الثالث: لا بأس بهذا النحو من الاحتساب الذي قد يزيد وقد ينقص.

ـــــــــــــ[402]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الرابع: لا بأس بالمقدار الذي احتسب.

فإذا عاد نفي البأس إلى الاشتراء، فإنه يستفاد منه مطلبان: 

أحدهما: أنه يُعلم أن السؤال والجواب كان عن الاشتراء.

ثانيهما: أن الإندار شرط متأخّر لصحّة المعاملة، فإن الفرض حصوله بعدها، وقد جعله الإمام قيداً في الصحّة، فينتج أن الإندار بما يزيد وينقص بعد المعاملة شرط في صحّة الاشتراء.

وأما بناءً على الاحتمال الآخر، وهو: أنه لا بأس بالزيت، فيكون المراد رفع شبهة تقول: إن المعاملة وإن صحّت إلّا أنه مادام احتمال الزيادة والنقيصة موجود، فيكون مال الغير مخلوطاً بمال الآخر، فيقول: هذا لا يضرّ، ويكون الاحتساب محلّلاً له.

وأما تعيين أحد الاحتمالات، فظاهر الرواية أن فاعل (يزيد وينقص) وقوله: (لا بأس به) واحد، ومعه لا يمكن أن يرجع إلى الاشتراء، بل يرجع إما إلى الزيت أو إلى الحساب أو إلى المقدار المحتسب، وكلّه نتيجة واحدة.

وقوله في رواية علي بن أبي حمزة: “فإنه يطرح لظروف السمن والزيت لكلّ ظرف كذا وكذا”، هذا أجنبي عن شرائط البيع السابق، وإنما يسأل عن حكم هذه الزيادة والنقيصة المحتملة، ويأتي السؤال أنه هل القدر المتيقّن من بيع المجهول هو ذلك، العرف يفهم أن المراد هو أن المعاملة صحيحة وأن الإندار بعد المعاملة، وإنما هو لتمييز الحقوق بعضها عن بعض.

وأما احتمال أنهم بنوا المعاملة على الإندار، أو انه حصل بناء مستمرّ ونحو 

ـــــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

ذلك، فهو احتمال يحتاج إلى رفع، وقوله: (إن كان يزيد وينقص فلا بأس به) في مقام البيان، فإنه حين يقول: (الإندار لا بأس به) نعرف أن البيع لا بأس به أيضاً، إذ لو كان باطلاً لم يبقَ للإندار مجال.

فإذا احتملنا أن الرضا بالإندار في أثناء المعاملة، كان هذا قيداً زائداً لا بُدّ أن يذكر، وهو في مقام بيان أحكام الإندار وخصائصه، فإن مقتضى إطلاقه هو أن تمام الموضوع لنفي البأس هو أنه ربما يزيد وينقص، فتكون الاحتمالات الأخرى منتفية.

وكذلك الرواية الأخرى التي تقول: (يطرح لنا كذا وكذا)، فإنه لم يسأله: أنه هل بنيتما من الأوّل على الإندار أصلاً. فالإطلاق وإن لم يتوفّر في قوله: “نشتري” لكنّه متوفّر في قوله: “يزيد وينقص“، وهو رافع لكلّ الاحتمالات.

قلنا إن رواية حنان لها إطلاق لماهيّة المتعارف ينفي الاحتمالات التي من جملتها اعتبار رضا المتعاملين بالإندار حال الإندار أو حال البيع أو من البيع إلى الإندار.

فإذا لاحظنا رواية علي بن أبي حمزة، إذا كانت صالحة سنداً، فلم تصلح للتقييد.

في باب الإندار مرّة: نلاحظ أصل الإندار في مقابل اللا أندار. وأخرى: عنوان إندار ما يحتمل الزيادة والنقيصة. وثالثة: إندار رقم معيّن يحتمل الزيادة والنقيصة.

أما الاحتمالان الأوّلان فمن حيث دخلهما في صحّة البيع، يكون هذا 

ـــــــــــــ[404]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الاحتمال مدفوعاً بإطلاق الرواية. وأما على الاحتمال الثالث فيفترق عن الأوّلين باعتبار أنهما يمكن أن يقع الرضا بهما قبل المعاملة.

وأما الثالث فحيث لم يحصل إندار رقمٍ معيّن، فالرضا به قبل حدوثه لا معنى له، وإنما يحصل به الرضا بعد المعاملة؛ لفرض حدوثه في ذلك الحين، فيكون شرطاً متأخّراً، وإطلاق رواية حنان يدفع الاحتمالين الأوّلين، وكذلك احتمال الرضا بالأمر المتأخّر في أثناء البيع، وكذلك احتمال أن يكون بوجوده شرطاً متأخّراً على إشكال في المورد.

ورواية ابن أبي حمزة تقول: (يطرح لكلّ ظرف مقدار معلوم)، فهي تقيّد هذا القسم بالرضا الذي كان حال الطرح. وأما في الأقسام الأخرى فهي خارجة عن هذه الرواية، ولا تصلح الرواية لتقييدها، ولكنّها تقيّد هذا القسم. ويحتمل أن يكون التقييد لأصل الإندار، ويحتمل أنه أخذ البيع مفروض الصحّة، ولذا قال: (لا بأس به)، فيثبت بالرواية دخالة الرضا بالإندار لا دخالته بالبيع، ولا تتعرّض هذه الرواية لشرائط المعاملة أصلاً، وإنما تتعرّض لاشتراط الرضا بالإندار الخارجي. 

ومن هنا نقول: بأن إطلاق رواية حنان برفع سائر الاحتمالات، وما يعتبر هو هذا المعنى وهو: أن يكون الإندار متعارفاً.

[في اشتراط رضا المتعاقدين بالإندار المتأخر]

ثُمّ إنه هل الرضا بالإندار المتأخّر لازم أو لا؟ وهل نفهم من الروايات ذلك، وهو مذكور في إحدى الروايتين دون الأخرى؟ فهل نقول كما قال 

ـــــــــــــ[405]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

صاحب (الجواهر)(1) من أن الرواية التي اعتبرت الرضا اعتبرته في المورد غير مورد العادة، والتي لم تعتبره تكون على ما قامت فيه العادة على الإندار .

وهذا علاوةً على أنه ليس جمعاً عقلائياً ولا شاهد عليه، فإنه مخالف لمورد الرواية، فإنه إنما يسأل عن العادة والديدن العامّ، نحمله على الطرح في المورد غير العادي بلا وجه.

على أن أصل ما ذكره الآغايون من أن الإندار يكون بمقدار معلوم، مثلاً نندر للدهن العشر دائماً، ليس هذا عقلائياً أصلاً، فإن الإندار الخارجي لا يكون بأمر معيّن.

ومَن استشكل على صاحب (الجواهر) وقال(2): إن هذا الجمع غير عقلائي وبلا شاهد، ويحتمل أن تُحمل على كلّ الروايات على ما هو المتعارف، لكن في رواية حنان فرغ عن ذلك، وأما الأخرى فمحمولة على أنه لم يلتفت إلى ذلك، أو أنه شرط الخلاف.

وهذا أيضاً غير صحيح ولا شاهد عليه، بل الروايتان نَفَسهما واحد.

ثُمّ إننا ماذا نعمل للروايتين؟

أما رواية حنان فنفهم منها ما يلي: أن عادة السمّانين المستوردين ليس أن 

ـــــــــــــ[406]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الكلام 22: 448، كتاب التجارة، الفصل الثاني، القول في شروط العوضين، الشرط الخامس، المسألة الثانية.

(2) أُنظر: حاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 401، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة الإندار للظرف.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المشتري يقصد البائع، كما يحدث في سوقنا، بل البائع هو الذي يذهب إلى المشتري، والميزان والقبّان عندهم والعمال عمالهم، فكأنّه يقول: إن المحاسب الذي يحاسب من قِبلك إذا طرح مقداراً محتملاً للزيادة والنقيصة فلا بأس به، وأما إذا أخذ طرفك دائماً فهو أكل للمال بالباطل، والرضا إنما يؤثّر فيما إذا كان المطلب محتملاً للزيادة والنقيصة، وأما إذا كان مؤدّياً إلى اختلاط مال الغير بمالك، فلا ينفع الرضا في جوازه. والراضي بالإندار لا يرضى بأكل مال الغير، والرضا بالإندار لا يتعدّى إلى غيره، ولو قصد الهيئة الزائدة كان مطلباً آخر، وإنما لم يذكر في الرواية النقيصة باعتبار أنه يتكلّم مع المشتري، ومحاسبهُ لا يحسب نقيصة أبداً، ولو حسب ناقصاً فإنه أيضاً لا يكون جائزاً؛ لأنه خلاف المتعارف.

وأما رواية ابن أبي حمزة، فهي تشترط الرضا، وقد وقع الآغايون حول ذلك في حيص وبيص، فإن الإندار إذا كان شرطاً في المعاملة فإنه لا يحتاج إلى الرضا، وإذا كان رضا بالهبة فتقييده بما يحتمل الزيادة أو النقصان بلا موجب، وقلنا: إن المطلب ليس كذلك، فإنه عندنا رضا بأصل الإندار، ورضا بعنوان إندار ما يحتمل الزيادة والنقيصة، ورضا بالإندار الخارجي، والمشتري راضٍ بالأمرين الأوّلين دون الثالث، فإن ما يحتمل الزيادة والنقيصة ذو مراتب، فقد يكون إندار التسعة والعشرة والأحد عشر كلّ واحد منها محتمل الزيادة والنقيصة، فيحتاج إلى الرضا برقم معيّن منها.

فما قاله الآغايون من أن ما هو شرط ضمني لا يحتاج رضا، صحيح في الأمرين الأوّلين، وأما الأمر الثالث فيحتاج إلى الرضا، فمصداق الإندار يحتاج إلى المراضاة، والسر في ذلك أن المتعاملَين لم يلتزما بذلك حين المعاملة.

ـــــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

إذن فلا إشكال في فهم الروايات، ويكون الإندار شرطاً، واحتمال الزيادة والنقيصة شرطاً والرضا شرطاً.

[عدم جواز الإندار حال العلم بالزيادة أو النقيصة] 

هناك جهات في الروايات لم نذكرها إلى الآن، بعضها لم يتعرّضوا لها أصلاً:

الجهة الأولى: أننا تارةً نحتمل أن الإندار زائد ونحتمل أنه ناقص. وثانية نعلم بالزيادة. وثالثة: نعلم بالنقيصة. ورابعة: نحتمل الزيادة والتساوي، ونعلم بعدم النقيصة. وخامسة: نحتمل التساوي والنقيصة، ونعلم بعدم الزيادة. فهل يستفاد من الروايات أن العلم بالزيادة والنقيصة مضرّ؟ أو يستفاد أن احتمال الزيادة والنقيصة شرط أو سبب لنفي البأس؟ فعلى الأوّل تخرج الصورتان الثانية والثالثة، ويبقى الباقي تحت الجواز، وعلى الثاني يكون الجائز هو خصوص الأولى.

أصل المطلب أن لنا -في رواية حنان- شرطيتين: 

الأولى: إن كان يزيد وينقص فلا بأس.

الثانية: إن كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه.

فهل الميزان هو الشرطيّة الأولى ومفهومها: أنه ما لم يحتمل الزيادة ويحتمل النقيصة ففيه بأس؟ 

وأما الشرطية الثانية فتقول: إنها مصداق من مصاديق الأولى، وليس لها مفهوم معارض لها، ومعه فإذا انتفى احتمال الزيادة أو النقيصة، فإن البيع لا يكون صحيحاً.

ـــــــــــــ[408]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وما يمكن أن يقال: إننا قلنا: إنه ربما ذكر الزيادة دون النقيصة ليس لأن الزيادة لها خصوصية، بل النكتة هي أن الإمام يكلّم المشتري، والمشتري إذا كان له محلّ وكان مستورداً والعمّال عمّال المشتري، فيقول له الإمام: إنه إذا أندر عمالك إنداراً زائداً فلا تقربه، والمظنون أن الإمام لو كلّم البائع لقال له: إنه لو كانت النقيصة معلومة فلا تقربه، فإن معنى الإندار هو احتمال الزيادة والنقيصة.

فإذا كان محتمل الزيادة وغير محتمل النقيصة، فلماذا لم يذكره، مع أن المفهوم إذا كان له مصداقان، أحدهما أخفى من الآخر، فالقاعدة تقتضي ذكر الفرد الأخفى، فلو كان هذا المصداق محرّماً لكان اللازم ذكره، ولو ذكره لفهم منه المصداق الآخر، وأما حيث ذكر خصوص العلم بالزيادة، فيفهم إن الحرمة خاصّة بذلك، ونفهم أن قوله: “يزيد وينقص” إنما هو في مقابل العلم بالزيادة والعلم بالنقيصة، لا في مقابل غيرها من الأقسام، ومعه تدخل سائر الصور بحسب الفهم العقلائي تحت إطلاق الرواية.

[هل الإندار بنحو الموضوعية أو الطريقية؟] 

الجهة الثانية: هل يستفاد من الروايات الطريقية إلى الواقع، والميزان هو الواقع دون الاحتمال وعدمه. فإذا كان طريقاً إلى الواقع وانكشف الخلاف، لا بُدّ من إرجاع الزائد إلى صاحبه، أو أنه يستفاد من الروايات أن الإندار له موضوعية، بحيث لو انكشف الخلاف بعد تصفية الحساب لا يجب الرجوع؟

نرى أوّلاً أن الإمام لم يذكر شيئاً ابتداء عن الإندار، وإنما ذكره جواباً عن 

ـــــــــــــ[409]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

السؤال، ومعه يكون المعوّل عليه بناء العقلاء، ولا نحتمل أن الشارع جعل طريقاً خاصّاً في المقام ولو لم يكن موافقاً للعقلاء، فلو علمنا أن العقلاء يرون الموضوعية لا نحتمل أن الروايات تجعل شيئاً آخر، ولا نحتمل أن الشارع جعل الطريقية بحيث يجب إرجاع الزائد، والعقلاء أيضاً بانون على الموضوعية ولا يطالبون بالزائد.

ويمكن استفادة ذلك من الروايات، فإن ما هو طريق إلى الواقع في نظر العقلاء يكون ملغى في نظرهم، فلسان: (أنه ربما ينقص وربما يزيد) ليس لسان الطريقية، فإنه لسان أخذ الشكّ، وكلّ لسان أخذ الشكّ فهو لسان أصلي، وظاهره موضوعية الشكّ المأخوذ، وهذا يستفاد من ظاهر كِلا الروايتين في هذا الباب، ومعه لا يكون وراء الشكّ واقع ليتخلّف، ومعه فالروايات لا إشكال فيها.

ـــــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[في مقتضى الأصل العملي في المقام]

 

والمطلب الآخر الذي ذكره الشيخ(1) في باب الإندار هو النظر في حكم الإندار بقطع النظر عن الروايات.

وقد تحدث الشيخ عن عنوان الإندار بعد فرض صحّة المعاملة على المجهول، ولم يتعرّض إلى الصحّة من تلك الجهة.

ولدينا مطلب آخر نضيفه وهو: أن الإندار إذا وقع قبل البيع فما هو مقتضى الأصل والقواعد، وهل تصحّ المعاملة أو لا؟

أجرى الشيخ(2) أصالة عدم زيادة السمن عن المقدار الذي عيّن في الإندار، وأصالة عدم زيادة الظرف عما عيّن فيه، فينتج أنه لا زائد ولا ناقص فيصحّ بيعه. 

والجواب عليه من وجوه متعددة، فإن عدم زيادة هذا على هذا بنحو اللّيس الناقص، ليس له حالة سابقة، وعدم الزيادة بنحو الليس التامّ وإن كان ثابتاً إلّا أن استصحابه لإثبات العدم الرابط مثبت.

ـــــــــــــ[411]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 330، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة: يجوز أن يندر لظرفٍ ما يوزن مع ظرفه مقدارٌ … .

(2) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

نعم، في المظروف خصوصية غير متوفّرة في غيره، فإن السمن يهراق في الظرف بالتدريج، فنستطيع أن نشير إلى هذا السمن باعتبار وحدته العرفية المحفوظة، ونقول: إنه لم يكن زائداً على هذا المقدار، ونستصحب، لكن جريان هذا الأصل وحده غير كافٍ، وإنما لا بُدّ من استصحاب عدم زيادة الظروف عما ذكر، وهو ليس له حال سابقة، ولو كان جارياً فإنه لا يثبت أن الباقي هو مقدار السمن إلّا بالأصل المثبت.

ولو غضضنا النظر عن ذلك، فهل يحصل لي العلم بنتيجة الأصل؟ هذا لا يمكن، فإن الأصل لا يرفع الجهل إلّا على مبنى قيام الأصل مقام القطع الموضوعي، حيث يكون العلم تمام الموضوع من دون دخل للواقع أصلاً، ولكن إذا كان ظهور الأدلّة بأخذ اليقين الطريقي، فإنه لا يتمّ هذا المطلب من الاستصحاب.

تمسّك الشيخ بأصالة عدم زيادة البيع عن المقدار المذكور في الإندار، وأصالة عدم استحقاق البائع أزيد مما يدفعه المشتري في الثمن.

وهنا عندنا ثلاثة أمور وجودية: الزيادة والنقيصة والمساواة، فكما يجري أصل عدم الزيادة يجري أصل عدم النقيصة وأصل عدم المساواة، فإنها كلّها أمور وجودية مسبوقة بالعدم الأزلي، ونحن نعلم بكذب واحد من هذه الثلاثة فإن اثنين منها لا يتعارضان، لكن الثلاثة بمجموعها تتعارض، وهذا الإشكال يتمّ بغضّ النظر عن سائر الإشكالات.

وهذه الأصول كلّها محلّ إشكال، لكن في جانب أصالة عدم الزيادة 

ـــــــــــــ[412]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

خصوصية ليست في الأصلين الآخرين، فهل تكون هذه الخصوصية مفيدة ورافعة للإشكال  أولاً؟

ونقول قبل ذلك: إن أصالة عدم الزيادة وحدها لا تكفي لتصحيح الإندار، بل يحتاج إلى طرف آخر، فإن الإندار هو ما يحتمل الزيادة والنقيصة، فلا بُدّ من دفع كِلا الاحتمالين، ولو ثبت بالتعبّد أنه غير زائد، ولكنّنا نحتمل أنه ناقص، لا يكون ذلك كافياً لتصحيح الإندار .

والخصوصية المشار إليها هي أن عدم الزيادة له حالة سابقة، باعتبار إهراق الدهن في الظرف تدريجاً. فيكون استصحاب عدم الزيادة ممكناً، فنقول: إنه مبيع بالوجدان، وغير زائد على المقدار الذي أندرناه بالأصل، فهل يصحّ هذا الكلام أو لا؟

لو ورد: (إذا كان الإنسان مجتهداً وعادلاً فحكمه نافذ أو يجوز تقليده)، وكان القيدان عرضيين، أمكن تتميم الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، لكن إذا قال: (المجتهد العادل ينفذ حكمه ويجوز تقليده)، فاستصحاب العدالة لا ينقّح لنا أنه مجتهد عادل، ولا يتمّ الموضوع لا وجداناً كما هو واضح، ولا تعبّداً إلّا بناءً على الأصل المثبت.

وفي المقام كذلك، فإن زيادة الدهن ونقصه ليس له أيّ حكم، وإنما الحكم وارد على المبيع إذا زاد أو نقص. فإن هذا الزيت لم يكن زائداً على المقدار المندر، فاستصحب ذلك إلى حين عقد البيع، فأثبت أن هذا الزيت المبيع غير زائد على هذا المقدار، هذا غير ثابت بالوجدان ولا بالأصل، أما بالوجدان فواضح وأما الأصل فلأنه مثبت.

ـــــــــــــ[413]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وأما أصالة عدم استحقاق البائع زائداً على المقدار المندر فنفس الإشكالات جارية فيه؛ لأنه ليس له حالة سابقة حال كونه بايعاً، وأما إذا قلنا: إن زيداً لم يكن مستحقّاً فالآن غير مستحق فهو أصل صحيح، ولكن ما لم يجرِ الأصل في الطرفين لا يكون الإندار موافقاً للقاعدة، فهل يجري في طرف المشتري أصالة عدم استحقاقه للزائد على هذا المقدار الموجود؟ كلا؛ لأننا قاطعون على أن المشتري لا يستحقّ أكثر من هذا الموجود؛ لأن البيع جزئي لا كلّي، ومع العلم به لا يحتاج إلى استصحاب، لكنّنا نحتمل أن الموجود أكثر من الباقي عن الإندار، فيمكن إجراء أصالة عدم دخول حقّ المشتري إليه، وهو أصل هادم للإندار لا مصحّح له وهو له حالة سابقة؛ لأن المشتري لم يكن قد وصل إليه حقّه، والبائع يجب عليه أن يدفع له (9) كليو، وهو الباقي بعد الرقم المندر، ونحتمل أنه لم يدفع بهذا المقدار.

ـــــــــــــ[414]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[مسألة: بيع الظرف والمظروف معاً] 

 

المسألة الأخرى: في بيع الظرف والمظروف معاً، وفيها أقسام كثيرة:

منها: أن الظرف والمظروف كِلاهما موزون.

ومنها: أن كِلاهما معدود.

ومنها: أن الظرف موزون والمظروف معدود.

ومنها: العكس.

فالأولى كالدهن في ظرف من الصفر. والثانية كالجوز في الزقاق. والثالثة: كالجوز في ظرف من الصفر. والأخيرة مثل الدهن في الزقاق.

وإذا كانا معاً موزونين فقد يكونان متفقي القيمة وقد يكونان مختلفين، وفي باب البيع قد يزنون الظرف والمظروف، ويجعلان المال في مقابل المجموع، وأخرى يقال: (كلّ مَنّ المجموع بكذا)، وأخرى يقال: (كذا من المال في مقابل الظرف، وأما المظروف فكلّ مَنّ منه بكذا)، أو يقال: (كلّ المجموع بكذا، لكن كذا بإزاء الظرف، والباقي بإزاء المظروف). 

وإذا كان الظرف معدوداً يقال: (هذا المال في مقابل هذا العدد من الظروف) وهو عدد مجهول، (والباقي من المال بإزاء المظروف)، إلى غير ذلك من الأقسام.

ـــــــــــــ[415]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وحينئذٍ نقول: أنه بناءً على أن حديث الغرر(1) قاعدة، عامة وأنها بمعنى الجهالة كما فهم منها العامة والخاصّة، فإن استثنى منها شيء بدليل لفظي، أو بإجماع أو شهرة معتبرة، فهو، وإلّا كان الالتزام بالبطلان هو المتعيّن.

والروايات التي كانت عندنا، كرواية حنان ورواية معمّر(2) كانت واردة في بيع المظروف وحده، ومن هنا كان يندر بمقدار الظرف، وليس لها إطلاق شامل لبيع المظروف والظرف، الذي هو محلّ الكلام.

ونحن في تلك الروايات وإن قلنا: إنها إن صحّحت إحدى الصور التي ذكرناها، فإنها تصحّ سائر الصور، إلّا أننا ناقشنا بإمكان التعدّي؛ لأننا قلنا بأن الروايات إنما تجيز ما هو المتعارف، ومعه لا يمكن التعميم من المشابه إلى المشابه، ولا يمكن إلغاء الخصوصية؛ لأن ما هو المتعارف فيه خصوصية غير متوفّرة في مورد آخر. ولو أحرزنا بيعاً متعارفاً لم تتعرّض له الروايات كبيع مجموع الظرف والمظروف، فإنه يحتاج إلى دليل جديد؛ لأن الروايات لم تقل: يجوز كلّ ما هو متعارف؛ لنتمسّك بإطلاقها ولم نحرز أن نكتة الجعل هي التسهيل، فإنها كانت محتملة ولم تكن محرزة.

نعم، إذا كانت المسألة إجماعية أو فيها شهرة، ولم يكن الإشكال بكونها اجتهادية، ويحتمل رجوع المجمعين إلى هذه الروايات، تكون المعاملة صحيحة، وإلّا فمقتضى القاعدة البطلان.

ـــــــــــــ[416]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه آنفاً.

(2) تقدّم تخريجها آنفاً.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المطلب الآخر: أننا نفهم من روايات الكيل والوزن أنه ليس المطلوب أن يكال أو يوزن بعنوانه، بل المطلوب حفظ مقدار الكيل والوزن عند البيع، فلو وزناه ونسيناه لم يكن كافياً، وكذلك الحال في العددي، والنصّ والفتوى على عدم جواز البيع مع المجازفة، تكون شاملة لصورة عدم ضبط الرقم، فإنه يكون مجازفة بلا إشكال، فتكون المعاملة باطلة ما لم يقم دليل خاصّ على الصحّة.

وعلى هذين المطلبين، نأتي إلى حساب الصور:

ففي صورة ما إذا كان الظرف والمظروف موزوناً، فإن لم يكونا مختلفين في القيمة، ونريد أن نبيع المجموع أو نبيع كلّ رطل بكذا، فهذا لا ينبغي أن يقع في صحّته إشكال، والإيراد بأن هذا بخصوصه غير معلوم وذاك بخصوصه غير معلوم غير وارد، فلو كانت هناك حنطة وشعير بقيمة واحدة، ووزنا المجموع وبعناه كلّ رطل بكذا كان صحيحاً.

وكذلك إذا اختلفت قيمتهما وتراضيا على بيع كلّ مَنٍّ بكذا، فإنه ليس فيه غرر وإن اختلفت القيمة اختلافاً فاحشاً فإن بيع الإنسان ماله بالثمن الرخيص ليس غرراً، ما لم يكن بيعاً سفهياً، ومعه فلا إشكال في صحّة المعاملة.

وأما إذا كان الظرف والمظروف موزونين، وكانت قيمتهما متساوية أو مختلفة، ووزنا المجموع، ونقول: (بعت هذا المجموع بمائة، على أن يكون للمظروف كذا، والباقي للظرف) أو بالعكس، وهذا هو الذي يقول عنه الشيخ(1): أنه بمنزلة المنفرد، فإننا قد جعلنا الثمن في مقابل المظروف، وهو مجهول، وفي مقابل الظرف 

ـــــــــــــ[417]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 333، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة: يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وهو مجهول، فهل يصحّ ذلك بدليل الإندار؟ وقد قلنا: إنه لا يشمل ذلك. أم بدليل الغرر؟ وقد عرفنا أن معناه الجهالة، وهو في المقام مجهول. وكذلك لو كان توزيع القيمة بنحو الشرط فإنه موجب لجهالة المبيع.

هذا فضلاً عما إذا كان أحدهما معدوداً والآخر موزوناً كالدهن في الزقاق، فهنا صورتان:

 إحداهما: أنه يتعارف بيع الدهن في الزقاق بأن يزنوا المجموع ويبيعونه، ومعه يعرف أن الظرف في هذه الصورة من الموزونات، وإن كان لو بيع وحده من المعدودات.

ثانيهما: أنه ليس هناك تعارف، بل كان أمراً اقتراحياً من قبل المتعاملين، بأن أرادا أن يزنا المعدود، فما ينسب إلى الشيخ من أن الأصل في الأشياء الموزونية(1)

إن كان المراد: أن كلّ معدود يجوز بيعه بالوزن أيضاً، إذا تمّ ذلك تصحّ المعاملة في المقام، لكن ما الدليل على ذلك؟ فإن ما يرفع الجهالة في المعدود هو العدّ لا الوزن. وإن كان المراد: أن كلّ الأشياء كانت موزونة في أوّل التاريخ، فهذا مما لا نعرفه، ولو ثبت فإنه لا ينفع؛ لأن السوق قد تغيّر عما كان عليه. 

ـــــــــــــ[418]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 225، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة التقدير بغير ما يُتعارف التقدير به، وحاشية كتاب المكاسب (للمحقّق الأصفهاني) 3: 406، كتاب البيع، شرائط العوضين، الشرط الخامس، بيع المظروف مع ظرفه.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وإن كان المراد: أن الأوزان أدقّ من العدد فهو لا يعني أن الوزن رافع للغرر مادام السوق قائماً على العدد، والأضبطية ليس لها دخل في رفع الغرر، ومعه تكون المعاملة باطلة في المقام إذا أردنا أن نبيع المعدود وزناً اقتراحاً.

وأما إذا كان كِلاهما عددياً، فإذا أردنا أن نزنه ونبيعه يقع باطلاً، وكذلك لو جعلنا قسماً من المال بإزاء الظرف والباقي بإزاء المظروف، أو العكس.

وعلى أيّ حال فكلّ مورد تقع فيه جهالة المبيع أو الثمن لا بُدّ أن نقول بالبطلان، ما لم تثبت الصحّة بالدليل، والتمسّك بالشهرة مشكل، فإنه في (مفتاح الكرامة)(1) نقل الأقوال متأخّرة(2) عن المحقّق، ولم ينقل قبله قولاً، وكذلك استفادته من عبارة العلّامة حيث قال: (عندنا…)(3)، مع أنه يحتمل أنه أراد تشريف نفسه، على أن المسألة اجتهادية نظرية، ولها وجوه قابلة للمناقشة، ومعه يكون الاستناد إلى الشهرة المدّعاة في المقام مشكلاً.

قلنا: إن ن القاعدة الكلّية في المسألة هي قاعدة الغرر، وقاعدة لزوم العلم بالكيل والوزن بل العدد في المعدود، فأيّ مورد فرض إذا كان غررياً يكون 

ـــــــــــــ[419]ــــــــــ

() أُنظر: مفتاح الكرامة 13: 234، كتاب المتاجر، المقصد الثاني، الفصل الثالث، فرع: في جواز الإندار لظروف المبيع. 

(2) قال: (كما في الشرائع 2: 19، والدروس 3: 199، واللمعة: 108، والروضة 3: 284، والمسالك 3: 182، ومجمع الفائدة والبرهان 8: 191، وكفاية الأحكام 1: 461، ومفاتيح الشرائع 3: 53).

(3) أُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 90، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، المسألة 49.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

باطلاً، إلّا إذا صحّحناه برواية حنان، أو بالإجماع أو بالشهرة.

الشيخ(1) حين يدخل بعنوان مسألتنا، ويذكر الإشكال المنقول في (التذكرة)(2)، يدّعي القطع، بأنه لو جاز بيع المظروف في ثمن المجموع جاز بيع المجموع منضمّاً إلى الظرف، ثُمّ يعنون مسألة أخرى في ضمّ شيء إلى شيء ليس من قبيل الظرف والمظروف، ويقطع هناك بالمنع إذا كان هناك غرر شخصي، ويقول أما إذا بقينا نحن وأدلة الكيل والوزن فنقطع بالصحّة.

وظاهر الشيخ أن الصور التي يذكرها مقطوع بها، وأن القطع الذي يدّعيه شامل للصور الثلاث التي يذكرها. 

نحن نتكلّم معه:

أوّلاً: في أن ما هو محطّ الإشكال من المسألة لم يذكره أصلاً، وهو: بيع المعدود موزوناً، وكذلك الموزون لو اختلفت القيمة، والإشكال وإن كان قابلاً للدفع، إلّا أن المسألة لا تكون من القطعيات.

فيمكن دفع الإشكال: أنه متى ما تعارف وزن الظرف والمظروف كان الظرف وزنياً، والإشكال في مختلفي القيمة: أننا إذا علمنا بوزن المجموع كان كافياً.

ـــــــــــــ[420]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 333، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة: يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه … .

(2) أُنظر: تذكرة الفقهاء 10: 90، كتاب البيع، المقصد الأوّل، الفصل الرابع، الشرط الخامس، المسألة 49.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

وإنما الكلام في الصور الثلاث التي ذكرها، والتي ظاهرها الجواز:

إحداها: أن يوزن الظرف والمظروف ويباع جملة بكذا. 

الثانية: أن يوزنا ويقال: (كلّ رطل من المظروف بكذا، والباقي للظرف).

والثالثة: أن يقال للمجموع: (كلّ رطل بكذا).

نقول: إن الظرف إما أن يعدّ موزوناً فيما إذا كان فيه الدهن وتعارف بيعهما معاً، أو يعدّ في هذا الحال من المعدودات أيضاً، فإن كان من الموزونات فالصورة الأولى والثالثة قد بِيعَ ما هو الموزون بالوزن.

وأما الصورة الثانية فأنت تريد تصحيح تمام البيع لا جزءه، مع أن المفروض أن الظرف جعلته مستقلّاً فيما يرجع إلى الثمن، فيكون بيع الكلّ باطلاً، أما بالنسبة إلى الظرف فواضح؛ لأنه من الموزونات، وهو مجهول وزنه وثمنه، ولا طريق إلى تصحيح ذلك في الظرف أصلاً. 

وقوله: (إنه لا يفقد شرطاً ولا يحتوي على المانع) إن كان بلحاظ هذه الصورة، فنقول: إنه فاقد للشرط وهو العلم بالثمن، والمانع موجود وهو الغرر. وإن لم يرجع ذلك إلى خصوص هذه الصورة، بل يرجع إلى بعض الأقسام الثلاثة، فلا مشاحّة، إلّا أنه خلاف الظاهر من عبارته.

فهل يريد أن يقول: إنه لا يجب العلم بوزن الظرف ولا بقيمته، مع أنه ما الدليل على ذلك؟ مع أنه يقول إنه مستقلّ بالبيع!

وأما المظروف فباطل؛ لأن غاية ما يقال في الصحّة هو: أنه لا يفرّق هذه المسألة عن ما ورد في رواية حنان من أنه (بيع المظروف كلّ رطل بكذا)، غايته 

ـــــــــــــ[421]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

يبطل في الظرف، ورواية حنان لم تتعرّض لبيع الظرف، فلا يصحّ كلّ البيع كما هو المطلوب، على أنه فرق بين المورد ومورد رواية حنان، فإنه في المقام يمكن ثلاث صور، وهناك كلّ الصور المتصوّرة كانت من قبيل المجهولات. وأما في المقام فصورتان منه بيع صحيح غير غرري، وأنت تريد أن تسري الحكم من البيع غير الغرري إلى غيره.

فإن ما نصحّحه من بيع المجهول، هو ما تذكره رواية حنان، ولم يكن له طريق للتخلّص إلّا إفراغ الظرف، وهو ما لا يريده الشارع، فأجاز هذا القسم من بيع الغرر. وأما فيما إذا أردت أن أجعله غررياً باختياري في صورة ما إذا كان التخلّص منه ممكناً، فانتقل من الصورة الصحيحة إلى الصورة الثانية اختياراً طبقاً لأغراض المتبايعين، ومعه لا يمكن القول بالصحّة.

ولبيع الظرف والمظروف صور أخرى:

منها: ما إذا بعنا المجموع، وقلنا: (هذا المقدار من الثمن في مقابل الظرف وما بقي للمظروف)، وهو باطل.

ثُمّ يقول(1): لو ضممنا أمرين خارجيين، فهو لا يخلو من حالين: إما فيها غرر شخصي وخطر، وهو قبيح عند العقلاء. 

يقول: نحن قاطعون بالبطلان، مع أن قطعه في غير محلّه، فإن بيع الإنسان أمواله برخيص لا يكون غرراً، ما لم يكن سفهياً، والغرر ليس هو الخطر 

ـــــــــــــ[422]ــــــــــ

(1) أُنظر: كتاب المكاسب 4: 334، كتاب البيع، القول في شرائط العوضين، الشرط الخامس، مسألة: يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه … .

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

المعاملي، بل هو الجهالة، والمراد به الغرر الشخصي لا النوعي، فلو كان الوزن معروفاً للغير دون المتعاملين، كانت المعاملة باطلة، فنحن قاطعون بصحّة هذه المعاملة، ما لم يكن البيع سفهياً على إشكال فيه.

الصورة الأولى: أنه لا يوجد خطر شخصي، بل المسألة هو لزوم العلم بالكيل والوزن.

فهنا نتكلّم عن أن معنى الخطر المعاملي ما هو، حتى يقال هناك موجود وهنا غير موجود؟ ليس معنى ذلك أنه أمر خطر، بل معناه أنه خطر في المعاملة، وخدعة فيها.

فإن كان في المقام خطر، فهو خطر معاملي، لا الخطر الذي يقبّحه العقلاء، وإذا لم يكن خطراً كما هو كذلك، على أن الغرر ليس خطراً، بل المسألة هو لزوم الكيل والوزن، فأما إذا وزنا المجموع وبيع المجموع، كما لو وزن الذهب والفضة، وبيع المجموع بثمن واحد كان صحيحاً.

إلاّ أن بعض الصور السابقة تأتي هنا، وتكون باطلة، كما لو قلنا: (إن كذا من الثمن في مقابل الذهب والباقي للفضة)، وهي معاملة باطلة، ولا تشملها رواية حنان؛ لأنها خاصّة بالظرف والمظروف.

ثُمّ يذكر الشيخ فرعاً آخر(1) وهو: أن أحد الأمرين وزني، لكن لا مانع من جهالته، والآخر لا مانع من جهالته، كظرف الذهب الذي فيه الشمع، إذا وزن المجموع وأريد بيع الذهب قالوا بجوازه، وإن لم نفهم دليل ذلك ما لم تكن عليه 

ـــــــــــــ[423]ــــــــــ

(1) أُنظر: المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

سيرة مستقرّة. قال هنا: إذا أراد بيع الشمع أيضاً فإن كان الشمع تبعاً صحّ البيع، وإلّا بطل(1)

نقول: ما هو المراد بالتبعية هل مثل المفتاح للدار؟ فهو خلاف مفروض وقوع الشراء على الشمع، وإن أريد به التركيز على الظرف دون الشمع فهذا لا وجه لصحّته، فإنه كما أن البيع ينصبّ على الشمعدان كذلك ينصبّ على الشمع، والمفروض أنه غير واجد لشرائط الصحّة، وما الدليل على أن التبعية بهذا المعنى غير مضرّة بالبيع؟

ـــــــــــــ[424]ــــــــــ

(1) المصدر المتقدّم.

تقريرات، كتاب البيع، ج11 



[خاتمة حول تعلم الأحكام] 

 

والمسألة الأخرى التي يذكرها التفقّه في التجارة، هل هو واجب أو لا؟ ثم يتكلّم عن مطلق الأحكام.

هنا لنا عدّة كلمات: 

أحدها: أننا لو فرضنا أن التعلم من المقدّمات الوجودية لترك الحرام، فهل حَكَم العقل، لإثبات وجوب المقدّمة عقلاً، فإذا وجب شيء بحكم العقل، فهل تجب مقدّماته الوجودية؟

ثانياً: أننا لو فرضنا أنها ليست مقدّمة وجودية، فهل ملاك حكم العقل ملاك مقدّمي فقط، أو أن له ملاكاً آخر؟

ثالثاً: أنه لو كان لشيء وجوب شرطي، فهل مقدّماته لها وجوب عقلي أو لا؟ بعد العلم أنه ليس لها وجوب شرعي(1).

ـــــــــــــ[425]ــــــــــ

() لم يلقِ السيّد محاضرةً في هذا اليوم؛ بسبب مرور الحوزة العلميّة ببعض المشاكل في عمرها الجهادي الطويل. (المُقرِّر).

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 

الفهرس

 

[الشرط الرابع: القدرة على التسليم] 13

[الاستدلال بروايات النهي عن بيع الغرر] 17

[الاستدلال بالنبوي (لا تبع ما ليس عندك)] 23

[فقه الأحاديث الواردة في المقام] 27

[الاستدلال بأن التسليم من لوازم العقد] 30

[إشكال في المقام] 32

هل القدرة على التسليم شرط أو العجز مانع 35

[تحرير كلام الشيخ الأعظم في المقام] 41

[في عنوان العوضية] 44

هل القدرة حال العقد شرط أو حال الاستحقاق 50

[إشكال الشيخ في الفضولي على القول بالكشف] 54

[هل يشترط القدرة على التسليم في الصرف والسلم] 57

[فروع في المسألة] 61

[الفرع الأول: حول اعتبار القدرة المعلومة] 61

[الفرع الثاني: هل العبرة بقدرة الموكّل أو الوكيل؟] 63

ـــــــــــــ[427]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

الكلام في بيع العبد الآبق 64

[دلالة الروايات في المقام] 66

[فقه صحيحة النخّاس] 70

[فقه رواية سماعة] 72

[النسبة بين روايتي النخّاس وسماعة] 73

[هل المنفعة تقوم بدل العين؟] 75

[في بيع الدابة الضالة ونحوها] 76

[اشتراط القدرة على التسليم في سائر المعاملات] 79

[الشرط الخامس: العلم بمقدار الثمن والمثمن] 87

[المسألة الأولى: العلم بمقدار الثمن] 88

[الفرض الأول: إذا كان مقدار الثمن مجهولاً] 88

[الفرض الثاني: أن لا يذكر الثمن أصلاً] 92

[صحيحة النخّاس] 92

[المسألة الثانية: تعيين المثمن] 99

[دلالة الروايات في المقام] 99

[الكلام في صحيحة الحلبي] 99

[الكلام في الروايات الأخر] 104

[هل الحكم منوط بعنوان الغرر؟] 107

[الغرر الشخصي و الغرر النوعي] 110

ـــــــــــــ[428]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [في دفع الغرر والخروج عن المجازفة] 111

[هل الوزن أصل للكيل؟] 113

[هل يجوز بيع الموزون بالكيل وبالعكس؟] 115

[المدار في الدراهم والدنانير العدد أو الوزن؟] 119

[هل المناط في الكيل والوزن ما كان في عصر الشارع] 120

[التحقيق في المقام] 122

[في دلالة الروايات] 126

[دعوى الإجماع في المقام] 128

[مقتضى الأصل عند الشك] 130

[الاستصحاب الموضوعي في المقام] 134

[كلمات الأصحاب في الإجماع المدعى] 136

[مسألة: في كفاية إخبار البائع بمقدار المبيع] 139

[دلالة الروايات في المقام] 139

[هل الإخبار عن المقدار يوجب الخروج عن الغرر] 148

[المحتملات في روايات الباب] 151

[حكم مخالفة الإخبار للواقع] 156

[حول ثبوت الخيار وعدمه] 161

[مسألة: في كفاية المشاهدة لصحة المعاملة] 165

[هل تعارف السوق على المشاهدة رافع للغرر] 165

ـــــــــــــ[429]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [مسألة: في الوجوه المتصورة لبيع متساوي الأجزاء] 170

الصورة الأولى: أن يباع بنحو الكسر المشاع. 170

[الكلام حول ماهية الإشاعة] 171

[نقد وتحقيق] 175

[إشكال في المقام] 180

[الصورة الثانية: أن يباع بنحو الفرد المردد] 185

[تأويل النصوص الظاهرة بتعلق الحكم بالفرد المردد] 187

[الصورة الثالثة: أن يباع بنحو الكلي في المعين] 193

[فرق الكلي في المعين عن المشاع والفرد المردد] 193

[فرق الكلي في المعين عن الكلي في الذمة] 194

[إشكال في المقام] 199

[مسألة: لو باع صاعاً من صُبرة] 202

[حمل (الصاع من الصبرة) على الكلي في المعين] 205

[الثمرة بين القول بالإشاعة والقول بالكلي في المعين] 206

[الثمرة الأولى] 206

الثمرة الثانية: 208

[الثمرة الثالثة] 210

[الثمرة الرابعة] 216

[صور قبض المشتري] 216

ـــــــــــــ[430]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [الفرق بين الاستثناء والكلي في المعين] 220

[الصور المحتملة في الاستثناء] 221

[الفرق بين الاستثناء والإشاعة] 224

[توجيه فتاوى المشهور في المقام] 228

[تفسير الشيخ لكلمات المشهور والمناقشة فيه] 229

[كلام الميرزا النائيني في المقام] 231

[أنحاء بيع الصبرة] 234

[التحقيق في المقام] 235

[بيع الشيءالخارجي] 236

[البيع بنحو الكلي في المعين] 240

[إذا شككنا بمقدار المبيع] 240

[إذا باع الصبرة كل صاع بكذا مع جهالة المقدار] 249

[مسألة: إذا اشترى بالمشاهدة ثم تغيرت العين قبل القبض] 250

[في جريان الاستصحاب في المقام] 253

[اختلاف البائع والمشتري في تغيّر الأوصاف] 256

[هل العبرة بمصب الدعوى أو بنتيجتها؟] 259

[صور الأختلاف وأحكامها في المقام] 260

[حالات وجود الثمن] 264

ـــــــــــــ[431]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [الصورة الأولى: الثمن تحت يد المشتري] 264

[الصورة الثانية: الثمن في يد البائع بعد العقد] 266

[الصورة الثالثة: الثمن في يد البائع قبل العقد] 269

[مناقشة مع كلمات الأعلام] 270

[مطالب لها صلة بمحل البحث] 274

[تقرير الشيخ الأعظم في المقام ونقده] 276

[الأمر الأول: في أن الثمن خارجي أو كلي] 277

[الأمر الثاني: في أصالة عدم سبب الخيار] 278

[نقد كلام العلامة في المقام] 283

[بيان دعوى المحقق الكركي في المقام وردّها] 285

[تقرير آخر للشيخ الأعظم] 286

[تحقيق وتحصيل] 292

[التمسك بأصالة اللزوم] 296

[التمسك بالعمومات لإثبات اللزوم] 299

[النظر في التخصيص وموضوع الخيار] 303

[أصالة عدم التغيّر] 305

ـــــــــــــ[432]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [دعوى البائع التغيّر الموجب للخيار] 307

[حكم الإختلاف في تقدم التغيّر على العقد وتأخره] 309

[حكم الإختلاف في تقدم التلف على العقد وتأخره] 311

[في أصالة عدم تأثير العقد] 312

[مسألة: في لزوم اختبار الأوصاف التي تختلف القيمة بحسبها] 315

[في فقه النبوي (نهى النبي عن بيع الغرر)] 316

[روايات أُخر في المقام] 320

[حالات الشك في الصحة والعيب] 326

[في جريان أصالة السلامة] 329

[مسألة: في صحة بيع ما يفسده الاختبار] 333

[لو اعتمد على إخبار البائع ثم انكشف العيب] 335

[بيان دعوى الشهيد في المقام] 339

[التقريب] الأول 339

[التقريب الثاني] 341

[ثمرة النزاع في المسألة] 342

[الثمرة الأولى] 342

[الثمرة الثانية] 343

[اشتراط البراءة من العيب فيما لا قيمة لمكسوره] 346

ـــــــــــــ[433]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [مسألة: في صحة بيع المسك في فأرته] 348

[مسألة: بيع المجهول منضمّاً إلى المعلوم] 350

[حكم ما يكون مكيلاً أو موزوناً في حالٍ دون حال] 352

[روايات بيع اللبن في الضرع] 353

[روايات بيع الحمل مع ضميمة الصوف] 360

[إشكالان في المقام] 363

[روايات بيع السمك في الآجام] 365

[أنحاء بيع المجهول منضماً إلى المعلوم] 373

[بيان مراد العلامة في المقام] 374

[كلام صاحب الجواهر في المقام] 378

[مسألة: حول الإندار] 380

[أنحاء الإندار] 380

[دلالة الروايات في المقام] 381

[صحيحة الحلبي] 382

[التخصيص بالسيرة العقلائية] 384

[حول معقد الإجماع المدعى في المقام] 386

[فقه الروايات الواردة في الإندار] 388

[في تخصيص دليل الغرر] 393

[هل الإندار يختص بالتجارات الكبيرة] 395

ـــــــــــــ[434]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11 

 [دعوى أن صحة البيع لإخبار البائع لا للإندار] 396

[في كون الإندار قبل المعاملة أو بعدها] 399

[في اشتراط رضا المتعاقدين بالإندار المتأخر] 405

[عدم جواز الإندار حال العلم بالزيادة أو النقيصة] 408

[هل الإندار بنحو الموضوعية أو الطريقية؟] 409

[في مقتضى الأصل العملي في المقام] 411

[مسألة: بيع الظرف والمظروف معاً] 415

[خاتمة حول تعلم الأحكام] 425

الفهرس 427

ـــــــــــــ[435]ــــــــــ

تقريرات، كتاب البيع، ج11